######OpenITI# #META# URI: 1377SalamaMusa.MaHiyaNahda.Hindawi95149172 #META# Tags: history #META# ID: 95149172 #META# Title: ما هي النهضة #META# AuthorID: 40515160 #META# Author: سلامة موسى #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # القرون الوسطى‏ # انحطاط الثقافة في القرون الوسطى‏ # قصة الرقم 4‏ # فضل العرب في القرون الوسطى‏ # بذور الحركة البشرية الأولى‏ # التفسير الاقتصادي للنهضة الأوروبية‏ # رجل العلم ورجل الأدب‏ # من موضوعية بيكون إلى مادية هوبز‏ # داعية الشك الفلسفي‏ # أثر الأدب العربي في الآداب الأوروبية‏ # العرب أصل النزعة العلمية‏ # الحركة البشرية الثانية‏ # الحركة البشرية الثالثة‏ # اللغة والنهضة‏ # كلماتنا العربية الأوروبية‏ # قبل خمسمائة سنة‏ # طبيعة الحضارة الأوروبية‏ # الثقافة تؤدي إلى الحضارة‏ # الديمقراطية: نظام المجتمع‏ # إني أخاف على وطني..‏ # مقدمة‏ # القرون الوسطى‏ # انحطاط الثقافة في القرون الوسطى‏ # قصة الرقم 4‏ # فضل العرب في القرون الوسطى‏ # بذور الحركة البشرية الأولى‏ # التفسير الاقتصادي للنهضة الأوروبية‏ # رجل العلم ورجل الأدب‏ # من موضوعية بيكون إلى مادية هوبز‏ # داعية الشك الفلسفي‏ # أثر الأدب العربي في الآداب الأوروبية‏ # العرب أصل النزعة العلمية‏ # الحركة البشرية الثانية‏ # الحركة البشرية الثالثة‏ # اللغة والنهضة‏ # كلماتنا العربية الأوروبية‏ # قبل خمسمائة سنة‏ # طبيعة الحضارة الأوروبية‏ # الثقافة تؤدي إلى الحضارة‏ # الديمقراطية: نظام المجتمع‏ # إني أخاف على وطني..‏ # | ما هي النهضة # | ما هي النهضة # تأليف # سلامة موسى # | مقدمة # نحن في نهضة فيجب أن نفهم معاني النهضة. # ويجب أيضا ألا نقف منها موقف المتفرجين، إذ علينا أن نعمل فيها ونعاونها، ونعيش ~~اتجاهاتها نحو المستقبل. # النهضة ثراء وقوة وثقافة وصحة وشباب، ولكن قد يكون الثراء مؤلفا من نقود زائفة كما قد ~~تكون القوة والثقافة والصحة والشباب خداعا وليس حقيقة. ~~••• # كان «ابساماتيك»، فرعونا على مصر. تولى الحكم فيما بين 666-712 قبل الميلاد، وهو مؤسس ~~الأسرة السادسة والعشرين، وكلمة «مؤسس»، تعني: إنه كافح أعداء، ونصب أهدافا، ودرس وحقق. # ولكنه كان رجلا خالص النية في خدمة وطنه أكثر مما كان ذكيا بصيرا بمستقبل بلاده، وكان ~~أعداء مصر يحيطون بها، فمن الغرب غارات، ومن الجنوب غارات. وفى الشرق هزائم، والمستقبل مظلم ~~والأمة مفككة، وولاء الشعب موزع بين الكهنة والعرش، والدسائس لا تنقطع. # وفكر الرجل في نية خالصة، وعزم حديد فيما أصاب مصر، وذكر تلك القرون الأولى حين كان ~~«خوفو» يقول: شيدوا لي هرما، فما هي إلا ms01 سنوات حتى يراه ينطح السماء. وكان ابساماتيك يرى ~~الأهرام كما نراها نحن الآن، وكان يقرأ التاريخ فيرثي لبلاده وضعفها. # وفكر، ثم فكر، وانتهى أخيرا إلى أن مصر لن يعود إليها مجدها الغابر إلا إذا رجعت إلى ~~تقاليد هؤلاء الأسلاف، فأحيت الشعائر القديمة، ودرست نصوص الديانة القديمة، ونهضت بالفنون ~~أساليبها القديمة، بل زاد على ذلك بأن عاد إلى سقارة حيث الأهرام، أي: حيث قبور الفراعنة من ~~الدولة القديمة، فقال بوجوب العودة إلى دفن الفراعنة فيها. # وحسب ابساماتيك أن هذه نهضة، مع أنه كان يفصل بينه وبين خوفو من السنين مثلما يفصل بيننا ~~نحن وبين ابساماتيك نفسه. ~~«عودوا إلى القدماء». # كان هذا شعاره، وكان شعار الأفلاس؛ لأن مصر كانت في عصره أسمى مما كانت أيام خوفو كما ~~يمكن أن نعرف ذلك مما قام به خلفه «نيخاو» الذي هيأ سفنا تدور حول أفريقيا، أين بناء ~~الأهرام من مثل هذا العمل العظيم؟ # إن ظروفا جديدة نشأت في الدنيا المحيطة بمصر، وكانت تحتاج إلى استنباط جديد. # ولم تكن تحتاج إلى الرجوع إلى الوراء نحو 2500 سنة تقريبا. # ولم تمض على مصر بعد ذلك مئة سنة حتى كان الأعداء من الأشوريين والفرس يكتسحونها ~~ويغتالونها، ولم ينفعها شعار: عودوا إلى القدماء. ~~••• # فيما بين سنة 500 وسنة 1000 استولى الظلام على أوروبا. # وكان ظلاما حالكا؛ لأن الثقافة كانت وقفا على الرهبان، يبحثون جغرافية العالم الآخر، ~~وهم لا يدرون جغرافية هذا العالم، ويشرحون للناس كيف يجب أن يموتوا بدلا من أن يشرحوا لهم ~~كيف يجب أن يعيشوا، ويشتبكون في مشكلات «ذهنية» أولى بها أن يبحثها الأطفال وأن يضحكوا ~~منها، مثل قيمة الرقم 7 في الدنيا والآخرة، ومثل عدد الملائكة الذين يمكنهم أن يقفوا على ~~رأس إبرة، ومثل مكان الروح من الجسم. الخ ... # كانوا يبحثون العقائد لا الحقائق. # ولكن رويدا رويدا تنبه الأوروبيون إلى أنهم جهلاء، ونظروا حولهم فوجدوا أن الأمم ~~الإسلامية في إسبانيا وفي الشرق تحيا حياة القوة والذكاء، فقصدوا إليها يدرسون وينقلون ~~مؤلفات ابن رشد، وابن سينا، وابن ms02 طفيل، وابن حزم، وغيرهم. # ثم لم يقنعوا بما ألفه المسلمون، إذ هم نقلوا أيضا للغة اللاتينية مؤلفات الإغريق ~~القدماء التي كان المسلمون قد ترجموها إلى اللغة العربية، فعرفوا أفلاطون وأرسطوطاليس عن ~~طريق اللغة العربية. # واستطاعوا أن يعرفوهم أكثر عندما هاجر الإغريق من القسطنطينية إلى أوروبا الغربية، ~~فأصلحوا أخطاء الترجمة التي كان المترجمون المسلمون قد وقعوا فيها عندما نقلوا أرسطوطاليس ~~وأفلاطون وغيرهما إلى اللغة العربية. ~~••• # ومضى الناهضون يجترئون ويفكرون. # ولكن رويدا رويدا اتضح لهم أنهم قد خرجوا وتخلصوا من قدماء الكنيسة إلى قدماء ~~الإغريق. # قدماء بدلا من قدماء. # وإن العرب لا يختلفون عن القدماء؛ لأنهم اعتمدوا عليهم، أي: على القدماء، حتى إن ابن رشد ~~كان يعتقد أنه لم يخلق في العالم إنسان مثل أرسطوطاليس. # وعندئذ تساءل هؤلاء الناهضون: «هل المعارف الحقة الصادقة تؤخذ من الكتب القديمة أو تؤخذ ~~من الطبيعة؟» # فقد كانوا يدرسون الطب مثلا في كتب جالينوس وابن سينا، ولكنهم لم يكونوا يعرفون تشريح ~~الجسم البشري. # وهنا نجد رجلا الماني الأصل سويسري الوطن، ولد في 1493، يدرس القدماء ثم يلعنهم بدلا من ~~أن يبارك عليهم، هو «بارا كيلسوس». # والاسم عجيب، فإنه اختاره لنفسه وترك اسمه الميلادي، ومعنى هذا الاسم «فوق كيلسوس». # وكيلسوس هذا الذي أعلن أنه فوقه عالم روماني كانت له موسوعة تدرس في الجامعات أيام القرون ~~الوسطى بل بعدها. # أي: إن بارا كيلسوس يقول: «أنا فوق القدماء، أنا فوق عالمكم المحترم كيلسوس». # ولم يكتف بهذا، فإنه كان يلقى محاضراته في مدينة «بازيل» باللغة الألمانية، وهنا قف ~~قليلا: # ذلك أن التعليم كان إلى وقته وبعد وقته باللغة اللاتينية في جميع جامعات أوروبا، ولكنه هو ~~أبى أن يلقي محاضراته بهذه اللغة القديمة. # كان شعبيا، كان عاميا، أي: كان مع الشعب. # واجترأ على أن يعلم بلغة العامة، اللغة الألمانية، وكان أول من أقدم على ذلك في أوروبا ~~جميعها. # وكانت محاضراته خاصة بالطب والعلاج. # وذات صباح بعد اختبار وقلق، وتساؤل وأرق، رأى أن يقف الموقف الحاسم في تاريخ أوروبا؛ بل ~~في تاريخ الإنسان. # فلم ms03 يذهب إلى الكلية لإلقاء محاضراته كما كانت عادته. # ولكنه جمع مؤلفات ابن سينا ومؤلفات جالينوس، وحملها على ظهره إلى أن وصل وهو يلهث إلى ~~ميدان المدينة، وهناك وضعها أمامه على الأرض وشرع يخطب: # إن القدماء ليسوا أفضل منا، وهم لا يعرفون مقدار ما نعرف. # إن دراسة القدماء نافعة، ولكن دراسة الطبيعة أنفع منها. # إن الكتب القديمة تحفل بالأخطاء، ولم يكن مؤلفوها معصومين. # إن الطب تجارب وليس تقاليد، إننا نتعلمه من الطبيعة وليس من الكتب. # واحتشد حوله، في سوق المدينة، أي: الميدان العام، فئات من الطلبة والأساتذة والعامة ~~والخاصة، فلما انتهى من خطبته أشعل النار في كتب جالينوس وابن سينا. ~~••• # لقد انطلقت في أيامنا حيوية جديدة في بلادنا تجدد القيم والأوزان في معاني الحياة ~~والاجتماع والرقي، ولكننا لا نزال في اختلاط وارتباك وتردد لا نعرف هل نأخذ بالقيم القديمة ~~أم بالقيم الجديدة. # ما هي النهضة؟ # هل هي القيم القديمة؟ # إن أسوأ ما أخشاه أن ننتصر على المستعمرين ونطردهم، وأن ننتصر على المستغلين ونخضعهم، ثم ~~نعجز عن أن نهزم القرون الوسطى في حياتنا، ونعود إلى دعوة: «عودوا إلى القدماء». # هل نعيد مأساة ابساماتيك؟ هل يعني الرقي والتقدم أن ندفن موتانا في سقارة؟ # | القرون الوسطى # تطلق عبارة «القرون الوسطى» على فترة من الزمن تبلغ نحو ألف سنة، تبتدئ من سقوط الدولة ~~الرومانية الغربية سنة 476 على يد الجرمان، وتنتهي بسقوط الدولة الرومانية الشرقية سنة 1453 ~~على يد الأتراك، وبدهي أن هذا التحديد بالسنوات هو اصطلاح تاريخي فقط، وإلا فإن الواقع يثبت ~~أن بذور القرون الوسطى ظهرت في الدولة الرومانية منذ القرن الأول للمسيح، كما أن هذه القرون ~~لم تنته بسقوط القسطنطينية. # ولكي ندرك مدى الرقي الذي يتمثل في النهضة أو النهضات الأوروبية يجب أن نعرف عمق الانحطاط ~~الذي سبق هذا الرقي. # أي: يجب أن نعرف الهاوية التى هوى إليها الفكر البشري في القرون الوسطى. # والقرون الوسطى غير «القرون المظلمة» وإن كان كثيرون يطابقون بينهما، والمعول عليه الآن ~~أن تطلق صفة الظلام على السنين ms04 الخمسمائة الأولى، أي: من سنة 476 إلى سنة 976؛ لأن هذه ~~الفترة كانت في أوروبا فترة الركود الفكري، أما بعد ذلك فإننا نجد بوادر النهضة وبواكيرها. # وقد قلنا: إن بذور القرون الوسطى ترجع إلى الدولة الرومانية، وهذه الدولة التي بقيت ~~متماسكة خمسة قرون متوالية كانت قوتها تنحصر في هذا التماسك، ولكن منذ القرن الأول بدأت ~~عوامل التفكك تعمل فيها حتى إذا كان القرن الثالث والرابع استفاضت الفوضى، وأغار الجرمان ~~على جسم الدولة. # ولكن يجب هنا أن يذكر القارئ أن الغارة لم تكن أجنبية؛ لأن هؤلاء الجرمان كانوا منذ القرن ~~الأول للميلاد يتسربون إلى الدولة ويسرون في عروقها، تؤلف منهم الجيوش الجرمانية المحضة لرد ~~غارة الجرمان، ويعين منهم القواد، حتى إذا كانت الغارة الأخيرة لم يكن الجيش المغير ~~أجنبيا؛ لأنه كان يجد أينما حل أناسا من الشعب الذي ينتمي هو إليه. # وكان يربط الدولة أيام عزها جميعها إمبراطور يعبده جميع السكان ويضعونه في مصاف الآلهة، ~~وكان لهم جميعهم قانون واحد تجري أحكامه عليهم هو القانون الروماني، وكانت الدولة مع ترامي ~~أطرافها تتصل بالدروب الرومانية، فتنتقل أخبارها وجيوشها ومديروها بسرعة فائقة. # أما أيام الضعف والتضعضع فقد طرأ الفساد إلى مكامن القوة ومراكز الاتحاد، وأول ذلك أن ~~استنت سنة في انتخاب الإمبراطور جعلت للجيش سلطانا على الانتخاب، فصار هو الذي يولي ويعزل، ~~وصارت الحروب الأهلية تنشب بين جيوش الدولة؛ لأن بعضها يناصر إمبراطور دون الآخر. # ثم دخلت المسيحية فمحت عبارة الإمبراطور ومحت بذلك وحدة الدولة ووحدة الولاء، وتفشى الترف ~~في القصر أو القصور الإمبراطورية، وكثرت تكاليفها، وأصبحت تكاليف الجيش عبئا كبيرا على ~~المنتجين في الأمة، وهم جمهور المزارعين، فزادت بذلك الضرائب وصارت جبايتها التزاما لا ~~يعرف المزارع كم يجب عليه أن يؤدي، وإنما على الملتزم أن يؤدي للدولة مبلغا معينا من ~~المال من ناحيته، وله لقاء ذلك حق الاستعانة بالجيش في هذه الجباية الظالمة التي كانت تقع ~~بأشدها على المزارعين النشيطين، واستوى بهذه الضرائب المجد والمتراخي؛ لأن الملتزم صار يأخذ ~~كل ما يجده من ms05 الغلات، وصار الفلاحون يهجرون القرى إلى المدن حتى اضطر الإمبراطور إلى منعهم ~~من هجرة قراهم. # ومن هذا المنع نجد البذرة الأولى للعهد الإقطاعي، حين أصبح الفلاحون عبيدا لمواليهم، وقد ~~بقيت العبودية في فرنسا إلى سنة 1789 حين هبت الثورة الكبرى، ففي مدة القرون الوسطى نجد أنه ~~كان لا يجوز للعامل في الضيعة أن يتركها إلا بإذن مولاه. # ثم كان تفشي الرق سببا آخر للضعف والسقوط، وامتلأت الدول بالأسرى الذين بيعوا رقيقا، ~~ووجد أصحاب الضياع أن استخدام العبيد خير من استخدام العامل المأجور وأوفر عليهم وأبلغ ~~ربحا، فاستكثروا من العبيد، وعمت الفاقة طائفة العمال الرومانيين. # وساءت الزراعة وقلت الحاصلات، فاضطرت المدن الكبرى إلى أن تتجر وتتبادل سلعها مع الأقطار ~~البعيدة دون الريف الروماني، فانتقلت النقود من رومية إلى هذه الأقطار، وقلت بين ~~الرومانيين، حتى كان الأباطرة ينزلون عيار الذهب في الدينار من وقت لآخر، أي: أن النقد ~~«تضخم» فنقصت قيمته وزادت أثمان السلع، وعمت الفاقة، وتناقص السكان، وكان هذا التناقص ~~مغريا لقبائل الجرمان بالتسرب والانسلال رويدا ثم الغارة الأخيرة. # وقد ذكرنا المسيحية من حيث إنها محت الوحدة الرومانية التي كانت تتجسم في عبادة ~~الإمبراطور، ولكن دخول هذه الديانة الجديدة على ما نرى فيها من سمو المبادئ ونبالة الحياة ~~التي تنشدها، كان سببا كبيرا في هدم الدولة، فقد حدث شقاق بين أبناء الأمة قطع اتحادها، ~~وحسب القارئ أن يعرف أن «قسطنطين» أول الأباطرة الذين آمنوا بالمسيحية ترك رومية، وأسس هذه ~~العاصمة الجديدة في شرق الدولة لكي لا يرى المعابد الوثنية، وهو في ذلك مثل «إخناتون» حين ~~هجر طيبة ورحل إلى تل العمارنة يؤسس عاصمة جديدة لا يرى فيها صنم آمون، وإنما يرى رع. # وظهرت الكنيسة منذ أول ظهورها بمظهرها الذي عرفت به أيام القرون الوسطى، فأحرقت الكتب ~~وهدمت الأصنام والمعابد؛ ولذلك يجب أن نرد «محكمة التفتيش» التي استطار شرها مدة القرون ~~الوسطى إلى هذه البذرة الأولى التي ألقتها الكنيسة أيام تضعضع الدولة الرومانية. # والقارئ لتاريخ الدولة الرومانية لا يسعه إلا أن يقابل ms06 بين تضعضعها ثم سقوطها وبين ما جرى ~~للدولة العباسية في بغداد. # فالجرمان وانسلالهم إلى جسم الدولة، ثم غارتهم الأخيرة، يشبهون الأتراك وانسلالهم إلى جسم ~~الدولة العربية في بغداد ثم طغيانهم ثم محو الدولة على أيدى المغول، وجباية الضرائب وانحطاط ~~الزراعة في العراق لا يختلفان كثيرا عما كانت عليه الحال في إيطاليا، حتى المقابلة في ~~الآداب لتجوز هنا أيضا. # فإن الأدب العربي في القرنين الأول والثاني لا يعرف التزاويق والألاعيب البلاغية، وهو في ~~ذلك مثل الأدب الروماني في القرنين السابق والتالي للميلاد المسيحي، ثم يشترك في التزاويق ~~السخيفة ويذهب اللباب، وينحط التفكير وتبقى القشور والبهارج، وينسى الرومانيون لغتهم ~~اللاتينية، وينسى العرب لغتهم العربية.. ويأخذ أمراء الجرمان في تأسيس الإمارات المستقلة عن ~~رومية، ويأخذ أمراء الأتراك والمماليك في تأسيس إماراتهم المستقلة عن الخلافة. # وكما أعقب الدولة الرومانية قرون من الظلام ساد فيه التنطع الديني، كذلك أعقب الدولة ~~العباسية قرون من الظلام ساد فيه هذا التنطع نفسه. # | انحطاط الثقافة في القرون الوسطى # ليس شك في أن السبب الأساسي لانحطاط الثقافة أو ارتقائها أو صبغها بلون خاص، وتوجيهها إلى ~~ناحية معينة دون أخرى هو السبب الاقتصادي، فإن الحال الاقتصادية كما تقرر لون الحضارة ~~الراهنة كذلك هي إلى حد بعيد، تقرر لون الثقافة الراهنة، ويكفي القارئ أن يعرف هنا أن ~~الثقافة في أيامنا لا تفشو وتتفرع، وأن التوليد في الفنون لا يزكو، إلا إذا كثر القراء ~~وتوافرت المدارس، وتعددت المطابع، وراجت سوق الكتب وصار العلم والأدب يدر على العالم أو ~~الأديب ربحا، وهذه حال تحتاج إلى الثروة والسعة والرخاء، أما إذا ضاقت البلاد بعيشها، فلم ~~تستطع إنشاء المدارس للكافة وتغذية المطابع وإعالة العاملين في الأدب والفنون والعلوم فإن ~~ميدان الثقافة يضيق، ويكون من ضيقه ضمور الذهن الإنساني بل ضمور الشخصية الإنسانية. # فعلى القارئ أن يذكر أن وراء كل نهضة ثقافية حركة اقتصادية بعثت عليها ونبهت إليها، ونحن ~~نقنع الآن بأن نشير إلى أن ميدان التجارة أوفق للثقافة من ميدان الزراعة، فميدان الزراعة ~~لركودها يقنع بما ms07 يشاكلها من ثقافة راكدة، بينما التجارة تطوف في أنحاء العالم وتفتح الطريق ~~للجغرافيا والتاريخ والملاحة والفلك، بينما الصناعة تحتاج إلى مكتشفات متوالية عن الكيمياء ~~والطبيعيات وغيرهما من العلوم. # كانت ثقافة مصر «الزراعية» في أكثرها عقائد جزمية ومعارف مشتقة تخدم الدين. ولم يكن ~~المصريون يعرفون النظرية أو الرأي، بل يمكن أن نقول إن أدبهم وفلسفتهم لم يستقلا يوما من ~~الأيام عن الدين، ثم ظهرت يونان «التجارية» فظهرت الفلسفة مستقلة من الدين كما استقل الأدب ~~أيضا منه، ثم ظهرت النظرية الهندسية، وعرف شيء من الطبيعيات، ثم ظهرت روما «الصناعية» التي ~~كان يتعجب اليونانيون أنفسهم مما فيها من منشآت هندسية، فزكت الثقافة وبعدت عن الرجم ~~الفلسفي الذي كان يحبه الإغريق، واتجهت نحو المحسومات والعمليات. # ثم جاء الانحطاط مدة القرون الوسطى، وعمت الفاقة الناس، فأقفلت المدارس ولم يعد هناك ~~جمهور قارئ يعيش معه النساخون، فندرت الكتب وزالت الطبقة المتوسطة، وجاءت المسيحية فزادت في ~~تفاقم الكارثة، فإنها كافحت المدارس القديمة وحاربت العلماء، وانحصرت الثقافة عندئذ في ~~صوامع الرهبان، وهؤلاء لم يقصدوا منها سوى غاية واحدة هي خدمة الدين، وهذا هو الانحطاط. # فإذا أنت أردت إن تلخص لنفسك معنى الانحطاط في القرون المظلمة، وكيف هجر الذهن البشري ~~الفلسفة اليونانية والهندسة الإقليدية والنزعة العلمية الصناعية في رومية إلى الدين، ~~والغيبيات في صوامع الرهبان، فاعلم أن هذا المعنى ينحصر في أن الثقافة قد أصبحت تخدم شئون ~~العالم الثاني بدلا من أن تخدم الإنسان على هذه الأرض. # ففلسفة أرسطوطاليس أو أفلاطون لم يعد يقرؤها الناس كي يصلحوا هذا العالم، وينشدوا فيه ~~سعادة دنيوية تزيد أجسامهم صحة وعقولهم نورا، ومدنهم نظافة وحكوماتهم عدلا، وإنما صاروا ~~يدرسونها كي يعرفوا منها كيف يعيشون بعد الموت، وما هي الطبيعة الألوهية، وبعبارة أخرى نقول ~~إن الانحطاط في القرون المظلمة إنما يعني انتقال الثقافة من البشرية والمادية، أي: خدمة ~~البشر ومعالجة المادة، إلى الدينية أي: خدمة الدين والغيبيات. # ولهذا كانت النهضة قائمة على حركات بشرية، أي: النظر إلى هذه الدنيا كأنها الغاية التي ~~ليس وراءها ms08 غاية تخدم، وإننا نحن البشر يجب أن تكون لنا آداب وفلسفات وعلوم لا تمت بأي صلة ~~إلى الغيبيات، وإن علينا أن نعتمد على أنفسنا في تحقيق السعادة على هذه الأرض نفسها، وألا ~~نزهد عنها إيثارا عليها للعالم الثاني، كما هي النظرة الغيبية، ومما يضر الشاب المصري ~~ضررا كبيرا جدا أن نخدعه ونوهمه أن النهضة الأوروبية التي أخرجت أوروبا من ظلمات القرون ~~الوسطى تعني شيئا آخر. # هذه النهضة تتضح لنا في ثلاث حركات بشرية: ~~(1) # الحركة البشرية الأولى: # وهي التي ظهرت على ~~أشدها في القرن الخامس عشر في إيطاليا ثم انفجرت في أوروبا، وقد اغتذت بدرس ~~الإغريق والرومان، وأخرجت الفنون الجميلة من قيودها الدينية السابقة، فجعلتها ~~تخدم البشر. # ولم يتجه الأدباء إلى الإغريق والرومان كي يحاكوهم، فإن المحاكاة في نفسها ~~انحطاط، وإنما هم اتجهوا إليهم؛ لأنهم رأوا منهم أشخاصا يشبهونهم من حيث ~~الرغبة في مزاولة الفنون والعلوم والصناعات نشدانا للسعادة والاستمتاع في هذه ~~الدنيا، فاتجاههم هذا ليس سببا أصليا للنهضة وإنما هو إحدى نتائجها، أما ~~السبب الأصلي فيرجع على الأرجح إلى عوامل اقتصادية، وقد تستطيع أن تقول بعد ذلك ~~إن وقوف الأوروبيين على ثقافة الإغريق والرومان قد دفعهم إلى الأمام في نهضتهم، ~~وقد يكون هذا صحيحا، ولكننا عندئذ لا نرى في هذا الدفع سوى أن النتيجة السابقة ~~قد استحالت إلى سبب. # وكما اتجه الناهضون من الأدباء إلى الإغريق والرومان كذلك اتجه العلماء منهم ~~إلى العرب، فعرفوا الطريقة الجديدة في درس العلوم بالتجربة ونشدان الفائدة ~~العملية المحسوسة منها. ~~(2) # # لحركة البشرية الثانية: # التي ظهرت في ~~فرنسا في أواخر القرن الثامن عشر، وكان القائمون بها ديدرو، وفولتير، وروسو ~~وغيرهم من الأدباء والفلاسفة، وهي الحركة التي أعدت العدة الذهنية للثورة ~~الفرنسية الكبرى، بل كانت هي نفسها الثورة التي كان منها إعلان حقوق الإنسان، ~~وهي حقوق مازال كثير من الأمم محرومين منها إلى الآن. ~~(3) # الحركة البشرية الثالثة: # هي التي ظهرت عقب ~~ظهور داروين وكتابه «أصل الأنواع» في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فإنها ~~سمت بالإنسان إلى ms09 مركز السيادة للدنيا، وجعلته ينظر إلى مستقبله كأنه طوع ~~إرادته، وهي حركة ما زلنا نحن في غمرتها ولم ننته إلى نهايتها. # وإذا تأمل القارئ هذه الحركات الثلاث كما سنفصلها ألفى هذا الذي نقوله صحيحا، وهو أن ~~النهضة لم تعن في الماضي، وهي لا تعني الآن شيئا، سوى «البشرية» أي: إن البشر، أو الإنسان، ~~يجب أن يشتغل ويعتمد على نفسه في هذا العالم، ويعمل لحضارته وسعادته في جراءة وفهم، إذ ليس ~~له في هذا الكون كله ما يعتمد عليه سوى عقله، وليس له خلاف هذا العالم عالم آخر يمكنه أن ~~يطمع في تحقيق سعادته فيه، وأن الانحطاط لم يعن في القرون الوسطى، وهو لا يعني الآن في ~~الشرق أو الغرب، سوى قصر الذهن البشري على خدمة «ما وراء الطبيعة» ونشدان السعادة والهناءة ~~في غير هذه الأرض، والاقتصار من الفنون والعلوم على خدمة الآراء بل العقائد الدينية. # | قصة الرقم 4 # لو إننا سألنا عن السمة الغالبة للتفكير في القرون الوسطى لكان الجواب إنها السمة ~~الغيبية. # ومعنى ذلك أن المؤلف كان ينظر للأشياء نظرا غيبيا لا يبرره العقل، وإنما تبرره ~~العقائد، أي: إنه كان يرى أو يشعر بقوة خلف الظواهر الطبيعية، وهذه القوة لا تنزل على أصول ~~العقل، فالنظر الغيبي يقتضي الإيمان بالسحر والشياطين وحساب الجمل والتنجيم، وهذه كلها ~~نراها واضحة عند جميع المؤلفين الذين كتبوا في القرون المظلمة. # ولكن هذه السمة تستتبع سمات أخرى منها، إننا نعدم الثقافة المنظمة، ونجد بدلا منها معارف ~~ليست لها غاية أو هدف، ومنها أن المؤلف، وإنما هو يبغي خدمة الكنيسة، يتجه بتأليفه نحو خدمة ~~الشعب، ومنها العناية بالسلف والشعور بأن النقص الذي نراه في العالم سواء في الأخلاق أو ~~الحكومة أو غيرها إنما هو فساد حاضر حديث بعد اصلاح سابق، وأن السبيل إلى معالجته تقتصر على ~~الرجوع إلى طريق السلف دون التفكير في ابتكار طريقة جديدة للمستقبل. # ويجب أن نقول: إننا نحن أنفسنا لم نتخلص إلى الآن من هذا النظر الغيبي كل التخلص، والكتب ~~العربية القديمة ms10 وبعض الحديثة تنظر هذا النظر في كثير من النواحي. # وإذا نظرنا نظرة عاجلة في كتاب «حياة الحيوان» للدميري وجدنا أن هذا الموضوع العلمي، أي: ~~الحيوان، ينظر إليه المؤلف نظرة غيبية، ونجد فيه هذه السمات: ~~(1) # أنه يتكلم أحيانا عن السحر والعفاريت كأنها حقائق ملموسة. ~~(2) # أنه ينظر إلى السلف كأنهم المثل الأعلى، ويعتمد في معارفه على رواية الكتب ~~القديمة. ~~(3) # أنه يرى أن الغاية الوحيدة للمعارف هي خدمة الدين، ولذلك لا ينسى عندما يتكلم ~~عن البرغوث أو الصرصور أن يقول هل أكلهما حلال أو حرام؟ ~~(4) # أن المعرفة عنده ليست ثقافة يقصد منها إلى غاية معينة، وإنما هي حقائق تحتشد ~~في ذهنه بلا نظام أو قصد، حتى لقد أدمج في حياة الحيوان تراجم الخلفاء وتكلم ~~فيه عن الطب، والشريعة، والصرف، والنحو، والفلك. # وقد اخترنا «حياة الحيوان» لأن هذا الموضوع، الحيوان، لا يمكن إلا أن يكون موضوعا ~~علميا تدون فيه المشاهدات ويقتصر عليها، ولكن كتاب القرون الوسطى لم ينسوا عند ذكر ~~الحيوان قصة الهدهد مع سليمان يضيفونها جنبا إلى جنب مع مشاهدة علمية دقيقة، فهم ينظرون ~~للدنيا نظرا غيبيا، ويعتمدون في كل ما يكتبون على السلف، وقد يحق لنا أن نقف هنا ~~فنتساءل: لماذا نظر الناس في تلك القرون هذه النظرة الغيبية؟ ولماذا لم يسيروا على النهج ~~الذي نهجه الإغريق القدماء مثل أفلاطون أو أرسطوطاليس؟ # وهنا يجب أن ننبه إلى أن هذا النظر الغيبي يرجع في بعض نواحيه إلى الإغريق، كما يتضح من ~~أفلاطون، ثم إن الانحطاط الذي شمل الدولة الرومانية وما أعقبه من فوضى قد حصرا التعليم بين ~~طبقة صغيرة جدا من الناس، وإذا انحصر التعليم كبر في ذهن المتعلم شأن السلف، ثم إن مقاومة ~~الدين للثقافة القديمة وإلغاء المدارس الوثنية جعلا التعليم كله دينيا فأصبح المتعلم، ~~الذي نشأ على الفصل بين الروح والجسم، والإنسان والشيطان، ينظر هذه النظرة نفسها إلى ~~الأشياء الأخرى ويصر، بالعقلية التي اكتسبها من التعليم الديني، على أن يرى في الكواكب ~~والأرقام معاني أخر غير ظاهرهما الطبيعي، ثم لما اعتمد ms11 المتعلمون الاعتماد الكلي على السلف ~~زالت ثقتهم بأنفسهم، فكفوا عن التفكير والابتكار واتجه نظرهم إلى الماضي دون المستقبل. # ويمكننا دون أن نخطئ أن نسمي القرون المظلمة، سواء بين العرب أو الغربيين، بالقرون ~~الغيبية، وهي سواء عند الاثنين في السمات، هنالك نجد العلم في الأديان يحمله الرهبان، وهنا ~~نجد الغيبيات تغير على الكيمياء والشعر والتاريخ والأدب عامة. # وارجح الظن أن النظر الغيبي لم يبلغ عند العرب ما بلغه في أوروبا؛ ولذلك يمكننا أن نقول: ~~إن الظلام لم يعم العالم العربي بالمقدار الذي عم به العالم الأوروبي، وإن كنا نحن ما ~~زلنا نتعثر بهذا النظر الغيبي إلى وقتنا هذا. # وقد ذكرنا كتاب «حياة الحيوان» للدميري، ونحن نذكر إلى جنبه كتابا آخر لراهب إنجليزى ~~يدعى «برتفرت» الذي مات سنة 1011 للميلاد حين انحدر الذهن الأوروبي إلى أحط دركاته، والكتاب ~~خليط من المعارف، يكفي القارئ ان ننقل منه هذه النبذة من كلام المؤلف عن الرقم 4 حيث يقول: ~~«إن الرقم 4 هو رقم كامل وهو يتحلى بفضائل أربع هي: الاستقامة، والاعتدال، والجلد، والتصبر، ~~ثم هذا الرقم يتتوج بالفصول الأربعة في السنة، وهذه أسماؤها: الربيع، والصيف، والخريف، ~~والشتاء، ثم هو تزينه أيضا مذاهب الإنجيليين الأربعة الذين يقال إنهم الحيوانات الأربعة ~~التي ذكرت في كتاب حزقيال النبي المشهور، ثم هذا العدد هو عدد محترم إذ انه اسم الله «في ~~اللاتينية» وهو أيضا اسم أول إنسان خلقه الله وهو آدم، ثم هو رقم له جاذبية لا يمكن أن نمر ~~بها ونحن سكوت، وأنا أعني بذلك أن هناك زمنين للاعتدال الشمسي، وزمنين للانقلاب الشمسي، ~~وهناك أربع رياح أصلية هي الرياح الشرقية والغربية والشمالية والجنوبية. # وهناك أيضا أربعة عناصر: الهواء، والنار، والماء، والتراب، وهناك أربع جهات للدنيا هي: ~~الشرق، والغرب، والشمال، والجنوب، وإذا درسنا هذه الأجزاء بعناية وجدناها جميعها في اسم ~~«لآدم» طبقا للأعداء الإغريقية» ا.ه. # وقليل من المؤلفين العرب من انحط إلى هذه الدرجة، بل لا أكاد أعرف واحدا بلغها، وهو، أي: ~~برتفرت، في كل ما يقوله يعتمد ms12 على أحد الثقات من السلف حتى جدول الضرب لا يأتمن فيه نفسه بل ~~يرده إلى أحد السالفين، وعنايته بالألفاظ لا تقل عن عناية الدميري. # على أن هذه القطعة التي نقلناها تدل القارئ على النظر الغيبي، وهو أنه يرى علاقة واضحة ~~بين الاسم اللاتيني لآدم وبين ظواهر الكون، أي: إن الإنسان «كما قال ابن سينا» هو العالم ~~الأصغر للعالم الأكبر، ومن هنا تبرير التنجيم لأننا نحن والنجوم من طبيعة واحدة، بل من هنا ~~نسبة الصفات الإنسانية للأرقام والأجسام والإيمان بالسحر والأرواح والشياطين. # وقد تخلصنا من كثير من هذه الثقافة المظلمة، ولكن النور الجديد، نور العلم، لم يقشعها ~~كلها. # | فضل العرب في القرون الوسطى # عندما نقرأ كتب التاريخ الأوروبية نجد أخبارا صغيرة تطفو على تيارات الحوادث نفطن منها ~~إلى الدخائل المستورة في الاتقاء الأوروبي وتطور الثقافة، ونلمح فيها عقول العرب وأيديهم. # فمن ذلك مثلا إننا نجد أن الأوروبيين كانوا يرحلون إلى مدن الأندلس كي يتعلموا فيها كما ~~يرحل أبناؤنا هذه الأيام إلى مدن أوروبا لمثل هذه الغاية. # ثم هناك أيضا هذه التهمة التي كان يتهم بها المفكرون مثل «روجر بيكون» فإن هذا الراهب ~~الذي قال بالتجربة العلمية ودعا إلى الاختراع والإيمان اتهم بالإسلام؛ لأن المسلمين كانوا ~~في ذلك الوقت دعاة للعلوم، فكانت كل فكرة جديدة تعزى إليهم ويتهم قائلها بالكفر لهذا السبب، ~~أي: إنه لم يكن مسيحيا مخلصا، إذ هو قد أخذ بعادات المسلمين في التفكير، ولا بد أنه آمن ~~كذلك بدينهم. # حتى جاء «جان دارك» التي حاربت الإنجليز وطردتهم من فرنسا، عندما قالت بأنه يجب ألا يكون ~~هناك وسطاء بين الإنسان وربه «مثل الكهنة» اتهمت أيضا بالإسلام، إذ ليس في الإسلام كهنة. # وكلنا يعرف قصة «روجر الثاني» ملك صقلية الذي استخدم العالم الجرافي المسلم الإدريسي، ~~فإنه استقدمه من إفريقيا الشمالية وكلفه تأليف كتاب في الجغرافيا كما كلفه أيضا أن ~~يصنع له كرة تمثل الأرض، وقد صنعها له من الفضة، وهذا في الوقت الذي لم يكن الأوروبيون ~~يسلمون فيه بكروية الأرض. # وإلى ms13 هذا أيضا يجب أن نذكر عشرات الكتب العربية التي ترجمت أي: اللغة اللاتينية التي ~~كانت لغة الثقافة إلى القرن السادس عشر. # وقد كان العرب فيما بين سنة 700 وسنة 1300 ميلادية أرقى الأمم في العالم كله بلا استثناء، ~~وعلة ذلك إنهم كانوا يملكون البحار، وكان البحر المتوسط أقرب إلى أن يكون بحيرة عربية من أن ~~يكون مجازا للملاحة الدولية، ثم كان المسلمون من العرب وغير العرب، يقطنون أقاليم متراحبة ~~من الصين شرقا إلى المحيط الأطلنطي غربا، وهذا التراحب جعلهم يختلطون بالكثير من الأمم ~~ويعرفون الكثير من الصناعات والتجارات. # ولنضرب مثالا على ذلك موسى بن ميمون الفيلسوف المصري اليهودي أيام صلاح الدين، فإنه كان ~~يقيم في القاهرة، وكان له أبناء يتجرون بالجواهر وغيرها فيما بين الهند شرقا والأندلس ~~غربا. # وأعظم ما يرقى بالثقافة ويزيد المعارف، ويحرك النقد بالمقارنة هو الاختلاط بين الأمم؛ ~~ولذلك كانت الأمم العربية، لاتساع رقعة الأقطار التى كانت تسكنها، ولاختلاطها بالعديد من ~~الأمم، على اتصال بالثقافات وعلى اختمار وتطور لا ينقطعان. # ونستطيع أن نقول إن هذا الاتساع العربي كان أحد الأسباب، بل ربما أعظم الأسباب، للنهضة ~~الأوروبية التي انفجرت في القرن الخامس عشر، ذلك أن العرب نقلوا إلى أوروبا أربع وسائل ~~للثقافة هي: ~~(1) # الأرقام الهندية. ~~(2) # صناعة الورق. ~~(3) # الكتب الإغريقية القديمة. ~~(4) # التجربة العلمية. # ولنبدأ بالوسيلة الأولى وهي الأرقام، فإنهم في أوروبا يسمونها «العربية» ونحن نسميها ~~الهندية، وهذه الأرقام هي الآن لغة العالم، ومن المحال قطعا أن يتقدم العلم بلا أرقام، ~~ونعني بلا أرقام هندية، وقد كانت الأرقام الشائعة في أوروبا قبل ذلك هي الأرقام اللاتينية ~~التي لا تصلح إلا للعد البسيط، أما حيث نريد الآلاف والملايين، فإنها لا تصلح بتاتا. # وبظهور هذه الأرقام في مدن أوروبا شرع العلم يخطو. # ومن عجيب ما نذكره أن الأرقام الأوروبية هي أرقامنا الأصلية التي سلمناها إلى أوروبا، ولا ~~يزال المغرب الأقصى يستعملها، أما أرقامنا الحاضرة فجديدة، ولا تزال كلمة «الصفر» مستعملة ~~بهذا اللفظ في أوروبا للمعنى الذي نقصده منه في حسابنا، وكذلك كلمة ms14 «الجبر» وهو اختراع عربي ~~صرف. # وإذا كان فضل الاختراع للهنود في هذه الأرقام فإن فضل نقلها إلى أوروبا وإشاعتها في أنحاء ~~العالم للعرب، وإذا كانت أوروبا تعتز بالعلم، وهو قوتها وحضارتها، فإن هذا العلم ما كان ~~لينشأ أو ينمو بدون الأرقام الهندية. # ثم هناك الورق الذي عرف العرب صناعته في الصين وأقطار المغول والتتار، فنقلوا هذه الصناعة ~~إلى إفريقيا ثم إلى الأندلس، ثم إلى أوروبا. # وهل يمكن أن تكون هناك ثقافة، ونعني ثقافة عصرية تصل إلى أفراد الشعب بالجريدة اليومية ~~مثلا، بلا ورق؟ # هذا غير ممكن. # لقد عرفت الأمم القديمة «ورق» البردي المصري، ولكنه لم يكن يكفي الحضارة المصرية، ولم يكن ~~ليتسع لضروب الإتقان والدقة في إبراز الحروف مثل الورق المصنوع، حتى يجعل القراءة ميسورة ~~واضحة تحب ولا تمج. # الأرقام العربية والورق هما بلا شك أعظم الوسائل للثقافة وللحضارة الأوروبيتين أو ~~الغربيتين في العصر الحاضر، والفضل في نقلها إلى القارة الأوروبية يعود إلى العرب، والعرب ~~وحدهم. # بقي هناك فضل ثالث يقول به الأوروبيون ويكبرون من شأنه، هو أن العرب نقلوا بعض الكتب ~~الإغريقية القديمة، مثل مؤلفات أرسطوطاليس أفلاطون وفيثاغورس ونحوهم، إلى العربية، فنقل ~~الأوروبيون هذه المؤلفات من العربية إلى اللاتينية. # واعتقادي أن الفضل هنا ليس كبيرا، وقيمته إنسانية أكثر مما هي ثقافية، أي: إنها ربطت ~~أوروبا بالإغريق القدماء، وفتحت لهم آفاق الماضي وجعلتهم على وجدان بأن الثقافة البشرية ~~موصولة وليست مقطوعة، وبكلمة أخرى نقول: إن قيمة الثقافة الإغريقية التي نقلها العرب، ثم ~~الأوروبيون عن العرب هي تاريخية، ودراسة التاريخ هي دراسة إنسانية أكثر مما هي أدبية أو ~~علمية. # بل نستطيع أن نقول إن دراسة الإغريق القدماء قد عطلت أحيانا الارتقاء الثقافي، فإن ~~«فكريات» أفلاطون جمدت التفكير البشري، بل لاتزال تجمده، كما أن أرسطوطاليس كان عبئا على ~~الثقافة الأوروبية بضعة قرون؛ لأن كلماته كانت مقدسة، حتى أن برلمان باريس عين عقوبة لكل من ~~يخالفه أو يعارضه. # إن الحضارة الأوروبية الحاضرة هي حضارة العلم الذي ينهض على التجربة، وقوة أوروبا هي قوة ms15 ~~الصناعة التى تنهض على العلم. # وفيما بين سنة 1000 وسنة 1300 لا نكاد نعرف أمة تؤمن بالتجربة وتقبل عليها غير الأمم ~~العربية، فصحيح أن كثيرا من تجاربها كان مخطئا، إذ كان القائمون بها ينشدون هدفا ~~خياليا هو إحالة المعادن الخسيسة إلى معادن ثمينة، ولكنهم في غضون هذه التجارب عثروا على ~~معادن ثمينة في الكيمياء كان لها بعض الشأن في الطب وغيره. # ولكن ليست العبرة بما عثروا عليه، وإنما بالأسلوب الذي اتبعوه، وهو الوصول إلى المعارف ~~الجديدة بالتجربة اليدوية، وهذا هو العلم. # لأن العلم ليس تفكيرا مجردا يفكر به العالم وهو على كرسيه أمام منضدته فقط، فهذا ~~التفكير وإن يكن ضروريا يحتاج إلى التصحيح والتطبيق بالتجربة في المعمل ثم المصنع، وهذا ~~هو الأسلوب الذي يعزى إلى علماء العرب. # والأمة العربية في عصرنا الحاضر قد تخلفت عن أوروبا؛ لأنها أهملت العلم والصناعة، ولن ~~تستطيع أن تستعيد مكانتها في قافلة الارتقاء البشري إلا إذا أخذت بالعلم والصناعة. # | بذور الحركة البشرية الأولى # كلما ذكر الإنسان القرون الوسطى خطر للذهن تسلط الكنيسة وحجرها على الحرية الذهنية، وليس ~~شك في هذا التسلط وهذا الحجر. # ولكن يجب ألا ننسى أن الانحطاط لا يعني أن هناك أذهانا متنبهة قد حجرت عليها الكنيسة ~~وصارت تمنعها من التفكير الحر؛ لأن هذه الحال هي حال اليقظة والتنبه على الرغم من هذا ~~الحجر، وإنما حقيقة الانحطاط في القرون الوسطى تعني أن الذهن البشري نفسه قد انحط، فصار ~~ينظر إلى الدنيا من زاوية العقيدة والمذهب، وأخذت العقائد مكان الآراء، والجزم مكان الشك ~~والبحث. # فمنذ القرون الأولى للمسيحية أخذ الناس، أو تلك الأقلية التي كانت تقرأ، يدرسون لغاية ~~واحدة هي خدمة الدين، وعندئذ أصبح الرجل المثقف، وهو في الغالب راهب، يدرس السموات السبع ~~كما ندرس نحن الآن جغرافية إفريقيا، وهو يفعل ذلك، لا؛ لأن الكنيسة تمنعه من درس الطبيعة أو ~~العلم بل؛ لأن هذا هو مزاجه الذي اكتسبه بعد مئات من السنين عدم فيها الناس كتب الإغريق ~~والرومان أيام نهضتها وأصبح الكتاب المقدس موضوع ms16 درسهم يقرءونه ويغلقون عليه. # وهذا هو «العصر الجليدي» الذي أصاب الذهن البشري في أوروبا، إذ أصبحت الفلسفة غيبيات ~~غايتها إثبات حقائق الدين ورواية الرسل، وزال الروح العلمي تمام الزوال، فإن هذا الروح كان ~~قد ابتدأ بداية ضعيفة جدا في الإسكندرية، ولكنه ما كاد ينهض حتى مات عقب زوال البطالمة، ~~وبقيت الحال على ذلك إلى أن عاد يتعثر على أيدي العرب في الأندلس. # والمشهور عن القرون الوسطى أن النقل فيها أخذ مكان العقل، ولكن هذا القول ليس صادقا ~~بأكمله، فإنه إذا كان من المسلم به أن العلماء الرهبان كانوا يعتمدون كثيرا على الرواية ~~وما يشبه العنعنة، فإنهم كانوا يعتمدون في أواخر القرون الوسطى على العقل، وذلك إنهم كانوا ~~يفكرون، ولكن تفكيرهم لا يخرج عن حدود الدين؛ ولذلك جعلوا الفلسفة الأوروبية لاهوتا، ولذلك ~~أيضا نجد في النهضة الأوروبية ثلاث نزعات ذهنية مختلفة تناقض نزعات القرون ~~الوسطى. ~~(1) # النزعة الأولى: # هي الرجوع إلى القدماء في ~~الفنون، وتكاد هذه الحركة تكون نزعة وثنية، فإننا نرى الرسام أو المثال، ~~مع رغبته في خدمة الدين، لا يتقهقر أمام موضوع وثني، فإنه يرسم أو ينحت الآلهة ~~كما يرسم أو ينحت الملائكة أو العذراء؛ لا يشعر وهو يفعل ذلك أنه قد تلبس ~~بالكفر والإثم كما كان يشعر أسلافه بين القرنين الثالث والعاشر. ~~(2) # النزعة الثانية: # هي درس الكتب التي لا تتصل ~~بالدين، كأن الإنسان قد يشعر في النهضة أن آفاق الذهن تتسع لغير الدين، وأنه ~~يجب عليه أن يحقق السعادة في هذه الدنيا، وهذه الحركة تسمى «الحركة البشرية»؛ ~~لأن الناهضين اعتمدوا فيها على درس المؤلفات البشرية زيادة على درس المؤلفات ~~الدينية. ~~(3) # أما النزعة الثالثة: # فهي الحركة العلمية، ~~وهذه لقيت بذرتها الأولى في الأندلس عند العرب، وتكاد تكون اكتشافا جديدا ~~للدنيا؛ لأنها اعتمدت على التجربة. # والقرون الوسطى لم تنته بتاريخ معين، فإن سنة 1453 هي حد عرفي لنهايتها، ولكنها كانت في ~~الحقيقة تنزاح عن الأذهان كما ينزاح الليل رويدا رويدا؛ ولذلك نجد بعد القرن الحادي عشر ~~اضطرابات ذهنية، كأنها ارتكاض الجنين ms17 في الرحم، تنذر بالميلاد القادم، ونحن نذكر هنا رجلين ~~عاش كلاهما في القرون الوسطى ونزع كلاهما نحو النهضة. # وأولهما هو أربيلا (1079-1142) فإنه كان رجل دين قبل كل شيء، ولكنه دعا إلى الشك وجعل منه ~~أساسا للإيمان الصحيح، وعنده إننا إذا اصطدمنا بشيء لا يتفق مع العقل وجب علينا أن نعود ~~للضمير، وهو يعتقد أنه ليس شيء في الدين لا يتفق والعقل، ولكن إذا استبهم علينا شيء من ذلك ~~فإن علينا أن نلجأ إلى ضميرنا، ومع أنه قال ذلك في حذر، بل في اعتذار، فإن مؤلفاته حرمت ~~بأمر من البابا. # وأما الثاني فهو توماس الاكويني (1225-1274) فإنه ألف في التوفيق بين العقل والدين، وهذا ~~التوفيق هو في النظر الحديث تلفيق. # ولكنه مع ذلك محاولة من المحاولات الأولى للخروج من قيود الجزم إلى ميدان الرجم أو الخروج ~~من النقل إلى العقل، فهو مثلا يعصر ذهنه كي يصل إلى استنتاجات منطقية تثبت وجود الله، ثم ~~يبرر وجود الدين بأثره في الأخلاق، بما فيه من زواجر تزجر عن الشر والعدوان. # ففي كلا الرجلين نرى جراءة على التفكير، ولكنا نرى ما هو أحسن من الجراءة في ذلك الزمن، ~~وهو الرغبة في درس الكتب الأخرى التي لا تمت إلى الدين، فكلاهما يدعو إلى الثقافة البشرية ~~وإلى درس الكتب الوثنية القديمة. # وهنا إذن نوى بذرة هذه الحركة البشرية التي ترى على أقواها في النهضة، وخلاصتها أن ~~الثقافة يجب ألا تقتصر على درس الدين بل يجب أن تتجاوز ذلك إلى ما ألفه الناس أيضا، وأن ~~الإنسان يجب عليه أن ينشد السعادة الدنيوية بدرس الثقافة البشرية، كما عليه أن ينشد السعادة ~~الأخروية بدرس الثقافة الإلهية. # وكما كانت «الغيبيات» مزاج المثقفين في القرون الوسطى أصبحت «البشرية» مزاج المثقفين في ~~أيام النهضة، ومن هنا هذه الحركة، بل هذه الحمى، التي أصابت العقول في أيام النهضة، فإن ~~المدارس والمجامع والأفراد نهضوا فجأة يبحثون عن الكتب القديمة بين مخلفات الإغريق ~~والرومان، ويدأبون في درسها ومناقشة آرائها لا يبالون بما فيها من كفر ms18 أو وثنية. ~~••• # ونحن إلى الآن ما زلنا نعيش في سياق النهضة التي انفجرت في النصف الثاني من القرن الخامس ~~عشر في أوروبا، وبقيت في انفجارها هذا إلى نهاية القرن السادس عشر حين اتزنت وسارت سيرا ~~وئيدا مطمئنا، إلى أن عادت فانفجرت مرة أخرى في فرنسا في آخر القرن الثامن عشر. # وفي إسكتلندا وغيرها من الأقطار الأوروبية لا تزال تسمى دراسة الكتب الإغريقية واللاتينية ~~«البشريات» ومن هذه التسمية التي ترجع إلى ما قبل أربعة قرون يدرك القارئ هذا الفرق الذي ~~ميزته أذهان الناهضين في القرن السادس عشر، فإنهم شعروا أن أسلافهم كانوا يدرسون الموضوعات ~~التي تتعلق بالدين، وهي التي كانت تسكن الديور في صوامع الرهبان أي: «الإلهيات» من الفلسفة ~~واللاهوت والصوفية، وتفسير الكتب المقدسة والتعليق على شرح القدماء فيما يتعلق بالدين، ولكن ~~الناهضين انحرفوا عن هذه الثقافة، أو كفروا بها، وعمدوا إلى الوثنيين من الإغريق واللاتين ~~يدرسونهم، فكانت دراستهم لهذا السبب «بشرية» وليست «إلهية». # وهذه الجراءة على الدراسة البشرية كانت أشبه الأشياء بالدعوة إلى تقرير المصير للذهن ~~البشري، أي: إن للإنسان الحق في أن يقرأ ما يشاء، ولو كان المؤلف من كفار الإغريق أو ~~الرومان القدماء، بل له أيضا أن ينتقدها، فسقطت بهذا الحق الجديد مكانة «أرسطاطاليس» وصار ~~لأمثال «جاليل» أن ينقده وأن يجرب التجارب لكي يثبت خطأه، وأصبحت «التجربة» طريقة جديدة ~~للاقتراب من الحقائق وبحثها. # وأول ثمرات الحركة البشرية الأولى هو «لوثر» المصلح الألماني، وهو نفسه كان بذرة لنهضة ~~أخرى هي الحرية الدينية، فإنه ورث من النهضة حرية الذهن فأورث الناس حرية أخرى هي حرية ~~الضمير، وقد كان هذا الرجل راهبا زار روما سنة 1511 فرأى من نظام البابوية وأخلاق البابوات ~~ما أسخطه، ولكنه صمت وعاد إلى وطنه، فلما كانت سنة 1517 بعث البابا برهبانه لكي يجمعوا من ~~المؤمنين ثمن الغفرانات، وكان على الراهب أن يعرض الغفران من العقاب في الآخرة فيشتريه ~~الموسر ويناله الفقير بالمجان، ولكن لوثر لم يطق هذه النخاسة الدينية فعمد إلى لوحة كبيرة ~~وكتب عليها 55 ms19 اعتراضا على بيع الغفرانات وعلقها على باب الكنيسة. # وعلم البابا بهذه الفعلة فاستدعاه لسؤاله أو محاكمته، ولكن لوثر أيقن أنه إذا سافر إلى ~~روما فإنه لن يبرحها حيا؛ ولذلك بقي في مكانه يدعو إلى مذهبه فيجد المؤيدين كما يجد ~~المعترضين، وعقدت له هيئة حاكمته وحكمت بحرمانه، ودعت الجمهور إلى مقاطعته وألا يؤاكله أو ~~يعامله أحد، وأرسل إليه البابا «حرمانا» يجعله مطرودا من بركة الكنيسة ونعيم الآخرة، فأخذ ~~لوثر ورقة الحرمان وأحرقها علنا بين الجمهور المعجب بجراءته، ولم يقف عند هذا الموقف ~~السلبي، بل خالف الرهبانية وتزوج، ثم خالف قواعد الكنيسة وترجم الكتاب المقدس إلى ~~الألمانية، ومات سنة 1546 بعد أن ملأ أوروبا بالخلاف الديني وهيأها لحروب مذهبية دمرت مدنها ~~وخربت ريفها، ولكنها أحيت نفوسها. # وأحيت نفوسها لأنها قررت مبدأ آخر إلى جنب حرية الذهن، هو حرية الضمير، و«تقرير المصير ~~للنفس الإنسانية» وأن خلاص الإنسان ليس قضية يحكم عليه فيها الكهنة والكنيسة، وإنما هو ~~مسألة خاصة بين الإنسان وربه، ولا شأن لحكومة أو فرد أو أي هيئة أخرى أن تتدخل فيها. # فانظر إذن في هذه الحركة البشرية الأولى، فإنها قررت استقلال الذهن البشري وحقه في أن ~~يقرأ المؤلفين الذين ألفوا أو يؤلفون في غير «الإلهيات» حتى ولو كانوا كفارا من الإغريق أو ~~اللاتين، ثم قررت استقلال الضمير وحق الإنسان في أن يناجي ربه دون أن يتوسل لذلك بالكهنة ~~والكنيسة. # ومن هذا الحق الثاني نشأت حركات أخرى اتصلت بالحقوق السياسية والاقتصادية، بل لقد رأى ~~لوثر نفسه أن حركة حرية الضمير أدت إلى ثورة الفلاحين على الأمراء، وأصبحت «حرية الضمير» ~~كلمة مفيدة تقال في وجه الملوك لمنع الاضطهاد، وفكرة تبعث على التفكير الاجتماعي، بلا خوف ~~من العرف الشائع والعادات الفاشية، وإذا كان لوثر نفسه قد احتفظ بعفونات ورواسب من القرون ~~المظلمة جعلته يكره ثورات الفلاحين وحملته على الدفاع عن حقوق الأمراء والنبلاء، فقد أثمرت ~~هذه الفكرة أيضا حرية السعي الاقتصادي والمزاحمة الحرة بين الأفراد، هذه الحرية التي بلغت ~~قمتها في عصرنا حتى استحالت ms20 من الفائدة إلى الضرر، وحتى قامت الحكومات الحديثة تحد منها ~~وتأخذ بالآراء الاشتراكية كي تحول دون ضررها، ولولا حرية الضمير هذه لما أمكن العلماء أن ~~يكتشفوا ما كشفوا من حقائق علمية. # | التفسير الاقتصادي للنهضة الأوروبية # كان التاريخ يكتب كي يكون معرضا، تسير فيه مواكب العظماء من الملوك والقواد والساسة ~~والعلماء أو الأدباء، تروى فيه سيرهم وما اشتبكوا فيه من المعارك الحربية أو المناضلات ~~الدينية، فلما ظهرت نظرية «التفسير الاقتصادي للتاريخ» أصبح المؤرخون يبحثون العوامل والعلل ~~الاقتصادية لإحدى الثورات أو الحروب كما يبحثون عنها لتعليل أحد المستكشفات أو المخترعات. # وهذه النظرية تقول بأن العلاقات الاقتصادية بين طبقات الشعب وأفراده هي الأساس الذي ينبني ~~عليه سائر ما في الأمة من علاقات اجتماعية أو حقوق سياسية، وأن ما يصدر عن الأمة من فلسفات ~~أو مذاهب أو نزعات أدبية إنما يعبر في الحقيقة عن الحالة الاقتصادية التي في الأمة، وذلك؛ ~~لأن المركز الاقتصادي للفرد يقرر له المركز الاجتماعي، وأولئك الحاصلون على السيادة ~~الاقتصادية هم أيضا الحاصلون على السيادة الاجتماعية أو السياسية. وما عند الأمة من نظم ~~اجتماعية أو سياسية أو ثقافية انما هو في الحقيقة ثمرة النظام الاقتصادي الأساسي؛ لأن غاية ~~هذه النظم في النهاية صيانة الحقوق أو الامتيازات الاقتصادية. # والقائلون بهذه النظرية لا ينكرون اعتبارات أخرى في تطور الأمة ولكنهم يضعون هذا الاعتبار ~~الاقتصادي في المقام الأول، وقد يجد المتأمل خروقا في هذه النظرية تجعلها لا تستوعب جميع ~~التغييرات الاجتماعية أو السياسية أو الثقافية، ولكنه لا يتمالك من الاعتراف بأنها على وجه ~~العموم صحيحة، وليس المعنى المقصود من التفسير الاقتصادي للتاريخ أن الناس لا ينبعثون إلى ~~العمل والنشاط والسعي إلا للفائدة الاقتصادية التي تعود عليهم، وإنما المقصود أن الحالة ~~الاقتصادية العامة في الأمة تقرر سائر الأحوال فيها، إذ هي بمثابة الشجرة وهذه بمثابة ~~الثمرات التي تنبت عليها، ووسائل الإنتاج وطرق الارتزاق تعين الطبقات وتبعث العواطف. # وفي ضوء هذه النظرية نستطيع أن نقول: إن القرون المظلمة التي أعقبت سقوط الدولة الرومانية ~~في أوروبا إنما ms21 كانت نتيجة لغارة الهمج من القبائل الجرمانية على المدن الرومانية وتخريبها، ~~وهؤلاء الهمج لم يخرجوا من أقاليمهم إلا لأسباب اقتصادية، فلما خربت المدن الرومانية عاد ~~الوسط الأوروبي وسطا ريفيا قرويا بعد أن كان وسطا عالميا مدنيا، والوسط الريفي ~~يلازمه الانحصار والجمود والتأخر وقلة الثقافة والاستبداد، في حين يلازم المدينة رقي في ~~الصناعات وتوسع في التجارة وثقافة تتعلق بالتجارة والصناعة؛ ولذلك تفشو الآراء والانتقادات ~~في المدينة كما يفشو التسليم والعقائد في الريف. # ثم جاء العرب في القرن السابع فمنعوا أوروبا من الإتجار مع آسيا، فلم تعد الآفاق الفكرية ~~تنبسط للأوربي؛ لأن وجدانه الكوكبي زال وأخذ مكانه وجدان قروي محدود يعيش في السكان ~~بالمقايضة. # والقرون المظلمة سواء في الشرق أم في الغرب، بل سواء في الزمن الحاضر أم الأزمنة الماضية، ~~هي قرون الوسط الريفي كما نفهمه في مصر، أي: هذا الوسط القائم على الزراعة اليدوية، ولسنا ~~نعني ذلك الوسط الريفي الجديد في الولايات المتحدة مثلا حيث العمل يجري بالآلات الضخمة، ~~فإن عقلية المزارع هنا لا تختلف عن عقلية الصانع. # فلما بلغت أوروبا سنة ألف أو حواليها بدأت المدن تتكون وتجذب إليها عمال الريف أو عبيد ~~الريف، فعاد التاجر والصانع إلى الظهور، وأخذت فنون المدينة تظهر رويدا رويدا بعد أن كانت ~~قد ماتت نحو 700 سنة في الريف، فإذا كان القرن الخامس عشر، فإننا نجد المدينة عامرة ~~بالصناعات، وفي كثير منها كليات ومدارس، ونرى للتاجر مقاما كبيرا، ونرى للمدينة أثرا في ~~تركيز الحكم، فإن الريف من طبيعته - وخاصة إذا كان جبليا - أن يوزع الحكم ويعمل للاستقلال ~~الإقطاعي فيعود صاحب الأرض وهو «كونت» أو «دوق» له حكومته المستقلة التي يمكنه أن ينازع بها ~~الملك نفسه، أما المدينة فإنها تحصر السكان في بقعة معينة فلا يمكن الأمراء أن يستقلوا ~~بجزء منها. # وحاجات الوسط الزراعي قليلة؛ لأن كل زارع يمكنه أن يستغني بقليل جدا من الصناعات ~~البدائية عن شراء الملابس والأحذية والأطعمة؛ لأنه يمكنه أن يستخرج كل هذه الأشياء من أرضه، ~~وقد كانت هذه حاله مدة ms22 القرون المظلمة، بل الوسطى؛ لأن الغزل والنسيج كانا عامين في جميع ~~القرى، أما في المدينة فإن التخصص ضروري، ومن هنا تنشأ الصناعات على الاختراع والاكتشاف ~~والثقافة الفنية، ومتى كبرت المدينة عظم شأن التجارة فيها وعندئذ تعرف البحار ويخرج تجارها ~~لمبادلة السلع مع الأقطار الأخرى، فينشأ من ذلك الاكتشاف الجغرافي ثم الحروب ثم الاستعمار، ~~ثم تتجمع الثروات فينشأ الترف ويبعث الفنون الجميلة والصناعات الأنيقة. # وعلى ذلك إذا أردنا أن نعين الفرق بين القرون الوسطى وبين النهضة أمكننا أن نقول: «إن ~~النهضة هي انتقال الناس من سكنى الريف، حيث كان الجمود وحكم النبلاء، والصبر على القائد، ~~إلى سكنى المدن حيث التجارة والصناعة وتجمع السكان في بقعة واحدة، وحيث الرأي فوق العقيدة، ~~بل حيث الفرصة للاكتشاف والاختراع». # وهذه الحركة التي فشت في مدن أوروبا في القرن الخامس عشر، في الدرس العلمي الجديد ~~والتنقيب عن المؤلفات الإغريقية واللاتينية، إنما كان مبعثها ظهور التاجر والصانع في المدن ~~بعد غيابها نحو ألف سنة، وامتداد أوروبا بالملاحة إلى القارات الثلاث ثم الأربع الأخرى، ~~فأصبح للأوربيين وجدان بالتاريخ في الجغرافيا، وأصبحوا يعيشون على كوكب الأرض بعد أن كانوا ~~ينحجزون في القرى ولا يعرفون غير التفكير القروي المحدود، بل يمكن أن نفسر الجمود الذي يغشى ~~الشرقيين أو بعضهم الآن بأنهم لا يزالون يعيشون في وسط زراعي قروي يشجع الإنسان على أن يكون ~~أبله، يحترم جميع التقاليد ويسلم بجميع العقائد ويقنع بعيشه، كما يمكن أن نفسر رقي الغربيين ~~بأن معظمهم يعيشون في المدن التي يجبرهم مجرد السير في شوارعها على أن يكونوا أذكياء ~~متنبهين، وهم في هذا الوسط المدني يرتئون الرأي وينقضونه، ويرون في التقاليد شبهات، وفي ~~الجمود كارثة. # | رجل العلم ورجل الأدب # لا يزال العالم الأوروبي من حيث الثقافة يندفع في تيار النهضة التي اضطرمت في القرن ~~الخامس عشر حتى ما نكاد نجد الآن حركة ثقافية إلا ولها بذرة أصلية في تلك النهضة. # وما زلنا نجد عادات وتقاليد ونزعات ثقافية ترجع إليها، وليس لها من أسباب البقاء غير أنها ms23 ~~تتصل بالنهضة، حتى إني لأجد أدبيا عصريا مثل «ه. ج. ولز» الذي مات في 1947، يؤلف آخر ما ~~يؤلف من الكتب كتابا ضد البابا والديانة المسيحية. كأنه لا يزال يحس بأنه في الصراع القائم ~~في القرن الخامس عشر بين الغيبيين والناهضين. # وقد كان في النهضة الأوروبية موجتان تعلوان تيارها: # إحداهما: # تنحو نحو التاريخ والنقد الديني وفنون الإغريق والرومان - نعني بها موجة ~~الآداب التي كان يمثلها «أرازموس» الهولندي (1466-1536). # والموجة الثانية: # كانت تنحو نحو العالم وكان قوامها التجربة وكراهة التقاليد، أو قلة ~~الإيمان بفائدتها، ثم الجراءة على الابتكار وبحث النظريات العلمية ~~و«الحقائق» الموروثة بروح الشك والرغبة في الإصلاح والاهتداء إلى سبل جديدة ~~للوصول إلى استخدام الطبيعة، وكان يمثل هذه الموجة «دافينشي» الإيطالي ~~(1452-1519) وه. ج. ولز كان في سياق هذه النهضة. # وما زلنا إلى الآن نجد هذين الطرازين من رجال الثقافة وقد تشتد أحيانا بينهما الكراهة ~~فيتبادلان السباب، وكل منهما يتهم الآخر بأنه لا فائدة منه للعالم، وقل أن تجد من يجمع بين ~~النزعتين، أي: الأدب والعلم، وليس ذلك فقط؛ لأن المجهود يتجاوز قدرة الفرد بل أيضا؛ لأن ~~المزاج العلمي يختلف، بل أحيانا يناقض المزاج الأدبي، فإن الأديب لتعلقه بالتاريخ ~~والتقاليد والمأثور من الشعر والنثر، واحترامه للكتب، يحب الماضي ويفكر فيه كثيرا ويميل ~~إلى الاجترار الذهني والبحث عن الحقائق الذاتية، أما العالم فإنه يتشكك في النظريات ~~والفروض القديمة ولا يبالي التاريخ أو الكتب، وعنده أن كثيرا من جد الأدباء إنما هو لهو ~~وسمر، ثم هو لا يبحث عن كنه الحقائق، وإنما ينشد فوائدها كي يستخدمها لمصالح الناس. # ولو أن مؤرخا شاء أن يشرح النهضة الأوروبية واقتصر على ترجمتي أرازموس ودافينشي لكان له ~~منهما ما يكفي لإيضاح النزعتين الكبيرتين اللتين غمرتا النهضة، ولإخراج تاريخ مفيد عنها ~~ولتمييز النزعات المتناقضة أو المتساوقة. # فقد كان أرازموس يمت إلى القرون الوسطى، كما يمت جميع الأدباء الآن سواء في الشرق أم في ~~الغرب، إذ تعلم في دير ونشأ راهبا ثم صار بعد ذلك قسيسا، ويعرف القارئ أن ms24 الثقافة كانت ~~طوال القرون الوسطى مقصورة على الأديرة ورجال الدين، أي إنها رجعت إلى ما كانت عليه في ~~الأمم القديمة مثل المصريين والبابليين القدماء ، ولم يكن رجال النهضة قد تخلصوا من هذه ~~العادات، وتعين أرازموس سكرتيرا لأحد الأساقفة، ثم اشتغل بعد ذلك بتحرير الكتب القديمة ~~اللاتينية والإغريقية تجهيزا للطبع، وكان يعلق عليها بالشروح. # ومن الأقوال المألوفة إن أرازموس حضن البيضة التي فقسها «لوثر» المصلح الألماني وزعيم ~~البروتستنتية، وذلك بما كان يؤلفه عن الفضائح في الديورة، وعن جهل القسوس وتعصبهم، وعن ~~سخافات الرهبان ونحو ذلك، حتى إذا جاء لوثر وجد الحنق عاما في قلوب الجماهير، فاستطاع أن ~~يعمم بينهم دعوته على البابا والكهان، وكل من أرازموس ولوثر هو في حقيقته داعية إلى ~~الديمقراطية الدينية. # فالعلم الذي عاش فيه أرازموس هو عالم الكتب القديمة، والموضوع الذي اختاره للتأليف هو ~~الإصلاح الديني، وتقويم الأخلاق في أسلوب يلهي ويسلي، ولا يزال لأرازموس سلالة تنتمي إليه ~~بصلة الثقافة وتعيش على طريقته وتهتم لهمومه. # أما الطراز الثاني فهو طراز دافينشي الذي لم يؤلف كتابا، ولعله أيضا لم يقرأ كتابا ~~قديما، ولكنه كان موسوعي الثقافة فيما عدا ذلك، يرسم وينحت ويبحث الرياضيات ويخترع، فقد ~~اخترع طواحين تدور رحاها بتيار الماء، واخترع دبابات حربية ومدافع، وبحث عن البارود وكيف ~~يؤلف، وحاول أن يستعمل قوة البخار للسفن، وفكر في خرق نفق تحت الجبال، وأوشك أن يهتدي إلى ~~نظام الدورة الدموية في الإنسان، واخترع طيارة وجربها بالفعل ثم كف عن هذه المحاولة الخطرة ~~بعد أن أصيب منها أحد تلاميذه، واستطاع أن يقسم المملكة الحيوانية إلى فقاريات وغير ~~فقاريات، وبحث واهتدى قبل «كوبرنيكوس» إلى حركة الأرض. # هذان هما طرازان بارزان لرجال النهضة: أحدهما رجل الأدب والكتب، والتاريخ والسمر والقصص، ~~والوعظ والنظر إلى الماضي، والآخر رجل العلم الذي لا يقرأ إلا قليلا ولا ينظر إلا إلى ~~المستقبل، وهو دائب في الاختراع، والعالم بالطبع في حاجة إلى الاثنين، وإن كان أبناء ~~المستقبل سيبالون رجل العلم أكثر جدا مما يبالون رجل الآداب. # | من موضوعية ms25 بيكون إلى مادية هوبز # إذا ذكرنا النهضة الأوروبية مثل للذهن رجلان، كلاهما يعرف باسم بيكون وكلاهما إنجليزي: ~~الأول هو «روجر بيكون» الذي ولد في 1214 وهلك في 1294. والثاني هو «فرانسيس بيكون» الذي ولد ~~في 1561 وهلك في 1626. # ومع الزمن الطويل الذي يفصل بين الاثنين نجد تشابها في النزعة أو اشتراكا في الطريقة ~~يوهمنا الاتصال الذهني بينهما، وقد كان هذا الاتصال توهما فقط لا يزيد عن الرجم والظن، ~~ولكن اتضح من الأبحاث التاريخية الحديثة أن بيكون الثاني قد عرف سميه الأول، وقرأ مؤلفاته ~~على استاذه «جلبرت». وأولئك الذين يؤمنون بتسلسل الثقافة يجدون في هذا الاتصال دليلا ~~جديدا يؤيد نظريتهم في هذا التسلسل، فإنه قلما يحدث أن يشترك اثنان في اكتشاف أو اختراع، ~~فإذا وجدنا مثل هذا الاشتراك وجب علينا أن ننظر إليه نظرة الريبة والشبهة. # ونحن عندما نتكلم عن النهضة الأوروبية نقصد إلى تلك الثورة التي أصابت الذهن الأوروبي ~~فوقف فجأة عن متابعة السير في ثقافته، وأخذ يتساءل هذا السؤال المؤلم: هل الطريقة التي ~~أتبعها في الدرس حسنة أم سيئة؟ # هذا هو الموضوع الذي شغل أذهان رجال النهضة من الأدباء والعلماء، فإن الشك فشى على ~~أذهانهم فشرعوا ينتقصون من قيمة ما يدرسونه من المعارف ويصرحون لأنفسهم بأن طريقة جمع ~~المعارف التي ألفوها منذ الصغر هي طريقة مخطئة، وأنه يجب ابتكار طريقة جديدة. # وقبل أن نبسط الكلام في الطريقة الجديدة، التي هي أساس النهضة، بل أساس الثقافة الحديثة، ~~يجب أن نشرح في كلمة مختصرة تلك الطريقة القديمة التي ثار عليها رجال النهضة. # فقد كانت غاية العلوم والمعارف خدمة الدين والدين فقط، وما عدا ذلك فهو عبث أو كفر، وإذن ~~اتجهت النهضة في ناحية من نواحيها إلى الاستقلال من الدين، حتى علم السياسة ظهر له من يدافع ~~عنه في شخص «ميكافلي» الذي كان يطلب لهذا العلم استقلالا كي يبحث في نزاهة فلا يخضع الباحث ~~فيه للدين أو الأخلاق، وإذن يمكن أن نقول إن أول واجب قام به الأدباء والعلماء في بداية ~~النهضة كان ms26 الاستقلال من سلطان الدين. # وناحية أخرى اتجهت إليها النهضة هي الإقلاع عن الرجم الفلسفي والمنطق الذهني إلى التجربة، ~~فقد كان المألوف عند العالم من علماء القرون الوسطى أن يبحث الموضوع الذي يتناول درسه بحثا ~~فلسفيا، وكأنه يضارب بذهنه مضاربة، فهو يرجم بالفلسفة ويحاول أن يصل النتائج بالأسباب، ~~ولكن رجال النهضة رأوا خطأ هذه الطريقة فقاموا يدعون إلى التجربة. # فيجب ألا نؤمن بشيء حتى نجربه في ظروف مختلفة وعلى أيدي أناس كثيرين، ومن هنا يمكن أن ~~نقول: إن النهضة كانت إلى حد ما، وفي تعبيرها الحديث، ثورة العلم على الفلسفة. أو ثورة ~~التجربة على التفكير المنطقي الفلسفي. # ثم نجد إلى هاتين النزعتين حركة جديدة اكتسبها الأوروبيون من عرب الأندلس هي الرغبة في ~~تحويل المعادن والبحث عن إكسير الحياة، فقد اشتغل العرب بنوع غريب من المعارف مزجوا فيه ~~الغيبيات بالكيمياء، فصاروا يتكلمون عن الحياة الأبدية في الوقت الذي يتكلمون فيه عن تحويل ~~الرصاص إلى ذهب، والكيمياء الآن أبعد العلوم من الغيبيات ولكن بذرتها الأصلية نبتت في تلك ~~التربة الأندلسية العربية، وقد نستطيع أن نرجع بهذه البذرة إلى المصريين القدماء الذين ~~أكبروا من شأن الذهب ونسبوا إليه صفات الخلود، وكلمة كيمياء معناها مصر أو العلم المصري، ~~وهو التحويل للمعادن الذي أفشى روح التجربة بين العلماء. # وبعد هذه المقدمة المختصرة يجب أن ننظر الآن في حياة هذين العالمين الإنجليزيين فقد كان ~~روجر بيكون راهبا انجليزيا، مثل معظم العلماء في وقته، إذ كان الدير موئل الثقافة، ومما ~~يدل القارئ على روح العصر أن بيكون هذا كان يبرر درس الرياضيات بأنها تساعد على فهم الدين، ~~وهو من هذه الناحية يعد من رجال القرون الوسطى وليس من رجال النهضة، إذ كان يظن أن الغاية ~~من المعارف الإنسانية هي خدمة الدين، وليس هذا غريبا منه، فقد مات في 1294 والتاريخ الرسمي ~~لبداية النهضة هو سنة 1453. # أما الناحية التي خدم بها النهضة فتنحصر في دعوته إلى جمع المعارف بملاحظة الطبيعة دون ~~جمعها من الكتب، ثم كان ينتقص الذهن فيقول: ms27 إننا إذا فكرنا في موضوع فيجب ألا نأتمن ذهننا، ~~ولا نثق بالنتيجة التي وصلنا إليها إلا بعد أن نمتحن هذه النتيجة بالتجربة، لنرى هل هناك ~~افتراق بين قياس الذهن وقياس اليد، أو بين التفكير المجرد والتجربة العلمية. # ثم كان يدعو الأوروبيين إلى درس اللغة العربية، وقد كان علماء العرب في ذلك الوقت قد ~~اتجهوا، كما قلنا، نحو التجربة، عندما تكلموا عن الكيمياء التي مزجوها بالغيبيات، وقد اتهم ~~بالهرطقة لهذه الدعوة كما كان يتهم المجددون في مصر بالكفر عندما كانوا يدعون إلى الطريقة ~~الأوروبية في التثقيف. # وقد حبس روجر بيكون 14 سنة، وجمد البابا مؤلفاته، وفي هذه المؤلفات نرى كلاما غريبا من ~~هذا الخارج من ظلمات القرون الوسطى عن سفن تجري في الماء بقوة البخار، وعن آلات تكبر وتصغر ~~مثل التلسكوب والمكروسكوب، وعن أشياء أخرى اتهم من أجلها بالسحر. # ويجب أن نذكر أن «كولمبوس» الذي اكتشف أمريكا سنة 1492 قد قرأ جملة مؤلفات كانت هي التي ~~أوحت إليه هذا الاكتشاف، ووجد فيما قرأه كولمبوس مقتبسات من هذا المفكر الإنجليزي الذي أومأ ~~إلى النهضة وأن لم يبلغها، وهذه الكلمات التالية التي نقتبسها من أقواله تدل على الروح ~~الجديد الذي حاول أن يخلقه في أوروبا حوالي منتصف القرن الثالث عشر: ~~«إني أعتقد أن البشر سوف يعتنقون المبدأ الذي أرصدت له حياتي، مبدأ البحث كما لو ~~كان، أي البحث، من البدهيات؛ لأن البحث هو مذهب الأحرار، إذ ينطوي على إتاحة الفرصة ~~للتجربة وعلى حقنا في أن نخطئ ونتشجع ونعود إلى التجربة، ونحن العلميين في الروح ~~البشري سنجرب ونجرب ودائما نجرب، وعلينا في القرون القادمة مع المحاولات والأخطاء، ~~ومع آلام البحث ومتاعبه أن نجرب في القوانين والعادات وفي نظم النقود ونظم ~~الحكومات، حتى نرسم الطريق الوحيد إلى أبعادنا البشرية، كما اهتدت الكواكب إلى ~~أفلاكها ... ثم نسير معا في وفاق بحافز إنشائي عظيم نحو الاتحاد والنظام والقصد». ~~••• # لما ظهر بيكون الثاني كان الزمن قد تغير وتطور كما نرى من الحرفة التي احترفها، إذ كان ~~محاميا وسياسيا ms28 بينما بيكون الأول كان راهبا، وهكذا انتقل العلم من الدير إلى المدرسة ~~والكتب. # ومعنى هذا الانتقال أن الدين كان في المقدمة يغمر كل شيء في القرن الثالث عشر، ولكنه ~~تراجع في القرن السادس عشر وأصبحت هناك حرف جديدة غير الدين يحترفها العلماء والخاصة، وليس ~~بيكون الثاني سوى بيكون الأول قد بولغ في نزعته الأولى، وهي الاعتماد على التجربة، وقد وجد ~~في عصره قبولا لم يجده سميه السابق. # ألف بيكون الثاني في 1605 كتابين في الطرق التي يمكن أن تتقدم بها المعارف البشرية، دعا ~~فيهما إلى ضرورة التجربة باعتبارها الأساس لهذه المعارف وإلى الاعتماد على الطبيعة دون ~~الكتب، وإليك كلمات منه تدلك على الغاية التي وضعها نصب عينيه، فهو يقول مثلا: ~~«الإنسان خادم الطبيعة ومفسرها». # ثم يقول: ~~«هناك عدة أدلة تدل على أنه لا يزال في جوف الطبيعة أسرار كثيرة لها قيمتها ~~العظمى، وليس لها شبه أو قرابة مما نعرفه نحن الآن، وهي بعيدة عن خيالنا لم نقف على ~~كنهها بعد». # ثم يقول في انتقاد الطب: ~~«ولنا هنا أن نلاحظ كيف أن الأطباء قد كفوا عن استعمال تلك الطريقة المفيدة التي ~~كان أبقراط يتبعها حين كان يدون العلاجات الخاصة بجد ودقة حيث كان يصف طبيعة المرض ~~وظروفة». «... وهذا التدوين للتقريرات الطبية نجده الآن ناقصا وخاصة من حيث إيجاد ~~مجموعة منظمة قد هضمها البحث والتمييز». # فمن هذه المقتبسات يتضح للقارئ أنه يريد الاعتماد على التجربة، ثم جمع التجارب وتدوينها ~~لاستخراج النتائج، وقد اقترح إيجاد كلية أطلق عليها اسم «بيت سليمان» تجمع فيها طوائف ~~العلماء للدرس والتجارب، وبهذه الكلية آلات وأجهزة وأفران لهذه الغاية، ويمنح المشتغلون ~~فيها إجازات طويلة مع النفقات الضرورية لكي يرحلوا إلى الأمم الأخرى، ويجمعوا منها ~~بالمشاهدة ما يزيد معارفهم. # ثم نجد في جميع مؤلفاته أقوالا تشبه ما كان يقوله روجر بيكون لدعوته إلى التجربة ~~المباشرة بدلا من القياس المنطقي، وأخيرا نرى في ختام حياته رمزا للغاية التي نشدها إذ ~~إنه أصيب بالإنفلونزا؛ لأنه وقف يحشو طائرا ميتا بالثلج كي ms29 يرى أثر البرودة في منع ~~العفونة. # وليس كل من بيكون الأول ولا بيكون الثاني عالما، بالمعنى الذي نفهمه الآن من هذه الكلمة، ~~ولكنهما كانا يدعوان إلى الطريقة العلمية وهي التجربة ، فكلاهما يدعو إلى المذهب العلمي ولكن ~~لم يكن أحدهما «عمليا» أي: إنه لم يتخصص في تجارب عملية. # وميزة فرنسيس بيكون إنه نقل أوروبا من التفكير الفلسفي الإغريقي إلى التفكير العلمي ~~التجريبي، والفرق بين الاثنين عظيم جدا؛ لأن الفيلسوف الإغريقي كان يضع المذهب ثم يجمع ~~الحقائق التي توافقه، أي: توافق هذا المذهب، كأنه كان يعتقد أن في الكون أصولا ومبادئ يجب ~~التسليم بها قبل دراسة الأشياء، ولكن التفكير العلمي يعتمد أولا، وفقط، على التجربة، أو ما ~~يقابل التجربة من الاختبارات ثم يستنتج من التجارب مبادئ وأصولا، وقد تبلور هذا الأسلوب في ~~فلسفة هوبز (1588-1679) المادية حتى قصر موضوع الفلسفة على المادة وحركتها. # وبكلمة أخرى نقول: إن الإغريق اعتمدوا على التفكير ولم يعتمدوا على المشاهدة، ومن هنا ~~عنايتهم الكبيرة بالمنطق؛ لأنه حركة ذهنية محضة، وكتاب بيكون «نوفوم اورجانوم» أو «الوسيلة ~~الجديدة» هو دعوة إلى التجربة، وإننا لن نفهم أكثر مما نعاين، ولكن حتى بعد المعاينة يجب ~~ألا نثب إلى الاستنتاج، إذ يجب أن نعيد المعاينة والتجربة قبل أن نصل إلى الاستنتاج، أما ~~اجترار المنطق ونحن بعيدون عن المشاهدة والتجربة فعقم وضرر. # ومن أحسن ما التفت إليه بيكون في كتابه هذا هو التنبيه إلى الخطأ السيكولوجي في التفكير ~~الشائع في عصره وقبله، وهو نقل المنطق البشري بل المقاييس الاجتماعية إلى الطبيعة، وهذا هو ~~ما وقع فيه الإغريق، حتى إنهم ظنوا أن الكون منتظم في دوائر؛ لأن الدائرة هي الشكل الكامل، ~~وما دام الكون كاملا فيجب أن يسير في دوائر. # وكذلك التفت إلى ضرورة ايجاد لغة خاصة للتفكير بحيث لا تتحمل كلماتها التباسات اللغة ~~الدارجة بين العامة أو بين الكتاب، وهذا هو ما انتهى إليه العلميون في أوروبا، إذ إنهم ~~يتخذون كلمات خاصة للعلوم يتعارفون عليها مهما اختلفت لغات الكلام بينهم، بل هذا ما ms30 نحتاج ~~إليه في مصر حيث نجد مشقة كبيرة في استقطار معنى علمي من كلمات مشتبهات، كقولنا: الشعور ~~بمعنى الاحساس، والكبت بمعنى الكظم الخ. # وفى كتابه هذا نصح بيكون أيضا أن نتجرد من أهوائنا واستغراضاتنا. # وأخيرا نصح بأن تتلخص الفلسفة من الدين حتى تنطلق حرة بلا عائق من العقائد. ~~••• # ولم يكن بيكون مع ذلك مكتشفا أو مخترعا، ولم يكن له معمل للاختبار والتجربة؛ لأن ~~مهمته لم تكن مهمة الاكتشاف أو الاختراع، وإنما كانت مهمة وضع الخطط ورسم المناهج للوصول ~~إلى الاكتشاف والاختراع. # وذلك بأن لا نبحث العلم من حيث إنه دراسة الكرسي والمكتبة والتأمل والفلسفة، وإنما ندرس ~~العلم بحيث نقصد منه إلى نتيجة عملية في الصناعة؛ لأننا بالصناعة نزيد الثراء والرفاهية ~~للبشر؛ ولذلك يقول: «إن الحقائق تكشف وتعرف بما تؤدي إليه من عمل وليس لأنها تتفق مع ~~المنطق، وقولنا هذا يعني في النهاية أن تحسن حظ الإنسان، وتحسين عقل الإنسان كلاهما شيء ~~واحد». # ومعنى هذا أن معارفنا لا قيمة لها إلا من حيث إننا ننتفع بها في الرقي البشري؛ ولذلك حمل ~~على فلاسفة الإغريق لأنهم استخدموا عقولهم للتفكير المجرد وليس للاختراع والاكتشاف، فهو ~~يقول عن «أرسطوطاليس» إنه «سوفسطائي متعوس، وكتابه في المنطق هو كتاب في الجنون، وغيبياته ~~هي نسيج العنكبوت الذي يبنيه على أساس واه». # ويقول عن «أفلاطون»: إنه «مفكر غيبي أبله زائف». # ولسنا نجد هنا أكثر من النزعة والاتجاه اللذين يلخصان في قولنا: «دعونا من القدماء، دعونا ~~من التفكير في المكتبة بين الكتب، واخرجوا إلى الورشة والمصنع، وإلى الطبيعة، جربوا ~~واخترعوا، استخدموا ما تعرفونه في زيادة الخير والرفاهية للبشر». # | داعية الشك الفلسفي # نستطيع أن نقول إن «فرنسيس بيكون» الإنجليزي قد وضع المنهج للتفكير العلمي بالإكبار من ~~شأن التجربة، أما «ديكارت» الفرنسي (1596-1650) فقد وضع المنهج للتفكير الفلسفي بالإكبار من ~~شأن الشك، حتى لا نسلم بشيء إلا بعد أن نعالجه كما لو كان مسألة أو نظرية من نظريات ~~«إقليدس». # وقواعد التفكير السليم عند ديكارت هي: ~~(1) # لا اعترف بصحة شيء ما لم ms31 أجده كذلك بلا تعجل أو استغراض. ~~(2) # تجزئة الصعوبة إلى أجزاء، وحل كل منها على حدة. ~~(3) # ثم التأمل بالترتيب ابتداء من الأشياء البسيطة التي يسهل فهمها، ثم الانتقال ~~خطوة بعد خطوة إلى الأشياء الصعبة. ~~(4) # الإحاطة والتعميم بحيث أثق أني لم أترك شيئا. # وهذه القواعد الأربع تشبه بل تطابق التدليل في نظريات إقليدس، ولكن هنا الفرق الأساسي بين ~~بيكون التجريبي وبين ديكارت التفكيري؛ لأن البرهان عند ديكارت عقلي مهما قلنا إن منهجه يحوط ~~هذه البراهين بما يمنع الخطأ، ولكن البرهان عند بيكون تجريبي، يجري باليد كما يجري بالعقل، ~~أي: يجب أن نجرب أكثر مما نفكر، وهذا هو منهج المدرسة الإنجليزية على وجه عام، إذ هي مدرسة ~~العلم وليست مدرسة الفلسفة، فقد حدث أن «جينر» الطبيب الذي اهتدى إلى لقاح الجدري أرسل إلى ~~«هنتر» خطابا يقول فيه: «أنا أرتأي أن ...» فرد عليه هنتر بقوله: «لا ترتأي ولكن جرب». # منطق ديكارت يقول: «أقعد على كرسيك، وتأمل، وفكر بعقلك، واحترس من الخطأ بالقواعد الأربع ~~التي ذكرت». # ولكن منطق بيكون يقول: «انهض، وشاهد بعينيك وافحص بسائر حواسك، ثم جرب بيديك». # وقد انتفعت الأبحاث التجريبية العلمية من منطق ديكارت من حيث النفور من التسليم بصحة ~~الأقوال أو العقائد أو الفروض التي لم يفحص عنها، ولكن حضارة أوروبا القائمة هي ثمرة المنهج ~~البيكوني، أي التجربة أو التفكير بالعقل واليد معا. # وعندما نتعمق مؤلفات ديكارت تتأكد لنا صحة القول بأنه ينزع إلى الفلسفة، وليس إلى العلم، ~~فإنه يقول مثلا: إن هناك ثلاثة أنواع من التفكير هي: ~~(1) # التفكير الأصلي أو اللدني: # مثل بديهيات ~~الرياضة: 6 أكبر من 5. ~~(2) # التفكير الاستنتاجي من الحواس: # وقد شك هو ~~في قيمة هذا التفكير، ولكنه عاد فقال إن هذا التفكير يجب أن يكون سليما، فإذا ~~قلت مثلا: إن هذا المنزل موجود مع إنه غير موجود، ففي هذه الحال يكون الله الذي ~~خلق لي الحواس التي أعاين بها هذا المنزل قد غشني، وهذا غير معقول. ~~(3) # التفكير الكاذب أو الخرافي: # كالإيمان بالجن ~~الخ. # والحقيقة الأولى عند ديكارت تكاد ms32 تكون بمثابة الامتحان العلمي؛ ولذلك يضع شروط هذا الشك ~~الواقية من الخطأ. أي إنه شك منهجي أو شك منظم. # وفي تفكير ديكارت كثير من الغيبيات، تراث القرون الوسطى، التي حاول هونفسه بمنهجه أن ~~يصفيها أو يكسبها شيئا من المنطق. اعتبر مثلا قوله: إن الكائنات ثلاثة هي: ~~(1) # أرواح مخلوقة: # مثل نفس الإنسان التي تفكر، ~~وهي متصلة اتصالا غير وثيق بالأجسام. ~~(2) # روح غير مخلوق: # هو الله وهو عنده بالطبع رب ~~المسيحية. ~~(3) # أجسام مخلوقة مادية: # لها خاصة التحيز ~~مكانا وزمانا، وهي خارجة عن تفكيرنا مستقلة منه، وهذا التقسيم، بل هذا ~~الإدمان على «مخلوق» و«غير مخلوق» ثم «روح» و«مادة» هو بعض تفكير الرهبان في ~~الدير أيام القرون الوسطى، وقد وجد ديكارت نفسه في مأزق عندما حاول أن يفهم كيف ~~يحرك الجسم «= مادة» النفس «= روح» ... # وصعوبات ديكارت هي صعوبات سيكلوجية؛ لأن محاولاته فلسفية عقيمة؛ ولذلك لم يستطع تفسير ~~المعرفة بعد أن ربك نفسه بالفصل بين المادة والروح. # وعندما نتعمق مؤلفات ديكارت تتأكد لنا صحة القول بأنه ينزع إلى الفلسفة، وليس إلى العلم. # وكي نزيد الوضوح في الفرق بين منهج ديكارت التفكيري، ومنهج بيكون التجريبي نضرب مثلا ~~بالأسلوب الذي اتبعه في إثبات الله: ~~(1) # فإن ديكارت يقول: «إن الله كائن كامل أبدي غير محدود، وهو الذي خلقني، وأنا ~~محدود؛ ولذلك لا أستطيع أن أخترع كائنا غير محدود زمانا ومكانا». ~~(2) # إذا كنت أعرف شيئا أكمل مني فهذه المعرفة قد جاءتني من الخارج، ولست أنا ~~أصلها، جاءتني من كائن كامل هو الله. ~~(3) # إنه يمكن بالاعتماد على الصفاء والوضوح أن نجد الله. # فهنا نجد أن منهج ديكارت هو منهج المفكر القاعد على الكرسي يعالج المشكلة كما لو كانت ~~سيكلوجية فقط خاصة به. # ولكن منهج بيكون التجريبي في هذه المشكلة يطالبنا ببحث الأديان جميعها كما عرفها الإنسان، ~~والفكرة الخاصة بالله عند جميع الأمم القديمة والحديثة، ثم البحث عن حلقات التطور في سلسلة ~~العقائد إلى أن نصل إلى الإيمان العصري، أي: إننا نعتمد على المشاهدة والاختبار اللذين ~~يقومان هنا مقام التجربة باليد ms33 بدلا من أن نعتمد على التفكير المجرد، ونحن قعود على ~~كراسينا. # وقد أوذي التفكير الأوروبي بالفصل الذي أقامه ديكارت بين العقل والمادة، أو الروح والجسم، ~~ولكن ديكارت وهو يحاول الوصول إلى اليقين عن سبيل الشك المنظم قد زاد الشكوك وحطم الثقافة ~~التقليدية، أي: ثقافة القرون الوسطى، وقد احتاجت أوروبا إلى سبينوزا (1632-1677) كي تحقق ~~اتزانا جديدا يجعل الروح، أي: العقل والنفس، خاصة من خواص المادة والجسم، فقد ناقض ~~سبينوزا ديكارت ووحدت فلسفته بين المادة والعقل، ولكنه اتفق مع ديكارت أن الفلسفة لا تكون ~~صحيحة إلا إذا استطعنا التعبير عن حقائقها بالرياضيات ... # | أثر الأدب العربي في الآداب الأوروبية # من الحقائق المسلم بها، أن النزعة العلمية التي شاعت في أوروبا في عصر النهضة، ترجع ~~أصولها إلى التجارب الكيمائية التي كان يجريها العرب لتحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب، إذ أن ~~تلك التجارب كانت بمثابة البذرة أو الخميرة «للمنهج العلمي» الحديث. # ولذلك يرى الأوروبيون أن للعرب فضلا كبيرا على العلم الحديث، فهل نستطيع أن ننسب لهم ~~فضلا كذلك على الأدب الغربي؟ الرأي السائد في أوروبا أن الأدب العربي بعيد كل البعد عن ~~الأدب الغربي، وقد لا يخطر ببال واحد من ألف من قراء الأدب الأوروبي أن لهذا الأدب علاقة ~~بالأدب العربي، فقد استقر في الأذهان، أن الأدب الغربي ترجع أصوله إلى الأدبين اللاتيني ~~والإغريقي، وقليل من المستشرقين والباحثين يرى في الأدب العربي أصلا من أصول الآداب ~~الأوروبية الحديثة، ولعل أبرزهم جميعا المستشرق «جيب» أستاذ اللغة العربية بجامعة لندن ~~الذي نلخص له هذه السطور من كتابه «تراث الإسلام». ~~«في آخر القرن الحادي عشر ظهر فجأة طراز جديد من الشعر الغزلي في جنوب فرنسا، كان طرازا ~~جديدا في موضوعه وفي أسلوبه ومعانيه، ولم يكن لهذا النوع من الشعر أساس في الأدب الفرنسي ~~القديم: وهو يشبه الشعر الأندلسي شبها قويا جدا، إذ هو ضرب من الموشحات والأزجال ~~الأندلسية الغنائية التي تدور موضوعاتها على الغزل والحب العذري. ~~«أليس من المعقول إذن أن نرد هذا الضرب من الشعر الفرنسي ms34 الجديد، إلى الشعر العربي ~~الأندلسي، وخاصة إذا علمنا أن نظرية «الحب العذري» التي يدور عليها هذا الشعر الفرنسي ~~الجنوبي، ليس لها أصل في الأدبين اللاتيني والإغريقي؟». # لقد دلل المستر جيب على هذا الرأي في الكتاب الذي أشرنا إليه تدليلا قويا لا يدع ~~مجالا للشك في صحته. ~~••• # ليس الأمر مقصورا على الشعر الفرنسي، ولكن الشعر الإيطالي أيضا تأثر تأثرا قويا ~~بالشعر العربي في صقلية، وخاصة في عهد «فريدريك الثاني» الألماني. # وقد يشك في أن الشعر الأوروبي قد تأثر قليلا أو كثيرا بالشعر العربي، ولكن الأمر الذي ~~لا شك فيه هو أن نثر القرون الوسطى في أوروبا يرجع في كثير من أصوله إلى النثر العربي، فقد ~~كان الأدب التقليدي في القرون الوسطى أدبا صارما جامدا، يخاطب الخاصة ولا ينزل لأفهام ~~العامة، ومن هنا كانت الحاجة العامة إلى ذلك الضرب من الأدب الخيالي الذي يعنى بإشباع ~~الحواس أكثر مما يعنى بالمنطق والعقل، فلما نقلت إلى أوروبا بعض «الحكايات» ذات المغزى، ~~وبعض القصص الخرافية كقصة السندباد البحري وما إليها، وجد فيها الشعب حاجته المنشودة، وأقبل ~~عليها إقبالا شديدا، فأصبحت بمثابة الخميرة للأدب «الخيالي» الجديد الذي أخذ ينازع الأدب ~~التقليدي القديم مكانه، ومن ثم ذاعت القصص الخيالية الرومانتية ذيوعا عظيما، ولو فحصنا عن ~~هذه القصص، لوجدنا أن كثيرا منها يرجع إلى أصل عربي بحت، وهناك قصة فرنسية يسمى بطلها ~~«القاسم» وهو اسم عربي لا شك فيه. # يتضح من هذا أن التيارات الشعبية في الأدب الأوروبي في القرون الوسطى كانت أقرب إلى روح ~~الأدب الشرقي منها إلى الأدبين اللاتيني والإغريقى اللذين كانا بطبيعتهما أميل إلى ~~الأرستقراطية، ذلك أن الأدب الشرقي في جملته ينزع إلى الخيال والألوان الزاهية الجذابة، ~~فكانت أوروبا كلما احتكت بالشرق استلهمت روحه، وتأثرت بأدبه أشد تأثر، فتأصل الأدب الخيالي ~~الجديد في أوروبا وترعرع حتى كاد يزحزح الأدب التقليدي من مكانه. # حدث هذا في القرون الوسطى، فلما بدأت النهضة العلمية، نزعت أوروبا إلى درس الحضارة ~~الإغريقية، فأهملت الشرق، وأصبحت مقاييس الأدب الإغريقي القديم هي ms35 السائدة في أوروبا في عصر ~~النهضة، ومن ثم تغلبت النزعة التقليدية القديمة في الأدب على النزعة الخيالية الجديدة بعض ~~الزمن غير أن النزعة الخيالية الجديدة، وهي نزعة شعبية خالصة، لم تخمد تماما ، ولكنها كانت ~~تحاول الظهور من حين إلى آخر، وهذه القصة الرومانتية الفرنسية، والفولكلور الألمانية، ~~والدراما الإنجليزية، التي فشت في القرن السابع عشر، كانت من آثار النزعة الخيالية التي ~~بدأت في القرون الوسطى، والتي حاولت النهضة العلمية أن تقتلها فلم تفلح، ثم كان القرن ~~الثامن عشر، فتم النصر للأدب الخيالي. # وقد كانت قصص ألف ليلة - التى ترجمت سنة 1704- أقوى عامل على هذا النصر، فقد أقبلت ~~الجماهير على قراءتها في شعف شديد وراح الكتاب يقلدونها في قصصهم. # ويرجع نجاح كتاب ألف ليلة إلى حالة الأدب الإنجليزي والأدب الفرنسي في القرن الثامن عشر، ~~فإن انتشار القراءة قد أنشأ جمهورا جديدا من القراء لم يكن الكتاب يحسبون له حسابا من ~~قبل، وهذا الجمهور الجديد كانت له مطالب وحاجات جديدة؛ فأخذ الكتاب يحاولون أرضاءه واشباع ~~حاجاته. # ولكنهم كانوا في حيرة شديدة، يتحسسون طريقهم إلى معرفة حاجات الجمهور فلا يكادون يصلون ~~إليها، فلما ظهرت قصص ألف ليلة، ورأى الكتاب إقبال الجمهور الغربي عليها ذلك الإقبال ~~الشديد، تنبهوا لهذه الظاهرة الجديدة وأخذوا يدرسونها لعلهم يقفون على السر في شغف الجمهور ~~الأوروبي بذلك الأثر الشرقي الطارئ، فتبين لهم بعد طول التمحيص أن قصص ألف ليلة وليلة، وإن ~~تنقصها مقومات العمل الفني الكامل، إلا إنها تنفرد بخاصة من أهم الخواص التي تحبب الجماهير ~~في القصص، هي روح المجازفة والاقتحام، فعمل الكتاب على إدخال هذا العنصر الجديد في قصصهم، ~~ومن هنا كانت قصة روبنسن كروزو، وأسفار جوليفر، وما إليها من القصص التي ما كانت تظهر لولا ~~قصص ألف ليلة. # أما في القرن التاسع عشر فقد تأثر الأدب الألماني إلى حد كبير بالآداب العربية والفارسية ~~والهندية، وكان «جوته» يستلهم روح الشرق في كثير من قصصه التي مزجها بالخيال الشرقي، ~~و«هيني» الذي لم يسلم الأدب الشرقي من سخريته اللاذعة، لم ms36 تخل قصائده الغنائية من روح ~~الشرق. # وقد كان «شوبنهور» يتوقع اشتداد النزعة نحو الأدب الشرقي، وامتدادها من ألمانيا إلى فرنسا ~~وإنجلترا، ولكن حدث ما لم يكن في حسبانه، فقد وقفت الآداب الفرنسية والإنجليزية في وجه تلك ~~الحركة، فقضت عليها، ذلك أن العقل الغربي تحول فجأة عن الشرق، فقد انصرف عنه إلى فلاسفته ~~الجدد، وما ظهر وقتئذ من أفكار سياسية جديدة، ومخترعات جديدة، وتطور صناعي سريع، فلم يكن في ~~حالة تسمح له بالالتفات نحو الشرق فضلا عن الانكباب على دراسته. # وقد كان «جوته» يحلم بجعل الأدب الألماني أدبا إنسانيا عالميا، فتحطم هذا الحلم ~~الجميل بظهور الحركات القومية واشتداد النعرة الوطنية، ومع ذلك لا يمكننا تجاهل مكان الأدب ~~الشرقي من الآداب الغربية في جميع العصور. # وقد يظهر لنا لأول وهلة أنه مكان ضيئل، ولكننا إذا لاحظنا أن الأدب الشرقي لم يكن إلا ~~بمثابة الخميرة للنزعات الأدبية الجديدة في أوروبا، أدركنا مبلغ ما كان له من أثر في تكييف ~~الأدب الغربي وتوجيهه، ويكفي أن نقول إن الشرق كان كلما اتصل بالغرب عمل على تحرير الخيال ~~الغربي من القيود، وتخليصه من كابوس الأدب التقليدي القديم. # فأثر الأدب الغربي في الغرب ليس أثرا عاديا ملموسا يمكن إدراكه في سهولة ويسر، وإنما ~~هو أثر معنوي، إن صح هذا التعبير؛ لأنه في حقيقة الأمر لم ينقل إلى الغرب نماذج أو أساليب ~~أدبية معينة، وإنما نقل إليه روح الشرق، فكان أثره في بواعث الأدب وغاياته أكثر مما كان في ~~أساليبه وأشكاله الظاهرة، ثم يجب أن نذكر أن الغرب لم يأخذ عن الشرق نزعات أدبية جديدة لم ~~يكن له بها عهد من قبل، فإن البذور كانت موجودة في الغرب، ولكنها كانت في حاجة إلى حافز ~~يحفزها حتى تنمو وتترعرع، فكان الروح الخيالي الشرقي هو الحافز المنشود، ومن هنا يصعب على ~~الباحث أن يميز بين عناصر الأدب العربي التي طرأت على الأدب الغربي في مختلف العصور؛ لأن ~~تلك العناصر قد اندمجت في الآداب الغربية اندماجا تاما، وطغت عليها الألوان المحلية ms37 ~~فغمرتها. # | العرب أصل النزعة العلمية # أقدم الجامعات في أوروبا هي جامعات طليطلة وقرطبة وإشبيلية، وهي التي ازدهرت في أيام ~~العرب، ثم كان أقدم الجامعات التي ظهرت في أوروبا المسيحية بعدها جامعات دينية أنشئت في ~~باريس وأكسفورد، وكانت المدارس في سالرنو وبولونيا ومونبيلييه في إيطاليا وفرنسا ثغورا ~~للثقافة العربية. # وكان من ميزات الثقافة العربية أنها عنيت بعلوم الإغريق دون آدابها، فنقلها العرب وزادوا ~~عليها ونقحوا فيها، فقد أخذوا الكيمياء المصرية فجعلوها علما تجريبيا لم يختلط بالصوفية ~~إلا في أواخر تاريخهم، أما الطب والفلك والبصريات والميكانيات فقد برعوا فيها، وأخذوا ~~الجبر الهندي الممزوج بالبلاغة، فاستعملوه في الرياضة كما أخذوا الأرقام الهندية. # وهذه العلوم هي أصل النهضة الأوروبية، وقد كان يسايرها أدب الإغريق وثقافتهم في الفلسفة ~~والمنطق وما إليهما، ولكن هذه الثقافة كانت تؤخر أوروبا بينما هذه العلوم كانت تعمل ~~لتقدمها، ولكن نرى «روجر بيكون» في القرن الثاني عشر يراقب هاتين الحركتين، حركة الأدب ~~والفلسفة من الإغريق وحركة العلوم التجريبية من العرب، فيقول: «لو كان لي أن أفعل ما أشاء ~~لأحرقت جميع الكتب التي ألفها أرسطوطاليس؛ لأن درسها لا يؤدي إلا إلى ضياع الوقت ولا ينتج ~~غير الجهل». # وقد ولد روجر بيكون، ومات خلال القرن الثالث عشر، وكان يدرس في جامعة أكسفورد، وهو يمثل ~~لنا الفرق بين الطريقة الإغريقية، طريقة التفكير الفلسفي، والطريقة العربية، طريقة التجربة ~~التي اندفع إليها العرب بتجاربهم الكيماوية، ونحن ننقل هذه القطعة التالية منه؛ لأنها تمثل ~~صراعا بين طريقتين في زمنه. ~~«أما وقد شرحنا المبادئ الأساسية لحكمة اللاتينيين كما هي موضحة في اللغة والرياضة ~~والبصريات، أرغب الآن في أن أشرح مبادئ العلم التجريبي، وذلك لأنه بدون التجارب لا تمكن ~~معرفة شيء على وجه الكفاية، وذلك أن هناك طريقتين للتعلم أو اكتساب المعرفة هما: طريقة ~~التفكير، وطريقة التجربة، فبالتفكير نستنتج النتائج ونسلم بها، ولكن التفكير لا يجعل ~~النتائج يقينية ولا هو يزيل الشكوك حتى يسكن العقل إلى الحقيقة ما لم يهتد العقل إلى هذه ~~الحقيقة عن سبيل التجربة. # ومن الناس ms38 كثيرون يستطيعون المناقشة فيما يمكن معرفته ولكنهم لا يناقشون؛ لأن التجربة ~~تنقصهم وبذلك لا يتجنبون الضرر ولا يتبعون المفيد، وذلك أنه إذا كان ثم رجل لم ير النار ~~يمكنه بالتفكير أن يثبت أن النار تحرق وتتلف الأشياء، فإن عقله لا يقنع بذلك، وهو أيضا لا ~~يتجنب النار بذلك ما لم يضع يده أو يضع شيئا يحترق في النار فيثبت بالتجربة ما قاده إليه ~~تفكيره، وبعد أن يجرب هذه التجربة العلمية بالنار تتضح له الحقيقة، وعلى ذلك نقول: إن ~~التفكير لا يغنينا وإنما الغناء في التجربة». # ويجمع الآن المؤرخون حوادث تلك القصة التي سبقت «كوبرنيكوس» بنحو أربعمائة سنة، وهي قصة ~~تسرب المعارف العلمية إلى أوروبا قبل النهضة الكبرى. # وخلاصة هذه القصة: إنه عقب إحراق المكتبة الثانية التي كانت بالإسكندرية انتشرت الثقافة ~~الإغريقية في الشرق الأدنى، وذلك؛ لأن البلاط الفارسي رحب بالعلماء اليهود والنسطوريين ~~الهراطقة والأفلاطونيين فتوافدوا إلى فارس، وترجمت الكتب العلمية الإغريقية إلى اللغة ~~السريانية ثم بعد ذلك إلى العربية. # ولما استتب الإسلام صارت بغداد ملتقى الدراسات الإغريقية لبطليموس وأرخميدس وأقليدس ~~وأبقراط، وأيضا للدراسات الهندية التي عرف العرب بوساطتها الجبر، هذا العلم الذي صار بعد ~~ذلك أكبر معوان لتقدم الميكانيات في القرن السادس عشر في أوروبا، وكانت الأزياج الهندية في ~~الفلك قد أدخلت في فارس قبل تأسيس مدرسة بغداد بنحو خمسين سنة، ومعها الحساب الهندي، ~~وكلاهما دخل بعد ذلك بغداد. # وقد افتتحت مدرسة بغداد بترجمة المجسطي لبطليموس، وهندسة أقليدس، ومؤلفات أبقراط، نقلها ~~إلى العربية مترجمون من اليهود، وكانت أزياج طليطلة «سنة 1080» والأزياج الألفونسية طلائع ~~البحث في الفلك وأساس الملاحة مدة الاكتشافات الكبرى، ولما أخرج المسلمون من إسبانيا بقي ~~اليهود فكانوا يختصون بالفلك في برتغال وبالطب في إسبانيا، وكان الطب في ذلك الوقت يدرس ~~باعتباره ثقافة وليس باعتباره موضوعا؛ ولذلك فإنه كان ينتظر من الطبيب أن يعرف الرياضيات. # وقبل أن يخرج العرب من إسبانيا كان اليهود الإسبانيون المتعربون قد انتشروا في أوروبا ~~يحملون معهم ترجمة العلوم الإغريقية ومؤلفات الخوارزمي وابن سينا وابن ms39 رشد، ونرى في القرن ~~الثاني عشر بل قبله طوائف من اليهود ينشئون في أوروبا مدارس للطب ويستعملون الكتب العربية ~~أو المنقولة من العربية إلى اللاتينية، وكان النقل أحيانا من العبرانية التي بقيت مدة ما ~~لغة التعارف والثقافة بين الأمم، ونرى في نهاية القرن الحادي عشر أن العالم اليهودي ~~«إبراهيم بارشيا» وهو من المترجمين الذين أدخلوا الرياضيات الجديدة في أوروبا، يلوم اليهود ~~الفرنسيين لأنهم يجهلون الرياضيات. # وفي سنة 1134 نجد كتابا عظيما يؤلفه في الفلك عالم يهودي يدعى «إبراهيم بن حيا» في ~~مارسليا، وفي ذلك الوقت بينما كانت جامعة أكسفورد تقرر تدريس جزء صغير من الكتاب الأول ~~لأقليدس نجد أن علماء قرطبة وطليطلة يؤلفون الكتب في نظرية الأعداد، وفي حساب المثلثات ~~الكروي. # وفي سنة 1158 نجد رجلا يدعى «ربى بن عزرا» يسافر إلى إنجلترا ومصر، وينقل إلى أوروبا ~~الجبر والكسور العشرية، وفي القرن الثالث عشر نجد أسماء أخرى مثل «موسى بن طبون» و«يوحنا ~~هسبالنسس» وهما من اليهود الذين كان ينقلون من العربية إلى اللاتينية مؤلفات: أقليدس، ~~وبطليموس، وأرخميدس، وأبقراط، وجالينوس. # وكان جميع الناقلين من اليهود ما عدا قليلين من المسيحيين مثل «ادلهار» الذي ادعى الإسلام ~~ليتعلم في قرطبة و«ليوناردو بيزو» و«ليوناردو فيبوناكي» و«جريجوري كريمونا». # وكما قلنا آنفا: إن الفلك ارتقى عند العرب أكثر مما ارتقى عند الإغريق، ونعرف أن ~~«رجيبومونتانس» الذي سبق «كوبرنيكوس» تعلم الفلك من مصادر عربية. # وفي نفس السنة التي ظهر فيها مؤلف كوبرنيكوس في الفلك ظهر فيها أيضا كتاب ألفه فساليوس ~~عن «مصنع الجسم الإنساني» فكان رائدا جديدا للطب الحديث، وفي هذا الكتاب نجد أن فساليوس ~~يعتمد كثيرا على المؤلفات العربية والعبرانية، ويدعو إلى التجربة والتشريح اللذين بدأ بهما ~~الطبيب اليهودي «موندينو» في بولونيا حوالي سنة 1300، ومدرسة بولونيا الطبية تأسست سنة 1156 ~~والذي قام بتأسيسها يهود أسبانيون، وهذا ما حدث أيضا في المدرسة الطبية في مونبلييه سنة ~~1228. # وفي مدينة سالرنو أيضا قبل هذا التاريخ، وفي سالرنو هذه استخدم فريدريك الثاني طائفة من ~~العلماء اليهود في ترجمة الكتب العربية ms40 الطبية والرياضية إلى اللغة اللاتينية. # وكان نقل الفلسفة الإغريقية من العربية إلى اللاتينية قد بعث رجال الدين في أوروبا منذ ~~سنة 1350 إلى البحث عن الكتب الإغريقية القديمة لكي يعتمدوا عليها في البلاغة والجدل ~~الديني، وذلك؛ لأن العرب لم يبالوا بهذه الكتب، وإنما كانت عنايتهم متجهة نحو درس العلوم ~~الطبية والرياضية الإغريقية. # وعلى كل حال نجد أنه عندما شرعت أوروبا في درس الإغريق القدماء كانت الثقافة العربية قد ~~وجهتها نحو درس العلوم التي رقي بها العرب إلى مستوى أعلى من مستواها السابق أيام الإغريق ~~القدماء. # ومن هنا نعرف أن أساس النهضة العلمية في أوروبا هي النزعة التجريبية التي نزع إليها العرب ~~ونقلها اليهود إلى أوروبا، فكانت البذرة الصالحة للحضارة الصناعية الراهنة. # | الحركة البشرية الثانية # كانت إيطاليا البادئة بالنهضة في القرن الخامس عشر؛ لأنها كانت مركز البابوية الحافل ~~بالديورة والمكتبات، وكان للمطبعة أثرها في بعث الكتب القديمة وتحريك الأذهان بمناقشتها ~~والتفكير في موضوعاتها، ويمكن أن يقال على وجه الإجمال أن هذه النهضة الإيطالية بدأت أدبية ~~ثم انتهت علمية «بجاليل» الفلكي وغيره من أساتذة الطب الذين شرعوا يدرسون الجسم البشري ~~بالتشريح. # وتفشت هذه الخميرة الإيطالية في أقطار أوروبا الكبرى فظهرت في ألمانيا نهضة دينية على يد ~~«لوثر» وظهرت نهضة علمية محضة في إنجلترا على يد «بيكون» ثم «نيوتن» الذي ولد يوم وفاة ~~جاليل، كأن الأقدار تواطأت على أن تبقى السلسلة متصلة الحلقات، ثم ظهرت نهضة أدبية أخرى في ~~فرنسا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر على يد فولتير، وديدرو، وروسو. # إذا تأملت هذه النهضات جميعها ألفيتها حركات بشرية غايتها الاستقلال الذهني، والاعتماد ~~على التفكير البشري في مواجهة هذا الكون، فإن لوثر يفصل النفس من حكم الكنيسة، ونيوتن يجرؤ ~~على قياس الكواكب ووزن الأرض، ثم يأتي هؤلاء الأدباء الفرنسيون فيدعون إلى «بشرية» لا تزال ~~فروعها تمتد في الثقافة الحديثة، كما لا تزال النزعة الآلية التي نزع إليها نيوتن واضحة في ~~النهضة الصناعية الآلية الحديثة. # والنهضة الفرنسية تشبه في مجموعها نهضة أدبية محضة، ms41 ولكنها في آثارها وصميمها كانت أكبر ~~من ذلك، كانت دعوة حارة إلى تحرير الذهن البشري والإكبار من شأنه والاعتماد عليه، وكان جميع ~~أبطالها ينظرون إلى أوروبا، بل إلى الدنيا، كأنها وطنهم الأصلي، وقل أن تجد نزعة حديثة في ~~أيامنا في الأدب أو العلم أو الفلسفة لا ترجع إليهم إيحاء أو تعيينا؛ ولهذه النهضة ثلاثة ~~أبطال بارزين هم: ~~(1) # فولتير: # الذي دعا إلى الاعتماد على الذهن ~~البشري دون التقاليد فخدم الروح العلمي الحديث، وفسح الميدان للتفكير الفلسفي ~~الحر، ولم يكن عالما ولكنه كان بعد نيوتن أعظم إنسان في العالم. ~~(2) # روسو: # الذي دعا إلى تحرير الذهن من ~~التقاليد، ولكن دون الاعتماد على العقل وحده كما فعل فولتير، بل يعتمد روسو على ~~القلب. ~~(3) # ديدرو: # الذي شرع يجمع المعارف ويدونها في ~~موسوعة؛ اعتمادا على أن معارف القدماء لا قيمة لها وعلى أن الذهن البشري جدير ~~بأن تجمع آثاره وتدون. # وكانت نتيجة هذه النهضة، التي يمكن أن توصف بأنها الحركة البشرية الثانية في أوروبا، أن ~~ثارت الثورة الكبرى في فرنسا، وهي ثورة تجد فيها أثر «فولتير» في الدعوة إلى الذهن والمنطق، ~~وأثر روسو في الحملة على التقاليد والظلم. # وقد عاشت أوروبا في القرن التاسع عشر وهي تستظل بهذه النهضة الفرنسية في ثقافتها أو ~~نزعتها الثقافية، فإن روسو هو الذي حرك الأذهان إلى درس «الرجل الفطري» حين قال بأن الطبيعة ~~حسنة والاجتماع سيئ، فكان بذلك سببا لدرس الأتنولوجية، والأنتروبولوجية، والسيكلوجية، ~~والطبيعة، ولا شك في أن البحث العلمي قد نقض آراءه في أن الرجل الفطري خير من الرجل المدني، ~~ولكن هذا لا يعني أنه ليس الأساس لهذا البحث نفسه، ثم لا ننسى هذه الثورة التي بعثها في ~~الآراء التعليمية وهي ثورة لم تنته بعد إلى نتيجتها. # ومع أن فولتير قد بالغ في حملته على الأديان، فإن هذه الحملة نفسها كانت من الأسباب التي ~~بعثت رجال الذهن على درس الأديان القديمة والحديثة والاهتداء إلى كشف كثير من الأسرار ~~والعقائد التي انعقدت وتراكبت في النفس الإنسانية، وما يسمى الأديان «المقارنة» ms42 انما هو درس ~~خصب يعزى إليه الفضل فيه. # ولولا هذه الحركة البشرية الثانية لبقي الاستبداد السياسي مسلطا على أوروبا، وكان يكون ~~منه هذا الوليد الذي تراه مرافقا له في كل مكان وزمان وهو الاستبداد الذهني في الأدب ~~والعلم، فإن الجامعة الحرة التي تدرس العلوم وتمارس الكشف العلمي لا يمكنها أن تعيش في ظل ~~الاستبداد، وهذه النهضة الفرنسية عندما حطمت الاستبداد تناولته من جميع وجوهه، وأطلقت الذهن ~~من جميع قيوده وأوغلت في هذا الانطلاق وارتطمت بعقبات أوقعتها في جرائم، ولكنها بعد كل ذلك ~~استقرت على الاعتراف بحرية الذهن في التفكير، فجعلت الأدب والفلسفة موضوعا منفصلا عن ~~اللاهوت كما جعلت العلم ممكنا بل مندوبا إليه من كل إنسان. # ولا نكاد نستطيع التمييز بين النهضة الإيطالية «القرن الخامس عشر» والنهضة الفرنسية ~~«القرن الثامن عشر» فإنهما تنزعان نزعة بشرية واضحة، ولكن النهضة الإيطالية تسير في تردد ~~وتعثر ومراقبة، أما النهضة الفرنسية فتجرؤ وتصادم وتتحدى، وبأي شيء تتحدى؟ # بالذهن البشري الذي ليس فوقه سلطان سوى سلطان القلب أو سلطان الإنسانية. # | الحركة البشرية الثالثة # في تحليل النهضة الأوروبية الحاضرة، بل في تحليل أزمات أوروبا الحاضرة، نستطيع الاهتداء ~~إلى البذور أو الجذور الأولى، ونستطيع أن نتبين الاتجاهات التي تتجه إليها فروع هذه الشجرة ~~في الوقت الحاضر. # فقد عرفنا كيف نشأت النهضة في إيطاليا بدرس القدماء والتنقيب عن مؤلفاتهم، وهؤلاء القدماء ~~كانوا وثنيين قاطعتهم أوروبا لما عمها الظلام قبل سنة 1000 للميلاد، وكان الكشف عنهم ~~تحريرا للذهن البشري وتوسعة له في الآفاق، وكان لوثر المصلح الديني إحدى ثمرات هذه النهضة ~~التي زادت على تحرير الذهن تحرير الضمير. # ثم ظهرت النهضة الثانية في فرنسا قبيل الثورة الفرنسية، وكانت كفاحا صريحا للاستبداد ~~بألوانه المختلفة، ويمكن أن يقال: إنها كانت نهضة أدبية واجتماعية وسياسية ودينية. # ثم جاءت النهضة الثالثة أو الحركة البشرية الثالثة في منتصف القرن الماضي حين ظهر كتاب ~~داروين «أصل الأنواع» سنة 1859، فجعل التفكير في الأصل والحال والمصير للإنسان تفكيرا ~~بشريا، وهنا يجب أن نلتفت إلى سمات النهضة أو ms43 النهضات الإنجليزية، فإنها كانت في الأغلب ~~تنزع نحو العلم وليس نحو الدين أو الأدب، فقد ظهر فيها روجر بيكون قبل 700 سنة فتنبأ ~~بالميكانيات، حتى الطائرات، وذكر قيمة التجربة المتكررة كأنها الأساس الذي يجب أن تنبني ~~عليه المعارف، ثم جاء سميه اللورد بيكون في بداية القرن السادس عشر فوضع برنامجا للنهضة ~~العلمية، ثم بعد ذلك جاء نيوتن فصبغ الذهن صبغة ميكانية «آلية» وهو الأصل في هذه الأزمة ~~الحاضرة؛ لأنه هو الذي أوجد النزعة إلى اختراع الآلات، هذه الآلات التي طردت وما زالت تطرد ~~العمال من المصانع وتحدث العطل. # وهذا العطل هو في نظر العالم فراغ ونعمة، وهو في نظر الجاهل فاقة ونقمة، ولكن رويدا ~~رويدا سيعرف السياسيون أن الإنسان يمكنه أن يحيل على الحديد والنار أو على البترول والفحم ~~والقوة الكهربائية الكد والعناء للإنتاج، وأنه يمكنه أن يستمتع بالفراغ دون أن يشعر بهوان ~~العطل. # ولكن داروين أحدث نهضة جديدة تختلف من النهضة التي أحدثها نيوتن، وإن كانت كلتا النهضتين ~~علمية، ولكن الأولى للميكانيات والثانية للبيولوجيات، الأولى تعالج الحديد وتؤثر بذلك في ~~مقدار الإنتاج من المحصولات الزراعية والإنتاج الصناعي. أما الثانية فتعالج، أو سوف تعالج، ~~الجسم البشري لا بل الذهن البشري، وموضوع كتاب داروين يتلخص في أن الإنسان والحيوان يرجعان ~~إلى أصل واحد، والموضوع يبدو بسيطا لنا الآن، ولكن الحرب القلمية التي قامت بين رجال الدين ~~وبين الداروينيين مدة أربعين سنة تقريبا في جميع أنحاء أوروبا تدل على أن القرون الوسطى لم ~~تكن قد ماتت حتى في نهاية القرن الماضي. # ونحن الآن في غمرة هذه النهضة، وفي أوروبا الآن بدايات فجة للانتفاع بها، ولكنها مع ~~فجاجتها تومئ إلى مستقبل حافل بالاحتمالات التي قد ترفع السلالات البشرية إلى مستويات من ~~السعادة والكفاءة الصحية والاجتماعية لم نحلم بها من قبل. # فما هو إن استفاض المذهب القائل بأن الإنسان والحيوان من أصل واحد حتى أخذت الأبحاث تنتشر ~~عن مصيره في المستقبل؛ لأن منطق النظرية في الماضي يجب أن تكون له دلالته في المستقبل، وما ms44 ~~دام الإنسان كان حيوانا ثم ارتقى، فلماذا يقف عن الارتقاء، ولماذا لا ندرس الوسائل التي ~~استخدمت لهذا الارتقاء في الماضي وننتفع بها في المستقبل؟ # ومن هنا رأينا الخياليين الذين يدعون إلى «السوبرمان» أو الإنسان الذي يرجى أن نستنتجه، ~~فيكون منا كما نحن من القردة مثلا، كما رأينا العلميين الذين اخترعوا علما أو فنا جديدا ~~هو «اليوجنية» وهو البحث عن الوسائل السلبية والإيجابية التي تعمل لرقي الذريات القادمة ~~وحمايتها من الأمراض وزيادة كفاياتها. # ومن هنا أيضا نشأ الرأي القائل بالتعقيم، فصارت الحكومة تعقم الرجل أو المرأة إذا اعتقدت ~~أن بهما مرضا جسميا أو عصبيا قد يرثه نسلهما، بل بعض الحكومات استعملت التعقيم لحسم ~~المنازعات الإجرامية في بعض الأفراد الذين يثبت عليهم العجز عن السلوك الحسن. # وواضح أن هذا المنطق الجديد، منطق ترقية النسل واليوجنية والتعقيم، يرجع إلى نظرية التطور ~~التي قال بها داروين؛ لأن هذه النظرية جعلتنا ننظر نظرا «بشريا» لمصير الإنسان، ونأخذ ~~بيدنا معالجة ذهنه وجسمه، وتخيل الأخيلة عنهما، لا بل تعيين صفاتهما في المستقبل، وقد ~~أصبحنا نجرب التجربة السيكلوجية في الكلب لكي نستنتج منها النتيجة في تلميذ المدرسة، ونلقح ~~الحيوان بالأمصال لكي نستخرج منها العقاقير للإنسان. # ونحن من هذه «الحركة لبشرية الثالثة» في خلط واضطراب، نتخبط في الموازنة في الموازنة بين ~~الوراثة والوسط، أو نقسو بدعوى تنازع البقاء، أو نكسب العصبية السياسة لونا بيولوجيا، أو ~~نقف موقف الحيرة بين المادية والحيوية، وكل هذا لأننا ما زلنا في غمرة هذه النهضة الجديدة. # ولكنا عندما نؤرخ يجب ألا نتعامى عن التجانس في هذه النهضات المتوالية في أوروبا منذ ~~القرن الخامس عشر، فإنها جميعا تتسم بسمة البشرية. # | اللغة والنهضة # كانت أوروبا مدة القرون الوسطى تحت سيطرة الكنيسة، وكانت هذه السيطرة على أشدها في ~~النواحي الثقافية، فلم يكن أرسطوطاليس يقرأ أو يدرس إلا لخدمة الكنيسة، ولم تكن الكتب ~~تؤلف، أو الأطفال يعلمون في المدارس، إلا لهذه الغاية، وكان للكنيسة لغة واحدة تعم أوروبا ~~كلها هي اللغة اللاتينية، وهي لغة لم يكن يتكلم بها ms45 الناس وإنما يكتبونها فقط. # ولكن نزعة الاستقلال التي فشت في النهضة، وجعلت ميكافيلي يستقل بالسياسة ويفصلها من ~~الكنيسة، وجعلت جاليل يستقل بالفلك ويفصله من الكنيسة، جعلت لوثر يفصل الدين نفسه من ~~الكنيسة. # ومن لوثر هذا نشأت القوميات الأوروبية، فإنه حين ترجم الكتاب المقدس من اللاتينية إلى ~~الألمانية جعل الدين المسيحي «قوميا» ورفع بذلك من شأن اللغات القومية التي لم تكن تكتب ~~أو تدرس، ونزلت اللغة اللاتينية عن مكانتها وظهرت اللغات الوطنية، وأصبحت كل منهة لغة الدين ~~والعلم والأدب، وهي الظاهرة، المدروسة، في حين صارت اللاتينية مغمورة مهملة. # ولا يظن القارئ أن هذه المعركة بين اللغات القومية وبين لغة الدين اللاتينية كانت من ~~المعارك الخفيفة، فإن بقاء هذه اللغة في الجامعات الأوروبية، وإلزام طلبة المدارس الثانوية ~~على تعلمها في فرنسا وألمانيا وغيرهما، بل بقاء التعابير والمصطلحات القانونية بألفاظها ~~القديمة، يدل على إنها كانت قوة كبيرة جدا، وأن الأمم الأوروبية عندما تحدت الكنيسة ~~ولغتها كانت تكافح أوعر المشاق في حياتها الاجتماعية والدينية والثقافية، وإلى قبل مئة سنة ~~كانت اللاتينية لغة التخاطب في البرلمان الهنغاري. # وقد يقال إن أوروبا لم تكتسب بترك اللاتينية التي كانت لغة الكتابة عند جميع المثقفين، ~~واعتماد كل منها على نفسها واتخاذها لغتها بدلا منها، فإن اللاتينية كانت تربط بينها، ~~وتجعلها أمة واحدة دينا ولغة، ولكن المتأمل لتاريخ الحروب يجد أن هذا الاعتبار لا قيمة له، ~~فإن الإنجليز حاربوا الأمريكيين وكلاهما ينتمي إلى لغة واحدة ودين واحد، ولم تكن الحروب في ~~القرون الوسطى حين كانت اللاتينية عامة أقل مما كانت عقب النهضة. # ونحن في أيامنا قد اصطبغت أذهاننا بصبغة عالمية، فصرنا ننظر نظرة الرجاء لمنظماتنا ~~الدولية ونفكر في إيجاد لغة عالمية؛ ولذلك لا نستطيع إلا الأسف على ضياع اللاتينية أو ~~انحدارها إلى زوايا الجامعات والديورة والكنائس، ولكن الشعور بالنهضة هو نفسه شعور ~~بالاستقلال، والناهضون الذين دعوا إلى العلم والأدب والتجديد في الأخلاق والسياسة شعروا ~~بكرامة قومية تبعثهم على الإكبار من شأن اللغة القومية، واتجه نظرهم إلى المستقبل دون ~~المبالاة ms46 للروابط التاريخية في الماضي، ولو أن الأوروبيين وضعوا الدين ولغة الدين فوق ~~القومية لكانت أوروبا الآن دولة واحدة عاصمتها روما. # وقد لقيت أوروبا صعوبات كبيرة في كل دولة بلغتها استقلال، وبقيت أكثر من مئة سنة عقب ~~النهضة، وهي تؤلف مؤلفاتها باللاتينية وتنقل إليها المؤلفات العربية والإغريقية القديمة، ~~ولكن رويدا رويدا تغلبت الشخصية القومية حتى أصبحت لكل أمة كرامتها وكيانها، واستقلالها ~~ولغتها. # ثم أخذ هذا الانفصال من الكنيسة الأوروبية، كنيسة روما، يتفشى، وأخذت النفس الإنسانية في ~~الاستقلال حتى فصلت الدولة من الدين، وأصبح الدين بعد أن كان يسيطر مدة القرون الوسطى على ~~كل شيء مفصولا من كل شيء. # وقد يسوء هذا بعض القراء، ولكننا هنا نحاول أن نقرر الحقائق التي تبدو لنا كما نقرأها في ~~تاريخ النهضة الأوروبية. # | كلماتنا العربية الأوروبية # تقارضت الثقافات وتلاقحت وأخصبت، ولم تنفصل أمة عن العالم وتحيا في عزلة قط إلا إذا كانت ~~أمة الصين، وعاد الضرر عليها هي وحدها، وسار العالم في موكب الارتقاء حتى إذا فتحت أبوابها ~~بعد عزلتها كانت قد تخلفت عن هذا العالم نحو ألف سنة. # وتقارض الثقافات يخصبها كما لو كانت جسما حيا يتلاقح مع جسم حي أجنبي، فتخرج منه ~~السلالات الجديدة، ثم على مدى التطور، الأنوار الجديدة # وهذا الذي نسميه «القرون المظلمة» والذي نصف به السنين التي عاشت فيها أوروبا فيما بين ~~سنة 500 وسنة 1100 ميلادية إنما كان مرجعه انعزال أوروبا أيضا حين انقطت مواصلاتها مع ~~العالم في آسيا وإفريقيا، وحين أصبحت القرية استكفائية في اقتصادياتها، فلم تعد روما تعرف ~~الهند، ولم تعد أثينا تسمع عن الصين. # وفي هذه القرون نفسها لم تكن الأمة العربية منعزلة؛ ولذلك كانت متمدنة، إذ كانت تعرف ~~الصين وإسبانيا وما بينهما، وكانت تتقارض الثقافة مع الهند والصين وإيران، فنقلت صناعة ~~الورق من الصين إلى أوروبا، ونقلت الأرقام من الهند إلى أوروبا أيضا. # ولولا الورق والأرقام لما كانت أوروبا على علومها وصناعاتها الحاضرة. # ومن قبل ذلك بنحو ألفي سنة أدخل الفينيقيون، وهم أمة سامية مثل العرب، ms47 حروفهم، التي ~~نقحوها من الخط الهيروغليفي المصري، إلى أوروبا أيضا. # ونحن في مصر، في الوقت الحاضر، نحس إننا مظلومون مرهقون بالاستعمار الأوروبي؛ ولذلك ننفر ~~من الثقافة الأوروبية، وليس شك إننا نعذر في هذا الأساس؛ لأن أوروبا تمارس الاستعمار بكل ما ~~فيه من وحشية مع الأمة العربية وغير العربية، ولكن في هذه الأمم الأوروبية طوائف تعرف ولا ~~تنكر أن الاستعمار جريمة، وقد كتبت عن الطلبة الذين احتفلوا في باريس بيوم 21 فبراير، وهو ~~يوم نهوض الطلبة المصريين وانضمام العمال المصريين إليهم حين هبوا في تظاهرة تستنكر ~~الاستعمار، وتطالب بالاستقلال إلى أن وصلوا إلى ميدان قصر النيل فخرج إليهم الجنود الإنجليز ~~فقتلوا منهم وجرحوا. # وقد أصبح هذا اليوم عيدا عالميا، هو رمز الكفاح من أجل الحرية والاستقلال ضد الأمم ~~الاستعمارية. # إن في أوروبا أناسا طيبين يستنكرون الاستعمار، وأنا هنا أحاول أن أبين للقراء، وخاصة ~~لأعضاء المجمع اللغوي المصري الذين يكرهون الكلمات الأوروبية، إن لغتنا العربية تحتوي مئات ~~الكلمات الأوروبية، كما أن اللغات الأوروبية تحتوي كذلك مئات الكلمات العربية، وإننا نحن ~~والأوروبيين يجب أن نجد في هذه الظاهرة مجالا للتعاون والحب، وميدانا للوحدة البشرية التي ~~يهفو إليها كل إنسان إنساني. ~~••• # لقد سبقت الأمم السابقة أوروبا في الحضارة؛ ولذلك لا تستغرب أن تكون كلمة أوروبا سامية ~~«أروب أي غروب»؛ لأن الفينيقيين كانوا يصفون الأقاليم الأوروبية بأنها غرب بلادهم على ~~الجانب الآخر من البحر المتوسط. # ولولا أن انهزم هني البال القرطجني، وصهره أسدروبال، في محاربته للرومان لكانت أوروبا ~~الآن في اشتراك لغوي مع الأمم السامية. # وكما اقترض الأوروبيون منا اقترضنا منهم، فقد كانت هناك دولة عربية حول دمشق أو بالقرب ~~منها، هي دولة تدمر أو دولة زينب، وهي التي يسميها العرب الزباء، فقد كانت هذه الدولة عربية ~~يونانية، ومن هنا مئات الكلمات التي دخلت لغتنا قبل الإسلام، ومما يلاحظ أن كثيرا من هذه ~~الكلمات اليونانية يدل على أن الطبقة السائدة، طبقة الحاكمين، كانت عربية يونانية. # اعتبر مثلا كلمة السيف، فإنها يونانية، وقد كنت أشك في ms48 ذلك وخاصة؛ لأن السيف كان يوصف ~~بأنه مهند أو هنداواني، أي: من الهند التي اشتهرت بصهر المعادن، ولكن اتضح لي أن السيف كلمة ~~يونانية لفظا ومعنى. # ثم اعتبر الخطأ المشهور حين يقولون: «خرجوا للصيد والقنص» فإن المعاجم تفسر «القنص» بأنه ~~هو الصيد، فكأنهم خرجوا للصيد والصيد، وهذا سخف. # وإنما التفسير الصحيح أن قنص كلمة لاتينية بمعنى الكلبة «كانيس»، وإذن تكون صحة الجملة ~~«خرجوا للصيد بالقنص» أي: بالكلاب. # وأذكر أني كنت أقرأ كتاب الحيوان للجاحظ، فوجدته يقول: إن العقاب تنكدر على الذئب، وتنشب ~~مخالبها فيه فتقطع ظهره، وأعجبتني كلمة «انكدر» وبحثت عنها فلم أجد لها أصلا عربيا ~~ثلاثيا، وإنما وجدت لها أصلا لاتينيا هو «انكيديرا» أي: انقض عليه. # ثم وجدت أيضا أن هناك كلمات ثقافية عديدة تعود إلى اللاتينية أو اليونانية؛ مثل القلم، ~~والقرطاس، واللغة، والأدب، والرقص، والموسيقى، والتاريخ، والجغرافيا، والفلسفة، والسفسطة، ~~والزخرفة. # وكل هذه الكلمات، عندما نضيفها إلى كلمات الصين، تدل على أن الطبقة الحاكمة، التي كانت ~~تمارس رياضة الصيد ورياضة الفنون الجميلة، إنما كانت يونانية لاتينية عربية، كما كان الشأن ~~في مصر عند دخول العرب حين كانت الطبقة الحاكمة يونانية رومانية مصرية. # بل هناك ما يزيد هذا الرأي تأييدا، وهو أن كلمات الفضاء والامتلاك يونانية لاتينية ~~أيضا. # اعتبر كلمات: القانون، والقسط، والقسطاس، والقاضي والميراث، والفدان، والعقار، ثم الجرن ~~أو الجران. # وهي لا تزال تستعمل كما هي الآن في أوروبا، وربما يلتبس بعضها على القارئ العربي مثل كلمة ~~ميراث، فإن المعاجم العربية تقول: إن الأصل هو الإرث، وهذا الأصل يوناني «ارس» ويبدأ بحرف ~~الهاء الصامتة، ومنه كلمة «هيريدتيه» الإنجليزية الفرنسية. # وأما كلمتا جرن وجران فعاميتان، ومعناهما الحبوب «جرين وجران». # وأما كلمة قاض فترجع إلى اللاتينية جوديك اللاتينية. # وأما كلمتا قسط وقسطاس فهما بلفظهما يستعملان في اللغات الأوروبية. # وواضح أن كلمات البناء مثل قصر، وقرميد، وبلاط وافريز، وبرج، هذه كلها لاتينية، # ومن الحسن أن ندرس هذه الدولة التدمرية لعله يكون في ذلك كشف جديد لعلاقات عربية إغريقية ~~لاتينية ما زلنا نجهلها. ms49 # هذا بعض ما أخذته من الكلمات. # ونستطيع أن نذكر من الكلمات العربية التي دخلت أوروبا، والتي تستعمل الآن في لغاتها عشرة ~~أضعاف ما ذكرنا هنا. # وكل هذا يدل على أن الثقافات تتقارض بأخذ بعضها من بعض ، وهذا التقارض هو في النهاية تلاقح ~~وإخصاب وزيادة في التفاهم والإنسانية. # وليس علينا لذلك أي ضرر من الأخذ بالكلمات الأوروبية للمخترعات والمكتشفات الأوروبية. # | قبل خمسمائة سنة # في مثل هذه الأعوام، منذ خمسمائة سنة، دخل محمد الفاتح القسطنطينية، وانتهى بذلك تاريخ ~~الدولة الرومانية الشرقية، وقام مقامها وملأ مكانها العثمانيون، أي الدولة العثمانية. # وكان هذا كسبا عظيما للإنسانية. # ونحن العرب الذين كابدنا من الحكم العثماني ما لا نحب أن نذكره، قد لا نسيغ هذا القول، ~~ولكن حقائق التاريخ تنطق وحوادثه تشهد، بأن دخول الأتراك في أوروبا، قد بعث حوافز جديدة في ~~التطور العالمي. # فهو أحد الأسباب الكبرى للنهضة الأوروبية. # وهو أحد الأسباب الكبرى لاكتشاف القارة الأمريكية. # وليس هناك ما يمكن أن نأسف عليه في زوال الدولة الرومانية الشرقية في سنة 1453، فقد كانت ~~تحيا في ظلام القرون الوسطى لم يبق عندها من ثقافة الإغريق القدماء سوى تلك الغيبيات ~~السخيفة التي كان رهبانها يتراشقون بها ويقتتلون عليها، إذ كانوا يحاولون أن يعرفوا العالم ~~الآخر، ويرسموا خارطته ويعينوا حدوده الجغرافية دون أن يتكلفوا مشقة الوقوف على هذا العالم. # كانوا في انحلال يحيون في مجتمع ينهض على أساس من العقائد يدرسون الكتب القديمة، فيحفظون ~~كلماتها ولا يكادون يفهمون معانيها، يعرفون الحرف ويجهلون الروح. # كانوا أمة شائخة وكان الأتراك أمة ناشئة. ~~••• # وكان هؤلاء الأتراك، على الرغم من سذاجتهم، يقبلون على الدنيا ولكن في غير استهتار أو ~~انغماس؛ ولذلك لا نستغرب أن الإغريق في القسطنطينية كانوا يصفون الرجل المستقيم الذي ~~يوثق بكلمته بأنه «تركي». # واذا كان الأتراك قد تغيروا بعد ذلك وانغمسوا في الملاهي والملذات فإنما جاءتهم هذه ~~العدوى من العادات الإغريقية السابقة، وكثيرا ما نجد المثال والعبرة في الشعب القوي الفاتح ~~يخضع لعادات الانحلال واللهو التي كان يمارسها الشعب المغلوب والتي ms50 كانت سببا لهزيمته. # ولو أن الدولة الإغريقية، أي الرومانية الشرقية، أتاح لها التاريخ أن تحيا إلى الآن لكان ~~في بقائها إلى عصرنا هذا امتداد للظلام وليس زيادة في النور. ~~••• # نحن الأمة العربية لنا الحق في القول بأن التاريخ قد ظلمنا باستيلاء الأتراك على أوطاننا؛ ~~لأن هذا الاستيلاء كان استعمارا بكل ما تحمل هذه الكلمة من المعاني السيئة، بل هو كان يزيد ~~على مساوئ الاستعمار العصري بأنه لم يكن نيرا، أي لم يكن يحسن إدارة الحكومة كي يحسن ~~الاستغلال للأمم المحكومة. # وقد كنا نحن في مصر إلى سنة 1517، وهي السنة التي دخلت فيها بلادنا في حوزة الاستعمار ~~التركي، من أعظم الأمم في العالم حضارة، وكانت التجارة العالمية بين آسيا وبين أوروبا تلتقي ~~في القاهرة والإسكندرية، وكنا على اتصال بأوروبا، وهو اتصال كان جديرا بأن ينقل إلينا ~~نهضتها، ولكن الاحتلال التركي حال دون ذلك، واحتجنا إلى قرابة ثلاثة قرون، ونحن في عزلة إلى ~~أن جاءنا نابليون فشرعنا نستأنف اتصالنا بأوروبا والحضارة العصرية. # ثم لم نكسب من الأتراك لغة حية أو ثقافة ناهضة كما كسب الهنود مثلا من الإنجليز، حين ~~أخذوا بلغتهم وثقافتهم اللتين جعلتا منهم أمة عصرية. # كنا نحن الأمة العربية فيما بين 1715 و1800 نعيش في ظلام لا يختلف من ظلام القرون الوسطى، ~~بل ربما يزيد، بسبب الاحتلال العثماني. # وإلى هنا تنتهي الزاوية السيئة من الاكتساح العثماني في القرنين الخامس عشر والسادس عشر. ~~••• # ولكن سقوط القسطنطينية قبل خمسمائة سنة، في أيدي الأتراك، بعث هجرة اللغة الإغريقية إلى ~~أوروبا، فإن كثيرين من المثقفين الإغريق، أي: الرومان الشرقيين، وجدوا أن العيش في ظل ~~الأتراك لم يعد يلائمهم، فتركوا بلادهم ونزحوا إلى روما وباريس وغيرهما، ولم يكن الأوروبيون ~~يعرفون اللغة الإغريقية القديمة فتعلموها من هؤلاء النازحين، واتصلوا عن سبيلها بالفلاسفة ~~والأدباء والعلميين من الإغريق القدماء، وأخصب هذا الاتصال أذهانهم التي لم تكن تعرف من ~~الثقافة سوى تلك الثقافة الدينية التي لم تكن تتجاوز ديورة الرهبان، والتي كان من ~~المحرم في كثير من الأحوال أن ms51 تتجاوز دراسة الكتب المقدسة. # وسمي هذا الاتصال بالإغريق القدماء بالحركة البشرية، والمعنى هنا أن الثقافة الجديدة لا ~~تعتمد على الإلهيات والكتب الدينية فقط، وإنما تعتمد أيضا على «البشر»، على المعارف، وليس ~~على العقائد. # ومن هذه الحركة نشأ «العلم » لأنه معارف وليس عقائد، وهو الذي قرر للأوربيين السيادة على ~~غيرهم من الأمم التي كانت لا تزال تحيا بالعقائد دون المعارف. # لقد بسطت اللغة الإغريقية القديمة، التي حملها النازحون من الإغريق أمام الأوروبيين، أمة ~~عجيبة هي أمة الإغريق القديمة، فرأى الأوروبيون هنا شعبا وثنيا ولكنه لا يعرف التعصب ~~الديني، إذ كانت حرية التفكير مباحة إلى حدود بعيدة، وكان المفكرون يكتبون ويخطبون كما لو ~~كانوا لا يخافون أية سلطة، وعرفوا من الإغريق معارف فلكية كان الأوروبيون قد نسوها فأحيوها. # ولكن هذه المعارف لم تكن كبيرة في قيمتها أو مقدارها، وإنما الكبير الخطير الذي عرفه ~~الأوروبيون منها هو المنهج الذي أنتج هذه المعارف، وهو منهج التفكير الحر. ~~••• # هذه الحركة البشرية، وهذا التفكير الحر، هما إحدى ثمرات الاكتساح التركي الذي أدى إلى ~~نزوح اللغويين الإغريق من القسطنطينية إلى أوروبا الغربية؛ لأنهم أصبحوا قوة تحريرية للعقل ~~الأوروبي. # وكان من أثر هذه القوة التحريرية أن فشا الاجتراء على اختراع النظريات العلمية، فشرع ~~العلميون يقولون بأن الأرض كرة، واتجه الجغرافيون إلى فكرة الوصول إلى الهند عن طريق الغرب ~~بدلا من طريق الشرق. # وكان هنا حافز أيضا على هذا التفكير من استيلاء الأتراك، وقبل الأتراك السلاجقة؛ لأنهم ~~جميعا منعوا اتصال الأوروبيين بالهند وآسيا عن طريق مصر والبلاد العربية الأخرى. # والحافز إلى اكتشاف أمريكا هو بالطبع حافز سلبي من الأتراك، كما كان الشأن أيضا في هجرة ~~اللغويين الإغريق إلى أوروبا الغربية عقب سقوط القسطنطينية بدخول محمد الفاتح. # ولكن النتائج كانت بعيدة الأثر: ~~(1) # حرية الفكر والنظرة العلمية في أوروبا. ~~(2) # اكتشاف أمريكا ونزوح الأوروبيين إليها. # ومن هذا الوقت إلى الآن، والأوروبيون، أو بالأحرى الغربيون، يسودون العالم. ~~••• # كان الأتراك من حيث لا يقصدون، سببا للنهضة في أوروبا، ولكن لنا الحق في أن نسأل ms52 هنا: # لماذا كان الأتراك في القرن الخامس عشر، عندما فتحوا القسطنطينية، رمزا للشرف والقوة حتى ~~كان الإغريقي، حين يجب أن يطري أحد إخوانه من الإغريق، يقول إنه «تركي»، ثم لماذا انهاروا ~~حتى صاروا في السنين الأخيرة التي سبقت نهضة أتاتورك يوصفون بالضعف والتأخر والرجعية ~~والاستكانة؟ # أعتقد أن السبب واضح، وهو أن الأتراك بعد أن علموا من حيث لا يدرون على إخراج أوروبا من ~~القرون الوسطى إلى العصر الحديث، وقعوا هم أنفسهم في القرون الوسطى. # إذ ما هي القرون الوسطى؟ أي ما دلالتها؟ # هي التقيد بالنصوص التي في الكتب الموروثة دون مباشرة الطبيعة بتسليط العقل عليها، ~~واستخراج المعارف منها. # هي سيادة العقائد على المعارف، والتليد على الطريف. # هي الاكتفاء بالثقافة الدينية دون الثقافة المدنية. # هي ثيوقراطية الدولة، أي: الدولة الدينية دون الدولة المدنية. # وكل هذا يؤدي إلى سيادة الرجعية، أي: الرجوع بالشعب في عاداته وأسلوب عيشه وتفكيره إلى ما ~~كان عليه أسلافه قبل ألف أو ألفي سنة. # ومعنى هذا: الجمود والوقوف عن التطور. # وهذا ما نجت منه أوروبا في القرن الخامس عشر بفضل الاكتساح التركي، وهذا هو ما وقع فيه ~~الأتراك أنفسهم وبقوا في هاويته إلى أن جاء أتاتورك العظيم، فنهض بالشعب وأخرجه إلى القرن ~~العشرين، إلى النهضة. ~~••• # هذه القرون الوسطى، التي اصطلح المؤرخون على أنها انتهت بدخول الأتراك في القسطنطينية في ~~1453، أي: منذ خمسمائة سنة، كانت بالطبع تجد حوافز أخرى لافتتاح عصر النهضة. # إننا، نحن الأمة العربية، نسمع ونقرأ كثيرا عن النهضة، ولكن هل ندري دلالتها أو هل ندري ~~شروطها؟ # هل نحيا حياتنا العربية الحاضرة في نهضة أم في قرون وسطى؟ # هذا هو السؤال المتعب الممض، ولكن مسئولية المفكر تقتضيه أن يجيب عليه في صراحة. # وجوابي: إننا ما زلنا إلى حد بعيد نحيا في ثقافة القرون الوسطى، نؤثر العقائد على ~~المعارف، والقديم على الجديد. # ولكن نور الفجر الجديد قد بزغ. ~~••• # ما زال إخواننا اليونانيون يتشاءمون من يوم الثلاثاء؛ لإنه هو اليوم الذي دخل فيه محمد ~~الفاتح القسطنطينية، وما زالوا يتغنون ms53 بالأغاني التي تصبوا إلى الإمبراطورية القديمة، وما ~~زال عامتهم يذكرون أن أيا صوفيا كانت كنيسة ثم صارت مسجدا. # ولكنهم مخطئون؛ لأن التاريخ لا يعود، وأيا صوفيا ليست الآن كنيسة وليست كذلك مسجدا، إذ ~~هي متحف يجمع تحف التاريخ المسيحي والتاريخ الإسلامي. # | طبيعة الحضارة الأوروبية # كلمتا أوربي وغربي لا تعنيان في عقولنا العصرية دلالة جغرافية فقط، إذ هما تحملان أيضا ~~ما يشبه الدلالة القديمة لكلمة «هيلين» فإن هذه الكلمة كانت تعني في الأصل الشعب الإغريقي، ~~ولكن عندما تفشت حضارة الإغريق، وسادت ثقافتهم، صار لكلمة هيلين معنى النزعة والفلسفة ~~وأسلوب الحياة؛ ولذلك كان المصري أو العربي أو المراكشي يعد نفسه هيلينيا إذا كان ينزع ~~النزعة الإغريقية في هذه الأشياء. # وهذا هو الشأن في أيامنا في كلمة أوربي أو غربي، فإن الأمريكيين غربيون، وكذلك يوجد في ~~أقطار الشرق غربيون من العرب والهنود والصينيين قد آمنوا بالنزعات الأوروبية في الأدب والفن ~~والفلسفة، وأخذوا بعادات الأوروبيين في العيش، وبالنظم الدستورية والمدنية في القوانين: ~~الحكم البرلماني، والمساواة بين الجنسين، والنظرة الموضوعية لهذه الدنيا، والإحساس ~~الاجتماعي في مسئولية الفرد. # والحضارة الأوروبية تتغلب وتسود أينما وجدت في هذا العالم، ولا يمكن أمة أن تحيا إذا ~~خالفتها، ونعني بالحياة هنا حياة القوة والعلم والثراء. # حتى اليابان، هذه الأمة الآسيوية العتيقة، لم تنهض وتبلغ مستواها العالي قبل الحرب ~~الأخيرة إلا بعد أن أخذت بأصول الحضارة الأوروبية. # وليس «نهرو» زعيم الهند العظيم سوى رجل أوروبي يتكلم باللغة الهندوكية، ولا أستطيع أن ~~أتصور نهضة عصرية لأمة شرقية ما لم تقم على المبادئ الأوروبية للحرية والمساواة والدستور مع ~~النظرة العلمية الموضوعية للكون. # وهنا سؤال: # ما هو الأساس أو الأسس التي تبنى عليها ~~الحضارة، ثم الثقافة، الأوروبية؟ # ليس الأوروبيون أصلح الناس للإجابة على هذا السؤال. # ذلك لأنهم لم يروا غير حضارتهم وثقافتهم، أي: إنهم يجهلون المقارنة التي تعد الأساس الأول ~~للنقد المثمر والفهم الناضج. # واعتقادي أننا نحن الغرباء عن هذه الحضارة، وعن هذه الثقافة الأوروبيين، أقدر على فهمهما؛ ~~لأننا نستطيع المقارنة. # ولقد قرأت كتابا ms54 للزعيم «الروحي» للفاشية أو النازية الألمانية في هذا الموضوع، وهو ~~«هوستون ستيوارت تشمبرلين» الذي يقول: إن هناك ثلاثة أسس لأوروبا العصرية، وهي: منطق ~~الإغريق أو فلسفتهم، ثم نظام الرومان أي: القوانين الرومانية، وأخيرا التراث المسيحي ~~الأخلاقي. # ولست أنكر أن لأوروبا شيئا من هذه التقاليد، وأن لها بعض الأثر في توجيهها، ولكن هذا ~~الأثر ضعيف جدا، وقد انتهى المؤلف بعد أن شرح هذه الأسس الثلاثة إلى أن التعصب العنصري ~~ضروري لأوروبا، وأعجب الإمبراطور فيلهلم بهذا الكتاب، واشترى آلاف النسخ منه، ووزعه بالمجان ~~على موظفي الحكومة الألمانية، والتعصب العنصري هو في النهاية، سيادة الألمان على جميع ~~البشر. # وكان «هتلر» لذلك من المعجبين به أيضا، وقد عمل به. ولقى النتيجة المحتومة لهذا المذهب، ~~وهي تألب الدنيا عليه. # واعتقادي أن تشمبرلين وهتلر كانا من أبعد الناس عن فهم الروح الأوروبي العنصري: روح ~~الحرية والمساواة والدستور، والنظر الموضوعي، أي: العلمي، للدنيا ناسا وأشياء. # وأنا أفهم شيئا واحدا، واحدا ليس له ثان، هو أن الأوروبيين سادوا في الماضي، ويسودون ~~في الحاضر؛ لأنهم قد أخذوا بالصناعات الآلية. # جعلوا الآلات تعمل بدلا من الأيدي. والحديد والنار يعملان بدلا من القوة البشرية. # وكل ما نعرفه من الأخلاق الأوروبية والعلوم الأوروبية والحرية والمساواة والدستور، هذه ~~كلها هي ثمرات هذا الوسط الصناعي الجديد الذي لا يزيد تاريخه على مئة وسبعين سنة. # كانت أوروبا إلى سنة 1780 زراعية مثلنا، متأخرة مثلنا. # ليس للمرأة فيها حقوق وليس للعامل فيها رأي، بل ليس له عقل غير هذا العقل الزراعي الذي ~~يستسلم للخرافات، وكانت فقيرة مثلنا، بل كان كثير من عمالها الزراعيين «عبيدا» يعملون ~~مكرهين في النظم الإقطاعية السائدة وقتئذ. # ثم جاءت الصناعة، وهي فحم وحديد: وظهرت المصانع التي أحالت المواد الخامة إلى أشياء ~~مصنوعة، والفرق كبير في الثمن بين الاثنين، فإن قنطار القطن الذي يباع خاما بعشرين جنيها ~~يباع مصنوعا منسوجا بأكثر من مئة جنيه، وطن النحاس أو الحديد أو النيكل الذي يباع بخمسين ~~جنيها وهو خام قد يبلغ ثمنه وهو مصنوع ألف جنيه. ms55 # اعتبر صناعات الساعات في سويسرا، فإن المواد الخامة في الساعة قد لا تزيد على خمسين قرشا ~~ولكنها، أي: الساعة، تباع بخمسة جنيهات. # هذا من ناحية الثراء في الأمم الصناعية، فإن الأوروبيين أثرياء؛ لأنهم صناعيون. # أما من ناحية الثقافة فإن العلم التجريبي يغلب عليها؛ لأن المصنع يحتاج إلى العمل ~~للتجربة، وليس العكس، أي: ليس العلم هو الذي أوجد الصناعات، وإنما الصناعات هي التي احتاجت ~~إلى العلم، وأرصدت العلماء للبحث، وأصبحت النظرة العلمية عامة تكافح النظرة التقليدية التي ~~كانت سائدة في العهد الزراعي السابق. # وليس في عالمنا شيء يحرر العقل من الخرافات، ومن التفسيرات التقليدية للأشياء المادية ~~التي هي ثمرة العلم الذي يطلب تجربة اليد إلى جانب تفكير العقل. # ومن هنا هذه المادية الأوروبية التي تغلب على تفكير الأوروبيين، هذه المادية التي هي ثمرة ~~العلم الذي جلبته الصناعة والمصانع. # وكرامة العامل الصناعي واستقلاله، ثم أيضا حريته الفكرية ثم المساواة بين الجنسين، ثم ~~احترام الدستور والقوانين، كل هذا من ثمرات الوسط الصناعي، وسط المدينة التي تنأى عن وخامة ~~القرية، وسط العلم التجريبي. # ولا أنكر أن لهذا الوسط عيوبا، ولكن ما أتفهها إلى جانب هذه القوة العظمى التي يتسلط ~~عليها الإنسان باستخدام الحديد والنار في زيادة ثرائه ورفاهيته، وامتداد ثقافته إلى النظرة ~~الاستيعابية للكون، وأخيرا هذه الحرية، الاجتماعية والفكرية، التي لم تعرفها أمة زراعية، ~~أي: أمة شرقية، تعيش بالزراعة. ~~••• # وهنا سؤال: # لماذا يؤدي الوسط الريفي أو القروي إلى ~~البلادة والاستسلام في حين يؤدي الوسط الصناعي إلى الذكاء والاستطلاع؟ # الجواب: # لأن الزراعة تمارس بالتقاليد وليس بالعلم، وهذا ~~على الرغم من أنها يجب أن تكون علمية، والفلاح يعيش في قرية منعزلة لا تصطدم بأحداث العالم، ~~والمباراة فيها محدودة، وليست كالمباراة في المدن، حيث الآفاق للذهن والقلب أرحب وأبعد، ثم ~~أن تسلط الطبيعة بجوها المتقلب على نمو النباتات يجعل الفلاح على إحساس دائم بأنه رهن الحظ، ~~ودرجة القراءة في القرية معدومة أو محدودة، وكذلك التساؤل والاستطلاع. # أما الوسط الصناعي فيكسب الصانع إحساس السيطرة والقوة، إذ ليس للحظ ms56 في الصناعة شأن، فهو ~~يدير الآلة أو يصهر المعدن وهو يعرف النتيجة قبل أن يشرع في العمل. # وهو يكسب من هذه الممارسة إحساسا بالمنطق فضلا عن القوة، ولا يمكنه أن يؤمن إلا ~~بالتجربة العلمية كما إنه كذلك يمارس النظرة الوضوعية في حياته الاجتماعية والسياسية. # ثم هو يعيش في مدينة تتحمل أعصابه منها صدمات متوالية من الأحداث المنبهة؛ لأنها، أي: ~~المدينة، على اتصال صحفي بكوكب الأرض كله، وهو يكسب النظرة العالمية لهذا السبب في حين يقنع ~~عامل الزراعة بالنظرة القروية. # ثم عامل الصناعة يرى ويقارن كثيرا، وليس شيء يحرك الذكاء مثل المقارنة، فهو يرى الحاكم ~~والمحكوم، والبذخ والفاقة، والعلم والجهل، وكل هذا بعيد عن العامل في الزراعة. # ولكلمات الحرية، والمساواة، والدستور، والبرلمان، والسياسة معان عميقة مقلقة عند العامل ~~في المدينة، أي: في الصناعة، ولكنها لا تقلق عامل الزراعة، ولذلك لا تنبهه. # ويمكن أن نقول: إن الديمقراطية كلمة تحمل معنى خطيرا عند عامل الصناعة، ولكنها لا تكاد ~~تحمل أي معنى عند عامل الزراعة. # ونستطيع أن نقول: إن الوسط الزراعي يبعث على القناعة والطمأنينة في نفوس الفلاحين، وهذا ~~صحيح. ولكن إلى جانب القناعة والطمأنينة نجد الذهول والركود. ثم تستطيع أن تقول: إن الوسط ~~الصناعي، وسط المدينة، يبعث على القلق والتوتر، بل ربما الجنون والانتحار، في نفوس العمال، ~~في المصانع، وهذا صحيح أيضا، ولكن إلى جانب القلق والتوتر نجد الاستطلاع والاستقلال بل ~~ربما العبقرية والاختراع. # وحضارة أوروبا هي حضارة القلق والتوتر وأمراض النفس التي لا تحصى، ولكنها أيضا حضارة ~~الاستطلاع والاستقلال والديمقراطية والعلم والاختراع، أي: حضارة المصانع، وليست حضارة ~~المزارع. وبعد كل هذا، المدافع تصنع في المصانع ولا تزرع في الحقول. # | الثقافة تؤدي إلى الحضارة # أحسن ما يقال في إيضاح الفرق بين الثقافة والحضارة أن الثقافة هي ما نتكون به، والحضارة ~~هي ما نعمل به. # الثقافة علوم وفنون وفلسفات وعادات وتقاليد واتجاهات، تكسبنا جميعها مزاجا معينا نتجه ~~به في سيرتنا ومعاشنا ونؤسس بها مجتمعا يتفق ومبادئ هذه المعارف ولا يتنافر معها، أما ~~الحضارة فهي ms57 ما نعمل به من أدوات سواء أكانت هذه الأدوات حسية؛ مثل آنية الطبخ، أو مواد ~~البناء، أو آلات، أو مصنوعات، أم كانت معنوية مثل المؤسسات الاجتماعية المختلفة كالحكومة، ~~والمجلس النيابي، والمجلس البلدي، ونظام الادارة، وجباية الضرائب ونحو ذلك. # والثقافة تسبق الحضارة وتؤدي إليها؛ لأنها هي بمثابة الفكرة والحضارة بمثابة المادة، وتلك ~~القاعدة السيكلوجية التي نسلم بها جميعا، وهي أن التعرف يؤدي إلى التأثر، والتأثر يؤدي إلى ~~التحرك، هذه القاعدة تنطبق أيضا على الثقافة والحضارة، فنحن نتعرف الأشياء، ثم نتأثر بهذا ~~التعرف فنتحرك به إلى عمل ما. # وهذا العمل قد يكون اختراع آلة أو اكتشاف عقار أو إيجاد نظام، وهذه هي الحضارة، ويمكن أن ~~نقول: إن الحضارة الصناعية القائمة التي تمثل في المصانع الكبرى للنسيج أو لمركبات النقل، ~~أو للبواخر والبوارج، أو للطائرات، هذه المصانع إنما هي الثقافة الرياضية والفيزيائية قد ~~تجمدت في حضارة الآلات والحديد والفولاذ، ولا يمكن لأمة أن تعيش في حضارة صناعية ما لم تحذق ~~الثقافة العلمية التي أدت إليها، وهي إذا أهملت هذه الثقافة العلمية فأنها سرعان ما تعود ~~إلى الحضارة الزراعية التي تنتكس إليها كل أمة حين تتقهقر ثقافتها. # وكل تحرك اجتماعي يحتاج إلى تحرك ثقافي، وليس هناك غير الأمم الزراعية التي تستطيع أن ~~تعيش على ثقافة راكدة لا تتحرك ولا تتباين ولا تتنوع؛ لأن المجتمع المتحرك يحتاج إلى ثقافة ~~متحركة متباينة متنوعة. ومن هنا ضرورة الانقلاب الثقافي لإيجاد انقلاب في الحضارة، وهذا هو ~~ما فعلته الصين واليابان وتركيا وإيران، فإنها حين أرادت أن تأخذ بالحضارة العصرية، أي: ~~حضارة الصناعات والآلات اضطرت إلى أن تأخذ قبل ذلك بثقافة العلوم العصرية، وليس من المستطاع ~~أن تأخذ أمة بالحضارة العصرية إذا كانت تعيش على ثقافة قديمة لم تستطع في تاريخها الماضي ~~إلا أن تثمر الحضارة الزراعية فقط؛ لأن كل حضارة تحتاج إلى ثقافة تنشئها ثم تفسرها وتلائمها ~~وتماشيها. # وإلا حدث التزعزع الاجتماعي الذي ينشأ من التنافر بين وسط حضاري جديد ووسط ثقافي قديم، ~~وأقل النتائج التي يثمرها هذا ms58 التنافر أن الفرد الذي يعيش فيه ويعانيه لا يؤمن بتقاليده ~~وعقائده وتراث آبائه من أخلاق، ثم هو مع ذلك لم يتهيأ بثقافة جديدة تزوده بميزات جديدة من ~~العقائد والأخلاق، وهو هنا يعيش بلا ضمير. # ولعل مما يزيد بصيرتنا بهذا الموضوع تواتر الاختبار التاريخي بشمول الفوضى الأخلاقية أيام ~~الثورات والانقلابات؛ لأن الثورة أو الانقلاب تعني تغيرا في الثقافة وتحركا في الاجتماع، ~~وكلاهما يعني تغيرا في الضمير. وليس من الميسور على كل إنسان أن يتغير ضميره بالسرعة التي ~~تقتضيها الثورة؛ لأنه حين يترك تقاليده وميزان الفضائل والرذائل الذي ورثه يحتاج إلى أن ~~يستبدل بهما تقاليد جديدة وميزانا جديدا، لكن الثورة لا تسعفه بهما، فهو لذلك يعيش سنوات ~~في فوضى أخلاقية. # وقد قلنا بأن الثقافة تعني العلوم والفنون والعقائد والعادات. # ولكنا لم نقل إن الأهم من هذا كله اللغة التي يتفاهم بها الشعب؛ لأن أعظم تراث اجتماعي ~~لأية أمة هو لغتها، وهي أعظم مؤسساتها وأقدرها على خدمتها، وإذا استعصت هذه اللغة على ~~الفهم، أو إذا صعب تعلمها، أو إذا عجزت عن الأداء العصري واستيعاب العلوم والفنون العصرية، ~~فإن كل شيء بعد ذلك يستعصي على الأمة ما لم تنبذ لغتها وتتخذ لغة أجنبية، ولكن هذا العمل ~~ليس من الهينات؛ لأن الأمة تحتاج إلى مئات السنين لكي تستطيع نسيان لغتها واتخاذ لغة أخرى، ~~وهي في هذا الاستبدال تتعرض لألوان من الخطر لا تحصى، وقد تنحدر إلى هوات لا تنهض منها. # وقد قيل: إن الكلمات هي بذور الأفكار، ولكننا ننسى أن الكلمات أيضا هي بذور الأعمال، فإن ~~ألفاظ الحرية والمساواة والإخاء التي ترددت على أقلام الكتاب الفرنسيين في القرن الثامن عشر ~~كانت بذورا لأفكار وأعمال لما ننته منها حتى الآن، وقد تكهرب العالم سنة 1919 ب «كلمات» ~~ألقاها عليه الرئيس «ولسون» بشأن حقوق الأمم الصغيرة وتقرير المصير. # ونشأت من هذه الكلمات «عصبة الامم». وقس على ذلك. # فقاعدة الثقافة هي اللغة، ولا يمكن بتاتا إيجاد ثقافة راقية بلغة منحطة ولا ثقافة متحركة ~~بلغة جامدة؛ لأن تحرك الثقافة ms59 ورقيها يحب أن يستتبعا رقي اللغة وتحركها، أي: تطور ألفاظها ~~القديمة وتلبسها بالمعاني الجديدة، أو اصطناع ألفاظ جديدة أجنبية أو وطنية، ومن هنا هذه ~~الظاهرة التي يوضحها لنا التاريخ، وهي أنه عندما وجدت الأمم الأوروبية أن اللغة اللاتينية ~~التي كانت وسيلتها الثقافية مدة القرون الوسطى قد أصبحت لا تتفاعل مع المجتمع الأوروبي في ~~نهضته الجديدة ولا تسايره تأثرا وتأثيرا عمدت إلى نبذها واتخاذ لغاتها العامية، وهذا ~~أيضا هو تفسير الانقلاب الثقافي الجديد في الصين، إذ إنها بقيت آلاف السنين وهي تعتمد على ~~لغة أو كتابة قديمة حجبت عنها الحضارة العصرية، فلما استقر رأيها على الأخذ بهذه الحضارة ~~عمدت إلى لغتها فاستحدثت منها طرازا جديدا للآراء يتفق وضرورات هذه الحضارة. # ومهما كتبنا فإننا لن نبالغ في قيمة اللغة للأمة، نعني اللغة العصرية التي تقبل التطور ~~وتقدر على الاستيعاب للفنون والعلوم واصطناع الألفاظ الجديدة، اللغة التي لا يجد فيها ~~المفكر حرجا يضيق عليه تفكيره ويضلله باتخاذ ألفاظ لا تؤدي أغراضه، أو تمنعه من أن يتناول ~~بعض الموضوعات العلمية أو الفنية أو الفلسفية لأنه يجد عجزا في اللغة عن أداء معانيها. # | الديمقراطية: نظام المجتمع # كلمة الديمقراطية تعني حكم الشعب، أي: إن الشعب يحكم نفسه. # وكان الإغريق القدماء يعرفون الحكم الديمقراطي في المدن فقط، وكانت وقتئذ مدنا صغيرة. # فلما زالت دولة الإغريق لم نعد نجد هذا الحكم الديمقراطي إلا منذ مئة سنة أو أقل في ~~أوروبا وأمريكا؛ وذلك لظروف يسهل إيضاحها، فإن الشعب الذي يحكم نفسه يحتاج إلى أن يكون كله، ~~أو على الأقل الناخبون فيه، متعلمين، وإذا عرفنا أن التعليم لم يصر إلزاميا في إنجلترا ~~مثلا إلا في 1870 فإننا نستطيع أن نفهم أن كلمة الديمقراطية كانت من الكلمات التي تدل على ~~معنى المستقبل وليس الحاضر الراهن، أي: إنها كانت أملا يرجى حين يعم التعليم، ولكننا في ~~الوقت الحاضر نذكر هذا النظام في الحكومة وليس بمعناه الكامل المرجو، ولكن بما وصل إليه من ~~الاقتراب من هذا المعنى الكامل المرجو. # ففي سويسرا نجد الديمقراطية ms60 على أعلاها في الأمم الغربية، ولا يستطيع سويسرى أن يعقل أن ~~أحد زعماء وطنه يمكنه إيجاد نظام نازي أو فاشي؛ لأن هذا النظام يفرض طغيان طبقة تزعم أنها ~~ممتازة على الشعب في الكفاية والأمانة للحكم، وهذا مالا يفهمه السويسريون؛ لأنهم كلهم سواء ~~في التعليم، وعلى مقدار حسن من الرخاء، ولهم حريات مكفولة بالدستور، بل مكفولة بما هو فوق ~~الدستور، وهو الإحساس العام بالحقوق والواجبات. ~~••• # كان الحكم في العصور القديمة ملكيا، بل كان الملك عند المصريين والرومان بعد الآلهة، ~~ولما جاء الإسكندر المقدوني إلى مصر في القرن الرابع قبل الميلاد، جعله الكهنة ابنا للرب ~~آمون، وواضح أنه حين يكون الملك إلها فإن الشعب لا يمكن أن يكون شيئا، بل إن الثورة على ~~الملك عندئذ تعد كفرا وإلحادا. # ثم نجد في القرون الوسطى ملوكا ليسوا من الآلهة، ولكنهم يحكمون كما لو كانوا منها، وكان ~~النظام الإقطاعي يؤيدهم في حكمهم المطلق الذي لم يكن يحد منه سوى قوة الأمراء والنبلاء، ~~وكثيرا ما نقرأ عن «الحق الإلهي للملوك» في الثورات التي قامت بها إنجلترا وفرنسا ~~وإيطاليا، وهذا الحق هو التراث الفرعوني الإمبراطوري من مصر وروما. # فلما ظهرت الطبقات المتوسطة، المؤلفة من الصناعيين والتجاريين والزراعيين، وحطمت النظم ~~الإقطاعية، وألغت الرق الزراعي، وهدمت العروش التي كان يزعم متبوئوها هذا الحق الإلهي، شرعت ~~الديمقراطية في الظهور، شرعت في الظهور على أيدي رجال الطبقات المتوسطة، وكانت الدائرة ~~محدودة والمعنى مقصورا على هذه الطبقات، أما العمال فلم يكن لهم من الشأن ما يبرزهم إلى ~~الوجود السياسي. # ولكن منذ منتصف القرن الماضي شرع العمال في أوروبا يحسون الوجدان السياسي ويطالبون ~~بالتمثيل النيابي، ومنذ ذلك الوقت والدائرة تتسع رويدا رويدا إلى الشعب كله. ~~••• # وهذا الذي قلت ينطوي على معنى أكبر مما تفيده كلمة الديمقراطية ... فإن الديمقراطية نظام في ~~المجتمع قبل أن تكون نظاما في الحكم، بل هي نظام في الحكم؛ لأنها نتيجة لنظام معين في ~~المجتمع؛ ذلك أن النظام الإقطاعي لا يمكن أن يهيئ للحكم الديمقراطي. # بل كذلك نظام الزراعة الإقطاعي ms61 أو شبه الإقطاعي الذي ما زلنا في كثير من الأمم العربية لا ~~يمكن أن يهيئ للحكم الديمقراطي؛ إذ كيف نطالب الفلاحين في قراهم النائية، في فقرهم المدقع، ~~في اعتمادهم الأعمى على مالك الأرض الثري، وأخيرا في جهلهم التام بشئون الشعب، وأميتهم ~~الكاملة في المعاني السياسية والاقتصادية، كيف نطالبهم بأن يكون لهم رأي في نظام الحكم ~~وبرامج السياسة ومقدار الضرائب وحقوق الصحافة وحرية الخطابة؟ # إن هذا محال، وقد كان محالا في أوروبا إلى أن نقلت الفلاحين من مزارعهم إلى المصانع أو ~~إلى أن منحت فلاحيها حقوق عمال المصانع مثل تأليف النقابات؛ ذلك أن عمال المصانع يتكتلون، ~~وقد عاشوا في المدن، وتعلموا، وطمحوا، فصاروا يطالبون التمثيل السياسي وصار لهم نواب في ~~البرلمانات، وأصبحت كلمة الديمقراطية كلمة حية تروح وتغدو على ألسنتهم، فتكسب الغافل ~~تنبها، والذليل كرامة، والذاهل وجدانا. # ونحن نعرف مثلا أن الملك فؤاد ألغى الدستور في 1930، فلم نثر عليه، بل إنه وجد من ساستنا ~~وصحفيينا من عاونه على ارتكاب هذه الجريمة العظمى، لسبب واحد، هو أن الوجدان السياسي لم يكن ~~عاما في الأمة، ولو كان عاما قويا لشنق الملك فؤاد وجميع من عاونه من الوزراء والساسة ~~والصحفيين على إلغاء الدستور. # ولا أنكر هنا يد الاستعمار المدمرة التي كانت تعين المستبدين على تحطيمنا وتفتيت قوانا ~~في مشاغبات ومصارعات داخلية حتى لا نستطيع مواجهة مشكلتنا الكبرى وهي الاستعمار، ولكن قوة ~~الاستعمار كانت تضعف إزاء الوجدان السياسي في الأمة ... لو أنه كان موجودا. ~~••• # وثم مثال آخر، فإن مجلس الشيوخ الذي كان مؤلفا من الباشوات والبكوات وأعوانهم رفض منح ~~الفلاحين حق تأليف النقابات، وكذلك فعل مع الخدم. # ولم يثر عليه أحد للسبب نفسه، وهو أن الوجدان السياسي بين الفلاحين والخدم كان معدوما ~~أو كالمعدوم؛ إذ كانوا في فقرهم وأميتهم بعيدين عن العناية أو الاهتمام بحقوقهم السياسية. # ولذلك يجب أن نعترف بأن كلمة الديمقراطية كانت في السنين الثلاثين الماضية أمنية في مصر، ~~ولم تكن قط تدل على نظام في الحكم. # بل إن ساستنا أنفسهم كانوا إقطاعيين ms62 في إحساسهم، وإن لم يكونوا كذلك في مجتمعهم، فكان ~~سلوكهم سلوك الإقطاعيين من النبلاء والأمراء، وكانوا جميعا يتطلعون الى: # شراء عزبة. # اقتناء سيارة. # قصر في الزمالك. # قصر في الإسكندرية. # إدارة الشركات. # فصوص من اللؤلؤ والماس.. الخ.. # أفكار إقطاعية بعيدة كل البعد عن روح العصر، وهي أبعد عن روح الديمقراطية. ~~••• # إن في أوروبا الديمقراطية وزراء يقصدون إلى وزاراتهم على الأوتوبيس، وقد رأيت أنا بنفسي، ~~بعيني «كليمنصو» وهو رئيس وزارة، ينتظر الأوتوبيس ويركبه. # إحساس ديمقراطي لا يمكن أن نتصوره عند وزرائنا السابقين أصحاب الضياع، بل كذلك نجد ~~الفرق العظيم بيننا وبين أوروبا حين نقارن بين أصغر المهن وأعلاها، ففي أقطار أوروبا على ~~اختلافها لا يزيد مرتب الوزير على خمسة أو ستة أمثال مرتب الكناس. # الكناس والوزير هما محك الديمقراطية. فإذا تقاربا في الأجر كانت الديمقراطية. وإذا تباعدا ~~في الأجر كان النظام الإقطاعي في الروح، وإن لم يكن في الواقع والقانون، إن الثورة التي ~~قمنا بها في مصر هي ثورة الطبقة المتوسطة، ثورة الرجل «اللي في حاله»، الرجل الذي يمد رجليه ~~على قد لحافه، وهذا الرجل ليس من العمال، وكذلك ليس هو من النبلاء والأمراء، وإخوانهم ~~الباشوات والبكوات. # ولكنه يحس قرابته من العمال؛ إذ هو يعمل مثلهم، وإن يكن عمله هنا بعقله وليس بيديه، فهو ~~عامل يتعب ويعرق. # ويعرف أنه إذا لم يتعب ويعرق فإنه لن يجد لقمة العيش، ومن هنا التفات هذا الرجل، رجل ~~الطبقة المتوسطة إلى العمال، إلى الفلاحين والخدم واعترافه لهم بحق تأليف النقابات، وسعيه ~~لأن يكفل لهم العيش الشريف بتحديد الأجور والإيجارات ومحاولته إلغاء الرواسب الإقطاعية في ~~امتلاك الأرض، بل كذلك محاولته تطهير الإدارة الحكومية حتى ترعى الضعيف والفقير ولا تقتصر ~~على خدمة الأثرياء والأقوياء. # يجب أن نساعد هذا الرجل، رجل الطبقة المتوسطة، على أن يغرس في بلادنا هذه الشجرة، شجرة ~~الديمقراطية، والفرصة الحاضرة هي خير الفرص لتحقيق ذلك، فإن لجنة الدستور تستطيع أن ترى ~~رؤيا جديدة لوطننا بأن تهيئ للمجتمع الجديد الذي يحيا على المصانع ويأخذ بالأخلاق ~~الديمقراطية. ms63 # ورجل الطبقة المتوسطة هو في النهاية عامل تقتضيه مصلحته رعاية العمال سواء أكانوا عمال ~~اليد أم عمال الذهن. # | إني أخاف على وطني.. # التاريخ لا يعيد نفسه، ولو فعل لدار حول نفسه، فلا يكون هناك ارتقاء إلى أعلى أو تقدم إلى ~~الإمام ، وإنما تكون هناك حركة دائرية تنتهي إلى حيث ابتدأت، وإنما التاريخ يعيد المشكلات ~~التي تشبه المشكلات القديمة ويقدم لها الحلول التي تشبه أو لا تشبه الحلول القديمة، ولكنها ~~لا تطابقها؛ إذ هي تجري على مستوى أعلى، أي: إن التاريخ يدور، ولكن في حركة لولبية، كلما ~~انتهى من دورة صعد درجة إلى أعلى وقام بدورة أخرى. # ونحن في هذه الأيام نعاني مشكلة بل مشكلات فلسفية كتلك التي عانتها أوروبا في نهضتها ~~الأولى في إيطاليا ونهضتها الثانية في فرنسا. # وقد ظهر بيننا نحن المصريين، ناهضون مثل قاسم أمين الذي دعا إلى تحرير المرأة، ومثل محمد ~~عبده الذي قال: إنه يعتقد أن كلمة «زندقة» ليست عربية وأنها في الأغلب محرفة عن «هرطقة» ~~اللاتينية، وأنه ليس في الإسلام زندقة. # وكلاهما عمل لتحريرنا؛ الأول: حرر المرأة من الحجاب. والثاني: حرر أفكارنا من القيود، ~~ونحن في حاجة إلى أن نذكرهما هذه الأيام. # ماذا كان يقول محمد عبده في ظروفنا الحاضرة؟ # ماذا كان يقول قاسم أمين في هذا الخبر الذي ذكرته الصحف وهو أن حكومة لبنان قد قررت تعيين ~~ثلاث سيدات في المجلس البلدي وتعيين سيدتين للقضاء؟ # ولكن فوق محمد عبده، وقاسم أمين. أحس كأن ذكرى فولتير تصدم رأسي كما لو كانت حجرا يشجه. ~~«أيكرازيه لاتفام». اسحقوا الخزي. صحية مدوية صاح بها فولتير قبل أكثر من مئتي سنة. # أي خزي هذا؟ هو خزي الاضطهاد لمن يخالفوننا في الرأى ... # إننا في أزمة فلسفية من حيث أسلوب الحياة، ومن حيث نظام المجتمع الذي يجب أن نعيش فيه. ~~ونحن أيضا في تنازع بقاء مع أمم كبيرة وصغيرة. # هل نحيا أحرارا نفكر كما نشاء، وكما يهدينا إليه تفكيرنا، أم نتقيد بقيود الماضي. وإلى ~~متى تبقى هذه القيود؟ ألف سنة قادمة ms64 أم مليون سنة قادمة؟ ثم هل نحيا في مجتمع انفصالي ~~مختلط، يختلط فيه الجنسان، وتعمل فيه المرأة أعمال الرجال أم نحرم المرأة حقها الإنساني فلا ~~تكون نائبة في البرلمان أو وزيرة أو سفيرة أو قاضية؟ # هذه الأزمة الفلسفية التي نعانيها، أي : فلسفة العيش، قد وجدت أخيرا من التفكير والتعبير ~~في موضوع الأدب والعلم ما حملنا على المناقشة التي تشبه الملاكمة، والذي حملني على كتابة ما ~~تقدم وعلى الكلمات التالية هو فولتير؛ ذلك أن هذا الأديب العظيم الذي علم أوروبا، وعمم حرية ~~التفكير، سئل ذات مرة: من هو أعظم رجل في العالم؟ فأجاب: هو إسحق نيوتن. # ولم يكن إسحق نيوتن من رجال الأدب الذين استطاعوا أن يعرفوا أن رجل العلم أيام النهضة خير ~~من رجل الأدب وأنفع منه، وبكلمة أخرى، لو أن فولتير كان قد سئل أيهما أنفع لأبناء فرنسا كي ~~يدرسوه وينقلوا مؤلفاته إلى لغتهم ... «شكسبير» مؤلف روميو وجولييت أم «اسحق نيوتن» صاحب مبدأ ~~الجاذبية؟ لقال فورا: إنه إسحق نيوتن. # وقد درس فولتير شكسبير وكان يتقن اللغة الإنجليزية التي تعلمها في إنجلترا، ولكنه كان ~~يفهم أن الحضارة علم وصناعة، ولذلك آثر إسحق نيوتن عليه؛ لأنه فهم من العلم أنه ارتقاء ~~وحضارة. # وهذا هو ما حملني في أول المناقشة الخاصة بالمفاضلة بين العلم والأدب على أن أقول بأفضلية ~~العلم؛ لأننا في نهضتنا الحاضرة نحتاج إليه؛ إذ هو وسيلة التمدن، ولا تمدن ولا قوة بلا علم، ~~وإننا نستطيع أن نؤجل «الترف الذهني» أو الأدب كما يفهمه بعضنا، و«ماكبث» و«الملك لير» بلا ~~ضرر، وعندنا ما يكفينا من الترف الذهني، الحسن والفاسد، في أبي تمام وابن الرومي والمتنبي ~~وأبي نواس، وإذا كان لا بد من الأدب فليكن أدب الكفاح والرسالة، وليس هذا أدب شكسبير. # إن القراء العرب يحتاجون إلى موسوعة مثل الموسوعة التي كان يشرف على تحريرها «ديدرو» وكان ~~يشترك فيها فولتير، والتى هيأت الشعب للثورة الفرنسية الكبرى، وهذه الموسوعة هي 99 في ~~المائة علوم وصناعات. # والقراء العرب يحتاجون إلى التنوير الغربي لعقولهم الشرقية، ms65 ولو قرأوا كتاب الأمهات ~~لبريفولد، وكذلك كتاب العلم في التاريخ لبرنال، لتغيرت الدنيا أمامهم. # ما هي نهضتنا؟ # ما هي القيم التي ننشدها؟ # ما هي الرؤيا التي نحب أن نراها لبلادنا بعد عشر سنوات أو مئة سنة؟ # هل هي رؤيا الحجاب للمرأة؟ # هل هي رؤيا أدب أبي نواس وروميو وجولييت؟ # هل هي رؤيا القيود والحدود للفكر البشري؟ هذا يجاز فيه التفكير وهذا لا يجاز فيه؟ # إن الذهن العربي في حاجة إلى أن يتغير، أي: إلى أن يتطور. # إن قلب إفريقيا الأسود يتغير في عصرنا، حتى إن الناهضين في مستعمرات بلجيكا وفرنسا ~~وبريطانيا يسمون أنفسهم «متطورين»، وهم يفهمون من هذا الوصف أنهم قد تغيروا وأنهم دائبون في ~~التغير والبعد عن الجمود. # ولو أننا كنا متطورين لما كان يمكن أن يفكر أحد منا في محاكمة «الشيخ بخيت»؛ لأن له ~~رأيا خالف الكثرة، ولو كنا متطورين لما كانت هذه المناقشة بشأن المفاضلة بين العلم ~~والأدب، ولو كنا متطورين لكان لنا نساء قاضيات ونائبات ... # ولو أن فكرة التطور كانت تسود العقلية العربية، ولو أن كتب العلم، من داروين - وداروين ~~خطير هنا - إلى برنال إلى فريزر إلى بريفولد، كانت منشورة تقرأ وتناقش، لما وصلنا إلى هذه ~~الحال الأسيفة من جمود، بل تعفن الذهن. # وأي شيء أكبر دلالة على تعفن الذهن من أن تؤلف لأبي نواس، وعنه، نحو عشرة كتب، ثم نقول ~~بعد ذلك: إننا لسنا في حاجة إلى العلم؟ وإنما نحن في حاجة إلى الأدب؟ وأي أدب؟ أدب روميو ~~وجولييت وماكبث وهامليت. # اذكروا يا ناس هذا الدق لأبوابنا في غزة، إننا لا نحتاج إلى مسرحيات شكسبير، ولا نحتاج ~~إلى تقييد الفكر، وإنما نحتاج إلى إنشاء كليات لدروس العلوم. # ونحتاج إلى ترجمة مئة كتاب في العلوم والمناهج العلمية ... إني أخاف على وطني ... ms66