######OpenITI# #META# URI: 1377SalamaMusa.GhandiWaHarakaHindiyya.Hindawi27481815 #META# Tags: history #META# ID: 27481815 #META# Title: غاندي والحركة الهندية #META# AuthorID: 40515160 #META# Author: سلامة موسى #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الجزء الأول: الأحوال العامة‏ # 1 - الاستعمار البريطاني‏ # 2 - السكان والأديان‏ # 3 - الديانة الهندوكية‏ # 4 - أصل الحركة الهندية‏ # 5 - الثقافة الإنجليزية في الهند‏ # 6 - المصلحون الدينيون‏ # 7 - الحكم الهندي في الهند‏ # 8 - الفقر والنجاسة‏ # 9 - المرأة الهندية‏ # الجزء الثاني: سياسية غاندي وفلسفته‏ # 10 - حياة غاندي‏ # 11 - التقاليد القاتلة‏ # 12 - نحن والحركة الغاندية‏ # 13 - النزعة الإنسانية في النهضات الوطنية‏ # 14 - غاندي والمدنية الحديثة‏ # 15 - غاندي والمرأة الهندية‏ # 16 - عزبة تولستوي‏ # 17 - صوم غاندي‏ # 18 - غاندي وفورد‏ # 19 - ما لم يعرف عن غاندي‏ # 20 - غاندي والطعام‏ # الجزء الثالث: مقالات بقلم غاندي‏ # 21 - إلى الإنجليز في الهند‏ # 22 - إلى نساء الهند‏ # 23 - التعليم في الهند‏ # 24 - مذهب السيف‏ # 25 - الخوف من الموت‏ # 26 - المنبوذون في الهند‏ # 27 - من غاندي إلى طاغور‏ # 28 - لست قديسا ولست سياسيا‏ # 29 - بعض آراء غاندي‏ # الجزء الأول: الأحوال العامة‏ # 1 - الاستعمار البريطاني‏ # 2 - السكان والأديان‏ # 3 - الديانة الهندوكية‏ # 4 - أصل الحركة الهندية‏ # 5 - الثقافة الإنجليزية في الهند‏ # 6 - المصلحون الدينيون‏ # 7 - الحكم الهندي في الهند‏ # 8 - الفقر والنجاسة‏ # 9 - المرأة الهندية‏ # الجزء الثاني: سياسية غاندي وفلسفته‏ # 10 - حياة غاندي‏ # 11 - التقاليد القاتلة‏ # 12 - نحن والحركة الغاندية‏ # 13 - النزعة الإنسانية في النهضات الوطنية‏ # 14 - غاندي والمدنية الحديثة‏ # 15 - غاندي والمرأة الهندية‏ # 16 - عزبة تولستوي‏ # 17 - صوم غاندي‏ # 18 - غاندي وفورد‏ # 19 - ما لم يعرف عن غاندي‏ # 20 - غاندي والطعام‏ # الجزء الثالث: مقالات بقلم غاندي‏ # 21 - إلى الإنجليز في الهند‏ # 22 - إلى نساء الهند‏ # 23 - التعليم في الهند‏ # 24 - مذهب السيف‏ # 25 - الخوف من الموت‏ # 26 - المنبوذون في الهند‏ # 27 - من غاندي إلى طاغور‏ # 28 - لست قديسا ولست سياسيا‏ # 29 - بعض آراء غاندي‏ # | غاندي والحركة الهندية # | غاندي والحركة الهندية # تأليف # سلامة موسى # | الفاتحة # بقلم سلامة موسى # هذا الكتاب ثلاثة أجزاء، يعالج الجزء الأول منه الأحوال العامة في الهند مع إشارات ~~تاريخية موجزة. أما الثاني فيعالج سياسة غاندي وفلسفته. وفي الجزء الثالث نقلنا بعض مقالات ~~كتبها غاندي ونشرت في المجلات الهندية. # ونحن ms01 في جهادنا للمبادئ الإمبراطورية البريطانية نشبه الهنود، وإن كانت أقدام الإنجليز في ~~الهند أرسخ وتاريخهم أطول. ولهذا السبب نفسه يجب أن نستنير بحركتهم كما استناروا هم ~~بحركتنا. فإن زعماءهم كثيرا ما ذكروا الاتحاد بين المسلمين والأقباط في مصر ودعوا أبناء ~~أمتهم المسلمين والهندوكيين إلى مثله في الهند. وبالطبع يجب أن تختلف الأساليب في الكفاح ~~وتتأثر بالبيئة الاجتماعية والاقتصادية ، ولكن هذا الاختلاف يسوده اتفاق بيننا وبين الهند في ~~الغاية والمبادئ العامة. # وهذا الكتاب هو درس موجز للحركة الوطنية الهندية من ناحية غاندي، ولكن الحركة الوطنية ~~الهندية أكبر من غاندي وإن كان هو أنضج ثمراتها وأبرز رجالها وأقربهم إلى قلوب ~~الهنود. # وإني أكتب هذه الكلمات في الوقت الذي تقول فيه الأنباء التلغرافية إن غاندي يدعو إلى الكف ~~عن العصيان المدني. ومن الناس من يفسر هذا الخبر بأن الزعيم الهندي قد أثبت على نفسه الفشل ~~في الخطط التي اختارها وحض الناس على اتخاذها. ولكن هذا الخبر إن دل على شيء فهو يدل بلا شك ~~على مرونة الذهن وكراهة الجمود. فإن غاندي لا يختط الخطط لكي يعبدها بل لكي يستخدمها، وهو ~~يسارع إلى نبذها إذا تبين له فشلها. وسواء أنالت الهند استقلالها بما ابتكر لها غاندي أو ~~بما أوحى إليها من الخطط والأساليب، فإن الذي لا يشك فيه إنسان أنه قد طبع الهند بطابعه ~~وأثر في العالم أثرا لن يزول. # وقد التفت إلى النواحي الاجتماعية والاقتصادية والفلسفية خاصة في حركة غاندي، وهي نواح لا ~~نرى لها للأسف غير الأثر الضعيف في نهضتنا المصرية السياسية. وما زلت أرى أن كفاحنا ~~للإنجليز يجب ألا يقتصر على السياسة وأن النهضة السياسية يجب أن تغذيها نهضات اجتماعية ~~واقتصادية لكي نصل منها إلى التنبيه العام للأمة: للمرأة في بيتها، والفلاح في قريته، ~~والصانع في مصنعه. بل يجب أن تكون لنهضتنا فلسفة كما هي الحال في النهضة الهندية أو ~~التركية. # لقد أحدث غاندي نهضة بين نساء الهند اللائي دعاهن إلى السفور والمغزل، كما أنه كافح ~~تقاليد بلاده التي تهين خمسين ms02 مليونا من الهنود وتعدهم منبوذين، ولم يبال أحيانا ترك ~~الميدان السياسي لكي يكافح في الميدان الاجتماعي والاقتصادي، وكذلك فعل مصطفى كمال الذي ~~حارب تقاليد بلاده السيئة ودعا الأتراك إلى الانسلاخ من الشرق والانضمام إلى الغرب، واتخاذ ~~الحضارة الحديثة، حتى لقد عني بما يبدو لنا أنه من الصغائر، كاتخاذ القبعة وتعليم الشبان ~~والفتيان رقص المخاصرة. # إن السياسة هي بعض الاجتماع وليس العكس صحيحا، ولذلك يجب أن نجعل غايتنا انقلابا ~~اجتماعيا عاما، يتناول تحرير المرأة وتعليمها للصناعات المختلفة كالرجل سواء. كما ~~يتناول إصلاح الريف ورفع شأن الفلاح حتى يعيش عيشة المتمدنين، يهيأ بيته بالمراحيض الصحية ~~والأثاث النظيف والمصابيح الكهربائية، وله من دخله ما يكفيه لأن يأكل الأطعمة الكافية ويقرأ ~~الصحف ويقتني الكتب ونحو ذلك مما هو حق لكل متمدن. كما أن الوطنية الاقتصادية يجب أن تكون - ~~كما هي في الهند وتركيا - ضمن نهضتنا، بل مراسا نتمرس به حتى قبل تحقيق استقلالنا السياسي. ~~كما يجب أن تتجه نهضتنا نحو مبادئ الحضارة الغربية الحديثة وليس نحو الحضارة الشرقية ~~البالية البائدة. # وبهذه الكلمات أقدم هذا الكتاب. # الجزء الأول # | الأحوال العامة # الفصل الأول # | الاستعمار البريطاني # يرجع الاستعمار البريطاني إلى التنبه التجاري الذي أعقب المكتشفات الجغرافية التي قام ~~بها الإسبان والبرتغاليون، فإن كلا من فرنسا وهولندا وبريطانيا قامت تنتفع بهذه ~~المكتشفات في نشر تجارتها في الشرق، فلما كانت أواسط القرن الثامن عشر كانت «شركة الهند ~~الشرقية» قد استولت على ممتلكات ومصانع كبيرة في الهند، وأقامت عليها الحصون، وصارت ~~تجند الجيوش لحماية ممتلكاتها وتتدخل في شئون الإمارات الهندية. وما إن وافت سنة 1857 ~~حتى كان في يد الإنجليز نحو ثلثي الهند، تحت حكمهم المباشر، إما عن طريق هذه الشركة ~~وإما عن طريق الحكام الذين تعينهم بريطانيا. # وهذه الشركة، كما هو واضح من اسمها، هيئة تجارية، ولكنها اقتنت الأسلحة ونظمت الجيوش ~~واستغلت الانحطاط الشرقي في الهند، وخاصة انحطاط الأمراء، حتى أصبحت وكأنها دولة كبرى. ~~ومن هذا الأصل نفهم الباعث الاقتصادي للاستعمار البريطاني. # وحدثت ثورة الهنود سنة 1857 فأخمدها الإنجليز. ms03 ومن ذلك الوقت ألغيت الشركة وأصبح ~~الحكم يتولاه «نائب الملك» المسئول أمام البرلمان البريطاني. ولا يستطيع الإنسان أن ~~يقول ماذا كان يحدث لو لم تستول بريطانيا على الهند، فقد كان يمكن أن تكون الهند الآن ~~أمة متحدة متقدمة مثل اليابان، كما كان يمكن أن تكون أيضا أمة رجعية متناحرة مثل الصين ~~(قبل نهضتها الأخيرة)، فإن الإنجليز لم يستطيعوا بسط سلطانهم على الهند إلا للانحطاط ~~البالغ الذي انحدر إليه الهنود. # وقد انتفع الهنود كما استضروا بالحكم الإنجليزي، وإن كان الضرر أكبر من النفع. فإن ~~الإنجليز أبطلوا إحراق الأرامل، لأن الأرملة الهندوكية كانت تحرق عقب وفاة زوجها كما ~~أنهم أبطلوا وأد البنات، فإن الهنود مثل جميع الشرقيين، يكبرون من شأن الذكر ويحطون ~~بقدر الأنثى، وكان وأد البنات شائعا في الهند، كما لا يزال في الصين، وكما كان عند ~~العرب في الجاهلية. وقد منع الإنجليز هذا الوأد فهو لا يمارس الآن إلا خفية ومع التعرض ~~للعقوبة عندما تعرف الحقيقة. # وأكبر فضل للإنجليز على الهند أنهم أدخلوا الثقافة الغربية الحديثة، فإن الهنود كافة ~~كانوا يدرسون الثقافة الشرقية، وهي تقاليد في العقائد والتاريخ والأخلاق، بل حتى في ~~العلوم. فلما كان «ماكولي» الأديب الإنجليزي المعروف في الهند سنة 1835 يؤدي وظيفة ~~المستشار لشركة الهند الشرقية، رأى أن يوجه شباب الهند وجهة الحضارة الحديثة بأن يعلمهم ~~اللغة الإنجليزية، فكتب تقريرا يقول فيه إنه «يجب جعل الإنجليزية وسيلة التعلم، حتى ~~تنشأ في الهند طبقة هندية في اللون والدم ولكنها إنجليزية في الآراء والأخلاق ~~والذهن». # وغاندي يحارب الآن التعليم باللغة الإنجليزية ويطلب أن يكون باللغة الهندية، وهو محق ~~في ذلك. ولكن لولا هذه الطبقة التي تثقفت بالثقافة الإنجليزية لما بلغت الحركة الوطنية ~~مبلغها الحاضر، فإن ثقافة الهند لم تكن تعرف الوطنية كما نفهمها، كما لم تكن تعرف ~~الحضارة الحديثة. أما الآن، وبعد أن تكونت هذه الطبقة، فلا خوف من التعليم باللغة ~~الهندية، لأن الإيمان بالثقافة الحديثة قد تم، ولا خوف هناك من الرجوع إلى الثقافة ~~الهندية التقليدية ومقاطعة الثقافة ms04 الحديثة. # وقد أضر الإنجليز الهنود بحصرهم التعليم في طبقة صغيرة، وهي كما يقول أحد الإنجليز: ~~«أقلية مكرسكوبية». فإنهم كانوا، وما زالوا، ينفقون ملايين الجنيهات على الجيش، وعلى ~~مرتبات الموظفين الإنجليز، في حين كانت ميزانية التعليم على الدوام ضئيلة. فإن متوسط ما ~~تنفقه حكومة الهند على التعليم العام لا يزيد على أربعة مليمات لكل شخص في ~~العام. # وأضروهم أيضا بقتل صناعاتهم. بل هناك ما يؤيد القائلين بأن الإنجليز باشروا بأنفسهم، ~~وبطرق هي غاية في النذالة والخسة والتوحش، قتل الصناعات الهندية؛ لكي يبيعوا للشعب ~~الهندي مصنوعات إنجلترا. وهم من هذه الناحية كانوا سببا مباشرا للفاقة العظيمة في ~~الهند وللمجاعات التي تكتسح البلاد من وقت لآخر. # فإذا أضفت إلى ذلك تلك الخصال السيئة التي تتفشى في بعض الأفراد من الطبقة العالية في ~~الأمة، لوجود الحاكم الأجنبي فيها، وكيف يستحيل الرجل الشريف إلى جاسوس على أهله ووطنه، ~~وإذا أضفت أيضا ما تفعله السيطرة الأجنبية من إيحاء روح الذل في سائر أفراد الأمة، عرف ~~أنه ليس في الاستعمار أو السيطرة الأجنبية شيء من الفضائل يعادل الرذائل التي ~~يفشيها. # الفصل الثاني # | السكان والأديان # يدل آخر إحصاء نشر عن الهند (وقد تم سنة 1931) على أن السكان يبلغون 353 مليونا، ~~وهذا بإضافة بورما واستثناء سيلان. ويبلغ عدد اللغات في الهند 225 منها 27 لغة آرية ~~الأصل، مثل اللغات الإنجليزية أو الألمانية أو الفرنسية. ويتكلم هذه اللغات 227 مليون ~~هندي. وهناك 14 لغة درويدية يتكلم بها 72 مليونا و156 مغولية يتكلم بها 15 مليونا. ~~وقد يستغرب القارئ هذا الرقم الأخير، ولكن هذا الاستغراب يزول إذا عرف أن المتكلمين ~~لهذه اللغات يعيشون في الجبال. فهم بذلك ينقطعون جماعات صغيرة، ويصعب الانتقال أو ~~الاتصال بينهم، فتحتفظ كل جماعة بلغتها مهما كان عدد أفرادها صغيرا. # وتنقسم الهند من حيث الأديان إلى ما يأتي: # 239 مليون هندوكي بما فيهم المنبوذون. # 77 مليون مسلم. # 13 مليون بوذي (معظمهم في بورما). # 4,5 مليون سيخ. # 4,5 مليون مسيحي. # مليون وربع جاينيون. # وهذا غير ثمانية ملايين لا ms05 يزالون في طور القبيلة يعيشون في التلال ويجهلون الزراعة، ~~وهم عندما يتحضرون يعتنقون الهندوكية في الغالب. ومعظم المسلمين في الشمال، وهم أضخم ~~أجساما من الهندوكيين لأن الدم المغولي يجري في عروقهم. وبدخول الإسلام في الهند ~~انقرضت البوذية حتى لم يعد يؤمن بها غير سكان بورما. والهندوكي يسرع إلى قبول الحضارة ~~الأوربية كما يسرع إلى اتخاذ الأعمال الحرة. ومن الهندوكيين الآن عدد من الأغنياء أصحاب ~~المصانع لغزل القطن ونسجه ومنهم من يملك الملايين من الجنيهات . أما المسلمون فلا يزالون ~~متمسكين بشرقيتهم، وعندهم كبرياء يمنعهم من احتراف الأعمال الحرة. فقد كانوا عند دخول ~~الإنجليز للهند سادة البلاد، يتولون الحكم ولهم الجيش. فلما نزع ذلك منهم لم يستطيعوا ~~أن يخضعوا أنفسهم للظروف الجديدة وبقوا يلتزمون أنفتهم ويرفضون التكسب بالعمل الحر الذي ~~لم تسبق لهم به ألفة. أما الهندوكيين فلم ينقص الاحتلال الإنجليزي شيئا من حقوقهم ~~السابقة، إذ لم تكن المناصب العليا في أيديهم، وكان لهم مران قديم بالأعمال الحرة، وفي ~~كل قرية مراب منهم يقرض الفلاحين ويجعلهم تحت سلطانه. # وعلاقة الهندوكيين بالمسلمين ليست حسنة على وجه العموم، فإن الهندوكي ينظر إلى المسلم ~~نظرته إلى الغريب الذي غزا بلاده وقهرها واستخلص لنفسه أحسن بقاعها وأكثرها خيرات. ~~والمسلم يخشى اتحاد الهند واستقلالها، لأنه يشعر أن المسلمين أقلية لا يمكن أن يسمع ~~صوتهم إذا اتحدت الهند في برلمان واحد، وأن الأكثرية الهندوكية سوف تستبد بهم. وقد أحدث ~~غاندي تآلفا بين الطبقتين، وجعل المستنيرين منهم يدا واحدة في طلب الاستقلال، ولكن ~~العامة من الطائفتين لا تزال تنظر إحداهما إلى الأخرى نظرة العداوة. # وهذا الخلاف القائم بينهما يستغله الاستعمار البريطاني، فإن الجنود الإنجليزية هي ~~التي تهدئ الشعب وتقف القتال بين الفريقين. ومن هنا يعتمد عليها الفريق المغلوب ~~للاحتماء بها. # والبوذية دين نشأ في الهند في القرن الخامس قبل الميلاد. وكانت قد أضعفت الهندوكية ~~وكشفت عن مساوئها في الإغراق في الشعائر والمناسك. ولم تكن تؤمن بالآلهة أو الكهنة أو ~~المناسك. وكانت تدعو إلى أن الدين هو اختبار شخصي لا ms06 يأتي بوحي وإنما ينتج عن التفكير ~~والتأمل. وقد طهرت الهندوكية من كثير من مساوئها، ولكنها لم تستطع الثبات أما الإسلام. ~~ويبلغ المؤمنون بها في العالم الآن نحو 300 مليون ليس منهم غير عدد قليل جدا في ~~الهند، وأكثرهم في الصين واليابان والأقطار الجنوبية الشرقية من آسيا. والبوذية هي أقرب ~~الأديان القديمة إلى ما يفهم هذه الأيام من معنى «البشرية» التي يدعو إليها رجال الذهن ~~في أوروبا وأمريكا. # وترجع الديانة السيخية إلى القرن السادس عشر، وكان مؤسسها «ناناك» الذي مات سنة 1530، ~~وكان ينشد توحيد الإسلام والهندوكية في دين واحد، وقد أخذ من الإسلام الإيمان بإله ~~واحد، ومن الهندوكية تقمص الأرواح، جحد الأوثان وإلغاء الكهنة والطبقات، مع الدعوة إلى ~~الفضائل العملية كالنزاهة والعدل والأمانة، والسيخيون مثل الوهابيين يقاطعون الدخان، ~~ولكنهم مع ذلك يتسامحون في الخمر. # أما الجاينية فمذهب من الهندوكية يقرب من البوذية. والجاينيون لا يؤمنون بالكتب ~~المقدسة التي يقول بها البراهمة، وآلهتهم إنسانية، فهي أقرب إلى القديسين منها إلى ~~الآلهة. وهم يتوقون قتل الحيوان ولو كان حشرة، وليس بينهم طبقات. ~~••• # يطبع الدين الأمة بمزاج خاص. والمزاج الهندي الذي تربى بالهندوكية والبوذية ينحو نحو ~~النسك، ولذلك يكثر في الهندي الناسكون والمتصوفون وأهل الطريقة و«الفقراء». والفاقة ~~العامة في الهند تساعد على هذه النزعة التي يدعو إليها الدين. # الفصل الثالث # | الديانة الهندوكية # كانت الديانة الهندوكية شؤما على الهنود، فإنها أذلتهم أكثر مما أذلهم الإنجليز، ~~وأقامت لهم نظاما اجتماعيا جامدا لا يمكن تنقيحه إلا بمخالفة الدين. ويرجع هذا ~~الدين إلى حوالي سنة 700 قبل الميلاد وله كتب مقدسة وآلهة وصوفية لا تختلف كثيرا من ~~الصوفيات التي تفشت في جميع الأديان الأخرى إلا من حيث الإيمان الراسخ بالتقمص. # ولكن محور الهندوكية ليس صوفيا أو لاهوتيا وإنما هو اجتماعي. فإن الهندوكي يطلب ~~منه، قبل كل شيء، الإيمان بانفصال الطبقات وقدسية البراهمة أو الكهنة. والهندوكية هي ~~أبعد الأديان عن الديمقراطية، وبدلا من أن تعمل للمساواة بين البشر، كما هو الشأن في ~~المسيحية أو الإسلام، تفصل الأمة أربع طبقات ms07 هي: ~~(1) # طبقة البراهمة أي الكهنة. ~~(2) # طبقة الكشائرية أي رجال الحرب. ~~(3) # طبقة الفايسية أي رجال التجارة. ~~(4) # طبقة السودرا أي الفلاحين. # ويقول المؤرخون في أصل هذه الطبقات إن الآريين الذي أغاروا على الهند قبل نحو 3000 ~~سنة أو أكثر كانوا بيض الوجوه، فخافوا الاختلاط بالسكان الأصليين وأسسوا نظام الطبقات ~~هذا لكي يمنعوا التزاوج بينهم وبين هؤلاء السكان. على نحو ما نجد في الولايات المتحدة ~~الآن حيث الكراهية شديدة عند البيض للسود، وقد خصوا السكان الأصليين بالمهن الحقيرة مثل ~~فلاحة الأرض. ثم أخذت هذه الطبقات الأربع تنقسم وتتفرع حتى أصبح الآن في الهند نحو 2500 ~~طبقة، أدونها طبقة المنبوذين وهم من السودرا، وأعلاها طبقة البراهمة أي الكهنة. ولكن ~~إذا كان في هذا التحليل التاريخي شيء من الصحة فإن الواقع المشاهد الآن يثبت أن الهنود ~~جميعهم يمتازون بسحنة واحدة، سواء منهم البراهمة أو المنبوذون. وهذا يدل على اختلاط ~~الدم على الرغم من التحريم الذي نصت عليه الهندوكية. # والبرهمي يمتاز بامتيازات خاصة، فإنه لا يجوز الزواج أو الدفن أو القيام بأي احتفال ~~إلا إذا كان ذلك بواسطته. وعندما يرتكب الهندوكي ذنبا فإن عليه أن يكفر بإطعام ~~البراهمة وتقديم القرابين لمعابدهم. # والهندوكيون على وجه عام لا يأكلون اللحم كثيرا، وهم يحجمون عنه لأن الصوفية، وليس ~~الديانة الهندوكية، تجعل الإنسان والحيوان واحدا، وتقول بالتقمص. وهناك طوائف لا تذوق ~~اللحم بتاتا، ومن هؤلاء الطائفة التي ينتمي إليها غاندي. ولكن جميع الهندوكيين يقدسون ~~البقرة ولا يذبحونها. فإذا شاخت تركوها حتى تموت حتف أنفها، أو حتى يفترسها وحش في ~~الحقل. وكثير من الشقاق بين المسلمين والهندوكيين يعود إلى ذبح المسلمين للبقرة التي ~~يقدسها الهندوكي ويتبرك ببولها. ويحكى عن أمير هندوكي حضرته الوفاة فطلب أن تحمل له ~~بقرة إلى جنب سريره لكي يمسك بذنبها حتى يموت، وتم له ذلك. # وقد أدى تقسيم الأمة إلى طبقات أن صارت المهن وراثية، وانتهى هذا التقسيم إلى نظام ~~اقتصادي جامد. فإن المنبوذين الذين يبلغون نحو خمسين مليونا يحترفون كسح الكنف وكنس ~~الشوارع والقليل من الزراعة، ms08 مع أنه لا يجوز لهم أن يمتلكوا أرضا. والمنبوذ هو والمرأة ~~سواء في الديانة الهندوكية من حيث حرمانهما من الميراث. # ومهما قيل عن نكبات الاستعمار البريطاني فإنها ليست شيئا في جنب هذا الاستعمار ~~الهندوكي للذهن والروح والاجتماع في الهند. والمتأمل لهذا الدين لا يرى فيه غير نظام ~~غايته خدمة البراهمة وتعبئة الأمة جميعها لهذه الخدمة. وهو يتغلغل في البيت ويعين ~~العلاقة بين الزوج وزوجته والأب وابنه، بل أحيانا يعين الحرفة التي يجب على الفرد أن ~~يحترفها، ويمسح على البغاء مسحة قدسية دينية حتى ليهيئ الأب ابنته للفجور وهو يظن أنه ~~يخدم بذلك الآلهة. ومن هنا هذه الثورة التي تراها من غاندي على ديانة آبائه ~~وتقاليدهم. # والهند حافلة بالمعابد والبراهمة والآلهة، والهندوكيون يؤمنون بإله واحد تتعدد صوره ~~في الأصنام ويتوحد جوهره، ولهم «ثالوث» مؤلف من الأرباب: براهما وفشنو وسيفا. وقد ظهر ~~مصلحون لهذه الديانة، ولكنهم يصطدمون بعقبات كبرى، لأن الهندوكية أصبحت جزءا لا ينفصل ~~من الاجتماع الهندي. فالإصلاح هناك لا يحتاج إلى تنقيح عقيدة تتناول النفس فقط، وإنما ~~يحتاج إلى تنقيحات اقتصادية تتناول الحرفة وحقوق الميراث ومركز المرأة ونحو ذلك مما يدل ~~على صعوبة التنقيح. # الفصل الرابع # | أصل الحركة الهندية # ترجع الحركة الهندية في الهند إلى التنبه التدريجي الذي كان يتفشى بين الهنود كلما ~~توغل الإنجليز في بلادهم وجعلوا سلطانهم يتسلط على مرافقهم. ولكن قطرا كالهند، تختلف ~~لغاته ودياناته، ويتألف من طبقات متضادة، يحتاج إلى هزات عنيفة كي يعمه التنبه، وقد ~~حدثت هذه الهزات. # وترجع الحركة الحديثة في ميلادها إلى خطأ الإنجليز في فهم السيكلوجية الهندية ~~واستغلال الوطني «بانرجي» لهذا الخطأ. فقد حدث في سنة 1905 أن قسموا إقليم بنغال قسمين، ~~فهب بانرجي يحرك الهنود وينبههم إلى أن هذه القسمة هي تدنيس للوطن. ويجب على القارئ ~~المصري ألا يخطئ ويقابل بين قسمة إدارية تحدث في مثل مديرية الغربية وبين قسمة بنغال. ~~فإن هذا الإقليم الهندي يحتوي من السكان نحو خمسين مليونا، وهو قطر عظيم له تاريخه ~~ولغته وتقاليده، فقسمته أشبه بقسمة ms09 القطر المصري منها بقسمة مديرية الغربية. # واستطاع بانرجي أن يجعل الهنود يهبون متحدين للمطالبة بإعادة بنغال إلى ما كان عليه، ~~واضطرت الحكومة البريطانية إلى الإذعان، فوحدته سنة 1911 وألغت القسمة، ولكن الحركة ~~الوطنية لم تخمد من ذلك الوقت. فإن بانرجي الذي يقال أنه عرف جمال الدين الأفغاني، كما ~~عرفه عرابي ومحمد عبده، أخذ يؤجج نار الحركة الوطنية جاعلا من تقسيم بنغال سببا لدعوة ~~الهنود إلى الاتحاد والحكم الذاتي. # هذا هو السبب القريب المباشر للحركة الوطنية، ولكن هذا لا يعني أن الهنود كانوا سنة ~~1905 مستسلمين للسلطان الإنجليزي، فإنهم منذ أن كان اللورد دوفرين نائبا للملك في ~~الهند (1984-1898) ألفوا «المؤتمر الوطني الهندي» الذي لا يزال حيا إلى الآن. ~~والحكومة البريطانية تحاربه كما تحارب عندنا الوفد. وقد منعت انعقاده منذ العام الماضي ~~وصادرت أمواله. وهذا «المؤتمر» يغذو الحركة الوطنية وينظمها وله فيها أثر التجديد ~~المتوالي. # وقد كان بانرجي أستاذا للآداب الإنجليزية في جامعة كلكوتا، وانتخب رئيسا «للمؤتمر ~~الوطني الهندي» مرتين. # ومن الزعماء الذين خدموا الحركة الهندية «طيلاك» الذي مات سنة 1920، فإنه أنشأ ~~جريدتين، إحداهما بالإنجليزية والأخرى بالهندستانية، لتنبيه الهنود إلى ما تنزلهم به ~~الإمبراطورية البريطانية من ضروب الخسف والهوان. وكان مثل غاندي لا يقول بالعنف. ولكن ~~من شأن العنف أن يسير في أثر هؤلاء الوطنيين الذين يجحدونه، وقد حكم عليه بالحبس عاما، ~~ثم حكم عليه سنة 1908 بالنفي ست سنوات. # ومن الوطنيين المعتدلين «جوكيل» الذي مات سنة 1915، فإنه كان يدعو إلى الحكم الذاتي ~~مع البقاء في دائرة الإمبراطورية، ولذلك لم يتعرض للحبس أو النفي كما تعرض لهما سائر ~~الوطنيين. # ولا يمكن أن ينسى اسم «محمد علي» عند ذكر خلاصة موجزة عن الحركة الهندية، فإنه خدم ~~الحركة في إخلاص وأمانة وكان على الدوام يساعد غاندي ويدعو للاستقلال. ولكن أخاه «شوكت ~~علي» انفصل بعد وفاة أخيه من الحركة وأخذ يدعو لاستقلال المسلمين وانفصالهم عن ~~الهندوكيين، مع أن هذا الرجل أعرف الوطنيين الهنود بفائدة الاتحاد بين المسلمين ~~والأقباط في مصر. وقد زار مصر مرات ms10 ورأى بعينيه قيمة هذا الاتحاد. # وقد بقيت الحركة الهندية، وهي لا تلفت الأنظار في العالم المتمدن إلا قليلا، إلى أن ~~سطع فيها غاندي. فإنه أكسبها من المبادئ، وعين لها من الخطط، ما جعل العالم يلتفت إليه ~~نبيا قبل أن يرى فيه وطنيا! ولكن أعظم ما خدم الحركة الوطنية هو «فضيحة أمريتسار» ~~التي جن فيها الجنرال داير الإنجليزي فجمع الهنود في ميدان ثم أطلق عليهم النار، فقتلهم ~~قتلا ذريعا. ثم أمر جميع من يمر فيه من الهنود بأن يزحف على ركبتيه. وكل هذا لأن بعض ~~السكان في هذه المدينة قتلوا بعض النساء الإنجليزيات. وكانت هذه الحادثة في الهند ~~بمثابة دنشواي في مصر، إذ انعقدت القلوب على كراهة الإنجليز من ذلك الوقت. # وزاد في الكراهة أن الحكومة الإنجليزية حين عاقبت هذا الجنرال أبى الإنجليز المقيمون ~~في الهند إلا تكريمه، فأهدوا إليه سيفا من الذهب، فكان هذا التحدي الوقح للأمة الهندية ~~سبيلا إلى اتحادها وإلحاحها في الاستقلال. # الفصل الخامس # | الثقافة الإنجليزية في الهند # إذ كان الإنجليز قد نكبوا الهنود بالاستعمار فإنهم قد أسدوا إليهم أعظم الفضل ~~بتعليمهم اللغة الإنجليزية التي فتحت لهم باب الثقافة الإنجليزية الواسع. وهذه الثقافة ~~هي العلاج الحقيقي للاستعمار، لأنها تحتوي على بذرة الحرية التي لا يمكن الاستعمار أن ~~يقتلها. ويمكن الناقد المنصف أن يقول (بعد أن يعدد المظالم الكثيرة التي أوقعها ~~الاستعمار البريطاني بالهند) إن النهضة الهندية الحاضرة إنما تعزى إلى هذه الثقافة ~~الإنجليزية العجيبة، وإن غاندي هو ثمرة هذه الثقافة التي لا يستطيع بها إلا أن يثور في ~~وجه الظلم. # لما وصل الإنجليز إلى الهند كان الهنود - وخاصة الهندوكيين - في ظلام دامس، قد تحجرت ~~تقاليدهم. يقتلون أراملهم ويخضعون لبراهمتهم وراجواتهم، لا يدرسون غير السخف الذي تراكم ~~من العقائد الهندوكية. وكانت البوذية قد انمحت من الهند وطوردت إلى الحدود. وبقيت الحال ~~على ذلك بعد استعمار الإنجليز للهند مدة طويلة إلى أن تعين الأديب الكبير «ماكولي» ~~مستشارا للمجلس الأعلى في الهند سنة 1834، وهناك نسي هذا الأديب مصلحة الاستعمار وآثر ~~عليها ms11 مصالح الذهن، فقرر أن يعلم الهنود تعليما عاليا باللغة الإنجليزية. ومن هذا ~~الوقت انفتح أمام الهنود باب المدنية الغربية، وظهرت عندهم الدعوة إلى الحرية والمساواة ~~وغرس الوطنية الهندية الذي يتعهده الآن تاجوري وغاندي ونهرو وغيرهم. # ونستطيع أن نجزم أنه لولا هذه الثقافة الإنجليزية لما ظهرت الدعوة إلى الحرية في ~~الهند، ولما تجرأ رجل مثل غاندي على أن يقول بمساواة المنبوذين بسائر الهندوكيين. ولو ~~كان الهنود يقتصرون في ثقافتهم على الآداب الشرقية لبقوا إلى الآن في خضوع أعمى ~~لولاتهم الإنجليز، كما يخضعون لراجواتهم الهنود وبراهمتهم، ولعدوا أنفسهم منبوذين أمام ~~الحاكم الإنجليزي كما يعد الأنجاس أنفسهم منبوذين أمام سائر الهنودوكيين. # ويجب ألا ننسى أن أنظمة الحكم الدستوري في العالم كله هي إحدى ثمرات الثقافة ~~الإنجليزية، لأن الإنجليز هم الذين قرروا حق الشعب في أن يحكم نفسه. والتقاليد ~~الدستورية هي جميعها تقاليد إنجليزية، وليس هناك ما يعيب الأمم التي نكبت بالاستعمار ~~البريطاني أن تعترف لهذه الثقافة الإنجليزية بهذا الفضل. # ومما يدعو إلى العجب أن ماكولي، الذي عمم اللغة الإنجليزية في التعليم في الهند، كان ~~يسيء الظن بالهنود، حتى كاد يحسبهم غير جديرين بالرقي. ولكنه في هذا الاعتقاد السيئ، ~~الذي بعثه في نفسه ما كان يرى من جمود الهنود، لم يكن يعرف مقدار التنبيه الذي تبعثه ~~الثقافة الإنجليزية التي تمثل في عصرنا الحاضر أحسن ما كان في ثقافة الإغريق القدماء، ~~وتزيد عليها جدا ورجولة. # والناس عندما يذكرون الحرية تلتفت أذهانهم إلى الثورة الفرنسية، مع أن بذرة هذه ~~الثورة ترجع إلى إنجلترا، وقد دعا أحد دعاتها «فولتير» إلى الدستور الإنجليزي. وكان ~~خطيبها «ميرابو» يدعو هذه الدعوة أيضا. وإذا كنا نحن نرى الآن في غاندي داعية مخلصا ~~للحرية والإخاء والمساواة، فإن آباءنا في القرن الماضي كانوا يرون في «غلادستون» على ~~الرغم من تعصبه الديني، هذا الداعية أيضا، بحيث يمكن أن نجد صلة روحية بين ~~الاثنين. # الفصل السادس # | المصلحون الدينيون # ليس غاندي أول المصلحين للهندوكية الداعين إلى تطهيرها مما علق بها من طبقات التقاليد ~~الكثيفة، فقد ظهر ms12 في الهند دعاة للإصلاح قبل غاندي، وكثير من هؤلاء كانوا من البراهمة. ~~فإننا نقرأ الآن عن اختلاط غاندي بالمنبوذين، ولكنه ليس مع ذلك الأول في الميدان، فمنذ ~~سنوات عرف أحد البراهمة وهو «راما كرشنا» بمثل هذه الدعوة، وقد كنس بيتا لأحد ~~المنبوذين، بشعر رأسه، لكي ينفي عنهم تهمة النجاسة. وفي سنة 1926 قتل زعيم من زعماء ~~الهندوكية يدعى «شرادان»، كان يؤاكل المنبوذين ويعلمهم طرق المقاومة السلبية للهندوكيين ~~المتعصبين، وهي الطرق التي دعا إليها غاندي جميع الهنود لمقاومة الإنجليز. وقد حدث في ~~ملابار أن قصد إليها هذا الهندوكي المصلح يطلب للمنبوذين المساواة، وكانت التقاليد في ~~هذه البلاد تقضي بألا يسير المنبوذون على الطرق العامة التي تسير عليها سائر الناس، ~~فحضهم على العصيان، وصاروا يسيرون على الطرق العامة فيقبض عليهم ويحبسون، وبقوا على ذلك ~~مدة طويلة إلى أن ألغيت هذه التقاليد في ملابار وانهزم الرجعيون. # وقد كان البراهمة - كما يعرف القارئ لكتاب كليلة ودمنة - سادة الهند وحكامها وكهنتها. ~~ولكن دخول الإسلام في الهند زعزع سلطانهم، ثم جاء الإنجليز فأزالوه، فلم يبق لهم الآن ~~سوى السلطان الروحي على الهندوكيين. وهذا السلطان نفسه قد فتح لهم أبوابا لزيادة ~~الثروة والرقي، فإنهم اختصوا بالوزارات وتقلد المناصب العالية ودرسوا الآداب والطب ~~وكانوا إلى وقت دخول الإنجليز يتولون إدارة البلاد ويتزعمون ثقافتها. # ولكن هذا السلطان لم يكونوا ليستطيعوا الاحتفاظ به لو لم تكن لهم أو لمعظمهم أخلاق ~~صارمة. فإن قسما كبيرا منهم لا يذوق اللحم، وجميعهم بلا استثناء لا يذوقون الخمور، ~~وقد ظهر بينهم قديسون عاشوا عيش الصلاح والتقشف والزهد. ومن هنا قوتهم أو بعض قوتهم. ~~فإنه ليس من المعقول أن تستطيع طبقة الاحتفاظ بالسيادة آلاف الأعوام إذا لم تكن فيها ~~صفات السيادة. # ومن المصلحين الذين يشار إليهم في الهند «سرسواتي». فإنه دعا إلى إهمال المناسك ~~والشعائر والاقتصار على «الويدا» أي الكتاب المقدس، وطلب محو الطبقات والمذاهب. ولهذا ~~المصلح شيعة يعد أفرادها بالملايين، وهم يخالطون المنبوذين كما يخالطون البراهمة، لا ~~يعرفون فرقا بينهما. وهم يعلمون بناتهم ويجعلونهن ms13 يختلطن بالرجال ولا ينفصلن في حرم ~~خاص بالمنزل. # وقد أسسوا مئات من المدارس التي تعيش بالتبرعات ولا تساعدها الحكومة بشيء من أموالها. ~~وأرسلوا الرسالات التبشيرية إلى جميع أنحاء الهند، لمحو النجاسة وإلغاء الحجاب وتعليم ~~المرأة وتطهير الهندوكية من الأساطير والمناسك والعودة بالدين إلى فطرته الأولى. وهم لا ~~يعبدون الأصنام، ولا يسمون أنفسهم بشعار الطبقات، وقد استطاعوا بحركتهم هذه أن يصدوا ~~حركات المبشرين من المسيحيين. # وشيعة سرسواتي هذه قد استطاعت أن تحارب التقاليد الهندوكية التي كانت تقول بإحراق ~~الأرملة. فلما ألغت الحكومة الإنجليزية ذلك بقي عند الهنود احتقار الأرملة والتشاؤم من ~~رؤيتها. ولكن جهود سرسواتي جعلت الأمة والحكومة معا تقبلان زواج الأرملة، وهذه معجزة ~~في الهند. # ولكن يجب ألا ننسى هنا أن أعظم عقبة في سبيل الإصلاح الاجتماعي أو الديني في الهند هي ~~قيام حكومة أجنبية جعلت شعارها ألا تتدخل في الدين. وهي تجعل من تحايدها هذا حجة تحتج ~~بها كلما وجه إليها لوم بشأن إهمالها للإصلاح الاجتماعي، لأنها تستطيع أن تقول إنه يمس ~~الدين. وفي بلاد كالهند، يتداخل فيها الدين والاجتماع، لا بد من حكومة وطنية تستطيع أن ~~تتحمل تبعة التدخل في الدين لكي تصلح الاجتماع. وإذا لم تكن الحركات التي قام بها هؤلاء ~~المصلحون الهندوكيون، مثل غاندي أو سرسواتي أو راما كرشنا تؤتي ثمراتها فلأنهم جميعا ~~لم يلقوا أية معاونة من الحكومة البريطانية. # الفصل السابع # | الحكم الهندي في الهند # الهند قطر كبير، أشبه بالقارة منه بالقطر، يزيد سكانه على 350 مليونا. منهم نحو 300 ~~مليون تحت حكم الإنجليز المباشر ونحو 50 مليونا تحت حكم الأمراء الهنود من الهندوكيين ~~والمسلمين. ولكن هؤلاء الأمراء ليسوا مستقلين إلا استقلالا داخليا ولا يمكن لواحد ~~منهم أن يحدث نفسه بمخالفة الإنجليز. # ويمكن أن يقال على وجه عام إن حكم البريطانيين خير من حكم هؤلاء الأمراء. فإن الأمير ~~يجعل ميزانية الدولة ميزانية قصره، كما كان الشأن في أمراء الشرق في الأزمنة السالفة. ~~والضرائب تجبى أحيانا على غير نظام، وعند الأمير أن يشتري الماسة، أو يبني ms14 قصرا أو ~~يقتني النساء، خير من أن ينشئ مدرسة أو ملجأ أو مستشفى. ولذلك لا ينسى الهنود الوطنيون ~~مثل نهرو أن يطلبوا إلغاء الإمارات الهندية كما يطلبون إلغاء حكومة ~~الإمبراطورية. # ولسنا نعني أن جميع هؤلاء الأمراء ظلمة، فإن منهم العادل الوطني الذي تجري في عروقه ~~دماء الهنود، وهو يطلب الاستقلال للهند بإخلاص وولاء، ومن هؤلاء مصلحون خدموا شعوبهم ~~وأنفقوا أموالهم في إصلاحهم، ومن الأمراء المصلحين نظام حيدر أباد وأمير بارودا ومهراجة ~~ميسور ومهراجة نبها. فإن هؤلاء الأربعة يعطفون على الحركة الوطنية في الهند ويصرحون ~~بوجوب الاتحاد بين جميع الأقطار الهندية، وهم يعجبون بالوطنيين الهنود، حتى إن أمير ~~بارودا دعا الوطني «بانرجي» لأن يكون رئيس وزارته. وكان هذا الوطني أول زعماء الحركة ~~الوطنية الحاضرة حين ذهب يوقظ الهنود إلى الاستقلال بحجة أن الإنجليز قسموا إقليم بنغال ~~قسمين. وقد رفض بانرجي هذا المركز السامي لاشتغاله بالحركة الوطنية في بنغال التي تأججت ~~منها نار الوطنية في سائر أنحاء الهند. وقد كان «بوز» الذي اشترك في حركة بنغال مفتشا ~~للتعليم في بارودا. ومن سنوات دعا مهراجة ميسور الزعيم غاندي لكي يكون ضيفا رسميا. ~~وقد «طهر» نام حيدر أباد إدارات الدولة من الموظفين الإنجليز والأجانب وعين في مكانهم ~~هنودا. ودارت مكاتبات بينه وبين نائب الملك بشأن هذا الموضوع. # ومن الأمراء الوطنيين أمير نبها، فإن الحكومة البريطانية عينته عضوا في «الجمعية ~~التشريعية» فانضم إلى المعارضة وأصبح الصديق الحميم للوطني «جوكيل». ولم يغفر له ~~الإنجليز هذا المسلك الذي سلكه وخيب به ظنها في الاعتماد على أمراء الهند لإذلال ~~الهنود، فإنها أجبرته بعد ذلك على النزول عن العرش. # ويقول الإنجليز إن الأمراء شكوا إلى الحكومة البريطانية وأعربوا عن مخاوفهم إذا منحت ~~الهند استقلالا داخليا ودستورا ديمقراطيا يضم بين الإمارات المستقلة والهند ~~البريطانية. وهذا لا يستغرب من بعض الأمراء الذين نشئوا نشأة شرقية محضة جعلتهم يكرهون ~~الشعوب التي يحكمونها، ويعتقدون أن الحكم لا يعني غير القصر والجواري والجواهر والفيلة. ~~ولكن الأمراء الذين نشئوا نشأة أوربية وتعلموا في الجامعات الأوربية، ms15 وعرفوا السر في ~~تأخر الهند وتقدم أوروبا، يحبون شعوبهم ويعملون للحكم الديمقراطي ويعطفون على الحركة ~~الوطنية. # ويجب ألا ننسى أن قيام الحكم البريطاني إلى جنب هؤلاء الأمراء يفسدهم ويجعلهم يعتمدون ~~على رعايته وحمايته أكثر مما يعتمدون على ولاء الشعب والحرص على حبه. فإذا كان بين ~~هؤلاء الأمراء من يبدو في وطنيته نقص فإن هذا النقص أو بعضه يعزى إلى قيام الحكم ~~الإنجليزي، وإذا زال هذا الحكم فإن من المحقق أن هؤلاء الأمراء يسرعون في الإصغاء إلى ~~صوت شعوبهم. # وحتى مع التسليم بأن حكم الإنجليز أعدل من حكم الهنود يجب ألا ننسى أن نصف الميزانية ~~ينفق على الجيش، وأن جزءا كبيرا منها أيضا ينفق في تسديد الأقساط للديون التي ~~استدانتها الحكومة. وحملة أسهم هذه الديون من الإنجليز، وجميع المناصب العليا والمتوسطة ~~في أيدي الإنجليز. ومع أن للهند البريطانية «جمعية تشريعية» فإن رأيها استشاري. # الفصل الثامن # | الفقر والنجاسة # النجاسة في الهند صفة المنبوذين ورثوها بحكم التقاليد. ولكن الفاقة العظيمة التي يعيش ~~فيها هؤلاء المنبوذون تجعل نجاستهم حقيقية وليست دينية فقط. فإنهم يمنعون من امتلاك ~~الأرض، ومن حفر الآبار للاستقاء، وعليهم يقع واجب نزح الكنف من المدن وحمل الزبالة. ~~فإذا لم تلحقهم النجاسة من الدين فإنها تلحقهم من هذه الصناعات وأمثالها، ومن حرمانهم ~~الذي يضطرهم إلى الاستقاء من البرك والمناقع. # ولو تحسنت الحال الاقتصادية في الهند واستطاع المنبوذون أن يعيشوا من إحدى الصناعات ~~التي يكسبون منها أجورا عالية لكان في مقدورهم أن يستروا أجسامهم بملابس حسنة وأن ~~يأكلوا الأطعمة المغذية ويسكنوا المنازل النظيفة. وفي مثل هذه الحال يكذب الواقع ~~المأثور فلا تنسب إليهم النجاسة أو على الأقل يخف وقعها. # ولكن نكبة الهند هي الفقر، هذا الفقر الذي يجعل الأم تقتل وليدتها، ويجعل الجائع يخدر ~~نفسه بالأفيون لكيلا يتضور من الجوع. وليس هذا الفقر شبيها في قطر آخر في العالم، ~~وكثيرا ما تسوء الحال فيعم القحط جميع الريفيين ويموتون من المجاعة. وقد قال «جوكيل» ~~الوطني الهندي: ~~«يعيش في الهند نحو أربعين مليونا لا يحصل ms16 أحدهم على أكثر من وجبة واحدة في ~~اليوم. ويقول السير تشارلس إليوت إن في الهند سبعين مليونا لا يتاح لأحدهم أن ~~يشبع ولو مرة واحدة في العام.» # وقال المستر مونتاجو في إحدى خطبه سنة 1919: ~~«هل منكم من يعرف أن وافدة الإنفلوانزا قد قتلت في العام الماضي نحو ستة ~~ملايين شخص في الهند؟ أليس في هذا العدد العظيم ما يدل على علاقة هذه الوفيات ~~بالفقر وضعف السكان عن المقاومة؟» # وكوخ الفلاح الهندي يدل على الفقر البالغ. فإنه يبنيه من الطين جدرانا أربعة ليس لها ~~نوافذ أو باب ، وهو يبني خارج هذا الكوخ مصطبة يقعد عليها للاستراحة. وهو لا يعرف من ~~الملابس غير وزرة يتسر بها عورته. وهو يكد في الزراعة بياض النهار وبعض الليل هو وزوجته ~~وأولاده. وعليه أن يدفع للمالك نصف الناتج من الزراعة وعليه أن يؤدي ضريبة الملح ~~للحكومة. # وإذا كانت هذه حال الفلاح فكيف تكون حال المنبوذ؟ # وفي المدن الكبرى مثل بومباي يعيش العمال في فقر مرعب، فإن هناك مساكن متوسط ما ~~تحتويه الغرفة فيها نحو ستة أو سبعة أنفس. وينصح مدير الإحصاء في الهند بأن يعلم الناس ~~طرق ضبط التناسل، وليس شك في فائدة ضبط التناسل، ولكن جهل الطبقات الفقيرة وما يمكن أن ~~يقيمه رجال الدين من العقبات في سبيل الدعاية يحولان دون ذلك. # وليس للحكومة ملاجئ تؤوي السائلين أو المحتاجين. ومع أن حكومة الهند تتعلل لإحجامها ~~عن الإصلاح بجهل الأمة الهندية فإن الأمة نفسها قامت بإصلاحات عديدة في الدين والاجتماع ~~والاقتصاد لم تقم بمثلها الحكومة. ففي المدن الكبرى أسس الأغنياء ما يسمى «دار مسألة» ~~وهي مأوى للسائلين يأكلون فيه وينامون إذا ثبت عجزهم عن الكسب. # ولم تكن الهند بهذه الحال من الفاقة في الأزمنة الماضية، وإنما جاءتها هذه الفاقة من ~~الإنجليز. وليس شك في أن الزراعة كانت أحيانا لا تؤتي غلاتها لقلة الأمطار، فيحدث ~~القحط، ولكن مثل هذا القحط لم يكن يحدث لولا زيادة السكان المتوالية مع بقاء غلاتها على ~~ما هي عليه لا تزيد. # والسبب ms17 الأصلي لفاقة الهند - على ما أوضح غاندي - هو قتل الصناعات الهندية وخاصة ~~الغزل والنسج، لكي يفتح الطريق لمنسوجات لنكشير فتستأثر بأسواق الهند. وقد كانت الأقمشة ~~الهندية معروفة، يتهادى بها الملوك والأمراء، ولكن الإنجليز قتلوها وعمدوا إلى كل رجل ~~معروف ببراعته في النسج فقطعوا يده، حتى ماتت صناعة النسج وأصبح الهندي الذي كان يشتري ~~منسوجات بلاده لنفسه ولزوجته وأولاده يشتري منسوجات لنكشير الإنجليزية. # وهذا هو ما يجعل غاندي يلح على الهنود في الرجوع إلى المغزل والمنسج. فإنه يريد من ~~ذلك أن يكافح الفاقة ويقدم للفلاح الهندي صناعة أخرى إلى جنب الزراعة تزيد كسبه وتمكنه ~~من أن يشتري الطعام الكافي لأسرته، فإن الزراعة في الهند تقتضي كدا متواصلا بضعة ~~أشهر ثم راحة متواصلة بضعة أشهر أخرى. فإذا استطاع الفلاح أن يغزل في مدة الراحة أمكنه ~~أن يزيد مكاسبه بعض الشيء مما يعينه على المعيشة الحسنة. # وعلاج الفاقة هو - كما بيننا - علاج أيضا للنجاسة لأن الكرامة الاجتماعية تجيء في ~~إثر الكرامة الاقتصادية. # الفصل التاسع # | المرأة الهندية # من الكتب التي ذاعت في أوروبا وأمريكا كتاب ألفته آنسة أمريكية تدعى كاترين مايو ~~وعنوانه «أمنا الهند». وهي تصف في هذا الكتاب المساوئ الاجتماعية التي يعانيها الهنود ~~من تقاليدهم، وغاية الكتاب الدفاع عن الإدارة الإنجليزية، وأن الإنجليز يصلحون البلاد ~~في حين تواجههم عقبات من التقاليد التي توارثها الهنود عن أديانهم، وهي تقاليد تهدم ~~كرامتهم وصحتهم وتبقيهم في الفاقة والضعف. # وقد حنق الهنود على هذا الكتاب، وقالوا في الدفاع عن بلادهم إن هذه المؤلفة مأجورة من ~~الحكومة البريطانية لكي تسوئ سمعة الهنود وتحط من قيمة جهادهم للاستقلال، وألفوا الكتب ~~في الرد على كتابها هذا، وأثبتوا فيه مبالغات تدل على القصد السيئ من إيرادها ونشرها ~~وما هو أن هدأت العاصفة حتى نشرت كتابا آخر عنوانه «عبيد الآلهة»، والمعنى واضح من هذه ~~التسمية وهو أن الهنود قد استعبدتهم آلهتهم وهم لا يجرءون على الانطلاق من القيود التي ~~قيدتهم بها، وقد جعلته قصصا تتناول في الأكثر حياة المرأة الهندية. # ومهما قيل ms18 عن هذين الكتابين فإن الذي لا مراء فيه أنها تذكر أشياء تقع في الهند، وهي ~~إذا بالغت فلإبراز الصورة فقط، أو هي تعمم أحيانا حين يكفي التخصيص، فإن الأرملة مثلا ~~لا تحرق الآن في الهند بوجه عام، ولكن من آن لآخر يقع هذا الإحراق. وبين المنبوذين ~~رجال استطاعوا أن يبرزوا ويبلغوا القمة ولكن منهم من تعد حياته في نظر الهندي كحياة ~~الكلب إن لم نقل كحياة الحشرة. # ومن أحسن ما قاله رجل من أحرار الإنجليز عن هذين الكتابين أنه يجب على الهنود أن ~~يذكروهما وعلى الإنجليز أن ينسوهما. وهو يعني بذلك أن الهند يجب أن تصلح نفسها وأن ~~الإنجليزي يجب ألا يعيب على الهنود هذه العيوب. # وتذكر المؤلفة قصة أرملة تجري عليها محاولة إحراقها بالنار عقب وفاة زوجها، وتجري ~~المحاولة في خفية، ولكن الحكومة تدري بها فتنقذها. # وهكذا الشأن في سائر الكتاب، فإنها تؤلف القصة لكي تضرب بها المثل على سوء النظام ~~الاجتماعي في الهند. وميدان المرأة من الميادين الخصبة عندها، فإن الهند بلاد شرقية وهي ~~والأقطار الشرقية سواء في وضع المرأة في مركز دون الرجل، وقد تكون حالها في الهند أسوأ ~~حال وقعت بها في الشرق. فإنها تحرم هناك من الميراث، ويجوز للرجل أن يتزوج أي عدد شاء ~~من النساء. وواضح أن حرمان المرأة من القيمة الاقتصادية يحرمها أيضا من القيمة ~~الاجتماعية، وأعتقد أنه لو لم تحرم المرأة الهندية من الميراث لما تجرأ الهنود على ~~إحراقها عقب وفاة زوجها. # ولم تعرف المرأة الهندية النقاب الذي يخفي الوجه، ولكنها عرفت الحجاب، فإنها لا تختلط ~~بالرجال. وهي تعيش في حرم خاص بالنساء، وهذا الحرم يبنى بحيث لا تنفذ إليه أشعة الشمس، ~~ولا يؤذن لها بالخروج إلا قليلا جدا، وأكثر خروجها في الليل، ولذلك يفشو السل بين ~~نساء الطبقات المتوسطة لهذا السبب. # وتكثر أيضا أمراض الرحم عند الهنديات لسوء الطرق التي تستعمل في الولادة. فإن ~~النفساء تعد نجسة، فهي تنبذ إلى غرفة قذرة نائية من المنزل، ولا تستعمل سوى الملابس ~~القديمة البالية، ms19 فتكون النتيجة موت الطفل أو مرضها. # ويضاف إلى هوان المرأة هذا البغاء الذي تجيزه الهندوكية، فإن الأبوين ينذران بنتهما ~~لكي تخدم في المعبد، فإذا بلغت السابعة أو الثامنة حملت إليه، فتصير من هذا السن بغيا ~~للكهنة، ثم بعد ذلك لسائر الناس. # ومن العادات السيئة التي توورثت في الهند عن التقاليد أن يعقد زواج الأطفال وهم في ~~الخامسة أو السادسة من العمر، فإن الأم تقعد وعلى حجرها ابنها، وكذلك تفعل أم البنت، ثم ~~يأتي كاهن من البراهمة فيعقد بينهما الزواج. وقد تأخذ الأم ابنتها بعد ذلك أو تتركها ~~بمنزل العريس، فإذا بلغ الاثنان سن المراهقة استهلكا قوتهما في وقت يحتاجان فيه إلى ~~ادخارها، فينشأ الشاب الهندي منهوكا لا طاقة له على الكد والجهد. وتحمل زوجته وهي بعد ~~في الحادية عشرة أو الثانية عشرة، فيمتص الجنين دمها، ويضنيها بعد أن يولد بالرضاع. ثم ~~هي في هذه السن لا تصلح للأمومة، ولذلك يموت الأطفال في الهند بكثرة مفزعة. # وقد دعت الجمعية التشريعية الحكومة إلى سن قانون يمنع زواج الأطفال، وقد سن هذا ~~القانون، ولكن الجمهور لا يزال يمارس هذا الزواج لأن العقوبة المقررة له هي غرامة غير ~~فادحة، ولذلك لا بد من تربية الجمهور حتى يدرك الأضرار التي تصيب صحة الهنود وقواهم من ~~هذا الزواج. # وفي مثل هذه الظروف يهون شأن المرأة هوانا عظيما. وينشأ الهندي وهو لا يدري معنى ~~للحب بين الجنسين، إذ هو لا يعرف غير الغلمة. كما يهون شأن الأم، فلا تكون للتربية ~~البيتية القيمة التي لها في الأقطار الأوربية. # ومن هنا نعرف السبب لأن زعيما كبيرا مثل غاندي لا يقصر جهوده على الحركة السياسية ~~وطلب الاستقلال، بل يتجاوزهما إلى الحركة الاجتماعية، فيطلب تحرير المرأة ومساواة ~~المنبوذين بسائر الهندوكيين، فإن نكبات الهند الاجتماعية ليست دون نكباتها السياسية بل ~~قد تكون أفظع. # الجزء الثاني # | سياسية غاندي وفلسفته # الفصل العاشر # | حياة غاندي # يقرأ الإنسان حياة غاندي فيجد في هزائمه وانتصاراته، ذلك الإلهام الذي يجده في الكتب ~~المقدسة أو في الأساطير التي أنشأها ms20 عظماء الأدباء لكي يرسموا فيها الصور الرائعة للمثل ~~العليا للإنسانية. وإنها لمن أحسن حظوظنا أننا عشنا في زمن رأينا فيه رجالا ونساء ~~يخدمون البشر خدمة الإخلاص والوفاء، لا يبغون من وراء ذلك مصلحة شخصية لأنفسهم من مال ~~أو وجاهة أو نفوذ، فهذا «ولسون» مات بيننا وهو يدعو إلى جحد الحروب التي كان يتجمد بها ~~أسلافنا، وقد أفلح في تأسيس عصبة الأمم. وهذه المسز «بيزانت» تدعو الآن إلى الروحية ~~وترفعنا فوق الأنانيات الصغيرة، وهي مع أنها إنجليزية تقود الهنود لمقاومة الإنجليز. ~~وهذا «تولستوي» الذي عاش بيننا كأنه أحد الملائكة، ثم هذا غاندي الذي، يدافع الآن عن ~~الكرامة الإنسانية في وجه المدافع الإنجليزية. # وهؤلاء العظماء يثبتون لنا أن زماننا ليس بذلك الزمن المادي الذي توهمنا الظروف أننا ~~نعيش فيه، بل إننا نصبو إلى الروحية ونضع الكرامة الإنسانية فوق اعتبارات المال ~~والمصالح الشخصية. والزعيم يمثل في شخصه ومبادئه أماني الأمم وخواطرها السامية، ولذلك ~~فإن بذور هذه المثل العليا التي ننشدها، وما زال ينشدها أمثال تولستوي وغاندي والمسز ~~بيزانت، هي كائنة في قلوب جميع الناس. وإنما نبتت وبسقت في قلوب الزعماء لأن مهمة ~~العبقري أن يوضح للناس ما غمض في نفوسهم من الأماني السامية التي يحسون بها ولا ~~يستطيعون التعبير عنها. ولا يمكنه أن يخلق شيئا جديدا ليس في نفوسهم. # فأنا وأنت وجميع الناس ننطوي على هذه البذور الشريفة التي نزعت بغاندي وولسون ~~وتولستوي والمسز بيزانت وأمثالهم إلى الرقي النفسي والأخلاقي. فهم القمة التي لم تكن لو ~~لم نكن نحن لها القاعدة. ولذلك فمهما رأينا من الظلام والظلم، ومهما حاطنا من الحيوانية ~~والتوحش، ومن اللؤم والدناءة، فإنا يجب أن نثق بفوز الإنسانية والشرف والعدل والنور. ~~وهل تريد برهانا على ذلك أكبر من أن جميع شعوب الأرض تعرف الآن اسم غاندي، هذا الرجل ~~الفقير بل المعدم الذي يسير عاري القدمين حاسر الرأس. وتخصه بأكرم مكان في قلوبها، ~~بينما هي تجهل كل الجهل أولئك الأمراء والملوك والسلاطين الذين يتقلبون في الديباج ~~والجواهر ويحكمون الملايين من الهنود؟ ms21 # أليس في هذا البرهان على أن نفس الإنسان قد تطورت، وأنه صار يضع القوى المعنوية، قوى ~~الحق والعدل والنزاهة والشرف، فوق القوى المادية: قوة الجيوش والمال والبطش ~~والسلطان؟ ~~••• # يخطر ببالي وأنا أقرأ حياة غاندي ذكرى هؤلاء القديسين الذين تذكر تواريخهم الكنائس ~~المسيحية. فمن عادة الكنيسة الكاثوليكية أنها تقرر من آن لآخر أنها قدست أحد الناس، أي ~~أدخلته في زمرة قديسيها، وأعطته رتبة دينية لا يعلو عليها سوى رتبة الأنبياء. وقد فعلت ~~ذلك بجان دارك، التي قتلتها الكنيسة أولا بتهمة الهرطقة، ثم عادت بعد 300 سنة فاعترفت ~~بخطئها وأعلنت أنها من القديسات المسيحيات. # وقد يجلب هذا العمل ضحك المستهزئين لأن القداسة تقرر بقرارات يقوم بها البشر، ولكن ~~إذا نحن تأملنا المغزى من هذا العمل وجدنا فيه أحسن صلة تصل بين الدين والدنيا، تكسب ~~الدين حياة كما تكسب الدنيا تقوى، وتجعل الكنيسة تعترف للناس بأن القداسة في مقدور كل ~~إنسان يريد خدمة الناس والانتقال بهم إلى أطوار أخلاقية أسمى مما عرفوا في سابق ~~تاريخهم. وعلى هذا كان يجب أن تكون لنا هيئات دينية تعترف لأمثال غاندي وتولستوي وولسون ~~بالقداسة، وتحفظ أقوالهم في كتب مقدسة ينشأ عليها الصبيان في المدارس، ويتدارسها الشبان ~~في الجامعات، ويحاول الزعماء أن يوضحوا مراميها أو يسموا عليها بتعاليم جديدة. ~~••• # ولد غاندي في ولاية هندية صغيرة في غرب الهند تدعى «كثياوار» سنة 1869، وكان أبوه ~~رئيس الوزارة في هذه الولاية، ولكنه كان من الصدق في الخدمة والنزاهة في المعاملات ~~المالية بحيث لم يترك بعد وفاته إلا القليل من المال لأولاده. وقد تعلم غاندي من أبيه ~~الصدق والصلابة، كما تعلم من أمه التقوى. وكان ضئيل الجسم في صباه كما هو الآن في ~~شيخوخته. ودخل مدرسة ابتدائية فلم يتقدم فيها كثيرا. والعادة الفاشية بين بعض ~~الهندوكيين أن يقتصروا من الطعام على الخضروات وما تنتجه الأرض دون طعام اللحم. وسار ~~غاندي على ذلك مدة ولكن عندما رأى ضعفه خطر له أن يأكل اللحوم، ووجد من نصيحة صديق له ~~ما قواه على ذلك، ولكنه ms22 عاد فندم على مخالفته للدين، ولم يسترح إلا عندما اعترف وطلب ~~الغفران. # وتزوج على عادة الهنود وهو في الثالثة عشرة، وكانت زوجته أصغر منه سنا. ثم عزم على ~~السفر إلى إنجلترا لدراسة الحقوق فوجد من أهله مقاومة كبيرة، لأنهم خشوا عليه تلك ~~الغوايات التي يقع فيها الشاب الأجنبي في وسط متمدن مثل لندن. ولكنه تغلب على معارضتهم ~~وسافر بعد أن شرطت عليه أمه ألا يعرف اللحم أو النبيذ أو المرأة. # ولقي مشقة كبيرة في لندن في اختيار طعامه، لأن الناس كلهم تقريبا يأكلون اللحم. ~~ولذلك فإنه كثيرا ما كان يجوع. ولكنه عرف بعد مدة غير قصيرة مطعما نباتيا فلزمه طول ~~إقامته في لندن. ونال شهادة المحاماة سنة 1891 وعاد إلى الهند. وشرع يمارس المحاماة، ~~ولكنه وجد في نفسه عجزا كبيرا عن القيام بهذه الحرفة، فقد كان إذا وقف أمام القاضي ~~جمد فلا يستطيع النطق، وعندما تحقق له عجزه بعد تكرار المحاولات أراد أن يترك المحاماة ~~ويشتغل بالتعليم، فعرض نفسه على مدرسة إنجليزية لكي يعلم فيها بمرتب خمسة جنيهات في ~~الشهر فرفضته. # وعاد إلى المحاماة، ولكنه قنع بكتابة العرائض والمذكرات، فلم يربح كثيرا من هذا ~~العمل. وكان له أخ يشتغل بالمحاماة في مدينة «راجكوت» فرحل إليه واستطاع بما لأخيه من ~~جاه ومكانة أن يربح عشرين جنيها في الشهر بكتابة المذكرات والعرائض. # وحدث سنة 1893 أن طلبه بعض التجار الهنود في إفريقية الجنوبية لكي يدافع عنهم في ~~قضية، فسافر وأدى مهمته كأحسن ما يمكنه. وهنا ذهبت عنه عقدة لسانه فلم يعد يشعر بذلك ~~الجمود الذي كان يتملكه ويعقد لسانه كلما وقف أمام قاض. ثم خطر له أن يقيم في إفريقية ~~الجنوبية ويشتغل بالمحاماة، وذلك لأنه تشجع بما لقيه من نجاح، وأخذ في المحاماة في ~~المحاكم الإنجليزية يدافع عن حقوق التجار الهنود، وكان يربح في العام مبلغا يتراوح بين ~~5000 و6000 جنيه. # ولكن أرباحه هذه لم تزغ بصره عن مصالح الهنود أو مصالح الإنسانية، فقد عاش في إفريقية ~~الجنوبية عشرين سنة رأس فيها ms23 وحدة من وحدات جمعية الصليب الأحمر لمعالجة الجرحى في حرب ~~البوير والإنجليز، وأنشأ مستشفى، وأنشأ عصبة لنقل الجرحى. وقد حبس عدة مرات لدفاعه عن ~~الهنود الذين كان البيض من الإنجليز والبوير ينزلون بهم ألوانا من الهوان. وكثيرا ما ~~كان يضرب ويبصق في وجهه لدفاعه عن الهنود، بل كاد أوباش الإنجليز والبوير أن يقتلوه لو ~~لم تخلصه من أيديهم سيدة إنجليزية في سنة 1908. وعقد غاندي اتفاقا مع الجنرال «سمطس» ~~بشأن العمال الهنود، ولكن بعض هؤلاء العمال اعتقدوا أن هذا الاتفاق لا يرضيهم فتآمروا ~~عليه وضربوه ضربا مبرحا كاد يموت منه. # حدث له كل ذلك وهو ثابت على مبدئه الذي تعلمه من تولستوي، وهو ألا يقاوم الشر بالشر، ~~فلم يرافع أحدا من الذين آذوه أو أهانوه إلى القضاء. وعاد إلى الهند سنة 1913 فاستقبله ~~الهنود كأنه أحد أبطالهم، وذلك لما سمعوا من بلائه في الدفاع عن المهاجرين الهنود في ~~إفريقية الجنوبية. # وكان غاندي شغوفا بتعاليم تولستوي، حتى إنه أنشأ في أفريقية الجنوبية ضيعة أطلق ~~عليها اسم «عزبة تولستوي» يتعاون فيها العمال على العمل والخدمة الحقة دون النظر ~~للتمايز في الامتلاك والريع. وقد أفلح في إدارة هذه العزبة على مبادئ تولستوي. وأدى به ~~شغفه بتولستوي إلى درس المسيحية، فأحبها، وهو يتلو الآن آيات الإنجيل كأنه أحد ~~المسيحيين، بل هو يجعل من حياة المسيح ومبادئه حجة دامغة لإدارة الإنجليز في الهند. ~~وأخذ منذ رجوعه إلى الهند يدافع عن حقوق العمال وخصوصا الفلاحين المساكين الذين ~~يستغلهم المالكون والتجار استغلالا قاتلا. وكذلك أخذ على نفسه الدفاع عن عمال ~~المصانع. وقد وضع هذه القواعد لكي يراعيها العمال في إضرابهم: ~~(1) # ألا يلتجئ العمال إلى العنف والبطش بأية حال. ~~(2) # ألا يأذوا العمال الأغراب الذين يأتي بهم أصحاب المصانع. ~~(3) # ألا يعتمدوا على الصدقة وقت إضرابهم. ~~(4) # أن يصمدوا ويعملوا أي عمل آخر شريف يعيشون منه مدة الإضراب. # وحدث أنه وجد ضعفا من العمال المضربين في «أحمد باد» فأعلن عزمه بينهم بأنه سيصوم ~~حتى يسوى الإضراب، وصام ثلاثة أيام وتمت التسوية. ومن ms24 ذلك الوقت صار يصوم كلما رأى ~~تهاونا من أتباعه، وذلك أنه وجد أنه يستطيع أن يخجلهم بما يتحمل من آلام ومشقات حتى ~~يتحملوا هم ما يتجلدون به وقت الأزمات. # وبقي غاندي إلى سنة 1919 وهو يقول بوجوب الولاء للإمبراطورية البريطانية، وأن حكم ~~الإنجليز هو الحكم الذي يجب أن يبقى وتتحدد فيه الولايات الهندية. وقصارى ما على الهنود ~~أن يطلبوا الإصلاح والتدرج إلى الاستقلال الداخلي، بحيث تصير الهند مثل أستراليا أو ~~كندا، أي قطرا مستقلا داخل الإمبراطورية. ولكن حدث في تلك السنة أن شغب الناس، واشتد ~~الشغب في مدينة «أمريتسار» حتى قتل عدد من الإنجليز رجالا ونساء. وعلم الجنرال «داير» ~~الإنجليزي أنه سيعقد اجتماع علني في أحد الميادين، فحصر المجتمعين، وأغلق بالجنود نوافذ ~~الميدان، ثم أطلق النار على المجتمعين فحصدهم حصدا في مدة عشر دقائق. وقد اعترف هذا ~~الجنرال السافل في التحقيق أنه كان يمكنه أن يشتت المجتمعين دون أن يحتاج إلى قتل واحد ~~منهم ولكنه تعمد القتل لكي يلقن الهنود درسا في احترام السلطان البريطاني. وهذا الدرس ~~هو قتل 400 هندي أعزل. # وانتهت هذه المجزرة بطرد داير من الجيش الهندي، ولكن الإنجليز المقيمين في الهند ~~جمعوا له 10000 جنيه وسيفا من الذهب أهدوه إليه. هذا من جهة، ومن جهة أخرى صار جميع ~~المعتدلين الذين كانوا يقولون بتدرج الهنود للحكومة الذاتية يطلبون الاستقلال التام. ~~وعلى رأس هؤلاء غاندي الذي وصف الحكومة الإنجليزية في الهند بأنها حكومة ~~الأبالسة. # ولكن من الآن، أي إلى حوالي سنة 1919، كان المسلمون يخشون حركة الاستقلال الهندي ~~لأنهم قلة في جانب كثرة من الهندوكيين. وكل من الطائفتين تكره الأخرى كراهة صماء عمياء. ~~ولكن حدث أن الحلفاء ضيقوا الخناق على تركيا، وكانت في ذلك الوقت «الدولة العثمانية» أي ~~دولة الخلافة. ولما كانت بريطانيا على رأس الحلفاء في حركة تمزيق الدولة العثمانية هاج ~~المسلمون الهنود على الإنجليز ووجدوا من عداواتهم لهم ما يربطهم بالهندوكيين في طلب ~~الاستقلال، فاتحدت الطائفتان من ذلك الوقت. وشرع غاندي يفكر في الطرق التي يجب على ms25 ~~الهنود اتخاذها لحركة العصيان المدني، وقد لجأ أولا إلى التجار والموظفين فوجد منهم ~~صدودا، فعمد إلى الشبان والطلبة وناشدهم حق الوطن، فلبوا واستجابوا لدعوته وهم إلى ~~الآن الطائفة التي يعتمد عليها في قيادة الشعب. # وقد اتخذ العصيان المدني جملة أشكال، فكان أول أشكاله مقاطعة الأقمشة الأجنبية، وجمع ~~غاندي 10000000 روبية لتغذية هذه الحركة. وقد أراد أن يسيرها في طريق السلم ولكن الحركة ~~خرجت من سيطرته فاتجهت نحو العنف، ووقع الشغب في أماكن مختلفة وقبضت السلطة البريطانية ~~عليه. وقد عومل في المحكمة بالاحترام، إذ وقف له القاضي الإنجليزي وشاوره في الحكم. ~~وهذا أغرب حادثة حدثت في تاريخ القضاء في العالم، إذ يستشير القاضي المتهم في شأن ~~العقوبة التي يريد أن ينزلها به. ولم يكن بين الاثنين خلاف بشأن الوقائع والتهم، وإن ~~كان الخلاف بشأن المبادئ. أو كما قال الأديب الفرنسي «رومان رولان» إنه كان بينهما ~~صراع: غاندي يمثل الكرامة الإنسانية، والقاضي يمثل الإمبراطورية البريطانية. ~~••• # قال القاضي: أنت تعرف أن «طيلاك» عوقب بالسجن ست سنوات لأقل من هذه التهم التي اتهمت ~~بها. # فقال غاندي: إنك تكرمني أعظم إكرام حين تضعني في صف الوطني طيلاك وتكرمني أيضا حين ~~تعاقبني بعقوبته. # فحكم القاضي بالحكم وهو يقول إنه لن يسر أحد بمثل سروره حين يعرف أن الحكومة قد خففت ~~الحكم. ~~••• # قال «بيرسون» إن محاكمة غاندي ودفاعه هما قصة تؤثر وتحفظ كما تحفظ آيات الكتاب المقدس ~~أو محاكمة سقراط. # ودخل غاندي السجن في مارس سنة 1922 وخرج في يناير سنة 1924، لأن الإنجليز خجلوا من ~~حبسه ست سنوات، لأنه يدافع عن وطنه. # الفصل الحادي عشر # | التقاليد القاتلة # الأصل في التقاليد أنها عادات نشأت لمصلحة معينة ثم تقادم عليها الزمن فاشتبكت ~~بالدين، وأصبحت لها حرمة ورعاية في النفس، فتحجرت، ولم يعد أحد يجرؤ على تنقيحها. وهي ~~في هذا التحجر تؤذي الأمة التي تخضع لها. وذلك لأن الحياة يجب أن تكون حرة تقبل التحول ~~والتطور ولا تجمد وتتحجر بالتقاليد. # وقد نشأت في الشرق تقاليد تهين الكرامة الإنسانية. ولا تزال ms26 الأمم الشرقية، حتى ~~الراقية منها مثل اليابان تئن منها، فقد ذكر الأستاذ محمد ثابت في رحلته إلى اليابان ~~كيف يتفشى البغاء في تلك البلاد وكيف يقدم رب البيت لضيفه بغيا تقضي معه ليلته. وقد ~~كان قبل ذلك يرى من التقاليد أن يقدم زوجته. # وإذا تركنا اليابان رأينا الصين بتقاليدها الحجرية، فإن الصينيين قصروا المرأة على ~~الخدمة في الفراش، وهم لهذا السبب لم يروا فائدة في نمو قدميها، فكان من تقاليدهم أن ~~يربطوا قدمي الصبية الصغيرة حتى يكف نموها، وهذه الأربطة كانت تشد حول القدم فتقف حركة ~~الدم، فتتألم الصبية، وقد تقضي الليل كله وهي لا تنام من فرط الألم، فإذا ما بلغت ~~العشرين، وهي في هذا الوجع، فرح بها أبواها المغفلان وتباهى كلاهما بأن قدم ابنتهما لا ~~تزيد على قدم الطفل. وهي عندما تتزوج يذكر صغر قدميها بين محاسنها، مع أنها لا تستطيع ~~أن تنهض من فراشها ولا تنتقل من مكان إلى مكان آخر إلا وهي محمولة. وأحيانا، عندما ~~تبلغ الثلاثين أو الأربعين، تكون الأربطة المشدودة حول القدم قد تجاوزت غايتها، فتموت ~~القدم، وتسقط عن الساق، كما تموت يد المجذوم وتسقط عن الذراع. # والأصل في هذه التقاليد أن الصيني لم يبغ من المرأة الصينية إنسانا له حقوق الإنسان، ~~وإنما قصد منها إلى خادمة ملازمة للفراش. وقد نجح، وكان في نجاحه سقوط الصين. # والآن يقوم الشبان المجددون في الصين بهدم التقاليد، وقد نجحوا في هدمها، ولذلك شرعت ~~الصين تنهض وتدخل في عداد الأمم المتمدنة. # ثم انظر إلى الهند، فقد كان من تقاليدها إلى بداية القرن الماضي أنه عندما كان الزوج ~~يموت يأتى بأرملته وهي حية فتحرق مع جثته، وكان هذا عندهم من الدين. وقد كفوا عن ممارسة ~~هذه العادة، ولكن لا يزال من بقاياها كراهة الأرامل، والتشاؤم منهن، ومعاملتهن أسوأ ~~معاملة. والأرامل لا تتزوج إلى الآن في الهند. # وإلى الآن لا يزال من تقاليدهم نوع من البغاء الديني، فإن الهندوكي المؤمن ينذر ابنته ~~لخدمة المعبد، فإذا بلغت سن الصبا حملها إليه ms27 فتصير بغيا لرجال المعبد، فإذا تجاوزت ~~سن الشباب والجمال طردوها منه فتعود بغيا لسائر الناس. وقد أعلن غاندي الحرب على هذه ~~التقاليد وهو لا يزال في المعمعة لم يكتب له النصر. # ويرى القارئ من هذه الأمثلة أن المرأة في اليابان والصين والهند لقيت - ولا تزال تلقى ~~- ضروبا من الهوان لا يلقاها الحيوان. وهي رويدا رويدا ينزاح عنها هذا العبء، على ~~أيدي الشبان المجددين الذين يهدمون التقاليد ويفكرون في مصالح المستقبل دون حرمة ~~الماضي. # وأخيرا نجد من تقاليد الهند هذه النجاسة التي تنسب إلى نحو ستين مليونا من ~~المنبوذين، فإن هذه التقاليد العجيبة تقول بحرمانهم من الحقوق الإنسانية البسيطة. ويجوز ~~للهندوكي أن يلامس التيس والعجل والخروف فلا يتنجس ولكنه يتنجس إذا لامس هذا الإنسان ~~الذي يسميه منبوذا. # لقد استطاع غاندي أن يؤلف من الأمة الهندية إجماعا على طلب الاستقلال ومكافحته ~~الاستعمار، ولكنه وجد بعد أربعين سنة من الجهاد أن التقاليد تذل الهند أكثر مما يذلها ~~الإنجليز. وهو عندما يصوم من أجل المنبوذين يحاول أن يؤلف إجماعا آخر لمحو النجاسة من ~~الهند. # والشرق ينهض عندما يمحو هذه التقاليد المذلة. وهذا الغرب المستعمر لن يحترم الشرق حتى ~~يحترم هذا الشرق أبناءه، رجالا كانوا أم نساء، فيساوي بين الرجل والمرأة وبين المنبوذ ~~والمقبول. # الفصل الثاني عشر # | نحن والحركة الغاندية # يجب على كل أمة منكوبة بالاستعمار أن تنتفع بتجارب الأمم الأخرى التي زاملتها في هذه ~~النكبة. وهذه الهند قد كابدت من الاستعمار البريطاني أكثر مما كابدنا، ثم هي كافحته ~~بأحسن مما كافحناها، فيجب علينا أن ندرس الطرق والوسائل التي اتخذتها لعلنا ننتفع بها، ~~إما بمجاراتها وإما بالاهتداء في ضوئها إلى ما يوافق بيئتنا. # ومحور المقاومة في الهند هو «غاندي» أو بكلمة أدق هو «الغاندية» لأن غاندي الآن أصبح ~~مذهبا، وطريقا، وفلسفة، ومبادئ وطنية معينة، بحيث قد تضاءل شخصه أمام مجهوداته ~~الكثيرة. كأنه الشجرة يكثر حملها فلا يكاد يراها الإنسان لوفرة ما عليها من ~~الثمر. # ومع كثرة ما قام به غاندي يمكن حصره، من حيث النوع ms28 لا من حيث المقدار، في شيئين: # الأول: # دعوة إلى الاستقلال النفسي والاعتماد على القوة الروحية وما يتبعها ~~من تقشف ونسك. وليست المقاومة السلبية إلا جزءا من هذه الدعوة، لأن ~~الشخص المقاوم يجب أن يقابل الحبس والمصادرة والإهانة بقلب جريء ونفس ~~بشوش استنادا إلى ما في نفسه من مدخر القوة الروحية، واعتمادا على أن ~~ما يقع به هو السبيل إلى خلاص الهند. # والثاني: # دعوة إلى الاستقلال الاقتصادي باتخاذ المغزل وإيثار القماش الهندي ~~على جميع الأقمشة الأجنبية الواردة إلى الهند. وهذه الدعوة قد انتهت ~~إلى نتيجتها المنطقية وهي مقاطعة البضائع الإنجليزية وإحراقها أحيانا. ~~ويرمي غاندي من هذه الدعوة إلى تزويد الفلاح الهندي بعمل يعود عليه ~~بالكسب، فيخفف عنه فاقته، ثم قطع الطريق على المستعمرين بمنع الفائدة ~~التي تعود عليهم من رواج بضائعهم حتى تتعارض مصلحتهم التجارية مع ~~الاستعمار. # فأما الدعوة الأولى فتكاد تكون هندية في أصلها وغايتها وتربتها، فإن روح الهند هي روح ~~النسك. و«الفقير» هو طراز آدمي لا وجود له في أي بلاد أخرى، وهو رجل يمزج بين الفقر ~~والشحاذة والصوفية والنسك وإيلام الجسم. وكلنا يذكر أن الناسك شخص يتكرر وروده في ~~حكايات «كليلة ودمنة» ذلك الكتاب الهندي المعروف، وفي المزاج الهندي استعداد لهذه ~~الدعوة ونزوع إليها، وغاندي هو قبل كل شيء ناسك، وهذا الذي أحبه في «ثورو» أو «تولستوي» ~~أو المسيحية هو أيضا روح النسك في هؤلاء جميعا. بل هو أكثر من ناسك، لأنه لم يقنع ~~بمسوح النساك بل ارتضى لنفسه تلك الشملة التي لا يلبسها غير الجبارية المنبوذين. # والنسك هو النظر السلبي للحياة، ونحن - المصريين - أبعد الناس عن هذا النظر، ومزاجنا ~~هو المزاج الإيجابي، نحب الاستمتاع، ونقبل على الدنيا، ونستجيب لدواعيها بنعم وليس بلا. ~~ومن العبث لذلك أن نطالب أمتنا بمقاومة الاستعمار بالتقشف والقناعة. وقد يجوز لنا هنا ~~أن ننسب روح النسك الشائع في الهند الآن كله أو بعضه إلى الفاقة والقحط منذ أقدم ~~الأزمنة إلى الآن. فقد جعلت من ضرورات العيش فضيلة، ومن الحرمان الطبيعي نسكا دينيا. ~~ولكنا ms29 ونحن نقول ذلك نؤكد أيضا هذه الحقيقة. وهي أن في الطبيعة الإنسانية نزوعا إلى ~~النسك وعزوفا عن المادة، وانكفاء للنفس على نفسها حين تنشد السعادة والهناء في الداخل ~~بدلا من نشدانها لهما في الخارج. ولكن هذه الصفات أضعف وأخفى من الصفات البارزة ~~الأخرى، أي الإقبال على الدنيا والاستجابة لدواعيها المادية. # وأما الدعوة الثانية، وهي أن يكون من وسائل مكافحة الاستعمار تحقيق الاستقلال ~~الاقتصادي، فهذا هو الذي يجب أن نأخذه عن غاندي ونعمل به. فقد عمم هو المغزل في القرى ~~الهندية، وأهاب بالأمة أن تتخذ الملابس الهندية، فاستحدث للهنود كرامة اقتصادية ترفع ~~رءوسهم وتجرئهم على الإقدام والإقبال على الحياة. ومتى كفى الهندي نفسه كل شيء، لأن ~~الطعام وفير في تلك البلاد التي تعيش بالزراعة، ومتى كفى الهندي نفسه وأصبحت نقوده لا ~~تبرح جيبه إلى جيب الأجنبي، وأصبح قطنه لا يخرج من الحقل إلا إلى المغزل ومن المغزل إلى ~~النول؛ لم يعد للاستعمار أي سلطان عليه. إذ ليس شيء في العالم يهدم الاستعمار مثل ~~الصناعة الوطنية. ثم ليس هناك مجهود أصح وأسلم وأبقى مع الأيام، في مكافحة الاستعمار، ~~من المجهود الاقتصادي. وذلك أنه متى أثرت الأمة واعتمدت على نفسها في التجارة والصناعة، ~~أمكنها أن تعلم نفسها وأن تجعل الأجنبي غريبا في بلادها. # ولكن غاندي جعل المغزل محور الكفاح الاقتصادي في الهند، وقد أصبح المغزل رمزا لهذا ~~الكفاح، يذكر الشاب الهندي بما يلبس ويأكل كما يذكره بالتاجر الذي يعامله والقهوة التي ~~يقعد عليها والأثاث الذي يؤثث به بيته والجواهر والمصوغات التي تتزين بها زوجته. # ونحن نحتاج إلى مثل هذا الرمز، ولكنا لا نستطيع أن نستعمل المنزل لأن العامل المصري ~~على شيء من اليسر يجعله لا ينتفع بالغزل اليدوي. وإذن يجب علينا أن نمسك الحبل من الطرف ~~الآخر ونجعل النول رمزا للكفاح الاقتصادي. وقد عرفنا باختباراتنا الحديثة أن النول ~~المصري يمكنه أن يصمد للمزاحمة أمام النول الأوربي، وأن تباع المنسوجات الصوفية ~~والحريرية والقطنية بأثمان حسنة. # وإذن يجب علينا أن نعمم النول في القرى بين ms30 الفلاحين، رجالهم ونسائهم. بل يجب أن ~~نعممه بين جميع نساء المدن حتى يجدن فيه سلوة تنشطهن إلى الحركة والعمل، بل كي يجدن فيه ~~رمزا يمنعن من شراء الأطعمة والرياش والأدوات المنزلية الأجنبية. # الفصل الثالث عشر # | النزعة الإنسانية في النهضات الوطنية # كل نهضة وطنية تنتهي عندما يستيقظ شعور القائمين بها وتفيض حماستهم إلى أن تتخذ شكل ~~المذهب والعقيدة لا للوطن وحده بل للإنسانية عامة. وهذه الإنسانية تتقبل هذه النهضة ~~وتمزج بها تاريخها وتعمل بمبادئها. وذلك لأن ما تقوم به أمة كائنة ما كانت من سن ~~المبادئ الجديدة في السياسة أو الاجتماع ينشر منها بقوة ما فيه من حيوية إلى الأمم ~~الأخرى فيصبح ملكا عاما للعالم. # ونحن نرى هذا عاما في جميع النهضات الكبرى. فهذه الثورة الفرنسية كادت تكون مقتصرة ~~على تجار باريس وأبناء الطبقة المتوسطة. # فلما جاشت الأمة بها وازدادت بالتصادم غليانا وحماسة ظهرت المبادئ، فإذا بنا نرى ~~«حقوق الإنسان» وليس حقوق «الفرنسيين». وإذا بالثائرين يتعبدون لدين إنساني جديد يريدون ~~تعميمه في العالم، ثم بعد ذلك نرى أن الأمم الناهضة تذكر مبادئ هذه الثورة كأنها ~~مبادئها، بل كأن هذه الثورة التي نشبت في باريس كانت ثورة العالم كله. # ونرى مثل ذلك أيضا في الثورة الإيطالية، فإن «مازيني» زعيمها لم يكن يتكلم عن حرية ~~الإيطاليين بقدر ما يتكلم عن حقوق الإنسان وحرية الشعوب. وحسب القارئ من مرامي هذه ~~الثورة الإيطالية أن نذكر أن قائدها العظيم «غاريبالدي» كان ينوي تأليف فرقة للقدوم بها ~~إلى مصر سنة 1882 لمساعدة عرابي ورد عادية الإنجليز عنا. # وقد كان «نابليون» طاغية اغتنم فرصة الفوضى التي تفشت عقب الثورة، ولكنه لم يستطع أن ~~يقود الجنود إلا وهو يتعلل بأنه يريد تعميم مبادئ هذه الثورة، وقد خدع العالم المتمدن ~~بهذه المبادئ، كما خدع الفرنسيين أنفسهم، وليس يعيب الثورة الفرنسية أنه استغل مبادئها ~~لفتوحاتها، فإن نابليون مات ولم تمت مبادئ الثورة. # ونحن نجد الآن في النهضة الهندية مثلا بارزا للنهضات الوطنية التي تتجاوز مبادئها ~~حدود الوطن فتعم العالم كله. وهي ms31 إنما تعمه لأن ضمير القائمين بها قد استيقظ، وغلت ~~حماستهم، فأخذت هذه المبادئ في نفوسهم شكل العقيدة والدين ودفعت كل وطني منهم إلى ما ~~فوق نفسه ووطنه. فإن غاندي الآن يتكلم عن الإنسانية وينزع نزعة عالمية في كلامه عن ~~الهند، وقد وضع من المبادئ السامية لمكافحة المستعمرين ما يسير في العالم كله وكأنه ~~مبادئه وليست مبادئ الهند وحدها. وذلك لأن قضية كل أمة مهضومة هي قضية جميع الأمم ~~المهضومة في العالم، فما يهتدي إليه المجاهد في إحداها يعم سائرها ويتفشى في جميع أقطار ~~العالم. ومن هنا يمكن أن نقول إن الوطنية السامية الصادقة هي نفسها أساس للعالمية ، ~~لأننا عندما نخلص للوطن ونجاهد من أجل تحريره نعثر ونحن في سبيل الجهاد على مبادئ سامية ~~تخدم العالم والإنسانية جميعا. # وليس هذا فقط، بل الذي نلاحظه في تاريخ النهضات الوطنية أن رجلا مثل غاندي عندما ~~يكافح الاستعمار الإنجليزي لا ينسى أن يكافح الاستبداد القومي. وذلك لأنه يستوي عندها ~~أن يقع الظلم من الهندوكيين على المنبوذين أو يقع من الإنجليز على الهنود عامة. لأنه هو ~~لم يدع دعوته لمكافحة الإنجليز، بل لمكافحة استبدادهم. وهو لذلك لا يمكنه أن يسكت إذا ~~كان هذا الاستبداد يجيء من الإنجليزي أو من الهندوكي. وقد وقف وقفته الأخيرة من أجل ~~الكرامة الإنسانية بمساواة المنبوذين بالهندوكيين فكان مثلا للبطولة الإنسانية التي ~~تذكرنا ببطولة الآلهة في أساطير الأقدمين. # وهذه الصين أيضا لما نهضت تكافح الاستعمار لم تنس أن فيها استبدادا آخر يقع بالمرأة ~~ويذلها. فكانت إلى جنب مقاطعتها للبضائع اليابانية تدعو إلى حرية المرأة، وتحطم الأحذية ~~الحديدية التي كانت تعوق تقدمها، وتقيدها مدى الحياة، وتجعلها كأنها نعش أثاث أو بعض ~~الفراش. ومن هنا هذا العطف الذي تجده كل من الصين والهند من العالم كله، فإنهما تبدوان ~~وفي كل منهما رغبة صادقة في الإصلاح الإنساني كأنهما تعملان للعالم كله. # وخلاصة القول إن الأمة التي تكافح الاستعمار لا يمكنها أن تخلص في هذا الكفاح وتجلب ~~عطف العالم عليها حتى تكون دعوتها لنفسها دعوة ms32 للإنسانية كله، ومكافحتها للاستعمار ~~مكافحة للاستبداد بأنواعه المختلفة سواء أكان اجتماعيا أم سياسيا أم اقتصاديا. بل ~~هي لن تنجح في مكافحة الاستعمار الأجنبي إلا إذا كرهته، وتحمست في كراهته، وعندئذ تنظر ~~من خلاله إلى أنه نوع واحد من الاستبداد. ولا بد عندئذ من تعميم المكافحة لأنواعه ~~الأخرى. # فإذا كانت أمة من الأمم تحارب الاستعمار الفرنسي أو الإنجليزي فإنها لن تنجح حتى ~~تحارب في نفسها عادات الاستبداد الاجتماعي أو الاقتصادي، سواء أكان يقع بالمرأة أم ~~بالعامل، أي إنها يجب أن تكون نهضتها الوطنية نهضة إنسانية أيضا، بحيث تطلب الحرية ~~الاقتصادية أو المساواة الاجتماعية لأبنائها ذكورا وإناثا. وهي إذا فعلت ذلك فإنها ~~تزكي استقلالها أمام العدو الغاصب المستعمر وتكسب عطف العالم. بل هي في مثل هذا الجهاد ~~تجد للعالم مبادئ إنسانية تحمله إلى الأمام خطوات. # لقد خدمت الثورة الفرنسية العالم بمبادئ إنسانية جديدة كما خدمه غاندي بمبادئ أخرى ~~ننتفع نحن بها، كما أنها تجذب إلى الهند عطف العالم كله. وعلينا نحن في مصر أن نخدم ~~العالم أيضا بمبادئ إنسانية جديدة. # الفصل الرابع عشر # | غاندي والمدنية الحديثة # إذا نظرنا إلى غاندي، وقابلنا بين معيشته وآرائه ونظرته العامة للحياة وبين ما هو ~~مألوف الآن في الحضارة الغربية من النزعات الثقافية والصناعية، ألفينا غاندي الخصم ~~المخلص لهذه النزعات، بل يمكن أن يعد في نظر الغربيين أعظم رجعي في العالم الآن. # ولكن رجعيته ليست تنطعا وعنتا ومكابرة، وإنما هي رجعية سارة توقظ الذهن وتحيي القلب ~~وتعيد لنا ذكريات «جان جاك روسو» و«برناردان دوسان بيير» و«تولستوي» و«ثورو» وهم جميعهم ~~رجعيون. # وذلك أن رجعية غاندي هي في لبابها دعوة إلى الرجوع إلى السذاجة الطبيعية وكراهة ~~التصنع والبذخ، فإن روسو ذاع صيته في عالم الأدب الأوربي بمؤلفاته التي دعا فيها إلى ~~كراهة المدنية والرجوع إلى الطبيعة. وقد فتن بدعوته الناس وهيأ الأذهان للثورة الكبرى ~~في باريس، وكتابه عن التربية، ومقالته عن العلم والمدنية، كلاهما يمكن غاندي الآن أن ~~يكتبهما ويقول بجميع آراء روسو فيهما. # وقد راجعت الدعوة إلى الطبيعة ms33 أيام روسو وظهر أثرها في مؤلفات برناردان دوسان بيير، ~~ومن أغرب ما يذكر هنا أن هذا المؤلف الذي عاصر نابليون قد تخيل السذاجة الطبيعية في ~~«الكوخ الهندي» الذي يعرف غاندي الآن آلاف الأمثال منه. # ولكن أغلب الظن أن غاندي لم يتأثر كثيرا بروسو وبرناردان دوسان بيير، وذلك لأن ~~ثقافته الغربية تعتمد على أصل إنجليزي. وليس هذا الأصل فقيرا في الدعوة إلى الطبيعة ~~والتشنيع على المدينة، فإن رومكين عاش حياته في إنجلترا وهو يلعن الحضارة لأنها تستبدل ~~بالجياد والعربات قطارا من حديد يصفر ويملأ الريف بدخانه وضوضائه، وكان هو نفسه إذا ~~أراد التنقل من مكان إلى آخر عمد إلى جواده أو إلى عربته التي تجرها الجياد. وهو أول ~~كاتب حاول أن يوحد بين الأخلاق والاقتصاديات، كما يفعل الآن غاندي الذي ترجم إلى ~~الهندوكية كتابه في هذا الموضوع لأنه وافق هواه وطابق نزعته. # ولكن القارئ لمقالات غاندي، المتتبع لسيرته، لا يتمالك من الشعور بأن أعظم المؤلفين ~~أثرا في ذهنه هو تولستوي. فقد أحبه غاندي إلى حد أن أسس في أفريقيا الجنوبية «مزرعة ~~تولستوي» وقد كان تولستوي يرى أن العمل اليدوي ضرورة لازمة للأخلاق الحسنة، وكان يصنع ~~الأحذية لأهل قريته. وكذلك يرى غاندي الآن هذا الرأي ويغزل وينسج للهنود. وقد بلغ من ~~كراهة تولستوي للحضارة الأوربية أن كان يعلن، ويكرر الإعلان، بأن الطب يضر الناس. ~~وكراهته للطب هي في الحقيقة كراهة للعلم. وكذلك يرى غاندي الآن عندما يقول إن الطب من ~~اختراع إبليس. وقد كان في شبابه، قبل أن يصل إلى مقام الكشف الذي هو فيه الآن، يؤمن ~~بالطب، ويتعالج إذا مرض على أيدي الأطباء، ولكنه كف وتاب وأصبح يتعالج بالحمية والأعشاب ~~والفواكه وله من صحته الحاضرة ما يؤيد مذهبه. # ولكن لتولستوي أثرا آخر في غاندي، لأن هذا الكاتب الروسي العظيم كان يؤمن بأن ~~المبادئ الدينية التي تقول بالرحمة والتضحية هي مبادئ عملية يمكن العمل بها على الرغم ~~من اعتراض بعض الأوربيين بأنها خيالية. ويعرف القراء أن غاندي يمارس الآن هذه المبادئ ~~ممارسة ms34 عملية وينجح بتطبيقها في كسر شوكة المستعمرين. # ثم هناك كاتب أمريكي قد تأثر به غاندي كثيرا، نعني به ثورو، فإن هذا الكاتب هجر ~~المدن وقصد إلى الريف والغابة وقنع بأقل مقدار من الطعام واللباس، وهو صاحب كلمة ~~«العصيان المدني» التي نقلها عنه غاندي وعمل بها. # هؤلاء هم الكتاب الذين يشعر المتتبع لسيرة غاندي أنهم أثروا فيه وجعلوه يجنح إلى ~~الطبيعة ويجحد الحضارة الأوربية. ولست أعني أنه ليس له سوى فضل النقل، فإنه عبقري الذهن ~~ألمعي القلب، ينظر إلى الدنيا نظرا بكرا. ونحن لذلك نقرؤه وكأنا نرتوي منه بماء صاف. ~~وخير من أن نقول إنه ناقل أن نقول إنه تربة خصبة زكت فيها أسمى المبادئ الرجعية ~~الحديثة. وأنا أذكر هنا «الرجعية» كما يرى القارئ، وأزكيها، لأن كل رجعية تهيب بنا إلى ~~العودة إلى الوطنية إنما تستبدل ببذخ المدينة ترفا جديدا للنفس، وحسبنا ذلك. # ولكن لغاندي رجعية أخرى هي كراهة الآلات وإيثار الصناعات اليدوية، وهذه رجعية لا يمكن ~~الدفاع عنها، كما سيرى القارئ. # الفصل الخامس عشر # | غاندي والمرأة الهندية # لا يحارب غاندي استبداد الإنجليز فقط، ولا يقتصر على مكافحة الاستعمار، بل هو يحارب ~~استبداد الهنود بعضهم ببعض ولا يبالي أن يغضب رجال الدين، أو رجال التقاليد في بلاده، ~~حين ينشد المساواة والحرية. # ولهذا الزعيم العظيم برنامج داخلي لإصلاح بلاده لخصه هو نفسه في خمسة أشياء وهي: ~~(1) # محو النجاسة. أي مساواة المنبوذين بغيرهم من الهندوكيين في الحقوق ~~والواجبات الدينية والمدنية. ~~(2) # منع الإتجار بالخمور أو المخدرات في جميع أنحاء الهند. ~~(3) # تعميم مبدأ المساواة التامة بين الرجل والمرأة. ~~(4) # الاتحاد بين المسلمين والهندوكيين. ~~(5) # تعميم المغزل في القرى. # والقارئ يرى في مقدمة هذا البرنامج مسألة المنبوذين، وقد استطاع غاندي بما يسميه «قوة ~~الروح» أن يبدل رأي الهنود فيها، وأن يمحو تقاليد دامت في الهند دوام اللعنة نحو ثلاثة ~~آلاف سنة. وليس شيء في الهند أجرح لكرامتها الإنسانية، أو يزيد في هوانها أمام نفسها ~~وأمام الأجنبي، بعد مسألة المنبوذين، مثل مسألة المرأة. ولذلك ليس غريبا أن يخصها ~~غاندي ms35 بعنايته ويطلب تحريرها ومساواتها بالرجل. وإليك شيئا مما تكابده المرأة الهندية ~~من الهوان الذي تقتضيه «التقاليد». # في الهند ينذر بعض الآباء المتدينين إحدى بناتهم للخدمة في أحد المعابد، فإذا بلغت ~~البائسة التي نذر بها سن الثامنة أو التاسعة حملت إلى المعبد حيث تعيش في خدمة ~~البراهمة. وهي هناك تؤدي ما تؤديه البغي عندنا. وهي لا تفعل ذلك لخدمة رجال المعبد فقط ~~بل لسائر الناس. فإذا ذهب جمالها في الثلاثين أو الخامسة والثلاثين تركت المعبد وأصبحت ~~بغيا عامة في الحي الخاص بهؤلاء البائسات في إحدى المدن. # ويظن بعض المؤرخين أن للبغاء أصلا دينيا، لأن إرصاد الفتيات لخدمة المعبد في الأمم ~~القديمة كان عاما. فإذا كان الأمر كذلك فكل ما تختلف فيه الهند عن سائر الأمم أنها ~~حافظت على «التقاليد» أكثر من غيرها. فبينما الأمم تجعل البغاء الآن مدنيا، وتحاول ~~إلغاءه، تجعله الهند دينيا وترعاه لأنه من «التقاليد». # وإذا عرفنا طهارة النفس التي يتسم بها غاندي، وسمو المبادئ الإنسانية التي ينشدها، ~~أدركنا استفظاعه العظيم لهذه التقاليد ومكافحته لها. وهو لذلك يطلب في رأس مطالبه ~~للمرأة إلغاء البغاء، سواء أكان دينيا أم مدنيا. وهو يطلبه بأشد لهجة حيث ~~يقول: ~~«يجب على كل رجل منا أن ينكس الرأس خزيا ما دمنا نرى امرأة بغيا. وإني لأوثر أن ~~أرى النوع الإنساني ينقرض كله من العالم على أن أراه أحط من البهائم، حين يجعل أشرف ما ~~خلقه الله هدفا لشهواته. وليس البغاء مسألة الهند وحدها إذ هو مسألة العالم كله. وإذا ~~كنت أشير على الناس بأن يكفوا عن الحياة المتكلفة والملذات الشهوانية، ويعودوا رجالا ~~ونساء إلى الحياة الساذجة التي تتلخص في الدعوة إلى المغزل، فإني أفعل ذلك لأني أعلم ~~أننا إذا لم نعد إلى السذاجة ونمارسها بذكاء وعلم فإننا سننحدر إلى ما هو أحط من ~~البهيمة.» # ثم هو يحمل بعد ذلك على التقاليد التي سنت للناس زواج الفتاة أو الصبية الصغيرة، ~~ويقول هنا: «إني أرغب رغبة حارة، في أقصى الحرية للنساء. وإني أمقت زواج الصغار وأراني ms36 ~~أرتعد أسفا كلما سمعت عن صبية أرملة. كما أني أحتدم غيظا كلما سمعت عن زوج أرمل يعقد ~~لنفسه زواجا آخر وهو لا يبالي ما يفعل». # وهو يشير هنا إلى «الصبية الأرملة»، لأن العادة الفاشية في الهند أن الرجل المسن إذا ~~ماتت زوجته تزوج فتاة أخرى قد تكون صبية. فلا تمضي سنوات حتى يموت هو شيخوخة أو هرما، ~~أما الصبية فتبقى مدى حياتها أرملة لا يجوز تزوجها. # ويرى غاندي أن تعطى المرأة جميع حقوق الرجال، وهو يقول هنا: «يجب أن يكون للمرأة حق ~~التصويت وأن تستوي والرجل في الحقوق الشرعية.» # وهو هنا غربي لا غش فيه، لأن الشرق كله، باستثناء تركيا، لم يعرف قط هذا ~~الكلام. # ثم هو ينصح بعد ذلك للمرأة أن تكف عن زينة جسمها، بل يجب ألا تتزين حتى لزوجها، إذا ~~أرادت من الرجال أن يقلعوا عن التعبد لجمالها الجسمي، وأن يذكروا أن لها جمالا ~~روحيا. وهم إذا ذكروا ذلك نظروا إليها نظرة الجد والاحترام فعملوا لتعليمها وتربية ~~أخلاقها. # والمرأة الهندوكية تتحجب ولكنها لا تتبرقع. فهي لا تجالس الرجال ولها ناحية في البيت ~~تفصلها من الاختلاط برجال البيت أو ضيوفه. ويرى غاندي أن يلغى الحجاب إلغاء تاما. ~~ولما كان في «سيرماتي» قبل أن يسجن لم يكن يعرف الفصل بين الرجل والمرأة، بل كان الجميع ~~يعملون مشتركين. # ثم هو لكي يؤكد المساواة بين الجنسين، يرى ضرورة التعليم المشترك، أي أن تتعلم الفتاة ~~إلى جنب الفتى في فرقة واحدة. # وليس شك أن غاندي يلقى من الرجعيين في الهند معارضة قوية لآرائه عن المنبوذين وعن ~~المرأة. ولكنه يقهرهم بقوة روحه أو سمو إنسانيته. ثم هو يستهوي الشبان الذين ينشدون ~~هندا جديدة، فهم على الدوام إلى صفه ضد الرجعيين. # ولو أن زعيما من زعمائنا في مصر دعا إلى حرية المرأة ومساواتها التامة بالرجل لوجد ~~من شبابنا سندا قويا لا قبل للرجعيين بمناهضته. # ولو أنه قام يدعو إلى إصلاح حال المنبوذين المصريين، أي الفلاحين، بزيادة حقوقهم ~~الاقتصادية، وبناء منازل لهم تكون جديرة بالآدميين ms37 المتمدنين، لوجد الأمة كلها عند ~~قدميه تطلب معونته. # وإذا كان غاندي قد رأى المرأة والمنبوذ هما الخزي والعار للهند فإن لنا نحن خزيا ~~وعارا في الفلاح والمرأة المصرية. # الفصل السادس عشر # | عزبة تولستوي # تجربة غاندية في أفريقيا الجنوبية # قضى غاندي تجاربه الأولى في الوطنية العملية في أفريقيا الجنوبية، وهناك رأى محنته، ~~ومحنة بلاده، وشرع يدرس الطرق والوسائل لكي يرفع من كرامة الهنود وينزع عنهم نير الذل ~~الذي وضعه عليهم البوير والإنجليز في أفريقيا الجنوبية. # وهناك شرع في حضانة هذه الأفكار التي أفرخت الآن في الهند، فعرف الكف عن العنف والقوة ~~الروحية والمقاومة السلبية والعصيان المدني. ولما عاد إلى الهند استطاع أن يستعمل هذه ~~الوسائل بعد تجربة طويلة وممارسة مفيدة في ترنسفال حيث يعمل كثير من أبناء الهنود ~~المهاجرين. # وقد عرف القارئ أن غاندي تلميذ تولستوي، وأنه شغف بمبادئه، واستملى هذه المبادئ عندما ~~فكر في خططه السياسية. وقد رأى وهو في أفريقيا الجنوبية أن هذه المبادئ تحتاج لممارسة ~~يومية حتى تخرج من النظريات إلى العمليات، ورأى أيضا أن هذه الممارسة تحتاج إلى نظر ~~جديد للدنيا، وإلى تربية للأخلاق، تحتاج إلى اعتكاف عن المدن وانكفاف عن مطامعها كما ~~تحتاج إلى حسم للشهوات، ولذلك كله دعا طائفة من مواطنيه وأسس وإياهم «عزبة ~~تولستوي». # ولم يشتر هذه العزبة وإنما أخذها هبة من أحد أغنياء الهنود، وكانت تبعد عن جوهانسبرج ~~بنحو عشرين ميلا، وكان بها ألف ومائة فدان وفيها نحو ألف شجرة مثمرة. وإلى هذه العزبة ~~قصد هو وأربعون من الهنود، منهم المسلم والهندوكي والمسيحي والبارسي، وكان معهم خمسة من ~~النساء وثلاثة رجال هرمين ونحو ثلاثين صبيا وطفلا. # وكان الغرض الأول من «الاعتكاف» في هذه العزبة أن يتعلم المقيمون فيها كيف يتسامحون ~~مع اختلاف الدين أو المذهب. وكيف يرضون بالتعاون، ويرون الشرف في الخدمة، سواء في ~~المنزل أو الحقل. ثم كيف يعيشون وليس لأحدهم مطمع في أن يتفوق على الآخرين بزيادة في ~~المال أو الجاه. فإذا استطاعوا أن يقهروا أنفسهم، ويذللوا عواطفهم، أمكنهم بعد ذلك ms38 أن ~~يصمدوا للخصوم وأن يتلقوا الشدائد وهم صابرون وقد وطنوا النفس على الفوز الأخير. # وصدم غاندي لأول وهلة باختلاف عادات الطعام التي تتعلق بالدين أو المذهب. فإن كلا ~~من المسيحي والمسلم يأكل اللحم بينما الهندوكي يرى في ذلك جرحا لأقدس عاداته الدينية. ~~فكيف يمكن قوما، يعيشون معا، ويأكلون على مائدة واحدة، أن يتفقوا في هذا ~~الموضوع؟ # عمد غاندي إلى الهندوكيين فطلب إليهم أن يسمحوا لإخوانهم من المسلمين والمسيحيين ~~بتناول اللحم فسمحوا ورضوا. وهنا رأى غاندي أول أمارات النجاح لخططه، فإن هؤلاء، حين ~~رأوا تسامح الهندوكيين، رفضوا طعام اللحم وقنعوا بالأطعمة النباتية، وأصبحت العزبة كلها ~~لا يذبح فيها حيوان. ثم كان لهذه المجاملة نتيجة أخرى، فإنه عندما جاء شهر رمضان صام ~~المسلمون فرأى سائر الهنود من أبناء المذاهب الأخرى أن يصوموا إكراما لإخوانهم، ~~فازدادوا بذلك حبا وتوثقت بينهم أواصر الإنسانية والإخاء. # وكانوا كلهم يخدمون، لهم مطبخ كبير يتناوبون الخدمة فيه مع ترك الرياسة والتدبير ~~للنساء. وكانوا يتناولون طعامهم على مائدة واحدة، فإذا فرغوا حمل كل منهم أطباقه وغسلها ~~بنفسه وأعادها إلى المطبخ. ولم يكن يؤذن لواحد بالشراب أو التدخين. # وكانوا يعيشون عيشة ساذجة لا يعرفون غير أقل اللباس وأقل طعام. يعملون نهارهم، فإذا ~~قضوا عملهم انكفأ الصغار إلى المدرسة حيث يتولى تعليمهم الكبار المتعلمون منهم. ولم يكن ~~غاندي متعصبا لمذهبه، فقد حدث أن تكاثرت الثعابين في العزبة وتردد السكان في قتلها، ~~لأن قتل الحي حرام عند غاندي وسائر الهندوكيين. وكان بينهم رجل إنجليزي قد استهوته هذه ~~المعيشة الساذجة فترك المدينة ورحل إليهم يساكنهم ويعايشهم، ففي ذات يوم رأى في فراشه ~~ثعبانا، فعاد إلى غاندي يسأله ماذا يصنع به، هل يقتله أم يترك له الفراش، فأشار عليه ~~غاندي بقتله. # وفي هذه العزبة تعلم الهنود تلك المبادئ السامية التي أزهرت بعد ذلك في الهند، لأن ~~كلا منهم هزم في نفسه أنانيته أولا فلم يكن كبيرا عليه بعد ذلك أن يهزم في الإنجليز ~~أنانيتهم. وبكلمة أخرى نقول إنهم أصلحوا ما بأنفسهم ثم عمدوا إلى ms39 غيرهم يصلحونه، فكان ~~لهم ما أرادوا. # الفصل السابع عشر # | صوم غاندي # صام غاندي في مايو 1933 من أجل المنبوذين 21 يوما فكانت تنبئنا التلغرافات كل يوم عن ~~حالته فيها، وكلنا شعر بالقلق على حياته. # وقد سبق له أن صام 21 يوما أخرى سنة 1924 من أجل الوفاق بين المسلمين والهندوكيين. ~~ففي تلك السنة تفاقم الخلاف بين هاتين الطائفتين، واشتد التعصب، فكثر القتل ودنست ~~المساجد والمعابد من الرعاع. ورأى غاندي أن يرحل بنفسه إلى الأقاليم الشمالية حيث كانت ~~المنازعات الطائفية تؤدي كل يوم إلى سفك الدماء. # وأقام غاندي في بيت في دهلي قد أقيمت أمامه سارية الملك أسوكا، هذا الملك العظيم الذي ~~أرسل إلينا في مصر أيام البطالسة يدعونا إلى البوذية ونبذ الحرب وتعميم السلام، وعلى ~~هذه السارية قد كتب بعض أقواله في الدعوة إلى التسامح، فكان اختياره لهذا المكان رمزا ~~للمهمة التي أرصد نفسه للقيام بها بهذا الصوم وهي إلهام النفوس روح التسامح. # وهو قبل أن يستقر رأيه على هذا الصوم جاهد لتعميم الوفاق، فكان يخاطب الزعماء ويكتب ~~ويخطب، ولكن الأحقاد الدينية لم تخمد، فرأى عندئذ أن يصل إلى ضمير الهندية بأن يمرض ~~نفسه أما أعينها، وهو يتضور، ويتألم، من أجلها. وقد يموت وهو في هذه المحنة فيكون موته ~~قاضيا على هذه الأحقاد التي تمزقها وتظلم حياتها. وقد فكر وأعاد التفكير واجتره ~~اجترارا حتى هداه الإلهام إلى وجوب الصوم. # وغاندي كلما أدلهم خطب أو تفاقمت حال لا يرجى لها علاج يخلو إلى نفسه، كما فعل ~~الأنبياء، فيصلي ويتأمل، وقد فعل ذلك في سنة 1924 ولم يستطع أحد أن يرده عن قراره. ونحن ~~نرى هذه الأيام، في حياة غاندي وإصراره على الجهاد، لمحة من حياة الأنبياء ~~القدماء. # وقد لازمه في ذلك الصوم صديقه المسلم الدكتور أنصاري كما لازمه بعد في صومه الثاني، ~~وكان حين شرع في صومه الأول قد أبل من مرضه الذي احتيج فيه إلى إجراء عملية جراحية وقطع ~~الزائدة الدودية. فكان الخوف عليه عظيما لأنه كان في النقه يحتاج ms40 إلى ما يقويه، ولأنه ~~كان يخشى عليه كثيرا مما يضعفه. ومضت الأيام الأولى وهو متماسك متمالك، ولكنه خار في ~~اليوم الثاني عشر وخفت صوته وغارت عيناه، وألح عليه الأطباء في الإفطار، ولكنه رفض. ~~وكان يقول للأطباء: «ثقوا بالله» و«لقد نسيتم قوة الصلاة». # وقال في ذلك الوقت: «لست أرغب إلى مسلم أو هندوكي أن ينزل عن ذرة من مبادئه الدينية، ~~وكل ما أطلب منه أن يعرف أن ما يتمسك به إنما هو من الدين، ولكني أطلب من جميع ~~الهندوكيين والمسلمين ألا يتقاتلوا من أجل الربح المادي. وإني لأتألم أكبر الألم إذا ~~عرفت أن صومي يجعل إحدى الطائفتين تنزل عن مبدأ من مبادئها. فإن صومي هو مسألة خاصة ~~بيني وبين الله.» # واستطاع غاندي أن يمضي 21 يوما في الصوم، واحتفل بإفطاره فرتل هو وأصدقاؤه من الهنود ~~بعض الأناشيد الهندوكية. ثم رتل صديقه «إمام صاحب» سورة من القرآن، ثم رتل أصدقاؤه من ~~المسيحيين بعش الأناشيد باللغة الإنجليزية. وتقدم إليه «الدكتور أنصاري» بكوب من عصير ~~البرتقال فشربه، وكان هذا إفطاره، فانفض الذين حوله وانكفأ هو إلى فراشه حيث ~~نام. ~~••• # ولا بد أن هذه المحنة التي خرج منها غاندي سليما قد قوته في اجتياز المحنة الثانية، ~~وإن كان جسمه قد صار أضعف وأقل تحملا للخطر. وهو إذا لم يكن قد نجح في إزالة الأحقاد ~~الدينية فإنه استطاع أن يخففها. والنجاح التام الذي لا ينقصه شيء لا يوجد إلا في خيال ~~الأطفال، وهو في صومه من أجل المنبوذين لا يطمع في محو النجاسة محوا تاما ولكنه يرجو ~~التخفيف من أذاها. # ومهما استغربنا الطرق التي يتبعها غاندي في تنبيه الأمة الهندية وإيقاظ ضميرها فإننا ~~لا نستطيع الشك في أنه يعرف اللغة التي يخاطب بها أمته، كما أنه الآن مثل رائع يدعو إلى ~~الإصلاح والتقوى والخير والبر. # الفصل الثامن عشر # | غاندي وفورد # إذا كان في العالم شخصان يناقض أحدهما الآخر في مبادئه وأفكاره، ومع ذلك نرى لكل ~~منهما مكانا في قلوبنا، ونحبهما على السواء، فهما غاندي وفورد. # فإن ms41 غاندي يمثل الشرق القديم كما يمثل فورد الغرب الحديث. # يدعو غاندي بلسانه وسيرته إلى الروحية والزهد، بينما يدعو فورد إلى المادية والترف. ~~ويكبر غاندي من شأن الضعف وسذاجة الريف، بينما فورد يعمل للمدنية ولغته هي لغة الطاقة ~~الكهربائية أو الحرارية. وأخيرا يدعو غاندي إلى العمل اليدوي، بنما يدعو فورد إلى ~~إلغاء العمل اليدوي من العالم والاقتصار على الآلات. # وبكلمة أخرى نقول إن فورد يمثل المدنية الغربية التي تقول بالاستمتاع بما في الدنيا ~~من أطايب اللذات الحسية والمعنوية وزيادة فراغ الناس لكي يشغلوه بالاستمتاع، وإنما يزيد ~~هذا الفراغ إذا هم جعلوا الآلات الضخمة تعمل أعمالهم. بينما غاندي يمثل المدنية الشرقية ~~حين يدعو إلى القناعة والنسك وإنكار النفس والكد والكدح باتخاذ صناعة يدوية كالغزل ~~مثلا. # وأساس المدنية الغربية الآن هو العلم والتجربة، وكلاهما يؤمن به فورد ويعتمد عليه، ~~وقد استطاع بهما أن يخرج في اليوم الواحد عشرة آلاف أتومبيل من مصانعه وأن يعطي أصغر ~~عامل عنده 30 جنيها في الشهر، وأن يوفر له الفراغ الذي يبلغ 17 ساعة في يوم العمل ~~ويومين كاملين في الأسبوع. # وأساس المدنية الشرقية هو إلى الآن، وكما يفهمه غاندي، الدين والتقاليد. وهو لذلك يرى ~~أن الوطنية والحرفة يجب أن يرتكزا على أساس من الدين. واحترامه للبقرة، وكراهته للتزاوج ~~بين الطبقات الهندوكية يدلان القارئ على تعلقه بالتقاليد. # وقد يقال هنا إن غاندي لا يكره العلم وإنه لم يقل ذلك قط، وهذا صحيح، ولكن كراهته ~~للآلات، بل كراهته للطب، وهما ثمرة العلم، يدلان القارئ على اتجاه ذهنه. # إن التناقض واضح، فإن المدنية الغربية، التي يمثلها فورد وشو ورسل ومصطفى كامل، تؤمن ~~بالعلم. وهي وإن لم ترفض التقاليد فإنها تبتسم لها ابتسامة التسامح. وهي تتجه نحو توفير ~~الرفاهية، وكأنها تقول: «يجب أن نأكل أحسن الأطعمة وأطيبها، ونؤثث بيوتنا بأفخر الرياش، ~~ولا نكسب عيشنا إلا بأقل جهد. وعندئذ لا تكون حياتنا إلا للتمتع الجسمي والتثقف الذهني. ~~ويجب ألا نعيش إلا في المدينة.» # ولكن المدنية الشرقية التي يمثلها غاندي وتولستوي تؤمن بالفلسفة ms42 والدين والتقاليد، ~~وتدعو إلى النسك والقناعة، وكأنها تقول: «يجب أن نقنع بالعيش في كوخ في وسط الريف، ~~ونرضى بأقل اللباس والطعام، وعلينا أن ننسك ونتأمل ونتعبد. وحسبنا من الطبيعة أن نتمتع ~~برؤية حيوانها ونباتها لا أن نستغلهما.» # وقد يكون في هذه المقابلات مبالغة، ولكن الغرض هو إبراز الصورة فقط مع الاعتراف بأن ~~هناك تداخلا بين المدنيتين. فإذا قلنا مثلا إن الشرق ينشد الطهارة، أي طهارة الروح، ~~والغرب يطلب النظافة، أي نظافة الجسم، فإننا نبالغ لإبراز الصورة. ولكنا نقول مع ذلك ~~حقا. وقد أصبح اسم غاندي مرادفا للمغزل لأنه نشره في القرى وجعل ممارسة الغزل واجبا ~~وطنيا دينيا، وقد قصد من ذلك إلى تحقيق غايتين: # الأولى: # غاية الخلاق. لأنه يرى كما كان يرى تولستوي أن كل إنسان يجب أن يعمل ~~وينتج لكي يشعره بأنه عضو نافع في الأمة. # والثانية: # غاية وطنية. وهي اعتماد الهنود على مصنوعاتهم وتركهم للمصنوعات ~~الإنجليزية حتى يخضع الإنجليز لشروطهم ويعترفوا باستقلالهم. # وقد نجح غاندي في ذلك نجاحا كبيرا جدا. ولكن الذين يعرفون الفرق بين الغزل على ~~الآلات والغزل على المغزل لا يتمالكون من الأسف لضياع الجهد الإنساني. فإن رجلا واحدا ~~يقعد إلى آلة حديثة من آلات الغزل تعمل بالطاقة الكهربائية مثلا يمكنه أن يخرج مقدارا ~~من الغزل يساوي ما يخرجه مائة تقريبا من الغازلين بأيديهم. فالقول بأن الآلات سيئة هو ~~بمثابة القول بأننا نكره للناس الراحة، وأننا نفضل للعمل الذي يكفي لعمله شخص واحد أن ~~يكد فيه مائة شخص. # ولكن يجب ألا نتهم غاندي بأنه يتعامى عن فائدة الآلات، وأولى من ذلك أن نقول إنه يريد ~~أن يجعل الوطنية الهندية وطنية اقتصادية، لأنه يعرف أن أساس الاستعمار هو الاستثمار. ~~ولكنه يرى أن شراء الآلات الكبيرة التي تقوم بالغزل يحتاج إلى رءوس ضخمة من الأموال لا ~~قبل للهنود بجمعها في فاقتهم الحاضرة، ولذلك هو لا يبالي زيادة الجهد في سبيل نهضة ~~صناعية تعتمد في المستقبل على صناعة الآلات الكبيرة. # فإذا كان هذا التفسير يتفق وأغراضه فليس هناك شك ms43 في أنه اختار أحكم السبل للوصول إلى ~~غايته، وذلك لأن أرخص شيء في الهند هو العامل الهندي، إذ هو أفقر عامل في العالم. ولكن ~~إذا صدق هذا التفسير انتهينا منه إلى أن غاندي يعمل لتحقيق المدنية الغربية في الهند، ~~أي مدنية الآلات، وأنه يخدم مبادئ فورد. # والواقع أننا نجد من غاندي إيماء أو تلميحا يدل على أنه لا يعارض في وجود الآلات، ~~ولكنه لا يحب في الوقت نفسه أن يضعف الحماسة للمغزل، إذ هو يذكر من آن لآخر أن الهند في ~~«طور انتقال» وكأنه يضمر في هاتين الكلمتين أن الهند ستعبر بالمغزل إلى عصر الآلات ~~والصناعات الكبيرة. # ونحن في مصر الآن في مثل هذا الطور نرى أنه يجب أن ينهض كفاحنا السياسي للاستقلال على ~~أساس اقتصادي. فنحن نشجع الصناعات المصرية اليدوية ونشعر لفقرنا بأننا عاجزون عن تأسيس ~~المصانع الكبيرة التي تنتج إنتاجا عظيما، ولكن مع ذلك ننشد ذلك اليوم الذي نستطيع فيه ~~أن يكون كل إنتاجنا بالآلات وليس بالأيدي. # وإذن يجب أن نحب غاندي ونمجد أساليبه في فترة الانتقال هذه وفي تحقيق الاستقلال ~~السياسي، ولكن يجب أن نذكر مع ذلك أننا لن نكون أمة قوية تعد من أمم القرن العشرين ~~المتمدنة حتى نجعل فورد غايتنا في الاعتماد على الآلات. # وبعبارة أخرى يجب على الهند أن تنقلب كما انقلبت اليابان فتنسى ماضيها وتقاليدها، ~~ولكن غاندي يرى أنها يجب ألا تنسى هذا الماضي، أو هذه التقاليد، قبل أن تحقق استقلالها ~~وتخرج الإنجليز من بلادها. وهو مصيب في رأيه. # الفصل التاسع عشر # | ما لم يعرف عن غاندي # أكثر المعروف عن غاندي يتعلق بجهاده السياسي والأساليب التي اتبعها في هذا الجهاد، ~~ولكن هناك أشياء أخرى في حياة هذا العظيم تستحق الالتفات، سواء منها ما يتصل بحياته ~~الخاصة أو حياته العامة. # وأول صفات غاندي هو النسك، فإنه لا يأكل سوى القليل من البلح والجوز والرز والليمون ~~ولبن المعز وزيت الزيتون، ولا يتناول غير وجبتين في اليوم، الأولى في الصباح والثانية ~~عند الغروب. وهو لا يعرف ms44 الخمر أو الشاي أو القهوة. وفراشه حرام من الصوف يفرشه على ~~الأرض ووسادته كتابان أو ثلاثة كان يطالعها سالف نهاره. فإذا كان الصيف والحر نام في ~~العراء وافترش التراب. وغرفته التي يعمل فيها عارية ليس فيها غير رف الكتب ~~والمكتب. # وهو لا يملك شيئا من حطام الدنيا، وقد نزل هو وزوجته عن كل ما يملكانه ~~للفقراء. # وليس غاندي خطيبا، وهو في الخطابة مثله في الحياة ساذج لا يتشدق ولا يتفصح، فهو يخطب ~~كما يتكلم، ومع ذلك يقنع سامعيه. وقد قال عنه سلفه ومعلمه في الوطنية جوكيل: «لقد صنع ~~غاندي من مادة الأبطال والشهداء، لا بل هو أكثر من ذلك، لأنه يملك تلك القوة الروحية ~~التي تحيل العامة من الناس أبطالا وشهداء.» # بل لقد خطب بين العاهرات وطلب منهن أن يتركن البغاء وأن يقبلن على المغزل، فسمعن له، ~~وأطعنه. # وقد جعل غاندي المغزل عبادة، وأصبح حتى صار الغني يمارسه وكأنه نوع من البر. وصارت ~~السيدة الغنية تطرح الحرير وتلبس القماش الوطني، وقد رسخ في ذهنها أنها لا تخدم الوطن ~~فقط بل تخدم الله. ~~••• # وزوجة غاندي وأولاده هم تلاميذه يجرون على سنته، وهذه الزوجة تدعى «كستور باي» تزوجها ~~وهو في الثانية عشرة من عمره، وهي امرأة ضئيلة تلبس القماش الهندي، وتجول في القرى، ~~تدعو إلى الغزل وتحض على المساواة بين المنبوذين وسائر الهنود. ولما قبض على ولديها ~~وزجا في السجن جاءتها خطابات التعزية والتشجيع من جميع أنحاء الهند، فكتبت في الصحف ~~تقول: «قبض على اثنين فقط من أولادي، وهناك آلاف من أبناء الأمهات الهنديات قد قبض ~~عليهم أيضا وهم الآن بين جدران السجون، وإذن ليس لي الحق في أن أسكب دموع الحزن ما دام ~~كثير من الشباب قد غصبوا من أمهاتهم.» # ووقف ابنه «ديفانداس» في القفص أمام القاضي فقال: «إني أعلن بأن التهمة الموجهة إلي ~~صحيحة، وكل ما قلته أو فعلته كان مني بسبق إصرار، وقد أتيت ما أتيت وأنا عارف بتبعة ما ~~أفعل، ولذلك أطلب أقصى العقوبة.» ~~••• # يبكر غاندي هو وتلاميذه ms45 في الصباح فيغتسلون، ثم يصلون، ويترنمون جماعة بالأناشيد ~~المقدسة، وإليك واحدة من هذه الأناشيد التي يحبها غاندي: ~~«لا يفتح الطريق إلى الله لغير الشجعان، وهو مقفل أبدا أمام الجبناء. # ولا يشرب من إناء الله غير ذلك الذي يترك ابنه وزوجته وثروته وحياته. # وفي الحق من طلب الجواهر كان عليه أن يغوص في أعماق البحار وقد وضع حياته في ~~كفه. # وهو لن يخاف الموت، إذ هو ينسى شقاء الروح والجسم. # ولن يربح شيئا ذلك الذي يقف على الشاطئ وقد خاف وتردد.» # قال أسقف مدراس في خطبة ألقاها في كنيسته: «إني أعلن في صراحة، وإن كان هذا يحزنني ~~كثيرا، أني أرى في المستر غاندي ذلك الصبور المعذب من أجل الحق والرحمة ممثلا ~~حقيقيا للمسيح أكثر من أولئك الذين ألقوا به في السجن، وهم الذين يسمون أنفسهم ~~مسيحيين.» # وفي غاندي عطف عظيم على المنكوبين، وكثيرا ما قصد إلى المعابد، حيث يقعد المجذومون ~~على درج المعبد للشحاذة، يعرضون قروحهم على الناس لاستدرار رحمتهم. فكان يقعد إلى ~~المجذوم ويمسح قروحه بملابسه ويضمدها بيديه. # ومن هنا عطفه على المنبوذين فإنه لا يطيق أن يرد عليه البراهمة بأن الدين قد حكم ~~بنجاستهم، إذ هو يرد عليهم بقوله: ~~«يمكن إبليس على الدوام أن يستشهد بنصوص الكتب المقدسة، ولكن هذه الكتب لا يمكنها أن ~~تتجاوز العقل والحق، تطهر الأول وتنير الثاني.» ~~••• # قصد مائة من البغايا إلى غاندي يسألنه النصيحة، فقعد إليهن ساعتين يتحدث وإياهن عن ~~الشقاء الذي يعانينه. وكان في تلميحهن، عندما يعجزن عن التصريح، ما كان يدرك غاندي ~~مغزاه. وقال بعد ذلك: ~~«إن هاتين الساعتين اللتين قضيتهما مع هؤلاء الأخوات هما الآن أكثر من الذكريات ... لقد ~~حنيت رأسي في خزي عميق أمام هؤلاء الأخوات وسقوطهن.» # ثم يقول: «نحن الرجال يجب أن نحني الرءوس خزيا ما دام هناك امرأة واحدة قد أرصدناها ~~لشهوتنا. وإني لأوثر أن ينقرض النوع البشري كله على أن نكون دون البهائم، حين نجعل أشرف ~~ما خلقه الله غاية شهوتنا. وليس في جميع الشرور والمفاسد التي ms46 تقع تبعتها على الإنسان ~~ما هو أسفل ولا أنذل ولا أوحش من هذا الاستغلال للنساء.» ~~••• # ما رأي غاندي في الفنون الجميلة؟ # يرى فيها ما يرى المصلح المشغول بتزويد الأمة بما يكفي مئونتها، ويرى فيها رأي الناسك ~~الذي يقنع ببلغة العيش. وهو هنا يقول: ~~«يكفيني من غرفتي أربعة جدران، ولا أكاد أحتاج إلى سقف فوقها، وحسبي أن أنظر إلى قبة ~~السماء وأرى النجوم منتثرة فيها فأمتع عيني بجمالها الذي لا يفنى، فإن هذا عندي يعلو ~~على جميع الفنون الإنسانية في الجمال. ولست أعني أني أتجاهل قيمة الأعمال الفنية، ولكني ~~عند المقابلة بجمال الطبيعة أشعر شعورا عميقا بأنها غير حقيقية.» # ثم يقول: «إني أعترف بأني لا أستطيع أن أجد في أحد الرسوم ما يثير في نفسي ذلك الشعور ~~بالعجب والسمو كما أجد عندما أتأمل السماء بنجومها. أليست جميع الأعمال الإنسانية تافهة ~~بجانب أعمال الله الغنية العظيمة التي تغمر الكون؟» # ثم يقول هذا الناسك: «إن الحياة أعظم، ويجب أن تكون أعظم، من جميع الفنون. بل إني ~~أذهب إلى أبعد من ذلك وأصرح بأن الإنسان الذي تقرب حياته من الكمال هو الفنان الأعظم، ~~إذ ما معنى الفن إذا لم يقم على أساس الحياة الشريفة وهيكلها؟» # ولسنا ننتظر منه بعد ذلك أن يقول في أوسكار وايلد غير هذا الذي يقوله: ~~«كان وايلد يقصر مهمة الفن على إبراز الشكل التام، ولذلك لم يتراجع عن تمجيد ما يخالف ~~الأخلاق.» # وهو هنا يوافق تولستوي وروسكين على رأيهما في الفنون. وقد ذكر هو أنه تأثر كثيرا ~~بمؤلفاتهما. # الفصل العشرون # | غاندي والطعام # لا ينظر الناس إلى غاندي من حيث إنه زعيم الوطنية الهندية فحسب، بل هم ينظرون إليه من ~~حيث إنه معلم ديني ومصلح اجتماعي، له آراء ممتازة في الحكومة والزواج والصناعة، بل له ~~آراء في اللباس والطعام. # وغاندي يدرس الطعام لبواعث وغايات مختلفة، فإنه هو نفسه ينزع إلى النسك ويحتاج إلى ~~الطعام الذي يوافق حياة النسك. ثم هو يقول بالعودة إلى الطبيعة، وهذه العودة تقتضي ~~بساطة العيش والرضى بأبسط ms47 الأطعمة وأقلها حاجة إلى عناية الطباخ وتعدد التوابل واختلاف ~~الألوان. وهو بعد ذلك يجد في درس الطعام ما يبصره بالخطط الوطنية، كما رأينا في مسألة ~~الملح. # فقد رأيناه يختار من بين الضرائب ضريبة الملح التي فرضتها الحكومة على الهنود ويطلب ~~إلغاءها. ولهذا الالتفات الخاص لضريبة الملح علاقة بالطعام الهندي، فإن الهندوكيين أقل ~~الشعوب تناولا للحم، إذ هم جميعهم يقدسون البقرة ولا يذبحونها، وفيهم طوائف لا تذوق ~~اللحم بتاتا كالطائفة التي ينتمي إليها غاندي. ثم إن الفاقة التي تشمل الهند تجعل 99 ~~في المائة من السكان لا يحصلون من الغذاء إلا على الأطعمة النباتية، ومن المعروف أن ~~الطعام النباتي يحتاج إلى كثير من الملح الذي لا يحتاجه الطعام اللحمي، بل هذه الحاجة ~~نجدها في الحيوانات التي تغتذي بالأعشاب، فإنها تشتهي الملح، فإن لم تجده لحست التراب ~~لما فيه من ملوحة، حتى إن الصيادين في أفريقيا يضعون الملح شركا يصيدون به البهائم ~~كالغزلان والجاموس ونحوهما. أما السباع التي تأكل اللحم فلا تحتاج إلى الملح. والطبقات ~~الفقيرة في كل أمة تكثر من استعمال الملح لهذا السبب، أي لأنها تعتمد على الأطعمة ~~النباتية الرخيصة ولا تستطيع أن تشتري أطعمة اللحم. # ومن هنا كانت حاجة الهنود إلى الملح كبيرة جدا؛ لأنهم يقتاتون بالأطعمة النباتية. ~~ومن هنا أيضا اختيار غاندي لضريبة الملح عندما قر العزم على مخالفة الحكومة ودعا ~~الجمهور إلى الكف عن أدائها، فإن هذا الاختيار يدل على علمه بحاجة الطعام النباتي إلى ~~الملح وضرورته لجميع السكان. # وغاندي مثل جميع الزعماء وقادة الفكر ينفق من نفسه مجهودا كبيرا، ويحتاج إلى توفير ~~الوقت والصحة، لكي يعالج نكبتي الاستعمار والتقاليد اللتين تروج بهما بلاده. وقد درس ~~لنفسه موضوع الغذاء لكي يعرف أوفق الأطعمة لكي يعمل أطول الوقت، وينفق أكبر المجهود مع ~~لزوم النسك، مع ما بين النسك والمجهود من مناقضة. فإن الناسك يكف شهواته بالصوم وقلة ~~الغذاء، والمجاهد يحتاج إلى الغذاء الوافر الذي يحركه على الدوام إلى النشاط. وقد اضطر ~~غاندي إلى أن يدرس الطريقة التي يلائم ms48 فيها هاتين الغايتين. وقد وجد بالتجارب التي ~~أجراها على نفسه أنه لكي يراقب ما يدخل ذهنه يجب عليه أن يراقب ما يدخل معدته. وهو الآن ~~يقتصر من الأطعمة على لبن عنزته وعلى الفواكه الجافة كالبلح وغيره. وهذا الطعام يكفيه ~~بالغذاء الذي يلزم جسمه. ولبن الماعز كثير الدسم قليل المعادن، والفواكه الجافة خالية ~~من الدسم كثيرة المعادن، ومنهما يؤلف طعام تام لرجل مثل غاندي لا يعمل بعضلاته وإنما ~~يعمل بذهنه وينشد هدوء العواطف لا ثورتها. # وقد بدأ غاندي تجاربه في نفسه منذ سنة 1906 حين رأى العلاقة بين الأخلاق والطعام، ~~وحين عين لنفسه أخلاقا خاصة يختار لها الطعام الذي يساعده على التخلق بها. وكان ينظر ~~إلى أثر الطعام في الشهوة الجنسية التي يبدو من كلامه أنها أقلقته كثيرا حتى انتهى إلى ~~القول إنه لا يصح للزوجين أن يناما في غرفة واحدة. وهذا القلق يدلنا على عبقرية غاندي، ~~فإنه قل أن نجد عبقريا أو رجلا ممتازا بنشاط الذهن لا تقلقه الشهوة الجنسية قلقا ~~كبيرا، وبعد ست سنوات من هذه التجارب انتهى إلى أن أحسن الأطعمة له هو الفواكه والجوز، ~~مع إيثار الطازجة على الجافة. فعاش عليها مدة لا يتناول شيئا من الحبوب أو اللبن. وكان ~~مع هذا الطعام البسيط يصوم بعض الأيام لا يتناول غير الماء. واستطاع بهذا الطعام أن ~~يقمع الشهوة الجنسية قمعا باتا، ولكنه وجد همودا في الجسم جعله يطلب اللبن. فلما عاد ~~إليه استيقظت الشهوة الجنسية، فكتب يقول عن ذلك: «ليس عندي أقل شك في أن اللبن يجعل ~~ممارسة الطهارة شاقة.» # وقد رأى غاندي من هذه التجارب أن أفكاره بل أخلاقه كانت تتغير بتغير طعامه. # وأخيرا رضي بالتسوية بين ذهنه وشهوته، فأخذ باللبن والفواكه، واقتصد في قوته بالنوم ~~في غرفة أخرى غير الغرفة التي تنام فيها زوجته. وبهذا النظام استطاع غاندي أن يعمل ~~نهاره كله وبعض ليله لخدمة بلاده. فهو لا يقيل عقب الغذاء، كما نقيل، لأننا نثقل ~~ونسترخي بعد طعام اللحم، ولكنه هو يبقى نشطا طول نهاره. # ولو ms49 أن كل رجل ممتاز في قواه الذهنية أو الأخلاقية مثل غاندي شرح للناس الطعام الذي ~~يأكله والذي ساعده على أداء مهامه الشاقة لانتفع الناس بتجاربه، ولكن قل أن نقرأ ترجمة ~~أحد العظماء، ونرى فيها وصفا لطعامه، كما نرى في ترجمة غاندي. ولسنا نعني أن الطعام ~~الذي اهتدى إله غاندي يفيد جميع الناس، بل نرى خلاف ذلك، وهو أن مثل هذا الطعام قد يضر ~~بعض الناس. ولكنا نعني أن اختيار الطعام، وخاصة عند القادة والزعماء الذين يطلب منهم ~~مجهود كبير، يحتاج إلى عناية وتجارب حتى يهتدوا إلى ما يوافقهم منه. وطعام كل إنسان هو ~~كالحذاء أو العمرة أو البذلة، يحتاج إلى قياس خاص بعد اعتبار الجسم من حيث مزاجه، ثم ~~اعتبار الحرفة التي يحترفها الشخص. وقد عرف غاندي قياسه، واطمأن، ويجب على كل منا أن ~~يعرف أيضا قياسه بعد التجارب التي يقوم بها في نفسه. # الجزء الثالث # | مقالات بقلم غاندي # الفصل الحادي والعشرون # | إلى الإنجليز في الهند # لا أستطيع أن أقيم البراهين على شرف غايتي إذا لم تحسوا أنتم ذلك. وبين إخواني الهنود ~~من يتهمني بأني أضمر غير ما أظهر حين أقول لهم إنه يجب علينا ألا نكره الإنجليز وإن كنا ~~نكره النظام الذي وضعوه لنا. فإني أحاول أن أفهمهم أننا نستطيع أن نكره الشر الذي ينزله ~~بنا أحد الناس دون أن نكرهه هو. فقد كان المسيح يلعن شرور الكتبة والفريسيين دون أن ~~يكرههم. وهو حين شرع الحب للناس، أو الكراهة لشرورهم، لم يكن يعني نفسه فقط، بل كان ~~يقصد التعميم بين جميع الناس. والواقع أني أجد هذه الشريعة في جميع الكتب المقدسة في ~~العالم. # وأنا أدعي أني على شيء من فهم الطبيعة البشرية، وأني أستطيع أن أعرف أماكن الضعف ~~عندي. وقد وجدت أن الإنسان يفضل النظام الذي يخترعه ويسمو عليه، ولذلك أشعر أن كلا ~~منكم يفضل النظام الذي وضعتموه جماعة. وقد كان كل واحد من الهنود في مدينة أمريتسار ~~خيرا من الجماعة التي كان هو عضوا فيها، ولو أنه طلب ms50 إليه أن يقتل أولئك المديرين ~~الأبرياء للبنك الإنجليزي لرفض. ولكنه نسي نفسه وهو في غمار الجماعة. # ومن هنا الفرق بين الإنجليزي، وهو في كرسي المنصب، وبينه وهو خارجه. وكذلك هناك فرق ~~بين الإنجليزي في الهند والإنجليزي في إنجلترا. فأنتم هنا، في الهند، تنتسبون إلى نظام ~~يتجاوز حدود الوصف في الخسة والدناءة، ولذلك يمكنني أن ألعن النظام بأشد لهجة دون أن ~~أتهمكم أنتم بالسوء أو أن أنسب إليكم بواعث سيئة؛ لأنكم أنتم عبيد لهذا النظام كالشأن ~~عندنا سواء. ولذلك أود منكم أن تبادلوني هذا النظر، فلا تتهموني بعواطف أو بواعث لا ~~تجدونها فيما أكتبه. وأنا أصرح لكم بجملة هذه البواعث حين أقول إن صبري قد نفد عن هذا ~~النظام القائم الذي يجعل الهند خاضعة لحفنة منكم، ويجعلكم تطمئنون فقط إلى المدافع ~~والحصون التي تواجهنا في كل مكان في الهند. فإن هذه المناظر تحط من شرفكم وشرفنا معا، ~~فنحن وأنتم نعيش ونحن نتبادل الخوف وسوء الظن. وأنتم لا بد تعرفون أن هذه الحال لا تليق ~~بالرجال. ومثل هذا النظام لا يمكن أن يستند إلا إلى إبليس، بينما كان من الممكن أن ~~تعيشوا في الهند كأنكم من بعض أهلها بدلا من أن تكونوا كما أنتم الآن أجانب تستغلونها. ~~وإنه لمذهب من مذاهب اليأس المظلم ذلك الذي يقول إن حياة ألف هندي تساوي حياة إنجليزي ~~واحد، ومع ذلك فإني أقول الصدق حين أقول لكم إن هذا المذهب صرح به سنة 1919 أعظم ~~رجالكم. # إني أشعر بما يغريني بأن أدعوكم لكي تنضموا إلى هدم هذا النظام الذي وقعنا فيه نحن ~~وأنتم، ولكني أشعر أيضا بأنني لا أستطيع ذلك الآن لأننا لم نبلغ بعد هذه الحال من ~~الرغبة في بذل النفس، وضبطها، لكي نحقق هذا الاتحاد. ولكني أطلب إليكم أن تساعدونا في ~~شيئين هما: # مقاطعة القماش الأجنبي. # ومقاطعة المشروبات الروحية. # فإن أقمشة لنكشير، كما أوضح ذلك المؤرخون الإنجليز، قهرت الهند على قبولها، بينما ~~منسوجات الهند قد دمرت تدميرا منظما مقصودا. ولم تصبح الهند بذلك تحت رحمة ms51 إنجلترا ~~وحدها بل أصبحت تحت رحمة اليابان وفرنسا وأمريكا. وانظروا أنتم الآن إلى مغزى هذا ~~العمل، فإننا نرسل كل عام، في طلب الأقمشة الأجنبية نحو أربعين مليون جنيه، مع أننا ~~نزرع من القطن ما يكفي حاجتنا من القماش. وإذن أليس من الجنون أن نرسل قطننا إلى ~~الأقطار الأجنبية ثم نعود فنجلبه منها وهو مصنوع، وهل كان من العدل أن تحطموا الهند إلى ~~هذه الحال؟ # لقد كنا قبل 150 سنة ننسج جميع أقمشتنا، وكان نساؤنا يغزلن في القرى ويساعدن أزواجهن ~~بذلك على العيش، وكان الغزل جزءا متمما للاقتصاد الوطني في بلاد زراعية مثل بلادنا، ~~وكان يشغل فراغنا بطريقة طبيعية. ولكن نساءنا نسين الآن فن الغزل، وقهر الملايين من ~~السكان على أن يبقوا في عطلة تزيد فاقتهم، حتى صار كثير من النساجين يشتغلون بكنس ~~الشوارع، بينما كثير غيرهم قد تجند في الجيش يعمل مأجورا في العسكرية. وباد نصف ~~النساجين الفنيين بينما النصف الآخر ينسج أقمشته بالغزل الأجنبي لأنه لا يجد غزلا ~~هنديا. # ولعلكم تدركون الآن معنى مقاطعة الأقمشة الأجنبية، فإننا لا نتخذ هذه الخطة للعقاب، ~~ولو أننا نلنا استقلالنا الآن لما كففنا عن المقاطعة، وأقل ما يعنيه الاستقلال أن نكون ~~قادرين على أن نصون الصناعات الهندية التي تتعلق بها حياة الكيان الاقتصادي للأمة، وأن ~~نمنع تلك الواردات التي تضر بهذا الكيان الاقتصادي. والزراعة والغزل كلاهما يؤلف رئتي ~~الجسم الوطني، ويجب أن نحميهما من السل مهما كلفنا ذلك. # وهذه المسألة لا تجيز لنا التمهل والانتظار، ولا يمكننا أن نلتفت إلى مصالح أصحاب ~~المصانع الأجنبية أو مصالح المستوردين من الهنود، لأن الأمة تموت الآن لحاجتها إلى ~~صناعة أخرى تلحق بالزراعة هي صناعة الغزل. # ويجب ألا تخطئوا وتحسبوا أننا نقصد إلى مقاطعة جميع البضائع الأجنبية، فإن الهند لا ~~ترغب في إقفال أبوابها دون التجارة العالمية. وتلك الأشياء التي تصنع عند الأمم الأخرى ~~بأحسن مما تصنع عندنا يجب، مع استثناء الأقمشة، أن نقبلها مع الشكر بشروط يتبادل فيها ~~الطرفان المنفعة. ولن تقبل الهند شيئا تقهر عليه. ms52 ومع أني لا أحب أن أطل من الآن على ~~المستقبل فإني أقول إني أؤمل أن تستطيع الهند قريبا أن تتعاون مع إنجلترا على أساس ~~المساواة بينهما، وعندئذ يمكن بحث العلاقات التجارية بينهما، ولكني الآن أناشدكم ~~المعونة لتحقيق مقاطعة الأقمشة الأجنبية. # ثم تبقى بعد ذلك المسألة الثانية، وهي مقاطعة المشروبات الروحية. فإن الحانات لعنة ~~مفروضة على الأمة ولا يمكن الصبر عليها، ولم تكن الهند في أي وقت من الأوقات متنبهة ~~لهذه المسألة كما هي الآن، وإني أصرح هنا بأن رجال الدين في الهند هم الذين يمكنهم أن ~~يعاونوا في هذه المسألة أكثر منكم، ولكني أحب منكم أن تكشفوا عن نياتكم، فإن الأمة ~~الهندية ستلح على منع المشروبات الروحية منعا باتا مهما كان نظام الحكومة. ويمكنكم ~~أن تساعدوا على نمو هذه الحركة بأن تضموا نفوذكم إلى جهود الأمة. وإني صديقكم ~~الأمين. # الفصل الثاني والعشرون # | إلى نساء الهند # أخواتي العزيزات # لقد قرر «مؤتمر جميع الهند» أن يعين يوم 30 سبتمبر (من سنة 1921) لكي يكون تاريخ ~~إتمام حركة مقاطعة القماش الأجنبي التي أشعلنا نارها في 31 يوليو في بومباي في ذكرى ~~الوطني طيلاك. وقد أعطيت امتياز إشعال النار في كومة كبيرة من أقمشة السيدات الغالية ~~التي كنتن تعددنها إلى ذلك الوقت جميلة فاخرة. وإني أشعر أن أولئك الأخوات اللواتي قدمن ~~أقمشتهن وملابسهن للنار قد أحسن صنعا؛ لأن إحراق هذه الملابس والأقمشة هو أحسن ما كان ~~يمكن أن نعمله بها، حتى من الوجهة الاقتصادية، كما أن إحراق الأشياء الملوثة بمكروبات ~~الطاعون هو أحسن عمل اقتصادي نعامل به هذه الأشياء. فلقد كان هذا الحريق عملية جراحية ~~لجأنا إليها لكي نقي بها جسم الأمة من أمراض أخرى هي أعصى على العلاج وأشد ~~فتكا. # لقد قامت نساء الهند في الأشهر الاثني عشر الماضية بالمعجزات في خدمة وطنهن، وقد ~~أديتن أعمالكن في صمت، كأنكن ملائكة الرحمة، وأعطيتن نقودكن وجواهركن لقضية الوطن، وهذا ~~إلى طوافكن من منزل إلى آخر للدعاية الوطنية. بل منكن من قمن بالتفتيش على المتاجر ~~للبحث عن ms53 الأقمشة الأجنبية. وبعض منكن، ممن تعودن الملابس الزاهية التي تختلف ألوانها، ~~والتي كن يبدلنها مرات في اليوم، تركنها واتخذن القماش الهندي الأبيض الساذج بديلا ~~منها، فكان بياضه الناصع رمزا لهذه الطهارة التي تمتاز بها طبيعة المرأة. وقد فعلتن ~~ذلك كله من أجل الهند ومن أجل الخلافة ومن أجل بنجاب. وليس في كل ما فعلته أيديكن، أو ~~فاهت به ألسنتكن، إثم، لأن تضحياتكن خالية من روح الغضب أو الكراهية. وإني أعترف لكن ~~حين أقول إن استجابتكن للدعوة الوطنية قد أقنعتني بأن يد الله معنا، وليس هناك من ~~البراهين التي تدل على أن حركتنا هي تطهير للنفس ما هو أقوى من تقدم نساء الهند ~~لمعاونتها. # لقد أعطيتن كثيرا، ولكن الحركة تحتاج إلى أكثر ... فإننا لن نحقق غايتنا إلا إذا ~~أعطيتن أكبر نصيب فيها. ولن تمكن المقاطعة ما لم تسلمن جميع ملابسكن الأجنبية وتقلعن ~~عنها، ولن يمكن هذا الإقلاع إذا كنتن تستحسنها وتستجملنها، لأن المقاطعة تعني أن تجحدن ~~الذوق الأجنبي، إذ يجب علينا أن نقنع بالأقمشة التي تنتجها الهند كما نقنع بالأطفال ~~التي تعطى لنا من الله. فإن الأم لا تطرح ابنها وتستغني عنه لأن الأغراب لا يستحسنون ~~وجهه، وكذلك الحال مع المرأة الهندية الوطنية، فإنه يجب أن ترضى وتقنع بالمنسوجات ~~الهندية التي غزلت خيوطها ونسجت أقمشتها أيدي الهنود. ويجب في فترة الانتقال هذه أن ~~يرضيكن القماش الهندي الخشن، فإذا استطعتن أن تحلينه وتزينه فلكن ذلك. وإذا أنتن ~~ارتضيتن هذا القماش على خشونته الآن، فلن تمضي أشهر قليلة حتى تتفق للهند نهضة فنية في ~~صنع الأقمشة. وعندئذ نرى الملابس الزاهية الفاخرة التي كانت في الأزمنة القديمة موضع ~~الحسد واليأس من العالم كله. وإني أؤكد لكن أنكن إذا عمدتن إلى إنكار النفس مدة ستة ~~أشهر فإنكن ترين أن ما نحسب الآن أنه ذوق فني حسن إنما هو فن كاذب، وأن الفن لا يكون ~~سليما صحيحا بما له من شكل فقط بل تتوقف سلامته على ما وراءه وما يختفي خلفه، فهناك ~~فن للقتل والإعدام وفن ms54 آخر لبعث الحياة. وهذه المنسوجات التي ترد إلينا من أوروبا ومن ~~الشرق الأقصى قد قتلت الملايين من إخواننا وأخواتنا، وكانت السبب في وقوع آلاف من ~~بناتنا في حياة العار. ولكن الفن السليم يجب أن يكون مظهرا للسعادة والرضا والطهارة. ~~وإذا أردتن هذه الخصال فعليكن باتخاذ القماش الهندي، بل عليكن أن تجعلن اتخاذه ~~إجباريا. # وليس اتخاذ القماش الهندي ضروريا فقط، بل يجب على كل منكن أن تشغل فراغها كل يوم ~~بالمغزل. وقد اقترحت على الصبيان والرجال أن يغزلوا، ومنهم آلاف يغزلون الآن. ولكن عبء ~~الغزل يجب أن يقع عليكن كما كانت الحال في الأزمنة القديمة، فقد كانت نساء الهند قبل ~~مائتي سنة يغزلن ما يكفي الهند، بل ما يفيض عنها ويرسل إلى الأقطار الأجنبية. ولم يكن ~~يغزلن الغزل الجافي فقط، بل كن يغزلن أيضا أدق الغزل، وأمتنه، وأرفعه، وهو ما لم ~~تستطع الآلات الحديثة أن تصنع مثله أو تقاربه. فعليكن إذن أن تؤلفن أندية خاصة بالغزل، ~~وأن تقمن بمباريات للتشجيع، حتى تملأ أسواق الهند بالغزل اليدوي. ولهذه الغاية يجب أن ~~يكون منكن من يمهرن في الفن، ويعرفن التمشيط، ويستطعن إصلاح الآلات، وهذا معناه الدأب ~~في العمل. وسيكون الغزل وسيلة العيش للمرأة الفقيرة، وعونا على العيش للمرأة المتوسطة، ~~وستعود آلة الغزل رفيقة للأرملة كما كانت في الأزمنة السابقة. أما أنتن اللواتي تقرأن ~~هذا النداء فيجب أن يكون الغزل عندكن واجبا، فإذا عمدت كل امرأة متيسرة إلى الغزل، ~~وخصصت له من يومها وقتا، كثر في الأسواق وتحسن. # ولذلك أقول لكن إن خلاص الهند الاقتصادي، والأخلاقي، يتوقف في الأكثر عليكن. ~~ومستقبل الهند الآن مطروح على حجر المرأة الهندية يطلب منها الغذاء للأجيال القادمة. ~~ويمكنكن أن تنشئن أطفال الهند وتربينهم على أن يكونوا أحد شيئين: إما شجعانا يتحلون ~~بالبساطة وخوف الله، وإما ضعفاء مدللين لا يستطيعون مصادمة العواصف التي ستواجههم ولا ~~يطيقون الإقلاع عن البهارج التي اعتادوها. # الفصل الثالث والعشرون # | التعليم في الهند # لقد قيلت أشياء كثيرة عن آرائي في التعليم في الهند، ولذلك أرى ms55 أنه قد يكون من المفيد ~~للجمهور أن أحدد هذه الآراء وأوضحها. # إني أرى أن نظام التعليم في الهند، بصرف النظر عن علاقته بالحكومة الظالمة القائمة، ~~ناقص من ثلاثة وجوه هي: ~~(1) # أنه يعتمد على ثقافة أجنبية مع تنحية الثقافة الهندية أو ~~مقاطعتها. ~~(2) # أنه يتجاهل ثقافة القلب واليد ولا يبالي سوى ثقافة الذهن. ~~(3) # أن التربية الحقيقية لا تقوم على أيدي الأجانب. # ولننظر الآن في هذه العيوب الثلاثة، فالكتب المدرسية التي يدرسها الصبيان لا تعالج ~~الموضوعات التي تصدمهم في بيوتهم، وإنما تعالج موضوعات غريبة عنهم كل الغرابة. وصبياننا ~~لا يعرفون ما يحق لهم وما يجب عليهم في البيت من هذه الكتب المدرسية. وهم لا يجدون فيها ~~ما يوحي إليهم الشعور بالكرامة، والفخر من البيئة التي يعيشون فيها، وهم لذلك لا يجدون ~~في البيت شيئا من الشعر، ومناظر القرية كتاب مطبق أمام عيونهم. وأما المدنية الهندية ~~فتشرح لهم في هذه الكتب المدرسية كأنها شيء وحشي همجي لا فائدة منها أصلا للحياة ~~العملية، وهذا التعليم ينتهي بالصبي إلى أن يفطمه من الثقافة الهندية. وإذا كان سواد ~~الشبان لم يفقدوا إلى الآن قوميتهم فذلك لأن ثقافة أسلافنا أعمق من أن تستأصل بتعليم ~~يضاد نموها. ولو كان لي الخيار لعمدت إلى معظم هذه الكتب المدرسية وأتلفتها لإيجاد كتب ~~جديدة تتصل بالحياة المنزلية حتى يمكن للتلميذ أن يتعلم منها ما ينفعل به في بيئته ~~المحيطة به. # ثم إن بلادا كالهند يعيش 80 في المائة من سكانها بالزراعة، و10 في المائة بالصناعة، ~~يكون من الجناية على أبنائها أن يبقى التعليم فيها أدبيا فقط. فينشئون وهم عاجزون عن ~~العمل اليدوي. وإني أرى أننا ما دمنا نقضي معظم وقتنا للكد في طلب العيش، فإن صبياننا ~~يجب منذ طفولتهم أن يعرفوا للعمل كرامته، ويجب ألا يعملوا شيئا ينقص من هذه الكرامة ~~ويجعلهم يحتقرون الكد والعمل. وليس هناك من سبب يجعل ابن الفلاح يكره العمل الزراعي ~~عندما يتعلم، وإنه لمن المحزن أن نرى صبياننا يكرهون العمل اليدوي بل يحتقرونه. ثم إننا ~~في الهند ms56 لا نستطيع أن نعمم التعليم بين جميع الصبيان إذا أردنا أن نؤسس المدارس على ~~هذا النمط الحديث، لأننا نعجز عن توفير المال اللازم لها. ولن يمكن الآباء أن يؤدوا ~~المصروفات المدرسية التي تطلب الآن لهذه المدارس؛ فالتعميم يقتضي المجانية. وظني أننا ~~حتى عندما نحصل على نظام الحكم الذي ننشده فإننا لن نستطيع أن نرصد في الميزانية 2000 ~~مليون روبية للتعليم، وهو المبلغ الذي يحتاج إليه تعميم التعليم بين جميع الصبيان. ~~ولذلك لا بد لنا من أن نجعل الصبيان يؤدون بعملهم بعض، أو كل، نفقات تعليمهم. ومثل هذا ~~العمل لن يكون مربحا، يقوم بنفقات التعليم، إلا إذا كان غزلا أو نسجا يدويا، وهذا ~~رأيي. وقد يمكن الاهتداء إلى عمل آخر غير الغزل والنسيج، ولكن بعد النظر والتأمل لا ~~نجد عملا يمكن التوسع فيه والاعتماد على نتائجه العملية في المدارس الهندية مثل الغزل ~~والنسيج. # وإدخال الأعمال اليدوية في المدارس، في قطر فقير مثل قطرنا، ستكون له نتيجة مزدوجة. ~~إذ هي تؤدي عن التلميذ مصروفاته طول مدة تعلمه بالمدرسة، ثم عقب خروجه تزوده بصناعة ~~تمكنه من الاستناد إليها عند الحاجة لكسب قوته. وهذا النظام يعلم أبناءنا الاعتماد على ~~النفس، والعمل للعيش. وليس شيء في العالم يهدم أخلاق الأمة مثل احتقار أبنائها للعمل ~~اليدوي. # ثم لي كلمة موجزة عن حظ القلب من التعليم. واعتقادي أن هذا التعليم لا يمكن أن يتحقق ~~من سبيل الكتب، وإنما سبيل ذلك هو العلاقة الحية بين المعلم والتلاميذ. ومن هم المعلمون ~~في المدارس الابتدائية والثانوية؟ # هل هم رجال إيمان وأخلاق؟ هل هم حائزون للصفات التي تبعثها تربية القلب؟ أوليست ~~طريقة اختيار المعلم للمدارس الأولية كفيلة بحرمانه من الأخلاق؟ وهل هؤلاء المعلمون على ~~ما يكفي عيشهم؟ # ثم إن التعليم بالطرق الأجنبية والكتب الأجنبية قد علم أبناءنا الحشو، وأتعب أذهانهم ~~حتى صاروا لا يصلحون للعمل أو التفكير البكر. كما أنه حال دون الصلة الثقافية بينهم ~~وبين ذويهم أو بينهم وبين الجمهور، بل هو جعلهم أجانب في وسط بلادهم. وإذن لكي ننقذ ms57 ~~أنفسنا من هذه الحال الخطرة يجب أن نقف تعليم أولادنا باللغة الأجنبية ونحتم على ~~المعلمين والأساتذة تعليمهم باللغات الهندية، وإلا جاز لنا فصلهم وطردهم. ولست أنتظر ~~تأليف الكتب المدرسية لتحقيق هذه الغاية لأن التعبير المنشود يجب أن يسبق هذه الكتب، ~~وهو تغيير لا يحتمل التأخير. # وقد حمل علي بعضهم عندما أعلنت آرائي بشأن اللغة الأجنبية للتعليم، واتهموني بأني ~~أكره الثقافة الأجنبية أو تعلم اللغة الإنجليزية. مع أنه ليس هناك قارئ لمجلة «يونج ~~أنديا» إلا ويعلم أني أعد اللغة الإنجليزية اللغة التجارية العالمية، والسياسية ~~الدبلوماتية، ولذلك لا بد من أن يتعلمها عدد منا. ثم هذه اللغة تحتوي على كنوز خصبة ~~للآداب والأفكار. ولذلك أرى تشجيع القادرين على تعلمها إذا وجدوا في أنفسهم الاستعداد. ~~وأرى أنه يجب أن ينقلوا إلى اللغات الهندية ما في هذه اللغة من كنوز أدبية. # فإقامة الحواجز لمنع الثقافة الأجنبية هو أبعد الأشياء عن ذهني. ولكني أقول إننا لن ~~نستطيع تقدير هذه الثقافة إلا بعد أن نكون قد تشبعنا بثقافتنا الهندية. ورأيي الذي لا ~~أحيد عنه هو أنه ليس في العالم ثقافة تحتوي من الكنوز مثل ما تحتويه ثقافتنا. ولكننا ~~جهلنا ثقافتنا، بل نحن تعلمنا الانتقاص من قيمتها، وكفننا عن العيش على أساليبها. وليست ~~الثقافة للتعلم فقط وإنما هي للعمل. فإذا قصرنا أنفسنا على العلم دون العمل صارت بمثابة ~~الجسم المحنط، قد يبدو حسنا ولكنه لا يبعث الحياة أو العزة. وإن لي دينا يمنعني من ~~استصغار شأن أية ثقافة أجنبية، ولكن هذا الدين نفسه يحتم علي أن أشبع نفسي بثقافة الهند ~~وأن أعيش على أساليبها وإلا كان جزاء إهمالها الانتحار المدني. # الفصل الرابع والعشرون # | مذهب السيف # في هذا العصر، عصر القوة الغشوم، يكاد يكون من المحال أن نؤمن بأن هناك من يجحد سيادة ~~القوة. ولهذا السبب ترد إلي خطابات غير موقعة ينصح لي فيها كاتبوها ألا أعوق التقدم في ~~حركة العصيان المدني ولو فشا في الحركة العنف والبطش. ثم يفد علي آخرون، وهم يحسبون ~~أني أضمر في نفسي ms58 العنف، فيسألونني متى تأتي الساعة لإعلان القتال الصريح وحمل السلاح، ~~ثم يؤكدون لي أن الإنجليز لن يخضعوا لا للعنف المضمر أو الظاهر. وهناك آخرون يعدونني ~~أسفل إنسان في الهند لأني لا أصرح بنيتي، مع أنهم ليس عندهم ظل من الشك بأني أؤمن مثل ~~سائر الناس بالعنف. # ولما كانت هذه الحال تدلني على تمسك الناس بمذهب السيف، ولما كان نجاح العصيان المدني ~~يتوقف على انتفاء العنف، ثم لما كانت آرائي في هذا الموضوع تؤثر في سلوك عدد كبير من ~~الأمة، أراني محتاجا إلى أن أنير الموضوع بقدر استطاعتي. # إني أومن بأنه إن كان هناك خيار بين الجبن والعنف، فإني عندئذ أنصح بالعنف. وقد حدث ~~أن سألني ابني الأكبر ماذا يجب عليه أن يفعل لو أنه كان حاضرا يوم هوجمت سنة 1908، وهل ~~كان عليه أن يتركني وهو يراني أكاد أكون مقتولا، أو كان يجب عليه أن يقف ويستعمل قوة ~~جسمه للدفاع عني؟ فأجبته على هذا السؤال بأن واجبه عندئذ يقضي عليه بالدفاع والالتجاء ~~إلى العنف. # وعلى هذا المبدأ اشتركت أنا في حرب البوير وفي فتنة الزولو وفي الحرب الكبرى. وعلى ~~هذا المبدأ أيضا أدعو إلى التدريب الحربي لأولئك الذين يؤمنون بوسائل العنف. وعندي أن ~~أرى الهند وقد عمدت إلى السلاح، تحمله وتتأهب به للذود عن شرفها، أحب إلي من أن تقف وهي ~~ترى انتهاك حرماتها وجرح كرامتها وهي صامتة. # ولكني أعتقد أن المقاومة السلبية خير من العنف، لأن الغفران يزين الجندي ولا يشينه. ~~على أن الإحجام عن القتال لا يعد غفرانا إلا حين تكون القدرة على إنزال العقاب. وليس ~~الغفران معنى إذا هو نبع من العجز والخوف، فإن الفأر لا يغفر للقط تمزيقه لجسمه. ولذلك ~~فإني مقدر للعواطف التي تبعث الآن بعض الهنود إلى المطالبة بمعاقبة الجنرال داير، ~~وأمثاله، فإنهم يودون لو يمزقونه إذا استطاعوا، ولكني لا أعتقد أن الهند عاجزة قد وقفت ~~موقف الجزع لهذا العجز. ولست أعد نفسي عاجزا وإنما أريد أن أستغل قوة الهند وقوتي ~~لغاية سامية. # فأرجو ألا ms59 يسيء أحد فهم ما أقول. فإن القوة لا تصدر عن قوة الجسم وإنما هي ثمرة ~~الإرادة الصادقة. فإن الرجل من قبائل الزولو يتفوق على الإنجليزي في قوته الجسمية، ~~ولكنه يفر عندما يرى صبيا إنجليزيا، لأنه يخشى أن يكون مع هذا الصبي مسدس أو أن ~~يكون هذا المسدس مع المنتقمين لهذا الصبي منه، فهو يخشى الموت على الرغم من قوة جسمه ~~وضخامته. # ونحن في الهند نعرف أن مائة ألف إنجليزي لن يستطيعوا أن يخيفوا ثلثمائة مليون هندي. ~~فالغفران هنا لا يعني الضعف بل هو اعتراف بقوتنا، ولا بد أن سيرافق هذا الغفران تيار ~~عظيم من القوة نشعر به وكأنه يطموا بنا ويحول دون رجل مثل «داير» أو «فرانك جونسون» حين ~~يبغيان هواننا ووصم جباهنا بالعار. وليس يهمني كثيرا الآن أن أقيم الأدلة على هذه ~~النقطة. ولكنني أرى ألا أحجم عن القول بأن الهند تكسب أكثر لو أنها نزلت عن حقها في ~~العقاب، وخير لنا أن نخلص العالم بهذا النوع الجديد من البر. # ولست خياليا في هذا القول، لأني أدعي أني أنشد المثل الأعلى بطريقة عملية. فإن ~~ديانة المسالمة ليست مقصورة على القديسين، وإنما هي لعامة الأمة. وذلك أن المسالمة سنة ~~البشر كما أن العنف سنة الوحوش التي يخمد روحها فلا تعرف سوى القوة الجسمية، أما ~~الإنسان فإن كرامته الإنسانية تجعله يطيع سنة أخرى هي القوة الروحية. # وعلى ذلك تجرأت ووضعت أمام الهند ناموسها القديم، أي التضحية بالنفس. لأن «صطياجراه» ~~أي «قوة النفس» التي تقول بها ديانتنا وما يتفرع منها من «عدم التعاون» و«العصيان ~~المدني» ليست كلها شيئا سوى أسماء أخرى لناموس الألم. وأولئك الهنود الذين اكتشفوا ~~ناموس المسالمة في وسط العنف كانوا أعظم في العقوبة من «نيوتن». وكانوا في الحرب أعظم ~~من «ولنجنون» فقد كانوا يعرفون أساليب القتال، ولكنهم كفوا عنه، علموا العالم المتعب أن ~~خلاصه لن يكون بالعنف وإنما يكون بالكف عن العنف. # والمسالمة تعني في شكلها الإيجابي آلاما محسوسة، وليست تعني الخضوع في وداعة لإرادة ~~الأشرار. إنها تعني أن ms60 نجند النفس ضد إرادة الظالم، فإذا سرنا على هذا الناموس أمكن ~~الفرد وحده أن يتحدى سلطان الإمبراطورية الظالمة لكي يزكي شرفه وديانته ونفسه ويضع ~~الأساس لهدم هذه الإمبراطورية أو لبنائها من جديد. # وعلى هذا لست أدعو الهند إلى الكف عن العنف لأنها ضعيفة. وإنما أرغب إليها في أن تسير ~~في خطة المسالمة. وهي ليست في حاجة إلى التدريب الحربي لكي تعرف هذه القوة. وعندنا من ~~يظن أننا في حاجة إلى هذه القوة لأنه يعتقد أننا أجسام من اللحم فقط. ولكني أرغب إلى ~~الهندي في أن يعرف أن له نفسا وأن هذه النفس لن تهلك، وأنها تستطيع أن ترتفع فوق الضعف ~~الجسمي، بل تستطيع أن تتحدى القوة المادية في العالم كله. # وإني مع ذلك رجل عملي، ولست أنتظر حتى تعرف الهند فائدة الحياة الروحية في العالم ~~السياسي. فإنها ترى نفسها الآن ضعيفة مشلولة أمام مدافع الإنجليز ودباباتهم. وهي تنتزع ~~خطة المسالمة من هذا الضعف. وهي على الرغم من ذلك تحقق الغاية المرجوة، غاية الخلاص من ~~وقر المظالم الإنجليزية، إذا مارس هذه الخطة عدد كاف من الأمة. # وهذه الخطة تختلف عن خطة «شن فين» الأرلندية من حيث إنه لا يمكن أن يرافقها عنف. وإني ~~أدعو حتى القائلين بالعنف أن يجربوا هذه الخطة التي لن تفشل لضعف أساسها وإنما تفشل ~~لضعف الاستجابة لها. وهنا يبدو الخطر، لأن الرجل السامي الذي لا يطيق هوان الوطن، يغضب، ~~ويحتدم، ويحتاج إلى التنفيس، فيعمد إلى العنف. وهو عندئذ يهلك دون أن يخلص نفسه أو ~~بلاده من المظالم. وإذا آمنت الهند بمذهب السيف فإن ظفرها لن يكون مقيما دائما، ولن ~~أستطيع عندئذ أن أفخر بها، لأني أعتقد أن للهند مهمة خاصة في العالم، وليس عليها أن ~~تحاكي أوروبا وتنقل عنها نقلا أعمى. وحين تعتنق الهند مذهب السيف تكون محنتي، ولن أضعف ~~عندئذ، ولكني أقول إنه ليس لديانتي حدود جغرافية وإيماني الحي بهذه الديانة يتجاوز حدود ~~الهند. فلقد أرصدت حياتي لخدمة الهند عن طريق الكف عن العنف، وهي طريق ms61 أرى أنها أساس ~~الديانة الهندوكية. # الفصل الخامس والعشرون # | الخوف من الموت # كنت قد أخذت أخيرا في جمع نعوت مختلفة للاستقلال، فمن هذه النعوت أن الاستقلال هو ~~ترك الخوف من الموت، لأن الأمة التي تجيز لنفسها أن تتأثر من الخوف من الموت لن تنال ~~استقلالها. وهي لو نالته لما استطاعت القيام عليه والاحتفاظ به. # إن الإنجليزي يحمل حياته في كفه. وكذلك العربي والياباني، كل منهما يعد الموت كأنه لا ~~يزيد على ألم من الآلام المعتادة، وهو لا يبكي إذا مات له قريب. ونساء البوير لا يعرفن ~~لهذا الخوف معنى. ولقد مات في الحرب الأخيرة بين البوير والإنجليز آلاف من الشبان، ~~وترملت آلاف من النساء، فلم يبالين ذلك. إذ لم يكن يهمهن قليلا أو كثيرا أن يموت ابن ~~أو زوج، لأنه كان يكفيهن، أو يزيد على كفايتهن أن الأمة برت بشرفها. وما منفعة الزوج ~~إذا أصبحت الأمة عبيدا؟ # لقد رأى البوير أنه خير لهم أن يدفنوا رفات أبنائهم ويذكروا حياتهم الخالدة، من أن ~~ينشئوا في وسطهم عبيدا. وهكذا راضت الأمهات قلوبهن على الصرامة، وقدن أبناءهن في بشر ~~وابتهاج إلى ملك الموت. # وأولئك الذين ذكرناهم، يقتلون غيرهم، ويقتلهم غيرهم. ولكن ماذا نقول في أولئك الذين ~~لا يقتلون غيرهم وإنما يرضون بأن يكونوا هم القتلى والضحايا؟ إن هؤلاء يستحقون إعجاب ~~العالم وحبه. إنهم ملح الأرض. # لقد حارب الإنجليز الألمان، وقتل كل منهم الآخر، وكانت نتيجة هذا القتال زيادة ~~العداوات. وزاد القلق، وساءت حال أوروبا من هذه الحرب، وزاد المكر، وصارت كل أمة تحتال ~~وتداور الأمم الأخرى. # ولكننا عندما نقول إنه يجب ألا نخاف الموت ندعو إلى ما هو أشرف وأطهر من القتال ~~والحرب، وبهذا نؤمل أن نحقق الظفر العظيم في أقصر وقت. # وعندما نحقق استقلالنا يكون كثير منا قد أقلع عن الخوف من الموت. وإلا فإننا لن نبلغ ~~الاستقلال. والذين ماتوا في قضية الوطن كانوا إلى الآن من الصبيان. ولم يزد عمر واحد من ~~الذين قتلوا في عليكرة على 21 سنة، ولم يعرف أحد ms62 أشخاصهم. فإن لجأت الحكومة إلى الضرب ~~بالرصاص فإني أرجو أن يكون في الصف الأول من الضحايا الذين يقدمون أنفسهم للموت بعض ~~الرجال. # ولماذا نحزن إذا مات بعض الصبيان أو الشبان أو الشيوخ؟ إنه لا تمر لحظة على العالم ~~حتى يولد ويموت فيها أناس. وعلينا أن نشعر ببلاهتنا عندما نفرح بمولود أو نحزن لميت. ~~وأولئك الذين يؤمنون بالروح يعرفون أن الروح باق بعد الموت. وليس هناك بين الهندوكيين ~~أو المسلمين أو البارسيين من لا يؤمن بالروح. وأرواح الموتى سواء وأرواح الأحياء. فإن ~~الخلق والفساد دائبان لا يفتران، وليس فيهما ما يدعونا إلى الفرح أو الحزن. وحتى عندما ~~نقصر الرحم الإنسانية على أبناء أمتنا فقط، ونجعل منها أسرة كبيرة، ونسأل كم مولود يولد ~~فيها لكي نحتفل به، ثم كم ميت فيها يموت لكي نرثيه، فإننا نقصر عن البكاء وتجف دموعنا. ~~وحسبنا هذه السلسلة من الخواطر لكي نتخلص من الخوف من الموت. # وقد قيل إن الهند بلاد الفلاسفة، ولم نرفض نحن قبول هذه التحية، ومع ذلك فإنا لا نكاد ~~نعرف أمة أخرى تجزع للموت كما نجزع، ثم في الهند نفسها ليست طائفة تجزع للموت كما يجزع ~~الهندوكيون. ونحن نطير من الفرح إذا ولد لنا مولود، ويشملنا عندئذ طرب سخيف، فإذا مات ~~ميت تهتكنا في العويل الصاخب الذي يؤرق الجيران طول الليل. فإذا كنا نرغب في الاستقلال، ~~وإذا كنا نريد بعد تحقيقه أن نحتفظ به، فلا بد من أن نجحد هذه العادات ونقلع ~~عنها. # ثم ما هو الحبس عند الرجل الذي لا يخشى الموت؟ # إذا تأمل القارئ هذا الموضوع قليلا فإنه واجد أننا إذا لم نحقق استقلالنا فإن عجزنا ~~عن تحقيقه سيعود إلى أننا لا نتقبل الموت، وما هو أقل من الموت، هادئين راضين. # وكلما ازداد عدد الأبرياء الذين يتلقون الموت بصدورهم ويضحون بأنفسهم، كانت تضحيتهم ~~أداة لخلاص الآخرين، فتقل الآلام بذلك. وكل ألم نقبله بابتهاج، تزول عنه صفته، فيستحيل ~~إلى فرح مقيم في النفس. وذلك الرجل الذي يفر من الآلام ويخشاها يبقى في ms63 هم وغم، حتى إذا ~~وقعت به ألفته قد أشقى - من خوف وقوعها - على الهلاك. ولكن ذلك الذي يعد نفسه في ابتهاج ~~لقبول أي شيء ينزل به لا يحس ألما، لأن ابتهاجه يقوم لديه مقام المخدر. # وإنما أكتب هذا لأني أرى أننا لا يمكننا أن نحقق استقلالنا إلا إذا كنا على أهبة ~~الموت ننتظره ونقدر وقوعه. ومن استعد، وتأهب، كان حريا أن ينجو من الحوادث. واعتقادي ~~الراسخ أن التأهب يقتضي اتخاذ القماش الوطني، وإذا نحن نجحنا في الاقتصار على القماش ~~الوطني فإن هذه الحكومة، أو أية حكومة غيرها، لا يمكنها أن تجرب فينا تجربة ~~أخرى. # ولكن مع ذلك يجب ألا نهمل الطوارئ، فإن للسلطان سكرة تعمي وتصم، حتى لا يقدر الأقوياء ~~أن يروا ما تحت أنفهم أو يسمعوا ما يطرق آذانهم. ولسنا نعرف إلام تنتهي هذه الحكومة ~~التي أسكرها سلطانها، وعلى ذلك يبدو لي أنه يجب على جميع الوطنيين أن يستعدوا للموت ~~والحبس وما إليهما. # والشجعان يلقون الموت وعلى شفاههم الابتسامات، ولكنهم مع ذلك يحترسون. فإنه ليس في ~~هذه الحرب السلمية للاستقلال مكان للرعونة ... فإنا لا نقترح الموت أو الحبس من أجل غاية ~~تخالف الأخلاق الحسنة، ولكن يجب أن نستعد للصعود على المشنقة ونحن نقاوم مظالم ~~الحكومة. # كان القديس فرانسس يطوف في الغابات، ولم ينله مع ذلك أذى من الثعابين أو سائر الوحوش، ~~بل حدث العكس، وهو أن هذه الحيوانات كانت تألفه. والآن في الهند يعيش آلاف من «الفقراء» ~~وأصحاب الطريقة في غابات هندوستان بين الأسود والببرة والثعابين، فلا نسمع أن واحدا ~~منهم قد قتلته هذه الحيوانات. وإني أؤمن بذلك المذهب الذي يقول إنه ما دام الإنسان لا ~~يعتدي على الحيوان فإن هذا لا يعتدي عليه أيضا. وأعظم صفات الإنسان وأجلها هو الحب. ~~وعبادة الله هي هباء ما لم يكن الحب أساسها. ~~••• # إنما ننشد بالحب أن نقهر غضب الإنجليز الحاكمين وأنصارهم. علينا أن نحبهم وندعو الله ~~أن يحبوهم بالحكمة لكي يروا ما يبدو لنا من أخطائهم. ويجب أن نرضى بأن يقتلونا، ms64 ولكن ~~يجب ألا نقتلهم نحن. وإذا ألقوا بنا في السجون فيجب أن نرضى بهذا الحظ دون أن نحس ~~بالكراهة ونفكر في الانتقام. # الفصل السادس والعشرون # | المنبوذون في الهند # إني أعد وجود المنبوذين في الهند أكبر وصمة للديانة الهندوكية. وأنا لم أهتد إلى هذا ~~الرأي بالاختبارات القاسية التي مرت بي وأنا في أفريقيا الجنوبية، ولا لأني كنت في بعض ~~أيامي الماضية متشككا في الدين. وكذلك من الخطأ أن يحسب أحد، كما ظن بعضهم، أني اكتسبت ~~هذا الرأي من دراستي للديانة المسيحية وآدابها، لأن الحقيقة أن هذا الرأي يرجع إلى ما ~~قبل معرفتي بكتب المسيحية أو الاختلاط بالمسيحيين. # لقد كنت في الثانية عشرة أو دونها حين أضاء ذهني بهذه الحقيقة، فقد كان يأتي إلى ~~بيتنا زبال من المنبوذين يدعى «أوكا» ينظف المراحيض، وكنت كثيرا ما أسأل أمي لماذا لا ~~يجوز لي أن ألمسه، ولماذا أمنع من لمسه؟ وكنت إذا اتفق لي أن لمسته خطأ يطلب مني أن ~~أتوضأ. وكنت أطيع بالطبع ما يطلب مني، ولكني كنت مع ذلك أعارض في ابتسام وأقول إن ~~الديانة الهندوكية لا تعرف أحدا منبوذا، وأنه من المحال أن نقر هذه الحال. وكنت ~~صبيا مطيعا أؤدي واجباتي ما دامت تتفق مع احترامي لوالدي. وكثيرا ما كنت أجادلهما ~~في هذه المسألة حتى قلت لأمي إنها مخطئة كل الخطأ في الاعتقاد بأني أذنب عندما ألمس ~~«أوكا». # ولما كنت في المدرسة كنت كثيرا ما ألمس المنبوذين، ولما لم يكن من طبعي أن أكذب على ~~والدي، فإن أمي كانت عندما أخبرها بأني لمست منبوذا تنصح لي بأن أقصر طريق لمحو ~~النجاسة التي لحقتني من لمس المنبوذ هي أن ألمس أي رجل مسلم يلقاني في الطريق. وكنت ~~أؤدي هذا العمل لا اعتقادا بأنه واجب ديني بل احتراما لأوامر والدتي. # ثم انتقلنا بعد ذلك إلى بلدة «بوريبندر» حيث شرعت في تعلم اللغة السنسكريتية، ولم أكن ~~قد التحقت بعد بإحدى المدارس الإنجليزية، ولذلك كنت أنا وشقيقي في كفالة أحد البراهمة ~~الذي علمنا هاتين الأدعيتين بالسنسكريتية: ms65 ~~«إن الله كائن في الماء» # و«إن الله كائن في الأرض» # ولم أنس واحدة منهما إلى الآن. # وكانت امرأة عجوز تقيم بجوارنا، وكنت في تلك الأيام أخشى العفاريت كلما خيم الظلام ~~وانطفأ المصباح، فلما عرفت العجوز بخوفي من الظلام نصحت لي أن أسرد أدعية خاصة تدعى ~~«راما راكشا» فإذا سردتها تبددت الأرواح الشريرة. وقد استمعت لنصيحتها، وأفادني ~~الاعتقاد، فصرت لا أخاف. ولم أعتقد أن في هذه الأدعية أي شيء يمكن أن يفهم منه أن لمس ~~المنبوذين يعد خطيئة، ولم أكن أفهم هذه الأدعية، أو كنت أفهمها فهما ناقصا، ولكني كنت ~~واثقا أن هذه الأدعية التي تصرف الشياطين والعفاريت لم يكن فيها أي شيء يتعلق بالخوف ~~من لمس المنبوذين. # وكنا نقرأ أدعية «رامايانا» في أسرتنا ونواظب على قراءتها، وكان يأتي إلينا أحد ~~البراهمة ويسردها. وكان هذا البرهمي مجذوما، ولكنه كان واثقا أنه إذا أدام تلاوتها ~~فإنه يبرأ من الجذام. والواقع أنه برئ من مرضه. وكنت أتساءل في ذلك الوقت: # كيف يمكن أن يعد الرجل الذي نعتبره الآن منبوذا من الأنجاس الذين لا يصح لمسهم؟ إذا ~~كانت «رامايانا» تقول إن واحدا منهم قد حمل «راما» فوق نهر الكونج على زورقه، إذ هل ~~يعقل أن يعد مثل هذا الرجل منبوذا نجسا؟ # ثم إننا ونحن نصلي نصف الله بأنه «مطهر الأنجاس» وهذا يدل على أنه من الخطأ أن نحسب ~~إنسانا مولودا في الهندوكية من المنبوذين الأنجاس، لأن هذا الاعتقاد شيطاني. ومن ذلك ~~الوقت وأنا لا أسأم من القول إن هذا الاعتقاد خطيئة كبرى. ولست أدعي بأن هذه العقيدة قد ~~تبلورت في نفسي وأنا في الثانية عشرة، ولكني أقول إني في تلك السن كنت أعد النجاسة - أي ~~اعتقاد طائفة من الناس بأنهم منبوذون - خطيئة. وأنا أذكر هذه القصة لإخواني الهندوكيين ~~السنيين. # وأنا أعتبر نفسي هندوكيا من طائفة «سانا تاني» ولست أقصد بذلك أني لا أعرف كتبنا ~~المقدسة القديمة، فإني وإن لم أكن عالما باللغة السنسكريتية علما عميقا، فإني قد ~~قرأت هذه الكتب مترجمة وأستطيع أن أقول ms66 إني وقفت على روحها الصحيح. ولما بلغت الحادية ~~والعشرين من عمري درست الأديان الأخرى، ومرت علي أوقات تأرجحت فيها بين الهندوكية ~~والمسيحية، ولكن لما عاد إلي توازني الذهني شعرت أن خلاصي لا يكون إلا عن سبيل الديانة ~~الهندوكية فازددت رسوخا في الإيمان بها كما ازددت نورا. # ولكني حتى هنا لا أعتقد أن النجاسة، أو وجود المنبوذين، هو جزء من الديانة ~~الهندوكية. # الفصل السابع والعشرون # | من غاندي إلى طاغور # مقتبس من خطاب طويل يرد فيه على تاجوري الذي استنكر إحراق الأقمشة ~~الأجنبية # إني أقول إننا عندما فقدنا المغزل فقدنا رئتنا اليسرى، ولذلك نحن نشكو الآن مرض السل، ~~ولن نستطيع وقف هذا المرض حتى نعيد المغزل. هناك أشياء يجب على جميع الناس أن يعملوها ~~في جميع الأقاليم، وهذا المغزل واحد من هذه الأشياء التي يجب علينا جميعا في الهند أن ~~نستعملها في طور الانتقال، ويجب على كثرة الأمة أن تستعملها في جميع الأوقات. # إن الذي أنزل المغزل في الهند من مكانته السامية هو تعلقنا بالأقمشة الأجنبية، ولذلك ~~يجب أن نعد اتخاذ الملابس الأجنبية خطيئة، لأننا لا يمكننا أن نفصل بين الأخلاق ~~والاقتصاديات التي تؤذي الأمة في أخلاقها، يجب أن تعد من الخطايا والذنوب. # وكذلك أيضا يجب أن نعد الاقتصاديات التي تقول باستغلال أمة لأخرى. ومن الخطيئة أيضا ~~أن نشتري شيئا قد نهك العامل في صنعه أو بخس فيه حقه. ومن الخطيئة أيضا أن أشتري ~~القمح الأمريكي في حين أن جاري الذي يبيع القمح الهندي لا يجد من يشتريه منه، كما أني ~~أذنب ذنبا عظيما إذا أنا اشتريت الأقمشة الإنجليزية الغالية مع أني أعرف أني لو ~~اشتريت القماش الذي غزله ونسجه عمال هنود فإني أستطيع أن أكسو نفسي وأكسوهم. ولذلك، ~~فإنه عندما يتحقق لي ذنبي، وتفتضح أمام عيني خطيئتي، يجب أن أعمد إلى ما أملكه من ملابس ~~أجنبية فألقيها في النار وأطهر بذلك نفسي، ثم أقنع بعد ذلك بأن ألبس القماش الهندي الذي ~~ينسجه أبناء الهند حولي. وإذا لم أجد هنودا يغزلون، فإني ms67 أرى أنه يجب علي أنا نفسي أن ~~أقوم بالغزل، حتى يقتدي بي الناس. # ولست أطلب من «تاجوري» أن يحرق قماشا لا يملكه، أما إذا ملك هذا القماش فقير ليس له ~~غير الأطمار والأسمال، فليتركه له؛ لأني وأنا أحرق ملابسي الأجنبية إنما أمحو الخزي ~~والعار عن نفسي، ثم لست أريد أن أهين العرايا بأن أقدم لهم ملابس أجنبية لا يحتاجونها، ~~لأنهم إنما يحتاجون حاجة مرة إلى العمل الذي يكسبون منه العيش، ولست أريد أن أرتكب ~~جناية التصدق عليهم لأني أرى أنه بدلا من أن ألقي لهم الفتات والأطمار البالية يجب أن ~~أعطيهم من أطيب طعامي وأحسن ملابسي، وذلك بان أشترك معهم في العمل. # ثم لست أذهب إلى الاقتصار على الهند في وجوب التضحية وعدم التعاون، وإنما يمنعني ~~تواضعي من أن أعلن للعالم كله هذا المذهب. ولكن ما الفائدة من إعلانه للعالم إذا لم ~~يثمر في التربة التي غرس فيها أولا؟ إن الهند الآن لا تشارك العالم إلا فيما تعانيه من ~~الهوان والفقر والطواعين. فهل يجوز لها أن تبعث بكتبها الدينية إلى العالم، إذا كنا نحن ~~لا نعمل بها، ونحن ورثتها وحفظتها؟ ولذلك يجب، قبل أن أفكر في الاشتراك مع العالم، أن ~~أمتلك شيئا. وأنا حين أقول بعدم التعاون لا أقصد إلى ألا نتعاون مع الإنجليز أو مع ~~الغربيين، وإنما أريد أن نمتنع عن التعاون مع النظام الذي وضعه لنا الإنجليز بإملاء ~~حضارة مادية وما يرافقها من جشع لاستغلال الضعفاء. ونحن حين نرفض التعاون ننكفئ إلى ~~أنفسنا ونعلن للموظفين من الإنجليز أننا لن نتعاون معهم على الشروط التي يضعونها هم ~~لنا. وكأننا نقول لهم: «هلموا نتعاون على شروط نضعها نحن، فيكون لنا ولكم وللعالم كله ~~خير.» إذ يجب أن نأبى عليهم أن يجذبونا، ويوقفونا على أقدامنا، على الرغم منا. # ثم لا يمكن الغريق أن ينقذ غيره من الناس، وإذن لكي نستطيع إنقاذ الناس يجب أن ننقذ ~~أنفسنا أولا. ولا تدعو الوطنية الهندية إلى العداء أو الهدم، وإنما هي وطنية دينية ~~تزيد العالم ms68 صحة وإنسانية. وعلى الهند أن تتعلم كيف تعيش قبل أن تعلم الإنسانية كيف ~~تموت. وليس للفأر الذي يقع بين مخالب القط فضل التضحية. وقد دعانا «تاجوري» دعوة تنبع ~~من سليقته الشعرية، وهي أن نعيش للغد. ووضع لذلك أمام أعيننا صورة جميلة للطيور التي ~~تبكر في الصباح فتشدو على أجنحة النسيم. ولكن هذه الطيور نالت نصيبها من الطعام، ~~وارتاحت طول ليلها، وسرى في عروقها دم جديد. ولكني رأيت طيورا، وتألمت لرؤيتها، لأنها ~~كانت ضعيفة خائرة، لم أستطع أن أغريها حتى برفرفة جناحيها. تلك هي الطيور الإنسانية ~~التي تعيش تحت سماء الهند، فإذا كان الصباح لم تستطع أن تهب من النوم، لأن الإعياء ~~يثقلها بأكثر مما كانت مثقلة عندما آوت إلى الفراش. وهذه حال تتجاوز الوصف ويجب أن ~~يجربها الإنسان كي يعرفها. ولقد وجدت من المحال أن أسري عن المرضى آلامهم بأن أغني لهم ~~القصائد. وملايين الهند إنما تطلب قصيدة واحدة من الشعر، هي الطعام المقوي. وهم ليسوا ~~قادرين على أن ينالوه. # وإنما ينالونه بالعمل الذي نقدمه لهم. # الفصل الثامن والعشرون # | لست قديسا ولست سياسيا # أرسل إلي صديق كريم قصاصة من مجلة «إيست أندوست» جاء فيها ما يأتي وصفا لي: ~~«ذاعت للمستر غاندي شهرة القداسة، ولكن يبدو للمتأمل أن السياسة فيه تغطي على ~~القداسة. فإنه يحض الهنود على العمل المباشر، وهذا العمل المباشر لا يؤدي إلى ~~الاتحاد، فمن ذلك أنه يدعو إلى الاحتفال بذكرى قتلى شهداء «جالينواه لاباغ»، ~~فهل هذه الذكرى، التي تزيد الأسى والمرارة، تؤدي إلى الوفاق؟ ثم ألا يمكننا أن ~~نحتفل بالذكرى بإقامة معبد للسلام، ومعاونة اليتامى والأرامل، والصلاة على ~~القتلى الذين لم يعرفوا لماذا قتلوا؟ إن العالم مكتظ بالسياسيين وأشباههم ممن ~~يسممون الناس بالوطنية، وثمرة هذا التسميم هي الحروب والثارات والمذابح، كتلك ~~المذبحة التي حدثت في «جالينواه لاباغ». أليس من الأليق بنا أن نعمل للتآلف ~~الذي قصد إليه الأنبياء؟ لقد كان يمكن المستر أن يؤدي هذه المهمة، ولكن الظروف ~~تدفعه إلى المقاومة وتأليب الجماعات. والوقت لا يزال يتسع أمامه ms69 لأن يعمل ~~لاتحاد العالم.» # وقد نقلت جميع ما في القصاصة مع أن عادتي ألا أبالي النقد لشخصي أو لخططي، إلا حين ~~أرى التصحيح واجبا، أو حين يجب التأكيد للمبادئ التي نعمل لها. ولي في نقل هذه القصاصة ~~غرضان: وذلك أنى لا أريد فقط أن أوضح المبادئ التي أدعو لها، ولكني أريد أيضا أن أثبت ~~احترامي لكاتب هذه الكلمات، الذي عرفته وأعجبت به في السنوات الماضية لما تمتاز به ~~أخلاقه من جمال فريد. وهو هنا يأسف لأنه يرى أني سياسي ولست قديسا، ولكني أرى أن كلمة ~~«قديس» يجب أن تمحى من ألفاظنا في حياتنا الحاضرة. وذلك لأن لها من الحرمة ما يجب أن ~~تصان من الابتذال بوصف أحد الناس بها ، وخاصة إذا وصفت بها أنا. لأني لا أدعي أكثر من ~~أني أنشد الحقيقة في تواضع، وأني أعرف حدود طاقتي، وأقع في الأخطاء التي أعترف بها ~~وأحاول بالتجارب إصلاحها، كما يفعل العالم في معمله. ولكني حتى في هذه التجارب لا أدعي ~~أني عالم، لأني لا أستطيع أن أبرهن على الصحة العلمية للطريق التي أتبعها، بل لا أجد ~~النتائج المحسوسة لهذه التجارب. غير أني، وأنا أرفض وصف القديس لشخصي، وأخيب بذلك رجاء ~~صديق في، أقول له أيضا إن السياسية لم تغط على آرائي، وإذا كنت أشترك في السياسة، فذلك ~~لأنها تحوطنا وتتحوى علينا كما يتحوى الثعبان على فريسته، وليس في مستطاعنا أن نتخلص ~~منها مهما حاولنا. وأنا إذن أجاهد هذا الثعبان منذ سنة 1894 إلى الآن، وأصيب من النجاح ~~قليلا أو كثيرا، ومن قبل ذلك جاهدته، منذ أن بلغت سن الرشد. # وإني، لما فطرت عليه من أنانية، أجرب التجارب لكي أعيش في سلام في وسط يعصف بالزوابع ~~بإدخال الدين في السياسة. وأنا لا أعني بالدين هذه الديانة الهندوكية، بل أعني به ما ~~يتجاوز الهندوكية، وما يستطيع أن يبدل الطبيعة البشرية نفسها، ويقيد الإنسان بالحق، ~~ويدأب في تطهيره. وهذا الدين هو النصر المقيم في الطبيعة البشرية، وهو الذي لا يبالي ما ~~يلاقيه الإنسان في ms70 سبيل الأداء عما في نفسه. وهو الذي يجعل النفس قلقة حتى تسكن إلى ~~الحق وتعرف خالقها وعلاقتها به. # وهذا الروح الديني هو الذي أوحى إلي خططي ... ولم أحد عن هذه الخطط حين اقترحت الاحتفال ~~بذكرى «جالينوه لاباغ»، ولكن الكاتب ينسب إلي غرضا لم يخطر معناه ببالي حين قال إني ~~أريد «الاحتفال بذكرى قتل الشهداء». إذ ليس شيء أبعد عن ذهني من ذكرى هذه الفعلة ~~السوداء. وإنما أعتقد أننا سنرى تكرار هذه المأساة في المستقبل، قبل أن نحقق غايتنا. ~~ولذلك ينبغي تهيئة أذهان الأمة لمثل هذه المأساة بالاحتفال بذكرى الأبرياء الذين قتلوا ~~فيها. ونحن نعاون الأرامل والأيتام، ولكن ليس في مستطاعنا «الصلاة على القتلى الذين لم ~~يعرفوا لماذا قتلوا» إذا لم نمتلك الأرض التي تقدست بالدم البريء ونقيم عليها نصبا ~~تذكاريا للقتلى. وليس الغرض من هذا النصب تذكير الناس بفعلة شنعاء، ولكن الغرض هو ~~تشجيع أفراد الأمة على أنه خير لهم أن يموتوا وهم عزل، ليس بهم من قدرة على رد الظلم، ~~من أن يكونوا هم أنفسهم ظلمة جائرين. وإني أود لو تعرف الأجيال القادمة أننا نحن، الذين ~~رأينا الأبرياء يقتلون، لم نرفض أن نذكرهم أو ننكر عليهم جميلهم. ولقد تبرعت السيدة ~~«جينا» بمبلغ صغير لإقامة هذا النصب التذكاري، وقالت وهي تقدمه أن الاحتفال بذكرى هؤلاء ~~الشهداء يقيم لنا على الأقل عذرا نعتذر به عن العيش في هذه الدنيا. # ثم إن الكاتب يقول عني إني أعمل «لتأليب الجماعات» بدلا من أعمل «لاتحاد العالم» وقد ~~سبق أن قلت له، ونحن تحت سقف واحد، إني أومن بمذهب العالمية أكثر منه. وما زلت على هذا ~~المذهب، وأرى أنه لولا تأليب الجماعات لما أمكن اتحاد العالم. # الفصل التاسع والعشرون # | بعض آراء غاندي # فيما يلي بعض آراء لغاندي لا تحتاج إلى تعليق أو شرح عند الذين ~~عرفوا أغراضه، ولكنها تنير هذه الأغراض # يقول لي بعض الناس إننا نعيش الآن في عصر الآلات: نخيط بآلة الخياطة، ونكتب بالمكتاب، ~~وإن من الجنون أن نفكر في إحياء المغزل. ولكنهم ms71 ينسون أننا ما زلنا نستعمل الإبرة إلى ~~جانب آلة الخياطة. وأننا ما زلنا نكتب بالقلم إلى جانب المكتاب. وليس هناك أي سبب يمنع ~~من بقاء المغزل اليدوي إلى جانب مصانع الغزل الكبيرة، كما أن مطابخ البيوت لا تزال ~~باقية إلى جانب المطاعم الكبيرة. بل يمكن أن تزول آلة الخياطة والمكتاب، أما إبرة ~~الخياطة والقلم فلن يزولا. ~~••• # إنما يقاس النظام في إحدى الأمم بانتفاء القحط من بين عامتها، وليس بعدد الأغنياء ~~الذي يملكون الملايين فيها. ~~••• # الطب هو لباب السحر. والتدجيل خير ألف مرة مما نسميه الآن مهارة طبية عالية. ~~••• # نحن نكابد هذه الأيام وهما قاتلا حين نعتقد أن المرض لا يبرأ إلا بالعقاقير. وإلى ~~هذا الاعتقاد يعزى كثير من الشرور في العالم. وبديهي أنه يجب أن نعمل لشفاء المرض، ولكن ~~يجب أن نعرف أن العقاقير لا تشفي الأمراض. وليست العقاقير غير مفيدة فقط بل هي أحيانا ~~تضر، وذلك أن المريض الذي يتناول الأدوية والعقاقير إنما يخطئ كما يخطئ ذلك الذي يغطي ~~الزبالة التي تتجمع في المنزل ويسترها عن العين بدلا من أن يزيلها. فالمرض هو إنذار ~~الطبيعة لنا بأن أقذارنا قد تجمعت في الجسم، ومن الحكمة إذن أن نتيح للطبيعة الفرصة ~~لإزالة هذه الأقذار بدلا من أن نغطيها بطريق العقاقير. وأولئك الذين يتناولون العقاقير ~~يزيدون المصاعب أمام الطبيعة في الشفاء. ~~••• # لسنا في حاجة إلى أن نتعلم من الأجانب، فإن في أدواتنا القديمة، من المحراث والمغزل، ~~ما يكفينا سعادة وحكمة. وعلينا أن نعود رويدا رويدا إلى هذه السذاجة القديمة، وعلى كل ~~منا أن يكون قدوة حسنة في هذا العمل. ~~••• # إني أجد في ديني كل ما أحتاج إليه للتكشف الداخلي، لأن ديني هذا يعلمني الصلاة، ولكني ~~أصلي أيضا حتى يجد كل إنسان تكشفه الداخلي في دينه، وحتى يرقى المسيحي في دائرة دينه ~~فيصير كل منا أصلح مما كان. وإني واثق أن الله سوف يسألنا عن حقيقتنا وعن أعمالنا، ولن ~~يسألنا عن الاسم الذي تسمي به هذه الحقيقة أو هذه الأعمال. ~~••• # لست أستطيع أن ms72 أصف شعوري نحو الديانة الهندوكية إلا بأنه يشبه شعوري نحو زوجتي، فإنها ~~تحركني بأقوى مما يمكن أية امرأة أخرى في العالم أن تحركني. وليس ذلك لأنها بريئة من ~~الأخطاء، بل يمكن أن أقول إن أخطاءها تزيد على ما أعرفه منها، ولكني أشعر أن بيني ~~وبينها رابطة لا تحل. وهذا أيضا هو شعوري نحو الديانة الهندوكية مع كل ما فيها من ~~أخطاء، فإني أعرف الرذائل الفاشية في المعابد الهندية الآن، ولكني أحبها على الرغم من ~~هذه الرذائل. وأنا أرغب أشد الرغبة في الإصلاح ولكن حماستي لن تخرجني عن حظيرة الإيمان ~~بالأصول الدينية في الهندوكية. ~~••• # الحقيقة الأساسية للديانة الهندوكية هي حماية البقرة، وعندي أن حماية البقرة هو أعجب ~~الظواهر في التطور البشري ، لأن البقرة تمثل جميع الأحياء التي دون الإنسان. ونحن بهذه ~~الحماية مكلفون بأن نرى أن حياتنا وحياة الحيوان سواء، فالسبب في اختيار البقرة للتأليه ~~في الهند واضح، لأنها رفيقة الإنسان، تدر عليه الخير ولا تقصر في إعطائه اللبن، بل هي ~~التي جعلت الزراعة ممكنة. والبقرة قصيدة من الرحمة، فإننا نقرأ الرحمة في هذا الحيوان ~~الأخرس مما خلقه الله. وحق هذه المرتبة الدنيا من المخلوقات علينا عظيم، لأنها خرساء، ~~وحماية البقرة هي الهبة التي وهبتها الهندوكية للعالم، وستعيش الهندوكية ما دام هناك من ~~يحمي البقرة. ms73