######OpenITI# #META# URI: 1377SalamaMusa.HubbFiTarikh.Hindawi90306293 #META# Tags: history :: literature #META# ID: 90306293 #META# Title: الحب في التاريخ #META# AuthorID: 40515160 #META# Author: سلامة موسى #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # المقدمة‏ # لماذا يتشابه المحبان؟‏ # رأي العرب في الحب‏ # رأي الإفرنج في الحب‏ # أنطونيوس وكليوبطرة‏ # جميل وبثينة‏ # يزيد وحبابة‏ # كثير وعزة‏ # قيس ولبنى‏ # صبيحة وابن أبي عامر‏ # ابن زيدون وولادة‏ # أبيلار وهيلوئيز‏ # شارل الثاني ملك إنجلترا‏ # ماري ملكة اسكوتلاندا‏ # الملكة إليصابات‏ # ماري أنطوانيت‏ # شارلوت كورداي‏ # نابليون وماري فالفسكا‏ # ماري لويز‏ # بيرون وتيريزا‏ # مدام دوستايل‏ # أهواء جورج صاند‏ # كارليل وزوجته‏ # فيكتور هيجو ومدام درويه‏ # بلزاك وإفيلينا هانسكا‏ # لاساله وصاحبته‏ # جامبتا وصاحبته‏ # الإمبراطورة كاترين‏ # خمس نسوة وبرنارد شو‏ # قصة كارل ماركس‏ # المقدمة‏ # لماذا يتشابه المحبان؟‏ # رأي العرب في الحب‏ # رأي الإفرنج في الحب‏ # أنطونيوس وكليوبطرة‏ # جميل وبثينة‏ # يزيد وحبابة‏ # كثير وعزة‏ # قيس ولبنى‏ # صبيحة وابن أبي عامر‏ # ابن زيدون وولادة‏ # أبيلار وهيلوئيز‏ # شارل الثاني ملك إنجلترا‏ # ماري ملكة اسكوتلاندا‏ # الملكة إليصابات‏ # ماري أنطوانيت‏ # شارلوت كورداي‏ # نابليون وماري فالفسكا‏ # ماري لويز‏ # بيرون وتيريزا‏ # مدام دوستايل‏ # أهواء جورج صاند‏ # كارليل وزوجته‏ # فيكتور هيجو ومدام درويه‏ # بلزاك وإفيلينا هانسكا‏ # لاساله وصاحبته‏ # جامبتا وصاحبته‏ # الإمبراطورة كاترين‏ # خمس نسوة وبرنارد شو‏ # قصة كارل ماركس‏ # | الحب في التاريخ # | الحب في التاريخ # تأليف # سلامة موسى # | المقدمة # للإنسان غريزة جنسية إذا تنبهت احتدت فاستحالت إلى عاطفة، فشهوة، فاندفاع قوي لا يكاد ~~الإنسان يدري ما هو فاعل فيه. # ولكن للإنسان أيضا عقلا إذا تنبه لم يحتد، ولكنه يتأمل في أناة وتبصر، فيستحيل إلى ~~وجدان يدري الإنسان ما هو فاعل فيه. # وكلنا سواء في الغريزة، بل نحن والحيوان سواء فيها، ولكننا نتفاضل في الحب الوجداني الذي ~~ينشأ عن التعقل والتبصر، فندري ما نحن بسبيله من التقرب للجنس الآخر، ونقدر الصفات ونزن ~~الفضائل. # والحب الغريزي هو حب العاطفة، حب الشهوة والنظرة الأولى، وهو بعيد عن الحب الوجداني، الذي ~~يزن ويقدر ويعرف القيم البشرية العالية. # حب العاطفة هو الحب الأعشى القصير. # وحب الوجدان هو الحب الفهيم البصير. # وهناك نوعان من السعادة، كما أن هناك نوعين من الحب؛ فإن سعادة الغرائز هي سرور زائل، كما ~~نجد في لذة الأكل أو الشرب، وهو سرور عاطفي، ما هو ms001 أن نشبع حتى ينطفئ، ولكن السعادة القيمة ~~هي ثمرة الوجدان والتعقل، وكذلك الشأن في الحب العاطفي الذي ينشأ من أول نظرة؛ إذ هو شرور ~~زائل، ولكن الحب الوجداني الذي تعتمد فيه على التعقل والتبصر ووزن القيم البشرية، هو أكثر ~~من السرور، هو سعادة مقيمة. # وهناك خطأ شائع هو أن الحب بين محبين إنما يرجع إلى الغريزة الجنسية لا أكثر. وهذا التباس ~~يحتاج إلى بعض التحليل؛ فإن الاشتهاء يرافق الحب، ولكنه ليس أصله، بل يحدث أحيانا أننا ~~عندما نحب امرأة حبا عظيما فإننا نرفعها إلى مرتبة من الطهارة، ونسمو بجمالها إلى معاني ~~من القداسة، بحيث تتقهقر الغريزة أمام هذه الاعتبارات. # ولكن الحب ينتمي إلى أصل آخر هو ذلك التعلق الذي نما في طفولتنا وربطنا بالأم، وهذا هو ~~الذي يجعل في الحب حنانا ورقة ورحمة. ونحن حين نحب امرأة إنما في الواقع نحب صورة الأم في ~~وجهها وقامتها وصوتها؛ لأننا قد نشأنا على أن نكبر من شأن الصفات التي تتحلى بها ~~أمهاتنا. # وإذن يجب أن نقول: إن الحب العظيم ليس هو حب النظرة الأولى، حب العاطفة، وإنما هو حب ~~التبصر، حب الوجدان والتعقل. ويجب أن نقول أيضا: إن الحب ليس هو الشهوة، وما في الحب بين ~~رجل وامرأة من عظمة ومجد وجلال، إنما يرجع في صميمه إلى الصفات السامية التي نعزوها إلى ~~أمهاتنا، وإلى أخلاق اجتماعية قد علمنا إياها المجتمع، وإلى عادات عائلية مارسناها في ~~طفولتنا. # وإذن يجب أن نقول أيضا: إن الناس ليسوا سواء في القدرة على الحب، كما أنهم ليسوا سواء في ~~القدرة على السعادة؛ لأن كليهما - الحب والسعادة - يتوقفان على مقدار ما عندنا من وجدان؛ أي ~~تعقل، وعلى مقدار ما أحببنا أمهاتنا، وعلى مقدار ما كان عند أمهاتنا من صفات سامية. # وهناك فرق في الحب بين الرجل والمرأة؛ فإن حب الرجل يكاد يقتصر على المرأة؛ أي على زوجته، ~~وحبه للأطفال ضعيف مشتت مبعثر؛ إذ هو مشغول بالكسب مختلط بالمجتمع أكثر من المرأة. لكن حب ~~المرأة يختلط بأبنائها؛ ولذلك فإن ms002 الأمومة جزء خطير من الحب النسوي. # وأخيرا قد يسأل القارئ: هل يجب أن نهتم بالحب، ونؤلف عنه المؤلفات، نروي فيها تفاصيله ~~وأساليبه بين محبين؟ # والواقع أن الحياة أكبر من الحب، وأن الإنسان يستطيع أن يرصد حياته لعمل عظيم يستغرق كل ~~عقله وقلبه وكل مجهوده؛ كأن يتوخى تحقيق مذهب، أو اختراع آلة، أو توجيه شعب إلى غاية، أو ~~نحو ذلك، وهذا النشاط جدير بأن تؤلف عنه الكتب وتروى عن تفاصيله القصص. # ولكن الحب هو السعادة، أو هو أقرب شيء إلى السعادة، وفيه تتبلور أخلاقنا، وتبدو في جوهرها ~~الأصيل، وهو؛ أي الحب، يربينا ويستنبط منا أسمى ما في أخلاقنا؛ ولذلك حين نروي قصة عن الحب ~~إنما نروي أيضا أحسن ما في الطبيعة البشرية من خلال تحملنا جميعا على الإعجاب وعلى ~~الإحساس بالسعادة. # | لماذا يتشابه المحبان؟ # كثيرا ما يحدث أننا نلتقي بزوجين، فنظنهما للتشابه العظيم بينهما أنهما شقيقان، مع أنهما ~~قد يكونان غريبين، لا تربطهما قبل الزواج أية قرابة عائلية تبرر هذا التشابه؛ ذلك أن أحدنا ~~قد يشبه ابن عمه أو ابنة خالته، وقد يتزوجها، فيكون التعليل واضحا للتشابه بينهما، ولكنا ~~كثيرا ما نجد أن الزوج الذي نشأ في الإسكندرية، قد تزوج فتاة من قنا أو القاهرة، ومع ذلك ~~نجد عندما نتأملهما أنهما يكادان يكونان شقيقين، فما هي علة ذلك؟ # علة ذلك أن الشاب عندما يبلغ سن المراهقة ثم الشباب، إنما يتخيل صورة معينة من الجمال ~~تلازمه مدى حياته، مهما تأثر ببعض الظروف الاجتماعية أو الفنية، وهذه الصورة هي صورة أمه ~~وقت الرضاع، وفي أثناء السنوات الثلاث أو الأربع التالية؛ وذلك لأنه في هذه السنين لا يجد ~~في عالمه شخصا أكثر عطفا عليه، والتفاتا إلى حاجاته، وحبا له من أمه، فوجه أمه إذن هو ~~أجمل الوجوه، وصوتها هو أرخم الأصوات، وقامتها هي القامة المثلى للنساء الجميلات. وتبقى هذه ~~الصورة كامنة في ذهنه، بل في نفسه إلى أن يبلغ المراهقة فالشباب، فإذا جاء ميعاد الزواج ~~صارت جميع الوجوه قبيحة أو سمجة أو غير جميلة ms003 ، ماعدا تلك الوجوه التي أشبهت وجه أمه، فهو ~~يستلطف هذا الوجه، ثم يعشقه، ويختار تلك الفتاة التي تشبه أمه، أو على الأقل تقاربها في ~~الوجه واللون والقامة والصوت والبدانة أو النحافة. # ولذلك نجد أن الرجل السمين يتزوج الفتاة السمينة ويستلطفها، بخلاف الشاب النحيف الذي لا ~~يستلطف غير الفتاة النحيفة. ومرجع ذلك أن أم السمين كانت سمينة مثله أيام طفولته، وكان ~~يحبها لأنها أمه، وكان يعتقد أن السمن الذي هو صفة أمه من علامات الجمال، فلما كبر وسمن هو ~~نفسه بحكم الوراثة من أمه، أو بحكم المعيشة ونظام الغذاء معها، لم يعد يجد الجمال إلا في ~~المرأة السمينة. وقل مثل ذلك عن الرجل الأبيض، لا يرضى بأن يتزوج فتاة سمراء، أو الرجل ~~الطويل لا يرضى بأن يتزوج فتاة قصيرة؛ لأن أم الأول كانت بيضاء، وقد غرست فيه حب البياض، ~~ولأن أم الثاني كانت طويلة، وقد غرست فيه حب الطويلات. # فالرجل يشبه زوجته لسبب واحد هو أنه قد انغرست فيه قيم الجمال منذ طفولته، وكأن الأنموذج ~~الذي رسم عليه، وأخذ عنه هذه القيم، هو أمه. ولما كان هو يشبه أمه بحكم الوراثة إلى حد ~~بعيد، ثم لأنه عندما يتزوج يختار فتاة تشبه أمه، فإننا نجد الاثنين بعد الزواج متشابهين ~~كأنهما شقيقان. # وهنا قد يرد بعض القراء: ولكن هناك أزواجا يختلف فيها الزوج عن زوجته، فهو طويل وهي ~~قصيرة، وهو أسمر وهي بيضاء، وهو سمين وهي نحيفة، فما هو تعليل هذا الاختلاف؟ # فللإجابة على هذا السؤال نقول: إن هذا الاختلاف بين الزوجين قليل الحدوث جدا، وهو حين ~~يوجد يكون مرجعه إلى أن الزوج لم يختر زوجته لجمالها، ولكن لأغراض أخرى، كأن تكون ثرية، أو ~~من عائلة معينة لها مكانة اجتماعية أو نحو ذلك؛ أي إنه لم يكن مسوقا في اختياره بميوله ~~الجمالية التي نشأ عليها منذ الطفولة، وأحيانا يكون قد تربى بعيدا عن أمه، كأن كانت هناك ~~له مرضع خاصة جمعت عواطفه نحوها، فهو عندما يشب يختار فتاة تشبه هذه المرضع. أو ربما ms004 تكون ~~أمه قد ماتت قبل أن ترضعه، أو قبل أن تتم معه سنتين أو ثلاث سنوات، فهنا ترتبك مقاييسه ~~وتختلط قيمه. # وهناك رأي شائع، وهو أننا نختار من الجنس الآخر من تناقضنا، كأنها بهذه المناقضة تكمل ~~النقص الذي عندنا، ولكن نظرة عابرة شاملة للأزواج توضح لنا خطأ هذا الرأي؛ ففي تسعين في ~~المائة من الحالات نحن نختار تلك الفتاة التي تشابهنا. وكذلك الشأن في الفتاة عندما تختار ~~الشاب، فإنه يجب أن يشبه أباها وأمها معا؛ وذلك لأن هذا الأب هو البطل الذي نشأت على رؤيته ~~في البيت، وهو السيد المطاع، وقد قيل «كل فتاة بأبيها معجبة»، وليس هذا المثل عبثا، ولكن ~~لما كانت فتياتنا غير حاصلات على حق الاختيار الكامل، فإن الشاب هو الذي يختار وفق الأنموذج ~~الذي ارتسم في نفسه منذ أيام الطفولة، بل منذ أيام الرضاع. وهو يختار فتاة تشبه أمه، وهو ~~بالطبع يفعل ذلك على غير وجدان؛ أي إنه لا يدري أنه متأثر بجمال أمه؛ لأن صورة أمه كامنة في ~~نفسه، وليست ماثلة. # وعلى القارئ ألا ينسى أن صورة الجمال التي ترتسم للأم في ذهن ابنها، إنما هي صورتها وهي ~~بين العشرين والأربعين تقريبا؛ أي صورتها وهي شابة جميلة، فإذا شاء القارئ أن يفحص عن نفسه ~~وعن ميوله الجمالية، فيجب أن يتذكر أمه كما كانت قبل عشرين أو ثلاثين سنة. وليست كما هي ~~الآن عجوز درداء متغضنة، كثيرة الرقاد والأوجاع، تسعل وتعطس، وقد ترهل بطنها واسترخت ~~عضلاتها. # بقي شيء آخر هو أن ننصح للشاب بألا ينخدع بصورة أمه فيقع في فتنة هذا الوجه الذي ثبت فيه ~~منذ الطفولة؛ لأن هذه الفتاة التي تشبه أمه في التقاسيم والملامح والقامة والصوت، أو في بعض ~~هذه الصفات، هذه الفتاة قد تكون سيئة الأخلاق، فهو يفتن بخيال يضيفه عليها، ولكنه يجهل ~~أخلاقها. وإذن لا بد في الزواج من أن نطمئن على صفات أخرى كالذكاء والأخلاق. # | رأي العرب في الحب # قال شهاب الدين النويري في «نهاية الأرب»: # أول ما يتجدد الاستحسان الشخصي ms005 ، تحدث إرادة القرب منه ثم المودة، ثم يقوى فيصير ~~محبة، ثم يصير هوى، ثم يصير عشقا، ثم يصير تتيما، ثم يزيد التتيم فيصير ولها. # وأما سبب العشق، فهو مصادفة النفس ما يلائم طبعها، فتستحسنه وتميل إليه، وأكثر أسباب ~~المصادفة النظر، ولا يكون ذلك باللمح، بل بالتثبت في النظر ومعاودته بالنظر، فإذا غاب ~~المحبوب عن العين طلبته النفس، ورامت التقرب منه، وتمنت الاستمتاع به، فيصير فكرها فيه، ~~وتصويرها إياه في الغيبة حاضرا، وشغلها كلها به، فيتجدد من ذلك أمراض لانصراف الفكر إلى ~~ذلك المعنى، وكلما قويت الشهوة البدنية قوي المفكر في ذلك. # وذكر بعض الحكماء أنه لا يقع العشق إلا لمجانس، وأنه يضعف ويقوى على قدر التشاكل. واستدل ~~بقول النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف.» ~~قال: وقد كانت الأرواح موجودة قبل الأجسام، فمال الجنس إلى الجنس، فلما افترقت الأجسام بقي ~~في كل نفس حب ما كان مقارنا لها، فإذا شاهدت النفس من نفس نوع موافقة ما، مالت إليها ظانة ~~أنها هي التي كانت قرينتها، فإذا كان التشاكل في المعاني كانت صداقة ومودة، وإن كان في معنى ~~يتعلق بالصورة كان عشقا. وإنما يوجد الملل والإعراض من بعض الناس؛ لأن التجربة أبانت ~~ارتفاع المجانسة والمناسبة. # وقال بعض الحكماء: «ليس العشق من أدواء الحصفاء الحكماء، إنما هو من أمراض الخلعاء، الذين ~~جعلوا دأبهم ولهجتهم متابعة النفس، وإرخاء عنان الشهوة، وإمراح النظر في المستحسنات من ~~الصور، فهنالك تتقيد النفس ببعض الصور فتأنس، ثم تألف، ثم تتوق، ثم تلهج.» # وقال ابن عقيل: العشق مرض يعتري النفوس العاطلة والقلوب الفارغة المتلمحة للصور لدواع من ~~النفس، ويساعدها إدمان المخالطة، فيتأكد الألفة، ويتمكن الأنس، فيصير بالإدمان شغفا. وما ~~عشق قط إلا فارغ، فهو من علل البطالين، وأمراض الفارغين من النظر في دلائل العبر وطلب ~~الحقائق، المستدل بها على عظم الخالق؛ ولهذا قلما تراه إلا في الرعن البطرين، وأرباب ~~الخلاعة النوكى. وما عشق حكيم قط؛ لأن قلوب الحكماء أشد تمنعا ms006 عن أن توقفها صورة من صور ~~الكون مع شدة طلبها؛ فهي أبدا تلحظ وتخطف ولا تقف، وقل أن يحصل عشق من لمحة، وقل أن ~~يضيف حكيم إلى لمحة نظرة؛ فإنه مار في طلب المعاني، ومن كان طالبا لمعرفة الله لا توقفه ~~صورة عن الطلب؛ لأنها تحجبه عن الصور. # وقال الربعي: سمعت أعرابية تقول: مسكين العاشق، كل شيء عدوه؛ هبوب الريح يقلقه، ولمعان ~~البرق يؤرقه، ورسوم الديار تحرقه، والعذل يؤلمه، والتذكر يسقمه، والبعد والقرب يهيجه، ~~والليل يضاعف بلاءه، والرقاد يهرب منه. ولقد تداويت بالقرب والبعد، فلم ينجح دواء ولا عز ~~عزاء. # وقال داود الأنطاكي في كتابه «تزيين الأسواق بتفصيل أشواق العشاق» عن بعض البلغاء: # العشق فضيلة، تنتج الحيلة، وتشجع الجبان، وتسخي كف البخيل، وتصفي ذهن الغبي، ~~وتطلق بالشعر لسان الأعجم، وتبعث حزم العاجز الضعيف، وهو عزيز يذل له عز الملوك، ~~وتضرع له صولة الشجاع، وهو داعية للأدب، وتأويل باب تفتق به بالأذهان والفطن، ~~ويستخرج به دقائق المكايد والحيل، وإليه تستريح الهمم، وتسكن به فواتر الأخلاق ~~والشيم، يمتع جليسه، ويؤنس أليفه، وله سرور يجول في النفوس، وفرح يسكن في القلوب. # ونقل ابن خلكان في ترجمة العلاف ما ملخصه أن العشق جرعة من حياض الموت، وبقعة من رياض ~~النكل، لكنه لا يكون إلا عن أريحية في الطبع، ولطافة في الشمائل، وجود لا يتفق معه منع، ~~وميل لا ينفع فيه عذل. # وقال بعض «العارفين»: شرط المحبة أن تكون ميلا، بلا نيل، وشرطا لا جزاء، تزول عند زوال ~~العرض، ويتأكد ذلك في أحباء الله عز وجل. # | رأي الإفرنج في الحب # قال جوته: نحن نتكيف ونتشكل طبق ما نهوى. # وقال فولر: المحبة كالضمير، أحرى بها أن ترشد وتقاد، لا أن تجر وتغتصب. وأولئك ~~الذين يتزوجون من لا يحبون، يحبون غير ما يتزوجون. # وقالت مدام دوستايل: العشق الذي هو عارض في حياة الإنسان يستغرق حياة المرأة ~~بأجمعها. # وقال فنست: لست من أولئك الذين لا يؤمنون بإمكان الحب من أول نظرة، ولكني أومن بوجوب ~~النظرة مرة أخرى. # وقالت ms007 مدام دوديفان: إن الرجل الذي تحبه امرأة جميلة فاضلة، يحمل من حبها طلسما يمنعه ~~ويكسبه الحصانة، ويشعر كل من رآه أن حياته أعلى قيمة من حياة الآخرين. # وقال كوتون: كثيرا ما تنتهي الصداقة بالحب، ولكن لا يمكن الحب أن ينتهي بصداقة. # وقال لونجفيلو: ليس في حياتنا ما هو أقدس من الشعور بدبيب الحب الأول، تلك الرفرفة الأولى ~~لأجنحته الحريرية، وتلك الوسوسة الأولى تتعالى وتطفو، وأنفاس تلك الريح تسارع إلى النفس ~~فتغمرها، فإما تطهرها وإما تدمرها. # وقال كوتون: في الحب كما في الحرب، يعزى نجاحنا إلى ضعف وسائل الدفاع أكثر مما يعزى إلى ~~عنف الهجوم وسطوته. # وقال دريدن: حسبك الحب جزاء للحب. # وقال فولتير: الحب لوحة الرسم، تزودها الطبيعة، ويوشيها الخيال. # وقال هربرت: الحب كالسعال ليس من المستطاع إخفاؤه. # وقالت مس جوزبري: الحب يطهر القلب من الأثرة، ويمنح الخلق قوة ورفعة، ويوجه الحياة في ~~جميع الأعمال إلى المقاصد الشريفة، ويزيد الرجل والمرأة كليهما قوة وشرفا وشجاعة. وخير هبة ~~توهب لإنسان هي تلك القدرة على أن يحب حبا صادقا أمينا. والحب نار مقدسة، يجب ألا ~~توقد أمام الأصنام. # وقال كار: لا يحسن الإنسان الأداء عن الحب، إلا إذا كان لا يشعر به. # وقال سيجار: الحب كالقمر، إذا لم يأخذ في الزيادة أخذ في النقصان. # وقالت مس تشيلد: دواء جميع الأدواء، وعلاج هموم الإنسانية وأحزانها وجرائمها، هو الحب؛ ~~فهو العنصر الحيوي الإلهي، الذي يحدث الحياة ويردها، وهو إذا شئنا سبيل القوة وفعل ~~المعجزات. # وقال لاروشفوكو: قد يسلك الرجل الحكيم في حبه سلوك المجانين، ولكنه لا يسلك سلوك ~~البله. # وقال أيضا: ليس شيء يستر الحب حيث يكون، ولا شيء يظهره حيث لا يكون. # وقالت نينون دولنكلو: لا قيمة في الحب لافتقار الرجل إلى الجمال، إذا لم تنقصه الصفات ~~الأخرى المحبوبة؛ فإن القلوب لا تفتح إلا بالعطف، وليس الخلد أكثر عمى من المرأة ~~العاشقة. # وقال إلجز: الطاعة وقت الحب أخف محملا من الحرية. # وقال بولور: نبرات العشق هي كل ما تخلف عنا من لغة الفردوس ms008 . # وقال إديسون: ليس يوجد في الحق نوع من الحب أكثر طهارة، وأشبه بالملائكة، من حب الوالد ~~لابنته؛ فهو يرمقها بالعين المجردة، وبالعين التي تتلمح فيها جنسها، فحب الزوج لزوجته مشوب ~~بالرغبة، وحب الأب لابنه مشوب بالطمع، أما حب الأب لابنته ففيه شيء لا تستطيع اللغة التعبير ~~عنه. # وقال بتراركه: الحب هو النعمة التي تتوج بها الإنسانية، وهو أيضا أقدس صفوق النفس، وهو ~~الحلقة الذهبية التي تربطنا بالواجب والحق، وهو المبدأ الفادي الذي يصالح بين القلب ~~والحياة، وهو بشير السعادة الأبدية. # وقال شبانهيم: ليس حواريو المسيح الحقيقيون هم الذين يتفوقون في مقدار المعرفة، وإنما هم ~~أولئك الذين يتفوقون في مقدار الحب. # وقال وطس: ليس يحتاج الإنسان من العواطف إذا كان سيعيش عيشة أبدية إلا لعاطفتين فقط: ~~الحب، وتأمل العزة الإلهية. # وقالت مارجريت فولر: حب المرأة ساعة من الحب، تعرف منها علائقها الحقيقية، أكثر مما تعرف ~~من جميع الفلسفات. # | أنطونيوس وكليوبطرة # ليس في سير الحب القديمة ما هو أشهر من سيرة كليوبطرة ملكة مصر الإغريقية أو بالأحرى ~~المقدونية؛ فقد وضع المؤلفون القصص والدرامات والتواريخ والقصائد، ومثل غرامها المصورون ~~والنقاشون والمثالون. وأكبر ما يجذب الناس إلى قراءة سيرتها، غرابة الأطوار التي تطورتها ~~حوادثها، والنهاية المفجعة التي انتهت إليها، وعظم التضحيات التي ضحى بها كل من المحبين ~~أنطونيوس وكليوبطرة. # وكثرة هذه السير تزيد تاريخها إبهاما بدلا من أن توضحه؛ فقد ضرب أكثر من كتب عنها ~~بسهم في الخيال، وأكثر من التزويق والتزيين، شأن القصاص، حتى صارت الحواشي تغطي على المتن، ~~وحتى صار يشق على المؤرخ استخلاص الحقائق من الأوهام. # فقد كانت مصر في ذلك الوقت تحت حكم البطالمة، وهم سلالة مقدونية إغريقية كانت تمت إلى ~~الإسكندر بالقرابة. وكان مؤسس أسرة البطالمة قائدا عند الإسكندر، وكانت الإسكندرية في وقت ~~كليوبطرة أكبر ميناء على البحر الأبيض المتوسط، ومركز التجارة بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، ~~وكان أكثر سكانها من الإغريق، وكانت لهم مكتبة كبرى وجامعة يتعلمون فيها، فكان الوسط كله ~~إغريقيا، تكسوه الحضارة الإغريقية، وتسمع فيه اللغة الإغريقية ms009 ، وتسيطر عليه الثقافة ~~الإغريقية في الفنون والعلوم. # وارتفعت كليوبطرة إلى عرش مصر وهي في السابعة عشرة، وكانت الإسكندرية قاعدة البلاد وكرسي ~~الحكومة، وكان يبلغ سكانها نحو مليون نفس، وتبلغ المكوس المضروبة على البضائع في جماركها ~~نحو خمسة ملايين جنيه، وكانت صناعات الكتان والبردي والزجاج والأقمشة رائجة فيها، وكان خمس ~~مساحة المدينة خاصا بقصور الأسرة المالكة والمكتبة والمتحف، تحفها وتتخللها جميعها ~~البساتين والتماثيل والمسلات وما إليها، وقد شبهها المؤرخ الإيطالي فيريرو بباريس هذه ~~الأيام، لوفرة ما كان فيها من وسائل الحضارة والترف. # ولما ارتقت كليوبطرة إلى العرش كانت تبعا للسنن المتبعة في الأسرة المالكة مخطوبة إلى ~~أخيها، وكان لا يزال بعد صبيا في الثانية عشرة من عمره، وكان عليه أوصياء سوء، أرادوا أن ~~يستفيدوا من صغر سنه، فنفوا أخته عن المدينة، وولوه العرش وحده. # وكانت هذه النكبة الأولى مهمازا لكليوبطرة، تنبهت منه أعصابها وتذكى عقلها، فبادرت إلى ~~الذهاب إلى سوريا حيث ألفت جيشا وعادت به إلى مصر. # وفي هذه الأثناء كان يوليوس قيصر القائد الروماني قد احتل الإسكندرية، ولم تكن تجدي فيه ~~المقاومة؛ لأن جيشه - فضلا عما كان له من شهرة بالبسالة والصمود في القتال، وسائر الصفات ~~التي تتسم بها الجيوش الرومانية - كان يقوده أبرع قائد في ذلك الزمان وهو قيصر. واقتصر ~~الملك ونصحاؤه على كسب رضاه وثقته، وجاءت كليوبطرة تنافس أخاها في اكتساب هذه الثقة، وكان ~~أخوها أكثر منها ناصرا، ولكنها كانت تمتاز عليه عند قيصر بجمالها وفتنتها. # واتفق أكثر المؤرخين على أنها لم تكن جميلة؛ فقد كان أنفها كبيرا، ولكن الفتنة كانت في ~~نفسها وخفة روحها؛ فقد وصفها المؤرخ بلوتارخ بقوله: # لم يكن جمالها بحيث لا يمكن أن يقرن إلى جمال غيرها، ولم يكن من الروعة بحيث ~~يؤثر في الناظر عند أول رؤيته لها، ولكن تأثيرها في الإنسان إذا بقي مدة قصيرة في ~~حضرتها لم يكن مما تمكن مقاومته؛ فقد كانت شخصيتها، وحلاوة حديثها، وذلك الطابع ~~تطبع به ما تقوله أو تعمله، من السحر بحيث تستأثر الإنسان. وكان مما ms010 يلذ للإنسان أن ~~يسمعه موسيقى صوتها الذي كان يشبه آلة وترية تختلف فيه الأنغام. # واحتالت كليوبطرة لكي تصل إلى يوليوس قيصر وتضمه إلى حزبها، فينصرها على أخيها، وكانت ~~جيوش أخيها تحجز بينها وبينه، فوضعت نفسها في بساط لفته حولها وربط عليها، واحتملها خادم ~~أمين لها، ونزل في زورق صغير حتى وصل إلى حيث كان قيصر، فأنزل الخادم البساط، وطلب إلى حرس ~~قيصر أن يؤذنوه بوصول هدية إليه، فأذن قيصر في حمل الهدية، فما هو أن وضع البساط أمامه، ~~وفكت الحبال المربوطة حوله، حتى خرجت منه كليوبطرة. # وكان قيصر شجاعا جريئا، فلا يدع أن يعرف قيمة الشجاعة والجرأة في غيره، فأحبها وأقرها ~~على عرش مصر دون أخيها، وحكمت البلاد منذ تلك الساعة ونحو ست سنوات حكم العدل والحكمة. ثم ~~مات قيصر في رومية مقتولا، متهما بالطموح إلى الاستبداد وإلغاء الجمهورية، وكانت كليوبطرة ~~قد ولدت له ولدا سماه قيصرون. # وظهر في العالم الروماني عقب موت قيصر رجلان اقتسما هذا العالم بينهما؛ أولهما: أوكتافيوس ~~الذي استولى على الجزء الغربي منه، وثانيهما: أنطونيوس الذي استولى على الجزء ~~الشرقي. # وأخذت كليوبطرة تحسب وتقدر أيهما أفضل، لكي تنضم إليه وتستعين بقوته، فبقيت في ترجيح ~~وتردد حتى توجس منها أنطونيوس فاستدعاها، وكان في ذلك الوقت ضاربا خيامه في كيليكة وجيوشه ~~تحوطه، وكان أنطونيوس يمت بصلة الرحم إلى يوليوس قيصر نفسه، وكان شجاعا من هواة الجندية، ~~وقد قضى بعض شبابه في لذاذات الشباب وسرف الفتوة، فأنفق نحو مائة ألف جنيه على الخمور ~~والنساء وما إليهما، ولكنه كان عندما يجد الجد وتعلن الحرب يصير من مساعيرها، يقاتل فيها ~~ويدبر لعدوه المكايد ويصمد له حتى يفوز. # ولم تكن ثم مندوحة لكليوبطرة من أن تلبي دعوته، فألفت أسطولا صغيرا وسارت إلى كيليكية ~~عبر البحر الأبيض المتوسط حتى بلغتها وصعدت إلى نهر كيدنوس حيث كان أنطونيوس وجيوشه. وكانت ~~سفينتها غاية في الزينة، وقد توسطتها في أفخر لباسها، ووقف جواريها سامطين أمامها في أبهى ~~الحلل وأجمل الزينات. ولما وقفت سفينتها وجه إليها أنطونيوس ms011 يدعوها إلى العشاء، فأرسلت هي ~~إليه تدعوه إلى السفينة. # وكانت الوليمة المعدة لأنطونيوس قد هيئت بضروب من الألوان الشرقية والغربية، وصفت على ~~المائدة أكواب الشراب، وأضيئت آلاف الشموع تحترق فتخرج منها أنفاس الطيب، وتعبق فوقها ~~سحابات من دخان العطور المختلفة. وجاء أنطونيوس من خيامه، وكان قد مضى عليه زمن وهو يعيش ~~عيشة المعسكرات، بما فيها من شظف وخشونة، فرأى في الفراش الوثير، والطعام اللذيذ، والشراب ~~الفاخر، والجمال الفتان، ما سحر لبه، وأسر قلبه وقيده إليها. # ولم تكن كليوبطرة قد أحبت قبلا؛ لأن علاقتها بيوليوس قيصر كانت قائمة على المصلحة لا على ~~العشق، أما الآن، فقد وجدت في أنطونيوس شخصا فتيا، يلبي شهواتها ويعشقها، لا يبرحها طوال ~~ليله ونهاره، فعشقته وعلقته. وربما كان يشوب هذا العشق شيء من مراعاة المصلحة من كلا ~~الجانبين، ولكن ليس شك في أنهما أخلصا الحب، وتصافيا كئوسه حتى الممات. # وبقي كلاهما معا نحو عشر سنوات لم يفترقا إلا مرة واحدة، حين ذهب أنطونيوس في حملة في ~~إحدى جهات آسيا. وقد ذكر بلوتارخ أن أنطونيوس قال مرة: إن التمليق أربعة أنواع، أما ~~كليوبطرة فعندها منه ألف نوع. وهذا وحده يدل على سحر حديثها. # قال بلوتارخ: # كانت كليوبطرة على استعداد دائم لأن تسر أنطونيوس وتمتعه سواء أكان في حال الجد ~~أم في حال اللهو. وكانت تلازمه ليل نهار، تلاعبه النرد، وتشرب معه، وتخرج معه إلى ~~الصيد تقتنص معه، وإذا كان وقت المران على القتال وقفت أمامه تعجب به وتصفق له. # ثم حدث النزاع بين أكتافيوس وأنطونيوس، أيهما يسود العالم. وقد كان أكتافيوس يضمر السوء ~~لأنطونيوس، ويتربص به الدوائر؛ لأن أنطونيوس كان متزوجا أخت أكتافيوس، وكان قد هجرها عندما ~~علق كليوبطرة. وتهيأ كلا الفريقين للقتال، وأعد كل منهما أسطولا، والتقيا في أكتيوم. وكانت ~~كليوبطرة تصحب أنطونيوس؛ إذ لم يكن يقدر على فراقها. ودار القتال برهة، ظنت فيها كليوبطرة ~~أن أسطول عشيقها قد انهزم، فأمرت ربانها بالفرار. ولم تكن الهزيمة قد تأكدت ولكن قلب المرأة ~~يساوره الهلع في ساعة الشدة ms012 ، التي لم يخلق لها إلا الرجال. ورأى أنطونيوس سفينة كليوبطرة ~~تولي الإدبار، فجن جنونه واستطير، وأمر أسطوله أن يدركها، وهنا بانت الهزيمة ~~الأولى. # وتحصن أنطونيوس بالإسكندرية، ولكن أكتافيوس هزمه مرتين، حتى سلمت له جميع جيوشه. وعرفت ~~كليوبطرة عندئذ أنه قد قضي عليها هي وحبيبها، وأنها لا بد أن تقع أسيرة، وتقاد في شوارع ~~رومية مقيدة بالأغلال من الذهب، وينظر إليها جمهور تلك العاصمة بين الاستهزاء والتشفي، ~~فأشاعت في الإسكندرية أنها ماتت، حتى يكف أكتافيوس عن البحث عنها، وتبحث هي في خلال ذلك عن ~~طريقة للنجاة. وبلغت الإشاعة أنطونيوس فانتحر، بأن غرز سيفه في بطنه وبلغ ذلك كليوبطرة ~~فانتحرت هي الأخرى. # | جميل وبثينة # كان جميل شاعرا، نشأ في قومه بني ربيعة بوادي القرى بين المدينة ومكة، فأحب فتاة تدعى ~~بثينة من بنات قومه. وكان قد علقها صغيرا فاشتهر حبهما، ووصل خبره إلى أبيها. وكان من شر ~~العادات عند العرب أنه إذا اشتهر حب بين اثنين منع أبو الفتاة المحبوبة زواجها من حبيبها؛ ~~وذك خشية أن يتقول الناس عن سابق العلائق التي كانت بينهما قبل الزواج. # فامتنع أبوها عن تزويجه، فصار جميل يشبب بها، ويؤلف القصائد في وصفها ومقدار حبه لها، ~~وربما كان غرضه من ذلك أن يلقي الشك في قلوب الأغراب، فيشعرهم بأن علاقته بها شديدة، ويكون ~~من أثر ذلك فيهم أن يمتنعوا عن طلبها لأنفسهم من أبيها. # وكان ذلك في عصر الدولة الأموية في خلافة عبد الملك بن مروان، فاستعدى أهل الفتاة الوالي ~~لكي يكف جميل عن التشبيب ببثينة. وبلغ ذلك جميلا، ففر إلى الشام، ونزل عند أحد وجوه بني ~~عذرة، وكان يعرف خبره ويرحمه لما هو فيه من البلوى. ومما يحكى أن هذا الرجل احتال على جميل ~~لكي ينسيه حبه، فزين سبع بنات، فكن يتصدين له متبرجات، ويعاودن ذلك حتى يعلق إحداهن، ففطن ~~جميل للحيلة، وصد عنهن، وقال في ذلك: # حلفت لكيما تعلميني صادقا # وللصدق خير في الأمور وأنجح # لتكليم يوم واحد من بثينة # ورؤيتها عندي ألذ وأملح # لرؤية ms013 يوم واحد من بثينة # ألذ من الدنيا لدي وأملح # وكان جميل يضرب المواعيد لبثينة ويلتقيان في الخلاء. وقد روى الأغاني: «إن بثينة لما ~~أخبرت أن جميلا قد نسب بها، حلفت بالله لا يأتيها على خلاء، إلا خرجت إليه لا تتوارى منه، ~~فكان يأتيها عند غفلات الرجال فيتحدث إليها ومع أخواتها.» # وهذا يدل على أنهما تصافيا الحب، وكان كلاهما محبا. وقد أكثر فيها من نظم القصائد التي ~~كانت تنال إعجاب الفرزدق وعمر بن أبي ربيعة. # من ذلك قوله: # ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة # بوادي القرى إني إذن لسعيد # وهل ألقين فردا بثينة مرة # تجود لنا من ودها ونجود # علقت الهوى منها وليدا، فلم يزل # إلى اليوم ينمي حبها ويزيد # وأفنيت عمري بانتظاري وعدها # وأبليت فيها الدهر وهو جديد # فلا أنا مردود بما جئت طالبا # ولا حبها فيما يبيد يبيد # وما أنسى م الأشياء لا أنسى قولها # وقد قربت نضوي: أمصر تريد؟ # ولا قولها: لولا العيون التي ترى # لزرتك فاعذرني فدتك جدود # خليلي ما ألقى من الوجد قاتلي # ودمعي بما قلت الغداة شهيد # يقولون: جاهد يا جميل بغزوة # وأي جهاد غيرهن أريد؟ # لكل حديث بينهن بشاشة # وكل قتيل عندهن شهيد # روى الأغاني: لقي جميل بثينة، بعد تهاجر كان بينهما طالت مدته فتعاتبا طويلا فقالت له: ~~ويحك يا جميل، أتزعم أنك تهواني وأنت الذي تقول: # رمى الله في عيني بثينة بالقذى # وفي الغر من أنيابها بالقوادح # فأطرق طويلا يبكي، ثم قال: بل أنا القائل: # ألا ليتني أعمى أصم تقودني # بثينة لا يخفى علي كلامها # فقالت له: ويحك! ما حملك على هذه المنى؟ أوليس في سعة العافية ما كفانا جميعا؟ # ومما ذكر عنهما هذه الحكاية التالية: ~~«سعت أمة لبثينة بها إلى أبيها وأخيها، وقالت لهما: إن جميلا عندها الليلة. ~~فأتياه مشتملين على سيفين، فرأياه جالسا حجزة منها يحدثها ويشكو إليها بثه. ثم قال ~~لها: يا بثينة، أرأيت ودي إياك وشغفي بك، ألا تجزينه؟ قالت: بماذا؟ قال: بما يكون ~~بين المتحابين. فقالت له: يا ms014 جميل أهذا تبغي؟ والله لقد كنت عندي بعيدا منه، ولئن ~~عاودت تعريضا بريبة لا رأيت وجهي أبدا. فضحك وقال: والله ما قلت لك هذا إلا لأعلم ~~ما عندك فيه. ولو علمت أنك تجيبينني إليه لأدركت أنك تحبين غيري. ولو رأيت منك ~~مساعدة عليه لضربتك بسيفي هذا ما استمسك في يدي، ولو أطاعتني نفسي لهجرتك هجرة ~~الأبد، أوما سمعت قولي: # وإني لأرضى من بثينة بالذي # لو أبصره الواشي لقرت ~~بلابله # بلا، وبأن لا أستطيع وبالمنى # وبالأمل المرجو قد ~~خاب آمله # وبالنظرة العجلى، وبالحول تنقضي # أواخره، لا نلتقي ~~وأوائله # فقال أبوها لأخيها: قم بنا فما ينبغي لنا بعد اليوم أن نمنع هذا الرجل من لقائها. ~~فانصرفا وتركاهما.» # وتزوجت بثينة من آخر غير جميل، ولكنها بقيت تحفظ عهده ويزورها خفية في بيت زوجها، إلى أن ~~علم زوجها بذلك فشكاه للوالي، فأهدر دمه إذا عاود، فانقطع جميل عن الزيارة. # روى بعضهم أنه لما منع جميل من زيارة بثينة ضاقت به الدنيا، فكان يصعد بالليل على ربوة ~~عالية يتنسم منها الريح من نحو حي بثينة ويقول: # أيا ريح الشمال أما تريني # أهيم، إنني بادي النحول # هبي لي نسمة من ريح بثن # ومني بالهبوب إلى جميل # وقولي يا بثينة حسب نفسي # قليلك أو أقل من القليل # فإذا بدا وضح الصبح انصرف وكانت بثينة تقول لجوار من الحي عندها: ويحكن! إني لأسمع أنين ~~جميل من بعض الغزلان. فيقلن لها: اتقي الله، فهذا شيء يخيله لك الشيطان لا حقيقة له. # وقد كان يتنكر أحيانا ويتخذ من اللباس ما يخفي به حقيقة شخصه، ثم يزورها ويجلس مع سائر ~~الضيوف، فلا يعرف أحد أمره سواها؛ فمن ذلك ما رواه بعضهم أن جميلا جاء إلى بثينة ليلة، وقد ~~أخذ ثياب راع لبعض الحي، فوجد عندها ضيفانا لها، فانتبذ ناحية، فسألته: من أنت؟ فقال: ~~مسكين. فجلس وحده. وعشت ضيفانها، وعشته وحده. ثم جلست هي وجارية لها على صلاتهما واضطجع ~~القوم منتحين، فقال جميل: هل البائس المقرور دان فمصطل من النار، أو معطى ms015 لحافا ~~فلابس؟ # فقالت لجاريتها: صوت جميل والله، اذهبي فانظري. فرجعت إليها وقالت: هو والله جميل. فشهقت ~~شهقة سمعها القوم فأقبلوا يجرون، وقالوا: ما لك؟ فطرحت بردا لها من حيرة في النار وقالت: ~~احترق بردي. فرجع القوم. وأرسلت جاريتها إلى جميل فجاءتها به. فحبسته عندها ثلاث ليال. ثم ~~سلم عليها وخرج. # قال الأغاني: لما أهدر أهل بثينة دم جميل، وأباحهم السلطان قتله، أعذروا إلى أهله، وكانت ~~منازلهم متجاورة، فمشت مشيخة الحي إلى أبيه، وكان يلقب صباحا، وكان ذا مال وفضل وقدر من ~~أهله، فشكوه إليه، وناشدوه الله والرحم، وسألوه كف ابنه عما يتعرض له ويفضحهم به في ~~فتاتهم، فوعدهم كفه ومنعه ما استطاع، ثم انصرفوا، فدعا به وقال له: يا بني، حتى متى أنت ~~عمه في ضلالك، لا تأنف من أن تتعلق بنات بعل يخلو بها وأنت عنها بمعزل، ثم تقوم إليك ~~فتغرك بخداعها، وتريك الصفاء والمودة وهي مضمرة لبعلها ما تضمره الحرة لمن ملكها، فيكون ~~قولها لك تعليلا وغرورا، فإذا انصرفت عنها عادت إلى بعلها على حالتها المبذولة. إن هذا ~~لذل وضيم، ما أعرف أخيب سهما، وأضيع عمرا منك، فأنشدك الله ألا كففت وتأملت أمرك، فإنك ~~تعلم أن ما قلته حق، ولو كان إليها سبيل لبذلت ما أملكه فيها، ولكن هذا أمر قد فات واستبد ~~به من قدر له، وفي النساء عوض. فقال له جميل: الرأي ما رأيت، والقول كما قلت، فهل رأيت ~~قبلي أحدا قدر أن يدفع عن قلبه هواه، أو ملك أن يسلي نفسه، أو استطاع أن يدفع بما قضي ~~عليه. والله لو قدرت أن أمحو ذكرها من قلبي، أو أزيل شخصها عن عيني، لفعلت، ولكن لا سبيل ~~إلى ذلك، وإنما هو بلاء بليت به لحين قد أتيح لي، وأنا أمتنع من طروق هذا الحي، والإلمام ~~بهم، ولو مت كمدا، وهذا جهدي ومبلغ ما أقدر عليه. وقام وهو يبكي، فبكى أبوه ومن ~~حضر. # ويروى أنه على الرغم من هذه الأخطار التي كانت تحول دون لقاء بثينة بجميل، فقد ms016 التقيا ~~وودعها، وانصرف من وادي القرى إلى مصر حيث مات! # وجميل من الشعراء الذين يمتازون بصدق اللهجة والإحساس، فكان نسيبه يعبر عن عاطفة صادقة لا ~~رياء فيها، وكثيرا ما يحس الإنسان آلامه وهو يشكو. ومن أجمل ما نظم حين صدت عنه بثينة ~~قوله: # فيا قلب دع ذكرى بثينة إنها # وإن كنت تهواها تضن وتبخل # وقد أيأست من نيلها وتجهمت # ولليأس إذ لم يقدر النيل أمثل # وإلا فسلها نائلا قبل بينها # وأبخل بها مسئولة حين تسأل # وكيف ترجي وصلها بعد بعدها # وقد جز حبل الوصل ممن تؤمل # وإن التي أحببت قد حيل دونها # فكن حازما والحازم المتحول # ففي اليأس ما يسلي، وفي الناس خلة # وفي الأرض عمن لا يؤاتيك معزل # بدا كلف مني بها فتثاقلت # وما لا يرى من غائب الوجد أفضل # | يزيد وحبابة # كان يزيد بن عبد الملك من خلفاء الدولة الأموية، وكان يعشق جارية تدعى حبابة، عرفها ~~مغنية جميلة فاشتهاها، ثم أحبها وأخلص في حبه حتى بلغ من جزعه على فقدها أن مات بعد موتها ~~بخمسة عشر يوما. # ولا يعرف هل كانت حبابة تحبه بمقدار ما أحبها؛ فقد نشأت نشأة القيان، ولابست تلك الظروف ~~التي تلابس تربية القيان وعشرتهن، وما فيهما من سرف في الشهوات والملذات. ومثل هذه المعيشة ~~تبلد الحواس، وتزيل منها رقتها، وقلما يجد المحب المخلص مجازا إليها في هذه ~~الظروف. # فقد كانت حبابة تسمى العالية، وهي من مولدات المدينة، وكانت حلوة جميلة الوجه ظريفة، ~~حسنة الغناء طيبة الصوت ضاربة بالعود، واشتراها يزيد بألف دينار قبل أن يرقى عرش الخلافة، ~~وبلغ ذلك سليمان خليفة الأمويين، فهم بالحجر عليه لسفهه وإنفاقه هذا المبلغ الكبير ثمنا ~~للجارية، فردها يزيد إلى مولاها. ثم مات سليمان بعد ذلك وصار يزيد خليفة، وكانت زوجته سعدة ~~تعرف مكانة هذه الجارية في قلبه، وتعلم أنه لا بد طالبها، فاشترتها، فلما حصلت عندها قالت ~~ليزيد: هل بقي عليك من الدنيا شيء لم تنله؟ فقال: نعم العالية. فقالت: هذه هي، وهي لك. ~~فسماها حبابة، وعظم قدر ms017 سعدة عنده. وقيل إنها أخذت عليها قبل أن تهبها له، أن توطئ لابنها ~~عنده في ولاية العهد، وتحضرها بما تحب. # وبقيت حبابة أثيرة عند يزيد، فكان كلفا بها يلازمها في طعام وشراب وغناء، وكان رجالات ~~بني أمية يلومونه على استهتاره وتعلقه بهذه الجارية، فيردهم ولا يسمع لهم، وكان هي من ناحية ~~أخرى لا تدرك شيئا من مصالح الأمة أو مصالح الخلافة، فكانت تستخدم جميع الأساليب النسائية ~~في جذبه، وتعلقه بها. # فقد ذكر أن مسلمة أقبل على يزيد يلومه في الإلحاح على الغناء والشرب، وقال له: إنك ~~وليت بعقب عمر بين عبد العزيز وعدله، وقد تشاغلت بهذه الأمة عن النظر في الأمور، والوفود ~~ببابك وأصحاب الظلامات يصيحون، وأنت غافل عنهم. فقال يزيد: صدقت والله، وهم بترك الشرب، ~~ولم يدخل على حبابة أياما، فدست حبابة إلى الأحوص أن يقول أبياتا في ذلك، وقالت له: إن ~~رددته عن رأيه فلك ألف دينار. فألف الأحوص جملة أبيات، ودخل على يزيد وأنشده: # ألا لا تلمه اليوم أن يتلبدا # فقد غلب المحزون أن يتجلدا # بكيت الصبا جهدي، فمن شاء لامني # ومن شاء آسى في البكاء وأسعدا # وإني وإن فندت في طلب الغنى # لأعلم أني لست في الحب أوحدا # إذا أنت لم تعشق، ولم تدر ما الهوى # فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا # فما العيش إلا ما تلذ وتشتهي # وإن لام فيه ذو الشنان وفندا # فلم يتحرك يزيد إلى حبابة بهذا الإغراء وبقي أسبوعا لا يطلبها، فلما كان أحد الأيام قالت ~~حبابة لبعض جواريها: إذا خرج أمير المؤمنين إلى الصلاة فأعلميني. فلما أراد الخروج أعلمتها، ~~فتلقته والعود في يدها فغنت البيت الأول، فغطى يزيد وجهه وقال: صه لا تتغني. ثم غنت: فما ~~العيش إلا ما تلذ وتشتهي، فعدل إليها وقال: صدقت والله، فقبح الله من لامني فيك. يا غلام، ~~مر مسلمة أن يصلي بالناس، وأقام معها يشرب وتغنيه. # وكان عند يزيد جارية أخرى تحكم الضرب والغناء أكثر من حبابة، وكانت تدعى سلامة، وكان ~~يزيد يؤثر حبابة عليها ms018 لمكانها في قلبه، ويشهد كذبا بفضلها عليها. والحكاية التالية التي ~~ذكرها الأغاني تمثل بعض خلال يزيد، ومبلغ استهتاره وطربه: # اختلفت حبابة وسلامة في غناء هذا البيت: # وترى لها دلا إذا نطقت به # تركت بنات فؤاده صعرا # فقال يزيد: من أين جاء اختلافكما والصوت لمعبد ومنه أخذتماه؟ فقالت هذه: هكذا أخذته. ~~وقالت الأخرى: هكذا أخذته. فقال يزيد: قد اختلفتما ومعبد حي بعد. فكتب إلى عامله بالمدينة ~~يأمره بحمله إليه، فلما دخل معبد إليه لم يسأله عن الصوت، ولكنه أمره أن يغني، ~~فغناه: # فيا عز إن واش وشى بي عندكم # فلا تكرميه أن تقولي له مهلا # فاستحسنه وطرب. ثم قال: إن هاتين اختلفتا في صوت لك فاقض بينهما. # فقال لحبابة: غني. فغنت. وقال لسلامة: غني. فغنت. فقال: الصواب ما قالت حبابة. فقالت ~~سلامة: والله يا ابن الفاعلة إنك لتعلم أن الصواب ما قلت، ولكنك سألت أيتهما آثر عند أمير ~~المؤمنين، فقيل لك حبابة فاتبعت رضاه وهواه. فضحك يزيد وطرب، وأخذ وسادة فصيرها على رأسه، ~~وقام يدور في الدار ويرقص ويصيح: السمك الطري أربعة أرطال عند بيطار حيان، حتى دار الدار ~~كلها، ثم رجع فجلس في مجلسه، وأنشأ هذين البيتين: # أبلغ حبابة أسقى ربعها المطر # ما للفؤاد سوى ذكراكمو وطر # إن سار صحبي لم أملك تذكركم # أو عرسوا فهموم النفس والسهر # فغناها معبد، وطرب يزيد. # وقيل في وفاة حبابة إن يزيد بن عبد الملك نزل ببيت رأس بالشام ومعه حبابة، فقال يزيد: ~~زعموا أنه لا تصفو لأحد عيشة يوما إلى الليل إلا يكدرها شيء عليه، وسأجرب ذلك. ثم قال لمن ~~معه: إذا كان غد فلا تخبروني بشيء، ولا تأتوني بكتاب. وخلا هو وحبابة فأتيا بما يأكلان، ~~فأكلت رمانة، فشرقت بحبة منها فماتت، فأقام لا يدفنها ثلاثا، حتى تغيرت وأنتنت وهو يشمها ~~ويرشفها. فعاتبه على ذلك ذوو قرابته، وهابوا عليه ما يصنع وقالوا: لقد صارت جيفة بين يديك، ~~فأذن لهم في غسلها ودفنها. فأخرجت في نطع، وخرج معها لا يتكلم، حتى جلس على قبرها ms019 ، فلما ~~دفنت قال: أصبحت والله كما قال كثير: # فإن يسل عنك القلب أو يدع الصبا # فباليأس يسلو عنك لا بالتجلد # فما أقام إلا خمس عشرة ليلة حتى دفن إلى جنبها. # وقيل في حكاية أخرى إنه اشتاق إليها بعد ثلاثة أيام من دفنه إياها، فقال: لا بد من أن ~~تنبش، فنبشت، وكشف له عن وجهها، وقد تغير تغيرا قبيحا. فقيل له: يا أمير المؤمنين اتق ~~الله ألا ترى كيف قد صارت؟ فقال: ما رأيتها قط أحسن منها اليوم، أخرجوها. فجاءه مسلمة ووجوه ~~أهله، فلم يزالوا به حتى أزالوه عن ذلك ودفنوها. وانصرف، فكمد كمدا شديدا، حتى مات فدفن ~~إلى جانبها. # وقد روى الأغاني أنه لما ماتت حبابة لم يستطع يزيد الركوب من الجزع ولا المشي، فحمل على ~~منبر على رقاب الرجال. فلما دفنت قال: لم أصل عليها، انبشوا عنها. فقال له مسلمة: نشدتك ~~الله يا أمير المؤمنين، إنما هي أمة من الإماء، وقد واراها الثرى. فلم يأذن يزيد للناس ~~بعد حبابة إلا مرة واحدة، ولم ينشب أن مات كمدا. # فليس يشك من هذه الروايات في أن يزيدا كان مخلصا في حبه لهذه الجارية، ولكن ليس هناك ما ~~يدل على إخلاصها. ولو أخلصت لما تركته يستهتر كل هذا الاستهتار، ويهمل شئون الدولة، وربما ~~لو طالت مدتهما معا، لكان يؤدي كلفه بها، ولزومه إياها، إلى خلعه. وليس يقوم الجهل عذرا ~~لحبابة؛ لأنها لم تكن مثل سائر النساء؛ فإن القيان كن يعلمن من الأدب ما ينير أذهانهن في ~~مستوى الرجال معرفة بالتاريخ والأشعار، وكن يتقلبن في مختلف المعايش، فيكسبن بذلك تجارب قد ~~لا يكسبها الرجال. # | كثير وعزة # ليس يعرف متى ولد كثير، إنما المشهور أنه هلك في سنة 105 هجرية. وكان شاعرا مغلقا ~~يقرن إلى جرير والأخطل والفرزدق، وكان غاليا في التشيع، يقول بالرجعة والتناسخ. وقد نسبه ~~الأغاني، فذكر من جدوده امرأ القيس البطريق، وهذا يوهم أن أسرته كانت مسيحية قبل أن تدخل في ~~الإسلام. وكان قصيرا دحداحا، وكان مع ذلك من أتيه الناس ms020 وأذهبهم بنفسه، قال بعضهم: «رأيت كثيرا يطوف بالبيت، فمن حدثك أنه يزيد عن ثلاثة أشبار فكذبه. وكان إذا ~~دخل على عبد العزيز بن مروان يقول له: طأطئ رأسك لا تصبه السقف.» # وقد نشأ في البادية التي بين المدينة ومكة، ومدح الخلفاء، وجوزي منهم بالتحف ~~والألطاف. # وكانت صاحبته التي كان يشبب بها، وأكثر أشعاره فيها، تدعى عزة. وقد روى القصاص قصته كما ~~رووا سائر قصص المحبين في القرن الأول للهجرة، مثل جميل وبثينة، وقيس ولبنى، بشيء من ~~التزويق والتحشية، حتى صار يشق على الناقد أن يستخلص الحب من العصافة. والعجب في ~~هؤلاء الرواة أنهم يسندون قصة خرافية، لا يمكن أن تصدق، إلى أشخاص معروفين في التاريخ ~~الإسلامي، حتى ليعجب الإنسان كيف وهم يزينون هذه الأباطيل بالأسانيد، ويدعمونها بنسبتها إلى ~~الثقات، نقول كيف يوثق بهم في سائر ما نقلوه إلينا من حوادث التاريخ؟ # وكان أول ما عرف كثير عزة، أنه مر بنسوة ومعه جلب غنم، فأرسلن إليه عزة وهي صغيرة، ~~فقالت: يقلن لك النسوة بعنا كبشا من هذه الغنم وأنسئنا بثمنه إلى أن ترجع. فأعطاها كبشا ~~وأعجبته. فلما رجع جاءت امرأة منهن بدراهمه، فقال: وأين الصبية التي أخذت مني الكبش؟ قالت: ~~وما تصنع بها؟ هذه دراهمك. قال: لا آخذ دراهمي إلا ممن دفعت الكبش إليها. وخرج وهو ~~يقول: # قضى كل ذي دين فوفى غريمه # وعزة ممطول معنى غريمها # وأخذ من ذلك الوقت يتعشقها ويتغزل بها، يؤلف القصائد في وصفها ومدحها. وقد روت قسيمة ~~الأسلمية قالت: «سارت علينا عزة في جماعة من قومها، فسمعنا بها، فاجتمعت جماعة من نساء ~~الحضر أنا فيهن، فجئناها فرأينا امرأة حلوة حميراء نظيفة، فتضاءلنا لها. ومعنا نسوة كلهن ~~لها عليهن فضل من الجمال والخلق، إلى أن تحدثت ساعة، فإذا هي أبرع الناس وأحلاهم حديثا. ~~فما فارقناها إلا ولها علينا الفضل في أعيننا. وما نرى في الدنيا امرأة تروقها جمالا ~~وحسنا وحلاوة.» # ولم يتزوجها كثير لتلك العادة التي أشرنا إليها، وهي أن العرب كانت تستقبح تزويج بناتها ~~لمن يشبب ms021 بهن . وكانت على الرغم من زواجها تلتقي خلسة بكثير، فيطفئ نار شوقه، ويؤلف القصائد ~~يبترد بها من غليل الحب. # روى كثير قال: «حججت سنة من السنين، وحج زوج عزة بها، ولم يعلم أحد منا بصاحبه، فلما كنا ~~ببعض الطريق أمرها زوجها بابتياع سمن لتحضير طعام لأهل رفقته، فجعلت تدور الخيام خيمة خيمة ~~حتى دخلت إلي وهي لا تعلم أنها خيمتي. وعرفته وأخذت منه السمن. وعرف زوجها أنها رأت ~~كثيرا، فأمرها أن تعود إليه وتشتمه، فذهبت وقالت وهي تبكي: يا ابن الزانية. ثم ~~انصرفا. # ووضع كثير قصيدة عن هذا اللقاء قال فيها عن هذا الزوج: # يكلفها الخنزير شتمي وما بها # هواني ولكن للمليك استذلت # وبعض الرواة ينكر على كثير إخلاصه في حبه عزة؛ فقد قال أبو خليفة: كان كثير مدعيا ولم ~~يكن عاشقا، وكان جميل صادق الصبابة والعشق. وروى الأغاني هذه القصة عنه: # ومما وجدناه في أخباره ولم نسمعه من أحد أنه نظر إلى عزة ذات يوم وهي منتقبة تميس ~~في مشيتها، فلم يعرفها كثير فاتبعها، وقال: يا سيدتي قفي حتى أكلمك، فإني لم أر ~~مثلك قط. فمن أنت ويحك؟ قالت ويحك! هل تركت عزة فيك بقية لأحد؟ فقال: بأبي أنت ~~والله لو أن عزة أمة لي لوهبتها لك. قالت: هل لك في المخاللة؟ قال: وكيف لي ~~بذلك؟ # فسفرت عن وجهها، ثم قالت: أغدرا يا فاسق، وإنك لهكذا؟ فأبلس ولم ينطق. وتأثر من ~~هذه الحادثة، وقال فيها هذه الأبيات: # ألا ليتني قبل الذي قلت شيب لي # من السم خضخاض بماء الذراح # أقمت ولم تعلم على خيانة # وكم طالب للربح ليس برابح # ومات كثير، فما تخلفت امرأة بالمدينة عن جنازته. وكن يندبن، ويذكرن عزة في ندبهن. # وعاشت عزة بعده مدة، ويقال إنه لما شاعت أشعار كثير وصار المغنون يتغنون بها، وجرى ذكره ~~وذكر عزة في سمر عظماء الدولة، طلب عزة عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي، فلما مثلت بين ~~يديه، وكانت عجوزا، قال لها: «أنت عزة كثير التي يقول فيها: # لعزة نار ms022 ما تبوخ كأنها # إذا ما رمقناها من البعد كوكب # فما الذي أعجبه منك؟» # فقالت عزة: «كلا يا أمير المؤمنين، فوالله لقد كنت في عهده أحسن من النار في الليلة ~~القرة.» # فقال الخليفة: «هل تروين قول كثير فيك: # وقد زعمت أني تغيرت بعدها # من ذا الذي يا عز لا يتغير؟ # تغير جسمي والخليفة كالتي # عهدت ولم يخبر بسرك مخبر» # فقالت عزة: «ولكني أروي قوله: # كأني أنادي صخرة حين أعرضت # من الصم لو تمشي بها العصم زلت # صفوحا فما تلقاك إلا بخيلة # فمن مل منها ذلك الوصل ملت» # | قيس ولبنى # كان قيس بن ذريح من سكان بادية المدينة، وكان رضيع الحسين بن علي بن أبي طالب. وسبب ~~علاقته بلبنى بنت الحباب أنه ذهب لبعض حاجاته، فمر بحيها وقد احتدم الحر، فاستسقى من إحدى ~~الخيام، فبرزت إليه فتاة مديدة القامة بهية الطلعة عذبة الكلام، فناولته إداوة ماء، فلما ~~روي وهم بالذهاب قالت له: ألا تبرد وترتاح عندنا؟ فأجابها، فمهدت له وطاء وقدمت إليه ~~ما يحتاج إليه. وجاء أبوها، فلما وجده رحب به ونحر له جزورا، فأقام عندهم بياض اليوم، ثم ~~انصرف وهو أشغف الناس بها، فجعل يكتم ذلك إلى أن طما به الحب، فعاد إلى زيارتها، وشكا إليها ~~ما يجد من حبها، فوجد عندها أضعاف ذلك، فانصرف وهو في أشد الغبطة. # ومضى إلى أبيه، وبث إليه حاله. فقال له: دع هذه، وتزوج إحدى بنات عمك. فلجأ إلى أمه، فكان ~~رأيها رأي أبيه، فذهب إلى الحسين بن علي، وأخبره بقصته واستنجد به. فرثى له، وتعهد أن يكفيه ~~هذا الشأن، ومضى معه إلى أبي لبنى فسأله في ذلك، فأجابه بالطاعة وقال: يا ابن رسول الله، ~~ولو أرسلت لكفيت، بيد أن هذا من أبيه أليق، كما هي عادات العرب. # وذهب الحسين إلى أبي قيس وحمله على تزويج ابنه من لبنى، وعاش المحبان معا نحو عشر سنوات، ~~تبين منها أن لبنى عاقر. وكان والدا قيس يرغبان في نسله، فعرضا عليه تطليقها والتزوج من ~~أخرى تأتيه بما يطمعان ms023 فيه من الولد، فامتنع امتناعا يؤذن باستحالة ذلك، وأخذ يدافعهما، ~~إلى أن أقسم أبوه لا يكنه سقف أو يطلق قيس لبنى. وكان قيس شديد الحب للبنى، فكان إذا اشتد ~~الهجير خرج إلى أبيه وأظله، واصطلى هو بالشمس، فإذا جاء الظل تركه ودخل إلى لبنى ~~يبكي. # واطرد هذا الحال مدة، حتى قدر في النهاية أن يطلقها، فجاء أهلها وحملوها إليهم، وزوجوها ~~من آخر. ولم يبق لقيس سوى الحسرة والندم والتفجع، فكان يؤلف القصائد يذكر حبه لها، وأيامه ~~الماضية، وما لقي من فراقها، فمن ذلك قوله: # يقولون لبنى فتنة كنت قبلها # بخير فلا تندم عليها وطلق # فطاوعت أعدائي وعاصيت ناصحي # وأقررت عين الشامت المتملق # وددت وبيت الله أني عصيتهم # وحملت في رضوانها كل موثق # وكلفت خوض البحر والبحر زاخر # أبيت على أثباج موج مفرق # كأني أرى الناس المحبين بعدها # عصارة ماء الحنظل المتفلق # فتنكر عيني بعدها كل منظر # ويكره سمعي بعدها كل منطق # وسعى أبوه حتى زوجه من امرأة قزارية. ولكنه لما أدخلت عليه زوجته لم يدن منها ولا خاطبها ~~بحرف، ولا نظر إليها، وأقام على ذلك أياما كثيرة. ثم أعلمهم أنه يريد الخروج إلى قومه ~~أياما، فأذنوا له في ذلك، فمضى لوجهه إلى المدينة، وكان له صديق من الأنصار بها فأتاه، ~~فأعلمه الأنصاري أن خبر تزويجه بلغ لبنى فغمها، وقالت: إنه لغدار، ولقد كنت أمتنع من إجابة ~~قومي إلى التزويج، فأنا الآن أجيبهم. وقد كان أبوها شكا قيسا إلى معاوية، وأعلمه تعرضه لها ~~بعد الطلاق، فكتب إلى مروان بن الحكم يهدر دمه إن تعرض لها، وأمر أباها أن يزوجها رجلا ~~يعرف بخالد بن حلزة، فزوجها أبوها منه، فجزع قيس جزعا شديدا، وجعل ينشج أحر نشيج، ويبكي ~~أحر بكاء. ثم ركب من فوره حتى أتى محلة قومها وموضع خبائها، فنزل عن راحلته، وجعل يمرغ خده ~~على ترابها. # ومما قاله يرثي حاله ويعزي نفسه في ذلك الوقت: # إن تك لبنى قد أتى دون قربها # حجاب منيع ما إليه سبيل # فإن نسيم الجو يجمع ms024 بيننا # ونبصر قرن الشمس حين تزول # وأرواحنا بالليل في الحي تلتقي # ونعلم أيا بالنهار نقيل # وتجمعنا الأرض القرار وتوقنا # سماء نرى فيها النجوم تجول # ومن ذلك قوله أيضا: # فإن تكن الدنيا بلبنى تقلبت # علي، فللدنيا بطون وأظهر # لقد كان فيها للأمانة موضع # وللكف مرتاد وللعين منظر # وللحاتم العطشان ري بريقها # وللمرح المحتال خمر ومسكر # كأني لها أرجوحة بين أحبل # إذ ذكره منها على القلب تخطر # روى الأغاني أن قصائد قيس ذاعت واشتهرت، وغنى في شعره الغريض ومعبد ومالك، فلم يبق ~~شريف ولا رضيع إلا سمع بذلك فأطربه، وحزن لقيس مما به. وجاء زوج لبنى إليها فأنبها على ذلك ~~وعاتبها، وقال لها: لقد فضحتني بذكرك. فغضبت وقالت: يا هذا، إني والله ما تزوجتك رغبة فيك ~~ولا فيما عندك. ولقد علمت أني كنت زوجته قبلك، وأنه أكره على طلاقي. ووالله ما قبلت ~~التزويج حتى أهدر دمه إن ألم بحينا، فخشيت أن يحمله ما يجد على المخاطرة فيقتل، ~~فتزوجتك. وأمرك الآن إليك، ففارقني فلا حاجة بي إليك. فأمسك عن جوابها، وجعل يأتيها بجواري ~~المدينة يغنينها بشعر قيس كيما يستصلحها بذلك، فلا تزداد إلا تماديا وبعدا، ولا تزال ~~تبكي كلما سمعت شيئا من ذلك أحر بكاء وأشجاه. # ومن جيد شعر قيس قوله: # أتبكي على لبنى وأنت تركتها # وكنت كآتي حتفه وهو طائع # فيا قلب صبرا واعترافا بحبها # ويا حبها قع بالذي أنت واقع # ويا قلب خبرني إذا شطت النوى # بلبنى وبانت عنك ما أنت صانع # أتصبر للبين المشت مع الجوى # أم أنت امرؤ ناسي الحياة فجازع # كأن بلاد الله ما لم تكن بها # وإن كان فيها الناس وحش بلاقع # أقضي نهاري بالحديث وبالمنى # ويجمعني والهم بالليل جامع # نهاري نهار الناس حتى إذا بدا # لي الليل، هزتني إليك المضاجع # لقد رسخت في القلب منك مودة # كما رسخت في الراحتين الأصابع # قال الأغاني: وقد اختلف في آخر أمر قيس ولبنى، فذكر أكثر الرواة أنهما ماتا على ~~افتراقهما، فمنهم من قال إنه مات قبلها، وبلغها ذلك فماتت ms025 أسفا عليه، ومنهم من قال بل ~~ماتت قبله، ومات بعدها أسفا عليها. قال أبو عمرو المدني: ماتت لبنى، فخرج قيس ومعه جماعة ~~من أهله، فوقف على قبرها فقال: # ماتت لبنى فموتها موتي # هل تنفعن حسرتي على الفوت # وسوف أبكي بكاء مكتئب # قضى حياة وجدا على موت # ثم أكب على القبر يبكي حتى أغمي عليه، فرفعه أهله إلى منزله وهو لا يعقل، فلم يزل عليلا ~~لا يفيق، ولا يجيب مكلما، ثلاثا، حتى مات، فدفن إلى جنبها. # وهكذا قضى قيس مضحيا بحبه لامرأته لبره لوالديه، مؤثرا قرابة الماضي على قرابة ~~المستقبل. وكان هذا منه خطلا عظيما جديرا بأن يأسى له مدى حياته؛ فإن طبيعة العمران قد ~~ركبت على إيثار الزوجة على الأم، وعلى أن يهجر الزوج بيت والديه، لكي ينشئ بيتا جديدا ~~وينعم بهناء الزوجية، الذي لا يعد له ولا يقاربه هناء العيش مع الوالدين. # | صبيحة وابن أبي عامر # في منتصف القرن الرابع الهجري كان الخليفة في قرطبة بالأندلس رجلا من الأمويين يدعى ~~الحكم، وكان من رعاة العلوم والآداب، مغرما بالموسيقى والغناء. حدث أنه كان في أحد الأيام ~~بمكتبه، فسمع غناء أشجاه وأثر في نفسه، فسأل عن صاحب هذا الصوت، فعرف أنه لفتاة تدعى ~~صبيحة. فطلب حضورها وتحظاها، وكانت على شيء من الأدب والتفنن في الحديث، فعلقها وشغف بها، ~~وصار لا يقضي وقته إلا معها. ورزق منها غلام في سنة 352ه ففرح به فرحا شديدا، حتى عقد ~~زواجه عليها. وصارت هذه الجارية أميرة الأندلس وأم ولي العهد. # وكان الحكم مسنا، بينما كانت صبيحة فتاة لا تزال في مقتبل العمر. وكانت تدري من شئون ~~الدولة مثل زوجها، وتمتاز عليه بنشاطها، فكانت تتدخل في إدارة البلاد، ويسمع لرأيها ~~الخليفة. وحدث أنها احتاجت إلى كاتب لكي تستعين به في إدارة ضياع القصر الخاصة، وفي سائر ~~مراسلاتها وحساباتها مع موظفي القصر. # فابتغى لها زوجها كاتبا من أولئك الكتبة الذين كانوا يحوطون القصر، يكتبون العرائض ~~للخليفة من المتظلمين من الرعية. ووقع الاختيار على فتى يدعى محمد بن ms026 أبي عامر ، كان له ~~حانوت بجانب القصر ينشئ فيه قصص الشكاوى وعرائض التظلم للخليفة. # وكان هذا الفتى شابا وسيما ذكيا نشيطا، وقد تردد الخليفة أولا في قبوله عندما رأى ~~شبابه. وأخيرا وكل مهمة الاختيار إلى زوجته فاختارته. # وابتدأ كاتبا عند الأميرة، ثم لم تمض عليه مدة حتى صار وكيلا لضياعها، وارتقى من ذلك ~~أيضا حتى ضمت إلى إدارته ضياع ولي العهد. وكان ابن أبي عامر يطمع في أكثر من ذلك، فأخذ ~~يستميل الأميرة إليه، ويرضي جميع من في القصر، حتى أحبه الجميع، وعينه الخليفة ناظرا ~~لخزانة الدولة. ثم عينه أيضا مديرا مطلقا لإدارة سك النقود. وهكذا صار ابن أبي عامر ~~أكبر رجل يشار إليه في الأندلس بعد الخليفة. # وكانت الأميرة في خلال ذلك تلحظه برعايتها، ولا تذكره عند الخليفة إلا بما يسر، حتى تفتح ~~له قلبه وسبغ عليه نعمه. # وحقيقة الأمر أن هذا الرقي السريع الذي ناله ابن أبي عامر كان يرجع إلى حب الأميرة صبيحة ~~له أكثر مما يعزى إلى نشاطه وبراعته. # فقد أحبته الأميرة صبيحة، وكان يؤكد هذه الصفات في نظرها شيخوخة زوجها، وكان هو يطمعها في ~~نفسه، ويظهر لها الحب نفاقا ومكرا؛ طمعا في الصعود إلى أعلى المراتب التي كان يشتهيها؛ ~~فكان إذا غاب عنها تواترت منه الهدايا، وكان مما أهداها نموذج لقصرها «الزهراء» مصنوع من ~~فضة، وقد نقشت جدرانه أبدع نقش، وقد حملت هذه الهدية باحتفال كبير، اصطف فيه الجمهور على ~~جوانب الشوارع، وهو يعجب برؤية هذه التحفة الغريبة. # وأخذ الناس يتساءلون من أين يأتي ابن أبي عامر بكل هذه الأموال، ينفقها في بذل الهدايا ~~إلى الأميرة. ولما كان أمينا على خزانة الدولة، لم يكن بد من الشك في أنه يختلس الأموال ~~منها، فسعوا عند الخليفة حتى جعلوه يطلب من ابن أبي عامر أن يقدم حساب خزانة الدولة، وأمر ~~أن ينظر في مطابقة الحساب على ما فيها من الأموال. # فكاد يسقط في يد ابن أبي عامر، ويأفل نجمه في هذه الصدمة؛ لأنه ينفق عن سعة من ms027 هذه ~~الخزانة ، ولم يكن مرتبه يكفي إنفاقه، ولكن التوفيق كان لا يزال ملازمه؛ إذ تذكر أحد ~~أصدقائه المخلصين ابن خضير، فقصد إليه وناشده الصداقة أن ينجيه من هذه الورطة، فدفع إليه ~~ابن خضير جميع ما ينقص خزانة الدولة، وعمل الحساب وطوبق على الموجود من الأموال، فظهرت ~~للخليفة أمانته، وأعاده إلى مركزه. # وكان الخلفاء في مثل تلك الظروف يتوجسون من الشبان، ورأى الذين كانوا يحبون ابن أبي عامر ~~أن الخليفة يوشك أن يجفوه ويقصيه، فأوعزوا إليه أن يبرح قرطبة إلى إشبيلية، ويسافر منها إلى ~~مراكش حتى تصفو الحال بينه وبين الخليفة، ثم يعود. # فلما كانت سنة 358ه سافر إلى إشبيلية، ثم برحها إلى مراكش، حيث بقي عاما، هدأت فيه ~~العاصفة التي أثارها عليه أعداؤه في قرطبة، فعاد في سنة 359ه، والخليفة عنه راض وبقدره ~~عارف؛ فقد رأى وقت غيابه مبلغ الارتباك الذي نال شئون الدولة على أيدي من قاموا بعمله، وهم ~~لم يحصلوا على دربته وتجاربه. # وبقي في مركزه إلى سنة 365ه. ~~••• # مرض الخليفة وأشفى على الهلاك، وكان ابنه هشام يبلغ من العمر 11 عاما. وكان للخليفة أخ ~~يدعى المغيرة، وكان عمره نحو 27 عاما، وكان هو أحق بالخلافة من هشام؛ لأن تقاليد الشرع ~~تشترط الخلافة للأرشد من الأسرة، بخلاف الحال عند سائر الأمم، حيث يرتقي العرش الابن عن ~~الأب، كائنا ما كان عمره. # وكان هذا الخاطر يجول برأس الحكم وهو في مرض الموت فيزعجه، فأفضى بسريرة نفسه إلى ابن أبي ~~عامر، ولم يكن أسرع من أن يجمع ابن أبي عامر مجلسا من كبراء الدولة ووجوهها، حملهم فيه على ~~أن يقروا بولاية العهد لابنه هشام دون المغيرة. # وكان ابن أي عامر يرمي إلى مطامعه الشخصية في ذلك؛ لأنه كان يعرف أنه بعد وفاة الخليفة، ~~لا تجد الأميرة صبيحة من تعتمد عليه سواه في إدارة الدولة ما دام الخليفة لم يبلغ سن ~~الرشد، فإذا صار وصيا، اتسعت أمامه الفرص لكي يصير هو نفسه خليفة. # ومات الخليفة في سنة 366ه، ولكي يخلو الجو ms028 لابن أبي عامر ذهب في الحال إلى قصر المغيرة ~~بثلة من الجنود، واقتحم عليه القصر وخنقه. # وهنا بدأت أطماعه تظهر، وصارت الأميرة صبيحة يتمزق قلبها غيظا من هذا الرجل الذي رفعته ~~من أحط المراتب إلى أعلاها، وأتمنته على مستقبل ابنها فانقلب عليها يبغي إنكار ابنها ~~وإزالته هو وأمه من الوجود! # ومما كان يقرح في صدرها ويسهدها ويروعها، أن ابن أبي عامر لم يكن ماكرا ذكيا فحسب، بل ~~كان أيضا شجاعا محبوبا عند جميع أفراد الأمة؛ فقد كان يقود المسلمين بنفسه في حروبهم مع ~~الإفرنج، وينتصر بحسن تدبيره وإحكام مكايده عليهم، حتى صار يسمونه المنصور، ونسي الناس اسمه ~~القديم، وصار لا يعرف إلا بهذا الاسم. # وأخذ المنصور في تدبير أمره لكي يصل إلى الخلافة، فأخذ يرسل الأوامر وينفذ الرسائل، ~~موقعة بتوقيعه دون ذكر للخليفة أو الأميرة. وشعرت الأميرة صبيحة بأفاعيل هذا الولي القديم، ~~الذي قلبته المطامع فصار عدوا، فأخذت تحاربه سرا. وكانت خزانة الدولة في القصر، وبها ~~نحو ستة ملايين دينار، فأخذت نحو 80 ألف دينار، وضعتها في جرار ملوثة بالعسل كي تزيل عنها ~~الشكوك والشبه، وأنفذتها إلى الموالين لها في الأمصار والبلاد، حتى يخرجوا على المنصور، ~~ويردوا السلطة إلى الخليفة. # وعلم المنصور بذلك فأخذ عددا كبيرا من أعيان الدولة، وذهبوا جميعا خفية إلى الخليفة ~~القاصر، وجعلوه يقر ويوقع على أنه عاجز عن حكم الدولة، وأنه ليس له سيطرة أو سلطان، وأنه ~~يرضى بنقل الخزانة إلى خارج القصر. وخرج المنصور وقد حصل على هذه الوثيقة، فحقق بذلك أطماعه ~~القديمة، وصار حاكم البلاد الحقيقي، وذلك في سنة 387ه وذاع خبر هذه الوثيقة، ففرح الناس ~~لأنهم كانوا يحبون المنصور. وكان أكثر ما يحببه إليهم شجاعته وفروسيته؛ فقد حارب الإفرنج 52 ~~مرة، فاز عليهم فيها جميعا، وعاد منهم بالغنائم. ويحكى أنه سمع عن أمير إفرنجي حبس امرأة ~~مسلمة، فحاربه وهزمه، حتى أجبره على أن يركع أمامه مستغفرا عن حبسه هذه المرأة، التي ~~أخرجت من سجنها، وعوضت عما نالها فيه من الأذى. # وفي سنة 392ه ms029 خرج لكي يقمع فتنة بالقرب من مدينة سليم في ولاية قشتالة، فاستبسل العصاة ~~وصمدوا له حتى أشكل عليه الأمر، ورأى من جيشه تثاقلا، فلم يكن منه إلا أن شهر سيفه، وتقدم ~~بنفسه إلى صفوف العدو، والتحم بها، فابتعثت نجدته الحماسة في قلوب جنوده، فهبوا إلى الهجوم ~~وانتصروا، ولكنه جرح جراحات بليغة مات بعدها بأيام. # فبكى عليه الأندلسيون، وعاشت صبيحة بعده ست سنوات؛ إذ ماتت سنة 398ه، ورأت ابنها خليفة ~~مؤمرا بعد أن كان صورة لا قيمة له. # | ابن زيدون وولادة # عاشت دول الإسلام في الأندلس (إسبانيا) من سنة 711ه إلى سنة 1492ه. وكان الأندلسيون ~~عربا مسلمين من حيث اللغة والدين، ولكنهم كانوا آريين من حيث الدم والعنصر، ليس فيهم إلا ~~القليل من الدم العربي. # وقد زكت الفنون والعلوم فيها حتى كان الأوروبيون ينحون إليها للتعلم في مدارسها، وظهر ~~فيها عدد كبير من الفقهاء واللغويين والمؤرخين والشعراء والفلاسفة. # ويبدو من استقرار تاريخ الأندلسيين أن النساء لم يكن يخضعن للحجاب تمام الخضوع، كما كن ~~يفعلن في الشرق، ولعل ذلك من أثر الجو البارد عليهن؛ لأن الحجاب وليد الجو الحار؛ فقد ذكر ~~المؤرخون أن النساء كن يقعدن في ميادين قرطبة وغيرها، ويحترفن نسخ الكتب! # وكانت الأندلس دولة واحدة في عصر خلفائها الأمويين، ثم تمزقت الدولة فصارت دويلات صغيرة، ~~على كل منها ملك أو أمير، لا يفتأ في شجار ونزاع مع جيرانه. وقد تتجزأ الدويلة عند موته ~~إمارات صغيرة، يستبد على كل منها أمير، ينعت نفسه بنعوت الملك والإمارة، حتى قال أحد شعراء ~~الأندلس يصف هذه الدويلات: # مما يزهدني في أرض أندلس # ألقاب معتضد فيها ومعتمد # أسماء مملكة في غير موضعها # كالقط يحكي انتفاخا صولة الأسد # ففي هذا الزمن نشأ رجل يدعى أبا الوليد أحمد ... بن زيدون، ولد بقرطبة سنة 394ه وترقى ~~بإشبيلية سنة 463ه. وقد اشتهر بحبه لامرأة تدعى ولادة، من نسل الخلفاء الأمويين. وكان ~~كلاهما أديبا، فكانا يتراسلان، ويؤلفان قصائد الغزل، ويجتمعان سرا وعلانية. # قال ابن نباتة عن ابن زيدون: «كان من ms030 أبناء الفقهاء المتعينين، واشتغل بالأدب، وفحص عن ~~نكته، ونقب عن دقائقه، إلى أن برع، وبلغ من صناعتي النظم والنثر المبلغ الطائل. وانقطع ~~إلى أبي الوليد بن جهور أحد ملوك الطوائف المتغلبين بالأندلس، فخف عليه وتمكن من دولته، ~~واشتهر ذكره وقدره، واعتمد عليه في السفارة بينه وبين ملوك الأندلس، فأعجب به القوم وتمنوا ~~ميله إليهم، لبراعته وحسن سيرته. واتفق أن ابن جهور نقم منه أمرا فحبسه، واستعطفه ابن ~~زيدون برسائل عجيبة وقصائد بديعة، فلم تنجح، فهرب واتصل بعباد بن محمد صاحب إشبيلية الملقب ~~بالمعتضد، فتلقاه بالقبول والإكرام، وولاه وزارته، وفوض إليه أمر مملكته. وكان حسن ~~التسيير، تام الفضل محببا إلى الناس، فصيح المنطق جدا.» # وقال عن ولادة: «كانت بقرطبة امرأة ظريفة من بنات خلفاء العرب الأمويين المنسوبين إلى عبد ~~الرحمن بن الحكم المعروف بالداخل من بني عبد الملك بن مروان، تسمى ولادة ... ابتذل حجابها ~~بعد نكبة أبيها وقتله، وتغلب ملوك الطوائف، ثم صارت تجلس للشعراء والكتاب، وتعاشرهم ~~وتحاضرهم، ويتعشقها الكبراء منهم. وكانت ذات خلق جميل، وأدب غض، ونوادر عجيبة، ونظم ~~جيد.» # واتصل الحب بين ابن زيدون وولادة، وكان كل منهما ينظم القصائد ويتغزل بصاحبه، فمن ذلك ما ~~قالته ولادة فيه: # ترقب إذا جن الظلام زيارتي # فإني رأيت الليل أكتم للسر # وبي منك ما لو كان للبدر لم ينر # وبالليل لم يظلم وبالنجم لم يسر # وكانت كثيرة العبث والدعابة، تضمن أشعارها اللطائف الحلوة. ومن أقوالها عن نفسها، وفيه ~~جرأة عجيبة: # أنا والله أصلح للمعالي # وأمشي مشيتي وأتيه تيها # وأمكن عاشقي من لثم ثغري # وأعطي قبلتي من يشتهيها # ولا تعرف ماهية الحب الذي كان بينها وبين من قيل إنهم أحبوها، هل كان عشقا صحيحا أم ~~كان حبا أفلاطونيا بريئا؟ ومن يقرأ سيرتها يرجح أنها لم تعشق أحدا. وقد يكون بعض ~~محبيها قد عشقها وكلف بها، ولكن لا ندري هل نال وطره منها أم لا. # فقد قال ابن نباتة: «وكان ابن زيدون كثير الشغف بها والميل إليها. أكثر غزل شعره فيها وفي ~~اسمها. ثم ms031 إن الوزير أبا عامر بن عبدوس أيضا هام بها، وكلف بعشرتها، وكان قصدهم الظرف ~~والأدب.» # ومما يؤكد هذا الظن قول ابن زيدون: # وغرك من عهد ولادة # سراب تراءى وبرق ومض # هي الماء يأبى على قابض # ويمنع زبدته من مخض # ولما هجرت ولادة ابن زيدون، وواصلت ابن عبدوس ولزمته، قال ابن زيدون يتشفى وينتقم ~~منها: # عيرتمونا بأن قد صار يخلفنا # فيمن نحب وما في ذاك من عار # أكل شهي أصبنا من أطايبه # بعضا وبعضا صفحنا عنه للفار # و«الفار» هو لقب ابن عبدوس. # ومما يحكى عن ولادة أنها مرت يوما بدار ابن عبدوس وهو جالس بالباب وحوله جماعته من ~~أصحابه، وأمامه بكرة تتولد من مراحيض وأقذار، فوقفت عليه وقالت: # أنت الخصيب وهذه مصر # فتدفقا فكلاكما بحر # فلم يحر جوابا، فمضت وحفظت هذه النادرة واشتغل بها الناس. وهذا البيت لأبي نواس، قاله ~~عندما جاء مصر يمدح واليها فتمثلت به ونقلته هذا النقل الحسن من المدح إلى الهجاء. # ودامت على ولاء ابن زيدون أكثر مدة إقامته بقرطبة، فلما فر إلى إشبيلية تودد إليها ابن ~~عبدوس، فاتصل بينهما وداد ربما قد بلغ درجة الحب. وكان ابن عبدوس قبل فرار ابن زيدون يسعى ~~في استمالتها إليه، فلم يكن يقدر على ذلك. وبلغ خبر سعيه هذا مسامع ابن زيدون، فألف رسالة ~~إليه على لسان ولادة، قرعه فيها وتهكم به، حتى صار يحفظها الناس لبلاغتها وقوة لذعها. وهي ~~مشهورة تعرف باسم: «رسالة ابن زيدون» وهي مطبوعة في كتاب على حدة، مشروحة بقلم ابن نباتة ~~المصري. # ولابن زيدون قصيدة عصماء شهيرة نظمها في ولادة، يتشوق إليها بعد فراره إلى إشبيلية، ويذكر ~~لها ما يعانيه من فراقها ويأسه من لقائها، ويستديم عهدها، وقال فيها: # أضحى التنائي بديلا من تدانينا # وناب عن طيب لقيانا تجافينا # بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا # شوقا إليكم ولا جفت مآقينا # يكاد حين تناجيكم ضمائرنا # يقضي علينا الأسى لولا تآسينا # حالت لبينكم أيامنا فغدت # سودا وكانت بكم بيضا ليالينا # إذ جانب العيش طلق من تألفنا # ومورد اللهو ms032 صاف من تصافينا # وإذ هصرنا غصون الأنس دانية # قطوفا فجنينا منه ما شينا # ليسق عهدكم عهد السرور فما # كنتم لأرواحنا إلا رياحينا # | أبيلار وهيلوئيز # لم يكتب في فرنسا عن عاشقين أكثر مما كتب عن أبيلار وهيلوئيز؛ فقد ذكرت قصتهما بجملة ~~صيغ مختصرة ومسهبة، حالية بصنوف الحواشي وعارية منها. ولا يقرأ قصتهما محب عاشق إلا ويتعزى ~~بسيرتهما، وما قاساه كل منهما من الآلام في سبيل الآخر. ولا يزال قبر أبيلار يزار في باريس ~~في كل عام، ينثر عليه المحبون أكاليل الزهور، ويترحمون عليه، ويذكرون بلاء حبيبته وإخلاصها، ~~وفداحة الآلام والتعس والاضطهاد التي كابدها حبيبها. # ومن العبر التي يمكن القارئ أن يستخرجها من قصة هذين الحبيبين، أن الحب مهما ارتفع ورق، ~~لا تزال جذوره سارية في حضيض، فإذا اقتلعت الجذور فسرعان ما تندك فوقها دوحة الحب، وقد جف ~~ورقها وماتت أغصانها. # ولد أبيلار في غرب فرنسا في سنة 1079، وكان أبوه من الأشراف، ولكنه نزل عن حقوقه في ميراث ~~الشرف لإخوته، وعزم على أن يقضي أيامه في خدمة العلم. وشخص إلى باريس، حيث قضى مدة قصيرة في ~~طلب العلم، صار بعدها أستاذا يجذب إليه بفصاحته وحسن بيانه جمهور الطلبة ~~الباريسيين. # وكان ذلك العصر أظلم عصور القرون المتوسطة، فكان التعليم في يد الكهنة جامدا لا يلين ~~أمام الفكر، يعتمد على النقل. ويدور ويحور حول الدين. ولم يكن في الدين في ذلك الوقت فسحة ~~للحرية الفكرية. وكان النظام الإفداني (الإقطاعي) منتشرا، ليس للأقطار سلطة مركزية ينفذ ~~كلامها وترعى أوامرها، بل كان الأشراف يحكمون، كل منهم في إقليمه، يبني حصنه، وتنشأ ~~المدينة أو القرية حوله، يحتمون به عندما تهيج الحرب ويغزو الشريف شريف آخر مجاور له. ولم ~~تكن المسيحية أو القوانين المدنية قد هذبت بعد من أخلاق السكان؛ فقد كان لا يزال الدم ~~الألماني يغلي فيهم، يطلب الغزو والنهب، فكانت الثارات لا تنقطع والهمجية فاشية، وكانت ~~باريس إذا جنها الليل عاشت في شوارعها الذئاب. والخلاصة أن أوروبا كانت في حال الفوضى ~~الأدبية والاجتماعية والسياسية. # وكان أبيلار ms033 يدعو في تعاليمه إلى إخضاع التقاليد للعقل، فهاج عليه لذلك زعماء القديم ~~واضطهدوه، حتى اضطر إلى الهجرة من باريس، وأخذ يضرب في آفاق فرنسا ويعلم كلما وجد أرضا ~~خصبة لبذوره. # وكان أبيلار عند عودته إلى باريس في الخامسة والثلاثين من عمره، شريف الطلعة، نشيط الجسم ~~والذهن. وكان يؤلف الشعر ويلحنه على الأنغام الموسيقية. وفي هذا الوقت عرف فتاة في الثامنة ~~عشرة تدعى هيلوئيز. وكانت قد حملت بها أمها سفاحا من أحد الأشراف، وقد عنيت بتربيتها ~~وتخريجها على أيدي مهرة المعلمين، فكانت تعرف عدة لغات، وتعشق الشعر والموسيقى مثل أبيلار، ~~وكان يراها من وقت لآخر، ويختلس النظرات منها في رواحها إلى بيت عمها وغدوها منه، حتى ~~علقها، وهام بها، وصار حب العلم الذي كان قد تملكه إلى هذا الوقت شيئا باردا ميتا بجانب ~~حرقة هذا الحب الجديد. # واحتال على عمها لكي يصل إليها، حتى عينه معلما لها، يوليها بالدروس ويشرف على تعليمها، ~~فصار يزورها كل يوم، ويتدرج معها من الدروس الجافة من العبرانية والإغريقية، إلى السير ~~والتاريخ، يحكي لها تجاربه الماضية، وما قيل من الأشعار، وما جد في الموسيقى. ويخرج من ذلك ~~إلى ما يمس إحساسها من عواطفه، حتى بلغ قلبها، فرأى فيه مثل ما عنده، فكانا يقعدان إلى ~~المائدة، وأمام كل منهما كتاب مفتوح يتعللان به، وكلاهما مشغول بصاحبه، حتى إذا تلاقى ~~النظران شاع الخجل في كل منهما، فيعودان إلى الكتاب، وقد راعهما الارتباك والحياء. ثم تمس ~~اليد اليد وكأن ذلك قد حدث سهوا، فتحصل الرجفة، تؤذن ببزوغ الحب، أو تخرج الزفرات من ~~صدريهما على غير وعي منهما، فيعرف منها أبيلار كيف سرى في جسمها تيار الحب. # ولم يمض عليهما طويل زمن حتى تصارحا بالحب، وأسلمت هيلوئيز نفسها إليه، وكثرت ملازمة ~~أبيلار لها حتى لحظ الناس ذلك، وأخذوا يتقولون. وحدث أن ألف أبيلار مقطوعة غرامية عنها، ~~فوقعت في أيدي أعدائها، الذين بادروا إلى عمها بها، فهاج هائج عمها، الذي لم يكن قد دخله أي ~~شك قبلا فيهما، وأمر بطرده من ms034 البيت، ومنع هيلوئيز من لقائه. # ولكن طرق المحبين كثيرة؛ فقد أخذت هيلوئيز تخرج سرا إلى بيت تقطنه أخت أبيلار، فيلتقيان ~~هناك. ولم تمض مدة حتى وضعت هيلوئيز ولدا ذكرا سمته - أو بالأحرى سماه أبوه - أسطرلاب، ~~وهذه اللفظة اسم آلة كان يستعملها قدماء الفلكيين. # وعرف عمها خبر هذا الولد، فأراد أن ينتقم من هذا الرجل الذي ائتمنه على بنت أخيه فخانها ~~في عرضها، وفضح البيت فضيحة أبدية. وأخيرا وجد أن أسلم الأعمال عاقبة أن يقترنا، فطلب ~~إليهما ذلك. وكان أبيلار يرغب في أن يعيش عزبا لأنه كان ينوي أن يسلك في سلك الكهانة، فرضي ~~بالزواج، ولكنه اشترط أن يكون سرا لا يذاع، ولكن هيلوئيز أبت أن تكون زوجته؛ خشية أن ~~يذاع خبر هذا الزواج، فلا يرتقي أبيلار في الكنيسة. وجعلت تعارض عمها وحبيبها. ومما يؤثر ~~عنها قولها: «إني أفضل أن أكون خليلتك عن أن أكون زوجة إمبراطور.» # ولكنها بعد أن بذلت كرامتها وعرضها فداء حبيبها، رضيت بعد الإلحاح أن تتزوج منه. وتم ~~الزواج سرا، وعاد أبيلار إلى محاضراته العلمية، وعاد الناس إلى التقول والتخرص، فكانوا ~~كلما التقوا بعمها عيروه وثلبوه، فساء هذا عمها، حتى باح بالسر، وأعلن أنهما متزوجان، ~~فذهبوا يسألون هيلوئيز، فقالت: «لست زوجته، وما اقترن بي قط، وإنما يقول عمي ذلك ضنا ~~بسمعته.» # فتحدوها إلى اليمين، وأحضروا لها الإنجيل، فلم تتأخر عن القسم بأنه ليس بينها وبين ~~أبيلار زواج ما. وبلغ ذلك عمها، فأخذ يحرق الأرم غيظا وحنقا، وعاد فمنع الحبيبين من ~~اللقاء، ففرت إلى دير قريب، فكان أبيلار يلقاها هناك، وكل منهما يبث الآخر سريرة ~~نفسه. # وهنا ينبغي أن نتريث قليلا للمفاضلة بين الاثنين، فليس شك في أن هيلوئيز بذلت من نفسها ~~أكثر مما بذل أبيلار؛ فقد سلمت نفسها إليه قبل الزواج، ثم رفضت أن تتزوج به عندما وجدت أن ~~زواجه يؤخر ارتقاءه في المناصب العليا، ثم أنكرت زواجها ورضيت أن يقال عنها إنها ~~خليلة. # كل ذلك فعلته هذه الفتاة النبيلة، مضحية بعرضها وكرامتها وسمعتها لأجل حبيبها. وأما ms035 هو ~~فقد أصر أن يكون الزواج سرا مكتوما؛ حتى لا يمنعه هذا عن الارتقاء إلى المناصب العليا، ~~فلم يكن الحب في نظره يساوي الرفعة والشهرة بالتفوق على الأقران. # وعرف العم أن أبيلار يلقاها في الدير، وأنه مصر على إخفاء أمر الزواج، فأراد أن ينتقم ~~انتقاما سافلا تجبن دونه الأبالسة، فاكترى جملة رجال طغاة، ذهبوا إلى غرفته وهو نائم في ~~جوف الليل، ورشوا خادمه ففتح لهم، وكانوا أربعة، قبض ثلاثة منهم على أبيلار وأوثقوه، وأخرج ~~الرابع موسى جبهه بها، ثم تركوه غارقا في دمه، وهو يملأ الفضاء بصراخه وبكائه. # وشاع خبر هذه الجناية السافلة في باريس، فما جاء الصباح حتى هرع الناس إلى البيت. وكانت ~~النساء يبكين كأنهن فقدن أزواجهن، ولكن أبيلار، وإن فقد ذكورته، فإنه لم يفقد رجولته، فما ~~كاد أن يلتئم جرحه حتى استأجر هو الآخر بعضا من السفلة، تعقبوا الخادم وأحد الجانين ~~فجبوهما، وقدمت القضية لمحكمة كنسية فعاقبت عم الفتاة بأن استصفت جميع أملاكه. # أما هيلوئيز فقد كانت نكبتها تجل عن الوصف؛ فإن حبيبها لما فقد ذكورته فقد أيضا حبه أو ~~بالأحرى شهوته، فلما التقت به حبيبته طلب إليها أن تترك الدنيا وتدخل إلى أحد الأديار، ~~وصرح لها بأنه لا يثق بأمانتها، فكان هذا التصريح أقصى ما صدمت به الفتاة في حياتها، وقد ~~قالت بعد ذلك في خطاب إليه: «يعلم الله أني ما كنت أتردد أن أسبقك أو ألحقك إلى الدير.» ~~ودخل هو ديرا آخر، وصار راهبا وأكب أبيلار من ذلك الوقت على خدمة العلم، دون أن يشغله ~~شاغل الحب السابق، فجعل يكتب ويعلم، وفي كل ذلك يفضل سلطان العقل على سلطان الدين، ولكن ~~الزمن لم يكن يؤاتيه على هذه الجرأة، وانعقد مجلس لمحاكمته، انتهى بأن أمر بإحراق كتبه، وهب ~~الرهبان الذين كانوا معه في الدير، وكان هو رئيسهم، إلى الثورة، حتى طردوه. # وخرج أبيلار من الدير وهو كسير الخاطر مقهور النفس، فبنى لنفسه خصا من القصب والطين في ~~سهل منفرد، ولكن تلاميذه سمعوا به، وسرعان ما رحلوا ms036 إليه، وبنوا حوله خصاصا، وصاروا ~~يتحلقون حوله كل يوم، يتلقون منه دروسه وآراءه في العلم والدين ، وبنى بعد ذلك بناء من الخشب ~~والحجر سماه «الفارقليط» لا تزال رسومه وبعض أطلاله باقية للآن. # وبعد مدة أصدر أبيلار كتابا دعاه: «تاريخ ما نزل بي من المصائب». # فلما اطلعت عليه هيلوئيز أرسلت إليه خطابات متواترة تبثه حبها وولاءها، كأنها في أول سني ~~حبها، وهذه الخطابات من أجمل وأروع ما كتبها عاشق؛ فقد أرسلت إليه تسأله أن يدلها على ~~الطريق إلى الله، كما دلها قبلا على طريق اللذة والحب، فأجابها إجابة القسيس للراهبة، ~~ويكفي أن نذكر السطر الأول من خطابه لندل إليه: # من أبيلار الأخ في المسيح إلى هيلوئيز الأخت في المسيح. # وقد وجددت هيلوئيز من جفاء عبارته ما أثار في نفسها الغضب، وأشعرها أن حبيبها القديم قد ~~نسيها، فكتبت إليه تقول: # حبيبي # كيف استطعت أن تعبر عن هذه الأفكار، وكيف اهتديت إلى ألفاظ تؤديها؟ ليتني أجرؤ ~~على أن أقول إن الله يقسو علي! إلا أني أشهد أني أتعس مخلوق. لقد كانت أيام حبنا ~~لذيذة حلوة، حتى لا أقدر الآن أن أرد ذكراها عني، فأينما ذهبت تتخيل لي هذه الذكرى ~~وتشعل في الرغبة القديمة. # ولكن أبيلار كان يحس في نفسه موت العاطفة الجنسية، فكان يكتب إليها بلهجة التباعد المتعفف ~~المتزهد، فيأخذ في شرح الرهبانية واللاهوت والآداب وما إليها من الأشياء، التي لا تلبي نداء ~~العاطفة التي كانت تختلج في صدر هيلوئيز، فكانت تحتج وتثور على هذا الجفاء بلا جدوى. ~~وأخيرا أدركت ما ألم بصاحبها، فهدأت ثائرتها، واطمأنت إلى حالها ونكبتها. # وحكم على أبيلار بعقوبة كنسية لأقوال أخذت عليه، فسافر إلى رومية لكي يقضي حدها، فمات ~~في الطريق، وحملت جثته إلى «الفارقليط». وعاشت هيلوئيز بعده 22 سنة، ترعى قبره وتحفظ عهده، ~~ثم ماتت، فدفنت إلى جانبه، واختلطت عظامها بعظامه كما كانت تهوى، ونقلت رفاتهما إلى باريس ~~حيث هما الآن. # | شارل الثاني ملك إنجلترا # كانت أمه فرنسية، ونشأ هو يجيد اللغة الفرنسية، فلم تشق عليه المعيشة ms037 في ذلك الوطن ~~الثاني. وكان لويس الرابع عشر متبوئا في ذلك الوقت عرش فرنسا، وكان يعرف أن الأمة ~~الإنجليزية متى ذهبت عنها ذكرى هذه الخصومة بينها وبين ملكها لا بد عائدة إلى الملوكية، ~~وستطلب ملكها الشرعي وتبوئه عرش آبائه، فرتب لذلك معاشا سنويا لهذا المليك الطريد، ~~وأسكنه في قصره، وحاطه بحاشية، بحيث لم يكن شارل يشعر بأنه منفي غريب عن بلاده. # واجتهد شارل في أن ينجو أبوه في إنجلترا من القتل، وصار يكاتب أعضاء البرلمان في ذلك، بل ~~بلغ من شدة رغبته في تخليص أبيه أن أرسل إليهم ورقة بيضاء موقعة باسمه، طلب إليهم فيها أن ~~يضعوا جميع شروطهم وينزلوا عن قتل الملك. # فلما أخفق في ذلك هيأ أسطولا به 18 بارجة، وصار يغزو به الشواطئ الإنجليزية، ثم ذهب إلى ~~اسكوتلاندا، وتتوج فيها ملكا في سنة 1651، وانحدر إلى إنجلترا، ولكن كرومويل كان في أوج ~~قوته، فتلقاه وصمد له وهزمه، ففر ناجيا بنفسه إلى فرنسا، وعرف شارل من ذلك الوقت أنه يجب ~~عليه أن ينتظر حتى يموت كرومويل، ويعود عندئذ إلى عرشه. # وكانت ملكة البرتغال امرأة حصيفة، بصيرة بالسياسة الأوروبية، وكانت بلادها في ذلك الوقت ~~في الصف الأول بين الدول الكبرى، وكانت تعرف، مثل لويس الرابع عشر، أن شارل سيعود إلى عرشه، ~~وتصير لكلمته تلك المكانة العظيمة في المفاوضات السياسية، وكانت البرتغال تسعى في الاهتداء ~~إلى حليف يعينها على جارتها إسبانيا، فعزمت على أن تزوج ابنتها لشارل، وتغريه في الوقت نفسه ~~بمليون جنيه. # وكانت ابنتها قليلة الجسم سوداء الشعر، وقد تربت تربية الأديار، فكانت فتاة ساذجة متدينة، ~~لا تعرف سوى العبادة وأعمال البيت، ولكن شارل كان يقدر المليون جنيه حق قدرها في ذلك الوقت، ~~فلم يرفض هذا الزواج. # وكان الإنجليز قد ضجروا من حكم كرومويل، الذي أبطرته القوة فطغا، وارتكب هو نفسه الجناية ~~التي قتل من أجلها شارل الأول؛ إذ طرد أعضاء البرلمان واستبد بالحكم، فلما مات تنفس الناس ~~الصعداء، وطلبوا شارل، فدخل إلى لندن بين الموسيقى والطبول، تخفق فوقه الرايات. ms038 وكان فرح ~~الناس عظيما، حتى يقال إنه مات كثيرون لشدة ما أثر فيهم الطرب بعد أن ثابت الملوكية إلى ~~عرشها. # وانعقد البرلمان، وقرر اعتماد مبلغ سبعين ألف جنيه لإقامة تمثال للملك المقتول شارل ~~الأول، ولكن شارل الثاني لم يكن حريصا على ذكرى والده، فأخذ المبلغ وأنفقه في ملذاته ~~الشخصية. # وكان شارل شهواني المزاج، لا يفتأ يبحث عن امرأة جديدة مكان أخرى مملولة، وكان له جملة ~~عشيقات قد تقسمن حبه. وعرف فيه لويس الرابع عشر ملك فرنسا هذه الخصلة، فأرسل إليه امرأة ~~جميلة تتعشقه وتكون في الوقت نفسه عينا عليه، وكانت تدعى لويز دو كيرواي، وقد رزقت منه ~~بولد صار فيما بعد دوق لوتوكس. # وكانت زوجته كاترين، تلك الفتاة البرتغالية الساذجة، ترى هؤلاء النساء حوله، وتسمع ما كان ~~يقال من أنهن قد رزقن منه أولادا، فتتحرق غيظا، وتعاتب زوجها، فيردها خائبة، ويقول لها ~~إن الملكة يجب أن تسكت على أشياء، قد لا تسكت عليها الزوجة العادية. وكانت كاترين في تواضع ~~وتدين وسذاجة، بحيث كانت تجتذب إليها قلب الملك أحيانا، حتى لقد دافع عنها ووقف إلى جانبها ~~عندما أخذ الرعاع من الإنجليز البروتستانت يتصايحون عن طرد هذه الفتاة الكاثوليكية. # وإلى هنا كان حب شارل الثاني من النوع الشهواني، لم يثبت على ولاء واحدة من النساء اللاتي ~~عرفهن. وليس شك في أنه كان يحب زوجته، ولكن حبه لها كان عطفا وحنانا، أشبه بما عند الوالد ~~لولده، منه بما عند المحب لحبيبته. # وفي إحدى الليالي خرج متنكرا وذهب إلى أحد التياترات، فرأى فتاة جميلة، فأخذ في التحدث ~~إليها، وبينما هما في ذلك إذا بصاحب الفتاة وهو رجل غني قد أقبل، فخرج الجميع إلى مطعم ~~قريب، وتناولوا بعض الطعام، وشربوا بعض القداح من الجعة، وأراد الملك أن يدفع ثمن الطعام ~~والشراب، فلم يجد في جيبه شيئا، وأخذت الفتاة تضحك من إفلاسه وإملاقه وتطفله على الناس لكي ~~يسكروه ويطعموه. # وكانت هذه الفتاة تدعى نل جوين، عاشت طوال حياتها وهي لا تعرف لها أبا أو أما، نشأت ms039 ~~على الدعارة، تكري نفسها لمن شاء، لم تعرف قط معنى الطهارة؛ فقد كان يعيش في أيامها عصابات ~~من الأشرار يختطفون الفتيات ويؤجرونهن، وكانت هي إحدى هؤلاء البائسات، فكانت تنتقل من صاحب ~~يملها إلى آخر يستظرفها، ثم يملها، وهكذا. # فلما كان اليوم الثاني من لقائها بالملك استدعيت إلى القصر، وباح لها شارل بحبه، فعاشت ~~من ذلك الوقت في كنفه، وأخلصت له الحب إخلاصا لم يجد ما يماثله فيمن عرفهن؛ فقد كان هم كل ~~امرأة عرفها أن تثري، وتثقل نفسها بالجواهر، وتقتني القصور، عدا هذه الفتاة، فإنها على ~~الرغم من أنها عاشت طول حياتها بين الفجرة من اللصوص والغواة، كانت لا تزال نفسها سليمة ~~ساذجة، فلم تتطلع إلى اقتناء الأموال من الملك، بل كانت لا تهتم إلا بمصلحته. # ويحكى أن شارل جلس يوما، وأخذ يتضجر من أن الناس غير راضين عن حكمه، فقالت له نل جوين ~~على الفور: «اطرد نساءك، وانظر في الواجبات التي تجب على الملك وهم يحبونك.» # ومما يؤثر عنها أنها كانت السبب في إنشاء مستشفى كلزي؛ فقد رأت أن الجنود الذين قتلوا ~~في سبيل شارل الثاني وأبيه المقتول شارل الأول، قد أسنوا وعجزوا عن كسب معاشهم، فأسست لهم ~~هذا المستشفى يأوون إليه. # وربما كان أكبر شاهد على فضل هذه المرأة التي فقدت طهارتها الجسمية ولكنها لم تفقد ~~طهارتها الروحية، أنها عند وفاة شارل لم تكن تملك شيئا، حتى يقال إن الملك وهو يحتضر، ~~والناس حوله وقوف، أخذ يعتذر إليهم لأنه أتعبهم لطول ما يقضي من الوقت في الاحتضار، ثم صاح ~~وهو في السكرات الأخيرة: «أرجو ألا تدعوا نل المسكينة تموت جوعا.» # | ماري ملكة اسكوتلاندا # بين كليوبطرة وماري شبه عظيم من جملة وجوه؛ كلتاهما كانت ملكة، وكانت الفتنة في جمال كل ~~منهما ناشئة عن الشخصية لا عن قسامة الوجه ووسامة الأعضاء، فكان أول ما يراهما إنسان لا يجد ~~فيهما شيئا من الجمال، فإذا ما أخذتا في الحديث رأى من الخفة والرشاقة ما يجذبه إليهما، ~~ويجعله يعترف بفتنتهما، وتتشابهان أيضا من ms040 حيث أن كلا منهما لقيت حتفها عن سبيل الحب، ~~وقد كانت حياتهما موضوع الشعراء والقصصيين والدراميين. # كانت ماري ابنة ملك اسكوتلاندا جيمس الخامس، وكانت أمها من نبيلات اللورين الواقعة بين ~~فرنسا وألمانيا، امرأة ضخمة طوالا، يزيد ارتفاعها عن ست أقدام. وكان ملك إنجلترا يحاول أن ~~ينال يدها، ويبعث إليها بالسفراء لكي تقبل الزواج به، وكان يقول: «أنا رجل ضخم، أحب أن ~~أتزوج امرأة ضخمة مثلي.» # ولكن ملك اسكوتلاندا كان أذكى منه وأركن فطرة؛ فقد عرف أن العامل الشخصي في الزواج هو أهم ~~العوامل؛ ولذلك عمد إلى اجتذابها بنفسه، ورحل إليها، وأخذ في تعشقها حتى رضيته زوجا ~~وتزوجته وجاءت ابنتهما ماري مديدة القامة بيضاء، تكاد تكون شاحبة، حتى كان يقال عندما شبت ~~وتزوجت، إنها كانت عندما تشرب النبيذ يتراءى للناظر بلونه الأشهب خلال عنقها الصافي البشرة. ~~ومات أبوها في السنة الأولى من عمرها، فصارت بذلك ملكة اسكوتلاندا. وكانت فرنسا في ذلك ~~الوقت بلاد الحضارة، يرسل أشراف ألمانيا وإنجلترا أبناءهم إليها للتعلم فيها، والتأديب ~~بآداب باريس، والحذق في معرفة عوائد الأشراف والطبقات الراقية، فما كادت ماري تشب حتى ~~أرسلت إلى ملك فرنسا. وكان حاكم فرنسا الحقيقي زوجته الإيطالية كاترين دومديشي، وكان ~~البلاط الفرنسي في ذلك الوقت شبكة عاتية من الدسائس السياسية ومسارقات الغرام، والتأنق في ~~إشباع الشهوات الجنسية. ونشأت ماري في هذا الوسط، فاصطبغت أخلاقها به، وعرفت منه شجرة الخير ~~والشر. # وكانت ذكية الطبع، فلم يمض عليها وقت طويل حتى حذقت الفرنسية والإيطالية واللاتينية، ~~وتدربت على الفروسية، وتعلمت الرسم والنظم، ثم حدث لها ما عجل في إذكاء قريحتها؛ فقد صارت ~~زوجة لولي عهد فرنسا ولما تبلغ السابعة عشرة، ولم يكن زواجها به عن حب، وإنما روعيت فيه ~~المصلحة؛ فقد كانت هي ملكة اسكوتلاندا، وكان هو ملك فرنسا. وكانت إليصابات ملكة إنجلترا ~~عانسا لم تتزوج، فكان عرش إنجلترا لا بد مقضيا عليه بأن يئول إلى السلالة الحاكمة في ~~اسكوتلاندا للصلة القديمة بين ملوك إنجلترا واسكوتلاندا، فكانت النية من هذا الزواج أن ~~تجمع الأقطار ms041 الثلاثة في مملكة واحدة يحكمها هذان الزوجان. # كانت ماري عند زواجها في السادسة عشرة، وكان زوجها في الخامسة عشرة، ولم يكن بينهما حب، ~~بل كانت تحتقر زوجها، ولا تبالي أن تظهر ذلك؛ فقد كان عليلا يقضي ليله في التأوه، وكان في ~~أذنه خراج، يقض مضاجعه، ولم يكمل عامه الأول حتى مات، ولم تكن علاقتها مدة حياة زوجها ~~بحماتها حسنة؛ فقد كانت كلتاهما تبغي الاستئثار بالحكم في فرنسا، وكانت ماري تعيرها بأنها ~~«ابنة صيدلي». # فلما مات زوجها زالت سلطتها عن فرنسا، وعزمت على أن ترحل إلى اسكوتلاندا، حيث عرشها ~~الشرعي الذي ورثته عن أبيها. وكان يستغرق لبها الآن عاطفتان قويتان؛ إحداهما: الطموح إلى ~~القوة والسيادة، بحكم هذا الدم الذي ورثته عن سلالة ممتدة من الملوك. والأخرى: عاطفة الحب ~~التي هاجها الوسط، وأثارها الزواج، دون أن تجد فيه ما يرضيها. وحكي أنه عندما بلغت الثامنة ~~عشرة اهتاجت عواطفها اهتياجا عظيما، فكانت تخفف شدتها بتقبيل الأطفال ومعانقة الفتيات، ~~وتأذن للشعراء في إنشادها ووصف محاسنها وتقبيل يديها. # وكانت كاثوليكية المذهب، في حين أن رعاياها الاسكوتلانديين كانوا من غلاة البروتستانتية، ~~فلما نزلت أرض بلادها استقبلها الناس بفتور، وبخاصة لأنها كانت محوطة بحاشية من الأجانب ~~الذين كانوا يخدمونها وهي في فرنسا، وكان رعاياها يخشون منها، ويتوجسون خيفة أن تغير ~~المذهب الرسمي الذي اختارته البلاد. # وكانت عقب وفاة زوجها قد عرفت أحد نبلاء بلادها اللورد بوثول، وكان أكبر منها قليلا في ~~السن، زارها وهي في فرنسا، فشعرت لأول رؤيته بتلك الهزة التي تختلج الجسم، وتنبئ بانبثاق ~~الحب الصحيح بين طبيعتين مؤتلفتين. وقد وصف الأديب المعروف موريس هيولت هذا اللورد بقوله: # كان رجلا مفراحا يتوهج بالدم، عريض الكتفين مربع الفكين، وكانت ضحكته عاجلة ~~عالية، يحسب من يسمعها أنه لن يكون غم حيث تكون هذه الضحكة، وكان يتفنن في اللباس ~~والركب ومصاحبة الإخوان، له على الدوام سيماء الشجعان، وكان لون وجهه يدل على حبه ~~الطعام، ولكنه كان يدل أيضا على موفور العافية والقوة، وكانت أرنبة أنفه قد هشمت، ~~ولكن ms042 قل من كان يلحظ ذلك، أو يفكر في العربدة التي أدت إلى هذا الهشم، وكانت ~~صراحته وعدم اكتراثه لشيء، من أكبر أسباب فتنته. # وكان إلى شجاعته وفتوته وحبه للنساء، وتسرعه إلى تجريد سيفه عند الغضب، يعشق الآداب، يقرأ ~~الإيطالية والفرنسية، ويكتب اللاتينية، ويقتني الكتب، فكان شخصه لذلك جماع ما تطلبه ملكة ~~متوثبة العواطف من عشيقها؛ ولذلك أقبلت عليه ماري ومحضته حبها فلازمها، وصار أحد ~~بطانتها. # وكانت كراهية الاسكوتلانديين حافزا على أن تسير سيرة العدل معهم، فلم تمض سنوات حتى عرف ~~لها رعاياها عدلها فأحبوها. وكان جون نوكس نفسه - وهو من غلاة الشيعة البروتستانتية - يضطر ~~إلى الإشارة إليها باللطف والأدب. # وأرادت ماري أن تبالغ في اجتذاب عطف رعيتها عليها، فتزوجت من ابن عمها البروتستانتي ~~اللورد دارنلي، واعتزمت من ذلك الوقت أن تصرم حبل صلتها السابقة باللورد بوثول، حتى طلبت ~~إليه أن يتزوج، وأطاع اللورد بوثول نصيحتها، وتزوج بالفعل. # ولكن ماري كانت مخطئة، لم تصدق الحدس عن دخيلة قلبها، ولم تبحث البحث الكافي لمعرفة حقيقة ~~خلق زوجها وابن عمها اللورد دارنلي؛ فقد دخل عليها في أول ليالي زواجها وهو سكران لا يعي، ~~وكان خلوا من العقل، قد حشي رأسه بالغرور وقلبه بالأنانية، وكان يعتقد أن الملكة قد ترامت ~~عليه لكي تتزوجه افتتانا به، فكان يتيه عليها ويبرمها. # وحدث أن خرج عليها بعض لورداتها عقب زواجها، فجندت بضعة من الرعاع، وقامت على رأسهم، ~~وسارت نحو هؤلاء الخارجين فأخضعتهم، ومزقت شملهم، وعادت منصورة إلى عاصمة البلاد، فعلت ~~ذلك كله دون أن يشاركها زوجها الذي امتلأ جبنا ونذالة. # فاستوثق لها الملك بعض الاستيثاق بهذا النصر، حتى تراخت له، وعادت إلى سيرتها الأولى في ~~العشق، فاستدعت اللورد بوثول، وأخذت معه في ارتشاف كئوس الغرام، وصارت لا تبالي بما يتقول ~~الناس عنها، حتى بلغ بها تحدي العرف والعادة أن صارت تلبس ملابس الرجال، وبلغ سوء الظن بها ~~من أحد شعرائها الفرنسيين، أن اعتقد لكثرة ما رأى استهتارها ومزاحها معه، أنها تحبه وتؤثره ~~على سواه، فانسرق مرة إلى ms043 سريرها ونام تحته، فلما عرفت فعلته أخرج بالجر والعنف، ثم حدث ~~مرة أخرى أن دخل إلى فراشها، ونام تحت لحافها، فأخرج أيضا وحكم عليه بالموت، فلما وقف ~~على النطع لم يزد على أن قال: «ويحك أيتها الملكة القاسية، ها أنا ذا أموت لأجلك.» # وكان عندها شاعر إيطالي آخر كان ينظم لها المديح ومقطعات الغزل، لتجيبه بمثلها، وأغلب ~~الظن أنه لم يكن بينهما سوى الإعجاب واللذة الفكرية من تقارض النظم، ولكن الغيرة كانت تأكل ~~زوجها، حتى حدث بينما كانت جالسة إلى المائدة تتعشى هي وشاعرها الإيطالي هذا، واسمه ريتسيو، ~~أن دخل عليها اللورد دارنلي زوجها، وجرد خنجره وطعنه جملة طعنات كانت القاضية ~~عليه. # ومن هذا الوقت صارت ماري تكره زوجها، وكانت تداريه وتسايره؛ لأنها كانت حاملا، وتخشى ~~ألا يعترف بالطفل الذي على وشك أن تلده، وقد صار بعد ذلك ملكا على إنجلترا واسكوتلاندا ~~باسم جيمس الأول. # وكان اللورد بوثول يلازمها لا تطيق فراقه، ويؤثر عنها قولها عنه، وهي في سورة الغرام: ~~«ليس كبيرا علي أن أفقد عرش اسكوتلاندا وعرش إنجلترا معا ما دام هو لي.» # وقد كتبت إليه في هذه الفترة جملة خطابات، فكانت تفضي إلى حبيبها بدخيلة سريرتها، وتظهره ~~على سويداء قلبها. # وحدث بعد ذلك أن قتل زوجها في حادثة تفجر بارود لم يعرف الجاني فيها، ثم عقب ذلك أن ~~ماتت زوجة اللورد بوثول موتا أثار الشكوك، ثم لم يمض على موتها قليل، حتى تزوج اللورد ~~بوثول من ماري. # ولكن هذا الزواج لم يدم طويلا؛ فإن الاسكوتلانديين هاجوا لهاتين الجنايتين؛ فقد خرجا في ~~أدنبره فسارت مركبتهما بين نعيق العامة، وكانت النساء تطلق أوقح الأسماء على الملكة، ونصبت ~~لها رايات كبيرة، رسمت فيها صورة دارنلي وهو يقتل. # ثم ثار عليها النبلاء، فقادت إليهم جموعا من الرعاع ممن اختارتهم لخدمتها، ولكنها انهزمت ~~أمام جيوش النبلاء المنظمة، وقبض عليها، واعتقلت في أحد الآطام، حيث ولدت توأمين هما ثمرة ~~زواجها باللورد بوثول. # وقد قلنا إنه كان لشخصيتها فتنة لا يقوى أحد على مقاومتها، وهذا ms044 ما أفادها في معتقلها؛ ~~فقد أغرت الحرس وأغوتهم حتى أطلقوا سبيلها، ومهدوا لها الفرار، وخرجت متنكرة كأنها غسالة ، ~~ولكن رقة يديها وجمال أناملها نما عليها، فقبض عليها وأعيدت، ولكنها عادت ثانية وفرت، ~~يحرسها هذه المرة خمسون فارسا، وواصلت السير حتى دخلت الحدود الإنجليزية، ولكنها لسوء حظها ~~كانت قد استجارت من الرمضاء بالنار؛ فقد قبض عليها الإنجليز، ولفقوا لها تهمة قتلوها بها، ~~بعد أن اعتقلوها مدة. # أما زوجها فقد فر إلى الدانمرك، حيث اعتقله ملكها أيضا، ومات غريبا عن بلاده. # | الملكة إليصابات # يؤثر عن إليصابات ملكة إنجلترا قولها وهي تصتبي: «أحب إنجلترا أكثر من أي شيء في ~~العالم.» # ولم تكذب في هذا القول؛ فقد كانت تخطط الخطط، وترسم الترسيمات؛ لكي تفوز إنجلترا في معترك ~~السياسة الأوروبية. ومن أجل إنجلترا نزلت إليصابات عن جملة وافرة من حقوقها الملوكية، ونزلت ~~أيضا عن كرامتها، فكانت تكذب، وتخون، وتخنث، من أجل إنجلترا، بل كثيرا ما نافقت في الحب، ~~وتظاهرت به رياء، لكي ترفع من مجد بلادها وعزها. # وقد كانت مع ذلك امرأة تحب الدلال، ركبت نفسها على ما ركبت عليه نفوس سائر النساء ~~من حب التمليق، ورؤية الناس يعجبون بها، ويعترفون بجمالها؛ ولذلك كانت على الدوام محوطة ~~بنخبة شباب البلاد الذين فاقوا أقرانهم في الجمال والفروسية، تقضي وقتها معهم في المداعبة ~~البريئة، التي فيها شيء من أشمام الحب. # ولكن نفسها كانت تظمأ إلى الحب الصحيح في هرج هذه المداعبات؛ ولذلك ما هو أن عرفت وألفت ~~إرل لستر، حتى وجدت فيه ريها وعلقته، وصارت تكتوي بنار حبه. # ارتقت إليصابات عرش إنجلترا وهي في الخامسة والعشرين من عمرها، وقد وصفها مبعوث ألماني ~~أرسله مولاه لكي يتعرف حال هذه الملكة، فكتب عنها يقول: # إنها تعيش عيشة لا يكاد الإنسان يتصورها، لفرط ما فيها من البذخ وإيلام الولائم. ~~وهي تقضي كثيرا من وقتها في المراقص والولائم والصيد وسائر هذه الملاهي، تفعل هذا ~~كله في مظاهر وزينة، ومع ذلك فهي حريصة على أن تكون محترمة عند الناس أكثر من ~~الملكة ms045 ماري. وهي تعقد البرلمان، ولكنها تجعل الأعضاء يفهمون ضرورة إطاعة أوامرها ~~في أية حالة. # وكانت بيضاء، صهباء الشعر ، رشيقة القوام، وكانت لها يدان عجيبتان، لا تزالان موضوع إعجاب ~~من ينظر إلى صورتها. ويكاد يكون تاريخ حياتها معروفا بالتفصيل، لكثرة ما كتب عنها في ~~مدتها، وما نقب عنه المؤرخون بعد ذلك، ويؤخذ من ذلك أنها كانت مزيجا من العمل والهوى، ~~تنتابها نوبات من الجد، تعقبها فترات من المزاح، وكانت إذا مازحت تمادت، حتى يبعث تماديها ~~الشكوك، ومما يؤثر عنها أنها وهي فتاة لم تبلغ السادسة عشرة، اتهمت أو اتهم بالأحرى وصيها ~~لورد سيمور بمداعبتها، وقيل في التحقيق الرسمي الذي عمل بشأن هذه التهمة، أنها كانت تلاعبه ~~وهي في قميص النوم. ولكن تبين في التحقيق أن هذا اللورد لم يحضر قط إلى غرفتها إلا وهو ~~مصحوب بامرأته. # وكان ملك إسبانيا يتعشقها ويراودها على الزواج، حتى تصير إنجلترا إحدى ولايات مملكته ~~العظيمة، فكانت تطاوله وتمطله خدمة لمصالح بلادها. وكانت تطاول أيضا لهذا السبب عينه، جميع ~~من تقدم إليها بطلب يدها من الملوك والأمراء؛ فعلت ذلك بدوق دالنسون شقيق ملك الدانمرك، ~~وأمير أسوج وأرشيدوق النمسا، وغيرهم. واستطاعت بهذا المطل والتسويف، وإيهام المتقدمين إليها ~~بأنها تنوي الزواج بهم، أن توجد الشقاق بين أسوج والدانمرك، وبين فرنسا وإسبانيا. واحتفظت ~~بسلامة إنجلترا حتى أذن الوقت بضرب إسبانيا، فضربتها ضربة لم تبرأ منها للآن. # وقد خطر الزواج على بالها، وكانت تشتهي أن يكون لها عقب، ولكن حرصها على مصالح البلاد ~~جعلها تتردد كثيرا حتى فاتتها الفرصة، وكثيرا ما كانت تذكر الأولاد وهي تتحرق أسى وكمدا؛ ~~فقد أثر عنها أنها عندما ذكرت أمامها ملكة اسكوتلاندا أن قالت: إن لملكة اسكوتلاندا ابنا ~~سريا، أما أنا فأرض قاحلة. # وقد أحبت - وأخلصت في حبها - جملة رجال من حاشيتها، ولكن كبرياءها أبى عليها أن تنزل عن ~~مرتبتها الملوكية إلى الاقتران بأحدهم؛ فقد كانت كلفة بسير ولتر رالاي، لا تطيق فراقه، حتى ~~منعته من السفر إلى أمريكا لهذا السبب. وأحبت إرل إسكس، ولكنها عندما ms046 رأته يتعالى ويشمخ لم ~~تتراجع عن التوقيع على ورقة إعدامه. # ولكن ربما كان أعظم من نال قلبها وتسلط على عقلها، وعواطفها هو إرل لستر. وقد جعل ~~القصصي المعروف سكوت علاقته بها موضوعا لإحدى قصصه في كتاب كنلورث. ومما لاحظه أحد ~~المؤرخين أن إليصابات أنعمت على جميع من أحبتهم، فحبتهم بالمناصب السامية إلا لستر هذا؛ ~~وذلك لأنها كانت تشعر بخطورة ترقيته ورفعه إلى مركز سام، كأن قلبها كان يحدثها بعظم مكانته ~~في نفسها، وأنها إن فعلت ذلك لم تقو على رده عن التزويج بها أو التسلط عليها في شئون ~~المملكة. # وكان إرل لستر جميلا شجاعا، ويقال إنه قتل امرأته لكي يتفرغ للملكة، وإن الملكة كانت ~~تعرف هذه الجناية، وتسترت عليها؛ لأنها أرادت أن تحتكر قلبه، وتحظى بشخصه قريبا منها في كل ~~وقت. # وقد كان والد إليصابات، الملك هنري الثامن، مشهورا بحبه للنساء، ونزوعه إلى تغييرهن، حتى ~~تزوج ثماني نساء، فلا عجب أن تكون ابنته قد نشأت على طبعه، وربما منعها من الزواج هذه ~~الطبيعة التي ورثتها عن والدها، فما كانت تثبت على حب، إلا حب إرل لستر الذي حال كبرياؤها ~~دون أن تستسلم له كل الاستسلام، وترضى بزواجه. # وقد عاشت إليصابات إلى أن بلغت السبعين، وكانت تدهن بالأدهان وجنتيها، وتصبغ شفتيها، ~~وتخفي نحول الشيخوخة بملابس منقوشة. وكان رجال حاشيتها يتملقونها وهي في هذه السن، فتستجيب ~~لهم بالابتسامات والدعابات، كأن هذه الفطرة التي نشأت عليها لم تبل بتقادم الزمن. # وليس بين ملوك إنجلترا من هو أقرب إلى قلوب الإنجليز من الملكة إليصابات، وأكبر ما ~~يحببها إليهم أنها رفعت شأن البروتستانتية، وجعلت البحرية الإنجليزية تسود البحار، وكانت ~~تسوغ كل شيء لرفع شأن إنجلترا، فالإنجليزي لا يضن عليها بإكرامه ذكرها، مع تقلب أهوائها، ~~وكثرة محبيها، وغدرها بهم أحيانا. # | ماري أنطوانيت # ولدت ماري أنطوانيت سنة 1755، وكانت أمها ماري تيريزا إحدى ملكات النمسا وأوروبا ~~الشهيرات، وكان وجهها معروفا، يكاد يكون نحيلا، وكانت عيناها صغيرتين تشبهان عيني ~~الخنزير، وكانت شفتها غليظة. وزاد الطين بلة أنها لم يكن ms047 قوامها معتدلا، حتى كانت وهي طفلة ~~تلف وتعصب حتى يعتدل ما اعوج من قوامها. # وعندما بلغت الرابعة عشرة خطبت إلى ولي عهد فرنسا، وكانت في ذلك الوقت قميئة الهيئة، ليس ~~فيها من صفات الجمال سوى تاج ذهبي من الشعر الكثيف. وبعد عام تزوجت من ولي العهد، وانتقلت ~~إلى البلاط الفرنسي في باريس. # وكان لا يزال للبلاط الفرنسي في حكم لويس الخامس عشر بعض الكرامة في عين الجمهور، وكان لا ~~يزال فيه شيء من لألاء البلاط السابق؛ فكان الناس يأتون كل صباح لكي يروا الملك وهو يلبس ~~ملابسه ويتناول فطوره. يفعل كل ذلك علانية أمامهم، في أبهاء القصر المكشوفة، كأنه ممثل على ~~مسرح، فكان بينه وبين الجمهور ألفة وتعلق. # وعندما تزوج العروسان أمرهما الملك ألا يناما في غرفة واحدة، وأن يأخذا نفسيهما ~~بالوقار، ولكن ماري أنطوانيت لم تكن لها هذه النفس التي تعرف معنى الوقار، وتتخذ سمت ~~الملوك، فسارت سيرة النزق والطيش في القصر، وبلغت أخبار سيرتها إلى والدتها، فأرسلت إلى ~~السفير النمسوي تقول له: «أخبرها أنها ستفقد عرشها، وقد تفقد حياتها أيضا، إذا لم تصطنع ~~التبصر والتقية.» # ولكن النصائح لم تكن تجدي في ماري أنطوانيت، وربما كان يكون لها وقع لو أن زوجها كان على ~~شيء من «الخلق العظيم». ولكنه هو الآخر لم يكن أهلا لأن يكون ملكا؛ فقد كان غبيا، لا ~~يهتم إلا لشيئين في العالم، وهما الصيد والحدادة، فإذا لم يكن في الحقول والغابات، يقفو أثر ~~طير أو ثعلب، كان أكثر ما يكون في دكان حدادة صنعها لنفسه، يقضي فيها وقته بين الكير ~~والسندان، يصنع قفلا أو نعلا أو مسمارا، فإذا خرج من دكانه وقد كساه نواس الدخان، لقي ~~زوجته وهي في ملابسها الهفهافة، وقد علاها زبد من النسيج المحزم، وعبق حولها أريج ~~العطور. # وقد يكون في هذا الاختلاف بينهما في المزاج، ما يخفف من تبعة ماري أنطوانيت؛ فقد كانت تحب ~~اللهو، بمقدار ما كان هو يحب الصيد وصنع الأقفال. # وقد كثرت الإشاعات عن ماري أنطوانيت كما كثرت ms048 الظنون، فكان البعض ينتقدها، بينما البعض ~~الآخر يدافع عنها دفاع المتهكم المعتذر عنها. ولكن نتيجة ذلك كله كانت احتقارها هي وزوجها، ~~في وقت كانا فيه في أشد الحاجة إلى احترام الجمهور؛ فقد كانت أمائر الطوفان الذي تنبأ به ~~لويس الخامس عشر قد بدأت تظهر، وأخذ الاستياء تدب عقاربه بين طبقات الأمة. ومات الملك لويس ~~الخامس عشر بالجدري، وأخرج من القصر في عربة قذرة، ليس حوله أحد من خاصته أو حاميته. وصارت ~~بذلك ماري أنطوانيت ملكة تطاع، لا تجد من حميها ما يعارض أهواءها ويكبح جماح ~~شهواتها. # وكانت هذه الأهواء، وهذه الشهوة، قوية، فانطلقت الألسنة حولها لا تتحرج في شيء تقوله ~~عنها. وكان من أهواء ماري أن تلبس قبعة طويلة مزينة بعشرات من الريش الزاهي المختلف ~~الألوان، وكانت تختار من الملابس الرحب المتهدل على الجسم، ولم تكن تستعمل الكورسيه، فكانت ~~إذا خرجت إلى حفلة، بدت للناس كأنها في غرفة نومها. # وكان مسلكها هذا مدعاة إلى اتهام الناس لها بأفظع التهم، وكان الملك جامدا نحوها، لا ~~يأبه بما تفعل. وبقيا مدة طويلة بلا عقب، حتى اهتم لذلك البلاط النمسوي، وكتب سفير النمسا ~~يلمح إلى ضرورة وجود وارث للعرش. # وحدث في هذه الأثناء أن زار شريف أسوجي البلاط الفرنسي، وكان وسيما ذا طلعة بهية نبيلة، ~~يدعى الكونت فرزن، وكان شابا صافي السريرة، ورأى الملكة فعلقها، وكتم هواه، فلم يكن يبدو ~~للملكة منه سوى العطف الخفي، والإشارة المختلسة، والإيماء الكاسي بالوقار. # وكانت ماري أنطوانيت قد عرفت جملة محبين، ولكنهم كانوا يستغلون حبها لمصلحتهم، أما فرزن ~~فلم يكن يبغي من الحب سوى الحب، فأكبرت الملكة هذه العاطفة الشريفة فيه، وكان قلبها قد ظمئ ~~إلى الحب الصحيح الدائم، تركن إليه في وسط هذه الشهوات الجامحة الزائلة، فلما أيقنت بحبه ~~لها استجابت له، ولبت رغبته فيها، وتبادلا كئوس الغرام. # ولم يمض قليل حتى أعلن أن الملكة قد حملت، وأنها على وشك الوضع، فكثرت تقولات الناس ~~وتأولاتهم، وصار الهمس الخافت صوتا جهيرا؛ لأن حرمة الملوكية كانت قد زالت ms049 من النفوس، ~~وتهيأت الأمة للوثوب على العرش. # وبلغ من عماية رجال البلاط أن شقيق الملك وقف شبينا للطفلة التي ولدت، وبينما الجموع ~~تحتشد في الكنيسة الكاتدرائية الكبرى نوتردام، تقدم القسيس قبل التعميد، يسأل عن اسم ~~الطفلة، فقال الشبين: «لا يحسن بنا أن نبتدئ بهذا السؤال، فلنسأل أولا عن أب الطفلة وأمها ~~من هما؟» وتنوقلت هذه الكلمات، حتى صار يلوكها كل ساكن في باريس، وصار الناس ينظرون إلى ~~فرزن نظرات التلويح والتلميح. ومما يؤثر عن علاقته بالملكة هذه القصة التالية التي كتبها ~~في أحد خطاباته السفير الأسوجي في باريس إلى ملك أسوج: # إني أسر إلى جلالتكم أن الكونت فرزن قد تقبلته الملكة قبولا حسنا، حتى أساء ~~الكثيرون ظنا بذلك. وأنا أعترف بأنها تحبه؛ فقد رأيت على ذلك البراهين التي لا ~~يتسرب إليها الشك؛ ففي الأيام القليلة الأخيرة لم تحول الملكة نظرها عنه، وكانت ~~عيناها طول ذلك الوقت مملوءتين بالدموع. وأرجو جلالتكم أن تتحفظوا بهذا السر. # وكانت الملكة تبكي لأن فرزن قد أجمع على أن يسافر إلى أمريكا؛ ضنا بشرفها وعرضها أن ~~تلوكهما الألسن؛ فقد رأى أن العيون ترمقه وتلحظه لحظا ذا معنى، فأراد أن يقطع عن حبيبته مع ~~شدة تعلقه بها ألسنة الناس، فعزم على مبارحة فرنسا للالتحاق بجيش لافاييت الذي كان يعاون ~~الأمريكيين على نيل حريتهم من الإنجليز، وأذاع قبيل سفره أنه قد عزم على أن يتزوج من إحدى ~~الأسوجيات المثريات. # وبقي فرزن في أمريكا ثلاث سنوات، عاد بعدها إلى فرنسا، وعادت علاقته بالملكة. وكان تيار ~~الثورة قد أوشك أن يطغى بالملوكية، وجاء الجزاء العادل للمظالم الغابرة، فحاول فرزن في سنة ~~1791 أن يأخذ الملك والملكة، ويفر بهما، حتى يخرج من الحدود الفرنسية، ودبر لذلك التدابير ~~اللازمة، ولكنه أخفق على حدود فرنسا، وقبضت العامة على الملك والملكة، وعادوا بهم يتغنون ~~بأناشيد الثورة. # وجاءت سنة 1792، فأخذ الملك، وفصل رأسه بالمقصلة، وقضت الملكة بعد ذلك مدة في السجن، ~~وهي عرضة لمختلف الإهانات المتنوعة من وحوش الثورة الفرنسية، حتى أخذت هي أيضا إلى ms050 ~~المقصلة وقطع رأسها. # وعاش بعدها فرزن عشرين سنة، ومات هو الآخر في شوارع ستوكهولم على أيدي الرعاع، الذين ~~مزقوه وهم في جنون الحنق والغيظ، فكانت موتته تشبه موتة الملكة؛ إذ مات كلاهما على أيدي ~~الرعاع، وكان قد عاش بعد موت الملكة، أمينا على حبها، لا يذكر سواها، ولا يتعزى بشيء آخر. # | شارلوت كورداي # كانت شارلوت كورداي فتاة فرنسية تنتمي إلى أسرة شريفة قديمة، يعد منها كورناي الشاعر. ~~ولكن الدهر أخنى على الأسرة، حتى صار جملة من أفرادها في عداد الأكارين، ولكنها نشأت في ~~وسط بعيد عن الريف والطبيعة؛ فقد قضت صباها في أحد الأديار، حيث لقنت القراءة والكتابة، ~~وجال فكرها جولة صغيرة في الكتب المقدسة. وخرجت من الدير، فلزمت عمة لها عجوزا، وكان ~~بمنزلها بعض الكتب فالتهمتها التهاما، وكان أحب الكتب إليها تراجم فلوطرخس وتاريخ الرومان، ~~حتى امتلأ رأسها بقصص المجد والبطولة والتضحية، فكان مناها أن تخدم بلادها، ويخلد ذكرها في ~~صحف التاريخ، وتقرن ترجمتها إلى تراجم أولئك الأبطال الذين قرأت عنهم. # وشبت الثورة الفرنسية وهي في حوالي العشرين من العمر، فاهتمت لها، وأخذت تدرس أسبابها، ~~وترقب تطورها، وكانت تعطف على العامة لقيامهم على الحكومة، ورغبتهم في قلبها؛ لأنها رأت ~~بعينها عسف النبلاء والموظفين بالأهالي، الذين كانوا يئنون من الضرائب الباهظة، يلي بعضها ~~بعضا طوال العام، حتى عم الفقر البلاد، وشمل الشقاء جميع الطبقات، عدا الأشراف والموظفين ~~وكل متصل بالبلاط. # ولكن الثورة الفرنسية تولى قيادتها فئة من الغلاة، أخذت في التقتيل واضطهاد المخالفين ~~لمذهبها، القائلين بالتؤدة والاعتدال، فضج الناس من ظلمها؛ إذ بعد أن قتلت الملك والملكة، ~~وأتبعتهما بعدد كبير من الزعماء وقادة الرأي، أخذت تبث العيون بحثا عن الخونة، و«الخونة» ~~في عرف هذه الفئة لم يكونوا سوى كل معتدل يجرؤ على نقد رجالها وأعمالهم. # وكان «مارات» زعيم الفئة السفاكة، قد بدأ حياته بمزاولة الطب، ودرس العلوم الطبيعية، وبرع ~~في هذا الدرس بعض البراعة، أقر له جوته، الأديب الألماني، وفرانكلين العالم الطبيعي ~~المعروف، بما أداه من الخدمة في درس الكهربائية، ms051 ولكن ما نشبت الثورة الفرنسية حتى نفض ~~مارات عنه رداء العلوم، وتقمص ثوب السياسة، وانغمس في حمأتها، حتى جلب على نفسه عداء عدد ~~كبير من الناس، لغلوه في الدعاية إلى الجمهورية، واضطهاد المعتدلين القائلين بتقييد الملكية ~~بدستور على النحو الإنجليزي. وأخذ أعداؤه في مناوأته، والبحث عن أذاه، حتى اضطر إلى الهجرة ~~إلى الريف خوفا منهم، وبقي هناك مدة، عاد بعدها إلى باريس خفية. # ولكنه وجد أعداءه يقظين، يترقبون مجيئه، ويفتشون عنه، فاختفى منهم في مكان لا يخطر ببالهم ~~أن الكلاب تعيش فيه؛ إذ لم يكن هذا المكان سوى سرداب تجري فيه أوساخ مراحيض باريس، فكمن فيه ~~مختبئا، يرسل على أعدائه منه سهاما من المقالات المسمومة، ويحرض عليهم، ويغوي العامة ~~بهم. وناله من مقامه في ذلك السرداب مرض جلدي شنيع، يقذي عين الناظر، ويؤلمه أشد الألم، ~~حتى انتهى به الحال أن يخفف وطأته عليه بأن يقعد طول نهاره في حوض ماء دافئ. # وكانت شارلوت تسمع عن مارات أنه زعيم الفئة السفاكة، وأن المقصلة لا تهدأ عن قطع الرءوس، ~~ما دام هذا الرجل حيا، وكانت تعيش في نورماندي، حيث أكثر السكان من الجيرونديين - أي ~~المعتدلين - «فكانت تغشى اجتماعاتهم، وتتشرب بآرائهم، حتى وقر في ذهنها، وثبت في قلبها، أنه ~~لا نجاة لفرنسا إلا بقتل مارات.» # ففي سنة 1793 قر قرارها أن تذهب إلى باريس وتقتله، وحصلت على جواز سفرها من بلدتها كاين ~~في نورماندي إلى باريس (ولا يزال هذا محفوظا). وقد جاء فيه ما يلي: «أجيزوا مرور ماري ~~كورداي عمرها 24 عاما، وطولها خمسة أقدام وبوصة، ولون شعرها وحاجبيها كستني، وعيناها ~~سنجابيتان، وجبهتها عالية، وفمها متوسط، وفي ذقنها ندبة، ووجهها بيضوي.» # ويوجد أيضا لها رسمان باقيان للآن، يتبين منهما أنها كانت جثلة الشعر، عيناها تنطقان ~~بالإخلاص والشجاعة، وكان قوامها معتدلا، ينطوي على الجمال والرشاقة. # ولما وصلت باريس أرسلت إلى مارات ورقة تقول فيها: «أيها الوطني، لقد وصلت من كاين هذه ~~الساعة، وليس شك في أن حبك بلادك، يرغبك في أن تعرف الحوادث التي ms052 حدثت في هذا الجزء من ~~الجمهورية، وسأزورك بعد ساعة، فأرجو من إحسانك أن تتكرم بمحادثتي، وسأفيدك بما فيه منفعة ~~فرنسا .» # فرفض مارات أن يتلقاها، فعاودت الطلب، وعاود الرفض. ثم جاءت مرة ثالثة، وأخذت تتكلم مع ~~الخادم، وتلح في رؤية مارات، وسمع مارات صوتها فاستدعاها، وكان قاعدا في حوض يغمر الماء ~~معظم جسمه، وهو يقرأ ويكتب، فلما دخلت حيته، وأخذت تصف له جماعة الجيرونديين المعتدلين في ~~بلدتها وما ينوون فعله، فلما سمع مارات ذلك قال لها: «جميع هؤلاء الذين تذكرينهم سيقتلون ~~قريبا في بضعة أيام.» # وكانت شارلوت قد اشترت سكينا من نوع السكاكين التي تستعمل في المطبخ، فأخرجته من صدرها، ~~وطعنت مارات به عدة طعنات، مزقت قلبه ورئته، وصاح مستغيثا، فدخلت خادمتاه، وأوثقتا شارلوت ~~وسرعان ما جاءت الشرطة وقادوها إلى المخفر. # والآن قد يتساءل القارئ: أين هو الغرام في هذه القصة الطويلة، وقد أدركنا خاتمتها أو ~~كدنا؟ # والحقيقة أن غرام شارلوت كورداي من أعجب ما روته كتب التواريخ؛ فإنها عندما قدمت ~~للمحاكمة كان قد تسامع الناس عن الجناية، وأخذوا في الحديث والمبالغة في الرواية عن هيئتها ~~وسيرتها، حتى بلغ الخيال من بعضهم أن صار يصفها كأنها غول بشع، فازدحم الناس إلى المحكمة ~~لرؤيتها، وكان بين هؤلاء المتزاحمين شاب ألماني يدعى آدم لوكس، بعثه الاستطلاع على أن يذهب ~~هو الآخر ليرى هذه الغولة. # ولكنه ماذا رأى؟ رأى وجه فتاة قد جلل وجهها الشعر الجميل، يزيد حسنه منديل أبيض قد ربط ~~فوقه على عادة الفتيات النورمانديات، ورأى عينين يتجلى فيهما الوقار والجد، وتكاد أن تختفيا ~~وراء الأهداب الطويلة السوداء، ورأى وجها ينبض بالصحة الوفيرة، وقد احتقن بفعل الشمس ~~والهواء الطلق، هذا إلى صدر منتفخ، وذقن كأنها ذقن قيصر، كلها إرادة وعزم، تكسو جميع ذلك ~~هالة قدسية من التضحية وبذل النفس، في مصلحة الوطن. ولم يرها آدم لوكس سوى مرة أخرى في 17 ~~يوليو وهي تحت المقصلة، ولكنه سحر بجمالها فأخذته روعته، وافتتن بجلالة نفسها، وذهب يوم ~~إعدامها إلى المقصلة، وسمعها بأذنه وهي تقول ms053 قبل أن تهوي على عنقها: «حسبي أني أديت واجبي، ~~وما عدا ذلك فباطل.» # فجن جنون آدم لوكس، وذهب في كل مكان يلعن القضاة الذين حكموا عليها، ووضع رسالة في ذلك ~~قال فيها: # ليست المقصلة عارا الآن؛ إذ قد صارت منذ 17 يوليو مذبحا قد غسل من كل دنس بهذا ~~الدم البريء. أجل يا شارلوت المقدسة، اغفري لي إذ لم يبد مني في الساعة الأخيرة ~~تلك الشجاعة، وتلك الوداعة، اللتان هما من صفاتك. إنه لمن مجدي أن أجدك تفضلينني؛ ~~لأنه حق أن يفضل المعبود عابده. # وانتشرت هذه الرسالة بين الناس، وقبض على آدم لوكس، وقدم إلى المحاكمة، وكان كما قلنا ~~ألمانيا، فكان القضاة على الرغم من أن موضوع الرسالة لا يعدو أن يكون شرحا لعسفهم وسبا ~~فيهم، يميلون إلى تبرئته، على شرط أن يجحد ما قاله، وأن يعود إلى ألمانيا. # ولكن القضاة كانوا يجهلون الطور الذي بلغه آدم لوكس في حبه شارلوت؛ فقد كان حبه لها قد ~~بلغ حد العبادة، حتى صار يخشع لذكراها، ويتأوه عندما تخطر بباله، فكانت في الحقيقة وسواسه ~~وهمه؛ ولذلك ما كاد أن يسمع من القضاة اقتراحهم جحد ما قال في الرسالة، حتى انهمرت من فيه ~~ألفاظ السباب، فأخذ يشتمهم ويحقرهم، ويمجد ذكر شارلوت تمجيد العابد لربه. # وحكم عليه بالإعدام، فأسفر عندئذ عن وجهه، وسار إلى المقصلة مستبشرا، واثقا أنه أدى ~~ما عليه نحو شارلوت. # | نابليون وماري فالفسكا # كانت هموم نابليون في الفتح والحروب، ومشاغله في مكايدة أمراء أوروبا وملوكها، وسوس ~~رعاياه، تحول دون صرفه اهتمامه إلى الحب والغرام، فكان لا ينظر إلى المرأة إلا بمقدار ما ~~فيها من المحاسن التي تلبي شهواته الدنيا، فكان يشتهي دون أن يحب. ولكن المرأة التي كان ~~يشتهيها كانت تجد فيه من صفات الرجولة وسمات العظاميين والتفوق النادر والطموح الدائم إلى ~~السيادة، ما كان يجعلها تتعلق به وتعشقه وتحبه حب التضحية. وقد عرف نابليون جملة نساء قل ~~منهن من خنه، وكثر منهن من أخلصن له وعشن على ولائه. # ومن هؤلاء النساء ms054 مدام ماري فالفسكا، كانت فتاة بولندية في الثامنة عشرة من عمرها، وكانت ~~غاية في الجمال، كأنها دمية إغريقية. وكان في عينيها حور ، وفي أهدابها طول يزيد قوة هذا ~~الحور وأثره في نفس الناظر. وكانت تنتمي إلى أسرة فقيرة، ورآها أحد أشراف بولندا، وكان ~~رجلا فانيا مسنا فأحبها حب العشق والوله، وتزوج بها. # وحدث أن دخل نابليون بولندا في سنة 1807 بعد أن هزم النمسا وقضى على جيوش ألمانيا. وكان ~~البولنديون يتوسمون فيه المخلص لبلادهم، المعيد لهم استقلالهم من الأمم الثلاث التي ~~اقتسمتها، وهي روسيا والنمسا وألمانيا، فقابلوه بمظاهر الحماسة والتهليل، وكانت عربته لا ~~تدخل إلى بلدة من بلادهم، حتى كانت طاقات الزهر تغمرها وتنثر تحت أرجل خيولها. وكان قد ~~تطوع في الجيش الفرنسي آلاف من البولنديين، الذين كانوا يرجون أن يحققوا استقلال بلادهم على ~~يدي نابليون، وكان نابليون يعرف قيمة هذا الأمل في تقوية جيشه، فكان يمني البولنديين ~~بالوعود الخلابة، ويعللهم بالأماني التي كان يعرف هو نفسه كذبها، وعدم إمكان ~~تحقيقها. # فبينما كان نابليون في مدينة برونية، سائرا في عربته والهتاف يتعالى والنساء يزحمن ~~الرجال، وعطر الزهور يعبق في الهواء، إذا بصوت حلو يقول: دعوني أمر حتى أراه ولو لحظة ~~واحدة. # وكان هذا الصوت ماري فالفسكا. وما هو أن شقت طريقها إليه، وصارت أمام العربة حتى قالت: ~~أرحب بك ثلاثا يا مولاي، إننا مهما قلنا أو فعلنا، فلسنا نقدر على أن نترجم عن شعورنا ~~بالفرح لمقدمك، وعن رجائنا بأن تخلص بلادنا من الظلمة. # فتأثر الإمبراطور من جمالها، وانحنى أمامها، وأخذ طاقة من الورد وقدمها إليها قائلا: خذي ~~هذه برهانا على إعجابي. وإني أرجو أن ألتقي بك في فارسوفيا لكي أسمع من هاتين الشفتين ~~كلمات الشكر. # ولم يكن نابليون ممن ينسون شيئا يسر أو يضر، فما هو أن وافى فارسوفيا حتى سأل عن الفتاة، ~~وطلب قدومها إليه. # ولم تمض ساعات حتى كان الأمير بونياتفسكي، يرافقه آخرون من نبلاء بولندا، قد وصل إلى ~~منزل الفتاة، يسألها التوجه إلى الإمبراطور. وتعجبت الفتاة من ms055 هذه الدعوة، وحرص نابليون على ~~معرفة منزلها، واحتفاله بها حتى يرسل إليها بضعة من أشراف قومها، لكي تحضر معهم إليه، ~~فغمرها الحياء حتى صبغ وجنتيها، ثم قال الأمير: «هذا يا سيدتي هو ما أمرني به جلالته؛ طلب ~~إلي أن أدعوك إلى الحضور إلى الاحتفال الذي سيعقد للرقص هذه الليلة، ولعل الله قد قدر أن ~~تكون نجاة بلادنا على يديك.» # وكانت ماري تغالي في وطنيتها، وتتوق إلى استقلال وطنها، فكانت هذه الوطنية تغريها بالذهاب ~~إلى نابليون، ولكن شيئا وسوس في صدرها بأن نابليون لا يبغي خيرها من هذه الزيارة، فترددت ~~ثم أحجمت. # وما كاد هؤلاء الأشراف يخرجون حتى جاءها فوج آخر من الأهالي الذين عرفوا بخبر هذه الدعوة، ~~وصاروا يلحون عليها في تلبية دعوة الإمبراطور، حتى زوجها نفسه لم يحجم عن التضحية بعرضه ~~الشخصي لأجل منفعة وطنه، فأخذ هو الآخر يلح عليها بالذهاب. # فذهبت تلك الليلة إلى الاحتفال، وقعدت منزوية في إحدى نواحيه؛ لأنها كانت تجهل فن الرقص. ~~وبينما هي تكلم الأمير بونياتفسكي، وإذا بشخص قد وقف إلى جانبها، شعرت هي أنها لا تجسر أن ~~ترفع نظرها في وجهه. وكان هذا الواقف نابليون، الذي فاجأها بقوله: لقد أخطأت في اختيارك هذا ~~اللباس الأبيض؛ لأن الأبيض لا يشاكل الأبيض. # ثم انحنى عليها، وقال وهو يهمس: كنت أنتظر استقبالا آخر. # فلم تقو ماري على التبسم، أو على التطلع إلى وجهه. ثم تركها في مكانها، وسار بعيدا ~~عنها. وانتهت الحفلة، وخرج المدعوون، وذهبت ماري إلى دارها، وقلبها مفعم بالإحساسات ~~المختلفة. # وفي الصباح، وماري تتقلب على فراشها تحاول ترتيب هذه الإحساسات، وإذا بالخادمة تدخل ~~وتناولها مظروفا، فضته وقرأت فيه هذه العبارة الموجزة: # لم أر أحدا غيرك. لم أعجب إلا بك. لا أرغب إلا فيك. أجيبي فورا وهدئي روعي. # ن # فلم يبق شك عند ماري في الغرض السافل الذي يطلبها من أجله نابليون، فأخذتها العزة ~~بالعرض، وشاع الغضب في جسمها، وحمي رأسها، ثم تفجرت عيناها بالدموع، فأخذت تنشج أحر نشيج، ~~وتبكي مر البكاء، وتندم على تحيتها ms056 له وهو مار في العربة. # ولم تجب على رسالة نابليون، وبقيت إلى اليوم التالي. ولكن ما أتى عليها صباحه حتى ~~سلمتها الخادمة خطابا آخر، فأخذته ورفضت أن تفتحه. ثم توافد الزائرون إلى بيتها، وهي راقدة ~~في سريرها ترفض استقبالهم، وكان جميع الزائرين يعرفون غرض نابليون، ويستهينون بعرض المرأة ~~يبذل في سبيل تحرير الوطن، حتى زوجها نفسه، صار يعنفها على عدم تلبيتها دعوة الإمبراطور. ~~وأخذ الناس من أهالي بولندا، المشتغلين بتحرير بلادهم، يرسلون إليها الخطابات، يسوغون لها ~~فيها التضحية بالعرض، من أجل رفعة الوطن وكرامته واستقلاله. # وهكذا قضى أن تتألب جميع القوى على هذه المرأة، لكي تذعن لإرادة نابليون، وكانت قد أقيمت ~~وليمة كبرى ودعيت إليها، فأجابت. # فلما التأمت الوليمة مر نابليون على المدعوين، ووقف عندها، وقال: سمعت أن المدام كانت ~~متوعكة، فعسى أن تكون قد شفيت. # ولم يزد على ذلك كلمة طوال السهرة، يوهمها بذلك أنه لم يعد يبالي بها، وكان نابليون ~~داهية، يرمي إلى غرض بعيد في كل ما يفعل، فأخذ في تلك السهرة ينظر إلى بعض النساء، ويقبل ~~عليهن بالحديث، كأنه مشغوف بهن، وكأنه قد نسي ماري التي أعرض عنها تمام الإعراض، وفي خلال ~~ذلك تلحظه ماري، وتأسف على تلك الفرصة التي عرضت وفاتت، دون أن تنتفع بها. # وانتهت السهرة، وطلب إلى ماري أن تبقى، فبقيت، فجاءها أحد قواد نابليون وناولها رسالة، ~~فلما فضتها وجدت أن نابليون يضرب لها ميعادا تلك الليلة للقائه، ويهيئ لها الوسائل اللازمة ~~لإخفاء أمرها. # ثم لم تمض برهة قليلة حتى طرق الباب ودخل خادم، وناولها ما تستر به وجهها وجسمها. ثم ~~خرجت معه، وركبت عربة صارت تنهب بها الشوارع، حتى أنزلتها أمام قصر كبير صعدت درجه، وصارت ~~في إحدى غرفه الرحبة. # فما كادت تستريح حتى جاءها نابليون، وجلس قريبا منها دون أن يلاصقها، وأخذ معها في ~~الحديث حتى اطمأنت، وأنست به، حتى إذا وشك النهار أن يطلع قال لها: «والآن يا حمامتي، اذهبي ~~إلى دارك واستريحي. لا تخشي النسر (نابليون) فسيأتي وقت تحبينه ms057 فيه، فينفذ لك جميع أوامرك. # ثم ودعها إلى الباب، ووقف عنده، وقال إنه لن يفتحه حتى تعده بالمجيء في اليوم الثاني. ~~فوعدته ذلك . # وفي اليوم التالي جاءتها منه هدايا الزهر والألماس، فتناولتها وأذرتها في الغرفة وهي ~~مغضبة، ولكنها مع ذلك ذهبت إلى الوليمة، وعندما انتهت السهرة بقيت كما فعلت في الليلة ~~الماضية. وجاء إليها نابليون والغضب يقدح عينيه، وقال لها: «لم لم تلبسي الألماس الذي أرسلته لك؟ لم كنت تعرضين وتتحامين أنظاري هذه ~~الليلة؟ هذه مسبة لا أطيقها، يجب أن تعرفي أني منتصر عليك، وأنه يجب أن تحبيني، يجب ~~أن تحبيني؛ فإني قد رددت إلى بلادك اسمها، وحظها الآن في كفي.» # ثم أخرج ساعته وقبض عليها، وقال: «انظري إلى هذه الساعة، إن بلادك في يدي الآن مثل هذه ~~الساعة. وإني أقدر على أن أمزقها شذر مذر، إذا لم تجيبي طلبي، وأتركها شظايا كما أفعل بهذه ~~الساعة.» # قال ذلك، ورمى الساعة بكل قوته إلى الحائط، فذهبت شظاياها في كل جانب من الغرفة، وارتاعت ~~ماري لهذا المنظر، فأغمي عليها، وأفاقت وهي بين ذراعي نابليون. # وبعد ذلك صارت ماري خليلته، لا يفارقها في حروبه أو وقت السلام في باريس. وأحبته هي حب ~~العبادة، فكانت تضحي بكل شيء من أجله، ولم تكن تطمع في شيء سوى حبه، وحتى إنه عندما انهزم ~~واستأسر في سنة 1815، ونفي إلى جزيرة القديسة هيلانة طلبت أن تذهب معه، ولكن حيل بينه ~~وبينها، وعاشت مدة وجيزة بعده، وماتت فقيرة. وكانت آخر كلمة لفظتها في نزع الموت هي: ~~نابليون! # وكانت كلما استأدت نابليون وعدها بتحرير بلادها يراوغها ويقول: «إني أحب بلادك، ولكني لا ~~أستطيع أن أسفك دماء الفرنسيين من أجل بلاد أجنبية عنهم.» # وقد ولدت لنابليون ولدا، هو الوحيد الذي عاش إلى سن الشيخوخة من نسل نابليون، وقد ~~استخدمه نابليون الثالث، وعينه في المناصب العليا، فأداها بذمة وأمانة. # | ماري لويز # في سنة 1809 كان نابليون في أوج عزه وسلطانه، قد خضعت له أوروبا كلها أو معظمها، وعندئذ ~~أخذ صباغ الثورة الذي ms058 تخضب به ينصل عنه، وصار يرتدي رداء الملوك، ويحمل شعارهم، ويبحث عن ~~زوجة تلد له ولي عهده الذي يحمل اسمه ويخلد ذكره. # وكان إلى هذا الوقت متزوجا جوزفين، تلك الأرملة الجميلة التي عشقها وهو بعد ضابط فقير، ~~فانفصل منها، وحصل على طلاقها، وأجال نظره في قصور الملوك في أوروبا، ينشد أميرة من سلالة ~~ملوكية قديمة، تكون أما لملك أو إمبراطور، يحمل اسم نابليون. # وكان لقيصر روسيا أخت جميلة، فطلبها نابليون من القيصر، فأبى أنفة من مصاهرة هذا ~~الإمبراطور المحدث، وإشفاقا على أخته أن تقع بين براثن هذا النمر، فتحول عنه إلى إمبراطور ~~النمسا والمجر، ولم يكن له بين ملوك أوروبا وأمرائها من هو أعدى له منه؛ فقد حاربه خمس ~~مرات وهزمه، ودخل نابليون مدينة فينا على رأس جيشه الظافر، وأذاق أهلها ذل الهزيمة ومهانة ~~الانكسار، فكان الإمبراطور فرانسز يكرهه كما يكره الإنسان مبدأ ومذهبا يريد أن يمحقه من ~~الوجود. # ولكن سياسة النمسا في ذلك الوقت كانت في يد الأمير مترنيخ، وكان داهية عظيما، فلما علم ~~برفض قيصر روسيا اغتنم هذه الفرصة وعرض على نابليون أن يتزوج ابنة الإمبراطور فرانسز، وكان ~~يقصد من هذا الزواج ضمان العرش النمسوي، وتأمين الإمبراطورية من غزوات نابليون، وإن كان في ~~ذلك يضحي بهذه الفتاة الغريرة. # ولم تكن هذه الفتاة، ماري لويز، قد بلغت التاسعة عشرة من عمرها، ولم تكن قد رأت نابليون، ~~وإنما كانت تسمع عنه ما كان يحكيه أبوها وعمومتها، وكانوا كلهم يدعونه «الغول». # وكانت ماري لويز مديدة القامة، بيضاء يجلل وجهها شعر كستنائي اللون، يميل إلى البياض، ~~وكانت وجنتاها متوردتين، يتدفق ماء الشباب بل الصبا من وجهها. وكان فمها واسعا، عليه طابع ~~آل هابسبورغ في تلك الشفة السفلى المتدلية، التي ترى للآن في ألفونسو ملك إسبانيا. # وأدرك أبوها قيمة الاتحاد مع نابليون، فرضي بذلك. وقبل نابليون الزواج، وحدد له ميعادا. ~~وذهب الإمبراطور فرانسز إلى ابنته وكاشفها بهذه النية، فارتاعت لأول وهلة، وسألتهم كيف ~~كانوا يدعونه «غولا»، وكيف تتزوج برجل هذه صفته؟! # فأخذ أبوها ms059 في طمأنتها، حتى استكانت إلى حظها، ورضيت بالتضحية بنفسها لأجل أمان بلادها. ~~وكان مما قالته لمترنيخ عندما كان يغريها بأن يقدم لها جميع ما تطلب: «لست أطلب سوى ما ~~يأمرني الواجب أن أطلب.» # وأعلنت بعد ذلك خطبة نابليون لها، وصارت فينا وباريس كلتاهما تتنافس في الاحتفال بالزواج ~~القادم وتعد له معداته. # وأرسل نابليون في هذه الفترة خطابا إلى خطيبته، قد امتزجت فيه لهجة الحب بلهجة السياسي ~~الدائب في المفاوضة، قال: # يا ابنة عمي # إن الصفات الباهرة التي يتزين بها شخصك قد أوحت إلى نفسي الرغبة في أن أخدمك، ~~وأكون على ولائك. وعندما عرضت رغبتي هذه على والدك الإمبراطور، ورجوته في أن ~~يأتمنني على سعادتك، كنت أمني نفسي بأنك سوف تدركين العواطف التي دفعتني إلى هذا ~~العمل، فهل لي بأن أملق نفسي، وأقول بأن قرارك لن يكون عائدا إلى الطاعة الأبوية ~~فقط، ومهما يكن إحساسك من ناحيتي، أو ميلك إلي ضعيفا، فإني أريد أن أحتفظ بهذا ~~الإحساس وهذا الميل، وسأجتهد في أن أكون سبب مسرتك، حتى إني من الآن أملق نفسي، ~~ومعتقدا بأنك سوف تستحسنين شخصي، وهذا غاية ما أريد أن أصل إليه، ولأجل هذه الغاية ~~أريد من سموك التعطف علي. # وكثيرا ما فوجئت الأميرة وهي تبكي في تلك الفترة قبيل الزواج بأيام، وقد قضى أبوها معها ~~يوما كاملا وهو يطمئنها ويقويها، وكان الجميع يشعرون أنها قد ضحي بها في سبيل سلامة ~~الإمبراطورية. # وجاء ميعاد مغادرتها، فاحتفل الأهالي بذلك احتفالا عظيما. ومما يدل على حالتها العقلية ~~في ذلك الوقت، أنها كتبت هذه الرسالة إلى والدها، عندما وقفت العربات لاستراحة الخيل بعيد فينا: # إني أفكر فيك على الدوام، وسوف أفعل ذلك دائما؛ فقد منحني الله القوة لأن أتحمل ~~هذه الصدمة الأخيرة، وفيه وحده أضع كل ثقتي، فهو سيكون في معونتي، ويمنحني الشجاعة، ~~وبذلك أتقوى في تأدية واجبي نحوك؛ إذ إني قد ضحيت بنفسي لأجلك. # وبهذه الحالة العقلية دخلت ماري لويز فرنسا. وكان نابليون يذكر ماري أنطوانيت وحاشيتها ~~النمسوية، وكراهة الفرنسيين لهذه الذكرى؛ ms060 لهذا أمر جنوده بمنع النمسويين المصاحبين للأميرة ~~من دخول فرنسا، فرجعوا من الحدود، وبقيت الأميرة وحيدة بين هؤلاء الأغراب، وشعرت بوحشة ~~بينهم آلمتها، وأعادت إليها ذكرى صباها وشبابها بين بني وطنها. # فلما صار بينها وبين باريس نحو ستين ميلا، تلقاها نابليون في ليلة مكفهرة عاصفة ممطرة، ~~فركب إلى جانبها، وهي لا تتبين وجهه، حتى وصل إلى قصره في ساعة متأخرة من الليل. ~~••• # واستيقظت في الساعة الحادية عشرة، ولم تقدر على مبارحة سريرها وعاشا معا في وقار الملوك. ~~وكان نابليون في سن والدها، ولذلك لم يكن يأذن لرجل أن يخاطبها إلا في حضرة إحدى ~~وصيفاتها. # وفي عام 1811 نال مبتغاه، وولدت له زوجته ولي عهده «ملك رومية». ثم جاءت سنة 1812، وبدأ ~~حملته المشئومة على روسيا. # وفي ذلك العام عرفت ماري لويز الكونت نيبرج، وكان نمسويا، وعدوا لدودا لنابليون ~~ولجميع الفرنسيين، جرح في إحدى المعارك، ففقد إحدى عينيه، وتأثر وجهه بندوب الجرح، فكان ~~يخفي عينه وهذه الندوب بعصابة سوداء، وكان يمت إلى أسرة نبيلة في النمسا، وكان شجاعا ~~مقداما، يجيد البراز ويفهم الأساليب السياسية، ويعمل بعقله وقلبه في أن يعكس على نابليون ~~أغراضه. وكان مع ما أصاب وجهه من التشويه، يجذب إليه النساء بحلاوة حديثه، وشرف سمته، ~~ونبالة حركاته. # ثم كانت سنة 1814 عندما ترك نابليون السياسة والحروب، وذهب إلى جزيرة إلبا كأنها منفى ~~اختياري؛ فقد رأى الساسة النمسويون أن زمان التضحية بفتاتهم قد انتهى، وعقدوا النية على ~~ألا ترجع ماري لويز إلى زوجها ثانيا، وذهبت ماري لويز إلى فينا، ولم تر نابليون بعد ~~ذلك. # وعقدت لها حكومة النمسا دوقية بارما في إيطاليا، بما يلحقها من الأرضين والأملاك، وسافرت ~~إليها بصحبة الكونت نيبرج. # وكان نابليون وهو في جزيرة إلبا يرسل في طلب زوجته وابنه، فلا تصل الرسائل؛ إذ كانت حكومة ~~النمسا تتسلمها وتمنع وصولها. ورأى الكونت نيبرج أن ينتقم من نابليون، فصار يتودد إلى ماري ~~لويز، يغني لها في لغتها، ويتندر لها القصص، ويتنزه معها في الجبال والوديان، ويتلطف لها في ~~الرعاية ms061 والخدمة، وكان قلبها أجوع ما يكون إلى مثل هذه المعاملة، بعد أن رأت من نابليون ~~جفاء الطبع وقساوته. # لذلك مالت إلى الكونت نيبرج، وتزوجت به زواجا سريا بعد وفاة نابليون، وولدت له ثلاثة ~~أولاد، قبلما مات سنة 1829. # ونسيت نابليون، ولم تعد تفكر فيه، ولما بلغها موته لم تعر الخبر أقل أهمية، بل خرجت على ~~الفور في نزهة مع الكونت نيبرج. # أما نابليون فكان في جزيرة سانت هيلانة يتحرق غيظا لمنعه من مراسلة زوجته، ولم يكن يعرف ~~قصة حبها لنيبرج، ولكنه عندما عرف لم يقل شيئا في ماري لويز، ولم يقدح في عرضها. # وقبيل موته قال لطبيبه: «أرجو أن تأخذ قلبي بعد موتي، وتضعه في كئوس، وتحمله إلى بارما ~~حيث حبيبتي ماري لويز، وأرجو أن تخبرها بأني أحببتها، وأن حبي لها لم ينقطع، وأخبرها بما ~~رأيت، وجميع ما يختص بمركزي ومودتي.» # وتكاد تكون قصة نابليون وامرأته أن تكون مأساة، لولا أنها مشوبة بفظاظة نابليون وجمود ~~ماري لويز، ومع ذلك ففيها عبرة جديرة بأن يفهمها كل إنسان، وهي أن الحب لا يأتي اقتسارا، ~~ولا يؤخذ غصبا؛ فإن مفاتيح القلوب هي العطف والحنان والولاء. # | بيرون وتيريزا # كان بيرون من أكبر شعراء إنجلترا. كان ينظم الشعر عن سليقة عجيبة، تؤاتيه في التعبير ~~والخيال عن جميع ما تناوله من الموضوعات، وكانت حياته أيضا أشبه شيء بقصيدة حافلة بمجازفات ~~الحب والحرب والسياحة. # وقد كان بيرون، وهو بعد صبي، يشعر بدوافع الغريزة الجنسية، قبل أن يتم نموها فيه، فكان ~~وهو في الثامنة من عمره متعلقا بصبية تدعى ماري دف أشد تعلق. ولما بلغ العاشرة أحب ابنة ~~عمه، وعندما بلغ الخامسة عشرة أحب فتاة في السابعة عشرة حبا أعمى، فكان يقفو أثرها أينما ~~ذهبت، لا يسمع لنصيحة ولا يرعوي إلى كلام أصدقائه وذوي قرباه. # وقد ولد في يسار، من أصل نبيل، فهوى الشعر ثم احترفه. وما بلغ الرابعة والعشرين، ونشر ~~على الجمهور علياءته الكبرى (تشايلد هارولد) حتى صار شاعر إنجلترا الأول. وقد ربح من هذه ~~العلياءة نحو أربعة ms062 آلاف جنيه، فقويت عزيمته في الشعر والحب، فلم يكن له من شغل وسلوى ~~سواهما، يراوح بينهما، حتى أجمهما في النهاية، كما يأجم الإنسان نوعا طيبا من الطعام قد ~~لزمه مدة طويلة. # وقام في نفسه في النهاية أن يحقق حياة الخيال التي يصفها في أشعاره، فخلع عن نفسه رداء ~~الترف، وشخص إلى بلاد الإغريق، حيث انضم إلى الجيش اليوناني الوطني، الذي تألف لطرد ~~الأتراك واستقلال البلاد وبقي يجاهد حتى مات. # وكان مما امتاز به بيرون، صورة وجه قال عنها سير والتر سكوت القصصي المعروف: «إنها شيء ~~يحلم الإنسان به.» فكانت النساء يشغفن به لأول مرة يشاهدنه، وكن يتصدين ويستهدفن له، حتى ~~ينلن منه كلمة مديح أو إشارة حب. وزاره أحد الألمان، فقال: إن النساء يحاصرنه حصارا ~~لافتتانهن به. # وكانت لذلك حوادث حب عديدة، كان هو فيها المطلوب لا الطالب؛ فقد رأته السيدة كارولين لام، ~~زوجة رئيس وزراء إنجلترا، فهامت به أشد هيام، حتى كان يهرب منها. وعندما رأته لأول مرة صاحت ~~قائلة: «هذا الوجه الشاحب هو ما قدرته لي المقادير.» فلما أنست به قليلا قالت: «كله سوء، ~~وكله جنون، وكله خطر.» # وكان مما يغيظ بيرون منها أنها كانت تنظم الشعر وتطلب منه الإطراء الدائم لنظمها وجماله، ~~وكانت تلح عليه في حبها، حتى سئمها، وصار يهرب منها. ودخلت عليه مرة متنكرة في هيئة غلام، ~~ورأت منه إعراضا، فقبضت على مقص، وحاولت أن تطعن بطنها به. # وتخلص منها بيرون أخيرا في سنة 1815؛ إذ عقد زواجه على آنسة إنجليزية، ولم يكن الدافع ~~إلى هذا الزواج حبا صادقا لها، وإنما كانت الحقيقة أنه اعتزم أن ينتهي من حياة الحب ~~المحرم، ونزغات الهوى، ويدخل في حظيرة المتزوجين الهادئين، ولكنه لم يحسن الفراسة في هوى ~~قلبه، ونزعة نفسه؛ فقد كان يجيب على أسئلة الكاهن وقت الإكليل أجوبة خطأ، وتفلت من لسانه ~~عبارات يعتبرها الناس في مثل تلك الظروف نذير شؤم للحياة الزوجية؛ وذلك لأنها دليل على أن ~~العقل الكامن لا يطابق الوجدان في أغراضه ومناحيه. # وافترق الزوجان ms063 بعد ولادة أول طفلة لهما فراق الأبد، وأخذ الناس بالتشهير ببيرون لسوء ~~معاملته زوجته، وصار أكثرهم يتحامون لقاءه، حتى هجر إنجلترا إلى القارة الأوروبية، وقضى ~~معظم حياته بعد ذلك بعيدا عن بلاده. # وقد كان بيرون فوق حد شهواته، لا يعير الأخلاق العامة قيمة. ومما يعزى إليه أنه عشق ~~أخته، وقد كان يظن أولا أن قالة السوء هم الذين أذاعوا عنه هذه الفرقة، ولكن تبين من ~~خطاباته التي نشرت حديثا، أن التهمة ثابتة عليه، لا وجه لنقضها، وفي أشعاره ما يوهم ~~القارئ أنه يسوغ هذا العشق، وكان قد افترق من أخته هذه وهو طفل، وبقي على هذا الفراق إلى سن ~~الشباب، حين التقى بها، فوجد فيها وجها أنور كالمصباح، وقامة مديدة، كأنها علم وذكاء يلتقي ~~بذكائه، ثم أنس الأخوان أحدهما إلى الآخر، واشتعل الحب بينهما، وأنجبا طفلا، ويقال إن هذا ~~الحادث الأخير كان السبب الأصلي لفراق زوجته، التي بقيت سنين وهي تكتم حب هذين ~~الأخوين. # وفي سنة 1815 كان في مدينة البندقية، فالتقى بسيدة متزوجة تدعى تيريزا، كان زوجها كونتا ~~من أشراف إيطاليا، وكانت هي في التاسعة عشرة، بينما كان زوجها في الستين، ولم يكن وجهها ~~يجري على النمط الإيطالي؛ إذ كان أبيض شديد البياض، وشعرها أصفر ذهبيا، وكانت سحنتها أشبه ~~بأهل شمال أوروبا منها بأهل إيطاليا. # وما هو أن عرفت الشاعر وجالسته مرات قليلة، حتى رأت نفسها قد علقته، ولم تعد تقدر على ~~فراقه؛ فقد كانت قبلا تمزح بالعشق، أما الآن فقد شعرت أنها أمة قد استرقها حب بيرون، ~~فإذا نظرت إليه، وتملت من طلعته، شعرت كأن جسمها يتوهج بالرغبة فيه. # وكان بيرون في ذلك الوقت قد جاوز الثلاثين، وكان قد اعتاد الخمر والترف، فظهرت عليه أعراض ~~السمن والترهل، وبدت عليه دلائل الفتور والخمول، وذهبت عن وجهه تلك المسحة الروحانية التي ~~كان يفخر بها الشاعر قبلا. # وفرت تيريزا من زوجها، وعاشت مع بيرون في بيت واحد، ولم يفترقا بعد ذلك إلا عندما أراد ~~بيرون أن يبدأ حياة جديدة في تحرير ms064 اليونان من الأتراك. واستفاد بيرون من عشرة تيريزا، التي ~~قطعته عن إدمان الخمر، وأصلحت عاداته التي كان قد أفسدها الترف، ولم يكن بيرون يحبها أولا، ~~ولكنه عندما رأى إخلاصها وتعلقها به، مع تلك السحنة الشمالية التي يحبها الإنجليز، تفتح لها ~~قلبه وعشقها هو الآخر. # وكان زوجها يحاول طوال الوقت أن يقتل بيرون، فكان يكتري له الأوغاد لكي يغتالوه، فكان ~~بيرون لا يسير إلا مدججا بالسلاح. # وقد كانت تيريزا تؤثر حبيبها على نفسها، تحثه على النظم، وتعمل لإذاعة شهرته، وتخلص له ~~الخدمة والولاء، وتمنعه من متابعة عاداته في الانغماس والاستهتار، وربما كانت هي الوحيدة من ~~النساء اللاتي عشقن الشاعر، ولم ترج من عشقها اللذة والتمتع؛ فقد كانت تنظر في كل ما تفعل ~~إلى مصلحته دون مصلحتها. # قال أحد المترجمين لحياة بيرون: «لقد أصلحته، ورفعته، وانتشلته من الحمأة، ووضعت على رأسه ~~تاج الطهارة، ثم لما استنقذت هذا القلب العظيم، لم تعمد إلى احتكاره لشخصها، وإنما سخت ~~وجادت به للإنسانية.» # وعاشت بعده 27 عاما، وماتت في سنة 1873، ونشرت كتابا عنه، ضمنته ذكرياتها عن أيام ~~الحب التي قضتها معه في إيطاليا، وبلغ من ولائها له، أن زارت وهي عجوز فانية، بيت بيرون في ~~إنجلترا، وأذرفت الدموع لذكرى حبيبها. # ولا يذكر اسم بيرون دون أن يذكر أيضا شيلي الشاعر، ولا يذكر الاثنان دون أن تذكر ~~علاقتهما بالفيلسوف جودرين وبنتيه؛ فإن جودرين هذا كان من دعاة الحرية الفكرية والتنظيم ~~الاجتماعي، وكانت له بنتان، تتلألأن بالجمال والذكاء، وقد تزوجت إحداهما شيلي، أما الأخرى ~~فقد عشقت بيرون. وكان الجميع يقضون وقتهم معا، سائحين أو مقيمين في إيطاليا، وبقوا على هذا ~~الحال إلى أن غرق شيلي بعيد الساحل الإيطالي، فتبدد الشمل. # | مدام دوستايل # ليس في جميع ما ألفته مدام دوستايل شيء جدير بالإعجاب، وهي إنما تقرأ الآن للقيمة ~~التاريخية التي لمؤلفاتها، من حيث إنها دليل نزعة فشت قبيل الثورة الفرنسية وبعيدها. وهذه ~~النزعة تتلخص في الميل إلى رفع قيمة الحنان، والنظر إلى شئون العالم عن سبيله. ولم يكن ~~الأدباء ms065 في عصر مدام دوستايل يكبرون قدرها، وإنما كان يأتي احترامها من العامة؛ لأنها كانت ~~متطرفة من أكثر العلوم والآداب، تعرف شيئا يسيرا عن كل منها، وتستطيع الكلام أو الكتابة ~~عنها، بحيث تسترعي احترام العوام واحتقار الخواص. ومما أذاع شهرتها أن نابليون خاصمها، ~~ونفاها من فرنسا. ونزول نابليون إلى مخاصمة امرأة، جدير بأن يرفعها بعض الرفعة، وكانت أيضا ~~ابنة نيكر وزير المالية في فرنسا، وقد اشتهرت أمها بأنها وقت أن كانت في سويسرا، عرفت ~~المؤرخ الإنجليزي الشهير جيبون وعلقته، وأوشكت أن تتزوج به. # وقد قضت مدام دوستايل شبابها في باريس، واختلطت بعلية الفرنسيين، وكانت منذ طفولتها مجدة ~~في الدرس، تقرأ كل ما يقع في يديها، وترغب في معرفة كل شيء، فكانت تدرس التاريخ الطبيعي، ~~كما تدرس الأدب، وتقرأ في الاقتصاد والقوانين، كما تقرأ في التاريخ والفلسفة. # وكان جميع الكبراء من رجال السياسة أو الأدب في فرنسا، يرون نذر الثورة قبل وقوعها ~~ويحتاطون لها. وكان نيكر مثريا عظيما، فخشي على ثروته أن تضيع إذا هبت العاصفة، وأزالت ~~الأشراف عن إقطاعاتهم، فعقد الزواج لابنته على البارون ستايل هولستين، سفير أسوج في باريس؛ ~~وذلك لكي تحتمي بدولته فيبقى مالها. # ولم تعش كثيرا مع البارون؛ فقد رزقت منه ولدا، ولما حدثت الثورة انضمت في ابتدائها إلى ~~العامة، تروج دعوتهم وتنادي بحقوقهم، فلما أفرط زعماؤها في اضطهاد الأشراف، ومن خالفهم ~~في الرأي، عادت فصارت ملوكية. وأخذت تؤوي أعداء الثورة إلى السفارة الأسوجية، معتمدة في ذلك ~~على حرمة السفارات. وعرف رجال الثورة ما تفعل فهاجموها، واضطروها إلى الفرار من فرنسا؛ حيث ~~عاشت بقية أيامها بعيدا عنها. # وكان نابليون يكرهها، وقد أمر بنفيها خارج البلاد. ويحكى أن ابنها، وكان يبلغ الخامسة ~~عشرة، مثل أمام نابليون، وتوسل إليه أن يأذن لأمه بالرجوع إلى فرنسا، فقال نابليون: إذا ~~أذنت لأمك بأن تذهب إلى باريس، فإني أضطر إلى سجنها بعد شهرين في إحدى القلاع، ولست أرغب في ~~أن أعاملها بمثل هذه المعاملة، فلتذهب أينما شاءت، فهذه أوروبا كلها مفتوحة الأبواب أمامها. ms066 ~~هاكم رومية والبندقية وبطرسبورج. وإذا كانت تريد أن تؤلف عني مقالات القذف، فلتذهب إلى ~~إنجلترا؛ حيث لا يكلفها هذا العمل شيئا عظيما، أما في باريس، فإنها تكون قريبة منا أكثر ~~من اللازم. # وقد أحبت مدام دوستايل جملة رجال غير زوجها الذي لم تحبه قط، وإنما تزوجت به مراعاة ~~لمصلحة ليس غير؛ فقد عرفت هنري كونستان، السياسي الأديب، وعشقته، وتبادل الاثنان الحب، وإن ~~كان حظها منه أكثر من حظه؛ فقد كانت هي قصيرة ممتلئة جاحظة العينين، فكان محبوها، على حد ~~قولها، يحبونها أقل مما تحبهم. وعندما نفى نابليون هنري كونستان سنة 1802 التقت به في ~~ألمانيا وعاشا معا سنوات طويلة. # وليس هناك ما يدل على أنها كانت تخلص الحب لجميع من أحبوها؛ فقد كانت تنفضهم من يديها ~~واحدا بعد آخر؛ ففي سنة 1811 مثلا، كانت تبلغ الخامسة والأربعين، فعرفت شابا إيطاليا ~~في الثالثة والعشرين من عمره يدعى روكا، فتزوجت به، واشترطت عليه أن يكون الزواج سرا، ~~وألا تحمل اسمه، وذلك ضنا باسمها الذي شاع في أوروبا. وقد ساء حظها في هذا الشاب؛ إذ ~~أصيب بالصمم بعد الزواج بمدة قليلة. # وخلاصة القول أن مدام دوستايل لم تفلح كل الفلاح، لا في الحب ولا في الأدب؛ لأنها كانت ~~تطمع في كل شيء، ومعرفة كل شيء، وكانت تسوم نفسها من الجهد ما لا قبل لها به؛ فقد كانت لا ~~تنام إلا بضع ساعات في الليل، وتقضي طول النهار في الكتابة، فكتبت شيئا كثيرا، دون أن ~~تحسن أو تجيد في بعضه، حتى لقد قيل إن وصيفتها كانت تسرح شعرها، وهي لا تكف طول وقت التسريح ~~عن الكتابة، وأحبت عددا من الرجال دون أن تخلص الإخلاص كله لأحدهم، فكان حبها على الدوام ~~أشبه شيء بنزعة من نزعات الشهوة، تهيج ثم تخمد. # ولعل القطعة التالية التي كتبتها عن شقاوة الزواج من أحسن ما كتبت في جميع ما ألفت من ~~الكتب، قالت: # في شقاوة الزواج نوع من المحنة، يعدو طور جميع الآلام في هذا العالم؛ فإن كيان ~~المرأة ms067 يتوقف على الرباط الزوجي. والوحدة التي تعيش فيها المرأة الشقية في زواجها ~~تجالد القدر وحدها، وتحمل إلى القبر وحيدة، بلا رفيق يودعها أو يأسف عليها، هي ~~وحدة دونها وحدة السائح في صحاري جزيرة العرب. وعندما تشعر المرأة بأن شبابها قد ~~أنفق وذهب ضياعا لا فائدة فيه، وأن هذه الأشعة الأولى لن ينعكس منها شيء في نهاية ~~الحياة، وعندما تشعر بأنه ليس في ظلام الغسق ما يذكرها بضوء الفجر، عندئذ تثور ~~النفس، وتشعر المرأة أنها قد حرمت من عطايا الله على هذه الأرض. # وربما كانت بلاغة هذه الكلمة راجعة إلى إحساسها الشخصي؛ فإنها هي نفسها هذه المرأة. # | أهواء جورج صاند # جورج صاند اسم مستعار لأديبة شهيرة. # لم يكن لجورج صاند هوى واحد، وإنما كانت لها أهواء، تقسم الحب قلبها، وتتنقل من خليل ~~مملول، إلى آخر طريف محبوب، لا تمضي عليه برهة حتى تصير طرافته سآمة وحبه قلى. وكان لها قدم ~~راسخة في الكتابة، وبخاصة في الفن القصصي، الذي كانت تبذ فيه فيكتور هيجو؛ فقد كان هيجو ~~لغرامه بالصناعة اللفظية، وتيهه بنفسه، يميل إلى الضخامة والأبهة في وصف أشخاص قصصه؛ فإذا ~~وصف شقيا، بالغ في شقائه، حتى يخرج عن الصورة المألوفة للشقاء. أما جورج صاند فكانت كاتبة ~~ملهمة، ترسم الناس كما هم، وتخطط أخلاقهم تخطيطا صحيحا، فإذا قرأ الإنسان إحدى قصصها شعر ~~أنه في وسط أناس حقيقيين، يقرأ قلوبهم، وتطالعه سرائرهم في أحاديثهم وسلوكهم. # ولدت جورج صاند سنة 1804، وكان اسمها أورور، وكان أبوها ينتمي إلى أسرة شريفة قديمة، في ~~حين أن أمها كانت من العامة؛ ولذلك لم تعش أورور كثيرا مع والدتها؛ فإن جدتها الشريفة أبت ~~أن تؤوي هذه المرأة العامية إلى بيتها. ولكن الجدة عنيت أكبر عناية بتربية أورور، فعينت ~~لها معلما خاصا، ثم أرسلتها إلى مدرسة ملحقة بأحد الأديار في باريس، بقيت فيها مدة ~~طويلة، أتقنت فيها اللغة الفرنسية، وانكبت على قراءة آدابها القديمة والحديثة. # ونشأت أورور على أذواق غربية، قلما تنشأ عليها الفتيات؛ فقد تخلقت بأخلاق الرجال، تلبس ~~لباسهم، ms068 وتدخن مقادير هائلة من التبغ. وكان لها أخ، رزق به أبوها عن طريق غير شرعي، تعلمت ~~منه ركوب الخيل كما يركبها الرجال، حتى لهجت الألسنة بانتقادها. # وماتت جدتها سنة 1821، وأوصت بترك جميع أموالها لها، وكانت تقدر بمبلغ 25000 جنيه، فرغب ~~في زواجها مزارع، سليل بيت شريف قديم، قريب من مدينتها نوهان في إقليم أندر، فتزوجت منه في ~~سنة 1822 زواج المصلحة لا الحب، ورزقت منه بعدة أولاد، ولكنها سئمت العيشة الريفية، ولم ~~تكن ترى في زوجها شيئا من رقة الطباع، وذكاء القريحة، وتنبه الذهن، وهي صفات كان لها منها ~~حظ كبير في نفسها. وكانت هي في حديثها تميل إلى الفكاهة والمداعبة، بينما كان هو يكره ذلك، ~~فلم تتفق رقتها وجفوته، حتى لقد حدث بينهما مرة جدال، انتهى أن عمد إلى ضربها، فلكمها على ~~وجهها بقبضة يده جملة لكمات، كانت القاضية على علاقتهما الزوجية. # وارتضت على أن تترك أولادها عنده، وترحل هي إلى باريس مع ابنتها فقط، وتترك له ريع جميع ~~أملاكها، لا تأخذ منه سوى 60 جنيها في العام. # وعندما ذهبت إلى باريس، ذهبت إلى جريدة «الفيجارو» فاشتغلت فيها بأجر بسيط، ولم يمض ~~عليها زمن كبير حتى عرفت الحي اللاتيني؛ حيث وطن الأدباء، فنفضت عن نفسها جميع اللياقات ~~التي يحتمها العرف على النساء، ولبست لباس الرجال، وتخلقت بأخلاقهم، تغشى القهوات والحانات، ~~وتشرب النبيذ الحار، وتدخن السيجار الكبير. # وعرفت في ذلك الوقت صحفيا صغيرا، يقل عنها في العمر نحو سبع سنوات، جمعت آصرة الصحافة ~~بينهما فتآخيا، وانتهت الزمالة بصداقة. وكان في هذا الصحفي، الذي يدعى جول ساندو، فتوة ~~وصباحة تغري بالحب، فما هو أن جثا أمامها مرة، يطلب إليها أن تمنحه قلبها، حتى لبت طلبته، ~~وقام في نفسها له هوى ربما كان أول أهوائها؛ فقد استسلمت للحب، وانتشت به، والتذته، حتى ~~كتبت في ذلك تقول: # إني أود أن أشعرك بهذا الإحساس - إحساس الفرح بالحياة وقوتها - التي أشعر بها في ~~عروقي. الحياة، أجل الحياة، ما أحلاها وما أطيبها، على الرغم مما فيها ms069 من عنت، ~~وأزواج، وديون، وأقارب، وقولة سوء، وآلام، ومكابدات! هذه الحياة مسكرة. وهذا الحب ~~أن أحب، وأن أحب، هذه هي السعادة. هذه هي السماوات. # وقد وضعا بالاشتراك قصة تدعى «روزوبلانش» وجعلا اسم مؤلفها جول صاند، ونجحت القصة نجاحا ~~شجعها على احتراف الفن القصصي، فصارت بعد ذلك تؤلف وحدها، وجعلت اسمها في التأليف جورج ~~صاند. ووضعت قصة أخرى لفتت نظر النقاد والأدباء، ونالت إطراءهم، حتى اقترحت عليها مجلة ~~العالمين أن تعطيها في العام 160 جنيها؛ لكي تخصها بمقالاتها وقصصها. وعرضت عليها مجلات ~~أخرى أن تكتب لها. # وكان أهم ما يجذب النظر إلى قصصها، أنها كانت تدعو إلى «الحب الطليق» وتدافع عنه. وقد ~~أثرت عنها عبارة، قالتها عقب انفصالها من زوجها، وهي: «ليس هناك ما يسوغ للإنسان أن ~~يمتلك نفس إنسان آخر، كما ليس له أن يمتلك شخص العبد.» # وكانت تقول: إن الرابطة بين الرجل والمرأة يجب أن تكون مقدسة، إذا كان الحب قد قدسها. ومن ~~الحكم التي اشتهرت عنها قولها في التمييز بين الحب والشهوة: «الحب يعطي، أما الشهوة ~~فتأخذ.» # وكانت في ذلك الوقت في السابعة والعشرين من عمرها، ولم تكن جميلة، وإنما كان فيها شيء من ~~الملاحة والخفة؛ فقد كانت ربعة، تميل إلى النحافة، وكان بعينيها شيء من الجحوظ. وكان في ~~حركاتها رشاقة تفتن الناظر، فيها شيء من الجرأة والخوف معا، فإذا تكلمت تفتحت فيسقط بذلك ~~حاجز الخجل بينها وبين من يخاطبها لأول تعارف، فإذا جودلت واستثيرت تدفقت، فتنكشف عندئذ ~~شخصيتها عن طبيعة حافلة بالكنوز، تائقة إلى بذلها والسخاء بها. # وانتهت صلتها بجول ساندو بحادثة غريبة؛ فقد سافرت إلى زوجها لكي ترى أولادها، وعادت دون ~~أن تؤذنه قبلا بعودتها. ولعل غرضها كان أن تفاجئه مفاجأة الحبيبين، ولكنها عندما دخلت عليه ~~وجدته يعانق فتاة، فانتهى هذا الهوى الأول بقطيعة نهائية. # ووقعت خيانة حبيبها في نفسها أشد وقع، حتى شعرت بعدها كأن عواطفها قد ماتت، فصارت تتجنب ~~الرجال، وتتحامى لقاءهم. وتعرفت إلى فتاة ممثلة تدعى ماري دورفال، كانت ترافقها وتلازمها ~~حتى ذهب ms070 عنها أثر تلك الصدمة. # وبعد سنوات من هذه الحادثة عرفت الكاتب الشاعر القصصي ألفرد دو موسيه، وكان غاية في ~~الجمال والذكاء. وكانت جورج صاند أكبر منه بسبع سنوات حين التقت به، وتعلق كل منهما بالآخر، ~~وذهبا إلى إحدى ضواحي باريس لكي يقضيا - كما قالت جورج صاند - شهر العسل، دون زواج. وبعد ~~ذلك عقدا نيتهما على رحلة طويلة في إيطاليا، وسافرا إلى البندقية؛ حيث استأجرا مسكنا فيها، ~~وأقاما مدة قصيرة، انتهت بقطيعة عاجلة، وكان سبب ذلك أن «دو موسيه» أصيب بمرض أقعده، ولم ~~يكن حب صاند له إلا حب الشهوة؛ فقد كان شابا في الثالثة والعشرين من عمره، وكانت هي في ~~الثلاثين، فلما مرض سئمته، وقد مرضته بمعونة طبيب إيطالي وسيم يدعى باجالو، شفاه من ~~مرضه، وشفاها هي من حب دو موسيه. # وعلقت هذا الطبيب، فهجرت حبيبها السابق في البندقية، يعض أصابع الندم، وسافرت هي مع هذا ~~الطبيب الإيطالي إلى باريس، وشاعت حكاية حبها مع ألفرد دي موسيه، والمسلك السافل الذي سلكته ~~معه، فصار يحذرها كل أحد، ويتحامى مراوداتها جميع الأدباء. وقد حاولت أن تصيد قلب فيكتور ~~هيجو فأبى، وحاولت أن تفعل مثل ذلك بدوماس الكبير، فقهقه في وجهها. ولم تنل شيئا من ~~بلزاك. # وحاولت أن تصلح ما بينها وبين ألفرد دو موسيه بعد ذلك، حتى جزت شعرها، وأعطته له علامة ~~ولائها وأمانتها، ولكنه منذ حادثة البندقية لم يكن ينظر إليها إلا بالتوجس والحذر. # ونالت مكانة كبيرة في الأدب، حتى ربحت منه نحو خمسين ألف جنيه. وقد كان هذا مبلغا في ~~عصرها، وعندما أوشكت أن تشعر أن سوقها في الحب قد كسدت، نالت حظوة في عيني الموسيقي العظيم ~~شوبان، فعاشت معه نحو ثماني سنوات، وقد زار كلاهما في بدء غرامهما جزيرة ميورقة، فأصيب ~~شوبان بسعال، حتى كتبت عنه جورج تقول: «إنه يسعل برشاقة عجيبة.» وقالت أيضا: «إنه كثير ~~التقلب، وليس فيه شيء ثابت لا يريم عنه، سوى سعاله.» # وقد كتبت مجلدات عن علاقتهما، وكان لجورج صاند نفسها نصيب كبير فيما كتب، ms071 اعترفت فيه ~~بأشياء وتفصيلات كثيرة عن علاقتهما بما عهد الناس فيها من الصراحة. # وانقطعت علاقتهما في سنة 1847. وقال شوبان عنها في ذلك الوقت: «لم ألعن واحدا قط، ولكني ~~سئمت الحياة حتى أراني أكاد ألعنها .» ومات شوبان في سنة 1849. # وبموته تغيرت جورج صاند، فهدأت طبيعتها، وتحول نظرها عن متجهه الأول؛ فقد صارت من حيث ~~العواطف كالبركان الميت، في حين أن ذكاءها تنبه، فأخذت تكتب قصصا ساذجة عن الحياة الريفية، ~~وقصصا أخرى للأطفال غاية في الإتقان والبراعة. وماتت سنة 1876، فكان لموتها دوي عظيم في ~~جميع أندية الأدب في أوروبا. # ويحسن بنا أن نختم مقالنا هذا بكلمة قالها عنها بلزاك، وهو أستاذ في استكناه النفوس، قال: # كانت أنثى تعيش عيشة الأعزب من الرجال. وكانت أديبة سخية، ولية، طاهرة. وكانت ~~صفاتها السائدة صفات الرجل، وعلى هذا يجب ألا ننظر إليها نظرنا إلى النساء. وكانت ~~أما طيبة، يعبدها أولادها. أما من حيث الآداب، فقد كانت تنظر إليها نظر الشاب في ~~سن العشرين؛ وذلك لأنها كانت في سويداء قلبها طاهرة، بل كانت أكثر من ذلك، كانت ~~حيية خجولا. لم تكن هذه الفوضى البادية على خلقها إلا شيئا ظاهرا على السطح فقط، ~~وما نزقاتها وطيشاتها إلا عنوان المجد في أعين أولئك الذين لهم نفوس شريفة. # وهذا حكم غريب. ولكن بلزاك كان يعرفها أكثر مما يعرفها عامة الناس. وكان ذا بصيرة نافذة ~~إلى النفوس والقلوب، يعرف مستكناتها، ويقرأ ما تضمره مما تظهره. # | كارليل وزوجته # كان كارليل من رجال الأدب الإنجليزي في القرن التاسع عشر، وكان يعنى بانتقاء الألفاظ، ~~يتخير منها ذوات الرنين الفخم والصوت الضخم، وكان يبعد في هذا حتى يسف ويبهرج، ولكنه كان مع ~~ذلك يفكر تفكير العبقري، ويستشف الحقائق من أستار الأوهام، ويخلص في تفكيره إخلاص العابد في ~~صلاته. وهو أول أديب إنجليزي عني بالأدب الألماني عناية جدية، وعرفه إلى أمته. وقد ~~ألف جملة كتب خالدة، أهمها كتاب «الثورة الفرنسية»، وكتاب «الأبطال»، و«فريدريك ملك ~~بروسيا». # وتؤثر عنه حكم وأقوال بارعة، هي مضرب الأمثال الآن عند الكتاب، ms072 وباعثة التفكير عند جملة ~~القراء، فمن ذلك قوله: «إنما الإنسان الحي أحجية ظاهرة، فهو يمشي بين أبديتين. ولو لم نكن ~~عميانا كالخلد، لقدرنا إنسانيتنا بالخلود، ولما صارت قيمة مركز الشخص ونفوذه وما إليهما ~~إلا كل شيء، فإذا قلت إنك إنسان فقد قلت كل شيء.» # وقوله: «أليست حقيقة الفكر أنه وحي؟» # وقوله: «إذا فكرت وأنضجت الفكرة، هل تجد شيئا أعجب من شيء؟ إني أنا لم أر أحدا قام من ~~بين الموتى، ولكني رأيت آلافا قاموا من العدم. وليست بي قوة تحملني طائرا إلى الشمس، ولكن ~~لي من القوة ما أرفع به ذراعي، وهذا العمل ليس أقل غرابة من ذلك.» # نشأ كارليل في عائلة أمية في اسكوتلاندا، وقد انتظم في سلك طلبة الدين بنية أن يصير ~~راعيا لإحدى الكنائس، ولكنه لم يسر إلى نصف الطريق حتى عرف من سريرة نفسه أنه لم يخلق ~~لهذا العمل، فتحول عنه إلى الأدب، وسار إلى أدنبره حيث قرر أن يكتب ليعيش، وأن يعيش ~~ليكتب. # وعرف وهو في أدنبره فتاة تدعى مس ولش، كانت متطرفة من بعض العلوم والآداب، تغشى أندية ~~الأدباء، وتكثر من المناقشة والبحث، وكانت إلى ذلك جميلة ممشوقة. فلما تعارف الاثنان رغب ~~كل منهما في الزواج بالآخر؛ فقد رأت فيه الفتاة أمائر العبقرية والشهرة المستقبلة، ورأى هو ~~فيها فتاة ذكية جميلة، فاتفقا على الاقتران. # وتم زواجهما سنة 1826، وكان عمرها 26 عاما، أما عمره فكان 32 عاما، وكان كلاهما يحب ~~الآخر؛ إذ لم يكن كارليل يطمع في شيء من هذا الزواج إذا لم يكن يحبها، ولكن من الناس من ~~يتهم مس ولش بأنها تزوجته وهي لا تحبه، وإنما كانت ترمي إلى اكتساب الشهرة باقتران اسمها ~~إلى اسم أديب كبير لا بد أن سيشتهر قريبا. ولكن يرد على هؤلاء بأنها تزوجته وهو في فاقة ~~بالغة، بحيث إنها ضحت براحتها وعانت معه صنوف الآلام، وهي تخدمه خدمة العبيد عدة سنين، فإن ~~كانت قد أدركت بذكائها أنه سيشتهر، وأنها ستنتفع من هذه الشهرة، فهي لا بد أيضا قد ms073 أدركت ~~أن هذه الشهرة بعيدة، وربما لا تتحقق مطلقا. # وكلا الفرضين جائز، وإنما دعانا إلى افتراضهما أن زوجة كارليل عانت في زواجها آلاما عدة، ~~واتهم زوجها بالقسوة والفظاظة والخروج عن طور المروءة، فإن كانت قد تزوجته عن حب وإخلاص ~~فعدم اتفاقهما بعد ذلك من صنوف الصدف، التي قد يكون فيها كارليل مسئولا أو غير مسئول. أما ~~إذا كانت قد تزوجت به وهي لا تحبه، فقد وقعت تبعة شقائهما عن كارليل. # وعاش الزوجان في بدء زواجهما في كوخ منفرد في نجد مقشعر شمال أدنبره، لا ينبت فيه إلا ~~الضئيل من النباتات. وكانا وحيدين لا يؤنسهما أنيس سوى أخ لكارليل كان قد ابتنى كوخا ~~قريبا من كوخهما. وأخذت الوحدة تفعل أفاعيلها في أعصاب الزوجة؛ فقد كانت تقوم بأداء جميع ~~ما يحتاج إليه البيت، ولم يكن كارليل ممن يرتاحون إلى مؤانسة الزوجة، وبخاصة إذا كانت هذه ~~المؤانسة تنطوي على جدال علمي أو أدبي؛ لأن كل لذته في ذلك الوقت، بل كل عمله كان ينحصر في ~~القراءة والكتابة والتفكير. وهذه الأعمال جميعها تحتاج إلى الوحدة. # وأخذت زوجته لكي تهدئ أعصابها، تتعود معاطاة الشاي والتبغ ثم الأفيون، ولكن هذه المخدرات ~~لم تكن إلا لتزيد التوتر في أعصابها؛ فكانت حياتها تتراوح بين توتر قد يكون مصحوبا بتهيج، ~~وبين إعياء قد يبلغ حد الخور والمرض. # وانتقلا بعد ست سنوات من كوخهما إلى لندن، وكان يزورهما لورد أشيرتون وزوجته، فقام في ذهن ~~زوجة كارليل أن زوجها يعشق زوجة هذا اللورد، وصارت الغيرة تأكل في صدرها كالسوس، حتى كانت ~~تقضي الليالي وهي مسهدة لفرط اهتمامها لهذا الأمر. والأغلب أن هذه الغيرة لم تكن سوى نتيجة ~~تهيجها وضعف أعصابها؛ لأن كارليل كان على خلق عظيم. وكان اللورد أشيرتون يزوره ويستزيره، ~~دون أن تدخل إلى قلبه أقل ريبة. # وماتت زوجة كارليل قبل وفاة زوجها بنحو 15 عاما. ويقال إن كارليل حزن عليها حزنا ~~عظيما، وتذكر ما قاسته معه، فأذن للمؤرخ فرود أن يكتب تاريخ حياتها، يجمعه من الخطابات ~~المتفرقة المرسلة إليها ms074 منه أو من غيره، والمرسلة منها إليه أو لغيره من الناس. وقد فعل ذلك ~~فرود واستخرج من هذه المجموعة أن كارليل أساء معاملتها. # وهناك من يعزو آلام هذه الزوجة الشقية إلى أنها كانت تشتهي أن يولد لها ولد، فلما لم ~~تنل مأربها من ذلك، تحولت هذه الشهوة المحبوسة، وانطلقت في ميادين أخرى، فصارت تكايد زوجها ~~وهو يكايدها، حتى ساءت العشرة، وفسدت بينهما الزوجية. # ولكن من الخطابات التي أرسلتها إلى زوجها ننقل هذا الخطاب التالي، وهو لا يقرؤه رجل إلا ~~ويشعر بأن فيه من التعبيرات ما يدحض هذه التهمة: # حبيبي # لقد قلت إنك ستسأم، وإني أرجو في قلبي أنك الآن تسأم، فما أحلى أن أشفيك من هذا ~~السأم بالقبلات عندما أعود، فستأخذني، وتسمع مني كل صغيرة جرت لي، وسيخفق قلبك ~~عندما تعرف مقدار اشتياقي لكي أرجع إليك. يا أعز أعزائي، ويا أحب أحبائي! ليباركك ~~الله. إني أفكر فيك في كل ساعة، في كل لحظة. وإني أحبك، وأعجب بك كإعجابي بأعظم ~~شيء. ليتني الآن عندك، فأطوقك بذراعي، وأجعلك تنام نوما هنيئا ما شعرت بأرق منه ~~منذ سافرت. لك المساء الخير. اذكرني في أحلامك. # وخلاصة القول وأرجحه، أن كارليل لم يسئ إلى زوجته، وإنما كانت ظروف صناعته تحبب إليه ~~الوحدة، وهذا شر ما تكرهه المرأة في زوجها. ولم يرزقا الأطفال، وهم سلوى الأم وعزاؤها وقت ~~فتور الحب. ثم كانت عادة تعاطي المخدرات، وهي وحدها تكفي لهدم أقوى الأعصاب، فكانت هذه ~~الظروف مجتمعة علة شقاء هذين الزوجين وسببا في ذهاب حبهما السابق. # | فيكتور هيجو ومدام درويه # الأدباء صنفان، أحدهما يرمي إلى غاية فلسفية، أو إلى مثل أعلى، يتحرى في أكثر ما يكتب أن ~~يبلغهما، ويحث غيره على بلوغهما، فهو يعد نفسه مركزا للكون، قد تمركزت فيه مقاصده العليا، ~~فيرى من ذلك أن واجبه الحتم يقضي عليه أن يحقق هذه المقاصد؛ لأنها ليست مقاصده فحسب، بل هي ~~مقاصد الكون أيضا، فهذا هو رجل الفن. # وثم صنف آخر ليس له مثل أعلى ولا غاية فلسفية، تعنيه ms075 الصيغة، فلا يبالي بالغاية، قصاراه ~~أن يترنم ويشدو، فإذا كتب ذهب جهده في وصف الألفاظ وتنسيقها، وتنسيق عبارته وتزيينها، فهذا ~~هو رجل الصنعة؛ أدبه أدب الفسيفساء والدنتله. # وكان فيكتور هيجو من هذا الصنف الثاني، يؤلف القصائد والقصص والدراسات، فيصوغها أحسن ~~صياغة، يجيد حبك العبارة، ويأتي بالعجب في تشبيهاته واستعاراته ومجازاته، ولكنه كان في جميع ~~ما كتب خلوا من الغاية الفلسفية. والناس في كل مكان، وبخاصة إذا كانت عواطفهم تسود عقولهم، ~~تفتنهم الصنعة في الكتابة؛ لأنها نوع من أنواع الشدو والترنم، فللأسلوب الحسن المحبوك ~~المزين إيقاعات تشبه إيقاعات الموسيقى، تبعث في النفس السرور، فكان فيكتور هيجو محبوبا ~~لهذا السبب عند العامة، مشهورا بينهم. وقد عاش مدة طويلة، واشتغل بالسياسة، فصارت حياته ~~ومؤلفاته رمزا ودليلا على فترة طويلة من الزمن في تاريخ فرنسا. وهذا وحده هو ما سيضمن ~~بقاء مؤلفاته وكتاباته، واعتبارها سندا من أسانيد تاريخ عصره. # وكان مما يتسم به هيجو، فوق إتقانه الصنعة وتماديه فيها، وإغراقه في الانكباب على وصف ~~الألفاظ، أنه كان لا يدري معنى الفكاهة، فكان لذلك لا يلحظ السخف الذي يحدثه الإغراق في ~~الصنعة، وكان أيضا على شيء كبير من الغرور والتيه، فلا يأبه للنقد. # حدث مرة أن وضع قصة تدعى «الرجل الذي يضحك»، وجعل أحد أفرادها من نبلاء الإنجليز، ودعاه ~~باسم توم جم جاك. وكان هذا الاسم أشبه بالمهرجين منه بالنبلاء، فانتقد عليه ذلك أحد ~~الإنجليز في لطف وكياسة، فما كان من هيجو إلا أن شمخ بأنفه منكرا عليه ما لاحظه، مدعيا ~~أنه يدرك من الذوق في التسمية عند الإنجليز أكثر من هذا الإنجليزي. # وفي كتاب آخر أخطأ في اسم الموسيقى الاسكوتلاندية المعروفة، فكتبه # Bugpipes ~~، فلاحظ ذلك عليه أحد الاسكوتلانديين، وطلب ~~إليه تحرير اللفظة بأن يجعل الحرف الثاني # a # بدلا من # u ~~، فأبى وتعنت وكابر، بأن اللفظة يجب أن تكون ~~كذلك! # كان هذا التيه هو الذي جعله ينتمي في الأصل إلى الجمهوريين؛ لأنه لم يكن يطيق أن يكون في ~~فرنسا إمبراطور، لا يقف وإياه على مستوى ms076 واحد. وكان، مع أنه جمهوري في المبدأ، يتمحل ~~الحكايات والأباطيل لكي يثبت أنه من بيت نبيل قديم، وذلك مع أن جده كان نجارا، وكانت إحدى ~~عماته متزوجة من خباز، وعمة أخرى متزوجة من حلاق، وأخرى كانت خياطة. ولو كان هيجو ~~ديمقراطيا حقيقيا لافتخر بحقيقة نسبه، ولكنه - كما قلنا - لم تكن له غاية فلسفية في هذا ~~العالم، وإنما كان يبغي الشهرة برصف الألفاظ والتدجيل على العامة. # ولد في سنة 1802، وشغف في صباه بالشعر، فنال عدة جوائز عليه، وذكرته الندوة الفرنسية في ~~سنة 1817. ولما بلغ العشرين وقع في هوى فتاة تدعى إديل فوشيه، كانت حوراء دعجاء، على رأسها ~~إكليل جثل من الشعر الأسود، وكان بها حياء يغري، ورشاقة تفتن من ينظر إلى حركاتها، فتعرف ~~فيكتور هيجو إلى أبويها، وصار يكثر من زيارتهما، حتى أدركت أم الفتاة أنه عالق بابنتها. ولم ~~يكن للشاعر دخل ثابت تعتمد عليه عائلة في المعيشة، فلما اقترح على الأبوين أن يتزوج ابنتهما ~~رفضا، واعتلا عليه بصغر سن الفتاة، وأنها لا تملك شيئا، وأنه ليس له صناعة. وحدث أن الملك ~~لويس الثامن عشر قرأ بعض قصائد فيكتور هيجو، فأعجب بها، ورتب له معاشا سنويا قدره 40 ~~جنيها، وكان قد باع ديوانه الأول في تلك السنة، فربح منه 30 جنيها، ففرح بذلك، وذهب إلى ~~أهل إديل، وأخذ يلح في زواجه الفتاة، ويحتج بأنه لا بد ناجح في الأدب، وأن معاش الملك ~~باكورة دخله العظيم الذي يتوقعه من رواج أدبه. # وتزوج من إديل، وعاشا طويلا، ورزقا أولادا، فكان بيتهم مثال البيت السعيد، ونجح فيكتور ~~هيجو كما توقع، وذاع اسمه وكبر دخله. # وحدث أنه كان ممن يترددون على صالون هيجو أديب معروف يدعى «سانت بوف» كان قد مدح بعض كتب ~~هيجو، فأحبه الشاعر، وصار يقبل عليه، ويفتح له صدره، ويبسط له مائدته، فكان يقصد إلى داره ~~كل يوم، وقد لا يجد الشاعر هناك فيجالس زوجته، ويأخذان في أطراف الأحاديث وشجونها. # هذا هو الواقع الذي كان يعرفه كل إنسان يتردد على دار فيكتور ms077 هيجو، ولكن سانت بوف كان ~~سافلا، بل كان غاية ونهاية في السفالة؛ فقد نشر كتابا قال فيه إنه عشق مدام هيجو، ولو صح ~~هذا العشق لكان أحرى به أن يخفيه عن الناس، ضنا بكرامة هذه المرأة أن تبتذل في الأفواه، ~~وبخاصة إذا كان يحبها، ولكن من الأسرار ما يجذب صاحبه على البوح، ولا يفتأ يعنته حتى ~~يفشيه. # وهنا جدير بنا أن نقف هنيهة، وننظر في تلك الطبيعة اللاتينية التي يتسم بها أهل جنوب ~~أوروبا، ونقابلها بطبيعة الأمم الجرمانية الإنجليزية التي يتسم بها أهل شمال أوروبا، فأدباء ~~اللاتين يتفتحون ويصارحون القراء ويكشفون عن قلوبهم، لا يعتدون في ذلك بأي اعتبار أدبي، ~~وهذا دأبهم من قديم ومن حديث؛ فإن اعترافات «سان أوغسطين» و«جان جاك رسو» تدل على ذلك، كما ~~تدل أيضا عليه كتابات «ألفرد دو موسيه» و«جورج صاند». وهذا الأديب الإيطالي «دانونتسيو» ~~الذي باح بحبه للممثلة المعروفة إليانوره ذوز. وهذا بخلاف ما يحصل في الأمم الشمالية؛ حيث ~~الطبائع أميل إلى الكتم، وأقدر على حفظ السر، وأكره ما تكون للفضائح، يظهر عليها الجمهور ~~وتقف عليها العامة؛ فقد مات «بارتل» أسى وكمدا عندما ذاعت عنه قصة غرامه بإحدى السيدات. ~~ومات «أوسكار وايلد» غما وجزعا عندما اشتهرت عنه قضية فسق. # ولو كان سانت بوف إنجليزيا ووضع مثل هذا الكتاب، لما لقي من الجمهور سوى البصق في وجهه، ~~ومن المحاكم سوى الحبس السريع. # فلما تلطخت مدام هيجو بهذا العار سقطت من عين زوجها. ولم يكن هناك ما يدل على أن القصة ~~التي ذكرها سانت بوف صادقة، ولكن الجمهور صدقها، وكان هذا كافيا لأن يغض من كرامة فيكتور ~~هيجو ويقرح في صدره. وقد كظم غيرته، وأغمض عينه على القذى، وعاش مع زوجته محافظا على جميع ~~الظواهر. والحقيقة أن تيهه وغروره منعاه من أن يعترف بوقوع هذه الإهانة أمام ~~الجمهور. # وحدث في سنة 1833، بعد هذه الحادثة، أن زارته في أحد الأيام فتاة من المشتغلات بالتمثيل ~~تدعى «مدام درويه» وطلبت إليه أن يخصها بتمثيل أحد أشخاص درامته، التي كان ms078 على وشك أن ~~يقدمها لأحد التياترات، وكانت هذه الفتاة حاصلة على نصيب كبير من الجمال. رآها تيوفيل جوتيه ~~الكاتب المعروف، فوصفها وصف المدله بجمالها، في قطعة نثرية كأنها مقطوعة من الشعر. وكانت في ~~بدء أمرها فقيرة، فعاشت مدة مع برادييه المثال، ثم أعرض عنها وجفاها، فلجأت إلى نبيل ~~روسي، وعاشت معه دهرا. ثم دخلت التمثيل، وعرفت عن سبيله فيكتور هيجو. # ولما تركته، وحصلت منه على وعد بتخصيص جزء من الدراما لها كانت قد وقعت في نفسه، فما هو ~~أن برحته، حتى قام يرد إليها الزيارة، وصارا بعد ذلك يتزاوران، وانبسط كل منهما إلى الآخر ~~وأقبل عليه. وكانت مدام هيجو ترى ذلك فلا تبدي تذمرا أو انتقادا، لما تعلم من ذيوع قصتها ~~مع سانت بوف. وكان هيجو نفسه يستغل هذه القصة، لكي يسوغ لنفسه خيانة الأمانة الزوجية وعشق ~~مدام درويه. # وتمادى العشق بينهما، حتى أهملت مدام درويه صناعتها في التمثيل، وعندما نفي هيجو من ~~فرنسا بأمر نابليون الثالث ذهبت معه إلى جزيرة جرنزي. وكانت مدام هيجو تزورها، وتدعوها إلى ~~بيتها، وتتجاهل أمام الناس كل ما بينها وبين زوجها، ولا بد أنها كانت تعاني آلاما عظيمة من ~~هذه الإحساسات المحتشدة في صدرها؛ حبها لزوجها، وغيرتها من هذه المرأة، وهوان نفسها أمام ما ~~ذاع عنها عن علاقتها بسانت بوف. # ويحكى أن بعضهم زار دار هيجو في مساء أحد الأيام في جرنزي، فلما دخل إلى منظرته وجد ~~زوجته مضطجعة وهي تعاني أشد الآلام، فسألها: أين زوجها وأولاده؟ فقالت: ذهبوا كلهم إلى دار ~~مدام درويه لكي يقضوا المساء هناك في انبساط وتمتع. اذهب أنت أيضا؛ لأنك لن تجد هنا ما ~~يسرك. # وهكذا عاشت مدام هيجو 33 عاما، وهي تعرف أن المكان الأول ليس لها في قلب زوجها، وكانت في ~~خلالها مكسورة الخاطر مقهورة العواطف، فلو كان ما ذكره سانت بوف عن حبها حقيقيا، فقد لاقت ~~جزاء خيانتها، بل أكثر مما تستحق. وإن كان ما ذكره كاذبا، فهو جدير باللعنة في كل زمان، ~~وهي جديرة بالشفقة ms079 من كل إنسان. # أما مدام درويه، فقد عاشت حتى بلغت الثمانين. وماتت قبيل وفاة فيكتور هيجو بمدة قصيرة. ~~ودفنت في باريس، بعد أن حملت جنازتها في مشهد فخم لا يدري الإنسان أية لطائف كان يتفاكه ~~بها المشيعون لجنازتها، وهم يسيرون وراء هيجو وكلهم يعرف قصة عشقهما. # ولكن هذا هو المزاج اللاتيني، يتغاضى عن مثل هذه الخطيئات، بل يذكرها كأنها شيء مألوف لا ~~غبار عليه. # | بلزاك وإفيلينا هانسكا # ليس في القرن التاسع عشر من يفوق بلزاك في فرنسا في الفن القصصي. وهذه الحقيقة لا يعترف ~~بها إلا القليل من الفرنسيين، ولكن أدباء العالم الأوروبي الذين يقرنون الأدب الفرنسي إلى ~~غيره من الآداب، يعرفون هذه الحقيقة، ويقرون لبلزاك بالتفوق والتبريز. # ونظن أن هناك معيارا نستطيع أن نعاير به الفن القصصي في الوقت الحاضر، وهو القصص ~~الروسية، فما اقترب منها من القصص عند سائر الأمم، وما أشبهها في معالجة الموضوع أو تخطيط ~~الخلق، وما نزعتها في استكناه النفس والبعد عن البهرجة اللفظية، كان أحرى بأن يكون في ~~الطراز الأول. # وبلزاك من هذه الوجهات، وبخاصة من حيث درس نوازع النفس، أقرب المؤلفين في المزاج الروسي، ~~فهو لذلك أفضلهم وأبقاهم على مر الأزمان. وربما يمتاز بلزاك أيضا على كثير من أدباء روسيا، ~~بتنوع أسباب العيش التي يعيش بها أشخاص قصصه؛ فقد قال تين عنه: «نجد في بلزاك سمسارا ~~وعالما أثريا ومهندسا معماريا، ومنجدا وخياطا وتاجر أهدام ووكيل تجارة وطالب صناعة ~~وطبيبا ومحاميا.» # وهناك وجه آخر للشبه بين بلزاك والقصصيين الروس، وهو تلك الصوفية التي كثيرا ما كانت ~~تدفعه إلى الاعتماد على غرائزه وبصيرة نفسه، أكثر من الاعتماد على عقله. # ولد بلزاك سنة 1799، وعني أبواه بتربيته. وعندما بلغ الرابعة عشرة جيء به من المدرسة إلى ~~البيت، وهو خائر القوى لا يدري أحد من الأطباء علته. وكان أكثر أوقاته منطرحا على الفراش، ~~وبقي مدة طويلة وهو على هذه الحال. ولعله من هذه العلة اكتسب ذلك الذوق إلى إدمان القراءة، ~~وانغرز في مزاجه الميل إلى الكتابة والتأليف. وكثيرا ms080 ما تكون العلة، وما تقتضيه من سكون ~~الحركة وعدم النشاط، داعية إلى تقوية النزعة الأدبية في بعض الأشخاص، ممن تميل طبائعهم إلى ~~الأدب. # وأخذ في درس القانون، ولكنه لم يزاول المحاماة؛ فقد قام في ذهنه أن يحترف الأدب، وبقي ~~أمينا لهذه الحرفة، لا يبغي بها بديلا، على ما عانى منها من الفاقة، حتى أوتي في آخر ~~أيامه النصر والشهرة. # ومما يدل على بعض ما لقيه من الشدائد في بدء حياته الأدبية، هذه القطعة من خطاب أرسله إلى ~~أخته لورا يقول فيها: «إني شاب، وبي جوع، وليس على طبقي طعام. آه يا لورا! لي رغبتان ~~عظيمتان: أن أنال الشهرة وأن أحب، فهل أحققهما؟» # وأخذ بلزاك في مزاولة فنه، يكادح من الصنعة صعابها، ويضع الترسيمات العظيمة للكوميديا ~~الإنسانية التي أخذ على عاتقه أن يصف فيها مختلف معاشات الناس وأحوالهم وآمالهم وأحزانهم ~~وأتراحهم. ومما يدل على أن هذه الترسيمات كانت في ذهنه، وقت محاولاته الأولى لكي يكون ~~أديبا معروفا، قوله في إحدى قصصه التي ألفها أيام خموله: # عليك أيها القارئ أن تتفهم أخلاق هؤلاء الأشخاص الذين أقدمهم لك، وأن تقفو حظوظهم ~~في ثلاثين قصة ستأتيك بعد. # وحدث في سنة 1829 أن جاء البريد إلى بلزاك يحمل خطابا من قلم سيدة، فما إن جاء على آخره ~~حتى شعر كأن نفسه قد غمرها نوع من الوحي؛ فقد كان الخطاب ينبض فهما وعطفا، وكان فيه شيء ~~من النقد الذي يبعث إليه الإخلاص والحب؛ إذ أومأت الكاتبة إلى بعض عاداته التي ألفها في ~~أسلوبه، وصار يكررها على غير وعي منه، حتى باتت تمج من القراء. # وأخذ بلزاك يتلو الخطاب، ويعيد تلاوته وهو في سرور يشبه اللذة، ويسائل نفسه عن هذه ~~الكاتبة التي تفيض حبا وعطفا وحكمة، ثم تواترت عليه الخطابات من هذه الكاتبة، وعرف منها ~~أن كاتبتها سيدة بولندية تدعى إفيلينا هانسكا، وكانت متزوجة من أحد الأشراف البولنديين، ~~وكان متمرضا بزمانة لا يبرأ منها، وكان كلاهما في نيوشاتل في سويسرا. # ولم تمض مدة طويلة على تبادل المكالمات ms081 بينهما، حتى سافر إليها بلزاك، والتقى بها في ~~نيوشاتل. ويقال إنها عند أول لقائها به أغمي عليها، من فرط التأثر. ولم تكن هذه السيدة ~~البولندية جميلة، ولكن كان على وجهها مسحة جذابة من روحانية نفسها، جعلت بلزاك يعلق ~~بها. # وعندما فارقها وعاد إلى باريس، لم يكد يمضي عليه يوم واحد حتى كتب لها يخبرها عن أتفه ~~الأشياء وأقلها خطرا، وكان طول هذا الوقت تتوالى خسارته في مؤلفاته، بحيث باتت ديونه أربعة ~~آلاف جنيه وهو في الأربعين من عمره، وكانت أكبر خسارته ناشئة عن شدة عنايته بتحرير مؤلفاته، ~~حتى كان يتفق أحيانا مع أحد الناشرين على مقدار من المال لطبع كتابه، فإذا جاءته التجارب ~~الأولى للطبع، أعمل فيها قلمه تحريرا وتغييرا، حتى تزيد كلفة الطبع عن مبلغ الإنفاق الذي ~~بينه وبين الناشر، فكان يخرج من كتابه بعد تأليفه بخسارة غير قليلة. ومثل هذه الشدائد كانت ~~جديرة بأن ينكسر أمامها قلب أي مؤلف آخر، فيتثبط بها عن المضي في إتمام عمله. ولكن بلزاك في ~~ذلك الوقت كانت نفسه تتأجج بنار الحب التي أشعلتها في نفسه إفيلينا هانسكا؛ فقد كان يقضي في ~~عمله نحو 18 ساعة، فإذا أعيا وانطرح على فراشه، يبغي النوم، تذكر إفيلينا، فيهب نشيطا ~~مسرعا، ويكتب لها خطابا يشع بالحب والرجاء. # ومما يؤثر عن بلزاك قوله لها: «ليس يرضي الرجل في أول حبه سوى المرأة في آخر حبها.» ~~وقوله: «الحب عندي هو الحياة، وما شعرت بالحياة قط كما أشعر بها الآن.» # وفي سنة 1842 مات زوج إفيلينا، وكان بلزاك ينتظر أن يتزوج حبيبته، ولكن ما أشد دهشته إذ ~~لم تقبل حبيبته الزواج به على شدة حبها له وتعلقها به، وكانت تتعلل بالعلل، للرفض أو ~~الإرجاء، فساعة تحتج بأولادها، وأخرى تحتج بأملاكها في بولندا، وما إلى ذلك. # وحقيقة الحال أن بلزاك كان يحبها ويشتهيها، أما هي فكان حبها إعجابا وعطفا في الأصل ليس ~~غير، فلما عرض عليها الزواج لم تجد في نفسها تلك الدوافع التي تبعث في المحبين الرغبة في ~~العيشة ms082 معا، ودوام قرب أحدهما من الآخر. # وأخيرا تزوج الاثنان في سنة 1850. وكان من حسن حظ بلزاك، أو حظهما معا، أن هذا الزواج ~~لم يدم أكثر من خمسة أشهر، مات في نهايتها بلزاك بضعف القلب؛ لأنهما لو عاشا أكثر من ذلك، ~~لما أطاقا العشرة ؛ فإن إفيلينا هانسكا إنما أحبت من بلزاك روحه وعبقريته، وهذا الخيال الذي ~~تكون في رأسها من إدمان قراءة كتبه. # وقد وصف بلزاك علاقته معها في قصة صغيرة له تدعى «سيرافيتا» ليست من أجود قصصه، ولكنها ~~تظهر القارئ على سر من أسرار النفس في الحب والقلى. # | لاساله وصاحبته # كان القرن التاسع عشر بدء نهضة الاشتراكية وقيام العمال، الذي نرى أثره الآن في ظهور ~~الأحزاب الاشتراكية على مسرح السياسة، وتقلدها زمام الحكومات، وهذا الانقلاب الهائل في ~~روسيا. # وقد كان أكبر زعماء الاشتراكية في ذلك القرن يهوديين، أحدهما كارل ماركس، والآخر فرديناند ~~لاساله. # وكان لاساله من يهود ألمانيا، نبت في عائلة غنية، وتربى أحسن تربية يحصل عليها شباب تلك ~~الأيام في جامعات ألمانيا. وقد أراده أبواه على أن يسلك سبيل والده في تجارة الحرير فأبى، ~~واختط لنفسه خطة خاصة، آثر فيها المجد على الثروة، ووجاهة الاسم على وجاهة المادة، فأخذ على ~~نفسه أن يعين العمال في نهضتهم نحو تحقيق الاشتراكية، وأخذ يدعو إليها بماله وقلمه، يخطب ~~ويكتب في كل مكان، ونشر النشرات، ويؤلف الرسائل في تحبيذها والدعوة إليها، حتى صار محور ~~الحركة الاشتراكية في ألمانيا، ينضوي إلى لوائه آلاف العمال في جميع أنحاء ألمانيا. # وكان لاساله مثقفا كثير الاطلاع والفحص عن الآداب والعلوم، فكان لذلك كثير الاختلاط ~~بالعلماء والأدباء، يجلونه ويكبرون فيه اجتهاده وأمانته لحركة العمال. وقد شهد فيه هينه ~~الأديب الألماني المتفرنس هذه الشهادة التالية، التي كتبها لكي يقدمه بها إلى المؤرخ أنسيه، ~~وناهيك بشهادة يكتبها هينه، قال: # صديقي لاساله، الذي يحمل إليك هذه الرسالة، هو رجل ذو مواهب ذهنية عظيمة؛ فهو ~~يمزج قوة الإرادة إلى كفاية العمل، ويضمهما إلى أبعد مدى من الثقافة وأكبر مقدار من ~~العلم. وهذا ms083 كله إلى ميزة الفهم والإفهام بما لم أر لهما شبيها. ولست أعرف أحدا ~~قد اجتمع فيه مثل هذا المقدار من الحماسة إلى هذا المقدار من الذكاء. # وقد كان هينه من كبار أدباء القرن التاسع عشر. وحسب القارئ دليلا على مزاج لاساله ~~الأدبي، وأنه من الطراز الأول، إعجابه بهينه في هذه الفقرات التالية: # إني أحب هينه، فهو شخصي الثاني، ما أبلغ جرأته وما أعظم فصاحته! فهو يعرف كيف ~~يهمس همس الصبية عند تقبيلها الورد في كلماته، وكيف يتنفس اللهب عندما يجيش ويحصد ~~ما حوله. وهو يستثير أرق العواطف وألطفها، كما أنه يستنهض منها أكثرها شراسة ~~وأبعدها جسارة، فهو يملك ناصية القيثارة، يعزف على جميع أوتارها. # وبلغ لاساله من الشهرة والقوة، أن صار بسمارك يدعوه ويفاوضه في الحض على حركة الاتحاد بين ~~الإمارات الألمانية، يستغل بذلك نفوذه لترويج الدعوة إلى الإمبراطورية الألمانية. # وفي حياة لاساله امرأتان، قد كان لهما أكبر أثر في تاريخه؛ أولاهما تدعى الكونتس ~~هاتزفلد، ولم يكن لاساله يعشقها؛ فقد كانت تبلغ من العمر ضعفي عمره، وكانت تخاطبه في ~~رسائلها إليه بقولها: «يا ولدي العزيز»، وكان هو الآخر عندما يكتب إليها يذكر لها أسماء من ~~التقى بهن من النساء، وما قاله لهن، ويصف جمالهن لها، وليس هذا شأن من يحب. # وقد نشرت بعض الكتب لبث الاعتقاد بأنه كان يحبها، ولكن فحص خطابات كل منهما للآخر يثبت ~~أنه كان هناك ود بينهما، لم يصل إلى درجة العشق، ولا فكر أحدهما في ذلك. # وخلاصة علاقته بهذه المرأة أنه عرفها في سنة 1846، وكان عمره إذ ذاك 21 سنة، وهي تناهز ~~الأربعين، وامتدت صلة الصداقة بينهما حتى صارت تبثه شكايتها من زوجها. وكان زوجها قد عرف ~~خليلة ملكت لبه، واستأثرت بأمواله، حتى خشيت الزوجة أن يوصي بأمواله لها دون أولاده، وعرفت ~~أنه أوصى بالفعل بجزء كبير من أمواله لها، وأن وثيقة الوصية موجودة عند هذه الخليلة، فأعمل ~~لاساله فكرته لكي يحصل على هذه الوثيقة، وعرف أن الكونت وخليلته ذاهبان إلى أكس لاشابل، ~~فاندس وراءهما ms084 يصحبه صديقان، حتى نزلوا في الفندق الذي نزل فيه الخليلان، وسرقوا هذه ~~الوثيقة، ولكن لسوء الحظ تنبهت المرأة للسرقة، وصاحت بخدم الفندق، فقبضوا عليهم، وساقوهم ~~إلى مركز البوليس؛ حيث أخذ التحقيق مجراه، وانتهى بالحكم على الصديقين دون لاساله؛ لأنه لم ~~يثبت عليه شيء. وعاد لاساله إلى الطرق السلمية لمكافحة هذا الزوج، وبقي في مكافحته تسع ~~سنوات، ربح فيها القضية لأبناء الكونتس، وألغيت الوثيقة. ولكن ذلك بعد أن أضاع مقدارا ~~كبيرا من ماله الخاص. # أما المرأة الثانية فتدعى هيلين فون دوتنجس، وكانت فتاة قد نالت حظا كبيرا من ~~التربية، ونشأت نشأة حرة طليقة، وكانت وهي فتاة قد ساحت في سويسرا وإيطاليا، فأكسبتها ~~الغربة من التجارب ما جرأها على الحديث والاختلاط، وكانت مخطوبة إلى رجل إيطالي في سن ~~الأربعين، فقبلته مكرهة بضغط من أبويها، ثم انخلعت منه، وعرفت شابا شريفا من أهل الفلاح، ~~فمالت إليه حتى خيل إلى من حولهما أنهما لا بد متزوجان قريبا. # ولم تكن إلى ذلك الوقت قد عرفت لاساله، وإنما كانت تسمع به، ففي إحدى الليالي، وهي جالسة ~~وقد تفتحت للحديث، وصارت تجهر بآراء قد جرى العرف على أن تكتمها من في سنها، قال لها بارون ~~من الحضور: «هل تعرفين فرديناند لاساله؟» # فقالت: «كلا.» # فقال: «كيف ذلك؟! أحقا أنك لم تريه؟ هذا عجيب، فقد خلق كل منكما للآخر.» # فاستحيت من أن تستزيده عن غرضه. ولكن لم تمض برهة حتى قال آخر: «يبدو من حديثك أن أفكارك ~~وآراءك قريبة جدا من أفكار فرديناند لاساله وآرائه.» # فتطلعت نفسها من ذلك الوقت إلى رؤية لاساله، وصارت تسأل عن أخباره، وتهجس بذكره قبل أن ~~تراه. وفي إحدى الليالي غشيت «صالون» إحدى العائلات، ورأت شابا مديد القامة أشقر، ذهبي ~~الشعر جعده، فرأت نفسها تسير نحوه كأن به قوة قد جذبتها إليه، وكان هذا لاساله، وأخذا في ~~الحديث، وشعر كل منهما أنه يرى في شخص الآخر صديقا قديما، وبلغ من ألفة الواحد بالآخر ~~أنهما عندما خرجا صار لاساله يتحبب إليها ويدللها ويسميها بأسماء الغرام. ms085 # ومضت تسعة أشهر بعد ذلك لا يلتقيان. ثم التقيا في «صالون» آخر، وبث كل منهما إلى الآخر ~~لواعجه. ومما قاله لاساله لها في تلك الليلة، وكان الخطر محدقا به، والحكومة تنوي القبض ~~عليه لمحاكمته، لإثارة الهياج بين العمال: «هبيني حكم علي بالإعدام، فما أنت ~~فاعلة؟» # فأجابته على الفور: «أنتظر حتى يقطع رأسك، حتى تتمتع برؤية حبيبتك إلى آخر لحظة من ~~حياتك، ثم بعد ذلك أتناول السم.» # ومضيا في الحب حتى اشتهر عنهما، وصار جميع من يعرفونها يرقبون زواجهما، ولكن والدي ~~الفتاة كانا يعارضان في هذا الزواج أشد معارضة، ويعتبرانه مهينا للعائلة، حاطا بكرامتها، ~~فلاساله لم يكن اشتراكيا فحسب، بل كان أيضا يهوديا. وكلتا الصفتين كانت من القبائح في ~~نظر العائلة. # ولكن الفتاة لم تكن لتخضع لوالديها الخضوع الأعمى الذي كانت تفرضه عليها التقاليد ~~المأثورة، ففرت إليه، واحتملت معها حقائبها، وطلبت إليه أن يسافرا معا إلى باريس حتى ~~يتزوجا. # ولكن لاساله لم يكن يحب أن يتزوج منها خفية في بلاد الغربة؛ إذ كان يرى من واجبه نحو ~~حبيبته أن يتمم الزواج علنا باحتفال وأبهة جديرين بعروسه الجميلة. وكان واثقا أن معارضة ~~أبويها سوف يتغلب عليها، ويميلهما إلى رأيه. # ولكنه أخطأ في حسبانه؛ فإن والديها كانا قد عقدا نيتهما على أن يزوجاها من ذلك الشريف ~~الفلاخي راكوفتز، فلما رجعت هيلين إليهما أخذا في تقريعها، وحبساها في غرفة لا ترى أحدا ~~سواهما. # وطالت مدة حبسها، وأهلها وذوو قرابتها يترددون عليها ويترضونها بكل الأساليب. وكانت في ~~نفسها رفعة من لاساله، أحدثها عدم موافقته على السفر والزواج. وأخيرا بعد طول الجدال رضيت ~~أن تكتب إلى لاساله خطابا، تقطع فيه ما بينهما من صلة الحب السابق، وتنبئه بعزمها على ~~الزواج، وعقدت خطبتها على راكوفتز. # وبلغ ذلك لاساله فاستشاط غضبا، وأرسل في الحال إلى راكوفتز يطلب مبارزته. ولم يكن ~~راكوفتز يحسن شيئا في العالم قدر المبارزة، فسارع إلى تلبية الطلب. # التقى الاثنان في جنيف في سويسرا، وأخذ كل منهما شاهديه، وخرجا بعيدا حتى جرت المبارزة، ~~وانتهت بأن ms086 جرح لاساله جرحا بالغا، كان شديد الألم، لم ينقطع تأوه لاساله منه إلا عند ~~وفاته بعد ثلاثة أيام من المبارزة. # وتزوجت هيلين من هذا الفلاخي، ولم يدم زواجهما سنة؛ إذ مات بالسل بعد نحو خمسة أشهر. ~~وتزوجت بعد ذلك من رجل آخر، ثم احترفت التمثيل. وقد وضعت كتابا عن ذكرياتها عن لاساله، ~~أدر عليها ربحا كبيرا، وصفت فيه زعيم الاشتراكية الألماني، وضمنته أهم خطاباته إليها. ~~وقد ألف الكاتب الإنجليزي جورج ميريديث قصة عن حب لاساله وهيلين، وهي من أبدع ~~قصصه. # | جامبتا وصاحبته # مضى على الجمهورية الفرنسية أكثر من نصف قرن. وقد ماتت النزعة الملوكية في فرنسا أو كادت. ~~وليس يعزى انتشار الفكرة الجمهورية، وخمول المذهب الملوكي، إلا إلى جامبتا. # كان ليون جامبتا من أهل جنوب فرنسا، ولم يكن خالص الدم الفرنسي؛ إذ كان أبوه إيطاليا. ~~وكانت صفات أهل الجنوب متجسمة فيه. ومن الناس من يقول إنه كان بدمه عرق شرقي. وعلى كل حال، ~~فإنه من حيث الخلق، كان مندفع العواطف ثائرها، يميل إلى البلاغة الخطابية شأن الفرنسيين ~~والشرقيين. والفرنسي أقرب الناس طبعا وخلقا إلى الشرقيين. # ونال جامبتا شهادة المحاماة وهو في الحادية والعشرين، وسار توا إلى باريس، حيث أخذ في ~~مقاومة نابليون الثالث، فكان يخطب في تبيان الأضرار الناشئة عن نظام الإمبراطورية، وعرقلته ~~للحرية ولرقي البلاد، ووجوب استبدال هذا النظام بالجمهورية. # وكان جامبتا في هيئته يخالف الفرنسيين بعض المخالفة؛ فقد كان لون بشرته زيتونيا، وكان ~~جافي الطبع، مغرما بالثوم والزيت، إذا خطب تحركت جميع جوارحه، كأنه كان يترنح ببلاغته، ~~وكان لعابه يتطاير من فيه، فكان أعداؤه لهذا السبب يلقبونه بلقب: «المجنون الغضبان». # ولكن هذه الصفات نفسها كانت تحببه إلى الجمهور المؤلف من العمال والصناع، فكان يلتف حوله، ~~ويزيد سخطه على النظام الإمبراطوري، يعزو إليه كل نقيصة في الحالة الاجتماعية أو ~~الاقتصادية. # وفي سنة 1869 انتخب جامبتا عضوا في المجلس الاشتراعي، وأخذ أيضا في متابعة حملاته على ~~الإمبراطورية، حتى صار له حزب في المجلس يناوئ الحكومة، ويفتش عن عيوبها ويشهر بها. ms087 وكانت ~~قاعة المجلس مبنية بهيئة دور التمثيل؛ فهي من جانب نصف دائرة يجلس فيها النواب، ويجلس فوقهم ~~الجمهور والصحفيون، فإذا وقف الخطيب لم يوجه كلامه إلى رئيس المجلس كما هو الشأن في ~~إنجلترا أو أمريكا، وإنما يواجه النواب والجمهور. ومثل هذا يستثير الروح الخطابية، ويبتعث ~~في الخطيب الفصاحة والذلاقة، بخلاف ما يجري في إنجلترا مثلا؛ حيث الخطيب يواجه الرئيس الذي ~~يطالبه بالموضوعية ويمنعه من الاستطرادات أيا كانت. # وحدث أن جامبتا وهو يخطب، جالت عيناه بين الجمهور، فرأى فتاة هيفاء تكاد تكون نحيفة، قد ~~كست يديها بقفازين أسودين، وكان سائر ملابسها قاتما، فتأكدت من ذلك نصاعة لون بشرتها. ~~وكانت هذه الفتاة تحدق فيه بنظرها، فإذا حملته موجة الحماسة وهو يخطب رأى الفتاة تتحمس ~~لحماسته، يرتفع صدرها ويهبط، وتختلج أعضاؤها، وتحمر وجنتاها، كأنها هي التي تخطب. # واطرد الحال على هذا المنوال جملة أشهر، حتى لم يشك جامبتا في أنها تحبه كما يحبها. ~~وحدث في سنة 1780 أن وقف جامبتا خطيبا في المجلس، وأخذت فصاحته تتدفق عن فضائل النظام ~~الجمهوري. وأخذ يصرح بهذه الفضائل، ويجهر بصوته عاليا، بما لم يسبق أن فعل مثله قبلا. ~~وكان وزراء الإمبراطور يسمعون له وهم خانسون، وقد تقنفذ كل منهم في مكانه، وسائر الأعضاء ~~صامتون، قد ذعر بعضهم بهذه الصراحة حتى وجم، وسحر البعض الآخر بحسن بيانه وبلاغته حتى ~~بقي مبهوتا يحدق النظر في الخطيب وكله آذان مستمعة. # وما انتهى جامبتا من خطبته حتى التقى النظران، فرأى وجه هذه الحبيبة ينطق بالإعجاب ~~والعطف. # وقد قلنا إن جامبتا كان جافي الطبع، لم يعاشر من الناس إلا طبقات العمال والصناع، ولذلك ~~لم يكن يعرف ذلك العرف الذي يجري بين الطبقات العليا، وتلك العادات المألوفة بينهم في ~~احترام الإحساس ومراعاة الذوق، والتلطف في الإشارة والكياسة في السلوك. ولذلك عندما انتهى ~~جامبتا من خطبته أخرج ورقة من محفظته، وكتب سطرا أو سطرين، ثم هتف بأحد الخدم، وأعطاه هذه ~~الورقة، وطلب إيه أن ينفذها إلى السيدة، وكان هذا حدث علنا أمام الأعضاء والجمهور. ms088 # ولكن الفتاة كانت أرق حاشية وأوفر أدبا من جامبتا؛ فإنها أخذت الورقة والعيون ترقبها، ~~فلم تفتحها، بل مزقتها وألقتها على الأرض، وهي صامتة هادئة، كأن لم يحدث لها شيء. وتنبه بعد ~~ذلك جامبتا، وعرف أنه يعامل امرأة لها كرامة النساء الشريفات. # ثم حدثت حرب السبعين بين ألمانيا وفرنسا، وحوصرت باريس، وكان جامبتا بها يهيئ وسائل ~~الدفاع. وبقي على ذلك مدة، ثم رأى أن يجهز جيشا لاستخلاص باريس ورد الألمان عن فرنسا، فركب ~~بالونا طار به من باريس في جنح الظلام، وهبط في جنوب فرنسا؛ حيث أخذ يؤلف الجيوش لمحاربة ~~الألمان. وكانت الهزائم من نصيبه في أكثر ما وقع بينه وبين جيش العدو، ولكنه كان مع ذلك ~~دءوبا على حشد الجيوش ومناوأة الألمان، وكان يقول في ذلك: «يجب ألا نرضى بالصلح، ما دام في ~~فرنسا مائتا ألف جندي قد عبئوا للقتال، وما دام عندنا ألف مدفع نسددها نحو خطوطه.» # ولكن فرنسا كانت قد ملت القتال، وفترت عن مجاهدة عدوها ورضيت بالصلح الذي عقد في ~~فرساي! # واجتمعت «الجمعية العمومية» في فرساي، وصار جامبتا عضوا فيها. وبينما هو في إحدى خطبه، ~~لاحت منه نظرة إلى مكان الزائرين، فرأى الفتاة، فتحول إلى إحدى غرف المجلس، وكتب لها هذه ~~الرقعة: «ثم ها أنا ذا أراك مرة أخرى، فهل حقيقة أنك أنت هي؟» # وذهب الخادم، وناولها الرقعة في لطف وخفية، فأخذتها ودستها بين صدرها وملابسها ولم ~~تجب. # وكان جامبتا قانعا بهذه المعاملة، راضيا منها بهذا المقدار من العطف، بعد أن ارتكب ~~غلطته الوقحة منذ سنوات، فاستبشر خيرا، وامتلأ قلبه آمالا، ولكنه سقط في يده عندما ~~رآها قد انقطعت عن زيارة الجمعية. # ولكنه مع ذلك بقي يشعر في نفسه بأنه لا بد ملاقيها في المستقبل، وأنها قد كتبت له في لوح ~~القدر، وكانت نفسه صادقة البصيرة في ذلك. # فقد حدث أن أحد أصدقائه أصيب بجرح ولزم فراشه، فذهب يعوده. وبينما هو في منظرة البيت، ~~وإذا به يرى الفتاة التي كانت موضوع خياله، وحديث هواجسه، ماثلة أمامه. # فتقدم ms089 منها، وجعل يحادثها بتحفظ، وهي تجيب بأخصر الألفاظ. ثم استأذنت وخرجت، وخرج جامبتا ~~في أثرها حتى أدركها في الشارع. # ثم قال لها بلهجة التوسل والتضرع: «لم مزقت خطابي، وكيف وأنت تعرفين حبي لك طول هذه ~~السنين، تلزمين الصمت ولا تجيبينني؟» # فترددت الفتاة وتلعثمت، وشرقت عيناها بالدموع ، ثم قالت: «لا يمكنك أن تحبني لأني غير ~~جديرة بك، فلا تلح علي، ولا تعدني شيئا، فليودع كل منا الآخر. ويجب على الأقل أن أفضي ~~إليك بقصتي؛ لأني من أولئك النسوة اللاتي لا يتزوجن أحدا.» # ثم أخذت تشرح له قصتها، وخلاصتها أن أباها كان ضابطا في الجيش، توفي فجأة، ولم يترك لها ~~شيئا تعيش منه، فاشتغلت مربية في بيت أحد قادة الجيش مدة الإمبراطورية، فأغري بجمالها، ~~وفسق بها، وهي بعد في غرارة الشباب، لا تحسب للمستقبل، ولا تدرك قيمة عذرية الفتيات، فلما ~~تفكرت وتدبرت في أمرها اتضح لها مبلغ جرمها، فأخذت تشتغل في أعمال وضيعة، وقد اعتزمت على أن ~~تقضي حياتها في هذه الأعمال، لا تفكر بزواج أو رفاهية، تكفر عن ذلك الذنب القديم، حتى ~~تنتهي حياتها. # ولكن جامبتا كان قد تعلق قلبه بها، لم تؤثر فيه هذه الأقوال، وطلب إليها أن تتزوج منه، ~~فلما ألح عليها في ذلك قالت له: «إن زواجنا يؤثر في شهرتك؛ فإن شرفي قد ضاع، وحياتي قد ~~ذهبت، فليس لي مستقبل، وخير لكل منا أن يفارق صاحبه.» # ولكن الحب كانت قد لج بينهما، واشتد تعلقهما الواحد بالآخر، وكانا يلتقيان على مواعيد، ~~وفي أمكنة بعيدة عن الأعين. وأخيرا رضيت ليوني (وهو اسم حبيبته) بأن تعقد معه خطبة ~~كاثوليكية تقوم بمقام الزواج، فيعيشان بعيدين منفصلين، ولكن تكون الخطبة بمثابة الزواج، ~~ينال منها المحبان جميع ما يناله المتزوجان. # وكانت ليوني شديدة الإيمان بالدين، وكانت تعتقد أنه لا يغسلها من خطيئتها الماضية سوى عقد ~~كنسي يعقد بينها وبين حبيبها، محوطا بجميع ما في الدين والكنيسة من الروعة والهيبة ~~والوقار. # وكان جامبتا في ذلك الوقت يعارض الكنيسة، ويدعو إلى فصلها عن الدولة، فطلب أن ms090 تتزوج منه ~~أولا زواجا مدنيا، ولكنها رفضت هذا بتاتا، ولكيلا يقوم عليه خصومه، ويعيرونه بزواج ~~كاثوليكي من جهة، ولكي يرضي ضمير حبيبته، اتفق كلاهما على هذه الخطبة الكاثوليكية. # وعند الكاثوليك نوعان من الخطبة، إحداها عادية لا تجيز بين الخطيبين أية علاقة زوجية، ~~والأخرى تجيز هذه العلاقة . وقبل جامبتا أن تعقد هذه الخطبة الأخيرة بينهما، وذلك بعد أن حصل ~~من حبيبته على وعد بأن تتزوج منه زواجا رسميا عندما يترك الحياة السياسية. # وتمت الخطبة، واستأجرت ليوني بيتا منعكفا، وصارت تلتقي بحبيبها في الأماكن التي يقل ~~غشيان الناس لها، دون أن يزورها جامبتا في منزلها. وبقيت على ذلك مدة طويلة، لا يدري أحد من ~~خصوم جامبتا بعلاقتها به. # وعاشت على ذلك طول مدة اشتغاله بالسياسة، مضحية بهناء الزواج، وشرف علنيته، مؤثرة أن تكون ~~علاقتها سرية، حتى لا ينال جامبتا شيء من عار تاريخها الماضي. # وكان جامبتا يسرف في إنفاق قوته في الحب والسياسة، وقد قال فيه مرة عدوه اللدود بسمارك: ~~«إنه هو الوحيد الذي يفكر في الانتقام من ألمانيا، وهو أكبر من يهدد ألمانيا من الساسة ~~الفرنسيين، ولكنه لحسن الحظ لن يعيش كثيرا. ولست ألقي هذا القول جزافا، فإني أعرف من ~~التقارير السرية التي ترسل إلي معيشة هذا الرجل كما أعرف عاداته؛ فهو يجهد نفسه أكثر مما ~~يتحمل، لا يستريح في الليل أو في النهار. وجميع من عاش هذه العيشة من الساسة ماتوا صغارا. ~~ويجب على رجل السياسة، لكي يخدم أمته حق الخدمة أن يتزوج امرأة دميمة، وأن يكون له أولاد ~~كسائر الناس، وأن يكون له مسكن ريفي يستطيع أن يعيش فيه كما يعيش الفلاحون، ويذهب إليه من ~~وقت لآخر للراحة.» # وكان نظر بسمارك صادقا في جامبتا؛ فقد حدث أنه هزم في البرلمان في سنة 1882، فاعتزل ~~السياسة، وعزم على أن يقترن بليوني، ويعيش معها سائر حياته، مغتبطا بالحياة المنزلية التي ~~لم يتمتع بها للآن، ورضيت ليوني بالزواج الآن، وصارت تنتظر اليوم الذي يعقد فيه لكي يعيشا ~~معا بلا حياء أمام الجمهور. # وبحث ms091 جامبتا عن منزل في الريف لكي يكون مسكنهما، ولم يكن يملك من المال بعد طول هذا ~~الجهاد السياسي، وعظيم ما أبلاه في سبيل وطنه، سوى نحو خمسمائة جنيه، وذلك على الرغم من ~~الملايين التي مرت في يديه، وكان ينفقها بلا حساب على الجيوش والأساطيل وغيرها، فاشترى بهذا ~~المبلغ منزلا كان يسكنه القصصي الشهير بلزاك وأخبر حبيبته بذلك، واستعد كلاهما للانتقال ~~إليه. # وبينما هو في ذلك، وإذا بإشاعة غريبة قد انتشرت في باريس، مؤداها أن جامبتا قد قتل، فبعض ~~يقول إن أحد الفوضويين قد حاول قتله، وآخرون يقولون بل هو انتحر. # واتضحت الحقيقة بعد قليل؛ فإن جامبتا وهو يتهيأ للانتقال إلى منزله الجديد في الريف، كان ~~ينظف مسدسا، فغفل عن رصاصة كانت موجودة به، فبينما هو يقلبه ويشد زنده، وإذا بالرصاصة قد ~~انطلقت وخرقت كفه، ولم يكن الجرح مميتا، ولكن بسمارك كان صادق النظر؛ فإن جامبتا كان قد ~~ضعف من الإفراط في تحميل جسمه ما لا يتحمل، حتى صار مثل هذا الجرح الذي يبرأ منه غيره في ~~أيام، خطرا كبيرا؛ فإنه تقيح، وأحدث حمى شديدة، مات منها جامبتا. # وعلمت ليوني بما جرى لحبيبها، فخرجت من بيتها لا تلوي على شيء، تهيم في الغابات، وكأنها ~~قد فقدت رشدها، ثم وجدت ديرا فدخلت فيه، ولكن نفسها المضطربة بقيت ثائرة حانقة على هذا ~~القدر الذي حرمها من حبيبها في الساعة الأخيرة التي كانت تنتظرها. وخرجت من الدير، وذهبت ~~إلى باريس؛ حيث عاشت في بعض المنازل القذرة بين الفقراء والميئوسين. # وعلم بها أصدقاء جامبتا، فانتشلوها من هذه الوحدة التي ألقت نفسها فيها، وعنوا بها إلى ~~يوم وفاتها في سنة 1906. وكان آخر ما كتبه جامبتا وهو يعاني سكرات الموت الأخيرة، هذه ~~الكلمات التي أرسلها إلى حبيبته، وقرأتها بعد وفاته: # إلى نور نفسي، إلى نجم حياتي ليوني ليون، وداعا يا حبيبتي. # | الإمبراطورة كاترين # من غرائب التاريخ أن أكبر رجل فرنسي امتلك قلوب الفرنسيين، ورفع شأنهم التاريخي، لم يكن ~~فرنسيا بل كان إيطاليا. وكذا الحال في روسيا؛ فإن ms092 أكبر من ملك زمام الأمة ونال أكبر ~~مكانة في قلبها، كان امرأة ألمانية. # ولكن هذين الأجنبيين، نابليون في فرنسا، وكاترين في روسيا، كانا يمتازان بالميزة الكبرى ~~التي رفعتهما إلى مقامهما السامي، وهي أن كلا منهما اندغم في الأمة التي تولى حكومتها، ~~فصار منها قلبا وقالبا، يخدمها بعقله وقلبه. # فقد كانت روسيا في منتصف القرن الثامن عشر تحكمها الإمبراطورة إليصابات، ابنة بطرس ~~الأكبر، ولم يكن لها خلف شرعي لكي يرث العرش، فأخذت تبحث عمن يليها، وأخيرا عقدت ولاية ~~العهد على ابن أختها الأمير بطرس في سنة 1742، وكان فتى في السابعة عشرة، خلوا من جميع ~~خصال الملوك، يقضي نهاره في الشراب، ولا يجالس سوى أوشاب الناس وحثالتهم. وكان أبله، يتسلى ~~بالسخائف، يجمع الكلاب فيصفها ويعاملها كأنها جنود، ويجمع الفئران، ثم يأخذ في تعليمها ~~وتأديبها، فإذا أخطأت عقد لها مجلسا عسكريا، وحاكمها، وحكم عليها بالإعدام. # وبحثت الإمبراطورة إليصابات عن زوجة له، وطلبت له أخت الإمبراطور فريدريك الثاني ~~الألماني، فأبى رأفة بأخته أن تقع فريسة لهذا الوغد الأبله، وشفقة عليها أن تعيش في ذلك ~~الوسط الروسي. وكانت روسيا إذ ذاك معدودة بين البلاد الهمجية في العالم. والحق أنها كانت في ~~ذلك الوقت أقرب إلى آسيا في العادات والأخلاق والأنظمة منها إلى أوروبا. # وأخيرا اهتدت إلى أميرة ألمانية فقيرة تدعى صوفيا، وكانت فتاة في السادسة عشرة من ~~عمرها، بروتستانتية المذهب كسائر أهل بلادها، فلما كانت سنة 1744 عقد زواجها على الأمير ~~بطرس، بعد أن غيرت مذهبها واسمها؛ صارت أرثوذكسية، وصارت تدعى كاترين. # وعاشت مع زوجها جملة سنين وهو يناكدها وينغص عليها عيشها، لا هم له سوى كلابه وفئرانه ~~وشرابه، ولا يأنس إلا بإخوان الكأس، يصابحهم ويماسيهم، وهو في سكر متواصل، وقد تعلم منهم ~~صنوفا من السفالات، وكثيرا ما أعنت زوجته، وهي فتاة ساذجة قد نشأت على الصرامة الألمانية، ~~يساومها ممارسة هذه السفالات، فتأبى وتستغيث. # وكان طبيعيا جدا أن تفتح كاترين عينيها بإزاء هذا الحيوان الذي صار زوجها، تشيم بارقة ~~حب في أولئك الأمراء الذين يترددون ms093 على القصر، وكانت قد أكبت على اللغة الروسية حتى ثقفتها، ~~وصارت لا تخرج للناس إلا في مظاهر روسية، فأحبها الجمهور، ومالت إليها القلوب. وكان من بين ~~المترددين على القصر رجل تبدو على وجهه أمارات الرجولة، يدعى أورلوف، فجرأته على أن يتقرب ~~منها، ونشأ بينهما حب دام عدة سنين. # ولم تبلغ كاترين الثلاثين حتى كان لها جملة أولاد، يشك الكثيرون في أنهم كانوا أولاد ~~زوجها، لعلاقتها بأورلوف هذا؛ ولأن الشجار بينها وبين زوجها لم يكن ينقطع. # وماتت الإمبراطورة إليصابات، وارتقى الأمير بطرس العرش، وهنا يذكر المؤرخون إصلاحين ~~عظيمين قام بهما بطرس هذا، ولكن الحقيقة أنه ليس له فيهما أدنى فضل. # فإنه عندما ارتقى العرش، شد من عزيمته، ونوى أن يستقيم وينظر في شئون أمته، ولكن هذه ~~العزيمة الشريفة، كما يحدث كثيرا في أمثاله، لم يكن فيها من القوة سوى ما في المصباح، يشب ~~لهبه قبيل الانطفاء الأخير، فسرعان ما عاد إلى شرابه وكلابه. ولكن حدث، وهو في جمع حافل من ~~هؤلاء الأوشاب، الذين كان يجمعهم حوله للشراب، أن دخل عليه ضابط غيور يغار على العرش وعلى ~~مصلحة البلاد، فوجده سكران، فأخذ يخطب فيه، ويحثه على خدمة بلاده، ويذكر له مجد آبائه، وقدم ~~له خلال ذلك مشروعين للإصلاح. وامتزجت حماسة خطبة الضابط بحرارة الخمر، حتى تنحى ~~الإمبراطور، وأخذ أوراق المشروعين ووقع عليهما، وهو لا يدري ما يفعل. # وكان أحدهما يقضي بإلغاء مكتب الشحنة السرية التي آذت الناس كثيرا، والآخر يرد إلى ~~النبلاء بعض حقوقهم التي كانت قد انتزعت منهم. # ولكن بطرس عاد ثانيا إلى شرابه، وعادت إليه عصابة السوء التي كانت تساقيه، وأبطره ~~السلطان، فصار يستبد ويقذف السباب على زوجته الإمبراطورة كاترين جهرا أمام الناس في ~~الحفلات الكبرى، فمن ذلك أنه أعلن مرة أن ابنها البكر ليس ابنه، وإنما هو من نسل عشاق ~~الإمبراطورة. # وكانت هذه التهمة تكفي وحدها لطلاق الإمبراطورة أو قتلها، فأخذت هي الأخرى تكيد له، وتبحث ~~عن طريقة تقضي بها على حياته، وأخيرا دبرت بعناية مع عشيقها أورلوف مؤامرة ms094 لخلعه. ولكن ~~قبل أن تختمر المؤامرة علم الإمبراطور بطرس بها، وتحرجت عندئذ الحال، وخشيت هي أن تقدم ~~للمحاكمة وتعدم، فسارعت إلى جواد وامتطته، وسارت إلى الثكنة التي يقيم بها الجنود الروس في ~~بطرسبرج، وناشدتهم المعاونة على خلع الإمبراطور. وكان هؤلاء الجنود يكرهون بطرس لميله إلى ~~الألمان، وتأليفه حرسا منهم ويؤثره على الروس. # فتقدم إليها الضباط بجنودهم، وأقسموا لها يمين الولاء، وخرج الجميع في أثرها حتى قبضوا ~~على بطرس، وساقوه أسيرا في إحدى القلاع، وذهب إليه أورلوف، وحاول أن يجرعه سما، ولكن ~~بطرس، كما هو الشأن في عدد كبير من البله، لم يكن ضعيف العضلات، فقاوم أورلوف فعمد أورلوف ~~إلى جوزة عنقه، فقبض عليها، واعتصرها، حتى خرج الدم من أذني بطرس، ولم يتركه إلا بعد أن ~~مات. # ولم تكن كاترين ترغب في كل ذلك، ولكنها لم تجد بدا من الرضى بعد أن نفذ السهم، وصارت من ~~ذلك الوقت إمبراطورة روسيا المتحكمة في حظوظها. # وكانت عندما لجأت إلى الثكنة تستنجد بالجنود، قد خرج إليها ضابط جميل الوجه والقوام، وقد ~~وقف أمامها وقفة الأدب والاحترام، ثم أشار إلى أن خوذتها ليس عليها ريشة، وفي الحال انتزع ~~ريشته، وتقدم ووضعها برفق على خوذة الإمبراطورة. وليس من شأن هذا العمل أن ينسى في تلك ~~الظروف الخطيرة؛ ولذلك تذكرته الإمبراطورة بعد قتل زوجها، واستدعته إليها. # وكان هذا الضابط يدعى بوتمكين، وكان يختلف عن أورلوف من حيث تمدينه، وتوحش أورلوف؛ فقد ~~كان رجلا مهذبا أنيقا في ملابسه، يحب الكتب، ويدير الحروب، بينما لم يكن في أورلوف من ~~الصفات التي تحبها الإمبراطورة سوى جرأته ورجولته. # فأنعمت على أورلوف، وغمرته بألطافها، حتى تركها راضيا مسرورا، واستأثرت ببوتمكين. وتبين ~~لها بعد أن عرفت بوتمكين، أن حبها الماضي لم يكن سوى شهوات متوثبة، أما هذا الحب فهو دائم ~~متواصل، ذلك فيه حرقة الجوع وأنانية الطمع، أما هذا، فكله عطف واستسلام وحنان. # ولم تكن كاترين جميلة من حيث الجسم؛ فقد كانت ربعة، متناسبة أعضاء الوجه، الذي لم يكن فيه ~~مما يفتن سوى ms095 حاجبين أسودين ثقيلين، يشتد ظهورهما؛ لأن شعر رأسها لم يكن فاحم اللون مثلبا. ~~ولكنها كانت ذكية، لها قدم في الآداب، وكانت تكاتب فولتير، وكثيرا ما دعته إلى القدوم ~~إليها فأبى. # وأحبت كاترين بوتمكين، وأنعمت عليه إنعام الإغداق، حتى بلغت ثروته بعد سنتين من معرفته ~~بها نحو 9 ملايين روبل، وكان لا يعرف ضياعه، لكثرتها وسعة مساحتها، ولكنه هو نفسه كان أيضا ~~مخلصا في حبه لها، فلم يكن يبالي أن يضيع هذه الثروة الضخمة لكي يرضيها أو يترضاها؛ فقد ~~بنى لنفسه قصرا في بطرسبرج، وكان يدعوها إليه فيه، ويعقد لها الولائم الفخمة، تزري ولائم ~~الملوك، وتذكر الناس أنطونيوس وكليوبطرة؛ فقد دخلت الإمبراطورة في إحدى زياراتها مكتبة ~~بوتمكين، فوجدت من الكتب ما زين جلدته بالجواهر الثمينة، كالماس والياقوت، وفتحت بعض الكتب ~~الأخرى، فوجدت الأوراق مؤلفة من البنكنوت الإنجليزي، وحدث أن الإمبراطورة أرادت أن تزور ~~وادي نهر الدينيبر في صحبة بوتمكين، فلكي يسرها ويوهمها بعمار البلاد أمر فبنيت أكواخ على ~~شط النهر من الخشب والقماش، كما تبنى على مسارح التمثيل. وأمر أناسا يقفون إلى جنب هذه ~~الأكواخ، ويهتفون لها كلما مرت بهم. # وقد حارب بوتمكين الأتراك، ونال عدة انتصارات، اتسعت بها الإمبراطورية الروسية، ولكن ~~كاترين لم تكن تحبه لهذه الانتصارات وإنما لشخصه، وما ترى فيه من شدة تعلقه بها وولائه لها، ~~فكان إذا بعد عنها، ورافق الجيوش في الجنوب لمقاتلة الأتراك، لا تهتف إلا باسمه، وإذا كان ~~في بطرسبرج فلا تفارقه. # ومات بوتمكين وهو في جنوب روسيا، وحزنت عليه كاترين أشد الحزن، وبقيت لا تذكره إلا ~~باللوعة والأسى، حتى ماتت بعده بخمس سنوات. # | خمس نسوة وبرنارد شو # توفي برنارد شو وله من العمر ست وتسعون سنة. وهذا الامتداد المسرف في عمره يجيز لنا أن ~~نعالج ناحية الحب في حياته كما لو كان قد مات ودفن قبل سبعين سنة؛ لأن القسم الأكبر من ~~حياته قد أصبح جزءا من التاريخ. # وبرنارد شو هو فيلسوف هذا العصر، وسوف يخلد الكثير من مؤلفاته التي انتفع بها معاصروه. ms096 ~~ولكن حياته نفسها هي خير مؤلفاته؛ فإنه اختط لنفسه خطة في هذه الدنيا، واتخذ أسلوبا للعيش، ~~وانفرد بميزات أخلاقية جمعت حوله الكثيرين، وجعلته موضع إعجاب الآلاف الذين يتسقطون أخباره ~~ونوادره. # وكان مديد القامة، أشهب، أشهل، ولحيته حمراء قبل المشيب، وقد اقتصر على الطعام النباتي ~~ومشتقات اللبن مثل غاندي منذ ثلاث وستين سنة. وهو أيرلندي الأصل، احترف الأدب، وعاش في لندن ~~معدما إلى الأربعين تقريبا، حين انفتحت له أبواب الحظ، فمثلت دراماته على المسرح ~~الإنجليزي والمسارح الأوروبية والأمريكية. # وقد عرف كثيرا من النساء، أو بالحري عرفته نساء كثيرات. ولا يستطيع من ينظر إلى صورة ~~برنارد شو في شبابه أن يقول إنه كان جميلا، ولكنه على الأقل كان غريبا، يغري بغرابته، ~~ويجذب بشذوذه؛ شاب أصهب اللحية، يتجنب اللحوم والخمور والشاي والقهوة والدخان، إذا تحدث ~~امتلأ حديثه بفقاقيع النكات المؤلمة، وأحيانا المحزنة، وهو فوق ذلك اشتراكي، يقف في صف ~~المعارضة الاجتماعية للدولة والمجتمع والأخلاق، وينتقد بحرارة تخفف من وقعها الفكاهة. وكان ~~هو نفسه دائبا في نشر اسمه وإذاعة صيته حتى لم يكن يمر أسبوع دون أن تتحدث عنه إحدى الصحف، ~~مادحة أو قادحة. وانتشر له صيت بأنه ذكي، ينطق بالكلمات التي تؤثر وتروى. # ومما يروى أن الراقصة «إيزادورا دونكان» عرضت عليه عرضا فاجرا، بقولها إنها أجمل ~~النساء، وإنه هو أذكى الرجال، وأنها لو أنجبت منه طفلا، لجمع بين جمالها وذكائه، فرفض ~~برنارد شو العرض، وقال إنه يخشى أن يخرج الولد وقد جمع عقلها هي إلى جسمه هو! # وحياة برنارد شو حافلة بالأدب الكفاحي، الذي ينأى عن البرج العاجي. وهو لم يعش قط ~~محايدا، يتجنب الأحزاب أو يكره الانغماس في المشكلات؛ ولذا كانت جميع دراماته مشكلات ~~اجتماعية، تخلو أحيانا من الحب، الذي هو الموضوع الرئيسي للقصة أو الدراما، أو هي تضع الحب ~~أحيانا كثيرة في المكان الثاني، أما المكان الأول فللمشكلة الاجتماعية أو الفلسفية أو ~~السياسية. # ويجب أن نستنتج من هذا أن حياة برنارد شو نفسه كانت مليئة بالكفاح الاجتماعي والسياسي ~~والفلسفي، وأن التفاته ms097 إلى الحب كان عابرا، يطفو على السطح، ولا يتعمق حياته، وكان ينشد به ~~السرور لا السعادة؛ لأن سعادته كانت ولا تزال في كفاحه لتغيير المجتمع البشري. وقد أفلتت ~~منه كلمة في إحدى دراماته، دلت على موقفه من الحب، حين قال: إن البشر يتعلقون أحيانا، ~~ولكنهم يسلكون سلوك الحمير حين يحبون. # ويذكر برنارد شو أنه بقي إلى الثلاثين تقريبا وهو بكر كالفتاة العذراء، إلى أن تعرف إلى ~~أرملة، أو تعرفت هي إليه، فكان بينهما حب بقي سنين كثيرة لم تشبه سوى علاقته - في نفس ~~الوقت - بامرأة أخرى؛ إذ شبت بين المرأتين غيرة جنونية، كانت تحمله على المصالحة بينهما، أو ~~على الملق في إيثار إحداهما وقت غيبة الأخرى. وواضح أنه في هذا «الحب» كان يسلك سلوك الحمير ~~الذي ذكره في إحدى دراماته! # على أننا هنا يجب أن نفهم أن «سلوك الحمير» هذا، لم يكن ينطوي على إسراف، فلم تتأجج فيه ~~شهوة، أو يستمر فيه شوق؛ فإنه في تلك السنين كان قد شرع في اتخاذ النظام النباتي في طعامه، ~~وشهوات الإنسان «تتكيف» بطعامه إلى حد بعيد. وقد أومأ فرانك هاريس في ترجمته لبرنارد شو إلى ~~أنه كان ناقصا من الناحية الجنسية، وكاد يقول إن التزامه للطعام النباتي هو علة ذلك. وقد ~~أنكر برنارد شو في صراحته المألوفة هذه الشبهة. والواقع أنه ليس هناك ما يدل عليها بتاتا، ~~وإن كان هناك بالطبع ظن بأن انغماس هذا الأديب الكبير في المشكلات الأدبية، ووقوفه منها على ~~المستوى العالي في التبعات الاجتماعية والفلسفية، قد خفف عنده من هذه الحدة الجنسية التي ~~تكون عند نظرائه من الناس. أما تجنبه اللحم والخمر، فيأتي بعد ذلك في تخفيف حدته ~~الجنسية. # وقد عرف برنارد شو ثلاثا من النساء ارتفع بينه وبينهن الحب إلى درجة سامية؛ إذ كان ينطوي ~~على كثير من الألم والتضحية، وما نصطلح على تسميته أحيانا بالروحية. وقد كان «لاروشفر كول» ~~يقول إن هناك كثيرا من الناس، ما كانوا ليعرفوا الحب لولا أنهم قرءوا أو سمعوا عن قصصه. ~~ومعنى ms098 هذا الحب أن الحب «يتكيف» بثقافتنا، وأن لكل منا طريقة في معالجته أو معاناته، هي ~~ثمرة الثقافة التي حصلنا عليها من بيئتنا الاجتماعية، ومن آدابنا الموروثة؛ ولذلك يجب أن ~~نجزم بأن هناك فرقا عظيما، بين الشاب الذي لم يقرأ من قصص الحب سوى ما جاء في كتاب «ألف ~~ليلة وليلة» وبين شاب آخر قد قرأ «أبيلار وهيلوئيز»؛ فإن ما يستنبطه أحدهما من معاني الحب ~~ولذاته، تختلف اختلافا جوهريا عما يستنبطه الآخر. ولكل منهما أسلوبه في الحب تبعا لهذا ~~الاختلاف. # وأحس برنارد شو لوعة الحب الأولى حين عرف آنسة تدعى ماي موريس، وكان أبوها اشتراكيا من ~~طراز تولستوي، ينزع إلى الاشتراكية؛ لأنه يجد فيها المجال للفنون الجميلة والرحمة بالفقراء. ~~وكانت ماي تختلط بالاشتراكيين الفابيين، الذين كان برنارد شو يعد زعيمهم. وكان يزور منزل ~~والدها ويستمتع بالحدث إليها. وكانت مديدة هيفاء، تحسن لقاء برنارد شو ولكنها كانت تجهل ما ~~يكنه نحوها من حب غامر، يلجم لسانه، ويربك حركته، عندما يلتقي بها. وكان في ذلك الوقت ~~فقيرا، يكاد يكون محروما من الكسب. وكان موريس ميسور الحال، فلم يجرؤ برنارد شو على أن ~~يطلب يد ابنته، ولكنه لم ينكر على نفسه زيارتها، على أننا مع ذلك لا نحس أنها قد التفتت ~~إليه أكثر مما كانت تقتضيها مجاملة الضيافة. وهو يروي عن نفسه أنه ذات مرة كان يهم بالخروج ~~من منزل أبيها، فبرزت إليه في أناقة، وودعته في رقة وحنان، حتى أحس أنه تمت بينهما الخطبة ~~«في السماء». وفي هذا التعبير ما يدل على أنه هام بها هياما عظيما، ولكن هيامه كان ~~مكتوما في نفسه! # وذات يوم عرف أنها خطبت إلى أديب اشتراكي يدعى سبارلنج، ثم تزوجته، واستكان إلى حظه، ~~وتقبل هذا الحرمان من حبيبته التي كان يعدها خطيبته «في السماء». ولكن حدث بعد ذلك أن هذين ~~العروسين اللذين سكنا في دار نائية، دعوا برنارد شو إلى زيارتهما، فزارهما على براءة ~~وأمانة، وبقي معهما أسابيع، والجميع هانئون، من دون أدنى دليل على خيانة أو مخالفة ms099 زوجية. ~~ولكن الناقد لا يشك في أن ماي موريس قد وجدت في برنارد شو من روعة العبقرية والعظمة ما ~~جعلها تفكر، وتقارن بينه وبين هذا الزوج الأليف؛ لأنه ما كاد برنارد شو يتركهما، حتى وجد ~~الزوج أن زوجته قد استحالت إلى حجر مثلج لا يتحرك، كأن كل عواطفها قد جمدت. وغشي البيت جو ~~من المرارة، يكاد كل من الزوجين يطعم علقمه، حتى لم يجدا مندوحة عن الفراق! # ولم يتهم الزوج برنارد شو بإغراء زوجته، ولكنه قال إن زيارته كانت سبب هذا الفراق. وبقيت ~~ماي بعد ذلك في عزبتها حتى ماتت. # أما المرأة الثانية التي أحبها برنارد شو فهي ألين تري، الممثلة الإنجليزية، وكانت رائعة ~~في جمالها وفنها، وهي عند الإنجليز بمقام سارة برنار عند الفرنسيين. وأحب كل منهما الآخر ~~على بعد، لا يلتقيان، وإنما كانا يتراسلان. وقد طبعت بعد ذلك هذه الرسائل، فكانت كشفا ~~رائعا عن أسلوب في الحب لا يطاق بين المحبين. # وقولنا إنهما «لا يلتقيان» ليس بمعنى أنهما لا يتقابلان بالعين؛ فقد كانت «ألين تري» تظهر ~~على المسرح كل مساء، وكان برنارد شو يواظب على الحضور، ويتخذ مقعده قريبا من خشبته، فكانت ~~العين تلتقي بالعين لقاء صامتا، حتى إذا بلغ برنارد شو منزله، كتب إليها رسالته، وبثها ~~فيها لوعته وشجنه، فإذا كان الصباح ردت هي عليه في رسالة أخرى. # ومثل هذا الحب الذي لا يعرف لقاء جدير بأن يحتدم ويدوم احتدامه. وقد بقي الاثنان على هذا ~~البعد، يستمتعان ويعانيان لذة الفراق الأليمة. وكانت ألين تري تمثل درامات هذا الصديق أو ~~الحبيب النائي، ومع ذلك لم يكن برنارد شو يختلس الزيارة من خلف الستار، كي يشكر أو ينبه أو ~~ينتقد، كما هو المألوف بين المؤلفين، بل كان يقنع برسالته التي يسكب فيها نفسه، ويبعثها ~~إليها، وبقيت على ذلك حتى ماتت. ولما نشر الكتاب الذي يحوي هذه الرسائل كتب ابن ألين تري ~~نقدا لها فقال: إن برنارد شو لم يكن يحب أمه وإنما كان يخدعها بهذه الكلمات العذبة كي تمثل ms100 ~~دراماته، وإن أمه خدعت، فأحبته، وخدمته بتمثيل هذه الدرامات. ولكن المتأمل لهذه الرسائل ~~يحس فيها طابع الصدق والإخلاص، ويكاد يكون من المستحيل للأديب الكبير أن يخدع ويكتب، كاذبا ~~على إحساسه وعاطفته. ولكن يمكن أن يقال إن برنارد شو لم يكن يعجب بما نسميه الجمال في جسم ~~ألين تري ، وإنما كان إعجابه ينصب على شخصيتها الرائعة، التي كانت تتلألأ على المسرح. ولعل ~~هذا هو السبب في أنه استطاع أن يحب على بعد، وأن يحجم عن اللقاء؛ لأن جمال الجسم يثير ~~الشهوة، ويغري بالقرب. ولكن جمال الشخصية يبعث الإعجاب، والعبادة عن بعد. ولعل هناك ~~تفسيرا آخر، هو هذه الرغبة العامة التي يحسها الأديب الصادق في التجربة؛ كيف يكون الحب على ~~بعد، وكيف تستحيل اللوعة إلى فن، وكيف تستغني عن العناق المطفئ للشهوة، بالخيال الذي يشبع ~~في النفس ويملؤها بمباهج الألوان والأشكال؟ # وكانت ألين تري رائعة الجسم، يدل على ذلك أن خمسة تزوجوها واحدا بعد آخر، ولكن برنارد شو ~~على ما يبدو، كان يفتتن بها وهي تمثل؛ أي إنه كان يعشق ميزاتها الفنية، وليس ميزاتها ~~النسوية، وهو يقول: «إن الحب الأمثل هو الذي يجري عن طريق البريد. وقد كان تراسلنا حبا ~~كاملا شافيا. وكنت أستطيع أن أقابلها في أي وقت أردت، ولكني لم أشأ أن أعكر هذا الحب ~~الصافي.» # وستبقى هذه الرسائل المتبادلة بين برنارد شو وألين تري أدبا خالدا، وتجربة للبشرية ~~سامية، بين نفسين ارتفعتا إلى مستوى عال من الإحساس والخيال، والتعقل وكظم «نهيق ~~الحمار». # أما المرأة الثالثة التي أحبها برنارد شو، فيبدو أن حبها له أو حبه لها، كان من النوع ~~الذي لا يلتهب، فينير أو يدمر، ولا يسمو، فيقوم الخيال فيه مقام اللقاء، ويغني عنه، وهو ~~النوع الذي يعيش في مجتمعنا وتبنى به العائلات. # وهذه المرأة هي شارلوت بين تونسهد، وكانت فتاة ثرية، تعرفت إلى «بياتريس ويب» وتعلمت منها ~~الاشتراكية، وكانت قد سئمت أولئك الشبان العديدين الذين طلبوا يدها طمعا في ثرائها. ووجدت ~~برنارد شو نجما يوشك أن يبزغ ويتلألأ، ms101 فسعت بياتريس ويب بينهما كي تربطهما بالزواج. وكانت ~~تنشد في هذا الزواج تحقيق مآرب مختلفة؛ منها التخفيف عن برنارد شو من الفاقة التي ألحت ~~عليه إلى أن كاد يبلغ الأربعين، ومنها استخدام هذا الثراء الذي كانت تتمتع به هذه الآنسة ~~لترويج المذهب الاشتراكي، ولكن برنارد شو كان - كما هو شأن الأديب المخلص لرسالته - يتوجس ~~خيفة من الزواج؛ إذ لا يستطيع الأديب أن يخدم سيدين معا: الفن والزوجة. # ولكن شاءت الظروف غير ما شاء برنارد شو؛ فقد مرض، ولزم السرير، وساءت حاله. وكانت شارلوت ~~في نزهة مع بياتريس ويب في البحيرات الإيطالية، فأرسل إليهما صديق ينبئهما بخطورة المرض، ~~وبأن برنارد شو لا يجد من يعنى به، فلم يكن من شارلوت إلا أن سافرت على أول قطار، وقصدت ~~إليه عقب وصولها إلى لندن، فألفته في حال يرثى لها من الإهمال. # وهنا يقول برنارد شو في صراحته البشعة: إن النفس وقت المرض تضعف فترق، ويغمرها الحنان؛ ~~ولذلك يسهل غزوها بعروض الحب والزواج، وقد قبل الزواج. وما هو إلا أن سرت في عروقه بوادر ~~العافية، حتى قصد مع شارلوت إلى الكنيسة حيث تم زواجهما. وهو لا يزال يذكر أن رفيقه إلى ~~الكنيسة كان جراهام وولاس، المفكر المشهور والمعروف بكتابه «فن التفكير»، وكان يمتاز بقوام ~~وصحة وإشراق، ويتزين بوردة على صدره، لما رآه القسيس حسبه العريس، ونحى برنارد شو عن كرسي ~~الزفاف، مستهينا به لهزاله وضعفه. # ثم اعتذر القسيس، وأتم الزواج. # | قصة كارل ماركس # ولد سنة 1818، وكان أبوه يهوديا قد احترف المحاماة. وكان قد تنصر سياسة لا دينا، ~~وذلك لكي يقبل على مكتبه الناس. وكان أهله يعيشون في بلدة تريف في الموزيل في فرنسا، قريبا ~~من التخوم الألمانية، وهذه البلدة كثيرا ما تناوبتها سيادة فرنسا وألمانيا على ~~التوالي. # وكانت أمه مؤمنة دينة، تميل إلى الهدوء، والجري على أوضاع العرف، فعاشت طول حياتها وهي في ~~أشد الحزن والأسى لنزوع ابنها إلى أفكاره الثورية، ومطاردة الحكومات له. ونشأ ماركس عبلا ~~مديد القامة. وكان أسمر اللون، يكاد يكون ms102 آدما، حتى كان إخوانه يسمونه الزنجي. ولكن ملامحه ~~كانت أبعد ما تكون عن الملامح اليهودية المألوفة. # وكانت مدينة تريف بعد سقوط نابليون، قد انتقلت إدارتها من فرنسا إلى ألمانيا. وكان يسكن ~~بجوار منزل ماركس المستشار الألماني البارون وستفالين. وكان والد ماركس قد عرف هذا البارون، ~~وصارا صديقين يتزاوران . وتعرف عائلة كل منهما إلى عائلة الآخر. وكان للبارون ابنة جميلة ~~تدعى برتا، وكانت سنها أكبر من كارل ماركس بأربع سنوات، ولكنه شب معها، وقضيا عصر الصبا ~~معا، فلما بلغا سن الشباب، تعلق ماركس بها، وصار يلهج بذكرها، ولا يطيق فراقها. وكانت هي ~~أعقل منه بحكم سنها، وكانت تجد في نفسها له، مثل ما يجد هو أو أكثر، ولكنها كانت تداري ~~وتطاول. # وأرسله أبوه إلى جامعة بون، ولكنه لم يكن خليا، فاشتغل باله بحبيبته، وانتشرت عليه لذلك ~~دروسه، فلم يأت بنتيجة. وصارت أخباره تصل إلى والده، فيبعث إليه يبكته ويؤنبه بلا طائل. ~~وأخيرا استدعاه والده، ومنعه من الذهاب إلى بون. # فلما حضر أخذ في حض حبيبته على الزواج منه، وألح عليها في ذلك، وأظهر لها من الحب ~~والإخلاص ما جعلها تقبل يده، وتعده بالزواج بعد تردد طويل وممانعة جدية؛ فقد كانت برتا ~~لزيادة سنها على سنه، تخشى أن يكون تعلقه بها عن هوى زائل لا عن حب مقيم. # وبقيت خطبتهما سرا مكتوما، لا يدري بها أبواهما. وعاد ماركس إلى جامعة برلين، وأخذ ~~يدرس بنشاط، ولكنه كان كثير الدأب في تحصيل ما لم يكن قد اختص له من الدروس، فكان يكثر من ~~مطالعة التاريخ والفلسفة والاقتصاد مهملا في ذلك دروسه القانونية الأصلية. وهذه القطعة ~~التالية المأخوذة من أحد خطابات والده إليه، تبين حالته في ذلك الوقت: # إنك في تشوش هائل، تكثر من التجوال في مختلف العلوم، وتقضي وقتك عبثا في التأمل ~~حول المصباح. # ولكنه مع هذا التشوش استطاع أن ينال شهادة الجامعة. وكان أبوه قد مات في هذه الفترة، فعزم ~~على أن يحترف التعليم، ولكنه عدل عنه إلى الصحافة، وتعين محررا في إحدى ms103 الجرائد الحرة. ثم ~~غلا في سياسته حتى اضطر أصحاب الجريدة إلى فصله. # وكان أهل برتا قد عرفوا علاقتها بماركس، وصاروا يمانعون في عقد هذا الزواج، ولكن حب ~~الحبيبين كان أوثق من أن تفكه شكوك العائلة، وتزوجا على الرغم من استياء أهل الفتاة في سنة ~~1843. # وخرج بها ماركس مهاجرا إلى باريس، حيث تعرف إلى برودون وباكونين وسان سيمون، وكان ~~هؤلاء الثلاثة من أقطاب الاقتصاد في ذلك الوقت، ومن غلاة الحاملين على مبدأ الملكية، فأشرب ~~ماركس آراءهم، وأخذت هذه الآراء تتطور في نفسه وتتكشف، حتى تفتحت أزهارها عن الاشتراكية ~~الحديثة. # وعرف ماركس في ذلك الوقت أيضا هينه، الأديب الألماني الذي لا يفوقه في الأدب الألماني ~~سوى جوته. وكان هينه يفتن كل من يقترب منه أو يقرأ له، بل كان بيته يحاصر أحيانا بمن ~~أحبه من النساء والرجال. # وتعلقت زوجة ماركس بهينه بعض التعلق، وكان هينه يحبها، ولكن أكثر الرواة يجمعون على أن ~~هينه احترم في ماركس صداقته، ولم يخنه في زوجته، وأن الزوجة عاشت أمينة للزوجية، لم تخل ~~بشروطها، ولم يكن حبها لهينه إلا حبا أفلاطونيا بريئا. # وأوعز ملك روسيا إلى حكومة فرنسا أن تنفي ماركس من بلادها، فنفته، وبقي من ذلك الوقت إلى ~~حين وفاته، وهو في فقر مدقع، دائم الرحلة من بلد إلى بلد، لا ينزل مكانا حتى يرى الشرطة قد ~~احتاطته، وأخذت في إعناته بضروب من المكايدات، وانتهى به المطاف إلى لندن؛ حيث طبع كتابه ~~«رأس المال» بعد أن عانى المشاق في وجود من رضي بطبعه. # ولم يكن يعوله سوى جريدة التربيون بنيويورك؛ إذ كانت ترسل إليه جنيها كل أسبوع، لكي ~~يوافيها ببعض المقالات. # وانتهت هذه الحياة المعذبة بشيخوخة غير مطمئنة، فقد ماركس إيمانه بالله، وكفر بقوانين ~~الزواج، وصارت الحكومات في نظره شرا عظيما، يجب أن يزال من الوجود. وماتت زوجته قبل ~~وفاته بعام، ويحكى أنه عندما ذهب هو وأولاده الستة لكي يدفنوها، عثر فوقع في حفرة قبرها، ~~ومنذ ذلك الوقت إلى يوم وفاته، انطفأت حماسته، ولم يعد يهتم ms104 لشيء في هذا العالم. ms105