######OpenITI# #META# URI: 1377SalamaMusa.MisrAslHadara.Hindawi68068583 #META# Tags: history #META# ID: 68068583 #META# Title: مصر أصل الحضارة #META# AuthorID: 40515160 #META# Author: سلامة موسى #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # درس الفراعنة وقيمته لنا‏ # السلالات البشرية والفراعنة‏ # مصر الأصل لحضارة العالم‏ # حضارة مصر في العراق وآسيا‏ # الذهب والمعادن عند الفراعنة‏ # الشعوب البدائية‏ # التحنيط والبناء‏ # مصر والإغريق‏ # حضارة مصر في أفريقيا‏ # البقرة والقمر والعجل‏ # زهرتا البردي واللوتس‏ # إغريقيا المهد الثاني للحضارة‏ # التضحية البشرية قبل عهد الفراعنة‏ # قصة الرب أوزوريس‏ # حكم أمينوموب‏ # الماء أصل الحياة‏ # قيمة الحضارة المصرية‏ # كتاب الغصن الذهبي‏ # درس الفراعنة وقيمته لنا‏ # السلالات البشرية والفراعنة‏ # مصر الأصل لحضارة العالم‏ # حضارة مصر في العراق وآسيا‏ # الذهب والمعادن عند الفراعنة‏ # الشعوب البدائية‏ # التحنيط والبناء‏ # مصر والإغريق‏ # حضارة مصر في أفريقيا‏ # البقرة والقمر والعجل‏ # زهرتا البردي واللوتس‏ # إغريقيا المهد الثاني للحضارة‏ # التضحية البشرية قبل عهد الفراعنة‏ # قصة الرب أوزوريس‏ # حكم أمينوموب‏ # الماء أصل الحياة‏ # قيمة الحضارة المصرية‏ # كتاب الغصن الذهبي‏ # | مصر أصل الحضارة # | مصر أصل الحضارة # تأليف # سلامة موسى # | درس الفراعنة وقيمته لنا # إليوت سمث: صاحب النظرية القائلة بأن مصر أصل الحضارة. # كان درس الفراعنة مجهولا جهلا تاما إلى أن عرف شامبليون اللغة أو الخطوط المصرية ~~القديمة، ولكن حتى بعد هذا الاكتشاف بقي تاريخهم مجهولا لأسباب كثيرة بعضها يرجع إلى ~~العقائد الدينية، وهو أن الفراعنة كانوا كفارا، وما زلنا نسمي أطلال المدينة المصرية ~~القديمة التي يأخذ الفلاحون ترابها لتسميد أرضهم بأنها «تل كفري» والمعنى المقصود هو أن هذه ~~المدينة كان يسكنها الكفار قبل 3000 أو 4000 سنة. # ولكن روح التسامح الذي ساد أوروبا في القرن الماضي جعل الأوروبيين يتسامحون فيما كتب ~~عن الفراعنة في التوراة، ويقبلون على دراسة آثارهم، ويخصون الكراسي في الجامعات لهذه ~~الدراسة، بل يبعثون بالبعثات العلمية إلى مصر لكي تقوم بالتنقيب عن هذه الآثار ~~وكشفها. # وبقينا نحن في مصر نجهل هذه الآثار، ولم تكن برامج التعليم تتناول التاريخ المصري إلا ~~بصيغة موجزة كأنها خلاصة قد كتبها تلميذ للاستذكار فقط؛ ولذلك لم تبعث الدراسة المدرسية ~~لتاريخ الفراعنة أي شوق بين الطلبة أو خريجي المدارس العليا للاستزادة، فلم يؤلف كتاب ~~في تاريخ الفراعنة، ولم تتناول الجرائد أو المجلات هذا الموضوع. # وزاد ms01 على ذلك أنه لم يكن أحد من المصريين يتعلم اللغة المصرية القديمة، بل اقتصر ~~تعلمها على الأجانب الذين كانوا يؤلفون بلغاتهم الأجنبية. # ولكن الحال ليست كذلك الآن؛ فإن النهضة الحديثة إلى الاستقلال والحرية بعثت كبرياء جديدة ~~في نفوس الشبان، جعلتهم يعتزون بذكر الفراعنة ويفخرون بآثارهم، ووافق ذلك نجاح بعض ~~المصرلوجيين مثل سليم حسن وسامي جبرة في كشف بعض الآثار، فوجدت الصحف موضوعا للكلام عن ~~الفراعنة، كما أن «درامة» توت عنخ آمون قد بعثت الانتباه بل الدهشة والغبطة بين جميع أبناء ~~الأمة، وبعد ذلك أو في أثناء ذلك حدثت تلك الزوبعة في الفنجان عن الفرعونية والعربية، فكانت ~~أيضا على صغرها موضوعا للتنبيه العام عن قيمة الفراعنة في ثقافتنا أو في نهضتنا. # هذا التنبيه واضح حتى في تلك الأسر التي قد لا يفكر الآباء فيها في قيمة الحياة الفرعونية ~~وهم مع ذلك يسمون أبناءهم بأسماء مصرية مثل رمسيس وأسيس وخوفو وأهمس، والمسلمون والمسيحيون ~~سواء في ذلك. ~~••• # ولكن مع كل ذلك لا يزال اهتمامنا بدرس الفراعنة ضئيلا إذا قيس بدرس الأوروبيين ~~والأمريكيين له؛ فإن الكتب التي ألفت عن تاريخ جدودنا تعد بالمئات في اللغة الإنجليزية ~~وحدها، وجميع الجامعات الأوروبية وبعض الأمريكية ينفق النفقات الكبيرة على إلقاء المحاضرات ~~عن الفراعنة وبعث البعثات إلى مصر لدرس آثارهم، وقبل نحو أربع سنوات عرض علينا معهد روكفلر ~~أن ينفق نحو مليوني جنيه للتنقيب، وعرض مع ذلك أن نضع نحن شروطنا لهذا التنقيب، ولكنا ~~رفضنا، ولم يقل لنا أحد للآن لماذا رفضنا؟ # واهتمام الغربيين بالآثار المصرية هو الذي يجعل مصرلوجيا عظيما مثل الأستاذ سليم حسن ~~يؤلف كتبه عن مكتشفاته باللغة الإنجليزية دون العربية؛ لأنه يثق من وجود جمهور من القراء ~~حين يؤلف باللغة الإنجليزية، وهو لا يثق من وجود هذا الجمهور بين أبناء بلاده. # والنتيجة لهذه الحال التي يؤسف عليها أن جمهور القراء في لندن أو برلين أو نيويورك ~~يدرون عن مكتشفات سليم حسن أكثر مما ندري نحن، مع أننا أبناء هؤلاء الفراعنة الذين هم ~~موضوع الدرس، وهذه ms02 الحال لا تشرفنا. # إن لنا هيئات حكومية تقوم بطبع الكتب العربية القديمة، وهذه خدمة لا تنكر للأدب أو ~~لتاريخ الأدب، فلماذا لا تقوم هذه الهيئات نفسها بترجمة الكتب التي يؤلفها المصرلوجيون عن ~~الآثار الفرعونية وطبعها؟ ~~••• # وفينا من يعتقد أن درس الفراعنة لا يفيدنا كثيرا؛ لأن الصلة قد انقطعت بيننا وبينهم في ~~اللغة والدين والسياسة والاجتماع والثقافة والفنون. # ولكن هذا الاعتقاد خطأ؛ فإننا أولا لا نزال من حيث السلالة مصريون، يجري في عروقنا الدم ~~الذي كان يجري في جدودنا قبل خمسة آلاف سنة، واللغة لم تنقطع بيننا وبين عصور الفراعنة ~~لأنها لا تزال حية في الكنائس المصرية، وكل ما طرأ عليها أنها تكتب بحروف إغريقية على ~~نحو ما كانت تكتب التركية بحروف عربية قبل بضع سنوات، ولو أتاح الحظ للكنيسة القبطية ~~قسيسا وطنيا - وهو مع وطنيته عالم - لرد اللغة القبطية إلى الخط المصري. # أما السياسة والاجتماع والفنون فإنها جميعا تعود في الأصول والأسس إلى مصر القديمة؛ لأن ~~الحضارة اختراع مصري قديم. ~~••• # وهنا نقطة تستحق الإبراز لأهميتها؛ فإن الشائع أن الأقباط هم السلالة الخالصة للمصريين ~~القدماء، وأن المسلمين قد اختلطت دماؤهم بالدم العربي، وأن درس الفراعنة يجب ألا يكون له ~~عند المسلمين القيمة التي له عند الأقباط. # وقد كنت أظن أن هذا الفرض معقول من الناحية التاريخية، ولكن كان يعترضه ما نراه في ~~اختباراتنا الريفية من عظم المشابهة بل المطابقة بين السحنة الغالبة بين الفلاحين وبين ~~السحنة الغالبة على المصريين القدماء، وهذه الحقيقة يعترف بها إليوت سمث نفسه، وإن كان هناك ~~بين الأقباط أفراد كأنهم التماثيل المنحوتة قد أخرجت ليومها من قبور الفراعنة. # وكنت أحار في تعليل هذه الحقيقة حتى أتاح لي ظرف حسن أن أناقش الأستاذ سعيد لطفي في هذا ~~الموضوع، وهو رجل يمتاز فوق وطنيته المصرية بسحنة فرعونية. # ويرى الأستاذ سعيد لطفي أن المسلمين أخلص في العنصرية المصرية من الأقباط؛ لأن العرب ~~حينما غزوا مصر كانت الطبقة الحاكمة خلاسية يجري في عروق أفرادها مزيج من الدم المصري ~~والدم الروماني، وكان ms03 الرومان الشرقيون (أي اليونان) قد قضوا في مصر ألف سنة قبل دخول ~~العرب فكان اختلاطهم كبيرا بالمصريين، ولكن هذا الاختلاط كان مقصورا على الطبقة الحاكمة ~~فقط، على نحو ما كان قائما في بلادنا قبل نحو خمسين سنة؛ إذ كانت الطبقة الحاكمة من ~~المصريين وذات السلطان الاقتصادي في البلاد خليطا من الأتراك والمصريين والشراكسة، أما ~~الفلاحون والعمال وسائر أفراد الأمة فكانوا عند دخول العرب مصريين أقحاحا لا تشوبهم شائبة ~~من الدم الروماني، كما كانوا عند احتلال الإنجليز على هذه الحال أيضا لا يشوبهم شيء من ~~الدم التركي أو الشركسي. # وهؤلاء الفلاحون والعمال وسائر أفراد الأمة دخلوا في الإسلام، أما الطبقة الحاكمة أو ذات ~~السلطان الاقتصادي فقد اعتزت بمركزها وامتنعت بمقامها وأملت الآمال بخروج العرب، وهذه ~~الطبقة هي التي ينتسب إليها الأقباط الآن وهي كما قلنا لم تكن خالصة الدم. # وعندي أن هذا المنطق معقول، وهو يثبت أن المسلمين المصريين أخلص دما وأوثق رابطة ~~بالفراعنة من الأقباط الذين كثيرا ما نجد بينهم السحنة الرومانية. ~~••• # وقد كان قاسم أمين فرعوني النزعة قبل أن نغرم نحن بهذا الهوى الجديد، وكان يرى أن دعوى ~~الاختلاط بالعرب لا تنهض على أساس صحيح، وكان يقول إنه يكفي أن نضع عربيا قحا إلى جنب ~~مصري لكي نرى الفرق العظيم بين السحنتين. # وكل من قرأ تاريخ مصر العربي يعرف كيف كان الملوك يتخلصون من العرب ويرشونهم لكي يرحلوا ~~عن البلاد، وهم بالطبع لم يكن في ميسورهم أن يرحلوا لو كانوا قد اختلطوا بالسكان، وكل هذا ~~يدلنا على أن المصريين - إلا الطبقات العالية - احتفظوا بدمهم الفرعوني. وفي بلادنا الآن ~~عرب لا يختلطون بالفلاحين، وكلنا يعرفهم في الصعيد والفيوم والبحيرة والشرقية، حيث يمارسون ~~من تجارة الإبل والغنم ورعايتها ما يخالف مألوف الفلاحين مخالفة الرحلة والانتجاع للإقامة ~~والفلاحة. ~~••• # وكما لكل فرد شخصيته التي تتألف من تراثه البيولوجي والاجتماعي،، كذلك لكل أمة شخصيتها ~~التي تتألف من تاريخها وتراثها الثقافي والاجتماعي؛ ولذلك لا يمكننا أن ننظر للأمة إلا ~~باعتبار ما لها من وحدة التاريخ. ms04 فدرسنا للتاريخ المصري هو درس للشخصية المصرية وللأخلاق ~~المصرية، وللأثر الذي تخلفه البيئة الطبيعية لوادي النيل في سياسة الدولة ونزوات ~~الحاكمين. # وهنا تحضرني ملاحظة أدلى بها المصرلوجي ويجال الذي مات في العام الماضي، فقد نظر إلى ~~التاريخ المصري في مدى ستة آلاف سنة ماضية فقال - على ما أذكر - إن مصر بموقعها الجغرافي ~~يجب أن تكون إمبراطورية إذا أرادت الاستقلال؛ فإن حدودها مفتحة الأبواب للعدو الذي يبغي ~~غزوها سواء من الغرب أم من الجنوب أم من الشرق، وإن تاريخها أيام الفراعنة أو أيام الحكم ~~العربي يدل على أنها كانت كذلك أو كانت العكس، فإما أن نملك السودان أو يملكنا، وإما أن ~~نملك طرابلس أو تغزونا قبائلها، وإما أن نملك فلسطين وما والاها من الأقطار أو تملكنا هذه ~~الأقطار، وهذا هو الذي حدث أيام الفراعنة في الدول القوية، وهذا هو الذي حدث أيام ~~الإمبراطورية الفاطمية، أما حين لم نكن أقوياء فإن هذه الأمم المحيطة بنا غزتنا وحكمتنا. ~~والمغزى أن مصر لا يمكنها أن تقف موقف الحياد والسلام للأمم المجاورة لها لأن حدودها لا ~~تحميها، فهي إما أن تغزو هذه الأمم وإما أن تغزوها هذه الأمم، أو هذا على الأقل هو ما ينطق ~~به تاريخها وموقعها الجغرافي. # والمستر ويجال يريد بالطبع مغزى آخر يتفق ونزعاته الإمبراطورية، ولكن هذا لا ينقص من قيمة ~~هذا المنطق التاريخي الذي اعتمد عليه، وهو أننا لكي نفهم العوامل السياسية التي تتحكم في ~~شئوننا يجب أن ندرس تاريخنا كله، ولا نقتصر منه على الحديث بل نرجع إلى أربعة الآلاف من ~~السنين التي سبقت الميلاد المسيحي. ~~••• # ولكن إذا كان واجبا على كل إنسان أن يدرس تاريخ بلاده فإنه يجب على المصري أن يدرس تاريخ ~~مصر لا لأنه تاريخ مصر فقط بل لأنه تاريخ الدنيا، تاريخ الحضارة القديمة التي أخرجت الإنسان ~~من العصر الحجري وجمع الطعام والرحلة في الغابات والبراري إلى عصر الزراعة واستنتاج الطعام ~~والإقامة في المنازل وإنشاء الحكومة والأسرة. # فإن مصر هي - باعتراف طائفة كبيرة من المؤرخين - التي اخترعت ms05 الحضارة الأولى ، ونحن حين ~~ندرس تاريخها القديم ندرس علما آخر هو الأنثروبولوجية ونعرف كيف نشأ الطب وما العلاقة بين ~~تحنيط الجثة وبين توبلة الطعام، ولماذا أجمعت الأمم على الإكبار من شأن الذهب، وما علاقة ~~هذا المعدن المشئوم بالأزمة الحاضرة، وكيف نشأت الملوكية وطبقات الأشراف، وكيف عرفت الراية ~~للحرب والرنك للأسرة الشريفة، وما الذي بعث على التجارة بين الأمم، ولماذا تسمى الكيمياء ~~الآن باسم مصر القديم، ولماذا أخذ الأوروبيون التقويم المصري، بل لماذا تقدس البقرة في ~~الهند الآن. # كل هذا نستطيع أن ندرسه عندما ندرس تاريخ مصر؛ لأن الحضارة الأولى التي اخترعها جدودنا ~~نقشت في العالم ولها آثار ليست في بلادنا فقط بل في جميع الأقطار في الصين وإنجلترا وأمريكا ~~وأفريقيا الوسطى وإيطاليا وجزيرة العرب. # ونحن حين ندرس تاريخنا نقف منه على الأساليب التي يتخذها الذهن البشري في الابتكار ~~والاختراع، كما نقف على السيكلوجية التي تتفشى بها العقيدة، فدراستنا لتاريخ جدودنا هي ~~دراسة أيضا للتاريخ العالمي والفلسفة والأنثربولوجية والسيكلوجية. # لدرس الفراعنة يجب أن تؤلف اللجان في كل مدينة كبيرة أو صغيرة لكي تشترى الكتب ~~التي كثيرا ما تتجاوز أثمانها طاقة الأفراد، وهذه اللجان تشتريها بالتعاون ثم يتوزعها ~~أفرادها فيما بينهم لدرسها كما يجتمعون للمناقشة فيها، وهذه الكتب - كما قلت - تعد الآن ~~بالمئات في اللغات الأوروبية وخاصة اللغة الإنجليزية. # كما يجب أن تصنع الأفلام التاريخية عن الفراعنة بإشراف أحد المصرلوجيين لعرض الحياة ~~المصرية القديمة، فقد رأينا فلما يؤلف عن كليوبطرة فيجب أن نرى أفلاما أخرى تؤلف عن ~~أخناتون وتحتمس ورمسيس، وهذه الأسماء ليست مألوفة في العالم الغربي الذي ألف اسم كليوبطرة؛ ~~ولذلك قد لا ينشط مؤلفوهم إلى التأليف عنها، وإذن يجب علينا نحن أن نقوم بهذا العمل لتنوير ~~الأذهان وإيناس القلوب بذكري الجدود. # كما يجب أن تؤلف الكتب باللغة العربية في تراجم هؤلاء الفراعنة؛ فقد استطاع ويجال أن ~~يضع كتابا عن أخناتون لا يقل عن 300 صفحة كبيرة، وكان يجب أن يكون لهذا الملك الصالح كتاب ~~بل كتب في العربية توضح لنا ms06 جهاده الروحاني، كما كان يجب أن نجد كتابا آخر في الجهاد ~~الحربي الذي قام به رمسيس وعشرات أخرى من الكتب في الحضارة المصرية القديمة. # كما يجب على المدارس أن تتوسع في تدريس التاريخ الفرعوني. ~~••• # ومدينة كبيرة مثل القاهرة هي عاصمة القطر ومحج السائحين، يجب أن تأخذ بنصيب من الفن ~~الفرعوني، هذا الفن الذي يبعث الهيبة والوقار والفخامة كما نراه في ضريح سعد الذي نرجو أن ~~يعود جثمانه الشريف إليه قريبا. # وفي كل من باريس ولندن وواشنطون وإستانبول مسلات مصرية، ولست أقترح أن تنقل إلى أحد ~~الميادين في القاهرة مسلة مصرية، ولكني أظن أنه يمكن إقامة بعض التماثيل الفرعونية في ~~مياديننا في القاهرة، وقد كان اللورد كتشنر يبغي نقل تمثال رمسيس إلى ميدان باب الحديد، ~~ولكن قيل في ذلك الوقت إن جسر قصر النيل لا يتحمل نقله، وقد هدم هذا الجسر وأقيم مكانه ~~آخر يمتاز بمتانته وسعته، فلم لا نعود فنفكر في نقل هذا التمثال العظيم إلى هذا الميدان؛ ~~لكي يستقبل كل قادم إلى العاصمة ويذكره بالفراعنة؟ # وليس تمثال رمسيس هو الوحيد الذي يمكن نقله، ولا ميدان باب الحديد هو الوحيد بين الميادين ~~الذي يمكن إقامة التماثيل فيه؛ فإن تماثيل الفراعنة كثيرة ويمكن أن يقام منها عدد كبير في ~~العاصمة لكي تكتسب المدينة منها مسحة فرعونية تنبه الذهن وتحيي القلب. ~~••• # إن درس الفراعنة هو في النهاية الدعاية للفراعنة، ونحن نريد هذه الدعاية لأنها تتمم ~~شخصيتنا التاريخية وتزيد كرامتنا القومية، وتنير أذهاننا عن الأصول والأسس التي قامت عليها ~~حضارتنا أي حضارة العالم. # | السلالات البشرية والفراعنة # مما يذكره إليوت سمث أنه كان ذات مرة يفحص عن القحوف البشرية في إنجلترا، وكان أمامه قحف ~~لرأس مصري من عهد الفراعنة فوضعه مصادفة إلى جنب قحف لرأس إنجليزي حديث الوفاة، فما راعه ~~إلا المشابهة بل المطابقة بين الاثنين. # قبطي حديث من الصعيد رسم مدام بهمان. # والواقع أننا عندما نجرد الرءوس من اللون لا نكاد نجد فرقا بين المصري القديم «أو ~~الحديث» وبين بعض السكان في إنجلترا؛ ms07 فإن الشعب المصري ينتمي إلى السلالة الميديترانية، هذه ~~السلالة التي تعزى إلى اسم البحر المتوسط «ميديتران» والتي تنتشر الشعوب المنتمية إليها ~~في إيطاليا وإسبانيا وأفريقيا الشمالية ومصر والحبشة وجزيرة العرب والعراق القديم وفرنسا ~~الجنوبية وبعض أنحاء إنجلترا. وخاصة ويلس، وتمتاز الرءوس في جميع هذه الشعوب بالاستطالة مع ~~بروز القمحدوة من الخلف وبالشعر المتموج والوجه الطويل وقلة الشعر سواء في الجسم أو الوجه ~~ونحافة الجسم وتوسط القامة، وهذه السلالة هي التي سكنت مصر وشرعت في اختراع الحضارة بعد أن ~~علمها النيل مبادئ الزراعة، ومن مصر تفشت إلى الأمم الأخرى حول البحر المتوسط. # الوجه المصري في تمثال لإخناتون. # ويرى إليوت سمث أن السلالات البشرية هي الآن ست فقط، وأنها ترجع إلى أصل واحد أو أصلين ~~أو ثلاثة يمكن أن يجد الإنسان فيها ما يذكر بالقردة العليا؛ فإن الشبه مثلا كبير جدا بين ~~المغول وبين القرد أورانج أوتان، وكذلك هناك سمات تربطنا نحن أبناء السلالة الميديترانية ~~بالشمبنزي، كما أن القرابة بين الزنجي والغوريلا واضحة في ملامح وتقاسيم عديدة، ولكن إذا صح ~~هذا الفرض وهو أن للسلالات البشرية عدة أصول؛ فإن هذه الأصول كانت شديدة القرابة بدليل أنه ~~ليس بين البشر الآن «بغال» لأن التلاقح ينجح بين جميع أفراد السلالات الحاضرة. # الوجه المصري في تمثال أمينمهعت الثالث. # ولنذكر هذه السلالات الست كما يراها إليوت سمث، وهو هنا يخالف بعض الآراء التي كانت شائعة ~~في القرن الماضي، فهو لا يري معنى للقول بأن هناك سلالة آرية لأنه يرى أن وصف الآرية ينطبق ~~على اللغة دون السلالة، وكذلك لا يرى معنى للكلمة القديمة «السلالة القوقازية». ~~(1) # وأحط السلالات هي السلالة الأسترالية التي لا يزال عدد قليل من أفرادها ~~باقيا يعيش في وادي أستراليا، وكان عددهم كبيرا ولكن البيض المهاجرين ألحوا ~~في قتلهم، وهم شعرانيون لا يعرفون الزراعة أو بناء المنزل أو نسج القماش، ~~ولكنهم يعرفون تحنيط الموتى ولهم عقائد تذكر بالمصريين القدماء مما يدل ~~على أن الثقافة القليلة التي يعرفونها قد وصلت إليهم على أيدي أناس أشربوا ms08 ~~الثقافة المصرية القديمة ثم انبتت هذه الثقافة فلم ترتق بل ~~تقهقرت. # الوجه المصري في تمثال آخر ~~لأخناتون # زخرف مصري فرعوني. ~~(2) # أما السلالة الثانية فهي الزنوج الذين ينتشرون في أفريقيا الوسطى والجنوبية ~~وآسيا الجنوبية، وهم يمتازون بالشعر المفلفل والجسم الذي يكاد يكون أملط ~~وانفطاس الأنف وغلظ الشفة، وبين الزنوج أطول الناس قامة مثل الشيلوك، وأقصرهم ~~قامة مثل الأقزام في الأقاليم الشرقية من الكونجو، وقد اختلط الزنوج بالسلالة ~~الميديترانية كما ترى في النوبيين وعرب السودان، ولكن الملامح عند هؤلاء لا ~~تزال ميديترانية وليست زنجية. # الوجه المصري في تمثال من الأسرة ~~الرابعة # وفي زنوج البوشمان خاصة لا تعرف في السلالات البشرية الأخرى هي وفرة ~~الشحم في الأليتين بحيث تبرزان بروزا كبيرا عن استواء القامة، وأقزام الزنوج ~~لا يزالون بدائيين لا يعرفون شيئا من الحضارة، ولكن معظم الزنوج متوحشون، ~~وتوحشهم قد اكتسبوه بالثقافة القليلة التي تسربت إليهم من مصر ثم لم تطرد في ~~التقدم بل وقفت وأحيانا تقهقرت. ~~(3) # السلالة الثالثة هي الميديترانية التي يعزى إليها الشعب المصري. ~~(4) # السلالة الرابعة هي ما يسميه الإتنولوجيون الآن بالسلالة الألبية نسبة إلى ~~جبال الألب حيث يكثر أفرادها، وهم يمتازون باستدارة الرءوس وانتفاء القمحدوة، ~~وشعوب هذه السلالة يملأون أوروبا الوسطى وينتشرون إلى حدود الصين الغربية ~~تقريبا، ومنهم الأرمن والأتراك والسوريون، وجميع هؤلاء يتشابهون من الخلف إذ ~~ليس لواحد منهم قمحدوة بازرة، وهم كثيرو الشعر، كما هو واضح من السوريين ~~المقيمين بيننا حيث نجد شعرا غزيرا على أجسامهم ووجوههم، ومعظم الفرنسيين ~~ألبيون، وكذلك الحال في سويسرا وإيطاليا الشمالية وهنغاريا ومقدونيا. # وهناك وهم ساد مدة طويلة هو القول بأن الأتراك مغول، والذي بعث هذا الوهم ~~هو أن لغتهم مغولية، ولكن اللغة لا تدل على السلالة؛ فإن وجوههم ألبية مثل ~~السوريين أو الفرنسيين أو الحيثيين القدماء، ومن ميزات هذه السلالة عظم الأنف، ~~فإن المصريين القدماء رسموا أنوف الحيثين كأنوف الأرمن أو الأتراك الآن بارزة ~~قنياء. ~~(5) # أما السلالة الخامسة فهي النوردية التي تنتشر في أوروبا الشمالية أي ألمانيا ~~وإنجلترا ودنمركا وأسوج ونروج، وهي ms09 تمتاز بطول القامة وخفة اللون مع بروز خفيف ~~في عظم الوجنتين، وهذه السلالة هي التي أغارت على الهند وإيران حوالي سنة 1300 ~~أو 1200 قبل الميلاد، وفي هذا الوقت نفسه يذكر المصريون غارة الإفريقيين من ~~الغرب أي اللوبيين ويرسمونهم بما يتفق وصفات النورديين. ~~(6) # أما السلالة السادسة فهي المغولية التي ينتمي إليها الصينيون والتتار، وهم ~~مستديرو الرءوس ولكنهم يختلفون من الألبيين من حيث إن لهم قماحد أي بروز في خلف ~~الرأس، وشعرهم مستقيم لا يتموج أبدا، وهم قليلو الشعر جدا بخلاف الألبيين ~~غزار الشعر. # والأنف مفرطح عند المغولي بارز عند الألبي، وشعوب الأمرنديين أي سكان أمريكا ~~القدماء مغول أيضا، وكذلك الإسكيماويون الذين يقطنون أمريكا الشمالية. # هذه هي سلالات النوع البشري، ولكن يجب ألا يبرح من أذهاننا أن التقاليد اللغوية والدينية ~~والاجتماعية التي تتوارثها إحدى الأمم تنتهي بعد مرور ألف أو ألفين من السنين إلى إيجاد ~~ميزات خاصة للأمة، تجعلها كأنها سلالة قائمة برأسها حتى لنستطيع أن نتبين اليمني من المصري ~~مع أن كليهما ميديتراني الأصل في السلالة، ونميز السوري من السويسري مع أنهما ينتميان إلى ~~السلالة الألبية. # | مصر الأصل لحضارة العالم # قبل 35 سنة كان في «مدرسة» الطب بقصر العيني معلم إنجليزي يدعى الدكتور إليوت سمث، وكانت ~~حرفته التي يعيش منها ويؤديها على الوجه الكامل هي تعليم الطلبة مبادئ الطب، ولكن يحدث ~~أحيانا كثيرة أنه يكون إلى جانب عملنا الرسمي شيء نهواه ونمارسه للذة، فلا تكون له علاقة ~~بالحرفة أو الكسب، وكان هذا الهوى عند إليوت سمث درس الفراعنة. # وكما هو الشأن في الهوى، كان درس الفراعنة يستغرق فراغه بل يستهلك كسبه، فكان كلما سنحت ~~له الفرصة يرحل إلى الصعيد لدرس الآثار وجمع الجماجم والمومياءات، وكان إذا خلا إلى نفسه في ~~قصر العيني أو في بيته يقعد إلى هذه الجماجم يقيسها أو يحلل قسما من جسم المومياء أو يقرأ ~~واحدا من مئات الكتب التي جمعها عن ثقافة الفراعنة، وكان يقرأ ويقابل وينتقد. # عالم في الطب والأنثربولوجية يبحث في التاريخ، قد ملئت ms10 نفسي بروح النزاهة العلمية، ~~وقد نضج ذهنه بدرس الأساطير وعادات المتوحشين وأصول المدنية الحديثة في القارات الخمس، ~~فكانت دهشته عظيمة كلما وجد عادة من العادات التي تخالف المنطق، بل التي قد تكون مضرة بمن ~~يمارسونها في الصين أو أمريكا الجنوبية أو عند سكان أوغندا، إذا هو حاول تفسيرها بظروف ~~البيئة التي نبتت فيها لم يستطع، ولكن هذا التفسير ممكن إذا هو ردها إلى مصر أيام ~~الفراعنة. # وعندئذ انبسط أمامه العالم القديم، فرأي أن هذا العالم إنما كان أمة واحدة هي مصر اخترعت ~~المدنية الأولى ثم تفشت هذه المدنية في أنحاء العالم، وإنه إلى الآن نستطيع أن ~~نرجع بعادات العالم في نظام الحكومة والقضاء والزواج والنقد وتقاليد الموت والدفن بل في ~~قصص الأطفال إلى الفراعنة. ~~••• # ولو أن عالما مصريا هو الذي ارتأى هذا الرأي لاتهم فيه لوطنيته، ولكن إليوت سمث ~~إنجليزي، وهو ليس أديبا افتتن بجمال الأدب الإغريقي مثلا فدافع عنه وقال بسموه على سائر ~~الآداب، وإنما هو عالم قد اعتاد التمحيص والشك؛ ولذلك لا نجد في كتبه لفظة حماسية أو عبارة ~~إعجاب، وإنما نجد أسلوب العالم النزيه الذي يقرر الحقائق ويخشى من التورط في الاستنتاج ~~فيتراجع عن كل ما يوهم المبالغة أو الإسراف. # وقد أقيمت المقارنة بين تشارلس داروين وإليوت سمث؛ فإن الأول عزا نشوء الأحياء إلى أصل ~~أو أصول قليلة، والثاني يعزو نشوء المدنية إلى أصل واحد هو مصر. # والمقارنة صحيحة والشبه واضح، فقد كان الاعتقاد السائد قبل داروين أن كل نوع من الحيوان ~~قد نشأ على حدة لا يضم الأنواع أصل مشترك، وكان الاعتقاد قبل إليوت سمث أن المدنيات القديمة ~~نشأت مستقلة في أنحاء مختلفة في العالم، وقد جعلت الشواهد التي حشدها إليوت سمث المؤرخين ~~يؤمنون بنظريته. ~~••• # والآن ما هي هذه النظرية؟ # هي أن الإنسان كان يعيش قبل نحو عشرة آلاف سنة وهو لا يعرف الزراعة، فلم يكن يستنتج ~~الطعام بالزراعة وإنما كان يجمعه بالصيد واقتلاع الجذور وجني الأثمار البرية. # وفرق عظيم بين جمع الطعام وبين استنتاجه. # ففي ms11 الحال الأولى يبقى الإنسان بدويا راحلا ينتقل كل يوم، لا يعرف نظام الحكومة أو ~~بناء المسكن، وفي الحال الثانية يعرف الزراعة، ومتى عرفها استقر في مكان وبنى المسكن ورضي ~~بالخضوع للحكومة، ثم يدرك من الزراعة أشياء عديدة كاستئناس الحيوان والهندسة والفلك وعندئذ ~~تنشأ المدنية. # ولكن لماذا اختص المصريون باستنباط المدنية الأولى حين جهلها سائر الناس؟ # الجواب على ذلك أن المصريين لم يكونوا عبقريين، فقد كانوا مثل سائر الشعوب التي تحيط ~~بالبحر المتوسط على ذكاء عظيم حقا، ولكن استنباطهم للمدنية لم يكن ثمرة العبقرية بمقدار ~~ما كان ثمرة للوسط المصري؛ وذلك أن النيل بفيضانه السنوي الذي كان ينساح كل عام في الوادي ~~كان يعلمهم على الرغم منهم أصول الزراعة، وفي العالم أنهار كثيرة ولكنها لا تنتظم في ~~فيضاناتها لا من حيث المقدار ولا من حيث الميعاد، فهي تسيء إلى تعليم الإنساني البدائي الذي ~~يعيش في واديها، وتربك ذهنه باختلاف مواعيدها ومقاديرها، أما النيل فكان ولا يزال منتظما؛ ~~ولذلك كان جدودنا قبل 10000 سنة يلقون الصعاب في جمع الطعام من الصيد واقتلاع الجذور، بل ~~كانوا يجوعون وأحيانا يموتون، وهم في ذلك وإذا بماء الفيضان ينساح ثم ينحسر فتكتسي الأرض ~~خضرة زاهية وتنبت الجذور المختفية فيعم الفرح، ثم تكرر هذا الفيضان سنة بعد أخرى، فتعلم منه ~~جدودنا أن الماء ضروري للنبات وأنه يمكن الاستكثار من الزراعة بالجذور أو البذور، وأنه خير ~~لهم أن يزرعوا ويستنتجوا الطعام بالزراعة من أن يجمعوه من الغابات والنباتات البرية. # ونشأت الزراعة فسكن كل منهم في مكان لا يبرحه، وأصبحوا فلاحين لهم بيوت بعد أن كانوا ~~بدوا يرحلون، وعندئذ ظهرت الحكومة في صورة «شيخ» يرجع إليه في المنازعات، ثم بتوالي ~~الزمن وتوافر التجارب ظهر المهندسون الذين أدركوا كيف يمكن تدبير الماء بالحياض، وكيف ~~ينظم التقويم على نظام فلكي يتفق ومواعيد الزراعة، ولعل هذا المهندس الأول أو الفلكي الأول ~~هو أول الفراعنة. # ولكن هذا الفرعون الأول الذي هدى البلاد إلى خيرات الزراعة وأنشأ لهم الحياض ونظم ~~التقويم، قضي عليه كما ms12 يقضى على كل حي بالموت، فاحتفظ جدودنا بجسمه وهم في سذاجتهم ~~يحسبون أن الاحتفاظ بالجسم يؤدي إلى الاحتفاظ بالحياة، فعرفوا الدفن والتحنيط، ثم كانوا ~~يستشيرونه بعد موته كما كانوا يفعلون في حياته، فنشأت الأديان الأولى وعرف ~~المعبد. # زراعة وديانة وملك وعبادة وهندسة وتقويم وبناء للمنزل واستئناس للماشية، فماذا يبقى بعد ~~ذلك لتكوين المدنية الأولى؟ # لم يبق شيء سوى التدرج؛ فإن جميع المبادئ قد وضعت، والزيادة بعد ذلك هي توافر التجارب ~~وتنوع الفنون التي تنشأ من هذه المبادئ أي مبادئ الزراعة؛ لأن الزراعة هي الأصل لفكرة ~~المدنية، وقد نرى في أيامنا مدنية صناعية ولكن المدنية الأولى كانت بالطبع مدنية ~~زراعية. # هذه المدنية الأولى هي التي اخترعت القيمة الاجتماعية للذهب وعرفت التحنيط وجمعت المعارف ~~الأولى للكيمياء، وإلى الآن يعرف العالم المتمدن هذه اللفظة «كيمياء» ولكن قل من يدري ~~أصلها. # إن أصلها خيما بمعنى مصر؛ لأن الإغريق سموا هذا «العلم المصري» لاختصاص جدودنا به. ~~••• # والآن كيف نحقق هذه النظرية؟ # عندنا طرق كثيرة للتحقيق: # فأولا: # نحن نعرف أن الأساطير الحديثة ترجع إلى قصص قديمة، وكذلك الأساطير ~~القديمة ترجع إلى قصص أقدم منها، وهذا مثلا هو حال الإلياذة، فقد كتب ~~الأستاذ عبد القادر حمزة بضع مقالات أثبت فيها أن جميع الأساطير التي ذكرها ~~هوميروس في ملحمته ترجع إلى قصص مصرية قديمة نقلها الإغريق عن مصر، وواضح ~~أن الإغريق لم يختصوا بنقل هذه القصص إذ إن أمما أخرى نقلتها بنصها أو ~~حرفتها لكي تلائم البيئة الجديدة، فإذا قلنا إن الإلياذة أساس الأدب ~~الإغريقي جاز لنا أن نقول إن هذا الأدب يقوم على أصل مصري. # وثانيا: # أثبت الأستاذ برستد الذي لا يمكن أن يطعن في نزاهته أو علمه أن الفن ~~الإغريقي القديم إنما نهض على الأسس التي وضعها المصريون القدماء، وحسب ~~الإنسان أن ينظر إلى الصور التي وضعها للمقابلة بين العمود المصري والعمود ~~الإغريقي، وبين التمثال الإغريقي الأول وتماثيل المصريين القدماء لكي يعترف ~~بأن الفن الإغريقي القديم مقترض من مصر. # وبدهي أن الإغريق الذين نقلوا قصص مصر ms13 وفنونها قد نقلوا أيضا أشياء أخرى ~~في الدين والأسرة والزواج والزراعة والحكومة. # وثالثا: # في العادات الحديثة بين الأمم الشرقية المتمدنة والمتوحشة ما يدل على أن ~~الثقافة الفاشية ترجع إلى أصل مصري، مثل عبادة البقرة عند الهنود، فإن هذه ~~البقرة هي معبودتنا القديمة «هاتور» التي يعرف اسمها كل فلاح مصري، وكذلك ~~في حفلة التتويج لإمبراطور اليابان وفي وصفه بأن سليل الآلهة ما يشبه بل ~~يكاد يطابق حفلة التتويج عند الفراعنة، بل راية الحرب هي التي اخترعها ~~المصريون لأغراض سحرية لأنه كان يرسم عليها الصقر الذي يحمي حامله من الموت ~~ويهيئ له الغلبة على العدو، أو كان يرسم عليها التمساح لهذا الغرض عينه، بل ~~الذهب الذي تختزنه بعض الأمم وتخرج عن قاعدته بعض الدول إنما منح هذه ~~القيمة الاجتماعية من المصريين القدماء، وتقويمنا الإفرنجي الآن هو تقويمنا ~~الفرعوني القديم أخذه يوليوس قيصر من الإسكندرية، والتحنيط الذي اخترعه ~~جدودنا لتخليد الجثة لا يزال يمارس بين المتوحشين على الطريقة المصرية ~~القديمة، بل تتويج الملك في بعض أنحاء أفريقيا الوسطى يومئ أكثر من إيماءة ~~إلى تتويج الفراعنة، وبناء السفن هو صناعة مصرية قديمة قد نقحت ولكن أصولها ~~المصرية لا تزال واضحة، والعالم كله أو معظمه يدفن موتاه ويكفنهم ويبني لهم ~~القبور على العقائد المصرية، حتى الروح يجب أن تطرد من البيت على ~~الطريقة المصرية القديمة، وجدودنا هم الذين زرعوا القمح حتى شاع في العصور ~~القديمة باسمه المصري. # ويمكننا أن نزيد في تعديد الأشياء التي استنبطها جدودنا ثم عمت العالم، وكان الأصل فيها ~~اهتداؤهم إلى الزراعة عن طريق النيل. ~~••• # الآن عرفنا أن مصر هي التي اخترعت المدنية الأولى فكيف تفشت هذه المدنية وما هي العوامل ~~التي جعلتها تخرج من مصر حتى نرى أثرها في أمريكا الجنوبية مثلا كما تدل على ذلك عادة ~~التحنيط؟ # العامل الوحيد في تفشي هذه المدنية المصرية القديمة هو العقيدة السحرية أو الدينية التي ~~جعلت جدودنا يبحثون عن الذهب والجواهر، ثم جعلتهم أيضا يطوفون الأقطار النائية لكي يحصلوا ~~على الطيوب التي يحتاج إليها ms14 التحنيط والأخشاب المقدسة، وليس عجيبا أن يكون الذهب رائد ~~الاكتشاف فقد كان كذلك عندما قصد الأوروبيون إلى القارة الجديدة في القرن الخامس عشرة، وهو ~~السبب لاستثمار أفريقيا الجنوبية في العصر الحديث. # إن الذهب يبهر العين بجماله فكيف به إذا أضيف إلى هذا الجمال خاصة أخرى هي أنه يطيل العمر ~~ويمنع الموت؟ # هذه هي العقيدة الأولى التي آمن بها المصريون القدماء عن الذهب، وهذا هو السبب في وضعه في ~~توابيت الملوك؛ لأنه يجب علينا ألا ننسى أن الملك في تابوته ليس ميتا وإنما هو في حال ~~أخرى من الحياة يحتاج فيها إلى الذهب لكي تطول، وكان الذهب يجمع من الأقطار البعيدة ويحمل ~~إلى خزانة فرعون، وهي في ذلك الوقت خزانة الدولة؛ ومن هنا صار الذهب نقدا للتعامل. # ولم يكن الذهب وحيدا في هذه الخاصة أي إطالة العمر؛ فإن الجواهر الأخرى كالمرجان واللؤلؤ ~~كانت كذلك، وإلى وقت قريب كان بعض العامة يأكلون الذهب والجواهر باعتقاد إنهما يطيلان ~~العمر. # ولفظة «النوبة» تعني بلاد الذهب، وفي هذا المعنى ما يدل على الباعث الأصلي الذي جعل ~~المصريين القدماء يستعمرونها. ~~••• # وفي هجرة المصريين للبحث عن الذهب والجواهر يجب أن نلاحظ شيئين: الأول أنهم كانوا حين ~~يهتدون إلى منجم يقيمون حوله، ولم تكن المواصلات سهلة إذ لم يكونوا قد عرفوا بعد الجمل أو ~~الفرس، فكان المنجم نواة للاستعمار ينتقل إليه المصريون فيزرعون ما حوله ويبنون قريتهم ~~ويقيمون حكومتهم على النحو الذي ألفوه في مصر قبل أن يغادروها، وكانوا ينظرون إلى من حولهم ~~من البشر كأنهم متوحشون، وكان هؤلاء ينجذبون إليهم إما طوعا لأن خيرات الزراعة تغريهم ~~وإما كرها بالقتال والأسر، وكان بعض المصريين بالطبع يعود إلى مصر محملا بالذهب والجواهر ~~والأسرى، ولكن كثيرين منهم كانوا يلبثون حيث هم يتناسلون ويتزوجون مع القبائل المتوحشة التي ~~حولهم. # والشيء الثاني الذي يجب أن نلاحظه أن انتقال الثقافة المصرية من النوبة إلى الحبشة مثلا ~~لا يشترط له هجرة المصريين الأقحاح، بل يكفي أن ينتقل النوبيون الذين امتزجوا بالدم المصري ~~أو تثقفوا ms15 بالثقافة المصرية إلى الحبشة، ثم تستقر هذه الثقافة في الحبشة أو تتفشى ~~الأنظمة المصرية ومعها العقائد التي تتعلق بالذهب والجواهر فتنتقل من الحبشة إلى الصومال ~~وهلم جرا. # فإذا قيل إن ثقافة مصر انتقلت إلى أمريكا، فليس المعني المقصود أن المصريين نقلوها إذ قد ~~تكون هذه الثقافة قد مرت على أيدي شعوب مختلفة تأثرت بها وسلمتها كما تسلمتها أو بعد ~~تنقيحات اقتضتها البيئة. ~~••• # إننا نجد في أمريكا أهراما كالأهرام التي في مصر، ونجد فيها طريقة التحنيط وعبادة الشمس ~~والثعبان، ونجد في طريقة التحنيط تفاصيل غير لازمة ولكنها تؤدي لأنها حفظت بالتقاليد، فهي ~~تجري في أمريكا كما كانت تجري في مصر لأنها تلتصق بشعائر دينية في مصر. # زخارف فرعونية. # ثم نجد عبادة الشمس مقرونة إلى عبادة الثعبان في أمريكا، فلا نفهم لهذا الاشتراك مغزى ~~إلا إذا رجعنا به وعرفنا الظروف التي جمعتهما في مدينتي إدفو وعين شمس. # وقد نتساءل هنا: لماذا نجد أهراما وتحنيطا في أمريكا النائية ولا نجدهما في الهند أو ~~إيران القريبتين؟ # فالجواب على ذلك أنه حين تجد الأمة عوامل التقدم قوية فإنها تنقح تقاليدها أو تلغيها، أما ~~إذا ركدت وجمدت فإنها تستبقي تقاليدها، وقد طرأ على الهند وفارس ما جعلهما يكونان ~~لأنفسهما مدنية هندسية خاصة أو فارسية خاصة فذهبت معالم الثقافة المصرية القديمة، ولكن حيث ~~يسود الجمود في الأقاليم الجنوبية من الهند أو سيلان ما زلنا نجد التحنيط، وكذلك الحال في ~~بعض الأقاليم النائية في إندونسيا. ~~••• # إن أساطير الإغريق تثبت الأصل المصري الذي نشأت منه، وكذلك فنونهم وعلومهم، بل كذلك آثار ~~المتوحشين في أفريقيا وآسيا وأمريكا، ودرسنا للحضارة المصرية الأولى هو في حقيقته درس سام ~~للفلسفة التاريخية كما هو غذاء لوطنيتنا الفرعونية. # إن الفراعنة ليسوا آباءنا فقط بل هم آباء العالم الذي تعلم منهم كيف يترك حياة البداوة ~~إلى حياة الزراعة والحضارة، وهم لذلك جديرون بدرسنا وفخارنا. # | حضارة مصر في العراق وآسيا # من المسائل التي كثر فيها الجدال مسألة الحضارة الأولى هي نشأت في العراق أم في ~~مصر؟ # والأغلبية ms16 الساحقة من الآثاريين هي الآن في صف مصر، تقول إنها هي الأصل والمنبت الذي نبتت ~~فيه الحضارة الأولى ولكن هناك أقلية يتزعمها ليوناردو ولي تقول بأن العراق هو الأصل، ~~وليوناردو ولي هذا هو صاحب المكتشفات العظيمة في أور. # وهم عندما يقولون إن الحضارة نشأت في العراق يعنون أن سومر تلك المملكة القديمة البائدة ~~هي التي اخترعت الحضارة الأولى، والسومريون شعب ينتهي إلى سلالة غير معروفة، وهم يبدون من ~~نفوسهم أنهم كانوا يحلقون رءوسهم ويرسلون لحاهم، وهم أصحاب الخط الأسفيني أو المسماري الذي ~~كانوا يكتبونه على الطين بالحفر فيجف ويقرأ، وهؤلاء السومريون هم الذين جعلوا وحدة العد ~~60، وهذه الوحدة هي التي ما زلنا نعمل بها في قياس الساعة، وهم أصحاب برج بابل. # وهؤلاء السومريون لم يكنوا ساميين، وما يعرف عنهم قليل، ولكن من الحقائق الفاشية أنهم ~~تعلموا الزراعة من مصر، فإن برستد يقول هنا: «وكان قد جاءهم من مصر الشعير ونوع من الحنطة ~~الذي تنشق حبوبه؛ ولذلك دعوه باسمه المصري». # والزراعة حوالي سنة 4000 قبل الميلاد لم تكن شيئا آخر غير القمح والشعير؛ لأنها كانت ~~زراعة يد الحبة قامت على اكتشاف هذين النباتين، فإذا قلنا إن مصر علمت السومريين زراعة ~~القمح والشعير ومنحتهما الاسم المصري، فإن هذا يعني أن مصر علمت السومريين الزراعة، ~~والزراعة هي أول مراحل الحضارة. # وعند السومريين تقاليد قديمة تقول إن الذي علمهم رجل هبط عليهم من خليج فارس، ونحن لا ~~نعرف شيئا عنهم قبل سنة 3000 قبل الميلاد مع أننا نعرف أن مصر كانت متحضرة تعرف الزراعة ~~وملاحة النهر والبحر حوالي سنة 4000 قبل عهد الفراعنة، فإذا صدقنا هذه التقاليد السومرية لم ~~نجد مفرا من اعتقاد أن هذا الرجل الذي علم السومريين الزراعة وأعطاهم الاسم المصري ~~للقمح هو رجل مصري خرج للبحث عن الذهب والعقاقير والجواهر التي تطيل الحياة، ونقل إلى ~~العراق مبادئ الزراعة. ~~••• # وأور التي يعمل ليونارد ولي في التنقيب عن آثارها ليست لها المكانة التاريخية التي يمكن ~~أن يقارنها الإنسان بمكانة مصر من حيث اختراع ms17 الحضارة، ولكن هناك مدينة أثرية أخرى هي سوسة ~~مدينة العيلاميين التي تبعث الدهشة بآثارها القديمة؛ وذلك لأن هذه الآثار تشبه كل الشبه ~~الآثار المصرية القديمة قبل عهد الأسر الفرعونية، فقد وجد فيها منجل حجري لا يشابه بل ~~يطابق المنجل الذي استعمل في مصر قبل الأسر، ووجدت بها آثار منازل مستطيلة وطوب أخضر ~~وفئوس من الحجر ورءوس للسهام وأشياء أخرى تطابق ما كان يصنع في مصر قبل عهد الأسر ~~الفرعونية. وقد قال المسيو إدمون بوتييه سنة 1912 «عندما نفحص عن الآثار المصرية قبل عهد ~~التاريخ وفي العصور الأولى للأسر الفرعونية، ندهش لمواضع الشبه العديدة بينها وبين آثار ~~العلاميين، وفي مصر نجد في الأشكال والأشياء والتفاصيل وصنعة ما يذكرنا بآثار سوسة». في أور ~~وفي سوسة آثار قديمة تدل أيضا على حضارة بدائية. # والشبه كبير بين حضارة أوروبا وحضارة مصر، وهو أكبر بين حضارة سوسة وبين حضارة مصر، فإذا ~~لم نغتصب الاستنتاج المنطقي وإذا لم نتبع هذا الزعم القائل بأن الطبيعة البشرية تتشابه في ~~كل مكان، وهي لذلك قادرة على الاختراع في كل مكان، إذا لم نقل ذلك فلا مفر من أن نقول ~~إن أور وسوسة قد علما مصر أو أن مصر هي التي علمتهما مبادئ الحضارة. # ولكن مصر كتاب كامل الصفحات يبدأ بالعصر الحجري ثم يتدرج إلى عصر الزراعة الأولى، وقد ~~أثبت الدكتور ريزنر أن هذا الاستمرار لا ينقطع في تاريخنا القديم فإن أطوار العصر الحجري ~~تتدرج وتندغم في أطوار الحضارة الزراعية الأولى، وعندنا في مصر ما يسمى الآن «عصر البداري» ~~وهو يقع حوالي سنة 12000 قبل الميلاد، وليس له شبه في سوسة أو أور أو أي بقعة أخرى في ~~العالم، وهو عصر بدأت فيه مصر بشيء من الحضارة البدائية. وأساس الحضارة في مصر هو الزراعة، ~~وأساس الزراعة في مصر هو النيل الذي علم المصريين مبادئها بانتظامه ومواظبة فيضانه عاما ~~بعد آخر حتى أدرك الإنسان القديم أن الماء أصل كل شيء حي، وهذا الأساس لم يعرف في العراق ~~لأن الفرات ودجلة نهران ms18 لا ينتظم فيضانهما الانتظام الذي نراه في النيل، وهما لذلك لا ~~يفتقان الذهن أو يبعثان على التفكير كما حدث في مصر، ثم نحن لا نجد في أور أو سوسة هذا ~~التدرج الذي لا ينقطع بين العصر الحجري وبين الحضارة الأولى كما نراه في مصر، ثم حضارة أور ~~أو سوسة لا ترجع إلى أبعد من سنة 3100 قبل الميلاد في تقدير المستر ولي في حين هي تمتد في ~~مصر إلى أبعد من ذلك بكثير قبل عهد الأسر. ~~••• # وفي ضوء التاريخ المصري القديم وبالمقابلة بينه وبين تاريخ العراق نستطيع أن نقول إنه في ~~عصر قديم سبق الدولة الأولى في مصر خرجت السفن المصرية من النيل تقصد إلى الشرق وتنشد هذه ~~المواد التي تطيل الحياة كالجواهر والمعادن والعقاقير، فقطعت البحر الأحمر ثم جازت السواحل ~~العربية إلى أن دخلت فارس والعراق، وهناك كانت النواة للحضارة المصرية الأولى، فحضارة سوسة ~~هي حضارة مصرية أجنبية ولذلك سرعان ما انحطت لأن الذين أقاموها انقرضوا أو اندغموا فيمن ~~حولهم من الشعوب فتنوسيت الثقافة التي جلبوها من مصر، ولو كانت حضارة سوسة أصلية فيها ~~لوجدناها ترتقي بدلا من أن تنحط. # ثم انتقلت حضارة السومريين «أور» والعيلاميين «سوسة» إلى الشرق لنفس البواعث التي بعثت ~~المصريين على الهجرة، فإن العقائد التي تتصل بإطالة الحياة بعثت هؤلاء على الهجرة في طلب ~~الذهب والجواهر إلى السند؛ ولذلك نجد السر مارشال يتحدث عن «حضارة سومرية هندية» في موهنجو ~~دارو. # ثم تنتقل هذه الحضارة إلى الهند والصين وتتبع في طريقها مناجم الذهب وتحمل معها الثقافة ~~الزراعية الأولى من القمح والشعير، وهذه الثقافة الأولى هي التي جلبت مع الآلهة المصرية ~~القديمة التي تختص بالزراعة حتى يقول الرب: «أنا أوزوريس وأنا أعيش كالآلهة وأنا أعيش ~~كالحب وأنمو كالحب، وأنا الشعير». # وكما انتقلت حضارة سومر إلى السند، وانتقلت حضارة السند إلى الهند، كذلك انتقلت حضارة ~~الهند إلى سيام والجزر الملاوية، ثم انتقلت بعد ذلك حضارة الجزر الملاوية إلى القارة ~~الأمريكية، وقد رأينا أن الاسم المصري للقمح قد استعمل ms19 في العراق، والآن نجد اسم بعض ~~الآلات الزراعية في الجزر الملاوية قد انتقل إلى أمريكا الجنوبية، ويرى هذا قبل أن يعرف ~~كولمبس هذه القارة بآلاف السنين. ~~••• # وربما يكون من المفيد أن ننقل هذه الكلمة التالية للأستاذ إليوت سمث عن حضارة ~~السومريين. ~~«من المألوف أن يقال إن حضارة السومريين قد أثرت في مصر في بداية عصر الأسر الفرعونية، ~~ولكن النظر في التاريخ يوضح لنا استحالة ذلك، وذلك أن الفحص عن عادات الدفن في المدافن ~~الأولى في أور قد ألقى ضوءا على هذا الموضوع؛ فإن المستر ولي وجد عادات مختلفة كانت تتبع ~~في القبور الأولى، فقد كانت الجثة تلفف في حصير وتوضع في نعش بيضوي من الطين أو في نعش ~~مستطيل من الخشب، وكانت القبور تبنى لها سقوف مقنطرة أو مرفوعة من الحجر، وهذه العادات تظهر ~~في سومر مرة واحدة مفاجئة بلا تدرج، ولسنا نجد في عيلام «سوسة» أو في سومر «أور» أي أثر يدل ~~على التدرج لهذه السلسلة من العادات المعقدة في الدفن، ووجود هذه الأشكال العديدة لمعالجة ~~الدفن يدل على تاريخ معقد وراء هذه الثقافة لسكان أور الأولين، فإذا وجدنا في قطر آخر ما ~~يكشف لنا عن التطور في هذه العادات كان لنا الحق في أن نزعم أن هذا القطر هو الأصل لهذه ~~العادات، وقد شرح لنا المستر بري التاريخ الكامل في مصر لهذا التطور في عادات الدفن، وأنها ~~كلها عرفت ومورست عند نهاية الأسرة الثانية في حكم بيرابسن وخاسنحموتي. # وقد سبق أن رأينا كيف أن المصريين قبل عهد الأسر كانوا يلفون موتاهم في الجلد أو الحصير ~~لكي يحموهم من التراب، وكيف أن هذه العادة أرشدتهم إلى صنع النعوش المختلفة، وكان الفقراء ~~لا يزالون في عهد الدولة القديمة يلفون موتاهم في الحصير مدة طويلة بعد الأسرة الثانية، ~~وكانت القبور تصفح جدرانها بالخشب قبل عهد الأسر، ثم صنع بعد ذلك صندوق من الخشب يمكن ~~حمله هو أول نعش في العالم، ولا شك في أنه صنع أولا للأغنياء، ثم صار الفقراء يقلدون ms20 ~~هذا النعش ويصنعونه من الطين أو الفخار، وكانوا يصنعونه بيضويا في نهاية الأسرة الثانية ~~أو بداية الأسرة الثالثة. وهذا الشكل البيضوي أسهل صنعا في الطين والفخار من الشكل ~~المستطيل. # ومن المهم أن نلاحظ أن المستر ولي دهش حين وجد في أور أن النعوش المصنوعة من الطين هي ~~للفقراء، أما المصنوعة من الخشب فكانت كما هي في مصر للأغنياء، وفي كل من مصر وأور وجدت ~~النعوش الخشبية ولها طاقات مصفحة بالخشب. # وعند بداية الأسرة الأولى تجد عادات الدفن في مصر بلغت الطور الذي بلغته في أور، ولكن ~~البناء بالحجر والسقف القبوي لم يكن قد ظهر بعد في مصر إذ هو اخترع بعد ذلك وقد بدئ ~~في مصر في البناء بالحجر للقبور في الأسرة الأولى، ولكن أول قبر كبير من الحجر هو قبر ~~خاسخموي في الأسرة الثانية، وفي أواخر هذه الأسرة عرف السقف القبوي المرفرف لقبور ~~النبلاء. # وعلى هذا نقول إن المجموعة المختلفة التي نجدها في أور عند السومريين إنما نمت في مصر ~~بتراكم المخترعات التي بدأت قبل عصر الأسرة إلى أن تمت في نهاية الأسرة الثانية، وكذلك يمكن ~~أن نقول بملء الثقة إن الحضارة الأولى في سومر كانت تعاصر الجزء الأخير من عصر الأسرة ~~الثانية في مصر «حوالي 3000 ق.م.». # إن الحضارة كانت اختراعا مصريا، ولم تكن عيلام وسومر سوى مستعمرات مصرية نقل إليها ~~المصريون خميرة الثقافة، ولكن ما نقل لم يكن كل الحضارة لأن قسما فقط من هذه الثقافة ~~تأصل ونبت ونما وثمت لذلك عناصر مميزة أخرى». # | الذهب والمعادن عند الفراعنة # كلنا يعرف أن هجرة الأوروبيين إلى القارة الأمريكية تعود إلى رغبتهم في الذهب، وأن ~~استعمار الأمريكيين للولايات المتحدة نفسها كان يسير على الدوام في أثر الذهب، فحيثما يكون ~~المنجم يهرع إليه السكان، وأفريقيا الجنوبية لم تستعمر إلا من أجل الذهب. # وكذلك الحال عندما القدماء؛ فإن الكتب السنسكريتية تذكر أن هجرة الهنود إلى الهند كانت ~~تتخذ على الدوام تلك الطرق التي تؤدي إلى مناجم الذهب، ولكن الهنود القدماء مثل المصريين ms21 ~~القدماء لم يكونوا يطلبون الذهب من أجل الزينة والنقد كما يطلب الآن، بل كانوا يعزون إليه ~~صفات قيمة أكبر عندهم وألصق بحياتهم من قيمته عندنا. # كان القدماء من الهنود يصفون الذهب في كتبهم التي لا تزال تقرأ في اللغة السنسكريتية ~~المنقرضة بأنه خالد وأنه متولد من النار وأنه يعيد الشباب ويطيل الحياة ويكثر النسل، وهو ~~النار والنور والخلود معا. # وهذه والصفات لم يخترعها الآريون المهاجرون إلى الهند، وإنما هم أخذوها عن الفراعنة؛ فإن ~~تقديس الذهب عقيدة فرعونية، فهم كانوا أبناء الشمس أي أبناء رع، وكان يجري في عروقهم سائل ~~الذهب الذي ورثوه عن رع. # وقد دهشنا قبل سنوات عندما اكتشف قبر توتنخ آمون، ورأينا مقدارا عظيما من الذهب، ولكن ~~هذا الفرعون لم يكن شاذا في وفرة الذهب فإن جميع الفراعنة منذ الأسرة الأولى بل جميع ~~النبلاء كانوا يضعون الذهب في القبور لأنه الوسيلة إلى الخلود. # وهذه القداسة التي نسبت إلى الذهب أيام الفراعنة قد انحدرت إلى الأمم القديمة، بل ~~بقيت منها أثارة حتى في القرون الوسطى حين اختلط البحث عن إكسير الحياة بالبحث عن إحالة ~~المعادن الخسيسة إلى معادن شريفة والذهب بالطبع في رأسها، وهذا الاختلاط يؤيد قدم العقيدة ~~في قداسة الذهب وأنه معدن الآلهة والسبيل إلى الخلود. ~~••• # وكيف وصل الذهب إلى هذه المنزلة؟ # للجواب على هذا السؤال نقول إننا نجد في المتحف المصري ودعا مصنوعا من الذهب، وهو يعزى ~~إلى الأسرة الأولى، وليس في العالم الآن صائغ يصوغ الذهب في هيئة الودع، ونعنى هذا الودع ~~الذي ما زلنا نجده عند العرافين الذين يخبروننا عن طالعنا بضربه فوق الرمل. # هذا الودع كان له أثر كبير جدا في عقائد الإنسان البدائي في العصر الحجري، حتى لقد كان ~~سببا في انتقال الثقافة الأولى بين البشر كما أوضح ذلك المستر ولفرد جاكسون في كتابه ~~«الأصداف ودلالتها على الهجرة الثقافية». # فإن الإنسان في العصر الحجري كان من السذاجة بحيث كان يعتقد أن الأم هي العامل الوحيد ~~للولادة، وكان يجهل الأبوة بمعناها البيولوجي؛ ولذلك نظر ms22 إلى الودعة نظرة خاصة لما بينها ~~وبين عضو التناسل في المرأة من مشابهة ، فقدسها لهذا السبب وصار يتجشم المشاق لجلبها من ~~البقاع النائية لكي يحملها وهو يتوهم أنها ما دامت هي الأصل في الحياة فإنها قادرة على أن ~~تحفظه في صحة دائمة وتقيه من الأمراض وتطيل عمره حتى بعد الموت؛ وذلك لأن الموت عنده كان ~~حياة أخرى تحتاج أيضا إلى ما يحفظها ويطيلها. # ولكن الودعة بطبيعتها صدفة هشة تنكسر لأقل مصادمة، وهي مع ذلك كانت تجلب من ~~البقاع النائية؛ ولذلك فكر الإنسان البدائي في أن يصنع ودعا من الحجر، وظل الإيمان بالودعة ~~مدة طويلة حتى بعد أن اهتدى المصريون إلى الزراعة وأسسوا الحضارة، وكانوا يصنعونها من الحجر ~~والذهب. # ويرى إليوت سمث أن اكتشفاهم للذهب كان مصادفة حين كانوا يبعثون بعثاتهم إلى سواحل البحر ~~الأحمر لجمع الودع، فإن هذا الودع لا يوجد في سواحلنا الشمالية وإنما يوجد كثيرا في البحر ~~الأحمر، وهناك عثروا على مناجم الذهب فاستحسنوا لونه وخفته ومرونته ونصاعته، فصاروا ~~يصنعون منه تماثيل صغيرة للودع بدلا من أن يصنعوها من الحجر، وشاع بعد ذلك استعمال الذهب ~~لهذه الغاية، ثم بتوالي السنين أو القرون انتقلت ميزات الودعة إلى الذهب حتى أصبح المعدن ~~نفسه يضفي على من يحمله أو يتحلى به صفات الصحة والخلود أو طول البقاء. ~~••• # الودعة والبقرة والذهب: هذه الأشياء الثلاثة كانت تمثل في أذهان جدودنا الفراعنة معاني ~~الصحة وطول العمر والخلود، ولا بد أن الودعة فقدت قيمتها عندما عمت الحضارة البدائية ~~الأولى وشرع الناس يفكرون في وظيفة الرجل البيولوجية في التناسل، ولكن الذهب كان قد احتل من ~~نفوسهم مكانا كبيرا يلابس عواطفهم فبقيت مكانته، أما البقرة فكانت حاضرة على الدوام في ~~أذهانهم وهي أعم من الذهب؛ لأن هذه المعادن كانت حيازته تقتصر على الأغنياء وأما البقرة ~~فكانت عامة في الريف يملكها الزارعون، وكانت رمزا للأمومة ترضع الناس لبنها فيقوم عند ~~الطفل مقام اللبن الذي يرضعه من أمه؛ ومن هنا أصبحت البقرة - التي لا تزال تقدس في ~~الهند - الربة ms23 هاتور. # ولكن الودعة والبقرة والذهب اختلطت لأنها جميعها تؤدي مهمة واحدة، وهذا القول هو الذي ~~تثبته الشواهد التاريخية؛ ولذلك ترى الكلمة الهيروغليفية لهاتور تعني الذهب، وهي توصف بأنها ~~«هاتور الذهبية». # ومن هنا عناية القدماء بالذهب الذي كانوا يبعثون البعثات إلى الأقطار النائية لجلبة ~~واحتفالهم به ودفنه مع الموتى. ~~••• # وكان الذهب بذلك وسيلة لنقل الحضارة - حضارة أبناء الشمس - في عصر الفراعنة من مصر إلى ~~آسيا وأفريقيا وأوروبا بل إلى أمريكا، والآن يطوف السائح المنقب فيجد في تاريخ الأمم التي ~~ينزل فيها أو في تقاليدها الباقية قصصا عن أبناء الآلهة الذين نزلوا فيها واكتشفوا ~~الذهب. # وأبناء الآلهة هم أبناء الشمس أي رع، هم المصريون الذين أقاموا حيث كان الذهب وزرعوا ~~وعملوا من حولهم التقويم الشمسي وتحنيط الموتى وبناء الهرم، ونقلوا الإنسان من العصر الحجري ~~إلى الحضارة. # ولم تقف مهمة الذهب عند إفشاء الثقافة، فإن المصريين افتتحوا به عصر المعادن، واستخرجوا ~~الناس واستعملوه أولا كما يستعمل الذهب للشبه الكبير بينهما، ثم وجدوا من صلابته ما يجعله ~~صالحا للآلات فصاغوا منه الخناجر على هيئة الأسلحة الحجرية القديمة، ثم صنعوا السيف وهو ~~خنجر طويل، ووجدوا في الرماد المتخلف من صهر النحاس مواد لصنع المينا التي يطلى بها ~~الفخار، ثم ارتقوا من ذلك إلى صنع الزجاج. # وهكذا نجد سلسلة متعددة الحلقات من ألوان الرقي البشري نشأت جميعها على أسطورة قديمة هي ~~أن الذهب يطيل العمر. ~~••• # في هذا العام 1935 يبلغ السر جيمس فريزر الحادية والثمانين من عمره، وهذا العالم العظيم ~~قد عرف وذاع صيته بكتاب يدعى «الغصن الذهبي» تعد صفحاته بالألوف، وهو مجموعة وافية من ~~العادات والعبادات والشعائر وألوان السحر والعرافة والعقائد التي تتمشى في أنحاء العالم ~~المتحضر والمتوحش، ولهذا الكتاب موجز تبلغ صفحاته 756. # والقارئ لهذا الكتاب يعجب بهمة المؤلف وجلده وإحاطته، وسيبقى هذا الكتاب ~~خالدا بين الكتب التي تعد مراجع غالية وإن كان أساسه كله خطأ؛ فإن الحقائق المدونة فيه ~~لها فائدتها التي يمكن كل قارئ أن ينتفع بها، أما استنتاجات المؤلف منها فقد ثبت ms24 خطأها ولا ~~قيمة لها الآن. # فإن المؤلف يفرض أن الطبيعة البشرية واحدة في كل مكان، وأنها تستجيب للظواهر الطبيعية ~~بعقائد متشابهة؛ ولذلك إذا عرفنا أن التحنيط معروف في بيرو في أمريكا السفلى وفي الجزر ~~الملاوية في جنوبي أسيا وفي مصر وفي الكونجو، فإننا يجب أن نعرف أن الظروف تشابهت فاستجاب ~~لها الإنسان في جميع هذه الأقطار استجابات متشابهة، فليس هناك إذن ما يدعونا إلى أن نفرض أن ~~الثقافة انتقلت في مسألة التحنيط من قطر إلى آخر، وكذلك الشأن في اختراع الزراعة والاهتداء ~~إلى المعادن ونظام الحكومة والكهانة والزواج إلى غير ذلك. # ولكن هل هذا هو الواقع الذي نستطيع أن ندعمه بشهادة الحياة التي يعيشها البشر أو قبائلهم ~~أو أممهم المختلفة؟ # إن الواقع يثبت أن الأمم أو القبائل أحيانا تتجاور ومع ذلك تعيش كل منها في حدود ثقافتها ~~الموروثة، فهذه قبيلة تمارس الزراعة وأخرى تجاورها، ولكنها لا تزال تجمع الطعام جمعا ولا ~~تستنتجه استنتاجا، وهذه طائفة تمارس عادات الزواج أو تحريم بعض الطعام فتخالف الطوائف ~~الأخرى المحيطة بها، ولو أن الجميع يتجاورون ويختلطون. وكل ذلك لأن لكل منها تراثا ~~ثقافيا يجعلها تحب وتكره ما لا يحبه غيرها أو يكرهه. # والإنسان بطبيعته جامد لا يقبل على العادة الجديدة وليس هو بالمفكر النشيط الذي يدأب في ~~الاختراع والاكتشاف، فإذا فرضنا أن إحدى الأمم اهتدت إلى اكتشاف أو اختراع فإن من المبالغة ~~الكبيرة في حسن الظن بالذهن البشري أن نعتقد أن سائر الأمم ستخترع مثلها، وقصارى ما يحدث ~~أنها تنقل عنها في بطء وفتور، وانتشار الأديان الحديثة يدل على أن انتقال الثقافة من قطر ~~إلى آخر في العصور القديمة كان مألوفا، ولما كانت الحضارة المصرية القديمة تتصل بالدين ~~وتمس العقائد التي تتعلق بالصحة وطول العمر والخلود والتناسل؛ كانت تجد قبولا بل تلهفا ~~أينما حلت لأن الإنسان مهموم بهذه الأشياء، كما يدل على ذلك مثلا هذه المعارف الجديدة عن ~~الفيتامينات التي فشت بين الناس هذه الأيام وبولغ فيها مبالغات كثيرة خرجت بها عن حدودها ~~العلمية؛ ms25 فإن الناس لشوقهم إلى ما يطيل العمر ويقوي الصحة يكثرون من قراءة هذه الموضوعات ، ~~كما أن الكتاب الذين عرفوا هذا الشغف قد أصبحوا يبالغون في فائدة الفيتامينات. # وهكذا الحال في العصور القديمة فإن الوهم الذي أشاعه المصريون عن فائدة الذهب والتحنيط ~~جعل الأمم البدائية الأخرى تعتنق مذهبهم وتقبل حضارتهم وترتقي بها إلى الاكتشافات ~~والاختراعات الأخرى. ~~••• # ويجب عندما نبحث انتقال الثقافة المصرية إلى أقطار العالم أن نميز بين إنسانين أحدهما ~~الإنسان البدائي والآخر الإنسان المتوحش. # فإن الإنسان البدائي لا يعرف الزراعة وليس عنده تراث كثير أو قليل من التقاليد، فهو يعيش ~~عيشة ساذجة يجهل فيها اللباس والمسكن والغزو والسبي. # أما الإنسان المتوحش فيعرف طائفة عظيمة من العقائد يمارسها، منها السحر والقتال ونظام ~~الحكم وأحيانا يعرف الزراعة، وهذا الإنسان هو الذي جمع السر جيمس فريزر عاداته من جميع ~~الأقطار وعرضها في كتابه لكي يثبت المشابهة في استجابة الذهن البشري للبيئة إذا اتفقت ~~الظروف. # ولكن مدرسة كمبردج التي تقول بأن مصر هي أصل الحضارة التي تفشت منها إلى سائر ~~الأقطار تفسر هذا التوحش عند المتوحشين بأن الثقافة المصرية القديمة وصلت إليهم فركدت ولم ~~ترتق أو هي انحطت على أيديهم وانمسخت. # وهذا التفسير يبرره الاستقراء؛ لأننا نجد في عادات المتوحشين الحاضرة بذور الثقافة ~~المصرية القديمة. # | الشعوب البدائية # يجب أن نميز بين الشعب البدائي والشعب المتوحش؛ فإن الإنسان في العصر الحجري كان بدائيا ~~لا يدري شيئا من فنون الحضارة، أما الشعب المتوحش فله نظم اجتماعية تدل على أنه لقن شيئا ~~من ثقافة المتمدنين ولكنه مارسها مع انحطاط في الفهم أو عجز عن الترقية، فهو يمارس الزراعة ~~ويعرف الملوكية والدين ولكنه مع ذلك يمارس التضحية البشرية والرق إلى غير ذلك. # ولا يكاد يكون في العالم الآن شعب بدائي؛ لأن الحضارة قد انسلت إلى أنأى الأقاليم ورشحت ~~إلى جميع الطبقات، حتى الإسكيماويون الذين يبنون بيوتهم بجدران من الثلج في شمال كندا صاروا ~~يشترون الأقمشة ويأكلون الأطعمة المحفوظة في العلب، ولكن يمكن من وقت لآخر أن يقع السائح ms26 ~~على فرد أو أسرة قد انقطعت عن العالم في غابة أو على ذروة جبل حيث تعيش عيشا ضنينا لا ~~يطمع فيها إحدى القبائل أو الجماعات، فتبقى وهي تعيش عيشا بدائيا ساذجا. # وقد عرف العلماء أمتين من البشر قد انقرضتا، وكانت كلتاهما تعيش في حال بدائية ساذجة: ~~الأولى هي التسمانيون سكان تسمانيا الجزيرة الإنجليزية التي تبعد بنحو مئة ميل عن أستراليا. ~~والثانية هي البوشمان الذين كانوا يعيشون في أفريقيا الجنوبية، وقد أباد الإنجليز الأولى ~~وأباد البوير أي الهولنديون الثانية، ولكن بقي من المعارف التي جمعت عنهم ممن عاصرهم ~~ما يكفي لأن نعرف كيف عاشوا وبأي العقائد آمنوا. # ونحن عندما نقف على طريقة العيش التي عاشها التسمانيون نعرف كيف كان يعيش آباؤنا قبل نحو ~~خمسين أو مئة ألف سنة، وعندما نقف على طريقة العيش التي عاشها البوشمان نعرف حالتنا قبل نحو ~~15 أو 10 آلاف سنة. ~~••• # اكتشفت تسمانيا سنة 1642 ولكنها لم تستعمر إلا منذ 1772 إذ صارت بريطانيا تنفي ~~إليها مجرميها، ثم بعد ذلك شرع الإنجليز يهجرون إليها ويعيشون فيها، وكان فيها من السكان ~~الأصليين ما يبلغ نحو عشرين ألفا، وكانوا سلالة بشرية منفصلة لعلها أحط السلالات التي ~~عاشت إلى عصرنا الحديث؛ فإن تفريغ الجمجمة عند أفرادها لم يكن يزيد في المتوسط على 1200 ~~سنتيمتر مكعب في حين هو يزيد عندنا الآن على 1400 وأحيانا يبلغ 1500 س مكعب، وكانت القامة ~~قصيرة والوجه كريها، بل لفظة «كريهة» هذه قد ذكرت مرات متكررة في جميع ما كتب عنهم وهي ~~تدل على شعور أولئك الذين عاينوهم من الأوروبيين، وكان التسمانيون يعيشون عرايا ولا يعرفون ~~معنى للعورة أو الاستحياء من كشفها، وكانوا يحمون أجسامهم من المطر بأن يدهنوا بشرتهم ~~بالدهن والمغرة وأحيانا إذا اشتد البرد وضعوا على أكتافهم جلود الكنغر، وهو الحيوان الكيسي ~~الذي يعيش إلى الآن في أستراليا وتسمانيا. # ومن التسمانيين نعرف أن للزينة قيمة كبيرة في اللباس؛ فإن المرأة كانت تزين جسمها بحلقات ~~وقلائد من الزهر في الذراع والعنق، وتزين ركبها بنسائر ms27 من جلد الكنغر، والرجال يتخذون قلائد ~~من المحار والسن، وهذا إلى الحزوز التي يحدثونها بجلودهم كما يفعل الزنوج. # ولم يعرف التسمانيون بناء المنزل أو الاجتماع في قرية، ولكنهم مع ذلك كانت لهم عناية ~~ببناء خيمة فوق الميت وهنا يشك الإنسان في أنهم هم الذين ابتكروا هذه العادة. # وكانت آلاتهم من الخشب لا يعرفون المعادن، وكانوا يصيدون بالمطرد يحذفون به الكنغر وغيره ~~على مسافة 30 أو 40 مترا، وكانوا يستخرجون المحار من السواحل ولكنهم لم يعرفوا صيد السمك، ~~وكانوا يشوون طعامهم على النار ولكنهم كانوا يجهلون سلقه في الماء، وكان جهلهم تاما ~~بالزراعة ولكنهم كانوا يشعلون النار بالحك، يحكون عودا عموديا في أخدود من خشبة أفقية ~~أخذا وردا أو يديرون العود في فجوة مستديرة في خشبة أفقية. # ولما كانوا يعيشون على الصيد فإنهم كانوا في رحلة دائمة، يقيمون يومين على الأكثر في مكان ~~الصيد إلى أن يأكلوه ثم يرحلوا إلى صيد آخر. # وكان التسماني يتزوج من قبيلة أخرى بعيدة عنه، وكان النسب قائما على الأم دون الأب، وكان ~~يحدث أن تترك الفتاة قبيلتها وترحل إلى أخرى لكي تبحث عن زوج، ويشك في أنهم عرفوا المضارة ~~إذ الأغلب أن الرجل كان يقنع بزوجة واحدة، وكان على الزوجة أن تغوص في الماء للمحار وتشوي ~~اللحم وتقدمه لزوجها، وهو يلقي إليها ما يفيض منه كما لو كانت كلبا ينتظر اللقمة بعد ~~الأخرى، ولم يكن في الزواج شيء مما تفهمه أنه احتفال أو عرس، وكانوا يجهلون التقبيل. ~~••• # أما البوشمان فأقل سذاجة من التسمانيين، وقد انقرضوا تقريبا هم أيضا، ومما يجب الالتفات ~~إليه أن كلا من التسمانيين والبوشمان انقرضوا دون أن يتزاوجوا بالإنجليز أو البوير؛ وذلك ~~لأن هؤلاء اشمأزوا من هذا التزاوج وأعملوا فيهم القتل حتى أبادوهم، ومن هنا نفهم أن ~~السلالات القديمة التي ظهرت وانقرضت مثل الإنسان النياندرتالي لم تختلط بنا لأن الأرجح أن ~~انقراضها كان نتيجة الاشمئزاز أيضا. # وكانت السلالة البوشمانية يمتاز أفرادها بشيئين في غاية الغرابة: الأول أن للبوشماني ~~رجلا كان أم امرأة ms28 ألية بارزة جدا، والثاني أن للمرأة شفة تتدلي من حرف المهبل حتى تبلغ ~~في الطول 10 إلى 12 سنتيمترا، فإذا سارت ظنها الرائي رجلا. # وكان البوشماني خلوا من هموم العيش لا يبالي غير طعام اليوم، وكان يمتاز من التسماني ~~بذكائه وقدرته الفنية، فقد كان له رسامون بارعون في الرسم بالأصباغ، وكانوا يعيشون إما في ~~خصاص من القش والشجر وإما في الكهوف، وفي جدران هذه الكهوف وسقوفها وجدت هذه الرسوم، ~~وكانوا يعنون بالرقص والغناء. # ولم يكن عند التسمانيين شيء بتاتا عن العقائد والأوهام مثل الإيمان بالأرواح أو ~~العفاريت، ولكن البوشماني كان يؤمن بالله ويعتقد بقاء الروح بعد الموت ويدفن موتاه بعناية، ~~وهنا يجب أيضا أن نشك في أنه هو المخترع لهذه العقائد إذ الأغلب أنها تسربت إليه من ~~القبائل الإفريقية الأخرى المتوحشة. # وكان البوشماني يمتاز أيضا من التسماني من حيث شعوره بالحياء للعورة ورغبته في إخفائها، ~~وكان يتخذ زنارا له ذنب من الخلف والأمام، وكان زنار النساء يحمل خرزا أو تتدلى منه ~~خيوط، وكن ينتعلن بنعال خفيفة، وكان للبوشمان براعة في الصيد حتى الفيل، والزرافة والجنو ~~والأيائل كانوا يصيدونها، ولكنهم كانوا يجهلون الزراعة جهلا تاما. ~~••• # وكانوا في الزواج يقيمون احتفالا أو عرسا على أساس أن العريس يخطف العروس، وكان حين ~~يحاول خطفها يهرع إيها أهلها وعشيرتها ويضربونه، فإذا تحمل الضرب وتجلد نالها، وإذا عجز لم ~~ينلها، وكان على الزوج أن يتجنب حماته لا يراها أبدا لأنها طبو، وكان الطلاق يحدث ~~بالتراضي. # هذا هو حال شعبين بدائيين لم يعرفا الزراعة التي تعد الأصل للحضارة والتي لا يمكن أن تقوم ~~حضارة بدونها، وهنا في الوقت نفسه لا يعدان من الشعوب المتوحشة؛ لأن التوحش هو نتيجة ~~الحضارة الناقصة أو الراكدة في أطوارها الأولى أو التي أفسدتها البيئة كما نرى في المتوحشين ~~في أفريقيا وآسيا من الشعوب التي تمارس القتال وتزين بيوتها بالجماجم، أو غير ذلك من ضروب ~~القسوة التي يجهلها البدائي لأنه خلو أو كالخلو من نظام اجتماعي حسن أو سيئ. # | التحنيط والبناء # كان ms29 القبر أصلا من أصول الحضارة القديمة، منه تعلم الإنسان البناء ونحت التماثيل، وعنه ~~أنشئت المعابد وتأسست الأديان القديمة، وعرفت الكيمياء عن التحنيط، ووصل الناس إلى أقصى ~~الأرض يبحثون عن الذهب والمعادن والإيتاء بهما لإطالة العمر بعد الموت. # كان المصريون قبل أن يعرفوا القبور يتركون موتاهم للشمس فتجف الجثة ويبدو كأنها صاحبها لا ~~يزال سليم الأعضاء، ثم يلفونها في القماش ويحفرون لها حفرة غير عميقة، وكانوا أحيانا ~~يفصلون بينها وبين جدران الحفرة بالبوص لكي يمنعون التراب أو الرمل المحيط عن الانهيار على ~~الجثة، ثم صاروا يفرشون الأرض وجدران القبر بألواح من الخشب بدلا من البوص، وأخيرا صنعوا ~~النعش، ويمكننا الآن أن نقول إن النعش كان أول ما صنعه النجارون وإن القبر أول ما بناه ~~البناءون في العالم. # ولكن المصريين في تجاربهم الأولى عن تخليد الجثة لكي يطمئنوا إلى أن حياتها لا تزال ~~باقية، رأوا أنهم عكسوا الغاية باختراع النعش؛ لأن الجثة بدلا من أن تبقى سليمة تفسد وينحل ~~اللحم، ومتى زال اللحم زال البقاء، وكانت لهم مصلحة كبيرة في أن يبقى الميت العظيم رئيسا ~~كان أو كاهنا أو ملكا؛ لأنهم كانوا يعتقدون أنه هو الذي كان يزيد المحصولات، فما دام ~~حيا (بعد الموت) لا يكون هناك خطر من نقص الطعام. # وكانوا يعرفون من تمليح السمك وتجفيفه أنه يمكن اللحم أن يبقى سليما ما دام مملحا أو ~~مجففا، وقد التفت هيرودوتس السائح الإغريقي إلى عناية المصريين بهذه الصناعة مما يدل على ~~أنها كانت عريقة عندهم، كما عرفوا أن نزع الأحشاء هو شرط لمنع التعفن سواء في السمك أو ~~الإنسان، ومن المرجح أنهم اهتدوا إلى تمليح الجثة من تمليح السمك والتمليح هو أساس ~~التحنيط. # وما زلنا إلى الآن نحتفل بمرور أربعين يوما على وفاة الميت، وهذه الأيام هي التي كانت ~~الجثة تقضيها وهي مغمورة في الماء والملح ثم تخرج بعدها لكي تعالج وتحنط بأنواع ~~أخرى من العقاقير والأفاويه والراتينجات وتلفف بالأقمشة قبل أن تدفن، ولكن حتى مع هذا ~~التحنيط لم يثق المصريون كل ms30 الثقة بأن الروح ستعرف الجثة فصنعوا لها تمثالا لكي لا تضل، ~~فإنهم رأوا أنهم مهما أتقنوا التحنيط فإن الوجه تتغير ملامحه فصنعوا أولا صورة فوق لفائف ~~المومياء تشبه الأصل، ولكن هذه الصورة لم تكف فصنعوا التمثال. # وجه مومياء من العصر المسيحي في الفيوم. # وربما يكون من المبالغة أن نقول إن الرسم والنحت قد نشأ كلاهما من العناية بالميت؛ فإن ~~الطبيعة الإنسانية أكبر من ذلك، وللفنون لذة تتجاوز حدود المنفعة، وقد ترك الإنسان البدائي ~~رسوما لا يمكن أن تفسر بالغاية النفعية؛ إذ إن الروح الفني واضح فيها، ولكن يجب أن ~~نعترف بأن القبر المصري كان أحد الأصول - أو على الأقل الوسائل - للنحت والرسم، فكان ~~التمثال يصنع من الخشب أو الحجر ووجه المومياء يرسم بالألوان. # وقبل أسابيع ذكرت الصحف خبرا غريبا هو أن بعض اللصوص سرقوا جثة وجيه من وجهاء المنيا، ~~ولا بد أن هؤلاء اللصوص هم من سلالة أولئك اللصوص الذين كانوا يسرقون قبور الفراعنة وكبار ~~رجال الدولة، والإغراء بالسرقة في الأزمنة القديمة كان أكبر مما هو الآن؛ وذلك لأن ~~أسلافنا كانوا يضعون مع الميت مقدارا من الذهب اعتقادا بأن هذا المعدن يطيل الحياة ويمنع ~~عنه الفساد؛ ولذلك فكر المصريون كثيرا في بناء القبر بحيث يضل الباحث سواء أكان لصا ~~سافلا أو عالما مصرلوجيا عن الوصول إليه، وهذا التفكير جعلهم يتقنون صناعة البناء ~~بالحجر، ولكن هذا الإتقان لأجل الميت فقط لأن فرعون نفسه كان يعيش في قصر من الطوب النيئ ~~كما يفعل فلاحونا إلى الآن. # ثم اعتقدوا أن الميت يحتاج إلى الطعام فبنيت منصة أمام القبر ليوضع عليها، ومن هذه ~~المنصة وبناء القبر نشأ المعبد والقربان، ويجب أن نذكر أن فرعون كان إلها في حياته، وكذلك ~~كان بعد وفاته، ومن هنا يسهل علينا كيف تطور القبر إلى المعبد المصري القديم. # وهذا القبر المصري لا نراه في مصر فقط، بل ما زلنا نجده في أقطار العالم النائية في جزيرة ~~العرب وفرنسا وبريطانيا وأقطار آسيا وأفريقيا؛ وذلك لأن المصريين الذين خرجوا من مصر ms31 للبحث ~~عن الذهب والعقاقير والخشب وسائر ما يلزم للميت، كانوا أحيانا يموتون قبل أن تتاح لهم ~~العودة إلى بلادهم فكانوا يبنون قبورهم حيث هم في جزيرة العرب أو في السودان أو في فرنسا، ~~ولكنهم كانوا يبنونها وهم يجهلون الدقة في الصناعة، فكان القبر يبنى وكأنه الرسم الكروكي ~~للأصل، فقد كانوا مثلا يصلون بين منصة الطعام وبين التمثال الذي ينحت على هيئة الميت بطاق ~~مفتوح لكي يستطيع التمثال أن يأكل ما يقدم له. # هذا في الأصل أي في مصر، ولكنهم في الهند مثلا فتحوا الطاق ولم يستطيعوا صنع التمثال، أو ~~أقاموا الأعمدة وحفروا السراديب ولكنهم عجزوا عن تحقيق سائر الملحقات، وهذه القبور أو ~~الأطلال التي تدل على أن المصريين هم الذين بنوها لا يكاد يخلو منها قطر في العالم، وهي ~~تسمى عند العرب أرام، وفي اللغة الإنجليزية «دولمن». # وعندما نتتبع الأماكن التي لا تزال فيها هذه الأطلال قائمة نجد أنها قريبة من مناجم الذهب ~~أو أي معدن آخر يشبه الذهب مثل النحاس أو غيره، وكما أننا نجد أن الهرم قد انتقل إلى أمريكا ~~على أيدي أناس تثقفوا بالثقافة المصرية، كذلك نجد القبر المصري منتشرا في كل مكان والقبور ~~أسهل بناء من الأهرام؛ ولذلك هي أكثر عددا وانتشارا منها. # وقيام هذه الآرام إلى جنب المناجم أو بالقرب منها يدل على أن الذين بنوها كانوا ~~يقصدون من رحلتهم إلى الأقطار النائية إلى جلب الذهب، وقد بقيت هذه الحال إلى عصرنا الحديث؛ ~~فإن الفينيقيين رحلوا إلى إنجلترا لجلب المعادن، بل عندما نتأمل الباعث الرحلات القديمة نجد ~~أنها تكاد تنحصر في جلب المعادن والأفاويه ولكليهما علاقة بالتحنيط. # وكما انتقل بناء القبر المصري وتفشى في أنحاء العالم كذلك انتقل فن التحنيط حتى بلغ ~~القارة الأمريكية، وهناك شواهد تشريحية تدل على أن التحنيط في أمريكا قد صار على الطريقة ~~التي اتبعت في مصر حتى إن بعض الأعضاء التي عولجت بطريقة خاصة في مصر نراها هي نفسها ~~قد عولجت أيضا في القارة الأمريكية؛ لأنها تتعلق بشعائر وعادات أبناء ms32 الشمس أي ~~المصريين. # وأبناء الشمس هؤلاء لا تخلو أمة من الأمم المختلفة من تقاليدهم، وهذه الأمم تحتفظ بهذه ~~التقاليد لأنها كانت ولا تزال بطيئة التطور لم ينسخ الجديد فيها القديم، فهم يذكرون في ~~تقاليدهم أن «أبناء الشمس» جاءوهم وعلموهم العبادة والزراعة ودفن الموتى وبناء القبور ~~واستخراج الذهب ونحت الحجر. # ومن التحنيط عرف الإنسان الكيمياء حتى إن الإغريق أطلقوا لفظة كيمي وهي تعني مصر على هذا ~~العلم، ومن الزراعة عرف الإنسان الفلك؛ لأنه اضطر إلى معرفة الأوقات الزراعية على النظام ~~الشمسي حتى لا يخطئ أيام الزرع أو الحصاد، ومن البحث الخرافي عن تخليد الموتى ارتقى ~~المصريون إلى البحث عن الوسائل التي تحفظ صحة الجسم، ومن بناء القبر ارتقوا إلى بناء المعبد ~~ثم إلى بناء المساكن بعد فترة طويلة من الإهمال، ومن عبادة الآلهة المتعددة إلى عبادة الإله ~~الواحد أيام أخناتون. ~~••• # وعندما نتكلم عن الحضارة المصرية القديمة يجب ألا يفوتنا أننا نتحدث عن نحو 4500 سنة قبل ~~الميلاد تقلبت فيها البلاد على حضارات مختلفة؛ ولذلك نحن نتجوز حين نقول «الحضارة ~~المصرية» لأنها لم تكن واحدة طول هذه القرون المتعاقبة، وإلى الآن نجد في أنحاء العالم ~~شواهد تدل على انتقال ثقافة مصر في الأسرة الخامسة أو السادسة، وشواهد أخرى تدل على ~~انتقالها في أيام الأسرة الثانية عشرة أو حتى الأسرة الخامسة والعشرين. # وقد زال بناء الهرم من مصر بعد الأسر الأولى، ولكن بناء القبور بقي على ما هو عليه إلى ~~العصور الحديثة، وبقي التحنيط حتى إلى ما بعد دخول الدين المسيحي، ومع ما حاوله أبناء ~~المسيحية في القرون الأولى من إلغائه لم يستطيعوا ذلك لأن العادة كانت قد تأصلت في النفوس؛ ~~ولذلك فإن المسيحيين بقواعده قرون وهم يحنطون موتاهم في مصر، ولم يقض على هذه العادة إلا ~~بعد دخول الإسلام. # | مصر والإغريق # الأستاذ برستد هو العالم الأثري الذي توسط بين المثري الأمريكي روكفلر وبين الحكومة ~~المصرية لكي يهب الأول الثانية مليونين من الجنيهات لزيادة البحث عن الآثار المصرية وتنشيط ~~العلماء إلى القدوم إلى ms33 مصر، وقد رفضت حكومتنا هذه الهبة مع أن الأمريكيين يقولون إنهم ~~عرضوا على الحكومة أن تكتب أي شروط لقبول الهبة وما على معهد روكفلر سوى القبول . # والأستاذ برستد معروف بسعة ثقافته في الآثار القديمة في مصر وغير مصر، وكتابه «فتح ~~الحضارة» من أبدع ما كتب في نشوء الحضارة الأولى، وهو لسعة ثقافته يدأب في المقابلات ~~والمقارنات يقابل بين مصر ودنمركا أو بين مصر وبريطانيا أو بين مصر والأقطار الشرقية ~~الأخرى، وهو لا يقول بعبارات صريحة إن مصر أصل الحضارة في العالم ولكن هذا هو ما يستنتج من ~~العرض العظيم الذي يعرضه للقارئ من تاريخ الأمم المختلفة. # باليسار خنجر مصري يليه خنجر إيطالي ثم خنجر وجد في جبال جورا ثم خنجر ~~دنمركي وكلها منقولة عن المصري. # ونحن في هذا الفصل نعتمد عليه هو وحده وننقل من كتابه رسوم بعض الآثار القديمة التي تدل ~~على أن المصريين هم الذين اخترعوا الحضارة، عرفوا الزراعة أولا ثم اضطروا بحكم هذه الصناعة ~~إلى اختراع سائر ملابسات الحضارة القديمة من دين وحكومة وآنية ومسكن وملابس وخبز وخمر ... ~~إلخ. # ولنبدأ بالخنجر المصري فنقول: إن المصريين كانوا قبل أن يعرفوا المعادن يشتركون مع سائر ~~الشعوب في بداوتها في استعمال سكاكين الأحجار، يحفرون بها عن الجذور ويقتلون بها الوحوش، ~~وهذه السكاكين توجد الآن مطمورة في جميع أنحاء العالم، ولكن لما تحضر المصريون ~~وعرفوا النحاس والبرونز صنعوا خناجرهم القديمة على مثال السكاكين الحجرية، ثم انتشرت هذه ~~الصناعة وخرجت من مصر إلى أوروبا فصنع الأوروبيون خناجر هم على الطريقة المصرية، ثم اخترع ~~الأوروبيون السيف وهو خنجر طويل. # واخترع المصريون حروف الهجاء وكانت تصويرية أولا، ثم اختصرت الصور حتى صارت تؤدي ما ~~تؤديه لنا حروف الهجاء، وقد اتجهت حضارة مصر نحو الشمال والشرق فشاعت الحروف المصرية؛ ولذلك ~~نراها الآن في آثار جزيرة كريت بتعديل طفيف جدا لا ينكر أصلها المصري، وكما أخذ الكريتيون ~~هذه الحروف من مصر كذلك أخذوا صناعة الفخار فنقلوا الطريقة المصرية في صنع الآنية حوالي سنة ~~2700 قبل الميلاد. ms34 # حروف هيروغليفية مصرية «باليسار» نقلها سكان جزيرة كريت «باليمين» مع تنقيح ~~طفيف. # وقد يمكن القارئ أن يعترض هنا فيقول بعكس ما يقوله الأستاذ برستد، وهو أن مصر نقلت صنع ~~الخناجر المعدنية من أوروبا ونقلت حروف الهجاء وصنع الآنية من جزيرة كريت، ولكن هذا ~~الاعتراض مردود؛ وذلك لأن للكتابة الهيروغليفية المصرية أصلا مصريا واضحا يتفق واللغة ~~المصرية القديمة، ولكنه لا يتفق واللغات الأخرى التي استعملت هذه الحروف، ثم إن تقدير ~~الآثار يدل على السابق والمسبوق فيها دع عنك السذاجة التي نراها في المخترعات لأول ~~اختراعها، ثم ما يطرأ عليها من تنقيح بالانتقال من قطر إلى آخر. # والإسفنكس الذي يسميه العامة «أبو الهول» من أقدم الآثار المصرية، وهو شيء مألوف في ~~الكرنك، وهو حيوان له وجه إنسان، فعند أهرام الجيزة نرى الإسفنكس الكبير وأقدم الإسفنكسات ~~وهو أسد له وجه إنسان، وفي الكرنك نرى كباشا لها وجوه إنسانية وأحيانا نجد للإسفنكس ~~جناحا فيجمع بين الدابة والطائر والإنسان، وقد أعجب القدماء بهذه الفكرة واعتقدوا أن ~~الإسفنكس حقيقة لها وجود وقد دخل في ثقافة الإغريق، وكان هؤلاء يصنعونه بوجه امرأة وجسم ~~حيوان، يعرض للناس ثم يلقي عليهم أحجية أي لغزا شاقا فإذا لم يحلوه خنقهم، ولا بد أنه ~~كان للإسفنكس المصري دلالة دينية؛ فإننا نجد للآن معبدا حسنا قريبا منه عند الأهرام، وقد ~~أخذه الفينيقيون والحيثيون والأشوريون وصاروا يزينون به الأثاث يصنعونه من العاج ويضعونه ~~على طرف المائدة أو الكرسي. # باليسار زهريات مصرية من الحجر وباليمين زهريات صنعت في كريت نقلا عن ~~المصري. # وقد كان المصريون أول من عرفوا صناعة الزجاج وعنهم نقلته الأمم الأخرى، وما تزال آنيتهم ~~تشهد بعبقريتهم في الصناعة، وقد كانوا يصنعون الآنية من الفخار النيئ أو المصهور، أو كانوا ~~ينقرونها نقرا في الحجر إذا كانت من المرمر العادي أو المرمر الشفاف «الألبستر» أو كانوا ~~يصنعونها من الزجاج، وقد شاعت الآنية على الطراز المصري عند الأمم الأخرى لأنها نقلت ~~عنه. # إسفنكس صنع في أشور على الطريقة المصرية. # قماقم للعطور من الزجاج، باليسار ms35 قمقم مصري وبالوسط قمقم بابلي وباليمين قمقم ~~وجد في إيطاليا الشمالية، وكلها منقولة عن الطراز المصري. # وإذا شئنا أن نقول في أي شيء برع المصريون وتفوقوا على غيرهم من الأمم، فالجواب أنهم ~~برعوا في الصناعة عامة وفي صناعة البناء والنحت خاصة، وقد أخذت الأمم ذلك عنهم، وقد وجد ~~المصريون من وثنيتهم وتعدد آلهتهم أعظم ما يغري على بناء المعابد ونحت التماثيل، ولم يمت ~~النحت ولم ينقرض المثالون إلا بعد التوحيد المسيحي والتوحيد الإسلامي، وكلاهما جعل من ~~التمثال صنما يجب هدمه. وقد استطاع الأثريون أن يجدوا في تاريخ النحت الإغريقي ذلك الأساس ~~المصري الذي قام عليه؛ فإن التماثيل الأولى صنعت على غرار التماثيل المصرية فكانت نقلا ~~صريحا لم تتخلص من الفن المصري إلا بعد تنقيحات كبيرة، فمصر ألهمت العالم صناعة النحت ~~وألهمت الإغريق هذه الصناعة الفريدة التي تفوقوا فيها وتوخوا منها الجمال، بينما ~~المصري كان يتوخى الحقيقة والعظمة الإلهية والهدوء الروحي، وقد ثبت أن الفن الهندي يرجع إلى ~~إيحاء الإغريق الذين زرعوا بذرته في حملة الإسكندر المقدوني على الهند، وانتشرت هذه الصناعة ~~من الهند إلى أنحاء آسيا بل انتقلت بعد ذلك إلى القارة الأمريكية. # باليمين تمثال مصري قديم وباليسار تمثال إغريقي صنع على غرار المصري يحاكي ~~وضعه في جميع الأعضاء. # باليسار عمود مصري من الخشب وقد حلي بورق اللوتس، وبالوسط جزء من حائط في قصر ~~نبوخذنصر في بابل وبه رسم اللوتس المنقول من مصر، وبأسفل رأسان لأعمدة إغريقية ~~بها حلية اللوتس المصرية، وباليمين عمود إغريقي حدث به تنقيح كبير فلا يرى ورق ~~اللوتس إلا في أعلاه وقد استحال إلى حلية جميلة. # وما حدث في النحت حدث أيضا في البناء؛ فالمصريون هم الذين اخترعوا العمود ونقله الإغريق ~~عنهم، والبرهان على هذا النقل أن المصريين استعملوا أوراق اللوتس المصري في تزيين الأعمدة، ~~ولهذه الأوراق دلالة فنية ودينية عندهم، فنقل الإغريق هذه الحلية وليس لها هذه ~~الدلالة. # فإذا تأمل القارئ هذه الرسوم وجد مصداق ما يقوله العلماء الآن، وهو أن المصريين أشاعوا ~~الحضارة الأولى ms36 في العالم. # وقد ذكرنا الأدلة الحسية على نقل الحضارة المصرية إلى الشمال والشرق، ولسنا في حاجة لأن ~~نذكر أن السودان الآن يحتوى على أهرام مثل الأهرام المصرية نقلها ملوك إثيوبيا عن مصر كما ~~نقلوا معها العقائد والشعائر الدينية. # وأكبر تمثال للربة هاتور يوجد الآن في السودان، وملوك القبائل في إفريقيا قد تسربت إليهم ~~الحضارة المصرية فمارسوا منها ما استطاعوا وما وافق مناخهم الحار، فالملك يعتبر إلى الآن ~~عندهم من الآلهة كما كان الفراعنة عند أسلافنا. # وكذلك انتشرت عبادة رع «الشمس» عند أمم الشرق، وما يزال أثرها واضحا في حفلة التتويج ~~لإمبراطور اليابان، ومن الأقطار والجزر الواقعة في جنوب آسيا الشرقي انتقلت الحضارة إلى ~~أمريكا الغربية فشملت القارة، والبراهين على ذلك كثيرة منها أن شعائر مصرية دينية كانت ~~تمارس في أمريكا الوسطى، ومنها تمثال لرأس فيل وجد في الشاطئ الغربي وليس في القارة ~~الأمريكية فيلة، ومنها أن لفظة معزقة التي استعملت في أمريكا الجنوبية هي نفسها اللفظة التي ~~استعملت في شرق آسيا الجنوبي. # | حضارة مصر في أفريقيا # كان المصري القديم في بداية وجدانه المدني ينظر لشيئين: # الأول: # كيف يطيل عمره ويديم قوة شبابه. # والثاني: # كيف يوفر الطعام. # فأما إطالة العمر وإدامة الشباب فكان يتوسل إليهما بجلب الجواهر كالمرجان واللؤلؤ أو ~~المعادن النفيسة كالذهب، ثم كان يعتمد على التحنيط لبقاء الجثة سليمة اعتقادا بأن سلامة ~~الجسم تكفل سلامة النفس؛ ومن هنا كانت الهجرة لجلب هذه الجواهر والمعادن وكان التعارف وتفشي ~~الحضارة المصرية في أنحاء العالم. # أما توفير الطعام فكان هما آخر قد لا ندرك قيمته نحن هذه الأيام لأنه لم تمر بنا سنة من ~~السنوات حل فيها القحط وجعل الناس يموتون من الجوع، ولكن تاريخ العالم حافل بهذه ~~المجاعات، ولا بد أنها كانت في الأزمنة القديمة أكثر مما هي الآن. # ولم يكن للإنسان هموم أخطر من هذين الهمين، إطالة العمر وتوفير الطعام، وهما الآن ~~أخطر الهموم عند المتوحشين أو قبائل الهمج بين الزنوج؛ فإن هؤلاء الزنوج يقومون بشعائر ~~دينية تتعلق بالشباب والزراعة، ms37 والمتأمل لهذه الشعائر لا يتمالك من أن ينسبها لمصر. # نشأت الأنظمة والأديان والشعائر في مصر لهاتين الغايتين، فكان فرعون يؤله لأن مهمته ~~الأصلية الاستكثار من الزرع ومباركته على نحو ما يقوم به «كاهن المطر» أو «كاهن الزراعة» ~~عند المتوحشين الآن، وكانت أديان مصر جميعها ترمي إلى الاحتفاظ بالشباب وتوقي الموت. # وقد تفشت هذه الحضارة في جميع أنحاء العالم تقريبا ثم تطورت في الأمم الحديثة حتى غابت ~~معالمها الأولى أو كادت، فلو شئنا أن نبحث عن الحضارة المصرية القديمة في أوروبا الحديثة ~~لوجدنا بعض المشاق لأن أوروبا في انقلاباتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية قد انسلخت ~~من طبقات التقاليد القديمة. # ولكنا ما زلنا نجد الأثر لهذه الحضارة المصرية في إلياذة هوميروس الإغريقية وفي الآرام ~~المبثوثة في أنحاء أوروبا وفي الأساطير الدينية الرومانية القديمة وفي الملوكية ... ~~إلخ. # آلات موسيقية من قبر أمينمهعت. # ولكن حيث تكون الأمة راكدة أو بطيئة في تطورها نجد أن العقائد المصرية القديمة واضحة؛ فإن ~~بناء الأهرام وتحنيط الجثث لم يختلفا بين سكان أمريكا الجنوبية والوسطى عما كانا عليه عند ~~أسلافنا، وكذلك لا تزال ممالك الزنوج أو قبائلهم في أفريقيا تمارس من عاداتنا وشعائرنا ~~القديمة ما نسيناه نحن أو أقلعنا عنه قبل نحو 3000 سنة. # آلات موسيقية تستعمل في أفريقيا الغربية الآن، وهي مطابقة للآلات المصرية ~~أيام أمينمهعت. ~~••• # وهذه الكلمة التي نقولها سنخصها بالتقاليد المصرية التي تفشت في أنحاء أفريقيا وخاصة ~~بين الزنوج، ونعتمد فيها على الأستاذ سيليجمان مؤلف «مصر وأفريقيا الزنجية» وقد صدر هذا ~~الكتاب هذا العام. # ويرى الأستاذ سيليجمان أن مصر كانت منذ الأسرة الخامسة تعرف الزنوج وتتصل بهم، وكانت هناك ~~أربعة طرق للانتقال بين مصر وأنحاء أفريقيا: ~~(1) # الأول هو الطريق الشمالي الغربي أو ما نسميه الآن طرابلس وتونس إلخ، وقد كانت ~~قرطجنة «تونس» تتخذ قرص الشمس المصري رسما لنقودها في القرن الثالث قبل ~~الميلاد. ~~(2) # ثم طريق النيل الأبيض. ~~(3) # ثم طريق النيل الأزرق. ~~(4) # وأخيرا طرق الواحات. # وبهذه الطرق الأربعة كانت تصل حضارة مصر إلى أنحاء أفريقيا فتعرف في الحبشة ms38 والبحيرات ~~ونيجيريا بل في الكونجو. # ويجب أن نلتمس الأصل في العقائد الزنجية وأنظمتهم الاجتماعية في عقائد مصر القديمة، ونحن ~~نراها في سنة 1934 بعد الميلاد كما كانت قبل 5000 سنة في مصر بلا تنقيح أو تبديل؛ لأن هذه ~~القبائل راكدة لا ترتقي ولا تقلع عن تقاليدها القديمة. # نذكر الآن بضعة أشياء وعادات ليست مشابهة لما كان يمارسه آباؤنا قبل آلاف السنين، بل ~~مطابقة لأنها منقولة نقلا لم ينقح، ففي الأسرة الخامسة مثلا كانت العادة الفاشية أن ~~يلوى قرن البقرة، ولا تزال رسوم باقية تبين لنا ذلك اللي، وإلى الآن يمارس رعاة البقرة ~~في النوير هذه العادة. # وقد كان الصقر شعار الملوكية عند الفراعنة، وهو كذلك الآن عند الملوك في أوغندا. # وتحنيط الجثة فن مصري قديم يحتاج إلى علم بالكيمياء والعقاقير، كما يحتاج إلى أقمشة كثيرة ~~تلفف بها المومياء، وقد عجز الزنوج في الكونجو عن الكيمياء والعقاقير، ولكنهم يلففون جثة ~~الملك أو الأمير بأقمشة كثيرة هي المظهر الخارجي للتحنيط. # والآلات الموسيقية التي تستعمل في أفريقيا الغربية الآن هي نفسها الآلات المصرية القديمة، ~~وهنا يجب أن نقرر أن المسألة ليست مسألة مشابهة بل مطابقة. # زوجة طهراقة فرعوني مصر تضرب الجهات الأربع كما يفعل الآن بعض ملوك ~~الزنوج. ~~••• # وقد نشأت المملكة الميروئية في الجزء الشمالي من السودان واتصلت بالحبشة، وكانت هذه ~~المملكة طبعة أخرى للمدنية المصرية ووسيلة لنقلها وتوزيعها في الأقطار المحيطة، فعرف بناء ~~الهرم في السودان كما عرفت الربة هاتور ونقلت بالطبع عادات مصرية كما درست الثقافة ~~المصرية. # ومما يجب أن يلاحظ هنا أننا نجد العادات أو الشعائر المصرية التي شاعت بين الزنوج في ~~أفريقيا تحتفظ احتفاظا عجيبا بمسحتها البدائية، حتى لقد ترتقي في مصر بعد ذلك وتتخلص منها ~~أو ترتقي بها إلى طور أعلى فتبقى هي بين الزنوج على أصلها الذي زال من مصر، وليس هذا ~~مقصورا على الزنوج بل هو عام بين جميع الأمم أو القبائل الراكدة التي تفشت بينها ثقافة ~~مصر القديمة. # ففي مصر قبل الأسرة الخامسة كان اعتقاد ms39 خلود الروح والتمتع بالعالم الآخر مقصورا على ~~الملوك والأمراء والكهنة، ثم ثار الشعب وطلب تعميم هذا الحق، ولكنا ما زلنا نجد الاعتقاد ~~القديم قائما في بعض أنحاء أفريقيا وآسيا. # وفي مصر كان الاعتقاد القديم أيضا يقول بالتضحية البشرية، وقد زال هذا الاعتقاد قبل ~~الأسرة الأولى، ولكن هذه التضحية عرفت في شمال السودان حتى حين كان الحاكم واليا ~~مصريا موفدا من مصر. # بل هناك ما يدعو إلى الظن بأن فرعون مصر في الأزمنة البعيدة أو بكلمة أصح ذلك الأمير أو ~~الرئيس الذي سبق عصر الفراعنة كان يعد من الآلهة، وأنه كان يقتل إذا ظهرت عليه أمارات ~~الشيخوخة؛ وذلك لأن المهمة الأصلية له هي الزرع، وصحة الزرع كانت تتوقف على صحته وقوته، ~~فإذا ألم به الضعف من مرض أو شيخوخة قتل حتى يقوم بمهمته شاب يتمتع بالصحة ~~والقوة. # وارتقت مصر من التضحية البشرية ومن قتل الأمير، وصار الفراعنة يبعثون البعثات للبحث عن ~~الذهب والجواهر التي تديم الشباب والقوة ويضعونها في قبورهم لهذا الغرض نفسه. # ولكن الثقافة الأولى - ثقافة التضحية وقتل الأمير أو كاهن المطر والزرع - لا تزال قائمة ~~بين الزنوج في أفريقيا إلى يومنا هذا، حتى إن الكاهن يطلب إلى قومه أن يقتلوه إذا أحس ~~الضعف؛ لأنه يعتقد أن ضعفه هو ضعف للأرض والزرع، وأن من المصلحة أن يتولى شاب الحكم بدلا ~~منه لكي يزيد البركات، ثم يجب ألا يبرح من أذهاننا أنه حين يقتل يعد نفسه قد انتقل ~~للعالم الآخر وأن حياته هناك متصلة بحياته هنا على نحو ما فهم الفراعنة تماما حين استعدوا ~~للعالم الثاني بالتحنيط. ~~••• # والآن نذكر شيئا آخر لا يقوم على المشابهة ولا على الاستنتاج؛ لأن المطابقة واضحة فيه، ~~فقد ذكر روسكو في كتابه عن قبيلة البوجندا أن الملك في إحدى قبائلها يؤدي شعائر خاصة يوم ~~تتويجه؛ فإنه يتناول قوسا لها وتر قد نزع من جسم آدمي ثم تقدم له السهام فيشد أوتارها ~~لكي «يرمي بها الأمم». # ويقول روسكو في وصف ما رأى: «لما شدت القوس سلمت للملك ms40 ومعها أربعة سهام فرماها ~~جميعها عن القوس، كل واحد منها في جهة من الجهات الأربع وهو يقول ما ترجمته: إني أضرب الأمم ~~وأغلبها. ويذكر اسم واحدة من الأمم وهو يرمي بالسهم في ناحيتها، ويهرع أتباعه فيحملون إليه ~~السهام التي تحفظ في الجعبة إلى احتفال آخر... لأن هذا الاحتفال كان يكرر في بداية كل ~~عام». # وهذا الاحتفال نقسه منقوش جملة مرات في قبور الفراعنة؛ فإن الملك تحتمس الثالث يرمي ~~الجهات الأربع في واحد من هذه النقوش وفي نقش آخر نرى طهراقه وزوجته الملكة ترمي الجهات ~~الأربع بالقوس، وهذا الاحتفال رمز للقوة والغلبة. ~~••• # إن هذه الأمثلة جميعها تدل على أن ثقافة المتوحشين في أفريقيا الزنجية ترجع إلى أصل مصري، ~~وإذا كان الزنوج لم يرتقوا فلأن البيئة المحيطة بهم قد حالت دون ذلك؛ فإن مصر قطعت أكثر من ~~أربعة آلاف سنة قبل الميلاد وهي بوتقة للعقائد الدينية، عرفت فيها دفن الموتى ومعنى الخلود ~~والعالم الثاني والإثابة على الحسنة والعقاب على السيئة وكثير من الحكم السامية قد عزيت ~~إلى آلتها وكهنتها، وقد ألهمت العالم كثيرا من عقائد فتغنى الإغريق بالرب آمون، وقد رأيت ~~بنفسي معبد ربتنا القديمة أسيس في مدينة بومباي التي طمرها بركان فيزوف، وقد عبد ~~القرطاجنيون قرص الشمس المصري، وبنيت الأهرام في السودان، وعرفت أيضا الربة هاتور. ومصر هي ~~التي أشاعت نظام الرهبانية بل هناك ما يرجح أن ملابس الكهنة في أيامنا هي نفسها ملابس ~~الكهنة أيام جدودنا الفراعنة. ~~••• # لقد كان اختراع الحضارة - كما يقول إليوت سمث - أعظم انقلاب حدث في تاريخ البشر، ولم تكن ~~الحضارة الأولى مجموعة ملفقة من المكتشفات وإنما كانت جسما حيا له قلبان هما الزراعة ~~وإطالة العمر، وكل ما نعرفه عن التواريخ للأمم القديمة كان يدور حول هذين الأمرين، فمنهما ~~نشأت الأديان والحكومات والملوكية والأسرة والقضاء وعلوم الهندسة والهيئة والكيمياء والطب، ~~كما كانا أيضا الأصل في طائفة كبيرة من الصناعات مثل الفخار والبناء والتعدين والنجارة ~~وصنع السفن ونسج الأقمشة وتخمير البيرة. # لقد قال بلونارك المؤرخ الإغريقي، وهو بالطبع ms41 يروي هنا أسطورة كانت شائعة في عصره: «لما ~~جاء أوزوريس إلى مملكته وجد المصريين يعيشون حياة كتلك التي يعيشها الدواب، فعمد إليهم ~~يعلمهم فنون الزراعة وسن لهم القوانين وعلمهم عبادة الآلهة، ثم خرج بعد ذلك وجاب أنحاء ~~العالم ينشر المدنية». # وهذه الأسطورة لم تكن روايتها عبثا ولم تخترع أيام الإغريق، وإنما هي قصة مصرية ~~قديمة تدل على تاريخ يغيب في الأزمنة البعيدة. # وليس أوزوريس هذا سوى أحد الفراعنة أو الأمراء الأولين الذين استحالوا آلهة بعد وفاتهم، ~~كما هو الشأن إلى الآن بين الكهنة والأمراء الزنوج الذين ورثوا التقاليد المصرية ~~القديمة. # وكان المصريون يعيشون كالدواب لأنهم كانوا يجهلون الزراعة ويجهلون كل ما نما منها ~~كالحكومة والقضاء والصناعات العديدة، وعزو إفشاء الحضارة في العالم إلى أوزوريس لا يعني ~~أكثر من القول بأن المصريين هم الذين أفشوها. # وليس في العالم الآن رجل يمكنه أن يضارع برستد في سعة ثقافته ونزاهته العلمية، ومع ذلك ~~يقول هذا العالم: «لقد ثبتت هذه الحقيقة العلمية ثبوتا نهائيا وهي أن الحضارة نشأت أولا ~~في مصر». ~~••• # هذا التاريخ المصري القديم يجب أن ندرسه؛ لأننا بدرسه نغذو وطنيتنا بأحسن ما تغذى به، ~~وهو الحقائق الحقة التي تبعث في نفوسنا الكبرياء الوطنية وتحثنا على أن نستعيد مركزنا ~~للقيادة في الحضارة كما كان أسلافنا. # وهذا الدرس يغذو غيرتنا للإصلاح، فإننا نحن الذين اخترعنا الكتابة والقراءة للعالم يجب ~~ألا نترك فلاحنا يجهلهما بعد ستة آلاف سنة من اختراعهما، ونحن الذين أكثرنا الطعام ~~بالزراعة يجب ألا نجيع الفلاح أو العامل المصري في عصر قد شبع فيه جميع الناس بعد ثمانية ~~آلاف سنة من اختراعها، ونحن الذين بنينا أول منزل سكنه إنسان يجب أن نبني المنازل للمصريين ~~الذين يعيشون في مباني لا يرضى الأوروبي أن يدفن فيها موتاه فضلا عن أحيائه. # مصر التي اخترعت الحضارة يجب أن تتقدم جميع الأمم في هذا الميدان ويجب ألا تسمح لأحد ~~لأن يردها إلى الهمجية. # | البقرة والقمر والعجل # عندما ننظر نظرة التحليل للأديان المصرية القديمة يجب أن نعتبر ثلاثة ms42 اعتبارات: ~~(1) # أن هذه الأديان كانت في نشأتها عقائد بدائية يحاول بها الإنسان الذي اهتدى ~~إلى الزراعة أن يفسر بها مظاهر الكون بأبسط ما يصل إليه خياله. ~~(2) # أن الغاية الأساسية التي قصد إليها من هذه العقائد هي إطالة عمره. # البقرة المقدسة في مصر القديمة وبين قرنيها ~~القمر، وهي الأصل لتقديس البقر في الهند. ~~(3) # أن الزراعة بطبيعة اهتداء المصري القديم إليها كانت اكتشافا عظيما عنده ~~وكانت محور نشاطه وآماله. # وفي ضوء هذه الاعتبارات نستطيع أن نفسر العقائد القديمة دون أن نتورط في فروض صوفية ~~وروحانية كان المصري القديم بعيدا عنهما كل البعد لأنه كان ماديا في عقيدته الدينية يبغي ~~بها طول العمر ووفرة المحصولات الزراعية. # العجل المقدس في الهند الآن وهو يعيد إلينا ذكرى العجل أبيس في مصر. # ومن المعروف أن مصر لم تتحد اتحادا سياسيا أو إداريا إلا بعد انقضاء قرون عدة على ~~تفشي الحضارة الزراعية فيها؛ ولذلك تفشت العقائد بينها واختلفت باختلاف الأقاليم، ~~فلما وحدت البلاد في الإدارة أصبحت العقائد تزدوج وتندغم. ومن هنا ما يبدو لنا من ~~غرابة عندما نجد اقتران الثعبان بالشمس أو القمر بالبقرة في العبادة، ونستطيع أحيانا ~~بالتحليل أن نهتدي إلى أصل الفكرة الأولى في هذا الازدواج، كما أننا أحيانا نعجز عن ذلك ~~ولا نجد مسوغا لهذا الازدواج سوى المصادفة. ~~••• # وعبادة البقرة من العبادات الأولى التي اخترعتها مصر ثم عمت بعد ذلك العالم القديم كله، ~~بل هي لا تزال تعبد في الهند كما أن اسمها لا يزال حيا بين الفلاحين في شهور هاتور؛ ~~إذ إن هذا هو اسمها، وكذلك عبادة العجل فإننا نعرف العجل أبيس ولا يزال العجل محترما في ~~الهند وهو يطلق «يعد أن يرسم ويقدس» في المدن فلا يجوز لأحد أن ينهره، وعلى كل إنسان أن ~~يقدم له الطعام ويتمسح به للتبرك، وقد يرقد العجل في أحد الشوارع ويعطل المرور ومع ذلك لا ~~يجوز لأحد أن يضربه وينهضه، وقد اخترع المصريون عبادة البقر والعجل ونسوها، ولكن الهند لم ~~تنسها لأن طبقة البراهمة تحتفظ بتقاليدها ms43 التي ورثتها قبل 3000 عام. # ولا بد أن المصري القديم دهش دهشة عظيمة عندما اهتدى إلى الزراعة واستأنس البقرة فوجد ~~فيها حيوانا أليفا له صفات الأم الإنسانية؛ إذ يخرج اللبن من ضرعها فيغذو الأطفال وغير ~~الأطفال، وشعر منها أنه ظئره التي تحنو عليه وتقدم له اللبن بدلا من أمه، وهي بذلك تبعث ~~الحياة في الأطفال، ومن هنا كان تأليفها وقد رسمت على جدران القبور المصرية والملك يرضع ~~لبنها. # والحمل والولادة من الشئون التي اهتمت لها جميع الأمم القديمة، وقل أن يقرأ الإنسان وصفا ~~للآلهة في مصر أو بابل أو الهند إلا ويجد أن خواص التناسل من أهم صفاتها وأنها موكلة ~~بإخصاب الأمة وتكثيرها؛ فإن البقرة أخذت المكانة اللائقة بها عند جميع الأمم لأنها الرمز ~~للأمومة، وما زالت تتطور حتى أصبحت الربة هاتور التي ترفع الإنسان من الأرض إلى ~~السماء. # وقد قلنا إن العقائد نشأت متعددة في أماكن مختلفة في مصر ثم اندغمت أو ازدوجت عقب الاتحاد ~~السياسي حين أصبح للبلاد كهانة رئيسية تنظم المعابد وتقرر العبادات، وقد كان للقمر مهمة ~~تناسلية تقرب من مهمة البقرة، فإن كل امرأة تعرف أنها تحيض كل 28 يوما أي كل شهر قمري؛ ~~ولذلك فإن القمر نظر إليه في الحضارة الأولى كأن له صلة بتنظيم الطمث والحمل. # هندي يقسم بذنب البقرة المقدسة. # ولذلك نرى أن البقرة رسمت عند أسلافنا وبين قرنيها قمر كأن المقصود هو جمع صفات الحمل ~~والأمومة في ربة واحدة هي هاتور، وكأن الجمع بينهما هو أيضا جمع بين الأرض والسماء. # وقريب من منطق العقيدة بالبقرة منطق العقيدة في العجل؛ فإنه ابن البقرة وأخو الإنسان «في ~~الرضاع» وهو رمز الذكورة أو الفحولة والتلقيح والإخصاب سواء للبقرة أو للأرض التي يحرثها ~~وينبت زرعها؛ ولذلك ألهه المصريون القدماء وقدسوه كما يقدس العجل الآن في الهند، ~~ونسبوا إليه صفات تتفق والألوهية فقد كانوا يعتقدون أن أمه عذراء، وقد ذكره فلوطرخس بقوله: ~~«إن العجل أبيس تحمل به أمه عندما ينضب عليها شعاع قوي من القمر وهي في ms44 الشبق». # ويقول هيرودوتس: «هذا العجل أبيس تضعه بقرة ثم عقب ولادته تعود عاقرا لا تلد، ويقول ~~المصريون إن شعاعا من النار «النور» ينزل عليها من السماء فتحمل هذا العجل». # وهذه العجول يكشف عن مومياءاتها في أرمنت الآن، وسوف نعرف منها شيئا بل أشياء كثيرة عن ~~هذا المنطق البدائي الذي جعل الإنسان الأول يقدس البقرة وابنها كما يقدسهما الهنود الآن، ~~كما جعله ينسب صفات خاصة لآلهة لا تزال حية في العقائد الحديثة. # | زهرتا البردي واللوتس # قال الأستاذ بتري: «العالم مدين في زخارفه للمصريين الذين أوجدوا أول مدنية على ~~الأرض». # وقد بدأ الفن المصري أشكالا بسيطة كالخطوط والدوائر ومعظمها يمثل زهرتي اللوتس والبردي، ~~ثم أخذ الرسامون رويدا رويدا يزيدون ويوازنون وينقحون في أشكال هاتين الزهرتين حتى أوجدوا ~~مئات الأشكال الزخرفية التي أخذتها الأمم الأخرى. # زهرة البردي في أعلى وزهرة اللوتس في أسفل. # ولقد تعد زهرة اللوتس في فن الزخرفة المصرية القديمة من أهم الوحدات المشهورة في هذا ~~الفن، وقد عم استعمالها في آثار المصريين، حتى لتكاد أن تكون رمزا عليهم، ولم يقتصر ~~اتخاذها للزخرف في مصر وحدها بل إنها سرت إلى الأقطار التي كانت تجاور مصر في العهد القديم، ~~فوجد لها أثر في غالب فنون الأقطار الأخرى، وهذا الأثر كان على الدوام تابعا لما عرف ~~عنها في مصر، بحيث إن التنقيح الذي يأخذ به الرسام المصري كان ينقله عنه الرسامون في ~~الأقطار الأخرى. # وقد ظهرت هذه الزهرة في الزخارف القديمة أي قبل الأسر الفرعونية ثم في التيجان ورءوس ~~الأعمدة، وقد أكثر المصريون من التفنن في أوضاعها وهي مفردة أو مع ساقها أو كانت ترسم إلى ~~جوار زهرة البردي بحيث تتناوبان الزينة واحدة بعد أخرى. # واللوتس هو الذي يعرف باسم البشنين الآن أو أن هذا النبات نوع منه، أما البردي فلا ~~ينبت في مصر ولكنه منتشر الآن في أعلى النيل، والبردي هذا هو الذي كان يصنع من سيقانه ~~ورق الكتابة عند أسلافنا من وريقتين ملتفتي الأطراف اليمني واليسرى، وفي وسطهما وريقة ~~ثالثة كأنها ms45 ترى بأصول المنظور، فكان هذا الوضع في الزهرة أقرب إلى أن يجعلها شبيهة ~~بالزنبق، حتى إن كثيرا من العلماء في بادئ الأمر ظنها كذلك، ثم زاد المصريون على ذلك الوضع ~~بأن جعلوا الوريقة الوسطى أكثر من واحدة، وأن مدوها إلى أطول من الأخريات، وأكثروا منها حتى ~~أخذت شكل «المروحة». # ويمكن القارئ بالنظر إلى الصورتين الطبيعيتين لزهرة البردي وزهرة اللوتس في الرسم الأول ~~أن يميز الرسوم التالية فيجد فيها تنقيحا للأولى أو الثانية. # وقد وصف الأستاذان أحمد يوسف ويوسف خفاجي في كتابهما عن الزخرفة المصرية القديمة نبات ~~البردي بقولهما: # نبات ذو ساق طويلة قوية، تخرج في خطوط مستقيمة، بعكس ساق اللوتس القصيرة الضعيفة ~~... وتنتهي الساق بزهرة تتفتح بخيوط كثيرة صفراء تشبه «ذقن الباشا» أي زهرة اللبخ، ~~وقد تفنن المصري القديم في اتخاذ هذه الزهرة كوحدة زخرفية على أشكال شغلت مقدارا ~~عظيما من زخارفه. # ومن البردي صنع المصريون الورق، بشق السيقان إلى شرائح أخرى، في شكل الشبكة، ثم الضغط ~~عليها جميعا وهي خضراء، فيحصلون على صحيفة من الورق هو ما عرف بورق البردي. # وظهرت زهرة البردي في الزخارف المصرية، بجانب اللوتس، متمشية معها في كل أدوار تاريخها، ~~فهي قديمة ومألوفة كاللوتس سواء بسواء، وقد تراها مثلت دورا هاما في التاريخ المصري، منذ ~~أن جعلها المصريون القدماء رمزا على الوجه البحري، فكانت توضع مع اللوتس في عقدة بشكل خاص ~~لترمز معها إلى اتحاد الوجهين تحت حكم الملك. # وإذا نظرنا إلى شكل تلك الزهرة في الطبيعة وقارناها بشكل تلك الوحدة التي أخرجها ~~الفنان. # | إغريقيا المهد الثاني للحضارة # مصر هي المهد الأول للحضارة، هي التي اخترعت الزراعة واكتشفت المعادن ونحتت الحجر وشيدت ~~المباني، وأوجدت الأسس الأولى للدين والاجتماع والقانون، ولكن إغريقيا هي المهد الثاني ~~للحضارة، هي التي عممت التجارة والنقود وأقامت حكومة المدينة الديمقراطية بدلا من حكومة ~~القطر الأتوقراطية ووضعت الرأي فوق العقيدة وبدأت حركة التفكير الحديث. # حضارة الفراعنة هي حضارة الزراعة، وحضارة الإغريق هي حضارة التجارة. # للمصريين ديانة وعقائد جزمية، وللإغريق فلسفة وآراء فرضية. ms46 # ونحن حين نقرأ مخلفات المصريين القدماء نشعر أننا في عالم قديم لا ننفصل منه انفصالا ~~كميا فقط بل كيفيا أيضا، أما حين نقرأ مخلفات الإغريق فإننا نجد فيها روح العصر ~~الحديث، وليس في عصرنا الحاضر من النهضات الاجتماعية المختلفة ما لا نجد بذرته الأولى عند ~~الإغريق؛ فإن الحركة النسوية الحديثة والدعوة إلى الاشتراكية وتوحيد الأمم في حضارة واحدة ~~وتأصيل الإنسان بالتزاوج والديموقراطية والفاشية والبحث العلمي والمضاربة الفلسفية وحركة ~~العري والدعوة إلى الرياضة والجمال والرحلة من أجل العلم، كل هذا كان يعرفه الإغريق وقد ~~عقدوا له المناقشات الحادة ولكن مع عظم هذا الفرق بين المصريين والإغريق القدماء نجد حلقات ~~للاتصال تصل بين حضارتي مصر وإغريقيا. ~~••• # إن الذي يثبته التاريخ أن حضارة مصر القديمة دخلت الجزر الأيونية أو اليونان جملة مرات؛ ~~ففي المرة الأولى اكتسحتها الموجة الأولى التي خرجت من مصر في الدولة القديمة فعممت الآرام ~~التي بنيت محاكاة للقبور المصرية الفرعونية وانتشرت معها الزراعة واستنباط الذهب ~~والنحاس. # ثم خرجت موجة أخرى من مصر إلى كريت ثم إلى أوروبا أيام الدولة الوسطى وقد طغت هذه الموجة ~~على الجزر اليونانية كما طغت على أقسام مختلفة من أوروبا، وكان حظ هذه الجزر أكبر من غيرها ~~لقربها من كريت ولبنان حيث كانت جالية أو جاليات مصرية تقيم فيها وتتصل بالإغريق. # ثم جاءت الموجة الثالثة وهي أهم الثلاث أيام الأسرة السادسة والعشرين في عصر إبساماتيك بل ~~قبله وبعده، وهنا زاد الاتصال بين المصريين والإغريق حتى أنشئت مدن إغريقية في الأقاليم ~~الشمالية من مصر واتصلت التجارة بين القطرين حوالي سنة 700 قبل الميلاد، وأساطير الإغريق ~~تقول أن أسرة ملوكية مصرية كانت تحكم الإغريق أنشأها دانوس، وسواء أصحت هذه الأسطورة أم ~~لم تصح فإنها تدل على أن الإغريق كانوا يرون من الصلة بين القطرين ما يبررها. ~~••• # وليس هناك شك في أن رجال الفن والأطباء والفلاسفة الإغريق كانوا يحجون إلى مصر وينقلون ~~عنها، بل لقد دخل فيثاغورس في نظام الكهنة في طيبة وعاش في مصر أكثر مما عاش في ms47 وطنه، ~~والمشهور عن أفلاطون أنه زار مصر، ويعد طاليس أول فلاسفة الإغريق «600 ق.م.» وهو الذي يقول ~~إن الماء أصل جميع الأشياء كما كانت عقيدة مصر التي تنص عليها ديانة أوزوريس. # وقد نقلت الأرباب المصرية إلى إغريقيا، مثل الرب الراقص بيس، بل إن هيكات ربة السحر «عكاظ ~~العربية» الإغريقية مشتقة من لفظة هيكا المصرية بمعنى السحر، وقد نحت الجعل «الجعران» في ~~الجزر اليونانية على الطريقة المصرية، والتماثيل الإغريقية الأولى نحتت على النمط المصري: ~~الذراعان ترسلان والقدم اليسرى تتقدم قليلا على اليمنى. # وكثير من الأساطير التي ذكرت في إلياذة هوميروس يمكن الاهتداء إلى أصولها في القصص ~~القديمة. ~~••• # وكان من حظ الإغريق وهم في بداية نهضتهم أن اتصلوا بالمصريين في العهد الصاوي أي الأسرة ~~السادسة والعشرين؛ فإن هذه الأسرة عادت تصبو إلى الدولة القديمة، وتنقل مومياءات فراعنتها ~~من شمال الدلتا إلى مقابر الملوك عند الأهرام، وتنحت التماثيل على طريقة الفراعنة في عصر ~~الأهرام، وهذه الطريقة تشترط التزام الطبيعة دون تكلف القواعد الموروثة، وأخذ الإغريق بهذه ~~الطريقة وارتقوا بها إلى أن بلغوا الذروة في النحت. # والحضارة المصرية في عهد إبساماتيك كانت بعيدة بعدا عظيما عن حضارة الفراعنة أيام ~~الأهرام، فقد كان الملك حوالي سنة 3000 ق.م. زعيما للزراعة قبل كل شيء، أما حوالي سنة 600 ~~أو 700 ق.م. أيام إبساماتيك فقد استحال الملك للتجارة ولذلك فإن الحضارة الصاوية التي تذكر ~~في مصر حوالي سنة 7000 أو 6000 ق.م. هي المهد الطبيعي للحضارة الجديدة الإغريقية. ~~••• # تعددت الطرق التي انتقلت بها حضارات مصر إلى إغريقيا، ولكن ليس شك في أن جزيرة كريت كانت ~~أعظم هذه الطرق، فإنها تقع بين بلادنا وبين شبه الجزيرة، وإذا نحن تعمقنا قليلا في بحث ~~الآثار في كريت ألفينا البراهين القاطعة على أن كريت كانت عيالا على مصر في كل ما ~~عرفته من حضارتها المينوية كما يسميها السر آرثر إيفانز. # وأول ما يستغرب في هذه الجزيرة أنه ليس فيها ما يدل على أن سكانها عاشوا في العصر الحجري؛ ~~فإن أول السكان ms48 عرفوا الزراعة، وهذا يدل على أن الجزيرة لم تكن مسكونة مدة العصر الحجري ~~القديم وأن الناس رحلوا إليها على السفن، ولما كان المصريون هم الذين اخترعوا السفن ~~والزراعة فإن المعقول أنهم هم أيضا الذين رحلوا إلى كريت وسكنوها لأول عهدها بالإنسان ~~ونقلوا معهم الحضارة الزراعية. ~~••• # والإغريق يذكرون مينو كأنه أسطورة قديمة في كريت، ولكن أبحاث السر إيفانز قد أثبتت أن عصر ~~مينو هو الثمرة اليانعة لحضارة قديمة مضى عليها أكثر 2000 سنة وصلت كريت من مصر حوالي سنة ~~3500 قبل الميلاد وقبل الأسرة الفرعونية. # وقد وجدت أسلحة من النحاس وآنية من المرمر، إما أنها قد استوردت من مصر قبل عهد الأسر ~~وإما أن الجاليات المصرية قد صنعتها في هذه الجزيرة. ~~••• # ومما يلاحظ مع الاستغراب أن المصريين كانوا يرسمون الزنوج والحيثيين وغيرهم من أبناء ~~الأقطار الأجنبية كأنهم أجانب يراد تهزئتهم، أما الكريتيون فكان المصريون يرسمونهم كما ~~يرسمون أنفسهم بدون هذه النزعة الكاريكاتورية، مع تخفيف ألوانهم. # وملابس الكريتيين تشبه كل الشبه ملابس المصريين قبل عهد الأسر، وشعر المرأة يضفر ويرسل ~~على الظهر كما كان الشأن عند النوبيين. # وهناك أداة لها قيمة في الشعائر الدينية هي الفأس المزدوجة، وقد وجدت لهذه الغاية في كل ~~من مصر وكريت، كما أن العجل قدس فيها، والصليب المصري القديم «أنخ» قد عرف في القطرين ~~أيضا. ~~••• # ومن أعجب ما يروى في تاريخ كريت أن الانحطاط كان يصيبها على الدوام عقب الانحطاط الذي ~~كان يصيب مصر، وحينما تكون في مصر نهضة تكون أيضا في كريت نهضة لأن الارتباط كان قويا ~~بينهما والتجانس في الحضارة تاما والعلاقات متصلة، وبين كريت وبين إغريقيا عشرات من الجزر ~~وقد وجد في واحد منها وهي سفنوس قدور عليها رسم سفينة مصرية، ومثل هذا الرسم وجد أيضا في ~~نقادة بالوجه القبلي. # ويمكن أن نزيد من الأمثلة للدلالة على أن حضارة مصر التي استقرت في كريت قد انتقلت إلى ~~الجزر اليونانية ومنها إلى شبه الجزيرة في الثلاثة الآلاف من السنين التي سبقت الميلاد ~~المسيحي، وزاد هذا ms49 الانتقال قوة أيام العصر الصاوي في حكم إبساماتيك وبعده. ~~••• # وكما أن حضارة مصر القديمة تفشت في العالم القديم وخرجت موجات متوالية إلى جميع أنحاء ~~العالم وفي عصور مختلفة كذلك تفشت حضارة الإغريق بعد ذلك، وأثر هذه الحضارة لا يزال ~~واضحا في البوذية التي يؤمن بها مئات الملايين من الأسيويين، كما يتضح أيضا في ملابس ~~المتوحشين في أقصى حدود آسيا فإن كساء الرأس الذي نعرفه عن بركليس يتخذه المتوحشون الآن في ~~بعض أنحاء آسيا. # وتفشي الحضارة الإغريقية هو برهان غير مباشر على تفشي الحضارة المصرية القديمة؛ فإن ~~الإنسان ليس حيوانا مدنيا بالطبع وإنما هو يتمدن بالتطبع، والظروف التي تبعث على إيجاد ~~حضارة جديدة قليلة جدا وهي لا توجد في كل قطر، فليس في كل قطر «نيل» يعلم الناس الزراعة ~~ويجبره على تعلمها. # واختراع النقود الذي جعل التجارة تنتشر أيام الإغريق وتنشئ حضارة جديدة هي حضارة المدينة ~~المستقلة لا يمكن أن يتكرر في كل زمان أو مكان. # وحسبنا أن نتأمل في هاتين الحقيقتين البارزتين أمام أعيننا وهي كيف أن الثقافة المسيحية ~~انتشرت في القارات الخمس، وكيف تم ذلك أيضا للثقافة الإسلامية؛ فإن ثقافة مصر القديمة قد ~~وصلت إلى أمريكا الجنوبية والوسطى على نحو ما وصلت الثقافة الإسلامية جزر فيليبين في المحيط ~~الهادي مع أنه لم يمض على الإسلام سوى نحو 1300 سنة، في حين أن تاريخ الحضارة المصرية ~~القديمة لا يقل عن 6000 أو 7000 سنة قبل الميلاد. # | التضحية البشرية قبل عهد الفراعنة # ليس الانفصال القائم الآن بين الملوكية والألوهية قديما؛ فإن الاثنتين كانتا في بداية ~~التاريخ متصلتين موحدتين، فقد كان الملك هو الإله والإله هو الملك، بل هذا هو الحال القائمة ~~الآن في اليابان فإن الإمبراطور هناك إله اليابانيين الذي يجب أن يعبد، وكان الفراعنة آلهة ~~مصر، وكلنا يذكر كيف أن الإسكندر المقدوني حين قدم إلى مصر رحل إلى واحة سيوة حيث أقيمت له ~~الشعائر التي جعلته ابنا للإله أمون، ولم يكن الإسكندر حين تجشم السفر إلى هذه الواحة ~~وقطع الصحراء ms50 يمزح أو يخدع المصريين أو الإغريق، بل الحقيقة أنه كان يؤمن بأنه ابن الإله ~~وأنه أصبح بما أقيم له من الشعائر في المعبد في عداد الآلهة. ونحن نستبعد هذه الفكرة عن ~~أذهاننا لأننا نشأنا في القرن العشرين، وفكرة الألوهية مجردة عندنا عن المادة ولكنها لم تكن ~~كذلك قبل 2500 سنة سواء في مصر أم اليونان، وكان الملوك آلهة كما كانوا أبناء الآلهة، ~~والسمات والأخلاق البشرية واضحة كل الوضوح في آلهة الإغريق. # فإذا كانت هذه حال الناس قبل 2500 سنة وفي أيام الإسكندر وحضارة الإغريق فكيف كانت حالهم ~~قبل 7000 سنة حين كانت الأفكار والعقائد في طور التكون واللغة ناقصة عن التعبير ولفظة الملك ~~ترادف لفظة الإله؟ # إننا حين نقول إن المصريين أصل الحضارة يجب أن نتخيل هذا الشعب المصري وهو يجاهد الطبيعة ~~ويحتال على فهم الدنيا بأفكار بدائية لا تسعف على التفكير الناضج، وأنه جاهد آلاف السنين ~~قبل أن يصل إلى عهد الفراعنة؛ فالملك مينا ليس أول الملوك بل لعله قد سبقه نحو مئة ملك أو ~~أمير مهمته الأصلية أن يكثر من المحصولات ويمنع المرض والموت عن الأمة، فإذا كثر الوباء في ~~أفراد الأمة وتفشى المرض والموت، أو إذا أمحل المحصول عزي ذلك إليه لأنه هو الإله المتصرف ~~بالبلاد. # فما هو منطق هذه الحال عند المصري البدائي قبل عهد الفراعنة وما هي نتيجة هذا ~~المنطق؟ # هو أن الملك أي الإله ما دام في صحة تامة وله من شبابه قوة وعافية فإنه سيحتفظ بهذه ~~الصفات للأمة التي يحكمها كما يحتفظ بها للمحصولات، أما إذا نشب به المرض أو اعتراه الضعف ~~أو حلت به الشيخوخة فإنه لن يقدر على أن يكسب أمته صحة أو المحصولات وفرة؛ وإذن يجب أن ~~يقتل لكي يتولى العرش غيره من الشبان الأقوياء الأصحاء. # ولم نجد في مصر ملكا مقتولا لأننا لم نجد ملوكا قبل الفراعنة، ولكنا نستنتج هذا القتل ~~من جملة أشياء: # أولا: # أن الرواية المصرية القديمة تقول إن الرب أوزوريس قد قتل، وكان عيده ~~السنوي ينحصر ms51 في موته ثم قيامه من بين الأموات ... وهذا الرب كان لا بد ملكا ~~من ملوك مصر قبل الفراعنة. # الثاني: # أن عادة قتل الملوك تفشت من مصر إلى الأمم الأخرى في الطور الأولى من ~~الحضارة المصرية، وقد كان ملوك إثيوبيا يقتلون إلى عصر الرومان . # الثالث: # أن قتل الملوك كان جاريا إلى عهد قريب في السودان، وكان الملك إذا أحس ~~بالضعف رضي بالقتل حتى لا يصيب الضعف شعبه؛ إذ هو المسئول عن الزارعة وعن ~~صحة الشعب. # الرابع: # أن التضحية البشرية مورست في عهد قديم في مصر، ثم ترقى الشعب، ولكن ~~أحد الحكام المصريين في السودان عاد إليها فوجدت الضحايا البشرية في ~~قبره لأن الوسط السوداني الذي كان يعيش فيه لم يكن متدرجا في الرقي مع ~~الحضارة المصرية بل وقف عند طورها الأول. # الخامس: # أن مانيتو المؤرخ المصري ذكر أن المصريين كانوا يحرقون رجلا أصهب الشعر ~~ثم يذرون رماده، وأن هذه التضحية البشرية كان يضحى بها على قبر ~~أوزوريس. # وتفسير هذه التضحية أن أوزوريس هو رب القمح، والقمح أصفر أصهب فالرجل الأصهب يمثل أوزوريس ~~الذي كان ملكا وربا وقتل من أجل الزراعة. # فالمصريون عرفوا التضحية البشرية - قبل عهد الفراعنة - في الملوك، وعرفوها بعد الفراعنة ~~في أفراد آخرين، ولن نكسب مجدا بأن ندعي أن أسلافنا لم يعرفوا التضحية البشرية وأنهم ~~كانوا أعمق ذهنا وأسمى عواطف من ارتكاب هذه الجناية؛ فإنهم كانوا مبتدئين يتحسسون العقائد ~~والآراء لزيادة صحتهم ووفرة محصولاتهم، وقد هداهم ذهنهم إلى أن الملك هو المسئول عن الصحة ~~والبركة، فإذا أهمل وجب قتله، ثم أذاعوا هذه العقيدة في أنحاء العالم حتى لقد نرى لها أثرا ~~في أوروبا نفسها الآن حيث تقام حفلات تومئ إلى قتل الإله أي الملك، وملوك السودان وهم أقرب ~~الملوك المتوحشين إلينا مارسوا هذه العادة وربما لا يزال بعضهم يمارسها إن لم تكن الحكومات ~~الأوروبية قد منعتها، وكتاب الغصن الذهبي الذي ألفه فريزر يقوم على هذا الأساس وهو قتل ~~الملوك. ~~••• # أما كيف تخلص المصريون من هذه العقيدة السيئة وكفوا عن ms52 قتل ملوكهم فلسنا نعرف على التحقيق ~~الدرجات التي ارتقوا عليها، ولكنا نجد أيام الفراعنة أنهم اهتدوا إلى طريقة لرد الشباب إلى ~~الملك في الشعيرة الخاصة برمي السهام عن القوس إلى الجهات الأربع، وفي التتويج حين يتخذ ~~الملك لباسا وتاجا وتقام له صلوات وتؤدى شعائر، وحفلة التتويج هذه هي نفسها التي ترى إلى ~~الآن في زواج الأقباط؛ فإن العروسين يمنحان حياة جديدة أساسها الصلوات والأدعية والشعائر ~~التي تؤدى لهما وهما في ملابس وتيجان ملوكية، والمعقول أن تنتقل هذه الحفلة من الملوك إلى ~~الخاصة ثم إلى العامة. # والملك القديم حين كان يعبد من أفراد الشعب لم تكن العبادة لشخصه كأن له فضلا على ~~الأمة، بل كان خدمة من هؤلاء الأفراد له حتى تعود إليه الصحة لكي تنتقل منه إلى الأمة ~~والمزروعات. # | قصة الرب أوزوريس # الأساطير القديمة هي التاريخ المزخرف، وهي تقوم على حقائق زينها الخيال أو شوهها الخوف، ~~ولكن المتأمل لها في ضوء البيئة الجغرافية والتاريخية يستطيع أن يجد الحقائق من أوهام ~~الخيال والخوف، وفي أسطورة الرب أوزوريس حقائق كثيرة تجعلنا نقف على نشأة الحضارة في مصر، ~~ومن هذه الأسطورة يمكننا أن نخرج بهذه النتائج الثلاث: ~~(1) # أن المصريين قتلوا ملوكهم الأولين. ~~(2) # أن الألوهية الأولى عندهم نشأت من الملوكية واندغمت الاثنتان. ~~(3) # أن المهمة الأولى للملك والإله في الحضارة المصرية الأولى كانت الزراعة ~~والخصوبة والتقويم الزراعي. # وقد كتب كثيرون من الكتاب الإغريق المتأخرين مثل فلوطرخس قصة أوزوريس، ولا بد أن فلوطرخس ~~اعتمد فيما كتبه على بعض المصادر المصرية، وقد وجد في أسلافنا ما يؤيد كثيرا مما قاله، ~~وهذا الذي نذكره فيما يلي لخصناه عن جملة فصول في «الغصن الذهبي» لفريزر. # وأوزوريس هو أقدم الأرباب المصرية وأحبها إلى قلوب المصريين القدماء، ويؤثر عنه أنه هو ~~الذي أضاف الأيام الخمسة أو الستة على السنة القبطية لكي تصبح سنة شمسية؛ وذلك أن السنة ~~المصرية القديمة كانت قمرية كل شهر منها ثلاثون يوما كما هو الشأن عند جميع الأمم ~~البدائية، ولكن هذه السنة القمرية لا توافق الزراعة لأن ms53 الأشهر لا تتفق ودورة الأرض حول ~~الشمس، والمأثور أن أوزوريس هو الذي أضاف هذه الأيام الخمسة أو الستة لكي تلاءم ~~الزراعة. # ويؤيد ذلك أن التقاليد تقول إنه ولد في أول يوم من هذه الأيام التي تعرف للآن باسم ~~أيام النسيء وقد سمع صوت عظيم يدوي في أنحاء البلاد وقت ولادته يقول «ملك عظيم قد ولد» هو ~~أوزوريس. # وتزوج أوزوريس أخته أسيس على نحو ما كان يفعل الفراعنة، ثم تولى الحكم ملكا على الأرض ~~وأخرج المصريين من البداوة وسن لهم القوانين وعلمهم عبادة الآلهة، وتزيد الأسطورة على ذلك ~~زيادات منها أن المصريين كانوا يأكلون البشر، ولكن أسيس في جولاتها في البرية أو الغابة ~~اكتشفت القمح والشعير وعلم أوزوريس المصريين زراعتهما فكفوا عن أكل البشر، وكذلك علمهم ~~جني الأثمار من الشجر وربى الكرمة على العريش وداس الزبيب والعنب لاستخراج الخمر. # ثم شعر أوزوريس بحاجة العالم كله إلى هذه البركات فترك الحكم لأخته وزوجته أسيس في مصر، ~~ثم خرج فجاب أنحاء العالم ينشر الزراعة والحضارة، وكان يعلم الناس استخراج الجعة من الشعير ~~إذا وجد أن الأرض لا تصلح لغرس الكروم. # ومن هذه الخلاصة يدرك القارئ أن أسلافنا كانوا يعرفون ما اهتدى إليه العلماء المصرلوجيون ~~الآن وهو أن أسلافهم قد اخترعوا الزارعة ونشروها في أنحاء العالم. ~~••• # وتستطرد الأسطورة إلى ذكر الغيرة التي دبت في صدر سيت «شيت» شقيق أوزوريس، فقد غار منه ~~وحسده على المكانة التي بلغها، ففكر في هلاكه وذلك بأن عمد إلى أوزوريس فقاس جسمه طولا ~~وعرضا ثم صنع نعشا على هذا القياس، ودعاه إلى الشراب مع بعض الإخوان، وقعد الجميع يأكلون ~~ويشربون ويقصفون، وعندئذ أحضر سيت النعش أو الصندوق، ونهض كل منهم يقيس الصندوق على جسمه ~~فلا يجد أنه يوافقه، وأخيرا نهض أوزوريس وفعل فعلهم فحواه الصندوق وهب عندئذ سيت فألقى ~~الغطاء عليه ودقه ولحمه بالرصاص المصهور ثم حمل الصندوق وألقاه في النيل. # وبلغ الخبر أسيس زوجته وأخته فجزت خصلة من شعرها واتخذت الحداد وسارت على شاطئ النيل ~~تجوبه لكي تهتدي ms54 إليه، وقادها السير إلى الوجه البحري حيث مناقع البردي وكانت في صحبتها سبع ~~عقارب، ووقعت على الأرض منهوكة من الإعياء أمام كوخ تسكنه امرأة فقيرة، وهي كذلك وإذا بعقرب ~~من هذه العقارب قد تركتها ودخلت الكوخ متسللة إليه من تحت الباب فوجدت ابن هذه المرأة ~~فلسعته وقتلته، فصرخت الأم وولولت فالتفتت أسيس ونهضت إليها ووجدت الطفل المقتول فرقته رقية ~~ردت إليه الحياة. # وفي هذه الأثناء تلد أسيس ربا صغيرا فتسميه هورس، فتخفيه عن عمه لأنها تعرف ما ينطوي ~~عليه من النية السيئة لابن أوزوريس، ولكن إحدى العقارب تلسع هورس، وتحاول أسيس أن تبرئه من ~~السم فتستجير بالرب رع الذي يستجيب لندائها فيبعث إليها بالرب توت الذي ما زلنا نحفظ اسمه ~~في شهورنا القبطية فيلقنها رقية تعيد بها الحياة للموتى، ويحيا هورس. ~~••• # ويكون الصندوق الذي يحوي جسم أوزوريس قد حمله التيار في النيل إلى أن خرج به إلى البحر ~~المتوسط، فما يزال تتخبطه الأمواج إلى أن بلغ بيبلوس على شواطئ سوريا، وهناك تنبت عليه شجرة ~~يراها الملك فيعجب بها. # وتعرف أسيس أن الصندوق وصل إلى بيبلوس فتهرع إليها وتقعد هناك إلى جنب بئر، فتأتي خادمات ~~القصر ووصيفات الملكة فترى أسيس قاعدة ولها عطر يفوح وعلى رأسها شعر مرجل يأخذ العين، ~~فيذهبن إلى الملكة ويخبرنها فتدعوها الملكة لكي تزينها، وهناك تغري الربة أسيس ملكة بيبلوس ~~لكي تطلب من زوجها أن يقطع جزع الشجرة الذي نبت فوق الصندوق ويضعه في المعبد، وتقول ~~الأسطورة إنه إلى الآن لا يزال هذا الجزع يعبد في بيبلوس. # ولما رفع الجزع ظهر الصندوق فأخذته أسيس وأبحرت به في زورق، ولما بعدت عن الشاطئ فتحت ~~الصندوق وضمت جثة زوجها أوزوريس على صدرها وقبلته وبكت وبقيت على ذلك إلى أن بلغت مصر، ~~وهناك تذكرت ابنها هورس فتركت الصندوق وقصدت إلى ابنها لكي تراه. # ولكن سيت عرف أن الصندوق قد ترك وهو وحده ليس من يحرسه، فقصد إليه وأخرج الجثة ومزقها ~~حتى صارت أربعة عشر شلوا، وأخذ الأشلاء فوزعها في أمكان ms55 مختلفة من النيل، وبلغ الخبر أسيس ~~فسارعت وصنعت لنفسها رمثا من البردي وسارت به في النيل تجمع الأشلاء، ولأن أسيس ركبت ~~رمثا من البردي تقول الأسطورة إن المصريين لا يزالون إلى الآن آمنين من التماسيح إذا ~~ركبوا أرماث البردي في النيل. # وجمعت أسيس الأشلاء وصارت تدفنها شلوا بعد شلو في بلاد مصر، ومن هنا السبب في أن للرب ~~أوزوريس قبورا مختلفة متعددة في أنحاء مصر. ~~••• # هذه أسطورة الرب أوزوريس كما رواها كتاب الإغريق، وقد وجد في معبد دندرة ما يؤيدها، وتزيد ~~الآثار على ذلك بأن الرب رع هو الذي يجمع أشلاء أوزوريس والربة أسيس هي التي تنفخ فيه ~~الحياة فيحيا ولكن في العالم الثاني. # وتمثال أوزوريس لهذا السبب يصنع بهيئة المومياء أي الجثة المحنطة الملففة بالأقمشة، وعلى ~~رأسه تاج وفي يده صولجان، وكان كل ميت عند المصريين القدماء يسمى أوزوريس وكان كل ميت ~~يكتب له الخلود ما دام محنطا. ~~••• # هذه خلاصة القصة أو الأسطورة، وهي تدل على أن أوزوريس كان ملكا له تاج وصولجان، وأنه ~~قتل لأنه خشي عليه من الشيخوخة أو المرض إذ هو الذي يحدث الخصوبة في الأرض فما دام ~~شابا فهو قادر على إحداث الخصوبة، أما إذا أسن وشاخ فإن القحط يصيب الأرض، وإذن ~~قتل لكي يتولى مكانه شاب آخر. # أما أن أشلاءه دفنت في أمكنة مختلفة في أنحاء مصر فذلك لاعتقاد آخر وهو أنه كان يتجسد في ~~الزرع، وقد سرت هاتان العقيدتان في أنحاء العالم من مصر؛ أي قتل الملوك والتضحية البشرية ~~بدفن أشلائها في أمكان مختلفة لكي تتجسد في الزرع، وقد ذكر المؤرخ المصري مانيتو (أيام ~~البطالسة) أن أسلافه كانوا يضحون كل عام برجل أصهب الشعر (في لون القمح) أيام الحصاد حتى ~~يكثر المحصول، وكان المصريون في حصاد القمح ينوحون ويولولون، وهذا مستغرب لأول وهلة لأن وقت ~~الحصاد يجب أن يكون وقت فرح، ولكن هذا النواح كان معللا بقتل الرب أوزوريس الذي يمثله ~~الرجل الأصهب. # وربما تكون «عروس النيل» أي التمثال الذي يصنع على هيئة ms56 إنسان ثم يلقى في النيل يمثل ~~أوزوريس من حيث إنه رب الزراعة إذ كان يوضع في رأس هذا التمثال عود من الذرة. # | حكم أمينوموب # معظم الأمثال والحكم الشائعة عند الأمم القديمة ومعظم الأساطير تعود إلى أصل مصري صريح أو ~~منقح؛ فإن الكلمة العربية التي اختلف فيها بعض الكتاب وهي «القتل أنفى للقتل» قد أثبت ~~الأستاذ عبد القادر حمزة أنها مصرية قديمة، وقصة الطوفان التي روتها التوراة حافلة بالألفاظ ~~المصرية التي تنم عن أصلها حتى لفظة الطوفان نفسها مصرية وليست عبرية، وكثير من قصص هوميروس ~~اليوناني يعود إلى أصل مصري، وفي حكم أمينوموب التي تعود إلى القرن العاشر قبل الميلاد نرى ~~أن إدراك المصريين للضمير والشخصية قد بلغ القمة، ونعني هذه الحكم التي ترجمت إلى ~~العبرانية وكانت ينبوعا عظيم الخطر لكتاب الأمثال، ومقابلة بسيطة لحكم أمينوموب وللأمثال ~~التي تعزى إلى سليمان الحكيم تتبين لنا هذه الحقيقة في وضوح وجلاء: # حكم أمينو موب # الأمثال # أمل أذنك لتسمع تعليمي وهيئ قلبك لفهمها ومن المنفعة أن تضعها في قلبك ~~والويل للذي يخالفها. # أمل أذنك واسمع كلام الحكماء، ووجه قلبك إلى معرفتي؛ لأنه حسن أن حفظتها في ~~قلبك. # لا تزل معالم الحدود في حقل، ولا تكن جشعا في سبيل ذراع من الأرض، ولا ~~تتعد حدود أرملة. # لا تنقل التخوم القديم، لا تدخل حدود الأيتام. # لا تتعب نفسك في طلب المزيد، إذ تكون حاجتك مقضية. # لا تتعب نفسك لكي تصير غنيا، هل تطير عينيك نحوه وليس هو. # إذا كانت الثروات تأتيك بالسرقة فلن تمكث معك أثناء الليل، حينما يأتي الصباح ~~لن ترى لها أثرا؛ إذ إنها صنعت لنفسها أجنحة كالأوز وطارت إلى السماء. # لأنه إنما يصنع لنفسه أجنحة كالنسر يطير إلى السماء. # ومن هذا العرض السريع للنصوص المتقدمة نتبين نشوء الأخلاق والشخصية عند قدماء المصريين، ~~وأن هذا النشوء كان مبعثه الاختبار والتجربة الاجتماعية، هو وضع الهيئة الاجتماعية الذي صنع ~~كل هذا وهذا النظر إلى الأمور يفيدنا في أمرين: الثقة بالإنسان وبالقوة الكامنة فيه، والأمل ~~في مستقبل ms57 الإنسانية وبعث النشاط الفكري للبحث الحر والنظر المطلق إلى الحياة فدراستنا إذن ~~لتاريخ مصر القديمة هي في الواقع دراسة إنسانية قبل أن تكون دراسة قومية، وفي هذه الدراسات ~~قد رأينا إلى أي حد بلغت العبقرية الإنسانية في الشعب المصري القديم، وإلى أي حد اندس هذا ~~العقل المصري في الإنسانية كلها فملأها وطغى عليها وطبعها بطابع ظاهر أو خفي نحن الآن ~~خليقون أن نتلمس معالمه في كل مكان. # وإذا كان هذا هو شأن العقل المصري فلنا نحن الآن أن نستعيد الثقة بعبقريتنا الكامنة، وأن ~~نضع نصب أعيننا أن العقل المصري الحديث جدير بأن يأتي بما أتى به العقل المصري القديم من ~~المعجزات، فهذا الوجدان الإنساني الذي أشرق نوره في مصر إنما فتنته العناصر المصرية ~~الصميمة، فهو نتاج النيل المصري، وهو نتاج هذه الأرض السوداء الممتدة على جانبيه، وهو نتاج ~~هذه الشمس السافرة، هذه السماء الصاحية الضحوك. # كل هذه العناصر التي نضج بين أحضانها الوجدان الإنساني لم تتغير عما كانت عليه، إذا عرفنا ~~هذا كله وعرفنا أن الدم الذي يجري في عروقنا نحن المصريين المحدثين إنما هو دم أجدادنا ~~العظام؛ أمكننا حينئذ أن نقول إن العبقرية كامنة فينا ستتفجر من جديد يوما ما، وغاية ما ~~نحتاج إليه هو أن نفلح الحديقة كما يقول فولتير. # | الماء أصل الحياة # ليس عبثا أن يسمي العرب مني الرجل ماءه، وليس عبثا أن يشتق العرب الحياة من الحيا وهو ~~فرج المرأة، وليس عبثا أن يشتقوا الروح من الريح والنسمة من النسيم والنفس من النفس، ~~فإن العرب كانوا أمة بدائية، واللغة العربية لا تزال مع بقائها حية إلى الآن تحمل بين ~~ألفاظها ما يدل على العقائد الأولى، كما بقي الحجاب بين نساء العرب يدل على العقيدة ~~البدائية وهي أن المرأة ضعيفة يجب أن يتوقاها الرجل وينفصل منها ويجعل لها حرما خاصا ~~لئلا تنقل عدوى الضعف منها إليه فيضعف هو أيضا. # ولننظر في هذه الألفاظ التي ذكرناها في ضوء الثقافة القديمة؛ فإن الإنسان الأول لم يكن ~~يعرف أن الأبوة ms58 ضرورية للتناسل فكان يحسب أن المرأة هي الأصل الوحيد للولادة، وما دام الطفل ~~ينزل منها فحياها هو الأصل للحياة؛ ولذلك أصبح الفرج أي الحيا رمزا لطول العمر، ولما كانت ~~الودعة تشبهه صار يجمع الودع ويحمله لكي يطيل عمره ويخصب زرعه، فعل ذلك كله قبل أن يعرف ~~الحضارة، فلما عرفها واهتدى إلى الذهب صار يصوغ الذهب في هيئة الودع، وعندئذ انتقلت خاصة ~~الودع إلى الذهب فصار يطلب لذاته. # ولا يحتاج القارئ إلى توضيح العلاقة بين الروح والريح ... إلخ؛ فإنها واضحة لأن الإنسان ~~البدائي كان يضع يده على فم الشخص وقت النزع، فإذا انقطع الريح فقد خرجت الروح؛ فهذه اللفظة ~~تحريف من تلك. # أما الذي يحتاج إلى بعض الشرح فهو نظرة المصري القديم للماء، فقد رأى من فيضان النيل أنه ~~يعم البلاد ويخرج الزرع فاعتقد أنه الأصل لهذه الحياة النباتية، لهذه البركات العميمة التي ~~يتزود منها بالطعام والكساء. وكلنا يعرف أن الأمم القديمة كانت تعد الماء ضروريا للطهارة، ~~حتى الهندي لا يزال يتطهر بالنزول في نهر الكنج، وإذا مس الإنسان نجاسة تطهر منها بالماء، ~~وليس التطهر لأجل النظافة لأن الغاية صوفية وليست مادية. # اعتقد المصري القديم أن الماء هو الذي يبعث الحياة في الحبة فتنبت، فلما صار يجفف الجثة ~~بالتحنيط احتاج إلى أن يرد إليها الحياة بالتطرية، ووسيلة التطرية هي الماء؛ لأن المومياء ~~كانت بعد عملية التحنيط المادية تحتاج إلى صلوات وأدعية وحركات ترد إليها الحياة في العالم ~~الثاني، فكانت تطريتها بالماء إحدى هذه الشعائر. # وذلك أن المومياء جسم جاف ميت، بل هو «أموت» من الميت، فلكي تكتسب طراءة الجسم الحي يجب ~~أن تبلل وتحرك فتثنى الساقان ويحنى الظهر ويرد الرأس للوراء والأمام وترفع اليدان إلى ~~آخر هذه الحركات التي كان يظن المصري القديم في سذاجته أنه يرد بها الحياة إلى المومياء، ~~وهذه الوسائل التي عرف المصري القديم أو اعتقد أنها ترد الحياة إلى المومياء عاد بمنطق ~~أناني ساذج يستعملها في نفسه، فصار يسكب الماء على جسمه ويحرك ساقيه ويحني ساقيه ويرفع ms59 يديه ~~لكي يطيل عمره أو يجدد شبابه، وهذا كله هو أصل الصلاة عند المصري القديم؛ فإنه لم يكن يقصد ~~منها إلى أن يتوسل إلى الرب رع أو الرب أوزوريس، وإنما كان يرى فيها تعويذة أو تعاويذ ~~لإطالة عمره وتجديد شبابه، وقد كان هذا بالطبع قبل أن تستقر عبادة الآلهة، فلما استقرت تطور ~~هذا التطور وأصبح يقوم بكل ذلك توسلا للآلهة. # هذا هو الأصل للميزات التي عزيت إلى الماء في إزالة النجاسة عند المصريين القدماء؛ ~~لأن إزالة النجاسة هي صيغة أخرى لإطالة العمر وزيادة البركات والغلات التي يأتي بها النيل ~~فيحدث الحياة في حبة القمح الميتة، وتحريك أعضاء مومياء هو الأصل لحركات الصلاة عند ~~الفراعنة، وقد استحال تقديم الطعام لمومياء في البر إلى قربان مقدس في المعبد. # وقد عرف المصري البخور، استعمله أولا عند تمثال الميت؛ فإن هذا التمثال حجر جامد، وهو لا ~~يكتسب الحياة إلا بعد عمليات تشبه تلك التي كانت تستعمل مع المومياء، ولكن المومياء يمكن ~~تحريك أعضائها أما التمثال فليس كذلك، فكان المصري القديم يشعل المر والمصطكي وغيرهما فيخرج ~~بخارهما أو «بخورهما» على التمثال فيكسبه من الدفء والعرق ما يجعله شبيها بالجسم الحي، ومن ~~هنا أصبح للبخور قيمة في المعابد المصرية، وما زلنا نستعمله في الرقى لكي يرد العين وينفي ~~الشر، والأصل رد الحياة أو إطالة العمر. # | قيمة الحضارة المصرية # هذا هو آخر حديثنا عن هذا الموضوع الذي يشغل بال المؤرخين ويقلب نظرياتهم ويجعل مصر ~~مركزا للحضارة البدائية الأولى، وحديثنا هذا هو أطيب الأحاديث يغذو عقولنا بما فيه من ~~حقائق تبين لنا تطور الاجتماع ونشأة العادات التي لا نكاد نفهم لها أسبابا معقولة لولا ~~الرجوع إلى مصر، وهو يغذو قلوبنا لأنه يضع آباءنا الفراعنة على قمة لم تتطاول إليها أمة من ~~الأمم إذ قد سجل فضل تحضيرهم للناس وإخراجهم من بداوة العصر الحجري إلى عصر الزراعة. # هؤلاء الفراعنة، هؤلاء الآباء هم فخر الإنسانية وسوف يذكرون بالإعجاب بعد آلاف ~~السنين، وسوف تذكر مصر بأنها القطر الوحيد الذي نشأت فيه ms60 الحضارة الأولى وعلمت الناس ~~الدين والقوانين والفنون ومبادئ العلوم، وشعب مصر القديم الذي أسدى إلى الإنسانية هذا الفضل ~~هو من السلالة الميديترانية؛ أي تلك التي عاشت حول البحر المتوسط بشواطئه الأربعة سواء في ~~أفريقيا أم آسيا أم أوروبا، ولا يزال أبناؤها حول هذا البحر، وربما يزداد عددهم وتنساح ~~سلالتهم حتى تبلغ الحبشة أو اليمن في الجنوب أو أوروبا الوسطى في الشمال. # وعرفت مصر أو اخترعت فن الملاحة من أزمنة قديمة قبل عهد الأسر، واستطاعت لهذا السبب أن ~~تنشر الحضارة الأولى حول هذا البحر وفي جزره، ولم يكن المصريون يجدون في الأمم البدوية التي ~~تعيش حوله ما يدل على أن هذه الأمم تخالفهم، إلا القليل من خفة اللون في الأمم الشمالية، بل ~~الأرجح أن اللغات أو اللهجات التي كانت سائدة حول شواطئه كانت متقاربة، وهذه الوحدة في ~~السلالة والتقارب في اللغة شجعا المصريين على الهجرة فاستعمروا كريت وانتشروا منها ~~يبحثون عن الذهب والعقاقير والجواهر لكي يحصلوا على المواد التي تتصل بالتحنيط ~~والدفن. # ظروف متجمعة، شعب ذكي من سلالة قوية الأجسام قوية الأذهان إلى نهر يفيض بميعاد فينبت ~~النبات كأنه يريد أن يعلم الناس، إلى بحر كأنه البحيرة التي يعيش حول شواطئها أفراد سلالة ~~واحدة، والبحر بفضل اليابسة من حيث التنقل، لهذه الظروف ظهرت الحضارة في مصر وانتشرت حول ~~البحر المتوسط وفي جزره، وإذا كانت هذه الحضارة الأولى لم تتوغل في أوروبا فلأنها لم تكن ~~ملائمة للمناخ البارد، ولأن وسط أوروبا كانت تقطنه سلالة أخرى هي السلالة الألبية التي ~~تستدير رءوس الأفراد فيها وهذا بخلاف السلالة الميديترانية التي تستطيل رءوس ~~أفرادها. ~~••• # ويمكننا الآن أن نثق أن المؤسسات الاجتماعية الأولى إنما نشأت في مصر ونقلتها الأمم ~~الأخرى عنها إما بهجرة المصريين إلى هذه الأقطار البعيدة وإما عن سبيل آخر لأن النقل يمكن ~~أيضا عن ناقل بعد ناقل، وليس ضروريا أن يكون المصري بالذات هو الذي علم الأمريكيين أو ~~الأستراليين مبادئ التحنيط، وكذلك يجب ألا ننسى أن الفينيقيين حين استعمروا إسبانيا ~~ووصلوا إلى إنجلترا ms61 إنما كانوا يبنون كلما حلوا أو رحلوا مبادئ الحضارة التي تعلموها من ~~مصر. # وبذلك يمكننا أن نثق أن عادات «المتوحشين» وما يذكر عن الطبو والطوطم وما يعرفون من ~~الزراعة أو العبادة ليس أصيلا عندهم وإنما هو منقول عن المصريين، وليس هناك معنى لأن ~~تدرس عادات المتوحشين في أنحاء مختلفة في العالم لكي تستخرج منها منطق الإنسان الأول؛ ~~لأن الإنسان الأول ليس متوحشا وإنما هو بدائي، رجل بسيط لا يعرف القتال ولا الزراعة ولا ~~الرق، ولا يفهم معنى الأمة أو الجيش أو العبادة، بل يعيش في الغابة كما تعيش الآن القردة ~~العليا، ولكي نفهم عادات المتوحشين وعقائدهم يجب أن نرجع إلى مصر، أما الطريقة التي اتبعها ~~فريزر في كتابه «الغصن الذهبي» - وهو جمع العادات والعقائد من الأمم المتوحشة المختلفة لكي ~~يستخلص منها المنطق القديم للذهن البشري - فقد ثبت خطأها لأن هذه الأمم لم تخترع هذه ~~العادات والعقائد بل تسلمتها من مصر وأبقتها على أصلها أو شوهتها. ~~••• # ولذوي المزاج الفلسفي أن يتساءلوا: هل أفادت مصر العالم بنشر الحضارة؟ # والحق أن هذه مسألة تقبل الشك أو على الأقل تقبل المناقشة وخاصة في هذه السنين التي يحرق ~~فيها المتحضرون القمح والبن واللحم، في حين يعاني الجوع عدد كبير منهم! # وليس بيننا روسو لكي يتغنى بالبداوة وجمال السذاجة، ولكن هل من يشك في أن الإنسان ~~البدائي كان ينعم بحياة قليلة الخيرات ولكنها كانت مع ذلك هانئة قانعة ليس فيها قتل أو ~~اعتداء أو حرب أو رق أو عناء؟ # ولكن المصريين قضوا على هذا الهناء، على هذه الجنة التي تذكرها الأساطير القديمة، وعلموا ~~الناس الحضارة فعلموهم القسوة والرق والحرب، وهذا الذهب الذي لا تزال أمم كثيرة تتعامل ~~على قاعدته لم يكتسب قيمته إلا من أساطيرهم الدينية، وأزمة العالم الحاضرة تعزى في معظمها ~~إلى التعامل بالذهب. # أنشأ المصريون الحضارة فعرفوا بذلك مبدأ التضحية البشرية لتوفير المحصولات الزراعية ~~والصحة، وقتلوا ملوكهم الأولين من أجل هاتين الغايتين؛ فكان هذا القتل تدريبا لهم على ~~القسوة. # ثم خرجوا من مصر في ms62 البحث عن المعادن فجلبوا الرقيق وأنشأوا في العالم أسوأ عادة عرفها ~~الإنسان وهي استعباد أخيه، ثم أدمنوا التفكير في العالم الآخر وفي إطالة العمر حتى ألفوا ~~للعالم كشكولا من الأساطير والجن والعفاريت والسحر والرقى والتعاويذ، وقد كانت هذه الأشياء ~~ذريعة حسنة للاكتشاف العلمي فعرفت منها مبادئ الكيمياء والفلك والجغرافيا والحساب، ولكنها ~~كانت أيضا سببا لخلافات مذهبية بعثت الحروب والدمار بين الأمم. # كل هذا يجب أن يقال عن الحضارة عندما نقابلها بالبداوة الأولى، ولكن هذا الطور من الحضارة ~~طور القسوة والقتل والأساطير والرق قد مضى أو أوشك. # ونحن مقبلون على طور آخر يقول بالسلم والعلم والحرية والمساواة، ولولا الطور الأول لما ~~كان هذا الطور الثاني، فإذا كان المصريون قد أساءوا إلى العالم بإخراجه من البداوة في زعم ~~روسو وأمثال روسو فإنهم هم السلم الذي ارتقى عليه الإنسان إلى هذا الطور الجديد أي الحضارة ~~الحديثة. ~~••• # وكذلك الأساطير التي فشت في العالم وما تعرفه العامة عن الجن والعفاريت والسحر قد نشأ كله ~~في مصر، وأعظم المردة التي عرفها الأوروبيون هذا المارد القديم هركوليس الذي نسبت ~~إليه مآثر الجبابرة، وقد تعدد الأصل الذي ينسب إليه هذا المارد، إذ وصف بأنه ابن الرب زفس ~~اليوناني، ولكن شيشرون الكاتب الروماني وصفه بأنه ابن النيل؛ فدل بذلك على أصله المصري، ~~ويرى المستر ماسنجهام أن هركوليس هو نفسه «مولوك» الذي كان يعبد في بيبلوس المدينة ~~المصرية في فينيقيا وأنه كان ملكا مدة حياته على الأرض ثم صار إلها بعد وفاته، وقد وصف ~~هركوليس في إسبانيا بأنه ابن الشمس، وهذا هو وصف الفراعنة. # وكان المصريون يمزجون بين أجسام الحيوان والإنسان على ما نرى في الإسفنكس «أبي الهول» ومن ~~هذا الخلط بين الأعضاء نشأت فكرة العفاريت التي لها وجوه إنسانية وحوافر بهيمية وأذناب ~~ومخالب، وتسمى الصين بلاد «التنانين» وليس التنين عندها سوى جسم مؤلف من وجه إنسان ~~وأعضاء إنسان له قدمين في أصابعهما مخالب سبع، وفي يده اليمنى طبرزين وفي اليسرى خنجر وعلى ~~ظهره جناحان، ويرى المستر ماسنجهام أن التنين ms63 الصيني يمثل لنا فكرة العفاريت قبل أن يتم ~~نشوءها في الخيال البشري، وهذا التنين الصيني هو إسفنكس مصري قد ناله بعض التنقيح. # بل يمكن أن نزيد على ذلك بأن فكرة الإسفنكس هذه وهي فكرة مصرية بحتة هي الأصل في رسم ~~الملائكة التي تعطى وجوه الناس مع أجنحة الطير على نحو ما كان يتخيل أبناء القرون الوسطى ~~في أوروبا. ~~••• # المصريون هم الذين أكسبوا الذهب قيمته التي تعد أساسا أو أكبر حجر في أساس الأزمة ~~الحاضرة، وهم الذين أوجدوا الحرب والرق والقوانين القاسية، وهم أخيرا الذين اخترعوا هذه ~~الأساطير التي لا يزال يعانيها الإنسان في صور مختلفة. # هذا كله صحيح، ولكن لولاه لما عرف الإنسان الحضارة ولما خرج من الغابة وتعلم الزراعة؛ لأن ~~هذه المساوئ كلها جاءت في غضون حضارة تتألف وتنمو وتتفرع، وهي إلى الآن لم تبلغ آخر حدودها ~~الطبيعية للنمو، وليس شك أنها كلما تقدمت ستتخلص رويدا رويدا من هذه الأشواك. # ويمكن أن تعد الحضارة بوجه ما مرضا من الناحية السيكلوجية ففي كل متحضر «مركب حضارة» ~~يجعله يكسب الأشياء والاعتبارات قيمة بعيدة أو غريبة عن القيم الطبيعية، ويكلف نفسه عناء ~~كبيرا من أجل غايات تعد في نظر الدعاة إلى الطبيعة سخيفة أو عقيمة، ولا بد أن روسو ~~وكاربنتر وتولستوي وغاندي قد داخل أذهانهم شيء من هذه الأفكار عندما جحدوا الحضارة، ولكن ~~غاية الإنسان بل غاية كل حيوان لم تكن قط السعادة التي تتوهمها في البداوة، وإنما كانت ~~التسلط على الطبيعة، والحضارة من هذه الناحية تؤدي إلى هذا التسلط، وإن لم تؤد إلى ~~السعادة، فإذا شئنا أن نقدر خدمة مصر للإنسانية فإنما يكون ذلك بمقدار ما سلطت الإنسان على ~~الطبيعة وزادت قدرته وسيطرته عليها. # | كتاب الغصن الذهبي # أصبح كتاب «الغصن الذهبي» من الكتب التي يجب أن تقتنى وتدرس كما تقتنى الكتب ~~القديمة؛ فإنه يعالج موضوعا توشك مادته أن تزول من الدنيا فلا يبقى لها أثر يستطيع الإنسان ~~أن يرجع إليه ويحقق أصوله وفروعه، وذلك أن موضوعه يتناول عادات المتوحشين في أنحاء ms64 العالم ~~وعقائدهم وما يمارسونه من السحر والرقى والعبادات، وما يلتزمونه من عادات في الزواج أو ~~الولادة أو الوفاة أو الزرع أو غير ذلك، وهؤلاء المتوحشون تغيرهم الحضارة الحديثة وتنسيهم ~~توحشهم؛ فإن حكومة السودان مثلا قد منعت ملكا من أن تقتله رعيته مع أن الرجل كان راضيا ~~بالقتل يطلبه لأنه شاخ وخشي أن تزول عن رعيته البركات بشيخوخته، والحكومة البريطانية قد ~~منعت في الهند إحراق الأرملة، والنهضة الصينية الحديثة تمحو عادات الجدود وتحطم الأصنام، ~~والحكومة الأمريكية في فيليبين تحارب زعماء القبائل الذين يخرجون في قتل الناس لجمع ~~الجماجم، ثم هناك هذا الانقراض الذي يصيب القبائل المتوحشة أو البدائية إذا احتكت ~~بالمتمدنين. # وقد كان هذا التطور في حياة المتوحشين أو هذا الانقراض على أقصاه في السنين الماضية، ولكن ~~شاء الحظ الحسن لجميع من يحبون الثقافة أن يرصد رجل إنجليزي حياته منذ الشباب لجمع هذه ~~العادات والعقائد لكي يستضيء بها الباحث في نشأة الذهن البشري وأصول العقائد الأولى، وهذا ~~الرجل هو السر فريزر الذي بلغ الثمانين من عمره هذا العام والذي ألف كتاب «الغصن الذهبي» ~~في نحو 12 مجلدا ثم اختصرها في مجلد يبلغ 756 صفحة، وهو المجلد الذي قرأته وأعتقد أنه يجب ~~ألا تخلو منه مكتبة رجل مثقف. # وأقول هذا وأنا مع ذلك لا أومن بأن النظرية التي يدافع عنها السر فريزر صحيحة؛ فإنه يقول ~~بأن الأذهان البشرية تسير على منطق متشابه، فإذا تساوت الظروف من حيث البيئة والحاجة ~~الإقليمية فإن الذهن يستجيب لها بعقائد أو آراء في مصر كما في إنجلترا أو الصين أو أفريقيا ~~الجنوبية، وإننا لهذا السبب نجد مبادئ السحر التي يمارسها الزنجي في أفريقيا هي نفسها ~~المبادئ التي يمارسها المتوحش في جاوة أو سومطرة أو أمريكا الجنوبية؛ ذلك لأن الإنسان ~~المتوحش في هذه الأقاليم المختلفة قد اصطدم ببيئة متشابهة فاستجاب لها بآراء وعقائد ~~متشابهة. # السر فريرز. # هذا ما يقوله فريزر، وهو بكلمة أخرى يتلخص في أن الثقافات البشرية الأولى قد تولدت في ~~أماكنها المختلفة مستقلة، ولكن الرأي السائد ms65 الآن بين معظم الأنثروبولوجيين - أي الذين ~~يبحثون عادات الإنسان البدائي أو المتوحش - يقول بأن هذه الثقافات لم تكن مستقلة، وإنما هي ~~نشأت في مصر حيث ظهرت الحضارة الأولى، وخرج فيها الإنسان البدائي من سذاجته فانتشرت حتى ~~وصلت جميع أنحاء العالم تقريبا، ومن هنا التعليل الصادق لهذه المشابهة بل أحيانا المطابقة ~~بين عادات المتوحشين؛ فإنهم تناولوا الثقافة المصرية وهي على درجات معينة من التطور فوقفوا ~~بها لأن البيئة لم تواتهم على الرقي بها، وزعيم هذا الرأي هو السر إليوت سمث، ولكن مهما ~~كانت حماستنا لهذا الرأي فيجب ألا تعمينا عن هذا الحشد العظيم من المعارف التي جمعها السر ~~فريزر في كتاب «الغصن الذهبي». # وعندي أن هذا الكتاب هو أعظم حجة للقائلين بالأصل المصري للحضارة القديمة؛ فإن فريزر عقد ~~فيه أربعة فصول وافية عن الرب أوزوريس وفصلا عن أسيس أخته وزوجته، وهذا الرب هو أقدم ~~الأرباب المصرية أي أقدم الأرباب في الأمم القديمة، والذي يقرأ هذه الفصول يجد فيها البذور ~~الأولى للثقافة الدينية القديمة وللعبادات التي شاعت بعد ذلك بين المتوحشين. # وكتاب «الغصن الذهبي» يحتاج الى وصف موجز لكي يقف القارئ منه على المنحى الذي ينحوه ~~المؤلف في تفكيره؛ فإن أول فصوله هو ملك الغابة الذي كان يعيش في الغابة عند قدماء الرومان، ~~فإذا أسن تقدم إليه شاب وقتله وأخذ مكانه، ثم يبحث المؤلف بعد ذلك في الملوك القسيسين، وقتل ~~الملك عند المتوحشين هو أساس الكتاب، وهو الباعث الذي جعل فريزر يرصد حياته لبحث الموضوعات ~~المختلفة التي يعالجها فيه، وهي مختلفة لأنها تتناول أشياء كثيرة حتى يصح أن يسمى ~~الكتاب كشكولا أنثروبولوجيا كما ترى من عناوين بعض الفصول وهي: السحر بالعدوى، السحر ~~والدين، ضبط الجو بالسحر، السحرة والملوك، الآلهة المتجسدة في الإنسان، بقايا عبادة الشجر ~~في أوروبا، الزواج المقدس، الطبو أي المحرمات في الأعمال والأشخاص والأشياء والكلمات، ~~التضحية بابن الملك، الملك يؤكل، قتل الملك في مكسيكا، أعياد النار في أوروبا، إحراق الناس ~~... إلخ إلخ. # وثقافة فريزر رائعة فإن القارئ تغمره أبحاثه، وهو ms66 إلى هذا كاتب دقيق العبارة جلي الفكرة ~~يسحر بإيجازه وجلائه، وإني أنصح لجميع الذين آمنوا بالأصل المصري للثقافة أن يقرءوا هذا ~~الكتاب لأن النظرية الصادقة يؤيدها الخصم كما يؤيدها الصديق، وهذه الشواهد التي تعد ~~بالمئات والتي يعبئها فريزر في لباقة وترتيب هي البرهان على أن الثقافة فشت في مكان واحد ثم ~~انتشرت منه. # أما الكتب التي تؤيد رأي إليوت سمث فكثيرة، أهمها بالطبع مؤلفات إليوت سمث نفسه، وأهم هذه ~~المؤلفات كتابه الضخم «التاريخ الإنساني» ثم كتاب بيري «أبناء الشمس» الذي يستقصي فيه ~~الرحلة من أجل الذهب والجواهر، ومن أحسن ما يمتاز به بيري هذا البحث الذي تناوله عن ~~«الازدواج» المصري الذي فشا في العالم ثم انقرض؛ فإن انضمام الوجه البحري إلى الوجه القبلي ~~في حكم واحد جعل مهمة فرعون مزدوجة فكان له تاجان ولبيته بابان إلخ. # وفشا هذا النظام بين الشعوب في أنحاء العالم وليس له أي سبب معقول بينهم ما لم يرجع إلى ~~الأصل المصري، وانقرض بينهم لأن الظرف الذي بعث عليه كان محليا في مصر، ومن أحسن الكتب ~~أيضا كتاب برستد «فجر الضمير» الذي يثبت فيه أن المصريين هم الذين علموا العالم مبادئ ~~الأخلاق وأشعروه بأن له ضميرا يحاسب به نفسه قبل أن يحاسب غيره. ms67