######OpenITI# #META# URI: 1377SalamaMusa.HaulaiCallamuni.Hindawi72527397 #META# Tags: philosophy #META# ID: 72527397 #META# Title: هؤلاء علموني #META# AuthorID: 40515160 #META# Author: سلامة موسى #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # المؤلفون يغيرون الدنيا‏ # فولتير‏ # جيته‏ # داروين‏ # فيسمان‏ # هنريك إبسن‏ # نيتشه أو فتنة الشباب‏ # إرنست رينان‏ # دستوفسكي‏ # ثورو ونداء الطبيعة‏ # تولستوي‏ # فرويد وتشريح النفس البشرية‏ # إليوت سميث وأصل الحضارة‏ # هافلوك إليس والزواج الانفصالي‏ # جوركي والأديب المكافح‏ # شو‏ # غاندي‏ # ويلز‏ # شفايتزر‏ # جون ديوي‏ # سارتر‏ # مقدمة‏ # المؤلفون يغيرون الدنيا‏ # فولتير‏ # جيته‏ # داروين‏ # فيسمان‏ # هنريك إبسن‏ # نيتشه أو فتنة الشباب‏ # إرنست رينان‏ # دستوفسكي‏ # ثورو ونداء الطبيعة‏ # تولستوي‏ # فرويد وتشريح النفس البشرية‏ # إليوت سميث وأصل الحضارة‏ # هافلوك إليس والزواج الانفصالي‏ # جوركي والأديب المكافح‏ # شو‏ # غاندي‏ # ويلز‏ # شفايتزر‏ # جون ديوي‏ # سارتر‏ # | هؤلاء علموني # | هؤلاء علموني # تأليف # سلامة موسى # كن رجلا ولا تتبع خطواتي! # جيته # | مقدمة # المؤلف الذي نحبه ليس فقط صديقا نأتنس بآرائه ونستفيد بأفكاره، إنما هو أكثر من ~~ذلك. # هو بهذه الآراء والأفكار يتسلل إلى قلوبنا وعقولنا فيؤثر في شخصيتنا أو يغيرها. وهو بهذه ~~المثابة، نفسي فسيولوجي له دورة حيوية في وجودنا. ولكن المؤلف العظيم، ليس هو الذي يجعلنا ~~نرى الدنيا بعينيه ونشهد على الناس والأشياء بضميره، وإنما هو الذي يعلمنا الاستقلال رائين ~~ومشاهدين معا، وإن لم يكن في رؤيته وشهادته قد فتح بصيرتنا. # إن كل إنسان كون نفسه؛ ولذلك له الحق في أن يسأل في استقلال، وأن يجيب في استقلال عما ~~يحس وعما يجد، وهؤلاء المؤلفون الذين تخصصوا في الرؤية والشهادة جديرون بأن نقرأهم، ولكن ~~يجب أن نحذرهم، وهيهات أن نحذرهم؛ ذلك لأن لكل كاتب إيحاءاته التي لا طاقة لنا بالتخلص ~~منها، وأحيانا له إيعازاته التي تندس إلى عقولنا من حيث لا ندري، ولكن علينا في كل حال ~~أن ننشد الاستقلال. # وقد تأثرت بهؤلاء الكتاب الذين ذكرتهم في هذا الكتاب وأحببتهم وأعظمتهم، ووجدت فيهم النور ~~والتوجيه، ولكني حاولت الاستقلال، وهذا ما أنصح به القارئ الذي يجب أن ينصت إلى قول أمير ~~الأدب جيته؛ إذ يقول: «كن رجلا ولا تتبع خطواتي!» # س.م # | المؤلفون يغيرون الدنيا # الحياة مشروع نضع تخطيطاته منذ نبدأ الوجدان وندري ما نفعل، أو هي خارطة نأخذ في رسمها ~~مدة سبعين أو ms001 ثمانين سنة. فنحن المسئولون عن إتمام هذا المشروع أو رسم هذه الخارطة. ومع ~~أننا نعرف من السيكلوجية الحديثة أن سلطة الأبوين، وسط العائلة، وطراز المجتمع الذي نعيش ~~فيه، وتراثنا البيولوجي، نعرف أن لكل هذا أثره في تكويننا وتوجيهنا، فإن النظر إلى الحياة ~~باعتبارها مشروعا يخطط أو خارطة ترسم، هذا النظر يستحق الاعتبار، ويجب أن تكون له مكانة في ~~الطاقة النفسية لكل إنسان. وإذا كانت «الوجودية» تجعل من الفرد المسئول الأول عن أعماله، ~~وتزعم أن هذا فلسفة، فلا أقل من أن نسلم نحن بهذا الزعم ونهدف منه لا إلى الفلسفة، ولكن ~~إلى البناء الأخلاقي. # وحسن في الأخلاق أن نقول إننا مسئولون عما نفعل، وفيما يلي بعض الخطوط التي أنقلها إلى ~~القارئ الشاب عن مشروع حياتي أو خارطتها، فقد يكون فيها عبرة صغيرة إلى جانب الزبد ~~الكثير. # بدأت أرسم خارطة حياتي حوالي عام 1906 حين ساء الوسط العائلي، وكان يتعقبني بالعذاب «رجل ~~نيوروزي» جعلني أبيت وأصبح في كرب لا يطاق، ففررت إلى أوروبا. وهناك انبسطت لي آفاق، وحلمت ~~أحلاما ورأيت رؤى، وشرعت أدرس اللغتين الفرنسية والإنجليزية، وأختلط بعناصر جديدة في ~~المجتمعات والعائلات، وأقرأ من الكتب ما يشع النور في عقلي ويبعث الشجاعة في قلبي، فقررت ~~من ذلك الوقت، وأنا حوالي العشرين أن أكون متمدنا ومثقفا. وقد مضى علي نحو خمس وأربعين ~~سنة وأنا أعاني الخصومات بسبب هذا القرار السري! # رأيت شعوبا حرة لكل منها الكلمة العليا التي تتضح في الانتخابات البرلمانية، ورأيت مشاكل ~~الشعب تدرس في البرلمان الذي له وحده حق تعيين الوزارات وإسقاطها، ورأيت جرائد تعالج ~~المذاهب وتناقش الساسة، ورأيت الاجتماعات التي يجتمع فيها الرجال والنساء ويبحثون فيها ~~مشاكل العالم. ورأيت البيت النظيف، والشارع النظيف، والكتب العديدة، والمكتبات المجانية، ~~واختلطت بكل ذلك، وتحدثت إلى الفرنسيين والإنجليز، وشرعت عندئذ آخذ بأساليب المتمدنين، ~~وأهدف إلى أهدافهم، وأدرس وأتعلم وأتجول وأتأمل ... # وعرفت فوق ما عرفت أن المرأة يمكن أن تكون إنسانا حرا لا يختبئ من الدنيا وينظر إليها ~~من صير القفل، ولكن يواجهها في ms002 شجاعة، تتعلم وتعمل وتتحمل المسئوليات. # ورأيت جمالا في الحب بين الشبان والفتيات، رأيت التمدن! وعنيت أكبر العناية بتعلم ~~اللغتين الإنجليزية والفرنسية، واتصل عقلي عن سبيلهما، بأكبر العقول القديمة والحديثة، ~~وكثيرا ما كنت أسهر الليل كله حتى الصباح، وأنا في لذة الحماسة بقراءة كتاب لنيتشه أو قصة ~~لدستوفسكي أو كتاب للعقليين أعداء القرون المظلمة. # والتحقت بالجمعية الفابية، ورأيت برنارد شو في لحمه ودمه، وكانت هذه الجمعية تومئ في ~~بداية هذا القرن إلى منتصفه، وكانت دعوتها إلى الخير والبر ترافقها دعوة أخرى إلى الشرف ~~والشجاعة، وسمعت من منبرها رجالا ونساء من الإنجليز يقولون: «يجب أن نخرج من مصر»، فأحببت ~~الإنجليز ... وكرهت الاستعمار. ورأيت بين أعضائها رجالا ونساء يقبلون على الأدب الروسي، ~~ويدرسون المشاكل التي خلفها داروين، ويبحثون «تنازع البقاء» ومعاني «العصرية»، ويتعمقون ~~الطبيعة لاستخراج ما فيها من أخلاق، من تنازع أو تعاون. # ورشحت نظرية التطور إلى وجداني وتشبعت بها فصارت مزاجي وأسلوبي، وكبرت قيمة الإنسان ~~في نفسي؛ لأني عرفت تاريخه الماضي في مئات الملايين من السنين، كما صرت أحس بتاريخه القادم ~~في المئات من السنين أيضا، وتحملت بهذه المعرفة مسئولية وأحسست دينا، ولم ينقص من قيمة ~~هذا الدين أنني وقفت على مئات الخرافات التي وقع فيها الإنسان، لا، بل إن هذه الخرافات قد ~~زادتني احتراما وحبا للإنسان؛ إذ هي كانت محاولاته المتكررة للوصول إلى الحقائق، فقد ~~انتقل من السحر إلى العلم، ومن النجامة إلى الفلكيات، ومن الكهانة إلى الضمير، ومن ذلق الرق ~~إلى شرف الإنتاج. # وكان أكبر جزء في «مشروع» حياتي أني احترفت الثقافة، فكانت حرفة وهواية معا، لا أبالي ما ~~فيها من تعب وعرق. وقد بنيت بها شخصيتي وأنضجت بها وجداني، واستطعت أن أنسلخ من عقائد ~~الطفولة، وأن أصل إلى اليقين الجديد بهداية داروين وأينشتين، وأصبح عقلي عالميا عاما ~~أحس صداقتي لنهرو، وخصومتي لتشرشل، وأعنى بدراسة الصحارى، واحتمال زراعتها في آسيا ~~وأفريقيا، وأفكر في مستقبل الأحياء، وأخشى انقراض بعضها. أجل أحس أن العالم كله قد أصبح ~~وطني، ليس لي حق التفكير ms003 في مصالحه فقط، بل علي هذا الواجب. وثقافتي لذلك ليست عربية أو ~~إنجليزية أو فرنسية، وإنما هي عالمية، هي في التاريخ وعلى مستوياته، قديمة ووسطية وعصرية، ~~مهما اختلفت لغاتها أو مؤلفوها. # ومع أن ثقافتي قد فصلت بيني وبين الكثير من الناس لاختلاف مستويينا، فإنها بسطت لي آفاقا ~~شاسعة من الفرح والأمل والتأمل والعبرة، فجعلت حياتي أكثر حيوية، وحبي للطبيعة أحم وأعمق، ~~وفهمي للكون أوفى وأنور. # وقد عرفت هذا الفرق بيني وبين سائر الناس حين وقفت أمام الدينصور قبل أربعة شهور في متحف ~~التاريخ الطبيعي في باريس، فإني وقفت عنده وجعلت أدور حوله وأتأمله وأتخيله أكثر من ~~ساعة. # وكنت أرى بالطبع الهيكل العظمي فقط لهذا الحيوان الذي كان يعيش على أرضنا قبل نحو مائة ~~مليون سنة، وكان أكبر من الفيل يزيد عليه في الجرم نحو أربعة أضعاف. كان لا يختلف كثيرا من ~~السحلية أو الورنة، وكان يبيض مثلهما، وقد انقرض لأنه كان جسما بلا مخ أو بمخ صغير يفضله ~~مخ البطة أو الكلب ألف مرة، فلما تغير مناخ الدنيا ضاقت حياته، فعجز ومات وانقرض. # وقد بقيت شهورا أقرأ وأفكر في موضوع الدينصور، ثم في ماضي النوع البشري ومستقبله بعد إذ ~~دخلنا في العصر الذري، هذا العصر الخطر الذي تكاد تتغير فيه وجهة التطور بإبادة الإنسان، ثم ~~تحيا الأرض بعد ذلك نحو مليون سنة في الظلام، إلى أن يكون الشمبنزي قد تهيأ للسيادة والتسلط ~~عليها! # ومع أني احترفت الأدب والعلم والثقافة، فإن هذه جميعها هي عندي حياة كفاح أكثر مما هي ~~حرفة؛ ولذلك أنا لا أبالي ما يقال عن أسلوب الكتابة، ولكني أبالي أسلوب الحياة، ولا أعبأ ~~ببلاغة العبارة، ولكني أعنى بأن تكون الحياة بليغة، بحيث نحيا متعمقين متوسعين. ومع أني ~~ألفت نحو خمسة وثلاثين كتابا فإن كتابي الأول الذي عنيت بتأليفه هو حياتي؛ هذا المشروع، ~~هذه الخارطة التي رسمتها والتي أعود إليها من وقت لآخر بالمحو والتنقيح والتصحيح. بل إن ~~الكتب التي ألفتها هي فصول من كتابي الأول من حياتي. # وليست ms004 حياتي هذا العمر القصير الذي أحياه بدمي ولحمي، وإنما هي تعود إلى ألف مليون سنة ~~مضت، ألم أكن سمكة في يوم ما؟ ألم أعش على الشجر في وقت ما؟ لقد حمل جسمي آثار هذه الملايين ~~من السنين الماضية ولا يزال بعض هذه الآثار واضحا، أراه بعيني إلى الآن كما أرى بعيني ~~وأسمع بأذني كلمات مصر الفرعونية وآثارها في العقائد العامية بل الشعبية. # وكذلك ليس هذا الماضي هو كل العمر، فإني أحمل من الاهتمامات بمستقبل البشر ما يعد هموما ~~شخصية لي؛ لأني أدين بنظرة، كدت أقول عقيدة، التطور، ولذلك لا أطيق عبث الأطفال الذين ~~يقيدون حرية الفكر، أو يكرهون الكتب، أو يؤخرون الصناعة، أو يستمسكون بالخرافات والتقاليد ~~المؤدية؛ إذ هم أعداء التطور. # ومن أجمل الإحساسات التي أستمتع بها في فترات اليأس، والتي تحيل هذا اليأس إلى رجاء أن ~~مؤلفاتي وأفكاري، ومنهجي وكفاحي، كل هذا لن يموت بعد موتي؛ إذ هو سيبقى ويؤثر ويوجه ويفتح ~~النوافذ للنور، وأنا بذلك أتجاوز حياتي، وأحيا بعد موتي. وقد قرأت أكثر من ألف كتاب، وأخصبت ~~الكتب حياتي، وجعلتني مثمرا مضيئا، ولكن الكتاب الأول الذي له فضل الصياغة والتوجيه ~~لشخصيتي هو كتاب داروين «أصل الأنواع»، فإنه زاد عمري من سبعين سنة إلى ألف مليون سنة، ~~وجعلني أحس الوجدان، ليس على هذه الأرض فقط، بل إزاء الكون كله بنجومه وكواكبه وشظايا ~~ذراته، وأحس أن للطبيعة أخلاقا. # هذا هو مشروع خارطة حياتي، فما هو مشروعك؟ كيف رسمت، كيف ترسم خارطة حياتك أيها ~~القارئ؟ # هناك زعم أو وهم يقول بأن الساسة يغيرون الدنيا بالاستعمار والحروب والمعاهدات، وقراءتنا ~~المتوالية للصحف تعمم هذا الزعم أو الوهم؛ إذ إننا نجد الأسماء البارزة للساسة، ونقرأ أخبار ~~الحرب الكبرى الأولى، ثم الحرب الكبرى الثانية فيتأيد هذا الزعم أو الوهم. # وليس شك في أن الحروب والمعاهدات تغير، وقد غيرت الجغرافية السياسية للأقطار، كما أنه ليس ~~شك في أن المباشرين لهذه التغييرات كانوا من السياسيين أو العسكريين، ولكن هذه التغيرات لم ~~تكن تصل إلى صميم النفس البشرية ms005 . ومع ذلك عندما نتأمل ونتعمق الأسباب والبواعث لهذه الحروب ~~نجد أنها كانت ثمرة أو نتيجة لابتكارات علمية قام بها مفكرون اخترعوا الآلات، أو ابتكروا ~~الأساليب، أو ألفوا الكتب لإعلان نظريات جديدة. # اعتبر هاتين الحربين الكبريين الأخيرتين، فإننا نسمع فيهما عن رجال السياسة ورجال الحرب، ~~ولكن هؤلاء الرجال قد باشروا هاتين الحربين فقط ولم يكونوا السبب لإثارتها؛ لأن السبب يرجع ~~إلى الآلة البخارية التي أخرجها رجل مفكر هو جيمس واط في عام 1776، ذلك أن هذه الآلة قد ~~عممت الإنتاج الكبير، في المصنوعات فاحتاج هذا الإنتاج الكبير إلى الحرب والاستعمار. وما ~~زلنا نحن في حرب واستعمار بسبب هذه الآلة التي أحدثت ولا تزال تحدث مزاحمة دموية بين جميع ~~الأمم الصناعية. والمعنى والدلالة هنا أن السياسي والعسكري قد سار كلاهما في أثر المفكر ~~المخترع الذي انبعث إلى التفكير بقوات اجتماعية أخرى. # وقد غيرت الحربان الأخيرتان تخوم الأقطار؛ أي غيرت الجغرافية السياسية، ولكنها لم تغير ~~الاتجاه البشري أو الاتزان النفسي، فالأوروبي الآن هو الأوروبي الذي يعيش قبل سنة 1914 من ~~حيث إيمانه أو طموحه أو تفكيره أو عاطفته. # ولكن الدنيا تغيرت بالكتب، وعندنا على ذلك المثل الأكبر، فإن كتب الدين قد غيرت النفس ~~البشرية؛ إذ عينت لنشاطها اتجاها وأكسبتها أهدافا لم تكن لتعرفها من قبل. وهذا الخلاف ~~الخطير القائم الذي قد يؤذن بالحرب الكبرى الثالثة بين الكتلة الشرقية والكتلة الغربية، ~~كتاب ألفه كارل ماركس. وهناك عشرات من الكتب الأخرى لها مثل هذا الأثر أو ما ~~يقاربه. # ولكن المؤلف المبتدع لا يبني على الهواء أو يفكر في الخواء؛ ذلك لأنه يعيش في مجتمع ~~معين يكسب منه عواطفه ويتجه اتجاهاته، فإذا كان ذكيا تبلورت فيه بعض الاتجاهات البازغة، ~~فصار يمايز بينها ويختار أحسنها، فيدفعها بتفكيره، ويزيدها بيانا وقوة حتى تتغلب على غيرها ~~من الاتجاهات، وهو بهذه المثابة يتفاعل مع مجتمعه، فينشأ على أوضاعه ثم يعود فيحاول نشأة ~~جديدة له؛ أي للمجتمع. # وهناك كتب قد غيرت نفوسنا كما لو كانت ديانات جديدة، بل إن الاختلاف بشأن نظرياتها ms006 يشبه ~~إلى حد كبير الاختلاف الديني، فإن المختلفين على كتب نيتشه في مذهب القوة يحتدون ويتعصبون، ~~وكتاب داروين عن أصل الأنواع لا يزال يحدث مصادمات ذهنية بين التقليديين والابتداعيين، فهو ~~كفر مظلم عند أولئك، وهو رؤيا مثيرة عند هؤلاء. وإني واحد من أولئك الذين تغيروا بنظرية ~~داروين ... لأن التطور عندي مذهب سام، قدس نفسي وغيرني ووجهني. وهو ليس عندي تفكيرا فحسب، ~~وإنما هو إحساس وعاطفة وحب وروحية. # فقد كان سبينوزا يقول بالوحدة الوجودية على نحو من المذاهب الصوفية الشرقية، ولكنه في ~~ذلك لم يستطع سوى إيجاد الفكرة والفلسفة؛ إذ لم يكن هناك من الأدلة المادية الحسية ما يثبت ~~قوله. أما نظرية التطور فإنها قد غلفت عقولنا ثم استقرت في عواطفنا، فهي إحساس وشهوة تنبض ~~بهما عروقنا وتخفق بهما قلوبنا، وإني حين أقعد تحت ظل شجرة خضراء وأستسلم للأفكار الخضراء ~~أحس بدافع من هذه النظرية، بتلك الوحدة الوجودية حتى لأقول كما كان يقول ذلك القديس ~~المسيحي: أخي الطير وأخي الشجر وأخي الوحش. بل أحس كأني أريد أن أنكب على الأرض كما كان ~~يفعل «اليوشا» في قصة «الإخوة» لدستوفسكي ... هذه الأرض الطيبة، هذه الأم القديمة. # وهذا كتاب واحد من عشرات الكتب التي غيرتني. ولم يقتصر التغيير على العقل، إذ قد تجاوزه ~~إلى النفس، فتغيرت رؤياي للدنيا وتغيرت نفسي ومزاجي وعاطفتي. وهو تغيير يحسبه الجاهل كفرا ~~وأحسبه أنا إيمانا. # وهناك كما قلت عشرات من الكتب البذرية التي تنمو وتتفرع وتتوالد في كثرة لم يكن يتوقعها ~~حتى مؤلفها. # اعتبر الفكرة البذرية في أحد مؤلفات برنارد شو، وهي أن البشر يجب أن يهدفوا إلى استنتاج ~~السبرمان الذي سوف يتفوق علينا ذهنا وروحا وجسما بمقدار ما نتفوق نحن على القردة. ما ~~أطيبها من فكرة وما أبرها من مذهب! إنها مذهب من أرقى المذاهب البشرية الجديدة. # أو اعتبر الفكرة البذرية في كتاب أينشتين، هذا الكون الدائري، وهذه الطاقة الذرية، وهذه ~~المادة التي تذوب في الطاقة، وهذه الطاقة التي تتكاثف إلى المادة. # بل اعتبر هذه القوة الجديدة في ms007 هذا العلم الجديد: «علم الطاقة الذرية»؛ فإن المفكرين ~~الذين أحزنهم وهد ضمائرهم إلى إلقاء القنبلة على هيروشيما يسمعون الآن في طرب محاولة الروس ~~نقل المياه التي تذهب عبثا وخسارة إلى المحيط القطبي الشمالي إلى بحر قزوين المتاخم لإيران ~~حيث تروي خمسة ملايين فدان تستحيل من صحراء قاحلة كالحة إلى أرض نضرة تبتسم ~~بالخيرات. # وكل هذا من أثر الكتب. إنها لكتب مقدسة هذه التي تغير الدنيا وتغير اللفتة البشرية، كتب ~~داروين، ولا مارك، وأينشتين، وتولستوي، وبرناردشو، وغاندي وأمثالهم من الذين يرسمون لنا ~~خطوات الفهم والشرف نحو المستقبل. والذهن الذي تربى على هؤلاء المؤلفين، وأكل وهضم من ~~موائدهم. يبصق بصقة الاحتقار على دعاة الرجعية من الكتاب التافهين. # والذهن الذي تربى على هؤلاء المؤلفين وأمثالهم لا يستطيع أن يتسامح في جريمة القتل أو ~~الفسق أو البطش أو الخيانة. ولكنه يعرف أن هناك جريمة تعلو على جميع هذه الجرائم في الخسة ~~والنذالة والحقارة والخيانة، هي الحجر على الذهن البشري ومنعه من التطور بتعيين الكتب التي ~~لا تقرأ ... هذه هي الخيانة الكبرى للإنسانية. # والحكومة التي تجترئ على مثل هذه الخيانة، فتمنع كتابا قيما من الدخول إلى بلادنا، أو ~~من الطبع أو التداول، هي حكومة تخون الإنسانية وتنتهك الفكر البشري المقدس. وهي بهذا ~~الانتهاك تقاوم الفهم والذكاء عند أبناء الشعب كأنها تحاول أن تجعلهم بلداء أغبياء. ~~••• # من الأسئلة التي يضعها كاتب سخيف لقراء سخفاء هذا السؤال: # لو أنه حكم عليك بالانفراد سائر عمرك في جزيرة أو سجن، أي كتاب كنت ترغب في اقتنائه حتى ~~تأنس أو تنتفع به؟ # وسخف هذا السؤال يرجع إلى أن العقل العصري الراقي قد أصبح عقلا مركبا يحتاج إلى التناقض ~~والتناسق، وإلى المنطق والإيمان، وإلى الخيال والتعقل، وإلى التحليل والتركيب، وإلى الحقائق ~~الموضوعية والأفكار الذاتية. وكل هذا لا يمكن أن يحويه كتاب واحد. # ونحن نختار الكتاب في العادة كي نتزيد في معارفنا، ولكن المعارف الموضوعية هي المادة ~~الخامة للثقافة؛ إذ ليست الثقافة معارف فقط، وإنما هي موقف واتجاه وعواطف وعادات في الحياة ms008 ~~والممارسة الفلسفية. وصحيح أن كل هذا ينبني على المعارف الموضوعية، ولكن هذه المعارف هي ~~الدرجات الأولى أو الأسس التي نبني عليها حياتنا الفلسفية. # وهناك من الأذكياء من حظوا بمركبات نفسية تبعثهم على الاستطلاع، فيجدون فيها الإيحاء ~~والتوجيه دون الحاجة إلى من يرشدهم. ولكن معظم القراء يحتاجون إلى المؤلف الذي يثير ~~الاستطلاع ويبعث إليهم بالخسائر ويوجه ويرشد؛ إما لأنهم ليسوا على درجة عالية من الذكاء ~~المتسائل، وإما لأنهم قد خلوا من تلك المركبات النفسية التي صادفت غيرهم لاختبارات أو كوارث ~~وقعت بهم فكانت المنبه والمحرك لنشاطهم الذهني. # والمؤلف العظيم الذي يعلمنا هو ذلك الذي يستنبط من المعارف موقفا فلسفيا جديدا، أو ~~خطة واتجاها جديدين للفكر البشري. والكاتب هو الذي يوجهنا أو يغيرنا. وأحيانا يتغير ~~القارئ لأنه انساق في موجة جديدة قد أحدثها كاتب عظيم قد لا يعرفه هذا القارئ، ولكن الموجة ~~التي مست غيره قد انتهت إليه فأثرت فيه وأحدثت وقعا جديدا في نفسه وعقله. # وليس كل منا كما قلنا قادرا على الاستنباط الفلسفي من المعارف، أو ليس قادرا على ~~الاستنباط الأمثل؛ ولذلك نحن نحتاج إلى المؤلفين المستنبطين الذين يبسطون أمامنا آفاقا ~~جديدة، أو يرشدوننا إلى دلالات أخرى غير ما تعودنا، أو يبرزون لنا الفكرة الإيمائية من بين ~~العشرات من الفكرات المألوفة. # وقد تغيرت الثقافة بهؤلاء الكتاب الإيمائيين من عصر لآخر، وبعض العصور يساعد على هذا ~~التغيير؛ لأنه بمركباته الاجتماعية المتغيرة ينشط الذهن بل أحيانا يلهبه، في حين أن العصر ~~الزراعي مثلا يعمم الركود، فلا ينبه المؤلف؛ ولذلك يكثر مؤلفو التاريخ ودعاة التقاليد في ~~المجتمع الزراعي الراكد، أما المجتمع الصناعي أو التجاري المتغير فإنه يبعث المؤلف على بحث ~~الأخلاق والعقائد والأفكار، وقد يهتدي في هذا البحث إلى ما يلائم من خطة أو فلسفة أو وجهة ~~جديدة، وهذه هي النهضة. # وحيث تكون النهضات، كما في إيطاليا في القرن السادس عشر، أو فرنسا في القرن الثامن عشر، ~~نجد التساؤل والاستطلاع، ثم الاستنباط تحليلا وتركيبا. فالمؤلف يسلط النور والحرارة معا ~~على المجتمع المتغير الذي ms009 يعيش فيه، فيؤلف عن وجدان اجتماعي وإحساس روحي واختلاق فني، وقد ~~يحدث من ذلك أحيانا اختلاط وفوضى، ولكنهما ليسا أمارة الانحلال، وإنما هما علامة النشاط في ~~مجتمع يمرح مرح الطفولة التي تزخر بالحياة. # وهذا بعكس المجتمع الزراعي حيث ركود التاريخ والتقاليد، فإن مثل هذا المجتمع لا يربي ~~المؤلف المجدد، بل هو قد يمنع الكتب التجديدية الأجنبية من الانتشار، ويحظر التفكير في ~~ميادين دينية أو اقتصادية أو اجتماعية؛ إذ هو كالمريض يكره الحركة ولا يتمنى أكثر من ~~الهدوء، ولو كان هدوء الموت؛ ذلك لأنه لا يجد في هذا التجديد ما ينبهه تنبيه الصحة، ولكنه ~~يجد فيه ما يزعجه بل يزلزله. # وعلى القارئ أن يختار الكتب كما يختار المعلمين والأصدقاء الذين ينشد فيهم النور والنار ~~معا. وهذه الكتب هي التي تخرج به عن مألوفه، وكما يخرج الفقير الذي يعيش في زقاق محدود إلى ~~الحقول، فينتعش ويتنفس الهواء الجديد، كذلك يجب على القارئ أن يخرج عقله من المعارف ~~المألوفة؛ أي من الطريق الدهس، إلى تلك الآفاق الرحبة حيث النور والهواء المنعشان. أجل، ~~وحيث الوعورة في الطبيعة البكر التي تبعث على التفكير البكر الوعر. # ولكل عصر مناخه الثقافي، ولكننا نعيش في مصر في مناخ لا يلائم القرن العشرين، وإنما يلائم ~~القرن العاشر! أجل نحن في عقم ثقافي، ومن هنا كان تخلفنا الاجتماعي والاقتصادي، ومن هنا ~~أيضا تفاهة التفكير في المفكر التافه، حين يقول إن الطربوش شعار وطني، أو إن المكان ~~الطبيعي للمرأة هو البيت، أو حين يتحدث عن الكم الطويل والكم القصير، كأن هذا الموضوع يرتفع ~~في اعتباره إلى مقام المشكلة الفلسطينية. # ومرجع هذا أن هؤلاء المساكين لم يرتقوا بكتاب توجيهي ينقلهم من الركود إلى النشاط؛ ولذلك ~~كثيرا ما أقعد إلى أحد هؤلاء فأجد أنه قد بلغ الستين من السن الزمنية، ولكنه لا يزيد على ~~صبي في العاشرة من حيث النضج السيكلوجي. # ولا أستطيع أن أقول إن الكتب العربية ترتفع إلى مقام يتيح لها تخريج الرجل الناضج الذي ~~يتساءل ويستطلع، وإن كان هناك قليل ms010 من الكتب المترجمة قد يؤدي هذه الخدمة. وقد كان في ~~مقدورنا أن نترجم نحو مائة كتاب عالمي من تلك الكتب التي غيرت المجتمع ووجهته، ولكن مجتمعنا ~~الزراعي الحاضر يكره هذا التغيير وهذا التوجيه؛ ولذلك أقول مرة أخرى إننا في عقم ثقافي لا ~~نلد ولا نتوالد؛ ولذلك أقول أيضا في صراحة مؤلمة إن القارئ المصري لن يكون متمدينا على ~~ذكاء نشيط وعلى ثقافة عصرية، إلا إذا درس لغة أوروبية واستمد منها حاجته من الكتب العظيمة ~~والمؤلفين العظماء الذين يستنبطون الفكرة الخصبة من المعارف الخامة، فينعطف التاريخ ويتغير ~~وجه الأرض، وهؤلاء هم المؤلفون الإيمائيون. # وقد قرأت في حياتي مئات الكتب التي زادت وجودي في الدنيا والتي نحوت وتربيت بها، وقد ~~اخترت من مؤلفيها بضعة عشر كان لهم الأثر الأكبر في ترتيب ذهني وتنظيم ثقافتي، ولكن اختياري ~~لهم لا يعني أني أشير على القارئ أن يقرأهم ويعرفهم؛ لأني إنما أردت أن أبسط له بعض الأسباب ~~والنتائج في تكوين شخصيتي، وأن أشير إلى الأعلام البارزة في رحلتي الثقافية عبر عمر قد ~~تجاوز السادسة والستين، وبعض هؤلاء المؤلفين قد عرفتهم قبل أربعين سنة، وإني بالطبع لا ~~أذكرهم هنا إلا لأنهم كانوا اختبارا عميقا أثر في نفسي طوال هذه السنين. وللقارئ أن ~~ينتقد، وأن يعرف من إصاباتي كيف أصبت، ومن أخطائي كيف أخطأت، ثم بعد ذلك عليه أن يستخرج ~~العبرة ثم يستطلع ويتساءل ويختار، ثم يشق طريقه بنفسه. # | فولتير # محطم الخرافات # يهفو الذهن إلى ذكرى فولتير كلما هبت على الأمة عواصف الظلام التي تقيد الحرية، وتسوغ ~~الاعتقال، وتمنع الكتب، وتراقب الصحف، وتضع الحدود والسدود للعقول، وتنهك النفوس البشرية ~~بأفظع مما ينهك الفاسق الأجسام البشرية. # ذلك لأن فولتير عاش من أجل الحرية، وكانت إيماءة حياته احترام الإنسان وكرامة الناس ~~وحريتهم. ومن الأحسن أن نقرأ تاريخه، ومن الأحسن أن يقرأه أولئك الذين حملوا النيابة العامة ~~في مصر على أن تقوم بأكثر من أربعمائة تحقيق مع الصحف في أقل من سنتين بين سنة 1944 و1946، ~~ثم بعد ذلك منعوا ms011 بعض الكتب الأوروبية من الدخول إلى مصر، كما منعوا بعض المؤلفين من طبع ~~مؤلفاتهم ونشرها. # ولد فولتير في عام 1694 ومات في عام 1778. وتغير تاريخ أوروبا بحياته؛ إذ نقل هذه القارة ~~من التعصب إلى التسامح، ومن التقييد إلى التحرير، وغرس بذلك شجرة الديمقراطية، وحمل على ~~العقائد والخرافات الضارة فحطمها، كما بسط الآفاق لحكم العقول، فظهرت الحكومات المدنية ~~العصرية. وقد كان فولتير يمثل الطبقة الجديدة البازغة، طبقة الصناعيين والتجاريين الذين ~~شرعوا يأخذون مكان النبلاء في المجتمع الأوروبي، ومن هنا كان إحساسه بضرورة الحرية واحترام ~~الكرامة البشرية عميقا؛ لأن النبلاء الإقطاعيين كانوا يستعبدون الفلاحين. وعاش فولتير طول ~~عمره وفي نفسه حزازة، فإن أحد النبلاء استطاع أن يحبسه في سجن الباستيل وأن يراه وهو يجلد ~~انتقاما منه لبضعة أبيات من الشعر ألفها عنه فولتير. وقد خرج من السجن وهو يبغض النبلاء ~~ويدعو إلى إلغاء النظام الإقطاعي. وسافر إلى إنجلترا وبقي بها أربع سنوات، فأعجب بشيئين ~~هما: الدستور الإنجليزي الذي ينص على أن الحكم للشعب، وأيضا العالم الرياضي نيوتن. ولما ~~عاد إلى فرنسا دعا إلى الأخذ بقواعد الدستور الإنجليزي في الحكم. ولو أن الحاكمين تنبهوا في ~~ذلك الوقت إلى قيمة هذه الدعوة لعملوا بها، وعندئذ كانوا يتفادون بلا شك من جموح الثورة ~~الفرنسية الكبرى. # وأسوأ ما تصاب به أمة أن يتحد الدين مع الاستبداد، وأن يتحالف الطغاة مع الكهنة، بحيث ~~يستند الدين إلى قوة البوليس، ويستند الاستبداد إلى أساطير الدين، وهذا ما فشا في فرنسا في ~~القرن الثامن عشر، فقد صدر قانون في عام 1757 بإعدام المؤلفين الذين يهاجمون الدين. وصحيح ~~أن هذا القانون لم ينفذ؛ لأن الذين وضعوه أحسوا بالأخطاء التي يستهدفون لها إذا جرءوا على ~~تنفيذه، ولكن حركة التأليف وقفت أو كادت بسبب هذا القانون، واستمر إحراق الكتب إلى عام ~~1788؛ أي قبل الثورة بعام واحد. # ولكن فولتير استطاع أن يخرج العشرات من الرسائل الحرة بأسماء مستعارة؛ أي مزورة، كي ينجو ~~من خطر الإعدام، وكان في هذه الرسائل يحطم الأساطير ~~ويحمل على الطغيان ms012 الحكومي والكنسي، وقبل كل شيء يدعو إلى التسامح، وأن الناس إخوة ولو ~~كانوا مؤمنين أو ملحدين، مسيحيين أو مسلمين، يهودا أو بوذيين. ولقي فولتير عنتا في دعوته ~~إلى الحرية، وخاصة حرية العقيدة؛ لأن الكنيسة الكاثوليكية كانت تحالف في أيامه الحكومة ~~الفرنسية، وكانت تحمل الحكومة والشعب معا على التعصب وإيذاء غير الكاثوليك ... وقد كتب ~~فولتير بقلمه وأنفق من ماله كي ينقذ العائلات التي وقع بها الاضطهاد الديني، وكي يدعو إلى ~~التسامح وحرية العقيدة. # واحتال كي يعيش وكي يرصد حياته للكفاح في سبيل الحرية، وكان من احتياله أن اشترى أرضا في ~~سويسرا وأرضا أخرى في فرنسا، وكانتا تتجاوران وذلك ترقبا للاضطهاد من إحدى الحكومتين ~~السويسرية أو الفرنسية بحيث يستطيع الفرار إلى فرنسا إذا وجد الحملة عليه من الأولى، أو إلى ~~سويسرا إذا وجد الحملة عليه من الثانية، وعاش على هذه الحال السنين الطويلة كي يؤدي رسالته، ~~وهي صيانة الحرية من الوحوش الآدميين، الذين كانوا يكرهون من لا يؤمن بإيمانهم. وقد كان في ~~باريس شيء يسمى «برلمان» ولكنه لم يكن يمثل الشعب؛ ولذلك كان أعضاؤه يسيرون وينقادون إلى ~~دعاة الاستبداد من الحكومة والكنيسة معا. وقد عني هذا «البرلمان» بأن يحرق قصيدة لفولتير. ~~وألف فولتير المعجم الفلسفي، فمنعت الحكومة الفرنسية، بل معظم الحكومات الأوروبية تداوله، ~~وحكم على مؤلفه بالكفر. # وشاعت لفولتير أخيرا شهرة بأنه زعيم الحرية، فكانت تصل إليه شكاوي المضطهدين من الأحرار ~~من جميع الأقطار يطلبون منه الدفاع والإسعاف، وكان يجمع لهم المال كي ينقذهم من حكوماتهم ~~ومن كنائسهم. وما زلنا إلى الآن نسمع عبارة فولتير: «اسحقوا الخزي»، وهذا الخزي هو اضطهاد ~~الأحرار المخالفين للكنيسة. # ومع كل ما اتهم به فولتير لم يكن كافرا، فإنه كان يؤمن بالله أعظم الإيمان، ولكنه كان ~~يعتقد أن الكنيسة يجب ألا تحتكر الدين، وأننا يجب أن نكون «إلاهيين» قبل أن نكون مسيحيين أو ~~يهودا أو هندوكيين، وهو يقول: «إن كلمة الإلهي هي الوصف الوحيد الذي يجب أن يتصف به ~~الإنسان، والكتاب الوحيد الذي يجب أن يقرأ هو ms013 كتاب الطبيعة، والديانة الوحيدة هي أن نعبد ~~الله، وأن يكون لنا شرف وأمانة، وهذه الديانة الصافية الخالدة لن تكون سببا للأذى.» # وكان فولتير يرى الله في كل مخلوق، حتى قال: «إن في البرغوث شيئا من الألوهية.» # وكتب عن نفسه في المعجم الفلسفي يقول: # إني أجهل كيف تكونت وكيف ولدت. وقد قضيت ربع حياتي وأنا أجهل تماما الأسباب ~~لكل ما رأيت وسمعت وأحسست. وكنت ببغاء تلقنني ببغاوات أخرى. ولما حاولت أن أتقدم في ~~الطريق الذي لا نهاية له، لم أستطع أن أجد طريقا معبدا ولا هدفا معينا، ~~فوثبت وثبة أتأمل الأبدية ولكنني سقطت في هوة جهلي. # والواقع أننا حين نتأمل حياة فولتير نجد أن الكنيسة الكاثوليكية قد انتفعت بعداوته لها؛ ~~لأنها كفت عن اضطهاد المخالفين، وكان هذا الاضطهاد أكبر ما توصم به في القرن الثامن عشر ~~كما كان أكبر ما يعمل لفسادها. # وكذلك انتفعت بفصلها من الدولة؛ لأن اعتلاء الدين للدولة يضر الدين ويحطه؛ إذ يغنيه عن ~~القوة الروحية والأخلاق السامية بما يستمتع به من قوة بوليسية وحماية قانونية. والدين يجب ~~أن يتجرد من أي سلطان مادي؛ أي حكومي أو بوليسي، حتى يستنبط قواه الروحية المستقلة ويصل إلى ~~القلوب عفوا دون مساعدة خارجية. # وهذه هي مهمة فولتير التي علمها لأوروبا، مهمة الحرية الفكرية وفصل الدين من ~~الدولة. # وليس لفولتير عبرة أو دلالة واحدة لعصرنا، وإنما له عبر ودلالات كثيرة، فإننا نفهم منه أن ~~حرية العقل وحرية العقيدة وحرية الضمير هي أثمن ما يملكه البشر، وأن الحكومة أو الهيئة التي ~~تنتهك هذه الحريات ترتكب أفظع الجرائم، وهي جريمة الخيانة للروح البشري. وعبرة أخرى ~~نستخلصها من حياته هي أن الأديب ليس رجل القلم والحبر، وتقليب الكتب واجترار الأقوال ~~القديمة، وإنما هو المكافح المبتكر الذي يشترك في هموم البشر واهتمامات المفكرين دعاة ~~التطور والرقي، وأن أدباء البرج العاجي الذين يقفون بعيدا عن معترك الحياة الاجتماعية ~~والأخلاقية والسياسية لا قيمة لهم ولا منفعة منهم، بل هم بمثابة الجندي الفار من ~~المعركة. # وعبرة ثالثة هي أن ms014 بؤرة الأديب شخصيته، من حيث إنه يكتب عن إحساس ووجدان بما يحس ويجد، ثم ~~يصدر عن ذلك مفكرا للتنظيم والتوجيه؛ ولذلك قيل إن أسلوب الكاتب هو شخصيته أو هو أخلاقه، ~~ومن المحال أن يقنعنا كاتب فاسق بضرورة الطهارة، أو كاتب يتعلق بالمستبدين وينتفع منهم ~~بضرورة الديمقراطية. # ولقد عشت حياتي وهنئت أيما هناء، وتعزيت أحيانا أيما عزاء، بمرافقة فولتير وتأمل كلماته ~~وتتبع حياته في أخطائها وأخطارها وتطوراتها، وعرفت منه معرفة الإحساس والوجدان معا أن حرية ~~العقل هي قدس الأقداس في النفس البشرية. # كانت حياة فولتير كفاحا نجح فيه، ورد إلى الإنسان حريته بعد أن كانت قد حرمته إياها ~~الكنيسة والدولة، واستطاع أن يحمل جماهير أوروبا على الإيمان بالطبيعيات بدلا من الغيبيات ~~إلى حد بعيد، كما استطاع أن يرد إلى التاريخ مكانته، وأن يجعل للتنقيب التاريخي فضل ~~الاهتداء إلى الحق والباطل في العقائد. ودعا إلى العقل دون العقيدة، وأكبر لذلك من شأن ~~«بيكون» داعية التجربة و«ديكارت» داعية العقل. وكان على وجدان برسالته التاريخية من حيث إنه ~~رائد العصر الجديد، عصر القلم والعلم. وقد كتب في عام 1760 إلى «هيلفيتبوس» يقول: «إن هذا ~~القرن بدأ يرى انتصار العقل.» # ولقد عشت في هذا الوطن الأسيف - مصر - نحو ثلاثين سنة من عام 1914 إلى عام 1949 في أسر ~~الأحكام العرفية والرقابة القلمية؛ وذلك كي يعيش المستعمرون من الإنجليز، والمستبدون من ~~المصريين، وهم في تحالف لمنع الحريات عن الشعب. وقد ألفت كتابين عن الحرية هما: «حرية ~~الفكر»، وهو تاريخ للأبطال الذين كافحوا التعصب والاستبداد والرجعية والجهل. ثم «حرية العقل ~~في مصر»، وهو دعوة إلى إلغاء إدارة المطبوعات التي تمنع إصدار الجرائد والمجلات إلا بعد ~~تأدية غرامة مالية (في صورة تأمين). وفي كلا الكتابين أنعام تتردد من ذكرى فولتير. # وقد كان فولتير يقول: «إني قلما أتعمق، ولكني واضح الفكرة على الدوام.» وهذه كلمة ~~أستطيع أن أقولها أنا أيضا، وإذا كنت في حياتي الأدبية قد وصلت إلى أن أختص بأسلوب، فإني ~~أعترف هنا بأني لم أقصد قط إلى ms015 هذا الهدف، وإنما كانت غايتي أن أصل إلى التعبير الجلي الذي ~~يوضح فكرتي، وأظن أني نجحت في ذلك. # وعند الفرنسيين مثل يقول: «ما ليس واضحا ليس فرنسيا»، ولهم الحق في ذلك، وهذا الوضوح ~~يعزى إلى التزامهم المنطق السليم الذي تعلموه من فولتير وأمثاله. # | جيته # الشخصية العالمية # المشهور عن جيته أنه أديب عظيم، وقد نقل إلى اللغة العربية من مؤلفاته قصة «آلام فرتر» ~~ودرامة «فاوست» وله أشعار رائعة تذكر أبياتا وقصائد؛ لأن كثيرا من سطورها يحوي الحكمة ~~العالية. وقد كان جيته يكتب يومياته؛ أي إنه كان يدون الحوادث التي مرت به في أيامه يوما ~~بعد يوم، كي يحاسب نفسه على ما أنجز من أعمال، ونحن ننقل هنا يومين في حياته كما ~~دونهما. ~~••• # في الصباح انتهيت من المقطوعة الرابعة وأرسلتها للنسخ. قرأت «فروسشموزلر» عن أنواع ~~الحشرات. # تجارب في الكهربية الجلفانية. # في المساء مع شيلر: أثر العقل والطبيعة في سلوك البشر. # ثم في الصباح المبكر صححت قصيدتي ... ثم قمت بتشريحات الضفدع. # استراحة في الصباح في حديقة شيلر الجديدة ... تحدثنا عن تخطيطها ... وقبل ذلك أعدت النظر في ~~المقطوعتين الأولى والثانية. وفي الصباح صنعت جدولا للألوان. ~~••• # والمتأمل لهذه التدوينات في يومين من أيام جيته يحتاج إلى التساؤل: أأديبا كان جيته أم ~~عالما؟ وهذا السؤال هو موضوع بحثنا هنا. # إن عبقرية جيته لم تكن في الأدب أو العلم أو الفن، وإنما كانت في شخصيته، وصحيح أن له ~~مآثر في هذه الثلاثة، ولكن مأثرته الأولى هي شخصيته، فقد عيب عليه ذات مرة أنه لا يعنى ~~كثيرا بموهبته في الشعر والأدب، فكان جوابه: إن من حقي أن أعنى بشخصيتي، وهي أكبر من ~~أدبي. # إن هم الأديب الصغير أن يصقل قصيدة أو يحسن تأليف قصة أو مقال، ولكن هم جيته كان ~~تأليف شخصيته وتربية نفسه. # وجمهور القراء يعرف أدب جيته، ولكن قليلا منهم من يعرفون أبحاثه العميقة في العلوم، فإن ~~له مكتشفات في الجيولوجية والبيولوجية والبصريات، وقد سمي نوع من الصخر باسمه برهانا ~~على فضله في الجيولوجية. وكان كبير ms016 الاهتمام بأصل الأنواع، وهي المشكلة التي أرصد «داروين» ~~بعد ذلك حياته لحلها. وقد استطاع جيته أن يكشف عن أن المخ هو امتداد للنخاع الشوكي. ومما ~~يذكر عنه عقب هزيمة نابليون أنه قدم إليه نبيل ألماني، فسأله عن رأيه في الزعزعة ~~الجديدة التي تعم أوروبا، فأجابه النبيل بأن «الخلفاء» قد أساءوا السياسة في مؤتمراتهم ~~وأن نابليون ... # ولكن لم يكد النبيل يتم جملته حتى صاح به جيته: أنا لا أسأل عن هذا، لست أبالي هذا، إنما ~~أسأل عن هذا الخلاف بين سانت هيلير وكوفيه ولا مارك عن أصل الأنواع وتطورها. # وكان هذا الموضوع يزعزع نفس جيته، وكان يهتم به أكثر مما كان يهتم بالسياسة الأوروبية ~~التي زلزلها نابليون، ومن هنا اهتمامه بترتيب الحشرات وتشريح الضفدع والطاقة الكهربية ... ~~إلخ. ~~••• # ومن الخطأ أن يقال إن جيته كان يهتم بالآداب والعلوم؛ لأن اهتمامه الأول كان بالحياة، ~~فكان يحب ويختبر ويسيح ويملأ المناصب الحكومية. بل إنه لم يجعل الأدب أو العلوم هدفه؛ لأن ~~الهدف الوحيد الذي سدد إليه نشاطه هو شخصيته؛ وتعبيره حين كان يقول: إنه يبني «هرم» شخصيته، ~~يدل القارئ على أن الثقافة كانت عنده وسيلة وليست غاية. # وإذا كان لكل كاتب عظيم رسالة، فإن رسالة جيته لم تكن الشعر أو القصة أو العلوم، وإنما ~~كانت الشخصية باعتبارها التحفة الأولى للإنسان المثقف الذي يحيا حياة الوجدان والعقل. ومن ~~هنا كلمة «برانديس» الأديب الدنمركي: إن حضارة الأمم تقاس بمقدار تقديرها لجيته. # والمعنى أن الأمة التي ارتقت في ثقافتها إلى المرتقى الذي تستطيع أن تفهم فيه أن رسالة ~~الحياة هي الحياة نفسها، هي الأمة الراقية، أما إذا كانت تجعل الحياة وسيلة لأي نشاط أو هدف ~~آخر، مثل الثقافة أو الصناعة أو الثراء أو غير ذلك، فهي غير راقية، بل إننا حين نقول إن ~~الحياة هي الهدف، إنما نستوعب بهذا التعريف جميع الألوان الأخرى للنشاط البشري، ونستوعبها ~~مع ذلك في تناسق يتفق والحياة العالية. # وستبقى قيمة جيته خالدة على هذا الأساس، وهو أننا يجب أن نحيا حياتنا في ms017 تعلم واختبار ~~واستمتاع. # ولد جيته في سنة 1749 ومات في سنة 1832، فعاصر روسو وديدرو وفولتير ودالمبير، هؤلاء ~~النجوم الذين أحدثوا النهضة الأوروبية الثانية. ثم رأى مخاض العصر الجديد في الثورة ~~الفرنسية، وفي شهابها الساطع نابليون، ورأى - عقب هزيمة نابليون في عام 1815 - المؤتمرات ~~الأوروبية تومئ إلى الاتحاد الأوروبي بل لقد رأى هذه الفكرة تختمر أيام نابليون. # أجل إنه عاش في عصر عاصف، ولكنه لم يترك العواصف تمر به وهو جامد، بل استجاب لها وتفاعل ~~معها. وقد درس القانون في الجامعة، وعرف دوق فيمار الذي أحبه وعينه وزيرا لهذه الدوقية ~~الصغيرة، ولم يقبل جيته هذا المنصب لما فيه من أبهة؛ وإنما قبله لأنه وجد فيه وسيلة للتدخل ~~في السياسة الأوروبية وفهمها. وزار إيطاليا، فعرف فيها جمال الشمس وجمال الفن، وتزوج ~~واستمتع بمسرات العائلة كما كابد همومها، ومارس الزراعة واقتنى ضيعة. وأشرف على المسرح ~~وأحب فتاة حبا كان يحمله على البكاء وهو في السبعين. وكان مفراحا يحب الاجتماع. ولكن هذا ~~المزاج الفرح كان أحيانا - كما هو الشأن فيه - يحمله على الاعتزال والاعتكاف، ولكن أوقات ~~نشاطه وإلهامه كانت تنحصر في أيام الفرح والاجتماع. ~~••• # من علامات النضج في الإنسان أن يميز بين المعارف والحقائق؛ إذ ليس كل ما نعرف حقيقيا، ~~وأن يجمع معارفه واختباراته في فلسفة أو دين؛ أي يستخرج العبرة البشرية والسلوك الأمثل مما ~~عرف واختبر. وأن يعتاد استخراج الكليات من الجزئيات بحيث لا يشتغل بالشجرة قدر ما يشتغل ~~بالغابة. وأن يحس حركة التاريخ في كل يوم من أيامه. وأن يكون على إحساس واتصال بالدنيا، هذه ~~الدنيا، وهذا الكون. وأن يكون قد وصل بما لديه من حقائق وبما تربى عليه من تفكير في الكليات ~~إلى تفاؤل بمستقبل البشر، فالرجل الناضج هو الرجل المتفائل، وتفاؤله يحمله على كفاح ما ~~لمصلحة البشر. والرجل الناضج متدين، يحترم الحياة، وكي نحترم الحياة يجب أن نعمل لرقيها ~~وتطورها إلى أعلى، ومقياس العلو في التطور هو مقياس بشري على كل حال. وقد كان جيته يجمع كل ~~هذه الصفات التي ms018 يتكون منها الرجل الناضج. ~~••• # ومن علامات النضج في الإنسان أن يرتفع من همومه الشخصية إلى الاهتمامات العالمية. # ومن علامات النضج في الأديب أن يرفع الأدب من آراء وإحساسات تكتب إلى ممارسة في الحياة، ~~ففن الكتابة عنده يستحيل عندئذ إلى بعض الفن في حياته هو. ومن علامات النضج أيضا أن ~~يتعرف الأديب إلى قوات الخير البازغة فيؤديها وينضم إليها ويكون من جنودها أو ~~قوادها. # وقد حقق جيته كل هذه الأنواع الثلاثة من النضج، فإن اهتمامه بالعالم طغى على كل اهتمام ~~شخصي آخر: نظرية التطور، قناة السويس، اتحاد أوروبا، الديانات الشرقية. # وحقق الفن والحب في حياته، فإن كلمة الحب لم تكن من كلمات القصص التي كان يؤلفها وإنما ~~كانت عاطفته الغالبة التي كان يمارسها. وقد عاش في أيام الانتقال من حكم النبلاء والنظم ~~الإقطاعية إلى حكم الصيارفة والصناعيين والتجاريين، هذا الحكم الذي عمم الديمقراطية والحرية ~~فانضم إلى هذه القوة الجديدة ودعا إلى تأييدها، بل إننا نستطيع أن نجد هذا الاتجاه في قصته ~~«فاوست»، بل لعل هذا الاتجاه هو التفسير الحقيقي لهذه القصة. # وهناك بالطبع من يسأل عن مذهب جيته في الحياة والأدب والحضارة، ولكننا نحن الذين أحببنا ~~جيته لا نكسب منه معارف؛ لأن معارفنا أكبر جدا من معارفه، كما هي أكبر من معارف أرسطو ~~طاليس أو أفلاطون، وإنما نحن نكسب منه منهج الحياة الذي اتبعه، وهو منهج التعلم والاختبار ~~والاستمتاع. # نكسب منه الحياة الفنية، أو كما كان يقول حرية الروح: «إن أي إنسان عرف وفهم مؤلفاتي ~~وشخصيتي حق الفهم يضطر إلى الاعتراف بأني قد حققت لنفسي حرية الروح.» ~~••• # كيف كان يعيش جيته؟ وكيف كان ينظر إلى نفسه؟ أي ما مقدار وجدانه بشخصيته؟ # كان جيته يخشى الشتاء؛ لأن النهار يقصر والليل يطول، وكان يتعب من القراءة في ضوء الشموع، ~~وكان هو الذي يقص بنفسه فتيلة الشمعة، وكانت آخر كلمة نطق بها قبل الوفاة: «النور»؛ لأن ~~النور كان عنده وسيلة التثقيف والتفكير، والحياة الحيوية، ولذلك كان يحب الصيف ويكره ~~الشتاء. # وكان يعيش نهاره كله، ms019 فلا ينام؛ أي لا يقيل، وكان يفطر في الساعة الحادية عشرة بفنجان من ~~اللبن والشكولاتة، ثم يتغذى في الساعة الثانية، ثم يتنزه، ثم يكون العشاء، فالقراءة ~~والدراسة. # ولما بلغ الثمانين كتب في يومياته: هل بلغت الثمانين؟ وهل يجب علي لذلك ألا أتغير، بل ~~أعمل كل يوم مثل اليوم السابق؟ إني أحس كأني أختلف عن سائر الناس، وأبذل مجهودا أكبر منهم ~~كي أفكر كل يوم في شيء جديد، حتى أتجنب السأم، أجل! يجب أن نتغير على الدوام وأن نجدد ~~شبابنا على الدوام، وإلا تعفنا.» # ومن أقواله في شيخوخته أيضا: «إني أمتاز بالخط الحسن في شيخوختي؛ لأني أجد في ذهني ~~أفكارا، لو أني شئت أن أواليها حتى تنكشف لاحتجت إلى أن أعيش حياتي مرة أخرى.» # وكان يكتب يومياته، وكأنه يحاسب نفسه على درجات رقيه وبناء شخصيته يوما بعد يوم. # وكانت حياته خصبة بالحب، ولم يكن يعرف النسك أو التقشف، ولم تكن فترات اعتكافه عن رغبة في ~~النسك، وإنما هي بعض المزاج العام في الفرحين، وكأنها ادخار للقوة للانتفاع بها أيام ~~السرور. # وكانت اختباراته كثيرة واستمتاعاته الإحساسية شاملة، كما كانت ثقافته موسوعية لم يحصر ~~ذهنه في تخصص. فقد أحس الحب الحناني وهو في التاسعة عشرة فألف قصة «آلام فرتر» ثم جحدها؛ ~~لأنها تحفل بالحنان واليأس والضعف، وكان يقول إنه يخجل منها عندما أينعت شخصيته وأخذ وجدانه ~~وتعقله مكان إحساسه وعاطفته. ~~••• # بدأ جيته حياته الذهنية بتعلم القانون وتأليف قصة اليأس والموت في «آلام فرتر»، وانتهى في ~~سني نضجه وإيناعه باتجاه إيجابي بنائي للحياة البشرية، فدعا إلى وحدة أوروبا. وألف ~~قصيدة في مدح نابليون قال فيها: «إن الذي يقدر على كل شيء، يقدر أيضا على السلام.» ما ~~أبدعه هنا! وكان يفكر في قناة السويس وقناة بناما، ويشتهي أن يعيش خمسين سنة أخرى كي يراهما ~~محفورتين مسلوكتين؛ ذلك أنه اتجه الوجهة العالمية فأصبح يقول، كما كان يقول شيلر: «وطني هو ~~العالم»؛ ولذلك صار يهتم بهندسة هذا العالم وتنظيمه كما لو كان مملكته الخاصة. ~~••• # جيته هو واحد ms020 من أولئك الذين تعلمت منهم، ولم أتعلم فنا أو أدبا أو علما، وإنما هو ~~منهج الحياة التي عاشها جيته كان ينبهني من وقت لآخر كي أعيش على مستواه. # ولست أجد في جميع مؤلفات جيته من الشعر أو القصص شيئا عظيما سوى القليل من اللآلئ، وهو ~~من حيث الشعر يدمن ذلك الطراز الذي يذكر له البيت الذي يتوهج بالحكمة، ولا تذكر له القصيدة ~~التي تعالج موضوعا؛ ولذلك نحن لا ندهش ولا نتعلم كثيرا حين نقرأ مؤلفاته، ولكننا نتعلم ~~وننتبه ونحس كأننا كنا نياما ثم استيقظنا حين نقرأ حياته. # هو منهج الحياة الذي يعيد إلينا ذكر «دافنشي» الرسام المثال الجيولوجي المهندس الفيلسوف ~~الأديب الرياضي العاشق، الذي تعددت اهتماماته لا لأنه تعمد هذا التعدد؛ وإنما لأنه نظر إلى ~~الطبيعة النظرة الموضوعية الموسوعية التي تثير الاستطلاع وتهيئ المشكلات الثقافية التي ~~يشتغل بها الذهن. # وكان جيته مثل دافنشي ينظر إلى الطبيعة، بل إلى الفنون، هذا النظر الموضوعي، ومن هنا زاد ~~استطلاعه وتعددت اهتماماته، وأصبحت ثقافته موسوعية. والحق أن الأدب لم يكن عند جيته فنيا، ~~وإنما كان الفن الذي اهتم به هو فن الحياة، ثم كان الأدب جزءا من فن الحياة. ~~••• # نتعلم من جيته أن غاية الحياة هي الحياة، أي ترقية الشخصية بتربيتنا، وبسط الآفاق أمامنا ~~للتعلم والاختبار حتى نزداد فهما لأنفسنا وللطبيعة، فنزداد بذلك استمتاعا. # ونتعلم منه أننا يجب أن نؤلف شخصيتنا قبل أن نؤلف أي شيء آخر ليس هناك ما هو أهم منها ~~عندنا؛ وذلك بأن نطلب الاختبارات، ولو كان الخطر فيها. # ونتعلم منه أن التخصص ضرر، وأن الآفاق للثقافة لا حد لها، فيجب أن ندرس الأدب كما ندرس ~~الكيمياء والقنبلة الذرية، بل كما ندرس جنون الشيزوفرانيا وقوانين الوراثة، ونتعلم منه أننا ~~يجب أن نشتري الاختبارات إذا لم تصادفنا، فنقرأ ونسيح ونحب ونمارس السياسة ونختلط بالمجتمع ~~ونشتغل بترقيته. # ونتعلم منه أننا - حتى في الشيخوخة - يجب أن نستبقي شباب الذهن والعاطفة، ولن يكون هذا ~~إلا بهيئة سابقة. # وأخيرا نتعلم منه أننا أبناء هذا الوطن الكبير: ms021 العالم. ~~••• # قلنا إننا لا نكسب من جيته معارف، وإنما ننتفع به من حيث أسلوب حياته: حياة فلسفية تتغذى ~~بالثقافة وتهدف إلى تربية الشخصية بالنمو الذي يستحيل إلى نضج. # ولكننا مع ذلك نجد أن لجيته عبرته ودلالته في الموقف الثقافي الأوروبي بين عامي 1800 و ~~1829. # ذلك أن المذهب الانفصالي كان لا يزال قائما بين النفس والجسم أو العقل والمادة، وداعية ~~هذا المذهب الثنوي هو أفلاطون الذي فصل بين الفكرة والمادة. وقد أيدت العقائد الدينية هذا ~~الانفصال. ولكن جيته رأى غير ذلك، بل ربما كان هو أول أديب دعا إلى الوحدة الوجودية في ~~أوروبا؛ أي إن الجماد والنبات والحيوان والإنسان والمادة والعقل كلهم شيء واحد، وأن الإنسان ~~ليس مخلوقا منفصلا، وإنما هو تعبير خاص للطبيعة العامة التي في الجماد والحيوان والنبات، ~~وأن الحقيقة الأولى في هذا العالم هي التغير والاستحالة، فالطبيعة دائبة في التغير والتشكل ~~بأشكال مختلفة، وأن الفكر البشري قد نبع من الطينة التي نبضت بالحياة الأولى. # وقد قال ذات مرة إن أعظم ما يصبوا إليه أن يهتدي إلى قانون شامل عام تنتظم به التغيرات ~~والاستحالات في الجماد والنبات والحيوان والإنسان. # ولو كان جيته يعيش في عصرنا لعبر عن هذه الشهوة بأنه ينشد التفسير الذري للجماد والحياة ~~والفكر البشري والماء السائل. # وهذا هو ما ننشده جميعا ونوشك أن نهتدي إليه. # | داروين # عار العائلة ~~«أنت لا تعنى إلا بصيد الكلاب، واقتناص الجرذان، وسوف تكون عارا على نفسك وعلى ~~عائلتك.» # هذه هي الكلمات التي تلقاها داروين من أبيه في وقت كان يلوح لأي إنسان يتأمل داروين أنها ~~صحيحة، وأن هذا الشاب قد خاب الخيبة التامة. فقد تسكع في دراسات مختلفة، ولكنه لم يستقر على ~~واحدة منها، فقد التحق بكلية الدين ثم تركها، والتحق بكلية الطب ثم تركها، وفي غضون ذلك كان ~~يلعب، أو على الأقل كان يبدو كأنه يلعب، يخرج إلى الحقول ويجمع النبات ويصيد الحشرات ويقارن ~~بين الأحياء، ويفكر تفكيرا سريا كأنه يتآمر على الكون كله، كي يغيره أو يغير البصيرة ~~البشرية ms022 فيه. # والآن بعد أكثر من مائة سنة من هذه الكلمات القاسية التي قالها أبوه عنه لا يعد داروين ~~عارا على عائلته، بل هو فخر أمته يتباهى به التاريخ الإنجليزي. وبعد نحو خمسين سنة من هذا ~~التوبيخ الأبوي تأمل داروين حياته الماضية، ومبلغ ما أتمه من الخدمة في التوجيه الذهني ~~للعالم فقال: «أظن أن أبي قد قسا علي بعض القسوة.» # ومات داروين في عام 1882 بعد كفاح ثقافي طويل، ونحن الآن بعد وفاته بأكثر من نصف قرن، ~~نستطيع أن نقول إنه أكسبنا فهما جديدا للطبيعة والكون والإنسان، وزودنا بمنهج للتفكير لم ~~نكن نعرفه من قبل، فإن كتابه «أصل الأنواع» الذي أخرجه في عام 1859 حمل إلى القراء شيئين؛ ~~أولهما: معارف تكاد تكون حقائق عن أصل الأنواع في الحيوان والنبات، وأنها جميعها ترجع إلى ~~أصل واحد أو أصول قليلة. وثانيهما: منهج للدراسة هو أن الاستقرار لا يعرف في الطبيعة، وأن ~~الإنسان والحيوان والنبات في تغير مستمر. # ونحن الآن لا نبالي الحقائق أو المعارف التي شرحها داروين؛ لأننا نعرف أكثر منها، ولكننا ~~قد اتجهنا الوجهة التي عينها لنا. ونحن هنا بهذه المثابة نفسها نحو أرسطوطاليس، فإننا نعرف ~~أكثر منه من حيث الكم في المعارف، ولكنه أكسبنا المنهج، فنحن نفكر في التطور الدارويني ~~ونفكر متطورين، وقد أصبح التطور حقيقة علمية نقيمها بالمليمتر والمليجرام في الحيوان ~~والنبات، كما أصبح أيضا مذهبا دينيا، أو مبدأ أخلاقيا عند المثقفين، وانفسح به ~~التاريخ البشري آفاقا إلى ملايين السنين، بل مئات الملايين خلف البشر وبعد البشر. # لقد قيل إن جاليل (جاليليو) حط الإنسان من عليائه، حين أعلن أن الأرض ليست مركز الكون، ~~وأنها كوكب صغير يدور حول الشمس، بل الشمس أيضا نجم صغير لا يختلف عن ملايين النجوم التي ~~نراها كل ليلة في المساء. ولكن داروين رفع الإنسان إلى هذه العلياء من جديد، وأثبت أنه لم ~~يكن عاليا فسقط، وإنما هو كان ساقطا يعيش على حضيض الطبيعة، حيوانا كسائر الحيوانات ~~والحشرات، ثم ارتفع. وبهذه الكرامة الجديدة انتقل من أسر ms023 القدر، وأحس أنه تاج التطور، وأن ~~له الحق في تدبير هذا العالم ، وفي تعيين السلالات القادمة، بل ماذا نقول؟ في إيجاد البشرية ~~الجديدة ... # ومع ذلك لا أعتقد أن داروين نفسه كان يقدر الطاقة الكامنة في نظريته. ولا ينقص هذا من ~~عظمته، فإن تفكيرنا الشخصي يسير بقوات اجتماعية، لا نكاد نبصر بها أو نتعمق أصولها، ذلك ~~أننا نفكر بحواجز من العواطف التي نكتسبها من المجتمع، بما يفرضه علينا من القيم والأوزان، ~~وما يرسمه لنا من المطامع والآمال، والمجتمع يطالبنا باستجابات مختلفة تستحيل في كياننا ~~النفسي إلى عادات عاطفية لا نستطيع الخروج منها، فنفكر في منهج خاص هو ثمرة هذا التوجيه ~~الاجتماعي الذي لا نحسه؛ لأنه لا يرتفع إلى وجداننا وتعقلنا. # ولذلك نستطيع أن نقول إن نظرية داروين وجدت الحافز الأول على التفكير فيها من المجتمع ~~الذي عاش فيه داروين؛ ذلك أن داروين قضى زهرة حياته إلى نضج الشباب وإيناع الكهولة فيما بين ~~عامي 1820 و1860، وكان عمره وقتئذ بين العشرين والخمسين، وكانت إنجلترا في تلك السنين ترغي ~~وتزبد بالحركة الصناعية الجديدة، فالمصانع تحتشد بالعمال من الرجال والنساء والصبيان، ~~والثروات تنمو، والمزاحمة على أقصاها وإنجيل النجاح يدرس بل يعبد، والسياسة تخدم الاقتصاد، ~~وتضرب الأمم النائية وتؤسس الأسواق والمستعمرات. # وأصبحت إنجلترا سيدة البحار؛ لأنها احتاجت إلى أكبر أسطول يحمي مستعمراتها وأسواقها التي ~~تباع فيها مصنوعاتها الفائضة. وعاش داروين في تنازع البقاء هذا الذي لا يفتر في لنكشير وغير ~~لنكشير من الأقاليم الصناعية في إنجلترا. وفي تلك السنين أيضا قرأ كتابا أحبه وتعلق به؛ ~~لأنه وجد فيه الاستجابة لنظرياته مما تكبد له من عواطف أحدثها الوسط الإنجليزي، هو كتاب ~~القسيس «مالتوس» عن السكان. فإن القسيس كان من المحافظين الإنجليز الذين يكرهون العامة، ولا ~~يرونهم سوى غوغاء، فلما انفرجت الثورة الفرنسية واستولى بها الشعب على السادة من الملوك ~~والعظماء، ثم أعلن رجالها مبادئ الإخاء والمساواة والحرية، فكر مالتوس كثيرا بحافز من ~~عواطفه، فأخرج كتابه عن السجن، وكان المعنى الذي قصده إليه أن هذه الآمال الفرنسية ms024 في ~~الإخاء والحرية لن تتحقق؛ لأن الدنيا لا تكفي الناس الذين يتوالدون على تضاعفي 2 و4 و8 و16 ~~إلخ في حين أن المحصولات لا تنتج إلا نظام حسابي 1 و2 و3 و4 و5 إلخ، فإذا عاش الناس بلا مرض ~~أو لم تكفهم المحصولات، وإذن فالمرض والحرب والحرمان رحمة بالناس أو ضرورة لهم. وتأمل ~~داروين هذا الكتاب الذي ألفه مالتوس عن المجتمع البشري فتساءل: لم لا ينطبق هذا الكلام ~~على المجتمع الحيواني في الطبيعة؟ فإن الطعام لا يكفي جميع الأحياء التي تحيا أو تتكاثر ~~بالألوف، فهي يجب أن يزاحم بعضها بعضا فتكون فيما بينها، أي تنازع البقاء، كما في لنكشير ~~ومصانعها تماما. # وفي عام 1831 أنفذت الحكومة البريطانية سفينة «البيجل» كي تطوف حول العالم وتسبر الأعماق ~~وتدرس الشواطئ، وتقيس الأبعاد. ولكن لماذا عمدت الحكومة البريطانية وحدها دون سائر الحكومات ~~إلى الاهتمام بهذا الموضوع؟ ما هي العاطفة الحافزة إلى هذه العملية التي لم تفكر فيها ~~ألمانيا أو روسيا أو إيطاليا؟ # العاطفة الحافزة اجتماعية أيضا، وذلك أن الحكومة البريطانية في تلك السنين كانت تخدم ~~الصناعات البريطانية؛ لأن السياسة على الدوام تسير خلف الاقتصاد. وكانت أسواق العالم وقفا ~~على المصنوعات الإنجليزية؛ لأن الحركة الصناعية الإنجليزية سبقت الحركات الأخرى في جميع ~~الأمم، فمن هنا كان الاهتمام بالبحار والملاحة والأقطار النائية، ومن هنا أيضا كانت الفرصة ~~لداروين في أن يلتحق بالسفينة «بيجل» كي يدرس الحيوان والنبات. # ولم يكن داروين جديدا في هذا البحث عن أصل الأنواع، فإن لا مارك الفرنسي سبقه إليه، وهو ~~صاحب القول بأن عنق الزرافة قد طال؛ لأنها بالمرانة التي ورثت جيلا بعد جيل قد اشرأبت وسعت ~~للوصول إلى الغصون العليا في الأشجار، فكأن ما يكسبه الحيوان بجهده من صفات يورث جيلا ~~بعد جيل. بل إن جد داروين قد بحث هذا الموضوع، فكانت النظرية «في الهواء» تحتاج إلى من يرتب ~~أصولها وفروعها ويعلل مظاهرها. بل كانت أكثر من ذلك، فإن جيته الأديب الألماني كان يشتغل ~~بها ويسأل عنها، وكان يتابع النقاش الحامي بين ms025 كوفييه الذي كان يقول بثبات الأحياء، وبين ~~سانت هيلير الذي كان يقول بتحولها. # كان داروين شابا في الثالثة والعشرين حين شرع في رحلته على البيجل، فلما وصل إلى أمريكا ~~الجنوبية، وجد حيوانها ونباتها يختلفان عما هما في القارات القديمة، ثم لما وصل إلى الجزر ~~المنعزلة غرب أمريكا الجنوبية وجد أن انعزال الجزيرة يؤدي إلى انعزال الحيوان، فتكون له ~~أشكاله التي ينفرد بها من الأشكال العامة على القارات. # وإلى هنا يكاد يتوهم القارئ أنه ليس هناك أي فضل لداروين لتعليل النظرية، فقد سبقه إليها ~~جده كما سبقه إليها لا مارك الفرنسي. ثم هناك الظروف الأخرى: مالتوس وقلة الإنتاج الغذائي ~~إزاء تضاعف السكان، ثم تنازع البقاء وبقاء الأصلح وفناء الضعيف في المزاحمة العنيفة في ~~لانكشير حيث الحركة الصناعية في عنفوانها. # ولكن لا؛ لأننا مع التسليم بأن الوسط الاجتماعي أو البيئة الثقافية في أوسع معانيها حين ~~تشمل المعيشة والاتجاه أو العادات والعواطف، هي الحافز للتفكير، فإننا مع ذلك يجب ألا نغفل ~~الشخصية؛ إذ لو لم يكن داروين ذكيا لما فكر في هذا الموضوع الخطير ولما حمله هدفه في ~~الحياة. # لقد قال داروين عن نفسه: «إن الحقائق تضطرني إلى الاعتراف بأن عقلي لم يخلق للتفكير.» ~~ولكن داروين ظلم نفسه في تواضعه بهذه الكلمات، لأن الحقيقة أنه لم يعرف نفسه؛ إذ إن الواقع ~~أنه لا يقول هذه الكلمات إلا رجل مفكر قد أسرف في التفكير وعني العناية الكبرى بغربلة ~~الحقائق من المعارف، وعرف الصعوبة الكبرى في هذا الجهد، ولو أنه لم يكن يجهد لما قال هذه ~~الكلمات؛ إذ إنها ما كانت لتخطر في باله. # الحقيقة الواضحة من حياة داروين أنه احترف التفكير، وأنه كان مريضا أو متمرضا، في نفسه ~~حزازة قديمة هي جرح الكرامة، هذا الجرح الذي أحدثه أبوه وعيره به كما نرى مثلا من وصف أبيه ~~له بأنه سوف يكون عارا لعائلته. فقد كان لا ينام في الليل إلا بعد أرق الساعات، وكان في ~~هذه الساعات يفكر ويؤلف، فإذا جاء إليها كتب كلماته القليلة، ms026 ثم يبقى سائر نهاره مريضا. ~~ومرضه هو هذا المرض النفسي الذي يخترعه النيوروزي ويعيش به ويستقر عليه كأنه يقول: طلبتم ~~مني النجاح والتفوق وكيف أستطيع هذا وأنا مريض؟ # مرض يصون الكرامة المجروحة (أنت عار لعائلتك) وفي الوقت نفسه يهيئ الفرصة للتفكير في ~~حضانة ليلية يسميها الأصحاء أرقا. ولو أن داروين نجح وصار قسيسا أو طبيبا كما كان يشتهي ~~أبوه لكسب العالم قسيسا أو طبيبا يمارس حرفته ويكسب منها، ولكن العالم كان يخسر عندئذ ~~هذه العبقرية المرضية التي زعزعت الثقافة العالمية من أساسها، بل زلزلتها وعينت أهدافا ~~جديدة للإنسان، وأكسبته بصيرة جديدة لرؤية الماضي ورؤيا المستقبل. # لقد بقي داروين نحو ثلاثين سنة وهو يفكر في التطور، ولكنه لا يخرج كتابا عنه ولا يكتب ~~مقالا، ثم حدث حادث أزعجه فانتفض منه، هو أن «وولاس» كان في بعض الجزر التي تقع في الجنوب ~~الشرقي من آسيا يجمع الأزهار والحشرات ويحنطها ويبعث بها إلى الجمعيات العلمية، وكان ~~مشغولا بالموضوع نفسه؛ أي التطور، وكان يعرف أن داروين مشغول به أيضا، فأرسل إليه رسالة ~~علمية يشرح فيها رأيه في هذا الموضوع، وصعق داروين إذ وجد أن وولاس قد سبقه إلى تعليل ~~التطور بأن الطعام قليل في الطبيعة، وأن التوالد كثير بين أنواع الحيوان والنبات، فلا بد أن ~~يكون هناك تزاحم؛ أي مسابقة من أجل الطعام، وفي هذا التزاحم أو المسابقة لا يبقى غير الأقوى ~~الأصلح للبقاء حين يموت العاجز الضعيف وينقرض. # وسارع داروين إلى إبلاغ الهيئات العلمية في إنجلترا عن رسالة وولاس، وشرع هو أيضا يؤلف ~~كتابه «أصل الأنواع». ونستطيع أن نتخيل داروين في حزنه ونزاهته معا، ولكن وولاس بعد ذلك ~~بسنين اعترف بأن العالم كسب ولم يخسر بتزعم داروين لهذه النظرية؛ لأنه كان أوفى منه معرفة ~~وأنصع بيانا وأدق منطقا. وأخرج داروين كتابه «أصل الأنواع» في عام 1859 فتغيرت الرؤية ~~والرؤيا البشريتان. # وكثير من النظريات التي غيرت التفكير البشري تبدو غاية في السهولة والبساطة، حتى ليتساءل ~~الناس: كيف جهل السالفون هذه النظرية على وضوحها؟ فإن ms027 داروين يتحدث عن الحمام والكلاب ~~وغيرهما مما يربيه الناس، وكيف استطاعوا أن يخلقوا العشرات والمئات من السلالات الجديدة، ~~وما استطاعه الإنسان في مئات السنين القليلة فقد استطاعته، وأكثر منه، الطبيعة في ملايين ~~السنين الماضية، حتى أخرجت الأنواع فضلا عن السلالات. فهناك، في الغابات والبحار والسهول، ~~إنتاج محدود من الطعام، ولكن هناك توالدا يتضاعف بين الحيوان والنبات، ولا يمكن أن يكفي ~~الطعام هذه الملايين بل ملايين الملايين من النبات والحيوان، فلا بد إذن من أن تتنازع ~~الأفراد لأجل البقاء؛ أي لأجل الحصول على الطعام. وقد يكون السبب للتفوق في هذا التنازع ثم ~~البقاء خفيا هو كما في النفس الأخير، في الثواني القليلة، في صراع يدوم الساعات، أو في ~~القدرة على الجوع أو العطش، أو في طرق الحماية للنسل، أو في القدرة على التطفل، أو في ~~الجراءة والبطش. # وما دام كل فرد يولد مختلفا عن الآخر في الحيوان والنبات، فإن هذا الاختلاف ينطوي بلا شك ~~على ميزة أو عجز، فهو يساعد في الحال الأولى على البقاء والانتصار في معركة الحياة، وهو ~~يهيئ الهزيمة في الحال الثانية، ولا نعرف الأسباب لهذا الاختلاف، ولكننا نشاهده ونسلم به، ~~ولذلك لا بد أن يستمر التغير جيلا بعد جيل، فإذا تراكمت التغيرات أحدثت السلالات الجديدة، ~~وإذا زاد الاختلاف بين السلالات ظهرت الأنواع الجديدة. # وعلى هذا يجب أن نسلم بأن الأحياء، نباتا وحيوانا، ليست الآن كما كانت قبل مليون أو ~~مائة مليون سنة؛ لأن التغير والتطور هما طبيعتها. ونستطيع أن نستنتج أنه ما دام لنا تاريخ ~~ماض في التطور فسوف يكون لنا تاريخ قادم أيضا تتغير فيه الأحياء. # وهذه هي الدلالة الخطيرة التي انتهى إليها قراء داروين، وهي أن الحياة في بوتقة لم تتجمد ~~قط، وأن البوتقة لا تزال تصهر وتخرج عناصر مركباتها، وهذا هو التوجيه الجديد الذي سدد ~~داروين عقولنا إليه ونحن في بداية هذا، هو التوجيه الذي يخشى كثير منا دلالته؛ لأنه يحمل في ~~طياته مشروعات بشرية خطيرة، ولأنه يضع النظام المادي للإنسان والحيوان والنبات مكان ms028 النظام ~~الغيبي. # لقد عالج داروين تطور الأحياء، وحاول تعليل التطور، ونجح إلى حد ما في هذا التعليل، ولكنه ~~لم ينجح كل النجاح؛ وذلك لأن عواطفه الاجتماعية التي اكتسبها من المزاحمة الصناعية التجارية ~~في لنكشير، ومن كفاح الإمبراطورية لخطف الأسواق وإذلال الأمم، هذه العواطف هي التي حملته ~~على أن يكبر من شأن التنازع؛ تنازع البقاء. وحال هذا بينه وبين رؤية التعاون في الطبيعة؛ ~~لأن الواقع أن البقاء عن طريق التعاون بين الحيوان والنبات أكبر وأوسع من البقاء عن طريق ~~التنازع. # ونحن نعرف الآن كثيرا؛ أي أكثر مما كان يعرف داروين، ولكن لداروين فضل التوجيه وتعيين ~~الخطط للبحث، وأنه زودنا برؤيا بشرية جديدة، وأطلق أذهاننا من أغلال العقيدة إلى حرية البحث ~~والدرس، فقد نقلت نظرية التطور من الأحياء في الطبيعة إلى الناس في المجتمع، وصار من ~~المألوف أن نجد دراسات منظمة عن الأخلاق والأديان وفق النظرية التطورية، ما كنا لنراها لولا ~~داروين، وانبسطت للبشر آمال في المستقبل، وتغير معنى الارتقاء البشري؛ لأننا نقلنا هذا ~~المعنى من وسط الإنسان إلى الإنسان نفسه، كما أصبح التطور فنا نمارسه في إيجاد سلالات ~~جديدة من القطن أو القمح أو الفاكهة. وقد اجترأ هتلر وأعوانه على أن يفكروا في سلالات بشرية ~~جديدة. # ويجب ألا يعمينا الاستغراض الديمقراطي عن هذا الابتكار النازي الذي دعا إليه هتلر، فإن ~~نظرية التطور لا بد أن تخرج من التفكير إلى التطبيق ... بل هي كذلك الآن، ومنذ مئات السنين في ~~حيواناتنا ونباتاتنا، ونقلها إلى النوع البشري لن يعدو وثبة كبيرة. ~~••• # أراني بعد كتابة ما تقدم أني التفت إلى شخصية داروين وتحليلها أكثر مما التفت إلى ~~تحليل نظريته ودلالتها؛ ولذلك أحتاج إلى الإشارة إلى التنقيحات التي طرأت على هذه النظرية، ~~وأولها وآخرها هو الرجوع إلى لا مارك: «إن الصفات المكتسبة تورث.» وداروين نفسه لم ينكر ~~هذه الوراثة ولكنه لم يبرزها كما أبرر «تنازع البقاء وبقاء الأصلح» ومع أن داروين التفت ~~كثيرا إلى الدواجن، وكيف أن الإنسان استطاع أن يخرج مئات السلالات من الحمام والدجاج ms029 ~~والكلاب والخيول، ومع أنه نقل هذا المنطق من الإنسان إلى الغابة، باعتبار أن تنازع البقاء ~~يحيي ويبيد، ويقف من النبات والحيوان موقف الإنسان في اختيار الصفات التي تعمل لبقاء ~~الأفراد، فإن الموقف البيولوجي ينكر هذه الأيام قيمة هذه المقارنة بين التنوع في الدواجن ~~والتنوع في الأوابد؛ ذلك لأن المشاهدة تثبت أن التنوع في الطبيعة قليل جدا أو يكاد يكون ~~معدوما، كما يثبت أن ما أحدثناه نحن البشر من التنوع في الدواجن إنما هو عن بعيد مصلحة هذه ~~الدواجن، وهو أشبه بالمرض منه بالصحة وقد أحدثناه بحياة غير طبيعية لهذه الدواجن؛ ولذلك نحن ~~ننزع هذه الأيام إلى «داروينية جديدة» تعتمد على أن عادات الآباء يرثها الأبناء حتى إذا ~~تراكمت أوجدت العضو الذي يؤديها، كالجمل الذي عاش في الصحراء وكان يحتاج إلى أن يبرك على ~~الحصا الذي يجرح جلده، فتضخم الجلد في أمكنة الملامسة وأصبحت هذه الخاصة وراثية، وكاللجاة ~~(التي كانت مثل السلاحف على اليابسة) احتاجت إلى السمك طعاما فنزلت إلى البحر، وما زالت ~~تمارس السباحة حتى استحالت يداها إلى زعنفتين ... إلخ. ~~••• # ولا أعرف كاتبا تأثرت منه أكثر مما تأثرت من داروين، فإنه أعطاني القلب الذي أزن به ~~أحيانا، وأحيانا أهدم به التقاليد، وجعل التطور مزاجا تفكيريا ونفسيا عندي، بل جعله ~~عقيدتي البشرية التي تنأى عن الغيبيات. وقد أصبحت أقيس الأمم بمقدار تطورها، وأقيس آمالي ~~الاجتماعية بمقدار ما أجد من قدرة على التطور؛ ذلك أن التطور في أساسه منطق علمي، ولكنه قد ~~استحال عندي إلى عقيدة قلبية. وإذن يجب أن أعد داروين المعلم الأول الذي علمني. # | فيسمان # المؤلف الذي أفسد ذهني # أفسد ذهني نحو أربعين سنة، بل لعله أفسد أخلاقي أيضا من حيث إنه غرس في نفسي فلسفة ~~اجتماعية خاطئة، فجفت عندي ينابيع السخاء البشري، وتولدت عندي نظريات بشأن تنازع البقاء ما ~~كنت لأومن بها لولا هذا المؤلف الألماني المدعو «فيسمان»؛ ذلك أني كنت في الأول من هذا ~~القرن مشغول الذهن بنظرية داروين عن تنازع البقاء وبقاء الأصلح، وكانت هذه النظرية في ms030 ذلك ~~الوقت هي عند جميع المفكرين علة التطور؛ فإن أوروبا المثقفة كانت قد سلمت بأن الأحياء تتغير ~~وتتطور، وأنها تعود كلها إلى أصل واحد، ولكن كان هناك خلاف بشأن العلة أو السبب لهذا ~~التطور. # وكان لا مارك قبل داروين، قد علل التطور بالعادات؛ أي إن الحي عندما يتغير وسطه الذي يعيش ~~فيه، سواء أكان ذلك بتغيير المناخ أم الطعام أم الأعداء، هذا الحي يتعود عادات جديدة تلائم ~~هذا الوسط الجديد، ويتغير بذلك جسمه بعض الشيء، ثم يأتي نسله فيرث شيئا من هذا التغير، ثم ~~تتراكم التغيرات على مدى الأجيال المتعاقبة بالمئات والألوف فتظهر سلالات جديدة تختلف من ~~أسلافها، ثم تتراكم هذه التغيرات في هذه السلالات حتى تفصل ما بينها وبين الأسلاف، وتعود ~~السلالات القريبة أنواعا مستقلة منفصلة. # هذا ما كان يعلل به لا مارك التغيرات التي تؤدي إلى التطور، وقد سلم ~~داروين - إلى حد ما - بهذا التعليل، ولكنه لم يقصر ~~التغيرات التطورية عليه، بل اعتمد على ما سماه «تنازع البقاء». والقارئ لمؤلفاته يفهم أن ~~التغييرات تحدث لأسباب نجهلها، ولكنها تورث، فإذا كانت الصفة المورثة حسنة فإنها تؤدي إلى ~~انتصار الفرد المتصف بها من الحيوان أو النبات في تنازع البقاء؛ أي في مباراته لغيره من ~~نوعه أو الأنواع الأخرى. ولكن مع كل ما قاله داروين هنا يجب أن نذكر أنه قال إن تأثير الوسط ~~في الحي لم يدرس الدراسة الكافية، وبذلك ترك الباب مفتوحا للشك والبحث شأن الباحث العلمي ~~المنصف. # وفيما بين سنة 1900 وسنة 1910 كان النقاش يدور حول الصفات المكتسبة؛ أي العادات، أتورث أم ~~لا تورث؟ ولزيادة الإيضاح نقول: هل طال عنق الزرافة؛ لأنها تعودت مد هذا العنق إلى الغصون ~~العليا من الأشجار أو الأعشاب السفلى على الأرض، ثم أورثت ذريتها هذه العادة حتى طالت ~~أعناقها؟ أم أن هناك سببا أو أسبابا أخرى لهذا الطول؟ والمعقول الذي يسلم به المفكر ~~لأول وهلة أنه لا يمكن أن يكون هناك سبب آخر لهذا التغير والتطور سوى الذي كانت تعيش فيه ~~الزرافة؛ ms031 أي إنه إذا لم يتغير الوسط، ويؤدي تغيره إلى أن يغير الحي عاداته، فلن يكون هناك ~~سبب ما للتغير والتطور. ومعنى هذا أن لا مارك كان مصيبا كل الإصابة في تعليله للتطور ~~بالعادات التي يتعودها الفرد. # هذا هو المعقول، ولكن إذا لم يتفق المعقول مع الواقع، وجب أن نسلم بالواقع ونرضى بالنزول ~~عن هذا المعقول؛ لأن ما عقلناه ربما قد خفيت عنا فيه أشياء. ووقع في يدي حوالي سنة 1909 ~~كتاب يدعى «الجرثومة المنوية» للمؤلف الألماني فيسمان، وكان هذا المؤلف علمي الذهن، لا ~~يسأل ما هو المعقول؟ وإنما يبحث عن الواقع الذي تثبته المشاهدة والتجربة، وقد وجد بالمشاهدة ~~المكروسكوبية أن الجراثيم المنوية؛ أي التناسلية في الحيوان، مستقلة تمام الاستقلال عن ~~الخلايا الجسمية، وهي تسكن في أجسامنا وتتغذى من دمائنا، ولكنها لا تتأثر بحياتنا أقل ~~التأثر ونحن نتسلم هذه الجرثومة من آبائنا ونسلمها لأبنائنا، وهؤلاء يسلمونها للأحفاد دون ~~أن تتأثر بالأجسام التي التصقت بها وعاشت عليها. # وقد وصل فيسمان إلى هذه النتيجة بالمشاهدة، فإن الجنين في أولى ساعات تكوينه يتألف من ~~خليتين: إحداهما خلية تناسلية، والأخرى خلية جسمية، والأولى تبقى راكدة لا تنمو إلا عند ~~المراهقة، حين تنشط وتتكاثر، أما الثانية فتتكاثر منذ الساعات الأولى لتكون الجنين، وهي ~~التي يبنى منها الإنسان أو الحيوان أو النبات. # وإذا فمهنا تغير الوسط من البرد إلى الحر، أو من السهل إلى الجبل، أو من الرطوبة إلى ~~الجفاف، ومهما تغير الغذاء من النبات إلى الحيوان أو العكس، ومهما تغيرت حركات الجسم بالعمل ~~والكفاح، ومهما تغير نشاط العقل بالدراسة أو عدمها، ومهما تغيرت عاداتنا السلوكية، فإن ~~الجراثيم المنوية التي تسلمناها من جدودنا وأسلافنا سنسلمها لأبنائنا وأحفادنا كما هي دون ~~أن تتأثر بما تأثرت به أجسامنا نحن؛ ولذلك ليس في ترقية الوسط أية ترقية للإنسان، لأن ~~التفاوت في الكفايات لا يعود إلى تفاوت في الوسط، وإنما إلى تفاوت في الوراثة، هذه الوراثة ~~التي لا نعرف في زعم فيسمان كيف تؤثر فيها أو تغيرها. وقد كافح هربرت سبنسر ms032 هذا القول، ~~وكانت عباراته: «إذا لم يكن الوسط سببا لتغير الأنواع فلا أعرف سببا آخر للتطور.» ومع أن ~~هذه الكلمات ينادي بل يصيح بها المنطق والتفكير السليم فإني لم أستطع إلا التسليم بما قاله ~~فيسمان؛ لأنه قائم على المشاهدة التي هي بينة العلم. ثم عرفت بعد ذلك تجارب الراهب «مندل» ~~التي كان قد أجراها في القرن الماضي في اللوبيا أو الفاصوليا وبعض الحبوب الأخرى، «وأثبت» ~~أن الوراثة صارمة، وأنها تجري على أرقام معينة كأنها لا تتأثر بالوسط بتاتا، وانتهيت أنا ~~إلى الإيمان بهذه الوراثة الجامدة، وبأن الوسط لا قيمة له أصلا في تغير السلالات وتطورها؛ ~~ذلك لأني اعتمدت على ما كان يقوله الثقات، ولست أنا ثقة مجربا في هذه العلوم، فيجب أن أقبل ~~ما يقوله المجربون. ولكن بقي التطور عندي بلا تعليل؛ لأني أخرجت منه تأثير الوسط. # لا، بقي شيء واحد هو تنازع البقاء؛ أي يجب أن نسلم بأن الأفراد من الحيوان والنبات ~~والإنسان تتفاوت في الكفايات، ونحن - مع أننا نجهل المصدر لهذا التفاوت - مضطرون إلى ~~التسليم به؛ إذ هو واقع يشاهد، وإن كان هذا التسليم يشبه التسليم بالغيبيات التي لا تعلل، ~~أو بالقدر الذي لا يحتسب. # وكان لهذه العقيدة مركبات نفسية عندي تتلوها مركبات اجتماعية؛ ذلك أن تنازع البقاء في ~~الطبيعة يجب أن يكون له صداه في مجتمعنا، كأن نقتل العاجز العليل أو نتركه يموت دون أن نعمل ~~على شفائه، فهؤلاء العاجزون عن التفوق يستحقون تخلفهم، وليس من الواجب علينا أن نساعدهم على ~~أن يرتقوا؛ لأنهم إنما ولدوا وارثين لهذا العجز الذي يصلحه الوسط، ثم لماذا يبقى هؤلاء ~~الزنوج أحياء ما دامت هناك شعوب أرقى منهم؟ وما دام إصلاحهم بإصلاح الوسط غير ممكن لأنه غير ~~علمي؟ فزوالهم إذن خير من بقائهم، وفي هذا القول بالوراثة تعليل علمي، وتسويغ اجتماعي ~~للاستعمار والاستغلال؛ لأن الأقوياء بالوراثة هم الذين يستعمرون ويستغلون الضعفاء بالوراثة، ~~وقد التهمت نيتشه التهاما؛ لأنه كان يدعو إلى إبادة الضعفاء، ومضت علي سنوات كنت أحس ~~عندما أرى إنسانا يتصدق ms033 على سائل بقرش أنه جنى على المجتمع وأفسد الأجيال القادمة؛ لأنه ~~بهذا الإحسان قد استبقى الضعف واستولده. # ولكن يجب أن أعترف أني لم أسلم كل التسليم بأن الطبيعة كافرة إلى هذا الحد، ولكني كنت ~~أقف مترددا، أكاد أحبس نفسي عن السخاء والحنان والرقة العطف، وكنت أظن أني بذلك قد أصبحت ~~«علميا»؛ وذلك أني كنت على الدوام أهجس بالهاجس الفلسفي المنطقي، وهو أنه ليس هناك سبب ~~لتغير الحيوان أو النبات سوى تغير الوسط؛ أي إن عادات الفرد في حياته، وصفاته التي اكتسبها ~~من هذه العادات، ترثها أعقابه ثم تتراكم وتتبلور حتى تصير صفات جسمية أو غريزة ~~جديدة. # وأخيرا التفت إلى الهورمونات الجنسية، تلك المركبات التي تفرزها الخصيتان في الرجل ~~والمبيضان في المرأة، وتؤثر في قوام الجسم وشكله بحيث يتغير شكل الجسم حين نقطعها (كما نرى ~~في الخصيتان)، فرأيت أنه ليس من المعقول أن تؤثر الجراثيم المنوية في أجسامنا دون أن تتأثر ~~هي بأجسامنا. # وقرأت بعد ذلك كتابا للأستاذ «وود جونس» عنوانه «العادة والوراثة» أوضح فيه أن العادات ~~التي يتعودها الحيوان بل الإنسان تنتهي إلى أن تكون وراثية، وقد ذكر حقيقة كبيرة القيمة ~~جدا تنقض ما قاله فيسمان من أن خلايا الجسم تنفصل من خلايا الجرثومة المنوية، وهي أن ~~الرحم قد نزعت من بعض الفئران والأرانب فعادت إلى النمو، بل ذكر أن مثل هذا قد حدث لبعض ~~النسوة اللاتي نزعت أرحامهن، وبذلك أثبت أن نزع الجرثومة المنوية من جسم الفأر والأرنب ~~والمرأة، وهي الجرثومة التي ينمو فيها الرحم هذا النزع والمحو لا يمنعان الجسم من إنماء ~~جرثومة أخرى، وإذا كان الأمر كذلك فإن تأثر الجراثيم المنوية في الذكر والأنثى بخلايا الجسم ~~لا يترك مجالا للشك، ومن هنا يجب أن نسلم بأن الصفات المكتسبة؛ أي العادات التي يتعودها ~~الجسم، تتأثر بها الجراثيم المنوية فتعود هذه العادات وراثية، وقد ذكر فيسمان أنه قطع أذناب ~~الفئران لعدة أجيال فلم يستطع إيجاد سلالة من الفئران خالية من الأذناب، ثم ضرب مثلا ~~بالختان عند اليهود فقال: إنهم ms034 على الرغم من ممارسة هذه العادة أكثر من ثلاثة آلاف سنة لا ~~يزال أطفالهم يولدون وهم غلف لم يتأثروا بالختان. # ولكن هذين المثلين لا يدلان على أن فيسمان كان بصيرا بمعنى التطور، فإن قطع أذناب ~~الفئران وختان اليهود لا يزيد في دلالته على ما نفعل نحن عندما نقص شعور رءوسنا؛ إذ ليست ~~هذه الأعمال عادات. # ذلك أن معنى العادة أكبر من هذه الأمثلة، فالحيوان يتعود العادة لأنها تنفعه، فهو يجد ~~أولا متكلفا جاهدا حتى تسهل عليه بالمرانة، ثم تصير المرانة عادة يؤديها وهو لا يكاد ~~يلتفت إليها، كعازف الكمان، يبدأ متعلما متعثرا متكلفا ثم ينتهي بالمرانة إلى أن يعزف ~~وهو يتحدث إليك لا يلتفت إلى الأوتار. # وهكذا الشأن في الزرافة، حين كانت قصيرة العنق تمده إلى الأغصان فتشد عضلاته؛ أي تمطها، ~~ثم تكرر هذا بالمرانة حتى صارت العضلات تطول بالوراثة. وهذا هو الشأن في ثفنات الجمل؛ أي ~~تلك الأجزاء المتجلدة الخشنة التي تلاصق الرمل عندما يبرك، فإننا نعرف أن أقدامنا تتجلد ~~وتخشن عندما نمشي على سطح خشن، أو عندما يضيق علينا الحذاء، والإخشيشان في ثفنة الجمل هو ~~عادة نشأت من مقاومة الجسم للرمل الخشن، ثم صارت بعد ذلك وراثية، بل هذا هو الشأن في عنق ~~الجمل الذي يمده كي يصل إلى أعشاب الأرض، فالزرافة والجمل احتاج كلاهما إلى خواص مكتسبة، ~~صارت بعد ذلك موروثة؛ لأنها نافعة، أما قطع ذنب الفأر، وختان اليهود، وقص شعورنا، فليس منها ~~أية منفعة لنا ولسنا نجهد في تعودها؛ ولذلك ليس هناك ما يدعو إلى أن تكون وراثية. ~~••• # ثم عدت إلى قواعد مندل في الوراثة فوجدت أنها ليست محكمة؛ أي ليست علمية، حتى أصبح ~~المندليون أنفسهم يقولون إن هناك شذوذا في بعض الصفات المورثة. وهذا كلام لا يستطيع الذهن ~~العلمي أن يسيغه؛ لأن القاعدة العلمية لا تتسع لأقل الشذوذ. ثم انظر إلى النبات الذي استغله ~~الإنسان لغذائه كالقمح مثلا، فإنه إنما نشأ في بقعة صغيرة في الأصل، ولكنه يزرع الآن في ~~الأقاليم الثلجية التي تتاخم القطب ms035 الشمالي، وفي الأقاليم الحارة بأفريقيا وليس لهذا من سبب ~~إلا أن القمح قد تعود مختلف الأقاليم التي زرعه الإنسان فيها، وأورث عاداته، أي صفاته ~~المكتسبة، لسلالاته المختلفة. وهكذا الشأن في البقر الذي يعيش في السودان الحار، وفي نروج ~~الباردة، مع أن الأسد لا يعيش إلا في أواسط أفريقيا لا يتجاوزها، ولو كان الأسد مدجنا ~~كالبقر، ينقله الإنسان معه إلى مهاجره البعيدة، لكان قد تعود المناخ البارد وعاش في نروج ~~كما يعيش الآن في أفريقيا. وحيوان اليابسة الذي نزل إلى البحار مثل: القيطس والفقمة ~~والدولفين يبين بوضوح كيف أن الوسط قد غيره، وكيف أن سلائل هذا الحيوان قد ورثت التغير. ~~بل إن هناك أمارات تدل على أن كفاح الحيوان للأمواج قد غير في وضعه التشريحي، مثال ذلك ~~أننا عندما نسبح يكون همنا رفع الرأس حتى لا نختنق بالماء، وهذا الرفع يجعل العنق مشدودا ~~من الأمام مثنيا إلى الخلف، فتندفع فقاره إلى الأمام في العنق، وهذا هو ما نراه الآن في ~~الفقمة، فإن فقارها أقرب إلى نحرها منها إلى قفاها. # وقد كان «بوربانك» الأمريكي يطعم الأشجار بغصون من أشجار أخرى فكان يجد الفواكه التي تنشأ ~~على هذه الغصون تكتسب صفات جديدة من الشجرة الظئر؛ أي الأم، ثم تورث سلائلها هذه الصفات، مع ~~أن الغصن لم يأخذ من الشجرة سوى الغذاء، وهو بعض الوسط. وهذا الذي حققه بوربانك قد حققه ~~أيضا «ليسنكو» على أبعاد كبيرة، الغصن يؤثر في الشجرة الظئر، والشجرة الظئر تؤثر في الغصن، ~~وهذا الفهم الجديد بشأن الوراثة والوسط قد عاد فأحدث لي مركبات نفسية واجتماعية أخرى، ~~وأكسبني فهما آخر للتطور، وهو أن داروين قد أخطأ خطأ فادحا عندما زعم أن «تنازع البقاء» ~~هو كل شيء أو يكاد يكون كذلك، وإن كان فهمه لتنازع البقاء ليس ساذجا أو ليس محض القوة ~~والعداوة كما يتوهم القارئ. وشرعت أبصر أن التعاون في الطبيعة أكبر أثرا من التنازع، بل لا ~~يكاد يكون هناك تنازع في عالم الحيوان بالمعنى البشري الذي نفهمه من هذه الكلمة، ms036 فالأسد لا ~~يقتل الأسد، والخروف لا يقتل الخروف، وقد يكون هناك صراع دموي بشأن الأنثى، ولكنه لا ينتهي ~~بالموت في كل حال. ثم هو صراع قصير الأجل. أما الإنسان فيقتل الإنسان بالملايين، لا بمحض ~~طبيعته ولكن باتجاه حضارته، أو بما نشأ عليه من عواطف اجتماعية، ونحن نخطئ خطأ كبيرا حين ~~ننقل هذا المعنى المتوحش لتنازع البقاء من مجتمعنا إلى الحيوان في الغابة؛ لأن الطبيعة ليست ~~كما قال «هكسلي» أو غيره وهو متأثر بداروين: «حمراء بين الناب والمخلب.» # وهذا الفهم الجديد للتطور يحملنا على الإكبار من شأن الوسط البشري وضرورة ترقيته حضاريا ~~وثقافيا؛ لأن العادات التي يتعودها الإنسان بكفاحه لمصاعب الوسط سوف تنتقل كما لو كانت ~~غرائز إلى الأجيال القادمة. وليس ما نسميه غرائز طبيعية سوى عادات تبلورت بتعاقب ~~الأجيال. # والدلالة الأخلاقية لهذا النظر الجديد هي أننا إذا تركنا الناس أو بعض الفئات تعيش في ~~عادات سيئة، فإننا سوف نرى السوء لا يقتصر على الجيل القائم، بل ينتقل إلى الأجيال القادمة ~~بالوراثة، والوراثة في جمودها الذي اعتقده فيسمان تشبه القدر؛ لأننا نعجز عن تغييرها، ~~والإيمان بها يدعو إلى التشاؤم وإلى اليأس من إصلاح الطبيعة البشرية بغير الوسائل الإنتاجية ~~التي لا تتفق دواما وما نفهمه من العدالة والإنسانية. وقد كانت الوراثة هي المركب ~~السيكلوجي السيئ الذي ختم على عقل «لومبروزو» وجعله يقول إن إصلاح المجرم غير ممكن؛ لأنه ~~يرث النزعة الإجرامية. وإني عندما أقلب صفحات ذاكرتي أجد مركبات ذهنية كبيرة انتفعت بها، ~~ولكن المركبات التي نشأت في ذهني من الإيمان بالوراثة قد أفسدت تفكيري نحو أربعين سنة، بل ~~أفسدت أخلاقي وجعلتني أتشاءم كثيرا. أما إيماني بالوسط فقد أعاد إلي اتزاني الذهني ~~والأخلاقي، وملأني تفاؤلا بمستقبل البشر. هذه هي قصة الكتاب الذي أفسد ذهني، ولكن المناخ ~~الذهني في بداية هذا القرن كان يهيئ للإيمان بالوراثة ويؤيدها. # | هنريك إبسن # داعية الشخصية # هنريك إبسن هو داعية الاستقلال الروحي للإنسان عامة وللمرأة خاصة، وقد ألف درامته «لعبة ~~البيت» في دعوة المرأة الأوروبية إلى أن تستقل، وتنشد ms037 الآفاق، وتجرب التجارب، وتختبر ~~الدنيا، وتربي نفسها، بدلا من أن تعيش خلف الرجل يكسب حولها ويحوطها برعايته ويدللها في ~~البيت ويقصر حياتها على الزواج والأمومة. # والاتجاه القديم للمرأة ، سواء في الشرق أو في الغرب، كان ينظر إليها باعتبار أنها تابعة ~~للرجل، وأنها خلقت للبيت، وفي أمم الشرق القديمة بولغ في هذا الاتجاه حتى انتهى إلى أن ~~المرأة أنثى فقط تزود الرجل بلذاته الجنسية، وفي هذا قال شاعر عربي: # ما للنساء وللخطابة # والقراءة والكتابة # هذا لنا ولهن منا ~~... ... ... ... # ولم يكن العرب متفردين في هذا النظر فإن أوروبا على الرغم من المظاهر الخادعة كانت تنظر ~~أيضا إلى المرأة هذه النظرة في القرون الوسطى. ولكن أوروبا كانت تمتاز بميزة كبرى، هي أنها ~~لم تفصل قط بين الجنسين في المجتمع، ولم تعرف الحجاب إلا في أيام الإغريق، ومع ذلك لم يكن ~~هذا الحجاب الإغريقي يغلق الأبواب إغلاقا محكما كما كانت الحال عندنا أيام القرون الوسطى، ~~ولكن مظهر الحرية الأوروبية كان خلابا خادعا أكثر مما كان واقعيا حقيقيا إلى بداية ~~القرن التاسع عشر، فإن كثيرا من الأمم الأوروبية كان يحرم المرأة الميراث، كما كان يحرمها ~~التعلم في الجامعات؛ ولذلك بقيت محرومة من الاحتراف والاستقلال والكسب بممارسة الطب أو ~~الهندسة أو سائر العلوم والفنون. # ولكن الضمير الأوروبي كان في بداية القرن التاسع عشر قد تنبه إلى وجدان جديد هو استقلال ~~العقل البشري، وطرح التقاليد بفصل الدين من الدولة. كما أن الحركة الصناعية كانت قد جذبت ~~آلافا وملايين العمال الزراعيين من الريف إلى المدينة. والمناخ الذهني في المدن هو مناخ ~~الحرية والاستقلال والتساؤل والشك، ولذلك وجدت الأفكار التحريرية تربة خصبة في المصانع ~~والمدن. وقد جذبت الصناعة أيضا عددا كبيرا من النساء إلى المصنع، ووجدت المرأة في هذه ~~المصانع جوا منعشا بعث فيها الإقدام والاستقلال. # واحتاج هذا التطور إلى ألسنة تنطق وتعبر في بلاغة الأديب وقوة المنطق ونظريات الفكر، ~~فظهرت قصة «مدام بوفاري» للكاتب الفرنسي جوستاف فلوبير، كما ظهر كتاب ستوارت ميل «إخضاع ~~المرأة». ومدام بوفاري قصة امرأة ms038 تزوجت أحد الأطباء في الريف، ثم وجدت الحياة دون نشاطها ~~وآمالها فحطمت ما تعلمته من أخلاق واندفعت في تيار من الشهوات، قضى عليها في النهاية ~~فانتحرت، وكأن المؤلف يقول لنا إن حال المرأة الأوروبية سيئ، وإننا لا نفتح لها أبواب ~~الرقي، ولذلك تنزل إلى مهاوي الشهوة الجنسية كي تخفف من سأم العيش المبتذل بين جدران ~~المنزل، وكأنه يقول أيضا افتحوا أبواب العمل والنشاط الاجتماعيين للمرأة. أما كتاب «ستوارت ~~ميل» فهو تاريخ لاستبداد الرجل بالمرأة، وأن هذا الاستبداد لا يضر المرأة وحدها ويعطل ~~كفايتها ويحول دون رقيها باعتبارها إنسانا، وإنما هو يعطل المجتمع كله نساء ~~ورجالا. # وجاء إبسن حوالي منتصف القرن التاسع عشر، فتبلورت فيه هذه الآراء وأخرجها درامة موجعة ~~سامية اهتزت منها المجتمعات الأوروبية، وأصبحت «نورا» بطلة هذه الدرامة قدوة المرأة الناهضة ~~ومشعلا تهتدي بنوره. وقد عاش إبسن فيما بين عامي 1828 و1906. وقد غير أوروبا الأدبية ~~وأحالها إلى الآراء العصرية؛ إذ غرس فيها بذرة «البشرية الدينية» كما أبدل أخلاقها من تراث ~~التقاليد إلى القيم البشرية التي توزن بميزان العقل، ودعا إلى الاستقلال النفسي، وإلى ضرورة ~~الجد في الحياة، بحيث نربي أنفسنا ونكون شخصياتنا أحرارا مفكرين مكافحين ~~مستقلين. # وإبسن نروجي نشأ في بيت ريفي، ولكنه قضى صباه خادما أو مساعدا في صيدلية، ولم يكن شيء ~~يفتح العين وينبه العقل إلى الأكاذيب الاجتماعية مثل الخدمة في صيدلية وتركيب العقاقير فيما ~~بين عامي 1800 و1850؛ لأن الصيدليات في تلك السنين كانت تعيش بما يقارب النصب؛ إذ لم تكن ~~عقاقيرها سوى مواد غريبة الأسماء معدومة النفع، ولم يكن المريض ينتفع منها بأكثر من الوهم، ~~ولا بد أن إبسن قد تعلم تحطيم الأصنام من هذه المرانة الأولى في الصيدليات. ثم احترف ~~الصحافة في «كرستيانيا» والتحق بالمسرح في «بيرجن» وبقي متصلا بالمسرح للإدارة وللإخراج ~~والتأليف مدة طويلة في كلتا هاتين المدينتين: بيرجن وكرستيانيا التي كانت وقتئذ عاصمة ~~نروج. # وهذا الاتصال بالمسرح أكسبه بصيرة في الفن كما أكسبه رؤيا في التأليف، فإن دراماته غاية ~~في الدقة ms039 الفنية، وكثير منها يجري على الأسس الإغريقية للفن المسرحي، وهي أن الدرامة لا ~~تزيد على أن تكون جلسة في مكان وزمان معينين لا يتغيران من الفصل الأول إلى الفصل ~~الأخير. # وقد نقل الدرامة الرومانتية إلى الواقعية، وجعلها اجتماعية تعالج المشكلات التي يعانيها ~~المجتمع، ففي إحدى الدرامات يعالج مرض السفلس وعواقبه الوخيمة، وفي أخرى يعالج المسيحية ~~والوثنية، وفي أخرى يعالج استقلال الشخصية ... إلخ. ولكنه كان في كل ذلك شاعرا، يرى الرؤيا ~~فتمتد نظرته إلى الآفاق البعيدة. وفيما بين عامي 1870 و1890 كان يعيش في ألمانيا مستوحدا ~~لا يكاد يعرف الأصدقاء، وكان يخرج دراسة واحدة كل سنتين تقريبا، وقد أوجد مسرحا جديدا ~~في أوروبا. وعندما نقرأ «برنارد شو» نجد أن إبسن مضمر فيه، فقد ألف «شو» كتيبا في ~~الدفاع عن إبسن وأسلوبه الواقعي. وكما أن إبسن كان يرى رؤيا الشاعر، فإنه أيضا كان يلتزم ~~الحقائق، وهذا هو شأن برنارد شو. # أما أفكاره وفلسفته فتتلخص في قيمة الشخصية البشرية وضرورة استقلالها وتربيتها، وأن هذا ~~هو الواجب الأول على الرجل والمرأة. ومن هذه البؤرة تتسع واجبات أخرى، هي أن نأخذ أنفسنا ~~بالجد وأن نعتمد على العقل ونحيا الحياة الشريفة الفنية الراقية، وألا نخضع لأطياف الماضي ~~وأشباحه. وقد كتب إلى أخته خطابا قال فيه: «أحب أن أرى كل شيء في وضوح وصفاء، ثم أحب بعد ~~ذلك أن أموت.» # وهو يعني بهذه الكلمة الإيمائية أنه يجب أن يرى المشكلات الاجتماعية مكشوفة، واضحة خالية ~~من المركبات التاريخية والتقليدية التي تحول دون رؤيتها على حقيقتها؛ أي يجب على الأديب أن ~~يكون واقعيا يرى الواقع الملموس ثم يبني خياله على أساسه، ويرى رؤياه من خلال عدسته. ~~وأبعد ما كان يبتعد عنه إبسن هو البرج العاجي الذي يعيش فيه الأديب السخيف، يحلم ويتخيل في ~~عزلة عن المجتمع ومشكلاته، كأن الأدب لذة موسيقية فقط، وكأنه يجب أن يترفع عن معالجة الجوع ~~والبغاء والمرض والظلم والاستبداد. ~~«الشخصية البشرية» هي إنجيل إبسن. # وإذن لم يكن مفر من أن يسأل عن شخصية المرأة، وهل ms040 الحضارة في عصره كانت تهيئ لها أن تكون ~~إنسانا راقيا مجدا، لها أهداف شريفة تعيش من أجلها وتحس أنها تؤدي رسالتها في ~~الحياة، كما أن لها أسلوبا فلسفيا تتخذه في عيشها، أم لا؟ هذه هي المشكلة التي عالجها ~~إبسن في درامة «بيت الدمية» أو «لعبة البيت» واللعبة هنا هي الدمية التي تلعب بها الطفلة، ~~وهو يرمي من هذه التسمية إلى أن المرأة الأوروبية (حوالي عام 1870) هي لعبة الرجل عامة ~~يقومها ويقدرها بما تتسم به من سذاجة وجهل، وهي تولد في بيت أبويها فتعامل منهما كما ~~لو كانت لعبة تزخرف بالملابس الزاهية، وتدرب على إنكار نفسها، فلا تتحدث عما يتحدث ~~عنه الرجال، فضلا عن أن تمارس أعمالهم، فتنشأ محدودة الفهم قليلة المعارف قد سدت في ~~وجهها أبواب العمل الكاسب الذي يعمله الرجال ويكسبون منه أرزاقهم كما يكونون به ~~شخصياتهم. # و«نورا» هي هذه الفتاة، تترك بيت أبويها إلى بيت زوجها في جمال وبراءة وطهارة وسذاجة، لها ~~وجه كأنه قد صنع من وريقات الورد، وكأنه قد خلق للقبلات فقط، وجسم قد شيدته الطبيعة كأنه ~~يمثل النبل والروعة. وهي تتحدث بلغة قد هذبت كلماتها، فلا تنطق بما ينطق به الرجال. أما ~~العقل فهو العقل الساذج الذي لم يختبر الدنيا ولم تمر به الأخطاء والأخطار فيتعلم ويتدرب. ~~ويتلقاها زوجها فيعاملها كما كان يعاملها أبواها، فهي حتى عندما تبلغ الأربعين أو الخمسين ~~ستبقى طفلة. # وإبسن يثور على هذا الوضع ويتساءل: لماذا تبقين طفلة؟ أين شخصيتك وذكاؤك؟ ولماذا تحرمين ~~اختبارات هذه الدنيا؟ وتجري الدرامة في سياق التمثيل الذي يوضح لنا أن المرأة لن تكون نحو ~~ما تحب أن تكون المرأة عليه؛ لأن كل هذه الصفات لا تعني في النهاية إنسانا إلا عندما ترفع ~~نفسها من الأنثوية، وأن هذا لن يكون إلا عندما تأخذ نفسها مأخذ الجد، فتستقل بشخصيتها ~~وتتعلم وتختبر، ونحن الرجال لا نتعلم ونرتفع إلى المقام الاجتماعي أو المكانة الذهنية أو ~~الفهم المحيط، كما لا تتكون لنا شخصية؛ إلا لأننا نختلط بالمجتمع ونعالج الخطأ ونقع حتى ms041 في ~~الخطر، وليس هناك رجل يفخر بأنه ساذج أو طاهر أو بريء على نحو ما تحب أن تكون المرأة عليه؛ ~~لأن كل هذه الصفات تعني في النهاية أننا نحب جهل المرأة وإبقاءها طفلة أو «لعبة» كما يقول ~~إبسن. # ونورا بعد أن ينكشف لها حالها هذه تترك بيت الزوجية، تترك الزوج والأطفال، بعد أن تشرح ~~لزوجها أنها طفلة، وأنها لن تقبل أن تعيش سائر حياتها في هذه الطفولة، وأنها ستخرج إلى ~~الدنيا كي تعامل وتختبر، حتى تنجز لنفسها وعد حياتها، وحتى تؤدي حق إنسانيتها، بأن تبني ~~شخصيتها بالمعرفة والاختبار والدرس مهما ارتكبت من أخطاء أو وقعت في أخطار؛ ذلك لأن رسالة ~~الإنسان في هذه الدنيا أن يعرف الدنيا ولا يحاط بسياج من الواجبات الاجتماعية يحول دون ~~فهمه أو بنائه لشخصيته. # وقد أحدثت هذه الدرامة ضجة كبرى في العالم الأوروبي؛ لأنها صدمت العقائد والتقاليد، ولكن ~~الضجة هدأت أو انفثأت عن انتصار المرأة والتسليم بأن جمالها القديم، جمال الوجه والصدر ~~والقامة والفخذين، هو جمال الأنثى، وأما جمال المرأة الجديدة فيجب أن يعلو على ذلك. أي يجب ~~أن ينطوي على العقل النير والشخصية الراقية التي تدربت بالتجارب والاختبارات، وارتقت ~~بالثقافة واشتركت في شئون المجتمع، وقد كان إبسن رؤياي المنيرة حين كنت حوالي العشرين، ~~أتلمس المثليات الأوروبية والقيم العصرية، وأبني شخصيتي الذهنية، وكان مركز المرأة المصرية ~~يحز في صدري كأنه خزي أبدي لولا هذه المحاولات الصغيرة العظيمة في مثل كتابي قاسم أمين، ~~ثم بعد نصف قرن في نشاط هدى شعراوي وسيزا نبراوي ودرية شفيق وأمينة السعيد وأمثالهن. # ونحن الشرقيين قد ورثنا تراثا سيئا من القرون المظلمة، هو تراث الرق والخصيان والحجاب، ~~وأولئك الذين يدافعون عن الحجاب ينسون خصاء الزنوج كي يتممه. أي يتمم الحجاب، ولعلهم يخجلون ~~حين يذكرون ذلك. # لقد تعلمت من إبسن شرفا جديدا لم أكن أعرفه حين تركت بلادي إلى أوروبا في عام 1907، هو ~~شرف الإنسانية التي يجب ألا يحدها حجاب المرأة، هو شرف الزواج الذي يقوم على الإخاء ~~والمساواة، ليس فيه سيد ms042 وعبد، وهو شرف الأمة التي ترفع نساءها إلى مقام الوزيرات والنائبات ~~وتفتح لهن المدارس والجامعات. # قبل خمسين سنة كنا نقعد إلى المرأة فنجد الجهل مع السذاجة، جهل وسذاجة يبعثان الاشمئزاز ~~الذهني في الرجل الناضج، ولا تزال هذه الحال باقية في معظم أوساطنا، ولكن الدنيا تتغير، وهي ~~تتغير لمصلحة المرأة ورفعتها وترقيتها، ولن ترتقي المرأة المصرية وتبلغ النضج أو الإيناع ~~إلا عندما تختلط بمجتمعنا نحن الرجال، وتمارس أعمالنا وتغب من اختباراتنا وتشترك في الصناعة ~~والتجارة والسياسة وتواجه الأخطاء والأخطار. # وليست عبرة «لعبة البيت» مقصورة على المرأة، فإنها تمس الرجال إلا القليل من الناضجين، ~~ذلك أن الرجل العادي في كثير من تصرفاته يعيش بلا استقلال، وليس له من الشخصية سوى الاسم، ~~يخضع للتقاليد وينساق في تيار العرف، وصحيح أن الدنيا تربيه وتصلب عوده وتخصب شخصيته ~~بالاختبارات والاصطدامات التي تحرم منها المرأة، فهو يخطئ ويصيب ويتعلم ويقف على كثير من ~~الأكاذيب الاجتماعية التي تفتح ذهنه وتنير رؤياه، وكل هذا لا تصيب المرأة منه شيئا؛ لأنها ~~محبوسة بسياج أو حجاب من التقاليد. # ودعوة إبسن هنا: لتكن لكل منا شخصية، ولينظر كل منا إلى الدنيا كما لو كان هو محورها، ~~ليس لأحد ولا لعقيدة سلطان عليه إلا ما يرى بعد التفكير الاستقلالي أنه نافع له ولمجتمعه. ~~إننا نطلب الحرية من القوانين والدساتير، ولكن كل ما تستطيع هذه أن تهبنا من حقوق هو على ~~الدوام دون ما نهب أنفسنا؛ لأن قيود التقاليد واصطلاحات العرف الاجتماعي تقيدنا أكثر مما ~~تقيدنا به مظالم المستبدين التي تحاول الدساتير والقوانين محوها أو مكافحتها. # وحتى حين يستبد بنا حاكم ظالم ويستعين بالقوة المادية على تقييد حريتنا نستطيع الاحتفاظ ~~بكرامتنا والإحساس باستقلالنا؛ لأننا نقاوم ونكافح استبداده وجبروته ونحن على وجدان بأننا ~~أرقى منه، ولكن استبداد التقاليد ينغرس في نفوسنا، ويعين مزاجنا، ويعودنا عادات ذهنية ~~ونفسية تجعل كلا منا أسيرا، أجل وأسير نفسه مع ذلك، فالمرأة التي نشأت على الحجاب لا ~~تحس هوانه كما لا تعرف جهلها؛ وهي لذلك لا تقاوم ولا تكافح. ms043 وكذلك شأن الرجل الذي يعيش في ~~أسر التقاليد وكأنها من طبيعة الأشياء التي لا تتغير، بل لا تحتاج إلى التغيير، والفرق بينه ~~وبين المرأة هو فرق الدرجة فقط؛ إذ هو في حجاب نفسي وذهني، وهذه الدنيا هي ملك الإنسان ~~وعلينا جميعا رجالا ونساء أن نتعلم وننضج ولا نكون لعبة الأقدار أو لعبة المجتمع، ~~وعلينا أن نستقل وندرس ونخبر الحقائق، وليس هذا واجب «نورا» وحدها، ولا واجب النساء ~~وحدهن، وإنما هو واجب الرجال أيضا. ونعم هذا الدرس الذي علمنا إياه إبسن، درس حق كل إنسان ~~في تقريره مصيره وتربية شخصيته. ~~••• # كنت قبل سنوات أصطاف بالإسكندرية، وكنا نقعد رجالا ونساء في اجتماعات عائلية على الشاطئ ~~نتجاذب الحديث، وما كان أسخف ما كانت تتحدث عنه النساء؛ شئون الخدم، وزواج هذه الآنسة أو ~~تلك الأرملة، وهذا الخطيب الثري المنتظر لهذه الفتاة، وخاتم الخطبة، ومبلغ المهر لتلك ~~الفتاة الأخرى، والسكنى في الزمالك والأتومبيل الجديد عند فلان «بك» وهذه الخياطة البارعة، ~~وذلك القماش الجديد ... إلخ، أحاديث تافهة من شخصيات تافهة، واهتمامات زائفة نشأت من حبسة ~~البيت وحبسة النفس، فلم يكن بين هؤلاء النسوة من كانت تهتم ببحث العبرة والدلالة للطاقة ~~الذرية، أو لهيئة الأمم المتحدة، أو لفلسفة برتراند رسل أو للمخترعات الطبية أو لمستقبل ~~المرأة في الهند ومصر، أو لمعنى الدين أو برامج المدارس. وكأنهن لم يكن يقرأن الجرائد ~~فضلا عن الكتب. # ولكن كان في هذا الوسط فتاتان لم تتزوجا وإنما احترفتا التمريض في أحد المستشفيات ~~بالقاهرة، وكنت عندما أقعد إليهما وأتحدث أحس أني إزاء شخصيتين عالميتين، فقد اكتسبت كل ~~منهما نظرة عالمية أخرى غير المنزل والخدم والطبخ وأحمر الشفاة والفستان الجديد، وقد استمعت ~~إلى حديث إحداهما عن المرضى والأمراض، واختلاف الناس في استقبال الموت، أو الحكم بالموت، ~~عندما يعرف المريض أن سرطانا قديما قد نبت وتفرع في جوفه. ووصفت لي إحداهما كيف رأت رجلا ~~قبيل النزع وكيف خففت عنه. # وكنا في سيدي بشر وهي تبعد عن الإسكندرية بنحو عشرة كيلومترات، فاقترحنا على أن ننهض ذات ms044 ~~صباح ونسير على الأقدام بحذاء الشاطئ إلى الإسكندرية، وكنت أحس وأنا أتحدث إلى كل منهما ~~أني إزاء إنسان قد استحال إلى شخصية ناضحة تمتاز بجمال وكرامة وذكاء؛ وذلك لأن اختلاطهما ~~بالمجتمع وخدمتهما له قد زاد ذكاءهما وكون شخصيتهما، ولو أن كلا منهما كانت قد نشأت ~~النشأة المألوفة عند غيرهن، اللاتي يعشن في البيت وينتظرن الزوج، ثم يتزوجن ويقصرن ~~اهتماماتهن على اللباس والخدم وقصص الزواج والثراء، لما كانت لها هذه الشخصية. # والذكاء ينهض على أساس طبيعي ولكنه يربى بالمجتمع، ونحن الرجال بما نمارس من اختبارات ~~ونكابد من كسب أو خسارة ونصادف من أخطار، بل بما نرتكب من أخطاء، نتعلم وننمو ونزيد حكمة. ~~والمرأة كذلك لن تكون إنسانا حكيما إلا إذا مارست جميع الأعمال التي يعملها الرجال ~~واقتحمت ميادينهم وتعرضت للأخطار مثلهم. وهذه الصورة الجديدة للمرأة قد لا تعجب بعض الرجال ~~الذين يؤثرون جهل الزوجة على معرفتها وقصورها على نضجها، وهم يجسون سيطرة ويمارسون تسلطا ~~عليها في هذه الحال، ويلتذون هذه المرتبة أو الميزة العالية لهم عليها. ولكن المرأة الرشيدة ~~يجب أن تتنبه وترفض أن تكون لعبة الرجل كما رفضت «نورا». # ونحن الرجال نعرف أن المدرسة والجامعة لا تربياننا وإنما الذي يربينا هو هذا المجتمع الذي ~~نختلط به ونصطدم بمشكلاته، ونحن لا نستقطر الحكمة، وننضح النضج الفلسفي إلا بعد أن نخطئ ~~ونصيب ونخسر ونكسب، وننساق ساعة الهوى، ثم نفيق عقبها سنين؛ لأننا عرفنا الحقائق بالخبرة، ~~ومارسنا هذه الدنيا في حرية واستقلال بلا خوف من سلطة أو تقاليد، وهذه الحكمة التي ننالها ~~نحن الرجال من اختباراتنا لهذه الدنيا يجب أن تنالها المرأة بمثل الوسائل التي نتوسل نحن ~~بها؛ أي بالعمل والإنتاج والاختلاط والاستقلال والاختبار. # وهذه الصورة الجديدة التي رسمها لنا إبسن في نورا قد تحققت في المرأة الأمريكية إلى أبعد ~~حد، وكذلك تحققت إلى حد ما في المرأة الإنجليزية والإسكندناوية والروسية حيث تعمل ~~المرأة إلى جنب الرجل وتستقل بما تكسب، ولم يعد الرجل يعولها، وقد أصبحت شخصيتها قوية جلية ~~تواجه الدنيا في شجاعة، ms045 وتحترف الحرف التي ترقيها وتنبه ذكاءها وتفتل عضلاتها، وهي في كل ~~ذلك لم تهمل مهمتها البيولوجية في الزواج والحمل والولادة. # وقد جدت ظروف جعلت هذا الاتجاه نحو استقلال المرأة يسير بسرعة، ذلك أن وفرة الآلات ~~الميكانيكية في البيت الأمريكي أغنت المرأة عن العمل في الطبخ والغسل، فزاد فراغها الذي ~~احتاجت إلى أن تشغله بالعمل والكسب خارج البيت، ومعنى هذا أن التغير في الإنتاج المنزلي قد ~~أحدث تغيرا في أخلاق المرأة، وحققت هذه الآلات الكهربائية دعوة إبسن من حيث لم يكن ~~ينتظرها. # والمقارنة بين المرأة الأمريكية التي تعمل في المصانع والمتاجر والمكاتب، وتستقل ~~بعواطفها، وترسم بيدها خارطة حياتها، وتقرأ وتناقش وتكسب وتخسر وتصيب وتخطئ، وقد تكونت ~~لها شخصية رصينة بصيرة قوية من هذه الحياة، نقول إن المقارنة بينها وبين المرأة الأوروبية ~~في الأقطار الجنوبية مثل إسبانيا وإيطاليا واليونان حيث لا يزال المطبخ يجري على تقاليده، ~~وحيث يستأثر المطبخ والغسل بمعظم الوقت، وحيث يسود الرجل المرأة، وله عليها الكلمة ~~العليا، بحيث يقرر لها، أو يكاد يقرر لها مصيرها؛ هذه المقارنة توضح لنا سمو المرأة ~~الأمريكية الجديدة، باعتبارها إنسانا عاقلا مستقلا، على هذه المرأة الأوروبية الجنوبية ~~التي لا تزال مقيدة بالتقاليد. # إن العمل والكسب والاختبار والإصابة والخطأ والاختلاط بالمجتمع قد ربى المرأة ~~الأمريكية، في حين أن الانزواء في البيت قد قيد النمو الذهني للمرأة الأوروبية الجنوبية، ~~ولا نذكر المرأة الشرقية. # | نيتشه أو فتنة الشباب # اثنان انخدعت بهما سنوات كثيرة، أولهما: فيسمان الذي غرس في ذهني أن الصفات المكتسبة لا ~~تورث، وإحساسي الآن نحو هذا الرجل هو البغض. أما الثاني: فهو نيتشه الذي خدعني، فافتننت ~~به سنوات، قبل أن أتخلص منه، وإحساسي نحوه هو الحب. # وقد عرفت نيتشه في عام 1909 وكنت منغمسا في نظرية التطور، وكان «تنازع البقاء» و«بقاء ~~الأصلح» و«الطبيعة حمراء بين الناب والمخلب» من المعاني التي أقبلها في صمت وتسليم، وهذه ~~المعاني جميعها تنقض الديانات التي تقول بالرحمة والتعاون والإخاء البشري وحماية ~~الضعيف. # وهبط علي نيتشه كما لو كان وحيا أو ms046 كشفا، نثر ساحر كأنه أبيات من الشعر، وخيال ~~يرتفع إلى آفاق المستقبل، وجرأة تكاد تجمد ذهن الناشئ رهبة وجزعا، أو تنفضه حماسة ~~وطربا. ثم إلى ذلك فلسفة تعلو على برود المنطق، وتأخذ بحماسة الإيمان وغلواء التفاؤل، وفي ~~كل ذلك ارتباط بالتطور، «إني أعلمكم علم السبرمان، أو الإنسان الأعلى، ما هو القرد إزاء ~~الإنسان؟ أضحوكة أو خزي، وكذلك يجب أن يكون الإنسان إزاء السبرمان، أضحوكة أو خزي! إنما ~~الإنسان معبر أو جسر يصل بين القرد والسبرمان، سوف يكون السبرمان ازدهارا وخيرا وتعبيرا ~~نهائيا للأرض، أستحلفكم أن تكونوا أمناء للأرض، وأن تكفوا عن التطلع إلى النجوم تنشدون ~~منها آلاما ومكافآت، إن عليكم أن تضحوا بأنفسكم للأرض حتى يتاح لها أن تنجب يوما ما ~~السبرمان ... الإنسان شيء يعلى عليه، فماذا فعلتم كي تعلوا عليه؟» # كلمات رائعة كان وقعها في نفسي، وأنا حوالي العشرين، وحيا أو كشفا، فتعلقت به، وكتبت ~~عنه مقالا في مجلة المقتطف في عام 1909 بعنوان: «نيتشه وابن الإنسان». # وقد كانت نظرية التطور جديدة في أوروبا، وكانت تكشف ~~عن صورة وحشية للتطور، وقد استلهم منها أعداء المسيحية برهانا جديدا يقيمونه لنقضها، ~~وكانوا قبل ذلك يقنعون بالمقارنات التاريخية بين الأناجيل، يوضحون زيف الأساطير في الدين، ~~ولم يكن يجرؤ أحدهم على القول بأن الأخلاق المسيحية ليست هي الأخلاق المثلى، أو أنها تؤخر ~~البشرية أو أن هناك ما هو أرقى منها. ولكن نيتشه لم يبال الأساطير أو المعجزات؛ إذ عمد إلى ~~دعوة المسيحية التي امتازت بها وهي الرحمة وحب المعجزات وحب المساكين والضعفاء، فحمل عليها ~~ووجد فيها ميدانا لبحث القيم والأوزان التي يعيش بها الأوروبيون المسيحيون، فقال إن هذه ~~الأخلاق تعارض بقاء الأقوياء «الصقور» وتصدهم عن حقهم الذي تنطق به الطبيعة، وهو أن الصقر ~~يجب أن يأكل العصفور، فإن بين البشر عصافير ضعفاء يستحقون الفناء، كما أن بينهم صقورا قوية ~~تستحق البقاء، وهو في هذا المنطق لا يذكر داروين، مع أن القارئ لمؤلفاته لا يتمالك أن يذكر ~~نظرية التطور. # ونيتشه أديب من الطراز الأول، ms047 وهو أيضا لغوي وفيلسوف، ومن هنا سحره الذي لا يقاوم، فإنه ~~يفكر تفكير الفيلسوف ويكتب بلغة الأديب، وهو يرجع بحثه إلى التاريخ. # فإن الرومانيين القدماء كانوا قبل أن يعتنقوا المسيحية يتخذون السيف شعارا والقوة ~~مذهبا، وكانت أخلاقهم تنزع إلى البطولة كما يتضح من كلمة # Virtue # ومعناها الفضيلة، فإنها مشتقة من كلمة # Vir # ومعناها الرجولة، فالفضيلة كانت عند الرومانيين صفة ~~الرجولة أو أهم خصائصها. ولكن المسيحية جاءت في زعم نيتشه فاستبدلت بالرجولة والبطولة ضعفا ~~زريا نرى نتائجه في شعوب أوروبا الحاضرة حيث تتفشى الأمراض وتكاد تكون خالدة؛ لأننا نحمي ~~كل مريض ونعنى بعلاجه. # ولد نيتشه في عام 1844 ومات في عام 1900 وكان أبوه قسيسا، كما كانت أمه امرأة متدينة، ~~وقد هيئ لأن يدرس في كلية دينية كي يكون قسيسا، ولكنه التفت إلى اللغات فبرع فيها، ومن ~~تحليل الكلمات القديمة استطاع أن يحلل التطور الأخلاقي في أوروبا، ونستطيع أن نلخص فلسفته ~~بأنها ترمي إلى أن تجعل غاية الحياة خدمة الأقلية من الشخصيات السامية، وليس خدمة الأكثرية ~~أو سواد الأمة، وهو هنا بالطبع غير ديمقراطي، بل عدو الديموقراطية، وهو بكلمة أخرى يطلب ~~أخلاق السادة بدلا من أخلاق «القطيع» كما يصف سواد الشعب. ومما ينبهنا هنا أن هتلر كان ~~كبير الإعجاب به، وقد أهدى مجموعة فاخرة من مؤلفاته إلى موسوليني، وكلاهما - أي هتلر ~~وموسوليني - كان عدوا للديمقراطية، ولكننا لا نعني من هذا القول أن نيتشه يحمل قارئه على ~~الاعتقاد بأن الفاشية نظام حسن، فإن فيه أحيانا من سمو الفكرة ونضج الحكمة ما يجعلنا نشمئز ~~من المقارنة بينه وبين هذين الطاغيتين. # ونحن نضحك منه حين يقول: «اللحادون والمسيحيون، والبقر والنساء، والإنجليز وسائر ~~الديمقراطيين، ينتمون إلى أصل واحد.» # ولكننا نحس بروعة أفكاره حين يقول: «الزواج هو اجتماع إرادتين لإيجاد شخص ثالث أعلى من ~~الزوجين.» # وقوله: «لا يجب فقط أن نتناسل، إنما يجب أن نتناسل إلى أعلى.» وهذا أحسن ما قيل عن ~~الزواج، فإنه رفعه من معاني السعادة واللذة إلى معاني التطور والتضحية؛ أي يجب أن ms048 يدبر ~~الزواج بحيث يؤدي إلى الرقي البيولوجي، وإيجاد السبرمان وزيادة الذكاء والصحة ~~والقوة. # وحملة نيتشه على المسيحية تتساوق مع فلسفته، فإنه يجد فيها دعوة إلى التواضع والخضوع ~~والطيبة، في حين هو يطلب الارتفاع والكبرياء والقسوة، أو يمكن أن يقال إن المسيحية تنشد ~~مجتمعا أفقيا يتساوى فيه الجميع، بل يمنع التفوق لبعض أفراده ويعيد الجميع إلى حال سواء ~~من التوسط، ولكن نيتشه ينشد مجتمعا عموديا يتيح للعظماء أن يتفوقوا ويسودوا. # وعنده أن «الشرف» وثني روماني أرستقراطي، أما «الضمير» فمسيحي يهودي ديمقراطي، وأن أوروبا ~~لهذا السبب مهددة ببوذية جديدة تنكر فيها الحياة، ومن أقواله: # الغريزة هي أسمى أنواع الذكاء التي اكتشفت إلى الآن. # ونصيحتي إليكم أيها الإخوان هي: كونوا قساة صلابا. # علينا أن نفر من أقرب الناس إلينا، من جيراننا، ونحب أبعد الناس عنا. # تفاوت الحقوق هو الشرط الأساسي لوجود الحقوق. # لصغار الناس صغار الفضائل، ولكني لا أعرف ما حاجتنا إلى صغار الفضائل. # ليس للأنانية قيمة في الأرض أو في السماء، وجميع المسائل العظيمة تحتاج إلى حب ~~عظيم. # الانتقام الصغير أكثر إنسانية من العف عن الانتقام. # ما هو الشيء الحسن؟ هو كل ما يزيد الإحساس بالقوة؛ أي إرادة القوة، أي القوة ذاتها ~~في الإنسان. # وما هو الشيء السيئ؟ هو كل ما ينشأ من الضعف. # عيشوا في خطر، شيدوا مدنكم إلى جنب فيزوف، ابعثوا بسفنكم إلى بحار مجهولة. ~~لأنك جعلت الخطر حرفتك؛ لذلك أدفنك بيدي. # ومن هذه المختارات الموجزة نجد أن نيتشه لا يقدم لنا فلسفة ومنطقا، بمقدار ما يقدم لنا ~~أشعارا أو مذهبا وعقيدة، خلاصتهما أن نتخلص من الضعف ونقسو على أنفسنا وعلى غيرنا. ومع ~~أننا نحس من اتجاهاته الفكرية أنه على التصاق واعتناق لمذهب داروين في التطور البيولوجي، ~~فإن الميزة واضحة في أنه لا يطلب سبرمانا للمستقبل بمقدار ما يطلب منا أن نكون نحن على سمو ~~وارتفاع فوق العامة، وعلى مقاطعة للأخلاق المسيحية. # وإنسان المستقبل (السبرمان) الذي يرتفع فوقنا بمقدار ما نرتفع نحن فوق القردة، لا يحتاج ~~لإيجاده إلى القسوة الأخلاقية ms049 بمقدار ما يحتاج إلى التنظيم الاجتماعي للزواج والتناسل، وهذا ~~يتم بالتعاون والرفق أكثر مما يتم بالتنازع والقسوة. # ومنطق المسيحية هو المنطق الإنساني بالتعاون، ومنطق نيتشه هو المنطق الفطري بالتنازع. ~~وقسوة المبادئ الإمبراطورية، والقول بأن هناك سلالات بشرية لها حق السيادة على الشعوب ~~السوداء أو السمراء أو الصفراء، هما أبعد ما يكونان عن تفكير نيتشه عندما نتأمل ونتعمق ~~مؤلفاته. ولكن ليس هناك شك أن الدراسة السطحية قد عملت لتأييد هذه الاتجاهات، كما يتضح من ~~إكبار النازيين الألمان والفاشيين الإيطاليين لمؤلفاته لاعتقادهم أنه يؤيدهم. ~~••• # والقارئ لنيتشه في حملته على المسيح يحس وجاهة الرأي الذي يقول به «أندريه جيد» وهو أن ~~نيتشه يغار غيرة شخصية من المسيح، فإن كلماته تحمل أحيانا بذاء أكثر مما تحمل نقدا، وهو ~~في كتابه «هذا ما قال زرادشت» يقحم الإنجيل ويكذب كلمات المسيح، بل نحس ونحن نقرأ هذا ~~الكتاب أنه يقلب العبرة والدلالة من كلمات المسيح، ويضع مكانها كلمات أخرى لها نقيض الأخلاق ~~المسيحية، ثم يزيد على هذا فيحاكي أسلوب الإنجيل، فكما أن المسيح كان يجادل الفريسيين ~~ويناقضهم، كذلك نيتشه قد جاء كي يجادل «الطيبين العادلين؛ لأن عقولهم مقيدة في سجون ~~ضمائرهم»، ثم يخاطب تلاميذه بما يشابه، أو يطابق خطبة الجبل حين خاطب المسيح تلاميذه، ولكن ~~مع الفرق في العبرة والدلالة؛ إذ حيث يدعو المسيح إلى الرحمة والحنان والإخاء البشري في ~~أبوة الله، يدعو نيتشه إلى القسوة وضرورة التفاوت. ولنيتشه كما للمسيح خلوته واستيحاؤه، وله ~~أيضا «العشاء الأخير» الذي يقول عنه بلسان زرادشت: «هذا العشاء لتذكروني.» # ثم تزداد الغيرة إلى حد الجنون فيقول: «ما هي أعظم الخطايا على الأرض إلى يومنا هذا؟ ~~أليست هي قول ذلك القائل: ويل لكم، أنتم الذين تضحكون في هذا العالم؟!» وهو هنا يشير إلى ~~المسيح، ثم يحاكي ويناقض بما في قوله على لسان زرادشت. ~~«صحيح أنكم إذا لم تصيروا كالأطفال الصغار، فإنكم لن تدخلوا ملكوت السموات (وهنا يشير ~~زرادشت إلى السماء)، ولكننا لا نرغب في أن ندخل هذا الملكوت؛ لأننا قد صرنا رجالا، ms050 ولهذا ~~نحن ننشد ملكوت الأرض.» # بل يتحدث في جنون، فيأسف على أن المسيح لم يعمر طويلا، ويقول: إنه لو كان قد عمر ~~طويلا لنقض آراءه التي كان قد قال بها، ثم يقول: «حقا لقد مات هذا العبراني ! # لم يكن قد عرف في حياته سوى دموع العبراني وأحزانه، مع كراهة الطيبين والعادلين، هذا ~~المسيح العبراني، ثم إذا ببيداء الموت تطويه ... # ولم يعش في البيداء بعيدا عن الطيبين والعادلين، لعله لو كان قد فعل لكان قد عرف كيف ~~يعيش، وكان عندئذ يحب الأرض والحياة أيضا! # ثقوا يا إخواني، إنه مات دون أن يعمل، ولو أنه كان قد عاش مثلما عشت، وعمر مثلما عمرت، ~~لنقض ما كان قد قاله. أجل، إنه كان على شرف يحمله على أن ينقد ما كان قد قاله. # ولكنه لم ينضج وحبه، إنما كان حب الشباب الذي ينقصه النضج، وهذا هو علة كراهته للأرض ~~والحياة.» ~~••• # إن كثيرا من أقوال نيتشه يوهم الهوس إن لم نقل الجنون، وربما مما لا شك فيه أنه قضى نحو ~~عشرين سنة وهو في جنون يكاد يكون مطبقا؛ إذ كان في الدور الأخير من السفلس، ولعل هذا ~~الجنون كان قد تسلل وئيدا قبل أن يطبق عليه، ولعل أيضا بعض هذيانه يعزى إلى هذا المرض، ~~على أن كثيرا من «الهذيان» لا يزيد أن يكون إسرافا وتوترا في التعبير، ولكن ليس من ~~الصواب أن نحذف نيتشه بدعوى الهوى أو الهذيان أو الجنون، فإنه قد عرض لقضية إنسانية واضحة ~~يجب على كل فيلسوف أن يواجهها في صراحة، وأن ينتهي منها إلى حكم فاصل، وليس ثم مفر من ~~هذه المواجهة، وهذه القضية هي أن مصلحة البشر وارتقاء الإنسان يقتضيان محاربة الضعف والمرض ~~والنقص، كما يقتضيان تشجيع وتأييد الصفات العالية كالصحة والقوة والذكاء، فما دام هذا هو ~~الهدف، فهل من الخير للناس أن يؤسسوا المستشفيات لمعالجة المرضى؟ وهل من الخير أن يباح ~~الزواج للأبله والمغفل والأشوه؟ ثم ما دمنا نؤمن بأننا كنا على مستوى منخفض من الذكاء قبل ~~مليون سنة، ms051 حين كنا والحيوان سواء، فلماذا لا نعمل في اطراد التطور، كي نزداد صحة وقوة ~~وذكاء؟ # لقد كنا في الغابة نعيش بالفطرة، وكانت الطبيعة قاسية لا ترحم ولا تعرف دواء لمعالجة ~~المرضى، وكان الموت يفشو ويفتك بالآلاف، ولا يبقى منا غير الصالح القوي القادر على المشقات، ~~ثم جاءت الحضارة فجمعت الضعيف إلى جانب القوي، وسادتنا أخلاق الرحمة والإخاء والتصدق، فعاش ~~بهذه الأخلاق ناس ما كانوا ليستطيعوا العيش في الغابة، ثم هم مع ذلك يتزاحمون ويتناسلون ~~فيجعلون المرض والضعف والدمامة مخلدة في العناصر البشرية. # وصيحة نيتشه هنا: عودوا إلى شريعة الغابة، ثم عودوا إلى تنازع البقاء، هي صيحة تستحق ~~النظر والتأمل، ولا يغني فيها القول بأنه كان مريضا بالسفلس أو أن هذا القول هذيان؛ إذ ليس ~~هذا هذيانا. # لقد كان القرن التاسع عشر عصر الإيمان بالوراثة، وهي القدر الذي يعين لنا حظنا في ~~الحياة بما ورثنا من كفايات من آبائنا. ومع أن القرن العشرين قد نقض كثيرا من هذا الرأي، ~~وأدحض بعض الأركان لهذا القدر، فإن الوراثة لا تزال تحتل جزءا كبيرا من التفكير ~~البيولوجي، وكلنا يثق هذه الأيام بقيمة الوسط في التغير والتطوير، ولكن مع اختيار السلالات ~~التي تعينت لها صفات واستقرت فيها خصائص بحيث نعود فنستغل هذه الصفات والخصائص في ~~الوراثة. # وقد ظهرت «اليوجنية» أي علم ترقية السلالات البشرية بناء على الإيمان بالوراثة، وهي إلى ~~الآن يوجنية سلبية، بمعنى أن الأمم المتمدنة تعمد إلى تعقيم الناقصين والبله حتى لا ~~يتناسلوا، وقد عمد هتلر إلى شيء من اليوجنية الإيجابية بتشجيع المتفوقين على التناسل وخصهم ~~بميزات لم يكن يحصل عليها سائر أفراد الشعب، وذلك أيام النازية. وهذا كله من وحي نيتشه كما ~~هو من التعاليم التي فشت عقب نظرية التطور. # وقد كان لكتاب البيولوجي فيسمان «الجرثومة المنوية» أكبر الأثر في الإسراف في الإيمان ~~بالوراثة، وقد أفسد هذا الرجل ذهني بل أخلاقي مدة طويلة، ولكن رويدا رويدا تغيرت النبرة ~~في التطور، فبدلا من القول بتنازع البقاء في الطبيعة أثبت كوربنكين أن التعاون، وليس ms052 ~~التنازع هو شريعة الغابة، ثم انتهينا في السنوات العشر الأخيرة إلى التسليم بأن الوسط يغير ~~الحي، نباتا أو حيوانا أو إنسانا، وأن هذا التغير الوسطي يعود فيثبت بالوراثة. # ففي ضوء التطورات، وفي تجارب الوسط لا نستطيع أن نسلم بمذهب نيتشه بأن نكون قساة لا نرحم، ~~فالتطور يصبح بالتعاون، والوسط يستطيع أن يغير، ونحن البشر بما وصلنا إليه من معارف ~~بيولوجية نستطيع أن نزيد سرعة التطور بالتنظيم الاجتماعي الذي يحقق الارتقاء ~~البيولوجي. ~~••• # كثيرا ما أعود إلى قراءة نيتشه، لا لأنني مقتنع بمنطقه؛ ولكن لأني أجد سحرا على الدوام ~~في تعبيره وأحيانا في تفكيره، انظر إلى ما يقوله عن الرحمة: # إن الرحمة تناقض الشهوات الحية المنعشة التي ترفع نشاط البشر وتزيد إحساس القوة؛ ~~إذ هي تكرب وتغم، ونحن نفقد حيويتنا حين نمارس الرحمة. وما نفقده من قوة وحيوية ~~بسبب الألم مثلا، يزداد ويتضاعف بالرحمة، حتى ليصير الألم معديا بالرحمة، وقد ~~يؤدي في بعض الظروف إلى أن نفقد الحياة ذاتها، وإذا شئت برهانا على ذلك فاذكر هذا ~~النصراني الذي انتهت به رحمته لأبناء البشر إلى الصليب. # وأيضا تفسد الرحمة شريعة التطور التي تقول ببقاء الأصلح، وهي - أي الرحمة - ~~تستبقي ما كان يجب أن يموت، كما تعمل لمصلحة الذين حكمت عليهم الطبيعة، وهي تضفي ~~على الحياة لونا قاتما بعدد الناقصين الفاسدين الذين نعولهم، وهي تضاعف التعس كما ~~تحافظ عليه، وهي الأداة الأولى لترويج الانحطاط، وهي تؤدي إلى الفناء، إلى إنكار ~~الغرائز التي تنبني عليها الحياة. # وليس شك أن في هذا الكلام هذيانا كثيرا، ولكنه كان هذيانا يسحرني لأول وقعه في نفسي، ~~وأنا خام أخضر في سن العشرين كان يسحر وينبه؛ إذ كان يبعث على المراجعة والفحص عن الأخلاق ~~العامة والتقاليد الموروثة التي كنا نعيش فيها مستسلمين غير متسائلين أو مستطلعين. أو انظر ~~على ما يقوله عن الحياة: # إنما الحياة في صميمها امتلاك واحتياز وإيذاء، ومحق للضعفاء والعاجزين عن التلاؤم ~~والتكيف، وهدف الحي هو إبراز شخصه والتمكن من تأدية وظائفه غير معارض أو ~~معطل. # وهذه ms053 المقتبسات التالية هي صورة المجتمع والحضارة كما يراهما نيتشه؛ إذ ~~يقول: # إن نظام الطبقات هو السنة السائدة للطبيعة، وهي سنة لا تستطيع أية قوة بشرية ~~أن تتغلب عليها، ففي كل مجتمع صحيح توجد ثلاث طبقات لكل منها أخلاقه وعمله وما ~~يفهمه من معاني الكمال والسيادة. وتتألف الطبقة الأولى من أولئك الذين يمتازون ~~بالتفوق الذهني على سواد الأمة، وتتألف الثانية من أولئك الذين يمتازون بالتفوق ~~العضلي، أما الطبقة الثالثة فمن المتوسطين. # وللطبقة الأولى ميزة التمثيل للجمال والسعادة والطيبة على الأرض، وأفراد هذه الطبقة ~~يقبلون هذا العالم كما هو، ويستخدمونه بما في مستطاعهم. وهم يجدون سعادتهم في تلك الشئون ~~التي تدمر من هم دونهم في الصعوبات، والقسوة نحو أنفسهم ونحو غيرهم من الجهد ولذتهم في حكم ~~أنفسهم. والنسك عندهم طبيعة وضرورة وغريزة، وهم يتحملون الواجبات الشاقة كما لو كانت ~~امتيازات يمتازون بها، وهم يرتاضون بتحمل الأعباء التي تسحق غيرهم إلى الموت. وهم زبدة ~~الناس وأكثرهم حبا وفرحا، وهم يحكمون عفو طبيعتهم، كما أنهم ليسوا أحرارا في أن ينتظموا ~~في الصف الثاني. # أما الطبقة الثانية فتتألف من الأوصياء وحفظة النظام والأمن، رجال الحرب والأشراف والملك، ~~وفوق هؤلاء القضاة حماة القوانين، وهم أسمى طرازا من المقاتلين الحربيين، فإنهم ينفذون ~~أوامر الطبقة الأولى ويريحونها من الأعمال اليدوية أو الخشنة التي يحتاج إليها ~~الحكم. # وفي أسفل توجد الطبقة الثالثة من أفراد الصناعات اليدوية والتجارة ومعظم الفنون والعلوم. ~~ومن سنن الطبيعة أن يكون كل هؤلاء من المرافق العامة في الأمة أو دواليب تدور ووظائف تؤدى. ~~والسعادة الوحيدة التي يستطيعها أفراد هذه الطبقة هي قدرتهم على أن يكونوا آلات ذكية؛ لأن ~~الرجل المتوسط يفهم من السعادة أنها حال التوسط. والتخصص أو التفوق في تدريب معين هو ~~غريزتهم، ولا يليق بالذهن الضيق أن يعارض حال التوسط هذه؛ لأن هؤلاء المتوسطين ضرورة ~~للمجتمع البشري؛ إذ يتيحون للرجل الفذ أن يوجد. # من من الناس أكرهه أكثر من غيره؟ # أكره ذلك الاشتراكي الذي يهدم الغرائز السليمة عند العامل، بأن ينزع منه إحساس ms054 القناعة ~~بمكانه ويجعله حسودا ويعلمه الانتقام. # أجل يجب أن نعرف أنه ليس هناك ظلم في تفاوت الحقوق. ~~••• # مات نيتشه في عام 1900، أي دفن في هذه السنة، ولكن الواقع أنه كان ميتا منذ حوالي عام ~~1885 للمرض الذي أشرنا إليه، وهو مرض لم يقعد جسمه فقط بل أمات ذهنه، ولم يكد العالم ~~المتمدن يحس بوجوده إلا بعد وفاته، وكان الإحساس عندئذ حادا، فمنذ عام 1900 إلى عام 1950 ~~ونيتشه يعلو على جميع المفكرين الأوروبيين، بل يمثل مشكلة الضمير الأوروبي، مشكلة السياسة ~~الأوروبية، سياسة التنازع إزاء سياسة التعاون. # وهو لو كان فيلسوفا فقط، يكتب بالرطانة الفلسفية التي لا يفهمها غير المثقفين، لما كان ~~خطره كبيرا، لكنه كان شاعرا يتغنى ويترنم؛ ولذلك كان ولا يزال يجذب إليه الشباب الذين ~~يقودهم إلى الضلال أو يهديهم إلى الرشاد، فهو غواية وفتنة كما هو نور ومعرفة، هو جنون ~~وعقل. # وأكاد أقول عندما أجد شابا يقرأ نيتشه: حذار! لا تقدم، إنك على طرف هاوية، وقد تنزلق ~~فتتردى، ولكن اقرأ دستوفسكي وغاندي وشيفتزر وبرناردشو، فهم الترياق الذي تحتاج إليه إذا ~~قرأت نيتشه. لا بل يجب أن تقرأ نيتشه؛ لأن أقل ما فيه أن يحثك على التساؤل والاستطلاع، ~~ويحول بينك وبين التسليم المطلق للعرف والعادة؛ إذ هو قوة تحريرية عظمى، ولكنه أيضا يحملك ~~تبعات سامية بشأن المستقبل البشري على هذه الأرض، ويكسبك العقلية الفلكية التكهنية في ~~الفلسفة، وعندئذ ستعرف أن القيمة العظمى في الفلسفة ليست نظاما منطقيا يقول بأن اثنين ~~واثنين يساوي أربعة، وإنما هي في تعيين القيم والأوزان الأخلاقية التي تخدم رقي الإنسان، ~~وفي التكهن بالمستقبل البشري والاستعداد له. وميزة نيتشه هنا أنه استطاع أن يقنع أوروبا بأن ~~الأخلاق يجب أن تنبني على أساس بيولوجي بشري. كتب نيتشه حوالي عام 1880 إلى أخته ~~يقول: # عديني أنني عندما أموت لن يقف حول نعشي سوى أصدقائي، ولن يكون حولي أحد من الغوغاء ~~المتسائلين، واعملي على ألا يلقي قسيس على قبري أكاذيب، وأنا عاجز عن حماية نفسي، وودعيني ~~إلى قبري وأنا ms055 وثني شريف. # ومات في عام 1900 مغمورا لم ترثه جريدة، ولم تذكره جامعة، ولكنه بعث بعد موته؛ إذ أصبح ~~الضجة الكبرى والصيحة العالية في جميع الأوساط المثقفة، ولا يزال دويه عاليا واسمه رمزا ~~للتساؤل. # وفي نفسي له حب وأسف وإقبال وصدود. # | إرنست رينان # في السنين الأولى من هذا القرن كان شاب لبناني يدعى فرح أنطون يصدر في مصر مجلة صغيرة ~~تسمى «الجامعة»، وكانت الثقافة الغالبة على هذا الشاب فرنسية، وهو كان يكتب اللغة الفرنسية ~~بكلمات عربية؛ وكان لذلك فهمه للثقافة والأسلوب والأدب يختلف عما كنا نفهمه من كتابنا ~~المصريين البارزين الذين كانت تغلب عليهم الثقافة العربية القحة. وقد عرفت عن طريق فرح ~~أنطون كتابا فرنسيين بعثوا في نفسي استطلاعا للثقافة الأوروبية، وغرسوا في ذهني شكا ~~في العقائد والعادات الشرقية، ووصلوا بيني وبين الآداب البشرية بصلة القربى والرحم ~~وحببوا إلي الطبيعة، وفتحوا عيني إلى الأجواء والآفاق، فلا يغرب عني نشاط فكري، ولا ~~يفصل بيني وبين كاتب قديم أو حديث فاصل من دين أو عنصر أو لغة، وقد رأيت في حياتي كتابا ~~أضلهم الاستغراق العنصري أو الديني أو القومي وعمرتهم موجاته، ومع أن هذه الموجات قد ~~مستني بطلاوتها السطحية، فإني سرعان ما كنت أتخلص منها بل أتطهر منها، ذلك أن فرح أنطون ~~قد وجهني نحو أوروبا الجديدة؛ أوروبا البشرية، أوروبا التي كانت تسترشد بفولتير وروسو ~~ورينان. وما زلت أذكر طرب الحماسة الذي غمرني حين كنت أقرأ قصة صغيرة ترجمت إلى العربية ~~باسم «الكوخ الهندي» لمؤلفها الفرنسي برناردن دو سان بيير، فقد كان هذا المؤلف يصف ~~سذاجة العيش وجمال الحب وروعة الطبيعة بكلمات ساحرة تترك في النفس إحساسا دينيا نحو ~~المرأة والشجرة والسماء والأرض، كما تفتح الذهن لمعاني القناعة والاستغناء. وكان هذا المؤلف ~~من أولئك الذين دعوا دعوة الطبيعة مع جان جاك روسو، وأعطوا أوروبا عيونا جديدة رأت من ~~خلالها وعرفت بها هيئة الجبال وروعة الأشجار، ومعنى الاصطياف على الشواطئ، والانغماس في ~~الماء، بالرجوع إلى الطفولة التي أفسدتها الحضارة، والتي يجب ألا تفارقنا ms056 طوال أعمارنا في ~~القدرة على الاستمتاع بحيوية الحياة ولذة اللعب والنفور من تعقد العيش وارتباكات الترف ~~المرهقة. وهناك من لا يزالون يستصغرون قيمة الأديب العظيم في توجيه الحضارة وتكوين الأذواق، ~~ولهؤلاء نذكر جان جاك روسو، فإن العالم قبله لم يكن يعرف معنى التجوال في الحقول أو ~~الاصطياف على الشواطئ. وهذه الحقول والشواطئ كانت مع ذلك في مكانها كما هي الآن قبل روسو، ~~ولكنها كانت خالية ممن يجول فيها ويتأمل سماءها وأرضها وأشجارها أو ينغمس في مياهها، ولكن ~~روسو بدعوته الحارة إلى الطبيعة، وتقديسه لها، رد إلى الناس هذا الإحساس وبسط لهم ميادين ~~جديدة للاستمتاع النفسي كانوا يجهلونها قبله. وحين أجد شفيتزر يدعو إلى تقديس كل شيء حي، ~~وحين أجد ثورو يتساءل: لماذا لا تقرع النواقيس في الكنائس حين تقتلع شجرة من مكانها نعيا ~~لها وحزنا على الطبيعة المجروحة؟ وحين أجد غاندي يترك المدن، ويقنع بأن يعيش في كوخ بين ~~الحقول بثلاثة قروش في اليوم، وحين أجد الطرب البشري يغمر سواحل الإسكندرية أو بورسعيد في ~~أطفال وفتيات وشبان يمرحون و«يزأطون» في الماء والهواء، وقد خلعوا مركبات المدنية وعادات ~~العرف، حين أجد كل هذا لا أتمالك أن أذكر جان جاك روسو نبي الطبيعة وأديبها، الذي غير ~~أذواق الناس ووجه النفوس وجهات جديدة زادت البشر سرورا واستمتاعا وحبا. لقد عرفت روسو ~~أول ما عرفته، بقلم فرح أنطون. # ثم عرفت أديبا آخر بقلمه أيضا كان له أبلغ الوقع وأبعد الأثر في ثقافتي وتربيتي، هو ~~إرنست رينان، وهو الذي غرس في نفسي الروح البشري، وبهذا الروح أحببت تلك الشخصية السامية ~~التي وصفها رينان في كلمات الحب والإعزاز، والتي أحاول مع العجز، ولكن مع الأمل، أن أرتفع ~~إلى الأخلاق التي رسمها في شخصية المسيح. # وقد تحطم فرح أنطون بما وقع فيه من مناقشات تاريخية مع الشيخ محمد عبده بسبب إرنست رينان، ~~وتحطم إرنست رينان بسبب كتابه عن المسيح، ومثل هذه المعارك الأدبية تحتاج إلى الشرح الذي لا ~~يسمح له هذا الفصل، ولكن قصارى ما أقول: إن ms057 فرح أنطون نقل عن رينان اضطهاد الحكومات ~~الإسلامية للأحرار، فرد عليه الشيخ محمد عبده بأن اضطهاد الحكومات المسيحية كان أكبر ~~وأقسى، ودارت المساجلات بين الاثنين، هذا يكتب في الجامعة، وهذا يكتب في المنار، ولم يكن ~~الجمهور المثقف يتحمل في ذلك الوقت الوهج اللاسع من هذه المساجلات. وانهزم فرح ورحل إلى ~~أمريكا كي يعود بعد ذلك إلى مصر وينغمس في الثورة الوطنية إلى حب سعد. أما إرنست رينان فكان ~~تحطمه أكبر وأبلغ، فقد ولد هذا الأديب في عام 1823 ومات في عام 1892 وقضى من العمر نحو ~~أربعين أو خمسين سنة وهو يخيم على أوروبا ويضيء عقولها ويربي نفوسها، وأوروبا بعده غير ~~أوروبا قبله، بفضل ما كتب وبفضل ما تألم، وقد تعلم كثيرا. # وما زلت أحس كأن سكينا تمزق أحشائي حين أذكر أن هذا الأديب العظيم، بعد أن حرمته الكنيسة ~~الكاثوليكية ومنعت رعاياها من قراءة مؤلفاته، وبعد أن حطت عليه الشيخوخة حتى كادت تقعده، ~~بعث بخطاب إلى ناظر المدرسة الابتدائية التي كان قد تعلم فيها قبل ستين سنة يطلب منه أن ~~يأذن له بزيارتها، كي يرى الفصل الذي تعلم فيه حروف الهجاء، والفناء الذي لعب فيه مع ~~أقرانه، وكي يلمس جدرانها التي تمسح بها، ويصلي في إحدى غرفها على اختلاء، صلاة الحب ~~والذكرى لهذه الأيام الماضية، والتي تنفصل عن حاضره بما يشبه قرنا من الزمان، وتسلم ناظر ~~المدرسة الخطاب وكانت المدرسة دينية كاثوليكية، كما كان ناظرها راهبا يعرف أن رينان مطرود ~~من الكنيسة وأن مؤلفاته من المحظورات، فلما قرأ الخطاب وتأمل الإحساسات الجميلة التي ~~يحتويها، كتب إلى رينان في رقة بالغة يشكره على أن تذكر الرهبان الذين علموه طفولته، ~~وتذكر الأقران من الصبيان، بل لعله تذكر صلاة الصبح التي كان يقولها في ابتهال قبل ابتداء ~~الدروس، ثم بعد ذلك يقول له إنه لا يستطيع أن يأذن له بزيارة المدرسة؛ لأنه ... لأنه كافر ~~منبوذ من الكنيسة، ولا بد أن رينان قد تضور على فرشه من ألم هذه الصدمة، بل لا بد أنه ms058 بكى ~~وانهمرت دموعه وبللت هذا الخطاب. ولكن ليست هذه هي الدموع الأولى التي انهمرت من المؤلفين ~~الذين علموا أوروبا، ولولا هذه الدموع، ولولا هذه الآلام، لبقيت أوروبا خامدة متأخرة مثل ~~الشرق. # نشأ رينان نشأة كنسية؛ إذ تعلم في مدرسة للإلاهيات ولكنه تركها وآثر دراسة اللغات ~~والأدب، ودرس اللغات السامية وأتقن اللغة العربية، ودرس فلسفة ابن رشد ونقلها ووضحها في ~~اللغة الفرنسية. وقد نقل فرح أنطون عنه هذا الكتاب تلخيصا وترجمة تحت عنوان «ابن رشد ~~وفلسفته». # وأوفدت الحكومة الفرنسية في عام 1860 بعثة إلى فلسطين لدراسة الآثار كان هو من أعضائها، ~~وكانت أخته أفريت ترافقه، وعاد إلى باريس وحاولت الحكومة الفرنسية أن تعينه أستاذا ~~للغات السامية، ولكن الكنيسة اعترضت؛ لأنه كان قد ألف كتابا عن المسيح بعنوان «حياة ~~يسوع» في عام 1863 باعتباره إنسانا لا أكثر. وتتابعت مؤلفاته عن الشئون السامية، مثل ~~«تاريخ إسرائيل» ومثل «محاورات فلسفية» ومثل «مستقبل العلم». # وزاره جمال الدين الأفغاني في باريس فوصفه رينان بأنه ملحد عظيم، وهنا مجال للتفكير ~~ومراجعة الآراء في مصر، وقد سبق أن شرح لنا علي عبد الرازق (باشا) هذا الموضوع. # ولم يكتب أحد في سحر الأسلوب الذي كتب به رينان وضوحا ويسرا، وقد قيل عنه إنه كان ~~يفكر كما لو كان امرأة، ويعمل كما لو كان طفلا، وهذا أحسن أو من أحسن ما يقال عن كاتب ~~أرصد عمره للتفكير المثمر، فإن المفكر العميق يجب أن يكون عميقا أيضا في إحساسه، أما من ~~حيث العمل فإن هذا ليس من شأنه، وإنما هو شأن زوجته أو صديقه؛ إذ ليس له وقت أو كفاءة ~~للعمل. # وكانت ثقافته تنبسط إلى الآفاق أكثر مما تسير الأعماق؛ ولذلك نجد له الإشارات والإيضاحات ~~عن العرب والإغريق واليهود والعلم والأدب، ولكننا نجد أنه حين يتخصص لا يتعمق. # وكتابه عن حياة المسيح الذي ترجمه فرح أنطون إلى اللغة العربية في تلخيص غير مخل، هو ~~جوهرة من جواهر الأدب الفرنسي بل الأدب العالمي، ومع أنه قد جرد شخصيته من الغيبيات فإنه ~~أبرز ms059 ميزاته الأخلاقية ودعوته الإنسانية، بحيث إن القارئ للكتاب سواء أكان تقليديا أم ~~عصريا ينتهي بالحب والاحترام؛ إذ يجد في المسيح جمالا وفتنة كما يجد في دعوته تحديا لكل ~~رجل في شرفه وأسلوب حياته. ومن هنا يعد إرنست رينان من دعاة البشرية، وهو إن لم يكن قد دعا ~~هذه الدعوة مباشرة ومواجهة، فإنه بمؤلفاته العديدة قد دعا إليها مداورة ومواربة؛ إذ هو يجمع ~~بين الأدباء والأنبياء والفلاسفة ويضعهم جميعا في صف لتربية الضمير البشري، فهو مسيحي مسلم ~~يهودي بوذي، وهذا هو شأن الكثيرين من أدباء عصرنا الممتازين، بل كذلك هذا هو إيمان الساسة ~~الممتازين أمثال غاندي ونهرو، بل ماذا أقول؟ لقد كان هذا إيمان السلطان أكبر الذي حاول أن ~~يوجد ما أسماه «الدين الإلهي» حين عقد مؤتمرا في الهند من المسلمين والمسيحيين واليهود ~~والهندوكيين والبوذيين، بل لقد كان هذا إيمان محيي الدين بن عربي حين قال هذه الأبيات ~~الخالدة: # لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي # إذا لم يكن ديني إلى دينه داني # وقد صار قلبي قابلا كل صورة # فمرعى لغزلان ودير لرهبان # وبيت لأوثان وكعبة طائف # وألواح توراة ومصحف قرآن # أدين بدين الحب أنى توجهت # ركائبه فالحب ديني وإيماني # أجل، دين الحب، هذا هو الذي دعا إليه رينان، وهو رسالة حياته. # | دستوفسكي # ذكاء العاطفة # كان من حظي الحسن أن هبطت على الأدباء الروس وأنا حوالي العشرين، فارتفعت بذلك إلى ~~مستوى من التقدير للفن القصصي، جعلني في مستقبل عمري أتأنق وأحجم عن قراءة تلك القصص ~~الإنجليزية والفرنسية والأمريكية، التي لا ترتفع إلى مقام المؤلفات العظيمة التي ألفها ~~تولستوي ودستوفسكي وجوركي وجوجول وتيشهوف وترجنيف. والحق أن الانتقال من دستوفسكي الروسي ~~إلى أرنولد بنيت الإنجليزي هو وثبة إلى الحضيض يفزع منها الإنسان، والانتقال من تولستوي إلى ~~أي أديب آخر في أوروبا أو أمريكا هو انهيار فادح. # وأحيانا أحاول أن أعلل حبي لهؤلاء الأدباء الروس بأن الحال الاجتماعية التي وصفوها كانت ~~تشبه حالنا في مصر، وأن الوسط الاجتماعي الأوروبي الأمريكي كان يجري على نظم ديمقراطية ms060 حرة، ~~لا تتيح للأوروبي أن يستمرئ هذا المجتمع الروسي القديم، وما حفل به من فوضى وفاقة واستسلام ~~وركود. ولكن هذا التعليل لإحساسنا بتفوق الأدب الروسي على الآداب الغربية لا يكفي، وقد حدث ~~لي ما يشبه ذلك في الموسيقا، فإني في مقتبل عمري عرفت الموسيقا الأوروبية الكنسية ~~والمسرحية، فارتفع ذوقي إلى حد الكراهية، بل العداء للموسيقا الشرقية الباكية الجنسية ~~المخنثة، فلست أطيق إلى الآن أغنية أو لحنا مصريين، بل إني أوثر عليها «موالا» من تلك ~~المواويل التي يغنيها فلاحونا، فإن فيه أحيانا من الصدق والرجولة ما يبعث على الاحترام، في ~~حين نشمئز من الأغاني والألحان المصرية الحاضرة لما فيها من التباكي والتخنث. ولعل ميزة ~~أوروبا علينا في الموسيقا أنها أدخلتها الكنائس، فأكسبتها شيئا يقارب حرمة الدين، وهذا في ~~الوقت الذي تركنا نحن فيه موسيقانا وأغانينا تعيش وترافق الرقص الذي كانت تمارسه البغايا، ~~وقد كان رقصا جنسيا مخنثا فسقطت مكانة الموسيقا والأغاني في نفوسنا. ~~••• # ولد دستوفسكي في عام 1822 ومات في عام 1881، وكان مريضا طوال حياته، تنتابه نوبات من ~~الصرع، وقد أخرج قصته الأولى «المساكين» في عام 1846 ووثب بها إلى مصاف الأدباء الأفذاذ، ~~وفي عام 1849 ألقي القبض عليه بتهمة الاشتراك في جمعية سياسية غير مشروعة، وحكم عليه ~~بالإعدام ثم خفف الحكم إلى النفي إلى سيبريا حيث قضى أربع سنوات ألف عنها كتابا بعد ~~ذلك باسم «ذكريات من بيت الموتى». وبعد سنوات أخرى في الجندية والسياحة استقر على التأليف ~~القصصي، فأخرج «الإخوة كارامازوف» وهي الأولى بين قصص العالم جميعها، وأخرج أيضا قصة ~~«الجريمة والعقاب»، وقد بعثتني حماستي لها أني في سنة 1911 ترجمت منها نصفها، ثم طبعت الربع ~~بهذا الاسم ولم أتمم الترجمة. # وتتسم قصصه بحنان ورقة يشيعان في نفوسنا إحساس الدين، وهي جميعا دعوة إلى الخير وحب ~~الأطفال وحماسة الأمومة، ولذة التضحية، وارتفاع عن الدنايا المادية ونحو ذلك، وقد كانت ~~حياته هو نفسه مليئة بهذه العواطف. ~~••• # ولنذكر شيئا مما وقع له، ولعله كان لهذه التجربة القاسية أثر في فنه. ففي ms061 يوم 22 أبريل ~~من عام 1849 ألقي القبض في بطرسبورج على نحو ثلاثين شابا كان بينهم دستوفسكي، وكانت ~~التهمة الخطيرة التي اتهموا بها أنهم اجتمعوا واحتفلوا بميلاد الكاتب الفرنسي فورييه، وكان ~~فورييه مشهورا ببرنامج يقترحه لتغيير المجتمع، وهو حين نقرؤه هذه الأيام نجد فيه سخفا ~~عظيما؛ ذلك أنه ينص على تأليف جماعات لا تزيد إحداها على 1600 شخص يعيشون معا متعاونين ~~مستقلين عن الجماعات الأخرى. وقيل إن هؤلاء الثلاثين المجتمعين في بطرسبرج قد تآمروا على ~~ترجمة كتاب فورييه هذا، ومما زاد في هذه «المؤامرة» الخطيرة أن أحد الحاضرين قرأ خطابا من ~~أديب يدعى بيلنسكي إلى القصصي جوجول يوبخه فيه؛ لأنه عاد إلى الإيمان بعد الكفر، وبعد أن ~~قضى المتهمون سبعة أشهر في السجن حكم عليهم بالإعدام، ثم قضوا شهرا آخر قبل التنفيذ، وفي ~~يوم التنفيذ نصبت أعمدة في أكبر ميدان في بطرسبرج ثم ألبس المتهمون جلاليب بيضاء، وعلى رأس ~~كل منهم طرطور وأخرجوا في الصباح من يوم 22 ديسمبر، والثلج يغطي الأرض. ثم حضر قسيس يحمل ~~صليبا من الفضة، ويطلب إلى كل منهم تقبيله حتى يغفر لهم في العالم الآخر. ووقف ستة عشر ~~جنديا يحملون البنادق، وربط كل منهم إلى العمود كي يتلقى الأعيرة النارية، ثم أمر الجنود ~~بفتح الأزندة استعدادا لإطلاق النار، وفي هذه اللحظة فقط أعلنوا جميعهم بأن القيصر قد ~~استبدل بحكم الإعدام الحكم بالنفي إلى سيبيريا أربع سنوات. وبعد هذه المأساة أو المهزلة ~~سافروا إلى سيبريا، وقبل السفر كتب دستوفسكي إلى شقيقه هذا الخطاب التالي: # قلعة بطرس وبولس في 22 ديسمبر سنة 1849 # أخي، صديقي الحبيب، كل شيء قد تم، وحكم علي بالسجن والأشغال الشاقة أربع سنوات ~~في القلعة (أظنها قلعة أورنبورج)، وبعد ذلك ألتحق بالجيش جنديا، وفي هذا اليوم 21 ~~ديسمبر نادونا إلى مكان العرض في سميونوف وقرءوا علينا الحكم بالإعدام، ثم أمرونا ~~بأن نلثم الصليب، ثم كسروا سيوفنا فوق رءوسنا، ثم نزعوا ملابسنا وألبسونا القمصان ~~البيض، وبعد ذلك ربطوا ثلاثة منا إلى عمود كي يضربوا ms062 بالبنادق، وكان ترتيبي السادس، ~~وكان النداء على ثلاثة كل مرة، وكنت أنا بذلك في الفرقة الثانية فلم يكن باقيا لي ~~من الحياة سوى دقيقة، وقد ذكرتك أيها الأخ أنت وأولادك، وفي هذه الدقيقة لم أذكر ~~سواك يا أخي وحبيبي، وعرفت عندئذ مقدار حبي لك، وقد تمكنت من أن أقبل بلاتسياف ~~ودوروف، وكانا واقفين جانبي وودعتهما، وأخيرا نفخ البوق وأعلن الأمر بالرجوع، ~~وحل الذين كانوا قد ربطوا إلى العمود، ثم قرئ علينا أمر صاحب الجلالة ~~الإمبراطورية بمنحنا حياتنا، والحكم علينا بالأحكام الجديدة. ولم يفرج عن أحد سوى ~~بالم الذي أرجع إلى الجيش برتبته السابقة. وقد أبلغت يا أخي الحبيب بأنهم ~~سيرسلونني اليوم أو غدا، وقد طلبت رؤيتك، ولكنهم أخبروني بأن هذا محال، وأن كل ما ~~يستطيعونه أن يسمحوا لي بالكتابة إليك، فأسرع وابعث لي الرد. وأنا أخشى أن يكون قد ~~بلغك الحكم علينا بالإعدام، فقد نظرت من نافذة العربة التي حملتنا إلى ساحة الإعدام ~~ورأيت في الطريق جمهورا كبيرا، وخشيت أن يكون من رأوني قد أبلغوك وآلموك بذلك، ~~ولكن الآن يمكنك أن تهنأ بشأني. يا أخي، لا تظن أن الحكم قد هدني أو غم علي، ~~فالحياة في كل مكان هي الحياة، هي في داخلنا وليست فيما هو خارج عنا، وسيكون قريبا ~~مني أناس، وسأكون رجلا بينهم وأبقى كذلك إلى الأبد، ولن يهن قلبي أو تفشل عزيمتي ~~أمام المصائب، وهذا في اعتقادي هو الحياة أو الواجب في الحياة، وقد حققت ذلك وصار ~~هذا الخاطر جزءا من لحمي ودمي. أجل، هذا صحيح، فهذا الرأس الذي كان يبتكر ويعيش في ~~أسمى الحياة الفنية، والذي حقق أسمى الحاجات الروحية واعتقادها، هذا الرأس قد قطع ~~من عاتقي ولم يبق عندي سوى الذكريات والخيالات التي أخترعها، ولكنها لم تتجسم في ~~بعد، وإني لأعرف أنها ستمزقني، ولكن ما يزال باقيا لي قلبي وهذا اللحم والدم الذي ~~ما يزال قادرا على الحب والألم والرغبة، ولا تنس أن هذه هي الحياة، أجل ما زلت ~~أرى الشمس. والآن وداعا يا أخي ms063 ولا تحزن من أجلي. # والآن هلم إلى الماديات، إن كتبي (باستثناء الكتاب المقدس الذي ما يزال عندي) ~~وعدة أوراق من مخطوطاتي، وتخطيط درامة، وقصة (وقصة أخرى كاملة تسمى قصة طفل) قد ~~أخذت كلها مني، والأرجح أنك ستتسلمها، وقد تركت معطفي وملابسي فيمكنك أن تأخذها. ~~والآن يا أخي أظن أنني سأمشي مسافة طويلة وأحتاج إلى نقود، أخي الحبيب، إذا تسلمت ~~هذا الخطاب وكان يمكنك أن تحصل على قليل من النقود فأرسلها إلي بأسرع وقت، فأنا ~~أحوج الآن إلى المال مني إلى الهواء (لغرض خاص)، وابعث لي ببضع كلمات، ثم إذا جاءت ~~نقود من موسكو فتذكرني ولا تنسى، وهذا كل ما أريده، وأنا أعرف أن علي ديونا ولكن ~~ماذا أفعل. قبل زوجتك وأولادك واذكرني عندهم كثيرا ولا تجعلهم ينسونني ~~فعلنا نلتقي يوما ما! أخي، أوصيك بالعناية بنفسك وأولادك، وأن تعيش في هدوء ~~ويقظة، وأن تفكر في مستقبل أولادك، عش عيشا إيجابيا، إني ما شعرت قط بوفرة ~~الحياة الروحية في شخصي كما أشعر بها الآن وأنا مريض بالإسخربوط، ولكني لا أبالي ~~بذلك. أخي، لقد كابدت من الحياة الشيء الكثير حتى ما يكاد شيء يخيفني الآن في ~~العالم، فليكن ما هو كائن، وسأكتب إليك في أول فرصة، وابعث لأسرة مايكوف بتسليماتي ~~وتحياتي، واشكر لهم اهتمامهم بحظي، وقل بضع كلمات حارة يمليها عليك قلبك ليوجينيا ~~بتروفيا، فأنا أدعو لها بالسعادة وسأذكرها على الدوام بجميلها، واضغط يد نيكولاي ~~أبولو نوفتش أبولون مايكوف، وجميع الآخرين، وابحث عن يانوفسكي واضغط يده واشكره. ~~وأخيرا صافح جميع أولئك الذين لم ينسوني، وقبل أخي كوليا، واكتب خطابا إلى أخي ~~أندريه وأخبره بكل شيء عني واكتب لعمي وعمتي، وافعل ذلك باسمي وابعث لهم تحياتي، ~~واكتب لأخواتي اللواتي أدعو لهن بالسعادة، وربما نلتقي يا أخي في المستقبل. لا تهمل ~~العناية بنفسك بل عش وابق حيا حتى نلتقي ثانيا، فعلنا نتعانق يوما ونذكر ~~شبابنا ذلك الوقت الذهبي، ذلك الشباب وتلك الآمال التي أمزقها الآن من قلبي ودمي كي ~~أدفنها، هل يمكن حقا أني لن ms064 أتناول القلم بيدي مرة أخرى؟ أظن أني سأعود إلى ~~الكتابة بعد هذه السنوات الأربع، وسأرسل لك كل شيء أكتبه إذا كتبت شيئا، وا رباه! ~~كم من خيالات عشت فيها أو اخترعتها ستموت وتنطفئ في دماغي، أو تتمزق وتسير في دمي ~~كالسهم، أجل، إذا لم يسمح لي بالكتابة فإني سأموت، وخير لي من ذلك أن أسجن خمس ~~عشرة سنة، ويكون في يدي قلم. اكتب لي كثيرا، واكتب بالتفصيل والإسهاب واذكر لي ~~حقائق، حقائق كثيرة، وفي كل خطاب اكتب لي عن شئون الأسرة مع التفصيل، ومع ذكر ~~الأشياء التافهة، ولا تنس هذا فهذه الخطابات تعيد إلي الرجاء والحياة. آه لو تعرف ~~كيف أحيتني وأتعستني خطاباتك التي أرسلتها إلي وأنا في هذه القلعة، وقد كان ~~الشهران والنصف شهر الماضية، حين منعنا من كتابة الخطابات أو تسلمها، من أشق ما ~~كابدته، وقد كنت مريضا. ولما أهملت أنت إرسال النقود إلي ساورني القلق من أجلك؛ ~~لأني فهمت من عدم إرسالك للنقود أنك أنت في حاجة شديدة. قبل الأطفال مرة أخرى، ~~فإن وجوههم الحلوة الصغيرة لا تغيب عن بالي، لتكن لهم السعادة! وأنت يا أخي كن ~~سعيدا، كن سعيدا، ولكن لا تحزن، وبحبك الله لا تحزن لأجلي، وثق أني لم أهن وتذكر ~~أن الرجاء لم يهجرني، وبعد أربع سنوات سيخفف عني ما فعلته الأقدار، وأصير جنديا ~~فينقضي سجني، وتذكر أني سأعانقك يوما ما. لقد كنت اليوم في قبضة الموت ثلاثة أرباع ~~الساعة، وعشت هذه المدة بهذا الخاطر وبلغت آخر لحظة من الحياة، وها أنا ذا حي مرة ~~أخرى، وإذا كان أحد يتذكرني بسوء، أو إذا كنت قد تشاجرت مع أحد أو أسأت إلى أحد، ~~فأخبره إذا لقيته بأن ينسى الإساءة، وليس في نفسي مرارة أو نقمة على أحد، وأود لو ~~أعانق في هذه اللحظة كل واحد من أصدقائي السالفين، وقد شعرت اليوم بالراحة وأنا ~~أودع أحبابي الأعزاء قبل الموت، وخطر ببالي في هذا الوقت أن خبر إعدامي سيقتلك، ~~ولكن استرح الآن فإني ما زلت حيا، وسأعيش ms065 راجيا بأن أعانقك يوما ما، وهذا كل ~~شيء في بالي الآن. ماذا تفعل، وبماذا فكرت اليوم، وهل عرفت شيئا عنا؟ وماذا كان ~~مقدار البرد اليوم؟ آه ما أشوقني إلى أن يصل خطابي هذا إليك بسرعة، وإلا فإنه إذا ~~تأخر فإني سأبقى أربعة أشهر بدون خطاب منك، وقد رأيت الظروف التي أرسلت فيها النقود ~~لي مدة الشهرين الماضيين، وكان عنواني مكتوبا عليها بخطك وسررت برؤية الخط، وعندما ~~ألتفت إلى الماضي وأتذكر مقدار الوقت الذي ضاع عبثا وكم منه ضاع في الأوهام ~~والكسل والجهل بالعيش، وكيف أني لم أقدر الوقت حق قدره، وكيف جنيت على قلبي ~~وذهني! أحس بأن قلبي يسيل دما، أجل إن الحياة عطية وهي سعادة، وكان من الممكن أن ~~نجعل من كل دقيقة منها عصرا طويلا من السعادة. آه لو عرف الشباب ... والآن هذه ~~حياتي تتغير، وأنا أولد من جديد في شكل آخر. أخي أقسم لك أني لن أفقد الأمل، وسأصون ~~روحي وقلبي في الطهارة، وميلادي الجديد سيكون إلى حال أحسن من حالي الماضية، وهذا ~~كل رجائي، وهذا كل عزائي. إن حياة السجن قد قتلت في جسمي مطالب اللحم التي لم تكن ~~كلها طاهرة، ولم أكن قبل هذه الحياة أعنى بنفسي كثيرا، أما الآن فالحرمان لا قيمة ~~له عندي؛ ولذلك لا تخش علي من المشاق المادية وتحسب أنها ستقتلني، كلا لن يحدث ~~هذا، وداعا. وداعا يا أخي، إني أعانقك بقوة وأقبلك بحرارة، تذكرني ولكن بلا ~~ألم في قلبك، فأرجوك ألا تحزن، وفي الخطاب الآتي سأخبرك بما يتم لي، وتذكر عندئذ ~~ما أخبرتك به ألا تعش جزافا دائما، دبر حياتك ورتب حظك وتفكر في ~~أولادك. آه لو أراك، وداعا، إني أنزع نفسي الآن من كل شيء أحببته، وهذا النزاع ~~مؤلم ومن الموجع أن أقطع نفسي نصفين وأشق قلبي شقين، وداعا ... وداعا، ولكني سأراك، ~~أنا واثق، واع أنا فلا تتغير، وأحبني، ولا تدع ذاكرتك تبرد ... وذكرى حبك ستكون أحسن ~~شيء في حياتي، ومرة أخرى وداعا، وداعا، وداعا، وداعا لكم جميعا. # أخوك ms066 # فيدور دستوفسكي # لما قبض علي أخذوا مني كتبا عدة، ولم يكن بينها سوى كتابين ممنوع تداولهما، ~~فهل لك أن تطلب الباقي لنفسك، ولكن لي طلبا، وهو أن أحد الكتب يحتوي على مؤلفات ~~فاليريان مايكوف، وهو مقالاته الانتقادية، وهذه النسخة كنت أخذتها من أوجينيا ~~بتروفنا، وكانت تعدها كنزا، وقد أقرضتها لي، ولما قبض علي طلبت من الشرطي أن ~~يرد إليها الكتاب وأعطيته عنوانها، ولا أعرف إذا كان قد رده، اسأل عن ذلك لأني لا ~~أحب أن أحرمها هذه الذكرى، وأخيرا وداعا وداعا. # أخوك # ف. دستوفسكي ~~«على الهامش: لا أعرف هل أمشي أو أركب فرسا، وأظن أنهم سيركبون الخيول، ربما، قبل يد ~~إميلي فيدروفنا، وقبل الصغار واذكرني عند كريافسكي، اكتب لي عن القبض عليك وحبسك ~~والإفراج عنك.» ~~••• # هذا الخطاب هو جزلة حية ترشح بالدم من نفس دستوفسكي. # تمتاز قصص دستوفسكي بأن أشخاصها يتسمون بالإحساس والذكاء معا فإن بطل «الجريمة والعقاب» ~~طالب في الجامعة يتأمل ويتفلسف ويتساءل: لماذا لا يقتل هذه العجوز الثرية المقترة التي لا ~~تزيد قيمة حياتها على حياة برغوث؟ أليس هو أولى بثرواتها ينفقها في الخير والنفع؟ ثم ~~يقتلها، ثم يعود إلى التأمل والفلسفة فيسلم نفسه في النهاية إلى البوليس حيث يحاكم ويحكم ~~عليه بالنفي إلى سيبيريا، ويرضى لنفسه هذا المصير؛ لأنه وجد شيئا أكبر من ذكاء العقل هو ~~ذكاء الإحساس. # وسائر قصصه على هذا الغرار، إحساس فوق الذكاء، وخيال فوق العقل، وقصصه تكاد جميعها تخلو ~~من العقدة إلا القليل جدا، وفي النهاية نجد أنه يهدف إلى خيال الشعر، فهو يتناول الواقع ~~ثم يسير به نحو آيات من الفن والشعر، وهذا هو ما يجب أن يكون؛ لأن القصة هي التفسير الخيالي ~~للحياة حيث يرتفع المؤلف بالواقع إلى المثليات، فيكسب هذا الواقع دلالة جديدة، فالفتاة التي ~~تبيع عرضها كي تنقذ إخوتها من الجوع، والسكير الفاني الذي يتعلق بالدين ولا يزال يؤمل ~~الآمال، والراهب الذي يحب ولكنه لا يسقط، والشاب الذي يملأ الشرف صدره فيذهب إلى أحد ~~الأثرياء، ويعرض عليه في غرارة ms067 وسذاجة مشروعا للخير فلا يجد سوى الاستهزاء، والأبله الذي ~~يؤمن بالعلم فيرتكب جريمة الاغتيال استنادا إلى العلم، وهذا يذكرنا بالبله العلماء الذين ~~اخترعوا القنبلة الذرية. # كل هذا يقع في قصص دستوفسكي، وهو بفرط حنانه وجمال خياله قد يناقض العقل والمنطق، ولكن ~~كما كان يناقضه غاندي أو تولستوي ... وقد كسبت من دستوفسكي أكثر مما كسبت من غيره ، وهو ذلك ~~الإحساس الأدبي الذي لا يختلف من الإحساس الديني أو الموسيقي، وذلك أننا إزاء الدين والأدب ~~والموسيقا لا «نعرف» وإنما نحس. وقد قلت في أول هذا الفصل إن هبوطي المبكر على القصصيين ~~الروس قد جعلني أستصغر شأن الأدباء الأوروبيين، والحق أني قرأت برنارد شو، وولز، وديكنز، ~~وأناطول فرانس، وأندريه جيد، وكثيرا غيرهم فكان تقديري لهم اجتماعيا أكثر مما كان ~~أدبيا، وقد وجدت عندهم الرأي والمعرفة أكثر مما وجدت الفن والإحساس، وعندما أتأمل هؤلاء ~~الأدباء الروس جميعهم، حتى مكسيم جوركي، أجد أنهم ينشدون الدين، فإن الإحساس الديني البشري ~~في هذا الكاتب الأخير على الرغم من إلحاده كبير جدا. وقد استطاع دستوفسكي وتولستوي أن ~~يجعلا المسيحية دينا وأدبا معا، بل إنهما أبرزا الميزة الأصلية لهذه الديانة، وهي الحب ~~البشري العام أكثر مما أبرزها كهنة هذه الديانة أنفسهم. # كان دستوفسكي يكره الشبان الثائرين على القيصر، وكثيرا ما نجد في قصصه ثائرا أو أكثر ~~يستهزئ بأفكارهم ويسخر من عقائدهم، ولكن كراهيته لهم لم تكن تستند إلى حبه للنظام ~~الاستبدادي الذي كان يسود حكومة القيصر ويوجهها، وإنما كان يكره أوروبا أيضا لهذا السبب، ~~وقد دعا إلى مقاطعة الثقافة الأوروبية في الوقت الذي كان يدعو فيه تورجنيف إلى ~~اعتناقها. # وعندما نتعمق أقوال دستوفسكي لا نتمالك الإحساس بأنه يكره العلوم المادية جميعها، ويكره ~~الحركات الاجتماعية الارتقائية القائمة عليها، وأن في نفسه شوقا ملحا إلى أن يعيش الناس ~~في إيمان بالله قانعين بكلمات الإنجيل التي يجب أن تكون الأساس الذي تنبني عليه الأخلاق، ~~وقد عجز دستوفسكي عن أن يفطن للحقيقة الأوروبية البازغة وهي أن الأوروبيين قد شرعوا منذ ~~أوائل القرن التاسع ms068 عشر في استبدال الرؤيا البشرية للرقي والأخلاق والدين برؤيا الكنيسة، ~~وأن الإحساس الديني البشري الجديد، على الرغم من أنه لا يزال ضعيفا، يجد أنصارا أقوياء ~~يسلكون في حماسة وحب للبشر، ويخدمون ويضحون للإنسانية. # ولكنه فطن إلى أن علما بلا دين هو دمار بشري عام، بل نستطيع أن نقول إنه بصر بقوة العلم ~~الطاغية في القنبلة الذرية التي يخرج بها طيار يشرب كأسا من الكونياك في نزق ومجانة، ثم ~~يقتل ثمانين ألف إنسان في ثانية، ويعود ضاحكا إلى معسكره كما حدث في هيروشيما في أغسطس من ~~عام 1945. # بعد أن قضى دستوفسكي مدة عقوبته في سيبيريا وأفرج عنه كتب إلى السيدة فون ويسين خطابا ~~جاء فيه: # ومع ذلك فإن الله يمتعني أحيانا بلحظات من الهدوء الكامل، وفي هذه اللحظات ~~أجد الإيمان الذي يتجلى لي فيه كل شيء في وضوح وقداسة، وإيماني هذا في غاية ~~البساطة، وهو أني أعتقد أنه ليس هناك ما هو أروع وأحب وأعقل وأشجع وأكمل من المسيح، ~~وليس هذا فقط بل إني لأقول لنفسي في إحساس المحب الغيور إنه لا يمكن أن يكون هناك ~~شيء أكثر من هذا، وهو أنه لو أن أحدا قال لي: المسيح يجافي الحق، ولو أن هذا القول ~~كان صحيحا، لآثرت البقاء مع المسيح على التزام الحق. # وقصص دستوفسكي جميعا تنشد الإيمان الذي يستطيع أن يستقر به الإنسان على هذه الدنيا حتى ~~ولو كان هذا الإيمان يخالف منطق العيش وأسلوب البحث العلمي، وقد وجد دستوفسكي حافزا عظيما ~~للاعتماد على الإيمان، هو هذا الاختبار المؤلم حين وقف أمام الجنود ينتظر إطلاق النار، فإنه ~~بقي طوال عمره بعد ذلك ينظر إلى الحياة من موقف الموت، وهو موقف جدير بأن يغير النظرة ~~والنبرة للحياة معا، وواضح أنه لم ينسه بتاتا في كل ما كتب. # وأكاد هنا أقول إن الدين ليس شيئا آخر سوى النظر إلى الحياة من موقف الموت، فإن الموت ~~أكبر حقيقة بشرية، وهو عندما نتأمله نجد أنه يغير القيم والأوزان ويحيلها من التقدير ~~الاجتماعي إلى التقدير ms069 البشري، فنحن في هرولة الحياة الاجتماعية نتعب ونلهث لأجل الثراء أو ~~الوجاهة أو ننساق في أنانية بشعة، لا نبالي مصالح الغير، ولا نرحم من ندوسه في سبيل ~~الاقتناء أو التغلب، وكلنا على هذه الحال بدرجات متفاوتة، ولكن فكرة الموت تنقدح فجأة في ~~أذهاننا فنقف في طريق الحياة ونتساءل عن نهايته، وهذا وجدان أكبر الوجدان بالحياة التي ~~تتخلص عندئذ من ملابساتها الاجتماعية، وعندئذ نحس كما أحس دستوفسكي، بل كما يعلم ويكرر في ~~جميع قصصه، إننا نحن بنو البشر كيان واحد قد تعددت أجزاؤه وانفصلت، ولكن انفصالها لم يمنع ~~بينها التراحم والحب والحنان، فكلنا عندئذ بعد تأمل الموت، أب وأم وأخ لأبناء البشر ~~جميعا. # وهذا هو إحساس المسيح، وغاندي، وتولستوي، بل فولتير، وروسو، وشفيتزر بل كل إنسان استطاع ~~أن يقف عن هرولته الاجتماعية ويتأمل حقيقة الموت. أجل، إن تأمل الموت هو كشف ديني، كأني - ~~حين أوقن أني في إحدى اللحظات سأفارق هذا العالم فلا يبقى لي فيه جسم أو اسم أو ذكرى - لا ~~أسأل عندئذ عن هذا الرجل هل هو باشا أو بك؟ وثري أو فقير؟ وهل يملك ضيعة أو أتومبيلا أو ~~قصرا؟ وإنما أسأل عن ميزاته الإنسانية، بل إني لأهتم به وأتأمله كثيرا عندما أعرف أنه يحب ~~الزهور، ويحنو على الأطفال، ويفرح لرؤية الشفق، وتلتمع في ذهنه أشعة الذكاء وشهوة الحرية، ~~ويحس قرابته للحيوان بل للنبات. # إن يقيننا بالانعدام بعد الموت يزيدنا وجدانا بالحياة، وهذا هو إحساسنا عندما نقرأ ~~دستوفسكي، فإن الحياة تصخب حولنا وتكاد تتجمع في بركان تحتبس فيه العواطف ثم تنفجر. ومع أن ~~القارئ لقصصه يحس من وقت لآخر أن إيمانه بالله يتزعزع، هنا وهناك، فإن إصراره على الإيمان ~~يتكرر في لهجة التأكيد والغضب من المنطق العلمي وتفشي المادية الأوروبية، فهل نستطيع أن ~~نفسر ذلك بأن رهبة الموت حين وقف لتلقي النار قد حملته أيضا على التشبث بالإيمان فرارا من ~~معاني القلق والشك والخوف، وجميعها من معاني الموت؟ # قد يكون ذلك، ولكن هذا الإيمان قد جعل قصصه تذوب، رحمة ms070 وحنانا وإخاء وبرا حتى لنحس ~~ونحن نقرأها هذه الفضائل تسري في كياننا، كما لو كانت بلسما، وترفعنا فوق أنفسنا. ~~••• # لا نتمالك ونحن نقرأ دستوفسكي أن نقارن بينه وبين نقيضه نيتشه، وقد عرف داعية القوة وعدو ~~المسيحية داعية الرحمة والمسيحي الأول من إحدى قصصه. والعجب أننا على الرغم من هذا التناقض ~~بينهما نجد اشتراكا في الأسلوب الفكري ، حتى لقد أحب نيتشه دستوفسكي وقال عنه: هو الإنسان ~~الوحيد الذي علمني شيئا عن السيكلوجية. # وهما يشتركان في الكراهة للحضارة العصرية، ولكن لسببين متناقضين، فإن دستوفسكي يكره ~~أوروبا؛ لأنها تركت الإنجيل والمسيح، ونيتشه يكرهها لأنها اعتنقتهما، فالأخلاق العامة في ~~أوروبا تحولت في رأي دستوفسكي إلى أخلاق المادية العلمية، والمباراة الاقتصادية، والبعد عن ~~الإخاء والرحمة، ونيتشه يكره الأخلاق الأوروبية؛ لأنها ابتعدت عن الفطرة الحيوانية واستبقت ~~الضعفاء والعجزة والمرضى الذين يفسدون المادة البشرية؛ لأنها أخلاق مسيحية. ولكنهما يتفقان ~~من حيث إن لكل منهما رؤية بشرية، فكلاهما حالم، ولكن حلم دستوفسكي هو المسيحية العامة، ~~وحلم نيتشه هو تنازع البقاء. وقد قال كلاهما: إن البطولة خير من السعادة، ولكن البطل عند ~~دستوفسكي هو ذلك الذي يضع إحساسه البشري فوق عقله المنطقي، والإحساس هنا هو الرحمة والحب، ~~وكذلك نيتشه يزدري العقل والمنطق، ويقول بالإحساس ولكن إحساسه هنا هو أن الصقر يجب أن يأكل ~~العصفور ولا يرحم. # لقد انتهى رسكلنيكوف في قصة «الجريمة والعقاب» الذي قتل العجوز كي يحصل على مالها إلى أن ~~يجحد عقله ويعود إلى إحساسه، ويرضى بالتكفير عن جريمته في سيبيريا، ولو أن نيتشه كان قد ~~ألف هذه القصة لسخر من هذه النهاية، ولكنه مع سخره هذا، لم يكن ليقبل قتل العجوز؛ لأنه لم ~~يكن داعية للفوضى، وإنما الأغلب أنه كان يطلب نظاما اجتماعيا منطقيا يؤدي إلى ~~الاستغناء عن العجزة الذين انتهى نفعهم للبشر. وحين نقرأ قصص دستوفسكي لا نتمالك أن نحس أنه ~~يريد أن نفهم منه أن الإنسان مزيج من الخير والشر، وأن في نفس المجرم الآثم أو الشرير ~~القارح جواهر من الشرف والبر، وهذا صحيح. ms071 # وثلاثة يمثلون العبقرية البشرية، هم نابليون الذي يمثل عبقرية الإرادة، وأينشتين الذي ~~يمثل عبقرية الذهن، وأخيرا دستوفسكي الذي يمثل عبقرية الإحساس. # | ثورو ونداء الطبيعة # سبق لي أن أوضحت بعض الأسباب التي تجعلني أحب أحد المؤلفين دون الآخرين، ولكن هناك حالات ~~من الحب تتعمق قلبي وتتغلغل في خلايا مخي بحيث أعجز عن التحليل، فلا أصل إلى الجذور التي ~~تربطني بأحد المؤلفين، وقصارى ما أقول عندئذ إني أحبه كما أحب اللحن الموسيقي العظيم، أو ~~أعجب به كما أعجب بالتمثال الرائع، وأتعلق به برباط من الحنان كما لو كان هذا المؤلف أبا ~~أو أما. # فإني أعجب بتولستوي مثلا؛ لأنه ألف قصة خالدة رائعة تدعي «أنا كارنينا» هي في الذروة ~~من الفن، ولكن حبي له لا ينبني على هذه القصة وحدها، بل أحرى أن تبعث هذه القصة في نفسي ~~إعجابا بقدرته، ولكني لا أحبه لأنه قادر فقط، وإنما لأنه ضعيف عاجز أيضا، قد ارتكب أخطاء ~~وتورط في مشاكل لم يعرف كيف يتخلص منها، فإحساسي نحوه هو الحنان والرقة، هو عندي: بابا ~~تولستوي، لهذه الأخطاء والتورطات نفسها. # عاش تولستوي عيشة الفسق وهو شاب، ثم حاول أن يكون شيخا طاهرا وأسرف في معنى الطهارة حتى ~~قال - وحاول أن يمارس ما كان يقول به: إن الزوج يجب ألا يتصل بزوجته إلا بغية التناسل. ولكن ~~أخفق؛ إذ كان يصارع جسده وهو فوق السبعين، ويعود من هذا الصراع خائبا. # وقضى شبابه وهو لا يكاد يدري أن في هذه الدنيا أديانا يؤمن بها الناس ويجعلون منها دستور ~~حياتهم، حتى إذا اكتهل شرع يشتغل بالدين ويحاول الإيمان، فإذا به يتورط في ارتباكات ذهنية ~~وعادات سلوكية انتهت به آخر حياته إلى اثني عشر يوما من الضلال والدمار، ثم الموت. وكان ~~شريفا له لقب كونت، وعنده آلاف الأفدنة، يستغل عشرات الفلاحين في زراعتها، ثم انبلج له نور ~~جديد، فإذا به يجمع هؤلاء الفلاحين ثم يعرض عليهم أن يوزع الأرض بينهم؛ إذ لا حق له في ~~استغلالهم، ويغادر الفلاحون منزله، وفي نفس كل منهم ms072 شك أو شبهة في سلامة عقله. ثم تدري ~~عائلته بما جرى في هذا الاجتماع فتكفه عن التصرف وتمنعه من التنازل عن أرضه، وتستمر على ~~الرغم منه في استغلال الفلاحين. وألف عشرات القصص الخالدة، وكلها فن ومجد وحب، ملأت ~~الدنيا موسيقى وأدخلت السعادة إلى قلوب الملايين من البشر، ثم يختمر في نفسه الإيمان الجديد ~~بأن الناس لا يحتاجون إلى الفن، وإنما يحتاجون إلى الحنان والخير والقناعة وسذاجة العيش، ~~فيكف عن التأليف ويرفض أن يتناول قرشا من أرباحه من هذه القصص، ثم لا يكتفي بهذا بل يعمد ~~إلى شراء الجلود ويصنع بيديه أحذية للفلاحين؛ لأن صنع حذاء يدفئ قدم الفلاح خير من إخراج ~~كتاب يجد فيه القارئ لذة فنية، وتثور العائلة في وجهه، وتضرب عليه حصارا حتى لا يتورط في ~~عمل أرعن جديد. وكان له صديق طبيب من أولئك الرجال الذين يحابي القدر بهم بعض الناس، فهم حب ~~وإخلاص وتضحية، وهم سعادة لأصدقائهم ونور للعقل والقلب. # وكان تولستوي إذا جاءه هذا الصديق شهق شهقة الخلاص، فهو يستقبله ويدخله غرفته ويقفل ~~الباب، ويبقى الاثنان يتناجيان. ولكن زوجة تولستوي لا تطيق كل هذا الحب ينحرف عنها من زوجها ~~إلى هذا الطبيب، فهي تغار وهي تحقد، ثم تنفجر، فتكتب في مذكراتها بأنها نظرت من صير القفل، ~~ولا تشك في أن بين تولستوي وبين هذا الطبيب حبا جنسيا شاذا، وكلا الرجلين قد أوشك على ~~الثمانين. وهذا حقد الغيرة، وعمى الغيرة، وكفر الغيرة. # ويستقر في ذهن تولستوي أنه قد فشل في حياته، فلا هو استطاع أن يوزع الأرض على فلاحيه، ولا ~~هو استطاع أن يؤمن بالإيمان الساذج الذي كان ينشده بإحساسه، ولا هو قادر على أن يعيش العيش ~~الساذج الذي قال به ودعا إليه، بل إن نفسه لتهفو حتى وهو في هذا النسك إلى أن يؤلف قصة ~~غرامية، وأنه مع دعواه بأن التناسل هو الغاية المفردة من التعارف الجنسي ليتقدم في ذل إلى ~~زوجته. # والدنيا حوله في آلام، فقر وجوع ودنس وظلم، أجل، ليس له الحق في ms073 أن ينعم بطعام طيب أو ~~فراش دافئ، وهو يحس أنه قد اقترب من الليل الطويل والنوم الأخير، وأنه يجب أن يتنكر الإنكار ~~العظيم لحياته الماضية، وأن يفر من الدنيا إلى ... إلى الله، وكيف يفر إلى الله هذا الشيخ ~~الذي بلغ الثانية والثمانين؟ # في الساعة السادسة من صباح يوم 28 أكتوبر من عام 1910 تأتي إليه عربته التي ينتظرها ~~بميعاد، ويحرص الحوذي على الصمت والسكون حتى لا يستيقظ أحد آخر، ثم تسير به العربة إلى محطة ~~السكة الحديدة، فينزل ويجد صديقه الطبيب في انتظاره، ويأتي القطار فيركبان في إحدى عربات ~~الدرجة الثالثة، وينزل كلاهما في إحدى المحطات، ويسيران إلى دير حيث تستقبلهما الراهبات، ~~ولكن لا تمضي أيام حتى تعرف ابنة تولستوي - وهي فتاة في السادسة والعشرين - مكانه، فتذهب ~~إليه وتدخل الدير وتقف إلى جنب والدها، ولكنه هو يحس من هذه الزيارة أن الدنيا قد شرعت تجره ~~إليها بعد أن تركها، فهو يستيقظ في الرابعة من الصباح، والثلوج تكسو روسيا بأجمعها، فيفر ~~مرة أخرى مع ابنته والطبيب. # ويحس قشعريرة تلجئه إلى أن يرتاح في غرفة بإحدى محطات السكك الحديدية، وبعد أيام بين يدي ~~ابنته، يموت ... يموت موتا عظيما بعد أن عاش حياة عظيمة، لقد ألف تولستوي عشرات القصص ~~الجميلة، ولكن قصة حياته أجمل بل أخلد، إنها كانت جهادا شاقا وأخطاء متوالية في سبيل ~~الحق والشرف، ونحن أعجز من أن ننهج هذا النهج في الحياة، ولكن هذا العجز يزيدنا حبا له. ~~وحياته هي رؤيا دائمة، هي دعوة إلى أن نتحرى الحق ونجرب التجارب في العيش، فننفض العادات، ~~والتقاليد، والعرف، إذا لم نجد أنها تلائم العيش المثمر البار. # وتجارب العيش هي في النهاية أثمن ما يطلبه من المؤلف أو المفكر، ونحن ننتفع ونسترشد بحياة ~~المؤلف كما ننتفع بمؤلفاته، بل ربما أكثر؛ لأن حياة المؤلف هي نهج جديد للبشر. # وكثيرا ما أقارن بين حياة فولتير ومؤلفاته، فأجد أن كفاحه الشخصي للتعصب الديني قد ربى ~~أوروبا وعلمها معاني جديدة لشرف الفكر، رباها وعلمها بأكثر مما ربتها ms074 وعلمتها مؤلفاته، ~~وكذلك الشأن في حياة غاندي أو شفيتزر؛ ذلك لأننا لسنا واثقين بأننا نعيش في حضارتنا الراهنة ~~الحياة الفضلى على المستوى الأرحب، ومن الحسن أن نصدم من وقت لآخر بمن يوضحون لنا الخطأ ~~والخطل في عيشنا الحاضر، أو على الأقل يغرسون الشك في نفوسنا حتى لا نسرف في عاداتنا ~~الاجتماعية المورثة ونتقيد بها كما لو كانت شعائر دينية، فمجتمعنا الذي نعيش فيه مثلا هو ~~مجتمع اقتنائي يعلمنا كيف نقتني، ويغرس في نفوسنا عواطف الكسب والجمع والغيرة والحسد، ~~وكثيرا ما نسير إلى أقصى حد مع هذه العواطف فنقع في هموم هي سموم تأكل في نفوسنا وأجسامنا ~~معا، ونشقى بما نقتني. # وقد رفض غاندي أن يعيش وفق المبادئ التي يدعو إليها هذا المجتمع، فقنع من الدنيا بشملة ~~وعنزة، وعاش سعيدا إلى سن الثمانين تقريبا، ولعله كان يعيش أكثر لو لم يقتل، وكانت له ~~مبادئ في الخير والبر والإخاء والحب هي ثمرة هذا العيش الساذج، أو على الأقل كانت بعض ~~ثمرته؛ لأننا يجب ألا ننسى أن أسلوب عيشنا «يكيف» أفكارنا ويعين أخلاقنا إلى حد بعيد، ~~وأسلوب الاقتناء في العيش يبعث الطمع والحسد، وأسلوب القناعة في العيش يبعث ~~الطمأنينة. ~~••• # وإني أذكر هنا رجلا جرب تجربة في العيش كانت إلهاما لغاندي هو هنري ثورو الكاتب ~~الأمريكي، الذي كسب غاندي عنه أسلوب العيش، كما أخذ عنه شعار الثورة الهندية على ~~الإمبراطورية البريطانية، وهو «العصيان المدني». وقد كان هنري ثورو يقصد من هذه العبارة إلى ~~أننا نكون أحرارا بحيث لا يربطنا المجتمع بعاداته وأهدافه وأساليبه وقيمه؛ لأن لكل منا حق ~~الاستقلال في تنظيم عيشه وفق مبادئه الشخصية، حتى حين يخالف العرف المألوف، وقد خرج غاندي ~~هذه العبارة تخريجا آخر هو أن الهنود يجب ألا يتعاونوا مع الإنجليز. # ولد ثورو في عام 1817 ومات في سنة 1862، وقد ألف كثيرا، ولكن ميزته أنه أدخل الطبيعة ~~في الأدب الأمريكي، وأثار الوجدان لجمال الريف والغابة والطير والوحش، وكان الروح التجاري ~~والاقتنائي في أيامه على أشده في الولايات المتحدة، فعمد هو ms075 إلى صده، وترك المدينة وأقام في ~~الغابة، وكتابه «والدين» هو أثره العظيم الذي يذكر لنا فيه تجاربه وإحساساته عن هذه الحياة ~~الفطرية التي عاشها. # وهو يقول عن تجربته هذه: «لقد أردت أن أعيش عن قصد، وأن أجابه حقا عمق الحياة الأصلية ~~فقط؛ كي أعرف ما يمكن أن تعلمني هذه الحياة، حتى إذا قاربت الموت أكون واثقا بأني قد عشت ، ~~ولم أكن أرغب في أن أحيا بما لم يكن أصيلا في الحياة؛ لأن الحياة غالية، كما أني لم أكن ~~أقصد إلى الاعتكاف ما لم يكن هذا ضروريا، إنما أردت أن أعيش في عمق وأن أمتص مخ الحياة، ~~وأن أحيا في قوة حياة إسبرطية تبعد عني ما ليس من الحياة، وأن أدفع الحياة إلى مأزق، وأن ~~أصل منها إلى أن أدون ما فيها، فإذا كانت خسيسة فإني سوف أعلن خستها للعالم، وإذا كانت ~~سامية فإني أريد أن أعرف هذا السمو وأجربه وأقدم عنه حسابا.» # هذا كلام جد وعمل جد، فإننا لم نقف قط هذا الموقف من الحياة، وإنما الأنبياء وحدهم ~~الذين وقفوه وجربوه؛ إذ لست تجد نبيا إلا وله فترة من الاعتزال والاعتكاف يترك فيها ~~المجتمع، ويبحث فيها عن مراسيه في الدنيا، وهو في هذا الاعتكاف «عاص مدني» يحاول أن يتخلص ~~من القيم والأوزان الاجتماعية كي يصل إلى ما يقابلها من القيم والأوزان البشرية التي تعلو ~~على العادات والعرف. والأديب المخلص في حاجة إلى مثل هذا الاعتزال والاعتكاف من وقت لآخر، ~~ولكن ثورو لم يكن يريد من فراره إلى الغابة أن يعتكف للتأمل فقط، وإنما كان يريد أن يجد ~~ويجرب طريقة أخرى للعيش لعلها تكون أفضل من عيش المتمدنين. # لقد نشأ ثورو في مدينة صغيرة ولكنها مع صغرها كانت تحوي جميع التأنقات التي تمتاز بها ~~المدن، هي مدينة كونكورد في الولايات المتحدة، وعاش ثورو فيها واحترف التعليم، ولكنه تركه ~~للأدب، ولم يوفق كثيرا، بل الحق أن شهرته في أيامنا تزيد عشرات المرات على شهرته حين كان ~~حيا يدعو دعوته الحارة إلى الطبيعة. ms076 وإحساس ثورو للطبيعة عميق، يدهشنا أحيانا بعمقه، ~~انظر إليه حين يقول: # إن الطبقة العليا من التربة التي تحتوي جذور الأعشاب تحوي من الأدوات الميكانيكية ~~ما هو أدق من أدوات الساعة، ومع ذلك نحن ندوسها بأقدامنا، وهذه الحركة التي تجري في ~~التربة في الظلام، وهذه الكيمياء التي تتخلل ألياف العشب قبل أن تظهر ورقة واحدة ~~منه فوق الفتات البالي لجديرتان ، لو أننا فهمناهما، بأعظم كشف في الطبيعة. # ولم يكن ثورو يدعونا إلى التخصص في دراسة الطبيعة، وإنما كان يطالبنا بأن نعيش في ~~الطبيعة، وهو يوضح لنا أن ارتباطنا بالمجتمع أو الحرفة أو السياسة أو الحكومة أو غير ذلك من ~~المؤسسات الاجتماعية إنما هو شيء ثانوي إلى جانب ارتباطنا بالطبيعة؛ بالأرض والجبل والنهر ~~والشجر والحيوان والطائر، فيجب أن نعيش مع هذه الأشياء أو فيها. ثم يجب على الإنسان أن يكون ~~قادرا على أن يعيش منفردا متوحدا يأنس إلى الطبيعة دون الحاجة إلى مجتمع. كما يجب أن ~~ينشد سعادته واختباراته من الطبيعة وليس من النجاح المالي أو الاجتماعي، وهو هنا لا ينكر ~~قيمة الصداقة بل يكبر من شأنها، ولكنها صداقة الزمالة في الطبيعة. # إن الإنسان الاجتماعي كائن صغير إزاء الإنسان الطبيعي؛ الأول يعيش في المدينة، وهو محدود ~~الاختبارات والآفاق، له هموم صغيرة تستوعب نهاره بل بعض ليله، وهو يعمل جادا متعبا كي ~~يجمع ثروة أو يحقق غاية اجتماعية طول عمره، ولكن الإنسان الطبيعي لا يحتاج إلى أن يكد ويتعب ~~إلا للحصول على طعامه وكسائه، أما سائر وقته فينقضي في الالتصاق بالطبيعة. وهنا يصدمنا ثورو ~~بقوله: لماذا يفرض علينا العمل ستة أيام في الأسبوع ثم يوما من الراحة؟ أليس العكس هو ~~الأولى؟ # وهو يعني أننا إذا عمدنا إلى ترك التكاليف الاجتماعية الباهظة، وارتضينا بساطة العيش بين ~~أحضان الطبيعة، فإن يوما واحدا من العمل في الأسبوع يكفل لنا جميع حاجاتنا، أما الأيام ~~الباقية فهي للاستمتاعات والاختبارات. # ترك ثورو مدينة كونكورد إلى بقعة نائية في عام 1843، وكانت سنه وقتئذ لا تزيد على ~~ست وعشرين سنة، وهناك ms077 بنى بنفسه كوخا من الخشب، وكان قريبا منه غابة يحصل منها على خشب ~~الوقود، وكذلك بالقرب منه بركة تحوي القليل من السمك. وكان عندما يحتاج إلى أكثر مما يحصل ~~عليه من البركة والغابة، يؤجر نفسه للمزارعين المجاورين ويشتري بعض حاجاته بما يكسبه من ~~أجر عمله. وقد كلفه بناء الكوخ ثمانية وعشرين دولارا، وكان طوله 15 قدما وعرضه 10 أقدام، ~~وهو يصفه بأنه يحوي من المرافق أكثر مما يحتوي المسكن العادي في المدينة: «ولم يكن له قفل ~~على الباب أو ستار على النافذة، وكان جزءا من الطبيعة بقدر ما كان جزءا من العمل ~~البشري.» # وهو حين يصف الطبيعة تحس كأنه قد انتشى بها كما ينتشي أحدنا بالخمر، بل كأنه قد تزوجها ~~ويحس فيها طربا جنسيا قد بلغ الذروة. وهو يستخرج منها لهذا السبب الإحساسات والمعاني ~~التي تخطر على بال من يعيشون في المدن حيث معظم اللذات مصنوع، انظر إلى قوله: «الإنسان ~~الحيوان ابن عم أشجار الصنوبر وأحجار الصخر. ليست الأرض التي أدوسها هامدة ميتة؛ إذ هي جسم ~~وروح، وليس لأمعائها الدقيقة نهاية، هنا كيمان من الأنوار، من الأكباد، من الأمعاء، أليس لك ~~أمعاء؟ إن للطبيعة أمعاء، ثم هي أم البشرية، وعندما نضع البذور فيها تتجرد ثم ~~تنمو». # هذا هو الانتشاء بالطبيعة، وهو مثل كل انتشاء يحوي شيئا من الهذيان، ولكنه هذيان ملهم ~~يدل على حقائق. وهو يقول أيضا: «يجب أن تصعد فوق الجبل كي تعرف العلاقة بينك وبين المادة؛ ~~أي بين جسمك وبين المادة، لأن جسمك يجد بيته هناك.» ~~«انظر إلى أصابعي، وكيف أتناول وأعبث بها! أجل، إنها هذه الأصابع، قد تكون جزءا من قمة ~~هذا الجبل الذي أصعد إلى قمته، كي أرى أبناء عمومتي، إنه يحوي أصابع الأيدي والأقدام كما ~~يحوي الأمعاء، ومن هنا اهتمامي.» # ثم يقول: «عش في كل فصل من فصول السنة، تنفس الهواء، واشرب الشراب، وتذوق الفاكهة، ~~واستسلم لها جميعا، ولتدفعك جميع الرياح، وافتح مسامك جميعا، واستحم في مد الطبيعة ~~وفي أنهارها ومحيطاتها في جميع الفصول.» ~~«وإذا ms078 كنت تحس أنك تستقبل النهار والليل في طرب وفرح، وإذا كانت الحياة تنقل إليك أنفاس ~~الزهر والعشب في أرج جميل، فأنت موفق، والطبيعة تهنئك، ولك الحق عندئذ في أن تحس أنه ~~قد بورك عليك.» ~~••• # لم يقض هنري ثورو عمره كله في كوخه؛ إذ هو رجع بعد سنة وشهور إلى المدينة، وهو بهذا ~~يحملنا على أن نفهم أن عودة البشر إلى حياة الفطرة في الغابة لم تعد ممكنة، وإنما قصارى ما ~~نفهمه من تجربته أنه أومأ إيماءة لنا بأن التكاليف الاجتماعية الباهظة نستطيع أن نستغني ~~عنها، وأن في «الفقر الإداري» كما سماه قيمة يجب ألا نستهين بها، فإن حياة المدينة وما فيها ~~من هرولة وعصبية وهموم، كل هذا يمكن النجاة منه بأن نجعل شعارنا: كيف نستغني؟ بدلا من كيف ~~نقتني؟ # والولايات المتحدة بعد مائة سنة من تجربة ثورو أحوج إلى عبرته مما كانت في عام 1851؛ لأن ~~المباراة التي يعيش فيها الأمريكيون في هذه الأيام هي أقتل للنفس، وأبعث للقلق والخوف، مما ~~كانت في أيامه. والأمريكي الذي ينبعث في عام 1950 إلى مثل تجربة ثورو هو رجل سعيد بالمقارنة ~~إلى المهرولين العصبيين الذين يملئون أسرة المستشفيات للأمراض العقلية، وإنه لمن الحسن ~~أن ينبهنا كاتب، بإسرافه في الحب للطبيعة، إلى أنه، إلى جنب الشارع والنادي وسهرات الكئول، ~~وعد النقود، وشراء الأرض، واقتناء الضياع أو الأسهم في الشركات، إلى جنب هذا توجد أرض وسماء ~~وأشجار وزهور وأنهار وجبال، وأن القمر يضيء في الليل ويكسو الحقول بأشعته، وأن النجوم ~~تنادينا في الظلام كي نتأملها ونتحدث إليها، وأننا من وقت لآخر يجب أن نختلي ونستوحد، كي ~~نعيد النظر في حياتنا، ونسأل هل نحن نعيش مسوقين بضغط العادات الاجتماعية التي لم نفكر من ~~قبل في قيمتها؟ وألا يجدر بنا أن نغير هذه العادات أو ننقحها بإلهام الطبيعة التي تردنا إلى ~~الأصول التي تردنا على الأصول والجذور؟ # | تولستوي # فيلسوف الشعب # ولد تولستوي في عام 1828 ومات في عام 1910، ومن هذين التاريخين نرى أنه عاصر القرن ~~التاسع عشر كله ms079 تقريبا، ولكنه لم يكد يعيش في القرن العشرين، فقد مات قبل الحرب الكبرى ~~الأولى بأربع سنوات، وما كان أحوجنا إلى أن نسمع صوته عن هذه المجزرة البشرية العظمى. ولكنه ~~في القرن التاسع عشر رأى كثيرا واختبر كثيرا، فقد اشترك في حرب القرم في عام 1854، ورأى ~~بعد ذلك حرب السبعين بين فرنسا وألمانيا، ورأى أحد القياصرة يقتل، ورأى تحرير العبيد في ~~عام 1861، واصطدم بالكنيسة وطرد منها، واصطدم بعائلته حين أراد تسليم أرضه المورثة للفلاحين ~~وانهزم، وصمت. # وكان طيلة حياته في النصف الثاني للقرن التاسع عشر ضمير أوروبا، يرتئي الرأي ويعظ ~~الموعظة، ولكنه قلما كان يزيد على ذلك، وهنا أكبر إهماله أو خطئه، كان ضمير أوروبا، كما ~~كان غاندي - منذ 1920 إلى 1948 - ضمير الهند والعالم، كلاهما تولستوي وغاندي، صورتان لشخص ~~واحد، هما صورة الأستاذ وتلميذه، ولكن هذا التلميذ؛ غاندي، حاول أن يجعل آراء تولستوي ~~ومواعظه أعمالا منفذة. # في هذه الحياة الطويلة التي عاشها تولستوي رأى أهوالا من الشقاء البشري كان أولها حرب ~~القرم، فإنه يذكر أنه عقب هذه الحرب لم يطق إلا أن يأخذ قلمه ويكتب، وأن ينذر قلمه لمحو ~~هذا الشقاء البشري؛ أي الحرب، ولكن حرب القرم يمكن، بالمقارنة إلى حروبنا الجديدة التي تخيم ~~على عالمنا العصري، بالذرة المنشقة والذرة الملتحمة، يمكن أن تعد مباراة في كرة القدم، ولو ~~أن تولستوي كان حيا في أيامنا، وكان يسمع أو يقرأ ما يقال عن الحرب المنتظرة، لطالب ~~بإرسال جميع المسئولين إلى المارستان. # إنها الحرب التي جعلته يقول في عام 1854: لم أتمالك أن أتناول القلم وأكتب، وكل رجل شريف ~~له قلم يجب أن يقول مثل هذا القول هذه الأيام. # والحرب بؤرة لمشكلات عديدة، اضطر تولستوي، كما يضطر غيره في مثل هذه الظروف، إلى أن يشتبك ~~فيها، فاشتبك في معنى الدين، ودلالة الفن، وهدف الثقافة، وأسلوب العيش، وعادات الحب ~~والزواج، وكتب القصة الفنية، والرسالة المناقشة وحاول أن يحس وفق ما يقول ويؤمن، ونجح ~~قليلا وفشل كثيرا. # نجح من حيث إنه عمم الإيمان بأن المجتمع ms080 يعاني من الأسواء، ويحمل من الأوضار ما يجب أن ~~يبعثنا على إصلاحه، فكانت بذلك مؤلفاته إيحاء للثورة، وفشل من حيث إنه كان يعتقد الاعتقاد ~~الديني بأن إصلاح الفرد يؤدي إلى إصلاح المجتمع ... ولم يفقه قط إلى أن الفرد مسير بعادات ~~المجتمع وأساليب عيشه، ونظم أخلاقه وعاداته، وأنه لن يتغير إلا إذا غيره المجتمع أو هيأ له ~~أسباب التغير. # كان تولستوي مثاليا ولم يكن ماديا. ~~••• # نجد في حياة تولستوي ظروفا أو حوادث رسمت له خطوط حياته، فإن حرب القرم بفظائعها جعلته ~~كاتبا يكتب عن قهر وإلزام؛ لأنه لا يطيق الصمت، وهذه الحال أعظم ما يهيئ التفوق والنبوغ ~~في الكاتب. ثم رأى هول النظام الإقطاعي في روسيا، والرق الزراعي الذي كان يقضي بخضوع ~~الفلاحين لصاحب الأرض، لا يتركونها إلى غيرها؛ إذ هم عبيد تملكهم الأرض ولا يملكونها. وقد ~~ألغي الرق في عام 1861، ولكن تولستوي حرر عبيده تطوعا قبل أن يسن هذا القانون. # ورأى تولستوي في حياته الأدبية صراعا بين المستغربين والمستشرقين، فإن دعاة الإصلاح ~~انقسموا فريقين: أحدهما يقول بالتزام روسيا لمبادئها الشرقية، والآخر يقول بأخذها بالأساليب ~~الغربية، وهذا التردد أوقع بالشعب في بلبلة كسب منها الرجعيون؛ أي القيصريون والكنسيون، ~~أليست القيصرية والكنيسة مؤسستين شرقيتين وطنيتين يجب المحافظة عليهما؟ ولذلك كان القول ~~بتحرير العبيد من الرق الزراعي، وتعليم المرأة في الجامعات، والتفكير الاجتماعي في معاني ~~الدين، بل البرلمان نفسه، كل هذا كان من بدع المستغربين الذين يعدون خونة للمبادئ الشرقية ~~الروسية. وكان في الجانب الآخر دعاة الحضارة الغربية العصرية الذين أخذوا بالمذهب الماركسي ~~في الاشتراكية، والذين كانوا يطالبون بإلغاء القيصرية واحتضان الثقافة العلمية ~~الأوروبية. # وانتقلت هذه المعركة إلى الأدب الروسي واحتلت مركز المناقشة فيه، ففي ناحية نجد ~~دستوفسكي ينعي على أوروبا ماديتها ويدعو روسيا لاستيفاء شرقيتها، ومن ناحية نجد تورجنيف ~~يدعو إلى الغرب. # ومن هنا نشأت كلمة «العدمية: النيهلزم» التي سكها تورجنيف؛ كي يبين البلبلة أو اليأس ~~الذي يقع فيه شبان روسيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر حين كان يحملهم قنوطهم ms081 على ~~طلب العدم؛ لأن الوجود لا يطاق، الوجود لا يطاق إزاء ناس أشرار يطلبون بقاء القيصرية ~~والكنيسة المستبدين، وبقاء الرق الزراعي، وبقاء المرأة للبيت، وبقاء الاستسلام والخضوع ~~والرضا بالفقر. ~~••• # لكل كاتب أب روحي ينتمي إليه، أو هو يعتقد أنه ينتمي إليه، وفي هذا الانتماء أنسة ~~تتولد منها شجاعة وإصرار، وإحساس بالسلامة بالبعد عن الأخطار. ولا عبرة بأن يكون الأديب ~~المنتمي مخطئا، وإنما العبرة بالإيمان. وكان الأب الروحي لتولستوي جان جاك روسو، كما كان ~~الأب الروحي بعد ذلك لغاندي، تولستوي نفسه. # وقد صرح تولستوي بأن في شبابه كان يعبد روسو، وأنه كان يحمل ميدالية عليها صورة هذا ~~الأديب الفرنسي العظيم، ولقد قال في أحد مؤلفاته: «إني أحس، وأنا أقرأ لبعض الصفحات من ~~روسو، كأني أنا قد كتبتها.» # ونحن نجد بين الاثنين قاسما مشتركا، فإن كلا منهما وجد في الرجوع إلى بساطة الحياة ~~حلا للعقد الاجتماعية التي أوجدتها الحضارة العصرية، والتي جعلت حياتنا شاقة بالطموح ~~المسرف، والمباراة القاتلة، واتخاذ القصد المخطئ في الجهد لجمع المال، والعيش في البذخ. لقد ~~دعا روسو إلى العودة إلى الطبيعة وإلى المعيشة الساذجة، وقد عاش روسو في هذه الطبيعة ~~الساذجة حين آثر الريف على المدينة، والالتصاق بالأرض والإنتاج الزراعي على مركبات الحضارة ~~العصرية التي كثيرا ما تستحيل إلى عقد، ونحن نجد في اعترافات روسو، ثم اعترافات تولستوي، ~~أمكنة عديدة للمشابهة، ولكن يجب أن نسأل قبل أن نلتفت إلى هذه الاعترافات: لماذا كتبها روسو ~~وتولستوي؟ بل لماذا كتب غاندي، تلميذ تولستوي، اعترافاته أيضا التي سماها «تجارب في ~~الحياة»؟ # السبب هو القلق، فإن هؤلاء الثلاثة الذين هدفوا إلى الطمأنينة والسلام والسعادة في ~~كتابتهم، كانوا قلقين لهذا السبب نفسه؛ أي إن جهدهم لتحقيق الطمأنينة والسلام والسعادة قد ~~أحالهم إلى مفكرين مكافحين مخاصمين للمجتمع الذي عاشوا فيه، وقد تألموا جميعهم، فإن روسو ~~طورد كما لو كان مجرما، بل إنه عاش بعض سني حياته وهو مختبئ أو هارب، وتولستوي طورد من ~~الكنيسة التي كان يرفع دينها إلى أعلى مرتبة، وأما غاندي فقد ms082 ضرب وحبس، ثم أخيرا ~~قتل. # ولسان هؤلاء الثلاثة جميعا يقول، كما كان يقول أرميا: «ربي، لم جعلتني مشاقا لأهلي؟» ~~أي ربي، لم جعلتني على شقاق مع مجتمعي؟ # ولكن أرميا كان يجهل أن كل من يطلب الإصلاح والتطور والارتقاء لن يمكنه أن يؤدي هذه ~~الرسالة إلا بعد شقاق بينه وبين أهله. وهؤلاء الأهل، أو هذه الشعوب والمجتمعات، بعد أن تضرب ~~النبي أو الفيلسوف والأديب، وتحبسه وقد تقتله، بعد ذلك تقيم له التمثال الذي يخلد صورته ~~وتحتفل بذكراه وتدرس أقواله. وعظماء الأدباء في أيامنا هم الأنبياء، وهم الفلاسفة. ~~••• # لما كان تولستوي في شبابه وجد نفسه نبيلا ممتازا على الشعب بالثروة والمقام، وله عبيد ~~زراعيون يجري عليهم حكم الرق، فأعتق عبيده هؤلاء. ولكنه بعد ذلك وجد أن المباراة التجارية ~~الجديدة، واستخدام رأس المال الوطني والأجنبي، وظهور طبقة جديدة من الأثرياء الذين يطلق ~~عليهم اسم «بورجوازيين»؛ وجد أن المناخ الاقتصادي الاجتماعي الجديد، على ما يزينه من طلاء ~~الحضارة والثقافة، هذا المناخ أسوأ من المناخ الزراعي القديم، فكره الحضارة الغربية العصرية ~~ودعا دعوة الحياة الساذجة الفطرية، دعوى روسو قبل مائة سنة. # وهنا نحتاج إلى أن نتلبث قليلا ونبحث الموقف السيكلوجي، فإن جان جاك روسو حين خبر ~~المظالم الملوكية والإقطاعية في فرنسا، وحين شاهد البذخ النجس في الطبقات البشرية إلى جنب ~~الفقر الساحق المهين في عامة الشعب، حين رأى ذلك قال إن الحضارة كلها نجاسة يجب أن نتجنبها ~~ونعيش في سذاجة، لا نشتري الذهب، ولا نبني القصور، ولا نأكل على الموائد المطهمة، ولا نقتني ~~الحرير. # وكذلك تولستوي حين رأى غزو النزعات التجارية، والجشع؛ أي الاستكثار من الثراء بالمباراة ~~القاتلة وسحق الفقراء من العمال، ثم ما ينبني على ذلك من مدن يحيا فيها الأثرياء مع التعطل ~~والدعارة إلى جنب آلاف العمال الجائعين الذين يعيشون في البدرومات، حين رأى ذلك قال أيضا ~~بأن حياة الريف خير من حياة المدن، وأن الصناعات الصغيرة في القرى خير من المصانع الكبيرة ~~في المدن. # وقد تعلم هو صناعة الأحذية كي يحس راحة ms083 الضمير، وكان يحرث الأرض، وكان يقول إن المتمدنين ~~الغربيين يلعبون الألعاب الرياضية؛ لأنهم لا يؤدون أعمالا مجهدة، ولو أنهم كانوا يعيشون ~~مثل الفلاحين على الأرض لما احتاجوا إلى الرياضة البدنية. # ثم جاء غاندي فأحب تولستوي كما كان هذا يحب روسو، وأسس مزرعة باسم «مزرعة تولستوي» حين ~~كان في أفريقيا الجنوبية يدرس مشروعاته في مقاومة الشر بالخير، وكان يعمل ويجرب في أساليب ~~الحياة التي أصبحت مذهبا عاش به الهنود، فلبسوا الخيش وأكلوا الخضراوات، وصاروا يغزلون ~~وينسجون كي يستغنوا عن الأقمشة الإنجليزية الواردة إليهم من إنجلترا. ~~••• # أرجو ألا يفهم أحد أني أمدح هؤلاء الثلاثة على الخطط الأساسية التي زعموا أنها تصلح ~~للحياة العالمية، وإنما وجدت أنه يجب كي نفهم تولستوي أن نذكر هذا الاتجاه الذي لم يخل منه ~~عصر، ويكفي أن نقرأ قصة «نشيد الإنشاد» في التوراة كي نعرف أن هذا الاتجاه قديم؛ إذ إن هذا ~~السفر لا يعدوا أن يكون دعوة إلى الطبيعة والسذاجة والقناعة ضد الحضارة، وفي قلب كل منا شيء ~~يهفو إلى هذه الحياة، ونحن نزداد تفكيرا فيها عندما نجد أن مركبات الحياة المتمدنة قد ~~استحالت إلى عقد يعسر علينا حلها، وأننا نقع في مضاعفات تقلقنا وتؤسينا وتمرضنا. # التفكير في العودة إلى الطبيعة، والتفكير في القناعة بحياة الريف، والتفكير في لبس الخيش ~~وطعام النبات، كل هذا هروب من عقد الحضارة العصرية ومضاعفاتها والعجز عن حلها. # أما متى وجد الحل فإن أحدا لا يفكر كما فكر هؤلاء الأبطال الثلاثة. ~~••• # تمتاز القصة الروسية على وجه عام بالواقعية، وهذا هو الأثر الذي تخلفه قراءة قصة روسية ~~عند القارئ العربي الذي يعرف الآداب الروسية، وتولستوي واقعي يتعمق البواعث الخفية، ويكشف ~~عنها في صراحة كثيرا ما فزعت منها الطبقات الحاكمة في روسيا. وهو في كل ما يكتب لا ينسى أن ~~ينبه إلى أن الحضارة العصرية غير إنسانية، وأشخاص قصصه فضلاء مستقيمون إذا كانوا فلاحين ~~ساذجين مثل «لفين» في قصة «أنا كارنينا»، وهم أرذال منحرفون إذا كانوا متدينين مثل ~~«فردمنسكي» في هذه القصة نفسها، وهذا ms084 تحيز واضح له أصول في روسو معلمه الأول. # ثم هو، مثل روسو قبله، ومثل غاندي بعده، شعبي؛ أي مع عامة الشعب والفقراء والمسحوقين ~~والمحرومين، ومن هنا دعوته إلى تبسيط اللغة الروسية، بل إن كراهيته لشكسبير تعزى إلى حد ~~بعيد، إلى أن هذا الشاعر الإنجليزي يتعالى على الشعب ويسميه غوغاء لا يفهمون، وإلى أن معظم ~~أبطاله ملوك وأمراء. بل إنه يسرف هنا حتى يقول إنه يفضل أغاني الشعب الروسي العامية على ~~أشعار جوتيه شاعر ألمانيا العظيم، وأسلوبه لهذا السبب شعبي، هو حديث يكاد يكون عاميا، لا ~~نجد فيه تلك الكلمة المضيئة أو العبارة المزوقة التي اعتدنا أن نجدها في كتب الأدب الأخرى، ~~ولكنه في كل ما يكتب سيكلوجي عميق لا يعلو عليه هنا غير دستوفسكي الذي عرف سيكلوجية فرويد ~~قبل فرويد. ~~••• # وربما يكون من المنير هنا أن نقارن بين تولستوي ودستوفسكي، فإن كلاهما كاتب عظيم من ~~كتاب القصة، بل لا نغالي إذا قلنا إنهما أعظم كاتبين للقصة في العالم كله، ومع ذلك أنا ~~أوثر عليهما جوركي، ولكن ليس ذلك لأنه يعلو عليهما في فن القصة؛ وإنما لأني أجد فيه مزاجي ~~ونزعتي واتجاهي في الثورة التي لا يرضى عنها تولستوي أو دستوفسكي المسيحيان. # وهناك فرق أصيل بين دستوفسكي وبين تولستوي، ذلك أن دستوفسكي يهدف إلى إيجاد أشخاص، بل ~~أبطال، لكل منهم شخصيته الفذة التي يختلف بها عن سائر المجتمع، فهم فلاسفة أو مجرمون أو ~~حتى مجانين، ولكنهم عباقرة، ولكن عبقريتهم في الإحساس أكثر مما هي في العقل. هم أذكياء في ~~الإحساس فإن «رسكلنيوف» بطل «الجريمة والعقاب» وهي القصة التي كنت أول من حاول ترجمتها في ~~عام 1912، هذا البطل يقتل امرأة عجوزا عن تعقل منطقي، ولكنه يعترف بعد ذلك بالجريمة، ~~ويرضى بحكم الإعدام أو النفي المؤبد عن إحساس إنساني. ولهذا المؤلف أشخاص متدينون في قصته ~~العظيمة «الإخوة كرامازوف» تتأمل دينهم العميق فتشك في إيمانهم: هل هم مسيحيون أم إنسانيون؟ ~~وهل ينشرون النور أم الظلام؟ نحن نقرؤه ونحن نعاني لذة أليمة، وكأننا في قبضة ms085 محلل سيكلوجي ~~نستجيب لأسئلته بومضات الذهن وارتجاف القلب. # جميع أبطال دستوفسكي شواذ، مرضى، ولكنهم عبقريون أذكياء. أما تولستوي فمن الشعب يكتب ~~للشعب، رجاله عاديون، وهو يعبر عن أعمالهم وصفاتهم بلغة شعبية بعيدة عما يسميه الاحتيالات ~~البلاغية. المثل الأعلى عند دستوفسكي هو الرجل الشاذ الذكي الذي يحس أكثر مما يتعقل. # والمثل الأعلى عند تولستوي هو الرجل العادي الذي لا يشذ عن المجتمع، ولكن هذا المجتمع يجب ~~أن يكون ساذجا يحيا في الطبيعة والصلاح، هو الرجل الطيب في معنى الطبيعة الشعبية، بل أكاد ~~أقول العامية. البطل عند دستوفسكي هو من ينفصل عن المجتمع، والبطل عند تولستوي هو من يندمج ~~في المجتمع. وأحسن أشخاص القصص عند تولستوي هو «ليفين» صاحب الأرض في قصة «أنا كرنينا» ~~وهو مزارع طيب يتسم بأفكار عرفية؛ أي اجتماعية، عن الحب والزواج والعائلة والصلاح، هو ~~تولستوي نفسه وسائر المزارعين. # وأحسن الأشخاص عند دستوفسكي هو الطالب «رسكلنيكوف» القاتل الفاجر الذي يقتل العجوز كي ~~يسرق أموالها؛ لأن حياتها «لا تزيد في القيمة على حياة برغوث» أليس هذا هو المنطق؟ منطق ~~العقل وحده. # ولكن دستوفسكي يعود بعد ذلك فيشرح في أكثر من مائتي صفحة أن هذا المنطق خطأ. # وأبطال دستوفسكي يختلفون في معاني الحب من أشخاص تولستوي؛ البطل عند دستوفسكي يحب المرأة ~~البغي، ويعبدها؛ لأنه يعبد آلامها وينغمس في دموعها، ويكرع تعاستها، وكأنه يبكي في هذا ~~الحب تعاسة الناس وبغاء حياتهم وجوعهم، وهو يستنبط من هذا الحب المعاني الإنسانية التي ~~تجعلك تسمو على نفسك. # أما أبطال تولستوي فيحبون هذا الحب الأفلاطوني الذي يتوهم الناس أنه الحب السطحي، مع أن ~~أفلاطون قصد منه إلى الحب الشامل للإنسان والحيوان والنبات، والصدق والشرف، والحقيقة والفن ~~والطبيعة، الحب عند تولستوي هو الحب للناس أولا، ثم بعد ذلك لهذا الكون بكل ما فيه من ~~مخلوقات، ولهذا السبب كان تولستوي يقيس كل شيء بقيمته للشعب، فالكتاب أو الصورة أو اللحن ~~إنما هي جميعها وسائل لزيادة الاتحاد، بل الاندغام بين أفراد الشعب، وعنده أنا كلما ~~اندغمنا في الشعب كنا ms086 أسعد، وكلما انفصلنا كنا أتعس، ومن هنا كراهيته لشكسبير الذي يكتب ~~أحيانا في وقاحة، ويصف الشعب أنه غوغاء، وكذلك كراهته لجوتيه، حتى قال إن الأغاني الشعبية ~~الروسية تحوي من الفن أكثر مما تحويه أشعاره. وكذلك احتقاره لما كان يسميه «الاحتيالات ~~البلاغية»؛ لأن فنون البلاغة للخاصة وليست للشعب، ثم أخيرا نجده يحرث الأرض ويصنع الأحذية ~~بيديه، إنه يريد أن يكون من الشعب ويؤدي الأعمال الشعبية، وهو هنا بالطبع مسرف. ولكن لهذا ~~الموقف وجها يستحق أن نبحثه من ناحية المزاج النفسي والإحساس العاطفي، وليس من ناحية ~~الارتقاء البشري والتقدم العلمي، بل إن لهذا الموقف مغزى لا يستهان به حين نتأمل خطط ~~غاندي الشعبية في الهند والنتيجة التي انتهت إليها. ~~••• # تغمر إحساسات الحب حياة تولستوي، الحب الأفلاطوني الذي يشمل الحياة والطبيعة: حب روسو. ~~وأكبر الظن أن روسو هو الذي نبه ذهنه إلى الحب، أو هو الذي أيده وبعث فيه الاستطلاع ~~والتعرف؛ ولذلك لا نستغرب من تولستوي أن يلتفت إلى معاني الحب التي دعا إليها الإنجيل، ولكن ~~التفاته هذا أدى به إلى الاصطدام بالكنيسة. والواقع الذي يثبته تاريخ أوروبا أنه كلما ~~اقتربنا من الإنجيل، وحاولنا أن نفهم تعاليمه منه مباشرة، ونقرؤه مثل أي كتاب آخر، كلما ~~فعلنا ذلك، ابتعدنا عن الكنيسة، ونعني بالكنيسة هنا كهنتها، فإن لوثر، المصلح ~~البروتستانتي، حين شرع يدرس الإنجيل مباشرة طردته الكنيسة الكاثوليكية، وكذلك فعلت مع ~~رينان، وكذلك فعلت الكنيسة الأرثوذكسية مع تولستوي. # إن للكهنة تفسيرات «رسمية» للإنجيل، فمن تجرأ من المسيحيين على أن يفهم كلمات الإنجيل، ~~خارج هذه التفسيرات الرسمية، فإنه عندئذ يكون عرضة للوم والحرم، وليس هذا شأن الكنيسة أو ~~الكنائس البروتستانتية، التي تعلمت من طرد لوثر ألا تطرد أحدا يخالفها. وكان طرد تولستوي ~~أو إلقاء الحرم عليه، قائما على أنه نظر إلى المسيح النظرة الإنسانية، ووجد في الأخلاق ~~التي دعا إليها، وعمادها الحب، أخلاقا لا تحتاج إلى وحي إلهي، بل إنه يقول إنه هو نفسه؛ أي ~~تولستوي، كان يمكنه أن يقول بما قال به المسيح في الأخلاق ms087 دون أن يحتاج إلى وحي إلهي؛ لأن ~~هذه الأخلاق هي أفضل ما نعرف وأليق ما تكون للمجتمع البشري، هي أخلاق علمية. # وهو يقول في إحدى مذكراته حين كان يقاتل في حرب القرم حوالي عام 1855: «... خطرت بذهني ~~فكرة، هي تأسيس ديانة جديدة تتفق والحال الحاضرة للنوع البشري، أعني الديانة المسيحية التي ~~تتطور من العقائد الجامدة، ومن الغيبيات بحيث تصير ديانة عملية لا تهبنا سعادة المستقبل ~~(بعد الموت)، وإنما سعادة الحاضر على هذه الأرض.» # وهو يستخلص من موعظة الجبل في الإنجيل هذه الوصايا الخمس: ~~(1) # لا تغضب. ~~(2) # لا تزن. ~~(3) # لا تقسم. ~~(4) # لا تقاوم الشر. ~~(5) # لا تكن عدوا لأحد. # هذا هو كل ما يؤمن به من الإنجيل، وما عدا ذلك فزيادات يمكن الاستغناء عنها. ولكن تولستوي ~~مع ذلك لم يجابه كل الحقائق، ولو كان قد فعل لاستقر على العلم وحده. ~~••• # حقيقة الموت من أعظم الحقائق التي تواجهنا عندما نفكر في الحياة البشرية، لماذا نموت؟ ~~ولماذا نخاف الموت؟ # وقد فكر تولستوي كثيرا في هذا الموضوع، وله قصة تسمى «ثلاث توبات» توضح لنا رأيه في ~~الموت، وقد كتبها في عام 1858. # والموتات الثلاثة هي موت سيدة ثرية متمدنة، وموت فلاح فقير ساذج، ثم موت شجرة. وهو يصف ~~تدرج الموت، منذ بدايته حتى نهايته، في هذه الأحياء الثلاثة، وله نظرية في ذلك هي أنا ~~نتألم من الموت ونخشاه؛ لأننا نحيا في الحضارة على وعي بأن كلا منا فرد منفصل، ويزداد هذا ~~الإحساس إذا كنا متمدنين متعلمين؛ ولذلك تخشى في السيدة الموت. # أما الفلاح؛ فلأنه ساذج، يحيا مع الطبيعة ولا يحس فرديته إلا بمقدار صغير؛ أي إنه ليس على ~~وعي خاص بحياته، هذا الفلاح يتحمل الموت ويستقبله بأقل الألم وأقل الخوف. # أما الشجرة التي تخلو من الوعي، وليس لها أي إحساس بفرديتها؛ إذ هي جزء متم لا ينفصل من ~~الطبيعة، هذه الشجرة لا تحس بتاتا بالموت، ونحن حين نقطع غصونها ونكسر ساقها لا نجد فيها ~~ما يدل على ألم أو خوف. # والمغزى الذي يستخرجه تولستوي من هذه المقارنة بين ms088 الموتات الثلاث، أنه كلما ازددنا ثقافة ~~وتمدنا ومعرفة، ازددنا أيضا وعيا وانفصالا من المجموعة البشرية، ونحن نتألم لهذا الوعي ~~والانفصال وقت الموت، ولكن لو كان وعينا وانفصالنا ضعيفين أو معدومين لكنا مثل الفلاح، بل ~~مثل الشجرة؛ لأن موتنا جزئي إذ نحن أحياء في المجتمع أو الطبيعة لأننا لم ننفصل منهما، إذ ~~يكون موتنا بمثابة من تكسر أصبعه أو يده فقط. # إن تولستوي طبعة أخرى لروسو ، إنه يمدح الحياة البدائية، بل يمدح الطبيعة غير الواعية، ~~ويجد فيها الفلاح آلام الموت والشقاء من الخوف من العدم. # وهو بالطبع لا يؤمن بالغيبيات التي تلي الموت، ولا يشتهي، ولا ينتظر أطباق الحلوى بعد ~~الموت، هذه الأطباق التي يعتقد بعضنا أنها تخفف من ألم الموت وتزيد الخوف منه، مع أن الواقع ~~يثبت غير ذلك. ~~••• # إن تولستوي يستحق النقد هنا. # ذلك أنه نظر إلى الموت من حيث إنه مواجهة العدم للإنسان، وأنه نهائي ليست بعده حياة أخرى، ~~ولكن عبرة الموت يجب أن تنعكس على الحياة. # إذن ما دامت الحياة تنتهي بالموت انتهاء تاما؛ فيجب لذلك أن نحيا حياتنا بأقصى وأعمق ما ~~نستطيع، وأن نجعل من هذه الدنيا نعيما لأبناء البشر، نحيا في سعادة وسلام وعلم وثقافة ~~واستمتاع، ونعم الخير والعدل، ونتحمل نحن وحدنا المسئولية في كل ذلك بدلا من إلقاء ~~المسئولية على قوات غيبية، ولكن تولستوي لم يكن يرتفع إلى هذا التفكير؛ لأنه لم يكن ~~ثوريا، والثورة وحدها؛ أي السعي لإيجاد ثورة تغير المجتمع، هي التي نقلت الاهتمام النفسي ~~والذهني من التفكير في الدين إلى التفكير في الدنيا. # وكراهة تولستوي للثورة يعود إلى إيمانه المطلق بأن الشر يجب ألا يقاوم، وأن الموقف السلبي ~~من المظالم والشرور جميعها هو الموقف الذي اتخذه بعد ذلك غاندي، وقد اتخذه غاندي نقلا عن ~~تولستوي. # لم يكن تولستوي يؤمن بالثورة؛ إذ كان يقنع بالإيمان بالمسيحية، بالإخاء المسيحي، ولكننا ~~مع ذلك نظلمه إذا قلنا إنه لم يعمل لتعجيل الثورة، ذلك أنه عمم السخط بين طبقات المثقفين في ~~روسيا؛ لأنه أبرز مظالم المجتمع ms089 والحكومة والكنيسة، وهذا السخط كان الاختبار الذي سبق ~~الانفجار بالثورة. # لم يكن اشتراكيا، ولم يكن له برنامج، ولم يكن له كفاح عملي مذهبي سوى تسليم الأرض ~~للفلاحين، وقد حاول هو نفسه أن يفعل ذلك واصطدم بعائلته التي منعته من إنفاذ نيته. لم يكن ~~تأثيره إرشاديا للثورة، ولكنه كان إيحائيا. ~~••• # ولا نستطيع أن نقول إن غاندي قد أرشد الثورة في الهند بالتعاليم التي أخذها عن تولستوي ، ~~وإنما قصارى ما نقول عنه إنه أوحى بها ولونها بلون الوداعة التي انتهت بالمقاطعة، مقاطعة ~~الإنجليز المستعمرين. # وكلاهما؛ أي تولستوي وغاندي، يجهل الأساس الوحيد الذي تنبني عليه المجتمعات وتتغير بتغيره ~~وتتطور بتطوره؛ هذا الأساس هو الأساس الاقتصادي. كان كلاهما «مثاليا» وليس «ماديا»، كان ~~كلاهما يطلب الأخلاق ثم الإصلاح، الأخلاق عند كل من تولستوي وغاندي تؤدي إلى الإصلاح، ~~وهذا هو الخطأ الفادح؛ لأن الأخلاق ليست شيئا سوى الثمرة أو الثمرات، التي يثمرها النظام ~~الاقتصادي، فإذا كان هذا النظام حسنا عادلا فإن الأخلاق تكون حسنة عادلة. كان كلاهما يطلب ~~إصلاح الفرد، ثم يؤدى ذلك في منطقه إلى إصلاح المجتمع، ولكن العكس هو الذي نؤمن نحن به ~~الآن، فإننا نقول إننا نحتاج إلى مجتمع عادل لكي يتعلم أفراده بنظامه، محض نظامه، ويمارسون ~~العدل في علاقاتهم الواحد مع الآخر. # موقف غاندي وتولستوي هو الموقف المسيحي، وهو أن على الفرد واجبات إذا أداها صار المجتمع ~~صالحا. ولكن هل نجحت المسيحية في ذلك؟ إنها لم تنجح، بل انتهت بعد ألفي سنة من تعاليمها ~~باختراع القنابل الذرية الهيدروجينية، أقوى أسلحة الشر في تاريخ العالم. # إن أسوأ ما في تولستوي وغاندي معا أنهما لم يفهما، ولم يدرسا التفسير الاقتصادي للتاريخ، ~~ولكن هل معنى هذا أنهما لم يخدما عصرهما؟ لا؛ لأن الواقع أنهما كما قلنا، أوجدا سخطا أدى ~~إلى اختمار، ثم انتهى الاختمار بالانفجار، فكانت الثورة الاشتراكية في روسيا، ثم ثورة ~~الاستقلال في الهند. # السخط جعل الناس يفكرون ويغضبون، وانتهى التفكير والغضب إلى الثورة التي شبت بعد وفاة ~~تولستوي بسبع سنوات في عام 1917. ولكن ms090 هذا السخط الذي جعل الناس يفكرون ويبتكرون جعل ~~تولستوي نفسه يبتئس ويشقى؛ إذ كان هو يسخط ويتآكل ببخاره؛ لأنه لم يكن له برنامج اجتماعي ~~للثورة، ولذلك أيضا وجدناه بعد حياة بلغت 82 سنة ينهض من فراشه في الفجر ويترك بيته ~~وأولاده ويفر إلى حيث لا يعرف؛ إذ لم يكن له وجهة ولم يكن له قصد، كان يريد الفرار فقط، فر ~~من الحياة البائسة إلى الموت، ومات . # وبموته أثبت أن ما كان ينشده من الارتباط العضوي بالمجتمع، على الطريقة التي رسمها لم يعد ~~ممكنا؛ لأنه لم يعد من الممكن أن ننزل عن وعينا بالنزول عن ذكائنا وثقافتنا، ونحيا حياة ~~الفلاح أو حياة الشجرة، ولكن هناك ارتباطا آخر يحسه الرجل المثقف الواعي في أيامنا، هو هذه ~~الاشتراكية التي ننشدها، فنحن في حياتنا، بل كذلك في موتنا، أجزاء متممة للمجتمع، نرقى ~~برقيه ... فلا نشقى من الحياة، ولا نخاف من الموت. # ومع كل ما ذكرت عن تولستوي وروسو وغاندي، ومع كل ما نجد في حياتهم وتعاليمهم من أخطاء، ~~فإننا نهفو إليهم كما نهفو إلى النسيم المنعش، لما نجد فيهم من إخلاص وسذاجة وحب تفسدها ~~علينا الحضارة العصرية. # | فرويد وتشريح النفس البشرية # في النصف الأول من القرن العشرين خطا كثير من العلوم خطوات تقرب الوثبات، فإن انتهاء ~~الطبيعيات بالطاقة الذرية يعد وثبة، وإن تكن وثبة جامحة في الظلام؛ إذ ما كان أحد ينتظر أن ~~يصل عالمنا إلى هذا الكشف العظيم قبل مئات السنين؛ ولذلك فوجئنا بالقنبلة الذرية فكانت شر ~~البدايات التي عممت الذعر. # والتقدم في الطبيعة والكيمياء والبيولوجيا كان منتظرا منذ أكثر من مائة سنة؛ لأن لهذه ~~العلوم تاريخا يعود في بعضها إلى أكثر من مائتي سنة، ولكن السيكلوجية كانت إلى نهاية القرن ~~الماضي علما مغلقا أو كالمغلق، ولعل أكبر ما عاق تقدمه بل ميلاده، هو أنه نشأ نشأة زائفة ~~في حضن الفلسفة التي كانت تنأى عن التجربة، وتقتصر على التفكير المجرد. # ثم جاء فرويد فكشف عن النفس قناعاتها بمفتاح جديد هو «العقل الكامن» أو ms091 الكامنة. # وفكرة الكامنة هي إحدى الفكرات المحورية أو البذرية، فكرة خصبة ولدت، وتوالد أولادها، حتى ~~ظهر من الأولاد ما عاق الأم، ولكنه في عقوقه قد أثمر ونفع. وفي العقد الأول من هذا القرن ~~كان صوت فرويد هامسا خافتا، فما هو أن بلغنا العقدين الثاني والثالث حتى صخب وعلا بل طغى، ~~وأحس العالم أن ها هنا قوة فكرية توجه الثقافة توجيها جديدا لم نكن نعرفه من قبل . # وإذا كان النصف الثاني من القرن التاسع قد حفل بالصراع الفكري بشأن داروين والتطور، فإن ~~النصف الأول من القرن العشرين قد حفل بصراع آخر بشأن فرويد والعقل الكامن، وبين الفكرتين ~~شبه كبير؛ ذلك أن نظرية داروين قد أثبتت لنا أن الجسم البشري هو ثمرة التطور، وأنه لذلك ~~يخفي كثيرا من الأعضاء الأثرية القديمة التي ورثناها من الأرومة الحيوانية التي نشأنا ~~منها. وكذلك الشأن في نظرية فرويد، فإنه أثبت أن النفس البشرية قد ورثت وظائف وحشية قديمة، ~~وأننا نألم ونبتئس لأننا في صراع لا ينقطع بين هذه الوظائف الطبيعية القديمة، وبين قيود ~~الحضارة التي تمنعنا من ممارستها. # وقد قضيت كثيرا من سني عمري في ضوضاء هذه النظرية، وتأثرت بها كما يبدو من مؤلفاتي، ~~فإني أعد منها خمسة أو ستة ألفتها في هذا الموضوع بالذات، أو تناولت الموضوعات الاجتماعية ~~والثقافية بالشرح والتعليل السيكولوجيين، فإن كتبي «فن الحياة» و«كيف نسوس حياتنا بعد ~~الخمسين» و«التثقيف الذاتي» و«الشخصية الناجعة» هي معالجات سيكلوجية لهذه الموضات، وهذا ~~فضلا عن كتابي «أسرار النفس» و«عقلي وعقلك» و«محاولات سيكلوجية» وهي في صميم السيكلوجية ~~الشعبية. # وقد انتفعت كثيرا بهذا الاتجاه السيكلوجي في ثقافتي، ولكني لم أنتفع به كثيرا في حياتي ~~اليومية؛ لأني على الرغم من السيكلوجية ما زلت أعيش وفق ما نشأت وتدربت عليه أيام طفولتي ~~إلا القليل، بل القليل جدا الذي استطعت أن أنفضه عن نفسي من أخلاق وعادات ذهنية طفلية، ~~وأنا هنا شاهد على صحة التعاليم الفرويدية وهو أن للسنين الأولى من العمر أكبر الأثر في ~~التوجيه الأخلاقي. # ولكن جمعي بين فكرة التطور ms092 وفكرة العقل الباطن قد أخصب ذهني، وحركني إلى تفكير أخلاقي ~~جديد، فمن ذلك مثلا أني تجنبت الخبط الذي يرجم به الكتاب في موضوعات مختلفة مثل السعادة، ~~فإني وثبت فورا وبداهة إلى أن السعادة هي الوجدان؛ أي ما يسميه عامة كتابنا «الوعي»، ~~وأنه بمقدار ما عندنا من وجدان ودراية نكون سعداء، وبمقدار ما يستولي علينا العقل الكامن أو ~~الكامنة نكون تعساء. وهكذا الشأن في موضوعات أخرى. # وقولي إن فرويد قد هداني ووجهني ليس معناه أنى قد سلمت له بلا قيد أو شرط، ولكنه كان ~~البذرة التي أخصبت في نفسي، وأخصبت أحيانا ضد ما أراده فرويد. وحسبي من ذلك أن أقول إني ~~أوشك أن أكون «بافلوفيا» هذه الأيام من حيث الإيمان بأن الأفكار البشرية جميعها إنما هي ~~رجوع انعكاسية مكيفة؛ أي معدولة عن الرجع الأصلي، ولكني ما زلت في شك. # وقد كانت رحلتي في السيكلوجية وانية متعثرة، بدأت بفرويد ثم يونج ثم أدلر، ثم أولئك ~~الأمريكيين التجريبيين، ثم كرتشمر ثم بافلوف، ولكن فرويد هو الذي فتح لي الكوة، وبسط لي ~~الميدان، وأكسبني الحافز. # وفرويد هو بعد ذلك المفكر الأساسي بين السيكلوجيين، فإنه حط على الحقيقة الأولى، وهي ~~الكظم العام للشهوة الجنسية، وما يؤدي إليه من اضطرابات شخصية. وهو حين يجعل هذه الشهوة ~~حافزا أوليا للنشاط البشري لا يعدو الحقيقة في عالم الحيوان كله. ثم هو حين يعلق ~~مستقبلنا الأخلاقي والمزاجي والعاطفي على السنين الأولى من الطفولة إنما يوضح حقيقة بل أكبر ~~الحقائق في مبادئ التربية، وقيمة العائلة الحاسمة في التوجيه الاجتماعي الصحيح. # وأخيرا هو الذي جعلنا نعرف أننا نسير في هذا العالم بقوة العواطف المستترة في الكامنة ~~أكثر مما نسير بقوة الوجدان اليقظ الذي ندري به ما نفعل، فنحن نحب ونكره، ونخاف ونشجع، ~~ونشمئز ونقبل، بعواطف اندست في كامنتنا منذ الطفولة ونكاد لا ندري بها إلا بعد التحليل ~~الشاق. # فقد يحب أحدنا فتاة ويتزوجها على اعتقاد أنه يحبها؛ لأنها جميلة أو وديعة، أو أن عينيها ~~ساحرتان أو غير ذلك، وهو إنما أحبها ms093 لسبب طفلي هو أنها تشبه أمه أيام كانت تحمله على صدرها ~~للرضاع، أو هو قد يكون مدللا نشأ على إحساس الحاجة إلى الأم، وقد وجد في هذه الفتاة رعاية ~~الأم؛ لأنها أكبر سنا منه، فهو يستجملها لهذا السبب، أو هو وجد فيها كبرياء وتسلطا وهو ~~«مازوكي» يحب أن يتألم فهو يحبها؛ لأنه يحس في جانبها أنه ذليل (وأيضا محمي)، أو قد يكون ~~عكس ذلك؛ أي إنه سادي يحب إيقاع الأذى والقسوة بغيره، فهو يختارها صامتة منكسرة أو ضئيلة ~~الجسم؛ لأن انكسارها وضآلتها يشبعانه ويزيدان إحساسه بالقوة، أو قد يكون شاذا، فهو يحبها ~~لأنها تشبه الصبيان والشبان. # وقد يكره أحدنا بعض الأطعمة، بل لعله يشمئز من رؤيتها بحيث يكاد يعتقد أن هذا الاشمئزاز ~~«طبيعي»، وهو إنما يردد في نفسه ظرفا معينا سابقا أو أسلوبا للعيش قد تعلمه في طفولته. ~~وقد نجد شخصا له «إرادة حديدية» لا يتراجع ولا ينحرف عن هدفه مهما اعترضه من صعوبات، وكأنه ~~معجزة عجيبة في التزامه هذا الهدف وفي توفيقه بتحقيقه، وحقيقة أمره أنه لظروف سابقة معينة ~~قد تخيل هذا الهدف، وتجسم هذا الخيال الذي ربما يكون قد نشأ أيام الطفولة، ثم صار هذا ~~الخيال يوجهه من حيث لا يدري، إلى هذا الهدف، ولبعض المجانين مثل هذه الإرادة ~~الحديدية. # والإيحاءات المختلفة من أبوينا، ومن المجتمع، ومما نقرأ، ومما نصادف في شبابنا، توجهنا ~~وتعين لنا الحسن والقبيح، بحيث نعتقد أننا نحن الذين نعين هذا الحسن وهذا القبيح، بل قد ~~نتأثر بوحي أحلامنا ونحن نيام، ونسلك في الصباح وفق الرجوع التي أحدثها الحلم، ثم نبرر ~~سلوكنا أو نسوغه بالمنطق. # وكل هذا يدل على أن ما نحسبه منطقا في سلوكنا إنما هو رجوع واستجابات لا شأن للمنطق ~~فيها. ثم هو - أي «فرويد» - حين يوضح أن كلا منا - أي «الذات البشرية» - مؤلفة من ثلاثة ~~أقاليم: أقنوم الإيد ~~(id) # وهو طبيعتنا الحيوانية وغرائزنا ~~البدائية الكامنة، ثم أقنوم الإيجو، وهو شخصيتنا الوجدانية الاجتماعية التي ندرى بها، ثم ~~أقنوم السوبر إيجو، وهو ضميرنا وما ms094 نتطلع إليه من شرف وبر وفضيلة، في كل ذلك لا نستطيع أن ~~نخالف فرويد. # وكذلك عندما يوضح لنا أن ضميرنا إنما يرجع في الأصل إلى مجموعة المحظورات التي تعلمناها ~~منذ الطفولة، نضطر إلى التسليم بقوله. بل كذلك أيضا لا نستطيع أن نخالفه حين يقرر أننا في ~~الطفولة نحس دوافع لذية مبهمة تتفاوت بين القوة والضعف، من الغرام الصريح إلى الحب ~~الأفلاطوني. # كل هذا قد سلمت به وانتفعت به في مركباتي الذهنية، ولكني اضطررت إلى مخالفته في أساس ~~نظريته وهو مركب أوديب هذا؛ ذلك أن فرويد يعتقد أن الطفل يحب أمه حبا جنسيا ويجد لذة ~~جنسية في الرضاع والتمسح بجسمها، وهو يضطر إلى كظم هذا الحب خوفا أو حياء من أبيه، وأن ~~هذا الكظم يدور في دورات مختلفة بعد ذلك في نفسه وهو يفرج عنه بنشاط بدلي كالتسامي، إلى ~~إيجاد مؤسسات الحضارة أو إلى ألوان أخرى من الثقافة أو قد يمرض منه. ولم أستطع أن أقنع نفسي ~~بكل هذا، ولكني مع ذلك أسلم بالعواطف المركبة في الطفل نحو الأب وهي حب وكراهة واحترام ~~وعداء، وهي تعزى في بعضها إلى مركب أوديب، فإن الطفل يغار على أمه من أبيه غيرة أظنها غير ~~جنسية، أو هي إذا كانت جنسية فإن الإحساس الجنسي فيها ضعيف حتى لا يكاد يؤبه به؛ أي إن مركب ~~أوديب ليس ميزان النفس البشرية، وليس أساس المركبات النفسية في الشباب. # اختلافي هنا مع فرويد في الدرجة كما هو في الموضوع، فأنا أسلم بأن خيال الأم أيام ~~الطفولة يلصق بالطفل سائر حياته حتى ليختار زوجته من طراز أمه، وهو ينظر إلى رئيسه الأعلى ~~ومن دونه إلى الرؤساء نظرته الطفلية إلى أبيه. # ولكن إذا سلمنا بأن هناك دوافع جنسية بين الطفل وأمه فإننا يجب ألا ننسى ما هو أهم ~~منها، وأحرى بأن يكون الميزان الذي توزن به السكينة أو الاضطراب النفسي طوال العمر؛ ذلك أن ~~تعلق الطفل بأمه والتصاقه بها أيام الطفولة، يجعله يحس نحوها بأنها مركز أمنه وطمأنينته، ~~وهي موئله ومكان ms095 استغاثته عند الخوف، ومركب أوديب في هذا المعنى هو مركب الاحتماء من الخوف ~~والخطر أكثر مما هو مركب الاشتهاء الجنسي. # والأم هنا تمثل المجتمع، فإذا كانت قد أسرفت في حماية طفلها فإنه ينشأ عاجزا كارها ~~للاقتحام ينشد السلامة مهما كانت وضيعة ... وإذا كانت قد أسرفت في تقييد حريته، فإنه ينشأ ~~خائفا ضائقا بالصعوبات والأخطار الخفية، وهو ينشد من يحميه أو ما يحميه في شخص كالزوجة ~~أو الرئيس، أو في عمل مستقر قد يكون قليل الكسب. # ولما كانت حياتنا الاجتماعية الاقتصادية حافلة على الدوام بالأخطار، غير مطمئنة إلى ~~المستقبل، يكثر فيها الإفلاس والتعطل وخوف المرض والموت والقلق على الوظيفة أو الأبناء، ~~وخوف الهزيمة في الحب أو المباراة الاقتصادية العامة، فإن القلق الذي يصيبنا من جميع هذه ~~الحالات يتخذ الأسلوب الذي نشأ عليه مع الأم أيام الطفولة. ولكن إذا كانت علاقة الأم بطفلها ~~أو مركب أوديب، قائمة على التوسعة للطفل في مجال الحرية، بحيث يتعود الجراءة ويقدم ويخترع ~~اختراعاته الصغيرة، فإنه عندما يكبر يستطيع تحمل الصعوبات بل يضحك من الأخطاء، ولا يخشى ~~عليه من نيوروز أو سيكوز؛ أي من مرض عصبي أو عقلي. # ولست أجد في كل هذا تناقضا مع بافلوف الذي يرد عاداتنا الذهنية وعقائدنا وأفكارنا إلى ~~تلك الرجوع الانعكاسية الأولى أيام الطفولة، ثم ما ينشأ منها من رجوع مكيفة؛ أي معدولة عن ~~أصلها. ويكاد الفرق بين فرويد وبافلوف يكون سيميائيا أو لغويا في اختيار الكلمة أو ~~أسلوب التعبير، ولكني لست فرويديا من حيث إيمان فرويد بأن لنا غرائز ثابتة موروثة في ~~الرغبة في العدوان أو الموت، أو في هذا الاتجاه الأخلاقي، أو نحو ذلك. فقد وصلت بدراساتي ~~الاقتصادية إلى أن التربية وحدها: العائلية، والاجتماعية، هي التي تعين لنا عواطفنا من حب ~~وكراهية واستلطاف أو اشمئزاز، وكفر أو إيمان، وخضوع أو تمرد، وظني أن هذا هو الفرق الأساسي ~~بين فرويد وبافلوف؛ الأول يكاد يكون غريزيا مائة في المائة، والثاني يكاد يكون اجتماعيا ~~مائة في المائة. # وبكلمة أخرى أقول إن المجتمع يفرض ms096 لنا أسلوبا للارتزاق، فيعين لنا بهذا الأسلوب ووسائله ~~العواطف التي تسود نفوسنا من غيرة، وتحاسد إلى تعاون وحب، ومن مباراة تهدف إلى التفوق وتحمل ~~في غضونها ما يلابسها من إحساسات القلق، وطينة تجمعنا في وجهة موحدة نحو خير المجموع، ~~وعواطفنا التي تحرك نشاطنا هي جميعها ثمرة هذا النظام الارتزاقي الذي يرتب لنا معاني ~~الضعة والشرف والخسة والسمو، ولن نستطيع أن نفهم معنى الانتحار أو الثأر والأمانة، أو ~~الخيانة الزوجية، أو قوانين الزواج أو الطلاق، إلا إذا رجعنا إلى تلك النظم الأصلية التي ~~يرتزق بها الناس من صناعة أو زراعة ونحو ذلك. # وأنا أعد نفسي ممتازا على فرويد من هذه الناحية التي أعجب من إهماله لها، وهو إهمال ~~خطير؛ لأن سيكلوجية فرويد الغريزية تعد راكدة جامدة إلا من حيث إنها تدعو إلى التفريج كي ~~يقل الكظم، ولكن هذه السيكلوجية الاجتماعية التي تعلل العواطف بنظام المجتمع تعد متحركة ~~ارتقائية؛ لأنها تنشد ترقية المجتمع لإيجاد العواطف البارة السارة، بل إن العلاقات الجنسية ~~نفسها، على ما تنبني عليه من أساس طبيعي، تتكيف بالمجتمع بحيث تكون سوية أو شاذة؛ لأن ~~الشذوذ الجنسي العدواني مثلا هو اجتماعي في أصله، أو إذا كان هناك أساس طبيعي له فإن هذا ~~الأساس لا يعلل أكثر من أربعة في المائة من الاتجاه العدواني. وكذلك الشأن في مركز المرأة ~~العاطفي من الرجل، فإنها كما أثبتت «مارجريت ميد» ليست على الدوام مطلوبة مغرية مزدانة كما ~~هو الشأن في مجتمعنا؛ إذ هي قد تكون عكس ذلك كله. # وقد يزدان الرجل ويطلب من المرأة أن تغازله وتحاول استرضاءه واجتذابه. ومع أن المدارس ~~«التحليلية» قد تعددت واختلفت أساليبها، فإنها جميعها ترجع إلى فرويد، ولا يكاد يوجد فيها ~~إلا القليل الذي أوجده أدلر بما أسماه «مركب النقص». # فرويد يعلق النشاط الذهني والاجتماعي والفني والديني إلى «اللبيد» الجنسي الذي نشأ من ~~الكظم السابق أيام الطفولة بحب الأم وكراهة الأب؛ أي بمركب أوديب. # وأدلر يعلق هذا النشاط، أو النشاط الشخصي على الأقل، بالنقص الكامن الذي نشأ في الطفولة ms097 ~~ثم حرك عواطف تحفز وتوجه سائر العمر. # و«يونج» يعلق هذا النشاط إلى الطاقة الطبيعية؛ أي الغرائز الأولى، وأيضا إلى تراث ~~العقائد والممارسات القديمة وكلمات اللغة والعادات البدائية كالسحر القديم، وهو يرى أن هذا ~~التراث يحيا في الكامنة من وقت لآخر. # لنفرض أن هناك كاتبا ثائرا نحاول أن نحلل ثورته التي ينشد منها الديمقراطية أو مكافحة ~~الاستبداد، فإن من الواضح أن الناس ليسوا سواء في تحمل المظالم أو في الرغبة الحارة في ~~التغيير الاجتماعي، فلماذا اختص هذا الكاتب بهذه الدعوة؟ # فعند فرويد أن مرجع ثورته «مركب أوديب»؛ لأنه كان يكره أباه وخاصة إذا كان هذا الأب قد ~~أساء إليه في طفولته واستبد به، وهو حين يكبر يضع الوزير أو الأمير المستبد مكان الأب، ~~ويوجه إليه كراهيته وكفاحه. # وعند أدلر أن هذا الكاتب كان أيام طفولته يجد نقصا في جسمه أو شوهة في وجهه، وكان الخجل ~~يحز فيه ويوجهه نحو التمرد على الرؤساء الذين أخذوا مكان المجتمع الذي كان يعيره أو يقف منه ~~موقف التعيير أيام طفولته. # وعند يونج أن هذا الكاتب ورث روح البطولة وإحساس العدل من الثقافة البشرية العامة منذ ~~نشأت الحضارات الأولى، فهو يمثل في كفاحه دعوة دينية ونهضة شعبية كثيرا ما تكررت في ~~التاريخ البشري. ومن هنا قيمة الأحلام، وهي قيمة كبيرة عند فرويد ولكنها أكبر عند يونج، ولا ~~تكاد تكون لها عبرة كبيرة عند أدلر. وإنما يكبر يونج من قيمة الأحلام؛ لأنها تبرز هذه ~~الثقافات القديمة وقت النوم، فنحن نحلم كما لو كنا نعيش قبل عشرين ألف أو عشرة آلاف سنة؛ أي ~~نعيش في بيئة الوحوش المفترسة، والغابات المظلمة، والكهوف الصخرية، والفزع والفرار مع ~~الاستعانة بما يشبه قواعد السحر القديم والكيمياء المنقرضة. # والحق أن في الأحلام شيئا كثيرا من هذا، وليس لنا الحق في أن نرفض وراثة الأفكار أكثر ~~مما لنا الحق في أن نرفض وراثة الأعضاء، فإننا في أيامنا ننزع إلى الإيمان بوراثة العادة - ~~كما كان يقول لا مارك - التي تعين وظيفة للعضو في الجسم، كما ms098 نرى في طول العنق عند ~~الزرافة أو الجمل؛ إذ إن هذا الطول نتيجة لمد العنق كي يصل كل منهما إلى الأعشاب. وكذلك ~~الشأن في الأفكار، فإنها بالعادة والتكرار تورث وتعود كما لو كانت غرائز، وهذا الحلم ~~العام الذي لا يكاد يخلو منه طفل، وهو السقوط، برهان على أن خوف السقوط من الشجر، وهو كارثة ~~كان يجب على كل أسلافنا أن يتقوها بألا يستسلموا للنوم العميق، هذا الحلم التحذيري يدلنا ~~ببقائه عندنا على أننا نرث الأفكار. # لقد كانت دراسة فرويد عندي بمثابة الخميرة التي تفشت في ذهني، وكانت علة العشرات بل ~~المئات من الرجوع الذهنية، فإنه هو الذي كان يحفزني، من حيث أدري أو لا أدري، إلى دراسة ~~المجتمع، وكيف يجب أن نتقي الإجرام أو نعين أصول التربية، أو نتقي الحرب، أو نفكر في ~~الشئون الجنسية، أو نقدر الثقافة، أو نصف الشخصية الحسنة، أو نحدد المعنى من الذكاء أو ~~البلادة. # وقد ألفت كتابي «أسرار النفس» في عام 1927 وأنا متأثر بفرويد؛ ولذلك لا يتجاوز موضوعه ~~«العقل الباطن» - أي الكامنة أو العقل الكامن - ولكني عندما ألفت كتابي الآخر «عقلي ~~وعقلك» في عام 1947 كنت قد تجاوزت فرويد إلى غيره من السيكلوجيين، وإلى شيء من الاستقلال ~~الفكري الذي لم أكن أجرؤ عليه في عام 1927. # والعالم المتمدن أسعد حالا وأهنأ في عيشه بما حظي من التوجيه السيكلوجي الجديد على يد ~~فرويد وتلاميذه، فإن فرويد حرر الأطفال من القسوة والخوف، وأبرز القيمة الكبرى للحياة ~~الطفلية الهانئة في مستقبل العمر أيام الشباب والكهولة؛ لأنه أوضح لنا كيف تعيش المركبات، ~~وكيف تنشأ الصعوبات التي ربما تؤدي إلى خيبة الشاب أو الفتاة أو إلى انتحار أحدهما بسبب ~~الأخطاء التي تعرضا لها أيام طفولتيهما من أحد الأبوين. كما أنه أوضح لنا فداحة النتائج ~~التي تنشأ من الكظم الجنسي، وقد عاد كثيرون ممن ذهب وجدانهم واضمحل تعقلهم لتغلب العقل ~~الكامن عليهم، عادوا من ظلام الجنون إلى نور العقل بفضل التحليل النفسي. # وإنه لمما يؤلم جميع الذين انتفعوا بعبقرية هذا السيكلوجي ms099 العظيم أن يعرفوا أنه لم ~~يستمتع بشيء من الرخاء الذي كان يمكن أن يخفف عنه الشيخوخة، فإنه عقب الحرب الكبرى الأولى ~~خسر جميع ما ادخره من المال بسبب التضخم في النقد، وفي الحرب الكبرى الثانية طاردته النازية ~~حتى مات في لندن بعيدا عن بيته ومدينته. # وتراثنا من فرويد هو «التحليل النفسي» وهو لا يمكن أن يموت، وقصارى ما سوف يحدث أن تتغير ~~الأسماء والعبارات؛ لأن صميم التحليل النفسي هو الانتقال من الفكرة الكامنة المتسلطة ~~بالعاطفة إلى الوجدان؛ أي إلى الدراية. وحتى مع اتجاه السيكلوجية في أيامنا إلى التجربة، ~~وهو اتجاه عظيم القيمة جدا، فإن التحليل سيبقى مفتوحا للنفس البشرية نفهم منه خباياها ~~ونتعمق أسسها. # وقد ولد فرويد من أبوين يهوديين في عام 1856، ومات في عام 1940 منفيا مطاردا من وطنه ~~فيينا عاصمة النمسا، فإن النازيين الذين استولوا على النمسا طاردوا اليهود، وكان فرويد على ~~الرغم من إلحاده معدودا بين اليهود. # وحفلت عواصم أوروبا فيما بين عامي 1900 و1940 بالمناقشات الحامية بشأن التحليل النفسي، ~~كما حفلت بالانشقاقات والخصومات، مما دل على أن السيكلوجية الفرويدية كانت ولا تزال في ~~طور المذاهب، ولا ينقص هذا من فضل فرويد. # ولما نزل في هذا الطور لم نستقر، ولكن فرويد كان كما قلت، بمثابة الخميرة التي بعثت ~~سلسلة من الأفكار لما تنته حلقاتها، وهذا هو أكبر فضله في تربيتي. # | إليوت سميث وأصل الحضارة # حين أتأمل الشخصيات العظيمة التي أثرت في حياتي تغييرا أو توجيها، وأبحث القوة ~~الجذبية التي جذبتني إليها، أجد أنها ثلاثة طرز: # فأما الطراز الأول فهو أولئك الذين تتسم حياتهم أو مؤلفاتهم بغلواء حين يحيون أو يفكرون ~~على القمة والذروة. فهم نيتشه في جنونه المقدس، يحيل حياته إلى مغامرة فلسفية، ويدعونا ~~إلى أن ننسلخ من رواسب الخرافات الماضية ونتولى بأنفسنا مصير مستقبلنا، وهم دستوفسكي في ~~غلواء الحب الغامر للبشر، والإحساس الديني الذي تتذبذب به أوتار نفسه. وهم غاندي الذي ~~يكافح إمبراطورية سوداء بكلمات عذبة من الطهر والشرف فيخجل منه العالم ويسلم باستقلال ~~الهند. # وأما ms100 الطراز الثاني فهو أولئك الذين أعطوني منهجا للحياة، فهم جيته الذي عاش طالبا ~~مدى حياته يزيد وجدانه بالتوسع في الثقافة والزيادة من الاختبارات، ويشتغل بالسياسة والأدب ~~والعلم والفنون، وهم برنارد شو يجعل من أدبه كفاحا للظلم والاستبداد والدناءة والقبح، ~~وهم «ه. ج. ولز» يرفع الصحافة إلى مقام الفلسفة، فيدرس شئون العالم إلى تدين بشري جديد ~~كأنه إحساس يغمر قلبه وعقله. # وأما الطراز الثالث فهم أولئك الذين أعطوني المعارف الخصبة أو الأفكار الحوامل، مثل فكرة ~~التطور التي أحدثت لي مركبات ثقافية، كأنها العقدة النفسية في المريض تدأب في تفرع، ولكن مع ~~التسلل والتستر. ولقد استطاعت هذه الفكرة الداروينية أن تجعل حياتي جميعها استطلاعا ~~دائما. وهم فرويد الذي حملني على دراسة العشرات من الكتب. وهم «إليوت سميث» الذي فتح ~~لي من أبواب التاريخ البشري ما لا أزال أنفذ منه إلى ميادين فسيحة من الفهم والعلم. # هؤلاء علموني ... أكسبوني بالحياة الغالية التي عاشوها على القمم إيحاءات كأنها صلوات ~~بالقلب، أو أعطوني منهجا أعيش به عيش الخدمة والكرامة والشرف مع الرضا بالتضحية، أو غرسوا ~~في ذهني غراسا صالحة تنمو وتتفرع كأنها نبت ينير خلايا المخ ويسطع أنوارا تقشع ظلام ~~الجهل. ~~••• # التاريخ هو في صميمه درس العوامل الجغرافية والاقتصادية التي أثرت وغيرت المجتمعات ~~البشرية، التي عاشت في بقعة معينة من الأرض. وتاريخ مصر هو جغرافيتها، هو زراعتها التي ~~أوجدت مجتمعا مستقرا يثبت في مكانه ثبات الزراعة في الأرض. # وليس لأمة تاريخ ما لم يكن هناك تفاعلات اقتصادية بين الأفراد بحيث تؤدي هذه التفاعلات ~~إلى إيجاد مؤسسات، مثل المحاكم والمعابد ونحوهما، أما ما دام ليس هناك مؤسسات، كما هي الحال ~~بين الإسكيماويين حول القطب الشمالي، فإنه لن يكون هناك تاريخ. # ثم ما دام كل فرد يكسب لنفسه وأولاده فقط، ولا يستطيع أن يزيد، فإن المجتمع لن يستطيع أن ~~يدخر مقدارا من المال لإيجاد هذه المؤسسات الاجتماعية التي يحتاج إليها، ولذلك ليس عند ~~الإسكيماويين حكومة؛ لأنه ليس هناك فائض من كسب الأفراد يكفي لإيجاد مجموعة المؤسسات التي ms101 ~~نسميها حكومة، ولذلك أيضا ليس لهم تاريخ. # وقد كان الإنسان قديما يعيش في الغابات كما لا تزال تعيش القردة العليا، وكان يجمع طعامه ~~ولا ينتجه، والفرق عظيم جدا بين الجمع وبين الإنتاج، فإن البشر ينتجون طعامهم هذه الأيام، ~~ولذلك بلغوا 230 مليونا في حين أنهم كانوا لا يزيدون على أربعة أو خمسة ملايين حين كانوا ~~يجمعون الطعام من الغابات جمعا، أي يلتقطون الثمرة البرية، أو يقتلعون الجذور الطرية، أو ~~يصيدون الوحش، أو يأكلون الحشرات والزواحف وسائر الحيوان. ولكن ليس الفرق بين الجمع ~~والإنتاج كميا فقط؛ لأن هذا الفرق هو في صميمه فاصل بين الإنسان البدائي الساذج الجوال، ~~وبين الإنسان المتمدن المستقر الذي عرف الزراعة؛ أي عرف الإنتاج. # وهنا قيمة إليوت سميث. ~~••• # كان إليوت سميث أستاذا للتشريح في كلية (مدرسة) قصر العيني، قبل نحو أربعين أو خمسين ~~سنة، وقد تعلم على يديه كثير من أطبائنا مثل علي إبراهيم، وجورجي صبحي، وأحمد شفيق، وكانت ~~له هواية إلى جنب الحرفة، وكان كما هو المألوف يهتم بهوايته وبحرفته، بل انتهى في أخريات ~~حياته إلى احتراف الهواية، وهذه الهواية هي تاريخ مصر. # ولكنه لم يكن يدرس تاريخ مصر كي يتعرف على تاريخ مصر، وإنما كان يهدف إلى درس تاريخ ~~الحضارة البشرية في العالم كله عن طريق الدرس لأصول الحضارة المصرية التي انتشرت حول ضفتي ~~النيل في العشرة آلاف سنة الأخيرة. # واستطاع أن يثبت أن مصر هي أصل الحضارة للعالم كله؛ وليس ذلك لأن أسلافنا كانوا أذكى من ~~سائر البشر؛ وإنما لأن جغرافية مصر قد تفاعلت مع الإنسان المصري بما لم يتفاعل أي وسط آخر ~~مع الإنسان، فكانت النتيجة ظهور الحضارة في مصر. # وبهذه النظرية نقل إليوت سميث دراسة الحضارة من تعدد الأصل إلى وحدته، كما سبق أن فعل ~~داروين حين رد الأحياء إلى أصل واحد، وأصبحنا نتتبع تطور الحضارة وتنقلها من قطر إلى ~~آخر عن سبيل الكلمات والآثار والعادات الفرعونية. ولهذا الرأي الجديد مدرسة يعد تلاميذها ~~بالألوف، ولا تقل المؤلفات في تأييد هذا الرأي عن ms102 ثلاثمائة كتاب في لغات مختلفة. # وقد كانت مؤلفات إليوت سميث عندي انبلاجا ذهنيا قادني إلى دراسات مختلفة، كما أثمر ~~مركبات ثقافية ما زلت في اشتباكتها. وقد ألفت كتابي: «مصر أصل الحضارة» وأنا في غبطة ~~الفرح بهذا الفهم الجديد للدنيا والبشر، ولا يعدل هذه الغبطة عندي سوى اهتدائي إلى نظرية ~~«التفسير الاقتصادي للتاريخ» وهي النظرية التي جعلت التاريخ علما يقاس ويوزن، وليس روايات ~~لذيذة أو مصادفات غير معللة ، والحق أن نظرية الأصل المصري للتاريخ البشري كله تستند في ~~أساسها إلى العوامل الاقتصادية، وأهمها هذا النيل الذي يروي الوادي فينتج الزرع. ~~••• # وبؤرة البحث عند إليوت سميث تنحصر في أن الإنسان البدائي الذي كان يجمع الطعام جمعا من ~~الغابات رأى في مصر على توالي السنين أن فيضان النيل يعم الوادي في مواعيد معينة كل عام، ~~حتى إذا انحسر انطلقت النباتات وكست الأرض بالخضرة النضرة التي كان يجد فيها طعاما، كما ~~كان يجد فيها صيدا لوفرة الحياة الحيوانية، ففهم بالتكرار أن الماء هو أصل الحيوية، وهو ~~أصل النبات، فشرع يحتجز الماء هنا ويطلقه هناك، ويضبط الري، وهذه هي الهندسة الأولى. وظهر ~~عندئذ التخصص: مهندسون ينظمون الري، وفلكيون يعينون الأوقات الزراعية، وهؤلاء لا يزرعون ~~وإنما يعيشون بالفائض من المحصول. وهنا تنشأ الحكومة التي يرأسها مهندس أو فلكي تنسب إليه ~~صفات الألوهية؛ لأنه يدري ما لا يدريه غيره من الهندسة أو الفلك، وهو يعيش كأنه ملك، بل ملك ~~يطاع، فإذا مات أصبح قبره معبدا، كما نرى في عصرنا كيف يميز العامة الممتازين بأضرحة ~~يتبركون بها ويزورونها، وأرض مزروعة تحتاج إلى حدود تحترم من الجيران، وإلى أوصاف تعين ~~للزراعة، وإلى محكمة تعاقب المعتدي على الحدود أو المحصول، وإلى صناع يصنعون الآلات ~~الزراعية، وكل هؤلاء لا يزرعون. فنشأ من ذلك الحكومة والتجارة والفنون، وهذه هي الحضارة. ثم ~~يموت العظماء فتنشأ الأضرحة العظيمة التي تستحيل إلى معابد، وهذا هو الدين البدائي. # ويجب ألا ننسى هنا أن كلمات القمح والبر والحنطة هي جميعا فرعونية؛ وذلك لأن أسلافنا ~~هم الذين زرعوها ms103 لأول مرة في التاريخ، وعينوا أسماءها. ولعله كانت هناك فروق بين بذور القمح ~~أدت إلى تعدد هذه الأسماء. والزراعة هي الأساس الأول الذي نبتت عليه الحضارة الأولى، أما ~~قبل الزراعة فلم يكن هناك غير التجوال للبشر، بلا ثقافة غير المعارف القليلة الخاصة بالصيد، ~~والتقاط الثمار، واقتلاع الجذور، فالزراعة أوجدت الاستقرار بدلا من التجوال، وبسطت الآفاق ~~لثقافة الفنون والعلوم ونظام الحكم. ~~••• # وإلى هذا نفهم كيف نشأت الحضارة الأولى في مصر، وبقي علينا أن نعرف كيف خرجت من مصر إلى ~~سائر العالم. وقد استطاع إليوت سميث أن يكشف لنا عن أسرار النفس البشرية، أو بالأحرى يهتدي ~~إليها عن طريق البحث في انتقال الحضارة المصرية الأولى إلى أقطار العالم المختلفة. فهو يوضح ~~لنا أن غاية الإنسان البدائي أن يطيل عمره وأن يتقي الموت. ونحن نعرف من التحنيط أن المصري ~~القديم كان يعتقد في سذاجة أنه ما دامت الجثة قد حنطت واستحالت إلى مومياء متقنة، فإن ~~الحياة ستمتد بها في العالم الآخر. وكان التحنيط يحتاج إلى بعض المواد النباتية والمعدنية ~~من الأقطار البعيدة، وهذه المواد كانت تقف الفساد في الجثة كما تكسبها عطرا حسنا. وتنقل ~~المصريون في جلب هذه المواد، ونقلوا معهم حضارتهم إلى أقطار بعيدة، وخاصة عندما نعرف أن بعض ~~البعثات المصرية كان ينقطع بها الطريق، فلا تعود بل تبقى في قطر ناء بين شعب غريب بدائي ~~لا يعرف الزراعة، فتنقل هذه البعثة إلى هذا الشعب الفنون المصرية، وتعيش هناك إلى الأبد. ~~ومن هنا نعرف لماذا وجد تمثال الرب آمون في روسيا بالقرب من جبال أورال، ولماذا عبد ~~رب الشمس في مكسيكا، كما عبد في مصر، من حيث إحاطته بالثعبان، ولماذا حنطت الجثة في ~~أمريكا على الطريقة المصرية، ولماذا وجدت الأهرام في إيطاليا والسودان، ولماذا توجد في ~~اللغة الفنلندية كلمات فرعونية، ولماذا ترجع أبجدية الخطوط في جميع اللغات إلى الهيروغليفية ~~المصرية، ولماذا يعمم التقويم المصري (الشهور والأيام) أوروبا بل العالم كله إلى الآن، ~~ولماذا بنيت المعابد وذكرت الأساطير على الطريقة المصرية، بل لماذا ms104 يوصف إمبراطور اليابان ~~بوصف الفراعنة، ابن الشمس؛ أي ابن رع، وأخيرا لماذا تكون الحبوب الأولى التي يأكلها ~~الإنسان ولا يزال يأكلها مصرية الاسم كما سبق أن ذكرتها وهي: قمح، بر، حنطة. # وفي مصر يسمي الأقباط أسقفهم أحيانا باسم إيسوذوروس، وفي أوروبا تسمى المرأة باسم ~~إيسيدورا، ومعنى الاسمين «عبد إيسيس»؛ أي الربة إيسيس، وكهنة مصر الآن هم ورثة الكهنة أيام ~~الفراعنة، وكانت شارة الكاهن المصري القديم ذلك الثعبان الذي كان يحيط بالرب رع، وهو - أي ~~الثعبان - لا يزال شارة الأسقف القبطي، وهو يرى على رأس عصاه إلى الآن. ولكن لما كان ~~الكاهن المصري طبيبا وساحرا أيضا، فإن الثعبان هو الآن شارة الطبيب في أوروبا. وفي اللغة ~~العربية لا يزال معنى الطب هو: السحر، الكهانة. بل هناك إشارات صغيرة تدل على تسلسل الثقافة ~~الفرعونية من منف وطيبة إلى باريس ولندن، اعتبر قول الأوربيين: «يوم أحمر وليلة حمراء» ~~للدلالة على أوقات السرور والقصف والاحتفال، ونحن نقول في مصر «ليلة حمراء» في هذه المعاني ~~أيضا، والأصل هو عادة أسلافنا في كتابة أيام الأعياد بمداد أحمر، والعيد قصف ولهو. # هذه الثقافة المصرية القديمة التي تفشت في العالم ~~القديم لم يكن من الضروري أن يكون القائمون بها مصريين؛ لأن البعثة المصرية التي وصلت إلى ~~الصين مثلا حيث تركت التمساح وجعلت تمثاله شعارا للصينيين ليست هي التي ذهبت إلى أمريكا، ~~وأوجدت التحنيط وعبادة الشمس التي تحيط بها هالة الثعبان؛ لأن هذه البعثة التي ذهبت إلى ~~أمريكا كانت في الأغلب هندية أو صينية أو جاوية قد تأثر أفرادها بالثقافة المصرية. # وأذكر البقرة هاتور المصرية، وأذكر تقديس البقرة في الهند، وأذكر أيضا ملوك أفريقيا ~~المتوحشين، وكيف يضربون الجهات الأربع بالقوس، كما كان يفعل الفراعنة عندما كانوا يتولون ~~العرش رمزا إلى الاستيلاء على العالم. بل أذكر أيضا دعوى الحق الإلهي لملوك أوروبا، وهي ~~الدعوى التي كافحتها الشعوب الديمقراطية، ولا ننسى دعوى الألوهية عند الفراعنة. بل هناك ما ~~يرجح أن معظم الأسر المالكة في العالم يرجع إلى أصل فرعوني؛ وذلك لأن ms105 كل بعثة كانت تخرج ~~من مصر لجلب المواد والطيوب للتحنيط كان يرأسها أحد أفراد أسرة فرعون، فإذا لم ترجع البعثة ~~صار هذا الفرد ملكا على البقعة التي كانت تحتلها بعثته حتى إذا استقر العرش الجديد خرجت ~~بعثة أخرى ... إلخ. # ولم يكن التحنيط الباعث الوحيد لهجرة المصريين إلى الأقطار البعيدة، فإن الإنسان المصري ~~الذي كان يرغب في بقاء حياته بالتحنيط، كان أيضا يحب أن يطول عمره على الأرض قبل التحنيط، ~~فكان يجمع الودع ويحمله للمشابهة العظيمة بين الودعة وبين عضو التناسل في المرأة؛ ذلك أنه ~~كان يعتقد أن هذا العضو هو أصل الحياة، ومن هنا هذا الاشتقاق العربي وهو «الحياة من الحيا»؛ ~~أي عضو التناسل في الأنثى. ثم صار أيضا يجلب الذهب ويصوغه ودعا لجماله، ثم نقل ميزة ~~الودعة إلى الذهب، فصار الذهب يطلب لذاته؛ لأنه يطيل الحياة مثل الودعة، بل صار الذهب ~~إكسير الحياة، الذهب حجر الفلاسفة، الذهب أصل النقود، كل هذا من الاعتقاد المصري القديم ~~بأنه - أي الذهب - يطيل العمر. # ثم أذكر بعد ذلك الكيمياء التي نشأت من الرغبة في إحالة المعادن إلى ذهب، بل ماذا أقول؟ ~~إن كلمة كيمياء نفسها مصرية، وهي خيمي أو كيمي؛ أي مصر، أي الأرض السوداء. والكيمياء هي ~~«العلم المصري». # وبعد الذهب صار الإنسان المصري يجلب الأحجار الكريمة اعتقادا بأنها تطيل العمر، وما زلنا ~~في مصر نشفي العين العليلة بتعليق حجر عليها أو فوقها ... وما زلنا ننشد البخت بضرب الودع، ~~وكلمة «المرجان» تنطوي على معنى الحياة الطويلة في الفارسية. # وإطالة أعمارنا على الأرض بالذهب والأحجار الكريمة، وإطالة أعمارنا بعد الموت بالتحنيط، ~~كلتاهما دفعت الإنسان المصري إلى الهجرة إلى الأقطار النائية، فتفشت الحضارة المصرية بهذه ~~الهجرة في أنحاء العالم، وأخرجت الإنسان من التوحش وجمع الطعام من الغابات إلى التمدن ~~وإنتاج الطعام بالزراعة، والزراعة أوجدت الحكومة، والدين، والفلك، والحساب، والهندسة، ~~والبناء، والقانون. ~~••• # نشأ الدين البدائي في مصر، وكانت غايته استبقاء الحياة بعد الموت بتحنيط الجثة، فإذا كان ~~الميت عظيما صار إلها بعد موته. فلما عرفت الزراعة ms106 أصبح للدين مهمة أخرى هي إخصاب الأرض ~~وإنتاج المحاصيل. وإلى عصر الإسكندر بقي هذا التفكير البدائي حتى إن كهنة مصر قد حالوا ~~الإسكندر إلى إله، وقرن آمون لا يزال منقوشا على النقد الإغريقي الباقي من أيامه، ولا يزال ~~الكهنة يباركون على الزراعة في أوروبا إلى الآن. ومن الممارسات الدينية الباقية نعرف الكثير ~~من نشأة الدين المصري القديم، فإن البخور كان يطلق على تمثال الميت كي يكسبه رطوبة وعرقا ~~كأن الحياة قد عادت إليه، وقد نشأت الفنون من هذه الثقافة الدينية القديمة، فإن التمثال ~~صنع أولا كي تلجأ إليه الروح إذا كان الجسم قد فسد، والرسوم التي تروي لنا حياة الميت قد ~~احتاجت إلى الرسامين والمعبد، وهو في الأصل الضريح الذي احتاج أيضا إلى البنائين ~~والنحاتين. # وجميع الفنون الحديثة ترجع إلى بؤرة مفردة هي الضريح المصري ومركباته السيكلوجية، ورسم ~~الميزان للعالم الآخر مألوف لا يخلو منه معبد، وهو يعين الجنة التي تحوي الشجر والثمر ~~للبررة، كما يعين جهنم التي تحتوي النار للفجرة، ومن هنا ظهر معنى العدل. بل إن تحنيط الميت ~~هو الأصل في توبلة الطعام؛ لأن الملح والطيب والأفاوية التي كان يحتاج إليها الميت صارت ~~تستعمل في الطبخ كي يطيب الطعام، ومن هنا كان القول العامي المألوف في أيامنا أن الطعام ~~«محنط»؛ أي متوبل. # ودراسة التاريخ المصري القديم هي دراسة البدايات: بداية الزراعة، وبداية الصناعة، وبداية ~~الحضارة والثقافة. وإن الغيبيات التي سادت الأذهان البشرية نحو ستة آلاف سنة لتتكشف واضحة ~~الأسس مفهومة البناء عندما ندرس الضريح المصري. ~~••• # لم أكن أنبعث في دراساتي للفراعنة بباعث وطني، ولم يكن لفتوحات تحتمس ورمسيس وأمثالهما ~~ذلك الوقع الذي يحسه أولئك الذين يستخدمون التاريخ لإشعال الوطنية، بل كذلك لم تكن دراسة ~~التاريخ عندي محض السرد القصصي والتراجم والحروب، وظني أنه لو لم يكن وراء دراسة الفراعنة ~~هذه النظرية القائلة بانتشار الثقافة من بؤرة الضريح المصري لما كان التفاني يزيد على ~~المطالعة العابرة. ولكن هذه النظرية كانت تحوي العديد من المركبات الثقافية التي جذبتني ~~وحملتني على ms107 التفطن لأصول الحضارة، ومن هنا إغراؤها القوي لاستمرار الدراسة، وإحساسي نحو ~~الفراعنة هو لذلك بشري وليس وطنيا. # ولقد قرأت «فجر الضمير» للمؤرخ الأمريكي «بريستد» وهو يشيد بالأخلاق العالية للمصريين قبل ~~أربعة أو خمسة آلاف سنة، بل إنه يقارن بين الأخلاق التي دعا إليها موسى في الوصايا العشر، ~~وبين الأخلاق المصرية فيقول بأفضلية هذه على تلك، ويضرب المثل بأن موسى قد حرم الشهادة ~~بالزور فقط، ولكن المصريين قد حرموا الكذب إطلاقا، والكذب بالطبع يشمل شهادة الزور، ولكن ~~ليس العكس كذلك. # ولكني، أنا المصري، أحس أني أبعد ما أكون عن هذا الإحساس، يجب أن ندرس التاريخ بالروح ~~البشري، وأن نذكر أنه إذا كانت مصر قد أنشأت الحضارة الأولى فإن الفضل في ذلك يعود إلى ~~النيل الذي قهر المصري على أن يتعلم الزراعة لمواظبة فيضانه ولانبساط الوادي، وليس لذكاء ~~فذ في أسلافنا. ~~••• # والحضارة عالمية قد أسهم كل شعب بنصيب فيها، وإذا كان للمصريين فضل الاختراع للكتابة، فإن ~~للهنود فضل الاختراع للأرقام، وما كان يمكن أن تكون هناك نهضة علمية لولا هذه الأرقام ~~الهندية. ولولا الإغريق لما انفصلت الحقائق الفنية والعلمية عن «المعارف» الدينية؛ أي ما ~~كان يمكن للمنطق أن يتغلب على العقيدة. ولولا الإمبراطورية الرومانية ثم الإمبراطورية ~~العربية، لما تعارفت الشعوب هذا التعارف الذي انتهى بوجداننا البشري الحاضر. # ومع أني قد قرأت في هذه النظرية وارتباطها نحو خمسين أو ستين كتابا فإني ما زلت في ~~اشتباكاتها أترصد مكتشفاتها الجديدة في جميع أنحاء العالم، وأحس بأواصر الأجيال الماضية ~~التي تربطنا نحن المصريين بكافة البشرية. # | هافلوك إليس والزواج الانفصالي # مات «هافلوك إليس» قبل الحرب الكبرى الثانية، ووصفته إحدى المجلات الأوروبية الكبرى ~~حينئذ بأنه كان أعظم رجل متمدن في أوروبا. # وأنا أحاول هنا أن أروي للقارئ تاريخ حياته، ووصف مؤلفاته، كي يستخرج العبرة من هذا ~~الوصف؛ لأني أعتقد أن عندنا في مصر من يخالف هذا الرأي، فيحكم بأن هافلوك لم يكن متمدنا ~~وإنما كان متوحشا، وأنه لم يعش الحياة الصالحة، وإنما هو أفسد حياته بل حياة ms108 زوجته! ~~والواقع أن شيئا من هذا الفساد قد وقع لزوجته، ولكن ليس هناك ما يدل على أن أسلوب الحياة ~~الذي اتخذه هو الذي أدى إلى هذا الفساد، وإن كان هناك شبهات تبعث على هذا الظن. # وإذا أنت سألت عن هافلوك إليس في إحدى المكتبات بالقاهرة عرفت أنه معروف مشهور بمؤلفاته ~~الجنسية، وهي نحو ستة مجلدات ضخمة هي أدب وعلم وفلسفة، تحس وأنت تقرؤها أن كاتبها رجل فن ~~وعلم وفلسفة، وهو يكتب بأسلوب مكين قد أحكمت عباراته كما نقيت من الزوائد، وهو كثير ~~الإشارة إلى أقوال الفلاسفة من الإغريق القدماء إلى الأمريكيين المحدثين. وهو لا يرتجل ~~الفكرة ولا يلتزم مذهبا، وإنما يزن الآراء ويعرض لها في إسهاب شرحا ونقدا، ثم ينتهي إلى ~~الخلاصة التي يستقر عليها ويدعو إليها. وهذه المجلدات الستة عن الشئون الجنسية هي أروع ما ~~كتب عن هذا الموضوع في لغة من لغات العالم، وإنك لتعجب حين تقرأ له فصلا واحدا عن ~~البغاء؛ إذ تدهش لما يروي لك عن تاريخه في الأمم القديمة والحديثة، وعن قيمته ومكانته من ~~الحضارات المتعاقبة، وعن أقوال القديسين المسيحيين الذين أيدوه، وعن القوانين العصرية التي ~~تناولته. وحبذا لو قرأ هذا الفصل ودرسه أولئك الذين عملوا لإلغاء البغاء في مصر، ولكن نكبة ~~الساسة في مصر أنهم لا يدرسون الكتب الأوروبية المنيرة. # كان هافلوك إليس من الرواد الذين شقوا الطريق وبسطوا الآفاق لهذه الدراسات قبل فرويد، فإن ~~نشاطه العلمي كان في ذروته فيما بين عامي 1890 و1920. وهناك فرق أصيل بينه وبين فرويد؛ ذلك ~~أن هافلوك إليس كان يبحث الشئون الجنسية من حيث إنها نشاط سليم يتصل بالأصحاء من الناس، ~~ويبحث أثرها في حياة الشبان العزب والمتزوجين، وفي الحياة العائلية وتربية الأطفال وملكاتها ~~في الحضارة. أما فرويد فيبحث النشاط الجنسي من ناحية المرض لا الصحة. # وقد كان فيما بين عامي 1890 و1891 يرأس تحرير سلسلة من الكتب العلمية التي تتناول المجتمع ~~بالبحث العلمي، وتضم مجلدات تبحث الإجرام، وأخرى تبحث المشكلة اليهودية، وأخرى تبحث الوراثة ~~... إلخ # كما ms109 أن له مؤلفات يكفي ذكر أسمائها كي نعرف أن موضوعاتها أدبية، مثل «رقص الحياة»، و«روح ~~أوروبا». # وهو في كل ما يكتب يمتاز بالنضج والإحاطة والنزاهة؛ إذ هو لا ينتسب إلى حزب أو طائفة ولا ~~يدافع عن مذهب، وإذا نحن اتهمناه بالغرض أو بشيء منه، فإن هذا الاتهام ينحصر في إكباره من ~~شأن النظرية العلمية، وهو هنا يعذر فإنه عاش في أواخر ~~القرن التاسع عشر وامتد نشاطه إلى الثلث الأول من القرن العشرين، وكان الإيمان بالحضارة ~~والرقي يعتمد أكبر الاعتماد على العلم، فإن الأمم الأوروبية طوال القرن التاسع عشر كانت على ~~اقتناع بأنها قد اهتدت عن طريق العلم إلى مفتاح يفتح لها جميع الأبواب المغلقة، وأن سعادة ~~الإنسان وقوته وصحته وثقافته كلها ترتبط بالعلم. وقد نشأ طبيبا، ولكنه لم يمارس الطب؛ لأنه ~~قنع بالتأليف وقضى معظم حياته وهو في فقر لم يشك منه. ولكن المتأمل لسيرة حياته التي كتبها ~~بنفسه يحس الضيق الذي كان يعانيه، فإنه كان يسكن مسكنا وضيعا ويطبخ طعامه بنفسه؛ إذ لم ~~يكن يكسب من قلمه ما يكفي لتناول طعامه في المطاعم أو يمكنه استخدام خادم. ولكنه في السنوات ~~الأخيرة من عمره تمكن من الاتصال بإحدى الصحف الأمريكية التي كانت تستكتبه مقالا أسبوعيا ~~عن شئون أوروبا، وقد صرح بأن الأجر الذي كان يتناوله عن هذه المقالات كان يزيد أضعافا ~~على ما كان يحصل عليه من التأليف والصحافة معا في بريطانيا. # ومع أنه قد مات منذ أكثر من عشر سنوات فإن مؤلفاته ما تزال تقرأ وتجد الأنصار والخصوم ~~لحيويتها، حتى لقد قرأت هذا الأسبوع إعلانا عن كتاب جديد ينشر له في الولايات المتحدة، ~~ويقول الناشر إنه لم يسبق نشره. # وفي كل ما ذكرنا لا نجد شيئا فذا أو شاذا في حياة هافلوك إليس؛ إذ هو مؤلف أو صحفي ~~مثل سائر المؤلفين أو الصحفيين، وإن كان يمتاز عنهم بأنه جاد مثابر نزيه مفكر متبصر، ~~وليست هذه الصفات عامة بين من يؤلفون أو يكتبون للصحف، ولكن ميزته الأصلية أنه اتخذ أسلوبا ms110 ~~معينا في عيشه لم يتخذه غيره، وهذا الأسلوب هو الذي حفزنا إلى كتابة هذا الفصل كي ننبه ~~القارئ المصري إليه، ولسنا نشك أنه سوف يجد التقبيح والازدراء من تسعين في المائة من القراء ~~كما قد يجد الاستحسان من عدد قليل، ولكن ليس هذا غرضنا إنما نحن نقصد إلى أن نوضح العوامل ~~التي أدت إلى اتخاذ هذا الأسلوب وتقديره في الحضارة القائمة. # فقد عرف هافلوك إليس فتاة إنجليزية تدعى الآنسة «إديث ليز» قبل نحو ستين سنة، وكانت هذه ~~الفتاة من أولئك الفتيات الجديدات اللائي كن يسمين في إنجلترا باسم المرأة الجديدة، ~~وقد كن منذ عام 1890 أو قبل ذلك يدعون دعوات جريئة مثل التعليم الجامعي للمرأة، ومثل حقوق ~~الانتخاب للمجالس النيابية، والمساواة الاقتصادية بين الجنسين، وتولي الوظائف العامة. ~~وكانت إديث ليز أكثر إيمانا بهذه الحقوق وأكثر إسرافا في الدعوة إليها، وكانت سكرتيرة ~~لأحد الأندية النسوية في لندن، وكانت تقول: إن البيت على حالته الحاضرة - أي حوالي سنة 1890 ~~- هو طاحون تسخر فيه الزوجة، فتعمل طول نهارها وبعض ليلها، وهي مجهدة لا يتوافر لها ~~الوقت للراحة أو الاستمتاع الاجتماعي أو الثقافي، وإن هذا الكد المستمر في البيت، من حيث ~~الاشتغال بالطبخ والغسل والكنس، يمكن الاستغناء عنه بأن نتناول وجباتنا في المطاعم، وإنه ~~يجب على كل امرأة أن تؤدي عملا اجتماعيا بأن تحترف حرفة تكسب منها كما يفعل الرجال؛ لأن ~~الاحتراف هو تربية دائمة لها، وهو يكسبها المال الذي يرفعها إلى كرامة اقتصادية يحسها الزوج ~~فيحترمها، وهي حين تحترف تحس مسئوليات كبيرة لم تكن لتحس بها لو أنها كانت قد قنعت بالنشاط ~~المنزلي في الطبخ والغسل والكنس، وإن الحرفة هي الوسيلة لتكوين الشخصية، ولن تكون للمرأة ~~شخصية إذا هي قنعت بأعمال البيت. # والحق أن هذه الآراء كانت عامة حوالي سنة 1890، ولكنها كانت آراء في الهواء؛ إذ لم تكن ~~تجد ما يدعمها من النظام الاقتصادي السائد وقتئذ؛ لأن الرجال كانوا يستوعبون الأعمال، ولم ~~يكن هناك غير عدد صغير جدا من النساء اللائي كن يعملن ms111 ويكسبن. # ويجب أن أقول إن هذه الحال قد تغيرت في أيامنا هذه، فإن نحو عشرين مليون امرأة يحترفن ~~الحرف التجارية والصناعية والمكتبية كالرجل سواء في الولايات المتحدة، وليس هناك شك في ~~أنهن قد كسبن الشخصية التي أشارت إليها إديث ليز، ولم تعم هذه الحالة الجديدة لدعوة ~~نسوية، وإنما لأن هناك قوات اقتصادية جديدة دعت إليها، هي - قبل كل شيء - هاتان الحربان ~~الكبيرتان؛ لأنهما لما جندتا للجيوش والمصانع الكثير من الرجال أكرهتا المجتمع الأمريكي، بل ~~المجتمعات الأوروبية أيضا على استخدام المرأة في المصانع والمتاجر والمكاتب. # ومما زاد هذا الاتجاه قوة أن واجبات المنزل قد اختصرت بالمخترعات الجديدة، فإن الطبخ ~~بالضغط وبالكهرباء قد جعل تهيئة الطعام عملا لا يتجاوز دقائق بينما كان يستغرق الساعات قبل ~~خمسين أو ستين سنة والكنس الكهربائي، وكذلك الغسل الكهربائي، قد أصبحا في ميسور أفقر ~~العائلات الأمريكية والأوروبية الغربية، بل إن التليفون قد أخذ مكان الخادم. وإذا كانت ~~المرأة الأوروبية أو الأمريكية كانت تجد في المنزل ما يشغلها طوال نهارها قبل خمسين سنة، ~~فهي لا تجد فيه ما يشغلها نصف ساعة في اليوم كله، فهي من ناحية تجد أن الأعمال العامة خارج ~~البيت تناديها وتقدم لها المرتب الحسن في المتاجر والمصانع والمكاتب، ومن ناحية أخرى لم تعد ~~تجد في البيت ما يغريها بالبقاء فيه أو يضطرها إليه. # فهذا الذي أبصرت به إديث ليز قبل نحو ستين سنة قد تحقق في أيامنا، ولا بد أنها قد بصرت ~~بهذه القوات الاقتصادية التي كانت تعمل في الخفاء، وتسري في المجتمع، وتنقل المرأة من ~~المنزل إلى المصنع. وهي في دعوتها إنما كانت تعبر عن هذه القوات، أو عن بوادرها الخفية ~~كما كانت تحسها وتتوقع نموها. # كانت إديث ليز قبل نحو خمسين سنة تحلم بما تم في أيامنا من الوعود الاقتصادية التي حققت ~~استقلال المرأة وكونت شخصيتها، وكانت آراؤها تغري أمثال هافلوك إليس بحبها والتعلق بها ~~وقد تعارفا، وبقيا مدة غير قصيرة وهما يتعاونان في الدراسة ويتبادلان في عطف هذه الآراء ~~التجديدية التقدمية ms112 ... وكانت لندن تختمر في تلك السنين بآراء تقدمية عديدة. وتم زواجهما، ~~وهنا تبدأ قصتنا أو عبرة القصة التي قصدنا إليها حين قلنا إنه - أي هافلوك إليس - قد اتخذ ~~أسلوبا معينا من العيش. # ذلك أننا نفهم من الزواج أنه ارتباط مادي كما هو ارتباط روحي، بحيث يعيش الزوجان في منزل ~~مشترك، وإن لم يناما في سرير مشترك، يشتركان في الراحة والنوم، ويأكلان من مائدة واحدة، ~~ولهما اقتصاديات منزلية مشتركة. # ولكن هذين الزوجين كانا على نية الابتداع لبدعة جديدة هي الزواج الانفصالي، فإنهما بعد ~~انقضاء شهر العسل عاد كل منهما إلى منزله، يتلاقيان بمواعيد، ويشتركان في سريرهما بمواعيد، ~~كأنهما عاشقان وليسا زوجين. ولم يكن هذا الانفصال يرجع إلى ضعف أو نقص في حبهما وإنما كان ~~عن مبدأ، وهو أن كلا من الزوجين يجب أن يستقل بحياته وحرفته وسكناه وبرنامج يومه لا ~~يفسدهما عليه ذلك زوجه الآخر. أو بكلمة أخرى: نحن نرى في الزواج حياة شاملة تحتوي على جميع ~~التفاصيل الأخرى، في حين كان هذان الزوجان يريان فيه أنه بعض الحياة فقط، وأنه يجب أن يترك ~~الزوج حرا لا يتدخل الزواج في تفاصيل حياته ولا يشملها؛ إذ هو - أي الزوج - إنسان أولا ~~له طموحه وآماله وحرفته وهوايته وملذاته، وهو يحب أن يجد الحرية كي يمارسها جميعها في خلوة ~~وفي استقلال لا يفسدهما عليه الزوج الآخر. # وقد عاشا على هذا الأسلوب أكثر من عشرين سنة يتزاوران كأنهما ضيفان، وفي كل عام يقصدان ~~إلى قرية في الريف أو إلى أية بلدة على الشاطئ للتشتية أو الاصطياف، فيقضيان نحو شهر معا ~~في بيت واحد، حتى إذا عادا إلى لندن استقل كل منهما بمنزله دون الآخر. # ومما يذكر أن غريبا لقيهما في القطار فلم يعرف من حديثهم أنهما زوجان؛ إذ كان كل منهما ~~يداعب الآخر، ويلاطفه أو يناغيه وظن أنهما عاشقان. # على أن هذه السعادة «الزوجية» لم تدم، فإن الزوجة أحست هوى جنسيا استسلمت له، فأحبت ~~شابا، ثم عادت فأحست انحرافا فأحبت فتاة، وفسدت العلاقة الزوجية بسبب ms113 ذلك، ولكنهما لم ~~يعمدا إلى الطلاق. وهنا يعلل بعض القراء هذا الشذوذ الذي وقعت فيه الزوجة بأنه كان النتيجة ~~المحتومة لهذا الانفصال. واعتقادي أن هذا الاستنتاج قد يكون صادقا، فإن الرجل حين يعيش ~~منفردا معتزلا للمرأة، وكذلك المرأة حين تعيش منفردة معتزلة للرجل، كلاهما يعود عرضة ~~للشذوذ الجنسي، وخاصة إذا كانت هناك زعزعة نفسية سابقة، كما نستطيع أن نستنتج مما حدث لهذه ~~الزوجة المسكينة التي احتاجت في فترة من حياتها أن تلجأ إلى مستشفى الأمراض العقلية. # الواقع أننا نجد في أخلاق هذه الزوجة رعونة وتقلبا لا يدلان على عقل رصين متزن، فإنها ~~احترفت الزراعة سنوات، ثم احترفت النشر؛ أي نشر الكتب، وأخفقت في العملين، وكان من رعونتها ~~هذه أن طلبت الانفصال الشرعي، وهو في إنجلترا دون الطلاق. # فهل نعلل إخفاق حياتها بهذا الزواج الانفصالي، أم نعزوه إلى أنها كانت من الأصل مزعزعة ~~النفس لم تستطع الاستقرار؟ # أظن أن التعليلين مسئولان. # والذي نحسه حين نقرأ سيرة هافلوك إليس بقلمه أن حبه لها قد بقي إلى يوم وفاتها، بل هو يقص ~~علينا إحساساته الأليمة حين رآها تجري وراء هذا الشاب الجميل، ثم بعد ذلك حين زاغت بها ~~الشهوة إلى إحدى الفتيات، ثم هو يصف لنا في مرارة كيف حمل جسمها إلى المرمدة حيث أحرق، وكيف ~~حمل اللحاد الرماد وذره في الجهات الأربع في الحديقة. ~~••• # والآن نقف كي نتأمل هذا الزي الجديد للزواج أو هذا الأسلوب الجديد للعيش ... وهما زي وأسلوب ~~يتفشيان هذه السنين الأخيرة في الولايات المتحدة بدرجة خطيرة، وفي أوروبا الغربية، ولكن ليس ~~إلى المدى الذي بلغا بين الأمريكيين. # وكان «ليون بلوم» الرئيس الاشتراكي السابق للوزارة الفرنسية يدعو إليه، ويقول إنه خير ~~الأساليب للعيش. وعلينا هنا أن نفترض الافتراضات والاحتمالات، فنقول إن خروج المرأة من ~~البيت إلى المجتمع في النصف الأول من هذا القرن كان منتظرا، وقد زادته الحربان الأخيرتان ~~تأكيدا لحاجات المصانع إلى عمل المرأة بدلا من الرجل الذي ذهب إلى ميادين القتال. ثم إن ~~المساواة في التعليم قد جعلت ms114 للمرأة كفايات حرفية أهلتها للعمل والكسب، وأخيرا إحالة ~~المنزل من مؤسسة تقوم على العمل اليدوي إلى أخرى تقوم على العمل الكهربائي، قد جعل بقاء ~~المرأة في المنزل طوال النهار شيئا غير معقول. # وجميع هذه الاعتبارات قد بلغت ذروتها في الولايات المتحدة؛ لأن المنزل هناك «مكهرب» ~~والمرأة تكسب كالرجل، وكلمة «الشخصية» قد اكتسبت لهذا السبب معناها العصري للمرأة في ~~أمريكا. والمرأة التي تنشد تكوين شخصيتها إنما تنشدها بالتعلم والاحتراف والاختلاط ~~بالمجتمع، وليس بالانزواء في البيت؛ وهي لذلك حين تتزوج تصر على استبقاء حرفتها ونشاطها ~~الاجتماعي، وتزيد هذا الإصرار قوة بأن تطلب بقاءها منفصلة في منزلها وقت الزواج كما كانت ~~أيام عزوبتها. # وحجتها أن حياتها الخاصة، وما جمعت حولها من أصدقاء وكتب واهتمامات يجب ألا تنقطع ~~بالزواج، ولكن اشتراكها في منزل زوج يؤكلها ثلاث وجبات كل يوم، ويقحم أصدقاءه على حياتها ~~الخاصة، وربما يعترض على أصدقائها هي، هذا الاشتراك لا يترك لشخصيتها المجال الحيوي كي تنمو ~~وترقى؛ لذلك يجب أن تعيش حياتها الخاصة بعد الزواج كما يعيش هو حياته الخاصة، ووسيلة ذلك أن ~~يعيش كل منهما في منزله الذي كان يعيش فيه أيام العزوبة. # وكثير من الأزواج الذين اضطلعوا بمهام واشتغلوا باهتمامات تزيد على مألوف العامة يحسون ~~الوجاهة في هذا المنطق. وليست المرأة وحدها هي التي تطلب في أمريكا وأوروبا الغربية هذا ~~الزواج الانفصالي، وإنما هو للرجل أيضا حين يرصد نفسه لأهداف اجتماعية يحس أن الروابط ~~الزوجية تقيده وتحول بينه وبين بذل ماله وعمره لتحقيقها، فإن رجل العلم أو رجل الأدب أو رجل ~~الفن أو السياسة كل هؤلاء يجدون أن الحياة العائلية بمألوفها وارتباطاتها لا تتفق وما ~~يضطلعون به من مسئوليات جسيمة سواء أكانت لأشخاصهم أم لوطنهم. ~~••• # عاش هافلوك إليس نحو عشرين سنة أخرى بعد وفاة زوجته، وقد شغفت به بعد ذلك سيدة فرنسية ~~وعاشت معه إلى يوم وفاته منذ نحو عشر سنوات. # وقد قرأت معظم ما ألفه هافلوك إليس، وإني أحس أنه كان على فهم عميق للحضارة الأوروبية، ~~وأعني بهذا الفهم ms115 العميق أنه كان يصل حاضر أوروبا بعصر نهضتها فيما بين عام 1450 وعام 1550 ~~حين شرعت تغير عقائدها وأسلوب معيشتها. # وما زالت أوروبا حتى هذا العام في سبيل هذه النهضة تغير عقائدها وأسلوب معيشتها، وهذا ~~الزواج الانفصالي هو بعض تجاربها التي سوف تثبت الأيام أنها حسنة أو سيئة. والفرق بين ~~أوروبا وأقطار الشرق أن الأولى دائبة في التجارب، تجدد وسائل عيشها وتغير في مؤسساتها، أما ~~الشرق فيضفي على مؤسساته قداسة تجمد تطوره وتجعل أبناءه يعيشون في عام 1951، كما لو كانوا ~~يعيشون في عام 951؛ أي قبل ألف سنة. # وقد رأى الأوربيون أن العائلة كانت في الماضي تربي الشخصية، أما الآن فإنها تعوق هذه ~~التربية؛ لأن الإنسان الجديد قد زاد إحساسه الاجتماعي عما كان عليه قبل مائة سنة، فهو في ~~المجتمع بذهنه وجسمه في عصرنا أكثر مما كان من قبل؛ لأنه يشترك في السياسة والتطور ~~الاجتماعي، ويشتبك في المشكلات الاجتماعية والاقتصادية. # والعائلة بتأليفها الماضي هي إلى حد ما ضد المجتمع، كما نرى مثلا في ذلك الرجل العائلي ~~المسرف في التزام بيته، من مكتبه إلى بيته، يعيش مع أولاده، ولا يفكر في غير سعادتهم، فهو ~~«فاضل» من الناحية العائلية، ولكن اهتماماته الاجتماعية في هذه الحال ضعيفة. # ونحن نلاحظ أنه عندما يقوى المجتمع، ويتولى الحكم، وتكون له الكلمة العليا كما هي الحال ~~في الأمم الديمقراطية، بريطانيا وفرنسا، والولايات المتحدة، تضعف الروابط العائلية؛ إذ يكثر ~~الطلاق، وأيضا يتجه الرجل كما تتجه المرأة إلى نشاط آخر خارج البيت. ولكن ليس شك أن الرجل ~~الاجتماعي، وكذلك المرأة الاجتماعية، كلاهما يمتاز بشخصية أكبر وأنضج من الرجل العائلي أو ~~المرأة العائلية، وخاصة إذا كان هذا المجتمع حرا لا تدوسه حكومة مستبدة، ولا تطغى عليه ~~قوات بوليسية تحرمه تطوره وارتقاءه، إننا نحس حنينا نحو العائلة، وما فيها من استمتاعات ~~الطفولة بين الأبوين، ولكننا ننسى أن الأم في السنين الأولى من العمر هي كل شيء، وأن قيمة ~~الأب ضئيلة، والزواج الانفصالي، كما هو شائع في أيامنا في الأمم الغربية، يجعل التصاق ms116 الأم ~~بأطفالها مكفولا كما كان الشأن قبلا. # وبالطبع، هذا الزواج الانفصالي لا يمكن أن ينشأ، إلا إذا كان الزوجان يريان ضرورته ~~لرقيهما، أما إذا لم يجدا هذه الضرورة فإنهما يعيشان معا، وأغلب الظن أن هذا الزواج ~~الانفصالي لا يزيد في الوقت الحاضر على واحد في المائة، أو أكثر أو أقل قليلا في الأمم ~~الغربية التي أشرنا إليها؛ وذلك لأن هذا الإنسان الجديد الذي ارتقت شخصيته وزاد إحساسه ~~الاجتماعي على إحساسه العائلي لا يمكن أن يزيد على واحد في المائة من السكان في أرقى أمة. # وعبارة «الإحساس الاجتماعي» تعني الاهتمامات المتعددة بالعلم والفلسفة، والفن، والاختراع، ~~والاكتشاف؛ لأن هذه الاهتمامات تحتاج إلى إرصاد القوى كلها لإتمامها في خلوة واستقلال. وقد ~~كان هافلوك إليس من هذه الناحية إنسانا جديدا، ولكننا لا نستطيع أن نبت برأي في هذه ~~الجدة، هل هي للسعادة والخير، أم للتعاسة والشر؟ # | جوركي والأديب المكافح # في القرن التاسع عشر، وخاصة في نصفه الثاني، كانت روسيا التي هي الآن جمهورية من جمهوريات ~~الاتحاد السوفييتي، تتنازعها حركتان أدبيتان - أو الأحرى اجتماعيتان - إزاء ضغط الثقافة ~~الأوروبية التي كانت تزحف إليها من أوروبا الغربية، والتي فتح لها بطرس الأكبر صدره حين ~~أراد أن ينقل روسيا من الشرق إلى الغرب. # وكان إزاء هذا الضغط الزاحف، تنشط حركة أخرى يقول دعاتها إن الروس صقالبة لا شأن لهم ~~بالأوروبيين، وإن لهؤلاء الصقالبة روحا وتقاليد وعادات يجب على الروس أن يحافظوا عليها ~~وألا يتلوثوا بالحضارة الأوروبية الفاسدة. # وكان تولستوي ودستوفسكي داعيتي هذه الحركة الصقلبية، كما كان تورجنيف وجوركي داعيتي ~~الاتجاه الأوروبي، وكان التصادم الفكري بينهما كثيرا، وهذا التصادم قد رأينا مثله في مصر، ~~ففي الخمسين أو الستين سنة الماضية رأينا دعاة السفور للمرأة، مثل قاسم أمين، يتجهون نحو ~~الغرب ويقولون بالأخذ بالحضارة العصرية، كما رأينا دعاة الحجاب، مثل طلعت حرب، يقولون بأننا ~~شرقيون لنا تقاليدنا التي تفضل التقاليد الغربية. # بل كذلك حدث في اليابان والصين والهند، ولكن في جميع هذه المصادمات يتغلب دعاة الحضارة ~~الغربية لسبب مفرد بسيط، ms117 هو أنها ليست غربية؛ إذ إن وصفها الحقيقي أنها عصرية جديدة، في حين ~~أن ما يسمى حضارة شرقية، أو صقلبية، إنما هو تلك العادات والتقاليد القديمة التي أثبت ~~الاختبار أنها ليست كفئا للوقوف في وجه الحضارة العصرية. # الحضارة العصرية الصناعية منتجة، توفر المال والقوة للغربيين، أما الحضارة الشرقية ~~الزراعية القديمة فلم تكن منتجة إلى حد الوفرة؛ ولذلك يحيا أبناؤها في فقر وضعف يغري ~~المستعمرين الأوروبيين باستغلالهم واستعمار بلادهم. # بقيت هذه المعركة بين دعاة القديم الشرقي والجديد الغربي مستعرة إلى عام 1881، حين قتل ~~القيصر إسكندر الثاني، وعندئذ سادت البلاد رجعية سوداء كان من نتائجها أو وسائلها منع ~~المؤلفات اليسارية الأوروبية من الدخول في روسيا واضطهاد المؤلفين الاشتراكيين، وفي مثل هذه ~~الظروف تجري الدعايات المضطهدة في الظلام، وتختمر بأشد وأعنف مما كانت تختمر لو كانت ~~مكشوفة؛ إذ عندئذ يدخلها العنف الذي لا يتفق والحركات المكشوفة؛ ولذلك فشت الجمعيات السرية ~~التي يحدثنا عنها جوركي، الذي كان وقتئذ شابا حوالي العشرين، يجوس خلال الأفكار والناس، ~~ويحيا شريدا يتنقل من حرفة إلى حرفة لسد الرمق. وفي هذا الضغط أو الكبت، عقب مقتل القيصر، ~~تبخر الصراع بين دعاة الصقلبية، أي الشرق، وبين دعاة الحضارة الغربية، وأخذ مكانه صراع ~~أعمق وأبعد بين الرأسمالية والاشتراكية. وكانت الرأسمالية بازغة في روسيا، قد جلبها ~~المستعمرون - أي المستغلون - من الغربيين الذي ألفوا الشركات لإيجاد المصانع، واشترك معهم ~~الأثرياء من الروس الذين آمنوا بالحضارة الغربية، والذين وجدوا الظروف ملائمة لاستغلال ~~الثروة المادية، والبشرية الروسية، وذلك عقب إلغاء النظام الإقطاعي السابق وتحرير عبيد ~~الأرض - أي العمال - الذين لم يكن يسمح لهم من قبل بترك الأرض إلا بإذن المالكين. # واتحد الاشتراكيون والأحرار في التوجيه السياسي للشعب الروسي، وحدثت ثورة عام 1905 التي ~~كانت في صميمها مظاهرة أحالها طغيان الحكومة القيصرية إلى مجزرة قتل فيها أكثر من خمسمائة، ~~غير آلاف الجرحى، وكان يقودها إلى الفشل الكاهن «جابون» الذي دعا المتظاهرين إلى ألا يحملوا ~~السلاح ضد «الأب الصغير» - أي القيصر - ولكن الأب الصغير كان يحمل السلاح ms118 هو وآلاف من ~~جنوده، استعملوا جميعهم السلاح لقتل الجماهير المتظاهرة، والتي لم تكن تطلب من القيصر أكثر ~~من حكومة دستورية عادلة توفر الخبز والعمل لأبناء الشعب الجائعين. وهنا نجد مكسيم جوركي ~~لأول مرة يشترك في هذه الثورة، ويتعلم منها. وكان أول ما تعلم من دروسها أن عرش القيصرية لن ~~يهدمه الأحرار، وأن أحزاب الأحرار لم يعد لها مكان في القرن العشرين، وأن الاشتراكية وحدها ~~تتحمل عبء التغيير المنتظر بإيجاد جمهورية بدلا من القيصرية. # وقصته العظيمة «الأم» التي ظهرت في عام 1907 هي التعليق على ثورة 1905 الفاشلة، كما هي ~~إرشاد وإلهام للشباب الثائرين في روسيا حتى لا يقنطوا من النجاح المنشود في ثورات ~~أخرى. ~~••• # ذكرت الصراع بين دعاة الصقلبية الشرقيين، وبين دعاة الحضارة العصرية الغربيين، هذا الصراع ~~تغير - أو تطور - إلى حركتين جديدتين فيما بين عامي 1900 أو 1914، فإن الاتجاه الاشتراكي ~~بين المفكرين والأدباء حملهم على الانحياز للإنسانية ضد الوطنية. ~~«نحن للعالم ولسنا لروسيا. لسنا وطنيين، نحن عالميون.» # هذا كان موقفهم، وكان منطقهم هنا أنه ما دمنا نعمل للاشتراكية فيجب ألا تكون هناك فوارق ~~في الوطن، وإنما نهدف إلى خدمة الإنسان مهما يكن سواء أكان روسيا أم مصريا أم صينيا ~~أم إنجليزيا، في حين كان خصومهم يقولون: روسيا أولا، نحن وطنيون. # وجاءت الحرب في عام 1914 فتغلب بالطبع الوطنيون، ولكن لفترة قصيرة، واستحالت الوطنية إلى ~~نزعة حربية عنيفة ضد ألمانيا، وهذا ما كان ينتظر. ولكن جوركي بقي على ما كان عليه داعية ~~للسلم حتى مدة الحرب، داعية للإنسان؛ الإنسان العالمي. ~~••• # عاش جوركي أربعين سنة، وهو يكافح في صدره مرض الدرن - أي السل - وأمضى معظم حياته في جنوب ~~إيطاليا ابتغاء الشمس والدفء، ولم يستسلم لهذا المرض، ولم ينم له، بل كان يعمل، ويخرج في ~~الهواء ويمرن عضلاته؛ لأنه كان يحس أنه في سباق مع الموت. وعاش 68 سنة كان يمكن بالطبع أن ~~تكون 80 أو 90 لولا هذا المرض، ولولا هذا الكفاح الآخر الذي كافح به الفقر والحرمان في صباه ~~كله ms119 وبعض شبابه. # لقد نشأ جوركي في أسرة من الفقراء الذين جر عليهم ~~الفقر طائفة غير صغيرة من الكوارث، فرأى بعينه الإجرام في أعضاء أسرته. كما أن الجوع قد ~~حمله على أن يحترف أوضع الحرف، بل كان احترافه لهذه الحرف أقرب إلى التشريد منه إلى ~~الاحتراف فعمل خبازا، وبائعا جوالا، وجامعا للخرق، وبستانيا، وبائعا للأيقونات ~~المقدسة. بل إنه احتاج أن يصيد العصافير كي يأكلها ويشبع بها جوعه. وليس غريبا علينا أن ~~نفهم أن قصته «من الأعماق السفلى» تحتوي أشخاصا يشهدون أو يطابقون أولئك الذين خالطهم في ~~صباه وشبابه، بل ليس غريبا علينا أن نفهم أنه قد ألهم الواقعية في الأدب؛ لأن ما رآه من ~~واقع حياة هؤلاء الناس قد ألهمه هذا المذهب، إنما الغريب أن نعرف أنه تغلب على هذا الوسط ~~السيئ فلم يقتد بأحد من أولئك المجرمين، بل رفع نفسه فوق وسطه، فلم يتعود شرب الخمور، ولم ~~يقنع بالبطالة والتشرد، ولم يقع في جريمة أو فساد آخر، وإنما خرج من هذا الظلام ينشد النور ~~في درس المذاهب واقتناء الكتب والتفكير في الإنسانية، وترقية شخصيته. تغلب على وسطه، وتغلب ~~على هذا الميكروب الذي كان يأكل رئتيه مدة أربعين سنة. # ونحن هنا إزاء رجل نجح في الأدب وأخرج الكتب العظيمة، ولكنه قبل أن يخرج كتابا من مطبعة ~~أخرج لنا حياته التي نجح في تأليفها، وحياته هذه هي خير مؤلفاته، وهي التي تلهمنا أكثر من ~~أي كتاب من كتبه، ولكن ما هو الحافز في هذه الحياة؟ ~~••• # أعتقد أن أعظم نعمة أنعمت بها الأقدار على مكسيم جوركي أنه منذ بداية شبابه، كما يخبرنا ~~هو عن ذلك في ترجمة حياته، عرف المذهب الاشتراكي، وكان هذا المذهب جديرا بأن يلصق بقلبه ~~أكثر مما يلصق بقلب أي إنسان آخر؛ لأنه رأى بعينيه، واختبر بأسلوب عيشه في الفقر والتشريد ~~والصعلكة، أكثر مما كان يرى ويختبر غيره، فكان للاشتراكية الوقع العميق في نفسه، وهذا الوقع ~~هو الذي نقله من الواقعية إلى الرومانسية. # لقد اكتسب الواقعية مما رأى واختبر، فصار ms120 ينقل إلينا في أدبه صورا من الفقر والحرمان، ~~وما يجران على الفقير المحروم من الانهيار النفسي والتفكك الأخلاقي في بعض الأحيان، كما ~~يبعثان في أحيان أخرى قوة جديدة للتغلب والسيطرة على الوسط. ولكن هذه الواقعية التي اكتسبها ~~من واقع حياته الأولى استحالت عنده بالمذهب الاشتراكي إلى رومانسية علمية، فصار يرسم لنا ~~الأهداف الجديدة للارتقاء الشخصي، وأيضا للارتقاء الشعبي عن طريق العلم الذي خدم الإنسان، ~~ويسخر الطبيعة ويغيرها لتوفير الرفاهية للجميع. # إن بعض الناس يؤمنون بالاشتراكية لأنها عدل ورحمة، ولكن المفكر العلمي يؤمن بها لأنها علم ~~تتفتح لنا أبوابه في النظام الاشتراكي فقط حين تنطلق الطاقات لجميع أبناء الشعب للإنتاج ~~والاختراع والاكتشاف والثراء والرخاء، وهذه هي اشتراكية جوركي، وهذا الأمل في تحقيقها هو ~~الذي يجعله يحلم بالسعادة، ويعود رومانسيا يرسم لنا ما سوف نستمتع به بعد تعميم هذا ~~النظام للعالم. ~~••• # قبل ثورة عام 1905 الفاشلة كان جوركي يؤلف القصص القصيرة التي يعالج فيها أعماق الفقر ~~والبؤس ويبعث فيها بخمائر الثورة، وكان موقفه الاجتماعي من مؤلفاته الفنية هو أن الفقر ساحق ~~عام، ولكننا نستطيع أن نلغيه بالعلم والاشتراكية، وأن الفقير زري في معظم أحواله؛ لأنه ~~يحيا في وسط سيء يحمله على الإجرام والرذيلة، بل يحمله على أن يفر من الجوع والبؤس بالخمر. ~~ثم رأى بعد الثورة الفاشلة في عام 1905 أن هنا يأسا عاما، وأن السلطات الروسية قد ~~استأنفت قسوتها ووحشيتها، فألف «الأم». ومغزى هذه القصة أن الثائرين يجب ألا ييأسوا، وهو ~~يشرح، كأنه الدليل المرشد، كيف يجب أن يستعد المتآمرون، وكيف يعرفون الخائن فيتقونه، وكيف ~~يحذرون الجواسيس. وقصة «الأم» من هذه الجهة ليست قصة فقط؛ إذ هي قبل كل شيء دليل يوضح ~~أساليب الثورة، وهذا هو المغزى العام منها. # ولكن هناك مغزى آخر يمكن أن نسميه المغزى الشخصي من الثورة، هو أن العامل الفقير، عندما ~~ييأس يفسد، ويهرب من الحياة بالخمر والرذيلة، ولكنه عندما ينهض، ويحس أنه رجل له آمال في ~~الارتقاء العام وتغيير النظم الاستبدادية، عند ذلك يعمد إلى نفسه ms121 هو فيرقي شخصيته، ويغير ~~أخلاقه، فيشرع في التعلم، أو ما نسميه التثقيف الذاتي، فما هو أن تمضي عليه سنوات قليلة حتى ~~يكون قد انتقل من العامية المهنية إلى الثقافة العالية، وخاصة إذا كانت هذه الثورة التي ~~ينشدها هي النظام الاشتراكي. ~~••• # كما أن هناك «عقدا» أو «مركبات» في الأخلاق تعين لنا سلوكنا وأهدافنا، كذلك نحن في ~~دراستنا وثقافتنا نجد أننا في أسر هذه العقد أو المركبات الذهنية النفسية التي تكسبنا ~~الحوافز، وتبعث فينا النشاط للدرس، وتفتأ تملؤنا اهتمامات تكاد تكون هموما مؤلمة، لا نرتاح ~~إلا بعد أن نحلها وننفرج من أسرها. وهنا كلمة عن شخصي أنا من حيث اختباراتي للشهوة الثقافية ~~والإرشاد للعلوم والآداب، فقد وجدت عقدتين في حياتي كان لهما كل الأثر في توجيه أبحاثي ~~ودراساتي. # العقدة الأولى: هي نظرية التطور التي طرأت علي، ولما أبلغ السابعة عشرة من عمري، ~~وكانت مجلة المقتطف تسميها نظرية النشوء والارتقاء، وما هو أن عثرت عليها حتى وجدتني في ~~عاصفة من التفكير والتردد. هذه النظرية، هذه العقدة، جعلتني أبحث الأديان، وأدرس البيولوجيا ~~- أي علم الحياة - وأقتني عشرات بل مئات الكتب عن الإنسان البدائي ونشأة الحضارات، وأسلوب ~~الحياة عند المتوحشين في أيامنا، وثورة العلم على التقاليد في النهضة الأوروبية، ومعاني ~~التطور الاجتماعي، وتاريخ الأرض، وأصل الكون، ومستقبل الإنسان، وأخيرا السيكلوجية - أي علم ~~النفس. كل هذه الدراسات كانت ولا تزال عندي، تعود إلى العقدة الأولى التي غرستها في نفسي ~~نظرية التطور. والمهم الذي يجب أن أذكره أني ما زلت في أسر هذه العقدة، وأن استطلاعاتي ~~الجديدة للثقافة تعود إلى جذورها الأولى حين كانت سني 17 سنة، وهي الأصل في اتجاهاتي ~~العلمية. # والعقدة الثانية: هي الاشتراكية التي طرأت علي وأنا حوالي العشرين في لندن حين التحقت ~~عضوا بالجمعية الفابية؛ فقد حفزني هذا المذهب على بحوث واستطلاعات اجتماعية جديدة. # ما هي علة الفقر؟ # ما هو معنى الاستعمار؟ # هل البغاء عند محترفاته استهتار أم فقر؟ # هل الجرائم تعود إلى ما يسميه بعضنا «سوء الأخلاق»، أم إلى الفقر؟ # بل كذلك ms122 المرض، يعود إلى عادات سيئة، أم إلى قلة التغذية؟ # إلخ ... إلخ. ودفعتني هذه البحوث إلى أن أدرس العناصر التي يتألف منها الغذاء الحسن، بل إلى ~~أن أدرس طرق الزراعة العلمية والتقليدية، وإلى أن أدرس مشكلة السكان ... إلخ. # ولكن نظرية التطور، ثم نظرية الاشتراكية، زيادة على ما حملتني كل منهما على الدرس، حملتني ~~أيضا على الآمال البعيدة، بل أحيانا المسرفة، في مستقبل الإنسان القريب بالاشتراكية. ~~والذي أفهمه من حياة جورجي أنه انبعث بدراسة العلم والاشتراكية إلى الآمال الإنسانية ~~العظيمة التي نصفها بأنها رومانسية. # إننا في حديثنا العام نفرض على الدوام أن المذهب الاشتراكي مذهب إنساني بار، وأن ~~الاشتراكيين يضحون ولا يكسبون منه شيئا، ولكني باختباراتي أستطيع أن أكذب هذا الفرض، ~~وأنا أقول إني اكتسبت من إيماني بالاشتراكية هذه الدراسات والاستطلاعات التي لا تنقطع، ~~والتي أحس منها أن ذهني حي، وأنه في شباب، ينمو وينضج، وأني أتفاءل في حياتي بالمستقبل، ولا ~~أخشاه، ولا أتشاءم. ~~••• # ولكننا نجد في جوركي شذوذا، أو فذاذة عجيبة فيما يختص بتأثير الوسط على الأخلاق، فإن ~~الوسط الذي نشأ فيه وسط الأسرة من الجدود والأعمام والأخوال، هذا الوسط كان هاوية من الخسة ~~والشراسة والإجرام والرذيلة، وأيما مفكر قد تشبع من الثقافة الاجتماعية، ويقرأ عن هؤلاء ~~الأشخاص الذين نشأ بينهم جوركي، لا يتمالك الإحساس بأنه - أي هذا الوسط - كان جديرا بأن ~~يخلق منه أعظم مجرم في العالم، ولكن جوركي كذب هذا المنطق ونشأ أعظم إنسان في العالم، ~~وصحيح أنه كانت له في هذا الوسط جدة بارة أحبته وخدمته، ولكن هل يكفي للنشأة الحميدة أن ~~يكون هناك شخص واحد فاضل بين عشرة من الأرزال؟ # وإذا لم يكن الشأن كذلك فإلام تعزو هذه النشأة العصامية التي اتسمت بها حياة ~~جوركي؟ # كان جوركي عصاميا، ولكن ليس في جمع المال كما هو المعنى العرفي، وإنما في تأليف شخصيته ~~وتربية إنسانيته. وليس عندنا من تفسير لهذه الظاهرة الفذة سوى أنه تقلب كثيرا في الحرف ~~والمهن، ورأى وقارن بين الناس، واستعمل ذكاءه في الفهم والمقارنة، وعرف ms123 في غضون ذلك المذهب ~~الاشتراكي، واستطاع أن يصوغ حياته وفق خياله، وخياله هو الاشتراكية. # وهنا العبرة لكل شاب، بل لكل فتاة، فإني لا أكاد أتخيل وسطا عائليا أسوأ من الوسط الذي ~~نشأ فيه جوركي، ومع ذلك تغلب على هذا الوسط كما تغلب على مرضه؛ السل، مدة أربعين سنة، ~~وامتلأ آمالا في المستقبل الاشتراكي. ~~••• # ومع ذلك لا نستطيع أن ننكر تأثير الوسط أو قيمته في جوركي، أو بالأحرى في مؤلفاته، ونحتاج ~~هنا إلى المقارنة بين تولستوي وجوركي، فإن الذي لا شك فيه أن نشأة المؤلف، ووسطه العائلي ~~والاجتماعي يؤثران على موقفه من الدنيا وآرائه وفلسفته واتجاهاته، بل كذلك على أسلوب تعبيره ~~وموضوع تفكيره، ولا يكاد أحدنا يتغير ويخالف هذه القاعدة إلا إذا عاش في وسط اجتماعي آخر ~~يزعزع عاداته وعقائده السابقة. # فقد نشأ تولستوي على القمة، في أسرة يرأسها كونت. ونشأ جوركي في الهوة، في أسرة أكثر ~~أفرادها من المجرمين؛ ولذلك نجد أن تولستوي على الرغم من يقظته وبغضه لمعيشة النبلاء مما ~~يضارعونه في الجاه والثراء، لا يزال يحس إحساسهم، فهو لا يؤمن إيمانا كاملا بالاشتراكية، ~~بل لا يؤمن بالحضارة الصناعية، وكل ما نجد فيه أنه إقطاعي رحيم بالفقراء الذين قلما يكتب ~~عنهم؛ لأن أبطاله جميعهم تقريبا من النبلاء أمثاله أو من المتيسرين، والرحمة المسيحية عند ~~علاج المساوئ الاجتماعية، وهو يؤمن بالدين، وإن كان يجحد الكنيسة. # العدل عند تولستوي هو الرحمة، وألا نقاوم الشر مقاومة إيجابية. # ولكن العدل عند جوركي هو الحق، ومذهبه مكافحة الشر بالسيف والنار. # وأبطال جوركي هم أولئك الذين أسقطهم الفقر على الحضيض، ولكنه يعمل على رفعهم بإيقاظهم، ~~وإيجاد الوعي الإنساني في قلوبهم. # تولستوي لم يدع إلى الثورة، ولكنه أوجد السخط الذي هيأ لها. # وجوركي دعا إلى الثورة واشترك بنفسه في ثورة عام 1905، ثم عاد إلى روسيا بعد ثورة عام ~~1917، وخدمها في أمانة وحماسة إلى أن مات في عام 1936. # إن التصادم عند جوركي، بين واقع حياته وأماني نفسه، هو الذي ينعكس أثره في أدبه حين يصف ~~لنا رجال ms124 قصصه، فيصف الإنسان بأنه بليد وخسيس وجاهل وراكد وأرعن ومغفل. # هذه هي الصفات التي رآها في الناس، في الواقع، ولكنه يعود فيثب من الواقعية إلى ~~الرومانسية، فيقول لنا على لسان إبليس في قصة «الأعماق السفلى»: # الإنسان، ما أعظمها كلمة! # أجل، إن الإنسان سينتصر على بلادته وركوده. # واقعة جوركي جاءت من حياته السفلى مع أخواله وأعمامه، رومانسيته جاءت من آماله، بعد أن ~~عرف الثائرين الاشتراكيين، وبعد أن اشترك معهم بعقله وجهده، كان يعيش في الظلام الرأسمالي، ~~ويؤمل في النور الاشتراكي، كان يعيش في الرق والفاقة، ويفكر في الحرية والرفاهية. إن القبح ~~في الواقع جعله - في الخيال - يفكر في الجمال، وكان اليأس يبعث فيه الأمل. كان يحلم وهو في ~~عبودية المجتمع الروسي أيام القيصر في سيادة الإنسان على الطبيعة وعلى الآلة، وفي قدرة ~~الإنسان بعقله على محو الخرافات. # يجب ألا نتعب من تكرار القول بأن الأديب يجب أن يستنبط من شخصه «نفسا أدبية» قبل أن ~~يؤلف في الأدب، يجب أن يكون رجلا مكافحا وإنسانا اشتراكيا، فأين هي عوامل الرجولة ~~والإنسانية في جوركي؟ لقد صار يتيما وهو في السنة السابعة من عمره، وصار عاملا يكسب عيشه ~~وهو في التاسعة من عمره، وبعد ثلاث سنوات من العمل المتواصل، وفي حيرة وتنقل من عمل إلى آخر ~~وفق اختياره؟ هذه الأعمال كانت بعد ذلك المواد الخامة التي صنع منها قصصه. وفيما بين عامي ~~1904 و1913 أسس واشترك في دار نشر تدعى «زنانيا» لنشر الأدب الذي يحمل دلالة اجتماعية. وبقي ~~طيلة حياته بعد ذلك يفهم من الأدب أنه وسيلة لتغيير المجتمعات والناس. وبقي أربعين سنة ~~يكافح مرض السل (الدرن) الرئوي. وفي سنة 1908 وصف الشعب في كتابه «الاعتراف» بأنه «خالق ~~الآلهة، خالق المعجزات.» ويقول فيه أيضا: «إن قوة الشعب حين يسترشد بالإرادة الذكية، لا ~~تعرف حدودا تعوقها عن التقدم.» # هذا الأمل العظيم إنما أحس به بعد الكوارث العظمى التي جعلته يتألم من الفقر في صباه، ومن ~~المرض أربعين سنة حتى حاول الانتحار والفرار من الدنيا، ولكنه خرج ms125 من هذا اليأس إلى الأمل ~~الواسع، فأصبح أعظم مرشد للناس يرشدهم إلى طريق الخير الاشتراكي، وما زلنا نحن، بعد وفاته ~~نسترشد به ونبني، أو نحاول أن نبني حياتنا على غراره. ~~••• # ولد جوركي في عام 1868 ومات في عام 1936، ونفهم من هذين التاريخين أنه أمضى 32 سنة في ~~القرن التاسع عشر و36 سنة في القرن العشرين، ونفهم أيضا أنه ألف قبل الثورة الروسية في ~~عام 1917، وبعدها، فكان من دعاتها المكافحين المضطهدين ثم كان بعد ذلك من أبنائها الموالين. ~~كان مولده، فيما كنا نسميه قبل الحرب «نجني نوفجورود» ثم صارت بعد الثورة تسمى باسمه ~~«جوركي» على نهر الفولجا الذي نجد ذكره يتكرر في مؤلفاته، وكانت روسيا قد ألغت الرق ~~الإقطاعي، ولكن ذكراه كانت لا تزال عالقة بالأذهان، ورأى جوركي في صباه ناسا كانوا ~~أرقاء، لهم أخلاق إقطاعية في الدرجات السفلى، ولكنه رأى أيضا بزوغ الحركة الصناعية ~~والرواج التجاري في المدن حيث المصانع والمتاجر. # كانت روسيا في فترة الانتقال تصطدم فيها الأخلاق الإقطاعية التي تعتمد على الإيمان ~~والتواكل والمحافظة التي تقارب الجمود، والأخلاق الجديدة؛ أخلاق المتجر والمصنع. وكلنا - ~~نحن أبناء القاهرة الذين أمضوا بعض حياتهم في الريف - نعرف الفرق بين الفلاح، هذا الإنسان ~~القديم، الذي يخرج علينا بأخلاق الفراعنة، والذي تغلبت عليه الأخلاق الإقطاعية، ثم هذا ~~الإنسان الجديد العامل في المصنع أو المتجر، بل أيضا صاحب المصنع أو صاحب المتجر، هؤلاء ~~جميعا قد تغلبت عليهم الأخلاق التجارية الصناعية، وهم يعيشون في المدينة الصناعية المنبهة ~~بينما الفلاحون يعيشون في القرى النائمة الغافلة. # رأى جوركي القرية التي لم تكد تتخلص من أخلاقها الإقطاعية، كما رأى المدينة الصناعية. ومع ~~أنه عرف أن مكانه هو المدينة، هو الحضارة، هو الصناعة، هو استقلال الشخصية، هو التعقل ~~والتساؤل بدلا من الإيمان والتسليم، فإنه مع ذلك وجد في المدينة ما يكره، وأعظم ما كان ~~يكره هو المتاجر والعقلية التجارية. # كان ظهور المصانع نتيجة لإلغاء الإقطاع، وكذلك كان ظهور المتاجر، وهنا تثب إلى أذهاننا ~~كلمة عصامي، أو الرجل الذي يصنع نفسه، ms126 ينشأ فقيرا، ثم لا يزال يجد حتى يجمع الثروة ~~الطائلة، ثم يحصل على لقب ويشيد كنيسة في بلدته، هو رجل متحرر من قيود الإقطاع، يجد جيوشا ~~من العمال يختار منهم ويعين الأجور لعملهم ويجمع للثروة بعرقهم وجهدهم. ونحن نعرف ~~العصاميين في بلادنا، ينشأ أحدهم عاملا يقطع الحجر للبناء أو ينقله إلى القاهرة، ثم لا ~~يزال يقتر على نفسه حتى يجمع ثمن عربة يجرها حمار أو جواد للنقل، ثم يسرف في التقتير حتى ~~يشتري عربة نقل كبيرة، ولا تمضي عليه السنوات القليلة حتى يكون مقاولا يبني العمارات. ~~والثروة الضخمة تأتي إليه عندئذ بلا عائق؛ لأنه يستطيع أنه يقتطع من الأجور مقدارا يدخره، ~~ثم يعود «رأس مال». # قبل أكثر من خمسين سنة قرأت كتابا ترجمه «يعقوب صروف» مؤسس مجلة «المقتطف» عن صمويل ~~سميلز، وكان عنوانه «سر النجاح»، وفي «سر النجاح» هذا قصص متوالية للعصاميين الإنجليز الذين ~~نهضوا من الفقر إلى الثراء، كانوا عمالا فأصبحوا سادة، يملكون المتاجر أو المصانع ~~ويستخدمون العمال. قصص نهوض رأس المال في القرن التاسع عشر. # ولكن صمويل سميلز لم يسأل، وهو يروي تواريخهم، كيف جمعوا هذه الثروات؟ وهل كانوا يجمعونها ~~لو أنهم كانوا يؤدون الأجور الحقة لعمالهم؟ كما لم يسأل يعقوب صروف هذين السؤالين عندما ~~ترجم الكتاب. # ويشير جوركي إلى هذا الكتاب بالذات ويسخر به، ويعلن كراهته للتاجر الذي أثرى بإذلال ~~العمال وحرمانهم مما كانوا في حاجة إليه من طعام أو مسكن أو كساء، وفي جميع مؤلفاته تقريبا ~~نجد هذه الكراهة للتاجر والصانع؛ أي للرأسمالي، صاحب المتجر أو صاحب المصنع الذي يثري بما ~~يكسبه من عرق العمال. # | شو # رفيق حياتي # أحسن ما اقتنيت في حياتي هو ذكرى برنارد شو، فقد لقيته حين كانت لحيته لا تزال صهباء، ~~وتحدثت إليه وسمعت خطبه وقرأت مؤلفاته، وإني لأحس إحساس أولئك الذين نغبطهم ممن عاصروا ~~أفلاطون أو أرسطوطاليس، واستمتعوا بحديثهما، وقرءوا وناقشوا مؤلفاتهما، ورأوا ضمائرهما ~~الذهنية تتفشى في حياتهم. ولقد عرفته في عام 1909، ورافقته إلى سنيه الأخيرة إلى أن مات ~~في الرابعة ms127 والتسعين، وهي أربع وتسعون سنة من الخلود. ولقد درست فلسفته فكان لي منها توجيه ~~وإرشاد. # ولكني لم أنتفع بمؤلفاته قدر ما انتفعت بحياته، وفلسفته التي - إلى مدى بعيد - تنبع من ~~حياته أكثر مما تتألف من أفكاره، أو أن حياته قد اندمغت في أفكاره فعاش عيشا فلسفيا. ~~ولست أنكر النشوة الذهنية التي كنت أجدها عندما أقرأ له مؤلفا جديدا، ولكن الإيحاء الدائم ~~والتنبيه المزعج لأسلوب عيشي واختيار أهدافي، إنما كانا ينبعان من حياته أكثر من مؤلفاته. ~~فقد تناول برنارد شو حياته كما لو كانت مادة خامة، وجعل يعتملها ويصوغها حتى أخرجها تمثالا ~~جميلا. وقد ألف نحو أربعين كتابا ودرامة، ولكن أعظم مؤلفاته هو حياته. # وإني ألتفت كثيرا إلى المؤلفين من هذه الناحية؛ أي كيف ألفوا حياتهم وصاغوها وجعلوا ~~منها بناء جميلا، كما لو كانوا يرسمون صورة أو ينحتون تمثالا أو يصفون بطلا في قصة أو ~~درامة؟ # وإني لأذكر هنا روسو، وجيته، وغاندي، وفولتير، فإن كلا من هؤلاء قد ألفوا الكتب ~~العظيمة، ولكن أعظم ما ألفوه هو حياتهم، ولو أنه طلب إلي أن أؤلف في ترجمة برنارد شو ~~وفلسفته كتابا يحتوي عشرة مجلدات لوجدت هذا الواجب سهلا أنهض به راضيا في شهور. ولكني ~~أجد صعوبة كبرى في كتابة هذا الفصل عنه، وهي صعوبة الإيجاز والضغط والاختيار، ويجب أن أبدأ ~~بكتابه الأكبر وهو حياته، فإنه اتبع أسلوبا من العيش يتفق وكلمته: # وإنما يكون الإنسان فاضلا إذا أعطى المجتمع الذي عاش فيه أكثر مما أخذ ~~منه. # ومعنى هذا أن المجتمع قد كسب بحياته فضائل وأخلاقا وعلما وأدبا وحكمة. # وقد نظر إلى جسمه كأنه تحفة غالية، وفهم من الطهارة أكثر مما نفهم فجعلها في أمعائه؛ إذ ~~رفض أن يجعل جسمه خيانة لجثث الحيوانات. والتزم الطعام النباتي وعاش 94 عاما سليما، فبرهن ~~على أنه كان بصيرا بالغذاء الملائم للتعمير والصحة، وقد كان التعمير بعض أهدافه، كما كان ~~بعض فلسفته، فإنه كان يقول: إن أعمارنا قصيرة لا تتسع للدرس والعمل والاستمتاع، ويجب أن ~~نعيش نحو ثلاثمائة سنة ms128 على سبيل العلاج الوقتي لمشكلاتنا الاجتماعية، أما الهدف الأخير فيجب ~~ألا تقل أعمارنا فيه عن ألوف السنين؛ لأنه إذا طالت أعمارنا اهتممنا بالدنيا وأصلحناها، ~~أما ما دامت أعمارنا قصيرة فإننا نخطف اللذة والمتعة، ولا نبالي إصلاح هذه الدنيا؛ لأننا ~~زائلون منها قريبا. # وقد أحب واشتعل في نفسه لهب العشق فلم يطفئه، ولكنه أيضا لم يؤججه حتى لا يحترق به، ~~فقد عرف الممثلة «إلين ترى» وكانت الروعة في الجمال والحكمة في العيش، وكانت تجمع إلى هذا ~~ذكاء الإحساس، فكان يذهب إليها كل مساء ويراها وهي تمثل، فإذا كان الصباح التالي كتب ~~إليها خطابا يتسامى فيه بحبه وبسط لها أعاجيب من إحساسه وذكائه في تفطن وحماسة. ولم يقابل ~~أحدهما الآخر. وقد طبعت مراسلاتهما بعد ذلك، وهي جديرة بأن تكون دليلا للمحبين الذين ~~يرتفعون بالحب إلى الثلث الأعلى من الجسم البشري. # ولم يحظ بتعليم جامعي ولا مدرسي، ولكن أوروبا الفهيمة عرفت فيه بعد ذلك أسمى نفس بشرية ~~تعيش في عصرنا، ذلك أنه جعل سني عمره الطويل جميعها سني دراسة. ومؤلفاته هي مشكلات ~~اجتماعية قد سلط عليها جهده وذكاءه فدرسها وأخرجها في درامة كوميدية فنية، نقرؤها أو نراها ~~على المسرح، فنحس بالضمير الواخز، والعامل الحافز حتى حين نضحك من أشخاصها ووقائعها. وقد ~~كان المسرح قبله ميدانا للشخصيات، فأحاله إلى ميدان للأفكار، وكان ميدانا للتبذخ بوصف ~~الحياة في القصور، أو صلصلة السيوف، أو الخيانة الزوجية الرخيصة، بإيجاد الشخص الثالث بين ~~الزوجين، فجعله مكانا للتفطن في معاني الحب والبطولة، ومعايش الفقراء والمبئوسين، ومعالجة ~~الطموح الديني وتطور الإنسان بعد آلاف السنين. وكل هذه المشكلات كانت مشكلاته الخاصة التي ~~درسها؛ لأنها بعض تربيته. # عرف برنارد شو الفقر والثراء، وعرف الكفاح في السياسة والفلسفة والعلم والأدب، وصرخ صرخة ~~فولتير في مأساة دنشواي، وكشف عن لؤم السياسة الإمبراطورية البريطانية في الحرب الكبرى ~~الأولى، ونال جائزة نوبل فسلمها لجمعية تنمية العلاقات بين نروج وبريطانيا. ودفع ثلاثين ~~ألف جنيه لبناء منازل للعمال. ولم يعرف قط التدخين، وكان يقاطع الخمر إلى ما قبل ms129 وفاته بنحو ~~عشر سنوات. وطاف حول الدنيا، وصادق العظيمين سدني ويب وزوجته، وكانا يرتفعان إلى مستواه في ~~روح البر بالدنيا، وكانا يمتازان بالدراسة الاقتصادية. ~~••• # قبل أن ألقى برنارد شو وجها لوجه كنت قد قرأت بعض مؤلفاته، فوجدت القوة التحريرية فيها ~~تعادل أو تزيد على ما لقيته في فولتير ونيتشه، ولما التقيت به في الجمعية الفابية في لندن ~~أحسست كأني إزاء أجمل رجل في العالم؛ فقد كان مهديد القامة، أحمر شعر اللحية والرأس، وكان ~~في نغمات صوته صحلة خفيفة محببة. وكانت كلماته للساسة الإنجليز بشأن دنشواي قد جعلتني أحس ~~كأنه واحد منا نحن المظلومين المضرورين المشنوقين؛ لأنه بكى كما بكينا. ولم أترك له كلمة ~~بعد ذلك لم أقرأها إلى يوم وفاته، بل إن حبي له قد حملني إلى أن أقتدي به في التزام الطعام ~~النباتي، وبقيت على ذلك سنة كدت أموت في نهايتها من الهزال، ولم يكن هزالي بسبب المذهب ~~النباتي وإنما كان لجهلي قيمة البيض واللبن عند النباتيين. # كان برنارد شو يعد نفسه صحفيا قبل كل شيء، وقد رأينا نحن فيه الفيلسوف العميق، والمؤلف ~~المسرحي المبدع، والأديب الرصين، بل أحيانا العالم الذي يستطيع أن يجادل العلميين في أخص ~~نظرياتهم، ولكنه كان يجهل كل هذه الكفاءات بقوله إنها «صحفية» من حيث إنها تتصل بالمشكلات ~~العصرية، والصحفي العالمي يجب أن يرتفع في تفسير هذه المشكلات ومعها إلى المستوى الفلسفي، ~~وأن يكون العلم والأدب بعض شئونه الدراسية. # ولد برنارد شو في عام 1856، أي: قبل افتتاح قناة السويس بثلاث عشرة سنة، وكانت سنه 26 ~~سنة حين وطئت أقدام الإنجليز أرض وطننا، ولست أذكر هذين التاريخين اعتباطا، ذلك أن الحادث ~~الأول قد أبرز مصر في وجدان الأوروبيين، وأما الحادث الثاني فقد أبرز للمفكرين من الإنجليز ~~رجال حزب الأحرار ودناءتهم ورياءهم بشأن الحرية التي داسوها في مصر، ونفوا زعيمها العظيم ~~إلى سيلان، وكان من هذا أن مكر بعض الأحرار في ترك حزب الأحرار وإنشاء الجمعية الفابية لنشر ~~الدعوة الاشتراكية، وكادت هذه الجمعية التي التحقت أنا بها، ms130 والتي أحالتني من شرقي خاف ~~إلى أوربي متمدن، كانت السبب الأول لإيجاد حزب العمال الذي أسندت إليه رئاسة الحكومة ~~البريطانية أكثر من مرة، وكان برنارد شو أحد مؤسسيها وأكبر داعية لنشر الاشتراكية الفابية؛ ~~أي التدريجية التي تحلل وتعالج دون أن تثور وتهدم. # عاش برنارد شو طوال عمره وهو يدعو إلى الاشتراكية، وقد اتخذ الطرف اليساري منها هذه ~~السنين الأخيرة من عمره، ولكنا على الرغم من أننا نجد أن نظرياته ثورية، فإن خططه كانت ~~عملية؛ وهو لذلك يعنى أكبر العناية بالبحث في مسائل المجالس البلدية التي يجد فيها بؤرة ~~العمل الاشتراكي، وهو أفلاطوني الذهن حين يتحدث عن العمال؛ إذ يستصغر شأنهم ويقول بإيجاد ~~صفوة معينة لمعالجة الساسة، وكأنه هنا فاشي يتحدث، كما كان يتحدث موسوليني، ولكن فترات ~~اليأس هذه قليلة عنده، وسرعان ما كان يفيق منها إلى الاعتماد على الشعب. وهو بالطبع عدو ~~الاستعمار وعدم الاستغلال، ويقول بالتأميم. ومؤلفاته رسائل وكتبا عن الاشتراكية عديدة وهي ~~تتسم جميعها بأنها شعبية وإيضاحية. واختصاص برنارد شو الأدبي هو التأليف المسرحي، وهو يضع ~~لكل درامة أو كوميديا مقدمة قد تزيد أحيانا على مائة صفحة، يوضح فيها وجهته الفلسفية التي ~~حملته على تأليف هذه المسرحية، بل هو أحيانا يزيد على المقدمة بملحق يبرز أو يشرح فيه بعض ~~ما احتاج إلى إيجازه على لسان أحد الممثلين، ومن هنا نقرأ الدرامة أو الكوميديا كأنها كتاب ~~مستقل زيادة على قيمتها المسرحية. وأسلوب برنارد شو هو الأسلوب العصري؛ أي الأسلوب ~~الديمقراطي، فهو يكتب للشعب بلغة الشعب، وهو لا يعرف التبذخ أو التظرف فضلا عن التبهرج، ~~ونحن نقرؤه كما لو كنا نقرأ مؤلفا في الدين أو الفلسفة أو التاريخ، ومرجعه - أي: مرد جذوره ~~- في المسرح، هو «هنريك إبسن» الذي جعل الدرامة الأوروبية اجتماعية. # وقد ألف برنارد شو في بداية حياته الأدبية كتبا في الدفاع عن إبسن، ولكن إبسن كان ~~فنانا مسرحيا قبل أن يكون باحثا اجتماعيا، أما برنارد شو فعكس ذلك؛ إذ هو باحث ~~اجتماعي قبل كل شيء، وهو يستعمل المسرح ms131 وسيلة لشرح المشكلات الاجتماعية، وليس هو مع ذلك ~~الوسيلة الوحيدة، وقد بحث الدين ومستقبل الإنسان، والحب، والحكومة، والبغاء، والفلسفة في ~~نحو ثلاثين أو أربعين مسرحية، ومعظم مسرحياته كوميديات قد طعم فيها التفكير الاجتماعي ~~بالفكاهة، وقد تجددت المسارح الأوروبية بهذا الاتجاه الجديد الذي ابتدعه هنريك إبسن، ودعمه ~~برنارد شو، فالدرامة الأوروبية واقعية، تجابه الحقائق وتعالج المشكلات، وليست رومانتية ~~خيالية تعيش في الأحلام والأماني. ~~••• # الكلام عن فلسفة برنارد شو يحتوي أيضا بحث ديانته وأدبه وفنه؛ لأنه يعالجها جميعها ~~بالروح الديني، وقد ولد قبل أن يظهر كتاب داروين «أصل الأنواع» بثلاث سنوات، ورأى واشتبك في ~~المعارك الثقافية حول هذا الموضوع، ورأى الصدمة التي أحدثتها العقيدة الجديدة، وهي أن ~~الإنسان والحيوان من أصل واحد. # وعندما نقرأ درامته الكبرى «الإنسان والسوبرمان» نحس أن هذا الكتاب هو الامتداد لكتاب أصل ~~الأنواع، كما هو إيمان ديني جديد يدعو إليه برنارد شو خلاصته أن ارتقاء الحضارة في المسكن ~~والملبس والتنقل ليس ارتقاء للإنسان، وإنما الارتقاء الصحيح هو أن يطول عمره إلى ألف سنة، ~~ويزيد مخه إلى كيلو جرامين، وأن يكون حصينا من الأمراض منذ ولادته إلى يوم وفاته، وهذا هو ~~السوبرمان الذي يجب أن يستولد من الإنسان بالانتخاب الحكومي، بحيث يكون منا كما نحن من ~~القردة، أعلى في سلم التطور، وأذكى ذهنا وأسلم غرائز. # وقد اصطدم برنارد شو مع الداروينيين من حيث إيمانه بأن الصفات المكتسبة تورث، وأن ~~الوراثة ليست جامدة كما اعتقد فيسمان. وفي السنة الماضية عندما احتدم النقاش بشأن هذا ~~الموضوع بين ليسنكو الذي دافع عن وراثة الصفات المكتسبة، وبين القائلين بأنها لا تورث، وأن ~~الوسط لا يؤثر في تغيير العناصر الوراثية، وقف برنارد شو إلى صف ليسنكو، أو قل إلى صف لا ~~مارك قبيل مائتي سنة. # وديانة شو كما نفهمها من مؤلفاته ومن حياته أيضا هي الديانة البشرية التي تنأى عن ~~الغيبيات، فإن درامته عن المسيحية «أندروكليس والأسد» تحملنا على الاعتقاد بأنه لا يختلف عن ~~رينان في بشرية المسيح، وأن الله كائن في الإنسان، ولكن ms132 إله برنارد شو هو قوة الحياة التي ~~تقف خلف التطور، وتعمل للارتقاء وتسير مكافحة نحو النور والحب. وإلى هنا تقف «غيبياته»، ~~غيبيات لا ترضي المؤمن، ولا تقنع الملحد، وهي أقرب الأشياء إلى برجسون، وعندي أنها بعض ~~رواسب القرن التاسع عشر التي علقت به هو وبرجسون، كما تعلق أساليب الطفولة بالرجل الناضج، ~~وهو يقول: «إنسان بلا دين هو إنسان بلا شرف.» وهذه عبارة سلبية قد استنتجها من حياته؛ إذ هو ~~لم يؤلف قط كتابا أو رسالة إلا بروح الدين، أي بروح المسئولية أمام المجتمع، بل ماذا أقول؟ ~~أمام البشر والأحياء والتطور! ومن هذه العبارة أيضا نفهم أن نظرته للدين اجتماعية ~~أخلاقية. # ومهمة الفلسفة هي في النهاية إيجاد النظريات، والجاهل يحتقر النظريات، ويزعم أنه عملي، ~~ولكن ليس هناك من الأشياء العملية ما هو أفضل من النظرية الحسنة؛ لأننا نقتصد بها، ونستغني ~~بها عن كثير من المجهود العابث. وكلاهما برنارد شو وبول سارتر يقول بحرية الفرد من حيث حقه ~~في أن يعمل كما يشاء، ولكن الهدف يختلف بينهما، فإن برنارد شو يبغي من هذه الحرية خير ~~المجتمع، من حيث إن حرية الإنسان تسير به نحو الخير إذا أدى الخير، ونحو الهلاك إذا قدم ~~الشر، فالمجتمع كاسب من هذه الحرية، دعوا السكير والنهم والمستهتر والمجرم يمارس كل ~~منهم حريته؛ لأنها في النهاية ستقضي عليه بالهلاك فينتفع المجتمع. ولكن بول سارتر يقول في ~~خسة فلسفية ليس لها نظير: «أنا وحدي» وعلى المجتمع السلام. وبرنارد شو مثل ولز، ينظر النظرة ~~البيولوجية للإنسان فيقول بضرورة التطور، أجل إن التطور هو الديانة الأصلية عند شو. # مات برنارد شو وكان أجمل الأساطير في حياتي، ولقد رافقته وتعلمت منه، وحاولت أن أقتدي به، ~~فكنت أصل أحيانا وأقصر أحيانا، ولقد حرصنا بالقدوة والعمل على أن نمارس الأدب لخدمة ~~الجمهور، وبعض هذه الخدمة أن نجعل ساستنا وقادتنا متمدنين مستنيرين، وهذا هو ما حاولت، ~~ولكني للأسف لم أنجح. # ولقد أوصى بأن يحرق جثمانه في المرمدة، وقد أحرقت زوجته فيها من قبل، كما أحرق ms133 ~~جثمانا صديقه ولز وزوجته، وهذا الاحتراق هو طهارة أخرى مارسها شو في موته كما مارس النباتية ~~في حياته. ~~••• # مما يستحق الملاحظة أن الأمم العربية جميعها فهمت النهضة على أنها التحرر من الأجنبي ~~المستعمر، ومن الوطني المستبد، فطالبت بالاستقلال والدستور، واعتقدت أن كل شيء من أمانيها ~~قد تم. ولكن الأمم الأوروبية فهمت النهضة أو النهضات المتوالية فيها على أنها قبل كل شيء ~~تحرير الضمير البشري، ففصلت الدين من الدولة، وكافحت التقاليد، وتمردت على سلطة البابا، ~~وألغتها واعتنقت العلوم، ومارست الفنون التي تعمل للتنوير الذهني والسعادة البشرية، وهذا ما ~~لم تفكر فيه الأمم العربية إلى الآن مع أنها تحمل من أعباء الظلام ما يرهق الضمائر ويسود ~~العقول. # والناهضون في أوروبا هم علماؤها وأدباؤها وليسوا ساستها، وهم جاليليو الذي خالف الكنيسة ~~وأثبت أن الأرض تدور حول الشمس، هم لوثر الذي انفصل من البابا وترجم الكتاب المقدس، هم ~~دافنشي الذي قال بأن الجبال كانت البحار تغمرها، هم داروين الذي أرجع الإنسان والحيوان إلى ~~أصل واحد، هم رينان الذي قال ببشرية المسيح، هم إبسن الذي رفع المرأة من الأنثوية إلى ~~الإنسانية. # هؤلاء هم الناهضون الذين غيروا أوروبا، وبرنارد شو واحد منهم، فإنه بأسلوب عيشه ومؤلفاته ~~المسرحية دعانا إلى حياة الطهر، ومكافحة النفاق الاجتماعي، وكانت مهمته تحرير الضمير البشري ~~من الخرافات والتقاليد والجبن الفكري، وبعث الآمال في مستقبل البشر على هذه الأرض. وصحيح ~~أنه كافح قوات الظلام التي يمثلها الاستعمار والاستبداد، ولكنه كافح أيضا، وبقوة أكبر، ~~قوات الظلام التي تمثلها التقاليد وموروث العقائد الغيبية. # ولو فهمنا نحن المصريين دلالة النهضات الأوروبية وعملنا لتحرير ضميرنا، لكان لنا إلى جنب ~~الحرية السياسية حرية أخرى أكفل للسعادة، وأعمل لتكوين الشخصية، ولكان لنا منها موقف آخر ~~حيال المشكلات الاقتصادية والأخلاقية والثقافية، وفي هذه الحال ما كان لمستبد أن يحبس ~~عقولنا بقوانين تحد من حرية الصحافة، أو يسلط علينا بوليس الأفكار؛ كي يعين لنا ما يجوز وما ~~لا يجوز أن نفكر فيه ونكتب عنه. # أجل، إننا ما زلنا بعيدين عن دلالة ms134 النهضات الأوروبية! ~~••• # ليس من الصدق أن أزعم أني اقتديت ببرنارد شو فإنه رفع نفسه إلى مستوى عال من «العيش ~~الساذج مع التفكير السامي» وعاونه على ذلك وسط متمدن لم أجد أنا مثله إلى يوم خلع فاروق في ~~مصر، حيث يكافأ الرذل على رذيلته، ويعاقب الفاضل على فضله، والأصل في هذه الحال المعكوسة هو ~~الإنجليز من ناحية والتقاليد الشرقية من أخرى، ولكني حاولت، وكررت المحاولات، ولم أتعب ولم ~~أسأم. وخير ما أخذت عن برنارد شو هو هذا الروح العلمي الذي يسود مؤلفاتي فإني مثله علمي ~~الذهن، أدبي الوسيلة، فلسفي الهدف، أمتاز بالتفكير العلمي، والتعبير الأدبي، وهذا إلى أنه ~~حبب إلي الاشتراكية ونقلها عندي من منطق العقل إلى عاطفة القلب. أجل إنه جعلها ديانتي ~~العملية فليس البر عندي إحسانا وصدقة، وإنما هو البرنامج الاشتراكي الذي يوفر لكافة الشعب ~~طعام الجسم، وغذاء الذهن، وحرية الضمير، والإقدام على المستقبل، وهو بعد داروين الذي جعلني ~~أستمسك بالتطور، وأجعل منه الديانة المذهبية لحياتي، وفكري وموقفي البشري. وقد كان هو يقول ~~بالحاجة إلى «وزارة للتطور» تعمل لترقية السلالات البشرية، وهذا تفكير يعلو علوا عظيما ~~على الصغائر التي يشتبك فيها صغار الأدباء. # وحين أعود إلى الأفكار التي بثها في نفسي برنارد شو، وحين أنظر إلى الدنيا من عدسته، أحس ~~السرور والغضب والإقدام والشجاعة والجهد والإرادة، أجل أحس أن حياتي ترتفع إلى مقام التاريخ ~~وأن لوجودي دلالة فلسفية. ~~••• # مات برنارد شو بعد أن ملأ الدنيا بفكاهاته، وهي فقاقيع الحكمة فكنا نضحك ونتعلم. نحن الآن ~~أقل ثراء في النفس وذكاء في العقل مما كنا في أيامه، وقبل أن يموت بأيام قال زعيم الفكاهة ~~هذا يصف عالمنا في عام 1950: إن بين كل أمة وأمة حربا باردة، وبين كل فرد وفرد من أبناء ~~الأمة الواحدة حربا باردة، وبين كل إنسان ونفسه حربا باردة! # هذا ما قاله زعيم الفكاهة، وهي كلمات موجعة تصف عالمنا التعس الحاضر. ~~••• # لما مات برنارد شو أطفئت الأنوار في نيويورك خمس دقائق، وكذلك أغلقت المدارس في الهند ~~يوما كاملا، ms135 وجرى مثل ذلك أو قريب منه في أقطار أخرى، ولكن مصر لم تفعل شيئا من هذا، ~~كأنها تعيش في ذهول لا تقدر القيم الأدبية والاجتماعية في العالم، والواقع أنها ~~كذلك. # ولو كانت هناك أمة مدينة لبرناردشو لكانت مصر، فإن الصفحات القليلة التي كتبها عن دنشواي ~~تحمل من غلواء الذهن والعاطفة ما ينظمها في عداد الأدب العالمي والبلاغة السامية، وستعيش ~~هذه الصفحات وسيقرؤها - كما قرأها - الملايين الذين سيغضبون من الاستعمار وسيعرفون منها حق ~~مصر وباطل بريطانيا. ولو كنا أمة عصرية لنقلنا إلى لغتنا جميع مؤلفات برنارد شو، ولكانت هذه ~~المؤلفات جديرة بأن تحدث نهضة اجتماعية وأدبية، فإن تفكيرنا السياسي جامد، ونشاطنا الأدبي ~~إما رجعي يتعمق ظلام القرون الماضية، وإما سطحي يتبهرج بالألوان على صفحات الجرائد والمجلات ~~كأنه عبث الصبيان؛ ولذلك ما كان أحوجنا إلى التوجيه السيكلوجي الاجتماعي الذي يتسم به أدب ~~برنارد شو، بل ما أحوج الأديب والسياسي معا إلى هذا التوجيه. # | غاندي # داعية الاستغناء # ولد غاندي إنسانا ومات قديسا. ولم يكن غاندي مؤلفا من حيث فن التأليف الكتابي وإخراج ~~الكتب، ولكنه ألف ما هو خير من الكتب، ألف حياته التي كانت مصباحا منيرا نحو أربعين ~~سنة للبشر من جميع الطبقات، وقد كانت دعواته أو رسالاته متعددة، فقد دعا إلى الوطنية ~~الهندية ومحاربة الاستعمار وإلى الاستقلال والحرية، كما دعا إلى المغزل والمنسج وإلى الطعام ~~النباتي، ولكن كل هذه الدعوات كان يسودها روح القداسة. ولذلك نستطيع أن نقول إن دعوته ~~الأولى هي القداسة؛ ذلك أن وطنيته لم تكن للهند وحدها، وإنما كانت إخاء بشريا لسكان هذا ~~العالم كله. ولم يكن كفاحا دمويا قائما على البطش والدم، وإنما كان مقاومة سلبية تنهض ~~على حض الهنود على ألا يتعاونوا مع المستعمرين لهضم حقوقهم وضغط حرياتهم، ولم يكن تدينه ~~لديانة آبائه فقط - أي الهندوكية - إذ هو كان يجعل صلاته حافلة جامعة للإنجيل والتوراة ~~والقرآن، والكتب الهندوكية المقدسة، وقد صام أكثر من نصف عام على فترات كي يحمل الهندوكيين ~~والمسلمين على الإخاء، وبذلك رفع السياسة إلى ms136 مستوى القداسة. وقد كتب تاريخ حياته في أسلوب ~~شعبي ساذج يخلو من التبرج؛ لأنه لم يكن كاتبا أديبا لعوبا، ومن هذا الكتاب نحس ~~قداسته، ونهفو إلى ذكراه في حنين وحنان معا، كما نهفو إلى ذكرياتنا للأم الحبيبة أو ~~للعشيقة التي أوسعتنا سعادة السنين، أو للابن الذي حملناه على صدورنا وقبلنا وجنتيه ~~الطريتين. وذكرى غاندي عندي هي نشوة يغمرني فيها إحساس فني كذلك الإحساس الذي أنتعش فيه حين ~~أرى الشفق الزاهي والحقول النضرة والرسم الرائع. وليست عظمة غاندي من ذلك النوع الذي يحملنا ~~على احترامه؛ إذ ليس هناك مكان في قلوبنا لذكراه سوى الحب ، وحيث يكون الحب العميق لا يكون ~~الاحترام. # وإني لأكتنز كنوزا نفيسة في حياتي لا أرضى بها بدلا، هي أني عشت وعاصرت تولستوي وبرنارد ~~شو وشفيتزر وغاندي، وكلهم قديس، وليست قداستهم من ذلك النوع القديم حين كان ينزوي الراهب في ~~صومعته بعيدا عن المجتمع كي ينشد خلاص نفسه بالصلاة؛ لأن هذا الراهب هو في صميمه أناني ~~يطلب الخلاص لنفسه فقط، ولكن هؤلاء القديسين العصريين كانوا يتألمون ويصومون ويكافحون من ~~أجل خلاص البشر، وقد استطاعوا أن يغيروا الأوزان والقيم البشرية، وأن يغرسوا في قلوبنا ~~حبا جديدا وأن يعلمونا أسلوبا فلسفيا للعيش. # مات غاندي في سنة 1947 وهو أعظم رجل في العالم، ومع ذلك كان كل ما يملك عنزة تدر له ~~اللبن، وشملة تكسو جسمه لا يزيد ثمنها على ثلاثة أو أربعة قروش. وكان يغزل بيده ويكتب ~~ويشتري القليل من الفواكه أو الجبن بما يكسب؛ وبذلك نصب غاندي أمام العالم كله مثالا يحتج ~~به على أساليب عيشتنا الاقتنائية، ويوضح لنا أن السعادة والشرف والمكانة أيسر من أن نتكلف ~~من أجلها جميعا هذا الجهد، بل هذا العذاب في اقتناء المال والهرولة التعسة التي نعيش بها ~~من أجل التكاثر بهذا المال. # والفهم العام للنسك هو أنه عادة أو رهبنة دينية قد نشأت في الأمم الشرقية، وهو كذلك إذا ~~فهمناه على أنه انزواء في صومعة. ولكن الحرمان الذي فرضه على نفسه كل من ms137 برنارد شو ~~وتولستوي وغاندي وشفيتزر هو نسك آخر، نسك غربي ينهل على أسس من الثقافة الغربية غايته خدمة ~~المجتمع، وإنهاض البشرية وتجديد القيم الاجتماعية، بل إنه ليس نسكا؛ لأن المعنى الأصيل ~~للنسك أنه الحرمان من بعض الملذات في الطعام أو الشراب أو اللباس أو السكنى أو إشباع ~~الشهوات، ولكن هؤلاء الأربعة الناسكين لم يحسوا، وهم يحرمون أنفسهم ما نحسب أنه متاع، أنهم ~~قد فقدوا شيئا لأنهم قد أخذوا بقيم جديدة تجعل ما نعتز أو نلتذ أو نفخر به من ثراء أو ~~اقتناء تافها لا يحرص عليه الرجل العظيم بل لا يباليه. # حادثة واحدة في حياة غاندي تدلنا على أن استغناءه لم يحمل معنى القهر، وهو انقطاعه عن ~~الاتصال الجنسي منذ بلغ الرابعة والثلاثين، فهو لم يكن يقصر نفسه على هذا الحرمان، ولم يكن ~~يحس أنه حرمان؛ ذلك لأن الآمال والآفاق التي كان يترامى إليها تفكيره كانت تغمر نفسه، وتشغل ~~كل وقته وتهيب به، بما تحمل من عظمة ومجد، أن ينسى ما دونها من ملذات أخرى. فهو لم يكن ~~يشتهي طعام اللحم، أو الاتصال بالمرأة، أو اقتناء الثراء؛ لأن نفسه كانت مغمورة بما هو ~~أسمى. فالانكفاف هنا ليس قهريا أمريا، وإنما هو سيكلوجي؛ أي إن غاندي قد سد القنوات في ~~شهواته؛ لأنه جمعها كلها نهرا واحدا نحو غاية موحدة هي الإنسانية. # وكي يفهم القارئ هذه الحال عليه أن يذكر مثلا ذلك الأب الذي يفقد ابنه الحبيب، فإن ~~كثيرا من الآباء في هذه الحال يحسون صدودا عن المرأة كأن الشهوة الجنسية قد أصبحت حراما ~~لا يجوز لهم الاستمتاع بها بعد أن ثكلوا الابن الذي أحبوا. وهذا الصدود هو في منطق النفس ~~نذر لشيء آخر، وكان نذر غاندي الذي سد قنوات شهواته جميعها تقريبا هو حب البشر، واستقلال ~~الهند، ومحو النجاسة، وطرد الإنجليز. ~~••• # ومما ينبهنا في حياة غاندي أنه على الرغم من المسحة البدائية الساذجة التي تبدو بها صورته ~~لنا، إنما كان غريبا في ذهنه عصريا في فكره، بل أكاد أقول إنه كان ms138 ماركسيا في أسلوب ~~كفاحه للإنجليز، من حيث إنه فهم الاستعمار على أنه استغلال للأرض والبشر في الهند لمصلحة ~~الإنجليز فجعل مكافحته قائمة على الاستكفاء الاقتصادي بتعميم المغزل والمنسج ومقاطعة ~~المصنوعات الإنجليزية. # ولم تكن دعوته للمغزل إطارا لهذه الآلة اليدوية الصغيرة على مصانع الغزل والنسيج التي ~~يعمل فيها على الحديد والنار، وإنما هو وجد أن ظروف الهند، وهي ظروف الحرمان والفاقة ~~والفراغ، مع الجوع في الريف وترصد الإنجليز لأية نهضة اقتصادية وتصديهم لقتلها في المهد، كل ~~هذا جعله يفكر في الوسيلة التي تعم البيوت الهندية حيث يعمل الأب والأم والأبناء في العمل ~~دون أن يستطيع الإنجليز أن يتدخلوا ويمنعوها. # والمتأمل للحركات الوطنية في مصر والهند وتركيا يجد ظاهرة تستحق الالتفات، هي أن جميع ~~الوطنيين في هذه الأقطار الذين قادوا هذه الحركات قد امتازوا بثقافة أوروبية وأخذوا بالقيم ~~والأوزان الأوروبية. أما الشرقيون الذين نشئوا في حضن الثقافات التقليدية الدينية أو ~~الاجتماعية فلم يدركوا هذه الحركات، ولم يستطيعوا أن يعدوها بتفكيرهم؛ فإن دعاة الوطنية ~~الهندية طلاك وغاندي ونهرو قد تعلموا جميعهم في أمر واحد هو أن أتاتورك مقاطعا مجاهدا في ~~مقاطعته للأخلاق الشرقية. # وهذا هو الشأن أيضا في مصر حيث نجد أن الزعامة الوطنية والانتهاض القومي العام والدعوة ~~للاستقلال يحمل علمها ولا يزال يحمله أولئك المصريون الذين تعلموا في أوروبا أو أخذوا ~~بالثقافة الأوروبية، وما تحمل من أوزان ونظم جديدة في السياسة والأخلاق والاجتماع. # وقد كان الاستعمار البريطاني في الهند يؤيد تقديس البقرة، ويؤيد نظام المنبوذين ويؤيد ~~حجاب المرأة؛ لأن أعظم ما يؤخر هذه الأمم الشرقية هو هذه التقاليد المحجرة، بل لولا هذه ~~التقاليد لما استطاع الاستعمار أن يطأ بقدميه أرض الهند أو مصر. ولعلنا لا ننسى هنا أن ~~الإنجليز كانوا يعارضون حركة قاسم أمين بشأن تحرير المرأة، وكانت ناظرة المدرسة السنية ~~الابتدائية للبنات تصر على اتخاذهن للبرقع، ولكن الاستعمار مذهب غربي وهو مع أنه يدوس الأمم ~~الشرقية، لا يزال يحمل في طياته السم الذي يقتله في النهاية؛ لأنه ينقل معه الثقافة ~~الأوروبية ms139 التي تحيل بعض الشرقيين إلى أوربيين في الذهن والعاطفة والنظرة، وهؤلاء يفكرون ~~وينتهون إلى دعوة الاستقلال والتحرير من شيئين معا؛ وهما الاحتلال الأجنبي وأيضا التقاليد ~~المحتجرة. ولذلك ما كاد الهنود يجلون الإنجليز حتى عمدوا أول ما عمدوا إلى إلغاء نظام ~~الطبقات الذي كان يؤيد بقاء المنبوذين، وولوا منبوذا وزارة المعارف، كما منحوا المرأة حق ~~المساواة بالرجل في الميدان الاجتماعي، وأيضا حق الانتخاب للبرلمان وللوزارة، وهم في ذلك ~~يشبهون مصر. # وليس شيء في الدنيا أسوأ من الاستعمار الأجنبي سوى التقاليد الشرقية المتحجرة، وليس شيء ~~في الدنيا أسوأ من التقاليد المتحجرة سوى الاستعمار الأجنبي، ولكن مع ذلك حين أتأمل بعض ~~الأمم التي لا تزال تعيش في استقلالها واستبداد تقاليدها أحس كأني أرغب في استعمار أجنبي ~~يصفعها الصفعة المنبهة التي توقظها وتنبهها وتحملها على إلغاء تقاليدها. ~~••• # ثلاثة رجال يبرزون في حياة غاندي من حيث تكوينه وتوجيهه في التفكير الاجتماعي، وهؤلاء هم: ~~ثورو وتولستوي وروسكين، وكانوا جميعا من المتمردين على الحضارة الأوروبية يحاولون الارتداد ~~عنها إلى ما هو أبسط وأقل تعقدا، وأميل إلى الخدمة والتعاون دون السلطة والاستثمار، ولا ~~يستطيع المتأمل لنشاط هؤلاء الثلاثة، الدارس لأفكارهم ونظرياتهم ومثلياتهم، أن يقول إنهم ~~كانوا على بصيرة تامة بالحضارة الأوروبية ومنتهاها، ولكن تمردهم كان بمثابة التنبيه إلى ما ~~فيها من أخطار تلصق بالمجتمع الاقتنائي الذي انتهت إليه حيث يعيش كل فرد وغايته الاقتناء ~~والإثراء في مباراة عنيفة قاتلة. # كان ثورو أمريكيا، ولد في عام 1817 ومات في عام 1862، واشتغل بالتعليم وبغيره، ولكنه ~~في عام 1845 ترك حياة المدن وهاجر إلى الغابة، حيث بنى لنفسه كوخا، وجعل يعيش حياة بدائية ~~بصيد السمك من بحيرة قريبة، ويأكل الثمار البرية، ويعمل بالأجرة في الحقول القريبة، وكان ~~يقضي معظم وقته في تأمل الحيوان والنبات في الغابة وهو واضع عبارة «العصيان المدني» التي ~~أخذها عنه غاندي، وكان يعني بهذه العبارة أن لكل فرد الحق في أن يستقل بشخصيته، ويرفض ~~العادات والمطامع الاجتماعية، ويعيش وفق مثلياته الخاصة، وهو عاص لا يخضع للمجتمع، وبقي ms140 ~~إلى عام 1847 بالغابة حين عاد إلى المدينة وعاش مع صديقه «إمرسون» وألف كتابا بعنوان ~~«والدن أو الحياة في الغابة»، وهو يروي في هذا الكتاب اختباراته، وكيف أن حاجاته جميعا من ~~لباس وغذاء وسكنى لم تكن تكلفه سوى القليل من الجهد والقليل جدا من النقود. # وواضح أن غاندي حين ترك المدن وآوى إلى معتكفه في الطبيعة يقنع بما تدره عليه عنزته من ~~اللبن والجبن، وأيضا بقنوعه بتلك الشملة التي كان يشتمل بها دون أي لباس آخر، إنما كان ~~يستضيء بثورو في حياته في الغابة. ومكافحته للإنجليز الاستعماريين بشعاره «العصيان المدني» ~~يعود إلى القدرة على الاستغناء، فإنه نبذ الرفاهية فضلا عن البذخ وقنع بالقليل الذي لا ~~يستطيع الإنجليز أن يحرموه منه، وكان ثورو على الدوام في ذهنه: رجل قانع يعمل عندما يحتاج ~~ويرتاح ويتأمل الشمس والشجر والماء والسحاب عندما لا يحتاج، والحضارة القائمة تدعونا إلى ~~الاقتناء والإثراء والجهد والمباراة، ولكن عبارة ثورو هي كيف نستغني؟ وليس كيف ~~نقتني؟ # أما تولستوي فليس هناك من يجهله، فقد ولد في عام 1828، ومات في عام 1911، وكان فنانا ~~عظيما يؤلف القصص الخالدة كما كان أخلاقيا متمردا على الحضارة أيضا مثل ثورو، وقد ~~حرمته الكنيسة الروسية؛ لأنه ألف كتابا عن إيمانه وصف فيه المسيح باعتبار أنه إنسان عظيم ~~لا أكثر، وأن دعوة المسيح إلى الحب البشري هي الخلاص لجميع الناس وأن «ملكوت الله» كما جاء ~~في الإنجيل ليس حياة أخرى بعد الموت، وإنما هو في قلوبنا وأنفسنا وعالمنا هذا، وأنه يتحقق ~~بالحب بين البشر. وقد عاش في الأرض التي ورثها عن عائلته، وحاول تسليم هذه الأرض للفلاحين، ~~ولكن عائلته منعته، وكان يصنع الأحذية بنفسه للفلاحين، كما أنه أنشأ مدرسة لأولادهم وأصدر ~~مجلة في التربية، وقبل وفاته بنحو عشرة أيام خرج هاربا من بيته يريد أن يرضي ضميره ويعيش ~~كأحد الفلاحين. # وقرأ غاندي مؤلفاته وهو في أفريقيا الجنوبية فتأثر بها كثيرا، وكان أن أسس ما سماه ~~«مزرعة تولستوي» حيث كان يعلم أبناء الهنود ويزرع أرض المزرعة، ومن هنا ms141 نشأت عنده فكرة ~~التعلم بالعمل، وهي الفكرة التي أحالت التعليم إلى تربية. # ويرى كثير من الناقدين أن الخطة التي اتبعها غاندي في مكافحته للاستعمار في الهند وهي ~~«المقاومة السلبية»؛ أي تقبل العدوان في صمت وثبات إنما ترجع إلى تعاليم تولستوي في شرحه ~~للمسيحية، هذا الشرح الذي جلب عليه حرمان الكنيسة له حتى قال رومان رولان الأديب الفرنسي ~~المعروف: «وحسبي ما قلت كي أبين أن غاندي كان ينطوي على قلب إنجيل خافق تحت كساء من الإيمان ~~الهندوكي.» أما روسكين الذي أحبه أيضا غاندي فكان من الأدباء الإنجليز، وقد ولد في عام ~~1819، ومات في عام 1900، وألف عددا كبيرا من الكتب في الفنون والأخلاق والاجتماع، ولما ~~مات أبوه عام 1855م ترك له ثروة قدرت وقتئذ بمبلغ مائة وخمسين ألف جنيه، فلم يمتلكها بل ~~تبرع بها للمنشآت الاجتماعية والتعليمية وقنع هو بأن يعيش بقلمه. ~~••• # لم يكن غاندي يضع القواعد كي يتقيد بها، وإنما كان يفرض القاعدة أو المبدأ للاسترشاد ~~الأخلاقي في الخطة العملية؛ ولذلك نجد أن التزامه للمقاومة السلبية لم يكن جامدا؛ إذ هو ~~كان يلجأ إلى العمل الإيجابي من وقت لآخر؛ أي إن «العصيان المدني» لم يكن عنده ركودا أو ~~اعتزالا أو خمودا، وإنما كان أيضا عصيانا مباشرا كما نرى في حادث الملح. ذلك أن ~~الحكومة الهندية كانت في استغلالها الإمبراطوري تحتكر صناعة الملح، وهو إدام أو تابل يحتاج ~~إليه كل فرد، فالكسب عظيم منه والضرورة تكفل رواجه الدائم، ورأى غاندي في سنة 1930 أن ها ~~هنا فرصة يجب أن تستغل لتحريك التمرد على الاستعمار وتجرئة الشعب الهندي على عصيان ~~القوانين، والأخذ بالشجاعة فدعا إلى مظاهرة شعبية تبدأ من معتكفه حيث كان يقيم إلى شاطئ ~~البحر حيث الملاحات الحكومية. # وهناك يخالف غاندي القانون عمدا وينزل المتظاهرون إلى الملاحات ويحملون الملح مجانا، ~~وكافح المستعمرون هذه المظاهرة بكل الوسائل ووجدوا من الهنود أنفسهم من أيدهم في تزييف ~~هذه الحرية أو شلها، فمنعوا القطارات من السفر إلى الشاطئ، ومنعوا الخطابات، وعطلوا الصحف ~~وراقبوها وأوفدوا البوليس والجيش ms142 يحمل كل فرد منهم هراوة ضخمة، ثم أنحوا على المتظاهرين ~~بالضرب أو بالأحرى بالخبط حتى تحطمت الرءوس والأجسام، وخضبت الأرض بالدماء، وألقوا القبض ~~على رأس الفتنة، وداعية العصيان غاندي. # ولكن كل هذا لم يهزم المتظاهرين، وبقي العصيان يفشو ويزداد وامتلأت السجون وفاضت، فأسس ~~الإنجليز حظائر من الأسلاك يحبسون فيها الثائرين، وأصبح المسجونون يعدون بمئات الألوف، ~~وانتشر روح التمرد في جميع أنحاء الهند فامتنع المالكون من أداء الضرائب، واستقبال ألوف ~~الموظفين، وتراءى للإنجليز أن الثورة تسير في طريق النجاح وأن الأداة الحكومية قد شلت، ~~وعندئذ فكروا في أسلوب آخر للمكافحة، فإنهم إلى جنب الضرب والاعتقال عمدوا إلى الحكم ~~بالغرامات، ولكنها كانت تجربة تعلم منها غاندي وتعلم الهنود كيف يكافحون وفهموا وفكروا ~~ودبروا. # وفي عام 1939 عند شبوب الحرب الكبرى الثانية ترك غاندي هذا الأسلوب القديم للمكافحة، ودعا ~~دعوة أخرى هي «اتركوا الهند»، وترك الإنجليز الهند في عام 1948 وتحقق الاستقلال. ~~••• # وكان الهنود يعيشون أيام الإنجليز في تقاليد الفقر والجهل والمرض، وليس شيء يعمل للذلة ~~والهوان مثل هذه العناصر الثلاثة التي تجمع شرور العالم كلها، وهي العون الأول للاستعمار؛ ~~ولذلك حاربها غاندي جميعها بطراز جديد من المدارس يلائم ظروف القرية الهندية، وهذا الطراز ~~هو ما يسمى الآن «التربية الأساسية». # في عام 1945 كتب أينشتين عن غاندي هذه الكلمات البليغة: # إن غاندي يتزعم الشعب الهندي، لا تؤيده في هذه الزعامة أية سلطة خارجية، وهو ~~سياسي لا يقوم نجاحه على الحيلة أو المهارة في الوسائل الفنية، إنما على القوة ~~الاقتناعية في شخصيته، وهو مكافح مظفر يحتقر على الدوام أساليب العنف، وهو حكيم ~~متواضع قد تسلح بالإرادة كي يتناسق سلوكه، وقد أرصد كل قواه لأن ينهض بشعبه ويرقى ~~بمصيره، وقد جابه توحش أوروبا بوقار إنسانيته، ولذلك كان على الدوام يرتفع عليها. ~~إن الأجيال القادمة سوف تشك في أن إنسانا مثل هذا سعى بقدميه على أرضنا. # وهذه كلمات عظيم قد رأى العظمة في غيره وفطن إليها. ~~••• # علمنا غاندي أيضا أن حكمة الحكيم ليست بالاقتناء، وإنما هي ms143 بالاستغناء، وأننا نستطيع أن ~~نحقق السعادة والمكانة، وأن ننجز وعد حياتنا على الأرض، بالقليل من الحاجات دون هذا البذخ ~~الذي يضنينا بلوغه ثم لا يسعدنا الحصول عليه، وأن ضرورات العيش من مسكن وملبس ومطعم قليلة، ~~بل إننا إذا أقللنا منها عشنا على أحسن حال كما تتوافر لنا بهذه القلة القوة والوقت ~~للاستمتاعات العالية، وعلمنا نحن الشرقيين أن الاستعمار عدو لا شك فيه، ولكن هناك ما هو ~~أعدى منه لنا، وهو الاستمساك بعادات وتقاليد وقيم ثقافية واجتماعية شرقية لا يصلح أن تبقى ~~في القرن العشرين. # | ويلز # فيلسوف الصحافة # الصحافة أدب جديد لم يكن يعرفه أسلافنا، غايته أن يرتبط الكاتب بمجتمعه ويكتب عن عصره ~~ويدرس مشكلاته. ولهذا الأدب قواعده بل سننه التي يجب أن يلتزمها الصحفي. وإذا كانت البلاغة ~~لم تدرس إلى الآن هذا النوع من الأدب؛ فذلك لأنها تبني قواعدها على حال اجتماعية قد مضى ~~عليها أكثر من ألف سنة، ومن هنا عقم هذه القواعد في عصرنا وخيبة نتائجها. # قواعد البلاغة القديمة تعلمنا كيف نكتب في جد الجاحظ، أو هزل الحريري، ولكن الصحفي الذي ~~يكتب عن شئون البورصة، أو الفيتامين الجديد في الخميرة، أو مناقشات مجلس النواب، أو نقل ~~البريد بالطائرات، أو القنبلة الذرية يجد قصورا عظيما في لغتي الجاحظ والحريري ~~وبلاغتيهما. وإذا كان الأديب يكبر بمقدار مسئولياته، فإن الصحفي هو أعظم الأدباء في عصرنا؛ ~~لأن أعظم ما يؤثر في الجمهور ويغيره ويوجهه للخير أو للشر هو الجريدة؛ وذلك لقوة الإيحاء ~~الذي ينشأ من تكرار ظهورها كل يوم أو كل أسبوع. ولذلك أول شرط لبلاغة الأدب الصحفي أن يكون ~~من يمارسه أمينا لقرائه مخلصا لمثلياته ومبادئه، لا يخون ولا ينحرف؛ لأن في خيانته أو ~~انحرافه إفسادا للقراء وبعثا للشر. ثم يجب أن يكون على دراسة مثابرة للمشكلات العامة؛ إذ ~~هي موضوعه الذي يتجدد كل يوم. # ومهمته هنا أن ينير ويرفع مستوى البحث من ظلام الجهل والعمية إلى نور المعرفة والثقافة، ~~وأيضا من العاطفة إلى التعقل. ويجب أن تكون له أهداف فلسفية ms144 يتجه بها ويوجه قراءه إليها. ~~والفلسفة ألزم للصحفي مما هي لأي أديب آخر لقوة التوجيه التي يملكها أكثر مما يملكها أي ~~أديب آخر. # وقد يضحك قارئ الصحيفة الأسبوعية المبهرجة من كلماتي هذه، ولكني أذكره بأن أعظم من ~~مارسوا الصحافة في مصر هو لطفي السيد، وهو فيلسوف يهتم بأرسطوطاليس كما يهتم بترقية الزراعة ~~أو الصناعة. وكذلك الشأن على مدى أوسع في صحف أوروبا وأمريكا، وصحافة بلا فلسفة هي صحافة ~~العوام يكتبون للعوام. # لقد عرفت أديبين صحفيين من أعظم أدباء العصر هما برنارد شو وه. ج. ويلز. كان كلاهما يكتب ~~في الصحف، ويؤلف الكتب، ولكن مؤلفاتهما هي أدب صحفي ممتاز؛ ولأنه ممتاز قد جمع وحفظ في ~~صيغة الكتاب. وما من كتاب ألفه هذا الاثنان إلا وهو يعالج مشكلة بشرية أو اجتماعية أو ~~اقتصادية يجب أن تعالجها الصحيفة اليومية أو الأسبوعية. ومؤلفاتهما قد لا تقل عن مائة مجلد، ~~وقد كان من حظي أن أرافقهما وأتعلم منهما نحو نصف قرن، فقد كتب برنارد شو عن فضائح الإنجليز ~~في دنشواي، وعن الأثمان والأسهم في البورصة، وعن المجلس البلدي في لندن، وعن الحب والزواج، ~~وعن الإلحاد والإيمان، وعن التأميم، وعن الحرب والسلم، وعن اللغة والهجاء، وكل هذه ~~الموضوعات صحفية. وكذلك الشأن في ه. ج. ويلز، فقد كان آخر ما كتبه قبيل وفاته بأيام مقالا ~~عن أخطار القنبلة الذرية، وقد دعا إلى الإيمان بالأديان بقوة وتكرار وإلحاح، ثم رأى أن يدعو ~~دعوة أخرى مضادة استغرقت سائر حياته. ولكنه كان مخلصا حتى عندما نعده ضالا منحرفا، ~~وكان مخلصا في الدعوتين؛ لأنه كان متطورا. # وحياة ويلز الأدبية منذ شرع يكتب حوالي عام 1895 إلى وفاته في عام 1945 هي تاريخ نصف قرن ~~من التطور الذهني لكاتب عظيم إزاء التطورات والانقلابات العلمية والاقتصادية والسياسية، ~~ومؤلفاته الأولى كلها تفاؤل واستبشار بالمستقبل؛ العلوم تسود المعارف وتغربلها، تزويد سلطة ~~الإنسان على الأرض والماء والسماء، الأمراض تهزم وتنمحي، المحصولات الزراعية تزيد وتلغي ~~الجوع، الروح التنظيمي يعم العالم بالاشتراكية والتعليم يزداد. أجل وسوف تؤلف لجنة ms145 عالمية ~~تتصل بعصبة الأمم أو بالأمم المتحدة تؤلف موسوعة من نحو ثلاثين أو أربعين مجلدا، ثم تترجم ~~إلى جميع لغات العالم، وعندئذ تتداول جميع الشعوب هذه المعارف المثقفة بأرخص الأثمان، ~~ويدخل ويلز في التفاصيل فيقول: يجب أن نؤلف هذه الموسوعة على مبدأ الورق السائب بحيث ~~يستطيع المقتنون للموسوعة أن يستبدلوا بالأوراق التي قدمت وعقمت معارفها أوراقا جديدة تحوي ~~المعارف الجديدة، وتبقى الموسوعة بهذه الطريقة يطرد تجددها على مدى السنين. # وهذا الاستبشار بالمستقبل يملؤه طربا، فهو داعية حب وخير وإيمان، حتى ليكتب عن الكوارث ~~التي وقعت بأيوب، وهو أيوب عصري، وليس نورانيا، بحيث يذهب المال والولد والنسل والضرع، ~~يذهب كل شيء، ولكن يبقى الإيمان، الإيمان بالله ملك الملوك. # ثم تأتي الحرب الكبرى الأولى فيخمد شيء من هذا اللهب، ولكن يبقى منه شيء كبير. إذا هو ~~يؤلف لنا في عام 1919 تاريخا للعالم كله يقول فيه إننا أمة واحدة، وإن هذه الدنيا قريتنا ~~الكبرى التي يجب أن ننظمها ونخطط حركة المرور فيها، وإننا يجب أن نتهيأ لإيجاد حكومة واحدة ~~مع إدارة عامة موحدة للتعليم في دول الدنيا. ولكن بعد عشر سنوات نرى هذا الاستبشار ~~بالمستقبل يتقهقر، فهو غاضب حانق يائس، وهو يدعونا إلى مادية صرفة، مادية منظمة يتوافر فيها ~~الطعام والمسكن والمعرفة، ويقول إن هذا هو الدين. وبعد أن كان يستخرج من التوراة شخصية ~~معذبة ينقلها إلى عصرنا ويثقلها الهموم والمتاعب، وينتهي بها بعد كل ذلك إلى الإيمان والرضا ~~والفرح، يعود بعد عام 1930 فيجمع أشياء أخرى من التوراة يهاتر بها ويسب ويقدح. حتى إذا بلغ ~~عام 1945 يعمه اليأس العلمي الذي كان أساس الأمل من قبل، فيتحدث عن انقراض البشر بالقنبلة ~~الذرية. ~~••• # لقد عشت مع هذا الإنسان وأحببته، وإليه أعزو روح الجد في برنامجي الثقافي والآفاق ~~الموسوعية في معارفي، والاتجاه الديني الذي أتجهه في الصحافة فضلا عن التأليف، فإني أدرس ~~جغرافية هذا العالم وتاريخه بالروح الديني، واهتمامي بما يجري في إسبانيا على أيدي ~~الفاشيين، أو في الصين على أيدي الشيوعيين، يفوق ms146 اهتمامي بشئوني الشخصية، وأحداث العالم ~~الكبرى يزيد وقعها في نفسي على الكوارث التي تقع بشخصي ومشكلة القنبلة الذرية هي أكبر من أن ~~أقول إنها مشكلة لي. ولم أكره ولز إلا في يوم واحد، وذكري لهذه الكراهة يدل على أنها حزت ~~في نفسي حزا لم يبرأ إلى الآن؛ ذلك أنه قال في مقال صحفي إنه لو كان على سفينة ومعه ~~برنارد شو وبافلوف العالم الروسي، ثم تعرضت السفينة للغرق واضطر إلى الاختيار بين إنقاذ شو ~~أو إنقاذ بافلوف لأنقذ بافلوف دون شو. # وآلمتني هذه الكلمة كما آلمت برنارد شو كثيرا حتى إنه كررها في مضض. وعندي أنه لو كانت ~~نفس برنارد شو من ذهب، فإن نفس ويلز من طين، حتى لو قيل لي إن الطين أنفع من الذهب. وأستطيع ~~أن أقول لروح ويلز: أنت روح من طين؛ لأن ويلز لم يجن هذا الجنون المقدس الذي رأيناه من شو ~~في حادث دنشواي، أين كانت بشريتك التي تزعم أنها ديانتك السيامية حين شنق أبناؤنا وجلدوا ~~أمام أمهاتهم وأبنائهم وزوجاتهم وآبائهم؟ لقد كنت أنخرس حين نطق، بل حين صرخ برنارد ~~شو. # وبافلوف عالم سيكولوجي، وشو أديب ولكنه في أدبه يعلو على العلم، ونزعة ويلز العلمية هي ~~التي أسقطته هذه السقطة. # نشأ ويلز في بدرون الحياة الاجتماعية؛ إذ كانت أمه خادمة في منزل لأحد الأثرياء، وأول ما ~~يذكره من ذكريات الطفولة هو رؤية لأحذية الناس وهم يسيرون على طوار الشارع، وهو قاعد في ~~أسفل الطبقة البدرونية يتطلع من النافذة إليهم فيرى أحذيتهم دون وجوههم، وله كتاب أو رسالة ~~تدعى «تعس الأحذية». # واستطاع أن يتعلم ويصل إلى كلية العلوم حيث تخصص في البيولوجي - أي «علم الحياة» - وألف ~~كتابا عن تشريح الأرنب. وكان الدكتور هيوم، الذي كان يدير مصلحة الجيولوجيا في حكومتنا، ~~زميله في الكلية. وحوالي عام 1890 حين شرع ويلز يكتب كانت الأصداء للمناقشات الفلسفية ~~والعلمية لنظرية التطور تتردد في ذهنه، ومن هنا مؤلفاته الأولى التي تنزع إلى الخيال العلمي ~~وتجري على نسق «جول فيرن»، وإن ms147 تكن على مستوى أعلى، وهي تتدرج من التافه مثل قصة «طعام ~~الآلهة» إلى الجليل مثل «حرب العوالم». # ورويدا رويدا ينجذب العالم ويلز إلى الأدب والفلسفة والاقتصاد والسياسة بضغط الحوادث؛ ~~إذ هو يعيش في مجتمع حي ويقرأ صحفا مرآوية تنقل إليه صورة العالم المعذب بالإمبراطورية ~~البريطانية والاستعمار الفرنسي، والتعطل الذي يشقي ملايين العمال، والجهل إلى يعم الفقراء ~~والمرض الذي يبليهم، فيشرع في الدراسة وينتهي إلى تأليف كتاب «عوالم جديدة للقدامى» يقول ~~فيه إن العلاج الوحيد للعالم هو الاشتراكية، وليس شيء غير الاشتراكية. # وهنا يتعين موقفه فهو اشتراكي ارتقائي يساري، وعندئذ يدعوه زعماء الجمعية الفابية كي ~~يكون عضوا فيها حتى تنتفع بمواهبه الأدبية في نشر الاشتراكية. ويدخل الجمعية ويلقي ~~المحاضرات ، ولكنه يصطدم ببرنارد شو، وينهزم فيخرج من الجمعية، فهذه هي الحزازة الأولى بين ~~الأديبين، وقد تركت على لسانه مرارة جعلته ينطق بتلك الكلمات الحاقدة عن موت برنارد شو ~~وحياة بافلوف. # وكان الخلاف بشأن برنامج الجمعية، فإن ويلز أصر على أن يكون ضمن هذا البرنامج، وفي أساسه ~~تحرير المرأة، والتحرير هنا يزيد عشرة أضعاف على ما يفهمه القارئ المصري عن معنى التحرير. ~~وعارض برنارد شو هذا الاقتراح، لا لأنه يكره التحرير؛ بل لأنه كان يرى أن الجمعية يجب أن ~~يقتصر نشاطها على نشر الاشتراكية، وحسبها هذا دون التطلع إلى أية دعوة أخرى. # حدث هذا حوالي عام 1906، ومن ذلك العام إلى يوم وفاته في عام 1945 نجد في ويلز المجاهد ~~المتوسع في جهاده، وجهاده هذا للعالم وليس لبريطانيا وحدها، فهو يدعو إلى إيجاد قانون أساسي ~~عام ينص فيه على حق كل إنسان، فلكل إنسان الحق في العيش وفي العمل، كما أن له حق التفكير ~~والعمل، وكذلك الحق في المعرفة؛ أي يجب أن يتعلم. # وهو يدعو إلى ارتباطات ونظم عالمية لا تزال في نمو وارتقاء، حتى تتقلص الحكومات العديدة ~~القائمة وتزول في حكومة عالمية واحدة، وهو يدعو إلى إيجاد قانون عام لصيانة الثروات العامة ~~باعتبارها ملكا مشاعا للأمم، للبشر، أي يجب أن يحافظ على مناجم ms148 الفحم في إنجلترا أو عيون ~~البترول في إيران، وغابات أفريقيا والهند ووحوش الغابات، باعتبار أن كل هذه الكنوز إنما هي ~~ملك عام مشاع للبشر، وليس للأمة أن تستأثر بواحد منها. # وهو يطلب التنظيم العلمي للإنتاج، ويذكرنا أن مدينة برمنجهام وحدها تستخدم من القوة في ~~أيامنا لإنتاج مصنوعاتها مقدار ما كانت تستخدمه بريطانيا جميعها أيام الملكة إليصابات حوالي ~~عام 1600، وأن العلم هو الذي أدى إلى ذلك، وأننا حين نستخدم العلم في الزراعة والصناعة ~~والبناء في أقطار العالم، فإن الجوع يزول كما أن الوقت يتوافر لجميع أبناء البشر كي يهنئوا ~~بالسعادة، وكي يتعلموا طوال أعمارهم. # والتعليم هو وسواس ويلز، وسواسه النبيل؛ فإنه يرى أن التنظيم العلمي لأحوال عالمنا جدير ~~بأن يهيئ الفرصة لكل إنسان كي يحظى بتعليم جامعي. وبداية هذا التعليم هو إخراج الموسوعة ~~التي أشرنا إليها. # لست أشك في أن هناك من يحبون أن يسألوني حين أكتب عن أحد الأدباء عن قيمته الفنية، وإذن ~~ما هي قيمة ويلز الفنية؟ # وجوابي أن الفن؛ أي العناية بالتعبير الجميل، وتصوير الأهداف، والصور الجميلة ليست في ~~ويلز أو شو أو تولستوي أو أي أديب آخر أحببته، وإنما أحببته لأنه انغمس في مهمة أكبر وأخطر ~~وأجل وأسمى من هذا الذي يسميه البادئون والذاهلون والمموهون فنا. # أين يكون الفن في حبل المشنقة الذي يمسح بالصابون كي يأخذ بعنق المشنوق، ويضغطه كما يقول ~~تولستوي؟ أين يكون الفن في البغي تبيع عرضها لكل قادم كي تجد القروش التي تأكل بها كما ~~يقول برنارد شو؟ أين يكون الفن في ويلز وهو يكافح من أجل التنظيم العالمي، ويبحث الوسائل ~~لإلغاء الحروب والجوع والجهل؟ # الحق أن قصص ه. ج. ويلز ودرامة برناد شو هي جميعها لإبراز الأفكار، وليست لإبراز الأشخاص، ~~وهي جميعها لعرض المشكلات وليست للفن، لقد عالج هؤلاء المؤلفون أقذارنا وقروحنا، ولطخوا ~~أيديهم في المعالجة بالوحل والدم، كي نتعلم النظافة والصحة، فلم يجدوا مع الوحل والدم ~~مجالا للفن، فإذا ذكرت لي أن دستوفسكي قد عالج الوحل والدم وكان مع ذلك فنانا، ms149 فإني أجيب ~~بأنه لم يكن من البشر إنه كان قديسا فوق البشر. وأخيرا يجب أن نختم الكلام عن ويلز بأن ~~نتعمق قلبه ونسأل عن إيمانه وديانته. # والقارئ لمؤلفاته العديدة يستطيع أن يقول إن هذا الإيمان أو هذه الديانة هما العالمية أو ~~البشرية، من حيث إن تنظيم العالم يؤدي في النهاية إلى خدمة البشر. وقد انتهى إلى النفور من ~~الغيبيات، بل إلى القول بضرورة مكافحتها، وألف في ذلك رسائل وكتبا. وعند ويلز أن الدين، ~~وهو الدين البشري، ضرورة حتمية للنفس، وهو يعرفه بأنه تشوف الإنسان إلى ما هو أعلى منه ~~وسعيه لمصلحة عالمية تعلو على مصلحته الشخصية، وهو يقول هنا إنه ليس هناك هناءة أو سعادة ~~إلا حين نلغي ذواتنا ومصالحنا في سبيل ذات ومصلحة تعلوان علينا، وهذه الذات هي البشرية ~~جميعها وهذه المصلحة هي العالم كله، والهدف الذي يهدف إليه هذا الإيمان هو بكلمات ويلز ~~نفسها: «الانتصار المتدرج على الجوع، والعطش، والمناخ، والمادة، والقوة الآلية، والألم ~~الجسمي، أو العقلي، والفضاء، والمسافة، والوقت، وعلى الأشياء التي تبدو لنا كأنها قد فقدت ~~في الماضي، وكذلك على الأشياء الممكنة في المستقبل. وسيبقى نوعنا، النوع البشري، في امتداد ~~هذا الكون الأوسع كي نعيش فيه على وجدان أكبر.» # كلمات مادية صرفة، ولكنها تهدف إلى خدمة البشر فاختراع آلة «لتكييف الهواء» هو انتصار على ~~المناخ فهو دين، ومخترع البنسيلين هو رجل دين أيضا؛ لأنه تغلب بهذا العقار على ألم جسمي أو ~~عقلي، فإذا سألنا ويلز: ما هي هذه البشرية التي تهدف في ديانتك إلى خدمتها، لأجاب بأنها ~~البشرية المتدرجة في التفوق، وقبل سنين دعته جريدة الماتان الفرنسية إلى أن يدلي برأيه بشأن ~~المشروع الذي كانت تعده الحكومة؛ كي تصدر قانونا لمساعدة العائلات على زيادة التناسل، فكتب ~~يقول بأن الآباء الذين يستحقون هذه المساعدة هم الأكفاء جسما وعقلا، أما من كانوا غير ~~أكفاء؛ أي من كانوا ناقصين في صحة الجسم أو صفاء العقل، فليس من المصلحة البشرية أن ندعوهم ~~إلى زيادة التناسل، وهذا اتجاه تطوري دارويني. أجل ms150 إن نظرية التطور قد غمرت العالم المثقف ~~بروح ديني جديد؛ لأن الإنسان يجب أن يعلى عليه؛ إذ هو معبر بين القرد والسبرمان. # ويلز فيلسوف الصحافة، هو ثمرة الاندفاع العلمي في القرن التاسع عشر، قد وجد في ديمقراطية ~~القرن العشرين الجديدة ميدانا لتعاليمه؛ لأن هذه الديمقراطية عممت التعليم بالمدارس، حتى ~~أصبح العالم الإنجليزي يطبع في العام أكثر من عشرين ألف كتاب جديد، وهذه زيادة على مئات ~~الجرائد اليومية والمجلات التي تعلم وتثقف هؤلاء المتعلمين الديمقراطيين وكان ويلز قوة ~~توجيه لهم، وكانت النبرة العالمية في صوته هي: هذا العالم هو عالمنا، هو قريتنا، هو حديقتنا ~~وعلينا أن نصلحه وننظمه. # وإني أكتب هذه الكلمات في صبيحة أول يناير من عام 1951 اليوم الأول من النصف الثاني من ~~القرن العشرين فأحس كلمات ويلز بل أحس قوة الصدق فيها؛ ذلك أننا قبل أربعين أو خمسين سنة ~~كنا نقول إن حربا قد تقع بين دولتين أو ثلاث دول لا شأن لنا بها، ولكن هذا القول لم يعد ~~يصدق في أيامنا، فإن حربا تقع بين روسيا وأمريكا هي حرب أهلية للعالم كله، هي قتال جنوني ~~يشتبك فيه جميع سكان هذه القرية، هذا العالم، في تشنجات دموية تزلزل وتحطم ... هذه هي عبارة ~~ويلز وهذه هي رسالته. # | شفايتزر # صديق الزنوج # السيكلوجية هي التجسس على النفس، وقد تعودت بما كسبته من الدربة السيكلوجية، أن أتجسس ~~على المؤلفين وأن أسأل عن حياتهم ومكانتهم الاجتماعية، وتربيتهم حين أرغب في الوقوف على ~~البواعث التي حملتهم على الدعوة إلى فكرة معينة أو اتخاذ أسلوب خاص. ثم كثيرا ما أحس كما ~~سبق لي أن أشرت إلى ذلك، أن حياة المؤلف هي نفسها كتابه الأول، وأنه إذا لم يكن قد أحسن ~~تأليفها فإنه لن يحسن شيئا آخر، وأن مشكلاته الخاصة التي عاناها في حياته هي نفسها ~~المشكلات العامة التي عالجها في مؤلفاته. # اعتبر مثلا تولستوي فإنه جحد مناعم الحضارة، والانغماسات الكئولية والجنسية، وحياة الترف ~~والثراء، بل إنه بعد أن قضى سني النضج والإيناع وأخرج المؤلفات الفنية ms151 البديعة، عاد فجحد ~~الفن وعده استهتارا يجب أن نتجنبه وأن نقنع بسذاجة العيش بل بالفقر والكفاف، وكل هذه ~~المؤلفات كانت ثمرة حياته أو مرآة حياته، فقد انغمس في اللذات الجنسية أيام شبابه ثم نفضها ~~وجحدها، ولكنه أحس من التوترات ما جعله يكافح جسمه ويضغط أعصابه، وكانت مؤلفاته تفريجا أو ~~شرحا أو علاجا لهذه التوترات والضغوط. وكان يقول بأننا يجب أن نتجنب المرأة إلا بغية ~~التناسل، ثم كان ينهزم أمام هذا العزم فيطلب زوجته ويترضاها، وبلغ من كراهته للفن أن قاطع ~~تأليف القصة باعتبارها تسلية وخيمة تنأى عن جد الحياة، ولكنه وهو فوق الثمانين، كان يؤلف ~~القصة ثم يخبئها في درج المنضدة. وكان يحاول أن يعيش بالكفاف، وأن يحترف صنع الأحذية وأن ~~ينزل عن أرضه للفلاحين، ولكنه كان ينهض في الفجر و«يأمر» خادمه بأن يلجم جواده ويخرج به إلى ~~الحقول فيعدو به في وجه الريح ويلتذ هذه «السيادة» على الأرض بل هذا الكفاح للريح ~~والطبيعة. # وليس شك أنه كان بعد أن يعود إلى غرفته، يندم على ضعفه ويحاول أن يكف، لا بل أن يربي نفسه ~~من جديد، فيخرج من درج المنضدة المشرط والأديم كي يصنع حذاء سخيفا ركيكا لأحد الفلاحين. ~~وما أعتقد أن حملته على شكسبير كانت إلا تفريجا عن إحساسه بالخطيئة التي كان يرتكبها هو ~~بانغماسه في الفن، فإن شكسبير كان فنانا عظيما، وكان تولستوي فنانا عظيما أيضا، وقد ~~رأى صورته في شكسبير فلعن في شخصه هذا الشاعر الإنجليزي العظيم، وهو إنما كان يلعن نفسه ~~ويحاول التخلص من هذه المتناقضات التي كانت تحطم أعصابه. وأي تناقض أكبر من هذا الانفصال ~~بين ناس يعيشون في ترف الفن يؤلفون الأشعار والقصص، وبين الملايين الكادحة التي تحيا بلا ~~حياة وبلا فن؟ إن عقولنا تزداد فطنة وبصيرة حين نتعمق حياة المؤلف ونسأله من أين لك هذا؟ من ~~أين لك هذه الأفكار؟ وما هي الأحداث التي نزلت بك ثم أنتجت هذه الأفكار في مؤلفاتك؟ ومن أين ~~لك هذا الأسلوب؟ وما هي العلاقة بينه وبين مكانتك ms152 الاجتماعية؟ هل أنت مع الشعب تخاطب الشعب ~~بلغته؟ أم أنت في مكانة اجتماعية عالية تعلو على الشعب فتتعالى عليه بأسلوبك؟ # إني حين أجد مؤلفا يبغض التعصب الديني ويكافح الغيبيات ويدعو إلى مذهب العقليين، ويقول ~~بضرورة الاشتراكية، أسأل: هل هو فرد في طائفة من طوائف الأقليات تعاني ضغطا اقتصاديا أو ~~اجتماعيا بحيث يحب هذه المبادئ وينقلها إلى الوجدان الفني؟ أليست علة ذلك أنه قد أحس أن ~~الغيبيات تفصل بين البشر، وأنه لذلك بشري العقيدة اشتراكي المذهب؟ # واعتقادي أنه إذا كان رجل السياسة مكلفا أن يجيب عن سؤالنا: «من أين لك هذا؟» بتقديم ~~الحساب المفصل عن ممتلكاته، فإنه يجب على الأديب أن يجيب عن مثل هذا السؤال بأن يكتب تاريخ ~~حياته حتى نفطن إلى البواعث ونتعمق الأسرار ونتربى ونستبصر بكوارثه. ~~••• # ولكن هناك من المؤلفين والمفكرين من لا يحوجنا إلى مثل هذا السؤال؛ لأن حياتهم مكشوفة، ~~وقد كشفوها هم بأعمالهم أو كفاحهم؛ ولذلك نحن نقرأ سيرتهم في هذه الأعمال أو هذا الكفاح ~~لنسترشد ونتعلم ونقتدي، فضلا عن النور الذي نستضيء به من مؤلفاتهم، وهذا هو الشأن في ~~ألبيرت شفيتزر. # هو مؤلف في الأدب والاجتماع والفلسفة والمسيحية قد استطاع أن ينير الأذهان ويهذب الحيوان ~~في الإنسان، ولكنه زيادة على المؤلفات قد عمل وكافح، حتى إننا لنجد في هذا الكفاح ما يغنينا ~~عن قراءة مؤلفاته، كما نجد في كفاح غاندي ما يغنينا عن مؤلفاته. # قضى شفيتزر قرابة أربعين سنة وهو في «لا مبارينيه» في سنغال الفرنسية بأفريقيا الغربية ~~يعالج أمراض الزنوج بالمجان، ويجمع لهم التبرعات من أوروبا وأمريكا، وقد بنى لهم مستشفى ~~وأعد له كل ما يحتاج إليه من عتاد صحي وعلاجي إلى الأطباء الذين أقنعهم بترك أوروبا ~~والرضا بالعيش لخدمة المرضى من الزنوج في شمس أفريقيا المحرقة، وكان هذا عملا جليلا أرصد ~~له حياته وعاد إلى بلاده وهو أعمى إذا لم تتحمل عيناه شمس أفريقيا، ولكنه عاد بعد أن أنجز ~~وعد حياته كما ينجز أحدنا وعدا من وعود المجد والشرف والإنسانية. وهو يقيم هذه ms153 الأيام (عام ~~1951) في قريته القريبة من «استراسبورج» ينتظر الموت بعد أن جاوز الثمانين. # كان ألبرت شفيتزر صبيا ألمانيا نشأ في أسرة ألزاسية حيث تتاخم ألمانيا فرنسا، وأحيانا ~~تخالطها وكانت نية أبويه أن ينشأ نشأة دينية. وقضى ألبيرت تلمذته والتحق بالجامعة في ~~استراسبورج، وحصل على الشهادة الجامعية في الإلهيات، ولكنه طوال دراسته يكب على الموسيقا ~~دراسة ومرانة، ونبغ في العزف على الأرغن، وهو أكبر آلة موسيقية لا تخلو منها كنيسة كبرى في ~~أوروبا. واحتضان الكنائس للموسيقا قد رفع من قيمة هذا الفن وأكسبه الاحترام الذي لا نجده ~~للأسف في بلادنا. وكان يحصل من العزف في الكنائس على أرباح كبيرة، وذاع اسمه حتى كانت ~~الكنائس الكبرى تدعوه في الأعياد والحفلات، وله مؤلفات عن باخ وعن الموسيقا تعد صفحاتها ~~بالآلاف. # وإلى هنا يتساءل القارئ: رجل حصل على الثقافة وعلى الحرفة وعلى الكسب! ما الذي بقي من ~~حياته يذكر فيؤثر؟ # والجواب أن الباقي كان كل شيء، فإنه جحد حياته الماضية كلها وآثر عليها كفاحا إنسانيا ~~يحتاج إلى الدم والدموع؟ # فقد تساءل شفيتزر وهو شاب: ماذا أفعل كي أخدم الزنوج الذين سحقهم الاستعمار؛ البريطاني ~~والفرنسي والهولندي والبلجيكي، وكيف أستطيع خدمتهم؟ وأجاب المبشرون بأنه يمكنه أن يرحل إلى ~~أفريقيا حيث يبشر الوثنيين من الزنوج بالمسيحية، أليس هو دكتور في الإلهيات؟ ولكنه أحس ~~مرارة التهكم في هذا الاقتراح، فإنه كان يعرف بل يوقن أن كثيرا من المبشرين كانوا أعوانا ~~للاستعمار، وزيادة على ذلك تساءل هو: كيف نقدم للزنوج تعاليم المسيحيين، وهم قد عرفوا أن ~~هؤلاء المسيحيين الذين تعلموا هذه التعاليم هم أنفسهم الذين ينهبونهم ويذلونهم ويحرمونهم ~~الثقافة والمدنية والعدل والشرف؟ لا، إنه لن يكذب عليهم، ولن يزعم لهم أن المسيحيين ~~المستعمرين أشراف، وإذن ماذا يفعل؟ لقد بلغ الثالثة والثلاثين، وكل ما يحذقه من المعارف ~~دراية ومرانة عظيمتان في فن الموسيقا، وأيضا فقهيات جدلية في المذاهب المسيحية، وإنها لسوف ~~تكون سخرية حقا أن يقصد إلى الزنوج ويعرض عليهم هذه البراعات، لا إنه لن يفعل ذلك. # وحزم رأيه، ثم ms154 حزم أمتعته، ورحل من ستراسبورج إلى باريس، وهناك عاد تلميذا وهو في ~~الثالثة والثلاثين، والتحق بكلية الطب. # إنه حين يكون طبيبا يستطيع أن يرحل إلى أفريقيا وأن يعالج المرضى من الزنوج، حتى يعرفوا ~~أن بين الأوروبيين من يواسي جراحهم، ويعالج أمراضهم كما عرفوا من آلاف الاستعماريين ~~المجرمين. # وبعد أربع سنوات نال شهادة الطب فحزم رأيه وحزم أمتعته ورحل إلى «لامبارينيه» في سنغال ~~الفرنسية، وهناك أسس مستشفى وأقام مع زوجته يخدمان الزنوج نحو أربعين سنة عاد بعدها في سنة ~~1949 إلى قريته التي عرفها وهو صبي بالقرب من ستراسبورج، عاد وهو أعمى. # وإلى هنا نستطيع أن نقتنع بأننا عرفنا إنسانا بارا بالإنسانية، ولكن شفيتزر، كما كان ~~رجل عمل وكفاح، كان مفكرا عميقا يبحث ويستقصي ويحاول أن يهتدي إلى يقين، ومن هنا مؤلفاته ~~العديدة، فقد ألف عن الموسيقا، ثم ألف عن المسيح وحواري المسيح بولس. ولا بد أنك، أيها ~~القارئ، ستقول: إن ها هنا إنسانا مسيحيا قد درس الإنجيل، وعمل بتعاليم المسيح. وهذا حق، ~~ولكنه ليس كل الحق؛ ذلك أن شفيتزر ألف كتابا عن المسيح الذي أحبه وعمل بتعاليمه، ولكنه ~~عالج حياته بمشرط فرويد بما لا يرضى المسيحيين. وقد قرأت الكتاب وأحسست وأنا في الفصول ~~الأخيرة أن الحلوى التي كنت ألوكها بلساني قد استحالت إلى علقم مر لا أسيغه ولا أطيقه، ~~ولكنه - أي شفيتزر - يقول وكأنه يحس برعشة الاشمئزاز الذي أحدثه تحليله السيكلوجي القاسي: ~~وماذا علينا أن نؤمن بالفلسفة العظيمة حتى ولو كان داعيتها؟ إنها مأساة، وإننا نحن البشر لا ~~نطيق كل الحق، وإذن ما هو اليقين الذي يستند إليه شفيتزر؟ ما هو اليقين الذي يحمله على أن ~~يترك الثراء والمجد والراحة والمدنية ويرحل إلى أفريقيا، ويقضي هناك أحسن سني عمره في ~~خدمة الزنوج بعد أن يستعد لخدمتهم بالدراسة أربع سنوات في جامعة باريس؟ # هذا اليقين هو احترام الحياة، إننا يجب أن نحترم الحياة كائنة ما كانت، ولا نقتل نملة إلا ~~إذا حتمت الضرورة ذلك، ألسنا نحن الأحياء جميعا من العشب الذي ms155 ندوسه إلى الجواد الذي ~~نركبه، إلى الكلب الذي يرافقنا إلى الشجرة الخضراء؟ ألسنا جميعا ننتمي إلى أصل واحد ونسير ~~في موكب التطور نحو المستقبل؟ ثم احترام الحياة هو مفتاح يهيئ لنا التفكير السليم في تطور ~~المجتمع البشري. فهل نقنع من شفيتزر بذلك؟ إنه يستطيع أن يقول: انظروا إلى حياتي. # لقد أحببت شفيتزر على الرغم من العلقم الذي ملأ به فمي، وعلى الرغم من السحب الباهرة ~~الناصعة التي أحالها إلى قتام أسود، ورضيت وأنا كاره أن أستمع بعقلي إلى أقواله، كما هدأت ~~نفسي إلى عجزي عن الرد عليه، وتقبلت دعوته إلى الحياة في ترحيب وسرور؛ لأن دراستي للتطور قد ~~جعلتني على إحساس عميق بوحدة الحياة نباتا وحيوانا وإنسانا. ثم هو بعد كل هذا، لم يعترض ~~بكلمة واحدة على سمو الأخلاق التي دعا إليها المسيح. # | جون ديوي # فيلسوف العلم # كنت أتحدث ذات مرة مع الدكتور كليلاند مدير الجامعة الأمريكية بالقاهرة عن مركب أوديب أو ~~مركب النقص لا أدري، فأنصت إلي ثم رفع عينيه في وجهي يسأل في خبث: هل هناك إحصاءات عن هذا ~~الموضوع؟ وبهذا السؤال أفحمني وأضحكني معا. # فإني أحسست أن السؤال أمريكي، هو سؤال ينبع من الوسط الأمريكي الذي يعتمد على العلم، ~~ويحيا على أساس المعارف العلمية، وهو التجربة، والإحصاء يقوم في علم الاجتماع مقام التجربة ~~في الطبيعيات أو الكيمياء من العلوم المادية. ويجب أن نسلم بأن الكثير من معارفنا ~~السيكلوجية لم يرتفع إلى مقام العلم، وقصارى ما نقول عن هذه المعارف: إنها «فروض» ننتفع بها ~~في تفكيرنا، وإن هناك ما يرجح صحتها؛ لأننا حين نعمل بها نجد النتائج الحسنة، ولكنها ليست ~~علما، وإنما العلم هو ما قام به بافلوف الذي جرب التجارب في الكلاب واستنتج النتائج، هو ~~أيضا تلك الحقائق التي استطاع السيكلوجيون أن يستخرجوها بالإحصاء بالتجارب التي قاموا بها ~~بين الطلبة أو العمال أو الأزواج أو المسجونين أو نحوهم. والعلم هو شيء جديد في عصرنا؛ إذ ~~ليس هو محض التفكير والاستنتاج، وإنما هو التخيل أولا، ثم التجربة باليد، ms156 ثم التفسير بما ~~يتلاءم مع النتائج من هذه التجربة. # وشيوع الأسلوب العلمي في أيامنا قد جعل الفلاسفة والأدباء يتشككون في قيمة ما يمارسون من ~~فلسفة وأدب؛ ولذلك أصبحت الفلسفة «تجريبية»، وصاحب هذا الرأي أو هذه الدعوة إلى اتخاذ ~~الأسلوب العلمي في الفلسفة هو جون ديوي الذي مات قبل سنتين، والذي يعد من أكبر الفلاسفة ~~الأمريكيين، كما أنه مؤسس المدارس «الارتقائية» الجديدة التي دعا فيها إلى أن تكون المدرسة ~~مجتمعا صغيرا يمثل المجتمع الذي سيعيش فيه التلميذ أو الطالب بعد ذلك، وفلسفته عن التعليم ~~تندغم في فلسفته عن الحياة، وأنا أحاول هنا أن أشرح فلسفته التي تأثرت بها، والتي ما زلت ~~أسترشد بها وأعتمد على أسلوبها في حياتي الذهنية. # وأبدأ بما أستطيع أن أسميه «مفتاح» التفكير الفلسفي «ديوي»، وهو أنه ليس في هذا الكون شيء ~~كائن - أي ثابت لا يتغير - لأن كل ما فيه من ناس أو حيوان أو نبات أو جماد هو أشياء ~~«صائرة»؛ أي إنها في تغير لا ينقطع، أو بكلمة أخرى هي في تطور. # نحن وكل شيء حولنا في صيرورة تغير، ولسنا في كينونة ثابتة، واعتقادي أن الذي غرس هذه ~~الفكرة في الأذهان العصرية هو داروين حين أثبت أن التطور هو الأصل، والمبدأ في عالمنا، وما ~~دام التغير أو التطور هو الأساس لوجودنا فيجب لذلك أن نقول بالتجربة؛ أي التجربة في الفلسفة ~~والتجربة في الاجتماع، والتجربة في التربية، ذلك أن مجتمعنا ليس نهائيا؛ إذ هو سيتطور، ~~وما دام هذا شأنه يجب أن نتناول بالتغير كلما وجدنا الحاجة إلى هذا التغيير. # هذا هو المفتاح الأول، أما المفتاح الثاني الذي يفتح لنا أبواب الفلسفة عند ديوي فهو أن ~~الفصل بين الماديات والمعنويات الذي قال به أفلاطون ليس حقيقة، وإنما هو وهم؛ فالمادة ~~والروح، والجسم والعقل، والفكرة والمادة، كلها شيء واحد، وهو يجبهنا بالقول بأننا لم نعرف ~~قط عقلا بلا جسم، ولا فكرة بلا مادة. # أما المفتاح الثالث فهو التسليم بأن معارفنا عن الكون والأشياء موقتة؛ أي لوقتنا أو ~~لعمرنا هذا ms157 فقط، وهي ليست نهائية، ولا نستطيع لذلك أن نقول إنها صادقة؛ لأن هذه الأشياء في ~~تطور، وقصارى ما نستطيع أن نقوله عن المعارف البشرية أنها «آلة» و«وسيلة» نفهم بها الأشياء. ~~وغاية هذا الفهم غير النهائي إنما هي التسلط على الطبيعة واستغلالها لمصلحة البشر، لو كانت ~~الأشياء ثابتة، ولو كان الكون ثابتا، ولو كانت عقولنا ثابتة، لكان فهمنا لهذه الأشياء ~~ثابتا نهائيا، ولكننا نحن جميعا في صيرورة، نصير ونتغير؛ ولذلك فإن هذا الفهم أيضا ~~سيتغير، ولا يمكن أن يكون نهائيا، وما عندنا من فهم عن الكون والأشياء إنما هو صورة وقتية ~~ننتفع بها، ويجب أن ننتفع بها في استخدام قوى الطبيعة لمصلحة الإنسان لا، ليست الغاية من ~~الفلسفة أن نعرف أسرار الطبيعة، وإنما هي أن نستخدم قوى الطبيعة. # أما المفتاح الرابع فهو أن الذكاء البشري اجتماعي، فما عندنا من أفكار وآراء وعقائد، ~~وعواطف وفلسفات إنما مرجعها جميعها إلى المجتمع الذي نعيش فيه، وكان يمكن ديوي هنا أن يقول ~~إن اللغة اجتماعية، وإنها الوسيلة للذكاء؛ إذ لا يستطاع التفكير بلا لغة. # هذه هي الأسس لفلسفة ديوي التي يسميها «الآلية»؛ أي إن الفلسفة يجب أن تكون آلة أو وسيلة ~~للفهم وللتسلط بهذا الفهم على الطبيعة. # وربما يكون من الحسن أن ألخص هذه الأسس الأربعة فيما يلي: ~~(1) # أننا وكل شيء حولنا في صيرورة ولسنا ثابتين على حال لا تتغير. ~~(2) # كل ما في هذا الكون هو وحدة لا تنقسم، فليس هناك فرق بين الماديات ~~والمعنويات، ولا بين الحياة والمادة ولا بين الجسم والعقل، بل ليس هناك عقل ~~مستقل أو نفس مستقلة. ~~(3) # معارفنا عن الأشياء مؤقتة؛ إذ هي في تغير كما أن عقولنا التي نعرف بها في ~~تغير. ~~(4) # الذكاء البشري اجتماعي؛ أي إننا ننبعث بنظرياتنا وعقائدنا وأفكارنا بقوة ~~الإيحاء الاجتماعي الذي ينغرس في نفوسنا في المجتمع الذي نعيش فيه. # هذا هو ديوي الفيلسوف فما هو ديوي المربي؟ إن شهرته في التربية أكبر من شهرته في الفلسفة، ~~وقد دعته تركيا وروسيا والصين كي ينظم لها وسائل التعليم، ms158 وإليه تعزى هذه الأساليب الجديدة ~~في التعليم في الولايات المتحدة نفسها. # التربية عند ديوي هي النمو الذهني، ولكن لما كان الذهن في كل حال اجتماعيا، فإن المدرسة ~~يجب أن تكون اجتماعية، فإذا كان المجتمع الأمريكي مثلا يتنقل أفراده بالسيارة، فإن التلميذ ~~يجب أن يتعلم قيادة السيارات، وإذن يجب على المدرسة أن تخلق لتلاميذها اختبارات اجتماعية، ~~بحيث يختبرون ويحاولون حل المشكلات كما لو كانوا كبارا على اهتمام يقظ بكل ما يحدث في ~~بلادهم بل في الدنيا أيضا. # المدرسة عند ديوي هي جنين المجتمع، وحين تنطوي المدرسة على نفسها، وتعلم النظريات وتلقي ~~الدروس التي لا علاقة لها بالمجتمع العصري، حين تفعل ذلك، تعود بالضرر على تلاميذها؛ ولهذا ~~يجب ألا تنقطع بتاتا عن الاتصال بالمجتمع. # وقيمة المدرسة عند ديوي تقاس بدرجة ما تخلقه في التلميذ من الرغبة في النمو، وهذا النمو ~~هو في النهاية تجدد ذاتي، وهو دءوب في التوسع الذهني بالاستطلاع والاختبار والدرس. # وكان أول مؤلفاته كتاب «المدرسة والمجتمع» في عام 1899 واسم الكتاب يدل القارئ على ~~الاتجاه الذي اتخذه ديوي في فلسفته الاجتماعية. في هذا الكتاب يصف النشاط الذهني بأنه لا ~~يختلف عن أي نشاط آخر نؤديه بعضلاتنا؛ أي إنه تفاعل مع الوسط، هو أقرب الأشياء إلى الرؤية، ~~فإننا حين نرى شيئا بعيوننا لا نحس أن الرؤية هي شيء داخلي فينا، إنما هي تفاعل بيننا وبين ~~هذا الشيء؛ أي إنها حدث قد حدث بيننا وبين هذا الشيء. وكذلك الشأن في التفكير فإننا لا نفكر ~~إلا لأننا قد التفتنا إلى شيء خارج عنا أو اهتممنا به؛ وإذن ليست التربية ادخار المعارف، ~~وإنما هي غرس العادات الحسنة في التفكير حتى نصل إلى أحسن النتائج، وأحسن النتائج هي ~~استخدام المعارف كما لو كانت آلات لخدمة البشر؛ أي المجتمع. # والهدف من التربية هو إيجاد التلاؤم بين الفرد والمجتمع. وليست الأخلاق عند ديوي شيئا ~~مطلقا، وليست هناك أخلاق مثلى دائمة، وإنما هناك تغيرات اجتماعية تؤدي إلى تغيرات أخلاقية، ~~وما دامت غايتنا هي سعادة العيش، فإذن يجب ms159 أن نجعل الملاءمة بين الفرد والمجتمع غاية ~~التربية. # ثم ينتهي بأن الأخلاق المثلى في مجتمع ما ليست سوى الأخلاق العلمية، كما أن خير المجتمعات ~~هو المجتمع العلمي. وبالطبع هنا شطط؛ فإن ما يزعمه ديوي من أن غاية التربية يجب أن تكون ~~الملاءمة بين المجتمع والفرد قد يحملنا على القول بأن هذه الملاءمة تقتضينا أن نعيش فيه، ~~حتى ولو كان ظالما، ورجل الثورة الذي يحتاج إليه رقي الأمم من وقت لآخر هو رجل لا يتلاءم ~~مع المجتمع، ومن هنا ثورته، وهي فضيلته. # والواقع أن ديوي رأى قبل أن يموت شطط هذا الاندفاع في التساوق مع المجتمع، فقد عقد ~~مؤتمر أمريكي بلغ أعضاؤه نحو 600 من خريجي الجامعات وأساتذتها، وعرض هذا الاقتراح على ~~المؤتمرين: # أيهما أنفع، أن نعلم الطلبة اللغة الإغريقية أم نعلمهم فن الرقص؟ فكانت الأغلبية الساحقة ~~في جانب الرقص؛ وذلك اعتقادا بأن المجتمع العصري يحتاج الفرد فيه كي يكون متلائما معه إلى ~~الرقص، أما لغة الإغريق فيمكن الاستغناء عنها أو على الأقل تركها للمتخصصين. # لا، ليست التربية الحقة أن نتلاءم على الدوام مع المجتمع. والأغلب أن ديوي قد احتاج إلى ~~الإكبار من شأن الاتصال بالمجتمع، وإلى جعله الأساس للتربية كي يحمل المعلمين والمربين على ~~أن يضعوا القيمة العملية فوق القيمة النظرية في التربية، وعلى أن يجعلوا من المدرسة مجتمعا ~~يتهيأ فيه التلميذ أو الطالب لأن يكون فردا اجتماعيا له عادات اجتماعية ارتقائية، وليس ~~محض خزانة للمعارف الكيماوية والرياضية والتاريخية والجغرافية. # عضو نافع متطور في مجتمع ارتقائي متطور. # وقد نجح في هذا الشأن، فإن «المدارس الارتقائية» في الولايات المتحدة هي ثمرة فلسفته هذه، ~~وهي جنات للصبيان والشبان يجدون فيها سعادة كان أسلافهم يحرمونها بالدءوب في دراسة واختزان ~~المعارف. # أعتقد أنني انتفعت كثيرا في تربيتي الذهنية بجون ديوي، وأول انتفاعي به أنه ألح علي ~~مرارا وتكرارا بضرورة الالتزام للأسلوب العلمي في المشكلات الاجتماعية، وبالطبع كلنا يعرف ~~قيمة الأسلوب العلمي، ولكن هناك من الأفكار ما نحتاج إلى أن نكرر القول فيه، ونبدي ونعيد ms160 ~~حتى يصير عادة ذهنية ثابتة، وليس فكرة عابرة أو طارئة. ~~••• ~~«هل هناك إحصاءات عن هذا الموضوع؟» # هذا السؤال الأمريكي الذي سألنيه «كليلاند» هو ما يسأله جون ديوي في كل مشكلة؛ ولذلك هو ~~لا يفتأ ينشد التجربة التي تصحح منطق الفكر المجرد وتوضح ما لعله قد أهمله هذا ~~المنطق. # التجربة في كل شيء؛ في الفلسفة، وفي الأدب، وفي ~~الموسيقا، وفي الأغاني، وفي الاجتماع ... # ولم لا؟ # أذكر أنه عندما عمدت إحدى الوزارات الماضية إلى إلغاء البغاء بالأحكام العرفية أني طلبت ~~التجربة، فقلت: إننا نستطيع أن نلغي البغاء الرسمي في القاهرة، وندعه في الإسكندرية مدة ~~عام، ثم نقوم بتحقيقات بشأن الصحة الجسمية والنفسية بين فريقين مختلفين من الشبان آخر هذا ~~العام، فإذا ثبت لنا أن الإلغاء في القاهرة قد نقص من الأمراض الزهرية، ولم يؤد إلى تفشي ~~الأمراض النفسية، وتفشي الشذوذات التي تنشأ من التوترات الجنسية، فإننا نعمم الإلغاء في ~~القطر كله، أما إذا ثبت العكس فإننا نعيد البغاء الرسمي. # هذه تجربة اجتماعية نحاول بها حل مشكلة معينة في مجتمعنا حلا علميا يقوم على ~~الإحصاءات، وقل مثل ذلك في الفلسفة التي تنشد صلاح العيش، وتحقق السعادة للإنسان، بل كذلك ~~في الفن الذي ينشد سعادة النفس، وجمال الذهن، وجلال العاطفة، نجرب ألحاننا وما يحدث في ~~نفوسنا من إحساسات الشجاعة والشهامة أو الخسة والدعارة. ونجرب أشعار شوقي أو حافظ أو أبي ~~نواس أو المعري، بحيث نجعل أحد الفصول في الأقسام الثانوية يدرس واحدا من هؤلاء ويستغرق في ~~إحساساته وقوافيه، ثم نحقق آخر العام أثر هذا في النفس والذهن والعاطفة ونخرج بالنتيجة التي ~~توضح لنا ما نجهله. # بل كذلك التجربة في أغانينا وموسيقانا بالمقارنة إلى الأغاني والموسيقا الأوروبية، أيتهما ~~تبعث على الانتعاش الروحي والصحة النفسية والإحساس الفني؟ # أجل ليست التجربة في الكيمياء والطبيعيات وما إليها فقط؛ إذ هي يجب أن تشمل حياتنا ~~الاجتماعية كلها، نجرب في نظام الدولة، ونجرب في نظام المجتمع ونجرب في الزواج والطلاق ~~ونجرب في طرق التعليم، وفي معايش الناس حين يمارسون الزراعة ms161 أو الصناعة. # هذه واحدة مما تعلمت من جون ديوي. وأخرى هي أن المجتمع هو الذي يربينا؛ ولذلك هو يقول إن ~~المجتمع كان يمكن أن يكون هو المربي الوحيد لنا بلا مدارس، ولكننا نحتاج إلى المدرسة كي ~~نجمع الاختبارات المختلفة التي تزيد قيمتها على غيرها فنلتفت إليها دون غيرها مما هو أقل ~~خطورة؛ وبذلك نستطيع أن نكسب الطالب من هذه الاختبارات المختارة في عام أكثر مما يستطيع أن ~~يكسب من المجتمع في سنين حين ينتظر طروء هذه الاختبارات عليه جزافا. # التربية للمجتمع والمجتمع للتربية، وإذا انفصلت المدرسة عن المجتمع، وإذا انفصل إنسان، ~~رجلا كان أو امرأة، عن المجتمع فهو - بقدر هذا الانفصال - تنقص أو تنعدم تربيته. ~~••• # وقصة صغيرة أخيرة أرويها عن جون ديوي؛ لأنها تكاد تلخص لنا إيماءة حياته وهدف فلسفته، فإن ~~هذا الرجل كان يحيا كي ينشد الاختبارات في هذه الدنيا، وهو يختبر كي يفلسف ويستقطر الحكمة ~~والسعادة من اختباراته؛ ولذلك نجده قبل نحو ست سنوات يقصد إلى قرية أو مدينة صغيرة يعيش ~~فيها آخر أيامه بعيدا عن صخب العواصم وهرولتها. وهو يحب حتى في سني شيخوخته في هذا المعتكف ~~أن يؤدي عملا أو خدمة للمجتمع، فهو يربي البقر ويستدر اللبن، فإذا جاءت طلائع الصباح حمل ~~اللبن على عربته وهرع إلى البيوت يوزعه بالثمن المجزي. وهو يقص علينا في فكاهة أن إحدى ~~السيدات التي فتحت له الباب كي تتسلم منه زجاجات اللبن طلبت منه ألا يقرع هذا الباب، وإنما ~~يقصد إلى الباب الخلفي الذي يؤدي إلى المطبخ. # فيلسوف لا غش فيه! # | سارتر # زعيم الانفرادية # الفلسفة الوجودية، المذهب الوجودي، بول سارتر؛ كلمات تجري على الألسنة للمناقشة ~~والمداعبة، تجري على ألسنة الأساتذة الذين تعمقوا الفلسفة، أو العلميين الذين ينشدون دينا ~~أو مذهبا يتفق مع الثقافة المادية التي تغمرهم. # وتجري على ألسنة الشبان والفتيات الذين وجدوا في مذهب الحرية التي تدعو إليها الوجودية، ~~أو تضطر إلى الاعتماد عليها، أساسا قويا تنهض عليه، وجدوا فيها ما يقارب الإباحة ~~فاستهتروا، ولكنهم لم يخدعوا أحدا بأنهم ms162 فلاسفة أو أن بول سارتر يؤيدهم ... لا، هم شبان ~~يضحكون ويمرحون لا أكثر. # حضرت درامة لبول سارتر في باريس، ولم أستطع الحصول على تذكرتي إلا قبل ميعادها بخمسة ~~أيام لفرط التزاحم على رؤيتها، وكان ثمنها جنيها كاملا، وهذه الدرامة هي: «إبليس والله ~~الطيب»، وهي تحوي من الزندقة أو الهرطقة ما لا يطيقه مؤمن، ولكن المتفرجين أنصتوا وكأنهم ~~كانوا في قاعة جامعية يتعلمون. # إنهم شعب قد تعلم معاني التسامح، وهو أن تتقبل في يسر وصمت ما تتألم منه؛ لأنك تعرف أن ~~لغيرك الحق في أن يعتقد غير ما تعتقد، ولقد رأيت أحد الممثلين ينظر إلى أقدس شخصية عند ~~المسيحيين فيقول: أنت أصم أنت أبكم! # ثم يقف ممثل آخر فيقول: «الناس متساوون، الناس إخوة، وهم جميعهم في الله، والله فيهم، ~~والروح القدس ينطق من جميع الأفواه، وجميع الناس إنما هم كهنة وأنبياء، وكلهم قادر كفء لأن ~~يقوم بالتعميد، وأن يشهد بالزواج، ويعلن بالبشارة الطيبة، ويغفر الخطايا، وكلهم يحيا الحياة ~~العامة على الأرض في مواجهة الناس كما يحيا الحياة الخاصة مع نفسه في مواجهة الله.» # وهذه كلمات يستطيع القارئ المسلم أن يتحمل الكثير منها دون معارضة، ولكن المسيحي يجد فيها ~~المناقضة للمبادئ الكنسية إن لم نقل للمبادئ المسيحية المعروفة، ومن هنا الصدمة التي ~~أحدثتها هذه الدرامة في باريس للكثيرين من المؤمنين، ولكن حتى هنا نجد سارتر رقيقا مهذب ~~الكلمة لطيف الإيماءة، أما في كتبه فإنه يصارح بالإلحاد، بل يجعل الإلحاد أساسا لفلسفته ~~ومذهبه، وهذا على الرغم من أن هناك وجوديين، مثل جاسبر، وجبرايل مارسيل، يأخذون بمذهب ~~الوجودية مع الإيمان بالله. # وعندي أن وجودية سارتر ليست شيئا جديدا على أوروبا إلا من حيث لهجتها الهجومية، وهي عندي ~~أيضا ليست فلسفة، وقصارى ما أفهمه منها أنها مذهب أخلاقي هو في النهاية ثمرة النزعة ~~المادية في العلوم، كما هو ثمرة النزعة الانفرادية التي كانت تسود القرن التاسع عشر في ~~السياسة والأخلاق. # ما هي الوجودية؟ # هي أنك موجود، هي أنك قد وجدت، ولكن وجودك هذا لم يكن ms163 ليزيد على سائر الأشياء الموجودة ~~مثل الحجر والشجرة والملح والسكر، ولكنك أنت تختلف عن هذه الأشياء بأنها هي تبقى «موجودات» ~~لا تزيد على ذلك، أما أنت فإنك تتناول وجودك هذا بعقلك ويدك فتصوغ نفسك وتستخرج أو تستخلص ~~جوهرك. أنت وجود أولا ثم جوهر ثانيا. # أنت تولد وتحيا على هذه الأرض سبعين أو ثمانين سنة، ونحن نعرفك وأنت في السنة الأولى من ~~عمرك مثلا شيئا «موجودا» لا أكثر، ولكن بعد أربعين أو خمسين سنة نجد أنك قد «تجوهرت» ~~فظهرت خلاصتك وأصبحت لك دلالة، فأنت وزير أو مؤلف أو ثري أو محام أو فيلسوف، وهذا هو ~~الجوهر بعد الوجود، ومن الذي أحالك من الوجود إلى الجوهر؟ # أنت نفسك؛ لأن كلا منا يتناول حياته من حيث يدري أو لا يدري، كأنها «مشروع» يقوم ~~بإتمامه، وقد يشرع أحدنا في بناء بيت أو متجر أو غير ذلك من المشروعات، ولكن حياتنا «مشروع» ~~أيضا؛ إذ نحن نبنيها منذ طفولتنا تقريبا إلى أن نموت، وعلى قدر مهارتنا في البناء تكون ~~حياتنا سامية أو متوسطة أو دون المتوسط، وما دامت الحياة مشروعا، وما دمت أنت تقوم بإنجاز ~~أو إتمام هذا المشروع، فأنت مسئول عن حياتك، عن جوهرك. # أنت مسئول؛ لأنك حر في اختيارك للأشياء التي انتهت بك إلى هذا الجوهر، وواضح أنك قد أخذت ~~أحسن ما وجدت في هذه الدنيا، وهنا يقول سارتر بالحرف: # ليس الإنسان شيئا أكثر من أن يكون المشروع الذي شرعه وخططه لنفسه، ووجوده نفسه ~~ليس قائما إلا على الحدود والقياسات التي يحققها لنفسه، وهو إذن ليس شيئا أكثر من ~~مجموع أعماله، ليس شيئا أكثر من حياته. # نحن أحرار؛ إذ نحن نختار أحسن ما نجد فنخطط مشروع حياتنا، وإذن نحن نخترع شخصيتنا. أجل، ~~إن سارتر يقول: إن الإنسان يخترع الإنسان. ويقول بالحرف: # ليس الإنسان شيئا آخر غير مجموع مشروعاته، هو مجموع علاقاتها الواحد مع الآخر.» ~~وهو يلحظ هنا أن هذا المذهب يكرهه كثيرون ممن لن يصيبوا نجاحا في الحياة، ولكننا ~~نحملهم مسئولية فشلهم؛ لأنهم أساءوا ms164 الاختيار حين اختاروا عملا معينا يرتزقون ~~منه، أو أخلاقا معينة اتخذوها للسلوك العام أو الخاص، أو حين اختاروا زوجاتهم أو ~~أصدقاءهم أو نحو ذلك، ويقول: «هاك رجلا يرتبط بعمل ويؤدي خدمة، وهو بهذا قد رسم ~~حياته بل ليس هناك من حياته ما يزيد على ذلك، وواضح أن هذه الفكرة تبدو قاسية عند ~~أولئك الذين لم ينجحوا في الحياة. # ما هي النقطة البؤرية عن سارتر؟ # هي إلحاده، هي أن يقول إننا - نحن البشر - يتامى في هذا الكون ليس لنا سند نستند إليه في ~~اتخاذ الأخلاق أو تعيين الأهداف، «نحن همل» نحن سدى، قد حكم علينا بالحرية، هي حكم ~~علينا، وهي ليست ميزة لنا. # ولذلك، لأننا أحرار، نحن في قلق، نحن في حيرة ، كيف أختار؟ كي أخطط حياتي؟ كي أنجز مشروع ~~حياتي؟ # ويتذكر سارتر هنا قول دستوفسكي: «إذا لم يكن الله موجودا فكل شيء «يجوز»؛ أي إن الإنسان ~~عندئذ يصبح مجرما يرتكب ما يشاء من جرائم كما تمليها عليه شهواته.» ولكن سارتر يرد فيقول: ~~لا، إنما الإنسان حر؛ لأنه مسئول، وهذه الشهوات لا تقود الإنسان، إنما الإنسان هو الذي ~~يقودها، وهو مسئول عن التصرف بها. # هذه المسئولية هي التي تدفعه في النهاية إلى أن يكون مسئولا عن المجتمع؛ لأنه ما دام ~~يختار أحسن الأشياء لنفسه فهو أيضا يختار هذه الأشياء ذاتها للمجتمع الذي يعيش فيه، وهو ~~يقول بالحرف: # إننا حين نطلب الحرية لأنفسنا نجد أنها تتوقف على حرية الآخرين كما تتوقف على ~~حريتنا. # وهذا عنده الرد الكافي على دستوفسكي. وإليك منه هذه المقتبسات المثيرة: # يجب أن نجعل الاختيار للأخلاق مثل صياغة العمل الفني، نصوغ حياتنا كما لو كانت ~~تحفة فنية. # ثم يقول: # يصف الوجوديون الرجل الجبان بأنه هو المسئول عن جبنه، وهو ليس جبانا لأن له ~~قلبا أو رئة أو مخا، ليس جبانا لأن له نظاما فسيولوجيا معينا؛ وإنما هو ~~جبان لأنه بنى نفسه على هذه الصورة بأعماله، وأيضا «الجبان قد صاغ نفسه بالجبن، ~~والبطل قد صاغ نفسه بالبطولة. # هو مذهب انفرادي ms165 ممعن في الانفرادية، كأن المجتمع ليس مسئولا عن الفرد، وأن الفرد ليس ~~مسئولا عن المجتمع. وما دام الشأن كذلك فأنت مضطر إلى أن تقول إنك حر، وإنك تختار، وإنك ~~تجمع حياتك، وإنك مسئول عن كل ميزاتك أو نقائصك. # اعتبر كلماته هذه: «أنا محتاج إلى أن أعين القيم الأخلاقية، وإذن يجب أن نعتبر الأشياء ~~كما هي في الواقع، وإذا قلنا إننا نخترع هذه القيم الأخلاقية فمعنى هذا أنه ليس للحياة ~~أولا معنى؛ أي قبل أن تولد أنت لم تكن الحياة شيئا له معنى، والقيمة الأخلاقية ليست ~~شيئا أكثر من هذا المعنى الذي تكسبه أنت للحياة. وإذن تجد أنه من الممكن إيجاد مجتمع بشري ~~على هذا الأساس.» # أصحيح هذا؟ هل يمكن إيجاد مجتمع بشري إذا كنا نفرض قبل كل شيء أن كل إنسان حر في أن يخترع ~~أخلاقه بنفسه لنفسه؟ # إن هذا إمعان في الانفرادية التي قد تنتهي بالفوضى الاجتماعية والأخلاقية. ~~••• # إني عندما أتأمل الوجودية التي طغت على الباريسيين هذه الأيام، أراني أفتقد فيها الفلسفة ~~فلا أجدها، وأنتهي إلى أنها «مذهب» ولكنها مذهب ضار. # ذلك أن الفلسفة تمتاز بأنها يمكن البرهنة على صحة قواعدها، ولكن الوجودية تلقي بقواعدها ~~كما لو كانت عقائد دينية، وإن خلت من الأساس للأديان الكبرى من حيث الإيمان بالله. أما أنها ~~مذهب ضار فذلك لإسرافها في الفردية، فالإنسان عند الوجوديين مسئول أمام نفسه ولنفسه فقط، ~~وليس مسئولا أمام المجتمع ولا أمام الله. # ثم هي مع ذلك تفرض للإنسان حرية الاختيار، كأن المجتمع بعاداته ولغته، وسني الطفولة التي ~~تتكون فيها المركبات وتكاد تتجمد، والوسط الثقافي والاجتماعي، ووطأة الحوادث وتنوعها، كل ~~هذا لا يؤثر في تكوين الفرد أو توجيهه؛ إذ هو حر في الاختيار. وينسى سارتر أنه اختيار ~~الضرورة، اختيار الجبر. # ولكن السؤال هنا: لماذا نجحت الوجودية في فرنسا بل أوروبا؟ # اعتقادي أن نجاحها يرجع أولا إلى التفكير المادي الذي عم أوروبا وجعل الأوربيين ينفرون ~~من الغيبيات بأنواعها جميعا. ويرجع ثانيا إلى إحساس الزهو الذي تضفيه الوجودية على المؤمن ~~بها، ms166 من حيث إنه مستقل في هذا الكون له حق الاختيار دون أية قوة أخرى. ويرجع ثالثا إلى ~~اليسر البديع في أسلوب سارتر الذي يجعل الأستاذ والطالب والحوذي والسمكري يفهمونه بلا ~~استغلاق، ولعل الوجودية أول ما فهموه من أنواع الرطانة الفلسفية، وهم بهذا الفهم سعداء ~~مزهوون. ويرجع هذا النجاح أخيرا إلى أنها تناقض الأخلاق الاشتراكية التي تقول، أول ما ~~تقول، بأن الإنسان قد تكون بالمجتمع ثم هو يجب أن يكون المجتمع الأمثل. # ومعنى هذا أنه أصبح للوجودية معنى سياسي، حزبي؛ فهي لذلك تتسلسل إلى المنابر ويأخذها ~~الخطباء بالقدح والمدح وتذكر كلماتها وعقائدها أيام الانتخابات البرلمانية؛ ولذلك هي أكثر ~~من «فلسفة»، هي كفاح، هي سياسة، هي حزبية. ~~••• # ولو كنت أخاطب الشبان وأنشد لهم القوة والمجد لدعوتهم إلى الوجودية، وعندئذ أكون معتمدا ~~على ما يسميه القانونيون «أكذوبة شرعية»؛ أي أكذوبة أهدف منها إلى أن أجعل الشاب يحس أنه ~~مسئول، وأنه يستطيع أن يتسلط على القدر، ويصوغ حياته كما يشاء، وأن عليه أن يأخذ حياته ~~بالجد والبصر؛ إذ هو مستقل، وهو حر، وهو قادر، إذا شاء أن يصل إلى أعلى قمة في المجتمع الذي ~~يعيش فيه. # وحين أقول هذا القول أعرف أني، من حيث الفلسفة والسيكلوجية والاجتماع كاذب؛ إذ إن الإنسان ~~ليس حرا وأن الحقيقة أن المجتمع يصوغه. # وموقفي هنا لا يختلف عن موقف القضاء، فإننا نحاكم المجرمين «كما لو كانوا» مسئولين ليس ~~للمجتمع تأثير عليهم، وعلى هذا الأساس نعاقبهم. # وهكذا الشأن أيضا في الأخلاق يجب أن نقول إن كل إنسان مسئول عن أخلاقه، ونعامله كما لو ~~كان حرا قد اختار هذه الأخلاق، وإذن لا تزيد الوجودية على أن تكون مذهبا ارتقائيا في ~~الأخلاق ووسيلة إلى بعث النشاط والحيوية والجد. ~~••• # سبق أن قلت إن «إلحاد» بول سارتر يعد نقطة بؤرية في فلسفته، ولكننا يجب أن نبين هنا أن ~~هذا الإلحاد ليس هوى وليس طارئا؛ لأنه إنما يتفق ويتناسق مع فلسفته إذ هو يقول: إننا نوجد ~~أولا ثم نتجوهر ثانيا. # أي: الوجود، الظاهر لنا، نعرفه ms167 أولا. # ثم الجوهر، أو الماهية، أو الأصل خلف الوجود، نعرفه ثانيا إذا استطعنا ذلك. وإذا عددنا ~~أن الله هو أصل الكون فمحاولتنا لأن نعرفه يجب ألا تكون بداية البحث؛ لأن بداية البحث هو ~~الوجود الظاهر وليست الماهية المستترة، بل ليست هناك عند سارتر ماهية لأي شيء، وإنما هناك ~~وجود فقط. وقد نقول إنك تتجوهر بعد أربعين سنة، ولكن هذا المعنى مجازي هنا؛ لأننا نقصد منه ~~أنك تتكامل وتصل إلى أقصى كفاءاتك وميزاتك. # ولذلك سارتر ينكر الإيمان بالله، بل هو يكافح هذا الإيمان. ~~••• # ويحب أخيرا ألا نقلل من إقدام سارتر على أن يكتب الفلسفة للشعب، أو على حد قوله إنه قد ~~أدخل الفلسفة في السوق، فإنك تقرؤه فلا تجد تلك الكلمات النابية أو العبارات المعقدة التي ~~تجدها عند من كتبوا قديما حين كانت الفلسفة تكتب للفلاسفة وليس للشعب، أو كما كان يكتب ~~الفقه للفقهاء، وليس للشعب. # وهو هنا مبتكر ونافع وجريء، ولكن الأدباء العصريين قد سبقوه بأن صاروا يكتبون منذ نحو ~~مائتي سنة للشعب أيضا. وهنا فرق عظيم بين الأدب الأوروبي والأدب العربي، أو على الأقل ~~الأدب العربي القديم، فإن أمثال المتنبي والجاحظ والفرزدق وابن الرومي كانوا أدباء يكتبون ~~لأدباء مثلهم وليس للشعب، بل إن المتنبي كان يفخر بأن الأدباء أنفسهم لا يفهمونه؛ إذ ~~يختلفون عن معانيه ويناقشونها وهو قاعد هانئ. # وهذا التغير إنما يعزى إلى أن «الشعب» لم يكن موجودا عند الأمم القديمة، والذي أوجده في ~~أوروبا هو الحركة الصناعية الجديدة التي عممت الثراء بين أفراده ثم عممت التعليم، فصار ~~الأدباء والفلاسفة يكتبون للشعب وليس للأدباء والفقهاء والفلاسفة. ms168