######OpenITI# #META# URI: 1377SalamaMusa.MashacilTariqShabab.Hindawi20279628 #META# Tags: literature #META# ID: 20279628 #META# Title: مشاعل الطريق للشباب #META# AuthorID: 40515160 #META# Author: سلامة موسى #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # 1 - يجب أن نمارس الحياة‏ # 2 - الإنسانية أسمى أنواع الذكاء‏ # 3 - الحكمة ثمرة الخبرة‏ # 4 - اجعل حياتك حافلة‏ # 5 - الاستهتار برهان السأم‏ # 6 - لن نخسر المعركة‏ # 7 - يجب أن نتفاءل‏ # 8 - الخوف ضد الذكاء‏ # 9 - الشجاعة سعادة‏ # 10 - أسوأ من الموت‏ # 11 - اطلب الدلالة‏ # 12 - النوم شقيق الموت‏ # 13 - امتحانات الذكاء‏ # 14 - اسأل مجرب‏ # 15 - لا تخش القلق‏ # 16 - لماذا ينتحر؟‏ # 17 - تربية العظماء‏ # 18 - ضرورة الجنون‏ # 19 - الكوارث التي تعلمنا‏ # 20 - شارة الشرف‏ # 21 - كن طالبا طيلة عمرك‏ # 22 - التفكير الذهني‏ # 23 - ماذا تدرس‏ # 24 - أطفال عاشوا ذئابا‏ # 25 - الشعب العظيم‏ # 26 - السخط المقدس‏ # 27 - الحرية فكرة أولا‏ # 28 - الحكومة الخيرية‏ # 29 - فلسفة الأحزاب‏ # 30 - ضيوف الحضارة‏ # 31 - أثمن العواطف‏ # 32 - القلب المهذب‏ # 33 - فلسفة أنا وحدي‏ # 34 - كلمات الكاتب‏ # 35 - الكتب والصحافة‏ # 36 - اختر أدباءك‏ # 37 - النسك والعظمة‏ # 38 - شم النسيم‏ # 39 - عبقرية الصباح‏ # 40 - السياحة‏ # 41 - شرق وغرب‏ # 42 - شبابنا‏ # 43 - أخطر أعمالك‏ # 44 - حول تحديد النسل‏ # 45 - الحب أساس الزواج‏ # 46 - الحب في التوراة‏ # 47 - الحب الأفلاطوني‏ # 48 - ذكاء المرأة‏ # 49 - مساواة المرأة بالرجل‏ # 1 - يجب أن نمارس الحياة‏ # 2 - الإنسانية أسمى أنواع الذكاء‏ # 3 - الحكمة ثمرة الخبرة‏ # 4 - اجعل حياتك حافلة‏ # 5 - الاستهتار برهان السأم‏ # 6 - لن نخسر المعركة‏ # 7 - يجب أن نتفاءل‏ # 8 - الخوف ضد الذكاء‏ # 9 - الشجاعة سعادة‏ # 10 - أسوأ من الموت‏ # 11 - اطلب الدلالة‏ # 12 - النوم شقيق الموت‏ # 13 - امتحانات الذكاء‏ # 14 - اسأل مجرب‏ # 15 - لا تخش القلق‏ # 16 - لماذا ينتحر؟‏ # 17 - تربية العظماء‏ # 18 - ضرورة الجنون‏ # 19 - الكوارث التي تعلمنا‏ # 20 - شارة الشرف‏ # 21 - كن طالبا طيلة عمرك‏ # 22 - التفكير الذهني‏ # 23 - ماذا تدرس‏ # 24 - أطفال عاشوا ذئابا‏ # 25 - الشعب العظيم‏ # 26 - السخط المقدس‏ # 27 - الحرية فكرة أولا‏ # 28 - الحكومة الخيرية‏ # 29 - فلسفة الأحزاب‏ # 30 - ضيوف الحضارة‏ # 31 - أثمن العواطف‏ # 32 - القلب المهذب‏ # 33 - فلسفة أنا وحدي‏ # 34 - كلمات الكاتب‏ # 35 - الكتب والصحافة‏ # 36 - اختر أدباءك‏ # 37 - النسك والعظمة‏ # 38 - شم ms01 النسيم‏ # 39 - عبقرية الصباح‏ # 40 - السياحة‏ # 41 - شرق وغرب‏ # 42 - شبابنا‏ # 43 - أخطر أعمالك‏ # 44 - حول تحديد النسل‏ # 45 - الحب أساس الزواج‏ # 46 - الحب في التوراة‏ # 47 - الحب الأفلاطوني‏ # 48 - ذكاء المرأة‏ # 49 - مساواة المرأة بالرجل‏ # | مشاعل الطريق للشباب # | مشاعل الطريق للشباب # تأليف # سلامة موسى # الفصل الأول # | يجب أن نمارس الحياة # لا أتمالك أن أقول كلمة لشبابنا من الجنسين، وهم يستقبلون كل عام جديد: إنه عام سيزيد ~~أعمارهم سنه فهل هو سيزيدها حياة؟ # إنه يجب على كل شاب أو فتاة أن يولد من جديد في بداية كل عام ... وذلك بأن يراجع حياته ~~الماضية ويقلب صفحات الأصول والخصوم فيها ، ما كسب منها من الأخلاق العليا والعادات الحسنة ~~والثقافة الصحية، والصحة في النفس والجسم، وما خدم به أمته وعائلته، ويقابل هذا بصفحات ~~الخصوم مما خسر ووقع فيه من عادات وأخلاق لا يجب بقاؤها، ومن إهمال للثقافة والصحة، ومن ~~إهمال لخدمة المجتمع. # إن أحسن الأنواع للاستمتاع هو ذلك الذي يزيد حياتنا حيوية وتوسعا وتعمقا، بحيث نحس أننا ~~أحيا مما كنا، ولن يتحقق لنا ذلك إلا بمجهودات متوالية للاستزادة من الحياة. # وإنما نستزيدها بأن ننمو وبأن نتطور وبأن نرقى، وبكلمة أخرى أن نعيش في طموح، وأن ننظر ~~النظرة الايجابية للحياة، فلا نقنع بالإقلاع عن عادة سيئة، وإنما نعمد أيضا إلى اتخاذ عادة ~~حسنة، ولا نقنع بتجنب رذيلة وإنما نمارس فضيلة؛ ذلك لأن الهدم وحده لا يكفي، إذ يجب أن ~~نبني. # فلا تشك أيها الشاب أن ظروفك سيئة وأنها تؤخرك، فأنا أعرف وأسلم بما فعلته بك الظروف ~~السيئة، ولكن ماذا فعلت أنت بها؟ هل سكت وخضعت؟ # إننا نعيش في وسط يؤثر فينا ونؤثر فيه، ويجب أن نؤثر فيه ونغيره، وإذا لم نستطع نغيره ~~فلننقحه، ويجب أن يسعى كل منا لأن تكون لحياته دلالة، يجب أن يكون رجلا يدل. # هناك برنامجا للعام الجديد: ~~(1) # إبطال عادة التدخين واستبدال هواية حسنة بها. ~~(2) # قراءة ودراسة عشرين كتابا عصريا للمؤلفين الجادين الذين يهدفون إلى ~~التنوير. ~~(3) # العودة إلى اللغة الأجنبية التي ms02 كنت قد تعلمتها في المدرسة وكدت أن تنساها، ~~تعود إليها الآن لدراستها والانتفاع بما فيها من مؤلفات متمدنة. ~~(4) # مصادقة الشبان المتطورين الذين يحيون حياة دالة. # وكثيرا ما أتأمل أحد الناس يمارس المحماة أو الطب أو التجارة أو الزراعة، فأجد فيه مهارة ~~وذكاء كما أجد مثابرة وإخلاصا لحرفته، وهو لذلك ناجح في حرفته. # ولكن حين أواجهه وأتحدث إليه نفسا لنفس وأتغلغل في أعماقه وأصارحه حتى أحمله على ~~مصارحتي، لا أتمالك الإحساس بأني إزاء رجل جاهل يحيا في هذه الدنيا ولا يدرى أنه ~~يحيا. # وذلك أن أول ما يجب أن نحترفه في هذه الدنيا أو نمارسه كل يوم ليس هو المحاماة أو الطب أو ~~الزراعة أو التجارة، وإنما هو الحياة. # يجب أن نحترف الحياة ونمارسها. # إننا نحيا على كوكب من الكواكب الصغرى في هذا الكون يحتوي خمس قارات من اليابسة، وهذا غير ~~ثلثيه من الماء، ومن حقنا في السبعين أو الثمانين سنة التي نحياها عليه أن نعرف هذه القارات ~~الخمس وندرس أرضها ونرى جبالها وأنهارها ومدنها وناسها، وأن ندرس مختلف الثقافات واللغات ~~ونتقن اللغة الفرنسية حتى نعرف الأفكار الفرنسية كما ندرس الإنجليزية كيما نعرف الأفكار ~~الإنجليزية والأمريكية. # ومن حقنا أن نختبر فنعرف طرب الحب في شبابنا بل طيلة حياتنا، وأن نجد الأشعار في الأشجار، ~~وأن نعرف الأحياء الأولى في البحار، وأن نقف تحت هيكل الدينصور في متحف باريس ونحيي هذا ~~الأخ القديم الذي انقرض قبل مئة مليون سنة، وترك لنا هيكله الذي يزيد مئة ضعف من هيكلنا ~~كاملا، حتى نتأمل ونفكر ونفلسف. # ومن حقنا أن نقرأ الفلاسفة الذين انحنوا وخضعوا، والذين ثاروا ونهضوا، وأن نفكر أحسن مما ~~فكروا ونجرؤ أكثر مما جرءوا. # ويجب ألا تخدعنا حرفة العيش، حرفة الكسب الجزئية، عن احتراف الحياة الكلية وممارستها، ~~والحياة هي في النهاية حب وجهد، وتطور وارتقاء، وهي اختبار مباشر بلقاء الناس والأرض ~~والمدينة والريف، وهي أيضا اختبار غير مباشر بالكتب نقرأ فيها الفلسفة والعلم والأدب ~~والفن. # ثم يجب ألا نؤجل الحياة، إذ علينا أن نستمتع ms03 بكل هذه الأشياء ونحن بعد قادرون على ~~الاستمتاع، أما إذا أجلنا حتى نمتلئ بالشيخوخة فالدنيا علينا حرام والشيخوخة والموت ~~سواء. # وهذه النظرة للحياة ليست لها قيمة فردية فقط؛ إذ إن لها قيمة أخرى للمجتمعات البشرية، إذ ~~لو كانت الحياة رسالتنا الأولى لكان تفكيرنا الأول يتجه إلى عواملها وليس إلى عوامل الحرب ~~والموت والدمار التي تفكر فيها المجتمعات المتمدينة الآن. # الفصل الثاني # | الإنسانية أسمى أنواع الذكاء # تبدو صفات الذكاء في الناس متنوعة متفاوتة، فهناك الذكاء التجاري الذي يلمع فيه صاحبه ~~الثقوب التي ينظر منها إلى الجنيه والقرش، وهناك الذكاء العلمي الذي يخترع ويكتشف، وهناك ~~ذكاء الأديب الذي يجمع إلى طرب الأسلوب جمال الفكرة، ولكن أعظم أنواع الذكاء وأسماها هو ~~الإنسانية. # ذلك أن الإنسانية هي إحساس وعقل كما هي وجدان وطرب، وحين نكون إنسانين يزداد وجداننا حتى ~~ليحتوي الحيوان إلى جنب الإنسان، بحيث نأنف من إيذاء نملة بلا سبب، وبحيث نكره القسوة في ~~معاملة الدواب قبل الأطفال. # والرجل الإنساني يحيا في هذه الدنيا كما لو كان أما ينظر إلى الناس بقلبه وعقله وليس ~~بعقله فقط، وهو هنا ذكي بل هو يغزو ذكاءه بإنسانيته. # ونحن نجد في أيامنا من يسمون أنفسهم عقلاء وواقعين، يحتقرون الزنوج، ويتهمون الفقراء ~~بالكسل والتراخي والإهمال، ويقسون على الأطفال، ويضربون الحيوان. وكل هؤلاء يحيون كما لو ~~كانوا من الحيوانات بأخلاق الطبيعة الغشيمة والغابة البدائية التي تحيا فيها ~~الحيوانات. # وقد كان الإنسان قبل مئات الألوف من السنين حيوانا، جسما بلا نفس، وكان ذكاؤه أنانيا، ~~أما الآن فإن له نفسا هي إنسانة جسمه، والإنسانية هي الذكاء الاجتماعي، هي كما قلنا أسمى ~~أنواع الذكاء، هي إحساس الأمومة في الأخلاق. # وهناك العبقرية في الإنسانية كما أن هناك عبقريات الفن والعلم والسياسة. # وهذه العبقرية في الإنسانية نجد مثلها في غاندي، وفي شيفتزر، وفي فولتير، وفي تولستوي، ~~وفي دستوفسكي. # إننا نحس حين نتصفح حيواتهم أو مؤلفاتهم أننا إزاء عظماء قد اتسموا بالعبقرية في ~~الإنسانية، وقد اتسعت قلوبهم للشعوب جمعاء، مهما اختلفت ألوانهم أو لغاتهم، يكرهون ms04 التعصب ~~والقسوة ويساوون بين الناس، وإذا كنا في محنة العالم الحاضرة نأسف أجزع الأسف على شيء فهو ~~أن الذكاء العلمي يسود العالم ويخترع القنابل والغازات وحرب الميكروبات والطائرات، بدلا من ~~أن يسود أمثال هؤلاء العباقرة في الإنسانية الذين ينظرون إلى العالم نظرة الأم ~~لأبنائها. # الإنسانية هي الذكاء الكلي، هي الذكاء المحيط، هي الجمع بين العقل والإحساس. # الفصل الثالث # | الحكمة ثمرة الخبرة # وليم بليك من الشعراء الإنجليز الذين عاشوا في أواخر القرن الثامن عشر وعاصروا الثورة ~~الفرنسية الكبرى. # ألف - قبل هذه الثورة - مجموعة من القصائد أطلق عليها اسم «أشعار البراءة»، أما بعد ~~الثورة فإنه ألف مجموعة أخرى أطلق عليها اسم «أشعار الخبرة». # والبراءة عند بليك تعني السذاجة وما فيها من معان، فالطفل ساذج بريء، والعذراء ساذجة ~~بريئة، والإنسان البدائي يمثل السذاجة أي البراءة الأولى أو الجهل الأول، والرجل الذي يحيا ~~بلا تفكير بريء ... إلخ. # والمعنى أن كل هؤلاء أطهار لأنهم سذج لم يختلطوا بمجتمع متمدن يعرفون منه ألوان الفساد، ~~فتدخل في قلوبهم الإحساسات الاجتماعية التي كثيرا ما تلابس الرذائل، أو لم يفكروا بل قنعوا ~~بالعقائد دون الحقائق. # ولكنه بعد الثورة ألف «أشعار الخبرة» فرفع من شأن الخدمة التي نجنيها من اختباراتنا ~~الماضية. # والحقيقة التي نحس جذورها في قلوبنا أننا نستجمل البراءة حتى ولو كانت براءة الجهل ~~أحيانا، ولكننا عند التفكير نؤثر حكمة الاختبار. # فنحن مثلا نستجمل الفتاة العذراء ونؤثرها على الأرملة، كما نستجمل الصبي الساذج ونؤثره ~~على الرجل المجرب، هذا في الوهلة الأولى، أما بعد التفكير فإننا نؤثر التجربة في الرجل ~~والمرأة ونجد فيها حكمة؛ ولذلك نضطر إلى التسليم بأن الأرملة خير من العذراء لأن الأرملة ~~التي كانت متزوجة مارست أخلاق الرجل وإدارة البيت وتربية الأطفال، ومعاملة المجتمع الذي ~~تتصل به في شئون زوجها وأبنائها، ثم حملت الهموم بشأن مستقبلهم، هذه الأرملة تجني من جميع ~~هذه الاختبارات حكمة للعيش وفلسفة عن الحياة. # ولكن الشاب العادي يؤثر عليها الفتاة العذراء التي لم تختبر ولم تجن قط حكمة من معاشرة ~~زوج سابق، هذا ms05 هو الشاب العادي، أما الشاب الذي يفكر والذي ينشد الإيناع في نفس المرأة فإنه ~~يؤثر الأرملة على العذراء. # وقد كان الشاعر بليك يستجمل البراءة، فلما حدثت الثورة الفرنسية، واختمرت في قلبه مبادئها ~~واشتبك في الأفكار التي بعثتها حوادثها، وناقش كلمات الحرية والمساواة والإخاء والجمهورية ~~وحق الشعب في السلام ونحو ذلك؛ تغيرت نفسه فأصبح يؤثر الحكمة والخبرة على السذاجة ~~والبراءة، أي إنه بلغ سن الرشد أو النضج. # وهذا شأن الناس جميعا يجدون في السذاجة حلاوة إذا كانوا غير ناضجين، فإذا نضجوا نفروا من ~~هذه السذاجة وما تحمل من جهل، ونشدوا الحكمة التي تثمرها الخبرة. # الفصل الرابع # | اجعل حياتك حافلة # كي تكون ذكيا يجب أن تدرب ذكاءك وتبسط ذهنك على ميادين مختلفة، ولا تصدق من يقول لك إن ~~هناك عباقرة يولدون موهوبين بالذكاء الخارق كما تولد الفتاة بالجمال الخارق؛ ذلك أن الذكاء ~~مع تفاوت مقاديره بين الناس لا يصل إلى درجة العبقرية إلا بالاختلاط بشئون المجتمع والتقلب ~~في مصالحه وأعماله. # فإذا حفلت حياتنا بالاهتمامات الاجتماعية وترددت أذهاننا فيها ظهر نبوغنا بل ظهرت ~~عبقريتنا، ولهذا السبب يجب ألا يكون لنا اهتمام واحد أو اهتمامات قليلة محدودة؛ لأننا حين ~~نفعل ذلك نحدد الميدان الذي يعمل فيه ذكاؤنا فلا يجد القوة أو التلقيح اللذين يزيدانه حدة ~~وبصيرة. # فلا تكن رجل عمل فقط، ولا رجل ذهن فقط بل كن الاثنين، ولا تكن أدبيا فقط أو عالما فقط ~~أو فيلسوفا فقط بل كن الثلاثة، كذلك لا تقتن ثروة واحدة فقط مثل المال، بل اقتن جملة ~~ثروات مثل المال والصداقة والثقافة والحب؛ أي يجب أن تساهم في جميع هذه الأشياء وتحيا على ~~مستويات مختلفة فيها كما لو كانت حياتك جملة حيوات. # وبهذه الحيوات المتعددة، وبهذه الاهتمامات المتعددة نحس السعادة، ولا يمكن أن تبتئس بل لا ~~يمكن أن تتراخى وتفقد النشاط؛ لأنه عندما تضيع منك ثروة تجدد أخرى، وعندما يضعف اهتمامك ~~بشيء تجدك قد اهتممت بآخر. # مارس عملا بيدك وادرس شيئا بعقلك، كان تولستوي يصنع الأحذية بيده ويكتب القصص ms06 بذهنه، ~~وكان يحرث الأرض ويقرأ الشعر. # أجل يجب أن تكون حياتنا استيعابية تستوعب أكبر مقدار من الاهتمامات، ويجب ألا نتخصص إلا ~~بمقدار ما نكسب لقوتنا في عمل معين، أما بعد ذلك - بعد الكسب للقوت - فإن رائدنا في الحياة ~~يجب أن يكون التعميم لا التخصيص. # ولا تقل إن العمر قصير، فإنه يطول ويتضاعف إلى ثلاثة أو أربعة أضعافه عندما نكثر من ~~الاهتمامات الاجتماعية والسياسية والأدبية والعلمية التي تحفل بها حياتنا ويزيد بها ذكاؤنا، ~~وعندما يزيد حبنا للدنيا والناس والكون، فنحس لذة الحياة فلا نسأم ولا نبتئس؛ إذ كيف نبتئس ~~ولنا جملة ثروات ننفق منها. # الفصل الخامس # | الاستهتار برهان السأم # كثيرا ما تنخدع برؤية بعض الناس يلهون ويستهترون ولسان حالهم يقول: «نعيش اليوم لأننا لا ~~نعرف إذا كنا سنحيا في الغد». # والذي يخدعنا في هؤلاء الناس أننا نعتقد أنهم سعداء قد حلوا مشكلة الوجود واستقروا على أن ~~الأسلوب الأمثل للحياة هو أن نحيا في مسرات متوالية نأكل ونشرب، وغدا نموت. # ولكننا عندما نتأمل حالهم ونتحدث إليهم نجد أنهم في غمرة من التشاؤم والحزن، قد سئموا ~~الحياة وضاقوا بها إذ لا يجدون أية دلالة لها، وهم كلما شملهم السأم والحزن عمدوا إلى ~~المسرات الرخيصة التي تسري عنهم تفاهة هذه الحياة التي يحيونها، واستهتارهم في الأخلاق ~~وإقبالهم على الشراب أو الطعام إنما يعود كل ذلك إلى عجزهم عن أن يرفعوا أنفسهم إلى المقام ~~الذي يشعرهم بالكرامة والسمو، وإلى عجزهم عن أن يؤدوا عملا أو يقوموا بنشاط يجعل لحياتهم ~~دلالة. # إن خلو الحياة من الدلالة هو الذي يجعل الشاب يتساءل: لماذا أعيش؟ ومتى سأل هذا السؤال ~~ولم يجد الجواب الشافي فإنه عندئذ يستهتر، بل هو قد يرتكب الجرائم الأخلاقية البشعة لأنه ~~لم يعد يجد الدلالة في الاستقامة والشرف، ولا نقول العظمة والمجد. # كيف إذن نوجد الدلالة لحياتنا؟ نوجدها بأن ننشئ، نبني، نشيد. نؤدي من العمل ما نرى نتائجه ~~تنمو أمام أعيننا فنفرح ونحس أن المستقبل جزء من الحاضر؛ لأن هذا العمل سيطرد في نموه في ms07 ~~السنين القادمة، أي في هذا المستقبل. # نبني أنفسنا، نبني شخصيتنا، أو نبني غيرنا بالتربية والتثقيف. # وتجري عملية البناء يوما بعد يوم فتشعرنا بتطورنا وارتقائنا وعندئذ نجد الدلالة ~~وهي: # أنا أحيا لأني أرتقي، ولأن لنفسي امتدادا في المستقبل يجعلني أتفاءل وأفرح، فلا أحتاج ~~إلى أن أقول: لنأكل ونشرب وغدا نموت. # إن هذه الكلمات التي تحمل معنى التشاؤم بالمستقبل، ومعنى التفاهة في حياتنا الحاضرة، ~~ومعنى الركود والانحلال، هذه الكلمات لا يمكن أن تخطر بعقل الشاب الذي يجد الدلالة لحياته ~~لأنه يتطور ويرتقي، ولأنه يبني شخصيته. # ومن الأخطاء الفاضحة ظن الكثير من الناس أن الشبان المستهترين أكثر استمتاعا بحياتهم، ~~وان كانوا أقل انتفاعا من الشبان الجادين. # ومنشأ هذا الخداع أننا نرى الشاب المستهتر يعيش في اللهو، يسهر ويتبع شهواته الدنيا، ~~وينغمس في التدخين أو السكر، ولا يتعب في كسب ولا يؤدي خدمة تحتاج إلى الدرس والجهاد، ~~وهو ضاحك من هموم الدنيا هازئ بالمستقبل لا يبالي بالواجبات الاجتماعية أو الرقي ~~الشخصي. # ونرى أن الشاب الجاد في تعب، يجهد ويعرق ويفكر كثيرا ويحمل أعباء من الهموم ~~والاهتمامات، ويضطلع بالمسئوليات المادية والروحية، وهو رزين في حديثه يقتصد في كلماته ~~وابتساماته، ينام ليله ويسعى نهاره في طلب الرزق أو ترقية شخصيته بالدرس. # والمقارنة بين هذين الاثنين توهمنا أن الأول سعيد باستهتاره والثاني شقي بجده، ولكن هذا ~~خطأ فاضح؛ لأن استمتاعات الشاب الجاد تسير على مستوى أعلى من استمتاعات الشاب المستهتر، كما ~~أنها تمتد إلى عشرات السنين في المستقبل في حين تنقطع استمتاعات الشاب المستهتر قبل أن يبلغ ~~الأربعين أو الخمسين. # إن المستهتر يحيا بلا حياة تنتظره في النصف الثاني من عمره، في حين يحيا الجاد حياته كلها ~~إلى يوم وفاته، الأول - أي المستهتر - يقف عند الأربعين أو الخمسين بلا اهتمامات روحية أو ~~ثقافية أو فنية أو اجتماعية، وبلا رسالة، وفي أغلب الأحيان بلا صحة، أما الثاني - أي الجاد ~~- فإنه ربط نفسه منذ العشرين أو قبلها بروابط الارتقاء الشخصي والخدمة الاجتماعية ~~والاستطلاعات الثقافية، فهو شاب يرقص قلبه بطرب ms08 الحياة حتى ولو تجاوز المئة من ~~العمر. # وطرب الحياة ليس كأسا من الخمر أو وجبة لذيذة من الطعام أو صبوة غرامية، لأننا مهما ~~التذذنا هذه المتع فإننا نعرف أنها زائلة موقوتة وأنها دون ذلك الانتعاش الذهني الذي ~~نحسه من الوقوف على نظرية في الفلسفة أو العلم، أو ذلك الارتياح الجميل الذي يغمرنا حين ~~نؤدي خدمة بارة للمجتمع، أو تلك اللذة الحميمة التي نحس بها حين نجول في أيام الربيع؛ فإن ~~طرب الحياة هنا باق غير زائل، ونحن نستمتع به طوال أعمارنا. # كثيرا ما أجد رجلا في العقد السابع أو الثامن من عمره قد تعددت اهتماماته فتوافرت له ~~بذلك استمتاعاته؛ لأنه أخذ حياته منذ شبابه مأخذ الجد ولم يستهتر، في حين أن أولئك ~~المستهترين أيام شبابهم لا يكادون يبلغون الستين من العمر حتى يحسوا الحيرة وحتى يتساءلوا ~~في عجب: لماذا هم أحياء؟ # أيها الشباب استمتع بالجد الباقي ولا تستمع باللهو الزائل. # الفصل السادس # | لن نخسر المعركة # من أقوال روزفلت الرئيس السابق للولايات المتحدة: إنه ليس هناك معركة نكسبها تماما أو ~~نخسرها تماما. # والمعنى الذي قصد إليه أن المعركة التي نظن أننا كسبناها كثيرا ما تحتوي عناصر الهزيمة ~~بالإهمال في المحافظة على موقف الانتصار، وكذلك المعركة التي نظن أننا خسرناها قد تحتوي على ~~عناصر الانتصار؛ لأنها تبعث في نفوسنا إرادة الانتصار وإصلاح الأخطاء السابقة ثم النهوض ~~للثأر. # وهذا هو شأننا في الحياة العامة أيضا، فإننا كثيرا ما نفقد انتصاراتنا بالإهمال، ~~وكثيرا ما نحيل الهزيمة إلى انتصار. # فقد يحصل الشاب مثلا على شهادته الجامعية التي تشهد له بدراسته السابقة، ثم ينام عليها ~~فلا تنتهي سنوات حتى ينسى ما تعلمه وكان يجب عليه أن يثابر على الدراسة بعد تخرجه من ~~الجامعة حتى تتصل درجات ارتقائه. # وكذلك قد يحب الشاب فتاة ويتعب ويعرق حتى يحصل على يدها ويتزوجها، وهي تحبه لأنها وجدت ~~منه الشغف بها والرغبة في إسعادها، ولكنه بعد الزواج يكف عن الإعجاب بها أو عن إبداء الحب ~~لها أو الظهور بمظهر الرجولة الذي ms09 كان يعجبها منه، فيستحيل حبها السابق له جمودا أو فتورا ~~قد ينتهي بالنفور والشقاق. # فنحن هنا إزاء انتصارين انتهي كلاهما بالهزيمة؛ لأن الشاب لم يستيقظ إلى ضرورة المحافظة ~~على انتصاره. # وكذلك الشأن في الهزيمة؛ فإن الإفلاس الذي قد يصاب به أحد التجار قد يبعث فيه همة جديدة ~~وطموحا أكبر، فهو يعرض لحياته الماضية ويدرس أخطاءه السابقة التي انتهت به إلى الإفلاس، ~~فيتوقاها في المستقبل ويشرع في كفاح جديد، فلا تمضي عليه السنوات حتى يكون قد أحال هزيمته ~~إلى انتصار. # وهذا هو ما تجده أحيانا في الشاب الذي لم ينجح في المدرسة أو الجامعة، ولكنه يشق لنفسه ~~طريقا وعرا في الحياة ينتهي به إلى القمة التي لا يبلغها من تفوقوا عليه في الدراسة ~~المدرسية أو الجامعية، وكأن «مركب النقص» الذي نشأ فيه من تخلف في التعليم قد أصبح بؤرة ~~التفوق وليس بؤرة التخلف. # ففي هذين المثالين من الهزيمة نجد أن بذرة الانتصار كانت كامنة فيهما وأن الكبوة قد أدت ~~إلى نهضة. # وفي هذا مصداق كلمة روزفلت: ليست هناك معركة نكسبها تماما أو نخسرها تماما، فلنذكر هذه ~~الحكمة فيما يصادفنا في الحياة. # الفصل السابع # | يجب أن نتفاءل # كنت أتحدث إلى كبير من الصحفيين فألفيته في غاية التشاؤم، فإنه كان يعدد لي مساوئ الحكم ~~وسفه المعارضة، وتفشي الرشوة والفهم السيئ للحضارة العصرية، وانخفاض المستوى التعليمي بين ~~الطلبة وانخفاض المستوى الثقافي بين الصحفيين ... إلخ. # واعترضت عليه لأنه يبالغ في تقدير هذه المساوئ، وإن هذه المبالغة هي نتيجة لتشاؤمه وليست ~~صورا صحيحة للواقع، وقلت له في النهاية إني لو تشاءمت مثله لما استطعت أن أكتب حرفا؛ لأن ~~التشاؤم يشل التفكير ويعطل الإرادة ويجمد النفس، ونصحت له بأن يعالج نظامه الهضمي إذ ربما ~~يكون تشاؤمه لإمساك القولون أو كسل الكبد. # وعدت إلى مكتبي أفكر في هؤلاء المتشائمين الذين لا ينشطون إلى عمل؛ لأنهم حين تحيط بهم ~~عيشة الشك يتوقعون الظلام بدلا من أن ينتظروا الصباح. # وكثيرا ما يندس هذا التشاؤم في نفوسنا ويركد كما لو كان ms10 العكر الراسب، وهو يغمر ~~حياتنا فنعمى على الألوان الزاهية ولا نرى غير الألوان القاتمة، وعندئذ تهون علينا القيم ~~البشرية السامية فلا تطمح إلى الرتب العالية من الوجدان والفهم، ويهون علينا عملنا فنؤديه ~~كارهين بلا نشاط. # وقد ننتهي من هذه الحال إلى أن خير أحوالنا أن نقنع باللذة الحسية وأن نتجاهل هذه الدنيا ~~وهمومها بالخمر أو غيرها مما ينقلنا إلى حالة قريبة من الموت لأننا نكون عندئذ بلا ~~حياة. # إن الحياة الحيوية هي التفاؤل، وهي الإيمان بأننا سنرقى على الرغم من كل المصاعب ~~والعقبات، وهذا الإيمان هو الذي يبعث في نفوسنا النشاط، وهو الذي يجعلنا نرضى بالتضحية كي ~~نسعد في مستقبلنا أو كي يسعد وطننا أو أبناؤنا، وإني لواثق بأن هؤلاء النبلاء من شبابنا ~~المضحي إنما يغامرون ويقتحمون لأنهم متفائلون بالنتائج، وإني لواثق بأن هؤلاء النبلاء لو ~~سلك إليهم التشاؤم لما عملوا ولما كافحوا. # ولست أتجاهل رذائلنا ونقائصنا، بل مقابحنا. ولكني أعتقد أنه عندما نجيل النظرة العامة ~~لأحوالنا كلها نجد ما يبرر التفاؤل بمستقبلنا والأمل القوي بأننا سوف نستقبل الصباح الذي ~~يشرق بأشعة الشمس ويزدهي بنضرة الحياة. # يجب أن ندين بدين التفاؤل والتيمن ونقتحم المستقبل باسمين، بل ضاحكين، ننشد النجاح والخير ~~والشرف، ونمارس الحب والإخاء، ونكافح المرض والفقر والجهل في أنفسنا وفي أمتنا، ونرتفع إلى ~~الآفاق العالية من الإنسانية بالجد في دراسة هذا العالم والدأب في الارتقاء الشخصي، طامعين ~~في إخلاص وشرف لإخضاع المستقبل لآمالنا وأحلامنا. # الفصل الثامن # | الخوف ضد الذكاء # أعظم الأعداء للتفكير السليم ولا نقول التفكير العبقري هو الخوف. # ونحن نخاف كثيرا، نخاف العرف الاجتماعي؛ ولذلك نستهدف الوقار فلا ننزع الطربوش مثلا إلا ~~بعد مجهود كبير، وقد يخاف الأديب الصراحة فيخرج أدبه وقورا لا تجد فيه سوى الكلمات ~~والعبارات المألوفة التي لا تبعث على تفكير أو سخط، يخاف المخالفة للتقاليد أو العقائد ~~الاجتماعية العامة، فهو يفكر وهو محاط بسياج منها يجمد ذهنه ويمنعه من الوثوب. # والخوف يحملنا على أن نسلك السلوك الاجتماعي، لا شك في ذلك، ولكنه أيضا يحول ms11 بيننا وبين ~~حرية الذهن والابتكار والتطور، بل أحيانا يزيد الخوف فيجعل الخائف مريضا عاجزا عن ~~التفكير البسيط العادي، وكثيرا ما نجد الذكاء لهذا السبب في الطفل المدلل الذي لم ~~يخوف في طفولته وإن كنا نجد إلى جانب ذلك نزقا في أخلاقه. # ولكن الطفل الذي ذلل وأخضع وهو صغير قلما يبتكر في تفكيره، إذ هو ينشأ خاضعا ~~يقبل أي وضع اجتماعي. # وقل مثل ذلك في المرأة، فإننا نعنى أكبر العناية بتخويفها من المجتمع حرصا على ~~سلامتها الأخلاقية؛ ولذلك قلما نجد فيها إقداما، بل هي تمتنع بباعث داخلي عن بحث موضوعات ~~عديدة لأنها تخافها، وعندئذ - أي بسبب هذا الخوف - تبدو كما لو كانت غير ذكية. # إن أول شرط للذكاء هو حرية التفكير أي التفكير بلا خوف. # فذكاؤنا ينقص عندما ننشد الوقار في الكتابة، وأكاد أقول إن الكاتب العبقري هو الكاتب ~~الحر، وأعني بالحرية أنه لا يرتبط بمذهب سياسي معين أو بتقاليد أديبة أو اجتماعية؛ لأنه حين ~~يرتبط بقيم وحواجز يمنع بها نفسه عن التفكير فيما يخالف هذا المذهب أو هذه التقاليد. # وليس هناك مفر من أن نخوف أبناءنا لأن هذه الدنيا التي سيحيون فيها تحتوي الكثير ~~من الأخطار، ولكننا نعطل ذكاءهم إذا أسرفنا في تخويفهم. # إن دنيانا تحفل بالذكاء ولكنها تفتقر إلى الشجاعة، وهي تحتاج إلى التغير والتطور بل تحتاج ~~إلى الثورة، ليس على المستعمرين والمستبدين فقط وإنما على التقاليد التي تمد يدها الميتة ~~عبر القرون المظلمة، فتشل إرادتنا، وتجمد حركتنا الارتقائية، وتبقينا مرتبطين بالماضي لا ~~نخطو ولا نثب إلى المستقبل. # الفصل التاسع # | الشجاعة سعادة # متى يكون الجندي شجاعا؟ # يكون شجاعا حين يؤمن بأنه يدافع عن شأن أو مبدأ أو شرف، وحين يحس أن كل هذه الأشياء أو ~~واحدا منها هو أكبر قيمة من حياته، وأنه لو قتل في سبيل واحد من هذه الأشياء فإن غيره ~~من الجنود سيثابر على الدفاع عنه، وأن النصر بذلك محقق سواء على يده أو يد غيره بشجاعته أو ~~بشجاعة من يقاتلون بعد موته، هذا هو الجندي ms12 في الجيش. # ولكن للشجاعة ألوان أخرى؛ فإن الكاتب يكون شجاعا حين يحس أن دفاعه عن مبدأ أو مذهب لن ~~يكون عبئا؛ إذ هو واثق بأن المستقبل كفيل بانتصار هذا المبدأ أو المذهب. # وبكلمة أخرى إن كلا من الجندي والكاتب يشجعان حين يؤمنان بالمستقبل ويثقان بالنصر، إن ~~لم يكن بقوة كفاحهما فبقوة الكفاح الذي يكافحه من يتسلمون السيف والقلم بعدهما. # وبكلمة أخرى أيضا نقول إن الكاتب الشجاع والجندي الشجاع يتفاءلان بالمستقبل، وإن التشاؤم ~~عندما يتسلل إلى قلبيهما يتسلل الجبن أيضا إليهما. # نحن شجعان عندما يكون ميدان تفكيرنا أو اهتمامنا في المستقبل، وعندما نؤمن به ويتحقق ~~انتصارنا فيه. # لهذا السبب نستطيع أن نقول إن أساس الشجاعة هو إحساس السعادة، أي هو الإحساس بانتظار ~~النصر، والتفاؤل الدائم بأن ما ندافع عنه من وطن أو مبدأ أو حق سوف يتحقق، وإذن نحن نرضى ~~بأن نفقد حياتنا كي تحيي ما هو أكبر منها، أو تحيي الوطن أو المبدأ أو الحق. # وكما أن إحساس السعادة والفرح يرافق الشجاعة كذلك إحساس التعاسة والحزن يرافق الجبن؛ ذلك ~~لأننا نجبن حين نتشاءم، أي حين نحس أن المستقبل ليس لنا وأن من العبث أن نستشهد في سبيل ~~مبدأ أو وطن أو حتى لأننا غير واثقين بالنصر النهائي. # وإذن نستطيع أن نقول إن الشجاعة هي أعظم الفضائل الاجتماعية، وإن المجتمع الحسن، بما يبعث ~~في أفراد عائلته من الأمل، يملأ قلوبهم شجاعة وسعادة ويحملهم على الإنجاز والخدمة والتضحية. # هل يمكن أن يكون الجندي الفدائي مجرما؟ # هل يمكن أن ينتحر؟ # الجواب: # لا، بل لا قطعا # ولكن لماذا لا؟ # لأنه قد جعل حياته غالية فلا يرضى لها بأي عمل رخيص دنيء فضلا عن عمل إجرامي، ثم هو قد ~~وهب نفسه لعمل عظيم فعظمت نفسه بهذا العمل العظيم، وهو لا يمكن كذلك أن يفكر في الانتحار ~~لأنه يحس أن حياته كبيرة القيمة وأنه يؤدي بها خدمة عظيمة لوطنه وأن استقلاله يحتاج ~~إليه. # وإذن نحن نستخرج من مثال هذا الجندي الفدائي عبرة، هي أن الخدمة الإيثارية ms13 ضرورية لكل شاب ~~كي يحس أن حياته غالية سامية. # يجب على كل شاب أن يؤثر على نفسه، يؤثر الوطن أو الإنسانية أو الشرف أو الخير. # وذلك بأن يخدم ويتعب لغيره، فيحاول أن يرفع ظلما، أو يصل إلى هدف شريف، أو يحقق برنامجا ~~سياسيا أو اجتماعيا يعتقد سداده، أو يعاون يتيما، أو يكافح استعمارا، أو يتصدى ~~لاستبداد. # وهذه الخدمة الإيثارية هي التي تكسبنا السعادة وتجعلنا نحس القيم الروحية العليا التي ~~نحيا بها على المستوى الرفيع. # والشاب الذي يحس هذه القيم يحس أيضا كرامة شخصية ترفعه عن الدنيا، وتحمله على أن يلتزم ~~الفضائل السامية، وعندئذ تستحيل هذه الخدمة الإيثارية خدمة ذاتية، أي إن الشاب ينفع نفسه ~~حين ينفع غيره؛ ذلك أننا نرتفع ونعظم حين نأخذ بالدفاع والعمل في شأن اجتماعي عظيم. # إن هناك كثيرين ممن لم يفكروا أو لم يتعمقوا شئون هذه الدنيا، وهم يحسبون أن السعادة ~~بالملذات والشهوات، ولكن الحقيقة أننا لا نطلب هذه السعادة، إذ هي في صميمها حيوانية، لأن ~~سعادة الرجل الناضج هي كفاح إنساني يغمر شخصيته ويبعثه على النشاط ويربطه بالمجتمع ويجعله ~~يحس بأنه عضو نافع. # وهناك أنواع كثيرة من هذا الكفاح فإن الشاب الذي يدرس علما أو فنا هو مكافح، وكذلك ~~الذي يدرس السياسة وينتهي إلى برنامج للإصلاح هو أيضا مكافح، وكلا هذين يجد أن العمر قصير ~~في هذا الكفاح؛ ولذلك لا يمكن أحدهما أن يسأم أو ينحرف أو أن يسقط. # ولكن هناك أيضا ميادين أصغر؛ فإن الانتماء إلى جمعية خيرية لتربية اليتامى أو مساعدة ~~الأرامل أو تعليم العميان يملأ القلب كرامة والعقل تفكيرا ويكبر الشخصية. # إن الواقع أن الإنسان أكبر من ذاته، أو هو لا يكبر إلا إذ تجاوز ذاته ونزع من الأثرة إلى ~~الإيثار؛ أي خرج من نطاق الأنانية الفردية إلى نطاق الغيرة الاجتماعية. # وهذا هو الذي يجعلنا نعجب بالفدائيين، ونعجب بالشجاعة والشهامة، لأن هاتين الفصيلتين ~~تعنيان الإقدام والتضحية بالذات في سبيل غير اللذات، أي تعنيان الإيثار. # وليست الأمومة في جمالها سوى هذا الإيثار الذي ms14 يشع منها حين تجوع الأم كي تشبع طفلها، ~~وليس الحب في روعته سوى هذا الإيثار الذي يؤثر به كل من المحبين الآخر، وليست الجندية سوى ~~إيثار الشعب - شعبنا الذي ننتمي إليه والذي هو أسرتنا الكبرى - على أشخاصنا، ولن نحس ~~السعادة الداخلية العميقة إلا حين نؤثر على أنفسنا. # الفصل العاشر # | أسوأ من الموت # أسوأ من الموت بعد انتهاء الحياة هو الموت قبل انتهائها، ونحن نموت جملة مرات دون أن ~~ندري. # فنحن نموت وقت اليأس، حين نخاف من المستقبل وتذهب آمالنا فيه، وعندئذ نحلم بالماضي ~~ونجتر ذكرياتنا؛ إذ لا يبقى لنا من آثار الحياة غيرها، وكثيرا ما نجد أعراض هذا الموت ~~بادية على وجوه الذين أقيلوا أو استقالوا من عملهم، وكأنهم قد استقالوا من الحياة، فهم ~~راكدون هامدون وكأنهم أشخاص منتهون. # ونحن نموت حين نكره التطور، فلا نستطلع، ولا ندرس، ولا نخترع، بل نجمد ونقنع كأنه ليس في ~~الإمكان أحسن مما كان، وكثيرا ما نرى أعراض هذا الموت على أقصاها في رجل قد تغلغل فيه ~~الموت حتى ليكره مغادرة مدينته إلى مصيف أو مشتى لقضاء بضعة أسابيع، بل هو أحيانا يكره أن ~~يقرأ كتابا خشية أن يتغير به مذهبه في الدنيا. # وأحيانا نموت حين نحيا الحياة السلبية، نحجم ولا نقدم، ونكف ولا نقبل، ونتجنب ~~المخاطرة، ونقول: «لا» لكل ما يخالف عادتنا ومألوفنا. فنعيش في نسك ولكن دون أن ~~نحيا. # ونموت أيضا حين نقول: لا جديد تحت الشمس. فلا نأخذ بجديد ولا نبالي اكتشافا أو ~~اختراعا، ولا نؤمن بارتقاء، ولا نكافح شرا، بل نحافظ على قديمنا إيمانا بأن كل جديد هو ~~قديم. # ونحن نبرر هذا الموت في حياتنا بالقناعة أو التواضع. إننا يجب أن نكون حيويين في حياتنا ~~نحياها على مستوياتها وقممها العالية، فلا نرضى فيها برخيص ولا نقنع منها بقليل، بل نهدف ~~إلى العالي والغالي، والرخيص هو القنوع بالمال والمقام ولذة الحيوان، والعالي الغالي فيها ~~هو ارتقاء أذهاننا بالدراسات والاختبارات حتى يزداد وجودنا وجودا. # الفصل الحادي عشر # | اطلب الدلالة # هل هو رجل ms15 يدل؟ # هل هو كتاب يدل؟ # يجب أن ننشد الدلالة فيمن نصادق من الناس أو نقرأ من الكتب. # أي يجب أن نتجنب الرجل التافه الذي ليس لحياته ولا لأفكاره دلالة، ذلك الذي يحيا جزافا ~~ويتحدث جزافا وليس له هدف، وكذلك الكتاب التافه الذي نمضي الساعات أو الأيام في قراءته فلا ~~نستدل منه على شيء ولا ننتفع به. # والرجل المسن مثل الكتاب الحسن، تعبر حياته عن كفاح، فإننا نعيش في عصر يحفل بألوان ~~من الشرور التي ورثناها عن الماضي، والرجل الحسن هو الذي يكافح هذه الشرور في شخصه ثم في ~~مجتمعه، يكافحها في شخصه بأن يعيش وهو يرتقي، ويتغلب على الفقر والإهمال حتى يصير لحياته ~~دلالة، أي تعلم ومهر في فن وكسب قوته وعال عائلته وخدم وطنه وأثار عقله، وكذلك الكتاب ~~الحسن هو الذي يبعث في نفوسنا روح الكفاح للشرور العامة ويحملنا على الشرف ~~والإنسانية. # وتزداد دلالة الرجل، كما تزداد دلالة الكتاب، إذا كنا نجد في كليهما هدفا عظيما ~~زيادة على روح الكفاح، بحيث نتصفح حياة الأول أو نقرأ الثاني، فنجد أنهما يسيران نحو غاية ~~معينة، وبمعنى آخر لا نجد نشاطا أو كفاحا يذهب هباء ولغوا، وإنما نجد الحكمة في هذا ~~النشاط الذي يصل بنا إلى غاية شريفة في ارتقائنا الشخصي أو العائلي أو الاجتماعي أو ~~الإنساني. # ويزداد الهدف قيمة إذا كان ينطوي على تغير أو تطور، بحيث نكافح من أجل طراز جديد حسن من ~~الأخلاق أو الآداب أو الاقتصاد أو الإنتاج أو الحرية، وعندئذ تكبر قيمة الهدف حتى ليعد ~~رسالة؛ ولذلك أعظم الأدباء والساسة والاجتماعيين هم أولئك الذين يحملون رسالة يخدمون بها ~~مجتمعهم ويغيرونه كما لو كانوا أنبياء. # كان فكتور هيجو أدبيا عظيما في فرنسا، وقد جعل من حياته وكفاحه رسالة هي محو الملوكية ~~وإيجاد الجمهورية ونجح، ويجب لذلك ألا نستغرب ما فعله سكان الهند الصينية الذين علقوا صورته ~~في الكنائس والمعابد واعتبروه قديسا؛ فإن عصرنا الحاضر قد استنبط معنى جديدا للقداسة لم ~~يكن يعرف أسلافنا، فإننا نعد من القديسين فكتور ms16 هيجو الذي دعا إلى الجمهورية، وفليمنج الذي ~~اهتدى إلى عقاقير البنسلين، وويلسون الذي قال بتقرير المصير للشعوب المقهورة ... # أدباء وعلماء وساسة لكل منهم رسالة، وكل منهم لهذا السبب رجل يدل. # فاسأل نفسك أيها الشاب من هو الأديب الذي تحبه لأنه كافح وهدف وأصبحت له رسالة يحيا بها ~~ولها من أجل الارتقاء والخير؟ # الفصل الثاني عشر # | النوم شقيق الموت # يقال إن النمل لا ينام، وإنه يعيش في يقظة ليلا ونهارا. وهذه هبة عظيمة لأن النوم هو ~~غيبوبة تجعلنا والموت سواء، وكل ما يتبقى لنا من الحياة وقت النوم هو هذا القليل من النشاط ~~البيولوجي الذي يتسم به النبات. # فالنوم هو شفيق الموت. ونحن حين نعمر سبعين أو ثمانين سنة إنما نقضي في هذا الموت نحو ~~عشرين أو خمسة وعشرون سنة. نقضيها ونحن على غير وجدان بلذة الحب أو نشاط العمل، أو يقظة ~~التفكير أو الاستمتاع بقراءة الكتاب أو تصفح الطبيعة أو بالتأمل الفلسفي لهذا الكون. # ونحن نلتذ الطعام حين نجوع، ونتخير الأطعمة ونعالجها بما يسرنا إن لم يسعدنا، ولكننا ~~لا نجد أية لذة في النوم إذ هو غيبوبة يعطل فيها إحساسنا وتعقلنا معا، هو موت يجب أن ~~تطرح مدته من حساب حياتنا لأننا لم نعش فيها. # ولكننا كلنا مضطرون إلى أن ننام، وهذا الاضطرار هو استبعاد فسيولوجي نتمنى لو نستطيع ~~التغلب عليه حتى نعيش 24 ساعة في اليوم يقظين مفكرين مستمتعين بالحياة. # وإلى أن نبلغ هذه الحال يجب أن نقنع بالمفاضلة بين رجل ينام ليله ثم يقيل بعد الغداء، ~~وآخر يحيا طوال نهاره ويؤجل موته إلى ساعات الظلام، فإن هذا الثاني اليقظ يعيش أكثر من ~~الأول وإن تساوى كلاهما في العمر. # لقد عشت في إنجلترا وفرنسا سنين، فلم أعرف أحدا دون السبعين ينام بعد الغداء، مع أني ~~أعرف شبانا في مصر يقيلون ساعات كل يوم، وقد يكون لإرهاق الحر في الصيف بعض العذر لهذه ~~القيلولة، ولكني أعتقد أن الأساس لهذا الفرق هو أن الأوروبيين ينشطون إلى الحياة واليقظة في ~~حين نحن ms17 نتراخى ونتقاعد، ولعل مرجع ذلك أنهم يتفاءلون ونحن نتشاءم؛ ولذلك يغشاهم السرور ~~فينشطون، ويغشانا الكمد فنتثاقل ونفتر وننام. # ومهما يكن السبب فلنذكر على الدوام أن النوم هو شقيق الموت، وأن علينا أن نتجنبه بقدر ~~المستطاع كما نتجنب الموت. # الفصل الثالث عشر # | امتحانات الذكاء # الوراثة هي القدر الذي نقف أمامه عاجزين مكتوفين ... وأولئك الذين يحبون أن يجدوا أساسا ~~للأخلاق أو الفضيلة في الطبيعة، يحسون العجز والحيرة عندما يواجهون الوراثة في قسوتها، وذلك ~~حين يولد طفل أعمى أو أبله أو أشوه أو نحو ذلك مما يحملنا على القول بأن بعض الناس يولدون ~~وقد حكم عليهم القدر بالعجز والشقاء قبل ميلادهم. # وقد تأمل إرنيست رينان هذه الحال فصرخ صرخته المشهورة: # لا، ليس العدل أصيلا في الطبيعة. # وفي عام 1905 ظهرت امتحانات الذكاء على يد ألفريد بينيه الذي زعم أن الناس يتفاوتون في ~~الذكاء الفطري الذي يولدون به، وأنه يمكن قياس هذا الذكاء حتى قبل العاشرة من العمر، وتعين ~~بمقاييسنا قدرة الصبي أو الشاب على احتراف عمل ما ومقدار نجاحه فيه. # وعمت العالم «امتحانات الذكاء» وصدقناها راضين أو مرغمين، فكان الصبي يمتحن في أشياء لا ~~علاقة لها بتربيته أو وسطه، ثم يصدر عليه الحكم الذي يتعس أبويه أو يسعدهما والذي يقرر مصير ~~الصبي في هذه الدنيا. # وكان «امتحان الذكاء» نوعا من القدر أو نوعا من الرضا بأن العدل ليس أصيلا في ~~الطبيعة. # ومع أن جميع السيكولوجيين كانوا يتشككون في قيمة هذه الامتحانات لما كانوا يعرفونه من ~~تأثيرات الوسط والمركبات النفسية ودرجة الثقافة ونوعها، فإنهم كانوا يخشون التصدي لتكذيب ~~النتائج لهذه الامتحانات؛ لان الإقبال عليها كان عظيما وذلك لسهولتها، ولأن نتيجتها كانت ~~معينة بالأرقام كأنها لا تتحمل الخطأ. # ولكن رويدا رويدا أخذ الشك مكان اليقين، واحتاج هذا إلى السنين، أي منذ 1905حين بدأت ~~هذه الامتحانات إلى الآن، فقد وجد أن الطفل الذي حكم عليه بالغباوة في امتحان الذكاء قد ~~انتهى بما يقارب العبقرية، كما حدث العكس. # كما أن القول بأن الذكاء يقف نموه بعد سن ms18 السادسة عشرة لم يعد يصدقه أحد، وأن الوسط ~~الراقي المثقف يستطيع أن يرقى بذكاء أفراده كما أن الوسط السيئ الجاهل يخفض الذكاء. # إن الكفاءات الموروثة حقيقة لا شك فيها، والذكاء كفاءة موروثة إلى حد ما، ولكن التفاوت ~~بين الناس صغير بل أحيانا تافه، وما نرى من تفاوت بعد سن العشرين والثلاثين في الأخلاق ~~والسلوك والمهارة والمعرفة، يعود إلى الوسط في الأكثر ولا يعود إلى الوراثة إلا في الأقل، ~~ونحن في مصر أقدر على فهم ذلك من الأوروبيين والأمريكيين؛ فإن المرأة المصرية التي تعلمت في ~~الجامعة واحترفت إحدى الحرف واختلطت بالمجتمع وناقشت الدنيا في مشكلاتها السياسية ~~والاقتصادية، هذه المرأة تبدو ذكية بل مفرطة في الذكاء عند مقارنتها بالمرأة التي عاشت في ~~الحجاب تحوط جدران المنزل بحياتها، مع أن كلنا نعرف أنها أختها وأن الكفاءة الوراثية ~~للاثنتين واحدة. # إن الوراثة البيولوجية قدر، ولكنه ليس الذي يقرر لنا التعاسة أو السعادة والخيبة أو ~~النجاح؛ لأن هذه الصفات جميعها تعود في أكثرها، بل أكاد أقول في مجموعها إلى الوسط الراقي ~~أو الوسط المنحط أي إلى المجتمع. # الفصل الرابع عشر # | اسأل مجرب # «اسأل مجرب ولا تسأل طبيب» مثل من أمثلة العامة التي تضر أكثر مما تنفع؛ فإن الأم التي ~~ولدت 15 ولدا ومات منهم 14 وبقي واحد تعد نفسها مجربة، مع أنها مجربة في قتل الأطفال وليس ~~في بقائهم. # ولكن لهذا المثل قيمته مع ذلك، بل قيمته العملية التي تعمل بها أمريكا الآن. # ذلك أنه أسست جمعية من السكارى التائبين الذين أدمنوا شرب المسكرات وعانوا المرض ~~والإفلاس ثم شفوا تمام الشفاء، وأمضوا السنين وهم لا يحسون أي حنين للخمور، وهذه الجمعية ~~تتبنى السكارى العاجزين عن التوبة بالإقلاع التام عن شرب الخمور، وطريقة التبني أن العضو ~~التائب يرافق العضو السكير ويشرح له كيف أقلع هو عن الخمور، ويحذره من العواقب التي يوشك أن ~~يقع فيها. # ويجد الاثنان ألفة وصداقة إذ تربطهما نكبة سابقة ونكبة قائمة، كما يجدان التفاهم لهذا ~~الاشتراك نفسه، وفي أغلب الحالات تتحقق الغاية ms19 ويتوب السكير المدمن ويعود سويا مثل ~~رفيقه. # وقد بعث نجاح هذه الجمعية بعض المفكرين في أمريكا أيضا على اتباع هذه الطريقة مع ~~المنكوبين الذين زلت عقولهم وتزعزعت نفوسهم، فبدلا من أن يرسل المريض إلى مستشفى ~~الأمراض العقلية، حيث يجد نفسه مغمورا بين عشرات ومئات غيره من المرضى، تعمد الجمعية - ~~المؤلفة من المرضى السابقين الذين شفوا تماما - إلى اختيار أحد أعضائها لمراقبة المريض، ~~والاختيار هنا يعني أن يكون العضو المرافق قد عانى نفس المرض الذي يشكو منه المريض، واجتماع ~~الاثنين يحدث ألفة وتفاهما وصراحة، ويستطيع المريض السابق أن يفهم العلامات والخيالات ~~والتوترات التي يبديها المريض الجديد؛ لأنه هو نفسه قد عاناها؛ ولذلك فإن كلماته تقع من ~~رفيقه الموضع الحسن الذي لا يحمل معنى الأمر أو القسر. # ونجاح عملية السكارى السابقين في شفاء السكارى الجدد ليس برهانا على أن هذه الجمعية ~~الجديدة ستنجح، ولكن هنا بابا لتجربة جديدة تستحق الالتفات والبحث. # والمريض المبتدئ يحتاج إلى عناية طبيب سيكولوجي، والمبادرة هي تسعة أعشار النجاح في ~~الشفاء، أما إذا تأخر أهل المريض في المعالجة فإن العواقب تكون جد وخيمة، ولكن يبقى بعد ذلك ~~السؤال: هل إرسال المريض إلى مستشفى الأمراض العقلية أنفع له من بقائه بمنزله بين أهله ~~وإخوته أم لا؟ # ظني أن الطبيب المعالج هو صاحب الرأي الحاسم هنا؛ لأن المرض قد يكون مرده إلى البيت ~~نفسه، أو قد تكون للمريض وثبات مؤذية. # ولكن جمعية المرضى السابقين سواء للسكارى أم للشاذين فكرة حسنة تستحق الدرس في ~~بلادنا. # الفصل الخامس عشر # | لا تخش القلق # ليس هناك سيكلوجي إلا ويحذر من القلق والهم وما ينتجان من توترات تتعس المهمومين القلقين، ~~بل أحيانا تقتلهم بأمراض تتناول الجسم مع أن بؤرتها الأصلية نفسية فقط. # والسيكولوجي يحذر من الهم أو القلق كما يحذر طبيب الجسم من السم؛ إذ ليس من شك أن الهموم ~~سموم، ولكن قليلا من السم ينبه الجسم ويزيد الحيوية، وكذلك الشأن في الهم والقلق؛ فان ~~النفس تتنبه بالقليل منهما، والجسم ينشط والعقل يتذكى. # وهناك كتاب ms20 لا أستطيع أن أمدحه ألفه أمريكي بعنوان «أنا نيوروزي وفخور بذلك» وهو يعني ~~أنه مريض نفسيا ويفخر بمرضه، ولا أستطيع أن أمدحه لأني عندما تصفحته وجدت أن المؤلف يعالج ~~في جميع فصوله طرق التخلص من «النيوروز» أي التوترات النفسية التي تتعس المريض ولكنها لا ~~تصل إلى حد الجنون أو ما نسميه جنونا. # ومع ذلك فنظرية المؤلف سليمة، وهي أن قليل من القلق ينفعنا، القليل فقط. # ذلك أننا بلا قلق لا نكاد نفكر أو ننشط، فنحن في حاجة إلى عقبات ومصادمات تثير انتباهنا ~~وتحثنا على الكفاح والعمل، وقد كان جوتيه الأديب الألماني العظيم يقول: «في صدري - مع الأسف ~~- نفسان»، وهو يعني بذلك أنه على الدوام يجد صراعا بين عقله وعاطفته، أي بين الإنسان ~~والحيوان الكامنين فيه، أي بين العقل الواعي والعقل الباطن. # ولكن لماذا قال جوتيه: «للأسف»؟ # قال ذلك لأنه كان يجد نفسه متعبا وأحيانا مرهقا للصراع القائم بين العاملين المتضادين ~~في صدره، ونستطيع أن نفهم ذلك إذا عرفنا أنه كان يحب ويعشق بعد سن السبعين، فكان في صراع ~~بين عقله الذي يطالبه بالتحفظ والوقار، وبين عاطفته التي تحفزه على البوح والاستهتار، وهنا ~~الأسف. # ولكن لو لم يكن جوتيه يحس التوترات المتوالية في مواقفه الاجتماعية والذهنية لما كان ~~مفكرا عظيما، وكما أن الجسم يخمد ويفتر عندما لا يجد المقاومة، حتى يحتاج إلى أن نقدم له ~~القليل من السم حتى يتنبه ويقاوم، فإننا كذلك نحتاج إلى شيء خفيف من القلق ينبه أذهاننا ~~ويوقظ نفوسنا وضمائرنا حتى نفكر ونكافح. # ورجل بلا قلق لا يحمل الهموم ولا يحس التوترات هو حيوان، ولكن العبرة هي أن نقف عند حد ~~معين من القلق. # الفصل السادس عشر # | لماذا ينتحر؟ # كنت أتحدث إلى رجل بلغ الأربعين أو زاد، وكان قد عمه يأس وأظلمت الدنيا في وجهه حتى ~~فكر في الانتحار. # وقص علي قصته، ولما انتهى منها قلت له: «لو كنت في مكانك وظروفك لرغبت أنا أيضا في ~~الانتحار مثلك». # ودهش لقولي هذا وقال: «إذن أنت توافق على الانتحار؟». ms21 # قلت: «لا أوافق، ولكنى أريد أن أقول لك إن حياتك الماضية كانت تافهة رخيصة لا أحب أن ~~أحياها؛ إذ هي لا تستحق أن أحياها، وإنما الحياة التي تستحق أن نستمتع بها هي تلك التي ~~تمتلئ بالاهتمامات التي تبعث النشاط والتفاؤل، والتي تشغل وقتنا كله حتى لنضن على أنفسنا ~~بالنوم لأنه يسرق منا بعض التفكير في هذه الاهتمامات، وأنت خلو من أي اهتمام، لا تشغل ~~نفسك بهواية إلى جنب عملك الذي تكسب منه لقمة العيش، وليس لك آمال لنفسك أو للبشر، بل إنه ~~ليبدو حتى من حديثك أنك لست على اتصال بأحداث العالم السياسية أو العلمية التي تغيره، أنت ~~في بيت لا تدري شئونه ولا تعرف أسماء سكانه، وقصارى ما تفعل أنك تأكل وتنام وتلعب الورق أو ~~أية لعبة أخرى من لعب الحظ. إن حياتك رخيصة ولو أني عشت حياتي مثلك لاستغنيت عنها كما تريد ~~أن تستغني أنت عن حياتك». # فقال: «كان حظي سيئا إذ لم أجد من يرشدني». # قلت: «أي حظ تنتظر؟ أنت الحظ. هذه الدنيا مكشوفة أمامك وأنت تختار، أي تختار الحياة ~~الرخيصة أو الحياة الغالية، وقد اخترت أنت الحياة الرخيصة وأنت المسئول، لقد آثرت أن تأكل ~~الطعام الغالي بدلا من أن تشتري الأفكار الغالية، وفي رأسك 8 آلاف مليون خلية وهبتك إياها ~~الطبيعة منذ ولدت وهي واقفة أو راكدة، عاطلة لا تفكر، وفي هذه الدنيا خمسة ملايين كتاب ~~أخرجتها هذه الخلايا من بعض الرءوس الذكية، فماذا قرأت منها؟ لو أنك تعودت القراءة ~~والدراسة مثلا لأصبحت مثل شهرزاد تنتظر الغد كي تستأنف القصة التي انقطعت بالنوم، ولكنك ~~أنت تنام وتستيقظ بلا قصة؛ ولذلك فإن حياتك نفسها قصة تافهة كتبتها أنت بالنثر الركيك وليس ~~فيها بيت واحد من الشعر» # قال: «إذن يجب أن أنتحر» # قلت: «لا، ولكن يجب أن تسأل: لماذا أنت حي؟ وكيف تزيد حياتك حيوية؟ فإنه لا يزال أمامك ~~نحو 30 أو 40 سنة من العمر، فهل يليق بك أن تنفقها فيما أنفقت في الماضي؟ إن الحياة حب ms22 وعمل ~~وإنتاج، ونور يضيء في الذهن نسميه الذكاء، ومعارف تستخرج منها الحكمة وتفهم بها نفسك ~~والطبيعة والكون، وهي مجتمع تعيش فيه وتسأل وتستطلع عما فيه من فضائل تدعمها ورذائل ~~تكافحها، وهي بعد ذلك كله خير، فأين الخير في نفسك؟ عش وكافح واستمتع». # الفصل السابع عشر # | تربية العظماء # قبل سنين كنت أقرأ سيرة الرحالة الأمريكي ستانلي، ووقفت عند قول كاتب السيرة إن هذا ~~الرحالة كان يعنى وهو في مجاهل أفريقيا بحلق لحيته كل صباح كما لو كان في لندن أو ~~أدنبره. # لقد أمضى ستانلي سنوات وهو يقطع الصحارى والغابات في وسط أفريقيا، ويواجه الوحوش ويأكل ~~الجشب من الطعام وينام على الغليظ من الفراش، ولا يرى غير الزنوج الذين لا يعرفون معنى لحلق ~~اللحى ولا يبالون الرجل كاسيا أم عاريا حافيا أم ناعلا. # ولكن ستانلي كان يعنى في الصباح بهندامه، ويحلق لحيته، ويرجل شعره، ويأكل فطوره، ~~بالشوكة والسكين، فإذا أتم كل ذلك نهض للرحلة كأنه يقصد إلى مكتب في أحد شوارع لندن. # وإنما كان يفعل ذلك خشية أن تنهار شخصيته أو تضعف أمام المشاق التي كان يعانيها في وسط ~~أفريقيا، وكان يحس أنه إذا أهمل الحلاقة صباح كل يوم فان التبذل يأخذ في نفسه مكان التجود، ~~والإهمال يأخذ مكان العناية، ثم تنحل أخلاقه وينتقل هذا الانحلال إلى سلوكه في الوصول إلى ~~الهدف الذي نصب نفسه له وهو الاكتشاف، فهنا رجل عظيم أراد أن يؤيد عظمته بالعادات الصغيرة ~~التي تبدو تافهة في ذاتها ولكنها جليلة في دلالتها، لأنها إحدى اللبنات التي تبنى منها عظمة ~~الرجل. # وإزاء هذه العظمة نجد حقارة حين نقرأ أن فاروق التافه كان يؤدي أعمال الدولة وهو في ~~السرير، فكان يقرأ ويوقع القوانين وهو في جلباب النوم. # شئون الدولة وشئون الجنس تجتمعان في السرير ... مع الضحكات المخنثة والحركات المتهتكة ~~... # ولذلك يتمجد اسم ستانلي في التاريخ، ويتعفن اسم فاروق في التاريخ. # وهناك حدود يعينها العظماء لسلوكهم وهي جميعا تبدو تافهة لأول نظرة، ولكنها عند التأمل ~~تكشف لنا عن صرامة في النفس ms23 يراد منها تماسك الأخلاق ومتانة الشخصية وتوحد الهدف وانتظام ~~النشاط. # إن العظيم لا يبعثر حياته ولا يستسلم لكل شهوة ولا ينقاد إلى كل رغبة؛ لأن عظمته تعين له ~~الهدف في حياته وتبعثه على أن يتعهد نفسه بالتربية، وهو ينكر الكثير على نفسه، كي يصل إلى ~~هذا الهدف، وهو دائم اليقظة متنبه الوجدان إلى شخصيته، ثم هو يأخذ بعادات صغيرة تعينه على ~~بلوغ الهدف وعلى استبقاء قواه موفرة لهذا البلوغ. # ونحن حين نقعد إلى مكاتبنا كي نؤدي عملا ما، نحس جدا وتبصرا ومسئولية لا نحس مثلها ~~حين نؤدي مثل هذا العمل ونحن في السرير، وكثير من الخيبة التي يعانيها بعض الشباب أنهم ~~يؤدون أعمالهم مستهترين متراخين لم يحلقوا لحاهم ولم ينتصبوا متحفزين لعملهم، وقلما ~~يجيدون لذلك ما يعملون؛ لأن إهمالهم لعادات الجد في أشخاصهم يجعل أعمالهم أيضا مهملة، ~~وإنما نضبط أعمالنا ونحزم شئون مهنتنا إذا كنا نحن قد ضبطنا شخصيتنا ووعينا لأنفسنا الحدود ~~والشروط التي تحول دون التراخي في أخلاقنا أو الضعف في شخصيتنا. # الفصل الثامن عشر # | ضرورة الجنون # كتبت إحدى الصحف كلمة عن قاسم أمين جاء فيها أنه كان ينصح للأدباء بأن يبتكروا وأن ~~يجنوا. # وقد يحتاج هذا الكلام إلى قليل من التفسير، فقد كان قاسم أمين نفسه أديبا قبل أن يكون ~~قاضيا، وقد جن جنونين: الأول في 1898 عندما أخرج كتابه الذي دعا فيه إلى سفور المرأة، ~~وجن جنونه الثاني في 1906 عندما دعا إلى إنشاء جامعة مصرية. # ومعنى الجنون هنا مخالفة العرف ومجابهة الرأي العام بضد ما يعتقد، والدعوة إلى سفور ~~المرأة في أواخر القرن الماضي بعد مئات السنين من الحجاب والنقاب والانفصال من المجتمع ~~والترهل في البيت كانت تبدو بلا شك جنونا؛ إذ لم تكن تقل في غرابتها عن الدعوة للرجال بأن ~~يسيروا في عري تام لأن الملابس ترهقهم وتؤذيهم في صحتهم. # وكذلك دعوته إلى إنشاء جامعه في وجه الجهل العام كانت من الغرابة بحيث كانت تعد شذوذا ~~وجنونا. # ومن كلمات الإنجيل التي تقترب من موضوعنا هذا ms24 قوله: «أنت لست حارا ولست باردا ولكنك ~~فاتر، ولذلك تقيئك نفسي». # وللإنجليز كلمة تتردد على صحفهم وكتبهم هي كلمة «السخط المقدس»، ولقد سخط قاسم أمين على ~~حال المرأة في 1898 وكان سخطه مقدسا، ولم يطق رؤيتها في فتور، فألف كتابه في غلواء ~~الأديب بعد أن حميت نفسه غضبا، ونسي وهو في هذا الغضب هذه الغلواء، لوم الناس له أو نفورهم ~~منه فكان مجنونا، أجل، وكان جنونه مقدسا. # ومن هذا المعنى الذي قصد إليه حين دعا الأدباء إلى الجنون، إلى الغلواء، إلى الحماسة التي ~~تنأى عن الفتور. # ونحن لا نتحسس ولا نجن إلا لأننا نتألم أكثر، ونحس أكثر، ونأمل أكثر من غيرنا، وهذا هو ~~حال الأديب العبقري. # والصلة بين العبقري والمجنون تعود إلى هذه الغلواء، إلى هذه الحماسة، التي يحسهما كلاهما، ~~وكلاهما لهذا السبب أيضا يحلم ويتخيل وإن تكن أحلام الأول مثمرة وأحلام الثاني ~~عقيمة. # وعندنا في الجامعتين نحو ألفي طالبة سافرة قد ارتفعن من الأنوثة إلى الإنسانية بفضل قاسم ~~أمين حين جن جنونه الأول ثم جنونه الثاني. # وعلى الأديب أن يسخط وأن يجن وأن يكتب في غلواء وألا يكون فاترا يقيئه ~~القراء. # الفصل التاسع عشر # | الكوارث التي تعلمنا # من أحسن ما أنعمت به علي الأقدار أنها كرثتني بطائفة من الكوارث في مراحل عمري كانت لي ~~بمثابة الدروس العملية التي تعلمت منها وخرجت من عبرتها أكثر حكمة وأوضح بصيرة وأسعد ~~إحساسا. # مرضت في طفولتي وبقيت بالفراش شهورا بل ربما سنوات، ولكن هذا المرض قد زال ولم يبق منه ~~سوى هذه الذكرى المحببة إلى قلبي وهي أمي قد قعدت إلى جانبي تدعو وتصلي وتمسح رأسي ووجهي ~~بيدها الطرية الناعمة، وما زلت إلى الآن - وأنا في الحلقة السابعة من عمري - أستعيد هذه ~~الذكرى فتغمرني منها سعادة، وأحس كأني أملك كثيرا لا يملكه أحد غيري على هذه ~~الأرض. # وكرثتني الأقدار بقريب لي اضطهدني وسرقني وعمل على إيذائي نحو نصف قرن، ولكنه مع ذلك ~~حملني على أن أتأمل حياته كما يتأمل الطبيب مريضه كي يتعرف ms25 إلى أسباب العلة، وإني أؤكد أني ~~لو كنت قد قرأت خمسين كتابا في السيكلوجية لما كنت قد انتفعت منها بقدر انتفاعي بهذا ~~القريب الذي درسته وتألمت منه، وبذلك زادني حكمة وأكسبني معرفة. # ولقد توافرت علي الكوارث، التي لا أقول إني لقيتها مبتسما، ولكني أقول إني لقيتها ~~جادا متأملا، وكل ما خسرت لا يبلغ ما كسبته منها بالاختبار والنمو، خسرت المال وكسبت ~~الحكمة. # ولقد فقدت الصديق العزيز ولكني كسبت حنان ذكراه، هذا الحنان الذي يسري في ذهني كما لو كان ~~نشوة الخمر أو أرج الزهر. # وإلى هذا العالم وقد وقعت بي كارثة أخري لما أصل لنهايتها، ولكني واثق بأني سوف أنتفع ~~منها. # إن هذه الحياة تحتاج إلى الدروس العملية، وأعظم درس عملي هو كارثة موجودة تقع بنا وتنقلنا ~~من الذهول إلى الوجدان، فنقف في الطريق ونتأمل مستقبلنا في ضوء حاضرنا وماضينا، وبهذا ~~الوقوف والتأمل تنضج الشخصية فتزداد إحساسا وتعقلا ومعرفة. # أجل إن الكوارث تعلمنا. # الفصل العشرون # | شارة الشرف # تغير القيم هو أعظم برهان على حيوية الشعب وارتقائه. # ما هي قيمة الشرف وما معناه؟ # ما هي الإنسانية وما معناها؟ # ما هي الشخصية وكيف نربيها؟ # ما هو المقياس الذي نقيس به إحدى الفضائل؟ # كل هذه الأسئلة وعشرات غيرها يجب ألا نكف عن السؤال عنها ومحاولة الإجابة عليها، ويجب ~~أن نغير وننقح في معانيها، فليس من الإنسانية أو الشرف مثلا أن نرضى بالاستعمار الأوروبي ~~لشعوب أفريقيا، ولكن ليس من الإنسانية والشرف أيضا أن نسكت عن الرق تمارسه إحدى الدول ~~وتبيع الإنسان وتخصيه لأغراض سافلة ... إلخ. # إن الدنيا تتغير والقيم الأخلاقية كذلك تتغير، فنحن في عصرنا الحاضر لا نسمي الرجل فاضلا ~~لأنه لا يضر غيره، أي لا يرتكب جريمة؛ لأن هذا الموقف السلبي لا يكفينا في عصرنا ~~هذا. # إننا نحتاج إلى فضائل إيجابية نصف بها الرجل الفاضل؛ أي إن الرجل الفاضل ليس هو الذي يكف ~~الأذى عن غيره وإنما هو الذي يعمل الخير لغيره، و«غيره» هذا هو المجتمع. # فالرجل الفاضل بهذا القياس هو الذي يستهلك ms26 من ثروة الشعب الذي هو أحد أفراده أقل مما ~~ينتج، وليس من الضروري أن يكون الإنتاج ماديا محسوسا أو سلعة ملموسة مثلا؛ فإن المعلم، ~~والسياسي، والفيلسوف، والأم، كل هؤلاء ينتجون، وإن يكن إنتاجهم لا يباع بأثمان ~~وأسعار. # والرجل الفاضل هو الذي يستطيع أن يقول ساعة وفاته: قد أعطيت الأمة التي أنتمي إليها أكثر ~~مما أخذت منها، وإنها بوجودي في هذه الدنيا قد انتفعت بزيادة في ثروتها أو صحتها أو علومها ~~أو أخلاقها. # ونظامنا الحاضر يجيز لكل منا، إذا واتته الظروف، أن يكون وارثا يعيش بلا عمل أي بلا ~~إنتاج، وليس لأحد أن يعيب الثروة الموروثة من الوارثين، فقد ولدنا على هذا النظام وما زلنا ~~راضين عنه. # ولكن إحساس الإنتاج؛ أي إحساس الخدمة للشعب، وأننا نقدم له أكثر مما نأخذ ونستهلك منه، هو ~~إحساس له قيمة مركزية في الأخلاق. # ولذلك يجب أن ينشأ كل منا على أن يفهم هذه الحقيقة حتى وإن يكن وارثا لا يحتاج إلى بذل ~~أي جهد كي يعيش موفورا مرفها. # ولذلك أيضا يجب أن نربي أبناءنا على إحساس الإنتاج، وأن تكون شارة الشرف لكل إنسان أن ~~يخدم وينتج، ومن هذا المركز تشع فضائل أخرى يحيا بها في المجتمع ويعمل بها للخير ~~العام. # الفصل الحادي والعشرون # | كن طالبا طيلة عمرك # قد لا نبعد كثيرا عن الصواب إذا قلنا إن غاية الإنسان في هذه الدنيا هي أن يحيا الفهم، ~~وصحيح أنه قد يرد علينا هنا بأن غاية الإنسان هي الخير وتعمير هذه الدنيا، ومكافحة الشر ~~والظلم والمرض والفقر، ولكن كل هذه الأهداف السامية تحتاج أول ما تحتاج إلى الفهم، وبلا فهم ~~لا نستطيع أن نكافح شرا أو نعالج مرضا. # والوسيلة إلى الفهم هي المعرفة، وقد زادت المعارف في أيامنا إلى درجة يستحيل معها الوقوف ~~على جميع أنواعها وحقائقها، ولكن هناك أصولا وجذورا لهذه الغاية المشتبكة من المعارف ~~نستطيع أن نقف على كنهها ونصل منها إلى النظريات الشاملة التي تحتويها. # والنظرية الشاملة هي أعظم الأدوات للاقتصاد الذهني؛ ذلك أن معارفنا ms27 ما دامت مبعثرة مجزأة ~~غير مشمولة بنظرية، تبقى بعيدة عن أن تكون نظاما مفهوما مرتبا في أذهاننا، كما تبقى ~~بعيدة عن أن تكون علما محققا؛ ولذلك تعد العلوم تحقيقات وتمحيصات للمعارف. # وعلينا لهذا السبب أن ندرس العلوم أي ندرس المعارف التي حققت ومحصت وشملتها نظرية أو ~~نظريات. # وعلينا أن نبقى طيلة حياتنا ونحن ننشد الفهم بالاستزادة من المعارف؛ أي على كل منا أن ~~يبقى طالبا طيلة عمره. # وهذا الطلب للعلم طيلة الحياة هو الوسيلة للارتقاء الشخصي؛ لأننا عندما نعرف، نتغير ~~ونتطور فنرقي، كما هو الوسيلة لأن نحس الخدمة للمجتمع والإنسانية. # وفي عصرنا العلمي الحاضر يجب على كل منا ألا يترك علما من العلوم التي تتصل بتاريخنا ~~الماضي أو حاضرنا القائم، وبتعمير الدنيا أو تدميرها، وبسعادة الناس أو تعاستهم، يجب ألا ~~يترك علما من هذه العلوم دون أن يدرسه، وليس هذا بالشاق إذا جعلنا العمر كله برنامج هذه ~~الدراسة، وإذا وفرنا ذكاءنا وقوتنا لها دون أن نبعثر هذا الذكاء وهذه القوة في قراءة ~~السخف من الأدب أو القيل والقال في الصحف المسلية. # إن الرجل الحكيم يجد في عالمنا هذا بطبيعته الفطرية وحضارته الصناعية جامعة للدرس ~~المتواصل والفهم العميق؛ ولذلك يجب أن نتعود التأمل والتفكير وأن نزود أذهاننا بالمعارف ~~المتوالية التي تحثنا على الارتقاء الشخصي وعلى الكفاح للخير العام. # الفصل الثاني والعشرون # | التفكير الذهني # كلنا نفكر في شئوننا الخاصة. في العمل الكاسب الذي نؤدي وجباته، وفي الهواية التي تتعلق ~~بها، وفي علاقتنا بأصدقائنا وزملائنا. وفي الخطيبة التي سنتزوجها أو التي نحبها أو البذلة ~~التي سنشتريها. # وجميع هذه الشئون خاصة وآفاتها لذلك محدودة، ولكن وجودنا في هذه الدنيا يجب أن يحملنا على ~~أن نخرج من خصوصية الاهتمام إلى عموميته. فإن لقمة العيش تحملنا على أن ندور في فلك صغير ~~ونكرر دورتنا كل يوم حتى لكأننا آلات لا تنمو ولا تكبر ولا تتفرع. # ولكن الشاب الناضج هو الذي يخرج من هذا الفلك الصغير فيهتم بالاهتمامات الذهنية التي ~~ترفعه من لقمة العيش إلى شئون العلم ms28 والأدب، فيدرسها ويقتني مؤلفاتها ويناقش فيها ويحاول أن ~~يقف عن سبيلها هذا الموقف الفلسفي الذي يقفه الرجل المفكر، يرفض أن تملى عليه الآراء ~~والعقائد إملاء كأنه غير كف لأن يستقل بفكره. # ولكن الاستقلال بالفكر ليس معناه أن نفكر وحدنا وإنما هو أن نناقش ونسأل ونستطلع، وكل هذا ~~يدعونا إلى اقتناء الكتب ودرستها بروح الاستقلال والتساؤل. # إن الشعب الإنجليزي يفخر بأنه لا يزيد على خمسين مليونا ومع ذلك يزيد عدد الكتب التي ~~تطبع في بلاده على ما يطبع منها في الولايات المتحدة التي يزيد سكانها على 160 مليونا، وله ~~كل الحق في هذا الفخر؛ فإن شئون الذهن من الاهتمامات الأصلية عند الإنجليزي المتعلم، ورف ~~المكتبة في البيوت الفقيرة له حرمة المكتبة في البيوت الكبيرة، والسيدة الإنجليزية تقتني ~~الكتاب كما لو كان تحفة تحتفظ به كنزا بعد أن تقرأه ثم تتركه تراثا ساميا ~~لأبنائها. # إن وجودنا يكبر في الدنيا بالكتب، تلك الكتب التي تصل بيننا وبين الأمم القديمة قبل ألفين ~~أو ثلاثة آلاف سنة من التاريخ، وتلك التي تكشف لنا عن النجوم أكبر الأجرام وعن الذرة أصغر ~~الأجرام في هذا الكون، وتلك التي تقص علينا قصة الإنسان، بل قصة الأحياء، كيف تألفت ~~جزيئاتها مثل الفيروس ثم ارتفعت حتى صارت خلية مثل الأميبة، وتلك الكتب الأخرى التي تغني ~~لنا بالأشعار عن أسمى الأفكار، وأخيرا تلك الكتب التي تلهمنا وتولد في أذهاننا بصيرتنا ~~التي نكاد نشرف بها على الكون، نرى ما خفي منه ونفهم ما التغز. # أجل، يجب ألا يشغلنا التفكير العادي في شئوننا اليومية عن التفكير الذهني في شئون ~~المجتمع والطبيعة والكون. # والسبيل إلى كل ذلك هو الكتاب الذي يؤلفه لنا المخلصون من الكتاب الذين ينشدون ~~ارتقاءنا وتطورنا. # الفصل الثالث والعشرون # | ماذا تدرس # في هذه الأيام تحفل الصحف بالمقالات والأخبار عن استخدام الذرة وقودا بدلا من البترول ~~والفحم، وعن صنع أقمار تدور حول الأرض بحيث تقطع المسافة من الأفق للأفق في نحو عشر دقائق ~~وتبقى هكذا إلى الأبد، وعن غزو القمر، هذا الكوكب ms29 الذي كان في يوم ما جزءا متمما للأرض ثم ~~خرج منها وترك فجوة عميقة هي المحيط الهادي الآن. # تتحدث الصحف عن ذلك وعن غيره مما كان بعد أحلاما وخيالات قبل سنين، وعليك أيها الشاب أن ~~تسأل نفسك لماذا يشغل الأوروبيون والأمريكيون بهذه الثقافة الحية التي يبنون بها في جرأة ~~واقتحام هذا المستقبل البشري الذي سوف يتجاوز الأرض إلى السماء، وإلى القمر، وإلى الكواكب؟ # ولماذا أنت لم تدرس هذه الحية بل بقيت تتقلب في ألوان من المعارف لا تزيدك ~~نورا ولا قوة؟ # لماذا أنت جاهل عاجز، ولماذا هم علماء أقوياء؟ # وأليس لك - وأنت في عجزك هذا - أن تخشى قوتهم؟ # الثقافة هي الوسط الذهني للإنسان، وأنت عاجز، ونحن كلنا عجزة، لأننا عشنا في ثقافة ميتة ~~تقول: ادرسوا الماضي واعتمدوا على العقائد بدلا من الحقائق، واقرءوا الأدب بدلا من العلم، ~~ولا تفكروا في المستقبل بل فكروا في الماضي. # ولنغفر للذين كانوا سببا لجهلنا وجهلك وعجزنا وعجزك. # ولكن يجب أن نشرع في درس الثقافة الحية التي تبني مستقبلنا على الأرض وفوق السماء، فإننا ~~بشر لا نختلف عن الإنجليز والأمريكيين الذين يفعلون ذلك الآن. # وأذكر أنه على قدر ما تكون ثقافتك حية تكون أنت حيا في القلب والعقل. # وعلى قدر ما تكون ثقافتك ميتة تكون أنت ميتا في القلب والعقل. # ادرس هذه العلوم الجديدة واتعب في دراستها، لأنها علوم القوة لك، والشعوب العربية التي ~~تخلفت جميعها لأنها قاطعت الفلسفة في العيش وعاقبت على الجرأة في التفكير. # ادرسها وانشرها وحقق لنفسك استقلالا روحيا ولعقلك فهما جديدا ولبلادك قوة تكفل ~~بقاءها في تنازع البقاء بين الأمم. # الفصل الرابع والعشرون # | أطفال عاشوا ذئابا # ذكرت الصحف أنه وجد حديثا في الهند طفلان يشربان كانا يعيشان مع ذئبة ويسلكان سلوك ~~الذئاب، وقد قبض عليهما سالمين وشرع الموكلون في استردادهما إلى الإنسانية بتربية جديدة ~~تنسيهما أخلاقهما الذئبية السابقة. # ويجب ألا يمر هذا الخبر دون أن نستخرج منه العبرة في الأخلاق والاجتماع والتربية، فإن ~~الخبر يبدو كما لو كان نادرة طريفة تقرأ ms30 مع الابتسامة العابرة ثم النسيان التام، ولكن عبرة ~~هذا الخبر كبيرة جدا. # وأول ما يجب أن نذكره أن الخبر صحيح، وأنه سبق أن وجد في الهند - مثل هذين الطفلين - ~~أطفال أخرى كانت الذئاب خطفتهم ثم اهتدى إليهم الناس وحملوهم إلى القرى أو المدن. # وقبل نحو ربع قرن قرأت كتابا استعرته من الجامعة الأمريكية في القاهرة، وكانت هذه ~~الجامعة قد طلبته بالتلغراف من أمريكا عقب طبعه، وأخبرني عنه الدكتور أمير بقطر، وكان ~~موضوعه فتاتان كانت ذئبة قد خطفتهما وهما في الرضاع، فعاشتا معها إلى سن الثامنة أو ~~العاشرة، ثم ذات يوم وهما تعدوان خلفها للافتراس والصيد، ألقي القبض عليهما بعد قتل ~~«أمهما». # ومؤلف الكتاب مبشر أمريكي كان يعيش في الهند مع زوجته بالقرب من أحد الاحراج المجاورة، ~~وكان قد سمع من القرويين أنهم عاينوا جملة مرات ذئبة تخرج ومعها صبيتان تجريان خلفها على ~~أربع، فلم يصدق روايتهم لأول وهلة، ولكن الرواية تكررت، فعمد إلى بندقية وتربص بالذئبة حتى ~~إذا ظهرت ورأى خلفها هاتين الصبيتين سدد إليها البندقية وقتلها، ثم تجمع القرويون وقبضوا ~~على الصبيتين. # والكتاب «يوميات» ذكر فيه المؤلف - يوما بعد يوم - تفاصيل المعاملة التي عامل بها هو ~~وزوجته هاتين الصبيتين إلى أن ماتت إحداهما - على ما أذكر - في الحادية عشرة والأخرى في ~~السابعة عشرة. # والكتاب كله قصة إنسانية رائعة، وكثيرا ما كنت أقف وقت القراءة كي أفكر في ملايين السنين ~~الماضية، حين كان مثل هذا الحادث يتكرر، فينشأ بعض جدودنا ذئابا أو كلابا ثم ينطوي عليهم ~~الزمن فيموتون أو يقتلون وهم لا يعرفون معاني الإنسانية. # وعندما وجدت هاتان الصبيتان كانت كلتاهما إنسانة في الجسم والوجه والملامح، ولكنها ~~كانت عدا ذلك في كل شيء، فكانت تنبطح كي تلعق الماء حين تعطش، وكانت تسير على أربع ~~كالبهائم، وكانت تفترس الفراخ وتكشر عن أسنانها وتمزق الجثث والرمم وتأكلها، وكانت تنام في ~~النهار وتستيقظ في الليل، فإذا كان قبيل الفجر أخذت في العواء. # وثابر الأمريكي وزوجته على تربيتهما وتعليمهما السلوك البشري؛ أي كيف تشربان ms31 من كوب، وكيف ~~تأكلان الطعام المطهو، وكيف تتخلصان من حاجاتهما الطبيعية في مكان معين، وبعد عام أو أكثر ~~تعلمتا اتخاذ الملابس، وبعد أكثر من ذلك صارت كل منهما تخجل من الكشف عن أعضائها ~~التناسلية، وذات يوم نطقت إحداهما بكلمة «ماما» ونسيت كلتاهما عواء الفجر. # وكان هذا التعليم شاقا ولكنه أثمر، ولولا أنهما ماتتا في سن مبكرة لكانت لنا في ~~ذكرياتهما ثروة لا تقدر من الفطنة السيكلوجية، وعسى أن تعيش الطفلتان اللتان عثر ~~عليهما حديثا حتى تستطيعا كتابة ذكريات طفولتهما. # وهذه الحوادث تحدث أحيانا في الهند لأن الغابة تجاور القرية، ولأن وفرة الأمطار وشدة ~~الحرارة تجعل النمو في النبات - وخاصة القصب الهندي - سريعا حتى أنه ليغير على مساكن ~~القرية، فإذا اشتغلت الأم بأي عمل وتركت رضيعها لحظة انتهز أحد الذئاب هذه الفرصة ~~وخطفه. # والأغلب أنه يخطفه ليأكله، وهذا ما يحدث كثيرا، ولكن يحدث أيضا في النادر أن يكون ~~الخاطف للطفل بنية الافتراس والأكل ذئبة أنثى، وقد يتفق في هذا الوقت أن تكون أما ترضع ~~أطفالها، فإذا حملته تحت بطنها وأحس الطفل الرضيع طراوة لحمها وتشمم اللبن من حلماتها عمد ~~بفمه إلى التقاط إحدى هذه الحلمات، وما هو أن يشرع في مصها حتى تحدث المعجزة. # ذلك أن الذئبة وهي تجرى به كانت تحس إحساس الجوع والافتراس، ولكن عقب تناول الطفل لحلمتها ~~ورضاعه صارت تحس إحساس الأمومة والرحمة وتنسى الجوع والافتراس، فتعنى به وتحنو عليه حتى ~~تضعه مع أطفالها وتكف عنه الأذى، وينشأ هو مع أطفال الذئبة، ويرضع الأم معها، ويتخلق بأخلاق ~~الذئاب. # والعبرة هنا كبيرة جدا، فنحن البشر نرث تراثا إنسانيا في الغرائز والعقل، وكثير منا ~~يقولون إن الإنسان يولد عبقريا أو أبله أو مجرما بالوراثة، ولكن حياة هؤلاء الأطفال ~~البشريين الذين صاروا ذئابا تدلنا على أن قوة الوسط كبيرة جدا، فإن الإنسان يمشي على ~~قدميه مثلا، ولكن جميع هؤلاء الأطفال نسوا حتى هذه الخاصة البشرية الأصلية وصاروا يمشون ~~على أربع، على ما في ذلك من المشقة العظيمة، بل إنهم كانوا في ms32 العدو على أيديهم وأقدامهم ~~يسبقون الجمهور الذي كان يجري خلفهم، كل منهم على قدمين فقط. # إن مجتمع الذئاب قد علم الأطفال البشريين كيف يكونون ذئابا. # وقبل نحو خمسين ألف سنة أو أكثر علمنا نحن البشر بعض الذئاب (وربما الثعالب وأبناء ~~آوى) كيف تعيش معنا على شيء غير صغير من الأخلاق البشرية، أو بكلمة أخرى قد أحلناها إلى ~~كلاب أمينة أنيسة. # وليس أحد - مع ذلك - يشك في قيمة الوراثة في الكفاءات والميزات وأيضا في العيوب ~~والنقائص، ولكن تأثير الوسط كبير جدا حتى إنه لينسي الإنسان طبيعته الإنسانية ويحيله إلى ~~وحش في بعض الحالات. # لذلك حين نجد رجلا عبقريا في طرف وآخر مجرما في طرف، يجب ألا نعزو صفة أحدهما إلى ~~الوراثة؛ لأن الوسط هنا هو كل شيء؛ أي إننا عبقريون لأن ظروفنا الاجتماعية تطالبنا ~~بالعبقرية، ونحن مجرمون لأن ظروفنا الاجتماعية تضطرنا إلى الإجرام. # وبكلمة أخرى هناك قيم اجتماعية ننشأ على احترامها أو احتقارها، ونأخذ بها من حيث ندري أو ~~لا ندري، فتعين لنا سلوكنا في استخدام ذكائنا لما نسميه فضيلة أو رذيلة. # وكلنا - باستثناء حالات واضحة - متساوون في الذكاء، ولكننا نختلف في حظوظنا في الوسط ~~الاجتماعي الذي نعيش فيه، ونعني وسط العائلة والطفولة، ثم المدرسة والشارع، ثم الثقافة ~~والمجتمع، ثم الحرفة والحاجة الاقتصادية، ثم الزواج والمسئوليات العائلية أو الاجتماعية، ثم ~~الأهداف العامة التي نؤمن بها ونسلم بقيمتها مع أنها قد تكون حسنة أو سيئة. # هذا هو وسطنا، وكثيرا ما يحيلنا هذا الوسط إلى رجال للخير نسعى للفضيلة أو رجال للشر ~~نسعى للرذيلة، أي يحيلنا إلى ناس إنسانيين أو إلى ذئاب متوحشين. # الفصل الخامس والعشرون # | الشعب العظيم # الشعب العظيم كالإنسان العظيم، يتسلط على حياته ويسوقها ولا ينساق بها كأنه حطامة السيل ~~تنقذف هنا وهناك بقوة الرياح والتيارات والأمواج. # والإنسان العظيم هو الإنسان الذي يحيا عن قصد ويهدف إلى غاية وينفرد برأيه بعيدا عن ~~العرف والعادة. # والشعب العظيم يحيا كذلك عن قصد ويهدف إلى غاية، وقصده وغايته هما القوة، قوة الثراء وقوة ~~الصحة ms33 وقوة السلاح وقوة الخير الاجتماعي الذي يربط أفراد الشعب ويشعرهم بأنهم في وطن ~~عظيم. # الشعب العظيم هو الذي ينظم مستقبله ويرتب درجات رقيه، ومن هنا برامج السنوات الخمس في مثل ~~روسيا والهند والصين. # معنى هذه البرامج أن الشعب يقول لنفسه: إني سأكون على قوة اقتصادية مقدارها كذا من القمح ~~أو الحديد أو الكهرباء أو عدد السيارات أو الطائرات ... بعد خمس سنوات. # وعندما يضع لنفسه هذا الهدف يشرع في تهيئة الوسائل لتحقيقه، فيعبئ الشبان والفتيات، ~~والمدارس والمصانع، والمزارع والأنهار، حتى يعمل الجميع في الوصول إلى الهدف، ثم هذا ~~البرنامج يليه برنامج آخر. # وتوالي البرامج يحدث وعيا في الشعب الذي يحس عندئذ كل فرد منه أنه يبني بل يشيد ~~المستقبل، فتنهض الهمم وتستيقظ العقول وتظهر قيم جديدة للبناء، وتختفي قيم قديمة كانت تعمل ~~للجمود أو للفتور أو للتأخر. # يجب أن نسأل نحن المصريين: # ماذا نريد أن تكون عليه بلادنا بعد خمس سنوات؟ # هل نريد أن تكون في نهاية هذه المدة شعبا إقطاعيا أم شعبا زراعيا أم ~~شعبا صناعيا؟ # هل نريد أن تكون ثقافتنا علمية أم أدبية؟ # هل نريد أن يكون المجتمع المصري بعد خمس سنوات علميا يفحص عن أعمارنا ~~ووفيات أطفالنا وزواجنا وطلاقنا وجرائمنا بالأرقام، أم يترك هذا كله للقدر أو ~~المصادفة؟ # كان أمام بورسعيد بوارج وطائرات ومدافع ودبابات فهل كانت ثمرة الزراعة أم ~~ثمرة الصناعة؟ وهل كانت ثمرة العلم أم الأدب؟ # وإذن متى نشرع في برنامج السنوات الخمس للعلم والصناعة؟ # متى نشرع في تحقيق الهدف للشعب العظيم الذي يصنع بنفسه البوارج، والطائرات، ~~والمدافع، والدبابات؟ # متى نشرع في سلسلة من البرامج العلمية، العلمية جدا، كي نحقق لكل عائلة ~~مصرية ألف جنيه دخلا في العام؟ # إني أدعو المعتوهين أن يمسحوا لعاب العته عن أفواههم وأن يتركوا العمل المنتج ~~للأذكياء، وليقولوا ما يشاءون عن المادية التي تفشت بيننا، والروحية التي تبعث من الشرق، ~~والتي لم نعد نكترث لها. # الفصل السادس والعشرون # | السخط المقدس # كنت أتحدث من مدة قريبة إلى أحد الأمريكيين، وجاءت مناسبة حملتني ms34 على أن أقول: إننا أمة ~~متسامحة. # ولكنه على غير ما انتظرت، لم يمدح هذه الصفة التي كنت أعدها ميزتنا، إذ قال لي: إنكم ~~تتسامحون أكثر مما يجب. # وهو يقصد هنا إلى أننا نرضى بكثير مما تسخط عليه الأمم الأخرى، وإننا لو كنا نسخط كما ~~يسخطون لكانت حالنا أفضل مما هي الآن، وقد عدد لي أشياء قبيحة نرضاها ونسكت عنها، وكان ~~يجب أن نأباها وأن ندعو إلى معالجتها وألا نفتر حتى تتغير. # نحن نسكت على التذكري الذي يبيعنا تذكرة السفر حين يبلصنا من قرش أو قرشين بدعوى التبرع ~~لإحدى الجمعيات، ونحن نسكت على الموظف الذي نتقدم له بطلب فيتركنا وقوفا ويشرب هو القهوة ~~على مهل، ونحن نسكت على البراز نراه على طوار الشارع لأننا نتسامح في بقاء الفقر ونرضى ~~الفقراء أن يعيشوا في مساكن تخلو من المراحيض، وهذا في وقت كان يبلغ فيه ثمن القنطار من ~~القطن ثلاثين جنيها، ونحن نسكت على الرؤساء في المصالح يتحيزون لبعض الموظفين الذين ~~يصطنعونهم، أو يرتشون منهم، فيرفعون درجاتهم ويتركون الموظفين النزهاء متخلفين بلا حق عن ~~الدرجات التي يستحقونها، ونحن نسكت عن فوضى الغلاء وفوضى التليفونات وفوضى البورصة. # نسكت كثيرا، وكان يجب أن نصرخ ساخطين لاعنين، وعند الأوروبيين تعبير جميل يدل على حياتهم ~~اليقظة وضميرهم المتحفز، هو قولهم «السخط المقدس». # هذا السخط الذي يجب أن نحسه حين نجد الفاقة السوداء تتمرغ في الوحل ونعاني الجوع ونعيش في ~~ظلام مع أن بلادنا غنية، وكان يجب أن نكون أغنى لو أننا كنا جادين عاملين على زيادة ~~ثروتنا. # هذا السخط المقدس هو الذي يجب أن نحسه حين نجد أن الاستبداد يعلو والحق ينخفض ~~ويداس. # إن علينا أن نحد من تسامحنا، وأن نسخط كثيرا على أحوالنا التعسة، وأن نرفض بقاء الفقر ~~والمرض ما دمنا قادرين، أو ما دام بعضنا قادرا على محوها. # الفصل السابع والعشرون # | الحرية فكرة أولا # ليست الحريات حقوقا، وإنما هي أفكار أولا نتشربها ونجد ضرورتها فنمارسها، ثم نحميها من ~~المستبدين أعداء الإنسان، وفي النهاية نحس أنها ms35 حقوق. # فليست حرية الصحافة مثلا شيئا عند الفلاحين الذين لم يتعلموا ولم يقرءوا الصحيفة؛ ذلك ~~لأنهم لم يتشربوا فكرتها، ولكنها شيء عظيم جدا عند المفكر، والصحفي والمؤلف وكل إنسان ~~قارئ يعرف قيمة الخبر الصحيح والرأي الصحيح الحر. # وكذلك حرية العلم ليست شيئا عند الذين لم يدرسوا العلوم ولم يعرفوا قيمتها الارتقاء ~~البشري؛ ولذلك لا تجد هذه الحرية من يطالب بها سوى عدد صغير من المعلمين حتى في الأمم ~~الراقية. # وحرية الاجتماع، وحرية الخطابة، بل حرية الزواج أي اختيار الزوج أو الزوجة، هذه الحريات ~~تحتاج إلى وجدان بالفكرة، ولهذا السبب لن نستطيع إقناع بعض الآباء في الصعيد بأن للفتاة ~~الحق في أن تقول: «لا» لمن يخطبها، ولكن هذا الحق مقدس ، بل هو حق ابتدائي مسلم به عند ~~جميع الآباء في الأمم المتمدنة؛ لأن هؤلاء الآباء متمدنون. # الحرية أو بالأحرى الحريات تحتاج إلى أن تكون متعلمين حتى نعرف قيمتها وحتى نمارسها ثم ~~ندافع عنها، ولكن ليس معنى هذا أن ننتظر حتى يتعلم جميع الناس ثم نمنحها لهم. لا ... إذ هي حق ~~مشاع للجميع وإن كنا نعرف أنه ليس بين هؤلاء الجميع سوى عدد صغير قد تشرب الفكرة وأحس ~~أنها حقه. # لما كان الزنوج عبيدا يشترون بالملاليم والقروش لم يكونوا يحسون أن لهم الحق في ~~الحرية، لأنهم لم يكونوا قد تشربوا هذه الفكرة؛ ولذلك كانوا يستسلمون للرق. # وهكذا الشأن في كثير من الحريات التي يستمتع بها المتمدنون؛ فإنهم جعلوها حقوقا بعد أن ~~كانت أفكارا تشربوا معانيها ودلالتها، ثم صاروا يدافعون عنها. # ولذلك عندما تجد في مصر من ينكرون على المرأة حرية العمل الحر، أو حرية الاختيار للزوج، ~~أو حرية الاختيار لأسلوب عيشها، ثق أن هؤلاء المنكرين لم يتشربوا هذه الأفكار لأنهم ~~أمضوا أعمارهم في جهل عميق بعيد عن الحياة العصرية؛ ولذلك يجب أن نعذرهم ~~ونعلمهم. # الفصل الثامن والعشرون # | الحكومة الخيرية # في سنة 1909 كنت في لندن، وكنت لا أزال شرقيا متوحشا أفهم أن السياسة هي الدهاء والمكر ~~والقدرة على التسلق إلى المناصب العالية. ms36 # ولكني تعلمت درسا إنسانيا حين رأيت أن الوزارة الإنجليزية في تلك السنة قد قدمت ~~البرلمان مشروعا تهدف منه إلى استصدار قانون يمنح كل رجل وكل امرأة بلغا سن الخامسة ~~والستين معاشا سنويا، وكان هذا القانون رؤية جديدة استبصر بها عقلي وتربت بها عواطفي ~~في معنى السياسة، وجعلت بعد ذلك أستزيد من هذه الدروس الإنسانية وأحاول أن أطبع السياسة ~~المصرية بها أو بشيء منها حتى سئم القراء تكراري لهذه المعاني. # ولا يزال هناك من الشرقيين المتوحشين من يعتقد أن السياسي العظيم هو الداهية العظيم أما ~~الغربيون المتمدنون فقد انتهوا إلى أن الحكومة المثلى هي الحكومة الخيرية، كما سميت حكومة ~~حزب العمال الإنجليزي: «ويلفير ستيت». # والسياسي العظيم هو رجل الخير والبر الذي يفكر ويضع الترسيمات لإيجاد المسكن الحسن ~~والطعام الوفير والتعليم والصحة لجميع أفراد الشعب. # وقد ترددت هذه المعاني إلى ذهني يوما وأنا في الترام، فقد صعد إليه رجل أعمي تزيد ~~سنه علي السبعين، وكان يلح في سذاجة يطلب تخفيض الثمن للتذكرة لأنه فقير عاجز، كما كان ~~الكمساري يلح في طلب إنزاله من الترام. # والذي ذكرته وقتئذ أن كل فرد في إنجلترا يحصل علي معاش يوم وفاته عندما يبلغ الخامسة ~~والستين، ولكنه يحصل علي هذا المعاش وهو في سن الأربعين إذا كان أعمى. # السياسة ليس دهاء ومكرا، وإنما هي مروءة وشهامة وخير وبر. # الفصل التاسع والعشرون # | فلسفة الأحزاب # من أحسن ما قرأت للأستاذ كامل الجادرجي الزعيم السياسي المعروف في العراق ورئيس الحزب ~~الوطني الديموقراطي، قوله بضرورة الفلسفة للأحزاب السياسية؛ ذلك أن الحزب يجب ألا يقنع ~~بالإصلاحات للأدواء والمساوئ المتفشية، كأنه طبيب يصف الوصفات المختلفة لكل مرض طارئ، وليس ~~لجماعة من الناس أن يتسموا باسم الحزب وأن ينشدوا الاستيلاء على الحكومة إلا إذا ~~كانوا قد استقروا على فلسفة معينة للأمة التي يريدون توجهها ورفعها إلى آفاق جديدة من ~~العيش والوجدان. # ولذلك يجب أن تنتظم الإصلاحات في الصحة والتعليم ونظام العائلة والسياسة الخارجية والأمن ~~الداخلي في فلسفة موحدة، فإذا كان الحزب يزعم أنه ديموقراطي ms37 فان فلسفته يجب أن تكون ~~ديموقراطية بالعمل المتواصل في زيادة حقوق الشعب إزاء الحاكمين حتى يعود الشعب حاكما ~~لنفسه، كما يدل على ذلك معنى هذه الكلمة. # وإذا زعم الحزب أنه اشتراكي فإن فلسفته عندئذ تقتضي مكافحة الثراء الفاحش والفقر الفاحش، ~~والتأميم المتدرج حتى يلغى الفقر من البلاد. # فإذا قلنا إن فلسفتنا السياسية هي الديموقراطية الاشتراكية فإننا عندئذ لا نحتاج إلى أن ~~نسأل عما يجب أن نفعل في التعليم أو الصحة؛ لأن ما نفعله يتضح باتجاهنا الفلسفي هنا، وهو ~~أن نعلم الشعب كله ونعالجه كله بالمجان، وأن نعد الصحة والثقافة ضروريتين للحياة الصالحة، ~~ولا نحتاج إلى أن نسأل عما نفعل في السجون وفي الصحافة أو في الزراعة أو في الاقتصاد ~~العام ؛ لأن فلسفة «الديموقراطية الاشتراكية» توجهنا بمحض الفكرة العامة إلى الحركات ~~والنهضات الارتقائية التي تزيد وجدان الشعب كما تزيد رفاهيته التي ترتفع عن ذل الفاقة ولا ~~تنغمس مع ذلك في فساد الترف. # لقد قامت الأحزاب في أوروبا على مبادئ وأصول عامة هي فلسفات تتصل بالحياة؛ فإن المحافظين ~~آمنوا بالسكون إلى التقاليد وكراهة التغيير، وكانوا مخطئين في هذه الفلسفة الجامدة، ثم جاء ~~الأحرار فدعوا إلى حرية الفكر والعمل والتجارة، فأدوا في القرن التاسع عشر خدمة عظمى ~~للشعوب، ثم حدثت تطورات اجتماعية جديدة تتطلب الدعوة إلى الاشتراكية وكبح حرية التجارة التي ~~أدت إلى مباراة قاتلة مهلكة للأمم، وكانت هذه الاشتراكية فلسفة جديدة دعت إلى الحد من ~~الامتلاك الفردي وإلى التأميم. # يجب ألا يتولى حزب مقاليد الحكم إلا إذا كانت له فلسفة هي نظام العيش الذي يريد أن ~~يعيش الناس به آمنين متساوين أحرارا، لا يخافون بطش الظالم سواء كان فردا أم طبقة، ولا ~~يقصرون على نظام يفسد مجتمعهم ويعم الفوضى في علاقتهم أو يحيل الكثرة منهم إلى فقراء ~~أذلاء والقلة إلى أثرياء مترفين. # الفصل الثلاثون # | ضيوف الحضارة # أحيانا أتأمل بعض الناس الذين يعيشون بيننا في جو من الحضارة لا يختلف عن الجو الذي يعم ~~المنازل والمدن في أوروبا، ولكني أحس مع ذلك أنهم ms38 ليسوا متحضرين وإنما هم ضيوف ~~الحضارة. # بل نكاد كلنا نكون كذلك؛ فإننا نركب القطار والطائرة والسيارة، ونضيء منازلنا بالمصابيح ~~الكهربائية التي تختزن البرق، ونتناول طعامنا من أطباق ناصعة البياض ملساء كأنها معقمة، ~~ونستشفي بعقاقير تحمل مواد حيوية أو معدنية تتسلل إلى خلايا أجسامنا، تبحث عن ميكروب مختف ~~فتقتله، أو تبعث الحياة في عضو قد شاخ وهمد، ونقعد على مقاعد طبخ غطاؤها بمواد كيماوية ~~لا تستطيع حشرة أن تتذوق طعمها، ونكتب بأقلام على ورق لم يحظ الفراعنة بمثلها، ونلبس ~~النظارات التي تحيل نظر من بلغ سن السبعين إلى سن العشرين. # ليس شك أن كل هذا من الحضارة العصرية، ونحن نستخدمها ولكن كما لو كنا ضيوفا عليها؛ إذ ~~إننا لا نملكها أي لا نملك الفن أو العلم الذي يصنعها. # نركب السيارة التي صنعها العلم والفن في لندن أو نيويورك ولكننا لا نعرف كيف نصنعها، ~~ونكتب على الورق الذي صنعه العلم والفن في أوروبا ولكننا لا نعرف كيف نصنعه، ونتداوى ~~بعقاقير اهتدى إليها الذهن الأوروبي دون أذهاننا. # ولن نملك هذه الحضارة إلا إذا صنعنا أدواتنا بأيدينا واخترعنا صيغها وقوالبها بأذهاننا، ~~ولن يتم لنا هذا إلا بعد سنين؛ لأن الاستعمار والاستغلال كلاهما قد حطم أذهاننا وكان ~~يعاقبنا على أية بادرة تدل على اختراع أو ابتكار. # ولكن إلى أن نصل إلى إنشاء المصانع لهذه الأشياء يجب على الأقل أن ندرس الأصول والمبادئ ~~التي انبنى عليها اختراعنا؛ أي ندرس الكيمياء والطبيعيات والبيولوجية والجيولوجية ونحو مئة ~~علم أخرى. # وبلا ذلك سنبقى ضيوفا على الحضارة بل ضيوفا ثقلاء. # لقد كان غاندي يقول إنه يستحي أن يلبس بذلة يصنعها الإنجليز ثم يطالب هؤلاء بالخروج من ~~بلاده، ولهذه الكلمات قيمتها في الوطنية بل في النبل والشهامة، ولكني أحب أن أقول هنا إننا ~~يجب أن نستحي من استخدام السيارة والطائرة والقطار والمصباح الكهربائي ... إلخ، ما دمنا نجهل ~~أصول العلم التي بنيت عليها هذه المخترعات، بل ما دمنا لا نؤسس المصانع التي تصنعها. # ولو أننا كنا على وجدان بالحضارة العصرية لكان لنا ms39 في كل جامعة - بل في الجامعة الأزهرية ~~أيضا - أربع أو خمس كليات لدراسة العلوم البيولوجية، والجيولوجية، والطبيعية والكيمائية ~~والزولجية والبوتانية والمعدنية والبكتربولوجية والفلكية والذرية ...إلخ. # الفصل الحادي والثلاثون # | أثمن العواطف # أثمن العواطف البشرية هي تلك التي لا نهدف منها إلى مأرب شخصي، ولا ننتظر منها منفعة ~~خاصة، نحس احتدامها في صدورنا، ونندفع بقوة هذا الاحتدام إلى العمل بغية الشرف أو الإنسانية ~~أو المجد، وقد نؤذى في سبيل ذلك ولكننا نرضى بالأذى لأننا نحس أننا نسمو في المجد والشرف ~~ونحن نمارس هذه العواطف. # رأيت ذات مرة حوذيا قد حرن جواده، فعمد إليه في غيظه يضربه على وجهه، وأحسست أنه لا ~~يمكن أن يكون في الدنيا أخس من هذه الجريمة: حيوان مربوط إلى عربة ومقيد بها ويضرب على ~~وجهه بالعصا وهو عاجز عن الفرار أو الاحتماء. # والرفق بالحيوان هو إخاء في معنى ما، هو إحساس إنساني ننقله إلى الحيوان، هو عاطفة نبيلة ~~ننقلها عفوا ولا ننتظر منها أية منفعة لنا، هو رقة وحنان واحترام. # هذه الإحساسات - الرقة والحنان والاحترام - هي التي تفصل بين الرجل الرخيص والرجل الشهم، ~~وهي التي تحملنا على أن نحترم الشيخ الهرم، ونعين الرجل الأعمى، وننظر بروح التوقير للمرأة ~~العجوز، ونحجم عن إيذاء طفل أو إغراء فتاة. # وإذا شئت أن تقدر قيم الرجال وأن تتعمق قلوبهم كي تصل إلى الأسس التي تبنى عليها أخلاقهم، ~~فليس عليك إلا أن تسألهم وتمتحن عندهم هذه العواطف التي لا يطالبهم قانون بأن يمارسوها، ولا ~~يعاقبهم إذا خالفوها، هذه العواطف التي تنطلق منهم عفوا للرحمة والرفق والحنان ~~والاحترام. # وتجمع هذه الصفات جميعها كلمة الشهامة، وهي أجمل كلمة في اللغة العربية، وهي تعني ذكاء ~~القلب وحدة الإحساس. # الفصل الثاني والثلاثون # | القلب المهذب # قرأت كلمات للكاتب الأمريكي «جيليت برجيس» يدعونا فيها إلى أن نعنى بتهذيب قلوبنا كما ~~نعنى بتهذيب عقولنا. # والقلب المهذب يعني في النهاية ذكاء الإحساس، بحيث لا يجبه أحدا بالكلمة الجافية ولا ~~يؤلم أخر بالتعبير، لعيب لا يسأل عنه أو لا يستطيع التخلص منه. ms40 # وذكاء الإحساس لا تنقص قيمة عن ذكاء العقل في علاقتنا الاجتماعية، بل لعلها تزيد، وكثير ~~من النجاح يعزى إلى ذكاء الإحساس؛ فإننا جميعا نذكر ذلك الشخص الذي يسأل عنا في الأزمة ~~والملمة، أو يرسل إلينا أو إلى أحد أطفالنا هدية في العيد، أو يسارع إلى الوقوف في ~~الترام كي تقعد مكانه السيدة الحامل أو التي تحمل على صدرها رضيعا. # ذلك أن هذه المجاملات الصغيرة تصل بين قلبنا وقلبه، وتنقل مكانة الصداقة التي بيننا وبينه ~~إلى مكانة الأخوة الحميمة التي نرتاح إلى ذكرها ونطمئن إليها، وفي حياتنا المدنية من ~~الهرولة والمزاحمة والمتاعب ما يجعلنا في حاجة إلى شيء من هذه المجاملات الصغيرة التي تعيد ~~إلينا الإحساس بأننا لسنا نقاتل في معركة وإنما نتعاون على العيش بأساليب الرقة والوداعة ~~والعطف. # وهذه المجاملات الصغيرة هي أوجب ما تكون بين الزوجين، فقد رأيت زوجة تشرب الشاي في فندق ~~قد عمدت إلى الفنجان الذي سيشرب منه زوجها فمسحته ظهرا لبطن وأعادته إلى مكانه وصبت فيه ~~الشاي، وكانت هذه الحركات المهذبة برهانا على إحساسها الذكي، ويجب أن يكون الإنسان وحشا ~~كي يستصغر قيمة هذه المجاملة الصغيرة في حقيقتها، الكبيرة في دلالتها. # وعرفت رجلا متيسرا يمر مرتين أو أكثر في ذهابه إلى عمله بفقير أعرج لا يتسول ولكنه يبيع ~~أوراق الحظ، وكان يحرص وهو يعطي هذا الفقير بعض المساعدة على أن يتحدث إليه باسما حتى لا ~~يشعره بحاجته أو فقره. # ولكن لا يمكن أن نجامل الناس على أساس النفاق، فإن ما نخفيه سيبدو إن قريبا وإن بعيدا؛ ~~ولذلك يجب أن نجامل على إحساس ذكي ينبني على تقدير إنساني يتجاوز القيم الاجتماعية أو ~~المراكز المالية التي للناس، أي يجب أن نحترم لأنهم بشر فقط. # وأخيرا نقول: لعل ذكاء الإحساس هو نفسه ذكاء العقل؛ فإن الإنجليز يشتقون اسميهما من أصل ~~واحد. # الفصل الثالث والثلاثون # | فلسفة أنا وحدي # بول سارتر زعيم الفلسفة الوجودية يمكن أن يعد من الفلاسفة المرضى بالأنانية؛ لأن خلاصة ~~فلسفته تنحصر في عبارة «أنا وحدي» وعلى الدنيا ms41 والبشر العفاء. # ولكن كما نستخرج العنبر من مرض القيطس، وكما نستخرج اللؤلؤ من مرض المحار، كذلك نجد في ~~هذا المريض سارتر جواهر من الحكم التي تعين أحيانا هدف الحية العالية ومنهج العيش الشريف، ~~فمن ذلك قوله: «الإنسان أكبر قيمة من حياته». # والمعنى أننا يجب أن نحيا على المستوى الذي نريده ونستطيعه ولا نقبل الذل والهوان؛ إذ ~~خير لنا أن نؤثر الموت واقفين على أن نقبل الحياة راكعين، وأن نرفض الحياة مع السجن، ونؤثر ~~عليها الموت مع الحرية، وأن نموت في شرف وإباء من أن نحيا في خسة ومذلة، أجل ونرفض الحياة ~~مع الجوع والمرض والجهل. # ولو أن الناس والأفراد عملوا بهذه الحكمة ولم يضنوا بحياتهم التعسة كي يحققوا للإنسان ~~ميزات الحرية والاستقلال والشرف؛ لما جرؤ مستبد أو ديكتاتور أو طاغية على ممارسة الظلم ~~والنهب والفسق. # والعجب أن هذه الحكمة التي نطق بها سارتر تناقض فلسفته «أنا وحدي»؛ لأن الإنسان حين يضحي ~~بحياته من أجل كرامته وشرفه وحريته إنما يفني نفسه كي يعيش غيره، وهو هنا يعلو على هذه ~~الخسة التي تنطق بها كلمتا «أنا وحدي». # وفلسفة الوجودية تدعو إلى المذهب الانفرادي، حين ينفرد كل إنسان بأهدافه وأخلاقه، ولكن ما ~~دام الإنسان أكبر قيمة من حياته فإن هذا الانفراد غير ممكن؛ لأن الإنسان هنا ليس فردا ~~وإنما هو النوع البشري كله الذي يجب أن يعيش كل منا في خدمته وترقيته وأن يموت من أجل ~~بقائه. ~~••• # ومن الكلمات التي تلفت الذهن في سارتر أيضا قوله: «اختر نفسك»، والمعنى هنا أن كل إنسان ~~يصنع نفسه؛ إذ هو الذي يختار أخلاقه وحرفته والمكان الذي يعيش فيه، والأصدقاء الذين يعتمد ~~عليهم والثقافة التي يستنير أو يتسلح بها، والدنيا معروضة أمامنا، وفسحة الاختيار متراحبة، ~~وأعمارنا مديدة بلا شك نختار شخصيتنا أو نفسنا التي تتبلور وتتجوهر عند سن الثلاثين أو ~~الأربعين. # وقبل سارتر قال جيته أديب ألمانيا: «احذر أيها الشاب أحلامك وأمانيك مدة صباك وشبابك؛ لأن ~~هذه الأحلام والأماني سوف تتحقق لمثابرتك عليها جملة سنوات، فإذا كانت ms42 سيئة فأنت بلا شك ~~ستكون رجلا سيئا، وإذا كانت حسنة فأنت بلا شك رجلا حسنا، فاختر الأحلام والأماني ~~الحسنة». # وليس شك أن كلا من سارتر وجيته على حق فيما يقولان، أو هما يكادان يكونان على ~~حق. # صحيح أننا لا نختار أبوينا، ولا نعرف الطاقة الوراثية التي نولد بها إذ قد تحتوي هذه ~~الطاقة على أنواع من الضعف، وكذلك لا نختار المعلمين الذين يعلموننا في صبانا، وقد يكون في ~~تعليمهم نقائض ينعكس علينا أثرها في شبابنا، بل أحيانا نضطر إلى أن نحترف حرفة لا نحبها ~~لأن العيش يطالبنا بذلك. # ولكن مع كل هذه الظروف ليس شك في أننا نختار، ونختار كثيرا مما يعين اتجاهنا وفلسفتنا في ~~الحياة، ويجب لذلك أن نحسن الاختيار حتى نبني أنفسنا البناء المتين الحسن. # نختار أحسن الأصدقاء الذين نسعد بصداقتهم أو نستنير بنضجهم وثقافتهم، ونختار أحسن الزوجات ~~جمالا وأخلاقا، ونختار أنفع الكتب التي تربينا ولا تسلينا وترشدنا ولا تضللنا، ونختار ~~أليق الحرف التي تتفق وكفايتنا حتى ننبغ فيها، وأخيرا نختار الغذاء الذي يكفل لنا صحة ~~الجسم وطول العمر. # نختار ونميز، ولا نقبل كل ما يرد إلينا. # الفصل الرابع والثلاثون # | كلمات الكاتب # كان «هربرت سبنسر» المفكر الإنجليزي يقول إنه يستطيع أن يتعرف إلى صناعة من يحدثه ~~ويقف على أخلاقه واتجاهاته بعد ربع ساعة فقط من الحديث معه. # وقد يكون هربرت سبنسر مبالغا في قوله، ولكن مما لا شك فيه أننا نستطيع أن نعرف الكاتب ~~الذي نقرأ له من الكلمات التي تتكرر في مؤلفاته أو مقالاته؛ ذلك أن الكلمة لا تتكرر عنده ~~إلا لأنها تتميز مكانا مكينا في نفسه، فهي تدل على نزعته واتجاهه وفلسفته. # وفي عصرنا تستطيع أيها القارئ أن تميز بين كاتبين، وتعرف من منهما يرفعك ويزيدك حيوية ~~وكأنه يصب الدم الأحمر في شرايينك، ومن منهما يخفضك ويكسر جناحك وينصح لك بأن ترضى من ~~الغنيمة بالإياب وكأنه يصب الصفراء في عروقك. # كلمات الأول: # التي تتكرر فيما يكتب هي: اليقظة، النهضة، التنوير، الارتقاء، التطور، ~~الكفاح، الشخصية، الإيجابية، المجتمع، ms43 المستقبل، العلوم، الشعب، الإنسانية، ~~الاشتراكية، الحرية، المساواة، داروين. # وكلمات الثاني هي: # الانسجام، الارتياح، الرضى، القناعة، العقبات، الأخطار، الصعوبات، الترف، ~~المستحيل، فقط، التقاليد، الفكاهة، النكتة، التفوق، اللذة، أبو نواس، ~~القدر، الحظ، الموت. # ونحن حين نختار ما نقرأ يجب أن يكون حافزنا الانتفاع والارتفاع، وكما نعنى باختيار طعامنا ~~للجسم كذلك يجب أن نعنى باختيار ما نقرؤه باعتباره طعاما للنفس. # وهذه الكلمات التي تتكرر فيما يكتبه الكاتب إنما هي أنغام نفسه التي تنتقل إلى القارئ ~~فيكبر بها أو يصغر، ويحس منها بالأمل أو اليأس، ويقدم بها أو يحجم، ويتقلص بها أو ~~ينبسط. # إن الكلمات أفكار وإحساسات، والكاتب الحسن هو الذي يعطيك الأفكار الخصبة فتفكر، كما يعطيك ~~الإحساسات الأنيقة فتجمل نفسك وتتأنق في عيشك . # ولن تستطيع أن تقرأ كاتبا يسب ويلعن دون أن تحس البغض وتتلوث نفسك أنت بالسباب والبغض، ~~ولن تستطيع أن تقرأ كاتبا يستهتر دون أن تحس أنت بالاستهتار في نفسك. # اختر كاتبك بأكثر من العناية التي تختار بها خبازك، واختر الكاتب الذي يبعث في قلبك ~~الشجاعة والذكاء والجد والصحة، لا الكاتب الذي يملأك يأسا ومرضا ويرقص أمامك ويقول النكتة ~~ويسليك وكأنه يعزيك عن حياتك. # الفصل الخامس والثلاثون # | الكتب والصحافة # تكثر الجرائد بيننا ويغمرنا الروح الصحفي كتابا وقراء، حتى إننا لنبحث عن الخبر الأخير ~~وليس عن الخبر الخطير، ونشتري الجريدة في الصباح ثم نشتري أخرى في المساء، ونقرأ في هرولة ~~ثم ننسى في هرولة. # وأنا آخر من ينتقص قيمة الجرائد التي تصل بيننا وبين أنحاء العالم، والتي تبسط لنا ~~التاريخ العصري وتزيد وجداننا حتى لكأنها حاسة جديدة قد جعلتنا على عرفان بأحوال البشر في ~~ستين أو سبعين قطرا غير قطرنا. # ولكن هذه الرغبة في الخبر الأخير، وهذه الهرولة في القراءة، كلتاهما قد باعدت بيننا وبين ~~الكتاب الذي لا يزودنا بالخبر الاخير ولكن بالخبر الخطير الذي يحتاج إلى التأني والتأمل في ~~القراءة. # إذا كانت الجريدة العظيمة تقدم لنا آخر الأخبار فإن الكتاب العظيم يقدم لنا أهم الأخبار، ~~أخبار البشر عبر القرون، وإذا كانت ms44 الجريدة تروي لنا حماقات الناس في جرائمهم فإن الكتاب ~~ينقل إلينا حكمة الحكماء وأغاني الشعراء وإنسانية الأدباء التي تعلمنا جميعها كيف نعيش ~~ونتأنق في أفكارنا ونحس الإخاء البشري ونتوسم الخير في المستقبل. # وإنها لرؤيا رائعة تلك التي يراها القارئ المصري حين يقرأ يوميات الجبرتي ويعرف منها كيف ~~كان يعيش جدودنا قبل مئة وخمسين سنة، أو حين يقرأ التفاصيل لتلك المعارك الفكرية بين ~~الغزالي وابن رشد، وإنها لنزهة للنفس أن ننتقل مع ابن بطوطة من المغرب الأقصى إلى الصين في ~~القرن الثالث عشر، وهذا إلى متع القراءة للسيرة الحلبية أو معجم الأدباء أو غيرهما. # ولا أذكر هنا الكتب الأوروبية التي تنقلنا إلى جنات عدن عصرية. # إن الجريدة على خطورة ما تروي من التاريخ العصري تقرأ في الترام أو في القطار، إذ هي ~~كتبت في عجلة ويجب أن نقرأها في عجلة، ولكن الكتاب يحتاج إلى الاعتكاف نقرأه، لا بل ندرسه، ~~في هدأة الليل كي نستقطر منه أكبر المعرفة والحكمة، وما أحسن أن نتحدث إلى أفلاطون في الليل ~~على انفراد وكأن بيننا وبينه مؤامرة لتحقيق جمهوريته، وما أجمل أن نتحدث إلى إخناتون حين ~~يخاطب الله بقوله: «أعطيت مصر نيلا على الأرض وأعطيت الغرباء خارج مصر نيلا في السماء» ~~وهو يعني المطر. # ليكن للكتاب مكانه المحترم في كل بيت متمدن كي يدخل الإنسانية المثقفة في رءوس ~~سكانه. # وبيت بلا كتب هو بيت واعر في الجهل يجب أن نخشى سكانه ونتجنبهم، أو بالأحرى يجب أن نتقرب ~~إليهم ونربيهم. ~~••• # والصحف في أيامنا أكبر قوة للإيحاء الاجتماعي بين المتعلمين؛ وذلك لأنها يتكرر ظهورها كل ~~يوم، والتكرار هو أساس الإيحاء. # وهي لذلك تستطيع بالخبر والصورة والمقال، بل أحيانا بالكلمة الواحدة، أن تصوغ أخلاقنا ~~وتعين أذواقنا، وهي بما تنشر، وأحيانا بما لا تنشر، تربينا للخير أو للشر. # ثم هي فوق الإيحاء الذي يوجه عواطفنا ويصلحها أو يفسدها، تمد وجداننا وتخاطب أذهاننا، وقد ~~رأينا حين تحرجت الحالة في كوريا أو في غيرها من الأماكن كيف انتقل وجداننا السياسي من عبث ms45 ~~الأحزاب في مصر إلى شئون الصين وأمريكا، وإلى التفكير في الحرب والسلم ومحتملات القنبلة ~~الذرية، بل لقد أصبح تفكيرنا لهذا السبب عالميا. # فنحن نكسب من الجريدة إيحاء ووجدانا معا؛ ولذلك يحمل الصحفي الأمين أعباء المسئولية ~~أمام قرائه، وهو يحس أن للصحافة فلسفة من حيث إنه يستطيع أن يرشد ويضلل، فإذا كان يكتب ~~بضمير بشري اجتماعي فإنه يحتاج إلى أن يتعب كثيرا في اختيار الخبر والصورة وفي كتابة ~~المقال، بل إن اختيار الكلمة الواحدة قد يحمله مسئولية ويبعث فيه قلقا. # وتقتضينا الفلسفة الصحفية أن نكتب هادفين، فلا نبعث بالفكاهة السمجة، ولا نهرج بالألوان ~~الصبيانية، ولا ننشر خبر الرجل الذي يأكل شقف الزجاج، ولا نجمش الغريزة الجنسية عند الشباب ~~بنشر الصور النسوية ، وخير لنا أن نبيع الطماطم والملوخية من أن نحترف صحافة هذا شأنها وهذا ~~إفسادها. # وإنما الصحفي الفيلسوف هو الذي يهدف إلى ترقية القارئ بأن يختار له الخبر الدال والصورة ~~المنيرة، وهو الذي يكتب المقال كي يربيه ويرفعه فيكسب العاطفة السخية النبيلة، والوجدان ~~الذكي في الآفاق الواسعة. # الفصل السادس والثلاثون # | اختر أدباءك # كتب الأدب كثيرة تتنوع من الشعر إلى النثر ومن القصص إلى النقد، ولن يمكنك أن تستوعبها ~~قديمها وحديثها؛ ولذلك يجب أن تختار وتحسن الاختيار. # يجب ألا تقرأ جزافا كما يجب ألا تأكل جزافا. # وكتب الأدب هي غذاء نفسك فيجب أن تعنى بها أكثر مما تعنى بغذاء جسمك، أي تؤثر الأنفع على ~~النافع، وتضحي بحلاوة الطعم من أجل مصلحة النفس. # هناك الكاتب الرخيص الذي يشغل ذهنك بالاهتمامات التافهة، والكاتب الطاهي الذي يعنى بحلاوة ~~اللفظ ورنين العبارات، والكاتب المنافق الذي يقول ما لا يؤمن به، حتى هناك الكاتب الفنان ~~الذي يحسن الفن ولكن مع ذلك ليست له رسالة. # إن كثيرين من الكتاب القدامى يحسون الفن، تجد عندهم الرنين والحلاوة والجزالة في ~~تأليف الكلمات وهندسة العبارات، ولكنك لا تجد لأحدهم رسالة، والرسالة للأديب هي كل ~~شيء. # ولو أن كاتبا كتب باللغة العامية، أو كان أسلوبه يتقلقل من الركاكة، ولكن كانت له مع ms46 ذلك ~~رسالة، يحس قيمتها ويلهج بها ويلهث إلى غايتها، لكان أديبا عظيما على الرغم من كل نقائصه ~~هذه، ولكن لو كان هذا الكاتب مبدعا في ابتكار المعاني وترصيع الكلمات ثم كان مع ذلك يكتب ~~وليس له هدف عظيم أي رسالة؛ لما كان شيئا، وقصارى ما كنا نجد عنده عندئذ أننا نتطعم ~~الحلاوة من كلماته ولكننا لا نغتذي بها، ونخرج من مؤلفاته ونفوسنا في جوع إلى ~~الغذاء. # إن الأديب في أيامنا يقوم مقام الكاهن في العصور الماضية، هو كاهن مدني نسترشد به حين ~~يعطينا ويعين لنا قيم الحياة. # فإذا قرأت لأحد الكتاب وأردت أن تقيس أدبه فاسأل ما هي القيم التي تأخذها منه؟ هل هي قيم ~~رخيصة أم غالية؟ هل هو يعطيك الفن، اللذة فقط، أم يعطيك الحكمة أي الرسالة والهدف ~~الإنساني أيضا؟ # هل هو بإيحاء حياته أولا، ثم بإيحاء أدبه ثانيا، قد غيرك وارتفع بك وجعلك تتطور، أم ~~هو قد خدعك عن حقك في هذه الدنيا أو أحالك إلى إنسان جامد تحيا بالعقائد بدلا من الحقائق، ~~وتخشى المستقبل وتقنع بالجهل، قد غشك بمدح الطغاة، وخدعك بالكلمات الحلوة التي لا تغذو ~~نفسك ولكنها تسري عنك فقط كما لو كانت كأسا من الخمر؟ # اطلب الكاتب النافع، الأديب الذي يغذوك، الذي يحمل إليك رسالة إنسانية سامية تتطور بها ~~وترتقي. ~~••• # هناك طريقتان للتأليف في الأدب: # فأما الطريقة الأولى: # فخفيفة العبء قليلة الجهد سريعة الإنتاج، وهي أن يدرس المؤلف موضوعه وفق ~~ما تعلم من المهارة المكتسبة من الكتاب الذين سبقوه، فإذا شاء تأليف قصة ~~قرأ ما كتب من القصص، ثم حاول بعد ذلك أن يكتب كما كتب مؤلفها، وهو هنا ~~بالطبع مقلد غير مبتكر. # ومثل هذه المؤلفات كثيرة، وهي تزيد الكم، أي إن قيمتها الأدبية ~~كمية وليست نوعية. # أما الطريقة الثانية: # التي يتبعها بل قد اتبعها العظماء في الأدب فهي درس الحياة، وهي طريقة ~~شاقة ولكنها تؤدي في النهاية إلى إخراج الكتاب العظيم الخالد، وليس المعنى ~~هنا إهمال الصنعة من حيث أسلوب الكتابة أو درس ms47 اللغة أو الاستخفاف ~~بالمؤلفات السابقة في الموضوعات التي نعالجها، وإنما المعنى أن نبالي ~~بالحياة التي نحياها أكثر مما نبالي بالكتاب الذي نقرؤه ونتهيأ به ~~للتأليف. # وعندئذ يكون الكتاب ثمرة الحياة باختباراتها وليس ثمرة الكتب بالدراسة، أي إن الكتاب الذي ~~نؤلفه عندئذ ينبع من الحياة. # وكي نحسن تأليف الأدب يجب أن نحسن ممارسة الحياة. # أي يجب أن نتقن حياتنا كي نتقن التأليف، وبكلمة أخرى نؤلف حياتنا أولا ثم نؤلف الكتاب ~~ثانيا؛ لأننا عندئذ نجد المجال للصدق، وهو أن يكون الأدب وفق الحياة بل مطابقا لها في ~~صورها وأشكالها، وعندئذ أيضا نستطيع الابتكار ولا نقتصر على التقليد. # ولهذا السبب تجد أن القصة العظيمة أو الأدب العظيم يمثلان في ناحية أو نواح حياة ~~المؤلف نفسه، بل إن الكتاب والحياة عندئذ يتطابقان، وهذا ما نجد في تولستوي أو جوتيه أو ~~برنارد شو أو جوركي؛ فإن جميع هؤلاء المؤلفين أخرجوا مؤلفاتهم من صميم حياتهم واختباراتهم، ~~وهم قد ألفوا حياتهم قبل أن يؤلفوا كتبهم. ألفوا حياتهم أحسن تأليف، ثم أخرجوا كتبهم أحسن ~~إخراج. # يجب أن تكون حياتنا واختباراتنا الشخصية مصدرنا في التأليف، ولا بأس من أن نستعين بما ~~كتبه غيرنا، ولكن يجب ألا يكون هؤلاء مصدر التأليف وإخراج الكتاب. # وعندما نحيا الحياة الإنسانية الاجتماعية، وعندما نحب ذلك الحب الذي دعا إليه أفلاطون، أي ~~عندما نحب الطبيعة والأحياء والإنسان، ونفكر بالعقل الإنساني ونشتبك في مشكلات المجتمع من ~~فقر إلى جهل ومن خرافة إلى علم بل عندما يمتلئ قلبنا بالرعب من القنبلة الهيدروجينية كما ~~يمتلئ بالسعادة عندما نتأمل احتمال السفر إلى القمر، عند ذلك نستطيع أن نؤلف ونبتكر. # بل عندئذ يكون الكتاب حياة وفلسفة ومنهجا للعيش والتفكير. # الفصل السابع والثلاثون # | النسك والعظمة # مات أعظم رجل متمدن في أوروبا أي في العالم، فقد صاغ برنارد شو حياته كما لو كانت عجينة ~~يعين لها الشكل الذي يريده ويقرر لها المصير يدبره، والرجل المتمدن هو في صميمه، وعلى ~~أسماه، ذلك الذي يضع العقل فوق الغرائز أو الشهوات، ويعيش العيشة الفلسفية ويدأب ms48 في تنوير ~~ذهنه، ويتجنب جميع ما يفسد صحته ويقصر عمره ويخدم المجتمع بجميع ما فيه من كفايات. # وقد فعل برنارد شو ذلك، ومات وهو في الرابعة والتسعين بعد أن علمنا نوعا جديدا من ~~القداسة، إذ ليس القديس في عصرنا هو الذي يفر من الحياة إلى صومعة الراهب كي يصلي ويتعبد ... ~~وإنما هو ذلك المجاهد الذي يخدم الحق والشرف، ويدعو إلى الخير والحب بعد أن يكون قد أنار ~~ذهنه بالمعارف حتى يفهم معاني هذه الكلمات ولا يتطوح في تضحيات سخيفة يدفعه إليها ~~الجهل. # ولقد كان الجهل أعظم ما حاربه برنارد شو في نفسه وفي غيره، فقد كان طالبا مدى الحياة، ~~وكان مؤلفا يخرج الكتب العظيمة الخالدة كي يقشع الجهل عن العقول الرجعيين والمحافظين ~~والمتغطرسين، وكانت له فكاهة لها قوة اللهب تلسع وتنبه. # عاش في حياته طاهرا، لم يجعل من أمعائه جبانة للحيوانات، وأوصى بإحراق جثمانه بعد ~~وفاته فلم يجعل من الأرض مكانا للتعفن والنتن، وقاطع جميع المخدرات والمنبهات فلم يدخن ~~ولم يشرب القهوة أو الشاي، ولم يعرف الخمر إلا في السنين القليلة من عمره حين مات جميع ~~أصدقائه وزملائه وزادت توتراته، أو لعله شرب الخمر للاعتقاد الجديد الذي ساد هذه الأيام ~~بأنها تطيل العمر. # وكان اشتراكيا يدعو إلى تنظيم البر وتعميم الخير بالتأميم، كما كان على الدوام في صف ~~الأمم المغلوبة ضد المستعمرين والطغاة. # وهناك من يفسر سلوك برنارد شو في مقاطعة القهوة والشاي والتبغ والخمر واللحم بأنه كان ~~وسيلة إلى الصحة، ولكن المتأمل لحياته لا يجد أنه كان يهدف إلى ذلك. # ويمكن أن نقول إن مقاطعته لطعام اللحم كان إنسانيا لا اكثر، وقد أصيب بمرض الأنيميا ~~الخبيث لالتزامه الطعام النباتي وعولج بخلاصة كبد الخنزير. # وكان العلاج بالاحتقان، ومع ذلك لم يترك طعام النبات. # ولكن إذا كان الامتناع عن طعام اللحم إنسانية فكيف نفسر الامتناع عن التبغ والشاي والقهوة ~~والخمر؟ # التفسير أنه لا عظمة في أي إنسان بلا شيء من إنكار الذات الذي قد يقارب أو يبلغ النسك، ~~وذلك انه ليس ms49 هناك عظيم إلا وهو معذب بالتوترات بينه وبين نفسه أو بينه وبين مجتمعه، وهو في ~~صراع لا ينقطع بين عاطفته وعقله، ومنطقه وعقيدته. # وهو حين ينهض إلى عمل عظيم ويحسن القصد في حياته، وأنه يحمل رسالة تزداد توتراته لما يلقى ~~من مصاعب، فيأنف من التفاهة، ويعمد إلى الجد، وتحمله توتراته التي ذكرناها إلى إحساس الضيق ~~والكرب فيرصد كل وقته وكل جهده إلى تحقيق ما سما إليه من فن أو فلسفة أو بطولة، وعندئذ ~~يعزف عن الملذات الصغيرة مثل القهوة والشاي والخمر بل يعزف حتى عن الجنس. # لقد فعل كل ذلك برنارد شو، ومن قبله فعل مثل ذلك غاندي الذي اقتصر على تناول اللبن، وفعل ~~مثل ذلك أيضا المعري الذي عاش طيلة عمره أعزب لا يعرف طعاما غير العدس، ونسك الغزالي وحرم ~~نفسه ما لا يحرم على الرجل العادي. # شهوات الذهن ومناهج المجد تتغلب على شهوات الجسد وعادات العرف. # وأكاد أقول إن الرجل العظيم تعذبه توتراته، ولكنه يجب مع ذلك أن يزيدها حتى يزداد بها ~~غلوا وحدة، وكثيرا ما نجد أن اليقظة الذهنية في أحد الناس العاديين تحمله على أن ~~ينكر على نفسه بعض الملذات التي اعتادها وكأنه يجد لذه أخرى في الحرمان أو العذاب، أي في ~~التوترات. # وفي جميع الأديان نجد ألوانا من الحرمان تبعث المؤمن على أن يكف عن استهتاره ويجد في ~~سلوكه وأخلاقه مثل الصوم، والمسيحي حين يغلو في إيمانه يرفض الزواج ويدخل الدير راهبا ولا ~~يأكل اللحم غير شهرين في السنة. # وعلى قدر ما لنا من أهداف سامية نهتم لها ونتعب في تحقيقها تكون توتراتنا، بل تكون رغبتنا ~~في زيادتها حتى نحس أننا بالحرمان نعلو على أنفسنا. # أما الرجل التفه، الرجل الأجوف، فلا يتوتر ولا يجد بل يسترخي ويتثاءب ويستهتر. # ولست أنسى هنا أن أقول إن التوترات قد تزيد حتى تصل إلى الجنون، جنون العبقرية. # الفصل الثامن والثلاثون # | شم النسيم # نحتفل كل عام بعيد الربيع «شم النسيم» فنخرج إلى الحقول ونرى بشائر الزهر والثمر في العشب ~~والشجر. ms50 # وقد تعودنا أن نزرع نباتات المحاصيل كالقطن والقمح والذرة فأفسدت هذه الزراعة تصورنا ~~للطبيعة، وجعلت الأرض والشجر وخضرة الحقل وألوان الزهر مقدرة في اعتبارنا بحساب القرش ~~والمليم والمكسب والخسارة، وانقطعت بذلك تلك اللذة التي كانت تربطنا بالطبيعة، وكدنا ننسى ~~أن بيننا وبين الزهرة والشجرة من المعاني الفنية، كدت أقول الجنسية، ما يجب أن نثيره ونطرب ~~به. # وإنها لنفس كامدة جامدة تلك التي لا ترى الأشعار في الأشجار، ولا تتعمق المعنى الجنسي في ~~الزهرة والثمرة قد كان الإغريق يجعلون في النخلة رمزا لجمال الطبيعة، وهم على حق في هذا، ~~وإني لأرى في شجرة البرتقال - وهي محملة بالثمر قد انحنت غصونها من ثقله - رمزا للأمومة، ~~وهي تثير في نفسي الحنان والرقة حتى لأتورع من قطف ثمرة منها لأني أحس كأني بذلك أضرب امرأة ~~حبلى. # وكثيرا ما أتأمل ثمرة المنجة أو التفاح، في ألوانهما الزاهية وعطرهما الفائح، وأتعجب من ~~هذه الجرأة الوحشية حين نقدم عليها بالتمزيق والالتهام؛ لأن مثل هذه الجريمة لا تختلف من ~~قتل فراشات الربيع أو ذبح الكنار. # إن الزراعة على ما فيها من نفع، قد أبعدت ما بيننا وبين الطبيعة؛ لأنها - كما قلت - قد ~~جعلت من الثمر والشجر قروشا وجنيهات، فلم نعد نجري في الحقل ونمرح، ولم نعد نضاحك الفراش ~~وهو يبوس الزهر ويشرب منه الرحيق، ولم نعد نقف أمام الشجرة الباسقة ونصلي لجلالتها ولم نعد ~~نعرف قيمة هذا السحر حين نقعد متأملين اليمامة وهي تطير فتكتب بجناحيها بيتا من الشعر في ~~الفضاء، أو حين تجثم على الغصن وتتهامس مع أليفها بكلمات الحب وتنظم بذلك قصيدة رائعة من ~~الغزل. # حبذا هذا اليوم يوم شم النسيم، فإنه مهرجان العيد لديانة الطبيعة، هذه الديانة التي ~~نؤمن بها جميعا ونجد في معبدها هذا المؤلف العظيم من الحقول والسحب والآفاق والأنهار ~~والطيور والأشجار، نجد فيها المعاني الحميمة والطرب المسكر في الجمال. ~~••• # ولكن وزارة الصحة احتاجت إلى أن تنذر الجمهور، بمناسبة «شم النسيم»، للأخطار التي يتعرض ~~لها أفراده إذا أكلوا الفسيخ الحلو الذي يقل مقدار ms51 الملح فيه إلى درجة تتيح لبعض الطفيليات ~~بأن تبقى حية في لحمه. # وهنا مجال فسيح للتأمل؛ فإن شعبا يحتاج إلى إنذار من الدولة حتى ينقص من سهمه ولا يقبل ~~على أكل الفسيخ بحماسة مؤذية لهو شعب قاصر، إذا لم نقل أحمق، ذلك أن الصحة كما قال برنارد ~~شو دليل الحكمة؛ لأن الرجل الحكيم يختار من الطعام ما يوحيه إليه عقله وليس ما يوحيه إليه ~~لسانه وأضراسه، فهو يحب الطعام الذي يبني صحته كي يبقى سليما نحو سبعين أو ثمانين سنة، ~~والرجل الأحمق هو الذي ينشد لذة عابرة فيشره إلى طعام ما حتى يكتظ منه، ثم يعتاد هذه الكظة ~~حتى تعود داء يثمر كثيرا من الأدواء. # إن المثل القديم يقول: يجب أن نأكل لنعيش. ولكن يجب علينا نحن أن نزيد عليه فنقول: يجب أن ~~ناكل لنعيش مئة سنة. # لقد زرت قبل أيام فارس نمر باشا، وهو الآن في السابعة والتسعين، وقد عاش هذا القرن من ~~العمر وهو لا يعرف التدخين أو الخمور، وتحدثت إليه ساعتين فلم أجد في تفكيره ما يدل أقل ~~الدلالة على ذلك النقص الذي تعزوه إلى الشيخوخة، بل وجدت العكس: تفكيرا ناضجا ناصعا ~~وإحاطة شاملة يقظة. # وهي حالة الكثيرين الذين لم يحتاجوا قط إلى نصيحة ناصح بأن يعتدلوا في الطعام؛ لأنهم ~~عرفوا بذكائهم وحكمتهم قبل قرن من الزمان أن الطعام يجب أن يكون وسيلة صحة وليس وسيلة ~~المرض. # حبذا الشاب يأكل بعقله ويقنع بالشبع دون النهم؛ لأنه بذلك يعيش عمرين ويتمتع باختبارات ~~هذه الدنيا قرنا من الزمان، ويكسب بذلك صحة وحكمة بل صحة من الحكمة. # الفصل التاسع والثلاثون # | عبقرية الصباح # هناك أنواع من العبقرية يحسها الإنسان في ظروف وأوقات من حياته مهما ظن أنه متبلد في ~~ذهنه مغمور في مركزه بعيد عن الابتكار. # فنحن نجد العبقرية في الإحساس والذهن حين نحب؛ إذ نجد في شخصية الفتاة التي نحبها من ~~المعاني ما يجهله أعظم الأذكياء، فنقرأ في عينيها لغة لا يفهمها غيرنا، ونحس من يدها كهرباء ~~لا يحسها غيرنا، ms52 ونتنسم من ابتسامتها هواء لا ينتعش به سوى قلبنا، ونستطيع أن نشرح معاني ~~السعادة في كتاب وفق ما وجدنا من لحظات الحب بأعظم وأدق مما يستطيعه غيرنا ممن لم ~~يحب. # وكذلك نحن نجد العبقرية عندما نقعد إلى الطبيعة في حقل أو على شاطئ، أو عندما يمتد بنا ~~البصر عبر فضاء أو صحراء أو سماء، حين يصمت الكون كأنه يفكر ويتأمل؛ فإننا عندئذ نتأمل ~~ونفكر ونكاد ننسى الزمان والمكان، ونوسع في قلوبنا وعقولنا لشتى الإحساسات والأفكار التي ~~تدخل في كياننا النفسي والذهني فتغيرنا وتحملنا على أن نفلسف في الحياة. # ونحس العبقرية حين نذكر الأم التي ماتت قبل عشرين سنة، ونحس العبقرية حين نذكر أصدقاءنا ~~الذين فقدناهم، ونحس العبقرية حين نذكر كتابا لأديب مخلص أعطانا حياة أو حيوات واعترف ~~وأخلص في الاعتراف. # لقد عشت أياما مع الكاتب الأمريكي ثورو، وعينت معالم قراءتي لكتابه «والدن» في بعض ~~الصفحات، واليك منها شيئا عن اختباراته في الغابة التي أقام فيها سنتين بعيدا عن المدن والتمدن: # كان كل صباح يطلع بمثابة دعوة بهيجة لي تشرح صدري وتهيب بي أن أجعل حياتي في ~~بساطة الطبيعة ذاتها، بل وفي طهارتها أيضا، فلقد كنت مخلصا في عبادة ربه الفجر ~~كما كان يفعل الإغريق القدامى، فكنت أستيقظ من نومي مبكرا ثم أستحم في الغدير، ~~وجعلت من ذلك إحدى شعائري الدينية. # وأيضا: # يجب أن نتدرب على أن نوقظ أنفسنا من جديد، وأن نستبقيها نشيطة لا بوسائل آلية ~~ولكن بأن ننتظر على الدوام الفجر الذي لا يفارقنا أبدا. # وأيضا: # بعد أن ينقطع الإنسان عن حياته الحسية فترة، تزداد روحه نشاطا وأعضاؤه قوة، ~~وتحيا عبقريته من جديد الحياة النبيلة التي في قدرتها أن نحياها. # الفجر والصباح في الطبيعة هما شيء رائع ... هما عبقرية، ولكن أيضا يجب أن يكون الفجر ~~والصباح في قلوبنا؛ فإن هنا العبقرية أروع. # الفصل الأربعون # | السياحة # يحتاج الكاتب والمفكر والصحفي والفيلسوف إلى أن يتركوا بلادهم من وقت لآخر كي يقتحموا ~~خطرا جديدا أو يدرسوا مشكلة بشرية لم يعرفوها مجابهة وإن ms53 كانوا قد سمعوا أو قرأوا عنها، ~~وهم يحتاجون إلى أن يفروا من الوسط المحيط بهم إلى وسط آخر حيث يجدون عادات تستحق التفكير ~~والاتخاذ. # وكل ذلك يتم بالسياحة، ولكن السائح المفكر يزيد على ذلك بأن يجد في السياحة خلوة فكرية لم ~~يجدها وهو في وطنه؛ لأننا حين ننأى بالذهن والجسم عن بلادنا نستطيع في هذه الخلوة أن نتخلص ~~من تلك الاعتبارات والمركبات اليومية التي تنشب في عواطفنا من الصحيفة ومن العائلة ومن حديث ~~الأصدقاء. # ولذلك تجد في هذه الخلوة صفاء ذهنيا وقدرة على الممايزة بين القيم الأخلاقية والروحية، ~~لا نجد مثلها ونحن مرتبطون بالاعتبارات والمركبات التي تلابسنا ونحن في وطننا. # ولكن السياحة قد طرأ عليها طارئ جديد نقص من قيمتها هو هذه الطائرة التي جعلت الكثيرين ~~منا يطوفون ويجولون في أنحاء العالم وكأنهم يشاهدون صورا سينمائية، وهم بذلك يحتسون من ~~مشاهد العالم الطبيعية والمدنية دون أن يعبوا، فلا يجدون الخلوة التي تحملهم على تأمل القيم ~~والممايزة بين ما في الوطن وما في القطر الأجنبي، كما أنهم لا يجدون الفرصة لدرس المشكلات ~~والعادات والاستمتاع بالاختبارات. # وإني لأؤثر أن أبقى شهرا كاملا في قرية أو مدينة فرنسية أتعرف فيه إلى بعض سكانها، ~~وأطعم بطعامها وأشرب نبيذها، وأتلبث في النظر إلى مشاهدها وأزور بعض بيوتها وأسهر لياليها، ~~وأستيقظ مبكرا أسير في طرقها، وأقرأ على مهل جرائدها، وأناقش قارئيها، على أن أطير إلى ~~عواصم أوروبا حيث أنزل في فنادقها الكبرى وأرى أثاثها واللألأة في مصابيحها أقضي في كل ~~واحدة منها ثلاثة أو أربعة أيام. # يجب أن نسيح فنقيم ولا نعبر، ونتلبث ولا نتعجل، ونعب من المكان الواحد ولا نحتسي من ~~الأماكن العشرة، ونترك عقلية الساعة والطائرة، ونعود إلى عقلية السفينة بل السفينة الشراعية ~~إذا استطعنا. # لقد خرج ابن بطوطة من مراكش فوصل إلى الصين، وقضى في ذلك نحو عشرين سنة، وعرف الدنيا في ~~عصره بما لا يعرفها آخر، أما نحن فنطير هذه المسافة في يوم أو يومين فلا نعرف شيئا ولا ~~نزداد علما، ولا ms54 نجد الفرصة للخلوة أو المقارنة بين القيم الوطنية والقيم الأجنبية. # كان ابن بطوطة يسيح بالسفينة والجواد والجمل، وكان يقيم السنة أو السنتين في الهند أو ~~الصين أو آسيا الصغرى، وكان بذلك سائحا عظيما، أما نحن فإننا نسيح بالطائرة ولا نقيم إلا ~~ساعات ولا نرى إلا المشاهد السينمائية. # الفصل الحادي والأربعون # | شرق وغرب # في مجلة «نيوستيتسمان» الإنجليزية خبر صغير يحمل عبرة كبيرة، ذلك أن أحد المتنزهين في أحد ~~الحدائق العامة في لندن كان يسير بين الأعشاب، فلمحت عينه اثنين: رجلا وامرأة يقعدان تحت ~~شجرة، فالتفت إليهما التفاتة عابرة ثم قصد إلى مقعد بعيد عنهما حيث قعد واشتغل بقراءة ~~كتاب. # ولكن لم تكد تمضي علي استقراره علي مقعده عشر دقائق، حتى أسرع إليه أحد رجال البوليس ~~بالحديقة وطلب منه اسمه وعنوانه؛ لأن هذين الشخصين اللذين لمحهما تحت الشجرة قد شكواه، ~~وموضوع الشكوى أنه وهو قاعد قد حدق فيهما نظره كأنه يريد أن يتجسس علي حركاتهما ويعرف ما ~~يفعلانه، وهو بذلك قد ارتكب جريمة؛ إذ لا يجوز لأحد في إنجلترا أن يحدق بغية التعرف والتجسس ~~علي أعمال الناس وحركاتهم، ولا يجوز له أن ينظر إليهم من ثقب القفل بالباب. # وهذا نقيض ما يحدث في مصر؛ فإن البوليس إذا رأى مثل هذين الشخصين، ورأى احدهما يقبل ~~الآخر أو أنهما في وضع لم يألفه من قبل، فإنه يستطيع أن يلقي القبض عليهما ويقدمهما ~~للمحاكمة، بل إنه حتى حين يراهما قاعدين ساكنين ليس بينهما حركة أو إيماءة، يستطيع أن يتدخل ~~ويسأل عن علاقة أحدهما بالآخر. # وهذا الفرق بين القاهرة ولندن هو فرق بين الشرق الذي يريد أن يحيي تقاليد تعود جذورها إلى ~~ألف سنة، وما بين الغرب الذي يتجدد كل يوم ويعين الأخلاق التي تتفق مع مصلحة مجتمعاته ~~المتغيرة المتطورة. # فإننا نحن البشر شرقيين وغربيين نستمتع بالتقبيل، ولكن استمتاع الغربيين صريح مكشوف أما ~~استمتاعنا فخفي مستور، ونحن نحرص في مصر على أن نمارس القبلة من خلف الأبواب والأستار في ~~حين يمارسها الأوروبي في الحديقة والمحطة بل ms55 أحيانا في الشارع، وقوانينهم تحميهم من ~~المتطفلين والمتطلعين الذين يحرجونهم. # وكثير منا ممن زاروا أوروبا كانوا يجدون في حدائقها أو محطاتها عشرات المتعانقين في ~~استقبال أو وداع يتبادلون القبلات، وهذه ليست قبلات الأم لابنها أو الأخ لأخته فقط بل قبلات ~~الحب والعشق بين حبيبين، وكنا نجد أفراد الجمهور يديرون ظهورهم حتى لا يحرجوا هذين ~~الحبيبين. # ولست أشك في أننا جميعا نحب الحياة ونكره الاستهتار، ولكن إذا كنا نكره المستهترين الذين ~~يعبثون بالحب فإننا يجب أن نستحي أيضا من المحبين المخلصين حين يقبل أحدهما الآخر، بل يجب ~~أن يحملنا هذا المنظر على أن نشيح عنهما بوجوهنا حتى لا نحرجهما، وعلينا أن نعرف أن ~~المتمدنين يحبون الحب ويحترمون قبلات المحبين وهم حين يفعلون هذا لا يوصفون بالنعومة أو ~~الرخاوة. # الحق أن في حادث هذا الإنجليزي الذي اتهم بأنه يتطلع ويتعرف حركات اثنين يتحابان ~~ويتعانقان لعبرة لنا يجب أن تحملنا على أن نتساءل: لماذا نختلف؟ ومن منا هو الكاسب ومن هو ~~الخاسر بهذا الاختلاف؟ # الفصل الثاني والأربعون # | شبابنا # أجد في شبابنا المتعلم الذي لم يصل بعد إلى درجة الثقافة ظاهرتين في اختيار الكتب: # الأولى: # أنه يقرأ كثيرا من القصص ويقبل على أية مجلة ما دامت تنشر قصصا ~~غرامية. # والثانية: # أنه يقبل على قراءة المؤلفات السيكلوجية في إسراف. # وبين الظاهرتين ارتباط؛ ذلك أن شبابنا الذين حرموا الأنسة والزمالة مع الفتيات لأنهم ~~يعيشون في مجتمع يقول بالفصل بين الجنسين، هؤلاء الشبان يقرءون القصص كما لو كانت تعويضا ~~عما حرموه، وكثيرا ما يكون هذا التعويض سخيفا قد أغرب في الخيال بالكلمة والصورة، ~~ولكن شبابنا أيضا يصلون بسبب الحرمان إلى خيالات سخيفة لا تتصل بالواقع ولا تشبهه؛ ولذلك ~~هم يرضون بهذه القصص ويلتهمونها ولا يجدون فيها إسرافا. # أما الظاهرة الثانية وهي الإقبال على الكتب السيكلوجية فتعود أيضا - إلى حد كبير - إلى ~~الفصل بين الجنسين؛ لأن هذا الفصل يحدث لهم اضطرابات نفسية. فهم في قلق غامض وكظم مرهق. ~~ولذلك يشترون هذه الكتب اعتمادا على أنهم سيجدون الحل لقلقهم ms56 واضطرابهم. ولن يجدوه. لأن ~~الحل الوحيد هو الاختلاط حتى تأخذ الحقائق مكان الخيالات. # ومع ذلك لا أتمالك إحساس بأن كتاب القصص عندنا قد نجحوا في شيء واحد خدموا به مجتمعنا، هو ~~أنهم جعلوا كلمة «الحب» من الكلمات المألوفة بل الإحساسات المألوفة؛ فالشباب المصري حين ~~يفكر في الزواج يفكر أيضا في الحب الذي يعده حقه ويعتقد أن زواجا بلا حب هو خيانة لقلبه ~~وضميره، وقد تعلم ذلك من القصص. # هذا كسب كبير لمجتمعنا وشبابنا؛ فإن الجيل الماضي كان يخجل من ذكر الحب في شئون ~~الزواج. # وكذلك لا أتمالك الإحساس بأن شبابنا قد تعلموا الكثير عن أنفسهم لإقبالهم على قراءة الكتب ~~السيكلوجية، وإن كنت أحيانا أجد مؤلفات أو مترجمات سيكلوجية غاية في التفاهة ~~والسخافة. # ولست أقول إن قلق الشباب يعود إلى الفصل بين الجنسين، ولكني أقول إن معظمه يعود إلى ذلك، ~~أما أقله فيعود إلى المكانة الاجتماعية التي ينشدها الشباب بالعمل والكسب حين لا يجد ~~الوسيلة إليها، وكثيرا ما يحصل الشباب على شهادته الجامعية ثم يبقى مع ذلك عامين أو ثلاثة ~~أعوام وهو لا يجد العمل والارتزاق بها، فيحس بذلك بأنه مزعزع ليست له كرامة ~~اجتماعية. # ولكن عندما تكثر عندنا المصانع والمتاجر سيقل التعطل وتفتح أبواب الرزق. # الفصل الثالث والأربعون # | أخطر أعمالك # في حياتك التي قد تبلغ الثمانين أو التسعين من السنين سوف تصادف أعمالا خطيرة تتحمل ~~تبعاتها وتتعب في إتمامها، ولكن أخطر هذه الأعمال جميعها هو الزواج؛ ولذلك يجب ان تختار ~~بعناية كبيرة، بل بأكبر ما تستطيع من عناية. # ذلك أنك ستعاشر زوجتك طيلة عمرك، فتسعد بحكمتها أو تتعس برعونتها، ثم هي سوف تكون أم ~~أولادك، وعلى قدر ما فيها من مميزات وراثية سيمتاز أبناؤك، وعلى قدر ما فيها من نقائص ~~وراثية لا تعالج سيكون النقص في أبنائك. # ثم لا تنس أن تربية الأطفال - وبمعنى آخر تربية الرجال - هي وقف على المرأة إذ قد ثبت ~~ثبوتا قاطعا أن العواطف والميول والاتجاهات النفسية تتكون فينا منذ اليوم الأول لميلادنا ~~إلى قرابة السنة ms57 الرابعة من العمر، ونحن نحيا بعد ذلك على ما ثبت فينا مما غرسته الأم، ~~والأم وحدها؛ لأن الأب في هذه السنوات الأربع الأولى من العمر لا يكاد يعرف أطفاله ولا يقضي ~~معهم غير أقصر الوقت. # ولذلك يجب أن تعنى أكبر العناية بأن تختار الفتاة التي ستتزوجها من أرومة ممتازة بالجمال ~~والذكاء، وهما جمال وذكاء سوف تراهما في أطفالك، وعليك أن تختارها متعلمة مثقفة حتى توجه ~~أطفالك الوجهة الصالحة في السنوات الأربع الأولى من أعمارهم، وحتى تستطع أن تجعل من البيت ~~جنة لك ولها وللأطفال. # ولن تستطيع أن تحسن الاختيار لزوجتك إلا إذا عرفتها قبل الزواج بنحو ستة أشهر أو عام ~~كامل، ونعني بالمعرفة صداقة أولا تستحيل إلى حب ثانيا، أما الزواج بلا صداقة سابقة وبلا ~~حب ينمو من هذه الصداقة فمغامرة خطيرة في الحياة؛ ولذلك يجب ألا تعتمد على الخاطبة المحترفة ~~تبحث لك عن زوجة لقاء ما تحصل عليه من اجر. فإن جميع الظروف تحملها على أن تخدعك وعلى أن ~~تخدم من يعطيها الأجر الأكبر. # إنما يجب أن يكون اعتمادك على نفسك، تقابل الفتاة بنفسك وتصادقها الشهور الطويلة كي تعرف ~~لغتها، واللغة نوع من السلوك والأخلاق، كما تعرف تصرفاتها وميولها والعائلة إلى نبتت فيها، ~~وخير لك أن تعيش طيلة حياتك وأنت أعزب من أن تتزوج فتاة لا تعرف سوى وجهها وقامتها اللذين ~~رأيتهما في زيارة لعائلتها أمضيت فيها نحو نصف ساعة. # لا، إنما الزواج أخطر من هذا، ونصف ساعة لا تكفي لأن تعرف زوجتك القادمة لأنك تحتاج إلى ~~الشهور حتى تعرف نفسها وحتى ينشأ الحب في قلبك لها، هذا الحب الذي هو ضمان السعادة في سن ~~الزواج. # وما نقوله عن اختيار الزوجة نقوله أيضا للفتاة عن اختيار الزوج. # الفصل الرابع والأربعون # | حول تحديد النسل # شاعت الدعوة إلى تحديد النسل هذه الأيام حتى صار المؤلفون الاجتماعيون يؤلفون عنها ويدعون ~~إليها في حماسة عجيبة. # وهؤلاء الدعاة يذكرون على الدوام آسيا وأفريقيا من حيث إن أقطارهما قد تزاحمت بالسكان، ~~وأن التناسل البشرى فيها ms58 يسير بلا حساب وبلا ضابط، وأن الدنيا - بسبب أسيا وأفريقيا - ستضيق ~~بالبشر إذ إن الأرض المنزرعة لن تكفي هذه الزيادة المطردة في السكان. # ولست أعترض على أحد يدعو الناس إلى التناسل في تعقل، بحيث يقدرون ظروفهم ويقيسون طاقات ~~المستقبل فيحددون عدد أبنائهم بواحد أو بأكثر لكل عائلة؛ فإن الناس أحرار في هذا العمل ~~وكانوا على الدوام أحرارا، ولكنهم يمتازون في أيامنا بالقدرة على ضبط التناسل أو منعه لأن ~~وسائل المنع كثيرة ميسرة. # ولكنى أعترض على الأوروبيين والأمريكيين يوجهون هذه الدعوة إلى أبناء آسيا وأفريقيا في ~~الوقت الذي فيه يؤدون فيه هم الإعانات لعائلاتهم التي يكثر فيها التناسل، ويشجعون أبناءهم ~~على الاستكثار من النسل، وأعترض على أن توجه هذه الدعوة إلى أقطار آسيا وأفريقيا بحجة ~~أن السكان فقراء في الوقت الذي حرمهم هؤلاء الأوروبيون والأمريكيون كنوز بلادهم، كالبترول ~~والفحم والقطن والكوتشوك والقصدير، بل حرموهم إنشاء المصانع، بل حرموهم حتى الإقامة على ~~أرضهم كما يفعل الهولنديون السفهاء في أفريقيا الجنوبية مع الزنوج. # وهنا يحق لنا أن نتساءل: هل الدنيا فقيرة في الإنتاج إلى الحد الذي يظنون؟ # إن سكان العالم في وقتنا لا يزيدون على 2500 مليون، تستطيع القاهرة وحدها أن تتسع لهم مع ~~فائض من فسحة المكان بين كل واحد وآخر. # وفي العالم خمس قارات لا يمكن أحدا أن يقول إنها قد زرعت جميعها وإنه لم يعد فيها متسع ~~لزيادة إنتاج الحبوب أو اللحوم أو الثمار. # ونحن نذكر بلادنا على سبيل المثال؛ فإن عددنا قد بلغ نحو 22 مليونا، أما ارضنا المزروعة ~~فلا تزيد على ستة ملايين، وليس هناك شك في أننا نعجز بهذا القدر من الزراعة عن إطعام هذه ~~الملايين من السكان، ونعني الإطعام الكافي الذي يفي بالنمو والصحة والرفاهية. # ولكن ممكنات بلادنا أكبر من الأرض المزروعة الحاضرة، فإن ما جربنا زراعته من القليل من ~~أرض الصحراء قد أثبت لنا ثبوتا قاطعا أن زراعة مليون أو مليونين من الصحراء ليست محالا، ~~بل الأرجح أن عندنا نحو خمسة أو ستة ملايين فدان ms59 يمكن زرعها في الصحارى الغربية والشرقية، ~~خاصة وقد عرفنا أن تحت النيل نيلا أخر يحوي من المياه المختزنة نحو مئة فيضان. # ثم هناك البحر الأحمر والبحر المتوسط، وكلاهما لم يزرع إلى الآن ... ونحن نستخرج منها ~~الأسماك والأحياء البحرية الأخرى كما كان أسلافنا قبل 10 آلاف أو عشرين ألفا من السنين ~~يستخرجون طعامهم من الغابة، لا يزرعونها ولكنهم يقتلعون منها الجذور والثمار، يأخذون منها ~~ولا يعطونها، وقد مضى على البشر نحو أربعين سنة أو أكثر وهم يزرعون الجو؛ وذلك حين عرف هذا ~~العالم الألماني كيف يستنبت منه عنصر النيتروجين ويحيله إلى ما نسميه نيترات للتسميد؛ فإن ~~هذا العنصر قد زاد محصول القمح في العالم بمقدار النصف أو الثلثين كما زاد المحصولات ~~الأخرى. # وهذه الحقيقة تغرب قيمتها التطورية عن كثير من الناس الذين يأكلون خبزهم كل يوم وهم لا ~~يعرفون أننا «زرعنا» الجو بوسائلنا العلمية قبل أن نزرع الأرض حتى أنتجت هذا الخبز. # ونحن نصيد الأسماك والأحياء الأخرى من البحار، ولكن كل حي على كوكبنا يحتاج في النهاية ~~إلى الشمس عن طريق النبات الذي يستغل ضوءها في تثبيت غذائه فينمو ويثمر، وعلى الطبقات ~~العليا من البحار حيث ينفذ ضوء الشمس وحيث تجد نباتات مكروسكوبية، وإلى جنب هذه النباتات ~~حيوانات تأكلها، وهذه حيوانات صغيرة، ثم يتدرج سلم الأحياء حتى تجد الأسماك التي تأكل صغار ~~الحيوان في البحار، ولكن ضوء الشمس هو في النهاية الأصل لهذه الحركة الحيوية. # والبحار تسمد الآن بالنيترات كما تسمد الأرض؛ وذلك كي تجد النباتات الميكروسكوبية الغذاء ~~في هذا السماد فيسرع نموها وتكاثرها ثم تتكاثر عليها الحيوانات الصغيرة ثم الأسماك، ونستطيع ~~نحن أن «نزرع» مليونا أو مليونين من الأفدنة في البحر الاحمر والبحر المتوسط لزيادة السمك، ~~بل الواقع أن في البحر الأحمر من الأسماك ما يمكننا من استخراج عشرين مليون رطل كل يوم منه ~~بلا سماد أو بأقل السماد. # كل هذا الذي ذكرنا هو في مستطاعنا منذ اليوم، نشرع فيه ونسير إلى نهايته بوسائلنا ~~المألوفة، وهو يكفل لنا الغذاء ليس ms60 لاثنين وعشرين مليون مصري بل لأربعين أو خمسين مليون ~~مصري بلا حاجة إلى هذه الدعوة الأوروبية الأمريكية بشأن تحديد النسل باعتبار هذا التحديد ~~خطة عامة للشعب وليس ظرفا خاصا لكل فرد عليه أن يقيسه بطاقات المستقبل لأبنائه. # ولكن هناك وسائل أخرى ليس في مستطاعنا الآن ولكنها توشك أن تكون، وذلك بالعلم؛ فإن العلم ~~قد وصل إلى قمة التدمير باختراع القنابل التي تعد كل منها شمسا أو نجما صغيرا يدمر ويحرق ~~ويحيل العناصر إلى غيرها. # وما حققه العلم من التدمير يمكن أن يحققه في التعمير؛ فقد استطاع العلميون أن يخترعوا ~~عناصر جديدة لم تعرفها الأرض في تاريخها منذ خمسة آلاف مليون سنة، وتحطيم الذرة ولحمها ~~كلاهما من الأعمال التي لم تعرفها الحياة على الأرض ؛ فإن قصارى ما استغلته الحياة هو الجزيء ~~وليس الذرة. # والجزيء مؤلف من الذرات وأجسامنا تكسر الجزيء ولكنها لا تستطيع كسر الذرة، ولكن ~~العلميين استطاعوا أن يكسروا الذرة وأن يلحموها. # ونحن الأحياء نحتاج إلى ثلاثة مركبات كي نعيش، وهي: المواد البروتينية مثل اللحم وزلال ~~البيض والجبن، وهذه المواد توجد أيضا بكثرة في الأفوال مثل الفول والعدس واللوبيا والترمس ~~والفول السوداني ... إلخ، ثم نحتاج إلى المواد النشوية والسكرية، ثم نحتاج إلى الزيت أو ~~الشحم. # وأجسامنا تستطيع أن تصنع من المواد البروتينية السكر والنشا أو حتى الزيت أو ~~الشحم. # ولكن العكس لا يحدث، أي إننا لو اقتصرنا على طعام مؤلف من المواد النشوية والسكرية، ~~وأيضا من الشحم، لما استطعنا أن نصنع البروتين وعندئذ نموت. # والسبب هو أن جزيء البروتين أكبر من جزيء النشا أو السكر وأكبر كذلك من جزيء الزيت أو ~~الشحم. # وإذن عقدة العالم الآن هي: كيف نصنع البروتين؟ كيف نصنعه كيماويا بلا حاجة إلى أن نبحث ~~عن اللحم والبيض والجبن ... إلخ؟ # كيف نصنعه كما نصنع عنصر الهليوم من الهيدروجين في القنبلة الهيدروجينية؟ # إن كسر الذرة يعد نظريا أسهل ألف مرة من كسر الجزيء، وكذلك تركيب جزيء من جزيء آخر يعد ~~نظريا أسهل ألف مرة من تركيب عنصر من ms61 عنصر، ولكن الاتجاه العصري الحربي قد جعلنا نصل إلى ~~تركيب العناصر قبل أن نصل إلى تركيب المركبات؛ لأن المشرفين على العالم يفكرون في التدمير ~~وليس في التعمير. # ولن تدوم الحال؛ لأنها إذا دامت فإنها ستنتهي قريبا بإبادة الإنسان والحيوان ~~والنبات. # ولذلك نحن نفترض الخير بدلا من الشر، والعقل بدلا من الجنون. # وعندئذ يمكن أن يتجه العلميون إلى إيجاد بروتين كيماوي يغنينا عن الزراعة، زراعة الجو ~~والبحر واليابسة. # وفي هذه الحال لا تكفي الأرض 2500 مليون إنسان فقط، بل تكفي مئة ألف مليون إنسان، ولا ~~يحتاج أحد من دعاة التحديد للنسل عندئذ أن يدعو أفريقيا وآسيا إلى أن تخفض كلتاهما إنتاجها ~~البشري. # الفصل الخامس والأربعون # | الحب أساس الزواج # من أجمل الكلمات التي كتبها شاب يصف حبه لحبيبته قوله: «كان حبي لها أكبر من أن ~~أشتهيها». # وهذه كلمات يقف الإنسان عندها للتأمل والتساؤل: لماذا لا يشتهيها إذا كان يحبها ويسرف في ~~حبها؟ # إن الحقيقة التي لا يمكن أن تنكر أن الاشتهاء الجنسي لا يحتاج إلى الحب، بل هو أولى ~~أن يحتاج إلى شيء من العدوان، وهذا هو ما يحدث في حوادث الاغتصاب؛ إذ هو عدوان لا يمكن أن ~~يكون به شيء من الحب. # وإنما مرجع الحب هو تلك السنون الأولى في طفولتنا حين كنا نحيا مع الأم التي كانت تحنو ~~علينا وتحمينا وتربينا وتغذونا؛ فإن هذه السنين التي نهفو إليها طيلة أعمارنا هي التي غرست ~~فينا عواطف الحب وعلمتنا أسلوبه، وكل حب في العالم مهما سما نوعه ومهما عبرت عنه الكلمات ~~النبيلة إنما يرجع إلى هذه الأمومة الرحيمة التي نذكرها، فنحس الرقة والعذوبة في ~~الحب. # وعلى قدر ما رأينا من حب الأم أيام طفولتنا نعامل الدنيا والناس بالحب، بل نعامل أيضا ~~الزوجة والأبناء. # ولذلك خير الأزواج من الرجال والنساء هم أولئك الذين استمتعوا بحب أمهاتهم؛ لأنهم عقب ~~الزواج يضفون على الزوج أو الزوجة تلك الإحساسات النبيلة التي كانوا يحسونها نحو أمهاتهم ~~ويأخذون أنفسهم وغيرهم بالعادات التي تعودوها في تلك السنين. # وليس في ms62 هذا استصغار لقيمة الاشتهاء الجنسي، ولكننا نريد أن نبين ونؤكد أن هذا الاشتهاء ~~لا يكفي للسعادة الزوجية، فقد يجد الشاب فتاة تحوي من فتنة الملامح والتقاسيم ما يثير ~~اشتهاءه الجنسي، وعندئذ قد ينسى تلك الكماليات التي تثير في نفسه الحب، وهذه الكماليات هي ~~في النهاية أجمل ما أحبه في أمه، وحبه لزوجته أو خطيبته يقاس عندئذ بمقدار ما يجد فيها من ~~فضائل كانت تتجمل بها أمه نحوه، وكان هو يحس بجمالها ويستجيب لها. # ويمكن أن نقول - على هذا الأساس - إن الحب أمومة تحتوي الحنو والإيثار والتضحية والرغبة ~~في ترقية الزوج أو الزوجة. # وإذن خير ما تعرف به حبك لخطيبتك هو أن تمتحن نفسك حتى تجد مقدار ما فيها من إحساسات الحب ~~لأمك، وعلى هذا المقدار سوف تكون سعادتك. # وكذلك الشأن في الفتاة نحو خطيبها. # الفصل السادس والأربعون # | الحب في التوراة # حين أقرأ التوراة أجد صفحات أقف وأتلبس في قراءتها؛ لأنها تحفل بالإحساسات الأدبية الفنية ~~بحيث أتساءل هل هي من الأدب أم من الدين؟ # ففي «نشيد الإنشاد» مثلا قصة عالية أو حوار بليغ عن قيمة الحب الذي يجب أن يرتفع بميزاته ~~الطبيعية الساذجة على إغراء المال وزخارفه أو بهارج التمدين. ~~«الحب أغلى وأغلى من الذهب» # هذا هو موجز العبرة التي نستخرجها من هذا السفر الخالد في التوراة. # فنحن إزاء فتاة ريفية، بل تكاد تكون بدوية، تعيش بين الحقول والمراعي في ملابس رخيصة تزيد ~~من جمال قامتها ونضرة وجهها وشهامة صدرها، وهي تجري وتشرب في طرب الحياة وغلواء الشباب، ~~إنسانة جميلة بين الطبيعة الجميلة. # ثم نقرأ الكلمات العذبة والمقارنات البليغة عن الحب يربط بينها وبين حبيبها الراعي الفقير ~~الجميل، وبين من يرغبون في شراء هذا الحب بالجواهر والذهب والقصور. # وهي تقول: حبيبي لي وأنا له ... صوت حبيبي، هو ذا يأتي ويطفر على الجبال ويقفز على ~~التلال. # وهو يقول: الزهور ظهرت على الأرض، قومي يا حبيبتي، يا جميلتي، وتعالي، شفتاك يا عروس ~~تقطران شهدا، تحت لسانك عسل ولبن، وحبك أطيب من الخمر. # وهي ms63 تقول: حبيبي مد يده من الكوة ففزعت إليه نفسي ... حبيبي نزل إلى جنته، إلى خمائل الطيب ~~ليرعى في الجنات ويجمع السوسن ... أنا لحبيبي وحبيبي لي... الراعي بين السوسن. # الحب والجمال والطبيعة ثالوث مقدس تتغنى به هذه الفتاة، وتتأمل سعادته ثم تقول بل تصرخ: ~~إذا أعطى الإنسان كل ما في بيته من ثروة بدلا فإن الحب يحتقر هذه الثروة احتقارا. # وهذا ما أردت أن أستخرج عبرته لشبابنا. # ليس في الدنيا أجمل ولا أثمن من الحب، فلا تستبدلوا به مالا أو عقارا واقرأوا نشيد ~~الإنشاد في التوراة فإنه جعل الحب أدبا ودينا. # الفصل السابع والأربعون # | الحب الأفلاطوني # على الرغم من أن أفلاطون - أستاذ أرسطو طاليس - كان مفكرا عميقا وإنسانا عظيما، فإنه ~~أوقع الفلاسفة الإغريقية الناشئة في هوة بقيت فيها أكثر من ألفي سنة؛ ذلك أنه زعم أن « ~~الفكرة» تسبق المادة، وأن هذا الكون له جوهر من الأفكار يعبر عنه مظهر من المواد، فوراء ~~الدنيا الملموسة فكرة الدنيا، ووراء الجبل فكرة الجبل ... وهلم جرا. # وقد عطلت هذه «النظرية» التفكير البشري المثمر قرونا طويلة؛ لأنها حملت الباحثين على أن ~~يستهينوا بمظهر المادة كما هي في جرمها وثقلها وكثافتها؛ اعتقادا بأن هذه الخواص لا قيمة ~~لها إزاء الفكرة الأفلاطونية الكامنة فيها. # وقد نبذ العلم في عصرنا هذه «النظرية» واعتمد على درس الخواص المحسوسة للمادة وبذلك تمكن ~~من التحرر من هذه الغلطة التي وقع فيها أفلاطون. # ولكن على الرغم من هذه الغلطة الفادحة التي وقع فيها أفلاطون فإن القارئ لأفكاره وآرائه ~~في «المادية» وهي التي يعتقد بعضنا بأن كلمة «أدب» العربية صيغت على غرارها، هذه الأفكار ~~والآراء هي دنيا عظيمة من ثراء الفكر وخصوبة التأمل ومعاني الخير والإنسانية. # ومن هذه الأفكار والآراء ما نسميه «الحب الأفلاطوني». # ونحن نزعم أننا عندما نقول أن حب هذا الشاب لهذه الفتاه «أفلاطوني» إنما نعني أنه بعيد عن ~~أن يكون اشتهاء جنسيا، أو نزعم أنه ود اجتماعي أكثر منه حبا غراميا، ولكن الحقيقة أن ~~أفلاطون لم يستثن العلاقة الحميمة بين اثنين ms64 من معنى الحب، ولكنه توسع في هذا المعنى إلى ~~أن جعل لهذه الكلمة دلالة اجتماعية بل إنسانية، بل أستطيع أن أقول إنه جعل لها دلالات أخرى ~~تصل بين الإنسان والطبيعة، وبينه وبين الحيوانات والنباتات، بل أكاد أقول إن أفلاطون حين ~~توسع في معاني هذه الكلمة كاد يقول بالتطور وبأننا نحن البشر جزء متمم للطبيعة، وأننا أعضاء ~~في عالم الحيوان والنبات لنا فيها جميعها قرابة، ولست أعني أنه عرف نظرية التطور، وإنما ~~أعني أنه كان علي إحساس نفسي أو «صوفي» بها، وقد أحبه الصوفيون كثيرا لهذا السبب، ونزعة ~~الحب العام الذي أشادوا به كثيرا تعود إلى أفلاطون. # يفهم أفلاطون من كلمة الحب أنه ذلك الإحساس الإنساني الذي يجعلنا ننشد سعادة الغير عندما ~~ننشد سعادتنا نحن ، وأنه - أي الحب - هو إحساس التوافق بيننا وبين جميع الكائنات، فنحن حين ~~نحب الجبل والنهر، والفرس والكلب، والشجر والعشب، نمتلئ فضيلة وسعادة معا وننأى عن الرزيلة ~~والتعس. # ويزيد أفلاطون فيقول: إن الحب لا ينفصل من الطيبة والجمال، وإنه يولد الجمال في الجسم ~~والنفس، وإن الحب يسعى لأن يتعلق بما هو طيب وما هو جميل ... وعندما يدرك الإنسان هذه الحقيقة ~~فإنه يصبح محبا للأشكال الجميلة، ثم يرتقي من ذلك إلى أن يعرف أن الجمال في العقل أكبر ~~شرفا من الجمال في الصورة الخارجية ... وينتهي إلى تأمل الجمال في ذاته. # وإذا وصل الإنسان إلى هذه الدرجة فإنه سيجد أن طبيعة الجمال رائعة دائمة لا تزيد ولا تنقص ~~ولا تفسد. # ثم ينتهي إلى أن الجمال لا يتعلق بشيء ما، لا بالسماء ولا بالأرض وإنما هو شيء مطلق قائم ~~بذاته يحتوي نفسه ولا يحتوي غيره. # ونحن نجد في هذه التعابير - التي مضى عليها أكثر من ألفي سنة تتقلب من مترجم إلى مترجم - ~~فكرة عامة عما أراد أفلاطون؛ فإنه قصد إلى أن يقول إنه إذا غمرتنا عاطفة الحب للأشياء ~~والناس فإننا نجد كل شيء جميلا، وعندئذ نكون سعداء. # فالحب والجمال والسعادة سلسلة نحتاج إلى حلقاتها الثلاث، ولكن أولها الحب، وقد تلاقت ms65 جميع ~~الفرق الصوفية في جميع الأديان شرقا وغربا علي هذه الكلمات مع أولوية الحب، كما أن رجال ~~المسيحية قد وجدوا في أفلاطون الفيلسوف الذي يؤيدهم في دعوة الحب. # واعتقاد أفلاطون أن الحب أساس الإحساس بالجمال والسعادة لا يمكن أن يجد معارضا؛ فإن ~~الشاب الذي يحب فتاة يجد فيها أسمى الجمال كما يجد في معاشرته إياها السعادة القصوى، وكذلك ~~الأم التي تحب طفلها لا تعتقد أن هناك من يفوقه جمالا بين الأطفال، وأنها لن تجد مثل ~~السعادة التي تلاقيها معه باحتضان غيره. # وعبرتنا من كل هذا الذي ذكرنا عن أفلاطون وإكباره لشأن الحب في حياة الإنسان: هو أننا ~~نستطيع أن نجد السعادة والجمال إذا نحن احببنا الطبيعة وكائناتها والإنسان والمجتمع؛ فإن ~~هذا الحب سيحملنا علي أن ننشد الجمال في كل هذه الأشياء ثم نحس السعادة حين نجده فيما نطلب، ~~بل نزيد علي ذلك بأن الحب العام ضروري للفهم الإنساني، ولن نفهم ونحن نبغض، ولن نتوسع في ~~المعارف ونحن نكره. # فالحب الأفلاطوني ليس عاطفة سطحية كما هو الاعتقاد السائد، وإنما هو الحب العام للإنسان ~~والحيوان والنبات والطبيعة، هو الحب الذي يربطنا بالكون والمجتمع، هو السعادة ~~والجمال. # الفصل الثامن والأربعون # | ذكاء المرأة # هناك حقيقة يجهلها كثيرون مع أنها في وضوح الشمس، وهي أن الذكاء اجتماعي؛ فنحن نربي ~~ذكاءنا بل أخلاقنا بالاجتماع بالناس وما يجلبه العيش معهم من تجاذب في المعاملة والصداقة ~~والخصومة والخدمة والتجارة، أو بكلمة موجزة نحن نتذكى - أو ندرب ذكاءنا الخام الموروث - ~~بالحرفة التي نحترفها وننتج بها سلعه أو نؤدي بها خدمة. # هذا التجاذب، هذا الأخذ والعطاء بيننا وبين المجتمع، يحفزنا علي التفكير والتعبير والعمل ~~والإنشاء، فيحتد ذكاؤنا الموروث بما نتعلم من كلمات ومعان وبما نختبر من أفراح وأحزان وما ~~نصنع من أدوات ووسائل. # ولو أن أحدا منا ولد بذكاء موروث نادر ثم أمضى عمره أو السنوات العشر الأولي من عمره ~~وحيدا لا يختلط بالناس؛ لبقي ذكاؤه خاما لا قيمة له، فهو يحيا حياة الحيوان قصارى ما ~~يطلبه طعامه وشرابه لا ms66 أكثر، ويؤكد غباوته بل بلاهته عندئذ أنه يجهل الكلمات؛ لأن الكلمات ~~هي المعاني، وليس هناك كلمات بدون اجتماع بالآخرين، أي ليس هناك تفكير يعلو علي حاجات ~~الطعام والشراب إلا إذا كنا نفكر في مجتمع بشري، ولكن الاجتماع درجات؛ ولذلك فالذكاء ~~المدرب درجات أيضا. # فالفلاح الأمي في حقله وبيته أقل اجتماعا من ساكن المدينة الذي يختلط أكثر منه - مباشرة ~~ومداورة - بالناس في المكتب أو المتجر أو المصنع ثم في المقهى أو السينما أو الكتاب؛ ~~ولذلك يعد ذكاء الثاني مدربا بينما ذكاء الأول لا يعد كذلك، ولذلك لا نخطئ إذا قلنا إن رجل ~~المدينة أذكى من رجل الريف لأن دائرة اجتماعه أوسع. # وذكاؤنا يزداد دربة، وبصيرتنا تزداد حدة، إذا كنا نجد في الاختلاط بالمجتمع تغيرات ~~وتنوعات ، فلا يحيا الطبيب مع أطباء فقط، ولا يخالط المهندس مهندسين فقط، وإنما يختلط هؤلاء ~~مع هؤلاء فيكون التغير داعيا إلى التنبيه واليقظة. # وبناء على هذا المنطق نقول إن الشاب العربي الذي تجاوز العشرين من عمره، وهو لا يعرف من ~~المجتمع البشري سوي زملائه من الشبان، يعد ناقصا في ذكائه عن الشاب الأوروبي الذي امتاز ~~بالاختلاط مع الجنس الآخر؛ ذلك لأن الثاني رأي فروقا بينه وبين زميلاته بعثت فيه الاستطلاع ~~وحدت ذكاءه، كما أن هذا الاختلاط قد عين طرازا متمدنا من السلوك، وميزانا سويا من ~~الأخلاق، لا يعرفهما الشاب الذي تعلم مع زملائه من الشبان فقط. # إن الذكاء والأخلاق معا يحتاجان إلى التعليم المختلط في المراحل التعليمية الثلاث: ~~الابتدائية والثانوية والجامعية، وأي انفصال بين الجنسين في إحدى هذه المراحل أو في جزء ~~منها ينعكس أثره على أخلاق الشاب وأخلاق الفتاة؛ لأن كلا منهما يجهل عندئذ بمقدار ~~انفصاله طبيعة الجنس، ويجهل وسائل المعاملة المهذبة مع أشخاصه، والزمالة في المدرسة ثم في ~~الجامعة توجد إحساس المساواة وتمتع كلا من الشاب والفتاة بلذة الألفة، وتستنبط من ~~الاثنين الاحترام المتبادل بينهما، فإذا جاء الزواج فإن العشرة بين الزوجين تبنى عندئذ علي ~~معرفة الواحد بالآخر، فلا يكون الاستسلام للأماني التي تخالف الواقع ms67 ثم المشاجرات التي تنشأ ~~من العادات الانفصالية التي سبقت الزواج. # إن الزواج اجتماع بين جنسين، وهو يحتاج إلى تدريب اجتماعي يسبقه، ولن يكفل هذا التدريب ~~إلا التعليم المختلط. # وقد ألغينا نحن الحجاب فصارت نساؤنا سافرات يستقبلن الضيوف في البيت ويخرجن إلى المتجر، ~~بل أحيانا يؤدين أعمالا حرفية ويختلطن بحكم أعمالهن هذه بالرجال. # لكن لا يزال التعليم في مرحلته الابتدائية والثانوية يفصل بين الجنسين كأننا نؤمن بإلغاء ~~الحجاب بين الكبار وبإبقائه بين الصغار، وهذا خطأ بل خطل؛ لأن الكبير يحتاج إلى التدريب وهو ~~صغير، وكثيرا ما نجد الشاب الذي يرتعش عندما يجد نفسه مضطرا إلى محادثة فتاة؛ لأنه عاش ~~قبل ذلك منفردا نحو عشرين سنة لم يمارس فيها الاختلاط، وكذلك الشأن في الفتاة التي عاشت ~~منفردة لا تختلط. # ونحن البشر نتألف من رجال ونساء، وهذه طبيعتنا التي لا نستطيع أن ننكرها، فلا بد من أن ~~نعيش حياتنا في مجتمع سوي مختلطين يعرف كل منا الآخر منذ ميلاده إلى يوم وفاته، نتعلم ~~معا في المدرسة ثم في الجامعة، ونعمل معا في المصنع أو المتجر، ونتدرب طيلة أعمارنا على ~~المعاشرة الزوجية الحسنة. # والشخصية السوية، والشخصية الكاملة، تحتاج في كل من الجنسين إلى التدريب الاجتماعي، ~~والمرأة نصف المجتمع، فلن نحصل على هذا التدريب كاملا إلا إذا اختلطنا بالمرأة وزاملناها ~~منذ صبانا إلى شيخوختنا. # لهذا السبب يجب أن يكون تعليمنا في جميع مراحله مختلطا، ويجب على الآباء أن يلحوا في ~~المطالبة بهذا الاختلاط لتربية أبنائهم وبناتهم. # الفصل التاسع والأربعون # | مساواة المرأة بالرجل # كلمة «المساواة» من الكلمات أو الأماني المحببة إلى المرأة؛ فإنها تعد نفسها مظلومة كلما ~~وجدت أن المجتمع يؤثر عليها الرجال في الحقوق والواجبات. # والفكرة في المساواة قديمة، بل إن كلمة العدل التي تعد أساس القوانين البشرية، بل كذلك ~~القواعد الدينية، تعود أيضا إلى معنى المساواة. كما نرى في كلمة العدالة التي لا تختلف في ~~معناها عن كلمة المساواة. # ولكن العدالة والمساواة بقيتا من المعاني التي تشبه الأماني في العصور القديمة، عصور ~~الأمراء والنبلاء ms68 من ناحية والفلاحين والعبيد من ناحية أخرى؛ إذ كان من المحال أن يتألف ~~مجتمع من هذه الطبقات ثم يمكن التفكير في المساواة بين أفراده، ثم بين رجاله ونسائه. # ولكن كلمة «المساواة» مع ذلك دخلت في دستور الثورة الفرنسية وأصبحت إحدى المواد في ~~القوانين البشرية، وأصبحت هذه الكلمة محترمة بحروفها، ولكن دارسي القوانين كانوا يعرفون على ~~الدوام أنها «أكذوبة» فقهية قد فرضت على الواقع كأنها إحدى كلمات المستقبل التي يتخيلها ~~دعاة الخير والسلام للمجتمع ويتمنون تحقيقها في يوم بعيد. # واقتربت الشعوب رويدا رويدا من معنى المساواة حين ألغت نظام الإقطاع؛ فأصبح الفلاحون ~~أحرارا بعد أن كانوا مقيدين بالرق الزراعي، ثم زاد الاقتراب من معناها حين ألغت الولايات ~~المتحدة رق العبيد من الزنوج في عام 1860، وتحققت المساواة بين أفراد المجتمع من الرجال، ~~ولكن هذه المساواة لم تمنع التفاوت الاقتصادي بين الأفراد، هذا التفاوت الذي كان ينفي هذه ~~المساواة بإيجاد الأثرياء والفقراء، وقدرة الأولين على استغلال الثانين، والاتجاه الاشتراكي ~~الذي يعم شعوب العالم هذه الأيام يحاول التخفيف من وطأة هذا الاستغلال، وبالتالي يحاول ~~إيجاد شيء من المساواة الاقتصادية. # وأعظم أو أسوأ ما نجد من الآثار المسيئة للمجتمعات البشرية في عصرنا الحاضر أن المرأة لا ~~تساوى بالرجل، وصحيح أن القوانين تساوي بين الجنسين في الحقوق والواجبات أو تكاد، ولكن ~~المجتمعات لا تزال ترفض هذه المساواة، وهي ترفضها بقوة العادات والتقاليد والرأي العام ~~ونظام العائلة، وكل هذه القوة تقول ببقاء المرأة للبيت زوجة وأما تدير شئون المنزل بينما ~~زوجها يكسب بالعمل في المصانع أو المتاجر أو في مكتبه الحر، ثم يعود آخر النهار فيجد راحة ~~البيت وهناء العيشة الزوجية وحب الأطفال. # ولكن بقاء المرأة في البيت يقصر الكسب على الرجل الذي ينفق على زوجته وأبنائه، ويعطي من ~~طرف أصابعه ما تحتاجه الزوجة لهذا الانفاق. # وهذه الحقيقة وحدها تقرر له السيادة على الزوجة؛ إذ هو قادر وقت الخلاف أو الغضب، أو ~~الفتنة بامرأة أخرى، أن يمنع كما كان يمنح فيقول: «لا» عندما تطلب منه الزوجة ما ms69 تحتاج ~~إليه، وهذه القدرة الاقتصادية في الزوج إزاء العجز الاقتصادي في الزوجة تجعل كلمة ~~«المساواة» سخرية أو سخافة؛ لأن حقيقة الواقع أن الزوج الكاسب سيد الزوجة غير الكاسبة، وأنه ~~يأمر وهي تطيع إذ هو صاحب الحق في المنح والمنع، وهذا حق ضخم أكبر قيمة وأعمق أثرا من تلك ~~الحقوق المدنية في المساواة وفي الحقوق التي تنص عليها القوانين نص الكلمات لا نص ~~الأفعال. # المساواة الحقيقية بين الرجل والمرأة تعني - أهم ما تعني - المساواة في الكسب، والمساوة ~~في الكسب لن تكون إلا إذا جعلنا المرأة منتجة تعمل في المصنع والمتجر والمكتب، وهي متى ~~أنتجت كسبت، أي ارتزقت، ومتى كسبت وارتزقت صارت تحسن الاستقلال الذي يكسبها الكرامة والحق ~~في المساواة فهي تتناول أجرها وهي مرتفعة الرأس على وعي بأنها تستحقه لأنها عضو مستقل منتج ~~في المجتمع. # وفي العالم المتمدن نوعان من المجتمعات أحدهما النوع الرأسمالي في أمريكا والآخر النوع ~~الاشتراكي في الاتحاد السوفييتي، وفي كليهما حصلت المرأة على هذا الاستقلال الاقتصادي ~~بالعمل المنتج، وتحققت المساواة بين الجنسين، وفي الأقطار الأخرى المتمدنة نجد أن العمل ~~المنتج الكاسب للمرأة يتوافر في بعض البيئات بدرجات مختلفة، ولكنه ليس عاما كما هو في ~~الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي؛ ولذلك نجد المساواة تتدرج وتختلف بين الجنسين بمقدار ~~التدرج والاختلاف في تعود المرأة العمل والانتاج والكسب. # وخلاصة منطقنا هنا أن المساواة لا تزيد علي أن تكون كلمة أفلاطونية لا قيمة لها ما لم ~~يرافقها معنى الإنتاج ... فالمرأة لن تساوي الرجل إلا إذا أنتجت مثله ولم تحتج إليه وهي ~~زوجة كي يناولها من أطراف أصابعه ما تحتاج إليه هي وأبناؤها. # قد يقول القارئ هنا إن نظامنا الحاضر لا يهيئ لجميع نسائنا العمل، بل قد يقول أيضا إن ~~البيت في نظامنا يحتاج إلى الزوجة التي تبقى فيه وتعنى به، وهذا صحيح، أي هذا هو الواقع، ~~وكل ما أستطيع التعليق على هذا الواقع أن المساواة بين الجنسين غير ممكنة الآن في بلادنا، ~~وإنما أصبحت المساواة ممكنة في الولايات المتحدة وفي الاتحاد السوفييتي؛ ms70 لأن الأعمال في ~~المصانع والمتاجر والمكاتب قد كثرت واستوعبت النساء كما استوعبت الرجال، وأيضا لأن البيت ~~في كل من هذين القطرين قد اختلف من بيوتنا فلم يعد يحتاج إلى الاستئثار بجهد المرأة ~~كله. # البيت في الولايات المتحدة قد «تمكين» أي صارت أعماله تؤدى بالماكينات، فالطبخ ~~على الضغط العالي يحتاج إلى دقائق، والغيل تقوم به مكنسة كهربائية، والتدفئة والتبريد ~~تؤديهما مكنة، والتليفون خادم عام، فكل هذا قد جعل المرأة الأمريكية حرة تخرج وتعمل وتنتج ~~وتكسب، والشأن في الاتحاد السوفييتي يختلف في الوسيلة ولكنه ينتهي إلى النتيجة؛ فإن المطاعم ~~تغني عن المطبخ الخاص في البيت، والمحضن عند باب المصنع أو المتجر يتناول الطفل ويعنى به ~~مدة عمل الأم فيهما، ثم تتناول المدرسة أو الروضة هذا الطفل عندما يكبر، فالزوجة هنا حرة لا ~~يربطها البيت بالعمل الدائم المرهق. # وبهذا النظام تحققت المساواة الفعلية بين الجنسين في كل من الولايات المتحدة والاتحاد ~~السوفييتي وسوف تتحقق عندنا عندما تكثر المصانع و«تتمكين» البيوت وتؤدي المرأة نصيبها في ~~الإنتاج كالرجل سواء بسواء. ms71