######OpenITI# #META# URI: 1377SalamaMusa.IftahuLahaBab.Hindawi86173858 #META# Tags: novels #META# ID: 86173858 #META# Title: افتحوا لها الباب #META# AuthorID: 40515160 #META# Author: سلامة موسى #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # 1 - قصة غرام‏ # 2 - أعظم المخدرات‏ # 3 - أحسن أم‏ # 4 - لماذا تزوج؟‏ # 5 - ذكريات قلب‏ # 6 - خريف + ربيع‏ # 7 - طلقت أخي‏ # 8 - غرفة الخادمة‏ # 9 - الحيوان الذي كان إنسانا‏ # 10 - ماتت 3 مرات‏ # 11 - تجربة علمية‏ # 12 - والدي العزيز‏ # 13 - لكن الله يرحمه‏ # 14 - العمارة ليست ملكه‏ # 15 - إلى المعاش‏ # 16 - صوت الشيخ‏ # 17 - رؤيا‏ # 18 - اختلفوا على الجهاز‏ # 19 - موت عظيم‏ # 20 - افتحوا لها الباب‏ # 21 - هل أنا قتلته؟‏ # 22 - قصة السبعة الكبار‏ # 23 - هجرتنا إلى القمر‏ # 1 - قصة غرام‏ # 2 - أعظم المخدرات‏ # 3 - أحسن أم‏ # 4 - لماذا تزوج؟‏ # 5 - ذكريات قلب‏ # 6 - خريف + ربيع‏ # 7 - طلقت أخي‏ # 8 - غرفة الخادمة‏ # 9 - الحيوان الذي كان إنسانا‏ # 10 - ماتت 3 مرات‏ # 11 - تجربة علمية‏ # 12 - والدي العزيز‏ # 13 - لكن الله يرحمه‏ # 14 - العمارة ليست ملكه‏ # 15 - إلى المعاش‏ # 16 - صوت الشيخ‏ # 17 - رؤيا‏ # 18 - اختلفوا على الجهاز‏ # 19 - موت عظيم‏ # 20 - افتحوا لها الباب‏ # 21 - هل أنا قتلته؟‏ # 22 - قصة السبعة الكبار‏ # 23 - هجرتنا إلى القمر‏ # | افتحوا لها الباب # | افتحوا لها الباب # تأليف # سلامة موسى # الفصل الأول # | قصة غرام # ولكن ليس هذا كل الغرام؛ فإننا نغرم بالمجد، ونغرم بالفن، ونغرم بالفلسفة، ونغرم ~~بالطبيعة و ... # جاءني سكرتير التحرير وقال: إن القراء يشكون لأن قصصك لا تحوي غراما، وبعضهم يقول: إن ~~الغرام أساس القصة. # قلت: ولكن جميع قصصي - تقريبا - تحوي غراما. # قال: أعني الغرام بالمرأة؛ أي الحب بين الرجل والمرأة. # قلت: ولكن ليس هذا كل الغرام؛ فإننا نغرم بالمجد، ونغرم بالفن، ونغرم بالفلسفة، ونغرم ~~بالطبيعة، و ... # قال: ولكن غرام المرأة؟ # قلت: إذا كان الغرام بالمرأة سيشغلنا عن الغرام بالمجد فإننا يجب أن نؤثر المجد على ~~المرأة. # قال: ألم تقل في إحدى مقالاتك إن الحب يجب أن يكون الأساس للزواج؟ # قلت: هو كذلك، وأيما أساس آخر للزواج؛ كالمال أو الوجاهة، هو أساس من رمل ينهار عليه بناء ~~الزواج، ولكن اسمع، هل يمكنك أن تتخيل «نابليون» وهو في حروبه وبرامجه لتغيير الدنيا وتأليف ~~المستقبل، ms01 يقعد إلى مكتبه كي يكتب خطابا غراميا لحبيبته يبين لها مقدار ما سحره ~~جمالها، ويصف لها عينيها وأنفها وشفتيها وصدرها؟ أو هل يمكنك أن تتخيل «تولستوي» يفعل ~~ذلك؟ # قال: أنت تتحدث الآن عن حب العظماء الذين أغرموا وعشقوا فكرة أو هدفا، فهل تعتقد أن ~~القراء يحبون أن تصف لهم مثل هذا الغرام أو العشق؟ أظن أنهم لن يكترثوا به! # قلت: ولم لا؟ ألا تعرف قصة الحب بين الأديب الفيلسوف «برنارد شو» والممثلة الرائعة «ألن ~~تري»؟ لقد نشر كتاب قبل سنوات يحوي الخطابات التي تبودلت بينهما عن حبهما مدة سنوات، وكان ~~أعظم ما يلفت في هذا الحب أن الحبيبين لم يكونا يلتقيان؛ فقد كان «برنارد شو» يقصد إلى دار ~~التمثيل ويقعد على مقعد أمامي، ويراها كل ليلة وهي تمثل، فإذا عاد إلى منزله قعد إلى ~~مكتبه وكتب إليها خطابا يسر إليها فيه باختلاجاته وارتعاشاته. # وهنا ضحك سكرتير التحرير وقال: هذا حب في الهواء. # فقلت: ولكن هذه الخطابات لم تكن كلها اختلاجات وارتعاشات؛ إذ كانت تحوي أيضا الحكمة ~~والفلسفة والفن. # قال: ولكن، لماذا لم يكونا يلتقيان؟ # قلت: استبقاء للحب؛ حتى لا ينطفئ باللقاء، وحتى يغذوه الخيال فلا يفسد أو يفتر ~~بالواقع. # قال: ولكن، هل هذا يطاق؟! # قلت: إن ها هنا موضوعا للتحليل، واعتقادي أن الحب يفتر، وقد يموت بالإسراف في البعد كما ~~يموت بالإسراف باللقاء؛ بالاثنين، وأظن أن حبهما مات وإن لم يفهم هذا من رسائلهما. # فتململ سكرتير التحرير وقال: نريد قصة تحتوي غراما، ودعك من هذه الفلسفة؛ ألم يكن ~~«برنارد شو» نباتيا؟ وهل ننتظر من رجل لا يشتهي أكل اللحم أن يشتهي حب المرأة؟! # قلت: إنك أذكرتني الآن؛ فإن «غاندي» كان نباتيا أيضا، وتزوج عن حب، ولكنه عندما بلغ سن ~~الرابعة والثلاثين انفصل عن زوجته، وصار ينام وحده في غرفة أخرى. # قال: ولماذا؟ # قلت: لأنه رأى أن يتزوج الهند، وأن يغرم بالإنسانية، وأن يأرق في الليل فيذكر استقلال ~~الأمم ومكافحة الاستعمار، أليس في هذا الغرام ما يعلو على الغرام بين رجل ms02 وامرأة؟ # قال: ولماذا لا يجمع بين الاثنين؟ # قلت: لأنه لا يستطيع أن يعبد ربين ويصلي في معبدين. # قال: ولكن «غاندي» شاذ. # قلت: إنه فذ، وعصرنا بمشكلاته العديدة وما تجر في أثرها من كفاح واستمتاع، يغرينا بالحب ~~للإنسانية، ويطالبنا بالأفذاذ، ونحن نحس أن وجودنا يتزايد بهذا الحب أكثر مما يتزايد بالحب ~~للمرأة؛ لا، بل إن اهتماماتنا الإنسانية وانكبابنا على الدرس والكفاح يرتفع بنا إلى درجة من ~~النضج تجعلنا نحدد ونقيد استمتاعاتنا بالحب للجنس الآخر، ألم تسمع عن «هافلوك ~~إليس»؟ # قال: وماذا في «هافلوك إليس»؟ # قلت: إنه رجل أرصد نفسه للفلسفة والعلم، وقد أخرج في بداية هذا القرن نحو أربعين مؤلفا ~~في مختلف العلوم، ولم يكن يؤلفها، وإنما كان يرأس تحريرها ويوجه مؤلفيها، وكان يهدف من ~~ذلك إلى أن يصوغ الذهن الأوربي كي يفكر التفكير العلمي، وقد نجح، ثم هو أيضا أول رائد ~~للبحوث الجنسية وتشريح الحب أو تأليفه، ومؤلفاته حجة لمن يدرسون هذه الموضوعات. # فقال سكرتير التحرير: وأين كل هذا من ضرورة احتواء القصة للحب؟! # قلت: انتظر قليلا؛ فإنه قبل نحو سبعين سنة عرف امرأة تشير إلى ضوء الفجر الجديد، وتدعو ~~إلى مجتمع علمي، فأحبها وأحبته؛ أحب كل منهما عناصر الارتقاء في الآخر. # قال: وهل سعدا بالحب؟ # قلت: سعدا بالحب والزواج بضع سنوات قليلة، ثم انتهى «هافلوك إليس» إلى ما انتهى إليه ~~«غاندي». # قال: وعاش في غرفة أخرى ينام فيها وحده؟ # قلت: لا، فعل أكثر من ذلك؛ إذ هو اختار مسكنا غير المسكن الذي كانت تقيم فيه ~~زوجته. # قال: هل كان هذا عقب الطلاق؟ # قلت: لا، لم يحدث بينهما طلاق؛ فإنهما كانا على حب متين، ولكن لأن لكل منهما شخصية فذة، ~~ولأن لكل منهما اهتمامات إنسانية وعلمية واجتماعية تستغرق الوقت العظيم والجهد المتواصل، ~~فإنهما انفصلا كي يجد كل منهما الحرية التامة في مواصلة عمله وتأدية رسالته. # قال: وهل يمكن أن يسمى هذا زواجا؟ # قلت: كانا يجتمعان شهرا أو شهرين كل سنة. # ونفض سكرتير التحرير يده وهو يقول: ~~- ما دامت هذه أفكارك ms03 عن الحب والزواج فلن تستطيع أن تكتب قصة. # قلت: ليست الدنيا قصصا، إنما الدنيا كفاح ورسالة، ومع ذلك، سأكتب لك قصة تحوي غراما ~~وزواجا. # قال: وكيف ذلك؟ # قلت: هاك خلاصة القصة: كان «أندريه أوجست» طالبا في كلية العلوم في السوربون في باريس، ~~وكان البحث العلمي يستوعب كل وقته في النهار والليل، لا يكاد يجد في اليوم كله سوى خمس أو ~~ست ساعات للنوم، وتخرج في السوربون، وأسس معملا صغيرا للتجارب في الدجاج والفئران ~~والديدان، وكان هدفه أن يصل إلى الغذاء الذي يجدد الأنسجة فيطيل العمر، كما يقي من المرض، ~~وبعد آلاف التجارب نجح في الاهتداء إلى هذا الغذاء، وفي يوم نجاحه غمره الهوى حتى صار يرقص! ~~أفلا تعترف معي بأن هذا الغرام بإيجاد غذاء يأكله كل الناس وتزيد أعمارهم به إلى الضعف خير ~~من الغرام بالمرأة؟ # قال: أجل، خير ألف مرة. # قلت: ولكن اسمع، فإن «أندريه أوجست» كان مع غرامه هذا بالعلم قد تعرف إلى فتاة، وكانت ~~تزوره وهو بالمعمل، ولم يكن يلتفت إليها أيام بحثه قبل اهتدائه إلى الغذاء المضاعف للعمر، ~~أما بعد ذلك فقد شرع يرفه عن نفسه؛ فصار يزور الملاهي معها، ويجالسها ويتحدث إليها ~~كثيرا، وأعادت إليه شبابه المنسي فأغرم بها. # قال: هذه طوالع حسنة للقصة؛ قصة بلا حب للمرأة ليست قصة. # قلت: ولكنك لم تستمع إلى آخرها! فإن «أوجست» كان قد فكر كثيرا في الانتفاع بهذا ~~الغذاء، وكان يجد في أزمة العالم الحاضرة أن غذاءه الرخيص الذي يمكن أية عائلة في العالم أن ~~تطبخه وتأكله، هذا الغذاء لا فائدة منه ما دام العالم يحارب ويقتل بعضه بعضا؛ وخاصة عندما ~~نعرف أن الحرب القادمة قد تقتل ربع البشر أو نصفهم، ولهذا السبب أعلن عن غذائه، وشرط أنه لن ~~يفضي بالسر الخاص بتركيبه إلا للأمة التي تقدم البراهين العملية على أنها لا تنوي الحرب ~~ولا تستعد لها. # فقال سكرتير التحرير: هذا رجل عظيم! # وقلت: لما أحب هذه الفتاة جعلت تغريه بجمالها كي يفشي لها سر الغذاء، ولم يكن ms04 قصدها ~~سيئا، وإنما هي شهوة الاستطلاع العلمي فقط، وأفشى لها السر؛ للحب الوثيق بينهما. # فقال: وماذا فعلت به؟ # قلت: كانت هذه الفتاة تنتمي إلى الأمة التي تتهيأ للحرب، فحملتها وطنيتها على أن تفشي ~~السر لرجالها. # قال: أعوذ بالله! وماذا فعل هو؟ # قلت: لما عرف «أندريه أوجست» أن سر الغذاء قد عرفته الأمة التي تنوي الحرب انتحر! # الفصل الثاني # | أعظم المخدرات # إن أسوأ المخدرات هو النجاح المبكر، أنت سكران بنجاحك، إني أدعو لك بالفشل! # لما عرفته، قبل سنتين، أحببته؛ ذلك أنه كان يمتاز بشخصية انبساطية؛ يتحدث ويضحك، ويرى ~~الدنيا مفروشة بالورود، وكان يجمع إلى الشباب شيئا من الوسامة، وكان قد حاول الكسب وهو لا ~~يزال طالبا في الجامعة بالكتابة إلى الصحف الأسبوعية، ونجح في محاولته، وكان يكتب الأخبار ~~التافهة الصغيرة التي تحتاج إليها المجلات ويتقاضى عليها نحو ثلاثين جنيها في ~~الشهر. # وكنت أكفه عن هذا النجاح الذي أصبح عادته، ولكنه طغى في نجاحه، حتى قلت له ذات مرة إنه ~~يتناول أسوأ المخدرات! # قال مدهوشا: أنا؟ أنا لا أعرف المخدرات! # فقلت: يا عاطف، إن أسوأ المخدرات هو النجاح المبكر، نجاح يرافقه شباب ووسامة. # فقال: هل تطلب لي الفشل؟! # قلت: نعم؛ أنت سادر، أنت سكران بنجاحك، إني أدعو لك بالفشل. # فقال ضاحكا: إن شاء الله أنت! # كان هذا قبل سنتين، وكنت أتابع نجاحه وأنا في أسف عليه، ثم تخرج في الجامعة في يونية ~~الماضي، وأحس قوة جديدة زادت طغيانه في النجاح، فوثب وسقط. # وأسوأ ما في النجاح المبكر أنه يعود صاحبه الإقدام، ثم التهور! # فإن عاطف شرع منذ بلوغه الثامنة عشر يغزو قلوب الفتيات، بلا رحمة ولا تبصر، وكانت له ~~معهن ميزتان: السخاء والدموع؛ فإن المرأة تعجب بالقوة، والسخاء من أعظم مظاهر القوة؛ فإنه ~~كان لا يبالي أن ينفق مع الفتاة التي يدعوها إلى التنزه معه نحو خمسة أو ستة جنيهات في ~~اليوم، وكان له أسلوب في إخراج النقود وإلقائها على المائدة، كما لو كانت شيئا تافها، ~~وكان يتفضل على خادم المطعم بنحو ms05 عشرين قرشا فوق الثمن، يدفعها إليه كما لو كانت ثلاثة ~~قروش، وكان هذا السلوك يسحر الفتيات. # وفوق ذلك كان له أسلوب قاتل في الدموع. # وقد أخبرني هو كيف وقع على هذا الأسلوب؛ فقد قال لي إنه كان يلعب وهو في العاشرة مع ~~صبية من عائلة مجاورة، وكانت تأكل بعض الحلويات، فرغب إليها أن تعطيه منها، فأبت عليه ~~فبكى، وتأسفت الصبية حين رأت دموعه، وحنت عليه وأعطته الحلوى كلها. # واستقر عند هذا الأسلوب؛ أسلوب أطفال، ولكنه أسلوب قاتل؛ فإنه كان عندما يجد جمودا أو ~~نفورا من إحدى الفتيات يبكي، وكان البكاء يغمر وجهه فتحمر وجنتاه، وتنهمر دموعه ~~ويتشنج، ووجد بالتجارب أنه ليست هناك فتاة تستطيع مقاومته وهو في هذه الحال. # وليس هذا غريبا؛ فإن كل فتاة أم بطبيعتها، وهي تلعب بالعروس وتحتضنها وهي لا تزال ~~طفلة؛ أي تلعب بالأمومة، ولذلك يمتزج الحب عندها بالحنان، وهي تعامل حبيبها كما لو كان ~~طفلها وهي أمه! # وكان عاطف من ذلك الطراز الانبساطي الذي يذوب؛ يذوب فرحا فيضحك كأنه سينفجر، ويذوب أسفا ~~حتى تبلله الدموع، وكان يعرف، بالتجارب العديدة، أنه ليس شيء أفعل من رحيق الحب عندما يمتزج ~~بملح الدموع في القبلة الحارة، وبذلك كثرت ضحاياه. # وهذا هو الذي جعلني أدعو له بالفشل؛ فقد كان خطره كبيرا على الفتيات، كما كان الخطر عليه ~~هو نفسه كبيرا أيضا؛ إذ هو كان يحيا وهو سكران بهذا المخدر القوي: النجاح الدائم. # وحدث هذا العام ما تمنيت له، ولكن بصورة أبشع وأفظع مما تمنيت! # فإنه عرف فتاة طردته لأول لقاء، ولكنه سلط عليها ثلاثة أسلحة: الشباب والسخاء والدموع، ~~فوقعت، وكان وقوعها عظيما؛ إذ حملت، ولم يعرف عاطف في كل مغامراته الماضية مثل هذه ~~الكارثة، وقصد إلى الأطباء في القاهرة يساومهم على إسقاط الجنين، ولكنهم رفضوا، وفكرت ~~الفتاة في الانتحار، وأحس عاطف بجريمته، وجعل يخفف عنها، ويمنيها بإسقاط الجنين، وبالزواج ~~منها. # وسافر إلى طنطا، وهناك وجد من الأطباء من قبل إجراء العملية بخمسين جنيها، وخرج ~~الاثنان من القاهرة في الصباح ms06 التالي إلى طنطا، وبعد أقل من ساعتين كان الطبيب يرتكب جريمة ~~الإجهاض التي أتمها بعد أكثر من ساعة من العذاب للفتاة المسكينة. # وعاد الاثنان إلى القاهرة حوالي الظهر، وودع عاطف الفتاة عند باب منزلها، وتجنب السؤال ~~عنها توقيا للشبهة، ولكنه بقي سبعة أيام وهو يتقلب على نار من القلق. # وذات صباح وهو يتصفح الجريدة قرأ نعيها؛ ماتت من عملية الإجهاض، أو من آثارها! # ولقيته بعد هذا الحادث بنحو شهر، وقد هزل وشحب، وكنت قد عرفت الخبر، فكان أول ما قلت له: ~~كان أولى أن تموت أنت! # وجعل يحدثني ويهذي عن الانتحار، فقلت له: اسمع يا عاطف، كنت أتمنى لك فشلا يوقظك من نشوة ~~الانتصار، ولكن شاءت الأقدار أن تسفك الدم، أو تشترك في سفكه حتى تستيقظ؛ أنت مجرم! ~~••• # وقعت هذه الجريمة منذ خمسة شهور، ولم أره منذ ذلك اللقاء المؤلم الأخير، ولكني لم أنقطع ~~عن السؤال عنه، وعرفت أن أم الفتاة قد أصيبت بالفالج، وأنها تلزم السرير منذ وفاة ~~ابنتها. # أما عاطف فقد تغير؛ فإنه لم يترك بيته، بل غرفته، هذه الشهور الثلاثة الأخيرة؛ فقد زهد ~~الدنيا، والنجاح، والحب، وهو لا يزال يجتر جريمته: موت فتاة شابة، وشلل الأم. # واعتقادي أنه سوف يعيش وهو يحمل على عاتقيه هذين الوزرين الثقيلين، ولا بد أيضا أنه ~~سيقلع عن أسلوبه القديم. # ولكن ما منفعة ذلك الآن؟ هل يصلح إنسان بموت إنسان آخر؟! # الفصل الثالث # | أحسن أم # الإنسان الذي لا يعتقد أن أمه أعظم امرأة في العالم لا يعد إنسانا حسنا؛ إن كل أم ~~امرأة عظيمة عند أبنائها. # كان الدكتور شوقي يقول لي إن أمه أحسن أم في الدنيا، وكنت أقول له إنه يقول ذلك لأنها ~~ماتت، ونحن نكبر في العادة من فضائل الموتى، وننسى تقصيراتهم أو نقائصهم، ولو كانت أمه ~~حية لكان في الاحتكاكات السيكولوجية اليومية ما يجعل أمه مثل سائر الأمهات؛ لا تزيد ولا ~~تنقص. # وكان صديقي شابا في السادسة والعشرين، قد تخرج في كلية الطب قبل ثلاث سنوات، وتزوج في ~~السنة ms07 الماضية، وبعد زواجه بنحو ستة شهور ماتت أمه، فأصبحت كأنها من القديسات؛ لها معبد في ~~قلبه يذكرها ويصلي لها. # وكان لا يفتأ يذكرها حتى كنت أسأم ثرثرته عنها، وأخيرا قلت له كي يكف عن ~~ثرثرته: ~~«عرفت كل شيء عن أمك؛ فقد كانت أحسن أم في الدنيا؛ لأنها كانت تجيد طبخ الرز والملوخية، ~~وكانت تصلح الأزرار المقطوعة، وكانت تحسن غسل ملابسك وترقع جواربك، و ...». # ولكنه قاطعني قائلا: «أنت لا تعرف أمي، فقد كانت تفعل كل هذا الذي تقول، ولكنها كانت ~~تفعل أكثر من ذلك، وأنا لا أحبها وأذكرها لأنها كانت أمي، بل لأنها كانت الأمومة، أتفهم هذه ~~الكلمة؟ كانت الأمومة»! # ونبهني صديقي بهذه الكلمة إلى أن الحديث جد، وأن مزاحي لا يليق. # ثم قال: «ماتت أمي في نحو السبعين، وقبيل وفاتها بشهرين رأيتها وهي عارية، وكنت قد دخلت ~~المنزل دون أن أحدث صوتا؛ لأن معي مفتاحا للباب، وكنت متزوجا، قد مضى على زواجي نحو ~~أربعة شهور فقط، وكانت زوجتي في غرفتها، فكان دخولي كالتسلل لم ينبه أحدا في البيت، وقصدت ~~من فوري إلى الحمام لحاجة، وكان الباب مردودا، ولكنه لم يكن مقفلا، فلما دفعته انفتح ~~ورأيت أمي في الطست الكبير، وكانت تستحم بالماء الساخن الذي كانت تحبه، وكانت قد غمرت رأسها ~~ووجهها برغوة الصابون فلم تحس بفتح الباب ولم ترني، وكانت قد هزلت؛ لأن مرض السكر كان قد ~~عاث فيها وحطمها، وكانت ترفض حقنة الأنسولين، فوقفت أتأملها وأتذكر تاريخها معي طيلة عمري ~~الماضي، وكنت أتوقع موتها بعد شهرين أو ثلاثة شهور، وأحسست كأني أودعها. # وجعلت أتأمل ضلوعها البارزة، وثدييها الضامرين المترهلين، وشعرها الأبيض، وقفص العظام ~~المركب منه جسمها الضئيل، وغمرني حب وحزن ولوعة، ووددت لو أجد الشجاعة وأرتمي على جسمها ~~وأقبلها، وقلت في نفسي: لقد استهلكتها، أنا استهلكت أمي التي فنيت وهي على وشك الزوال الآن؛ ~~فقد أعطتني كل ما فيها من دم وقوة كي أحيا وأنجح، وها هي ذي تبيد وتتبدد كما لو كانت دخانا ~~بعد الإشعال، وبعد شهور ستنطفئ! ms08 # ثم رددت الباب في هدوء، وقصدت إلى غرفة الضيوف، فدخلتها وأقفلت علي الباب، وجعلت أبكي ~~وألطم وجهي، وكنت أفعل هذا وأنا أكتم صوتي حتى لا تسمعني زوجتي؛ لأني كنت أخجل أن تراني ~~وأنا في هذه الحال. # تهزأ وتقول إنها كانت تخيط الأزرار المقطوعة، وتطبخ الرز وترقع الجوارب؟ ألم تفن ~~حياتها في هذه الأعمال، وكل هذا من أجلي؟!». # قلت وقد غمرني خجل: ~~«لم أقصد إهانة والدتك، وإنما كنت أعبث بك فقط! ولكل الناس أمهات يمتن، ولكن الدنيا ~~للأحياء وليست للأموات، ويجب أن ننسى حتى أمهاتنا ونحيا حياتنا». # ولكن كلماتي لم تخفف عنه، فإنه مسح الدموع عن عينيه بيده المرتعشة وتنهد، ثم قال: ~~«كنت وأنا طالب بالطب أجد إرهاق المذاكرة، وكنت أضيق بأقل الأصوات، وكنت أبقى إلى كتبي ~~وكراساتي إلى نحو الساعة الثالثة من الصباح، وما من مرة وجدت فيها أمي نائمة قبل أن أنام ~~أنا؛ فقد كانت تقعد في غرفة أخرى وعينها مسددة إلي، تنتظر مني أية بادرة تدل على حاجة كي ~~تنهض وتؤديها، ولم يكن يجدي طلبي إليها أن تأوي إلى فراشها. # وأذكر ذات مرة في حوالي الساعة الثامنة من الصباح، نهضت من مقعدي وأنا محطم القوى كاره ~~للمذاكرة، وكان هذا من أثر التعب والجهد، فقمت أذرع البيت ذهابا وإيابا للانهيار العصبي ~~الذي غمرني، وكانت أمي إلى جانبي تروح وتجيء معي، وهي لا تنطق، ثم عدت إلى مقعدي، وعادت هي ~~إلى مكانها ترقبني، ولكنها لم تجلس، بل بقيت واقفة كأنها الديدبان، ولم تترك مكانها حتى ~~آويت إلى فراشي، ووثقت من أني قد نمت واستغرقت في النوم». # ثم نظر إلى سقف الغرفة وجعل يتأملها، أو يتأمل ذكرياته عن أمه والتفت إلي وقال: ~~«لما نلت شهادة الطب وأصبحت دكتورا كان فرحي بنجاحي دون فرحها؛ فقد كانت تضحك ضحكات ~~هستيرية «وتزأط» كأنها طفل، ومنذ الأسبوع الأول لنيلي شهادة الطب شرعت تبحث لي عن زوجة، ~~وكنت طوال السنوات العشرين الأخيرة من عمرها أواليها بحقنة الأنسولين؛ لأنها كانت مريضة ~~بالسكر الذي أصابها عقب وفاة والدي، ms09 ولكن بعد أن تزوجت رفضت حقنة الأنسولين». # قلت: «ولماذا؟». # قال: «رفضت رفضا باتا، وقالت لي: ~~«كنت أعيش كي أراك ناجحا، وأنت الآن دكتور متزوج، فما منفعتي لك؟ دعني أموت هانئة بك، ~~وربنا يطيل عمرك». # وجعلت أتوسل إليها كي تأخذ الحقنة، ولكنها أصرت على الرفض، وانهارت صحتها وماتت بعد ~~شهور». # وتنهد كلانا، وقلت: «اسمع يا دكتور شوقي: كانت أمك امرأة عظيمة، ولكن اعتقادي أن الإنسان ~~الذي لا يعتقد أن أمه أعظم امرأة في العالم لا يعد إنسانا حسنا؛ إن كل أم امرأة عظيمة ~~عند أبنائها». # الفصل الرابع # | لماذا تزوج؟ # إنهما شاذان أو فذان؛ كلاهما يحب الحب، وقد وجد مصدر هذا الحب في شريكه. # كان أصدقاؤه وأقاربه يتعجبون من كلفه بزوجته، وصحيح أنها كانت رشيقة مهذبة الكلمة ~~والإيماءة، وكان بيتها مرتبا يجد فيه الزائر رونقا للأثاث ورقة في الهواء، على الرغم من ~~الحر خارج البيت، كما يجد نظافة عامة، ولكن ليست كتلك النظافة المعقمة التي تجعلنا نذكر ~~الصيدليات. # كان في بيتها فن، وكان زوجها يعود إليه، إلى بيته، من مكتبه، وهو في لهفة؛ كأنه قد غاب ~~عنه عاما، فإذا دخله لا يتركه إلا في صباح اليوم التالي، بل إنه كان يتأفف من الزائرين ~~له؛ كأنهم كانوا يشغلونه عن حبه المسرف لزوجته «بهجة». # وكانت بهجة تعرف فيه هذا الحب، وتضحك منه في فرح، وكانت قد تعودت منه نزوات، لم يكن فريد، ~~زوجها، يخجل من إبدائها حتى أمام الغرباء من الزائرين؛ فقد كان يهب منتفضا من كرسيه ~~فيقصد إليها ويغمر وجهها بوابل من القبلات، بين ضحك الزائرين وتعجبهم. # وكنت كثيرا ما أداعبهما وأقول إن هذا الكلف مفسد لهما، وأنه يجب أن يخرجا من هذا النشاط ~~المحدود إلى نشاط أوسع؛ أي يجب أن يخرج فريد ثلاثة أيام على الأقل كل أسبوع كي يلتقي ~~بأصدقائه في النادي أو المقهى، ويتصل عن طريقهم بالمجتمع، كما يجب على بهجة أن تزور ~~صديقاتها وتتعرف إلى الأخبار والآراء. # ولكن لا، كان فريد يجد في بهجة كل ما يتمنى في دنياه، ms10 وكانت هي كذلك لا يتجاوز نظرها ~~وإحساسها فريد. # وكان الناس، من أصدقاء وجيران، يقولون إن فورة هذا الحب ستخمد بعد السنة الأولى، ولكن ها ~~هما في السنة الخامسة من زواجهما وهما على كلفهما. # لا يمكن أن يكون في الدنيا أسعد منهما. # إنهما شاذان أو فذان؛ كلاهما يحب الحب ، وقد وجد مصدر هذا الحب في شريكه. # ولم تكن بهجة قد حملت، وكان شوقها إلى أن تحمل وتلد يشغل بالها بعض الوقت، ولكن لم يكن ~~هما ملازما؛ لأن حبها لزوجها وما تجد منه من غرام، كان ينسيها هذا الشوق. # وأخيرا حملت ... وازداد تعلق فريد بها. # ولما حان ميعاد الولادة قصدت إلى المستشفى؛ لأن الطبيب لم يطمئن إلى ولادتها في البيت، ~~وهناك بقيت أكثر من أسبوعين وهي تحت إشراف الأطباء، وعرف فريد منهم أن الولادة لن تكون ~~طبيعية؛ لأن الجنين ليس في الرحم؛ أي إن الحمل «خارج الرحم»، ولم يفهم فريد كثيرا في هذا ~~الموضوع، ولذلك كان مطمئنا. # وذات يوم، عقب عودته من مكتبه في الساعة الثانية بعد الظهر، قيل له في المستشفى إنه قد ~~أجريت لزوجته عملية، وهي العملية القيصرية لشق البطن وإخراج الجنين، وأن الجنين مات، ولكن ~~صحة الأم حسنة. # وكاد فريد يجن من هذه الأخبار، وقصد إلى زوجته فوجد أنها لا تزال مخدرة، وهي ملففة ~~بعصابات من القماش حول بطنها. # وحصل فريد على إجازة خمسة عشر يوما كي يلزم سرير زوجته، وكان لا يبرح غرفتها لا في ~~النهار ولا في الليل. # وكانت كلمات الأطباء المعالجين مشجعة مبشرة، ولكن واحدا منهم أبدى له تخوفه من أن الجرح ~~قد ظهر فيه فساد، وأنه يخشى عاقبته. # ثم فتح بطنها مرة أخرى وقطعت منه الأجزاء الفاسدة، وتألمت بهجة كثيرا، ولكنها كانت ~~تتجلد أمام فريد. # وذات مساء، وهو نائم إلى جنب سريرها، استيقظ على صراخها، فنهض وحاول أن يوقظها، ولكنها ~~كانت تنظر إليه كأنها لا تعرفه، وهي في رعب عظيم، تهذي عن الوحش الذي يقف عند الباب ويريد ~~أن يفترسها. # وبعد لحظات سكنت، وكان سكون ms11 الموت. # وقال له الأطباء إن صديد الجرح انتشر في الجسم، وأن هذا هو علة هذيانها ورعبها قبل ~~وفاتها. # ودفنت بهجة، وكان فريد يسير خلف نعشها وهو ذاهل لا يصدق أنها ماتت، وكان إحساسه غريبا؛ ~~فقد كان يفاجئ نفسه وهو يقول: غير معقول، غير معقول أنها ماتت! # وغمره إحساس الغيظ، وكأن هذا الموت الذي خطف بهجة منه قد دبره له خصم يريد إشقاءه، فلم ~~يكن يبكي، وغص حلقه بالغيظ حتى صار ينفث منه الدم. # ولكن بعد أيام هدأ الغيظ، وشرع يؤمن بموت زوجته، ويبكيها على المخدة صباح كل يوم. # وكنا نحن، جيرانه وأصدقاؤه، نقول: إن هذه الكارثة التي نزلت به تعلو على كل ما يستطيع أن ~~يتحمله إنسان؛ فإنه سيبقى سائر عمره وهو أرمل لن يتزوج، وكنا نذكر كلفه بزوجته ونقول: كيف ~~يمكن إنسان أن يعيش بعد أن زالت منه هذه السعادة؟! # كنا نأسف ونحزن، ونحس أن حزنه قد فاض من صدره وغمرنا نحن جميعا، ولم يكن منا أحد يراه ~~وهو قادم إلى منزله يتعثر في بطء كأنه في جنازة، إلا ويتنهد ويذكر نشاطه السابق حين كان ~~يعدو إلى بيته كي يلتقي ببهجة ويقبلها. # ما أقسى هذه الدنيا! ~~••• # ثم كان يوم ما زلت أذكره؛ لأنه من التاريخ؛ تاريخ العجايب؛ ذلك أنه بعد وفاة بهجة بخمسين ~~يوما فقط كانت العروس الجديدة تؤانس فريد في منزله. # تزوج فريد بعد أقل من شهرين من وفاة زوجته التي كان كلفا بها إلى حد يضحك ~~الناس. # وأحسسنا نحن، أصدقاؤه وجيرانه، أننا نحتاج إلى الإيضاحات والمشاورات، فكنا نجتمع هنا ~~وهناك، عند واحد منا، ونتحدث ونعلل ونفلسف. # وقال واحد منا: إنه لم يكن يحبها، إنما كان يحب حبه لها. # وقال ثان: إننا حين نحب امرأة إنما نخترع لها صورة في أذهاننا نتعلق بها، وهذه الصورة ~~بعيدة من المرأة التي نحبها، ونحن قادرون على أن نخترع مثل هذه الصورة لامرأة أخرى، وهذا هو ~~ما فعله فريد الذي سيكلف بزوجته الثانية كما كان يكلف بزوجته الأولى. # وقال ثالث: لا، اسمعوا، ms12 كان فريد يحب زوجته ويكلف بها، وقد تعود منها عادات صغيرة ~~تتكامل وتتجمع فتحدث له ما نسميه السعادة، فكان سعيدا طيلة زواجه، فلما ماتت شقي؛ ~~لأنه حرم من هذه السعادة، فلم يطق البقاء بلا زواج. # وقال رابع: هذا كلام صادق؛ إن فريد لم يكن يحب بهجة بمقدار ما كان يحب الحال الزوجية التي ~~كان يحياها معها، وكانت حالا هنيئة، فلما ماتت سارع إلى الزواج كي يستعيد هذه ~~الحال. # وقلت أنا: أظنكم على حق هنا؛ فإن الناس يتوهمون أن الزوج إذا أتعسته زوجته وشقي بحياته ~~الزوجية معها فإنه يتمنى موتها ويسارع إلى الزواج من غيرها، ولكن هذا خطأ؛ لأن الأغلب أنه ~~لن يتزوج سائر عمره؛ إذ هو يذكر الحياة الزوجية السابقة وينفر من أن يعود إلى مثلها، أما ~~إذا كانت زوجته قد أسعدته بالزواج فإنه يسارع عقب وفاتها إلى الزواج من غيرها؛ لأن تجربته ~~الماضية للزواج كانت حسنة، فهو يقدم على التجربة الثانية منجذبا وكله أمل في السعادة ~~والهناء. # الفصل الخامس # | ذكريات قلب # وأحست أني رجل، وأن لي شخصية، وأني مسئول؛ ألست أحب؟ ألست محبوبا؟ أليس في قلبي ~~سر؟! # هي ذكرى لا ينساها قلبي، كما لا تزال موضوع تنهداتي كلما قعدت على عشب أو تنسمت أرج ~~الزهر، أو هبت علي نسمة في الصباح. # لقيتها لأول مرة وهي قاعدة على مقعد مستطيل في تلك الحديقة الجميلة التي تقع على الشاطئ ~~الغربي من النيل، وكانت قد ابتعدت عن تجمعات الزائرين، وكانت معها كراسة تدرس فيها. # وسعت بي قدماي إليها، وأنا لا أقصد غير النزهة، أتأمل العشب، وأستمتع بإنضاج الأرض، ~~وأتنفس هواء الصباح البارد، وتأملتها قبل أن أبلغها، وأجملت النظرة إليها وأنا أبطئ السير، ~~وكانت سنها لا تزيد على الثامنة عشرة، وكان جمالها مصريا؛ شعر أسود، وعينان وديعتان، ~~وصدر ناهد، وأنوثة عذبة. # وتجاوزت مكانها على الممشى الذي يكسو الرمل، ولكني أحسست في قلبي نداء إليها كأنه دوار ~~أو حنين أو نشوة. # والتفت إليها فوجدتها تنظر إلي، فكانت لحظة من السعادة ما زلت إلى الآن ms13 أسترجعها في ~~ذهني، وأعيد تفاصيلها، وأهنأ بذبذباتها العاطفية في نفسي. # وعدت من فوري إلى مقعدها، وقعدت إلى جانبها، وبيني وبينها فرجة. وما أجمل، وما أسعد، تلك ~~الاختلاجة التي عمت جسمها وجعلتها ترتبك في حياء مذهل وحركات مشوشة من اليدين والرأس ~~استدللت منها على الاختلاط في إحساساتها لقعودي إلى جانبها! واغتبطت. # وكان قلبي في لغط وضوضاء، وقد تولت يدي وقدمي رعشة، ولا أعتقد أني كنت أستطيع الحديث ~~إليها لو كنت قد أردت. # وقصارى ما فعلت أني قعدت صامتا، وأحسست أن أرض الحديقة وسماءها وأشجارها قد انفجرت ~~غناء، وكأن قلبي قد انفتح لعصر جديد. # وقعدنا كلانا صامتين؛ أنا أتأمل الفضاء، وهي تدرس كراستها. # ونظرت إلى حذاءيها، وإلى فستانها، وخطفت نظرة إلى صدرها، وتنهدت، ونظرت هي إلي، كأنها ~~فوجئت بتنهدي، وتنهدت هي الأخرى، ودمنا على ذلك ساعة كانت سحرا ونشوة. # ونهضت هي، ونهضت أنا، ولما خرجت من الحديقة التفتت إلى الخلف فوجدتني على قيد خطوات ~~منها فاختلجت، ووجدت سيارة أجرة فركبتها، وقبل أن تتحرك السيارة نظرت إلي، وأثبتت ~~عينيها في. # وقصدت إلى منزلي وأنا في ذهول من السعادة؛ أؤلف الأحاديث معها، وأتخيل إجابتها، ~~وأحاول أن أصور لنفسي كيف تكون يدها في يدي وأنا أصافحها يدا طرية دافئة! # الحق أن هذه المقابلة قد غيرتني؛ لأني وجدت بعدها قصدا في الحياة، وليس هذا فقط؛ فإني ~~أحسست أيضا في قلبي سرا. # وفي اليوم التالي، وفي الميعاد نفسه، قصدت إلى الحديقة وهرولت إلى مقعدها، فوجدتها قاعدة ~~كما كانت في الأمس، ولم تتمالك أن تبتسم، ولم أتمالك أنا أيضا أن أبتسم، وقلت: صباح ~~الخير. # وأجابت في لعثمة محببة: صباح الخير. # وانفجرت الأشجار والأعشاب والأرض والسماء والهواء غناء، ونهضت وجمعت أربع زهور وعدت ~~بها إليها وقدمتها إليها، وتناولتها، وتشممتها في ابتسام، وناولتني زهرتين منها، ووضعت ~~الاثنتين الأخريين على صدرها. # تأملتها في حب وحنان وسعادة ورعشة؛ كانت مصرية، هل يمكن أن يكون في العالم أجمل من ~~الفتاة المصرية حين تبلغ الثامنة عشرة، ويحيط بها حياء كأنه هالة من الرقة والذوق ms14 ~~والشرف؟! # وقلت وأنا أتأملها: عيناك سوداوان. # وانفجرت ضاحكة، وخفق صدرها وهي تضحك، فوقعت زهرة والتقطتها، وأعدتها في مكانها، وسرى في ~~جسمي تيار من كهرباء الحب. # وقلت: أنا اسمي يوسف. # وقالت: أنا اسمي ثريا. # ومددت يدي وتناولت يدها، وكانت أصابعها باردة، أما كفها فكانت دافئة، وقبلت الكف ~~والظهر والأصابع ، وتحدثنا عن السحاب الأبيض الذي كان يسبح في السماء، وعن وكر الحدأة في ~~الشجرة الباسقة التي تنهض على حافة الحديقة، ثم استحال الحديث إلى كلمات تافهة وإلى معان ~~مضمرة تتخللها تنهدات. # ونهضت، وركبت سيارة أجرة بعد أن وعدتني أنها ستأتي في الغد، وغابت عني السيارة، وأحسست ~~أني رجل، وأن لي شخصية، وأني مسئول. # وقصدت إلى منزلي، وقبل أن أصل إليه عرجت على شارع فؤاد حيث اشتريت قميصا جديدا مع ربطة ~~جديدة زاهية، ودخلت البيت وأنا في نشوة؛ أتحدث كثيرا وأضحك كثيرا، وفي نفسي إحساس بأني ~~ممتاز على جميع من في البيت. # ألست أحب؟ ألست محبوبا؟ أليس في قلبي سر؟ # وعدت في الميعاد إلى الحديقة، ووجدتها، وقبلت يدها في حرارة، وقعدت إليها، ولحظت ~~التفاتها إلى القميص والربطة الجديدين، ووضعت يدها على خدي وأمسكت بأذني ثم بعنقي، وأخذت ~~يدها، ووضعتها على شفتي، وجعلت أقبلها وأنفاسي تخرج على أصابعها، وبقينا نعبث ونضحك نحو ~~ساعة، وجاء ميعاد قيامها، فودعتها إلى السيارة. # وعدت في اليوم التالي فلم أجدها، وعدت في الأيام التالية فلم أجدها، وقد مضى إلى الآن نحو ~~اثنتي عشرة سنة وأنا أستعيد رؤياها، وأتخيلها في اليقظة والنوم، فتمتلئ نفسي سعادة ~~وحسرة. # وكثيرا ما أستسلم لأحلام اليقظة، فأجدني أتحدث إليها، وأتأمل وجهها، وأتشمم العطر في ~~شعرها والعرق في صدرها، وكم من مرة سعدت بهذه الأحلام وأنا أزور هذه الحديقة، فأتخيلني معها ~~ونحن نمشي ونتنحى عن المماشي العامة إلى ظل شجرة، حيث نقعد على العشب، ثم أقترح عليها ~~الزواج، فتغمض عينيها في خفض الحياء، ثم نأخذ في التفاصيل: أين نسكن، وأي أثاث ~~نشتري! # أجل يا ثريا، ما أحلى ذكراك في نفسي! وكم من مرة كنت آوي إلى ms15 سريري مهموما أو مغضبا ~~فأتخيلك راقدة إلى جانبي، في أنوثتك وعذوبتك، فأنسى همومي وغضبي، وأهوي على وجهك بالقبل، ~~وآخذك بين ذراعي سعيدا منتشيا. # وعندما أتأمل حياتي الماضية أحس كأنها كانت كلها كتابا من النثر قد خلا من طرب الإيقاع، ~~إلا بضعة أبيات من الشعر، هي تلك الأيام القليلة التي كنت ألقى فيها ثريا في ~~الحديقة. # وهأنذا قد مضى علي ثلاث سنوات وأنا متزوج، ومع ذلك ما أعذب هذا الإحساس الذي تمتلئ به ~~نفسي ويختلج به جسمي! # إني أحس كأن زواجي هذا هو الثاني، وأن ثريا كانت زوجتي الأولى. # كيف يتكون هذا الإحساس مع أن كل ما عرفته منها ثلاث مقابلات في الحديقة، كانت كلها ~~نظرات وتنهدات؟! # أليس حقا أن دنيا الخيال التي نبنيها تحيا معنا وترافقنا، وتؤنس حياتنا، كما لو كانت ~~ودنيا الحقيقة سواء. # أيها القارئ، # عندما تذهب إلى هذه الحديقة التي بالشاطئ الغربي للنيل، شمال جسر قصر النيل، لا تنس أن ~~تيمم الجزء الشمالي منها؛ شمال بغرب، وهناك تجد مقعدا منفردا نائيا، فاقعد عليه، ~~واستعد هذه الإحساسات التي ذكرتها لك، وعش لحظة من السعادة التي استمتعت بها أنا وثريا، ~~واستمع إلى الأشجار والهواء والسماء والأرض وهي تغني كما كانت تغني لنا. # إنها ذكرى لن ينساها قلبي! # الفصل السادس # | خريف + ربيع # لقد امتاز بعبقرية الذهن، لا شك في ذلك، ولكنه لم يمتز بعبقرية الحياة. أجل، إن هناك ~~فرقا بين عبقرية الذهن وعبقرية الحياة! # استيقظ الأستاذ ماجد حوالي الساعة الأولى من الصباح، وكان قد آوى إلى فراشه في الساعة ~~الحادية عشرة بعد سهرة تحامل على نفسه فيها وهو متعب. # وأحس أن قلبه يدق دقات غير منتظمة، وأن في رأسه دوارا، وكانت زوجته غارقة في النوم على ~~سرير آخر، ففكر في إيقاظها، ولكنه عاد وتساءل: وماذا يمكنها أن تصنع؟ # وازداد الدق في ألم كما لو كان جرحا يضرب، ثم صار خفقانا والتهاثا، فترك نفسه على ~~سريره وهو يقول: إذا كانت هذه هي النهاية فلتكن! # وبقي في قلق وعرق نحو ربع ساعة، عاد ms16 إليه بعد ذلك هدوء في النفس وصفاء في الذهن، فاعتدل ~~بقدر ما يستطيع في فراشه وجعل يفكر. # وتقلبت زوجته على سريرها، وخشي أن تراه يقظا، فتناوم، ووضع ذراعه على رأسه، حتى اطمأن ~~إلى أنها نائمة، وعاد إلى نفسه يبحث كأنه يحقق، ثم تنهد وهو يقول: ~~- قد لا أنجو مرة أخرى من مثل هذه النوبة، وقد تفاجئني في الليلة التالية أو بعد عشر ~~سنوات، هذا ما لا أعرف، ولكني أعرف أني حي الآن. # ثم انبسط أمامه فيلم حياته الماضية؛ إنه الآن في الخامسة والستين من عمره، وهي سن خطرة، ~~قل من يتجاوزونها في مصر، وهم في أوربا يبلغونها وهم شبان بفضل العيشة الصحية التي ~~يعيشونها: طعام بلا دسم، ورياضة يومية، ونزهة سنوية، وشباب يستأنف عاما بعد آخر بلا حياء ~~كاذب. # وهو الآن أستاذ معروف في الجامعة وفي غيرها من المحافل الثقافية، وقد ألف كثيرا من ~~الكتب العلمية والفلسفية، وعاش طيلة حياته الماضية وليس له هدف سوى احتواء المعارف ~~وتمحيصها، ودراسة الإنسان والكون. وقد أحاط بالثقافة العالمية، حتى ليمكن أن يقول عن نفسه ~~إنه أكثر الناس ثقافة في بلاده، وأنه ليس هناك ذهن بشري قد وجد من العناية أكثر مما وجد ~~ذهنه؛ فإنه يتصور الكون ويعرف تاريخ الإنسان، ولقد درس من الموضوعات ما لا يخطر على أذهان ~~المثقفين، أليس في مكتبه نحو عشرة كتب ضخمة عن النباتات؟ ثم ألم يشرع هو منذ ثلاث سنوات في ~~دراسة الذرة؟ # إنه لا شك عبقري الذهن! # ولكن ما قيمة حياته؟ هل كانت هي الحياة المثلى التي لم يكن ليستطيع أن يختار غيرها لو أنه ~~كان قد خير في بداية عمره؟ # وتضاربت الأفكار والخواطر حتى احتواه النوم، واستيقظ في الصباح وتحدث إلى زوجته، ~~وفاجأها بأنه ينوي زيارة الهند، وتأملته وهي لا تصدق ما تسمع، ونهض إلى مكتبته، وقعد يتأمل ~~ولا يقرأ. # وبعد أن تأمل صفحات حياته الماضية فكر وحاول أن يتعقل؛ لقد امتاز بعبقرية الذهن، لا ~~شك في ذلك، ولكنه لم يمتز بعبقرية الحياة. أجل، إن هناك ms17 فرقا بين عبقرية الذهن وعبقرية ~~الحياة. # لا شك أنه فيلسوف وعالم وأديب وكل شيء، لقد حفلت حياته بالإحساس والتفكير، ولكنها لم ~~تحفل بالحوادث والاختبارات. # ثم عارض نفسه وهو يقول: ولكن لماذا أقول هذا؟ ألم أحب؟ أحببت امرأتين أخلصت كلتاهما ~~لي. # ولكنه تذكر حبه للمرأة الأولى، وكان مأساة؛ فلقد بسطت أمامه المائدة بكل ما تحتوي من ~~شهي الطعام، وشرع يأكل، ولكن لقمة واحدة لم تدخل فاه، كأن شللا قد أطبق شفتيه، وحاولت هي ~~أن تفتح شفتيه، ولكنها عجزت، وبحث، ونقب، ودرس، وفكر، ثم عرف أن ثقافته قد أرهفت ~~إنسانيته فجعلته يرى في الطعام لحما يصرخ بأنه من الحيوان فترفع عنه. # ألم يعش قرابة سنتين وهو لا يذوق اللحم؟ # لقد كان ذهنه متخما بالفنون والآداب التي أفسدت معاني الحب عنده، وكما جعلته يعزف عن ~~طعام اللحم جعلته أيضا يعزف عن لقاء اللحم؛ لقد كان يحب بذهنه، ولكنه كان يجب أن يحب ~~بإحساسه أيضا، ولقد هنئ غيره بالشهوات الأرجوانية أما هو فلم يعرفها؛ لأن دمه شحب بالدراسة ~~وفقد أرجوانيته. # ولكن الحب عاد فدخل قلبه واستقر وأثمر في المرة الثانية. # ثم قال: ولكن حياتي الماضية لم تغص إلى الأعماق، ولم ترتفع إلى القمم؛ لقد عشت في وادي ~~الحياة، لم أعرف إحساس الخطر، ورعشة التحدي له، أو لذة الفرار منه، لم أعش في باريس حين ~~حاصرها الألمان، ولم أخرج مع الناجين ومدافع الألمان تطاردهم، ولم أتذوق علقم الحياة من ~~بؤس أو فقر أو مرض، وكان يجب أن أجرع هذا العلقم حتى أقيء منه. ~~«لقد كانت حياتي حياة الأفكار، ولم تكن قط حياة الحوادث والاختبار»! # لقد خرج «ثورو» إلى الغابة، وفر من المدينة الأمريكية التي كان يسكنها، وأراد بذلك أن ~~يتعمق الحياة ويقف «على حدة» يتأملها في وحدته وعلى بعد من صخب المجتمع، ولكنه هو لم يترك ~~مكتبته؛ لأن حياته كانت حياة الدرس والثقافة فقط. # أين الغابة التي يستطيع أن يلجأ إليها كي يفكر «على حدة» دون أن ينزل على آراء المجتمع؟ ~~أين الغابة التي تحدث ms18 فيها الحوادث وتقع الأخطار ويجني منها الاختبار؟ ~~••• # وفي هذا اليوم لم يفتح كتابا، ولم يكتب حرفا؛ إذ كان قاعدا وكأنه في ذهول، وسمع نفسه ~~يقول إنه سيزور الهند واليابان قبل أن يموت. # وتنبه بصرير التليفون، فتناول السماعة، وإذا بصديق يدعوه إلى تمضية المساء عنده. # ورحب، على غير عادته السابقة، بهذه الدعوة، ووعد بالذهاب إلى منزل صديقه الساعة ~~الثامنة. # إنه لا يريد أن يقرأ أو يكتب، إنه يريد لقاء الناس؛ إذ لم يبق من العمر سوى فترة قصيرة ~~أو طويلة قبل نوبة أخرى كهذه النوبة التي أيقظته في الليلة الماضية. # وكان عند صديقه في الميعاد، وتحدث إلى كثيرين في طلاقة وابتسام، وأحس انتعاشا لجو ~~الطرب الذي كان يسود الزائرين؛ فكانوا يضحكون لأتفه نكتة، ويشربون ويأكلون في سذاجة ~~وحيوانية، وأكل معهم وشرب قليلا، ثم انتحى ناحية وقعد، وجاءت إليه فتاة عرف منها أنها ~~معلمة، ويبدو أنها لا تزيد على الخامسة والعشرين من العمر، وطال الحديث بينهما، وكانت هي ~~تتحدث كما لو كانت مسحورة بشخصيته، كما كان هو مرتاحا إلى إعجابها به، وإلى وسامة ملامحها ~~وهدوء نظراتها، وكانت من أجمل ما سمعه منها قولها: أنت إنسان. # ومع أنه كان قد سمع هذه الكلمة قبل ذلك، فإنه كان لوقعها في نفسه، من هذه الفتاة، أثر ~~الطرب الغامر؛ فقد قالتها في وداعة ورقة بالغتين، كما لو كانت تقبل رأسه وتمسح ~~جبينه. # لا بد أنها قد قرأت مؤلفاته. # وتحدثت الفتاة إليه عن شخصية المرأة، وعن حكمة العيش، وعن الكتب، وعن التربية، وعن مؤلفات ~~«أندريه جيد» و«بول سارتر»، وكان يجيب في يسر حتى أحست هي ألفة لم تكن تنتظرها، فلم تخجل ~~ولم تتحفظ. # وترك السهرة وعاد إلى منزله، وفي نفسه أغنية؛ فإن صورة هذه الفتاة لم تبرح ذهنه؛ إنها حين ~~كانت تتحدث كانت ترفع رأسها إليه، فكان يرى عنقها الذي يستهدف ذقنها من أعلى وينساح عن ~~صدرها من أدنى، وهو يذكر أنه وهو قاعد إليها قد تخيلها وقد أرسلت شعرها على وجهها، فانساح ~~حول وجهها إلى كتفيها، ms19 ثم تأمل عينيها ونظر إليها، ثم من خلالهما، إلى هذا الذهن الذي يسأل ~~ويستطلع في ذكاء وقصد. أنها تمتاز بعقل متسائل. # ثم طرد هذه الخواطر وهو يقول: كأني أحبها! رجل في الخامسة والستين يحب فتاة في الخامسة ~~والعشرين؟! حب عقيم، وهو على كل حال من طرف واحد ؛ إذ لا يعقل أنها يمكن أن تحبني! # وفي صباح اليوم التالي عاد خيالها يتجسم، وعاد هو يتخيل ويتحدث إليها ويستمع إلى ~~إجابتها، ثم يطرد هذه الخواطر بعزم وعنف. # ثم قال: الواقع أني لا أحبها، ولا يعقل أني أحبها، وكل ما في الأمر أنها شغفتني بإعجابها ~~بي وبحديثها. # ولكن ساعي البريد جاء بعد يوم بخطاب منها، وعرف أن اسمها «فتنة»، ولم يجد في الخطاب غير ~~سطور عن إعجابها به وشكرها له، ثم رجاء بلقاء آخر. # فعاد يتأمل، ثم يفكر، وماذا لو لقيته؟ لعله يحتاج إلى مثل هذا اللقاء الذي يكسبه ~~إحساسا مجددا بالشباب، كما تنتفع هي بحديثه. نعم، هو لقاء تلميذة بأستاذها. # وتقابلا، ثم تكرر اللقاء، ولم يكن يخاطبها باسم فتنة؛ لأنه وجد في ذكائها وإنسانيتها ما ~~جعله حين يخاطبها يقول: يا نفس. # كان يحس أنها نفس أكثر مما هي جسم، وأنها إحساس أكثر مما هي تفكير، وأحبت فتنة هذا الاسم، ~~وقالت: جميل هذا الاسم؛ اسمي نفس. # وسطعت «نفس» على حياته وأشرق ذهنه، وكان في الصباح، وهو قاعد في مكتبه، يتناول القلم ثم ~~يؤلف بيتين من الشعر، لا يتمهما حتى يضحك ويمزق الورقة. # وذات صباح، وهو في مكتبه، تذكر «نفس»، فأحس انتعاشا واعتلاء، وكتب هذه ~~الكلمات: ~~«إني ما زلت أقتفي أثر شبابي وأنزع نزعته»! # ثم تأمل معاني هذه الكلمات وضحك، ومزق الورقة. ~~••• # وكثرت المواعيد والمقابلات، وكانا يخرجان لمقابلة الربيع في الحقول؛ حيث يعبق الجو ~~بأزهاره، وحيث تنشد الطيور أشعارها على الأشجار، ثم تكون بينهما كلمات وهمسات وقبلات، ثم ~~يفترقان ويعود الأستاذ ماجد إلى منزله ليتلقى وخزات ضميره: ما الذي يبغي من هذا الحب؟ إنه ~~يعبث بالفتاة. وصحيح أنه مخلص في حبه صادق في إحساسه، ms20 ولكن مكانة كل منهما الاجتماعية، ~~والفرق الشاسع بين عمريهما، يجعلان من كل هذه المقابلات عبثا؛ إذ لن تنتهي بزواج. # ثم يعتذر أمام ضميره فيقول: ولكنها تنتفع بحديثي؛ لأني أربيها. # ولكن ضميره يرد في غلظة: أنت تغالط، وأنت تعرف أنك تثلم شرفها بالإشاعات، وتعطل زواجها من ~~شاب في عمرها يعطيها قدر ما تعطيه من قلبها، وهذا ما لا تقدر أنت عليه؛ خير تربية لها هو ~~زواجها. # ثم تغمر ذهنه غيمة من الظلام والأسف؛ لأن عقله يناقض قلبه. أجل، يجب أن يعترف بالحق، وأن ~~يقول لها إنهما لا يتكافآن؛ إذ هو في سياق الموت، وهي في انتظار الحياة، هو في خريف العمر، ~~أو في شتائه، أما هي فلا تزال في ربيع عمرها. # وبعد أيام قصد الأستاذ ماجد إلى الآنسة «نفس» وأخبرها بضرورة انفصالهما، وقال: لا أعرف ~~إذا كنت عاقلا أم جبانا، ولكن على أية حال يجب أن تتزوجي شابا في سنك، وأن تسكبي عليه ~~كل ما عندك من حب، أما أنا فحسبي عبقرية الذهن، أما عبقرية الحياة فقد مضى أوانها ~~عندي. # وفزعت «نفس» من هذا التغير، وأصرت على أنهما زوجان؛ زوجان في الروح، وأنها لا تطلب أكثر ~~من ذلك. # ولكن الأستاذ ماجد أصر أيضا على أنها يجب أن تتزوج وتحيا حياة بعيدة عنه؛ لأنه لا يكفل ~~لنفسه أو لها السلامة في هذا الحب الذي وصفته بأنه «روحي». # إن هذا الحب بلا شك، إلى الآن، كما وصفته، ولكن هل يمكنهما الصبر على ذلك طويلا؟ وما بقي ~~من عمره هو سنوات معدودات، وقد لا تكون أكثر من شهور، أما هي فأمامها نصف قرن، وعليها أن ~~تختار هذا الشريك الذي يرافقها في هذه الرحلة الطويلة. # وقال: لا بد من الانفصال، لا بد. # ثم صمت، وعاد إلى الكلام وقال: عودي إلى الحياة، وسأعود إلى مكتبي. # وتألمت «نفس» وبكت، وتوسلت، ومسح هو دموعها، وقبل شعرها ووجهها وهو يرتعش، ثم جرى ~~الحديث بينهما كما لو كان عتابا واعتذارا بين عاشقين، واقتنعت هي، من حيث لم يقل لها، فإن ms21 ~~فراقهما هو الوسيلة الوحيدة لأن يعود الأستاذ ماجد إلى دراساته التي انقطع عنها لاشتغال ~~قلبه بحبها. # ثم صار الحديث وداعا ودموعا، أنها لن تنساه، أنه لن ينساها، ولن تنقطع المكاتبات بينهما ~~حتى بعد أن تتزوج من شاب في عمرها، وقالت وهو يمسح دموعها: إن ما يربطني بك أقوى من أية ~~رابطة أخرى. # وتزوجت «نفس» من أحد الأطباء الشبان، وأصرت على استبقاء هذا الاسم الذي يذكرها على الدوام ~~بزواج روحي سابق لن يلغيه طلاق، أما الأستاذ ماجد فقد أحس أنه لا يطيق رؤية مكتبه وقراءة ~~كتبه، فتجهز وسافر إلى الهند في «رحلة ثقافية»؛ كي يختبر الحياة بما بقي له من وسائل ~~الاختبار. # وبعد سنين كان أصدقاء الأستاذ ماجد العارفون يقولون إنه كان عاقلا، أما هو فكان يقول عن ~~نفسه إنه كان جبانا. # الفصل السابع # | طلقت أخي # وجمعنا الأقارب للصلح، وأي صلح هذا؟ أليس لنا أرض ولنا دخل؟ فما معنى الصلح إلا أن ~~نحصل على هذا الدخل؟! # طلقت أخي، وانفصلت منه، وقد مضى علي أكثر من عشر سنوات وأنا لا أعرفه، ولم أذكره إلا ~~لأني قرأت نعيه في الجرائد. # وفي هذا الكلام قسوة، بل خشونة تأباها الرقة والذوق، ولكنه هو الحق، على الرغم من الأخلاق ~~الإقطاعية التي لا تزال تلابسنا، وتوجه عواطفنا، وتطالبنا بالخضوع لنظام بطريركي في ~~العائلة، وهو نظام قد أصبحت الظروف الجديدة تصرخ بإلغائه. # وأنا الآن أم؛ لي ثلاث بنات وولدان، وإني لأحاول جهدي ألا أقع في الأخطاء التي وقعت فيها ~~أمي، وأحاول جهدي أن أمنع الولدين من الاستبداد بأخواتهما البنات كما استبد أخي بي وبأختي، ~~وإني لأضرب لهم جميعا المثل لما فعله أخي معي أنا وأختي؛ حتى يتعظوا، وحتى لا يحس أحد من ~~الولدين أن من حقه أن يستبد بأخواته البنات، أو يجيز لنفسه أن يسرقهن كما فعل أخي بي ~~وبأختي. # قرأت نعي أخي في الجرائد فتنهدت، ولكني أحسست انفراجا؛ فإن بقاءه في الدنيا كان تحديا ~~للحق والشرف والحب والإنسانية، ولكنه مع ذلك كان، إلى حد ما، مظلوما؛ لأن ms22 المجتمع الذي كنا ~~نعيش فيه قبل ثلاثين وأربعين سنة كان يتجاوز عن الآخر الذي يسرق أخواته البنات، وكان يعده ~~الوارث الأصيل للأبوين. # إن البنت حين تتزوج وتترك بيت أبويها، يجب أيضا أن تترك كل ما في هذا البيت، وأنه ليس ~~لها من حق في ثروة أبويها سوى هذا الحق الصوري الذي يتعين في عقود الامتلاك. # ورثت عن أبوي نحو عشرة فدادين، وهذا غير حصتي في بيتنا الكبير في القاهرة، وكان أبي قد ~~مات قبل زواجي بسنة، وماتت أمي بعد زواجي بثلاث سنوات، وكان زوجي رجلا حييا، وكان يعمل ~~موظفا في إحدى الوزارات بمرتب يكفينا، كما كان يملك منزلين بالقاهرة يغلان لنا دخلا ~~سنويا معتدلا؛ ولذلك لم أطالب والدتي أو أخوي بشيء من حقي طيلة حياتها؛ وذلك لأني كنت ~~أحبها، وأحب أن تحس بأن ما ورثته أنا من أبي يجب أن يبقى لمتعتها، وأيضا لأن زوجي كان ~~حييا يعتقد أن ليس من الشهامة أن نطالب أمي وأخوي بدخلي وهو دون المئة من الجنيهات في ~~السنة. # وماتت أمي، وقضيت أنا وأختي بمنزل أبوي نحو خمسة عشر يوما نستقبل التعازي، وكانت أختي ~~متزوجة مثلي، ولكن زوجها لم يكن على يسر في العيش، وكانت أمي في حياتها تساعدها بالقليل ~~الذي تحصل عليه من أخوي. # وقبل أن نغادر المنزل، أنا وأختي، تحدثنا إلى أخوي بشأن ما نملك في الأرض والبيت، وكان ~~في البيت من الأثاث ما لا يقل ثمنه عن ألف جنيه، ولكننا لم نتحدث عنه بتاتا وتركناه ~~لأخوينا. # وإني لأذكر الامتعاض الذي بدا على وجه أخي الأكبر حين صارحناه، أنا وأختي، بأننا نحتاج ~~إلى دخلنا من الأرض، وقد سلم أخي الأصغر بهذا الحق، ولكن أخي الأكبر لم يسلم به، وجعل ~~يسوف، ويتعلل بأنه لا يعرف المستأجرين، وأن هذا الموضوع يمكن أن يؤجل. # وفهمت من التأجيل أنه لن يتجاوز الشهرين أو نحو ذلك، ولكن مضت تسعة شهور دون أن نجد أية ~~نتيجة، وجاءتني أختي تشكو، وتقول إن ما كانت تحصل عليه من أمنا قد انقطع، ms23 وأنها في حاجة؛ ~~لأن دخل زوجها صغير، وأن أولادها قد كثروا. # وقصدنا أنا وهي إلى أخي الكبير، وحادثناه في رفق وحب، ولكنه عارضنا في عنف، كأننا أغراب ~~نريد الاستيلاء على ثروته بلا حق. # وجمعنا الأقارب للصلح، وأي «صلح» هنا؟ # أليس لنا أرض ولنا دخل؟ فما معنى الصلح إلا أن نحصل على هذا الدخل؟ # ولكن كلمة «الصلح» كانت تعني شيئا آخر عند أخوي الاثنين، وعند الأقارب، وكان الكلام ~~كله يجري على هذا النسق: الصلح خير، الوفاق أحسن من الخلاف، بوسي رأسه، بوس رأسها! # ثم ينفض السامر، ونعود أنا وأختي إلى بيتنا بلا نتيجة. # ولم نكن ننتزع خمسة أو عشرة جنيهات من أخي إلا بعد شجار، وكان يحاسبنا - إذا حاسبنا - على ~~إيجار لا يزيد في المتوسط على أربعة وخمسة جنيهات للفدان، في حين كان هو يؤجره بنحو عشرين ~~أو ثلاثين جنيها، وحاولنا بيع الأرض، فجعل يعرقل البيع، حتى لم يعد أحد من المجاورين ~~يخاطبنا في البيع. # وكنا حين نشكو يقال لنا إنه فاتح بيت، وإننا يجب أن نتسامح معه، وكأن «فتح البيت» يعني أن ~~يأكل هو أكثر مما نأكل نحن، وأن يقتني سيارة في حين أن أخته لا تجد القدرة على شراء الطعام ~~الضروري لأطفالها. # وأخيرا حدثت الكارثة: فإن زوج أختي مات، ولم يترك لها من المعاش سوى نحو سبعة جنيهات في ~~الشهر، وكان أولادها خمسة: ولدان وثلاث بنات، أصبحوا جميعهم على الحضيض، أو ما يقارب ~~ذلك. # وقصدت إلى أخي، وبسطت له حال أختنا، وتبرعت أنا بكل حصتي في ميراث أبوي لها، ورجوته ~~بأن يعطيها حقها؛ حقها لا أكثر. # ولكنه تبرم، وزعم أن الأرض قد انحطت، وأن ريعها يقل عاما بعد آخر، ولم أتمالك أن ~~أقول هنا: ولماذا لا تبيع السيارة وتعطي أختك حقها؟ # واستشاط هو من كلامي، فهب يسبني ويهدد بأنه لن يدفع شيئا، لا لي ولا لأختي. # حدث هذا منذ عشرة سنوات، وقد طلقته منذ تلك اللحظة ودخلت أنا وأختي معه في قضايا للقسمة، ~~وللحصول على الإيجارات، وقد أنفقنا في ms24 هذه القضايا مئات الجنيهات وست سنوات من ~~النزاع. # ونجحنا في الحصول على ميراثنا في البيت والأرض، ونجحنا في أكثر من ذلك، وهو أننا طلقناه؛ ~~لأنه لم يكن أخانا. # أجل لقد طلقت أخي؛ لأني وجدت أن من حقي أن أحيا حياتي وأنا بعيدة عن هذه الشخصية المعاكسة ~~المشاكسة ، فضلا عن حقي في ميراث أبوي. # وحين قرأت نعيه في الجرائد ذكرت المعاكسات التي لقيتها أنا وأختي منه كي ينهب حقنا بدعوى ~~أنه «فاتح بيت»، وتنهدت، ولكني عجزت عن أن أقول: الله يرحمه. # الفصل الثامن # | غرفة الخادمة # ومع أن «أسماء» كان يخالجها اليأس، فإنها كانت لا تزال تستمسك وتأمل ضد الأمل. # تزوجته عن حب يزيد على ما كان يكنه هو لها منه؛ فقد كان محاميا موهوبا، نال شهادة ~~الحقوق ولم يبلغ الثانية والعشرين، وكان وسيما في قوامه، كما كان أنيقا في ذوقه؛ يتخذ ~~الملابس التي تماثله، ويتحدث في ابتسام، ويسرع إلى تقديم المعونة التي تقتضيها الشهامة ~~للآنسات. # عرفته «أسماء» وهي طالبة معه أيضا في كلية الحقوق، وجرفها الحب فلم تكن تطيق مفارقته؛ ~~إذ كانت تذهب إلى منزله، أو يذهب هو إلى منزلها للمذاكرة، ومع أنه كان يسبقها في الدراسة ~~بثلاث سنوات فإنهما كانا يتعللان بأن هناك موضوعات دراسية لا يزالان يشتركان فيها. # ولما نال الأستاذ أنيس شهادته وترك الكلية، كفت أسماء عن الاستمرار في الدراسة، وتم ~~زواجهما، وسافرا الإسكندرية حيث كان مكان العمل الحر؛ أي المحاماة، الذي اختاره الأستاذ ~~أنيس مؤثرا حريته على الوظائف الحكومية. # ولم تندم أسماء على تركها للدراسة؛ فإنها وجدت في أنيس كل ما تشتهيه الفتاة في الزواج من ~~السعادة، ووجد زوجها الشهرة التي لم تتأخر كثيرا؛ فإنه أمضى السنة الأولى فيما يشبه الركود ~~والكساد، ولكن الرخاء كان في السنة التالية؛ فإن كثيرا من الشركات عرفته وأقبلت عليه، وكان ~~اختصاصه القضايا المدنية والتجارية. # ومضت سبع سنوات وهما يتقلبان في هناء الزوجية، وكان كسب الأستاذ أنيس وفيرا، يتيح لهما ~~التشتية في الأقصر، والاصطياف في لبنان، ولكن كان هناك مع ذلك ما ms25 ينغصهما، وهو أنهما حرما ~~الأطفال، ومع كل ما بذلاه من مجهود بقيا طوال هذه السنوات دون أن تحمل أسماء. # ولكن الثراء، وما كان يتيح لهما من الاستمتاع، كان ينسيهما هذا الحرمان، وأنهما استقرا في ~~النهاية على عادات اجتماعية تشغل وقتيهما بالزيارات والتنزهات وشراء الصفقات الكاسبة من ~~عقارات مدنية أو ريفية. # ثم حدث وهما يسيران ذات يوم على الكورنيش أن لحظت أسماء في زوجها اضطرابا في حديثه؛ فقد ~~كان يثب من موضوع إلى آخر في تفكك وبلا ارتباط، ولم تأبه كثيرا؛ إذ هي عللته بأنه ~~متعب من عمله في مكتبه. # ولكن هذا الاضطراب استمر في اليوم التالي، وزاد كثيرا بعد أسبوع، حتى إنه؛ أي الأستاذ ~~أنيس، كان وهو إلى المائدة ينسى أنه يأكل، ويسترسل في الحديث المتفكك عن السياسة، التي يثب ~~منها إلى بعض القضايا التي يدرسها، ثم يثب من هذا إلى الاستحمام في البحر، ثم يذكر أحد ~~الأصدقاء. # وذهلت أسماء، واستدعت ثلاثة من أصدقاء زوجها، وجميعهم من الأطباء، وما هو أن حضروا إلى ~~منزله، ورأوه على هذه الحال حتى تلاحظوا في صمت يدل وكأن كربا عظيما قد حط ~~عليهم. # وهرع أحدهم إلى الشارع، وسارع إلى سيارته، ومضى بها يعدو إلى إحدى الصيدليات؛ حيث اشترى ~~عددا كبيرا من الأنابيب عاد بها، وشرع الجميع يعالجونه ويحقنونه. # وفهمت أسماء من نظراتهم أن هذا مرض خطير يخشونه، فطلبت منهم أن يصارحوها، ولم يتأخروا عن ~~مصارحتها، وفهمت أسماء أن زوجها مريض بأحد الأمراض الوبيلة التي تنتهي بالشلل العام ثم ~~الموت، إذا لم تعالج في شهورها، بل في أسابيعها الأولى، وأنه؛ أي زوجها، قد وصل إلى الدور ~~الأخير من المرض، وأن الأمل في شفائه ضعيف ولكنهم لن ييأسوا ... # وفهمت أسماء من الأحاديث الصريحة مع الأطباء أن العزوبة كثيرا ما يحفل طريقها بالمزالق ~~للشبان، وأن هناك مرضا خطيرا يبدأ بعلامات تافهة، ولكنه ينتهي إذا أهمل بالدمار؛ لأنه ~~يمزق الأعصاب ويبلي خلايا المخ، فيكون الجنون والشلل معا. # وخرجوا بعد أن أرقدوا الأستاذ أنيس على سريره، ونصحوا لزوجته بما ms26 يجب أن تفعل. # ووجدت أسماء نفسها مع زوجها وحدهما، فأكبت عليه وهي تبكي وتقبله، وتخرج منها كلمة «يا ~~حبيبي» مكررة في تنهدات تمزق قلبها. # وواظب الأطباء على معالجته نحو شهر، وكانت أسماء تعنى به عناية الحب؛ فكانت ترقد إلى ~~جانبه، وتحمل كل يوم طعامه إليه في السرير ، وتمسحه بالكئول، وتغذيه بأطيب ما يحب من طعام، ~~ولا ترضى للخادمة كي تغنيها عن بعض المتاعب في تنظيفه. # ولكن كل هذا ذهب بلا جدوى؛ فإن المرض سرى في خلاياه البعيدة، وذات يوم هب من فراشه ~~يحاول أن يمشي فوقع، وجاء أحد معالجيه فقال إنه الشلل العام للمجانين. # ولم يعد الأستاذ أنيس يعقل شيئا؛ فإن عينيه كانتا تسددان إلى السقف، ثم تجري الكلمات على ~~لسانه سائلة بلا ضابط. # ومع أن أسماء كان يخالجها اليأس، فإنها كانت لا تزال تستمسك وتأمل ضد الأمل. # وجاءت أمها ورأت المريض فتأسفت وبكت، وبقيت مع ابنتها. # ومضت شهور، وأصبح الأستاذ أنيس في غرفته كأنه بعض الأثاث؛ ينظف جسمه، ويرتب سريره كل ~~يوم. # وكان الضيوف يأتون إلى البيت للمسامرة والمؤانسة، وكانوا جميعهم على وفاق في الصمت عن ~~السؤال عن صحة الأستاذ أنيس. # وأصبح الدكتور أنيس شبحا في البيت، تحتويه غرفته، كلهم يدري علته، ولكن كلهم أيضا ~~يصمت ولا يذكره بكلمة. # وكانت أسماء في الشهر الأول من علته لا تزال تحمل إليه طعامه، وتمسح عنقه، وتخلل شعره ~~بأصابعها، وتتحدث إليه: «بكره تشفى، بكره تقوم، حبيبي ...». # ولكنه كان ذاهلا يتمتم بكلمات مغمغمة وعيناه إلى السقف. # وجاء الشهر الثاني، فكفت أسماء عن الدخول إلى غرفته، ووكلت العناية به إلى خادمتها، ولم ~~تكن الخادمة، على طيبة قلبها، قادرة أن تتجلد لهذه الخدمة المضنية؛ لأن الأستاذ أنيس لم يعد ~~قذرا فقط، بل لقد أصبحت قذارته تشبه النجاسة. # ومضت سبعة شهور وهو على هذه الحال. # ووجدت أسماء نفسها ذات صباح، وهي تتأمل حالته، تقول في صوت مسموع: حيوان، وأحست كأنها ~~تريد أن تبصق، وسمعت أمها وهي تقول: لو أنه يموت! # أجل، لقد فكرت أسماء كثيرا، لو ms27 أنه يموت لأصبحت هي حرة تتزوج من تشاء؛ فإنها لا تزال دون ~~الثلاثين، وقد زاد جمالها روعة وأنوثتها سحرا. # ولم يعد هناك بصيص من أمل في شفائه. # وذات صباح نادت أسماء خادمتها وطلبت منها أن تنقل الأستاذ أنيس إلى غرفتها؛ غرفة الخادمة ~~التي تجاور المطبخ؛ حتى لا تتعب كثيرا في العناية به، وعلى كل حال يجب إخفاؤه بعيدا عن ~~عيون الزائرين. # وعادت الخادمة فحملته من السرير إلى حضيض الغرفة، فوقع كما لو كان كتلة من الطين، ثم نقلت ~~السرير، ثم حملته كما لو كان غرارة تحوي سقط المتاع، فألقته على سريره في غرفتها. # ولم تعد أسماء ترى وجهه، وبقي نحو شهرين وهو لا يحس ولا يعقل، ثم مات الأستاذ أنيس ودفن ~~في الخفاء، وتنهدت أسماء وأمها والخادمة في ارتياح، ودبت الحياة في البيت من جديد، وكثر ~~الزائرون من عائلات الشبان المرشحين للزواج. # الفصل التاسع # | الحيوان الذي كان إنسانا # مات من كثرة الشراب والطعام، مات بعد خمسين سنة من العمر لم ينتج فيها سلعة ولم يؤد ~~خدمة. # كنت أتحدث إلى صديقي، وكان وجوديا، يقول بأن الإنسان مسئول وحده عن مصيره، وأنه هو الذي ~~يصنع نفسه ويختار أخلاقه، وما يصيب من نجاح أو خيبة في الحياة إنما هو المرجع الأول والوحيد ~~فيه، وهو إذا كان يعلل خيبته بعلل أخرى فإنما ذلك لأنه قد خاب، ولا يحب، أو لا يطيق أن ~~يتحمل تبعة خيبته، فهو يحيلها على غيره جبنا منه، وعجزا عن مواجهة الواقع. # وكنت أخفف من حدته الفلسفية هذه وأقول إن المجتمع يصنعنا؛ فهو يورثنا عقائد دينية أو ~~خرافية تلصق بنا طوال أعمارنا، وهو يعين لنا أفكارنا وأخلاقنا بالكلمات التي نستعملها، ~~وننسى أنها هي أيضا تستعملنا، وهو أيضا؛ أي المجتمع، يعطينا المعلمين الذين يوجهوننا، ~~ثم نحن نجد من الأصدقاء والصحف والكتب ما يوجهنا ويعين لنا أهدافنا على غير دراية ~~منا. # نحن مسيرون ولسنا مخيرين. # ولكن صديقي الوجودي نهض من كرسيه واقفا معترضا، ثم قال: «اسمع، مات لي قريب في السنة ~~الماضية، وكان ms28 من سني، وقد نشأنا في بيئة واحدة، وكان أبوانا على ثراء ومقام سواء، فلم يكن ~~هناك اختلاف بين تربيتي وتربيته، وأنا أؤكد لك أننا؛ أنا وهو، كنا إلى سن العاشرة أو ~~الثانية عشرة لا نختلف في درجة التعليم أو الأخلاق أو الذوق، وكان توافقنا لذلك تاما ~~وصداقتنا متينة. # ولكن منذ هذه السن شرعنا نفترق ونختلف، وظلت اختلافاتنا تنمو وتتكاثر حتى فصلت بيننا، ~~وقد بلغنا كلانا سن الخمسين في السنة الماضية، فمات هو بعد أن مرضت كبده، وقيل له إن علة ~~المرض هي الأكل الكثير. # أفهمت هذا؟ الأكل الكثير، مات من الأكل الكثير، مات حيوانا بعد أن كان إنسانا، أو على ~~الأقل كان إنسانا طوال مدة طفولته وصباه، فلا تقل إن المجتمع قد وجهه أو كان هو المسئول ~~عن الحيوانية التي تردى فيها؛ فإنه حين كان عجينة تعجن وتصاغ، كان حسنا، إلى سن ~~الثانية عشرة، ولكنه حين شرع يفكر ويستقل ويتبصر اتجه نحو الاستهتار والشر، بل الإجرام، ~~واتجهت أنا وجهة أخرى، وهأنذا أمامك، عشت في وسط الطفولة الذي عاش فيه، ولكني نظمت برنامج ~~حياتي نظاما آخر، والنتيجة أنه هو الآن في القبر، وأنا حي في صحتي وآمالي وثقافتي ~~ومقامي. # تركته في بداية الثالثة عشرة من عمرينا؛ لأني وجدت أنه قد عرف بعض الصبيان، وكان يخرج ~~معهم في صبوات عجيبة استنكرتها أنا وأقبل هو عليها؛ فكانوا يسرقون الشجر، ويؤلفون عصابات ~~صغيرة لضرب خصومهم. # والعجب أن نجاحه في المدرسة كان أكبر من نجاحي؛ فإنه حصل على الشهادة الابتدائية في حين ~~أني رسبت؛ ولذلك لا يمكن أن تقول إني أذكى منه، ولكن عقب ذلك ابتدأت حياتي تسير في مراحل ~~من الرقي، وابتدأت حياته تسير القهقرى. # ولست أعني بذلك أني كنت خلوا من الرذائل، أو أنه لم تكن لي صبوات، ولكن صدقني حين أقول ~~لك إني كنت في العشرين أفكر كيف أكون في الخمسين؛ فكنت أدرس، وأتوقى الخمور، وأحاول أن أكون ~~اجتماعيا، وأن أدخر من مالي للمستقبل. # كنت كذلك، أما هو فكان في العشرين يشرب ms29 الخمور ويرافق السكيرين واللصوص. # وكان دخل كل منا يساوي دخل الآخر؛ بالميراث وليس بالكسب، فكان يسافر إلى أوربا للاستهتار، ~~فإذا عاد إلى مصر قضى أيامه فيما بين المدينة والعزبة، فإذا كان بالعزبة سرق الفلاحين أو ~~سحقهم أو اشترى عفة نسائهم، كانوا مساكين مغلوبين معه؛ لأن لقمة عيشهم كانت في يده، فإذا ~~قصد إلى المدينة أنفق ما جمعه من العزبة، فكانت لياليه حمراء مع اللصوص الذين كان يسلطهم ~~على جيرانه أو خصومه كي يحرقوا غلاتهم أو يسرقوا مواشيهم. # أذكر أني لقيته ذات مساء قبل عشر سنوات، فدعاني إلى مرافقته، ومع اشمئزازي منه قبلت ~~الدعوة؛ كي أدرسه وأعرف إلى أين انتهى، فقادني إلى حانة، وهناك اجتمع به «أصدقاؤه» وكانوا ~~من الريفيين الموسرين، وجعلت أنصت بعناية لحديثهم، وكان كله - تقريبا - نوادر عن صبواتهم؛ ~~فذكر أحدهم كيف اهتدى إلى شراء مقدار حسن من الحشيش، وذكر آخر شيئا عن امرأة كانت له بها ~~معرفة حميمة، وذكر ثالث تفاصيل نزهاته الليلية الأخيرة في الإسكندرية. # وكانوا طيلة حديثهم يشربون الخمر كما لو كانت ماء، ويأكلون في نهم كأنهم خراف تلتهم ~~العلف، وكنت أشرب معهم وأضحك وآكل ولكن مع التقصير؛ لأني لم أكن قادرا على اللحاق بهم، ~~وكان تقصيري هذا، مع عجزي عن الإدلاء بنكتة طريفة تساعدهم على الضحك، ومع صمتي من وقت لآخر ~~بما لا يتلاءم مع هذا المجلس ومرطباته - مدعاة لرثائهم لي. # ونهضنا بعد منتصف الليل، وسلمت وودعت، وقصدت إلى الفندق وارتميت على سريري، وجعلت ~~أفكر وأتأمل؛ قريبي هذا قد استكرش وأصبح بطنه كالقربة المنفوخة، وتمثلت صورته وهو يأكل، ~~حين امتلأ شدقاه بالطعام وانتفخ وجهه، وكان يتجشأ ويتحرك على الكرسي كأنه جثة مائعة فقدت ~~تقاسيمها، ولم أتمالك الاشمئزاز، وعدت إلى ذاكرتي حين كنا صبيين نلعب. # ولم يمض قليل حين عرفت أن جسمه عجز عن استهلاك الطعام الذي كان يأكله، فأضرب وصار يبول ~~المواد النشوية التي كان يأكلها سكرا خالصا، ثم عجزت كبده عن العمل، فأضربت هي الأخرى، ~~وقد نصح له الأطباء بالإقلال من الشراب والطعام، ولكنه ms30 لم يطق ذلك، ومات في العام ~~الماضي. # مات من كثرة الشراب والطعام، مات بعد خمسين سنة من العمر لم ينتج فيها سلعة ولم يؤد ~~خدمة، مات هو، وأنا حي، لقد تساوينا في فرص الطفولة والصبا، وورثنا ميراثا يكاد يكون ~~متساويا، ولكننا افترقنا؛ لأنه هو اختار طريق الرذيلة واخترت أنا طريق الفضيلة. # لهذا أنا وجودي، أنا مع «بول سارتر»؛ كل إنسان مسئول عن مصيره، كل إنسان يصنع نفسه ويصوغ ~~شخصيته، هو حر، حر، حر». # وقلت، بعد أن تنهدت، لصديقي: لا يا صديقي، إنما هو المجتمع الذي يسأل عن مصيره، أو عن ~~جزء كبير منه، وهذه الحرية التي تعتقد بوجودها إنما هي وهم، وإني واثق بأني لو عرفت ~~التفاصيل لاستطعت أن أبين لك أن قريبك هذا كان ضحية المجتمع الذي عاش فيه. # وحسبك أن تعرف أن هذا المجتمع قد أتاح له الخمر الكثيرة، والطعام الكثير، وفرص السرقة ~~من الفلاحين، ولم يعلمه، ولم يجبره على أن يكسب عيشه بعرق جبينه. أجل، لم يعلمه ~~الشرف! # الفصل العاشر # | ماتت 3 مرات # لماذا دفناه يا جلجل؟ رجعت أنا للبيت، هنا، وقلت: يا ربي، أنا مت ثلاث مرات، خذني ~~وارحمني. لكن الله لم يرحمها. # كانت أم مصطفى في الخامسة والسبعين، ضامرة، عجفاء، ولم يبق لها في الدنيا غير الذكريات، ~~وكان مسكنها غرفة مظلمة في بدروم، ولم يكن يؤنسها غير القط «جلجل» الذي كان يعيد إليها هذه ~~الذكريات. # ولم يعد لها من سبيل إلى البقاء سوى تلك الكسرات من الخبز التي يتصدق بها عليها السكان ~~المجاورون، وكانوا أحيانا يهملون، فتبيت على الطوى هي وجلجل، ولم يكن لها أسنان؛ ولذلك ~~كانت تبل الكسرات بالماء، وتهرسها بأصابعها، ثم تبلعها بعد مضغ مزيف، وكانت تمضغ اللقمة ~~بعد اللقمة، وتعطيها لجلجل؛ لأنها وجدت أنه لا يستمرئ الخبز المبلل فقط بالماء. # وكان جلجل يثير هواجسها وأشجانها، وكانت تخاطبه، وتتحدث إليه، وتناقشه، كما لو كان قريبا ~~أو صديقا؛ فقد حرمت الأصدقاء والأقرباء، وكانت الغرفة تطبق عليها بظلامها وصمتها. # وكانت تستريح إلى الحديث معه؛ لأن ms31 شهوة البوح وبث النجوى كانا يخففان عنها؛ فكانت أحيانا ~~تضحك وأحيانا تبكي، وفي كلتا الحالتين راحة، وكانت تقول: ~~- إنت يا جلجل نسيت راجي؛ راجي ابن مصطفى، عيب عليك، والله عيب! # ومصطفى هذا كان ابنها، وكان يسمى مصطفى القهوجي، وكان له مقهى صغير يبيع فيه فنجان ~~القهوة بربع قرش ، وكان ربحه الصافي من هذا المقهى لا يزيد على عشرة قروش في اليوم. # وكان هذا المبلغ يملأ المنزل بالخبز والفول المدمس والفجل والجرجير، وهذا إلى أيام كانت ~~كالأعياد؛ حين كان يشتري سقط الخروف أو أكارع العجل، وعندئذ تفوح روائح الطبيخ الدسم في ~~الغرفة، ويأتي مصطفى فيأكل مع زوجته فاطمة الفتة الساخنة مع بعض اللحم المريء. # وكانت أم مصطفى تزعم أنها لا تستطيع أن تمضغ اللحم، وكانت بالطبع تكذب، ولكنها كانت تفرح ~~عندما كانت تعرف أن ابنها مصطفى قد أكل وشبع، وأن راجي، ابنه الصغير الذي لم يكمل السنتين، ~~قد أكل أيضا وشبع قبل أن ينام. # كانت أياما هنيئة، تذكرها أم مصطفى بتفاصيلها الصغيرة، وكانت تذكر كيف أن القط جلجل خطف ~~من راجي مزعة من اللحم. # وقد مضى كل ذلك، فمات مصطفى ابنها، وماتت زوجته فاطمة، بل حتى الطفل راجي قد مات، وهي ~~الآن تعيش مع جلجل؛ كلاهما قد لزم هذه الغرفة، وكأنه يعرف أنه لن يبرحها إلا إلى القبر، من ~~القبر وإلى القبر. # وكان القط بعد أن يأكل طعامه الذي مضغته له، وبعد أن يشرب، يرفع ظهره كأنه سنام، وينتفخ، ~~ويتمسح بها، ويموء في لذة الشبع. # وكانت هي تضمه وتتحسس فروته وتقول: ~~- إنت نسيت يا جلجل؟ كان راجي دائما يقول قبل النوم: هاتولي جج، جج ينام معي، أنام مع ~~جج، كان يسميك جج. # ويموء القط حولها كأنه فهم ما قالته، وينام في حجرها، فتقول هي: ~~- أنا مت ثلاث مرات يا جلجل، ثلاث مرات؛ المرة الأولى لما مات ابني مصطفى ... # وهنا تنفجر بالبكاء، ويتخضخض جسمها كله حتى يقع القط من حجرها، ويتراجع، وينظر إليها كأنه ~~يستفهم: ماذا حدث؟ # وترفع العجوز رأسها إلى سقف ms32 الغرفة وهي تقول: حرام، يا ربي حرام، أنا كان عندي غير مصطفى؟ ~~حبلت به بعد سن الأربعين، وربيته، يا رب أخذته مني، أخذته مني ليه؟ # ويعود القط إلى حجرها، وتنظر إليه وهي تقول في هدوء: ~~- إنت فاكر مصطفى ابني يا جلجل؟ مصطفى أبو راجي، إنت فاكره؟ مصطفى حملك وأنت صغير، وجاء ~~بك هنا من الشارع، وفرح بك راجي، ومصطفى كان يشتري لك كل يوم لبن بمليمين حتى كبرت. # ثم تقص على جلجل كيف أن مصطفى ابنها كان رجلا شهما لا يعرف الغش أو السرقة، وكان يعيش ~~بعرق جبينه، وخرج ذات يوم كي يشتري البن والسكر للمقهى، ولكن سيارة داسته وهو عائد، ثم ~~تقول: ~~- إنت فاكر يا جلجل؟ لا، إنت فاكر، تقدر تنسى؟ لما أدخلوه هنا وهو محمول والدم على رجله؟ ~~أنا وقعت على الأرض، وسمعت مصطفى وهو يقول: رشوا الماء على وجه أمي، سمعته يا جلجل، أنا ~~يومها، أقول لك بالحق، أنا مت أول موته، وبعدها أخذوه للمستشفى وقطعوا رجله. # ويتمطى القط جلجل ويتثاءب. # ثم تقص عليه كيف جيء به؛ بابنها مصطفى، بعد ذلك بساق واحدة، وكيف أنها حمدت الله على أنه ~~لا يزال حيا، ولو بعاهة، الحمد لله! # ثم تعود إلى النظر في وجه جلجل وتقول: ~~- لكن ربنا كان يكرهني! والله يا جلجل أنا ما عملت شيء يسخط الله، لكن لله أحكام؛ لما رجع ~~لنا مصطفى؛ أنا وفاطمة زوجته، فرحنا، فرحنا كتير، ولكن رجله ورمت، وانتفخت، وطلعت منها ~~روائح، وجاء الدكتور وقال: لا بد من حمله الآن إلى المستشفى، سامع يا جلجل يروح المستشفى، ~~وكان الدكتور واقفا يتأمل الغرفة وينظر إلى السقف والأرض، وبعدها قال لي: اسمعي يا ولية، ~~اخرجي من هنا واسكني غرفة تدخلها الشمس، اخرجوا كلكم، هنا رطوبة وموت. # وضحكت أم مصطفى ضحكة مرة كلها علقم، وانقلبت الضحكة إلى بكاء وانتحاب، ثم هدأت ونظرت ~~إلى جلجل وهي تقول: ~~- اسمع يا جلجل، أخرج من هنا أنا وراجي وأمه ونسكن في بيت تدخله الشمس، كلام ~~الدكتور. # ثم تقص عليه ms33 التفاصيل: كيف أن أجرة هذه الغرفة 15 قرشا فقط في الشهر، وكان ابنها ~~يؤديها وهو قادر، فلما مات بعد أن قطعوا ساقه العليا في المستشفى صار الجيران يدفعونها ~~إحسانا وتصدقا، ثم ترفع جلجل على ساقيه الخلفيتين وتقول: ~~- إنت فاكر يا جلجل لما قالوا لنا إن مصطفى ابني مات؟ كان موته بموتي، قل الله يرحمني، ~~أنا مت يوم ما قالوا مصطفى مات. # وهي تقص عليه في كلمات مخنوقة، وحلقها يغص بالبكاء، كيف أن الدنيا لم تعد بعد موته كما ~~كانت قبلا؛ كانت تأكل اللقمة بالفجل فتجد لها طعما، أما بعد ذلك فلم يعد لشيء في الدنيا ~~طعم، ثم تنظر إلى جلجل وتقول: ~~- أنا أقول لك الحق، فاطمة زوجة مصطفى ماتت، تعرف ماتت ليه؟ من السل، ثم تقص عليه، وهي ~~تترنح من عذاب الذكرى، وبدنها يميل ذات اليمين وذات الشمال، كيف أن فاطمة صارت تخدم في ~~القهوة بعد موت زوجها، ولكنها بردت، ورسخ البرد في صدرها، فكانت طوال الليل تسعل، حتى كان ~~راجي يستيقظ من سعالها ويقول: ماما ماما، ويبكي. ~~- وأنا كنت أحمله طول الليل وأمشي به حتى ينعس وينام. # ويموء جلجل؛ لعله جائع، ولكن الذكريات تتزاحم على أم مصطفى، وتكاد تنفجر من صدرها، وهي ~~تقص عليه كيف ماتت فاطمة؛ فإنها تركت المقهى وباعوا ما فيه من كراسي وفناجين واشتروا ~~الأدوية لها. ~~- هو الدواء فيه فائدة يا جلجل؟ # ثم تذكر أن الطبيب جاء وقال: اخرجوا من هذه الغرفة، وإن الرطوبة ستقتلهم كلهم. ولكنهم ~~فقراء، وانقطعت فاطمة عن الطعام، وخمدت كما لو كانت شمعة وانطفأت، ولم تعد تأكل، وقبل أن ~~تموت بيوم وقف إلى جانبها راجي فقبلت يده، وعضتها، حتى صرخ الطفل، ولما سألتها أم مصطفى ~~عن السبب، قالت: أحب أنه يموت معي، أخاف عليه بعدي، آخذه معي. # ولم تطق أم مصطفى هذه الكلمات، فبكت وهي تقول: ~~- كان لها حق تخاف، كان لها حق تخاف. # ثم سكتت، وعاد جلجل إلى حجرها يموء كأنه يترضاها بعد بكاءها، وأسندت ظهرها إلى الحائط ~~تستعيد أنفاسها، وبقيت ms34 صامتة بعض الوقت؛ لأن رأسها كان يدور من أثر البكاء، وتتابعت الصور ~~في خيالها: زوجة ابنها تقيء الدم، ثم تطلب ابنها راجي فتضمه إلى صدرها، وهنا تذكرت أنها ~~عندما وثقت بأن فاطمة في لحظاتها الأخيرة تسلم الروح أرادت أن تنزع راجي منها، ولكن أمه ~~حضنته وشدت عليه بيدها، فلم تستطع نزعه، ونظرت إلى جلجل وقالت في هدوء: ~~- أنا مت الموتة الثانية يا جلجل لما دفنا فاطمة ورجعت ولقيت راجي بلا أم، راجي يتيم، ~~عمره أقل من ثلاث سنين بلا أم، وبلا أب، إنت فاهم يا جلجل؟ بلا أم وبلا أب! ولما رجعت قال ~~لي راجي فين ماما؟ ماما فين يا جدة؟ # وماء القط، ودار حولها، لا بد أنه كان جائعا، وزاد مواؤه وعلا، وهنا تنبهت العجوز، فنهضت ~~وأحضرت كسرات من الخبز وبعض الماء وبللتها، ثم جعلت تمضغها وتطعم القط، وما زالت به تمضغ له ~~وتناوله حتى شبع، أما هي فلم تأكل، وقعد القط أمامها ومسحت فروته وهي تقول: ~~- إنت فيك روايح راجي يا جلجل، إنت كنت كل ليلة تنام معه. # ثم جعلت تقص عليه كيف أن راجي كان نور البيت، وكان مصطفى يحمله معه إلى المقهى، ويربطه ~~بالكرسي، ويشتري له الحلوى، ومات مصطفى فكانت أمه تحمله إلى المقهى أيضا، وتشتري له الكعك ~~والبسكويت، ولما كان يعطش كانت تضع قطعة من السكر في الماء وتسقيه، وبعد أن ماتت أمه لم يجد ~~أحدا يحمله إلى الشارع حتى يشم الهواء؛ لأنها هي عجوز عشواء ومقعدة، فكان طوال النهار معها ~~بالغرفة، وكانت تلوك له اللقمة وتمضغها ثم تضعها في فمه كما تفعل مع جلجل. # ثم في يوم ما جعل راجي يصرخ، ويسهل، وكان يضع يده على بطنه، وحمله أحد الجيران إلى ~~الطبيب، فقال إنها دوسنطاريا، وأعطاه الدواء بالمجان. ~~- وتعرف يا جلجل، لما الدكتور فحص عن راجي قال: الطفل جميل، وكان جميل والله يا جلجل، ~~كان جميل؛ كان أبيض في بياض مصطفى ابني، وكان سواد عينيه من سواد عيني أمه، وكان يضحك ~~ويتكلم، وإنت عارف؟ ms35 الدكتور حضر عندنا هنا في اليوم الثاني وقال: فين الولد؟ # حضر وحده من غير ما نطلبه، ولم يطلب منا قرشا! تعرف ليه؟ هو أحب الولد، أحب راجي، ولما ~~حضر قال: اخرجي يا ولية من الغرفة دي واسكني غرفة فيها شمس، لئلا يموت الولد، الولد ~~يموت. # أخرج أروح فين يا جلجل؟ أروح فين؟ أنا معي قرش؟ # وعاد جسمها يتشنج بالبكاء. # وكأن جلجل قد أحس بهذا الحزن الهائج في صدرها، فصاح هو الآخر: ماو، ماو؛ وكأنه يبكي ~~معها. # وارتاحت أم مصطفى إلى بكاء جلجل، ونظرت إليه وقالت: ~~- أنا عارفه، إنت كنت حبيبه، كنت تنام معه كل ليلة. # ثم قصت تفصيلات موته، موت راجي؛ فقد هزل من الإسهال، وهمد، حتى لم يكن يقدر على القعود في ~~فراشه، وكان طول الوقت يقول: ماما، ماما، ثم كان أمر الله ومات. ~~- لما دفناه يا جلجل رجعت أنا للبيت، هنا، وقلت: يا ربي، أنا مت ثلاث مرات، خذني ~~وارحمني! # لكن الله لم يرحمها، فبقيت حية تذكر مصطفى ابنها، ثم فاطمة زوجته، ثم راجي؛ الطفل الحلو ~~الذي كان يمكن أن يكبر ويشتد ويدفنها هو. # ثم مدت يدها إلى كومة من الملابس، فأخرجت قميص ابنها مصطفى فتشممته، وقبلته، ومسحت به ~~دموعها، ووضعته في حجرها، ثم مدت يدها وأخرجت منديل الرأس الذي كانت تلبسه فاطمة، فجعلت ~~تقبله، وتلحس قماشه، وتمضغه، كما لو كانت لقمة تؤكل، ثم نبشت الملابس وأخرجت قميصا ~~صغيرا لا يكاد يملأ يدها، هو قميص راجي، فوضعته على صدرها وضمت يدها عليه وهي ~~تقول: ~~- مصطفى، فاطمة، راجي، يا ربي، أنا مت ثلاث مرات، خذني وارحمني! # كانت أم مصطفى والقط جلجل «عائلة»، كلاهما ينظر إلى الآخر في عطف وحنان وذكريات، وكان ~~بينهما، من وقت لآخر، أحاديث وبكاء ومواء، ولقمة مبللة وجرعة من الماء. # وكان الجيران يسمعون الأحاديث بينهما فيتحسر بعضهم ويتنهد، ويقول بعض آخر إن العجوز ~~تخرف، وكان الصبيان يقفون عند الكوة الصغيرة التي تتصل منها أضواء النهار إلى غرفتها ~~ويستمعون إليها وهي تهذي أو تتحدث إلى جلجل، فيضحكون ms36 ويسخرون. # ومضت الأيام والموت يدب في جسم أم مصطفى، فيثقل ساقيها، ثم يغشي عينيها بالعمى، ثم يفكك ~~خلايا مخها، حتى صارت تخلط أحلام النوم بأفكار اليقظة ولا تميز بينهما. # ولم يعد الجيران يسمعون إلا الهمسات من القبر الذي كانت تعيش فيه أم مصطفى، ثم انقطع ~~الهمس وماتت، وبقي القط جلجل، وكان يموء في الليل أكثر، كأنه كان يبكي، ثم مات جلجل، ~~وانقرضت عائلة كانت تعيش في بدروم في مدينة القاهرة. # الفصل الحادي عشر # | تجربة علمية # يرى النور ولا يحس النار، ويجد المعنى ولا يجد الجسم، وينظر إلى اللؤلؤ في الأعماق ~~البعيدة، ولكنه لا يمس الماء القريب منه! # كان نجيب طالبا في معهد الفنون الجميلة، وكان يدرس الجسم البشري دراسة الفنان الذي يحاول ~~أن ينقل إلى المتفرج ملامح النفس إلى جنب ملامح الجسم، بل هو لم يكن يبالي بملامح الجسم ~~كثيرا؛ فقد كنت أتأمل بعض رسومه فأجد المعنى المستتر أكثر مما أجد الصورة الواضحة، وأحس ~~بالدلالة أكثر مما أحس بالتقاطيع، وأذكر أني نظرت إلى إحدى صوره فسرت في ظهري قشعريرة ~~وقلت له: كأن هذا الرجل يحس ارتعاشا في نفسه. # فقال: هذا هو ما قصدت؛ إني أرسم النفس لا الجسم. # وكنت أراه يرافق إحدى الطالبات، فقلت له: يا نجيب، احذر فتنة الجمال وأنت في هذه السن؛ ~~لأنك في الأغلب تشتهي أكثر مما تحب، وشبابك يحملك على الإعجاب بكل فتاة، ولكن بعد سنين سوف ~~تجد أن الحب يبعث في نفسك ضروبا أخرى من الإعجاب لن تجدها فيمن تعجب بهن في الوقت ~~الحاضر. # فقال: إن إعجابي بزميلتي، هناء، فني؛ فقد أحلت حبي لها إلى فن، بل إني أحاول أن أجعل ~~حبي لها حبا خالدا لا ينطفئ، بقوة الامتناع؛ أنظر على بعد وأتحدث على بعد، وقد وجدت أن ~~اشتغالي برسمها يساعدني على هذا الموقف منها، ثم لا تنس أنها هي أيضا تشتغل برسمي. # وفهمت من نجيب أنه يحب هناء حبا جنونيا، ولكنه يعتقد أن الحب يفسد وينتهي ويموت إذا ~~أطفئ؛ ولذلك يمكن بالامتناع والبعد أن ms37 يعيش هذا الحب، ثم وجد كلاهما أنه عندما يرسم أحدهما ~~الآخر يتجه بكليته إلى استكناه الشخصية التي تستتر خلف الجسم، وينظر من خلال العين إلى ~~ما وراءها، ويحاول أن يفسر المعنى الأزلي في انفراج الشفتين، وأن ينقل إلى المتفرج الدلالة ~~في تطلع الرأس أو انسجام العنق. # وسمعته مرة يقول لهناء وهي ترسمه: ~~«عبرة الرسم وميزته على التصوير الفتوغرافي أن تستخرجي من شخصيتي وأن تبيني ميزات ~~الرجولة التي أمتاز بها؛ فإن الرجال في الظاهر سواء في الرجولة، ولكننا عندما نخترق حجابهم ~~ونتعمق ملامحهم نجد التباين العظيم بينهم: هذا شجاع، وهذا جبان، وهذا حذر متبصر، وهذا ~~طائش أرعن، وهلم جرا. وأنا حين أرسمك لا أبالي أن أنقل نقلا صحيحا عينيك أو أنفك أو ~~صدرك؛ لأن القمرة الفتوغرافية تفعل ذلك، وإنما أنا ألتفت إلى معنى التبصر في عينيك، ~~وإلى معنى الأمومة في ثدييك، وهذا ما يجب أن تفعليه معي أنا؛ ارسمي قلبي وعقلي، ارسمي ~~نفسي». # واستقر نجيب وهناء على هذا الموقف؛ كلاهما ينظر النظرة الفنية إلى الآخر، وفي الوقت نفسه ~~ينأى ويعلو على ما اعتاد الناس من الحب؛ وذلك كي يبقى حبهما حيا مشتعلا لا ينطفئ ~~أبدا. # وبقيا على هذا سنتين، ولم يتم أحدهما رسم الآخر، وكانا يجتمعان كل يوم نحو ساعتين، يترجم ~~كل منهما شخصية الآخر على اللوحة بالريشة والألوان، وهذا مع ما التزمه كل منهما تجاه الآخر ~~من النأي والعلو والاحتجاز. # وقلت: يا نجيب، هذا خطأ، هذا لا يدوم، إنك أزريت بالطبيعة، ورفست الحب بقدمك! # فقال نجيب: ولكنه حب دائم، وبعد سنة أكون أنا وهناء قد تخرجنا، وعندئذ نتغير ~~ونتزوج. # فقلت: ولكن هل من الممكن أن تتغيرا؟ # فقال: وهل في هذا شك؟ # وكنت لحبي لنجيب أحب أن أصدق ما يقوله، فلما انتهت السنة وهنأته بالنجاح هو وهناء، قلت ~~له: الآن كل شيء قد سار على ما تحبانه، وقد أتممتما الرسمين، فهلم إلى الزواج. # وأمن كلاهما على كلامي، وشرعا بعد أيام يتهيئان للزواج، ولكن بعد نحو شهر جاءني نجيب ~~وهو يقول: أنا ms38 منكوب، أنا عاجز عن الزواج، بل إن هناء أيضا تقول إن زواجنا لن يجدي. # ولطمت وجهي عندما سمعت هذ الكلمات، فإن ما خشيته قد وقع؛ ذلك أنهما قد أفسدا حبهما، ~~وأبدلا مجراه الطبيعي مجرى آخر، هو المجرى الفني؛ فقد أمضيا نحو ثلاث سنوات يقعد كل منهما ~~أمام الآخر كل يوم، ولكن ليس كما يقعد الشاب أمام الفتاة، وإنما كما يقعد الفنان أمام ~~الصورة أو الرسم؛ ينتقدها ويتعمق معانيها، يرى النور ولا يحس النار، ويجد المعنى ولا يجد ~~الجسم، وينظر إلى اللؤلؤ في الأعماق البعيدة، ولكنه لا يمس الماء القريب منه! أجل، لقد كفر ~~كلاهما بالحب وزيفاه بالفن، وتعودا ذلك! لا، لم يعد نجيب يحب هناء، وإنما صار يحب الرسم ~~الذي كان يرسمه لها فقط، وهذا كان شأنها أيضا معه. # وقلت له: وماذا بقي من الحب؟ # فقال: نحن صديقان. # فقلت: لقد قمتما بتجربة علمية، ولكن الثمن الذي أديتماه فاحش؛ فقدتما السعادة وكسبتما ~~التجربة. # الفصل الثاني عشر # | والدي العزيز # وكان الدور الذي عزفته لنا من تأليف شوبان البولوني، ولم يدخل مخي، ولكن شادية قالت ~~لي إني لم أتعود الأدوار الأوربية، وعندما أتعودها سأتذوقها. # الإسكندرية في أول نوفمبر # والدي العزيز # أرجو أن تكون ووالدتي العزيزة وإخوتي في خير وعافية. # لم أجد أية صعوبة في الالتحاق بكلية الطب، وقد تعرفت إلى بعض الطلبة والطالبات، ~~وبعضهم يتكرم علي ويرافقني آخر النهار، فنجوب الشوارع ونتمتع برؤية البحر. # وفي فرقتنا نحو خمسين طالبا، منهم سبع من الطالبات، وجميعهن من الإسكندرية، وهن ~~يجدن المجاملة الرقيقة من الطلبة، وقد تعرفت إلى واحدة منهن تدعى شادية، وهي ليست ~~جميلة ولكنها ظريفة؛ لأنها عندما تضحك تبرز لها سن تحاول أحيانا أن تخفيها بيدها كأنها ~~تخجل منها، مع أني أعتقد أن هذه السن هي التي تجعلها ظريفة خفيفة الروح. # أرجوك يا بابا أن ترسل إلي عشرة جنيهات زيادة على ما كنت طلبت لشراء الكتب ~~والأدوات. # سامي # الإسكندرية في 25 نوفمبر # والدي العزيز # أشكرك كثيرا على إرسال المبلغ، وأرجو أن تكون ماما قد ms39 شفيت من الرشح، وهي تصاب ~~بالرشح في أول الشتاء من كل عام، تسليماتي الكثيرة إليها. # استغربت كثيرا عندما قرأت خطابك ووجدتك تحذرني من الزواج، وزاد استغرابي أنك ظننت ~~أني أحب شادية، مع أني قلت لك في خطابي السابق إنها ليست جميلة وإنما هي ظريفة ~~فقط! # وأنا بالطبع لا أفكر في الزواج بتاتا، وكيف أتزوج وأنا طالب؟ وحتى إذا رغبت في ~~الزواج فإن هذا لن يكون إلا بعد موافقتك أنت وماما وبعد البحث عن مركز العائلة التي ~~أتزوج منها. # أرجو أن تطمئن من هذه الناحية. # سامي # الإسكندرية في 22 ديسمبر # والدي العزيز # اتفقنا؛ خمسة من الطلبة وثلاث من الطالبات، وخرجنا أمس في نزهة إلى المكس، وهناك ~~قضينا أربع ساعات ونحن نلعب ونتنزه، وكان الطلبة في غاية الخشونة مع الطالبات، وكانت ~~شادية معنا، وعندما رأت أن المزاح يخرج عن حده تجنبت الطلبة وأبدت امتعاضها، والحق ~~أن هذه الفتاة تمتاز بحياء لم أعرفه في جميع من عرفت من الطالبات هنا. # وعندما عدنا إلى الإسكندرية كانت الساعة الثامنة مساء، وكنا في أشد الجوع، وتناولنا ~~أنا وهي بعض السندويتش في محطة الرمل. # وبينما أنا أودعها إذا بوالدها يقابلنا، وقد قدمتني إليه شادية؛ وهو رجل مسن يقارب ~~السبعين، وقد رأيت أن فمه يحوي السن البارزة التي تمتاز بها ابنته، ولم أتمالك أن ضحكت ~~عندما رأيت سنه تبرز وهو يضحك كما تفعل ابنته بالضبط. # وقد دعاني للزيارة، ولكني اعتذرت. # سلامي إلى والدتي وإخوتي # سامي # الإسكندرية في 5 يناير # والدي العزيز # قرأت خطابك، وثق أني مجتهد، وأن دروسي ليست صعبة، وأنا كنت أحيانا أذاكر مع بعض ~~الطلبة، ولكنهم كانوا يهرجون كثيرا؛ ولذلك آثرت المذاكرة وحدي. # ويوم الأحد الماضي دعتني شادية إلى أن أذاكر معها؛ لأنها لم تفهم شيئا في كتاب ~~الكيمياء، وقد ذهبت إلى بيتها وتغديت معها، وكان معنا والدها. # ووالدتها تصغر زوجها بنحو عشرين سنة، وهي سيدة رشيقة متمدنة، والحق أن البيت كله ~~متمدن، وجميع أثاثه أوربي الزي، وكان الغداء خفيفا. # وبعد الغداء عزفت شادية على البيان، ms40 ولم أكن أعرف أنها تعزف، وكان الدور الذي عزفته ~~لنا من تأليف شوبان البولوني، ولم يدخل مخي، ولكن شادية قالت لي إني لم أتعود الأدوار ~~الأوربية، وعندما أتعودها سأتذوقها. # وبعد الغداء خرجت أنا وهي وسرنا معا على الكورنيش، وكان حديثنا عن المحاضرات ~~والسياسة. # وعدنا إلى بيتها وذاكرنا المحاضرات معا، وشرحت لها الصعوبة التي كانت تشكو منها في ~~الكيمياء. # سلامي إليكم جميعا. # سامي # الإسكندرية في 25 فبراير # والدي العزيز # استغربت عودتك إلى تحذيري من الزواج، مع أني قلت إني لا أفكر في هذا الموضوع بتاتا، ~~وعلاقتي بشادية هي علاقة الزمالة فقط. # كانت الإسكندرية هذه الثلاثين أو الأربعين يوما الماضية فريسة للبرد والمطر ~~والعواصف، وقد أنفقت كل ما كان لدي من النقود في شراء بعض الملابس؛ حذاءين وجوارب ~~وكرافتات ومناديل؛ لأني رأيت أن أعنى بهندامي، فأرجوك أن تسعفني بعشرة جنيهات، وأتعهد ~~بأني لن أطلب زيادة في الشهر القادم. # سامي # الإسكندرية في 17 مارس # والدي العزيز # أنا أنتظر مجيئك للإسكندرية بنافذ الصبر؛ وذلك كي تزور عائلة شادية؛ فإني أحب أن يكون ~~بيتنا متمدنا مثل بيتها، مفروشا بالأثاث العصري. ووالله يا أبي، إني لم أعرف امرأة في ~~مثل الأدب الذي تتسم به والدة شادية، وهي تعاملني كما لو كنت ابنها، وتقول لي: إنت أخو ~~شادية. # وقد علمتني شادية العزف على البيان، ومع أني لا أقرأ النوتة كما تقرؤها هي فإني حفظت ~~دور شوبان عن ظهر قلب وأتقنته، حتى إن شادية نفسها تقول إني أعزف هذا الدور بأحسن مما ~~تعزفه هي. # ونحن نجد في المذاكرة هذه الأيام، ونبقى إلى منتصف الليل ونحن نذاكر بينما تكون ~~أمها ووالدها قد ناما. # وقد قالت لي شادية إنها حين تتخرج ستفتح عيادة حرة في الإسكندرية، وإنها لن ~~تتوظف. # والغريب في شادية أنها ساذجة لا تتخذ من الملابس سوى البسيط الذي لا يلفت النظر، حتى ~~الحذاء لا يرتفع على كعب عال، وهي تقص شعرها ولا تضع شيئا من المواد المجملة على ~~وجهها، وشعرها يشبه شعر أمي كثيرا، وأعني أنه ليس ms41 ناعما كل النعومة، وقد اعترفت هي ~~بأن شعري أنعم من شعرها. # سلامي إليكم جميعا. # سامي # الإسكندرية في 31 مارس # والدي العزيز # قرأت خطابك، وقرأت تحذيرك لي للمرة المئة بألا أتزوج إلا بعد أن أتخرج. # وأنا أعاني أوجاعا وآلاما هذه الأيام لا أكاد أطيقها؛ فإن الأرق يستولي علي، ~~وأحيانا أبكي بلا سبب، وقد ساءت معدتي، وأحيانا أنسى أن أتغدى، وبدلا من المذاكرة، ~~أو بعد المذاكرة، أخرج إلى الكورنيش وأسير عليه ساعات وأنا لا أدري ما أفعل، وقد قصدت ~~إلى أحد الأطباء فقال لي إن في معدتي حموضة، وكتب لي عن الدواء، وأنا أرجو أن أشفى ~~قريبا. # سامي # الإسكندرية في 12 أبريل # والدي العزيز # أرجو أن تسامحني، لم أطق الصبر. # تزوجت شادية، وأنا أقيم في بيت والديها، ونذهب كل يوم معا إلى الكلية، وستحتاط هي ~~حتى لا تحمل، وسنبقى بلا أولاد إلى أن نتخرج. # أبي، سامحني، سامحني، سامحني. # سامي # الفصل الثالث عشر # | لكن الله يرحمه # ولكن - بالطبع - هذه الذكريات القديمة كانت تأتي في آخر المناقرة، وعندما تحس أن ~~الموضوع الحاضر قد استنفذ كل ما يتحمل من ألوان البيان اللغوي. # كانت للسيدة أنيسة فنون لغوية في المناقرة، وكانت تناقر زوجها في كل وقت؛ في الصباح عندما ~~يتناول القهوة، وعقب الغداء حينما يحب أن يرتاح في سريره، وفي المساء أيضا قبل النوم؛ حتى ~~يحلم برقتها ولطفها، ولكنها كانت تختار وقت القيلولة عندما يكون موضوع المناقرة ~~خطيرا. # وكان زوجها السيد راجي رجلا في الخمسين، موظفا في وزارة الأشغال، حيث كان يؤدي عملا ~~كتابيا تافها، وقد التحق بهذا العمل حين كان عمره ثلاثا وعشرين سنة، وبعد سبع وعشرين ~~سنة لم يزد مرتبه غير أربعة جنيهات، ولم يزد فهمه لعمله، أو لم يتفرع هذا الفهم إلى شئون ~~أخرى تزيد اهتمامه؛ إذ كان عملا متكررا لا يخرج عن ثلاثة دفاتر كبيرة، يملؤها كل يوم، في ~~أعمدة معينة بكل ورقة منها، عما يصل إليه من مراسلات؛ ولذلك، مع أنه كان ساخطا على ضآلة ~~مرتبه، فإنه لم يكن ليجد المبرر ms42 لزيادته، بل إنه كان يتساءل أحيانا: لماذا زادوه أربعة ~~جنيهات مع أن عمله لم يزد؟ # وكان أسوأ ما يسخطه، من حيث لا يدري، أنه كان في تعس ذهني؛ إذ لم تكن له هواية تسري عنه ~~مضض العيش؛ فلم يكن مغرما بقراءة الصحف أو المجلات، ولم يكن مهتما بشئون السياسة، وكان ~~انطوائيا لا يحسن الصداقة ولا يتآلف الأصدقاء، فكان من بيته إلى مكتبه، ومن مكتبه إلى ~~بيته، أو بالأحرى من زوجته إلى مكتبه، ومن مكتبه إلى زوجته! # وكان الجيران والزملاء في المكتب يظنون أنه رجل مستقيم، ولكنه هو كان يعرف نفسه أكثر؛ وهو ~~أنه كان يكابد الحياة مكابدة بلا مسرات، وبلا استطلاعات، وبلا مغامرات. # وكانت زوجته مثله، بل أكثر في مكابدة الحياة؛ لأن السأم كان يخيم على نفسها كما لو كانت ~~غيمة، وكانت تتأمل أحوال الناس فترى الأزواج يرتقون في الوظائف، أو يزدادون ثراء إلا ~~زوجها، هذا الزوج الراكد الذي لا يعرف غير الأكل والنوم. # وكانت السيدة أنيسة تحس احتقارا لزوجها، ولكنها لم تكن تعرف علاجا يجعله ينتقل من ~~الركود إلى الحركة والارتقاء؛ ولذلك كان هذا الاحتقار يتجسم أحيانا في سباب جنوني، حتى ~~لقد كانت تصفه بأنه بقة يمص دمها، وأنه نحلة تلسع جلدها، وكان المسكين ينظر إليها وهو ~~صامت؛ اعتقادا بأن صمته يخفف من توترها. # وكان الموضوع الذي يتكرر في المناقرة أن ابن عمها كان يريد أن يتزوجها، ولكنه هو جاء ~~لنحسها، وآثرته أمها عليه فتزوجها، مع أن ابن عمها الآن يبلغ مرتبه ضعف مرتب زوجها. # وكذلك لم تكن تنسى أن أمه؛ أم زوجها، التي ماتت قبل خمس سنوات، كانت تعاكسها، وكان كل ~~الناس يقولون له انفصل أنت وزوجتك عنها، ولكنه لم ينفصل. # لقد عاشت مع أمه أكثر من عشرين سنة وهي في عذاب، ولم يرحمها هو، ولم ينفصل. # ولكن - بالطبع - هذه الذكريات القديمة كانت تأتي في آخر المناقرة، عندما تحس أن الموضوع ~~الحاضر قد استنفد كل ما يتحمل من ألوان البيان اللغوي! # وكان الموضوع الحاضر أن أخته قد زارتهم، ms43 وأنها؛ أي السيدة أنيسة، كانت قد طلبت من زوجها ~~ألا يزورها، وأنه لو كان قد استمع لكلامها لما زارتهم، وها هي قد جاءت أمس فجعلت تنتقد كل ~~شيء، فقالت: إن زجاج النوافذ يحتاج إلى تنظيف وجلاء! بل دخلت المطبخ وسألت عما فيه، ولم ~~تنس أن تقول: إن البصل قد فسد من الرطوبة، وأنه يجب أن يوضع في الشمس! ما شأنها هي؟ ولماذا ~~تأتي إلى بيتنا؟ وهل ذهبت هي إلى بيتها ودخلت مطبخها؟! # هل ماتت أمه وجاءت أخته كي تكون حماتها بدلا منها؟! # وكان السيد راجي معتادا على هذه المناقرات، وكان يخفف من حدة زوجته بالنكتة أو الكلمة ~~الرقيقة، ولكنه في هذا اليوم جاء متعبا من مكتبه، فتناول غداءه وهو صامت، وآوى إلى سريره ~~يريد الراحة. # وما هو أن انتهت السيدة أنيسة من تناول غدائها حتى هرعت إليه، وقعدت على كرسي إزاء ~~السرير، وشرعت تعيد عليه بضعة ألحان قديمة بمناسبة بضع حوادث حديثة؛ لأن الشيء بالشيء ~~يذكر. # فقد حدث صباح اليوم أنها عرفت أن خادمتهم السابقة، التي تركتهم منذ سبعة شهور، تخدم هذه ~~الأيام في بيت شقيقه، وأنها؛ أي السيدة أنيسة، كانت قبل ثلاث سنوات قد طلبت استخدام «أمينة» ~~التي كانت قد خرجت من بيت ابن عمه، ولكنه؛ أي زوجها، استنكف وقال لها: لا يجوز لنا هذا؛ لأن ~~زوجة ابن عمي ربما تعتب علينا. # والآن ماذا يقول؟ ها هي خادمتهم القديمة تخدم الآن في بيت شقيقه، لماذا لم يستنكفوا ~~هم؟! # إن معيشتها معه عناء وعذاب، ولو أنه كان يحبها لكان يسمع كلامها، ولكنه لا يحبها. # وكان زوجها مستلقيا على السرير لا يتكلم، وزاد هذا من غضبها، فأعادت كلامها وارتفع ~~صوتها، وكانت معتادة أن تجد الكلمة اللطيفة التي تخفف من حدتها، ولكن زوجها هذه المرة لم ~~يرد، بل بقي صامتا. # وصاحت به، بعد أن تعبت: لماذا لا يرد؟ لماذا لا يقول الحق؟ ولماذا تعيش معه في هذا ~~الذل؟ # ولكنه لم يرد. # ونهضت السيدة أنيسة وهي حانقة مجنونة، وهزته وهي تقول: رد! رد ms44 علي. # ولكنها أحست فيه جمودا غريبا، حتى صار جسمه كله يتأرجح يمنة ويسرة وهي تهزه، ففزعت ~~وتراجعت للوراء، ونادت الخادمة، وجعلت الاثنتان تهزان السيد راجي، ولكن بلا جدوى؛ لقد ~~مات. ~~••• # وبعد خمس سنوات كانت بالبيت زائرة، وجرى الحديث عن السيد راجي، فقالت أرملته السيدة ~~أنيسة. ~~«كان دائما يعاكسني ويناقرني، حتى ساعة موته، قعدت ألاطفه وأسليه بالحديث ، فلم يرد ~~علي، ولكن الله يرحمه»! # الفصل الرابع عشر # | العمارة ليست ملكه # عمارة لم تكن لتزيده أمانا في الدنيا، أو صحة في الجسم، أو حكمة في العقل، أو رفاهية ~~في العيش. # كنت قاعدا على قهوة جميلة في الجيزة، وكان الحر لا يطاق، وراقني منظر الكوب الممتلئ ~~بالماء المثلج والذي تكاثفت رطوبة الجو على سطحه الخارجي بما يشبه الضباب، وأحسست ارتياحا ~~إلى هذا المنظر، فجعلت أتمزز الماء من غير عطش، وأنا ألتذ برودته، وأحس كأن حر الجو قد ~~خف. # وشربت القهوة في أناة وتبلد واسترخاء، وجعلت أتأمل نضرة الأعشاب وجمال الصبيان الذين ~~يلعبون حول الموائد، وبينا أنا كذلك إذا بثلاثة قد دخلوا وقعدوا إلى مائدة جواري، وكان ~~أحدهم شيخا سمينا معمما يكاد الدم يثب من وجهه، وكان معه اثنان من الأفندية، وقد اتضح لي ~~من حديثهم أنه مقاول ثري يملك عدة عمارات في القاهرة، وأن هذين الاثنين من مستخدميه، وكان ~~صوته يعلو في غضب، ويده تدق المائدة وهو يجادل هذين العاملين اللذين يبدو أنهما قد أهملا ~~بعض شئونه بحيث قد أدى هذا الإهمال إلى احتمال ضياع إحدى العمارات، وقال: ~~- لو أنكم كنتم قد احترستم في كتابة العقد بيني وبين الشيخ مصطفى لما كنا وقعنا في هذه ~~القضية التي ربما نخسرها اليوم، أعوذ بالله يا ربي! خسارة 15 ألف جنيه، من يطيق هذا؟ وأنتم ~~السبب؛ لو كنتم احترستم في كتابة العقد. # وكان الأفنديان العاملان عنده يخففان عنه، وقال أحدهما وهو يتضاحك: ~~- والله يا شيخ محمد الدنيا بخير، إنت عندك خمس عمارات غيرها، إيراد كل واحدة منها فوق ~~المئة من الجنيهات كل شهر، أكبر من مرتبات ثلاثة ms45 وزراء، افرح يا شيخ واتهنا. # ولكن الشيخ محمد بدلا من أن يفرح حمي وغضب، ورأيت يده وهي ترتعش وتضرب المائدة من جديد ~~بعنف، وهو يقول: ~~- أنا أئتمنه وهو يخونني؟! الشيخ مصطفى كان عاملا عندي قبل عشرين سنة، وكان يشكر الله ~~على أني كنت أعطيه ثلاثة جنيهات في الشهر، ثم جعلته شريكا لي بقيمة العشر، ثم الخمس، ثم ~~النصف في المكسب، حتى اغتنى وأصبح مقاولا مثلي! أنا انتشلته من الفقر إلى الغنى، أنا جعلته ~~من الأعيان، أنا يخونني ويكتب العقد كي يخطف العمارة مني؟ هل هذا شرف؟ هل هذا عدل؟! # وهنا قال له أحد الأفنديين: ~~- إنت عندك خمس عمارات، تبكي على السادسة ليه؟ حتى لو خسرتها اليوم إنت غني عنها! # وهنا زاد غضب الشيخ محمد، فرفس بقدميه، وضرب المائدة، وقال: ~~- أخسر القضية ليه، أخسرها ليه؟ أنا صاحبها، والله لو خسرتها هذا اليوم ليكون بيني وبين ~~الشيخ مصطفى دم، دم، دم. # وعاد الأفندي الآخر يهدئ من روع الشيخ محمد ويخفف عنه، ولكن الشيخ محمد كان ينتفض على ~~كرسيه، ويده ترتعش، وقدماه تحفران الأرض، ويكاد الدم المحتقن يمزق وجهه ويطفر ~~منه. # وفهمت أن القضية معروضة هذا اليوم أمام المحكمة في القاهرة، وأنهم ينتظرون تليفونا عن ~~الحكم. # ولم يمض قليل حتى جاء الجرسون وهو يقول: الشيخ محمد بك، تليفون. # ونهض أحد الأفنديين، وغاب لحظة عاد بعدها وهو ساهم منكس الرأس، وهو يقول: ~~- خسرنا القضية، وحكم لمصلحة الشيخ مصطفى. # وهنا رأيت منظرا ملأني كراهة ورحمة معا؛ فإن وجه الشيخ محمد احتقن، وغشيته زرقة، وجعل ~~ينتفخ، ثم رفس ووقع على الأرض كأنه حيوان مذبوح، وانتفضت أنا وأنا أصرخ: ماء بارد، ماء ~~بارد! # وجعلنا نصب الماء على وجهه، وفككنا أزراره، وأغرقناه بالماء البارد، وتركنا أحد الأفنديين ~~إلى المدينة يبحث عن طبيب، وصرنا نهز الشيخ محمد، ونقعده، ثم نلقيه على ظهره، ثم نفعل ~~العكس، ولكن بلا أية فائدة، فإن المسكين كان قد مات بالنقطة أو بالسكتة، لا ندري. # وجاء الطبيب، فصدق على موته، وحمل المسكين جثة جامدة، وعدت ms46 أنا إلى مائدتي، وجعلت ~~أنظر إلى المائدة التي كان عليها هؤلاء الثلاثة، وأتأمل هذا الشيخ محمد، السمين، الدموي، ~~الذي يملك خمس عمارات، قد باع حياته كلها من أجل عمارة لم تكن لتزيده أمانا في الدنيا، أو ~~صحة في الجسم، أو حكمة في العقل، أو رفاهية في العيش. # وكان جسمي لا يزال ينتفض، وحاولت أن أشرب قليلا من الماء، ولكن يدي ارتعشت، فتركت الكوب ~~وأنا أقول: ~~- حرام عليك يا شيخ محمد، أيتمت أطفالك بطمعك وسوء عقلك، رحمة الله عليك! هذه الدنيا، هذه ~~الدنيا! # الفصل الخامس عشر # | إلى المعاش # أربعون سنة من عمره وهو قاعد إلى مكتبه يؤدي الأعمال التكرارية الكتابية كل يوم، ~~وكانت ساقاه قد عرفت الروماتزم، وكان قلبه قد تضخم بالشحم، وكان فمه خلوا من سن ~~طبيعية. # كان حسن أفندي موظفا بمكتب البريد في كفر الزيات، وكان قد قارب سن المعاش؛ فهو يتوق إلى ~~اليوم الذي يجد نفسه فيه حرا لا يرتبط بمواعيد الصباح وبعد الظهر بالمكتب؛ وذلك حين يحال ~~على المعاش. # وكان يتردد على المكتب صعلوك من أولئك الصعاليك الشعراء الذين يجولون في شوارع المدن، ~~ويتسكعون على أبواب المكاتب والمتاجر، ولم يكن يملك قرشا واحدا، ولكنه كان يعرف جميع ~~الذين يملكون القروش في كفر الزيات؛ يزورهم ويأكل على موائدهم و«يقترض» بعض نقودهم، ولم يكن ~~أحد من هؤلاء المتيسرين يكره لقاءه؛ لأنه كان على الدوام يحمل من الأخبار، ويروي من النكات، ~~عن أعيان البلدة ما يجعله محببا إلى القلوب. # وكان هذا الصعلوك، الذي كان يسميه جمهور عارفيه «غراب»، يتردد أيضا على حسن أفندي، وكان ~~يفرض عليه الضريبة التي يفرض مثلها على من يعرفهم في كفر الزيات، وكان عقب انتهاء العمل في ~~مكتب البريد، حين يخرج حسين أفندي إلى القهوة، يوافيه هناك ويقعد إليه يتحدث معه عن السياسة ~~والقيل والقال. # وكان غراب شاعرا وفيلسوفا معا؛ فقد انتهى إلى أنه يستطيع أن يستغل مواهبه في الحديث، ~~ومعارفه عن العيش، كي يعيش هو، ونجح في ذلك؛ فإن وجباته كانت مكفولة، كما كانت ملابسه ms47 ~~محفوظة له عند جميع الذين يشترونها، فما هو أن يمر عليها عام أو عامان حتى يكون هو قد ~~«استعارها» منهم، ولكن العارية عنده لا تعود إلى صاحبها! # ولم تكن غزواته مقصورة على كفر الزيات؛ فإنه كان أحيانا يسأم المقام فيها ويخرج منها إلى ~~زيارة «أصدقائه» في دمنهور، وكفر الدوار، وطنطا، وشربين، وغيرها، وكان أحيانا يسير إلى هذه ~~المدن على قدميه بين الحقول، وأحيانا يركب القطار. # وكان يصف نفسه بأنه «شاعر»؛ لأنه كان من ناحية يروي أبياتا رائعة لحافظ وشوقي، ومن ناحية ~~أخرى كان يؤلف أبياتا من الشعر موزونة، أو كالموزونة، بحيث يحوي البيت أحماضا تلسع وتكوي ~~إحدى الشخصيات التي تكون قد بخلت عليه. # ولم يكن يفوته عدد من الجرائد أو المجلات التي تستحق القراءة؛ فإنه كان يستعيرها ويعنى ~~بردها، على خلاف عاداته في الاستعارة. # وأصبح غراب شخصية مغبوطة عند البعض، ومحتقرة عند البعض، أو كان أصدقاؤه يحتقرونه، ولكنهم ~~كانوا يكنون له حسدا؛ لأنه يعيش ويستمتع بالدنيا بلا كد وبلا مواعيد وبلا مسئوليات ~~وبلا هموم. ~~••• # وأتم حسين أفندي الستين، وأحيل على المعاش، وودع زملاءه في المكتب وخرج، وتلقاه غراب ~~وهنأه، ودعا له بطول العمر، وقصد الاثنان إلى القهوة حيث قعدا أكثر من ساعتين، وكان حسين ~~أفندي فرحا بهذه الحياة الجديدة، وكان يمني نفسه أيام العمل بالمكتب بأنه سيحيا عقب ~~الإحالة على المعاش كما يحيا غراب، بل إنه سوف يستمتع بشيخوخته أكثر من غراب؛ لأنه لن يحتاج ~~إلى أن يذل ويستجدي الطعام والشراب كما يفعل غراب. # ولكنه كان يقارن بينه وبين غراب، مع فارق كان يجهله؛ ذلك أن غراب، الذي كان قد تجاوز ~~الستين، كان لا يزال شابا في صحة الجسم وتنبه العقل؛ فإن حياة الصعلكة والتجوال التي ~~عاشها كانت بمثابة الرياضة البدنية والذهنية التي تديم الشباب، أما هو فقد قضى أربعين سنة ~~من عمره وهو قاعد إلى مكتبه يؤدي الأعمال التكرارية الكتابية كل يوم، وكانت ساقاه قد عرفت ~~الروماتزم، وكان قلبه قد تضخم بالشحم، وكان فمه خلوا من سن طبيعية! # وكان ms48 حسين أفندي أيضا يعجز العجز كله عن أن يؤدي أي عمل يشغل به حياته بعد المعاش؛ فلم ~~يكن أمامه غير الترداد على القهوة طيلة النهار وبعض الليل، يتأمل المارة، أو يلعب ألعاب ~~الحظ السخيفة. # ومع أنه كان فرحا ببلوغه سن التقاعد، فإنه لم يمض عليه ثلاثة شهور حتى كان قد سئم هذا ~~الركود، فكان يستيقظ في الصباح، ويقعد على سريره، وينظر ساهما إلى جدار الغرفة ويقول: هل ~~هذه حياة؟ إلى أين أخرج؟ إلى القهوة؟ وماذا أفعل؟ كما فعلت أمس وكما سوف أفعل في الغد؟ في ~~كل يوم؟ أتأمل المارة ولعب الطاولة؟ وهل أبقى على هذه الحال إلى أن أموت؟ عشر سنوات؟ ~~عشرين سنة؟ هذا هو البؤس! # وجعل يتأمل حال غراب؛ إن غراب نشيط، نحيف، طروب، يتنقل من قهوة إلى قهوة، ويؤانس الناس ~~ويضاحكهم، وهم يقدمون له الطعام والشراب راضين، بل هو ينتقل من بلدة إلى أخرى ضيفا على كل ~~من يلاقيه، والجميع يحبونه ويستخفون ظله، أما هو فإنه مقيد بالروماتزم لا يستطيع أن يمشي ~~مئة متر حتى يكون قد لهث وعرق. # إنه بلا شك أصغر سنا من غراب، إذا كان العمر يقاس بالسنين، ولكن غراب يستمتع بالشباب ~~كما لو كان في سن العشرين. # ثم يعود إلى نفسه وهو في حسرة الأسف ويقول: لماذا لم أتعلم فنا أو تجارة أمارسها وأشغل ~~بها وقتي؟ لماذا لم أتعود الرياضة حتى أستعد لهذه الشيخوخة؟ أنا لست في المعاش، أنا في ~~المرض! # وخرج ذات صباح مبكر وقصد إلى القهوة التي لم يكن الخادم قد هيأ كراسيها بعد، فانتحى إلى ~~كرسي متطرف، وقعد يجتر سأمه في ذهول، وإذا بغراب يحييه تحية الصباح في ضحك كأنه عصفور ~~يغرد، وأخبره بأنه مسافر إلى دمنهور لقضاء يومين أو ثلاثة أو أسبوع، لا يعرف. # وبعد أن شرب غراب معه القهوة نهض وسلم مودعا. # وتأمله حسين أفندي وهو يسير في خفة وسرعة، كأنما يرقص، وكأنه لا يحس أثرا لشيخوخته، ~~فامتلأ قلبه غيظا من نفسه وحسرة عليها، ثم صمت وحاول أن يفكر. ms49 # وبعد قليل، قال كأنه يخاطب شخصا آخر: ~~- كنت موظفا محترما، وكان هو صعلوكا شحاذا، أما الآن فإني طريد الدنيا وهو خطيبها؛ ~~إنه ينتظر الحياة وأنا أنتظر الموت! # الفصل السادس عشر # | صوت الشيخ # كنت أقرأ آلام نفس مصرية، هي واحدة من شعب حاول أن يرتفع من العبودية إلى البشرية، ~~ولكن المستبدين والمستعمرين أبوا عليه ذلك! # عندما رأيت صورته المعلقة إلى الحائط مثلت أمامي حياته الماضية، ولكني عندما تأملت ~~وفاته وقفت مترددا أيهما كان أجمل وأكثر عبرة: حياته أم مماته؟ # فقد دعاني صديقي إلى زيارته في منزله القديم في عابدين، فلما دخلت المنظرة؛ أي غرفة ~~الضيوف المجاورة للباب، وجدت هذه الصورة، وكانت لرجل في السبعين أو حوالي ذلك ... ووقفت ~~أتأمله طويلا؛ فقد نقلت صورته وهي خالية من هذه اللمسات العصرية التي تحيل كلامنا أمام ~~العدسة الفتوغرافية إلى بطل، فكان رأسه منحنيا، والغضون تملأ وجهه، وفي عينيه هم يرزح به ~~وكأنه لا يطيقه، وسألت صديقي عنه، فقال: هو أبي، مات في 1908، في السبعين أو الثانية ~~والسبعين. # وزادني هذا الكلام إكبابا على الصورة، وقلت في نفسي: مات في السبعين في 1908؛ أي إنه ولد ~~في 1840 قبل نهاية ولاية إبراهيم ومحمد علي بثماني سنوات، رأى أول خط للسكك الحديدية، ورأى ~~افتتاح قناة السويس، ورأى ثورة عرابي، ورأى فظيعة دنشواي، يا له من تاريخ! لو أن هذا الرجل ~~كان قد كتب لنا تاريخ حياته، وذكر لنا ما انطبع في نفسه منها، لكانت لنا من هذه الحياة ~~ذكريات ممتعة أليمة، كنا نعيش بها في السنين الماضية، ونقرأ بها تاريخ آبائنا ~~وجدودنا. # وعدت أتأمل الصورة، وجاءت القهوة، ولكني بقيت مكاني أتأمل هذا التاريخ القديم، وأقرأ في ~~العينين والفم والجبهة، وفي هذا الانحناء بالرأس الذي يشبه الاستكانة والتسليم - كنت أقرأ ~~آلام نفس مصرية، هي واحدة من شعب حاول أن يرتفع من العبودية إلى البشرية، ولكن المستبدين ~~والمستعمرين أبوا عليه ذلك! # وصارحت صديقي بإحساساتي، فقال: إذا كنت تتأمل صورته وتفكر في كل هذا الذي مر بحياته فاسمع ~~إذن وتأمل في ms50 مماته. # قلت: مماته؟ وماذا يكون في الموت؟ لقد استلقى على سريره ثم فاضت، هذه مسألة ساعة أو ~~يوم. # قال: لا، إنه كان يحب الشيخ سلامة حجازي. # قلت: وأنا أيضا كنت أحبه. # قال صديقي: إن لموته قصة تحب أن تسمعها؛ ففي ذات يوم من 1908، وكنت أنا في العاشرة من ~~عمري، وكانت أمي لا تزال حية، استيقظ في الصباح وقال إنه رأى الشيخ سلامة حجازي في نومه، ~~وإنه وبخه وعتب عليه أن يوافي الموت قبل أن يودعه، ثم بكى. # قلت: خرف الشيخوخة؛ المسنون يبكون بسهولة لأقل الأسباب. # فقال صديقي: أبي لم يخرف بتاتا، بل مات وهو في كامل عقله وسلامة تفكيره؛ فإنه مسح دموعه ~~وقال مثلما قلت أنت إن بكاءه خرف، ولكنه في صباح اليوم التالي استيقظ وهو يقول: لم أعد أطيق ~~هذا، ولما سألناه عاد إلى البكاء وهو يقول: الشيخ سلامة حجازي جاءني مرة أخرى في الحلم وقال ~~لي: كيف تموت قبل أن تراني؟ أهذا وفاء؟! # ومع أني، أنا وأمي، كنا قد تلقينا الحلم الأول بالإهمال والاستهتار فإن هذا الحلم الثاني ~~قد أثار فينا الاضطراب، فقالت أمي لي: اسمع يا إسماعيل، هذا المساء تذهب مع أبيك لحضور ~~الشيخ سلامة. # وفي المساء ذهبنا، ونحن لا نعرف أية «رواية» سنسمع، ودخلنا، وقعدنا في صف أمامي، وقعد أبي ~~وكله آذان يستمع لأغاني الشيخ. # وانطلق الشيخ سلامة يغني وكأنه عصفور قد خرج وانطلق من القفص الذي كان محبوسا فيه وصار ~~يغرد، وصرت أحس كأن الجدران والسقف والأرض كلها تغني، وكانت قلوبنا تخفق ونحن في طرب يهزنا ~~جميعا، وقال لي أبي: في حلقي بكاء، ولكني لن أبكي. وتماسك أبي حتى خرجنا، وركبنا الحنطور ~~وهو يقول: الحمد لله، الآن أموت مرتاحا! # وانطلق الحنطور بنا إلى البيت، وكنا في منتصف الليل، والقاهرة هادئة نائمة مظلمة، والجو ~~بارد طري، فانطلق أبي بالبكاء، وكانت دموعه غزيرة حتى لأحسست كأنه يريد أن يخرج كل ما في ~~نفسه من حزن ويسكبه على صدره. # فقلت له: أبي سنذهب غدا ونرى رواية أخرى للشيخ ms51 سلامة. # ولكن أبي قال: لا، حسبي هذا، لقد شبعت، الله يطيل عمرك يا شيخ سلامة! وتنهد واستراح وكف ~~عن البكاء. # ودخلنا البيت، وتقبلت أمي أبي ضاحكة كما لو كانت تتقبل طفلا قد عاد بعد أن اشترى ~~لعبة، وضحك أبي ودخل ناشطا إلى سريره ونام. # واستيقظت في الصباح فوجدتهما؛ أبي وأمي، يشربان القهوة، وأبي يقص عليها ما رأى وما سمع ~~في المساء السابق، وكان في نشوة واضحة وفي طرب لا يكاد يطيقه. # ودخلت إلى غرفتي لألبس ملابسي استعدادا للخروج، ولكني قبل أن أخرج قصدت إلى أبي حيث كنت ~~قد تركته، ولكني وجدت أنه قد آوى إلى فراشه. # وقالت أمي إنه قال إنه يريد أن يرتاح. # وخرجت مطمئنا، ولكن لم أكد أسير خطوات حتى أحسست كأن سيفا يقطع رأسي ويقول: ~~أبوك. # ووقفت وأنا أرتعش، ثم هرولت عائدا إلى البيت، وما إن دخلته حتى سمعت صراخ أمي: يا ~~حبيبي. # ووقفت أمام جثمان أبي وأنا جامد أخرس، ثم نطقت، وقلت: الحمد لله! لقد سمع أمس صوت الشيخ ~~سلامة. # الفصل السابع عشر # | رؤيا # ما أغرب هذه الحياة! الناس يقولون إن الزوجة تفرح عندما تموت حماتها، ولكن «رؤيا» تصف ~~حماتها في النعي بأنها أمها! # لما قرأت النعي في جرائد الصباح كذبت عيني؛ فقد وقفت عند هذه السطور: # أنعي إلى أصدقائنا أمي العزيزة «نعمى» التي سعدت بحياتها ثلاثين سنة، وسأسعد ~~بذكراها إلى يوم وفاتي. ~~«رؤيا» # وكنت أعرفهما، وأعرف السيدة المتوفاة نعمى، لم تكن والدة رؤيا وإنما كانت حماتها، وأعرف ~~أيضا أن عمر رؤيا لا يقل عن خمسين سنة، ولو كانت السيدة نعمى والدتها لقالت إنها هنأت ~~بحياتها خمسين سنة بدلا من ثلاثين. # وجعلت أتأمل النعي وأعود إلى قراءته، وقلت: ما أغرب هذه الحياة! الناس يقولون إن الزوجة ~~تفرح عندما تموت حماتها، ولكن رؤيا تصف حماتها في النعي بأنها أمها! # ولا بد أن القارئ قد استغرب هذين الاسمين: نعمى ورؤيا؛ فإننا قلما نجد الاسم الأول في ~~مصر، أما الثاني فلا نعرفه، ولا نذكر أنه يطلق على فتاة مصرية. ms52 # والواقع أنهما كانتا غريبتين؛ فإن السيدة نعمى كانت فلسطينية، وكانت قد جاءت مع زوجها ~~وولديها إلى مصر قبل خمسين أو ستين سنة، ولما كبر ابناها وبلغا سن العشرين، أو حوالي ذلك، ~~فكرت أمهما في زواجهما، وكان أبوهما قد مات، وقصد الشابان إلى فلسطين كي يتزوجا من أقارب ~~عائلتهما، ولكنهما لم يجدا في أقاربهما الفتاتين المنشودتين. # وبينما هما يهمان بالرحيل للعودة إلى مصر وجدا جمالا وخياما بالقرب من القرية التي ~~كانت وطن أبويهما، فقصدا إليها للتفرج، وعرفا أن إحدى القبائل التي تضرب في جنوب فلسطين ~~قد حضرت للنجعة، وأنها هي التي تملك هذه الجمال والخيام، فجعلا يتخللان الخيام ويتصفحان ~~الوجوه، وكانت وجوها سافرة صريحة للرجال والنساء. # ورأى كلاهما فتنة وجمالا في هؤلاء النساء البدويات، فجعلا يتحدثان إليهن، ويعجبان ~~برقتهن، ويجدان حلاوة في لهجتهن العربية؛ فقد كان فيها من اللحن والغنة والمد ما يشبه ~~الدلال والغنج. # ولم يبرحا فلسطين إلا بعد أن تزوج كل منهما فتاة من هذه القبيلة، وعادوا جميعا إلى ~~مصر. # وفرحت أمهما بزواجهما، ووجدت في تعليم هاتين الفتاتين أساليب المتمدنين ما ملأ فراغها ~~بالضحك والسرور؛ فقد كانت أخطاؤهما بدوية: أخطاء الفطرة التي لا تعرف شيئا من التمدن ~~ومركباته في السلوك والتصرف. # وكان الجميع يعيشون معا؛ الأم وابناها وزوجتاهما، ومع أن الحظ لم يسعد ابنيها بإنجاب ~~الأطفال فإنهم كانوا يسعدون بالعشرة والألفة، وكان البيت يخيم عليه السلام، وتعم أفراده ~~الصداقة الحميمة، وكانت الأم مركز الحب والحنان للجميع. # ثم دخل الموت هذا البيت؛ فمات الزوجان واحدا بعد آخر في حمى التيفوئيد التي لم تمهل ~~كلا منهما أكثر من عشرين يوما. # وعم البيت ذهول وصمت ووجوم، كأن الأم وزوجتي ابنيها، أو بالأحرى أرملتيهما، قد نسين ~~الكلام؛ فكان التفاهم بالإشارة، وكانت وجبات الطعام تنسى، وكان الليل يقلقه بكاؤهن، كل ~~منهن في غرفتها. # ومضى شهران، وقعدت نعمى في الصباح أمام زوجتي ابنتيها، ثم بكت، ونهضت فغسلت وجهها وعادت ~~إلى مكانها كأنها قد صممت على شأن، وأخذت أنفاسها وقالت لهما: ~~- كل شيء بإرادة الله يا ms53 ابنتي، الله أراد، لقد مضى على وفاة ابني شهران، وأنتما في ~~الشباب، فلتذهب كل منكما إلى أمها، ولتنشد زوجا، ولتبدأ حياة جديدة، وهذا حكم الله الذي لا ~~يرد، وهذا عرف الناس الذي يسيرون عليه، اذهبا تزوجا، وليبارك الله عليكما، وليعطكما ما ~~حرمكما مع ابني. # ولطمت الفتاتان وجهيهما، واستمر البكاء، وصار ثلاثتهن في مناحة. # ومضت أيام، والسيدة نعمى تحض الفتاتين على ترك بيتها، واستجابت إحدى الفتاتين إلى طلبها، ~~وتركت البيت، وعادت إلى أهلها في جنوب فلسطين، ولكن رؤيا أبت ترك حماتها، ورضيت أن تنزل عن ~~الزواج كي تعيش معها، وقالت رؤيا: ~~- هنا بيتي، هنا ذكرياتي؛ ابنك كان ينام معي في هذه الغرفة، سأبقى حتى أموت، أنام على ~~المخدة التي كان يضع رأسه عليها، وألتحف بلحافه، وأشرب من كوبه، لا أستبدل بذكراه آخر، ~~وسأعيش معك حتى يقضي الله بما يشاء. # وبكت الاثنتان وتعانقتا، وعاشت رؤيا مع حماتها عشرين سنة، بعد عشر سنوات مع زوجها، وهذا ~~هو المعنى الذي قصدت إليه حين كتبت في النعي إنها سعدت بحياة أمها نعمى ثلاثين ~~سنة. # وقاربت نعمى الثمانين من العمر، وأحست دبيب الموت، فجعلت تفكر في مستقبل رؤيا، وتتوسل ~~إليها كي تتزوج، ولكن رؤيا كانت قد بلغت الخمسين، وأين تجد الرجل الذي يتزوج امرأة في ~~الخمسين؟ # وكانت رؤيا تأبى التفكير في الزواج، وتقول: لا تخشي شيئا يا أمي بعد وفاتك؛ فإني لن أعيش ~~بعدك أسبوعا أو أسبوعين، نحن حياة واحدة، ويجب أن نبقى كذلك إلى أن نموت. # ولكن نعمى كانت، كلما أحست أنها تقترب من قبرها، تعود إلى التفكير في هذه الفتاة؛ لا بد ~~أن تتزوج، وكانت تبكي وتتوسل إليها. # وكانت نعمى تعرف رجلا من معارف زوجها، وكانت سنه تتجاوز الستين، فبعثت إليه وحضر من ~~فوره، وعرضت عليه نعمى الزواج من رؤيا، وقبل. # ونهضت نعمى إلى غرفة رؤيا، وألبستها، وعطرتها، ورجلت شعرها، وجاءت بها إلى هذا الذي ~~رشحته لزواجها، وعادت رؤيا شابة بها فتنة وسحر، وقعدت يتأملها خطيبها وقد أشرق وجهه ~~بالسرور. # وتم الزواج، بعد أن ms54 قبل الشرط الوحيد الذي شرطته رؤيا، وهو ألا تبرح منزل أمها نعمى، ~~وقبل زوجها هذا الشرط، وعاش ثلاثتهم شهورا إلى أن ماتت نعمى وهي هانئة بهناء ~~رؤيا. # الفصل الثامن عشر # | اختلفوا على الجهاز # ... ووجدتهم جميعا ساهمين صامتين، كأنهم في مأتم وليسوا في عرس، وعندما قلت السلام ~~عليكم لم أسمع رد التحية إلا من ثلاثة أو أربعة! # كنت موظفا في مركز بمديرية الغربية، وكنت على أحسن وأسعد ما أحب، ولكن المعاكسات الصغيرة ~~التي يعتادها الموظفين جعلت مقامي في هذا المركز جهنم؛ فإن زميلا لي كان قد جعل دأبه أن ~~يناقرني مناقرة الضرتين، وكان يمشي بالنميمة بيني وبين زملائي من سائر الموظفين، وانتهيت ~~إلى أنني يجب أن أسعى وأنتقل إلى مركز آخر، وكانت وظيفتي صغيرة، فلم يكن انتقالي صعبا؛ لأن ~~أمثالي يعدون بالمئات في المراكز، ويسهل الاتفاق مع أحد الموظفين على أن نتبادل مكانينا، ~~ووجدت هذا البدل بسرعة موفقة، وكان المركز الذي نقلت إليه في مديرية البحيرة نائيا نحو ~~الصحراء الغربية. # ومع أني وجدت صعوبات غير قليلة في المسكن والمأكل، فإني وجدت بعد نحو شهر سيدة أرملة ~~تؤجر الدور الثاني من منزلها بأجر صغير، وعاينت المكان، ودرست الوسط، ووجدت أنه يوافقني، ~~ونقلت كل ما أملك من أمتعة إلى مسكني الجديد. # وكانت هذه السيدة الأرملة تشتري لي كل حاجاتي، وأحيانا تطبخ لي ما تشتهيه نفسي، ووجدت في ~~الموظفين الذين تعرفت بهم أنسة جديدة، تقارب الصداقة، لم أكن أعرف مثلها في مركزي السابق في ~~مديرية الغربية. # وكان يزورنا من وقت لآخر في مكتبنا في المركز مزارع يملك نحو عشرة فدادين، وكان ينفق ~~علينا بسخاء ويسهر معنا، وكان يشرب الخمر بلا حساب، وكان مجونه ومزاحه يغلبان على ~~حديثه. # وذات يوم، وكان يوم الخميس، كنت قاعدا في غرفتي أرتاح بعد الظهر، وإذا بالسيدة الأرملة ~~التي أسكن في منزلها قد صعدت إلى غرفتي ودقت الباب، ونهضت وفتحت لها، فبادرتني بقولها: ~~الشيخ حسين أبو محمود في انتظارك تحت. ونهضت، ولبست ملابسي بسرعة؛ لأن الشيخ حسين أبو محمود ~~هذا ms55 هو المزارع الذي ينفق علينا بسخاء. # ونزلت أهرول وأنا أترقب مساء مليئا بالأكل والشرب، وقابلني الشيخ حسين أبو محمود ~~وصافحني في حفاوة مشرفة، وقال لي إني مدعو إلى منزل شقيقه هذا المساء بقريتهم؛ لأن بنته؛ ~~أي بنت شقيقه هذا، ستتزوج هذا المساء، وأجبته بالإيجاب؛ إذ لم يكن من الذوق أن أرفض مثل هذه ~~الدعوة، وسألته إذا كان قد دعا زملائي في المكتب، فقال: إنهم سبقونا إلى القرية، ولكنه جاء ~~خصيصا لي لأني لا أعرف الطريق. # وركبنا عربة يجرها حصان مفرد هزيل، جعل يجرنا في بطء حتى وصلنا إلى القرية نحو الساعة ~~الثامنة من المساء، وكنا في الشتاء، وكان الظلام حالكا والبرد قارسا، ودخلنا البيت ولم ~~يكن هناك من علامات العرس سوى مصباحين كبيرين على الباب، واجتزنا الدهاليز العديدة حتى ~~وصلنا إلى غرفة كبيرة، ودخلنا كلانا فوجدنا نحو عشرين رجلا من الفلاحين والعرب، ووجدتهم ~~جميعا ساهمين صامتين، كأنهم في مأتم وليسوا في عرس، وعندما قلت السلام عليكم لم أسمع رد ~~التحية إلا من ثلاثة أو أربعة. # وقعدت على كرسي قريب من الباب، ثم رأيت الشيخ حسين أبو محمود يخرج ثم يعود، فينادي أحد ~~القاعدين في صوت منخفض ويخرج، ثم يعود فينادي آخر، وأحسست بهرج لم أفهم معناه، وتطلعت أبحث ~~عن أحد زملائي الذين قيل لي إنهم سبقونا فلم أجد أحدا، وقدمني الشيخ حسين أبو محمود إلى ~~شقيقه الذي سيعقد زواج ابنته هذا المساء. # وحدث هرج ثم ساد صمت، ودخل أحد المدعوين وهو ينتفض من الغيظ وهو يقول: خبيث، سافل، لئيم، ~~يستحق الضرب بالرصاص. # وخرج أحد القاعدين وقد أزبد فمه من الغيظ، وهو يصيح: ناس أولاد كلب، عدموا الشرف. # ولم أفهم شيئا من كل هذا، ولكني أحسسن أن الجو لا ينبئ بالفرح والأكل والشرب كما كنت ~~أنتظر، ودخل علي الشيخ حسين أبو محمود، وأخذني من يدي، وخرج بي إلى قاعة بعيدة وقعد إلى ~~جانبي وقال: اختلفوا على الجهاز. # فقلت: أي جهاز؟ # فقال: العريس كان يطلب سريرين وسجادة عجمية، ولكن شقيقي أصر على ms56 سرير واحد وسجادة ~~أفرنجية، وإلى الآن لم يحضر العريس، وقد بعثنا إليه فأقسم بأنه لن يحضر، وكلنا في خجل، ~~وسيعرف أهل القرية كلهم في الصباح أن بنتنا تركها عريسها. # فقلت: هذه والله كارثة! # فقال الشيخ حسين: ليس الأمر كارثة، بل هو العار، نحن فلاحين، لكن فلاحين عرب، والعار ~~سيبقى أبد الأبد لنا ولأولادنا. # فقلت: الأمر لله يا شيخ حسين. # فقال: ألا تصنع معروفا، وتنقذ شرفنا وتتزوج هذه البنت هذه الساعة، ونحل هذه المشكلة ~~بزواجك، ولو بضعة أيام؟ # فكدت أضحك من هذا الاقتراح، ولكنه جعل يرجو ويتوسل ويقول إنه شرف العائلة. # وبينما نحن في ذلك وإذا بفتاة، أو سيدة سمينة مبتسمة، تبلغ الثلاثين، قد جاءت تحمل كوبا ~~من الشربات وتقدمه لي، وقال لها الشيخ حسين: قبلي يد سيدك يا بنت. # وقبلت يدي اغتصابا بقوة وإجبار. # وسحبني الشيخ حسين، كأنه يسحب خروفا، إلى قاعة المدعوين، وأجلسني على كرسي، وقبل أن آخذ ~~نفسي رأيت الفتاة السمينة المبتسمة تقعد إلى جانبي، والعقد يتمم في سهولة ويسر، كأننا كنا ~~على ميعاد. # وانبسط الحاضرون، وتكلموا، وأكلوا، وشربوا، وبت ليلتنا أنا والعروس معا. # وفي الصباح ركبنا العربات إلى بيتي في البندر، وبعد أيام جعلت أبحث عن العريس السافل الذي ~~ترك عروسه من أجل الجهاز، فلم أجد اسما ولا خبرا. # وعرف زملائي ما حدث فجعلوا يضحكون ويسخرون مني، أما أنا فقررت بعد أن اتضح لي هذا النصب ~~العلني أن أطلق زوجتي انتقاما من الشيخ حسين وشقيقه. # ولكن هأنذا بعد سبع سنوات لم أطلقها؛ إذ هي أم أولادي الثلاثة، وكلانا يحب الآخر ويحترمه، ~~ويجد فيه أقصى ما كان يهوى من سعادة الزواج. # ولكن شيئا واحدا فقط ينغص علي، وهو أن الشيخ حسين عندما يشرب ويسكر يقص على مساهريه ~~ومسامريه القصة على حقيقتها، ويفخر بأنه نصب علي وزوجني بنت أخيه بخداعي بأني رجل شهم ~~يجب أن أنقذ شرف العائلة، وأنه لم يكن هناك عريس، ولم يكن هناك خلاف على الجهاز. # الفصل التاسع عشر # | موت عظيم # إن له حقا في أن ms57 يحيا على هذه الأرض كما نحيا نحن، بل لعل حقه أكبر من حقنا؛ إذ من ~~يدري؟ فلعله قد ورثها عن آباء عاشوا نحو خمسين ألف سنة هنا، في هذه البقعة. # حدثت هذه الحادثة في 1919؛ فقد كنت أقيم في الريف وأشتغل بالزراعة، وكانت عنايتنا كبيرة ~~جدا بالقطن الذي ارتفع ثمنه إلى خمسة وأربعين جنيها للقنطار، وحدث أن شكا إلي أحد ~~المزراعين ذئبا ضاريا، يتعسس في الليل بيوت الفلاحين، ويفتك بما يجد من دجاج أو خراف أو ~~ماعز، وطلب إلي أن أقتله. # وخرجت قبيل الساعة الرابعة من الصباح، أنا وصديقي بهنساوي، نرصد هذا الوحش ونكمن له، ومعي ~~بندقية صادقة لا تخطئ الهدف، وكان صديقي هذا بهنساوي، فلاحا يبلغ الستين، وكان حكيما من ~~أولئك الأميين الذين اكتسبوا من خبرة الدنيا ما يوهمك أنهم قد درسوا الكتب، وكانت له فراسة ~~في الزراعة والأرض تعجب من صدقها، كأنه يبصر بما سوف تنتج. # وكمنت أنا وهو خلف كومة من التراب نترقب، ولم يمض قليل حتى بدا لنا الذئب الذي كلفت ~~قتله، ورأيته يسير في خطوات سريعة لكن في غير هرولة، وكان عائدا من صيد الليل إلى ~~الجبانة القديمة التي يسكن في بعض قبورها. # ورفعت البندقية، وسددتها إليه، وفتحت الزند، ولكني رأيتني أقف عن إطلاق النار، فإن شيئا ~~في هذا الذئب وقف يدي وجمد أصابعي؛ فقد كانت في وحشيته روعة وجمال، وأحسست أني إزاء ~~عظيم من عظماء الطبيعة، بل إن الطبيعة نفسها كانت، بقطنها وقمحها، داجنة بالمقارنة إليه. ~~وتلبثت أنظر إليه في إعجاب، وهو يسير برأسه المرفوع وشهامته المتحدية، كأنه احتجاج على ~~هذا التمدن الذي عم حقولنا وأحالها إلى مزارع تجارية للقطن والقمح. # وقال صديقي بهنساوي: اقتله، اقتله. # ولكني أشرت إليه بالصمت، وجعلت أغذو عيني بجماله وروعته، واختفى الذئب، وتنهدت في ارتياح، ~~وقلت لبهنساوي: إن مثل هذا الوحش لا يقتل. ~~«إن له حقا في أن يحيا على هذه الأرض كما نحيا نحن، بل لعل حقه أكبر من حقنا؛ إذ من ~~يدري؟ فلعله قد ورثها عن آباء عاشوا ms58 نحو خمسين ألف سنة هنا، في هذه البقعة». # وجعلت أتحدث إلى صديقي حديثا دينيا عن الطبيعة والذئب، ولكنه نفض يديه في أسف كأنه ~~يقول: أضعت الفرصة. # وبقيت بعد ذلك أخرج، مع صديقي أو على انفراد، أكمن لرؤية هذا الذئب، أتحسس إحساس الطبيعة ~~منه، وأجد في برودة الفجر وظلامه الأبيض، وفي النجوم الشاحبة التي توشك على الزوال، معاني ~~قديمة حميمة كدنا ننساها بحياة التمدن التي نحياها. # وانعقدت بيني وبين الذئب صداقة، وصارت لنا مواعيد للمقابلات في الفجر، بل إني كنت حين آوي ~~في الليل إلى الفراش أذكر النهوض في الفجر، وأهنأ بهذه الذكرى، وأنام مطمئنا إلى لقاء ~~صديقي وهو يعدو شامخا مهيبا كأنه يتحدى التمدن. # لقد أصبح هذا الذئب نداء الطبيعة ويقظة الضمير في قلبي، حتى لقد كنت أتحدث إلى نفسي ~~بعيدا عن الفلاحين، وأتساءل: بأي حق نخترع هذا الاختراع اللئيم، البندقية، ونضع فيها سرا ~~مواد انفجارية، ثم نختبئ ونطلق هذه المواد على هذا الحيوان العظيم، فيموت وهو لا يرانا، ~~يموت دون أن يجد الفرصة لأن يغرز سنا من أسنانه البيضاء في أجسامنا؛ إن هذا لؤم! # إننا نعقد المصارعات والملاكمات، ونتسابق إلى قطع المانش سباحة، بل أحيانا نصارع ~~الثيران، وكل هذه المباريات تعود بنا إلى تلك الحال الوحشية التي كنا نحياها قبل عشرة آلاف ~~سنة، وكنا مثل هذا الذئب، نخرج في الفجر وقد وضع كل منا حياته على كفه، فنصيد الوحش أو ~~يصيدنا الوحش؛ البقاء للأصلح، وكنا نلقى مثل هذا الذئب، فإما حياتنا وإما حياته؛ تنازع ~~البقاء. # وكنا نموت على شرف، وفي ضوء النجوم الخافقة، في الفجر، وكنا نقع في أحضان الطبيعة. لا، بل ~~بين أسنان الذئب أو الأسد، كنا نموت موتا شريفا عظيما، تصدق وتبارك عليه الطبيعة، ~~وكأنها تقول: أحسنتم. # أما الآن فنحن نموت موتا مغشوشا، مزيفا، غير أصلي، نموت على الفراش، ثم نوضع على ~~التراب، فتأكلنا الديدان على مهل مهين بدلا من أن تنهشنا الذئاب في عجلة شريفة. ~~••• # وبقيت شهورا وأنا هانئ بهذه الصداقة السرية بيني وبين الذئب، ولكني ms59 خرجت كعادتي في أحد ~~الأيام فلم أجده، وعمني القلق، وأطبق علي الخوف من أن يكون قد قتل، وعدت كسيفا. # ولم تمض ساعات حتى سمعت ضجة، وخرجت أبحث فوجدت غوغاء من الفلاحين يتصايحون في طرب، ~~ويجرون خلفهم صديقي ميتا على التراب. # ووقفت في حزن أتأمل رأسه العظيم، وأسنانه البيضاء، وعينيه الحانقتين، وظهره الأسمر، وبطنه ~~الأبيض، وذنبه الأسود، وجعلت أتأمل كل عضو من أعضائه في حب وأسف. # وقال أحدهم: مات مسموما؛ اشترينا له سما ووضعناه في فرخة ميتة فأكلها ومات. # أي لؤم هذا؟ أي لؤم؟! # الفصل العشرون # | افتحوا لها الباب # بنت فقيرة وجميلة، ومن من فتيات القرية لا يتزوجنه وهو يملك فدانا غير مرتب ~~الخفر؟! # تعارفا في الحقل عند القناة الصغيرة، وكانت مع عائشة عجلتها التي ترعى الأعشاب على شطي ~~القناة، أما محمود فكان يحمل فأسه التي يعزق بها القطن قريبا من القناة بعيدا عن ~~القرية. # وكانا يتواعدان للقاء عند المصرف، وعند القناة، وهناك بين شجيرات النخل القليلة، وبين ~~البرسيم الذي شرع يجف ويملأ الهواء بتباشير الدريس، كانا يقعدان ويتحدثان في حياء، وكانت ~~عائشة تقص عليه حوادث البيت الصغيرة، وماذا قالت جدتها عن العجلة، وماذا يريد أبوها أن يفعل ~~بالعنزة العجوزة التي لم تعد تلد. # وكان محمود يقعد إليها في صمت عصبي، لا يدري كيف يحتوي نفسه؛ فقد كان يستمع إليها ويده ~~ترتعش، وقدمه تختلج، وتنهداته تتوالى، وهو يعتدل من وقت لآخر كأنه لا يجد الراحة في مقامه ~~أمامها. # وكانت الساعات تمضي كأنها لحظات، وذات يوم جاء طلب لمحمود من العمدة؛ وزارة الحربية تطلبه ~~للتجنيد. # وأحس محمود أن أفكاره مبلبلةن لا يدري ما يفعل؛ هل يفر هو وعائشة؟ إلى أين؟ # وذهب إلى العمدة وعرف المواعيد، متى يسافر للكشف؟ # وقبل السفر بيوم قعد إلى عائشة عند القناة، وقبل يدها وذراعها، وعنقها، ووجهها، وتشمم ~~رأسها، وبكى، وبكت هي أيضا بعد أن قبلت يده، وتواعدا على الزواج عقب رجوعه من الخدمة ~~العسكرية، ومع أن الحزن كان يغشي قلبها فإن أمل الزواج بعد سنة أو سنتين ms60 كان يملؤها بشجاعة ~~وتفاؤل. # وسافر محمود إلى القاهرة، وبقيت عائشة وحدها في القرية، واستفاض الشباب في جسم عائشة؛ ~~فبرز صدرها وتوردت وجنتاها وضحكت عيناها، وتحدثت نساء القرية عن جمالها. # وكان شيخ الخفراء في القرية رجلا طيبا يملك نحو فدان، وكان لذلك يعد من الأعيان ~~الموسرين، وكان قد تجاوز الستين وماتت زوجته قبل ثلاث سنوات وخلفت له بنتين لم تتجاوز ~~كبراهما العاشرة من العمر. # وكانت له أخت تحبه وتحضر كل يوم إلى منزله لخدمته وخدمة البنتين، وكانت تعرف عائشة ~~وتتحدث عن جمالها وفتنتها. # وذات صباح، عندنا بكرت إلى بيت أخيها، وجدته قاعدا إلى الموقد يهيئ القهوة، فقعدت ~~إليه وشرعت تتحدث عن متاعبه وهو بلا زوجة وبلا ولد يرثه ويخلد اسمه، ولماذا لا يتزوج عائشة؟ ~~بنت فقيرة وجميلة، ومن من فتيات القرية لا يتزوجنه وهو يملك فدانا غير مرتب ~~الخفر؟! # ونفض الشيخ على هذا الاقتراح بيديه استنكارا وهو يقول: أنا رجل مسن، ومريض، لي إيه في ~~الزواج؟ # فقالت أخته: ولكنك تحتاج للزواج لهذا السبب نفسه، امرأة تعتني بك وتريحك. # وما زالت به تعاوده كل يوم بقصة الزواج من عائشة حتى قبل، وذهبت هي إلى والدي عائشة، ~~واقترحت عليهما هذا الاقتراح الذي تلقاه الأبوان بالاستنكار أولا، ولكن بعد أيام، وبعد ~~المحاورة بينهما وبين عائشة، التي أصرت على الرفض، قبلا، ولم يكونا يعرفان شيئا عن حب ~~عائشة لمحمود، وتواعدهما على الزواج بعد عودته من الجندية. # وأصرت وتمسكت عائشة بالرفض، وبكت وهددت بالفرار، ولكن أمها كانت تسوسها بخبرة الزوجة ~~المجربة، وقالت لها: ~~- الشيخ علي رجل عجوز، تتزوجينه وبعد سنة يموت، ويكون لك ميراثه، وبعد ذلك تتزوجين أحسن ~~الشبان في القرية؛ لأن لك الجمال والمال. # وجمعت أمها النساء القريبات والصديقات، فألححن عليها حتى قبلت، وهي تؤمل التخلص بعد سنة ~~أو سنتين؛ لأن الشيخ علي مريض ولن يعيش طويلا. # وتم الزواج، وكانت هي في العشرين وهو فوق الستين، واكتشفت بعد الزواج أنه يحتاج كل يوم ~~إلى لزقة توضع على ظهره قبل النوم، فكانت تدفئها على النار، ثم ms61 ينبطح الشيخ علي وتضع ~~عائشة اللزقة على ظهره، ثم تربطها. # وقد أحست بعد أن صارت اللزقة واجبا أن الشيخ علي ليس زوجا، وإنما هو طفل يحتاج إلى ~~العناية كل مساء، وأن إهمال اللزقة قد يكون سببا لموته. # وزاد هذا الإحساس أنه كان طيبا، يذهب إلى السوق الأسبوعية فيشتري لعائشة ولبنتيه الحلوى ~~والأقمشة الزاهية، وكانت هاتان البنتان قد تعلقتا بعائشة كما لو كانت أختهما. # ومضى على الزواج أكثر من سنة وعائشة سعيدة بهذا الطفل الكبير الذي يحتاج إلى اللزقة كل ~~ليلة، وبهاتين البنتين اللتين تعلقتا بها، وكادت أن تنسى محمود. # وذات يوم عم القرية هرج؛ فإن محمود قد عاد بعد أن أمضى الخدمة العسكرية، وسمعت عائشة ~~هذا الخبر، فاعتكفت في غرفتها المظلمة وهي تحس كأن زلزالا يزعزع ثيابها ويبلبل أفكارها، ~~وجعلت تستعيد ذكرياتها عند القناة، وتذكر وعدها لمحمود بأنها ستنتظره حتى يعود ~~فيتزوجا. # وظن الشيخ علي أنها مريضة، فأرسل إحدى بنتيه لأمها كي تحضر وتؤنسها، وجاءت أمها فباحت ~~لها عائشة بكل شيء؛ بحبها لمحمود ورغبتها في الطلاق كي تتزوجه. # وارتاعت الأم من هذا الكلام، وأخبرتها بأن أهل القرية لو علموا به لكانت فضيحة لها ~~ولوالديها، وتركتها، وحاولت أن تكتم السر على طريقة النساء، فباحت به فقط لصديقاتها، وباحت ~~الصديقات لكل من كن لا تعرفنه، وبلغ الخبر أخت الشيخ علي التي أسرعت إلى عائشة وجعلت ~~تهدئ منها وترجوها البقاء مع أخيها. # وتسرب الخبر إلى الشيخ علي، ووقع عليه كالصاعقة، ولكن الرجل كان حكيما ورقيقا معا، ~~وكان أيضا يحب عائشة كما لو كانت بنته، فدعا أخته، وبعض الأقارب، ودعا المأذون، وأمام ~~هؤلاء جميعا أعلن الطلاق، وقال: افتحوا لها الباب، ربنا يعمل لها الخير، ربنا يبارك ~~عليها. # وكانت عائشة تسمع هذه الكلمات التي دارت في رأسها كأنها كانت تكويها بالنار، فنهضت وقعدت، ~~ثم تأملت هذا الرجل العجوز، الذي يحتاج إلى اللزقة كل ليلة، وربما يموت إذا فارقته، فخرجت ~~إليه وهي تبكي وقد اغرورقت عيناها بالدموع وصاحت: ~~- هو أنا طلبت الطلاق؟ هو أنا قلت إني ms62 أخرج؟ أنا معك هنا لحد ما أموت أنا أو تموت ~~أنت! # ورد الشيخ علي يمين الطلاق ودموعه تنهمر. # الفصل الحادي والعشرون # | هل أنا قتلته؟ # وكان ينام بسهولة على يدي، فما هو أن ينطرح ويسترخي، وأمدد يدي على وجهه وصدره إلى ~~ساقيه، حتى يكون قد غاب. # عاد صديقي يلومني للمرة المئة لأني لا أمارس التنويم، أي التنويم النفسي ، أو كما يسمونه، ~~المغنطيسي؛ ذلك أنه كان قد مضى علي أكثر من ثلاث سنوات وأنا مقاطع لهذا الفن، وكنت قبل ذلك ~~أمارسه في السهرات للمؤانسة فقط، ولم أحترفه قط، وكثيرا ما كنت أقول إنه أسوأ فن، وإن ~~الحكومة يجب أن تمنع ممارسته؛ لأنه ينطوي على كثير من الممكنات السيئة التي يستطيع الرجل ~~السافل أن يستغلها وينزل بمن ينومه أو ينومها أكبر الضرر. # ذلك أن الشخص النائم يؤدي لنا ما نطلب منه كأنه آلة فقط، ليس له إرادة؛ فإذا قلنا له أنت ~~لص تحب السرقة وتمارسها في خفة، وستفعل ذلك غدا، فإنه حتى بعد أن يفيق من النوم يرتكب ~~السرقة. # كنت أقول هذا وأستنكر التنويم مع أني - كما قلت - كنت أمارسه عن نية حسنة مع بعض أصدقائي ~~للمداعبة والمؤانسة، ولكني منذ ثلاث سنوات انقطعت عنه انقطاعا تاما؛ وذلك بسبب حادث ما ~~زلت أتألم كلما ذكرته، ولا أعتقد أني سأعود إلى ممارسة هذا الفن، بل يقيني أن الحكومة تحسن ~~كل الإحسان إذا هي منعته وعينت العقوبة القاسية لمن يمارسه. # ذلك أني كنت قد قرأت في بعض الكتب التي تبحث أحوال من يسمون «الفقراء» في الهند، أن ~~«الفقير» يستطيع أن يحبس أنفاسه ويقف نبضه نحو ساعة أو أكثر، بحيث لا يستطيع الطبيب الفاحص ~~عنه أن يهتدي إلى أية دلالة على الحياة، ولكن هذا «الفقير» يعود فيسترجع أنفاسه، كما يعود ~~قلبه إلى النبض؛ أي يعود إلى الحياة، بعد أن يكون قد مات بضع ساعات. # وفتنني هذا الكتاب، واشتريت غيره من الكتب التي تعالج هذه الموضوعات، وجعلت أحاول الإيضاح ~~لهذه الظاهرة العجيبة فلم أجد لها تفسيرا إلا في ms63 هذا التنويم النفسي الذي كنت أمارسه أنا ~~مع أصدقائي؛ ذلك أن «الفقير» الهندي يتخيل نفسه ميتا لبضع ساعات يستيقظ بعدها؛ أي إنه يوحي ~~إلى نفسه الموت فيموت، ولكنه يموت، لميعاد، أو - كما نقول - إنه ينوم نفسه ثم يستيقظ في ~~الميعاد الذي عينه. # وقلت في نفسي إني أستطيع أن أجرب هذه التجربة في أحد أصدقائي، وهو السيد مصطفى ، وكان ~~ينام بسهولة على يدي؛ فما هو أن ينطرح ويسترخي، وأمدد يدي على وجهه وصدره إلى ساقيه، حتى ~~يكون قد غاب، وعندئذ أوحي إليه ما أريد، فيؤديه كما لو كان شخصا آخر. # ولكني كنت أتردد في القيام بهذه التجربة؛ وذلك لاعتقادي بأن الشخص النائم لا يخضع كل ~~الخضوع؛ إذ أحيانا يقاوم فلا ينام، وأحيانا عندما أوقظه يرفض أن يستيقظ، وقلت: ماذا يكون ~~لو أني نومته ودعوته إلى وقف نبضه وحبس أنفاسه، كما يفعل «الفقير» في الهند، ثم رفض هو ~~أن يعود إلى الحياة؟ ألا يمكن أن يكون الموت لذيذا إلى حد أن يجد فيه الراحة الكبرى فيؤثره ~~على يقظة الحياة؟ # وترددت شهورا لهذا السبب في تنويمه، ولكن الفكرة كانت تغريني وتتسلط علي. # وذات مساء زارني السيد مصطفى، وقعدنا نتحدث ونشرب بعض المرطبات، وأوغل هو في المزاح حتى ~~غاظني، فقلت أنا على سبيل المزاح: والله يا مجرم لأقتلنك غدا، ثم نهضت، وحدقت في عينيه، ~~وقلت له: أنت في نعاس تتثاءب، قد اقتربت من النوم، رأسك يستند إلى الوراء، أنت على وشك ~~النوم، أنت تنام. # ثم جعلت أمسح وجهه وجسمه بيدي الاثنتين، وقلت: أنت نائم، تسمعني فقط، اسمع، غدا وأنت ~~في فراشك، في الساعة الثالثة بعد الظهر، سيأخذ نبضك في الانخفاض من 70 إلى 50 إلى 30، إلى ~~أن يبلغ الصفر، ويقف قلبك، وتنقطع أنفاسك كأنك ميت، ستكون ميتا تماما؛ لا نفس ولا نبض، ~~وسآتي إليك في الساعة الرابعة فأوقظك. # وجعلت أكرر هذا الإيحاء، ثم أيقظته وهو لا يدري بما حدث، وتركني، وآويت إلى فراشي وأنا ~~مطمئن ضاحك؛ سوف أراه غدا ميتا وسوف أوقظه. # واستيقظت في ms64 الصباح وقد نسيت كل شيء، بل بقيت طيلة النهار وأنا مشغول بمهام أخرى أنستني ~~السيد مصطفى، وفي الساعة الرابعة أو بعدها بقليل، جاءني خادم السيد مصطفى وأخبرني وهو يبكي ~~بأن سيده مات، وتلقيت الخبر أنا بالضحك الذي أذهل الخادم، وقد ضحكت لأني كنت أعرف السر، ~~وكنت على يقين بأن كلمتين مني تعيدانه إلى الحياة. # ولبست ملابسي وقصدت إلى منزل السيد مصطفى ومعي الخادم، ودخلت غرفته فوجدت أخته تبكي، ~~ومعها الطبيب الذي أحضروه، وكان قد أخرج ورقة يكتب عليها شهادة الوفاة. # وقصدت من فوري إلى السيد مصطفى وهو منبطح على سريره شاحب جامد، فجعلت أمسح وجهه وجسمه، ~~وأناديه، وأقول له: هذا ميعاد استيقاظك، انهض، استيقظ. # وجعل الطبيب ينظر إلي في سخرية ويقول: إنه مريض بالقلب منذ سنتين وأنا أعالجه، وكانت ~~تجيئه مثل هذه النوبات، وكان منتظرا أن يموت في إحداها. # وصعقت عندما سمعت كلام الطبيب، وقلت وأنا لا أدري دلالة ما أقول: أنت، أنت لم تخبرني ~~بهذا. # وقال الطبيب: أخبرك؟ ولماذا أخبرك؟! # وجعلت أهرول في مسح صديقي، وأكرر له القول: أنت حي، استيقظ، هذا هو الميعاد، استيقظ ~~أرجوك، أرجوك. # وتحرك جفناه، ولعبت شفتاه، وفرحت، ووضعت أذني على شفتيه، وسمعته يقول بصوت خافت: أنا في ~~راحة كبرى، الموت لذيذ، قلبي لا يؤلمني الآن، أنا ميت، أنا ميت. # ثم أطبق شفتيه وصمت، وعدت أنا في هرولة جنونية أصيح وأصرخ: اصح، اصح لأجلي، نحن ~~صديقان. # ولكن كل هذا كان عبثا؛ لأن حقيقة ما حدث أن قلبه المريض، الذي كنت أجهله عندما نومته، ~~كان يؤلمه، وكانت تنتابه نوبات همود تشبه أو تقارب ما أحدثته له أنا بالتنويم، فلما وصل ~~القلب إلى الوقوف بالتنويم رفض، أو عجز، عن قوته. # ومضى على هذا الحادث ثلاث سنوات، ولا يكاد يمضي علي يوم حتى أتساءل: هل أنا ~~قتلته؟ # الفصل الثاني والعشرون # | قصة السبعة الكبار # وأنا أميل بثقافتي العلمية إلى الشك، هذا الشك العلمي الذي أوصانا به «ديكارت» ~~الفرنسي ... # لقد عشت هذه السنين التسع الأخيرة، وحفلت حياتي بكل ساعة، بل ms65 بكل دقيقة، منها، بحيث ~~أستطيع أن أقول إني شاهدت واختبرت فيها أكثر مما شاهدت أو اختبرت قبل ذلك في خمسين سنة، ولا ~~أعني كثرة ما شهدت، أو وفرة ما رأيت من حوادث، وإن يكن قد زاد على المألوف زيادة كبيرة؛ فإن ~~صفة الكيف فيه كانت أدعى إلى العجب من صفة الكم. # لا، لم تكن الحوادث والاختبارات في السنوات السبع الماضية كثيرة فقط، وإنما كانت مختلفة ~~عما كنا نألفه من قبل؛ ولذلك أنا أحاول، في الكلمات الموجزة، أن أستقطر العبرة من هذه ~~الحوادث والمشاهدات، ولنبدأ في البداية. # فحوالي سنة 1949 أو 1950 شاعت شائعات خرافية تقول إن أطباقا تطير وتحط على الأرض ثم ~~ترتفع، وأنها تمخر عباب الجو بسرعة آلاف الأميال في الساعة، بحيث لا يستطيع الناظر إليها ~~إلا أن يخطف منها النظرة البرقية التي لا تعين التفاصيل ولا توضح الأشخاص. # وتكررت هذه الشائعات، وكنت - وقتئذ - أحرر في إحدى المجلات فوردت إلي أسئلة بشأن ~~هذه الأطباق، وما هي، ومن أين تأتي. # وأنا أميل بثقافتي العلمية إلى الشك، هذا الشك العلمي الذي أوصانا به «ديكارت» الفرنسي؛ ~~ولذلك حذفت الموضوع من رأسي، وأجبت هؤلاء السائلين بأن الأطباق الطائرة أسطورة، وأنها وهم ~~وتخييل نبتا في العقول المرهقة، وأن هؤلاء الذين «رأوها» يحتاجون إلى أن يمضوا بضعة أيام أو ~~أسابيع على الشواطئ. # وكان معنى هذه الإجابة أن الذين يرون الأطباق الطائرة مجانين ويحتاجون إلى علاج حتى ~~يشفوا. # ولكن رويدا رويدا شرعت أشك في شكي؛ ذلك أن وزارات الحرب في روسيا والولايات المتحدة ~~وفرنسا وبريطانيا خصت هذه الأطباق بعناية كبيرة، فعينت الموظفين العلميين لرصدها ~~ودراستها، ثم في نهاية سنة 1952 ظهر كتاب في أمريكا لأحد الذين شاهدوا واحدا من هذه ~~الأطباق قال فيه إنه اقترب من طبق طائر كان قد حط على الأرض، ولكنه لم يلامسها، وأنه قد نزل ~~منه «إنسان» أشار إليه أن يبتعد، فلما أطاعه طار الطبق! # هل يمكن أن أنكر؟ هل يمكن أن أكون أنا العاقل الوحيد وكل هؤلاء مجانين؟! # واشتريت الكتاب وقرأته، ms66 وصرت أحلم به حتى في يقظتي؛ فإني أذكر أني ذات صباح، وأنا على ~~الترام الذي كان قد وصل إلى ميدان التحرير، نظرت إلى المبنى المجمع فرأيت سحابة بيضاء تمر ~~فوقه، وإذا بجزء منها ينفصل ويطير في الجو على بعد سحيق يتجاوز سرعة السحب. # وانخلع قلبي، وأردت أن أصرخ: طبق طائر، طبق طائر. ولكني التزمت الصمت، ولا أعرف لماذا! ~~وظني أن الوقار غلبني ، وظني الآخر أن السرعة التي ظهر بها ثم اختفى في الفضاء قد جعلت حديثي ~~عنه لغوا لن يصدقه أحد؛ ولذلك التزمت الصمت. # ولكني عندما عدت إلى البيت جعلت أفكر: إن النظرية الفلكية الحديثة تقول إن هذا الكون، ~~بنجومه وكواكبه، قد انفجر في لحظة واحدة قبل خمسة آلاف مليون سنة، وإذن يجب أن نستنتج أن ~~عمر الأرض لا يختلف عن عمر الكواكب الأخرى بآلافها وملايينها، ونحن على هذه الأرض قد وصلنا ~~إلى التفكير في غزو القمر، وإلى تأليف الكتب عن السياحة الفضائية، وليس بعيدا، بل إن من ~~المرجح أن التطور الذي عرفناه على أرضنا، وانتهى بظهور الإنسان، قد عرفته كواكب أخرى ~~بدرجات تتفاوت قليلا نحو التقدم أو التأخر، وإذن يجب أن نستنتج أن هناك ناسا أو بشرا في ~~الكواكب يفكرون مثلما نفكر، ولعل بعضهم قد سبقنا إلى تهيئة الوسائل لنقلهم إلى ~~الأرض. # وقلت: بدلا من أطباق طائرة تخرج من الأرض لاستعمار المريخ أطباق طائرة تخرج منه لاستعمار ~~الأرض؟ # وإذن، لا بد من الاستنتاج أيضا بأن المريخيين، أو غيرهم من سكان الكواكب الأخرى، قد ~~أرسلوا الأطباق الطائرة للاستكشاف والاستطلاع، وأنهم يكتبون التقارير عن كواكبنا، وليس ~~بعيدا أن نجد ذات صباح نحو مليون مريخي قد هبطوا الأرض وطلبوا منا الطاعة أو ~~الإعدام. # كان تفكيري يجري على مستوى التفكير وحده؛ أي بلا عاطفة، كأني أقوم بتقديرات حسابية، وصرت ~~بعد ذلك أتتبع الأخبار عن هذه الأطباق الطائرة، ولكن يجب أن أعترف أني لم أكن أتحدث إلى ~~أحد عنها خشية أن يتهمني بالجنون، كما سبق لي أن اتهمت الذين تجرأوا على القول بأنهم ~~شاهدوها. ms67 # وكثرت الشائعات، وتناقضت الأقاويل، وشرع قلبي يهمس بها إلى عقلي في خوف وترقب، ولكن مع ~~الصمت الذي التزمته خشية اللوم أو السخرية. # وحدث ذات صباح أن نشرت الجرائد أخبارا بعناوين لوائية، تخفق على عرض الصفحات الأولى، ~~تتلخص في أن روسيا أنزلت نحو ألف طائرة في وسط الصحراء الغربية في أفريقيا، وأنها تستعين ~~بوسائل الشق الذري والالتحام الذري لإدارتها وإيجاد الماء بها، بل قيل إنها تصنع جميع ~~الأغذية البشرية بالتأليف الذري في الصحراء. # وأعلنت روسيا تكذيبا عاجلا لهذه الشائعات، ولكن هذا التكذيب بدلا من أن يطمئن الجماهير ~~زادهم حيرة، وطارت مئات من الطائرات الأمريكية والفرنسية والبريطانية للبحث في وسط الصحراء ~~عن هذه الطائرات فلم تجد لها أثرا. # وعم الناس بلبلة؛ فمنهم من قال إن الشائعات كانت كاذبة، ومنهم من قال بل إن المريخيين قد ~~أنزلوا بعضا منهم لاستعمار الأرض. # ولكن إذا كان المريخيون قد أنزلوا بعضا منهم إلى الأرض فأين ذهبوا؟ # كان هذا السؤال يتردد على ألسنتنا، ولكن كان الجواب عليه يشيع الرعب في قلوبنا، وكان هذا ~~الجواب: أن المريخيين قد تعلموا لغتنا، وأنهم يتخللون مجتمعاتنا ويدرسونها، وأن الأطباق ~~الطائرة التي كان قد مضى على الشائعات الخاصة بها نحو خمس أو ست سنوات لم تكن في حقيقتها ~~سوى طائرات تحمل إلينا المريخيين الذين كانوا ينزلون ويختلطون بنا ويتعلمون لغتنا، ويعيشون ~~بيننا دون أن نفطن لحقيقتهم. # وأصبح هذا الرأي الأخير عقيدة، بل عقيدة مخيفة؛ فكنا عندما نجد شخصا له وجه مستطيل بعض ~~الشيء نقول في صمت وخوف: لعل هذا الرجل مريخي؛ إنه لا يشبه البشر كل الشبه. # ولكن المنطق الحسي أقوى وأرسخ من المنطق العقلي؛ ولذلك سرعان ما كنا ننسى هذا الموضوع ~~عندما نئوب إلى بيوتنا ونجد طعامنا المألوف، وأولادنا، وسريرنا، وكل شيء كما تركناه في ~~الصباح. # وكثيرا ما كنت أقعد بالترام فأسمع بعض القاعدين أو الواقفين يتحدثون عن الأطباق الطائرة، ~~وعن هبوط الطائرات في الصحراء الغربية، فكان أكثر المستمعين يهزون أكتافهم وهم يقولون: ~~كلام فارغ! # ولكن كان يحدث أن يكون بين ms68 المستمعين واحد فيروي أنه قبل أيام كان يسير في الغروب - وكنا ~~وقتئذ في رمضان - وكان الشارع خاليا أو كالخالي في قسم العباسية، فإذا به يتقدم منه شخص ~~طويل بوجه مستطيل، بل مستطيل جدا، وله شعر ذهبي، وحاول أن يكلمه، فغمغم ولم يبن، وتذكر ~~الراوي أن هذا المتكلم مريخي قد استخفى كي يتجسس، فغمرته موجة من الرعب كاد يغمى عليه منها، ~~ولكنه تماسك ، وعدا بأقصى سرعة في الشارع الخالي حتى دخل بيته وهو منهوك مرعوب. # وقال أحد السامعين: أعوذ بالله! # وقال آخر في سخرية: كنت شارب كونياك أو زبيب؟ # وأقسم الرجل أنه لم يشرب شيئا. # وعمنا من هذه القصة جمود يشبه الذهول. ~~••• # وسارت بنا الأيام ونحن في قلق من هذه الأخبار، ولكنه كان قلقا معتدلا، لم نأرق منه، ~~وأذكر أن أحد الأمريكيين كتب مقالا أذاعته المحطات الرديوئية، خلاصته أنه على فرض أن ~~المريخيين قد نزلوا واستقر بعض أفرادهم بيننا، يتجسسون، فإن هجوما مريخيا على الأرض لن ~~يؤدي إلى انتصارهم؛ وذلك لأننا نعرف من أسرار الذرة مثلما يعرفون، وأننا نفكر في غزو المريخ ~~قريبا، وسيشغلهم هذا الغزو الأرضي عن غزونا؛ لأننا سنضعهم في مكان الدفاع. # واعتقادي أن هذا الكاتب كان يبغي نشر الطمأنينة، ولكن الواقع أنه زاد القلق؛ لأنه كان ~~هناك عدد كبير من البشر يعتقدون أن الحديث عن المريخيين إنما هو حديث الخرافات والأساطير ~~التي لا تصدق، أما بعد هذا المقال فقد صار هؤلاء من المصدقين المترقبين لأسوأ ~~الأحداث. # وفشت الأمراض النفسية بين الناس، وصارت الهستريا تصيب الرجال والسيدات، والمتقدمين في ~~السن، كما لو كانت أنفلوانزا، وكثيرا ما رأيت أحد القاعدين في مقاهي الأوبرا وشارع فؤاد ~~يهب صارخا وعينه مثبتة في السماء، وكنا نسارع إلى نضحه بالماء حتى يفيق، فإذا أفاق لم ~~يذكر ماذا فعل. # ورأيت أحد الشباب قد وقف في «جروبي» ثم نزع ملابسه كلها، وخرج يعدو وهو عريان يصرخ: ~~التوبة، التوبة، أشهد أني تائب، اصفحوا عنا أيها المريخيون، وكان المسكين قد اختبل عقله من ~~الوسوسة التي لازمته. # والواقع أننا ms69 كلنا قد اختبلنا، ولكن بدرجات تتفاوت؛ لأن أخبار الأطباق الطائرة تكاثرت؛ ~~ولأن الحكومات نفسها، وهي تحاول نشر الطمأنينة، كانت تنشر القلق؛ لأن استعداداها الذي كانت ~~تفخر به كان برهانا على أننا على وشك حرب كوكبية قد تكون فيها نهاية العالم. ~~••• # وذات صباح خرجت الجرائد بنبأ مرعب، ولم يكن هذا النبأ سوى إعلان قد كتب بحروف كبيرة في ~~الصفحات الأولى من كل جريدة ، وأنا أنقل نصه لقيمته التاريخية: ~~«نعلن نحن المريخيين السبعة أننا قد هبطنا الأرض بعد دراسة دامت أكثر من عشر سنوات، وأننا ~~قد عرفنا كل كبيرة وصغيرة فيها، وأننا ننوي استغلال هذا الكوكب لخير الأرضيين والمريخيين ~~معا، وهذا بعد أن أيقنا أن الأرضيين قد عجزوا عن استغلال كوكبهم إلا بمقدار واحد في ~~الألف لجهلهم للعلوم، بل إن هذا الاستغلال لم يتجاوز جزءا يسيرا من قشرة الأرض، وليثق ~~الأرضيون أننا سنعمم، بما نعرف من علوم، الخير والرخاء والصحة بينهم، وأنهم سيحمدون لنا ~~تولينا الحكم الذي ستظهر نتائجه بعد شهور. # وكل محاولة لقتل أحد المريخيين أو إيذائه ستؤدي إلى نسف القطر الذي ينتمي إليه، وإحالته ~~إلى صحراء بالقوات الذرية التي نملكها، فليحذر الأرضيون، فإننا لا نريد أن نمحوهم، ولكننا ~~نبغي الاشتراك معهم في استغلال كوكبهم». # قرأنا هذا الإعلان ونحن في رهبة، وإني لأذكر إحساسي في ذلك الصباح، ولا أخجل من أن أقول ~~إنه كان إحساس الراحة بعد القلق، أو الطمأنينة بعد الخوف، حتى ولو كانت طمأنينة ~~الموت. # لا ... لم تعد هناك شائعات أو شكوك؛ فقد رسينا على يقين. # وظهرت الجرائد في طبعات خاصة بعد الظهر، وقرأنا فيها أن المريخيين السبعة يقيمون في طبق ~~طائر على مسافة خمسة كيلو مترات من باريس، وأن الحكومة الفرنسية قد أوفدت إليهم وفدا ~~مؤلفا من أعضاء الوزارة وكبار القضاة الذين قدموا لهم فروض الولاء. # وفي صباح اليوم التالي أعلنت جميع الوزارات في حكومات الأرض استقالاتها وقدمتها ~~بالتلغراف للسبعة المريخيين. # وكان مما يلفت النظر أن السير «ونستون تشرشل» أوضح في خطاب استقالته حاجة بريطانيا إلى ~~المستعمرات، وناشد ms70 المريخيين ألا يحرموها مستعمراتها، وكان «مالنكوف» حريصا على أن يقول ~~للسبعة إن النظام الاشتراكي هو بالطبع نظام المريخيين؛ لأنه النظام العادل، وتبرع «أديناور» ~~بجيش ألماني يكون في خدمة المريخيين وينفذ إرادتهم، أما «أيزنهاور» فقد رحب بالمريخيين ~~وقال إن الأمريكيين مستعدون لأن يشتركوا معهم في الأبحاث الذرية للإنتاج الحربي والسلمي ~~معا. ~~••• # وشرع المريخييون يصدرون القوانين؛ فجعلوا للبشر جميعهم قوانين موحدة للزواج والطلاق، ~~وجعلوا التعلم عاما، ثم طلبوا تأليف اللجان لإصلاح الأرض وإخصاب مياه المحيطات. # وألفت أكثر من ثلاث مئة لجنة تولت إلغاء الجيوش والقوات الحربية جميعها، وتحويل ما ~~كان ينفق عليها من ملايين الجنيهات على استزراع الصحاري وإنشاء المصانع واستخدام الذرة في ~~الإنتاج المدني وبناء المنازل وزيادة المحاصيل الزراعية، وكانت هذه اللجان هي الحكومات ~~الحقيقية في أقطار العالم. ~~••• # ولم يحس الناس باختلاف كبير بين حكوماتهم القديمة وبين الحكومات الجديدة، إلا من حيث ~~تعميم الرفاهية وزيادة مستوى المعايش؛ فإن المريخيين عندما أمروا بإلغاء القوات الحربية ~~أفرجوا عن مقادير عظيمة من الثروة استخدمت في زيادة الرخاء، حتى لقد قدر دخل الفرد؛ أي ~~فرد في أي مكان في هذا العالم، بنحو ألف جنيه في السنة، وأخذت المنفعة في اقتصاديات البشر ~~مكان الأبهة، وأصبحت المرأة تلبس ملابس الرجال وتؤدي أعمال الرجال سواء. # وابتدع المريخيون شيئين لم يكن لنا بهما عهد: # أولا: # تعميم اللغة الإنجليزية لجميع البشر وإهمال سائر اللغات. # وثانيا: # إيجاد نوع من الزواج يقوم على الامتحان والكفاءة الذهنية؛ بحيث لم يكن ~~يجاز للمتزوجين أن يعقبوا إلا إذا كان متوسط ذكائهم يزيد على درجة 100، ~~وهي درجة المتوسطين، أما غيرهم فكان لهم الحق في الزواج ولكن مع حرمانهم حق ~~التناسل. # وأصبحت الدنيا كلها قطرا واحدا وشعبا واحدا، ولم تعد هناك أية أمة تتعصب للونها ~~الأبيض ضد الزنوج، كما لم تعد هناك فواصل بين قطر وقطر، وخضع جميع البشر لأوامر السبعة ~~الكبار، عن خوف منهم في البداية، ولكن عن حب لهم بعد ذلك، حين أيقنوا أن الحروب قد انتهت، ~~وأنه لم يعد هناك استعمار أو استغلال أمة ms71 كبيرة لأمة صغيرة. # ولم تلغ الحكومات السابقة إلغاء تاما، ولكنها استحالت إلى مجالس إقليمية أو بلدية ~~مفخمة، تكاد تقتصر مهمتها على بناء المنازل واستزراع الأرض البور وتعميم التعليم وإنشاء ~~المسارح والمتاحف ... إلخ. # أما أعمال الحكومة العالمية في أيدي السبعة الكبار، فكانت تتسم بسمة عالمية، مثل زيادة ~~الأسماك في المحيطات والأنهار، وتيسير الحصول على المواد الخام لجميع الشعوب بلا تمييز، ~~وإيجاد مجار جديدة للأنهار، ونحو ذلك. ~~••• # وأصبح السبعة الكبار أسطورة تلتف حولها الشائعات، ولم يكن واحد منهم يختلط بالناس، وكانت ~~إقامتهم دائمة في بقعة تقرب من باريس يحرسها جنود من البشر، وكان القصر الذي يقيمون فيه ~~رحبا متعدد الغرف، للموظفين البشريين الذين يتسلمون أوامرهم ويبلغونها للمختصين للتنفيذ، ~~وكنا نسمي هذا القصر «الحرم المريخي». # وحدث أن أقيم معرض للجمال دعيت إليه أجمل فتيات العالم، وكان من أغرب ما عرف، مع محاولة ~~الكتمان للخبر، أن السبعة الكبار اختاروا سبعا من هؤلاء الفتيات، وقيل أنهن حملن منهن ~~وظهرت سلالة خلاسية مهجنة من المريخيين والأرضيين، ولكن لم ير أحد هؤلاء الأطفال. # وكانت الشائعات تترى؛ فقد قيل إن بعض المريخيين كان يسافر إلى المريخ ويعود بتعليمات ~~جديدة لسياسة الأرض، ولكن الذي كنا نخشاه جميعا، وهو استيلاء المريخيين على أرضنا، لم ~~يحدث، بل لم نر مهاجرين بتاتا من المريخ. # وتقدم بعض منا إلى السبعة الكبار يطلبون السفر إلى المريخ، ولكن هذا العرض لم يقبل، ~~وفهمنا أن المريخيين يريدون إصلاح أرضنا وإلغاء الفروق المذهبية التي فرقتنا، وتعميم ~~المساواة الاقتصادية، وإلغاء الجيوش، حتى لا تكون حرب في المستقبل، ويجب أن أعترف بأنهم ~~نجحوا في كل ذلك؛ فلم يعد على وجه الأرض بارجة أو مدفع أو طائرة حربية أو قنبلة أو صاروخ ~~ذري أو غير ذري، وعممت قواعد صحية في تحديد التناسل أطاعها الجميع؛ لأنهم وجدوا منفعتها ~~لهم. # وعم استخدام الذرة، فصرنا نضيء بها المدن، وندير بها المصانع، ونشق بها الجبال، ونزرع بها ~~الصحاري، وننزل بها الأمطار، وقد استطاعت الهند أن تغير مناخها بأن شقت جبال «هملايا» التي ~~كانت تنتصب ms72 حاجزا بينها وبين الرياح القطبية، وانخفضت بذلك حرارة الهند، وفتحت جملة فتحات ~~على الشاطئ بين مصر وطرابلس، فدخلت مياه البحر المتوسط إلى المنخفضات في الصحاري وغيرت ~~المناخ، حتى صار معتدلا بعد أن كان محرقا، وأنشئت السدود على النيل حتى لم تكن قطرة ~~واحدة من مياهه تضيع سدى في البحر المتوسط. # وعاش الناس فيما كانوا يسمونه سعادة. # ثم حدثت الكارثة؛ فقد انفجرت الأسطورة : فإن الفتيات الجميلات اللائي اختارهن السبعة ~~الكبار، وتزوجوهن، لم يطقن البقاء منعزلات في الحرم المريخي، وكنا نسمع شائعات عن أن الخلاف ~~قد تفاقم بين واحد من السبعة الكبار وبين زوجته، ولكننا لم نكن على يقين. # وذات صباح خرجت علينا الجرائد بنبأ لا يقل خطورته عن ذلك النبأ الذي كانت قد أخرجت به ~~علينا قبل تسع سنوات بشأن نزول المريخيين على الأرض واستيلائهم على مقاليد الحكم، أما النبأ ~~الجديد فهو أن السيدة «ماريان» قد فرت من الحرم المريخي، وأذاعت أن هؤلاء المريخيين ~~كاذبون في دعواهم بأنهم من المريخ؛ إذ هم بشر مثلنا، وأنهم ادعوا دعوى المريخية عقب تفشي ~~الشائعات بشأن الأطباق الطائرة، فاستغلوا هذه الشائعات، وزعموا أنهم مريخيون، وألفوا ~~مجلسا لحكم العالم، ونجحوا في هذا الزعم، وصدقهم الناس، وخضعوا لهم. # ثم ذكرت الأسباب التي دعتها إلى الفرار، وهي سبب واحد، هو أن زوجها المريخي الكاذب قد ~~هجرها والتفت التفاتا غير معتدل إلى زوجة آخر من السبعة الكبار، وحاولت «ماريان» أن ترد ~~إليه صوابه فلم تفلح، وأخيرا لم تتحمل الغيرة ففرت. # وعقب فرارها فر السبعة الكبار أيضا، ولم يعثر لهم على أثر؛ لأنهم خشوا هجوم ~~الباريسيين عليهم. # ولكن مع زوال السبعة الكبار لم تزل تلك الإصلاحات التي حققوها للعالم في السنوات التسع، ~~فلم تحدث ثورة أو ردة، ولم يدع أحد إلى العودة إلى ما كنا عليه، وأصبح العالم أمة واحدة ~~بفضل هذه الأكذوبة الكبرى التي كذبها علينا «السبعة الكبار». # الفصل الثالث والعشرون # | هجرتنا إلى القمر # ... وكان المفروض أن ننقل إلى القمر رجالا ونساء وصبيانا مع أكبر عدد ممكن من ~~الحيوانات ms73 والنباتات النافعة. # نحن في سنة 1983، لقد نسيت ما كنا عليه في سنة 1950، لقد ماتت هيئة الأمم بالهزال؛ لأن ~~معظم الأعضاء تركوها، فلم يكن باقيا فيها غير ثلاث دول هي الولايات المتحدة وبريطانيا ~~وروسيا. # وكانت الحروب تقع من وقت لآخر بين الهند والصين، أو إيران وبريطانيا، أو إيطاليا ~~ويوغوسلافيا، فلا تحدث أي تأثير بين قراء الصحف لأنهم ألفوها. # ولكن على الرغم من كوارث الحروب ومذابح الاضطهادات، كان هناك إحساس عام بأن كوكب الأرض لم ~~يعد يكفي سكانه، وأن هذا الضيق هو الباعث الحقيقي للحروب التي تنشأ من وقت لآخر بين ~~الأمم. # وشرعت مشروعات زراعية جديدة في أنحاء مختلفة من العالم؛ مثل الصحاري، ولكنها كانت بطيئة ~~لم تكف الزيادة في السكان، كما طلب إلى الأمم المتخلفة أن تحدد مقدار مواليدها، ولكن هذا ~~الطلب لم يلق مجيبا. # وكان العالم مشحونا بآلات الحرب؛ أسلحة وأعتدة، وكانت عقلية الحرب تسود أمما كبرى، فكان ~~الجميع في خوف. # وأخيرا استقر رأي الأمم الباقية في هيئة الأمم على مشروع غزو القمر، وكانت الفكرة الأولى ~~استعماره، ونقل ما يزيد من سكان الأرض إليه، وكانت الفكرة الثانية الاحتياطية، أنه إذا ~~فشل الاستعمار فعلى الأقل ستجد الأمم الكبرى أنها استنفدت ذخيرتها الحربية في إرسال القذائف ~~إلى القمر، فلا تبقى هذه الذخيرة مادة التهابية مخزونة تبعث على الحرب، وقد تقضي على ~~الحضارة، وقد ينقرض الإنسان. # وشرعت الدول الثلاث؛ الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وبريطانيا، في تهيئة القذائف ~~إلى القمر، وكان المفروض أن تحمل هذه القذائف ناسا وحيوانا ومواد أخرى؛ كالطعام والماء ~~والأكسيجين وبعض الآلات. # وشرع العلماء يكتبون عن القمر، وكان الرأي الذي انتهوا إليه هو أن القمر جزء من الأرض، ~~وأنه نزع من فجوة في المحيط الهادي، وموارده هي موارد الأرض، وكان المفروض أنه ليس به هواء ~~يمكن للإنسان أن يتنفسه، ولكن العلماء الذين بحثوا عناصر القمر قالوا إن الأحجار التي فيه ~~تحوي عنصر الأكسيجين، فإذا نقلنا معنا آلات تفرز العناصر والغازات، استطعنا أن نستخرج من ~~القمر جميع العناصر التي بالأرض من غاز ms74 إلى سائل إلى جامد، بل استطعنا أيضا أن نصنع الماء؛ ~~إذ هو مركب من الأكسيجين والأيدروجين، وكلاهما يوجد في القمر مختلطا بمواد أخرى. # وكان المفروض أيضا أن ننقل إلى القمر رجالا ونساء وصبيانا مع أكبر عدد ممكن من ~~الحيوانات والنباتات النافعة، وعلى هذا الأساس اختير عدد كبير من المتطوعين من أمم ~~مختلفة. # وكنت أنا أحد هؤلاء، وكان على القذيفة أن تخرج بسرعة كبيرة جدا من منطقة الجاذبية ~~الأرضية، ثم بعد ذلك تسير وحدها بقوة الاندفاع الأول نحو القمر، وكان حسابنا أن سياحتنا لن ~~تزيد على تسعة أيام، وكل ما كنا نخشاه هو أن القذيفة التي ستحتوينا قد تنفجر عند انطلاقها ~~وتذرونا هباء قبل أن نخرج من الأرض. # ولكن لم يحدث هذا؛ ففي صباح 7 نوفمبر من عام 1984، خرجت من الأرض عشرون قذيفة من أنحاء ~~مختلفة، وصلت جميعها سالمة إلى أنحاء مختلفة من القمر، وشرعت كل جماعة تعمل على دراسة ~~البقعة التي نزلت فيها، وتتصل بسائر الجماعات للاستنارة والاستعانة، وكانت المكالمات ~~الرديوئية لا تنقطع بينها والتفاهم تام. ~~••• # والآن أصف للقارئ كيف انقذفنا من الأرض نحو القمر؛ فقد صنعت لنا أنبوبة من مركبات معدنية ~~خفيفة، ولكنها متينة، وكان قطرها نحو سبعة أمتار، أما طولها فكان لا يقل عن ثلاثين مترا، ~~وكانت غرفا منفصلة؛ كان بعضها لرصد الكواكب والنجوم، وبعضها للحيوانات وبذور النباتات، ~~وبعضها للأطعمة والعقاقير، وبعضها للراحلين إلى القمر، وكان جزء كبير من هذه الأنبوبة ~~مخزنا للآلات والأدوات التي يمكن الانتفاع بها في العودة إلى الأرض. # وقد صنع للأنبوبة مخزن أرضي حشي بالمواد الانفجارية، وأطلقت بمقاييس دقيقة، وأحسسنا ~~بهزة عنيفة عند انفصالنا من الأرض واندفاعنا في الفضاء، وبعد ثلاث ثوان أطلق صاروخ من خلف ~~الأنبوبة، ثم صار يطلق صاروخ كل ثانيتين، وبقينا على ذلك نحو أربع ساعات كنا قد قطعنا فيها ~~مسافة بعيدة من الأرض، ودخلنا، أو أوشكنا على أن ندخل منطقة الفضاء التي تضعف فيها جاذبية ~~الأرض، وبعد أقل من يومين صرنا نحس أننا نسير في الفضاء بلا جاذبية؛ فلم تكن ms75 الأرض، وكذلك ~~لم يكن القمر، يجاذباننا، ولكن اتجاهنا كان يسير نحو القمر بقوة الاندفاع الأول ... وكنا ننظر ~~إلى الأرض، فكانت تبدو لنا كما لو كانت قمرا يزيد مساحة وضوءا نحو عشرة أضعاف القمر الذي ~~كنا نسير نحوه. # وهنا حدثت مأساة ما زلت أذكرها؛ فقد كنا قد حملنا معنا الكثير من الحيوانات، وكانت عندنا ~~شاة وكلبة تأثرتا بالصدمة الأولى عند اندفاعنا من الأرض، وكانت كلتاهما تقيء ولا تأكل، ثم ~~ماتتا. # وخشينا أن تتعفنا، ووكل إلي إخراجهما من الأنبوبة، وكانت لها أبواب كثيرة، ورأيت أن ~~أقذف بهما في اتجاه ينحرف عن سيرنا؛ حتى لا تسيرا معنا في اتجاهنا نحو القمر، وكانت الغرف ~~تحتوي حواجز عديدة كان علينا أن نقفلها واحدا بعد آخر حتى لا يتسرب الهواء إلى الفضاء، وما ~~زلت أجرهما حتى انتهيت إلى آخر غرفة وقذفت بهما بأقصى ما يستطيعه ذراعي من الدفع. # ورأيت عندئذ منظرا لن أنساه؛ فإن الشاة والكلبة اندفعتا في الفضاء، وكانت الشاة تسير ~~وخلفها الكلبة وكأنهما تسبحان، وكان الفضاء خواء، فأقفلت الباب الزجاجي وبقيت أرقبهما وأنا ~~في فتنة بهذا المنظر، وجعلت أتأملهما وأفكر أن هاتين المسكينتين ستجوبان الفضاء وهما على ~~هذه الحال مليون سنة، ألف مليون سنة، وليس هناك ما يعوقهما، ولن تتعفنا، ولن يحيق بهما ~~بلى أو فناء؛ إذ لا يمكن أن يحيا الميكروب فيهما؛ لأنه يحتاج إلى الهواء، كما لا يمكن ~~التفاعل العضوي الداخلي أن يفكك أجزاءهما. # وقد مضى على هذا الحادث أكثر من سنتين، وما زلت أحس عندما أذكر أن الشاة والكلبة تسبحان ~~في الفضاء الأبدي، كما لو كانت سكين تقطع رأسي، أو أحيانا أستيقظ من النوم فزعا من ~~الرؤيا، وأحيانا أجدني أقول لنفسي: # وماذا علينا إن كنا أبقيناهما ثم دفناهما في أرض القمر كما هو حق الموتى؟ إنهما في ~~الفضاء الآن وسيكونان في الفضاء بعد ألف مليون سنة، إلى الأبد، إلى الأبد، يدوران مع ~~الكواكب ويسيران مع المجرات. ~~••• # وقبل أن نصل إلى القمر بنحو ساعتين جهزنا الآلات التي نحتاج إليها للخروج من الأنبوبة ms76 ~~وللهبوط بها سالمين على أرض القمر، وكان كل منا في شكة تشبه شكة الغطاسين، وكان ~~داخل الشكة مخزن صغير للأكسيجين وبعض الغازات الأخرى. # وأمضينا الساعات الأخيرة قبل وصولنا إلى القمر ونحن نتأمله، وكان صحاري قاحلة، وهوات ~~تشبه فوهات البراكين، وحولها جبال عمودية كأنها أسوار مبنية. # وصادف هبوطنا النهار، فلم نخرج؛ لأن الشمس كانت تضرب أرض القمر وترفع الحرارة فيه إلى ~~درجة غليان الماء على الأرض، وانتظرنا إلى قرابة الغروب، فخرجنا وجولنا فيه قليلا، ثم عدنا ~~عندما أمسينا؛ لأن درجة الحرارة نزلت إلى الصفر، بل تحت الصفر بكثير. # وكنا - بالطبع - نعرف كل هذا، وكنا ننتظره قبل الوصول إلى القمر؛ ولذلك أعددنا مساكن من ~~الزجاج الطري، وكانت الجدران طبقات لا تنفذ منها حرارة الشمس في النهار، كما لا تتسرب حرارة ~~المسكن إلى الخارج في الليل. # وكنا قرابة أربع مئة من الرجال والنساء، وشرعنا منذ وصولنا في رصد الأجواء القمرية، وفي ~~البحث عن الماء، وغازات الأكسيجين والأيدروجين، والنباتات والحيوانات. # وقد خابت آمالنا، أو بالأحرى لم نجد ما كنا نحلم به، ولكن لم يكن فينا واحد من الأربعمائة ~~غير متخصص في عمل كيميائي أو بيولوجي أو معدني أو صناعي؛ ولذلك شرعنا نستخلص الغازات ~~الحيوية من صخور القمر، ونبني بيوتا للنبات والحيوان ونصنع الماء، واستطعنا أن نجد - قبل ~~أن يمر علينا عام - فجوات وتخاريب في الأسوار والجبال لا تحرقها الشمس، بل وجدنا فيها عددا ~~غير صغير من النباتات والحيوانات البدائية، فصرنا نأكل منها ونستنتجها بأساليبنا الأرضية ~~العلمية. # وشيدنا بيوتا كبيرة للسكنى، تعددت جدرانها وسقوفها، ووضعنا فيها هواء يتفق وحاجاتنا في ~~التنفس، فلم تكن حرارة النهار أو برودة الليل تؤثر فيها. # وبالطبع هناك من كانوا يعتقدون أن بلوغ الحرارة في النهار إلى درجة 100 فوق الصفر، وفي ~~الليل إلى نحو 100 تحت الصفر، كانوا يعتقدون أن هذه الحال لا تطاق، ولا يمكن للإنسان الأرضي ~~أن يتغلب عليها، ولكن الواقع أن هذا الاختلاف كان مصدر القوة لنا ونحن في القمر. # ألا تعرف أن مصانعنا وسياراتنا وقطاراتنا وطائراتنا ms77 على الأرض إنما تعمل كلها باختلاف ~~الحرارة داخل القاطرة أو الموطر أو الآلة البخارية وخارجها؟ # كنا على القمر نجمع حرارة الشمس ونسلطها على السوائل أو الغازات التي نجمعها فتتمدد ~~داخل خزانات قوية الجدارن، وكانت تبقى مضغوطة، فإذا كان الليل وهبط الترمومتر من 100 فوق ~~الصفر إلى 100 تحت الصفر أطلقنا الغازات فأدرنا بها آلاتنا وولدنا بها القوة الكهربائية ~~للإضاءة والإدارة وإيجاد الحرارة الملائمة لحياتنا وحياة النبات والحيوان . # كانت الشمس فحمنا وبترولنا في النهار، وكنا نجد فيها كنزا لا يفنى في إيجاد القوة ~~والتدفئة في الليل، وأصبح عندنا العديد من المصانع، ولكن أكثرها كان يتخصص في صنع الآلات ~~وبناء البيوت. # وكنا بالطبع نحيا حياة اشتراكية؛ فلم يكن لدينا ونحن أربع مئة شخص أكثر من عشرة بيوت، وقد ~~نجحنا في زراعة جميع الحبوب الغذائية التي كنا نزرعها على الأرض، وذلك بإيجاد المباني من ~~طبقات الزجاج التي تحمي النباتات من حرارة الشمس، وتمنع تسرب الهواء منها في الوقت نفسه، ~~فينمو النبات والحيوان فيها نموا سريعا عظيما. # وحدثت حوادث دلت على أنه لا يزال بيننا صغار من الرجال لم ينضجوا، ولم يعرفوا دلالة غزو ~~الإنسان للقمر، فمن ذلك أن أحد الإنجليز عندما هبط القمر أخرج راية إنجليزية وغرزها ~~وقال: ~~- هذا ملك بريطانيا. # وفعل مثله فرنسي، وفعل مثله ألماني. # وكان العقلاء يضحكون من هذه السخافات، ولكن الواقع أن هذه الرايات قسمتنا طوائف كما كنا ~~على الأرض، وحدثت حرب صغيرة انتهت بأن القمر للقمريين وحدهم، وأن اللغة العامة هي ~~الإنجليزية، وشرعنا ندرس كيف نؤسس مجتمعا جديدا بقوانين جديدة عن الزواج والطلاق وتربية ~~الأبناء ونظام الحكم، وكانت المناقشات تحتد بيننا، وكان أسوأ ما فيها أن بعضنا كان يريد ~~أن ينقل الحزازات الاجتماعية والعنصرية والدينية إلى القمر، حتى لقد حدث ما يشبه الحرب ~~الدينية. # ولكن العقلاء تغلبوا في النهاية، ومنعوا دراسة التاريخ الأرضي لمدة عشر سنوات؛ حتى ينسى ~~القمريون أصول شحنائهم على الأرض. # وكان أحسن الأوقات في القمر تلك الليالي التي كان يسطع فيها نور الأرض علينا بقوة ms78 كبيرة ~~جدا بحيث كان يستحيل الليل نهارا، ولكن بلا شمس، فكان يخرج كل منا في شكته التي تشبه ~~بذلة الغواص على الأرض ونتنزه ونلعب. # ومع أن هذه الشكة التي كان يلبسها كل منا لم يكن يقل وزنها على الأرض عن مئة رطل، ~~فإننا لم نكن نحس بثقلها؛ لأن الثقل هو في النهاية جاذبية، وجاذبية القمر صغيرة جدا، بل ~~إننا لو كان في استطاعتنا أن نسير على القمر دون أن تثقلنا هذه الشكة لكانت خطواتنا ~~وثبات نرتفع بها عشرة أمتار في الهواء وننزل ثانيا. # وكان اتصالنا الرديوئي بالأرض على أحسن ما يكون، وكنا نستمع إلى الإذاعات والأغاني، ونحس ~~أن مشكلات الأرض لم تعد مشكلاتنا؛ ولذلك أقمنا محطة إذاعية خاصة لنا، وكان مستواها الثقافي ~~عاليا؛ لأننا كلنا كنا من المتخصصين في العلوم. # وشرع بعضنا، بعد أقل من سنتين، يبحث موضوع الاستعداد لغزو الكواكب القريبة التي كنا ~~نرصدها من القمر بأفضل وأدق مما كنا نرصدها ونحن على الأرض؛ وذلك لأن طبقة الهواء التي تكسو ~~الأرض ليس لها ما يضارعها على القمر، والرؤية التلسكوبية - لهذا السبب - واضحة كل ~~الوضوح. ~~••• # وقد عدنا إلى الأرض ونحن عشرون في سنة 1987 بحسب تاريخ الأرض، (وسنة 3 بحسب تاريخ القمر)؛ ~~كي نشرح للأرضيين أحوال القمريين وندعوهم إلى الهجرة إلى القمر. # وقد مضى علي وأنا بالأرض نحو ستة شهور، وشوقي إلى القمر لا يعدله شوق؛ إذ هو خلو من ~~هذه الخلافات الأنانية الصغيرة التي تشغل الأرضيين، ولكن شيئا واحدا يؤلمني، هو هذه الشاة ~~والكلبة خلفها، تسيران في الفضاء إلى الأبد، إلى الأبد. ms79