######OpenITI# #META# URI: 1377SalamaMusa.MaraLaysatLacbatRajul.Hindawi41726090 #META# Tags: literature #META# ID: 41726090 #META# Title: المرأة ليست لعبة الرجل #META# AuthorID: 40515160 #META# Author: سلامة موسى #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # أيتها المرأة لا تكوني لعبة‏ # الأصل البدائي للحجاب‏ # الرق والمرأة‏ # بؤس المرأة في مصر‏ # شذوذ قهري‏ # جريمتنا نحو المرأة‏ # المرأة الغربية والمرأة المصرية‏ # الذكاء والعبقرية والمرأة‏ # نساؤنا المتعطلات‏ # من رفاعة الطهطاوي إلى قاسم أمين‏ # نصفنا الآخر‏ # فلسفتنا عن المرأة‏ # المرأة التي تعمل في المجتمع‏ # رئيسات للمحاكم‏ # سفيرات ووزيرات‏ # الرقص والشخصية‏ # قوات التحرير الجديدة‏ # وزارة للعائلة‏ # هؤلاء الأمهات‏ # الزوج زميل زوجته وليس رئيسها‏ # مقدمة‏ # أيتها المرأة لا تكوني لعبة‏ # الأصل البدائي للحجاب‏ # الرق والمرأة‏ # بؤس المرأة في مصر‏ # شذوذ قهري‏ # جريمتنا نحو المرأة‏ # المرأة الغربية والمرأة المصرية‏ # الذكاء والعبقرية والمرأة‏ # نساؤنا المتعطلات‏ # من رفاعة الطهطاوي إلى قاسم أمين‏ # نصفنا الآخر‏ # فلسفتنا عن المرأة‏ # المرأة التي تعمل في المجتمع‏ # رئيسات للمحاكم‏ # سفيرات ووزيرات‏ # الرقص والشخصية‏ # قوات التحرير الجديدة‏ # وزارة للعائلة‏ # هؤلاء الأمهات‏ # الزوج زميل زوجته وليس رئيسها‏ # | المرأة ليست لعبة الرجل # | المرأة ليست لعبة الرجل # تأليف # سلامة موسى # | مقدمة # يؤخذ من إحصاء نشرته «الأخبار» في القاهرة أن عدد الطالبات في جامعاتنا الثلاث في يناير من ~~1956 بلغ 5736 طالبة يتعلمن، وسوف يتخرج منهن عدد كبير بعد عام أو أكثر وقد درسن الحقوق أو الآداب ~~أو العلوم. # وهذا العدد، مضافا إليه نحو عشرين ألف طالبة في المدارس الثانوية، سوف يغزو المجتمع المصري ~~بذكاء مدرب، وكرامة مؤيدة، وبعائلات تبنى على أساس من الأمهات المتعلمات. وعندئذ يرقى هذا ~~المجتمع المصري فلا يكون، كما هو الآن، مجتمعا انفصاليا لا يختلط فيه الرجال بالنساء. # لقد كان هذا المجتمع المصري يحيا على الرجال وحدهم. وكانت المرأة، المضروب عليها الحجاب، تعيش ~~بين أربعة جدران في المنزل، تختبئ وراء الأبواب والشبابيك. بل كانت الشبابيك مشربيات مخرمة تتيح ~~لها النظر إلى الشارع حين تلصق وجهها بخروم المشربية حتى ترى شيئا من حركة الناس والأشياء، وحتى ~~تحس أنها لا تزال حية أو أن لها من الحياة العامة جزءا مهما صغر. # ولكن هذا التعليم الذي أخذت به فتياتنا في مراحله الثلاث، الابتدائية والثانوية والعليا، قد ~~نقل المرأة المصرية إلى مستوى رفيع يقسر ms01 الرجل على احترامها ويقسرنا جميعا على تغيير القوانين ~~الجائرة التي أذلتها. # ولست أشك في أن عاداتنا الموروثة في قتل امرأة بدعوى العرض إنما هي في صميمها احتقار للمرأة؛ ~~للمركز المهين الذي أنزلناها إليه بتقاليدنا السوداء، وأن هذا القتل سيزول حين يحس أعضاء العائلة، ~~أو حتى أعضاء الأسرة، أن هذه الفتاة العذراء أو هذه السيدة المتزوجة قد أصبح لها حرمة ومكانة بسبب ~~تعلمها. # ولن يجرؤ أخ أو ابن عم أو أب على قتل فتاة عذراء لأن أحدهم ضبط خطابا قد أرسل إليها يحتوي ~~كلمات عن الحب؛ ذلك لأن الفتاة المتعلمة قد اكتسبت بتعلمها شخصية قوية واستقلالا روحيا بحيث ~~تجرؤ على أن تسوس حياتها كما تشاء وتتحمل مسئولياتها كما تقدر. وليس كما يقدر غيرها. # وهذه الشخصية، وهذا الاستقلال، سيكفان كل متنطع، يزعم الدفاع عن العرض، عن أن ينتقدها ويحمل ~~السكين أو المسدس لقتلها؛ إذ هي أعرف منه بحقيقة سلوكها وسياسة حياتها. # وكثير من فتياتنا، خريجات الجامعات، يتزوجن، بل الأغلب أنهن كلهن ينشدن الزواج ويجدن ~~الأكفاء لهن من الشبان المتعلمين مثلهن. وهذا حسن؛ لأن خير ما يستمتع به إنسان هو أن يحيا في ~~عائلة، وأن يكلف واجبات، لها متاعبها ولذاتها، ولكنها رفيعة في القيمة الإنسانية. وليس في الدنيا ~~أبعث على إحساس السعادة وأجمل من الحب بين شاب وفتاة يؤسسان بيتا ويعيشان هذه العيشة الزوجية ~~التي تسمو على الأنانية وتهدف إلى التعاون بين اثنين قد ربطهما الحب وتربية الأطفال. # ولكني أنصح لجميع الزوجات، خريجات الجامعات، بل حتى أولئك اللائي لم يحصلن إلا على الشهادة ~~التوجيهية، ألا يقتصرن بعد الزواج، على خدمة البيت؛ إذ ماذا في البيت يستحق أن ترصد له الزوجة ~~نفسها ووقتها وفراغها؟ # يجب على المرأة المتعلمة أن تعمل خارج البيت وتؤدي خدمة اجتماعية لوطنها؛ وذلك بأن تستغل جميع ~~الفرص والوسائل الجديدة التي تجعل أداء الواجبات المنزلية سهلا يستغرق الدقائق بدلا من الساعات. ~~كما تجعل تربية الأطفال فنية في أيدي المربيات في المحضن أولا إلى سن الرابعة، ثم في الروضة ~~ثانيا إلى سن ms02 السادسة أو السابعة. # إنه حسن وجميل أن تكون المرأة زوجا وأما، ولكن واجبات الزواج والأمومة لا يمكن أن تستغرق ~~كل الوقت، النهار والليل، عند المرأة المتعلمة؛ ولذلك يجب عليها أن تستغل معارفها ومهارتها في عمل ~~اجتماعي آخر إلى جانب الزواج والأمومة. # وهذا العمل الاجتماعي الآخر هو الذي يصل بينها وبين المجتمع، ويكسبها العقل الاجتماعي، ويربي ~~شخصيتها ويدرب ذكاءها ويؤكد استقلالها؛ وأعني هذا الاستقلال بأنواعه الاقتصادي، والروحي، ~~والاجتماعي. # على المرأة أن تحيا حياتها لنفسها أولا ثم لمجتمعها وزوجها وأبنائها. كما على الرجل أن يحيا ~~حياته، مثل المرأة، لنفسه أولا ثم لمجتمعه وزوجته وأبنائه. # والرجل لا يتخصص للزواج. وكذلك المرأة يجب ألا تتخصص للزواج؛ ذلك لأن حياتنا، نحن الرجال ~~والنساء، أغلى من هذا وأرحب من أن يحتويها هذا التخصص. # وليس من حق أحد في الدنيا أن يقول للمرأة: عيشي في البيت طيلة عمرك، ثمانين أو تسعين سنة، لا ~~تختلطي بالمجتمع ولا تؤدي عمل المحامي أو الطبيب أو الصانع أو الكيماوي أو الفيلسوف. وإنما اقصري ~~كل قوتك وكل وقتك على الطبخ والكنس وولادة الأطفال. # لا، إن المرأة العصرية أرحب آفاقا وأكثر اهتماما من أن يستغرق المنزل كل حياتها. # | أيتها المرأة لا تكوني لعبة # إني أدعوك، أيتها المرأة المصرية، إلى أن تثبتي وجودك الإنساني والاجتماعي في الدنيا بالعمل ~~والإقدام، وأن تختاري حياتك واختباراتك. # أدعوك إلى أن تدربي ذكاءك، وتربي شخصيتك، وتستقلي في تعيين سلوكك، وتزدادي فهما وخيرا ~~ونضجا بالسنين. # لا تكوني لعبة نلعب بك نحن الرجال، للذتنا نشتري لك الملابس الزاهية، والجواهر المشخشخة، ~~ونطالبك بتنعيم بشرتك، وتزيين شعرك، وكأن ليس لك في هذه الدنيا من سبب للحياة سوى أنك لعبتنا نلعب ~~بك ونلهو. # ليس شك أن أنوثتك جميلة، وليس شك أنك تعتزين بجمالك وتعنين به. ولكن لا تكوني لعبة. # أنت إنسان لك جميع الحقوق الإنسانية التي للرجل، فلا تقبلي أن ينكر عليك أحد هذه الحقوق وأن ~~يعين لك طراز حياتك. # أنت إنسان لك حق الحياة واقتحام التجارب البشرية وحق الإصابة والخطأ؛ لأنك، بغير ذلك، ms03 لا ~~تحصلين على تربية إنسانية؛ أي لا تكبرين ولا تنضجين بل تبقين طفلة ولعبة ولو بلغت الستين أو ~~السبعين من العمر. # سيقال لك إن البيت هو دائرة نشاطك. وهو كذلك إذا شئت أنت، ولكن ليس لأن هناك حكما سماويا ~~قهريا يجبرك على الطاعة وعلى البقاء في البيت. ثم اذكري أنه ليس في الدنيا بيت يمكنه أن يستوعب ~~كل نشاط المرأة. # البيت أصغر من أن يستوعب كل إنسانيتك، وكل عقلك، وكل قلبك؛ لأن الدنيا الواسعة هي بيتك ~~الأول. # يجب أن تحيي في الدنيا قبل أن تحيي في البيت، أو مع حياتك في البيت. # أنت لست خادمة الرجل يلعب بك ويلهو، وتنجبي له الأطفال، وتطبخي له الطعام، وتغسلي له ~~المرحاض. # أنت شريكته إذا شئت، ولست خادمته. # أنت أم الرجل، وأخته، وزوجته، وزميلته. ولكن يجب ألا تكوني خادمته أو لعبته. # أنت ثمرة ألف مليون سنة من التطور، ولك قدرة على الفهم لم يرتفع إليها حي في كل هذه السنين. ~~فلا تبخسي قدرك، وتحيلي شخصيتك إلى لعبة. ولا ترضي بأن تكوني خادمة الرجل؛ إذ هو لا يمتاز عليك ~~بأية ميزة. # أنت أغلى في تقدير الطبيعة من أن تكوني لعبة أو خادمة. وأنت تخونين روحك إذا لم تستقلي في هذا ~~الكون، وتحيي الحياة المستقلة، وتنظري النظرة المستقلة إلى شئون العيش. # إن الرجال يتهمونك بأنك غير ذكية، غير شجاعة، غير سخية، غير بصيرة، لم تتفوقي في الاختراع أو ~~الاكتشاف، ولم تبرزي في العلوم أو الفنون. # وكل هذه التهم صحيحة. # ولكنها صحيحة لأنك تمضين حياتك محبوسة بين أربعة جدران في البيت، ولو قدر لنا نحن الرجال أن ~~نحبس كذلك لكنا في هذه الحال التي تتهمين أنت بها. # ذلك أن الذكاء والشجاعة والسخاء والتبصر والاختراع والاكتشاف، كل هذه الأشياء، هي بعض النشاط ~~الاجتماعي الذي يدعونا إليه المجتمع ويبعث فينا، حين نختلط به ونتفاعل معه، تلك العواطف التي ~~تحثنا على النشاط الذهني أو الجسمي. # لماذا يكبر ذكاؤك إذا كان البيت لا تحتاج واجباته إلا إلى مقدار صغير منه؟ هل ms04 الطبخ يحتاج إلى ~~ذكاء كبير؟ هل غسل الملابس يحتاج إلى ذكاء عظيم؟ # لماذا تكونين عبقرية؟ هل إدارة البيت تحتاج إلى ذهن عبقري؟ # لماذا تحسين المسئوليات الاجتماعية في البر والسخاء والتبصر؟ هل البيت يحتاج إلى كل هذه ~~الصفات؟ # إننا، نحن الرجال، لاختلاطنا بالمجتمع، نرسم «تصميم» حياتنا قبل أن نبلغ العشرين؛ وذلك لأن ~~المجتمع يوسع لنا في الطموح. فقد يهدف أحدنا في هذه السن أو قبلها إلى أن يكون وزيرا أو سفيرا ~~أو طبيبا أو معلما أو فيلسوفا أو مهندسا أو عالما أو تاجرا؛ وعندئذ يجد في هذا الهدف وسيلة ~~إلى النشاط الذهني أو العاطفي تحمله إلى غايته فيبلغها، ويجد فيها الرابطة التي تربطه بالمجتمع ~~وتحرك ذكاءه. # ولكن أنت لا تهدفين إلى مثل هذا الهدف لأن المجتمع يفصلك، وكأنه ينبذك؛ وعندئذ لا تجدين ~~العاطفة التي تحثك على النشاط، أي لا تجدين الوسائل لتدريب ذكائك وشجاعتك وسخائك وبصيرتك. # أنت معطلة الذهن لأنك لا تهدفين إلى الأهداف الاجتماعية العظيمة التي يهدف إليها الرجل. ~~ونتيجة ذلك أنه يدرب ذهنه فيكون ذكيا بل عبقريا. أما أنت فلا تدربين ذهنك بل تعطلينه. # إنما يتربى الذكاء والفهم والعبقرية بالاشتباكات الاجتماعية، ومصادمة المشكلات في المجتمع ~~ومحاولة حلها. ولا ذكاء ولا عبقرية ولا فهم لإنسان ينفصل من المجتمع. # أنت، أيتها المرأة المصرية، مفصولة من المجتمع؛ ولذلك لا يجد ذكاؤك التدريب الذي يحتاج إليه، ~~فيتبلد. # أنت تحيين على هذه الدنيا 70 أو 80 سنة، فلماذا تحيينها في حدود وقيود؟ # إننا نحن الرجال نستمتع بالتجربة؛ أي نستمتع بالتربية. # وليست التربية ما نتعلمه في مدرسة أو جامعة، إنما هي تجارب الحياة واختباراتها وما نصيب وما ~~نخطئ. # وليس الخطأ سوى إصابة سلبية؛ فيجب ألا نخشاه. # يجب أيتها المرأة المصرية أن تزاملي الرجل في العمل، ولا تعملي وحدك. بل يجب أن تبدئي الزمالة ~~من الطفولة، تتعلمين وأنت صبية مع الصبايا، وأنت فتاة مع الشبان، ثم تزاملي الرجل في المكتب ~~والمتجر والمصنع. # نحن الرجال والنساء يجب ألا ينفصل أحد جنسينا عن الآخر؛ لأننا عندما ننفصل نقع ms05 في شذوذات ~~جنسية بشعة ، بل نقع أيضا في شذوذات ذهنية وعاطفية، فلا نحسن التفكير، ولا نستطيع معالجة أي موضوع ~~إنساني بذكاء فضلا عن عبقرية. # كوني إنسانا كما أنت امرأة، ولكن لا تقنعي بأن تكوني أنثى، زاهية الملابس، مصففة الشعر، ~~مجلوة البشرة، تشخشخين بالذهب والألماس. # لا تكوني لعبة نلعب بك ونلهو، حتى إذا شبعنا منك، وبشمنا، تجشأنا وعزفنا. # إننا نحن الرجال نبسط ذكاءنا على بساط رحب من الأعمال والاهتمامات والدراسات، ندرس الجيولوجية ~~ونستخرج البترول من جوف الأرض، ونخترع الطائرات، ونسيح في الهند وأمريكا، ونمارس التجارة، وندرس ~~الفلسفة، ونسافر إلى برلين أو روما أو باريس، ونشتغل بالسياسة، ونهدف إلى أن نكون وزراء أو علماء؛ ~~ولذلك ينشط ذكاؤنا، وقد يرتفع إلى ما نسميه العبقرية. # هذه العبقرية ليست شيئا موهوبا مقصورا على الرجال، إنما هي ثمرة الاهتمامات والأعمال التي ~~تربطنا بالمجتمع وشئونه من علم أو فن. فإذا اشتبكت أنت في المجتمع فإنك ستذكين وقد ترتفعين إلى ~~العبقرية. # إن الفصل بين الجنسين، وقصر نشاطك الذهني والجسمي على البيت، قد ملأ هذا المجتمع المصري ~~بآثام وشرور كادت تحيل أفراده أو بعض أفراده إلى حيوانات. # هذا الفصل هو علة الشذوذ الجنسي الذي يجعل من الرجل حيوانا، قبيحا، زريا، مريضا، يحيا في ~~هذه الدنيا حياة سرية يفترس الصبيان ويفسدهم ويحرفهم عن رجولتهم القادمة. ولا علاج لهذه العاهة ~~إلا بالاختلاط بين الجنسين، حتى يتجه الاشتهاء الجنسي وجهته الطبيعية ولا ينحرف، بحيث يحب الرجل ~~المرأة ولا يحب الغلام ... # ثم قارني بين المرأة المخدرة التي تلزم بيتها وتتبرج لزوجها وبين المرأة المنتجة العاملة. ~~الأولى انفرادية تحمل في نفسها جميع المساوئ التي تنشأ من الأنانية الانفرادية فضلا عن تحديد ~~ذهنها بالمحظورات والمحرجات. أما الثانية فاجتماعية، تحمل في نفسها جميع الفضائل الاجتماعية، ~~وأولها حرية التفكير وحرية التجربة وحب الخير العام. # إن الفضيلة، مثل الذكاء، عادة اجتماعية؛ إذ ليس هناك معنى للصدق أو الخير العام، أو ~~الإنسانية، أو الحب للبشر، أو الشهامة، أو الشجاعة، إلا فيما يصل بيننا وبين المجتمع. # قد يقال لك إنك ms06 أكرم من أن تلوثي بأدران المجتمع، ولكن إذا كان المجتمع ملوثا فهو يحتاج إليك ~~كي تطهريه. # وقد يقال إن البيت يحميك من كوارث الدنيا، ولكن هذه الكوارث تربينا. وحقك في التربية والنمو ~~والنضج هو في النهاية حقك في الاقتحام ولقاء الكوارث. # تعلمي صناعة، واحترفي حرفة قبل الزواج، حتى تختاري زوجك عن حب وتقدير وليس لأنه سيعولك ~~لأنك عاطلة تعجزين عن أن تعولي نفسك. والصناعة فوق ذلك تصون كرامتك، وتصل بينك وبين المجتمع، ~~وتكسبك الإحساسات الاجتماعية. # إن أخطر ما تعملينه في حياتك، أيتها الفتاة، هو اختيارك لزوجك؛ ذلك أنك بهذا العمل قد اخترت ~~رجلا سوف يحيا معك ويعاشرك طيلة عمرك. وسوف يكون أبا لأبنائك، وعلى قدر ما فيه من ميزات ~~بيولوجية، مثل الذكاء الفطري والصحة الجسمية وجمال القوام والوجه، سيكون كل ذلك أو معظمه في ~~أبنائك بنتيجة الوراثة. # ثم على قدر ما فيه من أخلاق ومطامع وعادات سيكون كل ذلك أو معظمه في أبنائك بعامل ~~القدوة. # فلا تهملي الدقة في الاختيار، واجعلي هدفك أن يكون هذا الزوج الذي تختارينه زوج العمر، زوج ~~الحياة، بحيث لا تشكين في أنه سيسأمك ويتزوج غيرك بعد سنة أو سنتين. # ولن تعرفي ذلك إلا إذا كنت قد تعرفت عليه قبل الزواج بجملة شهور، أو بعام كامل، تدرسين أخلاقه ~~وأهدافه وفلسفته في الحياة وآراءه الاجتماعية والإنسانية. ولذلك لا تتعجلي، ولا تغتري، بل تمهلي ~~واستأني. # ثم تذكري أننا كلنا نقول بضرر الطلاق يجري جزافا واستهتارا. فإذا كنت أنت من هذا الرأي، ~~وهذا ما لا شك فيه، فيجب ألا تتزوجي رجلا قد طلق زوجته إلا بعد أن تدرسي الأسباب والحجج التي بنى ~~عليها هذا الطلاق. فإذا وجدت أنه كان عادلا فتزوجيه، وإلا عدلت عنه حتى يجد من هذه المقاطعة ما ~~يردعه في المستقبل عن الاستهتار. # وكذلك نحن نقول بأن تعدد الزوجات يفسد العائلات، ويحطم أواصر القرابة، ويبعث الإحن بين ~~الأبناء. فعليك ألا تتزوجي رجلا يجعل لك ضرة كما يجعلك أنت ضرة لزوجة أو لزوجتين أخريين. ولا ~~يمكن أن تتحقق ms07 المساواة التي تنشدينها بالجنس الآخر إذا كنت ترضين بأن تكوني واحدة من جملة زوجات ~~لرجل واحد. # إن المساواة بين الجنسين تقتضي الزواج من امرأة واحدة، والرجل الذي يتزوج بأكثر من واحدة إنما ~~يلعب ويعبث بإنسانيتك ويحيلك إلى أنثى فقط. # وإذن عليك قبل الزواج أن تتعلمي حرفة أو صناعة، حتى لا يحملك عجزك عن أن تعولي نفسك على ~~الارتماء والرضا بأي زوج يحمل عنك هذا العبء ويكسب لك؛ لأنك عندئذ لا تختارين زوجا صالحا ~~للمعاشرة جديرا بالأبوة لأبنائك، وإنما تختارينه عائلا يقيتك، ويقيتك فقط. وعندئذ قد يكون ~~دميما، فتنتقل الدمامة إلى بناتك وأبنائك. وقد يكون مغفلا، فتنتقل الغفلة إلى بناتك وأبنائك. ~~وقد يكون رذلا، فتنتقل رذائله بالقدوة إلى أبنائك. # تعلمي حرفة تكسبك الاستقلال الاقتصادي الذي يتيح لك الاختيار الحسن للزوج. # والكلمة الأخيرة: لا تنفصلي من المجتمع. # فإذا استطعت أن تحترفي حرفة وأنت متزوجة فافعلي. وإذا لم تستطيعي ذلك فلا تكفي عن الاشتراك في ~~النشاط الاجتماعي للمرأة بأن تكوني عضوة في جمعية خيرية أو هيئة اجتماعية تزيد إحساسك الاجتماعي، ~~وتربي ضميرك، وتفتأ تذكرك بأنك إنسانة قبل أن تكوني أنثى. # | الأصل البدائي للحجاب # في اللغة العربية كلمة يمكن - كما هو الشأن في كلمات أخرى - أن تهدينا إلى الأصول البدائية ~~التي نشأ منها الحجاب. هذه الكلمة هي: دم. # فمن الدم اشتق العرب البدائيون، قبل آلاف السنين، الدميم والدميمة، وكذلك الدمامة، بمعنى ~~القبح في الوجه. # ذلك أن الإنسان البدائي، قبل أن يعرف الزراعة، كان يقتات بالجذور أو الثمار البرية يجنيها من ~~الغابات التي كانت تملأ الدنيا. وكان إلى ذلك الوقت لا يعرف السير جماعات أو قبائل. ولكنه كان مع ~~ذلك يعرف العائلة؛ عائلة الأم فقط دون الأب. # كانت عائلة الإنسان البدائي تشبه عائلة الحيوان في وقتنا؛ أي تتألف من الأم وأبنائها في سن ~~الرضاع أو ما يتجاوزه بقليل حين يستطيع هؤلاء الأبناء أن يستقلوا ويتركوا الأم، ولم يكن هناك مكان ~~للأب في هذه العائلة الأولى؛ لأن العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة لم تكن تزيد على ms08 إشباع ~~الشهوة. وكان الاعتقاد السائد أن الأم وحدها هي التي تنجب الأطفال. # ولا يزال هذا الاعتقاد عاما عند بعض القبائل البدائية. كما أثبت ذلك مالينوفسكي في كتابه ~~«الحياة الجنسية بين المتوحشين». فإن هؤلاء المتوحشين يقولون بأن المرأة تحمل لأن روحا أو طائفا ~~يزورها وهي نائمة، فيلقي في رأسها بذرة الطفل الذي ينحدر إلى رحمها ويستقر وينمو حتى يولد. # واللغة العربية تدلنا على هذا الاعتقاد؛ فإن كلمة «حيا» تعني عضو التناسل في المرأة. وقد ~~اشتقت منه كلمة «الحياة»؛ وذلك للاعتقاد بأن المرأة، عن سبيل الحيا، هي أصل الحياة. أما الرجل فلا ~~شأن له في ذلك، واتصاله بالمرأة لا يزيد على أن يكون للذة والمتعة. # وبقاء الأطفال في حاجة إلى الرضاع والحمل نحو سنة أو أكثر، ثم حاجتهم بعد ذلك إلى من يحميهم ~~من الوحوش، جعل بقاءهم مع الأم ضروريا نحو ثماني أو عشر سنوات. بل ربما أكثر. ثم حاجتهم بعد ذلك ~~إلى من يحميهم من الوحوش، جعل تعلمهم كيف يتقون أعداءهم، وكيف يبحثون عن الثمار البرية، وكيف ~~يتفاهمون بالكلمات القليلة التي يأخذونها عنها. # العائلة البشرية هي الأم مع أطفالها بلا أب. وكان قوت هذه العائلة هو الجذور والديدان والثمار ~~فقط. ولم يكن لهذه العائلة من آلات سوى القليل جدا من الأحجار التي تستدق في طرف للحفر عن ~~الجذور أو الديدان. # ولكن هذه العائلة تغيرت بعد ذلك من عائلة الأم إلى عائلة الأب حين عرف الإنسان البدائي ~~الصيد. # وقد أدى الصيد إلى نتيجتين: # الأولى: # أن يتعاون الرجال على ترصد الحيوان الذي يراد صيده؛ بأن يكمنوا له في جملة مواضع ~~مختفين. حتى إذا ظهر احتوشوه، ثم هجموا عليه بما في أيديهم من آلات حجرية فمزقوه. ولكن ~~إذا كان الحيوان قويا مثل الفيل أو الكركدن أو الجاموس، فإنهم كانوا يهيئون له حفرة ~~يتردى فيها عندما يحتوشونه. # ولم يكن يخرج للصيد سوى الرجال؛ لأن المرأة كانت على الدوام حاملا أو مرضعا أو ~~أما يتبعها الصغار. فكان الخطر عليها كبيرا من الصيد؛ ولذلك اقتصر الصيد على ms09 الرجال ~~فنشأ مجتمع الرجال . # الثانية: # أصبحت المرأة، لعجزها عن الصيد، ترضى بالاستجابة الجنسية للرجل إذا كان يمنحها شيئا ~~من صيده؛ أي من نصيبه من اللحم مما حصل عليه هو وزملاؤه من الرجال بالصيد. ومن هنا نشأت ~~سلطة الرجل على المرأة. هو يصيد ويأتي باللحم، وهي تستجيب إليه لما تجد من مكافأة لها ~~بطعام اللحم الذي يعلو على الثمار والجذور التي كانت تحصل عليها بالمضض والعرق. # لم يكن الصيد ممكنا للفرد وحده، فنشأ التعاون بين الرجال؛ أي المجتمع البشري. # ولم تكن المرأة قادرة على الصيد لأنها حامل، أو لأنها تحمي صغارها، وإذن احتاجت المرأة إلى أن ~~يعولها الرجل بما يصيد. # ونشأ البيت، ونشأت العائلة الأبوية. وأصبحت للزوج سلطة على زوجته؛ إذ هو الذي يقيتها. # ما هو الصيد؟ # هو أن تقتل حيوانا فينزف دمه ويموت، ثم نمزقه ونأكله. # إن كلمة «قتل» هي نفسها كلمة «أكل» عند المصريين القدماء. وظني أن الكلمتين في اللغة العربية ~~تعودان إلى أصل واحد. وتقاربهما في النطق والقلب واضح. # ذلك أننا متى قتلنا أكلنا. ولا أكل بلا قتل في عصر الصيد. # هذا هو عصر الصيد الذي يعود إلى ما قبل 114 ألف سنة في مصر، ولم ينته إلا بعد ظهور الزراعة. ~~ولكن عصر الصيد هذا لا يزال حيا إلى وقتنا في أمم أو قبائل متوحشة. وكان هذا العصر خطوة ~~ارتقائية كبيرة إذ هو أوجد مجتمعا بين الرجال وأوجد آلات للصيد، وأوجد كلمات جديدة فتقت الذهن ~~وولدت ثقافة بدائية، وأوجد العائلة والبيت. # ولكنه كان نكبة على المرأة. # ذلك أنه جعل الصيد الوسيلة للقمة العيش. ولما كانت المرأة عاجزة بحملها أو رضيعها أو أطفالها ~~عن الصيد فإن كاسب هذه اللقمة قد أصبح سيدا عليها. ولكن هذه السيادة لم تكن شيئا خطيرا، وإنما ~~الخطير في عصر الصيد هذا هو كلمة دم. # لم يكن هناك صيد بلا دم؛ أي بلا قتل. # وحتى إذا فرضنا أن الصيد قد وقع في أحبولة أو حفرة، فإنه لن يؤكل إلا بعد أن يقتل وينزف ~~دمه. # الدم ms10 عند الإنسان في عصر الصيد كان يعني القتل؛ أي الموت. # وإذن أصبح الإنسان في عصر الصيد يعتقد أن أشأم كلمة يسمعها، وأشأم منظر يراه، هما كلمة الدم ~~ومنظره؛ ومن هنا نشأت الدمامة من الدم. والدميم هو قبيح الوجه. # ولكن هذا المعنى قد هذب عن أصله؛ لأن الأصل كان يرجع إلى السحر الذي كان عمدة الثقافة ~~والمنطق عند الإنسان في عصوره القديمة. فكان الدم شؤما ونذيرا بالهلاك، إذا رآه أحد فإنه يجب أن ~~ينتظر سفك دمه وموته أو جرحا على الأقل. # ومن هنا كلمات: الطيرة والشؤم واليمن والفأل. ومن هنا الطلاسم والتعاويذ والتمائم. # كانت عقائد السحر تستحوذ على الإنسان القديم وتملأ عالمه بالخوف. # وكان أعظم ما يخافه رؤية الدم في غير موضعه الذي يجب أن يراه. وهذا الموضع الوحيد هو قتل ~~الحيوان المصيد. ويجب مع ذلك ألا ننسى أن الإنسان الذي كان يشترك في جماعة الصائدين كان هو نفسه ~~عرضة للقتل بهجوم الحيوان عليه قبل أن تنجح الجماعة في قتله. # كانت كلمة الدم أسوأ كلمة يسمعها الإنسان القديم. # ولما كانت المرأة تزورها العادة الشهرية فتنزف دما يبقى بضعة أيام، ولما كانت أيضا تنزف ~~دما أكثر وقت الولادة، فإنها أصبحت إنسانا نجسا يجب على جماعة الصائدين من الرجال أن يتجنبوها ~~قبل الصيد ببضعة أيام. بل يجب ألا يروها بتاتا قبل الصيد ببضعة أيام، حتى يخرجوا وهم غير متلبسين ~~بشؤم الدم. وإن يكن دم المرأة وليس دم الصيد. # ومن هنا كلمات دميم ودمامة، أو قبيح أو مشئوم، وقبح أو شؤم. # ومن هنا أيضا ظهرت التعاويذ والرقى التي يقولها البدائيون حتى يتطهروا من نجاسة المرأة وحتى ~~يخرجوا للصيد بلا شؤم. # وكانت المرأة لهذا السبب تخفي نفسها عن الرجال حتى لا يتشاءموا، وحتى إذا لم يكن عليها دم؛ إذ ~~ما يدري الرجال بأنها ملوثة بالدم الذي لا يرونه. # هذا هو الحجاب في أول ظهوره. # نشأ من دم الحيض والولادة عند المرأة. # ولما كانت الولادة تزيد نزف الدم أكثر من العادة الشهرية فإن المرأة مدة الولادة ms11 تزيد نجاسة ~~فيها؛ ولذلك تزيد مدة تجنب الرجال لها. # كان الرجال يتجنبون النساء قبل الصيد حتى لا تنتقل عدوى الدم إليهم فينزفوا مثلها. وهم لن ~~ينزفوا إلا بعد أن يقتلوا. وكان خطر المرأة أكبر عليهم مدة الولادة؛ لأن نزفها عندئذ ~~أكبر. # هذا هو منطق السحر البدائي؛ السحر بالعدوى. # وشبيه بهذا أيضا نجاسة الأرملة وحجابها؛ لأنها، كما مات زوجها، يمكن أن تنقل هذا الشؤم إلى ~~أي امرأة أخرى، بل إلى أي رجل يراها. ولذلك روى الزمخشري في «غريب الحديث» أن الأرملة نجسة، ما ~~مست شيئا إلا أفسدته، وهو يعزو هذا القول إلى سيدة عربية. # ولذلك نشأت عادة اختفاء الأرملة. # أصبحت المرأة، في عصر الصيد، عنوان الدم؛ أي شؤما على الرجال. # ومن هنا نشأ الحجاب؛ أي الانفصال بين الجنسين. ونشأت فكرة النجاسة من الاتصال الجنسي. ونشأت ~~فكرة التطهر بعد هذا الاتصال، وبعد الولادة، وبعد الحيض عند المرأة. وعم الحجاب جميع الجماعات ~~التي كانت تعيش بالصيد. # وجاء وقت، عند الأمم القديمة، كان السحر فيه وقفا على المرأة؛ لأن الخوف منها كان أكبر بما ~~تحمل من شؤم الدم المنزوف. # فلما ظهرت الزراعة واستغنى بها البشر عن الصيد أدت ممارسة الزراعة إلى اشتراك الرجل والمرأة ~~في أعمال الحقل وجمع المحصول. فعادت المرأة زميلة الرجل، ولم تعد خصيمته تنقل إليه أذى الدم ~~وشؤمه. ولكن لم يلغ الحجاب مباشرة بعد الزراعة؛ لأن للعادات الاجتماعية قوة البقاء مدة ما حتى بعد ~~زوال أسبابها. # وكأن الزراعة قد عادت بالبشر إلى العصر الذي سبق الصيد، حين كانت المرأة وحدها أساس العائلة. ~~ولذلك لا نكاد نجد في مصر، التي اخترعت الزراعة حوالي 12 ألفا قبل الميلاد، لا نجد أثرا لنجاسة ~~المرأة أو للحجاب؛ لأن هذه المدة الطويلة قد أنست الرجال شؤم الدم. وإن كنا مع ذلك ما زلنا ~~نجد كلمة واحدة في لغتهم تعبر عن المعنيين: القتل والأكل. وهذه الكلمة تعود بنا إلى عصر الصيد، ~~ولا بد أن المرأة كانت وقتئذ نجسة. # وقد قوي الحجاب عند العرب وسائر الأمم البدوية؛ لأنها ms12 بقيت تعيش في عصر الصيد ولا تكاد تعرف ~~الزراعة. ثم عرفت بعد ذلك الغزو. وشؤم الدم هنا يزيد على شؤمه أيام الصيد؛ لأن الغزو يجعل الغزاة ~~عرضة للقتل أكثر من الصيد. # هذا هو الأصل للحجاب. # ولكننا بعد أن حجبنا المرأة احتجنا إلى أن نبرر هذا الحجاب تبريرا عصريا لا يعود إلى عادات ~~السحر القديمة، فصرنا نقول إنها غير ذكية، أو إنها لا تحسن أعمال الرجال، أو إنها تسفه في ~~تصرفاتها، أو تعجز عن الإيفاء بالعهد، أو نحو ذلك. # والذين يقولون هذه الأقوال يجعلون منها أساسا لتبرير الحجاب. وآخر ما قرأت في ذلك كلمة كتبها ~~كاتب شرقي مصري من كتابنا قبل بضع سنوات، هو المرحوم مصطفى صادق الرافعي. فقد وصف أحد مؤلفاته ~~بقوله إنه يقوم موضوعه على «سبب واحد حول فلسفة البغض وطيش الحب ولؤم المرأة». # وهو يقول في هذا الكتاب أيضا: «قيل لحية سامة: أكان يسرك لو خلقت امرأة؟ قالت: فأنا ~~امرأة غير أن سمي في الناب وسمها في لسانها.» # لقد مات هذا المؤلف قبل نحو عشر سنوات. وأعتقد أن الشبان الذين يقرءون هذه الكلمات يشمئزون ~~لسبب واحد، وهو أنهم قد ارتقوا وتطوروا وعرفوا أن المرأة إنسان. ولا يمكن الإنسان في عموميته، أن ~~يكون لئيما؛ لأن وصم المرأة باللؤم هو وصم للإنسانية كلها باللؤم. بل هو وصم للأمومة، وهي أحسن ~~ما في الإنسانية، باللؤم. # إن الشباب المهذب هو الإنسان الإنساني الذي يحترم المرأة؛ ولذلك يستطيع أن يحبها الحب ~~الشريف المقدس، إذ كيف يمكن أن يحب الشاب فتاة وهو يؤمن «بلؤم المرأة»؟ # لقد وجدت كاتبا أوربيا يصف حبيبته بقوله: «يا أخت قلبي». ووقفت عند هذا التعبير الجميل ~~معجبا، أتأمل هذا المعنى الحنون وهاتين الكلمتين الرقيقتين. # إنه لفرق عظيم بين كاتب يفكر في المرأة فيذكر الحية والسم، أو يذكر اللؤم. وبين كاتب آخر ~~يذكرها فيقول: يا أخت قلبي. من منهما الإنسان؟ من منهما الرجل البار؟ # أيها الشاب المصري كن متمدنا، وكن عصريا، وكن إنسانيا. تذكر أخت قلبك ولا تصدق من ~~يقولون لك ms13 إن المرأة حية لها سم، وأنها لئيمة. # | الرق والمرأة # إذا تركنا عصر الصيد، ثم عصر الغزو، وجدنا عصرا آخر عمل لاحتقار المرأة والهبوط بها إلى ما ~~دون الرجل في الإنسانية، هو عصر الرق الذي لم ينته إلا منذ مائة سنة فقط في أمريكا التي ألغته ~~بعد الحرب الأهلية سنة 1860 ثم عمم إلغاؤه في جميع الأمم المتمدنة، والمتمدنة فقط؛ لأن الرق لا ~~يزال قائما في الأقطار المتخلفة إلى عصرنا هذا. # والرق نشأ من الغزو. # ذلك أن القبيلة التي كانت تغزو قبيلة أخرى، وتتغلب عليها، كانت تقتل رجالها أو تستعبدهم، ثم ~~تسبي النساء؛ أي تخطفهن وتبيعهن. # والمرأة التي يقتنيها الرجل بعد أن يؤدي ثمنها يستطيع أن يفعل بها ما يشاء. وهو بعيد كل البعد ~~لهذا السبب عن قبول فكرة المساواة بين الجنسين؛ إذ كيف يتساوى مع امرأة قد اشتراها بخمسين جنيها ~~مثلا ويستطيع أن يبيعها في الغد بهذا الثمن أو بأكثر أو بأقل؟ إنها امرأة مقتناة بالثمن، وهو ~~يعبث بها كما يشاء، ويعاقبها كما يشاء إذا أبت عليه حيوانيته في الاتصال الجنسي لشهواته أو الخضوع ~~المطلق لإرادته. # وقد عم الرق العالم القديم كله؛ ولذلك لا نجد كتابا من كتب الدين إطلاقا يقول بمنع الرق. ~~وعصر الرق هو، مع اشمئزازنا من المبدأ الذي نشأ عليه، يمكن أن يعد طورا من أطوار الارتقاء ~~البشري. ذلك أنه أتاح لطبقة صغيرة من الشعب أن تحترف التفكير، وتجد من الفراغ ما يمكنها من درس ~~السياسة والفن والأدب والحكم وسائر ألوان التمدن. # ولولا الرق عند الإغريق والرومان والمصريين لما وجد أرسطوطاليس، أو شيشرون، أو ~~أمهوتب. # والذي حمل الأمريكيين على إلغاء الرق هو، إلى جنب أشياء أخرى لا محل لذكرها، الارتقاء في ~~اختراع الآلات التي أخذت مكان العبيد في الإنتاج. # وتفشي الإماء - أي الجواري - في الأمة العربية حط من شأن المرأة كثيرا. ذلك أن الزوج أصبح ~~يقتني الجارية التي تمتاز على زوجته الحرة بالجمال والشباب؛ ولذلك كانت هذه الزوجة تخضع الخضوع ~~المطلق له، إذ هي كانت توقن أن ms14 المحل الأول في قلبه ليس لها. وما دام الشأن كذلك فإن المحل الأول ~~في البيت ليس لها أيضا. وكثيرا ما كانت تحمل الجارية وتلد فتعود زوجة لها حقوق الزوجات. # واحتقار الرجل لجاريته كان ينتقل بالمحاكاة السيكلوجية إلى زوجته الحرة. ثم يعم الشعب كله ~~احتقار للمرأة. # احتقار المرأة أيام الرق لم يكن يختلف عن احتقار الزنوج أيام الرق أيضا. # وإذن نحن نفهم الآن أن هناك ثلاثة عوامل عملت لاحتقار المرأة، هي: ~~(1) # شؤم الدم أيام الصيد. ~~(2) # شؤم الدم أيام الغزو. ~~(3) # سبي المرأة واسترقاقها. # وهذا العامل الثالث - سبي المرأة - قد أوجد الرق الذي كان شر ما أصاب المرأة. ذلك أن حجاب ~~المرأة أيام الصيد لم يكن ليؤدي إلى أكثر من معنى هذه الكلمة؛ أي الاحتجاب. ولكن الرق أدى إلى أن ~~تستحيل المرأة من الإنسانية إلى الأنوثة، تتبرج لزوجها كما لو كانت أنثى فقط؛ لأن الأمة أو ~~الجارية المسبية ثم بعد ذلك المشتراة، كانت تذل لسيدها وتتهتك له وتلبي جميع شهواته ~~البهيمية وفوق ما يريد. واضطرت الزوجة الحرة إلى أن تباريها في كل ذلك، فتبرجت هي أيضا وتهتكت ~~حتى لا تتفوق عليها الجارية. ومن هنا كان السقوط. # هذا السقوط الذي أحال المرأة إلى لعبة للرجل. # ولم يتفش استرقاق المرأة في أوربا مثلما تفشى في أقطار الشرق؛ لأن الاقتصار على امرأة واحدة ~~في الزواج جعل شراء الجارية محظورا أو كالمحظور. أو هو كان صغير الخطر على الزوجة الحرة؛ لأن ~~الزوج كان يضطر إلى الطلاق منها قبل أن يتزوج الجارية. ولم تكن الحال كذلك في الأقطار ~~الشرقية. # | بؤس المرأة في مصر # حدث من مدة قريبة أن شابا بالإسكندرية انتحل شخصية ضابط بالقوات المسلحة وتقدم إلى إحدى ~~العائلات يطلب الزواج من ابنتها. وأوشك على النجاح، وكادت هذه العائلة أن تسلم بزواجه من ابنتها، ~~لولا أن افتضح غشه واتضح أنه لم يكن ضابطا. وشرعت النيابة في التحقيق لا بشأن غشه في الزواج ولكن ~~بشأن انتحاله شخصية ضابط. # وهذا البؤس الذي تعانيه العائلات لا يقتصر على مثل هذا الشاب ms15 الأرعن الذي أوقع نفسه بانتحاله ~~شخصية ضابط . فإن الغش يتخذ ألوانا أخرى لا تستطيع النيابة العامة أن تصل إليها. ثم يكون الزواج، ~~ويفتضح الغش بعد الزواج. وعندئذ قد يكون الرضا بالواقع والسكوت على المضض والتستر على ~~الغش. # والأصل في هذا البؤس الذي تعانيه فتياتنا وعائلاتنا هو هذا المجتمع الانفصالي الذي نعيش فيه. ~~فإن مثل هذا الغش ما كان ليمكن أن يحاوله شاب فضلا عن أن يقع ويتم. ذلك لأن الفتاة، في المجتمعات ~~المختلطة، تعرف خطيبها قبل الزواج وتروح وتغدو معه في أوساط مختلفة وتقابل أصدقاءه كما يقابل ~~أصدقاءها، وتسير الأمور على نور فلا يمكن الغش. ثم إن مدة الخطبة تطول وتتعارف العائلتان ~~وتتزاوران جملة مرات قبل أن يتم الزواج. # ولكن هذا الغش لا يقتصر على مثل هذا الشاب المغامر الذي ينتحل شخصية ضابط. فإن هناك الخاطبة ~~المحترفة التي تحصل من الخطيبين على أجرها. وهي تكذب وتغش، وليس لها في شأن الزواج سوى ما تعده من ~~جنيهات وقروش لقاء سعيها، وهو سعي أكثره كذب وخداع. # إن المجتمع الانفصالي الذي ما زلنا نعيش فيه إلى حد بعيد يحرمنا السعادة ويفسد زواجنا، بل ~~يحرض على الغش في اختيار الأزواج إنه جناية حية على كل شاب وفتاة. ~~••• # من مدة قريبة (1955) تحدث شيخ للأزهر عن تعدد الزوجات فمدحه ودعا إليه. # وبعد أسابيع نشرت الصحف خبرا عجيبا هو أن أحد الشبان الأثرياء تزوج 42 امرأة طلق منهن 40 ~~وأمسك اثنتين. واشتبك في إحدى القضايا التي جعلت وكيل النيابة يقف على هذا الخبر. فلما سأله لماذا ~~تزوج كل هذا العدد من النساء، أجاب في سهولة وبيان بأنه لم يجد ما يمنعه وأن هذا حقه. # وبكلمة أخرى نستطيع أن نقول إنه يسير على رأي شيخ الأزهر من أن تعدد الزوجات فضيلة. وإن كنت ~~أعتقد أن شيخ الأزهر لم يصل إلى هذا المدى البعيد في القول بهذه الفضيلة. # ولو كان هذا الشاب الثري قد ارتكب هذا التعدد الزوجي في قطر أوربي أو أمريكي لما كان جزاءه ~~أقل من الحبس ms16 ثمانين سنة. # ولكن ليست هذه هي العبرة التي أريد استخراجها. # وإنما العبرة أن هذه الإباحة في تعدد الزوجات يجعل من المرأة المصرية التي تمر بها هذه الظروف ~~إحدى اثنتين: إما مجرمة تسخر من المجتمع المصري لأنها تعرف كنهه، وتستغل الأزواج بإثارة شهواتهم ~~دون حبهم، وتحيا على غش وخداع مرعبين؛ لأنها بالطبع ستتجر بالزواج عندما تعرف أن زوجها لا يتجر به ~~فقط بل يفسق به. # وإما هي بدلا من ذلك تنتهي إلى الذلة والمسكنة وأنها سلعة يتناقلها الرجال لشهوتهم، وأنها ~~يجب أن تخضع ولا تفكر في الاستقلال الإنساني أو الفضيلة الإنسانية أو الثقافة أو الأبناء وإنما ~~تفكر فقط في المجهود الذي تبذله كي تستبقي محاسن وجهها وجسمها وكي تعرف كيف تربط زوجها بهذه ~~المحاسن حتى لا تكون واحدة من هؤلاء الأربعين المطلقات. # وأكاد أسمع القارئ يقول إن هذه حالة شاذة لا يقاس عليها. # وهي كذلك بلا شك. ولكن الشذوذ هنا شطط للمألوف وليس خروجا عليه. وقبل أن نصل إلى أربعين زوجة ~~نجد هناك من يتزوجون العشر والعشرين. # ولا يمكن لمجتمع متمدن أن يسكت على هذه الحال. ولا يمكن لامرأة مصرية أن تعد نفسها مستقلة أو ~~أنه يمكن أن تكون لها شخصية ما دام سيف التعدد مشهورا على رأسها. # هذا هو مركز المرأة في مصر. ~~••• # أصدرت إحدى المحاكم الشرعية حكما في قضية زوجية يقضي بأن الزوجة التي تحترف حرفة ما خارج ~~البيت لا تصلح لحضانة أبنائها، وأن هذه الحضانة تنتقل عندئذ من الزوجة إلى الزوج. # وبالطبع هذا الزوج ليس قعيد البيت، إذ هو يحترف حرفة في مكتب أو مصنع. ولكن القاضي لم يبال ~~ذلك. وإنما انصب تفكيره على هذه الزوجة التي تترك البيت وتعمل معلمة أو محامية أو طبيبة أو ~~ممرضة أو عاملة في مصنع أو كاتبة في مكتب. # هذه المرأة المحترفة المتعلمة يجب، حين تختلف مع زوجها ومطلقها، أن ينزع منها أطفالها ~~ويسلموا للزوج. # الزوج يحترف حرفة خارج البيت. والزوجة تحترف حرفة خارج البيت، فكلاهما سواء. ومن المنطق أن ~~نقول إن ms17 الأم أقدر على تربية الأطفال وأحن عليهم وأرعى لشئونهم من طعام ونظافة وراحة. # ولكن القاضي الشرعي لم يبال شيئا من هذا؛ فإنه قضى بنزع الأطفال من الأم وتسليمهم، أبناء ~~وبنات، إلى الأب. والأم مدرسة تحترف تعليم الأطفال، وهذه حرفة تزيد مكانتها وقدرتها على تربية ~~أطفالها. # ما هي العلة لهذه الحال المقلوبة في مجتمعنا؟ # إن هذا القاضي ليس شاذا في حكمه؛ وإنما هو يحيا في مجتمع مصري اعتاد احتقار المرأة، وأنها ~~لا تتساوى مع الرجل في أي حق اجتماعي أو اقتصادي. وما دام الرجل والمرأة يتساويان في الحرفة خارج ~~البيت فإن الرجل يجب أن يفضل عليها في تربية الأطفال. # وتنساق هذه القاعدة في كل شأن آخر يتعلق بالجنسين. # فهي في المصنع، تؤدي عمل الرجل، ولا تنال أجر الرجل. وهي في العائلة، حين يرسل الأبناء ~~والبنات إلى المدرسة، لا ينفق على تعليمها كما ينفق على الأبناء. # وهي حين ترتكب جريمة الزنا يقتلها أخوها أو أبوها أو زوجها. وإذا بقيت حية ولم يقتلها أحد ~~هؤلاء فإن المحكمة تحكم عليها بالسجن سنتين. أما الزوج فحين ارتكابه لجريمة الزنا يستطيع أن ينجو ~~من العقوبة ما دام ارتكابه لها بعيدا عن بيته. ثم هو قد لا يجد من الرجال غير الإعجاب ~~برجولته. # | شذوذ قهري # كتب إلي شاب في سن السابعة عشرة يقول إنه عندما يرى صورة فتى في سنه أو أصغر منه، أو عندما ~~يقابل أحدا في هذه السن، يحس برعشة تزلزل جسمه حتى يكاد يغمى عليه. # وإنه يتخيل عن هذه الصورة أو هذا الشخص اللذين يلقاهما خيالات متعاقبة لها قوة جبرية؛ إذ لا ~~يستطيع التخلص منها. وهي خيالات الإعجاب العظيم حين يكون هناك مكان لهذا الإعجاب. وهو يقول بالحرف الواحد: # ومهما يكن من شيء فإني أشعر بهذا الميل كذلك عندما أكون سائرا في طريق أو عندما أقابل ~~أحد أصدقائي بصحبة شاب أو شبان معه، أو عندما أكون في مجلس من مجالس الحديث أو في اجتماع من ~~الاجتماعات فيقع نظري على هؤلاء الشبان ... فما أشعر؟ أشعر ms18 بهذه القوة التي تصعد من نفسي في ~~حرارة والتهاب . وماذا أجد؟ أجد ذلك الميل القوي العنيف وما تبعه من انفعالات حادة ... إلى هنا ~~لم أدر من أمري شيئا. نفس الدافع المجهول ونفس الشيء الغامض اللذين أحس بهما عندما تقع ~~عيناي على صورة. وإلى هنا لم يصور الخيال شيئا من تلك الصور الرائعة أحيانا، والمروعة ~~أحيانا أخرى، والمترددة بين ذلك، في بعض الأحيان. ثم ماذا؟ # إن قلبي يدق دقا عنيفا ويضطرب اضطرابا شديدا، كل ذلك مثل ومضات البرق المتلاحقة التي ~~لا تكاد تظهر حتى تختفي ولا تكاد تختفي حتى تظهر ... # هذه عبارات قليلة من ثماني صفحات كتبها هذا الفتى الذي لم يكد يتجاوز المراهقة. وهي تدل أفصح ~~الدلالة على أن هذا الشاب يسير في طريقه إلى الشذوذ الجنسي. # وهذا المسكين يسلك هذا السلوك من حيث لا يدري. وإليك الشرح: # التفت إلى عنوان الشاب فوجدت أنه يقطن حيا بعيدا عن الأحياء العصرية في القاهرة. # أي إنه لم يختلط بالفتيات؛ لأن الحجاب لا يزال مخيما في الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه، ~~وانفصال الجنسين تام. فلما بلغ سن المراهقة قبل أربع سنوات شرعت طاقته الجنسية في التعرف ~~والاستطلاع، ولكنه لم يجد الهدف الطبيعي لهذا الاستطلاع. # وهو لو كان وجده لكانت خيالاته الجنسية جميعها محصورة في المرأة. أو لو كان قد تزوج في سن ~~الخامسة عشرة مثلا كما كان يفعل أسلافنا لما حدث له هذا الشذوذ، ولما احتاج حتى إلى هذه ~~الخيالات. # ولكن هذا الشاب لا يدري أنه شاذ، ذلك أنه كظم العاطفة الجنسية كظما عنيفا حتى كاد ينكرها. ~~ثم تسامى بها فجعل إعجابه بأجسام الشباب إعجابا بميزاتهم الروحية والأخلاقية، ولكنه مع ذلك لا ~~يستطيع أن ينكر أنه يعجب بالأجسام. # وخلاصة القول أن هذا الفتى نشأ في بيئة تحرم الاختلاط بين الجنسين، فاتجهت غريزته نحو البدل. ~~والبدل هنا هو شاب «في سني أو أصغر مني» على حد قوله. ولكن هذه البيئة الرجعية التي يعيش فيها ~~ترتفع إلى أخلاق اجتماعية محترمة فهي ترفض الاستهتار؛ ولذلك يطلي ms19 شذوذه بطلاء آخر غير الاستهتار ~~ويزعم أنه إنما يحب الصفات العالية في الشبان. ولو أن هذا الشاب كان يعيش في بيئته هذه من قبل ~~مائة سنة لكان قد تزوج وعاش المعيشة السوية. # ولكن سن الزواج تتأخر في وسطنا الاجتماعي، وهي تتأخر أيضا في الوسط الاجتماعي في أوربا ~~وأمريكا. ولكن هناك الاختلاط، وهنا الانفصال. والشاب هناك يختلط بالفتاة فتستقيم خيالاته الجنسية ~~لأنها هي هدفه، وهو يراها كل يوم بل كل ساعة. ولا يعرف كيف يتخيل شيئا آخر غيرها، فهو سوي. ولكن ~~هذا الشاب المصري لا يجد غير الشبان الذكور في سنه، فهو ينقل إليهم استطلاعه الجنسي ويتخيل ~~جمالهم؛ لأنه لا يرى غيرهم هدفا لغريزته، وهو لذلك شاذ. # ومن هنا نفهم أننا نتبع أسلوبا مخطئا في الحياة لأننا نصر على الحجاب في بعض بيئاتنا، ~~فتكون النتيجة هذا الشذوذ الجنسي الذي ربما ينتهي في يوم ما إلى حمل صاحبه إلى السجن. ونصيحتي إلى ~~هذا الشاب هي: احذر أن تسقط فأنت على شفا هاوية وفي طريق الشذوذ الجنسي. وانقل حبك وإعجابك إلى ~~الجنس الآخر وتعرف إلى فتاة واحترمها، وكن صديقا شريفا لها. وإني واثق أن هذا يشق عليك الآن؛ ~~لأن خيالاتك لا تمس المرأة من قريب أو بعيد. ولكن تمرن. # وهناك مئات بل ألوف مثل هذا الشاب قد جنحت غريزتهم الجنسية للانفصال القائم بين الجنسين ~~جنوحا خطيرا. وقد استقر هذا الفتى على نوع من «التثبيت» الذي يؤلمه ويؤرقه، ولكن هناك ~~آلافا غيره قد استقروا على العادة السرية. # وليست هذه الحال مقصورة على الشبان إذ هي أيضا تشمل الفتيات. والفتاة التي تتعلق بفتاة أخرى ~~لا تصلح للزواج إلا بعد مرانة طويلة ومتاعب كبيرة مع زوجها. وكذلك هذا الفتى لا يصلح الآن للزواج ~~إلا بعد مرانة طويلة وتربية جديدة. # إننا نعيش فيما يشبه التناقض. ظروف عصرية تطالبنا بالاختلاط، وتقاليد محنطة تطالبنا ~~بالانفصال؛ ونحن لذلك في تعب بل في زيغ. # يجب أن نعيش المعيشة العملية في مجتمع علمي تشرف عليه حكومة علمية، فننفض التقاليد ونأخذ ~~بالبدعة. # هذا ms20 إذا شئنا ألا نعيش مجانين أو زائغين. # وأحب أخيرا أن أنبه إلى أن حب الشاب في سن المراهقة أو بعد ذلك بقليل لشاب آخر في سنه ~~يكاد يكون طبيعيا في جميع البيئات. ولكن سرعان ما ينتقل هذا الحب إلى الجنس الآخر في المجتمع ~~المختلط. أما في المجتمع المنفصل فإنه يثبت. ومحال أن نعيد الشاب إلى الاستقامة الجنسية إلا إذا ~~اختلط بالجنس الآخر، فإنه لن يعرف الجنس الآخر من الكتب أو الصحف؛ لأن المعرفة الحقة الوحيدة هي ~~الاختلاط بالفتاة. هذا الاختلاط الذي يعتقد الرجعيون - نكبة بلادنا - أنه رذيلة، مع أنه لباب ~~الشرف وصميم الأخلاق الاجتماعية العليا. # | جريمتنا نحو المرأة # عندما نبلغ سن الستين أو السبعين نجد إحساسا آخر نحو الأشياء والناس، ونحس وجدانا آخر ~~للمروءة والشرف والإنسانية أكثر مما كنا نحس قبلا. وبكلمة أخرى نجد أن لنا من القيم والأوزان ما ~~يمكن أن نسميه حكمة. # وهذه الحكمة إنما هي ثمرة هذا العمر الطويل وما مر بنا من الأحداث، وما كسبنا من التأمل ~~والتفكير فيها، وما وقع بنا من كوارث استخلصنا منها العبرة والدلالة؛ ذلك أننا نعيش في مجتمع ~~نصطدم بناسه ومصالحه ومؤسساته، ونمارس فيه مصاعب العيش، ونتحمل مسئوليات الحرفة، فنتعلم ~~ونتربى. # وليس التعلم والتربية أن نتتلمذ في المدرسة أو نقضي خمس أو ست سنوات في الجامعة؛ لأن قصارى ما ~~نحصل عليه في المدرسة والجامعة لا يعدو أن يكون تعليما، وهو تعليم للمعرفة، أي إنه ليس تربية ~~للسلوك والتصرف وتعيين الهدف في الحياة. # وتستطيع أن تسأل أي إنسان في الخمسين من عمره، من خريجي الجامعات، كيف كان فور خروجه من ~~الجامعة وحصوله على شهادتها؟ # كان إنسانا خاما. وكان يصطدم بالمجتمع مرة بعد أخرى لجهله، ولكنه كان يتربى من هذه ~~الاصطدامات. وهو لا بد مخبرك بأن ما كسب من حكمة وسداد، وصحة للنفس، واتجاه حسن، إنما كسبه من ~~المجتمع وليس من الجامعة. # المجتمع يربينا، ويكون شخصيتنا، ويعين أهدافنا، ومنه نأخذ الميزان الذي نزن به القيم، ~~فنقول: هذا فضيلة، وهذا رذيلة. # ونحن في المجتمع ms21 نحترف حرفة ما نرتزق بها؛ أي نأكل منها لقمة العيش. وهذه الحرفة تضطرنا إلى ~~أن نحسن مهارة معينة، وإلى أن ننتج شيئا يحتاج إليه المجتمع، إما سلعة وإما خدمة. وهذا الإنتاج ~~وحده، وليس شيئا آخر غيره، هو الذي يكسبنا معاني الفضيلة والرذيلة، والفرق بين الرجل الصالح ~~والرجل الفاسد، ومعاني المروءة والشرف والإنسانية. # نحن الرجال، بالحرفة وبالاختلاط بالمجتمع، نتعلم ونتربى، فنقصد إلى مكاتبنا أو مصانعنا أو ~~مزارعنا في مواعيد نواظب عليها. ونسأل ونستفهم عن الحرف والصناعات من حيث ما تحتاج إليه من ~~مجهود، أو ما يعين لها من مكافأة. ونسمع عن اختراع جديد فنقبل عليه، أو عن سلعة جديدة فنتجر بها؛ ~~ولذلك نهتم بالحرية والشرف، لأن لهما قيمة في أنفسنا، من حيث إن غيابهما أو إفسادهما يؤذينا في ~~عيشنا وإحساسنا وضميرنا. # واختلاطنا بالمجتمع يحملنا على الاهتمام بالسياسة والعلم والأدب لأننا نجد أن حياتنا متصلة ~~بكل هذه الأشياء لاتصالنا بالمجتمع. # ما الذي نعني حين نقول إنه يجب أن تكون لنا أهداف إنسانية؟ # نعني أننا يجب أن نهتم بالعدل والكرامة والعلم والسياسة. ويجب أن نقرأ الجرائد لهذا السبب. ~~ومرجع هذه الاهتمامات جميعها أننا من المجتمع، وفي المجتمع، لنا عواطفه، ونختلط به، ونحترف فيه ~~حرفة منتجة؛ أي لنا إحساس اجتماعي. # فضائلنا جميعها اجتماعية، والرجل الذي يحيا في الصحراء منفردا لا يمكن أن يكون فاضلا أو ~~رذلا، عظيما أو دنيئا، عادلا أو ظالما؛ لأن هذه الصفات جميعها هي صفات اجتماعية، صلة الفرد ~~بالمجتمع. # فإذا حرمنا إنسانا الاختلاط بالمجتمع، والإنتاج للمجتمع؛ فإننا بذلك نحرمه الإحساس الاجتماعي ~~بكل ما يحمل هذا الإحساس من مسئولية وفضيلة وشرف وإنسانية. # وهذا هو حال المرأة كما نعاملها الآن. إننا نفرض عليها الانفصال من المجتمع بالبقاء في البيت، ~~فكأنها هذا الرجل الذي قلنا إنه يعيش في الصحراء. وصحيح أنها لم تبلغ مبلغه في الانفراد؛ لأنها ~~تحس شيئا من المسئولية والشرف والمروءة بقوة الخدمة والاختلاط في بيتها، بينها وبين زوجها وثلاثة ~~أو أربعة أبناء وبنات. # لكن إحساسها هذا ناقص؛ إذ هو محدود بجدران ms22 البيت، ولذلك لا تحس ما نحسه نحن الرجال من ~~المسئولية واليقظة والقيم الاجتماعية. وبكلمة أخرى هي، بالمقارنة بنا، إنسان ناقص في ~~تربيته. # وعندما أقول بضرورة منح المرأة حق الانتخاب والترشيح للبرلمان، لا يدفعني إلى هذا الطلب إحساس ~~الإنصاف نحوها قدر إحساسي بأن هذه المسئولية الجديدة ستجعلها تهتم بالمجتمع، فتزيدها يقظة، ~~وتحملها على درس السياسة وقراءة الصحف والكتب؛ أي تزيد إنسانيتها. # ما هي هذه الدنيا التي نحيا فيها سبعين أو ثمانين سنة؟ # هي المعارف التي تنبه ذكاءنا، وهي الكوارث التي تكسبنا حكمة العيش، وهي الاستمتاعات التي ~~نستمتع بها ونحن أطفال ثم شبان ثم كهول ثم شيوخ. وليس من حق أحد أن يحرمنا معارفنا أو كوارثنا ~~أو استمتاعاتنا، سواء في ذلك الرجال والنساء. # وإذا كنا نقول إنه على الرجل أن يكون حكيما، فإننا يجب أن نقول إنه يجب أن تكون المرأة ~~حكيمة. # وهي لن تكون حكيمة إذا حرمناها معارف الدنيا واختباراتها، سواء منها ما يسر وما يؤلم. ونحن ~~ننقص إنسانيتها بالقدر الذي ننقص به معارفها واختباراتها. # وهناك آلاف الجهلاء من الشبان والكهول الذين أفسدهم المجتمع بعاداته وتقاليده. وهم يخفون ~~جهلهم بطلاء من الإحساسات الكاذبة والكلمات المبهرجة حين يقولون مثلا إنهم يحمون المرأة، وهي ~~الرقيقة اللطيفة، من أقذار المجتمع ومشاق العيش. # ويتضح هذا الكذب في الإحساس حين نعرف أن مشاق البيت للمرأة أكثر من مشاق الحرفة للرجل، وأن ~~تنظيف المطبخ والمرحاض وغسل ملابس الأطفال ليست على الدوام من الأعمال الخفيفة الرقيقة. # ثم هم يجهلون أن الإنسان ليس سلعة تبلى بالاستعمال، كأنها كرسي أو مائدة أو بساط أو سرير قد ~~رثت بمرور السنين. وإنما هو ينضج ويبلغ الحكمة والسداد كلما زادت اختباراته ومعارفه. ولذلك ~~أيضا يؤثر الرجل الحكيم الزواج من الأرملة التي خبرت الزواج سنتين أو عشر سنوات على الزواج من ~~العذراء التي لم تخبر الزواج. وهو يسلك هذا السلوك لأنه يعرف أن المرأة إنسان يزداد حكمة وقيمة ~~بالتعليم والتربية، وأن الجهل لا يمكن أن يكون فضيلة. # والواقع أن أعظم ما يؤخر المرأة في ms23 عصرنا هو التقاليد، هذه التقاليد التي جعلت الزمخشري يقول ~~في كتابه «غريب الحديث» في صفحة 273 إن الأرملة مبغوضة «إذا مست شيئا أتلفته.» # وقد يوهم اسم الكتاب أن هذه العبارة منقولة عن حديث نبوي؛ ولذلك أسارع بالنفي، لأن الزمخشري ~~قد نقلها عن إحدى السيدات. # وهذه العقيدة عن الأرملة قد عمت الأمم القديمة، وبلغت أوجها من الخسة البشرية في الهند ~~حين كانت الأرملة تحرق عقب وفاة زوجها. # وكلنا كما يقول أناطول فرانس «يولد وله لحية». # أي إننا نولد ونحن نحمل من التقاليد القديمة أعباء تجعلنا شيوخا ونحن في المهد. ومن هذه ~~التقاليد احتقارنا للأرملة التي تعد خير طراز للمرأة ترشح للزواج. ومنها أيضا احتقارنا ~~للمرأة، كائنة ما كانت، عذراء أو متزوجة. # وأستطيع أن أؤلف كتابا كاملا عن الأصل أو الأصول السحرية التي جعلت الإنسان القديم، الذي ~~نرث نحن الآن تقاليده، يفصل المرأة عن المجتمع، ويستنجس الأرملة، ويحجب الزوجة. وليس هنا بالطبع ~~مكان هذا البحث. # وقصارى ما أقول أننا نعامل المرأة في أيامنا بحكم التعاليم السحرية القديمة. وكل ما بيننا ~~وبين أسلافنا الذين ماتوا قبل عشرة آلاف سنة أنهم كانوا يقولون إنها نجسة، وأما نحن فنقول إنها ~~رقيقة لطيفة يجب أن نربأ بها عن مفاسد المجتمع. والنتيجة واحدة في الحالين، وهي استبعادها عن ~~النشاط الاجتماعي والثقافي والإنساني. # إن للمرأة، كما للرجل، حقا في أن تحيا حياتها كما تريد. وإن لها حقا في التطور. وقصر ~~حياتها على البيت هو إلغاء لإرادتها، كما هو تعطيل لتطورها. # إن ما تفهمه المرأة المصرية في عصرنا من الشرف هو الشرف الجنسي، ولكننا نحن الرجال نفهم أيضا ~~معاني الشرف الأخرى في السياسة والصناعة والتجارة والأدب والاجتماع. # ونحن الرجال نصوغ حياتنا كما نشاء، ونختار الأسلوب والهدف. أما هي فقد حرمت ذلك. # ونحن الرجال نحيا في المجتمع، وهو بيتنا الكبير، بكل مركباته التي تثير أذهاننا وتربينا ~~وتحركنا إلى التضحية والعظمة، هو مدرستنا، هو جامعتنا. # أما هي فتحيا في البيت. ولا تقل إن في البيت سعادتها؛ لأني لا أحترم المرأة لأنها ms24 سعيدة، ولكن ~~لأنها حكيمة رشيدة. وهذا على فرض أن السعادة تغمر البيوت؛ لأن الواقع غير ذلك، وهو ما تخبرك به كل ~~زوجة وكل أم. # والآن أسمع سؤالك: ماذا تريد بالبيت؟ هل تريد أن تترك المرأة بيتها كي تتعلم وتتربى في ~~المجتمع؟ # وجوابي أن البيت «يجب» أن يكون أجمل المؤسسات وأنفعها في حياتنا، ويجب أن يكون بؤرة المجتمع. ~~ويجب أن يحتوي أعضاءه من الزوج والزوجة والأبناء، في جو من الحب والشرف. ويجب على كل شاب وكل فتاة ~~أن يبنوا البيوت مادة وروحا، منزلا وعائلة. # ولكن مشكلة البيت لا تعود مشكلة إذا نحن نظرنا للمرأة نظرة المساواة بالرجل، بحيث تتعلم مثله، ~~وتكون شخصيتها مثله، وتحترف إذا شاءت مثله، وتدرس وتختبر حتى تتربى وتتطور مثله، وتشترك في وظائف ~~الدولة مثله. # ومقامها الجديد هذا هو الذي يعين طراز البيت الذي تعيش فيه بحيث يتفق واهتماماتها الأخرى. ~~فقد نعمم القوة الكهربائية في جميع أعمال البيت طبخا وغسلا وكنسا وتبريدا. فلا يكون هناك من ~~المشاق ما يحتاج إلى أن تقصر الزوجة حياتها على المنزل؛ لأن بضع دقائق عندئذ تكفي للطبخ، وأقل ~~منها يكفي الشئون الأخرى. أو قد تكون هناك حلول أخرى للطبخ والغسل. # إننا نجرم حين نعين للمرأة، هذا الإنسان الذي احتاج إلى ألف مليون سنة كي يصل إلى حاله ~~الحاضرة، ألوان النشاط الذي يجب أن تؤديه، وحين نحرمها ألوانا أخرى لمحض الاستبداد وحكم ~~التقاليد. # | المرأة الغربية والمرأة المصرية # يختلف «الشرقيون» من الغربيين في كثير من الاعتبارات والشئون الاجتماعية. فإن الشرقيين ~~يمارسون على وجه عام الزراعة، في حين يمارس الغربيون على وجه عام الصناعة. # ويختلفون أيضا من حيث إن الشرقيين «روحيون»، أما الغربيون فماديون. ولكننا عندما نحاول توضيح ~~الفرق أو الفروق بين الروحية والمادية، فإننا نقع في ارتباكات ذهنية لا تحصى، ونخرج من المناقشة ~~لهذا الموضوع ونحن نتساب ونتثالب. # ويختلفون أيضا من حيث إن الشرقيين على وجه عام يحمون المرأة، ويحوطونها بأسوار من الرعاية، ~~بحيث لا تعمل خارج البيت، ولا تكسب مع الرجال للعيش. أما الغربيون ms25 فيكلفون المرأة العمل والكسب ~~إلى جنب الزوج. # والاختلافات كثيرة قد عددنا منها ثلاثة. ونستطيع مع ذلك أن نذكر أيضا اختلافا رابعا خطيرا ~~هو أن الغربيين، على وجه عام أيضا، يتسلطون على الشرقيين وينتزعون منهم القطن والكاوتشوك ~~والقصدير والبترول. ويضربونهم إذا ثاروا أو تمردوا. # هذه أربعة اختلافات تستحق الدرس. وعندي أن بؤرة هذه الاختلافات جميعها تنحصر في أن الغرب ~~يمارس الصناعة في حين أن الشرق يمارس الزراعة، وأن الشرقيين لو عقلوا لآثروا إنشاء مصنع على تأسيس ~~جامعة. ولكني أترك هذا الموضوع كي أتناول موضوعا آخر، هو اختلاف النظرتين للمرأة. # المرأة المثلى عندنا هي الخادرة أو المخدرة، التي نحبها ونرفع من شأنها، إلى حد أننا نربأ بها ~~عن أن تعمل كما يعمل الرجال، فتصطدم بالحوادث، وتتلوث بأدران المصنع، وتلهث وراء الآلات، وتختلط ~~بالرجال وتتحدث إليهم وتباريهم في الصبر على الجهد والتدبير للمستقبل. أجل إننا نربأ بها عن أن ~~تكون تاجرة أو صانعة أو نائبة أو وزيرة؛ ذلك لأننا نحب أن تبقى مرتاحة في البيت، لا شأن لها ~~بالفلسفة والسياسة ولا بالكسب أو المزاحمة. # ونحس، نحن الرجال الشرقيين، أننا يجب أن نحوط المرأة بالرعاية والحماية. وبعض منا - نحن ~~الشرقيين - يبالغ في احترامه للمرأة، حتى إنه يحوطها بجدران البيت فلا تخرج منه طوال عمرها ... من ~~ليلة العرس إلى ليلة المأتم. وهذه عناية أقصى العناية، وحماية أقصى الحماية على الأسلوب ~~الشرقي. # ونتيجة هذه العناية أو الحماية العظمى أن المرأة الشرقية تخدر في البيت؛ وتعود خادرة - أي ~~مخدرة - فلا تعمل ولا تفهم أن للحياة هدفا وأنها تحتاج إلى منهج؛ لأن هذا من شئون الرجال وحدهم، ~~أما هي فلها نعيم الراحة وخلو البال. # ولكن هذه الراحة، هذا البال الخلي، هما علة الركود الذهني الذي ينتهي إلى التبلد والتجمد، ~~وعلة الركود الجسمي الذي ينتهي إلى التضخم والترهل؛ ولذلك نحن الرجال هذه الأيام في قلق عظيم عن ~~مصير العالم، كلما قرأنا أخبار كوريا تفززت أعصابنا، وكلما رأينا أثمان القطن تذكرنا أزماتنا. نحن ~~الرجال نقرأ ونعمل، ونختلط بالمجتمع، وتصدمنا الحوادث ms26 وتنزل بنا المصاعب، فنتعب ونتألم. ولكن ~~المرأة المصرية الشرقية لا تتعب ولا تتألم. # لنا نحن الرجال آفاق وآمال، نقتحم الأخطار ونتعلم منها. أما هي فمخدرة قد حدت جدران البيت ~~وشئونه من آفاقها وآمالها. # المرأة المصرية الشرقية هي إنسان بلا أخطار، هي إنسان بلا حوادث، هي إنسان بلا تربية؛ لأن ~~الذي يربينا نحن الرجال هو الأخطار والحوادث. # أما المرأة الأوربية فتعمل وتجهد، وتتبذل فيما لا تتبذل فيه المرأة الشرقية. وهي منتجة في ~~الصناعة والزراعة والتجارة والتعليم. وهي تصطدم بالدنيا وكوارثها، وتشترك في الانتخابات، وتجادل ~~وتناقش فيتنبه ذهنها، وقد تتلوث يدها من العمل، ولكنها إذا عادت إلى بيتها تخلصت من هذا التلوث، ~~أو هي لا تباليه لأنها لا تعد نفسها ريحانة الرجل؛ إذ هي مستقلة لها منهج وهدف في الحياة. أجل ~~إنها ليست لعبة الرجل. # هي إنسان قد خلق للمتعة والكارثة، وهي تحيا على المستوى العالي؛ أي هذا المستوى الاجتماعي ~~الذي نحيا نحن الرجال عليه في مصر؛ مستوى التجارب والكوارث والمتع والاختبارات. # ثم هي منتجة. # تأمل هذه الكلمة أيها القارئ وافهم عبرتها؛ كلمة منتجة. # عندما تكون في لندن أو باريس أو نيويورك أو روما عائلة مؤلفة من والدين وثلاث فتيات قد ~~تجاوزن الثامنة عشرة، فإنك تجد أن الخمسة يكسبون، أو على الأقل أربعة يكسبون؛ لأن الأم قد تلزم ~~البيت لخدمتهم. # أما في مصر فإن مثل هذه العائلة لا يعمل فيها غير الأب؛ ولذلك فإن دخله من عمله الفردي لا ~~يكاد يكفي زوجته وبناته الثلاث، فهم يعيشون في عسر. وإذا وقع الأب في البطالة فإنهم يعيشون في ~~جوع. # أما إذا وقع الأب الأوربي أو الأمريكي في البطالة فإن زوجته تعمل وتكسب، وبناته الثلاث يعملن ~~ويكسبن. فلا جوع ولا عسر. # وإنتاج الشرقيين لهذا السبب دون إنتاج الغربيين. هم يعملون وينتجون رجالا ونساء، أما نحن ~~فلا ينتج عندنا غير الرجال. وعلينا نحن الرجال أن نعول النساء والفتيات، وكثيرا ما نعجز عن ذلك. ~~وكثير من فاقتنا السوداء، وبيوتنا البدرومية، ونحول أجسام أولادنا، وتفشي البلاجرة بين فقرائنا، ms27 ~~يعود إلى هذا؛ إلى أن المرأة غير منتجة. ونحن لا نعلمها ولا ندربها على الإنتاج، ولا نلحقها ~~بالمصنع أو المتجر كي تكسب. # وبالإيجاز نقول إن النظرة الغربية للمرأة هي أن تعمل وتنتج وتكسب كالرجل سواء، وأنها يجب ألا ~~تلتزم البيت إلا وقت المرض أو الولادة، وعليها أن تخرج وتتعب وتعرق وتلهث وتصطدم بالدنيا وتتعلم ~~من كوارثها. # ويجب أن تقع الكوارث بكل إنسان؛ لأنها ما دامت لا تقتلنا فإنها تعلمنا. هي تجربة نزداد بها ~~خبرة وحكمة؛ أي نصير بها حكماء. وإنسان بلا كوارث هو إنسان أخضر، فج، ناعم، بليد، جاهل. # ولكن هذا الإنسان الأخضر الفج الناعم البليد الجاهل هو ما يريد الشرقيون لنسائهم. فهم ~~يحمونهن في البيت، ويربئون بهن عن التلوث بأدران المجتمع. وهذه الحماية تحميهن من الكوارث، من ~~التجارب، من الذكاء المدرب والعقل المفتوح، واكتساب الحكمة والبصيرة. # إن الغربيين يعرفون أن الإنسان ليس كرسيا نقعد عليه فيبلى وإنما هو جسم حي ينمو ويتعلم ~~ويتدرب بالحركة والتفكير والجهد؛ ولذلك جعلوا نساءهم يعملن ويكسبن، وأشركوهن في الحكم والقضاء ~~والتعليم والسياسة والعلوم والفنون. # أما نحن فإننا نحميهن في البيت حتى لا يتلوثن بالمجتمع، مع أن هذا المجتمع هو الذي نختلط به ~~نحن الرجال فيربينا ويكسبنا القيم الاجتماعية التي يسميها بعضنا روحية. # لقد ذكرت في بداية هذا المقال أربعة اختلافات أو فروق بين الشرقيين والغربيين، وأحصيت منها ~~ذلك الفرق أو الاختلاف المهين، وهو أن الغربيين يتسلطون على الشرقيين وينتزعون منهم القطن ~~والكوتشوك والقصدير والبترول، ويضربونهم إذا ثاروا أو تمردوا. والآن أقول إنه لو كانت المرأة تعمل ~~عندنا وتكسب، ولو كنا نمارس الصناعة، لما استطاع الغربيون أن يضربونا أو يتسلطوا علينا. # يجب ألا نكون شرقيين، ويجب أن نوقن بأن هذا التفريق بين الشرق والغرب هو تفريق استعماري يراد ~~منه سيادة الغرب على الشرق. # كلنا بشر لا نختلف إلا من حيث الرقي والانحطاط. # | الذكاء والعبقرية والمرأة # التفاوت في مقدار الذكاء بين شخص وآخر حقيقة نلمسها كل يوم ونسلم بها، وهذا التفاوت طبيعي ~~واجتماعي. # فأما التفاوت الطبيعي ms28 فهو ما نولد به ونرثه من عائلتنا؛ أي من الأبوين ، وأيضا من أسرتنا؛ أي ~~من الأرومة التي نشأنا منها وتحتوي أعمامنا وأخوالنا وجدودنا. وأدنى دراية بالوراثة تبين لنا ~~تأثير الأسرة في كفاءة الفرد الذي ينتمي إليها. # ولكن الذكاء الذي يبدو في سلوك الناس إنما يعود إلى أسباب اجتماعية أكثر مما يعود إلى الأصول ~~الطبيعية. وهذا هو موضوعنا. # الذكاء اجتماعي ينشأ من الاختلاط بالمجتمع، ومن كلمات اللغة التي يستعملها هذا المجتمع، ومن ~~الاشتباكات في شئونه، والاهتمامات بمصالحه، ومن المصادمات التي نلاقيها حين نحاول أن نلائم بين ~~رغباتنا وبين قواعده وقوانينه وعقائده. وعلى قدر هذه الاشتباكات والاهتمامات والمصادمات يكون ~~ذكاؤنا بل عبقريتنا. # وليس أسهل من أن نبرهن على صحة ما نقول؛ إذ يكفي أن نفرض أن هناك شخصا موهوبا بالمواهب ~~الطبيعية في الذكاء قد ولد وعاش في صحراء، منفردا بلا مجتمع وبلا لغة. فأين يكون ذكاؤه ~~الطبيعي؟ # إنه لا يعرف اللغة وهو لذلك لا يستطيع التفكير إلا بمقدار ضئيل جدا؛ ذلك لأن الكلمات أفكار. ~~ونحن نتفاهم (أي نفهم) بالكلمات. # ونستطيع أن نقول، لهذا السبب، إن الفهم اجتماعي، وإنه على قدر اختلاطنا بالمجتمع يكون فهمنا ~~وذكاؤنا، بل تكون عبقريتنا. # إذن من هو العبقري؟ # عندما يكون أحدنا عبقريا في موضوع معين، يفكر فيه ويفتق في معانيه ويبتكر ويغير، فإنما يفعل ~~كل ذلك لأنه تعمق هذا الموضوع؛ أي اهتم به واشتبك في تفاصيله وتردد بين مشكلاته. وما نسميه ~~موضوعا علميا أو أدبيا أو فنيا إنما هو في النهاية موضوع اجتماعي؛ إذ ليس لكل هذه الأشياء ~~أية دلالة إلا من حيث ارتباطها بالمجتمع. ونحن لا ننشط إلى بحثها إلا بحوافز اجتماعية. # وإذن الرجل العبقري هو الرجل الذي اهتم بالمجتمع واشتبك في مشكلاته أكثر من غيره، فتفتقت له ~~معان من هذه الاشتباكات أكثر من ذلك الذي لم يشتبك والذي يعد، بالمقارنة إليه، كأنه في ~~صحراء. # الذكاء والعبقرية هما صفتان اجتماعيتان. ونحن أذكياء ونحن عباقرة بقدر اهتمامنا بالشئون ~~الاجتماعية التي نشتبك فيها ونحاول حلها ونكافح بآرائنا وعواطفنا فيها. ms29 # اعتبر رجلا قد ولد بمواهب طبيعية ممتازة، ولكنه - لسبب ما - منكفئ محجم لا يشتغل بشئون ~~المجتمع، فهو هنا لا يبلغ في الذكاء ما يبلغه رجل لم يوهب مثله تلك المواهب الطبيعية ولكنه اشتبك ~~بشئون المجتمع واهتم بها. # إننا كثيرا ما نجد شابا أو فتاة على ذكاء طبيعي كبير. والفحص عن قيمة هذا الذكاء أو مقداره ~~سهل، ولكننا عندما نترك هذا الفحص الابتدائي للكفاءة الوراثية البيولوجية، نجد مثلا أن هذا الشاب ~~أو هذه الفتاة لم يبديا أي نشاط يدل على ذكائهما. بل إنهما حين يعالجان موضوعا من الموضوعات ~~العامة يبدو عليهما القصور الذي يقارب الغفلة. فما هو السبب؟ # السبب أن كلا منهما قد نشأ في قيود نفسية وذهنية داخلية جعلت الخوف يشل ذهنه. ونحن نسمي هذا ~~الخوف حياء أو وقارا. ولكن هذا الحياء أو هذا الوقار هو في صميمه خوف من التفكير والتعبير. أي ~~إنه قيد لحرية التفكير والتعبير. # ذلك أن هناك عادات وقواعد وتقاليد تحول بيننا وبين التفكير الحر؛ أي التفكير السلس الذي يمضي ~~في طريقه بلا عقبات. وأحيانا يمنعنا الخوف من العقوبة من التفكير الحر. # اعتبر الزنوج مثلا في أفريقيا الجنوبية، فإن البيض يقولون عنهم إنهم سلالة منحطة من البشر لا ~~يحسنون التفكير؛ أي هم أغبياء. # وهم صادقون في اتهام الزنوج بالغباوة، ولكن ليس مرجع هذه الغباوة أن مواهبهم الطبيعية (التي ~~ولدوا بها) ناقصة؛ إذ هم لا يختلفون في الذكاء «الطبيعي» عن الأوربيين، وإنما هم غير أذكياء لأنهم ~~نشئوا وحولهم أسيجة تحول بينهم وبين الاهتمام بالشئون الاجتماعية والسياسية العامة. فحين تكون ~~الانتخابات، للمجالس البلدية أو للبرلمان، لا يكون لهم رأي. وإذن هم لا يفكرون في هذه الشئون. ثم ~~هم يمنعون من التعليم الجامعي الذي يرفعهم إلى اهتمامات اجتماعية. وهم أيضا لا يحصلون على ~~المقدار الكافي من النقود التي تبعث فيهم الاستطلاع بالاستمتاع في شئون مختلفة. وتنتهي حالهم إلى ~~أن يضعوا هم أنفسهم أسيجة داخلية يمتنعون بها عن التفكير؛ أي إنهم يعطلون ذكاءهم. # السياج الخارجي الذي وضعه الأوربيون لمنعهم من ms30 الاهتمامات الاجتماعية يؤدي إلى إقامة سياج ~~داخلي يمتنع به الزنوج عن هذه الاهتمامات طلبا للسلامة. # وهم في كل ذلك يخافون البيض. وليس مثل الخوف عامل يشل التفكير ويحطم الذكاء. كما ليس مثل ~~الحرية والشجاعة عامل يبعث التفكير وينبه الذكاء. # وليس للزنجي، في أفريقيا الجنوبية، شخصية، ولا يمكن أن تكون له عبقرية؛ لأن الشخصية والعبقرية ~~اجتماعيتان. وحين نحرم الزنجي النشاط الاجتماعي نحرمه أيضا هاتين الميزتين. # ولكن ليس من الضروري أن نكون زنوجا محرومين كي تتبلد أذهاننا؛ لأن بيننا كثيرين قد استقر ~~الرق في قلوبهم وعينوا لأنفسهم حدودا لا يتخطونها في التفكير الاجتماعي أو الفلسفي أو العلمي أو ~~الأدبي أو الاقتصادي. وهذه الحدود هي أسيجة داخلية تعوقهم عن الوصول إلى الذكاء فضلا عن ~~العبقرية. # على قدر اهتماماتنا واشتباكاتنا بالمجتمع في نظمه المختلفة، وفي علومه وآدابه وفنونه، وعاداته ~~وعقائده، وثروته واقتصاده، وممكناته وتاريخه، تكون قدرتنا على التفتيق في كل هذه الأشياء؛ أي يكون ~~ذكاؤنا بل عبقريتنا. # وأيما حدود تفرض علينا من الخارج، أو نفرضها نحن على أنفسنا من الداخل للخوف أو الوقار أو ~~الحياة، حتى لا نبحث هذا الموضوع أو لا نتساءل ونستطلع، هذه الحدود تعطل ذكاءنا وتلغي ~~عبقريتنا. # وهذا هو حال المرأة في جميع الأمم. # وصحيح أن هذه الحدود قد حطم الكثير منها في الأمم الأوربية والأمريكية وبعض الآسيوية، ~~وأصبحت المرأة تستمتع بقسط غير صغير من الحرية؛ وبذلك بدأ ذكاؤها كما أصبحت لها شخصية. # ولكنها لا تزال بقوة التقاليد والعادات الاجتماعية تقيم هي لنفسها حدودا داخلية تمتنع بها عن ~~الكثير من النشاط الاجتماعي؛ وبذلك تحد من ذكائها. # وفي نظمنا الاجتماعية تخاف المرأة أكثر من الرجل، وهذا الخوف يشل تفكيرها ويجعلها تحجم ~~وتتراجع، في حين يقدم الرجل ويجرؤ. # لقد نالت المرأة حريتها الخارجية في أوربا، ولكنها إلى الآن لم تحقق حريتها الداخلية. وهي هنا ~~مثل المرأة المصرية التي تحررت عمليا من الحجاب المنزلي، ولكنها لا تزال، نفسيا واجتماعيا، ~~في الحجاب. # والمرأة لذلك أقل ذكاء من الرجل. # هي أقل ذكاء لا لأن مواهبها الطبيعية ms31 الوراثية تنقص عن مواهب الرجل؛ وإنما لأنها تخاف أكثر ~~منه بحكم الأوضاع الاجتماعية. وأيضا هي تحيا في قيود وأسيجة ذهنية نفسية تحد من تفكيرها. # إن الذكاء اجتماعي. وعلى قدر اختلاطنا واهتمامنا بالمجتمع نفتق في معانيه. ولكن المرأة التي ~~حرمت هذا الاختلاط، وهذا الاهتمام، قد حرمت أيضا هذا التفتيق في المعاني الاجتماعية، وعطل ~~ذكاؤها، ولم تتكون لها شخصية لهذا السبب. # ونحن حين نحدد نشاط المرأة بالبيت نحدد أيضا ذكاءها؛ إذ ما هي شئون البيت؟ هل هذه الدائرة ~~المنزلية والاهتمامات المتعلقة بمصلحة أربعة أو خمسة أشخاص تكفي لتربية الذكاء؟ # إن المقارنة السريعة بين سيدة تؤدي عملا تجاريا أو ماليا أو حكوميا أو صحفيا أو ~~تعليميا، بامرأة لا تؤدي غير الواجبات المنزلية توضح لنا الصفة الاجتماعية للذكاء؛ إذ على قدر ~~الاختلاط بالمجتمع يكون الذكاء، وعلى قدر الحرمان يكون التبلد. # وكذلك الشأن فيما نسميه «شخصية»، فإنما تكبر الشخصية بمقدار ما يتناول الشخص من ارتباطات ~~ومسئوليات اجتماعية وبمقدار ما يهتم بالسياسة والاقتصاد والارتقاء العام. وشئون المنزل لا تكفي ~~لإيجاد الشخصية الناضجة لهذا السبب. # وعندما يقول أحد إن المرأة أقل ذكاء من الرجل أجدني أصدقه. ولكن امتياز الرجل عليها يعود إلى ~~أنه يعمل في مجتمع تتعدد مرافقه ومعارفه على آفاق رحبة تزيد اختباراته، بينما هي تعمل في مجتمع ~~البيت تخدم خمسة أو ستة أشخاص، فاختباراتها ومعارفها محدودة. # ولذلك أيضا نجد في مصر محاميات وطبيبات ومعلمات وموظفات بالحكومة والبنوك والمتاجر لكل ~~منهن شخصية تتمتع بذكاء وأحيانا بعبقرية كالرجال سواء؛ لأنها اختبرت المجتمع وانتفعت باختباراتها ~~منه مثل الرجل. # لأن الذكاء والعبقرية والشخصية صفات اجتماعية أكثر مما هي ميزات طبيعية موروثة، بل لا يكاد ~~يكون للميزات الوراثية غير أقل الأثر فيها. # إن الذين اتصلت حياتهم بحياة المسجونين، وأمضوا مددا طويلة في السجون في بعض وظائفها، ~~يتهمون هؤلاء المسجونين ببلادة الذهن ووحشية الإحساس؛ ولذلك نجد أن السجان يقسو عليهم ويغلظ في ~~معاملتهم اعتقادا بأنهم من الحيوانات وليسوا من الناس، وأنهم كذلك لفطرتهم التي ولدوا بها. وبعيد ~~أن تجد سجانا يقول ms32 بأن المسجونين يمكن إصلاحهم أو تربيتهم أو يجب أن نعاملهم بالرقة والعطف ~~والإنسانية؛ ذلك أنه مقتنع بأنهم أشرار بطبيعتهم ومحال إصلاحهم. وهو هنا لا يختلف من أولئك الكتاب ~~بل «الأدباء» الذين يصفون المرأة باللؤم ويقولون كما قال مصطفى صادق الرافعي: «قيل لحية سامة: ~~أكان يسرك لو خلقت امرأة؟ قالت: فأنا امرأة غير أن سمي في الناب وسمها في لسانها.» # هذا الاحتقار، هذا البغض للمرأة، إنما يرجع إلى أننا حبسناها في البيت - كما نسجن المجرمين في ~~السجن - وحرمناها الكثير من الحقوق البشرية البدائية، ثم فوق ذلك حرمناها هذا الذكاء الإنساني ~~الذي ينشأ من الاختلاط بالمجتمع. وفي وسط هذا البيت، تحت ضغط الحرمان، نشأت عندها من المكر ألوان ~~احتاجت إليها كي تحيا بها وتحصل على القليل الممكن من حقوقها. # وإنما تبلد المسجونون وفقدوا ذكاءهم وشملتهم وحشية لأنهم حرموا الحياة في المجتمع، فحرموا ~~الإحساسات الإنسانية والذكاء الاجتماعي، وكذلك المرأة حرمناها المجتمع وحبسناها في البيت لا تعرف ~~ولا تعامل من البشر غير زوجها وأطفالها، فحرمت الذكاء الاجتماعي وتبلدت عواطفها. وعند ذلك، ~~اتهمناها بالنقص في الذكاء وبالمكر، بل وصفناها بأنها «حية سامة». # وأرجو ألا يظن القارئ أني أنتقص من قيمة البيت، فإنه بلا شك مملكة المرأة. وإنما أقصد إلى أن ~~المرأة، كي يبقى ذكاؤها يقظا ومعارفها في توسع وتجدد، يجب أن تحيا أيضا في المجتمع كما تحيا في ~~البيت، وأن يكون لها نشاط دستوري ومدني واجتماعي وثقافي حتى تتعدد اهتماماتها، وحتى تبقى عضوا ~~متطورا عاملا في ارتقاء الأمة وتطورها، وحتى تتكون شخصيتها وتنضج مثل الرجل سواء. # | نساؤنا المتعطلات # أعظم ما يكسبنا الكرامة الذاتية بحيث نصمد للحوادث ونتغلب على الصعوبات، هو إحساسنا بأننا ~~ننتج وأن لنا قدرة على أن ننفع ونخدم، وأن لنا براعة أو مهارة في عمل معين، ولنا نشاط نؤديه ~~ونسر به. وقد لا نكسب شيئا من هذا الإنتاج، ولكن إحساسنا به يجعلنا نحس بكرامتنا ~~الذاتية. # فإذا أضيف إلى إنتاجنا كسب مالي نعيش به، فإن كرامتنا لن تكون ذاتية فقط بل اجتماعية أيضا؛ ~~لأن ms33 المجتمع الاقتنائي الذي نعيش فيه يحترم القيمة المالية لكل إنسان ، وبناؤه يقوم على هذا الأساس ~~قبل أن يقوم على الإنتاج أو الخدمة؛ ولذلك هو يحترمنا، في أغلب الأحوال، بقدر نجاحنا في جمع ~~المال. # وحين نفقد، نحن الرجال، القدرة على الإنتاج والقدرة على الكسب؛ أي حين نعطل عن العمل، نحس ~~أننا قد فقدنا كرامتنا الذاتية وكرامتنا الاجتماعية معا. وهذا الإحساس يتعسنا لأن الإنسان ~~اجتماعي، وهو يحب ويجهد على الدوام كي تكون له مكانة اجتماعية مرموقة. وكثيرا ما أرى المعطلين من ~~الشبان في حال من الذهول الذي يقارب الجنون بسبب تعطلهم، وهم يحاولون أحيانا تغطية هذا الإحساس ~~بشتى ألوان النشاط السطحي أو المزور، أو حتى الإجرامي، كي تخف حدة توتراتهم الناشئة من التعطل ~~والعقم. # وقد يكون للرجل الفارغ - أي المعطل - مال موروث يعيش منه، وهو يكسب منه الكرامة الاجتماعية؛ ~~أي احترام الناس، ولكنه حين يتأمل نفسه لا يجد الكرامة الذاتية؛ إذ هو غير منتج، لا يصنع سلعة ولا ~~يؤدي خدمة. وقد يدفعه هذا الإحساس إلى أن يكون غير اجتماعي أيضا؛ أي يستحيل إلى كتلة مطبقة من ~~الأنانية ينشد اللذات والمتع الشخصية فقط. وكثيرا ما نجد بعض الوارثين على هذه الحال، أحاديثهم ~~عن مباريات كرة القدم أو جياد السباق، أو اقتحاماتهم في باريس أو القاهرة، أو معاكساتهم لجيرانهم ~~في الزراعة إذا كانوا من أثرياء الريف، أو نحو ذلك. # الرجل الفارغ الثري؛ أي المعطل الثري، هو أسوأ الطرز الاجتماعية للإنسان. وقد كان الإقطاعيون ~~على هذا الحال في بلادنا، وكان فسادهم يتجاوزهم إلى فساد من يحيطون بهم. وكانوا يفسدون لأنهم ~~معطلون فقدوا الكرامة الذاتية بسبب التعطل. ولو أنك فجأت واحدا منهم وهو قاعد في استرخاء الكسل، ~~لوجدت أفكاره وخواطره التي تشغله إما إجرامية مؤذية، وإما جنسية مهلكة، وإما سخيفة مضحكة. وهو ~~طاقة متربصة للأعمال والملذات الشاذة أو المؤذية. # إن السلوك الاجتماعي الحسن يقتضي من كل فرد في المجتمع إنتاجا حسنا. والرجل الفاضل إنما ~~يقاس فضله بأنه أنتج أكثر مما استهلك، فإذا كان إنتاجه كبيرا فإن ms34 فضله أيضا كبير. أما إذا كان ~~استهلاكه أكبر من إنتاجه فإنه عبء على المجتمع، وهو بمثابة السل الذي يتأكل جسمه وينقص ~~كفاءته. # هذا هو مقياس الرجل الفاضل في عصرنا العلمي الفلسفي، وقل عنه ما شئت بعد ذلك، ولكنه فاضل لأنه ~~عندما يموت سيكون المجتمع الذي عاش فيه أغنى بحياته مما كان قبل أن يولد. أغنى في الثراء النفسي ~~أو الثراء المادي أو الثراء الذهني؛ أي أغنى لأنه وجد منه سلعة أو خدمة. # ولكن هذا الذي ذكرناه عن الرجل ينطبق بكل قوته على المرأة؛ إذ هي إنسان مثله لها كرامة ذاتية ~~وكرامة اجتماعية، إذا أنتجت أحست بالكرامة، وإذا عطلت عن العمل المنتج أحست بكل ما يحسه الرجل ~~المعطل، وأضرت المجتمع بكل ما يضر به الرجل المعطل حتى ولو كان ثريا. # والمرأة في بلادنا، في الطبقة المتوسطة المتيسرة وفي الطبقة العالية الثرية، لا تعمل ولا ~~تنتج. وهي، بما لها من خدم يحرمونها حتى العمل في البيت، تقعد فارغة في المنزل. وهذا الفراغ ~~يؤذيها؛ إذ هي تسأمه. وقد تعالج هذا السأم بضروب من العلاجات التي تهتدي إليها بتفكيرها أو ~~بالأحرى بخواطرها السائبة. # فهي ترفه عن نفسها وتطرد هذا السأم بالإسراف في التدخين حتى تفقد جمالها وصحتها. أو هي تأكل ~~كثيرا لأن المضغ المستمر يجعلها تحس لذة طفلية سرعان ما تتملكها فتسرف في الشره حتى تسمن وتعود ~~كتلة قبيحة من السمن. أو هي تلجأ من وقت لآخر إلى السرير للاسترخاء وتستسلم لخواطر جنسية مرفهة قد ~~تنتهي بتراكمها وتكرارها إلى الوقوع في الإثم. # وفراغ المرأة - أي تعطلها - أسوأ من فراغ الرجل؛ لأنه هو يستطيع أن يشغله في نشاط اجتماعي، ~~أما هي فلا تجد في مجتمعنا الانفصالي ما يتيح لها هذا النشاط، فهي تقعد في البيت تجتر خواطرها. ~~ولا يمكن أن يؤدي هذا الاجترار إلى صحة النفس. # الرجل الثري الفارغ يختلط بالمجتمع في نشاط قد يكون سطحيا ولكنه يخفف عنه توترات التعطل. ~~فهو يغشى الملاهي ويعشق السباحة، ويزور الأقطار الأجنبية، ويعرف المقاهي والأندية، وله أصدقاء ~~يسامرونه ms35 في المقهى والنادي. ثم فوق هذا له حقوق في سياسة بلاده، فهو يقرأ الجريدة أو المجلة ~~بإحساس المسئولية أو الطموح. وهو في كل هذا يجد الصحة النفسية، أو على الأقل لا يجد بواعث المرض ~~النفسي. # أما المرأة الثرية الفارغة - أي المتعطلة - التي حرمناها الاختلاط بالمجتمع، فتقعد في البيت ~~وحيدة منعزلة، قد تقرأ الجريدة أو المجلة ولكن شئون بلادها عندئذ لا تختلف من شئون الصين أو ~~اليابان إذ هي محرومة الحقوق في هذه الشئون، فهي متفرجة غير مشتركة. ولذلك تستسلم لخواطر، بل ~~هواجس، انفرادية أو جنسية أو إجرامية، كما تستسلم لعادات اجتماعية سيئة. # إن من حق المرأة المصرية أن تجد مثل نساء العالم المتمدن العمل الاجتماعي المنتج الذي يشعرها ~~أنها إنسان اجتماعي نافع. # إن هناك عشرات الآلاف من نسائنا الأرامل أو المطلقات أو العواقر اللاتي لا يعملن، بل يبقين في ~~البيت معطلات. وبطالتهن مجموعة من المساوئ؛ إذ هي عقم ذهني وترهل جسمي. أو هي نشاط انفرادي ضار ~~وسأم يضني حياتهن. وهن لهذا الوضع لا يجدن البواعث لأي نشاط اجتماعي، حتى الجريدة لا يقرأنها. ~~لأنهن محرومات من حقوقهن في السياسة، فلا يجدن الاهتمام لبحثها، وإنما يقضين فراغهن في قراءة ~~القصص الغرامية والمجلات الرخيصة. # وقراءة الجريدة، ودراسة الكتاب، كلتاهما نشاط اجتماعي وليس انفراديا؛ لأننا نقرأ وندرس ~~المجتمع أو أشياء المجتمع، فإذا فصلنا منه فإننا لا نجد الباعث للقراءة أو الدراسة الجدية، ولذلك ~~ليست نساؤنا المعطلات حبيسات البيت وإنما هن أيضا حبيسات الجهل. # إن كل امرأة فاضلة يجب أن تعمل، وأن تحس أنها تنتج للمجتمع أكثر مما تستهلك. ولست أنسى هنا أن ~~إنتاج الأبناء هو أعظم أنواع الإنتاج وأشرفه، ولكن المرأة لا تقضي عمرها كله، أو 365 يوما في ~~السنة، في هذا الإنتاج. ثم هي قد تكون عاقرا، فلم نحرمها أنواع الإنتاج الأخرى؟ # إن زوجة العامل، وكذلك زوجة الفلاح، تعملان وتنتجان إما في المنزل أو في الحقل، بل كذلك تفعل ~~الزوجة في الطبقة المتوسطة الفقيرة التي تعنى بأبنائها وتدبر منزلها. ولكن الزوجة في الطبقة ms36 ~~العالية الثرية، وكذلك في الطبقة المتوسطة المتيسرة، لا تجد ما تعمله في البيت. فيجب أن تعمل ~~خارجه. # إن إحساس الإنتاج هو إحساس الصحة النفسية، وهو إحساس الخير الاجتماعي. وهو إحساس الصلاح في ~~المعنى العصري. فيجب أن نجعل قلب المصرية وضميرها يحفلان ويشبعان من هذه الإحساسات البارة ~~النبيلة. # إن إدارة متجر للبقالة، أو الفواكه، أو الأقمشة، أو الأزياء، أو الأجهزة الكهربائية الجديدة، ~~مثل الثلاجات والراديوات والغسالات، هذه الأعمال وغيرها مما تمارسه المرأة المحترفة كالطب ~~والتمريض والتعليم، يصل بين المرأة وبين المجتمع ويجعلها تختلط فتتربى وتعرف وتنمو. # وليس الاختلاط هنا للتفرج وإنما هو للإنتاج والخدمة؛ وعندئذ تتفاعل المرأة بالمجتمع، فينمو ~~ذكاؤها بالتدريب وتكبر شخصيتها بالمسئولية وتزداد بصيرة في الدنيا وحكمة في العيش. # وقد تكون بعض الأعمال التي ذكرتها هنا متواضعة، ولكنها خير ألف مرة من بقاء المرأة بالبيت ~~معطلة تتعفن وتركد ولا تنمو ولا تتربى بالمعرفة والاختلاط. # إن غايتنا في هذه الدنيا أن نكبر وننضج ولا يمكن ذلك للمرأة إذا كنا نحبسها في البيت ونعطل ~~ذكاءها ونلغي شخصيتها. ومن حق المرأة أن تحيا الحياة الحرة المسئولة، ولا تمكن مسئولية بلا حرية ~~حتى تجد الكرامة الإنسانية وحتى تعرف الآفاق الاجتماعية في الخير والشرف والخدمة والفهم. # | من رفاعة الطهطاوي إلى قاسم أمين # كان رفاعة رافع الطهطاوي من علماء الأزهر، ولد في طهطا سنة 1216ه ومات في القاهرة سنة ~~1290. # وكان إماما في الجيش، فلما أرسل محمد علي بعض الضباط من هذا الجيش، وكلهم من أبناء الشراكسة ~~والأتراك إلى باريس كي يتعلموا، أرسل معهم الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي كي يكون إمامهم. # أي إن أعضاء البعثة كانوا يتعلمون، أما هو فكان يؤدي وظيفة الإمامة لهم. ولكنه تعلم اللغة ~~الفرنسية وحده بلا مدرسة. ولما عاد إلى مصر كان أول من حرر الوقائع المصرية. ثم عين ناظرا ~~لمدرسة الألسن، ثم ناظرا لمدرسة الخرطوم. ثم بقي سائر حياته عاطلا أو بالأحرى معطلا. # وألف نحو عشرين كتابا منها كتاب «المرشد الأمين للبنات والبنين» وكان يستعمل للمطالعة في ~~مدارس مصر إلى أن ms37 دخل الإنجليز، فمنع استعماله لأنه كان يدعو إلى تعليم البنات. والاستعمار، مثل ~~الرجعية، هو أعدى الأعداء لنهضة المرأة وتعليمها. # والطبعة الأخيرة لهذا الكتاب صدرت سنة 1289ه؛ أي قبل 84 سنة. والأغلب أنه ألفه قبل مائة سنة ~~أي حوالي سنة 1860م. # ونحن نجد هنا رجلا أزهريا زار باريس قبل نحو 120 سنة، فكان يعقد المقارنات بين فرنسا ومصر، ~~وبين المجتمع الفرنسي والمجتمع المصري، وبين المرأة الفرنسية والمرأة المصرية. # وكان من أثر هذه المقارنات أن تفتق ذهنه وتبلور ذكاؤه في بعض الشئون الاجتماعية، ففهم وفطن ثم ~~بصر. وأنا أنقل هذه الكلمات التالية عن كتابه هذا «المرشد الأمين للبنات والبنين»، وعنوان الفصل ~~هو «في تشريك البنات مع الصبيان في التعلم والتعليم وكسب العرفان»: # ينبغي صرف الهمة في تعليم البنات والصبيان معا لحسن معاشرة الأزواج، فتتعلم البنات ~~القراءة والكتابة والحساب ونحو ذلك. فإن هذا مما يزيدهن أدبا وعقلا ويجعلهن بالمعارف أهلا ~~ويصلحن به لمشاركة الرجال في الكلام والرأي، فيعظمن في قلوبهم ويعظم مقامهن لزوال ما فيهن من ~~سخافة العقل والطيش، مما ينتج من معاشرة المرأة الجاهلة لامرأة مثلها. وليمكن للمرأة عند ~~اقتضاء الحال أن تتعاطى من الأشغال والأعمال ما يتعاطاه الرجال على قدر قوتها وطاقتها. فكل ما ~~يطيقه النساء من العمل يباشرنه بأنفسهن، وهذا من شأنه أن يشغل النساء عن البطالة، فإن فراغ ~~أيديهن عن العمل يشغل ألسنتهن بالأباطيل، وقلوبهن بالأهواء وافتعال الأقاويل، فالعمل يصون ~~المرأة عما لا يليق، ويقربها من الفضيلة. وإذا كانت البطالة مذمومة في حق الرجال فهي مذمة ~~عظيمة في حق النساء؛ فإن المرأة التي لا عمل لها تقضي الزمن خائضة في حديث جيرانها وفيما ~~يأكلون ويشربون ويلبسون ويفرشون، وفيما عندهم وعندها وهكذا ... وأما القول بأنه لا ينبغي تعليم ~~النساء الكتابة، وأنها مكروهة في حقهن ارتكازا على النهي عن بعض ذلك في بعض الآثار، فينبغي ~~أن لا يكون ذلك على عمومه. ولا نظر إلى قول من علل ذلك بأن من طبعهن المكر والدهاء ~~والمداهنة ولا يعتمدن على رأيهن لعدم كمال عقولهن. ms38 فتعليم القراءة والكتابة ربما حملهن على ~~الوسائل غير المرضية ككتابة رسالة إلى زيد ورقعة إلى عمرو وبيت شعر إلى خالد ونحو ذلك. وإن ~~الله تعالى لو شاء أن يخلقهن كالرجال في جودة العقل وصواب الرأي وحب الفضائل لفعل، فكأن الله ~~تعالى خلقهن لحفظ متاع البيت ووعاء لصون مادة النسل. فمثل هذه الأقوال لا تفيد أن جميع النساء ~~على هذه الصفات الذميمة ولا تنطبق على جميع النساء، وكم من نهي وردت به الآثار كحب الدنيا ~~ومقاربة السلاطين والملوك والتحذير عن الغنى. فقد حمل على ما يعقبه شر وضرر محقق. وتعليم ~~البنات لا يتحقق ضرره، فكيف ذلك وقد كان من أزواجه # صلى الله عليه وسلم # من يكتب ويقرأ كحفصة بنت عمر، ~~وعائشة بنت أبي بكر، رضي الله عنهما وغيرهما من نساء كل زمن من الأزمان. ولم يعهد أن عددا ~~كثيرا من النساء ابتذلن بسبب آدابهن ومعارفهن. على أن كثيرا من الرجال أضلهم التوغل في ~~المعارف، وترتب على علومهم ما لا يحصى من شبه الخروج والاعتزال. وليس مرجع التشديد في ~~حرمان البنات الكتابة إلا التغالي في الغيرة عليهن من إبراز محمود صفاتهن أيا ما كانت في ~~ميدان الرجال تبعا للعوائد المحلية المشوبة بحمية جاهلية. ولو جرب خلاف هذه العادة لصحت ~~التجربة؛ فإننا لو فرضنا أن إنسانا أخذ بنتا صغيرة السن مميزة وعلمها القراءة والكتابة ~~والحساب وبعض ما يليق بالبنات أن يتعلمنه من الصنائع كالخياطة والتطريز إلى أن تبلغ خمس عشرة ~~سنة ثم زوجها لإنسان حسن الأخلاق كامل التربية مثلها فلا يصح أنها لا تحسن العشرة معه أو لا ~~تكون له أمينة. ومثل ذلك سائر البنات، فإن تعليمهن في نفس الأمر عبارة عن تنوير عقولهن بمصباح ~~المعارف المرشد لهن، فلا شك أن حصول النساء على ملكة القراءة والكتابة وعلى التخلق بالأخلاق ~~الحميدة والاطلاع على المعارف المفيدة هو أجمل صفات الكمال، وهو أشوق للرجال المتربين من ~~الجمال. فالأدب للمرأة يغني عن الجمال، لكن الجمال لا يغني عن الأدب لأنه عرض زائل. وأيضا ~~آداب المرأة ومعارفها ms39 تؤثر كثيرا في أخلاق أولادها؛ إذ البنت الصغيرة متى رأت أمها مقبلة على ~~مطالعة الكتب وضبط أمور البيت والاشتغال بتربية أولادها جذبتها الغيرة إلى أن تكون مثل أمها، ~~بخلاف ما إذا رأت أمها مقبلة على مجرد الزينة والتبرج وإضاعة الوقت بهذر الكلام والزيارات ~~الغير اللازمة حيث تتصور البنت من الصغر أن جميع النساء كذلك فتألف ذلك من صغرها، فشتان ما ~~بين هذه وبين من تعتمد على معارفها وآدابها وتفعل ما فيه إرضاء بعلها وتربية أولادها لأنها ~~شبت على ذلك كما قال البوصيري رحمه الله: # والنفس كالطفل إن تهمله شب على # حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم # وقد قضت التجربة في كثير من البلاد أن نفع تعليم البنات أكثر من ضرره، بل إنه لا ضرر فيه ~~أصلا. # هذا هو ما أردت أن أنقله من هذا الأزهري العظيم الذي بصر بقيمة التعليم للمرأة قبل مائة سنة ~~حين كانت الدنيا في مصر قتاما وظلاما. # ولكن لماذا لم تثمر هذه الدعوة؟ # أعظم ما جعل هذه الدعوة عقيمة هو الاستعمار الذي لم يسمح للحكومة المصرية بإنشاء مدرسة ثانوية ~~واحدة للبنات. ولذلك لم ننشئ نحن هذه المدارس إلا في سنة 1925 بعد أن تخلصنا بعض الشيء من القيود ~~الاستعمارية. # ولكن شيئا آخر عاق هذه الدعوة، هو أن رفاعة الطهطاوي لم يدع إلى السفور، وكأنه كان راضيا ~~بأن تتعلم المرأة وتبقى في البيت لا تخرج إلى المجتمع ولا تختلط به. بل إن نظرته للمرأة من ناحية ~~تعليمها إنما كانت قائمة على أنها يمكن أن تزيد صلاحيتها بالزواج وخدمة الرجل وأولادها عندما تكون ~~متعلمة؛ أي إنه لم يرتفع إلى غاية التعليم للمرأة من تربية شخصيتها وإنسانيتها بصرف النظر عن ~~زواجها أو عزوبتها. # ولذلك احتجنا إلى قاسم أمين الذي دعا إلى السفور قبل نحو ستين سنة. # وكلاهما، رفاعة الطهطاوي وقاسم أمين، عاش في باريس، ولكن قاسم أمين كان أنضج وأبصر في التفطن ~~لمعاني الحضارة الأوربية. ولذلك دعا إلى السفور؛ أي دعا إلى اختلاط المرأة بالمجتمع، تدرس شئونه ~~وتحيا الحياة المستقلة ms40 التي تمليها عليها شخصيتها. # ونحن الآن أكبر من قاسم أمين ومن رفاعة الطهطاوي معا لأننا قد ارتقينا إلى فهم جديد لمقام ~~المرأة في العائلة وذلك بإيجاد قيود تحول دون الإساءة بالإسراف في الزواج أو الطلاق. # وهذا الفهم الجديد أملته علينا حال اجتماعية جديدة، هي يقظة نحو عشرين ألف امرأة قد احترفن ~~التعليم والطب والتجارة والصناعة والصحافة، ونحو مائة ألف عاملة مصرية يعملن ويرتزقن في ~~المصانع. # وهؤلاء جميعا يؤلفن طبقة جديدة من النساء لم يعرفها تاريخنا الماضي، وهن اللائي أملين ~~علينا هذه الإصلاحات الجديدة للعائلة، وهن اللائي غرسن في نفوسنا هذا الاحترام لهن والعناية ~~بمصالحهن. وهن اللائي حملن لجنة الدستور على الاعتراف بالقليل من حقوقهن. # | نصفنا الآخر # قبل أسابيع سألتني مجلة «الجيل الجديد» عن رأيي في لجنة الدستور من حيث ما ينقصها، فقلت إنه ~~ينقصها أن يكون نصف أعضائها من النساء؛ أي ينقصها 25 امرأة يشتركن في وضع الدستور الجديد. # ولا بد أن القراء قد ضحكوا، كما ضحكت أنا، عندما أعطيت هذه الإجابة. فإن الجمعيات النسوية ~~كانت تقنع بحضور واحد منها، وقد رفضت الحكومة اختيار هذا العضو من النساء، فكيف بي أتقدم باقتراح ~~25 عضوا؟ # ولكني بإجابتي هذه إنما أردت أن أرج النائم حتى يستيقظ. فإننا قد نزلنا بمقام المرأة إلى ~~حد لم يعد لها فيه ذكر، حتى إن اللجنة التي تبني نظام الدولة في المستقبل لا تبالي أن يكون بها ~~امرأة واحدة. # فإن الجمهورية المصرية تحوي عشرين مليون إنسان، منهم عشرة ملايين من النساء. ولو أننا عرضنا ~~على أحد البدائيين، الذين لم ترتبك رءوسهم بالمركبات الاجتماعية ولم ينشئوا على العادات المصرية، ~~هذه المشكلة كي يحلها بسذاجته وفطرته لقال: «ما دام الشعب عشرين مليونا، ونصفه؛ أي عشرة ملايين ~~من النساء، فيجب أن يكون نصف لجنة الدستور من النساء أيضا.» # ولكن هذا المنطق الفطري البدائي قد نأى عنا واغترب عن أوضاعنا حتى لنضحك عندما نجد من يدعونا ~~إلى التسليم به. ولقد وصلنا بأوضاعنا الاجتماعية ومركباتنا التاريخية إلى أن صرنا نعامل المرأة ~~المصرية ms41 كما كان الاستعماريون يعاملوننا حين كانوا ينكرون علينا حق الحكم النيابي، بل كما يعاملون ~~الآن الزنوج وينكرون عليهم هذا الحق أيضا في أفريقيا وآسيا وأمريكا. # وإذن ألم يكن لي الحق في أن أرج النائم حتى يستيقظ، وحتى يجد جانبا آخر في منطقه قد خفي ~~عنه؟ # والذي لا شك فيه أننا لو كنا أمة متمدنة مائة في المائة، ولو كانت نساؤنا على المستوى الثقافي ~~الذي بلغه الرجال، لما كان في اقتراحي ما يستغرب. ثم لو كنا على بصيرة نافذة لمستقبلنا، وعلى ~~وجدان عميق بمركز المرأة وطاقتها في الإنتاج الصناعي القادم لكان يجب أن يكون تعيين بعض النساء في ~~لجنة الدستور واجبا حتما علينا كي نستغله في إنهاض المرأة وإعدادها لمستقبلنا. # واعتقادي أن الذين يقولون بحرمان المرأة حق الانتخاب والترشيح للنيابة، هم أبناء ذلك الجيل ~~القديم الذي كان يقول أيضا بحرمان المرأة السفور، وحرمانها حق التعليم في الجامعة، وحرمانها ~~الاختلاط بالمجتمع قبل نصف قرن. # ولا أعرف إذا كان هؤلاء الذين قالوا، وما يزالون يقولون، بحرمان المرأة حق الاشتراك في حكم ~~بلادنا، يأسفون لأن مصر قد أصبح فيها نحو خمسة آلاف امرأة يشتغلن بالطب والمحاماة والتعليم ~~والتمريض والتمثيل والصحافة والفلسفة. وإني لأسألهم هل هم يعتقدون أننا كنا نكون أسعد حالا وأقوى ~~اجتماعا لو أننا كنا قد حرمنا نساءنا هذه الحرف وهذا التعليم؟ # ومع ذلك، كلنا يعرف أننا انتزعنا هذه الحقوق للمرأة من المستعمرين الأجانب، وأيضا من ~~الجامدين الوطنيين أعداء قاسم أمين ولطفي السيد وغيرهما، وأن الحجج التي كان هؤلاء المستعمرون ~~الأجانب والجامدون الوطنيون يحتجون بها لمنع المرأة من السفور، ثم لمنعها من التعليم الجامعي ~~واحترافها الحرف، هي نفسها الحجج التي يتذرع بها دعاة الحرمان في الوقت الحاضر حتى لا تشترك في ~~الحياة النيابية. # إننا نحن الذين عرفنا مصر في بداية هذا القرن، وعرفناها بعد 53 سنة، نفرح ونطرب عندما نجد أن ~~بيننا خمسة آلاف امرأة مصرية يرتفعن إلى الآفاق الاجتماعية والثقافية التي ارتفع إليها الرجال ~~قبلهم. ونفرح ونطرب إذا وجدنا الفرصة لأن نرتفع ms42 بهذا العدد من خمسة آلاف إلى خمسين ألفا ومائة ~~ألف. # لقد ضربت مثلا برجل بدائي ينظر إلى حالنا النظرة البكر ، ويقضي القضاء الحر الذي لم تلابسه ~~أغراض سابقة. والآن أقول إن أعظم ما يفسد التفكير السليم هو هذه العادات الذهنية والتقاليد ~~الاجتماعية والثقافية، والمكاره والأغراضات المذهبية التي تحيل القيم البشرية إلى قيم اجتماعية. ~~فبدلا من أن نقول: هنا إنسان مصري له حق الإنسانية في النمو الذهني والحرية المدنية وحقوق ~~الإنسان العامة، بدلا من هذا نقول: هذا المصري شرقي له تقاليد يجب أن يخضع لها ويتقيد بها. ~~وكأننا ننسى أننا قبل أن نكون شرقيين أو غربيين، ومصريين أو ألمان، إنما نحن بشر لنا حقوق البشرية ~~العامة. # لذلك يجب أن تكون القيم الأخلاقية والاجتماعية بشرية قبل أن تكون مصرية أو إنجليزية أو هندية ~~أو صينية. # إنسان من البشر له حقوق البشر. # وما دامت المرأة إنسانا فإن لها الحق في أن تحيا حياة الرجال بحقوق الرجال، تنمو وتتعلم ~~وتنضج وتتلقى كوارث الدنيا وتختبرها وتتعلم منها الحكمة كما تنعم بمتعها: متعة الثقافة والإنتاج ~~ومتعة الزواج والأبناء. # والآن أحس سؤالا ينقر في وجداني: هل المرأة جاهلة ولا يمكنها أن تضطلع بتبعات الحكم ~~والنيابة؟ # وهذا قول صادق. # ولكني أرد عليه بأن مثل هذا القول قاله رياض باشا التركي لعرابي المصري عندما طلب هذا منه ~~باسم الجيش أن يكون لمصر مجلس نيابي. فكان رد هذا المصري العظيم: # قد يكون الشعب المصري جاهلا، ولكن أليس من الممكن أن ننشئ مجلس النواب فيكون له بمثابة ~~المدرسة يتعلم فيها، حتى إذا مضت ثلاث أو أربع سنوات أصبح النواب على معرفة بأصول الحكم ~~وتقدير لواجباته فيكونون نوابا حقيقيين. # هذه هي إجابة عرابي التي استلهمها من إحساسه الوطني وذكائه وإخلاصه لبلاده. وهذا هو ما يجب أن ~~نحس أيضا نحو أمهاتنا وأخواتنا وبناتنا؛ وهو أن دخولهن في البرلمان يعلمهن ويكسبهن التبعات ~~الشريفة، ونظرة الجد للدنيا، وتحمل الواجبات الوطنية، ويفتح لهن آفاقا جديدة لخدمة الوطن في ~~المجتمع والحكومة والمصنع والمزرعة والمكتب والمتجر؛ لأن هذه ms43 كلها لا يمكن أن تكون وقفا على ~~الرجال دون النساء. # وعندما نسمع أن في الولايات المتحدة 33 مليون امرأة يعملن في الإنتاج القومي، صناعة وزراعة ~~وتجارة، ألا نبصر بهذا السر لهذه القوة الإنتاجية العظيمة للأمريكيين، أو لبعض السر على ~~الأقل؟ # إن الإنتاج العظيم في أوربا وأمريكا يعزى، في بعضه، إلى أن الرجال والنساء يعملون، في حين أن ~~إنتاجنا في مصر ضئيل فقير؛ لأن الرجال وحدهم يعملون فيه. # ولكن هذا النظر للمرأة من حيث اشتراكها في الإنتاج هو نفسه النظر إليها من حيث المساواة ~~الدستورية بينها وبين الرجل. ولا يمكن أن نقبل أحد الجانبين دون الآخر. # يجب علينا، نحن المصريين، ألا نقنع بالنظرة الذكية لمستقبلنا؛ إذ يجب أن نتجاوزها إلى النظرة ~~العبقرية. # لم يعد السعي الحثيث المثابر يكفينا؛ إذ يجب أن نثب الوثبة العالية ونطير ونحلق. # ويجب ألا نقنع بالمستوى العالي الذي وصلت إليه أوربا؛ إذ يجب أن نتجاوزه إلى ما هو أعلى ~~منه. # ذلك لأننا قد تخلفنا، بفضل المستعمرين الأجانب والمستبدين المصريين، التخلف العظيم الذي ~~يقتضينا الوثوب والسرعة والطيران. # ويجب أن تكون لنا فلسفة في نهضتنا ومصريتنا بحيث لا نسن قانونا إلا ونحن على ذكر، وعلى ~~وجدان، بقيمته لأمتنا بعد مائة سنة بل بعد ألف سنة. # فهل حرمان المرأة المصرية حقها في الانتخاب والترشيح للبرلمان يتفق ومكانها بعد مائة سنة وألف ~~سنة؟ # وهل الحياة المليئة التي يجب أن يحياها كل مصري، والتي هي من حقه، هل هذه حياة المرأة المصرية ~~في الوقت الحاضر؟ # إن الحياة المليئة تقتضينا أن نحيا في العائلة، وفي المجتمع، وفي العالم. وهي تحتاج إلى ~~الثقافة، وإلى التعب والعرق، وإلى الإحساس الشريف بأننا منتجون، وإلى أن نحيا حياتنا كلها ونحن ~~نتعلم ونتعرف ونخبر. # فهل هذه حياة المرأة المصرية اليوم؟ # ومن هو المسئول عن التضييق عليها؟ # وما هو برنامجنا للإنسان المصري في مدى الألف سنة القادمة؟ # إننا في تضييقنا على المرأة المصرية نحيا حياة مخطئة تحتاج إلى التصحيح. # | فلسفتنا عن المرأة # نحن على الرغم منا فلاسفة، إذا تواضعنا ms44 في تعريف الفلسفة، وفهمنا منها أنها الهدف الذي نهدف ~~إليه في حياتنا والأسلوب الذي نتبعه في بلوغه. # والواقع أن الفلسفة في عصرنا ليست أكثر من ذلك؛ فإنها نزلت عن كبريائها القديمة في بحث ~~الغيبيات وما وراء الواقع ونحو ذلك، وقنعت بالعيش. # أجل ... إنها الآن تبحث موضوع العيش: كيف نعيش وليس كيف نموت؟ # ونستطيع أن نقول، بناء على ما ذكرنا، إن أزماتنا السياسية الماضية، وفرحتنا الحاضرة، هما من ~~الفلسفة. # وإني لأذكر أني في سنة 1931/1930 كنت أعمل محررا بالبلاغ، وكانت الكوارث قد توالت علينا، من ~~إلغاء الدستور، إلى ضرب الطلبة، إلى اعتقال المئات من العمال، إلى سن القوانين المجحفة بالحريات، ~~إلى استبداد فؤاد، إلى غير ذلك. واستلهمت من الأحداث العالمية فكرة شرحتها في مقالات قصيرة ~~بالبلاغ عن أسلوب غاندي في الهند وأسلوب زعمائنا في مصر. وقلت إننا في حاجة إلى أسلوب غاندي؛ أي ~~أسلوب الاستغناء بدلا من الاقتناء. # وكانت ثورة الكتاب علي عنيفة لهذه الدعوة. ولن أعود إلى شرح ما كنت أدعو إليه. # ولكني أريد أن أقول هنا إنه كانت لغاندي فلسفة، تجسمت في أهدافه وأسلوب عيشه، وانتهت ~~باستقلال الهند. فلما مات غاندي ظهر بعده نهرو الذي يقرأ الكتب ويؤلف في التاريخ والفلسفة ~~والسياسة ويقود الهند نحو القرن العشرين. # وكان لزعمائنا وقتئذ فلسفة أيضا تجسمت في أهدافهم وأسلوب عيشهم، فكانوا يجهدون ويلهثون ~~للشراء وشراء الضياع والقصور والسيارات. وقد انتهت فلسفتهم هذه إلى أن قبلوا يد فاروق النجسة ~~وذلوا له وارتضوا استبداده، فاحتقرهم الإنكليز، واحتقرهم السودانيون. # وجاء رجال الجيش بفلسفة أخرى، فاستبدلوا بالأهداف القديمة أهدافا جديدة، واتخذوا أسلوبا ~~للعيش غير الأسلوب الذي كان يتخذه أولئك فلم يفكروا في اقتناء اليخوت أو بناء القصور أو شراء ~~الضياع. فاحترمهم الإنكليز وأحبهم السودانيون. # إن لكل منا فلسفة من حيث يدري أو لا يدري. # ونحن حين نتكلم عن الاستعمار أو الرق أو الشرب أو المرأة، إنما نسترشد بفلسفة معينة تكاد تكون ~~شخصية. وقد تكون هذه الفلسفة مخطئة مظلمة أو صحيحة مستنيرة. # ويجب أن تكون لنا فلسفة ms45 عن المرأة. ولا أعني رأيا، وإنما أعني فلسفة، بحيث نبحث وندرس حال ~~المرأة ومستقبلها في آلاف السنين القادمة في مصر. وفلسفتنا عن المرأة لا تقل في قيمتها عن فلسفتنا ~~عن معاني الحرية والاستقلال والإنسانية بل قد تزيد على بعضها. # وقد وجدت هناك التباسات بشأن فلسفتي عن المرأة، تجاوزت القاهرة إلى لندن؛ ولذلك أحتاج إلى بعض ~~الإيضاح. # فقد ألقت الآنسة سيلفيا هيم حديثا من محطة الإذاعة البريطانية في لندن يوم 28 من يناير/كانون ~~الثاني الماضي، تناولت فيه موقفي من ناحية المرأة إلى جنب مواقف أخرى لي وانتقدت بعض ما قلت. ~~وفهمت من كلام هذه الآنسة أنها قرأت كتابي «تربية سلامة موسى» إما في أصله العربي وإما في الترجمة ~~التي قامت بها مؤسسة روكفيلر. # وخلاصة ما نقلته عني أني قلت إني عندما اصطدمت بالحضارة الأوربية في باريس حوالي 1910 كان ~~أعظم ما أثر في نفسي هذا الفرق الشاسع بين شخصية المرأة النشطة المتنبهة العاملة الاجتماعية، ~~وبين شخصية المرأة المصرية التي انزوت في البيت وتحجبت وقنعت من الدنيا بخدمة زوجها وأولادها. ~~ولكني لما درست المجتمع الأوربي وجلت في عواصم أوربا، اتضح لي أن الفرق بين المرأة المصرية ~~والمرأة الأوربية ليس عظيما. وإنما هو تفاوت فقط في درجات الحرية؛ لأن الواقع أن المرأة في كل ~~مكان في العالم، في مصر وفي أوربا، لا تزال دون الرجل لم ترتفع من الأنثوية إلى الإنسانية. # ثم تساءلت: وهل ارتفع الرجال إلى الإنسانية؟ # هذا هو سؤال الآنسة سيلفيا هيم. وهو عندي تهارب وتمحل وإحالة، أكثر مما هو مواجهة ~~للحقائق. # ذلك أن الرجل يعمل في المجتمع الوطني أو البشري، وتتسع آفاقه، وينتج، ويحس أنه يخدم الألوف ~~والملايين من البشر، ويقرأ ويدرس ويختبر ويتألم، ويكافح من أجل الحرية والشرف. وفي هذا كثير من ~~الإنسانية إذا عمدنا إلى المقارنة بين نشاطه هذا وبين نشاط المرأة المحدود بحدود البيت، حيث ترصد ~~حياتها لخدمة ثلاثة أو أربعة أشخاص هم زوجها وولدان أو ثلاثة أولاد. # وأنا هنا، في هذا الرأي، في صحبة عظيم يحترمه ms46 الشرقيون والغربيون معا، هو ابن رشد ~~الأندلسي. # فقد نقل «دي بور» المستشرق الهولندي في كتابه عن فلاسفة المسلمين (ترجمة محمد أبو ريدة) عن ~~هذا العظيم الذي عاش في أواخر القرن الثاني عشر وأوائل الثالث عشر، أنه كان يقول بأنه: # يجب على النساء أن يقمن بخدمة المجتمع والدولة قيام الرجال ... وأن الكثير من فقر عصره ~~وشقائه يرجع إلى أن الرجل يمسك المرأة لنفسه كأنها نبات أو حيوان أليف لمجرد متاع فان بدلا ~~من أن يمكنها من المشاركة في إنتاج الثروة المادية والعقلية وفي حفظها. # هذا هو ما قاله ابن رشد الفيلسوف المسلم الأندلسي قبل نحو 800 سنة وهذا هو ما أقوله ~~وأكرره. # وإنه لمن تعس حياتي في مصر أني أحتاج، كي أبرر موقفي، أن أقول إن هذا أو ذاك، قد قال هذا ~~الرأي الذي أقول به، قبل ثمانمائة أو سبعمائة سنة. فقد احتجت إلى أن أعتمد على الإمام ابن حزم في ~~دعوته للحب، وأنه يجب أن يكون متعة الشباب وأساس الزواج وغاية الهناء. والآن أحتاج إلى أن أقول إن ~~ابن رشد يقول إن آفاق البيت لا تكفي المرأة لأن ترتفع إلى الإنسانية؛ إذ يجب أن يتجاوز نشاطها ~~بيتها إلى خدمة المجتمع والدولة. # وعلى الآنسة سيلفيا هيم أن تقرأ ابن رشد ... كما يجب على رجال التعليم عندنا أن يقرءوه، وأن ~~يفكروا كثيرا قبل أن يشرعوا في تأسيس ما يسمونه «مدارس الثقافة النسوية». كأن النساء يختلفن عن ~~الرجال في الثقافة، وكأن رجال التعليم عندنا قد وقفوا المرأة على خدمة البيت، وكأنهم قد قرروا ~~قرارات حكومية ضد الطبيعة البشرية وانتهوا إلى أن المرأة يجب أن تعرف هذا وأن تجهل هذا. # إننا نسترشد في مصر بفلسفة مخطئة عندما نتحدث عن المرأة أو نعاملها أو نربيها؛ لأننا نحب أن ~~تبقى أنثى ولا نكاد نبالي أن تكون إنسانا له آفاق الإنسان وتضحياته وواجباته، وهي لذلك تحيا ~~الحياة المقصورة المحدودة. ولذلك لا نكاد نعرف الفضل الذي تسديه إلينا سيزا نبراوي، ودرية شفيق، ~~ومنيرة ثابت، وإنجي أفلاطون، والعشرات والمئات ms47 غيرهن اللائي يحاولن أن يخدمن المجتمع والدولة كما ~~نصح لنا ابن رشد الأندلسي. # يجب أن تكون لنا فلسفة عن المرأة المصرية بحيث لا ننشد مساواتها بالمرأة الأوربية فقط، بل ~~نتجاوز هذه المساواة إلى آفاق إنسانية أبعد وأوفى، ويجب ألا يكون في قولي هذا ما يستغرب لأن ~~المرأة الأوربية لا تزال دون المستوى الإنساني. # وصحيح أن المرأة الأوربية والأمريكية قد أصبحت تشارك الرجل في الكثير من مسئولياته الاجتماعية ~~والإنسانية، ولكنها مع ذلك لم تبلغ مستواه. وقد أتاح استخدام القوة الكهربائية في المنزل الأميركي ~~نشاطا اجتماعيا عظيما للمرأة الأميركية، لأن واجبات البيت لم تعد ترهقها كما هي الحال عند ~~المرأة المصرية بل أحيانا المرأة الأوربية أيضا. ولكن التراث القديم الذي ورثته المرأة، في ~~أوربا وأميركا، من رعاية الرجل وسيادته، لا يزال قائما تتفاوت درجاته فقط عندهم كما ~~عندنا. # وكما قلت، يجب أن نذهب إلى أبعد مما ذهبت إليه المرأة في أوربا وأميركا؛ أي يجب أن ندفع ~~المرأة إلى الآفاق الإنسانية. كما ندفع الأمة إلى الانتقال من حضارة الزراعة إلى حضارة الصناعة. ~~وفي هذا الانتقال وحده نجد ما سوف يريحنا من صداع المناقشة عن حقوق المرأة وواجباتها؛ لأنه هو ~~سيحقق هذه الحقوق والواجبات. # لقد بدأت مقالي بالمقارنة المحزنة بين زعمائنا وبين زعماء الهند، وما كتبته في 1931 مما أثار ~~علي السخط. # والآن أسأل هذا السؤال: أينا على صواب، نحن أم الهنود في فلسفتنا عن المرأة؟ # إنهم - أي الهنود - قد منحوا المرأة الهندية حقها في الانتخاب والترشيح للبرلمان، فصارت وزيرة ~~وسفيرة ورئيسة، وارتفعت إلى الآفاق السياسية والاجتماعية. ونحن أبينا على المرأة المصرية ذلك. ~~فأينا على صواب وأينا على خطأ؟ وكيف نقارن بهم بعد مائة سنة؟ # | المرأة التي تعمل في المجتمع # أتاحت لي الظروف هذا الأسبوع أن أجد نفسي في غرفة رحبة في مبنى الشهر العقاري بالقاهرة. وكان ~~جميع من يقوم فيه بالأعمال الحكومية موظفات مصريات ليس بينهن موظف واحد من الرجال. كن يبلغن ~~ثمانيا أو عشرا كلهن حائزة على شهادة الحقوق. # وتأملت الوجوه والقامات ms48 واللغة. وكان إعجابي عظيما. # لم أجد في واحدة منهن ذلك التبرج الذي نعرفه في كثير من نساء المنازل. وأعني التبرج في طلاء ~~الوجه، والتبرج في الملابس التي تجعل المرأة عارية وهي كاسية، والتبرج في الكلمة والإيماءة. كما ~~لم أجد واحدة منهن تدخن، أو يعلو صوتها في خشونة الأصوات التي نسمعها من الرجال. # لا، لا نعومة ولا خشونة؛ إذ كن يؤدين أعمالهن في وقار وجمال معا. # ووجدت سؤالا ينقر في ذهني: لماذا لا يتبرجن وهن جميعهن في سن الشباب؟ # ووجدت الجواب. # إن المرأة عندما تعمل تجد الكرامة، وتجد الاستقلال، وتجد الأمل والثقة. فهي لا تقلق على ~~مستقبلها ولا تخشى أن يفوتها زواج. وهي تعرف أن كرامتها وعيشها وسعادتها لا تتوقف على محاسنها ~~الجسدية فقط؛ إذ إن لها محاسن أخرى هي ذكاؤها ومهارتها وإنسانيتها التي تنمو جميعها بالعمل. هذا ~~العمل الذي يربيها وينضجها ويجعلها «تكبر» وتحيا الحياة الفنية الفلسفية في هذه الدنيا. # إن كثيرا من دعاة الفعل الماضي واحترام التقاليد يتهمون المرأة العصرية بالتبرج. وهم لا ~~يسأمون القول المكرر بأن المكان الأول للمرأة هو البيت، وأن وظيفة المرأة الأولى هي الزواج. كأن ~~هؤلاء السيدات والآنسات اللائي رأيتهن ليست لهن بيوت أو كأنهن لن يتزوجن. # أما عن تهمة التبرج فإنها ألصقت بالفتاة التي تطمح إلى الزواج والبيت، دون أي نشاط خارجهما، ~~من هؤلاء العاملات في خدمة الدولة. ذلك أن الفتاة، عندما تعرف أنه ليس لها كرامة أو عيش إلا ~~بمقدار ما عندها من جمال جنسي، تحتاج إلى أن ترصد كل وقتها واهتمامها لزيادة محاسنها التي تغري ~~وتجذب حتى يتحقق لها الزواج، فإذا تحقق، فإنها تحتاج أيضا إلى الإسراف في العناية بمحاسنها ~~ومفاتنها حتى تستبقي زوجها. # ثم هي لهذا الموقف السيكولوجي؛ أي لقصرها عنايتها على الزوج والبيت، تنسى القيم الاجتماعية ~~الإيثارية ولا تعود تبالي غير القيم الأنانية أي البيت والزوج. بل حتى حين تجد من زوجها اتجاهات ~~اجتماعية مثل خدمة الوطن، أو العناية بالمذاهب والمبادئ، أو التضحية بشيء من مصلحته الخاصة لأجل ~~الخير العام، ms49 حين تجد ذلك منه، تكفه؛ إذ لا قيمة لكل هذه الأشياء إزاء ارتباطه بها وحدها. فهي ~~تجره إلى الأرض إذا أحست منه أية رغبة في الارتفاع إلى السماء. # أليس هو عائلها ومكسبها وموئلها؟ # إنها لا تعرف غيره ترسي عليه قواعدها في الحياة، فهي تستمسك به، وتتبرج له، وتعد نفسها كل يوم ~~لأن تكون أنثى أكثر من أن تكون إنسانا. # ولكن ليس هذا شأن الفتاة التي احترفت حرفة واستقلت وعاشت منها؛ فإنها تفكر في الزواج كما ~~يفكر فيه الرجل باعتبار أنه شركة شريفة يراد منها سعادة الزوجين، وليس باعتبار أنه وسيلة للعيش ~~من كد الزوج وتعبه؛ إذ هي تستطيع أن تكد وتتعب مثله وتعيش. # ولذلك أيضا تعد الفتاة التي عملت وكسبت من عملها قبل الزواج، تعد خير الزوجات عندما تتزوج، ~~ليس فقط لأنها لا ترصد كل وقتها لزيادة محاسنها التي تغري بها زوجها حتى لا يلتفت إلى غيرها، ~~وإنما لأن اختباراتها السابقة في عملها الحر، أو خدمتها الحكومية، تجعلها تفهم المجتمع الذي تعيش ~~فيه وتحملها على ألا تقصر نشاطها على البيت إذ هي لا تنسى هذا المجتمع بجميع مسئولياته ومسراته. ~~ثم هي، لأنها تفهم هذا المجتمع وتفهم قيمة العمل ومسئولياته، تعرف مسئوليات زوجها وتفطن لمتاعبه ~~وهمومه. # إنها تعرف معنى المواعيد التي لا تكاد زوجة لم تعمل من قبل تعرف معناها. وهي تفطن لقيمة ~~السلوك في المعاملة، وقيمة الزي اللائق، وقيمة الدراسة، وقيمة الجريدة في التنوير السياسي ~~والاجتماعي، وقيمة الكتاب في الحياة الفلسفية. # وصحيح أن الزوج لا يجد فيها ذلك التواضع، أو التخاضع، الذي يجده من الزوجة التي لم تحترف حرفة ~~ولم تكسب قرشا. ولكن الحياة الزوجية السليمة في نظر الرجل السليم هي حياة التكافؤ والزمالة وليست ~~حياة السيادة والكبرياء. ولست أنكر أن هناك شبانا يخشون الزواج من فتاة جامعية متعلمة، ومرجع هذا ~~إلى أنهم يجدون فيها أو بالأحرى في تعليمها مهانة لكرامتهم؛ إذ قد تمتاز هي على الزوج بثقافة أو ~~علم أو فن، أو هم يخشونها لأنها تعرف كثيرا وهم يؤثرون ms50 السذاجة على المعرفة. # وهم ينسون أولا أن من مصلحة البيت، إذا كان الزوج جاهلا أو منخفض المستوى في التعليم، أن ~~تكون الزوجة متعلمة؛ لأن زوجا جاهلا مع زوجة متعلمة خير من زوجين جاهلين. وينسون ثانيا أن هذه ~~السذاجة المنشودة لا تزيد على أن تكون جهلا سوف ينعكس أثره السيئ في إدارة البيت وتربية ~~الأبناء. # والآن أحب أن أنتقد. # ذلك أن المكتب الذي زرته في مصلحة الشهر العقاري كان يحوي الموظفات دون الموظفين. ولست أشك أن ~~منع الاختلاط بين الجنسين قد قصد هنا، فكأننا قد سلمنا بالانتفاع بخدمة المرأة ولكن مع الاحتفاظ ~~بالفصل بين الجنسين. # وهذا خطأ عظيم؛ فإن الزمالة بين الرجل والمرأة في الوظيفة الحرة أو الوظيفة الحكومية هي تربية ~~إنسانية جليلة لكل من الجنسين، إذ ليس هناك ما ينبه الذهن إلى الحقائق دون الخيالات سوى هذه ~~الأنسة التي تنشأ من الحديث وتبادل المسئوليات بين شاب وفتاة في واجبات الخدمة للجمهور. # يجب أن يعرف الرجل المرأة، ويجب أن تعرف المرأة الرجل. وأي سبيل لهذه المعرفة سوى الاختلاط؟ ~~هل يعرفانها من الكتب؟ # إن الانفصال يجعل كلا من الشاب والفتاة يشطح في خيالات بعيدة عن الحقائق. فإذا تم زواج بعد ~~انفصال طويل فإن الحقائق الجديدة قد يحطمها الخيال السابق فلا يصلح الزواج ولا يسعد. # وفن الحب يحتاج إلى أن تبقى صورة المرأة ماثلة في ذهن الرجل وصورة الرجل ماثلة في ذهن المرأة ~~منذ المهد إلى اللحد، وأيما انفصال بينهما قد يحدث شذوذا، وقد لا يبرأ هذا الشذوذ طيلة ~~العمر. # ولكن هناك ما هو دون الشذوذ مما يتعس الحياة الزوجية؛ فإن الانفصال بين الجنسين يجعلنا لا ~~نفهم الطراز الذي نحبه من النساء أو الرجال؛ أي لا نعرف كيف نحب، وعندئذ نتزوج للزواج فقط وليس ~~لما ننتظره في الزواج من سعادة وهناء. ثم تتكشف لنا الحقائق بعد الزواج حين نجد أننا تزوجنا فتاة ~~(أو فتى) من طراز آخر غير ما كنا نحب أن نتزوج. # إن مجتمعنا الانفصالي قد حطم سعادتنا وأخر تربيتنا الإنسانية والاجتماعية. ms51 وما دامت الحكومة ~~قد سلمت بتوظيف المرأة فإنها يجب أن تسلم بالاختلاط بين الجنسين في مكاتبهما حتى يكون هذا ~~الاختلاط الذي تهذبه المسئوليات تمهيدا لإيجاد مجتمع مختلط مهذب. # لو أنني كنت ديكتاتورا لشرطت على كل فتاة ترشح للزواج أن تكون قد عملت وكسبت من عمل حر أو ~~من وظيفة حكومية خمس سنوات على الأقل. بل أزيد على هذا أن هذه السنوات الخمس يجب أن تمضى سواء في ~~مكتب أو متجر أو مصنع مع الرجال. # قد يعترض القارئ أو القارئة بأن الفتاة التي تعلمت في الجامعة قد حصلت من هذا التعليم بما ~~يهيئها للزواج السعيد. ولكن هذا خطأ؛ لأن هذه الفتاة قد تعلمت من الكتب، وهي لن تتزوج كتابا إذ ~~ستتزوج إنسانا، فيجب أن تعرف هذا الإنسان بالاختلاط الاجتماعي قبل الزواج. وأحسن أنواع هذا ~~الاختلاط هو تلك الزمالة التي تجدها وقت عملها مع الرجال؛ إذ هي أشرف زمالة تنطوي على مسئوليات ~~الخدمة والأمانة والشرف. وكما تتربى المرأة بهذه الزمالة كذلك يتربى الرجل. # إني كثيرا ما أجد البذاء والوقاحة والغثاثة في أولئك الشبان الذين لم يزاملوا الفتيات ولم ~~يختلطوا بهن هذا الاختلاط الذي يربي في نفوسهم الضمير الاجتماعي، ويقسرهم على اتخاذ الكلمة ~~المهذبة والسلوك المهذب في حديثهم. # ولنذكر كلمة عن «البيت» الذي لا يتعب الكارهون للتطور من القول بأنه غاية المرأة في الحياة. ~~ذلك أن المرأة إنسان. وليس البيت أو الوظيفة، وليس العلم أو الأدب، وليست الأخلاق العالية، سوى ~~وسيلة للحياة. ولذلك قد يجوز لنا أن نقول إن البيت للمرأة. ولكن لا يصح العكس. # ثم ما هي الغاية من الزواج والبيت؟ # أليست هي سعادة الزوجين وأيضا إنجاب الأطفال وتربيتهم؟ # إذا كان هذا هو الشأن فإن المرأة المتعلمة التي مارست عملا كاسبا قبل الزواج والتي اختلطت ~~بالمجتمع في مسئولياته المختلفة، هذه المرأة هي خير من يربي الأطفال؛ إذ هي تعرف المناخ الاجتماعي ~~الذي سيعيشون فيه. # هي تعرفه ولا تجهله كالمرأة التي لم تؤد خدمة اجتماعية قبل الزواج. # | رئيسات للمحاكم # في حديث للأستاذ الباقوري ms52 وزير الأوقاف سنة 1955 بشأن زيارته للصين جاء قوله إن هناك 144 سيدة ~~صينية يشغلن مناصب رئيسات للمحاكم. وبالطبع هناك نحو ضعفي هذا العدد من القاضيات أو أكثر؛ لأن ~~رئيسة المحكمة ترأس قاضيين من الجنسين، كما أن «رئيس» المحكمة يرأس كذلك مثل هذا العدد من ~~الجنسين. # وهذا الخبر يسر المفكر الشرقي الذي عرف حال المرأة الشرقية حين كانت «شرقية» تحافظ على تقاليد ~~الذل والهوان التي ورثتها. فقد كانت المرأة الصينية تولد لتخضع، وليس لتستقل. فكانت وهي فتاة تخضع ~~لأبويها، فإذا تزوجت خضعت لحماتها. وكانت تخدر إذا كانت ثرية. وكان تخديرها يؤكد بوضع قدميها ~~منذ الطفولة في حذاء من حديد حتى لا تنمو فتستطيع المشي عليهما. إذ لماذا تمشي؟ # أليست هي سيدة مخدرة قد وقفت حياتها على خدمة زوجها في السرير؟ وأليست هي ثرية لها خدم ~~ينقلنها من مكان إلى مكان؟ إن الطبيعة أخطأت في تزويدها بقدمين. # إلى هذا الحد كان انحطاط المرأة الصينية. وقد ساء وسفل بحكم التقاليد التي ربطتها بالماضي. ~~وكان الشبان الصينيون الذين تعلموا في أوربا وأميركا، وعرفوا هناك المرأة المستقلة النشيطة التي ~~تختار زوجها وتحبه، وتتساوى به في تبادل العاطفة والحب، كانوا يدعون إلى حرية المرأة الصينية ~~واستقلالها وإلى أن لها حقا إنسانيا أصيلا في ألا تتزوج سوى الرجل الذي تحبه. فكان منادرة ~~الصين؛ أي شيوخها الذين ورثوا ثقافة الظلام، يتهمونهم بالكفر بالدين والخيانة للتقاليد. # ولكن الدنيا تغيرت، وغسل الصينيون عقولهم من هذه التقاليد كما يغسل الإنسان جسده من الأقذار ~~التي تلوث بها. وأصبحوا يحترمون المرأة ويتيحون لها العمل والاختلاط بالمجتمع والإنتاج للوطن. كما ~~أصبح الحب شرطا للزواج والمساواة وأساسا للعشرة بين الزوجين. # أصبحت المرأة الصينية إنسانا بعد أن كانت أنثى فقط. # وحسن أن يرى الأستاذ الباقوري نفسه، وهو شيخ أزهري، هذا النور من الشرق، وأن يخبرنا عنه مع ~~الإعجاب، فإنه رجل مخلص كما هو ذكي، وليس في مقدوره أو رغبته أن ينكر النور، هذا النور الذي نحتاج ~~إلى شعاع منه. ~~••• # هذا بعض ما نعرفه الآن عن ms53 الصين. فماذا نعرف عن مصر؟ # لقد أرسلت إلي آنسة من ملوي تنبهني، وتكاد تسبني؛ لأني أهملت التعليق على خبر عجيب. ~~والواقع أني لم أكن قد قرأته، ولو كنت لما أهملت. خلاصة الخبر أن شابا قصد المحكمة الشرعية كي ~~يثبت وراثته ل 128 فدانا من أمه، فسأله القاضي عن اسم أمه. ولكن الشاب رفض الإجابة؛ لأنه بحكم ~~«التقاليد» في الصعيد لا يجوز ذكر الأسماء التي تتسمى بها أمهاتنا وبناتنا وأخواتنا. # أليس الاسم بعض الشخصية؟ وهل يمكن الصعايدة أن يعترفوا بأن للمرأة شخصية؟ # أين أنت يا مصر من الصين؟ هناك تعين المرأة رئيسة للمحكمة، وهنا يحرم ذكر اسمها في ~~المحكمة؟ # لماذا ترى الصين شخصية المرأة ونحن هنا نلغيها؟ أو على الأقل يحاول بعضنا إلغاءها؟ # إني بالطبع لا أنسى أن مثل هذا الحادث شاذ، وأن التقاليد ليست لها عندنا كل هذه القوة إلا في ~~بيئات منعزلة لم تمسها الحضارة العصرية مثل ملوي. ولكن هل يجوز لنا أن نهمل الصعيد إلى هذا الحد؟ ~~وأن نترك تقاليد الظلام تخنق نساءنا؟ # أعظم مظاهر النهضة الصادقة في أية أمة هو نهوض المرأة التي تطرح بقايا الاستبداد والاستعباد ~~وتستقل من سجن المنزل إلى ميدان المجتمع لتعمل وتكسب. # ونحن في مصر لا نحيا الحياة المليئة؛ فإننا نتزوج بلا حب، إذ لا يمكن الحب بلا اختلاط سابق ~~يكون فيه الحديث واللقاء والمسايرة وتبادل الدعوات. ونحن نقاطع جميع هذه الوسائل على التعارف ~~فنمنع الحب بين الشاب والفتاة. # وما دامت الفتاة لا تختلط بالمجتمع فإن مصادفة لقائها للشاب الموعود تبقى بعيدة، بل أحيانا ~~مستحيلة؛ ولذلك شبابنا وفتياتنا تعساء قد حرموا الحب لأنهم حرموا الاختلاط. # وحين تعمل المرأة في المجتمع، موظفة بالحكومة، أو عاملة في المصنع، أو كاتبة أو بائعة في ~~المتجر، أو حين تستقل وتدير حانوتا للبقالة أو الأقمشة أو نحو ذلك، عندئذ فقط تجد الفرصة للقاء ~~الشاب الذي يحمل معه وعد السعادة الزوجية. # ثم هذا النشاط الاجتماعي الذي تقوم به المرأة في أوربا وأميركا وفي الأمم الناهضة مثل الصين ~~والهند قد ms54 زاد مقدار الخدمة والإنتاج ليس في الكم وحده بل في الكيف أيضا. ذلك أن السيدة التي ~~تؤدي واجب القضاء في المحكمة تكسب العدالة لونا آخر غير اللون الذي يكسبها إياه الرجل؛ إذ هي ~~تنظر برحمة جديدة لم يكن يعرفها الرجل. والرحمة هي عدالة العدل. فإن قضايا الزواج والطلاق، ~~ومشكلات الصبيان والنفقة للأطفال، ورعاية الأبناء القاصرين، كل هذا تفهمه المرأة فهما آخر غير ما ~~يفهم الرجل؛ ولذلك نحن ننتفع بوجودها على منصة القضاء، ننتفع في الفهم والعدل؛ ذلك لأن فهم الرجل ~~لهذه الشئون هو فهم متحيز. وكذلك فهم المرأة لها هو فهم متحيز، وإنما نجد العدل الصادق عندما نجمع ~~بين الفهمين. # لقد كانت المرأة المصرية غائبة عن مؤتمر باندونج، فإن جميع المندوبين من كبار الساسة ورؤساء ~~الدول ووزرائها كانوا قد اصطحبوا معهم فتيات عضوات أو سكرتيرات، إلا مصر! # لقد كان مؤتمر باندونج خطوة نحو الأمام في مكافحة الاستعمار، والتفاهم بين أمم آسيا وأفريقيا ~~التي سرقها الاستعمار وأذلها وحرمها التعليم والثراء والصناعة والصحة. وكان حضور المرأة فيه ~~برهانا على أن هذه الأمم قد تحدت الاستعمار وألغت أساليبه. # نعم، أساليب الاستعمار في احتقار المرأة. # ألم نعرف في مصر أن الناظرة الإنكليزية لمدرسة السنية الابتدائية كانت تحتم على تلميذاتها ~~اتخاذ البرقع في حين كان قاسم أمين يدعو إلى إلغائه؟ # لماذا كان يفعل الاستعمار ذلك؟ # لأنه كان يعرف، بل يوقن، بأن حجاب المرأة وانفصالها عن الرجل في مصر يمنع بلادنا من التقدم ~~ويجعل مجتمعنا متأخرا. # ومع ذلك ذهبنا إلى باندونج دون أن نعلن تغيرنا، وأننا قد ارتفعنا بالمرأة المصرية إلى مستوى ~~جديد من الحضارة والاجتماع. # ذهبنا إلى باندونج نمثل مصر بلا نساء، كأننا كنا نمثل الرجال المصريين فقط. # وكان موقفنا هذا لا يشرفنا. # لذلك يجب أن نزور الهند والصين ونرى بأعيننا ماذا فعل الهنود والصينيون للارتفاع بنسائهم نحو ~~المستوى الإنساني، ويجب أن نتعلم منهم ونقتدي بهم. # | سفيرات ووزيرات # لا يكاد يمر شهر حتى ينعقد مؤتمر أو مؤتمرات تدعى إليها مصر للبحث في شئون الصحة، أو ms55 الزراعة، ~~أو التعليم، أو الشئون الاجتماعية أو غير ذلك. ونحن نرسل إليها مندوبينا من الرجال فقط. # ولكن مندوبينا هؤلاء يجدون عندما تطأ أقدامهم نيويورك أو بودابست أو لندن أو روما أن هناك ~~مندوبات إلى جنب المندوبين من شعوب العالم يسألن ويدرسن ويناقشن. # ذلك لأن جميع الشعوب المتمدنة قد سبقتنا إلى تعليم المرأة وإلى رفعها إلى مستوى الرجال في ~~تحمل الأعباء الوطنية ثقافية كانت أم اجتماعية أم صحية. وقد فتحت لها أبواب الوظائف الصغرى ~~والكبرى داخل بلادها وخارجها. # فإن مصالح البريد مثلا في جميع الأقطار الأوربية تعمل فيها النساء، آنسات وزوجات، أكثر مما ~~يعمل الرجال. بل ليس غريبا أن تدخل مكتبا للبريد في أحد الأحياء في باريس أو لندن فلا تجد رجلا ~~واحدا، ولكنك تجد نحو عشر نساء يقمن بجميع الأعمال البريدية. # وكذلك الشأن في التعليم الابتدائي، فإن المرأة تكاد تحتكره دون الرجل. وليس غريبا أن تجد ~~مليون معلمة في أوربا ونحو هذا العدد بل أكثر في القارة الأميركية. وقد اتضح أن المرأة تحسن تعليم ~~الصبيان الصغار أكثر مما يحسنه الرجل؛ لأن قلبها ينطوي على إحساس الأمومة. # وتتدرج المرأة في الوظائف الحكومية إلى أن تبلغ أعلى المناصب. كما أن هناك من الأعمال الحرة ~~ما يستوعب الملايين من النساء. # وكل هؤلاء النساء منتجات. # إن شعوب أوربا تنتج الإنتاج العظيم لأن رجالها ونساءها يعملون في المصانع والمتاجر والوظائف. ~~أما نحن، الأمة العربية، فلا ينتج عندنا غير الرجال، والقليل جدا من النساء؛ ومن هنا ضعف ~~إنتاجنا ثم فقرنا الأسود الشامل. # نحن فقراء لعدة أسباب، منها سبب واحد يرجع إلى أننا نمنع النساء، آنسات وزوجات، من الإنتاج. ~~ونحن - في مصر - نبلغ 22 مليونا (1955) منهم على الأقل نحو سبعة ملايين آنسة أو سيدة لا يعمل في ~~الإنتاج العام منهن سوى أقل من ربع مليون في المدن. أما في الريف فإن بعضهن يعملن في الزراعة على ~~الطرق الغشيمة القديمة. # ونحن في هذا العالم في «تنازع بقاء» مع الأمم الأخرى. فإذا كانت هذه الأمم تستخدم نساءها مثل ~~رجالها ms56 في الإنتاج العام، فإننا لن نبلغ شأوها في الثراء إلا إذا استخدمنا نساءنا أيضا مثلها في ~~الإنتاج. وهذا منطق لا نستطيع أن نفر منه. # وقد ارتفعت المرأة إلى مستوى الرجال في المناصب العليا إلا في مصر؛ ولذلك نحن نجد الوزيرات ~~والسفيرات في جميع الأمم المتمدنة تقريبا إلا في مصر. وكلما انعقد مؤتمر ظهرت النساء نائبات عن ~~الهند أو أميركا أو بريطانيا أو غيرها إلا مصر، فإنه لا تظهر فيها امرأة نائبة عن وطننا. # وقد كانت هذه الحال ملحوظة في مؤتمر باندونج الأخير. # وللمؤتمرات قيمة في الدعاية. وأية دعاية أسوأ من أن تكون لكل أمة مندوبات إلا مصر؟ # ألا يعيبنا أن تساوي أمم آسيا وأميركا وأوربا بين الجنسين ونحن نميز الرجال على ~~النساء؟ # كانت النظم الإقطاعية عندنا تجعل المرأة بعيدة عن المجتمع وعن الاشتراك في شئون الحكم. وقد ~~زالت النظم الإقطاعية ولكن بقيت العواطف التي نشأ الشعب عليها قبل زوالها. ومن هنا هذه الكراهية، ~~أو هذا النفور، من التسليم بمساواة المرأة بالرجل وتكليفها الواجبات التي يكلف هو مثلها. # وقد كانت وزاراتنا الإقطاعية القديمة قبل الثورة، تنفر كل النفور من المساواة بين الجنسين. ~~وأيما اقتراح كان يقدم إليها بشأن تعيين امرأة سفيرة أو وزيرة لا يمكن أن يلقى غير الاحتقار ~~والاستهزاء والإهمال. # ولكننا الآن في عصر جديد نقول فيه بديمقراطية الشعب. # ديمقراطية الشعب كله، وليس ديمقراطية نصفه ثم إهمال النصف الآخر. # لقد كان الاستعمار ينكر الديمقراطية على رجالنا. # ولكن رجالنا، أو بعضهم من الجامدين المتخلفين، ينكرون هذه الديمقراطية على نساء مصر، على نصف ~~الشعب المصري. # وهذا مع أن أي منطق يقول، بل يصرخ، بأنه لا يمكن ارتقاء شعب إذا كان نصفه فقط هو الذي يتولى ~~الأعباء ويكلف الواجبات الوطنية والاجتماعية. ولذلك سنبقى متخلفين اجتماعيا، وفقراء اقتصاديا، ~~إلى أن نساوي بين الجنسين ونجعل المرأة تنتج كالرجل سواء وتمارس حقوقها الاجتماعية والدستورية ~~والمدنية مثله سواء. # يجب أن ننهض بالشعب كله وليس بنصفه. # ثم يجب ألا نهمل الرموز. # إن ارتقاء المرأة رمز لارتقاء الشعب. # وقد ms57 حفظ الأوربيون هنا كلمات ورموزا سيئة، بل غاية في السوء. ولذلك يجب أن نلغيها ونمسحها ~~من رءوسهم بأن نجعل منا وزيرات، وأيضا سفيرات، كما فعل نهرو؛ حتى يراهن الأوربيون فينكروا ما ~~تعلموه عنا. # إني أستطيع أن أذكر أسماء خمسين بل مائة سيدة مصرية يمكن أن نجد فيهن من تليق لعمادة الكليات ~~أو إدارة الجامعات، ومن تليق بأن تكون سفيرة أو وزيرة. بل أزيد على ذلك بأن أقول بأنه لو كانت ~~لنا وزيرات في الحكومات السابقة للثورة لما تردينا إلى الهوة التي أردانا فيها فاروق ووزراؤه من ~~الإقطاعيين الذين كان ينشد معظمهم من الوزراء شراء الضياع وبناء القصور وشراء السيارات والذهبيات، ~~والاصطياف في الإسكندرية أو فيشى. # إن النساء أقنع وأقصد. # إن كلمة «مجتمع» في مصر لا تؤدي المعنى الذي يفهم من المجتمعات الأوربية ذلك أن النساء ~~والرجال يجتمعون هناك فيتألف منهم «مجتمع». ولكننا نفصل في مصر بين الجنسين. وأولى بنا لهذا السبب ~~أن نسمي مجتمعنا «المنفصل» حتى ينطبق اللفظ على المعنى. # إننا نعيش في حضارة قد انتهت بالتسليم بالمساواة بين الجنسين ويمكن أن نقول إننا لا نعيش في ~~هذه الحضارة ولكننا ننشد هذا الأمل. وهذه الحضارة أجزاء لا تتجزأ، فلا يمكن أن نأخذ بجزء أو أجزاء ~~منها ثم نترك الباقي. # وقد توافت أجزاء هذه الحضارة ووسائلها إلى جعل البيت خاليا من الواجبات المنزلية التي كانت ~~تحيا فيها جداتنا. وهي واجبات كانت تشغل المرأة عن الاهتمامات الاجتماعية والسياسية والثقافية؛ إذ ~~كان عليها أن تطبخ وتغسل وترشح الماء وتكنس. بل كان عليها أحيانا أن تعجن وتخبز وتخيط ملابسها ~~وملابس أطفالها. أما الآن فإن جميع هذه الواجبات قد أحيلت إلى غيرها، أو هي قد صارت تؤدى في يسر ~~وسرعة بحيث تقوم الدقيقة مقام الساعة، وبحيث لم تعد تجهد المرأة أقل الجهد. وكذلك أصبحت المرأة، ~~من الطبقة الثرية والمتوسطة، عاطلة في البيت أو شبه عاطلة، وهذه الحال نفسها هي التي حملت المرأة، ~~في أوربا وأميركا، على الخروج إلى المصانع والمتاجر وعلى أن تنشد بناء شخصيتها ms58 في آفاق المجتمع ~~الواسعة بدلا من أن تقعد عاطلة في البيت لا تجد عملا تؤديه. # وقد أصبح كثير من سيداتنا في مثل هذه الحال. وقد تعلمن واختلطن بالمجتمع، ولكننا حرمناهن من ~~القيام بالواجبات الوطنية وتركناهن في عطلهن يرفهن عن أنفسهن أحيانا بالعبث لأنهن لا يجدن ~~الجد، أو يقضين وقتهن في سأم وسخط وهن معذورات. # والجد هو أن نقدم لهن الفرصة لخدمة بلادهن بالعمل المنتج. # والفرصة الصارخة لنا في الوقت الحاضر هي أن نعين المرأة الكفء للعمل الكفء، وأن نستغل ~~الجديرات كي يمثلننا في المؤتمرات والسفارات والوزارات، حتى يخدمننا وحتى يزلن ما يتهمنا به ~~الأوربيون من التهم التي تجرح كرامتنا الوطنية، والتي تجعلنا نبدو أمام العالم المتمدن كما لو كنا ~~فصيلة منفصلة من المجتمع البشري. # وهنا خبر أرجو أن يكون بشرى. # هو الخبر الذي ذكرته الصحف هذا الصباح بأنه سيكون لنا برلمان في يناير القادم يمثل الشعب ~~المصري. # إن برلمانا مصريا يجب أن يحتوي الأعضاء من الرجال والنساء. # | الرقص والشخصية # الرقص إلى المشي هو كالشعر إلى النثر. # هو إيقاع له قوافيه، بل له قصائده. # وكما يطرب الصبي ويثب ويمرح، ويصفق بيديه، كذلك يطرب الشاب أو الفتاة فيرقصان في ~~إيقاع. # والذي جعل الرقص مكروها في مصر أنه كان قد انحط وسفل حتى صار حركات جنسية يشمئز منها الرجل ~~السامي والمرأة السامية. والذي أحدر الرقص المصري، بل الشرقي كله، إلى هذه الحال التعسة هو تفشي ~~الرق. # فإن هذا النظام كان يحيل المرأة التي تشترى بالقرش والمليم إلى أداة إغرائية تحرك الشهوات ~~الجنسية عند سيدها. فلما زال الرق بقيت عندها تقاليدها فيما كنا نسميه «الرقص الشرقي» أو «الرقص ~~المصري». # والحقيقة أنه لم يكن «مصريا»، فإن الرقص المصري لا تزال رسومه ونقوشه في أحجار المعابد ~~المصرية القديمة، وهو حركات رياضية كان يقوم بها الرجال والنساء احتفالا بمحصولات الأرض، أو ~~بالحرب، أو في الجنازات. # كان جدا في جد، وكان يؤدى في طرب الفرح وفي طرب الحزن. # وقد استطاعت الراقصة المشهورة «أيزيدورا دنكان» أن تحيي الرقص المصري ms59 وأن تؤسس له مدرسة. ~~ووجدت الإقبال والتقدير. # ومع أن كلمة رقص يونانية، كما يتضح ذلك في كلمة أوركسترا، فإن العرب كانوا يرقصون. ولا يمكن ~~إلا أن نعتقد ذلك لأننا نجد أن داود النبي كان «يرقص للرب» كما جاء في التوراة. # وقد كان الرقص «المصري» شناعة من الشناعات، حتى اضطرت الحكومة إلى إلغائه؛ إذ لم تكن الراقصة ~~تمثل سوى الشهوة الجنسية، وكانت تمثلها في إسراف وقح. ومن هنا كانت نظرتها، وهي ترقص، إلى أسفل، ~~كي تبرز محاسنها بل مقابحها السفلى. # كانت تمثل الأمة بعد إلغاء الرق. تلك الأمة التي كانت تعلم وتدرب على هذه الحركات ~~التي كانت تؤذي الإحساس والعقل عند الرجل الذي يحب الجمال في الإنسان، وليس الحيوان في ~~الإنسان. # وارتفاع الرقص إلى مقام الفنون الجميلة في أوربا، واختصاص المرأة بالقسط الأكبر منه، هما ~~برهان على الارتقاء الاجتماعي؛ أي الارتقاء الفني في المجتمع. # وقد وصفت الرقص المصري بالانحطاط لأن الراقصة تنظر إلى أسفل؛ أي إن إحساسها هنا جنسي. # ووصفت الرقص الأوربي بالارتقاء لأن الراقصة تنظر إلى أعلى؛ أي إن إحساسها هنا فني. # وأستطيع أن أقول مع الحزن والأسف إن النظرة الاجتماعية للمرأة في أوربا قد أوجدت الرقص ~~الأوربي في سموه ونشاطه، كما أقول إن النظرة الاجتماعية للمرأة في البلاد الشرقية والعربية قد ~~أوجدت هذا الرقص الذي نكرهه والذي تخلصنا منه. # ألسنا نقول في مصر، وفي الشرق كله، بسيادة الرجل على المرأة، وأن المرأة للبيت الذي هو مكانها ~~«الطبيعي» وأن مهمتها الأولى هي الزواج. وأن دعوة الاستقلال التي تدعوها الناهضات من النساء هي ~~دعوة زائفة بل كافرة؟ # هذه النظرة للمرأة هي التي توحي إلينا بأن مهمتها الجنسية هي كل شيء، وأن الرقص يمكن أن يكون ~~جنسيا. ونسرف بعد ذلك إلى حدود الشطط فيرضى بعضنا بأن يجد في الرقص المصري معاني جنسية نشمئز ~~منها. # ولكن المرأة الأوربية التي استقلت، والتي عملت وكسبت واشتركت في المجتمع، تجد أن لها كبرياء ~~تمنعها من أن تمثل هذا التمثيل الجنسي السافل. # وكان ثم نتيجتان: # الأولى: # أن ms60 الرقص ارتفع إلى مقام الفنون الجميلة في أوربا فصارت الفتيات من غير المحترفات ~~للرقص يرقصن. # والثانية: # أن الرقص انخفض إلى مقام التهتك والتبذل عندنا حتى اضطررنا إلى مقاطعته ~~وإلغائه . # وأنا لا أقول بالرقص للسيدات المتزوجات، ولكني أقول به للآنسات وللشبان؛ وأعني بالطبع الرقص ~~الأوربي. # ذلك أن لهذا الرقص تأثيرا كبيرا، بل كبيرا جدا، في تكوين الشخصية، شخصية الشاب وشخصية ~~الفتاة. # فإن شبابنا يعيشون في مجتمع انفصالي يفصل بين الرجل والمرأة، أي في مجتمع غير اجتماعي؛ وهم ~~لذلك لا يحسنون اختيار الزوجة، كما أن الزوجة لا تحسن اختيار الزوج. # إذ كيف يحسن أحدهما ذلك بلا اختلاط سابق؟ # ولكن الرقص يدرب كلا منهما تدريبا اجتماعيا على المؤانسة والشهامة والرشاقة، كما أنه ~~سبيل إلى التعارف. # وأخيرا يجب أن نذكر، ولا ننسى أبدا، أن الراقص لا يمكن أن يقع في الشذوذ؛ لأن الرقص يعوده ~~الاتجاه نحو المرأة، والمرأة فقط. فهو يسدد نظرته الجنسية نحو هدفها الطبيعي. وكذلك الشأن في ~~المرأة. # ولكن الشاب الذي يحيا نحو 25 أو 30 سنة، وهو لا يختلط بالجنس الآخر، ولا يرقص، فإن احتمال ~~سقوطه في الشذوذ كبير جدا. # الموسيقى والرقص في أوربا يعدان من تقاليد الشعب، وكلاهما إيقاع. إيقاع الصوت وإيقاع ~~الحركة. # ولكل منهما مركبات تنتقل إلى كيان الشخصية الأوربية؛ فإن الرقص لا يتفق وانبعاج البطن ~~وبدانة الجسم، ولذلك تحرص كل فتاة وسيدة على أن يكن نحيفات. بل إنهن يفهمن الرشاقة على أنها قبل ~~كل شيء نحافة: قامة عالية وخصر صغير وصدر ناهد. # وقل أن تجد أوربيا أو أوربية لم يتعلم الموسيقى في صباه أو شبابه على إحدى الآلات التي ~~أهديت إليه، أو لم يتعلم الرقص. # والرقص هو المرانة الابتدائية للحب. وهو أعظم ما يصد عن الشذوذ والعادات الخفية وعذاب الخواطر ~~الجنسية المضنية والبعد عن الحقائق؛ إذ هو يجمع بين الشاب والفتاة في شهامة واحترام وطرب، فلا ~~يتجه الشاب إلى الشاب، ولا تتجه الفتاة إلى الفتاة، وإنما يتجه كل جنس إلى الآخر. أي إن الرقص ~~مرانة على السداد أو ms61 الصحة الجنسية. # وقد يقال إن في الرقص اشتهاء جنسيا. وهذا صحيح، ولكن هذا الاشتهاء الجنسي نجده أيضا في ~~الشارع حين يرى الشبان الفتيات بلا حاجة إلى الرقص. ولكن الرقص يسدد ويصحح هذا الاشتهاء، حتى لا ~~يكون مريضا أو شاذا. # ترى لو أن أبا نواس كان يعيش في مجتمع مختلط يجد المرأة في السوق والمجلس والمكتب والمتجر، هل ~~كانت غريزته الجنسية تزيغ ويفسد هو منها كما يفسد غيره من الشبان؟ # إن أعظم ما يقي المجتمع من الشذوذ الجنسي، وهو أحط ما يمكن أن يتخيله إنسان في فساد الطبيعة ~~البشرية، هو الاختلاط بين الجنسين. وأعظم مرانة على الصحة الجنسية هو الرقص. # هذا هو الرقص الازدواجي؛ أي الرقص العام بين أفراد الشعب. # ولكن هناك رقصا آخر تختص به الفنانات اللائي يقمن به منفردات أو جماعات، بل أحيانا يختص ~~به الفنانون من الرجال. # وهنا نرى الراقصة في صفاء بشرتها واندماج جسمها تتحرك عضلاتها في انسياب. وهي حين ترقص تثب ~~وتمرح وتخطف على ساقين مندمجتين ترفس بهما كما لو كانت جوادا يأرن ويمرح. وتحسبها وهي في اندفاق ~~إيقاعها ويسر حركتها، وانطلاقها وارتقائها إلى أعلى، أنها ترقص في الهواء. # وفرق عظيم بينها وبين الراقصة المصرية؛ فإنها تنجذب نحو السماء وتنظر إلى أعلى في حين تنجذب ~~الراقصة المصرية نحو الأرض وتنظر إلى أسفل، إلى كتفيها وبطنها وساقيها. # الأولى تنطلق وتثب في مرح الحياة وطرب الحركة ويقظة الجسم. # والثانية تنطوي وتتثنى في كسل الشهوة ونعاس الجسم وارتخاء الأعضاء. # ولذلك نحن نحس الشهامة حين ننظر إلى راقصة أوربية، ونحس الهوان والضعة حين ننظر إلى راقصة ~~شرقية. # وللحكومات الأوربية معاهد لتعليم الرقص والموسيقى حبذا لو أن حكومتنا تدرسها، وتبعث البعثات ~~من الشبان والفتيات المصريين إليها، وتنشئ مثلها في مصر. # هناك محك أو امتحان لحركات الرقص، هل هي مما يرفعنا أو يسقطنا؟ وذلك بأن نسأل، هل نرضى ~~لزوجاتنا وبناتنا وأخواتنا وأمهاتنا أن يؤدين هذه الحركات أم لا؟ # إن أي إنسان يرضى لابنته أن تؤدي حركات الرقص الأوربية. كما أن أي رجل ms62 يرضى أن يؤدي حركات ~~الرقص التي يؤديها الرجال في أوربا. ولكني لا أرضى لابنتي أو أختي أن تؤدي حركات الرقص ~~المصرية. # أليس هنا البرهان الواضح على أننا غير راضين عن الرقص المصري؟ # ثم أليست لنا فطنة تبعثنا على التأمل والتساؤل: لماذا لا يرقص رجالنا منفردين؟ # ذلك لأن الرقص المصري لم يرتفع إلى مرتبة الجد حتى يرضاه الرجال لأنفسهم؛ لأن الرقص جد وإن ~~يكن مرحا. هو مرح في جد. # كنت قبل أربع سنوات (1955) في فرنسا، وعرفت أن جامعة باريس تقيم حفلتين راقصتين كل أسبوع مساء ~~السبت والأحد. وفي كل من هاتين الحفلتين تعزف الأوركسترا الجامعية على إيقاعات الرقص. ويحضر هذه ~~الحفلات الطلبة والطالبات والمعلمون، بل وزير المعارف نفسه. # ولكنه رقص جميل، كله إيحاء إلى الشرف. وهو يعلم الجنسين، الشاب والفتاة، الرشاقة في الحركة، ~~والرقة في الإيماءة والعذوبة في الكلمة. بل هي تدريب على الحب وتهيئة للزواج. ثم هو مرح وطرب من ~~حق كل شاب وكل فتاة في الدنيا ألا يحرماهما. # ولكن الرقص الأوربي، فوق أنه متعة للشباب، هو أيضا حاجة اجتماعية وصحية لهم. ولا يمكن ~~مجتمعا سليما، أن يستغني عن الرقص. # ولذلك أنا أنادي راقصاتنا: انظرن إلى أعلى حين ترقصن، وارقصن مثل «بافلوفا». وأنادي أساتذة ~~جامعاتنا: علموا شبابنا وفتياتنا الرقص حتى تكفل به لهم الصحة الجنسية، وحتى يتهيئوا به للحب ~~الجميل. أوجدوا لنا فرقة للباليه. أمتعونا وعلمونا وصححوا غرائزنا حتى لا نكون نواسيين. # | قوات التحرير الجديدة # ظهرت في عصرنا عوامل جديدة للتحرير للمرأة والرجل معا. # ذلك أن الأعمال الإنتاجية القديمة في الزراعة والصناعة كانت يدوية تجري بمساعدة الماشية. ~~فكانت تقصم الظهر لما يعاني العامل فيها من المشقة. أما الآن فإن الأعمال الإنتاجية لا تستخدم من ~~الإنسان في أغلب الحالات سوى إشرافه بالعين والعقل مع القليل من استخدام عضلاته. # والمصنع الأتوماتي الذي يفشو هذه الأيام كثيرا في الأمم المتمدنة، لا يكاد يتطلب من العمل ~~سوى ضغط زر هنا أو هناك، وملاحظة مصباح يضيء بالضوء الأحمر أو الضوء الأخضر، والاستماع إلى جرس ~~ينبه ms63 عن خطأ أو نحو ذلك. # ولسنا نقول إن المصانع كلها قد وصلت إلى هذه الحال، ولكن بعضها قد وصل، وسائرها يتجه نحو هذه ~~الغاية. # وبكلمة أخرى نقول إن الإنتاج في الزراعة والصناعة لم يعد يتجاوز قدرة المرأة، حتى المرأة ~~الحامل. # وقد دخلت المرأة في المصانع وحررت نفسها من الحاجة إلى زوج يعولها. وأصبح الملايين من النساء ~~يعملن ويكسبن عيشهن وهن عزباوات أو متزوجات. وحصلن بذلك على كرامة اقتصادية جديدة جعلت الأزواج ~~يحترمونهن. ولم نعد نرى ذلك الزوج القديم الذي كان يضرب زوجته أو يهينها اعتمادا على أنه هو وحده ~~كاسب العيش. # وصارت المرأة بقدرتها على الكسب تختار زوجها وفق إملاء قلبها. ولم تعد تتزوج الثري الذي يشتري ~~قلبها بالمال. # وهذا الاتجاه إلى تحرير المرأة بالعمل في المصانع سيزداد قوة كلما تقدمت الحركة الأتوماتية ~~التي أشرنا إليها في المصانع؛ لأن القوة العضلية في الرجل سوف تزول أو تنقص قيمتها كثيرا كلما ~~زادت هذه الحركة، وعندئذ لن يقل عدد العاملات في المصانع عن العمال. # وهناك أيضا وسائل تحديد التناسل والامتناع عن الحمل. فإن المرأة الجديدة صارت تقنع بأن تلد ~~طفلين أو ثلاثة أطفال فقط. وهم بالطبع لا يمرضون ولا يموتون كما كانت الحال في القرن الماضي لأن ~~الوسائل الوقائية والعلاجية للأطفال قد زادت. وهذه الحال جعلت المرأة؛ أي الزوجة، حرة في أن تستغل ~~فراغها في ترقية ذهنها وتربية شخصيتها بالاختلاط بالمجتمع والعمل للكسب مثل زوجها سواء. # وليست تربية الأطفال مما يعوق المرأة في أيامنا عن نشاطها واستغلالها؛ فإن الطفل قبل أن يتم ~~سنتين يبقى بالمحضن وبعد ذلك يدخل الروضة. وكلاهما أصلح له في تربيته والعناية به من عناية الأم ~~التي قد تجهل وسائل التربية. # وكذلك الشأن في البيت. فإن الطبخ بالضغط، والأطعمة المجهزة المعلبة، والتليفون، والغسالة ~~الكهربائية، والمكنسة الكهربائية، وسائر المخترعات الأتوماتية، قد جعلت ربة البيت العصرية لا تكاد ~~تؤدي عملا مجهدا في بيتها. بل هي لا تجده. وفي هذه الحال الجديدة تحرير جديد للمرأة. # وهذا الفراغ الجديد سيحمل المرأة على أن ms64 تعنى بالمجتمع، وتنشر الاختبارات، وتحيا الحياة ~~الإنسانية بمسئولياتها العديدة، سياسية وإنتاجية وشخصية وعائلية أكثر مما كانت تفعل جدتها أو ~~أمها. # والقائلون بحجاب المرأة أو بأن البيت هو حقلها الأول يجب أن يسألوا أنفسهم: لم تلزم المرأة ~~البيت أكثر مما يلزمه الرجل؟ # إن الطبخ والغسل والتنظيف بالقوة الكهربائية لا يحتاج إلا إلى دقائق، والتليفون يملي على ~~البقال والجزار قائمة المطلوب منهما، والثلاجة تحفظ مئونة أسبوع أو أكثر، وتربية الأطفال في ~~المحضن ثم في الروضة، خير من تربيتهم في البيت. فماذا تفعل المرأة بالتزامها البيت؟ # إن المخترعات الجديدة تخدم ارتقاء المرأة لأنها حررتها من مشقة العمل في البيت والمصنع وزادت ~~فراغها الذي تستطيع، بل يجب، أن تستخدمه في تربية شخصيتها وترقية عائلتها ومجتمعها. # وإذن فلتدخل المرأة في المجتمع المصري كي تزيده بهاء بجمالها، وحيوية بنشاطها، ولتعمل إلى ~~جنب الرجل في جميع أنواع الارتقاء الشخصي والاجتماعي. # | وزارة للعائلة # جاء في أحد الأخبار الخارجية أن إحدى دول الشمال الغربي في أوربا، لعلها سويد أو نرويج، قد ~~قررت إيجاد وزارة للعائلة؛ وذلك على أثر ما اتضح في السنوات الأخيرة من تفاقم الطلاق بكثرة ~~الراغبين فيه وتشرد الأطفال بسبب الكثرة في الطلاق. # وسوف يكون هدف هذه الوزارة بحث الأسباب التي تؤدي إلى التنافر بين الزوجين، ثم تشجيع الآباء ~~على التناسل المعقول، ورد المكانة إلى البيت حتى يعود كما كان قبل السنوات الأخيرة مكان الولاء ~~والحب والضيافة والتسلية والقراءة والطبخ الراقي والإقامة المريحة ونحو ذلك. # وأنا أؤثر استعمال كلمة عائلة التي اخترعناها قبل أكثر من نصف قرن على استعمال كلمة أسرة التي ~~تشيع خطأ على أقلام كتابنا. # ذلك أن الأسرة غير العائلة. # فإن معجم «أقرب الموارد» يقول عن الأسرة إنها: «رهط الرجل وأهل بيته لأنه يتقوى بهم» ويصف ~~الرهط بأنه: «قوم الرجل وقبيلته». # وواضح من هذه التعاريف أن كلمة «أسرة» لا تدل على المعنى الذي نعنيه منها في أيامنا. وقد سبق ~~للأستاذ عبد القادر المغربي أن أوضح هذا قبل نصف قرن. # ومع ذلك نحن نحتاج إلى الكلمتين. ms65 فإننا نحب أن نحدد معنى «العائلة» بحدودها العصرية؛ أي إنها ~~الزوجان وأبناؤهما لا أكثر. أما الأسرة فيبقى معناها كما هي؛ أي الزوجان وأبناؤهما والأخوال ~~والأعمام؛ أي الرهط. # ولنا مصلحة كبيرة في التمييز بين الكلمتين؛ لأن هذا التمييز يزيد فهمنا وذكاءنا. # فنحن نرث أخلاقنا وعاداتنا الاجتماعية من العائلة فقط، أو كذلك في الأغلب. # ونحن نرث كفاءاتنا الجسمية والذهنية من الأسرة، أو كذلك في الأغلب. # وعلى هذا الأساس نقول إننا في حاجة إلى وزارة للعائلة، وليس للأسرة. # العائلة هي أساس المجتمع سواء كان هذا المجتمع يحيا على المبدأ الانفرادي في العيش مثل الأمم ~~الغربية، فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، أم يحيا على المبدأ الاشتراكي مثل روسيا والصين ~~وبولندا ويوغوسلافيا. # وعائلة حسنة تعني مجتمعا حسنا. وعائلة سيئة تعني مجتمعا سيئا. # والتربية الصحيحة لكل إنسان، والتي لا يمكن أن تقارن بها أية تربية، هي التي نحصل عليها في ~~السنوات الأربع الأولى من أعمارنا. أما بعد ذلك فلا نكاد نحصل على أية تربية ولو عمرنا إلى سن ~~السبعين أو الثمانين. وهذه السنوات الأربع الأولى هي سنوات الطفولة مع الأبوين. ويجب أن تقضى في ~~بيت يحوي إشعاعات من الحب والوئام والذكاء والطيبة والجمال. فإذا كان الزوجان يتنافران فإن الابن ~~يشقى بهما بدلا من أن يسعد. وتتكون في نفسه عقد تلازمه طيلة عمره وتتعسه. # وغضب الأم الذي يحملها على ترك الأب، وغضب الأب الذي يحمله على البقاء خارج البيت معظم وقته، ~~ثم الطلاق الذي يجعل الأبناء يتامى أو يعرضهم للمعاملة القاسية، أو التي تخلو من الحب، على أيدي ~~آباء غير آبائهم، كل هذا يحمل الأطفال على التشرد النفسي لأنهم يفقدون مكان الولاء والحب ويفقدون ~~القدوة ويفقدون حقهم في الأبوة. # وهذا التشرد النفسي في الأطفال يحملهم على التشرد العاطفي، ثم المهني، ثم الجنوح إلى الإجرام، ~~ثم السقوط. # نحن البشر نحتاج إلى روابط تربطنا بهذه الدنيا. وأمتن هذه الروابط هو الأم، ثم الأب؛ أي ~~العائلة. ثم هناك روابط أخرى نعرفها بعد أن يكتمل شبابنا، مثل الثقافة والإنسانية والدين والشرف ... ~~إلخ. ms66 ولكن إذا فقدنا الرابطة العائلية بطلاق الأبوين، ونحن في الطفولة، فإننا في حكم المتشرد الذي ~~لا يرتبط بأي رباط عاطفي أو ذهني. ولن تنفعه الارتباطات الأخرى، بل هي لا تنشأ. # وقد يكون التجاء الأب إلى زوجة أخرى زيادة على زوجته الأولى مساويا في المساوئ والأضرار ~~للطلاق. بل أحيانا يزيد؛ لأنه يحدث تفاوتا في المعاملة يحسه الطفل، كما يثير الشجار بين ~~الزوجين، ويجعل من البيت مكانا للقلق عند الطفل. # وهو قلق يحسه الطفل ويجد أسبابه وهو صغير، ولكنه يحسه ولا يعرف أسبابه بعد ثلاثين سنة فلا ~~يفهم منه إلا أنه مريض شاذ يحتاج إلى العلاج النفسي. # الطلاق وتعدد الزوجات هما كارثة المجتمع المصري؛ إذ ليس لنا عائلة لوجودهما. والعائلة هي ~~الأساس الذي تبنى عليه المجتمعات. # ونعني عائلة ثابتة لا تتزلزل بمتوسط مرة كل خمس أو عشر سنوات بالطلاق أو بزيادة زوجة أخرى ~~تحيل البيت إلى مكان للأسرة (أي الرهط)، وليس للعائلة، أي الزوجين وأبنائهما فقط. # نحتاج إلى وزارة للعائلة تكون وزارة التموين الحاضرة جزءا منها بل جزءا صغيرا؛ لأن ~~اهتمامنا بالأكل يجب أن يكون صغيرا إلى جنب اهتمامنا بجعل البيت هنيئا في شئونه الأخرى، وخاصة ~~شأن الحب بين الزوجين، وشأن الحب بين الأبوين والأبناء، وشأن المكافحة للطلاق وتعدد الزوجات، وشأن ~~تسهيل الزواج بين الشبان والفتيات، زواج بلا مهر أو أثاث. إننا نحتاج إلى «بيت» يتألف من أبوين ~~وأبناء وحب وثقافة وضيافة. ولا نريد أن نقنع بأن نقيم في «منزل» للأكل والشرب. # ومع ذلك سوف يكون لوزارة العائلة أكبر الاهتمام ببناء المنازل. وأكبر الاهتمام بصحة الأفراد ~~في العائلة، وأكبر الاهتمام بالشيخوخة عندما يسن الأبوان ويعجزان عن الكسب. # بل يجب أن نهتم بالعائلة قبل أن نبدأ، وذلك بتعليم الشبان والفتيات وقت عزوبتهم؛ أي قبل ~~الزواج، تلك التفاصيل الدقيقة السامية عن الحب والحياة الزوجية وشرف الأمانة الزوجية وجمال الجسم ~~وجمال النفس. ويجب أن نعرفهم بما يحتاجون إليه من معاني الوراثة والبيئة والمرض الوراثي ... ~~إلخ. # وبكلمة أخرى يجب على وزارة العائلة أن تؤلف كتابا عن ms67 الحب والسعادة بين الزوجين. # ثم عليها أن تؤلف كتابا عن الطبخ. # بل ماذا أقول؟ لقد ألفت إحدى حكومات أوربا هذا الكتاب وكلفها مئات الألوف من الجنيهات ~~وباعته للعائلات، أجل للعائلات، حتى تستطيع ربة البيت أن تحسن الطهو. ولكن، وهنا القيمة العظمى، ~~الذين أشرفوا على تأليف هذا الكتاب أطباء لا طهاة، أليس هذا حسنا؟ يجب أن نتذوق الطعام بعقولنا ~~فنختار الصحيح السليم الذي يغذو، ولا نتذوقه بألسنتنا وأفواهنا فقط فنختار الحلو اللذيذ الذي قد ~~لا يغذو أو لا يكون سليما. # إن وزارة للعائلة في مصر يمكن أن تشتغل بمائة شأن وشأن. وهي تحتاج إلى موظفين متمدنين من ~~العلميين والسيكلوجيين والفلاسفة والقانونيين والاجتماعيين هدفهم جميعا: السعادة لأبناء ~~مصر. # ولكن مركز المرأة في العائلة لا يزال دون مركز الرجل. فإن سيادة الرجل عليها، وإطلاق حريته في ~~الطلاق وتعدد الزوجات، قد جعل مكانتها الاجتماعية منحطة كما جعل مركزها العائلي مزعزعا لا يستقر. ~~وهذه الحقوق التي يستمتع بها الرجل استمتاعا مطلقا استبداديا يؤكد سيادته عليها إذ هو يشهر ~~عليها سلاحا هي عزلاء منه. # واعتقادي أن انتصار المرأة في التعليم، ثم في الميادين الاقتصادية المختلفة، سيضطر الرجال في ~~مصر إلى الاعتراف بالمساواة المطلقة في الحقوق العائلية. ولن تكون هذه المساواة بالطبع ممارسة ~~المرأة لحق الطلاق أو تعدد الأزواج كما يمارسها الرجال؛ فإن هذا هراء. وإنما المساواة سوف تتحقق ~~بحرمان الرجل هذين الحقين. # وعلى كل رجل نبيل الذهن، وعلى كل امرأة تنشد الحق والعدل، أن يسعيا لإلغاء هذين الحقين عند ~~الرجال. ونعني الإلغاء من حيث الحرية المطلقة للطلاق أو التعدد، ورد هذين الحقين إلى هيئة القضاء ~~وحده في محكمة تنتظم في دستور الدولة العام. # | هؤلاء الأمهات # يكاد القارئ لفرويد يحس كأن البيت مكان لعذاب الطفل في السنوات الثلاث أو الأربع الأولى من ~~عمره. وهو عذاب نفسي؛ إذ هو يحب أمه حبا جنسيا غامضا، وهو لذلك يحس كراهية لأبيه وخوفا منه. ~~ثم تنشأ فيه المركبات المؤلفة من الحب للأم والكراهية للأب والإحساس بالخطأ لهذا الموقف، ثم الخزي ~~والندم ms68 لهذا الإحساس. # وتحيا معه هذه المركبات، وتتخذ ألوانا أخرى وصيغا أخرى وتتكون منها حوافز ودوافع في ~~مستقبل العمر قد تنتهي بالدمار الأخلاقي أو المرض النفسي في بعض الأحيان. # ونحس أيضا، ونحن نقرأ فرويد وغير فرويد، كأن الطفل كتلة من الأنانية التي لا يخالطها أدنى ~~بر. وأنه، لهذه الأنانية، شقي بالعلاقات القائمة بينه وبين أبيه وأخوته من ناحية، وبين أمه التي ~~يريد أن يستأثر بحبها ولا يطيق أن يشاركه في هذا الحب أحد من ناحية أخرى. # وليس شك أن بعضا من الأجزاء في هذه الصورة القاتمة صحيح. ولكن الذي لم يتنبه إليه فرويد أن ~~الطفل في أنانيته وحيوانيته يتعلم من الحب الغامر الذي تضفيه عليه أمه حبا آخر يشبه الإيثار ~~وينأى عن الأنانية والحيوانية. # ذلك أن حب الأم لطفلها إيثار. والطفل يستجيب إلى هذا الحب الإيثاري بحب إيثاري مثله، لا لأمه ~~فقط، بل لإخوته ولجميع من يتصل بهم من الناس. بل هو ينشأ على هذا الحب الإيثاري ويعامل المجتمع به ~~لأنه رأى قدوته قبل ذلك في أمه. # ونحن نفرض هنا بالطبع أما حبيبة إلى قلبه، راشدة، عاقلة، كما نفرض وسطا عائليا حسنا من ~~الأخوة إلى الأب إلى الأقارب إلى الزائرين إلى الخدم، إلى غيرهم ممن يؤلفون أحيانا المركبات - ~~أي العقد - للأطفال من حيث لا يدرون. كما نفرض أيضا سعة في العيش بحيث لا يحتاج الأطفال إلى أن ~~يمارسوا الخطف والاغتصاب والسرقة لضيق العيش. # إن مركز الأم بالدراسات الحديثة يكبر في المجتمع، وقيمتها تعلو على أية قيمة في ~~التربية. # الأم هي الأصل في الحب البشري العام. وهي الأصل في الإحساس الإنساني. # الأم هي الأصل للمجتمعات البشرية. # هذا هو ما علمناه بريفولد في كتابه «الأمهات». # أجل، نحن نولد حيوانات كما يقول فرويد، نحس الأنانية والغيرة وننزع إلى الخطف والاستيلاء ~~والنهب. ولكن الأم تعلمنا بحبها الإيثاري لنا، حبا إيثاريا آخر لها ولجميع من نعرف أو نختلط ~~بهم من الناس. # يحدثنا بريفولد عن الإنسان قبل أن يعرف الزراعة ويستقر على بقعة من الأرض لا يغادرها، ms69 فيقول: ~~إن الناس كانوا يجوبون الأرض في البحث عن الجذور الطرية أو الفواكه البرية، أو يتربصون لصيد طائر ~~أو مطاردة حيوان. ولم يكن هناك زواج بحيث يلتزم الرجل امرأة لا يتجاوزها إلى غيرها؛ إذ هو لم يكن ~~يدري أن علاقته بها هي علة التناسل. # ولذلك كان الأطفال يلزمون الأم ولا يعرفون الأب، وكانوا يلتصقون بها في حب وولاء ويجدون على ~~ثدييها لبنا وحنانا ثم يجدون منها بعد ذلك غوثا وإرشادا. # وهذا هو المجتمع البشري الأول: أم تجوب الأرض مع ثلاثة أو أربعة أطفال يسيرون خلفها ويلعبون ~~حولها تربطهم جميعا صلة الحب. ولا يكاد يكون للأب هنا مكان. # ألا ترى أننا ما زلنا نسمي الأقارب «ذوي الأرحام»؟ # ذلك لأن صلات القربى التي عرفناها أيام التجوال والبحث عن الطعام هي صلة الرحم؛ لأننا كنا ~~نلتصق بالأم. # ومن الرحم اشتقت في اللغة العربية كلمة «الرحمة». # فالرحمة هي الصفة التي تربط ذوي الأرحام؛ أي ذوي القربى. # ثم انتقل هذا المعنى الكريم إلى أفراد المجتمع. # انتقل من الأم إلى المجتمع إلى الإنسانية. # وينبهنا بريفولد إلى الخطأ الشائع، وهو الاعتقاد بأن منشأ الحب هو الاشتهاء الجنسي. ويقول إن ~~هذا الاشتهاء أقرب إلى العدوان منه إلى الرحمة والرقة والتعطف. # ذلك أن مرجع الحب هو تعلقنا بالأم. # بل إن هناك صيغة للجنون يلتقي بها السيكولوجيون من وقت لآخر هي أن المريض يحب أن يعود إلى ~~الرحم حين لا يطيق هذه الدنيا، وحين ترهقه الهموم وتصدمه الأحداث. وهو يطوي جسمه كما لو كان ~~جنينا في الرحم. # وشيء من هذا الإحساس نحسه نحن الأصحاء نحو البيت الذي يمثل لنا في أمنه وطمأنينته وعزلته ~~وظلمة أركانه، يمثل لنا الرحم التي كنا آمنين فيها قبل أن نخرج إلى هذه الدنيا المقلقة ~~المخيفة. # أي إننا حين نصبو إلى البيت وهناءته وسعادته إنما نصبو إلى حماية الأم وسكينة الرحم؛ إذ هو ~~رمزهما في عقلنا الكامن. # ولا تزال ذكرى الأم تؤنس حياتنا بعد موتها، وتثير في أنفسنا إحساسات الرحمة والحب والشرف ~~والإنسانية. ولا يستطيع إنسان ms70 أن يكون دنسا أو خسيسا إذا مثلت أمه في ذاكرته. # ونحن نعيب على الأمهات تدليلهن للأطفال، وهذا حق إذا كان هذا التدليل مسرفا. ولكن من منا لا ~~يذكر بالهناء والفرح تلك اللحظات التي وجد فيها من أمه، وهو طفل، بعض هذا التدليل؟ # وأكاد لذلك أن أقول إن شيئا من التدليل يمكن أن يعد حسنا؛ وذلك كي يبقى رصيدا نفسيا نذكر ~~به الأم ونصبو به إلى أيام طفولتنا ونشكر للأقدار ما أسدت إلينا من سعادة. # وإني لأعرف شيوخا وكهولا في الخمسين والستين من أعمارهم إذا ذكروا أمهاتهم ضحكوا ومرحوا كما ~~لو كانوا أطفالا. وعندما أتأمل هذا السلوك أكاد أتساءل: هل نحن نخرج من المهد؟ ألا نعيش فيه طيلة ~~حياتنا من حيث لا ندري؟ أليست عواطفنا ونحن في الخمسين أو الستين من العمر تعود إلى البذور التي ~~زرعتها الأم في قلوبنا أيام طفولتنا؟ # وزرعتها في شيء من التدليل المحبب؛ ولذلك بقيت ثابتة محببة إلى نفوسنا. # إن كثيرا من الكتاب يتحدثون عن السعادة ويذكرون ما يجب وما لا يجب لتحقيقها، وكأنهم ينسون ~~أن الذي يزرع بذور السعادة هو الأم، وأن ذكرياتنا للأمومة هي أكبر دعائم سعادتنا، وأن كثيرا مما ~~نرى في الدنيا إنما نراه بعينيها، وأننا نشهد على الأشياء والناس بضميرها. # وأكبر كارثة تقع بإنسان أن تموت أمه أو تنفصل منه بطلاق وهو طفل؛ إذ هو يحيا بعد ذلك بلا ~~ذكريات حميمة، وبلا روابط أصيلة تربطه بالمجتمع، وقد ينجح في إيجاد روابط جديدة حين يجد أما ~~أخرى قد بسطت عليه أمومتها. # ولكنه، إذا لم يجد هذه الأم المستعارة، يبقى شقيا؛ إذ هو يرى الأثرة ولا يعرف الإيثار، ويجد ~~الخاطفين ولا يجد العاطفين، وتغيب عنه رمزية البيت. كما أنه يعجز عن أن يضفي على زوجته ذلك ~~الإحساس الإيثاري الذي كان يضفيه على أمه. # وعلى ذكر الزوجة وعلاقتها بالأم - أي أم الزوج - نحتاج إلى بيان منير. # ذلك أننا حين نكون على ثديي الأم نحب وجهها ونشغف به، وننشأ ونحن نعد هذا الطراز من الوجه ~~خلاصة ms71 الجمال النسوي. فإذا بلغنا ونضجنا صرنا لا نلتفت إلى أفراد الجنس الآخر إلا إذا كن على ~~طراز أمهاتنا في الوجه والقامة، بل في الصوت والإيماءة. # ولذلك كثيرا ما نجد زوجين يتشابهان إلى الحد الذي نتوهم منه أنهما شقيقان؛ وذلك لأن الزوج ~~عندما شرع يتوسم الوجوه أيام الخطبة ترشحا للزواج لم يكن يجد من صور الجمال سوى تلك التي كانت ~~تشبه أمه. # وما دام هو نفسه يشبه أمه بحكم الوراثة فإنه يختار فتاة تشبهه هو ومن هنا هذا التشابه الكبير ~~بين الزوجين. # إن صورة الأم التي عرفناها أيام الرضاع تبقى ماثلة في أذهاننا طيلة حياتنا. # ليس أبعث في النفس للوعة والشجن من رؤية الأمومة المنهوكة؛ حين نصادف أما قد تجاوزت الخمسين ~~وقد جف ثدياها وانخسف صدرها فإننا هنا نقرأ على وجهها وتفاصيل جسمها تاريخا إنسانيا، هو الجمال ~~الذي فني، والصحة التي تهدمت، والحيوية التي ذبلت. ونوقن أن كل ذلك قد ذهب، جمال وصحة وحيوية، في ~~خلق أطفالها. # إن الأمهات يتمزقن كي يخلقن. # ولقد رأيت صورة الأم مرة واحدة فلم أنسها. # هي أم الرسام الأميركي هويسلر. رسمها ليس كما كان يراها فقط، بل كما كان يشهد ضميره عليها. ~~رسم نفسها أكثر مما رسم جسمها. # رسمها قاعدة على كرسيها، جافة شائنة، ولكنها راضية عن حياتها الذاهبة؛ لأن ابنها يمتلئ حيوية ~~أمامها، ويقوم ويقعد، ويتأملها في فرح، ويحاول أن يخط بريشته خطوط الأمومة التي كان يحس انطواء ~~جسمها عليها. # أليس في نفس كل إنسان هذه الصورة يرسمها لأمه في قلبه؟ # إني كثيرا ما وجدت شعراء كان شعرهم تلفيقا وحياتهم تمليقا، ولكن ما هو أن كانوا يذكرون ~~أمهاتهم حتى كانت تنبجس من قلوبهم العواطف الإنسانية، وحتى كانت تغلي أرواحهم لوعة وشجنا ~~وطربا. # إن الأدب هو التبلور لأخلاق الأمة وخصالها، وأسلوبها في التعبير اللغوي، وإحساسها الفني نحو ~~الأشياء والناس، وتعقلها المتزن للعيش وللحياة. # والأديب الحق هو الشخصية التي تتبلور فيها هذه الصفات على أعلاها وأجملها. # وكثيرا ما أعجب بالأدب الأوربي لأن للأم فيه مقاما عظيما. وما ms72 من أديب عظيم في أوربا إلا ~~وهو يحدثنا الحديث الطويل عن أمه وطفولته التي هنئ بها وعاش يأتنس بذكرياتها. # لقد كتب مكسيم جوركي عن أمه وجدته أكثر من مائتي أو ثلاثمائة صفحة، وأخبرنا بأنه كان يعتقد ~~وهو طفل أن جدته قديسة وأن جثمانها لن يبلى في القبر. وله قصة تدعى «الأم» تقرب من ألف ~~صفحة. # وكثير من القصص الأوربي هو تراجم لمؤلفيها يذكرون فيها حياتهم أيام طفولتهم في أسلوب ~~قصصي. # كان أناطول فرانس على فراش الموت بعد أن بلغ الثمانين، وكانت آخر كلمة نطق بها وودع بها ~~الدنيا: ماما. # | الزوج زميل زوجته وليس رئيسها # كانت الشعائر الدينية في إنجلترا تقتضي أن يقول القسيس للزوجة: «يجب أن تطيعي زوجك!» # ولكن هذه الجملة حذفت لأن كثيرا من العرائس كن يجبن على هذا الأمر بقولهن: «لا». فيثرن ~~الضحك بين المدعوين للعرس. # وتغيرت العلاقة بين الزوجين الإنجليزيين، فلم يعد الزوج رئيسا لزوجته يطلب طاعتها وإنما هو ~~زميل يتساوى بها ويتعاون معها. # إنسان مع إنسانة، رجل مع امرأة، كلاهما على مستوى واحد، ليس أحدهما رئيسا والآخر مرءوسا. ~~وإنما هما زميلان. # ومعنى الرياسة، الذي لا يزال يوجد في بلادنا، والذي يستمتع به الزوج، يجب أن يلغى؛ إذ يجب أن ~~تكون العائلة المصرية ديمقراطية يتساوى فيها الزوج بزوجته، فلا رئيس ولا مرءوس، هو يأمر وهي ~~تطيع. # نحن نحاول أن نجعل مجتمعنا اجتماعيا، يتألف من الرجال والنساء وليس من الرجال فقط. ولا يمكن ~~ذلك إلا إذا كافحنا فكرة السيادة للرجل على المرأة، ومحوناها، وأقمنا مقامها فكرة المساواة ~~والزمالة. # ونحن مضطرون إلى ذلك ولسنا مختارين. # ذلك أن الإنتاج العام يحتاج في مصر إلى أيدي النساء وعقولهن، كما هو يحتاج إلى أيدي الرجال ~~وعقولهم. وفي جميع الأقطار المتمدنة تنتج المرأة وتزيد الثراء العام والقوة الحربية والغذاء ~~والكساء والبناء. # لقد قال لنا الذين زاروا موسكو إنهم رأوا المرأة تعمل في البناء واستغربوا هذا المظهر! ~~استغربوه لأنهم شرقيون متأثرون بعادات فكرية واجتماعية تحملهم على إيثار المرأة العاطلة التي ~~تتعطر، على المرأة العاملة ms73 التي تكافح. # ولكننا في تنازع بقاء مع الأمم المتمدنة فيجب أن ننتج مثلها. وإذا عطلنا المرأة عن العمل فإن ~~إنتاجنا يقل؛ إنتاج السلم وإنتاج الحرب، وعندئذ ننهزم في «تنازع البقاء»، بل قد ننقرض كما انقرض ~~الهكسوس، والحيثيون، والكنعانيون، والبابليون، والميديون، والأنباط، وعشرات غيرهم من الشعوب التي ~~لم تتطور. # إن انقراض الأمم المتخلفة ليس خرافة من خرافات التاريخ بل هو حقيقة. وسبيل البقاء وضمان ~~المستقبل هو التطور والرضا بالتغير؛ كي تزيد القوة بجميع مظاهرها من ثراء إلى عتاد إلى صحة إلى ~~علم إلى أخلاق. # وزمالة المرأة للرجل قوة كبيرة؛ إذ هي تتربى بهذه الزمالة، وتعرف هذه الدنيا الواسعة التي ~~كانت إلى وقت قريب محرمة عليها؛ أي تعرف الإنتاج والكسب وتتخذ أخلاق الرجال في الجد والعمل والدرس ~~والطموح. بل إن الرجل المصري يتربى أيضا بهذه الزمالة، فلا يؤمن بأنه رئيس وزوجته مرءوسة؛ لأنه ~~حين يتعود الزمالة في المدرسة، ثم في المصنع أو المكتب، ينقل هذا الإحساس إلى البيت، فيتعود ~~الزمالة مع الزوجة، فلا يعتقد أن له أن يأمر وعليها أن تطيع. # الزمالة في المدرسة والجامعة من أوجب واجباتنا. ويجب ألا يفصل الجنسان مدة التعليم. وليست ~~المدرسة، وليست الجامعة، مكانا للتعليم فقط، وإنما هما مكان للتربية أيضا. والتلميذ والطالب ~~يتعلمان من المدرس أو الأستاذ، ولكنهما لا يتربيان بالدرس أو المحاضرة، وإنما يحصلان على التربية ~~من الزمالة بين الجنسين؛ ذلك أن الزمالة هي الاجتماع والحديث والعمل المشترك والمناقشة المثيرة. ~~وكل هذا تربية للأخلاق وتكبير للشخصية. # وأولئك الذين يقولون بالانفصال في التعليم إنما يعملون في الواقع لتعويق تطورنا الاجتماعي، ~~ونقص إنتاجنا، والإخلال بتربية أبنائنا وبناتنا. # إننا في «تنازع بقاء» ونحن لا نحتاج إلى أن يقوم بالإنتاج في المصانع والمزارع والمتاجر ~~والمكاتب ثمانية ملايين شاب فقط، إنما نحتاج إلى إنتاج 16 مليونا من الشبان والفتيات. # وإذا لم نفعل ذلك فإن الذين يفعلونه يغلبوننا، ليس في الحرب بل في السلم أيضا؛ وعندئذ ننقرض ~~أمامهم كما انقرض الهكسوس أمام أسلافنا. # وعندما نتزوج على أساس الزمالة والمساواة، يقوم الحب ms74 من الزوجة مقام الاحترام لزوجها. والحب ~~أبر وآمن وأدعم للعائلة من الاحترام. الزوجة التي تحب زوجها خير من الزوجة التي تحترمه. # ولا يمكن الجمع بين الاحترام والحب؛ بل إننا لا نعرف كيف نحترم أحدا إذا كنا نحبه. # ولن يسود الحب البيت إلا إذا كانت الزمالة تأخذ مكان الرياسة. # وليس في الدنيا إنسان يستحق أن يرأس زوجته، وإنما هناك قوانين وقواعد اجتماعية يجب أن تكون ~~لها الرياسة، وأن يخضع لها الجميع رجالا كانوا أو نساء. # إن كل رجل نشأ في مجتمع انفصالي يعد ناقصا في تربيته جاهلا للجنس الآخر، بل هو قد يقع فريسة ~~للشذوذ الجنسي. وكذلك الشأن في كل امرأة نشأت في مجتمع نسوي فقط. # ولا عبرة بأن يقال إن مكان المرأة هو البيت. # لقد كان الشأن كذلك قبل مائة سنة حين كانت أعمال البيت وواجباته تقتضي من المرأة أن ترصد ~~حياتها كلها على خدمة البيت والزوج والأولاد. ولكن هذا البيت القديم كان بيتا غير متمدن. أما ~~البيت المتمدن الآن فلا يحتاج أكثر من ساعة أو نصف ساعة من الخدمة في اليوم كله. ومن الإجحاف أن ~~نقول للزوجة: الزمي بيتك، وابقي معطلة طيلة النهار، وحسبك أن تعملي ساعة في اليوم كله. # هلموا نحو التمدن. # والتمدن هو حق المرأة في الحرية وواجبها في الإنتاج. # بل حقها قبل كل شيء في المساواة بالرجل وزمالتها له، وليس مرءوسيتها له. ms75