######OpenITI# #META# URI: 1377SalamaMusa.InsanQimmatTatawwur.Hindawi35746947 #META# Tags: philosophy #META# ID: 35746947 #META# Title: الإنسان قمة التطور #META# AuthorID: 40515160 #META# Author: سلامة موسى #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # أعلام الطريق في تطور الإنسان‏ # حوافز التفكير في التطور‏ # داروين والتفكير الجديد‏ # البيئة تغير الأحياء‏ # نشأة الكون وتطوره‏ # خروج الأحياء المائية إلى اليابسة‏ # هل تنقرض هذه الحيوانات الجميلة‏ # إمارات الوحشية في حيواناتنا الداجنة‏ # نحن خمسة في هذا العالم‏ # الدماغ واليد واللسان‏ # هذا الإنسان‏ # العائلة الأبوية‏ # أصل العقل وتطوره‏ # الأفكار كلمات‏ # أعلام الطريق في تطور الإنسان‏ # حوافز التفكير في التطور‏ # داروين والتفكير الجديد‏ # البيئة تغير الأحياء‏ # نشأة الكون وتطوره‏ # خروج الأحياء المائية إلى اليابسة‏ # هل تنقرض هذه الحيوانات الجميلة‏ # إمارات الوحشية في حيواناتنا الداجنة‏ # نحن خمسة في هذا العالم‏ # الدماغ واليد واللسان‏ # هذا الإنسان‏ # العائلة الأبوية‏ # أصل العقل وتطوره‏ # الأفكار كلمات‏ # | الإنسان قمة التطور # | الإنسان قمة التطور # تأليف # سلامة موسى # | مقدمة # بقلم سلامة موسى # هذا الكتاب هو مزيج من العلم والفلسفة. # ونعني بكلمة العلم هنا أن الكتاب يحوي معارف جديدة عن تطور الأحياء، وهي معارف إن لم تكن ~~يقينا كاملا فهي تقاربه. # ونعني بكلمة الفلسفة أننا حاولنا أن نتعمق هذه المعارف؛ كي نصل منها إلى تعيين الأسلوب ~~وفهم الدلالة وتحديد الهدف في التطور. # ومجهودنا هنا أقرب إلى البصيرة والرؤيا منه إلى التحقيق العلمي والرؤية، ولا بد من ~~البصيرة حتى للمفكر العلمي. # ولسنا نقصد من التأليف عن التطور أن يعرف جمهور القراء حقائق هذه النظرية فحسب؛ لأننا ~~إنما نتوسل بهذه النظرية إلى أن نعمم مزاجا ذهنيا، واتجاها نفسيا، وخطة اجتماعية، نحو ~~التغير؛ أي: نحو التطور في الشعب وفي الفرد أيضا. # وليست الحياة شيئا شاذا في المادة تستحق عقائد معينة، فإن الظواهر العديدة في هذه ~~الكون، وليس في هذه الدنيا وحدها، تدل على أن المادة في تغير؛ أي: تطور دائم لا ينقطع، ~~ويمكن أن نسمي حركة الذرة والجزيء، وحركات الكواكب والنجوم؛ أنواعا من الحياة. # ومع أن التطور نظرية علمية، فإننا محتاجون إلى الفلسفة حين نكتب عن التطور في المستقبل؛ ~~أي: عن التوجيه والتعيين ورسم الأهداف لمستقبل الإنسان، وليس لدينا هنا يقين علمي وإنما نحن ~~نسترشد بالبصيرة المثقفة والتفكير الشامل. # والشاب الذي درس التطور ms01 في الأحياء؛ نباتا، وحيوانا، لا يتمالك أن يحس إحساسا دينيا ~~نحو الطبيعة، ثم إذا درس بعد ذلك تطور المجتمعات والأديان والعائلة والثقافة والعلم والأدب ~~والفن والحضارات، فإنه لا يتمالك أيضا أن يحس المسئولية نحو الوسط الذي يعيش فيه، ويجب أن ~~يؤثر فيه، للخير والشرف والسمو؛ لأنه هو نفسه قد أصبح جزءا عاملا في هذا التطور، ويمكن أن ~~يعد التطور بهذا الفهم دينا أو مذهبا بشريا جديدا. # ولم يكن التطور في ملايين السنين الماضية ارتقاء على الدوام، كما نفهم المعني «البشري» ~~لهذه الكلمة، ولكنه يجب أن يكون كذلك في المستقبل؛ لأن الإنسان كان في الماضي خاضعا، في ~~ذهول، لعوامل التطور البيئية، أما منذ الآن فإن التطور هو الذي سيخضع للإنسان عن وجدان ~~ودراية بما يتخذ من أساليب ويبين من أهداف في مصير البشر بعد ملايين السنين. # لقد كنا، قبل الطب، نمرض ونشفى بتأثير العوامل الطبيعية، أما بعد الطب فإننا صرنا نتسلط ~~على المرض ونمحوه بالدواء، وكذلك الشأن في التطور، فقد كنا نتغير في الماضي بتأثير العوامل ~~الطبيعية، أما بعد اهتدائنا إلى نظرية التطور فإننا أصبحنا قادرين على التسلط على العوامل ~~التي تغيرنا وتؤدي إلى ارتقائنا. # وفي هذا التفكير أو التوجيه الجديد رسالة تناشد في كل منا شرفه وشجاعته. # | أعلام الطريق في تطور الإنسان # أعلام الطريق هي علامات تقام على جانبيه تدل السائر على مقدار ما قطع من المسافات أو تشير ~~إلى الانعطافات، وأعلام الطريق في تاريخ الإنسان تدلنا على ارتفاعه في مراحل تطوره. # فليس شك أن الإنسان، بالمقارنة إلى الحيوان، يعد فذا، ولكن هذه الفذاذاة لا تخرجه من ~~المملكة الحيوانية، فإن أعضاءنا الداخلية وكذلك الأعضاء الخارجية تشابه، بل أحيانا تطابق، ~~ما عند الحيوانات من هذه الأعضاء، فإن تركيب العين البشرية لا يكاد يختلف من تركيب العين ~~عند السمك، وأيادينا وأرجلنا زعانف متطورة، ولا يزال هناك أسماك تسير على الأرض وعلى الشجر ~~بزعانفها، والقلب والكبد والقناة الهضمية والجهاز التناسلي والكليتان في الإنسان لها ما ~~يقابلها، وأحيانا يطابقها، مثل هذه الأعضاء في الحيوان ms02 . # ولكن الإنسان تفوق ورأس المملكة الحيوانية، لماذا؟ # الجواب هو: الدماغ الكبير. # ولكن هنا عوامل سابقة أدت إلى الدماغ الكبير، فما هي؟ # نحتاج لشرح هذه العوامل، إلى بعض التفصيل. # إلى قبل نحو عشرة ملايين من السنين كنا مثل سائر القردة التي تأوي إلى الأشجار تأكل من ~~ثمارها وحشراتها ونحتمي على غصونها من وحوش الأرض، وانتفعنا من الإقامة، ملايين السنين، على ~~الشجر؛ لأننا تعلمنا كيف نتسلق بأيدينا، فلم تعد اليد للمشي، وإنما صارت للتسلق، واستعمال ~~اليد للتسلق يؤدي إلى استعمالها للتناول، كما نرى في القط والفأر والسنجاب، ولكننا أيضا ~~كنا نجد الحياة في الليل أنفع لنا من الحياة في النهار، ولعل السبب لذلك ضعفنا وأننا لم نكن ~~لنستطيع مقاومة أعدائنا، فصرنا نحيى حياة سرية ننام في النهار ونختبئ ونستيقظ ونسعى في ~~الليل. # والرؤية في الظلام تحتاج إلى زيادة القوة في النظر، ولذلك اجتمعت العينان في الوجه بدلا ~~من أن تكون في الصدغين، وهذا شأن حيوانات الليل مثل الوطواط والبومة، وأقل منها في الفأر ~~والقط. # واجتماع العينين في الوجه لم يزد قوة النظر زيادة كمية فقط بل زادها زيادة نوعية؛ لأن ~~تقدير المسافات يحتاج إلى العينين، أما العين الواحدة فتخطئ المسافة. # ولذلك نستطيع أن نقول: إننا انتفعنا بمعيشتنا على الشجر بشيئين: # الأول: # إعداد اليدين للتناول عن طريق التسلق. # الثاني: # جمع العينين في الوجه مثل البومة والوطواط. ~~••• # ثم حدثت ظروف حملتنا على أن نترك الأشجار والحياة في الغابات إلى السعي على الأرض، في ~~السهول والوديان، ولا نعرف الأسباب على وجه الحقيقة، ولكن يمكن أن نحدس، فنقول: إنه ربما قد ~~حدث جفاف جعل الحياة في الغاية عسيرة، أو ربما ثقلت أجسامنا فلم نعد نجد سهولة في الانتقال ~~من غصن إلى آخر. # وعلينا أن نفهم أن كل هذا قد حدث في تدرج، فصرنا ننزل من الشجر ونستطلع ما حول الغابة من ~~سهول ووديان ونصيد الحيوانات الصغيرة بالعدو خلفها وإمساكها باليد وافتراسها. # وكنا بالطبع في ذلك الوقت نمشي على أربع أحيانا ونمشي على القدمين فقط أحيانا أخرى ms03 ؛ أي: ~~كنا مبتدئين في الإنسانية، ولكن رويدا رويدا تعلمنا كيف نسير على أقدامنا فقط؛ لأن هذا ~~الأسلوب الجديد في التنقل جعل إشرافنا على السهول والوديان أوسع مدى فصرنا نرى أكثر ونصيد ~~أكثر. # ثم إن انتصابنا على أقدامنا حرر أيدينا تحريرا تاما كي نتناول بها ونمسك؛ أي: نتناول ~~الحجر كي نلقيه على طريدتنا التي نريد صيدها، ونتناول الطريدة فنخنقها أو نمزقها ~~للطعام. # وهنا مرحلة في التطور يجب أن نقف عندها. # ذلك أننا وجميع الحيوانات تقريبا، مجهزون بخمس حواس، منها ثلاث يمكن أن نسميها حواس ~~المسافات. # ذلك أن حاستي اللمس والذوق لا تحتاجان إلى مسافة، ولكننا نحس على مسافة قريبة أو بعيدة، ~~ما نسمع أو نشم أو نرى. # وحاسة الشم على أعلاها في أحياء البحر والحشرات، وفي بعض الرواضع مثل الكلب، ولكنها على ~~أضعفها عندنا؛ ذلك لأننا كدنا نستغني عنها بالعين والأذن. # عيوننا ارتقت بمعيشتنا السابقة في ظلام الغابة وفي السعي بالليل، فلما تركنا الغابة إلى ~~السهول والوديان وجدنا القيمة العظمى للعين؛ لأن النظر بسط أمامنا من المسافات ما جعلنا ~~نشرف به على أكبر مساحة ممكنة من الأرض. # والسمع حاسة مسافية أيضا ولكنها أقل قيمة من النظر. # ووقوفنا على أقدامنا مع العينين جعل إشرافنا كبيرا، فصرنا نرى أكثر مما لو كنا على أربع، ~~ورؤيتنا الكثير حولنا جعلنا نقارن ونتعقل ونجمع القليل من السمع إلى الكثير من النظر، ثم ~~نقارن ونتعقل. # السمع والنظر أوجدا الوعي «أي الوجدان» في الإنسان. # أوجدا بداية الوعي الذي لا يكاد حيوان الشم والسمع يعرفه؛ لأن ما يعرفه هذا قليل. # الزرافة والفيل والثور والفرس أعلى منا قامة، وهي ترى أكثر منا أو على الأقل مثلنا بحاسة ~~النظر؛ أي: الحاسة الأولى في المسافات، ولكنها لم تتطور وترتقي مثلنا، فلماذا؟ ~~••• # هنا علم آخر في طريق التطور والارتقاء. # نحن نقف وقفة عمودية على أقدامنا، ولذلك نستطيع أن نحمل في رءوسنا دماغا كبيرا ثقيلا، ~~ولو كنا نسير على أربع لما استطعنا أن نحمل هذا الدماغ، نحن نحمل دماغا عموديا والحيوان ~~يحمله أفقيا. # احمل ms04 عشرة أرطال وارفع ذراعك بها عمودية فوق كتفك تجد الحمل خفيفا ولكن ابسط ذراعك ~~أمامك أفقيا مع الحمل تجده ثقيلا. # قامتنا المنتصبة التي يسرها لنا وقوفنا على أقدامنا يسرت لنا نمو الدماغ، ووقوف هذا النمو ~~عند أخواتنا القردة العليا الأربعة الأخرى يعود في كثير منه إلى أنها لم تنتصب تماما، وذلك ~~أيضا لأنها لم تترك الغابة إلى الآن. # إن التطور قد أعدنا للذكاء عن طريق قدمينا قبل أن يعدنا له عن طريق رءوسنا. # وأصبحت حواس المسافات، الشم والسمع والنظر، تغذي الدماغ بالأخبار، وهذا يقارن بينها ويفرز ~~ويميز ويتعقل؛ أي: يجد الوعي. ~~••• # ثم ظهر عامل جديد خطير في ارتقاء الإنسان، ارتقاء دماغه؛ أي: زيادة ذكائه؛ أي: زيادة ~~وعيه. # ذلك أنه عرف اللغة؛ أي: الكلمات. # اللغة تحتاج إلى الحياة الاجتماعية؛ إذ هي للتفاهم؛ أي: أن يفهم واحد ما يقوله الآخر؛ أي: ~~أن اللغة ليست اختراع فرد وإنما هي اختراع جماعة. # لما خرجنا من الغابة إلى السهول والوديان كان خروجنا جماعات كي نتربص بالفريسة وكي نتجمع ~~للدفاع، فكنا في حاجة إلى الكلمات التي تهمس أو نزعق بها للتنبيه أو التحذير. # اللغة «حاسة» جديدة، حاسة مسافية مثل العين والأذن. # ولكنها حاسة للجماعة، وهنا نجد أن الحنجرة، مثل القدمين قبل ذلك بملايين السنين، قد خدمت ~~التطور بمعاونة اللسان. # إن كل كلمة فكرة، وتسجيل الكلمات في الدماغ هو بمثابة تسجيل الأفكار، وهذه الأفكار تتصادم ~~وتتفاعل في الدماغ الذي يكبر وينمو كي يستوعبها. # كما تكبر العضلة بتناول الشيء الثقيل وتكرار تناوله، كذلك يكبر الدماغ بتناول الأفكار ~~وحفظ معانيها وترتيبها. # ومع الكلمات كنا نضع بعض الأدوات للصيد، وتشكيل الأداة وصنعها وتناولها، وحركات الصيد ~~والاجتماع للتربص، ثم اقتسام الفريسة وتمزيقها، كان كل هذا يحتاج إلى كلمات تعين كل درجة من ~~درجات هذا المجهود، والكلمات تبعث التفكير، والتفكير يؤدي إلى تكبير الدماغ كما لو كان عضلة ~~تكبر بالمرانة ورءوسنا الكبيرة هي التي تجعل مقامنا فذا بين الحيوانات؛ لأنها ميزتنا ~~عليها بالذكاء. ~~••• # ممارسة الصيد، وصنع الآلات للصيد، كلاهما أدى إلى اختراع ms05 اللغة، وكلاهما احتاج إلى اجتماع ~~الأفراد. # ومضت حقبة كبيرة جدا، لعلها تقاس بملايين السنين، كان فيها الإنسان صيادا لا أكثر، ~~ومعظم خرافاته جاءت من هذه الحقبة حين كان يستعين على الصيد بعقائد السحر والدين. # ذلك أن الصيد خطر، والصائد عرضه لأن يكون فريسة ما يصيد، ولذلك كان الخوف يعم الصائدين ~~ويحملهم على التشبث بأية عقيدة تلهمهم بعض الاطمئنان. # وظهر حجاب المرأة في ذلك الوقت. # ذلك أن أشأم كلمة أيام الصيد كانت كلمة الدم؛ إذ هي تحمل معنى القتل، ولما كانت المرأة ~~تحيض كل شهر كانت لذلك يحرم على الرجل الاقتراب منها أو حتى رؤيتها قبل الخروج للصيد حتى لا ~~يتشاءم بالدم، وأصبحت المرأة «نجسة» أيضا، وتزداد نجاستها حين يغزر الدم كما في الولادة ~~ومن الدم عرفت كلمة «دميم»؛ أي: الكريه الوجه. # وبقيت الشعوب التي تمارس الصيد تستنجس المرأة حتى حين ارتقت من الصيد إلى رعاية ~~القطعان. # والصيد يؤدي إلى الرعاية. # فالصائد حين يصيد أنثى الوحش تبقى أطفالها معها حتى وهي ميتة. وقد يحملها الصائد إلى ~~زوجته وأولاده، فتنمو وتكبر، ثم تكون تربية الحيوانات واستئناسها، ومضت قرون في رعاية ~~القطعان والتنقل من مرعى إلى سهل، فظهر نظام القبائل واستبدل الإنسان الراعي الإيمان بإله ~~واحد في كل مكان، بالسحر والشعوذة، ولكن هذا الإيمان بإله واحد، استحال بعد الزراعة، إلى ~~الإيمان بالتعدد الوثني. # ثم عرفت الزراعة بعد ذلك، وقريبا جدا؛ إذ هي لا تزيد على 15 ألف أو 20 ألف سنة، ~~والمرجح أنها نشأت في مصر؛ لأن انتظام الفيضان كان يحمل على التفكير، فيفهم الإنسان أن ~~الماء هو الأصل في نمو النباتات، وجميع الآلهة المصرية القديمة هي آلهة الزراعة والماشية، ~~فإن آمون يحمل قرنا «للماشية» وأوسير تخرج سنابل القمح أذنيه «للزراعة»، وهاتور البقرة ~~«اللبن». # وباستقرار الإنسان على الزراعة ظهرت الحضارة؛ لأن الزراعة هي أولى درجات الحضارة؛ إذ هي ~~اقتضت إيجاد حكومة للأمن العام، ثم ديانة للطمأنينة على الزرع، ثم صناعات زراعية ... ~~إلخ. # ونستطيع أن نعين مراحل الارتقاء أو التطور البشري بهذه الأعلام التالية: ms06 ~~(1) # حياة الإنسان في الغابة علمه التسلق على الشجر، فهيأ يديه بالتسلق للتناول ~~والإمساك كما هيأه بعض الشيء، للمشي على قدميه. ~~(2) # حياته في الليل أدت إلى جمع عينيه في وجهه بدلا من أن تكون كل منهما في أحد ~~صدغيه فصار النظر أدق. ~~(3) # لما ترك أشجار الغابة مشى على قدميه أو شرع في ذلك. ~~(4) # كبرت فيه، وهو في السهول والوديان، حواس المسافات؛ أي: السمع والشم والنظر، ~~وأهمها النظر. ~~(5) # هذه الحواس زادت وعيه؛ أي: وجدانه بما حوله، فكبر. ~~(6) # الإقامة في الوديان أو السهول تعني الصيد جماعات؛ أي: تعني الإنتاج بالتفاهم، ~~فظهرت اللغة؛ إذ هي خاصية اجتماعية وليس فردية؛ لأن غاية اللغة هي التفاهم، ~~والتفاهم يحتاج إلى اثنين أو أكثر. ~~(7) # صار التعاون على الصيد يحمل على تأليف كلمات واختراع الأدوات والتفكير في ~~الوسائل، فزاد التصور، والتصور يعني الفكرة العامة التي تشمل الأشياء أكثر مما ~~يعني الفكرة الخاصة، وأدى كل ذلك إلى تكبير الدماغ. ~~(8) # أدى الصيد إلى عادات وخرافات اجتماعية، منها نجاسة المرأة. ~~(9) # كذلك أدى الصيد إلى رعاية القطعان فكان الإيمان بإله واحد. ~~(10) # ثم ظهرت الزراعة فبدأت الحضارة الأولى. ~~(11) # لما عمت الزراعة جزءا كبيرا من الأرض في وادي النيل، احتاجت إلى الدين ~~والحكومة وإلى شيء من العلم «مثل تقويم السنة» وإلى الكتابة؛ لأن الغرض الأول ~~من الكتابة كان تسجيل مقدار الدخل الحكومي من الزراعة. ~~(12) # ظهور الكتابة أدى إلى الثقافة. # الزراعة أنتجت الحضارة. # والكتابة أنتجت الثقافة. # وبالكتابة توسع التفكير البشري ووجدت كلمات التعميم والشمول، وأصبحت «النظرية» ممكنة، ~~وصار الذكاء مدربا على الفهم العام، ورويدا رويدا تحول البحث الديني القائم على العقائد ~~والخرافات إلى بحث فلسفي قائم على العقل والمنطق. # | حوافز التفكير في التطور # من أعظم ما أخر الشعوب العربية عن المساهمة في الموكب العلمي العصري أن فني الرسم والنحت ~~كانا مجهولين عندها، ولا عبرة برسم هنا وهناك على قماش أو خزف؛ لأننا نعني أن يكون الرسم ~~فنا يحيا به وله فنانون محترفون، وكذلك الشأن في النحت. # فقد ورث الأوروبيون فن النحت عن الإغريق والرومان الوثنين، وابتدعوا ms07 هم فن الرسم، ولم ~~يجدوا مانعا من التقاليد في ذلك. # ثم حين جاء ميعاد النهضة استطاع الباحثون في علوم الإنسان والنبات والحيوان والطب ~~والطبيعيات أن يستخدموا فن الرسم في تطوير هذه الأشياء، فتقدمت علومها بذلك، وهنا حيل بين ~~العرب وبين متابعة هذه العلوم بهذا التحريم الذي ذكرنا لفني الرسم والنحت، ثم يضاف إلى هذا ~~تحريم التشريح للجثث البشرية. # وهناك قصة معروفة عن اثنين من اللغويين العرب أيام العباسيين فقد تحدى أحدهما الآخر في ~~قدرته على تسمية أعضاء الفرس، ولكن الثاني تحداه أن يعين الأسماء للأعضاء على جسم الفرس؛ إذ ~~كان الأول قد حفظ الأسماء من الكتاب وليس من الفرس. # ولو كان العرب قد مارسوا الرسم والنحت لما كان يمكن أن تقع هذه الحادثة. # ونذكر هنا كتابا فرنسيا ألفه رجل يدعى بيلون في سنة 1555؛ أي: قبل 400 سنة، وقبل كتاب ~~داروين «أصل الأنواع» بأكثر من 300 سنة، وقد أسماه «تاريخ طبيعة الطيور» ولم يكن في ذهنه ~~شيء عن معنى التطور، ولكن كتابه هذا، برسومه ومقارناته بين الصور، أوحى فكرة التطور وحفز ~~على بحثها، ونحن ننقل منه رسمين أحدهما معظم «أي الهيكل العظمي» إنسان والثاني معظم طائر ~~وقد قابل بين الرسمين عظمة لعظمة كي يوضح أن المبنى العظمي في الإنسان لا يختلف كثيرا عن ~~المبنى العظمي في الطائر، والحق أن المتأمل يعجب من التقابل، ولولا المنقار البارز لأنكر ~~أنه ينظر إلى معظم طائر إزاء معظم إنسان. # وربما كان أول من لمح التطور هو «بوفون» الذي بحث هذا الموضوع، وهو على وعي؛ أي: وجدان، ~~بقيمة النظرية في منتصف القرن الثامن عشر، فإنه عرف الأحافير؛ أي: الأحياء المنقرضة التي ~~بقيت متحجراتها في القشرة الأرضية، فذكر أحافير النبات والفحم وأحافير السمك في الإردواز، ~~وكتب في 1778 مقالا جاء فيه: # إن الحمار ينتمي إلى الجواد ولا يختلف منه إلا في التعديلات ... وإن الإنسان والقرد ~~يعودان إلى أرومة واحدة مثل الجواد والحمار، وإن كل عائلة، سواء من النبات أم ~~الحيوان، قد اشتقت من أصل عام، بل إن ms08 جميع الأحياء قد نبعت من نوع واحد مفرد، وهذا ~~النوع، بمرور العصور، قد أعقب جميع السلالات المعروفة الآن. # وهذه الكلمات تدل على أنه كان «يؤمن» بنظرية التطور، ولكنه كان «يؤمن» فقط إذ إنه لم ~~يستطع التعليل العلمي لتطور الأحياء ولذلك لا تعزى إليه النظرية. # وربما كان أعظم ما فتح الأذهان إلى النظرية أن لينيوس السويدي عمد إلى ترتيب النباتات ~~لغويا، بحيث نستطيع أن نعين الاسم لنبات نجهله، وكان بتحري المشابهة والتناظر بين ~~النباتات، ومع أن غايته كانت لغوية فإنه نص على أننا حين نسمي نباتا يجب ألا نخرج عن ~~القرابة القائمة بينه وبين نبات آخر في التكوين النباتي. # ومع أنه لم يفكر بتاتا في التطور، ومع أنه كان يعتقد أن الأحياء النباتية مخلوقة كما هي ~~وعلى ثبات لا يتغير، فإن ترتيبه اللغوي أدى إلى ترتيب ذهني، فبسط بذلك الميدان للتفكير ~~التطوري ليس في النبات فقط بل في الحيوان أيضا. # وقد مات لينيوس عام 1778. # قلنا: إن بوفون قد لمح التطور، وإن لينيوس بسط الميدان بترتيبه اللغوي لأسماء النباتات، ~~وبعد ذلك جاء لامارك الذي أعده أنا أعظم من داروين من حيث إصابته في تعليل التطور بأنه يعود ~~إلى العادات التي يتعودها الحي؛ نباتا أم حيوانا، من تغير الوسط ومن مرانته على أن يلاءم ~~بين أعضائه وبين هذا التغير، ثم توارث الأبناء لهذه التغييرات، وكتاب لامارك «فلسفة العلوم ~~الحيوانية» أخرجه عام 1809؛ أي: قبل كتاب داروين بخمسين سنة تماما. # ثم جاء داروين وأخرج كتابه «أصل الأنواع» في 1859 ولم ينكر فيه أن الوسط يغير الحي، ولكنه ~~لم يعتمد كثيرا على هذا العامل؛ إذ هو اعتمد على عوامل أخرى في التطور، هي: ~~(1) # أن الأحياء؛ نباتا وحيوانا، تكثر بالتناسل بحيث لا تجد الغذاء الكافي لها ~~جميعا، وعندئذ: ~~(2) # يحدث «تنازع البقاء»؛ أي: أن الحي ينازع الحي الآخر على الطعام، والبقاء ~~للغالب الذي يقتل غريمه، وهو يغلبه لأنه قد حصل على: ~~(3) # ميزات وراثية على غريمه هيأت له النصر، ولكننا لا نعرف كيف نشأت هذه ~~الميزات. ~~(4) # هذه الميزات تتوارث، ms09 وعندئذ تتغير الأعقاب عن الأسلاف. ~~(5) # التغير ينشأ بسيطا كما نرى في السلالات التي أحدثناها نحن في الكلاب مثلا؛ ~~إذ إن عندنا منها 185 سلالة. ~~(6) # إذا طال الزمن صارت السلالات أنواعا مستقلة حتى إنه لا يخصب بينها ~~التلافح. # وأوجد داروين عبارة «تنازع البقاء»، وأوجد هربرت سبنسر كلمة «التطور»، وكلتاهما كانت أداة ~~أو خميرة مخصبة للتفكير في القرن التاسع عشر وبداية هذا القرن، ونحن نعزو نظرية التطور إلى ~~داروين؛ لأنه علل النظرية بتعليلات عديدة كثير منها مقنع. # ولكننا ما زلنا إلى الآن في مشكلة داروين ولامارك، وهي: هل التطور يحدث بتأثير البيئة ~~التي تعلم الحيوان عادات كما يقول لامارك أم بعناصر وراثية نجهلها تحدث «تنازع البقاء» بين ~~الأحياء التي ورثتها كما يقول داروين؟ # الذي أعتقده أن التطور يحدث بتأثير البيئة، وأعنى بالبيئة هذا المناخ والغذاء وأسلوب ~~العيش والأمراض والأعداء؛ لأن الحي يستجيب لكل هذه الأشياء بأن يتخذ عادات معينة في ~~المقاومة والملائمة والرجوع والاستجابات، ثم تتكرر هذه العادات في أبنائه وأحفاده من ~~الأجيال القادمة حتى تثبت وتصير وراثية لها أعضاء معينة تعين الوظائف. ~~••• # وقد تأخرت فكرة التطور في الشرق والغرب معا بسبب الأديان التي نصت على قصة آدم وحواء ~~كأنها الأصل الوحيد لظهور الإنسان، وأن من يقول بغير ذلك يعد كافرا. # ولكن القرنين الثامن عشر والتاسع عشر كانا عصر النقد للأديان كما كانا عصر التسامح الذي ~~انتهى إليه الأوروبيون وعملوا به بعد حروب دامية حطمت القيم الإنسانية وعممت البغض، ولكنها ~~انتهت بإيثار التسامح على التعصب، وأن لكل إنسان الحق في أن يؤمن بما يشاء، فلم يعد أحد ~~يخشى التفكير في أصل الكون أو الإنسان؛ لأن الدين يقول بنص أو رواية أو أمر يجب أن نصدقها ~~ونطيعها. # وانتهت أوروبا، بفضل لامارك ثم داروين، إلى الإيمان بفكرة التطور، فكرة أولا، ثم عقيدة ~~بعد ذلك وانتقلت من ميدان الأحياء في النبات والحيوان، إلى ميادين أخرى في الحضارة ~~والاجتماع. # بل أخذت عقيدة التطور هنا مكان العقيدة الدينية وأصبحنا نفهم منها أن الأخلاق أيضا ~~تتطور، وأن معاني ms10 الارتقاء هي أيضا معاني التطور، بل إن يعقوب صروف مؤسس المقتطف كان يسمي ~~نظرية التطور: نظرية النشوء والارتقاء. # ومع أننا لا نستطيع أن نجزم بأن كل تطور هو ارتقاء فإن موكب الأحياء في الألف مليون سنة ~~الماضية هو على وجه عام موكب الارتقاء من حياة الغيبوبة والغريزة في الخلية الأولى إلى حياة ~~الوعي والعقل في الإنسان. # وقد تأخرت أقطار الشرق العربي في الأخذ بنظرية التطور وتأخرت بذلك ثقافتها، حتى إننا لا ~~نجد إلى الآن كتابا عربيا مثلا في «تطور الأديان» أو «تطور المجتمع العربي» أو «تطور ~~الأخلاق» ولا يمكن أن توجد مثل هذه المؤلفات المنيرة المبصرة إلا بعد أن تسلم الجماهير ~~العربية المتعلمة بأن التطور عقيدة بل ديانة كما هو حقيقة، وهذا ما لم يتحقق إلى الآن ~~للأسف. # ومن العجب، بل من المحزن أيضا، أن نجد الزنوج في إفريقيا الغربية يسمون أنفسهم «متطورين» ~~إذا كانوا قد ارتقوا وأخذوا بأسلوب العيش والتفكير العصريين وانفصلوا من حياة الغابة ~~والقبيلة التي كان يحياها آباؤهم. # هذا ما نجد بين الزنوج في إفريقيا الغربية، ولكننا لا نجد في الأقطار العربية إلى الآن ~~«متطورين»، ولست أقصد بذلك أننا ما زلنا بعيدين عن معنى النهضة، ولكني أقصد إلى أن مغزى ~~التطور قد فهم في إفريقيا الغربية ولم يفهم في الأقطار العربية. # ومعنى التطور هدم وبناء. # هدم لتقاليد الماضي وبناء لتقاليد المستقبل. # إن الفرخ لا يخرج من البيضة إلا بعد أن يكسرها، والبذرة لا تنمو شجرة باسقة إلا بعد أن ~~تتفتت وتنمحي. # ودعاة التقاليد يدعون في الحقيقة إلى الجمود حتى تبقى البيضة بلا كسر والبذرة بلا تفتت، ~~ويقابل هؤلاء دعاة التطور حيث التحرر من التقاليد والأخذ بأسلوب العيش والتفكير ~~العصريين. # إن التقاليد تعوق التطور، والاستعمار يأكل ويشبع من الشعوب التي تجمدت بالتقاليد وسيطرت ~~عليها الأديان التي تعلمها أن السعادة في عالم آخر وليست في هذا العالم، وأن العقيدة ~~الدينية أهم من البترول. # والنظرة الموجزة لأقطار الشرق العربي توضح لنا كيف أن التفكير السائد يتجه نحو الماضي، ~~وحسب القارئ، ms11 أن يذكر «الأدباء» الذين يؤلفون عن المشاكل الدينية وأشخاص التاريخ قبل ألف ~~سنة ويعدون هذه الأبحاث أدبا أو «ثقافة» تنفع العرب. # إنها ثقافة بلا شك، ولكنها ليست الثقافة التي تحتاج إليها جماهير العرب التي تنشد القوة ~~في المستقبل. # إن برنارد شو يتحدث عن «شهوة التطور»، وهو ينصح بتنقيح الدين مرة على الأقل كل ~~سنة. # أي أنه يجد في الدين قواعد وسلوكا للحياة وليس قواعد وسلوكا للعالم الآخر، فيجب أن ~~تتغير هذه القواعد وفق التطورات الاجتماعية والاقتصادية. # فعلى أبناء الشعوب العربية أن يجعلوا من التطور عقيدة بل عقيدة دينية إذا كفر بها إنسان ~~فإنه لن يعاقب على كفره بجهنم بعد الموت، ولكنه يعاقب بالموت أو الفقر والذل وهو حي في هذا ~~العالم. # ولو كانت لي السيطرة على الأقطار العربية لقررت ترجمة مئة كتاب عن تطور الأحياء والأخلاق ~~والمجتمعات والأديان والصناعات والاقتصاديات ونحوها حتى يتغير العرب وحتى يأخذوا بالابتكار ~~والاختراع والقوة والثراء بدلا من أن يلتزموا تقاليدهم ويبيعوا بترولهم بأبخس الأثمان مع ~~أنه وقود الصناعة التي كان يمكن أن ترفعهم إلى أرقى مكانة بين الشعوب المتمدنة. # | داروين والتفكير الجديد # «أنت لا تعني إلا بالصيد والكلاب، وإمساك الجرذان، وسوف تكون عارا على نفسك وعلى ~~عائلتك». # هذه هي الكلمات التي تلقاها داروين من أبيه في وقت كان يلوح لأي إنسان يتأمل داروين أنها ~~صحيحة، وأن هذا الشاب قد خاب الخيبة التامة، فقد تسكع في دراسات مختلفة، ولكنه لم يستقر على ~~واحدة منها، فقد التحق بكلية الدين ثم تركها، والتحق بكلية الطب ثم تركها، وفي غضون ذلك كان ~~يلعب، أو على الأقل كان يبدو كأنه يلعب، يخرج إلى الحقول ويجمع النباتات، ويصيد الحشرات ~~ويقارن بين النباتات، ويفكر تفكيرا سريا كأنه يتآمر على الكون كله، كي يغيره أو يغير ~~البصيرة البشرية فيه. # والآن بعد أكثر من مئة سنة من هذه الكلمات القاسية التي قالها أبوه عنه لا يعد داروين ~~عارا على عائلته بل هو فخر أمته يتباهى به التاريخ الإنجليزي، وبعد نحو خمسين سنة من هذا ms12 ~~التوبيخ الأبوي تأمل داروين حياته الماضية، ومبلغ ما أتمه من الخدمة في التوجيه. # مني للعالم فقال: «أظن أن أبي قد قسا علي بعض القسوة». # ومات داروين في عام 1882 بعد كفاح ثقافي طويل، ونحن الآن بعد وفاته بأكثر من خمسين سنة، ~~نستطيع أن نقول: إنه أكسبنا فهما جديدا للطبيعة والكون والإنسان، وزودنا بمنهج للتفكير لم ~~نكن نعرفه من قبل، فإن كتابه «أصل الأنواع» الذي أخرجه في عام 1859 حمل إلى القراء شيئين: ~~أولهما معارف تكاد تكون حقائق عن أصل الأنواع في الحيوان والنبات، وأنها جميعها ترجع إلى ~~أصل واحد أو أصول قليلة، وثانيهما منهج للدراسة هو أن الاستقرار لا يعرف في الطبيعة، أو ~~الإنسان والحيوان والنبات في تغير مستمر. # ونحن الآن لا نبالي الحقائق أو المعارف التي شرحها داروين، ولكننا قد اتجهنا الوجهة التي ~~عينها لنا، فنحن نفكر في التطور، ونفكر متطورين، وأصبح التطور حقيقة علمية نقيسها بالمليمتر ~~والميلجرام في الحيوان والنبات، كما أصبح أيضا مذهبا دينيا، أو مبدأ أخلاقيا عند ~~المثقفين، وانفسح به التاريخ البشري آفاقا إلى ملايين السنين، بل مئات الملايين خلف البشر ~~وبعد البشر. # لقد قيل: إن جاليل حط الإنسان من عليائه، حين أعلن أن الأرض ليست مركز الكون، وأنها كوكب ~~صغير يدور حول الشمس، ولعل الشمس أيضا نجم صغير لا يختلف عن ملايين النجوم التي نراها كل ~~ليلة في المساء، ولكن داروين رفع الإنسان إلى هذه العلياء من جديد، وأثبت أنه لم يكن عاليا ~~فسقط، وإنما هو كان ساقطا يعيش على حضيض الطبيعة حيوانا كسائر الحيوانات والحشرات، ثم ~~ارتفع، وبهذه الكرامة الجديدة انتقل من أسر القدر، وأحس أنه تاج التطور، وأن له الحق في ~~تدبير هذا العالم، وفي تعيين السلالات القادمة، بل ماذا أقول في إيجاد الأنواع البشرية ~~الجديدة. # ومع ذلك لا أعتقد أن داروين نفسه كان يقدر الطاقة الكامنة في نظريته، ولا ينتقص هذا من ~~عظمته، فإن تفكيرنا الشخصي يسير بقوات اجتماعية، لا نكاد نبصر بها أو نتعمق أصولها، ذلك ~~أننا نفكر بحوافز من العواطف ms13 التي نكتسبها من المجتمع، بما يفرضه علينا من القيم والأوزان، ~~وما يرسمه لنا من المطامع والآمال، والمجتمع يطالبنا باستجابات مختلفة تستحيل في كياننا ~~النفسي إلى عادات عاطفية لا نستطيع الخروج منها، فنفكر في منهج خاص هو ثمرة هذا التوجيه ~~الاجتماعي الذي لا نحسه لأنه لا يرتفع إلى وجداننا وتعقلنا. # ولذلك نستطيع أن نقول: إن نظرية داروين وجدت الحافز الأول على التفكير فيها من المجتمع ~~الذي عاش فيه داروين، ذلك أن داروين قضى من زهرة حياته إلى نضج الشباب وإيناع الكهولة فيما ~~بين 1830 و1860، وكان عمره وقتئذ بين العشرين والخمسين، وكانت إنجلترا في تلك السنين ترقى ~~وتزيد بالحركة الصناعية الجديدة، فالمصانع تحتشد بالعمال من الرجال والنساء والصبيان، ~~والثروات تنمو، والمزاحمة على أقصاها، وإنجيل النجاح يدرس، ويعبد، والسياسة تخدم الاقتصاد ~~وتضرب الأمم النائية وتؤسس الأسواق في المستعمرات وأصبحت إنجلترا سيدة البحار؛ لأنها احتاجت ~~إلى أكبر أسطول يحمي مستعمراتها وأسواقها التي تباع فيها مصنوعاتها الفائضة. # وعاش داروين في تنازع البقاء هذا الذي لا يفتر في لنكشير وغيره من الأقاليم الصناعية في ~~إنجلترا. # وفي تلك السنين أيضا قرأ كتابا أحبه وتعلق به؛ لأنه وجد في نفسه الاستجابة لنظرياته بما ~~تكون له من عواطف أحدثها الوسط الصناعي الإنجليزي، هو كتاب القسيس مالتوس عن السكان، فإن ~~هذا القسيس كان من المحافظين الإنجليز الذين يكرهون العامة، ولا يرون فيهم سوى غوغاء، فلما ~~انفجرت الثورة الفرنسية واستولى بها الشعب على حقوق السادة من الملوك والعظماء ثم أعلن ~~رجالها مبادئ الإخاء والمساواة والحرية، فكر مالتوس كثيرا بحافز من عواطفه المحافظة، فأخرج ~~كتابه عن السكان، وكان المغزى الذي قصد إليه أن هذه الآمال في الإخاء والمساواة والحرية لن ~~تتحقق؛ لأن الدنيا لا تكفي الناس الذين يتوالدون على نظام تضاعفي 2 و4 و8 و16 ... إلخ، ولكن ~~المحصولات لا تنتج إلا على نظام حسابي 1 و2 و3 و4 و5 ... إلخ، فإذا عاش الناس بلا مرض أو حرب ~~أو حرمان لم تكفهم المحصولات، وإذن فالمرض والحرب والحرمان رحمة بالناس أو ضرورة لهم، ms14 وتأمل ~~داروين هذا الكتاب الذي ألفه مالتوس عن المجتمع البشري فتساءل: لم لا ينطبق هذا الكلام على ~~المجتمع النباتي والحيواني في الطبيعة؟ فإن الطعام لا يكفي جميع الأحياء التي تتوالد أو ~~تتكاثر بالألوف، فهي يجب كي تعيش أن يزاحم بعضها بعضا، فتكون الحرب بينها؛ أي: تنازع ~~البقاء، كما في لنكشير ومصانعها تماما. # وفي 1831 أنفذت الحكومة البريطانية سفينة البيجل كي تطوف حول العالم وتسبر الأعماق وتدرس ~~الشواطئ وتقيس الأبعاد، ولكن لماذا عمدت الحكومة البريطانية وحدها دون سائر الحكومات إلى ~~الاهتمام بهذا الموضوع؟ ما هي العاطفة الحافزة إلى هذه الدراسة التي لم تفكر فيها ألمانيا ~~أو روسيا أو إيطاليا. # العاطفة الحافزة اجتماعية أيضا، وذلك أن الحكومة البريطانية في تلك السنين كانت تخدم ~~الصناعة البريطانية؛ لأن السياسة على الدوام تسير خلف الاقتصاد، وكانت أسواق العالم وقفا ~~على المصنوعات الإنجليزية؛ لأن الحركة الصناعية الإنجليزية سبقت الحركات الأخرى في جميع ~~الأمم، فمن هنا كان الاهتمام بالبحار والملاحة والأقطار النائية، ومن هنا أيضا كانت الفرصة ~~لداروين في أن يلتحق بالسفينة «بيجل» كي يدرس الحيوان والنبات. # ولم يكن داروين جديدا في هذا البحث «أصل الأنواع» فإن لامارك الفرنسي سبقه إليه، وهو ~~صاحب القول بأن عنق الزرافة قد طال؛ لأنها بالمرانة التي ورثت جيلا بعد الجيل قد اشرأبت ~~وسعت للوصول إلى الغصون العليا في الأشجار، فكأن ما يكسبه الحيوان بجهده من صفات يورث جيلا ~~بعد جيل، بل إن جد دارون قد بحث هذا الموضوع، فكانت النظرية «في الهواء» تحتاج إلى من يرتب ~~أصولها وفروعها ويعلل مظاهرها. # كان داروين شابا في الثالثة والعشرين حين شرع في رحلته على البيجل، فلما وصل إلى أمريكا ~~الجنوبية، وجد حيواناتها ونباتها يختلفان عما هما في القارات القديمة، ثم لما وصل إلى الجزر ~~المنعزلة غرب أمريكا الجنوبية وجد أن انعزال الجزيرة يؤدي إلى انعزال الحيوان، فتكون له ~~أشكاله التي ينفرد بها من الأشكال العامة على القارات. # وإلى هنا يكاد يتوهم القارئ أنه ليس هناك أي فضل لداروين في تعليل النظرية، فقد سبقه ~~إليها ms15 جده كما سبقه إليها لامارك الفرنسي، ثم هناك الظروف الأخرى، مالتوس وقلة الإنتاج ~~الغذائي إزاء تضاعف السكان، ثم تنازع البقاء وبقاء الأصلح وفناء الضعيف في المزاحمة العنيفة ~~في لنكشير حيث الحركة الصناعية في عنفوانها. # ولكن لا! لأننا مع التسليم بأن الوسط الاجتماعي أو البيئة الثقافية في أوسع معانيها، حين ~~تشمل المعيشة والاتجاه والعادات والعواطف، هي الحافز للتفكير، فإننا مع ذلك يجب ألا تغفل ~~الشخصية؛ إذ لو لم يكن داروين ذكيا لما فكر في هذا الموضوع الخطير، ولما جعله هدفه في ~~الحياة. # لقد قال داروين عن نفسه: «إن الحقائق تضطرني إلى الاعتراف بأن عقلي لم يخلق ~~للتفكير». # وقد ظلم داروين نفسه بهذه الكلمات، ولكن الحقيقة أنه لم يعرف نفسه؛ لأن الواقع أنه لا ~~يقول هذه الكلمات إلا رجل مفكر قد أسرف في التفكير وعني العناية الكبرى بغربلة الحقائق ~~من المعارف، وعرف الصعوبة الكبرى في هذا الجهد، ولو أنه لم يكن يجهد لما قال هذه الكلمات؛ ~~إذ إنها ما كانت لتخطر في باله. # الحقيقة الواضحة من حياة داروين أنه احترف التفكير، وأنه كان مريضا أو متمرضا في نفسه ~~حزازة قديمة هي جرح الكرامة، هذا الجرح الذي أحدثه أبوه وغيره فيه كما نرى مثلا من وصف ~~أبيه له بأنه سوف يكون عارا لعائلته، فقد كان لا ينام في الليل إلا بعد أرق الساعات وكان ~~في هذه الساعات يفكر ويؤلف، فإذا جاء النهار كتب كلماته القليلة، ثم يبقى سائر نهاره ~~مريضا، ومرضه هو هذا المرض النفسي الذي يخترعه النيوروزي ويعيش به ويستقر عليه، كأنه يقول: ~~طلبتم مني النجاح والتفوق، وكيف أستطيع هذا وأنا مريض؟ # مرض يصون الكرامة المجروحة «أنت عار لعائلتك» وفي الوقت نفسه يهيئ الفرصة للتفكير في ~~حضانة ليلية يسميها الأصحاء أرقا، ولو أن داروين نجح وصار قسيسا أو طبيبا كما كان يشتهي ~~أبوه لكسب العالم قسيسا أو طبيبا يمارس حرفته ويكسب منها، ولكن العالم كان يخسر عندئذ هذه ~~العبقرية المريضة التي زعزعت الثقافة من أساسها، بل زلزلتها وعينت أهدافا جديدة ~~للإنسان. # كان ms16 داروين يكرر كلمة مألوفة بين أصدقائه هي «معدتي الملعونة» والترجمة السيكلوجية لهذه ~~الكلمة هي: أريد أن أقعد وأتكاسل وأفكر ولا يساعدني على هذه الحال إلا معدة ملعونة تزكيني ~~وتسوغ لي الكسل والتفكير والتأليف. # وهذا الكسل من أعجب صفات داروين، وهو صفة المريض النيوروزي الذي يكره النشاط ويرفض ~~المعالجة لأي عمل؛ لأنه يخشى النقص؛ أي: لأنه يخشى أن يقصر عن التمام، فقد بقي داروين نحو ~~ثلاثين سنة وهو يفكر في التطور، ولكنه لا يخرج كتابه عنه ولا يكتب مقالا، ثم حدث حادث ~~أزعجه فانتفض منه، هو أن وولاس كان في بعض الجزر التي تقع في الجنوب الشرقي من آسيا يجمع ~~الأزهار والحشرات ويحنطها ويبعث بها إلى الجمعيات العلمية، وكان مشغولا بالموضوع نفسه؛ أي: ~~التطور، وكان يعرف أن داروين مشغول به أيضا فأرسل إليه رسالة علمية يشرح فيها رأيه في هذا ~~الموضوع، وصعق داروين إذ وجد أن وولاس قد سبقه إلى تعليل التطور بأن الطعام قليل في ~~الطبيعة، وأن التوالد كثير بين أنواع الحيوان والنبات، فلا بد أن يكون هناك تزاحم؛ أي: ~~مسابقة من أجل الطعام، وفي هذا التزاحم أو المسابقة لا يبقى غير الأقوى الأصلح ~~للبقاء. # وسارع داروين إلى إبلاغ الهيئات العلمية في إنجلترا عن رسالة وولاس، وشرع هو أيضا يؤلف ~~كتابه «أصل الأنواع»، ونستطيع أن نتخيل داروين في حزنه ونزاهته معا، ولكن وولاس بعد ذلك ~~بسنين اعترف بأن العالم كسب ولم يخسر بتزعم داروين لهذه النظرية؛ لأنه كان أوفى منه معرفة ~~وأنصع بيانا وأدق منطقا. # وأخرج داروين كتابه «أصل الأنواع» في 1859 فتغيرت الرؤية والرؤيا البشريتان. # وكثير من النظريات التي غيرت التفكير البشري تبدو غاية في السهولة والبساطة، حتى ليتساءل ~~الناس: كيف جهل السالفون هذه النظرية على وضوحها؟ # فإن داروين يتحدث عن الحمام والكلاب وغيرها مما يربيه الناس وكيف استطاعوا أن يخلقوا ~~العشرات والمئات من السلالات الجديدة، وما استطاعه الإنسان في مئات السنين القليلة قد ~~استطاعته، وأكثر منه الطبيعة في ملايين السنين الماضية، حتى أخرجت الأنواع فضلا عن ~~السلالات، فهناك ms17 في الغابات والبحار والجبال والسهول إنتاج محدود من الطعام، ولكن هناك ~~توالد يتضاعف بين الحيوان والنبات ولا يمكن أن يكفي الطعام هذه الملايين بل ملايين الملايين ~~من النبات والطعام، فلا بد إذن من أن تتنازع الأفراد لأجل البقاء؛ أي: لأجل الحصول على ~~الطعام، وقد يكون السبب للتفوق في هذا التنازع ثم البقاء خفيا، هو كما في النفس الأخير في ~~صراع يدوم الساعات، أو في القدرة على الجوع أو العطش، أو في طرق الحماية للنسل، أو في ~~القدرة على التطفل، أو في الجرأة والبطش. # وما دام كل فرد يولد مختلفا عن الآخر في الحيوان والنبات، فإن هذا الاختلاف ينطوي بلا شك ~~على ميزة أو عجز، فهو يساعد في الحال الأولى على البقاء والانتصار في معركة الحياة، وهو ~~يهيئ له الهزيمة في الحال الثانية، ولا نعرف الأسباب لهذا الاختلاف، ولكننا نشاهده ونعلم ~~به، ولذلك لا بد أن يستمر التغيير جيلا بعد جيل، فإذا تراكمت التغيرات أحدثت السلالات ~~الجديدة، وإذا زاد الاختلاف بين السلالات ظهرت الأنواع الجديدة. # وعلى هذا يجب أن نسلم بأن الأحياء؛ نباتا وحيوانا، ليس الآن كما كانت قبل مليون أو مئة ~~مليون سنة؛ لأنها دائمة التغير والتطور، وليس الاستقرار والثبات طبيعة الأحياء؛ لأن التغير ~~والتطور هما طبيعتها، ونستطيع أن نستنتج أنه ما دام لنا تاريخ ماض في التطور فسوف يكون لنا ~~تاريخ قادم أيضا تتغير فيه الأحياء. # وهذا هو المغزى الخطير الذي انتهى إليه قراء داروين، وهو أن الحياة في بوتقة لم تتجمد قط، ~~وأن البوتقة لا تزال تصهر وتخرج عناصرها ومركباتها، وهذا هو التوجيه الجديد الذي سدد ~~داروين عقولنا إليه، ونحن في بداية هذا التوجيه الذي يخشى كثير منا مغزاه؛ لأنه يحمل في ~~طياته مشروعات بشرية خطيرة. # لقد عالج داروين تطور الأحياء، وحاول تعليل التطور ونجح إلى حد ما في هذا التعليل، ولكنه ~~لم ينجح كل النجاح، وذلك لأن عواطفه الاجتماعية التي اكتسبها من المزاحمة الصناعية التجارية ~~في لنكشير، ومن كفاح الإمبراطورية لخطف الأسواق، وإذلال الأمم، هذه العواطف هي ms18 التي حملته ~~على أن يكبر من شأن التنازع، تنازع البقاء، وحال بينه وبين رؤية التعاون في الطبيعة؛ لأن ~~الواقع أن البقاء عن طريق التعاون بين الحيوان والنبات أكبر وأوسع من البقاء عن طريق ~~التنازع. # ونحن نعرف الآن كثيرا؛ أي: أكثر مما كان يعرف داروين، ولكن لداروين فضل التوجيه وتعيين ~~الخطط للبحث، وأنه زودنا برؤية بشرية جديدة، فقد نقلت نظرية التطور من الأحياء في الطبيعة ~~إلى الناس في المجتمع، وصار من المألوف أن نجد دراسات منظمة عن الأخلاق والأديان وفق ~~النظرية التطورية ما كنا لنراها لولا داروين. # وانبسطت للبشر آمال في المستقبل، وتغير معنى الارتقاء البشري؛ لأننا نقلنا هذا المعني من ~~وسط الإنسان إلى الإنسان نفسه، بل أصبح التطور فنا نمارسه في إيجاد سلالات جديدة من القطن ~~أو القمح أو الفاكهة وقد اجترأ هتلر وأعوانه على أن يفكروا في سلالات بشرية جديدة. # | البيئة تغير الأحياء # لم يكن داروين أول من دعا إلى مذهب أو نظرية التطور؛ فقد سبقه إلى ذلك «لامارك» و«بوفون» ~~وهما فرنسيان من رجال النهضة الثانية أو الاشتعال الذهني الثاني في أوروبا. # والاشتعال الذهني الأول هو ما يسمى النهضة الأوروبية فيما بين عامي 1450 و1550 ومعظم ~~رجاله من الإيطاليين، وإليهم ينتمي من جاء في أعقابهم «بيكون» الإنكليزي، و«ديكارت» ~~الفرنسي. # ولكن هناك اشتغالا ذهنيا ثانيا سطح نوره في جميع أرجاء أوروبا هو النهضة الفرنسية ~~التي بدأت بفولتير وروسو وديدرو وانتهت بالثورة الكبرى. # وكان لامارك وبوفون من العلميين الذين حرروا أذهانهم ورفض هؤلاء العلميين قصة الخلق كما ~~روتها التوراة وعمدوا إلى استقراء الكائنات، وكانت ثمرة تفكيرهم أن الأحياء تطورت من أصل أو ~~أصول قليلة، وأن أعظم العوامل لهذا التطور - بل يكاد يكون العامل الوحيد - أن الحي الذي ~~يعيش في بيئة تطالبه بعادات معينة تقتضيه جهدا، يورث هذه العادات أبناءه رويدا رويدا ~~وجيلا بعد جيل إلى أن يظهر جيل ثبتت فيه العادة وصارت جزءا من كيانه الفسيولوجي - ~~كالزرافة تعتاد مد العنق إلى الغصون العالية أو الأعشاب البعيدة على الأرض فتنشط العضلات ~~ويطول ms19 العنق بالمجهود الفردي - ثم تتوالى هذه العادة جيلا بعد جيل فإذا بنا نصل بعد إلى ~~جيل قد تطورت فيه الأعناق فطالت. # أو اعتبر الجمل، فقد اعتادت أسلافه أن تبرك ويتصادم جلدها بالحصى الجارحة، وكما يحدث لنا ~~أن يؤدي ضيق الحذاء إلى تقسية الجلد كذلك أدت الحصى إلى تقسية الجلد في مواضع اللمس للحصى، ~~ثم انتهت هذه العادة بأن صارت وراثية ينشأ بها صغار الجمال ولها ثفنات خشنة. # وكان هذا التعليل كافيا للتسليم بصحة التطور، ولكن أوروبا لم تكن قد وصلت إلى نقطة ~~الإيمان بهذه النظرية، وقد كان جد داروين «أرازموس داروين» يعتمد على وراثة العادات، ولكن ~~جاء حفيده تشارلز داروين فأخرج كتابه «أصل الأنواع» في عام 1859 واستعرض فيه شأن العادات أو ~~كما كان يقال وقتئذ «الصفات المكتسبة»، وجعل جل اعتماده على تنازع البقاء والانتخاب ~~الجنسي. # وكان منطق داروين واضحا يجذب بل يفتن العقل، فقد ضرب مثلا بالحيوانات المدجنة كالحمام ~~والأرانب والكلاب، وقال: إننا ندجنها؛ أي: نجعلها دواجن ونختار تلك الصفات التي نريد ~~استبقاءها ونشرها فنقصر التناسل على الأفراد التي امتازت بها، ونحن نرى مئات من السلالات ~~التي أوجدناها في الدواجن نرى صفة ما فنستلقح أفرادها حتى تكثر هذه الصفة، وفي الوقت نفسه ~~نستبعد غيرها مما لم تحز هذه الصفة فتنقرض. # وما يحدث بين الدواجن المستأنسة يحدث أيضا في حيوان الغابة ونباتها المتوحشين؛ أي: تظهر ~~صفة جديدة لا نعرف سبب ظهورها، فإذا كانت تعين على البقاء؛ لأنها تزيد الملائمة، بقيت ~~وتفشت، وإذا كانت تضر صاحبها مات هو وانقرض. # كان هذا جل اعتماد داروين في تعليل التطور، ولكنه أيضا التفت إلى ما يسمى «الانتخاب ~~الجنسي» عازيا إلى الحيوان اختيارا فنيا في الجمال والذوق، والتفت قليلا جدا، إلى ما ~~أشرنا إليه وهو العادات والصفات المكتسبة، فقال: إنها تورث ولكن بعد أجيال عديدة، حتى لا ~~نستطيع أن نعتمد على أثرها في التغير والتطور. # وانتشرت نظرية التطور في أوروبا وأصبحت كلمة التطور ترادف كلمة «الداروينية» منذ عام ~~1859، حتى إذا كانت سنة 1885؛ أي: بعد ثلاث ms20 سنوات من وفاة داروين أخرج «فايسمان» البيولوجي ~~الألماني كتابه المعنون ب«نظرية استمرار المادة الوراثية». ~~••• # وفشت هذه النظرية كما لو كانت عقيدة ووقفت البحث نحو أربعين أو خمسين سنة في وراثة الصفات ~~المكتسبة، وأحالت الوراثة إلى ما يشبه الحظ أو القدر الأعمى، فكانت بمثابة الجبرية العلمية، ~~نحن والحيوان نولد وبنا كفايات للكفاح والبقاء أو للموت والانقراض، ومهما جهد آباؤنا ومهما ~~نالوا من كفايات في حياتهم فلن نستطيع الانتفاع بهذه الكفايات؛ لأن طفل الحيوان يولد من ~~الخلية المنوية، وهذه الخلية تعيش حياة مستقلة عن الجسم، جسم الطفل ثم الصبي ثم الشاب ثم ~~الشيخ، وهي تظهر منذ أول التكوين للجنين؛ إذ نجد خليتين إحداهما تلك التي ينمو بها الجسم ~~الحيواني والإنساني والأخرى تلك التي تتخصص للتناسل، وهذه تبقى خادرة كأنها نائمة إلى سن ~~الشباب إلى حين تشرع في التكاثر وتؤدي إلى التناسل، وما يحدث للجسم إذا من ضعف أو جهد أو ~~قطع ذراع أو أي عادات يعتادها الحيوان أو الإنسان، كل هذا لا يؤثر في الخلية المنوية؛ لأنها ~~إنما تقطن الجسم فقط وتتغذى بالدم الذي يجري فيها ولكنها لا تتأثر به. # وإذا مهما يعيش الإنسان في وسط سيئ ومهما يكتسب في هذا الوسط السيئ من عادات مؤذية قد ~~تحيله إلى مجرم أو وحش فإن أبناءه سيخرجون وهم غير متأثرين بحياة الشر والإجرام التي ~~عاشها. # وهذا هو عكس ما كان يفهمه «لامارك» وسائر التطور بين الفرنسيين؛ إذ كانوا يقولون بأن ~~العادات التي تعودها الحيوان والبراعة التي كسبها في حياته تنتقل رويدا رويدا إلى أعقابه؛ ~~أي: أنها تبدأ وظيفية ولكنها تنتهي عضوية؛ كالزرافة تمد عنقها كي تنال الغصون العليا أو ~~الأعشاب البعيدة عن الأرض، فلا تزال هي وأعقابها يفعلن ذلك بضع مئات أو عشرات المئات من ~~السنين حتى تنتقل الوظيفة «مد العنق» إلى العضو «العنق الطويل». # وقد استفظع الأدباء والفلاسفة هذا المذهب، مذهب داروين، فحملوا عليه، وكان أولهم صموئيل ~~بطلر، وكان أعظم من برنارد شو، وذلك لأن لهذا المذهب زاوية اجتماعية هي أنه مهما نشرنا ms21 من ~~تعاليم وتربية فلن تتأثر الأجيال القادمة، فكأن في القول باستقلال الخلية التناسلية تبريرا ~~لأي عسف يقع بالجيل الحاضر بل لإهمال هذا الجيل من ناحية تثقيفية أو تمدنية. # كان هذا موقف الأدباء والفلاسفة، أما العلميون فقد استسلموا عند الصدمة الأولى لفايسمان، ~~وقالوا: هذه نظرية قد قامت على التجربة فيجب أن نسلم بها وننتظر تجارب أخرى تنقضها، إلا ~~هربرت سبنسر الذي صرح بأنه ليس هناك ما يعلل التطور غير العادات المكتسبة، والتجارب في ~~الوراثة تقتضي انتظار مئات الأجيال المتعاقبة. # ولكن المشاهدة تقوم مقام التجربة، ولذلك شرع العلميون يستقرئون النبات والحيوان في ~~أوساطها الطبيعية كي يعرفوا إذا كانت العادات الجديدة التي يكتسبها كي يلائم بين كفاياته ~~وبين وسطه تورث أم لا؟ # وإنما قلنا: «أوساطهما الطبيعية» لأن داروين أسرف في الالتفات إلى الأوساط غير الطبيعية ~~التي نحدثها نحن للدواجن، فقد رأى أن الدواجن كالحمام والدجاج والخراف والماشية بل حتى ~~الإخوة تختلف، ولا نستطيع تعليل هذا الاختلاف، ولكننا نفرض حدوثه في الغابة وفي السهل ~~والجبل والبحر والنهر، ونقول: إن هذا الاختلاف قد يعمل لبقاء القرد أو لفنائه، ومن هنا ~~تنازع البقاء ثم التطور بتجمع صفات ناجحة نافعة لبعض الأفراد وبجعلها تعيش وتتناسل فتكون ~~السلالة الجديدة بعد ذلك النوع الجديد. # ولكن اتضح لهؤلاء الباحثين أن ما يحدث للدواجن لا يحدث للأوابد؛ أي: لتلك الأحياء ~~المتوحشة التي تعيش في الغابات ... إلخ. # وذلك لأن التدجين، بما فيه من حياة غير طبيعية، يفسد الحي نباتا كان أو حيوانا، وهذا ~~الإفساد هو بمثابة المرض الذي لو نشأ مثله بين الأوابد لماتت؛ لأن هذه التغييرات الكثيرة في ~~أفراد الدواجن إنما هي استجابة الحيوان لغذاء سيئ أو لحبس يمنع الحركة، أو هي استجابة ~~النبات لسماد كثير، وفي الطبيعة لا تحدث هذه الاختلافات والتغيرات الكثيرة، ولو حدثت لأبادت ~~الأحياء؛ إذ هي ضد مصلحتها وبقائها. # ونحن الآن على مسافة تزيد على ستين سنة من نظرية فايسمان، ولذلك نستطيع أن ننقدها، وأحسن ~~الناقدين لها في تطور الحيوان هو الأستاذ فريدريك وود جونز، فإن كتابة ms22 «العادة والوراثة» هو ~~الرد الحاسم على فايسمان، وهو أيضا إحياء لنظرية «لامارك»؛ أي: تعليل التطور بأن الأبناء ~~يرثون عادات الآباء أو بكلمة أخرى أن الصفات المكتسبة تورث. # وأول ما يلتفت إليه وود جونز أن الخلايا التناسلية التي يزعم فايسمان أنها مستقلة تؤثر في ~~الحي نموا وشكلا كما نرى مثلا في الخصيان الذين لا تنمو لحاهم وشواربهم بعد قطع خصاهم، ~~وكذلك يتغير النمو في بعض أعضائهم، وهذا لأن قطع الخصيتين يحرم الجسم من هورموناتهما فلا ~~ينمو النمو السوي. # فإذا نحن سلمنا بأن الجسم يتأثر بالخلايا المنوية، فلم لا تتأثر الخلايا المنوية ~~بالجسم؟ # ثم يجب أن نعود إلى الخلايا البدائية مثل الأميبة، فإننا نجد هنا أن الأميبة هي جسم تندغم ~~فيه الوراثة مع النمو؛ لأنها هي خلية واحدة فما يؤثر في النمو يؤثر أيضا في الوراثة، بل ~~إننا نستطيع أحيانا أن نعالج الخلية البكتيرية التي تحدث مرضا ما بحيث نستنتج منها سلالة ~~تنقسم وتتكاثر، وهي خلو من القدرة على إيجاد المرض، وهذا مألوف في العالم ~~البكتريولوجي. # ومعنى هذا أن الصفات المكتسبة تورث في الأحياء التي يتألف كل فرد منها من خلية ~~واحدة. # ثم نحن نعرف أن التكاثر ممكن أن يحدث في النبات الذي يمتاز ببذور مثل اللبخ، وذلك بأن ~~نزرع أجزاء من سيقانها التي تنمو كما لو كانت قد نمت من البذور ... ومعنى هذا الاستقلال ~~المزعوم بين جسم الحي وبين الخلية اللغوية غير صحيح؛ لأن الجسم يؤدي عمل الخلية المنوية في ~~الوراثة. # وهناك مثلا البيجونيا التي يمكن أن نزرع أوراقها فتنمو كما لو كانت بذورا، والبيجونيا ~~نبات مزهر؛ أي: أن لها بذورا؛ أي: خلايا تجمع العناصر الوراثية، ونحن نزرع «الككتوس» # Cocrus # أي: التين الشوكي من السيقان وليس من البذور، ~~والألواح في الككتوس هي السيقان، والإبرهي الأوراق. # وهناك أيضا حيوانات غير الأميبة، مؤلفة من أجسام كبيرة تحمل خلايا جنسية مثل الحيوان ~~«الهيدرا» # Hydra # فإن التكاثر يمكن أن يتم فيها على ~~طريقة التكاثر في اللبخ والبيجونيا؛ أي: أننا نقطع جزءا صغيرا من لحمها فينمو ms23 إلى الحيوان ~~الكامل كما لو كان قد نشأ من الجراثيم المنوية. # ومعنى هذه الأمثلة: الأميبة والهيدرا واللبخ والككتوس، أن العناصر الوراثية ليست محصورة ~~في خلايا وراثية مستقلة بل إنها تنتشر في جسم الحي كله، ولذلك يجب أن نستنتج أنه إذا تعود ~~الحيوان أو النبات من هذه الأربعة التي ذكرناها وهي تمثل عشرات الألوف من الأحياء؛ إذا تعود ~~عادات استجاب لها لتغيير غذائي أو جوي، فإن هذه العادات التي ستغير جسمه ستغير أيضا ~~سلالته؛ لأن سلالته هي بعض جسمه قد نمت من الورقة أو الساق في النبات أو من خلايا الجسم في ~~الحيوان. # وهناك نرى بكل وضوح أن الانفصال المزعوم بين الخلية الجسمية والخلية الوراثية غير صحيح - ~~وأن الاثنتين تندمجان في أحياء كثيرة - بل هناك أكثر من هذا وأبرز في الدلالة، فإن ماتيسين ~~العالم الروسي نشر كتابا في كياف سنة 1901 قال فيه: إنه استطاع أن ينزع مبيض الأرنبة، ثم ~~نما مبيضان آخران مكانهما، ثم قام بذلك العالمان الأمريكيان كاسيل وفيليبس بنزع المبيض في ~~الأرانب أيضا فعادا إلى النمو وصح الحمل الذي تكون من مبيضين جديدين، وفي سنة 1925 أثبت ~~دافنبور ذلك أيضا في الفئران. # أي أن الأرانب والفئران مثل الهيدرا والأميية والبيجونيا واللبخ تتناسل عن طريق النمو من ~~خلال الجسم، وإن كانت الحال في الأرانب والفئران تقتضي نمو المبيضين من جديد. # بل إن وود جونز يذكر أن هناك عددا غير صغير من النساء قد نزع جزء كبير من مبايضهن مع بعض ~~الأنابيب الفالوبية ثم استطعن بعد كل ذلك أن يحملن، ومعنى هذا أن الخلايا التناسلية قد تنشأ ~~في الإنسان من خلايا الجسم غير التناسلية كما يحدث في الهيدرا والفأر، ولذلك نستنتج أن ~~نظرية، أو بالأخرى عقيدة، فايسمان في انعزال الخلايا المنوية الوراثية أو استقلالها ~~الفسيولوجي ليست صحيحة، وأن المبدأ عام في النبات والحيوان وهو أن الخلايا المختصة بالوراثة ~~تنشأ من خلايا الجسم نفسها، ثم - وهذا هو ما تكبر قيمته الاجتماعية في الإنسان - إنه لقاء ~~التأثير الذي تحدثه الخلايا المنوية في ms24 الإنسان، كذلك هناك تأثير آخر تحدثه خلايا الجسم في ~~هذه الخلايا المنوية، وبكلمة أخرى، أن حياتنا وما نكابد فيها من رجوع واستجابات للوسط الذي ~~نعيش فيه تعود فتؤثر في الخلايا الوراثية وتغير للخير أو للشر في أعقابنا؛ أي: أن الصفات ~~المكتسبة تورث. ~~••• # كل هذا الذي ذكرت هو مقدمة الموضوع، ولكن هذه المقدمة مع ذلك أطول من الموضوع، ففي النصف ~~الأول من هذا القرن اسم رجل عظيم يدعى ميتشورين ~~“Michurin” # يحتفل الروس بمرور مئة سنة على ميلاده، واسم ثان هو ليسنكو ~~“Lissenico” # الذي لا يزال حيا يتلقى من الروس والصين وسائر الشعوب التي دخلت ~~في نظام الاتحاد السوفيتي الاحترام والإكبار كما يتلقى السباب من كثير من «العلميين» في ~~الأمم الغربية وخاصة بريطانيا والولايات المتحدة. # هذان الرجلان أرصدا حياتهما لشيء واحد هو أن ما يقال عن الوراثة وجمودها بقانون مندل وبأن ~~خلاياها خاصة مستقلة عن جسم الحيوان والنبات، وبأن الصفات المكتسبة أو العادات المتكررة في ~~حياة الفرد لا تورث؛ هذا القول هراء لا أصل له في الطبيعة. # وتجارب هذين العالمين في النبات فقط وليست في الحيوان، ولكن ليس هناك أدنى فرق في العوامل ~~الوراثية بين النبات والحيوان. # وما هي تجاربهما؟ # أستطيع أن أحصرها في مبدأين: # الأول: # تربية النبات على عادات جديدة في غذائه ونموه وهوائه وتربيته، وهذه ~~العادات ترثها أعقابه فيحدث التغيير بظهور سلالات جديدة. # والثاني: # زعزعة الوراثة المنينة في النبات بشيء من التهجين حتى يستطيع التخلص من ~~الروابط أو القيود الوراثية السابقة وينطلق في الأخذ بالبيئة ~~الجديدة. # ولنبدأ بالمبدأ الثاني قبل الأول. # عوامل الوراثة قوية، فإذا شئنا أن ننزعها حتى يتقبل الحي؛ حيوانا كان أم نباتا، وسطا ~~جديدا ويأخذ بعاداته البيولوجيا الحيوية فإننا نعمد إلى تهجينه، كأن نطعم النبات بفرع من ~~النبات الآخر، هذا الفرع يتغذى من الأم التي تختلف عن أمه الوراثية فتتزعزع كفاءته الوراثية ~~ويعود خضوعه للوسط الجديد أكبر وأعمق مما لو كان سليما خالصا في وراثته. # وعندئذ، وهنا المبدأ الأول، نأخذ هذا الفرع الذي تربى على أم أخرى ms25 غير أمه، أو نأخذ ~~البذور التي نشأت عليه فتزرعها؛ نزرع البذور أو الغصون التي نشأت ونمت على الغصن الذي طعمنا ~~به الشجرة ثم نربيه، نربي البذور أو الغصن وذلك بأن ننقله من وسطه الأول أو وطنه الأول الذي ~~عاش فيه قرونا فنزرعه في مكان ينأى عنه بنحو ثلاث مئة كليو متر، وهذا المكان أدفأ أو أبرد ~~أو أرطب أو أجف، وهنا يتعلم النبات حياة جديدة. # ثم نأخذ البذر أو الغصن الناتجين فنزرعهما في بيئة تبعد نحو مئة أو مئتي كيلو متر وهلم ~~جرا.. وبعد مرور بضع سنوات نجد عندنا نباتا جديدا أو ثمرة جديدة لم يكن لها وجود من ~~قبل. # وبهذه الطريقة استطاع ليسنكو الذي ورث هذا الفن عن ميتشورين أن يزرع القمح بالقرب من ~~القطب الشمالي، وكذلك البرسيم والقنبيط والكرنب وعددا كبيرا من البقول والخضر. # واستطاع، وهنا موضع العجب، أن يتقدم بزراعة القطن المصري إلى مسافة 1500 كيلو متر نحو ~~القطب الشمالي. ~~••• # ودلالة هذا البحث الخطير أن الوسط الاجتماعي، الذي يشمل التعليم وتربية الأطفال ونظام ~~الزواج والارتزاق والأخلاق والأمراض والطعام والسكنى؛ كل هذا يؤثر في عادات الفرد ويستنبط ~~منه كفايات أو يقتل فيه كفايات، وقد كنا نحسب، بما زعمه فايسمان، أن كل هذا لن يؤثر في ~~الأعقاب القادمة لأن الخلايا الوراثية مستقلة منعزلة في أجسامنا كما نعيش نحن في مساكننا، ~~أما الآن فإننا مضطرون إلى التسليم بأن ما نكسبه من بيئاتنا يؤثر في أعقابنا؛ فإذا كنا مثلا ~~نعيش في بيئة نتزاحم فيها ونتحاسد ويكافح بعضنا بعضا من أجل العيش فإن ما نحس به من عواطف ~~كريهة في هذا التزاحم والتحاسد سوف ينتقل غرائز ثابتة في سلالتنا القادمة؛ لأن مجهودنا في ~~هذا التزاحم هو الآن وظيفي ولكنه سيستحيل عضويا في سلائلنا القادمة، كما ابتدأ اشرئباب ~~الزرافة إلى الغصون العليا وظيفة فقط ثم استحال عضوا في استطالة العنق، وهذا العنق لا ~~يحتوى غير سبع فقرات، ولكنه استطال باللحم والعصب ... إلخ. # وعلى العكس، إذا كنا نعيش في بيئة تعاونية تطالبنا بالحب والرفق ms26 والتعاون وتستنبط منا ~~أجمل الفضائل، فإن ما نمارسه عندئذ كوظيفة يستحيل بعد أجيال إلى غرائز عضوية؛ فيعيش أبناؤنا ~~بعد آلاف السنين وهم يتعاملون بالحب والرفق والتعاون. # والصفات المكتسبة تورث ، ولذلك يجب أن نسأل: ما هي الصفات التي نكتسبها في مجتمعنا الحاضر؟ ~~وهل نحب أن ترثها عنا الأجيال القادمة؟ ... أم نكره ذلك. # وإذا كنا نكره هذا الميراث فيجب أن لا نمارسه. # وقد وجد الاستعماريون من الأوروبيين أن نظرية فايسمان في الإكبار من شأن الوراثة ~~والانتقاص من قدر البيئة مبررا لسيادتهم الإمبراطورية على الشعوب الشرقية؛ لأن هذه النظرية ~~تفرض الكفاءة أو النقص البشري بعوامل وراثية تكاد تكون غيبية لا تفهم. # وإذن فرقي الأوروبيين ليس ناشئا عن بيئتهم الصناعية المدنية، وكذلك لا يرجع انحطاط ~~الهنود، مثلا إلى بيئتهم الزراعية، وإنما يرجع الرقي هنا والانحطاط هناك لعوامل وراثية ~~تشبه القضاء والقدر، ولذلك فليس هناك ضرورة لترقية الأحوال الاجتماعية عند الهنود؛ لأن ~~انحطاطهم ليس بيئيا وإنما هو وراثي أساسي لا يعالج. # وأيا ما كان فهذا الإيمان الجديد بانتقال العادات والصفات المكتسبة من الأسلاف إلى ~~الأعقاب قد نقلنا من جبرية الوراثة إلى حرية التوجيه والتدريب للنوع البشري بتعيين عادات ~~التعليم وأساليب العيش ونظم المجتمع حتى تنتفع بها السلائل القادمة من البشر. ~~••• # من داروين زعيم نظرية التطور إلى ميتشورين العالم النباتي الروسي الذي احتفلت المجامع ~~العلمية أخيرا «1855» بمرور مئة سنة على ميلاده. # داروين اعتمد على حقيقة جوهرية نسلم بها جميعا وهي أن الأبناء يختلفون عن الآباء، وأن ~~هذا الاختلاف إما فضيلة تعمل للبقاء، وإما رذيلة تعمل للفناء، في ميدان تنازع ~~البقاء. # ثم جاء فايسمان فقال: إن العناصر الوراثية لا تتأثر بالأم؛ أي: بالجسم الذي تقيم فيه؛ إذ ~~هي فيه بمثابة فرد يقيم في غرفة. # إذن لماذا يحدث التطور؟ # لم يجب داروين عن هذا، ولم يجب فايسمان، لا، بل لقد أجاب فايسمان وإجابته هي هذه: هنا شيء ~~سري خفي، لعله روح يختبئ داخل الخلايا الوراثية لا نراه ولا نعرف ماهيته. # وبكلمة أخرى كلاهما قال: لا أعرف. # والآن فهمنا ms27 وتعلمنا من ميتشورين أن البيئة هي التي تخلق السلالات الجديدة، ثم تتركز ~~الصفات الجديدة في السلالة، وعندئذ تعود قوى جديدة منفصلة. # فهمنا من ميتشورين: لماذا تتطور الأحياء. # فهمنا كيف أن أنواعا من البقر الذي كان يمشي على اليابسة قد نزلت إلى البحر قبل نحو 30 ~~أو 40 مليون عام فصارت تتدرب على السباحة حتى صارت أذرعها زعانف كما ترى في القياطس من ~~العنبر إلى الدلفين، وكذلك الشأن في السلاحف بل إننا نعرف الآن حيوانات لا تزال تجمع بين ~~اليابسة والبحر، وكل هذا تم بالتعود الذي يكتسبه الابن عن الأب. # إن الوسط يغيرنا ويطورنا، ونحن قادرون على خلق سلالات ثم أنواع جديدة من النبات ~~والحيوان. # | نشأة الكون وتطوره # عندما نتأمل السماء في ليلة صافية حالكة نجد مئات النجوم الباهرة وآلاف النجوم المثبتة ~~كما لو كانت رملا أو ضبابا، وإذا كنا في الخلاء وجدنا هذا الرمل أو هذا الضباب على عرض ~~كبير وعلى استطالة تبدو لنا كما لو كانت استدارة، نرى نصفها فقط من آفاق الجنوب إلى آفاق ~~الشمال. # هذه المجموعة من النجوم تسمى المجرة، ويسميها الفلاحون عندنا «سكة التبانة» وما نراه فيها ~~من نجوم إنما هو جزء صغير جدا مما تحتويه؛ إذ تبلغ نجومها مئة ألف مليون، وشمسنا إحدى هذه ~~النجوم. # وفي الكون من المجرات نحو مئة ألف مليون مجرة. # والكون كله؛ أي: مجراته بشموسها وكواكبها، مؤلف من عناصر قليلة لا تكاد تزيد على مئة عنصر ~~عرفنا منها 98 على أرضنا، أبسطها وأخفها هو الهيدروجين، وأعقدها وأثقلها هو ~~الأورانيوم. # وليس في الأرض عناصر لا توجد في النجوم، كما ليس في النجوم عناصر لا توجد في الأرض، ويسهل ~~علينا أن نعرف عناصر النجوم؛ إذ هي غازات تحلل أضواؤها بالموشور وتقف على العناصر المؤلفة ~~منها، ولكن هذا لا يسهل بشأن الكواكب؛ إذ إن عناصرها ليست غازات ولكننا نعرف أن الكواكب ~~مشتقة من النجوم «الشموس» فنوقن أن عناصرها هي عناصر الشموس. # وليس في شمسنا عنصر لا نعرفه على الأرض، وقد حدث أننا عرفنا غازا ms28 في الشمس أسميناه ~~باسمها وهو هليوم «هيلو = شمس» ثم لم تمض سنوات حتى عرفناه في الأرض وصنعنا منه بلونات ~~تطير؛ لأنه من أخف الغازات. # فالكون وحدة، هو بمثابة النجم الواحد قد ارفضت أجزاؤه فصارت ملايين النجوم ~~والكواكب. # ما معني أن يكون جسم أثقل من جسم؟ # ما معنى أن يكون عنصر أثقل من عنصر؟ # إن الاتجاه العلمي في وقتنا ينحو نحو التوحيد فيقول: إن القوة المغناطيسية والقوة ~~الكهربية والجاذبية والضوء والحرارة والكتلة كلها صور مختلفة للمادة. # والقوة هي المادة، والقوة وزن فقط. # فإذا كانت ساعتك فارغة ثم ملأتها كي تدق الثواني في 24 ساعة فهي أثقل عندما تكون مملوءة ~~عما كانت عندما كانت فارغة؛ إذ هي تحتوى قوة. # ولا تستطيع أن تميز في الوزن بين ساعة مملوءة وساعة فارغة لضعف القوة التي أحدثناها بملء ~~الساعة، ولكن يمكن أن نفهم أو نتصور معنى الثقل في الأورانيوم بأنه مضغوط مشدود كما لو كان ~~فخا قد شد للاقتناص، في حين أن الهيدروجين غير مضغوط ولذلك الأول ثقيل والثاني ~~خفيف. # والقنبلة الذرية تصنع من أثقل العناصر، من الأورانيوم، الفخ المضغوط، الساعة المملوءة، ~~الذي ترفض كسارات ذراته في الفضاء، وينتج من ارفضاضها حرارة كبيرة جدا. # والقنبلة الهيدروجينية تصنع من أخف العناصر؛ أي: الهيدروجين، ولكن هذا العنصر لا يرفض ~~وإنما يقتحم بأجزاء أخرى من الذرات فينشأ منه الهليوم الذي قلنا: إننا عرفناه في الشمس قبل ~~أن نعرفه على الأرض، وفي أثناء الالتحام يفقد جزءا من الوزن فتنشأ حرارة كبيرة جدا، هي ~~حرارة الشمس. # الشمس تتحول من الهيدروجين إلى الهليوم. # لماذا لا تحترق الأرض مثلما تحترق الشمس بالقنبلة الهيدروجينية؟ # لأننا لا نحرق الهيدروجين بالذات وإنما نحرق مثالا قريبا منه. ~~••• # الهيدروجين هو اللبنات التي بني منها الكون؛ أي: بنيت منه نجومه وكواكبه. وعناصر الكون ~~والأرض في تطور تسير من البسيط إلى المركب. # من الهيدروجين الخفيف إلى الأورانيوم الثقيل. # قلنا: إن الكون قد بني من الهيدروجين؛ أي: أن هذا العنصر هو الذي صنع من اللبنات التي ~~يحتاج إليها البناء، ولكن ms29 اللبنة هي شيء منظم، فماذا كان قبل هذا التنظيم؟ # الذي نعرفه ويكاد يشبه اليقين أن أعضاء هذا الكون «أي 100 مليون مجرة، وكل مجرة تحتوى 100 ~~مليون شمس مع كواكبها»، هذا الكون قد نشأ في لحظة واحدة، ولذلك جميع ما فيه من نجوم، على ~~وجه عام، تستوي في أعمارها، بل كذلك أيضا جميع ما فيه من كواكب على وجه عام أيضا. # كان الكون كتلة واحدة قبل نحو خمسة آلاف مليون سنة فقط، ثم انفجرت هذه الكتلة فنشأت منها ~~المجرات بشموسها وكواكبها. # ولا يزال الانفجار مندفعا لم يهدأ. # ما هو الكون؟ # نحن نفهم أو بالأحرى نعتقد أنه نجوم وكواكب. # ولكن هذا خطأ؛ لأن الكون خواء، وهو أشبه بالكرة الأرضية قد صارت بلونا مثل البلون الذي ~~يلعب به الأطفال، وهو خواء ليس في داخله غاز أو أي مادة أخرى، ولكن على سطحه المصنوع من ~~الكاوتشوك الخفيف تدب مئات الألوف من ملايين النمل. # وهذا النمل هو المجرات التي تحتوى كل منها 100 ألف مليون نجم، وهي نفسها 100 مليون ~~مجرة. ~~••• # كيف نشأ الكون؟ أو بالأحرى كيف ينشأ الكون بنجومه وكواكبه ثم كيف يموت ويتبدد ثم كيف يعود ~~فيتجمع وينفجر مرة أخرى نجوما وكواكب؟ # يمكن أن نجيب على هذا السؤال في ضوء ما نجد الآن. # نحن نجد أن النجوم البعيدة تنأى عنا، وسيأتي يوما تختفي فيه فلا نراها. # ونحن نستنتج من اندفاعها في الفضاء بأن أرضنا وشمسنا ومجرتنا كلهن أيضا في مثل هذا ~~الاندفاع. # نحن في تفرق، في تشتت، ولكن أعضاء مجرتنا يمسك بعضها بعضا بجاذبيتها كما لو كانت مشدودة ~~بحبال، ولذلك تسير معا فلا نجد نجما يبتعد عن نجم ولا نحس أننا في اندفاع؛ أي: في انفجار؛ ~~أي: في ارفضاض، منذ الانفجار الأول. # وهذه النجوم التي قلنا: إنها تنأى عنا ويحمر لونها ويضعف بعد التلألؤ والقوة ليست من ~~مجرتنا وإنما هي من مجرات بعيدة موغلة في الفضاء. # وشمسنا في الفترة الحاضرة من تاريخ الكون هي في طور البناء، من الهيدروجين إلى الهليوم، ~~ومن ms30 هنا حرارتها حرارة القنبلة الهيدروجينية. # ولكن سيأتي اليوم حين ينتهي الهيدروجين فيها، وعندئذ تتقلص الشمس. # القنبلة الذرية تمدد وارفضاض، والقنبلة الهيدروجينية تقلص والتحام. # والحرارة التي تحدث من التقلص أكبر كثيرا من الحرارة التي تحدث من التمدد ومن هذا التقلص ~~ستنشأ العناصر الثقيلة التي تشع على الأرض جهنم من الحرارة فتحرقها. # ولكن إحراق الأرض لن يتم قبل نحو خمسين ألف مليون سنة، وربما أكثر، وعندئذ تتبدد الأرض ~~ذرات في الفضاء. # لا، ليس ذرات، وإنما كسارات الذرات. # وما يحدث في شمسنا وأرضنا يحدث في جميع الشموس «النجوم» والكواكب، والأغلب أنه سيحدث في ~~وقت متقارب. # وعندئذ يمتلئ الكون بكسارات الذرات فلا يكون فيه نجم أو كوكب. # وفي ألوف الملايين من السنين تتجمع كسارات الذرات بقوة الجاذبية؛ إذ هي مهما ضؤلت أجسام، ~~وبتجمعها تتألف الذرات، ثم تتجمع الذرات كتلة هنا وهناك، والكتلة الكبيرة تجذب الكتلة ~~الصغيرة. # ثم يعود الكون كله كتلة واحدة من الذرات. # ولكن هذه الكتلة لضخامتها «لا تطيق نفسها» إذ هي لا تتوازن، وحقولها المغناطيسية ~~والكهربية تتفاوت، وهي في تقلصها تنتج قوة كبيرة جدا فتؤدي بها إلى الانفجار ... أي: أن هذه ~~الكتلة الكونية تكون بمثابة عنصر الراديوم الذي لا يتماسك، ثم يزداد ضغط ذراته حتى ~~ينفجر. # وقد حدث هذا الانفجار لكوننا الحاضر بمجراته وشموسه وكواكبه قبل خمسة آلاف مليون ~~سنة. ~~••• # إن لكل نجم، في الأغلب، كوكبا أو بضعة كواكب، فهل هناك أحياء من نبات وحيوان وإنسان على ~~هذه الكواكب؟ # الجواب: قطعا توجد نباتات وحيوانات بل قطعا يوجد بشر مثلنا ذلك أن هناك ألوف الملايين ~~من الكواكب التي تستمد حرارتها وضوءها من شموس تقع على مسافات تضارع أو تقارب المسافة التي ~~تفصل أو تصل بيننا وبين الشمس، وفي هذه الحال تنشأ الأحياء عليها وتصل إلى درجات التطور ~~التي وصلت إليها الأرض. # وهل يمكن أن نصل إلى هذه الكواكب؟ # نعم يمكن، وكل ما نحتاج إليه أن نخرج من جاذبية الأرض؛ أي: أن القذيفة التي سنركبها تخرج ~~أولا من منطقة الهواء، وهذا أشق ما في ms31 الرحلة؛ لأن الهواء جسم مقاوم، ثم بعد ذلك نخرج من ~~جاذبية الأرض بقوة الاندفاع الأول، ومتى تركنا جاذبية الأرض فإن قذيفتنا التي نركبها ستسير ~~في الفضاء كما لو كانت حجرا يسقط من سطح منزل إلى أسفله، ويمكن أن نسير في هذا الفضاء ~~شهرا أو سنة أو عشر سنوات بلا أي مجهود سوى قوة الاندفاع الأول من الأرض. # والعبرة هنا بتنظيم القذيفة وتموينها بالطعام والشراب والغازات التي تحط على كوكب ~~آخر. # ولكن إذا سرنا مع منطقنا فإننا نحتاج إلى أن نقول: إن هذا الذي نفكر فيه بشأن استعمار ~~الكواكب يمكن أيضا أن يكون البشر الذين نشئوا في هذه الكواكب نفسها يفكرون فيه بشأن الأرض؛ ~~إذ إننا جميعا من عمر واحد. # وفي حكومات فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة وروسيا مصالح تبحث وتستعد للرحلة الأولى ~~لاستعمار القمر، والانتقال من القمر إلى الكواكب الأخرى سيكون الدرس الثاني للرحلة الفضائية ~~الكوكبية. # هل الحياة مادة؟ هل لها أساس مادي؟ ~~••• # حسبنا أن نشير إشارة خاطفة إلى الحياة والأحياء هنا من حيث علاقتها بهذا التصور الجديد ~~للكون، وليس من حيث مظاهرهما المختلفة وتطور الأحياء وكيمياء النمو والتكاثر. # إن أعظم ما يجعل الناس ينفرون من القول بأن الحياة مادة أن للإنسان عقلا ولا يمكن في ~~زعمهم أن يكون العقل مادة. # المجرة أو «سكة التبانة» عند فلاحينا المصريين، يزيد عدد نجوم المجرة على مئة ~~ألف مليون نجم، شمسنا واحدة من هذه النجوم وفي الكون من المجرات نحو مئة ألف ~~مجرة. ~~«الرنة» أو غزال المناطق القطبية، و«الزرد»؛ أي: الحمار الوحشي في إفريقيا ~~الوسطى، حيوانان يكادان ينقرضان من العالم فلا يبقى منهما إلا الأعداد القليلة ~~التي تزين حدائق الحيوانات. # الرنة: غزال المناطق القطبية # سمكة السيلاكانت التي اكتشفت حية منذ سنين قليلة في البحار الواقعة شرق ~~إفريقيا الجنوبية، عمر هذه السمكة خمسون مليون سنة، وكان قد عثر على أحافيرها ~~متحجرة قبل هذا وظن أنها انقرضت. # تتميز «السيلاكانت» برأس غير ملتصق بالظهر مما يجعله غير مجمد الحركة، ~~وبمثانة تختزن فيها الهواء، وهي لا تخرج إلى ms32 اليابسة، ولكنها تسير بزعنفتيها ~~السفليتين على قعر البحر، وهي تشبه في هذا سمكة «البيربوفتلم» التي تتسلق جذور ~~شجرة الكورميدا النامية عند الشواطئ. # يعيش الطرشبر في غابات فليبين وهو لا يزيد في الوزن على نصف رطل أو أكثر ~~قليلا، ولكنه وحش يفترس الزواحف الصغيرة في الليل، فهو يسعى في الليل وينام في ~~النهار، ومن هنا سعة عينيه ووضعهما الأمامي، هو إيماءة لنا إلى الجد الأعلى ~~الذي سبق ظهور القردة والإنسان قبل ملايين السنين. # اتساع عيني «البومة» ووضعهما في الوجه بدلا من الصدغ هو سبب نفور الإنسان ~~وتشائمه منها. # ولكننا نعرف أن الأرض تربط القمر بالجاذبية وتعين حركته كما لو كانت تسوقه في طريق لا ~~يتجاوزه، وكذلك الشمس تربط الأرض بالجاذبية وتعين الفلك الذي يدور فيه مع أن بين الاثنين، ~~الشمس والأرض آلاف الملايين من الأميال، فما هي هذه الجاذبية، وهل تعود إلى شيء غير عادي في ~~الشمس والأرض؟ # إن الطاقة الكهربية والمغناطيسية والجاذبية من الخواص الطبيعية التي لا نجد فيها مادة ~~محسوسة ولكننا نستنتج أنها جميعا تعود إلى المادة. # والعقل أحد خواص المادة حين نسميها جسما حيا، وعندما نقول: إنه غير مادي فقولنا هذا لا ~~يزيد على قولنا: إن المغناطيسية أو الجاذبية الكهربية غير مادية. # إن للأحياء خواص كثيرة منها الحركة والتنفس والتمثيل، ولكننا عندما نتأمل اللهب نجد أنه ~~يحتاج إلى الأوكسجين مثلنا؟ وكلانا يحيا به كما يموت فور انقطاعه عنه. # وكلانا يمثل المواد البروتينية والنشوية «وأحيانا الخليوزية» والسكرية والشحمية ويحيلها ~~إلى حرارة، وما دامت هذه المواد حاضرة فإن اللهب يبقى حيا إلى الأبد. # وفي ضوء التصوير الجديد للكون يمكن أن نقول: إن كل مادة تحتفظ بطرازها، بأن تأخذ وتعطي ~~لما حولها، تعد حية، فالنجم يعد حيا، بل كذلك الكواكب، وأحسن ما قيل عن الحياة بلغة الشعر ~~التي تعتمد على أساس العلم: «إن الحياة نسيج يحوكه الضوء من الهواء». # ونحن نحاول التفسير الذري أو الجزئي للمواد، وفي ضوء هذا التفسير نجد أن الفيروس الذي ~~يحدث لنا الزكام مثلا يقف بين ما ms33 نسميه مادة وما نسميه حياة، ذلك أن الفيروسات قد يتألف ~~أحدها من جزيء واحد أو عدة جزئيات حتى لنتردد في القول بأنها من المواد أم من ~~الأحياء. # | خروج الأحياء المائية إلى اليابسة # بعض الأحياء المائية يخرج من الماء ويسير قليلا أو كثيرا، على الطين أو التراب أو ~~الرمل، مثل السرطان والجنبري وبعض الأسماك. # ونحن بالطبع لا نعني هنا تلك الحيوانات التي كانت على اليابسة ثم نزلت إلى البحر وجعلته ~~وطنها مثل اللجاة من الزواحف التي لا تزال إلى الآن تبيض على اليابسة، ومثل اللبونات ~~«الرواضع» كالدولفين والفقمة وسائر الفياطس العديدة التي هي أقرب إلى البقر منها إلى؛ أي: ~~حيوان آخر. # وإنما نعني تلك الأحياء التي نشأت في الماء، ثم خرجت أو حاولت الخروج إلى اليابسة. # وجميع الأحياء على اليابسة كانت بالطبع في الماء قبل أن تتطور وتستطيع الحياة على ~~اليابسة، وهي في هذا الانتقال احتاجات إلى شيئين: ~~(1) # أن تتغير خياشيمها التي تتنفس بها من خلال الماء إلى رئة حتى يمكنها أن تحصل ~~على الهواء مباشرة، وليس من خلال الماء. ~~(2) # أن نستطيع التحرك على اليابسة كأن تستعمل عضلاتها أو زعانفها التي كانت تسبح ~~بها في التنقل على التراب أو الطين أو الرمل. # ونحن نلاحظ في السرطان «أبو جلمبو» أنه يخرج في الليل إلى الساحل ويجول فيه بل يعدو ~~أحيانا، ولكنه إذا وجد الخطر عاد إلى البحر، وهو يحفر لنفسه وكرا في الرمل يختبئ فيه، ~~فإذا كان الصباح وبزغت الشمس عاد إلى البحر أو اختبأ في وكره. # وهو يتنفس بخياشيم مثل السمك، ولكن هذه الخياشيم تمتاز باشتجارها واشتباكها وصفائحها بحيث ~~يمكن اختزان الهواء فيها، ثم هو لا يخرج إلا عندما تزول الشمس؛ أي: يزول الحر وتكثر الرطوبة ~~حتى لا تجف خياشيمه. # وكثير من السمك له هذه القدرة؛ إذ إن خياشيمه كثيرة الاشتجار والاشتباك بحيث يمكنها ~~اختزان مقدار كبير من الهواء، فإذا خرجت من الماء استعملت هذا المختزن، وهذا هو شأن القرموط ~~الذي يبقى طويلا خارج الماء. # ولكن هناك أسماكا أخرى تختزن الهواء ms34 في مثانة تقع تحت السلسلة الفقرية، وهي بمثابة ~~المستودع للهواء، والأغلب أن الأصل في هذه المثانة هو فساد الهواء في الضحاضح والمنافع ~~الوخمة؛ فإن السمكة هنا تختنق بالغازات السامة التي تنشأ في هذه الوخامة، فهي تختزن مقدارا ~~كبيرا من الهواء في مثانتها للاستعاضة به عن الهواء الفاسد. # ثم هناك أسماك تستخدم هذه المثانة في تخفيف أجسامها أو تثقيلها وقت الحاجة إلى الارتفاع ~~أو الهبوط في الماء ببسط هذه المثانة أو تقليصها. # أما الحركة فوق اليابسة فأسهل شأنا للسمك؛ لأن الزعنفة التي تدفع الماء للسباحة تستطيع ~~أيضا أن تدفع الرمل أو الصخر للنقل عليها، وبالطبع تختلف الأسماك هنا في هذه المقدرة، فإن ~~الإنكليس «ثعبان السمك» يتنقل بعضلات بطنه، وزعانف البيريوفتلم من القوة والمرونة بحيث ~~يمكنها أن تقطع نصف كيلو متر بها على الرمل. # والحلقة التي تصل بين سلسلة التطور في البحار وسلسلة التطور على اليابسة هي الضفدع، وهي ~~تمثل لنا في حياتها وتدرجاتها، كما لو كانت تريد تعليمنا، كيف تحيى في طفولتها وهي سمكة لها ~~خياشيم للتنفس في الماء وزعانف للسباحة، ثم كيف تستحيل إلى ضفدع لها يدان وساقان بأصابع ~~للمشي على اليابسة ورئة لتنفس الهواء. # وقد ظهرت الأسماك منذ حوالي 400 أو 300 مليون سنة، وكان معظمها يعيش في مياه الغدران ~~والأنهار والمناقع وكان يكثر على سواحل البحار الكبرى حيث الغذاء أوفر. # وكثير من هذه الأسماك قد انقرض، ولكن كثيرا منها، مع بدائيته الواضحة مثل السمك للمبري، ~~لم ينقرض، وأحيانا نجد أحافير بعض السمك ثم نجد هذا السمك نفسه لا يزال حيا. # وليس في هذا تناقض، فإن سمكة السيلاكانت، التي لا تزال حية، عرفت أحافيرها التي دفنت ~~وتحجرت منذ ستين مليون سنة وكانت كثيرة، ولكن عندما نصل إلى الطبقات الجيولوجية التي تعود ~~إلى 50 أو 60 مليون سنة نجد أن هذه الأحافير قد زالت أو أوشكت. # وزوالها لا يعني أنها انقرضت، وإنما يعني أنه حدثت ظروف جعلت هذه السمكة تنتقل من مكانها ~~الأصلي إلى أماكن منزوية بعيدة حيث يقل الأعداء. ms35 # وهذه السمكة، السيلاكانت، التي وجد منها إلى الآن اثنتان حيتان ثانيتهما في ديسمبر سنة ~~1953 هي البشيرة الأولى لخروج الحيوان من الماء إلى اليابسة، فإنما تحتوى على قائمتين ~~أماميتين تستطيع أن تسير بهما على الرمل، وهي تسير بهما الآن على قعر البحر، ثم تحتوى، وهذا ~~أخطر، على مثانة هوائية هي الأصل للرئة لحيوان اليابسة. # وهناك أسماك كثيرة تستطيع السير على قعر النهر أو البحر كما نرى في الجرنار، فإن هناك نحو ~~أربعين نوعا من هذا السمك تستطيع كلها السعي على الطين؛ لأن جزءا من زعنفتيها الأماميتين ~~قد استحال إلى ما يشبه الأصابع، ولكنها بعيدة عن أن تبلغ مقام السيلاكانت في التطور نحو ~~حيوان اليابسة. # وكذلك هناك أربعة أو خمسة أنواع من الدبنوئيات؛ أي: التي يزدوج تنفسها، فهي حين تكون في ~~الماء تتنفس بخياشيم في الماء، فإذا جف الماء تنفست بما يشبه الرئة، وتحفر لنفسها حفرة في ~~الطين ثم تتحوى وتبقى فيه في سبات نحو ثلاثة أو خمسة شهور حتى يعود الماء فتعود إلى السباحة ~~والتنفس بخياشيم. # وفصيلة الدبنوئيات لا تسعى على الطين أو الرمل، وفي النيل واحدة من هذه الأسماك ~~الدبنوئية. # أما السيلاكانت فكانت تمتاز بالميزتين: القدرة البدائية على اختزان الهواء في مثانة تومئ ~~إلى الرئة، ثم القدرة على السعي على الطين أو الرمل. # ونحن من سلائل السيلاكانت أو سلائل أبناء عمومتها. # وبخروج الأسماء إلى اليابسة ظهرت البرمائيات مثل الضفادع. # ثم ظهرت الزواحف الكبرى التي انقرضت ومنها الديناصور ولم يبق من هذه الزواحف سوى الثعابين ~~والحيات والعظايا والسلاحف واللجا، ولكن منها أيضا التماسيح والسلاحف والورل. # ومن الزواحف ظهر فرعان كبيران، أحدهما اللبونات؛ أي: الرواضع التي نحن منها، والآخر ~~الطيور. # | هل تنقرض هذه الحيوانات الجميلة # إذا تأملنا العالم في حاله الحاضرة من إنسان وحيوان ونبات وتساءلنا أيهما جميعا عرضة ~~للانقراض لما كان هناك شك في جوابنا بأن أكثر الأحياء عرضة للانقراض هو الإنسان، وذلك بفضل ~~ما اخترعه من قنابل ذرية وأخرى هيدروجينية، وهذا إلى غازات سامة وميكروبات قاتلة. # الإنسان في أيامنا ms36 أكثر عرضة للانقراض من أي حيوان آخر، وليس شك أنه سيقتل معه ملايين من ~~الحيوانات التي نكبت باستئناسه لها والتي تعيش في مدنه وقراه، ولكن لجميع هذه الحيوانات ~~أصول وأقارب في الغابات والجبال التي لن تصل إليها في الأغلب قنابلنا؛ ولذلك مهما بلغ ~~قتلاها في العدد فإنها لن تنقرض. # ولكن إذا تركنا الإنسان وحيواناته المستأنسة فإنه يبقى علينا أن نتأمل عوامل البقاء ~~والانقراض في الحيوانات الأخرى، وأكبر ما يهدد هذه الحيوانات بالفناء في عصرنا هو الإنسان ~~نفسه، وقد استطاع في المائة سنة الماضية أن يبيد طائر الدؤدؤ من جزيرة موريتيوس «بالقرب من ~~مدغشقر»، وهو طائر ينتسب إلى الحمام ولكنه كان يزيد في الوزن على الدندي؛ أي: الديك الرومي، ~~وكذلك أباد الإنسان نعامة كانت تعيش في نيوزيلانده. # وإلى قبل نحو ثلث قرن كان الصيد مباحا في جميع الطيور، وكانت سيدات أوروبا على شغف عظيم ~~بوضع الريش الزاهي في قبعاتهن، فألح الصيادون على صيد الطيور الجميلة حتى كادت تنقرض، ثم ~~سنت القوانين لحمايتها كما أن إقلاع السيدات عن هذه العادة الوحشية في تزيين قبعاتهن ~~بالريش قد جعل الفرصة متاحة لهذه الطيور لأن تتكاثر وتعود أسرابها إلى ما كانت عليه. # ولكن السيدات ما زلن يتخذن الفراء للمعطف، ويلح الصيادون في كندا وسيبيريا على صيد ~~الثعالب والدببة البيضاء للحصول على فرائها، ولذلك يخشى انقراضها وإن تكن في كلا القطرين ~~قوانين تحظر صيد الإناث كما تحظر استعمال الأشراك التي قد تقع فيها الأنثى مثل ~~الذكر. # ومع ذلك هناك الدواء الذي يوحيه الداء. # فإن الخوف من انقراض الثعالب البيض قد أوحى إلى تجار الفراء تربية هذه الثعالب في حدائق ~~وأقفاص واستنتاج سلالاتها ونجحت هذه التجربة، كما أن إخواننا السودانيين، يصيدون النعام هذه ~~الأيام لكنهم يربونه كما نربي نحن الدجاج، وقد استأنس الفنلنديون الغزال المعروف باسم ~~الرقة. # ولو كان هذا ممكنا في سائر الحيوان لما كان هناك خوف من الانقراض، وهنا بالطبع لا ننسى ~~أن في جميع الأقطار المتمدنة حدائق للحيوانات الوحشية التي تربى لإمتاع الجماهير وتنويرها، ms37 ~~ولكنها قليلة لا تكفل بقاء الأنواع، ثم هناك هذا العقم الذي يصيب حيوانات هذه الحدائق؛ إذ ~~إن كثيرا منها لا يلد وهو في القفص، وإذا حمل أجهض. # والفيلة أكثر الحيوانات تأنقا في التوالد، فهي مثلا مستأنسة في الهند، ولكنها لا تتلاقح ~~إلا إذا تركت الإناث في الغابة بعيدا عن الحضارة، فتبقى الأنثى نحو أسبوعين تكون قد عرفت ~~فيها الذكر، ثم تعود أو تعاد إلى صاحبها حيث تلد بعد مدة الحمل الطويلة. # وعوامل الانقراض في الطبيعة عديدة ونجد منها في تاريخ الحيوان أمثلة مروعة، فقبل نحو مئة ~~أو ثمانين مليون سنة كانت أرضنا، في اليابسة والبحار والهواء، تعج بالملايين من أنواع ~~مختلفة من الزواحف الكبرى، انقرضت جميعها. # ولا يعرف أحد لماذا انقرضت والخيط في هذا الموضوع لا ينتهي وربما كان ما نستبعده في ~~خيالنا هو أقرب التعليلات إلى عقولنا، وهو أن الأرض وجدت هي والمجموعة الشمسية في مكان من ~~المجرة التي تنتسب إليها عم فيها البرد وشمل الأرض، فلم تتحمله الزواحف الكبرى ولذلك نشأ ~~بعدها، من صميم أجسامها، نوعان يتسمان بغطاء يقي الجسم من البرد هما الطيور بريشها ~~واللبونات أو الرواضع بأصوافها وشعرها ووبرها. # ولكن هذا حدث فقط وإن يكن أحسن الأحداس. # والخوف من انقراض الحيوانات قد بعث حكومة إفريقيا الجنوبية على إيجاد حرم تبلغ مساحته ~~أكثر من مليوني فدان يحرم فيه صيد الحيوانات، ولذلك تجد هناك الأسود والنمور والفيلة وأفراس ~~النهر والكركدن والجاموس والغزلان والزراف والحمر الوحشية «الزرد» والقردة، وكذلك المئات من ~~أنواع الطير، تجد الحماية التي تكفل لها البقاء، وهذا الذي قامت به حكومة جنوب إفريقيا ~~الجنوبية هو بر الإنسان بالطبيعة والحيوان. # ولكن هذه الحكومة التي تحمي الحيوان لا تحمي مع ذلك سيد الحيوانات وهو الإنسان الزنجي ~~الذي يلقى منها كل احتقار. # | إمارات الوحشية في حيواناتنا الداجنة # اهتدى الإنسان منذ أزمان بعيدة إلى إدجان بعض الحيوانات وهو يستخدمها الآن لأغراض شتى: ~~للحمل وللمطعم والملبس، فنحن نستخدم الفرس والحمار للحمل ونستخدم الثور في جر المحراث أو ~~غيره من الأثقال، ونأكل ms38 لحمه ولحوم الخراف والمعز ونستعمل أصوافها في ملابسنا. # وإذا نحن نظرنا إلى هذه الحيوانات من الوجهة البيولوجية وجدنا في أخلاقها وفي خلقتها ~~دلائل الوحشية القديمة، كما نلحظ أيضا الأسباب التي جعلت الإنسان يختارها، ويدجنها دون ~~غيرها من الحيوانات. # فأول ما يلحظه الإنسان في هذه الحيوانات أنها كلها اجتماعية؛ أي: أنها تعيش مجتمعة ~~أسرابا، فالخيل والحمير والثيران والخراف والمعز والفيلة والكلاب كانت تعيش عيشة اجتماعية، ~~وهذا ما يسر للإنسان تذليلها وسهل عليها عشرته؛ لأن الحيوان الاجتماعي يختلف عن الحيوان ~~الانفرادي «مثل الأسد والضبع» بقدرته على التفاهم مع إخوانه وإدراكه لحقوق الغير والطاعة ~~لرئيسه عند اللزوم والنظر إلى مصلحة السرب أو القطيع العامة، وهذا ليس في الحيوان الانفرادي ~~كالنمر والضبع، فإنها لانفرادها في معيشتها لا تعرف كيف تعامل أفراد نوعها، فإذا تقابل ~~أسدان اعتركا في الحال وقتل أحدهما الآخر. # والإنسان لم يدجن الأسد والضبع والنمر ونحوها من الحيوانات الانفرادية؛ أي: التي تعيش ~~منفردة، أو لم يستطع إدجانها؛ لأنها لا تدرك معنى الاجتماع وطرق المعاملة وحقوق الغير كما ~~يدركها الحيوان الاجتماعي كالفرس؛ إذ هو ينظر إلى الإنسان مثل ما ينظر إلى فرس آخر، فهو ~~يعرف من حياته الاجتماعية القديمة أنه لا يحسن به عض أخواته أو رفسها أو الاعتداء على ~~طعامها أو عصيان أمر رئيسه، والإنسان يستفيد من هذه الأخلاق فيذلله ويركبه. # والفرس حيوان سهول ويظهر أنه نشأ في جزيرة العرب أو في أرض تماثلها في قلة خصبها وانبساط ~~أرضها؛ لأنه إذا أكل احتف ما أمامه احتفافا كأنه معتاد رعي النباتات والجذور الضئيلة ولا ~~يخرج لسانه ويجز العشب جزا كما تفعل البقرة؛ لأن البقرة كانت تعيش قديما في الغابات ~~فكانت تلتقط غذاءها بلسانها من أوراق الأشجار الكثيفة، ولذلك تجد فلاحنا يربط الخيول ~~والحمير وراء البقر والجواميس، فإذا رعت البقرة جانبا من المرعى، ربط فيه الفرس فيحتف ما ~~يبقى فيه. # ولا شك في أن سرعة الخيل كانت سلاحها الأكبر أمام أعدائها ولو كان الفرس حيوان غابات لما ~~اعتاد هذه السرعة في الجري، وهذا يدل ms39 على أنه كان يعيش في السهول، ولا شك أيضا في أن ~~الذئاب كانت العامل الأكبر في إيجاد هذه المزية فيه؛ لأنها تكاد تكون العدو الوحيد له في ~~مواطنه، فكانت دائما تطارده وتفترس كل بطيء يتأخر عن القطيع فلا يبقى ويتوالد إلا السريع، ~~فالذئب سبب سرعة الخيل، ثم إن ضرع الفرس صغير مع أن ولدها يحتاج إلى كمية من اللبن توازي ~~الكمية التي يرضعها العجل من أمه أو أكثر منها، والسبب في ذلك أن المهر لا يرضع إلا قليلا ~~في مواعيد متقاربة، وذلك أولا لأنه يلازم أمه دائما ولا يفارقها، وثانيا لكي لا يملأ بطنه ~~فيبقى خفيفا قادرا على اللحاق بأمه وقت هجوم العدو عليها، والحال عكس ذلك في البقر فإنها ~~تخفي ولدها في خميلة أو دغل بعد أن تشبعه وتسرح النهار كله بعيدا عنه، وعند رجوعها يكون قد ~~اشتد عليه الجوع فيحتاج إلى لبن كثير، وهذا كان السبب في كبر ضرع البقرة الذي استفاد منه ~~الإنسان. # وإذا قارنت بين حوافر الفرس وأظلاف الثور وجدت أن أظلاف الثور مشقوقة، والسبب في ذلك أن ~~الثور كان يعيش في الغابات حيث الوحل والتراب الندي، فبقيت قدمه مشقوقة لكي تتسع حينما ~~يرفعها فيسهل عليه نزعها من الوحل، ولو كان مثل حافر الفرس لالتصقت بالوحل وعاقته عن الجري، ~~فحافر الفرس مصنوع للرمال الجافة وأظلاف الثور للتراب الرطب وللوحل الذي يكون عادة في ~~الغابات. # والحمار يماثل الفرس في تركيبه وهما قريبان بيولوجيا، ولهذا يمكن المزاوجة بينهما غير ~~أن نسلهما يكون في الغالب عاقرا، وأهم ما يستغربه الإنسان في الحمير كراهتها للسير في ~~الماء، وقد فسر أحدهم ذلك بأن الحمير نشأت في البلاد التي يكثر التمساح في أنهارها، فكراهة ~~الحمار للماء آتية من هذه الذكرى، فهو أبدا يرى بغريزته شبح عدوه في الماء. وسلاح الثور ~~قرناه وقوتهما على النطاح، وقد استثمر الإنسان هذه الخاصة واستعمله للجر؛ لأن الجر والنطاح ~~من قبيل واحد فالثور هو حامل نير المحراث يفعل ما يفعله مع أعدائه عند العراك، ولهذا السبب ~~نظن ms40 أننا نخطئ في وضع النير على رقبته وكان الأولى أن نقرنه برأسه كما يفعل الفلاحون ~~الألمان، فإن قوة الثور في رأسه عند قرنيه وجميع عضلات رقبته معدة لتقوية رأسه. # ومما يلاحظ أن الثور يكره اللون الأحمر ويهتاج عند رؤيته، والسبب في ذلك على ما يرجح ~~الباحثون هو توهمه وجود الدم، فإنه من الملاحظ أن الجواميس الوحشية إذا رأت جاموسا مجروحا ~~بينها تثخنه نطاحا حتى تقتله أو تبعده عنها وقد يظهر أن هذا العمل فظيع. # ولكن يرجح أن الغرض منه هو إبعاد الثور المجروح لكي لا يبقى الوحش الذي جرحه متابعا له ~~في سيره، فالقطيع يطرده ويبعده عنه لكي يبعد عنه الوحش الذي يتأثره، كأن الجواميس تقول ~~للوحش: «خذه واتركنا»؛ أي: أن الانتخاب الطبيعي قد جعل هذه الحيوانات تطرد الجريح عنها ~~لفائدة المجموع. # والكلب من الحيوانات التي أدجنها الإنسان قديما، وهو ذئب بخلقه وخلقه، ولذلك تنجح ~~المزاوجة بينهما دائما ولا يكون نسلهما عاقرا كالبغل، ومعنى ذلك أن قرابة الذئب والكلب أشد ~~من قرابة الفرس والحمار، وإذا نظرت إلى الكلاب وهي تتعارك أو تتهارش رأيت أن الكلب يعامل ~~إخوانه الكلاب مثلما يعامل الإنسان، فقوانين القطيع الاجتماعية - لأن الكلاب كانت تعيش ~~قطعانا - هي نفس القوانين التي يراعيها الكلب عند معاملته لصاحبه، فهو ينظر إليه كأنه كلب ~~شديد الحيلة يمشي على رجليه وينظر إلى أهل البيت الذي يسكنه كأنهم أفراد قطيع واحد، ولذلك ~~يدافع عن أصحابه ويدفع أعداءهم كأنهم أعداؤه ويقاتلهم إلى حد الموت. # ولغة الكلب من أبين لغات الحيوانات، فهو يوقوق عند الخوف ويضغو عند الجوع ويهر عند ابتداء ~~القتال وينبح إذا أراد أن ينادي إخوانه، ولا شك في أن هذه الأصوات كانت تفيده قديما؛ لأنه ~~لضعفه كان لا يصيد إلا مجتمعا، فهذه الأصوات تدل سائر القطيع على مراد الكلب ~~المصوت. # وللكلب حركات لا تقل عن الأصوات في الدلالة على ما في نفسه، فهو إذا أذعن وأقر بذنبه ~~واستصفح استلقى على ظهره وأرخى ساقيه وصمت، يفعل ذلك أمام صاحبه إذا لوح أمامه بالعصا ms41 كما ~~يفعله أمام كلب كبير إذا رأى الشر في عينيه، وذنب الكلب آلة تفاهم بينه وبين إخوانه فهو ~~يبصبص به عند التذلل والطلب ويرفعه عند الغضب، وإذا جرى جذبه إلى ما بين ساقيه، قيل: والغرض ~~من ذلك أن لا يمسك به عدو يتأثره، فهذه الأصوات والحركات تدل دلالة واضحة على أن الكلب كان ~~اجتماعيا؛ لأنه لا فائدة منها لحيوان انفرادي لا يحتاج إلى إخوانه ولا تحتاج هي ~~إليه. # والحيوان الانفرادي الوحيد الذي يعيش مع الإنسان هو القط ولا يخفى أن القط ليس حيوانا ~~أنيسا، وغاية ما يفعل أنه يأوي إلى بيوتنا كما تأوي إليه الفيران والعصافير ويمتاز عنها ~~بقلة خوفه، فهو لا يصاحب أحدا وإذا انتقل سكان البيت الذي يسكنه لم يذهب معهم بل بقي فيه، ~~وإذا رأى صاحبه يتشاجر مع غيره بقي هادئا لا يتحرك لمساعدته، وإذا رأى قطين يتعاركان ~~تركهما وذلك لأنه انفرادي بطبعه لا يفهم اصطلاحات الاجتماع وآدابه كالكلب، وقد رأينا في ~~الملاعب من يعلم الخيل والحمير والكلاب والمعز ألعابا شتى ولكننا لم نر أحدا أفلح في ~~تعليم قط لعبة ما، وذلك لأن القط لا يفهم أصول المعاملة من طاعة وجزاء ومكافأة واشتراك وغير ~~ذلك مما تفهمه الحيوانات الاجتماعية؛ لأن ذلك من مقتضيات الاجتماع والتعليم. # ولون القط يدل على أنه كان حيوان غابات؛ لأنه يماثل ظل أوراق الأشجار على الأرض، فكان ~~يحتمي وهو وحش بهذه الألوان ويختفي بواسطتها عن أعين أعدائه وفرائسه، ويظهر لنا أن الألوان ~~الزاهية أو البيضاء أو السوداء التي ترى بها القطط أحيانا حديثة العهد؛ أي: أنها حدثت ~~فيها بعد إقامتها في البيوت بين الناس وعدم احتياجها إلى الاحتماء باللون. # ومما يلاحظ أن صغار القطط وهي في وكناتها تفح كالثعبان وأكثر صغار الطيور تفعل ذلك أيضا ~~وهي في عشائشها، وغرضها من ذلك فيما يظن هو طرد العدو بإيهامه أن في الوكنة أو العش ثعبانا ~~ساما؛ لأن الثعابين أعداء ألداء لأكثر الطيور والحيوانات اللبونة ولذلك فإن هذه تخافها ~~طبعا وغريزة من غير تعلم. وتقليد فراخ ms42 الطيور والقطط للثعابين يعتبر من العوامل البقائية ~~المهمة في حياتها. # والخروف آنس الحيوانات، ولو باد الإنسان من الأرض فجأة لما عاشت بعده أسبوعين؛ لأن الخروف ~~أصبح أعزل لا يحسن شيئا من أصول القتال ومبادئه، فإذا ارتفعت عنه حماية الإنسان ورعايته لم ~~تبق عليه الحيوانات المفترسة ولم يستطع مقاومتها، وقد يمكن أن يعود الفرس والكلب والثور إلى ~~الوحشية التامة فتكافح الوحوش الضارية، ولكننا لا نظن أنه يمكن للخروف أن يفعل ذلك. # والخروف حيوان اجتماعي محض، ومما يلاحظ فيه أنه في عدوه يقتفي أثر سابقه بالضبط ولا يحيد ~~قيد شبر عنه، مثال ذلك أنه قد يقفز خروف فوق قناة فترى أن بقية خرفان القطيع تفعله بالضبط ~~من غير روية أو تعلم، وهذا ليس بالأمر الهين، كما يظهر لأول وهلة فإذا اجتمع مئة رجل ~~وأرادوا أن يقفزوا فوق قناة لم يستطيعوا ذلك إلا بعد أن يفكر كل منهم ويقيس بعقله المسافة ~~التي يجب أن تقفز ودرجة التحفز التي يجب أن تهيأ قبل القفز، ولكن الخراف تقفز بداهة بغير ~~روية، والسبب في ذلك على ما نظن هو حاجتها قديما إلى تقدير الأشياء التي من هذا القبيل ~~بداهة وسريعا؛ لأن الخروف حيوان جيلي، بدليل وجود أبناء أعمامه المتوحشة الآن في الجبال، ~~فهو يحتاج في جريه إلى تتبع قائده بسرعة وخفة حتى لا يدركه العدو المطارد. # والخنزير من الحيوانات التي أصبحت في يد الإنسان آلة ميكانيكية أو معملا كيماويا ~~لتحويل المادة النباتية إلى مادة حيوانية فإنه سرعان ما تصل الأعشاب إلى كرشه وتتحول شحما ~~ولحما. # والسبب في ذلك أن الخنزير كان يسكن قديما الأقاليم الباردة حيث يتجرد وجه الأرض من ~~النباتات وقت الشتاء، ودليل ذلك أن الخنزير البري من سكان تلك الأقاليم إلى الآن، وكان ~~الخنزير ينزوي وقت الشتاء فيقضي نحو ستة أشهر بغير طعام، ولهذا السبب نشأت فيه تلك الشراهة ~~الخارقة تبعثه دائما للتفتيش والتنقيب عن الطعام؛ لأنه كان يضطر إلى اختزان كمية كبيرة من ~~الشحم في جسمه ليتغذى بها وقت الشتاء على نحو ما ms43 يفعل النحل في اختزان العسل، والعسل والشحم ~~يكادان يكونان مادة واحدة، والفرق بينهما أن النحل يخزن عسله في بيوت معدة لذلك حتى إذا جاء ~~الشتاء أكله، أما الخنزير فيخزن شحمه في جسمه. # ومن الحيوانات التي ذللها الإنسان واستولدها للذبح المعز، وأهم ما نلاحظه فيها خفتها في ~~الحركة وقدرتها العجيبة على المشي في الحافات الضيقة أو المستدقة؛ فإنك قد ترى أحيانا ~~عنزتين تروحان وتغدوان تمرحان وتتواثبان على حائط عال لا تزيد تخانته على ربع متر أو أقل، ~~والسبب في ذلك أن المعز كانت تعيش قديما على قمم الجبال وتحتاج إلى الوثوب والالتجاء إلى ~~القمم المستدقة لامتناعها على الحيوانات المفترسة، ومصداق ذلك أن الوعل والأيل يفعلان ذلك ~~وهما من جنس المعز ويمثلان الآن عيشتها الوحشية القديمة، وكثيرون من أصحاب الملاعب يستفيدون ~~من هذه الخاصة في المعز ويدربونه على المشي على الحافات الدقيقة مما يدهش لغرابته ~~المشاهدون. # والجمل من الحيوانات التي يظهر في خلقها وخلقها تأثير الوسط الذي عاشت فيه قديما، فهو ~~حيوان صحاري ورمال قليلة المراعي والمياه، ومن يراه يمشي في شوارعنا الموحلة أو المرشوشة ~~يشعر أن الخف صنع للرمال، والجمل مشهور بصبره على العطش وقدرته على اختزان ما يكفيه من ~~المياه مدة طويلة، وهو صبور على الجوع أيضا؛ لأن في سنامه كمية وافرة من الغذاء يتقوت بها ~~عند قلة الطعام، فهو من هذه الوجهة مثل الخنزير غير أنه لا يفرق شحمه مثله على جميع أعضائه ~~بل يجمعه في أعلا ظهره، وهذه كلها خصائص توافق الصحاري التي كان يعيش فيها. # ومن أراد أن يلمح لمحة من حياة الجمل الوحشية فلينظر إليه وهو يأكل الحسك والأشواك فإن ~~شغفه الشديد بها يدل على تأصل ذوقه لهذه النباتات الصحراوية، فإن الصحاري لا تنبت لقحل ~~أرضها وقلة الغيث فيها غير هذه الأشواك، وكانت الجمال قديما تفتش عنها وتتغذى بها، وما زال ~~فلاحنا للآن إذا شعر بضعف شهوة الجمل في أكل البرسيم أو الفول، وهما من الأطايب لمثل هذا ~~الغذاء، يأخذه إلى حيث يجد هذه الأشواك فيرد ms44 إليه شهوة الأكل بها. # والفيل أكبر الحيوانات التي ذللها ا لإنسان، ولو لم يكن اجتماعيا في حياته الوحشية لما ~~استطعنا تذليله، فإن الأسد أضعف منه قوة ولكننا لم نتمكن من تذليله؛ وذلك لأنه لا يعرف طرق ~~المعاملة مثل الحيوانات الاجتماعية، ولا يعرف معنى العقاب والطاعة والمكافأة، ويشعر إذا ~~قربنا منه بالعداء وشهوة الافتراس، أما الفيل فينظر إلينا كما ينظر إلى إخوانه الفيلة فيعرف ~~ما له وما عليه ويميز بين العقاب الخفيف عند الخطأ الطفيف والعقاب الشديد عند الخطأ ~~الكبير. # | نحن خمسة في هذا العالم # نحن خمسة ليس لنا سادس، قد افترقنا منذ أكثر من مليون سنة ولكننا ما زلنا نذكر قرابتنا ~~وندل عليها بالوجوه وسائر الأعضاء، وكذلك بالاتجاهات الذهنية أو العاطفية. # نحن البشر، ثم الشمبنزي، ثم الغوريلا، ثم الأورانج، ثم الجيبون. # وليس لنا سادس، نحن خمسة نتسم بوجوه بشرية وبأذناب متقلصة قد اندغمت في ظهورنا حتى صارت ~~لا تبرز كأننا لم نكن قط بأذناب، وقد عشنا آلاف القرون على الأشجار. ونحن البشر، مع ~~الغوريلا، قد تركنا الأشجار ونزلنا على اليابسة، ولكن صغار الغوريلا لا تزال إلى الآن، إذا ~~أظلم الليل، تصعد إلى غصون الشجر وتنام عليها، أما آباء هؤلاء الصغار فتبني على الأرض تحت ~~جذوع الشجر ولا تصعد، أما الشمبنزي فلا يزال يساوي بين الشجر والأرض، ساعة هنا وساعة هناك، ~~أما الجيبون فلا يزال يتعصب للشجر ولا يكاد يتركه، ولكن الأورانج ينزل من وقت لآخر ويسير ~~على الأرض. # ونحن والجيبون طرفان، نحن نتعصب للأرض ولا يكاد أحدنا يفكر في الصعود إلى أغصان الشجر سوي ~~صبياننا للعب والعبث، وفي الطرف الآخر الجيبون الذي يتعصب للشجر وهو بهلوان يذرع الغصون ~~بذراعيه بنفس السهولة التي نسير نحن بها على الأرض، حركته تتبلور في ذراعيه كما تتبلور ~~حركتنا في ساقينا. # والجيبون هو صرخة نائية في قرابتنا التطورية، ولكن هناك ما هو أنأى. # ذلك أننا قبل أن نكون خمسة كنا عشرات، بل ربما كنا مئات نتفرق في القارات القديمة ونعيش ~~على الأشجار وكانت أجسامنا صغيرة؛ ms45 لأن الحيوان الضخم يجد أن الغصون لا تتحمله ولذلك سرعان ~~ما ينزل إلى الأرض، ألا ترى أن اثنين من هؤلاء الخمسة، وهما الإنسان والغوريلا، قد تركا ~~الشجر واستقر أحدهما على الأرض وكاد الثاني أن يستقر؟ والأورانج يكاد يساوي الإنسان في ~~الثقل ، ولكنه لا يزال يلتزم الشجر؛ لأن قدميه لا تليقان للمشي، كما سنرى. # قبل نحو عشرين أو ثلاثين مليون سنة كنا قد بدأنا حياة جديدة على هذا الكوكب، وكنا قد ~~اهتدينا إلى اختراع جديد نمتاز به على تلك الزواحف الضخمة التي كانت وباء على العالم، ذلك ~~أننا كنا نلد ولا نبيض، فكانت الحراسة ثم العناية بالأطفال كبيرتين، وفي الوقت الذي كانت ~~تنقرض فيه الزواحف؛ لأن بيضها لا يجد الحراسة كنا نحن نعيش وننازعها البقاء؛ لأننا كنا ~~نعنى بالأطفال ونحرسها. # وكنا صغارا في الحجم نترجح من وزن الفأر إلى وزن الثعلب، وقد لجأنا إلى الأشجار كي نفر ~~من هذه الزواحف الضخمة، وكانت خفة أجسامنا تساعدنا على الفرار، حتى إذا بدأت هذه الزواحف في ~~التناقص، ثم الانقراض، شرع بعضنا يجد أن الأرض مأمونة وأنه يستطيع النزول حيث يسعى في حرية ~~وانطلاق، فكانت أسلاف الحيوانات الجديدة المتخصصة كالفيلة والخيل والكلاب والبقر. # أما نحن فبقينا صغارا في حجم الفأر أو القط، ولا يزال الليمور في أيامنا، ثم الطرسير، ~~يصرخان بنا عبر الملايين من السنين إلى الأصل الوضيع الذي نشأنا منه، وكلاهما من حيوانات ~~الليل التي تفتح أعينها في الظلام وتحاول النظر في النبشة والعتمة ولذلك تجمعت العينان ~~عندهما في الوجه دون الصدغين، كما هو الشأن في سائر الحيوان، وإلى الآن نرى أن البومة ~~والوطواط قد اجتمعت العينان لكل منهما في الوجه ينظر بعينين لشيء واحد في وقت معا، في حين ~~أن سائر الحيوانات النهارية؛ أي: التي تسعى في النهار طيرا كانت أو لبونات، تقنع بالرؤية ~~للشيء الواحد بعين واحدة في الصدغ. # ولهذا السبب نجد بيننا وبين البومة وكذلك الوطواط شبها مزعجا نكرهه ونفر منه، وأصله هو ~~هذا الجمع بين العينين في الوجه، فنحن الخمسة ms46 وكذلك الطرسير والليمور ثم كذلك البومة ~~والوطواط، من حيوانات الليل، قد احتجنا إلى الدقة وإحكام الرؤية، فجمعنا العينين في الوجه ~~حتى ننظر الأشياء بهما معا لا بعين واحدة. # ونحن الذي نعيش في أنوار المدن التي تتلألأ بالمصابيح الكهربائية لا تكاد تحس أخطار ~~الظلام ومخاوفه التي يحسها الفلاح في الريف، والتي تزداد ألف ضعف في الغابة، ومن هنا قيمة ~~الرؤية السديدة بعيني الوجه. # والإقامة على الشجر تستدعي اليقظة في الليل كثيرا، ويبدو أننا أسرفنا في هذه الإقامة حتى ~~صار السعي في الليل دون النهار عادتنا، فكان هذا التخصص في النظر، في حين أن سائر ~~الحيوانات، أسلاف الكلاب والقطط والفيلة والبقر، تركت الشجر قبل أن تتخصص، فبقيت عيونها ~~جانبية؛ أي: بقي كل منها «أعور» ينظر بعين واحدة كما كانت تفعل الزواحف الكبرى، أما نحن فلم ~~نترك الشجر إلا بعد أن تخصصنا، ومع ذلك لم يترك الشجر تماما غيرنا نحن البشر، أما سائر ~~الأربعة فلم تتركها تماما إلى الآن، حتى الغوريلا لا تزال تسمح لأولادها بالتسلق والنوم ~~على الغصون في الليل. # وهناك ما يرجح أن جميع اللبونات «التي ترضع أطفالها» نشأت أولا على الشجر، وكانت صغيرة ~~الأحجام تتحملها الغصون في تنقلها ووثبها، ولم يكن مفر من هذا؛ لأن الزواحف الكبرى، التي ~~كان العالم موبوءا بها في كل مكان، كانت تحول دون ظهور اللبونات على الأرض، ولا تزال ~~الأحافير القديمة التي ينتمي إليها الفيل والفرس صغيرة الحجم، فالفيل القديم، وقد وجد في ~~الفيوم، لا يزيد على حجم الحمار، والفرس القديم، وقد وجد في أمريكا، لا يزيد على حجم الفأر؛ ~~أي: أن اللبونات الضخمة كانت في الأصل صغيرة؛ لأنها كانت تعيش على الشجر، ولكنها لم تبق ~~مثلنا المدة الكافية؛ لأن تجمع عينيها في وجوهها ولأن تتخصص أيديها للتناول. # نحن خمسة في هذا العالم ... الإنسان، والغوريلا، والشمبنزي، والأورانج أوتان، ~~والجيبون ... وهؤلاء صعاليك من أبناء عمومتنا. ~~«الغوريلا» أكبر القردة العليا جسما وأقواها ... يعيش قطيعها فيما يشبه النظام ~~العائلي ... يعرف الانتقام، والاحترام، والوقار. ~~«الشمبنزي» الذي يعيش على أشجار ms47 إفريقيا ... ماهر ... مفراح ... لعوب ... فيه كثير من ~~الذكاء، وشيء من الخبث. # الأورانج أوتان الذي يعيش على أشجار جزيرتي سومطرة، وبورنيو ... يعني الاسم في ~~لغة أهل بورنبو «إنسان الغابات» ... وهم يعتقدون أنه يمكنه أن يتكلم، ولكنه يتعمد ~~الصمت خشية أن يستخدمه الإنسان ويسترقه. ~~«الجيبون» هو أبعد القردة العليا عن الإنسان، وأصغرها جسما وأطولها ذراعين ... ~~ليس في يديه من الإبهام سوى العجز ... وليس له ذنب ... # انفعالات إنسانية مختلفة على وجه غير إنساني ... # انفعالات إنسانية مختلفة على وجه غير إنساني ... # انفعالات إنسانية مختلفة على وجه غير إنساني ... # انفعالات إنسانية مختلفة على وجه غير إنساني.. # هيكل عظمي لطائر، وهيكل عظمي لإنسان ... نشر الاثنين عالم فرنسي يدعى «بيلون» ~~سنة 1555؛ أي: قبل 400 سنة، وقبل كتاب «داروين» أصل الأنواع بأكثر من 300 سنة ... ~~لولا المنقار البارز لأنكرنا أي اختلاف. # هياكل عظمية «من اليمين لليسار» للإنسان، الغوريلا، الشمبنزي، الأورانج ~~أوتان، الجيبون ... # إنسان وزاحفة كبرى منقرضة «للمقارنة»، كانت أحجام هذه الزواحف هائلة، ~~وأشكالها مختلفة، وقد تسلطت على الأرض ملايين السنين، ثم انقرضت ... # ونزلنا صغارا من الشجر، وقد كسبنا من الإقامة عليه عيني الوجه وكذلك اليد، فلما استقر ~~بنا المقام على الأرض كبرت جثتنا كما كبرت جثة الغوريلا الذي لا يصعد على الشجر سوي صغاره، ~~وأيضا لأننا صرنا نتناول باليد، استغنينا عن الذنب، بل ربما كنا استغنينا عنه قبل النزول ~~إلى الأرض؛ لأن هذا هو الشأن حتى في الجيبون الذي يسلك سلوك البهلوان على الغصون، والذي نظن ~~أنه لذلك كان يجب أن يحتاج إلى الذنب، ولكن المرجح أن الأيدي قد قامت مقام الأذناب حتى ونحن ~~على الشجر. # والفرق بيننا وبين الأربعة الأخرى أننا لم نتخصص مثلها على الإقامة في الشجر، حتى ~~الغوريلا التي تركت الشجر الآن قد تركته متأخرة؛ لأن قدميها لا تصلحان للسير كما تصلح ~~أقدامنا، ولأن إبهام القدم يواجه الأصابع ولا يستوي معها في صف كما هي الحال عندنا. # وأبعد الخمسة منا، وهو الصرخة النائية لحياة قديمة اشتركنا فيها، هو الجيبون، وهو آسيوي ~~يعيش في الأقاليم الشرقية ms48 الجنوبية من آسيا وكذلك في سومطرة وبورنيو، وهو يختلف عن الأربعة ~~الأخرى من حيث إن له صوفا بدلا من الشعر الذي تتسم به، وكذلك يتسم هو بتضخم إستي كما هو ~~الشأن في بعض القردة، ولكن من الباحثين من يقول: إن هذا التضخم الإستي عام بين الخمسة حتى ~~الإنسان، وإن الفرق بينهما درجي فقط، وبشرته سوداء مثل الزنوج، ومن هنا يجب أن نشك في قيمة ~~الضوء من حيث إنه الأصل في البشرة السوداء؛ لأن هذا الجيبون يكسو بشرته صوف يحميها من ~~الضوء، ومع ذلك هي سوداء، ولا بد أن هناك أسبابا أخرى لسواد البشرة عند زنوج البشر وعند ~~الجيبون. # والجيبون هو أصغرنا جميعا من حيث الوزن والقامة، فإن قامته لا تزيد على تسعين سنتيمترا، ~~وهو ضامر البطن، ونحن الأربعة بالمقارنة به، نعد مستكرشين، وهو أبرعنا في الانتقال بذراعيه ~~كما نحن أبرع الخمسة في الانتقال بالساقين، وهو حين يتعلق بالغصون لا يستعمل إبهامه، بل ~~أحيانا يقنع باستعمال إصبعين للتعلق كأن إصبعه خطاف، ولذلك لا يقبض على الغصن ولكنه يتعلق ~~بانحناء خطافي في الأصابع، وأنيابه طويلة مؤثلة بخلاف الحال عند الأربعة الأخرى؛ لأن ~~الأنياب عندها قصيرة مسحاء لا تنتهي بإبرة حادة، وهو ألوف، ولكنه عندما يعاشرنا لا يتمالك ~~من الاختلاس؛ لأن ذكاءه يتجاوز أمانته. # ووطنه الأعم هو الشجر الذي لا يتركه سوى ساعة أو ساعتين في النهار، وهو يمشي ينتصب على ~~قدميه. # أما ثاني الخمسة فهو الأورانج الذي يعيش في سومطرة وبورنيو في الأقاليم التي يعيش فيها ~~الجيبون، هو الحيوان الانفرادي بيننا نحن الخمسة؛ لأننا اجتماعيون نعيش كلنا جماعات، إلا ~~الأورانج فإنه ينفرد على الشجرة، وأنفه وفمه يبرزان وشعره أحمر، ولكن لحيته بطريركية سابلة ~~برتقالية اللون، وهو يسير على الأرض في بطء وحذر، وهذا لأن إبهام قدمه الذي يخلو من الظفر ~~أحيانا يواجه أصابعه؛ أي: أن قدميه مثل يده، وذراعاه طويلتان وساقاه قصيرتان بعكس الحال ~~عندنا نحن البشر، وبين قواعد أصابعه أغشية، وأصابعه لا تقبض على الغصن ولكنها تتعلق به ~~كالخطاف كما يفعل ms49 الجيبون، وصغار الأورانج كصغار البشر تتعلق وتتدلل وتصيح وراء الأم، بل ~~هنا يجب ألا يفوتنا أن صغارنا نحن الخمسة تتشابه كثيرا في تفاصيل الجسم والوجه ~~والأخلاق. # وكل من الأورانج والجيبون يتناول الماء بيده ثم يشرب من يده؛ أي: أنهما لا يلعقان، ودماغ ~~الأورانج لا يختلف عن دماغ الإنسان إلا من حيث الحجم. # أما ثالثتنا فهو الغوريلا، ووطنه إفريقيا، في الأقاليم النبياء من الكونجو، وهو أثقلنا؛ ~~إذ يبلغ وزنه 500 أو 600 رطل، وهو شجري ما دام في طفولته وصباه، فإذا كبر لم يكد يعرف ~~الشجر، وهو في الوجه من حيث حركة الأعضاء ولحظة العين بشري السحنة، وقدمه مستوية، وهو حين ~~يعدو يتساوى مع الإنسان في السرعة أو يكاد يسبقه، وهو حين يقعد يأكل كل ما حوله من أوراق ~~الشجر، ولذلك كان بطنه ضخما كأنه بهيم، وهو يسير جماعات كل 20 أو 30 معا، وعندما يقعد ~~ليستريح على أليته يضم ذراعيه مكتوفتين على صدره، وهو ينام على ظهره أو جنبه ويتوسد ذراعه، ~~وهو مثل الأورانج يثبت للخصم ولا يفر. # أما الشمبنزي، وهو أقرب الخمسة إلينا نحن البشر، فيستوي عنده الشجر والأرض؛ إذ هو يتسلق ~~كما يمشي، وهو إفريقي مثل الغوريلا، وهو ينتصب في القامة أو يكاد، ولذلك يتعلم الانزلاج ~~ويمارسه في طرب وخفة، ويعيش مثل الغوريلا في غابات إفريقيا الغربية، وهو يسير جماعات كل ~~منها نحو ثمانية أو عشرة، ويأكل الفواكه، ولا يبالي أن يعيش بجوار القرى، ولكنه إذا أحس أن ~~أحدا يتجسس عليه ترك مكانه إلى آخر، ولا يزيد وزنه على مئة رطل، وهو بالمقارنة إلى ~~الأورانج يعد انبساطيا يفرح بالاجتماع ويلعب وينشط إلى المرح بخلاف الأورانج الذي يعد ~~انطوائيا يعيش منفردا ولا يكاد يعرف معنى للمؤانسة، والشمبنزي سريع إلى التعلم، فهيم ~~يتناول طعامه بالملعقة، وعندما يعاشرنا يكتسب منا أخلاقا بشرية، فإن الندم يبدو عليه عندما ~~يخطئ عمدا أو عفوا، ولكنه عندما يسن يؤثر الانفراد ويتجنب المزاح، وكثيرا ما يصلع، فيتخذ ~~سحنة بشرية. # أما نحن البشر فنختلف الاختلاف الأكبر عن ms50 هذه الأربعة المتقدمة من حيث إن حجم الدماغ ~~عندنا أكبر مما هو عندها، وأيضا من حيث إن إبهام اليد تواجه الأصابع ولذلك نحسن القبض ~~والتناول أكثر منها، وقد تركنا الشجر تركا تاما، ولا يقاربنا في هذا سوى الغوريلا، ~~والقدم عندنا مقنطرة نمشي على أرساغنا ثم نندفع فوق أصابعنا، في حين أن أقدام الأربعة ~~الأخرى مسطحة، ولذلك لا يسهل عليها المشي كما يسهل علينا، لكن أذرعتنا لا تزال طويلة، مما ~~يدل على أننا عشنا كثيرا على الشجر، ودماغنا يكبر دماغ الغوريلا بثلاثة أضعاف، ويجب ألا ~~ننسى أن القامة المنتصبة العمودية عندنا هي التي هيأت لنا حمل هذا الدماغ الثقيل؛ لأننا ~~نحمله حملا عموديا فلا يرهقنا، ولم نكن نستطيع أن نحمله لو كنا نمشي على أربع، والفم ~~والأنف يتراجعان عندنا؛ لأن اليد تقوم بالتناول بدلا من الفم، والأنف أصبح صغير القيمة؛ لأن ~~العين جعلتنا تستغني بالنظر - أو نكاد - عن الشم، وزيادة الحجم في نظر الطبيعة ليست ذات ~~قيمة كبيرة، كما ترى هذا إذا اعتبرت الكلاب، فإن بينها كلب سان برنار الذي يزيد وزنه على ~~ثلاثين رطلا، وكلب لولو الذي قد لا يبلغ رطلا أو رطلين، ودماغنا، وهو أعظم ما يميزنا من هذه ~~الأربعة الأخرى، يزيد أضعاف ما هو عند الغوريلا أو الأورانج أو الشمبنزي، وليس هذا شيئا ~~عظيما؛ لأننا والأورانج سواء من حيث التشريح المخي بلا أدنى اختلاف. # ولنا جميعا وجوه متشابهة، فنحن الخمسة نبدو للعالم بوجوه تتشابه؛ لأن العينين تتقاربان، ~~ولنا أيد للتناول، وجميعنا قد استغنينا عن الأذناب، ولكن ما تبقى من الذنب عندنا أكبر مما ~~تبقى منه عند الأربعة الأخرى، وجميعنا نمشي على أقدامنا بفروق، بعضنا قد ترك الشجر بعض ~~الوقت، وأحدنا «نحن» قد ترك الشجر كل الوقت. # قال هوكسلي: «إن الإنسان يشبه هذه الأربعة الأخرى، كما يشبه كل واحد منها الآخر، وهو ~~يختلف عنها كما يختلف كل واحد منها عن الآخر» ثم يقول: «إن الفروق الجسمية التي تفصل ~~الإنسان من الغوريلا والشمبنزي ليست عظيمة إلى الحد الذي تبلغه الفروق ms51 بين القردة العليا ~~والقردة الدنيا». # والفروق بين البشر كبيرة، فإن أنف الزنجي الأفطس وأنف السويدي الأشم يختلفان اختلافا ~~عظيما، وكذلك بشرة الزنجي السوداء وبشرة الأوروبي البيضاء قد أحدث الاختلاف بينهما الثاني ~~للأول آلافا من السنين، والصيني أملط أو يكاد، والأوروبي شعراني وأحيانا نجد على بعض ~~الأجسام البشرية زغبا صوفيا، يكثر في فرنسا وإيطاليا بين الفتيات له لمسة حريرية جاذبة ~~وحبذا الإنسان يعود فيكتسي بهذا الصرف الناعم ويستغني به عن الملابس، وبعض هذه الفروق يمكن ~~تعليله بالمناخ، مثال ذلك أن السويدي أو النرويجي الذي يعيش في مناخ بارد بالقرب من القطب ~~يجب أن يكبر أنفه وتضيق المسالك الداخلية فيه حتى لا يفجأ الهواء البارد رئتيه، أما الزنجي ~~الذي يعيش في إفريقيا الحارة فينفطس أنفه وتتسع مسالكه الداخلية حتى يجتازها الهواء بسرعة ~~وبلا عائق، والهواء الحار يتمدد فيحتاج الزنجي كي يحصل على حاجته من الأكسجين إلى مقدار من ~~الهواء يزيد على المقدار الذي يحصل عليه الأوروبي. # ولكن مع جميع هذه الاختلافات بيننا نحن البشر ما زلنا نوعا واحدا يتفرع إلى سلالات عدة ~~يتم بينها التلاقح ولا يؤدي إلى نسل من «البغال» العقيمة. # والفروق بيننا وبين القردة الأربعة الأخرى كبيرة، وأهمها بالطبع هو المخ، ولكن هذا المخ ~~ما كان ليصل إلى ضخامته الحاضرة بل ما كان لينمو في الذكاء لولا اللغة التي جعلت التفكير ~~الدقيق ممكنا، ولولا اليد التي جعلت الحضارة ممكنة بما لها من إبهام يجيد التناول، فميزتنا ~~الكبرى على القردة الأربعة الأخرى ليست المخ الكبير وإنما هي اللغة واليد. # | الدماغ واليد واللسان # وجد البشر، منذ شرعوا يفكرون، أنهم في حاجة إلى الإيمان بغيبيات تقوم مقام الاقتناع ~~بالمنطق؛ لأن وسائل المنطق لم تكن مكملة لديهم، ولذلك سلموا أو آمنوا بأشياء كثيرة، بما ~~أسموه «ما وراء المادة»، ومهما يكن اختلافهم في هذه الغيبيات فإنهم أجمعوا على اتخاذ عقائد ~~ارتضوها ووجدوا فيها طمأنينة أو وسيلة للخير والعدل. # وما دامت معارفنا ناقصة فإن منطقنا يبقى ناقصا، ولذلك نحن نلجأ من وقت لآخر إلى غيبيات ~~نضع ms52 فيها البصيرة والحدس مكان التعقل والمعرفة، فنحن مثلا نجد في التطور «نظرية» تقدم ~~البراهين الناصعة على حقيقتها، ولكننا ننظر إليها من زاوية أخرى باعتبارها «مذهبا» لا ~~نعتمد فيه على الحقائق ولكن على العقائد، وليس دستورنا في هذا المذهب هو المنطق ولكنه ~~البصيرة. # إني «أعتقد» أن موكب التطور منذ ملايين السنين إلى الآن وبالنقطة التي وصل إليها الإنسان، ~~يجيز لنا أن نقول: إن غاية هذا التطور هو الوجدان؛ أي: أن نتعقل هذه الدنيا أو هذا الكون ~~تعقلا موضوعيا يتجاوز انفعالاتنا الذاتية؛ أي: أن نفهم الدنيا على حقيقتها الخارجة عنا ~~وليس وفق إحساسنا الداخلي بها. # ونحن هنا إزاء غيبيات جديدة، ولكن البرهان فيها لا يقتصر على العقائد؛ لأن المعارف تتحيز ~~جزءا كبيرا منها، فنحن البشر لا نختلف من الحيوان من حيث إننا نعرف الأشياء وإنما من حيث ~~نعرف أننا نعرف، وهذا هو الوجدان، وهو الذي يحملنا على التعقل ومحاولة الفهم في استقلال من ~~ذاتيتنا، ولذلك نعتقد أيضا أن تطورنا القادم سوف ينحو نحو الزيادة في الوجدان حتى نصل إلى ~~المطابقة، فلا نخطئ المعرفة بحركات الذرة أو أجزائها، بل نتجاوز ذلك أيضا إلى أن نحس ~~إحساسها ويصبح وجداننا كما لو كان «حاسة كونية»، حتى إذا كنت على الأرض «وجدت» ما يجري في ~~نجوم المجرة وجدان المعرفة والإحساس الموضوعي. # ولست أشك أن هناك من يعترض بأن ما لدينا من حقائق لا يجيز هذا الإسراف في الأمل، وجوابي ~~أني هنا إزاء غيبيات ولست إزاء حقائق. # اعتبر مثلا هذا الانقراض التام للزواحف الكبرى التي ملأت هذه الدنيا نحو ثلاثين مليون ~~سنة أو أكثر. ثم اسأل لماذا انقرضت جميعها؟ # لا نستطيع أن نجيب على هذا السؤال بالمنطق والمعرفة، ولكننا نبصر من خلال التطور باعتباره ~~مذهبا فنقول: إنما انقرضت؛ لأنها انحرفت عن غاية التطور وهي العقل الوجداني بحيث كان هدفها ~~التضخم اللحمي أو الجسمي، فقد كان البرونتوسور، وهو أحد هذه الزواحف، يزن 37 طنا، ولكن ~~دماغه لم يكن يزيد على أوقيتين، ولو أن دماغه قد نما على قياسنا ms53 البشري لوجب أن يبلغ 2072 ~~رطلا؛ أي: نحو طن؛ لأن المخ عندنا يبلغ جزءا من أربعين من وزن الجسم؛ أي: إذا كان وزننا ~~«120» رطلا كان وزن المخ ثلاثة أرطال تقريبا. # وكان الانحراف عظيما في الديناصور وهو أحد هذه الزواحف بل أرقاها، فإن تخضم جثته احتاج ~~إلى مركز عصبي آخر غير الدماغ الذي في رأسه، فتكون هذا المركز، وهو دماغ آخر، في أسفل ظهره، ~~وكذلك كي يختص بإدارة ساقيه اللتين كانتا تحملان هذه الجثة الضخمة، وكأن الغاية من التطور ~~قد أصبحت حركة الحيوان وليست فهمه للدنيا. # والدماغ البشري يعد على وجه عام أكبر الأدمغة في العالم، وصحيح أن دماغ الفيطس يزيد علينا ~~بمقدار ستة أضعاف، ودماغ الفيل يزيد علينا بمقدار ثلاثة أضعاف، وهناك دماغ الكنار، ذلك ~~العصفور المغرد الذي يبلغ دماغه جزءا من اثني عشر من وزن جسمه؛ أي أنه بالمقارنة إلى جسمه ~~أكبر من دماغ الإنسان، ولكن يجب ألا ننسى أن دماغ الطفل البشري عقب ولادته يبلغ في الوزن ~~سبع جمسه، والدماغ البشري بالمقارنة إلى الجسم البشري أكبر من دماغ الفيل ودماغ الفيطس ~~بالمقارنة إلى جسميهما، والمرجح أن هناك ضرورات تشريحية، أكثر مما هي فسيولوجية، تجعل دماغي ~~الفيل والفيطس كبيرين، كما هي الحال أيضا في دماغ الطفل ودماغ الكنار، وأن هذا الكبر ليس ~~برهانا على طاقة كبيرة في الذكاء. # ولكن مع كل هذه الاعتبارات يجب ألا ننسى أن الموكب العام للتطور كان نحو الزيادة في ~~الدماغ، ومن هنا إيماننا بأن غاية التطور هي الفهم والتعقل. # على أن هناك عوامل كثيرة جعلت دماغ الإنسان ينمو ويتضخم إلى حد الشذوذ الذي هو فيه؛ إذ ~~ليس شك أننا نعد شاذين في هذا التضخم بالمقارنة إلى الحيوانات، وهذا الشذوذ يتضح أكثر عندما ~~نعرف أن المجانين من البشر، سواء أكان جنونهم نيوروزا أو سيكوزا، يترجح عددهم بين عشرة ~~ملايين وعشرين مليونا، هذا المجنون هو البرهان على أن وجداننا لا يزال جديدا في هذا ~~العالم؛ أي: أنه لم يستقر في كياننا النفسي، ولكنه برهان أيضا على ms54 أننا قد أسرعنا الخطى ~~نحو الغاية وأننا في هذا الإسراع نهرول ونسقط. # وقد كانت اليد من أعظم العوامل التي عملت على تكبير الدماغ البشري؛ لأنها آلة فنية ~~للتجسيم جعلت التعبير ممكنا وزادت خيال أسلافنا وجرأتهم على الاختراع، وكان التفاعل بين ~~الدماغ واليد تفاعل المهارة والذكاء، وكانت اليد هي التي تحمل الحجر والعصا للدفاع أو ~~الهجوم، وهي التي تجمع الحطب للنار، وهي التي تصنع الآنية الأولى للحضارة الأولى. # ولكن اللسان كان أعظم من اليد في تكبير الدماغ؛ لأنه عين المعاني بكلمات تربطها في حدود ~~لا تتجاوزها كيما تهيئها للطلب والخدمة، وإذا كانت اليد آلة الحضارة التي اخترعنا بها ~~الأدوات فإن اللسان هو آلة الثقافة التي جمعنا بها المعارف للفهم والتفكير، وكلنا نعرف أن ~~الإنسان قد عاش ملايين السنين وهو من حيوانات الليل التي تسعى في الظلام، وأنه لهذا السبب ~~نقل عينيه من صدغيه إلى وجهه كما هي الحال في الوطاويط والبوم، وأن وسيلتنا للاتصال بالعالم ~~قد أصبحت العين، بل العينين معا بدلا من الأنف، وأن هذا كان كسبا عظيما للذكاء. # ولكن هذا السعي بالليل هبط بنا على شيء جديد زاد ذكاءنا وهو اللغة، فإن العواطف البدائية ~~ترتسم على وجه الحيوان حول الفم والشفتين والعينين والأنف، بل إننا أحيانا نعين العاطفة ~~باليد أو اليدين معا، فإذا كنا في الظلام عجزنا عن إبداء عواطفنا بهذه الحركات، ولكن ~~العاطفة عندما تشتد أو تحتد تحملنا على الصراخ أو الصياح أو غير ذلك كما يفعل الكلب أو ~~القط، فإذا تحركت أعضاء وجوهنا في الظلام لعاطفة محتدة مثلا فإنه تخرج من حناجرنا أصوات ~~تلائم هذه العواطف، وهذه هي اللغة. # ولكن لولا الظلام الذي كنا نعيش فيه، في حياة الليل التي كنا نحياها، وبرهانها جمع ~~العينين في الوجه؛ لولا ذلك لما احتجنا إلى اللغة؛ لأن الظلام كان يمنع التفاهم بحركات اليد ~~أو الوجه التعبيرية وقت الغضب أو الخوف أو الافتراس أو الهجوم أو الدفاع، كانت الأصوات تخرج ~~وفق التعبير لهذه العواطف وكانت تؤدي للأذن ما كانت تؤديه للعين ms55 وقت النهار، مثال ذلك أن ~~الحيوان، أحد أسلافنا، كان يفتح فمه وقت الرعب من وحش قادم، فإذا كان نور النهار فتح فمه ~~وهو صامت، وكان رفيقة يفهم ويتعاون الاثنان على الدفاع أو الهرب، ولكن إذا كان الليل فإن ~~الحيوان يفتح فمه ويخرج صوتا يلائم هذا الرعب فيقول: آه. # ونرتقي من ذلك إلى أن تقول: إن أحد أسلافنا كان يجب أن يعبر مثلا عن معنى الشيء العالي ~~فيرفع «في النهار» شفته السفلي إلى فوق فقط، فإذا كان الظلام رفع شفته إلى فوق أيضا ولكنه ~~يخرج صوتا يوافق هذه الشفة المرفوعة مثل: فوق بالعربية ~~و # Haut # بالفرنسية و # High # بالإنجليزية، وهي نفسها الكلمة الفرنسية. # فإذا أراد أن يعبر عن معنى الشيء السفلي فإنه في النهار يعقد شفته ويمدها إلى أسفل ولا ~~يتكلم، ولكنه إذا كان الليل فإنه يصيح مع عقد شفته إلى أسفل فيقول: تحت بالعربية ~~و # bas # بالفرنسية و # low # بالإنجليزية. # وهكذا نشأت اللغة البشرية؛ أي: أنها التعبير الصوتي وقت الظلام لحركات الشفتين حتى تسمع ~~الأذن حين تعجز العين عن الرؤية. # واعتبر كلمات: كريه، بغيض، مقيت، قذر، وسخ، اشمأز، وبالفرنسية # Mal، ~~Mauvais, Degout, Sal. # وبالإنجليزية # Dirty, Disgust, ~~Silly, Bad # فإنها جميعها في اللغات الثلاث أصوات تخرج من حركة واحدة من ~~امتداد للشفتين للكراهية والاشمئزاز. # وقد كان ماكس مولر يقول: إننا لا نستطيع أن نفكر بلا كلمات وإلا إذا لم تكن هناك كلمة، ~~فيجب أن تكون هناك إيماءة أو رمز كما هو الشأن عند الخرس، والسيمائية، أو علم المنطق ~~اللغوي، يسمى نفسه علم الرموز أو الإيماءات، بمعنى أن الكلمة هي إيماءة أو رمز. # وتجد السيكلوجية السلوكية أن التفكير هو الكلام الصامت؛ أي: أننا نفكر بكلمات ولكننا لا ~~ننطقها، وظني أن الحجة قوية هنا عند السلوكيين، ولا عبرة بأن يبقى من تفكيرنا نحو واحد أو ~~اثنين في المئة لا يجري بكلمات، وإنما يجري غامضا مائعا بإيماءات أخرى حتى يستقر على ~~كلمات. # وبؤرة اهتمامنا هنا هي أن اللسان تفاعل مع الدماغ؛ أي: أن الكلام ms56 تفاعل مع الذكاء، فنما ~~كلاهما؛ أي: أن الدماغ تضخم في جزئه الأعلى الأمامي الخاص بالتفكير كما أن اللسان حذق ~~النطق، وكثرت كلماتنا؛ أي: كثرت أفكارنا، وأصبحت لنا ثقافة؛ أي: أفكار موروثة. # ولا نستطيع أن نسير في هذا المنطق إلا إذا سلمنا بأن عادات الآباء يرثها الأبناء؛ أي: أن ~~الجهد الذي أنفقه أسلافنا في التعبير باللسان قد كان وظيفيا في أدمغتهم ثم صار عضويا في ~~أدمغتنا، وسار التطور بيننا على نحو ما سار في الزرافة، حين كانت أسلافها تمط أعناقها ~~للوصول إلى الغصون البعيدة، ثم صارت أعقابها ممتازة بأعناق طويلة لا تحتاج إلى المط، فنحن ~~كذلك، كان أسلافنا ينطقون في جهد ويعقلون المعنى في دماغ صغير، ثم صرنا نحن نمتاز بدماغ ~~كبير لا يحتاج إلى جهد كي ننطق ونفهم الكلمة. # وأعظم ميزاتنا اللغوية سيكلوجية؛ لأنها رفعت التفكير من مرتبة العواطف الغامضة المضطربة ~~المندفعة إلى مرتبة الوجدان المتزن الإرادي الاختياري، ونحن الآن حين نجد شخصا نيوروزيا؛ ~~أي: قد تغلبت وطغت عليه عاطفة ما من الحزن أو الأسف أو الخوف أو حتى الطموح والعدوان وقد ~~اضطرب وعجز عن السلوك السوي، نحلل عاطفته الهوجاء هذه بالكلمات التي تزيد وجدانه؛ أي: تزيد ~~فهمه الموضوعي وتخرجه من الفهم الذاتي، فيشفى ويعود سويا. # أي أن اللغة هي التي فصلت تماما بيننا وبين الحيوانات؛ لأن كل حيوان يعد في معنى ما، ~~نيوروزيا؛ أي: مستسلما لعاطفته، ذاتيا في تفكيره، أما نحن فإن اللغة قد رفعتنا إلى ~~الوجدان الموضوعي الذي جعل التفكير العلمي؛ أي: التفكير الدقيق، ممكنا. # فإذا سئلنا: ما الذي جعل الدماغ البشري يكبر إلى هذا الحد الشاذ بالقياس إلى الحيوان ~~قلنا: إنه اليد أولا، ثم اللسان؛ أي: اللغة ثانيا؛ أي: التفاعل بينها جميعا، وقد كنا قبل ~~ثلاثين أو أربعين سنة نهمل شأن اللغة في تكبير الدماغ وزيادة الذكاء باعتقاد أن اللغة شيء ~~مكتسب أو عادة يتعودها الجيل، ثم يشرع الجيل التالي في تعلمها وأنها لا قيمة لها لهذا السبب ~~في التطور، ولكننا الآن نؤمن يقينا، وبالتجربة، أن العادات ms57 التي يتعودها الأسلاف يرثها ~~الأبناء، ولذلك فإن عادات أسلافنا في النطق بكلمات قد حركت الدماغ وزادت نموه ونضجه، وورثنا ~~نحن هذا النمو والنضج في أدمغة كبيرة. # نحن نتعلم اللغة أو بالأحرى التفكير باللغة كما يتعلم الطائر الطيران، وكما أن الطيران ~~خاصة، بل الخاصة الأولى للطيور كذلك التفكير باللغة هو الخاصة الأولى للإنسان، ولكننا نحن ~~والطيور ما زلنا نتعلم هاتين الخاصيتين في الطفولة، ولكن هذا التعلم لا يعني أن الطيران ليس ~~من طبيعة الطيور أو أن اللغة ليست من طبيعة الإنسان، فإن جسم الطائر قد أعد بالجناحين ~~للطيران، ودماغ الإنسان قد أعد للتفكير باللغة، وبعد آلاف السنين سوف تولد فراخ الطيور ~~فتطير بلا تعليم وتدريب، كما أن أطفالنا سوف يولدون أيضا بعد آلاف السنين وهم يتحدثون؛ أي: ~~يفكرون باللغة، منذ الشهر الأول من الميلاد. # | هذا الإنسان # يصطلح المؤرخون الأوروبيون على تسمية العصور التي تقع بين 500 و1000 للميلاد بالعصور ~~المظلمة، ذلك لأن العقل البشري خبا وأوشك أن ينطفئ، فكانت أوروبا في ظلام الجهل لا ترى رؤية ~~بالعقل والأدب والعلم، وبقيت في الظلام إلى بدايات القرن الحادي عشر حين بزغ النور على أضعف ~~ما يكون، ولكنه ما زال يتجمع حتى انفجر في القرن الخامس عشر. # فإذا انتقلنا من التاريخ البيولوجي وجدنا أيضا «عصورا مظلمة» فقبل نحو 70 أو 80 مليون ~~سنة عم العالم ظلام، كأن الحياة في الاعتبار البشري قد أخفقت وسدت على نفسها طريق الرقي؛ ~~ذلك أن الأحياء انتهت إلى أنواع من الحيوان يطلق عليها في أيامنا اسم الزواحف التي لا تزال ~~هياكلها باقية في المتاحف، بل كذلك بيضها، تشبه إلى حد كبير التماسيح والعظايا، وكانت في ~~الحجم تترجح بين الكلب والفيل، بل كانت تزيد أحيانا على الفيل، وكانت تعيش في كل مكان في ~~الغابات والأنهار والسهول والجبال والبحار، وقد انقرضت لأسباب لا تزال مجهولة، ولم يبق ~~منها، بعد تطورات مختلفة جعلتها بعيدة عن الزواحف القديمة، سوى تلك الزواحف الصغيرة ~~والكبيرة في أيامنا، وهي لا تحيا إلا تلك الحياة السرية، تختبئ ms58 من الأحياء الأخرى وتخشى ~~الافتراس، وتسعى في الظلام وتنجحر في النهار. # وعاشت هذه الزواحف الكبرى نحو ثلاثين أو أربعين مليون سنة، وكأن التطور قد تجمد بها، وكأن ~~اتجاه الطبيعة نحو الإنسان بإيجاد العقل قد انحرف، فلم تعد الغاية نمو العقل، بل أصبحت نمو ~~الجسم. # ومن قبل ذلك بملايين السنين تجمد التطور بإيجاد الحشرات التي اتجهت وجهة أبعد ما تكون ~~عنا؛ إذ قنعت بالغريزة كأنها من الشجر حتى إن برجسون، في نزعة غيبية مسرفة قال: إن في ~~الحياة طريقين أحدهما طريق الغريزة، وقد قطعته الحشرة إلى نهايته، والآخر طريق العقل ونحن ~~البشر في طريقه لما نبلغ نهايته، ولو أن برجسون كان قد عاشر أيام الزواحف الكبرى لوصل إلى ~~مثل هذا الفرض أيضا، ولكن الحياة «موسوعية» تحاول وتجرب وتبيد الأحياء الفاشلة، وتتحسس ~~الوسائل الصغيرة لتجاربها الكبيرة. # وانقراض الزواحف الكبرى مجال للحد والتأمل، فلعلها انقرضت؛ لأنها كانت كبيرة الحجم ~~عملاقية التركيب، ونحن نعرف أن العمالقة الشاذين الذين يولدون بيننا من البشر يعقمون؛ أي: ~~لا يتناسلون، والفيل أكبر الأحياء على اليابسة لا يلد إلا مرة كل 35 سنة، ولكن هذا التعليل ~~لا يكفي؛ لأنه كان بينها زواحف قدر الكلب أو الحمار أو الفرس، وهناك من يقول بأن التغيير ~~المناخي قد أبادها؛ أي: أن الدنيا بردت فجأة ودخلت في عصر جليدي، فلم تتحمل هذه الزواحف ~~المناخ الجديد، ولكن هذا بعيد؛ لأن التطور كان أحرى بأن يسعفها بفراء أو ريش بدلا من أن ~~يتركها لتنقرض، وأخيرا هناك من يقول بأن اللبونات الجديدة كانت تأكل بيضها وتحول دون ~~تناسلها، وهذا حدس لا أكثر. # ولكن بعد نحو 30 أو 40 مليون سنة من هذا الكابوس الذي جثم على العالم نجد أمارات العصر ~~الجديد أو النهضة البيولوجية، فمن ناحية نجد الطيور ومن ناحية نجد اللبونات، وليس في أيامنا ~~طيور قديمة تحتوى مناقيرها على الأسنان، ولكن بقاياها أو أحافيرها توجد في المتاحف، أما ~~اللبونات القديمة فلا يزال بعضها حيا حتى في أيامنا، فإنها تبيض ولا تلد، ثم هي مع ذلك ms59 ~~ترضع أولادها بطريقة بدائية؛ إذ يتشقق البطن ويخرج من شقوقه سائل دموي لبني تلحسه الأطفال، ~~وهذا هو الرضاع البدائي كما نراه في حيوانين هما البلاتيبوس في أستراليا والنمال أو آكل ~~النمل في أمريكا الجنوبية. # وظهور الطيور هو خطوة كبيرة جدا في التطور؛ لأن الإحساس عند الطائر انتقل من الأنف إلى ~~العين، فإلى ظهور الطيور كانت جميع الأحياء، في البحر واليابسة، تسعى الطعام والأنثى ~~بالأنف، ولكن ميدان الشم صغير محدود، أما ميدان العين فيتسع إلى الآفاق ويزيد الملاحظة ~~والمقارنة فيزيد الذكاء. # وحوالي 30 مليون سنة قبل عصرنا نجد أحياء من اللبونات الجديدة تعيش على الشجر وتعتمد على ~~عيونها، وهي مضطرة إلى ذلك غير مختارة؛ لأن المجال للشم على الشجرة صغير جدا، ولكن هذه ~~اللبونات لم تكن مسلحة بالريش لكي تطير بالأجنحة وتنجو بنفسها أو تنتقل بها من شجرة إلى ~~أخرى، ولذلك احتاجت هذه اللبونات الجديدة إلى أن تعتمد في التنقل على الأغصان أو الانتقال ~~من شجرة إلى أخرى على أيديها. # وأبعد إيماءة إلى أصلنا هو الليمور، وهو أنواع كثيرة تختلف أحجامها من حجم الفأر إلى حجم ~~الثعلب، وهو حيوان ليلي يسعى في الظلام ثم يختبئ وينام في النهار، ولأنه ليلي جمع عينيه في ~~وجهه مثل البومة التي تصيد في الليل، ووجهه غير بشري، فإن أنفه يجتمع بفمه في فقم بارز، ~~وشفته العليا مشقوقة، ومنطقة أنفه وفمه رطبة كالبقر وهو يستعمل يديه الاثنتين، لا الواحدة ~~للتناول، وقد يتناول طعامه أحيانا بفمه، وهو من أقدم اللبونات كما يدل على ذلك أنه يعيش في ~~شرق آسيا وشرق إفريقيا «في مدغشقر» ولا يعيش فيها بينهما؛ أي: أنه نشأ قبل الانفصال ~~الجيولوجي بين هاتين القارتين، هذا الانفصال الذي يملأ ثغرته الآن المحيط الهندي. # وهذا الليمور هو إيماءة أولى للإنسان، ولكن ما أحقرها من إيماءة! فإنه لا يزال يحتفظ ~~بذنبه، وذكاؤه يقل عن ذكاء الكلب، ومخه أمسح بلا تلافيف. # وليس من شك في أننا نحن البشر قد قضينا فترة طويلة من تطورنا على الشجر اكتسبنا بها جملة ms60 ~~أشياء ما كنا لنكسبها لو أننا قمنا بالبقاء على اليابسة، ذلك أن الشجر علمنا وعودنا التسلق ~~باليدين، فلم تعد يدانا للمشي فقط بل صارتا أيضا للتسلق، وبهذا التسلق نفسه تهيأت اليدان ~~للإمساك والتناول، ثم كسبنا بالمعيشة على الشجر الاعتماد على العين بدلا من الاعتماد على ~~الأنف، فزاد وجداننا؛ أي: درايتنا بالوسط الذي نعيش فيه؛ لأن الحيوان الذي يسعى بأنفه ~~ويسترشد بالشم لا يدري إلا البقعة التي هو فوقها أو القليل مما حولها، ولكن الحيوان الذي ~~يقعد على غصن الشجرة أو يرتفع إلى غصونها العالية يرى بعينيه جملة كيلو مترات محيطة ~~بالشجرة، ونحن هنا كالطير، ولكننا نمتاز على الطير من حيث إن أيدي الطير صارت أجنحة، أما ~~أيدينا فبقيت للتسلق ثم للتناول. # وإذا كان الليمور إيماءة أولى، فإن الطرسير إيماءة ثانية، فإنه حيوان يتفق مع الليمور من ~~حيث أنه ليلي كالبوم، والبومة لأنها تصيد في الظلام أو الغبشة، تحتاج إلى أن تكون عيناها في ~~وجهها، لا في صدغيها كالحمامة أو الدجاجة؛ لأنها تحتاج إلى التمييز الصحيح للأشباح بعينين ~~اثنتين تريان معا، ولا بد أننا قضينا فترة طويلة من تطورنا ونحن نسعى في الليل على الشجر، ~~كما هو الشأن في الليمور والطرسير، وهذه الفترة هي التي جمعت عينينا في وجهنا ونقلتهما من ~~صدغينا، فصرنا ننظر إلى الأشياء بعينين نظرا كاليدسكوبيا؛ أي: أن الصورة التي تنقلها ~~إحدى العينين تراجعها العين الأخرى وتصححها وتنقل ظلالها، فتتجسم الرؤية، وهذا المنظر ~~الكاليدسكوبي هو ما يطمع في تحقيقه هذه الأيام المشتغلون بالأفلام السينمائية؛ أي: أنهم ~~يرغبون في تجسيم الصور حتى لا تكون فتوغرافية فقط، وجميع الحيوانات، باستثناء القليل، ~~كالإنسان والقردة العليا، وطيور الليل، تنظر النظر الفتوغرافي بعين واحدة في أحد الصدغين، ~~فالرؤية عندها غير مجسمة، أو غير متقنة. # ولكن حياتنا على الشجرة أكسبتنا ميزة أخرى لا تقل عن ميزة الاعتماد على العين؛ أي: على ~~العينين معا، دون الاعتماد على الأنف، هي ميزة استخدام اليد للتناول، فإن التسلق على الشجر ~~يهيئ اليد والأصابع للتناول؛ لأننا تعلمنا من القبض ms61 على الغصن كيف نقبض بعد ذلك على العصا ~~أو الحجر، وكيف نتناول الثمرة باليد وننقلها إلى الفم بدلا من أن نمد شفتينا إلى الثمرة، ~~وساعدنا هذا على وضع جديد للوجه البشري؛ لأن الفكين تراجعا للوراء ورقت الشفتان، فصار لنا ~~وجه مستقيم عموديا ولا يبرز منه الفكان من أسفل، وساعدنا هذا بعد ذلك على أن نتخذ الوضع ~~العمودي لأجسامنا بدلا من الوضع الأفقي الشائع بين الحيوانات. # اعتبر مرة أخرى الميزات العديدة التي نلناها من حياة الشجر: ~~(1) # إن عقلنا أصبح عقل العين بدلا من عقل الأنف، عقل الآفاق البعيدة والمقارنة ~~الكثيرة، وما زلنا نقول: ما رأيك؟ يجب أن تتبصر، وهذا هو التفكير ~~العيني. ~~(2) # واكتسبنا أيضا القامة العمودية، وكان تسللنا على الشجر هو التدريب الأول ~~لذلك. ~~(3) # اكتسبنا من الشجر استعمال اليد لتناول الطعام وغيره بدلا من استعمال ~~الفم. ~~(4) # واكتسبنا هذا الوجه البشري الذي لا يبرز فيه الفكان؛ لأننا لم نعد نتناول ~~الطعام بالشفتين. # ولكن حياة الشجر علمتنا أيضا أخلاقا جديدة، ما كنا لنصل إليها لو أننا بقينا على ~~اليابسة، منها عناية الأم بأطفالها أو هذه الأمومة البشرية في التزامها لأطفالها مدة طويلة، ~~وكذلك اعتماد الأطفال على الأم، وهذه المدة الطويلة قد هيأت الفرصة للتربية. # ذلك أن سكنى الشجر لغير الطيور خطرة على حيوان لبون لا يطير إذا هاجت الريح وضربت الغصون، ~~أو إذا تسلق ثعبان وحاول أن يأكل الصغار، وهي أخطر على الأطفال الذين يجب أن تحرسهم الأم ~~وتدأب في المحافظة عليهم من السقوط أو من عادية الوحش، وهنا الفرصة العظيمة للنمو العقلي ~~مدة الطفولة. # ونستطيع أن نصف الإنسان منذ بداياته الأولى بأنه حيوان عيني، لا حيوان أنفي، وأنه أيضا ~~حيوان عمودي لا حيوان أفقي، وأنه أيضا حيوان يدوي. # ولكن هذه البدايات نجدها جميعا في الليمور الذي تنأى أصوله إلى ماض سحيق، برهاننا عليه ~~أنه كان يعيش قبل الانفعال الجيولوجي بين إفريقيا وإندونسيا حيث لا يزال هو إلى الآن يقيم ~~في هاتين المنطقتين: مدغشقر وإندونيسيا. # ولكن هذه بدايات فقط في الليمور لأنها غير ms62 تامة، فإن عينيه لم يتقاربا التقارب البشري، ~~وهو لا يزال يمشي على أربع مع القدرة على الوقوف والتسلق، فإذا انتقلنا من الليمور إلى ~~الطرسير، وهو حيوان ليلي كالبومة وجدنا تقارب العينين، ووجدنا ميزة أخرى هي أنه لا يمشي ~~ولكنه يثب على قدميه كما نثب نحن حين نكون مقيدين، وهذا الوثب قد انتفعنا به؛ لأنه نقل عبء ~~الجسم من أصابع القدمين إلى رسغيهما، فكانت القامة العمودية. # وظهر الطرسير، في تجاربه البشرية الأولى، من أقل من ثلاثين مليون سنة، وكنا نحن هذا ~~الطرسير ننظر في الظلام كالبوم ونشب على رسغينا، ونأكل كل شيء بلا تخصص كما نفعل الآن، فلم ~~نقتصر على الثمر ولم نقتصر على الحشرات، فنحن من حيث الطعام «موسوعيون» لا نتخصص. # والطرسير مع ذلك حيوان سحيق؛ لأن الفرق بينه وبين الغوريلا أكبر جدا من الفرق بين ~~الغوريلا وبين الإنسان، فإن مخه لم يغط إلى الآن مخيخه كما هو الشأن في القردة ~~العليا. # ولأمر ما نجهله نزل الإنسان الأول، وهو شيء بين الطرسير والقرد، إلى اليابسة، ولعل السبب ~~في نزوله من الشجر أنه تضخم فكبر جسمه وثقل ولم تعد الأغصان تتحمله أو لم يعد هو يجد الخفة ~~في التنقل عليها، واستطاب الإقامة على اليابسة حيث الأمن فيها على الأطفال مكفول؛ لأن سقوط ~~الأطفال من الشجر كان من الهموم العظيمة التي كان يعانيها أسلافنا قبل ملايين السنين، ~~واستطاع أن يسعى على اليابسة، يسعى بالوثب أولا ثم بالمشي ثانيا بالاعتماد على ~~الرسغين. # ولكنا لما تركنا الشجر كانت أذنابنا لا تزال عالقة بنا، بل هي لا تزال كذلك في العصعص ~~الذي يجمع عندنا من الفقرات ما يكفي لذنب محترم يليق لأي حيوان على الشجر، ويتعلق بالغصون، ~~وكل ما نحتاج إليه كي نسترد أذنابنا قليل من اللحم والجلد ... ولكن إقامتنا على اليابسة ~~أغنتنا عن الأذناب؛ لأن اليد كانت قد تحررت فصارت تتناول وتذب الهوام وتقتل الحشرات، وفي ~~حيوان مثل الإنسان قد استقر على أن يعيش على اليابسة، يعود الذنب عبئا يجب التخلص منه وقت ~~القتال، ms63 وكان لا بد من زواله. # وكان لا بد من أن نترك الشجر، أولا للأمن الذي ذكرنا؛ لأن حياة الصغار على الغصون كانت ~~عرضة لأخطار السقوط، وثانيا لأن غذاءنا من الأثمار لم يعد يكفينا، وخاصة لأن الأثمار ليست ~~دائمة؛ إذ هي موسمية، وكسبنا من اليابسة جملة أشياء: # أولها: أن اليد التي كانت قد كادت تتخصص في القبض على الغصون قد أصبحت مكلفة واجبات جديدة ~~في التناول، فتطورت الإبهام حتى صارت كأنها يد أخرى تواجه الأصابع الأربع لا تقف معها في صف ~~كما هو الشأن في الأورانج أوتان الذي لا يزال ملازما للشجر، فهو يحسن القبض على الغصن ~~والتعلق به، ولكنه لا يحسن التناول للحجر أو العصا، ثم اكتسبنا القامة العمودية ~~للمشي. # وقد احتجنا في هذا الانتقال من الشجر إلى اليابسة، ومن القامة الأفقية إلى القامة ~~العمودية، إلى رباطات جديدة تربط أمعاءنا حتى لا تسقط، ولكن هذه الرباطات لم تتأصل في ~~طبيعتنا إلى الآن، كما نرى مثلا من هذا المرض البشري، والبشري فقط؛ أي: الفتق، حين تنهار ~~الأمعاء عند الرجل وتسقط في الكيس أو حين تفتق صرة المرأة وتخرج، فإن هذا المرض لا يمكن أن ~~يصاب به كلب أو بقرة أو فأر، نصاب نحن به للقامة العمودية التي اتخذناها، ولما نحقق جميع ~~أدواتها التي تحميها وتبقيها في صحة وسلامة، وقد وقعنا بهذا الوضع العمودي في تناقضات ~~داخلية؛ لأن ضيق الحوض عند الرجل يقيه من الفتق ولكنه في الوقت نفسه يجعل الولادة عسيرة عند ~~المرأة، ثم أدى هذا الوضع العمودي إلى زيادة العبء على القلب الذي نشأ للوضع الأفقي، ولذلك ~~فإن أقدامنا تبرد، وتنشأ لنا الدوالي؛ أي: أن الأوردة تتورم في الساق لعجز القلب عن جذب ~~الدم من تحت إلى فوق، ثم يمرض القلب لزيادة المجهود عليه في رفع الدم من القدم إلى ~~الرأس. # العين، واليد، والإبهام، والرسغ، هذه الأربعة نقلتنا من طور الحيوان إلى طور الإنسان، ~~وهيأت لنا حالا جديدة أو وضعا جديدا استطعنا به أن نجعل الرأس كبيرا يتسع للمخ الكبير ms64 ~~الذي كسا المخيخ بل طغى عليه، ولولا هذه الأربعة لما استطعنا أن نصل إلى الوجدان والذكاء ~~والمعرفة ثم الحضارة والرقي؛ لأن المخ البشري، بالمقارنة إلى الجسم، هو أكبر مخ على هذا ~~الكوكب، ولولا أن قامتنا عمودية لما استطعنا أن نحمله ولو كان هذا المخ البشري في رأس الذئب ~~أو الفرس لكسر عنقيهما؛ لأنهما يحملانه حملا أفقيا لا عموديا. # ولكن مخا كبيرا بلا عينين تنقلان إليه أخبار الوسط لا قيمة له؛ إذ لن يجد المادة التي ~~تحمله على التفكير والمقارنة والاستنتاج؛ أي: الذكاء، ثم كذلك مخ بلا يد تصنع الأدوات ~~والآلات لن يؤدي إلى اختراع حضارة، ثم كل هذا لم يكن مستطاعا لو لم نقف على أرساغنا؛ أي: ~~على كعوبنا وقفة عمودية تتحمل عبء المخ الكبير، ثم بعد ذلك اللغة التي قطعت ما بيننا وبين ~~الحيوان ورفعتنا إلى السماء. # | العائلة الأبوية # العائلة هي أصل المجتمع، وهي أيضا أصل من أصول المعرفة والذكاء، وقد كتب كثيرون عن أصل ~~العائلة ولكن خيرهم في هذا الميدان هو روبرت بريفولت صاحب كتاب «الأمهات» الذي سيبقى سنين ~~كثيرة مرجعا لبحث هذا الموضوع. # العائلة أصيلة في جميع اللبونات، ولكنها تختلف في درجتها؛ إذ ليس هناك حيوان، مهما انحط، ~~يخلو من معنى العائلة؛ ذلك لأن الأم ترضع أطفالها وقتا ما قد لا يزيد على أسابيع في بعض ~~الحالات وقد يبلغ سنة أو يزيد، وما دام هناك رضاع فهناك أم تجتمع بالأطفال التي تلتف حولها ~~وتحتمي بها وتنصت لإشارتها، فهناك عائلة في معنى ما، ولكنها عائلة سريعة الزوال لأن الأطفال ~~لا تكاد تنتهي من الرضاع حتى تترك الأم. # على أننا يجب ألا نستهين بهذه المدة التي يقضيها الأطفال مع الأم، فإن الزواحف التي سبقت ~~ظهورنا نحن اللبونات كانت تبيض وكانت عنايتها كلها مقصورة على البيض حتى إذا انفقأ تركت ~~الأطفال، وكان على كل طفل عندئذ أن يسعى مستقلا لا يعرف له أما فضلا عن أب فلم يكن هناك ~~مجال لأن يتفاهم مع أمه: يعبر عن رغبته أو نفوره وعن ms65 خوفه أو جوعه، وجميع هذه العواطف تحرك ~~الذكاء الاجتماعي؛ لأن هذه الأم نفسها مضطرة إلى أن تنقل إلى هؤلاء الأطفال إحساساتها أيضا ~~وتدعوهم إلى تقليدها في الهرب والهجوم والأكل وسائر السلوك ونحن هنا إزاء عائلة مصغرة قد ~~يتعلم الأطفال فيها عدة أسابيع كما في الفئران أو عدة أعوام كما في الزرافة والفيل والبقرة، ~~وفي هذه الأسابيع أو السنين يتعلم الأطفال ثقافة الأسلاف، ثم يتفرق الجميع عقب الرضاع إذا ~~كان الحيوان انفراديا كالقطط، أو تجتمع الأفراد جماعات إذا كان الحيوان اجتماعيا ~~كالبقر. # ومحض انتقال الحيوان من أن يبيض إلى أن يلد قد رفع الذكاء لأن الزواحف العصرية لا تعرف ~~أولادها؛ إذ هي تتركها عقب انفقاء البيض، فالأولاد لا تتذكى بالاجتماع والتفاهم مع الأم، ~~أما اللبونات فتمتاز بالرضاع وما يلازمه من تربية وتذكية. # ولكن مدة الرضاع ليست كافية للوصول إلى درجة ممتازة في التربية وتحريك الذكاء، وقد ~~اضطرتنا إقامتنا نحن على الشجر إلى أن نحتمي بالأم من أخطار السقوط من الأغصان، فطالت ~~طفولتنا إلى السنين بدلا من الشهور، وازددنا بذلك تربية وذكاء، حتى إذا كبرت أجسامها وثقلت ~~وأصبحت الإقامة على الأغصان خطرة تركنا الشجر إلى الأرض، ولكن بقيت لنا هذه الميزة وهي أن ~~طفولتنا تمتد مع الأم، وربما مع الأب، إذا لم يكن هذا الأب نزقا يجري مع أهوائه ويبحث عن ~~الطريف من الجمال في نسوة أخريات. # والقردة الدنيا، مثل البابون الذي نراه في شوارعنا، يقتصر فيها معنى العائلة على مدة ~~الرضاع، وكبار ذكرانها تستولي على الإناث وتترك صغار الذكران بلا إناث فتفشوا الشذوذات ~~الجنسية بينهما كما تفشو بين البشر حين يحرمون النساء. # ولكن القردة العليا، الجيبون والأورانج، والشمبنزي والغوريلا تعرف العائلة بما يقارب ~~الأسلوب البشري، فإن الأب يلزم الأم والأطفال، ويعيش الجميع معا سنوات إلى أن يبلغ الصغار ~~سن الشباب فتستقل وتتفرق. # ومجتمعنا البشري البازغ، كان بلا شك شبيها بالمجتمع القردي العالي كما نراه بين هذه ~~الأربعة التي ذكرناها، الأب والأم والأولاد يجتمعون حتما مدة الرضاع وبعد الرضاع بضع سنوات ~~ثم ms66 يتفرقون أو يبقون، والأب أول من يهجر؛ لأنه قوى رائد يتطلع إلى الإناث الأخرى، والرضاع ~~يربط الأطفال بالأم أكثر مما يربطهم بالأب، بل لولا العلاقة الجنسية بين الأب والأم لما كان ~~هناك ما يربط الأطفال بالأب. # فإذا ترك الأب الأطفال وأمهم، أو إذا مات، بقي الأطفال مع الأم، وهنا منشأ الحب البشري، ~~ونحن نحب أمهاتنا بعاطفة تختلف عن العاطفة التي نحب بها زوجتنا أو عشيقتنا؛ لأننا هنا نجد ~~حبا جنسيا، أما هناك فنجد حبا بشريا، وقد يثب هنا أحد السيكلوجيين الفرويدبين يزعم ~~أن حب الطفل لأمه جنسي كما هو مركب أوديب عند فرويد. # ولكن هذا خطأ فادح من فرويد؛ لأن الحب الجنسي في صميمه افتراس وأكل ونهم، يدل على هذا أن ~~كثيرا من الأحياء يختلط فيها الافتراس بالتعارف الجنسي كما نرى في العناكب والعقارب حين ~~تأكل الأنثى الذكر بعد الاجتماع، وأحيانا قبله إذا استطاعت، ويحدث أحيانا كثيرة أن الذكر ~~من الحيوانات العليا يقاد إلى الأنثى في حدائق الحيوان للتقليح، ولكنه بدلا من أن يلقحها ~~يفترسها، والعض مألوف في الاجتماعي الجنسي، وهو إيماءة الأكل، والكلمة الفرعونية التي تدل ~~على الأكل هي نفسها التي تدل على القتل، والكلمتان العربيتان «قتل» و«أكل» قريبتان، والنهم ~~إلى الأنثى يشبه النهم إلى الطعام، والاجتماع الجنسي يتم أحيانا بين الذكر والأنثى بلا ~~أدنى حب. # وكثيرا ما توقظ عاطفة الغضب على الزوجة وضربها والتغلب عليها، العاطفة الجنسية، وهذا ~~معروف بين الطبقات الدنيا من العامة، بل كثيرا ما يحدث في الأحلام أن يتخذ العدوان لون ~~التعارف الجنسي، وفي الأميبة الأولى يجري الحب «الجنسي» بالاندغام؛ أي: تندغم إحدى الخلايا ~~في الأخرى كما لو كانت كل منهما تأكل الأخرى. # وليس كذلك الحب من الأطفال لأمهم أو من الأم لأطفالها؛ لأننا هنا نجد شيئا آخر غير ~~العدوان والافتراس والنهم والأكل نجد الرحمة والحنان والرقة والعطف. ~~••• # والعائلة الأولى هي عائلة الأم؛ لأن الأب لم يكن يرضع الأطفال، فكان غريبا عنهم حين كانت ~~الأم حميمة العلاقة بهم، وقد مضى على الإنسان آلاف السنين وهو ms67 لا يعرف القيمة الفسيولوجية ~~للاجتماع الجنسي بين الرجل والمرأة، ولذلك كانت الأم هي كل شيء في العائلة ولا تزال في ~~اللغات كلمات تدل على ذلك، منها كلمة «ذوي الأرحام» للقرابة، وكذلك كلمة «حياة» التي اشتقت ~~من الحيا وهو عضو التناسل في المرأة، ولا تزال هناك شعوب باقية إلى عصرنا تعتقد أن الأب ليس ~~له أدنى تدخل في حمل المرأة، وأن هذا الحمل يأتي للمرأة من أرواح البحر التي تنصب على رأسها ~~في الليل ثم تهبط أجنة من الرأس إلى الرحم، وكتاب مالينوفسكي «الحياة الجنسية بين ~~المتوحشين» هو وصف مسهب لأحد هذه الشعوب في ميلانيزيا في الجنوب الشرقي من القارة الآسيوية، ~~ولم يعرف الإنسان قيمة الرجل في التناسل إلا بعد أن استأنس الحيوانات وصار يستكثر منها ~~بالتلقيح. # فالأم هي التي أوجدت العائلة البشرية للرباط الطبيعي بينها وبين الأطفال وهو الرضاع، وبقي ~~البشر ملايين السنين، ثم بعد ذلك مدة غير قصيرة في عصور الحضارة الأولى، وهم يعتقدون أن ~~الأم هي الأصل الوحيد للتناسل، حتى كانوا يصنعون تماثيل للحيا «أصل الحياة» ويحملونها على ~~أجسامهم عوذة أو تميمة تقيهم من الموت؛ لأن هذا العضو الذي ولدنا منه هو أصل الحياة، فما ~~دمنا نحمل تمثاله من طين أو حجر فإننا لن نموت، وهناك ما يرجح أن الودعة قد امتازت بخصائص ~~سحرية لهذا السبب؛ أي: لأنها تشبه الحيا، وقد انحدرت إلينا الودعة وانحطت مكانتها فلم تعد ~~لها غير خصائص غيبية في الحظ والطالع عند العامة، كما لا يزال يحملها الصبيان لمنع ~~العين. # ويدلنا التاريخ القديم لكل أمة تقريبا على أن الانتساب للأم كان شائعا، والأسماء ~~العربية القديمة تدل على هذا أيضا، والأقارب في العصور القديمة هم عائلة الأم؛ أي: الأخوال ~~وليسوا عائلة الأب، والولد في التاريخ القديم كان ينتمي إلى أخواله وليس إلى أبيه أو أعمامه ~~بل كانت القبائل تنتسب إلى النساء دون الرجال، وقد وصف مالينوفسكي الذي أشرت إليه القرابة ~~في النظام الأمومي وأوضح أنها للأخوال، وأن الأب يعد غريبا. # وقد وصف هيرودتس شعوبا كثيرة ms68 بدائية النظام الاجتماعي ووجد فيها هذا النظام الأمومي؛ أي: ~~أن الأم هي الأصل للعائلة، وهناك ما يدل على أن العائلة المصرية القديمة كانت أمومية، ولعل ~~الضد عند العرب هو بقية هذا النظام. # والإنسان البدائي الذي لم يستقر على زراعة بل كان يعيش جائلا يبحث عن الجذور والأثمار ~~ويصيد صغار الحيوان، هذا الإنسان كان شيوعيا بدائيا يجد في الغابات والسهول ملكا ~~شائعا لنوعه ليس لأحد اختصاص بجزء منه، وفي هذا الحال تقتصر العائلة على الأم وأولادها، ~~وليس للأب سوي قيمة الرفيق الصديق الذي يمكن الاستغناء عنه. # ثم ينشأ النظام الأبوي للعائلة بعد ذلك؛ أي: حين تتألف القبائل وتحتاج إلى الغزو والقتال؛ ~~لأنه هنا ترتفع قيمة الرجل لكفاءته في الغزو والقتال وتنخفض قيمة المرأة، ولعل أول الغزو ~~كان لسبي المرأة وفي هذه الحال؛ أي: حين تسبى المرأة، يتغير النظام العائلي، فبدلا من أن ~~يكون أموميا يعود أبويا، فإذا نشأت القبيلة لأجل السبي الجماعي أو إذا كانت الغاية من ~~الغزو خطف الخراف أو الأبقار المدجنة فإن مركز المرأة ينحط كثيرا في العائلة، وهي وقت ~~الغزو تؤخر وتحمى وتعود عبئا على الرجال؛ إذ هم يخشون أن تغزى هي وتسبى، وعندئذ يتأكد ~~المركز العالي للرجل في العائلة وتخلص صفتها الأبوية. # وصفات الحرب هي الآن صفات الرجولة، والسبي يؤدي في النهاية إلى الضرار؛ أي: إلى تعدد ~~الزوجات، كما كان النظام الأمومي للعائلة قبل ذلك يؤدي إلى الضد؛ أي: تعدد الأزواج. # ولذلك نستطيع أن نرجح أن النظام الأبوي للعائلة لم ينشأ إلا بعد أن تألفت القبائل للغزو، ~~بسبي المرأة أولا، ثم خطف الدواجن ثانيا، وما دام هناك دواجن فلا بد أيضا من غزو المراعي ~~ثم الشروع في امتلاك الأرض، وكل هذا يجوز أن يحدث قبل الاهتداء إلى الزراعة. # ثم ظهر عنصر آخر تغير به نظام العائلة البشرية، ذلك أنه عندما اهتدى الإنسان إلى الدين ~~كان أول إيمانه، وهو بعد في نظام القبيلة، أن هناك ربا يحمي قبيلته دون سائر القبائل، ثم ~~كان الغزو لسبي المرأة يجري بين ms69 قبيلة وأخرى كما يجري لخطف الماشية أو للمرعى، فأصبح الزواج ~~بأبناء القبيلة الأخرى سنة مألوفة إن لم تجر بالسبي جرت بما يشبه السبي من تعويض المهر، ~~ونشأ من ذلك كراهة الزواج الداخلي، فلا يتزوج الأخ أخته بل لا يتزوج من قبيلته، وصار لكل ~~قبيلة «طوطم» هو شعار القبيلة الذي يمنع الزواج بين أعضائها. # وللتلخيص نقول: ~~(1) # إن العائلة البشرية الأولى هي عائلة الأم دون الأب؛ أي: العائلة العامة بين ~~اللبونات والقردة العليا، والأب هنا هو صديق مرافق، وقد يهجر العائلة في أي ~~وقت، ثم إن النظام العائلي «وبؤرته الأم» لا يبقى إلا ريثما يتم نضج ~~الأطفال. ~~(2) # عندما عرفت القبيلة، ثم عرف سبي المرأة وغزو الماشية والمرعى، ظهر نظام ~~العائلة الأبوية، الأب هو السيد؛ لأن المرأة التي تسبى لا يمكن أن يكون لها ~~سلطان في العائلة، بل هي تستعبد. ~~(3) # لما تماسك نظام القبيلة بعض الشيء اهتدت إلى الدين بإيجاد طوطم تنتسب إليه ~~وترتبط به، وهو يمثل في أغلب الأحيان حيوانا مألوفا أو بريا، وفي الأكثر ~~طيرا تعزى إليه حماية القبيلة وإكسابها الشجاعة للنصر. ~~(4) # ما دام السبي قد وجد وعرف الغزو فإن العادة تنشأ في كراهة الزواج من الإخوة ~~أو الأقارب، ثم يحرم، ويعود الزواج مقصورا على الجنس الآخر من القبيلة الأخرى ~~بالسبي أو التعويض بالمهر، وتعم القاعدة بأن أبناء الطوطم لا يتزاوجون فيما ~~بينهم، كل هذا والإنسان لم يعرف الزراعة ولم يستقر، ولكن هذا التدرج لا يؤخذ ~~على أنه يسير في نظام واضح كل واحد يلي الآخر؛ إذ هو يتداخل، وزواج الأخت عند ~~الفراعنة برهان على أن نظام الغزو والسبي لم يعش في مصر المدة الكافية لإلغائه، ~~وقد كان رمسيس الكبير ثمرة خمسة عشر زواجا متواليا من هذا النوع؛ أي: زواج ~~الأخ بالأخت. # كذلك يجب ألا ننسى عوامل أخرى للضمد؛ أي: زواج المرأة لعدة رجال، منها وأد البنات للفقر؛ ~~لأنه إذا شاعت هذه العادة في أمة ما قل عدد النساء وزاد عدد الرجال، فيصبح الضمد محتوما، ~~كما رأينا عند العرب قبل الإسلام، ms70 وكما نرى الآن في تبت وسيلان. ~~••• # العالم البشري المتمدن يعيش في عصرنا في النظام الأبوي: ثمرة الغزو والسبي، وقد لاحظ ~~نيتشة أن الكلمة اللاتينية لمعنى الفضيلة مشتقة من الجذر الذي اشتقت منه كلمة الرجولة ~~“Virility, Virtue” # وهذا طبيعي؛ لأن الأخلاق السائدة ~~يجب أن تكون أخلاق السادة وقد كان السادة في الدولة الرومانية، دولة الغزو والنهب، رجالا، ~~فصارت صفاتهم فضائل، وصار مجتمعهم أبوي العائلة، وكان مجتمعهم أقسى المجتمعات لذلك، حتى كان ~~القانون يجيز للأب قتل ابنه، وقد ورث الأوروبيون هذه العائلة الأبوية عنهم، ولكن هل العائلة ~~الأبوية هي الكلمة الأخيرة في المجتمع البشري؟ # هذا ما نشك فيه، بل نرجح أن العائلة الأمومية ستعود، ذلك لأن استقلال المرأة الاقتصادي ~~والكفالات الاجتماعية للأولاد سيجعلان ارتباط الأولاد بالأم أكبر جدا من ارتباطهم بالأب، ~~وقد شرعنا هذه السنوات نرى ظاهرة جديدة هي الزواج الاعتزالي في النرويج والسويد والولايات ~~المتحدة الأمريكية حيث قد أتمت المرأة استقلالها الاقتصادي فإنها تعيش في هذه الأقطار ~~مستقلة تتزوج ولكنها تنفرد ببيتها وأولادها مدة الزواج، ولا يعود الزوج سوى زائر، وتبنى ~~المساكن الكثيرة على هذا الأساس. # ونحن بلا شك نشمئز أو على الأقل ننفر من هذا الوضع الذي يخالف مألوفنا، ولكن يجب أن نذكر ~~أن العائلة الأبوية إنما نشأت؛ لأنها كانت قبل كل شيء رابطة اقتصادية مركزها الرجل الغازي ~~المقاتل أو الكاسب العائل، وقد وصلنا إلى حال جديدة في تطورنا الاجتماعي لم يعد فيها الرجل ~~غازيا مقاتلا، ولم يعد منفردا في الكسب للعائلة؛ لأن المرأة تكسب مثله، ثم أصبحت هي ~~تمتاز عليه بالميزة الطبيعية الأولى وهي الأمومة؛ أي: الرضاع والعناية بطفولة ~~الأولاد. # وأخيرا لعلنا لا ننسى أن العائلة الأبوية تزداد أبوية وقسوة؛ أي: رجولة وعدوانا وقت ~~الحرب، كما حدث في الفاشية والنازية وكلتاهما ردت المرأة إلى البيت وحاولت حرمانها الكسب ~~والاستقلال. # | أصل العقل وتطوره # المتأمل لمظاهر الكون، بعد أن يتخلص من الغيبيات التي انحدرت إلينا من القرون السحيقة، لا ~~يتمالك الإحساس بوحدته، فالمادة والقوة شيء واحد، أو القوة إحدى ظواهر المادة ms71 كما أن المادة ~~إحدى ظواهر القوة، وكذلك الشأن في العقل، فإنه ظاهرة من ظواهر الحياة، والحياة نفسها إحدى ~~ظواهر المادة. # ليس هناك عقل بلا جسم، كما ليس هناك جسم بلا عقل أو بذرة العقل، فإن الخلية الأولى «تعقل» ~~في معنى ما من حيث إن لها رجوعا واستجابات للوسط الذي تعيش فيه، فهي تصد أو تقبل بما لها ~~من عصب بدائي مندغم في جسمها. # والأساس للعقل في الإنسان والحيوان هو الجهاز العصبي، والهدف الحيوي لهذا الجهاز هو ~~الملائمة بين الجسم الحي وبين الوسط الذي يعيش فيه؛ أي: أنه لم يختلف في وظيفته في الإنسان، ~~عما كان في الخلية الأولى، وكل ما هناك من فرق بين عقل الخلية الأولى وبين العقل في الإنسان ~~أنه في الخلية غير مركز أو متحيز في مكان، أما في الإنسان فهو مركز متحيز في الدماغ والنخاع ~~الشوكي وما يتفرع منها من خيوط عصبية تنتشر في أنحاء الجسم. # ولكن حتى هذا القول ليس دقيقا في صحته، فإن كل خلية من الجسم البشري «تعقل» مثل الأميبة ~~التي تمثل لنا الخلية الأولى في تاريخ الحياة، فالخلية في المعدة مثلا تقبل على بعض الأطعمة ~~أو تصد عنها بعقل بدائي مثل عقل الأميبة. # وتطور العقل من الجهاز العصبي البدائي في الأميبة إلى الدماغ في الإنسان هو تاريخ طويل ~~احتاج إلى نحو 700 مليون سنة، ولكن يجب أن نكرر القول بأن الهدف في الاثنين، الأميبة ~~والإنسان، واحد في الملائمة بين الحي والوسط. # الحياة كامنة في المادة وتنشأ منها، وكذلك العقل كامن في الحياة وينشأ منها، وهذا يتيح ~~لنا القول بأن العقل كامن في المادة، ونحن لا نعرف حياة مطلقة بلا مادة كما لا نعرف عقلا ~~مطلقا بلا حياة. # أول ما نعرف في الجهاز العصبي على أدنى صوره هو الانعكاس المباشر؛ أي: الانعكاس غير ~~المكيف، وهو الانعكاس الذي نرثه ولا نحتاج إلى أن نتعلمه، فالضوء القوى إذا سلط على عين ~~الطفل وعمره ساعة أو عين الرجل وعمره خمسون سنة يحمل كليهما على إغماض العين، ms72 هذا هو ~~الانعكاس المباشر غير المكيف. # وأعلى الكائنات الحية وأدنى الكائنات الحية تستوي في هذا الانعكاس المباشر؛ إذ هو وراثي ~~مثل مادة الجسم سواء. # وهذا الانعكاس المباشر هو الأصل الأول للعقل المركب في الإنسان. # ومركز العقل هو الدماغ الذي يحتويه الرأس، وموكب التطور في الأحياء يبرز لنا التقدم في ~~العقل بالنمو في الدماغ، وليس لنا بذلك مقر من أن نربط نمو العقل بنمو الدماغ. # ومن الحسن في التعبير أن نميز بين النمو العقلي والنمو العصبي، ونقول «التعبير» فقط؛ لأن ~~النمو العصبي هو عمليا نمو عقلي أيضا، ولكن عندما نقول: إن الأميبة أو الدودة تبدي ~~كلتاهما نشاطا عصبيا فإننا نفهم ما نقول؛ إذ إن كلا منهما تقبل وتصد وفق ما نحبه في ~~الوسط من الحسن أو السيئ لحياتها، ولكن للإنسان والحيوانات العليا «عقلا» يزيد على ما عند ~~الأميبة والدودة من العصب الخفي أو الظاهر يزيد كما ولكنه لا يزيد كيفا، إذا اعتبرنا ~~الأصل. # والأصل، عند الأميبة، والدودة، والإنسان؛ هو الملائمة بين الحي وبين وسطه، ووسط الأميبة ~~والدودة بسيط؛ إذ هو الماء أو الطين وكلتاهما تقبل على ما في الماء أو الطين من غذاء ~~وتأكله، وتصد عن الحرارة الشديدة أو الحمض اللاسع، أما وسطنا فمركب؛ إذ هو فضلا عما يحتويه ~~من طعام لنا نقبل عليه لحلاوته أو نصد عنه لمرارته كما تفعل الأميبة بالضبط، هذا الوسط ~~يحتوي أشياء أخرى اجتماعية أو سياسية أو عائلية احتاجت إلى ملايين السنين قبل أن تنمو ~~أدمغتنا للاشتغال بشئونها. # ليس للخلية الأولى، مثل الأميبة، عين أو أنف أو أذن أو لسان، ولكنها في معنى مصغر تميز ~~بين الضوء والظلمة، وهي تصد عن الأحماض، ونكاد نقول: إنها تتذوق ما تأكل، ثم إن حاسة اللمس ~~موجودة عندها. # ولكن رويدا رويدا في موكب التطور الصاعد نجد أن حاسة النظر قد تميزت في مكان من الجسم ~~وصارت له عين أو عيون، وأن حاسة السمع قد صارت له أذن، وحاسة الشم قد نشأ لها أنف، ثم صار ~~للذوق لسان. # والإحساس هو أول ms73 ما نجد في الدرجات الأولى نحو السلم العالي الذي يصل في قمة التطور إلى ~~الإنسان حيث الدماغ. # الإحساس الذي يحدث لنا الانعكاس المباشر، ثم عن طريق التعليم، يحدث لنا الإحساس ~~المكيف. # والحواس الخمس هي النوافذ التي نطل منها على العالم الخارجي وأهمها للإنسان والحيوان ~~العالي هو حواس المسافات كالسمع والنظر والشم، فالدودة حين تلمس أو تتذوق لا تكاد تحس ~~بالعالم الخارجي؛ لأن حاستي اللمس والتذوق لا تحتاجان إلى مسافة بعيدة أو قريبة. # ولذلك الوعي أو الوجدان لا يمكن أن ينشأ من حاستي اللمس والتذوق، ولكن العين التي تنظر من ~~قمة الشجر إلى نحو كيلو متر أو كيلو مترين، والأذن التي تسمع زئيرا بعيدا وتعرف وجهته، ~~والشم الذي ينبه الحيوان عن الفريسة المشتهاة أو العدو المخيف، هذه الحواس الثلاث تجعلنا ~~نطل على الدنيا المحيطة ونحس ونقدر ونقارن ونتذكر. # والشم هو أقل الإحساسات في المسافة، وهو على أشده في الأسماك. # ولكن عندما خرجت الأحياء من الماء إلى اليابسة ظهرت أو بالأحرى كبرت الحاستان الأخريان، ~~النظر والسمع، فجعلت الحيوان يراقب وسطه ويفهمه؛ أي: يحس الوعي أو الوجدان. # والعين بالطبع هي حاسة المسافة التي تكاد تتخصص في ذلك، وأعظم الأحياء نظرا هو الإنسان، ~~بل أكاد أقول: إنها حاسة الوعي؛ لأنها تبسط أمامنا مساحة كبيرة من العالم الخارجي تحوي لنا ~~الطعام والعدو والأنثى والمهرب، وتعلمنا كيف نميز بين الأسد والغزال وتبعث استطلاعنا للوقوف ~~على الأشياء والأحياء. # قلنا: إن أعظم الأحياء نظرا هو الإنسان، ولكن ليس معنى هذا أنه أبعد الأحياء نظرا، ~~وإنما هو أدق وأحكم وأصح نظرا، وذلك لأنه ينظر بعينين وليس بعين واحدة، فإن عينيه في وجهه ~~وليستا في صدغيه كما هو الشأن في الحيوان حتى العليا منها باستثناء أبناء عمومتنا القردة ~~ونعني القردة العليا الأربعة. # والرؤية بعينين اثنتين هي رؤية مجسمة، أما الرؤية بعين واحدة مثل الطيور فهي رؤية سطحية ~~غير محكمة، ولذلك تنقل إلينا عيوننا العالم الخارجي نقلا صحيحا أو كالصحيح وتكبر مسافات ~~الرؤية، ولذلك نحن نقارن بين ما نرى من الأشياء ms74 والأحياء على مسافة بعيدة محيطة فينشأ الوعي ~~والتفكير. # الإحساس الذي ينشأ من الحواس الثلاث، حواس المسافات، يجعلنا نجمع إحساسات الشم والسمع ~~والنظر، وهذا الجمع يحملنا على المقارنة والتقليب والتردد ومعاودة الفحص، فيكون الوعي أو ~~يكون التفكير. # التفكير الأول عند الإنسان البدائي هو ربط المعاني الناشئة من الشم والسمع والنظر، وقيمة ~~الشم في إيجاد الوعي ضعيفة ولكن قيمة النظر كبيرة، ونحن البشر حيوانات النظر، ولذلك نقول: ~~«أرى أن هذا الموضوع»؛ أي: أعقل ، ونقول: «ما رأيك» مات عقلك؟ ونقول: «تبصر في هذا الموضوع»؛ ~~أي: تعقل، والروية مشتقة من الرؤية وهي التعقل في أناة. # والذوق واللمس «بل الشم أيضا إلى حد كبير» كلها تجعلني ذاتيا في نظرتي للبيئة التي ~~أعيش فيها، وعندئذ لا يطابق حكمي أو رأيي ماهية الأشياء، ولكن نظري الذي يمتد حولي مسافة ~~كيلو متر مثلا يجعلني أقارن، وعندئذ يكون حكمي أو رأيي موضوعيا يكاد يطابق حقيقة ~~الأشياء. ~~••• # إحساس النظر وإحساس الشم وإحساس السمع، حين تتجمع هذه الإحساسات في دماغي أحس إدراكا؛ ~~أي: معرفة، ولكن ليست الإحساسات انطباعات فقط في مادة الدماغ، وإنما هي تنبيه لمادة الدماغ ~~يبعث على نشاط بحيث يحدث رجع أو استجابة، صدود أو إقبال. # فالعالم الخارجي حين تصل تفاصيله بالحواس إلى دماغي، يحث إدراكا مركبا وليس انطباعا ~~بسيطا، وهذا الإدراك المركب يعين إلى السلوك الذي يجب أن اتخذه أو أسلكه لقاء عدو أو صديق، ~~طعام أو شراب، إقدام أو نكوص. # ونحن والحيوانات العليا سواء في ذلك، وإذا كان هناك فرق فهو فرق التفاوت في الكم وليس ~~الاختلاف في النوع. ~~••• # الإدراك الحسي؛ أي: الإدراك الناشئ من الحواس، يؤدي، بالمقارنة، إلى إدراك تصوري، ~~وامتيازنا على الحيوان في الإدراك التصوري كبير جدا. # الإدراك التصوري هو التعقل. # ونحن والحيوانات العليا نتعقل لا شك في ذلك، والقول بأن الحيوان، ونعني الرواضع والطيور، ~~وأقل من ذلك الزواحف والأسماك، لا يتعقل لا يختلف من الخرافة القديمة التي تنشأ في ~~المناقشات الدينية، وهي أن للإنسان روحا أما الحيوان فليست له روح، وفكرة الروح هي أولى ms75 ~~الفكرات الدينية في مصر ممثلة في كل من الروحين «كا» و«با» إحداهما تحرسنا ونحن أحياء، ~~والأخرى ترعانا ونحن موتى، خرافة قديمة انحدرت إلينا ولا تزال العامة تؤمن بها. # ولكن العقل ليس خرافة؛ إذ هو حقيقة في الإنسان والرواضع والطيور والزواحف والأسماك، ~~وجميعها تمتاز بالقدرة على التعلم، ولكنها تتفاوت في مقدار التعلم، وأقلها بالطبع هو ~~الأسماء التي تسترشد بالشم أقل الحواس بعثا للوعي. # كلها تمتاز بالإدراك الحسي، وكلها أيضا على شيء صغير أو كبير بالإدراك التصوري. # ولكن هذا الإدراك التصوري يبلغ أعلى مستواه في الإنسان وأقله في الأسماك. # نحن على إدراك تصوري يجعلنا نفهم الأشياء والأحياء عن طريق التعميم، أما الحيوان «ربما ~~باستثناء القردة العليا» فلا يعرف التعميم. # الإنسان يعرف أن هناك حيوانات تسعى على الأرض وتأكل، وقد تفترس غيرها وتفر وتدخل في ~~الجحور أو تطير إلى أعلى القمم في الأشجار أو نحو ذلك، وكلها أمام الإنسان ~~«حيوانات». # ولكن الأسد لا يعرف هذا التعميم. # والتعميم في الإنسان هو الأصل في الخرافات الدينية القديمة، ثم صار بعد ذلك أصلا ~~للنظريات العلمية. # الخرافة الدينية هي فرض مخطئ، ولكنه تعميم. # والنظرية العلمية هي فرض صحيح، وهو تعميم. # ونحن البشر، بثقافتنا الحاضرة، نفهم الأشياء والناس بالتعميم؛ أي: بالنظريات. # وعلومنا هي تعميمات؛ أي: نظريات. # كيف وصلنا إلى هذا؟ ولماذا لم يصل الحيوان إلى درجتنا في هذا الفهم التعميمي؟ # هذا السؤال ينطوي على سؤال آخر هو: لماذا كبرت أدمغتنا إلى حد شاذ بالمقارنة إلى الحيوان، ~~بل حتى إلى القردة العليا الأربعة: الشمبنزي، والغوريلا، والأروانج أوتان، والجيبون؟ # الجواب هو اللغة. # اللغة هي التي جعلت التذكير التصوري ممكنا وعميقا؛ لأن الكلمات أفكار، كل كلمة فكرة، ~~ونحن حين نرث الكلمات من المجتمع نرث مئات الفكرات التي أوجدت لنا ثقافة بدائية ساذجة أولا ~~ثم متحضرة مركبة ثانيا، ولو أن القردة الأربعة العليا كانت قد عرفت اللغة لما تأخر نمو ~~أدمغتها وكانت قادرة على إيجاد حضارة وثقافة. # ولكن لأمر ما لا نفهمه لم تعرف اللغة. # اللغة أوجدت عندنا تصورات اجتماعية مثل الصدق ms76 والكذب والحب والكراهة، وتصورات علمية مثل ~~الكرة والمربع والهرم والأسطوانة. # واللغة، بكلماتها كانت أعظم الأسباب، بل لعلها السبب الوحيد لنمو أدمغتنا وتفوقنا على ~~الأرض. # ولكن أساس تفكيرنا هو الإحساس الذي نشترك فيه مع الحيوانات كلها تقريبا ثم اعتمادنا على ~~حواس المسافات، ثم اعتمادنا أكثر على النظر، ونشأ عندنا الإدراك الحسي الذي كبر «بالعيون» ~~إلى إدراك تصوري، وأحدث الإدراك التصوري ما نسميه التعقل. # ثم جاءت اللغة فأحدثت التعميم؛ أي: النظر الكلي العام للأشياء إذ كان منها الكلمات، كل ~~كلمة منها فكرة، والفكرة التعميمية هي نظرية. # | الأفكار كلمات # جميع اللبونات التي تتسلق الأغصان، أو الجدران تعرف كيف تمسك الأشياء بيديها، كما نرى في ~~الفأر والقط والسنجاب وجميع القردة الدنيا والعليا، فالتسلق هو الدرس الأول الذي يؤدي إلى ~~الإمساك والتناول. # ولكن ما دام الحيوان يحتاج كثيرا إلى التسلق فإنه لا يتناول كثيرا، وإنما يصبح التناول ~~عملا أساسيا لليد حين يترك الحيوان الشجر ويعيش على الأرض بحيث يسعى على ساقيه فقط ويرصد ~~يديه للتناول دون الحاجة إلى التسلق. # وهذا هو ما حدث لنا، فقد كنا نعيش على الشجرة ثم لسبب ما، كأن نكون قد نمونا وزاد وزننا ~~فلم تعد الأغصان تتحملنا، أو ربما حدث جفاف، وهذا أرجح، جعل الأشجار قليلة الأثمار والغذاء ~~... تركنا الأشجار كي نسعى ونبحث عن الطعام على الأرض. # وقناتنا الهضمية لا تزال تدل على أننا كنا وما زلنا نتغذى بالنبات، بالأثمار والجذور وورق ~~الشجر، ولكننا بعد أن تركنا الشجر بسبب الجفاف شرعنا نتعود افتراس الحيوانات الصغرى ونأكل ~~اللحم، وهذا هو ما يفعله البابون الذي يعيش على السهول والوديان المعشبة في إفريقيا، فإنه ~~يأكل العشب ولكنه يفترس الحيوانات الصغرى، وأحيانا يهجم على القطعان لافتراس جدي أو ~~خروف. # وحين تركنا الشجر وتعودنا افتراس الحيوانات الصغرى تغيرت أسماؤنا بعض الشيء وتغيرت ~~أسناننا، وكسبنا من أكل اللحم شيئين؛ أولا: هو هذا الوقت الذي كنا نقضيه في تناول الأعشاب ~~والأثمار القليلة الغذاء والتي كانت تستغرق نهارنا كله، فإننا أصبحنا نقتنع بالوجبة من ~~اللحم تكفينا مع صغر ms77 حجمها لأن نرتاح مدة طويلة ونحن في شبع لوفرة ما في اللحم من الغذاء، ~~وكانت هذه الراحة مجالا وفرصة لنا كي نفكر، وثانيا: تعلمنا من الافتراس كيف نتناول، بل ~~كيف نقذف الحجر على الفريسة، فتمرنت أيدينا بالقذف على وزن الأشياء وعلى التعاون مع المخ ~~على التدبير في الافتراس. # وكان هذا أول الطريق نحو الاختراع. # ليس القذف اختراعا، وإنما هو شيء نجده مصادفة فنتناوله ونقذف به الفريسة، والقردة، حتى ~~الدنيا، تعرف كيف تقذف خصمها، ولكن هذا القذف قد علمنا قيمة الحجر الذي نقذف به؛ إذ يجب أن ~~يكون على وزن معين وعلى شكل معين. # ولكن الفرق بيننا وبين القردة أننا «نخترع» وهي «تستعمل» فقط. # ولكن حتى هنا يجب ألا نجزم، فإن الشمبنزي استطاع أن يخترع فإن كوهلر علق بعيدا عنه بعض ~~الموز ووضع أمامه عصوين إحداهما أنبوبية، فحاول القرد أن يصل إلى الموز بإحدى العصوين فوجد ~~أنها دون المسافة، فعمد، بعد تفكير، إلى الأخرى وتأملها، ثم أدخلها في العصا الأنبوبية حتى ~~طالت، واستطاع بذلك أن يجعل من العصوين عصا واحدة تبلغ الموز وتسقطه. # وهذا اختراع بدائي، فإن القرد هنا صنع «آلة» وبذلك ارتفع عن «الإدراك الحسي» الحيواني إلى ~~«التصور الذهني» البشري. # الإدراك الحسي لا يحتاج إلى تفكير؛ لأني «أحس» أن حجرا قريب مني فأتناوله وأقذف به ~~حيوانا، وليس هنا اختراع؛ لأن الاختراع يحتاج إلى «تصور»؛ أي: أني أؤلف فكرة مع فكرة أخرى ~~أو مع جملة فكرات أتصورها كلها من البداية إلى النهاية، ولما أدخل القرد العصا الصغيرة داخل ~~العصا الكبيرة تصور ما سوف يعمل بها بعد إطالتها. # وهذا هو الاختراع وإن يكن مؤلفا من فكرتين فقط. # أما في الإنسان فالاختراع يتألف من طائفة من الفكرات؛ لأننا نحن نتصور بعقولنا صورا ~~مختلفة نؤلفها ونستخرج منها الفكرة المركبة، أما الحيوان فيدرك بإحساسه: حجر على اليمين، ~~وعصفور على الشمال، فيمكن أن يقذف. # وأعظم ما ساعدنا على الاختراع هو اللغة؛ لأن الفكرة كلمة وقد أحس الإغريقي هذه الحقيقة ~~حين اشتقوا المنطق «لوجيك» من الكلمة «لوجوس»، ms78 وما دمنا نرث نحو مئتي أو ثلاث مئة كلمة ~~فإننا بذلك نرث نحو مئتي أو ثلاث مئة فكرة، نجمع بينها ونتصور بها وهذا هو ما ينقص الشمبنزي ~~أذكى القردة العليا. # قد نقول هنا: إن الشمبنزي عرف وتصور فوضع العصا داخل العصا دون أن تكون لديه كلمات، وهذا ~~صحيح، ولكن كان تصوره هنا بسيطا: فكرتين فقط هما تقدير المسافة إلى الموز والعصا ~~الطويلة. # أما نحن فنحتاج إلى اللغة؛ لأننا نحتاج إلى أن نؤلف نحو عشر فكرات نستخرج منها صورة، فإذا ~~لم يكن لهذه الفكرات كلمات فإننا نعجز عن «التصور». # والتصور الذي يربط فكرة بفكرة والذي ينبع من المخ قد ربط بين ملايين الخلايا التي بالمخ، ~~وأيضا زاد النمو في هذا المخ كي يزداد قدرة على التصور. # وعندي أنه ليس المخ الكبير الذي نمتاز به من القردة العليا هو الذي أوجد اللغة وزاد ~~قدرتنا على التفكير والاختراع، وإنما العكس هو الصحيح؛ أي: أن قدرتنا على إيجاد الكلمات ~~وتوارثها زادا حجم المخ. # والأصل في اللغة هو الاجتماع؛ إذ لا معنى للغة إذا كان الإنسان قد عاش منفردا. # قدرة اللسان على النطق أوجدت الكلمات؛ أي: الفكرات. # والكلمات الجديدة العديدة احتاجت إلى ذاكرة؛ أي: احتاجت إلى تدريب. # وكما أن التدريب يكبر عضلات الرياضي كذلك تدريب المخ بالذاكرة وبالتفكير قد كبر ~~المخ. ~~••• # ولكننا هنا يجب ألا ننسى الأساس لكل هذا وهو الاجتماع. # ذلك أن الكلمات والأفكار اجتماعية وليست فردية، وحين كنا على الشجر كنا نعيش منفردين، أو ~~على الأكثر عائلتين لكل منا زوجته وأبناؤه لا نحتاج إلى أن نجتمع جماعات. # أما حين تركنا الشجر للقحط الذي نشأ من الجفاف احتجنا إلى الاجتماع كي نصيد غزالا أو ~~عجلا أو حمارا؛ لأن الصيد هنا يحتاج إلى أن نقوم به مجتمعين ونترصد ونتفاهم ونعين ~~الواجبات لكل فرد ونتفق على حركات للهجوم والدفاع، وكل هذه الأشياء تحتاج أولا إلى إيماءات ~~باليد والفم ثم إلى ترجمة هذه الإيماءات، وقت الظلام إلى الأصوات؛ أي: الكلمات. # إن الذي حمل الإنسان على أن يجتمع ms79 هو الصيد، ونحن نرى حيوانات تصيد منفردة غير مجتمعة مثل ~~الأسد والببر والنمر، ولكن هذه الحيوانات تفترس وتاريخها التطوري يسير نحو إيجاد المخالب ~~والأنياب، أما نحن فقد انتقلنا من حياة الشجر النباتية، بلا مخالب وبلا أنياب، إلى حياة ~~الصيد، فلم تكن لأحدنا القدرة على الافتراس، ولذلك احتجنا إلى الاجتماع. # واحتاج الاجتماع إلى اللغة وإلى اختراع الآلات. # وبإيجاد «المجتمع البشري» خرج الإنسان من حدود التطور السابق الذي كان يؤثر في الفرد ~~ويغيره إلى حدود التطور الاجتماعي الذي يغير المجتمعات. # بل إن اللغة نفسها اختراع اجتماعي؛ لأن الحيوان الذي يعيش منفردا لا يحتاج إليها؛ إذ لا ~~يحتاج إلى التفاهم. # ولكن اللغة، كلمات اللغة، هي الأفكار. # والمخ البشري هو ثمرة الاجتماع، وليس العكس. # أي أن المجتمع البشري احتاج إلى معان كثيرة وكلمات كثيرة اقتضت إيجاد مخ كبير يتسع ~~لها. # لما تركنا الشجر إلى السهول لم تكن أمخاخنا تزيد على أمخاخ القردة العليا، ولكن اجتماعنا ~~للصيد والدفاع، وتجوالنا للبحث عن الطعام، وتدبيرنا للترصد، وأخيرا لغتنا التي تفاهمنا ~~بها، كل هذا قد أدى إلى أن تكبر أمخاخنا كما تكبر عضلات الذراع عند العامل الذي يعمل ~~بها. # إن الذي يفصل بين الإنسان والحيوان هو المجتمع البشري الذي احتاج إلى اللغة ثم احتاجت ~~اللغة «الكلمات: الأفكار» إلى المخ الكبير الذي يتسع لاختزانها واعتمالها. ~~••• # رأينا أن التعبير باليد قد أدى إلى التعبير باللسان؛ أي: أن الشفتين واللسان والحنجرة ~~صارت تؤدي في الظلام حركات اليد في النهار فظهرت اللغة. # ومهارة اليد في صنع الآلات وفي الافتراس والتناول سبقت بالطبع مهارة اللسان في النطق، بل ~~هي التي أوجدتها، ولذلك نجد أن منطقة النطق في المخ تتاخم منطقة الحركة لليد اليمنى. # ولذلك إذا أصيب أحدنا بفالج في الجزء الأيمن من جسمه فإنه لا ينطق؛ لأن شلل اليد اليمنى ~~يؤدي إلى شلل اللسان والحنجرة؛ أي: منطقة النطق، ولكن إذا كان هذا الفالج بالجزء الأيسر من ~~الجسم فإننا نحتفظ بالقدرة على النطق. # اليد اليمنى هي يد المهارة والتعبير في الصناعة، ومنطقة حركتها تتاخم ms80 لذلك منطقة الحركة ~~للسان والحنجرة والفم. ms81