######OpenITI# #META# URI: 1377SalamaMusa.KayfaNurabbiAnfusana.Hindawi72614757 #META# Tags: literature #META# ID: 72614757 #META# Title: كيف نربي أنفسنا #META# AuthorID: 40515160 #META# Author: سلامة موسى #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # المدرسة والجامعة‏ # المجتمع يربينا‏ # لماذا نثقف أنفسنا‏ # زيادة الفراغ وزيادة المسئولية‏ # كيف نربي أنفسنا‏ # عادات تعوق الثقافة‏ # البيئة العائلية والثقافة‏ # الرجعية المعارضة للثقافة‏ # تحصيل العيش والثقافة‏ # ماهية الثقافة‏ # قيمة الثقافة وغايتها‏ # من هو الرجل المثقف‏ # ثقافة بشرية‏ # لا نقرأ بل ندرس‏ # تخريج الرجل العربي العصري‏ # الكتب التي غيرت الأفكار والمجتمعات‏ # ينقصنا 10 كتب‏ # المعاجم العربية‏ # الثقافة الصبيانية‏ # لنكن موسوعيين‏ # الهواية في الثقافة‏ # الجريدة والمجلة‏ # التربية للحياة‏ # سيكلوجية الدرس‏ # كيف نقرأ الكتاب‏ # دراسة اللغة العربية‏ # الأدب العربي القديم‏ # الكتب العربية القديمة‏ # مصر والأدب العربي القديم‏ # الثقافة العربية الحديثة‏ # مشكلة الثقافة في مصر‏ # الحضارة المصرية القديمة‏ # اللغة الأجنبية‏ # الآداب العالمية‏ # دراسة العلوم‏ # دراسة السياسة‏ # دراسة التاريخ‏ # دراسة الاقتصاديات‏ # دراسة الفلسفة‏ # دراسة الدين‏ # دراسة الفنون‏ # ليكن لنا كفاح ثقافي‏ # كتب رمزية وكتب بذرية‏ # بذور ثقافتي‏ # التعمق للدراسة‏ # مئة كتاب‏ # البرنامج للتثقيف الذاتي‏ # المدرسة والجامعة‏ # المجتمع يربينا‏ # لماذا نثقف أنفسنا‏ # زيادة الفراغ وزيادة المسئولية‏ # كيف نربي أنفسنا‏ # عادات تعوق الثقافة‏ # البيئة العائلية والثقافة‏ # الرجعية المعارضة للثقافة‏ # تحصيل العيش والثقافة‏ # ماهية الثقافة‏ # قيمة الثقافة وغايتها‏ # من هو الرجل المثقف‏ # ثقافة بشرية‏ # لا نقرأ بل ندرس‏ # تخريج الرجل العربي العصري‏ # الكتب التي غيرت الأفكار والمجتمعات‏ # ينقصنا 10 كتب‏ # المعاجم العربية‏ # الثقافة الصبيانية‏ # لنكن موسوعيين‏ # الهواية في الثقافة‏ # الجريدة والمجلة‏ # التربية للحياة‏ # سيكلوجية الدرس‏ # كيف نقرأ الكتاب‏ # دراسة اللغة العربية‏ # الأدب العربي القديم‏ # الكتب العربية القديمة‏ # مصر والأدب العربي القديم‏ # الثقافة العربية الحديثة‏ # مشكلة الثقافة في مصر‏ # الحضارة المصرية القديمة‏ # اللغة الأجنبية‏ # الآداب العالمية‏ # دراسة العلوم‏ # دراسة السياسة‏ # دراسة التاريخ‏ # دراسة الاقتصاديات‏ # دراسة الفلسفة‏ # دراسة الدين‏ # دراسة الفنون‏ # ليكن لنا كفاح ثقافي‏ # كتب رمزية وكتب بذرية‏ # بذور ثقافتي‏ # التعمق للدراسة‏ # مئة كتاب‏ # البرنامج للتثقيف الذاتي‏ # | كيف نربي أنفسنا # | كيف نربي أنفسنا # تأليف # سلامة موسى # | المقدمة # بقلم سلامة موسى # القاهرة في مايو 1958 # موضوع هذا الكتاب هو تخريج الرجل المثقف؛ فهو يبحث الثقافة ماهية وغاية وقيمة، كما يبحث ~~الوسائل لتحقيقها، وقد كان من حظي أن أكسب كلمة الثقافة ms001 معناها العصري، كما أني صرفت شطرا ~~كبيرا من حياتي الوجدانية في التوجيه الثقافي لشبابنا بمؤلفات مختلفة قامت فيها المبادئ ~~العصرية مقام المبادئ التقليدية، وكانت مشكلات الثقافة عندي بمثابة المشكلات السياسية أو ~~الدينية عند غيري، بل كثيرا ما كانت هذه المشكلات شخصية، أواجه فيها تربيتي الخاصة ونموي ~~الذهني. # ونحن في مصر نعيش في بؤس ثقافي أو فاقة فكرية تقارب العدم، وليس فينا من يجهل الأسباب، ~~بل السبب الوحيد في ذلك؛ إذ قد حال الاستعمار بيننا وبين التعليم العصري حتى إنه لم تؤسس ~~وزارة المعارف مدرسة ثانوية للبنات إلا في سنة 1925، وحتى إن جامعة القاهرة بقيت طريدة لا ~~تعترف بها الحكومة أكثر من عشرين سنة، بل حسب القارئ أن يذكر القيود التي كانت تفرض على ~~الراغبين في إصدار المجلات، وهناك قيود أخرى عديدة لا يمكن أن تفسر إلا بأنه كانت هناك ~~رغبة مثابرة في إنكار حقنا في التطور الثقافي. # ولكن شهوة الرقي التي تنبض في نفس الشباب، استطاعت على الرغم من كل هذه العوائق أن تستحدث ~~جوا ذهنيا تيسر فيه التأليف إلى درجة ما، فكثرت بعض المؤلفات، وتكونت لها سوق صغيرة، ~~وصار في مستطاع الشباب الذي يجهل اللغات الأوروبية أن يجد فيها تنبيها وفائدة، ومع أننا ما ~~زلنا بعيدين عن الوقت الذي نستطيع فيه أن نقول إن الشاب المصري يمكنه أن يجد الثقافة ~~السامية الوافية في المؤلفات العربية؛ فإننا على الأقل نستطيع أن نقول إنه سيجد فيها ما ~~ينبهه ويرقيه منها، ولن يكون الزمن بعيدا حين تزكو المؤلفات وتتفاعل مع مجتمعنا المتغير، ~~فيكون التطور الذهني الذي ننشد، وعندئذ نستطيع أن نهتدي بثقافة حية في هذه البلبلة العصرية ~~التي تتصارع فيها الفكريات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. # ولا يخلو شاب من نزعة ارتقائية تبعث فيه الرغبة والنشاط كي يعلو على نفسه، ويسمو إلى ~~مستويات أرفع من المستوى الذي يعيش فيه، وهذه النزعة إلى الارتقاء، أو كما يسميها «برناردو ~~شو» شهوة التطور، تتخذ أشكالا مختلفة تتأثر بالبيئة الاجتماعية والمثليات المنشودة، فقد ~~يطمح الشاب إلى الثراء أو ms002 الوجاهة أو الرياضة أو الدراسة، وقد يكون اختياره لواحد من هذه ~~الأهداف أو لغيرها طفليا، متأثرا بسلوكه أيام الطفولة، كأنه رواسب السنين الأولى من ~~العمر، وقد يكون ناضجا، قد نشأ عن وجدان (أي وعي) أو بشيء على الأقل من الوجدان. # وهذا الكتاب هو محاولة لإرشاد الشباب نحو الارتقاء الثقافي في حدود البيئة الاجتماعية ~~المصرية أو العربية على وجه عام، أو هو توجيه لشهوة التطور، وإيضاح للصحيح والزائف من ~~النشاط الدراسي، فنحن نعيش في عصر انفجاري مملوء بالأحداث والثورات والحروب والانقلابات، ~~ولم يحدث قط أن عاش البشر في مثل عصرنا؛ ففي أقل من خمسين سنة، أي من 1916 إلى 1956، شبت ~~حربان عالميتان، وعم النظام الاشتراكي 1000 مليون إنسان، وظهرت القنبلة الذرية، ثم القنبلة ~~الهيدروجينية، واتصلنا بالقمر عن طريق الرادار، وليس بعيدا أن نصل إليه محمولين على ~~الصواريخ، وأصبحت مواخر الجو تزاحم مواخر المحيط، وتوشك المكالمة الراديوئية أن تأخذ مكان ~~المكالمة التليفونية ... و ... و ... # وكل هذا يدل على أن وطأة العلم على المجتمع قد اشتدت، وأن الثقافة قد أصبحت ضرورة محترمة ~~على كل إنسان، وأننا يجب أن نتغير ونتكيف ونتطور؛ لأن الركود في مثل هذه الظروف جريمة، ~~والتغير الذهني بالارتقاء الثقافي هو بعض هذا التطور، أو هو أهمه. # والتغير الآلي في المخترعات يحدث حتما تغيرا في الإنتاج والمواصلات، ثم تتغير السياسة ~~والاقتصاد والمجتمع نتيجة لذلك، ومعنى هذا كله أن الثقافة دائمة التغير، وأننا إذا ركدنا، ~~أو تحجرنا، فإننا لا نرفض العيش وفق الاتجاهات الجديدة فقط، بل نرفض الفهم والمعرفة، ~~وننساق في المجتمع كأننا حطامة يحملها التيار بلا وجدان أو دراية بموقفنا. # فنحن، سواء أشئنا أم لم نشأ، نعيش في مجتمع متطور، ونحتاج إلى الدراسة الدائمة كي نقف على ~~الاتجاهات والغايات التي ننساق بها وإليها فيه، فيجب لهذا السبب أن يكون لكل منا برنامج ~~ثقافي هو برنامج الحياة، بحيث نعيش لنقرأ ونقرأ لنعيش، وهذا البرنامج يقبل بالطبع التنقيح ~~والتغيير، ولكن يجب ألا يخلو إنسان منا من برنامج ينتظم به ارتقاؤه الذهني. # وفي الفصول ms003 القصيرة التالية إرشادات، هي لإيجازها تكاد تكون إيماءات للقارئ، فإني توقيت ~~التفصيل اعتمادا على أن القارئ يستطيع بذكائه أن يتمم ما نقص، ولكني أسهبت في الشرح حين ~~كنت أصطدم بصعوبة سيكلوجية تعوق الدراسة؛ لأن القارئ ربما يعجز عن تخطيها. # وقد كانت الغاية الأولى إرشاد أولئك الذين لم تتح لهم ظروفهم الحصول على تعليم عال، ~~ولكني رأيت بعد التفكير أن المتعلمين يحتاجون أيضا إلى الإرشاد الثقافي، وظني أن القارئ ~~العادي لن يجد صعوبة في فهم الفصول التالية والعمل بها والانتفاع منها، وخاصة إذا قرأ ~~الكتاب بترتيبه القائم. # والكتاب - كما يرى القارئ من تأمل الفهرست - جزءان، فإن فصول الجزء الأول الأول تعالج ~~الخطة العامة للدراسة، وتبحث الأساليب والقيم والظروف، أما فصول الجزء الثاني فتعالج ~~التفاصيل في دراسة المواد المختلفة، ولهذا الترتيب قيمته إذا راعاه القارئ. # ورجائي أن ينتفع الشباب بهذا الكتاب، وأن أجد النقد الذي ينبهني عن الخطأ أو التقصير حتى ~~أتلافاه في طبعة أخرى. # | المدرسة والجامعة # في مجتمعنا الحاضر المدرسة ضرورة لكل فرد من الجنسين، وفي مجتمع راق ننتظره ونحلم به، ~~سوف تعد الجامعة ضرورة أيضا لكل فرد من الجنسين، ولكن المدارس على ضرورتها ليست عامة ~~في مصر، أما الجامعة فمقصورة على نحو خمسين ألفا من أبناء الأثرياء والمتيسرين. # وكلنا نعرف أن ما نحصل عليه في المدارس من المعارف مقدار صغير، إزاء الحاجات التي تطلبنا ~~بها الحياة؛ ولذلك فإننا نحس الجهل في مواجهة الصعاب، كما نحس الحاجة إلى الدراسة، والتعليم ~~المدرسي يتناول طائفة من المعارف تعد أساسية في التثقيف، ولكن المدرسة مع ذلك تعامل ~~جميع التلاميذ كما لو كانوا على قامات متساوية، يحتاجون إلى قطع لا تختلف من القماش، كي ~~تصنع لكل منهم بذلة خاصة له، ولما كان كل إنسان فذا في هذه الدنيا، فهو محتاج إلى معارف ~~تتفق وكفاياته وحاجاته الخاصة، فالبرنامج التعليمي الذي يوضع لمليون صبي أو شاب لا يمكن أن ~~يؤدي حاجات كل صبي وكل شاب إلا على وجه عام نتجاهل فيه الخصائص والميزات التي لكل ~~فرد. # ثم ms004 هذه المعارف التي نحصل عليها في المدارس، حتى مع الدقة في اختيارها، إنما تعد أساسا ~~نبني عليه حين نخرج من المدرسة، فإذا ركدنا فإن هذا الأساس لن يغني؛ فنحن في حاجة - عقب ~~المدرسة، بل عقب الجامعة - إلى أن نوالي الدراسة، والمعلم الممتاز هو ذلك الذي لا يقتصر على ~~إيصال المعارف إلى أذهان تلاميذه، بل يضع لهم الخطط للدراسة بحيث يمكنهم أن يستغنوا عنه وأن ~~يعلموا أنفسهم مستقلين مدى حياتهم، وقل أن نجد مثل هذا المعلم، ومجتمعنا في تطوره ~~السريع في حاجة إلى جمهور مثقف، في نشاط ذهني مستمر؛ كي يستطيع حل المشكلات الطارئة، وكي ~~يحول دون وثوب الطغاة من المستعمرين الأجانب ومن المستبدين المصريين، يزعمون القدرة على ~~ترقية الأمة بإنكار حقوقها. والجمهور الجاهل هو أعظم الوسائل لتجرئة الوصوليين والمستبدين ~~على الطغيان؛ لأنه سريع الانقياد، ينخدع بالألفاظ البراقة والادعاءات الرنانة وبهلوانية ~~المنابر. # ومن هنا قيمة الكتاب والجريدة والمجلة؛ فإننا نعيش - بعد المدرسة والجامعة - نحو خمسين ~~سنة وهي غذاؤنا الذهني ووسيلة رقينا الثقافي، فلن نبلغ النضج ما لم تكن القراءة - لا بل ~~الدراسة - عادتنا، وما لم ننفق على تثقيف أذهاننا بمثل السخاء الذي ننفق به على شراء ~~حاجاتنا المادية. # والمجتمع الراقي يؤمن بحرية الثقافة، وهو يسن من القوانين ويضع من الأنظمة ما يساعد على ~~رواج الكتب والمجلات، بل الجرائد أيضا. وفي الأمم الديمقراطية الأوروبية نجد آلاف المكتبات ~~التي تشتري الكتب، وتشترك في المجلات والجرائد السيارة، زيادة على ما يشتريه الأفراد؛ ~~فالنشاط الذهني يجد السوق الرائجة في تلك الأمم لمنتجاته، وإذا دخل أحدنا بيتا أوروبيا ~~وجد الكتب تزين كل غرفة فيه تقريبا، بل لقد رأيت في لندن حتى الممر الضيق إلى المطبخ يحمل ~~رفا من الكتب لا يقل ما فيه عن مئتي مجلد، وهذا إلى التباهي باقتناء الكتب الجديدة ووضعها ~~على الموائد في الصالونات، كأنها من الأثاث الفاخر. # ولهذا السبب كثيرا ما نجد فيلسوفا عظيما في أوروبا لم يتعلم قط في جامعة، بل إن ~~تعليمه في المدرسة كان ناقصا، فهذا مثلا هربرت سبنسر ms005 فيلسوف الإنجليز لم يحصل على تعليم ~~ابتدائي كامل، بل لقد عاش نحو ثمانين سنة وهو يفخر بأنه لم يتعلم «الأجرومية»، وكذلك ~~برناردشو أيضا، بل يمكن أن نذكر عشرات الزعماء من الساسة والأدباء ممن لم يتعلموا في ~~مدرسة أو جامعة، ولكن المجتمع الراقي الذي عاشوا فيه هيأ لهم جامعة كبري من الكتب ~~والمجلات التي درسوها، فنمت أذهانهم، وحصلوا منها على النضج الثقافي الذي ربما لم يبلغه ~~خريجو الجامعات. # فإذا كان قارئ هذا الكتاب لم يحصل على تعليم مدرسي أو جامعي واف، فإنه سيجد هنا برنامجا ~~وافيا لدراسة ذاتية يستطيع بها أن يرقي شخصيته وينمي ذهنه بحيث لن يأسف على ما فاته، وإذا ~~كان القارئ من السعداء الذين حصلوا على تعليم جامعي، فإنه سيجد هنا أيضا ما يحثه على أن ~~يكون طالبا مدى عمره، بل يجب على خريج الجامعة أن يذكر أن سرعة النمو في المعارف تجعل ~~حتما عليه أن يتجدد بالدراسة الدائمة؛ فإن الطبيب الذي تخرج مثلا حوالي 1908 أو 1918، ~~وبقي يمارس الطب إلى الآن، لا يكاد يجد دواء يوصف لمريض في الوقت الحاضر مما كان يعرف ~~قبل 1918؛ لأن جميع الأدوية تقريبا جديدة، وحسبنا أن نذكر منها الفيتامينات، والهورمونات ~~مثل الأنسولين، ثم المضادات الحيوية، ومجموعة السولفاناميد، وغيرها. هذا عدا الأمصال ~~الواقية؛ فإن كل هذه الأشياء لم يعرفها في الجامعة، وهو إذا كان قد جمد وكف عن الدراسة عقب ~~الجامعة فإنه قد عاش بعد ذلك جاهلا لحرفته. # وهكذا الشأن في سائر المعارف؛ فإنها دائمة التجدد، تطالب من تخصصوا فيها بمتابعة الدراسة، ~~ولنذكر مثلا الطاقة الذرية. # والغاية من هذا الكتاب هي أن نوضح للقارئ ميزات الثقافة، وخير الأساليب التي يجب أن تتبع ~~في تحصيلها؛ إذ لو عرف الشاب أن هناك لذة سامية في الدراسة والتوسع الذهني تزيد على ما يجد ~~من لذة اللهو السخيف، أو حتى في القراءة جزافا، لما أهمل تثقيف ذهنه، ولما تأخر لحظة عن ~~وضع البرنامج وتحمل التكاليف لهذا التثقيف. # وأرجو أن يجد القارئ هنا إيحاء وإرشادا معا، فينبعث إلى ms006 الدراسة، ويجد في الوقت نفسه ~~نظاما يتبعه، وليس الغرض من هذا الكتاب التثقيف من أجل الحرفة، وإنما أرجو به أن أحمل ~~الشاب على أن يتعود الدراسة وهو لا يزال في شبابه حتى إذا بلغ الخمسين أو الستين كانت ~~عادته اللازمة التي تضعه في تساؤل استطلاعي طيلة حياته، وأحب أن أحمله أيضا على أن يحس أن ~~الدراسة في الشباب تغير أمداء مستقبله، وتفتح له أبوابا في رقيه كانت تكون موصدة لولا هذه ~~الدراسة. # | المجتمع يربينا # لصديقي الأستاذ أحمد جمعة كتاب (لما يطبع) يدعو فيه دعوة غريبة عن أذهاننا، هي ~~الاستغناء عن المدارس اكتفاء بالمجتمع؛ أي إن المجتمع يجب أن يربينا، وأننا لسنا في حاجة ~~إلى مدارس ننتظم فيها تلاميذ كي نتعلم. # وغرابة هذه الدعوة تعود إلى أننا نشأنا في بيئة جعلت المدارس مألوفة في مجتمعنا، نكاد لا ~~نجد مدينة بل قرية تخلو منها، ولكن لم تكن الحال كذلك قبل بضعة قرون، حين كانت المدارس ~~قليلة لا تنشأ إلا في العواصم، وكان الناس يتعلمون الصناعات والفنون التي يحترفونها ~~بالانتظام في «الطوائف»، والطائفة هي الجماعة التي كانت تتألف للاشتراك في الحرفة، يدخلها ~~الصبي فيتعلم، ثم يتدرج إلى أن يصير عاملا، فمعلما. # وقد كان نظام الطوائف عاما في مصر إلى أيام إسماعيل باشا، كما كان عاما في أوروبا في ~~القرون الوسطى، بل إن نظام الجامعات القائم الآن في أوروبا، وهو النظام الذي يجعل الجامعة ~~مستقلة، إنما نشأ على غرار نظام الطوائف؛ لأن كل طائفة حرفية كانت مستقلة في قبول أعضائها ~~وتربيتهم ومعاقبتهم، وكلمة جامعة تعني طائفة أو - كما نقول الآن - «نقابة». # ومن الحجج التي يقدمها أحمد جمعة على أن المدرسة غير ضرورية أن كثيرا من الزعماء ~~والأدباء والعلماء لم يتعلموا في مدرسة ما، أو كان تعليمهم ناقصا، مثل داروين داعية ~~التطور، بل مثل كمال أتاتورك، وستالين، وبرناردشو. # ولسنا هنا نقول بالاستغناء عن المدرسة، ولكنا مع ذلك يجب أن نعترف بأن في المجتمع الحسن ~~فرصا كثيرة لتعليمنا نستطيع أن ننتفع بها في تثقيفنا، وكلنا يعرف ms007 أن «الورشة» أي المصنع ~~الصغير، هي مدرسة فنية لجميع العمال الذين يعملون فيها، وكثيرا ما رأينا هؤلاء العمال ~~يخرجون من الورشة كي يستقلوا ويعملوا ويكسبوا بما تعلموه فيها. # ولكننا لا ننظر إلى المجتمع من حيث إنه يعلمنا الحرفة، بل من حيث إننا نستطيع أن نستغله ~~لتثقيفنا الذاتي؛ لأن هذا هو موضوعنا، والمجتمع العصري الحسن يزودنا بكثير من وسائل ~~التثقيف، مثل الجريدة والمجلة والكتاب والسينماتوغراف والراديوفون والمتحف والنادي بل ~~والمنزل، وهو يتيح لنا الفراغ الكثير، وجميع هذه الأشياء في المجتمع الحي الحسنة، وجميع هذه ~~الأشياء في المجتمع الموات سيئة، وكل واحد منها يمكن أن يكون وسيلة قوية للتثقيف أو ~~للتسخيف، وسنرصد فصولا لبحث ذلك في هذا الكتاب. # فأما الجريدة والمجلة والكتاب فإنها في مقدمة الوسائل، ولا يمكن أن يخلو منها بيت متمدن ~~أو يستغني عنها رجل متمدن، وأولئك العظماء الذين قادوا الأمم في الأدب والسياسة والعلوم دون ~~أن يحصلوا على تعليم مدرسي أو جامعي، إنما تحققت لهم هذه القيادة بما امتاز به مجتمعهم من ~~جرائد ومجلات وكتب حسنة، ومن المستحيل أن ينشأ مثل هؤلاء الرجال في مصر، حيث معظم الجرائد ~~والمجلات والكتب غير حسن، والمكتبة الحسنة لا تقل قيمة عن المدرسة أو الكلية الحسنة، بل ~~لعلها تزيد. # والمجتمع الحسن يزودنا بالمتحف التاريخي أو العلمي، مع الكتب التي تشرح وتنير عن ~~معروضاته، والشاب المصري الذي يدرس معروضات المتحف المصري أو المتحف العربي، أو يزور حديقة ~~الحيوان بالجيزة (ولا أذكر حديقة السمك الحقيرة) يجد فيها جميعها تثقيفا مفيدا، بل كذلك ~~المتحف الزراعي. ولو أقبل الجمهور على زيارة هذه المتاحف بغية الدرس والانتفاع لعنيت ~~الحكومة بها، وفي هذه الحال يمكنها تعيين الخبراء للشرح والتنوير. # والراديوفون ينشر ثقافة عامة، أكثرها بالطبع تلك الأغاني الشعبية والموسيقا العامية ~~والقليل من المحاضرات الخفيفة، ولكنه كثيرا ما ينحط حتى تصير أغانيه أغانيج، وموسيقاه ~~ألاعيب، ومحاضراته دعايات؛ وعندئذ لا يكون للتثقيف وإنما للتسخيف. # وقد عني صديقي الأستاذ حنا رزق بتحليل الإذاعات في القاهرة، فوجد (في 1946) أن محطة ~~الإذاعة تخص الأغاني ms008 والموسيقا بنحو خمسين في المئة من وقتها، ولا تخص المحاضرات التثقيفية ~~إلا بمقدار 3,63 في المئة من وقتها، وإليك الأرقام المضبوطة كي تقف على القيمة التثقيفية ~~للمذياع: # 49,18 # للأغاني والموسيقى # 14,24 # للقرآن الكريم # 2,32 # للمواعظ الدينية # 5,52 # لبيانات وخطب من الموظفين الحكوميين # 3,63 # للمحاضرات والأشعار # 2,01 # للأخبار # 1,74 # للأطفال # 1,45 # للرياضة # 0,87 # للقطع المسرحية # وهذه الأرقام تدل على أن الأمة لا تنتفع كثيرا بمحطة الإذاعة، وخاصة إذا عرفنا أن ~~المحاضرات التي لا تأخذ من وقت المحطة سوى 3.63، لا يقوم بها في العادة المثقفون من الطراز ~~الأول، بل إن الوزارات المتعاقبة كانت ولا تزال تفرض امتحانا حزبيا للثقافة، بحيث كانت ~~تحابي أصدقائها وتقاطع خصومها في محاضرات الإذاعة. ~~••• # والمجتمع الحسن ينظم العمل، وبهذا التنظيم يزيد الفراغ لكل عامل، فيستطيع أن يرصد منه ~~وقتا كثيرا لترقية ذهنه بالمعارف، وهو أيضا يزيد الكسب، ويجعل كل فرد قادرا على ~~الاستمتاع الثقافي بزيارة المعارض والمتاحف وبالسياحة وارتياد المسارح والمكتبات العامة، ~~ولكل واحد من هذه الأشياء قيمة ثقافية كبيرة في المجتمع الحسن، ولكن قيمتها تنقص في المجتمع ~~السيئ. # والشاب الذي يقصد إلى تنوير ذهنه وتربية نفسه يجد الفرص لذلك متعددة؛ ففي مدينة مثل ~~القاهرة، قلما يمر يوم دون أن نقرأ عن محاضرة ستلقى آخر النهار، وهذه المحاضرات متنوعة، ~~وكثير منها مفيد منير، وزيارة إحدى المحاكم في قضية جنائية أو مدنية تحث على التفكير ~~الاجتماعي وتشعرنا بمسئوليات جديدة. # ولكن يجب أن نقرر أن المجتمع الذي يربي هو المجتمع الحسن؛ أي المجتمع الذي فشت فيه ~~المتاحف والمعارض، وارتقى فيه المسرح، وأبيحت فيه الحرية للكاتب الصحفي والمؤلف المخلص، أما ~~المجتمع المتأخر الذي يحد من الحرية، حيث تغذو الصحف الجمهور بنخالة الثقافة، والذي تقل فيه ~~المتاحف، ويستحيل فيه الممثل إلى مهرج، والذي يرهق أبناءه بالعمل، فينقص فراغهم أو يجعلهم ~~تخور قواهم فلا يجدون الوقت أو الجهد للاستمتاع الذهني، هذا المجتمع لا يمكنه أن يربي، ومن ~~البعيد بل من المحال، أن ننتظر منه أن يخرج لنا المثقفين فضلا عن علماء بارزين. ms009 # إن المجتمع الأمريكي الراقي قد أباح للمسجونين أن ينتسبوا إلى الجامعات، ولكن مجتمعنا ~~المصري إلى الآن لم يكن يبيح للطلقاء أن ينتسبوا إلى الجامعات لكي يستغلوا فراغهم، والمجتمع ~~الراقي في جميع الأمم الديمقراطية يبيح إنشاء الجريدة أو المجلة دون أن يطلب من صاحبها ~~تأدية غرامة معينة، كما كانت الحال عندنا وعند الأمم المنحطة. # والمجتمع الراقي يعنى بالمكتبة كما يعنى بالمدرسة، ففي لندن مثلا ما لا يقل عن ~~مئتي مكتبة للقراءة والاستعارة بالمجان، أو بأجور منخفضة جدا، وفي لندن أيضا نحو مئة ~~متحف، والمقاهي في تركيا تتزود كل منها بخزانة صغيرة من الكتب والمجلات كي يقرأها زبائنها، ~~والحكومة الأمريكية تبعث بلوريات كبيرة مشحونة بالكتب إلى الريف؛ كي تعير الفلاحين ما ~~يشاءون منها وتعود بعد أسابيع كي تستبدل بالمجلدات مجلدات أخرى، وكلمة «شوتوكوا» من الكلمات ~~المأثورة في الولايات المتحدة لأنها تعني حملة ثقافية قامت بها جمعية بهذا الاسم بين سنتي ~~1870 و1946 في الريف لإلقاء المحاضرات بين الفلاحين، وكانت تقصد إلى القرية النائية فتضرب ~~خيامها وتقدم المشروبات والمحاضرات وألوانا من الغناء والرقص والموسيقى. # وإذا نحن قارنا بين المدرسة والمجتمع من حيث أثرهما في التربية، مع فرض أن الاثنين ~~يستويان في الرقي؛ فلا مفر من أن نقول إن المجتمع يحسن التربية والمدرسة تحسن التعليم، ~~والتربية أعم من التعليم، والثقافة في المدارس والجامعات أسلوبية تسير على قواعد، وكثيرا ~~ما تجمد، ولكن الشاب الذي يربي نفسه في المجتمع يتجه اتجاها ابتكاريا في ثقافته، وهو ~~لهذا السبب أكثر حرية في تفكيره من طالب الجامعة، ثم إن القواعد الببغاوية في استظهار ~~البرنامج المدرسي وأحيانا الجامعي، تمنع الطالب من التوسع في الموضوع الذي يدرس، أو ~~الاستطراد منه إلى دراسات أخرى يستمتع بها الطالب الحر الذي لا يتقيد بامتحان. # | لماذا نثقف أنفسنا # يعسر على الرجل المثقف أن يتمالك نفسه وهو يشرح الأسباب التي يجب أن تحمل الناس على أن ~~يكونوا مثقفين؛ لأنه في هذا الشرح بمثابة من يزجرهم عن القذر أو التوحش أو البهيمية، ويوضح ~~لهم قيمة النظافة أو ms010 الإنسانية أو التمدن، فنحن هنا في حاجة إلى أن نقول للشاب المتخم ~~بالفراغ والشباب والجدة: إنه يجب أن يثقف نفسه حتى لا يفسد. ويجب أن نقول لغيره إن الحياة ~~الناضجة تحتاج إلى الثقافة، وإن هناك من الناس من يصح أن نسميهم بقولا بشرية؛ إذ ليس ~~لهم من سمات الحياة سوى النمو الخلوي، كأنهم فجل أو جرجير، وسيبقون نفسيا وإنسانيا في ~~عداد البقول إلى أن يثقفوا أنفسهم، وإن الحياة الخاوية تحدث سأما لا تتخلص منه إلا ~~بالثقافة التي تبعث على الاهتمامات الذهنية وتبسط الآفاق. # وفي الفصل الأول أشرنا في إيجاز إلى أن المدرسة والجامعة لا تكفيان لتربيتنا؛ لأن المعارف ~~أكبر من أن تحتوياها، ثم هذه المعارف ترتقي وتمحص؛ فهي لا تفتأ في تنقية وتنفية، فيجب لهذا ~~السبب أن نكون طلبة مدى حياتنا، نحس النمو الثقافي، ونتدرج في التمييز الذهني. # ثم يجب أن نعرف أن حياة الفرد قصيرة محدودة، قلما تزيد على 70 أو 80 سنة، ولكن حياة ~~النوع البشري طويلة، ونحن حين ندرس إنما ننقل حياة النوع إلى حياة الفرد واختبارات الآلاف ~~من السنين الماضية إلى اختبارات العمر الشخصي القصير؛ أي إننا عندما ندرس التاريخ البشري، ~~والثقافة القائمة في عصرنا مع الثقافات المتعاقبة في العصور الماضية، نفهم المغزى من الحياة ~~أكثر مما نفهمه من حياتنا الخاصة، وإحدى غايات الثقافة هي أن نكسب الحياة دلالة ومغزى؛ أي ~~إننا نحس أننا لا نحيا الحياة البيولوجية التي لا تختلف عن حياة الحيوان، ليس لنا من معارف ~~سوى ما يكفي للكسب المادي، بل نعيش الحياة الروحية التي ندرك منها أننا حلقة في سلسلة طويلة ~~من البشرية التي تتمثل فينا أغراضها وأهدافها ومثلياتها، وبهذا نرتقي إلى مستوى عال له ~~لذاته الأنيقة، كما أن له أخطاره السامية، التي يجب أن نواجهها. # ثم إن نظم التعليم - بل كذلك نظام الحرفة - يحيلنا إلى متخصصين، نعرف فنا ونمارس حرفة، ~~وفي حدود هذا الفن وهذه الحرفة نعيش المعيشة المحدودة؛ فالثقافة هنا تحيل هذا التضييق إلى ~~توسع، وتكبر العقل، وترحب القلب، فنجد ms011 عندئذ التسامح البشري بدلا من التعصب القومي، ~~والنظر العالي بدلا من النظر القروي. # وانتشار التخصص في أيامنا قد غرس عقيدة فاسدة بين الجمهور، هي أن المعارف - علوما ~~وفنونا وآدابا - لا يمكن أن يدرسها غير المتخصصين، كل في الفرع الذي يختار، وأنه ليس على ~~الطبيب أن يعرف التاريخ، وليس على الأديب أن يعرف الفلك، وليس على المهندس أن يدرس ~~الاجتماع. وهذه عقيدة مخطئة يجب أن تكافح حتى تمحى، وصحيح أن المتخصص في علم معين ~~يجب أن يعرف الكثير منه، أصولا وفصولا، ولكن هذا لا يمنع غيره من المثقفين أن يدرسوا ~~الأصول، بل يناقشوها، بل يبينوا ما ربما يكون زيفا فيها. # وليس قصدنا أن نقول إنه يجب على كل منا أن يكون موسوعة تحوي جميع المعارف؛ فإن هذا ~~محال، وهو لو قدر لما انتفعنا به، ولكن المعارف في الحضارة القائمة مشتبكة، بحيث إذا شاء ~~الطبيب في مصر مثلا أن يدرس مشكلة الأمراض المتوطنة لوجب عليه أن يدرس السياسة الزراعية ~~والخطط الاقتصادية اللتين اتبعتا في مدى سبعين سنة مضت إلى وقتنا، وقارئ الجريدة ~~اليومية يجب - كي يتعرف التيارات السياسية والاجتماعية - أن يدرس تاريخ الحركة الصناعية، ~~وتفشي الاشتراكية، وتصادم الإمبراطوريات الأوروبية منذ 150 سنة إلى الآن؛ لأن الحوادث ~~اليومية الهامة في العالم ليست سوى الطفاوة فوق هذه التيارات، ودلالة هذه الحوادث تنعدم إذا ~~لم تفهم هذه التيارات. # وليس شك في ضرورة التخصص، ولكن الرجل المثقف يرفض الحدود والسدود، ويتسبيح لنفسه جميع ~~المعارف؛ لأنه يحس أنه محتاج إليها وأنه ينمو بالاغتذاء بها، بل هو يتطور بها، والتطور حق ~~بل واجب على كل إنسان. # فنحن نثقف أنفسنا كي نكبر شخصيتنا، وننمي أذهاننا، وكي نتطور، فلا نموت في سن السبعين ~~ونحن على حال ثقافية قد اكتسبناها من الجامعة أو المدرسة في سن العشرين أو الخامسة ~~والعشرين، بل نظل عمرنا ونحن في دراسة تفتأ تغيرنا التغير الذهني والنفسي؛ لأنه بدون هذا ~~التغيير لا يتطور المجتمع أو الفرد، بل إن السعادة الشخصية تحتاج إلى الإحساس بالنمو ~~والتغيير والتطور، وأساس ms012 كل ذلك هو الفهم الذي يعد أعظم أنواع السعادة. # وفي العالم الآن نحو 130 علما وفنا، هي تراث بشري من حق كل فرد أن يعرفه بل يقتنيه، ~~وهو إذا كان قادرا بالمال والوقت، فإن هذا الحق يعود واجبا؛ فإن ديانة كونفوشيوس الصيني، ~~ومكتشفات الهورمونات، وصلوات أخناتون، والنظام الاشتراكي في روسيا، والقوانين الكهربية، ~~وحياة أفلاطون، وماهية الذرة، كل هذا من حقي وحقك أن نعرفه، ومحال أن تعلمنا الجامعة أو ~~المدرسة هذه المعارف؛ لأن مدة الدراسة فيها قصيرة. # وثم اعتبار آخر، هو العلاقة الحيوية بين الذهن والثقافة، حين ندرس مختارين متطوعين ليس ~~علينا قسر، فانظر مثلا إلى شاب في السابعة عشرة من عمره يقرأ موضوع التناسليات؛ فإنه يطلب ~~هذه المعارف كما تطلب المعدة الطعام؛ لأن حاجته هنا تنبع من نخاع عظامه وأعماق نفسه، أو ~~انظر إلى رجل قد فات الخمسين يدرس الدين، فإن كنوزه من الاختبارات الماضية تجعله يطلب هذه ~~المعارف بقوة وذكاء وحرص وتدقيق لم يعهد مثلها من قبل، أو انظر إلى قيمة الجريدة اليومية ~~أيام الحرب، حين يستحيل كل منا إلى بسمارك أو جلادستون، ليس له حديث غير السياسة، حين ~~يصير مستقبل العالم كأنه مستقبلنا الخاص. # فهذه الظروف جميعا تجعلنا نقبل على القراءة، وبعيد جدا أن ننقل هذا الجو إلى المدرسة ~~أو الجامعة؛ لأنه جو محلي محدود في أغلب الأحيان، ومن هنا قيمة التثقيف الذاتي. # | زيادة الفراغ وزيادة المسئولية # هناك أسباب أخرى تحمل كل شاب على أن يثقف نفسه. # وأول هذه الأسباب وأوضحها أن الفراغ يزداد؛ فإن استخدم الآلات، أي الحديد والنار ~~والكهرباء، قد خفض ساعات العمل للكسب، وسوف يخفضها أكثر في المستقبل، ولن يكون اليوم بعيدا ~~حين نصل إلى مجتمع راق يكفي أحدنا كي يحصل على عيشه، أن يشتغل ساعتين في اليوم، ثم يفرغ ~~سائر نهاره وليله لراحته ومتعه الذهنية والجسمية والروحية، ونحن نرى في الولايات المتحدة ~~الأمريكية ودول الاتحاد السوفيتي ما يومئ إلى هذه الحال؛ فإن سكان الولايات المتحدة قد ~~اشتبكوا حوالي سنة 1860 في حرب أهلية بسبب ms013 العبيد، وكان فريق منهم يعتقد أن من حق الأبيض أن ~~يملك العبد الأسود، يشتريه ويستغله ولا يتكلف في ذلك سوى طعامه. # ولكن الحرب أدت إلى إلغاء الرق، ومع ذلك صار الأمريكيون أكثر ثراء وأوفر فراغا مما ~~كانوا أيام الرق؛ ذلك أن استخدام الآلات في الإنتاج قد جعل كل أمريكي يملك أكثر من خمسين ~~حصانا (من القوة) هي بمثابة مئة عبد، وكان الأمريكي يعمل حوالي سنة 1860 نحو عشر ساعات أو ~~12 ساعة في اليوم كي يحصل على عيشه، أما الآن فهو يعمل نحو ست ساعات، مع عطلة أسبوعية هي ~~يومان كاملان، وهذه الساعات الست سوف تكون خمسا، ثم أربعا ... إلخ؛ ذلك لأن الآلات في تقدم ~~لا ينقطع. # وكذلك الشأن في الاتحاد السوفيتي، حيث تخلص الشعب من عذاب القيصرية وأخذ في إنشاء ~~المصانع فزاد الأفراد ثراء وفراغا معا. # وهذه الحال - على الرغم من المبادئ الإمبراطورية والاستعمارية الشائعة - سوف تعم الدنيا، ~~فيجب أن نوطن أنفسنا على أن الفراغ سيزداد، وهذا الفراغ سيثقل علينا عبئا باهظا إذا لم ~~نشغله باهتمامات ثقافية حيوية، ونحن حين نتوسم طوالع المستقبل نحس أنه يجب على المدارس من ~~الآن أن تعلم تلاميذها كيف يقضون فراغهم أكثر مما يجب عليها أن تعلمهم كيف يحصلون على ~~عيشهم؛ ذلك لأن تحصيل العيش لن يحتاج إلى أكثر من ساعتين في اليوم، وهو لم يعد فنا؛ لأن ~~العامل يندمج بين آلاف العمال فيتحيز جزءا صغيرا من العمل الذي يؤديه تأدية آلية خالية من ~~المجهود العضلي تقريبا، أما الفراغ فلن يقل عن 22 ساعة، إذا فرضنا أن 10 ساعات منها ~~تقضى في الطعام والنوم، بقيت 12 ساعة يجب أن يشغلها بما يرقيه، فإذا جهل الوسائل لهذه ~~الترقية فإنه يحس خواءا ذهنيا لا يطاق، أو هو يملأ فراغه بتسليات سخيفة، أو ربما يقع في ~~غوايات ضارة. # لقد كان الفراغ في العصور القديمة مقصورا على النبلاء والأثرياء، وكان ترفا غاليا لا ~~يحصل عليه الفقير، وجمهور الأمة كان من الفقراء، ولكن هذا الترف يستفيض - بفضل الآلات - بين ms014 ~~جميع أفراد الشعب، حتى عمال الزراعة أنفسهم سوف يجدون هذا الفراغ حين يتركون آلاتهم ~~البدائية ويستعملون آلات القوة البخارية والموطرية، والتثقيف الذاتي لهذا السبب ضرورة حتمية ~~كي نملأ بها هذا الفراغ ونستغله. # وسبب آخر يجعل هذا التثقيف حتميا: أن المجهود العضلي الذي كنا نبذله في الزراعة ~~والصناعة والتجارة قد استحال إلى مجهود ذهني؛ فالقوة العضلية في الإنسان لم تعد لها قيمة ~~كبيرة إلا في المباريات الرياضية، والمصانع تؤسس الآن في الأمم المتمدنة التي نرجو أن نصل ~~إلى مستواها، بحيث تكاد تعمل مستقلة أتوماتية، فتتسلم المواد الخامة من ناحية وتخرجها من ~~ناحية أخرى مشغولة مهيأة للاستعمال، وكل ما على العامل أن ينظر ويشرف ويصل هذا المفتاح ~~بذاك. # والعامل في هذا الحال موفر القوة العضلية، وهو يترك عمله مرتاحا مستعدا لأن يقوم بأي ~~مجهود آخر، فهو ليس مثل ذلك العامل الذي يترك عمله عندنا منهوكا لا يستطيع النظر في ~~الجريدة أو كتاب، حتى لو وجد الفراغ للقراءة. # ولكننا أيضا صائرون إلى هذه الحال في مصر؛ أي إن العمل لن يجهدنا، ولن يستهلك سوى أقل ~~الوقت، فنخرج منه مرتاحين مستعدين للفراغ الذي نملؤه بما يرقينا ذهنيا ونفسيا ~~وروحيا. # وسبب آخر يجعل التثقيف الذاتي حتميا، وهو في نظر المؤلف أهم الأسباب: أن مسئولية الفرد ~~قد أصبحت خطيرة، فقد كانت الدنيا تسير في العصور السابقة بحكم الملوك والأمراء والنبلاء ~~والوزراء، أما الآن فإن الدنيا كلها تتجه نحو الديمقراطية، حيث أفراد الشعب يجب أن يكونوا ~~الحاكمين الحقيقيين، ولا يمكن الفرد أن يضطلع بالحكم إلا إذا كان مستنيرا في شئونه، والحكم ~~هنا هو حكم الدنيا كلها؛ لأن الشر - كالوباء - لا يتجزأ ولا يتحيز، فكما أن الوباء ينتقل من ~~قطر إلى قطر، كذلك الشر والسياسة (مثل المبادئ الإمبراطورية والاستعمارية والفاشية) تنتقل ~~بالعدوى، وتحدث الدمار والخراب في أنحاء العالم بالحروب والثورات والانفجارات. # وتقدم الآلات الذي ذكرنا، والذي قلنا إنه سيزيد فراغنا، هذا التقدم نفسه قد جعل خطر ~~الحروب بل خطر الاستبداد كبيرا جدا، فلا يمكن أن نتقيهما إلا إذا ms015 جعلنا كل فرد في أنحاء ~~العالم مثقفا مستنيرا يميز بين المعرفة المرشدة وبين الدعاية المضللة. # وظهور الأخطار الذرية والهيدروجينية يجعل التثقيف الذاتي ضرورة حتمية؛ لآن غير المثقف لن ~~يفهم هذه الأخطار، بل هو قد يساعد بجهله على الدعاية لها وصنعها. # فإذا ألممنا بجميع هذه الاعتبارات، أمكننا في حق وصدق أن نقول إن التثقيف الذاتي هو ~~واجب ديني على كل إنسان؛ لأنه الضمان للحكم الصالح على هذا الكوكب. # | كيف نربي أنفسنا # كان جرانت ألين الأديب الإنجليزي يقول على سبيل التهكم بالمدارس: يجب أن نمنع المدارس من ~~التدخل في تربية أولادنا. # وهو بذلك يعني أن المدارس لا يمكنها أن تربي الناس، وأنها إذا حاولت ذلك فلن تنجح، وأن ~~مكان التربية الحقيقي هو البيت أو الشارع أو المجتمع، ولا يشك أحد الآن في أن قدرة المدرسة ~~على التربية لإيجاد النزعات، وتكوين الأخلاق، والتوجيه الاجتماعي أو الفلسفي، صغيرة وأننا ~~نحصل على هذه الأشياء جميعها من بيئات أخرى غير المدرسة، وهي تتكون وتنمو معنا نمو ~~الحياة. # ولكن على فرض أن المدرسة تربي كما تعلم، فإن الناس ليسوا سواء في الحصول على الفرص ~~المدرسية أو الجامعية؛ فإن منهم من يقتصر على التعليم الابتدائي، ومنهم من يصل إلى الشهادة ~~الثانوية، وعدد الذين يحصلون على تعليم جامعي صغير محدود. # وتكاد التربية تكون عملا فسيولوجيا؛ فان الجسم لا يطلب الطعام إلا عند الجوع، ولا يطلب ~~الماء إلا عند العطش، وهو يأخذ من الماء والطعام بالقدر الذي يحتاج، وفي الوقت الذي يحس فيه ~~عاطفتي الجوع والعطش، وهو يختار ما يحب، ويعزف عما يكره، وكذلك الشأن في التربية؛ فإن ~~الإنسان متى جاز طور الطفولة أو الصبا عرف كفاءته وبراعته، وأدرك حاجته الثقافية، وطلبها ~~بالقدر الذي يمكنه أن يهضمه ويمثله، وكما أن الطعام يستحيل شيئا آخر في الجسم غير ما كان ~~عليه قبل أن يهضم ويمثل، كذلك المعارف تمتزج بنفوسنا وتحرك نشاطنا وتبعث طموحنا، ويختلف ~~تأثيرها من شخص إلى آخر لاختلاف الحاجة النفسية عند كل منهم؛ ومن هنا قولنا إن التعلم عمل ms016 ~~فسيولوجي لأن له دورة في النفس، كما أن للطعام دورة في الجسم؛ ولذلك خير من يربي الشاب هو ~~الشاب نفسه لأنه حين يشتهي الوقوف على موضوع ما إنما يشتهيه لحاجة نفسية، وهذه الحاجة هي ~~بمثابة الجوع الذي يهيئ للهضم والتمثيل. # وأعظم ما يعاب على المدرسة أنها تعلمنا المواد، أو تعطينا المعارف، ولكنها لا تعلمنا ~~المنهج أو الطريقة التي يمكننا بها أن نحصل على هذه المواد والمعارف ونتزيد منها، وصحيح أن ~~المدارس «الناهضة» التي اتبعت طريقة «المشروع» وغيره من الطرق قد انتبهت إلى هذا الركن ~~الأساسي من التربية وشرعت تعالجه. ولكن، إلى أن تعم المدارس الناهضة، سيبقى شبابنا وهم ~~قاصرون مقصرون في المدارس، وسيبقى فضل التربية الذاتية واضحا بارزا على التربية المدرسية ~~لهذا السبب. # وبواعث التربية الذاتية تختلف، فهي عند أحد الشبان حاجة يحسها بشأن العمل الذي يمارس، من ~~حيث إنه يريد الاستزادة أو التكمل فيه، وعند غيره هواية قد شغلت ذهنه، وهي تتفتح أمامه ~~بضروب من الارتياد الذهني، وعند آخر قد يكون الباعث قراءة الجريدة اليومية، والرغبة في ~~الوقوف على العوامل الكامنة التي تختبئ وراء السياسة الظاهرة. # ولكل شاب فترة في حياته، تقع بين السابعة عشر والخامسة والعشرين، يحس فيها رغبة حارة ~~للاطلاع كأنها الحمى، وقد يسوء استغلال هذه الفترة؛ لأن الأبوين يكفان ابنهما مثلا عن ~~هذا الاطلاع ويميتان فيه اليقظة، ولكن الأغلب أن الشاب يجد في هذين السنين بواعث ~~قوية تطلق ذهنه على الرغم من جميع القيود للتعرف إلى كثير من المشكلات الإنسانية والفلسفية ~~والاجتماعية والاقتصادية، وقد يكون لهذه الحمى الثقافية علاقة فسيولوجية بتطور النمو في ~~الشاب وانتقاله من الصبا إلى الشباب، وما يؤدي إليه هذا الانتقال من حيرة تبحث على التطلع ~~الجنسي أولا، ثم يتسع هذا التطلع إلى أن يصير بعد ذلك تطلعا ثقافيا. # وفي هذا الفترة يتعود الشاب القراءة حتى تصير هواية يشغف بها، وبعيد أن يتعلق بالثقافة ~~إذا فاتت سن الشباب، وفي هذه الهواية يجد من النظريات والأفكار ما يعد محوريا أو ~~بذريا في نموه الذهني ms017 فإن المعارف ليست سواء؛ لأن بعضها يقع في التربة الذهنية جامدا ~~لا يلقح، وبعضها يجد خصوبة فينمو ويمتزج ويتفرع إذ هو بمثابة البذرة الصالحة للنمو، وبتوالي ~~السنين وباصطدامنا بالحوادث التي تتفاعل أذهاننا بها، تتجمع عندنا طائفة من الأفكار نعتنقها ~~كأنها المبادئ أو العقائد أو المذاهب، فنحن نقرأ كي نتوسع فيها وندافع عنها، فتصير لنا ~~بمثابة الحافز الذي يحفزنا على الاستزادة من الدرس والتوسع. # كل قارئ تقريبا سيجد الأفكار المحورية أو البذرية تنشأ ثم تنمو في ذهنه؛ وعليه عندئذ أن ~~يرعاها بالتوسع في القراءة المنظمة والدرس المتواصل، وقد عرفنا كثيرين من الشبان، كان السبب ~~لتعمقهم في الإنجليزية أو الفرنسية رغبة حارة في استقصاء أحد الموضوعات العلمية، كما عرفنا ~~شبانا آخرين كانت التربية المدرسية تنقصهم، ولكن حمى الاطلاع أصابتهم حوالي الثامنة عشرة ~~من العمر، فاندفعوا في تيارها وحصلوا من الثقافة على لا ما يمكن لأي تعليم مدرسي أن يزود ~~أحدا من التلاميذ به، وعرفنا آخرين أصبحت التربية الذاتية عندهم عادة، فصارت لهم في بيوتهم ~~مكتبات كفتهم عن التعرف إلى المفاسد التي يقع فيها زملاؤهم من الشبان الذين لم يهووا ~~القراءة، كما رفعتهم إلى درجة عالية من التمييز. # ولكن كيف يمكن للشباب أن يعمد إلى تثقيف نفسه إذا كان قد ساء حظه فلم يتعلم التعليم ~~الكافي في المدرسة، ثم لم يجد في نفسه تلك الحمى التي أشرنا إليها، أو وجدها ثم لم يستطع ~~الانتفاع بها لظروف مختلفة؟ # وللجواب على هذا السؤال نقول: إن مثل هذا الشاب قليل؛ لأن هذه الحمى الثقافية تكاد تكون ~~طبيعية، والمحموم بها يتغلب على جميع العوائق، ولكن لنفرض أن شابا بلغ العشرين أو الخامسة ~~والعشرين ويجب أن يشرع في برنامج ثقافي، فكيف يفعل؟ # يجب أن يعمد قبل كل شيء إلى الجريدة اليومية، يقرؤها في الصباح كي ينبه ذهنه إلى الحوادث ~~الخطيرة ويتصل بالمجتمع العالمي ويلقي عليه نظرة عامة، وفي الجريدة مشروعات وأخبار وحوادث ~~يجب أن تبعث التفكير عند الإنسان العادي، وبالطبع تختلف الجرائد في النزعة الثقافية ومقدار ~~عنايتها بالفنون ms018 والعلوم السياسة، ولكن القارئ لا بد مهتد إلى ما يلائمه. # ثم يجب عليه أن يتدرج من الجرائد اليومية إلى المجلة الراقية، ثم إلى الكتاب، ونحن نقول ~~«يجب عليه» ولكن الحقيقة أن الرغبة ستدفعه في نشاط وحرارة إلى اختيار المجلات والكتب ~~متطوعا بلا إجبار، ومتى فعل ذلك فإنه يكون عندئذ قد وصل إلى «الطريق الملوكي» للثقافة؛ ~~وذلك أنه سيعين لنفسه غاية ثقافية كأنها البوصلة، يتجه بها وينشد المعارف ويجمعها للوصول ~~إليها، ولما كانت الثقافة فسيولوجية في أسلوبها فإن الرجل المثقف سيأخذ منها أنواعا ~~ومقادير تأتلف وطاقته ومزاجه؛ ولذلك كثيرا ما ينسلخ الإنسان من ثوبه الثقافي ويستحيل شخصا ~~آخر، كما تنسلخ العذراء من الخدر وتصير حشرة كاملة. # ومع كل ما ذكرنا عن الضرر الذي ينشأ من التخصص، فإن الرجل المثقف يمتاز بالتخصص الذي يبدأ ~~به قبل التثقيف العام، أو ينتهي إليه بعد التثقيف العام، فهو يهوى موضوعا معينا ينفق عليه ~~من وقته وماله، وهذا الموضوع يكون له بمثابة المحور الذي يجمع إليه شتى المعارف تنتظم ~~وتنمو وتتفرغ، فهو يبدأ في تعميم، يقرأ هنا وهناك، كأنه يتسكع أو يتنزه، ولكنه ينتهي إلى ~~تخصص، فيحضر معظم قراءته في موضوع معين يتصل بحرفته أو هوايته، وعندئذ تنتظم دراسته؛ لأن ~~التخصص يجعله يتعمق، ويأنف من المعارف السطحية. وكل شاب مثقف يجب لذلك أن يتعمق فرعا ~~معينا من المعارف، بحيث يحاول أن يعرف كلياته وجزئياته، كما يعرف شيئا ما عن سائر ~~المعارف. # وفي عصرنا الحاضر من المشكلات ما يجعل كل إنسان محتاجا إلى الثقافة إن لم يكن لحلها فلا ~~أقل من تفهمها، ومن هنا قيمة التربية النفسية والنظر إلى شئون العالم بالفهم والدرس ~~والرغبة في التعرف والاطلاع. # وعلى كل شاب أن يعنى باختيار أصدقائه، بحيث يكونون من المثقفين أو الذين يهوون القراءة ~~حتى يجد فيهم القدوة والمعونة، وحتى يستطيع أن يمتحن معارفه بالمقارنة إلى معارفهم من ~~الحديث النير والمناقشة المثمرة معهم، وأسوأ ما يعوق الشاب عن الثقافة أن يغويه آخر ~~بالمفاسد والملاهي، وأن يكون أصدقاؤه من العابثين ms019 اللاهين وليسوا من الهادفين الجادين في ~~الحياة. # | عادات تعوق الثقافة # المفروض أننا نكتب هذا الكتاب لأفراد الطبقة المتوسطة أو العالية، حيث يتوافر الفراغ ~~ساعتين أو أكثر كل يوم للشباب من الجنسين؛ لأن التثقيف الذاتي يحتاج إلى الفراغ، وكان يمكن ~~أن نضع عنوانا لهذا الكتاب «استغلال الفراغ بالتثقيف الذاتي». # والفراغ في مصر الآن متعة خاصة للأغنياء والمتوسطين، بل التعليم المدرسي والجامعي كذلك، ~~وقليل جدا من الفقراء من طبقة العمال هم الذين يجدون بعض الفراغ، والشاب الذكي يجب أن ~~يحتال، ويوفر فراغه، ويعنى بملئه بالمفيد الذي ينمي شخصيته ويكبر ذهنه ويخدم ~~تطوره. # ويستطيع الشاب في القاهرة مثلا أن يختار الوسائل لملء هذا الفراغ، فهناك مثلا المسرح ~~وقاعة المحاضرات والسينماتوغرافات والمقهى والنادي، كما أن هناك المكتبة، وجميع هذه الوسائل ~~تستحق الالتفات والعناية، بشرط ألا نسيء في استعمالها بالإدمان، أو باختيار السخيف فيها ~~دون الجليل، فليس شك في أن المسرح مفيد، ولكن إذا استحال التمثيل تهريجا صاخبا تخرج فيه ~~الوقائع عن مألوف الحياة، أو تؤكد فيه بعض النواحي فيها دون بعض، كما نرى مثلا في المبالغة ~~في الناحية الغرامية والتحرش بالغريزة الجنسية، فإنه - أي المسرح - يعود مضيعة للوقت ومفسدة ~~للنفس، وكذلك القصص السينمائية قد تنحدر إلى سخف لا قيمة له، وليس شك في الفائدة من المقهى ~~والنادي إذا كان الشاب يجعلها وسيلة للتعارف إلى الصديق الراشد الذي ينتفع بحديثه، ولن لا ~~بد من الاعتدال هنا؛ لأن الإدمان في غشيان المقهى قد يجر إلى الوقوع في الشراب، وعندئذ يقع ~~الشاب في عادة يشق عليه التخلص منها، وقد يجر إلى ألعاب الحظ التي تستهلك الوقت والمال ~~عبثا. # ومع الاعتراف بقيمة هذه «الملاهي» في الترويح والإمتاع، يجب أن يخص كل شاب قسما من وقته ~~للتثقيف، ويجعل الثقافة عادته، بل متعته التي يمارسها كل يوم، بأن تكون الجريدة والمجلة ~~والكتاب في صحبته لا تفارق يوما، بل لها المكان المحترم في البيت. # وهناك عوائق تنشأ أحيانا من الشخصية، وأحيانا من البيئة الاجتماعية، تجعل التثقيف ~~شاقا أو بعيدا عن أن ms020 يصير عادة، فهناك مثلا الشخصية الانبساطية التي نعرفها في ذلك ~~الشاب الذي يميل إلى السمن وتكتل اللحم في الوجه المستدير وسائر الأعضاء؛ فإن المزاج العام ~~في هذا الشخص يميل به إلى إيثار الاجتماع على الانفراد، ويجب على مثل هذا الشاب أن يعرف ~~نفسه وأن يكافح في يسر وبلا إرهاق تلك الميول الانبساطية، بأن ينفرد من وقت لآخر كي يتعود ~~القراءة والدراسة، وبدهي أنه ليس من الممكن أن يحيل المزاج الانبساطي إلى مزاج انطوائي، ~~ولكن الشاب الذي يجد في نفسه ميلا إلى الاجتماع وقضاء الوقت مع الإخوان يجب أن ينتبه إلى ~~حاله هذه، وأن يقتني الكتب ويدرسها، وعليه أن يذكر أن أعظم رجل مثقف في عصره، وهو جوتيه ~~أديب ألمانيا الأكبر، كان انبساطيا يلتذ الاجتماع، ولكنه عود نفسه الانفراد والدرس ~~والثقافة، وأخطر ما يقع فيه الانبساطي أن يصبح المقهى وحده ملجأ فراغه، يقضي فيه الساعات ~~وهو يلعب مع رفيق انبساطي آخر إحدى لعب الحظ في جد واجتهاد كأنه يؤدي بهذا اللعب رسالة ~~لخدمة الإنسانية. # أما الشخصية الانطوائية فنعرفها في ذلك الشاب النحيف التي يستطيل وجهه، وهو يحب الوحدة ~~وتسهل عليه القراءة؛ ولذلك إذا تركنا هذا الاختلاف بين المزاجين وجدنا عادات يتعودها الشبان ~~تعوق تثقيفهم أو تؤخره، أو تنقص من قيمته، فهناك ما يمكن أن نسميه «الترهل الذهني» كذلك ~~الترهل الجسمي الذي يصيب بعض الشبان والكهول، يسمنون ويستكرشون، فإذا ساروا في الشارع كانوا ~~كأنهم مرضى، لفرط بطئهم وإذا قعدوا لم يحبوا أن ينهضوا إلا بعد ساعات، تجد عضلاتهم مترهلة ~~غير مشدودة وأذهانهم منطفئة غير مشبوبة، وهذه الحال في الجسم والذهن تؤدي في النهاية إلى ~~ترهل نفسي؛ لأن الشاب - لسبب ما - فقد من الحياة توابلها، فهي ماسخة قد خلت من الحرافة التي ~~تبعث الشهوة وتحرك اليقظة، وهذا الترهل الذهني قد يصل إلى الجمود، فلا قراءة ولا دراسة، بل ~~مقاطعة تامة للكتب والمجلات، وأحيانا لا يصل إلى هذا الحد، ولكنه يقف عند قراءة القليل ~~والقال في المجلات الأسبوعية، أو قراءة القصص البوليسية، وهذا المرض ms021 يفشو كثيرا بين النساء ~~والفتيات في مصر، وقيمة هذه القراءة لا تزيد على أكل اللب أو قتل الوقت بألعاب الحظ. # ويجب أن ندعو هذا المترهل إلى أن يتطور، بأن يرقى ويختار بعض الكتب الأخرى من المؤلفات ~~الدسمة التي تغذي الذهن، وأن نعيب عليه جهله، وأن نعرض عليه ألوانا حسنة مغرية من الآداب ~~والمعارف تفتح له أبوابا لعالم آخر يجهله، وتحمله على أن يبحث عن قصده في الحياة. # ثم هناك ذلك الجمود الذي يصيب المتعلمين من المتخصصين، كالطبيب أو المهندس الذي لا يدرس ~~الآداب أو التاريخ أو العلوم الأخرى لأنه «متخصص»، وحسبه من المعارف ما يندمج في الفن أو ~~العلم الذي تخصص فيه، فإن تخصصه هنا لا يمنع من وصفه بأنه جاهل، وربما كان جهله أخطر من جهل ~~الأميين؛ لأن عند هؤلاء تواضعا، أما هو فيحمله تخصصه على كبرياء كاذبة تؤذي المجتمع؛ لأنه ~~يرتأي آراء منشؤها الجهل، وفي مجتمعنا الحاضر تشتبك فروع الثقافة حتى إننا نحتاج جميعا إلى ~~دراسة عامة لطائفة عديدة من العلوم والفنون، كي نحسن الفرع الذي تخصصنا فيه، فالطبيب محتاج ~~إلى دراسة الاقتصاديات للعلاقة المتينة بين الفقر والمرض، ومهندس الري في مصر يجب أن يدرس ~~أمراض التربة التي انتهت إلى إيجاد مرضي الإنكلستوما والبلهارسيا يصيبان الفلاحين ~~ويتعسانهم، ورجل الدين يجب أن يدرس الأصول التي ينبني عليها المجتمع الحاضر كي يجعل الدين ~~عمليا مفيدا وليس مجرد استظهار وتلاوة ... إلخ. # وقد كررنا هذه المعاني ونرجو ألا يسأم القارئ تكرارها. # | البيئة العائلية والثقافة # من أسوأ الأحوال الاجتماعية في مصر أن التكافؤ الثقافي بين الزوجين نادر أو معدوم، فالزوج ~~أحيانا متعلم مثقف، والزوجة لم تحصل من التعليم إلا على نصيب صغير، وهي لم تتعود الثقافة، ~~وبعض التبعة في هذا يعود إلى تقاليدنا التي نزلت بالمرأة إلى مركز اجتماعي دون مركز الرجل، ~~ولكن بعض هذه التبعة أيضا، بل ربما معظمها، يعود إلى قوات إمبراطورية قاهرة، كما نرى مثلا ~~في تلك الحقيقة المخزية، وهي أن وزارة «المعارف» لم تؤسس مدرسة ثانوية للبنات إلا في ms022 سنة ~~1925 كما سبق أن ذكرنا. # وقد نشأ عن هذا الإهمال أن البيت المصري لا يزال إلى الآن يجهل المكتبة، وأن الكتاب ~~والصورة والتحفة ليست من أثاثه، وليس من شك في أن نهضتنا منذ سنة 1922 قد عالجت هذه الحال ~~بعض الشيء، كما يدل على ذلك آلاف التلميذات والطالبات في الأقسام الثانوية وفي جامعاتنا، ~~فنحن ناجحون في مكافحة ظلام القرون الماضية ومظالم القرون العشرين معا، ولن يبعد اليوم ~~الذي نرى فيه نور الثقافة يشع من بيوتنا حين يعيش الزوجان متكافئين يتحدثان بلغة واحدة على ~~مستوي راق من الفهم والتفاهم. # وما دامت الزوجة جاهلة في حالا الأمية، أو لم تحصل إلا على الدرجات الأولى من التعليم، ~~فإنها تعارض زوجها فيما ينفق من وقت أو نقد على الكتاب، وهو لظروف المعيشة الزوجية، وتكرار ~~الإلحاح أو التوبيخ، قد يضطر في النهاية إلى مسايرة زوجته، فيكف عن شراء الكتاب أو يرضى ~~بتجميد ذهنه إيثارا للسلام العائلي، ولكنه إذا كان على شيء من المتانة الأخلاقية استطاع أن ~~يتغلب على جهل زوجته ولو في مشقة. # وبدهي أن خير الوسائل لهذا التغلب هو تعليم الزوجة حتى ترتفع إلى مستوى زوجها، ولكن هذه ~~الوسيلة شاقة؛ إذ من البعيد أن تتعود امرأة عادات الثقافة بعد أن قضت نحو عشرين سنة في ~~الجهل أو ما يقاربه، وكثيرا ما يجد الزوج أن التفاوت الثقافي بينه وبين زوجته قد استحال ~~إلى هوة فاغرة، حتى لتعود الحياة الزوجية معاشرة غايتها التعارف البيولوجي التناسلي وضمان ~~الراحة في الطعام والمأوى فقط؛ لأن لكل منهما اتجاها فكريا يمنع الاشتراك في الحديث ~~وسلوكا معيشيا يحول دون تحقيق المثليات. # ولكن الزوجة على وجه عام، حتى حين تكون متعلمة نوعا ما، تبخل بثمن الكتاب، وتجد في ~~التفات زوجها إلى الدرس إهمالا لها أو قلة في العناية بها، فهي تغار من الكتاب كما لو كان ~~ضرتها، وسوف تبقى هذه الحال عامة إلى أن نحطم التقاليد السوداء ونجعل تعليم المرأة مثل ~~تعليم الرجل سواء في الكم والكيف؛ لأننا بهذه التسوية نرفعهما ms023 إلى مستوى مشترك حيث يتحدثان ~~ويفكران ويتجهان في غير انفصال. # وإلى أن نصل إلى هذه الحال، يجب على الزوج أن يعالج زوجته المعالجة الإيجابية البنائية؛ ~~فإنه يسهل عليه مثلا أن يوضح لها أن القراءة، وإن تكن تلهيه عنها، فهي تمتاز بأنها تجذب ~~الزوج إلى البيت، حيث يكون مع زوجته وأولاده يقضي فراغه معهم بدلا من تلك الملاهي الأخرى ~~التي تجذبه إلى المقهى أو النادي حيث يكون عرضة لغوايات مختلفة، والفراغ إذا لم يملأ ~~بالكتاب سوف يملأ بأي لهو آخر قد يضر بالصحة الجسمية أو النفسية أو المالية، ثم الكتاب مع ~~ذلك يمكن أن يكون من الأثاث الفاخر للبيت، إذا عنينا بتجليده واقتنينا الخزانة الفاخرة ~~أو الرف الأنيق الذي يحمله. # والزوجة لاتجاهها الاجتماعي تقدر الأثاث الحسن، ومن أعظم العقبات في اقتناء الكتب أننا ~~نشتريها في مصر بغلاف من الورق سرعان ما يتمزق أو يتفكك، فيشوه الكتاب، ويجعله ناشزا بين ~~أدوات من الأثاث المنسق حتى لتحتاج الزوجة إلى إخفائه ودسه في مكان ما، فإذا عني الزوج ~~بتجليد الكتاب، واقتناء خزانة فاخرة لا يقل ثمنها أو التأنق في صنعها وتزيينها عما نفعل ~~بخزانة الملابس، وجدت الزوجة فخرا وسببا للمباهاة، فلا تعارض في اقتناء الكتب. # وإلى الكتب يجب أن تضاف تحف أخرى، مثل الصور وبعض الطرف الجميلة، وفي هذه الحال يزيدان ~~الصالون المخصص للضيوف بالكتب والتحف والصور كما يزدان بالكراسي أو المناضد؛ وعندئذ تقدر ~~الكتب كأنها من أدوات البيت الضرورية التي تتنافس ربات البيوت في اقتنائها، بل ربما في ~~قراءتها. # وليس مفر للزوج، إذا شاء أن يعيش سعيدا في بيته، مثقفا في ذهنه، مربيا لنفسه، أن يرفع ~~مستوى زوجته، وأن يجعل الثقافة جوا مألوفا في البيت، فإذا كانت الجريدة والمجلة تصلان ~~إلى البيت في نظام لا ينقطع؛ فإن حديث أعضاء البيت يرتفع من القيل والقال إلى السياسة ~~العامة، وطنية أو عالمية، وصحيح أن معظم مجلاتنا لا تسمو على القيل والقال، لكن الزوج ~~البصير يمكنه أن يناقش أعضاء عائلته في الشئون الخطيرة، ويوجههم، فينتفع هو ms024 في النهاية بهذا ~~التوجيه، وعندئذ يجد العطف، بل التقدير، حين يقبل في حماسة على ترقية ذهنه وترقية نفسه ~~بثقافة عميقة قد لا تصل إليها الزوجة ولكنها لا تنكر قيمتها، فلا تعارض فيما ينفق عليها من ~~مال ووقت، وعندئذ يكون الزوج قدوة للأبناء، فلا يأسف على عجزه لأنه لم يستطع أن يكون ~~قدوة لزوجته. # | الرجعية المعارضة للثقافة # الرجعية في لبابها دعوة إلى حل المشكلات الاجتماعية بالعقائد الجامدة والموروثة، بدلا ~~من التفكير الحر المبتكر؛ ففي مجتمع رجعي يعيش الفرد وهو خاضع في بيته وحكومته وتصرفه ~~لألوان من العادات كأنها شعائر دينية يجب ألا تخالف أو تناقض، وهذه الحال تنتهي ~~به إلى أن يخضع في تفكيره لقواعد وسنن يجب ألا يخالفها، بل يجب ألا يتحدث عما يخالفها ~~إذا خطرت له، والرجعي يلجأ عادة إلى الدين فيستند إليه في تحريم القراءة لهذا الكتاب، أو ~~منع البحث لهذا الموضوع، فالكنيسة الكاثوليكية مثلا تعين نحو مئة كتاب أو أكثر لا يجوز ~~في زعمها للمؤمنين بها أن يقرءوها، وقد كانت هذه الكنيسة تأمر - قبل قرنين أو ثلاثة - ~~بإحراق الكتب التي لا تحب، كما فعل فرانكو في أسبانيا وهتلر في ألمانيا قبل سنوات، وقد ~~ارتكبنا نحن في مصر شيئا قريبا من هذا في بعض الكتب الاشتراكية والشيوعية، وهذا الخزي ~~الوطني قد أوقعنا فيه رجعيون، وفي كل أمة أفراد يؤثرون التفكير الأسلوبي الموروث، ويلتزمون ~~العادات، ويخشون الابتداع. # ومما يذكر عن جريدة التيمس التي تقرؤها الطبقة الثرية في إنجلترا أنها كانت تقاطع كلمة ~~«سفلس» إلى سنة ألف 1916؛ لأن هذه الكلمة أسم لأحد المرضين الزهريين المشهورين، ولما كانت ~~الطبقة التي تجد التيمس قراءها بينها تتجنب هذه الكلمة في حديث أفرادها الذين ربما يقعون في ~~هذا المرض؛ فإن التيمس جارتهم في هذا النفاق أكثر من قرنين، ويهمنا من الرجعية معارضتها ~~للتثقيف الذي هو موضوع هذا الكتاب، فإذا كان المجتمع رجعيا لأنه مرهق بعبء ثقيل من ~~التقاليد الموروثة، وإذا كان رجال الدين رجعيين (وهم كذلك في أغلب الحالات) فإن الحكومة ~~تستطيع بإنشاء المدارس ms025 وإباحة التفكير الحر أن تحيل هذه الرجعية إلى تجديد وانتهاض، ولكن ~~إذا كانت الحكومة نفسها رجعية فإن التجديد والانتهاض بين المجتمع يحتاجان إلى جهد عظيم قد ~~يعجز عنهما هذا المجتمع؛ لأن بذرة التجديد وريح النهضة تحاربان وتكافحان من رجال الحكومة ~~أنفسهم، وقد رأينا في عصرنا كيف أن أمة متمدنة مثل ألمانيا وأمتين أخريين قد أوشكتا ~~بالحرية والتعاليم أن تعمهما الحضارة، هذه الأمم الثلاث قد أحالتهن حكوماتهن إلى أمم رجعية ~~تحارب التفكير الحر وتحرق الكتب، بل ترد المرأة إلى المطبخ. وقد أوشك المجتمع في هذه الأمم ~~الثلاث على أن يعود رجعيا ساقطا بعد نهضته. # والناس يتنفسون بعقولهم كما يتنفسون برئاتهم، وهم يحتاجون إلى حركة الفكر كما يحتاجون إلى ~~حركة الهواء كي يصحوا وينتعشوا، ولكنهم أيضا يعتادون الأفكار المحبوسة كما يعتادون الهواء ~~المحبوس، وعندئذ يمرضون فيفقدون صحة الجسم والعقل، فلكي تنمو أذهاننا، وكي نربي أنفسنا ~~بالثقافة البشرية العامة، يجب أن نعيش في جو حر تكفل حريته وتصونها حكومة عصرية مستنيرة ~~تعلم أنه ليس في الطبيعة قرار وأن كل ما فيها يتغير، وأننا لم نصل بعد إلى المجتمع الأمثل ~~حتى نستقر على مؤسساته ونقول إنه ليس في الدنيا ولن يكون أبدع منها؛ ولذلك يجب - كي نحصل ~~على ثقافة حرة تربينا - أن نجيز النقد لجميع مؤسساتنا الاجتماعية ولا نضع أي قيد أو نعين أي ~~حد يمنع التفكير الحر. # والحكومات الرجعية - مثل حكومة ألمانيا وإيطاليا سابقا وأسبانيا الآن - قد أحرقت الكتب ~~ووضعت غرامات باهظة على كل من يرغب في إنشاء جريدة أو مجلة، وجعلت للصحفيين والكتاب عقوبات ~~قاسية خاصة على ما ينشرونه، وهذا إلى قصر التعليم على عدد معين على الطلبة، ولا يمكن شابا ~~في مثل هذه الظروف أن يربي نفسه لأنه لن يجد الكتب الحرة النزيهة التي تربي، ولن يجد ~~الجرائد والمجلات الحرة التي تنير، فالشرط الأساسي للتثقيف الذاتي أن نعيش في جو فكري يجيز ~~التأليف وإنشاء الجرائد والمجلات بدون فرض غرامة مالية أو إيجاد صعوبات قانونية يقصد منها ~~إلى تقييد التأليف والنشر، ولا ms026 عبرة بالدعاوى التي تقال في فرض هذه الغرامات، أو وصفها ~~بأنها ضمانات، كما لا عبرة بدعوى الحماية للتقاليد لأن النهاية التي نصل إليها من كل هذه ~~الدعاوى هي تقييد الحرية الفكرية التي هي حق لكل أمة عصرية لا يصح أن يمس أو ينتهك، بل هي ~~حق لكل فرد ضد أمته، ولكل أمة ضد حكومتها. # وحسب القارئ أن يعرف أن فنلندا يقل سكانها عن أربعة ملايين ومع ذلك فيها 209 من الجرائد ~~اليومية و557 مجلة أسبوعية وشهرية، ولكل من هذه الصحف قوة التوليد في الثقافة، هذا التوليد ~~الذي هو الفرق الأساسي بين أمم الغرب الناهضة وأمم الشرق القاعدة. # ولا قيمة لاستقلال تناله أمة بعد التخلص من الاستعمار إذا كان الرجعيون أو المستبدون ~~سيتولون الحكم ويثقلونها بقيود الفكر والجسم، فالمستبد والرجعي والاستعماري سواء. # بل إني حين أقارن بين الشعوب العربية التي رزحت تحت الاستعمار، وتعذبت به سنين، وبين ~~الشعوب العربية الأخرى التي لم تعرف الاستعمار، بل عاشت «مستقلة»؛ أجد أن كلمة النهضة تنطبق ~~على تلك الشعوب التي أذلها الاستعمار ولكنه في الوقت نفسه بعث فيها حركات ناهضة بالاتصال ~~بالثقافة الأوروبية العصرية، فاستطاعت أن تتخلص من بعض تقاليدها وأن تتمدن وتحيا الحياة ~~العصرية. # أما الشعوب العربية «المستقلة» فلا تزال مقيدة بتقاليدها، تأسن في رجعيتها وتخشى الثقافة ~~وتجهل الدستور، بل لا تزال تمارس الرق أحيانا وترفض تعليم المرأة. # ويستطيع القارئ بمقارنة سريعة أن ينظر ويستنتج، ولا بد أنه سيجد عندئذ أن رجعية الشرق ~~عند أبنائه لا تنقص في استبدادها بهم عند استعمار الغرب لهم، بل أحيانا أسوأ وأتعس. # | تحصيل العيش والثقافة # ذكرنا جملة عوائق تمنع الثقافة أو لا تيسرها بالقدر الذي نرغب فيه، ويجب مع ذلك ألا ~~يفوتنا ذكر عائق كبير وهو تحصيل العيش؛ فإن 90 في المئة من الأمة يعيشون في قلق على عيشهم، ~~وهذا القلق يحملهم هموما مختلفة تجعلهم ينفقون كل وقتهم تقريبا في جمع المال كي يطمئنوا ~~على عيشهم هم وأولادهم، ونظام المباراة الذي نعيش فيه يجعل الاطمئنان على العيش مزعزعا ms027 ~~ويجعل الخوف من المستقبل مائلا دائما، فالأب لا يعرف ماذا يكون مصير أولاده، بل لا يعرف ~~هل يجد هو نفسه الشيخوخة الهنيئة، وهو حين يفر من عمله، ويلجأ إلى بيته للراحة، يجد أن ~~جو المباراة التي يكتنفه ماديا وروحيا قد انتقل إليه، فهو يفكر في الكسب ويحلم ~~بالثراء حتى حين يكون في فراشه. # وهذا الاتجاه المادي لإيثار الكسب على كل شيء وإرصاد الجهد للصحة والوقت لجمع المال، يجعل ~~الرغبة في التثقيف الذاتي معدومة أو كالمعدومة، وكثيرا ما رأينا أشخاصا قد حملتهم هستيريا ~~الكسب على النفور من الكتب والكراهة للقراءة كي يجدوا الوقت للعمل الكاسب، وكلنا يعرف ذلك ~~«العصامي» الذي يفخر بثقافته السابقة وثرائه الحاضر ويعدد صفات الاستقلال والرجولة ~~والمثابرة التي يمتاز بها، ولكنه مع ذلك جاهل لا يزال ذهنه فجا غشيما لم يهذب أو يصقل، ~~كذهن حصان أو دب لا يدري من شئون هذا الكوكب سوى تلك المعارف المحدودة التي تتصل بكسبه عن ~~أثمان هذه السلع أو رواج تلك السوق نحو ذلك. # وليس شك في قيمة المال في عصرنا، عصر المباراة هذا الذي يداس فيه المحرومون، ولكن يجب ~~ألا نجعل جمع المال هوسا أو هستيريا؛ فإن غاية المال في النهاية هي الاستمتاع بالمسكن ~~والغذاء واللباس وسائر الاعتبارات الاجتماعية، والثقافة هي أسمى ضروب الاستمتاع. # وليس من السهل أن نجذب ذلك المنغمس في الكسب المسحور بالمطامع المالية إلى الثقافة؛ لأنه ~~في الواقع في حال من الإيحاء النفسي تحتاج إلى المعالجة السيكلوجية، وهو نائم يحتاج إلى ~~الإيقاظ، وهو أعمى يحتاج إلى التبصير؛ فإنه ألف عادات نفسية وذهنية جعلته غريبا عن مواطن ~~الثقافة، يتغطرس ويتعجرف كلما ذكرت له ميزات التربية الذاتية وترقية الشخصية والتوسع ~~الذهني. # ومثل هذا الشخص يجب أن نحتال عليه كي نبعث الحرارة في ذهنه البارد ونوقظه من بلادته ~~وسباته، ونشعره بالخجل إن لم يكن بالخزي من جهله، ونحن نعرف مثلا أن الأوساط تختلف في ~~إثارة التنبيه الذهني، فالوسط الزراعي مثلا يخلو من المنبهات الذهنية لأنه وسط ~~الاستقرار، أما وسط المدينة فيحفل ms028 بالمنبهات للتغير الدائم فيه؛ ولذلك فوطن الثقافة هو ~~المدينة وليس الريف. # والأزمنة كالأوساط تختلف أيضا في قدرتها على التنبيه الذهني؛ ففي زمن الحروب نقرأ ~~الجرائد بشهوة حادة، وفي أيام الفتنة أو الثورة نحب أن نسمع ونقرأ ونرى، وفي أيام الغلاء ~~والقحط والأزمات نتحدث عن المشكلات الاقتصادية ونحاول أن نفهم ونستنير. # ونحن نعرف أيضا أن الثري للطمأنينة التامة يركد ويترهل، ولكنه يتنبه عندما يحف به خطر ~~اقتصادي، أو تنزل به كارثة مالية، وقد يشرع عندئذ في الدرس بعد حياة طويلة كانت مجالة ~~بسواد الجهل. # والمغزى الذي نقصد إليه هو أن الباعث على التفكير والدرس هو مقدار معتدل من القلق، أي إن ~~الطمأنينة يجب ألا تكون تامة، وهذا القلق نجده في المدينة أكثر مما نجده في الريف، وهو ~~أكثر في أيام الحرب والقحط مما هو في أيام السلام والرخاء، وهو أكثر عند المشتغل بكسب ~~عيشه مما هو عند الوارث المطمئن. # على أنه يجب أن لا تمسك المعايش بخناقنا؛ لأنه من الواضح إذا كان القلق عظيما فإنه يمنع ~~من التفكير السليم أو الرغبة في الدرس، ولكنا نقصد إلى القلق المعتدل الذي يحدث لنا غما ~~أو هما خفيفين، والنفس في مثل هذه الحال تلجأ إلى الخيالات المضادة التي تحدث السرور، ~~ونحن حين نفكر إنما نرتب هذه الخيالات ونجعلها تسير مع المنطق، ونستعين بالدرس كي نحسن ~~التفكير ونصل إلى النتائج. # وهذا المنغمس في تحصيل العيش، الذي ينفر من الثقافة، يجب أن ننبه ذهنه عن سبيل العمل الذي ~~ينغمس فيه، بأن نحدث له قلقا يستتبع غما أو هما يحمله على التفكير والدرس، فإذا عمدنا ~~إلى ثري يكتنز النقود وتحدثنا إليه عن نزول النقد، وأن الذهب لن يعود إلى التعامل، وأن ~~المبادئ الاشتراكية تعم العالم رويدا رويدا؛ فإننا بلا شك ننبهه من ركوده ونبعثه على أن ~~يتساءل: ما قيمة الاكتناز للثروة إذا كان مصيرها يوما ما مصير المارك الألماني سنة 1922؟ ~~وقد يحمله هذا على درس الاقتصاديات، ومتى شرع فإنه لن ينكص، ومتى تنبه فإنه لن ~~يركد. # وكذلك ms029 الشأن في غيره من أولئك المنغمسين في تحصيل العيش إلى حد إرصاد الوقت والجهد في ~~سبيله، فإننا نعالجهم عن سبيل انغماسهم، فنوضح لهم حينا مقدار المنفعة التي تعود عليهم ~~إذا درسوا وتوسعوا في مهنتهم ، وحينا نبين لهم الأخطار التي تتعرض لها هذه المهنة في ~~المستقبل، بل نحتاج إلى أن نبين أيضا أن الوجاهة والمكانة والاحترام تنال كلها بقليل من ~~الثقافة، ولا تنال بكثير من المال الذي ترافقه جلافة الجهد والعصامية المزعومة. # واختيار الأصدقاء من المثقفين - كما سبق أن ذكرنا - هو أفعل الوسائل لبعث الشوق إلى ~~الثقافة؛ لأن للقدوة أكبر الأثر في الإيحاء، وكما أن ثري الحرب يقتني الأثاث الفاخر ~~للمباهاة، فإنه كذلك يجب أن يباهي بالأصدقاء المتعلمين، وهؤلاء يستطيعون أن يوجهوه ~~ويرشدوه في تعليم نفسه وأعضاء عائلته. # | ماهية الثقافة # الثقافة هي ما نفكر به، والحضارة هي ما نعمل به. # ولكن هذا التعريف ليس دقيقا؛ فإن من الصحيح مثلا أن معارفي أنا عن القوة الكهربائية ~~التي نستخدمها في الإضاءة والحركة والاستماع الرديوفوني والرؤية السينمائية، بل للتدفئة ~~والعلاج الشعاعي وغير ذلك، هذه المعارف هي ثقافة عندي؛ لأني لا أمارس بيدي شيئا من هذه ~~الوسائل التي نستخدم بها القوة الكهربائية، وقصارى ما أتصل به منها هو المعرفة الذهنية، ~~ولكن المهندس الكهربائي يعرفها حضارة وثقافة عامة معا؛ لأنه يفكر ويعمل بها معا. # وفي مجتمع أمثل لما نصل إليه، تصير الثقافة والحضارة شيئا واحدا في كثير من الشئون؛ لأن ~~جميع الناس يتعلمون ويرتقون، فلا تكون هناك أشياء راقية يقرءون عنها في الكتب ولا يرونها ~~في المعيشة. # انظر مثلا إلى المتاحف، تجمع بين جدرانها عشرات أو مئات الرسوم والتماثيل، يدخلها ~~الجمهور من أبواب عليها حرس، فيتنزه المتفرج برؤية الألوان العديدة من الجمال الفني، ثم ~~يخرج بعد هذا الاستمتاع الثقافي إلى منزله، حيث الحرمان من صورة أو تمثال، فهنا الثقافة ~~تختلف عن الحضارة؛ فان الأولى مخزونة في متحف، والثانية معروضة في البيت. # ولكن المجتمع الأمثل هو الذي يجعل كل بيت من بيوتنا متحفا، بل يجعل المدينة بشوارعها ms030 ~~وجدرانها حافلة بالتماثيل والصور والمباني الأنيقة، وعندئذ تكون الثقافة هي نفسها ~~الحضارة. # ولكننا نعيش في العصر الحاضر في فاقة فنية، لا نعرف من الفنون سوى صورها الفوتوغرافية ~~في الكتب، أو نماذج منها في المتاحف . # فنتحدث عنها ونناقش موضوعاتها كما يتحدث الفقير وهو يأكل من طبق المدمس المفرد عن ~~الموائد المطهمة التي تحمل ألوانا عديدة من فاخر المملكتين الحيوانية والنباتية في بيوت ~~الأثرياء. # ولكن الثقافة، هذا التراث البشري الذي تكون لنا فيما لا يقل عن خمسين ألف سنة، أي منذ ~~اكتشاف النار، يجب أن نلم بها ونمتلكها بالدراسة؛ أي يجب أن نعرف تاريخنا وتاريخ الأرض ~~التي نعيش عليها، وتاريخ الأمم من الصين إلى فنلندا ومن أوغندا إلى ألمانيا، ويجب أن نعرف ~~العلوم والآداب والأديان التي استمتع أو امتهن بها الإنسان، ونحن في هذه الدراسات لن نتجاوز ~~التفكير، وصحيح أن تفكيرنا يؤثر في الحضارة؛ لأننا نخرج منه بأن نقول كما قال سقراط: «لست ~~أثينيا ولا يونانيا إنما وطني هو العالم»، ولكن المعارف التي نجمعها لهذا التفكير تختلف ~~عن المعارف التي يجمعها المهندس الكهربائي لتمديد أسلاك التليفون أو لإضاءة منزل، على أننا ~~مع ذلك يجب أن نعترف أن الاختلاف هنا في الدرجة وليس في النوع؛ لأن المجتمع الأمثل هو ~~المجتمع العالمي الذي يهتم بشئون العالم كله وليس بشئون قطر معين، وعندئذ تصير الثقافة ~~البشرية جميعها تراثا عاما يجب أن يستمتع به كل من يسكن على هذا الكوكب، وعندئذ أيضا ~~تصير الثقافة هي الحضارة. # ومنا قليلون يبلغون هذه الدرجة حتى في عصرنا، حضارتهم هي ثقافتهم وثقافتهم هي حضارتهم، ~~نعني أولئك الذين تغيروا أو تطوروا حتى طابقوا بين مصالحهم ومصالح البشر، وأصبح لهم دين، ~~وتربى لهم ضمير، حتى ليفكر أحدهم بقلبه ويحس بعقله، ويهتم بشئون العالم كما يهتم بمصلحة ~~نفسه وبيته ووطنه، وينظر من خلال المحن الاقتصادية في الصين أو الهند أو مصر إلى لوحة ~~التاريخ العالمي، فينتهي إلى أن التطور منطق مبتكر يلائم الوسط وليست مجموعة من العقائد ~~والشعائر المحنطة ومومياءات الأفكار القديمة، وحين ms031 نبلغ هذه الدرجة، نعيش ولنا اهتمامات ~~حيوية تنبه الضمير وتستفز الذهن إلى التفكير، ومتى وصلنا إلى هذه الحال عشنا في الدنيا ~~وعنينا بالدنيا وملكنا الدنيا نصلحها ونربيها كما يصلح ويربي أحدنا في العصر الحاضر على ~~المستوى المنخفض حديقته الخاصة. # وقد كان أفلاطون يقول: # إذا لم يعن الأبرار بالشئون العامة فإنهم يعاقبون على هذا الإهمال ~~بخضوعهم لحكم الأشرار. # ولكن العناية بالشئون العامة تحتاج إلى الثقافة العامة، والشئون العامة للرجل الناضج في ~~عصرنا هي شئون العالم كله؛ لأن العالم قد بات مرتبطا، بحيث إن الشر الاستبدادي في الصين ~~ينتقل إلى مصر كما أن الوباء الميكروبي في قطر يتفشى إلى أقطار أخرى. # فالصيانة العامة من الشرور والأمراض لا يمكن أن تتجزأ، والثقافة العامة وحدها هي التي ~~تكفل لنا هذه الصيانة. # ولكي نعيش في سلامة الضمير والجسم والذهن يجب أن نكون مثقفين، ننشد الثقافة العالمية ~~لإيجاد حضارة عالمية. # | قيمة الثقافة وغايتها # لن نحدد في هذا الفصل قيمة الثقافة وغايتها؛ لأن جميع فصول هذا الكتاب تتناول هذين ~~الموضوعين، وإنما نقصد هنا إلى إيضاح بعض النواحي البارزة لهما. # فللثقافة قيمة اجتماعية وعالمية وبشرية، فالأمة التي ترقد ثقافتها، وتستحيل إلى قواعد ~~وأساليب، يركد مجتمعها وتقف جامدة بعيدة عن الرقي، وقد حدث هذا في القرون الوسطى، بل إن هذه ~~الحال لا تزال قائمة أيضا في بعض الأمم في أسيا وأفريقيا، والوسط الزراعي، بالعجز الذي ~~يشعر به المشتغلون بالزراعة والمنتفعون منها؛ لأنهم لا يعرفون في هذا الوسط طرقا جديدة ~~للتطور، هذا العجز يحدث جمودا في الثقافة والحضارة، وقصارى ما نجد في الوسط الزراعي ثقافة ~~دينية تقليدية وآدابا أسلوبية، ولكن إذا كانت الأمة تمارس التجارة - ونعني التجارة ~~العالمية أو التي تمتد إلى أقطار بعيدة - مع اشتغالها بالزراعة؛ فإن الاختلاط التجاري ~~بالأقطار الأخرى ينبه الأمة ويبعث الحيوية في الثقافة، وعندما نتأمل القرون المظلمة في ~~أوروبا، بين 500 و1000 بعد الميلاد، نجد أنها ترجع إلى أن الثقافة، بعد أن كانت عالمية ~~تجارية أيام الرومان، تغتذي بالتنبيه المتواصل من التجارة في آسيا وأفريقيا ms032 وأوروبا، قد ~~عادت فانحصرت في القرية، فصارت ثقافة زراعية دينية تقليدية. # وأكثر من التجارة في تنبيه الثقافة هو الصناعة؛ لأنها فنون وعلوم مختلفة، ويمكننا أن نجزم ~~بالقول بأن في عصرنا الحاضر لا يمكن أمة أن تكون متمدنة ومثقفة إلا إذا كانت أمة صناعية، ~~وحسب القارئ أن يقارن بين أمة تعيش وتتجر بزراعة الذرة والقمح، وأخرى تعيش وتتجر بصنع ~~الأتومبيل والرديوفون أيتهما أوسع معارف وثقافة؟ وأين تجد العلوم المختلفة من الكيمياء إلى ~~الفيزياء إلى الميكانيات إلى الكهرباء إلى غيرها؟ لا شك أن هذه العلوم تجد وطنها في الأمة ~~الصناعية، وليس هناك سلاح أمضى عند الأمم الإمبراطورية حين تريد أن تحكم شعبا وتستغله، ~~وتبقيه في جهالة أبدية، من أن تحرمه من الصناعة وتقصر نشاطه على الزراعة؛ لأن العلوم ~~العصرية عندئذ لا تجد السوق التي تكسبها الثمن العالي وتبعث المنافسة على تعلمها، ثم إن ~~حرية الفكر تنمو في الوسط الصناعي لأن قاعدته الابتكار والاختراع والمعارف، وهي تموت أو ~~تركد في الوسط الزراعي لأن عدته التقاليد والعقائد والسنن. # وهذا كله كلام عام عن الثقافة، وكنا نحب أن نتوسع فيه، ولكن غرضنا من تأليف هذا الكتاب هو ~~قبل كل شيء الإرشاد العملي للشاب في تثقيفه الذاتي، فنحن في حاجة إلى أن نبرز الفوائد التي ~~تعود عليه من الثقافة، حتى يجد في هذه الفوائد الحوافز إلى الدرس واقتناء الكتب. # فنحن نثقف عقولنا كي نجعل العمر البيولوجي يمتد إلى العمر الجيولوجي؛ أي إن العمر الذي ~~لا يتجاوز 70 أو 80 عاما يعود بالدراسة وكأنه مليون عام، فالمثقف يدرس التاريخ البشري وما ~~سبق البشر، ويعرف التطورات التي تغيرت بها الأرض والنبات والحيوان، وهذه الدراسة التي لن ~~تنقطع مدى الحياة توحي إلينا قداسة دينية ورغبة في الخير والرقي، وتطلعا إلى المستقبل مع ~~التفاؤل، وشعورا ليس بالتضامن البشري فقط بل باحترام الحياة كلها. # وكذلك نثقف عقولنا بدرس المشكلات العالمية والقطرية كي نقف على «العقل العام» ونشترك فيه، ~~فنميز بين هذه المشكلات بدراستنا أو نحمل لواء الكفاح في حلها وتغير المجتمع ms033 حتى يزول المرض ~~والفقر والجهل والحرب والتعصب، وهذا «العقل العام» يجعلنا بشريين، لنا اهتمامات بما في ~~نيويورك وبكين وبومباي والقاهرة وباريس، ويجعل كل إنسان منا إنسانيا. # وهذه الدراسة تكسبنا الشخصية المتطورة، ولن تستطيع أن تكون شخصا متطورا إلا إذا كنت ~~دائم الدراسة، تغير ذهنك بالمعارف الجديدة التي لا تفتأ تزودك بها العلوم. # وبعد هذا يجب أن نذكر أنك ستصل يوما ما إلى الشيخوخة، وعلى الرغم من كل ما يقال، ليس ~~شيء في هذه الدنيا أسوأ من الموت سوى الشيخوخة الهامدة المريضة الجامدة، وخير وسيلة نستعد ~~بها للشيخوخة هي الثقافة، فيجب على كل منا أن يمهد الطريق الذي سيسير عليه في المستقبل ~~حين يتجاوز الستين، فإذا كنا قد عنينا أيام الشباب باعتناق الثقافة واعتياد الدراسة، ~~فإننا ندخل في طور الشيخوخة ومسام عقولنا مفتحة، لنا عشرات من الاهتمامات الاجتماعية ~~والاقتصادية والفلسفية والعلمية والأدبية، بل ربما تكون الثقافة قد اختمرت وتبلورت إلى عمل ~~وكفاح، يجددان الحياة في الشيخ، ويجددان الأمة بنشاط ناضج. # وما أهنأها شيخوخة عندما ينظر أحدنا - وقد بلغ السبعين - في فهرس حياته، فيجد العناوين ~~البارزة لما قام به من دراسة وكفاح حتى تكونت له شخصية ناضجة مؤلفة من الاستقلال الروحي ~~وبالاستمتاع الفني. # وما أتعسها شيخوخة يقضيها أحدنا في المرض والجهل والجمود كأنه قد قطع صلته بالعالم، يقال ~~من وظيفته في الستين وكأنه قد أقيل من الحياة كلها، فهو في الحقيقة ميت قد تأخر دفنه؛ وذلك ~~لأنه لم يثقف ذهنه أيام الشباب ولم يغرس في نفسه اهتمامات حيوية تغذو شيخوخته وتحيي عواطفه ~~وتنبه عقله. # | من هو الرجل المثقف # كان الرئيس ولسون رجلا مثقفا درس الكتب وخبر الدنيا، كان مديرا لجماعة برنستون ينظم ~~الثقافة لشباب الولايات المتحدة، ثم كان رئيس للجمهورية في سني الحرب، فحاول جهده أن ~~يصون السلم ولكنه اضطر أخيرا إلى الحرب، فلما انتهت - أو قبل أن تنتهي - وضع الشروط ~~الأربعة عشر التي كان «تقرير المصير» للأمم الصغيرة واحدا منها، وهو شرط قد انتفعنا نحن به ~~في حركة 1919، ثم كان أثر ms034 ولسون كذلك كبيرا في إيجاد عصبة الأمم، بل هي من مبتكرات ذهنه ~~الخصيب المثقف. # فإذا تكلم الرئيس ولسون عن الثقافة، ما هي وكيف تكون، ومن هو الرجل المثقف؛ فإنه لا ~~يتكلم باعتباره رجل القلم والحبر فقط، بل أيضا رجل السياسة العالمية والخبرة الدنيوية، ثم ~~هو رجل مثقف قد أثمرت فيه خير ثمراتها، إذ جعلته إنسانا إنسانيا يطلب الدنيا كلها وطنا ~~له ويسعى للسلام وينشد الحماية للأمم الصغيرة من الأمم الكبيرة، فإذا قسناه باختباراته ~~الماضية ومؤلفاته في الجامعة، أو بما انتهى إليه من الشروط الأربعة عشر، أو اختراع عصبة ~~الأمم؛ فإننا نجد فيه أجمل مثال للرجل الشريف المثقف، والسبب لا نخطئ إذا نحن اعتمدنا عليه ~~في صفة الرجل المهذب، فهو حين يصفه إنما يصف نفسه. # وضع الرئيس ولسون أربعة شروط للرجل المهذب هي: ~~(1) # أن يعرف تاريخ العالم منذ بداية الكون، فنشأة الحضارة، إلى الآن. ~~(2) # أن يعرف تاريخ الأفكار السائدة التي يسير عصرنا على مبادئها. ~~(3) # أن يعرف علما من العلوم في المعنى الذي يطلق عليه اسم # Science # في اللغات الأوروبية. ~~(4) # أن يعرف لغة ما، وخير اللغات التي يعرفها هي لغته التي نشأ عليها. ~~••• # هذه هي الشروط الأربعة للرجل المهذب أو الرجل المثقف كما يراها الدكتور ولسون، ويمكن ~~كلا منا أن يسأل نفسه: هل أنا مهذب لم أستوف غير شرط أو شرطين من هذه الأربعة؟ # ولكن ربما يتساءل بعضنا: لماذا هذه الشروط الأربعة ولماذا لا تكون عشرة أو سبعة؟ فالجواب ~~أن الدكتور ولسون قد اختار الأهم قبل المهم، واختار الأساس قبل الجدار، والأعم قبل الأخص، ~~ونستطيع أن نبين أهمية هذه الشروط بالشرح القليل؛ فإن الذي يطلبه الرئيس ولسن أن تثمر هذه ~~الثقافة التي يحددها في هذه الشروط رجلا صالحا في العالم بارا بالإنسانية، وهو يبرزها ~~في ذهن نير، ثم يجب أن يفهم مبادئ الحضارة الحديثة، ولا يعارض تقدمها، بل عليه أن يكون ~~عضوا عاملا في تقدمها. # فالشرط الأول: # أن يعرف الرجل المهذب تاريخ العالم، كيف نشأت الحياة الأولى على الأرض، ثم ~~تطورت رويدا ms035 رويدا حتى ظهرت فيها أنواع من النبات والحيوان ينقرض بعضها ويبقى ~~بعضها، وهي في خلال هذا التطور تنهض وتنتكس، إلى أن ظهر الإنسان (وهو مع ذلك ~~ليس ختام الدراسة إذ هو جسر تعبر عليه الحياة كي تصل إلى طراز أعلى منه)، ثم ~~كيف تسلط على غيره، إلى أن استطاع أن يخترع الحضارة الأولى على ضفتي هذا النهر ~~المبارك، نهر النيل. # ثم كيف نشأت الحضارة، وتطورت، وهي تعاني مظالم الكهنة والمستبدين ورزء ~~الحروب وبلايا القحط والوباء، وفي خلال ذلك يكتشف هذا الإنسان الأول أن له ~~ضميرا وأن حبه لأمه وزوجته وأولاده يتسع حتى يصير حبا للبشر جميعهم. # وجدير بهذا الذي يدرس تاريخ العالم أن يحس أنه ابن العالم وأن البشر إخوة، ~~وأن الحرب جناية، ثم هذا العرض لتاريخ الدنيا يكسبنا فكرة التطور، ثم مزاج ~~التطور؛ لأن الدنيا لم تكن قط على حال واحدة؛ إذ هي تتغير، ويجب أن تبقى في هذا ~~التغير، ثم هذا التاريخ إذ بعث في نفوسنا الاطمئنان من ناحية البر والخير في ~~نفس الإنسان؛ فإنه يبعث الشك والتوجس من ناحية النظم الاجتماعية التي انتهت ~~مرة بل مرات بالعصور المظلمة، وما أدرانا فلعلنا هذه الأيام على وشك الدخول في ~~عصر مظلم، فلا أقل من أن نعرف علاماته، ونحتاط بدرس تاريخ العالم، ونميز بين ~~سيادة العقيدة الحزبية وسيادة الرأي الجدلي، أو الفرق بين المعرفة التي تقوم ~~على البينة وبين العقيدة التي تقوم على التسليم، ثم هذا الدرس لتاريخ العالم ~~يعين لنا سمات الحضارات المتعاقبة وألوان الجودة والرقي فيها إلى أن تنتهي إلى ~~الحضارة الصناعية القائمة. # والشرط الثاني: # للرجل المهذب أن يعرف تاريخ الأفكار السائدة سواء أكانت سياسية أو علمية، ~~فنحن في عصرنا الحاضر نسير بقوة آراء تسوقنا وترسم لنا خططا وغايات، فيجب أن ~~نعرف تاريخ هذه الآراء، والجهود التي بذلت في سبيل تحقيقها، والقوات الخفية ~~التي تسوقها. # فهناك هذا الرأي أو الفكرة القائلة بالديمقراطية كيف وأين نشأت وما قيمتها، ~~وما دلالتها، وهل يجب أن تموت أو تعيش؟ ثم ما هي ms036 قيمة الحرية الفكرية، أو ~~التسامح الديني، أو فكرة الدستور، أو غير ذلك في الأفكار والآراء التي غاص ~~الناس من أجل تحقيقها في بحار من الدماء؟ وهل كانت جهودهم حسنة أدت إلى خدمة ~~البشر؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل هي تستحق العناية من المستمتعين بها والجهد ~~لصيانتها، أم تترك للمستبدين والجامدين والرجعيين كي يمحوها من لوح التاريخ ~~البشري. # وهذه الأفكار أو الآراء التي تسود الحضارة الراهنة لا تكاد تحصى؛ فإننا نؤمن ~~مثلا بفكرة الجامعة للتعلم، وفكرة التعاون للعمال، وكذلك بفكرة النقابة، كما ~~نؤمن بحرية المرأة. وفكرة «تقرير المصير» هي إحدى هذه الفكرات الخصبة ~~المثمرة. # والشرط الثالث: # للرجل المهذب أن يعرف علما من العلوم الحديثة؛ وذلك لأن الحضارة الصناعية ~~القائمة في العالم الآن تستند إلى أساس قوي من الثقافة التي أثمرت الغازات ~~الفاتكة من ناحية كما أثمرت الأقمشة والأسمدة الصناعية لتوفير الغذاء والكساء، ~~هي شر وخير، ولا يمكننا أن نفهم دلالتها إلا إذا فهمنا علما من العلوم، وميزة ~~العلم أو صفته أنه يمكن أن يقاس، سواء أكان القياس بالمتر أم بالجرام أم ~~باللتر، وما لا يمكن قياسه، أو حمله عقليا على ما يشبه القياس ماديا، ليس ~~علما. # وليس شيء من الصناعات الحاضرة إلا وقد أغار عليها العلم ووسع نطاق الانتفاع ~~بها. # فنحن نجده على السواء في إناء الطبخ للطعام كما نجده في جهاز الميكروفون، ~~ونجده في زراعة البرسيم كما نجده في تحليل الضوء المنبعث إلينا من المجرة، ~~ونجده في صحة الأطفال كما نجده في صنع الطائرات. # والرجل الذي يعنى بالثقافة العلمية ينطبع في نفسه المزاج العلمي، فهو ~~يعتمد على القياس والتجربة، وهو لا يستسلم حتى لمنطق الذهن المجرد؛ لأنه لا ~~يقنع بالتفكير فقط، بل يزيد عليه التجربة باليد، فهو يفكر بذهنه ويده، وهو لهذا ~~السبب لا يرفض تصديق القصص عن العفاريت ومناجاة الأرواح وقراءة الكف وفراسة ~~الوجه وطالع الحظ وما إلى ذلك فقط، بل هو لا يعرف كيف ينصت مستمعا إلى هذه ~~القصص والأساطير؛ لأن مزاجه العلمي قد بعث فيه اشمئزازا ذهنيا ms037 من هذا السخف، ~~والرجل الذي يجهل أحد العلوم لا يصح أن يعالج دراسة ما؛ لأنه يعالجها عندئذ ~~بروح الجهل الذي يخشى خطره لأنه يعتمد على استنتاجات لا تؤيدها التجربة. # أما الشرط الرابع: # للرجل المهذب فهو أن يعرف لغة ما معرفة مثقفة، وتفضل لغته الأصلية التي نشأ ~~عليها، وهذا شرط لا غنى عنه؛ لأن التفكير الحسن لا يستطاع بلا مدخر ~~كبير من الألفاظ، بل نحن لا يمكننا أن نفكر بدون الألفاظ، حتى إن أحد ~~السيكلوجيين - وهو الدكتور واطسون - يقول إن التفكير هو كلام صامت كما أن ~~الكلام هو تفكير صائت، وهناك ما يرجح صحة هذا القول، والذي يلاحظ أن لكل ~~شخص ألفاظه التي تكثر في حديثه أو في كتابته، وهي بالطبع تدل على اتجاه تفكيره ~~ولونه؛ إذ هو يختار الألفاظ التي تعبر عما يشتغل به ذهنه، فإذا كان تافه ~~التفكير كانت الألفاظ كذلك، وقد كان هربرت سبنسر يقول إنه يمكنه أن يعرف وزن ~~الرجل الذهني عقب حديثه؛ لأنه يعرف من الألفاظ التي يستعملها أي الموضوعات ~~تشغله وكيف تشغله. # وأحسن اللغات التي يجب أن نتعلمها ونتقنها هي اللغة التي رضعناها من أمهاتنا، ~~وهي اللغة التي نستطيع أن نتقنها، ومن السخف أن نتعلم لغة أجنبية نصف تعلم أو ~~ربع تعلم؛ لأن اللغة وسيلة، غايتها القراءة والاستنارة المتوالية، فإذا لم ~~نعرفها حق المعرفة لم ننتفع بها، ومن هنا الخطأ الفادح في تعليم أولادنا لغتين ~~أجنبيتين حين كان يمكن الاقتصار على واحدة ربما يستطاع إتقانها فنعتمد عليها ~~للتثقيف العصري. ~~••• # هذه هي الشروط الأربعة للرجل المثقف كما رآها الرئيس ولسون، وهي جديرة بأن تثمر في صاحبها ~~أحسن الثمرات، فتحركه إلى العمل وتجعله داعية للحق والإصلاح والرقي؛ فإن الرجل المثقف لا ~~يطيق الظلم، ولا يرضى بالجمود؛ لأن ثقافته قد امتزجت بدمه وأصبحت جزءا من روحه وإرادته، ~~وهو لا يمكنه أن يحبس في نفسه أفكارا عن الرقي والإصلاح قد اختزنها ذهنه بالقراءة أو ~~التفكير في حين يرى الوسط حوله وهو ينادي بل يصرخ بالحاجة إليها، فهو لا بد ms038 مناد أيضا ~~بها، ولو اصطدم في ذلك بالعقبات التي تؤذيه في عيشه، وهذا الروح الشريف هو روح الاستشهاد في ~~سبيل الحق والشرف والرقي الإنساني. # ومثل هذا الرجل المهذب لا يمكنه أن يمالئ الاستبداد؛ لأن ذهنه حافل بالجهود التي بذلت ~~في سبيل الحرية، ولا يمكنه أن يتعصب لفكرة ما أو مذهب ما تعصب الاضطهاد والكراهة؛ لأنه ~~يعرف قيمة التسامح في تاريخ البشر، ثم يكره الحرب؛ لأن تاريخ العالم قد أشعره بالأخوة ~~البشرية، ثم هو إذا كان علميا في مزاجه التفكيري، متدينا في مزاجه العاطفي؛ فإنه يحب ~~الرفاهية ويرجو الخير لمستقبل الإنسانية. # فما عندك من هذه الشروط الأربعة، وماذا أثمر فيك ما عندك منها؟ ~~••• # ولكن يجب أن نلاحظ أن ولسون قد أهمل الفنون الجميلة، حتى لكأنه لا يبالي الأدب والموسيقا ~~والشعر والرسم والنحت، وظننا أنه - حين عين الشروط الأربعة - إنما قصد إلى موقف الرجل ~~المثقف من حيث فائدته للمجتمع، فهو يريد أن يربي ذهنه، ويصحح منطقه الاجتماعي، حتى يخدم ~~المجتمع، أما الرقي النفسي والاستمتاع العاطفي فلم يبالهما، وهذا إهمال. # | ثقافة بشرية # يعيش البشر في القرن العشرين وهم مرتبطون بروابط اقتصادية كثيرة الاشتباك؛ فالبيت العادي ~~في القاهرة أو باريس أو نيويورك ونعني البيت المتمدن، يحوي من المحصولات والمصنوعات ما لا ~~يمكن جمعه إلا من خمسين قطرا أو أكثر، وهذا الارتباط الاقتصادي قد جعل المواصلات تزداد في ~~الوسائل، كما جعل هذه الموصلات تزداد في السرعة، والرجل المتمدن يحس لهذا السبب أن وطنيته ~~كوكبية وليست قطرية، وهذا الإحساس يزداد حدة وقوة بتطور الثقافة الذي غرس في قلوبنا روحا ~~بشريا جديدا يشعرنا بأننا أسرة واحدة، نملك هذا العالم نعيش عليه وليس لنا غيره، ولو أن ~~هذا اليقين الجديد لا يمنعنا من أن نقرع جدران هذا الكون لعلنا نجد خلفه من الحقائق ما يزيد ~~عقولنا فهما وحياتنا سعادة. # والجريدة اليومية، والمجلة الأسبوعية، والكتاب، بل كذلك السينماتوغراف والرديوفون، كل هذه ~~تذكرنا بأننا مرتبطون بجميع البشر في أنحاء العالم، ونحن نقرأ الحوادث في بكين أو توكيو أو ~~ريو دو ms039 جانيرو بنفس الاهتمام الذي نقرأ به الحوادث في الإسكندرية أو أسيوط، لا لأننا نحس ~~فقط أن لهذه الحوادث «الأجنبية» صدى في وطننا، بل لأننا تعودنا النظرة العالمية، وربما كان ~~للحرب الكبرى الماضية ولهذه الحرب القائمة أثر عظيم في إيجاد هذا المزاج العالمي في كل ~~منا؛ فإن التطور الصناعي، ثم الحربي، قد جعل كل حرب أجنبية حربا أهلية عند جميع الأمم في ~~هذا العالم، والمصري المثقف في عصرنا يناقش الديمقراطية والفاشية الاشتراكية والحرب والسلم ~~والدين باهتمام كبير، حتى ولو لم يجد لهذه المبادئ أثرا عمليا في وطنه في الوقت الحاضر، ~~فنحن نتطور في السياسة والاجتماع من النظرة القطرية إلى النظرة العالمية، وهذا التطور يجري ~~على الرغم منا، وقد كان كارل ماركس يقول: «إن الحرب هي قاطرة التاريخ»؛ أي إن التاريخ ~~يسرع خطواته فيها، وهاتان الحربان قد عملتا على نقلنا، أو على الأصح، نقل المثقفين ~~والأذكياء منا، إلى الآفاق الرحبة في اهتمامنا، حتى صارت مشكلات القارات الخمس مشكلاتنا ~~الوطنية. # وبكلمة أخرى نقول: إن ظروف العالم الاقتصادية والاجتماعية والحربية، وما اتفق لنا من ~~وسائل سريعة للمواصلات، ثم هاتان الحربان وامتدادهما السرطاني إلى كل قطر تقريبا، كل هذا ~~قد حملنا على أن نعتنق ثقافة عالمية، كما كان أسلافنا يعتنقون الأديان الجديدة، فنحن بقوة ~~هذه الظروف وضغطها في «بشرية» جديدة، تحملنا على الإحساس بالإخاء والتضامن والرغبة في الخير ~~والرقي. # والرجل المثقف في عصرنا ليس هو ذلك الذي يدعو إلى ثقافة عربية أو إنجليزية أو ألمانية، ~~وإنما هو الذي يعتنق ثقافية عالمية، لا هي شرقية ولا غربية، وإنما هي ثقافة هذا الكوكب، وهي ~~ثمرة المجهود البشري منذ ربع مليون سنة إلى الآن، يدرس تاريخ الصين ومصر وروسيا وغيرها لأنه ~~تاريخه هو، وهو يدرس الجغرافيا في آسيا وأمريكا وغيرهما؛ لأن هذه القارات هي ملكه، والعالم ~~هو قريته الكبرى التي يحق له ويجب عليه أن يعرفها ويطلب إصلاح دروبها وخططها، وهو يتحمس ~~لحرية الهند والصين كما يتحمس لحرية وطنه، وهو يشتغل بالعلوم ويرقيها لأنها تحقق لنا ~~الفتوحات الرائعة ms040 التي لم يفتح مثلها الإسكندر أو جنكيز خان؛ لأننا نطرق بها أبواب المستقبل ~~ونتسلط بها على ما كان يسميه أسلافنا القدر. # والغاية من الثقافة البشرية هي الفهم أولا؛ وذلك بأن نتصل بالعقل العام ذلك العقل ~~العالمي المتطور الذي يرود المجاهل ويخترع تلك المخترعات الاجتماعية والآلية التي تغير ~~الدنيا، ثم بعد ذلك نسلك السلوك البشري الذي لا يرتبط نفسيا بوطن أو مذهب سوى وطن العالم ~~ومذهب البشرية، أو بكلمة أخرى نقول: إن غاية الثقافة أن نجعل الإنسان إنسانيا، والآن قد ~~يسأل القارئ: على الرغم من الظروف العالمية العصرية التي تجعل ثقافتنا بشرية كوكبية، ما هي ~~الدراسة التي يجب أن تتبع كي نبلغ أحسن النتائج؟ # وسيرى القارئ الإجابة على هذا السؤال مبسوطة في الفصول التالية، ولكن نقول هنا إن الشاب ~~المصري يحتاج إلى أن يدرس: ~~(1) # مشكلات العصر الحديث، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؛ لأنها خير الأبواب ~~التي نفتحها لدراسات أخرى، والسبيل الأول لهذه الدراسات هو الجريدة. ~~(2) # يجب أن يدرس علما معينا من العلوم العصرية كي يقف على كنه العوامل التي ~~تغير الدنيا. ~~(3) # وبعد ذلك عليه أن يدرس تاريخ هذا الكوكب بجميع أممه وأقطاره، منذ انفصلت ~~الأرض عن الشمس إلى أن وقف هتلر يخطب ويحارب للدعوة النازية. # وهذا المجهود يبدو عظيما مرهقا، وهو كذلك في الوقت الحاضر، للروح الانفصالي ~~العام بين المثقفين في التاريخ حين يكتبون تاريخ كل أمة على حدة، ولكن كتابا ~~مثل كتاب ه. ج. ولز في التاريخ العام يدلنا على أنه من الممكن أن ندرس تاريخ ~~كوكبنا بسهولة. ~~(4) # ثم يجب أن يدرس الأديان، جميع الأديان التي تغيرت بها النفس البشرية منذ ~~الأساطير الأولى، حين آمن بها الإنسان البدائي إلى المذاهب الفلسفية الجديدة ~~التي تحاول أن تجعل المعرفة العلمية أساسا للإيمان بدلا من العقيدة الموروثة، ~~والآداب والفلسفات القديمة تجري مجرى الأديان من حيث إنها تحاول الاهتداء إلى ~~العيش الأمثل عن طريق التصور لا التجربة. ~~(5) # وعلى الشاب المصري أن يدرس لغة أجنبية متمدنة كي يستعين بها على الاتصال ~~العالمي؛ لأن لغتنا مع الأسف ناقصة، ms041 فالعلوم مثلا لا تزال خرساء في اللغة ~~العربية، أو أكثرها كذلك، ولا يمكن شابا أن يحيط بعلم من العلوم العصرية إذا ~~اقتصر على اللغة العربية، وخير اللغات الأجنبية هو الإنجليزية والفرنسية ~~والألمانية والروسية، ولكن هاتين الأخيرتين شاقتان، تحتاجان إلى مجهود كبير ~~لدراستهما؛ وعلى ذلك فإن إحدى اللغتين الإنجليزية والفرنسية، تكفي للاتصال ~~بشئون العالم والاتجاه البشري الذي يوسع آفاقنا ويكبر شخصياتنا ويكسبنا ~~السلوك البشري. # | لا نقرأ بل ندرس # لما كنت في المغرب الأقصى وجدت هناك كلمة «طالب» يستعملها الجمهور لمن نسميه في مصر ~~«عالم»، وعندي أن هذه الكلمة أصح في المعنى والدلالة من كلمتنا؛ لأنها تحمل معنى الدرس ~~والتطور والرقي، وإن أحدنا مهما بلغ من الثقافة لا يزال طالبا يدرس ويتعلم ولا يعتقد في ~~نفسه الكمال أو التمام، والإنجليز يؤثرون هذا المعنى حين يصفون الرجل المثقف بكلمة «سكولار» ~~التي تعني الطلب والجهد. # وما أحرانا بأن نستعمل هذه الكلمة؛ فإن كل إنسان يجب أن يكون طالبا طول حياته، وأن يموت ~~كما مات الجاحظ «وعلى صدره كتاب». # والطالب لا يستهتر، ولا يقرأ جزافا، وكما أننا نحتقر الاستهتار في السلوك، ونطالب كل رجل ~~بأن يلتزم الجد ويقصد إلى غايات شريفة في معيشته، كذلك يجب أن نطالب القارئ بأن يقرأ جادا ~~وأن يعين لدراسته قصدا، وهو حين يتجه هذا الاتجاه يجد أنه في غنى عن قراءة القصص السخيفة، ~~وعن قراءة هذه الغوغاء من مجلات القيل والقال التي تستهلك الوقت والمال، وتحارب الذكاء، ~~وتحرض على البلادة. # والفرق بين القراءة والدراسة هو أن الأولى يقصد منها عند جمهور القارئين اللهو وقضاء ~~الوقت أو قتله، أما الدراسة فتحتاج إلى مجهود بغية الانتفاع، ولكن الحقيقة أن الدراسة عادة ~~واتجاه، إذا نحن تدربنا عليها وتعبنا في البداية لا تلبث أن تثبت؛ وعندئذ تصير أيضا ~~استمتاعا عاليا يعوق ما نسميه اللهو بالقراءة الجزافية، وأنواع الاستمتاع في مجتمعنا ~~كثيرة، منها ما ينحط إلى الترهل وأكل اللب والقعود على القهوة لتأمل العابرين، ومنها ما ~~يرتفع إلى الألعاب الرياضية أو رؤية الدراما أو التنزه ms042 في الريف؛ فالنوع الأول من ~~الاستمتاع لهو سخيف، يشبه القراءة الجزافية، ليس له غاية، والمستمتع لا يحس أنه يرقى ~~بلهوه، أما النوع الثاني فيشعر بالغاية والانتفاع بالصحة أو الرفاهية الذهنية. # وكذلك الحال في القراءة والدراسة؛ فالأولى لهو بلا غرض ، والثانية استمتاع له هدف الرقي، ~~والانتقال سهل بالتدريب؛ لأن الدراسة تعود بعد ذلك مزاجا لا يحتاج إلى جهد، فالجريدة التي ~~نفطر بها في الصباح تقرأ عندئذ مع القلم الأحمر والمقص، إلى جنب الخريطة أو المعجم ~~السياسي، والكتاب تعلق عليه الانتقادات والشروح، بل تؤخذ منه التلخيصات. # ونحن حين نقرأ بالقلم نشارك المؤلف في كتابه؛ لأننا نناقشه في غضون القراءة، وربما نصل ~~إلى تفاريع ذهنية لم يصل هو نفسه إليها، وقراءتنا عندئذ إيجابية عاملة وليست سلبية عاطلة، ~~فنحن لا نلتقي ونتطبع بل نفكر ونطبع الكتاب، ويجب على القارئ ألا يستسلم للوهم بأن الشعر ~~والأدب لا يدرسان بل يقرآن فقط؛ فإن العكس هو الصحيح، ولسنا هنا ننكر أننا حين نقرأ قصة ~~عالمية لمثل تولستوي أو دستؤفسكي لا نستطيع أن نمسك بالقلم ونتابع المؤلف من صفحة إلى أخرى ~~بالتعليق، ولكن عجزنا هنا عن التعليق ليس برهانا على أن الأدب العالي ليس في حاجة إلى ~~التعليق، وأنه استمتاع مصفى كالإصغاء للموسيقا؛ لأن الواقع أن الموسيقي العبقري يستطيع أن ~~يعلق على أي لحن من الألحان الساحرة بما يملأ عشرات الصفحات، وكذلك الشأن في التعليق على ~~الأدب؛ فإننا يجب أن نقرأ قصة من تولستوي ونستسلم للسحر الفني كما لو كنا نصغي إلى لحن ~~مقدس في صمت وسكون، ولكن بعد قراءة الكتاب يجب أن نحلل ونؤلف في القصة، ونبحث كيف رفعنا ~~الكاتب إلى السماء في هذه الصفحات، وكيف جعلنا نحس دينا جديدا في هذه الصفحات الأخرى، ~~وبكلمة أخرى يجب أن ندرس القصص العالية كما ندرس أي كتاب ديني؛ لأنها هي أيضا من الدين، ~~وكل دين يحتاج إلى نقد وشرح، وإذا تعودنا الدرس وصار مزاجا عندنا فإننا نتوخى من الجريدة ~~والكتاب التنبيه بدلا من التخدير، بل عندئذ لا نطيق أن ms043 نقرأ صفحة من مجلات القيل والقال أو ~~القصص السخيفة؛ إذ ليس فيها ما يدرس، ثم تغدو دراستنا نظامية لها برنامج وفيها اتجاه أو ~~اتجاهات، لغاية نتدرج فيها ونرقى بها. # ويجب على من ينشد الثقافة ألا يترك كتابا قد قرأه إلا وله عليه حكم؛ وذلك بأن يقتني ~~كراسة لتلخيص كل ما يقرأ، حتى إذا انتهى من تلخيص كتاب حكم عليه وأثبت الوجوه التي انتفع ~~بها منه، وهل كان يساوي الوقت والمال اللذين أنفقهما فيه أم كانت قراءته ضررا أكيدا، وليس ~~في الدنيا كتاب يعلو على هذا الامتحان، فنحن نقرأ وندرس كي ننتفع ونرتفع، وكي تتسع آفاقنا ~~الذهنية، وتتربى نفوسنا وتستنير رؤيانا ونستمتع بالدنيا، فإذا لم يكن شيء من هذا، فإننا يجب ~~أن نأسف على قراءتنا، وأن ننصح لغيرنا بألا يقع في الخطأ الذي ارتكبناه بقراءة كتاب ~~سخيف. # ولو أن المؤلفين عرفوا أن القراء سوف يمتحنونهم بهذا الامتحان الدقيق، لما استهتروا في ~~التأليف، وكذلك لو عرف المحررون للجريدة والمجلة أن القراء يطلبون أن ينتفعوا أو يرتقوا ~~بقراءة ما يكتسبون لعمدوا هم أنفسهم إلى الدرس، وحاولوا ألا يكتبوا سوى ما ينفع ~~ويرفع. # فلتكن الدراسة - بدلا من القراءة - عادتنا ومزاجنا، إذا شئنا أن نثقف عقولنا ونربي ~~أنفسنا، ولتكن دراسة هادفة، نعين هدفها ونقيس المسافة التي بيننا وبينها ونرتب رحلتنا حتى ~~نصل إليها. # | تخريج الرجل العربي العصري # وجهت إلى مجلة الآداب البيروتية سؤالا عن الكتب التي تأثرت بها في حياتي، وكانت لها قوة ~~التوجيه، وماذا أختار منها كي يترجم إلى لغتنا العربية؟ # وهذا السؤال وأشباهه برهان على القلق الذي يكاد يبلغ السخط بشأن حالتنا الثقافية، ولكنهما ~~قلق وسخط يدلان على الصحة والرغبة والقوة. # وكما ترغب الأمة في القوة العسكرية، وفي الأخلاق الإيجابية، وفي صحة الأجسام، وفي زيادة ~~الإنتاج الزراعي والصناعي، كذلك هي ترغب في القوة الثقافية التي تدرب بها ذكاء أبنائها ~~وتوجههم بها نحو المستقبل. # وقد أرسلت إجابتي إلى مجلة الآداب، ولكني عدت بالتأمل، ثم التفكير، في الثقافة الشائعة في ~~مصر والأمم العربية من حيث ms044 قدرتها على تخريج الرجل العصري الذي يستطيع المواجهة للمشكلات ~~القائمة ويحيا الحياة السوية، بل الحياة العبقرية، إن استطاع. ~~••• # وكما يختلف الجندي العصري عن الجندي القديم، من حيث سلاحه وعتاده ومرانته، كذلك يختلف رجل ~~الثقافة العصرية عن رجل الثقافة القديمة من حيث دراستها ووجهته وهدفه، والجندي القديم، ~~والجندي العصري، سواء في الشجاعة، ولكن الفرق العظيم بينهما هو تغير الظروف في حوافز القتال ~~من ناحية وفي أدوات القتال من ناحية أخرى. # وكذلك الشأن بين رجل الثقافة العصرية ورجل الثقافة القديمة، فهما سوء في الذكاء والفهم، ~~ولكن حوافز الثقافة في عصرنا تختلف أكبر الاختلاف من حوافز الثقافة قبل ألف أو ألفي سنة، ~~فإن قدماءنا كانوا ينبعثون - في الأغلب - للدفاع عن العقائد والنظم الإقطاعية، وكان إحساسهم ~~طبقيا؛ إذ كانوا يعيشون لخدمة الأمراء والملوك والزعماء، فكان أدبهم لا يخرج عن المعاني ~~التي تلابس هؤلاء الحاكمين أو تخدمهم أما الشعب فلم يكن مذكورا. # وأكثر من هذا خطرا أن مجتمعهم، أي مجتمع هذه الطبقة الحاكمة، كان مجتمع الرجال فقط، ثم ~~كان الرجل المثقف لا يكاد يحس أن هناك شعبا مؤلفا من الفلاحين والصناع، بل حتى التجار ~~لم يكونوا مذكورين إلا في الأقل النادر، أما المرأة فلا تكاد تذكر في الأدب العربي إلا ~~فلتة أو سهوا. # ومن هنا غرابة الأدب العربي القديم، بل الثقافة العربية القديمة جميعها للمثقف العصري؛ ~~فإنها غريبة عن أذواقنا، أجنبية الأسلوب والهدف أمام أرواحنا. # وقبل أكثر من عشرة سنوات احتفل بعض أدبائنا من غير المفكرين بمرور ألف سنة على المتنبي، ~~ولم أشترك في هذا الاحتفال لأني أحسست أن المتنبي لا يختلف عن شوقي، من حيث أن كليهما قد ~~أرصد حياته لإطراء أميره، بل لعله أفسده بذلك، فكان المتنبي يكذب على سيف الدولة ويرفعه إلى ~~السماء. أما الشعب، الناس، العامة، الكادحون، الذين كانوا يستحمون في عرقهم، فهؤلاء كانوا ~~مجهولين لديهما. # واعتقادي أن الذين احتفلوا بالمتبني إنما انبعثوا إلى هذا الاحتفال بالإحساسات السقيمة ~~التي أحسوها وهم يعيشون في ظل فؤاد وفاروق، ولو أن ميعاد هذا الاحتفال ms045 كان قد وقع بعد ~~الثورة، بعد 23 يولية من 1952، لما أحس أحد أية كرامة أو شهامة في مدح المتنبي أو الاحتفال ~~بذكره. ~~••• # من هو الرجل العصري؟ # هو رجل جديد، لا يرجع تاريخه إلى أكثر من خمس مئة سنة حين شرع الأوروبيون يعتمدون على ~~المعارف العلمية بدلا من العقائد الموروثة. # أما كيف تسللت المعرفة والتجربة، فأخذتا مكان العقيدة والتسليم، فموضوع كثير التفاصيل، ~~وسوف يعرفه القراء العرب حين تشرع الشعوب العربية في الأخذ بأسباب القوة العلمية. # وحسبي أن أذكر أن أمامي الآن، وأنا أكتب هذه الكلمات، صورة عجيبة رسمها رجل فرنسي يدعي ~~«بيلون» في كتابه الذي ألفه في 1555، أي قبل 400 سنة، بعنوان «التاريخ الطبيعي ~~للطيور». # والصورة هي رسمان متقابلان لكل من الهيكل العظمي للإنسان وللطائر، وهو يشير إلى العظام ~~المتقابلة عظمة فعظمة. # لقد عرف الأوروبيون هذا الرسم منذ 400 سنة، ولم نعرفه نحن إلى الآن، وهو محاولة واحدة من ~~آلاف المحاولات لوضع المعرفة مكان العقيدة، ولتخريج الرجل العصري العلمي. # وإذن الرجل العصري - كما أفهمه - هو الذي يعرف ويجرب ولا يعتقد ويسلم، هو الرجل الناضج ~~الذي يزن نفسه، والدنيا، والكون، بالأوزان والقيم التي تمليها عليه العلوم. # هذه هي السمة الأولى للرجل العصري؛ إذ هو العارف المجرب، الذي يدأب في زيادة معارفه ~~وتجاربه. # والحضارة العصرية هي حضارة الصناعة، أي حضارة العلم الذي يعتمد على المعارف المحققة ~~المجربة. # أما السمة الثانية للرجل العصري فهي أنه ليس قرويا؛ لأنه قد تعود قراءة الصحف كما ~~تعود غسل وجهه في الصباح، وقد غيرته هذه الصحف؛ لأنها جعلته عالمي النزعة ديمقراطي ~~التفكير، فهو لا يعيش بعقله أو نفسه في القرية؛ إذ هو يصطدم كل صباح بما يجعله يحس أنه مع ~~الهنود، يسمع كلمات الرجولة من نهرو، أو كلمات القداسة من غاندي، وهو يرتعش خوفا من ~~الممكنات التدميرية في القنبلة الذرية ويتلهف لذلك على وسائل السلم، وهو يحس أنه يدين بدين ~~الحب مثل ابن عربي، حين يقرأ عن أولئك الذين يبصقون على وجوه الزنوج في أفريقيا الجنوبية، ~~ولكنه أيضا ms046 متقائل بالمستقبل لأنه إنساني، ولا يطيق أن يسلم بأن الشر سيتغلب على الخير، ~~وهو لذلك أيضا اشتراكي النزعة في السياسة. # والسمة الثالثة في الرجل العصري أنه متطور، وهو يكاد يعتقد - ضد مزاجه العلمي - أن التطور ~~ارتقاء. # وهذا شيء جديد في العالم نختلف فيه عن القدماء؛ إذ إننا نسأل في عصرنا عن أحد الناس: هل ~~هو متطور؟ هل هو ارتقائي الذهن، يوقن بأنه ليس على الأرض، بل ليس في هذا الكون مادة أو نبات ~~أو حيوان إلا وهي تتطور كل يوم بل كل لحظة؟ # هذا الإيمان بالتطور هو الإيمان بالارتقاء وبالتفاؤل، وبأن الدنيا سوف تكون بعد عشر ~~سنوات، أو مئة سنة، قريتنا الكبرى، حين نؤمن بأننا جميعا إخوة متضامنون، ليس فينا من يسأل ~~قابيل: هل أنا حارس لأخي؟ # والسمة الرابعة للرجل العصري أنه على الرغم من حبسه للطبيعة وإحساسه بأن كنوزها من نبات ~~وحيوان يجب أن تصان، هذا الرجل العصري يعيش في وسط صناعي يستخدم فيه الحديد والنار وسائر ~~القوة المادية للإنتاج الوفير الذي يلغي الفقير ويعمم الرفاهية. # هذه هي السمات الأربع للرجل العصري، وهي تميزه من غيره كما يتميز أي إنسان من غيره بأنف ~~كبير أو عينين سوداوين أو قامة عالية أو ذكاء أو شجاعة. ~~••• # فهل المكتبة العربية - بما أصدرت من مؤلفات في النصف الأول من هذا القرن - قد استطاعت ~~تخريج الرجل العصري؟ # الجواب هو قطعا «لا». # والتبعة تقع على أولئك الغافلين الذين يذكرون المتنبي ولا يذكرون داروين، ويؤلفون عن ~~معاوية أو الرشيد وينسون العبرة في حياة بيكون الأول أو بيكون الثاني. # ويجهلون أن الأدب حياة وكفاح، وأسلوب للعيش، وتطور وثورة، ويجهلون إلى جانب هذا طبيعة ~~الحضارة العصرية، حضارة العلم والصناعة؛ ولذلك لا يكادون يلتفتون إلى المشكلات البشرية ~~والاجتماعية، وكثيرا ما أقع مع هؤلاء في نقاش فيفحمني جهلهم؛ لأني أجد أنهم يتحدثون عن ~~المرأة مثلا كما يتحدث طفل عن حصانه الخشبي، كأنها لعبته الخاصة التي يعين لها الأكل ~~والشرب والنوم والحياة والسلوك، وليست إنسانا لها حق تقرير المصير لنفسها. # ولكن ms047 التبعة تقع أكثر على الاستعمار والاستبداد اللذين تحالفا على أن يمنعا نهوض ~~الصناعة، ولو أن المصانع كانت قد تفشت في بلادنا لتغيرت جميع مشكلاتنا، وكان يكون ~~تغيرها إلى أعلى، فكان الأدب ينحاز إلى الشعب، وينطق بلهجته في بلاغة شعبية، وكانت المرأة ~~تجد الكرامة الاقتصادية التي تلقي الرعب في قلوب أولئك الذين يريدونها أنثى فقط، وكان ~~الزعماء يحسون الديمقراطية ولا يتصنعونها، وكان العامل يحس كرامة الإنتاج، فلا يجرؤ سياسي ~~على أن يشتري صوته أو يضربه للحصول عليه. # لا، لسنا نحن العرب شعوبا عصرية. لا، إن المستعمرين والمستبدين منعونا من حضارة الصناعة، ~~ومنعونا بالتالي من ثقافة العلم التي تعتمد على المعارف والتجارب، ثم انساق مع المستعمرين ~~والمستبدين «أدباء» قرويون في مزاجهم، فلاحون في عقائدهم، يؤلفون القصائد في مدح الملك ~~فؤاد أو فاروق، أو يكتبون لنا عن الرشيد أو المأمون، بل إن واحدا من هؤلاء المؤلفين ارتضى ~~لقلمه الدفاع عن تعطيل الدستور ثلاث سنوات تقبل التجديد إلى مئة سنة، ثم بعد ذلك صار يخرج ~~لنا الكتاب تلو الآخر عن رجال الحق والعدل الذين عاشوا قبل 1300 سنة مثل معاوية وعثمان وأبي ~~بكر، وكأنه نفى عن نفسه وجدان عصره، وفصل بينه وبينه بأكثر من ألف سنة. # إن هؤلاء الجهلة يفحمونني بجهلهم لأنهم يعيشون قابعين من حيث الحياة الفكرية في زقاق بال ~~مظلم رطب، وهم لم يجرءوا قط على أن يرافقوا كولمبوس إلى مجاهل الموت والحياة، ولم ~~يتذوقوا تلك المعارف الخطرة التي تجعل الفكر يتقزز ويتأمل ويقتحم، ولم يحسوا طربا عندما ~~سمعوا عن سمكة السيلا كانت أو إنسان النيندرتال، ولم يأرقوا ليلة لعجزهم عن التوفيق بين ~~تنازع البقاء وبين ما يستلهمون من الرحمة والشرف في الطبيعة. # وأنا ذاكر لك أيها القارئ هنا مشكلة قد شغلت رأسي منذ عشرات السنين، ثم زاد اشتغالي بها ~~في السنوات الثلاث الأخيرة، وأنا واثق أنك لم تسمع بها إلا مني، إذا كنت قد تعودت قراءة ~~مؤلفاتي أو لم تسمع بها بتاتا، وهذه المشكلة هي: # هل النبات والحيوان والإنسان مقيدون بالوراثة ms048 لا يخرجون عن الممكنات التي تولد معهم في ~~جهازهم التناسلي، أم هم أحرار يتميزون بقوة ما يتعلمون، ويتأثرون بالوسط الطبيعي والاجتماعي ~~واللغوي والحرفي؟ # هو خلاف فلسفي لم تسمع عنه؛ لأن الثقافة العامة في مصر قروية قد حبست نفسها في سياج من ~~التقاليد؛ ولذلك لا تنفسح إلى الآفاق العصرية ولا تشتبك في المشكلات الإنسانية. # فهناك رأي يقول: الحي لا يتغير بالوسط إذ هو مقيد بالوراثة. # وأذكر عندما تتأمل هذه المشكلة أو تقرأ تفاصيلها أثر كل منها في معاملة البيض للسود، وفي ~~معاني الارتقاء البشري، وفي معاني التربية وأساليبها، وفي مستقبل الإنسان، ومرامي كل ذلك في ~~السياسة والاجتماع واختراع السلالات الجديدة من الحيوان والنبات. # مشكلة عصرية للرجل العصري، لم نسمع بها لأننا غير عصريين، ولأن المكتبة العربية لم ~~تهيئنا لدرسها وفهمها. ~~••• # نحن في قروية أدبية وثقافية عجيبة حتى بتنا كأننا منفصلون عن العالم. # وجائزة نوبل تهدى إلى العشرات من أبناء الأمم في آسيا وأوروبا ولكنها لا تهدى إلى ~~مصري أو عربي واحد. # إنها تهدى عن الأدب والكيمياء والطبيعيات والميكانيكات والجغرافيا والتاريخ وحركة ~~السلم، ولكنها لم تصب عربيا في هذه السبعين أو الثمانين من ملايين البشر الذين يعيشون ~~في مصر وغير مصر؛ لأن الثقافة العامة والأدب السائد فيها، كلاهما يعيش صغيرا، كأنه حديث ~~القرية في غير هدف بشري أو نزعة عالمية، كما أنه يستلهم الأدب الشرقي القديم كي يعالج به ~~الوسط العصري الجديد؛ وهو لذلك متناقض لا يستطيع التفوق، وهنا بالطبع لا أنسى الاستعمار ~~والاستبداد وإصرارهما على منعنا من الصناعة. # وأقول - مرورا - إن المصانع هي التي أوجدت العلوم، وهي التي تحفز على الاختراع ~~والاكتشاف، وليس العكس. # وكذلك أقول إن الحرية والديمقراطية والشخصية واستقلال المرأة هي جميعها نتيجة المصانع، ~~ولا يمكن وسطا زراعيا أن ينتج هذه النتائج. # ولكن استيعاب هذا البحث يخرج عن موضوعي هنا. ~~••• # والآن، وبعد أن انتهينا من أن المكتبة المصرية أو العربية لا يمكنها أن تخرج الرجل ~~العصري، علينا أن نتقدم بالمقترحات. # وأول ذلك أن تتغير - أو بالأحرى تتطور - حياتنا من ms049 الإنتاج الزراعي إلى الإنتاج ~~الصناعي. # إن مصر تحتاج إلى ألف مصنع كل منها يحوي الآلاف من العمال. # ولكن إلى أن نصل إلى هذه الحال، وإلى أن نتغلب على الاستعمار وعلى التاريخ وعلى التقاليد ~~وعلى العادات، نحتاج إلى الاعتماد على الوسائل الثقافية التي تحرك الأذهان إلى الأخذ بالروح ~~المصري. # وعندي أن أسرع الوسائل إلى ذلك أن نترجم الموسوعة البريطانية (وهي 29 أو 30 مجلدا). ~~واعتقادي أن نقلها إلى اللغة العربية جدير بأن يحدث نهضة تشبه الثورة، وتزودنا بهموم ~~واهتمامات جديدة ترفع بلادنا، وتملأ قلوب شبابنا بالطموح والشهامة، كما تذكي عقولنا في ~~معاني الحضارة والقوة، وتحرك عواطفنا نحو الرقي. # وترجمة هذه الموسوعة هي خير ألف مرة من إنشاء هذه المجاميع التي يقال إنها لغوية أو ~~علمية، والتي تنفق عليها الدول العربية مئات الألوف من الجنيهات. # ترجموا لنا هذه الموسوعة، فهي السلاح والعتاد للثقافة العصرية، وهي التي يمكن أن تخرج ~~الرجل العصري؛ لأن المعارف الجديدة التي تحويها عن تسلط الإنسان على المادة، وشروحها ~~المسهبة لوسائل الإنتاج، وفكرة التطور التي تلهم صفحاتها، وآماد التاريخ البشري التي تبسطها ~~قبل أن يكون الإنسان إنسانا إلى أن عرف كيف يخلق المادة، وحلقات الاكتشاف والاختراع التي ~~تتبعها، من الفأس إلى الطائرة فالذرة، كل هذا جدير بأن يحفز القارئ العربي إلى الاجتراء على ~~المستقبل والدخول فيه، وهو ما لم يفعله إلى الآن؛ إذ هو لا يزال قابعا في الماضي، لا يأكل ~~الجديد ويمثله، ولكنه يجتر القديم ويقيئه. # | الكتب التي غيرت الأفكار والمجتمعات # الكتب العصرية العظيمة هي الكتب التي تغير الناس لأنهم تكسبهم قيما جديدة في الأخلاق أو ~~الاجتماع أو العلم أو الأدب أو الثقافة عامة. # والكتاب الذي لا يغيرنا لا يربينا؛ لأننا ننتهي من قراءته ونحن على حالنا التي بدأناها ~~به. # وإنما نتغير بالكتاب لأنه جاء لنا بجديد، فأقنعنا بصلاح المذهب أو المبدأ الذي يدعونا ~~إليه، وأوضح لنا السيئ في عادتنا ووجهات نظرنا؛ ولذلك نحن نجد في الكتاب الذي يغيرنا ~~اتجاها جديدا في نفوسنا وبرنامجا جديدا لحياتنا. # لقد قيل ms050 عن داروين إنه غير وجه الثقافة البشرية حين وضع الحقائق مكان العقائد، وبسط ~~للإنسان آفاقا للتفكير لم تكن معروفة من قبل، وكتابه «أصل الأنواع» الذي نشره في 1856 يعد ~~من أعظم الكتب التي غيرت التفكير، وسوف يحتفل العالم بعد أقل من ثلاث سنوات (في 1959) بمرور ~~مئة سنة على هذا الكتاب الذي عين لنا منهجا جديدا في البحث العلمي عن أصل الإنسان، ~~وعمم فكرة التطور التي تسللت إلى عقول المفكرين، حتى من المحافظين، وأحدث في نفوسنا ~~إنسانية وإحساسا جديدين نحو وحدة الأحياء. # ولا أكاد أعرف كتابا آخر في العالم غير الدنيا، وأعني دنيا المثقفين مثل هذا الكتاب ~~الذي لا تزال حقائقه تجري في أوساطنا وتغيرنا وتوجهنا، وقد أصبح «التطور» بفضل هذا الكتاب ~~مزاجا ذهنيا عاما بين المثقفين، يفكرون على منهجه ويهتمون بأهدافه في الارتقاء البشري ~~وتغيير النباتات والحيوانات، بل تغيير الطبيعة نفسها. # الشعب الذي لا يتطور، أي الشعب الذي يجهل داروين، يمكن أن نسلكه في عداد الألوف من ~~الأحياء المنقرضة التي لا نعرف عنها سوى نقوشها على الأحجار في الطبقات الجيولوجية، فإنه ~~سائر إلى غايتها وعلى طريقها؛ إذ هي انقرضت لأنها جمدت ولم تتطور. # كتاب «أصل الأنواع» يجب أن تعد ترجمته واجبا مقدسا على كل دولة تحترم عقول أبنائها وتحب ~~أن تحيطهم بسياج من التعقل في سلوكهم وأهدافهم، هو كتاب الكتب وأصل الأصول في التفكير ~~العصري، وأيما شعب يجهله هو شعب غير عصري، هو شعب جامد قديم. # وهناك كتاب آخر غير الدنيا في النظام الاجتماعي للإنسان أكثر مما غيرها في نظام ~~التفكير، هذا الكتاب هو «كوخ العم توم» الذي ألفته امرأة عظيمة هي السيدة الأمريكية هارييت ~~ستو، ولم يكن كتابها هذا ممتازا من الناحية الفنية؛ إذ كان ساذجا، يكاد يكون مبتذل اللغة ~~والتعبير، ولكن هذه الصفات أشاعته بين الجماهير التي تشربته كما لو كان رحيقا، بل كما لو ~~كان سما هاجها، وحملها على العزم الصادق في إلغاء الرق، وألغته. # كان الإنسان - قبل أن يؤلف هذا الكتاب في 1852 - يباع بالقرش والمليم، ms051 كما ~~تباع الخراف والكلاب والطماطم والذرة والقمح، وكانت له أسعار، وتجار يعرفون الميزات التي ~~تختص بها العبيد وترفع أثمانهم، كما يعرفون نقائصهم التي تبخس أثمانهم، وكان العبيد ~~يغتصبون، ويخطفون وهو أطفال من آبائهم في أفريقيا ويرحلون إلى أمريكا حيث يباعون للعمل في ~~الحقول والمنازل والمصانع بلا أجر . # ووصفت هارييت ستو أسرة من العبيد في أمريكا، مزقت فيها ستائر النفاق، وفضحت فيها ألوان ~~العذاب التي يعانيها الزنوج العبيد، واستيقظ ضمير الشعب الأمريكي، وهاجت النفوس، وغضبت ~~القلوب، فكانت الحرب الأهلية التي قادها إبراهام لنكولن العظيم إلى الانتصار في 1860، والتي ~~قررت إلغاء الرق ليس في الولايات المتحدة وحدها بل في العالم كله، وذهبت عن الإنسان وصمة، ~~بل لطخة، بل عار، لزمه آلاف السنين الماضية. # وتغير المجتمع البشري بتأليف هذا الكتاب العظيم. # وكتاب ثالث قد غير كثيرا من المجتمعات هو كتاب كارل ماركس «رأس المال»؛ فإنه علمنا كيف ~~ندرس التاريخ الماضي والحاضر، وكيف نفهم التطور الاقتصادي للشعوب، وأصل الاستعمار، وما منشأ ~~الأحلاف، وما هي أسباب الثراء الفاحش والفقر الفاحش، في العالم الآن ألف مليون إنسان، قد ~~انتقل مجتمعهم من المباراة الاقتصادية بكل شرورها إلى التعاون الاقتصادي بكل ما فيه من خير ~~وإنسانية، ويرجع ذلك التغير لهذا الكتاب، أو لمجموعة مؤلفات ماركس. # ونستطيع أن نذكر عشرات الكتب التي غيرت المزاج الذهني للمفكرين، أو النظام الاجتماعي ~~للشعوب، وإن لم تبلغ في القوة والتأثير مستوى هذين الكتابين؛ فإن مؤلفات فولتير ألغت التعصب ~~الديني في أوروبا، ومؤلفات روسو جعلتنا نحس إحساسا دينيا نحو الطبيعة، ومؤلفات جوركي ~~علمتنا كيف نؤمن بعظمة الإنسان، ومؤلفات برنارد شو جعلتنا ننضج، ونعالج مشكلاتنا بروح ~~الرجولة والجد. # هؤلاء خمسة، وأستطيع أن أزيدهم إلى مئة. # فأين نصيب مصر من هؤلاء المؤلفين الذين غيروا وحركوا التطور والارتقاء في الناس ~~والمجتمعات؟ # أستطيع أن أذكر كتابا صغيرا غير المجتمع المصري، هو كتاب قاسم أمين «المرأة الجديدة»، ~~وصحيح أن هناك عوامل كثيرة أخرى عملت لتحرير المرأة، ولكن هذا الكتاب الذي انفجر بيننا كما ~~لو كان قنبلة قبل ستين سنة، ms052 كان بمثابة الراية التي انضوى إليها الأحرار والشعار الذي ~~تعارفوا به وارتقت نفوسهم بكلماته ومعانيه. # وكل منا يعرف ما كانت عليه أمه من الحجاب، وما عليه ابنته أو زوجته من السفور، وكل منا ~~يعرف مكانه وحزبه بين هاتين المرتبتين من التطور الاجتماعي، والفضل في كثير من ذلك يعزى ~~إلى قاسم أمين. # إن قاسم أمين قد أدى لمصر من الخدمة الاجتماعية والارتقاء البشري مثلما أدت هارييت ~~ستو للولايات المتحدة بإلغاء الرق بين الزنوج. # ولكن هناك - إلى جانب قاسم أمين - كتابا غيرونا بكفاحهم الصحفي أو التأليفي، وإن لم ~~يحدثوا مثل هذا الانفجار الذي أحدثه قاسم أمين. # فإن مصطفي كامل استطاع أن يحيي - عن طريق الصحافة - شعبنا الذي أذهلته الهزيمة أمام ~~الإنجليز في 1882، وغيره، وملأه أملا بعد اليأس، ونصب له هدف الاستقلال الذي لم ننحرف ~~عنه إلى أن تحقق لنا. # واستطاع لطفي السيد - عن طريق الصحافة أيضا - أن يغرس في نفوسنا المبادئ العملية للوطنية ~~المصرية، وأن يرفعنا من مستوى العواطف إلى مستوى العقل في معالجة شئوننا، وقد غضبنا منه في ~~الأول عندما صدم عواطفنا، ثم هدأنا وسكنا إلى العقل الذي دعانا إليه، وتغير شعبنا ~~بذلك. # ثم هناك طائفة من الكتاب أحدثت في مجتمعنا المصري أكبر التغير بمؤلفاتها، ومعظمها إن ~~لم تكن كلها قصص، من حيث الدعوة إلى الحب كوسيلة للاستمتاع بين الشباب وتهيئة للزواج، وقد ~~كانت الدنيا قبلهم تستمتع بالحب إلا مصر، وكانت كلمة الحب تعد عارا وشنارا إذا ذكرت أيام ~~الخطبة بين الخطيبين، أما الآن فهي كلمة مقدسة، بل هي عند المرتقين من الآباء والأزواج شرط ~~لازم يجب أن يسبق الزواج، وصار الحب حقا للشاب كما هو حق للفتاة. # والفضل في هذا لكتاب القصة الذين جعلوا كلمة الحب من الكلمات المقدسة في أدبنا ~~ومجتمعنا، وكانت قبل ذلك من النجاسات والمحرمات، وتغير مجتمعنا بهذه الكلمة وأصبح مجتمعا ~~إنسانيا. # إن عندنا كتابا يلتزمون التقاليد، ويحاولون أن يكتبوا كما كان يكتب الجاحظ، يقرءون الكتب ~~ويؤلفون عنها كتبا أخرى، كتبا من كتب، وهؤلاء لم يغيروا مجتمعنا ms053 لأنهم لم يمسوه، بل ~~لم يهتموا به، فمشكلات مجتمعنا لم تمس قط قلوبهم، وإنما الذي مسه هو أسلوب الجاحظ، ومشكلة ~~الخوارج، وابتداعات المعتزلة، وأشعار أبي نواس، ولكن قاسم أمين إنما غيرنا لأنه لم يكن ~~يؤلف الكتب عن الكتب، بل كان ينظر إلى المجتمع المصري ويقارن بينه وبين مجتمعات أوروبا، ~~وكان يتنهد ويغضب، ثم ألف بعد ذلك، فانفجر كتابه بل كتاباه بيننا، وأحسسنا من قراءتهما ~~أن ها هنا رجلا يحبنا ويغضب ويوبخنا ويطلب منا أن نتغير. # أجل، وعرفنا أمانته، فتغيرنا وتطورنا. # ومع كل ما ذكرت عن تأثير الكتب التي تغير الأفكار والمجتمعات، يجب ألا ننسى أن هذا ~~التغير يحتاج قبل كل شيء إلى مهيئات اجتماعية اقتصادية، وأن الدعوة بالكتاب تذهب صيحة في ~~الصحراء ما لم توجد هذه المهيئات. # ففي مصر مثلا كان أعظم ما حرر المرأة هو استخدامها في الحرف والمصانع والمتاجر، ~~واختلاطها بالأجانب ونهضة 1919 السياسية الاقتصادية التعليمية. # وكذلك إلغاء الرق في الولايات المتحدة يعود إلى حد كبير إلى المباراة بين أصحاب رءوس ~~الأموال في الشمال وبين زملائهم في الجنوب؛ فإن الأولين كانوا يستخدمون العمال، ويتكلفون ~~دفع أجورهم، بينما الآخرون في الجنوب كانوا يمتازون عليهم باستخدام العبيد بلا أجر، وانتهت ~~المباراة بينهما إلى حرب التحرير. # ولكن الكتاب يكسب حركة الإصلاح كلمات هي شارات، ويعطيها إيحاءات، فيحدث التجاوب بين ~~المهيئات الاقتصادية الاجتماعية وبين الكتاب الأحرار ومؤلفاتهم التحريرية. # | ينقصنا 10 كتب # أعتقد أننا في حاجة إلى نحو عشرة كتب نؤلفها أو نترجمها بحيث نهدف منها إلى فهم جديد ~~وتوجيه جديد؛ لأن كتبنا ليست كافية الكفاية التامة لتخرج الرجل العصري. # وأنا أوثر التأليف على الترجمة، وأعتقد أن في مصر وسائر الأقطار العربية من يستطيعون أن ~~يقوموا بالتأليف في الموضوعات التي سأذكرها، ومرجع إيثاري للتأليف أن المؤلف الأوروبي يفرض ~~- حين يؤلف - جمهورا أوروبيا يقرأه؛ ولذلك هو يثبت ويحذف ما ربما نحتاج نحن لجمهورنا ~~العربي ألا نثبته أو نحذفه. # ومع ذلك ليس هناك غنى عن الترجمة في بعض الموضوعات. # وأبدأ بحاجتنا إلى كتاب عن التطور ms054 نؤلفه ونعتمد في أمثلته على تاريخ الأمم القديمة في ~~الشرق العربي، كيف نشأت الحضارة القديمة في أقطاره وكيف ارتقت نظمه وقوانينه، وما هي ~~الأسباب لتدهوره في القرون الخمسة الأخيرة؟ ولكن يجب أن نضيف إلى تاريخ هذا التطور ~~الاجتماعي شيئا من التطور الطبيعي، أي تاريخ مصر قبل الحضارة، ووصف الأحياء التي نشأت في ~~الفيوم وانقرضت، وهذا بالطبع إلى تاريخ مجمل لتطور العالم. # وأنا أهدف من العناية بمثل هذا الكتاب إلى أن نجعل من التطور مزاجا في الشعب، بحيث يبقى ~~على الدوام متجها نحو المستقبل راغبا في الارتقاء، لا يعارض التغيير ولا يجمد، وقد ألفت ~~أنا كتابا موجزا عن هذا الموضوع ولكني أنشد كتابا أكثر إسهابا. # أما الكتاب الثاني فهو «التاريخ البشري» للدكتور إليوت سميث الذي كان في وقت ما أستاذ ~~التشريح في كلية الطب بقصر العيني، فإن لهذا المؤلف نظرية، إن لم تكن صحيحة فإنها منيرة، ~~وهي تدرس وتناقش في جميع العواصم الثقافية الآن. # وخلاصة هذه النظرية أن الذي أخرج الإنسان من العصر الحجري وحياة الغابة والتقاط الجذور ~~الوحشية، هو مصر التي اخترعت الزراعة، وأن الزراعة هي العقدة أو المركب الذي تفرعت منه ~~العلوم والأديان والأخلاق والقوانين والفنون القديمة. # وثق أيها القارئ أن الوطنية المصرية لا تدفعني إلى النصح بترجمة هذا الكتاب؛ إذ إن مما ~~لا شك فيه أن فيه علما كثيرا وعقلا كبيرا وفطنة عميقة، وكل هذا يحتاج إليه الشاب ~~المصري كي يرى رؤيا صادقة لتاريخ الحضارة. # أما الكتاب الثالث فأحب أيضا أن يكون مترجما، وهو مثل كتاب إليوت سميث قد يحتوي أخطاء، ~~ولكنه ينير ويرشد، ويبسط لنا تاريخ الإنسان القديم، كيف هدى وكيف ضلل. # هذا الكتاب هو «الغصن الذهبى» لمؤلفه المؤرخ الإنجليزي فريزر، وهو يحتوي 22 مجلدا لا ~~قبل لنا بنقلها كلها، وإنما ننقل الموجز الذي وضعه المؤلف نفسه، وهو نحو ألف صفحة، وأنا ~~واثق أنه عندما ينقل هذا الكتاب إلى القراء العرب سيحدث نهضة أو انقلابا ذهنيا. # وموضوع الكتاب هو كما قلت كيف ضل عقل الإنسان وكيف اهتدى؛ ms055 أي إنه يعالج الأساطير ~~القديمة ونشأتها، ثم أيضا تسللها إلى الثقافات التالية لها. # ولا أنسى أن أقول هنا إن هذا الكتاب يناقض الكتاب الذي ذكرته قبله، وهو «التاريخ ~~البشري»؛ فإن هذا الكتاب يعزو كل شيء إلى مصر، أما كتاب فريزر فيعتمد على أن الأوساط ~~البشرية متشابهة؛ ولذلك هي تنتهي إلى أخلاق وعادات وعقائد وفنون متشابهة. # ومن حق القارئ العربي أن يعرف هذين النقيضين، وأن يستنتج بقوة ما عنده من منطق ومعارف سوف ~~يكشف عنها المستقبل. # أما الكتاب الرابع فهو كتاب خلاصة التاريخ لويلز، وأنا أعتقد أننا يمكن أن نؤلف كتابا ~~يضارعه أو يفضله، والكتاب الأول الذي ذكرته هنا يشبه كتاب ويلز. # وقد نصحت بأن يكون مؤلفا وليس مترجما، ولكني أحب أن أضع كتاب ويلز هنا للمقارنة، وهو ~~عندي خير من الكتاب الذي أشرفت وزارة المعارف على نقله وترجمته، وهو «التاريخ العام للعالم» ~~الذي حرره ولم يؤلفه هامرتون؛ وذلك لأني أجد أن كتاب ويلز توجيهي، يهدف إلى اعتبار البشر ~~أمة واحدة، كما أنه يعلو على التفاصيل التي لا تدل، وهو لذلك ممتلئ في إيجازه، مستقر في ~~عبارته، أما كتاب هامرتون فمفصل، ومسهب، في غير تنوير أو توجيه. # أما الكتاب الخامس الذي ينقص المكتبة العربية، فهو كتاب جيبون عن تاريخ الدولة الرومانية، ~~وهو رواية تجري على نسق الطبري، ولا أظن أنه يقرأ كثيرا في أوروبا، وخير منه ألف مرة كتاب ~~مومسون. # كتاب جيبون هو رواية غير مدروسة، ولكنها صحيحة. # وكتاب مومسون هو دراسة غير ممتعة وإن تكن صحيحة. # وأنا أنصح بترجمة هذا الكتاب؛ لأن الأمم العربية اتصل تاريخها بتاريخ الدولة الرومانية ~~نحو 700 أو 800 سنة، وهذه الدولة هي أشقى وأظلم وأبغى دولة نشأت في العالم، ويجب لهذا السبب ~~أن نعرفها، ونعرفها من التاريخ الخام الذي فصله لنا جيبون. # أما الكتاب السادس فهو ترجمة بحياة ليوناردو دافنشي باعتبار أنه يمثل في شخصه نوازع ~~النهضة الأوروبية، حين شرع الناس يسألون أسئلة الأطفال ويستطلعون في غير خشية أو وقار، ~~وعندما يقرأ شبابنا هذه الحياة، ms056 فإنه سيقف منها على معاني النهضة التي ما زلنا نجهلها في ~~مصر، ويستطيع عندئذ أن يميز بين أصدقائه وأعدائه، وأن يرسم منها خريطة المستقبل ~~لبلاده. # ونستطيع أن نختار التأليف أو الترجمة لهذا الموضوع، ولكني أوثر التأليف بأقلام بعض ~~مؤرخينا، الذين يجب ألا يقنعوا بالرواية بل يهدفوا إلى التنبيه والتنوير والتوجيه. # ومن أحسن الكتب التي تنير الذهن وتنضجه، وتسدد النظرة التاريخية للدنيا والمجتمع، والحاضر ~~والمستقبل، تلك الكتب التي تشرح لنا قصة العلوم، كيف نشأت، وكيف تطورت وارتقت إلى أن بلغت ~~مستواها الحاضر. # وقصة علم ما، هي قصة الإنسان، أو بالأحرى ذهن الإنسان، ونظام مجتمعه. # وأنا أوثر أن نؤلف تاريخا عن الطب، منذ كان طفلا في مهد السحر، إلى أن وصلنا به إلى ~~الأوريوماسين؛ فإن تاريخ هذا العلم وحده ينقل القارئ من الخرافة إلى الحقيقة، وحسب القارئ ~~أن يعرف أن شارة الطب الآن هي شارة الكهنة المصريين القدماء، وأن كلمة طب في اللغة العربية ~~تعني السحر، والطبيب هو الساحر. # وأنا لا أقصد من اختيار هذه الكتب أن أزيد المعرفة، وإنما قصدي الوحيد أن أعين المنهج، ~~ولم أشذ هنا إلا في اختيار كتاب جيبون عن تاريخ الجهل والفساد والتوحش والفسق في الدولة ~~الرومانية؛ وذلك لاتصالها بتاريخنا. # وإذن كتابنا السابع هو «تاريخ الطب». # أما كتابنا الثامن الذي تحتاج إليه المكتبة العربية فهو تاريخ الثورة الفرنسية، وأحب أن ~~أجد تاريخا مفصلا عن المبادئ والأشخاص والفضائل والرذائل، قبل الثورة، وفي أثنائها، ثم في ~~أعقابها. ومثل هذا الكتاب يجب ألا يقل عن 700 أو 800 صفحة. # ذلك أن الثورات تعد جزءا من تطور الأمم وارتقائها، وأمة بلا ثورات هي أمة منكوبة ~~بالجمود، ويجب أن نعرف الأساس الأساسي للثورة، وهو التغير في وسائل العيش، هذا التغير ~~الذي يحمل الذين ظلموا منه على أن يطلبوا ويحققوا تغيرات في المجتمع. # ومن هنا انعدام الثورات في الأمم التي لا تتغير وسائل العيش فيها، أي وسائل ~~الإنتاج. # والثورة الفرنسية الكبرى هي ثورة بشرية قد عينت مناهج ورسمت رموزا وحققت حقوقا، فزادت ~~الإنسان ms057 ثراء في الروح والمادة كما زادته شجاعة واجتراء على اقتحام المستقبل؛ ولذلك يجب ~~ألا يجهلها رجل حر متطور، وعلينا ألا ننسى أن كلمة «المساواة» لم تدخل القوانين البشرية ~~إلا في الثورة الفرنسية. # أما كتابنا التاسع فيجب أن نخصه بتاريخ مصر، وأعني تاريخ الاحتلال البريطاني لبلادنا، ~~وهناك كتب حسنة نزيهة في هذا الموضوع، وقد ترجمت أنا لجريدة البلاغ كتاب بلنت «التاريخ ~~السري للاحتلال البريطاني لمصر» وهو الكتاب الذي جعلني أحب عرابي ولا أصدق كلام المغفلين ~~عنه، وقد طبع هذا الكتاب ولكن نفدت طبعته، ومع اعتقادي بأنه من الكتب النافعة؛ فإني أحب أن ~~أضيف إليه كتابا آخر عن بلادنا هو «خراب مصر» لروذنستين، وفي كلا الكتابين تنوير ليس عن ~~مصر وحدها بل - بالمقارنة - عن الاستعمار ووسائله الخسيسة في قتل الأمم بعد إيقاعها في ~~شباكه. # أما الكتاب الأخير فيجب أن يختص بالحرب الكبرى الثانية، أسبابها ونتائجها وما جد فيها ~~من مخترعات وما سبقها من حروب قريبة أدت إليها؛ لأننا يجب ألا ننسى أن الحرب هي أكبر ~~سبب للحرب. # هذه هي الكتب العشرة التي أعتقد أننا يجب أن نكمل بها النقص في مكتبتنا العربية، حتى نغدو ~~بها أمة عصرية لا تعارض التطور بل تدعو إليه، وأنا لا أقصد من تأليفها أو ترجمتها أن تكون ~~كتبا اختصاصية لطلبة الجامعات، وإنما هدفي هو الجماهير القارئة في مصر والأقطار العربية ~~حتى تحيا على الحاضر وتستيقظ في غدها على المستقبل. # | المعاجم العربية # حز في نفسي، وجرح كرامتي، وأذل كبريائي الوطنية، أن أقرأ أن بيت لاروس صاحب ~~المعاجم الفرنسية قد شرع يعد معجما عصريا للغة العربية في باريس. # وقد فهمت أنه يستعين في ذلك بخبرة المعلمين للغة العربية في كلية اليسوعيين ببيروت، وفضل ~~هذه الكلية على لغتنا كبير جدا؛ فإنها هي التي طبعت ونشرت المجلدات العشرة لمجاني الأدب ~~قبل نحو قرن، وبعض هذه المجلدات هو معاجم أدبية صغيرة تنير وتشير إلى المراجع، وهي أيضا ~~التي أخرجت مجلة «المشرق» التي كثيرا ما عنيت بالدراسات العربية، وإن تكن نزعتها ~~الدينية قد ms058 صدت عنها الكثير من القراء. # وقد كان الفضل أيضا لبيروت؛ إذ هي أخرجت لنا معجمين عربيين عصريين هما «محيط المحيط» ~~و«أقرب الموارد»، وعليهما إلى الآن معتمد الكتاب والمثقفين في الأقطار العربية جميعها، مع ~~أنه قد مضى على تأليفهما نحو سبعين سنة. # ومع أن لنا وزارة المعارف كانت تنفق نحو مئة ألف جنيه كل عام على شراء الكتب؛ فإنه لم ~~يخطر ببال وزير من وزرائها أن يكلف أحدا كي يقوم بتأليف معجم عربي عصري للطلبة، ومع أن ~~عندنا كلية تتخصص لدراسة اللغة العربية منذ سبعين سنة، هي «دار العلوم»؛ فإنه لم ينبغ منها ~~واحد يرصد نفسه وحياته لتأليف هذا المعجم الذي تصرخ حاجتنا إليه، بل إن في جامعاتنا كليات ~~تتخصص أيضا لدراسة اللغة العربية، بل اللغات السامية، ومع ذلك لم نجد من خريجيها أو ~~أساتذتها من يسعى إلى تحقيق هذا المعجم، وإلى هذا نجد مجمع اللغة العربية الذي يرى أعضاؤه ~~ويسمعون عن لاروس ومعجمه العربي الجديد ولا يبالون. # واعتقادي أن هناك أسبابا عديدة لهذا الإحجام؛ فإن وزارة المعارف التي كانت تشترك في ألف ~~نسخة في إحدي المجلات الغثة التافهة، وتؤدي لصاحبها ألف جنيه كل عام، كانت ترفض إنفاق مثل ~~هذا المبلغ ثلاث أو أربع سنوات لإيجاد معجم نافع يخدم الطلبة والمثقفين؛ وذلك لأن المجلة ~~الغثة التافهة كانت على استعداد لأن تمدح، ولكن المعجم لم يكن الوزير لينتظر مدحه أو يخشى ~~قدحه. # ثم إلى هذا يجب أن نذكر أن كثيرا من معلمي اللغة وأساتذتها نشأوا نشأة اتباعية وليست ~~ابتداعية، كما أن طريقة تعليمنا لهذه اللغة قد ربط بينها وبين الدين، فانتقل إحساس المحافظة ~~على الدين إلى اللغة، ولم تعد اللغة علما، بل أصبحت - كالدين - عقيدة، كلماتها وقواعدها لا ~~تتغير، ولا يزاد عليها كلمة أجنبية إلا في خوف وتردد وإحجام، كأن مثل هذه الزيادة تتاخم ~~الكفر أو تقاربه، وأصبح معلمو هذه اللغة يشبهون معلمي الدين، يتبعون الماضي ولا يبتدعون ~~للمستقبل، بل إن «دار العلوم» الكلية التي تخصصت لتخريج المعلمين للعربية، قد وضعت من ms059 ~~الشروط ما يحول دون الطالب المسيحي أو اليهودي أن يلتحق بها ويتخصص فيها لدرس اللغة ~~العربية. # وبهذا النظام تجمدت اللغة العربية عندنا ورفضت التطور، ولم يعد معلموها يفكرون في إيجاد ~~معجم عربي عصري يضع كلمة بيولوجية أو سيكلوجية إلى جنب كلمتي مجاز أو استعارة؛ وهم لذلك ~~قانعون بالمعاجم القديمة، وعلى شيء غير صغير من النفور من الكلمات العصرية، بل هم ينفرون من ~~الروح العصري كله. # وهذا خلاف ما نجد في معلمي اللغة العربية في جامعة بيروت، وهنا العلة السيكلوجية لكراهة ~~الإقدام على إيجاد معجم عربي عصري في مصر والرغبة في إيجاد في بيروت. # ومع المر الذي أتطعمه على لساني، ومع مضض الذهن الذي أحسه، أدعو لبيت لاروس الفرنسي ~~ولعلماء اللغة في كلية اليسوعيين في بيروت أن ينجحوا في مشروعهم، وأن نرى معجمهم قريبا على ~~مكاتبنا يؤدي لنا الخدمة اللغوية المنتظرة التي لم نجدها من مؤسساتنا ولا من رجالنا. # إن كل مثقف، بل كل من ينشد الثقافة، يحتاج إلى معجم بل إلى معاجم. # وأنا أكتب هذه الكلمات وأمامي من المجلدات ما عددته الآن فبلغ 69 مجلدا جميعها معاجم، ~~بعضها للغة العربية، وبعضها للبيولوجية، وبعضها للأديان، وبعضها للأدب، وبعضها للفلسفة، ~~وبعضها للعلم، وبعضها للغات الفرنسية والإنجليزية. واعتقادي أني أقل المثقفين في اقتناء ~~المعاجم، ولكن هذا العدد الذي أمامي ليس كل ما اقتنيت؛ لأني سريع الاستغناء عن «المتقادم» ~~سواء من الناس أم من الكتب. # وعناية الأوروبيين بالمعاجم كبيرة ليقينهم بأنها هي التي تيسر البحث والتحرير، وقد أصبحت ~~المعاجم اختصاصية لكل علم أو فن. # وأعظم ما يبهجني أن أقف في إحدي المكتبات أتأمل وأتلبث في تصفح هذه المعاجم الصغيرة التي ~~يؤلفونها للأطفال والصبيان؛ فإن الصبي الذي لم يتجاوز السنة العاشرة من عمره يستطيع بهذه ~~المعاجم أن يقرأ كتابا عويصا في البيولوجية أو النبات أو الحيوان أو التاريخ؛ ذلك أن ~~الكلمات مصورة، حتى الأفعال تصور بالألوان التي تغري الصبي بالقراءة والاستطلاع. # وتحديد المعنى في ذهن القارئ قد اكتسب قيمة كبيرة في أيامنا بهذا العلم الجديد ms060 الذي ~~يسمى السيمائية، أي علم الإشارات، باعتبار الكلمة سيماء، أي إشارة أو إيماءة إلى شيء ~~ما، وغاية هذا العلم إحكام المعنى في الذهن، بل إن هناك في أيامنا من يزعمون أن هدف الفلسفة ~~لا يزيد على تعيين المعاني للكلمات التي تستعمل في العلوم؛ أي إن البحث الفلسفي إنما هو بحث ~~لغوى. # وقد لا نرتضي هذا القول، ولكن مما لا شك فيه أن التفكير لا يمكن أن يكون سليما منظما ~~إلا إذا عبرنا عنه بكلمات سليمة منتظمة؛ ومن هنا قيمة المعجم الحسن الميسر. # إننا نحتاج في ظروفنا الحاضرة إلى نحو عشرة معاجم عربية، كي ننظم بها ثقافتنا ونرتب بها ~~أذهاننا. # نحتاج إلى معجم ابتدائي مصور لا تزيد كلماته على ألف، يمكن الصبي العربي أن يستعمله بلا ~~أدنى مشقة، ويجب أن تكون كل كلمة مصورة؛ فكلمة غزال تلحق بها صورة هذا الحيوان، وكلمة عدا ~~تلحق بها صورة صبي يجري، وكلمة رئة توضع بصورة هذا العضو ... إلخ. # ثم نحتاج إلى معجم وسيط يحتوي الكلمات العصرية دون أن نضعها بين قوسين، وذلك لتلاميذنا ~~قبل أن يلتحقوا بالجامعة، ويجب أن يحوي من الكلمات الأدبية والعلمية والسيكلوجية ~~والبيولوجية والمصرلوجية ما يترجح عدده بين 8000 و10000 كلمة. # ثم نحتاج إلى معجم كبير يحتوي نحو 30 ألف أو 40 ألف كلمة، مع موجز عن اشتقاق كل منها، ~~وهذا هو ما يحتاج إليه طالب الجامعة وعامة المثقفين خارجها. # ثم فوق ذلك نحتاج إلى معاجم اختصاصية. # وأولها معجم للاشتقاق، مع التوسع في أصول الكلمة اللاتينية أو الإغريقية أو العبرية أو ~~البابلية أو الفارسية ... إلخ، ومثل هذا المعجم ينير بصيرتنا بشأن التاريخ اللغوي، وهو في ~~صميمه دراسة أنثربولوجية وتاريخية معا. # ثم معاجم خاصة للعلوم، مثل المصرلوجية أي آثار مصر القديمة، ومثل المعجم الطبي، أو المعجم ~~البيولوجي، أو المعجم الجيولوجي ... إلخ. # ولا أنسى هنا ضرورة طبع معاجمنا القديمة، مثل أساس البلاغة للزمخشري، أو لسان العرب لابن ~~منظور أو القاموس للفيروزابادي؛ فإنها تراث لا يسع مثقفا أن يستغني عنه. # ونحتاج إلى أن نذكر ms061 هنا مرورا تلك المعاجم الأخرى التي تترجم الكلمات الأجنبية إلى ما ~~يقابلها من كلمات عربية؛ فإن ما يوجد منها يحفل بالأخطاء اللغوية والطبعية، كما هو يخلط ~~أحيانا بين لغة الكتابة واللغة العامية، مما يضلل الطالب فضلا عن التلميذ الناشئ، وهذا ~~إلى غلاء أثمانها؛ فإن المعجم الذي يباع بجنيهين أو ثلاثة جنيهات لا تزيد كلماته على معجم ~~إنجليزي أو فرنسي أو ألماني يباع بسبعة أو ثمانية قروش، بل أحيانا تنقص كلماته عما في ~~هذه المعاجم الأجنبية الرخيصة. # ويجب على وزارة التربية أن تضطلع بإيجاد معاجم صحيحة ورخيصة لطالبي اللغات ~~الأجنبية. # وأخيرا أقول عسى أن يكون من الجرعة المرة التي تجرعناها بمشروع لاروس، بشأن طبع معجم ~~عربي لنا، ما يحفزنا ويبعث فينا النخوة لإيجاد نهضة معجمية نخدم بها الثقافة العربية ~~العصرية. # | الثقافة الصبيانية # ليس هذا العنوان للاحتقار، وإنما هو للاحترام، احترام صبياننا؛ فإن في مصر نحو مليون صبي ~~أو أقل أو أكثر، تترجح أعمارهم بين ثماني سنوات وست عشرة سنة، ومن حق هؤلاء الصبيان أن ~~يقولوا لنا: أين حقنا من ثقافة العصر الذي نعيش فيه؟ أين الكتب؟ أين المجلات؟ # وقد انتهيت إلى هذا الموضوع بمناسبة الكتاب الصغير الذي ترجمه الدكتور أحمد زكي مدير ~~جامعة القاهرة بعنوان «حيوانات عرفناها»، وهو كتاب يقرؤه الكبار وينتفعون به، ولكن الصغار ~~يقرءونه فيطربون ويزأطون فوق انتفاعهم به؛ لأنه كتب لهم خاصة، وجدير بأحسن رجالنا بأن ~~يكتبوا للصغار. # وليس شيء يثير الاستطلاع عند الصغار مثل هذه القصص التي تردهم إلى طبيعة أرضنا، بناسها ~~وحيوانها ونباتها وجبالها وأنهارها، وقد كانت هذه الظواهر الطبيعية شهوتي الذهنية الأولى، ~~ثم شغفي العلمي بعد ذاك، وقد عبرت عليها، ومنها، إلى نظرية التطور التي أشعلت خيالي وزادتني ~~إنسانية وإحساسا حميما نحو العالم والبشر وسائر الأحياء. # ولست أعرف أدبيا عظيما أو مفكرا عميقا لم يرتبط بالطبيعة بهذا الشغف منذ صباه؛ فإن ~~داروين، وسبنسر، وجان جاك روسو، ومكسيم جوركي، وأندريه جيد، وعشرات غيرهم، كانوا على حنين ~~وشوق إلى الطبيعة منذ صباهم، وكان هذا الإحساس بذرة وجدانهم ms062 الثقافي الأول الذي توسعوا فيه ~~بعد ذلك، وتعمقوا حتى صاروا كتابا إنسانين. # وقبل نحو عشرات السنوات وقع في يدي كتاب باسم «طيور مصر» لرجل عظيم يدعى أحمد حماد ~~الحسيني، فتلقفته كما لو كان جوهرة وأحسست أن ها هنا مؤلفا يزيد على وطنيته علما وعلى ~~علمه وطنية، فهو يذكر في كتابه أكثر من مئة أو مئتي طائر في مصر من تلك الطيور الأصيلة ~~المقيمة، والدخيلة المهاجرة، الصامت منها والمغني، والوديع والمفترس، وهو يصورها ~~ويسميها. # والمعرفة سبيل إلى الحب، ونحن نحب مصر حين نقرأ هذا الكتاب، ولكني الآن تختلجني حسرة؛ لأن ~~جميع الصور في هذا الكتاب سوداء لا تنقل إلينا جمال الطيور في أذنابها الصفراء أو صدورها ~~الحمراء أو مناقيرها البيضاء. # والطيور هي أزهار السماء، وهل يمكن أن نقنع بتصوير الأزهار بالحبر الأسود فقط؟ # ولو أن هذه الطيور كانت مصورة بألوانها الطبيعية، لكان هذا الكتاب قنية ثمينة للصبيان ~~والكبار، يتعرفون به إلى هذه الأحياء وينبعثون منه إلى التجوال في الحقول والصحراء لتعيينها ~~والوقوف على تنقلاتها وعاداتها، وتأمل بيضها وعشاشها، وفي هذا الاهتمام بالحياة فرح وطرب ~~وزيادة في الوجدان، وإحساس بالرابطة المقدسة التي تربطنا بالوجود، واتصال حميم بالأم ~~الأولى: الطبيعة. # ولكني أعرف لماذا لم يخرج هذا الكتاب بالألوان الطبيعية، وهو أن هذه الألوان تحتاج إلى ~~نحو 700 أو 800 جنيه، ولعلها لم تكن في مستطاع المؤلف. بل هي حتى لو كانت لما جرؤ على ~~إنفاقها؛ إذ من كان يكفل له عودة هذا المبلغ إليه عند نشر هذا الكتاب؟ ولم يكن هناك أقل ~~دليل وقتئذ على أن وزارة المعارف التي كانت تشتري أغث الكتب وأتفه المجلات، كانت تشتريه ~~وتوزعه على صبيان المدارس. # ولكن ما لم يكن متاحا في العهود الماضية يحب أن يتاح في العهد الحاضر، وطبع هذا الكتاب ~~بالألوان ليس خدمة للعلم فقط؛ إذ هو خدمة وطنية إنسانية أيضا لأنه يصف لنا بلادنا من زاوية ~~محببة إلى كل نفس حساسة. ~~••• # كيف نثقف صبياننا؟ # إن الرغبة في الثقافة والاستطلاع والنمو الذهني عادة مثل سائر ms063 العادات، وهي أثبت وأرسخ ~~عندما تغرس أيام الطفولة والصبا، بل أيام الطفولة أكثر من أيام الصبا. # وما أعجب ما يؤلفه الأوروبيون للأطفال الذين تترجح أعمارهم بين الثالثة والسابعة؛ ففي ~~القاهرة مكتبات نستطيع أن نشتري منها كتابا تبرز فيه الصور وكأنها تتجسم. # فهنا عزبة قد برزت فيها صور الناس والحيوانات والنباتات والآلات، هي لعبة بلا شك، ولكنها ~~تبعث على الاستطلاع والسؤال في الصبي الذي لم يتجاوز الخامسة من العمر. # وهنا كتاب آخر هو حديقة حيوان، اشتريته أنا بخمسة وثلاثين قرشا، ومع أنه باللغة الفرنسية ~~فقد شغف به الصبي الذي سلمته إليه وعمره لا يزيد على السابعة، وقد استطاع في أقل من أسبوع ~~أن يعين الحيوانات بأسمائها وأن يرسم رسما صبيانيا لصورها بألوانها. # وبديهي أن رؤية الحيوانات في حديقة الحيوان أبلغ في تفطين الصبي وتعليمه من الكتاب، ولكن ~~ميزة الكتاب هي إغراؤه بالكتب، وغرس الحب الثقافة في ذهنه الصغير، حتى إذا كبر صارت الكتب ~~بعض الأثاث لعقله وبيته، بل الموضوع لحديثه والوسيلة لارتقائه. # ولست أقصد بما قلته هنا بأنه ليس عندنا كتاب للأطفال والصبيان؛ فإن أحمد عطية الله وكامل ~~كيلاني يثبان إلى ذهني، وقد كف الأول عن التأليف لصغارنا، أما الثاني لا يزال في هذا الكفاح ~~للتنوير والتثقيف، وقد جعل من كفاحه هذا رسالة الحياة. # ولست كذلك أجهل المجهود الذي تبذله بعض المطابع في إخراج مجلاتها الخاصة بالصبيان، أو ~~الابتداع الذي ابتدعته «الأخبار الجديدة» في خص الصغار بزاوية أسبوعية يشرف عليها بابا ~~شارو. # ولكننا نحتاج إلى المزيد، أي نحتاج إلى «طيور مصر المصورة بالألوان»، وإلى «نباتات مصر ~~المصور بالألوان»، وإلى كتاب عن الغابات، وإلى آخر عن السلالات البشرية، وإلى آخر عن ~~الفراعنة، ثم إلى آخر عن الحضارة العصرية، وكل هذا بالألوان الزاهية المغرية التي تغري ~~الصبي بالقراءة والتفكير، وتبعث أحلامه وتثير تخيلاته وتأملاته. ~~••• # لقد ذكرت بعض المؤلفات الأوروبية للأطفال، ولكن مكتبة الأطفال والصبيان تتجاوز ما نتخيله ~~عندما نعرف عناية الأوروبيين بأبنائهم، فهناك معاجم خاصة بهم يستطيع الصبي الذي لم تزد سنه ~~على ms064 الثامنة أو التاسعة أن يبحث فيها عن الكلمات ويعرف منها المعاني التي يجهلها، بل لقد ~~رأيت معجما أمريكيا يصور الأفعال، مثل ضرب وقتل وأكل بالصور، حتى ليمكن طفلا في الرابعة ~~أو الخامسة من عمره أن يفهم معانيها. # بل ماذا أقول؟ # إن هناك موسوعات للصغار «جونيور إنسيكلوبيديا» لا يقل ثمن الواحدة منها عن عشرة جنيهات أو ~~أكثر، قد ألفت للصبيان إلى سن السادسة عشرة، وهي بضعة مجلدات تحفل بالصور الملونة، كما ~~هي مجلدة بالقماش أو الحور المتين، واعتقادي أن الصبي الذي يقتني إحدى هذه الموسوعات سوف ~~ينشأ على أخلاق تسمو به في النظرة والنبرة إلى الحياة العلمية الفلسفية التي يشق على غيره ~~أن يحياها لأنه لم يؤثث ذهنه بهذه المعارف الموسوعية ولم يؤلف شخصيته على الاهتمام بهذه ~~الآفاق البعيدة المتعددة. # بل إني أعرف من المجلدات الصبيانية الأوروبية ما كنت أقرأه أنا وأنتفع به وأنا فوق ~~الخمسين، وقد كانت تكتب في سهولة بحيث لا تشق على صبي في العاشرة. # إن مثل هذه الكتب والمعاجم والمجلات تخصب أذهان الصبيان، وتبسط لهم آفاقا من الثقافة، ~~وتحبب إليهم الدرس والبحث حتى لأكاد أقول إنها تزيد ذكاءهم. ~~••• # إني ما زلت أذكر طفولتي القاحلة حين كنا نتعلم المطالعة في كتاب يسمى «الفوائد الفكرية» ~~أو في آخر يدعى «كليلة ودمنة» أو في غيرهما مما يخلو من الإغراء وبسط الآفاق. # كتب بلا صور، بل حتى كتاب كليلة ودمنة الذي يتسع لعشرات الصور المغرية المضحكة كان ولا ~~يزال بلا صور. # بل إن تعليم حروف الهجاء، وكذلك قواعد اللغة، لا يزالان من المشقة بحيث يسأم الصبيان ~~دروسهما، وما زلنا نسمي الحرف الأول «ألف» كما كانت الحال أيام الفينيقيين قبل ثلاثة آلاف ~~سنة، مع أن الأوروبيين قد جعلوا هذا الحرف «أ» وذلك حتى لا يختلط على الطفل صوتا اللام ~~والفاء في هذا الحرف الذي حين يتصل بالكلمة لا يزيد نطقه على «أ»، وقل مثل هذا في قواعد ~~اللغة العربية. # لماذا نعذب صغارنا هذا العذاب؟ # لقد أخبرني الأستاذ حسني العرابي أن المستشرقين الألمان ms065 قد جمعوا قواعد لغتنا التي يحتاج ~~إليها القارئ والكاتب في اثني عشر درسا فقط، فلماذا لا نسأل ونبحث عن هذه الطريقة التي ~~اتبعوها، ونتخذها ونعمل بها للتخفيف والتيسير؟ # وللأستاذ أحمد جمعة طريقة لتعليم الأطفال القراءة بالألعاب، عرضها على وزارة المعارف التي ~~درستها ونصحت باتخاذها، ولكن الموضوع عاد فركد. # يجب أن نخدم صغارنا ونعودهم الحب للثقافة، والاستطلاع للدنيا والناس والطبيعة؛ وذلك منذ ~~بلوغهم الرابعة والخامسة من العمر، بالتأليف المغري لهم، وكذلك بتيسير التعلم للهجاء ~~والقراءة للكتب، وهذا حقهم، وهذا واجبنا. # وأقول أخيرا إن الصبي هو أبو الشاب، وإنه على قدر العادات الحسنة التي تعودها الشاب ~~وتربى عليها في صباه تكون شخصيته وتربيته الناضجة. ~~••• # من غريب المصادفات أنه بعد أن تم جمع هذا الفصل، وصل إلى الملحق الأدبي لجريدة التيمس ~~المؤرخ في 27 نوفمبر الماضي فوجدت عشرين صفحة (أي عشر صفحات من حجم أخبار اليوم) عنوانها: ~~«قسم الكتب الخاصة بالأطفال». # وقد وجدت أنه ذكر نحو ثلاث مئة كتاب مصور، بعضها يليق للصبيان فيما بين السادسة والعاشرة، ~~وبعضها للصبيان فيما بين العاشرة والخامسة عشرة، وبعضها لمن فوق هذه السن إلى العشرين أو ~~أكثر. # وهذه الكتب تتناول جميع الموضوعات التي يهتم بها البشر، ولكن في أسلوب سهل وبكلمات ~~مألوفة، وهذا إلى مئات الصور الملونة التي تغري بالاقتناء والقراءة. # فهنا نجد القصص والأشعار، وعجائب البحار، والنجوم والكواكب، والطيور والوحوش، وحياة ~~الفلاحين وحياة المخترعين، وقصص المغامرات في كشف البحار والجبال، والأحياء التي تحيا على ~~الشواطئ، والأحياء التي تحيا في الأعماق، والتاريخ القديم، والسياحات العظيمة. # عوالم تستفز الصغار إلى التفكير والتساؤل والاستطلاع، فيحيون بعد ذلك وهم يحبون الكتب ~~ويتعصبون للعلم والإنسانية. # وتقول جريدة التيمس إنه يصدر من هذه الكتب من بريطانيا إلى الأقطار الأجنبية ما تبلغ ~~قيمته كل عام مليونين من الجنيهات. # هذه هي صناعة الثقافة الصبيانية، وهذا قيمة ما يصدر منها، فما هي قيمة ما يستهلك منها ~~داخل بريطانيا؟ # متى تكون لنا ثقافة صبيانية نمتع بها عقول صبياننا ونعودهم منها القراءة واقتناء ~~الكتب؟ # أجل، ونصدر منها ms066 إلى الأقطار العربية الأخرى؟ # | لنكن موسوعيين # نعني بكلمة «الموسوعة» ما يسمى عادة «دائرة المعارف»، وهذه العبارة الثانية ليست ~~تسمية وإنما هي تعريف للكلمة الأولى، ونستطيع أن نقول إن هذا الكاتب موسوعي؛ أي أنه يتناول ~~في كتاباته موضوعات كثيرة مختلفة ومتنوعة، وكثير من كتاب عصرنا قد ارتفعوا إلى هذا المستوى، ~~فالكاتب الأديب يدرس العلوم، والعالم يفلسف ويكتب في الأدب أو الفلسفة أو العلم ~~سواء. # وعلى الشاب الذي يتوخى الثقافة أن يدرس جميع المعارف البشرية، ولسنا نقصد من هذا القول ~~إلى أنه يجب أن يقرأ أو يدرس جميع المؤلفات؛ ففي المتحف البريطاني مثلا نحو أربعة ملايين ~~كتاب، وليس من المعقول أن ننصح بدراستها، ولكنا نعني ألا نتخصص ونتضيق، بل «نتعمم» ~~ونتوسع، فإن المعارف البشرية مرتبطة، ولن نستطيع أن نفهم الحضارة العصرية حق الفهم إلا إذا ~~ألممنا بهذه المعارف، وعرفنا القواعد التي تنبني عليها المبادئ التي تسير هذه الحضارة ~~على ضوئها، وقد يعترض هنا بأن هذا الاتجاه الموسوعي ينتهي إلى أن نكون سطحيين حاطبين نجمع ~~من هنا وهناك، ولكن الذهن البشري ليس آلة ميكانية يتقبل ويرتسم وينطبع، بل هو جسم حي يقبل ~~ويرفض، ولا بد أنه ستنشأ بينه وبين المعارف علاقة فسيولوجية كما بين المعدة والطعام، وهو ~~لذلك سينتهي بالتخصص أو التوسع في بعض المعارف دون غيرها؛ لأن للأولى اتصالا حيويا أو ~~فسيولوجيا بكيانه النفسي وجهازه الذهني، ثم هو يتعرف إلى سائر المعارف عن بعد تعرفا ~~سطحيا أو كالسطحي، على قدر مساسها بكفاءاته واتجاهاته واهتماماته. # وفي مجتمع ديمقراطي كالذي تعيش فيه الشعوب المتحضرة، وهو أيضا الذي نتوخى تحقيقه عندنا، ~~يحتاج الشعب إلى تناسق فكري فلا يكون جهل وحماقة إلى جنب المعرفة والحكمة؛ لأن نتيجة هذا ~~التفاوت تؤدي إلى أن يعرقل بعض الشعب تلك الإصلاحات أو التغيرات التي يطلبها بعضه الآخر ~~المستنير؛ لأنه - لجهله - لا يدري قيمتها، فقد يقترح وزير مثلا تعقيم بعض الناس حتى لا ~~يتناسلوا فيرث أبناؤهم عاهاتهم، أوقد بقترح آخر تقديم اللبن بالمجان لتلاميذ المدارس؛ ففي ~~الأمم الديكتاتورية تكفي إرادة الديكتاتور ms067 لسن هذين القانونين، ولكن الأمم الديمقراطية ~~تحتاج إلى رأي الشعب، فإذا لم يكن أفراده مستنيرين بثقافة عامة عن البيولوجية والطب، فإنهم ~~في الأغلب يعارضون الإصلاح. # هذه هي القيمة العامة للشعب من التوسع الثقافي، ولكن هناك قيمة شخصية للفرد، وهو أنه يفهم ~~الحضارة التي يعيش فيها حتى يلتئم بها، ولا يصطدم بالغريب فيها ويحسبه لجهله ضارا أو ~~زائدا، فنحن مثلا نستخدم السيارة ، ونستعمل التلغراف والتليفون، ونستمع إلى الرديوفون، ~~ونركب القطار أو الطائرة أو الترام، ونسكن المباني الكبيرة أو الصغيرة، ونستمتع برؤية التحف ~~من تمثال أو رسم، ونقتني الأثاث الفاخر ونتعالج بالطب، وليس من المعقول أن ندرس العلوم ~~الكيماوية والبيولوجية أو الميكانية والفيزيائية التي تحتاج إليها كل هذه الأشياء، كما ليس ~~من المعقول أن يطلب من أحدنا وهو غير متخصص أن يعرف علم الجراحة وفنها، أو أن يركب سيارة ~~ويصلح تلفونا إذا حدث به خلل أو تعطل، ولكن المعقول أن يعرف كل منا المبادئ العلمية التي ~~يهتدي بها الطبيب والمهندس والمعمار والقاضي، كما يجب أن يكون كل منا أديبا وفنانا إلى حد ~~ما حتى ولو لم يحترف الأدب أو الفن، فنحن مثلا حين نقصد إلى النجار الذي يصنع لنا الأثاث ~~يجب أن نعرف شيئا عن الخشب وأنواعه النفيسة والخسيسة، وإلا كنا عرضة للغش، وكذلك يجب أن ~~نكون على شيء من الذوق الفني، والدراية بالطرز العصرية في الأثاث؛ وإلا صرنا أيضا عرضة ~~للسقوط في جلافة أو فجاجة فنية لا تغتفر، وكل هذه المعارف مع ذلك لا تؤدي بنا ولا تؤهلنا ~~لأن نكون نجارين. # وكذلك الشأن في المعارف الأخرى؛ فإننا حين ندرس مبادئ الطب أو الهندسة أو البناء أو ~~الكيمياء أو الزراعة لن نحترف هذه العلوم، ولكننا نعرفها ونلم بمبادئها كي نعرف الحضارة ~~التي نعيش فيها، ونعين القيم التي تهتدي بها في تقديراتنا الاجتماعية والروحية؛ وعندئذ ~~نستطيع أن نرتئي الرأي السديد المبني على المعارف في أي مشروع يعرض علينا لمصلحة الأمة أو ~~أي طائفة منها، ونستطيع أن نفهم النظام الذي يسعد به ناس، والفوضى ms068 التي يشقى بها آخرون، وقد ~~نشقى بها نحن أنفسنا، وعندئذ لا تكون شكايتنا خاصة بنا، بل عامة للشعب، بل ربما للعالم ~~كله. # فلنكن إذن موسوعيين، ندرس التاريخ والأدب والفلسفة، كما ندرس الاقتصاديات والاجتماع ~~والكيمياء، والأصول العلمية التي بنيت عليها الحضارة والصناعة القائمة، والرجل الذي يقصد من ~~الثقافة إلى أن يكون موسوعيا يجد بعد سنوات من الدراسة أنه انتقل من الركود إلى التطور؛ ~~لأنه يجد في مجموعة المعارف البشرية الحاضرة ما يمكن أن يغير الدنيا إذا استعمل في خدمة ~~البشر، والمعرفة قوة لا تطيق الحبس، ومن هنا نشأت كراهة الحكومات الإمبراطورية والاستبدادية ~~للتعليم، بل محاربتها له. # وعندما نكون موسوعيين نصبح أيضا عالميين، فلا ننشد الرقي المادي فقط لوطننا، بل ننشد تلك ~~المثليات العالمية الكبرى، فنحقق لأنفسنا الرقي الروحي بالجهاد لهذه المثليات، وتتكون لنا - ~~بكل ذلك - شخصية جهادية متطورة. # | الهواية في الثقافة # إذا كانت الثقافة هواية، يهواها الصبي في المدرسة، ثم ينشأ عليها شابا، فإنها ستلازمه ~~إلى الكهولة فالشيخوخة، ومعظم الأوروبيين في إنجلترا وروسيا وألمانيا وفرنسا ينشأون ولهم ~~غرام بالثقافة؛ لأنهم تعودوها من الصبا بل من الطفولة، ولكن الحال ليست كذلك في مصر؛ لأن ~~الطفل لا يجد من الكتب المغرية ما يجعله يهوى الثقافة في طفولته ثم في صباه، وهنا يجب أن ~~نشيد بما يقوم به بعض المؤلفين المتخصصين من تزويد صبياننا بالكتب التي تجعلهم يقرءون ~~ويفكرون، ولكن هذا المجهود يجب أن يضرب في مئة حتى يفي بالغاية. # ويجب على الآباء أن يشجعوا صبيانهم على اقتناء الكتب والاشتراك في المجلات وقراءة ~~الجرائد، حتى تصير هذه الأدوات بعض المناخ الحضاري الذي يعيشون فيه ولا يمكنهم في المستقبل ~~الاستغناء عنه، كما يجب أن ينفقوا على الهواية الثقافية التي يتعلق بها الصبي حتى يحثوا ~~ذكاءه على الالتماع ويبعثوا نشاطه على التفكير، وبعض الآباء يبخل على ابنه أو ابنته ~~بالنفقات لهذه الهواية، أو يضن بوقتهما كي لا يضيع في دراسة ليس لها قيمة في الامتحانات ~~والشهادات، ولكن هذه الدراسة هي التي ستعيش وتبقى مع الصبي على ms069 حين يصير رجلا وشيخا. وهي ~~التي ستجعله إنسانا إنسانيا، حين ينسى ما تعلمه في المدرسة أو الجامعة من دروس لعله لم ~~يكن يقصد منها سوى الاحتراف للكسب. # وقد يعترض القارئ بأنه لم يجد التشجيع في صباه، وهو الآن لا يجد الرغبة في الثقافة، ولكن ~~هذه الأمية يمكن علاجها؛ فإن أي شاب يمتاز بذكاء متوسط أو حتى دون المتوسط بقليل، يجد في ~~نفسه اهتمامات ثقافية مختلفة من قراءة الجريدة اليومية إلى الاستماع للرديوفون إلى غير ذلك، ~~ولا بد أنه سيجد البؤرة تتشعب اهتماماته، فيجد الرغبة في الدرس. # وعلى من ينشد الثقافة أن يختار أصدقاءه من المثقفين، حتى يجد فيهم المشورة الحسنة ~~والاختيار السديد، ويتجنب أولئك الأميين الذين غرست فيهم المدرسة أو الجامعة الكراهية ~~للكتب، أو أولئك الذين حملتهم الاعتبارات المادية في مجتمعنا على ألا يقيموا وزنا لأي ~~نشاط إلا إذ كان حرفيا يزيدهم درجة أو يأتي لهم بعلاوة في الوظيفة. # فإذا وجد الشاب البؤرة التي يتجمع فيها نشاطه فعليه أن ينفق بسخاء ويشتري كل ما يتصل بها ~~كي يتوسع ويتعمق، وقد تكون هذه البؤرة فنا أو علما، وفي العالم منهما نحو 130 أو أكثر، ~~ومن البعيد ألا يجد شاب في هذا العدد شيئا يتعلق به؛ فإن الأغلب أنه سيجد أكثر من علم أو ~~فن، فهو قد يهوى دراسة الحيوان أو التاريخ أو الكهرباء أو السيكلوجية أو الاقتصاديات أو ~~السياسة أو الاجتماع، أو هو قد يتعلق بفنون الرسم أو النحت، أو بتلك الفنون العصرية التي ~~يغرم بها بعض الشباب، وهي التي تتعلق بالرديوفون أو السينماتوغراف أو التليفزيون. # وكل واحد من هذه الفنون أو العلوم سيتفرع إلى فن أو علم آخر لارتباط المعارف، فلست تجد ~~رساما إلا وهو يدرس التاريخ والحركات الاجتماعية التي غيرت الطراز والاتجاهات، ولست تجد ~~مؤرخا إلا وهو متنبه إلى السياسة العالمية، للتجاوب المستمر بين السياسة والتاريخ، ولست ~~تجد بيولوجيا إلا وهو اجتماعي، بل هو يدرس أيضا الدين والسيكلوجية والأخلاق؛ لأن نظراته ~~البيولوجية قد ولدت في ذهنه رؤيا جديدة، وهلم ms070 جرا. # فالشاب يبتدئ في الثقافة هاويا، وكأنه يتخصص، ليس له غير اهتمام واحد، فإذا به ينتهي وهو ~~مشغول باهتمامات ثقافية عديدة، وهو هنا سريع إلى التبريز؛ لأنه قد اختار عن هوى وحب، ~~فالعاطفة هنا تؤيد العقل وتخدمه، ثم هو يستخدم فراغه لهذه الهواية، وفي كل مجتمع متمدن يزيد ~~الفراغ على مدة العمل الحرفي، واستخدامه للثقافة يتيح أحسن الفرص للتربية الذاتية، ~~واستخدامه في غير أغراض ثقافية قد يفتح أبوابا للفساد لا تحصى، ثم هذا الفراغ يزداد كلما ~~اتسعت الحضارة وشملت بعض الطوائف من العمال، مثل أولئك الذين يعملون في المصانع الكبيرة، ~~والعامل الذكي الذي يشغل هذا الفراغ المتزايد بتربية نفسه يجد أنه في رقي لا ينقطع، وأنه ~~يحصل على مقدار من الثقافة قد يغبطه عليها أولئك الذين وهبهم القدر الاقتصادي تعليما ~~مدرسيا أو جامعيا لم يحصل هو عليهما. # | الجريدة والمجلة # الجريدة والمجلة هما أعظم المواد الثقافية خطرا وخطورة في مجتمعنا؛ لأنهما بطبيعة الظهور ~~الدوري لأعدادهما تهيئان القارئ لألوان من الإيحاء أو الدعاية قد تكون حسنة مرجوة الخير، ~~أو سيئة حبلى بالشر، والجريدة رخيصة يسهل شراؤها، كما إنها تجذب القارئ بمختلف الألوان على ~~مائدتها، من خبر إرجافي في السياسة إلى صور مغرية إلى قصص مسلية إلى غير ذلك، وهي في أيدي ~~التجار تجارة، وقد تكون مثل تجارة النخاسة في بيع الرذائل، فالمتجر بالصحافة يستكتب العوام ~~كي يكتبوا للعوام، ويخاطب أحط الرذائل في القراء، ثم يجعل جريدته إعلانات في ظهورها بعض ~~الأخبار والصور التي تخضع للغاية من هذه الإعلانات؛ فالجريدة التي تعينها إحدى الشركات التي ~~تبيع الخمر أو الدخان مثلا لا يمكنها أن تكتب مقالا في الضرر الذي يعود منهما على صحة ~~الجمهور. # والجريدة أو المجلة التجارية، كما هي خاضعة لإعلانات التجار، كذلك هي خاضعة للإعلانات ~~التي تحصل عليها من الأحزاب، فكي نقرأ الجريدة أو المجلة بفهم وتمييز، يجب أن نقدر هذه ~~العوامل الخفية، وأن نزن الخبر أو المقال أو الصور في ضوء هذه العوامل. # كما يجب علينا أن نقدر على الدوام أثر ms071 الإيحاء من التكرار، ويجب أن نسأل عن المال الذي ~~يدور به دولاب الجريدة، ومن أين مأتاه؛ فقبل سنوات مثلا أفلست إحدى شركات التأمين، فلم ~~ينشر هذا الخبر في الجرائد في مصر مع أن كثيرا من قرائها كانوا يملكون أسهم هذه الشركة، ~~وترك هؤلاء المساكين على جهل بهذا الإفلاس حتى تخلص غيرهم من حاملي هذه الأسهم ووقعوا هم في ~~الإفلاس أو الخسار؛ وذلك لأن وراء هذه الشركة شركة أخرى كانت تنتفع بالإعلان عنها في ~~الجرائد المصرية. # وعندنا غوغاء من المجلات الأسبوعية هي شر ما يمكن أن يتناوله قارئ كي يثقف ذهنه ويربي ~~نفسه، وهي نوعان: أحدهما للقيل والقال عن الشواطئ والسباق ولهو الأغنياء، والآخر يرصد ~~صفحاته للثقافة العربية القديمة ويكاد يقتصر عليها، وكلاهما مضر؛ لأن الأولى تفسد الذهن ~~بإيحاءات تبعث اهتمامات وعادات سخيفة في القراء، والثانية لا تفتأ تكتب المقالات في الدعوة ~~إلى مجتمع شرقي آسن، وإلى النفور من المجتمع الغربي الناهض، حتى لقد بلغ بأحد الكتاب ~~البارزين أن يقول في إحدى مقالاته فيها في سنة 1942: # يرحمك الله يا أبي لقد كنت لا تشتري حذاء جديدا إلا بعد أن تجربه على رءوس ~~زوجاتك ... إنه يفخر بشرقيته! # وهذا المعنى للمجتمع الشرقي الذي يدعو إليه هذا الكاتب هو الذي يجب أن يكافحه كل رجل بار ~~بالمرأة والأمومة، وليس على هذا الكوكب شرق وغرب، وإنما عليه أمم منحطة وأمم راقية. # والجريدة أو المجلة الحسنة هي التي تنزع إلى الفلسفة، وتنبه الضمير، وتستفز الذهن إلى ~~التفكير، ولو كانت مخالفة لآرائنا، وإذا تحرى القارئ الانتفاع والارتفاع بالجريدة فإنه لا ~~بد مستغن عن كثير مما يطبع وينشر، وهو إذا كان عارفا بلغة أجنبية فإنه يجب أن يشترك في ~~الجرائد والمجلات الإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية؛ كي يتصل بالعقل العام على هذا ~~الكوكب، ولكنه حتى مع امتيازه هذا محتاج إلى قراءة جريدة يومية عربية على الأقل، فعليه أن ~~يختارها مع العناية، ويدرس أغراضها الخفية الظاهرة، وعليه أن يحاسب نفسه من وقت لآخر عن ~~الإيحاءات السيئة التي ربما تلتبس ms072 بها لأنه يقرأ أخبارا لم يتنبه إلى الدعاية المختفية ~~وراءها، وعليه أن يذكر أن هناك «أكاذيب سلبية» هي تلك الأخبار التي منعت الجريدة نشرها، كما ~~حدث في خبر الشركة التي أشرنا إليها. # أما كيف نختار الجريدة، فإننا قبل كل شيء يجب أن ننظر إليها كما ننظر إلى مدرسة أو مكتبة ~~مفيدة تخدمنا في رقينا، فيجب على الأقل أن يكون بها كاتب عصري مستنير يفهم التيارات ~~الاجتماعية والاقتصادية التي تكتسح العالم، ويجب أن تكون حاوية لطائفة من الأخبار الأصيلة ~~التي تنقل إلينا صورة صحيحة عن التغير أو التطور العالمي. # وفي الجريدة - كما في الكتاب - يجب أن نقرأ بالقلم، فنبرز الخبر الخطير بعلامة واضحة، ~~ونستشير الخريطة، ونقرأ الصفحة المالية، ونتعلم كيف تكون تقلباتها أحيانا دلالة على تغير ~~السياسة، بل يجب أيضا أن نقرأ الخبر الذي لم يكتب، ونتعرف على الأسباب التي تمنع النشر ~~لهذا الخبر أو ذاك. # وفي مدة الحرب تعود الجريدة ضرورية؛ لأن الحرب - كما قال ماركس - هي قاطرة التاريخ لسرعة ~~الحوادث فيها، فنحن نقرأ في الجريدة تاريخا حيا لعصرنا، وهي لذلك تجذبنا بقوة الحوادث، ~~بل إن أيام الحروب كثيرا ما كانت سببا لجذب العامة إلى قراءة الجريدة واعتياد شرائها مدى ~~الحياة. # والجريدة والمجلة كلتاهما يجب أن تكون بعض أثاث البيت المتمدن، ويجب أن يتعلق الصبيان ~~بالقراءة فيهما، وربة البيت الذكية التي تنشد الثقافة لأبنائها تنفق على المجلات والجرائد ~~كما تنفق على حاجات المنزل الأخرى، ويجب أن تعنى باختيار النفيس منها؛ لأنها تعلم أن ~~إيحاء الخبر أو الصورة أو المقال كبير الأثر جدا في إيحاء الفضيلة أو الرذيلة وتربية ~~الشخصية أو إضعافها، ثم يجب أن نراعي هذه الاعتبارات التالية: ~~(1) # يجب أن نتعلم القراءة السريعة للجرائد والمجلات، وأول ما نحتاج إليه في ذلك ~~ألا نحرك الشفتين أو اللسان ونحن نقرأ، وعندئذ لا تستغرق الجريدة من وقتنا ~~في المتوسط أكثر من عشر دقائق. ~~(2) # يجب ألا نقرأ الجريدة التي تزكي آرائنا وتمالئ حزبنا فقط، بل يجب أن نقرأ ~~تلك الأخرى التي تمثل رأيا آخر، ms073 وإذا استطعنا فلتكن لنا جريدتان تختلفان في ~~الرأي. ~~(3) # يجب أن نحدث أعضاء البيت عن موضوعات الجريدة؛ كي نرفعهم من لغو القيل والقال ~~إلى أحاديث السياسة والاجتماع، وقد نصل من ذلك إلى تكافؤ ثقافي بين أعضاء ~~العائلة. ~~(4) # من الحسن أن نصطنع عادة القص، فنخصص ملفا أو ملفات نقص فيها الأخبار أو ~~المقالات أو الإحصاءات التي نحتاج إليها في المستقبل للمراجعة، وقد يكون أحد ~~الملفات للأدب والآخر للسياسة، والاجتماع ... إلخ. ~~(5) # وعلى كل حال يجب ألا تغنينا الجريدة والمجلة عن الكتاب؛ لأن الكتاب هو أساس ~~الثقافة. # على أننا مع هذا يجب ألا ننسى أن في جرائدنا ومجلاتنا مساوئ أصلية تؤدي إلى نقص التربية ~~الثقافية لقرائها، أبرزها هي: ~~(1) # أنها غير متصلة بالعقل العام على هذا الكوكب، فقارئها - بخلاف القارئ للصحف ~~الأوروبية - يجهل التيارات العالمية في السياسة والاقتصاد والاجتماع. ~~(2) # أننا لا نجد فيها الكاتب المربي الذي كنا نجده مثلا في شخص لطفي السيد في ~~«الجريدة» قبل خمسين سنة، أو الكاتب الذي يرفع الصحافة إلى مقام الأدب. ~~(3) # أن الإقبال على المجلات قد عظم، ولكن المجلات مع ذلك قد انحطت بدلا من أن ~~ترتقي، وليس عندنا مجلة تمثل ما سميناه «العقل العام» فتنقل إلينا تطورات الصين ~~أو الهند الاجتماعية، ومشكلات الولايات المتحدة، وتجعلنا نحس أن مصر جزء من ~~الكرة الأرضية وأنها لم تنسحب من التاريخ. ~~(4) # أننا في حاجة إلى مجلات أسبوعية وشهرية لدرس السياسة العالمية والتطور ~~الاجتماعي والتوجيه العلمي، وتربيتنا ستبقى ناقصة ما لم تنشأ هذه المجلات في ~~مصر. ~~(5) # أن معظم المجلات في مصر يعيش بالتحرش بالغريزة الجنسية، سواء بالصورة أم ~~بالكلمة، وهي كبيرة الضرر لهذا السبب. # هذا ما يقال للقارئ، ولكن يجب أن تقال كلمة أخرى للحكومة المصرية، وهي أنه لا يجوز في ~~القرن العشرين أن تفرض غرامة على التفكير حتى ولو أسميت هذه الغرامة باسم التأمين أو ~~الضمان؛ فإنه لا يجوز الآن لأحدنا أن يخرج جريدة إلا إذا أدى مبلغ 300 جنيه، ولا يخرج مجلة ~~إلا إذا أدى 150 جنيها، أو قدم ضمانا بأحد هذين ms074 المبلغين. # ومن المؤلم أن نقول إن شعبا صغيرا مثل الشعب الفنلندي الذي لا يتجاوز عدده 3800000 تصدر ~~له 209 من الجرائد اليومية و550 من المجلات، وكل جريدة أو مجلة من هذه الصحف هي بمثابة ~~الجمعية الثقافية أو السياسة لأنها تجمع حولها طائفة من القراء الذين يقرءون ويدرسون، ولكل ~~طائفة نظر عالمي خاص، أو مذهب اجتماعي معين يفيد في التنوير والتثقيف، ونحن في مصر نزيد ~~أربعة أضعاف على سكان فنلندا ومع ذلك ليس لنا سوى سبع أو ثمان من الجرائد اليومية ونحو عشر ~~من المجلات. # أجل يجب أن يكون إصدار الجرائد والمجلات حرا بلا قيد ولا شرط، ولا حاجة إلى دفع أي ضمان ~~مالي؛ لأنه في حقيقته غرامة على التفكير الحر، وهو يؤخر تطور الأمة. # وآراء الأمة تتعدد وأذهانها تتفاعل بتعدد هذه الجرائد، فينشط التفكير. # | التربية للحياة # الاعتقاد السائد أننا نعلم أولادنا كي يحصلوا على عيشهم في المستقبل، يتعلمون الطب أو ~~الهندسة او التجارة، ثم يعملون ويكسبون، والنجاح في الحياة ينتهي - بهذا الاعتقاد - إلى أن ~~يكون نجاحا في الكسب. # وليس شك في أن تحصيل العيش، أي الكسب في مجتمع يقوم على المباراة الاقتصادية، يجب أن يكون ~~في المقام الأول من التعليم، ولكننا نكسب لنعيش ولا نعيش لنكسب، والحياة لهذا السبب يجب ان ~~تكون أكبر من الحرفة، والنجاح فيها أهم وأخطر من النجاح في الكسب. # يجب أن ننجح في الحياة؛ أي ننجح في الأسرة بعلاقات زوجية حسنة وعلاقات أبوية بارة، وننجح ~~في المجتمع بأن نكون اجتماعيين نقدر الصداقة، ونمارس الضيافة، ونشتغل بالسياسة، وننغمس في ~~المشكلات الاجتماعية، ولنا أهداف نحو خير المجتمع. # ولكن كما نكون اجتماعيين يجب أيضا أن نكون انفراديين، لنا حياة مستقلة نستطيع أن نخلو ~~فيها أحيانا بأنفسنا، وخلواتنا يجب أن تكون للدرس وتامل، أي للفهم. # وهناك من يقول إن غاية الحياة هي السعادة، والفهم يؤدي إلى السعادة، إذا اعتبرنا أن ~~السعادة هي الزيادة في الوجدان والدراية وليست الامتداد في العاطفة؛ لأن ما نأخذه من ~~العاطفة إنما هو السرور فقط: نلتذ ms075 بالأكل والتزاوج واللعب والسيادة والفخر، ولكن هذه اللذه ~~تزول بزوال ظروفها التي بعثتها وزوال العاطفة التي جعلتنا نلتذ بها، ولكننا نسعد السعادة ~~العظمى حين نزداد وجدانا، أي دراية بهذه الدنيا؛ ومن هنا يجب أن تكون التربية للفهم حتى ~~نحيا الحياة السعيدة، والسبيل إلى الفهم، الفهم العام المحيط، هو الثقافة. # ولكن الثقافة في أيامنا لم تعد عامة ولا محيطة؛ وذلك لأسباب كثيرة، منها ان المعارف قد ~~كثرت وأصبحت الإحاطة بها شاقة، ومنها أن هذه الكثرة في المعارف قد بعثت على التخصص، وإذا ~~أنت قرأت «طبقات الأطباء» لابن أبي أصيبعة وجدت أن الطبيب قبل ألف سنة كان «حكيما» كما لا ~~يزال جمهورنا يدعوه؛ أي إنه لم يكن يعرف الطب فقط، بل كان أيضا يعرف الفلسفة واللغة والأدب ~~والتاريخ والدين، وربما يقال إن هذه «الحكمة» لم تكن تنفعه في العلاج، وهذا ما نشك فيه، ~~وخاصة في أيامنا حين نعرف أن المرض يلابس البيئة الاجتماعية وينطوي في كثير من الأحوال على ~~حال نفسية معينة، وإذا قلنا «حال نفسية» فقد قلنا «حال فلسفية»؛ فالطبيب الحق هو في النهاية ~~«الحكيم» الذي لا ينظر إلى المريض بعينيه فقط، وإنما ينظر إليه من خلال عينيه، فيفكر في ~~حالته الاجتماعية واتجاهه النفسي وموقفه الفلسفي، وإذا فرضنا أن الطب يجب ان يتجزأ، وأن ~~الطبيب يجب أن يتخصص في فنه لتيسير العلاج؛ فإننا مع ذلك لا نستطيع أن نقول إن المختصين ~~سواء في الطب أم في غيره قد حصلوا على تربية للحياة، وقصارى ما نصفهم به أنهم حصلوا على ~~مهارة في الحرفة، فإذا اقتصروا على هذا التخصص فإنهم بذلك يبقون أميين في فن الحياة. # والحق أن الانتقال من «الحكيم» الذي يقص علينا ابن أبي أصيبعة حياته في كتابه، إلى ~~«المتخصص»، هو وثبة من النور إلى الظلام، أو من الثقافة إلى العامية، وهناك رأي عام أو خاص ~~بين الأطباء يعبر عن الكراهة للمبالغة في التخصص كما تدل على ذلك هذه النادرة التالية التي ~~ترويها الدوائر الطبية الإنجليزية. # فقد تخرج أحد الطباء في ms076 الجامعة وقابل طبيبا كبيرا، فأدلى إليه بأنه يريد أن يتخصص، ~~فسأله الطبيب الكبير: ما هو الفرع الذي تريد أن تتخصص فيه؟ فقال خريج الجامعة الجديد: «أريد ~~أن أتخصص في الأنف وحده؛ لأن المألوف هو التخصص في الأنف والحلق والحنجرة، ولكن أجد أن ~~الطبيب لم يعد يسعه أن يعالج كل هذه الأعضاء، وعليه أن يكتفي بواحد منها». فقال الطبيب ~~الكبير ساخرا: وهل تبغي التخصص في المنخر اليمين أو المنخر اليسار؟ # ومع أن القصة خاصة بالأطباء فإن قيمتها الرمزية تتجاوز حرفة الطب إلى الحياة التي يحياها ~~كل منا؛ ذلك أننا نتخصص ونعين حدودا لاهتماماتنا النفسية والذهنية، بل أحيانا تغمرنا ~~الحرفة حتى نعيش لها كأنها هدف الحياة وليست وسيلتها، وكذلك البقال الذي كان يرصد كل وقته ~~للبقالة، فلما مات كتب على قبره: «ولد إنسانا ومات بقالا». # وكلنا على هذه الحال أو حال قريبة منها، وقليل منا من يرفض هذا التخصص الحرفي ويغزو ما ~~حوله من شئون اجتماعية وفنية، فالطبيب لا يدرس الهندسة والأديب يجهل الكيمياء، والعلميون لا ~~يقرءون الشعر، ولذلك لا يستطيع واحد من جميع هؤلاء أن يقول إنه مثقف؛ لأن الثقافة يجب أن ~~تكون عامة محيطة تؤدي إلى فهمنا للطبيعة والإنسان، أي يجب أن نعرفها جميعا على سبيل ~~الإحاطة الاجمالية حتى نعرف ارتباطاتها، وحتى نستطيع أن نسددها إلى الخدمة البشرية، وعندما ~~أتامل الدمار الذي أحدثته مشروعات الري في مصر بصحة التربة والنبات والحيوان والإنسان أحس ~~الحسرة والأسف لأن المهندسين الذين وفروا المياه كانوا يجهلون الطب والبيولوجية، ولو أنهم ~~عرفوا القليل عنهما لما وفروا هذه المياه التي فتكت بصحة الفلاحين ومزقت لحومهم بالديدان، ~~فضلا عن الدمار الذي أحدثته للتربة المصرية، إلا بعد الاحتياط من الأضرار التي كانت ستنشأ ~~من توفيرها. # فهناك ارتباط بين الطب والهندسة كان جديرا بنا - لو عرفناه وعملنا به - أن ننقذ صحتنا ~~العامة ونصونها من البلهارسيا والإنكلستوما والأسكاريس، ولو أن الذين كانوا يعملون في ~~استغلال الذرة كانوا قد درسوا الفلسفة أو الاجتماع أو الدين لما ظهرت هذه القنبلة الذرية ~~التي ms077 تهدد الحضارة بالفناء، وقصارى ما نقول هنا إن هؤلاء العلماء الذين كشفوا عن ماهية ~~الذرة، واستخدموها لصنع القنابل، لم يحصلوا على تربية للحياة، وإنما حصلوا على تربية ~~للحرفة، ثم تخصصوا فكان تخصصهم هذا بمثابة الغمامة التي توضع على عيني الجواد حتى لا يرى ~~ما حوله، بل يقصر نظره على ما أمامه فقط. # وأنا لا أعني ضرورة التثقيف العام لمنفعة المجتمع فقط، وإن كانت هذه المنفعة لا تنكر ، ~~وإنما أقصد إلى أن هذا التثقيف ضروري للفرد نفسه حتى يؤدي غاية الحياة وهي الفهم، أي زيادة ~~الوجدان، أي السعادة؛ لأنه ما دامت الحياة أكبر من الحرفة فإن التثقيف يجب أن يكون للحياة ~~قبل أن يكون للحرفة، وأضرب مثلا لاثنين من عظماء المفكرين أحدهما الجاحظ والثاني ~~داروين. # ومع أن داروين قد غير الاتجاه الثقافي لجميع البشر حين وضع نظريته المادية مكان العقائد ~~الغيبية القديمة؛ فإنه بالمقارنة إلى الجاحظ يعد ناقصا لم يحصل على تربية للحياة كما حصل ~~الجاحظ، وهذا بالطبع مع اعتبار العصر الذي عاش فيه كل منهما؛ ذلك أن داروين قد تخصص في ~~البيولوجية فأهمل الأدب والفلسفة والدين والشعر والفنون عامة، حتى لقد كتب وهو في شيخوخته يقول: # إلى أن بلغت الثلاثين من العمر كانت أشعار ملتون وجراي وبيرون ووردزورث وكوليردج ~~وشيلي تثير في نفسي البهجة، وكنت وأنا تلميذ أجد سرورا عميقا في أشعار شكسبير، ~~وخاصة في دراماته التاريخية، وقد سبق أن قلت إن رؤية الرسوم الفنية والاستمتاع ~~للموسيقا كانا يشيعان السرور العظيم في نفسي، ولكني الآن ومنذ سنين لم أعد أطيق ~~قراءة بيت من الشعر، وقد حاولت أن أقرأ شكسبير فوجدته من التفاهة، بحيث أثار ~~الغثيان في نفسي، وفقدت الذوق للرسوم الفنية والموسيقا، وفقداني لهذا الذوق هو ~~فقدان السعادة، وربما يكون أيضا مضرا بالذهن، بل المرجح أنه يضر بالأخلاق؛ لأنه ~~يضعف الناحية العاطفية في طبيعتنا. # هذا ما يقوله داروين عن الضرر الذي أحدثه التخصص في نفسه، وهو ضرر أكيد، وكلنا عرضة له، ~~وكان يمكن أن يزيد داروين فيقول إنه ربما كان ms078 توسعه في الثقافة وامتداد ذهنه إلى ميادين ~~أخرى غير درس النبات والحشرات والحفريات ... هذا التوسع وهذا الامتداد كانا جديرين بأن يزيداه ~~فهما في موضوع دراسته بالذات، أي النبات والحشرات والحفريات، وكان ما كأن يكسبه من هذه ~~الثقافة العامة كان حريا أن يزيده فهما للتطور. # وهنا يجب أن أذكر حادثا له علاقه بموضوعنا؛ فإن شركة شل التي تملك منابع البترول في ~~القارات الخمس تمنح موظفيها الاختصاصيين في بحث المواد البترولية مبلغ مئتي جنيه في العام ~~كي ينفقها كل منهم على دراسة شئون أخرى غير البترول، وهي بالطبع لم تقدم هذا المبلغ عطاء ~~وسخاء، وإنما هي وجدت أن التخصص يضيق الذهن ويحدد الآفاق، والثقافة العامة تجذب المتخصص ~~إلى ميادين أخرى فيتحرر ذكاؤه من الضيق. # وفي هذا المثال أيضا قيمة رمزية للحياة، وكيف يجب أن تكون تربيتنا للحياة وليست للحرفة ~~والكسب، وضرورة الثقافة العامة لكل منا. ~~«الثقافة العامة» هذه هي شعار الجاحظ الذي كان أديبا، عالما، فلكيا، نباتيا، يدرس ~~الحيوان والكواكب والسياسة والاجتماع والدين والطب؛ ولذا كان من حيث أسلوب الحياه أفضل من ~~داروين، ولم يحتج إلى أن يشكو شكوى داروين من شيخوخته. # وهنا يجب أن نذكر كلمة كتبها فولتير عن نيوتن؛ فإن نيوتن في الطبيعيات قد وضع من الأسس ما ~~يقارن بتلك الأسس التي وضعها داروين في البيولوجية، وقد كان فولتير يعجب به أكبر الإعجاب، ~~ولكنه لم يغفل عن حدوده الثقافية؛ ولذلك قال فيه: # إني أود لو أن نيوتن كان فيه ألف قصة مسرحية من طراز الفودفيل، حيث تجتمع ~~السخرية بالفكاهة والرقص بالموسيقا، ولو أنه فعل لزادت قيمته عندي؛ وذلك أن الرجل ~~الذي ينبغ في فن قد يكون عبقريا، ولكنه يعود شخصية محببة إذا تعددت فنونه؛ لأن ~~النفس هي النار التي استودعنا الله إياها، فيجب أن نغذوها بكل نفيس وثمين، وأن ~~نفتح نوافذها لفروع المعارف وألوان الإحساسات، بشرط ألا تدخل هذه المعارف ~~والإحساسات في فوضى وتخبط، وفي النفس متسع للعالم كله. # وبكلمة أخرى كان فولتير يأسف على التخصص الذي اتبعه نيوتن، وكان ms079 يؤثر أن يراه أديبا ~~شاعرا فنانا كما هو عالم في الطبيعيات والرياضيات. # والخلاصة أننا يجب ألا يحدنا التخصص؛ لأن التربية للحياة قبل كل شيء، وليست لعلم أو فن ~~معين، والوسيلة إلى ذلك هي الثقافة العامة. # | سيكلوجية الدرس # ما دمنا قد وصلنا إلى هذه المرحلة، حيث سنشرع في وصف الطرق الناجعة لدراسة المواد؛ فإننا ~~نحتاج إلى بعض الإرشادات السيكلوجية التي تجعل الدارسة سهلة محببة. # وكل دراسة تحتاج إلى شيئين، هما الحافز والذكاء. # فأما الحافز فنعني به العاطفة، حتى تبعث الرغبة أولا ثم الإرادة للدراسة، وهي بمثابة ~~الاشتهاء للطعام، فإننا لا نأكل إلا إذا اشتهينا الطعام، فإذا تولانا حزن أو غضب فإننا نجد ~~أن هذا الاشتهاء قد زال، ولا يجدينا أن تكون لنا معدة سليمة مستعدة للهضم، وكذلك الحال في ~~الدرس، فلا يعنينا أن نكون أذكياء قادرين على الفهم ما دامت النفس نافرة كارهة، وهناك آلاف ~~من الشبان لا ينقصهم الذكاء ولكن ينقصهم الحافز، وهؤلاء يحتاجون إلى أن تتغير نفوسهم، وأن ~~يحسوا هذا التغيير الذي لا يقل في قيمته عن التغير الديني لأن الشخصية تجد أهدافا جديدة في ~~الحياة. # وقد حدث في الحرب الماضية (1914-1919) أن جند بعض الشبان في الولايات المتحدة ~~ونقلوا إلى ميدان القتال في فرنسا، وكان آباؤهم من المهاجرين يجهلون كتابة اللغة ~~الإنجليزية، وكان بعضهم فوق الستين، ومع ذلك شرع يتعلم الهجاء والكتابة كي يستطيع أن يراسل ~~ابنه في فرنسا، وثبت أن هؤلاء الشيوخ تعلموا القراءة والكتابة بسرعة غريبة لأن الحافز كان ~~قويا، بعث العاطفة والإرادة، من الحب الأبوي للأبناء. # وثم حادثة أخرى لها دلالتها السيكلوجية، ففي بعض سنوات الكساد والتعطل في النمسا ~~وجد في إحدى المدن الصغيرة بإحصاء القراء في المكتبة العامة، أنه على الرغم من توافر ~~الوقت للعمال (بسبب التعطل) فإنهم لم يقرءوا من الكتب نصف ولا ربع ما كانوا يقرءون وقت ~~عملهم وتكسبهم؛ وذلك لأن العامل وقت التعطل كان حزينا فاترا لتعطله، فلم تنشط نفسه إلى ~~الدرس والقراءة، أما وقت العمل فكان - على الرغم من قلة ms080 فراغه - نشيطا مسرورا، فكان ~~يقرأ. # فهذان المثالان يدلان على قوة الحافز في الدراسة، فعجز الشيخوخة لا قيمة له ما دام الحافز ~~قويا، وفراغ اليوم كله لا يجدي في الدرس ما دامت النفس محزونة بالتعطل. # ولذلك يجب على الراغب في الثقافة أن يجد الحافز في نفسه، وذلك بأن يعين أهدافه في هذه ~~الدنيا، فيقعد مثلا في خلوة غرفته ويسأل لماذا يعيش؟ وهل يصح أن يقضي 70 أو 80 سنة على هذا ~~الكوكب وهو لا يعرف غير أحاديث القيل والقال في المجلات الأسبوعية وألعاب الحظ وقضاء الوقت ~~في خواطر اليقظة السخيفة؟ # وهو لا بد واصل يوما ما إلى إقناع نفسه بضرورة الرقي بالتثقيف الذاتي؛ وعندئذ يحس ~~الحافز وتنشأ فيه العاطفة، وهنا البداية أي الرغبة العامة في الدرس، ثم تنتهي إلى التخصص في ~~دراسة موضوع معين، وهنا الإرادة. # وفي بعض الأحيان نجد الحافز طبيعيا، قد أحدثته الطبيعة في شوهة ميلادية تلازم الشخص مدى ~~حياته وتحفزه على التفوق عن سبيل الثقافة؛ ذلك أنه يجد الاحتقار من زملائه لأنفه الضخم، أو ~~لعوج في جسمه، أو لدمامة وجهه أو نحو ذلك، فتكون الثقافة سبيلا إلى الامتياز من حيث لا ~~يستطيع غيره أن يباريه فيه؛ لأنه يبذل عندئذ مجهودا أكبر منه، وكلنا يعرف المثل المألوف في ~~تلك الفتاة الجميلة ترى الإعجاب بها من كل ناحية فلا تبذل المجهود الذي تحتاجه الثقافة ~~وتبقى طوال حياتها بذكاء غشيم غير مدرب، في حين أن تلك الأخرى التي لم تتمتع بمثل هذا ~~الجمال تجهد وتمهر وتحصل، فيتفتح ذكاؤها، وتجد السبيل إلى الثقافة العالية. # فالحافز هنا هو نوع من مركب النقص، نقص يحمل على التكمل، وحاجة تبعث على النشاط ~~للتفوق. # ولكن يجب ألا يحتاج كل منا إلى شوهة يولد بها كي تبقى مهمازا ينخس نفسه ويحثها على ~~التفوق. # والقصد من الدرس هو التعلم، أي نقل المعارف إلى حياتنا بحيث ننتفع بها في الفهم وفي ~~سلوكنا واتجاهنا وميولنا وتصرفنا الخاص والعام، وواضح أنه لا قيمة لأية دراسة لا تتفاعل مع ~~حياتنا، أي ليس ms081 لها وظيفة عضوية في كياننا النفسي. # فإذا أحسسنا الحافز، فإننا لا نبالي بعد ذلك مقدار مانملك من ذكاء؛ لأن قليلا من الذكاء ~~مع كثير من الرغبة في الدرس هما خير ألف مرة من ذكاء عبقري مع انعدام الرغبة. # ويجب في دراستنا أن نراعي هذه الإرشادات: ~~(1) # أن نتصفح الكتاب جملة، فنتعرف الفهرست ونقدر ما نمنح المؤلف كلا من ~~الموضوعات من الأهمية، وهذا لا يكلفنا أكثر من بضع دقائق. ~~(2) # بعد ذلك نقرأ الكتاب بترتيب المؤلف فلا نختار فصولا قبل أخرى. ~~(3) # يجب أن نجعل الوجبة الذهنية مثل الوجبة الطعامية؛ أي يجب ألا تكون كبيرة ~~نتخم بها، فكما أننا لا نستطيع أن نأكل وجبة تكفينا أسبوعا، كذلك يجب أن نقتنع ~~بما يكفي الذهن يوما حتى لا نكل ونصد، بل حتى نفهم ونهضم. ~~(4) # يجب أن نجعل دراستنا مزدوجة؛ أي لا نقنع بالقراءة بل نزيد عليها كتابة، فإذا ~~قرأنا فصلا لخصناه مع التعليق والنقد، وأحسن الطرق لأن نفهم الكتاب أن نلقي ~~عنه محاضرة؛ لأننا عندئذ نشارك المؤلف في تأليفه، ونستذكر أشياء كثيرة ما كنا ~~لنستذكرها لو إننا كنا قد قنعنا بالقراءة. # وعلى القارئ أن يذكر هنا أننا نقرأ الإنجليزية أو الفرنسية ولكنا نعجز عن ~~كتابتهما، ولا نستطيع الكتابة إلا بعد مرانة طويلة، فليذكر هذه الحقيقة في ~~دراسة أي موضوع، فالقراءة أسهل من الكتابة، ونحن نعرف الموضوع أكثر إذا مارسناه ~~قراءة وكتابة. ~~(5) # إذا وجد القارئ أن ذهنه يتشتت في وقت الدرس فعليه أن يذكر أن هذا التشتت يدل ~~على أنه بدأ يعمل عملا ما قبل الدرس ولم يتممه، والتشتت برهان على أن نفسه ~~تنزع إلى إتمام هذا العمل. # فربما كان قد شرع في قراءة قصة ولم يتمها، وربما كان ينوي قراءة المجلة ولكنه ~~آثر عليها الدرس، وربما نفسه تنازعه إلى الرد على خطاب وصل إليه وأجل هو ~~الإجابة، وربما هو يذكر ميعاد المقابلة لأحد الأصدقاء أو تأدية عمل آخر ... إلخ، ~~فما دامت هذه الأعمال قائمة في ذهنه ولم تتم فإنه مشتت عاجز عن حصر ذهنه في ~~الدرس؛ ms082 ولذلك يجب عليه أن يتم كل هذه الأشياء قبل الدرس. ~~(6) # أحسن الأوقات للدرس هو الصباح؛ لأن النوم مع الأحلام التي نذكرها أو لا ~~نذكرها، يكون قد مسخ العواطف السيئة التي تكونت في نهار الأمس، وهذه العواطف ~~تشتت الذهن؛ لأنها تذكرنا بحوادث لم نسر منها أو لم ننته منها، ودراسة ~~المساء سيئة من هذه الناحية. ~~(7) # ولكن دراسة المساء قد تكون حسنة إذا كانت إيحاءات النهار حسنة. ~~(8) # يجب أن نعين الوقت والمكان للدرس، بحيث يصير الدرس عادة، فإذا دقت الساعة ~~تنبهت النفس، وإذا دخلنا الغرفة وجدنا أن جوها ينادينا بالقراءة ~~والدراسة. # يجب أن نتجنب النفس الأخير، ونعني بهذا أننا عندما نشرع في مجهود ذهني نجد أن ~~الإرادة تحملنا على بضع ساعات من العمل، وهذا هو النفس الأول، ومن الحسن أن ~~نقنع به، ولكن ربما نجد أن العمل يحتاج إلى نفس ثان، فنستأنف العمل مجهودين ~~ونحس الجهد في الأولى ثم تحملنا الإرادة على العمل ونقطع شوطا فيه وهذا هو ~~النفس الثاني، وإلى هنا يجب وجوبا حتميا أن نقف كي نرتاح بالنوم أو ~~النزهة. # ولكن يحدث أحيانا أن نضطر إلى إنهاء عمل ما فنستأنف العمل مجهودين كارهين، ~~وهذا هو النفس الثالث، وهو يحملنا على قطع شوط أكبر مما قطعنا في النفس الثاني، ~~بل وربما أكبر من النفس الأول. # ولكن يجب مع ذلك أن نتجنب هذا النفس الثالث؛ لأننا في الحقيقة نؤديه ونحن ~~محمومون، وهو مرض، ويجب ألا يخدعنا ما نحسه من حماسة وقدرة. # وهذا النفس الثالث قد يؤدي بنا إلى انهيار نفسي يحتاج إلى أشهر من ~~العلاج. # | كيف نقرأ الكتاب # إذا كانت الجريدة كبيرة الخطورة في مجتمعنا لقوة الإيحاء الذي تحدثه بالتكرار، وإذا كانت ~~خطورتها هذه تعظم مدة الحرب لأن العالم يسرع عندئذ في تغيره وتطوره، فإن الكتاب لا يزال ~~وسيبقى قوي الأثر في التثقيف الذاتي، ولن تعادله، بل لن تقاربه الجريدة في ذلك. # والشاب الذي ينشد الثقافة يجب أن يجعل معظم فراغه وقفا على دراسة الكتب، ولا نقول ~~قراءتها؛ لأن الدراسة هنا يجب ms083 أن تكون عادة المثقف، أي يجب عليه أن يقرأ بالقلم، يعلق هنا، ~~ويشرح هناك على الهوامش، ولا يبالي أن يبلى الكتاب، وهو حين يفعل ذلك إنما يشارك المؤلف في ~~التأليف، ويعود هذا الكتاب «العام» ملكا خاصا له قد طبعه بشخصيته بما ترك في هوامشه من ~~شروح وتعليقات، وخير من هذا أن نكتب ملخصات في كراسة عن كل كتاب، حتى نعين درجات انتفاعنا ~~بها، وكما أننا نعنى بطعامنا، نختار أفضل ما يباع منه كي ننتفع به في صحتنا، وكما نختار ~~أجود الأقمشة لملابسنا، كذلك يجب أن نختار أفضل الكتب لتثقيفنا، وذلك بأن نعمد إلى خير ~~المؤلفين الذين نعرف أننا ننتفع بهم فنقتني مؤلفاتهم، ويجب أن نؤثر المطولات على ~~المختصرات. # ثم يجب أن نتوخى التخطيط دون التسكع، فلا نقرأ جزافا بل ندرس ونهدف عن تبصر إلى الغاية ~~التي نريد تحقيقها في الدرس، وليس من الشاق على الشاب أن يخلو إلى نفسه ويتعرف إلى حاجاته ~~الثقافية ثلاث أو أربع جلسات، يخرج منها ببرنامج لسنة أو سنتين يعين فيها المواد التي يجب ~~أن تدرس في هذه المدة، والشاب هو خير من يختار لنفسه المواد التي يريد أن يدرس؛ لأنه في ~~هذا الاختيار يصدر عن حاجة نفسية، ولكنه قد يحتاج هنا إلى من يرشده إلى أسماء بعض الكتب ~~التي ينتفع بها. # وفي عالم الثقافة كتب تعد أمهات يجب أن يعرفها كل مثقف، ونعني كل مثقف في العالم، كي ~~يصل إلى ما نسميه «العقل العام»، وقد وضع بعضهم قوائم «بمئة كتاب» وجدوا أنها ضرورية لكل ~~دارس، وسنبحث هذا الموضوع في فصول قادمة. # وعلى القارئ - أو بالأحرى الدارس - أن يعنى بمكتبته، فيقتني أفخر الخزائن والرفوف، ~~ويجلد الكتب؛ وذلك كي لا ينفر من بذاءتها، ويجب أن يجد في مكتبته كل إغراء لجذبه إليها، ~~سواء من ناحية اعتدال الهواء فيها أو من ناحية اختيار الأثاث. # والشاب المحظوظ هو الذي يهوى الثقافة؛ أي إنه يكون قد تعودها عن هواية لازمته منذ ~~الصبا، فهذا لا يكاد يحتاج إلى قراءة هذا الكتاب؛ ms084 لأن بين الكتاب وبينه علاقة فسيولوجية، ~~فهو يختار الكتب عن حاجة نفسية يحسها، ونفسه تنمو بالكتب كما ينمو جسمه بالطعام. # ومما يحسن بالشاب أيضا أن يعمد إلى أحد المؤلفين العالميين الذين أحبهم ووجد لهم الأثر ~~الكبير في عصرنا، فيقرأ ويدرس كل كتبه هذا المؤلف منذ شرع يكتب، ولا يترك شيئا له يستطيع ~~الحصول عليه؛ لأنه حين يفعل ذلك يضم إلى اختباراته الشخصية اختبارات هذا المؤلف ورؤياه في ~~الدنيا، وهو حين يتعرف إلى تطور المؤلف، وكيف تغير في أربعين أو خمسين سنة، إنما يتعرف إلى ~~تطور العصر أيضا. # فلنفرض أن القارئ يحب طه حسين مثلا، فعليه عندئذ أن يترجم هذا الحب إلى دراسة كل ما كتبه ~~طه حسين مما يباع ومما لا يباع، وعليه أن يتقصى كتاباته، وهو طالب بالأزهر قبل 45 سنة، ~~وعليه أن يقرأ كل ما كتب ضده كما يجمع مؤلفاته، وهو بهذا النشاط ينتفع باختبارات طه حسين ~~ورؤياه وكأنه قد عاش حياته وشاركه في مؤلفاته، وهكذا الشأن في سائر المؤلفين؛ فإننا يجب أن ~~نختار واحدا أو أكثر، نتعرف إلى حياتهم واختباراتهم، ونجمع مؤلفاتهم، حتى نستبصر بالتطور ~~الفكري الذي كانوا يدركونه فترة بعد فترة من حياتهم. # ولسنا نبالغ في قيمة الكراسة للتلخيص والتعليق؛ فإن الطالب الذي يحقق ويدقق يجب أن يقتني ~~هذه الكراسة، ولكن يجب عليه أيضا أن يقتني كراسة أخرى يقيس أو يعين فيها مراحل رقيه الذهني ~~بصرف النظر عن هذا الكتاب أو ذاك؛ أي إن الكراسة الأولى تختص بتقدير، الكتب أما الثانية ~~فبتقدير رقيه الشخصي والذهني. # ويجب على الطالب ألا يسأم من التساؤل: هل أنا ارتقيت بدراسة هذا الكتاب؟ هل أنا ارتقيت ~~في السنوات الثلاث الماضية؟ وما هي أوجه الرقي التي أستطيع أن أقول إني حققتها في هذه ~~السنوات؟ # وإذا كان هذا التساؤل قد يؤدي إلى شيء من النفور من الكتب فلا بأس في ذلك؛ لأن هذا النفور ~~هو في صميمه زهد روحي وحديث نفسي سوف يؤديان إلى زيادة التحقيق والتدقيق في التثقيف الذاتي، ~~بل ربما تكون ms085 هذه الفترات فرصة لتغيير القيم الثقافية والانسلاخ في الشخصية، كما تنسلخ ~~العذراء وهي في فيلجتها - أي خدرها - إلى الفراشة، فيخرج الطالب بعد هذا النفور إلى ~~اهتمامات جديدة لم تكن له من قبل، وقد يصل منها إلى آفاق أرحب، وأفلاك أبعد، فيعرف كتابا ~~جددا يحصل منهم على تربية جديدة تثرى بها نفسه، وربما تتغير بها أهدافه. # | دراسة اللغة العربية # اللغة العربية هي لغة الثقافة للأقطار العربية، نقرأ بها الكتاب والجريدة، وعلى ألفاظها ~~بني المجتمع الذي نعيش فيه، فيجب أن ندرسها ونتعرف إلى ما جل ودق من معانيها، وهناك من ~~السيكلوجيين من يزعم أننا لا نستطيع أن نفكر بلا لغة؛ أي إن معانينا إنما هي ألفاظ قبل كل ~~شيء، وتفكيرنا إنما هو كلام صامت. # وهناك من يرجح صحة هذا الزعم إلى حد بعيد، والكاتب الذي مارس الكتابة هو أول من يحس صحة ~~هذا الزعم؛ فإن المعاني كثيرا ما تأتي عقب الألفاظ، وقلة الكلمات في لغة المتوحشين هي من ~~أكبر الأسباب لتوحشهم؛ لأنهم لا يجدون المعاني الراقية، لعدم وجود كلمات التي تعين هذه ~~المعاني، واللغة التي تحتوي الكلمات الدقيقة التي تعين المعاني المفهومة المحدودة، تساعد ~~الأمة على الرقي، بخلاف اللغة التي تحتوي الكلمات المترادفة، أو التي تحمل معاني مختلفة ~~وأحيانا متناقضة، فإنها تؤخر الأمة لأنها تفسد المنطق وتعطل التفكير، وهي - أي كلمات - ~~تكون عندئذ بمثابة النقد الزائف الذي لا يشترى بمقدار ما كتب عليه من قيمة، أو أن قيمته ~~تزيد أو تنقص بلا حساب. # ولغتنا العربية، مع العناية في الاستعمال، وتخير الحسن من الألفاظ، وترك السيئ، تعد من ~~أفضل اللغات، ونستطيع مع هذه العناية أن نصل منها إلى الأسلوب الاقتصادي، أو حتى إلى ~~الأسلوب البرقي في التعبير، ولكنا ورثنا عادات كتابية جعلت للغة العرب عند أمم العرب الآن ~~كما كانت اللاتينية عند الأوروبيين في القرون الوسطى؛ أي مجموعة من الزخارف اللفظية ~~السخيفة، وافتخار بالمترادف، وإمعان في الألاعيب البلاغية الصبيانية، حتى انقطع التفاعل ~~بينها وبين المجتمع، فالمجتمع يتطور بعيدا عن اللغة العربية التي أصبحت ms086 خرساء لا تنطق بنحو ~~مئة علم وفن يستمتع وينتفع بها جميع الأمم المتمدنة دوننا. # ولهذا الانفصال القائم بين اللغة والمجتمع نجد أن الأدب متأخر لا يعبر عن النفس المصرية، ~~بل إننا لا نكاد نعرف ما هو فن الدرامة لهذا السبب أيضا، وهناك من يزعم أننا سوف نكتب - ~~كما نتكلم الآن - باللغة العامية، بل يجب أن نسعى ونجد كي نصل إلى هذه الغاية، والخبط ~~كثير في هذه المشكلة التي يرجو مؤلف هذا الكتاب أن يدلي فيها برأي في القريب؛ لأن مشكلة ~~اللغة العربية هي مشكلة التفكير والثقافة للمصريين، واللغات في مباراة سوف تسقط فيها اللغة ~~التي تعجز عن التثقيف والخدمة، وهناك حركات ذهنية جديدة مثل الحركة السيمائية أي البلاغة ~~الجديدة التي تطارد الزخارف وتبتكر الألفاظ الخادمة، وهناك «الإنجليزية الأساسية» التي ~~تعتمد على 946 كلمة أساسية فقط لدراسة اللغة، ويقصد منها تعميم الإنجليزية في العالم كله ~~بتسهيلها إلى أقصى حد حتى لا يحتاج الأجنبي عنها لتعلمها إلا بضعة أسابيع أو أشهر، وأول ما ~~نحتاج إليه في مصر لإصلاح لغتنا أن نجعل زيادة كلمة في التعبير خطأ لا يختلف من الخطأ في ~~نصب الفاعل أو رفع المفعول. # وطالب الثقافة في مصر، أو أي قطر عربى، يحتاج إلى أن يعرف اللغة العربية معرفة دقيقة ~~ووافية حتى لا يجد نفسه غريبا عندما يقرأ الأغاني أو مؤلفات المعري أو ابن خلدون، وخير ~~الطرق لتعلم اللغة أن ندرس الموضوعات التي نهتم بها فتنتقل إلينا كلمات اللغة في الجو الذي ~~استعملت فيه؛ فالطبيب العصري يمكنه أن يقرأ في لذة وفهم كتاب ابن أبي أصيبعة «طبقات ~~الأطباء»، وهو عندئذ لا يبالي بعض الكلمات التي تصادفه مهما تكن غريبة عليه؛ لأنه سيفهمها ~~في جو المعاني المحيطة بها، ودارس الفلسفة يستطيع أن يتابع ابن رشد أو ابن سينا في ~~التعبيرات الغريبة التي يعجز المتخصص في اللغة عن فهمها، وبكلمة أخرى يجب ألا ندرس اللغة ~~مباشرة، أي يجب ألا نتعمد دراسة اللغة كأنها مادة منفصلة؛ لأن الواقع أن اللغة هي أسلوب ~~للتعبير، ms087 والتعبير يعني في النهاية معالجة موضوعات. # ولسنا نقصد من هذا إلى أننا لا نحتاج إلى معجم نستشيره كلما صادفتنا صعوبة لغوية، بل ~~العكس؛ فإن طالب الثقافة لا يمكنه أن يستغني عن الرجوع إلى المعجم واستشارته من وقت لآخر، ~~وعليه أن يدرك أن دقة الفهم والتمييز تعني دقة التعبير، والكتاب الذي يرضى بالجملة ~~المفككة، ويهمل العبارة المحبوكة على قدر المعاني المطلوبة، إنما يؤذي القارئ لأنه يحمل ~~إليه تفكيرا مفككا غير محبوك. # ويجب ألا نترك دراسة اللغة للمختصين؛ لأننا إذا فعلنا هذا أهملنا الوسيلة الكبرى للتفكير، ~~لأننا نفكر باللغة، ومن الحسن لكل مثقف أن يمارس الكتابة، إما بمراسلة الصحف وإما بتأليف ~~رسالة أو كتيب في موضوع يهتم به؛ لأن الكتابة تحمله على التدقيق في اختيار الكلمات والدقة ~~في استعمالها، والفائدة تعود عليه في النهاية لأنه يتعود هذه الدقة في دراسته وتربيته ~~الذاتية. # ويجب أن نميز بين الفهم السلبي والفهم الإيجابي للغة؛ فإننا حين نتعلم اللغة الإنجليزية ~~مثلا إنما نعني أن نتعلم قراءتها، فنحن نقرأ كتابا إنجليزيا فيكون فهمنا سلبيا، ولكن ~~إذا كنا نقرأ هذا الكتاب، ثم نعالج تلخيصه باللغة الإنجليزية فإن فهمنا له يعود فهما ~~إيجابيا. # فالقدرة على القراءة تعد فهما سلبيا، ولكن القدرة على الكتابة تعد فهما إيجابيا، ~~وليكن لنا دلالة من هذه الحقيقة في دراستنا للكتب العربية؛ فإذا عمدنا إلى تلخيص ما نقرأ، ~~أو إذا ألقينا محاضرة عما نقرأ، فإن هذا يحملنا على زيادة الدرس للموضوع، وأيضا ~~للغة. # وربما يجد القارئ لهذا الفصل تعمقا وتوسعا في كتابي «البلاغة العصرية واللغة ~~العربية». # | الأدب العربي القديم # هذا المجتمع المصري، بل كل مجتمع عربي، إنما نشأ في حضن الثقافة العربية ورضع من تقاليد ~~الإسلام، ولا يمكن مصريا أو عربيا أن يهمل الثقافة العربية القديمة لهذا السبب، والشاب ~~المثقف، سواء أكان مسلما أم غير مسلم، يحتاج إلى دراسة القرآن كي يفهم الأصول التي بني ~~عليها مجتمعنا، كما يحتاج إلى دراسة الأدب العربي، بل الثقافة العربية العامة، كيف نشأت ~~ونضجت ثم انحطت وتدهورت، وعليه أن ms088 يتعرف إلى العلل التي منعت العرب من أن يبعثوا النهضة ~~الحديثة بدلا من الأوروبيين، على الرغم من أن العصور الوسطى عندهم لم تبلغ في الظلام تلك ~~الحلكة التي بلغتها في أوروبا، وعليه أيضا أن يعرف حدود النهضة العربية القديمة. # وخلف كل نهضة في الأدب أو العلم أو الدين حالات اقتصادية هي التي تحرك وتحدث التغير ~~والتطور، وحسبنا أن نقول هنا إن المجتمع العربي كان إقطاعيا في كل عصوره حربيا في بعض ~~عصوره ، وإن الثقافة العربية تأثرت بهذا الوضع الاقتصادي، وإذا شئنا التلخيص استطعنا أن ~~نقول: ~~(1) # إن الأدب العربي كان يخدم الطبقة العالية من الأمة، من خليفة أو أمير أو ثري، ~~وإنه لم يكن قط ديمقراطيا إلا في حالات قليلة جدا في مصر حين أثرت أيام ~~الفاطميين والمماليك بنقل التجارة بين أوروبا وآسيا، فألف الكتاب للشعب ~~كتبا مثل ألف ليلة وأبي زيد وقصة بيبرس. ~~(2) # إنه كان فردي النظر، لم يجعل العالم موضوعه ولا المشكلات البشرية أساس ~~اهتمامه. ~~(3) # تأثر الأدب العربي تأثيرا سيئا جدا بانفصال الجنسين. ~~(4) # النظرة العالمية في الأدب العربي هي - كما كانت في أوروبا مدة القرون الوسطى ~~- نظرة إلهيه غيبية وليست إنسانية عالمية. ~~(5) # كاد العرب ينهضون في الفلسفة، ولكن الغزالي وأمثاله قتلوا هذه النهضة؛ لأنهم ~~وصموا الفلسفة بالكفر. # أما لماذا لم يحدث العرب النهضة التي أحدثها الأوروبيون في منتصف القرن الخامس عشر، فإني ~~أنقل إلى القراء الأسباب التي يراها «كروثر»، فهو يقول إن الذي حال دون النهضة عند العرب ~~هو: ~~(1) # الرق؛ لأن العمل اليدوي وصم به، ولم يعد المجتمع العربي يحتاج إلى اختراع ~~آلات تخفف منه أو تغني عنه. ~~(2) # تحريم الربا؛ لأن إنشاء المصارف أصبح شاقا أو متعذرا، والمصارف ضرورية ~~للتجارة وراء البحار أو حتى بين مدينة وأخرى. ~~(3) # منع التشريح؛ لأن الطب والبيولوجية لم يعودا من العلوم التجريبية. ~~(4) # منع التصوير، ولهذا المنع علاقة بالطب والبيولوجية والبناء والنحت ... ~~إلخ. ~~(5) # قلة الخشب وعدم وجود الفحم؛ لأن بناء السفن والمصانع واعتمال المعادن يحتاج ~~إليهما. # هذه هي - في رأي كروثر - الأسباب التي منعت العرب ms089 من القيام بالنهضة، وهي أسباب في ذاتها ~~وجيهة، ولكن الموضوع لا يزال بكرا يحتاج إلى زيادة في البحث والدرس؛ فإننا مثلا لا نعرف ~~لماذا لم يعرف العرب البرلمان أو المجلس البلدي كما عرفهما الأوروبيون حتى في القرون ~~الوسطى، وربما كان أعظم الأسباب لتأخر العرب ينحصر في استيلاء الأتراك والفرس والتتار ~~عليهم، مع عجز العرب عن إدماغهم في جسم الأمم العربية؛ إذ بقوا منفصلين يمارسون السيادة ~~الدينية فقط، ويجب على كل حال أن نذكر أن ظلام القرون الوسطى عند الأمم العربية كان أقل ~~حلكة مما كان في أوروبا، وأن الثقافة العربية فيما بين سنة 700 و1400 كانت أرقى بكثير من ~~الثقافة الأوروبية في هذه الحقبة، وربما تكون الأسباب التالية جديرة بالنظر ~~والاعتبار: ~~(1) # لم يكن عند العرب كهنة يستأثرون بالثقافة ويحدون من حرية الفكر، وإن كان كثير ~~من الخلفاء العباسيين قد اصطنعوا حقوق الكهنة، وهذا بخلاف الحال في أوروبا حيث ~~استأثر الكهنة بالتفكير وقطعوا الصلة بينه وبين الشعب. ~~(2) # بساطة الإسلام وخلوه من الارتباكات الغيبية، جعلت المسلمين أكثر حرية في ~~التفكير من الأوروبيين. ~~(3) # لسعة العالم الإسلامي، من حدود الصين إلى المحيط الأطلنطي، ولحرية العرب في ~~الوصول إلى الشرق الأقصى، صار من الممكن إنشاء مدن كبرى، والمدينة الكبيرة التي ~~تتسع دائرة تجارتها إلى الأقطار البعيدة هي أساس الثقافة الخصبة، أما أوروبا ~~فإن ثقافتها عادت قروية؛ لقطع المواصلات بينها وبين أفريقيا وآسيا (والعرب هم ~~الذين قطعوا هذه المواصلات). ~~(4) # كان البحر وسيلة للمواصلات عند العرب، ولم يكن كذلك عند الأوروبيين. ~~••• # والآن قد يتساءل القارئ: لماذا كل هذا الشرح عن الأدب العربي أو الثقافة العربية القديمة، ~~مع أن الغرض الأصلي من هذا الفصل أن نعرف الطرق التي تمكننا من دراستهما؟ # فنجيب على هذا السؤال بأنه يجب التقدير والتقويم؛ فإن كثيرين من الراغبين في الدراسة ~~والثقافة في مصر يقتصرون على أدب العرب كأنه خير ما أنتجت عقول البشر، وكأن هذا الكوكب، وما ~~أنتجته عليه عقول الإغريق والصينيين والهنود والألمان والإنجليز وغيرهم، لا قيمة له إلى جنب ~~الثقافة العربية ms090 القديمة؛ فإن من أوجب واجباتنا أن ندرس الأدب العربي، ولكن بشرط أن نعرف ~~مكانه في الآداب العالمية؛ لأنه قبل كل شيء موسوم بالقرون الوسطى، وهو بعيد عن النهضة ~~العصرية البشرية. # أما ماذا نقرأ في الأدب العربي القديم، فهذا ينقسم قسمين: # أحدهما أمهات الكتب التي يجب أن نقتنيها ونحتفظ بها للمراجعة والاستشارة، وأما القسم ~~الأخر فتلك الكتب التي نستطيع أن نستغني عن بعضها أو نتوسع في بعض دون بعض منها. # وعندي أن كل شاب ينشد الثقافة، ويريد أن يكفل لنفسه معرفه عامة بالثقافة العربية القديمة، ~~يحتاج إلى أن يقتني هذه الكتب الستة التالية، وهي تبلغ نحو 70 أو 80 مجلدا: ~~(1) # القرآن، باعتباره الأساس الذي بني عليه المجتمع العربي، وليس هذا واجب المسلم ~~فقط بل واجب المسيحي أو اليهودي أو الملحد أيضا. ~~(2) # تاريخ الطبري، ومنه نعرف الحقائق والأساطير التي تكونت بها العقلية العربية، ~~وهذا إلى سرد محقق لتاريخ العرب في القرون الثلاثة الأولى. ~~(3) # معجم الأدباء لياقوت، فإنه موسوعة أدبية في غاية السمو، وتراجم الأدباء مع ~~التعليق على أشخاصهم ومؤلفاتهم بقلم أديب مثل ياقوت تنير القارئ عن البيئات ~~التي زكا فيها الأدب العربي القديم. ~~(4) # الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني، فإنه موسوعة أدبية عظيمة أيضا، وهو يشرح لنا ~~المجتمع العربي في الطبقات العالية. ~~(5) # لسان العرب لابن منظور، وهو معجم يشبه الموسوعة كتب على الطريقة القديمة ~~في المعاجم. ~~(6) # نفح الطيب للمقريزي عن تاريخ الأندلس، وهو يشرح لنا ألوانا من الرقي ~~والانحطاط في هذا الحلم العربي الذي أوشك أن يكون حقيقة، ولو أنها كانت قد ~~تمت في أوروبا لتغير تاريخنا. # هذه الكتب الستة يجب أن تقتنى وتحفظ، وتعد أساسا للثقافة العربية القديمة. ~~••• # وأحسن ما ننصح به في دراسة الأدب العربي القديم هو كتابان للدكتور على الوردي، الأول هو ~~«وعاظ السلاطين»، والثاني هو «أسطورة الأدب الرفيع»؛ فإن في هذين الكتابين ما يفتح العقول ~~والعيون معا على حقائق تواطأ كثيرون على إخفائها، ولا يمكن لذلك فهم الأدب العربي ~~بدونها. # | الكتب العربية القديمة # في الفصل السابق ذكرنا ستة من الكتب ms091 التي تعد مراجع تدرس وتقتنى للرجوع إليها من وقت ~~لآخر، وهي جميعا ضرورية. أما في هذا الفصل فسنذكر بعض الكتب العربية القديمة في الأدب ~~والسياحات والتاريخ والعلوم، ويمكن القارئ أن يأخذ منها بالقدر الذي يريد، وأن يتوسع هنا ~~ويتزيد، أو يقنع هناك ويقتصر، فلعله يؤثر الأدب على التاريخ أو العكس، ولعله يميل إلى ~~الدارسات الفلسفية ويجب أن يقتني مؤلفاتها بدلا من كتب التراجم أو السياحات، والشاب الذي ~~يدرس الثقافة العربية، ويهوى فنا منها، يستطيع بعد قليل من الدراسة أن يسترشد مستقلا ~~بفنه، كما يستطيع أن يتجاوزه إلى فنون أخرى تتصل به. # والثقافة العربية القديمة هي قبل كل شيء ثقافة الأدب، فهي غنية في هذه الثروة، وكي نعرف ~~الأدب العربي على أحسنه وأنضجه وأفحله يجب أن نقرأ الجاحظ، بل يجب ألا نترك للجاحظ كلمة ~~كتبها دون أن نعرفها ونتأملها؛ فإنه أعظم أدباء العرب قاطبة، وهو رجل موسوعي الذهن يكاد ~~يكون بشري النزعة، وهو يتحمل المقارنة مع أي أديب أوروبي، ويخرج أحيانا من هذه المقارنة ~~مزكى بل ظافرا، وربما يحسن بالقارئ أن يتقدم إليه بعد أن يقرأ الفصل البديع الذي كتبه في ~~ترجمته ياقوت. وجمهور المثقفين يذكرون «البيان والتبيين» كأنه خير مؤلفاته، ولكن الواقع أن ~~جميع مؤلفات الجاحظ من الطراز الأول وليس فيها شيء من الطراز الثاني أو الثالث، والانتقال ~~من الجاحظ إلى أي أديب عربي آخر هو انحدار كبير؛ لأنه ليس بين أدباء العرب أيام الأمويين أو ~~العباسيين من يقاربه، فضلا عن من يساويه؛ لأن الجاحظ كان في كل ما كتب يدل على اهتمامات ~~ذهنية حيوية وكان يعالجها بنضج، إن لم نقل بفحولة، وهو عبقري في مجادلاته الدينية، كما هو ~~في فكاهاته، بل كما هو في جولاته حتى في دراسة الحيوان؛ ولذلك فإننا نستطيع أن نقول إن ~~الشاب الذي يجهل الجاحظ إنما يجهل شيئا كثيرا من أجود ما كتب قديما في اللغة العربية، ~~ويأتي بعد الجاحظ الشعراء من أمثال المتنبي وابن الرومي وأبي تمام وأبي العتاهية والأخطل ~~والمعري، ومن الحسن أن ms092 ندرس ترجمة طه حسين للمعري، ورسالة الغفران بتعليق كامل ~~كيلاني. # ونصيحتنا للطالب هنا أن يدرس أديبا واحدا كل الدرس، فلا يترك له شيئا، وأن يلتفت إلى ~~غيره بعد ذلك التفات المتنزه المختار؛ ولذلك فإن شرح ابن أبي الحديد على «نهج البلاغة» ~~مثلا يعد من الكتب الفريدة التي نحتاج إليها في دراسة الجاحظ وغيره من الأدباء كما نحتاج ~~إلى كتب أخرى قد تفرقت فيها أخباره وكتاباته، ونستطيع أن نسترشد بمؤلفات أحمد أمين في دراسة ~~التطور الفكري في القرون الثلاثة الهجرية الأولى، وبكتاب عصر المأمون لفريد الرفاعي، وعندي ~~أن الشخصيتين البارزتين في الأدب العربي القديم هما الجاحظ والمعري، أما من عداهما من ~~الشعراء والكتاب فيمكن دراسته على مهل، بل في الضوء الساطع لهاتين الشخصيتين، بل أحيانا ~~أظن أنه يمكن إهماله كله. # وهناك من يكبر من شأن المتنبي، وعندي أن قيمته تنحصر في دلالة الصراع الذي قام بين الروم ~~والعرب، وكانت الدولة الحمدانية بؤرة في هذا الصراع، أما الهمذاني والحريري وأمثالهما ~~فمؤلفاتهم يتداولها القراء، وهي كبيرة الدلالة التاريخية، أما القيمة الفنية فشأنها صغير ~~جدا. # وعلى القارئ أن يسترشد في الشعر بحماسة أبي تمام ومختارات البارودي، وكلتاهما تفتح له ~~الباب للتوسع. # ويجب أن ندرس كتب السياحات العربية، مثل ابن بطوطة وابن جبير؛ فإن ابن بطوطة رحل من شاطئ ~~المحيط الأطلنطي (عند طنجة) إلى شاطئ المحيط الهادي (في الصين)، وهو يكشف لنا عن دنيا عظيمة ~~في القرون الوسطى كنا نجهلها، أو نجهل الشيء الكثير منها لولاه، وأقل منه - ولكن أعقل منه - ~~ابن جبير؛ فإنه يصف لنا أقطار البحر المتوسط، وإلى هؤلاء يجب أن نضيف الجغرافيين، أمثال ~~الإدريسي، وكتاب ياقوت في البلدان، وهو معجم يحفظ للمراجعة. # أما العلوم العربية القديمة فثروتنا فيها صغيرة؛ فإن حياة الحيوان للدميري، ثم طبقات ~~الأطباء لابن أبي أصيبعة، وكتاب الأنطاكي في العقاقير، وكتاب البيروني عن الرياضيات، ~~ومؤلفات ابن سينا، كل هذه العلوم التي تعالج الطب والمواد والرياضيات والحيوان قد اختلطت ~~فيها الأساطير بالحقائق، وقيمتها كلها تاريخية، ويجب أن نسترشد هنا بكتاب ms093 «تراث العرب ~~العلمي» لمؤلفه قدري حافظ طوقان. # واللغة العربية حافلة بالمؤلفات التاريخية، وقد ذكرنا الطبري في الفصل السابق وعددناه ~~مرجعا للاستشارة، ونزيد هنا مؤلفات ابن الأثير والمسعودي وابن خلدون وابن خلكان (وهذا ~~الأخير يترجم بحياة البارزين إلى عصر صلاح الدين). # أما الفلسفة فإن مؤلفات ابن سينا والفارابي والرازي وابن رشد (وهو أعظمهم) وجماعة إخوان ~~الصفا، يمكن أن تقرأ للفائدة التاريخية لا أكثر؛ لأن اهتماماتهم الفلسفية لم تعد لها ~~أية قيمة في عصرنا، وعلى القارئ هنا أن يسترشد بكتاب ج. دي بور «الفلسفة في الإسلام» ترجمة ~~م. ع. أبو ريدة. # | مصر والأدب العربي القديم # نحتاج في دراسة الأدب العربي القديم أن نخص مصر بقسم كبير من مجهودنا؛ فإن مصر كانت ولا ~~تزال بعض العالم العربي، وقد قضت قرونا وهي تابعة للخلافة، كما قضت قرونا أخرى وهي منفصلة ~~منها، وكانت ألمع أيامها الأدبية أيام الانفصال؛ لأن تعاقب الولاه عليها من الخلافة في دمشق ~~أو بغداد (أو القسطنطينية) كان يخربها وينزف منها أموالها ورجالها، وحسب القارئ أن يعرف أنه ~~تولى على مصر في خلافة هارون الرشيد وحده 22 واليا كان هم كل منهم بالطبع أن يحصل على ~~أكثر ما يستطيع من مال كي يعود إلى بغداد ويعيش في بذخ. # وليس من المنتظر من وال أجنبي بأن يؤسس المؤسسات أو يصلح أو يرم المرافق، إذا كان يعرف ~~أنه لن يبقى أكثر من عام، فمصر مع الولاة هي مصر الحلوب التي كانت تستدر حتى تنزف؛ ولذلك ~~فقدت الأمة شخصيتها أيام ولاة العرب، ثم انحطت إلى ما دون مستوى التاريخ البشري أيام ~~ولاة الأتراك، فنحن بلا تاريخ أيام هولاء الولاة. # أما أيام الاستقلال في عصر الطولونيين والإخشيديين والفاطميين والمماليك، فإن مصر كانت ~~تنتعش؛ لأن الوالي كان يستقر فيها فتعود وهي وطنه الوحيد الذي يعمل ويجهد لرفاهيته ~~وتزيينه. # ولكن هذا الانتعاش كان على السطح فقط؛ لأن جسم الأمة كان يرزح بالمظالم، حتى هوت مساحة ~~الأرض المزروعة من ستة ملايين فدان إلى ربع مليون فدان. # ونحن ننقل الجدول ms094 التالي عن الزراعة المصرية منذ دخول العرب أيام الفاطميين من كتاب ~~«المجمل في التاريخ المصري» للأستاذ حسن إبراهيم حسن، فهو يقول في صفحة 169: # بلغت مساحة الأرض المزروعة في عهد الخليفة الفاطمي المعز 285.714 فدانا، وفي عهد ~~وزارة بدر الجمالي نحو هذا القدر، وانعدمت - أو كادت - في أوساط حكم الخليفة ~~المستنصر، ولم يكن سبب هذا انخفاض النيل أو الوباء، وإنما كان ذلك راجعا إلى سوء ~~الحكم ... ويمكننا الوقوف على اطراد النقص في مساحة الأرض المزروعة في مصر ... في الثبت ~~التالي: # الوالي # السنة # المساحة المزروعة # عمرو بن العاص # 20 # 6 ملايين فدان # هشام # 125 # 2 مليون فدان # المأمون # 218 # 2128000 فدان # ابن طولون # 270 ~~؟ فدان # الإخشيد # 334 # 500000 فدان # المعز # 358 # 285714 فدان # انتهى كلام الأستاذ حسن إبراهيم حسن، وإني أوصي القارئ بدراسة كتاب محمد كامل حسين «في ~~الأدب العصري الإسلامي» فإنه يشرح لنا هذا الأدب إلى بداية الدولة الفاطمية، ونحن نحتاج إلى ~~نحو عشرة كتب أخرى من هذا النوع، توضح لنا تاريخنا الأدبي منذ دخول العرب إلى بداية القرن ~~الماضي، وهذا بالطبع مجهود كبير قد لا يتم إلا بعد سنوات كثيرة. # وبالطبع لم تلمع مصر في الأدب العربي كما لمع العراق، مقر الخلافة، التي كانت ترد إليها ~~من أنحاء السلطنة الإسلامية أموال وخيرات، وكانت تجذب إليها المتطلعين والنابغين من جميع ~~الأمم العربية، فلم ينبغ في مصر شاعر مثل البحتري أو ابن الرومي أو أبي نواس، ولا نجد ~~الموسوعات الأدبية العظيمة مثل الأغاني، إلا إذا اعتبرنا «لسان العرب» إحدى هذه ~~الموسوعات. # ودراسة الأدب العربي في مصر لا تزال مشوشة، والكتب المطبوعة عن هذا الأدب قليلة، ثم هي ~~ليست أفضل ما يقرأ، ومن المؤلفين المشهورين الذين يجد القارئ مؤلفاتهم مطبوعة ~~المؤرخ المعروف المقريزي، وكتاب النجوم الزاهرة لابن تغري من خير ما يقتنى لأنه يصل بتاريخ ~~مصر إلى سنة 750 هجرية. # وهناك كتابان يقرآن لما فيهما من ضوء ساطع على تاريخ مصر في القرون الثلاثة الأولى ~~للإسلام، هما «المكافأة» لابن الداية و«الولاة والقضاة» للكندي، ms095 والأول قصص طريفة، والثاني ~~تاريخ، ويحسن القارئ إذا قرأ كتاب البغدادي عن رحلته في مصر، وكذلك حياة ابن خلدون بقلمه، ~~فإنه أرصد صفحات كثيرة لوصف الأحوال في بلادنا عند قدومه ومقامه فيها. # وشعراء مصر الإسلامية ليسوا - كما قلنا - من الطراز الأول، والقارئ يجد لابن نباتة ~~والبوصيري والبهاء زهير دواوين شعر. # والراغب في درس مصر الإسلامية يجب ألا يهمل الكتب العامية مثل قصة الظاهر بيبرس، فإنها ~~مع ما تجمع فيها من أساطير تدل على الحال الاجتماعية بين الشعب أكثر مما تدل عليه كتب ~~الأدباء ودواوين الشعراء التقليديين. # وعلى القارئ أن يسترشد في دراسة تاريخ مصر الإسلامية بالكتب التالية: ~~(1) # البهاء زهير لمصطفى عبد الرزاق. ~~(2) # المماليك في مصر تأليف وليم موير وترجمة محمود عابدين وسليم حسن. ~~(3) # الظاهر بيبرس تأليف محمد جمال سرور. ~~(4) # النظم الإسلامية تأليف الدكتور حسن إبراهيم حسن وعلي إبراهيم حسن. ~~(5) # كنوز الفاطميين تأليف زكي محمد حسن. ~~(6) # تاريخ الإسلام السياسي تأليف الدكتور حسن إبراهيم حسن. # وتتضح من أسماء الكتب والموضوعات التي تعالجها، ويمكن أن نضيف الكتب التالية لدراسة أواخر ~~القرن الماضي: ~~(1) # تاريخ الجبرتي. ~~(2) # فتح مصر الحديث لحافظ عوض بك. ~~(3) # السيد عمر مكرم لفريد أبو حديد. ~~(4) # محمد علي لكريم ثابت. ~~(5) # علم الاقتصاد للمصريين لمحمد فهمي لهيطه (وهو عرض تاريخي). ~~(6) # من عهد المماليك إلى نهاية حكم إسماعيل تأليف يونج وترجمة على أحمد ~~شكري. ~~(7) # المجمل في التاريخ المصري لحسن إبراهيم حسن. # ويضاف إلى هذه الكتب جميع مؤلفات عبد الرحمن الرافعي بك دون إهمال أي مجلد منها، ومهما ~~أطريت في هذه المؤلفات فإني لن أفيها حقها، وخلاصة ما أقوله عنها إن القارئ المصري الذي ~~يجهلها يجهل تاريخ مصر أو أسس هذا التاريخ في العصر الحديث. # | الثقافة العربية الحديثة # لا يكاد القارئ يحتاج إلى هذا الفصل؛ فإنه يجد الكتب العربية الحديثة معروضة في المكتبات، ~~وأحيانا تعلن عنها إعلانات زاعقة في الجرائد والمجلات، ولكنه لنفس هذه الأسباب يحتاج إلى ~~بعض الإرشادات. # فإن الجمهور القارئ في مصر ينقسم قسمين، أحدهما مؤلف من أولئك الذين تعلموا وأتقنوا ~~(والإتقان هنا يستحق ms096 التأكيد) لغة أوروبية، وهؤلاء قلما يقرءون كتابا عربيا حديثا ~~لأنهم يرتعون في مرعى خصيب من الآداب الأوروبية الراقية يصلون عن سبيلها إلى جميع ألوان ~~الثقافة التي يرغبون فيها، وقل أن نجد واحدا من هؤلاء يحمل كتابا من هؤلاء يحمل كتابا ~~عربيا أو يتحدث عن أديب عصري؛ لأن وطنه الأدبي هو الوطن الفرنسي أو الإنجليزي أو ~~الألماني. # وهذه حال نأسف عليها نحن المؤلفين في مصر، ولكنا لا نستطيع أن نستصغر شأن هذا الجمهور، ~~ويجب أن نعترف أنه هو الجمهور الراقي الذي يشرب من رحيق لا يستطيع سائر القراء العرب أن ~~يعرفوا كيمياءه، بل حتى حين نكون لهؤلاء القدرة على تذوق هذا الرحيق، فإنهم لا يجدون في ~~المناخ الأدبي العربي الذي يعيشون فيه ما يعين أدبهم على الاختمار. # والقسم الثاني مؤلف من أولئك الذين لم يتعلموا اللغة الأجنبية، أو تعلموها ولم ~~يتقنوها؛ فلذلك لا يقرءون المؤلفات الإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية، وهؤلاء هم جمهور ~~القراء في مصر والأقطار العربية، ومستوى هذا الجمهور مع الأسف ليس عاليا، وقدرته الشرائية ~~ليست كبيرة؛ ولذلك فإن المؤلفين الذين أرصدوا أقلامهم لتنويره لا يجدون التشجيع الكافي منه، ~~وقد عاش العالم العربي في طاعة إمبراطوريات استعمارية في الخمسين أو الستين من السنين ~~الأخيرة منعت تعليمه، أو أقامت العقبات للحد من هذا التعليم، فصار الجمهور القارئ الذي ~~يشتهي الثقافة العالية صغيرا لا تستطيع الكتب العلمية أو الاجتماعية أو الأدبية الراقية أن ~~تجد عنده الرواج الكافي للإنتاج الخصب الوفير. # وإذا تركنا الإمبراطوريات جانبا وجدنا عقبة أخرى، هي هذا النزاع المضمر أو الصريح بين ~~الثقافة العصرية والثقافة العربية القديمة، وليس شك في أن قيام الجامعة المصرية في ناحية ~~والجامعة الأزهرية في ناحية أخرى في القاهرة هو رمز إلى هذا الصراع المضني، ففي كل من هاتين ~~الجامعتين نحو 40 ألف طالب، يتفرقون في أنحاء البلاد بعد تخرجهم، ويقسمون الرأي العام في ~~مصر قسمين سواء في السياسة أم الاجتماع أم الاقتصاد أم الغيبيات، وليس بين الفريقين تجانس ~~في الثقافة، فالأمة المصرية مع هذا ms097 الاختلاف تشبه الشخصية المنشقة التي نعرفها في ~~السيكلوجية الحديثة، وهذا الانشقاق نراه واضحا في بعض كتابنا، فهم إما متأثرون ب «مركب ~~العرب» وإما ب «مركب أوروبا»، وأحيانا نجد التعصب لأحد المركبين قويا كأننا في حرب ~~أهلية، ولهذا كله آثار سيئة، بل غاية في السوء في الرأي العام. # وبدهي أننا نعيش للعالم وليس للعرب، وأننا يجب أن نتصل بالعقل العام على هذه الكرة ~~الأرضية، ورابطتنا بالبشر كلية، ورابطتنا بالعرب جزئية، فإذا كان يجب علينا أن نعرف تاريخ ~~العرب وثقافتها، فأولى من هذا مئة مرة أن نعرف تاريخ العالم وثقافته، ولن نكون أمة متمدنة ~~عصرية ما لم نتوسع في ثقافتنا ونقيس مجتمعنا وخططنا الاقتصادية بالمقاييس العالمية. # وبعد هذه المقدمة الصغيرة نقول إن القارئ الذي يرغب في ترقية ذهنه بالكتب العصرية، يجب أن ~~يمتحن نفسه ويقيس مقدار الانتفاع والارتفاع مما يقرأ، فيجب أن يسأل نفسه: # ما هو التوجيه الذي يوجهني إليه هذا الكاتب ثقافيا وروحيا ~~واجتماعيا؟ # هل هذا الكاتب الذي قرأت له جملة مؤلفاته قد خدمني في تطوري؟ فأنا شخص آخر ~~غير ما كنت قبل أن أعرفه؟ # هل هذا الكاتب يرشد الجمهور ويقوده، أم ينقاد به ويتملقه، حتى تروج مؤلفاته ~~بينه؟ هل هو يسلي الجمهور أم ينفعه؟ هل هو ناضج الذهن، راشد النفس، قادر على ~~النظر الواسع للأمداد العالمية، أم هو صبياني النزعات تافه الأفكار؟ # كل هذه الأسئلة وأكثر منها يجب أن يسألها القارئ لنفسه من وقت لآخر، وهذا التساؤل ينقله ~~إلى وجدان جديد يحس فيه تبعات خطيرة في تربيته الذاتية. # ويحسن القارئ إذا هو تتبع أحد المؤلفين الذي يحبهم فلم يترك له صغيرة أو كبيرة حتى ~~يقرأها أو يدرسها، وهو حين يفعل هذا ينتفع بحياة هذا المؤلف، فكأنه هو - أي القارئ - قد ~~عاشها، لأنه يتتبع تطورها من عقيدة إلى رأي، أو من انفعال إلى وجدان، أو من ضمير مصري عربي ~~إلى ضمير عالمي بشري، والقارئ لا بد واجد واحدا من المؤلفين يجذبه أكثر من غيره. # فيجعل هذا الواحد بؤرة ثقافته، وليتعرف إلى ms098 كل كتبه، بل ليتعرف إلى حياته، فإن أحسن ما ~~نؤلف هو حياتنا التي نعيشها، وخير الأساليب التي يجب أن نتبعها مع أي مؤلف ليس أسلوب ~~الكتابة، بل أسلوب العيش، ومع ذلك لا يمكن أن نفصل بين الاثنين، وإذا لم يكن الأدب قد أثمر ~~حياة طيبة للأديب المؤلف، فلن يثمر شيئا طيبا للقارئ. ~~••• # وعندنا أدباء نشأوا في أحضان الأحزاب السياسية، فعلموا في الأدب والسياسة معا، وتعلموا ~~من السياسة ألفاظ الوقاحة والواقعية، والتسلق بالغش والخداع، ونقلوها جميعا إلى الأدب، ~~فهؤلاء يمكن إهمالهم؛ لأن دراساتهم ملوثة، مغرضة، هدفها الكسب فقط؛ إذ هم لا يؤمنون ~~بالخرافات ولكنهم يدافعون عنها تملقا للعامة، وهم يخدمون الدول الاستعمارية ~~ويؤجرون أقلامهم لها، وهم يلوثون الجو الأدبي في مصر بكلمات السباب والبذاء التي ~~تعلموها ومارسوها من الخلافات الحزبية في ميدان السياسة. # | مشكلة الثقافة في مصر # مسسنا هذا الموضوع في الفصل السابق من بعض النواحي، ونحتاج هنا إلى أن نمسه من نواح أخرى ~~كي نهتدي إلى مراسينا في الأدب العالمي، أو بالأحرى نتعرف إلى الأسباب التي عملت لتأخير ~~أدبنا وتخلفه عن سائر الآداب العالمية، فليس شك في أننا في تاريخنا القريب، أي منذ ستين ~~سنة، توالت علينا محن سياسية واقتصادية واجتماعية لا يجهل أحد منا الأصل الوحيد الذي ~~ترجع إليه وهو الاستعمار، وقد أصيبت النهضة الأدبية في مصر بقسطها من هذه المحن، فكوفح ~~التعليم، وخاصة تعليم النساء، كما منعت الأمة من تأسيس جامعة مدى خمسين سنة تقريبا، ~~وفرضت غرامات على التفكير، فمن شاء مثلا أن يخرج مجلة جديدة، فإن عليه أن يؤدي «تأمينا» ~~هو في الحقيقة غرامة لا أقل ولا أكثر. # وبهذه الوسائل حيل بيننا وبين النزعات العالمية الجديدة؛ ولذلك فإن كثيرا من تفكيرنا ~~العصري هو تفكير القرن التاسع عشر أو ما قبله، وليس تفكير القرن العشرين، وقد تغير العالم، ~~ولم نحس نحن هذا التغيير. لهذه الحيلولة بيننا وبين التفكير الجديد. # بل إننا نجهل حتى التفكير القديم ومبادئ الثقافة العامة التي يحتاج إليها كل مبتدئ، فليس ~~في اللغة العربية كتاب ms099 عصري عن الصين أو الهند أو تاريخ ألمانيا أو أمريكا الجنوبية أو نحو ~~ذلك من المؤلفات التي لا يمكن أن تصطدم بالأغراض الإمبراطورية إلا من ناحية أنها ثقافة ~~عامة قد تحدث عطشا إلى القراءة والدراسة، وعندئذ يعدو تأليف الكتب تجارة رابحة يقبل ~~عليها القراء فيحترفها المفكرون. # وقد جهلنا النزعات الجديدة بسبب هذه الأمية التي شملت الشعب، حتى لو أن أحدنا نقل إلى ~~العربية كتابا حديثا عن نظرية التطور أو الحركة الاشتراكية أو النزعات الفنية الجديدة أو ~~التحليل النفسي؛ لما استطاع أن يؤدي المعاني في دقة باللغة العربية لقلة ألفتنا لهذه ~~الموضوعات أو لأننا لم نألفها بتاتا؛ ولذلك نحن من ناحية التفكير العصري في جهل بل في ~~غيبوبة نفسية أو ذهنية. # وبؤرة الأدب العربي اللامعة في وقتنا هي القاهرة، ولكن هناك بؤرا صغيرة أخرى في بغداد أو ~~بيروت أو دمشق، وبعض هذه البؤر يمتاز بالتجدد أكثر من القاهرة؛ فإن بيروت تعالج مشكلات ~~العالم بحرية فكرية ليس لها نظير في مصر، وكذلك تفعل أحيانا بغداد، أما دمشق فلا تزال تجعل ~~همها الأول دراسة العرب القدماء والتزام التقاليد العربية. # وميزة بيروت أنها كانت منذ أكثر من ثمانين سنة مقر جامعتين عصريتين، هما الجامعة الفرنسية ~~والجامعة الأمريكية، وهذا غير عشرات المدارس التبشيرية في المدن والقرى الصغيرة؛ لأن ~~اللبنانيين لم يعارضوا التبشير، فانتفعوا بهذه المدارس وتعلموا العلوم العالية قبلنا، وقد ~~مرت علينا سنوات كنا نجلب الأطباء للجيش المصري والموظفين للسودان من جامعتي بيروت، وبالطبع ~~هناك أسباب أخرى لهذا العمل، ولكن مما لا شك فيه أن اللبنانيين انتفعوا كثيرا بمدارس ~~المبشرين، وبهاتين الجامعتين، حتى يمكن أن نقول إن الأمية قد محيت من لبنان منذ أكثر من ~~ثلاثين سنة في حين هي لا تزال متفشية بيننا. # والمدارس التبشيرية، على الرغم مما قد تحدث من مخالفة للعقائد، تخدم الأمة التي ترضى ~~بتعليم أبنائها فيها، ونهضة الصين تعزى إلى حد عظيم إلى هذه المدارس، ولكن الهند لم ~~تنتفع مع الأسف بهذه المدارس؛ لأن الحكومة المتسلطة أيام الإنجليز كانت تمنع ms100 المبشرين ~~المسيحيين من تجاوز الشواطئ إلا على مسافة لا تزيد على خمسة أميال، ولست في حاجة هنا إلى ~~إيضاح مسهب لهذا العمل؛ فإن المستعمرين الإنجليز كانوا يخشون المدارس التبشيرية لأنها ~~تعلم وهم يطلبون الجهل. # وما فعلته حكومة الهند (الإنجليزية) من منع المبشرين، قد فعلناه نحن شعبا وحكومة، ولو ~~أننا تسامحنا، كما فعل اللبنانيون، لكان في أنحاء بلادنا الآن نحو ألف مدرسة راقية ينفق ~~عليها الأبرار من الغربيين وغيرهم؛ وعندئذ كنا نكون أمة متعلمة مئة في المئة مثل ~~اللبنانيين، ولكنا آثرنا خطة الحكومة «الهندية» أي الإمبراطورية البريطانية على الخطة ~~اللبنانية، وأصبحنا ونحن والهنود سواء في تفشي الأمية. # وسوريا - بعكس لبنان - رجعية التفكير لهذا السبب أيضا، ونحن نعرف في مصر أن الطبقة ~~المستنيرة من الأمة هي تلك التي تعلم أفرادها في مدارس المبشرين الفرنسيين، وهم مع الأسف ~~أفراد قلائل، ولكنهم يتصلون - عن طريق اللغة الفرنسية - بالعقل العام، ويدرون بالتطورات ~~العالمية، ويقرءون الصحف والكتب الفرنسية، ويمتاز شبان اليهود واللبنانيين والإيطاليين ~~واليونانيين في قطرنا بهذا التعلم الفرنسي في مدارس المبشرين الفرنسيين، وهم بالطبع لا ~~يقرءون المؤلفات العربية، ولكن ثقافتهم عصرية، وهم يضعون أناملهم كل يوم على نبض العالم ~~يعرفون حركاته وتطوراته ونزعاته. # على أن ما فقدناه توشك الجامعات العصرية بالقاهرة والإسكندرية وأسيوط على أن تعوضنا منه، ~~فهنا دراسات عصرية جديدة هي الآن خميرة صغيرة. ولكنها مثل الخمائر ستربو وتتفشى في أنحاء ~~البلاد، وتكون لنا ثقافة جديدة سوف تجعلنا نعيش بأذهاننا ونفوسنا في القرن العشرين. # وقد احتجت إلى هذا البيان، مع قلة قيمته في الإرشاد الشخصي للشاب، كي نعرف العوامل الخفية ~~والجلية التي عملت في تأخير ثقافتنا العصرية. # وأدبنا العربي - لهذه الأسباب التي ذكرنا - يعجز عن ترقية الروح المصري، وما فيه من حياة ~~إنما هو دبيب أو بصيص نرجو أن يكون نورا مشرقا، ونحن لا نزال في مشكلة لم تحل، وإنما نرجو ~~حلها. ولباب هذه المشكلة أننا يجب - بالمدرسة والجامعة والكتاب - أن نربي جمهورا عصريا ~~مستنيرا يستطيع أن يتفاعل مع المؤلف العصري ويطلبه. # | الحضارة المصرية ms101 القديمة # هناك ثلاثة أسباب تحملنا على دراسة التاريخ المصري القديم، أولا أنه تاريخ مصر، ونحن ~~مصريون نعيش في جو من العقائد والعادات التي تغلغلت في بيوتنا ومعابدنا، وتأثرت بها ~~عواطفنا، والتي يرجع كثير منها إلى أيام الفراعنة، وقد يقال إن جميع هذه العقائد أو معظمها ~~خرافي، ولكن للخرافة قيمتها في التطور الاجتماعي، ثم هناك كثير من الكلمات الفرعونية التي ~~لا تزال حية في البيئة العائلية وبيئات الريف لا يصح لمثقف مصري أن يجهل أصلها. # وسبب ثان لدراسة هذا التاريخ الفرعوني، أنه في الحقيقة ليس تاريخ مصر وحدها بل تاريخ ~~الحضارة الأولى للعالم، ونحن حين ندرسه إنما ندرس البواعث البشرية الأولى لإيجاد ثقافة ~~زراعية، وكيف نشأت الأديان والحكومات والقوانين والأخلاق، ولا يمكن إنجليزيا أو صينيا ~~أو برازيليا أن يعد نفسه مثقفا ما لم يدرس تاريخ مصر، ففي مصر - دون أقطار العالم - ~~انتقل الإنسان من ذهول الطبيعة والغابة إلى وجدان الزراعة والحضارة، ومن مصر تفشت ~~المعارف، أو بالأحرى العقائد الأولى، وعمت الدنيا القديمة وأوجدت الحضارة الأولى في ~~القارات الخمس، والأساطير التي شاعت في مصر في العصور الفرعونية انتقلت إلى كثير من ~~الأقطار، واتخذت أشكالا محلية مع احتفاظها بالأصول المصرية؛ فإن عبارة «ابن الإنسان» التي ~~نجدها في الإنجيل نجدها أيضا في الدولة الثانية عشرة في مصر، وصلوات إخناتون تذكر ~~أحيانا - بحروفها - في التوراة، وتحنيط الموتى قد وجد عاما في جزر الشرق الأقصى ~~وأمريكا على الطريقة المصرية، وكثير من عقائد الفراعنة شأن الدين لا تزال حية في بعض ~~الأديان الراهنة، بل إن رندل «هاريس» يعتقد أن كثيرا من أسماء المدن في بريطانيا إنما هو ~~أسماء مصرية قديمة، ولعل القارئ لا يعجب بعد ذلك إذا عرف أن الأسماء الأربعة العربية للقمح، ~~إنما هي مصرية فرعونية، ومن هنا تخصص عشرات المجلات الأوروبية لدراسة عصور الفراعنة. # ولا يسع الشاب المثقف أن يهمل كل هذا، ثم هنا سبب ثالث يحملنا على دراسة الفراعنة، وهو أن ~~مصر معرض من أفخم المعارض في العالم للآثار القديمة، فنحن نمتاز بمتحف ليس ms102 له نظير في أي ~~قطر آخر، يحوي من الآثار ما يعد أحقرها تحفة فذة في تاريخ البشر، ثم هناك مئات الآثار ~~المتفرقة في مدن الصعيد والوجه البحري، آثار السذاجة البدائية للإنسان قبل الزراعة، ثم آثار ~~الحضارة الأولى حين شرع الإنسان يتهجى كلمات الحكومة والدين والفضيلة والعائلة. وكثير من ~~أبناء الأمم الأخرى لا يعدون ثقافتهم كاملة ما لم يزوروا مصر ويعاينوا آثارها. # وعلى كل مصري قادر أن يحج إلى هذه الآثار، وأن يدرسها ويفحص عن أصولها، وهو حين يفعل هذا ~~يدرس كثيرا من أصول الدين والأخلاق والسيكلوجية، وهو إذا كان على معرفة بإحدى اللغات ~~الأجنبية؛ فإنه واجد مئات الكتب عن تاريخ الفراعنة، ومنها المطول والموجز والعام والخاص بل ~~هو يجد المجلات التي تتخصص في تاريخ مصر الفرعونية، وحسبه أن يسأل عن أسماء برستد وبروجس ~~وبتري وإليوت سمث وبيري وماسبيرو، هذا غير المؤرخين القدماء مثل هيرودوتس وبلوتارك. # أما في اللغة العربية فيمكن القارئ أن ينتفع بقراءة مؤلفات سليم حسن وأنطون ذكري، وما ~~ترجم عن برستد إلى اللغة العربية، وعبد القادر حمزة وسلامة موسى. # وهنا نحتاج إلى التنبيه، وخاصة لإخواننا العرب في العراق أو سوريا أو لبنان أو فلسطين أو ~~تونس وغيرها، بأن دراسة الشاب المصري للفراعنة لا تعني بتاتا تحيزا للثقافة الفرعونية ~~دون الثقافة العربية؛ فإنه ليس هناك أسخف من التعصب للتاريخ القديم، ولكنا نحن ندرس ~~الفراعنة لأنهم أسلافنا وجدودنا، ولأننا نكشف بهذه الدراسة عن أصل الحضارة عامة، ولأن مصر ~~حافلة بالآثار الفرعونية التي لا يسع شابا مثقفا أن يجهلها، ويجب كذلك على العراقي أن ~~يدرس تاريخ البابليين والسومريين والكلدانيين الذين سكنوا بلاده، كما يجب على الفلسطيني ~~واللبناني والسوري أن يدرسوا تواريخ بلادهم. وليس في شيء من هذا دعوة إلى الانشقاق أو كراهة ~~للانتهاض الثقافي العربي. # لقد عنينا في فصول سابقة بإيضاح القيمة الكبيرة لدراسة الثقافة العربية القديمة، ويجب ~~ألا تقل عنايتنا بدراسة الثقافة الفرعونية عنها. # | اللغة الأجنبية # كان جوتيه الأديب الألماني الكبير يقول: «من لا يعرف غير لغته لا يعرف لغته»؛ ms103 وذلك لأنه - ~~بالمقارنة - يستطيع أن يصل إلى الحقائق اللغوية التي لا يدريها المقتصر على لغته، وهو يترقى ~~بهذه المقارنة إلى إدراك الميزات للغته الأصلية كما يقف على عيوبها، وفي كل لغة راقية ميزات ~~وعيوب، ونحن حين نقرأ الإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية نقف من المعاني فيهن على أضواء ~~وظلال تختلف عما عرفناه في لغتنا العربية، وهذه المعاني تجعلنا أعمق فهما للغتنا وأكثر ~~إدراكا وتقديرا للمحاتها وإيماءاتها الخفية. # وهذا إلى أننا نتصل عن سبيل اللغة الأجنبية بعشرات من العلوم والفنون، التي لا نقول إنها ~~لم تعالج المعالجة الحسنة في اللغة العربية بل نقول إن مجرد أسمائها لم يعرف إلى الآن ~~في لغتنا؛ وذلك لأن اللغات الأوروبية سبقت لغتنا في النهضة الكبرى، وارتفعت برقي الشعوب ~~التي تتكلم بها، وفي القرون الخمسة الأخيرة، حين كان الأتراك يسحقوننا، والمماليك يتهتكون ~~في الاستبداد بنا، كان الأوروبيون يغرسون الأصول لحضارة بشرية عالمية، وقد عالجوا لغاتهم ~~بحيث صارت تؤدي المعاني الدقيقة، وتعين المفكرين على الابتكار والتوليد بما فيها من كلمات ~~جديدة نمت بها وارتقت. # واللغات الأوروبية العصرية تختلف - زيادة على ما ذكرناه - من لغتنا في المزاج الأدبي؛ فإن ~~لغتنا اقتباسية تقليدية، كثيرا ما يقوم الاقتباس فيها مقام التفكير، أما اللغات الأوروبية ~~فيعتمد كتابها على الابتكار في تأليف المعاني، فيكسبونها حيوية ونشاطا لا تصل إليهما ~~لغتنا في وقتنا الحاضر، وظني أن هذا الجمود الذي نجده في لغتنا، أو بالأحرى أن هذا الجمود ~~الذي يعمد إليه بعض كتابنا، في الاعتماد على الاقتباس والتقليد بدلا من الابتكار والتفكير، ~~إنما يرجع إلى أن لغتنا محرومة من نحو مئة علم وفن، وهذا الحرمان قد جعلها في قحط للمعاني ~~المبتكرة، فانتكس الكتاب إلى المعاني القديمة، واقتصروا عليها، يجترونها ويقتبسون عبارات ~~القدماء المزخرفة كأنها تفكير وابتكار. # والشاب المصري أو العربي الذي يريد أن يستنير في عصرنا يجب أن يعرف لغة حية مثل ~~الإنجليزية أو الألمانية أو الروسية أو الفرنسية، وهو إذا لم يعرف إحدى هذه اللغات فلن ~~يستطيع أن يعد نفسه حاصلا على ثقافة ms104 عصرية، وربما سنبقى على هذه الحال مدة طويلة، إلى أن ~~يتغير مزاج الأمة كما تغير مزاج الأتراك والصينيين والهنود، فنقبل على الحضارة العصرية ~~ونعيش فيها بنفوسنا كما نعيش فيها بأجسامنا. # وليس شاقا على الشاب المصري أن يتعلم لغة أجنبية؛ فإنه إذا أرصد من وقته كل يوم ساعة ~~لقراءة جريدة فرنسية أو إنجليزية تصدر عن القاهرة، مع بعض الكتب من الأدب العالي الفرنسي ~~فلن يمضي عليه عام حتى يكون قد قطع شوطا كبيرا في فهم هذه اللغة، وبالطبع يحتاج الراغب في ~~هذه الدراسة إلى دروس ابتدائية تمهد العقبات الأولى على يد مدرس متمرن، ولكنه لا يحتاج إلى ~~هذا الدرس أكثر من شهرين أو ثلاثة أشهر، ثم هو بعد ذلك يستطيع أن يستقل. # ويمكننا أن ندرس أي لغة أجنبية بإغفال النحو إغفالا تاما (في الإنجليزية مثلا) أو ~~جزئيا في سائر اللغات، وأن ننجعل الجملة، لا الكلمة، وحدة التعليم والفهم، ونحن بالطبع ~~نغفل قواعد النحو لأننا لا نريد أن نكون كتابا، بل نطمع إلى أن نكون قارئين فقط، وتمتاز ~~اللغة الإنجليزية امتيازا عظيما جدا بسهولتها وخلوها من الجنس؛ إذ ليست الأشياء فيها ~~مذكرة أو مؤنثة، وقد يكون هذا الامتياز أحد الأسباب لأن تصبح يوما ما لغة عالمية، ~~والمفكرون من الإنجليز مثل أوجدان يزيدون هذا الامتياز قوة بإلحاحهم في تيسير اللغة ~~الإنجليزية بحذف الكلمات الزائدة التي يمكن الاستغناء عنها. # وعندما نقارن بين خريجي المدارس الفرنسية والمدارس الحكومية التي تعلم الإنجليزية نجد أن ~~أولئك يمتازون بالقدرة على قراءة الكتب الفرنسية في حين يعجز هؤلاء عن قراءة كتاب في اللغة ~~الإنجليزية، بل لقد رأينا صبيانا في السنة الثانية أو الثالثة بالمدارس الفرنسية الثانوية ~~يقرءون الكتب الفرنسية ويتذوقون أدبها في حين يحتاج طالب الجامعة المصرية الذي تعلم ~~الإنجليزية إلى مجهود كبير جدا لفهم كتاب بالإنجليزية، وليس ننكر أن التفوق في اللغة ~~الفرنسية قد تحقق على حساب اللغة العربية التي تهملها المدارس الفرنسية، ولكننا نعتقد أن ~~من الممكن مع ذلك أن نبتكر برنامجا دراسيا للمدارس الثانوية يجمع بين ms105 إتقان اللغتين ~~العربية والأجنبية، وذلك بالاستغناء عن بعض المواد العقيمة، مثل الجبر، وعن اللغات الأجنبية ~~الإضافية، حتى يتوافر الوقت لدراسة لغتنا مع لغة أجنبية واحدة، ويجب على مدارسنا الثانوية ~~أن تخرج مثقفين ولا تقنع بإخراج متعلمين، والفرق بين المتعلم والمثقف أن الأول يدري بعض ~~المواد التي امتحن فيها، فتعلمه فعل ماض، أما المثقف فيرغب في التعلم، وثقافته شهوة حية ~~تعيش معه في المستقبل، فنحن حين نعلم التلميذ في المدارس الثانوية اللغة الإنجليزية بحيث ~~نفتح له المرعى الخصيب لهذه اللغة في الآداب والفنون والعلوم، إنما نهيئه بثقافة سوف تجعله ~~يشتري الكتب ويقرأ الجرائد والمجلات في هذه اللغة مدى حياته، فنحن لن نكسبه تعلما بل ~~أكسبناه خطة وبرنامجا، أما حين نعلمه الجبر، فإننا نثق بأنه لن ينتفع به بعد تخرجه ~~وخاصة إذا لم يلتحق بجامعة. # وعنايتنا بالمدارس الثانوية يجب أن تكون كبيرة؛ لأن المدارس الابتدائية لا تكفي للتثقيف، ~~ولأن الالتحاق بالجامعة من حظ الأغنياء فقط، ولسنا نقصد بهذا إلى أن خريج المدارس ~~الابتدائية لا يمكنه أن يطمع في تثقيف نفسه؛ لأننا نعتقد أن كل شاب حتى ولو لم يحصل على ~~دراسة ابتدائية يستطيع أن يثقف نفسه إذا كان عنده النشاط والإرادة، ولكن نعني أن المدارس ~~الثانوية تفتح للشاب أبوابا يطل منها على ميادين مختلفة تحرك ذكاءه، فيجب أن ينتفع بهذه ~~المرحلة من التعليم، وأن نجعل غايتنا منها تدريب الطالب على تربية نفسه، وخير للشاب أن يعرف ~~لغة أجنبية واحدة يتقنها ويقبل عليها، ويتعلق بها، من أن يتعلم لغتين سرعان ما ينساهما لأنه ~~لم يعشق أدبيهما، وكل ما يذكر منهما هو عناء الدرس واستظهار الكلمات. # ولو شئنا أن نختار للقارئ الذي يجهل اللغات الأجنبية، وينشد تعلم إحداها كي تكون ~~مفتاحا لتثقيفه الذاتي ونموه الدراسي، لاقترحنا الإنجليزية، فهي تمتاز بسهولتها كما تمتاز ~~بوفرة الكتب التي تطبع فيها والتي لا تقل في اليوم عن مئتي كتاب جديد، وهي لغة مئتي وخمسين ~~مليونا من أرقى البشر في أمريكا وأوروبا وأستراليا والشرق الأقصى، ولا يكاد يستغني عنها ms106 ~~أوروبي متمدن، ومستقبلها مع ذلك سوف يكون أعظم من حاضرها. # والشاب المصري الذي لم ينشأ على لغة أجنبية، والذي قضى فترة من شبابه وهو لا يقرأ سوى ~~المؤلفات العربية، سوف يجد بعد تعلمه إحدى اللغات الأجنبية واطلاعه على آدابها ~~والاشتباك في مشكلاتها الثقافية، أنه قد حقق لنفسه تطورا بل انقلابا عظيما، وأنه قد خرج ~~من النظر القروي المحدود إلى الأمداء البعيدة والآفاق الفسيحة. # وليذكر القارئ ما سبق أن قلنا عن الفهم السلبي والفهم الإيجابي في الفصل الخاص بدراسة ~~اللغة العربية؛ فإنه يمكنه أن ينتفع به هنا. ~~••• # وأعظم ما يحتاج إليه طالب اللغة الأجنبية هو معجم أجنبي عربي، وكذلك معجم عربي أجنبي، ~~وللأسف جميع المعاجم المستعملة ليست من الإتقان بحيث تستحق النصح باستعمالها؛ فإن في مصر ~~معاجم يباع أحدها بثلاثة جنيهات مثلا لا يحوي من الكلمات مقدار ما يحويه معجم إنجليزي صرف، ~~أو فرنسي صرف، يباع بخمسة أو عشرة قروش في لندن أو باريس. # وتحسن وزارة التربية إذا تولت إخراج المعاجم الوافية الصحيحة وباعتها للمتعلمين بأثمان ~~منخفضة. # | الآداب العالمية # الأدب هو التفسير الخيالي للحياة، وهو مثل الفلسفة يجب أن يتبع فيه كل قارئ مزاجه الخاص ~~فلا يتقيد بآراء الغير، ولكن يجب أن نقرأ وندرس الآداب القديمة والحديثة، كي نطلع ونفهم، ~~ثم نستنبط منها رأينا أو آراءنا الخاصة في ماهية الأدب، وربما كانت كلمة «الذوق» هنا أوفق ~~للتعبير من كلمة «الرأي» لأننا نتذوق الأدب والموسيقا والفلسفة أكثر مما نرتئي فيها، ولكن ~~هذا الذوق غير موروث؛ لأنه إنما يكسب بالدراسات والاختبارات، نعني الدراسات التي تشمل ~~التاريخ والدين، ونعني الاختبارات التي تمر بنا في حياتنا، ومن كل هذه - أي الأدب والفلسفة ~~والدين - نستقطر تلك الحكمة التي نعيش بها فترة حياتنا على الأرض، وكل من هذه الثلاثة يحتاج ~~إلى الآخر، والتوسع في أحدها يحملنا على دراسة الاثنين الآخرين، وفي النهاية نجد أنه قد ~~تكونت لنا من هذه الدراسات ديانة بشرية وضمير عالمي وتبعات سامية، هي مزيج من العناء ~~واللذة اللذين يتألف منهما الحب، كحب الأم ms107 لأولادها، فنحن عندئذ نرأم بالدنيا، ونعنى ~~بتطورها ورقيها، ونلتذ الألم في سبيل هذا الرقي. # وقد سبق أن كتبنا فصولا في ضرورة الدراسة للأدب العربي. # ولكنا لن نحصل على التربية الحقة إذا اقتصرنا على دراسة هذا الأدب، فيجب أن ندرس الآداب ~~العالمية ونقرأ أحسن ما كتب في القرون الخمسين الماضية من صلوات إخناتون المصري إلى قصص ~~دستؤفسكي الروسي. # وفي العالم مؤلفات استقرت وبرزت قيمتها على توالي القرون، فلسنا في حاجة إلى تعديد وشرح ~~لها، ويسهل على القارئ أن يعرف تولستوي ودستؤفسكي وجوركي في روسيا، وكذلك جوتيه وشيلر في ~~ألمانيا، وبيرون وبرنارد شو في إنجلترا، وفولتير وروسو وأناطول فرانس في فرنسا ... ~~إلخ. # واللغات الكبرى مثل الألمانية أو الإنجليزية أو الفرنسية تحوي جميع هذه المؤلفات الأدبية ~~لأنها ترجمت إليها مع العناية والدقة، وبدهي أننا في حالنا الحاضرة لا نستطع أن نقول مثل ~~هذا القول عن اللغة العربية. # وقراءة هذه الآداب تخرجنا من الأنانية الوطنية إلى الآفاق العالمية، وتزيد قدرتنا على ~~الحب للبشر، وليس شيء أقرب إلى الدين من الأدب، ونعني الأدب العالي؛ فإن مقامات الحريري تعد ~~مثلا نوعا من الأدب، ولكن لا يثير في أنفسنا الحاسة الدينية، ولا يربي ضميرنا؛ لأنه تسلية ~~خفيفة سخيفة لا أكثر، ولكن قصة «الإخوة كارامازوف» للكاتب الروسي دستؤفسكي تغرس فينا الروح ~~الديني، وتستنبط منا البر، وتجمعنا على الصلاح بل القداسة، وأذكر أني قبل نحو عشرين سنة حين ~~قرأتها، كتبت مقالا في إحدى المجلات قلت فيه إن هذه قصة يجب أن تضاف إلى الكتب المقدسة، ~~وليس في العالم كتب كثيرة يمكن أن توصف بهذا الوصف. # وكبار الأدباء في العالمين القديم والحديث كانوا ينبعثون بهذا الروح الديني إلى تأليف ~~كتبهم الأدبية، وكانت حياة كل منهم لهذا السبب حياة الجهاد الديني؛ فإن جوتيه كان يقصد إلى ~~تربية الشخصية والنمو النفسي، وبرنارد شو قد أرصد حياته لتغيير العالم من الانفرادية إلى ~~الاشتراكية، وولز قد ضحى حتى بفنه كي يصل إلى حكومة عالمية تعم التعليم والسلام والرخاء، ~~وفولتير قد كافح طغيان العرش والكنيسة ms108 ... إلخ، ويمكننا أن نقيس الأدب بجملة مقاييس ليس أقلها ~~قيمة هذا المقياس الذي نعين به الناحية الدينية للكاتب ومؤلفاته، نعني حياة المؤلف ومادة ~~مؤلفاته، فالكاتب الذي لا يحملنا على الصلاح والقداسة قد نعجب بفنه وبراعته وذكائه ~~وعبقريته، ولكنه يبقى مع ذلك ناقصا لأنه لم يرفعنا إلى الحياة الدينية، أولم نصل به إلى ~~ذلك التوتر الفني الذي نحس به المظالم فنثور عليها؟ أولم يخرجنا من النظر القروي الضيق إلى ~~النظر العالمي الواسع، أو لم يرفعنا من الاستهتار في الحياة إلى الجد والخدمة. # ويمكن أن نقرأ الكتب المقدسة نفسها باعتبارها كتبا أدبية ، والواقع أن الأدب والدين ~~يتلاقيان إذا ارتفعا، حتى لا نكاد نستطيع التمييز بينهما؛ فإن قصة «نشيد الإنشاد» في ~~التوراة تعد مثلا قطعة أنيقة من الأدب الذي يدعونا إلى إيثار الحب الساذج الطاهر مع الفاقة ~~على استخدامه للوصول إلى الثراء والجاه، وهذه القصة يمكن أن تضاف إلى قصة بول وفرجيني ~~للمؤلف الفرنسي سان بيير، أو إلى مؤلفات جان جاك روسو، كما أن جهاد ولز لتوحيد العالم في ~~عصرنا هو في صميمه جهاد ديني، ولا عبرة بأن يكون ولز مع ذلك ملحدا؛ فإن بوذا الذي لا يزال ~~يؤمن به خمس مئة مليون من البشر كان أيضا ملحدا. # وهكذا الشأن في مؤلفين آخرين ليس من الشاق على المعارف بإحدى اللغات الأجنبية أن يطل ~~إليهم، وهو ينمو بمؤلفاتهم ويربي شخصيته، ويرقي نفسه وذهنه بدراستهم، وهنا يحتاج القارئ إلى ~~نصيحة سيجد لها تكرارا في كتابنا، هذا هي أنه يجب عليه أن يتعمق في دراسة كاتب واحد قد ~~يكون تولستوي أو شو أو جوتيه أو فولتير، وهو بالطبع يختاره لأنه - لجملة اعتبارات - يميل ~~إليه أكثر مما يميل إلى غيره، وعليه عندئذ أن يتوسع في دراسة هذا الكاتب يدرس حياته ~~ومؤلفاته معا، ويتعمقها حتى يعيش في عصره ويحس بمشكلاته الفنيه والدينية والاجتماعية ~~والسياسية، وهي بالطبع مشكلات تتكرر، ولكن رؤيا الأديب العظيم تجعلنا نزداد فهما وبصيرة، ~~وهذا إلى دراسة غيره من الأدباء. # وإلى هذا يجب الاشتراك في المجلات ms109 الكبرى الأوروبية والأمريكية حتى يبقى هذا القارئ على ~~دراية بالتيارات العامة في الأدب؛ لأن هذه المجلات تعني كثيرا بإبراز الجديد من النزعات ~~الأدبية والالتفات إليها بالتقدير العادل. # | دراسة العلوم # من أعظم الغايات التي نرمي إليها من التثقيف الذاتي أن نفهم العصر الذي نعيش فيه، بل إن ~~دراسة عصرنا يجب أن تكون أولى الدرجات لدراسة أي عصر آخر، وحضارتنا القائمة يجب أن تكون ~~المقياس الذي نقيس به أي حضارة أخرى في العصور الماضية. # والحضارة العصرية، أي حضارة القرن العشرين، بما فيها من فوضى أو نظام، ومن مشكلات قد حل ~~بعضها وبعض منها لا يزال قيد الحل، هذه الحضارة هي في كثير من وجوهها ثمرة العلم. # ولكن ما هو العلم؟ إن مجلة نيتشر التي تتخصص لنشر العلوم ترفض استعمال هذه الكلمة، فنقول ~~إن هناك موضوعات للدراسة مثل علم البيولوجيا أو علم السيكلوجية ولكن ليس هناك علم مطلق؛ ~~لأننا حين نقول علم «البيولوجية» إنما نعني ترتيب المعارف الخاصة بالحياة بدقة وعناية تجمع ~~الصحيح وترفض الخطأ، فقد كانت البيولوجيا تدرس منذ أيام الإغريق، بل قبل ذلك، ولكنها لم تكن ~~علما، إنها كانت معارف مجموعة قد اختلط فيها الخطأ بالصواب، ولم تكن لها مقاييس دقيقة ~~جامعة ومانعة، فلما تقدمت هذه المعارف ورتبت بالدقة والعناية صار عندنا منها علم ~~البيولوجيا. # فعند كتاب هذه المجلة أن كلمة «علم» لا تعني سوى الطريقة الدقيقة للدراسة والبحث، أي ~~دراسة وبحث أي موضوع في العالم سواء أكان هذا الموضوع نحو اللغة أو الجيولوجية أو نظام ~~العائلة، فلا يمكن أحدا منا أن يقول إنه يدرس علما، وقصاراه أنه يدرس هذه المادة أو تلك ~~بالطريقة العلمية، أي بطريقة الترتيب والدقة اللذين يجمعان الصحيح ويمنعان الخطأ، والمعارف ~~التي تبحث في عصرنا، بالطريقة العلمية كثيرة جدا، بل إن منا من يرفض المعارف ما لم ~~تجمع وترتب بهذه الطريقة، والطريقة العلمية هي ثمرة القرون الثلاثة الماضية، وأعظم ما هيأ ~~لها وجعلها ممكنة هو الأرقام الهندية التي نقلها العرب إلى أوروبا من الهند، ثم أعظم ما ms110 ~~جعلها في خدمة البشر هو التجربة. # وليس شك في أن النظر العلمي الجديد سوف يغير الدنيا، ليس فقط من حيث الإنتاج والتوزيع، بل ~~أيضا من حيث الأخلاق والاجتماع والدين؛ لأن الأخلاق والاجتماع والدين تتوقف جميعها في كل ~~مكان وزمان على طريقتي الإنتاج والتوزيع، وما نكابده في الوقت الحاضر من مشكلات التعطل ~~والاستعمار، والإمبراطوريات، والاستيلاء على الأسواق والحروب، كل هذا هو ثمرة الإنتاج ~~العظيم الذي أوجدته الآلات الكبيرة؛ أي «ثمرة العلم الميكاني» مع التوزيع القليل الذي لا ~~يزال يتبع الطرق التقليدية غير العلمية. # ويجب على كل من ينشد الثقافة لهذا السبب أن يدرس الطريقة العلمية، كي تتفتح بصيرته لفهم ~~المشكلات العالمية القائمة، وأيضا كي يستنير ذهنه برؤيا العالم الجديد فلا ييأس من الجهل ~~الفاشي بين الساسة والقادة. # ولكن كيف ندرس العلوم؟ # وجوابنا هو أن ندرس تلك العلوم التي تتصل اتصالا صميما بعصرنا الحاضر والتي أوجدت لنا ~~مشكلاته، وكلما كان اتصالها أوثق كانت ضرورة الدراسة أوجب، غاية الدراسة هي الفهم، ولن ~~نستطيع أن نفهم عصرنا إلا إذا عرفنا الجذور التي نبتت منها مشكلاته، ومتى عرفنا هذه الجذور ~~استطعنا أن نهتدي إلى الحلول. # وأكبر المشكلات في عصرنا هي مشكلة التعطل الذي يصيب العمال لوفرة الإنتاج، فيجب أن نبحث ~~الأسباب لهذه الوفرة، وهي بالطبع تعود إلى المخترعات الميكانيكية والكيماوية في مدى المئة ~~والخمسين من السنين الأخيرة. # والمصري الذي تعود أن يستمع للقول بأن القطن هو ركن الثروة المصرية، يجب أن يعرف من ~~الكيمياء ما يدرك به قيمة الأقمشة الكيماوية التي تطرد القطن من العالم وتوشك على أن تمحو ~~زراعته، والعالم الآن قد تغير تغيرا كبيرا، يشبه الانقلاب، بعلمين اثنين هما الميكانيات ~~والكيمياء، ومن الحسن لكل راغب في التثقيف الذاتي أن يتابع هذين العلمين في نموهما الذي ~~يمكن أن يعد نموا للحضارة. # وهناك مشكلة أو أكذوبة السلالات البشرية وتفاضلها والتناسل من حيث تحديده وترقيته، وقد ~~أسمعنا هتلر عنهما الشيء الكثير، فيجب أن ندرس الانثربولوجية واليوجنية. # وهذا العلم الثاني نحتاج إليه في مصر كثيرا، حتى تسن ms111 القوانين التي تمنع غير الأكفاء، ~~للأبوة والأمومة الحسنة من التناسل. # ثم هناك العلوم التي ترقي الفرد ذهنيا ونفسيا وجسميا وروحيا؛ فإن البيولوجية ~~ضرورية لكل مثقف؛ لأنها توسع الآفاق الروحية وتعقد بيننا وبين الحيوان صلة لها أكبر الدلالة ~~في الإدراك السامي وفي فهم الأسباب التي عملت وما زالت تعمل للرقي البشري، ثم هناك ~~السيكلوجية التي نفهم بها تصرفنا وسلوكنا وحركة أدمغتنا، ولسنا في حاجة إلى شرح مسهب كي ~~نوضح ضرورة الدراسة لعلوم طبية مختلفة، مثل الاغتذاء والفسيولوجية، كي نتوقى الأمراض ونتحفظ ~~بصحتنا في شبابنا وشيخوختنا. # وكي نحصل على المرانة الذهنية العلمية يجب أن نتعمق دراسة علمية معينة لأحد الموضوعات، ~~مثل البيولوجية أو الفلك أو أي موضوع آخر مما نحب، ونجعل هذه الدراسة هواية الحياة، ثم ~~نتوسع - بلا تعمق - في دراسة الموضوعات الأخرى على سبيل الإلمام، ومتى استطعنا أن ندرك أن ~~كثيرا من الارتباك الذهني، في السياسة والدين والاقتصاد وغيرهما، إنما يعود إلى أننا لا ~~نعالج هذه الموضوعات بالطريقة العلمية، بل نتركها بما تراكم عليها من تقاليد وعادات تحول ~~دون تطورنا ورقينا، عرفنا قيمة العلم. ~~••• # ولا نظن أننا في حاجة إلى كتابة فصل للتمييز بين الأدب والعلم ولكنا نحتاج إلى كلمات ~~موجزة يسترشد بها من يتوخى التثقيف الذاتي. # فكتب الأدب القديمة هي تراث بشري يجب أن يقف عليه كل مثقف، ولكن الاقتصار عليها يجعل ~~النظر خلفيا، والتصرف رجعيا، والاتجاه تقليديا، والأديب بطبيعة دراسته تليدي الذهن ~~وليس بطارفه، وهو قد ينعي على عصره ما يحسبه شططا، مع أن كل ما فيه أنه يسير على إيقاع ~~ولحن ليسا مطابقين لإيقاع العصور القديمة ولحنها. # ودعاة الآداب القديمة يزعمون أنها مستودع الحكمة البشرية، وهي كذلك إلى حد ما. ولكن قليلا ~~من التفكير يوضح لنا أن المستودع الأصلي للحكمة البشرية هو الإنسان، وأن الآداب القديمة هي ~~بعض حكمته وليست كلها. # ونحن نحس وجدانا بشريا جديدا يعزى كثير منه إلى العلم وليس إلى الأدب؛ فإن العلم ~~هو الذي ربط الأمم الحديثة برباط جديد ورفع الإنسان من وطنية الوطن ms112 إلى وطنية العالم، وهو ~~الذي يجعل النظر أماميا نحو المستقبل. # ولكن مع كل هذا يجب ألا يغيب عن أذهاننا أن العلم يبحث ماهية الأشياء ويقتصر على ذلك، ~~فهو معرفة، أو وسيلة للمعرفة، ولكن استخدام هذه المعرفة يحتاج إلى الحكمة التي نستخلصها من ~~الآداب والفلسفات والأديان. # والأديان في نظري هي بعض الآداب والفلسفات، والضمير الراقي هو الذي تكون وتربى ~~بالثقافة العالمية التي تعد الاديان بعضا منها، والإحساس الديني الراقي هو الإحساس ~~الإنساني الذي ينكر الغيبيات إنكارا تاما. # | دراسة السياسة # الجريدة هي فطورنا الذهني في الصباح، ونحن نقرأ أخبارها ونتأمل صورها فننتعش ، ونجد المواد ~~للحديث والتفكير سائر اليوم، والجرائد تعنى أكبر عناية بالسياسة الداخلية والخارجية، ولكن ~~عنايتها مقصورة على الأخبار أو الدعاية. # وكي نفهم الجريدة يجب أن ندرس السياسة؛ أي الأسس التي تنبني عليها السياسة، وهي التاريخ ~~والاقتصاد والسيكلوجية، ومن سوء حظ العالم كله أن السياسة في الوقت الحاضر يتولى شئونها ~~هواة وصوليون يعجزون عن المعالجة العلمية لمشكلاتها، ومن هنا تعلقهم بالخطابة ~~الانفعالية بدلا من اعتمادهم على الوجدان والتعقل، ومن هنا أيضا هذه الفوضى العامة في ~~الحياة الاقتصادية والاجتماعية، بل هذه الحروب التي تزلزل الأمم. # وإذا تركنا الأمم البدائية والمتوحشة، وكذلك الأمم الشرقية التي لا تزال تشقى بالمستعمرين ~~أو بأمرائها المستبدين أو شيوخها الرجعيين، وجدنا ثلاثة أنواع من النظم تستحق من ~~الرجل المثقف الدراسة الجدية، هي النظام الديمقراطي والنظام الفاشي والنظام ~~الاشتراكي. # فأما النظام الديمقراطي فهو على أحسنه في أمم أوروبا الصغيرة مثل سويسرا وسويد ونرويج ~~ودنمركا، وتأتي بعد هولاء الولايات المتحدة، وهذا النظام ينشد حرية الفرد، ويحاول أن يتوقى ~~التفاوت الاقتصادي بضرائب تخفف من قسوته، ومع هذا التخفيف يستطيع الإنسان أن يعيش في حرية ~~نسبية وقد يجتاز القلاقل الاقتصادية بعض الأحيان، وليس شك في أن الديمقراطية المدنية ستنتهي ~~يوما إلى ديمقراطية اقتصادية. # وهذه الديمقراطية الاقتصادية هي ما نجد في عصرنا في الدولة البريطانية، حيث يسود النظام ~~الاشتراكي في كثير من المرافق، وحيث تجبي الحكومة 95 ألف جنيه من الثري الذي يبلغ ms113 دخله 100 ~~ألف جنيه، ويجب على كل مثقف أو من ينشد الثقافة السياسية أن يدرس هذا النظام، وهذا النظام ~~الاشتراكي حين يتم هو النهاية التي سوف تنتهي إليها جميع النظم الديمقراطية. # فأما الفاشية فقد كانت دخانا من الاستبداد خيم على ألمانيا وإيطاليا وبعض الأمم ~~الأخرى، وقد انقشع عنهما، وسوف ينقشع عن الأمم الأخرى؛ لأنه خلو من ميزات الديمقراطية ~~والاشتراكية وليس فيه شيء من عوامل البقاء، وهو يعيش الآن بقوة الآلة الحربية الضخمة التي ~~أوجدها والتي لا يستطيع أن يعيش بدونها. # وهناك مفتاح نفهم به أدق فهم تلك الانقلابات التي تحدث في عصرنا في السياسة العالمية، ~~نعني به نظرية التفسير الاقتصادي للتاريخ، فإذا درسنا هذه النظرية عرفنا البواعث والمحركات ~~التي انتهت بالفاشية في إيطاليا وألمانيا، والاشتراكية في بريطانيا، بل عرفنا أيضا البواعث ~~والمحركات للإمبراطوريات البريطانية والفرنسية والهولندية، وللاستعمار في جميع ألوانه ~~العصرية، والفرق ليس عظيما فقط، بل هو فاحش، بين من يملك هذا المفتاح ومن لا يملكه؛ لأن ~~الخبر الصغير في إحدى الجرائد عن اتفاق سياسي بين دولتين أو اندغام شركتين أو دعوة إلى دين ~~أو تأييد لرجعية في آسيا أو أفريقيا أو أوروبا، كل هذه الأخبار ومئات غيرها تعود لها دلالة ~~جديدة إذا كنا نقرؤها ونحن نسترشد بالتفسير الاقتصادي للتاريخ. # والقارئ المصري يحتاج إلى أن يدرس أكثر من الديمقراطية والاشتراكية والفاشية؛ فإن القارئ ~~الأوروبي يمكنه أن يقنع بدراسة هذه النظم؛ لأن مناخه السياسي يتألف منها جميعا، أو يتقلب ~~فيها، أو يستقر على واحدة منها، أما القارئ المصري فيحتاج إلى دراسة أخرى، هي دولة تركيا ~~التي انسلخت من الشرق وانضمت إلى الغرب بقيادة رجلها كمال أتاتورك الذي يزيد في عظمته وصدق ~~فراسته وقوة خياله على آلاف ممن يسمون عظماء منذ الإسكندر إلى يومنا، ويجد القارئ في ~~كتاب عزيز خانكي (بك) عن هذا الزعيم التركي ما يقفه على شيء من عظمته، ويحثه على الاستزادة ~~من الدراسة للنهضة التركية الرائعة، وهو في هذه الدراسة سيجد أسبابا كثيرة لتأخرنا نحن في ~~مصر. # وفي اللغات ms114 الأوروبية كثير من الكتب التي تشرح النهضة التركية وتوضح فلسفة هذا ~~الانقلاب. # وكذلك يجب أن ندرس الهند ونظامها الجديد بعد جلاء الإنجليز عنها؛ فإنها بقيادة غاندي ~~أولا، ثم نهرو ثانيا، قد فصل الدين عن الدولة، وألغت النجاسة، ومنحت المرأة الحقوق ~~الدستورية التي ساوتها بالرجال في التصويت والانتخاب، وعينت المرأة وزيرة وسفيرة، وساوت في ~~الميراث بين الذكر والأنثى. # وفي ظروفنا القائمة يجب أن ندرس الإمبراطوريات العصرية الفرنسية والبريطانية والهولندية، ~~وألوان الحكم التي تفشت في مصر والهند وجاوة وتونس وغير هذه الأقطار، كما ندرس الاستعمار ~~بأشكاله المختلفة في الأمم المتأخرة، والمرجو أن ينتهي الاستعمار وتموت المبادئ ~~الإمبراطورية عقب هذه الحرب، ولكن هذا الرجاء في الوقت الحاضر يشبه الأمنية الخيالية أكثر ~~مما يشبه الأمل الذي يتحقق، والعالم لا يزال في حاجة إلى كفاح لتحرير الشعوب الخاضعة، كما ~~احتاج من قبل إلى كفاح لإلغاء الرق، ويجب أن نتزود بالإحصاءات السنوية والتعداد الذي يتم كل ~~عشر سنوات مع أطلس جغرافي، وكل هذا متوافر في لغتنا، ولكن هناك أطلسا سياسيا ينشر في ~~اللغات الأوروبية ويبين التغيرات الإقليمية التي تنص عليها المعاهدات أو تحدثها الحروب، ~~وهذا أيضا ضروري لكل من يدرس السياسة ويقرأ أخبارها اليومية، ومما يؤسف له كثيرا أن بعض ~~القراء يهملون الإحصاءات، مع أنها المواد الخامة التي يتألف منها كل مشروع إصلاحي، ~~والعقلية الإحصائية هي العقلية العلمية، وهي أكثر العقليات سدادا لدرس السياسة ~~والاجتماع. # ومن الحسن أيضا أن يشترك القارئ في مجلة أوروبية سياسية من تلك المجلات الأسبوعية التي ~~تنقل التطورات السياسية وتعنى بإيضاحها. ~~••• # كتبت هذا الفصل في 1945؛ ولذلك تحاشيت ذكر دولة الاتحاد السوفيتي اتقاء السجن، فلم أقل ~~بضرورة الدراسة لهذا النظام. أما الآن - في 1948 - فإني أحتاج إلى تذكير القارئ بأن في ~~العالم ألف مليون إنسان يعيشون في الاتحاد السوفيتي والصين وغيرها في نظام اشتراكي كامل، ~~ومن الحمق والغباوة أن يعد أحدنا نفسه مثقفا إذا لم يدرسه، وإذا لم يتابع التطورات ~~الاشتراكية فيه. # | دراسة التاريخ # لا نستطيع أن نفهم الاقتصاد والاجتماع والأخلاق والسياسة إلا ms115 إذا درسنا التاريخ، وزيادة ~~على هذا فإن التاريخ يكسبنا العقلية الروحية البشرية؛ لأنه يشرح جهاد الإنسان نحو الرقي ~~والحرية والحضارة، وهو بهذه المثابة يقوي في أنفسنا روح الخير، ولكنا نعني هذا التاريخ ~~الحسن الذي يكتب بلا دعاية وطنية، بل ينظر إلى البشر كأنهم أمة واحدة تكافح من أجل الحضارة ~~على الرغم من الأخطاء المتكررة. # وقد كان التاريخ يدرس قديما باعتباره فنا يراد منه الدعاية الوطنية أو المذهبية، وهو ~~كذلك الآن في الأمم الفاشية، حيث هو وسيلة للتعصب والكراهية والحرب مع أن الرجل المثقف الذي ~~عني بدراسة التاريخ في نزاهة ودقة يجد فيه الوسيلة للحب البشري والسلام والتسامح. # ويجب أن نجعل للتطور البيولوجي - أي انتقال الإنسان من الحيوانية إلى البشرية - أكبر قسط ~~من دراستنا، أي يجب أن ندرس تاريخ الإنسان قبل التاريخ، وعلى القارئ أن يذكر كتابي هنا، وهو ~~«نظرية التطور وأصل الإنسان»؛ فإنه على إيجازه يفتح بصيرته وقد يحمله على الاستزادة. # ثم يجب أن ندرس تاريخ الحضارة في مصر؛ لأن هنا في وطننا انتقل الإنسان البدائي من حياة ~~الغابة وجمع الطعام البري إلى حياة الزراعة واستنتاج الطعام، وكانت الزراعة الطور الأول ~~للحضارة القديمة، فظهر على أثرها الحكومة والدين والكتابة والثقافة الصناعية البدائية، ~~ويمكن القارئ أن يسترشد بكتابي عن هذا الموضوع «مصر أصل الحضارة». # وكتب التاريخ في اللغة العربية، ونعني الكتب القديمة، هي مواد خاصة لدراسة التاريخ ~~ولتأليف الجديد منها، فلا يمكن القارئ العادي أن يعتمد عليها، وليس في المخلفات العصرية ~~العربية موجز في التاريخ العام الذي ألفه ه.ج. ولز، وليس فيه مطول في تاريخ العالم، ونحن ~~في هذه الناحية في نقص خطير يجعل الصورة البشرية مشوهة في أذهاننا، ويجعل كل مقتصر ~~على اللغة العربية رجلا ناقص التربية يعيش على كوكب يجهل تاريخه وتطور سكانه. # وقد سبق في كلامنا عن الأدب العربي القديم أن ذكرنا كثيرا من كتب التاريخ، ولكنا - كما ~~قلنا - نعدها مواد خامة للدراسة، ثم هي محدودة لأنها تحصر أخبارها في العرب ومصر، وتروي ~~الحوادث رواية زمنية بلا تمييز ms116 أو وزن للخطير منها والتافه، ونحن نقصد من دراسة التاريخ إلى ~~أن نصير بشريين، وليس عربا أو مصريين فقط، وحرمان لغتنا من كتب التاريخ المسهبة هو تحديد ~~للتفكير العالمي بين شبابنا، والكتب المدرسية الشائعة صغيرة القيمة، وهي أشبه بالهيكل ~~العظمي للتاريخ منها بالتاريخ. # والكتب القليلة التي يمكن أن تقرأ في التاريخ القديم هي كتاب برستد «العصور القديمة» ~~ترجمة داود قربان، وكتاب عبد القادر حمزة باشا «التاريخ المصري القديم»، وقد ترجم قسم كبير ~~من كتاب ه. ج. ولز. # وليس في لغتنا كتب عن تاريخ الإغريق أو الرومان أو الهنود أو الصنيين أو اليابانيين أو ~~الأمريكيين، ولا تزال القرون المظلمة مخيمة في ظلامها الحالك على القارئ العربي، والنهضة ~~البشرية الكبرى في القرن الخامس عشرة ليس فيها مؤلف في لغتنا، مع أنها جديرة بأن تحدث في ~~قارئها العربي ثورة فكرية. # ولا بد لهذا السبب أن نقول إنه يجب أن نتعلم لغة أجنبية كي ندرس التاريخ البشري، وقد أنفق ~~على المجمع اللغوي إلى الآن نحو مئتين وخمسين ألف جنيه كي يسك لنا كلمات جديدة، ولو أننا ~~كنا أنفقنا هذا المبلغ على ترجمة الكتب الأوروبية الحسنة لأغنينا لغتنا بنحو مئة كتاب في ~~التاريخ وغير التاريخ، ولما كانت تربيتنا لهذا السبب ناقصة. # ودراسة التاريخ تحتاج إلى هذا النظام التالي الذي نذكره. # ونحن نعرف أن لا فائدة منه للقارئ الذي يجهل اللغات الأجنبية العصرية. ~~(1) # يجب أن ندرس تاريخ هذا الكوكب منذ تكون إلى أن ظهر عليه الإنسان، أي ما نسميه ~~التطور. ~~(2) # ثم ندرس حياة الإنسان البدائي إلى أن اهتدى إلى حضارة الزراعة في مصر. ~~(3) # وهنا يتحتم علينا درس أربعة آلاف سنة من تاريخ مصر والفراعنة؛ لأنه تاريخ التطور ~~الاجتماعي والاقتصادي والديني في أشكاله الأولى. ~~(4) # يجب بعد ذلك أن ندرس الأمم القديمة، كالبابليين والفينيقيين والإغريق والرومان ~~والصينيين والهنود. ~~(5) # ثم دراسة العرب، مع زيادة في التفصيل لعلاقتنا الخاصة بهم. ~~(6) # دراسة القرون الوسطى. ~~(7) # دراسة النهضة. ~~(8) # ثم دراسة التطور الاقتصادي الذي نشأ في أوروبا منذ 170 سنة والذي ما زلنا في ms117 ~~سياقه، وهنا نحتاج إلى دراسة نظرية التفسير الاقتصادي للتاريخ. # وعلى القارئ أيضا أن يدرس نحو عشر ثورات عالمية، كثورة الإنجليز على الملك تشارلس الأول، ~~وثورة الفرنسيين على البوربون، والثورة الأمريكية، وثورات روسيا وتركيا والصين والهند؛ فإن ~~الرقي البشري احتاج مرات كثيرة إلى الثورة. # وكتابي «الثورات» يستحق هنا عناية القارئ. # وخير من أن نقرأ تاريخ أمة، بعد أمة، يجب أن ندرس تاريخ العلوم والفنون، فإذا درسنا مثلا ~~تاريخ الكيمياء، وكيف انتقلت من مصر إلى أوروبا وانتهت بإيجاد عوامل اقتصادية في الصناعة ~~والزراعة، أو درسنا تاريخ الطب أو تاريخ القوانين انفتحت بصيرتنا للفهم أكثر مما لو قرأنا ~~تاريخ مصر أو تاريخ إنجلترا؛ لأن الطريقة الأولى توجهنا وجهة بشرية عالمية، أما الثانية ~~فتحد من تفكيرنا بحدود القطر الذي ندرس. # | دراسة الاقتصاديات # قبل نحو مئتي سنة لم تكن «الاقتصاديات» علما يدرس؛ لأن قيمتها لم تكن معروفة، أو ~~بالأحرى لم يكن الناس في حاجة إلى هذا العلم لأن طريقة الإنتاج كانت الزراعة، وكانت ~~الصناعات يدوية، وكانت كل أمة تقريبا تعيش عيشة الاستكفاء، تنتج حاجاتها وتستهلكها بنفسها، ~~وكانت التجارة بين أمة وأخرى قليلة، وأحيانا معدومة؛ لأن المواصلات كانت بطيئة، وأحيانا ~~معدومة. # وبكلمة أخرى نقول إن جميع الأمم كانت زراعية، فكانت اقتصادياتها راكدة، وحضارتها قروية، ~~وكان التغير الاجتماعي بطيئا أو معدوما. # ولكن منذ نحو 170 سنة تغيرت الدنيا بتغير الوسائل في الإنتاج وانتقال الصناعات من اليد ~~إلى الآلة، وبكثرة وسائل الانتقال وسرعتها، فاتصلت الأقطار البعيدة، وتحرك «رأس المال» ~~وتضخم، وأصبحت الشركة «المساهمة» قوة اقتصادية كبيرة الأثر في الاستغلال والاحتكار والتحكم ~~في الأسواق الداخلية والخارجية وبعث الاستعمار واستخدام السياسة، وهذه الحركة الاقتصادية ~~الجديدة قد جلبت معها كوارث لا تحصى للعمال وللأمم الزراعية في أفريقيا وآسيا، ولكنها ~~أيضا قد أحدثت وجدانا جديدا بوحدة العالم، أي بضرورة توحيده، وأن رأس المال إذا ترك ~~حرا في الاستغلال فإنه سيعمم الفوضى والحروب والشرور. # ولذلك تغيرت المشكلة السياسية في عصرنا، فلم تعد خلافا بين أمة أو أمة، أو بين ملك وشعب، ~~بل صارت ms118 خلافا بين طبقة الصناعيين والماليين والاستغلاليين وبين طبقات العمال الذين ~~تستغلهم القوات المالية والتجارية والصناعية، وأصبحنا ندرك العوامل التي تحمل الأمم ~~المتمدنة على الحرب والاستعمار والتسلط الإمبراطوري على الأمم الزراعية الضعيفة. # بل أكثر من ذلك، فإن كارل ماركس قد استطاع أن ينير أبصارنا وبصائرنا بما سماه «التفسير ~~الاقتصادي للتاريخ»، وبدون أن نقتني هذه الآلة الماركسية، ونستعملها في درس الحوادث الجارية ~~في عصرنا، أو في التاريخ الماضي، فإننا لن نفهم التطورات السياسية أو الاجتماعية أو ~~الأخلاقية في وطننا أو في غيره. # ومع الأسف لا نستطيع أن نرشد عن الكتب العربية التي تشرح هذا النظر الماركسي ؛ لأنه ليس في ~~لغتنا مؤلفات عن هذا الموضوع؛ فإن قوانيننا - مع غموضها - تجعل إخراج مثل هذه الكتب باعثا ~~على الشكوك من ناحية المسئولية، وعجيب بل غاية في العجب أن الحكومة المصرية التي بعثت إلى ~~موسكو سنة 1911 ببعثة كي تتعلم أساليب القيصر نقولا في مطاردة الأحرار ونفيهم إلى سيبريا لا ~~تزال تكره الآراء الاشتراكية وتحاربها، مع أن هذه الآراء تعمل بها الآن بريطانيا التي ~~أممت الفحم والمواصلات وغيرها وهي تنوي تأميم مصانع الفولاذ. # وتاريخ مصر في مدى السبعين من السنين الأخيرة يوضح هذا النظر الماركسي توضيحا عظيما، ~~والمصري الذي يجهل التفسير الاقتصادي لكوارثنا وفقرنا وأمراضنا وتعطيل مواهبنا بمنع الصناعة ~~مدى السبعين من السنين الماضية الأخيرة، يجهل تاريخ مصر، ولن تتفتق له بصيرة في فهم الحوادث ~~الجارية الآن إلا بهذا التفسير الماركسي، والحكومة التي تمنع دراسة كارل ماركس لا تستحق ~~الغضب من فولتير وحده لأنها تعمل على تقييد أقدس ما في الإنسان، وهو الذهن، بل تستحقه كذلك ~~لأنها تعمل هي أيضا لتعميم الفقر بشأن الأسباب الأصيلة التي جعلت مثل مصر أمة زراعية ~~متأخرة في خدمة الماليين، تؤدي لهم الأقساط، وكأن الغاية من وجودها في الدنيا تأدية هذه ~~الأقساط فقط. # ودراسة بريطانيا في عصرنا الجديد هي دراسة بريطانيا في عصرنا الجديد هي دراسة للاقتصاديات ~~أيضا؛ لأنها هي الأمة التي جعلت الاشتراكية المندرجة بالتأميم نظاما للدولة، فعلى كل من ms119 ~~يبغي التثقيف الذاتي أن يجعل هذه الدراسة بؤرة يتفهم على ضوئها السياسة العالمية في ~~تطوراتها القادمة، وهذا بالطبع لا يعني أن حكومة العمال البريطانية قد تخلصت من تقاليد ~~الاستعمار. # ولكن الدراسة المثلى للاقتصاديات العالمية، الدراسة التي تبعث على الفهم والتبصر لسير ~~التطور الاقتصادي، هي الدراسة الماركسية مع تطبيقها على ما يجري الآن بين ألف مليون اشتراكي ~~في الصين والاتحاد السوفيتي وغيرهما. # وفي الوقت الحاضر كل ما أستطيع أن أقول في دراسة الاقتصاديات للقارئ الذي لا يعرف غير ~~العربية، هو أن قراءة الأخبار اليومية العالمية في الجريدة خير من قراءة أي كتاب عربي؛ لأن ~~القارئ إذا تتبعها بفهم وفراسة ذهنية، استطاع أن يرى خلفها العوامل الاقتصادية ~~المحركة. # أما القارئ الذي يعرف اللغات العصرية مثل الإنجليزية أو الفرنسية فلا يحتاج هنا إلى أي ~~إرشاد. # | دراسة الفلسفة # كثيرا ما حملتني دراستي للسيكلوجية على أن أتعمق درس الأمراض النفسية، من أخف أنواعها ~~كالقلق والهم، إلى أخطرها كأنواع الجنون المختلفة مثل الشيزوفرنيا والمانيا. # والمتعمق لهذه الأمراض يستطيع أن يصفها بأنها «أمراض فلسفية» فهي توصف بأنها «أمراض ~~نفسية» من حيث إن الجسم سليم ولكن النفس معتلة، وقد يؤدي اعتلالها إلى اعتلال للجسم أو لا ~~يؤدي. # ولكن الأساس لاعتلال النفس أن النظرة الفلسفية للحياة في أسلوبها وغايتها سيئة، لا تتفق ~~والقوى البشرية، أو لا تلائم المجتمع، أو لا تشبع شهوات النفس وأمانيها. # وعلى الرغم من الجهل العام في سواد الأمم، لا يزال لكل فرد نظرية فلسفية يمارسها عن وجدان ~~ودراية في كامنته، أو عقله الكامن الذي لا يدري به، ولكل مجتمع اتجاهات في الحياة، وقيم ~~معينة لبعض الممارسات دون بعض، وهي تحمل الأفراد على بذل المجهود كي يصلوا منه إلى ما ~~ينشدونه من كرامة وعزة ووجاهة. # ففي الولايات المتحدة الأمريكية مثلا يتجه الفرد إلى اقتناء الثروة وهو يؤمن بإنجيل ~~النجاح، ولا يبالي في سبيله ما يجني على نفسه من هموم تجعله يبكر في الصباح ويتأخر في ~~المساء، وهذا مجهود كل أمريكي يريد أن يصل إلى القمة، المباراة ms120 عامة، تجعل اقتناء الثروة ~~يسير بالعدو والهرولة ويغطي على أي مجهود آخر، ثم سرعان ما تنفق الثروة بعد جمعها، فتكون ~~مباراة في الإنفاق كما كانت في الجمع. # فهذا النظر للحياة هو في صميمه نظر فلسفي؛ إذ هو يجحد القناعة والبساطة في العيش، ويحمل ~~على الطموح والرغبة في الإسراف والبذخ، وليس في الولايات المتحدة شاب أو فتاة إلا وهما في ~~هم وقلق كيف يحصلان على الثروة وكيف يفوزان في المباراة الاقتصادية العامة، والهم والقلق ~~هما تعب مرهق يؤدي إلى انهيار نفسي في حالات كثيرة، يدلنا على ذلك أن أكثر من نصف ~~الأسرة في مستشفيات الولايات المتحدة يملؤها مرضى النفوس وليس مرضى الأجسام، وليست ~~حال فرنسا أو ألمانيا أو هولندا بأفضل من حال أمريكا إلا قليلا. # وإذا شئنا أن نعالج أحد هؤلاء المرضى فليس أمامنا سوى العلاج الفلسفي، وهو أن للقناعة ~~وبساطة العيش قيمتهما في الدنيا، وأنهما يفضلان البذخ والترف، وأنهما يتيحان لنا الوقت كي ~~نلهو ونستمتع بالدنيا، وأن نستبدل بالتوتر المضني استرخاء يريح ويسعد، وأن قيصر الرومان ~~«مرقس أوريليوس» كان يصف السعادة بأنها رغيف مع الجبن نأكلهما في ظل شجرة، فإذا تغير النظر ~~الفسفي لهذا المريض فإنه يشقى وإلا فإن روح المباراة يلازمه حتى يقتله. # أجل يقتله؛ لأن مرض النفس عندئذ ينقلب مرضا جسميا؛ ذلك أن الهموم تزيد ضغط الدم ~~فتنتفخ الشرايين، ثم تتصلب، ويتحمل القلب أكثر من طاقته في دفع الدم لهذه الشرايين ~~المتصلبة، وعندئذ قد يفشل القلب، فيموت صاحبه بالسكتة، أو قد ينفجر شريان في الدماغ فيموت ~~بالنقطة، وقبل هذا الموت يقضي سنوات في حال جسمية منحطة. # وهذه المبالغة في المباراة هي مثال واحد من أمثلة النظر الفلسفي السيئ، وهناك الغيرة عند ~~النساء، بل هناك الرغبات الطفلية تبقى معنا إلى سن الشباب والكهولة، وتغمر سلوكنا النفسي بل ~~سلوكنا الجسمي، وكل هذا يدل على أننا في حاجة إلى الصحة والسداد في النظر الفلسفي كي نعيش ~~المعيشة الطيبة. # وقد أصبح معنى الفلسفة في عصرنا يخالف معناها التقليدي المعروف في أوروبا وفي ms121 العالم ~~القديم كله، فقد كنا نفهم من الفلسفة أنها تأمل في الخلق والخالق، وتفسير لمعميات الكون، ~~ودرس للمذاهب القديمة والحديثة في عهد الإغريق إلى العصر الحاضر، وموازنة بين مختلف ~~النظريات، أو محاولة للتوفيق بينها بالزيادة هنا والحذف هناك، والفيلسوف في نظرنا هو الرجل ~~الذي انصرف عن معترك الحياة، ووضع نظارتيه على أرنبة أنفه، وغرق في أكداس الكتب يقلب ~~صفحاتها ويستوعب محتوياتها، فإذا رفع عينه عنها فذلك كي يجتر أفلاطون وأرسطو ويفكر في ~~ديكارت وسبينوزا. # ولكن التفكير الجديد يتجه اتجاها آخر وينحو نحوا جديدا، من ذلك أن الأستاذ «ديوي» زعيم ~~حركة التجديد في الفلسفة الحديثة يرى أن الفلسفة وسيلة من وسائل الكفاح والنجاح في الحياة، ~~شأنها في ذلك كشأن جميع أنواع الثقافات، وأن همها ينبغي أن ينصرف كله إلى ترقية عيشة ~~الإنسان والمجتمع الإنساني كله؛ ولذلك يجب أن يكون هذا المجتمع أساس النقد والتجديد في ~~الفلسفة، ومن هنا نرى هذه الظاهرة الجديدة وهي أن الدراسات الفلسفية قد انطلقت من مخابئها ~~في مكتبات العلماء المتزمتين إلى الحياة العامة، ونرى مثلا أن الحكومة الأمريكية تعين مستر ~~«ماكيفر» أستاذا للفلسفة في كلية الزراعة في تكساس. # فلنتأمل هذا الخبر الصغير في مبناه، الكبير في معناه، هذه كلية تلقن الطلبة كيف يزرعون ~~القطن ويعنون بالطماطم ويحلبون البقر، ولكن إلى جانب هذا يجب أن يتعلموا الفلسفة، وأن ~~يعرفوا أثرها في حياتهم الزراعية المستقبلية، ويجب أن ينيروا بصائرهم في قيمة الحياة، وأن ~~يستعينوا بالفلسفة كي يعينوا ويحددوا مطامعهم الفردية ومكانتهم الاجتماعية في الأمة. # فالفلسفة لم تعد من الكماليات التي يتذوقها المتحذلقون أو المتخصصون، وإنما أخذت تتصل ~~بالزراعة والصناعة، فيجب أن يكون اتصالها وثيقا بالبيت والمصنع كما يجب على الشاب والفتاة ~~أن يتساءل كلاهما في بداية أي مشروع: هل هذا العمل يتفق والنظر الفلسفي الحسن أم لا ~~يتفق؟ # وهذا يحملنا على القول بأن كل شاب في حاجة إلى تدريب فلسفي أي يجب أن نألف الفلاسفة وأن ~~ندرب الذهن ونربي العاطفة على معالجة مشكلاتنا بالفلسفة، وإذا فعلنا ذلك فإننا نرفض ms122 ~~الانسياق وراء غايات تستأثر بمجهودنا ووقتنا بلا طائل، مثل «المركز الاجتماعي» او التباهي ~~باقتناء المال أو نحو ذلك. # والذهن المدرب بالفلسفة هو الذي يوازن بين شراء عقار بمئة جنيه أو شراء مكتبة بهذا ~~المبلغ؛ لأنه هنا يقف بين التوسع الذهني أو الرقي الشخصي، وبين التوسع العقاري أو التكبير ~~المركز الاجتماعي، وهو قيمة الحياة وغايتها. # والدين يكمن في الفلسفة، أو الفلسفة تكمن في الدين؛ لأن كليهما يرسم لنا الاتجاهات في ~~السلوك ويعين لنا القيم في المعيشة والأخلاق، وقد ظهرت في اللغة العربية بعض الكتب التي لا ~~تفي ولا تشبع، ولكن ليس هناك أفضل منها، ومنها كتاب الأستاذ أحمد أمين بك عن قصة الفلسفة، ~~ومنها أيضا سلسلة موجزة للأستاذ عبد الرحمن بدوي، وكتاب الأخلاق لأرسطوطاليس (ترجمة أحمد ~~لطفي السيد باشا) وكتاب الدكتور طه حسين بك المترجم عن أرسطوطاليس في نظم الحكم، كل هذه ~~يمكن أن تقرأ مع الفائدة، ولكنها فائدة ضئيلة. # أما كتب الفلسفة القديمة في اللغة العربية فهي غيبيات عقيمة، وهي خلاصة التفكير الإغريقي ~~بعد إخراجه مزيفا في خدمة المجادلات المذهبية المسيحية. # والفلسفة بطبيعتها بطيئة التجديد، ولكن يجب أن نعرف أنها تنحط بمقدار اتجاهها نحو ~~الغيبيات، وترقى بمقدار اتجاهها نحو البشريات، وهي تبحث القيمة في حين يبحث العلم الماهية، ~~أو هي بمثابة الدفة التي توجه في حين يؤدي العلم مهمة الشراع أي القوة، وعلم بلا فلسفة هو ~~قوة بلا دفة، قد تسير بالسفينة نحو الصخرة، والفلسفة الراقية هي ديانة راقية، وربما نحتاج ~~إلى تعبير جديد يحملنا على الانتفاع بدراسة الفلسفة والدين معا، وهو أن نقول «الفلسفة ~~التطبيقية» و«الديانة التطبيقية». وعلى قدر استعداد الفلسفة والدين للتطبيق في خدمة البشر ~~تكون قيمتهما، وإلا فهما غيبيات سخيفة أي تفكير وخبط في الخواء. # وربما يكون في التحديدات التالية بعض ما ينير عن ماهية الفلسفة بالمقارنة إلى ~~العلم: ~~(1) # العلوم مجزأة والفلسفة كلية، وهي لذلك تبحث العلوم المستقلة كي تجمع بينها ~~وتستخرج الدلالة العامة منها. ~~(2) # العلوم تبحث ماهية الأشياء، في حين أن الفلسفة تبحث قيمتها للإنسان، فالعلم ms123 ~~كشف عن الطاقة الذرية ولكن على الفلسفة أن تبين الغاية من هذا الكشف. ~~(3) # ولذلك ليس من شأن العلوم أن تتحدث عن الجمال والفضيلة ومستقبل البشر؛ لأن ~~كل هذه الأشياء تتصل بالقيمة وليس بالماهية. ~~(4) # العلم يبحث السبب المباشر، والفلسفة تبحث الهدف النهائي. ~~(5) # العلم يعطينا الحقائق والفلسفة تعين لنا المناهج. ~~(6) # العلم يشرح الواقع والفلسفة تعين الأهداف. ~~(7) # العلم للمعرفة والفلسفة للحكمة. # ومن هذه التحديدات الموجزة يتضح أن الفلسفة لا تختلف عن الأدب والدين إلا من حيث ~~الوسيلة والتعبير، ولكن الثلاثة تتفق في الهدف وهو تعيين القيم البشرية. # | دراسة الدين # دراسة الدين يجب أن تكون من الاهتمامات الكبرى للمثقف؛ لأن غاية المثقف لا يمكن أن تخرج ~~عن أن يعيش المعيشة الذكية الطيب، وهذه المعيشة غير مستطاعة إلا مع الدين. # ونحن ندرس الآداب والفلسفات كي نستنبط منها القيم التي نقيس بها شرف الحياة وغايتها، وما ~~فيها من جمال أو قبح، ونعين الغايات التي نسترشد بها في معيشتنا، ونجهد لتحقيقها، وهذه ~~الغايات هي الدين. # ونحن نأخذ الدين عن أبوينا تقليدا، ونعيش في صبانا وبعض شبابنا ونحن نستند إلى الدين ~~التقليدي كما نستند إلى معونة الأبوين، ولكن التكشف الديني للرجل المثقف يحتاج إلى سنين ~~عديدة ودراسات مختلفة وتغيرات نفسية متوالية تنشأ من الاختبارات الدنيوية، وحوالي سن ~~الخمسين نجد أن ما ورثناه من عقائد ليس شيئا في جنب ما استنبطناه من بصيرة دينية هي ثمرة ~~الحياة الفهيمة على الأرض نصف قرن أو أكثر، وقد تؤيد هذه البصيرة بعض العقائد أو لا تؤيدها، ~~ولكن محال أن يبلغ الإنسان المثقف هذه السن، وأن يكون قد عاش عيشة الجد الثقافي مع الفهم ~~الأصيل، ثم يجد نفسه بلا دين أي يجد نفسه بلا ضمير إنساني، وهناك بالطبع كثيرون يعيشون ~~حياتهم بما ورثوه من عقائد لم يبحثوها قط بالنقد والتمحيص، وهذا هو الدين العرفي الذي ~~طلبه أحد الكتاب حين قال: «اللهم ألهمني إيمان العجائز»، وهذا الإيمان قد يؤدي إلى السعادة ~~الاجتماعية، ولكنا لا نطلب الدين لمثل هذه السعادة العرفية وإنما لنحس بمسئولياتنا ~~البشرية، ms124 وكي نجد الحافز من هذه المسئوليات لأن نعيش الحياة الذكية الصالحة، ويجب لهذا ~~السبب أن ندرس الدين بعناية، وأن نجعل جميع المواد الثقافية في خدمة البصيرة الدينية، ~~والرجل المتدين الذي تكون دينه بعد دراسات بشرية خالية من الغيبيات هو أذكى الثمرات ~~للتثقيف الذاتي، أجل هو الذي يفكر بقلبه ويحس بعقله، ويسلك كأنه مسئول عن ارتقاء العالم ~~والبشر. # وقد يسأل القارئ بعد هذا: ما هو الدين الذي تقصد؟ # فأجيب بأن الدين هو خلاصة الثقافة التي حصلنا عليها إلى جنب اختباراتنا الدنيوية فيما لا ~~يقل عن خمسين سنة، ومن هذه الثقافة وهذه الاختبارات قد تعين لنا موقف واتجاه في الدنيا، ~~وتكون لنا ضمير وبصيرة، وهذا هو الدين، وهو دين حسن إذا كنا على ذكاء أصيل، قد نعمنا بوسط ~~حسن وثقافة بشرية، وهو دين سيئ إذا كنا على ذكاء ناقص قد عشنا في وسط سيئ واغتنينا بثقافة ~~منحطة. # وليس القارئ في حاجة إلى أن ننصح له بدراسة الكتب المقدسة التي أخذ عنها ديانته ~~التقليدية؛ لأن المجتمع الذي ينتمي إليه يطالبنا بهذا الواجب، ولكنه محتاج أيضا إلى أن ~~يدرس الكتب المقدسة للأديان الأخرى، العصرية والقديمة، الإلهية وغير الإلهية، وعلى القارئ ~~العربي أن يذكر أن البوذية والكونفوشية - وهما دينان يؤمن بهما أكثر من ألف مليون إنسان في ~~آسيا - لا يعترفان بالله، فيجب ألا نجحد دراستهما لهذا السبب. # وليست دراسة الأديان قائمة على بحث الخلافات أو المشاغبات المذهبية في الفرق المسيحية أو ~~الإسلامية أو اليهودية؛ لأن هذه الخلافات قامت على «غيبيات» يعرف كل من حاول التغلغل في ~~تفاصيلها أنه كان يتغلغل في خواء، وأن المقياس الذي نقيس به ميزات أي دين في العالم إنما هو ~~مقياس المجتمع الحسن الذي استطاع هذا الدين أن يلهمه ويوجهه نحو البر والخير والشرف. # ويجب أيضا ألا نتغاضي عن سمو الفكرة الدينية في نظرية التطور التي جعلت الأفق الديني لكل ~~منا يتجاوز بضعة ألوف من السنين إلى الملايين بل مئات الملايين، والتي شرحت لنا المجهود ~~الرائع الذي بذلته الطبيعة كي يصل ms125 الإنسان إلى مقامه الحاضر، وقد أكسبتنا نظرية التطور فكرة ~~جديدة لم تعرفها الأديان الأخرى، هي احترام الحياة كائنة ما كانت للنبات أم الحيوان؛ لأن ~~بيننا جميعا قرابة تطورية، ولأن المجهود الذي بذلته الطبيعة كي نصل إلى مقامنا الحاضر هو ~~مجهود مشترك بين الكائنات الحية، فنحن وهي عائلة واحدة قد حاولت الطبيعة عن سبيل كل فرد ~~منا ومنها أن تتسلط على المادة، وكذلك يحسن أن نقرأ كتاب «الغصن الذهبي» تأليف فريزر، وهو ~~للأسف لم يترجم إلى العربية، كما نقرأ - بل ندرس - مؤلفات إليوت سمث عن العقائد ~~المصرية الأولى؛ فإن هذه المؤلفات تبسط لنا نشأة الأديان البدائية. # وإلى جانب الكتب المقدسة يجب أن ندرس كتب الأدب والفلسفة العظيمة كما ندرس نظريات العلم ~~الحديث، وعلى المسلم أن يدرس الإنجيل والتوراة كما على اليهودي والمسيحي أن يدرسا القرآن؛ ~~لأن هذه الكتب الثلاثة كانت من العوامل الكبيرة في تكوين الضمير البشري، بل يجب أيضا أن ~~ندرس حتى من يتهمون بالكفر؛ لأن هذا الكفر قد يكون برهان الإيمان، وقد أعجبت بكلمة قالها ~~ألفريد نويس في كتابه عن فولتير، فإن المؤلف هنا كاثوليكي يؤمن بالمسيحية ويحترم الكنيسة، ~~ولكنه مع ذلك وصف فولتير الذي حارب الكنيسة الكاثوليكية بأنه كان «مسيحيا طيبا». # وهذا حق؛ لأن جهاد فولتير ومحاربته للكنيسة في عصره كان من لباب المسيحية. # ولا يمكن أن تؤدي الدراسة مع الذكاء الأصيل إلى الضرر، ويجب لهذا السبب أن تجد الآراء ~~الجديدة ضيافة حسنة في أذهاننا، ولا بد أننا بعد الدراسة سنقول كما يقول برناردشو: «رجل بلا ~~دين هو رجل بلا شرف»، وهو يعني الإنسانية بكلمة الدين. # وهناك من يعيشون في قبو من العقائد والتقاليد بعيدين عن الآفاق الرحبة للمعارف كما أن ~~هناك من ينغمسون في جبرية الغيبيات لم يعرفوا قط حرية الماديات وهواءها المنعش، ولهؤلاء ~~جميعا الرثاء. # ومن الحسن أن نلخص هنا بعض الاستنتاجات في التميز بين العلم والأدب والفلسفة والدين، على ~~الرغم مما يكون في هذا من تكرار: ~~(1) # العلم محايد، يبحث ماهية الأشياء ولا يبحث قيمتها، وهو ms126 موضوعي. ~~(2) # العلم يميز بين الحقيقة والوهم، ولكنه لا يدلنا على الفرق بين الحق والضلال، ~~أي بين العدل والظلم؛ لأن كل هذه الصفات ذاتية. ~~(3) # العلم يعين الوسائل، ولكنه لا يعين الغايات؛ إذ ليست له غاية. ~~(4) # الأدب والفلسفة والدين هي التي تعين الغايات. ~~(5) # مثال ذلك اختراع العلم الطائرة، فقد أوضح لنا «ماهية» آلاتها، ولكن الدين ~~يعين الغاية منها، وهل هي لقتل الناس وتدمير المدن أم لتقريب المواصلات على هذا ~~الكوكب وزيادة الاتحاد البشري. ~~(6) # في العلم نجد المعرفة، وفي الأدب والدين والفلسفة نجد الحكمة. ~~(7) # المعرفة تنير الحكمة، ولكن الحكمة هي التي تستخدم المعرفة وتوجهها لخير ~~البشر. # | دراسة الفنون # جميع الفنون هي نظر أو سلوك نتسامى فيها بما ورثنا من كفايات طبيعية، فالمشي من الطبيعة، ~~والرقص من الفن؛ لأننا قد تسامينا بحركة المشي إلى الإيقاع الموسيقي في الرقص. # ونحن نتحدث في كلام مرسل، ولكننا حين ننقل هذا الكلام إلى الشعر نحس جمالا هو جمال ~~الفن. # والفن هو التعبير البشري عن الإدراك الروحي؛ ولذلك فإن الفلسفة والدين يعدان من ~~الفنون البشرية؛ لأننا نستطيع مثلا أن ننظر إلى الكون نظرا ماديا مؤلفا من الأرقام ~~والكيمياء والطبيعيات، وليس هنا فن، ولكننا حين ننظر إليه نظرا فنيا نتجاوز الأرقام ~~والكيمياء والطبيعيات إلى ما وراءها من معاني الشعر والموسيقا والإيقاع، فنجد الفلسفة ~~والدين. # وفي الإنسان رغبات وشهوات وغرائز ومطامع، ونستطيع أن نتوخى الهدف المادي لهذه جميعها، ~~وعندئذ لنا فيها شيء من الفن، فنحن حين نجوع ونشتهي الطعام، أو حين نحس الرغبة في الجنس ~~الآخر، أو حين نطمع في الامتلاك أو ننقاد لغريزة الخوف العادية، في كل هذه الأشياء قد يجري ~~تصرفنا على المستوى المادي، فلا نصل إلى الإدراك أو الوجدان الروحي. # ولكن الإنسان، منذ خرج من أسر الغابة، لم يقنع بالماديات، وتاريخ الحضارة يمكن أن يكون ~~إلى حد ما تاريخ الانتقال أو التطور من النظر المادي إلى النظر الروحي، فالمائدة المتمدنة ~~هي متعة للنفس كما هي متعة للمعدة، ونحن لا نقنع فيها بأن نشبع أيضا من أدواتها الفنية ~~وزهورها ms127 وأطباقها وحديث المجتمعين حولها، وكذلك ليست بيوتنا لإيوائنا من الحر والبرد، بل هي ~~أيضا - أو على الأقل نحن نتوخى فيها أن تكون - متاحف حافلة بما يعجب العين ويمتع ~~النفس. # واشتهاء الجنس الآخر، إذا سار على المستوى المادي فإنه يخلو من الفن، ولكن لم يقنع ~~الإنسان قط بهذا، فإنه ارتفع من هذا النظر المادي إلى النظر الروحي، فنشأ من الشهوة حب، ~~وحفل تاريخ الإنسان بأقصيص الحب التي نقرأها وننشدها أشعارا كأنها تراتيل الدين. # وفي عصرنا رأينا القمرة الفتوغرافية تنقل الصور بأسلوب مادي ونظر مادي، فلا نجد وراء ~~الصورة معنى روحيا، وهذا هو الفرق بين الرسم الذي يؤديه الرسام، ويرى من خلال ما يرسمه ~~معاني روحية، وبين الصورة الفتوغرافية الصماء. # وقد ينظر رجل العلم المادي إلى البئر فيبحث الماء هل هو عذب أم ملح، سليم أو وبيء، ولكن ~~رجل الفن يرسم أشعة الشمس التي تنكسر في هذا الماء وتنعكس ألوانا زاهية وجمالا ~~فاتنا. # والحضارة العالية هي مجموعة من الفنون التي تربي الذوق وتمتعنا بإحساس الطرب في رؤية ~~أدواتها واستعمالها، وإذا انحطت الحضارة انحطت فنونها إلى صناعات لكسب العيش فقط، وعندئذ ~~تنخفض إلى مستوى الضرورة، فتصير الحياة للبقاء بالحصول على الضروريات كما هي مثلا حياة ~~فلاحنا البائس الآن. # والفنون تراث المدينة ولم تكن قط تراث الريف أو البداوة، وتراثنا الثقافي من الفنون ~~صغير بل ضئيل؛ فإن العرب كانوا بدوا جهلوا البناء والنحت والرسم وصناعات المدن، ولم نرث ~~منهم سوى الشعر، وهو مع ذلك شعر البداوة الذي تؤثر فيه الشطرة أو البيت على القصيدة، وتؤثر ~~القصيدة على العلياءة. # وما عندنا في مصر من اتجاهات فنية إنما يعزى كله إلى العصر الحديث، وإلى تجديد الفنيين ~~المصريين سواء في الرسم أو العمارة أو النحت، وليس عندنا أي تجديد في الغناء الذي لا يزال ~~تنهدات منقحة، وقد نجحنا في الرسم والعمارة والنحت بعض الشيء لأننا عمدنا إلى الأوروبيين ~~فتعلمنا هذه الفنون منهم ولم ندع في سخف وتنطع أن لنا تراثا فيها، ولكننا لم ننجح في ~~الغناء والموسيقا ms128 لأن دعوانا فيهما دعوى متورمة منتفخة، ولو تواضعنا وتعلمنا من ~~الأوروبيين أصول هذين الفنين لكانت لنا فيهما نهضة. # وكل هذا الذي ذكرنا يبين للقارئ أن دراسة الفنون لا تعني شيئا آخر سوى دراسة الكتب ~~الأوروبية ورؤية المدن والمتاحف الأوروبية، ولما كانت غاية الفن هي في النهاية أن نعيش ~~الحياة الفنية، وأن نجد الطرب الروحي الذي نحس من الجمال؛ فإن التربية الفنية تعني في ~~النهاية التدريب المستمر للتسامي بشهواتنا ورغباتنا وتعود النظر الديني والفلسفي لشئون ~~هذه الدنيا، حتى تسير حياتنا وكأنها القصيدة الرائعة وليست النثر المبتذل. # ولا أستطيع أن أنصح للقارئ بأن يقرأ شيئا عن الفنون في العربية، وقد يكون في كتابي «أشهر ~~الصور» بعض الفائدة، ولكنه فتات ضئيل من المائدة الأوروبية، وعلى الراغب في الدراسة أن ~~يوالي زيارة المتاحف والمعارض، ويتأمل ويدرس، وهذا إلى الآن قصارى ما يقال. # وغاية الفن هي بعد كل شيء أن نعيش الحياة الفنية، وأن يكون لنا مأرب فني في معايشنا ~~ومعارفنا وسلوكنا وتصرفنا، وأن نرتفع من عيشة الضرورة البيولوجية إلى الاستمتاع ~~المدني. # | ليكن لنا كفاح ثقافي # يجب على كل مثقف أن يكون له كفاح؛ لأن الدراسة تحتاج إلى حوافز من العواطف الظاهرة أو ~~المختفية تدفع إلى المثابرة والجهد، ولكن الحافز يضعف أو يقوى باختلاف البيئة والدراسة ~~والشخص، فنحن نقرأ الجريدة في الصباح لأن عاطفة الاستطلاع تدفعنا إلى ذلك، ونحن ندرس الكتاب ~~كي نتهيأ به للوصول إلى الهدف الذي قد يكون تكملا في الفن الذي نمارس أو رغبة في الرقي ~~الذهني أو نحو ذلك؛ فالطبيب يقرأ كتابا في شرح أحد الأمراض لا أقرأه أنا؛ لأنه يجد الحافز ~~الذي لا أجده، وأنا أقرأ كتابا في السيكلوجية لا يرضى غيري بقراءته ولو أجر ~~عليه. # فلكل منا حافزه الذي يبعثه على الدرس، وقد يزداد هذا الحافز قوة حتى يحمل القارئ أو ~~الدارس على الجهاد، وعندئذ يفتح هذا الجهاد أبوابا للدرس مدى الحياة، فالشاب المصري الذي ~~عاش فيما بين 1918 و1943 وعاين الحركة الوطنية واشتبك فيها، وأصبح مجاهدا للوطن يدعو ms129 ~~للاستقلال والحرية، قد حمله هذا الجهاد على دراسة لا تنقطع، بالحديث وقراءة الجريدة ودراسة ~~الكتاب، لكل ما يتصل بالاستقلال والحرية والاستبداد والدستور والإمبراطوريات واستغلال ~~الشعوب الصغيرة وخيانات الملوك والأمراء والوزراء لأوطانهم رغبة في الانتفاع بسلطان الدول ~~المتسلطة ونحو ذلك، وهو يجد نفسه مشتاقا لدرس تاريخ الولايات المتحدة، وكيف استقلت، وهو ~~يدرس مبادئ الثورة السوفيتية، بل جميع الثورات، وهو يعطف على الحركة الهندية التي يتزعمها ~~غاندي أو نهرو، وهو أيضا مضطر إلى التغلغل في الاقتصاديات، كي يقف على ألاعيب الماليين ~~الذين جروا على وطننا الخراب الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وهو يقرأ الجريدة بعناية ~~واختيار ومراجعة، واشتباكه في الحركة الوطنية يرشده إلى الكتب التي يحتاج إلى ~~قراءتها. # فهنا مثال الجهاد السياسي، يحمل على دراسات مختلفة تشع من بؤرة مفردة هي إرادة الاستقلال، ~~وألوان الجهاد مختلفة متنوعة، فهنا مثلا سيدة تسعى لمنع الخمور، وهنا سيدة أخرى تسعي ~~للمساواة بين الجنسين في الحقوق المدنية والاقتصادية، وهنا شاب يدعو إلى الاشتراكية، وآخر ~~يجاهد من أجل الفلاح، فكل هؤلاء يجدون الحافز الذي يعبئهم على الدرس والاستزادة من الثقافة ~~التي تتصل بموضوعاتهم، وليس هناك موضوع مستقل؛ فإن الدعوة إلى المساواة بين الجنسين تتصل ~~بدراسات اجتماعية وتاريخية وفسيولوجية، بل دينية، ومن ينصب نفسه لهذه الدعوة محتاج إلى ~~المثابرة والجهد في دراسة عميقة، وهو بهذه الدراسة يستنير وينتفع من هذه الناحية بدعوته كما ~~أن دعوته تنتفع به. # انظر مثلا إلى شاب قد أحس أنه يجب أن يجاهد لتحقيق المجتمع الاشتراكي؛ فإن جهاده سيحفزه ~~على الدرس الذي لا ينقطع طيلة حياته، وتاريخ البشر يعد عندئذ بعض موضوعاته، واقتصاديات ~~الصناعة والزراعة، وكذلك الأخلاق والأديان، بل كذلك الاستعمار والحروب وإمبراطوريات المدفع ~~والجنيه، كل هذا يعد من ميادينه الدراسية، وهو يرقى بهذه الدراسات، وينظر النظرة العلمية ~~الفلسفية للمجتمع، وفي عصرنا الحاضر أجد الفرق عظيما جدا بين شاب يجهل الاشتراكية وآخر ~~يدرسها؛ لأن الأول تجري الحوادث أمامه وهي لا تعني المعنى ولا تدل الدلالة، في حين يجد ~~الثاني معناها ودلالتها واضحين، كما أن الأول يقرأ ms130 وهو راكد متثائب أما الثاني فيقظ متنبه، ~~وقل أن تجد للأول مكتبة بل هو قد يهمل شراء الجريدة، أما الثاني فيعرف الشأن العظيم لهما في ~~ترقية ذهنه، الأول ينظر إلى الحوادث متفرجا والثاني يبصر بحركة التاريخ في الحوادث الحاضرة ~~والمستقبلة. # وأستطيع أن أقول إن كل ثقافة حسنة تؤدي إلى جهاد من نوع ما، والثقافة السيئة هي وحدها ~~التي لا تؤدي إلى جهاد؛ لأن الثقافة السديدة المتصلة بالمجتمع تسبق هذا المجتمع بمسافة ~~قصيرة أو طويلة، وهي لهذا السبب تدعو إلى التغيير؛ لأنها ترسم لنا مثلا جديدة نشتاق إلى ~~تحقيقها، ومن هنا - أي من الرغبة في التغيير - نحس الجهاد. # وقيمة أخرى للجهاد في الثقافة أنه يكبر شخصيتنا ويجعلنا نشعر بأن لنا قيمة تاريخية، أي ~~لنا رسالة نؤديها بالدعوة إلى إصلاح معين، وهو يكسبنا الفلسفة التوجيهية التي يحتاج إليها ~~كل شاب أو فتاة متمدنين في عصرنا، ونحن بهذا الجهاد نسير وقد رفعنا رءوسنا عالية وشخصنا إلى ~~القمم، بل إننا لنحيى عندئذ حياة تاريخية. # ولست أستطيع أن أعين للقارئ الجهاد الذي يجب أن يختار؛ لأن لكل إنسان بيئته وظروفه ~~واستعداده، فلعل القارئ المصري يطلب إصلاحا للغة العربية، أو تعميم الكيمياء الصناعية، أو ~~نشر المبادئ الاشتراكية، أو مكافحة الإسراف في الطلاق أو الزواج، أو تحديد النسل، أو غير ~~ذلك، وهو وحده القادر على أن يقول أي الأنواع تحتاج إلى بيئته ويقوى هو على الاضطلاع به، ~~إنما الذي أقرر هنا هو أن الجهاد حافز عظيم للدراسة، وقد وجدت هذا باختباراتي الشخصية؛ فإني ~~أذكر أني في سنة 1930 أنشأت جمعية «المصري للمصري» وكانت غايتها أن تدعو المصريين إلى أن ~~يشتروا السلعة التي يصنعها، أو على الأقل يبيعها المصري دون الأجنبي. وذلك كي ترفع المستوى ~~الاقتصادي بين المصريين وتشجع المصانع المصرية على الإنتاج، اعتقادا بأن أساس مشكلاتنا هو ~~الفقر، وبأن الأمة التي لا تمارس الصناعات العصرية هي أمة غير متمدنة، وقد كنت أعجب العجب ~~العظيم حين كنت أجد الشاب لم يتجاوز سنه العشرين ومع ذلك يحضر إلى ومعه ms131 مستندات حافلة ~~بإحصاءات عن وارداتنا من الأطعمة والأقمشة التي كان يمكن أن نصنعها في بلادنا، فهذا الجهاد ~~من أجل الصناعة المصرية عند هذا الشاب قد استحال إلى حافز لدراسة الاقتصاديات المصرية بجميع ~~أنواعها. # وعندما أراجع ذاكرتي أجد أن معظم الموضوعات، بل ربما كلها، التي شغلتني دراستها، إنما كنت ~~مكافحا فيها، فكانت الدراسة بهذه المثابة عضوية، تتصل بشهواتي الذهنية ومشكلاتي النفسية، ~~وأحتاج إلى تحليل عميق كي أعرف البؤرة التي تشممت منها اهتماماتي الثقافية، وظني أنها ~~الوطنية المصرية ومكافحة الإمبراطورية البريطانية. # والآن يطفر إلى ذهني حادثان كان لهما عندي أكبر الوقع النفسي، فقد صدمني حادث دنشواي وأنا ~~في الثامنة عشرة، وبقيت أسبوعا وأنا كالصائم لا أستمرئ الطعام، وحادث آخر كان له وقع في ~~نفسي كله مرارة وأسى، ذلك أني كنت في باريس وأنا في التاسعة عشرة أو العشرين، وقد قعدت إلى ~~بعض الفرنسيين في بهجة وأنسة تزيدهما الكأس نشوة حلوة، وإذا بالحديث يجرنا إلى السياسة، ثم ~~استحال الحديث إلى مناقشة حادة، فإذا باحدهم يقول لي بصوت عال في لهجة الزجر والاحتقار: ~~«لا شان لك بهذه المناقشة، أنتم أمة مهانة، والإنجليز أسيادكم». # وكان هذا القول حقا، وتولاني غضب وحزن لم يخفف منهما توبيخ الحاضريين لهذا الشاتم، فقد ~~كان عطفهم علي أكثر إيلاما لي من شتمه، وقد بكيت كثيرا تلك الليلة، وذهبت إلى الطبيب جملة ~~مرات أشكو إليه ألما في الأمعاء وإسهالا دمويا مخاطيا لم أعرف أنا ولم يعرف هو سببهما ~~الذي يتضح لي الآن، وظني أن هذا الطبيب لم يستطع وقتئذ أن يتخيل شابا في سني يمكنه أن ~~يتحمل هما وطنيا كبيرا يفتت أمعاءه إلى هذا الحد. # وعندما أنظر إلى جميع مؤلفاتي أرى أن جميعها أو معظمها يتشعع من بؤرة الوطنية ومكافحة ~~الإمبراطورية البريطانية، بل أستطيع أن أقول إنه حتى دراستي البيولوجية وما تفرع منها لم ~~تكن لشهوة العلم وحده، كما يتضح للقارئ من النية المضمرة في كتابي «التطور» وهي الإصلاح ~~بقشع الخرافات العقيدية حتى تصير مصر أمة مصرية. # ولا أقول إن هذا ms132 التعليل مقنع، ولكن هذين الحادثين يومئان على الأقل إلى بعض البواعث ~~الكفاحية لثقافتي، وعلى كل حال أقول إني لم أعش قط في البرج العاجي، وكانت كل دراستي ~~كفاحية، ووجدت في هذا الكفاح خصوبة ثقافية وتوسعا ذهنيا لما أصل إلى حدودهما، والعبرة ~~أننا يجب أن نمارس الثقافة لا متفرجين أو محايدين بل مكافحين مشتركين. # | كتب رمزية وكتب بذرية # هناك مؤلفون كثيرون قد كتبوا في الأدب والفلسفة والعلوم، كالطب والكيمياء والفلك، وقد ~~عاشوا في عصور مختلفة منذ ألفين أو ثلاثة آلاف سنة، ونحن حين نقرأ لهم لا نقصد إلى الانتفاع ~~بمحتويات مؤلفاتهم، وإنما نرمي إلى أن نفهم العصور التي عاشوا فيها عن طريقهم، فهم بهذا ~~رموز عصورهم، أي إن قيمتهم رمزية. # فكتاب الحيوان للدميري أو تذكرة الأنطاكي الطبية أو طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة، هذه ~~الكتب الثلاثة لا ننتفع بفوائدها الطبية أو البيولوجية لأنها إما مخطئة وإما غامضة، وهي ~~حافلة بالخرافات، ولكنها تنكشف لنا عن صفحات تاريخية، فنتعرف عن طريقها إلى الأحوال ~~الثقافية، بل أحيانا الاجتماعية، التي كان يعيش فيها هؤلاء المؤلفون. # ولهذا السبب يجب ألا نرفض قراءة كتاب لأنه يحوي الخرافات، أو لأن المعارف التي يشرحها ~~تخالف الصحة، ما دامت لهذا الكتاب دلالة رمزية عن العصر أو الأمة التي ظهر فيها؛ فإن قوانين ~~حمورابي البابلي، وكذلك دعوات أخناتون المصري، تدلنا على الحال الاجتماعية في مصر وبابل قبل ~~أكثر من ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد، ورحلة ابن بطوطة من أحفل الكتب بالخرافات، ولكن قل ~~أن يجد القارئ كتابا منيرا عن الأمم التي جول فيها المؤلف في القرن الثالث عشر مثل هذا ~~الكتاب؛ فإننا نطل من فصوله على الأحوال الاجتماعية في أقطار مختلفة من المغرب الأقصى إلى ~~الصين، وكذلك الحال في كتاب البغدادي عن مصر، بل كذلك يجب أن نقرأ الكتب القديمة في ~~التاريخ، مثل هيرودوتس وبلوتارك والطبري. # والقرون الوسطى سواء عند الغرب أو الأوروبيين حافلة بالمؤلفين الذين ليست لهم قيمة كبيرة ~~من حيث الموضوع الذي بحثوا، ولكنهم في اختيارهم الموضوع، وأيضا في ms133 أسلوبهم في البحث وحدود ~~المعارف التي وصلوا إليها، كل هذا له قيمة رمزية للعصر الذي عاشوا فيه، فنحن نعرف منهم ~~الاهتمامات الثقافية التي شاعت بين المثقفين في القرن الثالث أو الرابع للميلاد ~~مثلا. # ونعرف كيف مارس العرب الطب، مع أنهم كانوا يحرمون تشريح الجثة البشرية، ونعرف كيف ~~خلطت الأساطير بالحقائق عن النبات والحيوان إلى عصر قريب. # ولا يمكن القارئ أن يكون مثقفا، وأن يعرف قيمة العصر الحاضر ونزعاته العلمية التدريجية ~~أو الانفجارية إلا إذا عرف الحضيض الذي هوى إليه الذهن البشري في المجادلات الدينية العقيمة ~~والأبحاث الغيبية السخيفة في القرون المظلمة، وكذلك مجموعة الأساطير عن الكيمياء والطبيعيات ~~ونشأة الإنسان وغير ذلك. ~~••• # وهناك نوع آخر من الكتب نسميها الكتب البذرية، نعني بها تلك الكتب التي تنزل من نفوسنا ~~منزلة البذرة في التربة الخصبة، بل هي أكثر من البذرة في التربة؛ لأنها زيادة على نموها لها ~~قوة الخميرة؛ إذ تبعث النمو في غيرها مما كنا نظن أنه بعيد ليس له علاقة بما ندرس، مثال ~~ذلك كتاب داروين «أصل الأنواع» في نظرية التطور؛ فإن القارئ لهذا الكتاب لا يكاد يجد فيه ~~سوى البحث، بل البحث الساذج، في تربية الناس للحيوان وعلاقة الحيوان بالبيئة الطبيعية التي ~~يعيش فيها، ثم استنتاج واضح بأن الحيوانات جميعها من أصل واحد أو من أصول قليلة جدا، ولكن ~~على الرغم من هذه السذاجة نستطيع أن نقول إنه لم يؤلف في تاريخ البشر كتاب غير الاتجاه ~~الثقافي مثله؛ فإن كلا من المذاهب الفاشية والشيوعية والاشتراكية والديمقراطية تأخذ منه، ~~وقد تأثرت به جميع العلوم، فأصبحت فكرة التطور عامة، وانتقل التاريخ من بضعة آلاف من السنين ~~إلى ألف مليون سنة، وصرنا بهذا الاتجاه نبحث عن الأصول «البشرية» للأخلاق والأديان ~~والمجتمع، بل صرنا نبحث مستقبل البشر في تبصر دون أن نتخبط؛ لأن الماضي قد وضح أمامنا ~~فاستضاء لنا المستقبل، بل زادتنا هذه النظرية إحساسا دينيا لارتباطنا بالكون، كما صرنا ~~نحس قرابة تطورية بالحيوان والنبات، زيادة على ما نجد من سبب بيولوجي للإخاء البشري، ms134 وقد ~~بدأت هذه النظرية رأيا ثم صارت عقيدة ومذهبا، أما الآن فهي منطق المفكرين عامة. # ومن الكتب البذرية أيضا مؤلفات جان جاك روسو التي تتلخص في أن الطبيعة البشرية حسنة وأن ~~ما فينا من سوء، إنما يرجع إلى مظالم الملوك والحكومات وإلى عادات اجتماعية بالية، وقد ~~أحدثت هذه الفكرة الساذجة خمائر لا تزال إلى وقتنا هذا تعمل وتحرك المجتمعات، ويمكن أن نعزو ~~الانقلاب الروسي إلى هذه النظرية إذا عدنا إلى جودوين وأوين وبرودون ودعاة الاشتراكية ~~الطوبوية الأولى قبل ظهور ماركس الذي دعا إلى الاشتراكية العلمية، بل إن في عصرنا من مظاهر ~~النشاط الاجتماعي ما نستطيع أن نرده إلى جان جاك روسو؛ فإن الاستحمام في البحر، والتجوال في ~~الريف، وحركة الرواد، والاعتماد على المعالجة الطبية، بل حركة العري نفسها، كل هذا وأكثر ~~منه، يعزى إلى فكرة روسو في أن الطبيعة حسنة والعادات الاجتماعية سيئة. # ومن الكتب البذرية أيضا مؤلفات فرويد الذي كشف عن الكامنة، أي العقل الكامن، وأوضح أن ~~نشاطنا الذهني يعود إلى محركات خفية من الشهوات والرغبات؛ فإن السيكلوجية الحديثة، على ~~الرغم من كثير من متناقضاتها وانفلاتها من فرويد تعود إلى هذا الكشف. # ولا أذكر كتاب «رأس المال» لكارل ماركس؛ فإنه الخميرة التي تحرك المجتمعات الأوروبية في ~~رفق التطور أو عنف الحروب، ولما نصل إلى نهاية الاختمار، ولكن ثق أيها القارئ أن الرجل ~~الذي يجهل هذا الكتاب هو رجل غير متعلم، أي إنه يجهل حتى فهم الجريدة اليومية التي تروي ~~له الأخبار، وقد دعا كارل ماركس إلى الاشتراكية، وقد يكره القارئ هذا المذهب ولكن حتى مع ~~هذه الكراهة لا يمكنه أن يستغني عن التحليل الماركسي أو عن نظرية التفسير الاقتصادي ~~للتاريخ، وقد وصلنا في مصر إلى أن نعرف أن المرض والجهل والفقر ثالوث مدنس يحطم كيانات لا ~~تتألم بدرس كارل ماركس، وعرفنا أن عرقلة الصناعات في مصر وعرقبتها من القيصريين الإنجليز ~~تعود إلى التطور الصناعي البريطاني في التفسير الماركسي، والحرب الكبرى الثانية لا يمكن أن ~~نفهمها بدون هذا التفسير. ~~••• # وخلاصة ms135 هذا الفصل أننا يجب أن نعنى بالكتاب إذا كانت له قيمة رمزية للعصر أو البيئة التي ~~ظهر فيها، حتى ولو لم يكن للمؤلف براعة أو عبقرية؛ لأن هذا الكتاب، مع ما يحتويه من خرافات ~~أو تفاهات، يكشف لنا عن الجو الذي وضعه فيه المؤلف. # وأهم من هذه الكتب الرمزية تلك البذرية التي بعثت الخمائر في النشاط الثقافي العام، وقد ~~ذكرنا أربعة من المؤلفين لهذه الكتب، وهم داروين وروسو وفرويد وماركس، والذهن المثقف الذي ~~ينشد النظام والنظافة والوضوح، في فهم المشكلات البشرية العصرية، يحتاج إلى دراسة هؤلاء ~~الأربعة وأكثر منهم. ~~••• # ولكن ذكر الأسماء للكتب لا يعني كثيرا، وليس هو «الوصفة» التي تنفع لكل قارئ؛ ذلك أننا ~~نطلب الكتاب كما نطلب الغذاء أو الدواء، ولذلك يختلف كل منا عن الآخر؛ ولهذا نقول إن ~~الأساس للثقافة هو الاهتمام الذي يمكن أن نعده حالة نفسية اقتضتها الظروف مكانا وزمانا ~~وهو - أي الاهتمام - الحافز الأصيل الذي يحمل الشاب على الفهم والاستزادة من الفهم، وهو ~~الذي يعين له الأسماء الكتب وموضوعاتها. # | بذور ثقافتي # من حق القارئ أن يسأل ما هي بذور ثقافتي التي أرعاها بالنمو وأسترشد بها في معنى الحياة ~~ودلالتها، بل لعله يرى أن مثل هذا الكتاب الذي يقرأ يجب أن يكون مؤلفه مغرما بالثقافة، ~~ينفعل ويجدد نفسه بها في تطور لا ينقطع. # ولكن الإجابة على هذا السؤال تحتاج إلى كتاب مستقل تسرد فيه ظروف البيئة العائلية أيام ~~الطفولة، ثم التعليم والتربية في الصبا والشباب، إلى التكون والنضج بالتفاعل المستمر بين ~~الشخصية وظروف الثلاثين أو الأربعين من السنين الأخيرة، وهذا ما لا يستوعبه فصل موجز، وهذه ~~دراسة موضوعية شاقة. # على أن المؤلف يستطيع مع ذلك إلى أن يشير إلى القليل من أعلام الطريق البارزة في حياته ~~الثقافية، لعل القارئ يجد فيها بعض الفائدة في الاسترشاد. # وأول ما أقول وأنبه عنه أني لا أكاد أجد شيئا من ثقافتي يعود الفضل فيه إلى المدارس ~~التي تعلمت فيها، فقد تعلمت في هذه المدارس مواد، وأخذت معارف لم تكن ms136 كبيرة القيمة، ولكني ~~لم أتعلم فيها سلوكا، ولم أتخذ منها أسلوبا لتربيتي، وقد نسيت معظم ما تعلمته في ~~المدرسة من قواعد النحو، وأسماء في الجغرافيا والتاريخ، وعمليات في الجبر والهندسة إلخ ... ~~نسيت كل هذا أو معظمه عن ظهر قلب، متعمدا، راجيا النسيان، حتى أخلي ذهني لما يستحق أن ~~يدرس ويعرف من شئون هذا الكوكب. # وكثير ممن يعرفونني يعجبون لسعة ثقافتي، ولهم الحق في هذا؛ فإني كثيرا ما أجدني ~~بالمقارنة مع غيري قادرا على أن أناقش الأديب والطبيب والسيكلوجي والجيولوجي والمؤرخ ~~والديني والمادي وغير هؤلاء على قدم المساواة، ليس في كل ما يعملون، بل في كثير منه مما ~~له دلالة في ثقافتنا، وهذه السعة في الثقافة تتيح لي، بل تحملني على النظر التكويني ~~التأليفي البنائي للشئون العالمية البشرية، بدلا من النزوع إلى التحليل والنقض والهدم، ~~ولكني مع ذلك أذكر أني في حمى الثقافة التي أصابتني حوالي الثامنة عشرة من عمري كنت أنزع ~~إلى التحليل والنقد، بل النقض، كما يرى القارئ مثلا في أول ما نشر لي سنة 1909 في مجلة ~~المقتطف وعنوانه «نيتشه وابن الإنسان»، وليس أكثر إمعانا في الهدم من افتتاح الحياة ~~العلمية الصحفية بنيتشه، فقد كان هذا المؤلف رمزا لحياتي الكفاحية. # وقد كان من المصادفات الحسنة أن أعرف المقتطف في سن مبكرة وأشترك فيها، وآخذ عنه ذلك ~~الأسلوب الاقتصادي البعيد عن الثرثرة اللفظية، كما آخذ أيضا عنه تلك النزعة العلمية، وما ~~زلت إلى الآن علمي المزاج تلغرافي الأسلوب، حتى إني لأوثر أن أقرأ كتابا عن الغدد الصم أو ~~عن جيولوجية الفيوم على قصة روسية من الطراز العالي، ولست أعني أني أهمل القصة، بل أرجئ ~~قراءتها إلى ما بعد الكتاب العلمي، أحاسب نفسي فيه على الكلمة الزائدة كما لو أخطأت في نصب ~~الفاعل أو رفع المفعول. # ثم أتاح لي الحظ أن أعيش في باريس ولندن سنوات استطعت فيها أن أجد التربية والتوجيه ~~والفلسفة؛ فإن الجرائد اليومية والمجلات الشهرية والأسبوعية في كلتا العاصمتين، وخاصة في ~~لندن، كانت تنظر النظر العالمي للشئون ms137 السياسية والاقتصادية، حين كانت جرائد مصر تنظر النظر ~~القروي، وكان كفاحنا للإمبراطورية البريطانية في مصر يجعل التفكير في الرقي الاجتماعي أو في ~~أي رقي آخر بعيد عن أذهاننا؛ لأن كل همنا واهتمامنا كان منصبا على الاستقلال، وكنا على ~~حق في هذا، ولكن هذا الكفاح كان يحول دون الرؤيا العالمية والتوسع الثقافي لقارئ الجريدة ~~المصرية. # فكانت الجريدة والمجلة في باريس ولندن من بذور ثقافتي، فقد وجدتني أدرس وأهتم بالمزاحمة ~~التجارية بين بريطانيا وألمانيا، وأدرك ما وراءها من عوامل، كما صرت أقرأ عن الصين والهند ~~وتركيا ببصيرة تسبر الحاضر وترصد المستقبل، وعرفت كارل ماركس، فصرت أجد الدلالة التي لا ~~يجدها غيري ممن يجهلون الاشتراكية في الأحداث العالمية الكبرى. # ومن هنا يجب أن نكثر من شأن التعرف إلى لغة أوروبية حية كي نجعلها وسيلة الثقافة ~~العصرية؛ لأن لغتنا في طورها الحاضر لا تكفي لتخريج الرجل المثقف الذي يمتاز بالعقل ~~العام. # ولست أعني أني أهملت تراثنا العربي العظيم؛ إذ لا يكاد يوجد كتاب عربي قديم لم أقتنه ~~الاقتناء الذهني، ولكني أشك في الاقتناء النفسي، ومعظم الذين يدرسون الآداب العربية من ~~الكتاب في مصر يقصدون إلى اكتساب الأسلوب القديم والتأنق اللفظي، وهذا آخر ما عنيت أنا به؛ ~~لأن نزعتي ليست تليدية تقليدية، وقد كان غرضي الأول في دراسة الآداب العربية الاستنارة عن ~~حياة العرب؛ ولذلك عنيت بقراءة طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة وتاريخ الطبري المطول ~~وتراجم ابن خلكان وياقوت وكتب الرحلات لابن بطوطة وغيره، ومع إعجابي العظيم بالجاحظ ~~والمعري، من حيث النزعة الثقافية الموسوعية في الأول والتفكير الإنساني الحر في الثاني، ~~فإني أتوقى الأسلوب الجاحظي كما أستهجن زهد المعري. # وفي كنوز الآداب العربية، وخاصة في الشعر، جواهر لا تزال تتلألأ كلما كشفنا عنها وأنعمنا ~~التأمل في معانيها، ولكن الآداب العربية في مجموعها هي آداب القرون الوسطى؛ ويجب لهذا السبب ~~ألا نطلب منها تكوين الشخصية الأدبية في العصر الحاضر، وعبرتها هي قبل كل شيء تاريخية، ~~والأديب الذي يقتصر عليها يعيش في عزلة ثقافية بعيدا عن التيارات ms138 العالمية، بل يعيش في ~~عزوبة أدبية بالمقارنة إلى الذين تزوجوا الآداب الأوروبية. # أما المؤلفون الأوروبيون الذين كانوا بذورا حية في تكوين شخصيتي وإنماء ثقافتي فكثيرون - ~~وذكر أسمائهم فضلا عن تبيان ميزاتهم - يشغل الكثير من الصفحات، ولكني أقول إني التفت ~~التفاتا خاصا إلى الإغريق القدماء، وكسبت منهم كثير من الخصائص الذهنية وخاصة في حرية ~~الضمير ونزاهة الفكر، كما أني عنيت بدراسة الأدب الروسي في سن مبكرة، فارتفعت به إلى مستوى ~~عال من التمييز الفني حال دون ذلك الشغف الذي نجده في الشبان يغرمون بالقصص والمجلات التي ~~تتحرش بالغريزة الجنسية، وإنه لحظ حقا أن يعرف الإنسان دستؤفسكي وجوركي وتولستوي قبل سن ~~العشرين ويحبهما. # ومنذ سنة 1908 إلى الآن وأنا أقرأ ه. ج. ولز، وقد وجدت فيه التوجيه العالمي والإرشاد ~~العلمي، وكذلك وجدت في برناردشو، ولا أظن أن هناك كتابا كتبه أحدهما لم أقرأه. # ولكن مزاجي النفسي يعود في أكثره إلى داروين ونظرية التطور؛ فإن هذه النظرية هي منطق في ~~ثقافتي، وأسلوب في دراستي، ودين في حياتي، وقد كانت بذرية من حيث إنها فتحت لي أبوابا في ~~دراسات أخرى كالسيكلوجية والاجتماع والجيولوجية والتاريخ والسياسة والاقتصاديات والأدب ~~وغيرها؛ لأن نظرية التطور أكسبتني أساليب جديدة واتجاها جديدا في دراستي، وأنا لهذا السبب ~~أمتاز من كثير من الكتاب بأني أنظر النظر التطوري للغة والأدب، ومن يجهل نظرية التطور ~~يعتقد الركود أو الجمود صفة عامة في الحضارة والثقافة والطبيعة، وهو لذلك قد يكره التغير ~~في اللغة والأدب، ويخشاه، ويبرر هذه الكراهة بالولاء مهما كانت حال كل منهما آسنة ~~متعفنة. # وهذه النظرية هي التي حملتني على أن أتوقى الغيبيات، فأغتني عن إضاعة الوقت والجهد فيما ~~لا طائل وراءه من أبحاث مظلمة، كما صرت أحسن الفهم والولاء لهذا الكوكب بهذا التوقي. # ولو شئت أن أذكر المؤلفين العشرة الذين أوثرهم على غيرهم لأني وجدت لهم أكبر نصيب في ~~تربيتي لقلت أنهم: أفلاطون ودستؤفسكي ونيتشه وجوتيه وروسو وداروين وشو وولز وماركس ~~وفرويد. # أما أفلاطون فلأني تعلمت منه النزاهة في التفكير، والجرأة ms139 على الترسيم الاجتماعي، كما ~~نجدهما في كتابه الجمهورية. # وأما دستؤفسكي فلأنه علمني التمييز الفني، وحملني على أن أفكر بقلبي وأحس بذهني وهذا ~~واضح في قصته العالمية «الإخوة كرامازوف» وسائر مؤلفاته التي تجعل قارئها إنسانيا. # وأما نيتشه فلأنه علمني شيئا كثيرا عن الأخلاق، من حيث تاريخها وقيمتها ~~وبشريتها. # وأما جوتيه فهو الشخصية المثلى التي أذكرها كلما ذكرت الرقي الشخصي والتوسع الذهني، بل ~~هو الضمير الواخز الذي يبعثني على النهوض كلما ركدت أو يئست. # وأما روسو زعيم الحركة الرومانسية في أوروبا، فقد تأثرت به لأني لا أستطيع أن أفهم الثورة ~~الفرنسية الكبرى وتطور الآداب والانقلاب الروسي بدونه، ودعوته إلى العودة إلى الطبيعة هي ~~البذرة لعدد كبير من الحركات الاجتماعية والأدبية. # وأما داروين أبو التطور فحسبي ذكر اسمه. # وأما شو فلأني انتفعت بذهنه الصافي في التعليق مدى خمسين سنة على الحوادث السياسية ~~والاجتماعية، فهو الصحفي الذي يدرس شئون هذا الكوكب بروح الاحترام الديني. # وأما ولز فقد وجهني الوجهة العالمية، وجعل الثقافة عندي عطشا لا يطفأ، وكثير من تفكيري ~~يجري بلا وجدان على الأساليب الولزية. # وأما ماركس فحسبي أن أقول إنه لولاه لكنت أعد نفسي أميا لا أفهم مجرد قراءة الجريدة ~~اليومية، بل لا أفهم كيف تنشأ العواطف والأخلاق وتتغير المجتمعات. # أما فرويد فقد فتح لنا أبوابا كانت مقفلة من الدراسة في السيكلوجية جعلتني طالبا ~~أبديا لهذا العلم وبسطت لي عوالم جديدة. ~~••• # لقد ذكرت هؤلاء العشرة كي أتوخى الإيجاز، ولو أطلت لجعلتهم مئة أو أكثر، ولكل قارئ ظروفه ~~ومزاجه، ونصف القرن الماضي يختلف عن نصف القرن القادم، فلا بد أن يتغير البرنامج الثقافي ~~للقارئ، وهو وحده القادر على الاختيار والإيثار للمؤلفين البذريين. # على أن القارئ يجد من هؤلاء العشرة أني طلبت الثقافة لشيء واحد هو ترقية شخصيتي وفهم ~~المجتمع عن سبيل دراسة العصر الحاضر، على أني يجب أن أنبه أنه ليس واحد منهم معصوما من ~~الخطأ، ولم أسلم قط التسليم الأعمى لأحدهم. # وقد كان نابليون يقول في ستراتيجية الحرب إن الجيش المحارب يجب أن ms140 يمتاز امتيازا كبيرا ~~في سلاح معين، قد يكون سلاح البطريات أو المشاة أو الفرسان، ولا يبالي بعد ذلك أن يكون ~~عاديا في سائر الأسلحة، وهذا هو أيضا ما يجب على المثقف؛ فإنه يجب أن يمتاز في مادة ~~معينة ولا يبالي بعد ذلك أن يكون عاديا في سائر المواد، وهو في تعمقه لإحدى الدراسات ~~المتوهجة التي يخرج منها عشرات الأشعة إلى موضوعات أخرى، يجد أن الأبواب تفتح أمامه ~~لاهتمامات جديدة. # وقد كانت البيولوجية - أي علم الحياة - بؤرة ثقافتي، تكونت عندي في حمى الشباب حوالي ~~الثامنة عشرة من العمر حين يستحيل القلق الجنسي بكمياء النفس إلى قلق ثقافي، فكانت الحيرة ~~الدينية مثلا بشأن المذهب الدارويني، ثم حملتني دراسة هذا المذهب إلى دراسات عديدة ما زالت ~~إلى الآن - بعد ما يقرب من أربعين سنة - في شبكتها، وحسب القارئ أن يعرف عن تعمقي لهذا ~~المذهب أني ألفت كتابا «نظرية التطور وأصل الإنسان» مقالات متوالية أولا في جريدة ~~البلاغة دون أن أحتاج إلى الرجوع إلى كتاب؛ فإنه كله من الذاكرة. # ثم حملتني دراسة البيولوجية إلى دراسة السيكلوجية والاجتماع والدين والتاريخ ~~والجيولوجية. # واحترفت الصحافة، فبل أن تنحدر إلى القيل والقال والتسلية، فتموت بها، وصار التفكير في ~~الشئون الاجتماعية والسياسية عالمية ووطنية حرفتي التي تحملني على الدوام على التكمل ~~والاستزادة. # | التعمق للدراسة # العبرة في الحياة - كما في الحرب - بالخطة التي تتبع، وكذلك الشأن في الثقافة؛ فإن في ~~مكتبة المتحف البريطاني أكثر من أربعة ملايين مجلد ليس من المعقول أن أحدا يطمع في قراءتها ~~أو قراءة نصفها أو عشرها؛ لأن العمر البشري في حدوده الحاضرة يفنى قبل أن ننتهي من قراءتها، ~~وبدهي أننا لسنا في حاجة إلى قراءة هذه الكتب، فإن كثيرا منها بل أكثر ما فيها لا تزيد ~~قيمته على الغبار الذي يعلوها. # فيجب لذلك أن تتبع خطة حتى تنتظم جهودنا في التثقيف الذاتي، وحتى نأخذ بالأهم قبل المهم، ~~فضلا عن ترك السخيف والعقيم، ويجب لذلك ألا نتسع فنقرأ جزافا، فليس في الدنيا أثمن في ~~الحياة البشرية ms141 من الذهن البشري؛ ولذلك يجب أن تكون أكبر عنايتنا في الحياة به، نربيه ~~ونثقفه وننميه، ويجب أن نفكر في الخطط الدراسية التي نستطيع باتباعها أن نقتصد في وقتنا ~~وجهودنا. # ولا بد أن من ينشد الثقافة سيجد نفسه حائرا بين أن يتوسع ويعرف أكثر ما يمكن من المعارف ~~السطحية، وبين أن يتعمق ويتخصص في فن أو علم يعرفه بكل ما فيه وبكل هوامشه ونواحيه، أو هو ~~بكلمة أخرى سيقف بين التعميم والتخصيص، فأي الخطتين يجب عليه أن يتبع؟ # لقد سبق أن ذكرنا خطة نابليون في الحرب، وهي أنه كان يصر على أن يكون متفوقا على سلاح ~~معين على العدو، وقد يكون هذا السلاح هو فرق الفرسان أو فرق المدافع أو فرق المشاة، ولكن لا ~~بد من التفوق في واحد منها، أو في غيرها، كي ينفذ عن سبيل هذا التفوق إلى نقطة ضعف العدو ~~فيضربه فيها ويتجاوزها إلى سائر قواته فيفتتها. # ونحن أيضا في حاجة إلى خطة يجب أن نتبعها في دراستنا كي نصل إلى الظفر المنشود، والظفر ~~المنشود هنا هو أن ننمو بالثقافة، ونمتلك بأذهاننا أوسع وأكبر ما يمكننا من المعارف التي ~~تربي بصيرتنا في الحياة، فإذا لم تحمل إلينا السعادة فلا أقل من أن تحمل إلينا الفهم، بل إن ~~الفهم عند الرجل المثقف هو السعادة، بل أهم من السعادة. # والراغب في التثقيف الذاتي سيأخذ أولا في التعميم، ويتعرف إلى مختلف الفنون والعلوم، ولا ~~غبار عليه في ذلك؛ فإنه سيمد مجساته الذهنية إلى مختلف الموضوعات، كأهداب الحشرة، حتى يقع ~~على الغذاء الذي يحب، أي حتى يهبط على المادة التي تحملنا ظروفنا ومزاجنا ومعيشتنا ~~ومشكلاتنا على تعمقها، وعندئذ لن يكون أمامه أربعة ملايين كتاب يجب عليه أن يقرأها، بل هو ~~يكتفي بمئة كتاب أصلي، وسائر ما يقرأ يعد فرعيا في شرح هذه المئة أو في التعليق ~~عليها. # والخطة في الثقافة هي أيضا كالخطة في الحرب عند نابليون، أي إننا نتعمق نقطة، ثم نتوسع ~~من هذه النقطة، ونتفرع هنا وهناك في مختلف المعارف ms142 التي تصل بهذه النقطة أو المادة، وهذه ~~الخطة هي الخطة الفسيولوجية التي تنهض على مقدار ما عندنا من كفايات وما لنا من ميول، ففي ~~العالم الآن نحو 130 علما وفنا ومحال أن يكفي العمر البشري لدراستها، بل محال أن يقبل ~~أحد الأذهان هذه الدراسة العامة؛ لأنه لا بد سيصد عن بعض ويقبل على بعض، فما يجب على ~~الراغب في الثقافة إنما هو أن يرسل مجساته الذهنية حتى تهبط على المادة التي تحمله معيشته ~~على التعرف إليها وتعمقها، ثم ينشر مجساته بعد ذلك إلى مختلف الفنون التي تتصل بها، فالمادة ~~الأصلية التي يدرس هي النقطة البؤرية التي يحدث منها الإشعاع إلى المواد الأخرى، فالدراسة ~~لا يمكن أن تجري جزافا، بل يجب أن تكون لها علاقة فسيولوجية بأذهاننا وما تتطلبه معيشتنا ~~الفردية والاجتماعية. # والذهن المتوسط، ولا نذكر الذهن العالي، لا يقنع فيها الثقافة بأن يحسو من كل مورد جزافا ~~وتسكعا، بل هو لا بد بعد فترة من الفوضى سيقع على المورد الوحيد الذي يعب منه، فعلى القارئ ~~الذي يجد نفسه عازفا عن التعمق ألا ييأس؛ فإن الوقت لن يطول به حتى يجد شبكة المعارف ~~التي تتصل بفسيولوجيته، كما لو كانت شبكة من الأعصاب تتداخل في أنحاء ذهنه؛ فإنه سيطلب هذه ~~المعارف بالشهوة التي يطلب بها الطعام، بل أحيانا أحد وأقوى. # ولا يمكن إنسانا أن يسمي نفسه مثقفا ما لم يتعمق مادة معينة، وصحيح أن هناك علماء جهلاء ~~تعمقوا مادة ثم لم يخرجوا منها إلى سائر المواد، ولكن لا أسمي هؤلاء متعمقين وإنما أسميهم ~~«متخصصين». # وهم في الغالب لم يختاروا هذه المادة التي تخصصوا فيها وإنما حملوا على التخصص قبل أن ~~يقضوا من حياتهم فترة التسكع والاختيار، ونجد أمثال هؤلاء في المتخصص مثلا في الكيمياء، لا ~~يدري شيئا من الاقتصاديات أو الأديان، وهذا لأنه قد بدأ يتخصص منذ صباه تقريبا في ~~المدرسة، فلم تتح له الفرصة كي يرعى في المروج الخصبة للثقافة ويختار منها ما يحب، فتثقيفه ~~في الكيمياء لم يكن «ذاتيا»، وهذا ms143 الكتاب قد خصصناه للتثقيف الذاتي، أي لأولئك الذين ~~يبغون تربية أنفسهم، وكل منهم معلم وتلميذ، وكلاهما حر في اختياره، وأولئك الذين اخترعوا ~~القنبلة الذرية كانوا بلا شك متخصصين، وكانوا لتخصصهم هذا يجهلون الأدب والدين والفلسفة؛ ~~لأنهم لو كانوا قد عرفوا هذه الدراسات لما اخترعوا هذه القنبلة. # على أن القارئ يجب أن يذكر - على الدوام - أنه لن يكون مثقفا حق الثقافة ما لم يتعمق ~~علما معينا، يكسب منه التدريب العلمي والتميز بين الحقائق والبواطل، وهذا التعمق يجعله ~~قادرا على النقد في سائر المواد التي يدرس حتى الدراسة السطحية، وعليه هو أن يختار؛ لأن ~~اختياره ينبع من أعماق شخصيته، بحيث يلائم كفاياته ؛ أي يجب في لغة نابليون أن يتفوق في سلاح ~~معين ولا يبالي أن يكون بعد ذلك عاديا في سائر الأسلحة، والخطة هنا للحياة كلها وليست ~~للثقافة والحرب فقط. # والقارئ الذي تمضي عليه السنوات ونفسه جامدة لا تنزع إلى المادة التي يتعمقها إنما هو ~~مريض يحتاج إلى العلاج، فعليه أن يسأل ويستشفي. # | مئة كتاب # كثير من القراء يحتاج إلى تعيين الكتب «الأصلية» التي يحتاج المثقف إلى قراءتها، وهذه ~~الكتب عامة لا يراد منها التخصص، أو هي تعد ضرورة كي نصل بقراءتها إلى الرقي البشري ~~الذي يحملنا إلى مستوى الروح العالمي السامي. # وواضح أن الشاب الذي عني بتربية ذهنه لا يحتاج إلى أن ندله على أسماء هذه الكتب؛ لأنه هو ~~يعرفها، أو سوف يعرفها إذا كان قد سلك الطريق السوي في الثقافة، ولكن هناك مع ذلك مؤلفات قد ~~تخفى قيمتها على من لم يسمع بها، ومن هنا فكر كثير من رجال الذهن في تعيين بعض الكتب ~~وإيثارها على غيرها من حيث قيمتها في التثقيف العام، وللدكتور إليوت «مدير عام» جامعة ~~هاردفرد سابقا بالولايات المتحدة قائمة مؤلفة من مئة مجلد، نشرتها شركة «كوليار أند صن» في ~~مجلدات على نمط واحد من حيث الطبع والتجليد والورق، وأنا أنقل للقارئ الاسم والعنوان ~~بالإنجليزية كي يتصل بالناشرين إذا شاء: # DR. ELIOT’S # FIVE SHELF OF BOOKS ~~(The ms144 Harvard Classics) P.F. Collier & Son Company # 240 Park Avenue, New York city, U.S.A # ويجب على القارئ أن ينتبه أن هذه السلسة مؤلفة من مئة مجلد، وليس مئة كتاب؛ لأن هذه ~~المجلدات تحوي 302 من الكتب؛ أي إن الدكتور إليوت وضع نحو ثلاثة من المؤلفين في كل مجلد، ~~وهو بالطبع قد بنى الاختيار على قواعد معينة من حيث وحدة الموضوع أو مشابهة المؤلفين أو نحو ~~ذلك، وهو يبدأ بمؤلفات الإغريق القدماء حتى يصل إلى عصرنا، والحق أنه جمع أفضل المؤلفين في ~~جميع العصور الماضية، وليس بين هذه الكتب واحد يمكن أن يقال إن في مستطاع المثقف الاستغناء ~~عنه. # ومئة اسم آخر وضعه الدكتور «هتشنز» مدير جامعة شيكاجو الآن، وهي أيضا تبدأ من عصر ~~الإغريق إلى عصرنا، ولكنه يختلف عن الدكتور إليوت في التفاته الأكبر إلى مؤلفي الولايات ~~المتحدة الأمريكية، وقد نشرت «مجلة التربية الحديثة» التي تصدرها الجامعة الأمريكية ~~بالقاهرة أسماء هذه الكتب في سنة 1943، ويجب أن ننبه هنا إلى أن هذه المئة إنما هي مئة ~~مؤلف، وقد يكون لكل مؤلف بضعة كتب، فالمجلدات تزيد على مئتين. # وقد يحسن بأحد الأساتذة في كلية الآداب بجامعة القاهرة أن يذكر لنا مئة كتاب عربي يمكن أن ~~يقتنيه من ينشد الثقافة على النمط الذي سنه الدكتور إليوت والدكتور هتشننز، ولكن كلا من ~~هذين إنما يقصد إلى ثقافة بشرية عامة، وإلى مؤلفين عالميين في عصور وأمم مختلفة، ولم يقصد ~~أحدهما إلى تعيين قائمة بأسماء المؤلفين الأمريكيين أو الإنجليز وحدهم. # والمؤلف يرى أن مجموعة الدكتور إليوت من خير المجموعات التي تستحق الاقتناء. # وإلى جنب هذه المجلدات المئة يحتاج القارئ إلى موسوعة للمراجعة والاستشارة، وأكبر ~~الموسوعات هي «الموسوعة البريطانية»، ولكن غلاء ثمنها الذي يبلغ الآن نحو 160 جنيها يحول ~~دون تعميمها؛ ولذلك يمكن اقتناء أي موسوعة أخرى أصغر منها. # وفي كل موسوعة عيب أصيل، وهي أنها تموت بسرعة؛ لأن المعارف التي تنشرها سرعان ما تتفرع أو ~~تتغير، فتبقى هي راكدة بمعارفها القديمة؛ ولذلك أخرج الفرنسيون موسوعة جديدة (عطلتها ms145 الحرب) ~~على مبدأ «الورق السائب»؛ أي إن المقتني لهذه الموسعة يحفظها عنده بمجلداتها، ثم يتسلم كل ~~شهر تقريبا ورقا سائبا عن المعارف التي تجددت أو تغيرت، فيضع ورقة جديدة في مكان الورقة ~~القديمة التي ينزعها ويطرحها، وهكذا تتجدد الموسوعة إلى الأبد، والورق بالطبع يوضع بطريقة ~~الدوسيهات التجارية، أي إنه مخرم من أسفل ويوضع السلك في الخروم بين دفتي كل مجلد، ويمكن ~~القارئ أن يسأل عن هذه الموسوعة التي لم تكمل إلى الآن باسم دومونزي # De Monzie ~~. # والموسوعات بالطبع لا تقرأ، ولكنها تراجع، وفائدتها كبيرة إذا كانت حسنة، ولكن يجب ~~الحذر من الموسوعات الإنجليزية (التي تنشر في إنجلترا) لعظم عنايتها بالألعاب الرياضية ~~والأرستقراطية البريطانية والتاريخ البريطاني، وأيضا لأنها مستغرضة حولاء في نظرها إلى ~~سياسة الاستعمار والمبادئ الإمبراطورية خاصة، ولا يمكن قارئا أن ينتفع بهذه الموسوعات ، ~~ويجب أن نذكر هنا أن «الموسوعة البريطانية» تطبع وتنشر في الولايات المتحدة ~~الأمريكية على الرغم من اسمها، وهي عالمية النزعة. # ولكن مع هذا الذي ذكرنا عن قيمة الموسوعات، يجب أن نؤكد قيمة الكتاب أولا وآخرا؛ فإن ~~الكتاب يثير العاطفة كما ينبه الذهن، ومؤلفه لا يكتب موجزا في موضوعه، بل يتوسع في الموضوع ~~أو في ناحية معينة منه، ويمكن الاستغناء عن الموسوعات، ولكن لا يمكن الاستغناء عن الكتب، ~~ولو خير القارئ بين المجلدات المئة التي وضعها الدكتور إليوت أو الدكتور هتشننز وبين ~~الموسوعة البريطانية لوجب عليه أن يؤثر الأولى على الثانية؛ لأن الأولى ثقافة عامة أما ~~الثانية فدليل فقط. # وفي الفصول السابقة ذكر لأسماء عدد غير صغير من الكتب يجب ألا تهمل. # | البرنامج للتثقيف الذاتي # نقصد من إعداد البرنامج للتثقيف الذاتي إلى نقل النشاط من العقل الكامن إلى العقل الواجد؛ ~~أي من الكامنة إلى الوجدان، أو من الرغبة العامة في الرقي الذهني إلى الإرادة الخاصة لتحقيق ~~هدف معين، أو من بعثرة النشاط، يجري جزافا ويتفرق في نواح أخرى مختلفة، إلى بؤرة يحتد ~~فيها ويلتهب، ثم يتشعع إلى أنواع أخرى، فيكون التوسع والتعمق معا عن مركز أصلي. # والواقع ms146 أن هذا ما يحدث بالفعل لكل شخص يقصد إلى الثقافة؛ فإنك لن تجد رجلا مثقفا إلا ~~وله بؤرة أو بؤرات قليلة، يتجمع فيها نشاطه، بل يلتهب، ثم يتشعع منها. فهو يتخصص في مادة، ~~ثم ينتقل منها إلى مواد أخرى. وهذا هو الشأن حتى في الذهن العادي إذا أخذ صاحبه نفسه بالجد ~~في الدراسة. # وإعداد البرنامج يهيئ هذا التخصص، أي تكون البؤرة؛ فإن ظروف الحياة تستهلك الوقت والمال ~~والجهد، وتبعثر هذه القوات، فلا يجد الراغب في التثقيف كفايته منها كي يدرس، ولكنه إذا أعد ~~البرنامج، استطاع أن يوفر منها الكثير لهذه الغاية، فإذا شاء مثلا أن يدرس لغة أجنبية ~~فإنه يحتاج أولا إلى دراسة على يد أحد المعلمين كي يقطع المرحلة الأولى، حتى إذا وصل إلى ~~الاستقلال الدراسي احتاج إلى شراء الكتب وتخصيص الوقت، ثم هذه الدراسة يجب أن تكون متصلة، ~~لا تنقطع شهرا أو ستة شهور ثم تعود؛ لأن هذا الانقطاع يبعثر النشاط وقد يؤدي إلى ~~الفتور. # فكي نتثقف يجب أن نعد البرنامج، فنعين الوقت الذي سنتخيره للدراسة، ساعتين أو ثلاثا كل ~~يوم، ويجب أن نعد المال الذي سننفقه على الدراسة بشراء الكتب أو المجلات، نحو عشرة جنيهات ~~أو عشرين جنيها في العام، قد يذهب بعضها في استخدام معلم للابتداء في المادة والاسترشاد ~~بنصيحته، ثم نوالي الدراسة مدة عامين أو ثلاثة أعوام، فلا نجيز لاهتمامات أخرى تستهلك الوقت ~~والمال اللذين خصصناهما للدراسة. # والعجب أن أحدنا يؤدي لابنه خمسين جنيها في العام لنفقات تعليمه بالجامعة، أو عشرين ~~جنيها لنفقات تعليمه بالمدارس الثانوية، ثم يبخل على نفسه بثلاثين أو أربعين جنيها يشتري ~~بها الكتب كل عام، يعلم بها نفسه ويوالي تربيته الذهنية، ومجتمعنا للأسف لا يشجع على هذه ~~التربية للعوائق التي سبق أن ذكرنا، مثل المباراة الاقتصادية المهلكة التي تجعلنا مسخرين ~~في جمع المال خوفا من المستقبل، ومثل الزوجة الجاهلة التي تعارض في شراء الكتاب ولا تدرك ~~أن رف الكتب هو أشرف الأثاث في البيت. # والقارئ لهذا الكتاب قد يحس أننا نكبر ms147 من شأن الثقافة كأنها فوق الحياة، وأننا يجب أن ~~نعيش لنقرأ، وليس شك في أن هناك أشخاصا يفعلون ذلك؛ أي إن التثقيف قد أصبح الهواية التي ~~تحتوي كل حياتهم، وهم سعداء بالجهد الذي ينفقونه في هذه الغاية، ولو قيل لأحدنا إن غاية ~~الحياة هي المعرفة لما استطاع أن ينكر قيمة هذه النظرية إنكارا تاما، وإن كان في ~~قدرته أن يتحيفها من بعض نواحيها؛ فإن الإنسان الراقي لا يجد في هذه الدنيا أسمى ولا أثمن ~~من الفهم الذي تثمره المعرفة. # ومع ذلك يجب أن نقول إن التثقيف للحياة، وليست الحياة للتثقيف؛ لأن بيت القصيد في الحياة ~~هو الحياة نفسها، بل إننا حين نقول هذا القول نوجه تثقيفنا إلى الوجهة المثمرة للفهم، فلا ~~ننشد دراسات عقيمة كانت حية في عصر ما ماتت ولم تعد لها دلالة في حياتنا الحاضرة. # أجل، يجب أن نحيا من أجل الحياة؛ أي إن غاية الحياة هي الحياة، وحتى حين نقول إن الفهم أو ~~الحكمة أو الفلسفة أو المعرفة أو الصحة أو الطمأنينة هي غاية الحياة، فإنما نعني في الواقع ~~أن كل هذه الأشياء تؤدي في النهاية إلى الحياة، ونستطيع بعد ذلك أن نصف هذه الحياة بأنها هي ~~الحياة الشريفة والسعيدة أو السامية أو الفهيمة أو الدالة. # وعندئذ نستطيع أن ننشد بدلا من أسلوب الكتاب أسلوب الحياة، ويجب أن يعيب الكاتب أو ~~الدارس أن يتوخى النثر الفخم الرائع، والشعر العالي الرصين، في حين هو لا يطلب من حياته أن ~~تكون قصيدة سامية أو على الأقل نثرا رائعا؛ أي إنه لا يطلب أن تكون حياته فنية يطرد سيرها ~~رقصا وتلحينا، وليس مشيا مشوشا، أجل بدلا من أن نتوسع في الكيمياء أو التاريخ يجب أن ~~نتوسع في الحياة ونتعمقها؛ لأن الحياة هي الأصل وهي الغاية. # ولكن، لأجل أن نتوسع، ونتعمق الحياة، ونستمتع بأشرف وألذ ما فيها، ولأجل أن نعيش الحياة ~~البليغة الدالة، حياة النفس والجسم والذهن، ويؤلف كل منا من حياته علواء، كل خطوة فيها ~~بيت من الشعر، أجل لأجل ms148 هذا كله يجب أن نثقف عقولنا ونربي أنفسنا. # والوسيلة إلى ذلك هي المعرفة التي نحصل عليها بالدراسة، فإذا تجمعت لنا المعارف من ميادين ~~مختلفة في العلم والأدب والفلسفة، وإذا عالجنها بالفهم، فإننا نكون منها الآراء ~~السديدة. # على أن الآراء تستهلك مجهودا نفسيا وذهنيا كبيرا، ولا يمكننا أن نسلك في حياتنا ~~بالرأي فقط؛ ولذلك فإن من قيم الثقافة هنا أن نحيل الرأي إلى عاطفة، ونعني الرأي السديد ~~الذي وصلنا إليه بتقليب المعارف وتفهمها، فإذا صار الرأي عاطفة دخل في نظامنا النفسي وتغلغل ~~في كياننا، ونحن نمارس العاطفة في سهولة وبلا وجدان، وعندئذ تستحيل العاطفة جزءا من أسلوب ~~الحياة. # والمعرفة تؤدي إلى الفهم والرأي والحكمة. # والرأي والحكمة يؤديان إلى أسلوب الحياة. # فغاية الثقافة، بل غايتها السامية، هي الحياة، أي الوصول إلى أسلوب سام نعيش به، ومن هنا ~~يجب أن تكون الثقافة «تطبيقية» غايتها مثل غاية الفلسفة وغاية الدين: معرفة ثم فهم ثم رأي ~~ثم عاطفة، ثم الأسلوب الذي نعيش به، والمقياس الذي نقيس به الثقافة يجب ألا يختلف عن ~~المقياس الذي نقيس به الديانة والفلسفة؛ أي: ما هو مقدار الفهم الذي حققناه منها؟ وما هي ~~العواطف النبيلة التي بعثها في نفوسنا؟ وما هو أسلوب العيش السامي الذي أدت إليه؟ ms149