######OpenITI# #META# URI: 1377SalamaMusa.FiHayatWaAdab.Hindawi30531809 #META# Tags: literature #META# ID: 30531809 #META# Title: في الحياة والأدب #META# AuthorID: 40515160 #META# Author: سلامة موسى #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # 1 - من هو العظيم‏ # 2 - روح التسامح‏ # 3 - كيف وماذا نقرأ‏ # 4 - الفتاة الحديثة‏ # 5 - كلكم راع‏ # 6 - الاعتدال‏ # 7 - مصلحتك هي مصلحة الجماعة‏ # 8 - الغاية من الحياة‏ # 9 - ميراث الأبناء‏ # 10 - الصغائر العظيمة‏ # 11 - المرأة أساس الحضارة‏ # 12 - وأنت أيضا رجل عظيم‏ # 13 - سوط الاحتقار‏ # 14 - سلطانك على نفسك‏ # 15 - الشيخ الشاب‏ # 16 - الاستقلال الروحي‏ # 17 - لا جديد تحت الشمس‏ # 18 - هذه الدنيا‏ # 19 - الطفيلية‏ # 20 - العلم والأدب‏ # 21 - أفخر الأثاث‏ # 22 - الروح الإنجليزية تتطور‏ # 23 - ماري‏ # 24 - أعجوبة الطفولة‏ # 25 - التفاؤل والتشاؤم‏ # 26 - هل اخترعت مصر الحضارة‏ # 27 - أغانينا‏ # 28 - عدو الظلم والاضطهاد‏ # 29 - الحق والقوة‏ # 30 - القرية المصرية‏ # 31 - قصيدة الحياة‏ # 32 - كيف نربي أنفسنا‏ # 33 - الهند العظيمة المسكينة‏ # 34 - مصر مركز الثقافة العربية‏ # 35 - هزيمة الأدب السخيف‏ # 36 - تربية الكبار‏ # 37 - تحديد النسل‏ # 38 - الإيمان يرقي الإنسان‏ # 39 - في الحب‏ # 40 - الحكم بالإعدام‏ # 41 - التغلب على المصاعب‏ # 42 - التسامح الديني‏ # 43 - الموتى لا يحكمون الأحياء‏ # 44 - العبيد الذين غلبوا نابليون‏ # 45 - خطة الدفاع‏ # 46 - في شرف الهزيمة‏ # 47 - المناقشات حول الأدب‏ # 48 - أسطورة قديمة جميلة‏ # 49 - أجمل الأشياء‏ # 50 - سعة الصدر وحاجتنا إليها‏ # 51 - البذرة‏ # 52 - ما هو التمدن‏ # 53 - في التقدم‏ # 54 - الاجتهاد‏ # 1 - من هو العظيم‏ # 2 - روح التسامح‏ # 3 - كيف وماذا نقرأ‏ # 4 - الفتاة الحديثة‏ # 5 - كلكم راع‏ # 6 - الاعتدال‏ # 7 - مصلحتك هي مصلحة الجماعة‏ # 8 - الغاية من الحياة‏ # 9 - ميراث الأبناء‏ # 10 - الصغائر العظيمة‏ # 11 - المرأة أساس الحضارة‏ # 12 - وأنت أيضا رجل عظيم‏ # 13 - سوط الاحتقار‏ # 14 - سلطانك على نفسك‏ # 15 - الشيخ الشاب‏ # 16 - الاستقلال الروحي‏ # 17 - لا جديد تحت الشمس‏ # 18 - هذه الدنيا‏ # 19 - الطفيلية‏ # 20 - العلم والأدب‏ # 21 - أفخر الأثاث‏ # 22 - الروح الإنجليزية تتطور‏ # 23 - ماري‏ # 24 - أعجوبة الطفولة‏ # 25 - التفاؤل والتشاؤم‏ # 26 - هل اخترعت مصر الحضارة‏ # 27 - أغانينا‏ # 28 - عدو الظلم والاضطهاد‏ # 29 - الحق والقوة‏ # 30 - القرية المصرية‏ # 31 - قصيدة الحياة‏ # 32 - كيف نربي أنفسنا‏ # 33 - الهند العظيمة المسكينة‏ ms001 # 34 - مصر مركز الثقافة العربية‏ # 35 - هزيمة الأدب السخيف‏ # 36 - تربية الكبار‏ # 37 - تحديد النسل‏ # 38 - الإيمان يرقي الإنسان‏ # 39 - في الحب‏ # 40 - الحكم بالإعدام‏ # 41 - التغلب على المصاعب‏ # 42 - التسامح الديني‏ # 43 - الموتى لا يحكمون الأحياء‏ # 44 - العبيد الذين غلبوا نابليون‏ # 45 - خطة الدفاع‏ # 46 - في شرف الهزيمة‏ # 47 - المناقشات حول الأدب‏ # 48 - أسطورة قديمة جميلة‏ # 49 - أجمل الأشياء‏ # 50 - سعة الصدر وحاجتنا إليها‏ # 51 - البذرة‏ # 52 - ما هو التمدن‏ # 53 - في التقدم‏ # 54 - الاجتهاد‏ # | في الحياة والأدب # | في الحياة والأدب # تأليف # سلامة موسى # | مقدمة # بقلم سلامة موسى # حوالي عام 1923 كنت أحرر الصفحة الافتتاحية لإحدى المجلات الأسبوعية، وبقيت على ذلك إلى ~~أواخر عام 1929، وكنت أتوخى فيها مخاطبة الشباب وأنبههم إلى حقائق الحضارة ومعاني ~~الثقافة. # وكان استعدادي لهذا الموقف، موقف الإرشاد للشباب، أني أقمت في أوروبا نحو خمس سنوات أتأمل ~~وأفكر في الأسباب والعوامل التي رفعت الأوربيين حتى حصلوا على الثراء والقوة والعلم في حين ~~تأخرنا نحن عن كل ذلك، فكنت أكتب هذه الفصول في شرح ما فهمت من الحضارة الأوربية، وفي 1930 ~~جمعت بعض هذه الفصول وأصدرتها كتابا بعنوان «في الحياة والأدب»، وفي هذا العام (1956) طلبت ~~إلى «دار النشر المصرية» أن تعيد طبع هذا الكتاب، فعدت إليه لكي أتصفحه وأحذف منه ما تغيرت ~~قيمته أو سقطت بمرور هذه السنين. # وحين أتأمل الكتاب أجد أن وحدة الهدف واضحة في جميع فصوله. إذ هي تنوير وتبصير بالحضارة ~~والثقافة ودعوة إلى التغيير والتطور. # وأول ما التفت إليه، حين كنت في أوروبا، أن هذه القارة إنما سادت سائر القارات بحضارة ~~الصناعة التي تغذوها ثقافة العلم، وأنه ليس هناك من فروق بين مصر وبريطانيا. أو مصر وفرنسا، ~~سوى هذا الفرق، وهو أننا نعيش على الزراعة في الأكثر بينما يعيش الإنجليز والفرنسيون على ~~الصناعة، فهم أثرياء ونحن فقراء، وهم يعرفون العلوم ونحن نجهلها، وهم أقوياء ونحن ضعفاء، ~~وإذا نحن أخذنا بالصناعة فإننا نصير مثلهم سواء في القوة والثراء والعلم. # وكانت «نظرية التطور» بجميع مركباتها ms002 المادية والاجتماعية قد لابست تفكيري منذ شبابي، ~~فوجدت فيها إلهاما ونورا، ودعوت إليها في حرارة، خاصة وأني وجدت بلادنا تستمسك بتقاليد ~~خانقة تعوق تقدمنا وارتقاءنا وتجرنا إلى الماضي بينما الأمم الناهضة تثب إلى ~~المستقبل. # والمستقبل حياة والماضي موت. # وكانت للمرأة مقام أمامي في كل تفكيري الارتقائي لبلادنا؛ ولذلك كتبت وألفت الكتب في ~~ضرورة مساواتها بالرجل، ليس في الحقوق فقط بل في الواجبات، حتى تختبر الدنيا وتعيش إنسانا ~~مجربا عارفا حكيما كالرجل سواء؛ ولذلك يجب أن تزامل الرجل في المدرسة والمصنع والمتجر ~~والمكتب. # ووجدت أن مكافحتنا للاستعمار الأجنبي لن تكون ناجحة كاملة إلا إذا كافحنا الرجعية المصرية ~~الخانقة؛ ولذلك لم أهمل الدعوة إلى الآراء المصرية في الأخلاق والعقائد. # ومنذ شبابي وأنا على يقين بأن الحضارة الأوربية ليست هي الكلمة الأخيرة في تاريخ ~~الحضارات، وإنما هي فترة انتقال من الانفرادية البغيضة إلى الاشتراكية السخية، ولم أنكر ~~يوما ما هذا المذهب الذي جلب علي كثيرا من المتاعب من دعاة الظلام من الرجعيين المصريين ~~والمستعمرين الإنجليز. # والقارئ لهذا الكتاب يجد آرائي مبسطة موجزة، فإذا شاء التعمق فليقرأ مؤلفاتي ~~الأخرى. # الفصل الأول # | من هو العظيم # حدث مرة أن جريدة «الماتن» استفتت قراءها عن أعظم رجل فرنسي خدم فرنسا؟ فجاءتها الخطابات ~~تترى من جميع الأنحاء وجميع كاتبيها غيورون على أن يكون عظيمهم عظيم الأمة بأجمعها، وكان من ~~المنتظر أن نابليون سيفوز بأكبر عدد من الأصوات، ولكن جاءت النتيجة عكس هذا المنتظر وظهر ~~على قمة العظماء شخص قد لا تكون قد سمعت به وهو باستور. # ومن باستور هذا الذي أربت أصواته على الأصوات التي نالها نابليون؟ # باستور رجل وضيع الأصل، اشتغل بالعلم فعرف الميكروب، وأوجد مصلا لمرض الكلب، وعالج كروم ~~فرنسا من وباء كان يفتك بها، واهتدى إلى طريقة لتطهير اللبن، وهذه الأشياء الوضيعة أدرك ~~الشعب الفرنسي أنها أكبر من المعارك العظيمة التي خاضها نابليون ورفع بها شأن فرنسا الحربي؛ ~~ولذلك حكم لباستور بالتفوق في العظمة. # فالشعب الفرنسي يقول بصريح القول: إن العظمة هي الفائدة التي تعود ms003 على الأمة من العظيم ~~الذي ينشأ بينها، وعظمة نابليون ليست طبلا أجوف رنانا لا فائدة فيه، فإن فرنسا كانت في ~~بداية تسلمه مقاليدها أكبر مما كانت عليه عندما انهزم، وأسره الإنجليز، ونفوه، بعد أن كبد ~~الفرنسيين نحو مليون قتيل، وأما باستور فإنه أنقذ ثروة الوطن ووقى الأطفال من الموت أو خفض ~~آلام المرضى وفتح للطب فتحا عظيما، وإذا كان الأطفال يستهويهم ذكر نابليون ويتغنون بمدحه ~~ويصلصلون بسيفه فإن الرجل الذكي لا يرى مندوحة من أن يحكم بالعظمة الحقيقية لباستور دون ~~نابليون. # وما أحرانا في مصر أن نراجع أنفسنا ونعيد النظر في تقدير عظمائنا، ومقدار الفائدة التي ~~عادت من كل منهم على بلادنا، ولكن كيف نقيس هذه الفائدة؟ # إن العظيم يجب أن يكون هو الرجل الذي كسب للأمة حقوقا لم تكن لها من قبل، وهو الرجل الذي ~~وجه العقول إلى وجهة وطنية مصرية بعد أن كانت قوميتها متلاشية في فوضى الأفكار التي ورثناها ~~عن المماليك، وهو الذي رفع التعليم، وهو الذي نظم للبلاد طرق الري والصرف ورفع مستوى ~~الصحة. # ولسنا نعين شخص هذا العظيم الآن وإنما يجب أن نقيسه بمقدار الفائدة التي عادت من وجوده ~~على البلاد، فإذا قيل لك إن هذا الرجل أو ذاك عظيم فاسأل ماذا فعل للبلاد وما هو الربح ~~الحقيقي الذي جنته منه؟ ولو سئلت أنا هذا السؤال لأجبت بأن العظيم في مصر هو الذي ينجي ~~الفلاحين من البلهارسيا والإنكلستوما، وهو الذي يعمم التعليم الحقيقي لا تعليم القرون ~~الوسطى، وهو الذي يخترع لنا طريقة لعمل الأسمدة الكيمياوية. # وأخيرا هو الذي يوجه الأمة نحو الحضارة الأوربية، وبعبارة أخرى نقول إن العظيم هو من ~~أشبه باستور بتواضعه ومثابرته على خدمة أمته في الشئون الصغيرة، وليس هو نابليون بجميع ما ~~فيه من طبل أجوف رنان، فبلادنا مثلا مفتقرة إلى الصناعة، نبيع قطننا كل عام بأبخس الأثمان، ~~ثم نعود فنشتري بعضه بأرفع الأثمان، فالعظيم حق العظمة هو ذلك الذي يستطيع أن يعلم الفلاح ~~كيفية غزل القطن ونسجه ويوجد في البلاد حركة ms004 صناعية تضمن لنا حياتنا الاقتصادية. # الفصل الثاني # | روح التسامح # ربما كان القارئ يجهل أن النظام البرلماني إنما يقوم على أساس التسامح وينجح بمقدار ما في ~~الأمة من روح التساهل في الآراء والمذاهب؛ لأن هذا يقضي بحكم الكثرة وخضوع القلة ريثما يدور ~~الزمن وتعود القلة إلى كثرة، فلو تشددت القلة في التمسك برأيها وأبت الخضوع لرأي الكثرة ~~لانهدم النظام البرلماني من أساسه وسادت الفوضى مكانه، ومن هنا تجد أن الأمم العريقة في هذا ~~النظام مثل إنجلترا يختلف أعضاء برلمانها جد الاختلاف في الرأي فلا تسمع من أحدهم كلمة ~~بذيئة في حق الآخر، وهذا على خلاف ما يحدث في الأمم التي جد فيها هذا النظام على أساس ~~استبداد قديم سابق حيث تبلغ الخصومة السياسية حد الضرب والقتل كما كان يحدث إلى عهد قريب ~~بين بعض الأمم التي تعيش في البلقان. # ولكن إذا كان التسامح ضروريا لنجاح النظام البرلماني فهو أكثر ضرورة لنجاح سائر مرافق ~~الأمة؛ إذ لا أدب ولا تجارة ولا تعليم إلا بالتسامح، فالأدب لا يرقى، بل لا يعيش، إلا إذا ~~أشرب القراء والكتاب روح التسامح، فإذا كان كل قارئ يقف مستعدا كي يضرب كل مؤلف لا يكتب ~~وفق ما هو يهوى، ويؤلب عليه الناس كي يقطعوا رزقه ويحرموه من العيش، لكسر كل كاتب قلمه ~~وأقفرت الأمة من مصابيح الهدى التي تهديها، ولو كان كل كاتب يقف من نفسه «شاهد ملك» ليدل ~~الحكومة على مآخذ كل كاتب آخر ويطلب إليها معاقبته لما بقي في الأمة رجل واحد يكتب، وكذلك ~~لو أننا تشددنا في التجارة وسألنا كل من يعاملنا عن دينه ورأيه لما تبادلنا التجارة مع أحد، ~~ولقد أصيبت أوروبا عند ختام الحرب العالمية الأولى بمثل هذه النزعة فرفضت الاتجار مع روسيا ~~لأنها شيوعية، ثم تغلب عقلها على عواطفها وعادت فتسامحت وتبادلت وإياها المتاجر، واعتبر ذلك ~~أيضا في التعليم، فهذه نظرية التطور مثلا تدرس في مدارسنا الآن فلو أن روح التعصب كانت ~~تشمل برامجنا التعليمية لحرم أبناؤنا من درس النظرية العظيمة التي ms005 أصبحت مفتاحا لجميع ~~العلوم والآداب والأديان. # فتقدم العالم يقتضي التسامح، وأساس التسامح هو معرفة المتسامح بجهله، كما أن أساس التعصب ~~هو غرور المتعصب بمعرفته، وليس في العالم حقيقة لا يمكن الشك فيها، أو لا يمكن النظر إليها ~~من وجهتين مختلفتين، حتى إن أينشتاين يشك الآن في البديهيات ويكاد يقول إن مجموع اثنين ~~واثنين ليس على الدوام أربعة. # فإذا كان الشك يبلغ هذا الحد في البديهات فكيف بالبحث في التاريخ أو الاجتماع أو السياسة ~~حين يكون الرأي الجديد مخالفا للمصلحة الشخصية لبعض الطوائف أو مناقضا للعادة المألوفة ~~المحبوبة أو مصادما لملاذ الكسل التي يأبى المتنعم بها أن ينشط لدرس الجديد؟ # فهل لنا أن نطلب إلى الشيخوخة المسنة أن تتمهل وتتسامح مع نشاط الشباب، وأن تعرف أن الأمة ~~تحتاج على الدوام إلى النظر إلى الأمام وإلى المستقبل كما تحتاج أحيانا إلى النظر إلى ~~الخلف وإلى الماضي؟ # لن يضير الأمة أن يؤلف أحد شبابها كتابا يخالف رأي شيوخها لأن هذا الكتاب ستتناوله ~~العقول بالنقد والتمحيص، فيزول غثه ويبقى ثمينه على مدى الزمن، فلنقتل الكتاب بحثا وفحصا، ~~ولكن يجب أن نترك المؤلف فلا نطلب أن نقطع رزقه؛ لأن هذا الطلب الأخير هو من الخطط التي ~~اندثرت بزوال القرون الوسطى حين كانت «محكمة التفتيش» تصادر من تتهمه بالزندقة في أملاكه ~~وتصفيها. # إننا لا نزال جهلة بحقائق هذا العالم، وجهلنا هذا يمنعنا من البت والحزم؛ ولهذا يجب أن ~~نتسامح فيما يقوله غيرنا؛ لأننا لسنا من الثقة بآرائنا بحيث نستطيع أن نقطع بسخافة آراء ~~الغير أو ضررها، ويجب أن نتذكر أن لكل جديد صدمة تشبه ما تلاقيه النفس لأول ما تسمع لحنا ~~جديدا، فقلما نستطيب اللحن الجديد لأول سماعنا إياه ولكن الاستطابة تعقب المعاودة، وكذلك ~~الآراء الجديدة تصد عنها النفس كما تصد عن الزي الجديد ثم تستحسنه بالمعاودة والألفة، ~~والتقدم والرقي كلاهما مستحيل ما لم نقبل الجديد ونتسامح فيه. # الفصل الثالث # | كيف وماذا نقرأ # الناس رجلان: أحدهما يحتال للانتفاع من وقته، كأنه يجعل من الساعة ساعين، والآخر ms006 يحتال ~~لإضاعة وقته بحيث يحيل الساعة إلى نصفها أو إلى العدم، وهناك وسائل عديدة عند هذا الفريق ~~الأخير لقتل الوقت وتضييع الفرص وتقصير العمر، حتى لتشعر من إتقانهم معرفة هذه الطرق أنهم ~~يندمون على أنهم قد ولدوا إلى هذا العالم، ويمكنك أن تحيل النظرات في القهوات وتدرس بعض ~~الألعاب حتى تتأكد أنها كلها تمارس هربا من الحياة وسآمة من الدنيا وندما على ~~الوجود. # لسنا بسبيل الكلام مع هؤلاء وإنما نريد أن نتحدث إلى الفريق الأول الذي يحتال للانتفاع من ~~وقته، والذي لا يندم على وجوده في هذا العالم، فمن ضروب الانتفاع بالوقت واكتساب القوة ~~بإثارة الذهن نجد القراءة في المكان الأول، وقد كانت القراءة من وسائل الرقي في الأزمنة ~~الماضية ولكنها كانت من الوسائل الثمينة التي لا ينالها إلا المبالغون في الجد وأبناء ~~الأثرياء. أما الآن فهي ميسرة للجميع لا يتكلف طالبها سوى أقل المال أو لا يتكلف شيئا ~~مطلقا. # وسيأتي زمن ما يعيش فيه الإنسان ليقرأ ولا يكاد يجد عملا في العالم يكده ويملأ فراغه. بل ~~يمنح كل وقته تقريبا لمثل القراءة والدرس. # ولكن كيف يجب أن تكون القراءة؟ هل يجب أن نسير فيها ونسلك سبيلها على النحو الذي يسلكه ~~لاعب النرد أو الشطرنج، تزجية للوقت وفرارا من الحياة، فنقرأ القصص تلو القصص وعشرات ~~المقالات «السياسية» يرادف معناها في الواحدة معاني الأخرى؟ # كلا، إنما يجب أن نقرأ لننتفع، فالمعرفة قوة والجهل عجز، فلنقرأ إذن كي نعرف ونزداد علما ~~بالأشياء، كي نزداد بذلك إدراكا للحياة وإحساسا بها، وليس في مقدرة كل منا أن يختبر جميع ~~شئون هذه الدنيا اختبارا مباشرا، إنما في مقدورنا جميعا أن نكتسب علما بها عن سبيل ~~الآخرين الذين اختبروها وأثبتوا اختبارهم بأقلامهم لمنفعتنا. # ومعنى هذا أنه يجب أن يكون لكل منا مكتبة في منزله، وأن يعد الكتب من ضروب الأثاث الضروري ~~للمنزل، بل هي أكثر ضرورة من بعض الأثاث الذي ترتكم به بعض المنازل في غير منفعة سوى الفخر ~~الكاذب والأبهة السخيفة، فالكتب هي أثاث الذهن ms007 ينقلب فيها ويرتاح إليها ويستفيد منها ~~ويستنير بمعارفها. # فيجب إذن أن تعمل عقولنا في انتقاء الكتب والمجلات والصحف، فلا نقتني إلا ما ينفعنا ولا ~~نقرأ إلا ما هو ضروري لنا، مما يرفعنا فوق مستوانا وينير أذهاننا ويزيدنا قوة، وخير أنواع ~~التربية حين يربي الإنسان نفسه، فيقيس كفاياته وقدر ما يحتاج إليه من التثقيف؛ لأنه عندئذ ~~يحسن التقدير ويسير مع هواه في انتقاء المواد، والهوى من أعظم الوسائل في تسهيل الصعب ~~وتمهيد الوعر، ومن الناس من لا يسعده الحظ بتربية مدرسية وافية ولكنه يجد من وقته الوسيلة ~~لتربية نفسه بالكتب والمجلات إذا هو ثابر على القراءة وأحسن الاختيار في اقتناء الكتب، ~~وليست المدرسة إلا البداية للتربية الحقيقية فهي تغرس في النفس (أو يجب أن تفعل ذلك) تلك ~~النزعة التي تجعل كلا منا طول حياته طالبا للعلم ساعيا وراء الثقافة. # ولن يكون ذلك إلا بالكتب وتقليبها والنظر فيها واعتياد التنقيب والبحث. هذا إلى نزعة ~~موفقة تحملنا على الجد والمنفعة لا التسلية وإضاعة الوقت، ولسنا نقول إن قراءة الصحف ~~السياسية تخلو من الفائدة، وإنما نقول إن الإدمان عليها مع تكرار معانيها تضييع للوقت ~~والمال معا، فلنقرأ من التاريخ والشعر وسائر فروع الأدب والعلم ما ننتفع به وتزكو به ~~عقولنا ويعظم به إحساسنا للحياة، فقارئ التاريخ يضيف إلى عمره أعمار الأجيال الماضية وقارئ ~~كتب السياحات يضيف إلى وطنه أوطانا أخرى، والتعمق في العلوم يزيد الإنسان بصيرة. # الفصل الرابع # | الفتاة الحديثة # عندنا في مصر طبقة من الكتاب إذا أعورتهم مادة الكتابة عمدوا إلى موضوع المرأة فنعوا ~~عليها تبرجها وفسادها وانحطاطها، وقد ألف القراء منهم هذه النغمة فلم يعد يبالي بها واحد ~~منهم، وقلما يقرأ أحد هذه المقالات الكثيرة التي تملأ الصحف بها أعمدتها عن المرأة لأن ~~موضوعها ومضمونها قد عرفا وسئما معا. # ومضمون هذه المقالات أن المرأة الحديثة أكثر تبرجا وأحط أخلاقا من والدتها أو جدتها، ~~وليس ينكر أحد أن في مصر، وخاصة في القاهرة، نساء متبرجات يسرن في ضوء النهار قبل الظهر ~~وبعده بلباس ms008 السهرات مكشوفات أعلى الصدر وأعلى الظهر، ومنهن أيضا من يضعن المساحيق على ~~وجوههن ويصنعن الوشي المختلف والمضحك معا لملابسهن، وكثيرا ما يكون الجهل داعية ظهورهن ~~بهذه المظاهر، فهن لا يتعمدن هذا المظهر وإنما يجهلن المظهر اللائق، ومقابلة المرأة القديمة ~~بالمرأة الحديثة موضوع دائم الطلاوة يغري الكتاب بالكتابة حتى في أوروبا، فهناك ينعون على ~~الفتاة الحديثة ترخصها في عادات كانت جدتها لا تجرؤ على اعتيادها، مثل التدخين والمجاهرة ~~بالرأي وتقصير الثياب وتضييقها وقص الشعر ونحو ذلك. # ولكن للفتاة الحديثة من يدافع عنها ويقطع ألسنة السوء التي تعبث بشهرتها، فقد رد أحدهم ~~على ما تتهم به، وقابلها بالجدات القديمات، فوجد أن الفتاة الحديثة على الرغم من انطلاقها ~~في الحرية أكثر شعورا بالمسئولية من جدتها، وأكثر استعدادا لمواجهة الشدائد، وأكثر ~~اعتمادا على نفسها، وأعرف بوسائل العيش الشريف منها، فقد كانت آداب الجدات محصورة في الصمت ~~وتكلف الأدب أمام الرجال والاقتصار على أعمال البيت، وكانت تلبس من الثياب الضافية ما يكفي ~~الواحد منها لأن يفصل منه ثلاثة أو أربعة مما تلبسه الفتاة الحديثة، ومن يقف في لندن عند ~~فوهات أو محطات الأنبوبة (أي القطار الذي يجري تحت الأرض) ويرى آلاف الفتيات اللواتي يكدحن ~~للمعاش وهن مقصوصات الشعر مقتضبات الملابس؛ لا يسعه إلا احترامهن وإكبار نفوسهن، ولو كانت ~~جداتهن في مكانهن لقنعن بالقعود في البيت والرضا بالدون من العيش، ولكن هؤلاء الفتيات أطمع ~~في مسرات الحياة وأشجع على مشقاتها وأنزع إلى الرجولة منهن، وأذكى عقلا وأخف يدا وقدما ~~من أن يرضين بلزوم البيت مع الفقر والمسكنة في حين يمكنهن الاكتساب بالعمل والجد. # هذا في لندن، والحال ليست كذلك في القاهرة، ولكنها ليست من الخطر بالمقدار الذي يوهمنا به ~~زعماء القديم من كل شيء، فقد سلمنا بأن في القاهرة طبقة من الفتيات تتبرج عن جهل لا عن قصد، ~~والذي يدعونا إلى هذا الظن أن تبرجهن خلو من الذوق، ولو كان عندنا رأي عام مهذب يدري ~~بالأذواق والأزياء لكانت لفتة واحدة من الرجال يزدرون بها هذه الأزياء ms009 تكفي لأن تمنع ~~الفتيات من التبرج منعا باتا، ولكننا نقول إن الفتاة الحديثة في مصر لا تزال مع ذلك أصح ~~نظرا للحياة من والدتها أو جدتها؛ فهي تمشي الآن وحدها في الأسواق معتدلة القوام مرتفعة ~~الرأس، في حين كانت جدتها تمشي متعثرة مع الخدم، وهي تقرأ بينما كانت أمها جاهلة، وهي لا ~~تبالي بالسمن في حين أمها كانت ترهق أمعاءها بأكل المسمنات، وهي ترى العالم بعينيها ولا تضع ~~على وجهها سوى نقاب خفيف بينما كانت أمها تخفي عينيها عن العالم، فإذا قيل بعد ذلك إنها ~~تداعب الفتيان في الطريق فإنه يجب على القارئ أن يذكر أن المداعبة تحتاج إلى اثنين فإذا ~~لمنا الفتاة وجب أن نلوم الفتى، وهو باللوم أحق لأنه هو البادئ. # والناس يحبون مقابلة الحاضر بالماضي فيصغرون الأول ويكبرون الثاني، فتراهم يصفون القدماء ~~بأنهم كانوا أحفظ للذمم منا، وكانوا أعف في الحرمات منا، وكانوا وكانوا، وكل هذا كذب لا أصل ~~له؛ فإن جدودنا مثلا رضوا بحكم المماليك فكانوا أجبن منا، ورضوا بمظالم كثير من حكامهم حتى ~~أشرفت البلاد على الخراب، وقد زار أندلسي قبل نحو 700 سنة بلادنا فذكر أن الفحش والزنا في ~~القاهرة لا حد لهما، وأن قذارة مدننا لا تطاق، فالقول بأن المرأة القديمة تفضل المرأة ~~الحديثة لغو لا يقول به إلا الجاهل. # الفصل الخامس # | كلكم راع # كنت أقرأ هذا الأسبوع قصة من تلك القصص السرية للكاتب الإنجليز ولز، وكل قصة من قصص ولز ~~تبحث في موضوع قائم برأسه أكثر ما يكون اجتماعيا أو نفسيا، وأقل الأشياء حظا في قصصه، ~~على خلاف ما نرى في القصص الأخرى، هو العشق. # وموضوع هذه القصة رجل يحترف حرفة وضيعة تصد عنها نفسه وطبيعته ولكن عيشه يربطه بها ويقهره ~~على لزومها فيلزمها صاغرا، وأخيرا تطمو به نفسه إلى الخلاص منها بطريقة مختصرة غاية في ~~الاختصار وهو أنه يحسب نفسه ملكا ويجن ويرسل للمارستان. # ومثل هذا الجنون يعرفه المشتغلون بعلم النفس، وقد أخذ المؤلف يحلل نفس هذا المسكين ويعلل ~~جنونه علة ms010 بعد علة مما لا نرى المجال يتسع لإيراده، وإنما نختصر القول بأن نقول إن في نفس ~~كل إنسان نزعة إلى العلا والخير وإنه مهما كانت حرفته وضيعة ففي قرارة نفسه بذرة الملوكية ~~التي تأبى الضعة والهوان. # وبعضنا تنزع به ملوكيته إلى الجري وراء المناصب العليا من نيابة أو وزارة أو غيرهما، وبعض ~~آخر تسمو به نفسه إلى البر فيؤلف الجمعيات الخيرية أو ما شاكلها، وثم بعض آخر أيضا يعمد ~~إلى هذا العالم فيبسط عليه سلطان عقله ويدرسه ويتعمق في معرفة أسراره، والمعرفة ضرب من ~~التسلط، وبعض آخر يعمد إلى التجارة فيستولي بها على مملكة صغيرة من محتويات هذا العالم يطمح ~~بذلك إلى نوع من الملوكية، وقد يكون مخدوعا. # فكل هذه حالات تدل على نزوع كل إنسان إلى السمو وحب التسلط والحصول على ضرب من الحكم ~~والرغبة في أن نطبع العالم بطابعنا، وهذا ما قصد إليه المؤلف الإنجليزي، وقد بالغ في قوة ~~هذا النزوع حتى نسب الجنون إلى رجل قهرت فيه هذه العاطفة بلزومه حرفة وضيعة لا يرى فيها ~~مجالا للظهور في العالم والعمل لرقيه وطبعه حتى ثارت عليه نفسه واقتضته دينها كله بأن ~~أوهمته أنه ملك. # وفي العربية قول مأثور وهو: «كلكم راع وكل راع مسئول عن رعيته» وهو معنى ما قاله ولز حين ~~قال: «كلكم ملك وكل ملك مسئول عن مملكته.» # ولكن كيف نمارس هذه الملوكية، ونأخذ على عاتقنا قسما من مسئولية الحكم؟ # نمارسها برقابة الحكام ومعونتهم على العدل والبر وكفهم عن الظلم والعسف، ونمارسها أيضا ~~بأن نتولى نحن شيئا من الحكم بمعونة الناس على الصلاح والمعيشة الحسنة وامتلاك ناصية ~~الطبيعة بالاكتشافات العلمية؛ لأن الاكتشاف نوع من التسلط، وإذاعة المعارف بين الناس نوع من ~~الحكم. # أجل يجب أن يراقب كل منا حكومة البلاد التي يعيش فيها، ويجب أن نستعد لأن نسأل نواب ~~البلاد، كما يسأل الملك وزراءه في نهاية العام ما هو الإصلاح الذي تم على يدكم للبلاد؟ فإذا ~~لم يكن ثم إصلاح قد تم فإن العالم قد ذهب ms011 سدى وضاعت فرصة ثمينة لتقدم الأمة ونجاحها. # وكذلك يجب أن نغضب عند ما نرى موظفا يهين أحد الناس، أو يؤدي عمله بالارتشاء، أو يستعمل ~~سلطته في الأذى والضرر، ويجب ألا يقف غضبنا عند حد السخط السلبي، بل ينبغي أن نعبر عن سخطنا ~~تعبيرا إيجابيا ونعمل عملا يقتضي تأديب هذا الموظف حتى يعتبر به غيره. # وثم مملكة أخرى، بل ملكوت آخر، يجب أن نمارس فيه سلطاننا، وهذه المملكة أو هذا الملكوت هو ~~هذا العالم، من حيث حدوده الجغرافية والتاريخية أو من حيث حدود الزمان والمكان، فيجب أن ~~ندرسه ونعرفه لأنه لا يليق بملك أن يعيش جاهلا ولا براع أن يحكم بين الناس وهو يجهلهم ~~ويجهل تاريخهم. ~~«كلكم راع وكل راع مسئول عن رعيته»،أجل، ولكن كيف ترعى رعيتك إذا لم تنصب نفسك لدرس شئون ~~هذه الرعية وتفهم موارد كسبها وأبواب نفقاتها وظلم الظالمين فيها وعدل العادلين بها؟ فشرط ~~هذه الرعاية، بل الشرط اللازم لأن تكون ملكا، هو أن تدرس، ثم تراقب حكومتك وأمتك، وأن تعمل ~~للخير في وطنك، وأن تبذل مالك ونفسك بهمة ملوكية عندما تقتضي الظروف ذلك منك، كما يبذل ~~الملك الشجاع نفسه في الدفاع عن أمته. # الفصل السادس # | الاعتدال # كان أحد المتهكمين يقول إن الاعتدال دليل الضعف، وقد يكون كذلك في بعض الحالات، فمن الناس ~~من يتورع عن الخمر أو يعتدل في تناولها لما يرى من أثرها السيئ في صحته، ومنهم من يعتدل في ~~الطعام لأن معدته ضعيفة وإن كانت نفسه نهمة. # ولكن هناك اعتدالا يجب أن نصطنعه للقوة لا للضعف، فيجب مثلا أن نعتدل في الرياضة ~~البدنية حتى نجد وقتا للرياضة الذهنية، ويجب أن نعتدل في درس العلوم حتى نتمكن من درس ~~الآداب، ويجب أن نتوسط ولا نغلو في جمع المال كي نتمتع بالأصدقاء والكتب وهناء العائلة ~~والنزه. # فالحياة الكاملة أو التي تنشد الكمال يحتاج صاحبها إلى الاعتدال والتوسط؛ لأن هذه الحياة ~~لا تبلغ القوة والسلطان على الوسط الذي تعيش فيه حتى يأخذ صاحبها بطرف من جميع مهام هذا ms012 ~~العالم، فحياة الأديب الذي يدمن النظر في الأدب قد تنتهي به إلى أن يصير دودة من ديدان ~~الكتب يؤثر الجملة المزخرفة والعبارة المبهرجة على متع الحياة الحقيقية، والكتاب مهما قيل ~~في مدحه هو نسخة مترجمة عن الحياة وليس هو الحياة بالذات، وحياة العالم الذي يكتب عن العلم ~~ولا ينظر في الأدب هي أيضا حياة ناقصة تدعو إلى قصر النظر وضيق الذهن، وإنما الحياة المثلى ~~هي حياة الاعتدال بين شهوة العلم وشهوة الأدب، وكذلك يمكن القول عن رجل الأعمال المكب على ~~جمع المال، المنغمس في شهوة الحصول على أعراض العالم، يكد طول يومه وبعض ليله في اقتناء ~~الدور والمصانع والأراضي كأنه أحد الفعلة الذين يعملون عنده. بل قد يكون الفاعل أكثر تمليا ~~للحياة وتمتعا بمسراتها منه. # وقل مثل ذلك في سائر الناس، فالواجب أن نعتدل ونقنع من الحصول على بعض أشياء كي نجد من ~~الوقت والقدرة ما نتمكن بهما من التمتع بأشياء أخرى؛ لأن الحياة أوسع وأعظم من أن يسعها ~~الإكباب على عمل واحد وإدمان النظر والاجتهاد فيه. # ولقد كان المسيح يتكلم عن «الحياة الوفيرة» المليئة بالتجارب والمتع، وكان يتخيل هذه ~~الحياة كمثل أعلى إزاء ما كان يرى من حياة ضنية يعيشها الناس، وكم من الناس الآن يعيش حياة ~~ضنينة لا يعرف من الدنيا سوى عمله الذي يربح منه قوته، يكب عليه بكل قوته ويتعامى عن كل ما ~~حوله كأنه لم يخلق إلا ليأكل. # لقد كان «جيته» الألماني - ولا يزال - مضرب المثل في التمتع بالحياة. كان أديبا وكان ~~عالما، وكان سائحا وكان موظفا كبيرا، بلا السياسة وحنكته الدسائس، وعرف الحب شابا ~~وكهلا، وكان يعرف للطعام الحسن قيمته، ويشرب أجود الخمور في الليل وأجود أنواع الشاي في ~~النهار، فعاش بذلك حياة وفيرة لم يضن فيها على نفسه بشيء من متعها. # ولسنا جميعنا في كفاية جيته، وقد لا نستطيع أن نتمتع بما تمتع به، بل قد تكون بعض متعه ~~آلاما لبعض الناس، وإنما قصدنا أن نقول إنه ينبغي لنا الاعتدال في العمل الذي ms013 نزاوله كي ~~تتاح لنا الفرصة للتمتع بالحياة، فإن تعدد وجوهها يقتضي أن نلم بها كي نعرفها دون مبالغة أو ~~إدمان في أحدها. # فالاعتدال فضيلة يدعونا إلى ممارستها الإحساس بالقوة لا الإحساس بالضعف، فيجب على المعتدل ~~ألا يخشى تهكم المتهكمين، وكم في الحياة من متع نجهلها ونحرم أنفسنا منها وهي على مدى ~~الذراع في متناول كل إنسان لو أراد، فنحن نعيش مثلا في مصر التي هي أصل حضارة العالم أجمع ~~بشهادة العلماء، ومع ذلك نجهل آثارها التي تكشف لنا عن تاريخ العقل الإنساني وضلالاته، ونحن ~~نعيش في عصر حافل بالمخترعات والمكتشفات، وأي شيء أمتع للنفس من أن ندرس هذه الأشياء ~~ونجربها. أجل، ندرس آلة الطيارة ونركبها فنغذي الذهن والإحساس معا. أليس من العار أن نموت ~~قبل أن نركب الطيارات ونقضي حياتنا مكبين على عملنا كأننا مسخرون له؟ # الفصل السابع # | مصلحتك هي مصلحة الجماعة # إنك تعمل ضد نفسك إذا عملت لنفسك فقط؛ لأن مصالحك متعلقة بمصالح الجماعة التي تعيش بينها ~~بل بمصالح العالم كله، وهذه حقيقة عرفتها بعض الدول التي كانت تحارب ألمانيا، فإنها ظنت أن ~~بالقضاء عليها تنفرد هي وحدها بسلطتها في العالم، ولكن خراب ألمانيا عاد بالخراب على ~~أعدائها أيضا لأن أمم العالم متضامنة لا تقدر إحداها أن تبيع شيئا ما لم تقدر الأخرى أن ~~تشتريه، فالنية السيئة التي انطوى عليها بعض الدول لألمانيا عادت عليها هي نفسها بالضرر ~~نفسه الذي عاد على ألمانيا، بل ربما بأكثر منه. # وقد بدأ الإنجليز يدركون مغزى آخر لهذه النظرية في أحوالهم الداخلية فقد رأوا من الرواج ~~في الولايات المتحدة ما تعجبوا له ولم يفهموا سره إزاء الكساد الذي يرونه في بلادهم، ~~وأخيرا عرفوا أن زيادة أجور العمال في أميركا تزيد قدرتهم على الثراء فتروج الأعمال ويعم ~~الرخاء أخذا وعطاء. أما في إنجلترا فإن كل محاولة لإنقاص الأجور تنشر الكساد بين الناس؛ ~~لأن العمال وهم كثرة الأمة لا يستطيعون الشراء، فأصحاب المصانع الذين يريدون رواج مصنوعاتهم ~~لا يمكنهم أن يحققوا ذلك ما داموا يعملون ms014 في الوقت نفسه على إنقاص أجور عمالهم، فمصلحة ~~الممول هي نفسها مصلحة الأجير ولا يمكن الممول أن يطلب السعادة لنفسه إذا كان يطلب الشقاء ~~لأجيره لأنهما متضامنان. # وأنت أيضا أيها القارئ لا يمكنك أن تخدم مصالحك ما لم تخدم مصالح الأمة التي تعيش فيها، ~~ولا يمكنك أن تسعد إذا كانت الجماعة التي تعيش حولك شقية؛ لأن شقاءها يعود عليك بالذات فأنت ~~كي تعيش عيشة صحية وكي يسلم أطفالك من الأمراض يجب أن تنشر الصحة والعافية بين الجماعة التي ~~تعيش بينها، وتنتفي الأمراض من بينها لأنه لن يكون أولادك في أمن من المرض ما دام أولاد ~~جارك مرضى، فعنايتك بأولادك تقتضي العناية بأولاد جارك حتى لا تنتقل عدواهم إليك. # ولن تستطيع أن تشرب ماء نظيفا خاليا من جراثيم المرض حتى تحتم وجوب نظافته لجميع سكان ~~البلدة التي تعيش فيها، ولن يكون ولدك آمنا في الطريق من لص يسرقه أو ترام يدهمه أو غبار ~~يملأ عينيه أو منظر يفسد أخلاقه ما لم تسع لجميع الأولاد كي يكون طريقهم آمنا ~~أيضا. # فأنت بوسطك لن ترتفع أكثر مما يرتفع معك، ولن ينزل هو حتى يجرك وراءه، فمصالحنا الذاتية ~~تقتضي أن ننظر إلى مصالح الآخرين لأن خيرهم خيرنا وشرهم شرنا. # كنت من مدة أقرأ أحد كتب التاريخ لمسكويه، وهو يروي فيه تاريخ بغداد والخلافة وقت التدهور ~~والزوال حين كانت اللصوصية سلم الأمارة والحكم، وقد روى تاريخ أحد الأمراء وكيف أدى سوء ~~سياسته إلى خراب بلاده فقال إن هذا الأمير كان إذا جبى الضرائب الفادحة وعجز الأهالي عن ~~الدفع ارتهن أملاكهم بما ينكسر عليهم من الضرائب، فإذا غلق الرهن ولم يدفعوا اشترى منهم هذه ~~الأملاك بأبخس الأثمان بالرهن أو بقليل زيادة عليه، وانتهت هذه الخطة العجيبة بأن أصبحت ~~مملوكات الأهالي كلها ملك هذا الأمير السافل، ولكن ماذا حصل لديه بعد ذلك؟ بعد أن أصبح صاحب ~~البلاد ملكا وملكا قل دخل الحكومة ونقص عما كان وقت أن كانت المملوكات ملكا للأهالي، ~~وأخذت العقارات تتدهور نحو الخراب فلا ms015 يتحرك الأهالي لترميمها؛ لأنهم لا يملكونها، وفشا ~~الكساد وعم الفقر جميع الناس. # الفصل الثامن # | الغاية من الحياة # ذكر الأديب المعروف «كابيك» أنه عرف أحد أثرياء أميركا يقضي وقته في السفر على القطار أو ~~الباخرة وهو يملي على كاتبه خطابات خاصة بأعماله، وإذا قعد في الأتومبيل عقد مجلسا ~~للمفاوضة في شأن خاص بعمله أيضا، وإذا أكل أو تنزه أو تناول الشاي لم ينس الكلام عن ~~أعماله. # ويخشى كابيك أن تتأمرك أوروبا فتكبر من شأن النجاح المالي وتجعل الغاية من الحياة إحراز ~~الثروة فقط. # وكلنا يجب أن يخشى ما خشيه كابيك؛ لأننا معرضون على الدوام لفتنة المال تسارقنا شهوته ~~فتعمى أعيننا عن القصد من الحياة، وتستغرق جهودنا كلها فترانا قد بلغنا الشيخوخة ونحن ~~نتساءل: هل عشنا حياتنا وتمتعنا بها على هذه الأرض أم قضينا عليها عمرنا فقط وقطعنا السنين ~~الطويلة في جمع المال؟ # ولسنا بذلك نقلل من شأن المال، فإن العالم لم يعرف وقتا بلغ فيه المال من القوة والقيمة ~~مثلما بلغ في وقتنا هذا: فليس من الممكن أن نعيش معيشة صحية أو أن نربي أولادنا أو أن نثقف ~~أنفسنا أو أن نضمن الهناء لوقت الشيخوخة ما لم نستند في ذلك كله إلى جدار قوي من الذهب، ~~فالمال قوة لا يحتقرها إلا رجل أبله. # وإنما عبرة كلامنا أن المال ليس كل شيء فيجب ألا يستغرق كل نشاطنا، وفي المال خاصة وهي ~~أننا إذا بلغنا حدا معينا لم نستطع أن نزيد مقدار تمتعنا به، فمن المعقول أن الغني الذي ~~يبلغ دخله ألف جنيه يمكنه أن يتمتع بالحياة أكثر كثيرا من ذلك الذي لا يحصل إلا على دخل ~~مقداره مائة أو مائتا جنيه ولكن صاحب الألفين لا يتمتع أكثر من صاحب الألف، وذلك لأن متع ~~الإنسان نفسها محدودة فلسنا نستطيع أن نأكل كثيرا أو نحب كثيرا لأن أموالنا كثيرة، وليس ~~يسرنا أن ننام على سرير من الذهب أو أن نرى عشرين خادما في البيت. # إنما نحن زائرون لهذه الدنيا نقضي في فندقها نحو سبعين ms016 سنة، فيجب أن نتمتع بما فيها مدة ~~إقامتنا، ولسنا ننكر أن نظام الفندق يحتم علينا تحصيل المال، فيجب لذلك أن نحصله ونقضي به ~~ثمن متعتنا، ولكن يجب ألا نجعله غاية حياتنا. # فالمال وسيلة وليس غاية، فيجب أن يكون لكل منا غاية في حياته غير جمع المال، وأشرف ~~الغايات أن يرقي الإنسان نفسه ويعمل لرقي من حوله، وهو إذا جعل هذا العمل غايته من الدنيا ~~وجد حياته حافلة بالمتع العظيمة التي تشغل ذهنه وتملأ وقته وتشيعه إلى القبر مسرورا بما ~~أدى في هذا العالم، وإذا فكر الإنسان في الرقي فإنه يفكر بالطبع في عدة أشياء أخرى: في ~~التعليم والصحة والدين والأدب والحضارة والبر والاكتشاف. # والاشتغال بهذه الأشياء أمتع للنفس من الاشتغال بجمع المال، وبرهان ذلك ظاهر، وهو أننا ~~نرى أناسا يضحون براحتهم وأنفسهم ويموتون في سبيل الدين أو الاكتشاف العلمي أو اختراع آلة، ~~يفعلون ذلك كله ويقاسون وقد أخذتهم لذة الرقي فلا يبالون بما يقاسون، ولم نسمع قط أن رجلا ~~ضحى بنفسه في سبيل جمع المال. # إنما اللذة العليا والتمتع الحقيقي أن نرى أنفسنا كل يوم نرتقي ونجاري التطور في غاياته ~~السامية فنتطور نحن أيضا، ففي نفس كل منا شهوة عنيفة للتطور هي أصل الثورات الاجتماعية ~~والاكتشافات والاختراعات وكل ما يرفع الإنسان. # الفصل التاسع # | ميراث الأبناء # منذ مدة نقلنا عن أحد أغنياء الإنجليز أنه حرم أولاده من الميراث وقال في وصيته: إنه ليس ~~من تقاليد عائلته أن يثري واحد فيها من غير جده وسعيه، وهو قد أدى واجبه ورباهم وعليهم بعد ~~ذلك أن يسعوا. # وهذا شذوذ وغلو في تعليم الأبناء والاعتماد على النفس، ولكن التربية المتقنة والعوائد ~~الحسنة التي يكسبها الأبناء من الآباء ميراث كبير قد يفوق أحيانا جميع المزايا التي يمتاز ~~بها من يكون ميراثهم الأموال الجزيلة، وهل يمكن إنسانا أن ينكر قيمة التربية المدرسية ~~مثلا وما تستتبعه من مزايا لا يحصل عليها المحرومون منها؟ أو هل ينكر أحد قيمة العوائد ~~الحسنة التي يكتسبها الشباب من والديه كالمواظبة والنظافة والقناعة ms017 في الطعام والشراب ~~وكراهة المسكرات أو التدخين أو بذاءة اللسان. # إن القدوة هي أكبر عامل في التربية، وليس أحسن من أن يرى الابن القدوة الحسنة في أبويه، ~~فإن سن الطفولة والصبا والشباب هو سن الانطباع والتكييف والتخلق فإذا وجد الابن في أبويه ~~مثلا صالحا نشأ هو أيضا صالحا يكره بطبعه المفاسد ويصد عن المغاوي. # ولكن هناك ما هو أهم من التربية وهو الاستعداد للتربية؛ لأن الأبناء لا يستوون في ~~الكفايات الطبيعية وإن استووا في جميع ظروف التربية. # فأكبر ميراث يرثه الابن من الأبوين هو هذه الكفاية الطبيعية التي يستعد بها لقبول التربية ~~واكتساب التجارب، وبعبارة أخرى نقول إن أكبر ميراث يرثه الابن هو صحة الجسم وسلامة ~~العقل. # وأنت أيها القارئ لا بد أنك عرفت في حياتك كثيرين من الوارثين ورثوا المال عن أبويهم ثم ~~أضاعوه في سنوات قليلة، ولا بد أنك تساءلت عن العلة في هذا السفه في الأبناء مع الحرص ~~الشديد في الآباء، وقد يكون هناك أكثر من علة واحدة ولكن العلة الكبرى هي أن الأبن لم يرث ~~من أبويه كفاية طبيعية تضمن له سلامة المال الذي ورثه أو استثماره والزيادة عليه. # ويرجع ذلك كله إلى عدم العناية بانتقاء الزوجة، فإن كثيرين في بلادنا الشرقية لا يعرفون ~~من الفتيات قبل الخطبة إلا القليل، وذلك لقلة الاختلاط والمعاشرة، فإذا تم الزواج وجد الزوج ~~أن شريكته في الحياة ناقصة العلم بطيئة الإدراك على حدود الغفلة أو قد تعدو الغفلة أحيانا ~~إلى البله، وقد يكون الزوج في غاية الذكاء والحصافة ولكن الآباء ليسوا أبناء آبائهم فقط، ~~فإن نصف ذكائهم يرجع إلى أمهاتهم، فإذا كانت الأم مغفلة أو بلهاء فأولادها يمتون بعرق إليها ~~ولا تنفعهم مزايا الأب أمام نقائص الأم. # وهذا علة ما نراه من خيبة بعض الوارثين في الحياة وإضاعتهم أموال آبائهم، فإنهم ورثوا ~~المال والعقار ولكنهم فقدوا أهم ما كان يجب أن يرثوه من كفاية طبيعية وحصافة أصلية في ~~النفس. # والآن نقول إنه إذا كانت أهم غاية اجتماعية للزواج هي النسل ms018 وجب أن يعنى كل من الزوجين ~~بانتقاء الآخر من حيث سلامة الجسم والعقل أكثر من العناية بالمال أو الجمال أو غير ذلك من ~~الاعتبارات، ولا يكون ذلك إلا إذا عاشر الخطيب خطيبته عدة أشهر قبل الزواج، وعرف مقدار ~~ذكائها واتجاه حديثها ونزعاتها التي تنطق بها حتى فلتات لسانها. # لقد قيل إن تربية الأولاد تبتدئ قبل ولادتهم، وذلك بالعناية بالأم حتى يولد الولد صحيحا ~~مستكملا مدة حمله، ولكننا يجب أن نزيد على ذلك ونقول إنه يجب العناية بانتقاء الزوجة أيضا ~~حتى تكون سليمة الجسم ذكية العقل، كي يرث ابنها هاتين الصفتين الثمينتين. # الفصل العاشر # | الصغائر العظيمة # قلما نتأمل في أخلاق بعض الناجحين في الحياة، الفائزين بغنائم الدنيان إلا ونجد أنهم ~~يعنون بأشياء تعد صغيرة تافهة ولكنها بتراكمها وتجمعها تعد كبيرة عظيمة. # فقد ننظر مثلا إلى رجل غني قد جمع ثروة طائلة يحسده عليها زملاؤه ومنافسوه فنتساءل عن ~~علة غناه، فيقال لنا: إنه الحرص والبخل، وتبحث أنت فيما هو هذا الحرص وهذا البخل فلا تجدهما ~~سوى العناية المفرطة بالصغائر أي بالمليم والقرش، ونحن نحسد البخلاء الحريصين لسبب واضح وهو ~~أننا نعجز عن العناية بالصغائر مثلهم ولا نطيق هذا المثل الإنجليزي اللعين الذي يقول: ابحث ~~عن القرش تأتك الجنيهات. # وقد ننظر مثلا إلى رجل سياسي قد نجح وصارت له كلمة الزعامة فنتبين أسرار هذا النجاح في ~~أخلاقه فلا نجدها إلا في العناية بصغائر الأمور التي لا يأبه لها معظم الناس، فتراه يعني ~~بلفظة جميلة يختزنها لخطبة شائقة يهيئها لاقتناص خصم. أو تراه يتعرف وجوه الناس وأخلاقهم ~~وسيرهم بما لا تبالي به أنت. أو تراه يدخل في تفاصيل تظن أنها لا تهم أحدا سوى صغار ~~الكتاب. # ومما اشتهر به أكثر العظماء ميلهم لبحث التفاصيل الصغيرة ودخولهم في أشياء يسهل على ~~الكاتب الصغير القيام بها، فقد كان نابليون مثلا لا يغادر صغيرة في الجيش إلا ويعرفها، ~~فبينما كان مثلا يعد الجيش للغارة بعد ساعة أو ساعتين كان يكتب الخطابات بشأن الجوارب ~~للجنود، وكذلك كان حال ms019 سائر عظماء الرجال. # وهناك من الصغائر ما تكون له أكبر النتائج، فقد يقتل الجراح مريضه إذا لم يعن بصغائر ~~العملية، وقد يشيد أحد المهندسين جسرا عظيما سرعان ما ينهدم لأنه أهمل النظر في شيء كان ~~يبدو في غاية التفاهة، ولا بد أنك سمعت عن النار تشب من مستصغر الشرر، ولكنك لو أردت لسمعت ~~عن ناس مرضوا أو ماتوا لأنهم دعوا إلى وليمة وكان الطباخ قد أهمل الآنية وطبخ وبها مقدار ~~صغير من زنجارة النحاس، ولو أردت أيضا لسمعت عن خراب عائلات يرجع إلى عوائد صغيرة اعتادها ~~رب البيت أو ربة البيت ما كان يظن أحدهما أنها كبيرة الأثر إلى هذا الحد. # وقيمة الصغائر العظيمة تبدو في الأعمال الفنية أكثر مما تبدو في غيرها، فالنجار الدقي ~~إنما يتفوق ويمتاز بمقدار ما فيه من العناية بالدقائق التي إذا ما تجمعت صارت جلائل، ~~والمصور الذي يتقن عمله يمتاز عن غيره أحيانا كثيرة بعنايته بالصغائر التي لا يعنى بها ~~غيره. # وقل مثل ذلك في سائر الأشياء والأعمال التي يقرن النجاح فيها إلى العناية بالصغائر، ~~فالأجانب مثلا يحتكرون إدارة الفنادق والقهوات في مصر ويربحون منها أرباحا جزيلة ما كان ~~أحرانا نحن بأن نربحها لولا أننا لا نعني بالصغائر مثلهم، فإن النظافة التي يتسمون بها ليست ~~في الواقع سوى عناية زائدة بصغائر لو نظرنا إلى كل واحدة منها على حدة لما وجدنا فيها كبير ~~طائل، ولكنها إذا تجمعت وتراكمت صار لها قوة تجذبنا وتحببنا في الفندق أو القهوة أو ~~المطعم. # والسيجارة الأولى التي يدخلها الشاب ليؤكد بها بلوغه طور الرجولة تبدو صغيرة غاية في ~~التفاهة، ولكنها إذا صارت عادة تملكت صاحبها في سن الشيخوخة حتى لو حسب بعد ذلك ما أنفقه في ~~التدخين لبلغ آلاف الجنيهات، والكأس الأولى التي يشربها الشاب مجاراة لإخوانه وإثباتا ~~لرجولته وتمدينه قد تكون سببا بعد ذلك لخراب عائلته إذا تملكته عادة الإدمان، وكلتا ~~العادتين تبدو صغيرة في أول نشوئها ولكنها عظيمة الأثر في النهاية، والإنسان حزمة عادات ~~والعادة عمل نتهاون فنكرره ms020 فيتملكنا. # فاحرص إذن أيها القارئ على أن تكون عاداتك حسنة، واعلم أن ما من شيء تعمله وتظنه صغيرا ~~إلا وله أثر في نفسك وفي مقدار نجاحك في العالم، فعود نفسك إذن على العناية بالصغائر سواء ~~في الوقت أو المال أو العمل. # الفصل الحادي عشر # | المرأة أساس الحضارة # روت الصحف الإنجليزية هذا الشهر حادثين غريبين لكل منهما مغزى يجب أن يفقهه القارئ المصري ~~ويطبعه في ذهنه طبعا لا ينمحي، فالحادث الأول أن فتاة أميركية عبرت بحر المانش سباحة، وهذا ~~البحر أو المضيق يبلغ عرضه 36 كيلو مترا وكان أبو الفتاة في زورق يشجع الفتاة على العبور، ~~ونجحت الفتاة وانتصرت على الأمواج، وأخذت الصحف تنشر صورها معجبة بقوتها وجرأتها ~~وثباتها. # هذا حادث، وذكرت أيضا حادثا آخر خلاصته أنه يموت في كلكتا - المدينة الشهيرة بالهند - ~~نحو 10000 شخص بالتدرن كل عام، وأن نسبة الوفيات بين الجنسين هي ست من النساء إلى واحد من ~~الرجال، وبعبارة أخرى تقول هذه الصحف إنه يموت بالتدرن في تلك المدينة العظيمة في كل عام ~~نحو 8500 امرأة و1500 رجل، وعزت الصحف هذه الزيادة العظيمة في وفيات النساء إلى العادة ~~المتبعة في الهند من حجاب المرأة ومنعها من الحركة والسعي واضطرارها إلى الانزواء في عقر ~~دارها بعيدة عن ضوء الشمس، حيث تعيش في خمول ودعة لا تتحرك عضلاتها ولا ينشط دمها، ومثل هذه ~~الحال داعية إلى تفشي مكروب التدرن في جسمها. # ومغزى هذين الحادثين هو مما يحزن له كل من يرغب في خير الشرقيين؛ لأن معناه أن الغرب يقول ~~برياضة المرأة وأن الشرق يقول بخمولها، وأن نظرية الغرب هي نظرية الحياة والصحة والعافية ~~والقوة وأن نظرية الشرق هي نظرية الموت بالتدرن والضعف والمرض. # وعبرة ذلك كله لي ولك أيها القارئ أن تعرف أن المرأة هي أساس الحضارة الآن، وأن الفرق بين ~~إنجلترا السائدة والهند المسودة هو فرق بين المرأة الإنجليزية التي تمارس الرياضة وتقوى ~~وبين المرأة الهندية التي تنزوي وتتحجب وتضعف، ولهذا الفرق صدى في جميع أحوال الأمة، في ms021 خلق ~~الرجال وتعليم الأطفال، وفي نظام البيت ودستور الأمة وفي كل شيء آخر حتى في الآداب والفنون، ~~ولم لا يكون كذلك؟ أليست المرأة هي الأم، وهي التي تربي أطفالها، فإذا كانت تكبر من شأن ~~الصحة والقوة جعلتهم يكبرون من شأنهما أيضا؟ أو ليست هي ربة البيت بها ينتظم وبها تنضبط ~~أحواله من مال واقتصاد؟ فإذا كان البيت مهد الحضارة؛ لأنه المدرسة الأولى التي يتربى فيها ~~المرء وهو أيضا المملكة الصغيرة التي يتعلم فيها الصبي ضبط النفس وأدب المعاشرة وعادات ~~النظافة والمواظبة والمثابرة، فإن المرأة التي هي محور هذا البيت هي أساس هذه الحضارة، وإذا ~~اختل الأساس كما هو في ذلك المثال الذي ذكرناه عن الهند اختل البناء، وإذا صح شادت الأمة ~~بناءها شامخا مشمخرا كما هو في بريطانيا أو أمريكا. # يؤيد رأينا الأبحاث الحديثة في النفسلوجية التي تثبت أن أعمق الآثار في نفوسنا هي تلك ~~التي نتلقاها في طفولتنا وصبانا بالمنزل. # وبمعنى آخر هي تلك الآثار التي تنطبع في أذهاننا بالقدوة والحديث من أمهاتنا، وليس شيء ~~نتعلمه في المدارس أو نتلقاه من العالم بعد خروجنا من المدارس له من الأثر ما للأم في ~~النفس، وليس وسط يؤثر فينا إن شرا وإن خيرا ما يؤثره المنزل في طباعنا وعاداتنا، وما ~~المنزل سوى المرأة. # فالأمم النشيطة الجريئة العاملة الدائبة في العمل ترجع صفاتها الحسنة هذه إلى ما عندها من ~~أمهات لهن هذه الصفات، والأمم الخاملة الناكصة المريضة ترجع صفاتها السيئة هذه إلى أمهاتها ~~أيضا. # وبعد فأيتهما أفضل وأحق بالحياة؟ أتلك الفتاة التي تسبح 36 كيلو مترا بين الأمواج ~~المتلاطمة أم تلك التي تنزوي تتحجب وتخمل حتى تمرض بالسل؟ # الفصل الثاني عشر # | وأنت أيضا رجل عظيم # كثيرا ما نقرأ عن جريمة فظيعة يرتكبها شاب في والده وهو في سورة غضب، فنشمئز ونتأفف من ~~هذه الطبيعة البشرية التي تتسرع إلى الشر، وكثيرا ما نسمع عن جناية فظيعة تقع بأحد الناس ~~من مجرم باغ يرمي إلى غاية سافلة، فنعجب من هذه الطبيعة التي تنزل بالإنسان ms022 إلى أحط دركاته، ~~وقد نشعر بعواطفنا تتفزز للشر أو للشهوة الأثيمة، أو تنزع بنا نحو الشراهة للطعام الكثير أو ~~الشراب الكثير أو تميل بنا إلى إيثار الخمول على العمل أو نحو ذلك، فنعود إلى هذه الطبيعة ~~البشرية ونقول إنها تحتاج إلى التأديب، وأن الإنسان مفطور على الشر وأن سوء الظن من حسن ~~الفطن. # ولكن يجب أن نذكر جميعا أن هذا التأديب الذي نطلبه لقمع الشر وكبح الغضب إنما نطلبه لما ~~في هذه الطبيعة البشرية المنغرسة في نفوسنا من الخير، فكما أن نفوسنا قد طبعت على شيء من ~~الشر والغضب والدناءة فهي قد طبعت أيضا على شيء كبير من الأنفة والبر والخير، فإلى جانب ~~المشنقة والسجن، وما فيهما من روح الانتقام والغيظ والحقد على المجرم، قد اخترع الإنسان ~~أيضا المدرسة والمستشفى لما في نفسه من روح البر والخير. # وهنا أذكر قصة قرأتها في سيرة الأمير كروبتكين الفوضوي الروسي الشهير، ولا أذكرها إلا ~~ويرتفع الإنسان في نظري، فأكبر له وأرفع من مقام هذه الطبيعة البشرية المجرمة البارة، فقد ~~حكي أن أحد الفوضويين ألقى قنبلة أمام المركبة الملوكية في بطرسبرج فانفجرت، وأجفلت الخيل ~~وجمحت، وبينما هو يريد الفرار إذا به يرى طفلا لقيطا قد تركته أمه في زاوية من الشارع، ~~فنسي الفوضوي جريمته ونسي المشنقة التي تنتظره وثابت إليه نفسه البارة فنظر إلى الطفل وتذكر ~~خيل المركبة وهي جامحة شاردة فخشى على الطفل منها وانحنى عليه في تؤدة وحمله وعدا ~~به. # فالخير والشر متلازمان في الطبيعة البشرية، ولكن الخير أغلب، وليس الرياء أو النفاق إلا ~~إقرارا بذلك؛ لأن المنافق يمارس الرذيلة ويتقنع بالفضيلة إذ هو يعرف أن العالم يرغب في ~~الفضيلة، وليس من الحق أن نسلب الطبيعة البشرية فضائلها ولا نذكر سوى رذائلها، فإنك لا تجد ~~بالوردة أشواكا فقط بل تشم عطرا ذكيا أيضا، والفراشة الزاهية التي تعلو العين بهجتها ~~كانت يوما ما دودة قذرة. # والإنسان مجموعة من الصفات الحسنة والسيئة، ولكن الحسن يغلب فيه السيء، وإنما تحتاج ~~الصفات إلى تنشئة وتربية، وكما ms023 أن كل إنسان تقريبا قد فكر في جريمة ما - إن لم يكن قد ~~ارتكبها - فكل إنسان أيضا قد فكر في البر والخير ومارسهما، وفي نفس كل منا جذوة من ذلك ~~الوحي السامي الذي ينبت في صدور الأنبياء والعلماء والمصلحين والأبرار والخيرين في كل أمة، ~~ولكن هذه الجذوة تحتاج إلى الترويح وإلا بقيت هامدة. # فأنت أيها القارئ رجل بار أيضا لأنك تنتمي إلى تلك الإنسانية التي نبت منها العظماء في ~~الدين والعلم والأدب والسياسة. بل أنت تمت إلى هؤلاء الرجال بعرق، ولو عدت إلى عشرين أو ~~ثلاثين جيلا لوجدت أنك أنت وأبطاله تنتميان إلى جد واحد، وإنما يجب عليك أن تربي هذه ~~الكفايات الحسنة في نفسك حتى تلتهب تلك الجذوة المقدسة في قلبك، فأنت عظيم ولا تدري أنك ~~عظيم، وأنت رجل بار ولا تدري أنك بار، وأنت تحب الخير للعالم ولكنك تجهل ذلك. # الفصل الثالث عشر # | سوط الاحتقار # يعمل الاحتقار في الناس أكثر مما يعمله الخوف، ومعنى هذا بكلام آخر أن الناس يحسبون للرأي ~~العام ويستحيون من الناس أكثر مما يخافون من القوانين، بل نحن خاف القوانين لا لأننا نتألم ~~من السجن بل لأننا نخشى احتقار الناس لنا إذا عرفوا أننا قد سجنا. # فإصلاح الأمة يرجع في الأكثر إلى قوة الرأي العام أكثر مما يرجع إلى القوانين؛ لأن للرأي ~~العام سوطا شديد الوقع غائر الأثر، نستطيع به أن نؤدب الناس ونعلمهم ونوجه نشاطهم إلى ~~وجهات نافعة. # ولكن إذا اختل الرأي العام وساءت أحكامه صارت القوانين كلها في حكم العدم أو ما يقارب ~~ذلك، فشرائع بلادنا مثلا تعاقب المتجرين بالحشيش، ولكن الحشيش سيبقى والحشاشون سينعمون ~~بهذا السم ما شاءوا لأن الرأي العام لا يحتقرهم، فلو أن حشاشا وجد رجلا يبصق في وجهه مرة، ~~أو يطلب إليه ألا يعرفه، أو منعه من دخول منزله، لما تجاسر في القطر المصري كله حشاش واحد ~~على اقتناء هذا السم الذي يزود مارستاناتنا بنصف مرضاها. # ولو أن ضابط الشرطة الذي يعتدي على الناخبين يرى من الناس عين ms024 الاحتقار والاشمئزاز من هذه ~~السفالة لما استطاع مهما كانت المكافأة المالية التي ينتظرها أن يرتكب هذا الجرم؛ لأنه إنما ~~يقصد من الترقي في المناصب ومن الحصول على المال تلك الوجاهة التي يتوخاها بين أهل بلاده، ~~فإذا وجد منهم مقاطعة واشمئزازا واحتقارا لما تجرأ على ضرب ناخب. # وقل مثل ذلك في الجرائم التي ترتكب في الريف وتنفي الأمن منه، فإن المرتكبين الحقيقيين هم ~~سكان الريف أنفسهم؛ لأنهم لا يحتقرون هؤلاء المجرمين، بل يروون حكايات سطوهم وانتهابهم ~~بالإعجاب، كأنهم أبطال، حتى إن المجرم ليسجن وهو مرفوع الرأس كأنه بطل. # وقد كانت الرشوة إلى عهد قريب يتسامح فيها الجمهور ولا يعدها جريمة، فكانت لذلك كثيرة ~~الشيوع لأن مرتكبها كان يعتقد أنه لن يفقد كرامته أمام بني وطنه إذا تلبس وثبتت عليه، وهو ~~إلى حد ما لا يزال كذلك، وفي هذا فساد كبير للإدارة، ولن تصلح هذه الإدارة حتى يسلط الجمهور ~~سوط احتقاره على جميع من ينهبون الحكومة بأية صورة. # ولقد كتبت الصحف كثيرا عن ضرورة إقبال الشباب على الأعمال الحرة، ولكننا نعتقد أن أكبر ~~ما يمنع إقبال الشباب عليها هو احتقار الجمهور لها، فلو أن الشاب وجد أن كرامته، إذا كان ~~صاحب قهوة أو حانة أو مطعم، محفوظة مصونة في عين الجمهور كما تصان إذا توظف في الحكومة لما ~~أحجم عن مثل هذه الأعمال الحرة، ولكن أكبر ما يجعله يحجم عنها هو احتقار الرأي العام لها، ~~فإننا ما زلنا نجري على طبائع الاستبداد القديمة في إكبار كل ما يتصل بالحكومة واحتقار ما ~~عداها، وقد نزل إلينا هذا الاعتقاد من السلف الذي كان يرى في الحكومة سلطانا أي سلطان ~~للاستبداد بالأفراد والنهب والتسخير، وسنعيش مدة طويلة وشبابنا عالة على الحكومة حتى يتربى ~~الجمهور ويعرف للعمل الحر قيمته، ويحترم القهوجي الشريف كما لا يحترم المأمور السافل الذي ~~يضرب الناخبين لكي يترقى، ويكرم صانع الأحذية كما يكرم المحامي الذي يشكو الآن من قلة ~~الأعمال ويطلب منع دخول محامين جدد في مهنته. # إن للجمهور سوطا قويا هو ms025 سوط الاحتقار الذي يستطيع أن يسلطه على الخامل والسكير ~~والمجرم والزاني والمرتشي والمتزلف فيصلح بذلك أخلاق الأمة بما لا تستطيع الشرائع المكتوبة ~~أن تصلحها؛ لأن حياء الناس أكبر من خوفهم، فهم إذا رأوا عين الاحتقار انزووا أو تصاغروا ~~وساروا على النهج القويم. # الفصل الرابع عشر # | سلطانك على نفسك # من الأقوال التي تستوقف العقل وتلزمه التفكير قول الدكتور كارنو: «إن جروح الجنود الظافرة ~~تبرأ بأسرع مما تبرأ جروح الجنود المهزومة.» # ولم يقل الدكتور كارنو هذه العبارة إثباتا لنظرية بل تحقيقا لاختبار اختبره بنفسه، ~~وجدير بنا أن نقف نحن نتأمل مغزى قوله في ضوء الأبحاث النفسية الحديثة. # فإن الجندي الظافر يجد في قلبه من البهجة والسرور وفي نفسه وجسمه من النشاط ما يجعل جروحه ~~سريعة البرء. بينما الجندي المهزوم يجد في الخيبة والفشل ما يكسر نفسه ويملأها غما ونكدا ~~فتنحط بذلك قواه المعنوية وتؤثر في أعصابه. ثم تعود أعصابه فتؤثر في جسمه فيتأخر لذلك ~~شفاؤه. # وكلنا في ميدان الحياة جنود، فمنا من ينظر إلى الدنيا متفائلا من خلال زجاج وردي فتبدو ~~له في زهوة وبهجة يبتسم لها فتبسم له، يعمل أعماله وهو واثق بالظفر يتوهمه خيالا في نفسه ~~فيتحقق في الوقاع، ومنا من يتشاءم، ينظر إلى الدنيا من خلال زجاجة سوداء، يتوقع الهزيمة في ~~كل مكان، ويخشى الفشل في كل وقت، وما أسرع ما يفشل في الواقع. # فنجاحنا في هذا العالم يتوقف على خيالنا، فإذا تخيلنا أنفسنا ظافرين فنحن لا شك ناجحون في ~~كل ما نتناوله من عمل؛ لأن عقلنا يتسلط على جسمنا وأعصابنا ويوجه جهودنا في سبل النجاح، ~~وإذا تخيلنا الفشل وتوقعناه فهو لا بد واقع. # ولعل مما يوضح قولنا أن نفرض فرضا بسيطا: فلو أن أحدا طلب منا أن نمشي على لوح مستطيل ~~من الخشب قد بسط على الأرض لمشينا مشيا سريعا لا نتعثر ولا نتردد، ولكنه لو بسط لنا هذا ~~اللوح نفسه فوق فراغ بين بنائين شامخين لما استطاع أحد منا أن يخطو فوقه خطوة. # وعلة ذلك ظاهرة فإن ms026 اللوح لم يتغير ولكن نفوسنا هي التي تغيرت وبدلت من الطمأنينة والثقة ~~جبنا ورعبا بما تسلط عليها من خيال السقوط والتردي، ونحن كذلك في جميع أعمالنا، إذا تسلطت ~~علينا خواطر الفشل ارتبكت أعصابنا واختل عقلنا فنسير في العالم ونتوقع السقوط في كل وقت، ~~والأرجح في هذه الحالة أن ما نتوقعه يقع. # وعبرة ذلك كله أن نسلط على عقولنا خيالا حسنا، فنتفاءل في أوقات الشدة والمحنة، ونرجو ~~في مكان اليأس والخيبة، ونقابل العالم بالبشر والثقة، فعندئذ لا نجد منه سوى النجاح يتلو ~~النجاح. # ولما قال نابليون إنه يجب أن تمحى لفظة «مستحيل» من المعاجم، كان في الواقع يعبر عما في ~~نفسه من تلك الثقة العظيمة التي كانت تحمله فوق جبال الألب هو وجيشه، وكانت تخيل له أن فتح ~~الهند ليس أشق عليه مما كان على الإسكندر، ولو أن مخترعي الطيارات تذكروا المصاعب التي ~~ستلاقيهم ولم يخيلوا لأنفسهم النجاح على الرغم من آلاف العراقيل التي كانت تستقبلهم لما تم ~~لأحد منهم اختراع، ولما كان الهواء يطن الآن بأزيز الطيارات التي كادت تجعل الإنسان صنفا ~~من الملائكة يصعد إلى السماء ويركب السحاب. # وأنت أيها القارئ لست دون أحد من هؤلاء الناجين ولكنك لن تعدو ما تطمع إليه من أنواع ~~الرفعة التي تتخيلها لنفسك، وهذه الرفعة هي طوع خيالك. # تخيل في نفسك الصحة والعافية تنلهما ثم تعود أصح الناس. # تخيل في نفسك الثروة والجاه واعمل لهما تنلهما وتبلغ منهما ما أردت. # تخيل في نفسك النجاح فيما تمارسه من عمل تجد نفسك يقودها خيالك نحو النجاح من حيث تدري ~~ومن حيث لا تدري. # الفصل الخامس عشر # | الشيخ الشاب # يعيش في أيامنا هذه شيخ شاب يبلغ الثمانين في عدد السنين، ولكنه في الجراءة والنشاط وفي ~~حرارة القلب وهمة النفس. شاب جدير بأن يكون طرازا للشباب. # هذا الشيخ الشاب هو كليمنصو وزير فرنسا ومن رجالات الدول العظام، فإنه بعد أن عقد إكليل ~~الغار على رأس وطنه، وأتم الصلح مع ألمانيا، ونال من الشرف والمجد أكبر ما يطمح ms027 إليه فرنسي، ~~قصد إلى بيته في الريف لا ليقضي فيه أيامه الأخيرة، أيام الشيخوخة الورعة إلى جانب المدفأة ~~والمسبحة، بل ليجدد فيه حياة جديدة هي حياة الجهد والتفكير والتأمل بعد حياة الجهد بالعمل ~~السياسي. # فكليمنصو لا يشيخ بل يتطور في خدمة بلاده، فقد ناداه صوت الوطن مدة الحرب، فلبى نداءه ~~وصرف مجهوده إلى خدمة الحرب، وها هو ذا يناديه الوطن أيضا، بل يناديه العالم، إلى الخدمة ~~المفروضة على كل حي فهو الآن يخدمه بذكائه. أما الشيخوخة فلا يذكرها ولا يتعلل بها للراحة. ~~بل هو لا يؤمن بأنه شيخ، فإن ثقته بنفسه وقوة رجولته تلهمانه نشاط الشباب، وتذكر عنه حكاية ~~بهذا الصدد مؤداها أن الدكتور فورنوف عرض عليه أن يجري له عملية استرداد الشباب التي تعمل ~~للشيوخ فأجاب على الفور: لست شيخا. # ثم هو - وهو في هذه السن - يعمد إلى كتب الإغريق، وينفض عنها غبار ألفي سنة كي يدرس حياة ~~الخطيب ديموستينيس يستخرج منها موعظة نافعة لبلاده وللعالم. # وهو الآن يكتب مقالات متتابعة في إحدى الصحف الفرنسية يضمنها آراءه التي اختمرت بالتجارب ~~العديدة التي مرت به في حياته، وماذا يقول فيها؟ # يقول هذا الشيخ الذي بلغ الثمانين ما يجب أن يفقهه كل شاب من الثقة بالنفس، والكبرياء، ~~والرغبة في الانتفاع والتجدد. يقول مثلا: «يجب أن نلقى مرساتنا ونستقر على صخرة ~~المعرفة.» # وأيضا «كل يوم يمر بي هو برهان لي على أني أجدد نفسي بنشاط عقلي ... ولست أعرف شيئا ~~كثيرا ولكني أتقبل ما أعرفه بكبرياء كما أتقبل نتيجة معرفتي ...» # فهاك إذن رجلا لا يحمل المسبحة خائفا مذعورا وهو في سن الثمانين، بل يعتمد على نفسه ~~ويدرس العالم ويرضى بنتائج درسه ويسكن إليها. # ثم هو ينصح للشباب، لك أيها القارئ، بقوله: «كي لا تحصل على دون ما ترمي إليه يجب أن تسمو ~~إلى أكثر مما تستطيع.» # وليست حياة كليمنصو خلوا من النقائص، وقد تكون وطنيته الحادة أكبر نقائصه، ولكن فيما ~~نقلناه من أقواله ما يصور للقارئ تلك الشخصية القوية التي تبدو من حياته ms028 وأعماله وتثبت ~~إخلاصه لنفسه ولوطنه ومحاولته في أن يعيش إنسانا مستقلا ينفع العالم وينتفع به، وحسبه ~~شرفا قضية دريفوس التي واجه فيها الرأي العام وناضل فيها العصبة الفرنسية لمصلحة الحق، فقد ~~كان دريفوس ضابطا يهوديا بالجيش اتهم بالجاسوسية وسجن من أجلها، وكان كليمنصو يجاري ~~الرأي العام في بداية التحقيق ثم تبين له أن الرجل مظلوم وأن التهم مزورة عليه، وكان في ذلك ~~الوقت يحرر صحيفة الأورو، فانقلب يدافع عنه بكل قواه، وينشر في صحيفته خطاب زولا المشهور ~~بعنوانه «اتهم»، وكان كليمنصو هو صاحب هذا العنوان المثير. # فما أمجد هذه الحياة التي يعيشها الإنسان في الدفاع عن الحق ومكافحة التعصب ثم الدفاع عن ~~الوطن، وخلال هذه الأعمال لا يكف عن اكتساب المعارف التي يسكن إليها راضيا بنتائجها، له من ~~كبريائه الإنشائي ما يجعله يستقر إلى ما يبديه إليه عقله دون ما يسأم من الأساطير القديمة، ~~ويعيش طول حياته نشيطا مجاهدا يلعب الألعاب الرياضية في شيخوخته كأنه شاب، ويقاطع الخمر ~~والنبيذ لأنه يراهما دون رجولته وسيطرته على نفسه. # إن مثل هذا الشيخ يجب أن يكون قدوة للشباب والشيوخ. يجب أن نعيش طول حياتنا في جهاد ضد ~~الرذائل، وفي اكتساب للمعارف والعادات الحسنة، وفي خدمة لا تنقطع للوطن والعالم، وكل ذلك في ~~كبرياء يجعلنا نعرف كرامتنا، ونؤثر الموت الشريف على الحياة الدنيئة والإيمان الذي يمليه ~~علينا ذهننا وقلبنا على التالد الموروث من عقائد تهتك أعراض الضمائر. # الفصل السادس عشر # | الاستقلال الروحي # يروي التاريخ عن أحد أئمة الدين أنه عاش طول عمره مؤمنا تقيا يخلص في عبادة ربه، ثم دب ~~في قلبه الشك فلم تطق نفسه وقفة المتردد المرتاب، فكان يدعو الله قائلا: اللهم ألهمني ~~إيمان العجائز. # وإيمان العجائز هو كما يعرف القارئ إيمان التسليم والتصديق، بل قل هو إيمان الخوف والضعف؛ ~~لأنه إذا لم تكن العجوز خرفة تصدق كل ما يقال لها فلا أقل من أن تكون وجلة تقترب من ساعة ~~الموت وفي قلبها وجيب الخوف، فهي لا تجادل ولا تعارض. # ومما يدعو ms029 إلى الاغتباط أننا قد عدونا هذا الطور، فليس منا من يجب أن يلهمه الله إيمان ~~العجائز؛ لأنه يرى هذا دون كرامته الإنسانية وهو يجد في مواجهة الحقائق مع ما فيها من ألم ~~الشك سرورا لا يجده ولا يحب أن يجده في التسليم بإيمان العجائز. # وليس معنى هذا أننا أقل إيمانا من السلف الصالح وإن كنا أكثر شكا منهم فيما اعتقدوه ~~صوابا، وإنما نحن نختلف عنهم من حيث إننا أكثر رجولة منهم في مواجهة الدنيا كما هي والسكون ~~إلى حقائقها والاعتماد في كل ذلك على عقولنا لا على ما نؤمر به ويشار به علينا. # كان أسلافنا يؤمرون بالإيمان بأحد الأديان أو العقائد فيطيعون، ولكننا نحن نحاول أن نؤمن ~~بما توحيه إلينا ضمائرنا. نؤمن عفو القلب والعقل ونحن أحرار لا نخشى عقابا ولا نبالي بحساب ~~سوى حساب الضمير. # ونحن فيما نتعناه ونكابده من هذا الإيمان الداخلي وآلام التردد والحيرة أشرف وأشجع من ~~سلفنا الصالح الذي كان ينشد «إيمان العجائز»، ففي العالم الآن طائفة من الناس قد أخلصت ~~النية لهذا العالم الذي هو وطننا الأكبر، وعرفت موقفها فيه وما عليها من تبعات نحوه، ولكنها ~~مع إخلاصها للعالم تخلص أيضا لنفسها، وهي ترى من الإخلاص لنفسها أن تنشد الله بما فيها من ~~قلب وعقل، وتتحسس وجوده في هذا الكون بما تهديها إليه بصائر نفوسها. # ولعل أظهر واحد من هذه الطائفة وأكثرهم جهادا هو المستر ولز الإنجليزي، فلست أعرف رجلا ~~آخر قد تلظى بنار الحيرة ثم اهتدى إلى ربه وسكن إليه، مضى عليه أكثر من عشرين سنة وهو يحاول ~~أن يستخلص من لباب نفسه إيمانا يقفه من الكون على علاقة ترضي ضميره وعقله، ولست أظن أن ~~كثيرين من الذين يقرءون المجلدات الأربعة التي وضعها في هذا الموضوع يهتدون بهديه أو يقنعون ~~بدينه، ولكني أعتقد أن هذا الرجل يبدي من الشرف والشجاعة والإخلاص ما هو جدير بكل ~~إنسان. # ولسنا نقول إن ولز ينفرد بهذه النزعة، فإن هناك كما قلنا طائفة كبيرة، وهي وإن كان ~~أفرادها دونه ms030 ظهورا إلا أنهم ليسوا دونه في الإخلاص والذكاء، وهم جميعهم يكرهون أن يؤمنوا ~~إيمان العجائز، بل يحاولون أن يحققوا للإنسان استقلاله الروحي، ولكن كما أن حديث العهد ~~بالاستقلال في السياسة يتخبط في مبدأ استقلاله فكذلك حديث العهد باستقلال الروح لا بد له من ~~فترة تقضى في التردد والتخبط والظلام ثم ينجلي كل هذا عن نظام نور ويقين. # وهذه الطائفة تحاول أن تؤمن، وكثيرا ما تؤمن، وإن كانت في نظر الناس معدودة من «الكفار»، ~~وهي كافرة بالفعل بتلك العقائد التي ورثها العالم عن قدماء المصريين والآشوريين والفرس، ~~ولكن إخلاصها لنفسها وللعالم يدعوها إلى النظر في الكون نظرا صريحا، وإلى محاولة حل هذا ~~اللغز حلا تسكن إليه. # فنحن إذا نشدنا الاستقلال الروحي فإنما ننشده للغريزة الدينية التي في نفوسنا، وليس في ~~ذلك تنطع أو استهزاء بالآراء، وإنما هي الإنسانية قد بلغت سن الرشد وتأبى أن يقام عليها وصي ~~من الخارج؛ لأنها تحس أن هذا الوصي قائم في داخل نفوسنا، وهي ترى من الرجولة أن تتحسس وجوده ~~وتحاول الاهتداء إليه. # الفصل السابع عشر # | لا جديد تحت الشمس # نكتب هذا العنوان كي ننفيه ونقول إن كل شيء جديد تحت الشمس، وأولئك الذين يدعون دعوى ~~الدوام، وأن الجديد كالقديم، إنما يقولون ذلك ونفوسهم تردد صدى القول القائل بأنه ليس في ~~الإمكان أبدع مما كان وأن العالم لا يتطور، ولكن الواقع أن العالم يتطور ويتجدد، وهو اليوم ~~غير ما كان في الأمس، وسيكون في الغد غير ما هو اليوم، وهذا التغير لا يلحق النبات والحيوان ~~وحدهما بل يلحق الجماد نفسه، فإن تاريخ الأرض يثبت تحولها، فقد مضى زمن كانت فيه أميركا ~~جزءا لاحقا متصلا بإفريقيا وأوروبا، ومضى زمن كانت فيه أوروبا مغمورة معظم أقطارها ~~بالثلج، وكانت مصر في وقت ما لا ينقطع عنها المطر صيفا وشتاء، ومضى زمن كان فيه جبل ~~المقطم قعرا للبحر تسبح فوقه الأسماك وينساب عليه المحار، ويقول العلماء الآن إن المادة ~~دائمة التحول لا تهدأ ذراتها عن الحركة، فالجماد نفسه يتجدد تحت ms031 الشمس، تنطق بذلك طبقات ~~الأرض الجيولوجية كما ينطق أيضا فحص المادة في المختبرات العلمية. # والنبات أيضا يتحول ويتجدد، فمعظم النبات الذي وقعت عليه عين الشمس قبل عشرة ملايين سنة ~~ليس له وجود على أرضنا الآن؛ لأن نباتاتنا جديدة، وبرهان ذلك أنه عندما وجد الفيل المنقرض ~~الذي يسمى الماموث في سيبيريا، واستخرج من تحت الثلج، فحصت الأعشاب التي في معدته فلم يعرف ~~منها واحد يعيش الآن. ثم هذا الفحم الحجري الذي يستخرج من المناجم كان قبلا نباتا لا وجود ~~له الآن، ونحن هنا لنا في مصر وزارة زراعة من مهماتها أن «تجدد» سلالات القطن، أي توجد ~~أصنافا لم تكن موجودة قبلا تحت الشمس. # أما تجدد الحيوان فمختصر ما يقال فيه إن نظرية التطور قائمة عليه وهي تستمد شواهدها من ~~الحيوانات التي انقرضت والحيوانات التي وجدت، وليس في العالم متحف للتاريخ الطبيعي إلا وفيه ~~عشرات من الحيوان المنقرض. # فالتحول هو الناموس الأصلي للكون كله، فليس فيه شيء باق أو دائم، وإنما كل شيء يتحول تحت ~~الشمس ويتجدد من لحظة لأخرى. حتى أنت أيها القارئ، منذ ابتدائك لقراءة هذا المقال إلى أن ~~تنتهي منه، ستتحول وتتطور لأنك على الأقل ستكون أكبر سنا بجملة دقائق، وإذا اختلف اثنان ~~في السن اختلفت آراؤهما وقوتهما ومزاجهما، وإن يكن ذلك بقدر يسير لا يلحظ بالحواس ولكنه ~~يستنتج بالعقل، فكل شيء إذن جديد تحت الشمس، وكل شيء يتطور حتى الجماد. أجل حتى جبل المقطم ~~والصحراء والنيل، ولكن هذه الأشياء تختلف في سرعة تطورها: فالحيوان يسبق النبات، والنبات ~~يسبق الجماد، والإنسان يسبقها كلها. ثم بعد ذلك نقول إن الأمم الغربية تسبق الأمم الشرقية ~~في التطور، فأنت تسمع مثلا عن تعدد الأزياء وتجددها كل يوم في باريس ولندن وغيرهما، وتقرأ ~~ما يقال من الفكاهات عن ذلك، وتحسب هذا التقلب السريع في الأزياء ضربا من نزق النساء، وقد ~~يكون كذلك، ولكنه أيضا دليل على أن شهوة التطور أشد هناك مما عند الشرقيين، وهذه الشهوة ~~نفسها هي التي تثمر المخترعات والمكتشفات كل ms032 يوم، والشرق بجموده لا يخترع ولا يكتشف، والغرب ~~بتطوره يسير قدما نحو الأمام، ويجري الشرق الجامد وراءه بعد أن يمتهنه ويستخدمه، فالواجب ~~الذي يحتمه علينا ناموس الطبيعة الأكبر هو أن نتجدد ونتطور ولا نجمد. يجب أن نجدد أذهاننا ~~بالعلوم وبالنظريات الجديدة، ويجب أن ننظر إلى المستقبل ونفكر في الرقي المطرد والتطور ~~المستمر، ولا نقنع بالنظر إلى السلف والجدود، فإن النمط الذي ساروا عليه في حياتهم قد بلي ~~وانقرض، ونحن في حاجة إلى أنماط جديدة تلائم وجهة النظر الحديث. # فهلم أيها القارئ نتجدد في الثقافة والحضارة جميعا وننصت إلى صوت ضميرنا الذي يدفعنا إلى ~~الأمام ويحثنا على الاستقلال، وننفض عن أنفسنا غبار التقاليد التي تقيدنا وتؤذينا وتسد ~~علينا منافس الحياة وتقتلنا. # الفصل الثامن عشر # | هذه الدنيا # منذ سنوات مات شاب إنجليزي وهو دون الخامسة والثلاثين، وكان قبل موته بنحو خمس سنوات يعرف ~~أنه قد حكم عليه أن يشرب كأس الموت المرة حوالي هذه السن، فقد كان مريضا مقضيا عليه ~~بالموت، فكان يروح ويغدو وهو عارف بأن الساعة الرهيبة تقترب، وقد خلف هذا الشاب كتابين أو ~~ثلاثة ضمنهما إحساسه بالوجود ورأيه فيه، وتنكر أمام قرائه باسم باربيون. # والقارئ لهذه الكتب يشعر لأول صدمة أن الرجل شقي، فإن عقله كان أحيانا يهذي بالموت، فكان ~~يخرج إلى الحقول يتنزه فيخطر برأسه خاطر الموت، كالسكين القاطعة يلتوي تحته فيكاد يصرخ ~~ويكاد يعدو ناجيا بنفسه، ولكن لا نجاة من عدو غير منظور. ثم كان يكشف عن جسمه فيرى بشرته ~~الحمراء والدم يجري دافئا في العروق، فتسود الدنيا في وجهه عندما يذكر أن هذا الدم القاني ~~سيستحيل قريبا سائلا أصفر منتنا يختلط بتراب القبر وتسبح فيه ديدانه. # أقول إنه يخيل للقارئ أن هذا الشاب كان شقيا لهذه الخواطر، ولكني بعد التأمل أقول إن ~~هذا الخبيث كان في غاية السعادة؛ فإنه عندما عرف آخرته، وتعين له على وجه التقريب زمنها، ~~طفق ينظر إلى العالم كأنه مكان غريب يوشك أن يخرج منه، فيجب عليه لذلك أن يرى كل ما ms033 يمكن أن ~~تراه فيه ويتمتع بجميع ما فيه من متع ومسرات، فعاش ملء حياته، في تجارب وملذات، وخرج من ~~الدنيا وقد شبع منها بأكثر مما يشبع منها ابن الثمانين أو التسعين. أو قل إنه عاش بسرعة، ~~عيشة الغزال، بينما غيره يعيش ببطء عيش السلحفاة، ويوم واحد من حياة الغزال خير من ألف عام ~~من حياة السلحفاة. # ويخطر ببالي أننا نكون أسعد حالا لو أننا عرفنا يوم انقضاء أجلنا كما عرفه باربيون؛ ~~لأننا عندئذ نفعل فعله فنكف عن كل ما لا فائدة فيه، ونعمد إلى رؤية هذا العالم والتمتع ~~بمشاهده وتجاربه، ولا يحسبن القارئ أننا ننغمس عندئذ في الملذات البهيمية؛ لأن الإنسان بهيم ~~بطبيعته، وإذا كان البهيم من الأشخاص المضمرة في نفسه فإن الفيلسوف شخص آخر مضمر في ~~نفسه. # ودليلنا على ذلك أن باربيون لم ينقلب بهيما يشره إلى الطعام أو النساء أو الخمر بل انقلب ~~فيلسوفا يخرج في الفجر كي ينظر إلى بزوغ الشمس وتوهج الشرق بأضوائها الملتهبة، وأخذ يعد ~~الأيام بينه وبين الموت فصار يدرس كل شيء تقع عليه عينه في هذه الدنيا، فكان يقرأ القصص ~~الروسية ويشرح البراغيث، وكان يقرأ نيتشه حتى يشعر أنه كلب عضوض، ثم يعرج بعد ذلك على ~~الموسيقى الألمانية فيستكنه سحر الأنغام وطرب الإيقاع، وكان يصعد مع ما هو فيه من أمراض ~~عاتية مضنية إلى قمم الجبال، وكأنه يريد أن يواجه الكون وجها لوجه، ثم كان يعود فيكتب ~~مقالا عن «الرغبة في الخلود» تتوهج ألفاظه بالتفاؤل والمجازفة والرغبة العنيفة بالتجارب ~~والتمتع بالدنيا. # أقرأ مثلا هذه القطعة منه «يقول تين إننا في الأدب يجب أن نحب كل شيء ... وأنا أقول: أجل، ~~وفي الحياة أيضا يجب أن نحب كل شيء ... إن جميع الأشياء في هذه الدنيا تجذبني فلا أستطيع أن ~~أحصر قواي. بل أراني مستعدا لأن أعمل كل شيء، وأذهب إلى كل مكان، وأفكر في كل شيء، وأقرأ ~~أي شيء ... وإنما يقطع الإنسان نفسه من بعض الوجود إذا هو اقتصر على صناعة بعينها أو طريقة ~~للحياة ms034 أو مذهب أو فلسفة أو رأي. أنا أكتب للجميع ...» # ولكن يجب أن أقطع نفسي هنا عن فتنة النقل المغرية وأقنع بالعظة والعبرة، فإن حياة باربيون ~~على قصرها أملأ بالتجارب والمتع من حياة أي واحد منا، فإننا نعيش أكثر أيامنا عيشة نباتية، ~~كأننا أشجار مزروعة، لا ننتقل إلا فيما بين بيتنا ومحل عملنا، ولا ندرس إلا ما نحصل به ~~عيشنا، فنموت ونجهل عجائب هذا العالم، وليس في هذا العالم شيء تافه إذا سلط عليه الذهن ~~بالدرس، وليس فيه حجر أو حيوان أو نبات إلا وهو صندوق عجائب لا ينتهي الإنسان من لذة ~~المعرفة له. ثم هذه الدنيا بمتحفاتها الطبيعية، بجبالها وأنهارها وحقولها وبما فيها من تحف ~~وطرائف صنعها الإنسان، كلها جديرة بالدرس الذي هو أرقى أنواع التمتع. # الفصل التاسع عشر # | الطفيلية # منذ أيام كنت أقرأ كتابا عن الإغريق القدماء وأثرهم في ثقافة العالم، والإغريق هم كما ~~يعرف القارئ أصل الأدب الحديث وواضعوا مبادئه، ولكنهم مع تقدمهم في الأدب ليس لهم أي فضل في ~~العلوم، وخاصة تلك العلوم العملية التجريبية التي تعزى إليها حضارتنا الحديثة، وليس ينكر ~~أنه قد نبع فيهم «إقليدس» ولكنه كان صاحب نظريات، وكذلك ليس ينكر أن «أرسطوطاليس» شرع طريقة ~~عملية للعلوم وأن «أرخميدس» اخترع الطنبور الذي يستعمل الآن للري في حقولنا، ولكن المهم ~~الذي يلفت النظر أن الإغريق لم يستأنفوا السير على الطريق الذي اختطه لهم أرسطوطاليس وأن ~~أرخميدس كان يخجل من تدوين مخترعاته لأنه كان يعتبرها من التفاهة والهوان بحيث لا تستحق ~~العناية بتدوينها، فماتت تلك الحركة العلمية الصغيرة، بل وئدت في مهدها، ونام العالم في ~~الظلام نحو 1500 سنة إلى أن نهض نهضة علمية جديدة ثابتة الأساس مطردة التقدم، فماذا كانت ~~علة ذلك؟ # كانت علة ذلك أن الإغريق كانوا يعيشون عيشة حلمية، أي كالحلم الذي يمتص دم الحيوان الذي ~~يعلق بجلده، فكانوا يستخدمون العبيد ويمتهنونهم في أعمالهم المنزلية والزراعية والصناعية، ~~وكانوا لذلك يحتقرون جميع الأعمال التي يعملها العبيد، ولا يرضون ألبتة بأن يدرسوا الصناعة ~~وأعمال البيت ms035 أو شئون الفلاحة، وبديهي أن العلوم لا تنشأ إلا إذا كانت تتناول هذه الأشياء ~~بالاختراع، وهذا يتضح إذا ألقينا نظرة واحدة على المخترعات التي تخترع في زماننا، فإنها ~~كلها تتناول الزراعة أو الصناعة. # فالإغريق حرموا أنفسهم من العلم لأنهم كانوا يعيشون في دعة عيالا على عبيدهم، يجنون ~~ثمرات جهدهم ويحتقرون مع ذلك أعمالهم ويتعيرون من التلبس بها أو الاهتمام لشئونها، وقوام ~~العلم الاختراع، وما دام الإنسان لا يحترم عملا ما فهو لا يفكر فيه ولا يتهمم لتخفيف مشاقه ~~باختراع آلة أو اكتشاف طريقة يقل بها ساعات العمل أو يزيد مكافآته. # وعلى ذلك يمكنك أن تقول إن الرق لم يكن مؤذيا للعبيد وحدهم، بل كان أيضا أذى عظيما ~~وبلاء كبيرا للإغريق أنفسهم؛ لأنه حرمهم من تسليط عقولهم على حضارتهم والعمل لتقدمها ~~بالاختراع والاكتشاف العلميين. # وما أحرانا نحن أن نعتبر بهذه العبرة البالغة، فالوارث الذي يتمتع بأموال أبويه وهو وادع ~~هانئ لا يعمل ولا يكد إنما يعطل قواه ويعوق كفاياته عن النمو فيركد ذهنه ويعيش في العالم ~~عيشة حلمية وهو قانع بما يقنع به الحلم من طعام وشراب؛ لأن العقل لا ينمو بالركود والدعة ~~وإنما يكون بالجهد والعمل والتفكير والتهمم للرقي والنجاح. # ويخطر ببالي وأنا أسطر هذه الكلمات ذلك الخبر الذي ذكرته الصحف من أن جامعة ريدنج في ~~إنجلترا قد أنشأت شهادة عليا للبانة، أي صناعة الجبن وما إليه من مستخرجات اللبن، فإن ~~الإنجليز لا يحتقرون الصناعات؛ ولذلك يسلطون عليها عقولهم بالدرس والاختراع فترقى الصناعة ~~بهم ويرقون هم بها، ولو أن أفنديا من شبابنا اقترح عليه أن يصنع الجبن لأنف واستكبر، وهو ~~إنما يفعل ذلك لمثل السبب الذي كان يحدو الإغريق إلى احتقار الصناعة، فقد احتقرنا نحن ~~الفلاح واضطررناه إلى عيشة زرية في أكواخ بالية، وأضعنا كرامته من أعيننا فصار في مركز ~~العبد، وصرنا لذلك نحتقر أعماله وكل ما يلابسه فعاد إلينا احتقارنا كالسهم الأسترالي يطلقه ~~صاحبه فيرتد إليه، وبتنا وإذا بشبابنا يترامى على وظائف الحكومة ولا يستطيع أن يقف على ~~قدميه ms036 مستقلا ويواجه عالم التجارة والصناعة والزراعة بكفايته ومهارته. # أجل إننا نعيش الآن كالحلم على الفلاح، وجميع أنواع الحلم سواء في أنها تفقد جزءا كبيرا ~~من كفاياتها، فالديدان التي تعيش في بطوننا تفقد أحيانا قناتها الهضمية لوفرة الغذاء حول ~~جلدها، وبين النمل أفراد تعيش بخدمة غيرها لها فتعجز عن الحركة وتبقى مدى حياتها في مكانها ~~لا تريم؛ لأنها تجد من النمل ما يعنى بها ويغذوها ويمسحها. # إننا لا نخترع ولا نكتشف لأننا لا نتلبس بالحياة العملية، حياة الصناعة، والعلم لا يتقدم ~~إلا إذا كانت غايته عملية، وقد بدأ «بيكون» النهضة العلمية بحض الناس على درس «الأشياء ~~العادية»، ولكن هذه الأشياء العادية البسيطة أصبحت في يد عمال لا نحترمهم وإن كنا نعيش بعرق ~~جبينهم، فنحن لذلك نتعير من أن نكون دباغين أو حدادين أو خبازين، مع أنه لا مجال للاختراع ~~والاكتشاف إلا في مثل هذه الصناعات، وأيضا لا مجال للعمل الاستقلالي إلا في ~~ميدانها. # الفصل العشرون # | العلم والأدب # ليس شك في أن عصرنا الحاضر هو عصر العلوم، وأن العصور القديمة هي عصور الآداب، وليس ذلك ~~إلا اطرادا مع رقي الذهن البشري؛ لأن العقل العلمي أرقى من العقل الأدبي. # وذلك لأن عقل الآداب هو عقل الخواطر السائبة الطارئة وإن كان قد صبغ في عصرنا بقليل من ~~الصبغة العلمية، بينما نجد أن العقل العلمي يتقيد ولا ينساب، ويجيل الفكرة عن عمد لا تطرأ ~~عليه الخواطر الهاملة. # ولكن هناك سببا آخر - غير الرقي الذهني - لاتسام العصور الحديثة بسمة العلوم، وهذا السبب ~~ينحصر في أن الأمم القديمة كانت أرستقراطية ينتظم فيها نظام الأرقاء والموالي يسودهم ~~ويستغلهم الأسياد والأشراف، بينما زماننا الحاضر زمن عصامي خلو من الرق والولاية، فكان ~~العبيد والموالي يقومون بالأعمال اليدوية، بالزراعة والصناعة، بل حتى بالتجارة، لمصالح ~~أسيادهم، وكانت هذه الصناعات كلها محتقرة لأنها قد اختص بها العبيد دون الأسياد، والعلوم ~~إنما تنمو وتزكو بين الصناعة، ولكن لما كانت العقول المسلطة عليها قديما هي عقول العبيد ~~فقط، ولما كان هؤلاء العبيد خلوا من التربية ms037 والمال فإنهم لذلك لم يخترعوا ولم يكتشفوا ولم ~~ترتق بهم الصناعة أو العلم، وكذلك رأى الأسياد والأشراف أنه لا يليق بهم أن يتلبسوا ~~بالصناعة إذ قد اختص بها عبيدهم ومواليهم، ومن هنا نفهم نهي الغزالي للناس عن أن يكونوا ~~حلاقين أو دباغين. # فالعصور القديمة كانت عصور الآداب؛ لأن الخاصة المتعلمة كانت تأنف من ملابسة العبيد في ~~صناعاتهم وتقتصر على درس الآداب، ولكن لما قاطعت الخاصة الصناعات قاطعت العلم أيضا، إذ إن ~~ميدانه هو ميدان الصناعة؛ لأن رقي العلوم لا يمكن أن يكون شيئا آخر سوى رقي الصناعة. إلا ~~إذا استثنينا الفلك. # وقد سارت نهضة العلوم الحديثة سيرا مرافقا لإلغاء الرق وتحرير الصناعة بل تطهيرها مما ~~علق بها من عار الرق السابق، وشرع «بيكون» عندئذ يناشد الكتاب والمؤلفين أن يدرسوا «الأشياء ~~العادية» ويتركوا المسائل الضخمة من البحث في ماهية الخالق وما وراء الكون ونحو ذلك، وهذه ~~الأشياء التي درسها بيكون هي أساس الرقي الصناعي أي الرقي العلمي الحاضر. # والعبرة لنا مما قدمناه شيئان: ~~(1) # أن نهضتنا في مصر أدبية وليست علمية، وهي تخالف في ذلك أوروبا. ~~(2) # أن علة ذلك أن الفلاح والعامل عندنا محتقران. # فإننا قد وضعنا العامل الصناعي والعامل الزراعي في مركز العبد، من حيث قلة الأجر وهوان ~~العيش، بحيث صرنا نتعير من أن نعمل عملهما، والعلوم لا تتقدم إلا بدرس الأشياء العادية، أي ~~بدرس خمائر الجبن أو الخبز أو الكئول أو بدرس أرواث البهائم أو زيوت الوقود أو الأصباغ أو ~~نحو ذلك، وهذه أشياء يتلبس بها العامل الذي نحتقره، فلذلك نحن نحتقرها ولا نحب أن نمسها، ~~وعاد علينا هذا الاحتقار كالسيف القاطع حتى قطعنا عن البحث العلمي، وانصرف شبابنا إلى ~~«الأدب» وصاروا الآن يعنون بقراءة قصيدة أكثر من عنايتهم بوصف طيارة. مع أن صناعة الطيارات ~~أشرف من قرض الشعر، وهي برهان على رقي الذهن العلمي وتفوقه على الذهن الأدبي، فإن الهمج ~~يقرضون الشعر ولجميع الأمم في جاهلياتها القديمة أشعار وقصائد بارعة، ولكن العلم هو ثمرة ~~الذهن الحديث الذي غذي بأوفر ms038 مادة من الثقافة والحضارة. # ثم إن احتقارنا للصناعات قد سد علينا طريق الأعمال الحرة التي هي أساس القوة والثروة عند ~~الأمم الراقية، فيجب علينا إذن أن نعمد إلى نهضتنا الحاضرة فنصبغها صباغة علمية وإلى عمالنا ~~فنرفعهم إلى مستوى يحفظ كرامتهم الإنسانية وكرامة الصناعات التي يزاولونها، ثم بعد ذلك لا ~~نحتاج أن نحث الشبان على طرق أبواب الأعمال الحرة. # ويجب أن نغرس في أذهاننا أن وطن العلوم هو المصانع، وأن الأمة المصرية تنتفع وترتفع إلى ~~أعلى درجات المجد إذا أقبل شبابها على الصناعة، وأن العلوم ترتقي لأنها تجد البيئة الموافقة ~~لها في الصناعة التي تغري العالم بالعلم للمكافآت العظيمة التي تقدمها له، ونحن ما زلنا في ~~طور الزراعة من حيث العمل، وطور الأدب من حيث التفكير وكلا الطورين لا يتفقان والعصر ~~الحاضر، فالزراعة التي نمارسها قد باتت من احتكار «الهمج» في إفريقيا وآسيا وأمريكا، والهمج ~~لقلة أجورهم سيطردوننا من أسواق العالم كما رأينا من مزاحمة أقطان أخرى لقطننا. # الفصل الحادي والعشرون # | أفخر الأثاث # منذ مدة نشر أستاذ إنجليزي كتابا عن مقياس الكفاية في العائلات فقال إن أفضل ما تقاس به ~~العائلة هو مقدار الأثاث في منزلها ونوعه، فإن الإنسان إذا وقف أمام صورة معلقة على الحائط ~~استطاع أن يحكم على صاحبها ويعرف منها درجة ذوقه وثقافته، فهناك من يعلقون صورة بطلة من ~~بطلات السينما، وهناك أيضا من يعلقون صورة لفينوس ربة الجمال عند الإغريق، وفرق عظيم بين ~~هاتين العائلتين. ثم هناك أيضا عائلات لا تعلق على جدران منازلها أية صورة، كأن الفنون ~~التي مضى على الإنسان نحو عشرة آلاف سنة وهو يحاول أن ينقل إليها هواجس نفسه وعواطفه وعقله ~~لم تخلق لها، أو كأن هذه العائلات تعيش في بداوة خاصة بها، مقصورة عليها، في وسط الحضارة ~~العظيمة التي نعيش الآن بين ظهرانيها ونتقلب في نعمتها، وقد يكون هذا الأستاذ مصيبا أو ~~مخطئا، ولكن الواقع أننا نحكم على درجة الناس ومركزهم الاجتماعي بأثاث بيوتهم، فلا نبالي ~~بالرجل كم يملك من الأرض والعقارات ms039 إذا لم نجد بيته منجدا على الطراز الذي ندرك منه حضارة ~~أهل البيت وثقافتهم، ولكن أفخر أثاث المنزل، وأدعاه إلى تقدير أصحابه هو المكتبة. # فالمكتبة هي أفخر ما في البيت من أثاث، فإن المقعد الجميل والمنضدة الملبسة بالصدف، ~~والصورة الفخمة، والسجاد الفاخر الذي حاكته الأيدي الفارسية، والستائر السرية والثريات ~~المتلألئة؛ كلها تدل على الذوق العالي والتبصر الحكيم لأصحاب المنزل، ولكن أفخر منها كلها ~~وآنسها للضيف أو لرب البيت هو المكتبة، فإن المكتبة أثاث حي يؤنسك ويستجيب لك ويلبي شهواتك ~~العليا، فأنت تنظر إلى قطعة الأثاث الجميلة فتغذو عينك بجمالها، ويلذك رؤيتها، ولكن الكتاب ~~ليس جميلا فقط، بل هو يتسرب إلى ذهنك فيجعل ما تملكه من هذا الكون ملكوتا عظيما، ويبسط ~~نفوذك إلى أوسع مدى يستطيعه هذا الذهن، ويكبر شخصيتك حتى تملأ هذا الفضاء كله، وحتى ليس به ~~مكان يخرج عن استعمارك واحتلالك، فأنت بكتب التاريخ مثلا لا تقصر عمرك على سبعين أو ثمانين ~~عاما تعيشها على هذه الأرض، بل تذهب بخيالك إلى ملايين السنين الماضية وآلاف السنين ~~القادمة، فتشعر عندئذ بكبرياء وعظمة أنت جدير بهما؛ لأنك تاج التطور، ولأن جميع الأحياء على ~~هذه الأرض دونك في هذه الذاكرة التي جعلها الكتاب تمتد بنا إلى ملايين السنين الماضية. ثم ~~انظر في كتب السياحة أو العلوم أو الآداب أو الأديان تجد نفسك تشرئب وتتطلع إلى حقائق هذا ~~الكون، وذهنك يلتمع بالخواطر والأفكار التي تهبط على هذه الحقائق وتمسها أو تكاد فترى عندئذ ~~أنك تستعمل ذهنك في أشرف ما يمكن إنسانا أن يستعمل فيه ذهنه، وهو التسلط على هذا العالم ~~بكشف حقائقه. # والمكاتب والكتب إنما هي محاريب الثقافة الإنسانية، وليس شك الآن في أيامنا هذه وخاصة عند ~~الأمم الأوربية من أن الجامعة الحقيقية التي يمكن جميع الناس أن يتخرجوا منها علماء راسخين ~~إنما هي الكتب، كما قال كارليل. # وقد أصبح لهذا السبب من أكبر ضروب البر والعناية بالخدمة العامة أن يتصدق الأغنياء بالكتب ~~والمكاتب المجانية. # ولكن هذه المكاتب العامة لا تغني عن المكاتب ms040 الخاصة، ففي كل بيت يجب أن تخصص أجمل غرفة كي ~~تكون محرابا للسكان يغشونها في أوقات فتورهم ونشاطهم ويجدون فيها من الكتب الفاخرة لهوا ~~وفائدة وأغراء يحول دون غوايات هذا العصر، فإن المغرم بالكتب يراها مهواته، يقتنيها للقراءة ~~أو للاستشارة، وينفق على تجليدها وتزيينها ما ينفقه غيره في البطالة المفسدة على القهوات أو ~~في الإكباب على الشراب أو نحو ذلك من المغاوي الكبرى. # ومما يذكر عن المستر «مكدونالد» رئيس الوزارة الإنجليزية السابق أنه وهو ينتقل من منزل ~~إلى منزل آخر وضع الحمالون أكداس الكتب التي يتألف منها جزء من مكتبته وسط إحدى الغرف فتحطم ~~السقف تحتها لوفرتها وثقلها، فكان هذا خبرا يروى عنه كأنه إحدى مفاخره. # وحبذا المفخرة يفخر بها الشاب أمام إخوانه إذا دعوه إلى القهوة فاعتذر بلزومه منزله؛ لأن ~~مكتبته أفخر أثاثا من القهوة وآنس منها للنفس وأوفر لهوا وفائدة، وحبذا المفخرة أيضا ~~لربة البيت تفخر بها أمام ضيوفها وتبرهن لهم على ثقافة السكان وعلو منزلتهم، ونحن أبناء ~~القرن العشرين قد تحضرنا وتثقفنا وارتقينا على آبائنا وجدودنا، فلم نعد نقنع من المنزل ~~بسجاده وكراسيه وموائده، فإن لنا كبرياء يدفعنا إلى أن نحترم أكرم ما في أجسامنا وهو الذهن، ~~بأن نغذوه بأجمل الكتب في أفخر المكاتب. # الفصل الثاني والعشرون # | الروح الإنجليزية تتطور # اجتمع منذ أسبوعين مؤتمر مؤلف من كهنة الكنيسة الإنجليزية وقرر فيما قرر تنقيح كتاب ~~الصلاة الإنجليزي، فأنقص منه، وزاد ونقح فيه بالتبديل والتعديل، فمن ذلك مثلا أنه استبدل ~~الحب بالطاعة، التي كان يفرضها الكتاب السابق على الزوجة لزوجها، ومنذ أكثر من 15 سنة التأم ~~مؤتمر آخر مؤلف من كهنة الكنيسة الإنجليزية أيضا وقرر قبول نظرية داروين. # ولسنا بسبيل الفحص لهذه التنقيحات فإننا لسنا أهلا لها، وإنما لنا العبرة؛ لأننا نعيش في ~~هذا الشرق الذي يكره التبديل والتنقيح ويطلب منا أن نعيش كما كان يعيش آباؤنا منذ ألف عام، ~~وأن نتكلم لغتهم بلا تبديل أو تعديل، وأن نعتقد عقائدهم. # فهؤلاء الإنجليز الذين يملكون نحو ربع الدنيا، والذين هم ms041 بلا نزاع من أرقى الدول، يكرهون ~~الجمود حتى في دينهم، فالصلاة تتطور معهم لأن روحهم تأبى الجمود كما يأباها ذهنهم، فاللغة ~~الإنجليزية التي يكتبها المؤلفون الإنجليز الآن تختلف اختلافا عظيما عن اللغة التي كان ~~يكتبها شكسبير قبل 300 سنة، ونزعة الآداب الإنجليزية الآن تختلف عما كانت في أيام ولتر سكوت ~~قبل مائة سنة، والإنجليزي في معيشته الآن يختلف عما كان قبل مائة سنة، وأقل ما في هذا ~~الاختلاف أنه يعيش الآن بالصناعة وكان قبلا يعيش بالزراعة. # فالإنجليزي قد تطور في لغته وآدابه ومعيشته وها هو ذا يريد الآن أن يتطور في صلاته وفي ~~علاقته بربه، وهذا يدل على أنه يفهم الحياة أكثر منا وأنه يفطن لأهم نواميس الحياة وهو ~~التحول والتطور. # وما أحرانا نحن بأن نفقه هذه العبرة ، فهؤلاء الإنجليز متقدمون راقون، يسودون العالم ~~ويغلبون كل من يعارضهم في تنازع البقاء؛ لأنهم لا يجمدون ولا يلزمون حالة واحدة. # ولسنا نظن أنه يمكن أحد الشرقيين أن يقترح تنقيح صلاته كما يفعل الآن الإنجليز، وهو لو ~~فعل لعد كافرا، وبات بذلك طريد أهله وملته، ولكن هذا لا يمنعنا من أن ننشد التطور في ~~النواحي الأخرى لحياتنا الاجتماعية والاقتصادية، فنحن الآن نعيش مثلا على أبواب نهضة كبيرة ~~تنقلب فيها معايش الناس من الزراعة إلى الصناعة، ومن الأدب إلى العلم، كما انقلبت في تاريخ ~~الإنسان الماضي قبل سبعة آلاف سنة من البداوة إلى الحضارة، فإذا لم نتمش مع هذه النهضة، ~~وإذا لم يقبل شبابنا على الصناعة ويضع من الآن أسسها الوضيعة، سبقنا العالم فلا نستطيع ~~عندئذ اللحاق به. ثم هذه الزراعة التي نمارسها الآن في حقولنا قد عرفها الهمج في العالم، ~~وصار الغربيون يمارسونها في الأراضي البكر على مساحات واسعة، يزرع الواحد منهم نحو خمسين أو ~~ستين فدانا، ولا قبل لنا نحن أن نزاحم هؤلاء بزراعتنا، وعلى ذلك يجب أن نعرف أن زراعتنا ~~مقضي عليها إذا لم نجعلها فنية قائمة على الفواكه والخضروات، وصناعية قائمة على الغزل ~~والنسيج والتجبين. # فزراعتنا يجب أن تتطور حتى ms042 تكون صناعية. ثم هذا الأدب الذي يمارسه شبابنا هو أدب بال قائم ~~على الألفاظ والزخارف، فيجب أن يتطور حتى يصير أدبا علميا غايته البحث عن معايير جديدة ~~للحياة والسعادة. # ثم معيشتنا يجب أن نتناولها بالتنقيح والتبديل حتى توافق بيوتنا شروط الصحة والجمال، وحتى ~~لا نحتاج إلى أن نهجرها إلى القهوات والحانات، كي ننسى حياتنا فيها بعض النسيان، وأيضا يجب ~~أن نتذكر المرأة التي هي الأم والمربية والعشيرة فنرفعها إلى مستوى المرأة الأوربية حتى ~~تكون بذلك إنسانا نأتنس به في بيوتنا، وحتى تكون حكيمة مدبرة يمكنها تربية أولادها ~~والإشراف على مصالحهم إذا مات زوجها. # وإذا كان الإنجليز لا يتهيبون من التنقيح في الصلاة التي يتقدم بها الإنسان لربه، فإننا ~~يجب ألا نتهيب من التنقيح والتبديل في معايشنا، فنعمل لتحرير المرأة وتعليمها الحرف التي ~~يمكنها أن تعيش منها، ونعمل لحث الشباب على درس العلوم وممارسة الصناعات، ونعمل أيضا لحث ~~جميع الناس على اصطناع المخترعات الجديدة، فنركب الطيارات بدل الحمير التي كان يركبها ~~أسلافنا قبل عشرة آلاف سنة، ونخترع ونكتشف ونتقدم للعالم بحصتنا من المجهود في ترقيته؛ ~~لأننا نعيش الآن ونحن عالة عليه، في الاختراع والاكتشاف، وليس ذلك إلا لأننا نلزم السنين ~~القديمة والطرق العتيقة. # الفصل الثالث والعشرون # | ماري # في سنة 1883 ماتت فتاة روسية تدعى «لاري بشكير تسف» وهي في الرابعة والعشرين من عمرها بعد ~~أن أكل التدرن رئتها وبرزت أضلاعها كالقفص الفارغ. # وللتدرن من الآلام البطيئة ما يبعث السأم في النفس ويصدها عن ضروب التمتع ويحبب إليها ~~الموت، ولكن ماري كانت بعكس ذلك تحب الحياة وتشتهي البقاء، وقد تركت في مذكراتها اليومية ~~صورة قوية لهذا الجوع الذي كان يحثها على أن تلتهم العالم التهاما، وهذا العطش الذي كان ~~يدفعها إلى أن تذوق حلو الحياة ومرها، وهي في اشتهائها للبقاء لم تكن تخضع لشهوات الدنيا، ~~بل كانت تسمو وتتشوف إلى أرفع ما في هذا العالم من مطامع وأغراض. # كتبت مرة في مذكراتها تقول: «يبدو لي أنه ليس هناك أحد يستطيع أن يحب ms043 كل شيء كما أحبه: ~~يحب الفنون الجميلة والموسيقى والرسم والكتب والاختلاط بالناس واللباس والترف، أو التفزز ~~والهدوء والضحك والدموع والحب والحزن والادعاء والثلج والشمس ... إني أحبها كلها وأعجب بها ~~كلها ... وأحب أن أرى هذه الأشياء بل أمتلكها وأعانقها وأندمج فيها ثم أموت في طرب هذه اللذة ~~(لأني لا بد أن أموت بعد سنتين أو بعد ثلاثين سنة) حتى أعرف سر هذا الختام بل سر هذه ~~البداية.» # وكتبت مرة أخرى تقول: «إني أحسد العلماء حتى أولئك المهزولين الذين يكسو وجوههم الشحوب ~~والقبح.» # وتصيح مرة أخرى في مذكراتها حين تقول: «ما الزواج وولادة الأولاد؟ أليست الغسالات أنفسهم ~~يقدرون على ذلك؟» # وهذه القطعة الأخيرة تدل على أن ماري قد احتقرت أشياء لم تكن دون ما تحب من حيث لذة ~~الاختبار وبلوغ السعادة ، وربما كان احتقارها هذا علة كبرى للأسى العظيم الذي كان يتملكها ~~ويملأ أحيانا فؤادها غضبا وحنقا. # وقد كان يقال إن الصحة تاج على رءوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى، وكذلك يمكننا أن نقول من ~~مثال ماري هذه ومن مثال باربيون الذي سبق فذكرناه إن الدنيا جميلة لا يرى جمالها إلا من ~~أوشكوا أن يغادروها، ففي كلتا الحالتين نرى أن باربيون وماري يتعلقان أشد التعلق بالحياة، ~~يريدان أن يستوعبا كل ما فيها من لذة أو متعة، كما يريدان أن يختبرا خيرها وشرها ويقفا على ~~كل ما يمكن علمه من علومها وآدابها وفنونها، وما ذلك إلا لأنهما عرفا أن المرض يوشك أن يقطع ~~بينهما وبين هذه الدنيا، فانكبا عليها وانغمسا في درسها وفهمها. # وما أحرانا ونحن بعد في صحتنا أن نعرف لهذه الدنيا قيمتها فنقبل عليها ونتمتع بها، فندرس ~~علومها ونسيح في أرجائها ونستكشف أسرارها قبل أن يحملنا هذا التيار الجارف الذي يحمل جميع ~~الأحياء إلى محيط الأبدية، وإنما يكون إقبالنا عليها ونحن بعد في شبابنا، قبل أن تستولي ~~الشيخوخة علينا وقبل أن تتكون لنا عادات تمنعنا من هذا الدرس والتمتع، ولكن يجب ألا ننسي أن ~~التمتع ضروب عالية وسافلة، فمن الناس من ms044 يتمتعون بالنهم للطعام أو النوم بعد الظهر أو نحو ~~ذلك من الملاذ التي كان باربيون وماري يترفعان عنها ويجدان أن الحياة أقصر من أن تنفق ~~ساعاتها في مثل هذه الملاذ الخسيسة، فإن النوم يضعنا في صف النبات من حيث الوعي بهذا ~~العالم، ويغيب أذهاننا التي هي أقوى أدوات تمنعنا، فيجب لذلك أن نأخذ منه بأقل مقدار يكفي ~~لصحتنا. أما النهم فأليق بالحيوان منه للإنسان. # وخلاصة القول إننا ما دمنا نعيش في هذا العالم فإننا يجب أن نتمتع به وأن نتأنق في تمتعنا ~~حتى لا نخرج منه إلا وقد شبعنا مما فيه من اللذات السامية ووقفنا على ما يمكننا من أسراره، ~~وبعبارة أخرى يجب أن نحيا على الأرض لكي نعيش ونختبر ونتعلم لا لنقضي عليها حياتنا في سبات ~~الغفلة كأننا نوع من الأشجار. # وكذلك يجب أن نحذر تلك الحياة الضنينة التي يقصر المجهود فيها على تحصيل العيش والمبالغة ~~في الإثراء، حتى يصبح صاحبها كأنه فرس العربة، بينه وبين العالم غمامة تغم على عينيه فلا ~~يرى إلا ما أمامه، فإنما الحياة الوفيرة، تلك الحياة التي يقول بها السيد المسيح، تقتضي أن ~~نتمتع بالنواحي العديدة التي تعرض لنا من هذه الدنيا، وهذه الناحية لا تنحصر في تحصيل ~~العيش. # الفصل الرابع والعشرون # | أعجوبة الطفولة # إذا قوبل الطفل بعجائب العالم كان أعجبها وأدعاها إلى التأمل والاعتبار، فقد كان ابن سينا ~~يعجب بالإنسان ويقول إن العالم الأكبر قد انطوى فيه، وكان شكسبير يقول إن الطفل أبو ~~الإنسان، فإذا ضممنا القولين قلنا إن العالم أو الكون كله قد انطوى في الطفل. # وإذا نظرنا إلى الطفل من حيث إنه اختراع للطبيعة ألفيناه من أغرب المخترعات، فنحن إذا ~~اخترعنا آلات جديدة صنعناها كلها على غرار واحد كأنها أتومبيلات تخرج من مصانع فورد، ولكن ~~الطبيعة تخترع الأطفال وكل منها على مثال نفسه لا نظير له، فأنت إذا نظرت إلى مائة طفل ~~فكأنك تنظر إلى مائة اختراع جديد ليس واحد منها يشبه الآخر. # وفي كل واحد من هؤلاء الأطفال قد انطوى ms045 تاريخ الإنسان - لا بل الأحياء كلها - في الماضي، ~~وأنت لو أدمنت الملاحظة وألححت في استقراء حركاته وتتبع أصواته وبدواته لرأيته يتكشف عن ~~أطوار الإنسان الماضية طورا بعد طور، ولكنه ليس صحيفة مطوية للماضي فقط، إذ لو كان كذلك ~~لما استحق أن يسمى اختراعا جديدا. كلا، فإنما هو اختراع جديد من حيث إنه صحيفة جديدة ~~للمستقبل. # فكل طفل يأتي إلى هذا العالم بشيء جديد، لم يكن له وجود من قبل، زيادة على ما ورثه من ~~أسلافه، فالحيوان القديم الذي كان أحد جدودنا المحترمين، مضمر في جسم الطفل وعواطفه، ولكن ~~الفيلسوف أيضا مضمر في ذهنه. # ومن هنا صعوبة تربية الطفل، فإن العالم كله يحتفل الآن بمضي مائة سنة على وفاة رجل ~~التربية المشهور بستالوتسي، فيجب إذن أن نقول كلمة عن تربية الطفل. # وصعوبة الكلام في هذا الموضوع هي لهذا الشيء الجديد في الطفل؛ لأنه لو كانت أطفالنا تخرج ~~على غرارنا بلا زيادة لكان لنا الحق في أن نتبسط معهم ونكسبهم كل آرائنا وننبههم إلى ما ~~عرفناه من خير وشر، ولكنهم شيء جديد في هذا العالم، قد تطورت بهم الحياة طورا جديدا ~~وعبرتنا إليهم مرتقية صاعدة وتركتنا في الخلف. # فنحن نقف بإزاء الطفولة الجديدة موقف الجهل، فكيف إذن نربي الأطفال ونكسبهم آراءنا ~~واعتقاداتنا؟ إننا إذا فعلنا ذلك كان افتياتنا على الطبيعة عظيما جدا لأننا نحاول بذلك ~~أن نصوغ هذا الطفل، الذي هو العالم الأكبر، على غرارنا. كأننا نحن غاية التطور وتاجه، وكأن ~~ليس في إبداع الطبيعة أحسن منا ولا أرقى، وكأننا نعرف ما أضمرته الطبيعة لمستقبل الإنسانية ~~كلها في هذا الطفل فنتغلغل إلى ضميرها ونحاول أن ننقح في أغراضها وغاياتها. # كلا، فإنما التربية الحقيقية هي أن نقف من الطفل كما قال كوربتكين موقف التعجب فقط. لا ~~نمس أغراضه أو آراءه إلا بالاحتياط الشديد حتى ينشأ على طابع نفسه وعفو طبيعته، وإنما علينا ~~فقط أن نغذوه كما نغذو الشجرة، نهيئ لها الوسط الذي تبلغ فيه أعلى مقدار من نموها بدون أن ~~نعوق غصونها بوضع ms046 الحواجز والعوائق. # فلنهيئ للطفل غذاءه بل غذاءيه: غذاء الجسم من الطعام السليم وغذاء الذهن من الثقافة ~~الحسنة. ثم بعد ذلك نتركه لكي يختار جسمه وذهنه من هذين الغذاءين ما ينموان بهما ويزكوان في ~~نموهما، وليس لنا بعد ذلك أن ندخل في أخلاقه نقومها، ولا في آرائه نمليها عليه، ولا في ~~اعتقاداته نغرسها في قلبه، فإن ذلك كله بمثابة وضع الحواجز لغصون الشجرة والاعتياض من عفو ~~طبيعتها تكليفها شكلا خاصا لم تقصد إليه. # ومن الجناية أن تقوم أخلاق الطفل لأنه ليس عندنا ما يثبت أنه معوج يحتاج إلى التقويم، ولا ~~من الإنصاف أن نملي عليه رأيا قد يكون مضمرا في نفسه الجديدة ما هو أصوب منه وأسد، وليس ~~من الحق أن نغرس فيه عقيدة قد يأتي هو بخير منها، فواجبنا إذن أن نتركه ينمو حرا، نزوده ~~بما يشتهي من غذاء صحيح سليم، نعرض له ثقافة الأمم كلها يختار منها ما يشاء. أما العقائد ~~والآراء فيجب أن يترك فيها حرا حتى يأتي فيهما بالجديد فتتطور روح الإنسان بذلك كما يتطور ~~جسمه. # ويجب أن نتذكر أننا مهما حاولنا تنشئة الطفل في حرية الرأي والعقيدة فإنه سيتلبس بحكم ~~وسطه ولغته وثقافته بآراء الغير وعقائدهم، فالجديد فيه سيكون مع ذلك قليلا، ولكن هذا ~~القليل ثمين جدا إذا نظرنا إليه في ضوء التطور، فإن العالم لا يتقدم بما يرثه الخلف عن ~~السلف، بل بما يجدده الخلف على السلف ويرتقي به عليه. # فالطفل هو العالم الأكبر، فلنحذر إذن من أن نفتات على هذا العالم الأكبر بأن نملي عليه ~~طريق تطوره ورقيه. # الفصل الخامس والعشرون # | التفاؤل والتشاؤم # إذا نحن أهملنا من يستحق الإهمال، وهو الرجل القانع بحاله الراضي بمعيشته، فإننا نجدنا في ~~هذا العالم بإزاء رجلين: أحدهما متفائل يرى الخير أو يرجوه وآخر متشائم يرى الشر أو ~~يتوقعه. # وأنت إذا راجعت هذا المتشائم وناقشته ألفيته متفائلا وإن لبس السواد، له وجه عابس ولكن ~~نفسه تبتسم؛ لأنه هو في الواقع لا يتشاءم إلا لأنه يطمع ويرجو ويرى في الإمكان ms047 أفضل مما هو ~~كائن، ولكنه يرى من العوائق ما يحول دون تحقق الرجاء، فهو يغضب ويعبس لا لأن الطبيعة ~~البشرية سيئة قد تأصل فيها السوء، إذ هي لو كانت كذلك لما كان ثم مجال للتشاؤم أو الغضب، ~~فنحن مثلا لا نغضب من الرصاص الذي لا يستحيل ذهبا، وإنما هو يغضب لأنه يرجو التحسن فيجد ~~عوائق تمنع هذا التحسن. # فالمتشائم متفائل من حيث لا يدري، تتشوف نفسه إلى الرقي والعلا، وتشوفها هذا دليل على ما ~~في النفس البشرية من الخير والرجاء لأن نفسه هي مع تشاؤمه نفس إنسان، وما فيه من رجاء وتسام ~~نحو الرقي يرجعان إلى ما في هذه الطبيعة البشرية التي يتشاءم هو بها عندما يفكر في مستقبلها ~~ويرجو من خير ورجاء. # ومعنى ذلك أن المتشائم ثم والمتفائل يرجوان الخير ويتساميان إلى الرقي بفرق واحد، وهو أن ~~الأول يرى أن العوائق كثيرة تمنع تحقق الرجاء، والثاني يرى أن هذه العوائق يمكن ~~تمهيدها. # وهذا الرجاء، وهذا التسامي، كلاهما برهان على سمو الطبيعة البشرية، وأنها غير قابعة ~~بحالها بل ترمي على الدوام إلى ما هو أسمى منها، تريد أن تنسلخ من ثوبها القديم راجية أن ~~تتجدد في ثوب جديد، وهذا المتشائم الذي يعبس للدنيا ويسيء الظن بالإنسان يحسن به الظن أيضا ~~من حيث لا يدري لأنه ينتظر أكثر مما يراه منه، ومعنى ذلك كله أن الرقي في الإنسان هو حقيقة ~~منشودة إن لم تكن حياة واقعة؛ لأن الطبيعة لم تغرس هذا الرجاء في قلوبنا عبثا، وإنما غرسته ~~لكي تدفعنا على الدوام إلى التجدد والتطور، وما هذه القناعة التي يصاب بها بعضنا إلا نوع من ~~المرض يشبه تلك الراحة التي تلي الإعياء الشديد أو تسبق الموت الأخير، فهي حال غير طبيعية ~~في الإنسان قد تصاب بها أفراد أو أمم وعندئذ تحق عليهم كلمة الفناء. # فأما حال الإنسان الطبيعية فهي ذلك الرجاء الذي يتوهج بالصحة والسرور والنشاط، أو ذلك ~~الاستياء المقدس الذي يدعو صاحبه إلى الغضب وكراهية الواقع مع محاولة تحقيق الأماني ~~والأحلام. ms048 # ونقول بعبارة أخرى إننا إذا استكنهنا روحنا وبلغنا منها اللباب نجد أننا أبعد ما نكون عن ~~الجمود وأشوق ما نكون إلى الرفعة والسمو، وإن تاريخنا في المستقبل لن يختلف عن تاريخنا في ~~الماضي من التطور من أدنى إلى أعلى، وذلك لأن في كل منا غريزة للرجاء لا تقل عن أية غريزة ~~أخرى قوة ودفعا للنشاط، وفي كل منا أيضا شهوة للتطور لا تقل عن أية شهوة أخرى، بل يبلغ من ~~قوتها أحيانا أنها تدفعنا إلى التضحية بأنفسنا أو إلى مكابدة العذاب لأجل تحقيق غاية قصدت ~~إليها الحياة عن سبيلنا. # وبهذه المناسبة أذكر قولين لعظيمين من عظماء البشر، أحدهما بولس الرسول المسيحي المشهور، ~~فقد وصف هذا الرجل الأمم الوثنية التي زارها بأنها «لا رجاء عندها» وكان بالطبع يقيس رجاءها ~~بما في نفسه من الرجاء الكبير للمسيحية وهي بعد في فتوتها التي تغلبت بها على هؤلاء ~~الوثنيين اليائسين، والثاني هو برنارد شو الأديب الإنجليزي المعروف، إذ يقول: إن الدراما ~~الصحيحة لا يمكن أن تكون مأساة لأن في الحياة من الرجاء ما يجعل كل مأساة سخيفة بعض السخف؛ ~~ولذلك فإننا لا نطيق رؤية المأساة البالغة إلا في صورة «أوبرا» أي درامة موسيقية، وذلك لكي ~~يغفل ذهننا عما فيها من سخافة بما فيها من طرب الموسيقى. # الفصل السادس والعشرون # | هل اخترعت مصر الحضارة # مما يؤسف له أكبر الأسف أن الجامعة المصرية لم تستطع إغراء الأستاذ إليوت سمث للقدوم إلى ~~مصر والتدريس بالجامعة، فقد بخلت عليه حكومتنا بخمسمائة جنيه، مع أن مثل هذا الرجل لا يضن ~~عليه بمال، وخاصة بالنسبة إلينا نحن المصريين، فإننا أمة تحتاج إلى الدعاية في أوروبا ~~لتحسين سمعتنا عند الأوروبيين ورفع مقامنا في عيونهم، وليس في العالم رجل رفع من شأننا وجعل ~~لنا المقام الأول في التاريخ مثل إليوت سمث. # كان إليوت سمث قبل عشرين سنة أستاذا في مدرسة الطب بقصر العيني، وكان يدرس الجماجم ~~المصرية القديمة ويقابلها بالجماجم الحديثة في مصر وأوروبا وآسيا، وكان التشريح درسه الأصلي ~~ولكن هواه كان ms049 في «المصرلوجية»، ينقب عن الآثار ويبحث عن جماجم أسلافنا ويقيس رءوس الفراعنة ~~ويستقرئ أدوات مصر القديمة وآلاتها، وفي أحد الأيام حوالي سنة 1920 التمع بذهنه خاطر غريب، ~~وهو أن المصريين أول من عرفوا الزراعة والحضارة في العالم وأن الآثار الحجرية التي توجد ~~الآن بإنجلترا أو بالهند أو بأمريكا هي من آثارهم بالذات أو بالثقافة المنقولة عنهم. # وهذا الخاطر الغريب قد صار علما يتباحثه العلماء في جميع أقطار الأرض المتمدينة، وصارت ~~له كتب ضخمة ومختصرة قرأت أنا وحدي منها إلى الآن ثلاثة كتب وسأوالي القراءة في هذا الموضوع ~~إلى يوم أموت، وذلك لا لأني أجد في هذه الكتب علما صحيحا وكشفا عظيما لتاريخ الإنسان ~~فقط بل لأني أشعر فيه من الارتياح، بل الزهو، ما يجعلني أنبسط لقراءة هذه الكتب الجديدة ~~وأهش لهذه النظريات الرفيعة. # وكيف لا أزهو، بل كيف لا تزهو أنت أيها القارئ المصري عندما تعرف أن الأقدار قد اصطفتنا ~~من بين أمم العالم كله لكي ننشر على الناس مبادئ الحضارة ونخرج الإنسان من بداوة الغابة ~~والصحراء إلى الزراعة والصناعة، ونخطط أول المدن، ونرسم أول الحكومات، ونخلق أول الآلهة، ~~ونستنبط النحاس والذهب، وننحت الحجر وننشئ علمي الكيمياء والفلك، ونضع للناس - أجل لجميع ~~الناس - شرائع الزواج؟ # هذا ما يقرره الأستاذ إليوت سمث هو وطائفة كبيرة الآن من العلماء، وهذه النظرية ترفع من ~~مقامنا في عيون العلماء الذين كانوا يعتقدون أننا شرقيون منحطون لا ننتفع من العالم ولا ~~ننفعه. ثم هي مع ذلك نظرية صحيحة يدعمها الاستقراء ويقول بها غير المصريين من ~~العلماء. # ولكن الأستاذ إليوت سمث يزيدنا وجاهة ومقاما للتاريخ من حيث إنه يقول إن المصريين كانوا ~~شعبا لا يختلف من حيث بنية الجسم واللون عن الشعوب التي كانت تعاصره في ذلك الوقت في ~~إنجلترا وإسبانيا وإيطاليا، وهو يقول ذلك بناء على مشاهداته عندما قابل رءوس المصريين ~~القدماء برءوس قدماء الأوروبيين، وإذا عرفت أن بعض العلماء يعتقد أن أسلافنا كانوا زنوجا ~~أو شبيهين بهم، وأن البعض أيضا يعتقد أنهم يمتون إلى ms050 أصل مغولي، أدركت قيمة هذا البحث ~~الجديد في الدعاية لمصر. # والخلاصة أن العلماء يتجهون إلى القول بأن مصر هي التي أفشت الحضارة في العالم، وأن ~~المصريين القدماء لم يكونوا أمة شرقية، بل كانوا أمة غربية الدم والمزاج، وأن غربيتها هذه ~~هي التي يسرت على أوروبا اصطناع حضارة المصريين؛ لأن الأوروبيين وجدوا أن القائمين بهذه ~~الحضارة يمتون إليهم بنسب الدم وقرابة العصب فلم يتوجسوا شرا من بدع المصريين بل نقلوها ~~واصطنعوها وارتقوا بها. # والآن أيها القارئ أسألك: إذا كانت الأقدار قد قيضت لآبائنا أن يثبوا بالإنسان إلى نور ~~الحضارة فهل يليق بنا نحن أبناءهم أن نركد فلا نبتدع ولا نثب؟ # كلا. إننا لن نكون حفدة أولئك الجدود العظام ما لم نقف في مقدمة الأمم، نعمل لخير العالم ~~كما عملوا، ننطوي على النية الحسنة التي انطووا عليها، ونبشر بحضارة جديدة، ونغامر من أجل ~~رقي الإنسان ونلتحق بتلك الشعوب التي خرج منها هؤلاء الجدود فنلبس لباسهم ونسير معهم ونتثقف ~~بثقافتهم. # الفصل السابع والعشرون # | أغانينا # أليق الأوصاف للأغاني التي نغنيها وأكثرها ورودا على ألسنة الكتاب حين ينعتون أحد ~~المغنين بالبراعة والتبريز وصفهم أصواته بأنها «مشجية»، ولم يكن من العبث أو السهو إطلاق ~~هذا النعت على أغانينا لأنها، على الدوام، كما يدل معنى الشجى، محزنة، وهذا الحزن يبدو في ~~هذه الألحان الممطوطة التي تشبه البكاء والعويل بحيث لو سمعها غريب عن لغتنا لاعتقد أننا ~~نندب ولا نغني، وقل مثل ذلك أيضا في ألحان الموسيقى ونغماتها، فإنها تتساوى وأغانينا، إذ ~~هي مشجية تستثير فينا الحزن وتستخفنا إلى الطرب الذي يتولد في النفس من الأسى والشقاء، ~~ومصداق كلامنا يتضح إذا عرفنا أن بعض المغنيين إذا غنى، كذلك بعض الناس إذا سمعه، ترقرق ~~الدمع في أعينهم، وانكسرت قلوبهم وصاحوا جميعا «آه»، وهل يتأوه الإنسان إلا من وجع وحزن؟ ~~وهذا القول يتضح أكثر إذا قابلنا أغانينا بأغاني الأوروبيين وقارنا حالة النفس المصرية عقب ~~الغناء أو الموسيقى بحالة النفس الأوروبية، فالأغاني الأوروبية تبهج النفس وتستخفها إلى طرب ~~الفرح، حتى ليشعر ms051 المستمع أن أعصابه تنفزز ويود لو يقف ويرقص. أما أغانينا فتستخفنا إلى طرب ~~الحزن حتى لنود أن نبكي ونشعر كأننا نأسف على ما فات ونخشى ما هو آت. # وليس شيء في العالم يدل على حالة الأمة النفسية أنين غامها وموسيقاها؛ لأن الألحان تعبر ~~عن النيات المتمكنة في النفس، وهي تنبع منها عفوا كما ينبع منها البكاء والضحك، وإنما غلب ~~الحزن و«الشجى» على أغانينا لهذا الظلم الطويل الذي قاسيناه في أكثر من ألف سنة مضت حتى ~~أصبحت نجوانا إلى الله والدهر نجوى المحزون اليائس. وإنه لمما يدعو إلى التأمل، ولا يخرج عن ~~موضوعنا، أن يتلبس «الدهر» الذي ليس في معناه في الأصل سوى الزمن بمعاني الكوارث ~~والنكبات. # أجل، لقد قاسينا عذاب الولاة والحكام الجائرين في القرون الماضية حتى صرنا إذا أردنا أن ~~نشدو ونغني بكينا وندبنا؛ لأن العالم يبدى لنا قاتما، إذا خلونا إلى أنفسنا انطلقت هذه ~~الأنفس التعيسة بالبكاء والندب وتجاوب القيثار والمزمار صدى أحزاننا فردها إلينا ألحانا ~~نكاد نحس فيها بنشيج الباكي الولهان وآهات الموجع المحزون، ولكننا نرى الآن أنه قد آن لنا ~~أن نغير أغانينا وألحاننا وذلك لأن نفوسنا التي كان يرهقها، ظلم المماليك العبيد من أكراد ~~وأتراك قد تحررت وازدهى العالم في وجهنا بعد القتام، فجدير بنا أن تكون أغانينا مفرحة مبهجة ~~تملأ نفوسنا تفاؤلا ونشاطا وتجعل شبابنا يتفزز إلى العمل والأمل بدلا من هذه الأغاني ~~والألحان الحاضرة التي تكرب نفوسنا وتكبتها وتشل فينا الأمل وتحثنا على البكاء. # ولسنا نعني بذلك أن تكون أغانينا مقطوعات مضحكة، وإنما نعني أن تكون طبق الحياة، فيها ~~المحزن والمضحك كما أن فيها الألم والفرح؛ لأنه إذا لم تكن الحياة مهزلة فهي ليست أيضا ~~مأساة، وإنما هي دوامة عادية تختلف فيها الوقائع والعواطف، ولكن كما أن المريض يجب أن يفكر ~~في الأمل أكثر مما يفكر في الألم كذلك يجب أن تتشرب أغانينا وألحاننا الموسيقية روح التفاؤل ~~والبهجة والرغبة في الرقي، ولا يكون ذلك بتأليف القصائد التي كان يغنيها مغنونا إلى عهد ~~قريب ms052 في مدح عبد الحميد وعباس، وفي تلحين القصائد القديمة لابن الفارض وأبي فراس، وإنما ~~نريد من شعرائنا أن يؤلفوا القصائد من الكلام المصري العذب الذي هو وليد ألسنتنا وقلوبنا لا ~~من الكلام الجافي الذي دونه الزمخشري في معجمه قبل ألف سنة، ولقد كان كونفوشيوس يقول: لست ~~أبالي بمن يسن للناس شرائعهم. ذلك أن للأغاني تأثيرا في النفس قد يكون أبلغ من تأثير ~~الشرائع. إذ الأغنية تخرج من المعنى لحنا يتبطن النفس وتنزل كلماتها منها منزلة ~~الطبع. # الفصل الثامن والعشرون # | عدو الظلم والاضطهاد # من الناس من تقرأ ترجمتهم فكأنك بذلك تقرأ قصيدة سامية حوت من المعاني أشرفها ومن المقاصد ~~أعلاها، فتقرأ وأنت في لذة وطرب تشبه ما تشعر به عند سماع أحد الأدوار الموسيقية ~~الأنيقة. # وإذا كانت حياة كل منا تجري، أو بالأحرى تمشي، في طرق مألوفة معبدة لا تصطدم بصخرة ولا ~~تقاومها موجة حتى كأنها النثر البارد فإن في حياة الأبطال أمثال فولتير وجيته من الشعر ~~والإيقاع والموسيقى ما يجعلنا نتصفح حياتهم ونعاود التصفح كما نعاود سماع قطعة موسيقية ~~مطربة. # ثم كلما ألمت بنا مصيبة من طاغية يطغى أو رئيس يتنطع في السياسة أو الدين عدنا إلى فولتير ~~فنجد فيه العزاء والدواء، فقد أمضى حياة طويلة بلغت 83 سنة وهو يحارب الجور والاضطهاد، ~~ويزرع في الناس بذور الحرية، ويداور الحكام الطغاة ويمكر بهم، ويطبع كتبه بغير اسمه لأنه لم ~~يكن يبغي منها الشهرة بل كان يبغي نشر الأفكار والآراء، ولكن الشهرة جاءته حتى إنه عندما ~~زار باريس في آخر حياته كانت رحلته من سويسرا إليها في رأي أحد الأدباء الإنجليز «من أكبر ~~حوادث القرن الثامن عشر» لكثرة من وفد عليه من الأهلين لرؤيته. حتى كانت سفرته أشبه بالموكب ~~منها بالسفر المألوف. # وحبس فولتير مرتين في الباستيل، شيخ السجون ورمز الاضطهاد، ونفي مرة إلى إنجلترا، وكل ذلك ~~في سبيل رفعة الإنسان وتحريره من الخرافات وهدم السلطات الجائرة، ولكنه عاد من إنجلترا وقد ~~ازداد قلبه قوة وتقديرا للحرية. # وإذا ذكرنا فولتير ذكرنا ms053 ابتسامته التي لا تفتأ تلعب بل ترقص على شفتيه. ابتسامة الحنان ~~والشفقة للمنكوبين والمظلومين، وابتسامة التهكم والتقريع للطغاة والظلمة، فقد حكي أنه عندما ~~خرج من الباستيل بعث بخطاب لملك فرنسا يقول فيه: «أرجوك يا مولاي ألا تكلف نفسك في المستقبل ~~نفقات مسكني.» # ولما أعياه المرض وانطرح على فراشه وأخذ في نزع الموت حاول الذين حوله أن يستخلصوا منه ~~اعترافا فقال لهم: «أموت في حب الله وحب الأصدقاء، لا أكره أعدائي، وإنما أمقت الخرافات.» ~~فوضع بهذه الكلمات ناموسا جديدا للإنسان. # وفي سنة 1771 أي بعد أن مضى على موته ودفنه 13 سنة أخرج أهل باريس رفاته وحملوها في موكب ~~على نعش كأنه عرش يحفه الزهور ويتعالى حوله الهتاف، ويسير الناس وراءه بالآلاف هذا يصفق ~~وهذا يهتف وهذا يبكي من الفرح، وهذا ينشد له مقطوعة من الشعر وهذا يحمل في يده حكمة مما فاه ~~به في حياته. حتى بلغوا الباستيل الذي حبس فيه مرتين، وكان الباريسيون قد هدموه، فوضعوه على ~~أنقاضه وقد كتبوا فوق نعشه: «في هذه البقعة حيث قيدك الاستبداد تقبل طاعة الأمة ~~الحرة». # ولكن يجب ألا ننسي شيئا قاسيا مفجعا حدث في هذه المظاهرة الحرة التي أعلن فيها انتصار ~~الحرية على الاستبداد، فبينما كان أهل باريس يحتفلون بملك الأدب، ويسيرون وراءه ورءوسهم ~~عارية، والناس في بيوتهم يشرفون من النوافذ ويهتفون عند مرور النعش بهم ويدعون بالحياة لهذا ~~الميت، كان في باريس شخصان اثنان يسمعان الهتاف ولا يطلان من النوافذ، وهذان الشخصان هما ~~الملك لويس السادس عشر والملكة ماري أنطوانيت زوجته. # والآن كلنا يحب فولتير، وكلنا يقرأ حياته كما يسمع دورا من الأدوار الموسيقية المطربة، ~~وكلنا يقرأ مؤلفاته التي تبلغ نحو التسعين، وكلنا ينتفع بهذا الحكيم الذي بذر البذرة ~~الصالحة فأثمرت في العقول وكسرت شوكة الظلم والاضطهاد، وكلنا أيضا يشعر بشرف هذه الحياة ~~التي أمضيت في خدمة الإنسان. # ولكن ثم شيء سافل يجب أن نذكره بجانب هذا الشرف، وهو أنه في سنة 1814 عندما عادت الملوكية ~~إلى فرنسا أمر «الملك» فأخرجت ms054 جثة فولتير من مدفن العظماء فأحرقت بالجير وبعثرت. مع ذلك ~~نذكر الآن فولتير ولا نذكر اسم هذا الملك النكرة، ونعجب بشهامة الأول ونشمئز من سفالة هذا ~~الثاني. # الفصل التاسع والعشرون # | الحق والقوة # القوة هي الحق، وإذا كان الحق ضعيفا فليس بحق، ولبيان ذلك نقول ونضرب المثل ببريطانيا ~~والهند. # فالعرف الشائع بين الكتاب، وخاصة كتاب الهند، أن بريطانيا قوية والهند ضعيفة، ولكن الحق ~~مع الهنود لأنهم ينشدون استقلال بلادهم والباطل مع الإنجليز لأنهم يعتدون على هذا ~~الاستقلال. # ولكن لماذا يكون الهنود ضعفاء وهم 300 مليون نفس ويكون الإنجليز أقوياء وهم أقل من 40 ~~مليون نفس؟ # إن الهنود ضعفاء لأنهم يمارسون صنوفا عديدة من الباطل في بلادهم بين بعضهم البعض، ~~والإنجليز أقوياء لأنهم يمارسون صنوفا عديدة من الحق في بلادهم بين بعضهم البعض، فالإنجليز ~~يتساندون ويتناصرون فيما بينهم، بحيث تصير كتلتهم على صغرها متماسكة، في حين أن كتلة الهنود ~~الكبيرة على ضخامتها تبقى متفككة، ولهذا إذا اصطدمت الكتلتان تغلبت الصغرى لمتانتها على ~~الكبرى لخراعتها. # ولكن هذه الكتلة الإنجليزية الصغيرة إنما تتماسك وتتناصر وتقوى لما يمارسه أفرادها من ~~فضائل، فهنا ترى في إنجلترا التعليم العام يضني الأغنياء بالضرائب الباهظة وبالتبرعات ~~لتعليم الفقراء. بينما في الهند طبقات الفقراء نجسة إذا وقع ظل أحد رجالها على رجل من ~~البراهمة ذهب يتوضأ ويغتسل كأن الأبالسة قد لمسته، وفي إنجلترا يعيش الملك في حدود الدستور ~~ولكن في الولايات المستقلة في الهند يعيش الراجوات والمهارجة وهم يقتنون الجواهر لزينتهم ~~بمال الأمة الذي كان يجب أن ينفق على تعليمها وصحتها ورفاهيتها، وفي إنجلترا لا يقل دخل ~~العامل الإنجليزي عن مائة جنيه في السنة في حين أن دخل العامل الهندي قد لا يزيد على أربعة ~~جنيهات في السنة، وللعامل في إنجلترا بيت صحي جميل تسهر الحكومة على العناية به وتعاقب ~~المالك إذا أساء بناءه، وفي الهند يعيش العامل في خص من القش، فإذا طولب الإنجليزي بالدفاع ~~عن وطنه لبى الطلب لأنه يدافع بذلك عن أشياء ثمينة تمسه مساسا شخصيا، أما ms055 إذا طولب ~~الهندي بالدفاع عن الهند نظر المسكين حوله فلا يجد أنه يملك من هذه الهند الكبيرة شيئا ~~قليلا أو كثيرا، ثم هو يجد أن البراهمية يغتسلون منه إذا مسوه أو خاطبوه أو وقع ظله ~~عليهم، وبينما يعرف الإنجليزي أنه إذا مرض ستعنى أمته بمعالجته، يعرف الهندي أنه إذا مرض ~~سيعنى الموت باختطافه، وبينما يعيش كل إنسان في إنجلترا وهو حر في عقيدته يعيش المسلمون ~~والحرب سجال بينهم وبين الهندويين والدماء تسفك بينهم من أجل بقرة تذبح. # فالإنجليز في الهند يدافعون عن باطل، وهو الاعتداء على استقلال الهنود، ولكنهم لم يبلغوا ~~هذه القوة من الدفاع عن الباطل إلا لأنهم مارسوا الفضائل في بلادهم. حتى قام التناصر مقام ~~التخاذل، والعلم مقام الجهل، والحرية مكان الاستعباد، والتسامح مكان التعصب، فهم لذلك ~~أقوياء حتى في باطلهم، ولكن الهنود ضعفاء الآن في حقهم، ولم ينزلوا إلى هذا المقام من الضعف ~~إلا لأنهم مارسوا الرذائل في بلادهم حتى صاروا يتناحرون من أجل بقرة، وصاروا يستنجسون أبناء ~~بلادهم من أجل الآلهة القديمة التي خلقها الإنسان، وصاروا يضنون بالمال لتعليم إخوانهم ~~الفقراء أو معالجتهم أو العناية بمساكنهم. # وليس ضعف في العالم إلا وهو بعيد كل البعد عن الحق، وليس حق في العالم إلا وهو قوي، وقد ~~تلتبس علينا أمارات الحق والباطل ولكن القوة تلازم الحق على الدوام، ومن مصلحة الإنسان أن ~~تفوز القوة، وذلك على الأقل كي يخشى الإنسان الضعف ويتوقاه، فمن مصلحتنا نحن المصريين مثلا ~~أن نعرف أن الهنود عوقبوا على ضعفهم باستيلاء الإنجليز على بلادهم، حتى نتوقى هذا الضعف فلا ~~نذل عمالنا كما أذل الهنود عمالهم، ولا نتقاتل من أجل العقائد، ولا نترك حكامنا يستبدون ~~بنا، ولا نفتر في المجاهدة كي نكون أقوياء بجميع ضروب القوة من مال وجمال وعلم ~~وأخلاق. # والقوة لا تقوم إلا على الفضائل، حتى صحة الجسم تحتاج إلى ممارسة العفة والقناعة ~~والاعتدال، وحتى ضعف الجسم يحتاج إلى ممارسة الرذائل من انغماس أو تهتك أو نهم أو نحو ذلك، ~~فما من ضعف ms056 تتهم به أمة إلا ووراءه صنوف من الرذائل قد مورست مدة طويلة حتى أحدثت هذا ~~الضعف، وما من قوة تتصف بها أمة، حتى القوة الجسدية الغشيمة، إلا ووراءها صنوف من الفضائل ~~قد مورست أيضا مدة طويلة، فالحق لذلك يجري على الدوام مع القوة؛ لأن كل قوي لم يبلغ قوته ~~إلا للزومه الحق بلزومه الفضائل التي جعلته قويا. # الفصل الثلاثون # | القرية المصرية # ليس في العالم بلاد اشترك فيها الحظ الحسن مع الحظ السيء في تاريخها مثل بلادنا، فبينما ~~نرى تاريخنا مجيدا عظيما في عصر الفراعنة أو الفاطميين نراه قبيحا حقيرا في عصر ~~المماليك والأتراك، فإننا نقرأ الآن تاريخ هؤلاء ونعجب للعلة التي منعت الناس من قتل ولاتهم ~~الظلمة مع أنهم كانوا فئة قليلة سافلة الأخلاق لا تستطيع أن تصبر على جلاد، ولكننا إذا ~~تدبرنا الثقافة السائدة في تلك الأيام عرفنا علة هذا الخنوع للظلم في آبائنا ورددناه إلى ~~أصله، وهو أنهم كانوا بحكم هذه الثقافة متواكلين يقولون بالخضوع لأولي الأمر والطاعة ~~للسلطان، ونحن نحمد الأقدار الآن على ألا نخضع لأولي الأمر إذا خرجوا عن دستور البلاد، ~~وأننا منذ سنة 1919 قد عرفنا أن في الثورة فائدة ترد الظالم إلى عقله وتنزع من الغاصب ~~سلطانه، ولكننا ما زلنا ننظر إلى بعض شئوننا نظر آبائنا مدة المماليك، وخاصة في نظرنا إلى ~~أخينا وأبينا وعمنا وابننا هذا الفلاح. # فقد كان المماليك أجانب عن البلاد، حمر الوجوه، زرق العيون، لهم في معيشتهم وأجسامهم ~~نعومة مزرية، وكانوا ينظرون إلى الفلاح المصري كما ينظر الأبيض إلى الزنجي، يحتقرونه ~~ويسخرونه لأعمالهم ويسرقون أمواله ويهتكون أعراضه من ناحية، ومن الناحية الأخرى يبنون ~~المساجد والأضرحة له ويحبسون الأموال التي اغتصبوها على الأربطة، فكانوا في صلاحهم أشبه ~~بالمجرم يساوم ربه على الحسنات والسيئات، يقيم الأولى حتى يستطيع أن يترخص في الثانية، ونحن ~~وإن كان حكم المماليك والأتراك الفعلي قد زال من البلاد زوالا أبديا فإن حكمهم المعنوي ~~لا يزال قائما في احتقارنا للفلاح والصانع؛ ولذلك فإن القرية المصرية، مع تقدم العمران ms057 في ~~بلادنا وارتقاء أحوالنا الاجتماعية لا تزال كما كانت مدة المماليك أكواخا قذرة من الطين ~~المجفف بالشمس، ولا تزال هذه الأكواخ خالية من مبادئ الصحة والنظافة، ليس فيها مراحيض أو ~~مطابخ ويختلط فيها مكان الماشية بمكان الناس، وبينما ينفق بعض الأفراد في بلادنا ألوفا من ~~الجنيهات في العام لا ينفق الفلاح أكثر من عشرة جنيهات هو وعائلته يعيش بها وهو في بؤس وقذر ~~وفاقة لازمة. # وريفنا جميل تنبسط فيه الأرض بساطا أخضر يغذو العين بنضرته طول السنة، ولكن القرية ~~المصرية تبدو فيه كالرمة البالية، كدرة غبراء وبيئة لا تنزح عنها الأمراض حتى إن الأجنبي ~~الداخل لمصر يجزع لرؤيتها ولا يكاد يصدق أننا أمة متمدينة، ولقد زارنا ابن سعيد وهو شاب ~~أندلسي مدة الأيوبيين، وهم الملوك الأكراد الذين حكموا مصر في القرن الثالث عشر، فما راعه ~~شيء بعد جمال الأندلس مقدار ما راعه منظر القرى المصرية، حيث قال: «ولقد تعجبت لما دخلت ~~الديار المصرية من أوضاع قراها التي تكدر العين بسوادها ويضيق الصدر بضيق أوضاعها.» # ولابن سعيد الحق في أن يقول هذا القول عن قرانا، فقد نشأ في أوروبا بين القرى الأندلسية، ~~ومن يعرف القرى الأوربية يجزع من رؤية قرانا ويهوله ما فيها من قذر وكدر، فإن القرية في ~~فرنسا متنزه جميل قد كسيت شوارعها بالبلاط، وفي هولندا تغسل الفلاحة جدران بيتها بالماء ~~والصابون، ولا تدخل الماشية من الباب الذي يدخل منه أهل البيت، ومعظم القرى تضاء الآن ~~بالكهرباء، وإذا بلغ الفلاح سن الستين في إنجلترا نقدته الحكومة معاشا سنويا قدره 30 ~~جنيها. # ونحن في مصر قادرون على كل ذلك، لا يمنعنا منه سوى التقاليد التي ورثناها عن المماليك ~~والأتراك في احتقار الفلاح والفلاحة، وهؤلاء كان لهم العذر القبيح في أن الفلاح كان ~~أجنبيا عنهم لا يتكلم لغتهم ولا هو ناعم البشرة أزرق العين مثلهم، ولكن كيف يقوم لنا نحن ~~عذر وهو من لحمنا ودمنا؟ # الفصل الحادي والثلاثون # | قصيدة الحياة # أتاح لي الحظ الحسن أن أجالس عظيما إنجليزي المولد وطني العالم، ms058 عرضت معه تاريخ حياته ~~فكانت كالقصيدة العصماء تخرج منها من بيت سري إلى آخر أسرى، وتجتاز بالموقف الشريف إلى موقف ~~أشرف وأنصع، وهذا العظيم هو السير «ويلكوكس». # وحياة السير ويلكوكس قصيدة لا تتخللها أدنى ركاكة أو تفاهة عاش إلى الثلاثين في الهند، ~~وكان يشتغل بالهندسة، وبشيء آخر لا يزال يشتغل به إلى الآن وهو يحبو إلى الثمانين، أعني به ~~البر، فالسير ويلكوكس رجل يحترف البر منذ شبابه إلى الآن. كان وهو مهندس في القرى الهندية ~~يعالج المرضى ويغسل لهم جروحهم بيديه ويحادثهم عن المسيحية ويحادثونه عن البرهمية، وهو لا ~~يزال للآن ذلك الرجل البار القديم يعمل في أحد المستشفيات في القاهرة يخفف آلام المرضى ~~وينفق من ماله القليل على أرواحهم وأجسادهم. # وهو مع أنه إنجليزي يؤمن بفائدة الإمبراطورية البريطانية، فإنه وقف موقف الخصم لحكومته ~~التي اتهمته بالقذف والفتنة كي يدافع عن مصلحة مصر في مياه النيل، فهو إنجليزي بمولده ولكنه ~~يدافع عن الحق ولو كان على بلاده. # فهذا بيت مجيد من أبيات هذه القصيدة العصماء، ولكن حياة ويلكوكس كلها جهاد في الحق والبر ~~وكلها تجارب سامية. نشأ في الهند ثم قدم إلى مصر، فوجد الفلاحين يسخرون بلا أجر في حفر ~~النهر، فعمل على إلغاء التسخير ورفع عنا وصمة قديمة وألما فظيعا كان يعانيه آباؤنا. ثم ~~انتدب تقرير الضرائب فسار بها بالعدل بين الملاك، ثم سافر إلى خط الاستواء بين الزنوج في ~~البحث عن مياه النيل، ووضع الترسيمات للخزان، وانتدبته حكومة العراق لدرس أحوال الري فقام ~~أيضا بهذه المهمة، وهو الآن في شيخوخته الهنية يخدم المرضى ويواسي المنكوبين. # فأية حياة في العالم أحفل من هذه الحياة بالجهاد في سبيل الحق والخير وفي خدمة الإنسان، ~~هنديا كان أم مصريا أم إنجليزيا؟ إنها حياة مملوءة بالتجارب السامية. رأى صاحبها خط ~~الاستواء وحره المزهق وناسه الهمج كما رأى ثلوج إنجلترا وحضارتها الراقية، ورأى الهند كما ~~رأى مصر والعراق، وله ضمير كلما عاد إليه أذكره ببره للفلاح الهندي أو المصري فيرتاح للذكرى ~~ويأنس إلى هذه ms059 النفس السخية التي ناداها الحق فاستجابت لندائه واصطرع فيها جو العالم وباطل ~~الوطن فآثر العالم على الوطن. إن في حياة معظم الناس، وفي أخلاقهم، من الجبن والأنانية ما ~~يجعلنا نكره الناس، ولكن في حياة ويلكوكس ما يجعلنا نؤمن بالإنسان وننظر للمستقبل بعين ~~الرجاء حين يصير الحق غاية والعالم وطنا وخدمة الإنسان الغرض الأسمى من الجهاد. # وينوء السير ويلكوكس الآن بهمين ثقيلين من همومنا المصرية، الأول أن الفلاح المصري يزرع ~~الأرض ولا ينال أجرا يسيرا على كده وكدحه، والثاني أننا لا نكتب بلغتنا العامية دون ~~العربية القديمة، وهو يقول بوجوب تحديد الإيجارات بنسبة الضرائب، وأيضا بتدوين العامية حتى ~~يتيسر للفلاح أن يقرأ بأقل عناء، وليس شك في أن الرجل ينوي الخير لنا في كلا القولين، وقد ~~عاش في مصر أكثر من 45 سنة، ومارس من شئون الفلاحة والري ما لم يمارسه كثيرون منا، وعرف ~~الفلاح القديم الذي كان يعمل مسخرا والفلاح الحديث الذي خرج في سنة 1919 يقطع السكك ~~الحديدة ويطلب الاستقلال، ولكني أنا لا أبالي بآراء السير ويلكوكس مقدار ما أبالي بحياته، ~~فهذه الحياة يجب أن تكون قدوة لكل منا؛ لأن هذا الرجل قد عاش تلك الحياة الوفيرة، حياة ~~العمل والجهاد للحق والعدل والخدمة للناس، واحتفظ بصحة الشباب في سن الثمانين وتمتع بأرقى ~~ما يتمتع به الإنسان الراقي من التجارب والاختبارات. # الفصل الثاني والثلاثون # | كيف نربي أنفسنا # نحن نعيش مرة واحدة في هذه الدنيا فمن واجبنا أن نعيش فيها أحسن عيش مستطاع، نسكن أجمل ~~المنازل، ونقرأ أفضل الكتب، ونأكل أشهى الأطعمة، ونتمتع برؤية الأقطار المختلفة، ونزداد ~~بتقدم العمر حكمة وصحة وتجارب وعلما. # ولكننا لن نستطيع هذه المعيشة ما لم نعمد إلى أنفسنا فنربيها ونعودها العادات التي ~~تساعدنا على الرقي؛ فإن الجسم الإنساني سريع الطاعة للعادة ينقاد إليها ويؤديها عن رضا ~~وارتياح، وأنت عندما تقرأ سيرة أحد العظماء تعجب لوفرة أعماله وتتساءل: كيف توافر له الوقت ~~أو أسعفته صحته، أو كيف أخلص له أصدقاؤه حتى أمكنه أن يؤدي هذه الأعمال كلها؟ ms060 # ولكن الواقع أن الوقت والصحة والفرص متوافرة لنا جميعا، وإنما تضيع منا لأننا قد اعتدنا ~~عادات سيئة، فهذا الرجل يرجع فشله في الحياة مثلا إلى أنه يضيع كل يوم من وقته نحو ~~الساعتين في الركود على القهوة وهو قاعد كأنه الماء الآسن، لا حركة ولا تفكير ولا همة، تخرج ~~منه أنفاس الدخان في كسل وتراخ كأنه يريد أن يموت، فهذا رجل لا يتمتع ولا ينتفع بالحياة ولا ~~ينفع غيره. # وثم رجل قد اعتاد عادات سيئة في الطعام، يأكل كثيرا فينام كثيرا، ويسمن ويكره الرياضة ~~فلا يقوى على عمل مفيد، فهذا آخر يعيش كالنبات لا يتمتع ولا ينتفع بالحياة. # وثم رجل قد اعتاد مخاصمة الناس، فهو في نزاع دائم مع كل من يعرف، يقضي وقته في قيل وقال ~~وفي مشاغبات في المحاكم، وهو منغص مشغول في غير شاغل مفيد طول حياته. # فهؤلاء وأمثالهم قد اعتادوا عادات سيئة تقصيهم عن التمتع بالحياة بأرقى معاني التمتع، وقد ~~يموت أحدهم في سن الستين أو السبعين وعقله في مستوى عقول الصبيان، لم يتهذب بثقافة ولا ~~بسياحة. لو عددت ما قضاه من الوقت على القهوة في فارغ الشئون لبلغ عدة سنوات من ~~عمره. # فنحن إذن في حاجة إلى أن نربي أنفسنا، ونعتاد منذ الصبا أو الشباب عادات تلزمنا مدى ~~حياتنا فتزيد سعادتنا ومنفعتنا لأنفسنا ولغيرنا، وأهم هذه العادات تلك التي تحفظ لنا صحتنا ~~مدى حياتنا، فإنه لا هناء ولا تمتع بلا صحة، وقد قيل إن من الناس من يحفر قبره بأسنانه ~~لكثرة نهمه، ولكننا نعرف الآن أن الصحة تضيع بأشياء أخرى غير الطعام، منها قلة الرياضة ~~ومنها اعتياد الشراب أو سائر المخدرات. # ثم نحن في حاجة إلى اعتياد الدرس بموالاة القراءة، فإن الميزة الحقيقية التي تميز الإنسان ~~على الحيوان هي أنه حيوان مثقف، وكل محروم من الثقافة هو من الانحطاط بمثابة الحيوان، وإذا ~~نحن عشنا بلا ثقافة لا نقرأ ولا نفكر في تاريخ هذه الدنيا ومصيرها وعلومها وآدابها، فإننا ~~نعيش عيشة حيوانية، فيجب أن نغرس في ms061 أنفسنا عادة الدرس ونعيش مدى حياتنا طلبة مجدين في ~~جامعة الدنيا. # ثم يجب أن نعتاد الرفاهية فلا نقنع بالدون من أي شيء، لا في المسكن ولا في الطعام ولا في ~~الشراب، والفنون الجميلة نفسها لا يبعثها في نفوسنا سوى نزعة الرفاهية بل نزعة الترف، فيجب ~~أن نتأنق في الحياة ونعتبر المعيشة فنا جميلا نمارسه بذكاء وذوق، والعبرة على الدوام ~~بالنزعة فما دمنا نتأنق في المسكن والمطعم والملبس فإننا نتأنق فيما نقرأ، فلا نرضى لأنفسنا ~~قراءة كتاب سخيف أو صحيفة خليعة، كما لا نرضى بأن نعمل عملا ناقصا غير متقن لأننا نتأنق ~~في كرامتنا. # وأخيرا يجب أن نعتاد المعاشرة الحسنة مع الناس، وخاصة مع عائلاتنا، حتى لا نعيش منغصين ~~محسودين فيذهب مجهودنا العصبي في غير فائدة وتزيغ أبصارنا عن طرق الخير والمنفعة. # وفي كل منا غرائز حيوانية إذا استسلمنا لها أنهكت قوانا واختصرت أعمارنا وعشنا بها ~~كالبهائم، فلا بد أن نعود أنفسنا عادات الاعتدال فيها حتى تتوافر لنا من أبداننا قوة تقوم ~~بالغايات العليا من الدرس والمنفعة # والتمتع بالمتع الأنيقة السامية التي لا يستطيع الحيوان أن يتمتع بها؛ لأنها من احتكارات ~~الإنسان وبرهان رقيه. # يجب أن نرتب حياتنا بحيث نستغلها إلى أقصى ما فيها ولا يتيسر لنا ذلك حتى نعتاد عوائد ~~حسنة في ادخار الوقت والتوفر بها كلها على الدرس والسياحة وخدمة الناس والعمل لرقي الهيئة ~~الاجتماعية التي نعيش بين ظهرانيها بترقية العلوم والفنون. # الفصل الثالث والثلاثون # | الهند العظيمة المسكينة # ارتاع الإنجليز كما ارتاع الأميركيون من كتاب ألفته سيدة أمريكية تدعى الآنسة مايو عن ~~الهند، تناولت فيه أحوال العائلة الهندية وعرضتها بالتفصيل على قرائها كما رأتها بعينيها ~~مدة إقامتها في تلك البلاد. # وكلنا إذا ذكر الهند خطر بباله الاستعمار الإنجليزي وسيئاته واستنكر أفاعيل الإنجليز ~~بالهند وود لو تقوى عصبة الأمم حتى تصير حكومة عالمية حقا وتحكم بطرد الإنجليز من ذلك ~~القطر الذي يكاد يكون قارة. # ولكن كل من يقرأ كتاب هذه الآنسة الأمريكية يعرف أن نكبة الهنود ليست في الإنجليز، بل ms062 هي ~~إحدى النكبات الشاملة للأقطار الشرقية، وهي في عقائد الهنود وعاداتهم وعباداتهم للماضي، وفي ~~التنطع بأن للشرق حضارة تفضل حضارة الغرب، وفي التوهم بأن للهندي كرامة يجب أن ترفعه عن ~~محاكاة الغربي. # فهذه الهند العظيمة بحجمها الحقيرة بأبنائها ما زالت ترضى بأن تحكمها أديان وعقائد مضى ~~عليها آلاف السنين، والعالم يتقدم ويتطور مدة هذه الآلاف من السنين والهند واقفة تشرح ما ~~قاله علماؤها منذ ألف أو ألفي سنة تمارس عادات قديمة يهلك بها ملايين الأطفال كل عام، وليس ~~بين الهنود واحد يجرؤ على تسفيه هؤلاء القدماء. # فهذه المؤلفة الأمريكية وجدت أنه يموت من الأمهات في كل جيل 3200000 أم وقت الولادة، وذلك ~~لأن هؤلاء الأمهات المسكينات يحملن وهن في الحادية عشرة من أعمارهن، إذ يتزوجن وهن في ~~السادسة أو السابعة، وتأتي لهن مولدات يعالجنهن بالرقى والطلاسم عوض العلاج الطبي ~~الحديث . # ويموت في الهند كل عام 2000000 طفل لأن أمهاتهم لا يعرفن لصغر سنهن كيف يعنين بهم، وأيضا ~~لأنهن لا يدركن من معنى النظافة سوى تلك الطهارة التي تقول بها أديانهم، والتي تجعل روث ~~البقر أطهر من ماء النهر، وتجعل الأم وقت النفس دنسة لا يقترب منها أحد طاهر. # وتتزوج الفتاة، بل الصبية الهندية. قبلما تبلغ العاشرة من عمرها تؤخذ من ميدان اللعب إلى ~~بيت الحريم، حيث لا ترى سوى زوجها وضرائرها، وقد يكون زوجها فوق الخمسين، وقد ذكرت المؤلفة ~~حوادث يقشعر لها البدن عاينتها بنفسها في مستشفيات المجانين حين وجدت صبايا هن دون العاشرة ~~تزوجن رجالا في أعمار جدودهن، فلما التقى العروسان لم تتحمل الصبية المسكينة فظاعة المنظر، ~~ولا أطاقت ما يطلب منها من الواجبات المنزلية، فجنت، وحملت إلى المستشفى تنتظر الراحة ~~الأبدية بالموت القريب، ولكن زوجها هندي مثقف يعرف السنة والفرض من عقائد آبائه؛ ولذلك ~~رافعها إلى القضاء يطلب ردها إلى بيت الطاعة. # والهنود أبناء هؤلاء الأمهات ينشئون ضعاف العقول خريعي الأجسام، لا يقوون على عمل ولا ~~يصمدون لكفاح، يفتخرون بأنه كان لهم قبل ألفي سنة حضارة عظيمة. # ولكن ms063 الحضارة الراهنة لا تبالي بالماضي بل تفكر في المستقبل، وهي تكتسح من أمامها كل من ~~يعارضها ولا يجري على أصولها الصحية والاجتماعية، فمصير الهنود إلى الفناء إذا لم يصلحوا ~~عائلتهم ويحرروا نساءهم ويرفعوهن من ذل هذه العادات القديمة. # والعالم الآن في تطوره السريع لا يتسع للأمة الراكدة المستسلمة، حياة كل أمة الآن تتوقف ~~على مقدار ما عندها من قوة للابتكار وقدرة على التحول للأوساط الجديدة، وهذه الصين، وهذه ~~تركيا، كلتاهما قد عرفت أن الماضي يجب أن يدفن وأن واجب الأمة أن تشق لها طريقا إلى ~~المستقبل. # وهذه الهند، الأمة العظيمة بماضيها المسكينة بحاضرها، لن تدخل في زمرة الأمم المتحضرة حتى ~~تخلع عنها ماضيها وتسن لنفسها شرائع قائمة على العلم والتجربة والفائدة. # الفصل الرابع والثلاثون # | مصر مركز الثقافة العربية # تفكر وزارة المعارف الآن في تأليف موسوعة كبيرة للمعارف العامة كما تفكر في إنشاء مجمع ~~علمي يساير الحركة العلمية والأدبية أو يرود الطريق لها ويمهدها بإنشاء الألفاظ التي يحتاج ~~إليها الأديب أو العالم ويضع لها معجما. # ولمصر تقاليد في إنشاء الموسوعات ليس قطر من الأقطار العربية ينافس فيها، ففيها وضع ابن ~~منظور معجمه بل موسوعته الكبرى «لسان العرب» وفيها وضع النويري موسوعته الكبرى الأخرى ~~«نهاية الأرب». # وبديهي أن الموسوعة التي تنوي وزارة المعارف وضعها ستقوم في الأكثر على الترجمة، وستختلف ~~عن طريقة ابن منظور والقلقشندي وغيرهما كما يختلف زماننا عن زمانهم، فقد عنوا هم باللغة ~~والألفاظ عناية كبيرة ولم تكن غايتهم من هذه العناية الدقة بل الزخرفة. # ولكننا نحن في حاجة اليوم إلى الدقة في التعبير أكثر مما نحن في حاجة إلى الزخرفة لأننا ~~نعيش في ثقافة علمية، أو يجب أن نعيش كذلك، فحاجتنا إلى العبارة الواضحة الدقيقة أكبر من ~~حاجتنا إلى الزخارف والبهارج. # وقد كانت ثقافة العرب أدبية ولذلك عنوا بهذه الزخارف، أما الثقافة الحاضرة في أوروبا ~~فتتجه نحو العلم، والحضارة الراهنة تنحو نحو الصناعة؛ ولذلك فنحن في أشد الحاجة إلى أن تكون ~~عبارتنا واضحة دقيقة مختصرة تؤدي المعنى العلمي أداء ms064 مقتصدا مختصرا، فإذا كانت المعاجم ~~العربية تذكر مائة اسم للأسد فنحن في معجمنا الحديث يجب أن نقنع بواحد، ولكن يجب في الوقت ~~نفسه أن نزيد على ألفاظ هذا المعجم 5000 اسم خاص بالأجهزة والأدوات الكهربائية ~~مثلا. # وكذلك الحال في الموسوعة يجب أن نعنى فيها بالثقافة الحديثة عناية كبيرة، ويجب أن نجعل ~~غايتنا توجيه القراء إلى ناحية العلم والتفكير في المستقبل دون ناحية الأدب أو التفكير في ~~الماضي. # ونحن الآن في مركز الزعامة للثقافة العربية من مراكش غربا إلى العراق شرقا، ولنا من ~~الأوروبيين مزاحمون في الثقافة، فإذا لم نجعل ثقافتنا وفق العصر الحاضر بحيث يجد فيها ~~القارئ العربي ما يعلمه ويهذبه ويسمو به إلى آراء القرن العشرين فإنه لا بد تاركنا إلى ~~اللغات الأوروبية التي تغذوه بالآراء الحديثة. # ونحن نرى في مصر وسوريا الآن طائفة من الشبان المتعلمين تركونا وتعلقوا باللغات الأوروبية ~~لأنهم لم يجدوا في ثقافتنا ما يغذو نفوسهم ولأنهم وجدوا أن أدباءنا مازالوا يبهرجون لهم في ~~اللفظ ويذكرون لهم أبطال الأدب في بغداد والبصرة قبل ألف عام دون عناية بما يجري ~~حولهم. # ولنا شبان آخرون تعلقوا بالثقافة العربية القديمة التي أصبحت لا تتفق والعصر الحاضر ~~فصاروا ينظرون إلى كل نزعة جديدة بعين المرتاب الذي يخشى منها كفرا جديدا أو تفرنجا ~~سخيفا. # فلهؤلاء ولهؤلاء نحتاج إلى موسوعة جديدة للمعارف ومعجم يكونان دستورا للأديب يجذبان ~~إلينا أولئك الذين هجرونا إلى الآداب الأوروبية، ويفتحان أعين أولئك الذين يتعلقون بالقديم ~~للثقافة الحديثة. # وكلنا يرغب في أن يتوحد العالم العربي في اللغة العربية، ولكننا لا نحب أن نضحي في ذلك ~~بشخصيتنا، ولا نحب أن تكون الرابطة بيننا وبين سائر الأقطار العربية رابطة لغوية فقط، وإنما ~~نرتبط بهذه الأقطار بثقافة حديثة قائمة على العلم والصناعة تربطنا جميعا برباط الحضارة لا ~~برباط البداوة، فسبيل التعارف والتآلف بيننا يجب أن يكون قائما على الآراء الحديثة في ~~الحكومة والزواج والإصلاح الاجتماعي والمخترعات والمكتشفات العلمية، وبعبارة أخرى يجب أن ~~نرتبط برباط المدنية الحديثة والثقافة الحديثة حتى تتحد عواطفنا ms065 الاجتماعية وغاياتنا ~~الإصلاحية. # وهذه الغاية نبلغها إذا كانت مصر مركزا للثقافة الحديثة تخرج منها المؤلفات وتجمع للعالم ~~العربي معجما للألفاظ المفيدة في العلوم والآداب يكون دستورا للأدباء، كما أن الموسوعة ~~تكون أساسا جديدا لنهضة جديدة تقوم على الابتكار والاختراع. # الفصل الخامس والثلاثون # | هزيمة الأدب السخيف # «نهضتنا نهضة أدبية بينما المدينة الحديثة علمية خالصة، فنحن نعيش في واد والغربيون في ~~واد آخر، لا نأبه إلا للآداب، ونهمل العلوم إهمالا فاضحا فأدى ذلك إلى تقهقرنا ~~وانحطاطنا، فإن كل شيء يقوم الآن على قواعد العلم، حتى الأدب لا يمكنه أن يستقيم إلا إذا ~~كان له أساس من العلم وذلك علة تقهقرنا في الآداب التي قصرنا عليها اهتمامنا، فإن أدباءنا ~~إلى الآن لا يطرقون الموضوعات الاجتماعية العلمية فيدرسون حالة فلاحنا دراسة علمية ويطلبون ~~إصلاح حاله مثلا، بل هم يؤلفون عن عصور الخلفاء وإعجاز القرآن بينما نحن نجهل حقيقة الحركة ~~العرابية مع أن التاريخ أصبح الآن علما بكل ما في كلمة علم من معان، والأدب أصبح علما ~~يقوم على أساس من العلوم الكونية والطبيعية وعلى المشاهدات المحسوسة لا على الأوهام ~~والخرافات. # وها هم الأوروبيون يريدون أن يجعلوا من كل شيء علما، فهذه الفلسفة ما تقدمت حديثا إلا ~~حين انسلخت عن الآداب وأدخلت في دائرة العلم لها ما لغيرها من العلوم من معامل وتجارب ~~ومقارنات وبراهين، وهذا علم النفس صار من زمن بعيد علما له معامل كسائر العلوم وبلغ من ~~التقدم أنه صار أساس الأدب الحديث، فكل الروائيين والشعراء الآن علماء نفس بلا مبالغة، ~~بينما أدبنا ليس له أساس إلا علم الخرافات. صارت الفلسفة علما والأدب علما. كذلك قل في ~~السياسة والصحافة والتاريخ ولا نزال نحن هنا نعيش في القرن الثاني للهجرة نفسر الألفاظ ~~وننشد المرائي والمدائح بينما الأوروبيون يقلبون ظهر الأرض باختراعاتهم واكتشافاتهم فهم ~~يحاربون الأمراض ويعملون على تقريب اليوم الذي يصبح المرء فيه في مأمن منها كلها، وهم ~~يخترعون الغازات السامة بينما دأبنا الكلام الأجوف في كل شيء نطالب به.» ~~••• # ولا تظن أيها القارئ ms066 أن ما قرأته هنا هو من قلمي وإن كنت قد اعتدت مني على مثل هذه اللهجة ~~حتى السأم، ولكنها منقولة من كاتب يجب أن تحبه هو «حسن عارف» ويجب أن تشجعه على المضي في ~~هذه النزعة الشريفة التي يراد منها الخير لبلادنا، فنحن منكوبون حقا بالأدب السخيف. أدب ~~الألفاظ واللعب واللهو ودرس السلف، كأننا أمة بدوية تعيش في وسط الصحراء ولا تتصل بالحضارة ~~الحديثة ولا يهمها إلا قصة رويت قبل ألف سنة أو بيت شعر هو نكتة من نكات المغفلين. # وقد أثلجت صدري هذه المقالة التي تدعونا إلى هجران الأدب السخيف والنزوع إلى العلم، وقلبت ~~الجريدة التي بها هذا المقال فرأيت مقالا آخر عن المستر فورد خلاصته أنه ينوي أن يجدد ~~مصانعه بحيث تخرج في اليوم، أجل في اليوم الواحد، 12000 أتومبيل، فكانت هذه المقالة الثانية ~~برهان صدق المقالة الأولى وأكبر دليل على أن النزعة العلمية هي التي تعمل للرقي بينما ~~النزعة الأدبية كما هي في بلادنا لا تعمل إلا للانحطاط. # منذ سنة أو أكثر مات رجل إنجليزي يدعى الأستاذ بري، ألف كتابا غريبا يبحث عن فكرة الرقي ~~والتقدم، كيف نشأت ومتى نشأت؟ فإنك إذا استقريت أحوال الأمم القديمة لا تجد لهذه الفكرة ~~أثرا إذ هي حديثة جدا قد لا يزيد عمرها عن مائتي سنة، والذي يبدو للباحث أن هذه الفكرة ~~الشريفة التي تجعل الإنسان ينزع إلى تحسين نفسه وبلدته ووطنه لم تنشأ إلا من المخترعات ~~العلمية، فإن الإنسان ابن العادة، فإذا هو رأى التبديل والتحسين في الآلات نزع به ذلك إلى ~~التفكير في التبديل والتحسين في المؤسسات العمرانية، فالعلم هو أساس فكرة التقدم والإصلاح، ~~أما الأدب فما كان له هذا الفضل قط، ولهذا السبب أصبح أدباء أوروبا علما، بل منهم من لا ~~تعرف هل تسميه بالعلم أو الأدب، مثل مايترلنك مثلا، فإنه يؤلف كتابا عن «الأرضة» وكيف ~~تعيش وبعد ذلك يؤلف درامة عن المسيح. # الفصل السادس والثلاثون # | تربية الكبار # ليس الصبيان وحدهم ولا الشبان وحدهم هم الذين يحتاجون إلى ms067 تربية، والفرق بين الاثنين أن ~~الصبي أو الشاب يحتاج إلى معلم يعلمه ويرشده أما الكبير فيجب أن يربي نفسه، وأذكر بهذه ~~المناسبة رجلا قد ربى نفسه ونجح في تربيتها، أعني به المستر ولز الإنجليزي، فقد كتب يصف أحد ~~أبطاله وأظنه كان يصف فيه نفسه بقوله: ~~«كان في عقله من التفزز ما يكسبه حرارة ودقة، وكانت له مع ذلك ابتكارات ونزعة سخيفة، وكان ~~يحب الكلام والكتابة، وكان يتكلم عن كل شيء وكان يفكر في كل شيء، ولم يكن في وسعه أن يمتنع ~~عن تشمم أثرك وهو يتبعك، فكان هو يتشمم أثر الحقائق، وكثيرون من الناس يعتقدون أنه مفيد ~~منير، وقليل منهم لا يطيقونه وكان حافلا بالأفكار عن السلالات البشرية والإمبراطوريات ~~والنظام الاجتماعي، والمؤسسات السياسية، والحدائق والأتومبيلات ومستقبل الهند والصين، ~~وفلسفة الجمال وأميركا وتربية النوع البشري على وجه العموم.» # وولز رجل فوق الستين ولكنه دائب الدرس والتفكير والتأليف، وقد تطور في الثلاثين سنة ~~الماضية، وأعتقد أنه سيتطور في المستقبل، وتطوره هذا يدل على أنه يربي نفسه وهو كبير بل وهو ~~شيخ، وإذا نحن تتبعنا بعض مؤلفاته منذ شبابه إلى شيخوخته علمنا مقدار تطوره ومقدار عنايته ~~بنفسه في تربية نفسه. # فقد بدأ حياته بكتاب عن تشريح الأرنب وبعض الحيوانات؛ لأنه هو نفسه تربى تربية علمية، ثم ~~عمد إلى الأدب فكتب بعض القصص والمقالات ومنها مقالة هزأ فيها بالاشتراكية والقائلين بها، ~~ثم بعد ذلك بسنوات عاد فألف أحسن كتاب في الاشتراكية يدعو إليها ويوضح أنظمتها، ويقول ~~بضرورتها مع أنه هو إنجليزي، ووضع تاريخا ضخما للعالم باعتباره أمة واحدة. # ولاح أمامه درس جديد وهو النفسلوجية الحديثة التي ابتدعها فرود فدرسها، وألف قصة بل قصصا ~~عنها، حتى آخر النظريات التاريخية الحديثة القائلة بأن مصر هي أصل حضارة العالم أخذ يدرسها، ~~وينصح لقراء قصصه بقراءة مؤلفات إليوت سمث مبتدع هذه النظرية. # فهذا كاتب يتطور مع الزمن ويدرس كل شيء من الأتومبيلات إلى مستقبل الصين، ومن تنظيم ~~الحدائق إلى فلسفة الجمال ولا يبالي بأن يغير رأيه ودرسه متى ms068 لمح قبسا من الحقيقة. # فهذا كاتب يتطور مع الزمن ويدرس كل شيء من الأتومبيلات إلى مستقبل الصين، ومن تنظيم ~~الحدائق إلى فلسفة الجمال ولا يبالي بأن يغير رأيه ودرسه متى لمح قبسا من الحقيقة. # وما أحرانا نحن بأن نتعهد أنفسنا بمثل هذه التربية فنعيش مدى حياتنا طلبة في جامعة العالم ~~ندرس ونتفقه في حقائقه، ونتطور في الآراء والمذاهب وننظر في هذه الحضارة التي نعيش بين ~~ظهرانيها، فندرس حقائقها وأحلامها وأديانها وآلاتها ومؤسساتها. # والدرس نوع من التوسع؛ ولذلك فإن طالب المعرفة كطالب المال لا يشبع لأن كلا منهما يشعر ~~بنوع من السيادة في هذا التوسع يشبه الملوكية؛ إذ له شيء من كبريائها وكرامتها، ولكن قلما ~~تجد رجلا يعمد إلى الدرس والتثقف ما لم يكن قد نزع هذه النزعة وهو شاب؛ ولذلك فإن تربية ~~الرجل كبيرا تحتاج إلى تربيته صغيرا بحيث ينزع نزعة الدرس. # فيجب أن نقصد من تربية الصبي إلى غرضين: # أولهما: # أن نغذوه بالمعارف العامة. # والثاني: # أن نغرس فيه هذه النزعة إلى التوسع الذهني بحيث يكون هو المعلم لنفسه في ~~المستقبل حتى يدأب في تربية نفسه وهو كبير. # وإنه لمن المآسي العظمى أن يرى الإنسان شابا أو شيخا وهو قاعد «يقتل» الوقت لأنه ~~لا يعرف كيف يشغل ذهنه بما يفيده ويرفعه من اكتساب المعارف والتفكير في حقائق هذه الدنيا ~~التي هي وطننا الأكبر، والتي يجب على كل منا أن يدرسها ويبحث في تنظيمها وتخليصها من ~~الأغلال القديمة. # الفصل السابع والثلاثون # | تحديد النسل # إذا كان أهم أسباب الحروب هو فيض السكان على الأوطان، فإن أنجع علاج للحرب وخير ما يدرأها ~~عن الناس هو تحديد النسل بحيث لا يزيد السكان على الوطن الذي يعيشون فيه، فيمتنع الازدحام ~~الذي يدعو إلى المهاجرة أو إلى الاستعمار، وبذلك تقل المنافسة بين الأمم وتنتفي الحروب، ~~والأمم الآن ليست عظيمة بعدد سكانها بل بمقدار ما فيها من صحة ونظافة، وحضارة وثقافة فهذه ~~الهند مثلا يزيد سكانها عن 220 مليون نفس، ومع ذلك فإن أسوج التي لا تبلغ ms069 ستة ملايين نفس ~~أعظم منها، وأقدر على التمتع بالحياة منها، ولو نازلتها في حرب لغلبتها، ولو تبارى الاثنتان ~~في علم أو أدب أو جمال أو فن أو حضارة لبزت أسوج الهند وأربت عليها. # فكثرة السكان الآن لا قيمة لها ألبتة، وإنما العبرة بما عند الأمة من وسائل لتعليم هؤلاء ~~السكان، وما عند هؤلاء من أخلاق وعلم وصحة، وأكثر الأمم حضارة هن أقلهن نسلا، فأوروبا أقل ~~نسلا من آسيا أو إفريقيا، ولكنها تفوق الاثنتين في القوة والذكاء والجمال، وكل ما له قيمة ~~إنسانية، وكل أمة كائنة ما كانت تنقسم طبقات أرقاهن أقلهن نسلا أيضا، ففي أوروبا نفسها ~~يتكاثر العمال ويزداد نسلهم بينما الطبقة السائدة الحاكمة التي تقبض بأيديها على المال ~~والحكومة لا تكون أبدا إلا قليلة النسل. # وقد كان المرجفون الذين يحبون من الأخبار ما يرجف ويرعب ينعون على أوروبا قلة مواليدها ~~ويذكرون آسيا، وإن أهلها يتكاثرون بحيث قد يطغى سيلهم على أوروبا فيغرقها ويبيد حضارتها، ~~وكان الإمبراطور غليوم يؤمن بهذه السخافة حتى إنه رسم صورة رمزية تمثل هذا الخاطر المزعج، ~~فتناقلتها الصحف وتذاكرت الآراء فيها. # ولكن اتضح بعد تمحيص الآراء في هذا الموضوع، ومشاهدة الآثار التي تخلفها الحضارة ~~الأوروبية في آسيا أنه كلما ارتقى الأسيوي، وتحضر وتثقف رأى من هذا الارتقاء نفسه داعيا ~~يدعوه إلى تحديد نسله؛ ولذلك عاد الأوروبيون فاطمأنوا وعرفوا أنه ما دامت آسيا في همجيتها ~~وتقييدها بقيود الأسلاف؛ فإنه لا خطر على أوروبا من كثرة نسلها لأن من الجهة الواحدة معظم ~~هذا النسل يموت لقلة العناية الصحية به، ومن الجهة الثانية تحتاج الحروب الحديثة إلى صناعة ~~لم يتثقف الأسيوي بعلمها، ثم هي أيضا إذا تحضرت وعرفت الصناعة فإنها تعتاد عادة تحديد ~~النسل، فلا يخشى عندئذ من تكاثرها؛ لأن تحديد النسل نتيجة للرقي والحضارة إذا هو في الواقع ~~ضرب من التبصر والعناية بالأولاد، وقد شرعت عائلات كثيرة في مصر تحدد نسلها وتمنع تزايد ~~الأولاد حتى يستطيع الأبوان تعليمهم وتهيئتهم بقليل من المال للدخول في معترك الحياة، ونحن ~~يجب ms070 ألا تخيفنا هذه النزعة؛ إذ خير لنا أن نكون أمة صغيرة راقية مثل أسوج من أن نكون أمة ~~كبيرة متأخرة مثل الهند أو الصين، وجسم الإنسان بعد كل ما يقال هو ملكه، وهو أعرف الناس ~~بمصلحة أولاده وأسدهم رأيا في تقدير حاجاتهم، فإذا وجد أن أمواله لا تكفي لتعليم عدد كبير ~~من الأولاد وتربيتهم التربية الصحيحة، وتنشئتهم النشأة اللائقة بهم وجب عليه أن يقتصر على ~~عدد صغير؛ لأنه كما أن كلا منا يجب عليه أن يتبصر لمستقبله كذلك يجب أن يتبصر لمستقبل ~~أولاده، ثم يجب ألا ننسى أن الهناء العائلي لا يتم إلا إذا كان الأبوان في راحة بال، وراحة ~~جسم من جهة أولادهما، وقليل من الأمهات من يستطعن أن يلدن ويربين عددا كبيرا من الأولاد، ~~فالولادة نفسها مجهود كثيرا ما يقضي على حياة الوالدة، وتربية الطفل مجهود آخر يضني الأعصاب ~~ويهد القوى؛ ولذلك فالاعتدال في النسل ضروري للأم للمحافظة على صحتها، وضرورة للأديب لكي ~~يستطيع أن ينفق على تربية أولاده. # الفصل الثامن والثلاثون # | الإيمان يرقي الإنسان # لما أوشكت الثورة الفرنسية أن تقع، وانشق الناس فريقين فريق كبير هو الأمة كلها تقريبا، ~~وفريق صغير هو الملك والنبلاء، كان بين هؤلاء النبلاء رجل يدعى المركيز دو كوندورسيه، وكان ~~مع أنه نبيل نشأ في بيت له تلميذ في النسب والحسب قد انضم إلى الشعب، فأخذ يعاون رجال ~~الموسوعة في نشر الأفكار الحرة، ويعمل على تقويض الطبقة التي ينتسب إليها، وصار ينفق ماله ~~وجاهه وعلمه لكي ينبه الشعب إلى الثورة. # وجاءت الثورة فاختلط فيها الجنون بالعقل، وقام الناس على النبلاء يقتلونهم وينهبون ~~أموالهم وكان المركيز دوكوندورسيه من هؤلاء النبلاء له شارتهم وعليه سماؤهم، فكان على الرغم ~~من حبه للشعب وسعيه لإنقاذه من الجهل والظلم معدودا بينهم فقتله الثائرون ونهبوا ~~أمواله. # والآن قد تظن أيها القارئ أن هذا الرجل قد مات يائسا من تقدم الشعب ورقيه إذ أعطاه صحته ~~وذكاءه وماله، ولم يأخذ عوض ذلك شيئا ثم قتل على يديه، ولكن الواقع أنه عاش ms071 ومات مرتاح ~~البال يؤنسه رجاء عظيم، هو رجاء التقدم المطرد للنوع البشري، فقد كتب قبل وفاته ~~يقول: ~~«لم تضع الطبيعة حدودا لآمالنا وحسبنا أن نتخيل تقدم النوع البشري، بعد انطلاقه من ~~السلاسل، وهو يسير بقدم ثابتة عن طريق الحق والفضيلة والسعادة فنجد من هذا المنظر ما يعزي ~~الفيلسوف إلى الأخطار والجرائم والمظالم التي لا تزال تدنس وجه الأرض وتنزل بها ~~المصاعب.» # بمثل هذه العقيدة مات المركيز كما يموت الشهيد من أجل عقيدته الدينية بفرق واحد بينهما، ~~وهو أن الأول يريد الجنة في هذا العالم ويعمل لتحقيقها، والثاني ينتظرها في عالم آخر بعد ~~الوفاة، وليس شيء يخفف عنا آلامنا، ويزكي في أعيننا تلك الكوارث العديدة الحافل بها تاريخ ~~الأمم سوى هذا الإيمان بأن العالم يتخلص بالتدريج من الأوهام والمظالم، فيخرج من الإيمان ~~بالأساطير إلى الإيمان بالعلم، ومن الاستبداد إلى الدستور، ومن المرض إلى الصحة ومن الضعف ~~إلى القوة. # ثم مثال هذا النبيل الفرنسي يخفف عنا أيضا ما نجده في أيامنا من قوى تعمل للشر وتناهض ما ~~فينا من خير وبر، فإن صيحة الإصلاح التي تصيح بها على ما فيها الآن من ضعف ووهن ستفوز في ~~النهاية؛ لأن الرقي طبيعة البشر التي لا محيد عنها، وليس البرهان على ذلك بعيدا عن الإثبات ~~أو مستعصيا على الأفهام، فإن نظرية التطور نفسها هي نظرية الرقي؛ ولذلك أطلق عليها اسم ~~«نظرية النشوء والارتقاء» عند ما نقلت إلى لغتنا، فإذا كان تاريخ ألف مليون من السنين يدل ~~على الرقي في الماضي فمن التعسف أن نحسب أنه انتهى وانقطع بوجودنا، فإن عناصر هذا الرقي ~~كامنة في كل منا، حتى المنتحر نفسه إنما ينتحر لأن نفسه تنزع إلى الرقي، والمجنون نفسه يجن ~~بأشياء تحمله على أجنحة الرقي والعظمة فيتصور نفسه ملكا أو أميرا أو عظيما. # فالرقي كامن في نفوسنا ينطق به تاريخنا الماضي، وهذا هو ما يؤنس قلوبنا ويجعلنا نرضى ~~بالتضحيات كلما سمعنا عن الاستبداد يبطش بالدستور، أو الظلم يجور على الحق، أو البغض ينتصر ~~على الحب، أو ms072 الأثرة تفوز على الإيثار، وسنرى هذا الوطن كما نرى غيره من أوطان العالم حرا ~~تعيش فيه الأمهات حرائر متعلمات ويعيش فيه الرجال علماء أيقاظا يدرسون هذا العالم ويتمتعون ~~به ويقصرون همومهم على إسعاده، ولولا هذا الإيمان بأن العالم يرتقي لما كان لحياتنا معنى أو ~~مبرر للبقاء، وفي هذا الإيمان قوة تؤاتينا على الخير والبر. ثم في ذلك كله شعور بالسعادة ~~لأننا نؤدي عملا يرتاح إليه ضميرنا ويتفق وما في صميم نفوسنا من نزعات، وهذا بخلاف ما إذا ~~عملنا للشر وناهضنا التقدم، فإننا نشعر بأننا نكافح في نفوسنا نوازع الرقي؛ فيأخذ اليأس ~~مكان الرجاء، ونقيم حياتنا على مضض وعنت. # فكلنا يجب أن يكون هذا المركيز دوكو ندرسيه يعمل لرقي الشعب ويؤمن بهذا الرقي، فإنه حقيقة ~~لا شك فيها، وأول ما نرى برهانه في أنفسنا؛ إذ لا يمكننا أن نفكر في ترقية الناس ما لم نرق ~~نحن أولا، ولا عبرة بعد ذلك بالعوائق فإن النهر العظيم لينحرف بعض الانحراف في مجراه ولكنه ~~بالغ مصبه. # الفصل التاسع والثلاثون # | في الحب # من القصص العظيمة التي مثلها المستر اتكنز في القاهرة قصة «تاجر البندقية» وفيها يخاطب ~~اليهودي المسيحيين الذي يتعصبون عليه ليهوديته فيقول موضحا لهم أن اليهودي لا يختلف عن ~~المسيحي: ~~«أليس لليهودي عينان؟ أليس لليهودي يدان وأعضاء وحواس وعواطف وشهوات؟ أليس يطعم بالطعام ~~ويجرح بالسلاح نفسه وتنزل به الأمراض نفسها ويشفى بالوسائل، ويدفأ ويبرد في الصيف والشتاء ~~كالمسيحي؟ أليس يخرج منا الدم إذا وخزنا؟ وألسنا نضحك إذا جمشنا ونموت إذا سممنا؟» # وما أحرانا بأن نذكر كلمة هذا اليهودي حين يطمو بنا التعصب القومي أو الديني؛ فنحن كلنا ~~إخوان في هذه الدنيا، وخير لنا أن نتحاب من أن نتكاره؛ لأننا بالحب نستطيع أن نتعاون، ~~وبالحب نستطيع أن نعمل ما لا نعمله بالبغض والكراهية. # ويقص الإنجليز قصة يستخرجون منها عبرة الحب، وهي أن أحدهم خرج في يوم قد كثف ضبابه، ~~والأشباح تتجسم في الضباب حتى يهول منظرها على بعد، فرأى وهو سائر في طريقه شبحا كبيرا ms073 ~~مخيفا فارتاع منه، فلما اقترب منه قليلا تبين له أنه رجل، فلما واجهه عرف أنه أخوه، وهكذا ~~نحن في هذه الدنيا، نحسب الناس غرباء عنا فنخشاهم ونتوجس منهم، ولكن الواقع أننا نحن وهم ~~إخوان بل أخوة قد اتصلت دماؤنا بدمائهم، فإذا حسب المصري مثلا وأحصى مقدار ما دخله من دماء ~~الأمم الأجنبية في نحو أربعين قرنا مضت لوجد أنه خليط من الدم الروماني والعربي والإنجليزي ~~والفرنسي والسوري والصيني والتركي. # فنحن لسنا أبناء مصر فقط بل أبناء هذه الدنيا، وإذا كانت مصر وطننا الأصغر فالعالم وطننا ~~الأكبر، ويجب لذلك أن يكون الحب والتعاون وسيلة التعارف والمعاملة بيننا وبين الناس، سواء ~~أكانوا مصريين أم غير مصريين، وبهذه المناسبة نذكر كلمة للمشترع الإنجليزي المعروف بنتام ~~حيث يقول: «إن سبيل الراحة لنا هو أن نعمل لراحة الآخرين، وسبيل الراحة للآخرين إنما يكون ~~بأن نبدو لهم كأننا نحبهم، وإنما نبدو لهم كأننا نحبهم إذا أحببناهم بالفعل.» # وهذا كلام صريح وحقيقة تتضح لكل من اختبر الناس، فإننا لا يمكننا أن نرتاح إلى الدنيا ~~والناس ما لم تكن علاقتنا بهم علاقة الحب، وراحتنا لا تقوم إلا براحتهم. # ولكن الوحش القديم لا يزال للأسف حيا في الإنسان، فما زلنا نفكر في التنازع بدلا من أن ~~نفكر في التعاون، ولا يزال التنازع للآن خطة التعامل الرسمية بين الدول، وأفظع ضروب هذا ~~التنازع هو الحرب، ولكن العالم كله يسير من التباغض إلى التحاب ومن التنازع إلى التعاون ~~وينهزم الوحش في الإنسان رويدا رويدا، ففي العالم الآن محاكم تحاكم أمامها الدول، وفي كل ~~أمة متمدينة جمعيات تتعاون على البر وتنشر العلم والصحة وترفع الكرامة الإنسانية. # ولا عبرة بعد ذلك بأن تبقى في عصرنا أشياء من متخلفات الماضي، كالاستعمار والسجون والرق ~~الاقتصادي، فإن كل هذا سيزول لأن الحب سيتغلب على البغض وسنرى، أو يرى أولادنا يوما ما، حل ~~الإمبراطورية البريطانية واستحالة السجون إلى مدارس ومستشفيات وارتقاء العامل إلى حيث يملك ~~كل ثمرات عمله بدون أن يكون فوقه واحد يعيش من كده ولا ms074 يعمل شيئا لفائدة الناس. # ولكن الحب للأفراد فيما بينهم ليس في ذاته صدقة يتصدق بها الواحد على الآخر، بل خطة تعود ~~بالراحة والسعادة على من يمارسه، فهو لذلك يستحق الثمن الذي ندفعه بما نكلف أنفسنا من ~~معاونة الناس وإبداء الحب لهم بخدمتهم الخدمة النزيهة التي تدل على أن ما نظهره لهم هو طبق ~~ما نبطنه. # الفصل الأربعون # | الحكم بالإعدام # كتب بعضهم وصفا للطرق الشائعة في إعدام المجرمين على المشنقة فأجاد الوصف وأوجع القراء ~~وأوسعهم ألما وخجلا. # ولا أظن أني أنفرد في الشعور بالألم والخجل كلما قرأت هذا الوصف، فإني لا أعتقد أني أرق ~~إحساسا من القراء، فالحكم بالإعدام، وتنفيذ الإعدام، عملان لا يمكن أن يؤديهما إنسان إلا ~~وهو مضطر. بل لقد حدث من مدة قريبة أن الجلاد في باريس قد أقيل من منصبه فرغب في الظهور على ~~المسرح فطرده الجمهور ولم ينفعه اعتذاره بأن الحكومة لم تعين له معاشا بعد إقالته، وذلك ~~لأننا في أعماق نفوسنا نكره كل من يلطخ يده بالدم. # ومع أن العادة تيسر كل شيء وتسهل الصعب فإننا ما زلنا نتألم، على الرغم من تعودنا قراءة ~~أخبار الإعدام، كلما ذكرت الصحف إعداما جديدا لأحد الأشقياء، ونحن جديرون بالفخر لهذا ~~الألم لأنه يدل على أننا قد ارتقينا حتى صار يأبى ضميرنا أن يقنع بحجة العدالة في هذا ~~الانتقام الصريح. # فليس شك في أن الإعدام انتقام، وأنه برهان على العجز في معالجة القاتل، فنحن بالطبع لا ~~نقصد إلى ترقية القاتل بإعدامه، وإنما نقصد إلى المقاصة التي نقول إننا تركناها للأسلاف ~~القدماء، وبقاء الإعدام إلى زماننا هذا وصمة لكل إنسان، وخاصة إذا علمنا أنه ألغى في عدة ~~أمم فلم تزد جرائم القتل بإلغائه. # وإذا كان كل إنسان منا يتألم كلما سمع بخبر الإعدام، وإذا كان جميع من يزاولون تنفيذ ~~الحكم أو يحضرونه يشعرون بالخجل ويخرجون وأعصابهم ممزقة من منظر يغم على أذهانهم ويملأ ~~نفوسهم بالكرب، كأنهم هم المسئولون عن هذه الجناية، فلم لا نلغي هذه العقوبة؟ # إننا نعيش الآن عصرا ms075 تدعونا مظاهره كلها إلى الشك في مبادئه وأغراضه وأخلاقه ونزعاته، ~~فهل يجوز لنا الشك في كل شيء مع الجزم بفائدة الإعدام وحده؟ مع أن الإعدام حاسم لا يمكن ~~الرجوع فيه أو التعويض منه، والإنسان عرضة للخطأ في كل أحكامه، وليس شيء في العالم نحن ~~متأكدون من صحته، فيجب لذلك أن جعل لأحكامنا مجالا للمراجعة والتحرير، ولو رجعنا إلى أحكام ~~الإعدام الماضية التي ذكرها التاريخ في الاضطهادات الدينية والسياسية العديدة لكانت حوادث ~~الإعدام أكبر وصمة في هذه الاضطهادات. # إن كل من يدري شيئا من أسرار النفس البشرية يعرف أن الوحش القديم لا يزال حيا في كل ~~منا، وأنه عندما يطمو بأحد في نزوات الشر فإنه لا قبل له في رده، ومهمة الحضارة استئناس هذا ~~الوحش وتذليله ولكنه يجمح أحيانا ويخرج على العقل وعندئذ نرى القتل. # ولكن تذليل هذا الوحش الكامن بحكم الوراثة في نفوسنا يحتاج إلى عناية بالوسط، فإذا كان ~~سيئا فإن الأرجح أن الغرائز الشريرة الموروثة تتغلب وتنطلق، ومن هنا قال رسكين، الأديب ~~الإنجليزي المعروف، إن العقاب اللائق لأية جناية تقع ألا يؤخذ الجاني نفسه بل يقترع على ~~سكان المدينة التي يقيم فيها ويؤخذ من يصيبه القرعة فيعاقب، وهو يعني بذلك أن الجناية تنبت ~~من الوسط الذي يعيش فيه الجاني، فكل من في هذا الوسط مسئول عنها؛ ولذلك إذا أردنا العقاب ~~فلنقترع عليه ما دمنا كلنا مسئولين. # وخير من معاقبة القاتل بجناية قتل أخرى أن نرقي هذا الوسط، فننشر التعليم والحرية ونقلل ~~التفاوت في الثروة، ومع كل ما نقوم به من ترقية وتفريج للعواطف المحبوسة فإن الوحش القديم ~~سيطمو بنا أحيانا وينزو نزواته، فنرتكب جريمة القتل في أنفسنا وفي غيرنا، ونحن نشفق على ~~المنتحر، ونعرف أن أزمة الأعصاب التي وقع فيها انتهت بالقضاء على نفسه، ولكننا لا نشفق على ~~القاتل، مع أن أعصابه قد تكون أحيانا في أزمة أشد من تلك التي تصيب المنتحر. # وفي السجن المؤبد بدل للقتل # الفصل الحادي والأربعون # | التغلب على المصاعب # أذكرني حادث تعيين الدكتور طه ms076 حسين عميدا لكلية الآداب ثم استقالته منها، بحادث آخر في ~~إنجلترا يصح أن يكون موضوع هذا المقال حتى يرى القارئ كيف يتغلب القلب الكبير والهمة الشماء ~~والنفس العالية على المصاعب والعقبات. # فكما أن العمى لم يمنع الدكتور طه حسين من التفوق حتى يبلغ عمدة كلية الآداب فكذلك هو لا ~~يمنع الآن الكابتن أيان فريزر من أن يكون نائبا في البرلمان الإنجليزي، ولكن أعظم مثال ~~للهمة، تستهين بالعقبات وتتخطاها، هو بلا شك مثال هنري فوصت، فقد صار هذا العظيم مديرا ~~للبريد في بريطانيا العظمى مع أنه كان أعمى. # ولد هذا الرجل سنة 1823 فلما شب التحق بجامعة كمبردج، وكان جميل الوجه مديد القامة ذكي ~~الفؤاد، وكان مغرما بالخيل، فركب جواده في أحد الأيام وخرج في جماعة، ولكن جواده عثر به ~~فسقط هنري فوصت واصطدم رأسه بالأرض صدمة عنيفة نهض منها وهو أعمى لم يبرأ طول حياته من ~~العمى. # ولو أن أحدا غيره نزلت به هذه النازلة لاستسلم لحكم القدر وانزوى عن الحياة العمومية ~~وعاش وادعا في بيته، ولكن فوصت لم يكن ليقر بالهزيمة في الحياة، ولن ينهزم إنسان ما دام لا ~~يقر بالهزيمة. # وهكذا عمد فوصت إلى درس «الاقتصاديات» حتى برع فيها وعينته جامعة كمبردج أستاذا فيها ~~لهذا العلم، وفي أحد الأيام في سنة 1864 كان في بريتون يتنزه فسمع عن خطبة سيلقيها المرشح ~~للبرلمان عن حزب الأحرار، فقصد إلى قاعة الاجتماع ليسمعها، فلما انتهى الخطيب من إلقاء ~~خطبته وقف فوصت وألقى خطبة على سبيل التعليق والانتقاد للخطيب السابق، فاستهوى أفئدة ~~الجمهور حتى اتفق رأي الأحرار على تعيينه هو مرشح البرلمان بدلا من الخطيب. # ولما صار عضوا في البرلمان أخذ يدرس المسائل السياسية ويدأب في فهم تفاصيلها، حتى بلغ من ~~معرفته بشئون الهند أن أطلق عليه اسم «نائب الهند»، وكان أكبر الأعضاء همة في ترويج الإصلاح ~~والدعوة إلى تحسين الأحوال المعيشية، وعرف له الأحرار إخلاصه وذكاءه وهمته فعينته وزارة ~~غلادستون سنة 1880 مديرا للبريد العام، وهذا منصب من مناصب الوزارة، وأدى ms077 فوصت واجبات هذا ~~المنصب الإدارية أحسن أداء، كما نظن أن الدكتور طه حسين كان يؤدي مثل هذه الواجبات بكلية ~~الآداب لو لم يستقل، والعبرة لك أيها القارئ الآن هي الخلق العظيم الذي يستهين بالكوارث ~~مهما حل خطبها، ويتخطى العقبات مهما تراءت عظيمة مخيفة، فهذا العمى الذي يحسبه كل منا أكبر ~~كارثة تنزل بإنسان لم يمنع المستر فوصت من أن يصير وزيرا للبريد في إنجلترا، وليس شيء أدعى ~~إلى تعجيز المرء ومنعه من أن يرقى بنفسه وينافس إخوانه من هذه الآفة. # فاعتبر ذلك أيها القارئ، واعلم أن الفقر والمرض هما دون العمل في الانتصار على المصاعب ~~والظفر بثمار النجاح، ولكن يجب أن يكون لك قلب جريء وهمة شماء ودأب في العمل وإقامة على ~~بلوغ الغاية، فأنت نفس وجسم معا، ولكن نفسك أكبر من جسمك كما أن بصيرتك خير من بصرك، وما ~~دامت نفسك سليمة لم يدخلها الجزع أو الهزيمة، فإن الفقر والمرض والعقبات المختلفة ليست كلها ~~شيئا أمام الهمة الحافزة التي تستثيرها النفس العالية. # فإذا كان الدكتور طه حسين ينال عمدة كلية الآداب، وإذا كان الكابتن أيان فريرر ينال عضوية ~~البرلمان البريطاني، بل إذا كان المستر فوصت يرقى إلى درجة الوزارة، وينال ثلاثتهم هذه ~~المراكز العالية مع آفة العمى التي لا علاج لها، فماذا أنت فاعل بنفسك وأنت موفور الصحة ~~كامل البصر؟ # الحق أن في الأمثلة ما يحفز الهمم الخامدة، ويدعو إلى الثقة بالنفس والإيمان بأن الارتقاء ~~ميسور لكل إنسان حتى مع النقص البادي، بل يكون هذا النقص نفسه حافزا للنفس العالية على ~~الاجتهاد والتفوق، كما هو باعث للنفس الدنيئة على الاستكانة والاعتكاف والفرار من ميدان ~~العمل. # فاجعل من نقائصك حافزا لك يعزيك بالاستكمال في النواحي الأخرى من النشاط ويبعثك على أن ~~تزداد علما وجاها وثروة وخدمة لبلادك، والناس عندئذ يكرمون فيك هذه الهمة التي رفعتك على ~~الرغم من النقص # الفصل الثاني والأربعون # | التسامح الديني # كلما احتدت المناقشة بين خصمين على صفحات الجرائد، وشعر أحدهما أنه مغلوب مفحم، عمد إلى ~~الآخر ms078 فاتهمه بأشياء تعدو حدود المناقشة قد تكون تهمة الكفر إحداها. # ولو أن أحدا اتهم آخر في أوروبا بمثل هذه التهمة لعد هذا منه نهاية الوقاحة؛ لأن العقيدة ~~الدينية تدخل في لباب الضمائر، وليس من الحياء أن نفتش ضمائر الناس لنعرف عقائدهم ونقف على ~~أسرار علاقاتهم مع ربهم، بل ليس من الحياء أن يسأل أحد الناس الآخر عن عقيدته. # ولكننا نحن في مصر ما زلنا بعيدين عن هذا الطور حين نحترم لكل إنسان عقيدته ونكف عن ~~التنقير والتفتيش في قلوب الناس، ولكن يحق لنا أن نسأل أولئك الذين يقذفون خصومهم بكلمات ~~الكفر والزندقة لعلة ولغير علة: هل يمكن أن يكون الإنسان كافرا؟ # إن تاريخ «الكفار» الذين اضطهدوا في أوروبا وفي الشرق يثبت أنهم كانوا أكثر إيمانا ممن ~~اضطهدوهم، فقد اضطهد الرومانيون المسيحيين وقتلوهم تقتيلا فظيعا، ونحن الآن نعرف أي ~~الفريقين كان أكثر إيمانا، واضطهدت جاهلية قريش المسلمين، ثم عاد المسلمون والمسيحيون ~~فاضطهدوا المتصوفين منهم، ونحن نعرف فوق ذلك أن الملك الكافر في تاريخ الفراعنة هو إخناتون، ~~وهو الوحيد الذي آمن بالله ورفض عبادة الأوثان المصرية. # فمعنى الكفر ليس في الحقيقة عدم الإيمان، بل المخالفة في العقيدة فقط. # تعيش في زماننا هذا امرأة هي مصداق ما نقول، نعني بها المسز بيزانت الإنجليزية، فإنها ~~كافرة من حيث مخالفتها للعقائد الدينية الشائعة، ولكنها أكثر إيمانا من أي إنسان على ظهر ~~هذه الكرة، وفي تاريخ حياتها عبرة لأولئك الذين لا يبالون بالتنقير عن سرائر النفوس وقذف ~~الضمائر. # فهذه المرأة نشأت مؤمنة بالمسيحية وتزوجت قسا من قسوس الإنجليز، ولعل هذا الزواج لم يكن ~~حبا لشخصه فقط بل كان أيضا حبا لهذا الإيمان الذي أرصد حياته لخدمته، وعاشت عدة سنين ~~وهي عابدة تصلي لا تهمل فريضة أو نفلا، ثم دب الشك في قلبها وتزعزع إيمانها، وكانت من شرف ~~النفس وعلو الهمة بحيث لا يمكنها أن توارب أو تداري أو تقعد عن الكفاح في سبيل ما تؤمن به، ~~فتركت زوجها وخرجت تدعو إلى الإلحاد بما لها من قوة ms079 ومال وعلم، واتصلت بزعيم الإلحاد في ذلك ~~الوقت، المستر برادلف، فعمل الاثنان معا في نشر الإلحاد في إنجلترا، وكانت لهما مجلة تخرج ~~على الناس كل أسبوع بما يؤذي عواطفهم الدينية، ولكن العلم القليل الذي يدعو إلى الإلحاد لم ~~يطل عليه الوقت حتى تغلب عليه العلم الكثير يدعو إلى الإيمان، فرأت أنه كلما ازدادت توسعا ~~في الثقافة الدينية ازدادت إيمانا وزكا قلبها بالحب للناس واتحدت أنغامها مع أنغام هذا ~~الكون من إنسان وحيوان وجماد حتى صارت تؤمن بوحدة الوجود، وحتى أصبحت زعيمة لهذه الصوفية ~~الجديدة التي تدرس الإسلام والمسيحية والبوذية وسائر أديان العالم وتنشد منها الصلاح والخير ~~والبر. # فهذه المسز بيزانت ليست مسيحية ولا هي مسلمة، ولكنها الآن مسيحية ومسلمة وبوذية، تريد من ~~الدين أن يكون عفو النفس ينبع عن مجاهدة واختيار، فلا يقسر الناس عليه قسرا ويحملون على ~~التعصب له، فهي ترى أن طبيعة الإنسان دينية وأن الإيمان ثمرة تثمرها الناس إذا نضجت. # وهذه المرأة هي الآن فوق الثمانين من عمرها، تعيش معظم أيامها في الهند، وتدرس أديانها ~~القديمة وتطلب من أبنائها الحاضرين أن يستقلوا عن الإنجليز، وقد كافحت الاستعمار الإنجليزي ~~في الهند حتى حبست من أجل الهنود وهي إنجليزية، فمن منا يجرؤ على أن يقول لهذه المرأة بل ~~لهذه الإنسانية العظيمة إنها كافرة، وهي التي كافحت طول حياتها لتحرير ضميرها من أجل الحق، ~~ووقفت في وجه أبناء وطنها من أجل الحق، وآمنت ثم كفرت ثم آمنت من أجل الحق، وكانت كل هذه ~~الجهود عن نفس حرة تأبى الخضوع للعقيدة تقسر عليها ولا تؤمن بها. # الفصل الثالث والأربعون # | الموتى لا يحكمون الأحياء # منذ مدة مات القصصي الإنجليزي المعروف «توماس هاردي»، وأوصى وصية لفتت نظر الكتاب وبعثتهم ~~على انتقاد الميت وتجريح أخلاقه لأنه اشترط في هذه الوصية بأن يكون نصيب زوجته ما دامت لا ~~تتزوج 600 جنيه فإذا تزوجت لم يكن حقها في الميراث سوى 300 جنيه فقط في السنة. # وواضح أن في هذا الشرط من دناءة النفس ما يشبه أو ms080 يشير إلى تلك العادة الهندية التي كانت ~~منذ نحو 70 سنة أو 80 سنة، تقضي بأن تحرق المرأة بعد وفاة زوجها، وقد خففت هذه العادة الآن ~~إلى بقاء الزوجة التي يموت وزجها أرملة مدى حياتها، وليس هذا بالأمر الهين على المرأة ~~الهندية، فإنها تتزوج وتترمل أحيانا قبل أن تبلغ العاشرة أو الخامسة عشرة، فتعيش مدى ~~حياتها في عار الترمل وآلام الحرمان وكتم العواطف، وهي مع ذلك تشكر الحظ الذي لا يقضي عليها ~~بالحرق كما كان يفعل بجداتها. # فوصية توماس هاردي وإن لم تكن في قوة إحراق الزوجة فإنها من نوعها؛ لأن الاختلاف في ~~الدرجة فقط، ففي الهند كان الزوج يخشى بقاء زوجته بعده، ويتوقع حبها لغيره، فكانت تحرق، ~~وتوماس هاردي يخشى أن تحب زوجته رجلا غيره فهو يعاقبها على هذا الحب بإنقاص دخلها السنوي ~~إلى النصف. # وفي كلتا الحالتين ترى الميت يريد أن يحكم الحي، ويجعل نزوات نفسه ونزقات قلبه حية تعيش ~~بعد موته وهو رمة بالية في القبر، وهو في هذه الحال أشبه شيء بذلك الرجل عندنا يوصي بأمواله ~~لبعض الورثة دون البعض، ثم يموت ويترك لهم البغضاء والحسد طول حياتهم، وهذه الدنيا يملكها ~~الأحياء ولا يملكها الموتى، فمن حق الحي ألا يعنته الميت، ومن واجب الميت أن ينام وادعا في ~~قبره ويترك الدنيا وتسوية مسائلها لأبنائها الذين يسعون على أرضها ويتحملون مشاقها ويتمتعون ~~بملاذها. # ونحن نعيش الآن في زمن تجيز فيه حتى الأمم المسيحية الطلاق، بعد أن كانت تنظر إليه ~~الكنيسة كأنه محال، فإذا كان الأحياء يرون زوجاتهم يتزوجن في حياتهم، وينزلون على حكم ~~العقل، فإن واجب الميت ألا يقرر العقوبات لزوجته إذا تزوجت بعد وفاته، وحسبه من حبها تلك ~~الحياة التي قضاها في هناء الزوجية والذكرى التي تمجد اسمه. # وإذا نحن تأملنا معظم القلاقل والإحن في العائلات لم نبعد قليلا حتى نجد أنها ترجع إلى ~~ثورة الأحياء على الأموات، فإنه لما كانت نفس الإنسان تنزع إلى الخلود فهو يرى في أبنائه ~~وأسرته وثروته معنى من معاني الخلود، ms081 ويقرر قبيل وفاته عن سبيل الوصية نظاما يبقى يمثل ~~إرادته ويشير إلى معنى الخلود حين يبلى جسمه في القبر، ولكن طبع الحياة التطور وشأن الزمن ~~التحول، فلا تكاد تمضي على الميت بضع سنوات حتى يصطدم نظامه القديم بالأحوال الجديدة، ويرى ~~الأحياء أنفسهم معرقلين لا يملكون التصرف فيما ينفعهم بما وضعه لهم الأب أو الزوج أو الجد ~~من شروط للحياة التي يعيشونها هم، والتي هم أعرف بمصالحها من هذا المورث الوادع في قبره، ~~الذي كان يعيش حياة لعلها تختلف من جملة اعتبارات عن الحياة التي يعيشها أبناؤه أو ~~أحفاده. # فذلك الزوج الهندي القديم الذي كانت أرملته تحرق بعد موته، وهذا القصصي الإنجليزي الذي ~~يعاقب زوجته إذا تزوجت بعده، وهذا الموصي الذي يزيد وينقص في حظوظ أبنائه ويقيد حريتهم في ~~التصرف؛ كلهم من معدن واحد يريدون أن تبقى إرادتهم خالدة بعد موتهم، وهم يضعون لهذا الخلود ~~المنشود برنامجا هو العنت للأحياء. # وشيء قليل من التأمل في الدنيا يزيل عنا هذا الغرور، ويجعلنا ندرك معنى الخلود الروحي، ~~فنذهب إلى القبر متسامحين راضين أن نترك الدنيا لأبنائها، وإنما أبناؤها هم الأحياء، فهم ~~أجدر من الموتى بتنظيم أحوالهم، والتصرف في شئونهم من حب ومال وعيال. # وما يقال في المواريث يمكن أن يقال مثله أيضا في ما خلفه السلف من ثقافة، فهي ميراث ~~للذهن ولكن هذا الميراث يعرقل أذهاننا ويؤخر رقينا إذا أحيط بما يشبه شروط الواقف أو الموصي ~~بحيث نجبر على التزام الطرق القديمة ونمنع من الانطلاق وحرية التفكير. # الفصل الرابع والأربعون # | العبيد الذين غلبوا نابليون # كلنا يعرف أن زنوج أفريقية عاشوا قبائل مشتتة تتناحر فيما بينها وتغير عليهم الأمم ~~المتمدينة وتسبي نساءهم وأولادهم وتبيعهم في أسواق النخاسة عبيدا يقضون حياتهم في الكد ~~والكدح لغيرهم، وكلنا يعرف أنهم يعيشون في أفريقية عيشة التوحش، تغشى حياتهم الفاقة ويحصد ~~أولادهم الموت وتستعبدهم الخرافات. # وكلنا أيضا يعرف أن نابليون قد قهر أوروبا، وبدل التخوم الفاصلة بين ممالكها كما يبدل ~~الإنسان خطوط الخريطة بقلمه، وهدم عروشا كما يصنع النجار ms082 بعض الأثاث، ومع ذلك فإن نابليون ~~على قوته وجبروته قد انهزم أمام العبيد في جزيرة هايتي. # وقصة هؤلاء العبيد يجب أن تكون ماثلة أمام أعيننا على الدوام مع كفاحنا مع أعدائنا الذين ~~حرمونا من الرقي في الخمسين سنة الماضية؛ لأنه إذا كان الزنوج قد استطاعوا بالاتحاد ~~والأخلاق أن يغتصبوا استقلالهم من نابليون فجدير بنا ونحن نفوق الزنوج في القوة والذكاء أن ~~نحقق استقلالنا أمام الإنجليز. # وجزيرة هايتي تقع في شرق أميركا، وكانت فرنسا تملكها، كما كانت المزارع في أيدي ~~المستعمرين الفرنسيين، والعبيد من الزنوج يكدحون فيها لمواليهم، فلما حدثت الثورة الفرنسية ~~الكبرى وتحطم عرش ملوكها من البوربون، وأعلن الثائرون حقوق الإنسان، بلغت هذه الأخبار ~~السكان في جزيرة هايتي من البيض والسود حوالي سنة 1790، وانشق البيض على أنفسهم بعضهم يدافع ~~عن الملوكية وبعضهم يدعو إلى الجمهورية، وانضم العبيد إلى الجمهوريين؛ لأن الثورة التي ~~أوجدتهم وأعلنت حقوق الإنسان لم تميز بين الأسود والأبيض ، بل أقرت لكل إنسان حقه في الحرية ~~وألغت بذلك العبودية، فلما وقف العبيد على مبادئ الثورة وعرفوا منها حقوقهم الإنسانية ~~انضموا إلى الجمهوريين وقاتلوا الملوكيين من الفرنسيين كما قاتلوا حلفاءهم الإنجليز ~~وانتصروا عليهم، وبذلك استقلت الجزيرة، ولما كان الزنوج يؤلفون الكثرة من السكان آل الحكم ~~إليهم وصاروا هم أسياد البلاد. # ولكن جاء الطاغية نابليون وحاول أن يفسد مبادئ الثورة الشريفة فبعث بالجيوش والبوارج ~~لإخضاع الجزيرة، ولم يكن الزنوج في هايتي بأرقى من زنوج أفريقيا، فقد كانت الخرافات تتحكم ~~في أذهانهم وعواطفهم ولهم كهنة يوهمونهم الضعف بممارسة السحر ويتغلبون عليهم ويبعثون الخوف ~~في قلوبهم، ولكن كانت بينهم طبقة صغيرة من الذين احتكوا بالفرنسيين، وأشربوا روح الثورة من ~~الحرية والمساواة والإخاء، فعمدوا إلى رجل منهم متين الأخلاق فولوه الزعامة، وكان هذا الرجل ~~يدعى توسيه لوفرتور. # وكان أول ما التفت إليه هذا الزنجي العظيم في محاربة نابليون أن عمل للاتحاد بين الزنوج، ~~فقهر الكهنة، وصاح بالناس، وتجاوب الناس صياحه: أن اتحدوا فالاتحاد أقوى من السحر. # ثم عمد بهذه الجموع المتحدة من الزنوج ms083 فقهر الإسبانيين، ثم قهر جيش نابليون الذي كان يبلغ ~~35000 مقاتل وضمن للجزيرة استقلالها في أيدي سكانها الزنوج الأحرار، ووقع هو نفسه أسيرا ~~وحمل إلى فرنسا حيث قضت دناءة نابليون بأن يقتله جوعا، ولكن الجزيرة لم تعد إلى فرنسا بل ~~بقيت مستقلة إلى الآن. # فإذا كان الاتحاد بين الزنوج العبيد يقهر الأمم العظيمة ويتغلب على جيوش الطغاة ويحيل ~~العبودية إلى حرية، فأحرى به أن ينيلنا استقلالنا ويضمن لنا الظفر في كفاحنا مع طغاة القرن ~~العشرين، ولكن اتحادنا لن يكون قويا متينا حتى نبعد عن البلاد كل نعرة يقصد منها الشقاق ~~وتصديع الكتلة الوطنية، فإذا كان في بلادنا عناصر تعمل لهذا الشقاق وتفتح الثغرة التي ينفذ ~~منها العدو إلى صميم الوطن، فإن هذه العناصر يجب محوها ومحقها وإبادتها، فنحن في مركز يتطلب ~~منا جميعا أن نتحد ونقف في وجه خصومنا وقد جندت أجسامنا وعبئت قلوبنا، وما ناله العبيد ~~الذين غلبوا نابليون يمكننا أن ننال نحن مثله أو خيرا منه إذا اتحدنا كما اتحدوا. # ويجب ألا يغيب عن بالنا أن الدعوة إلى الشقاق تتخذ أشكالا عديدة، منها الطعن في الزعماء ~~ومنها الحيف على الأقليات ومنها تحريك الضغائن المذهبية ونحو ذلك مما يجب أن نحذره أمام ~~الطغاة. # الفصل الخامس والأربعون # | خطة الدفاع # من أغرب الظواهر الطبيعية للحياة أن تلك الأحياء التي بالغت في الدفاع عن نفسها وتدرعت ~~بدروع تقيها من الأعداء وقفت عن التطور وكفت عن الارتقاء، فهذا المحار مثلا نشأ منذ مئات ~~الملايين من السنين، أي منذ كان المقطم تغمره مياه البحر، ومع ذلك بقي كما هو قطعة هلامية ~~من اللحم مستكنة في بيت من الصدف لا تتطور ولا ترتقي. # بل هناك من الحيوان أنواع نجحت في حماية نفسها إلى درجة بعيدة أفقدتها بعض حواسها، كما ~~ترى الخلد الذي آثر الاكتنان والاختفاء تحت الأرض على السعي فوقها ففقد عينيه. # فالمحار عاش متدرعا بصدفه ملايين السنين وهو لا يتطور، حتى إننا نجد صدفه للآن في صخور ~~المقطم، والخلد لم يقف عن التطور والارتقاء ms084 فقط بل هو ارتد للوراء، إذ فقد إحدى حواسه، بل ~~أهم حواسه وهي حاسة النظر؛ لأن هذه الحاسة لا تنفع صاحبها إلا إذا كان يسعى في النور ويحتاج ~~إلى التمييز بين الصديق والعدو، أما إذا آثار الاعتكاف واختلاس العيش في الظلام فهو لا ~~يحتاج عندئذ إلى هذه الحاسة الراقية، وما أحرانا نحن بأن نعتبر ذلك فلا نقنع من الحياة بخطة ~~الدفاع، كالمحار والخلد، فنتجنب السعي قانعين بأقل العيش راضين بالاعتكاف كأنما نعيش عيشة ~~سلبية هي نفي الموت فقط. بل يجب أن نسعى ونقتحم الأخطار ونتصدى للعقبات نمهدها أو نزيلها، ~~ونهاجم الطبيعة فنكتشف فيها ونخترع ونرتقي من الحسن إلى الأحسن. # إن الحياة درجات، فمنها حياة النبات وهي أحط حياة، ومنها حياة هذا المحار وهي أقل من ~~حياتنا وقت النوم، ثم تتدرج من ذلك إلى أن تبلغ الإنسان الذي يلقى من هموم الدنيا أكثر من ~~أي حيوان آخر، ويعيش ملأ حياته تجارب واقتحامات وآلاما وملذات. # ومن الأمثال الحربية التي تنطبق على الحياة المدنية أن أمثل الطرق للدفاع هي الهجوم، فإذا ~~كنا نخشى الفقر فليس سبيلنا إلى اتقائه أن نحتفظ بالقليل الذي نملكه ونحوطه ونصونه قانعين ~~منه بأتفه العيش وأخسه، بل نتقي الفقر باستغلال هذا القليل وتأثيله في عمل ما كي يربو ويزيد ~~مع ما في هذا الاستغلال من التعرض للخطر، فالثروة ليست نتيجة الادخار والاتقاء بل هي نتيجة ~~الاستغلال والمغامرة. # وهنا يخطر ببالي أن أقابل بين الإنجليزي والفرنسي، فالإنجليزي مغامر لا يدخر قرشا ولا ~~يعرف التقتير، خطته في الحياة الهجوم؛ ولذلك فقد أثرى وتفشى في العالم وصارت له إمبراطورية ~~تتمطى حول الكرة الأرضية. أما الفرنسي فيقنع من الدنيا بالدفاع فهو لذلك معتز، لامرأته ~~وسائل عجيبة كريهة في التقتير، ثم هو لا يأكل ولا يشرب ولا يتناسل ولا ينفق إلا بحساب، كأنه ~~يخشى الدنيا؛ ولذلك فهو فقير إذا قوبلت أحواله بأحوال الإنجليزي الذي يهاجم الدنيا ويؤثل ~~أمواله في الصين ومصر والهند وأمريكا. # وكلنا من حيث المزاج نجري على إحدى الطريقتين: إما الدفاع والاحتماء ms085 وإما الهجوم والتصدي، ~~وليس هذا شأننا في الثروة فقط بل هو أيضا شأننا في نشاطنا الذهني، فمنا من يقنع بدرس كل ما ~~هو مألوف مأمون، بل أحيانا يبالغ في هذه الخطة حتى ليطلب الرقابة على الأدب وتقييده ومنع ~~الأدباء من المخاطرة والمغامرة، كأنه يطلب من الناس أن يعيشوا عيشة المحار بعيدين عن التعرض ~~لأي خطر، وهذه خطة الدفاع والاحتماء. # ثم منا من ينزع نزعة الجراءة فلا يحجم عن اقتحام كل خطر، يطلب من الأدب أن يكون حرا ~~مكشوفا يتناول كل موضوع ويترخص في كل بحث ويهاجم كل عقبة؛ لأن الذهن الإنساني يموت ~~بالادخار والحصر ويحيا بالإقدام والانطلاق، وهذه هي خطة الهجوم والتصدي. # فلكي نعيش جدا ونحيا ملء حياتنا الإيجابية، يجب أن نتصدى للدنيا وننبري لتذليل عقباتها ~~ونجعل الهجوم وسيلة الدفاع في المال والذهن، فلا ندخر كالفرنسي بل نستغل ونؤثل كالإنجليزي، ~~وإذا كان في الاستغلال مخاطرة فلنقبلها راضين بما لها من عوض في الزيادة والنماء ~~والارتقاء. # فالهجوم والتصدي والمغامرة هي صفات الحياة العالية، تلك الحياة التي ترضى بالارتقاء ~~فترتقي وتتطور ولو كان في ارتقائها فناؤها. # الفصل السادس والأربعون # | في شرف الهزيمة # قد يكون من الهزائم للأمم والأفراد ما هو أمجد وأشرف من الانتصارات، فهذه فرنسا مثلا بعد ~~أن أعلنت الثورة الكبرى وأذاعت مبادئها على العالم عادت فانهزمت، واضطرت إلى الإقرار بأن ~~مبادئها ليست حقة فكانت هزيمتها هذه شريفة؛ لأن كل إنسان يقرأ تاريخ تلك الثورة يعرف أنها ~~ليست ثورة فرنسا فقط بل ثورة الإنسان كائنا ما كان؛ لأنها أعلنت حقوقه ورفعت شأنه وباتت ~~مصباحا تستضيء به كل أمة في العالم، حتى إن طغيان نابليون، ثم اتحاد الأمم عليها ورد ~~الملوكية إلى عرشها، كل هذا لم يقتل مبادئ الثورة بل بقيت حية أمام هذه الهزائم وعادت في ~~النهاية إلى الانتصار. # وأقرب من هذه الثورة تلك الهزائم التي نزلت بالأمة الصينية في حرب جائرة أعلنتها عليها ~~الإمبراطورية البريطانية كي تقسرها على شراء الأفيون بعد أن كانت الصين قد منعت زراعته ~~والاتجار به وتدخينه، ms086 فإن هذه الإمبراطورية حاربت الصينيين وقهرتهم وأجبرتهم على شراء ~~الأفيون، فكانت الصين مجيدة في هزيمتها، شريفة في مذلتها أمام هذا العدو المنتصر الذي طغا ~~عليها بحروبه واضطرها إلى شراء السم لأبنائها. # ومن الهزائم المجيدة أيضا تلك الهزيمة التي نزلت بنا في سنة 1882 حين وقف عرابي بجيشه ~~يدافع عن الدستور وعن الوطن بينما الخديوي قد انضم للأعداء، فكان عرابي في هزيمته أسمى من ~~الخديوي في انتصاره، وذلك لأن الأول كان يدافع عن الحق فانهزم، بينما كان الثاني يدافع عن ~~الباطل فانتصر. الحق مهزوما أمجد وأشرف من الباطل منصورا. # ومن الهزائم الشريفة هزيمة الدكتور ولسون حين خرج مجاهدا في سبيل السلام يدعو الأمم إلى ~~إلقاء سلاحها وإنشاء عصبة الأمم كي تكون المحكمة العليا للعالم كله، وقد انهزم ولسون أمام ~~الحلفاء ولكن هزيمته كان أشرف من انتصارهم إذ كان هو يعمل للصراحة والحب والوفاء وكانوا هم ~~يعملون للمواربة والكراهية والغدر. # وكما أن مبادئ الثورة الفرنسية قد عادت فانتصرت، وكما أننا الآن ندافع عن الدستور الذي ~~انتزعه عرابي من الخديوي ونرفع المبادئ التي كان يرفعها، كذلك ستنتصر مبادئ الدكتور ولسون ~~على دهاء الساسة الذين خدعوه، وإذا لم يكن هذا الانتصار عاجلا فهو آجل. # وعبرتنا نحن الأفراد العاديين من هذه الأمثلة ألا نبالي بالهزيمة إذا كانت في سبيل الحق، ~~وأن نؤثرها على الانتصار في الباطل، وأن نطمئن إلى هذه الهزيمة لأنها هي في الواقع انتصار ~~أو تهيؤ للانتصار، وذلك لأن الحق لا يهزم إلا إلى وقت وميعاد إذا آن فيهما أوانه ظهر على ~~الباطل وأزهقه. # وما أحرانا بأن نتذكر ذلك في كل مناقشة أو جدال يحمل فيه أحد المتناقشين على خصومه ~~بالسباب واللعن، فإن عندنا طائفة من الكتاب يبدو مما يكتبون أنهم لم يتعلموا اللغة العربية ~~إلا ليصيدوا منها كل لفظة مفزعة يرمون بها خصومهم، حتى لينقلب الجدل بينهم إلى مهاترة تشبه ~~المفاحشة التي تسمع من السفلة غير أن ألفاظها عربية وألفاظ هؤلاء عامية، ففي مثل هذا الجدل ~~تكون الهزيمة أشرف من الانتصار. # ويجب ms087 أيضا ألا ننسي ميدان السياسة حيث يفوز الخطيب المفوه الذي يستثير عواطف الجمهور بما ~~يخيله لهم من آمال كاذبة على ذلك السياسي الرصين الذي يسكن إلى الحقائق ولا يتطوح مع ~~الأوهام، فإن مثل هذا الفوز لا يشرف صاحبه كما أن هزيمة الآخر لا تعيبه. # الفصل السابع والأربعون # | المناقشات حول الأدب # كتب مدير جامعة شيكاغو مقالا جاء فيه قوله: # لما كنت طالبا في غوتنجن في ألمانيا كانت هناك جالية من الطلبة الأمريكيين ~~الملتحقين بجامعتها، وكانوا منقسمين فئتين إحداهما تنوي درس اللغة الألمانية فقط ~~والأخرى تنوي درس موضوع بعينه من المواضيع التي تدرس بالجامعة كالعلوم مثلا، فلما ~~مضى علينا نحو ستة أشهر اتضح أن أولئك الذين قصروا همتهم على تعليم اللغة لم يعرفوا ~~من اللغة الألمانية مقدار ما كان يعرفه أولئك الذين جاءوا لتعلم شيء آخر غير ~~اللغة. # وأظن أننا نحن هنا في مصر نرى مصداق هذا الكلام، فأولئك الذين يختصون بدرس النحو واللغة ~~والبلاغة والبيان ليست لهم تلك القوة على الأداء والبيان التي لأولئك الأدباء أو العلماء ~~الذين يمسون موضوعات الحياة ويكتبون عنها، وهذا يدلنا على أن اللغة ليست موضوعا يدرس بذاته ~~بل هي يجب أن تدرس عرضا بدرس موضوع آخر، وكذلك الأدب ليس سبيل التفوق فيه أن نعرف أقسامه ~~وأساليبه وأصوله وفروعه، بل أن نعمد إلى الحياة ذاتها فندرسها كما هي في طبيعتها بحيث إذا ~~كتبنا عنها لم نعد الحقائق الحية، وذلك أن موضوع الأدب هو حقائق الحياة، فأحسن الأدباء ~~وأنفعهم للقراء ليس هو ذلك القادر على سرد قواعد اللغة والوقوف على ما فيها من ثروة لفظية ~~يحفظها عن ظهر قلب وهو قابع في غرفته بين الكتب والأقلام، بل هو ذلك الذي يختلط بالناس ~~ويدرس مسائلهم الاجتماعية والاقتصادية، يعرف كيف يعيشون وكيف يموتون وكيف يحبون ويكرهون؛ ~~لأن موضوع الأدب هو الحياة التي إذا وقفنا على شيء من أسرارها تفتحت لنا أبواب المعاني ~~وانقادت لنا اللغة في التعبير عنها. أما إذا أردنا أن نتعلم الأدب بدرس اللغة فإننا لا نخرج ~~من ms088 هذا الدرس إلا بصورة حائلة عن أصلها ومسخ بعيد الشبه عن الحياة. # نكتب هذا بمناسبة المساجلات التي عقدت حديثا بشأن الأدب وهل يجب أن يكون مكشوفا أو ~~مستورا، وهل الأدب العربي فيه ما يشبع الأديب المصري أولا، وهل يجب أن يكون المصريون ~~القدماء أساس الثقافة أولا، وأيضا ما يقوم أحيانا من مناظرات عن كفاية اللغة العربية أو ~~نقصها، ونحو هذا من الأبحاث التي تشبه وضع القواعد للأدب، وأنا أرى أن الأدب لا يثمر بهذه ~~الأبحاث. # وإنما سبيلنا في الأدب أن ندرس الحياة من جميع وجوهها، لأن الأدب وصف الحياة ونقدها، ~~والتوسعة فيها، بإظهار القارئ على ما يجهله من معانيها وإرشاده إلى الطريقة المثلى للمعيشة، ~~فليست الغاية من الأدب أن نكتب ونجيد الكتابة الأدبية بل أن نعيش من المعيشة الأدبية؛ ولذلك ~~فالقاعدة الوحيدة للأدب هي أن يطابق الحياة المثلى ويصورها، ولهذا يحتاج الأديب كي يبلغ هذه ~~الغاية أن يدرس كل ما يتصل بالحياة من أنظمة اجتماعية إلى اكتشافات علمية إلى مضاربات ~~فلسفية، ولهذا السبب فإن المحامي أو الصحفي أو الطبيب أو النجار الذي لم يشتغل قط باللغة أو ~~الأدب يعرف منهما أكثر مما يعرفه أولئك الذين عنوا بدرسهما من الكتب والمعاجم؛ لأن هذا قد ~~مس بضاعته ناحية من نواحي الحياة وباشرها ونفذت بصيرته إليها أما هؤلاء فلم يعرفوا من اللغة ~~والأدب سوى نوع من التحنيط المعنوي، ومما يزيد صدق ما نقوله ونؤيد به قول مدير جامعة شيكاغو ~~أنه ليس عند الإنجليز مجمع علمي، ومع ذلك فإن اللغة الإنجليزية الآن أوسع من اللغة الفرنسية ~~ألفاظا والأدب الإنجليزي أغزر مادة وأوفرها مواضيع من الأدب الفرنسي؛ لأن الإنجليز بتعلقهم ~~بالعلوم زادوا اتصالهم بالحياة فاتسع بذلك أدبهم، أما الفرنسيون فبإدمانهم الكلام عن الأدب ~~وأصوله وقواعده ابتعدوا قليلا عن الحياة ورفعوا من شأن الصنعة، فصرنا نجد في أدبهم لذة ~~الموسيقى دون الهداية التي نهتدي بها في الحياة، وخلاصة القول أنه كما يجب أن نجعل الموضوع ~~وسيلة لدرس اللغة كذلك يجب أن نجعل الحياة وسيلة لدرس الأدب. ms089 # الفصل الثامن والأربعون # | أسطورة قديمة جميلة # من الأساطير الصغيرة التي يدبجها الشاعر الإنجليزي كبلنغ ببراعته، وكأنه يرسمها بريشته، ~~هذه الأسطورة الفريدة التي نقلها عن ديانة البراهمة، قال: # حدث في أحد الأزمان، أو عندما كان الزمن مبتدئا في ميلاده وعندما كانت الآلهة ~~جديدة لم تعرف لها بعد أسماء، وحين كان الإنسان ما يزال جسمه نديا بالطين الذي ~~جبل منه، أن هذا الإنسان نفسه وقف وتصدى للآلهة وادعى أنه هو أيضا إله. # ففحصت الآلهة ما قدمه من بينات ووزنتها فوجدت أن دعواه صادقة. # ولكن هذه الآلهة بعد أن سلمت بدعوى الإنسان تسللت إليه في الخفاء واختلست منه هذه ~~الألوهية، وهي تنوي أن تخفيها عنه حتى لا يهتدي لها أبدا، ولكن هذا العمل لم يكن ~~سهلا، فقد قالت الآلهة لنفسها إنها إذا أخفتها في أي مكان في الأرض فإن الإنسان لن ~~يترك حجرا في مكان حتى يقلبه في البحث عنها والاهتداء إليها. ثم هي إذا أخفتها ~~عندها فإنها تخشى أن يصعد الإنسان إليها في السماء ويقتنصها منها. # وبينما الآلهة جميعها في حيرة إذ تقدم إليها أعقلها وأحكمها وقال: اتركوا لي هذه ~~المسألة فأنا أحلها. # ثم قبض بيده على هذه الشعاعة الصغيرة المضطربة التي تحتوي على ألوهية الإنسان، ~~فلما صارت في قبضته، بسط كفه وإذ بها قد طارت منه، وعندئذ قال: هذا حسن. لقد ~~أخفيتها حيث لا يستطيع الإنسان أن يحلم بمكانها. أجل، إني أخفيتها في الإنسان ~~نفسه. # ومغزى هذه القصة أو الأسطورة الجميلة يدركه كل من قرأ تاريخ الصوفيين من قدماء العرب ~~ومحدثي الأوربيين، بل أيضا من يقرأ الفلاسفة الجدد مثل جيمس أو برغسون. # ففي نفس كل منا شعاعة صغيرة تضطرب، هي هذه البصيرة القدسية التي ترفعنا أحيانا فوق ~~عقولنا فنعرف منها من المواقف والمآزق الحرجة أننا أشرف مما كنا نظن، وأن فينا من السمو ~~والعظمة ما لم يكن يخطر لنا في بال. # فهذا العقل الذي يسوقنا إلى الأنانية البشعة، ويحضنا على التنافس والتحاسد، ومغالبة الغير ~~على ما في أيديهم، والاستزادة من العقار، ms090 والتقلص في ثنايا الشح، والتقتير بالمال والحياة، ~~ينهزم أحيانا أمام هذه البصيرة القدسية، فترانا نضحي بأنفسنا في سبيل البر والخير يتمتع ~~بهما غيرنا حين نكون نحن أشلاء أو رمادا، فالعقل مادي، وهو يطلب الأثرة، ولكن هذه البصيرة ~~التي أخفتها الآلهة في أنفسنا، كما تقول الأسطورة الهندية، تغرينا بالإيثار وتدفعنا إليه ~~فنسمو ونرتفع فوق أنفسنا، فنحقق بالدفاع عن الوطن أو الحرية ما نترك ثمرته لغيرنا بينما لا ~~ننال نحن منه سوى التضحية بأنفسنا، فلو كنا أنانيين نقنع من الدنيا بمصلحتنا الذاتية لما ~~رضي واحد منا بأن يضحي بنفسه. # فمن هذه التضحية ندرك أننا أشرف مما نظن، وأننا نضع مصلحة الناس والعالم فوق مصلحتنا ~~الشخصية، وأن لنا بصيرة سامية تدرك مصلحة الكون وتتغلب في الأزمات على صوت العقل فتكشف لنا ~~بذلك عن هذا السر الذي أودعته الآلهة قلوبنا خفية كما تقول الأسطورة، أو عن ذلك القبس الذي ~~يشع في قلوبنا من ذلك العنصر الذي يبعث الحياة في الأجسام كما يقول برغسون. # وليست التضحية بالبرهان الوحيد على أننا نسمو فوق عقولنا ونؤثر مصلحة الكل على مصلحتنا ~~التي هي الجزء، بل هناك مثلا ذلك النوع من البر الذي نقهر عليه قهرا ونعرف أن فيه تلفنا ~~ولكننا مع ذلك نتشبث به، كما يحدث عندما ندعو إلى مذهب نبغي تحقيقه أو مثل أعلى ننشده، ~~فنشعر عندئذ أن بصيرتنا بالحياة تتغلب على عقولنا وتسوقنا بل تسخرنا لأغراضها السامية ونحن ~~راضون بما نلقاه من خسف ومشقة في سبيل هذه الأغراض، وربما كانت ميزة الأديب على العالم أن ~~بصيرته تملك عليه عقله. # وخلاصة القول أن في نفوسنا شعاعة صغيرة من النور أخفتها الآلهة، فعلينا أن نلتمسها لأنها ~~هي الصلة التي تربطنا بالكون وتصلنا بعنصر الحياة الشاملة لجميع الأحياء، وهي البصيرة التي ~~ترفعنا فوق العقل والأنانية والمادية. # الفصل التاسع والأربعون # | أجمل الأشياء # الجمال كالسعادة، إذا تحراه الإنسان ألفاه في كل مكان؛ لأنه حالة في النفس التي تنشده، ~~وكما أن كل إنسان ليس قادرا على السعادة إلا بمقدار ما عنده من ms091 الاستعداد الذاتي لها، كذلك ~~ليس كل إنسان قادرا على فهم الجمال وإدراك معانيه إلا بمقدار ما في نفسه هو من عناصر ~~الجمال؛ وذلك لأننا لا نقر بأن هذا المخلوف الحي أو الجامد، النبات أو الحيوان، جميلا ما ~~لم تكن العناصر التي يتألف منها جماله مغروسة في أنفسنا قبل أن نراه. # وبعبارة فلسفية نقول إن الجمال ذاتي وليس شيئا موضوعيا، ولكن هذا تقعر يبعدنا عن ~~السهولة التي نتوخاها في هذه المقالة، فالجمال مع أنه أغلى الأشياء وأثمنها فإنه أيضا أشيع ~~الأشياء وأقلها كلفة للاستمتاع به، ففي أنفاس الصباح العطرة جمال يدركه أولئك الذين ما تزال ~~فطرتهم سليمة فلا يفسدونها بالسجاير يدخنونها؛ لأن في نسيم الصباح عبقا أعطر من عبق ~~الدخان، ولقد كان الأديب الإنجليزي «رسكين» يعجب من المدخنين كيف يدخنون ويحرمون أنفسهم من ~~نسيم الصبح. # وهذا يذكرنا بما يقوله غاندي ذلك الهندي العظيم الذي يدعو إلى الفطرة ويخفف عنا بذلك ~~شيئا من تكاليف الحضارة وإلحاحها علينا في أن نعيش عيشة صناعية حافلة بالمنبهات القوية ~~والطعام الدسم والسهر المتوالي، فهو ينصح لنا أيضا مثل رسكين بأن نتوخى الجمال في رؤية ~~الطبيعة وهي تستيقظ من رقدة الليل، ونمشي حفاة الأقدام على التراب الندي في وسط الحقول، ~~وبين العشب والزهر، حين ننفرد بالجسم ولكننا في انفرادنا لا نشعر فيه بالوحشة لأننا نستأنس ~~بالطبيعة التي تقربنا من الكون وخلائقه فتزيد الوشائج، ويتأكد الاجتماع الروحي بيننا ~~وبينها، فيفعم الحب قلوبنا ونحس في لحظات بذلك الطرب الذي يكشف لنا عن مصالح روحية أسمى ~~وأبقى من هذه المصالح الصغيرة التي تستهلك وقتنا في الحضارة. # إن الإحساس بالجمال يسري في النفس بمقدار استعدادها للحب؛ ولذلك فإن رجل الفن العظيم، ~~الذي ينشد الجمال في قصيدة أو تمثال أو مقال أو قصة، هو أيضا رجل الحب العظيم، ولهذا السبب ~~تجد للحب تلك المكانة العليا في الأدب، ومحال أن تجد رجلا يثقل صدره الحقد والأنانية يمكن ~~أن يكون أديبا ساميا. # وأسمى الأدباء وأخلدهم ذكرا هو «دستؤفسكي» رجل الحب والجمال، فقد كان يرى ms092 الجمال في كل ~~شيء ويحب كل شيء وينصح لنا بأن نحب العالم كله ونقبل التراب الذي ندوس عليه؛ ولذلك فإن ~~القارئ يقرأ قصصه وكأنه يقرأ صلاة سامية يخشع فيها له خشوع المحب لحبيبته الذي يجثو أمامها ~~ويطرب للدموع تتساقط من عينيه والقبلات الحارة تنطبع على قدمي حبيبته. # والجمال يشغل العالم كله، ولكنه يتفاوت، ولعل أجمل الأشياء هم أطفال الإنسان والحيوان، ~~ففي طفل الإنسان عالم من الجمال قد انطوى في جرم صغير كأنه العطر يجمع من حقل من الورد في ~~قنينة صغيرة، ففي جسم الصغير حكمة الآباء وتاريخ الملايين من السنين، وفي نفسه تشوف الإنسان ~~إلى المستقبل ورغبته في السمو والنزوع إلى التقدم. بل يكاد الطفل يكون أحد الأصول في بزوغ ~~حاسة الجمال عندنا، فإن لفظة «لطيف» التي تعني الآن الجميل لم تكن تعني في أصل وضعها سوى ~~الصغيرة؛ وذلك لأننا نستجمل كل شيء وكل مخلوق صغير. # بل طفل الحيوان نفسه لا يقل جمالا عن أطفال الإنسان، فقلوبنا تظفر إليه حبا وحنانا، ~~فما نرى حملا أو جروا أو خنوصا حتى نحنو عليه ونمسحه ونتأمل تلك السذاجة في وجهه وهذا ~~الاستسلام البريء لنا في حركاته ونظراته فنعشقه ونحوطه بعنايتنا وخدمتنا، ونحميه من كل ما ~~يؤذيه. # ولكن نعود فنقول إن الجمال «ذاتي» فنحن لا نستجمل العالم وكائناته إلا بمقدار ما في ~~نفوسنا من جمال؛ ولذلك فأجملنا نفسا هو أكثرنا استمتاعا وأكثرنا حبا وأبعدنا عن ~~الكراهة. # وإذا كان الإحساس بالجمال والإحساس بالحب طبيعتين فإن التربية تزيدهما، كالرقص يعلمنا ~~الرشاقة في المشي أو كالخطابة تعلمنا إجادة الإلقاء، فيجب أن نربي أنفسنا على التفتيش عن ~~الجمال ونقمعها عن الحقد والكراهية. # الفصل الخمسون # | سعة الصدر وحاجتنا إليها # ربما كانت سعة الصدر من أهم علامات الرجل المهذب الذي تثقف بمختلف الآداب والعلوم، كما هي ~~أيضا من أهم شروط الحضارة، فالرجل الذي غذا نفسه، وثقفها، ووقف على آراء المتقدمين ~~والمتأخرين، لا يسعه أن يتعصب لفكرة سوى الفكرة القائلة بحرية الرأي، أي القائلة بعدم ~~التعصب، فهو يستطيع أن يتحمل كل ms093 نقد ويتسامح فيه لأنه لسعة ثقافته قد وقف على آراء الكثيرين ~~المختلفين وقدر وجهات نظرهم وعرف حسناتها كما عرف سيئاتها. أما الرجل الجاهل فيتعصب لرأي أو ~~فكرة ويحتد في الدفاع عنها لأنه قاصر عن الوقوف على وجهات النظر التي تخالفه. # وسعة الصدر أيضا من الشروط اللازمة للحضارة، وهي هنا تسمى التسامح، فليست تقوم في العالم ~~حضارة بلا تسامح، وذلك لأن الأمة بطبيعتها تنقسم في الآراء والمذاهب طوائف متباينة، فإذا لم ~~تسامح هذه الطوائف، وإذا لم ترض لغيرها بالوجود كما ترضى لنفسها به، فإن التعصب يدفعها إلى ~~التناحر الذي قد ينتهي بحرب أهلية فيها فناء الأمة وحضارتها، والتسامح هو الرضى بالآراء ~~المخالفة ولو كان في التصريح بها ما يؤلمنا بعض الألم، فكل منا بطبيعته غيور على أن يرى ~~آراءه الشخصية أو الطائفية فاشية حوله، ولكن لا يمكن أن تقوم حضارة حتى تتسع صدورنا لآراء ~~الغير الشخصية والطائفية، ولو كنا نشعر ببعض الألم أو قد يصيبنا قليل من الأذى لنشرها. أي ~~أننا يجب أن ننزل عن شيء من مصالحنا تسامحا ومحافظة على الحرية الفكرية. # وهذا يؤدي بنا إلى القول بالتسامح في النقد، نتقبله دون احتداد أو شكاية ما دامت النية ~~حسنة والغاية المنشودة هي الخير، بل يجب علينا أن تتسع صدورنا للنقد وتعده عاملا من عوامل ~~التقويم؛ لأن الإنسان مفطور على الزهو والغرور فإذا قرأ نقدا من أحد الخصوم رأى نفسه كما ~~يراه غيره فينقشع عنه الزهو ويقيم من نفسه ما اعوج، وقد نتألم لهذا النقد ولكن النظر الصادق ~~للمصلحة يجب أن يزيل هذا الألم. # وهنا يجدر بنا أن نقول إن الأحرار، أو الحريين، الذين لا تخلو أمة من حزب لهم في أوروبا ~~إنما يقصدون من هذه اللفظة السخاء وسعة الصدر كما يقصدون منها الحرية، فحزب «الأحرار» هو ~~حزب الأسخاء الذين يقولون بعدم الضن بالإصلاح على الطبقات الفقيرة، فالرجل الحر ليس هو الذي ~~يطلب الحرية لنفسه فقط بل هو أيضا ذلك الذي يحس بالأريحية وسخاء النفس وسعة الصدر، ومثل ~~هذا الرجل ضروري ms094 لكل هيئة اجتماعية راقية. # وقد انتهى الناس من التعصب الديني، وعرفوا أن التسامح في العقيدة الدينية هو خير ضمان ~~للسلم والأمن، بعد أن قضوا مئات السنين في الحروب الدينية التي لم ترد أحدا عن عقيدته ~~ولكنها بللت الأرض بالدماء وزادت الأحقاد والضغائن وأخرت الأمم ودمرت الحضارة، وصار الناس ~~الآن تتسع صدورهم للاختلاف في المذاهب الدينية وباتت الحرية الدينية أساسا من أسس ~~الحضارة. # ولكن الاختلاف في المذاهب السياسية قد أوشك أن يأخذ المكان القديم الذي كان للاختلاف في ~~المذاهب الدينية، فامتلأت النفوس إحنا وضغائن كثيرا ما بعثت الأيدي المجرمة على ارتكاب ~~الجرائم، وصار هناك نوع من الهوس السياسي يشبه ذلك الهوس الديني القديم حين كان يشعر كل ~~إنسان أنه على حق، بل يحتكر الحق، وأن غيره من الخصوم على باطل، لا يعرف سوى الباطل، وليس ~~هذا الهوس أو التعصب إلا دليلا على ضيق الصدر وقلة الثقافة؛ لأن الجاهل لجهله مناحي الفكر ~~الأخرى يتعصب لفكرته ، أما العالم فلعلمه بها وتوسعا في الدرس يرى في نفسه من التسامح وسعة ~~الصدر ما يمنعه من التعصب، والرأي السياسي عند العالم المثقف لا يعدو أن يكون رأيا يقبل ~~التنقيح والإبدال، ولكنه عند الجاهل عقيدة راسخة لا تقوم على عقل ورؤية، فلتكن دعوتنا إلى ~~التسامح وسعة الصدر للنقد، ولتكن أدواتنا التي نتوسل بها إلى ذلك زيادة المعرفة ونشر ~~الثقافة بين الناس حتى لا يقتصروا على وجهة واحدة من الرأي تتجمد في نفوسهم فتصير عقيدة ~~راسخة، بل نعمل على إضعاف روح التعصب بزيادة الثقافة بينهم حتى لا يرون ما للشيء أو للشخص ~~فقط بل يرون ما عليه أيضا. # الفصل الحادي والخمسون # | البذرة # «فلتكن تلك البذرة الحسنة أو القدوة الفاضلة للجيل القادم» # عند الألمان أمثولة تقصها الأم على ابنها، ويرويها الكبير للصغير كي تكون غرسا صالحا ~~يلذ لهم ويوجه قوى الناس للخير والبر. يسمعها الصبي فتنطبع بذهنه، وتختلط بدمه وتتأصل في ~~عناصره، فإذا شب عمل بها واتجه نحو الغاية المقصودة منها، والمثل الشائع بين الأمة كمثل ~~الأمثولة التي تقص ms095 على الصغار للعظة والعبرة، كلاهما يدل على عقلية هذه الأمة وما تتشوف ~~إليه. بل يكن معرفة طبائع الأمم وأخلاقها من أمثالها. # يقول الألمان في أمثولتهم: ~~«إن سائحين كانا قد نزلا في قرية، فبينما هما قاعدان في خان إذا بنار قد شبت في ~~القرية # فقال أحدهما: ليس هذا شأني. # ولكن الآخر نهض، وعدا نحو النار، فأنقذ بعض الناس وكثيرا من الأثاث، فلما عاد إلى رفيقه ~~سأله هذا: ومن أمرك بأن تخاطر بنفسك لمصالح غيرك؟ # فقال الرجل الشهم: إن الذي أمرني بهذا هو الذي أمرني بأن أدفن البذرة كي تنبت ~~وتكثر. # فقال الآخر: ولكن لو كنت أنت قد دفنت في هذه النار؟ فأجابه الثاني: إذن كنت أكون هذه ~~البذرة». # فهذه أمثولة جميلة، لو أن أحد شعرائنا وضعها في مقطوعة يحفظها الصغار، لكانت من خير ~~المحفوظات التي تقوم الأخلاق وتغرس في نفس الناشئ روح البذل والتضحية، ففيها معنى الإيثار، ~~وبذل النفس لمصلحة الغير، ثم فيها هذا المعنى الخطير وهو أن كل كلمة نتفوه بها أو عمل نعمله ~~هو بمثابة البذرة التي تنبت وتثمر آلاف البذور. # وهذا يبعثنا إلى أن نحاسب أنفسنا، فلا نزرع من البذور إلا أصلحها فكلمة السباب التي ننطق ~~بها أو نكتبها هي بذرة سوء، ستنبت كالشوك بين الجيل الجديد الذي ينشأ على تعلمها والتلفظ ~~بها، وخواطر الحقد والحسد والجبن والأثرة التي نتفوه بها أو نكتبها ستجد صدى في نفوس الذين ~~يسمعونها أو يقرءونها فينشئون عليها نشأة سيئة. # فكل منا زارع، وما من عمل نأتيه أو كلمة نتفوه بها إلا وهي بمثابة البذرة تنمو وتربو ~~وتثمر الثمرة الصالحة أو السيئة، وذلك لأننا نعيش بين الناس، فهم قدوة لنا ونحن قدوة لهم، ~~وهم يتأثرون بأعمالنا وأقوالنا كما نتأثر نحن بهم، وأكبر عامل في الأخلاق، بل يكاد يكون ~~العامل الوحيد فيها، هو القدوة، فنحن ننشأ على غرار من حولنا من الناس الذين نعاشرهم أو ~~نلابسهم في معاملة أو زمالة أو نحو ذلك، ومرجع هذه القوة التي نراها في القدوة هو ما فطرنا ~~عليه ms096 من المحاكاة لغيرنا، فنحن نحاكي الناس في حركاتهم وكلامهم وأعمالهم على غير وعي منا، ~~بحيث إننا نحب ونكره الناس والأشياء، أو نعجب بهم، في أكثر الأحيان إن لم نقل فيها كلها، ~~تقليدا ومحاكاة وليس عن سبيل التفكير والاختيار، فإذا كان هؤلاء الناس يبذرون البذرة ~~الصالحة في القول والعمل نشأنا مثلهم، وإذا كانوا عكس ذلك ينطقون بهجر القول ولا يستحيون من ~~فاسد أعمالهم فإننا نقتدي بهم ونسير سيرة السوء التي يسيرون عليها، ومن هنا نفوذ الكاتب أو ~~الزعيم، أو أي إنسان آخر له وجاهة المال أو الحسب أو المركز، فإنه يستطيع بالقول أو العمل ~~أن يكون قوة للخير أو الشر وأن يكون بذرة تنبت للجيل الذي يليه فينتفع أو يستضر بها في ~~أخلاقه، ويجب لهذا السبب أن تكون فينا روح ذلك الألماني الذي يرمي بنفسه في النار كي ينقذ ~~بعض الناس أو الأشياء راضيا بأن يكون كالبذرة تدفن في التراب كي ينتفع بها أبناء الجيل ~~القادم إذا لم ينفع أبناء الجيل الحاضر، وإذا كنا نؤمن بأن الوسط يؤثر في الإنسان فإننا يجب ~~ألا ننسي أننا أنفسنا أحد أجزاء هذا الوسط الذي يتألف منه الكل، وكما أن الوسط السيئ يجعل ~~اللص الكبير رئيس المنسر، والعاهر السكير والمبذر من الأبطال الشهام، فكذلك الوسط الحسن لا ~~يقر بالبطولة والشهامة إلا للرجل الطاهر الذي يسعى للخدمة فيعمل لتأسيس مدرسة أو مستشفى أو ~~إصلاح أحوال العمال أو نحو ذلك مما هو في نسق الرقي الحديث وشهامة القرن العشرين، فيجب أن ~~نكون نحن تلك البذرة الحسنة والقدوة الفاضلة للجيل القادم. # الفصل الثاني والخمسون # | ما هو التمدن # من الناس من لا يهمهم من التمدن إلا أن يعرفوا هل هو التمدن أو التمدين. أما أنا وأنت فلا ~~نبالي إلا بحقيقته وماهيته. # ونحن نبالي بذلك لأننا نرغب كلنا في أن نكون متمدنين وأن نبلغ من التمدن أعلى درجاته؛ ~~ولذلك يجب علينا أن نعرف ما هو التمدن. # لقد سأل أحد الكتاب الإنجليز وهو المستر «بل» هذا السؤال وأجاب عليه بكتاب ضخم ms097 استقرأ فيه ~~أحوال الأمم المتمدنة في العصور القديمة والحديثة، كي يعرف منها تلك السمات التي تتسم بها ~~وتشترك فيها الحضارات مهما اختلفت أزمانها أو أقاليمها، ولكنه قبل أن يشرع في بحث هذه ~~الحضارات ومقابلتها الواحدة بالأخرى، عمد إلى الأوساط المتبربرة حيث لا تكون الحضارة فوجد ~~فيها جملة صفات هي في الواقع أساس الحضارة ولكنها ليست منها كما نفهم نحن الآن من مدلول هذه ~~الكلمة. # ففي الأوساط المتبربرة نجد احترام الامتلاك في العقار، والإيمان بآلهة ما، وبالحياة ~~الأخرى، ثم احترام المرأة، والصدق، والنظافة، والطهارة، والدفاع عن الوطن، فهذه صفات توجد ~~عند المتمدنين وهي قد تعد أساسا للحضارة، ولكنها ليست الحضارة كما نفهمها الآن، فإننا نطلب ~~من الرجل المتمدن أو المتحضر أشياء أدق وأخص من هذه العموميات. # وليس من الحكمة أن نبحث عن الحضارة فيما نتخيله من صفات نميل إليها بمزاجنا الذهني أو ~~بحكم صناعتنا أو الظروف الوقتية التي نعيش فيها، وإنما علينا أن نعمد إلى الأمم التي اشتهرت ~~بالعصور الذهبية وقت ارتقاء حضارتها ثم نفتش فيها عن الصفات البارزة التي تشترك فيها وتعد ~~هذه الصفات شرطا للحضارة أو التمدن الراقي، وهذا هو ما فعله المستر بل، فإنه بحث حضارة ~~الإغريق القدماء في القرنين الرابع والخامس قبل الميلاد، ثم بحث عصر النهضة في إيطاليا، ثم ~~العصر السابق للثورة الفرنسية في فرنسا، ووجد بالمقابلة أن هذه العصور الثلاثة تشترك في ~~جملة صفات هي ما نعني نحن الآن بالحضارة الراقية، وهذه الصفات هي سيطرة العقل وتسويده على ~~جميع المناحي التي ينحو إليها نشاط الأمة، وهذه السيطرة التي للعقل تورث الأمة ذوقا خاصا ~~يحترم الحق والجمال، ويبعث على التسامح وشرف الذهن، والتأنق والمجاملة والاستطلاع، وإدراك ~~معنى الفكاهة، وكراهة الإسفاف والقسوة والمبالغة والخرافات والحياء الكاذب، والتجرؤ على ~~التمتع بالحياة، والرغبة في الحصول على تربية حرة، والقدرة على الإعراب عما في ~~النفس. # وهذه هي صفات الحضارة الراقية كما يراها المستر بل في أحسن العصور الذهبية لثلاث أمم من ~~أعظم الأمم في تاريخ العالم، وهي مقياس يمكننا أن ms098 نقيس به الدرجة التي بلغناها في معارج ~~الرقي، وأول ما نتساءل عنه هو: هل نحن نجعل للعقل السيطرة التامة في شئوننا العامة؟ ثم هل ~~نحترم الجمال والتسامح ونكره القسوة والمبالغة؟ # إن المتتبع للغة الصحف في الشهرين الماضيين لا يتمالك الأسف لما بلغته من الإسفاف في وصف ~~خصومها، والمبالغة في هذا الوصف، حتى لقد ذكر أحد الكتاب حزبا من الأحزاب بأن أعضاءه ~~عواهر، ولم يقنع بهذه اللفظة العامية المعبرة عنها. # إن في سمات الحضارة الراقية التي ذكرها المستر بل أشياء جديرة بالنظر والدرس، ولكن نحن في ~~ظروفنا الحاضرة نرى أن شروط المجاملة والتسامح وكراهة المبالغة والإسفاف قد غابت من الصحف ~~في الشهرين الماضيين، وصار الكاتب يصف خصومه السياسيين بالجنون والخيانة والعهر وسائر ~~مترادفات هذه الألفاظ وهو لا يبالي بما يقول، فعلينا جميعا أن نذكر أمثال هذا الكاتب ~~بشروط الحضارة الراقية ونسأله: هل أنت متمدن؟ # الفصل الثالث والخمسون # | في التقدم # تتقدم الأمم وترتقي بجملة وسائل ، منها التسلط على الطبيعة، وذلك باختراع الآلات التي توفر ~~على الإنسان مشقة العمل وتزيد بذلك حريته ورفاهيته، ومنها الارتقاء في الأخلاق، وليس هذا ~~الارتقاء سوى الرضى بالتعاون بدلا من التنازع والنزول عن الأثرة من أجل الإيثار، ومنها رفع ~~المستوى في التعليم حتى يفوز كل إنسان بحقه في الثقافة العالمية. # هذه بعض الوسائل التي تتقدم بها الأمم، فأما من حيث التسلط على الطبيعة واستغلالها لمصلحة ~~الإنسان فهذا واضح من الآلات الكثيرة التي لا تجعلنا نركب الهواء فقط، بل نزرعه كما نزرع ~~الأرض ونستخرج منه النتروجين، وكذلك تقدم الصناعة بالكيمياء التي جعلتنا، أو بالأحرى جعلت ~~من هم أعلم منا وأثقف، يصنعون الحرير من الكرنب والموز والحطب وربما قضوا على زراعة القطن ~~عندنا يوما ما. # ولكن إلى جانب هذا التقدم الصناعي نجد تقدما في الأخلاق، فالرق ألغي منذ القرن الماضي، ~~وكان إلغاؤه لحافز إنساني لأن الأديان لم تحرمه قط، وكانت المرأة إلى وقت قريب في معظم ~~أرجاء العالم تعيش كالأمة التي لا رأي لها في شأن ما أمام زوجها، ولكن ms099 الرجل نزل عن حقوقه ~~راضيا ورفعها إلى مستواه فصار لها رأي في البرلمانات وسائر المجالس النقابية، وقد كان من ~~الحوادث الجميلة في عصرنا الحديث أن نرى أمة كبيرة تبلغ نحو 130 مليونا من السكان، نعني ~~بها الولايات المتحدة، ينزل فيها الرجال عن حقهم في شرب الخمور ويحرمونها على أنفسهم بشرعة ~~خاصة وفي الوقت نفسه يمنحون المرأة حق التصويت للهيئات النيابية أسوة بهم. أليس هذا ارتقاء ~~في الأخلاق؟ # ومن الظواهر التي تدل على التقدم في الأخلاق تلك العناية التي نراها لمصلحة العمال، ~~وتعليمهم، وإسكانهم في مساكن نظيفة، وتحديد ساعات العمل لهم، ومنحهم المعاشات عندما يبلغون ~~سن الشيخوخة، فهذه العناية قد قام بها الأغنياء لمعاونة الفقراء، وكان الدافع إليها تلك ~~الأريحية التي يشعر بها الرجل المهذب فتسخو نفسه بالإصلاح ولو كان فيه بعض الخسارة أو ~~المشقة عليه، وقد قامت أحزاب الأحرار في أوروبا وأمريكا بضروب من الإصلاح لم تتحقق للآن في ~~روسيا نفسها، بل الواقع أن في إنجلترا من الاشتراكية أكثر مما في روسيا، وليس ذلك إلا لأن ~~في إنجلترا طبقة من الأغنياء المهذبين نزلوا عن كثير من حقوقهم راضين للعمال، ولم يكن لهم ~~من باعث سوى أخلاقهم. # وثم وسيلة ثالثة نراها في التعليم وارتقائه بين الأمم المتمدنة، فمعظم الأمم الراقية الآن ~~لا تقنع بالتعليم الابتدائي الإجباري، بل تتجاوزه إلى جعل التعليم الثانوي أو بعضه ~~إجباريا، ولم يعد التعليم يجري على التقاليد القديمة، بل هو يماشي حاجات الثقافة الحديثة، ~~ففي ألمانيا يتعلم التلاميذ في إحدى المدارس الابتدائية كيف يصنعون الطيارات ويركبونها، وفي ~~معظم المدارس الألمانية أيضا يتعلم الصبي صناعة التصوير بالفتوغرافية. # هذه الأمثلة للتقدم، أي التقدم في الصناعة والأخلاق والتعليم، تدل على رقي محسوس لا يمكن ~~أحدا منا إنكاره، وقد يمكننا أن نذكر بعد ذلك تقدم العالم في الصحة وفي العلاقات الأممية، ~~كما يدل على ذلك ميثاق كيلوج وعصبة الأمم ومحكمة لهاي، وكلها ترمي إلى محو الحروب فلا نشك ~~بعد ذلك في أن العالم يتقدم. # الفصل الرابع والخمسون # | الاجتهاد # يستخدم علماء الشريعة ms100 الإسلامية السمحاء لفظة «الاجتهاد» لمعنى آخر غير المعنى اللغوي ~~الذي هو استفراغ الجهد في تحصيل أمر من الأمور، فالمجتهد، في حدود الشريعة واصطلاح ~~الأصوليين، هو ضد المقلد. أو هو الذي يستنبط الأحكام بذهنه ومنطقه حين يجد أن التقيد ~~بالتقليد لا يعود بالمصلحة المنشودة للأمة. # وما أحرانا نحن بأن نكون «مجتهدين» أيضا، فلا نقلد الأدب أو العلم أو الحياة ذاتها وإنما ~~«نجتهد» في استنباط الأساليب المثلى للمعيشة، فنلبس ونأكل ونسكن كما تلهمنا عقولنا، وكما ~~يثبت لنا الاختبار والتجربة أن هذا الأسلوب أو ذاك هو خير ما يضمن لنا الراحة والصحة ~~والسلام والطمأنينة، فليس علينا أن نقلد آباءنا وأسلافنا بلا روية ونعيش كما كانوا يعيشون، ~~نلبس ملابسهم ونلزم أخلاقهم ونبني منازلنا على طرائقهم، وإنما علينا أن «نجتهد» ونستنبط ~~ونصطنع أمثل الطرق التي تضمن لنا الفوز والراحة في هذه الدنيا، فتسير حياتنا في تجدد مستمر ~~ولا تركد ذلك الركود الآسن الذي يرى الآن في الأمم الميتة. # والتجديد في الحياة يرمي إلى وضع العقل فوق النقل، وإلى العناية بالحاضر أكثر من الماضي، ~~وإلى رعاية الخلف القادم أكثر من السلف البائد، وهو دليل على أن الأحياء ينبضون قوة ونشاطا ~~يمرحون من حرية الحياة في ميدان فسيح لا تحوطه الأسوار ولا تقيدهم الأغلال. # وما أحرانا بأن «نجتهد» في الأدب فنستنبط فيه الوسائل التي تلائم حياتنا الجديدة وتجعله ~~صورة لهذه الحياة يعمل في نقدها وبسطها، والتوسع فيها، غير قانعين منه بالتقليد ولزوم الطرق ~~القديمة. # أجل إننا في حاجة إلى «المجتهدين» في الأدب وإلى المجتهدين في الأخلاق، ولكن أساس ذلك كله ~~يجب أن يكون «الاجتهاد» في الحياة، ولن يكون ذلك إلا بأن نعمل عقولنا في طرق العيش الشائعة ~~فنصلح ونستبدل منها غيرها ولا نرضى بشيء مما خلفه لنا السلف إلا ما يتفق والمنطق والعقل ~~والمصلحة. # إن العلوم لم تتقدم إلا عندما خرج العلماء من التقليد إلى العقل، أي من التقليد إلى ~~الاجتهاد، فبعد أن كانت الجامعات تعاقب الطالب إذا أخطأ في شيء نص عليه أرسطوطاليس صارت ~~تكافئه إذا ms101 استطاع أن يقع على غلط لهذا المعلم الأول، ومما يروى بهذه المناسبة أن طالبا ~~وجه نظر أستاذه عند بدء استعمال التلسكوب إلى أعلى أن على الشمس بقعا، فكتب إليه الأستاذ ~~يقول: «لا يمكن أن يكون على الشمس بقع؛ لأني قرأت كتاب أرسطوطاليس مرتين من أوله إلى آخره، ~~وهو قد قال إنه لا بقع على الشمس، فنظف منظارك فإذا لم تكن البقع عليه فهي على ~~عينيك.» # ولكن الطالب لم يقلد مثل أستاذه بل صدق عينيه، ونحن نعرف أن الطالب كان محقا ~~وأرسطوطاليس مخطئا. # وبمثل هذا الطالب تقدمت العلوم هذا الحد العظيم حتى بتنا أحيانا نخشاها ونرى أننا لا ~~نستطيع اللحاق بها؛ لأن سرعة تقدمها تفوق وتعدو حدود النظم الاجتماعية الراهنة التي مهما ~~تطورت فإنها دون التقدم العلمي وأبطأ منه. # فنحن في حاجة إلى مثل هذا النظر في الأدب، حتى نعمل كما عمل هذا الطالب في اعتماده على ~~العقل دون النقل، بحيث لا نخشى أن نقول إن ذلك الشاعر أو الكاتب كان مخطئا، وأن ذلك ~~الأسلوب البليغ في عرف القدماء هو في نظرنا معقد عويص بلا داع إلى تعقيد أو تعويص. كذلك ~~نستطيع أن نجهر بأن تلك الأخلاق القديمة لم تعد توافقنا فنحن في حاجة إلى «الاجتهاد» فيها ~~والخروج من التقليد. # وبعبارة أخرى يجب أن نتجدد في أخلاقنا وأدبنا وشرائعنا، وأن ننزل هذه الأشياء كلها منزلة ~~العلم الذي لم يتقدم إلا بالخروج على السنن القديمة والتقاليد العتيقة. # وقد يخشى بعض الناس أن الإفراط في ترك التقاليد يؤدي إلى الفوضى، ولكنهم ينسون أن الإنسان ~~بطبيعة الوسط الذي يعيش فيه محافظ يكره التبديل ويرى فيه ما يجهد ذهنه وأعصابه، فاللغة التي ~~نتكلمها هي لغة ألوف السنين الماضية، وهي تطبعنا بالرغم منا بطابع السلف، وعاداتنا وأدياننا ~~ومعظم أحوالنا المعيشية هي عادات الآباء التي لا نستطيع الخروج منها إلا قليلا مهما ~~اجتهدنا. # ولكن على هذا القليل يتوقف تقدم الناس ورقيهم وتفوقهم. ms102