######OpenITI# #META# URI: 1377SalamaMusa.MaqalatMamnuca.Hindawi94713929 #META# Tags: literature #META# ID: 94713929 #META# Title: مقالات ممنوعة #META# AuthorID: 40515160 #META# Author: سلامة موسى #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # حياة أدب وأدب حياة‏ # تأملات نهرو في السجن‏ # كيف نكون عبقريين؟‏ # كتب العلم وكتب الأدب‏ # هل الأدباء والفنانون مجرمون؟‏ # نحو النظافة‏ # أرجو أن يحرق جثماني بعد وفاتي‏ # المستبد الفاسد‏ # الواقعية في الأدب العصري‏ # ثلاثة عمالقة‏ # بين البراعة والإنسانية‏ # إنسانية العلم‏ # العرب والعلم والصناعة‏ # والفلسفة للشعب أيضا‏ # ابن خلدون والعرب‏ # شاعران من مصر‏ # صلاح الدين ومقامه في التاريخ‏ # نابليون في مصر‏ # أدباء فرنسا في اللغة العربية‏ # حيوية التفكير السياسي‏ # باريس بعد 40 عاما‏ # دماء الأعناب في فرنسا‏ # المسلمون في الصين‏ # المرأة العربية الجديدة‏ # ختان البنات‏ # جحا العاقل وجحا المغفل‏ # رسالة الكاتب‏ # حياة أدب وأدب حياة‏ # تأملات نهرو في السجن‏ # كيف نكون عبقريين؟‏ # كتب العلم وكتب الأدب‏ # هل الأدباء والفنانون مجرمون؟‏ # نحو النظافة‏ # أرجو أن يحرق جثماني بعد وفاتي‏ # المستبد الفاسد‏ # الواقعية في الأدب العصري‏ # ثلاثة عمالقة‏ # بين البراعة والإنسانية‏ # إنسانية العلم‏ # العرب والعلم والصناعة‏ # والفلسفة للشعب أيضا‏ # ابن خلدون والعرب‏ # شاعران من مصر‏ # صلاح الدين ومقامه في التاريخ‏ # نابليون في مصر‏ # أدباء فرنسا في اللغة العربية‏ # حيوية التفكير السياسي‏ # باريس بعد 40 عاما‏ # دماء الأعناب في فرنسا‏ # المسلمون في الصين‏ # المرأة العربية الجديدة‏ # ختان البنات‏ # جحا العاقل وجحا المغفل‏ # رسالة الكاتب‏ # | مقالات ممنوعة # | مقالات ممنوعة # تأليف # سلامة موسى # | حياة أدب وأدب حياة # لم يقل أحد إن غاندي كان أديبا، ولم يقل هو نفسه ذلك، ولكن حياته كانت أدبا عظيما إذا ~~فهمنا أن العظمة الإنسانية هي الموضوع الأول للأدب، وبرهان ذلك أننا نستطيع أن نؤلف قصة ~~رائعة أو قصيدة سماوية عن حياته، يكون هو بطلها الذي يقتحم الأفكار ويبني الإنسانية، ويلهم ~~الأمم ويخلق من الضعف قوة تحطم الاستعمار. # كانت حياة غاندي أدبا وفلسفة، وكذلك الشأن في ألبيرت شفيتزر الذي منح جائزة نوبل قبل ~~ثلاثة أو أربعة شهور. # والإنسانيون العظماء في أيامنا صنفان: # صنف يحيا حياة الداعية المكافح الذي يحاول تغيير المجتمع البشري، فهو يكتب ~~ويؤلف ويعمل ويغير، والأنبياء من هذا الصنف. ولكن هناك إنسانيين من غير ~~الأنبياء، أو بالأحرى هم طراز جديد ms001 من الأنبياء ، يحاولون تغيير المجتمع؛ مثل ~~كارل ماركس، وجان جاك روسو، وأفلاطون. ولا نكاد نسأل عن حياتهم الشخصية؛ لأننا ~~نقنع بمذهبهم الاجتماعي. # وصنف آخر يحيى حياة القديسين أو ما نفهمه من معاني القداسة، فهم ينصبون ~~أنفسهم للخير، ويجعل كل منهم شخصيته مثالا وقدوة لهذا الخير، ليس لتغيير ~~المجتمع، أو إذا كان لهم ذلك، فهو يتضاءل خلف حياتهم العظيمة. # ومن هؤلاء تولستوي، وجيته، وإخناتون، وشفيتزر. فإني حين أذكر تولستوي أكاد أنسى أنه كان ~~له برنامج اجتماعى يحاول به تغيير معايش الناس، وإنما تلفت ذهني حياته وشخصيته، فأذكره وهو ~~خلف المحراث يحاول أن يكون فلاحا يتعب ويعرق مثل الفلاحين، وأذكره حتى في علاقاته ~~الزوجية، وهو يحاول أن يتقشف في شهواته، وأنا أحبه في كل هذه المجهودات الإنسانية التي فشل ~~فيها جميعا أكثر مما أحبه لقصصه الخالدة. # وكذلك تروعني حياة جيته أكثر مما تروعني مؤلفاته، فإنه جاء هذه الدنيا وبنى شخصيته، بناها ~~بالحب، والعلم، والأدب، والثقافة، والسياسة. # وكذلك إخناتون أحبه لشيء واحد هو أنه كان «الشخصية» الأولى في التاريخ البشري؛ إذ رفض ~~الإيمان بالآلهة، وأعلن استقلاله الروحي، وحطم الأصنام وآمن بإله واحد، وأرجو أن يفهم ~~القارئ أني لا أعجب به؛ لأنه آمن بإله واحد، وإنما رفض الخضوع للتقاليد والعادات، واستقل ~~وفكر وجابه وأعلن وجهر، ولم يبال الكهنة، ولم يبال الخاصة أو العامة. # وكذلك الشأن في ألبيرت شفيتزر، فإن حياته، وليست برامجه، هي موضوع إعجابي وحبي، وذلك أنه ~~اختار الحياة التي شاء أن يحياها، وهذه كلمات تبدو تافهة، ولكن على القارئ أن يتأمل حياته ~~وحيوات غيرها من الناس، فإنه عندئذ واجد أنهم لا يختارون حياتهم، وإنما يختارها لهم المجتمع ~~الذي ينصب لهم الهدف، وعليهم أن يبلغوه، ولكن شفيتزر رفض الجري وراء الهدف الاجتماعي رفض أن ~~يحيى الحياة الأوروبية الناعمة المتمدنة، وأن يحيى فوق المنصة التي بلغها حين صار دكتورا ~~في الغيبيات الدينية، وفي الموسيقى يكسب الكثير من المال ويجد الكثير من الاحترام، رفض ذلك ~~كله، والتحق بكلية الطب في جامعة باريس، عندما كانت سنه ms002 قد بلغت الرابعة والثلاثين، ودرس ~~هذه الحرفة الإنسانية بغية أن يتسلح بها، ويقصد إلى إفريقيا كي يشفي جراح الزنوج المتقيحة، ~~التي أنزلها الاستعمار الأوروبى والتقاليد الإفريقية السوداء، عاش حياته كما أراد، وكما رسم ~~هذه الحياة سنة 1911، هو شخصية عالية يجب على كل مثقف أن يعرفها. # وقد أحب المسيحية وعمل بمبادئها، ولكنه كره غيبياتها، فنقب عنها وكشف عن زيفها، وأحب ~~الدنيا والخير، والإنسان والحيوان، وتعمق الثقافة البشرية، وعرف ظلامها ونورها، وآمن ~~بالإنسان وبالحب. # وهو حين أنشا مستشفى للزنوج، كان أعقل من تولستوي حين وقف خلف المحراث يسوق الماشية، ولكن ~~كليهما كان بعيدا عن أن يضع برنامجا للمجتمع يغيره ويصلحه؛ إذ كان يقنع بمجهوده الشخصي، ~~وهو لذلك قدوة عظيمة لكل منا يجب أن ينبهنا حتى لا يغفو ضميرنا ونستسلم للنوم. # إننا نعاصر، أو قد عاصرنا، أدباء حياة في أشخاص الكثيرين من الرجال والنساء قبل ألبيرت ~~شيفتزر ومدام كوري وبرنارد شو وبول سارتر وغاندي ونهرو. # هؤلاء هم أدبنا الحي الذي يروح ويغدو ويعلم ويهذب. # | تأملات نهرو في السجن # يجب أن نؤلف عشرين بل ثلاثين بل خمسين كتابا عن الهند، وكيف وقعت في الاستعمار ~~البريطاني؟ ثم كيف نهضت؟ كيف بعث غاندي الحياة الجديدة فيها؟ وكيف أقنع أثرياءها بأن يلبسوا ~~الخيش بدلا من الجبردين الإنجليزي؟ وهو الخيش الذي نعبئ نحن فيه القطن، وكيف حارب غاندي ~~الخرافات حتى قتل البقرة المقدسة بيده؟ وكيف قاد نهرو البلاد نحو النهضة الصناعية الجديدة؟ ~~وكيف رفع المرأة من الأنوثة الشرقية إلى الإنسانية الحرة؟ وكيف تسير الهند هذه الأيام في ~~الزراعة والصناعة والسياسة؟ # يجب أن نؤلف عن الهند أكثر مما نؤلف عن أوروبا؛ لأن الهند كابدت ما نكابده، وشربت السم ~~كما شربنا، سواء من الاستعمار الأجنبي أم الاستبداد الداخلي، وعرفت الرجعية كما عرفناها، ~~وكانت لها تقاليد توغل في آلاف السنين كما لنا، وكان لهذه التقاليد رجال يقولون: لا ~~تتطوروا، لا تجرءوا على التفكير. # أقول هذا بعد أن قرأت كتاب نهرو «اكتشاف الهند»، فقد انتهيت منه وفي رأسي طنين من أفكاره ~~وآرائه، ms003 وكنت في أثناء قراءتي أحس بالمؤلف رجلا مليئا بالشرف مضيئا بالذكاء عامرا ~~بالأمل. # ولكن لا، ليست هذه صفاته الأصلية؛ إذ هي ثمرة الشجرة الأصلية التي يهفوا قلبي إلى أن أرى ~~مثلها في تربتنا المصرية. إنما الصفة الأصلية في نهرو أنه رجل ناضج ليست فيه فجاجة أو ~~صبيانية، ولن أعود إلى شرح هذه الصبيانية في رجالنا، رجال العهود الماضية، ولكني أرمز إليها ~~بمنظر واحد كنت أراه قبل أكثر من نصف قرن على جسر قصر النيل، فقد كان الأمراء السابقون ~~يخرجون في عرباتهم التي كانت تجرها خيول مطهمة، كل منهم يبدو كما لو كان حصانا أو حمارا ~~قد شد لجامه فارتفع رأسه وانبعج بطنه، وكان يتقدم العربة رجلان يحمل كل منهما عصا طويلة ~~تبلغ أربعة أمتار، وقد اكتسى بسترة قزحية الألوان، وكانا يعدوان ويصيحان: هيه. هيه. هيه. ~~أبهة. فخامة. أبهة الصبيان وفخامة الصبيان. # وإني أحس كأني أسب نهرو حين أقول: إنه ليس كذلك؛ إذ هو هنا يعلو على المقارنة، ولكن هذه ~~العربة هي رمز للذهبية، والضيعة، والباشوية، والسيارة، وسائر ما نعرفه عن أبهة هؤلاء ~~الصبيان. # لقد نجحت الهند في تحقيق استقلالها، ونجحت بعد ذلك في احترام العالم صوت ساستها؛ لأن ~~هؤلاء الساسة لم يعرفوا قط هذه الصبيانية. ~~••• # لا أعرف هل كان قدرا أم تدبيرا ذلك الذي هيأ للهند رجلين يشعلان لها طريق المجد، ~~أحدهما يخاطب قلوبها وهو غاندي، والثاني يخاطب عقولها وهو نهرو. # ولكن ليس من شك أن النهضة الهندية احتاجت إلى هذين الرجلين كي تصل إلى تمام فورتها ~~وذروتها. # وهذا الكتاب الذي قرأته لو ترجم إلى اللغة العربية لزاد على ألف صفحة، وهو واحد من كتب ~~عديدة ألفها نهرو في السجن، فقد أقام في سجون الهند نحو ثلاث عشرة سنة؛ لأنه هندي يحب ~~الهنود، أو لأنه إنسان ينزع إلى الإنسانية، وهو يبدو في هذا الكتاب أديبا فنانا، ~~واقتصاديا عصريا يعرف قيمة الصناعة، ومؤرخا يشرح الحضارة الهندية قبل ثلاثة آلاف سنة، ~~ولكنه في كل ذلك غربي المزاج، وليس شرقيا؛ إذ يطلب الحضارة ms004 العصرية ويؤمن بالعلم، وحسبي ~~أن أنقل إلى القراء بعض السطور التي تنير وتدل. ~~••• # هو الآن في السجن ينظر إلى القمر فيقول: # إن القمر، وهو رفيقي في السجن، قد توثقت صداقته لي لزيادة استئناسي به، وهو ~~يذكرني بجمال هذه الدنيا، وبنمو الحياة وفنائها، وبالنور يخفف الظلام، وبالموت ~~والبعث يتعاقبان في سلسلة لا تنقطع، وهو على كثرة تغيره باق على ما هو عليه، ولقد ~~راقبته في أطواره المختلفة، وحالاته العديدة حين تطول الظلال في المساء، وفي ~~الساعات الساكنة في الليل، وحين يتنفس الفجر، ويهمس باستقبال النهار القادم، أجل ما ~~أنفعه هذا القمر حين أعد به الأيام والشهور؛ ذلك لأن شكل القمر وحجمه حين يسفر، ~~يعينان الأيام في الشهر بما يقارب الدقة ... # هذه إحساسات سجين قد ألف السجن، فعقد بينه وبين القمر ألفة لا يمكن المستعمر، أو ~~السجان، أن يحرمه إياها. # وهو في هذه الكلمات التالية ينصح للهنود بأن يعتمدوا على العلم الذي يقول عنه: # إن العلم لا يفصح لنا كثيرا أو قليلا عن الغاية من الحياة، ولكن آفاقه تتسع ~~وتتراحب هذه الأيام، ولعله يغزو قريبا ما نسميه «العالم غير المنظور» وعندئذ قد ~~نستعين به على فهم الغاية من الحياة في معانيها، أو هو يتيح لنا على الأقل أن نلمح ~~بعض ما يلقي الضوء على مشكلة الوجود البشري. # ثم يقول هذا الزعيم الذي ساهم في تحرير أمة تبلغ أربعمائة مليون إنسان: # إنى أجدني في صميم نفسى، مهتما بهذا العالم، وبهذه الحياة، ولست أعرف إذا كانت ~~هناك روح، أو أننا سنحيا بعد الموت، ومع أن هذه المسائل خطيرة فإنها لا تقلقني أقل ~~القلق. # ثم يقول: # إن تحضير الأرواح، وما يقال من عقد الجلسات بشأنها، وأنها تظهر فيها، وسائر هذا ~~الكلام، كان يبدو لي على الدوام، شيئا سخيفا ووقحا، باعتباره طريقة أو وسيلة ~~لبحث الظواهر النفسية أو الروحية وخفايا الحياة الأخرى، بل هو في العادة أكثر من ~~هذا، إذ إن تحضير الأرواح هذا هو استغلال لعواطف الناس الذين يجدون أنه من السهل أن ~~يصدقوا؛ إذ ms005 هم في حاجة إلى ما يخفف عنهم متاعبهم العقلية، ولست أنكر أنه من الممكن ~~أن يكون للظواهر الروحية أساس من الحقيقة، ولكن طرق معالجتها تبدو لي جميعا مخطئة ~~... # هذا الرجل «نهرو» قد عاش في إنجلترا كما عاش في الهند، ولذلك هو يقارن كثيرا بين الرقي ~~والانحطاط، فيقول هذا الكلام التالي الذي يجب أن يتعمق أدباؤنا المتزمتزن معانيه: # إن أسباب الانحطاط في الهند واضحة؛ ذلك أنها تأخرت في الصناعات الفنية، في حين أن ~~أوروبا التي كانت متخلفة أخذت بالارتقاء الفني، وكان خلف هذه الصناعات هذا الروح ~~العلمي، وهذه الحياة المتدفقة، التي انتفضت في نشاط واقتحام تكشف الدنيا. # ونحن نجد في التاريخ الماضي للهند تقهقرا يتوالى قرنا بعد قرن، فإذا بروح الخلق ~~والابتكار يتضاءل إزاء التقليد والنقل، وبدلا من الأفكار الثائرة المنتصرة التي ~~كانت تحاول أن تخترق خفايا الطبيعة والكون لم نعد نجد غير المعلقين والشراح ~~بتوضيحاتهم وتخريجاتهم المستفيضة، حتى إن فخامة الفن والعمارة تنهزم وتترك مكانها ~~للنحت الدقيق في التفاصيل المعقدة، بدلا من النبل في التصوير أو التخطيط، كما أن ~~قوة اللغة وخصوبتها، قوة وخصوبة ولكن مع السهولة، تزول وتأخذ مكانها زخارف وأساليب ~~أدبية معقدة. # إني أقف هنا وأتساءل: هل يومئ نهرو إلينا؟ # هل هو يتكلم عن تطعيم الخشب بالصدف والعاج، وعن المشربية التي تصنع من نوى البلح؟ # هل هو يتكلم عن زخارفنا اللفظية؟ وما معنى قوله: والقوة والخصوبة ولكن مع السهولة؟ أية ~~سهولة؟ # هل هي السهولة التي ندعو إليها كي يفهم الشعب؟ ~~••• # وكنت أحب أن أنقل ما قاله نهرو عن الصناعة، وما كان يقوله المستعمرون بأن الهند بلاد ~~زراعية، وما قلت مثله مئة مرة في الثلاثين سنة الماضية حتى صار كلامي عن هذا الموضوع يشبه ~~الهوس، ولذلك سأتركه، وكذلك لن أنقل ما يقوله عن المرأة، أليست شقيقته رئيسة جمعية الأمم ~~المتحدة هذا العام؟ وقصارى ما أقول عن نهرو: إنه رجل أوروبي الذهن مئة في المئة، وإنه يعارض ~~الرجعيين في بلاده كما يعارض المستعمرين. # وإنه لا يبالى بأن يقول للشعب الهندى: ms006 أنا كافر بأدبائكم؛ إذ هو يأنف من أن يغش الجماهير ~~التي يقودها؛ ذلك لأنه يقود، ولا ينقاد، حرصا على الزعامة. # وعندما أقارن بين نهرو وبين ساستنا القدامى، الصبيان الذين يحبون هيه، هيه، أحس كأني ~~أقارن بين أرسطوطاليس وبين صبي يعدو بدراجته في الشوارع وهو يطرب بزمارتها. # لقد حاولت أن أعلم ساستنا القدامى، وألفت عشرات الكتب، وكتبت مئات المقالات كي أوضح لهم ~~قيمة العلم، وقيمة الصناعة، وقيمة المرأة في الارتقاء الاجتماعي، ولكني لم أجد غير الاضطهاد ~~والنفور. # إني أنصح لساستنا، الذين أرجو ألا يعود أحدهم إلى الحكم في المستقبل، أن يشتغلوا فيما بقي ~~لهم من أعمار بدراسة الهند أيام الاستعمار وأيام الاستقلال، وأنا واثق بأنهم لن يندموا؛ ~~لأنهم سيتغيرون من الصبيانية إلى الرجولة، ومن فجاجة التفكير إلى النضج. # | كيف نكون عبقريين؟ # قبل أن نشرح هذا الموضوع نحتاج إلى أن نشرح نقيضه وهو: كيف نكون غير عبقريين؟ # والجواب سهل، بل في غاية السهولة، وهو: أننا نكون غير عبقريين إذا كانت الظروف الاجتماعية ~~تمنعنا بالقوانين أو بقوة وضعها الاجتماعي عن ذلك؛ كأن تكون هذه القوانين تقاليد ~~فقط. # إن تاريخ مصر وأوروبا، بل جميع الشعوب يدل على أنه وضعت قوانين لمنع التفكير البكر ~~الأصيل، وسنت قوانين تنص على عقوبة المفكرين، فقد كان في فرنسا مثلا قبل الثورة قانون يعاقب ~~كل من يجرؤ على مخالفة أرسطوطاليس، وكلنا يعرف أن قوانين الكنيسة كانت تطالب بمعاقبة كل من ~~يخالف تقاليدها ونصوصها بفكرة جديدة تنقض هذه النصوص أو تزيد عليها أو تنقص منها. # وأسوأ ما في القوانين المانعة للتفكير أن يؤيدها المجتمع حين تكون العامة هي الكثرة ~~الغالبة في هذا المجتمع، بل أحيانا يكون بحاله من التقاليد، وبلا حاجة إلى قوانين، هو الذي ~~يمنع التفكير البكر الأصيل، ولكن حين يجتمع الاثنان، التقاليد والقوانين، فإن الطامة تفدح ~~والشعب يركد وييأس. # إن مؤلفاتنا العصرية، وأعني تلك التي تحمل الروح العصرية التطورية، لا تدخل اليمن الآن، ~~وليس هذا لأن الإمام يمنع دخولها فقط، بل لأن المجتمع اليمني، بتقاليده وغيبياته، ينفر ~~منها، ms007 وفي مثل هذه الأحوال لا يمكن أن ننتظر من اليمن مؤلفا عبقريا يفكر التفكير الأصيل ~~البكر. # والذي يجب ألا ننساه أن العبقرية ليست هبة موروثة، وإنما هي كفاءة يطلبها المجتمع، بحيث ~~إذا لم يطلبها لم توجد، وهذه هي الحال المؤسفة في بعض الشعوب العربية الآن. # وفي مصر منعتنا الحكومة الاستبدادية من التفكير الاجتماعي البكر، أو ما يسميه بعضهم ~~التفكير اليساري، فتخلفنا في التفطن إلى الأصول التي ينبع منها الاستعمار، وإلى العوامل ~~التي يستند إليها، وضاعت منا عبقريات في الفهم الاجتماعي العام بسب العقوبات التي عوقب بها ~~بعض المفكرين الذين جرأوا على التفكير. # ومن عجيب ما أقرأ من وقت إلى آخر كلمات لأحد المغفلين ينعي فيها على المرأة في كافة ~~الدنيا عجزها عن الابتكار والتفكير الأصيل. مع أن القليل من التأمل في حالها الاجتماعية ~~يوقفنا على علة هذا العجز؛ إذ كانت المرأة إلى وقت قريب لا تمارس من الأعمال سوى تلك التي ~~تتصل بالبيت، وهى أعمال لا تحتاج إلى ذكاء، ونحن بإصرارنا على منعها من الاختلاط بالمجتمع، ~~إنما وضعنا بذلك قيودا على ذكائها، ومنعناها من تدريبه وتنبيهه، ولكن هذه الخمسين سنة ~~الأخيرة، التي أطلقت فيها المرأة من حدود البيت، وأخرجت إلى ميادين النشاط الاجتماعي ~~المختلفة، بعثت فيها من الذكاء ما يساوي ذكاء الرجل، وما حدث في أوروبا وأمريكا سوف يحدث في ~~مصر. # نعود فنقول مع الإحساس بالتكرار: إن العبقريات، بل الذكاء؛ مثل اللغة التي هي أعظم وسائل ~~الذكاء اجتماعية، وإنه إذا كان المجتمع بتقاليده لا يحتاج إلى العبقرية أو يعاقب على ~~ظهورها، فإنها لن توجد إلا في أفراد شاذين ثائرين سرعان ما يفرون أو ينتحرون أو يعاقبون، ~~وقد رأينا بعض هذا في مصر مما عطل التفكير السياسي عدة سنين. ~~••• # في القرنين الثاني عشر والثالث عشر ظهرت كوكبة من المفكرين المبتكرين في العالم العربي هم: # ابن رشد الفيلسوف الذي لا تزال فلسفته تناقش إلى الآن في أوروبا. # وموسى بن ميمون الذي هاجر من الأندلس إلى القاهرة، والذى شرح طريقة التفكير ~~المادي. # وابن ms008 حزم الذي قال بضرورة الحب، وكان باعثا لإيجاد الحركة الرومانتيكية ~~الأولى في أوروبا. # وابن النفيس الذي عرف الدورة الدموية قبل أن تعرف في أوروبا. # وابن خلدون أول مفكر اجتماعي في العالم كله. # هؤلاء خمسة من المفكرين المبتكرين الذي لم يسبقهم أحد إلى أسلوب تفكيرهم، والذين تجرأوا ~~على نقض المألوف من الأفكار السابقة لهم، كلهم نقضوا شيئا في التفكير القديم وأوجدوا ~~تفكيرا جديدا، ولكننا لا نجد مفكرا عربيا واحدا بعدهم. لماذا؟ # لسبب واحد هو أن التفكير الحر المستقل أصبح جريمة، وصارت الشعوب العربية تؤمن بالغزالي، ~~الذي كان يعد تعلم الجغرافية سبيلا إلى الكفر، بدلا من أن تؤمن بابن رشد أو ابن ~~النفيس. # ورأى ابن رشد مؤلفاته تحرق أمام عينيه، وينفى إلى مراكش، حيث بقي يتعفن إلى أن مات، بل ~~إن موسى بن ميمون تلميذه، كان يؤلف مؤلفاته العربية في القاهرة بالخط العبري حتى لا يقرأها ~~العرب ويتهموه بالكفر، ورأينا صلاح الدين يأمر بقتل السهروردي بتهمة الكفر. # بعد ذلك مات الفكر العربي، وازداد موتا بدخول الأتراك واحتلالهم الأقطار العربية، وأصبحت ~~النهضات العربية تعتمد على الأئمة بدلا من الاعتماد على الفلاسفة. # أصبح التفكير محظورا بحكم الآراء ورضا المجتمع، ولذلك لم يظهر عبقري واحد في الشعوب ~~العربية منذ 600 سنة، وإلى الآن، لا يزال المفكر المصري يتهم بأنه ضد التقاليد إذا جرؤ على ~~التفكير المثمر. ~~••• # كل ما سبق يعالج موضوع: كيف لا نكون عبقريين؟ # أما كيف نكون عبقريين فشروط ذلك أن نعيش في مجتمع حر، غير متجمد بما نسميه تقاليد، وفي ظل ~~حكومة غير مستبدة، أو تخشى الأفكار الجديدة، مثل حكومات إسماعيل صدقي وغيره أيام فؤاد ~~وفاروق ... # أما كيف يكون المؤلف مبتكرا عبقريا؛ فالشرط الأول لذلك أن يحب الإنسانية، وأن تكون ~~النظرة الشاملة ليس إلى وطنه وحده بل إلى العالم كله، وحبه الإنسانية، وشمول نظرته، يحملانه ~~على الرغبة في الارتقاء والخير فينقذ الحال القائمة، وهو يؤمل ويرجو في حال أخرى أسعد للناس ~~وأوفر هناء لهم، وعندئذ يؤلف كي يغير ويطور المجتمع. # وهذه هي العبقرية. ms009 # | كتب العلم وكتب الأدب # في ظروفنا الحاضرة، في فقرنا الذي يدل عليه هبوط الدخل السنوي في عام 1937، وهو نحو 830 ~~قرشا يعيش بها المصري، وعليه أن يحصل منها على قوته طيلة العام لحما وخبزا وملحا، وأن ~~يحصل منها على السكنى واللباس ووسائل النظافة ... في ظروفنا الحاضرة هذه ... أنحتاج الذي يسميه ~~الدكتور طه حسين «ترفا ذهنيا»؟ أم نحتاج إلى العلم الذي نبني به بلادنا ونعمرها، زراعة ~~وصناعة، حتى يرتفع متوسط الدخل للمصري من 850 قرشا في العام إلى 600 أو 700 جنيه، كما هو ~~متوسط الدخل في الولايات المتحدة؟ # ليس منا من يكره الترف والحلوى، ولكن أولى من الترف حاجات الصحة والطمأنينة. وأولى من ~~الخبز واللحم. # في ظروفنا الحاضرة، في فقرنا المذل، لا يتسع وقتنا للترف، بل لا نستحقه؛ لأننا نحتاج إلى ~~الخبز، وإلى اللباس، وإلى السكنى، وإلى ما يوفر لنا صحة الأم وصحة الطفل في المعيشة النظيفة ~~التي تليق بالكرامة الإنسانية. هنالك ما هو حسن وما هو أحسن، الأدب حسن ولكن العلم ~~أحسن. # ومرة أخرى أقول: إننا في ظروفنا الحاضرة، نحتاج إلى العلم وليس إلى الأدب، أي: نعجل بنقل ~~الكتب العلمية ونؤجل كتب الأدب. ونعجل بالخبز الضروري ونؤجل حلوى الترف. # لا أعتقد أن أحدا يتهمني بأني شكسبير، فإني أستطيع أن أنشد سبعين بيتا من أشعاره عن ظهر ~~قلب، كما أستطيع أن أفعل ذلك في أشعار المعري، ولكني لأني أعرف شكسبير، أقول: إن في وسعنا، ~~في ظروفنا الحاضرة أن نستغنى عنه عشر سنوات، أو عشرين سنة، بلا أقل ضرر، كما نستغني عن أي ~~ترف آخر. # وقد سبق أن قلت: إن شكسبير يعد من شعراء الملوك والأمراء، ونقلت قليلا من الكثير الذي ~~تحفل به دراماته في سب الشعب واستصغار العامة، والعامة عنده، التي يصفها بأنها تأكل الثوم، ~~هي الشعب. # ولم أكن في حاجة إلى أن أنقل ما قاله عنه تولستوي، وهو أنه مليء بالجلافة وسوء التقدير ~~للقيم الأدبية، ولا أن أنقل ما قاله عنه برناردشو، من أنه في كثير من أشعاره لا ms010 يبدي عبقرية ~~أو ذكاء، هذا بعض ما قاله عنه هذان الأديبان العظيمان، وعندي أن أعظم ما يعاب على شكسبير ~~أنه يخلو من الرسالة، وأنه ليس له مبادئ أو مناهج، ولذلك لن تجد أديبا عصريا في إنجلترا ~~يستطيع أن يقول إنه تعلم من شكسبير. # وقد يرد على الراغبون في نقل مؤلفاته إلى لغتنا بأنه «فنان»، وهو لا شك كذلك، ولكن فنه ~~ليس هو الفن الذي يمكن أن يغير في أساليب التفكير أو التعبير في أدبنا. هو ترف. # لو أنه طلب إلي اختيار بعض كتب الأدب لنقلها إلى لغتنا لقلت: العلم أولى. # فلو كرر علي الطلب لاخترت هذه الكتب التالية باعتبار كل منها طرازا لغيره: ~~(1) # الإخوة كارامازوف لدوستويفسكى باعتبارها أعظم قصة ظهرت في العالم القديم ~~والوسيط والحديث، وأنها جديرة بأن تحدث ثورة في القلوب الشرقية، وتنقل معاني ~~جديدة من الإنسانية تغير النفس العربية. ~~(2) # الإنسان والسوبرمان لبرناردشو؛ لأنها جديرة بأن تحدث ثورة في العقول، فتجددها ~~وتجرئها وتغير النظرة والعبرة للمستقبل. ~~(3) # اعترافات روسو؛ لأنها جديرة بأن تجعل أدبنا ينعطف إلى طريق أخرى غير طريقه ~~الحاضرة، فيغدو أدب البوح، أدب السريرة المكشوفة. ~~(4) # مؤلفات أناتول فرانس الذي صار رئيس الجمهورية الفرنسية في جنازته على الرغم ~~من مخالفته لعرف المجتمع الفرنسي، ويمكننا أن نتذوق من هذه المؤلفات أذواقا ~~أدبية جديدة تغيرنا. ~~(5) # قصة آنا كارنينا لتولستوي، تنقل كاملة بأسلوب تولستوي. # أختار هذه الكتب وأمثالها؛ لأنها محورية قد تغيرت الآداب الأوروبية بها، أما شكسبير فلم ~~تتغير هذه الآداب بمؤلفاته، ومع ذلك أوثر كتب العلم؛ لأن حاجتنا إليه ملحة، أما الآداب ~~فيمكن أن نؤجلها. إن لنا مشكلات روحية، ومشكلات أخرى مادية، ولا يمكن شكسبير أن يحل ~~مشكلاتنا الروحية، وإنما الذي يحلها من رجال الأدب هو هؤلاء الخمسة الذين ذكرتهم أو ~~أمثالهم. # أما مشكلاتنا المادية، فقرنا ومرضنا وموت أطفالنا، وقصر أعمارنا، وجوعنا وبؤسنا، وعجزنا ~~عن العيشة النظيفة، كل هذا يحله العلم، بل العلم في عصرنا، يحل مشكلاتنا الروحية أكثر مما ~~يحلها الأدب، وهناك فلسفة علمية، وإنسانية علمية، قد تغير بها نظرنا ms011 إلى الإنسان والطبيعة ~~والكون، والنفس العربية في حاجة ملحة إلى هذا التغير؛ لأنها نفس جامدة قديمة تحيا على ~~العقائد، وتنفر، أو تكاد تنفر من الحقائق. ثم العلم هو الذي قرر السيادة لأوروبا على الأمم ~~العربية، فإذا لم نحبه، فلنخفه ونعرفه. # | هل الأدباء والفنانون مجرمون؟ # كتب كامل التلمساني مقالا فريدا في الجمهورية تحت عنوان «نحن مجرمون»، شرح فيه اتجاه ~~الفنون والآداب أيام الشقيين فؤاد وفاروق ثم انتهى بقوله، باعتباره أحد الفنانين: # لقد كنا مجرمين فعلا في مصر الملوكية، ومن العار ألا نكفر عن خطئنا أيام ~~الجمهورية. # وأحتاج قبل أن أعلق وأشرح، إلى أن أقتبس بعض السطور مما كتبه كامل؛ لأنها جديرة بأن ~~نحققها، ثم إذا كانت حقيقية، فيجب أن نردد معانيها؛ حتى يفهم جمهور القراء موقفهم من ~~الأدباء والفنانين الذين عاشوا أيام هذين الملكين، يقول كامل: # الإجرام مرض ... والمسئول عنه ... هو المثل والتقاليد والأهداف الاجتماعية ... وما ~~يسري على الإجرام في الحياة يسري أيضا على الإجرام في الفن، فالفن المصري فن ~~شاذ مجرم خلقه المجتمع الفاسد الذي أوجدته الملوكية؛ لتعيش فيه لمصلحة أفراد ~~قلائل يتعاونون مع المستعمر الإنجليزي، ومع المستعمر الداخلي الإقطاعي، وهذا ~~التعاون المنظم ينصب على استغلال موارد البلاد، كما ينصب على استغلال مؤهلات ~~الأفراد ... كان من المستحيل على الملوكية المصرية أن تثبت أقدامها طوال السنوات ~~السود ... دون الاستيلاء الفكري على قلوب الشعب نفسه لتوجيهه لما تريد من الزاوية ~~التي تحافظ بها على بقائها ... لذلك كان لا بد للفن والإذاعة، والمسرح، والسينما، ~~والشعر، والغناء، كل الفنون، كان لا بد منها؛ لتسخر لخدمة الملوكية ضد مصالح ~~البلاد، وضد مصالح الشعب نفسه ... كان الفن المصري، في غالبيته العظمى فنا مجرما ~~من خلق سادة فاسدين، وكان الفنانون المصريون في غالبيتهم العظمى مجرمين فعلا، ~~مجرمين في حق بلادهم، ومجرمين في حق قدسية الفن ومثاليته ... واليوم، هل تغيرت ~~الصحافة والإذاعة والمسرح والسينما والموسيقى والشعر والفنون؟ # ويجيب كامل على هذا السؤال بكلماته المعتدلة: # قد تكون في سبيل تغيير شكلها، وقد تكون بصدد تغيير مضمونها، ولكنها لم تصبح ms012 ثورية ~~... لا بد لها من ثورة كاملة شاملة، ثورة في الشكل، وثورة في المضمون ... # قلت ما يكفينى للتعليق والشرح، وقد حذفت الكثير مما لا أعتقد أن حذفه يخل بموقف الكاتب ~~وآرائه. ~~••• # ولا أنكر اغتباطي بقراءة هذا المقال، فقبل أكثر من عشرين سنة ألفت كتابا عن «الأدب ~~الإنجليزي الحديث» أوضحت فيه أنه أدب الشعب وأدب المجتمع، وكان قصدي أن أعكس بمرآته صورة ~~لأدب جديد يعرفها شبابنا، ويطالبون بمثلها للأدب المصري، وفي 1952 كتبت في «أخبار اليوم» ~~مقالا بعنوان «الأدب للشعب» أثار علي عاصفة، يمكن القارئ لكامل التلمسانى أن يفهمها ~~الآن، والآن فقط لأني خالفت ودافعت، عن أدب جديد للشعب، أجل للشعب. # بل إنى في حماستى، صرحت بأني أوثر أزجال بيرم التونسي على أشعار شوقي؛ لأن الأول شعبي ~~والثاني ملوكي، والأول كان يأكل التراب جوعا في باريس؛ لسخطه على فؤاد بينما كان شوقي يؤلف ~~القصائد بالكلمات الرائعة في مدح فؤاد ويحيا في ترف موسد، ويأكل ويشرب في هناء. # وتحليل «كامل» للفنون والآداب ومرجع الانبعاث الفني والإلهام الأدبي صحيح، وإن كان يستحق ~~المزيد من الشرح، فالفنون والآداب جميعا تعبر عن المجتمع وأهدافه ووسائله، فإذا كان الفنان ~~أو الأديب ينتمي إلى الطبقة الحاكمة، ويحيا على ما يكسبه منها، فإنه يعبر عن آرائها، فلا ~~يذكر الشعب، ولا يدرس الاشتراكية، ولا يعترف بأن للشعب أية حقوق، بل ما زلت أذكر أنه عندما ~~ألغى الوغدان زيور وفؤاد البرلمان الشعبى في 1925 كانت صحفه تسمي الشعب «الرعاع». # أجل، وكان طه حسين وعبد القادر المازني يكتبان في الدفاع عنه في الجريدة التي أنشأها ~~الحزب الذي يؤيد زيور، بل وجدنا أدباء بعد ذلك يدافعون سنة 1929 عن وقف الدستور ثلاث سنوات ~~تقبل التجديد، ثم أعقب ذلك التعطيل التام للدستور، هذا التعطيل الذي وجد أيضا من يدافع عنه ~~من الأدباء. # وقد بدأ العقاد حياته الأدبية بالسير مع الشعب، وكافح مع الزعيم العظيم سعد، وسجن من أجل ~~هذا الدفاع، ولكنه بعد ذلك آثر الملوكية على الشعبية، وكذلك فعل طه حسين، ويستطيع الباحث ms013 أن ~~يجمع ما كتباه وهما مع الشعب، أيام ثورة 1919، وما كتباه بعد ذلك حين أصبحا ملوكيين، ويقارن ~~ويعلل هذا الانقلاب. # فإن طه حسين الذي ألف كتابا في أيام شبابه، عن المعري الشاعر الشعبي الذي استنهض ~~الشعوب العربية إلى مكافحة المظالم، طه حسين هذا الذي نشأ من الدرجات الأولى في السلم ~~الاجتماعي، وكافح وتعلم في جهد ومشقة، انقلب ملوكيا يفرح برتبة باشا، ويصف الشقي فاروق ~~بأنه «صاحب مصر». # ويصيح أمام الطلبة في الجامعة، يخاطب هذا الوغد بقوله: «يا صاحب مصر»، ثم لا يكتفي بهذا ~~الكفر الاجتماعي السياسي، بل يزيد عليه بقوله: «إن سلوكك الشخصي يا مولاي يصلح أن يكون قدوة ~~لشعبك والناس». # تأمل هذا أيها القارئ، فاروق قدوة في أخلاقه الشخصية لي ولك ولسائر الناس ... يقول هذا طه ~~حسين ... الذي يصف الأدب ويعرفه بأنه ترف ذهني. # ومثل هذا فعل العقاد الذي وصف فاروق بأنه فيلسوف، أعظم فيلسوف عرفه، كما لو كان هذا البغي ~~يشبه أرسطاطاليس أو أفلاطون، ويؤلف القصائد في مدح فاروق فيقول: # وما اتخذت غير فاروقها # عمادا يحاط وركنا يؤم # ولا عرفت مثله في العلا # صديقا يشاركها في القسم # فدته البلاد وفدى البلا # د بعالي التراث وغالي القيم # إلخ إلخ. # لقد أصاب كامل التلمساني، إن فؤاد ثم فاروق، قد أفسدا الأدباء والفنانين، وبدلا من أن ~~ينهضوا بالثورة عليهما انحنوا وركعوا ومسحوا الأحذية، ولم ينج توفيق الحكيم من هذا ~~الانهيار، فإن درامة «أهل الكهف» هو دعوة المجتمع اليائس إلى الموت؛ لأنه لا يجد أملا في ~~حياته، أي أمل كنا نجده في نهضة مصر أيام فؤاد وفاروق، يؤيدهما الإنجليز المستعمرون ~~والإقطاعيون المصريون؟ # لم يكن اليائسون يجدون أي أمل، ولكن كان في مصر ثائرون غاضبون يبصرون بالصباح من خلال ~~الليل القاتم البهيم، كان منا مثلا بيرم التونسي وعبد الحليم، اللذان لم يستسلما للموت، ~~ولم يفكر واحد منهما في إيجاد كهف يموت فيه الصالحون، ويرفضون الحياة كما فعل توفيق الحكيم ~~بأبطاله في «أهل الكهف». # وكان منا أدباء تمذهبوا بمذاهب الحياة الجديدة، ورفضوا الملوكية والموت ms014 واليأس. # إن آدابنا وفنوننا تحتاج إلى نهضة للتمذهب بمذاهب الحياة الجديدة، وليس بمذاهب الموت، ~~آدابنا مثل فنوننا تحتاج كما يقول كامل التلمساني إلى ثورة. # | نحو النظافة # من التحيات السامية التي أعتز بها، والتي قصد منها قائلها أن يسبني، قوله قبل نحو ربع ~~قرن: «سلامة موسى المراحيضي»، وذلك أني كنت قد ألقيت محاضرة بالجامعة الأمريكية قلت فيها: ~~إن الإصلاح الأول للريف يقتضينا سن قانون لإجبار المالكين على إيجاد مرحاض لكل منزل؛ ~~لأننا بذلك نوفر النظافة للسكان كما نوفر لهم الصحة والكرامة، وحياني صحفي عريق في جهله ~~بأني «مراحيضي». # وقبل أن يموت الدكتور خليل عبد الخالق تحدثت إليه في هذا الموضوع، فوجدت أنه قد درسه، ~~وشرع يشرح لي ضرورة هذا الإصلاح، وكيف يمكن إتقان الديدان الطفيلية بصنع المرحاض على وضع ~~وقياس معينين. # ثم قرأت في مجلة أمريكية مقالا للسيدة «رامونا بارت» عما أسمته حربا صليبية قامت بها كي ~~تعمم «السيفون» في مراحيض الزنوج في نيويورك، والسيفون هو المضخة التي تكسح المرحاض ~~وتنظفه. # ونفهم من مقالها أن منازل الزنوج كانت تحوي المراحيض، ولكن هذه لم تكن مزودة بالسيفونات ~~لفقر سكانها، وكان لهذا أثره في القذر والعفن والذباب، وقامت هذه السيدة بجمع التبرعات ~~وشراء السيفونات، وتزويد كل مرحاض بواحد منها، فهي مثلي كانت «مراحيضية» ولكنها تفوقت علي ~~بكفاحها، فجعلت دعواتها عملية. # وما أجمل أن نكافح من أجل النظافة، وما أجمل أن نخدم الفلاحين وننظف منازلهم ونطهرها من ~~القذر والعفن والذباب. # وإنه لأليق وأشرف لكرامتنا أن نعامل الفلاح بالحب، فنتحرى الوسائل والأسباب لنظافة بيته ~~وهناء عيشته، فإننا حين نذكر الريف تجري على ألسنتنا كلمات الأمن العام، وثمن القطن، والري ~~والصرف، وتكاد ألسنتنا تجهل كلمات الحب والهناءة، والنظافة لسكان هذا الريف. # ومع أني لست طبيبا فإني أعتقد أن إيجاد المراحيض أجدى على الصحة العامة للفلاحين من ~~تطهير ماء الشرب، وليس هناك أيسر علينا من أن نسن قانونا بإجبار المالكين على إيجاد ~~المراحيض في المنازل التي يبنونها، وليس أيسر على الحكومة من أن تضع رسما يسترشد به ms015 ~~المالكون، ويعملون وفقه، كي يوفروا النظافة لأكثر من عشرة ملايين مصري يعيشون بين برازهم ~~وأقواتهم. # إن الذهن الذكي والقلب البار لا يرضيان هذه الحال المزرية التي يعيش فيها فلاحونا، وليس ~~من الإسراف أن نطالب المالكين بإنفاق جزء من الأموال التي يجمعونها من محصول القطن لتوفير ~~النظافة والكرامة لنصف الشعب المصري أو أكثر. # | أرجو أن يحرق جثماني بعد وفاتي # لما مات برناردشو أذاعت التلغرافات أن جثمانه سيحرق، وأنه قد أوصى بألا يصلي عليه ~~القسيس، وقد أدخل جثمانه في الكنيسة يومين، زاره في أثنائها أصدقاؤه وودعوه بتراتيل ~~موسيقية، ثم حمل جثمانه إلى المرمدة حيث أحرق، والمرمدة مشتقة من الرماد الذي يتخلف من ~~النار، ولا تخلو منها مدينة في أوروبا حيث تقوم مقام الجبانة التي لا تزال تستعمل ~~للدفن. # وكان برناردشو يؤثر الحريق على الدفن، ولما ماتت زوجة الكاتب ه.ج. ولز دعاه إلى إحراق ~~جثمانها، وقصد معه إلى المرمدة حيث تأمل كلاهما إحراق الموتى، وقد سر ولز من المنظر، إذ رأى ~~فيه من النظافة والجمال وسرعة الفناء ما حمله على إحراق زوجته. # وقد ذكرت لنا التلغرافات أن برناردشو قد أوصى بأن يخلط الرماد المتخلف منه بالرماد ~~المتخلف من زوجته التي سبقته إلى المرمدة قبل ثماني سنوات، وهذا خيال جميل وولاء أجمل من ~~الزوجين. # وليس الإحراق للموتى جديدا، فإن الهندوكيين، الذين يزيدون على 350 مليونا، يمارسونه منذ ~~آلاف السنين، وليس في الهند كلها جبانة واحدة، إلا للقليلين من المسيحين، وحتى بعض هؤلاء ~~يؤثر الإحراق على الدفن. # ومن الإعلانات الطريفة في بعض الجرائد الأوروبية أن أصحاب المرامد يقولون: إن الحرق أرخص ~~من الدفن، وهذا صحيح في أوروبا؛ لأن الدفن يحتاج إلى نفقات كبيرة لا يحتاج إليها الإحراق، ~~وهذا بالطبع غير ما يتحيزه الدفن من قبور كان أولى بمكانها أن يزرع ويستغل. # وأنا أميل إلى الحرق، وأوثر أن يحرق جثماني بعد وفاتي لجمال الفكرة في النار تحيل جسمي ~~في دقائق إلى بخار ورماد، بدلا من ترك هذا الجثمان يتعفن، ثم ينتفخ البطن بالغازات، ثم ~~ينفجر، ويبقى ms016 على هذا التعفن بضع سنوات إلى أن يذهب اللحم والدم ، ولا يبقى غير الهيكل ~~العظمي. # وإني لأبوح هنا بسر قد يشمئز منه القارئ حين يعرف السبب، وهو أنه قد مضى علي نحو ~~أربعين سنة لم أذق فيها الفسيخ، ومرجع هذا أني كنت أشيع قريبا لي إلى قبره، وكان بالقبر ~~ميت لما يمض على دفنه عشرون يوما، فما هو أن فتح القبر حتى خرجت منه رائحة الفسيخ، وسمعت ~~من أحد اللحادين أن الميت السابق لم ينضج، وغمرتنا الرائحة كأنها نفذت إلى مسام أجسامنا، ~~وبقيت ملوثا بها شهورا. # ومنذ هذه اللحظة إلى الآن لا أطيق هذه الرائحة، بل لا أستطيع أن أذكر كلمة «الفسيخ» إلا ~~مع الاشمئزاز والقشعريرة، وهذه الحال البشعة هي مصيرنا جميعا في الدفن. # وقد يقال: إننا في الجبانات من الموتى، عظة وعبرة بالتجوال بين القبور، ولست أنكر أني أجد ~~ذلك حين أجول بين القبور، ولكن هذه العظة وهذه العبرة يمكن أن نجدهما أيضا في المرمدة، بل ~~إن الفناء السريع يحملنا على أن نحس أن الحياة لا تزيد على أن تكون هباء وهواء، وحفنة من ~~الرماد، وفي هذا عبرة أية عبرة. # وهناك من يحتفظ بالرماد بعد الإحراق في علبة تصونها الأسرة كأنها كنز، وعندي أن هذا خطأ؛ ~~إذ يجب أن نذرو الرماد في الريح كي نؤكد فكرة الفناء. # هذا هو ما فعله لندبرج الطيار الأمريكي، فإنه عقب وفاة أبيه حمل جثمانه إلى المرمدة، ثم ~~أخذ الرماد المتخلف وامتطى طائرته فوق العزبة التي قضى أبوه حياته فيها، ثم أذرى الرماد فوق ~~الحقول، من التراب وإلى التراب. # أجل إنى أوثر المرمدة على الجبانة؛ لأن الفناء بالنار أجمل من الفناء بالتعفن. # | المستبد الفاسد # يقول أحد الكتاب الفرنسيين: «إن كل سلطة تفسد، والسلطة المطلقة تفسد إفسادا ~~مطلقا». # والسلطة المطلقة هي الاستبداد، وقد يكون الاستبداد سياسيا أو دينيا أو ثقافيا. # فالمستبد السياسي: # يتولى الحكم بلا برلمان، أو هو يمكر فيزيف الانتخابات البرلمانية؛ كي يجد ~~الكثرة الخاضعة التي تعينه على الاستبداد، وقد رأينا في السنين الثلاثين ms017 ~~الأخيرة أمثلة قاسية فاضحة لهذا المستبد الذي أخر تطورنا، وعكس نهضتنا، ~~وعطل مشاريعنا الإصلاحية. # والمستبد الديني: # يصر على أن غيبياته يجب أن تكون المذهب الوحيد الذي يعم الدنيا، وأن ~~من يخالفه في العقائد الخاصة بها يجب أن يعاقب، مع أن عشر دقائق تقضيها معه ~~في مناقشتها تدل على أنه لا يفهمها. # والمستبد الثقافي: # يتجسس على ما نقرأه من كتب، وما نفكر فيه من آراء، فيحاول أن يمنعنا من ~~القراءة والتفكير؛ لأنه مستبد ويجب أن نفكر مثله فقط. # وكل هؤلاء المستبدين يحدثون فسادا في الأمة، ويمنعون تطورها، ويجبرونها على أن تجمد كما ~~جمدوا، وهم طاعون الأمم وعلة انحطاطها، وهم الإغراء القوي الذي يجذب الاستعمار ويرسخ أقدامه ~~ويؤيده. # ومن حق كل أمة أن تنهض بالثورة على هذا الاستبداد، أي: على السلطة المطلقة التي تحدث ~~فسادا مطلقا. # ولكن يجب ألا ننسى أن المستبد هو نفسه ثمرة الفساد، فهو رجل فاسد من الأصل، قد نشأ على ~~أنه لا يعرف المشورة أو المجاملة أو الرقة الاجتماعية، هو أناني يحب نفسه فقط ولا يبالي ~~بغيره، وهو كالمجنون يعتقد أنه بؤرة الذكاء والفهم والحكمة، وأن الأمة جميعا بملايينها يجب ~~أن تسير خلفه، فلا تتحدث في الساسية إلا كما يرى هو، ولا تقرأ من من الكتب إلا ما يعنيه هو، ~~ولا تؤمن بالغيبيات التي تخالف تلك التي تعلمها في طفولته. # هذا هو المستبد الفاسد الذي نشأ في بيئة الفساد حين دلله أبوه حتى كاد يستبد بهما، ~~فلما كبر بقي طفلا في عاداته الذهنية، فصار يستبد بالأمة التي يتولى الحكم فيها وزيرا، أو ~~مديرا، أو مؤلفا، أو صحفيا. هو فساد يؤدي إلى فساد. # | الواقعية في الأدب العصري # كلمة الواقعية مشتقة من الواقع، وإذن هي معالجة المؤلف للأشياء والناس والمشكلات وإيجاد ~~الحلول وفق الواقع، وليس وفق الخيال. # هي المعالجة الموضوعية التي تتفق وواقع الحال، وليست المعالجة الذاتية التي تعتمد على ~~الأغراض الشخصية، ولا يستطيع أحد منا أن يفصل الفصل التام بين ذاتيته الشخصية، وما تحمل من ~~أهواء وأغراض، وبين واقع ms018 الحال في الأشياء والناس والمجتمع والفن، بل ليس ضروريا أو ~~حسنا؛ لأننا لا نجد موضوعا ما في هذه الدنيا إلا ونحن خلفه بإحساسنا وتعلقنا ووعينا ~~وضميرنا، وجميع هذه الكلمات تلابس الذاتية أكثر مما تلابس الموضوعية، ولكن هناك أشياء ~~تجنبها المذهب الواقعي، ونجح في تجنبها، وأدى هذا التجنب إلى زيادة في الفهم وإخصاب في ~~الفن. # تجنب المذهب الواقعي أول ما تجنب، ذلك الأسلوب الموروث بشأن اختيار الكلمات المذهبة ~~وتأنقات الفصاحة والبلاغة، تجنب الجملة الزاهية والكلمة اللامعة، كما كان أسلوب العصر ~~الماضي قبل الواقعية، بل كما كان أسلوب الكتاب عندنا في اللغة العربية أيام القرون الوسطى، ~~هذا الأسلوب الذي نراه على أقصاه وأسوئه في مؤلف سيرة صلاح الدين. # فإننا هنا نقرأ جملا مسجوعة، وتأنقات لفظية، يلتذها المؤلف وقد يلتذها القارئ أيضا، ~~ولكننا ننسى في سياق هذه الكلمة الحلوة، التي نتمززها أكثر مما نقرأها، إننا إزاء شخصية ~~تاريخية عظيمة كانت قدرا في التاريخ بين الشرق والغرب، وإننا لا نعرف عن صلاح الدين ما ~~كنا نحب أن نعرفه. # تاريخ صلاح الدين الذي ألفه هذا الرجل لم يكن واقعيا وإن كان تأنقا فنيا، ومع ذلك ~~ما كان أسخفه من فن! # وكما رفضت الواقعية الكلمة المذهبة والجمل المتأنقة، كذلك رفضت الاستسلام للغيبيات، فليس ~~الفقر مثلا حكم الأقدار على الناس، وإنما هو مرض يمكن أن يعالج، وليس الإنسان أسيرا في هذا ~~الكون يخضع للطبيعة، وإنما هو سيد الكون يغير الطبيعة، وليس الإنسان عاجزا يجب أن يرضى ~~بعجزه، وإنما هو قادر على أن يحيل عجزه إلى علم ومعرفة يسيطر بهما على حظوظه. # وأخيرا ليست الواقعية من حيث إنها طراز فني للتفكير والتعبير تهدف إلى المحال، وإنما هي ~~في ظروفنا الحاضرة، ظروف الفقر والجهل والمرض، وظروف الرق والحرب والاستعمار، تهدف إلى ~~الإنسانية، أجل، ليست الواقعية ممارسة الفن للفن، الواقعية هي أسلوب الأدب الجديد، أدب ~~العلم والإنسانية معا، هي ممارسة الفن لخدمة الإنسان. # الواقعية ضد الرومانسية. # في مصر كتاب يصفون الشعراء العرب في القرون الوسطى بأسمى الأوصاف، وإنهم البلاغة كلها ms019 ~~والأدب كله، ليس أفصح من البحتري. ولا أعجب من ابن الرومي، ولا أعظم من المتنبي، أجل، ~~ويصفون الخلفاء ويتغنون بالبذخ الذي كان يعيش فيه هارون أو المأمون، والجواري والحلل ~~الذهبية والصور والكرم الحاتمي، بل إنهم ليصفون لنا برهانا على العظمة والتمدن وسمو العيش، ~~بركة قد وضع المسك بدلا من الطين على حافتها، وكل هذه الأشياء تحتاج إلى وصفها بكلمات ~~متأنقة كلها فصاحة وبلاغة ... هؤلاء رومانسيون. # ولكن في العراق كاتبا واقعيا يدعى علي الوردي، هذا الكاتب قد وضع مؤلفات أوضح فيها: ~~أن شعراء العرب في الجاهلية كانوا يمشون بالوقيعة بين قبيلة وقبيلة، وكانوا سببا لهذا ~~السبب؛ للقتال بين القبائل، يحرضون على الثأر والانتقام ولا يدعون إلى سلام، وقد ذمهم ~~القرآن ووصفهم بالغواية، ثم كان شعراء العرب بعد ذلك، أي: أيام الخلفاء، متسولين، يبيعون ~~أشعارهم في المديح والهجاء بالدينار والدرهم، يمدحون بلا سبب، ويقدحون بلا حق، أو كانوا مثل ~~ابن الرومي وأبي نواس، شعراء فاسقين، كانوا كما يقول علي الوردي، بلاء على المجتمع العربي، ~~ولم يشذ منهم ويسمو عليهم سوى أبي العلاء المعري الذي كان ينبه الشعوب العربية إلى ضلال ~~الحاكمين والمتدينين ومكرهم جميعا لخطف اللقمة من أفواه الفقراء المساكين. # إن كتاب مصر الآن رومانسيون، يتبعون الخيالات الكاذبة والإحساسات البدائية عندما يكتبون ~~عن الشعراء العرب، وعلي الوردي موضوعي، واقعي، يقول: إن الخلفاء كانوا يظلمون الشعوب ~~العربية، ويجدون من الشعراء مؤيدين لهم مادحين لظلمهم. ~~••• # الواقعية تعني أن التأليف الفني ليس هو البراعة في محاكاة القدماء في أفكارهم وكلماتهم، ~~وأساليبهم، وأهدافهم، وإنما هي النظر الموضوعي إلى المجتمع ومحاولة الوصول إلى كنه حقائقه ~~وأصوله والتعرف إلى أسباب سعادته وتعاسته. # والكاتب الواقعي لا يستسلم للأوهام بأن يكون موضوعه فخما يتناول أميرا أو ملكا أو ~~قائدا، ويكتب الأضاليل والأكاذيب عنه؛ لأن واقعيته قد نقلت اهتمامه من هذه الموضوعات ~~الملوكية إلى الشعب، إلى الآلاف والملايين الكادحة، إلى الإنسانية. # فهو مثل تولستوي، يعالج الحرب كما هي في واقعها ونتائجها ودمائها وأمراضها وأغراضها ~~العليا، إذا كانت حرب كفاح ضد العدوان. ms020 أو أغراضها السفلى، إذا كانت حرب استعمار وعدوان، ~~وهو يسائل : ما هي القيمة الإنسانية في حرب ما؟ # إني أحب، عندما يتحدث أحد عن عبقرية المتنبي، الذي وقف حياته على مدح سيف الدولة وسب ~~كافور، أن أسأل: أما كنا نحب المتنبي، ونعجب به أكثر لو أنه ألف قصيدة في وصف حياة عبد، ~~قد اشتراه سيده وهو في العاشرة من عمره، ثم خصاه كي يعيش مع الحريم طيلة عمره؟ وأحب شوقي ~~أكثر لو أن شوقي، الذي وقف حياته على مدح عباس، كان قد ألف دراما عليا عن عرابي، الذي دافع ~~عن استقلال مصر، وكافح استبداد الخائن توفيق؟ # إن الواقعية هي الإنسانية، هذه الإنسانية التي كانت تطرق أذن المتنبي وشوقي، وتناديهما ~~بشأن الرق الرسمي في أيام سيف الدولة الفعلي وفي أيام توفيق، ولكن هذه الآذان كانت في صمم ~~عن هذا النداء الإنساني؛ لأن هذين الشاعرين لم يكونا يعيشان في المجتمع، وإنما كان يعيشان ~~فوق المجتمع، ولا يزال الرق باقيا إلى عصرنا، إلى هذه السنة 1958، في بعض الأقطار ~~العربية، ولم يصرخ أديب صرخة الشرف ضد السفلة من الأمراء والأثرياء الذين يمارسونه، وذلك ~~لسبب واحد هو أن أدبنا التقليدي غير واقعي، ملوكي غير إنساني. ~~«الإنسان» ليس موضوع الأدب العربي في أيامنا. ~~«شئون المجتمع» المصري أو العربي ليست من شئون الأدب، مع كلماتي هذه بما تحتوي من لهجة ~~التعميم، أحب أن أتحفظ وأن أقول: إن طائفة جديدة من الكتاب، جديدة في الوجود؛ لأن أفرادها ~~لا يزالون صغارا، بالمقارنة في السن إلى غيرهم، قد وجدت الطريق إلى الإنسانية والمجتمع ~~فأنشأت الأسلوب الواقعي، وقد أمضى أفراد هذه الطائفة أو معظمهم بعض سني شبابهم في السجون ~~لهذا السبب، وكانت هذه السجون مدارسهم التي أختمروا فيها، وبعد الاختمار الانفجار، أو بعد ~~الاضطرام الاشتعال. ~~••• ~~«الإنسان» هو كما قلت موضوع الواقعية. # الإنسان العادي في نظامنا الطبقي؛ العامل والعاملة، والزوج والزوجة، والطالب والمعلم، ~~والأرملة واليتيم، والشاب والشيخ، كل هؤلاء وغيرهم يكدحون كي يعيشوا بعيدين عن خطر المرض ~~والجوع والفقر والحرب، ولا يمكن أن ms021 يعرف الفنان في عصرنا مشكلات هؤلاء الأفراد العاديين ~~إلا إذا درس الاقتصاد والاجتماع. # ألا يدخل الاقتصاد بيت الزوجة الأم عندما تشتري رغيف الخبز وطبق الفول في الصباح؟ # ألا يدخل الاجتماع بيت الزوجة الأم عندما يرميها زوجها بالطلاق؟ # ألا يدخل كلاهما السجن عندما يتعطلان عن العمل الكاسب ويسرقان؟ ألا يدخلان القبر عندما ~~يجوعان هما وأبناؤهما حتى الموت؟ # الأدب الواقعي هو الذي يدرس الاشتراكية، أصلها وفصلها وأسلوبها وهدفها، والأدب الاشتراكي ~~هو لذلك الأدب الواقعي في صميمه؛ لأنه هو الأدب الذي بسطت له الدراسات الاشتراكية أحوال ~~العيش وأساليب الارتزاق، وما تحوي من خير ومن عظمة وسفالة. ~~••• # في 1848 ظهر «البيان» الذي ألفه ماركس ووضع به يد الرجل العادي على أصل المجتمع، وفى 1859 ~~ألف داروين كتاب «أصل الأنواع» ووضع به يد الرجل على أصل الإنسان، وعرفنا من كلا الكتابين ~~أننا تطورنا من الغابة، وما زلنا نتطور في المجتمع، وكانت كلمة «التطور» مفتاحا سحريا ~~جديدا نعالج به مشكلاتنا ونبني به آمالنا، وحطمنا بهذه الكلمة خرافات العقائد، وتعلمنا كيف ~~نكافح كي ننير الأدمغة المظلمة، ونخرج منها الأساطير وننفذ إلى خلاياها النور. # النظرة الواقعية للكون والطبيعة والإنسان هي نظرة التطور، لقد تعلمنا من التطور أننا ~~والحيوانات أسرة واحدة، وكان إميل زولا يلحظ ذلك في قصصه الواقعية عندما تناول الحياة ~~الجنسية في الإنسان، ولكن الواقعية ارتفعت على ذلك. # فإن هنريك أبسن ينظر إلى الأسرة حيال الوضع الذي نتفق عليه ونعمم الوهم به، زاعمين أن ~~الزواج كله سعادة، وأن مكان المرأة الحقيقي في وجودنا هو البيت، حيث تجد الراحة والرفاهية، ~~وننسى أن الزوجة تمسح الكنيف، وتقضي نهارها في الطبخ والكنس، وهى في كل هذه الأعمال ~~التكرارية، لا تربي نفسها ولا تبني شخصيتها، بل لا تجد حتى الاعتراف بفضلها من زوجها أو من ~~المجتمع. # وهنريك أبسن أبو الواقعية العصرية، يحثها لذلك على أن تخرج من البيت وتنهي شخصيتها، تتعلم ~~وتتعرف إلى الدنيا والمجتمع، وتكسب، وترتزق، وتحيا حياتها، ولا تحيا تلك الحياة التي ~~يطالبها بها زوجها والمجتمع. # أنا أعده أول ms022 الواقعيين في عصرنا أو أخطرهم قبل مئة سنة. # ولكن عصرنا يحوي أدباء واقعيين أعمق منه، وإنما صاروا أعمق منه لأن الاشتراكية فتحت ~~الأبواب السرية للمجتمع، وأوقفتنا على ما فيه من خبث ولؤم، وأوهام وخرافات، وفقر وجهل، ~~وعذاب وهوان، وأوقفتنا أيضا على أحلام جديدة، أكاد أقول إنها رومانسية جديدة، هي هذا ~~المستقبل الزاهي الذي ينتظر الشعوب بتحقيق النظم الاشتراكية. # إن الوعي الاشتراكي قد أوجد وعيا للفقير والظالم، وبعث دراسات إنسانية جديدة تهدف إلى ~~البر والخير للإنسان، وتحضه على الكفاح من أجل مجتمع جديد يطمح إلى تحقيقه، كما أن هذه ~~الدراسات قد جعلتنا نفهم الأسس الاقتصادية للحرب والاستعمار، بل للتعصب الديني والتعصب ~~اللوني. # ونحن كما قلت، حين نفكر في المستقبل الاشتراكي للإنسان، ونحاول أن نضع لبنة فوق لبنة في ~~بنائه، إنما نعالج رومانسية جديدة تهدف إلى المستقبل وتخالف الرومانسيات القديمة التي كانت ~~تجد السعادة في الماضي بل أحيانا في إنسان الغابة. # الرومانسية الجديدة هي رومانسية برنارد شو مثلا، حين يرسم لنا خيالا عن «السبرمان» أي ~~الإنسان الأعلى الذي يكون منا كما نحن من القردة العليا، أو حين يهدف إلى مطامع إنسانية ~~جليلة، كأن نعيش نحو ألف سنة فنجد المجال والفرصة للتربية الشخصية، ولو أنه عاش إلى زماننا ~~لألف دراما عقب القمرين السوفيتيين عن السفر إلى المريخ. # إن العلم قد علمنا، ولا يزال يعلمنا رومانسية جديدة، ولكن هذه الرومانسية لن تنسينا ~~واقعنا المظلم الذي يحفل بالقبح والفقر والمرض والجهل، فموضوعنا الآن يجب أن يكون هذه ~~الواقعية. # | ثلاثة عمالقة # عاش في روسيا ثلاثة من الأدباء تقاربت حيواتهم حتى عاصر بعضهم بعضا فترة قصيرة أو طويلة هم: # دستوفسكي الذي مات في 1881. # وتولستوي الذي مات في 1911. # وجوركي الذي مات في 1936. # وليس هناك أديب عصري، بل حتى قارئ عصري مستنير، في أي بقعة في العالم، يجهل أحد هؤلاء ~~الثلاثة، فهم الذين عينوا طراز القصة الروسية، واستنبطوا القيم الأدبية الجديدة التي تعلمت ~~عنها أوروبا، وهم مع ذلك يختلفون، بل إن اختلافهم أكثر من اتفاقهم. # هم يتفقون في أن ms023 الأدب ليس ترفا ذهنيا، وإنما هو عذاب ذهني في بذل المجهود، في البحث ~~عن القيم. ويتفقون في أن الجمال ليس هدف الفن، وإنما الهدف هو الحياة، ويتفقون في أن حياة ~~الأديب جزء من أدبه، وحياته هي مؤلفه الأول، ويتفقون في أن الإنسانية هي الهدف الأول للأديب ~~قبل الغني.إأنهم جميعا احترفوا الإنسانية. # إن الذي يقرأ دستوفسكي يحس أن المؤلف لم يكن يستمتع بتأليف قصصه، وإنما كان يتعذب به، ~~بل إن العذاب ينتقل إلينا ونحن نقرأ الصراع القائم بين أبطال قصصه، هؤلاء الأبطال الذين ~~كانوا يجمعون في نفوسهم ضميرين: ضمير القديس المتوجع، وضمير المجرم المتوثب، ضمير الإنسان ~~وشهوة الحيوان. # وقريب من دستوفسكي تولستوي، فإن كليهما مسيحي إلى نخاع عظامه، ولكن دستوفسكي يحب المسيح ~~بقلبه وإحساسه، أما تولستوي فيحبه بعقله، ولذلك انتهى دستوفسكي إلى جملة نطق بها كلها هوس ~~هي قوله: «لو كان المسيح في جانب، وكانت الحقيقة في جانب آخر، لآثرت أن أكون في جانب المسيح ~~على أن أكون في جانب الحقيقة». جملة رعناء نطق بها القلب المفتتن بحب المسيح. # ولكن تولستوي طرد من الكنيسة لأنه قال عن المسيح: إنه لا يجد فيه غير رجل إنسانى عظيم لا ~~أكثر، وإن السلوك المسيحي هو السلوك العملي. نظر بعقله وطردته الكنيسة الروسية من حظيرتها؛ ~~لأنه استعمل عقله. # أما ثالثهم جوركي، الذي يشترك معهما في النزعة الإنسانية، فإنه يفترق منهما بأنه أديب ~~الثورة، وهذا اختلاف كبير بل خطير. # فإن دستوفسكي يكاد يتمرغ في الألم ويلتذ ألمه، وتولستوي لا يجد للإصلاح غير المسيحية، ~~نطبقها على كل شئوننا الاجتماعية، ولكن جوركي يثور ثورتين: على المجتمع وعلى ~~الحكومة. # وهو لا يؤمن بالمسيحية أو بأي دين آخر، ولكنه يؤمن بالإنسانية، بالإنسان، بالشعب، بالعلم، ~~الفضائل عنده هي من صنع الإنسان، والمخترعات والمكتشفات هي من صنع الشعب، وهو اشتراكي شعبي ~~في سياسته وأدبه، يكتب بلغة الشعب، وتنطوي كل قصة له على مسألة اجتماعية. # وروسيا إلى سنة 1917 كانت مدوسة مسحوقة بالقيصر والنبلاء، بل حتى بالكنيسة، وكلنا يذكر ~~راسبوتين، وفي هذه الظروف ms024 لم يكن مفر لكاتب إنسانى، شعبي أن تكون رسالته ثورية. هو ثائر على ~~ما يقيد حرية الفكر من كتب العقائد المضللة، وهو ثائر على الجهل والتواكل والاستسلام، وهو ~~ثائر على التجاريين والصناعيين الذين يجمعون الثروات بعرق العمال ويحرمونهم العيش اللائق، ~~وهو يدعو إلى العلم وإلى الاشتراكية، ولكنه قبل هذا وفوق هذا، يدعو إلى أن يحيا الإنسان ~~حياته كما يرسمها لنفسه مستقلا أبيا شجاعا. # الحياة عند جوركي هي أجمل ما في الكون، والحياة الحية الناهضة هي لباب الجمال، ويجب ألا ~~ننسحب من الحياة في نسك أو عزلة، ويجب ألا نقنع بالكفاف، ونجبن عن الإقدام ونلجأ إلى الكهوف ~~ونختبئ. # وأبطال جوركي هم العمال الذين نهضوا، فغسلوا رءوسهم من الجهل والخرافات، وتعلموا وقرأوا، ~~وأصبحوا ثائرين، أبطال قصصه يمثل كل منهم فترة من فترات الحياة عند جوركي نفسه، بل إن حياته ~~تختلط بمؤلفاته، ومن هنا ما فيها من صدق وكفاح. ~~••• # حياة جوركي هي مؤلفاته، ومؤلفاته هي حياته. # فقد ألف كتابا في ثلاث مجلدات، عن تاريخ حياته، نقرأه ونحس في كثير من صفحاته أننا ~~نقرأ إحدى قصصه الواقعية، وجميع قصصه واقعية منتزعة من اختباراته، ولكنها أيضا خيالية يجري ~~فيها الواقع بكل فظائعه ومآسيه، كما يسري فيها الخيال والحلم عن المستقبل الناضر والسعادة ~~المنتظرة. # فإنه يروي السفالة والخسة والفظاظة في حياة الدهماء، ولكنه إلى ذلك يرسم لنا خطوط الآمال ~~في قدرة الإنسان على التعقل والتطور والسيطرة على الطبيعة والآلة. # عرف جوركي في طفولته الفقر والذل، ورأى السفالات تحيط به، واحترف عددا من الحرف ~~الوضيعة، كانت له بعد ذلك ذخيرة لشرح حيوات الناس والتعرف إلى أهوائهم الدنيا وآمالهم ~~العظمى، فقد عمل خادما، ومشردا يلتقط الخرق ويصيد الطيور، ثم رساما معماريا، ثم بائعا ~~للأيقونات المسيحية، ثم خبازا، ثم خفيرا للسكك الحديدية، ثم وقادا للقاطرة، وأخيرا ~~عمل كاتبا عظيما ليس لروسيا وحدها بل للدنيا كلها. # من أين جاءته هذه القدرة على الكتابة؟ # إن هذه الاختبارات العديدة التي مرت به علمته، فعرف منها واقع الناس في معايشهم، ولكن من ~~أين ms025 جاءت أحلامه؟ وكيف مهر في الكتابة؟ وما الذي بعثه على الدرس وشوق إليه ~~الثقافة؟ # كيف يمكن ملتقط الخرق، وبائع التفاح الجوال في الشارع، أن يدرس أفلاطون ويناقش إسبينوزا ~~ويتفهم الأدب الروسي أو الألماني ... ثم يبني من دراساته هذه آماله وأحلامه في تغيير الواقع ~~المؤلم؟ # الجواب: أنه وصل إلى ذلك باتصاله بالمنظمات الثورية في روسيا. # فإن الثوريين، الذين شرعوا منذ السنين الأخيرة في القرن التاسع عشر يفكرون في تغيير ~~الحكومة القيصرية إلى جمهورية اشتراكية، كانوا يؤلفون الجمعيات ويؤلفون الكتب، الكتب ~~للتنوير والجمعيات للعمل. # وقرأ جوركي هذه الكتب، وتعب ودرس، وكافح أميته التي نشأ عليها، وهو يحدثنا في المجلد ~~الثالث عن الجامعات التي تعلم فيها والتي خرجته أستاذا عظيما في الأدب، وهو يسمي هذا ~~المجلد «جامعاتي». # ونقرأ هذا المجلد فلا نجد فيه اسما واحدا لإحدى الجامعات، وكيف يمكن بائع التفاح، ~~وملتقط الخرق أن يدخل إحدى الجامعات؟ # لا، إنما كانت جامعاته منهج الثورة الذي طالبته ببرنامج بل ببرامج، لقد اتصل بالمنظمات ~~الثورية السرية، وعرف منها ضرورة التغيير، أي: التغيير لوسائل العيش في المجتمع، ونقلها من ~~المبدأ الانفرادي إلى المبدأ الاشتراكي، مع تغيير حكومة القيصر الاتوقراطية إلى حكومة ~~ديموقراطية اشتراكية، هذا هو المنهج. # ولكن هذا المنهج بعث فيه الرغبة بل الشوق إلى الدراسة، فكانت هنا جامعاته في الكتب، فدرس ~~الاقتصاد، والأدب، والعلم، والتاريخ، الدين، والفلسفة. # جامعاته هي الكتب، وأعظم ما أثر فيه كما سنرى، هو العلم. # العلم هو الذي جعله يحلم ويبني الآمال، فيجعل قصصه لذلك واقعية خيالية، إن جوركي أحيانا ~~يشمئز من حياة العمال، من قذارتهم، وسكرهم، وضربهم لزوجاتهم وجهلهم، واستسلامهم للعقائد ~~الخرافية، وخضوعهم، ولكنه مع كل ذلك يرى آفاق المستقبل المشرقة فيحلم ويتخيل، ويبني أحلامه ~~وخيالاته على العلم الذي سيغير الدنيا. # وتمتاز «الجامعات» التي تعلم فيها جوركي بأنها لم تفصله عن الشعب في غرف دراسية تلقى ~~فيها المحاضرات بعيدا عن السوق والمتجر والمصنع؛ إذ كان وهو خباز، يحمل ويخبئ في صدره ~~رسالة صغيرة عن علاقة الأجور برأس المال أو كتابا لكوربتكين عن ms026 زيادة الإنتاج حتى يصير ~~الفقير غنيا. # ثم كانت هذه «الجامعات» أيضا تمتاز بأنها لم تحمله على إضاعة وقته في دراسات ومناقشات ~~موروثة عن القرون الوسطى أو في التعليقات والتفسيرات لأشعار شكسبير أو درامات ~~الإغريق. # كان جوركي يقرأ، ويدرس، ويختار، وفق حاجاته الذهنية، ولذلك كان يهضم ويمثل ولا يقيء ما ~~قرأ ودرس، كان إحساسه بجاهلية شبابه يجعله يحس الظمأ للمعرفة. ~~••• # ولكن تقلبه في الأعمال الوضيعة، أو ما نسميها وضيعة في نظامنا الاجتماعي، جعله يحس إحساس ~~الشعب، وكانت لقمة العيش الجافة التي كان يحصل عليها بالعرق والتعب تحمله على التفكير في ~~غيره ممن يأكلون مثل هذه اللقمة، ولا يكادون يسيغونها. # وحين يكون الشعب الأساس أو الهدف للأديب، يزدهر الأدب، وتزخر الثقافة؛ وذلك لأن أحوال ~~الأفراد في الشعب، وأهدافهم، وألوان البؤس أو السعادة فيهم لا تنتهي؛ ولذلك نحن نجد في ~~أبطال القصص التي ألفها جوركي شخصيات تتعدد وتتنوع، نجد الراهب في صومعته، والمشرد السفاح، ~~والصبي المترف المدلل، والثائر، والجاهل الذي يحاول أن يتعلم، والصحفي البائس، والثري ~~المستبد والرجل الناهض، وجوركي يحب اثنين من الرجال ويكره اثنين: # يحب الرجل الناهض الذي أفاق من نومه وشرع يستطلع الدنيا ويدرس، ويكبر، حتى ولو كان ~~رأسماليا، أي: الرجل الذي ينفض نفسه من الكسل أو يرتفع من الوهدة التي أراده فيها ~~المجتمع، أو الثائر الذي يحاول التغيير لهذا المجتمع. # ثم هو لحبه للحرية والاستقلال والاستطلاع يحب شخصا آخر هو ما نسميه «المتشرد»، فإنه ~~يؤثره على الثرى الناعم الذي لا يكاد يعرف من الاستمتاعات في هذه الدنيا غير الطعام ~~والشراب، كما يؤثره على التاجر الجشع الذي يجمع المال لمحض جمع المال، ويتعس الآلاف في سبيل ~~ذلك بإفقارهم وحرمانهم. # وواضح أن جوركي لا يدعونا إلى أن نكون «متشردين» ولكنه يهدف إلى المقارنة بين من يسميهم ~~السادة الممتازين بالمال، المستمتعين بالكسل والطعام والشراب، وبين المشردين العاطلين الذين ~~يحملون في صدورهم عواطف فجة بدائية للثورة، فيهيمون، كما يهيم هو عندما استقر فترة من حياته ~~على صيد الطيور، وكأن هذا العمل حرفة. # وهو ms027 في هذه المقارنة يكاد يقول لنا: إن في هذه الدنيا ما هو أهم من جمع المال، إن في ~~الدنيا حقولا وطيورا، ولذة الاستيقاظ في الصباح لرؤية الشمس في شروقها، ومتعة الحب الخارج ~~على القواعد، والائتناس بالحديث إلى الرجال والنساء في الحانات أو عبر الطرق، بل كذلك ~~التشرد بالتقلب في الحرف. # ثم يكره اثنين من الرجال؛ هذا العصامى الذي لا يهدف من حياته إلا إلى جمع المال، أي: ~~الرجل الذي كان يمدحه صمويل سمييلز ويقول: إننا يجب أن نكون مثله. هذا الرجل هو الثمرة ~~المرة للمباراة الاقتصادية في الشعوب التي تحيا على المبادئ الانفرادية، وليست المبادئ ~~التعاونية الاشتراكية. ومثل هذا العصامي لا ينجح إلا بسقوط العشرات ممن كانوا يبارونه ~~ويحاسدونه، وآلام المئات من العمال الذين كانوا يخدمونه. # والشخص الثاني الذي يكرهه هو الرجل الذي لا ينهض، الجاهل الذي يرضى عن جهله، والذليل الذي ~~يرضى ذله، والحيوان الذي يمارس اللذات الحيوانية ولا يعرف ما هو أعلى منه. ~~••• # حين يموت أديب ونجد الحرية لنقده وتقييمه دون أن نجرح كرامته نسأل هذا السؤال: هل كانت ~~المشكلات التي شغلته وألف عنها كتبه مشكلات حقيقية تنبع من وجود الإنسان، ونظام المجتمع، ~~واستقلال الروح، وارتقاء الشعوب، والحرية، والمساواة، والإنسانية، أم كانت مشكلات تافهة ~~جوفاء كنا نلتفت إليها في حياته؛ لأنه كان يصيح ويصرخ في آذاننا حتى إذا مات نسيناها ~~لتفاهتها؟ # ومثل هذا السؤال يمكن أن يسأله الناس في كل عصر وفي كل قطر، ويمكن أن يسأله الناس الآن ~~وبعد الآن في مصر. # أنت رجل أيها الأديب، أنت إنسان، تطلب الخير للشعب الذي تعيش فيه، أنت تفهم معنى التطور، ~~وقيمة الحرية، حرية النفس في أن تسلك السلوك الذي تهواه، وحرية العقل في أن يفكر في ~~استقلال، تؤمن ببينة العلم بدلا من الإيمان بالعقائد الموروثة، وأنت من الشعب، فهل خدمت ~~الشعب والإنسانية والحرية والتطور والعلم؟ # إن جوركي فعل ذلك، خدم الشعب والإنسانية والحرية والتطور والعلم. ~~••• # البطل الأول في جميع قصص جوركي هو الرجل الناهض، بل المرأة الناهضة أيضا، هو ms028 الرجل الذي ~~يقف لحظة في حياته ينظر إلى الخلف وإلى الأمام، إلى ماضيه وإلى مستقبله، فيقول: كنت جاهلا ~~فيجب أن أتعلم. كنت في غيبوبة فيجب أن أتنبه. كنت عبدا للخرفات والاصطلاحات فيجب أن أتحرر. ~~كنت أنانيا فيجب أن أكون إنسانيا. كنت إحيا بلا قصد، بلا وعي فيجب أن أحيا عن قصد ~~ووعي. # نحيا عن قصد ووعي في هذه الدنيا! هذا شيء خطير. # وقصة «الأم» التي ألفها عقب فشل الثورة الروسية ضد القيصر في 1905، هذه القصة تدلنا على ~~اهتمامات جوركي في أدبه وحياته. # كلاهما يندغم في الآخر، أجل، إن اهتماماته هي: انهض. تعلم. اخدم الشعب. اعمل للمساواة ~~والحرية. ارتفع من شئونك الشخصية الصغيرة إلى الشأن الإنساني العظيم. امتلئ بنهوض الشعب ولا ~~تيأس، فإن الحق والعدل سينتصران على الباطل والظلم. # لما فشلت ثورة 1905 وذبحت حكومة القيصر آلاف الآباء والآمهات والأبناء من الشعب سادت ~~فترة من اليأس والغم، قابلها جوركي بقصة «الأم» كي يبعث الأمل والشجاعة ويحيي الثورة التي ~~خمدت، ونحتاج إلى القليل من النظرة في هذه القصة. # إن القصة تبدأ بعامل تقدمت به السن، يعمل كثيرا في المصنع ويتعب كثيرا، فإذا ترك ~~المصنع وقصد إلى بيته لم يجد شيئا ينسيه تعبه ويأسه وفقره سوى الخمر، يشربها حتى يغيب عن ~~وعيه، هذا الوعي الذي لا يطيقه. # ويموت الأب، ويخلفه ابنه، ويقتدي به، يعمل في المصنع ثم يعب الخمر في المساء، وكأن الدنيا ~~بحضارتها وثقافتها، وهمومها الإنسانية، واهتماماتها الاجتماعية، أشياء بعيدة عن ذهنه لا ~~يعرفها، وتتأمل الأم ابنها فترى فيه صورة أبيه ومصيره، أي: الموت بعد الفقر والبؤس، فتناشد ~~فيه مع البكاء، رجولته وشرفه، وتدعوه إلى ترك الخمر. ولكلمات الأم أكبر الأثر في ~~التوجيه. # ويكف الابن «بافيل فلاسوف» عن الخمر، ويصحو نهاره وبعض ليله. # وعندما يصحو يفكر، وعندما يفكر يسخط، ثم يدفعه السخط إلى التفكير مرة أخرى، ويعرف زملاء ~~له من المفكرين الذين يحملون في قلوبهم الهموم الوطنية، والهموم الإنسانية ويقرأ كما ~~يقرأون، الكتب البذرية التي يؤلفها الحالمون، الذين عرفوا الواقع ولم ييأسوا، ms029 بل أملوا في ~~مستقبل زاهر تنهدم فيه منظمات الظلم والاستغلال والامتياز، فيجتمع مع هؤلاء الحالمين من ~~العمال والأساتذة والطلبة يتذاكرون السوء الذي يعيشون فيه، وينظمون الدنيا المشرقة القادمة، ~~وهو يجد بهذا الارتباط بهؤلاء الثائرين الحالمين، قوة تنويرية عظيمة لذهنه الخام، فيقرأ ~~ويدرس ويصنع من نفسه رجلا جديدا، فلا يفكر في الخمر يشربها كي ينسى بها بؤسه، وإنما يفكر ~~فيما يزيد يقظته من هذه الكتب. # وأمه الجاهلة، التي لم تعرف أيام زوجها غير الطبخ، وتحمل الضرب، وشراء الخمر، هذه الأم ~~تتأمل في استطلاع ابنها وهو يعب ويقرأ، ويخبئ الكتب المحرمة، ثم تحدس بعقلها البدائي وترى ~~من الاجتماعات السرية التي يعقدها مع زملائه ثم شيئا جديدا تكاد تفهم خطورته ~~وخطره. # تفهم أن ابنها وزملاءه يخشون الشرطة، وأنهم يقومون بحركات قد تنتهي بهم إلى السجن، فتمتلئ ~~خوفا على ابنها، ولكنها مع ذلك كانت تنظر إلى هؤلاء الزملاء وتقشفهم في العيش واستقامتهم ~~في السلوك وكياستهم في المعاملة، فتمتلئ إعجابا بابنها الذي لم ينشأ مثل أبيه سكيرا ~~قذرا لا يعرف من الأصدقاء غير رفقاء الحانة، ولا يفتح كتابا ولا يطيق اليقظة، إن ابنها ~~يعرف الطلبة والأساتذة المهذبين ولا يشرب الخمر. # ويدفعها حبها لابنها إلى السؤال عن معنى الثورة بل معانيها، وإلى الأهداف الإنسانية ~~الكبرى التي يحتضنها ابنها وزملاؤه، وإلى البرامج التي يتبعونها، وتتسلل الكلمات والأفكار ~~إلى قلبها، ويدخل شعاع بعد شعاع من النور إلى عقلها المظلم، فيستضئ، وتشرع وهي في العقد ~~الخامس أو السادس من عمرها في تعلم القراءة. # لقد أحالتها أفكار الثورة إلى إنسان ناهض بعد نصف قرن من الظلام، وتلقي حكومة القيصر ~~القبض على ابنها؛ لأنه يخطب ويوزع المنشورات الثورية ضد القيصر، وتطرحه في السجن. # ولكن الأم التي كانت جديرة قبل ذلك بأن تصرخ وتولول؛ إذ لم يكن لها في هذه الدنيا من آمال ~~سوى هذا الابن، تتغلب على الصدمة، وتنهض، وتتابع في جد الدعوة إلى الثورة، لقد تغيرت هذه ~~المرأة وعرفت قصدا جديدا في الحياة. # كانت أما لابنها، فأصبحت بمبادئ الثورة التي ms030 تعلمتها أما لجميع الشباب في العالم، ~~وكانت تقصر اهتماماتها على شئون بيتها فأصبحت تهتم بالإنسانية كلها، لقد أخذ القصد العام في ~~حياتها مكان القصد الخاص. # إنها توزع المنشورات التي تشرح للناس سوء حياتهم، وعبء مظالمهم، وعبث القيصر وأعوانه ~~بمصائرهم، وتقرأ، وتفهم. # وهذه هي السعادة الراقية، السعادة التي تجدها في زيادة الوعي بأن نتألم، بل نتعذب، حتى ~~نعرف ونوجه ونصلح الدنيا، بل الواقع أن ما نعانيه من ألم وعذاب يعود لذة سامية لإحساسنا ~~بأننا نؤدي واجبا إنسانيا على المستوى العالي في حياتنا. # ويقبض على الأم، بعد القبض على الابن، ويستمر القيصر وحكومته في متابعة خطط الإذلال ~~للشعب، ولكن إلى حين. # هذه هي القصة التي تشرح لنا كيف كان الثائرون في روسيا يعملون قبل أن تصل الثورة إلى ~~انفجارها الأخير في 1917. ~~••• # قصة الأم هي الطراز الذي يمكن أن نقول: إن سائر مؤلفات جوركي قد بني على غراره، فإننا ~~حين ننهض بالثورة على المظالم الاجتماعية والحكومية إنما تنهضنا أيضا هذه الثورة. # الثائر ناهض يقظ بعد ركود ونوم. # الثائر يجد القصد في حياته بعد استسلام للقدر. # الثائر يفكر ويتعلم ويتطور. # الثائر يجد الدنيا والمجتمع والإنسان والعلم موضوع اهتمامه بدلا من تلك ~~الاهتمامات الصغيرة، التي تمتلئ بها النفوس الصغيرة من السعي وراء الثراء ~~والتفوق والجاه. ~~••• # إن جوركي واقعي، يصف لنا أحيانا الظلام الحالك في النفوس المريضة التي أفسدتها مظالم ~~المجتمع، وهو مع أنه يضيف إلى هذه الواقعية في أغلب الأحوال أملا مشرقا في المستقبل، فإنه ~~لا يتعامى عن المصير المحزن، واليأس الشامل اللذان يسودان الناس في بعض الأحوال. # وقصته «مخلوقات كانت رجالا» هي قصة الانهيار النفسي أو الجسدي فيمن صدمتهم الحياة ~~وحطمتهم، فهم ليسوا أناسا وإنما هم حطام من الناس، يرتكبون الجريمة، ويجرأون على الفضيحة، ~~ويفرون من الزوجة والأبناء، ويهيموا لصوصا أو مشردين، ويعالجون بؤسهم بالخمر، ويحيون ~~حياتهم في ظلام لا يتخلله بصيص من النور أو شعاع من الأمل. # إن العلاج يقتضي أن يولد هؤلاء الساقطون ميلادا جديدا كما ولد «بافيل فلاسوف» على أيدي ~~الشبان ms031 الثائرين الذين علموه قصدا جديدا في الحياة أعم وأكبر من الأهداف الشخصية الصغيرة ، ~~وحين لا يوجد هذا القصد، الأعم الأكبر، يكون الموت أو الجنون، ونحن نجد الموت بالخمر قبل ~~الدفن الرسمي، في هذه المخلوقات التي كانت رجالا، ونجد الجنون في قصة «فوما جوردييف»، فان ~~هذه القصة أيضا لا تنتهي بالنور يشرق على الظلام، وإنما نهايتها جنون يطبق على العقل ~~العاجز. # ولكن في كلتا القصتين نحس وطأة المجتمع، التي تدفع بهذه «المخلوقات» إلى الخمر، تدفع ~~«بفوما جوردييف» إلى الجنون. # نشأ «فوما» في عائلة يرأسها أبوه التاجر الذي لم يكن يفهم من معاني الصلاح والخير ~~والاستقامة في هذه الدنيا سوى تحقيق النجاح، والنجاح عنده هو جمع المال، أليس هو ~~خيرا؟ # ويموت الأب، ويرثه الابن في ثروته المؤلفة من بخاريات تنقل البضائع في نهر الفولجا، ثم ~~يشرع الشاب في التعرف إلى الدنيا، فقد أهمل أبوه تعليمه، ولم يلتفت إلى تربيته، وكيف كان ~~يمكنه أن يربيه مع أنه هو لم يحصل على تعليم أو تربية؟ كما أن أمه كانت قد ماتت وهي في ~~ميلاده، وهو يتعرف إلى الدنيا من أسفل، فيشرب الخمر وينزق نزق الشباب محروما من الصديق ~~الناصح أو الكتاب المنير، كانت كل ميزاته أنه ثري، بل كان له صديق هو شبينه، وكان للشبين ~~مقام كبير في روسيا القيصرية. # ولكن هذا الشبين كان أيضا تاجرا، ينظر إلى الدنيا ويتخير منها كل ما له قيمة تجارية، ~~والنجاح عنده هو الثراء. # والتاجر هو أكره ما يكره جوركي، هذا التاجر الذي كثيرا ما يفخر بأنه عصامي، مجد، ~~مثابر في أي شيء؟ في جمع المال، يجمع المال لمحض جمع المال، وهو يحتقر كل من لا يثرى مثله، ~~ويتهمهم بأنهم كسالى خائرون لا نفع منهم. # وفوما يتعرف إلى صحفي منهار وعلى دراية بالبؤس الاجتماعي، وهو ينهار ويدمن الشراب؛ لأنه ~~يعجز عن الإصلاح. # والقليل الذي تعلمه فوما من هذا الصحفي يحمله على التأمل فيمن حوله من أمثاله الأثرياء، ~~فيجد الخسة والسفالة والغدر تعلو إلى المكانة الاجتماعية المرموقة، وينفجر في ms032 إحدى الحفلات ~~عقب الشراب الذي يحمله على أن يبوح بما في صدره، ولكن ثورته صبيانية غير ناضجة، طارئة ~~مفاجئة ليس لها تدبير؛ ولذلك يتألب عليه الأثرياء، وبما لهم من حظوة في المجتمع والحكومة ~~يبعثونه إلى مستشفى للأمراض العقلية، ثم يفرج عنه مجنونا يتسكع في الشوارع. # إن جوركي في قصة «المخلوقات التي كانت رجالا» ثم في قصة «فوما جوردييف» لا يجد مجالا ~~للتفاؤل، وهو هنا واقعي لا أكثر. ~~••• # إن إيمان جوركي بالإنسانية لا ينطوي على قدرة الإنسان على الثورة على المظالم فقط؛ إذ هو ~~يبني آماله في الثورة على أنها تعمل بالعلم، العلم الذي يحرر الإنسان من خرافات القرون ~~المظلمة، العلم الذي يضع البيئة والتجربة مكان العقيدة والتسليم، العلم الذي حين نعرفه ~~ونتحقق من ممكناته، نقول: كنا عبيدا فصرنا أحرارا، العلم الذي نأمل به أن نرفع دخل ~~العائلة المصرية في المتوسط من أربعين جنيها في العام إلى ألف جنيه، وإلى ألفي جنيه في ~~العام، العلم الذي يبصرنا بأصل الكون ونهايته، بلا خرافات موروثة. # في سنة 1929 كتب جوركيى مقالا ذكر فيه قصة وقعت في 1917 يقول فيها: إن أحد الجنود الذين ~~اشتركوا في الثورة كان يتحدث إلى أحد أعدائها، أعداء الثورة، وكان يصف له ما سوف يقوم به ~~النظام الجديد ويشرح الآمال ويبني القصور، فكان عدو الثورة يتهكم به ويقول: «إنكم ستجعلون ~~العالم كرويا كالبطيخة». # فيقول الجندي «أجل، سنجعله كذلك». # فيقول العدو: «ستجعلون الجبال وديانا». # فيقول الجندي «أجل، بلا شك، إذا ما كانت هذه الجبال ستقف في طريقنا». # ويقول العدو: «وستعكسون مجرى الأنهار حتى تعود مياهها القهقرى». # فيجيب الجندي «أجل،هذا سوف نفعله،سنوجه مياهها إلى حيث نريد،ماذا يضحكك في هذا؟». # ويزيد الجندي عى ذلك فيقول: «لا نحتاج إا إلى الوقت الذي يعيد إلى الناس عقولهم، وعندئذ ~~ستنجون وتشكروننا». # ما الذي كان يقصده الجندي هذه الإجابات؟ كان يقصد أن الدنيا ستتغير بقدرة الإنسان، ~~بالعلم. # إيمان جوركي بالعلم كبير، كتب في 1912 يقول: # إن العلم قد أصبح المركز العصبي للأرض. # وفي 1935 كتب يقول ms033 عن استخدام العلم في روسيا: # إن الشعب يوجد علاقات جديدة بين الأنواع المختلفة من المادة، وبذلك تتغير ~~الدنيا. ~~••• # في إحدى الدرامات التي ألفها برناردشو يقف أحد الأشخاص ويندفع في نقاش يبدي فيه غضبه من ~~أولئك المؤلفين الذين تباع مؤلفاتهم، فإذا فتحت الكتاب وشرعت تقرأ وجدت ما يتعسك من هموم ~~ومشكلات ومآس يعرضها عليك المؤلف، فتحزن وتبتئس أو تسخط وتلعن. # ويقول هذا الشخص: إن المؤلف لهذا الكتاب تجب مقاضاته واسترداد ثمن الكتاب منه؛ لأنه باع ~~سلعة مغشوشة؛ إذ هو يفهم من اقتناء كتاب ما أن مؤلفه يرفه عنه، ويلهيه معه، ويسليه، ويتيح ~~له أن يقضي ساعة سعيدة يقرأ فيها عن الحوادث الطريفة في الأسلوب العذب، أما إن فعل العكس، ~~وعرض عليه المشكلات الاجتماعية التي تحزنه، فإنه يعد غشاشا أخذ ثمن الكتاب بغير حق. # وكثير من قراء الصحف والكتب يطلبون اللهو والتسلية فيما يقرأون، ويجدون من يزودونهم بما ~~يطلبون، وهم يبقون على هذه العادة طيلة حياتهم، ضمائرهم منومة في غيبوبة كما أن عقولهم ~~مقفلة لا تستنير. # ولكن هناك نوعا آخر من الكتب المرة، يؤلفها الكاتب المر، الذي لا يختار لك ما يحلو وينوم ~~ويخدر، ولا يستهدف العبارة الأنيقة أو الأسلوب العذب؛ لأنه إنما يعالج شأنا أعظم في حلاوة ~~التعبير، أو لذة النادرة، أو طرافة النكتة. # إنه يعالج المشكلات الخطيرة للمجتمع والضمير، ولا ينفك يثير الغبار، ويحفر عن العفن ~~المختبئ، ويفضح السرقة والغدر، ويحض على الثورة على المظالم، بل أحيانا يتعسك؛ لأنه يجعلك ~~تقف على ما فيك أنت من تفاهة أو تراخ أو استهتار، وأنت تخرج بعد قراءتك له ونفسك مرة قد ~~ازدادت الدنيا مشاكل في وجهك بدلا من أن تنقص، وقد ازددت أنت إحساسا بنقصك وأحمالك، فأنت ~~تغضب وتسخط أو تحزن وتبتئس، أجل، ولكنك تستنير وتستيقظ، ولعل يقظتك هذه تكون وسيلة لأن ~~تتغير وتتطور وترتقي في تقويم نفسك وزيادة إنسانيتك وإصلاح مجتمعك. # وليس هناك كاتب عظيم إلا وتحس المرارة فيما يكتب، وهذا هو الشأن في برناردشو على الرغم من ~~نكاته التي يضحكنا ms034 حتى لنبكي، وهذا هو الشأن أيضا في تولستوي ودستوفسكي وفولتير ورينان، ~~وذلك لأنهم يعرفوننا بالأحزان والمآسي والمشكلات التي تحيط بنا، والتي نغفل عنها ذاهلين ~~في لهونا. # كان مكسيم جوركي يسمى في ورقة ميلاده إليكزاي بيشكوف، ونشأ على هذا الاسم إلى أن وجد أن ~~له قلما يشرع ما كان يعانيه أبناء وطنه من مآس ومظالم وقذر وعفن، فشرعه يشرحها ويبسطها في ~~قصص مرة مؤلمة، واتخذ لذلك اسم مكسيم جوركي، وكلمة «جوركي» تعني في لغته «المر». # لقد عرف رسالته في هذا الدنيا وعرف أنه كاتب مر، يعلم قراءه، ويقسوا عليهم، حتى يستيقظوا، ~~ونحن نقرأه لا لنلهو ولكن لنتألم ونتنبه ونزداد ذكاء ورجولة. ~~••• # الفن هو شكل ومضمون. # فأما المضمون عند جوركي فقد ذكرته، وهو يتلخص في الإيمان بعظمة الإنسان، والأمل في ~~مستقبله العظيم باستخدام العلم، وليست الفضائل عنده من صنع الحكومات أو الأديان أو الحكماء، ~~وإنما هي من صنع الشعب. # وهو مثل جميع الأدباء العظماء في التاريخ يجد أن الإنسان في صميمه نبيل، جميل، طيب، وإنما ~~يفسده الفقر والظلم والجهل، وأن الاعوجاج يعود إلى مظالم المجتمع وليس إلى فساد أصيل في ~~فطرة الإنسان. # هذا هو مضمون الفن عند جوركي، والآن ما هو الشكل؟ # وأنا أجيب عن هذا السؤال بسؤال آخر، هو: هل لنا الحق بعد أن عرفنا المضمون أن نسأل عن ~~الشكل؟ # أنا لا أسأل هذا السؤال؛ لأن المضمون عند جوركي يستغرق كل ذهني. # | بين البراعة والإنسانية # جميع الذين عرفوا الأدب الروسي، وقرأوا قصص العمالقة من تولستوي إلى جوركي، ومن دستوفسكي ~~إلى أهرنبورج، يذكرون الأثر العميق الذي تركته في نفوسهم القراءة الأولى في هذا الأدب؛ ذلك ~~أن القارئ لهذا الأدب يجد هواء جديدا وحنانا جديدا وإنسانية جديدة. # إن هناك من يزعمون أن في القصة الروسية، سواء أكانت قصة أم أقصوصة، براعة أو مهارة، أما ~~أنا فلا أجد ذلك، وإنما أجد إنسانية وحنانا يشيعان بين أشخاص القصة مهما اختلفت اتجاهاتهم ~~أو تفاوتت درجات ذكائهم. # بل أزيد على ذلك وأقول: إنه حين يعمد المؤلف الروسي ms035 إلى البراعة، كما يفعل دستوفسكي ~~أحيانا، تنقص قيمة القصة، ولكنه حين يتناول أشخاصه كما هم، في سيرة الحياة وسرد الحوادث، ~~على الطبيعة والأصل والنزعة، بلا أي مبالاة بالبراعة، هنا فقط نجد الفن العالي ... وبكلمة ~~أخرى أقول: إنما نجد الفن العالي في الإنسانية والحنان. # بل كثيرا ما أجد الفوضى في القصة الروسية، مع ازدحام الأشخاص واضطراب المواقف واختلاف ~~النزعات، بالمقارنة إلى القصص الأوربية المرتبة المتزنة المدبرة، فأوثر الأولى على الثانية ~~للميزتين المذكورتين: الإنسانية والحنان. # وحسبنا أن نذكر قصة «السبعة المشنوقين» لأندرييف. فليس في هذه القصة غرام، وليس لها هدف ~~واضح، وكل ما نجد فيها سبعة أشخاص قد حكم عليهم بالإعدام؛ لأن خمسة منهم كانوا يدبرون ~~مؤامرة ثورية، ثم ضبطوا، واثنان من السفاحين العاديين ضموا إليهم. # وقصارى ما يفعل المؤلف أنه يكتب لنا، وكأنه صحفي، وصفا لإنفاذ عقوبة الإعدام في كل منهم ~~واحدا بعد آخر، ومن هؤلاء الشباب الذي يكاد يكون صبيا لا يطيق انتظار الموت الذي سينفذ ~~فيه بعد ربع ساعة بحبل المشنقة، ومنهم المرأة الهادفة التي أرصدت حياتها للثورة، والتي ~~تستقبل الموت في رزانة وتفكير وإحساس بالانتصار؛ لأنها تعرف أنها خدمت ووضعت لبنة في بناء ~~الثورة، وهي تتقدم بإحساس الأم إلى هذا الصبي الشاب فتشجعه وتبتسم له وتشد في يده. # ونحن نقرأ في تنهدات هذا الوصف حتى نصل إلى نهاية المأساة، وتتمثل أمامنا المشنقة والحبل ~~الذي يجدده الجلاد بمسحه بالصابون الجاف لاستقبال شخص آخر، وتموت الحياة أمامنا سبع موتات، ~~يتسلق الشاب أو الفتاة أو السيدة أو الرجل الكهل سلم المشنقة، وهم أحياء يجري الدم الأحمر ~~في شرايينهم، ثم نتخيلهم مخنوقين معلقين يتأرجحون في الهواء، قد خرج الرغاء من أفواههم، ثم ~~يفك الحبل عن واحد بعد آخر، وتنتقل كأنها حجرا أو غرارة من التراب إلى مكان آخر، وتكدس ~~الجثث الواحدة فوق الأخرى. # إنسانية معذبة تنشد الاشتراكية والسعادة والخير، ولكنها تنتهي بالمشنقة، ويشرف على هذه ~~المشنقة قيصر تؤيده كنيسة وكهنة يقولون للشعب: إن الفقر فضيلة، وإن الله قد حكم عليهم ~~بالطاعة للقيصر، ms036 وإن جزاءهم بعد الموت نعيم مقيم، وإن الطمع في الدنيا خطيئة. # والمؤلف لا يقول شيئا من هذا، ولكننا نجدنا نفكر فيه، فيملؤنا الغضب والحزن معا، ويخرج ~~كل منا من هذه القصة وقد زاد إنسانية وحزنا، بل زاد شجاعة وإصرارا على إنقاذ الدنيا من ~~الوحوش الحاكمين والكهنة المضللين. # هذه قصة لأندرييف، وليس أندرييف مع ذلك من الطبقة الأولى بين الكتاب الروس، واعتقادي أن ~~العمالقة في الأدب الروسي من كتاب القصص ثلاثة، هم: دستوفسكي وتولستوي وجوركي. # أما دستوفسكي فيمكن أن نسميه الكاتب الصوفي الذي يجد في تاريخ الإنسانية، ماضيها ~~ومستقبلها، خيرا من المسيحية، فهي صخرة الأمان عنده إذا ادلهمت الكوارث، وأشخاص قصصه ~~نفوس أكثر مما هي أشخاص، يجري النقاش بينهم بشأن كوارثهم التي تختلف ألوانها وتتفاوت ~~مقاديرها على مستوى الإيمان الفلسفي والاستكانة والرضا بما هو قائم، وهو إلى حد كبير، ~~شرقي يكره الغرب الذي ينزع إلى المادية، ونحن الشرقيين نحبه؛ لأننا نجد في اختبارات أبطاله ~~وعواطفهم أصداء لما نحسه من اضطرابات وقلاقل نفسية، هي ثمرة الحرمان والفقر والجهل وسائر ~~الرذائل التي تولدت من الاستعمار والاستبداد، وقد كانت روسيا حين ألف دستوفسكي قصصه، في ~~استعمار واستبداد بحكم القياصرة والنبلاء والشركات الأجنبية. # وأعظم ما يمتاز به دستوفسكي أنه يفكر بإحساساته، وهي إحساسات ذكية تتعمق المشكلات وتستنبط ~~منها الإنسانية، ومشكلاته هي البؤس والحرمان والإجرام، ولكنها تنبع من صميم شعب جائع غاضب ~~حزين، وقل أن نجد في أوروبا الغربية الثرية من يحبه؛ لأنه لا يجد نفسه صدى لأفكاره أو ~~إحساساته، وإنما نحن الشرقيين نجد هذا الصدى ونحبه ونفتتن به. ~~••• # لقد مرت بحياتي فترة شغفت فيها بمؤلفات هذا الكاتب شغفا عظيما جدا حتى إني ترجمت ~~جزءا من قصة «الجريمة والعقاب» في 1912 وطبعته على نفقتي، ولكن فوضى النشر، ولصوصية ~~الاتجار بالكتب في ذلك الوقت، حملاني على أن أكف عن نشر باقي القصة. # ودستوفسكي قصصي من الطراز الأول، بل لا يعلو عليه في العالم قصصي آخر، وعندما نقرأه لأول ~~مرة نسحر به، ولكن هذا السحر يدل على حالنا ms037 النفسية المريضة؛ ذلك أن أبطاله يمثلون الشك ~~المؤلم والحيرة المضنية في الأزمات النفسية، وهذه الحيرة تصيب كلا منا في فترات من حياته: ~~الحيرة بين العلم والدين، والحيرة بين الثورة والاستسلام، والحيرة بين الموضوعية والذاتية ~~إلخ ... # ومثل هذه الحيرة تصيب المستنيرين الذين لا يزالون في موقف الشك، وجميع أبطاله من هذا ~~الصنف، فإن بطل «الجريمة والعقاب» طالب يقتل عجوز بدوافع فلسفية، و«الإخوة كارمازوف» كلهم ~~فلاسفة حائرون، وأحدهم حمار عظيم يقتل أباه بحافز من العلم المادي. # وكان دستوفسكي يكره العلم ويؤثر العقيدة على الحقيقة، بل إن له كلمة أخجل من ذكرها هنا ~~قالها عن المسيح، وكان يستحق عليها المارستان مدى حياته، لولا أنه قالها عن إحساس إنساني ~~عميق نكاد نذوب عندما نتأمل معانيها. # ونحن حين نعجز عن معالجة المظالم الاجتماعية، وحين نقف أمام القدر مهزومين، وحين يجابهنا ~~المرض وعليه علامة الحكم بالإعدام، وحين نواجه هوان الفقر والمرض والجوع، في هذه الحالات ~~جميعا نخضع ونستسلم، بل نمدح هذا الواقع ونجد فيه «نظاما» ينطوي على عدل لا نفهمه، وعندئذ ~~تبدو كل هذه الحالات حسنة تجد التبرير في منطق تعاستنا، هذا هو موقف دستوفسكي الذي أحبه ~~القيصر، وكان يزوره رئيس الكنيسة الروسية، بل إن دستوفسكي هذا نفسه قد وقف يخطب وينعي على ~~الحضارة الأوروبية ماديتها، ويطالب بمقاطعتها وبقاء روسيا في روحيتها، أجل هذه الروحية التي ~~أثمرت راسبوتين ... # ولكن هناك من يرون أن المظالم الاجتماعية يمكن علاجها، وإننا نستطيع أن نلغي الفقر والمرض ~~والجهل من الدنيا بقوة العلم، وهؤلاء يكرهون دستوفسكي؛ ولذلك وصف مكسيم جوركي أفكاره بأنها ~~«سامة». # لقد كنت في أول شبابي وفجاجة ثقافتي أجد في دستوفسكي لذة التحسر، أي: لذة الألم، لذة ~~العجز والاستسلام لكوارث الحياة؛ إذ كانت هذه الكوارث لكثرتها وفداحتها لا تطاق إلا ~~بالاستسلام، أما الآن فإني مع مكسيم جوركي أجد أن أفكار دستوفسكي تسم العقول، وأن الثورة، ~~لا الاستسلام، هي العلاج لكوارث المجتمع بل لكوارث القدر. ~~••• # وقد كان دستوفسكي من الشعب وكتب للشعب، الشعب الحزين أيام القياصرة، أما تولستوي فكان من ms038 ~~الارستقراطية، وكان يتمتع عند أشخاصها بلقب «كونت» ولكنه، مثل الأمير كوربتكين، ترك هذه ~~الارستقراطية ونزل إلى الشعب، فاعتنق بؤسه وفكر في كوارثه، وانتهى كما انتهى دستوفسكي إلى ~~أن السعادة لا يمكن أن تتحقق إلا بتعميم المبادئ المسيحية. # وليس شك أن الديانة المسيحية هي ديانة الشعب الثائر على معاني الاستبداد والاستعمار ~~والنهب والاستغلال، التي قاساها اليهود أيام الحكم الروماني، ومع الأسف لا تزال هذه المعاني ~~قائمة في الاستعمار الأجنبي كما هي قائمة أيضا في الاستبداد الداخلي، بل حتى مع الاستقلال، ~~كما كان الشأن في روسيا أيام القيصر. # والالتجاء إلى المسيحية في كل من دستوفسكي وتولستوي هو صوفية عاطفية تقوم مقام التدبير ~~العقلي للإصلاح، ولكن هذا التدبير كان بعيدا عن اعتقاد هذين الكاتبين وهما يعيشان في وسط ~~استبدادي مؤيد راسخ لا يمكن أن يزعزع. # وعلى الدوام لا تغشو الصوفية الدينية إلا عند العجز عن التغيير الاجتماعي والسياسي ~~والاقتصادي، أما حيث يمكن هذا التغيير، بثورة أو بتطور، فإن التفكير الصوفي يتقهقر؛ لأنه ~~يسخف. # وهذا هو ما نجد في جوركي، فإنه يعزف عن الصوفية الدينية وينشد التغيير بالثورة، وكانت ~~الظروف الجديدة تواتيه على هذا الاتجاه، فإن ثورة 1905 التي كان يراد بها قلب نظام الحكم في ~~روسيا كانت قد فشلت، وعندئذ في 1908، ألف جوركي قصته «الأم»؛ كي يبعث في النفوس الآمال ~~الميتة، ويثير من جديد عواطف الثورة المهزومة، وهذه القصة هي برنامج علمي للثورة على ~~المستبدين، تحس الأمل الحي وهو هنا الأم، فإننا نحس أن آلافا من الأمهات الأخريات سينهجن ~~نهجا في تغذية الثورة، بل إن حياة هذه «الأم» تعد طرازا ساميا للارتقاء الإنساني، وكيف ~~تتغير حياة المرأة من الغيبوبة والاستكانة إلى يقظة الوعي والثورة. # وحين أفاضل بين هؤلاء الكتاب الثلاثة أراني أحب تولستوي ودستوفسكي الحب الغامر العميق، ~~ولكن إعجابي الأعظم يذهب إلى جوركي؛ لأني أجد هنا أملا وثورة وكفاحا، أجد دعوة إلى ~~التغيير. # مكسيم جوركي هو أديب الثورة، قبل الثورة، لا يعزى النفوس المظلومة، ولا يثيرها وينخسها ~~ويهيب بها إلى النهوض ومحاربة الظلام ms039 بحمل السلاح، وهو يؤمن بالإنسان، أي: يؤمن بقوة عقله ~~على التدبير والتغيير، وهذا هو الفرق بين القصة الروسية قبل الثورة، والقصة الروسية بعد ~~الثورة، ولكن هناك ما هو أوضح من هذا الاستنتاج. # فإن كثيرا من أشخاص القصة قبل الثورة كانوا كما قلت يستسلمون للقدر، أو ما نسميه القدر ~~من مظالم قاسية. أما بعد الثورة فإن أبطال القصة يتميزون بإحساس جديد، هو تربية جديدة وهدف ~~جديد. # اعتبر مثلا إليكزاي تولستوي (وهو غير ليو تولستوي العظيم الذي مات في 1910)، فقد عاش هذا ~~الأديب قبل الثورة وبعدها، وهو يصف لنا في أشخاص قصصه الحياة قبل الثورة وبعدها، وهو يصف ~~لنا في أشخاص قصصه الحياة قبل الثورة، وهي حياة بلا قصد، يحيا أفرادها من الطبقة العالية في ~~استهتار وفسق وفساد، حتى إذا جاءت الثورة شرعوا يتنبهون إلى شرف الحياة العاملة التي ~~يحيونها عن قصد للتعمير والبناء. # وهو، أى: إليكزاي تولستوي، يمثل لنا حياة روسيا قبل الثورة وبعدها، كما عالجها عامة ~~الأدباء من الروس. # | إنسانية العلم # تطفح أخبار الصحف بما يحزن كل عربي، ففي آسيا وإفريقيا عامة، وفي الأقطار العربية خاصة، ~~نجد الاستغلال والاستعمار، كما نجد ضرب الأحرار، ومطاردة الوطنيين، وقتل الجماهير، كما لو ~~كانت هناك حرب عنصرية بين العرب وغير العرب. # ولكن هنا وهناك نجد في هذه الصحف أخبارا سارة، يسر بها المهتمون بل المهمومون بوطنهم، ~~وأولئك الذين يعرفون الحاضر السيئ، ويحاولون أن يهيئوا المستقبل الحسن، وأولئك الذين ~~ينشدون الإنسانية في النظم الاجتماعية، ويخططون الخطط الارتقائية لبلادهم، ويبعثون الحركات ~~الانتهاضية بين المضغوطين والمدوسين، وهذه الأخبار السارة يجب أن ننشرها ونوضحها ونكرر ~~الإشارة إليها؛ لأنها تبعث الأمل وتحث على العمل. # فهناك مثلا حادث خلع محمد بن يوسف سلطان مراكش، فإن هذا الخبر في ظاهره يحزن ويوهم ~~بالهزيمة للحركات الانتهاضية للشعوب العربية، ولكني أجد نقيض هذا؛ ولذلك أفرح بدلالته، فإن ~~ملكا يرفض العرش؛ لأنه مع الشعب ضد الاستعمار، لهو رجل عظيم سوف يخلد التاريخ اسمه، ~~ويكفي كي نعرف دلالة هذا الموقف أن نفرض أن الحيوان فاروق ms040 كان في مكانه، فإنه كان عندئذ ~~يقبل جميع ما شرط عليه، كي يبقى على العرش ، وكان يقبل ضرب الشعب المراكشي بالمدافع ~~والدبابات، فضلا عن البنادق والمسدسات. # إن المثل اليوناني يقول: إن الفساد في السمكة يبدأ في الرأس. وكان رأسنا في مصر فاسدا ~~فقطعناه، أما الرأس في مراكش فكان سليم؛ ولذلك لم يطقه الاستعمار الذي يحتاج كي يحيا إلى ~~الفساد، وعندنا الكثير من الأخبار السارة. مثل: # اتحاد الشعبين المصري والسوداني، ونعني اتحاد شعبين وليس اتحاد ~~حكومتين. # وإنشاء الجمهورية في مصر، والوجدان القومي بين الشعوب العربية، وتحطيم الروح ~~الإقطاعية في مصر، ثم هذا الوجدان الجديد بشأن التطور الاقتصادي، والاتجاه نحو ~~فهم التطور في الحضارة، بأنه تطور في الصناعة، وأخيرا هذا المؤتمر العلمي ~~العربي الذي عقد في الإسكندرية. ~~••• # هذا المؤتمر هو خطوة نحو الرخاء والديمقراطية، كما هو مغامرة كاسبة في مستقبل الشعوب ~~العربية. # كان فؤاد وهو ملك، يقيل الوزارات، ويزيف الدستور، ويقرب إليه الفاسدين، ولو أن أحدا كان ~~قد عرض عليه تأليف «مجمع للتقدم العلمي» لرفض العرض هازئا ساخرا، ولكنه قبل تأليف «مجمع ~~فؤاد للغة العربية»؛ لأنه كان واثقا أن مثل هذا المجمع لن يغير عرشه في شيء، وأنه ربما يجد ~~في أعضائه من يؤلفون القصائد في مدحه والإشادة بعدله وشخصه وأسرته وابنه إلخ ... # وقد أنفقنا في العشرين سنة الماضية نحو نصف مليون جنيه على أعضاء هذا المجمع دون أن نجد ~~منه أية حركة انتهاضية أو ارتقائية لبلادنا، وهذا هو ما كان ينتظره فؤاد الذي أسسه. # ولكن هذا المؤتمر «العلمي» الذي عقد في الإسكندرية، هو تنبيه للشعوب العربية، بأن القوة ~~الجديدة التي تغير الشعوب وتنقلها من الفاقة إلى الثراء، ومن النظام الإقطاعي إلى النظام ~~الديمقراطي، هي قوة العلم الذي يعتمد على المعارف الممحصة دون العقائد الموروثة. ~~••• # وإطرائى للعلم لا يعني احتقاري للأدب، ولكن أدبنا في مصر قد بقي إلى الآن، باستثناءات ~~صغيرة، يغتذي بدمه ويجتر نفسه، ولذلك لم تكن له قوة التوجيه والإنهاض للشعوب العربية، بل ~~كثيرا ما أيد هذا الأدب سلطان المستبدين ms041 واتجاهات الرجعيين، ووقف متعاليا على سواد الشعب ~~يكاد ينفصل عن المجتمع ويتجاهل مشكلاته، ومن هنا هذه الظاهرة الواضحة فيه، وهي خلوة من ~~النزعة الإنسانية. # ذلك أن الكاتب لا يكون إنسانا إلا إذا اشتغل بعواطفه بمشكلات المجتمع، حتى يحس بعواطفه، ~~وينطق بألسنة أفراده، مع الإحساس الصادق بآلامهم وآمالهم، وهو هنا يحتاج إلى أن يدرس طرق ~~الاستعمار والاستغلال ويتابع أخبار الصحف، ما يكتب فيها وما لا يكتب، ويعرف أمراض الفقر، ~~وهندسة المدن، ونفقات العلاج، وإحصاءات الطلاق، وهو لهذا يحتاج إلى دراسة العلوم؛ لأنها هي ~~التي تزيد الإنتاج وتغير المجتمعات، وتلغي الفاقة، وتعمم السعادة. # والأديب المصري الحق يعرف أن العلم يستخدم في القصر الأحمر، أو القصر الأزرق، أو غيرهما ~~مما يملكه الأثرياء في مصر؛ فيثمر نظافة ناصعة، وإضاءة مشرقة، ودفئا وبردا، وفنا وبهجة، ~~ولكنه، أي: العلم، لا يدخل ولم يدخل إلى الآن بيوت الفقراء. # العلم هو الذي يجعلنا إنسانيين في الأدب؛ لأنه يحملنا على التأمل ثم التفكير، كما يحملنا ~~على المقارنة، فيكون الغضب، ويكون الإلحاح في المطالبة بالإصلاح، وأديب بلا علم هو أديب بلا ~~إنسانية. ~~••• # والحركات الأمامية في الأمم الأوروبية والأمريكية يتزعمها أو يوحي بها العلم، وما من أديب ~~تحس الحيوية في أدبه إلا كان علميا. # أذكر برنارد شو الذي نقرأ مؤلفاته فنجد رجلا علمي الذهن يتحدث عن التطور، وعن الإنسان ~~بعد مئة ألف سنة، وعن ضبط التناسل، وعن بناء المنازل، وهو يتحدث عن هذه الشئون كما يتحدث عن ~~دنشواي في مصر، وهو إنساني لأنه يعرف مقدار الهناء بالعلم ومقدار التعاسة التي نعانيها نحن ~~وغيرنا لأننا حرمناه. # وقد يقال: إن الأديب يمكن أن يكون إنسانا ولو جهل العلوم، وهذا حق، ولكن إنسانيته عندئذ ~~تكون عقيمة، قصارها عاطفة دامعة فيها تحسر وتندم، ثم أسف وعجز، ثم رثاء واستسلام. # ولكن الأديب العلمي يعرف العلاج؛ ولذلك هو إنساني، وإنسانيته كفاح وليست استسلاما أو ~~أسفا. # وقد يقال أيضا: إن العلم يستخدم للشر، وهذا صحيح، ولكن الأديب الإنساني يكافح هذا الشر ~~ولا يكافح العلم؛ لأن العلم هو أعظم ms042 قوى التطور في عصرنا؛ إذ هو الذي يغير المجتمعات، بل ~~إنه ليوشك أن يغير طبيعة الإنسان، أجل، إن طبيعة الإنسان ستتغير بالعلم؛ إذ ما هو التطور إن ~~لم يكن التغير في الطبيعة، طبيعة الكون، وطبيعة الدنيا، وطبيعة النبات والحيوان ~~والإنسان؟ ~~••• # لذلك أنا أرجو أدباءنا ألا يتكبروا على العلم؛ لأنهم لن يستطيعوا خدمة بلادهم إلا بمقدار ~~ما يعرفون من القوى العلمية التي تستطيع أن تعمم الهناء والخير والثقافة والصحة لأبنائنا، ~~بل هم لا يستطيعون أن يكونوا إنسانيين منتجين إلا بالعلم، وهذا المؤتمر العلمي العربي الذي ~~عقد بالإسكندرية يجب أن ينبه الأدباء كما ينبه الحكومات والشعوب. ~~••• # إن كل ما يزيد وجداننا؛ أي: إحساسنا بالوجود، أي: كل ما يجعل وجودنا أوجد، تعمقا ~~وتوسعا، هو زيادة في السعادة وفهم للفلسفة، والعلم يزيد وجداننا وينقلنا إلى آفاق لم نكن ~~نعرفها. # ثم هو، أي: العلم، يزيد حرياتنا؛ لأنه يقشع عن عقولنا ظلام الجهل، ويفك قيود الخرافات، بل ~~هو يعد في عصرنا أعظم القوى المحررة من الخوف والفقر والمرض والجهل. # ولو أن أديبا عظيما مثل الجاحظ كان يعيش في عصرنا لكان قد كرس حياته لدرس العلم؛ لأنه ~~يفطن إلى ما فيه من القوى التحريرية للعقل البشري، بل هو عرف قيمة العلم في الأمداء التي ~~كان قد بلغها في أيامه. # ومع ذلك إذا كان الأديب الذي عاش قبل ألف سنة يعذر في تجاهله العلم، فأن الأديب العصري لا ~~يمكن أن يعذر في هذا التجاهل الذي قد يجعل منه غاويا بدلا من أن يكون مرشدا. # | العرب والعلم والصناعة # كان علاء الدين ابن النفيس طبيبا عربيا عاش فيما بين 1208 و1288 وكان من أعظم ما كتبه ~~الكلمات التالية: # لو خلط بالدم ... وهذا التجويف هو التجويف هو التجويف الأيمن من تجويفي القلب ... ~~وإذا لطف الدم في هذا التجويف الأيسر، حيث تتولد الروح، ولكن ليس بينهما منفذ، فإن ~~جرم القلب هناك مصمت ليس فيه منفذ ظاهر كما ظنه جماعة، ولا منفذ غير ظاهر كما ظنه ~~جالينوس، فإن مسام القلب هناك مستحصفة (متينة)، ms043 وجرمه غليظ، فلا بد أن يكون هذا ~~الدم إذا لطف، نفذ في الوريد الشرياني إلى الرئة لينبث في جرمها ويخالط الهواء ~~ويتصفى ألطف ما فيه إلى الشريان الوريدي ليوصله إلى التجويف الأيسر من تجويفى القلب ~~... # ونرى من هذه الكلمات أن ابن النفيس قد فهم قيمة الدورة الدموية في الرئتين، وأنه كان على ~~وشك أن يفهم الدورة الدموية العامة في الجسم، كما فعل هارفي بعد ذلك حوالي 1650 ~~ميلادية. # والكتاب الذي نقلت منه هذه الكلمات هو مخطوط بدار الكتب بالقاهرة، رقم 123 طب، باسم فصول ~~مختارة من شرح وتشريح ابن سينا، تأليف: علاء الدين المعروف بابن النفيس. # والقارئ إذا كان على شيء من الفهم البيولوجي أو الطبي، يدرك خطورة هذا الكلام الذي سطره ~~ابن النفيس، وهو كلام علمي، وتفكير علمي، يقومان على المشاهدة، ولكن أي مشاهدة؟ # أكبر ظني أن ابن النفيس قام بمشاهدته بالفحص عن قلوب الحيونات من خراف إلى بقر إلى إبل؛ ~~إذ لم يكن ليستطيع أن يشرح جسم إنسان. # وليست مشاهدة ابن النفيس «مصادفة»؛ إذ هي تحتاج إلى تنقيب وفحص، ولذلك فإن قيمتها كبيرة ~~جدا، وهناك مصادفات أدت إلى كشوف علمية، مثل معرفة القدماء لمادة الأمونيا (النوشادر) من ~~معابد آمون في مصر، ومثل بعض الكشوف الكيماوية التي عرفت عن طريق البحث عن حجر الفلاسفة، ~~وإحالة المعادن الخسيسة إلى معادن كريمة في الأندلس على أيدي العرب، والعبرة في العلم بمنهج ~~البحث، وليس بالمصادفة. # ويعزى تأخر العلم عند العرب إلى عقبات نشأت في الحضارة الإسلامية، وعاقت التجربة ~~العلمية، من ذلك مثلا تحريم الرسم وتحريم التشريح للجسم البشري، فإن الطب لا يمكنه أن يكون ~~علما بغير الرسم والتشريح. # وقد حرم الخلفاء التشريح حتى إن أحد الأطباء في بغداد روى عن نفسه أنه تأهل لحرفة الطب ~~بأن شرح جسم قرد، وقال في ذلك: إنه أقرب الأجسام إلى جسم الإنسان، وأنه ما دام الخليفة يحرم ~~تشريح الجسم البشري فإن ما يستطيعه من الفهم لتركيب الأعضاء لن يكون إلا بتشريح جسم القرد، ~~ولكن تحريم الرسم ms044 أدى إلى عرقلة العلوم جميعها ... # وتحريم الرسم كان في الأصل مقصورا على رسم البشر، ولكن الرسم باعتباره فنا، كل لا ~~يتجزأ، فإذا حرمنا رسم البشر حرمنا أيضا رسم أعضاء الجسم للحيونات أو النبات، ومن هنا ~~العرقلة للعلم، ومن هنا الأسف العظيم على أن أمثال ابن النفيس لم يجدوا ما يعنيهم من الوسط ~~الثقافي العربي، على أن ينشطوا أو يتمهروا ويعرفوا. # ثم كان الغزالي وأمثال الغزالي، فقد كتب هذا الرجل يحرم على المسلمين دراسة الجغرافيا، لا ~~لأنها كاذبة، ولكن لأنها تنهض على العقل والمنطق، ومن هنا وصف ابن رشد الغزالي بكلمتي: ~~«الجاهل الشرير». # ولكن الغزالي انتصر على ابن رشد، بل أكاد أقول: إنه لا يزال منتصرا في بيئات عربية ~~كثيرة، وهنا الخطر. # إن بقاء العرب مرهون بالعقل والمنطق، وليس بعيدا أن ينقرضوا كما انقرض الديناصور إذا ~~رفضوا العقل والمنطق والتزموا العقائد، أي: إذا اتبعوا الغزالي وأنكروا ابن رشد. (إن كتاب ~~ألف ليلة وليلة يذكرنا في إحدى قصصه أن بعض المتعصبين كانوا يطوفون حول بغداد ويبحثون عن ~~الكتب لإحراقها، وسؤالي هو: هل كان هؤلاء من أتباع الغزالى؟) ~~••• # أعظم ما أخر العلم عند العرب هو الرق؛ ذلك أننا لا نشتغل بالعلم للمعرفة فقط، وإنما ~~نحن نحاول أن نخترع أو نكتشف كي نصل إلى طريقة للإنتاج، في الزراعة، والصناعة، نقتصد بها في ~~النفقات، ولكن ما دام عندنا عمال أرقاء يعملون بلا أجر فإننا لا نحتاج إلى الاقتصاد؛ ولذلك ~~لا نخترع ولا نكتشف، وهذا الرق هو الذي وقف بالحضارة الإغريقية، ثم الحضارتين الرومانية ~~والعربية. وجمدها جميعا. # والقرون الوسطى هي قرون التجميد في الحضارة، ومرجع هذا التجميد أو معظمه هو الرق ~~الزراعي، أي ما يسميه الأوروبيون «سيرف». وبعث النهضة في أوروبا كان بإلغاء الرق الزراعي، ~~حين أصبح العامل مأجورا يكلف عمله مقدارا من المال، فكان اختراع الآلة للاستغناء ~~عنه. # وكلاهما، الرق بالنخاسة، والرق الإقطاعي في الزراعة، قد عما الشعوب العربية أكثر من ألف ~~سنة فجمدها، كما جمد من قبلها الإغريق والرومان، وذلك على الرغم من أن ms045 الفرص التي أتيحت ~~للعرب كي يرتفعوا في العلوم كانت كبيرة جدا، فإنهم استوردوا الحرير والورق والخزف من ~~الصين، والأرقام الهندية من الهند، ولكن النظام الإقطاعي الذي كان يسودهم، وكذلك الرق ~~بالنخاسة، حالا دون أي ارتقاء علمي. # وكل ما نجد من كشوف علمية عند العرب يرجع إلى تلك الفنون التي تتصل بالطبقة الحاكمة، مثل ~~الخزف والحرير والورق، فإن مصانعها أنشئت في العالم العربي، ولكن للطبقة الحاكمة، فصنعت ~~الزهرية للزينة ولم يصنع الطبق للطعام. ~~••• # هل تغيرت الظروف التي حالت في الماضي دون ارتقاء العلم بين العرب؟ أجل تغيرت، ولكن هذا ~~التغيير ضئيل. # نحن نرسم الآن ونشرح جسم الإنسان، ونحن نتعلم العلوم في المدارس والجامعات، ونحن لا ~~نحرق الكتب (كما أحرقت كتب ابن رشد). ثم إننا ألغينا الرق. # ولكن لا يزال باقيا عندنا شيء غير صغير من الرق الزراعي الذي يجعل أجور العمال ~~الزراعيين منخفضة، وما دام أجر العامل منخفضا فإنا لا نجد الحافز إلى استخدام العلم وإلى ~~الاكتشاف والاختراع، أي: لا نجد الحافز لأن نقتصد في نفقات الإنتاج بالاعتماد على الآلات ~~بدلا من الاعتماد على العمال. # وقد حرم الاستعمار علينا إنشاء المصانع، ثم بعد ذلك استولى على وقود المصانع، البترول، ~~وبذلك قطع علينا الطريق في الارتقاء الصناعي، والارتقاء الصناعي هو الارتقاء العلمي، وهنا ~~يجب أن نقف للتأمل، العلم لا يولد في الجامعات والمدارس، وإنما يولد في المصانع. العلم أداة ~~للتفكير بالدماغ واليد، وإذا قصرنا العلم على الدماغ، كما هو الأمر في معظم الجامعات، عقم ~~العلم، وإذا أشركنا الدماغ مع اليد أخصب العلم، فيكون الاختراع والاكتشاف، وخير من أن ينشئ ~~العرب الجامعات والمدارس، خير لهم ألف مرة أن ينشئوا المصانع، ومتى أنشئت المصانع فإنها ~~ستضطرهم إلى إنشاء المدارس والجامعات. العلم ينشأ في الورشة والمصنع، ثم بعد ذلك تنتفع به ~~الورشة والمصنع. # يجب أن يهدف العرب إلى أن يكون دخل كل أسرة عربية ألف جنيه في السنة، وهذا ممكن بالصناعة، ~~وغير ممكن بالزراعة، ومتى وجدت الصناعة وجد العلم والاكتشاف والاختراع والثراء. # | والفلسفة للشعب أيضا ms046 # مما يجهله كثيرون أن التفكير البشري ظاهرة اجتماعية، وأقرب ما يدل على ذلك أنه غير مستطاع ~~إلا بالكلمات، أي : باللغة؛ لأن اللغة هي الآلة التليفونية بين أفراد المجتمع، وإذا نحن ~~تصورنا إنسانا يعيش في صحراء، وقد نشأ فيها منذ الطفولة، فإننا نقطع بأنه لا يستطيع ~~التفكير إلا بمقدار ما يفكر الذئب أو الأسد؛ إذ ليست له لغة، ولكن نظام المجتمع، زيادة على ~~كلمات اللغة، يعين تفكير الأديب والفيلسوف والفنان. # وهذا واضح في الأديب العربي القديم كما هو واضح في الآداب القديمة للأمم الأخرى. # فقد كان الأديب يكتب للملوك الذين يعتمد في عيشه على بقائهم وبقاء حواشيهم من أمراء ~~وأثرياء مثل وفقهاء، ولذلك كانت كتب الأدب صنفين: أحدهما لتسلية الملوك مثل الأغانى ~~للأصفهانى. والآخر لدراسة الآداب التقليدية مثل الكامل للمبرد. # والملوك تعيش بالتقاليد، فكان مثل المبرد يجد العيش والحافز في تأليفه مثل هذا الكتاب؛ ~~لأن مناخه الذي ينمو فيه هو المناخ الملوكي، وكان هذا شأن الفلسفة أيضا؛ لأن الذين كانوا ~~يدرسونها كانوا من الفقهاء في الدين، فكانوا لهذا السبب يحرصون على أن تخدم الفلسفة ~~التقاليد والعقائد، وليس المعنى هنا أنه لم يكن هناك شاذون مثل ابن رشد أو محيي الدين بن ~~عربي؛ لأن في كل مجتمع طوائف شاذة أو ساخطة. # لذلك كان اهتمام الفلاسفة مقصورا على بحث القيم العقيدية وليس القيم الاجتماعية، أو كان ~~الاهتمام يتجه في الأكثر نحو استخدام الفلسفة لتأييد العقائد، وفى الأقل لبحث الأسلوب ~~الصالح للعيش في هذه الدنيا. # ولم يكن هذا شأن المسلمين أو اليهود فقط، بل كان شأن المسيحيين أيضا في أوروبا، ولم يكن ~~من الممكن أن يكون غير ذلك في أوروبا؛ إذ كان الفلاسفة السالفون من رجال الدين أو الرهبان ~~فكانت القيم الفلسفية فيها دينية عقيدية على الدوام. ~~••• # كانت الفلسفة قديما تحطم نفسها على صخرة الغيبيات، فتسأل: ماذا بعد الموت؟ وماذا وراء ~~المادة؟ ونحو ذلك. # ولم يستطيع «فيلسوف» واحد أن يقنعنا برأي حاسم في هذه الموضوعات؛ إذ كان يخرج من تيه كي ~~يدخل، أي: تيه ms047 آخر، وكان بذلك أشبه بالأعمى يبحث عن قطة سوداء في غرفة مظلمة، والقطة مع ~~ذلك ليست في الغرفة. # وقد انتهى ابن رشد إلى القول المأثور: لا أدري. كما كان يقول الإسكندريون القدامى. # وهذا ما انتهى إليه هربرت سبنسر الذي وصف هذه الأشياء بأنها: «ما لا يمكن معرفته». # وانتهت الفلسفة في عصرنا إلى ترك هذه الأشياء بتاتا، وقنعت بأن يكون موضوعها الحياة. # كيف نعيش أحسن العيش؟ # كيف نفهم الفهم الصحيح؟ # وما هي السعادة؟ # هل السعادة تحقيق الشهوات، أم زيادة الوجدان؟ # كيف ننتج أكبر الإنتاج وأحسنه؟ # كيف نحكم أحسن الحكم؟ # ما هي القيم الفردية والاجتماعية التي تزيدنا صحة في الجسم، وذكاء في العقل، ~~وطيبة في النفس؟ # هذا وغيره مما يتصل بالحياة قد أصبح مهمة الفلسفة وشغل الفلاسفة. # ويمكن أن نقول: إن الفلسفة القديمة كانت «تفكيرا من أجل التفكير». كما كان الأدب في وقت ~~ما «فنا من أجل الفن». أما الآن فإن كلا منهما يجعل الحياة البشرية بجميع ملابساتها ~~موضوعه، ونحن أسعد حالا، وأعرف بمكاننا فيهما مما كنا حين كان لكل منهما «غيبيات» نعجز عن ~~فهمها. # لما انحصر سلطان الملوك، وسلطان الرهبان بعد الإطلاق، ولما ظهرت الشعوب على مسرح الحياة ~~تغمر الملوك والرهبان، ظهرت قيم جديدة في الفلسفة والأدب، هي أن الفلسفة والأدب للحياة؛ ~~ولذلك نجد «ليثتنبرج» يسأل: ما هي الفلسفة؟ # فيجيب أنها هذه الأسئلة الثلاثة والإجابة عليها: ~~(1) # من أنا؟ ~~(2) # ماذا يجب أن أفعل؟ ~~(3) # ماذا أءمل، وماذا أعتقد؟ # وبهذه الأسئلة ينكر الحلول القديمة ويحاول أن يستقل ويصل إلى حلول جديدة. # وهناك من ينكرون أن هناك علما يمكن أن يسمى فلسفة. وقصارى ما يقال عن الفلسفة عندهم: ~~إنها التحقيق اللغوي والمنطق للمعارف والأهداف البشرية. هل هي صحيحة أم مخطئة؟ وإذن فقيمة ~~الفلسفة هي التفتيش والتحقيق والإشراف على جميع العلوم والفنون، تبحث قيمتها واتجاهاتها ~~وصحتها. # ولكن السيكلوجية العصرية التي دخلت الأدب، وتخللت أفكار الأدباء وتعابيرهم، قد دخلت أيضا ~~الفلسفة، وأيما أديب أو فيلسوف يجهل السيكلوجية العصرية إنما يتخلف عن عصرنا بنحو مئة سنة ~~على الأقل. ms048 # وتطل السيكلوجية على الفلسفة وهي تقول: لماذا هذا الجهد؟ إنما الوجدان هو غاية الحياة، ~~وإذن هو غاية الفلسفة. # الوجدان هو: # كيف أجد نفسي في المجتمع والدنيا والكون؟ # كيف أجد نفسي في العلوم والفنون؟ # كيف أجد نفسي في منطقي وعقائدي وأسلوب عيشي وأهداف حياتي؟ # كيف أجد نفسي في معاني السعادة والشقاء والثراء والفاقة؟ # كيف أجد نفسي في معاني الخير والشر؟ ~~••• # الوجدان هو التعقل. # اعتبر الكلب الذي يعيش معي في منزلي أن له وجدانا، أي أنه يجد نفسه ويزن مركزه، بحيث ~~يعرف أنه لا يجوز له أن يتناول الطعام إذا كان في طبق آخر، ومكان آخر غير الطبق الذي يأكل ~~منه والمكان المعين له، وهو يعرف أعضاء الأسرة وجغرافيا المنزل، ويهب على الغريب نابحا إلى ~~أن نطمئنه عنه، وهو يستطيع أن يخرج ويجول في ثلاثة أو أربعة شوارع حول المنزل، وهذا هو كل ~~وجدانه، أي: إنه يجد نفسه في هذه الحدود، ولكن وجداني أنا أكبر. # أعظم ما يزيد وجداني هو كلمات اللغة؛ لأن الكلمات أفكار، أنا «أجد» أني لست ساكنا في ~~منزلي فقط، بل في مصر، وفي إفريقيا، وعلى هذه الكرة التي تدور حول الشمس، ويزيد وجداني أكثر ~~لأني أعرف مركز الشمس في هذا الكون. # ثم إن لي وجدانا بالأخلاق أكثر من الكلب، وكذلك أنا على يقظة بالسياسة المصرية ~~والعالمية، وعلى إحساس بالأخطار البشرية من الذرة، وعلى معان مختلفة من العقائد والعلوم ~~والآداب. # وتطور الأحياء، منذ نبض طين السواحل بالحياة إلى ظهور الإنسان، إنما هو ارتقاء نحو ~~الزيادة في الوجدان، أي التوسع الوجداني، وغايتي من الحياة هي زيادة الوجدان بزيادة معارفي ~~واختباراتي وتعقلها. # ولم أعد أهتم بتلك الأسئلة القديمة التي كان يسألها الرهبان: ماذا وراء المادة؟ ماذا وراء ~~الموت؟ ماذا وراء الكون؟ # وأنا أجيب عليها جميعا بكلمتي ابن رشد: لا أدري. # وعندي أن الكاتب العظيم في الفلسفة أو الأدب هو الذي يزيد وجدان قرائه، فيحفزهم إلى ~~التفكير في تجديد القيم الاجتماعية والإنسانية والسياسية. # وهنا نعود إلى ما بدأنا به؛ ذلك أننا إلى ms049 أن نقول: إن الأدب للشعب، أي: للحياة. أي: ~~للإنسانية. ولم يعد الأدب تسلية للملوك، ولا كتابا يؤلفه الرهبان عن كتب سابقة، ويخاطبون ~~به الرهبان عن غيبيات يقول عنها ابن رشد: لا أدري. # وكذلك الشأن في الفلسفة، فإن بروز الشعب إلى وجدان المفكرين قد جعل للفرد الذي كان يهمل ~~سابقا، مكانا جديدا وخطيرا. # اذكر الجندي المجهول. # ونحن الآن نكتب الأدب أو الفلسفة لهذا الفرد الذي كان يهمل في الماضي، ونحن نطالب هذا ~~الفرد بأن يحس هذا الوجدان الجديد، كما أننا نساعده على أن يجده، أي: يجد نفسه في هذا ~~الكون. # ووصولنا إلى هذا الموقف من الأدب والفلسفة يرجع، كما قلنا، إلى أن المجتمعات قد تغيرت، ~~وأنها بدلا من أن تكون مجتمعات الملوك والرهبان أصبحت مجتمعات الشعب. فأصبح الأديب ~~والفيلسوف، كلاهما يهتمان بهموم الشعب، أي: بهموم أفراده. # أجل، يجب ألا نكتب لفاروق، ولكن للجندي المجهول من الشعب. # | ابن خلدون والعرب # عد المؤرخون - بحق - ابن خلدون أول من وضع علم الاجتماع ولا تزال «المقدمة» بين أيدينا ~~تخبر عن عقل كبير في التحليل والتأليف؛ والإحاطة، والتفصيل، وقد أنستنا هذه المقدمة ما وضعت ~~من أجله، وهو درس التاريخ الكبير الذي وضعه بعدها، وكانت المقدمة بمثابة التهيئة والتنبيه ~~لدرس هذا التاريخ؛ إذ اتضح للقراء أنها أثمن من التاريخ. # وقد تناول المؤلف بحوثا كثيرة، حاول أن يفهم المادية ثم يشرح فيها معنى «التمدن». وكيف ~~ترتقي الأمم وكيف تنحط. # وكان أول مؤرخ يعلل التاريخ وينظر إليه النظرة المادية، ويجد أن حوادثه ليست طوارئ ~~ومصادفات، وإنما هي نتائج لأسباب وأسباب لنتائج، وهي تطورات وثورات تقتضيها ظروف الطبيعة أو ~~ظرف الاجتماع. # وقد كانت حياته حافلة، بل مزدحمة، بالأحداث العظام، مثل الطاعون الجارف الذي عم القارات ~~الثلاث، ومثل هجوم التتار بقيادة الوحش تيمور لنك وتدميره حضارة الشرق الإسلامى في آسيا، ~~وهذان الحادثان جديران بأن ينبها الذهن العادي فضلا عن الذهن الفذ الذي كان يمتاز به ابن ~~خلدون، وهما بمثابة هاتين الحربين العالميتين اللتين وقعتا في عصرنا من 1914 إلى 1945، ~~فإنهما أيضا ms050 قد نبهتا الغافلين قبل المتنبهين وعممتا بيننا وجدانا بالبشرية وضرورة ~~الحكومة العالمية، وقد نشأ من الحرب الأولى «عصبة الأمم»، ونشأ من الحرب الثانية «هيئة ~~الأمم المتحدة». # وكانت حياة ابن خلدون نفسها كثيرة الأحداث، فإنه ولد في تونس، وشغل المناصب السياسية في ~~مراكش وإسبانيا، وعاد إلى تونس حيث ألف كتابه العظيم «المقدمة والتاريخ» ثم رحل إلى مصر ~~حيث بقي بها نحو 23 عاما استخدم في أثنائها في السفارة إلى تيمور لنك الذي قابله عند ~~دمشق. # والذي يقرأ «المقدمة» يجد عبارات جديدة لم يكن يعرفها الكتاب من قبل، هي ما ابتكره هو ~~من الأفكار، مثل «العمران البشري» و«الاجتماع الإنساني» و«تأثير الهواء في ألوان البشر» ~~و«العمران البدوي والأمم الوحشية» و«إن للدولة أعمارا طبيعية كما للأشخاص» و«إن الدعوة ~~الدينية من غير عصبية لا تتم» إلخ ... # وقد يكون مخطئا في كثير من أبحاثه، ولكن جدتها كانت تبعث على التفكير والمناقشة، وكان ~~يمكن أن تخصب هذه «المقدمة» لو أنها وجدت من المتعلمين في مصر وسائر الأقطار العربية من ~~يوالونها بالنقد والشرح والتعليق، وهذا ما لم يحدث لأسباب ما زلنا نجهلها. # وظني أن بعض ما حال دون ذلك هو كراهة ابن خلدون للعرب وعدوانه على ثقافتهم في المعنى ~~العصري لهذه الكلمة، وقد كنت أنا أول من استعمل كلمة «الثقافة» بمعناها العصري، وكان ابن ~~خلدون هو الموحي إلي به. # ومن العجيب في ابن خلدون أنه يذكر «العصبية» كثيرا، ولكنه لا يذكر الأسرة، وهو لا يكاد ~~يكون في غيبوبة تامة عن مكانة المرأة في المجتمع، ولا عبرة بأن يقال: إنه نشأ في وسط ~~اجتماعي يعوق بصيرته، فإن ابن رشد قد سبقه بسنوات إلى هذا الموضوع، وتحدث عن ضرورة ارتقاء ~~المرأة، وأنها يجب أن تخالط المجتمع وتؤدي وظائف الدولة. # ثم إنه كان يعرف المجتمع الأوربي؛ إذ عاش فيه بضعة أشهر في سفارته إلى ملك إشبيلية، ولكنه ~~لم يقارن بين المجتمعين الأوربي والعربي، مع أنه قارن بين أساليب الحرب الأوربية والأساليب ~~العربية، وآثر الأولى على الثانية. # والخطأ البارز في ابن خلدون ms051 هو تنقصه حضارة العرب، فإنه هنا أعمى كامل العمى لا يرى ~~بصيصا من نور، وأنا لا أعزو هذا العمى إلى أنه بربري يكره العرب، فإن هذا القول ليس ~~تفسيرا، وما أظن أنه كان يخدع نفسه فيرى فضائل العرب نقائص، ويكتب هذا في «مقدمة» أخلص ~~فيها التفكير وأراد أن يصل فيها إلى استنتاجات منطقية. هذا مع أني أحتفظ له بخيانات شخصية ~~وثقافية، فإنه مثلا خان معظم الأمراء والملوك الذين خدمهم، ثم إنه سرق كل ما كتبه إخوان ~~الصفاء وعزاه إلى نفسه. # ولكن حملة ابن خلدون ترجع إلى جهله لا أكثر، فإنه رأى الإعراب، ولم ير العرب. # يقول ابن خلدون في «المقدمة» عن العرب: «إنهم بطبيعة التوحش الذي فيهم أهل انتهاب وعبث، ~~ينتهبون ما قدروا عليه من غير مغالبة ولا ركوب خطر ويفرون إلى منتجعهم بالفقر». # ويقول أيضا في فصل عنوانه: «إن العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب»: «والسبب ~~في ذلك أنهم أمة وحشية باستحكام عوائد التوحش وأسبابه فيهم، فصار لهم جبلة وخلقا، وكان ~~عندهم ملذوذا لما فيه من الخروج عن ريقة الحكم وعدم الانقياد للسياسة، وهذه الطبيعة منافية ~~للعمران ومناقضة له». # والمتأمل لهذا الكلام يعود فيقول: أهؤلاء عرب أم أعراب؟ # وقد استطاع الدكتور مشرفة أن ينبهنا إلى القيمة التاريخية والمهمة الاجتماعية التي أداها ~~العرب في التطور البشري، فإن الجزء الثاني من كتابه الإنكليزي: «نظرة ثقافية عامة لمصر ~~الحديثة» قد بحث هذا الموضوع لأول مرة في التاريخ العربي أو الغربي. # والدكتور مشرفة يبحث التغييرات أو الانقلابات التاريخية من حيث إنها النتائج المترتبة عن ~~الوضع الاقتصادي، وهي نتائج محتومة بحتمية الجغرافيا التي تعيش فيها الأمة، ووسائل العيش، ~~وطرق الإنتاج، التي تتبعها. # فالأمم البدوية القديمة مثل الهكسوس واليهود العرب كانت تقتني الماشية وتنتجع المراعي ~~البعيدة، أي: إنها كانت دائمة التنقل، بل دائمة الهجرة، وقصة يوسف بن يعقوب تدلنا على ~~الاجتماع والهجرة، فإن قافلة سورية كانت تنوي السفر فوجدته وحملته، وهي إنما أرادت السفر؛ ~~لأنها كانت ترغب في التبادل التجاري، تعطي مصر بعض ms052 ماشيتها وتأخذ بدلا منها حبوبا تعود ~~للاتجار بها في سوريا أو فلسطين، وكانت مصر في تلك العصور زراعية صناعية تستكفي بإنتاجها، ~~ولكنها كانت تتبادل بعض محصولاتها بمحصولات الأمم المجاورة عن طريق هذه القوافل. # هذه القوافل العربية أو اليهودية أو الهكسوسية، وهذه هي مهمة العرب الأولى في التاريخ، ~~فإن العرب ربطوا الأمم البعيدة برباط التبادل التجاري، فكانت قوافلهم وأحيانا سفنهم، تتصل ~~بالصين والهند والعراق وإيران ومصر وإفريقيا الشمالية؛ وذلك لأنهم كانوا لا يزرعون ولا ~~يصنعون، وإنما كانوا ينقلون ما تزرعه الأمم وما تصنعه، وكانوا يؤدون أثمان المصنوعات ~~والمحصولات بماشيتهم أو بما يحصلون عليه من ذهب وفضة من الأقطار البعيدة. # كان المجتمع القديم في مصر زراعيا، بل زراعيا متقدما، وكانت الصناعة بدائية محلية، ~~وكان كثير منها مثل البناء بالحجر للقبور والأهرمات، وكذلك استخراج الذهب وصناعة الورق من ~~احتكار الدولة، وما زالت أوروبا تستعمل كلمة «بيبر»، أي: الورق، وهي محرفة عن كلمة فرعون ~~«بيبرون»؛ لأن الورق كان من محتكرات الدولة، والدولة هي فرعون. # وقد كان موسى بن ميمون، الفيلسوف اليهودي الذي عاش في القاهرة قبل ابن خلدون، أيام صلاح ~~الدين له أقارب وأبناء يتجرون في الهند وإسبانيا، أي: الأندلس، وما بينهما، ولم يكن ~~الأوروبيون يعرفون هذه التجارة «العالمية» في وقته، ولو أن ابن خلدون كان قد تنبه إلى هذه ~~المقارنة، أي: انحباس الأوروبيين في أوروبا على حضارة متخلفة، وانفساح العرب في إفريقيا ~~وآسيا على حضارة متقدمة، وفكر فيها، لما وقع في هذا الخطأ بل الخطل حين زعم أن العرب ~~متوحشون. # ذلك أن العرب كانوا على حضارة راقية بسبب اتصالهم بأقطار آسيا وإفريقيا، في حين أن أوروبا ~~كانت تعيش على حضارة قروية تعتمد على صناعات القرية البدائية، وهذا هو معنى «القرون ~~المظلمة» في أوروبا التي ركدت فيها بين 500 و1000م. # وكان العرب أنفسهم عاملا في ركود أوروبا؛ هذا لأنهم منعوا الأوربيين من الملاحة في البحر ~~المتوسط وما وراء البحار، وقد أشار ابن خلدون إلى ذلك، ولكنه لم يتنبه إلى دلالته. # وينبهنا الدكتور مشرفة إلى ms053 أن قصة السندباد هي قصة تاجر، وهي التخيل الأدبي الذي يبعثه ~~الطموح لأمة تعيش بالتجارة، وهي تجارة على أبعاد عالمية، بل كذلك الكثير من قصص ألف ليلة ~~وليلة. # وعندما نتأمل صعود الدول العربية وسقوطها نجد أنها كانت على الدوام بسبب الاحتكارات، أو ~~الغزوات التجارية، أو التي تعود إلى حوافز تجارية، وقد كانت الدولة الفاطمية في مصر تمثل ~~طبقة التجار الصغار، بل إن أحد الخلفاء لهذه الدولة كان يملك نصف المنازل والمتاجر في ~~القاهرة ... كان تاجرا قبل أن يكون ملكا. # ولست أريد الاستقصاء في هذا المقال، ولكني أحب فقط أن أنبه القراء إلى هذا النظر الجديد ~~للمهمة التاريخية التي قام بها العرب، بل قام بها أيضا البدو من الهكسوس والعبرانيين قبل ~~العرب، فإن الأمم القديمة عرفت الزراعة واستقرت عليها مع القليل من الصناعة، وكانت في ~~استقرارها تركد وتأسن، وليست القرية التي تعيش بالزراعة منبعا للحضارة؛ لأن استكفاءها ~~بالمحصولات التي حولها لا يتيح لها الحاجة إلى الاتجار مع الأقطار النائية، بل هذا هو معنى ~~القرون المظلمة في أوروبا، فإنها قرون الاستكفاء القروي وانتفاء التجارة العالمية، تلك ~~التجارة التي كانت تجعل الرومان متمدنين وتصل بينهم وبين آسيا وإفريقيا. # وكثرة المؤلفين الجغرافيين في العرب برهان على هذا النظر العالمي في الثقافة العربية، ~~ورحلة ابن بطوطة من طنجة إلى بحر اليابان، برهان رائع على هذه الثقافة العربية التي كانت ~~تعود إلى التجارة، بل إن كلمة «تاج» الصينية، بمعنى تاجر، هي كلمة عربية، وقد حذفت الراء؛ ~~لأنها ليست من الأبجدية الصينية أو بالأحرى لا ينطق الصينيون هذا الحرف، وتفسير ذلك أن أول ~~التجار الذين قصدوا إلى الصين للتبادل التجاري كانوا من العرب. # وإذن نحن نستبين الحقائق التاريخية كما كانت في الواقع بالترتيب التالي: ~~(1) # نشأت الأمم الزراعية باقتصاديات استكفائية، وتألفت الدولة، فكانت الحضارة ~~قروية محدودة. ~~(2) # نشأت الصناعات الكبيرة باعتبار أنها من احتكارات الدولة. ~~(3) # نشأ التبادل التجاري على أيدي الأمم البدوية التي كانت ترتحل وتتجمع، ~~الهكسوس، والعبرانيين، والعرب. # وفضل العرب، ومهمتهم التاريخية، أنهم ربطوا العالم بقاراته الثلاث أكثر ms054 من ألف سنة ~~بالتجارة، وبهذا الرباط اتسع الوجدان البشري، وظهرت ثقافة جديدة تتجاوز حدود الأقطار، إلى ~~القارات، وإلى العالم كله، وهذا هو ما جهله ابن خلدون. # | شاعران من مصر # أبو نواس والمتنبي شاعران عظيمان، بل ربما كانا أعظم شعراء العرب الذين زاروا مصر، قدم ~~أولهما إلى مصر أيام ولاية الخصيب، وجاء الثاني بعده بنحو مئة وخمسين سنة أيام ولاية كافور ~~الإخشيدي. # وليس بين الاثنين سوى صلة النظم للشعر، أما من حيث المزاج والاتجاه واللغة والخيال فإن ما ~~بينهما أبعد مما بين القطبين، بل إني أعتقد أن الذي يحب أبا نواس لا يمكنه أن يحب المتنبي، ~~وكذلك العكس؛ لأنهما يتناقضان في كل شيء تقريبا. # كان أبو نواس يحب الخمر والمجون، وكان المتنبي يأنف منهما، وكان أبو نواس مجددا في الشعر ~~لا يبالي بقديمه أسلوبا أو لغة، ولكن المتنبي على الرغم من أنه جاء بعده بقرن ونصف قرن ~~كان أسلوبيا في خياله ولغته، ينحو نحو القدماء، وكان أبو نواس راضيا بمقامه وهو مقام ~~الشاعر الأديب، ولكن المتنبي لم يكن راضيا بهذا المقام؛ إذ كان يطمع في أن يكون واليا، ~~وكان أبو نواس متواضعا، يكاد يكون سوقيا، يختلط بالعامة ويحب نكاتها ونوادرها، أما ~~المتنبي فكان عزوفا عن العامة، يتكبر ويشمخ ولا يجالس غير الأمراء ولا يكاد يفطن إلى ~~نكتة. # وعندما نقرأ أشعارهما نحس أننا نحب أبا نواس ولكننا لا نحترمه، في حين أننا نحترم المتنبي ~~ولكننا لا نحبه. # يقول الأوروبيون: إن الخمر التي سماها يعقوب وهو يبارك أولاده، دماء الأعناب، يقولون: ~~إنها بعض تقاليد حضارتهم. ولا يمكن أن يقال مثل هذا القول عن العرب، ولكن الذي يمكن قوله ~~بلا خطأ هو: إن الخمر بعض تقاليد الأدب العربي. وما قيل من الأشعار في الخمر أيام الجاهلية، ~~ثم في عصور الإسلام، يملأ المجلدات الضخمة ويحمل من مختلف المعاني ما يرتفع إلى أسمى درجات ~~البلاغة والخيال، وقد كان أبو نواس شاعر الخمر، كما كان شاعر الظروف والنكتة، وقد ذكرت ~~الخمر كثيرا في أشعار الجاهلية، ولكن في ms055 معرض الحرب التي تسعرها والشجاعة التي تبعثها، ~~وأبو نواس بعيد عن الحرب والشجاعة، ولذلك لا يذكرها إلا لذاتها ؛ أو لأنها تبعث إحساسات الحب ~~والغرام، أو لأنها تنسي الهموم وتمحو القلق والأرق، ومن هنا حب العامة له، فإنه باستهتاره ~~قد أزاح عنها هموم العيش، وإن كان هذا بالخيال فقط؛ ولذلك ألفت عنه الكتب العامية ~~باللغة الدارجة، وهذه الكتب لا تحوي من أشعاره بمقدار ما تحوي من نكات ونوادر عزيت إليه، ~~والأصح أنها مخترعة تمثل العقل الكامن في العامة وتعبر عن عواطفها وشهواتها بالسخرية من ~~العظماء وفتح الآمال للفقراء والضعفاء. # ويكاد تكون عندنا شخصيتان لأبي نواس إحداهما تلك الشخصية الأدبية العالية التي يعرفها ~~الأدباء في أشعار تبلغ الذروة في الخيال والإحساس، والأخرى تلك الشخصية التي تعرفها العامة ~~في مجونه ونكاته ونوادره، ولكن يجمع بين الشخصيتين الاعتقاد بأن أبا نواس شاعر وظريف ~~معا. # جاء أبو نواس مصر كي يرى النيل، ويتقرب إلى الخصيب بن عبد الحميد الوالي الكريم، ويستطلع ~~دنيا جديدة غير الدنيا التي عرفها في العراق، وكان ذلك أيام الرشيد، وفي الخصيب يقول أبو ~~نواس: # أنت الخصيب وهذه مصر # فتدفقا فكلاكما بحر # لا تقعدا بي عن مدى أملي # شيئا فما لكما به عذر # ويحق لي إذ صرت بينكما # ألا يحل بساحتي ضر # ويقول أيضا عن الخصيب: # يا ابنتي أبشري بحيرة مصر # وتمني وأسرفي في الأماني # أنا في ذمة الخصيب مقيم # حيث لا تهتدي حروف الزمان # قد علقنا من الخصيب حبالا # أمنتنا طوارق الحدثان # لا تخافي على غول الليالي # فمكاني من الخصيب مكاني # ولا نعرف كثيرا عن مقام أبي نواس في مصر، والظن الأكبر أنه لم يجد ترحيبا من كتابها ~~وأدبائها، وإن وجد الكرم الذي انتظره من الخصيب، فإن استهتاره عندما كان يتحدث عن الخمر كان ~~أكبر مما يتسع له صدر المصريين وقتئذ؛ إذ لم تكن مصر مركز الخلفاء مثل بغداد، ولم يكن الترف ~~قد أدى فيها إلى استرخاص الفضائل الدينية، فقد كان أبو نواس يقول في الخمر: # ألا فاسقني الخمر وقل لي ms056 هي الخمر # ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر # وقد رويت عنه قصة يمكن أن تكون مكذوبة، هي أنه كان يشرب الخمر والمطر يتساقط، فوضع قدحا ~~وجمع فيه قطرات من المطر ثم شربه، وقال: «يزعمون أن مع كل قطرة ملكا، فكم تراني قد شربت من ~~الملائكة». # هذا أبو نواس المستهتر الذي زار مصر أيام الخصيب، فلننظر في شاعر آخر زارها أيضا أيام ~~كافور، وهو المتنبي. # كان المتنبي شاعر سيف الدولة في حلب، وكانت أيامه قلقة بالحروب بين سيف الدولة والدولة ~~الرومانية الشرقية، فلم تكن هناك فضيلة أعلى من الشجاعة ولا أنفع منها، ومن هنا غلبت ~~الحماسة الحربية على قصائد المتنبي، بل من هنا هذا الاستعلاء الذي نحسه من المتنبي نحو ~~العامة، فإنه كان يختلط بالقادة والزعماء والرؤساء ويتغنى بالحرب كما لو كانت هي الشىء ~~المألوف في الحياة الذي يستحق الاهتمام دون ما عداه من أي شأن آخر. # وكانت قدرته اللغوية هائلة، ولكن لا أظن أنها كانت تزيد على قدرة أبي نواس، ولكن الفرق ~~بينهما أن الأول كان يتعاسر ويتعاظل في حين أن الثاني كان يتياسر ويتسامح، وهذا يتفق مع ~~المنطق الاجتماعي لكل منهما، فإن المتنبي كان يحيا في مجتمع حربي قوامه الشجاعة والقتال، ~~ومن هنا معاظلته وجده، فقد كان يقصف بالأبيات كما لو كانت قنابل، وكان أبو نواس يحيا في ~~مجتمع بغداد الطروب بخمره وغنائه ويسره، ومن هنا اختياره السهل البسيط في الكلمات والأساليب ~~حتى لننشد أبياته وكأنه كئوس الخمر المسكرة. # وجاء المتنبي إلى مصر وهو على إحساس بأنه سوف يكرم من كافور الخصي الإخشيدي، وتطلع إلى ~~ولاية يتولاها ويعيش أميرا كالأمراء، ولعله حلم بأنه سوف يكون له شعراء يمدحونه كما كان هو ~~يمدح سيف الدولة في حلب، ولعله كان يفكر في تلك الأيام السعيدة المستقبلة حين يستطيع أن يصف ~~فيها سيف الدولة بأنه زميله وليس أميره؛ وخاصة لأنه تركه عقب نبوة وإزورار منه، وشرع يمدح ~~كافور بقصائد أسرف فيها، ولكن كافور كان يقرأ ما خفي خلف هذه القصائد فكان يداري ms057 الشاعر ثم ~~يصرفه باسما هازئا بأطماعه أو مسوفا مرجيا حتى لا ينقلب عليه المتنبي بعد المدح. # ولكن المتنبي بذكائه الخارق عرف أن كافور يلعب به وأنه لن يوليه الولاية المرموقة، فانقلب ~~هاجيا مسرفا في الهجاء بعد إسرافه في الثناء. # ونحن نضحك من كافور الذي يمدح ويهجى، ونضحك من المتنبي الذي سخر منه كافور، نضحك حين ~~نقرأ للمتنبي في كافور الأسود الخصي قصيدة يفتحها بقوله: # غالب فيك الشوق والشوق أغلب # وأعجب من ذا الهجر والوصل أعجب # ويقول فيها: # وأخلا كافور إذا شئت مدحه # وإن لم أشأ تملي علي وأكتب # إذا ترك الإنسان أهلا وراءه # ويمم كافورا فما يتغرب # ثم يستجدي كافورا الولاية فيقول: # أبا المسك هل في الكأس فضل أناله # فإني أغني منذ حين وتشرب # ولكن كل هذا ذهب مع الريح فعاد يصف كافورا بقوله: # وإنك لا تدري ألونك أسود # من الجهل أم قد صار أبيض صافيا؟ # وقوله: # ومثلك يؤتى من بلاد بعيدة # ليضحك ربات الحداد البواكيا # وهذا انتهت مهزلة كافور المتنبي، وترك الشاعر مصر يلعن الأرض والناس وواليهم الخصي ~~الأسود. # | صلاح الدين ومقامه في التاريخ # ليس هناك اسم يتلألأ عند العرب والأوروبيين معا مثل صلاح الدين فاتح القدس، وقد نسجت حول ~~اسمه أساطير إن لم تكن صحيحة فإن تأليفها يدل على مقامه عند الذين ألفوها. # ونحن نعرف من القواعد الأساسية في التاريخ أن الإشاعة لا تقل مكانتها عن الحقيقة؛ إذ هي ~~تعكس حالة الرأي العام. ~~••• # ظهر الأتراك في تاريخ العرب منذ القرن الأول للدولة العباسية ثم تكاثروا وتفاقموا، حتى ~~صارت السلطة الفعلية في أيديهم، ثم بعد قرون انتقلت إليهم السلطة الشرعية أيضا، فصار منهم ~~ملوك وأمراء وقواد. # وكلمة «الأتراك» تعميمية وليست تخصيصية، فهي لا تعني العنصر التركي وحده، وإنما تعني ~~أيضا الأكراد، ثم الشركس، ثم التتار والمغول، فإن كل هؤلاء قد اعتنقوا الإسلام وتولوا ~~الأحكام ولم تمنعهم أجنبيتهم عن حكم الشعوب العربية، ومن هؤلاء صلاح الدين. # فإنه كردي نشأ في دمشق حين كان أبوه حاكما على دمشق، وكانت الحروب الصليبية ms058 في فلسطين ~~وسوريا على أشدها بين المسلمين العرب وبين الأوروبيين المسيحيين، وكانت «أورشليم» أي: القدس ~~إمارة مسيحية، وكانت هذه المدينة شوكة في جنب العرب، وبقيت كذلك نحو مئة سنة حتى افتتحها ~~صلاح الدين في سنة 1187 ميلادية، وذاع هذا الخبر في أنحاء العالمين العربي والأوربي، ومن ~~ذلك الوقت إلى الآن واسم صلاح الدين يجري على الألسنة والأقلام باعتبار أنه جعل التاريخ ~~ينعطف من قوة الغرب إلى قوة الشرق. # والحوادث هي التي تخلق الرجال، ولكن شخصية الرجل العظيم تستطيع أن توجه الحوادث وتغير ~~مجاريها. # ومعنى ذلك أن الكفاح بين المسلمين والأوروبيين في القرن الثاني عشر كان يتطلب رجالا، ~~وكانت الكوارث تخرجهم كي يكونوا أكفاء لمواجهتها، ونحن نجد في هذا القرن رجلين عظيمين هما ~~صلاح الدين المسلم، وقلب الأسد المسيحي. # كان كل منهما عظيما يبدي من الشهامة ما يدل على أنه ممتلئ بالرجولة، يعلو على الصغائر ~~ويهدف إلى العظمة. # ولم تكن الحروب الصليبية التي اشترك فيها هذان العظيمان خالية من الخسة والخيانة، فإن بعض ~~الملوك من الإفرنج كان يحارب بعضا منهم، كما أن بعض الأمراء المسلمين كان يحالف أو يمالئ ~~بعض الملوك المسيحيين. # وعرف صلاح الدين هذه الممالآت أو المحالفات، فقدم إلى مصر وجعل يعمل في السياسة وفي الحرب ~~معا، وكانت مصر تعاني انهيارا في كلا الفنين، وذلك لأن العرش الفاطمي كان قد وصل إلى آخر ~~أنفاسه من حظه من الحياة، ولم يكن للخليفة الفاطمي أية سلطة إزاء رجال قصره، ورأى صلاح ~~الدين عرشا فارغا فاعتلاه وملأه. # ولكن صلاح الدين أحس أن له رسالة، ليست هي أن يملأ العرش ويتولى الحكم، وإنما هي مقاتلة ~~الصليبيين حتى يخرجهم من فلسطين، ولم يعرف وهو ملك، ملذات القصور ودعة السلطان الذي يؤدي ~~عنه وزراؤه الثقيل من الوجبات المدنية، وجعل يقاتل الصليبيين في كل مكان، ووجد في ريتشارد ~~قلب الأسد قريعا، وكان القتال ينقطع من سنة إلى أخرى ولكنه كان يعود أحر مما كان. # ولم تكن العلاقات التجارية بين المسيحيين والمسلمين مقطوعة؛ ذلك لأن كلا من ms059 الفريقين ~~رأى من الحسن لهما كليهما، أن يبقى شيء من الصلات قائما، ولذلك عندما نقرأ كتاب ~~الاعتبار لأسامة بن منقذ، الذي عاش في الحروب الصليبية، نجد أن الاختلاط بين المدنيين لم ~~يكن منقطعا. # ويذكر الأوروبيون قصصا وأساطير عن صلاح الدين، كلها برهان الشهامة والترفع والإنسانية، ~~من ذلك مثلا أن امرأة رأته فصارت تضرع وتولول وتنادي باسمه فاستدعاها وسألها عما تشكوه، ~~فأخبرته بأن ابنها قد أسر، أي: أنها كانت مسيحية وأن ابنها كان يقاتل المسلمين، وتضرعت إليه ~~كي يفك إسار ابنها وخاصة لأنه وحيدها، فلما تأمل صلاح الدين حالها، وهي حال الأم التي تفقد ~~وحيدها، رق لها وأسلم إليها ابنها، وعندما نتأمل هذه القصة يجب ألا نقيم الشبه بينها وبين ~~أسرى الحرب في أيامنا، فإن لهؤلاء حقوقا تعترف بها الدول، أما في أيام صلاح الدين فكان ~~الأسير يقتل أو يباع. # ويذكر الأوروبيون أيضا أن ريتشارد قلب الأسد لزم فراشه لمرض ألم به فلما سمع صلاح ~~الدين ذلك أرسل إليه أطباءه لمعالجته. # هذا شيء من أخلاق صلاح الدين التي جعلت الأوروبيين يقدرونه ويحترمونه، وهو يبدو من ~~مؤلفاتهم، وكذلك من مؤلفات المؤرخين العرب، أنه كان شخصية فذة. # وحسبنا أن نذكر حادثة أثرت عنه، فإنه لما أحس باقتراب الموت، وهو في فراشه، أمر بتهيئة ~~الكفن، وهو قطعة من القماش لا تزيد على ثلاثة أمتار طولا في متر ونصف متر عرضا، ثم أمر ~~أحد الخدم بأن يحمل هذا الكفن ويخرج به إلى شوارع دمشق ويسير فيها مناديا، هذا هو كل ما ~~سيأخذه صلاح الدين إلى قبره حين يموت، ومات بعد أيام ووسد التراب. # ما أعجب هذه العظة، ليس للملوك وحدهم، بل لكل إنسان على هذا الكوكب. ~~••• # الحرب قطيعة وإحنة وشر، وليس من شك في أن الحروب الصليبية حوت كثيرا من الشرور والآثام، ~~ولكنها مع ذلك أوجدت كثيرا من التعارف بين الشرق والغرب وهدمت السور الذي كان يفصل ~~بينهما. # والذي يقرأ كتاب أسامة بن منقذ، الذي عاش هذه الحروب وروى الكثير من حوادث حياته ~~الاجتماعية والسياسية ms060 فيها، يحس بأن ما يتوهمه من قطيعة فاصلة بين العرب والأوروبيين لم يكن ~~حقيقيا؛ إذ كان هناك الكثير أيضا من الاتصالات التجارية بل الإنسانية. # وفي القاهرة، إلى وقتنا، أثران يدلان على أن التعارف لم يكن أقل من التناكر، فإن القلعة ~~التي بناها صلاح الدين هي حصن أوروبي لا يختلف عن تلك الحصون التي لا تزال توجد آثارها في ~~فرنسا وتعرف باسم «شاتو»، وكلمة «برج» هي كلمة أوروبية، والأبراج هي أخص خواص هذه الحصون؛ ~~إذ هي أمكنة الدفاع المستتر في تلك السنين التي لم تكن تعرف البنادق أو المدافع، ولا بد أن ~~الذين بنوا هذه القلعة قد نقلوا تخطيطها عن القلاع التي بناها الصليبيون في سوريا. # ثم في القاهرة أثر آخر هو هذه القناطر، أو الأقباء، التي ما زلنا نجدها مقامة في مصر ~~القديمة بين النيل والقلعة. وكانت المياه ترفع من النيل عند شاطئه ثم تجرى فوق القناطر إلى ~~أن تبلغ القلعة، وهذا الأسلوب في نقل المياه هو أسلوب روماني قديم بقي إلى القرون الوسطى ~~التي اتسمت بهذه الحروب الصليبية، وهي، أي: هذه القناطر، منقولة عن الأوروبيين. # ثم يجب ألا ننسى أن تقلبات الحرب بين العرب والأوروبيين جعلت الفريقين يحترمان القواعد ~~الإنسانية، فالبلدة التي يفتحها الصليبيون كانت تحتوي من المسلمين على ما يبلغ النصف أو ~~الثلثين. ولم يكن الأمير أو الملك المسيحي يجرؤ على أن يسيء إليهم؛ لأنه كان يعرف من ناحية ~~أخرى أن هناك آلاف المسيحيين في المدن الأخرى التي يحكمها المسلمون، وكذلك العكس. # فكان الأمير المسيحي، مثل الأمير المسلم، يعامل كل منهما أبناء الدين الآخر بالاحترام ~~ويحميهم من الظلم أو الأذى، ثم كان التبادل التجاري؛ إذ لم يكن من الممكن أن يعيش السكان ~~حتى مع الحرب التي لا تنقطع بلا تجارة، والتجارة تؤدي إلى التعارف ثم إلى التبادل ~~الثقافي. # كان صلاح الدين نبأ في تاريخ الشرق العربي، وما زلنا نستعيد ذكرياتنا عن حروبه فنحس الفخر ~~والعزة والشرف. # | نابليون في مصر # كانت مصر، قبل دخول الأتراك في سنة 1517، أعظم دولة ms061 في البحر المتوسط، فقد كانت موانيها، ~~الإسكندرية ودمياط والسويس، أسواق التبادل التجاري بين آسيا وأوروبا، وفيما بين سنة 1300 ~~و1450 كانت مصر أغنى دولة بما كانت تحصل عليه من المكوس على بضائع آسيا وأوروبا التي كانت ~~تمر على موانيها وتقطع طرقها. # ولكن هذا الثراء تزعزع عندما اكتشف كولومبوس القارة الأمريكية في سنة 1492، ثم انهار ~~تماما عندما دخل الأتراك مصر في سنة 1517. # ومنذ 1517 إلى 1798 كانت مصر في فوضى، يحكمها ولاة من إستانبول، يشترون الولاية على مصر ~~بالرشوة الغالية، فإذا وصلوا إلى القاهرة جمعوا أضعافها بالنهب والاغتصاب والسرقة، وكان ~~أحدهم يبقى شهورا، ويعرف أن بقاءه في الولاية لن يزيد على سنة أو نحو ذلك، فكان ينحصر كل ~~اهتمامه في جمع أكبر مقدار من المال؛ كي يسدد الرشوة أو الرشى التي أداها للحصول على ~~الولاية وهو في إستانبول، ثم يجمع فوق ذلك مقدارا آخر يعيش به في الترف والبذخ. # وكانت الولاية للوالي التركي، ولكن الحكم الحقيقي كان للمماليك، أي: أولئك الأمراء من ~~الشركس والترك الذين كانوا سلائل المماليك القدامى، أو كانوا من الرقيق الأبيض المجلوبين من ~~القوقاز وغيره. # وهؤلاء المماليك كانوا في مباراة عامة لسرقة الشعب، وكانوا يحترفون الجندية، وذلك أن ~~المملوك كان جنديا أولا وقبل كل شيء وعندما دخل نابليون مصر حاربوه في شجاعة ~~نادرة. # ولكن هذه الشجاعة كانت فردية؛ لأن المملوك لم يكن يحس التضامن بينه وبين سائر المماليك، ~~ولم يكن يحس كذلك التضامن بينه وبين الشعب المصري. # كان المملوك، قبيل دخول نابليون، في مباراة مع جميع المماليك الآخرين، يسطو عليهم ويسطون ~~عليه، والغلبة للقادر، وكذلك كان لا يعرف عن مصر إلا أنها، أو بعضها، عزبته التي يستغلها كي ~~يشتري القصور والأسلحة لجنوده، ولعلنا لا ننسى أن كلمة «عزبة» هي كلمة قوقازية جاءتنا من ~~القوقاز، بلاد الشركس، وهي تعني البيت الريفي، وما زلنا نستعملها إلى الآن في مصر بمعنى ~~الضيعة. # فلما جاء نابليون، وكان يقصد بالاستيلاء على مصر أن يستولي على البحر المتوسط كله وأن ~~يقطع الطريق على الإنكليز ms062 في استعمارهم للهند، وجد الفوضى العامة والأخلاق المنهارة والفقر ~~والجهل والمرض. # وقد لاحظ نابليون على المماليك ملاحظة سيكولوجية تستحق الالتفات، هي أن المملوك الفرد ~~يتغلب في القتال على الفرنسي الفرد، وجنديان من المماليك يتغلبان على ثلاثة جنود من ~~الفرنسيين، ولكن مئة جندي فرنسي يتغلبون على مئتين من المماليك. # وعبرة هذه الملاحظة أنه لم يكن بين المماليك إحساس جماعي أو اتحاد للقتال، وإنما كان كل ~~جندي يقاتل عن نفسه، ولا يقاتل عن مصر، ولا يقاتل عن هيئة المماليك، كان شعار المماليك: ~~«أنا وحدي»، ومن هنا كانت شجاعته حين كان ينفرد، ومن هنا أيضا ضعفه حين كان يجتمع. # أما الجنود الفرنسيون فكانوا أبناء الثورة، تجمعهم أهدافها، ويتضامنون، ويضحون من أجل ~~مبادئها، هذه المبادئ التي نشرها نابليون في مصر بهذه الكلمات: «الحرية والإخاء والمساواة». ~~ولذلك كانوا ينتصرون في الحرب لاتحادهم. # ولم يكن الوجدان في مصر وقتئذ وطنيا، بل إن الوطنية في أوروبا نفسها لم تكن قد رسخت، ~~وإنما كان الوجدان الغالب في مصر هو الوجدان الديني، وكانت حرب نابليون في مصر هي حرب ~~المسيحية مع المسلمين لا أكثر. # ولكن أرجو ألا يؤخذ كلامي هذا على إطلاقه، فإن حركة العظيم عمر مكرم، قبل دخول نابليون ~~مصر، ضد الوالي التركي، كانت تحتوي شيئا من الإحساس المصري الوطني فوق الإحساس الديني، ثم ~~بعد حركة هذا العظيم نفسه ضد نابليون وتزعمه للمقاومة، بل كذلك اختياره لمحمد علي مع سائر ~~العلماء الأزهريين، ثم بعد ذلك ثورته عليه، كل هذا كان يدل على بزوغ الإحساس المصري الوطني ~~فوق الإحساس الديني. # ولما دخل نابليون مصر وجد عنصرين مختلفين، عنصرا سائدا من الشركس البيض يحكم ويتحكم ~~ويملك الأرض، وعنصرا مسودا من المصريين السمر يخدمون ويذلون للعنصر السائد. # وتقرب نابليون إلى المصريين وحاول استمالتهم بأن وعدهم بأن يكونوا هم سادة وطنهم دون ~~الشركس والترك، ولكن العنصر المصري لم يستجب إلى هذا النداء، أولا لأن نابليون كان ~~مسيحيا، وثانيا لأن الإذلال الذي مارسه الشركس والترك كان قد أحدث ذلا بين الشعب ~~المصري. # وشتت ms063 نابليون المماليك وبعثرهم في الصعيد وسوريا، وألف مجلسا نيابيا من المصريين في ~~القاهرة كان بالطبع يريد أن يعتمد عليه للاستشارة فقط. # ولكن الشعب كان قد تخبط في فوضى نحو ثلاث مئة سنة، وكان قد هوى إلى حضيض من الذل والفقر ~~والجهل بحيث لم يتفهم العبرة في هذا الإنسان الجديد، نابليون الذي كان ينظر إلى الدنيا ~~بعينين قد رأتا الثورة، كما كان يحس بقلب قد عرف أن باريس قد قتلت ملكين ~~لاستبدادهما. # والحق أن نابليون لم يكن جنديا عظيما فقط، بل كان إنسانا جديدا. كما نرى مثلا من ~~جلبه للمعلمين إلى مصر، ومن تأليفه لجنة لسن القانون الذي يعزى إليه، وهذا القانون الذي ~~أخذنا نحن به أيام إسماعيل، كان يعزى إليه في أكثر من معنى، فإنه كان يتدخل في أعمال اللجنة ~~التي كانت تسنه، وكان يشير عليها بما يجب من حذف أو إثبات أو تنقيح. # وقد روى لنا الشيخ الجبرتي أشياء كثيرة عنه، فقد أطار بلونا يحمل بعض الجنود في سماء ~~القاهرة، وأنشأ المطاعم التي كان الجبرتي يتعجب من نظافتها وسرعة الخدمة فيها، وأنشأ «مؤسسة ~~مصر» التي لا تزال حية إلى الآن، وقد رأى الجبرتي فيها عجائب من الكيمياء، مواد تمتزج بمواد ~~فتخرج منها مواد أخرى تختلف لونا وقواما عما كانت عليه قبل الامتزاج ... # وقد كان هذا بعض «العلم» الجديد الذي كانت أوروبا تدرسه بعد أن تفشت فيها الصناعات وتطلبت ~~البحث والاستقراء للوقوف على الحقائق التي تزيد الإنتاج. # وللأسف لم يفهم الجبرتي ولا غيره من المصريين شيئا من هذا النور الجديد الذي تهيأت به ~~أوروبا بعد ذلك لاقتحام المستقبل والاستيلاء على العالم، ولكنهم فهموا وعرفوا، أن هناك ~~آفاقا رحبة من الأمم والأقطار التي لم يسبق لهم أن سمعوا عنها، وعرفوا فوق ذلك هذه الحقيقة ~~الكبرى، وهي أن المماليك ليسوا من القوة والعظمة بحيث لا يمكن الانتصار عليهم، بل كذلك ~~عرفوا أن الأتراك ليسوا هذه «الدولة العلية» التي لا يمكن التمرد على سلطانها. # وكان محمد علي من نتائج حملة نابليون، فإنه جاء ms064 لاسترداد سلطة الباب العالي، واختاره ~~العلماء والأعيان بقيادة العظيم عمر مكرم، وكان محمد علي يتظاهر أمامهم بالأمانة والخضوع ~~لهؤلاء الذين اختاروه ولكنه صار ينظر إليهم ويعاملهم معاملة الأسياد للعبيد، معاملة ~~المماليك للمصريين، وهذا هو ما أسخط عليه عمر مكرم وجعله يندم على الأمانة التي وضعها في ~~غير موضعها. # ولما استقر الحكم لمحمد علي أخذ يستعين برجال الحملة الفرنسية أنفسهم ويستخدمهم في تقوية ~~الجيش المصري وتزويده بالذخائر والأسلحة، بل صار يستجلب المعلمين للتدريس في المدارس لخدمة ~~الجيش، والجيش وحده، دون الشعب المصري. # ومع ذلك تجاوزت نهضة محمد علي الحربية إلى الشعب كما هو الشأن في مثل هذه النهضات، فبقيت ~~بعض المدارس بعد وفاته، وتعلم فيها المصريون، كما أن شامبليون استطاع أن يهتدي إلى حجر رشيد ~~ويرتفع به إلى كشف اللغة، أو بالأحرى الخط الهيروغليفي، وانفتح للعالم بذلك أوسع الأبواب ~~للوقوف على أسرار الفراعنة. # وإذا كانت «نهضة» محمد علي هي صميمها نهضة فرنسية تغذوها الثقافة الفرنسية ويحمل أعباءها ~~فرنسيون، فإن الفضل في ذلك يرجع إلى حملة نابليون الذي عقد الصلة بين فرنسا ومصر، صلة ~~العداوات في الأصل ثم صلة الصداقة مع محمد علي بعد ذلك. # | أدباء فرنسا في اللغة العربية # ليس غريبا أن يكون للغة الفرنسية شأن كبير بل خطير في مصر ولبنان وسائر الأقطار العربية، ~~فإن حملة نابليون على مصر، ثم استعانة محمد علي بالمستشارين الفرنسيين في إدارة البلاد عامة ~~والجيش خاصة، وأيضا البعثات التي أرسلها محمد علي وإسماعيل إلى باريس، ثم قناة السويس ~~والعديد من الموظفين الفرنسيين فيها، ثم المدارس التي أنشأها الرهبان والراهبات في مصر ~~ولبنان وسوريا، كل هذا قد جعل للغة الفرنسية مقاما كبيرا بين الساسة والمفكرين في كل من ~~مصر ولبنان. # ولكن هذا الانتشار للغة الفرنسية قد حال دون نقل المؤلفات الفرنسية إلى اللغة العربية؛ إذ ~~لماذا أنقل روسو وفكتور هيجو وفولتير؟ # أليس المفكرون والساسة، وكبار المشتغلين بالتجارة والمال والتعليم، يقرأون هؤلاء ~~المؤلفين في لغتهم الأصلية؟ # ومع ذلك نجد أن موليير قد ترجمت إحدى ملاهيه قبل سبعين ms065 سنة، ونجد في أوائل هذا القرن ~~ترجمة البؤساء، أو بالأحرى جزء منها، لحافظ إبراهيم. # ولكن الرجل الذي بسط الأفق الفرنسي للقراء العرب هو بلا شك فرح أنطون، وهو بهذا العمل غير ~~وجه الأدب العربي، ونقل إلينا الكثير من أرنست رينان وجول سيمون وروسو وبرناردن سان بيير ~~ودوماس وفكتور هيجو. # نقل إلينا الحركة الرومانتية في فرنسا، حركة الابتداع التي كانت مزاج جان جاك روسو، بدلا ~~من حركة الابتداع التي كانت مزاج فولتير. # وكنا أحوج ما نكون إلى حركة الاتباع هذه التي نقلتنا من أدب الكتب القديمة إلى أدب ~~الطبيعة، ومن حياة التقاليد والقواعد والقيود إلى حياة البساطة، وكان «الكوخ الهندي» من ~~القصص التي ألفها برناردن سان بيير، والتي أعجب بها نابليون، أول المؤلفات التي نقلها فرح ~~أنطون من الأدب الرومانتي الفرنسي، ثم شغف بعد ذلك بأرنست رينان فنقل عنه كثيرا، وخاصة ~~كتابه عن المسيح الذي فصل من أجله من الكنيسة الكاثوليكية، وكانت علة الفصل أن رينان ترجم ~~حياة المسيح باعتباره إنسانا عظيما حساسا لا أقل ولا أكثر، وهذا ما لا يتفق وعقيدة ~~الكنيسة الكاثوليكية. # وكانت مجلة «الجامعة» التي كان يصدرها فرح أنطون في مصر لا تزيد عن أن تكون جميعا أدبا ~~فرنسيا مترجما، أو أدبا عربيا ملهما بالروح الفرنسية. # وما زلت أذكر الواقع العميق الذي أحسسته أيام شبابي، أو بالأحرى في بدايته حوالي سنة ~~1905، حين كنت أقرأ هذه الأفكار الرائعة التي كان فرح أنطون ينقلها إلينا عن رينان وروسو ~~وأمثالهما من أدباء فرنسا، قلت: «الأفكار الرائعة» ولكن ليس هذا التعبير صحيحا كل الصحة، ~~وأجدر منه وأوضح أن أقول: «الإحساسات الرائعة» التي كنا نحسها عندما كنا نقرأ رينان وروسو ~~ودوماس، ذلك أن رينان وروسو يمتازان بذكاء العقل قدر ما يمتازان بذكاء الإحساس، فإن روسو ~~يكشف لنا عن جمال جديد في الزهر والشجر والبحر والجبل، ويتحدث عن الحب بإحساس الرجل الذي ~~أحب، فيقول لنا: إن الحب جميل، ونحس صدق القول؛ لأنه يروي لنا ما رأى فيه من جمال. # وكذلك الشأن في رينان، فإنه ms066 لا يقول شيئا جديدا عن المسيح، ولكنه يروي لنا تاريخ حياته، ~~إنه يقص علينا قصة صديق له قد أحبه وشغف بنبالة قصده وطيبة قلبه وروعة حياته. # واعتقادي أن الأدب العربي الحديث يبدأ من هذه الخميرة التي وضعها فرح أنطون فيه بما نقله ~~إليه من الأدب الفرنسي، أدب روسو ورينان. وأن ما نسميه تجديدا إنما يعود إليه. # وفيما بين 1910 و1930 اتجهت الترجمة إلى المؤلفات الإنجليزية، وكان أعظم البواعث على ذلك ~~كثرة المدارس الثانوية التي حملت الكثير من العارفين للغة الإنجليزية على ترجمة ديكنز ~~وشكسبير وبيرون وشيلي. # ولكن الوجدان الثقافي والأدبي عاد منذ أكثر من عشرين سنة يبحث عن أندريه جيد وجان بول ~~سارتر، وقد ترجم لكليهما بعض مؤلفاتهما، ولا يزال الاهتمام بهما كبيرا، وخاصة هذا الأخير ~~الذي يمزج أدبه بالفلسفة وفلسفته بالأدب. # والاهتمام بأندريه جيد أدبي محض، فإن له في التفكير والتعبير أسلوبا يجذب القارئ ويتركنا ~~نتملظ بكلماته عقب قراءة مؤلفاته، وهو في بعض قصصه حساس أكثر مما هو مفكر، وهنا فتنته ~~الساحرة، ثم لا ننسى بعد ذلك أنه عاش في الجزائر، وأحب الجزائريين، ولهذا قيمته في ~~قلوبنا. # أما سارتر فيجد الإقبال العظيم في مصر ولبنان وبعض الأقطار العربية لسبب واحد هو أننا ~~جميعا في بلبلة فلسفية بشأن الحياة وأسلوب العيش وحكمة التصرف ومسئولية الفرد إزاء ~~الجماعة، ثم هذه الكلمات التي نظن أننا نفهم معانيها مثل الديمقراطية والاشتراكية والفردية ~~ونحوها. # إنه يجذبنا لأننا مبلبلون في جميع هذه الأشياء، وهو يعالجها بقدرة غير صغيرة، ولكننا عند ~~التأمل نجد أنه هو أيضا مبلبل مثلنا؛ إذ هو يحاول أن يفهم نفسه إزاء المجتمع وإزاء الكون، ~~ويحاول أن ينظر إلى الدنيا من موقف الحياة وأيضا من موقف الموت، وفي كل هذه المحاولات ~~ينقدح منه شرر الذكاء والفهم، ولكنه سرعان ما ينطفئ؛ لأنه لا يستطيع أن يضيء هذه الجبال ~~القاتمة القائمة أمام الإنسان من الشكوك والشبهات والمخاوف. # إن سارتر هو «الابن الشاطر» في الأدب العصري، أدب النضج والفلسفة والجد، الذي ينأى عن ~~اللهو والتهريج، ولذلك ms067 أعتقد أن القراء العرب سينتفعون منه ويطلبون منه الكثير. # | حيوية التفكير السياسي # كنت أجول في شوارع باريس يوم 21 فبراير (شباط) من عام 1952، وإذا بشاب لما يبلغ العشرين ~~قد دس في يدي ورقة ثم هرول عاديا كي يوزع ما يحمل من سائر الأوراق التي يبدو أنه كلف ~~بتوزيعها على المارة. # ونظرت في الورقة أقرأ في تمهل وتكاسل، ولشد ما كان عجبي وأسفي معا حين قرأت أن هذا اليوم ~~هو ذكرى اصطدام طلبة الجامعة في القاهرة بالإنكليز المستعمرين، أولئك يطلبون حقهم في الحرية ~~والاستقلال، وهؤلاء يضربونهم بالبنادق احتفاظا باستبدادهم واستعمارهم، وقد وقع هذا ~~الاصطدام في 21 فبراير (شباط) سنة 1946 في ميدان إسماعيل بالقاهرة. # وأصابني دوار عقب القراءة، وتنهدت وتنحيت إلى قهوة، وقعدت أفكر في هذه الحيوية الباريسية، ~~إنهم يحتفلون بذكرى كوارثنا التي كان إسماعيل صدقي يمنعنا من الاحتفال بها. # وعدت أقرأ الورقة سطرا سطرا وكلمة كلمة: حقوق الشعوب، الحرية، الطلبة الأحرار، ~~الاستعمار الإنكليزي، الاستبداد، آلام مصر، شباب مصر. # قرأت، فأحسست الخجل، وعمني الأسف، وذكرت أن إسماعيل صدقي هذا هو الذي أمر باعتقالي في تلك ~~السنة (1946) أنا ونحو مئة وسبعين مصريا آخر، واتهمنا بمحاولة قلب نظام الحكم، ولكن هذه ~~التهمة الظاهرة كانت تخفي تهمة باطنة له هو، هي أنه كان ينوي عقد معاهدة مع الإنكليز. وكان ~~يستعد لها باعتقال جميع الأحرار الذين كان يتوقع معارضتهم، ونجاحهم في منعه، من عقد معاهدة ~~«صدقي - بيفن»، وفي فرنسا يحتفل الطلبة في باريس بهذا اليوم عطفا منهم على زملائهم الطلبة ~~في مصر، وإحساسا بالتضامن البشري في بغض الاستعمار وضرورة مكافحته، سواء أكان في إفريقيا ~~أم في آسيا أم في أميركا. يحتفل طلبة باريس بهذا اليوم، ولكن طلبة مصر لم يحتفلوا ~~به. # لأن حيوية التفكير السياسي في فرنسا تغذوها صحف، وتسهر عليها أحزاب، وتحميها حكومة ~~يأتمنها الشعب، كما تحرص هي على حريات هذا الشعب، وهي حكومة تنهض على مبادئ الدستور الذي ~~ينص على: ~~(1) # حق الانتخاب للمرأة. ~~(2) # حق التأميم. ~~(3) # حق الإضراب. ~~(4) # الانتخاب بالقائمة. # هذا الدستور يقوم على ms068 فصل الدين عن الدولة وعلى تأميم أكثر من مئة صناعة فرنسية، ولا يكاد ~~يمر يوم حتى نقرأ عن سياسي عظيم يلقي محاضرة أو خطبة في السياسة، وهي ليست سياسة فرنسا ~~وحدها بل سياسة الأمم الأخرى. # والجرائد الفرنسية تعنى عناية كبيرة بدرس السياسة، بل إن بعض الأحزاب تعلق صحائف جرائدها ~~على الجدران؛ كي يقرأها أولئك الذين لا يريدون شراءها، والقهوة هي قبل كل شيء سياسي، كثيرا ~~ما يحمى فيه النقاش السياسي بين الحاضرين. # وكذلك الطلبة يؤلفون الجمعيات لدرس السياسة، ولا تخشاهم الحكومة؛ لأنها لا تحس فسادها كما ~~تحس الأحزاب الفاسدة السابقة عندنا، وكذلك ليس عندهم استعمار يكره الحريات ويتوجس ~~منها. # ولا يزال بعيدا ذلك اليوم الذي نجد فيه الطلبة المصريين يحتفلون بحريات الأمم الأخرى ~~ويذكرون آلام الأمم المخضعة، ويجب أن يكون بعيدا؛ لأننا ما زلنا غارقين في همومنا يستبد ~~بنا المستعمر، وإن كنا قد تخلصنا من المستبدين الوطنيين. # ولكن الإنسانية التي بعثت الطلبة في باريس إلى أن يذكروا آلامنا سوف تنفذ إلى قلوب طلبتنا ~~في المستقبل أيضا، حين نتخلص من المستعمرين الإنكليز، وحين نشرع في درس سياستنا الداخلية ~~بروح النزاهة والشرف. # | باريس بعد 40 عاما # كنت في باريس قبل أربعين سنة طالبا، أو بالأحرى تلميذا، أتعلم اللغة الفرنسية في مدرسة ~~داخلية في «موليري» وهي قرية تبعد عن باريس بنحو ثلاثين كيلو مترا، ولكني كنت أزور العاصمة ~~مرة كل أسبوع، ثم قضيت فيها أكثر من شهر مدة الإجازة السنوية فيها، وكنت أنظر إليها بعين ~~الشباب، أما الآن فإني في العقد السابع أنظر إليها بعين الشيخوخة، أو على الأقل الكهولة، ~~وبين النظرتين بون شاسع. # ولذلك لا تليق المقارنة بين باريس في 1912 وباريس في 1952، وذلك لأنه إذا كانت باريس لم ~~تتغير فإن الناظر إليها قد تغير، ومع ذلك لن أحاول أن أكون موضوعيا ولن أستطيع؛ لأن ~~انطباعاتي عن باريس متأثرة من ذاتيتي. # وقبل أن أتحدث عن هذه الانطباعات يجب أن أقول: إنه على الرغم من التغييرات العديدة، فإن ~~النفس، نفس باريس، لم تتغير، ms069 ولكل مدينة كبيرة قديمة نفسها التي نحسها من مبانيها القديمة ~~ومن لهجة سكانها، ومن مدارسها، ومن أسواقها، وأخيرا من طراز العيش فيها. # وفي باريس معابد كثيرة للدين والفن والعلم، تجعل ماضيها حاضرها وحاضرها ماضيها، فيها ~~كنيسة نوتردام، ومسرح الأوبرا، وجامعة السوربون. # وإذا قدر لمدن أوروبا أن تفنى بالقنبلة الذرية وبقيت السوربون سليمة فإن حضارة أوروبا ~~يمكن أن تحيا بعد الموت وأن تنمو وتسبق. # عندما أقارن بين 1912 و1952 أجد كثيرا من التغيرات الظاهرية التي تدل على سيادة الروح ~~العصري، فإني قبل أربعين سنة، لا أذكر أني رأيت امرأة تتخذ البنطلون وتسير به في مشية ~~مألوفة كما تفعل الحسناء والشمطاء في باريس هذه الأيام، كذلك كنت في 1912 أركب عربة ~~الأمنبوس التي كانت لا تزال تجرها الخيول، وقد انقرضت هذه انقراضا تاما، وكذلك انقرض ~~الحنطور، والنقل كله يجري بالوسائل الموتورية، أجل لقد داس الأتومبيل الحصان في باريس ~~وقتله. # وقبل أن أصل إلى باريس كنت أتوقع أن أجد اختلافات كثيرة بين المباني في 1912 وبين المباني ~~الحاضرة، ولكني لم أجد هذا، فإن الروح الأميركي في بناء الشواهق التي تنطح السحاب لم يدخل ~~باريس، ولست تجد مبنى يزيد على ست طبقات، والكثيرة الغالبة خمس طبقات. # ولكل شارع طرازه، تسير فيه العين فلا تجد مبنى يختلف عن آخر، كلها سكة واحدة، وهذا ما ~~يكسب الشارع شخصية. # ولقد قلت: إن البنطلون قد فشا بين الفتيات والسيدات، ولكني أرجو ألا يظن أحد من ذلك أن ~~الفرنسيات يستهترن في اتخاذ البنطلون، فإن كل ما فهمته من تفشي هذا الزي أنه يعين المرأة ~~على العمل والحركة أكثر مما يعينها الفستان. ~~••• # وفي باريس ثلاثة أشياء عرفتها في 1912 وما زلت أجدها فيها إلى الآن: الرشاقة والأنسة ~~والفن. # فالرشاقة سمة فرنسية، ومن ليس رشيقا في الزي أو اللهجة أو الإيماءة فليس فرنسيا، ولقد ~~رأيت سيدات وفتيات يسرن تحت وابل المطر وعلى رأس كل منهن طرطور، وعلى جسمها معطف يتسع ~~لاثنين من حجمها، ومع ذلك كنت أتعجب من جمال الطرطور والمعطف، ms070 رشاقة في التفصيل، واختيار في ~~الألوان، ورشاقة في المشية والنظرة والقوام. # وإني لأذكر هنا سيدة يونانية كنت أتحدث إليها، وكانت قدمت باريس للتنزه والاستجمام، فكان ~~مما قالته: إن الباريسية ليست جميلة ولكنها تتجمل، فتعنى بهندامها وتنسيق شعرها، وتشتري ~~المساحيق الغالية كي تكسب وجهها بهاء ونضرة، فقلت لها: إن هذا كله يدل على أن نفسها جميلة؛ ~~إذ هي تنشد الجمال حين تفقده، وهي تتأنق؛ لأن نفسها أنيقة، وكل هذا يرفع منها ولا يخفض، ~~وإنما نحن نستنكر الجمال أو التأنق حين نجدهما باهظين مسرفين قد زادا على الحد، وهذا ما لا ~~تقع فيه الباريسية، أو حين نجدهما في غير مكانهما، وهذا ما لم أره في باريس. # أما الأنسة فهي ملكة فرنسية يتعلموها جميعا منذ الطفولة، فليس هناك ذلك الحياء المتردد ~~الذي يشبه الجبن والخوف، فهم يجابهونك بلغة صريحة وابتسامة عريضة تسقطان جميع الحواجز ~~وتحفزك على الحديث، بل أيضا على المصارحة. # وأخيرا هناك هذا الفن الذي لا يخلو منه البيت أو الشارع أو المتجر، وكثيرا ما وجدت ~~تماثيل من المرمر أو الحجر كاسية بالذهب، أي: مطلية به في ميادين الشوارع، والتماثيل خاصة ~~من خواص باريس، وظني أن بها ما لا يقل عن ألف تمثال في الكنائس والميادين. # وأخيرا لو سئلت: ما هي انطباعاتك التي ستذكرها بعد عودتك إلى القاهرة مما رأيت في باريس؟ ~~لو سئلت هذا السؤال الصعب لقلت: إنه «الدينصور». # وهذه كلمة قد يغرب لفظها ومعناها. ولذلك أحتاج إلى بعض التفصيلات، ذلك أني عندما قدمت إلى ~~باريس بحثت عن متاحف التاريخ الطبيعي، وزرت المتحف الذي يجاور حديقة النبات، وهناك في قاعته ~~الكبرى وقفت جامدا أولا، متحمسا ثانيا، أمام هذا الكابوس الذي كان يجوس أرضنا قبل ~~ثمانين مليون سنة. هذا الدينصور الذي كان يزيد على أربعة أضعاف الفيل، وكان مع ذلك يبيض ولا ~~يلد، ولم يكن مخه يبلغ، بالمقارنة إلى جسمه، مخ الفأر أو الأرنب. # هذ الدينصور، الذي لم يكن تشريحه يختلف عن تشريح السحلية، قد انقرض، ولم أكن قد رأيته قبل ~~ذلك، ms071 ولن أنساه، لن أنسى هذا التاريخ القديم الذي تجمد فيه، والذي عنيت الحكومة الفرنسية ~~بإقامة عظامه وتركيب جسمه كي يستنير المظلم ويتعلم الجاهل. # وقبل أن أدخل المتحف وجدت تمثال «لامارك»، ونزعت قبعتي له وحييته، وبيني وبين هذا العظيم ~~حب قد تجدد؛ لأنه هو الذي قال بأن الصفات المكتسبة في النبات والحيوان تورثت، وأنكر العلماء ~~هذا القول أكثر من مئة وخمسين سنة، ثم عادوا إليه هذه الأيام. # وأرجو أن أعذر في ذكر الدينصور ولامارك، فإني مشغول منذ نصف قرن بنظرية التطور، ولهذين ~~الاسمين رنين يتردد في ذهني كل عام. # أما سائر ما انطبع في ذهني عن باريس بعد إقامة أربعين يوما فكثير، ومن ذلك مثلا هذا ~~الإحساس بأن باريس، المدينة الفنانة، هي عاصمة أوروبا كما هي عاصمة فرنسا، ففي كل شارع ~~أغراب من القارات الخمس، وهم يجدون الترحيب واللطف من الباريسيين، وهنا آلاف من الزنوج ~~والآسيويين الذين يتعلمون ويتجرون في حرية مطلقة، ولا يعرف الباريسيون ذلك الاستغراض اللوني ~~أو العنصري الذي تعرفه أمم أخرى، وليس هنا مطعم أو فندق يمنع الزنجي من دخوله. # والغلاء فادح في فرنسا، ولكن الأجور عالية، ولا تقل أجرة الكناس الشهرية على ثلاثين أو ~~أربعين جنيها، والعامل المتخصص يحصل بسهولة على ستين أو سبعين جنيها، ولكن مع كل هذا ~~الغلاء لا تزال أثمان الخبز والبطاطس منخفضة. ~~••• # وأكثر ما يلفت النظر في باريس هو هذه الحيوية بين الباريسيين، فإن النشاط عام، حتى العجوز ~~التي تبلغ السبعين تثب إلى الترام كأنها في العشرين، والحديث يجري صريحا بكلمات لامعة ~~ونكات متوالية تجعلك في شك من أنها تعلن الحقائق أو تخفي التشأؤم، وكلمات المجاملة كثيرة، ~~وتكاد تكون إجبارية، فإن القبعة ترفع عند السلام بحركة آلية، وكلمة «مرسي» تعقب الإجابة ~~كأنها صوت فنوغرافي. # واحترام الجمهور عادة أصيلة، فإن السائقين للأوتوبيسات والأتومبيلات يقتربون منك وأنت ~~تعبر الشارع في تؤدة وعناية دون أن يطلقوا البوق، واحترام المرأة هو أقرب إلى الشعائر ~~الدينية منه إلى العادات الاجتماعية، فحيثما توجد امرأة يكون كل من حولها من ms072 الرجال خدما ~~لها، لا يحدثها أحد إلا وهو يبتسم كأنه يسترضي، ولا تحتاج هي إلى شيء حتى تمتد الأيدي ~~العديدة لمناولتها إياه. # والقهوة في باريس ليست للقهوة فقط؛ إذ هي حانة وناد ومطعم أيضا، وجميع الفرنسيين يشربون ~~الخمور منذ السنة الأولى من العمر إلى يوم يدفنون، ولكن ليس بينهم من ينغمس فيها إلا ~~القليلين، بل القليلين جدا، فإنك حين تسير في شوارع باريس بعد منتصف الليل لا تقع عينك ~~على سكران. # وعندما يحتدم الحديث في القهوة، النادى، وتدور كئوس الخمر، تعم حماسة، ثم تتكرر الكئوس، ~~فتستحيل الألسنة وتنفرج الكظوم ويصعد الدم إلى الوجنات، ويأخذ العين بريق، ويعم الجو سرور ~~خيالي واستهتار وقتي لذيذ، وتجترئ وقتئذ الألسنة على ما لا يجترئ عليه وقت الصحو، فتخرج ~~الآراء صريحة. وينفذ إلى الجميع شعاع من الذكاء الذي يتجمل بالتحذر والمساهلة ونية ~~الخير. # وفي باريس كظوم كثيرة، من الغلاء، ومن توقع الحرب. وهي كظوم كانت تكفي لأن تحيل انتفاضة ~~السخط إلى انتهاض الثورة لولا الخمور التي تهدئ وتخدر. # قعدت إلى سيدة في العقد الرابع من العمر فحدثتني عن الفراعنة حديثا مثقفا لم أجد مثله ~~قط عند سيدة مصرية، وجرت على لسانها كلمات الهكسوس وهيرودتس والبطالسة وأبيس وزواج الأخت، ~~وكانت تظن أن هذا الزواج اسمي فقط لكني أوضحت لها أنه كان فعليا، وسألت: هل أدى هذا ~~الزواج الأخوي إلى انحطاط؟ فأخبرتها بأن رمسيس الثاني الفاتح العظيم كان ثمرة خمسة عشر ~~زواجا أخويا من جدوده، ولم يبد عليه أي انحطاط، وطربت عندما قالت: إن النحت في مصر ~~الفرعونية هو أعظم ما عرفته البشرية من هذا الفن، وأخبرتها أن عندنا فنانين عصريين ينزعون ~~إلى الفن الفرعوني. # وشربت قهوة، وشربت هي كأسا من الكونياك تلتها كأس أخرى، فانفرجت، وانطلق لسانها، ووصفت ~~بول سارتر بأنه يهذي ويسمي هذيانه «الوجودية» فلسفة. ثم انتقل الحديث إلى أدب التوراة، ~~وتذاكرنا قصة الحب في «نشيد الأنشاد» حيث تؤثر الفتاة زواج حبيبها الراعي الساذج على زواجها ~~من سليمان الحكيم، فقالت وحمرة وجنتيها تنطق بنشوة الكأسين: ms073 ألا يمكن أن تكون هذه القصة ~~مصرية، وخاصة لأن الحبيب يذكر حبيبته بكلمة «أختي»؟ # فاستوقفتني كلماتها وجعلتني أتأمل، فإن زواج الأخت في مصر كان يجيز للحبيب أن يصف حبيبته ~~بهذا الوصف، وفي التوراة عديد من الحكم والأمثال منقولة عن مصر، وانفصلنا على ميعاد، ونهضت ~~منتعشا من هذا الحديث، وقصدت إلى نهر السين حيث تباع الكتب القديمة الرخيصة، وهي تصفف على ~~مسافة مديدة على كورنيش هذا النهر، وتشبه تلك الكتب التي تباع على سور حديقة الأزبكية، مع ~~فرق أصيل، هو أن البوليس في القاهرة يعاكس الباعة، أما في باريس فلا يلقى باعة الكتب على ~~السين أية معاكسة. # واشتريت خمسة مجلدات، منها واحد للشاعر الملعون كبلنج، واشتريته بخمسة وعشرين مليما فقط ~~مع أن ثمنه الأصلي أربعون قرشا، وكان جديدا مغلفا بالصمغ لم يفتح، وأحسست بالشماتة لكساد ~~هذا الشاعر الإمبراطوري الذي كان يحرض الجنود الإنكليز على بقر بطون السودانيين ~~والمصريين وضربهم بالسياط حتى يعترفوا بالنقود التي يخفونها. # وباريس ليست عاصمة فرنسا فقط؛ إذ هي عاصمة أوروبا بل عاصمة العالم، فإن فيها أكثر من نصف ~~مليون أجنبي، من الإيطاليين، ومن الروس البيض والحمر، ومن السنغاليين والفيتناميين، وبها ~~نحو خمس مئة مصري إلى آلاف من الآسيويين والإفريقيين والأمريكيين ... وهم جميعا يلقون كرم ~~الضيافة ومميزات التمدن ووجدان الثقافة. # والمدارس والجامعات هي «كالماء والهواء» في فرنسا، ولا تفرض على الصبيان والشبان ضريبة ~~للالتحاق بها، ويستطيع الجمهور أن يحضر المحاضرات دون أي اعتراض، وقد حضرت أنا بعض ~~المحاضرات في الأسبوع الماضي. # وباريس هي بابل اللغات والعناصر، تسمع فيها جميع اللغات وترى جميع الوجوه البشرية: من ~~الأسود إلى الأصفر إلى الأسمر إلى الأبيض إلى الأحمر، وهي وجوه ولغات تكسبك النزعة البشرية ~~والاتجاه العالمي. # أجل، نحن بشر قبل أن نكون مصريين أو فرنسيين أو هنود أو صينيين، وهذه الدنيا واسعة تتسع ~~لنا جميعا، وهي دنيا حافلة بالخير، والزهور والأثمار، وبالقمح والذرة، وبالنهر والجبل، بل ~~هي حافلة بالحب والإخاء، بالشبان يحبون الفتيات، وبالآباء يحبون الأبناء. # وهي أيضا حافلة أو حاملة لهذا ms074 المستقبل الذي يعد وعود الورد والسعادة بتسلط الإنسان على ~~الطبيعة، على الزمن، على الماء والهواء، على الذرة. # وهي دنيا الخير والأمل، ولكن دعاة الحرب يحاولون أن يجعلوها دنيا النار والدمار، دنيا ~~الجنيه والقرش، دنيا الكسب والخسارة، دنيا المقامرة بالحياة والمال. # فوق باريس هم يخيم عليها؛ لأنها تحس أنها وهي عاصمة العالم تستعد للحرب، حرب التعصب ~~المذهبي، حرب السيادة، حرب الاستعمار. # وهي تخفف هذا الهم، أو تحاول أن تنساه بالخمر، وحين تسهر باريس، فإنها لا تسهر عن يقظة؛ ~~لأن يقظتها هذه هي أرق اليأس. # | دماء الأعناب في فرنسا # يذكر الذين قرأوا التوراة وعنوا بما فيها من القيم الأدبية والأخلاقية، فضلا عن الدينية، ~~أن يعقوب قبيل وفاته بارك أولاده ودعا الله أن يكثر لم من «دماء الأعناب». # وهذا الوصف للخمر، من نبي عظيم، يدعو إلى التأويل الكثير، فإن الخمور لم تكن مكروهة في ~~العصور القديمة عند المصريين والعبرانيين، وإن كان حكماؤهم قد حضوا، على الدوام، على تجنب ~~الانغماس. # وقد ذكرت هذا الوصف، كما ذكرت الدعاء، وأنا في فرنسا هذه الأيام، فإن الشعب كله يشرب ~~الخمور، وهي ليست من دماء الأعناب فقط بل من أرواحها؛ لأن قدماء المصريين والعبرانيين كانوا ~~يخمرون الأعناب فقط، أما فرنسا فتزيد على ذلك بالاستقطار، أي استخراج الكحول صافيا أو ~~كالصافي من الأعناب عن طريق النار والأمبيق. # وكثيرا ما أطلب القهوة فيتطوع النادل بتقديم زجاجة صغيرة من الروم كي أمزجه بالقهوة، ~~ونحن نقنع في تحية الضيوف بالقهوة، ولكنهم في فرنسا يؤثرون عليها كأسا من الخمر تفرج عن ~~كظومهم بالحديث الحر. # وقد أصبحت للخمور في أوروبا ثقافة لا تكاد تدري آفاقها، فقد قرأت هذا الأسبوع مقالا عن ~~كتاب عنوانه «بلاد النبيذ» لمؤلفه «هيلجارتين» وثمنه ألفا ومئة فرنك، أي: أكثر من جنيه ~~مصري، كما قرأت عن كتاب آخر بعنوان «الدليل الشعبي إلى النبيذ» لمؤلفه بوستجيت وثمنه واحد ~~وأربعون قرشا، وظهور كتابين في شهر واحد عن النبيذ بمثل هذا الثمن العالي يوضح لنا قيمة ~~الأنبذة في أوروبا عامة وفرنسا خاصة، أجل إن ms075 الخمور في فرنسا جزء من التقاليد ~~والآداب. # فإن النبيذ هو الشراب الفرنسي غير المدافع، أما في ألمانيا، وسائر الأمم الشمالية الغربية ~~في أوروبا بما فيها بريطانيا، فإن البيرة، التي لا يخجل بعضنا من تسميتها بالاسم الفظيع ~~«جعة» تأخذ مكان النبيذ، وليس في أوروبا كلها هذا الاستنكار الذي نجده في مصر نحو الخمور، ~~بل إن كثيرا من الأنبذة العالمية يصنعه الرهبان المسيحيون في الديور، ونحن في مصر نأكل ~~الأعناب، ولكنهم في فرنسا يشربونها دما وروحا، والفرنسي الذي يملك عشرين أو ثلاثين فدانا ~~قد يزرع نصفها بالكروم، ولكنه لا يبيع أعنابها، كما نفعل حين نشتري عناقيد تتلألأ على عربات ~~الباعة الجائلين أو عند الفاكهاني؛ إذ هو يجد أن ربحه يعظم كثيرا حين يحيل أعنابه إلى ~~أنبذة يبيعها في براميل أو زجاجات، وصناعة النبيذ في فرنسا مألوفة لا تجهلها امرأة فرنسية ~~في الريف، ويبدو أنها لا تحتاج إلى معارف فنية، وحين لا يزرع الفلاح الكروم في أرضه فإنه ~~يخرج أيام الموسم ويشتري نحو ثلاث مئة أقة من الأعناب المختلفة، ويعود بها إلى منزله حيث ~~تتولى زوجته أو أمه استخراج النبيذ منها بما يكفي الاستهلاك للعام كله، بل إنهم يصنعون ~~النبيذ من التفاح أيضا ويبيعونه باسم «السيدر»، والأصناف الجيدة منه هي شيء بين الماء ~~والهواء عطرا وطعما ونشوة. # والكل يشرب الخمور: الخادم والسيد، الطفل والكهل، المرأة والرجل. وقد ضحكت كثيرا حين ~~ناقشت أحد الفرنسيين عن ضرر الخمر، وتجاهل الشعب للماء، كأنه لا يوجد في فرنسا، فجعل يصف لي ~~ميزاتها وينشد أو يتغنى ببعض الأبيات التي قيلت فيها، وكان آخر ما ذكره لي عن ميزاتها أنها ~~تصالح الزوجين المتشاجرين، ولولاها لزاد الطلاق في فرنسا، ثم ختم حديثه بأنه لا يجوز لي أن ~~أعيب الخمر وقد بارك عليها المسيح نفسه، ودعا يعقوب الله بأن يوفرها لأبنائه. # | المسلمون في الصين # يذكر «ولز» الأديب المؤرخ الإنكليزي في تاريخه الكبير، أن أول المساجد في الإسلام بني في ~~الصين. # ولست أعتقد أن هناك ما يثبت هذا القول، ولكن يبدو المؤلف ms076 أنه كان يعتقد أن العرب كانوا ~~قبل الإسلام، متصلين بالصين، يتجرون مع سكانها، ولهم سفن تمخر البحار الهائجة التي تقع شرقي ~~الهند، وتنقل المتاجر من شرق آسيا إلى غربها وإلى أوروبا وإفريقيا. # وهذا هو ما لا شك فيه، فإن العرب أو بالأحرى المسلمين، يستوطنون في عصرنا الجزر الكبرى ~~التي تقع في الجنوب الشرقي من آسيا مثل جاوة وسومطرة، بل هم قد وصلوا إلى جزر الفيليبين ~~التي تقع جنوب اليابان. # وهم في انسياحهم هذا، وتوسعهم بالهجرة إلى هذه الأقطار البعيدة إنما كانوا ينبعثون ~~بالتجارة. # كانوا قبل الإسلام يقومون بالتجارة بين أمم آسيا الشرقية والجنوبية بما في ذلك الهند ~~وإيران عن طريق البحر، ثم زادوا على هذه الطريق بعد الإسلام، طريق البر في وسط آسيا عندما ~~امتد التوسع الإسلامي بالفتوحات الأموية والعباسية إلى حدود الصين. # وفى أيامنا هذه نجد المسلمين في الصين وفي التيبت، بل نجدهم في شرق الصين وجنوبها من ~~الجزر التي ذكرناها. # وعندما نقرأ الكتب العربية القديمة في تاريخ الفتوحات الإسلامية مثل الطبري، نجد الالتفات ~~الكبير إلى زحف الجيوش العربية إلى آسيا الوسطى، فإنه يشرح هذا الزحف في عشرات الصفحات ~~الحافلة بالتفاصيل، فهناك كفاح وقتال، وهناك مساومات للصلح ونحو ذلك، إلى أن نصل إلى حدود ~~الصين حيث يروي لنا الطبري قصة تشبه المسرحية، هي أن العرب عندما بلغوا حدود الصين بعث ~~إليهم ملك الصين يسألهم عن أغراضهم ويستطلع أحوالهم ويقدر قوتهم، فعمد القائد العربي إلى ~~عرض لفروسيتهم، فخرج الفرسان على خيولهم، وأبدوا من الخفة والمهارة في ركوب الخيل وركضها ~~ومعالجة القتال ثابتون على صهواتها ما دهش له المبعوثون الصينيون. # وقد تكون القصة خيالية، ولكنها تدل على الاتصال بين العرب الزاحفين، وبين الصينيين في ~~أيام النهضة الأموية، كما تدل على العناية الكبرى بالقوة الحربية أيام هذه الدولة التي كانت ~~تدين بالعروبة وتنشرها في أنحاء العالم، وقد نجحت في أن تؤسس إمبراطورية عربية إسلامية من ~~حدود الصين شرقا إلى حدود المحيط الأطلنطي غربا. # ونحن نعرف أن الصينين هم الذين اخترعوا الورق، وقد ms077 انتقلت صناعته إلى سمرقند، ونقلها ~~المسلمون بعد ذلك إلى بغداد والقاهرة والأندلس، ومن الأندلس انتقل إلى أوروبا، فكان من أعظم ~~الحوافز لنشر الثقافة، وكذلك دودة القز، أو الخز، فإن العرب نقلوا هذه اليرقة وحفظوا اسمها ~~الصيني «سز» بعد أن حرفوه بعض الشيء حتى تقبله آذانهم. # ومما زاد في حركة الانتقال للثقافة العربية الإسلامية نحو الشرق، نحو الصين، هجوم المغول ~~ثم التتار، فإن تيمور لنك، الذي احتل بغداد ووصل إلى دمشق، حمل معه إلى سمرقند عددا كبيرا ~~من العرب، فكانوا بذرة للثقافة العربية في آسيا الوسطى، ثم في آسيا الشرقية والجنوبية بما ~~في ذلك الصين والتيبت وغيرهما، وقد وجدت في القاهرة زهريات صينية كبيرة تدل على الاتصال ~~الذي وقع بين العرب وبين الصين منذ الفتوحات الأموية الأولى. # وفي القرن الثالث عشر زار ابن بطوطة المراكشي الصين، وتنقل في مدنها، ورأى هناك بعض ~~المسلمين الذين كانوا يمارسون شعائر الإسلام دون عائق؛ لأن أباطرة الصين كانوا على الدوام ~~متسامحين لا يعرفون التعصب ضد من يخالفهم في الدين، وكان الغالب عليهم البوذية، وهو دين غير ~~إلهي، وقد حدثنا ابن بطوطة عن اشمئزازه من السكان الذين يأكلون لحم الخنزير ولا يذبحون ~~الحيوان، ولكن القارئ يحس بأنه كان إزاء حضارة راقية، بل تكاد تكون عصرية، من حيث استعمال ~~النقود الورقية مثلا، وهو نفسه يذكر العناية الفائقة في المحافظة على شخصه والسهر على ~~راحته، حتى ليقول لنا: إنه حين كان ينتقل من مدينة إلى أخرى كان يرافقه حارس طوال الطريق، ~~حتى إذا بلغ المدينة المقصودة تسلمه حارس آخر بعد أن يكتب للحارس السابق وثيقة ~~بالتسليم. # وكان أكثر انتشار الإسلام في الأقاليم الشمالية الغربية من الصين، وهذا يدل على الطريق ~~التي اتخذته قوافل العرب في اتجاهها نحو الشرق، فإنها خرجت من خراسان واتجهت شرقا نحو ~~أقاليم التركمان فالخزخيز فالأفغان فالتبت، وكل هذا تم تقريبا أيام الدولة الأموية، وكانت ~~الفتوحات هنا حربية. # أما بعد ذلك فقد انتشر العرب، أو بالأحرى المسلمون من العرب وغير العرب، نحو الشمال ~~فالشرق، ودخل ms078 بعضهم بلاد منغوليا وبلاد الصين. # ثم زادت حركة الانتقال بالفتوحات التتارية والمغولية على يدي جنكيزخان ثم تيمور لنك، ~~وكانت تنبع من الشرق وتتجه نحو الغرب، فاتجه التتار نحو روسيا حتى بلغوا ألمانيا، واتجه ~~المغول نحو الشرق العربي، وقد دمروا الحضارة العربية، ولكن في عودتهم لبلادهم نقلوا مئات ~~وآلافا من المسلمين من الأسرى والسبايا إلى حدود الصين الغربية الشمالية، فلما انحسرت موجة ~~الفتح تولت التجارة أيام السلم مهمة نقل الثقافة العربية والدين الإسلامي، فكان التسلل ~~السلمي إلى شمال الصين وغربها حيث نجد الآن ملايين المسلمين. # ومع أن المسلمين الصينيين عاشوا في وسط وثني من البوذية والكنفوشية، فإنهم احتفظوا بنقاء ~~إيمانهم، فلم يعرفوا التماثيل، ولم يتعودوا تقديس الآباء، الذي يعد أصلا من الأصول الوطنية ~~الدينية في الصين. # وفي السنين الأخيرة عمد كثرة من الأسر الإسلامية في الصين إلى إرسال أبنائهم للتعليم في ~~الأزهر، بل إن بعضهم قد التحق بالمعاهد الأخرى غير الدينية في القاهرة، ولكن لا يعرف مركز ~~المسلمين في الصين الجديدة، بعد الانقلاب الأخير، كما لا يعرف عددهم، فقد يبلغون عشرين أو ~~ثلاثين مليونا. # | المرأة العربية الجديدة # عندما نتأمل الشعوب العربية التي تخلصت من الاستعمار البريطاني أو الفرنسي، نجد أنها تنزع ~~في نهضتها إلى تحقيق عدة أهداف: أولها التعليم العام، وثانيها التصنيع، وثالثها تحرير ~~المرأة. # وهذه النهضات الثلاث تبرز في جميع الشعوب العربية من السودان إلى سوريا، ومن العراق إلى ~~مصر. # وحركة التعليم العام تجري فيما يشبه العجلة أو الهرولة؛ لأن إحساس الكرامة الوطنية يدفع ~~هذه الشعوب العربية إلى مكافحة الأمية والسخاء في الإنفاق على إنشاء المدارس، أما التصنيع ~~فيسير ببطء، وهذا هو المنتظر؛ لأن نفقاته أكبر، كما أنه يحتاج إلى خبرة أجنبية ومرانة بين ~~العمال، كما يحتاج إلى التدريج، بطبيعة ما يحتاج إليه إنشاء المصانع من الدرس والاستعداد، ~~وما تتطلبه المصنوعات من ترتيب وتنظيم في البيع واختيار الأسواق. # أما النهضة الثالثة فهي تحرير المرأة، وهذه النهضة حبيبة إلى قلب كل عربي مستنير؛ لأن ~~أبرز ما يفصل بين الشعوب العربية والغربية ms079 هو حال المرأة بينهما، وعبارة «تحرير المرأة» ~~تتحمل طائفة من المعاني. # فهي تعني تحريرها من الجهل بالتعليم، وتحريرها من التقاليد بإلغاء الحجاب، ثم مساواتها ~~بالرجال في الحقوق الدستورية والمدنية. # وقد نظن من النظرة الأولى لهذا الموضوع أن الاستعمار أبعد ما يكون عن التدخل في شئون ~~المرأة العربية، ولكن هذا خطأ كبير فإننا نعرف من تاريخ بلادنا مدة الاحتلال الإنجليزي أن ~~السلطات الإنجليزية أقفلت مدارس البنات عقب استيلائهم على شئون الدولة في سنة 1882 بدعوى ~~الاقتصاد، ولم يبقوا في القطر المصري كله إلا على مدرسة ابتدائية بالقاهرة، وبقيت المرأة ~~المصرية محرومة من التعليم الثانوي 43 سنة؛ لأن أول مدرسة ثانوية أنشأتها الحكومة كان ~~افتتاحها في سنة 1925 عقب ثورة 1919، وما أثارت من استقلال جزئي في إدارة التعليم. # بل أكثر من هذا: كانت «المدرسة السنية» في القاهرة، وهي المدرسة الابتدائية الوحيدة ~~للبنات، ترأسها ناظرة إنجليزية، وكانت هناك حركات اجتماعية بين الشعب تنبعث من صميمه وتدعو ~~إلى إلغاء الحجاب، أي: تدعو إلى إلغاء الفصل بين الجنسين، وعدم إبقاء المرأة في البيت لا ~~تنشط لأي عمل غير العمل المنزلي، كما تدعو إلى نزع البرقع عن وجهها إذا خرجت من ~~المنزل. # كانت هناك حركة تدعو إلى تحرير المرأة من هذه التقاليد السيئة، وكانت هناك محاولات موفقة ~~من المرأة في تحقيق هذا التحرير، كما كان الرأي العام والصحف قد شرعا كلاهما يؤيدان ~~«السفور»، ولكن الناظرة الإنجليزية «للمدرسة السنية» كانت تصر على أن تتقنع التلميذات ~~بالبراقع، وهن لم يكدن يبلغن الحادية عشرة أو الثانية عشرة من العمر، وكانت حجتها في ذلك أن ~~مصر يجب أن تحافظ على تقاليدها ولا تقلد الغربيات. # كان الاستعمار يخشى أن يؤدي تقليدنا الغربيين إلى السير نحو الحضارة الغربية ثم إلى الأخذ ~~بقيمها، فيكون من ذلك صناعة وتعليم وحرية، ولا يمكن الاستعمار أن يعيش مع كل ذلك، إنما يعيش ~~الاستعمار في الشعوب الشرقية، أو كان يعيش فيها، بمخالفته القوات الرجعية التي كانت تعمل ~~لركود هذه الشعوب، بدعوى المحافظة على التقاليد مهما وضحت لأبنائها ms080 الشرور والمفاسد التي ~~كانت تنطوي عليها هذه التقاليد؛ ولذلك عندما تخلصنا بعض الشيء من النفوذ الإنجليزي، شرعنا ~~ننشر التعليم، وتعليم المرأة خاصة، فأنشأت الحكومة المصرية أولى مدارسها الثانوية للبنات في ~~سنة 1925، ولما أنشئت جامعة القاهرة حرص المؤسسون على أن يجعلوا التحاق المصرية ~~مباحا. # واستجاب الشعب لهذه الحركة، فأقبلت الأسر على إدخال بناتها في المدارس التي أنشئت لهن، ~~كما أقبلت الحاصلات على شهادة البكالوريا على الالتحاق بالجامعات، وكان تبريز البنت أو ~~الفتاة في المدرسة والجامعة لا يقل عن تبريز الصبي أو الشباب. # ونسينا الحجاب، أي بقاء المرأة في البيت، ونسينا البرقع، أي: قناع الوجه، وصارت المرأة ~~المصرية تختلط بالرجل وتقابل الدنيا بوجهها المكشوف. # ولنا الآن في مصر أكثر من ثمانية آلاف طالبة في جامعاتنا الأربع، أما التلميذات في ~~المدارس فيبلغن عشرات الألوف، والوعي التعليمي النسوي كبير بين الأسر الفقيرة، فقد كانت ~~الفتاة قبل ثلاثين أو أربعين سنة تمضي حياتها إلى سن العشرين محجبة في البيت، سواء حصلت على ~~شيء من التعليم الابتدائي أم لم تحصل، ثم تنشد الزواج في أقرب وقت. # أما الآن فهي تنشد التعليم الجامعي، وأسرتها تحثها على ذلك؛ لأنها عقب تخرجها من الجامعة ~~تنال وظيفة حكومية أو عملا حرا تجني منه مرتبا شهريا محترما تعول به عائلتها، وأيضا ~~تجد به الحرية في اختيار الزوج القادم الذي لا يكون اعتبار المال وحده هو كل شيء ~~عنده. # وعندنا في مصر آلاف المعلمات والطبيبات والممرضات، كما أن عندنا أيضا عددا غير صغير من ~~المحاميات والصحفيات، وكان ظهور المصانع، التي كان محرما إنشاؤها أيام الاحتلال الإنجليزي، ~~قد جذب عشرات الألوف من الفتيات العاملات. # وهذه الحال الجديدة أكسبت المرأة كرامة، فألفت الجمعيات النسوية للمطالبة بحقوق جديدة ~~دستورية ومدنية، فالدستور الجديد قد نص على حقها في الانتخاب والترشيح، وقد عاونت الحكومة ~~هذه النهضة بأن فتحت أبواب وظائفها الحكومية لها، أو على الأقل بعض هذه الأبواب. # ولكننا مع ذلك ما زلنا بعيدين عن المساواة التامة بين الجنسين، فإن التفكير في تعيين ~~المرأة كوزيرة أو سفيرة ms081 لا يزال بعيدا عنا، كما أن إطلاق حرية الزوج في الطلاق، وأيضا في ~~تعدد الزوجات، وأيضا في بيت الطاعة، كل هذا مما تشكو منه المرأة الجديدة، ومما لا يزال ~~بعيدا عن التفكير الشعبي العام. # ولكن قافلة الارتقاء تسير ، وهي تسير بقوة المرأة الجديدة التي تقرأ وتستنير، والوعي ~~النسوي يكاد يكون عاما بين نساء المدن ولا يتخلف عن ذلك سوى المرأة الريفية التي لم يصل ~~إليها التعليم نهائيا، ولا تزال محجبة إلا حين تعمل مع زوجها في الحقل، والتعليم وحده هو ~~الكفيل بتغييرها وتطورها. # ولو سئلت: ما هي العوامل التي عملت على تحرير المرأة لكان جوابي: ~~(1) # إن العامل الأول هو الاحتكاك بالحضارة الأوروبية في أشحاص الجاليات الغربية ~~التي تقيم، أو كانت تقيم، منذ أكثر من سبعين سنة في مدننا الكبرى مثل القاهرة ~~والإسكندرية وبورسعيد، فإنها بعيشتها، وأزياء نسائها، ونشاطهن في الأعمال ~~الحرة، أوجدت قيما وأهدافا جديدة أخذ بها المجتمع المصري. ~~(2) # إن النهضة الاستقلالية منذ ثورة 1919 إلى الآن قد أحدثت، في غضونها ووفق ~~اتجاهها، نهضة نسوية؛ لأن الوعي بالاستقلال السياسي أوجد وعيا بحرية المرأة ~~وكراهة تخلفها. ~~(3) # إن تعميم التعليم قد أدى إلى إيجاد مئات المدارس للبنات، وهؤلاء بتعلمهن صرن ~~يتكسبن بالعمل خارج المنزل، وهذا التكسب ساعد كثيرا على استقلال ~~المرأة. # وما قلته عن مصر يمكن أن يقال عن الأقطار العربية الأخرى، مثل العراق ولبنان ومراكش ~~وسوريا والسودان، ففي كل هذه الأقطار نهضة نسوية كبيرة أو صغيرة تسير بالمرأة نحو المساواة ~~بين الجنسين، ونحو الاهتمام بتعليمها وعملها في مصالح الدولة والأعمال الحرة. # ومما يلاحظ وهو لا يخالف منطقنا هنا، أن الأقطار التي عذبها الاستعمار الأجنبي هي التي ~~ظهرت فيها نهضات نسوية، أما حيث لم يكن استعمار أجنبي فليست هناك أي نهضة نسوية، بل هناك ~~المحافظة على التقاليد مهما كان فيها من رجعية. ~~••• # لا أظن أن التاريخ العربي القديم عرف رجلا دعا إلى المساواة بين الجنسين سوى ابن رشد ~~الذي مات في 1198 للميلاد، فإنه قال: إن المرأة كفء لأن تمارس أعمال الحرب ms082 وأعمال السلم ~~معا، وأنها قادرة على دراسة الفلسفة، وأن الكلبة الأنثى تحرس القطيع كما يحرس الكلب الذكر، ~~وأن المجتمع العربي لن يرقى إلا إذا كف الرجل عن استعمال المرأة لمتعته وقصر نشاطها على ~~البيت. # أما في العصور الحديثة فقد عرفنا في القاهرة قاسم أمين الذي ألف كتابيه «حرية المرأة» ~~و«المرأة الجديدة» حوالي 1895 وكان لهما رجة وقتئذ. # ولكن أثر ابن رشد إذا كان له أي أثر، وكذلك أثر قاسم أمين، كان عظيما بين المثقفين، ~~ولكنه لم يتجاوزهم إلى الشعوب العربية التي إنما تنبهت إلى قيمة ارتقاء المرأة بسير الحوادث ~~والاحتكاك بالحضارة الغربية. # | ختان البنات # كلنا يذكر أن إحدى اللجان في هيئة الأمم قد أوصت بسن قوانين تمنع ختان البنات، وذلك لوثوق ~~هذه اللجنة بأن هذا الختان ليس سوى تعذيب وتمزيق للبنات، ثم بعد ذلك، عندما يبلغن سن ~~الشباب، يكون من أثر هذه العملية الضرر الكبير وقت الزواج حين تجد الفتاة أنها لا تتجاوب مع ~~زوجها في التعارف الجنسي، وهذا إلى أمراض تصيب المبيضين. # وكلنا يذكر أيضا أن حكومة السودان منعت ذلك الختان الذي كان مألوفا عند إخواننا ~~السودانيين، وهو عملية كان ينزع بها جزء كبير من عضو التناسل في البنات، وهذا بعد آلام ~~عظيمة. # وكانوا يصفون هذه العملية بأنها «فرعونية»، ولا أدري من أين جاءوا بهذا الوصف الذي لم أجد ~~له تبريرا في العادات الفرعونية التي نعرفها، ولو كانت فرعونية حقا لكنا نحن أبناء ~~الفراعنة أولى بممارستها من السودانيين. # والأصل البدائي للختان في الصبي الذكر معروف، وله ما يبرره في العقلية التي كانت تكبر من ~~شأن التعارف الجنسي، وكان العذر واضحا في ذلك؛ إذ لم تكن للإنسان البدائي لذة أخرى، ثم ~~يمكن أن نجد في الطب الحديث تبريرا، أو ما يقارب التبرير، لهذه العملية في الصبي، أما ~~عملية الختان للفتاة فليس لها أي تبرير في الطب كما ليس لها أقل سند في الدين. # وقد بحث الأستاذ «محمد الغزالي حرب» في كثير من كتب الشريعة الإسلامية فلم يجد لهذه ~~العادة البغيضة ms083 أصلا في الدين، وعلى هذا الأساس استطاع إخواننا السودانيون أن يلغوا ختان ~~الفتاة دون أي حرج في الدين. # لا ليس ختان الفتاة من الدين، وإنما هو من ذلك المجتمع الذي حط من قدر المرأة عن طريق ~~التسري وشراء الإماء؛ لأننا في تصور المقتنيين للإماء، نأتمن الفتاة المختونة من حيث ضعف ~~شهواتها الجنسية بقطع الجزء الانتصابي في عضوها التناسلي، ونخشى بقاء هذا العضو لئلا تخون ~~ممتلكها، ثم نحن لا نبالي أن تستمتع الأمة بالجنس. # ولكننا في عصرنا لم نعد نتسرى، ولم نعد نشتري الإماء، فليس هناك ما نخشاه إلا إذا كنا لا ~~نثق بأمانة الزوجة وولائها لزوجها، وذلك الذي لا يثق بالمرأة خير له أن يحجم عن الزواج، ولا ~~يقدم عليه بتاتا، حتى تتغير عقيدته هذه. # وكل ما نجني في عصرنا من ختان الفتاة هو البرود الجنسي فيها وقت الزواج، فهي لا تتجاوب مع ~~زوجها في أثناء التعارف، ولو أن البرود كان تاما لا تحس شيئا معه، لكان كل ما هنالك من ~~أثر هو الأسف لحرماننا إياها لذة طبيعية من حقها ألا تحرمها، ولكن الواقع أنها تحس ولكن ~~في ضعف وبرود. # وهما ضعف وبرود يحملان الزوج على أن يتخذ من المخدرات ما يعتقد أنه يطيل به مدة التعارف ~~كي تتجاوب زوجته معه، ومن هنا تفشى الحشيش وسائر المخدرات، فإن الغاية منها جنسية في أغلب ~~الحالات، وقد سمعت ممن يكافحون المخدرات أن الزوجات هن اللائي يحرضن أزواجهن على استعمالها ~~بغية الإطالة في مدة التعارف حتى لا يحرمن من السرور الجنسي؛ وذلك لأن قطع الجزء الانتصابي ~~في المرأة بالختان لا يمحو اللذة الجنسية تماما، وإنما هو كما قلت يضعفها فقط، ويؤخر ~~التجاوب عند الزوجة إزاء زوجها، فإذا انتهى هو، وارتاح كانت هي لا تزال في منتصف الطريق، ~~تجد العذاب بدلا من السرور، وهي في مثل هذه الحالات تكره زوجها، وتنفر من العلاقة الجنسية ~~التي لا ترتوي بها، بل تجد فيها ما يزيد عطشها، بل هناك من الأطباء من بقولون: إن لهذه ~~المواقف أثرها ms084 السيئ الآخر في المبايض التي تمرض. # بل أستطيع أن أزيد في تعداد الأضرار من عادة الختان للمرأة، فإن عطش الزوجة للوصول إلى ~~الذروة وقت التعارف قد يحملها على الالتفات إلى غير زوجها في أمل الوصول إلى غايتها التي لم ~~يستطع هو أن يبلغها إياها. # فمن ناحية تؤدي عادة الختان هذه إلى تحريض الأزواج إلى استعمال الحشيش وسائر المخدرات، ~~ومن ناحية أخرى قد تحمل الزوجات على الزنا، في حال امتناع الأزواج عن المخدرات، وفي كلتا ~~الحالتين نجد التعاسة بدلا من السعادة الزوجية. # وعلى حكومتنا أن تأخذ برأي اللجنة التي أشرنا إليها في هيئة الأمم المتحدة فتسن القانون ~~اللازم لمنع الختان، وتعاقب كل من يمارس هذه الحرفة ويرتكب هذه الجريمة، فإننا أعضاء في هذه ~~الهيئة، وعلينا ألا نخالف قراراتها، ومع ذلك لن نكون مبتدعين في سن هذا القانون، فإن ~~السودان قام بذلك قبلنا. ~~••• # إن ألوفا بل ملايين من الزوجات، قد استحالت حياتهن الزوجية إلى تعاسة وعذاب بسبب ختانهن ~~في الطفولة، والرأي السائد بين العامة أن المرأة إذا لم تختن فإن شهواتها عندئذ لا تقهر ~~وأنها لا تشبع من التعارف الجنسي. # ومثل هذا الكلام العامي هو بعض الآراء الشرقية الأصلية بشأن المرأة، وأنها إنسان شرير ~~بطبيعته، خبيث ماكر بنشأته، بل إنها إنسان حقير عند المقارنة بالرجل، وبعض هذه الآراء كان ~~سائدا في أوروبا إلى وقت قريب، ولكن الحضارة ألغت الرق الذي كان يسود الشرق والغرب معا ~~حتى منتصف القرن الماضي. # وإلى وقت قريب كانت المرأة الأوروبية تحرم التصرف حتى في ممتلكاتها الموروثة عن والديها، ~~ويترك التصرف لزوجها وحده. # ولكن الحضارة هذبتنا، فأصبحنا نقول بالمساواة بين الجنسين، كما نجد ذلك في الحقوق ~~الدستورية والمدنية وسائر الحقوق، ومن العار أن تبقى عندنا هذه العادة القديمة التي تفسد ~~علاقاتنا الزوجية وتتعس الزوجات وتحرمهن حقا يستمتع به الرجال. # | جحا العاقل وجحا المغفل # لا يخلو أدب من فكاهة. # وليست الفكاهة سوى النقد الملتوي، النقد الشرز، الذي ينظر في غير مواجهة، إما حياء وإما ~~خوفا، ليقول الكلمة الحاسمة أو ms085 المشككة التي تجعلنا نقف ونتردد وقد نغير رأينا السابق إلى ~~رأي جديد. # الفكاهة هي نقد مع الابتسامة الساخرة، وقد نضحك بل أحيانا نقهقه، بدلا من أن ~~نبتسم. # والفكاهة هي في كل حال حالة تفريج؛ ذلك لأننا نثور بها على العقيدة العامة بشأن الأشياء ~~والناس. # واعتقادي أن الرجل الذي يرضى عن نفسه ووسطه، ولا يجد في نفسه كظما أو غيظا، لا يعرف ~~قيمة الفكاهة؛ لأنه لا يحتاج إلى التفريج، والبرهان على هذا أننا نجد فكاهة ينطق بها أحدنا ~~أمام خمسة أو ستة من الأشخاص، فيضحك أحدهم في قهقهة عالية، ويسخر ثانيهم في ابتسامة صامتة، ~~وينفر ثالثهم كأنه سمع عجرا، ويعجز الرابع عن فهمها، ويصمت الخامس متعجبا من ~~حكمتها. # وهذا الاختلاف يدل على اختلاف نفسي وتفاوت في النظرة العامة وفي الآراء الاجتماعية، ونحن ~~حين نضحك من الفكاهة إنما نفرج بها عن ضيق شخصي، ونجد في هذا التفريج ما يشبه الانتقام أو ~~الثأر من حال لا نطيقها قد فرضها علينا المجتمع، ولذلك نستطيع أن نقول: إن للفكاهة الحسنة ~~قيمة علاجية أو دوائية للنفس الكاظمة، وأية نفس لا تكظم؟ # ولشخصية جحا مقام أثيل في الأدب، هو شخصية أخرى غير جحا العامة، جحا الأدباء رجل عاقل ~~حكيم تخرج فكاهاته كما لو كانت فقاقيع الحكمة، أما جحا العامة فهو رجل مغفل يكاد لعاب ~~البلاهة يسيل من فمه، لا ترتفع فكاهته إلى مقام النكتة، ولا يضحك منها غير السذج الذين لم ~~تتكون عندهم حاسة النقد أو على الأقل تمتد سباته. # وهاتان الشخصيتان، جحا العاقل وجحا المغفل، تدلان على تعدد الأصل لهذه الفكاهات التي تعزى ~~إلى ما نسميه «جحا»، والتفسير لهذه الظاهرة يمكن أن نصل إليه بأن نفرض أنه كان هناك رجل ~~عاقل يرسل كلماته نكات حكيمة خفيفة كأنها فقاعات، فلما طارت شهرته صارت تعزى إليه فكاهات ~~أخرى لا تبلغ مستواه ولكنها تنحو نحوه، ثم انحدرت هذه الفكاهات إلى العامة فتشممت الحشيش ~~الذي خيمت أبخرته على العقول، وخدرتها، فكانت هذه الكلمات البلهاء التي نقرأها ويقال لنا: ~~إنها من ms086 صنع جحا. # ولما ساد الأتراك على الشعوب العربية أخذوا جحا معهم فيما أخذوه من كنوز العرب، فجعلوه ~~«خوجا» وعزوا إليه نكات وفكاهات تدل على حكمته أو على تغفله، ولكن ليس هناك شك في الأصل ~~العربي لجحا، وفي أنه كان حكيما قبل أن تنمو على اسمه، وتستغل شهرته فكاهات سخيفة لا يمكن ~~أن تعزى إلا إلى الحشاشين، ونحن هنا إزاء شخصية اختلطت بروايات التاريخ الصحيحة والكاذبة، ~~كما حدث لشخصية أبي نواس على النظم فوق المستوي، ولكن روحه كانت فاسقة، فأضاف إليه التاريخ ~~بعد موته عشرات أو مئات من القصص التي تجري مجرى فسقه، ولكنها لا يمكن أن تكون صحيحة؛ لأنها ~~كانت على الدوام دون مستواه في الشعر. # كان جحا العاقل يقول حين سأله أحدهم: أيهما أفضل يا جحا؟ المشي وراء الجنازة أم أمامها؟ ~~فقال جحا: لا تكن على النعش وامش حيث شئت. # وكان عاقلا أيضا حين كان أحدهم يغتسل في بحيرة وسألوا جحا: إذا أراد الإنسان أن يغتسل ~~فإلى أي جهة يجب أن يوجه وجهه؟ فقال جحا: يوجه وجهه إلى الجهة التي فيها ثيابه. # ومثل هاتين النكتتين يمكن أن نجدهما عند الجاحظ أو أي أديب عظيم، ولكن جحا المغفل، ~~الحشاش، الذي ظهرت نكاته بعد وفاة جحا الأصلي بقرنين أو ثلاثة قرون، ينطق بالسخف الذي يضحك ~~الفارغين والسذج، فمن هذا مثلا: # ورث جحا نصف دار عن أبيه، فقال: أبيع حصتي من الدار وأشتري الباقي، فتصير الدار كلها ~~لي. # وأيضا: أكل يوما مع قوم رؤساء، فلما فرغ من الطعام دعا للقوم فقال: أطعمكم الله رءوس ~~أهل الجنة. # وسمع قائلا يقول: ما أحسن القمر، فقال: أي والله خاصة بالليل. # وتوضأ يوما ولم يكف الماء رجله اليسرى، فلما قام يصلي وقف على رجله اليمنى ورفع اليسرى، ~~فقيل له: لماذا فعلت ذلك؟ قال: طروف رجلي هذه غير متوضئة. ~~••• # وقد قلت: إن النكتة السخيفة تضحك الفارغين والسذج، ولكننا نحب أحيانا شيئا من الغفلة ~~نرتاح إليه. # اعتبر هذه النكتة الفرنسية: # كان أحدهم يسير في حقل، فرآه كلب فنبح، ms087 وعدا خلفه، وخاف الرجل فعدا أيضا، ورآه آخر فقال ~~له: لا تخف، ألا تعرف المثل الذي يقول: إن الكلب النابح لا يعض. فقال الرجل: أنا أعرف ~~المثل، ولكن هذا الكلب لا يعرفه. # من منا لا يضحك على هذا السخف، وأيضا من منا لا يضحك بعشرات النكات السخيفة التي عزيت ~~إلى جحا؟ # | رسالة الكاتب # الفرق بين الكاتب وقرائه أنه هو أكثر وجدانا منهم، أي: إنه يجد نفسه، في أبعادها الزمنية ~~والمكانية، أكثر مما يجدون هم أنفسهم، ومهمته أن ينقلهم إلى درجة وجدانه ويكسبهم ~~ضميره. # مهمة الكاتب أن يرفع القارئ من الزقاق إلى الشارع، ومن الشارع إلى المدينة، ومن المدينة ~~إلى القارة، إلى هذا الكوكب كله، مهمة الكاتب أن يملأ صدر القارئ باهتمامات هي هموم جديدة، ~~هموم بشرية تزيد على همومه الشخصية، كما يملأه بمسرات الحياة بأن يكشف له عن ألوان من ~~الجمال والشرف والحق والقوة لم يكن يعرفها من قبل في الطبيعة والإنسان والفن. # مهمة الكاتب أن يحمل القارئ على أن يأبى أن يحيا حياة الحشرة بهموم شخصية وضيعة: أكل وشرب ~~ومسكن، وأن يكسبه هموما بشرية عظيمة كالحرية والثقافة والحضارة والفن والثورة. # مهمة الكاتب أن يجعل القارئ يحيا الحياة التاريخية، ويحس أنه إنسان عظيم له مشاركة في ~~تغيير هذه الأرض وترقية مجتمعاتها وتطوير حضارتها. # مهمة الكاتب أن يقول للقارئ: أنت لست تاجرا تبيع الأقمشة أو البقول، إنما أنت إنسان عظيم ~~قد احتاجت الطبيعة إلى ألف مليون سنة كي تخرجك من رحمها بعد آلاف التجارب التي لم تنجح في ~~إخراج مثلك، أنت قمة التطور، أنت سلطان هذه الأرض. # وبكلمة موجزة: قيمة الكاتب ومهمته أن يزيل عن القارئ هذا الذهول الذي كثيرا ما يقع فيه ~~فينساق في عادات فكرية وعقائدية تاريخية حتى يتحجر، والكاتب العظيم هو ذلك الذي يصدم قارئه ~~فيوقظه، ويرد إليه وجدانه، ثم يزيد هذا الوجدان سعة وعمقا. # الشيزوفريني هو رجل مريض، ومرضه هو الذهول، فالحوادث التي تجري حوله، خطيرة أو حقيرة، لا ~~تلفته، ولكننا نعيد إليه وجدانه وتعقله بصدمة كهربائية ms088 عنيفة. # والكاتب العظيم هو هذه الصدمة الكهربائية لقرائه الشيزوفرنيين الذاهلين، وكلنا إلى حد ما ~~في شيزوفرينا طفيفة، ولذلك كثيرا ما نعيش في ذهول. ~~••• # وأعظم ما يتهيأ به الكاتب كي يحسن حرفته، ولا نقول كي يكون عظيما، هو أن يزيد وجدانه ، ~~ولذلك يحتاج إلى أن يدرس المعارف والأفكار والعلوم والآداب، وجميع هذه الأشياء تزيد ~~الوجدان، أي: إنه سيجد نفسه في ميدان من الوجود أكبر وأرحب مما كان قبل أن يدرس هذه ~~المعارف، وهو لذلك يكون أقدر على التعقل؛ إذ هو يرى ويحس أكثر، وهو لذلك أيضا يكتسب الحكمة ~~والبصيرة معا، فإذا كتب كان ما يكتبه ثمرة لهذه الحكمة وهذه البصيرة. # ولكن هذه المعارف والأفكار والعلوم والآداب لا تشتمل على جميع الاختبارات التي يحتاج ~~إليها الكاتب؛ ذلك لأن الكاتب يشتغل بشئون الناس، فيجب أن يعمل أعمال الناس، ولو كان العمر ~~يمتد حتى يتسع للكاتب، بحيث تمر به اختبارات مهنية وأخلاقية وروحية، بحيث يكون ملاحا في ~~السفينة، وضابطا في الجيش، ومعلما في المدرسة، وطبيبا في المدينة أو الريف، وسياسيا ~~وصحفيا، وبحيث تمر به بعض الكوارث كموت الصديق، أو الحبس والحرمان، أو الفقر والمرض، ~~وبحيث تنتابه تلك التطوارت الروحية التي تغير عقيدته أو تقويها، وتحرفه عن وجهته أو تثبته، ~~لو كان العمر يمتد لكل ذلك لكان في هذه الاختبارات ما يهيئ الأديب أعظم التهيؤ لأن يكون ~~عظيما؛ لأن هذه الاختبارات تربطه بالمجتمع، وتغمسه في الطبيعة، وتزيد وجدانه، وتبعده عن ~~الذهول الحيواني. # ولكن بالطبع هذه الحال محال، ولذلك يضطر الأديب إلى أن يستبدل باختبارات الحياة دراسة ~~أحوال البشر والمجتمعات من الكتب والصحف ومن الناس، يسألهم ويتعلم من إجاباتهم ~~واختباراتهم. ~~••• # بعض الأزمنة يحفل بالكوارث، فيزداد الوجدان عند الناس عامة، وعند الأديب خاصة. # كان جيته الأديب الألماني يشكر الأقدار على أنه رأى في حياته حرب السنين السبع، والثورة ~~الأمريكية، والثورة الفرنسية، وحروب نابليون، وكان يقول: إن هذه الكوارث قد زادته حكمة ~~وبصيرة؛ لأنها زادته وجدانا؛ إذ هي أبعاده التاريخية والجغرافية والروحية. # وزماننا هذا يحفل أيضا بالكوارث والحروب، ms089 وقد نبه لذلك كثيرا من الذاهلين، إلا أولئك ~~الذين يعيشون في نعاس الموت أو يفصلون بينهم وبين اختبارات الدنيا بفواصل من التقاليد ~~والعادات المتحجرة. # وهذه هي الكوارث والاختبارات العامة، ولكن الأقدار تحابي أحيانا بعض الأدباء بكوارث ~~خاصة، فيتنبهون، ويحسنون بذلك تأدية رسالتهم. # ذلك أن الكارثة الخاصة تحدث لنا توترا قد لا تحدثه الكارثة العامة، فإذا كنا على شيء من ~~الذكاء فإن هذا التوتر يبعث فينا غضبا أو حزنا، نجعل منه مادة فنية جديدة للقراء؛ لأن ~~مشكلتنا الشخصية تعود مشكلة عامة للبشر، ومأساتنا الفردية مأساة المجتمع كله. # وكاتب بلا توتر، وبلا قلق، وبلا جنون، لا يساوي ثمن الحبر الذي يكتب به، فنحن نقلق ونسخط، ~~ثم نتوتر، إذا كنا نجد في الوسط الذي نعيش فيه من الأخطاء والعلل ما يستحق غضبنا وتوترنا، ~~ولكن نوبة القلق، نوبة التوتر، نوبة الجنون، لا تلائم الكتابة. # ولذلك يحتاج الكاتب المتوتر إلى فترة من الحضانة أو الاختمار، يبدأ عقبهما فيكتب، كما لو ~~كان شخصا آخر غريبا، أي: يكتب في وجدان وتعقل. # إن الأديب يحتاج إلى البر العاجي، ولكن لا ليعيش فيه، وإنما ليعتكف فيه، ويلجأ إلى خلوته ~~بعض الوقت، كي يتأمل الحوادث ويفكر فيها ويتدبرها، وإذا كانت السوق هي ميدان الصحفي التي ~~يدرس فيها تتابع الحوادث، فإن ميدان الأديب يجب أن يشمل السوق والبرج العاجي معا، الأولى ~~للاتصال بالمجتمع ودراسة الأشخاص والأشياء، والثاني للتأمل والاستنتاج. # والصحفي ينقل إلينا الحوادث فور وقوعها، ولكن الأديب ينقلها إلينا بعد الاختمار والتدبر ~~اللذين يحتاجان إلى أيام أو إلى سنوات. # وعالمنا في ارتباط أفكاره واشتباك أممه، يتطلب من الأديب أن يكون صحفيا، يرتبط ~~بالمجتمع، ويدرس المذاهب السياسية والاقتصادية والدينية والاجتماعية التي تفشو فيه، ثم ~~ينقلها، في برجه العاجي، إلى الشعر أو النثر، إلى الأدب. ~~••• # الأسلوب الحسن هو ثمرة الرجل الحسن، ذلك لأننا نكتب في الكتاب أو الجريدة كما نخاطب ~~أصدقاءنا في الشارع أو الغرفة، فإذا كنا على أخلاق حسنة فإننا لا نغش أصدقاءنا، بل هم يجدون ~~منا الصراحة والأمانة والكلمة المكشوفة التي ms090 لا تضمر خبيئة، وكذلك الشأن في الكتابة؛ لأن ~~أسلوبنا هو أخلاقنا. # هذا هو الأساس في الأسلوب، ولكن كما يكون المشي رقصا، وكما يكون الكلام غناء، كذلك يمكن، ~~بل يجب أن نعمد إلى الجمال في التعبير ونهدف إلى شيء من الإيقاع حتى في النثر. # والأسلوب هو الشخص، هو الشخصية، وأعظم ما يرفع من شأن الشخصية هو هذا الغلو الذي يلازم ~~العظيم في عظمته، الغلو في بيرون الشاعر، في سعد زغلول، الغلو في فولتير، والأسلوب العالي ~~هو ذلك الذي ينطوي على غلو، ولكننا لا نستطيع أن نفتعل الغلو، ولو فعلنا لما زدنا على ~~التهريج. # وإذن يجب أن يكون الغلو أصيلا في الكاتب، وهو لن يكون أصيلا إلا إذا كان الكاتب يتوتر ~~من المساوئ والكوارث، ثم يحضن بالتأمل هذه المساوئ والكوارث، كما تحضن الدجاجة بيضها، أي: ~~يتعقل ويكتب عن روية وتدبر. # والكاتب الحسن هو الذي تكثر توتراته إزاء حي بولاق، وإزاء الإمبراطورية البريطانية، وإزاء ~~عشرات بل مئات المظالم والمذابح التي تملأ عصرنا في وطننا وفي غير وطننا. # والكاتب الحسن لا يختار أسلوبه، بل هو لا يختار موضوعه، ثم إن الموضوع يعين الأسلوب؛ لآن ~~الكاتب إذا كان مشغولا بهموم عصره، فإنه لا يكتب عنها فقط بل يكتب الأسلوب الذي تمليه عليه ~~التوترات التي أحسها منها، ولذلك نحن نعرف أسلوب الكاتب من الحال النفسية التي نحسها حين ~~نقرأ الكتاب أو عقب قراءته. # والكاتب العظيم لا يبالي بأي أسلوب يكتب؛ لأنه قانع بتوتراته التي تملي عليه الكلمات ~~والعبارات، وهذا بالطبع بعد تدريب طويل وتربية ذاتية، قد تأصل كلاهما في نفسه وذهنه، فتعين ~~له منهما مزاج ومنطق، وبعد اختبارات حدت من ذهنه، وفتحت بصيرته وأكسبته فلسفة ورسمت له ~~أهدافا. # وبعد هذا الذي ذكرنا عن الأسلوب يجب أن نصل بالقارئ إلى شيء أصيل في بحثنا هذا، وهو أننا ~~كي نتعمق الأسلوب، يجب أن نعرف الكاتب، وأن نتعمق حياته وأخلاقه. # لقد قلنا: إن الكاتب العظيم يحتاج إلى توترات تحمله على الغلو، وأن الأسلوب العظيم، مثل ~~الشخصية العظيمة، يحتاج إلى ms091 الغلو، وهذا الغلو هو ثمرة التوترات، غلو في الحزن أو الفرح، ~~طرب الحزن وطرب الفرح. وغلو في الحب أو الغضب، وغلو في الإحساس بالجمال أو القبح وغلو في ~~نشدان الحق أو مكافحة الباطل. # وأكثر الناس توترات هم مرضاهم، وليسوا أصحاءهم ؛ لأن السليم يستطيع أن يتحمل من المكاره ~~والمقابح أكثر مما يتحمل المريض، وخاصة إذا كان مرضه نفسيا؛ إذ هو يشمئز أكثر، وينفر مما ~~ينفر منه السليم، وهو لذلك مرهف الإحساس، كأن أطراف أعصابه مكشوفة جريحة، ولذلك كثيرا ما ~~تجد المؤلف المفكر يشكو لونا من النيوروز، ولكن هذا النيوروز هو في الأغلب نتيجة ذكائه وليس ~~سببه، أي: إنه لذكائه استطاع أن يرى أكثر مما رأى غيره، فأحس وتألم أكثر، وفاض الألم حتى ~~صار نيوروزا أو كاد، فكثرت توتراته ودفعته إلى إدمان التفكير ثم الاختراع، ولا أكاد أعرف ~~مؤلفا عظيما قد خلا من توترات المرض النفسي الذي كان يعانيه، حتى جيته أديب ألمانيا ~~العظيم، الذي يبدو سليما من كل نواحيه، لم يخل منه، وكذلك جون روسكين، أما دستوفسكي، ~~ونيتشه، وتولستوي، وأندريه جيد، وبرناردشو، وولز، فأمراضهم واضحة، وهي ترتفع أحيانا إلى ~~درجة الجنون المطلق، وتنخفض أحيانا إلى درجة الشذوذ، ولكنها تكسبهم في كل حال توترا ~~وغلواء. # ونعود إلى موضوعنا، وهو أننا كي نتعمق الأسلوب، يجب أن نعرف الكاتب، نتعمق حياته، نوقف ~~على تفاصيلها التي كونت أخلاقه، وعينت أهدافه، وخصته بتوتراته، والمؤلف كما يؤلف الكتب التي ~~تباع للجمهور، يؤلف أيضا حياته، وربما تكون حياته هي خير مؤلفاته. # ومن حق الجمهور القارئ لهذا السبب أن يعرف الحياة التي عاشها المؤلف، كما أن دراسة ~~الأسلوب تحتاج إلى دراسة هذه الحياة، وصحيح أن المؤلف الفنان يعود إلى اختباراته الخاصة ~~ويكتب عفو إحساسه العاطفي أو وجدانه التعقلي منها، وهذا حين يخلص وحين يحس أن له رسالة، ~~ولكنه قد يخون أحيانا، فيكذب اختباراته وينكر إحساسه ووجدانه معا، ولذلك يجب أن يعرف ~~الجمهور حياته بتفاصيلها، وإذا كان من حق الجمهور أن يعرف مصدر المال الذي يحصل عليه موظف ~~كبير في ms092 الدولة، خشية الاختلاس أو الارتشاء، فكذلك من حق هذا الجمهور أيضا أن يعرف مصدر ~~الآراء والعقائد والميول التي يتجه نحوها المؤلف خشية الارتشاء أيضا؛ لأن المؤلف الذي ~~يرتشي كي يترك مبادئه هو كالموظف الذي يرتشي كي يترك واجباته، وكثيرا ما رأينا في حياتنا ~~القصيرة كتابا ارتشوا، وتركوا مبادئهم، وكفروا بالحق، وبصقوا على الإنسانية. ~~••• # للكاتب أسلوب وموضوع، وكلاهما يعودان إلى شخصيته، فمن حقنا أن نعرف المعدن الذي صهرت منه ~~هذه الشخصية، كما نعرف العوامل التي كونتها وعدلتها وغيرتها، وعندئذ فقط نستطيع أن نعلل ~~الأسلوب ونقف على ميزاته ونربطها بأصولها، ومما يتصل بهذا الموضوع أن المؤلفين القصصيين ~~اليابانيين قد نشأوا على عادة قد صارت تقليدا، هي أن المؤلف يروي قصة حياته أو قصص حياته، ~~فهو بطل القصة، يدون اختباراته وينقحها، ويتسامى بها، ويستخرج منها العبرة، ولكنه في كل ذلك ~~يجعل من نفسه البؤرة أو المركز. ~~••• # حياة المؤلف أكبر من فنه، هي الكل وهو الجزء، هي الشجرة وهو الثمرة، ولذلك فقصة هذه ~~الحياة هي أعظم ما يستطيع أن يكتبه المؤلف؛ لأنها بجلالها وتفاهتها، وبمشكلاتها ~~وانتصاراتها، وبواقعها وخيالاتها، وبكفاحها وضعفها، تبسط للقارئ جيلا، بل ربما أجيالا، ~~وتشرح له تقلبات العصر الذي عاش فيه المؤلف. # و«الترجمة الذاتية» مألوفة لهذا السبب في أوروبا وأمريكا، بل إن دراسات برنارد شو، وكذلك ~~قصص ولز، وجميع مؤلفات أندريه جيد، هي جميعها تراجم ذاتية موزعة. # ولكن هناك المئات من المؤلفين الغربيين الذين كتبوا قصص حياتهم كي يبرزوا للقراء عبرتها، ~~كتبوها في غير مداورة دون أن يتحملوا صيغة القصة الخيالية لإبرازها، وأحسوا أنهم يؤدون بهذا ~~واجبا روحيا. # ولكن لا تزال «الترجمة الذاتية» بعيدة عن الوجدان الأدبي في مصر، ولم يحاولها غير طه حسين ~~وأحمد أمين، والإقدام على الترجمة الذاتية برهان على أن الكاتب على وجدان بعصره، وعلى تفطن ~~لمشكلاته، وعلى تبصر بالمستقبل في ضوء الحاضر، وعلى احترام للفن الذي يعالجه، وأخيرا هي ~~برهان على أنه يجد ارتباطا وثيقا وتفاعلا حيا بين فنه وحياته وبين شخصه ومجتمعه، وعلى ~~أنه ينظر إليهما نظرة ms093 الجد والخطورة وليس نظرة المجانة والاستهتار. # وإننا لنحس حين نعرض لحياة طه حسين، منذ نشأته طفلا ضريرا في قرية في الصعيد إلى أن صار ~~وزيرا، أن حياته هي خير مؤلفاته، كما نحس حين نقرأ عن كفاح فولتير لإنقاذ المضطهدين ، وحرصه ~~على أن يدخر حياته لهذا الكفاح باختيار بقعة تمكنه من الفرار بين فرنسا وسويسرا، وزيارته ~~لإنجلترا ودراسته الدستور البريطاني ونظرية نيوتن، نحس أن هذه الحياة هي الكتاب الأول، كتاب ~~الشرف والشهامة والتعقل، الذي كتبه فولتير. # وهذا هو الشأن في برنارد شو الذي عاش أربعا وتسعين سنة، يعالج فيها حياته، ويعيد تأليفها ~~من وقت إلى آخر، كي يتجدد وينمو. # حياة الكاتب العظيم هي خير مؤلفاته، ومن حق الجمهور أن يطالبه بوصفها وشرحها وتعليلها؛ ~~لأنها تزيده استنارة وتفطنا لموضوعاته وأسلوبه، ومن واجب الكاتب أن يلبي هذا الطلب. ~~••• # كثيرا ما نستدل على أسلوب الكاتب بحياته، فإنه إذا كان اشتراكيا مثلا، فإنه يتجه نحو ~~الوضوح والصراحة والمجابهة، لا يوارب ولا يداور؛ لأنه يحس حبا للجمهور الذي يكتب له كما ~~يحس حقا في الاهتمامات التي يهتم بها، وهو سوائي النزعة، إخائي الهدف، إنساني الدين، ~~ولذلك كله تجده يجانب التبختر، ولا يحاول التفوق، حتى ليبدو أسلوبه ساذجا، ولكنها سذاجة ~~الكوب أو الكأس من الذهب لا تحتاج لأي زخرف. # ولكن الكاتب الذي يهدف إلى الامتياز الاجتماعي، وينشد التفوق المالي، ويعيش فوق الجماهير ~~وينفصل عنها في حي بعيد عن حي بولاق أو السيدة أو السبتية، هذا الكاتب يختار أسلوبا يتفق ~~وأسلوب حياته، فهو لا يخاطب الجماهير بلغتهم؛ إذ هو لا يفكر فيهم إذا فكر، إلا وهو ناء ~~بارد، ومن هنا نزوعه إلى التقاليد الكتابية؛ لأن مركزه الاجتماعي تؤيده التقاليد، ولقد ~~تعالى عليهم في أسلوب العيش فتعالى عليهم في أسلوب الأدب. # ونستطيع أن نقيس الأدب العربي القديم ونقده بهذا المقياس، فإن فيه كما في الأدب الحديث ~~عيبا أصيلا، هو أن الأدباء كانوا يكتبون للأدباء وليس للشعب، وهذا واضح لمن يقرأ صفحة أو ~~صفحات من المتنبي أو ابن الرومي أو ms094 المعري، فإن جمهور الشعب لم يكن على دراية باللغة ~~العربية تجعله قادرا على فهم ما كان يكتبه هؤلاء. # وذلك لأن الوجدان الشعبي، أي الإحساس بأن هناك شعبا عربيا له آمال وأهداف، هذا الوجدان ~~لم يكن قط ميزة هؤلاء الأدباء . # ولو كان هناك وجدان شعبي لكتب أدباء العرب للشعوب العربية، عندئذ كانوا يكتبون بلغة هذه ~~الشعوب التي يتحدث بها أفرادها. # وعندما نقرأ أشعار شوقي نحس أنه أديب يكتب للأدباء، وكل من يعرف حياة شوقي والوسط العالي ~~الذي كان يعيش فيه ليدرك الأسباب التي جعلته يكتب بأسلوبه المتعالي، فإن هموم الشعب في حي ~~بولاق، لم تدخل قط في وجدانه الأدبي، وقد كان هو يتعالى في عيشه فتعالى في أسلوبه، ومن هنا ~~نحن نؤثر حافظ عليه؛ لأنه أقرب إلى الشعب منه، ولكن حتى حافظ لا يزيد على أن يكون في أكثر ~~حالاته، أديبا يكتب للأدباء. # ولهذا الحال أسباب واضحة بل فاضحة، هي أن هناك هوة كبيرة تفصل بين الأدباء وبين عامة ~~الشعب، ولذلك لم ترتفع هموم هؤلاء إلى أقلام أولئك، كما أن هؤلاء الأدباء لم يصلوا إلى ~~وجدان بحالتهم تنبههم إلى واجبهم نحو الشعب. ~~••• # رسالة الكاتب المصري في وقتنا هذا أن يرشد وأن يكافح، فأما الإرشاد فهو من حيث توجيه ~~القارئ العربي الذي انقطعت جذوره في الشرق ولما تصل إلى الغرب، وعلينا نحن الأدباء أن نواجه ~~أولئك الذين لا يزالون شرقيين، أولئك المرددين بأن في الشرق روحية وفي الغرب مادية، علينا ~~أن نوجههم جميعا نحو الغرب، أي نحو الحضارة العصرية، بأن ننقل إليهم المثل والقيم البشرية ~~كما هي في أوروبا. # وهذا التوجيه هو في صميمه كفاح، كفاح من أجل تحرير المرأة بالعمل، وتحرير الشعب من الفقر ~~والجهل والمرض، كفاح ضد القرون المظلمة التي لا تزال تخيم على عقول كثيرين منا، وأخيرا ~~كفاح الدول الاستعمارية التي تفسق بالعقول وتقتل البشرية، # ما هو هذا الذي نكافحه نحن الكتاب المصريين؟ نكافح حي بولاق، ونكافح مصر المجسمة في حي ~~بولاق. # عندما أجول في هذا الحي أحس كأننا ms095 قد هيأنا منازله وأزقته وناسه كي نعرضها على الأديب ~~الناشئ حتى يعرف رسالته المستقبلة، وهي أن ينقل مصر من هذا الخراب الوعر إلى الحضارة ~~المهذبة، وإني لأقف بين أزقة هذا الحي، وأتلبث فيها، كي أملأ حواسي بما تحوي من قبح، وإني ~~لأتأمل رطوبة الجدران، وكأنها غنغرين قد تمدد وفسد، وإني لأحس أن الجهل والفقر والمرض لتكمن ~~جميعها في هؤلاء السكان الذين تجردوا من كل مميزات المتمدنين، وإني لأسير على أرض هي براز ~~وبصاق وذباب قد عممت في الهواء عفنا وخمولا يملآن النفس كربا وهما، وإني لأتأمل وأتشمم ~~وأتحسس هذه الأزقة، ناسا وجدرانا، فأحترق، وأحس رسالة الأديب في مصر. # هذه هي الحال المصرية التي يجب علينا أن نغيرها، فإذا لم نفعل فنحن لسنا مقصرين فقط بل ~~خونة، وحين يفر أحدنا من حي بولاق إلى التاريخ الماضي، فيكتب عن زوجة الرشيد أو عدل المأمون ~~أو حرب علي ومعاوية، فإنه بفراره هذا، إنما يخون أدبه، وهو بمثابة الجندي الذي فر من ~~الميدان؛ لأن ميداننا جميعا، الميدان الأول، هو حي بولاق ورمزيته لوطننا. # هذه هي خيانة الكتاب، وإني لأستطيع أن أذكر الأسماء لعدد غير صغير من كتابنا بدأوا ~~ملهمين، يحدثون قراءهم عن تلك الحالات الحميمة للقلب والعقل في دراسة الإنسان والطبيعة، ثم ~~طمسوا هذا الإلهام وعادوا يكتبون عن الماضي. ~~••• # لقد تأملت كثيرا، في حسرة وألم هذا التخلف أو القصور في الأدب المصري الحديث، بحيث لا ~~نجد نابغا أو عبقريا يقاس بأولئك النبغاء أو العبقريين في أوروبا أو في الهند، وبعد ~~إنعام التأمل أجد أن أكبر الأسباب لحالنا هو هذا التردد بين الثقافتين: ثقافة الشرق ~~والتقاليد، وثقافة الغرب والابتداع. وقليل من التفكير السيكولوجي هنا ينيرنا. # ذلك أن الشاب حين يقف مترددا بين فتاتين يريد اختيار إحداهما للزواج يحس عنة، أي: عجزا ~~جنسيا، فإذا ما استقر رأيه على إحداهما زالت عنه هذه العنة. # والاشتهاء الجنسي هو في ذاته اشتهاء ذهني، والقوة الجنسية هي نتيجة هذا الاشتهاء، فإذا ~~تردد الشاب في اشتهائه فقد هذه القوة، وإذا زال ms096 التردد عادت القوة. # والأديب الذي يتردد بين الحق والباطل، أو بين الانضواء إلى القوى الرجعية والانضواء إلى ~~القوى التجديدية، يحس احتباسا ذهنيا، عنة ذهنية، تصده عن الانطلاق الحر في التفكير، وهو ~~لذلك لا يحسن الكتابة والتأليف حتى حين يختار هذا الشرق بتقاليده ورجعيته وهو على وجدان ~~باختياره؛ لأنه يبقى في أعماق نفسه كارها لاختياره، كأنه قد رفض الزواج من فتاته الجميلة ~~إيثارا لفتاة دميمة لا يحبها ولكنه يطمع في مالها. # وأدباؤنا الذين مالوا إلى الشرق بتقاليده ورجعيته يحسون هذه العنة الذهنية، بل يحسها ~~القراء منهم، ويصدون عنهم، وفي مصر ألوان عديدة من الإغراء تجر الكاتب الملهم نحو الشرق، ~~فتفقده إلهامه ويحتبس ذهنه، وهو عندئذ لا يحسن حتى الكتابة عن الشرق، ولكنه يحمل نفسه، مع ~~عنته، على الدفاع عن التقاليد والرجعية؛ لأنه يجد في هذا الدفاع ثراء وطمأنينة ومقاما، ~~وضميره يهمس إليه بأنه خائن. # وقد سبق أن قلنا: إن التوتر هو الشرط الأول للغلو، ولا يستطيع كاتب متردد أن يتوتر ويغلو، ~~ولذلك لا يستطيع أن يحقق النبوغ فضلا عن العبقرية. # ثم هناك خيانة أخرى هي تلك القوانين التي سنها دعاة الاستعمار والاستبداد لتقييد الأقلام ~~وأحيانا لقصفها، وذلك لأنهم يعرفون أن أعلى الأصوات هذه الأيام هو هذا الصوت الخافت الذي ~~يصدر عن صرير الأقلام؛ إذ هو يزعجهم إزعاج قنابل المدافع، وخاصة في يد الكاتب الذي لا يتعب ~~من الحديث عن حي بولاق وما يعانيه الإنسان المصري فيه من قبح وشقاء. # وإن الكاتب الذكي ليحتاج في مصر أحيانا أن يخفي ذكاءه، وأن يزعم أنه جاهل خشية الاستبداد ~~الذي يحيق به ويرتب له ألوانا من عذاب الفقر والسجن والاضطهاد، ولكني مع ذلك أعتقد أن ~~الكاتب الذي يخون أدبه، ويفر ذهنيا ونفسيا من حي بولاق، وينتكس إلى مغارة التاريخ ~~الماضي، هو أخطر علينا من أية قيود تفرضها حكومة مستبدة وتمنع بها الكتب أو تقصف بها ~~الأقلام. ~~••• # إن للكاتب المصري مشكلات عديدة، ومشكلة اللغة قد تعد في مقدمة المشاكل الماثلة، ذلك أننا ~~نعالج موضوعات عصرية بلغة ms097 غير عصرية، وإنك لتجد من كتابنا من يحاولون الكتابة بلغة الجاحظ ~~مع أنه بالرغم من براعته في عصره لم يعد يلائمنا؛ إذ هو كان يختار الكلمة التي تجري على ~~ألسنة الفقهاء، والتي تشير إلى الصحراء، وكان يخاطب الأمراء والوزراء ، ولم يرسم في ذهنه ~~جمهورا من هذه الجماهير التي نخاطبها، ولم يعالج موضوعا من هذه الموضوعات التي ~~نعالجها. # ونحن إذ نخاطب جمهورا ديموقراطيا يجب علينا أن نتخذ اللغة الديموقراطية، وإذا كانت كتب ~~البلاغة لم تذكر شيئا عن اللغة الديمقراطية، فلأن مؤلفيها لم يعيشوا قط في نظام ديمقراطي، ~~وهي، أي: كتب البلاغة، لم تذكر أيضا شيئا عن اللغة الصحفية؛ لأنها ألفت قبل ظهور الصحافة، ~~كما أنها تجهل السينمائية. # إن كتب البلاغة في حاجة إلى تصفية وإلى تجديد، بل يحق لنا أن نتساءل: هل نحن في حاجة إلى ~~قواعد البيان والبلاغة؟ ألا نستطيع الاستغناء عنها ونعترف بالواقع، وهو أن الكاتب لا يحتاج ~~إليها؟ # إن قواعد البلاغة تحليلية، والكاتب المبتدئ يؤذيه التحليل أكثر مما ينفعه؛ إذ هو يربكه ~~ويعرقل حركته، وهو يحتاج إلى ما يؤلف ذهنه وليس إلى ما يحلله. # وقد نجد نحن الكتاب من المشاق ما هو أشق علينا من الملاءمة بين لغتنا العصرية ولغتنا ~~القديمة؛ ذلك لأن هذه المشكلة تسير إلى اليسر، إما بمصالحة بين اللغتين، وإما بابتداعات ~~جديدة لا تبالي القديم، كما نرى أحيانا في بعض مجلاتنا الأسبوعية حيث يأخذ الكاتب من ~~العامة الكلمة أو العبارة التي لا تؤدي معناها عبارتنا وكلماتنا العربية الصميمة، وهذا كسب ~~كبير بل كبير جدا. # نجد في لغتنا العربية عيوبا عديدة تعود إلى تاريخها الاجتماعي، ولغة الأدب العربي هي قبل ~~شيء لغة الفقه الإسلامي، ثم هي لغة الفروسية، وأخيرا هي لغة المترفين من الأمراء ~~والأثرياء، وما عدا هذه الموضوعات الثلاثة قليل. # وذلك لأن المجتمع العربي كان مجتمعا أميريا إقطاعيا، وكانت اللغة في خدمة هذا ~~المجتمع بجميع ملابساته تؤدي كلماتها أفكاره الاجتماعية، وفي الأحيان القليلة حين كان ~~المجتمع تجاريا كانت اللغة تتغير، ولكن لأن الوسط التجاري لم ms098 يسد قط الوسط الديني أو ~~الحربي أو الإقطاعي كانت العناية اللغوية الأوروبية بهذا الوسط قليلة، فإن الجاحظ يمثل ~~الوسط الديني الحربي، وقد برع وتفوق، ولكن ابن بطوطة، كان من حيث لا يدري، يمثل الوسط ~~التجاري ولم يبرع. # وفي لغتنا لذلك تبذخ الأمراء والأثرياء والمترفين، ولكنها خالية من كلمات التفطن لمأساة ~~الفقر أو عيش الفلاحين أو الوجدانات الجديدة التي أثمرتها النظم والمجتمعات الديمقراطية، ~~فهي لغة يقنع بها رجل مثل الشيخ محمود أبو العيون؛ لأنه يجد في كلماتها كل ما يحتاج إليه من ~~المعاني الشرقية التي في ذهنه، ولكن رجلا مثلي، يحفل ذهنه بالمعاني الأوربية والمشكلات ~~العصرية، وينبعث بوجدان ديمقراطي عالمي، لا يجد فيها حاجاته التعبيرية والفنية، ولذلك ~~اضطررت أنا إلى تأليف عشرات من الكلمات التي جرت على أقلام الكتاب، في حين لم يحتج هو قط ~~إلى تأليف كلمة واحدة جديدة. # والكاتب المصري في ظروفنا الحاضرة محتاج إلى أن يذكر أن ما سميناه «نهضة» في 1919 إنما ~~كان نهضة سياسية تهدف إلى الاستقلال فقط، ومع أن النهضة السياسية لابستها حوافز من التحرير ~~الاجتماعي، مثل سفور المرأة وتعليمها، والاتجاه نحو الصناعة، مع كل ذلك يجب أن نعترف أننا ~~أفسدنا معنى النهضة كما يفهمها الأوروبي الذي عرف النهضة الأوروبية منذ القرن الرابع عشر ~~إلى القرن العشرين، إنها تحرير الشخصية البشرية من التقاليد والغيبيات، وإنها إقبال على ~~العلم التجريبي، وإنها فصل الدين عن الدولة، وإنها دعوة للإنسان كي يأخذ مصيره في يده ~~ويتسلط على القدر بدلا من أن يخضع للقدر، وإنها انتزاع الخير من الطبيعة وإخضاعها، وليس ~~الانتظار كي تسدي إليه الطبيعة فضلها وبزها. # هذه المعاني التي لم نفهمها من النهضة في سنة 1919، ومن هنا هذه الانتكاسات الأدبية ~~والرجعية والسياسية والاجتماعية التي بلوناها في الثلاثين سنة الماضية. # وقد فهم الهنود معنى النهضة بأوسع وأعمق مما فهمنا، كما يتضح ذلك من إلغاء النجاسة، ~~والمساواة في الميراث بين الجنسين، ومنح المرأة حقوقا دستورية لا تقل عن حقوق الرجل، وفصل ~~الدين عن الدولة، والأديب المصري محتاج إلى أن ms099 يصحح هذا النقص في نهضة 1919. ~~••• # لا يزال رجل الأدب أو الفن العصري هو رجل النهضة، فقد وصف نشاط الناهضين فيما بين 1450 ~~و1550 بأنه «بشري»، أي: إن الهموم والاهتمامات البشرية قد شرعت تأخذ مكان الهموم ~~والاهتمامات الغيبية التي كانت تسود القرون المظلمة حين كانت الكنيسة بؤرة الثقافة، فنقل ~~الناهضون هذه البؤرة من الكنيسة وغيبياتها إلى الإنسان وارتقائه المادي، وبهذا الاتجاه ظهر ~~العلم كما ظهر المجتمع المدني. # وما زلنا إلى الآن نجد الكتاب الذين يفصلون بين الروحيات والماديات، أو بين النفس والجسم، ~~أو بين العلم والأدب، أو بين الدين والفلسفة، كما كان يفعل كتاب القرون المظلمة، مع أن رجال ~~النهضة ألغوا هذه الفروق؛ إذ جعلوا كل هذا النشاط «بشريا»، وكان فنانهم دافنشي يمارس ~~الرسم والنحت كما يدرس علوم الطيران والحرب والطبيعيات. # لأنه ما دامت بؤرة الثقافة البشرية هي الإنسان فإن جميع نشاطه الثقافي يجب أن يكون ~~احتوائيا استعابيا يتناول كل ما يزيد الإنسان كرامة ورفاهية وفهما، ورجل العلم، إذا لم ~~يكن فنانا فيلسوفا، قد يكون عرضة لأن يوجه نشاطه العلمي وجهة الشر. كما أن رجل الأدب ~~عندما يجهل العلم، قد يكون عرضة للانتكاس الرجعي وللرهبنة في البرج العاجي. # وفي كلمة موجزة نقول: إن الأديب يجب أن يجعل مشكلات المجتمع موضوع أدبه، وهو حين يفعل ذلك ~~يجد أنه يهتم بالموسيقى والرسم كما يهتم بنقابات العمال والمساكن الصحية، وهو يدرس ~~الطبيعيات الذرية كما يدرس شعر المعري، وهو يشتبك في الحركات السياسية والاجتماعية يوليها ~~من وقته وجهده مثلما يولي الأسلوب أو النقد الفني سواء بسواء. # إنه، أي: الأديب، بشري يدرس شئون البشر، فهو لا يترفع عن درس الغذاء البروتيني في الفول ~~المدمس، وبحث الظروف الاجتماعية والزراعية التي تزيد هذا الغذاء أو تنقصه، كما يدرس فلسفة ~~أرسطو طاليس، بل هو لا يفهم كيف يترفع عن ذلك، ثم هو بعد كل هذا يفهم القوة الروحية في ~~الإنسان لا ينصرف معناها إلا إلى الارتقاء الاجتماعي والثقافي والشخصي، وإن معانينا الروحية ~~هي معاني الأدب والفن والفلسفة والعلم لا ms100 أكثر. # وأخيرا رسالة الكاتب في مصر عامة وخاصة: # فأما العامة فهي أن يجعل الأدب وفق المبادئ البشرية، بحيث يغرس الكاتب في ~~القارئ حب البشرية والطبيعة والفن والعلم والثقافة؛ لأن الأديب الحق هو صديق ~~الإنسان لا يعرف التعصب أو العنصرية، ولا يقول بالقسوة أو الحرب، والأديب الحق ~~هو الذي يعرف أن مهمة الأدب، مثل مهمة الفلسفة، تغيير المجتمع، بحيث يحمل ~~القارئ على السخط ثم الرغبة في التغيير، والأديب الحق هو الذي يطلب المزيد من ~~الحرية، فهو لذلك لا يمكن أن يكون فاشيا أو يرضى بالحكم العسكري الذي يقيد أو ~~ينقص الحريات، والأديب الحق هو الذي يتأنق ويعين لنا مأربا فنيا في جميع ~~نشاطنا. # وأما رسالته الخاصة، فهي خاصة لأنها تعالج شأنا من شئون مجتمعنا المصري ~~الحاضر، مثل تعجيل التطور الاقتصادي نحو الصناعة، ومثل المساواة بين الجنسين، ~~ومثل التعليم المجاني العام، ومثل التأميم. # وأخيرا، على الأديب أن يذكر أن في العالم العصري فريقين: # فريق الآراء أو العقائد الآفلة: # التي تقول بعجز الإنسان عن محو الفقر وعن التسلط على مستقبله، وهذا ~~الفريق بتشاؤمه يؤمن بأن الطبيعة البشرية سيئة في أصولها وأنها تحتاج إلى ~~القيود والحدود، ولذلك كثيرا ما ينساق إلى الفاشية وإلى القسوة حتى في ~~تربية الصغار أو معاملة المجرمين، وإلى سوء الظن بالمرأة والحد من حريتها، ~~وهذا الفريق يؤمن بالوراثة، وأنها هي العامل الأول في تكوين الإنسان، وفى ~~تغيير كفاياته، وأنها جامدة لا تتغير، وكثيرا ما يرفض التغيير ويخشى ~~المستقبل وينكفئ إلى الماضي لانغماسه في التشاؤم والخوف. # وفريق الآراء أو العقائد البازغة: # التي تقول بالإيمان بالمستقبل والجرأة على إخراج التطور البشري، فضلا عن ~~التطور الحيواني والنباتي من يد الطبيعة إلى يد الإنسان، وهذا الفريق يؤمن ~~بأن الطبيعة البشرية حسنة لا تحتاج إلى القسوة، وهي لدنة تتغير بالوسط ~~الحسن، وأن تراثنا من الطبيعة ليس من الجمود بحيث يمنع التغيير والتطور، ~~وأن موقفنا السياسي هو موقف الحرية والمساواة للمرأة ومحاربة التفريق ~~العنصري، أو الديني، أو الأممي، وتعجيل الاشتراكية البارة. # والأديب المصري البصير يجب أن ms101 يقف في صف هذه الآراء البازغة، ويستعجل المستقبل بدلا من ~~أن يتعلق بالماضي، ويدرس المشكلات العصرية باعتقاد القدرة على حلها وليس باعتبار العجز عن ~~فهمها أو أنها ليست من اختصاصه. ms102