######OpenITI# #META# URI: 1377SalamaMusa.NazariyyatTatawwurWaAslInsan.Hindawi51869206 #META# Tags: science :: philosophy #META# ID: 51869206 #META# Title: نظرية التطور وأصل الإنسان #META# AuthorID: 40515160 #META# Author: سلامة موسى #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تاريخ نظرية التطور‏ # فكرة التطور وقيمتها‏ # فلسفة التطور‏ # تطور العالم‏ # أصل الحياة وغايتها‏ # نشأة الحياة الأولى‏ # وجهتا التطور في الحيوان والنبات‏ # التطور في قشرة الأرض‏ # التطور في الدواجن‏ # التطور في الشارع‏ # التطور في الإنسان‏ # تناسل الحيوان‏ # لماذا تتطور الأحياء؟‏ # تنازع البقاء‏ # وثبات في التطور‏ # عمالقة الأرض‏ # التطور في الحيوان‏ # سمكة السيلاكانت‏ # التطور في النبات‏ # البيئة والحي‏ # تطور بعض الأعضاء‏ # حواس الحيوان وعقله‏ # ظهور الإنسان‏ # ارتقاء العقل البشري‏ # نحن والقردة‏ # حياة الأورانج أوتان‏ # مسألة الدماغ البشري‏ # الوجه البشري‏ # السلالات البشرية‏ # نشأة المجتمع البشري‏ # النار والطعام‏ # أصل اللغة‏ # العصر الحجري‏ # ملابسات المجتمع الأول‏ # أصل الحضارة‏ # أصل الدين‏ # تطور اللباس‏ # تنازع البقاء في عصرنا‏ # إنسان المستقبل‏ # تشارلس داروين‏ # تاريخ نظرية التطور‏ # فكرة التطور وقيمتها‏ # فلسفة التطور‏ # تطور العالم‏ # أصل الحياة وغايتها‏ # نشأة الحياة الأولى‏ # وجهتا التطور في الحيوان والنبات‏ # التطور في قشرة الأرض‏ # التطور في الدواجن‏ # التطور في الشارع‏ # التطور في الإنسان‏ # تناسل الحيوان‏ # لماذا تتطور الأحياء؟‏ # تنازع البقاء‏ # وثبات في التطور‏ # عمالقة الأرض‏ # التطور في الحيوان‏ # سمكة السيلاكانت‏ # التطور في النبات‏ # البيئة والحي‏ # تطور بعض الأعضاء‏ # حواس الحيوان وعقله‏ # ظهور الإنسان‏ # ارتقاء العقل البشري‏ # نحن والقردة‏ # حياة الأورانج أوتان‏ # مسألة الدماغ البشري‏ # الوجه البشري‏ # السلالات البشرية‏ # نشأة المجتمع البشري‏ # النار والطعام‏ # أصل اللغة‏ # العصر الحجري‏ # ملابسات المجتمع الأول‏ # أصل الحضارة‏ # أصل الدين‏ # تطور اللباس‏ # تنازع البقاء في عصرنا‏ # إنسان المستقبل‏ # تشارلس داروين‏ # | نظرية التطور وأصل الإنسان # | نظرية التطور وأصل الإنسان # تأليف # سلامة موسى # | مقدمة الطبعة الأولى # بقلم سلامة موسى # 1928 # نظرية التطور من النظريات الكبرى التي تسيطر على الثقافة الأوربية، وتصبغ عقلية المفكرين ~~في جميع أنحاء العالم الآن، وهي قائمة في الأصل على درس التاريخ الطبيعي للإنسان والحيوان ~~والنبات، وهذا الدرس قليل أو لا وجود له في اللغة العربية؛ ولذلك بقيت نظرية التطور - على ~~قدمها النسبي - غير معروفة أو غير مشروحة في كتاب قائم برأسه، وليس ينكر أحد فضل مجلة ~~المقتطف والمرحوم شبلي شميل في شرح هذه النظرية، وإيراد الأمثلة المتوالية على ms001 حقيقتها ، ~~ولكن مع كل ذلك ليس في العربية كتاب واف سهل عنها للآن. # وقد حداني هذا النقص في لغتنا على أن أحاول في الصفحات الآتية شرح النظرية وتعميمها بلغة ~~سهلة، مع توقي ما أشكل منها، فلست أورد إلا ما اتفق الرأي عليه، أو ما يمكن القارئ ~~العادي أن يفهمه بلا حاجة إلى معارف بيولوجية سابقة، وكذلك تحاميت ذكر الألفاظ العلمية؛ ~~كترتيب الطبقات الجيولوجية وأسماء دهورها، ولم أذكر من أسماء الحيوان إلا ما يعرفه القراء ~~أو يمكنهم مشاهدته في مصر، إلا ما ندر. # والكتاب قسمان؛ نصفه الأول يحتوي فصولا خاصة بما حدث من التطور قبل الإنسان، والنصف ~~الثاني مقصور على تطور الإنسان نفسه وبعض مؤسساته الاجتماعية الكبرى، وسيرى القارئ أننا ~~اختصرنا أشياء اختصارا قد يكون مخلا اضطرنا إليه ترسيم الكتاب الذي بدأنا فيه بنشأة ~~الأرض، ثم انتهينا منه بإنسان المستقبل، ولكن هذا الاختصار، إذا كان فيه ما يستاء منه ~~المطلع، فإن غيره يجد فيه فكرة عامة عن النظرية تحثه على البحث والتنقيب عن فروعها ~~الغامضة أو المقتضبة. # ويحسن بالقارئ أن ينعم نظره في الفهرست أولا، ثم يقرأ الفصول على ترتيبها بحيث تتم ~~الصورة في ذهنه غير مشوشة بتقديم فصل على آخر، ويحسن أيضا بمن يريد التوسع في النظرية أن ~~يقرأ «مختارات سلامة موسى» و«اليوم والغد» ففيهما عدة فصول عن التطور قد عولجت ~~بإسهاب. # | مقدمة الطبعة الثانية # بقلم سلامة موسى # 1953 # رأى صديقي الأستاذ إلياس أنطون إلياس، بعد أن نفدت الطبعة الأولى من هذا الكتاب، أن يعيد ~~طبعه، وطلب إلي أن أراجعه قصد الإضافة أو الحذف أو التنقيح، وقد قمت بهذا الواجب، فزدت في ~~الصور الموضحة، كما زدت فصولا جديدة، وفي بعض الفصول عمدت إلى تنقيح العبارة بما يجلو ~~غوامضها، كما شرحت ما كان موجزا في الطبعة السابقة. # وفي هذه الطبعة الثانية التفت إلى نقطتين لم أوفهما حقهما في الطبعة الأولى؛ ~~وهما: ~~(1) # تأكيد قيمة النظر في تطور الإنسان دون سائر الحواس التي تقهقرت حتى إن بعضها ~~أوشك على الزوال؛ مثل الشم، فإن ms002 التفوق العقلي الذي نمتاز به إنما هو عقل العين ~~التي جعلتنا نرى الأشياء رؤية كليدسكوبية متجسمة وليس رؤية فتوغرافية مرسومة؛ ~~وذلك لأن نافذتنا إلى الدنيا هي العين التي تجعل تفكيرنا إلى حد بعيد موضوعيا ~~مستقلا عن تأثير عواطفنا، ولو كانت نافذتنا إلى الدنيا هي الأنف أو الأذن أو ~~اللسان لقصر إدراكنا قصورا عظيما، ولأصبح تفكيرنا ذاتيا لا ينقل صورة ~~الدنيا على حقيقتها إلى عقولنا، بل يحرك عواطفنا فقط؛ ذلك لأن العقل العيني هو ~~عقل منطقي موضوعي إلى حد كبير، في حين أن العقل الأنفي أو الأذني هو عقل ذاتي ~~عاطفي، وهذا امتياز عظيم لنا على الحيوان. ~~(2) # والنقطة الثانية التي أردت تأكيدها في هذه الطبعة الثانية هي قيمة اللغة في ~~سيادة الإنسان على الطبيعة، وعلى سائر الحيوانات التي كانت تزاحمه على قدم ~~المساواة تقريبا قبل اختراع اللغة؛ ذلك أن الكلمات هي أدوات التفكير التي ~~حرم منها الحيوان، ونحن نجمع هذه الأدوات منذ أكثر من خمسين أو مئة ألف سنة، ~~فلم نسم الأشياء فقط، بل اخترعنا أسماء العلاقات التي ما كان يمكن للإنسان ~~فهمها لولا الكلمات؛ فكلمات الصدق والحب والكراهية والفهم والسخاء والبخل ~~والمجد والشرف والظلم والعدل ونحوها، إنما هي كلمات تدل على علاقات بشرية بين ~~شخص وآخر، وباختراع الكلمات لهذه العلاقات أصبح المجتمع البشري مستطاعا، وهذا ~~أعظم نقص تعانيه القردة العليا. # فالعين واللغة هما أعظم العوامل للارتقاء البشري على الحيوان، وأرجو القارئ لهذا السبب أن ~~يعذرني لإسهابي في هذا الموضوع في بعض فصول الكتاب. # ولو كانت لغتنا تساير اللغات المتمدنة المتطورة لكانت كتب داروين في متناول القراء العرب ~~منذ ثمانين سنة، ولكن لغتنا - للأسف - لا تزال بدوية، تلتزم الخيام وتقنع بالعيش في الوبر، ~~وتحلم بالغيبيات، في حين تعيش اللغات العصرية عيشة الترف والبذخ بالعلوم والفلسفات الجريئة؛ ~~ولذلك تجد أنه في هذا الوقت الذي يؤلف فيه الأوربيون الكتب، يرسمون فيها خارطة المستقبل، ~~ويتسلطون فيها على القدر، يعمد كتابنا إلى التأليف عن الماضي، ويحاولون أن يبعثوا الحياة ~~في رفات التاريخ! والمتأمل لهذا الكوكب ms003 يجد أمما متطورة قد كتبت لنفسها البقاء بالتطور، ~~وأمما أخرى جامدة قد كتب عليها الفناء بالجمود والتزام التقاليد. # وليست نظرية التطور معرفة فحسب؛ لأننا لا نقتصر فيها على الوقوف على تاريخ الأحياء، بل ~~نكتسب منها مزاجا واتجاها؛ لأنها تجعل التطور مذهبا حيويا، والارتقاء ضرورة اجتماعية، ~~ومن هنا قيمتها العالية للفرد والجماعة؛ إذ هي تشعر الفرد الذي استوعبها أنه يجب ألا يركد ~~أو يجمد؛ لأنه بهذا الركود، أو بهذا الجمود، يناقض سنة الوجود، كما أنها تشعر الجماعة ~~أن تقصيرها في الارتقاء هو مخالفة خطيرة، وتحطيم مدمر لأسباب وجودها؛ فالنظرية هنا ليست ~~معرفة علمية فحسب، وإنما هي مذهب اجتماعي أيضا، يحمل الأمة على أن تطالب بحقها في التطور، ~~وتدافع عن حريتها، وتحطم الأغلال التي تعطل ارتقاءها وحيويتها، كما هي منهج فلسفي ~~للتفكير. # وليس شك في أن المستوعب لهذه النظرية - إذا كانت قد استحالت في نفسه مزاجا ومذهبا - ~~يشعر بتحرره من أغلال التقاليد، ويستطيع لذلك أن ينظر النظرة البكر لشئون هذا العالم، وهو ~~يسمو على الاختلافات الدينية التي مزقت أوربا في القرون الماضية ولا تزال تمزق أقطارا ~~عديدة في آسيا وأفريقيا الآن؛ وذلك لأنه يرى أن فكرة «الإخاء» التي دعت إليها الأديان تجد ~~التعليل المادي في نظرية التطور بالمعنى الأوسع والمغزى الأعم، حتى إننا لنعود بها إلى ذلك ~~الوجدان الديني الذي أحس به القديس فرانسيس عندما كان يقول «أخي الطير». # وهو وجدان شعر به آحاد معدودون في الماضي، ولكن سوف يشعر به جميع الملايين من البشر عندما ~~يعرفون هذه الصلة التي تربطهم بجميع الأحياء، وتجعل منهم وحدة، فيحترمون الحياة أينما كانت؛ ~~لأن كل حي هو قريب وأخ بقرابة، إذا لم تكن رحمية، فهي تطورية. # وبهذا الوجدان الجديد ننظر إلى كوكبنا؛ فلا نلهو بنباتاته وحراجه وجباله وبحاره، نصيد ~~فيها الحيوان أو نبدد النبات، بل نعد هذه الأمكنة كنوزا ومتاحف ومقادس، نحمي فيها هذه ~~الأحياء، ونمنع عنها الأذى، ونحوطها بالعناية في تطورها وتكشفها، ويجب أن نحزن على كل ~~حيوان أو نبات يؤدي اعتسافنا في اللهو ms004 به أو إهمالنا له إلى الانقراض، وقد أوشكت طيور ~~جميلة، اقتضى التطور وجودها مئات الملايين من السنين، أن تنقرض؛ لأن نزق النساء كان يحملهن ~~على التزين بريشها الزاهي، ولكن الحكومات الممتازة بهذا الوجدان الجديد حرمت صيدها ~~فعاشت، وكذلك عاش الصيادون المتوحشون من الأمم المتمدنة في حراج إفريقيا وغاباتها حتى ~~أوشكوا أن يبيدوا الأسد والفيل والزرافة، فعمدت الحكومات المتمدنة أيضا إلى حمايتها، ومنعت ~~الصيد إلا في أماكن معينة. # وهذا الكوكب هو كوكبنا، وهذه الأحياء هي قرابتنا التي يجب أن تجد الحرمة الدينية من كل ~~إنسان متمدين. # وكسب آخر كسبناه من هذا المزاج التطوري، هو النظر للمستقبل والجرأة على تخطيطه في حرية ~~تامة من التقاليد والعادات المتحجرة، وأولئك الذين ينفرون من نظرية التطور إنما يفعلون ذلك ~~لإحساس خفي بأن هذه النظرية تحريرية في دلالتها، تفكك الأغلال وتفتح المستقبل للتفكير ~~الجريء، كما هي موطرية في وجهتها، تحرك المجتمعات إلى التغيير والارتقاء، وتجحد الركود ~~والجمود باعتبارهما أكبر المعاصي والذنوب. # وأرجو أن يكون في هذا الكتاب بعض التنبيه حتى لأولئك الذين يجهلون الغاية الدينية السامية ~~لنظرية التطور التي فتحت أبوابا للرقي البشري كانت مسدودة من قبل بالغيبيات ~~الجامدة. # | مقدمة الطبعة الثالثة # بقلم سلامة موسى # 1957 # استبدلت نظرية التطور النظر المادي بالنظر الغيبي لنشأة الأحياء على أرضنا، وربطت بين ~~جميع الأحياء؛ نباتا وحيوانا وإنسانا، برباط جديد، كما جعلتنا نفهم الحياة على أنها ليست ~~جامدة؛ إذ هي - باعتبارها إحدى ظواهر المادة - في حركة وتحول أبديين. # وهذه الحركة، وهذا التحول، ليسا من ميزات الأحياء وحدها؛ إذ هي أيضا صفة المادة كائنة ما ~~كانت؛ ذرة أو جزيئا أو شمسا أو كوكبا أو غازا أو سائلا أو يابسا، حتى ليصح، بل يجب، ~~أن نقول إن كل هذه الكائنات حية؛ إذ هي في تحول وتغير أبديين مثل الإنسان أو الحيوان أو ~~النبات. # ولم يكن داروين - لحدود المعارف التي كان يعرفها في سنة 1858 عندما ألف كتابه عن أصل ~~الأنواع - ليستطيع بلوغ الآفاق التي بلغناها نحن في أيامنا بعد أن عرفنا الذرة؛ ms005 ولذلك كانت ~~نظرية التطور تنطبق عنده على الأحياء فقط، أما الآن فإننا نعرف أنها تنطبق على الكون ~~كله. # وهذا التصور الجديد للكون وللإنسان هو تحرير جديد للذهن البشري عن مستقبلنا على هذه ~~الأرض، وربما على الكواكب الأخرى، وأيضا في تطورنا القادم الذي شرعنا نسيطر عليه بعلومنا ~~وفنوننا؛ فقد تحقق للإنسان، بنظرية التطور، استقلال العقل والروح الذي لن ينزل عنه بعد ~~الآن. # ولقد مضى الزمن الذي كانت تستهدف فيه هذه النظرية لنوادر الحشاشين ونكاتهم؛ لأننا قد ~~أصبحنا نحس احتراما، بل ابتهالا، عندما ينبسط لنا موكب الأحياء منذ ألف مليون سنة إلى ~~الآن، بما فيه من الناهض المقدم والساقط الفاشل، وفي خلال هذا الموكب نتبين فضائل الحياة، ~~ونستكنه أسرار البقاء. # ومن سعادة حياتي أني ألفت هذا الكتاب منذ أكثر من ثلاثين سنة، واحتاجت الطبعة الأولى نحو ~~25 سنة حتى نفدت، أما الطبعة الثانية فقد نفدت في أقل من خمس سنوات، وفي هذا برهان على ~~انتصار النور على الظلام، وعلى أن النظر العقلي العلمي المادي يأخذ عند جمهورنا مكان النظر ~~الغيبي الأسطوري الخرافي. # | تاريخ نظرية التطور # التطور هو النظرية السائدة في العلوم الآن، وهي الصفة التي اصطبغت بها عقول جميع المفكرين ~~في عصرنا الراهن. # وهي الآن تتلخص في أن الحيوان والنبات، على تعدد أنواعهما التي تبلغ الآلاف، نشأت في ~~الأصل من نوع واحد. وأن الجماد نفسه بما فيه من ذرات وجزئيات وعوالم وعناصر يرجع أيضا إلى ~~أصل واحد. # فالتطور قانون شامل يسري على عالم الجماد وعالم الحيوان على السواء. وهو يقضي بأن الحي أو ~~الجماد دائم التحول لا يثبت على حال واحدة. # فالإنسان لم يكن إنسانا منذ الأزل وإنما كان حيوانا يشبه القرد، وكان قبل ذلك يشبه ~~الليمور، وهلم جرا، حتى تصل إلى الخلية البسيطة للحياة الأولى على الأرض. وهكذا الحال في ~~سائر الحيوان والنبات. # والجماد نفسه في تطور مستمر، فالرصاص مثلا لم يكن رصاصا منذ الأزل وإنما كان في الأرجح ~~«رديوما». وهكذا الحال في سائر عناصر الجماد. # وهذه النظرية ليست جديدة، فقد ms006 لمحها الإغريق، وأومأ إليها العرب ظنا وحدسا، ولكن ~~الجديد فيها كثرة الشواهد التي استقراها العلماء للتدليل على صحتها، والبحث في أساليب ~~التطور، والوسائل التي يتوسل بها الحي، نباتا كان أم حيوانا، في سبيل بقاء نوعه وإبادة ~~غيره، وتحوله من حال إلى حال، أي تطوره على مدى الزمن؛ أي الإيمان بالنظرية يقينا عن بينات ~~علمية. # والإغريق أول من لمح هذه النظرية، وكان «أرسطو طاليس» يشير إليها ويؤمن بوجود قوانين ~~طبيعة ثابتة لا تتغير بمشيئة الآلهة. وقال عن أصل الحياة في النبات أنها نشأت قبل أن تنشأ ~~الحيوانات. # وكان «لوكريتيوس» الذي عاش حوالي سنة خمسين قبل الميلاد المسيحي أجرأ القدماء وأبعدهم ~~نظرا في التطور، فكان يقول إن التحول هو سنة الكون، وإن ما تقوله الأديان الإغريقية عن أصل ~~العالم خرافات، وإن الإنسان كان وحشا ضاريا هذبته المدنية، وإنه عرف النحاس، ثم عرف بعد ~~ذلك الحديد، وإن اللغة نشأت بضرورة الاجتماع والحضارة. # وكان علماء الإسكندرية يعرفون هذه الآراء ويقولون بها. ثم حدثت فترة القرون الوسطى، فقام ~~النقل في أوروبا مقام العقل، وطلق العلماء الاستقراء والبحث، وأخذت الأساطير والعقائد مكان ~~البحث العلمي والمنطق. # ولكن علماء العرب في هذه الفترة كانوا يشتغلون بالعلوم، وبعثهم البحث في الكيمياء على ~~الاعتماد على التجارب العلمية، فصارت نزعتهم في العلوم تفوق نزعة الإغريق وتمتاز عليها في ~~الصحة. # فقد كان الإغريق يعتمدون في النظر الفلسفي على المنطق، وكأنهم كانوا يتجاهلون حقائق ~~الحياة، كما تدل على ذلك «جمهورية أفلاطون» حيث قال فيها بشيوعية النساء والأموال، ولم يقف ~~لينظر لحظة هل تنطبق مبادئه المنطقية على أحوال الحياة الراهنة في زمنه، وليس شك في أن ~~«أرسطو طاليس» كان يقول باعتبار الحياة أصلا والمنطق والتفكير نتيجة، وبفائدة التجريب ~~العلمي، ولكن روح أرسطو طاليس لم يكن الروح السائد بين الإغريق. # وقد لمح عدد كبير من علماء العرب إلى نظرية التطور، فكان الكيميائيون يقولون بتطور ~~العناصر وإمكان تحول معدن خسيس كالرصاص أو الزئبق إلى معدن نفيس كالذهب، ثم توسعوا في ~~النظر، فصاروا يقولون بوحدة الأصل في ms007 أنواع النبات والحيوان. # وربما كان أحسن ما كتبوه في هذا الرأي قصة «حي بن يقظان» التي وضعها ابن طفيل، ولخص فيها ~~آراء المشارقة، وأومأ إلى نظرية التطور. # وفي القطعة التي ننقلها عن كتاب «عجائب المخلوقات» للقزويني إيماء إلى هذه النظرية، قال: # أول مراتب هذه الكائنات تراب، وآخرها نفس ملكية طاهرة. فإن المعادن متصلة أولها ~~وآخرها بالنبات. والنبات متصل، أوله بالمعادن وآخره بالحيوان، والحيوان متصل أوله ~~بالنبات وآخره بالإنسان، والنفوس الإنسانية متصلة أولها بالحيوان وآخرها بالنفوس ~~الملكية. # وقال ابن مسكويه في «الفوز الأصغر» عن مراتب الإنسان: «إنها مراتب القرود وأشباهها من ~~الحيوان الذي قارب الإنسان في خلقته الإنسانية، وليس بينها إلا اليسير الذي إذا تجاوزه صار ~~إنسانا.» # وكلنا يعرف أن ابن خلدون قد عالج مشاكل الاجتماع من وجهة التطور. وهو لو كان قد تبسط في ~~الكلام على الحيوان والنبات لكانت نظرته لا تخالف نظرتنا الآن. فقد كان يرى تأثير الوسط في ~~الإنسان، وقد علل سواد الزنوج بشدة الحر، وقال في ذلك، بعد أن كذب القائلين بأنهم سود لأنهم ~~أبناء حام بن سام: # فإن الشمس تسامت رءوسهم مرتين في كل سنة ... فتطول المسامتة عامة الفصول، فيكثر ~~الضوء لأجلها، ويحل القيظ الشديد عليهم وتسود جلودهم لإفراط الحر. # فمن ذلك يرى القارئ أن القدماء، من إغريق وعرب، قد أحست نفوسهم وحدست عقولهم هذا النظام ~~الحيوي في العالم. وكيف أن الأنواع دائمة التحول والتغير، بل إن كيمائي العرب قد أحسوا ~~أيضا تحول الجمادات. # ولكن كل كلام القدماء في ذلك لم يكن سوى تلميح وإيماء، فلم يمسوا النظرية مساسا مباشرا ~~ولم يجعلوها موضوع الدرس المتواصل والتجربة العملية، وهذا هو الفرق بيننا وبينهم ~~الآن. # فإن النظرية الآن موضوع استقراء آلاف العلماء، ولها كتب خاصة تعد أيضا بالألوف. وقد بدأ ~~البحث الجدي فيها منذ «لامارك» العالم الفرنسي المتوفى سنة 1829. فإنه قال إن جميع أنواع ~~النباتات والحيوانات الراهنة قد نشأت من أصول قديمة متحجرة وعلل اختلاف الأحياء الحاضرة من ~~الأحياء المنقرضة المتحجرة بتأثير العادة في الأحياء، فإذا عاش الحي ms008 في وسط جديد، واعتاد ~~عادات جديدة، اكتسب بذلك خصالا يرثها أبناؤه عنه، وتتراكم هذه الخصال وتتجمع حتى يأتي نسل ~~بعيد يكون فيه من الخصال والصفات البدنية ما يجعله يخالف جدوده القديمة فتنشأ الأنواع ~~الجديدة على هذه الكيفية. # ثم جاء «داروين» العالم الإنجليزي ووضع سنة 1859 كتابه «أصل الأنواع» وقال إن «تنازع ~~البقاء» بين الأفراد هو أكبر عامل يؤدي إلى انقراض بعض الأنواع وبقاء بعضها؛ لأن هذا ~~التنازع يفضي إلى «انتخاب طبيعي» بينها، فكأن الطبيعة مرب يحابي بعض الأفراد فيبقيها ويمنع ~~البعض الآخر من التناسل فتنقرض، فإذا اشتد اختلاف الأفراد صار هذا الاختلاف نقصا أو ميزة ~~يؤديان إلى بقاء البعض وانقرض البعض الآخر، فتنشأ سلالات جديدة، ثم تتجمع الصفات الجديدة في ~~هذه حتى تصير السلالات أنواعا جديدة. # وجاء «سبنسر» العالم الإنجليزي بعد داروين، فعمم النظرية حتى جعلها تشمل الهيئة ~~الاجتماعية الإنسانية، وكيف انتقلت بالتدرج من الوحشية إلى المدنية، وكيف أنها دائمة التطور ~~شأنها في ذلك شأن النبات أو الحيوان. # ثم ظهر حوالي أواخر القرن الماضي عنصر «الراديوم» فتبين منه أن الجماد في تطور أيضا، وأن ~~العناصر كما نعرفها الآن ليست على حال ثابتة، فقد كانت تختلف قديما وستختلف في المستقبل ~~عما هي الآن. وأن من الممكن مثلا أن نحول الزئبق إلى ذهب. # فنظرية التطور تشمل الآن كل شيء حتى أخذ الأوربيون يفكرون في كيفية إنشاء إنسان تكون ~~نسبته إلينا كنسبتنا إلى القرد، وهم يطلقون عليه اسم «السبرمان» أي: الإنسان الأعلى. # وهم يتحسسون هذا الموضوع الآن، ويكتفون بالتخيل، فلا يجرؤ منهم أحد على التخطيط والترسيم. ~~وأجرأهم يقنع الآن بالقول بمنع ذوي العاهات والبله من التناسل بتعقيمهم. وكثير من الأمم ~~الراقية يفعل ذلك الآن. # وبعد فإن نظرية التطور قد فتحت ميدانا بل ميادين لنظر الإنسان، فقد كان المأثور قديما ~~في كتب السلف أن الإنسان خلق كما هو الآن، وسيبقى كذلك إلى الأبد، ولكن نظرية التطور قد ~~بسطت لنا الماضي فجعلتنا نرى الإنسان في غير حاله الآن، وبسطت لنا آفاق المستقبل فملأتنا ~~رجاء بأنه ms009 سيكون أفضل مما هو الآن . # فنظرية التطور هي نظرية الرجاء والرقي، وهي المفتاح الذي يفتح لنا مغاليق الماضي المبهم ~~ويرسم لنا مصير الإنسان. # | فكرة التطور وقيمتها # الفرق بين الرجل قد أشرب عقله وصبغ ذهنه، بنظرية التطور، وبين الرجل يجهل هذه النظرية، ~~كالفرق بين إنسان قد اكتشف ملكوتا رائعا عظيما، وبين آخر عاش عمره محبوسا في صومعة ~~يظنها جماع ما في هذا الكون من خلائق ومكنونات وأسرار. # فرجل التطور يرى أنه قد عاش في الكون ملايين السنين، وأنه مرتبط وسائر الأحياء من نبات ~~وحيوان برباط قوي متين، فعلاقته بهذا العالم، بل بهذا الكون أجمع، أشبه شيء بديانة علمية قد ~~ارتكزت على أصول العقل والتجربة. وإذا كان أحد القديسين قد قال مرة بدافع النزعة الدينية ~~الشريفة التي كثيرا ما رفعت رجل الدين في المسيحية والإسلام فوق نفسه: «أخي الطير» فإن رجل ~~التطور لا يقول هذا القول فقط، بل هو يحسه في أرجاء نفسه وتلافيف دماغه ومسارب دمه. بل هو ~~يمكنه أن يقول ويشعر بصدق ما يقول: «أخي السمك، بل أخي الشجر.» # وهو لا يعتقد هذا القول اعتقادا يقهر نفسه عليه إرضاء لسلطة خارجية، بل هو يعقله ويحس ~~بصدقه؛ لأن هذه الحقيقة قد استبطنت عقله وصبغت تفكيره. # فالإحساس بحقيقة التطور هو نوع من الديانة الطبيعية، بها نشعر أننا وجميع الأحياء أسرة ~~واحدة نشترك وإياها في وحدة وجودية، وهذا الإحساس يحملنا على احترام الحياة كائنة ما ~~كانت. # ثم إن هذا التاريخ الذي كنا نعده بضع مئات من السنين، قد صرنا الآن نعده بمئات الآلاف من ~~السنين. وكنا قبلا نعرف من التاريخ وقائع الحروب وأخبار الملوك، فصرنا الآن نطلب من ~~التاريخ أن يدلنا على تطور الأسرة والقبيلة، بل تطور الزراعة والصناعة والحضارة. # وإنما اتجه نظرنا إلى هذه الأشياء لما سبق أن رسخ في ذهننا من نظرية التطور، التي جعلتنا ~~ننظر إلى جماعات الإنسان وصناعاته وسائر ما يلابسه، كأنها أشياء تجري عليها سنة التطور، ~~وأنها تتدرج من الحسن إلى الأحسن، ومن البساطة إلى التراكب. # والإنسان تسترقه ms010 الكلمات، بل كثيرا ما تكون اللغة بمرونتها سببا في تقدم الأمة كما تكون ~~بجمودها سببا في تأخرها. فكلمة «التطور» لها الآن سلطان على العقول. فرجل السياسة يقول ~~بكراهية الانقلابات والثورات، ويرى الجري على سنن التطور والتدرج. والمدنية تتطور وتترقى، ~~واللغات في تطور، فإذا لم تتطور جمدت، وهلم جرا. # فلو لم تكن كلمة «التطور» موجودة لما نزعنا هذه النزعة في السياسة والعلوم والآداب ~~والصناعات. فهذه الكلمة قد تملكتنا، وصبغت عقولنا، ووجهتنا في وجهات جديدة لم يكن يعرفها ~~آباؤنا. # اعتبر مثلا كلمة «التقدم» فلست تجد في المعاجم العربية ما يدل على معناها الذي نفهمه ~~منها الآن، فلم تكن الأمم العربية تفكر في التقدم. أي أنها لم تفكر في طريقة لتعميم التعليم ~~بين الأهالي، أو في رفع مستوى الصحة العامة، أو في إيجاد نظام صناعي لتحسين حال العمال، أو ~~غير ذلك، وإنما كان كل وال قانعا بأن تسير البلاد كما سارت في عهد سلفه، وكثير من هذه ~~القناعة كان يرجع إلى أن هذه الكلمة بمعناها الحديث لم تكن معروفة؛ لأن للكلمات سلطانا على ~~العقل، بل نحن نفكر بالكلمات. # وكذلك الحال في كلمة «التطور»، فإنها غرست في الأذهان فكرة تدرج الأحياء ورقيها جيلا بعد ~~جيل. فصار للرقي أساس طبيعي، وصارت مخالفته من الفرد أو الأمة أو الحكومة أشبه شيء بخروج ~~على السنن الطبيعية، وصرنا نغضب من الحكومة التي لا تفكر في ترقية التعليم أو ترقية الزراعة ~~أو نحو ذلك، أو التي تنكر حق الأمة التطوري في الرقي الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي، ~~لأن فكرة التطور قد جعلتنا ننزع هذه النزعة. # ثم إن لنظرية التطور فضلا آخر في فهم طبيعة الإنسان فلا يمكن فيلسوفا أن يعرف كنه النفس ~~الإنسانية ما لم يعرف تطور الجهاز العصبي في الإنسان وعلاقته بالأحياء الدنيا، والعوامل ~~التي جعلته يرقى إلى مستواه الحاضر. بل إن فلسفة «فرويد» مبنية كلها على أن أهم ما في خواطر ~~الإنسان وأخلامه وهواجسه يرجع إلى الغريزة الجنسية التي هي أهم وأقوى غرائز الحيوان، ~~فالحيوان الذي يقاتل ms011 ويموت من أجل الأنثى لا يزال حيا في الإنسان حتى في بعض طرق عبادته ~~وفي فنونه الجميلة التي يمارسها الآن وينسبها إلى أرقى الأعمال الذهنية. # بل لا يمكن فهم بعض أمراضنا وكيفية علاجها ما لم نفهم نظرية التطور، فبعض أنواع الجنون ~~«ردة» من الإنسان إلى الحيوان القديم، الذي لا يزال كامنا مقهورا فينا قد تغلبت عليه ~~إنسانيتنا، فبعض المجانين يزحف ويتسلق ويقعد قعدة القردة، وقد استفاد الطب الحديث من نظرية ~~التطور فترك علاج الأعشاب، وعمد إلى العلاج بخلاصات الحيوان، مثل الهرمونات؛ أي: مفرزات ~~الغدد الصم، ونجح في ذلك، وذلك لأن التطور يدلنا على أن مصلحة النبات تخالف بل تناقض مصلحة ~~الحيوانات، ولذلك كثيرا ما يحتمي النبات منه بالحسك والمرارة والسم، فلا يمكن أن نعتمد ~~عليه في اتخاذ دواء منه. أما الحيوان فإن تركيبه هو تركيبنا، وما ينفعه ينفعنا، ولا عبرة ~~بما يحدث اتفاقا كإمكان التعالج من الحمى بنبات الكينا، كما أنه لا عبرة بأن الحيوان يعيش ~~على النبات؛ لأن للنبات مصلحة في ذلك لنقل بذوره من مكان إلى آخر. # وكثير أيضا من جرائم المجرمين يرجع إلى أنه «ردة» لأن أسلافنا كانوا يمارسون هذه الجرائم ~~كأنها أعمال لا حرج فيها. # وكذلك رجل التعليم لا يمكنه أن يدرك طبيعة الطفل ما لم يفرض أنه حيوان صغير فيه غرائز ~~القردة، وأن طبيعته تتكشف من الحيوان إلى الإنسان، ففي الطفل والقردة، كليهما، غريزة ~~الاستطلاع، وفيهما حب التسلق والتلصص، وفي أحلام الطفل ما يذكرنا بحياة الغابة والنوم على ~~الأشجار، إذ معظم ما يراه الطفل في نومه أنه يهوي ساقطا فيتنبه قبل أن يتردى، وهذا الحلم ~~هو من الوساوس القديمة التي كانت تنتاب أسلافنا وهم يعيشون كما تعيش القردة الآن على ~~الأشجار. # ومن العلوم التي أحدثها التطور علم «اليوجنية» الذي يقصد به إصلاح ذرية الإنسان بأساليب ~~صناعية؛ لأنه إذا كانت الطبيعة قد عملت لترقية الإنسان في الماضي، كما هو مدلول نظرية ~~التطور، فمن واجب المدنية أن تعمل لترقيته في المستقبل. # ففكرة التطور قد شملت جميع المعلومات ms012 البشرية تقريبا، وبها يمكن تفسير أشياء عديدة كانت ~~قبلا غامضة لا يمكن فهمها. # | فلسفة التطور # أعظم ما يعوق التفكير المثمر والرأي المدروس أن تكون هناك عقيدة مألوفة أو عادة اجتماعية ~~يمارسهما الناس لأن العادة التي ننشأ عليها - ذهنية أم اجتماعية - تحول بيننا وبين رؤية ~~الحقائق كما تمنعنا من الانتقاد لما هو قائم بيننا. # وكثيرا ما نقرأ مؤلفات الفلاسفة الإغريق وفقهاء الدين في المسيحية والإسلام واليهودية ~~فنجد العقول الناضجة والآراء السديدة، ثم نعجب بعد ذلك لأنه لم يعارض مثلا واحد منهم، ولو ~~بالنقد العابر، هذه النخاسة التي كانت تحيط به في مجتمعه حين كان يباع الصبي والرجل والمرأة ~~كما تباع البهائم. # وقد نزهوا نحن برقينا على أسلافنا في هذه الناحية. ولكن يجب ألا نتناسى أنهم كانوا ~~معذورين؛ لأنهم نشئوا على هذه العقيدة أو العادة ومارسوها أو رأوا غيرهم يمارسها فلم ~~يستطيعوا التغلب على عواطف الاقتناء التي أوجدتها النخاسة. # والعقيدة تحدث عاطفة تزعجنا بل تؤلمنا مخالفتها. # وعندما نتأمل نظرية التطور وشواهدها التي لا تحصى نعجب لتأخر الجماهير المثقفة في ~~اعتناقها، ونعجب أيضا لأن أحدا من الفلاسفة لم يقل بها إلا منذ أقل من قرن، وعندنا أن ~~مرجع ذلك هو الإيمان بالعقيدة الدينية التي تقول بأن الأحياء قد خلقت، كل حي مستقل في خلقه ~~عن الآخر، فإن هذه العقيدة حالت دون التفكير في كرامة الإنسان وحريته. # وقد أصبحت نظرية التطور بعض عاداتنا الذهنية، وقد نقلناها من الأحياء إلى المواد ~~والعناصر، وإلى المجتمعات والنظم السياسية والاقتصادية. بل نحن نحس الحاجة؛ لأن يعم التطور ~~البيولوجي جميع البشر حتى يتغيروا إلى أحسن وأرقى مما هم عليه، ونحن بهذه النظرية نرى هذا ~~الكون كله بعين جديدة، إذ نعرف أنه صائر متحرك وليس كائنا جامدا # وقد تعلمنا من السيكلوجية أن من أعظم ما يؤذينا في سلوكنا الاجتماعي وتصرفنا الشخصي هو ~~هذه العواطف التي ورثناها من أسلافنا حين كنا في أطوار حيوانية نحتاج إليها، فنحن ما زلنا ~~نغضب ونغار ونخاف ونقسو ونشتهي ونتشكك، وهذه العواطف تلغي عقولنا أحيانا وتعذبنا. ms013 وهي لا ~~تختلف عن الأظافر التي تنمو بلا حاجة لنا بها إلى النمو، ولكننا نقلم أظفارنا ولا نستعز ~~بنموها. أما العواطف فلا سلطان لنا عليها سوى سلطان العقل. وهو لا يزال في بدايته لم يسد ~~السيادة التامة. ومن هنا الأمراض النفسية إذ هي جميعها أمراض العواطف التي لا تزال عالقة ~~بنا بعد أن أدت مهمتها وكان يجب أن تموت. ~~(العظام تتشابه: إنسان - إنسان منقرض - ~~قرد) # وعندما نتأمل أعضاءنا الخاصة بالعواطف نجد أنها لا تزال كما هي لم تتقلص أو تضمر، فنحن من ~~حيث الجهاز العاطفي لا نختلف عن الحيوانات إلا من حيث إن لنا جهازا آخر هو الدماغ الكبير، ~~مكان التعقل. ولذلك يغمنا جنون حين نغضب أو نخاف أو نتشكك أو نغار أو نشتهي الجنس ~~الآخر. # ولو أن هذا الجهاز العاطفي كان قد تقلص أو ضمر، كما هو الشأن في الزائدة الدودية، التي ~~كانت قبل ملايين السنين معى كبيرة تهضم المواد التي تحتاج إلى مدة طويلة ثم أصبحت أصغر من ~~أصبع، لو أن جهازنا العاطفي كان قد نقص مثل هذه الزائدة، لكنا سعداء بعقولنا لا نغضب أو ~~نخاف أو نهتم كما هي حالنا الآن. # ونحن ما زلنا حيوانات نفسا وجسما بهذا الجهاز العاطفي، ولذلك أصاب فرويد حين قال إن ~~كلا منا يتألف من ثلاث ذوات: الذات الحيوانية نجوع بها ونشتهي الأنثى ونغضب ونبطش، ونحن في ~~كل ذلك حيوانات. ثم الذات الاجتماعية التي نراعي فيها العادات المألوفة. ثم الذات العليا ~~التي يحتويها ضميرنا والتي نرتفع بها أحيانا على المألوف. # وقد رسم لنا تاريخنا التطوري أننا نسير نحو زيادة الدماغ، والواقع أن وزن الدماغ في ~~الإنسان كبير جدا بالمقارنة إلى ما هو عليه عند الحيوانات، وخاصة تلك الزواحف المنقرضة، ~~فإن واحدا من هذه الزواحف يدعى «البرونتوسور» كان وزن دماغه لا يزيد على رطلين. ولو أن ~~دماغه كان ينمو على قياس النمو البشري للدماغ لكان يجب أن يكون وزنه 2072 رطلا، أي نحو طن، ~~ولو أنه كان ينمو على قياس النمو في الغوريلا ms014 لكان يجب أن يزن دماغه 370 رطلا . # ونحن صائرون نحو الزيادة الدماغية، فإن كلمات اللغة، وهذا التوسع اللغوي في المعاني ~~الجديدة، ثم هذه الآفات التي عددت اهتمامات الإنسان، كل هذا جدير بأن يزيد خلايا الدماغ في ~~المستقبل ويزيد بذلك فهمنا وتسلطنا على هذه العواطف الحيوانية التي تؤذينا وتردنا في ~~أزماتنا النفسية إلى حال الحيوان. # وقد وصل الإنسان إلى حاله الحاضرة من الرقي الدماغي بقوانين الغابة، أما الآن فإنه قادر ~~على أن يأخذ التطور البشري في يده وأن يتسلط على مستقبله بنفسه، وأن يزيد هذا الدماغ البشري ~~إلى أكبر مقدار ممكن بالتربية أولا وبالاختبار ثانيا. ~~(تطور الأدمغة من السمكة إلى الفقمة إلى الكلب إلى ~~الغوريلا إلى الإنسان) # وسوف يأتي اليوم حين تحس كل أمة أن إصلاح أرضها وتحسين مبانيها وترقية مصانعها وزيادة ~~ثرائها، كل هذا ليس شيئا يستحق العناية بالمقارنة إلى الرقي البيولوجي في أبنائها، وأعظم ~~هذا الرقي هو زيادة الأدمغة، حتى يأخذ التعقل البصير مكان العاطفة الطائشة، وحتى يزيد ~~الذكاء في أفراد الأمة، # وقد عرف هتلر قيمة التطور وعمل به، ولكنه أساء إذ كان يحمل في نفسه بغضاء جنونية لليهود، ~~كما أنه كان أيضا مجنونا من ناحية الاعتقاد بأن السلالة الألمانية هي خير السلالات في ~~العالم، وقد استعمل التطور هنا، كما استعمل الأمريكيون القنبلة الذرية، للعدوان وليس ~~للبنيان. # ولكن إذا كان الألمان قد أساءوا باستعمال التطور في غير مكانه، كما أساء الأمريكيون ~~باستعمال الانشقاق الذري في غير مكانه، فإن هذا لا يعني أن المجتمعات لا يمكنها أن تنتفع في ~~المستقبل بإيجاد سلالات بشرية راقية، وأيضا باستخدام الانشقاق النووي أي الذري في إيجاد ~~القوة لاستغلال الطبيعة. # ولن يقتصر هذا التطور المدبر على الإنسان؛ لأنه سوف يشمل أيضا الحيوان والنبات. بل ~~الواقع أن الإنسان قد عمل كثيرا في تغييرهما لخدمته، فإن البقرة مثلا هي جهاز حي لتحويل ~~العلف إلى لبن، والكلب هو حيوان للبيت يؤانس الأطفال. والقط قد أصبح بعض الأثاث في منازلنا. ~~أما الفرس فإننا قد أحلناه إلى تحفة من الجمال، ms015 وإلى حيوان للجر، ثم إلى وسيلة للمقامرة في ~~حلبات السباق. # وليس بعيدا أن نربي ونختار في الكلاب حتى نستخرج منها سلالة ذكية تؤدي الكثير من ~~حاجاتنا، وأن نختلق سلالات جديدة من البقر أو الجاموس تتخصص كل منها في إدرار اللبن ~~البروتيني أو الإكثار من الزبد. كما ليس بعيدا أن نجعل من النبات أنواعا وسلالات تختص كل ~~منها بتزويدنا بثمار معينة للغذاء أو الدواء. # هذا هو بعض ما تعلمناه من نظرية التطور. # | تطور العالم # لم يأت الوقت بعد لإيضاح كيفية تطور المادة، أما إنها تتطور فهذا ما لا يشك فيه أحد من ~~العلماء الآن، وكفى دليلا على ذلك ما ثبت من أن العناصر تتحول. # وقد قرر «جوستاف لوبون» بالتجربة أن المادة تفني، أي تعود أثيرا غير محسوس. # ولكن ليس أحد يمكنه الآن أن يجزم في شيء عن أصل المادة ونهايتها. # والشك أيضا لا يزال قائما عن هذا الكون، هل هو متناه أو غير متناه، وهل مصيره إلى ~~البرودة والجمود والسكون، أو هل قانون التطور لا يزال يشمل عوالمه فيحدث فيها التجديد ~~الدائم بحيث تبقى على الدوام في تفاعل لا يحدث الانحلال في مكان حتى يحدث التكون في مكان ~~آخر. كذلك لسنا نعرف هل المجموعة الشمسية التي تحتوي أرضنا تكونت في الأصل من السديم أو من ~~النيازك. وما هي دلالة البقع التي تظهر على وجه الشمس. ~~(بقع في الشمس) # فهذا كله موضوع خلاف أو بالأحرى دراسة بين العلماء للآن. ولذلك خير لنا أن نقفز قفزة ~~كبيرة فنترك موضوع تطور المادة كله إلى أصل الأرض وكيفية تكونها حتى صارت إلى شكلها ~~الحاضر. # فالأرض كانت في رأي العلماء قطعة متصلة بأحد النجوم أو جزءا منها. يدلك على ذلك أن جميع ~~العناصر الموجودة بالنجوم موجودة كلها بالأرض. وهذا يمكن إثباته بتحليل الطيف الشمسي لضوء ~~النجوم، فإن مواد النجوم ما هو في حال غازية. فإذا قطعنا هذا الضوء (أي شعاعة منه) بمنشور ~~من البلور تحلل الضوء إلى جملة ألوان ولكل غاز طيف خاص. وقد أمكن بذلك ms016 أن نعرف المواد ~~المؤلفة منها النجوم ونتحقق من أنها هي نفس المواد المؤلفة منها الأرض، بل حدث مرة أننا ~~عرفنا عنصرا يدعى الهيلوم، وهو الغاز الخفيف الذي تملأ به البلونات الطائرة في الشمس، قبل ~~أن نهتدي إلى وجوده في الأرض. # والمتفق عليه بين معظم العلماء أن الأرض كانت كتلة ملتهبة، ثم بردت رويدا فصارت غازاتها ~~سوائل، ثم جمد بعضها. ~~(سديم يظن أنه أصل النجوم ~~والكواكب) # ومن المعقول في هذه الحال أن تتجه أثقل المواد إلى المركز ويبقى أخفها على السطح. وإذا ~~كان بخار الماء قد برد حتى صار سائلا وملأ محيطات العالم كما نراها الآن فإنما يكون قد حدث ~~هذا رويدا. وكانت البحار في البدء عذبة لأنها تكونت من الأمطار. # ولكن لما تقادم العهد وصارت الأمطار تقع على اليابسة ثم تنحدر منها أنهارا إلى البحر، ~~أخذت هذه الأنهار تكتسح أملاح اليابسة وتنزل بها إلى البحار، ثم تعود مياه البحار إلى ~~التبخر فيبقى الملح بها وتزداد كميته بذلك عاما بعد عام. # ومما يدل على ذلك أن البحيرات المنقطعة أو التي يقل نزول المطر فيها مثل البحر الميت في ~~فلسطين، والبحر الأحمر شرق مصر، أكثر ملوحة من المحيطات الكبيرة، فالماء يتبخر من هذين ~~البحرين كثيرا لوقوعهما في منطقة دافئة، ويقل نزول المطر فيهما فتقل عذوبتهما. # وليست أرضنا مستوية السطح إذ فيها نتوءات نسميها جبالا في بعض الأمكنة، وفيها غئورات في ~~أمكنة أخرى نسميها محيطات. ولكن الجبال والبحار إذا قسناها إلى حجم الأرض لم تكن إلا بمثابة ~~خدوش بسيطة لا يحسب لها حساب. # وأهم عامل في انحدار المياه إلى المحيطات وسبب ملوحتها هو الجبال. فما هو أصل ~~الجبال؟ # في الأرض الآن عدة براكين خامدة تدل على أن حرارة باطن الأرض كانت في الزمن القديم أشد ~~مما هي الآن. وبدهي أن مثل هذه الحرارة كانت كثيرا ما تحدث نتوءا أو غئورا في قشرة الأرض ~~التي كانت تتقلص وتتمدد. # ولكن السبب الأهم الذي يعزي إليه الآن ارتفاع الجبال وتكونها هو الأنهار. وهي أيضا سبب ~~العصور ms017 الجليدية التي تناوبت العالم جملة مرارا. # وكيفية ذلك أن الأمطار إذا وقعت على اليابسة حملت معها ما تذيبه من جوامد اليابسة، وشقت ~~لها طريقا فيها حتى تصل إلى البحر فتنصب فيه. فإذا توالى هذا جملة ملايين من السنين ثقل ~~قعر البحر الذي انصبت فيه هذه المياه. # فإذا لم يستطع قعر البحر أن يحتمل ما عليه من تراكم هذه المواد التي حملتها إليه الأنهار ~~غار إلى تحت، وهو في غئوره يدفع باطن اليابسة إلى النتوء، فتبرز الجبال، على نحو ما يحدث ~~إذا صنعنا كرة من العجين، إذا ضغطنا جزءا منها فغار نتأ جزء آخر يجاوره. # والجبال الحاضرة يدل بعضها على أنها كانت يوما ما مغمورة بماء البحر، بدليل ما يوجد فيها ~~من متحجرات الأحياء مثل المحار التي لا تعيش إلا في المياه الملحة، ومع أن المقطم، شرق ~~القاهرة، لا يكاد يعد جبلا، فإنه على كل حال يرتفع على سطح البحر بنحو 400 متر. ولكنه مع ~~ارتفاعه هذا يحوي أحافير متحجرة من المحار الذي يدل على أنه كان في عصر قديم جزءا من ~~البحر. # فالأنهار هي أصل الجبال، والجبال هي أصل العصور الجليدية، وهي علة اختلاف مناخ البلدان في ~~الأزمنة القديمة. # وكيفية ذلك أن الجبل إذا ارتفع بلغ طبقة رفيقة من الهواء؛ فتتشعع منه حرارة الشمس؛ ولهذا ~~نجد الحر في السهول ونجد البرد، بل الثلج أحيانا، في الجبال؛ لأن الهواء إذا تكاثف في ~~السهول صار بمثابة الغطاء واللحاف، فيحفظ بذلك الحرارة أما إذا رق على الجبال فليس هناك ما ~~يمسك الحرارة. # فإذا امتلأت البحار بما تحمله إليها الأنهار غارت قعورها فنتأت عندئذ الجبال، فإذا سقطت ~~على هذه الجبال الأمطار جمدت وصارت ثلجا، ثم يأخذ الثلج في الانحدار على الجبال ويذهب ~~أيضا إلى البحر حاملا معه شيئا كثيرا من اليابسة. والجبال تتآكل وتتحات بانحدار الثلج، ~~حتى تذهب قممها، فلا تجمد الأمطار عليها؛ لأنها غير مرتفعة، وهنا تأخذ السيول في جرف الجبال ~~فيزيد تحاتها ويسرع هذا في إثقال قعور البحار. # وارتفاع الجبال وتحاتها كلاهما ms018 يؤدي إلى تغير المناخ وإلى زيادة مياه البحار أو نقصها. ~~فإذا كانت الجبال مرتفعة حدث ما يسمى «عصرا جليديا» فتشتد البرودة وتنقص مياه البحار؛ ~~لأن المطر الذي تتكون سحبه من بخار مياه المحيطات يقع على هذه الجبال فيجمد ولا ينزل إلى ~~البحر إلا ببطء. ففي العصر الجليدي الأخير مثلا كانت مياه البحر المتوسط قليلة حتى إن ~~أوروبا كانت متصلة بإفريقيا في عدة أمكنة. وكانت إنجلترا متصلة بأوربا وكانت آسيا متصلة ~~بشمال أمريكا. # وكان مناخ مصر أبرد مما هو الآن؛ لأن عصر الجليد في أوروبا كان عصر الأمطار في مصر. وكان ~~جبل المقطم، وهو قاحل الآن، حافلا بالحيوان والنبات مما لا نزال نجد متحجراتهما ~~للآن. # وقد انتاب العالم حسب تحقيق العلماء الآن خمسة عصور جليدية كانت سببا في إبادة أنواع ~~عديدة من الحيوان والنبات ومنشأ أنواع أخرى. # ومن ذلك يتبين للقارئ أن جبالنا الراهنة لن تعيش إلى الأبد فإنها ستتآكل وتتحات من سيلان ~~الماء عليها، ثم يثقل قعر البحر فيسيخ ويغور وتظهر جبال جديدة في أمكنة أخرى. # وكذلك شكل قارات العالم لم يكن كما هو الآن. وظاهر من غربي أوروبا وأفريقيا ومطابقته ~~لشرقي أمريكا الشمالية والجنوبية أن قارة أمريكا كلها كانت جزءا متصلا بأوربا وإفريقيا. ~~وأدنى تأمل لخارطة العالم يبين هذا. # | أصل الحياة وغايتها # لم يئن الوقت للإجابة على هذا السؤال، ذلك أننا عشنا عشرات القرون ونحن نعتمد في المعارف ~~الخاصة بأصل الحياة على قصص تقليدية، لكل أمة صيغتها الخاصة لها، فللصينيين قصة وللهنود ~~أخرى وللأتراك أخرى، وهلم جرا. وهذه القصص قد عاقت التفكير العلمي بشأن البحث عن أصل ~~الحياة. وخاصة عندما اندغمت هذه القصص في الأصول الدينية؛ لأن هذا الاندغام جعل المخالفة ~~لهذه القصص والأساطير جريمة. # وليس الخوف من الوقوع في الجريمة هو وحده الذي حال دون التفكير العلمي. لأن هناك ما هو ~~أكبر من هذا الخوف وهو الإيمان بالقصة أو الأسطورة منذ أيام الطفولة، حين تشتبك تفاصيلها ~~بعواطفنا حتى لنشمئز وننفر من الفحص عما فيها من صحة أو زيف. ms019 # وأعظم المفكرين تلابسه عقائد المجتمع الذي يعيش فيه وعاداته الذهنية والنفسية، وهو لا ~~يتخلص منها إلا بمقدار صغير. اعتبر أرسطوطاليس مثلا؛ فإن القوة الذهنية عنده كانت عظيمة، ~~وكانت قدرته على الترتيب والتفصيل معجزة، وقد ألف كتابا عن الحكومة أو الدولة في أيامه يحس ~~من يقرؤه أنه قد استضاء فيه بفكرة التطور، ولكنه مع ذلك عمي عن الانتباه إلى تطور الأحياء، ~~ولم يمنعه من ذلك سوى الأساطير التي نشأ عليها، إذ هي أطبقت على ذهنه وغمت على ~~ذكائه. # والآن وبعد نحو مائة وخمسين سنة فقط من العلم البيولوجي شرع الإنسان يفكر التفكير العلمي ~~في أصل الحياة، وشرع يبصر بأن الحياة هي خاصة من خواص المادة كما أن العقل هو خاصة من خواص ~~الحياة. وقد بسطت لنا الكيمياء الحيوية (أي التي تدرس كيمياء الجسم الحي من نبات وحيوان) ~~آفاقا جديدة في البحث والدرس، انتهينا منها إلى الوقوف على أجزاء كثيرة من الجسم الحي، ~~وكيف تصنع بالتأليف والتركيب من مواد غير حية. فهناك مركبات حيوية يصنعها الجسم الحي مثل ~~الإنزيمات والفيتامينات والهورمونات، وهي مركبات محورية في الأحياء بحيث لا يمكن أن تحيا ~~بدونها. ومع ذلك تصنع الآن هذه المواد في المعمل دون حاجة إلى الجسم الحي، بل هي تصنع في ~~المعامل ويعالج بها الإنسان أو الحيوان عندما تنقصه. # وقدرتنا الحاضرة على إيجاد هذه الأجزاء من الجسم الحي هي بشير بما سوف نستطيعه عندما ~~نتقدم في الكيمياء العضوية. إذ ليس بعيدا أن نصنع الكل كما نصنع الآن الجزء بل الأجزاء. ~~وكل ما نحتاج إليه هو الوقت. وليس في الجسم الحي من العناصر ما لا يوجد في حفنة من الصلصال. ~~بل إن المشابهة الكيماوية كبيرة بين الاثنين. # وقد نشأت الخلية الأولى قبل نحو سبع مئة مليون سنة أو أكثر حين شرعت الأرض تبرد، وتتخثر ~~الغازات إلى سوائل، ثم تجمد هذه إلى مواد صلبة، ومن العسير علينا أن نعرف تلك الحال الأولى ~~حين نبض الطين بالحياة؛ إذ أين كان النيتروجين والكربون والأكسجين والهيدروجين؟ وكيف كانت ~~الأشعة ms020 الشمسية وأثرها في الغيوم التي كانت تكسو الكرة الأرضية التي كانت تدور بأسرع مما ~~تدور الآن حول نفسها وحول الشمس؟ # كل هذا نجهله كما يجهل أحدنا ما يقوم به الكيماوي في معمله المقفل، ولكننا نتحسس الطريق ~~إلى الوقوف على حقائقه بالتجربة تلو التجربة. # ولكن يجب أن نفهم من عبارة «الخلية الأولى» شيئا آخر غير الخلايا المفردة التي نراها في ~~أيامنا؛ فإن هذه الخلايا هي أبسط ما نعرف في وسطنا الحاضر، ولكن الخلايا الحية الأولى التي ~~ظهرت على الأرض كانت بالطبع أكثر بدائية وأقل تركبا من الخلايا الحاضرة؛ لأن المعقول أن ~~الخلية قد تطورت، ظهرت أول ما ظهرت جزيئات بروتينية مجموعة عاجزة عن الاغتذاء إلا أقله، ~~كما نرى في هذا الوقت في «الخلية الأنيروبية» التي تعيش بلا أكسيجين، وهي لهذا السبب لا ~~تستغل سوى عشرة في المئة من طعامها، ويذهب تسعون في المئة من هذا الغذاء هباء، ثم ارتقت بعد ~~ذلك باستغلال الأكسجين والاعتماد على مركبات أو جزيئات قوية من البروتين. # وأجسام الأحياء، من نبات وحيوان، تحتوي ثلاثة مركبات لا يمكن أن يخلو منها جسم حي ~~هي: ~~(1) # الكربوهيدرات؛ مثل السكر والنشا. ~~(2) # والدهنيات؛ مثل الشحم والزيت. ~~(3) # والبروتينات؛ مثل زلال البيض واللحم والجبن. # والجزيء في السكر (مثل جلوكوز) يحتوي 24 ذرة. # والجزيء في الشحم (مثل ترستيارين) يحتوي 153 ذرة. # والجزيء في البروتين (مثل زلال البيض) يحتوي 2305 ذرات. # ومن هذه الأرقام نفهم أن أعقد المركبات في الجسم الحي هي البروتينات، وأسهلها هي ~~الكربوهيدرات، وقد استطاع الإنسان أن يصنع، كيمياويا - أي في المعمل - السكر والشحم، ~~ولكنه لم يستطع صنع البروتين. # والجسم البشري يحيل السكر إلى شحم، وكذلك الشحم إلى سكر، ولكن أجسامنا لا تستطيع إحالة ~~السكر أو الشحم إلى بروتين؛ ولذلك نحن نموت بعد مدة قصيرة إذا اقتصرنا على الاغتذاء بالشحم ~~فقط، أو بالسكر فقط، أو بالاثنين معا؛ لأن أجسامنا تعجز عن صنع اللحم منهما. # ولكننا نستطيع أن نحيا إذا عشنا على البروتينات فقط؛ مثل زلال البيض أو اللحم أو الجبن؛ ~~لأن أجسامنا تستخلص ms021 منها السكر والنشا، وهناك آلاف من الحيوان تعيش على البروتينات ~~فقط . # ومن هنا نفهم أن البروتين هو المادة الحية الأولى، والمادة البروتينية تحمل على الدوام ~~شحنة كهربائية تجعلها على تفاعل مع الأجسام المكهربة المحيطة بها؛ فهي تتذبذب بها كما ~~يتذبذب الحديد بالقوة المغنطيسية، وهذا التذبذب هو في النهاية أقرب الأشياء إلى الإحساس ~~والتحرك، والإحساس والتحرك هما خاصة الأحياء. # ولذلك يمكن الظن بأن أول الأحياء على الأرض هو مجموعة من الجزيئات البروتينية الكهربائية ~~التي اغتمزت بالحياة، ولم يكن هذا الاغتماز سوى حركة أو ذبذبة كهربائية. ~~••• # وفي تطور الأحياء خطوط واضحة، إذا تأملناها فهمنا وزادت بصيرتنا لماضينا كما تزيد رؤيانا ~~لمستقبلنا؛ ففي الأحياء خط واضح نحو الغريزة؛ كالنمل والنحل والكثير من الأحياء الدنيا، بل ~~نستطيع أن نقول إن النبات يحيا ويغتذي وينمو بغريزته كالنحل أو النمل، وأنه لولا أن أجسام ~~النبات كاسية بالسليلوز الجامد لاستطاع أن يتحرك ويتنقل، ولكن النبات حين يختار طعامه من ~~التربة لا يختلف كثيرا من النحل حين يرشف رحيق الزهرة ويصنع الشهد والشمع. # هذا الخط؛ خط الغريزة، يعم أكثر من 99 في المئة من الأحياء؛ أي الحيوان والنبات، وهي ~~لأنها غريزية لا تدري وجودها؛ فهي في غيبوبة، أو تكاد تكون كذلك. # أما الخط الآخر فيتجه نحو الوجدان؛ أي الوعي الذي يبلغ ذروته في الإنسان، فنحن ندري أننا ~~موجودون، ولذلك نتعقل؛ لنا أمس وغد، ولكننا مع ذلك لم نخل من الجهاز الغريزي كالنبات ~~والحشرات؛ فالطفل يرضع أمه بالغريزة، كما ترشف النحلة رحيق الزهرة بالغريزة، أو كما يمتص ~~النبات غذاءه من الأرض بالغريزة، ونحن نهضم طعامنا بالغريزة، فنقبل الحسن منه ونقيء السيئ ~~كما يفعل جذر الشجرة. # ولكن الوجدان هو الذي نزن به الظروف والأشياء، ونقابل بينها ونتعقل، وهو يتركز في الدماغ، ~~وعلى قدر هذا الدماغ الأعلى - وليس الدميغ الخلفي السفلي - يكون الوجدان، وإذا نزع هذا ~~المخ في الحيوان؛ كالكلب مثلا، ارتد إلى غريزته، فيسلك ويتصرف كما لو كان نملا أو ~~نحلا. # وعندما تحتد الغريزة نسميها عاطفة، وعواطفنا في الغضب والخوف ms022 والشهوة لا تزال قوية ~~عنيفة، مما يدل على أن جهازنا الغريزي لا يزال قويا، ولكننا صائرون بالوجدان والتعقل إلى ~~التغلب عليه. # وحتى عندما نسير مع السيكلوجيين السلوكيين ونقول إن تفكيرنا يرجع إلى الرجوع الانعكاسية ~~المكيفة الأول، فإن هذا القول لا ينقض اعتمادنا على العقل، بالمقارنة إلى الحشرات التي ~~تعتمد على الغريزة. # فمستقبلنا هو زيادة التطور في العقل، وكما أن الزرافة استطاعت أن تزيد طول عنقها إلى نحو ~~مترين كي تصل إلى الغصون الطرية العالية أو إلى الأعشاب الأرضية البعيدة، فإننا نحن كذلك ~~نستطيع أن نزيد الدماغ البشري، الذي هو آلة التفكير، حجما ومساحة، فنزيد قدرتنا على ~~التفكير المنطقي، ويزيد وجداننا؛ أي وعينا ودرايتنا بالعالم والكون وبأنفسنا أيضا. # وقد ظهرت «غيبيات» جديدة عند بعض الدراسين للتطور، وفي مقدمتهم برجسون «الفيلسوف» ~~الفرنسي؛ فإنه يقول بأن الحياة مبدأ، أو عنصر، أو فكرة مستقلة عن المادة، وإنها إنما تستخدم ~~المادة فقط كي تبدو أو تتمثل في أجسام الأحياء؛ كأن هناك حياة مجردة بدون أحياء، بل إنه ~~ليتمادى بعد ذلك حتى ليقول إنه ليس بعيدا أن تتخلص الحياة من المادة في المستقبل وتحيا ~~الأحياء بلا أجسام! # وهذا كله عبث في التفكير، وهو ردة إلى أفلاطون حين كان يقول أن البياض سبق الشيء الأبيض ~~وله وجود مستقل، وأن الإنسانية سبقت الإنسان ولها وجود مستقل؛ أي إن الفكرة سبقت المادة، ~~وما دخلت الغيبيات قط في علم أو فلسفة إلا أفسدتهما، وأقل ما يقال في الرد على برجسون ~~وأفلاطون إننا إلى الآن لم نر سوى الأجسام الحية، ولم نر الحياة المجردة، ولم نر العقل ~~المجرد، وإنما عرفنا الأحياء التي تحمل هاتين الخاصتين فقط. # | نشأة الحياة الأولى # رأى العلماء أن الأرض كانت قطعة من نار قد انفصلت عن الشمس ثم أخذت تبرد، وأول ما يبرد ~~منها هو - بالطبع - قشرتها لإشعاع الحرارة منها. # وبدهي أن أول ما يبرد من الأرض بعد ذلك هما القطبان، والقطب الجنوبي منفصل من سائر ~~اليابسة بالبحار، فمن المعقول أنه إذا كانت الحياة الراهنة قد نشأت ms023 على الأرض ولم تأت إليها ~~من كوكب آخر فإن مكان نشوئها هو القطب الشمالي؛ وذلك لأنه متصل بسائر اليابسة في العالم؛ ~~فالأحياء تجد فيه متسعا ومنه طريقا إلى سائر اليابسة. # وليس معنى هذا أنها لم تنشأ في القطب الجنوبي مطلقا؛ إذا المرجح أنها نشأت في القطبين ~~معا، ولكنها وقفت عن التطور في القطب الجنوبي؛ لإحداق المياه به وطغيانها عليه، أما في ~~القطب الشمالي، فإن المجال كان يسمح بنشوء الحياة وتطورها؛ لاتصاله باليابسة. # ثم أخذت الأحياء تنتشر رويدا في الجنوب كلما خفت حرارة سطح الأرض وأخذت البرودة النسبية ~~للأحياء بالتكاثر. # والمرجح أن الحياة الأولى ظهرت في السواحل؛ حيث يختلط الماء بالطين، وحيث أشعة الشمس ~~تصل إلى قعر الماء. # ولسنا نعرف ماهية الحياة الأولى، فربما كانت أبسط من «الخلية»، ومما يجعل هذا البحث من ~~أصعب الأبحاث أن طبقات الأرض لا تسعفنا بشواهده كما تسعفنا بشواهد أخرى عن الحيوانات ~~والنباتات المنقرضة وتوضح لنا طرق تطورها؛ والسبب في ذلك أن الخلية الأولى كانت من الصغر، ~~ولين المادة الهلامية، بحيث إذا ماتت لم يبق لها أثر يشهد على وجودها. # ومما يرجح، في النشأة الأولى للحياة، أن النبات سبق الحيوان؛ وذلك لأن النبات يستطيع أن ~~يتغذى من العناصر الجامدة بخلاف الحيوان؛ فهو إما أن يغتذي بنبات وإما بحيوان مثله. # ويمكننا بذلك أن نقول: ~~(1) # إن الحي الأول كان نباتا. ~~(2) # إنه نشأ في ضحاضح السواحل. # والسبب في أنه نشأ في الضحاضح دون الغمر العميق من البحار أن البحار لم تكن ملحة في الزمن ~~القديم كما هي الآن؛ لأن ملوحة البحار إنما تكونت من انصباب أنهار العالم واكتساحها أملاح ~~اليابسة إليها، والنبات يحتاج إلى الأملاح كي يعيش، وهو يجد هذه الأملاح في طين السواحل، ثم ~~إن النبات يحتاج إلى ضوء الشمس كي يعيش أيضا، وهو إذا نشأ في قعر المحيط العميق منعت ~~المياه عنه هذا الضوء. # ودليل آخر على أن الأحياء الأولى عاشت دهرا طويلا في مياه البحار، أن عناصر مياه البحار ~~لا تزال موجودة في جميع أجسام الأحياء؛ ms024 نباتا كانت أو حيوانا، وأهم هذه العناصر هو ~~«اليودين»، وثانيها هو ملح الطعام، وكلاهما ضروري لكل حي، وفي ملوحة دمائنا نحن البشر ما ~~يشهد بملوحة البحر التي عاشت فيها الخلية الأولى ثم أسلافنا من الحيوان. # ولا يمكن الآن أن نعرف كيف دبت الحياة في الخلية الأولى، وقد مضى زمن كان يحسب فيه ~~الناس أن هناك تشابها عظيما بين تكون المبلورات؛ كالبرد والثلج والألماس، وبين تكون ~~الحياة، ولكن الفرق عظيم بين الاثنين؛ فالتبلور يحدث بالإضافة الخارجية، أما الحي فينمو ~~بالتمثيل الداخلي؛ أي إنه يحتوي على مادة جامدة أو حية ثم يهضمها ويجعلها مثله. # فدبيب الحياة الأولى في الجماد لا يزال سرا، وإنما المقرر المعروف أنه ليس في الحي عنصر ~~أو مركب لا نجده خارجه في الجماد؛ فالجسم الحي مؤلف من الكربون والنيتروجين والأكسجين ~~والهيدروجين والكبريت وجملة أملاح أخرى، وبعض المركبات التي يصنعها الجسم الحي؛ مثل النشا ~~والبول والكئول، يمكن صنعها الآن في المعامل الكيمائية. # إلا إننا إذا جمعنا المواد المؤلف منها الحي لما أمكننا مع ذلك أن نصنع خلية حية، ~~ولكننا يمكننا مع ذلك أن نلمح شيئا من طبيعة الحياة من تركيب عناصرها؛ فأهم خاصة في الحياة ~~هي الحركة والنشاط، وأهم خاصة في عنصري النيتروجين والكربون هي أيضا نوع من الاستعداد ~~للحركة العنيفة؛ لأن هذين العنصرين يستعملان في المواد الانفجارية؛ مثل البارود ~~والديناميت. # ولا فرق بيننا، ونحن أرقى ما في الأحياء وآخر السلم الذي بلغته الحياة الآن، وبين الخلية ~~البسيطة، ولحسن الحظ لا يزال في العالم أحياء مؤلفة من خلية واحدة مثل الأميبة. # فجسم الأميبة مؤلف من العناصر والمركبات المؤلف منها جسمنا، وجميع خواص الحياة التي ~~فينا نجدها فيها؛ ففيها الحركة، وفيها الإحساس بالألم؛ إذا وضعنا إلى جانبها حمضا تراجعت ~~عنه، وفيها التمثيل؛ تقبض على الطعام فتمثله في جسمها، وفيها النمو والتكاثر. ~~(تكاثر خلية الاميبة، أبسط الأحياء، ~~بالانقسام) # فالحياة الأولى إذا لم تكن قد نشأت بهيئة أبسط من الخلية (وقد فقدنا آثارها)، فهي قد نشأت ~~بهيئة خلية الأميبة الموجودة الآن. # وجميع ms025 خواص الحياة موجودة كما قلنا بالأميبة، ولكنها في حال ابتدائية؛ فهي تهضم الطعام ~~بجلدها، وهي تسير عليه؛ أي على هذا الجلد، وليس لها عين، ولكنها تميز الضوء من الظلمة، وليس ~~لها أنف، ولكنها تشم الحمض وتحاول أن تفر منه، وهلم جرا. # فالفرق بيننا وبينها أنه قد حدثت فينا أنواع من التخصص في الأعضاء؛ فبدلا من أن ننظر ~~بجميع جلدنا صرنا نخص جزءا منه لهذا العمل، وبدلا من أن نهضم به صرنا نخص المعدة والأمعاء ~~لذلك. # ولكننا عند التأمل نجد أن معدتنا وأمعاءنا هما جزء من جلدنا أيضا؛ فالأميبا مثل الكرة، ~~ونحن مثل الكعكة، كما يظهر ذلك لدى أقل تأمل؛ وخاصة إذا صرفنا النظر عن الأيدي والأرجل؛ ~~فنحن مجوفون من الوسط، وجلدنا السطحي متصل بجلدنا الداخلي من الفم إلى المخرج. # زد على ذلك أننا نبدأ حياتنا في أرحام أمهاتنا خلية واحدة، تنمو كما تنمو الخلية بفرق ~~واحد، وهو أن الخلية إذا نمت وكبرت انقسمت قسمين، وعاد كل قسم فانقسم قسمين منفصلين، وهلم ~~جرا. أما نحن، فالخلية الأولى تنقسم خليتين دون أن تنفصلا، وتعود كل خلية فتنقسم قسمين ~~متصلين، وهلم جرا. # | وجهتا التطور في الحيوان والنبات # الحيوان والنبات كلاهما يشترك في الحياة؛ فقوانين الحياة تشملهما جميعا من حيث الاغتذاء ~~والتنفس والوراثة والتزاوج والنمو، وهما أيضا مشتركان من حيث التطور؛ إذ هما كلاهما نشآ من ~~الجسم البسيط المتجانس إلى الجسم المركب المتغاير، وإنما هما يشتركان لأن الحياة التي فيهما ~~واحدة، بل هما أحيانا يتداخلان فيعيش النبات عيشة حيوانية يسطو على الحيوان أو النبات ~~ويأكله، ثم هو يتحرك ويستجيب للمؤثرات العصبية بالحركة وإفراز السوائل. # ويعيش الحيوان عيشة نباتية أحيانا، بحيث يستعين على الحياة بمادة الكلوروفيل الخضراء ~~التي في النبات، وأحيانا يؤثر السكون على الحركة كما هو الشأن في النبات؛ (كما يفعل ~~حيوان الإسفنج). # وهذا الاشتراك يدلنا على أن النبات والحيوان قد نبعا من أصل واحد، وأن الفرق بين النخلة ~~والأسد أو بين العشب والفأر، من حيث اعتبار قوانين الحياة العامة، لا يختلف في النهاية ms026 عن ~~الفرق بين الكلب والذئب أو بين الذرة والقمح، إلا اختلافا في الدرجة فقط. # ولننظر الآن في بعض ما يظهر من مظاهر الاختلاف، لنرى هل فيها اختلافات جوهرية تفصل النبات ~~عن الحيوان فصلا تاما، وتميزه منه بحيث يستدعي الاعتقاد بأن حياة الحيوان غير حياة ~~النبات، أو أن هذه المظاهر سطحية فقط قد اقتضاها اختلاف البيئة! # ولنبتدئ بالاغتذاء؛ فإن المعروف عند جميع الناس أن النبات يغتذي من الجماد، أما الحيوان ~~فيغتذي من النبات أو من الحيوان، وليس هذا فرقا كبيرا: # أولا: # لأن العناصر التي يغتذي بها النبات هي نفسها العناصر التي يغتذي بها ~~الحيوان؛ أي إننا عند تحليل الغذاء إلى عناصره الأولية، من نتروجين وكربون ~~وغيرهما، نجد أن غذاء النبات هو نفسه غذاء الحيوان، وإنما يمتاز النبات ~~بالقدرة على إحالة الجماد إلى مادة نباتية مثله، ويمتاز الحيوان بالقدرة ~~على إحالة النبات أو الحيوان إلى مادة حيوانية مثله. # وثانيا: # لأن بعض الحيوانات تستطيع أن تغتذي من الجماد، وذلك بواسطة الكلوروفيل؛ ~~أي المادة الخضراء التي في النبات، فإن هذه المادة هي التي تجعل النبات ~~يغتذي من الجماد؛ ففي بعض الحيوانات؛ مثل نوع من الإسفنج ونوع آخر من الدود ~~ونوع آخر من القشريات، نجد هذه المادة، وبواسطتها يقدر الحيوان على ~~الاغتذاء من الجماد. # وثالثا: # في بعض النباتات أنواع ليس بها مادة الكلوروفيل هذه، فلا يمكنها أن تغتذي ~~من الجماد، بل هي تغتذي من الحيوان أو النبات كما هو الشأن في البكتريا ~~التي تحدث الأمراض، وفي الكمأة التي تعيش على المادة الحية؛ مثل الجيف. # ونقول رابعا وأخيرا: # إن الفرق بين الحيوان والنبات من حيث الاغتذاء ليس كبيرا؛ إذ إن بعض ~~النباتات الخضر؛ أي التي تغتذي من الجماد، تغتذي أيضا من الحيوان؛ وذلك ~~بأن تطبق زهرتها على الحشرات فتقتلها وتمتصها. # والنبات والحيوان كلاهما يتنفس، وقد كان الظن قديما أن التنفس في الحيوان عكس التنفس في ~~النبات، فكان يقال إن الحيوان يحتفظ بالأكسجين ويطلق ثاني أكسيد الكربون، وإن النبات يفعل ~~عكس ذلك؛ أي يطلق الأكسجين ويحتفظ بثاني ms027 أكسيد الكربون الذي يبني منه مادته الخشبية، ولكن ~~هذا الظن خطأ؛ فإن الحيوان والنبات يتنفسان بطريقة واحدة، وإنما جاء الخطأ من الخلط بين ~~عمليتي التنفس والغذاء. # فمن حيث التنفس لا نجد أقل فرق بين الحيوان والنبات؛ فكلاهما يأخذ الأكسجين ويطرد ثاني ~~أكسيد الكربون، ولكن النبات الأخضر يغتذي من الهواء في ضوء الشمس، فيمتص من الهواء ثاني ~~أكسيد الكربون (للغذاء لا للتنفس)، ثم يطرد كمية من الأكسجين أكبر مما يطرده من كمية ثاني ~~أكسيد الكربون الذي اغتذى به. يحدث هذا في النهار، فإذا جاء الليل وقفت عملية اغتذاء النبات ~~من الهواء لانعدام الضوء، وتبقى عملية التنفس فقط؛ ولذلك هو يطلق ثاني أكسيد الكربون ~~كالحيوان، ومن هنا ضرر إبقاء النبات داخل غرف النوم؛ لأنه يزحم النائمين؛ إذ هو يتنفس ~~مثلهم. # ومما يشترك فيه الحيوان والنبات قانون الوراثة؛ فنحن البشر أرقى الأحياء، ننسل كما ينسل ~~القطن أو الفجل نسله، لا فرق بيننا وبينه، فقانون «مندل» في الوراثة ينطبق على الحيوان ~~والنبات، ومربو الخيول أو القطن أو الكلاب أو الحمام أو الأزهار يجب عليهم أن يراعوا هذا ~~القانون في اختيار الصفات التي يرغب في إيجادها في النسل، ولو كان النبات من أصل آخر غير ~~أصل الحيوان لكان الأرجح أن يختلف عنه في قانون الوراثة. # ولننظر في قانون آخر يشمل الحيوان والنبات، فالمعروف أنه كلما كبر حجم الحي طال عمره ~~بنسبة كبر حجمه؛ فالسنديان يعيش أكثر من النخل، والجميز أكثر من الشعير، وكذلك الفيل ~~والقيطس أكثر من الفأر والأرنب، كأن الطبيعة لم تخلق أنواعا على حدتها، وإنما خلقت ~~أفرادا فقط، فلما تباين الأفراد وكثرت فروق هذا التباين وتراكمت، صار هذا الفرد قائما ~~برأسه، بل صار هذا نباتا وهذا حيوانا، ومما يبصرنا بذلك أن طويل الجسم في الإنسان طويل ~~العمر أيضا على وجه عام. # ثم إننا نجد النبات قد سار سيرة الحيوان في تطوره، وإنما بطريقة أبطأ؛ فقد بدأ كلاهما ~~وليس في أحدهما ما يميز الجنس، فلم يكن هناك ذكر أو أنثى في الحيوان أو النبات، ms028 ثم ظهر بعد ~~ذلك زهر النبات يحتوي على ملاقحه، بل بعض النبات ؛ كالنخل والتوت، يختلف فيه الذكر عن ~~الأنثى. # فالوظائف الفسيولوجية كانت قديما في الحيوان والنبات معممة منتشرة في جميع أنحاء ~~الجسم، ثم حدث التخصص، فاختص عضو بالغذاء، وآخر بالتنفس، وآخر بالتلاقح، وآخر بالإحساس، ~~وهلم جرا. # وإنما اتسم النبات بالبطء للظروف التي حاطته في تطوره؛ فقوته العصبية لا تزال في درجة ~~القوة العصبية التي في ديدان الأرض، بل قد تكون أحط، ولكنها قوة عصبية مع ذلك لا تختلف عن ~~تلك التي في الحيوان إلا من حيث الدرجة، فإن منشأ العقل في الإنسان نفسه هو الغريزة، وفي ~~النبات ما يشبه الغريزة؛ فإننا إذا لمسنا دودة الأرض تقلصت، وكذلك تفعل شجيرة الميموزا ~~التي يطلق عليها الناس اسم «المستحية»؛ لأن أوراقها تتهدل عند اللمس وتنكمش، وكذلك تفعل ~~الزهرة التي تقبض على الحشرات وتأكلها؛ فإنها عندما تحس بالفراشة تحط عليها، تتنبه ~~أعصابها فتنطوي عليها وتعصرها وتمصها وتمثلها. # وهناك اختلاف ظاهر بين شكل الحيوان وشكل النبات؛ فالأول ململم منطوي مدمج، والثاني منبسط ~~منتشر، وهذا الفرق في الهيئة يوهمنا بأنه فرق كبير، ولكن الحقيقة أن طريقة الغذاء هي التي ~~أوجدته؛ فالنبات يتغذى بأوراقه، وهذه الأوراق لا يمكنها إمداد الشجرة بالغذاء من الهواء ~~إلا إذا تعرضت للشمس وللهواء، فالشجرة لذلك تنبسط وتنتشر بمقدار ما يسمح لها مكانها، أما ~~الحيوان فإنه يغتذي بباطنه، وغذاؤه مركز أكثر من غذاء الشجرة، فهو لا يحتاج إلا إلى مقدار ~~صغير بالنسبة إلى ما تحتاج إليه الشجرة، ثم قد يكون كثرة تعرضه للهواء ما يؤذيه؛ لأنه يفقد ~~حرارته. # والخلاصة أن النبات والحيوان كليهما لا يختلف أحدهما عن الآخر إلا من حيث الظواهر، ~~ولكنهما تشملهما حياة واحدة وقوانين واحدة في الغذاء والتنفس والنمو والتناسل والوراثة ~~والتطور. # | التطور في قشرة الأرض # قشرة الأرض مؤلفة من طبقات أبعدها في العمق أبعدها أيضا العمر، وهي متراكمة؛ الواحدة ~~فوق الأخرى، وقد تتداخل هنا وهنا بفعل ثوران باطن الأرض، ولكن استقراءنا للطبقات في جميع ~~القارات الخمس قد أنتج لنا ms029 نظاما لهذه الطبقات نعرف منه درجة القدم في كل طبقة # وفي كل من هذه الطبقات نجد متحجرات النبات والحيوان، ومتحجرات كل طبقة تختلف عن متحجرات ~~أية طبقة أخرى مع شيء من التداخل أيضا؛ أي قد توجد متحجرات في طبقة ما ثم نجدها أيضا في ~~الطبقتين المتحجرتين العليا والسفلى، ومرجع هذا التداخل حركات بركانية انفجارية أفسدت ترتيب ~~الطبقات. # وهذه المتحجرات إذا تتبعناها من الطبقة السفلي حتى الطبقة العليا التي نعيش عليها فإننا ~~نجدها توافق موكب التطور. وقبل الكلام عن دلالة هذه المتحجرات يجب أن نشرح كيفية قياس ~~الطبقات، بحيث نعرف عمر كل منها، ومبلغ السنين التي مضت عليها، ثم كيفية حدوث التحجر في ~~الحيوان أو النبات. # فهناك عدة طرق تعرف بها عمر الطبقات، أسهلها وأقربها إلى أذهاننا نحن المصريين ما نعرفه ~~من رواسب الأنهار؛ فإن النيل في كل سنة تنساح مياهه في أرض مصر، وتفيض فيها وتتبخر وتبقى ~~رواسبها، فهذه الرواسب ترفع سطح القطر المصري كل عام بمقدار صغير، فإذا حسبنا أن سطح مصر ~~يرتفع مليمترا في العام بهذه الرواسب فهو يرتفع مترا كاملا في ألف عام، أو ألف متر في ~~مليون عام، فإذا وجدنا حيوانا متحجرا على عمق 50 مترا حكمنا بأنه مات منذ خمسين ألف ~~عام. # وما تفعله الأنهار تفعله الأمطار الكاسحة أيضا. # ولسنا نعرف من طبقات قشرة الأرض سوى ما عمقه نحو 25 ميلا، وبدهي أننا لم نحفر في الأرض ~~بئرا عمقها 25 ميلا عرفنا منها هذه الطبقات، وإنما حدث أن البراكين وثوران الأرض في بعض ~~الأمكنة رفعا هذه الطبقات، فظهرت لنا طبقة فوق طبقة، حتى إننا نرى هذه الطبقات في بعض ~~الجبال الآن. ~~(متحجر الأمونيت، وهو حيوان رخو كانت تعج به البحار ~~قديما ثم انقرض) ~~(آثار قدم طائر وحوله قطرات المطر وقد تحجرت ~~كلها) # والآن قد يتساءل القارئ: كيف يتحجر النبات أو الحيوان؟ # فالجواب أنه كثيرا ما يسير حيوان فيقع عليه جرف فيدفنه تحته، أو تزل قدمه فيقع في ~~هاوية ثم ينهار عليه التراب من الجوانب فيدفنه، ms030 أو قد تنخسف الأرض التي تحمله لفورة في ~~باطنها فيموت تحت ما يتجمع حوله من التراب، أو قد يتورط في منقع يعجز عن الخروج منه ~~ويموت مدفونا في طينه، وهذه الأحوال نادرة الوقوع؛ ولذلك فالمتحجرات من النوادر، ونحن لذلك ~~لا نجد كل أنواع النبات والحيوان القديمة، وإنما نجد نوعا ما يبصرنا بما جاء قبله وما ~~جاء بعده. # والحيوان أو النبات المتحجر لا يوجد بلحمه وشحمه كما كان في حياته، وإنما يوجد حجرا قد ~~اتخذ هيئته في حياته وقت موته، وسبب تحوله من المادة الحية إلى مادة حجرية أنه عندما ~~يدفن تحت التراب، وتنزل فوقه الأمطار، تتسرب مياهه إليه فتفسد مادته وتعفن شأن كل حي، ~~فإذا تعفنت تحولت إلى غازات وتطايرت، فيبقى مكانها خاليا بالهيئة التي مات عليها الحيوان ~~أو النبات. # والمطر إذا تسرب إلى هذا المكان الخالي حمل معه الأملاح التي تذوب فيه وهو يمر بالأتربة ~~التي فوق الحيوان أو النبات المدفون، فهذه الأملاح تتراكم سنة بعد سنة، ومادة الحيوان تفسد ~~وتتحلل وتذهب سنة بعد سنة، حتى يجيء وقت يصير فيه الحيوان أو النبات قطعة من الأملاح أو ~~الحجر. # ولطبقات الأرض التي ظهرت فيها الحياة أسماء مختلفة، نستغني عنها ونكتفي بذكر الدهور التي ~~تعاقبت على الأحياء من بدء الخلية الأولى حتى عصرنا الحاضر، ويجب أن نتذكر أننا لا نجد تحت ~~هذه الطبقات سوى صخور بركانية لم يظهر فيها أثر للحياة؛ لأن الحياة لم تكن قد نشأت بعد؛ ~~لحرارة الأرض التي لم تكن قد بردت بدرجة تسمح للحياة بالنشوء. # وإذا نحن تتبعنا هذه الطبقات من الطبقة السفلى؛ أي أقدمها، إلى الطبقة العليا التي نعيش ~~نحن عليها، واستقرأنا الأحياء التي تحجرت فيها، وجدناها تتفق ونظرية التطور؛ فالأحياء ~~الأولى بسيطة ثم تتدرج في الرقي حتى تصل إلى الأحياء الراهنة في الطبقة العليا، وهذه ~~الطبقات تبلغ 13 طبقة تكونت في خمسة دهور. ~~(1) # الدهر القديم: # وفيه ظهرت الحياة الأولى ~~المؤلفة من خلية واحدة؛ مثل الألجة، وهي طحلب بحري لا ورق ولا جذع ولا جذر ~~له، ms031 لا يزال موجودا (منه ما هو ذو خلية واحدة، ومنه ما هو ذو عدة خلايا)، ~~وظهرت الخلية الأولى من الحيوانات أيضا. # وعمق طبقات هذا «الدهر القديم» يبلغ 70000 قدم، ولسنا نجد أثر الحياة فيه، ~~وإنما نحن نفرضها؛ وسبب ذلك أن الأحياء التي ظهرت فيه كانت هلامية صغيرة جدا ~~فلم تترك أثرا، ثم إن قرب طبقات هذا الدهر للصخور البركانية أحالها هي نفسها ~~إلى صخور متبلورة بفعل الحرارة، فضاعت منها معالم الحياة. ~~(2) # الدهر الأولي: # وله 3 طبقات ثخانتها كلها ~~42000 قدم، وهي أعمق الطبقات المشتملة على متحجرات، وفيها نرى عدة متحجرات من ~~المحار والإسفنج والمرجان والقشريات؛ (كالجنبري والسرطان)، والسمك، كما نجد ~~أيضا حيوانا صدفيا ذا خلية واحدة لا بد أنه كان يعيش في «الدهر القديم»، ~~ونجد من النبات «الألجة» النبات البحري الذي ذكرناه في الدهر السابق. ~~(سمكتان متحجرتان قد انقرض ~~نوعاهما) ~~(3) # الدهر الثانوي: # وله 5 طبقات أيضا، ثخانتها ~~15000 قدم، وفيه نجد الصنوبر والنخل والزواحف والطيور والأسماك والحيوانات ~~الكيسية (التي تحمل أولادها في كيس تحت بطنها؛ مثل الكنغر في أستراليا). ~~(الماموث؛ أي الفيل الأشعر المقرض منذ بضعة ~~آلاف السنين كما رسمه إنسان بدائي على قطعة من ~~العاج). ~~(4) # الدهر الثالثي: # وفيه ثلاث طبقات سمكها 3000 ~~قدم، وفيها متحجرات الثعابين والقياطس والقردة والأشجار الموجودة الآن. ~~(5) # الدهر الرابعي: # وفيه الطبقة الأخيرة، ~~وثخانتها 600 قدم، وبه متحجرات الماموث؛ أي الفيل الأشعر المنقرض، وذوات ~~الأربع الصوفية، والإنسان، وجميع الأشجار الحاضرة. # فأنت ترى من هذا أن المتحجرات تدل على أن الأحياء لم تخلق كلها مرة واحدة، وإنما ~~تدرجت؛ فلسنا نجد الإنسان في طبقات أي دهر ما عدا الدهر الرابعي الأخير، ولكننا نجد ~~الإسفنج في جميع الطبقات منذ الدهر الأولى، ونجد أن الزواحف قد سبقت الطيور واللبونات، ونجد ~~أن أول ما يظهر من الأحياء في الطبقات العميقة هو تلك التي هي في الواقع أبسطها تركيبا، ثم ~~يتدرج الحي من البسيط الذي لم تتخصص الوظائف في جسمه إلى المركب الذي تخصصت وظائف جسمه كل ~~منها في مكان. # والمتحجر من ms032 الحيوان يدلنا على الصلة التي تصل بينه وبين ما قبله؛ فمثلا: متحجرات ~~الطيور نجد لها أسنانا مثل الزواحف، ومتحجرات الفرس نجد لها بدل الحافر أصابع في قدميها ~~مثل الحيوانات التي نشأت منه، وهلم جرا. # ومما يساعدنا على درس التطور أن الأحياء الدنيا لا تزال موجودة، فإذا نحن عرضنا أحياء ~~العالم الباقية إلى الآن وجدنا فيها ما يدل على التطور دون حاجة إلى الرجوع إلى المتحجرات ~~في طبقات قشرة الأرض، ولكن هذه المتحجرات تنفي أقل شبهة تعترينا عن التطور؛ فهي تاريخ قديم ~~كتبته يد الطبيعة نعرف منه كيف نشأنا، وكيف ارتقينا إلى حالنا الحاضرة. # ومما يلاحظ أن كثيرا من الأحياء الدنيا لم ينقرض، مع أنه نشأ منذ نشأت الحياة على وجه ~~الأرض تقريبا، وأن ثخانة الطبقات العميقة أكبر جدا من ثخانة الطبقات القريبة؛ فثخانة ~~طبقات الدهر القديم، وهي أعمق الطبقات وأولى الطبقات التي ظهرت فيها الحياة، تبلغ 3000 قدم، ~~ولم يظهر فيها سوى أحياء من ذوات الخلية الواحدة، وهذه الأحياء لا تزال موجودة، في حين أن ~~طبقات الدهر الثالثي لم تزد ثخانتها عن 3000 قدم، وقد انقرض منها عدد كبير من الأحياء. ~~(الحيوانان التي في اليمين هي الراهنة والتي في ~~اليسار هي أصولها المتحجرة المنقرضة) # ونحن ندرك من ذلك أن الأحياء الدنيا بطيئة التطور، أما العليا فسريعة التطور؛ لهذا لا ~~تزال الأحياء الدنيا التي ظهرت في «الدهر القديم» عائشة بيننا، كما نعرف ذلك من الميكروبات ~~والبكتيريا والخمائر، أما الأحياء العليا فسريعة التطور، فهي لذلك سريعة الانقراض، ومن هنا ~~نعرف السبب في أن «الدهر القديم» كان أطول جدا من «الدهر الثالثي» مثلا. # ونستنتج أيضا أن التطور الآن أسرع مما كان، ونحن نبصر شيئا من ذلك إذا قابلنا الأحياء ~~الدنيا؛ فإذا وضعنا مئة محارة في صف واحد وأردنا تمييز كل واحد عن الأخرى صعب علينا ذلك، ~~ولكننا إذا وقفنا مئة إنسان صفا واحدا وجدنا الاختلاف والتمييز ظاهرين بين كل شخص ~~وآخر، وهذا الاختلاف داعية إلى التطور. # فالأحياء يسرع تطورها بنسبة ارتقائها، ولذلك سيكون ms033 التطور في المستقبل أسرع مما كان في ~~الماضي؛ فالمئات ستأخذ مكان الآلاف، والآلاف تأخذ مكان الملايين من السنين. # وهذا طبق ما نعرفه من الحياة؛ فالحياة تختلف عن الجماد في رغبتها الدائمة في أن يخرج كل ~~حي متميزا عن غيره بشيء ما؛ فالأحياء الدنيا قليلة النصيب من تحقيق أغراض الحياة، فهي لذلك ~~جامدة تخرج على وتيرة واحدة، أو ما يشبه أن يكون كذلك، أما الأحياء العليا فقد تحققت فيها ~~أشياء كثيرة من أغراض الحياة؛ فهي لذلك تسايرها في أهم خواصها، وهو التغير والاختلاف ~~والتميز، أو بعبارة أخرى سرعة التطور. # | التطور في الدواجن # منذ زمن بعيد عمد الإنسان إلى بعض الحيوان فاستأنسه ثم دجنه، وربما كان الأصل في ~~الاستئناس ثم التآلف والتدجين، أن الإنسان كان يصيد بعض الوحوش، فإذا قتل أنثى الوحش أخذ ~~صغارها فتكون لهوا للأطفال وللنساء، ثم تشب فتألفه وتصير من الدواجن. # وقد دجن الإنسان طائفة من النبات، ودواجن النبات والحيوان جميعها شاهد من شواهد التطور ~~التي لا تنكر؛ فهذه الحيوانات المدجنة لو عادت الآن إلى الحال الوحشية لانقرضت في جملة ~~أسابيع؛ لأنها قد اختلفت عما كانت عليه قديما، وفقدت آلات دفاعها، وتغيرت بعض وظائف ~~أجسامها حتى صار تركيب جسمها يخالف مصلحتها ويناقض الغرض من نشوئها القديم. # فإذا نحن أطلقنا دجاجنا في غابة لما أطاق الحياة أسبوعا كاملا، ولو أطلقنا نعاجنا في ~~برية لأكلتها السباع في أقل من شهر، بل نحن لو أهملنا زراعة النباتات المدجنة وحياطتها ~~بصنوف العناية لماتت في جملة أعوام؛ لاعتداء الأعشاب البرية عليها وأخذها مكانها دونها. # وقد كانت هذه الدواجن، من النبات والحيوان، قادرة على الدفاع عن نفسها قبل أن تدجن، ~~ولكنها بعد أن دجنت صار الإنسان عاملا جديدا في تطورها، فلم يعمل لمصلحتها هي باعتبارها ~~من الأحياء، بل نظر إلى مصلحته هو، وقصر وظيفتها على خدمته، فإذا رفع عنها عنايته زالت من ~~الوجود؛ وسبب ذلك أن الأحياء في حالتها الوحشية ينازع بعضها بعضا في البقاء والتناسل، ~~فتقوى على مدى الزمن، أما الدواجن فليس بينها تنازع ms034 للبقاء أو التناسل، إلا ما كان لمصلحة ~~الإنسان الذي يدبر أمورها ويتصرف في أقدارها. # وغايتنا من النظر في الدواجن الآن هو البرهنة على أنها شاهد قوي من شواهد التطور؛ فإن ~~الأصول البرية الوحشية لهذه الدواجن تكاد تكون كلها معروفة؛ ففي الهند لا يزال الدجاج ~~بريا يعيش في الغابات، وفي أمريكا لا يزال الدندي يسكن الأحراش والبراري، وحمار الوحش ~~معروف، واليمام البري لا يزال حيا، وهو أصل جميع سلالات الحمام التي نعرفها، وقل مثل ذلك ~~في سائر دواجن النبات والحيوان. # ولكن العبرة في هذه الدواجن أنها كثيرة السلالات، كل منها يمتاز بميزة ما عن سائر ~~السلالات الأخرى؛ فقد يمكننا أن نعد مئة سلالة من الحمام، ومثلها من الكلاب، ومثلها من ~~الدجاج، وإنما كثرت هذه السلالات لأن الإنسان أراد ذلك؛ فقد كان يستحسن صفة ما في عرف ~~الديك، أو دابرته، أو لون ريشه، أو صوته، أو غير ذلك، فيخصه باللقاح دون غيره، فتنتشر ~~الصفة المرغوب فيها في فراخه أو في بعضها، فينتقي من هذا البعض تلك الأفراد التي حصلت على ~~أكبر قسط من هذه الصفة فيقصرها على النتاج، ويكرر هذا العمل حتى يحصل من ذلك على الصفة التي ~~يرغب في وجودها، وتنشأ من هذا سلالة جديدة. # ومن هنا صار لدينا من الحمام: المسرول، والمطوق، والقلاب، وحمام الزاجل، وغيرها عدد كبير، ~~وكل هذه السلالات قد نشأت بالانتخاب والتربية من أصل واحد هو اليمام البري. ~~(اليمام في الوسط وهو أصل جميع سلالات الحمام ~~الموجودة الآن، ومنها الاربع التي حولها) # وعندنا من الخيول ذلك الفرس العربي الضامر، وخيول السباق، وخيول الجر، وخيول شيتلاند التي ~~لا يزيد جرمها على جرم الكلب الكبير. # وعندنا من الخراف الصوفاني والأليان وسواهما، ومن الكلاب، كلاب هولندا الضخمة التي تجر ~~العربات، وكلاب الألب، وكلاب داخشنج الألمانية، والكلاب الصينية السمينة التي تؤكل، وغيرها، ~~وكلها تنتمي إلى أصل واحد، هو السلوقي المصري. # وكذلك الحال في النبات؛ فإن عندنا مئات من سلالات التفاح، وكلها يرجع إلى نوع واحد من ~~التفاح البري، وثمره صغير الحجم ms035 حاذق الطعم. # وعندنا من سلالات القطن عشرات تختلف نسيجا وبذرة ولونا، وذوو الهمم من المزارعين لا ~~يزالون يوالون البحث عن سلالات جديدة يقصدون منها إلى نعومة الألياف، وطولها، وقصر مدة ~~الإثمار، وضمور البذرة، ونحو ذلك. # وكذلك الحال في الذرة الشامية، فقد كان النبات يوما ما ينبت على طريقة القمح، له سنبلة ~~تحتوي على ملاقحه من أعضاء الذكورة والأنوثة، ثم انفصلت هذه الملاقح فصارت أعضاء الأنوثة في ~~القنديل، واختصت أعضاء الذكورة بقمة النبات، ودليل ذلك هو ما يحصل من الردة أحيانا، إذ ~~ترد الذرة إلى أصلها فتنشأ لها سنبلة على قمتها، على نحو ما هو حاصل للقمح والذرة ~~العويجة. # وفي الولايات المتحدة، حيث العقول متيقظة، وما هو في عداد المستحيل عند الأمم الأخرى يعد ~~من الممكنات هناك - تمكن بوربانك من إيجاد ككتوس (تين شوكي) ليس في أوراقه شوك، يمكن ~~البهائم أن ترعاه، وكل يوم يشتغل المختصون بتربية الحيوان أو النبات أو من يهوون ذلك بإيجاد ~~صفة جديدة فيهما، ويأتي غيرهم فيقوي هذه، حتى إذا تقادم الزمن ظهرت سلالة جديدة، وقد فعلت ~~روسيا العجائب هنا. # فكل هذه الأمثلة عن إمكان إيجاد صفات جديدة في الحيوان أو النبات المدجن تدلنا على أن ~~الجسم الحي يقبل التحول والتطور، وما يفعله الإنسان في دواجنه تفعله الطبيعة في نباتها ~~وحيوانها، ولكن الطبيعة تعمل في ملايين السنين؛ فهي لذلك استطاعت أن توجد الأنواع ~~المختلفة، أما الإنسان فلم يعمل إلا في جملة مئات من السنين؛ فهو لذلك لم يستطع سوى إيجاد ~~سلالات فقط، ولعله لو طالت المدة وتقادم الزمن لصارت هذه السلالات المتقاربة أنواعا ~~مستقلة. # ويجب هنا أن نقول إن الفرق بين السلالة والنوع ليس من التميز الوضوح بحيث يجعل هذا ~~الحيوان أو النبات نوعا أو سلالة في بعض الأحيان على وجه البت والتقرير؛ فالإنسان - ~~مثلا - نوع واحد ينقسم إلى سلالات؛ مثل المغول والآريين والزنج الإفريقيين والأمرنديين في ~~أمريكا، ومع ذلك فقد قام حديثا أحد العلماء يقول إن المغول نوع متميز من الآرى، وليسا ~~سلالتين ترجعان إلى النوع ms036 البشري. # وعلامة النوع التي تميزه أنه لا يتلاقح مع نوع آخر، بينما علامة السلالة أنها تتلاقح مع ~~سلالة أخرى، ولكن نوع الكلب يتلاقح مع نوع الذئب، ونوع الفرس يتلاقح مع نوع الحمير؛ فالنوع ~~والسلالة يتداخلان أحيانا بحيث لا يمكن البت في كل حالة عن حيوانين أو نباتين هل هما ~~نوعان أم سلالتان من نوع واحد. # ومما يجعل محاولة إيجاد نوع جديد على يد الإنسان من الأمور الشاقة أن الحيوانات الداجنة ~~كلها تقريبا حيوانات عليا لبونة تعيش عمرا طويلا، فإيجاد صفة جديدة فيها يحتاج إلى تعاقب ~~مئات الأجيال أبا عن جد، وهذا يستغرق آلاف السنين. # وليس ينكر أن لدينا أحياء دنيا من ذوات الخلية الواحدة، وأنها تتكاثر في اليوم الواحد ~~أكثر مما نرى من الحيوانات العليا في مئة عام، وقد يظن القارئ لذلك أن محاولة إيجاد نوع ~~جديد منها يكون أسهل من محاولة إيجاد نوع جديد من البقر أو الخيل أو غيرهما، ولكن يجب ألا ~~يغيب عن الذهن أن الحيوانات الدنيا بطيئة التطور، أما العليا فسريعته، وهذا ظاهر من اختلاف ~~هيئات الأفراد في الأحياء العليا، واتفاقها أو ما يشبه اتفاقها في الحيوانات الدنيا. # وطبقات قشرة الأرض تدل على أن تطور الأحياء الدنيا قد استغرق وقتا طويلا جدا، أضعاف ~~ما استغرقه تطور الأحياء العليا، فنحن في رغبتنا في إيجاد أنواع جديدة أمام صعوبتين: ~~الأولى: أن الأحياء الدنيا وإن كانت سريعة التكاثر فهي بطيئة التطور، والثانية: أن الأحياء ~~العليا وإن كانت سريعة التطور فهي بطيئة التناسل. # وحسبنا السلالات العديدة التي أوجدها وما زال يوجدها الإنسان من الحيوان والنبات، فهي ~~شاهد على أن الحياة تقبل التحول والتطور؛ فما فعلناه نحن في آلاف السنين قد فعلت الطبيعة ~~أضعافه في ملايين السنين، ولذلك استطاعت أن توجد الأنواع، بينما نحن لم نستطع سوى إيجاد ~~السلالات. # | التطور في الشارع # عندما نرى جملا يسير على الطريق الزراعي ونتأمل عنقه المديد لا نتمالك أن نذكر أن هذا ~~العنق قد طال وامتد لأن سيقان الجمل قد ارتفعت، فهو يحتاج، كي يصل ms037 فمه إلى العشب، أن يكون ~~عنقه طويلا. # وإذا سألنا: لماذا ارتفعت سيقانه؟ فإن الإجابة تتضح من كفوفه الطرية التي تنفرش على الرمل ~~والحصا، ومن الثفنات الخشنة التي تقيه الجروح عندما يبرك، وهذا يدل على أنه حيوان الصحاري ~~الجافة، وارتفاع سيقانه يجعل خطواته واسعة فلا تحتك بالرمل والحصا كثيرا، فهو يمشي وكأنه ~~يجري. # ولكن أعظم ما يدعو إلى التفكير أن عنق الإنسان الذي لا يزيد على ستة أو سبعة سنتيمترات ~~يحتوي سبع فقرات، وكذلك الشأن في عنق الجمل الذي قد يزيد على متر أو متر ونصف! # بل هذا هو الشأن في عنق الزرافة، وعنق الفأر، وعنق الجاموسة، وعنق القط: سبع فقرات في ~~جميع الحيوانات اللبونات، وهذا برهان على الاشتراك في الأصل؛ فقد نشأنا جميعا من حيوان ~~يحتوي عنقه سبع فقرات، ثم اختلفت بيئاتنا وأحجامنا، ولكن إيجاد فقرة جديدة من العظم ليس من ~~اليسير، بل هو قريب من المحال! وإذن، صار السبيل إلى إطالة العنق زيادة النمو في بعض ~~عضلاتنا فقط، وإبقاء الفقرات كما هي في عددها الأصلي. # ونحن البشر نمشي على قدمين منتصبتين، ولكن قليلا من التأمل لحركاتنا ونحن نمشي، يدل على ~~أننا نستعمل يدينا مع رجلينا وقت المشي، كما لو كنا لا نزال نمشي على أربع، وهذا يتضح لنا ~~عندما نقارن مشية الفرس بمشية الإنسان: اليد اليمنى تتقدم مع الساق اليسرى واليد اليسرى ~~تسير مع الساق اليمنى. # وحين نشتري سمكة نجد خياشيمها على جانبي عنقها، وقل منا من يذكر أننا نحن أيضا نقضي ~~فترة من حياتنا الجنينية ونحن نمتاز بمثل هذه الخياشيم، كما لو كنا نذكر حياتنا السمكية ~~السابقة، وحياة الجنين البشرى تمثل في تكشفاتها تطور الأحياء السابقة. # وكلنا يعرف أن الميزة العظمى للإنسان على الحيوان هي هذا الدماغ الضخم الذي استطعنا به ~~التفكير والاختراع، وهو في الواقع أعظم ما وصلت إليه الطبيعة في تجاربها العديدة لإيجاد ~~الأحياء المختلفة، وعندما نقارن دماغ الإنسان بدماغ السمكة يتضح لنا السبب الأكبر لتسلطنا ~~على المملكة الحيوانية جميعها؛ فإن السمكة التي تساوي الإنسان في ms038 الوزن لا تحوي من الدماغ ~~سوى جزء من ألف بالمقارنة إلى دماغ الإنسان. # وعندما يولد الجنين البشري يبقى مدة من الزمن وجمجمته لا تلتحم من أعلاها الأمامي؛ إذ هي ~~جلدة طرية، وهذه الجلدة الطرية تعود بنا إلى مئات الملايين من السنين الماضية، حين كنا من ~~الزواحف الصغيرة الدنيئة، نزحف على الأرض، ونخشى الهجوم علينا من أعلى، فكانت لنا عين ثالثة ~~مكان هذه الجلدة ننظر بها إلى أعلى ونحذر الأعداء، وقد استحالت هذه العين القديمة إلى الغدة ~~الصنوبرية. # ولا تزال في أستراليا زاحفة تشبه العظاية (السحلية) الكبيرة، تمتاز بهذه العين الثالثة، ~~وتدعى تواتارا. # | التطور في الإنسان # من السهل أن يرى الإنسان في تقاطيع وجهه وتقاسيم أعضائه، وفي قده ومزاجه، شيئا كثيرا ~~مما ورثه عن أبويه، ويرى أيضا في شكل أعضائه صلة الاشتراك بينه وبين جدوده الأقربين، وإن ~~كانت هذه الصلة أضعف مما هي بينه وبين أبويه. # ونظرية التطور تقول بأن الأحياء كلها تشترك في أصل واحد، هي الخلية الأولى التي ما زلنا ~~نرى مثالا لها في الآميبة، فإذا صحت هذه النظرية وجب علينا أن نرى آثار الأحياء القديمة ~~التي مر فيها تطور الإنسان من الخلية الأولى حتى صار بحالته الراهنة. # وبدهي أننا لا ننتظر أن نرى هذه الآثار ظاهرة قوية؛ أي بقوة ما نرى من الآثار التي يتركها ~~الأب للابن؛ فآثار الوراثة تضعف وتكاد تتلاشى بنسبة بعد الفرد الذي نرث عنه شيئا في جسمنا ~~أو ذهننا، وعلة هذا الضعف ليست تقادم الزمن، وإنما طروء الأجيال جيلا بعد جيل، وطبع كل ~~جيل سماته في عقبه، بحيث تظهر هي وتستر سمات الأجيال السابقة. # فالإنسان باعتبار كفاياته الوراثية أشبه شيء بالبصلة؛ أظهر ما فيه من هذه الكفايات ما ~~ورثه عن أبويه، ثم تستتر طبقة وراء أخرى، وتتضاءل هذه الطبقات، حتى تصل إلى عهد الخلية ~~الأولى التي نشأت منها جميع أنواع الحيوان والنبات، ومنها الإنسان. # وعمر الإنسان الحقيقي لا يبتدئ من عهد خروجه من رحم الأم، بل من عهد ظهور الخلية الأولى ~~في العالم؛ فكل ms039 منا قد عاش؛ أي قد بقي حيا في حياة متصلة إلى عهد ظهور الخلية الأولى؛ أي ~~إن عمره لا يقدر بأقل من مئات الملايين من السنين. # وفي جسم الإنسان ما يدل على اتصال الحياة بيننا وبين الخلية الأولى؛ فبناء جسمنا - مثلا ~~- من خلايا لا يختلف في شيء من أصول الحياة عن خلايا الخمائر أو عن الميكروبات أو عن ~~الأميبة، بل خلية أجسامنا لا تختلف من هذه الوجهة عن خلية أجسام النبات، ونحن ننمو كما تنمو ~~خلايا جميع الأجسام الحية، وفي أجسامنا أعضاء أثرية لم تعد لها فائدة ما، وقد كانت مفيدة في ~~وقت ما عندما كنا نعيش عيشة حيوانية. # فمن هذه الأعضاء، ذلك المعى القصير المسمى بالأعور أو الزائدة، فهذا العضو كبير ~~مستطيل في الحيوانات التي ترعى الأعشاب، وهو يفيدها في إحالة المادة الخشبية في هذه الأعشاب ~~إلى سكر تهضمه أمعاؤها، وقد كانت زائدتنا تؤدي لنا هذه الوظيفة عندما كنا نرعى الأعشاب مثل ~~سائر البهائم، أما الآن فقد تغير طعامنا، ولم يعد لها فائدة؛ ولذلك فقد ضمرت وضعفت عن ~~مقاومة الأمراض، وكثيرا ما تكون لذلك سببا في التهابات مؤذية نحتاج معها إلى استئصالها، ~~ولو كانت مفيدة لنا لكان استئصالها مضرا. ~~(العمود الفقري للإنسان وفي نهايته السفلى 5 فقرات ~~مكتنزة للذنب؛ أي العجب أو العصعص) # وإذا اعتبرنا نظام جسمنا وتركيب أعضائنا، وجدناهما لا يختلفان عما هما عليه في الحيوان، ~~مع اعتبار الأقرب في النسب الذي يكون على الدوام أقرب في المشابهة؛ فنحن نهضم الطعام كما ~~يهضمه الحيوان، ولنا من الغرائز الأصلية مثل ما له، ومادة أعصابنا هي نفسها مادة أعصابه من ~~حيث التركيب. # وعلى هذه المشابهة، بل القرابة، أمكن التعالج بأعضاء الحيوان؛ فنحن نتعالج بالغدة الدرقية ~~المستخرجة من الفرس إذا إيفت غدتنا، ونحن نتعالج بمفرزات غدد البنكرياس المستخرجة من ~~العجول إذا أصبنا بالديابيطس؛ أي البول السكري، فلو لم نكن نحن والفرس والعجول من أصل واحد، ~~تجري أجسامنا جميعا على نظام واحد، لما أمكن التعالج بهذه الأشياء؛ أي لو كان الإنسان قد ms040 ~~خلق على حدة لكان له نظام آخر في وظائف أعضائه يختلف عن النظام الذي نراه في سائر ~~الحيوان. # ثم اعتبر اليد والقدم الإنسانيتين؛ ففي كل منهما 5 أصابع، وفي طرف جناح الدجاجة وزعنفة ~~القيطس، على الرغم من الاندغام، 5 أصابع أيضا، دع عنك أن جميع الزواحف واللبونات لها أيضا ~~5 أصابع في كل يد، فنحن نشترك وآلاف الأنواع من الحيوان في هذه السمة، وهذه وحدها كافية لأن ~~تدل على أننا من أصل واحد. # وحياة الجنين في الرحم تمثل لنا تاريخ نوعنا وتدرجه من الخلية الأولى التي نشأت في ~~العالم حتى صار إنسانا، فهو يبدأ خلية واحدة تأخذ في الانقسام والزيادة على نحو ما تفعل ~~الخمائر، ثم يتخذ هذا الجسم هيئة الحلقة، ثم يتخذ خياشيم كالسمك، ثم تظهر الأيدي والأرجل، ~~ويكون له ذنب طويل، ثم يضمر الذنب ويزول، ثم ينبت للجنين شعر يجعل جلد الجنين كجلد ~~البهائم، ثم يزول أيضا. ~~(في اليمين جنين إنسان، وفي الوسط جنين كلب، وفي ~~اليسار جنين سلحفاة، عمرهم جميعا 28 يوما، والذنب واضح ~~فيهم) # فالإنسان وهو في طور الجنين يمثل الأطوار التي مر عليها منذ نشوء الأحياء على الأرض؛ وذلك ~~لأن في كل منا ذاكرة غير وجدانية لا نشعر بها، كتلك الذاكرة التي نهضم بها طعامنا، فليس يشك ~~قارئ في أنه يدري، بل يتقن فن هضم الطعام، ولكنه لا يشعر بأنه يمارس هذا الفن بعد تناوله ~~الطعام؛ فهو يفعل هذا بذاكرة غير وجدانية؛ وهي غير وجدانية لأنها قوية قد أتقنت ما بسبيله ~~من العمل حتى صارت لا تشعر به. # وليس في هذا الكلام غموض كما يتوهم القارئ لأول وهلة، فإن كل شيء نذكره جيدا لا نشعر ~~بأننا نذكره، وإنما يأتي الوجدان عند ضعف الإتقان وعدم الإجادة، فإذا كان أحدنا يعزف على ~~الكمان عزفا غير متقن لأنه كان مبتدئا - مثلا - في تعلم هذا الفن، فإنه يحس ويشعر بحركة ~~يده، ولا يمكنه أن يخاطبك وقت عزفه لئلا يرتبك، أما إذا كان قد قدم عهده بالعزف فأجاده، ~~فإنه يعزف ms041 ولا يشعر بعزفه، فيمكنه أن يخاطبك، أو أن يستمع لحديثك، أو أن يفكر في أي موضوع ~~دون أن يرتبك في عزفه. # فنحن نهضم طعامنا بذاكرة غير وجدانية، وكذلك نسير في الشارع ونعمل معظم أعمالنا المتكررة ~~التي اعتدناها وتدربنا عليها بذاكرة غير وجدانية، وكذلك جسمنا، فإنه ينمو في الطرق التي ~~اعتاد سلفه النمو فيها بذاكرة غير وجدانية أيضا. # وقد سبق أن قلنا إن حياة الإنسان تمتد إلى بدء ظهور الحياة في العالم منذ الخلية الأولى ~~إلى الآن؛ ذلك لأنه قبل أن يتكون في الرحم كان بذرة حية في جسم الأبوين، وهكذا تتصل ~~الحياة إلى الخلية الأولى، فإذا كان جسمنا ينمو على وتيرة خاصة فهو إنما يفعل ذلك بقوة ~~ذاكرته، وهذه الذاكرة غير وجدانية؛ لأن هذا النمو كان بمثل العادة تتكرر في كل فرد. # وعلى هذا نقول إن الجنين يتحول من خلية مفردة، إلى حلقة، إلى هيئة السمكة، إلى حيوان ~~مشعر ذي أربع، إلى إنسان؛ لأن هذه الأطوار مرت عليه فهو يذكرها، وهذه الأطوار التي يتطور ~~فيها الجنين في بطن أمه تتفق ونظرية التطور، وليس فيها اختلاط أو تشوش؛ فهو يكون - مثلا ~~- في تركيب السمكة، له خياشيمها دون الرئة، ثم حيوانا مذنبا مشعرا، وهذا وفق نظرية ~~التطور القائلة بأن الحيوانات كانت مائية أولا، تستنشق الهواء من الماء بخياشم، ثم صارت ~~إلى اليابسة فنشأت لها رئات، ولا نرى عكس ذلك في الجنين. # ثم ما معنى أن يكون له ذنب، أو أن يكون جسمه كاسيا بالشعر، لو أنه لم يكن بهيما يعيش ~~كسائر البهائم قبل أن يتطور إلى نوع الإنسان؟ # فحياة الجنين هي صورة مصغرة لحياة الأنواع التي سبقت ظهور الإنسان، وحياة الطفل تبصرنا ~~بشيء كثير من حياتنا في العصور الماضية قبل أن نبلغ مرتبة الإنسانية؛ فهو يولد ويبقى ~~مطروحا بهيئة السمك مدة طويلة، ثم يزحف ويتسلق كالحيوان ذي الأربع، وأخيرا ينتصب ~~وافقا. # وفي فلتات الطبيعة ما يظهرنا على أصلنا، فكثيرا ما يولد إنسان وهو كاس بالشعر كالحيوان، ~~وكثيرا ما يولد برأس صغير كرأس ms042 الحيوان، فيبقى أبله له عقل الحيوان، وأحيانا يولد بذنب. ~~(كان للإنسان في الازمنة القديمة ذنب، لم يبق منه ~~إلا العجب أو العصعص، ولكن كثيرا ما يرد الإنسان إلى أصله فيظهر طفل مذنب ~~كما في صورة هذا الطفل الهندي) # وقد أثبتت عملية الترسيب قرابة الإنسان من الحيوان؛ وخاصة تلك القردة العليا؛ مثل ~~الشمبنزي أو الغوريلا، فإذا نحن حقنا أرنبا بدم إنساني ثم تركناها مدة، وأخذنا بعد ذلك ~~دمها ووضعناه في كوب، وتركناه حتى يصير مصلا وراسبا، وجدنا أن هذا الراسب يماثل في تفاعله ~~راسب القردة دون راسب سائر الحيوان، كما أن راسب البقرة يماثل راسب الجاموسة دون راسب سائر ~~الحيوان، وهذا يدل على القرابة النوعية بين الحيوانات؛ فالقرد والإنسان من أصل واحد، كما أن ~~الجاموس والبقر يرجعان أيضا إلى سلف مشترك. # وليس معنى ما تقدم أن كل ما فينا قد ورثناه عن جدودنا من الحيوان؛ لأنه لو كان الابن ينشأ ~~على غرار أبويه تماما لما حدث تطور مطلقا؛ فإن طبيعة الحي أن يخرج عن قيد الوراثة، وكأنه ~~يجد في تحقيق ذلك ويريد أن تكون له شخصية مستقلة. # فنحن قد ورثنا عدة غرائز من الحيوان؛ بعضها نافع وبعضها مضر، وكل من حاول منا أن يربي ~~نفسه ويسيطر على أهوائه ويكبحها يعرف مبلغ ضرر هذه الغرائز أحيانا وقوتها؛ فحين ونحن نحاول ~~تأديب أنفسنا إنما نجاهد ذلك القرد الذي لا يزال حيا في عروقنا، ومعظم المجرمين والبله ~~قد انتصرت فيهم عناصر القرد على عناصر الإنسان، ومعظم الأنبياء والفلاسفة والحكماء قد ~~انتصرت فيهم عناصر السبرمان (أي الإنسان الأعلى) على عناصر الإنسان. # وليس فينا قرد خالص أو إنسان خالص أو سبرمان خالص، وإنما كل فرد منا مزيج من الثلاثة، ~~وعلى مقدار كل عنصر من هؤلاء الثلاثة تتوقف رفعتنا أو انحطاطنا. # | تناسل الحيوان # ليس التناسل في الأحياء إلا ضربا من النمو، بل قل هو نمو منفصل، وليس النمو في الحقيقة ~~إلا توالدا متصلا، ولو كان في مقدور الطبيعة أن تجعل الحي ينمو إلى ما لا نهاية بحيث ms043 لا ~~يموت من كبر حجمه لما احتاجت إلى الاحتيال لبقائه وتخليده بواسطة النسل. # ومن هذا ندرك معنى القانون الذي يشمل الحيوان والنبات معا، وهو أن نسل الحي يتوقف على ~~طول عمر الأبوين؛ فإذا كان الأبوان طويلي العمر؛ كالفيل والقيطس والإنسان والنخل والسنديان، ~~كان النسل قليلا، وإذا كان الأبوان قصيري العمر لكثرة ما يتعرضان له من الأخطار كان النسل ~~كما هو الحال في المحار والحشرات، كثيرا يعد بالآلاف والملايين؛ لأن الغرض من التناسل ~~تخليد النوع حتى لا ينقرض، فطول عمر الفرد يقتطع في حساب الطبيعة من عدد نسله. # ونلمح هذا المعنى أيضا من الوقت الذي يتوالد فيه الفرد؛ فإنه يستمر في النمو إلى أن لا ~~يمكنه زيادة نموه بدون الإضرار بنفسه، فيبتدئ - عندئذ - في التناسل. فالأميبة، وهي خلية ~~مفردة، إذا بلغت حد الكبر الذي لا تستطيع أن تزيد عليه انقسمت إلى قسمين، وينقسم كل منهما ~~قسمين، وهلم جرا، والنباتات والحيوانات العليا تبتدئ في التناسل عندما يتقارب نموها أن ~~يبلغ حده. # ولا يزال التناسل نموا - لا أقل ولا أكثر - في بعض النباتات، فإذا قطعنا جزءا من غصن ~~شجرة ووضعناه في طينة نما شجرة جديدة، وهو لو لم ينم شجرة جديدة لنما غصنا كبيرا؛ فالنمو ~~والتناسل كلاهما يرجع إلى غريزة واحدة، هي بقاء النوع. # والتناسل في الأحياء الدنيا يكون - كما قلنا - بالانقسام؛ تنقسم الخلية خليتين، وتستمر ~~على ذلك، ولا تموت إلا بعارض. وأول تلميح يبدو عن ظهور الجنس والتوالد بواسطة الذكر والأنثى ~~هو ما يرى في النقاعيات، وهي أحياء ذات خلية واحدة، إذا طال عليها الانقسام عمدت إلى نوع ~~ابتدائي من التلاقح، فتجتمع خليتان، وتندغمان وتصيران خلية واحدة، فتنشط بذلك وتعود إلى ~~الانقسام من جديد. # فإذا تركنا هذه الأحياء البسيطة ونظرنا في الإسفنج وجدنا ابتداء التخصص؛ فإن بعض خلاياه ~~تنفصل منه وتتلاقح؛ أي تندغم إحداها في الأخرى، ثم تأخذ في الانقسام المتصل حتى تصير جسما ~~إسفنجيا، فالإسفنج يحتوي على بيض الأنثى وبذرة الذكر، وبتلاقحهما يظهر حيوان جديد من ~~الإسفنج. # ولا يزال في الطبيعة ms044 للآن جملة حيوانات مثل الحلزون والعلق، حتى بعض الأسماك، يحتوي الفرد ~~منها على بذرة الذكر وبيضة الأنثى، فليس هناك حلزون ذكر وحلزونة أنثى، وإنما هناك فرد يحتوي ~~على البيضة الأنثوية والبذرة الذكرية معا، ويحصل التلاقح داخل جسمه بدون حاجة إلى فرد آخر. # ومعظم النباتات المزهرة تجري هذا المجرى؛ فنبات الذرة - مثلا - يحتوي على بذور الذكر ~~(وهي في قمته)، وعلى بيض الأنثى (وهي في القنديل)، أما النخل والتوت (والحيوانات العليا) ~~فتحتوي على جنسين منفصلين: الإناث والذكور، كل منهما مستقل. # وبدهي أن الحي الذي ينتج عن تلاقح فردين مختلفين عانى كل منهما ظروفا وكابد تجارب لم ~~يعلنها الآخر، يحصل على امتيازات لا يحصل عليها ذلك الذي نشأ من فرد واحد؛ فالأول يولد وبه ~~قبول للاختلاف والتغاير، ويكون حاصلا على كفايات تجعله أسرع في التطور. # فهذا هو معنى ظهور الجنسين في الحيوانات والنباتات العليا، فإذا التقى حي نشأ من فردين ~~بحي آخر نشأ من فرد واحد تغلب الأول على الثاني في تنازع البقاء؛ لأنه أكفأ منه وأميز؛ ~~لحصوله على كفايات اثنين، في حين أن ذاك لم يحصل إلا على كفايات فرد واحد. # وهنا يجب أن نقف هنيهة لنرى صفات الأنثى والذكر في الحيوان وأثرهما في التطور؛ فصفات ~~الأنثى هي صفات البيضة، وهي الركود والبطء في الحركة، أما صفات الذكر فهي صفات الجرثومة ~~المنوية، وهي النشاط والانبعاث والطلب؛ فذكورة الحيوان نشيطة خفيفة عادية، أما الإناث ~~فراكدة بطيئة مستكينة، ولعل الأصل في ذلك أن البيضة أكبر من الجرثومة المنوية، فمن الاقتصاد ~~أن تتحرك الجرثومة وتبقى البيضة في مكانها تتلقاها. # ومما هو ذو دلالة في معنى التناسل، أن بعض الأحياء تموت أو تقتل عند ظهور نسلها؛ فالقمح ~~والذرة يموتان بظهور الحب، وبعض الحيوانات لا يخرج منها بيضها إلا بعد تمزيق بطنها، فتموت ~~الأم على الأثر، وأنثى العنكبوت وأنثى العقرب كلتاهما تأكل الذكر بعد أن ينتهي من التلقيح، ~~وهذا يتسق والنظرية التي ذكرناها في أول هذا الفصل، وهي أن التناسل ضرب من النمو يقصد به ~~تخليد النوع، ms045 فما دام النوع قد ضمن بقاؤه بظهور النسل لم يعد من المهم بقاء الأبوين أو ~~أحدهما إلا حيث تقتضي العناية بالنسل وجودهما. # بل ربما يكون موت الأبوين ضرورة يقتضيها بقاء النوع؛ لأنه ليس من مصلحة النسل الجديد أن ~~يزاحمه على الغذاء الجيل السابق؛ لأنه يقتله - عندئذ - ويحرمه غذاءه، في حين أن ظهور النسل ~~الجديد وبقاءه أنفع للنوع من بقاء الجيل السابق وأقبل للتطور منه، فمن مصلحته ألا يجد ما ~~يزاحمه على البقاء وهو بعد في الطفولة. # وهذا هو معنى الموت وفائدته الكبرى لجميع الأحياء العليا؛ فالموت عامل من عوامل الحياة، ~~والأحياء الدنيا لا تعرف الموت للآن؛ فالأميبة والنقاعيات خالدة، ولكننا نحن نموت لأننا ~~أرقى منها، فإن نظرية التطور تقول بأن الجيل الجديد يفضل الجيل السابق؛ فأولادنا أفضل ~~منا، فليس من مصلحتهم أن نعيش معهم ونزاحمهم على العيش، بل المصلحة أن نخلي لهم الميدان، ~~وهذا ما تقوله وتفعله سائر الحيوانات العليا. # ولينظر القارئ كيف يلقي أكثر السمك وجميع القشريات والحيوانات الرخوة والشائكة والجوفاء ~~بيضها في الماء ولا تعنى به، ثم كيف تتدرج العناية إلى أن تبلغ أقصاها في الإنسان، وأن هذه ~~العناية لا تزال ناقصة في بعض الحيوانات العليا؛ إذ إن الأم تأكل أحيانا بعض أولادها، ومما ~~هو ذو دلالة ويومئ إلى ذكرى قديمة سيئة أن الكلبة والذئبة كلتيهما تطرد الذكر من الدخول على ~~جرائها؛ فالغريزة الأبوية لم تكمل للآن في الذئب أو الكلب. # والغريزة الجنسية لم تبلغ نهايتها، والحيوانات جميعها في تطور مستمر. # وإلى التناسل، أو بالأحرى إلى شهوة التناسل، يعزى الصوت وما تلاه من اللغة في الإنسان؛ ~~فإن غاية الصوت الأولى النداء للأنثى، وذكران الطيور لا تغني إلا رغبة في اجتذاب الأنثى ~~إليها. # ثم إلى التناسل قد تعزى ألوان الطيور وريشها المختلف الزاهي؛ فإن الأنثى تنتخب الذكر ~~الذي يتطوس فتعجب بريشه وصوته، ومن رأى الدندي وهو يرف ويتبختر أمام أنثاه، أو رآه ~~وهو يقاتل دنديا آخر لأجل الأنثى، عرف قيمة الانتخاب الجنسي. # وهذا الانتخاب الجنسي كثيرا ما كان عاملا ms046 في إبادة الضعيف وبقاء القوي الذي استطاع أن ~~يهزم خصومه من الذكور ويستأثر بالإناث، فلا تلد إلا من بذرته نسلا يخرج على غراره حاصلا ~~على قوته وميزاته. # | لماذا تتطور الأحياء ؟ # الأحياء كلها في تطور مستمر؛ فالأبناء تخالف الآباء، وهذا الاختلاف الصغير يتراكم جيلا ~~بعد جيل حتى يعود اختلافا كبيرا، بحيث يتميز الفرد عن سلفه القديم تميزا ظاهرا قد يجعله ~~من نوع آخر. # ولسنا نعرف سبب اختلاف الأبناء عن الآباء على وجه الضبط والتحقيق، ولكن هذا هو الواقع ~~المشاهد؛ ففسيل النخلة لا يشبه أمه شبها تاما، وأولاد الكلبة تختلف عن أبويها، ومحال أن ~~تجد محارتين تتشابهان تمام التشابه، وإن كانتا قد باضتهما أم واحدة، وكذلك الحال في ~~الإنسان؛ لا يشبه الأبناء الآباء شبها تاما، بل التوائم أنفسهم على الرغم من الاشتراك في ~~أشياء كثيرة يختلفون في عدة أشياء غير صغيرة. # والبحث عن علة هذا الاختلاف يكاد يكون بحثا عن سر الحياة نفسها، وكل ما نقوله مما تهدينا ~~إليه بصيرتنا، إن الحياة تختلف عن المادة من حيث محاولتها التعبير عن نفسها بأشكال مختلفة؛ ~~فهي غير قانعة بالبقاء في شكل واحد، فكل حي يولد في هذا الكون له شخصية مستقلة يريد أن ~~يحققها ويؤكدها، ولو خرج بذلك على ما رسمه له أبواه قيد قوانين الوراثة. # فانفراد كل حي بشكل خاص وهيئة خاصة وكفايات خاصة هو الذي يدعوه إلى التطور؛ وسبب ذلك أن ~~انفراده بشكل خاص، أو اختلافه عن غيره من أقرانه، إما أن يكون نقيصة تؤدي إلى هزيمته في ~~الحياة، بحيث يموت هو أو يقل نسله وينقرض بالتدريج، وإما أن يكون ميزة له تؤاتيه النصر ~~فيكثر نسله وتنتشر سلالته. # فالأحياء كلها تتنازع البقاء؛ فالأسد يزداد قوة وقدرة على الوثوب، ومكرا في الترصد ~~والكمون، والغزال يزداد قوة وقدرة على العدو والخفة في الحركة، فكل منهما ينازع الآخر في ~~البقاء؛ الغزلان تزداد خفة وقدرة على العدو، وجلدها يزداد مشابهة للرمال أو الصحراء التي ~~تعيش فيها، وحوافرها توافق التربة التي تمشي عليها، وسيقانها تنفتل وتضمر وتقوى، ms047 والأسد ~~يزداد قوة على الوثوب، وجلده يماثل الوسط الذي يعيش فيه، ويداه تزدادان قدرة على البطش، ~~وهلم جرا. # وهذا الكفاح يزيد كفايات الأسد والغزال معا، وإذا لم يكافح الحيوان وسطا انحط، وهو يعيش ~~ما دام الوسط لا يتغير، ولكن إذا تغير فجأة لم يطق هذا التغير فينقرض، كما حدث لطائر الدؤدؤ ~~في جزيرة موريتيوس. # وأصل وجود هذه الصفات في كل من الأسد والغزال أن كل فرد منهما يولد مختلفا عن بني نوعه ~~بعض الاختلافات؛ لأن هذه صفة الحي اللازمة له، وهذا الاختلاف إما أنه يفيده وإما أنه يضره، ~~فإذا أفاده أورث صفاته أبناءه، وإذا أضره مات أو انقرضت سلالته التي حصلت على صفاته. ~~(كان الدؤدؤ يعيش في جزيرة موريتيوس، ولم تكن له ~~أعداء تطالبه بالكفاح، فسمن وعجز عن الطيران، وكان في الأصل قريبا إلى ~~الحمام، فلما كشف الإنسان الأبيض هذه الجزيرة سطا عليه صيدا حتى أباده منذ ~~أقل من 100 سنة، وهذا يدلنا على قيمة الكفاح للوسط) # ومن ذلك نستنتج أن عددا كبيرا من الأسود مات وانقرض لخور في نفسه، أو ضعف في سيقانه، ~~أو بطء في وثوبه، أو لأن جلده كان ظاهرا فصارت الفريسة تراه على بعد وتحذره، ومات كذلك من ~~الغزلان جميع تلك الأفراد التي كانت ثقيلة الحركة غير متيقظة للعدو، أو كانت حوافرها لا ~~توافق تربة الصحراء، أو كان لون جلدها ظاهرا. # أي إن الحيوان يكافح الوسط، ويقاتل ويناضل، فتنشأ فيه كفايات تساعده على البقاء، وإذا لم ~~يحتج الحيوان إلى مكافحة وسطه انحط ونقصت كفاياته، فإذا تغير الوسط عجز عن المقاومة ~~فانقرض. # وليس من الضروري أن ترى عوامل البقاء ظاهرة، فقد تكون خفية دقيقة لا تعرف مأتاها؛ فقد ~~يمتاز غزال على آخر بأن معدته تهضم الأعشاب الجافة أكثر منه، أو لأن بعض الحشرات الناقلة ~~للأمراض لا تستطيع أن تخرق جلده، أو لأنه يقدر على الإمساك عن ورود الماء وقت الخطر وغيره ~~لا يقدر، أو لأنه يشم رائحة ضواري الوحش بينما غيره لا يستروحها أو لا يبالي بها، ms048 بل قد ~~تكون دقة السمع عامل بقاء في حيوان، بينما يكون الصمم الخفيف سببا في انقراض آخر. # فالأحياء تولد مختلفة، وكل اختلاف إما أنه يفيدها فيكثر نسلها، وإما أن يضرها فتبيد ، فإذا ~~تراكم الاختلاف نشأت السلالات المختلفة من النوع الواحد، ثم يتراكم الاختلاف في السلالات ~~حتى تصير السلالة نوعا قائما برأسه؛ وذلك لأن التنازع على البقاء يتناول التنازع على ~~الأنثى؛ فالحيوان القوي الجريء يتغلب على أكبر مقدار من الإناث ويلحقها دون غيره، وتنتشر ~~صفاته التي ساعدته على التغلب. # ونحن لكوننا نعيش عيشة مدنية قد ضعفت بصيرتنا في إدراك ضروب التنازع التي يستعملها ~~الحيوان والنبات؛ فالنبات يتنازع على نشر نوعه بعدة طرق: فمنه ما تكون بذرته كاسية بنسيج ~~خفيف كالقطن؛ كي تحملها الريح وتلقيها في مكان بعيد عن أمه، حتى يجد بسطة في النور والغذاء، ~~ومنه ما تكون بذرته كاسية بالزغب حتى تعلق بأي حيوان يمر، فيذهب بها إلى مكان بعيد حيث ~~تسقط منه وتنبت، ومنه ما يكون له زهر زاه يجذب الحشرات، تنزل إليه وتجرع من رحيقه، ثم ~~تتلوث بلقاحه، وتنقله من الذكر إلى الأنثى فيتم اللقاح، ومنه ما يكون ورقه مر المذاق حتى لا ~~يطعمه الحيوان، ومنه ما يكون ساما، إذا أكله الحيوان تسمم ومات، فتنشأ البذرة في سماء ~~الجثة وتزكو، ومنه ما تكون أوراقه حافلة بالحسك فلا ترعاها بهيمة. # وكذلك الحال في الحيوان؛ فمثلا: السمك يكون في طفولته دقيقا شفافا لا يرى من خلال ~~الماء، فآلته في الدفاع عن نفسه، وهو بعد في ضعف الصغر، هي شفوفته التي تخفيه وتواريه عن ~~عين عدوه، فما كان منه صفيق الجسم ظاهره مات، ومنه ما يكون ظهور لونه داعيا غيره إلى ~~مباعدته والحذر منه؛ كالزنبور والنحلة، فلكل منهما إبرة يؤذي بها من يقترب منه من الطيور، ~~ولونهما مشهور ظاهر حتى يقتصد الطائر في قوته، ويتجنبهما ويريحهما من عناء القتال. # ولسائل أن يسأل: كيف تطور الزنبور وصار ذا حمة تلسع وتسم؟ فجواب ذلك أنه في الزمن ~~القديم الذي يحسب بملايين السنين كانت ms049 الزنابير بلا حمة سامة، وإنما كان لها إبرة تخترق ~~بها الورق أو غير الورق عندما تريد أن تبيض، كما هو الشأن في أكثر الحشرات، وفي أجزاء جسم ~~بعض الحيوان سموم مختلفة ؛ فبراز الإنسان - مثلا - وبوله، وبعض عصارات جسمه، فيها بعض ~~السموم، فإذا اتفق أن ظهر زنبور بإبرة حادة وشيء قليل جدا من السم، فإنه يبقى دون غيره من ~~الزنابير التي تلتهمها الطيور لقمة سائغة، فهذا الزنبور يعيش، وتنتشر سلالته، وتقوى فيه ~~خاصة اللسلع والسم، ويظهر له لون خاص يميزه، فتحذره الطيور، بينما هي تبيد كل الزنابير التي ~~خلت من هذه الخاصة. # وخلاصة قولنا أننا لا نعرف لماذا يتطور الحي؛ حيوانا كان أم نباتا، وإنما نشاهد أدلة ~~هذا التطور، ويمكننا أن نعرف علله الغريبة: # فأولا: # تختلف جميع الأحياء الواحد عن الآخر، فليس في العالم فردان يتطابقان من ~~كل الوجوه في جميع صفاتهما. # وثانيا: # هذا الاختلاف لا يخرج عن أحد شيئين، فهو إما نقص وإما زيادة، فيهما نفع ~~أو ضرر. # وثالثا: # أرض العالم وبحاره محدودة، ولكن نسل الحيوان والنبات غير محدود، وينتج من ~~هذا أن يكون الطعام في العالم محدودا، يجب على أفراد النبات والحيوان أن ~~تتزاحم من أجل الحصول عليه. # ورابعا: # في هذه المزاحمة لأجل الطعام يؤدي الاختلاف إلى بقاء بعض الأفراد أو ~~موتها؛ لأن هذا الاختلاف إما أنه يساعدها على هزيمة خصمها الذي يزاحمها، ~~وإما أنه يساعد خصمها عليها. # وخامسا: # كل فرد ينتصر على خصمه يتمكن من الحصول على أنثى، فينسل وتنتشر صفاته في ~~نسله الذي يرثها منه. # وسادسا: # يتراكم الاختلاف بتعاقب الأجيال، حتى يصير الفرق بين فردين من سلالة ~~واحدة فرقا بين سلالتين، ثم يزداد هذا الاختلاف حتى يصير فرقا بين نوعين، ~~وهكذا يستمر التطور. # وسابعا: # عندما تتغير البيئة تتغير عادات الأحياء كي تلائم الحالة الجديدة، وما ~~تبذله هذه الأحياء من مجهود في هذا التغير ينتقل بالوراثة إلى الأبناء؛ ~~فالعادة المكتسبة بالمجهود الفردي تعود - بتكرارها في الأجيال المتعاقبة - ~~صفة وراثية لازمة. # | تنازع البقاء # ليس شيء يزيد بصيرة القارئ نفاذا ms050 في الطبيعة، ويجعله يدرك قيمة نظرية التطور ويشرب ~~مبادئها، مثل أن يفهم تنازع البقاء؛ فالقارئ يفهم لأول وهلة من هذه العبارة أن الأحياء ~~تتنازع البقاء على الحياة، وهذا هو معناها على الحقيقة، ولكن معناها على المجاز أوسع وأكثر ~~عملا في الطبيعة. # قال داروين: «إني أستعمل عبارة تنازع البقاء لمعنى مجازي واسع يدخل فيه توقف حياة فرد على ~~آخر، وأيضا - وهو الأهم - تمكين الفرد من أن يختلف نسلا». # فليس تنازع البقاء كفاحا عضليا يمتاز فيه القوي من فردين متنازعين فقط، بل هو أيضا ~~جملة كفايات أخرى كثيرا ما تكون غامضة ضئيلة القيمة، ولكنها تظهر الحاصل عليها على خصمه، ~~وقد لا يكون خصمه فردا مثله، بل قد يكون هذا الخصم حرا شديدا، أو جفافا، أو قحطا، أو ~~مرضا، أو قد لا يكون التنازع بينه وبين حيوان آخر مباشرة، بل قد يكون بين حيوانين أو ~~نباتين، حياته هو متوقفة على أحدهما، بحيث يبلغه صدى المعركة بينهما، وينفعه أو ~~يضره. # والمواد الخامة التي يقوم عليها قانون تنازع البقاء ثلاث، هي: ~~(1) # أن نسل الأحياء كثير جدا، لا يمكن أن تستوعبه بحار العالم ويابسته؛ لأن ~~العالم محدود والنسل غير محدود. ~~(2) # إن كل فرد يولد في هذا العالم يختلف عن غيره، وهذا الاختلاف إما أنه - في ~~مزاحمته لغيره على البقاء - يضره ويؤدي إلى فنائه، وإما أنه ينفعه ويؤدي إلى ~~بقائه. ~~(3) # تتراكم على مدى السنين تلك الميزات الصغيرة التي تميز الأفراد الناجحة في ~~الحياة، ويرثها أبناؤها منها، بحيث إذا مضى مليون عام - مثلا - صار الفرد ~~الأخير كثير الاختلاف عن الجد الأول، حتى يصير كل منهما نوعا قائما ~~برأسه. # وكل حي في العالم - كما قال «هكسلي» - أشبه شيء بالدوامة؛ تراها في الماء وكأنها ساكنة، ~~ولكنها في الحقيقة متحركة، تتبدل أجزاؤها دقيقة بعد أخرى؛ فالحي متوقف على حال الوسط الذي ~~حوله، وكذلك النوع، وكلاهما يتأثر بهذا الوسط بما فيه من جو وطعام وأعداء وغير ذلك، فليس ~~يتفق فردان كما لا تتفق سلالتان؛ لأن كل فرد ينزع نزعة خاصة به كما ms051 هي طبيعة كل حي، ولأنه ~~لا يوجد وسطان يتفقان في كل شيء؛ فاختلاف الوسط يؤدي إلى اختلاف الحي الذي يعيش فيه. # وقد تساءل جوتيه: «لماذا يجهد الناس ويتألمون؟» وأجاب على ذلك بقوله: «لأنهم يرغبون في ~~الحصول على الطعام وعلى الأولاد، كما يرغبون في إحسان تربيتهم بقدر إمكانهم». # وما قاله جوتيه عن الإنسان يصدق على كل حي آخر؛ فجميع الأحياء تتنازع على الطعام وعلى ~~إنسال النسل، تفعل ذلك على وجدان منها؛ كما هو الحال في الإنسان، أو على غير وجدان منها؛ ~~كما هو الحال في النبات وكثير من الحيوان. # ولننظر الآن في مقدار تناسل الحيوان، فكل من وقف منا في حقل من حقولنا ورأي مقدار لقاح ~~النخل، أو مقدار لقاح الذرة الذي ينتشر من طرفه الأعلى ويغطي الأرض تحته، أو رأى مقدار سر ~~السمك؛ أي بيضه، وأن كل واحدة من هذا البيض كان مقدرا لها أن تصير سمكة، يعرف مقدار حرص ~~الطبيعة على نشر النسل وإسرافها في ذلك. # وكل من عانى مقاتلة البق في حيطان منزله، أو الذباب أو الصراصير، يعرف مبلغ ما يلاقي من ~~العنت في ذلك؛ لكثرة تناسل هذه الحشرات، ومن رأى منا كيف تنتشر حشرة المن في أوراق القطن، ~~وكيف تملأ حقلا واسعا في عدة أيام، يدرك شيئا من هذا الإسراف في النسل الذي يكابد شره ~~الفلاحون حين يسمون الإصابة بهذا المن «الندوة العسلية». # ذكر «وولاس» عشبة تنتج كل عام من البذر ثلاثة أرباع مليون بذرة، وقدر أنه لو عاش هذا ~~النسل ثلاث سنوات فقط، وأعقبت كل بذرة في هذه المدة، لما بقي مكان في اليابسة غير مغطى بها، ~~وقد حسب أنه إذا كان نبات ما ينتج حبتين اثنتين في السنة، ويستمر النسل على الإنتاج، لبلغ ~~عدد نباتاته في السنة الحادية والعشرين 148576. # ومن الأحياء الصغيرة ما إذا استمر على التكاثر مدة خمسة أيام فقط دون أن يمنعه مانع لملأ ~~المحيط بنسله إلى عمق ميل، وميكروب الكوليرا الذي يتضاعف كل عشرين دقيقة لو مضى عليه يوم ~~واحد وهو يسير ms052 بهذا المعدل بلا عائق لبلغ وزنه 7366 طنا، وبلغ عدده رقم خمسة وإلى يمينه ~~21 صفرا. # والفيل معروف بأنه أبطأ الحيوان تناسلا؛ فإنه لا يلد إلا مرة واحدة في كل عشرين سنة، ومع ~~ذلك فقد حسب داروين أنه إذا استمر التناسل بدون عائق على هذا المعدل لبلغ نسل زوجين بعد 75 ~~سنة نحو 19 مليون فيل، وكثيرا ما نلمح شيئا من هذا الإسراف في النسل عندما تهجم على ~~بلادنا أرجال الجراد؛ فالجراد يأكل كل ما يقابله، فإذا تجردت الطبيعة أمامه عاد بعضه وأكل ~~بعضه. # وسمكة الكد - الذي نشرب أحيانا زيته لتقوية الجسم - تبيض في العام مليوني بيضة، فلو ~~تفقأت هذه كلها عن سمك لصار البحر كتلة جامدة منه، ومن المحار ما تبيض الواحدة ستين مليون ~~بيضة، فاحسب مقدار هذا النسل بعد عام أو عامين، فإنه يزيد - عندئذ - على الكرة الأرضية. # وهذا الذباب الذي نراه في بلادنا، تبيض الأنثى فيه نحو خمس أو ست مرات، في كل مرة من 100 ~~إلى 150 بيضة، فلو نشأت كلها وعاشت وأنسلت لما عاش شيء إلى جانبها في مصر. # فكثرة النسل هذه داعية إلى الانتخاب الطبيعي؛ لأن كل فرد من هذا النسل يختلف عن غيره ~~اختلافا صغيرا أو كبيرا، وما دام العالم لا يسع هذا النسل كله ولا يكفيه طعاما، فإنه لا ~~يبقى سوى القادر على البقاء. # فعندما يشتد الجفاف - مثلا - وتطول مدته يموت أكثر الذباب، إلا أفرادا قلائل تستطيع ~~مقاومة الجفاف مدة أطول من غيرها، وقد لا تكون هذه المدة سوى دقيقة واحدة، أو يكون بقاؤها ~~عائدا إلى أنها تأكل غيرها، أو إلى أنها تستطيع هضم المادة الجافة أكثر من غيرها، أو إلى ~~أن حرارة الشمس لا تفعل في غيرها، وهلم جرا. # وقد يكون بقاء بعض النباتات راجعا إلى أنه أوسع حيلة من غيره على نشر نوعه؛ كأن يكون ~~للبذرة نسيج يجعل الريح تحملها، كما هو الحال في القطن، فالبذور تتسابق إلى أن تحملها الريح ~~حتى تقع بعيدا عن أمهاتها، فبعضها لا يكون نسيجه ms053 خفيفا فيقع تحت أمه ويموت، وبعضها تحمله ~~الريح ويقع في الماء أو الصحراء فيموت أيضا، وبعضها يعلق بالأشجار فلا يقع على الأرض، ~~وبعد كل هذا تبقى بذرة يقدر لها النجاح فتقع حيث تنبت. هذا إذا فرضنا أن القطن يعيش في ~~حالته البرية، أما الآن فإنه في رعاية الإنسان لا رعاية الطبيعة. # وتنازع البقاء قانون شامل عامل كل يوم في إبادة بعض الأحياء وإبقاء بعضها، وذلك الذي يبقى ~~إنما يوفق إلى ذلك لميزة فيه تدل على ارتقائه على غيره؛ ولذلك فنظرية التطور كانت تدعى ~~عندنا منذ مدة قريبة نظرية «النشوء والارتقاء»؛ لأن الحي يرتقي كلما صعد في سلم التطور، ~~ولكن «الارتقاء» كلمة ذات معان إنسانية قلما تتفق وتطور الحيوان أو النبات؛ فالنعجة في ~~نظرنا مرتقية على النعاج البرية؛ لأنها سمينة، ولكنها في اعتبار الطبيعة منحطة؛ لأنها تعجز ~~عن دفع العدو. والحلقيات؛ كالديدان التي تعيش في أمعائنا، لا يمكن أن نقول إنها مرتقية أو ~~منحطة، فقد فقدت قناتها الهضمية، ولكنها صارت تهضم بجلدها. والخلد فقد تقريبا قوة ~~البصر؛ لأنه يعيش عيشة سرية في نافقاء تحت الأرض، ولكنه يعرف كيف يحفر النافقاء ويحتمي ~~بها ويخرج في الليل، وأيضا فقد ذنبه وإبهام يده، فهل هو ارتقى أو انحط؟ # لهذا السبب نفضل استعمال كلمة «تطور»؛ أي الانتقال من طور إلى طور، على استعمال كلمتي ~~نشوء وارتقاء. # وقد كان أحد الكتاب يقول للبرهنة على أن قانون تنازع البقاء يتمشى صارما قاسيا بين ~~الأحياء، ينفي منها وينقي: «إن الطبيعة حمراء بين الناب والمخلب». # وهذا حق؛ لأنه لولا ذلك لتكدس العالم بالأحياء حتى لا يبقى مكان لمولود جديد؛ فالأسد ~~يقاتل الأسود من أبناء نوعه على الأنثى وعلى المكان، ويقاتل الغزلان والجواميس والأبقار كي ~~يأكلها، ويقاتل الأمراض التي تنتشر بينه، ويقاتل الوسط الذي يعيش فيه، إذا كان الوسط ~~يفشيه في الهيئة أو الرائحة. # وكذلك الحال في سائر الحيوان، ومما يدلك على شدة هذا النزاع أنه أنشئ من مدة قريبة حرم ~~لبعض الطيور في إنجلترا، ومنعت عنها جوارح الطير كالصقر ms054 والعقاب وغيرهما، فلم تمض مدة حتى ~~فشت الأمراض بين هذه الطيور، واجتاحت عددا منها ... وما ذلك إلا لأن هذا الحرم قد حمى ضعاف ~~الطير وما به قبول للأمراض من الوقوع فريسة للجوارح، فانتشر الضعف بين الطيور، وتفشت فيها ~~الأمراض. # فالضعف على أشكاله المختلفة يتفشى كل يوم بين الحيوانات، فتموت الأفراد التي يتفشى ~~بينها، ولا تبقى سوى الأفراد القوية، ومن هنا ندرك السبب في كثرة الأمراض التي نراها في ~~الحيوان والنبات المدجنين، وقلتها في الحيوان والنبات البريين. # ويمكننا أن نتصور الصراع الهائل بين الأحياء عندما نرى الوسائل التي يتخذها بعضها للعيش، ~~على ما فيها من مشقة مباينة الوسط لها. # فالسرطان، هذا الحيوان البحري الضعيف، قد اضطره تنازع البقاء إلى ترك البحر والصعود إلى ~~قمم الجبال، وإلى تسلق الأشجار، والزواحف اضطرت إلى الطيران في الهواء، بل اللبونات نفسها؛ ~~كالخفاش، اضطرت إلى الطيران واعتلاء الهواء، كما نزل بعضها؛ كالدلفين، إلى البحر، وأحال ~~يديه إلى زعانف، وبعض الأسماك نزلت إلى قعر البحر على عمق خمسة كيلو مترات، وتحملت ضغط ~~الماء العظيم، وصارت تعيش مما يتساقط إليها من حطامة الأحياء. # وقد لا يكون التنازع مباشرا - كما قلنا - وإنما يبلغ صداه الحي فيؤثر فيه؛ فقد ضرب ~~داروين مثلا عن علاقة البرسيم بالقطط، وقال إنه يكثر إذا كثرت القطط؛ لأن القطط تأكل ~~الجرذان، فلو انقرضت لأكلت الجرذان حقولنا، وخير طريقة نزيل بها الثعابين من المنازل أن ~~نقتل ما فيها من جرذان؛ فالتنازع بيننا وبين الثعابين ليس مباشرا، وإنما يبلغها صداه بقتل ~~الجرذان. # ونحن نقاتل جراثيم الملاريا ونمنع نموها بقتل البعوض الذي تعيش في جسمه، وديدان ~~البلهارسيا لا بد أن تقضي مدة من حياتها في جسم قوقعة تعيش في قنواتنا، فلو أبيدت هذه ~~القواقع لبادت هي أيضا، والدودة الوحيدة التي نصاب بها أحيانا لا تعيش في أمعائنا إلا إذا ~~عاشت قبلا في لحم البقر، فإذا انقرض البقر انقرضت هي أيضا. # ومعنى كل هذا أن تنازع البقاء لا يشترط فيه أن يكون كفاحا مباشرا بين اثنين، بل قد يكون ms055 ~~سلسلة طويلة، حيث تتوقف حياة نوع على جملة أنواع أخرى. # ثم قد يكون تنازع البقاء دقيقا غامضا يتوقف على أشياء صغيرة لا نأبه لها، فإننا نعرف - ~~مثلا - أن الإنكليز متغلبون على الهنود، فنتوهم من ذلك أن هذا تنازع بقاء قد فاز فيه ~~الإنكليز وانهزم الهنود، ولكن الهندي يعيش الآن بحفنة من الذرة، والإنجليزي يحتاج إلى كميات ~~كبيرة من الطعام لكي يتغذى منها جسمه، فلو حدث فجأة قحط وأصاب الاثنين لفاز الهندي؛ فإن ~~قناته الهضمية قد ضربت على الطعام الجشب الحقير، وصارت كل ما فيه من غذاء، بخلاف الحال في ~~الإنكليزي. # وقد نرى القطن والحسك فنظن أن القطن أرقى منه، يمكنه أن يتغلب عليه، وليس هذا هو ~~الواقع؛ فإن الحسك يعيش في الصحراء في تربة رديئة مع قلة ماء، فتمتد جذوره بعيدة إلى حيث ~~الرطوبة، فيقاوم بذلك جفاف الرمل وسخونته وحر الشمس، أما القطن فلا يمكنه أن يفعل ذلك، ولو ~~قل الماء لمات القطن وعاش الحسك. # فتنازع البقاء هذا هو علة ظهور السلالات الجديدة ثم الأنواع الجديدة، فهو يستغل كل اختلاف ~~في الفرد ليجعله سبيل بقائه أو هلاكه، والهلاك أكثر من البقاء؛ لأنه لا يتفوق إلا ~~الأقلون. # وقد كانت تغيرات المناخ وظهور العصور الجليدية داعية إلى انقراض عدد هائل من الحيوان؛ مثل ~~الزواحف الكبرى في اليابسة، ومحار الأمونيت في المياه. # ولكن، مع كل هذا الذي قلنا عن التنازع، يجب ألا ننسى أن التعاون بين الأحياء يؤدي في ~~أحيان كثيرة ما يؤديه التنازع، بل ربما لا يقل عنه في تطور الأحياء. # | وثبات في التطور # تمر الدهور المتطاولة على بعض الأمم فلا يظهر فيها زعيم أو عبقري، تنسل الآباء نسلهم ~~فيخرجون على غرارهم؛ وجوههم مثل وجوههم، يتكلمون لغتهم ويعتادون عاداتهم، ثم يظهر فيهم فجأة ~~عبقري أو زعيم فيقلب حال الأمة ويسومها السير في وجهات خاصة لم تكن تحلم بها. # وكذا الحال في الطبيعة؛ مرت عليها ملايين السنين والأبناء تخرج كالآباء وتسير على غرارها، ~~إلا في فترات ظهر فيها أفراد من النبات والحيوان شذت ms056 عن الآباء، واختلفت في تركيب الجسم، ~~فكانت أنواعا جديدة غيرت وجه الطبيعة، والنوع الجديد في اعتبار الطبيعة كالعبقري أو ~~الزعيم في اعتبار الأمة، عزيز الوجود؛ لأن الجري على العادة القديمة أسهل على الدوام من ~~اختطاط خطة جديدة ، فمن الأيسر على العود أن ينمو على طريقة أبويه من أن يثبت شخصيته ويندفع ~~في طريق خاص. # وكما أن الأمة تخطو خطوة واسعة نحو الأمام بظهور أحد الزعماء أو العبقريين بينها، كذلك ~~كانت الطبيعة تثب وثبات كبيرة بظهور بعض الأنواع الجديدة من الحيوان، ونقول بعضها ولا نقول ~~كلها؛ لأن كثيرا من الأنواع لا قيمة له في تقدم الأحياء وتطورها، فلو لم يظهر الذئب في ~~العالم لما كان في ذلك ما يدل على شيء كبير، ولو لم يوجد الضبع لما قلت معلوماتنا عن تطور ~~الأحياء، وإنما هناك وثبات وثبها الحيوان في الأزمنة القديمة فغيرت وجهات تطوره، فكانت ~~الخطوات الكبرى في تقدم الأحياء. # فأول ذلك انفصال الحيوان عن النبات؛ فقد كانت الخلية الأولى التي ظهرت في العالم مشتركة، ~~أو نباتية فقط على الأرجح، ثم ظهرت خلية الحيوان، فصار التطور أسرع مما كان؛ لأن خلية ~~الحيوان تتناول طعامها مجهزا بخلاف خلية النبات التي تأخذه خاما من الأرض والهواء، ~~فتوافر بذلك لخلية الحيوان قوة أمكنها أن تصرفها إلى الحركة والتنازع والتطور. ~~(خلايا حيوانية مختلفة) ~~(نوعان من القنديل، وهو من الحيوانات ~~الجوفاء) # والخطوة الثانية كانت في ظهور أجسام مركبة؛ فقد كانت الأحياء الأولى خلايا مفردة تتكاثر ~~بالانقسام، ثم ظهرت أنواع الإسفنج، ثم المرجان وغيره مما يسمى بالحيوانات «الجوفاء»؛ لأنها ~~مؤلفة من طبقتين من الخلايا حول كيس أجوف، فمنذ ظهور هذه الأحياء أخذت الأجسام تتطور وتتخصص ~~أعضاؤها. ~~(المرجان، وهو من الحيوانات ~~الجوفاء) ~~(خيار البحر، وهو من الحيونات ~~الشائكة) # والخطوة الثالثة كانت ظهور الجنسين؛ الأنثى والذكر، فقد كان ظهور الجنس بمثابة مضاعفة سير ~~التطور؛ لأن الحي الناتج من فردين كان أكثر كفاءة وحرية في التطور، لوجود عنصرين في جسمه، ~~من الحي الناتج من فرد واحد، حتى النباتات - على بطء تطورها ms057 - قد ظهر فيها الجنس وأسرع في ~~تطورها، والحيوان والنبات المجنسان قد تغلبا على جميع الأحياء الأخرى التي تتكاثر بلا ~~تلاقح بين الذكر والأنثى. # والخطوة الرابعة الكبرى في التطور كانت باتخاذ الحيوان شكلا ذا جانبين؛ فإن الإسفنج لم ~~يكن له شكل منتظم، أما الحيوان الأجوف؛ كالقنديل، والشائك؛ كخيار البحر ونجمة البحر، فكانا ~~كلاهما كري الشكل تقريبا شعاعيه، يكون مستديرا له أطراف كالأشعة، ومثل هذا الشكل يوافق ~~النبات كي يحصل على أكبر قسط من ضوء الشمس، ولأنه لا يتحرك، ولكنه لا يوافق الحيوان إلا إذا ~~سكن في مكانه؛ كالإسفنج والمرجان، أو كان قليل الحركة تحمله الأمواج؛ كنجمة البحر، ثم لا ~~يوافق تخصيص الكفايات. # ولذلك يعد ظهور الحيوان ذي الجانبين؛ كالديدان والحشرات وجميع ما ظهر بعدها إلى الإنسان، ~~خطوة كبيرة في التطور؛ لأن هذا الشكل سهل على الحيوان الحركة، فجعل التنازع وبقاء الأصلح ~~وانقراض غيره سريعا، ثم إنه سهل أيضا تخصص الأعضاء؛ لأن الحيوان ذا الجانبين قد صار له ~~بهذا الشكل رأس وذنب؛ لأنه ما دام يضطر إلى الاتجاه بجنب واحد إلى الأمام فإن هذا الجنب ~~لا يمضي عليه زمن طويل حتى يحتوي على أهم وسائل الدفاع والاحتماء من دماغ وأعين وآذان وفم، ~~ثم يكون له بذلك ظهر وبطن. # وهذا كله بخلاف ما هو حاصل في الحيوان الأجوف أو الحيوان الشائك؛ فإن ظهر كل منهما ~~هو بطنه، ورأسه هو ذنبه، فهيئة تركيبه لا تساعده على تخصص كفاياته في أمكنة معينة من ~~جسمه؛ لأن نجمة البحر وهي تندفع في الماء تتجه بأية جهة من جسمها، فليس لها مصلحة بأن ~~تتمركز كفاياتها في جهة دون أخرى، وكذلك الحال في القنديل، أما نحن والحشرات والزواحف ~~والأسماك حتى الديدان، فإننا نتجه بجانب واحد من أجسامنا، فمن مصلحتنا أن يحتوي هذا الجانب ~~على أهم حواسنا؛ فلذلك لنا رءوسنا ووجوهنا التي نواجه بها الأشياء وفيها جميع حواسنا، ولولا ~~هذا الاتجاه لما تمركز الدماغ والحواس في الرأس. # ومن الخطوات الكبرى أيضا ظهور الفقريات؛ أي الحيوانات التي لها عمود فقري؛ فإن ms058 أحياء ~~العالم كله تكاد تكون مقسومة قسمين من حيث القوة العصبية؛ ففي القسم الواحد نجد الحيوانات ~~غير الفقرية؛ كالحشرات والقشريات والديدان وما هو أحط منها، تعيش عيشة غريزية كأنها ~~النبات، وفي الآخر نجد الحيوانات الفقرية، وهي كلها على اختلاف دوجاتها تستند إلى ~~الغريزة، ولكن مع شيء من الوجدان أو العقل المكتسب الذي نراه على أقواه في الإنسان، وليس ~~يعرف للآن سبب وقوف القسم الأول عن التطور في ناحية العقل، ولماذا اكتفى بالغريزة، وإنما ~~هذا هو الواقع؛ فنحن نرى بذور العقل في أحط الحيوانات الفقرية، ونرى الغريزة المتقنة في ~~الحشرات. ~~(أول الفقاريات: سمكة اللامبري، وهي من أرقى أنواع ~~السمك، لها سبعة شقوق للخياشيم، وفم مستدير ماص، وبعضهم لا ينسبها إلى ~~السمك؛ لأنها ليس لها زعانف ولا حراشيف ولا فكان للفم، وعمودها الفقري في ~~حال ابتدائية جدا، يبلغ طولها أحيانا ثلاث أقدام) # ومما يدل القارئ على عظم قيمة العمود الفقري في التطور أن الحيوانات الحاصلة عليه قد أخذت ~~تتقدم تقدما رائعا في جملة نواح من تركيب الجسم وتأهيله للتنازع والبقاء؛ فسمكة اللامبري ~~- مثلا - هي أول حيوان ظهر له جمجمة، وإن لم يكن لها فكان في فمها، والأسماك هي أول ~~حيوان له فكان يمضغ بهما، والضفادع هي أول حيوان ظهر له أصابع في اليدين والقدمين، وهي ~~أيضا أول حيوان حصل على رئة وعلى لسان متحرك وعلى صوت؛ فإن جميع الأسماك خرس لا تقدر على ~~النطق. # والزواحف هي أولى الحيوانات التي صار لجنينها كيس يحفظه، وأول قلب يحتوي على أربع فجوات ~~ظهر في التمساح، وأول ما ظهر الدم الدافئ في الطيور واللبونات التي لها أكبر مقدار من ~~الدماغ عند مقابلتها بسائر الحيوان، فظهور الفقريات كان من أكبر فتوحات الطبيعة في ميدان الحياة. ~~(من أول اللبونات: البلاتيبوس، حلقة الصلة بين ~~الزواحف واللبونات، يبيض كالزواحف، ويتبرز ويبول من مخرج واحد مثلها، ولكنه ~~يرضع أطفاله) # | عمالقة الأرض # قبل أن تظهر اللبونات التي ترضع أطفالها، امتلأ العالم بالزواحف التي كانت تشبه في كثير ~~من هياكلها التمساح والسحلية (= العظاية) ms059 والبرص (= سام أبرص) والورنة، ولكنها كانت تنمو ~~إلى ما يزيد على ضعفي الفيل، أو ثلاثة أو أربعة أضعافه. # حيوانات ضخمة تسعى على اليابسة وتسبح في الماء بحرا أو نهرا، وتطير أو تثب في الجو، ~~وكانت تفترس الحيوان أو تأكل النبات، ولكنها كانت تبيض ولا تلد، وما زلنا نجد بيضها متحجرا ~~إلى الآن، وهو يشبه بيض الزواحف الحاضرة، من حيث إنه يستطيل ويشبه الرغيف الفرنسي. # ولكن هذه الحيوانات مع كل ضخامتها، ومع تعدد أنواعها، ومع أنها استولت على البحر والجو ~~واليابسة، انقرضت ولم يبق منها غير الزواحف التي تعيش في عصرنا، وأكثرها من الضعف بحيث ~~يعيش في السر؛ يختفي في النهار ويخرج في الليل؛ مثل الثعابين، ولكن حتى هذه الزواحف التي لا ~~تزال حية قد احتاجت إلى تطورات مختلفة ساعدتها على البقاء؛ مثل انقراض الأيدي والأرجل ~~للثعابين، ومثل الأنياب السامة، أو الأسلحة السرية، التي تدل على الضعف، في أفواهها، ومثل ~~الحراشف للتمساح، ومثل الدرق الذي تحتمي به السلحفاة واللجاة. # لماذا انقرضت هذه الزواحف التي كانت عمالقة الأرض؟ # نحن نعرف أن العمالقة من الناس يعقمون أو يقاربون العقم، ونعرف - مثلا - أن الفيل، وهو ~~عملاق اللبونات على اليابسة، لا تلد أنثاه إلا مرة كل خمس وعشرين سنة، في حين أننا لو تركنا ~~زوجين من الأرانب يتناسلان مع أولادهما لاستطعنا أن نحصل منهما على نحو مليون أرنب في بضع ~~سنوات. ~~(دينصور منقرض: التيرانوسور) # فهنا قاعدة هي أن العملقة في الحيوان تؤدي إلى قلة التناسل أو إلى العقم. # ولكن ما هو الأصل لهذه العملقة؟ # يغلب على الظن أن الأصل هو وفرة الطعام، وهي الوفرة التي حملت هذه الزواحف على الركود ~~والسكون، فأدى الركود والسكون إلى زيادة النمو ثم إلى العقم. # ولكننا «نفرض» العقم، وليس عندنا ما يدل عليه، وإنما هو ترجيح يحملنا عليه أننا نرى ~~العمالقة في أيامنا، من الإنسان والحيوان، قليلة النسل أو عقيمة. # ولكن هناك ظروفا أخرى تفتح بصيرتنا، فإننا نرى أنه عقب انقراض الزواحف الكبرى ظهرت ~~اللبونات والطيور؛ تمتاز اللبونات بالشعر (الصوف) ms060 الذي يحميها من البرد والحر، كما تمتاز ~~الطيور بالريش لهذا الغرض نفسه؛ ولذلك ليس بعيدا أن يكون المناخ قد تغير من الدفء أو الحر ~~إلى البرد فلم تستطع الزواحف الكبرى مقاومته، فانقرضت أو ظهرت منها أنواع جديدة بالشعر ~~والريش. # وقشر السمك، وحراشف التماسيح، ودرقات السلاحف، والشعر والريش، كلها تتفق كيماويا بحيث ~~يمكن أن نتخيل تطور الشعر والريش من حراشف الزواحف. ~~••• # في يناير من 1952، زرت متحف التاريخ الطبيعي في باريس، ووقفت مشدوها أمام الدينصور، وهو ~~من الزواحف التي انقرضت منذ ثمانين مليون سنة قبل أن تحلم الأرض بظهور الإنسان، ولم يكن ~~الدينصور الذي رأيته لحما ودما، وإنما كان عظما فقط، ولكن بدا لي من الفحص أن جميع ~~أعضائه العظيمة كانت سليمة، وكان من الضخامة بحيث يزيد على أربعة من الفيلة الكبار، وكان مع ~~هذه العظمة المرعبة لا يحمل سوى جمجمة صغيرة، بل صغيرة جدا، حتى يمكن أن يقال إن رأس ~~الفار يزيد، بالمقارنة إلى الجسم، على رأسه نحو مائة مرة! # تصور - أيها القارئ - سحلية يبلغ جرمها أربعة أمثال الفيل الضخم، هذا هو الدينصور الذي ~~تسلط على الأرض ملايين السنين، وهو أنواع عديدة، ثم وزن في ميزان القدر فوجد أنه غير ~~جدير بالبقاء، فباد وعاد أثرا وذكرى. ~~(دينصور آخر منقرض: البلسيوسورس) # | التطور في الحيوان # ربما كان أحب إلى القارئ أن نذكر خلاصة التطور بأسلوب قصصي قليل التدليلات والجدليات، فإن ~~التدليل والجدل، مع ما فيهما من الإبانة لبعض أركان التطور، يشوشان القصة باعتبارها عرضا ~~كاملا للأحياء من بدء ظهور الإنسان. # فإن قشرة الأرض عندما بردت وصار بخارها يتكاثف وينعقد مطرا وينزل سيولا، لم يكن بها هذه ~~المحيطات الواسعة من الماء، وإنما كان الماء متفرقا في عدة أنحاء منها بهيئة البرك ~~والبحيرات، وكانت الأمطار كثيرة والسيول دائمة، والمياه في حركة متواصلة تغمر بعض الأمكنة ~~أحيانا ثم تنحسر عنها أحيانا أخرى؛ لشدة التبخر وتفلق الصخور. # وظهر الحي الأول خلية واحدة في الضحاضح، حيث ضوء الشمس وأملاح الطين التي يتألف منها ~~صلصال لزج يشبه المادة البروتينية ms061 (مثل زلال البيض)، وما زلنا نحن للآن نبدأ حياتنا خلية ~~واحدة، ثم مضت أزمنة طويلة؛ لأن الخلية الأولى كانت بطيئة التطور، ثم ظهرت الحيوانات ~~المركبة؛ مثل الإسفنج. # وقد كان ظهور هذه الحيوانات تقدما بنوع ما؛ لأنه أوجد «جسما» مركبا للحيوان، مؤلفا ~~من عدة خلايا متصلة، وإن لم يكن به شيء من التخصص بعد، إلا إذا اعتبرنا «الأهداب» التي تنمو ~~على حافات خلايا الإسفنج نوعا من التخصص؛ فإنها تتحرك وتحدث تيارا في الماء حتى يدخل ~~الغذاء إلى جوف الإسفنج، ولا يزال في عيوننا وآذاننا وقصبة رئتنا ودماغنا مثل هذه الأهداب ~~تذكرنا بهذا النسب القديم، أما فيما عدا ذلك فالإسفنج مثل الخلية الأولى، بل كان يذكر ~~قديما معها قسما واحدا بلا تمييز. # ثم ظهرت الحيوانات الجوفاء؛ مثل المرجان والقنديل، وهي ذات طبقتين من الخلايا تحتويان على ~~كيس أجوف، ومضت أيضا مدة متطاولة على العالم وليس فيه من الحيوان سوى الخلية المفردة ~~والإسفنج وهذه «الجوفاء» من الحيوان؛ لأن التطور - كما قلنا - كان بطيئا في الدهور ~~القديمة. # وقد قلنا إن الأحياء الأولى نشأت في الضحاضح، فكان ينحسر عنها الماء فتتعرض للشمس فتجف ~~وتموت، كما نرى الآن القنديل ميتا على شواطئ الإسكندرية؛ لأن مادة الحيوانات كانت هلامية ~~سريعة الجفاف إذا زال عنها الماء. # فظهرت لهذا السبب الحيوانات «الشائكة»، وظهورها يعتبر خطوة مهمة في التطور؛ لأنها حصلت ~~على بشرة جامدة بعض الجمود، إذا انحسر عنها الماء لم تجف، بل تبقى حية مدة غير قصيرة، حتى ~~إذا عاد الماء انتعشت، وكانت تمتاز على ما سبقها أيضا بأن لها قناة هضمية، هي الترسيم ~~البدائي لقناتنا نحن، داخل جوفها، ونرى فيها أيضا مصاصات يحاول هذا الحيوان الأول أن يتحرك ~~بها؛ وأمثلة هذه الحيوانات هي خيار البحر ونجمة البحر، وكلاهما يرى على شواطئ الإسكندرية، ~~وله بشرة شائكة. # وكان التقدم بطيئا أيضا، ثم ظهرت الحيوانات «الحلقية»؛ أي المؤلفة من حلقات، فأسرع ~~التطور بعض السرعة؛ لأن الحيوانات التي ظهرت إلى هذا العهد لم يكن لها شكل متوازي الجانبين، ~~وإنما كانت تنمو نموا ms062 اعتباطيا كما هو الحال في الإسفنج، أو كانت مستديرة كالقرص لها ~~عدة أشعة كنجمة البحر. # فكان التقدم بطيئا، بل قل إنه كاد يقف؛ لأن الحيوان لم يكن له وجه يتجه به في حركته ~~وتنشأ فيه حواسه وسائر أعضائه الملهمة؛ كالفم والأنف والعين، فلما ظهرت الحيوانات الحلقية؛ ~~كالدود، حدث التخصص في عدة نواح من أجزاء الجسم، وأخذ الحيوان يخرج من الماء إلى اليابسة؛ ~~من الدود نشأت القشريات والعناكب والحشرات؛ لأن كل هذه الحيوانات لا تزال إلى الآن ذات ~~حلقات. # وإلى هنا كانت أغراض الحيوان ثلاثة: ~~(1) # أن تكون له بشرة جامدة بعض الجمود، تمنع تبخر المياه التي في جسمه عند ~~التعرض للريح والشمس وقت انحسار الماء عنه. ~~(2) # أن يتجه بناحية واحدة من جسمه، وأن ينمو متوازيا له جانبان. ~~(3) # أن تتخصص الوظائف في أعضائه، فلا يكون الجسم كله عينا وأذنا - مثلا - ~~وإنما يختص جزء منه بالعين وآخر بالأذن، وهلم جرا. # وهنا يجب أن نقف ونقول إن جميع الحيوانات لا تزال أحياء مائية وإن كانت تعيش في غير ~~الماء؛ فجسم الإنسان - مثلا - قد يزن 150 رطلا كلها مغمورة في الماء، بل في الماء المالح، ~~ماء البحر، وهو الدم، ما عدا رطلا واحدا تقريبا هو المصنوعة منه البشرة التي تحمي هذا ~~السائل، وكذا الحال في جميع الحيوانات؛ فإننا لما خرجنا إلى اليابسة لم نخرج قبل أن نصنع ~~لأنفسنا بشرة جامدة تمنع تبخر الرطوبة المائية التي في داخل أجسامنا، وكانت الحيوانات ~~«الشائكة» هي الأولى في محاولة ذلك. # وبعض الناس يظن أننا نستنشق الهواء، ولكن هذا خطأ؛ فإننا ما زلنا كما كنا أيام سكنانا ~~البحار نستنشق الأكسجين من الماء؛ فإن الهواء يدخل إلى رئاتنا فيلتقي الدم به، ويذوب الهواء ~~في الدم فتستخرج رئاتنا الأكسجين منه على نحو ما كنا نفعل ونحن نعيش كالسمك في الماء. # وكذلك طعامنا لا يهضم إلا وهو سائل كالماء، فنحن لا نزال حيوانات مائية كما كنا منذ مئات ~~الملايين من السنين، وليس لنا حيلة في اليابسة سوى هذه البشرة الجامدة التي تمنع تبخر ms063 ~~رطوبتنا، ومما هو ذو دلالة أنه في حالة نزف كبير في الإنسان على أثر جرح - مثلا - لا نزال ~~نستعمل ماء البحر المصفى، أو الماء الملح، بدل الدم المفقود. # وابتدأ الحيوان في جهة واحدة وتوازت أعضاؤه في جانبين منذ ظهور الدود، وبهذا الاتجاه كثر ~~التخصص فظهرت الحشرات والقشريات (كالجنبري) والعناكب. والجهاز العصبي في الدود يجري على طول ~~الجسم، وله عقد، حيث تتجمع القوى العصبية في مكان ما، وهناك ما يشبه أن يكون رأسا جامدا، ~~والقلب مستطيل، وبين القلب والجهاز العصبي تجري القناة الهضمية، أما التنفس فمن الجوانب. # ثم ظهرت الحشرات ولها دماغ، وبعض أدمغة الحشرات؛ مثل دماغ النملة، يقول فيه داروين: «إنه ~~أعجب ذرة في العالم، بحيث قد يكون أعجب من دماغ الإنسان». # وبينما الأحياء، بظهور الديدان والقشريات، كانت تحاول الخروج إلى اليابسة كان يجري تطور ~~آخر في البحر بظهور الحيوانات الرخوة؛ كالمحار، ولم يكن ظهور المحار تقدما إلا من حيث ~~اعتبار بيئته هو وحده، أما من حيث اعتبار أغراض الحياة العليا، كما نفهمها من العرض العام ~~لجميع الأحياء، فإنه كان تأخرا؛ إذ إنه قد فقد أهم خطوة في التطور وهي الاتجاه، وتوازي ~~الجانبين، فصار ينمو أحيانا كالشجر؛ أحد جانبيه أكبر من الآخر، وفقد بعضه القلب والرأس ~~ولصق بعضه بالأرض كالمرجان. # وأعلى أنواع الحيوانات الرخوة هو الأخطبوط الذي يوشك أن يكون له هيكل عظمي، ثم ظهرت ~~الحيوانات الفقرية؛ أي التي لها عمود فقري يحتوي على الحبل الشوكي ويحميه، وظهرت في البحر ~~لأن الحيوانات الحلقية التي خرجت إلى اليابسة فصارت ديدانا وعناكب وحشرات لم يعد يرجى ~~منها تقدم؛ فقد وقفت في هذا الطريق إلى الآن، وربما كان انطواء جسمها في قشرة جامدة هو ~~الذي منع تطورها بأن أزال مرونتها. ~~(رسم الإسكيديان، وهو حيوان ثابت فيه أول تلميح إلى ~~حبل شوكي في مكان العمود الفقري، يرى فمه في أعلاه «أ» ومخرجه في اليمين ~~«ب») # وأول الحيوانات التي نجد فيها تلميحا إلى فقار الظهر هو حيوان الإسكيديان وحيوان ~~الأمفيوكوس، وكلاهما مائي يعيش في البحار؛ ms064 فأولهما يشبه الزجاجة، له فم ومخرج، وبينهما حبل ~~عصبي مستطيل هو الترسيم الأول للفقار، وهو ثابت في قعر البحر، وقد نشأ له جلد يشبه قشر ~~الشجر. # أما الثاني فحيوان ضئيل لا يزيد على سبعة سنتيمترات، ولكنه طري ليس به شيء من العظم سوى ~~غضروف في مكان فقارنا يمتد على طول جسمه، ووراء هذا الغضروف حبل عصبي، فهو بذلك أرقى من ~~الإسكيديان، ولكن ليس له مخ أو قلب أو فقار أو عينان أو أذنان، ومما يدلنا على أن العظم كان ~~في الأصل غضروفا، أنه لا يزال كذلك في بعض الأسماك؛ فإن القرش، الذي يكثر ويصاد في البحر ~~الأحمر، خلو من العظم، ليس له سوى فقار من الغضروف. # والحيوانات الفقرية نشأت في الأغلب من الحيوانات الرخوة كالأخطبوط، بعد أن تطور جسمها إلى ~~اتجاه أمامي مع تواز جانبي، لا من الحيونات الحلقية كالديدان والحشرات. # وبظهور العمود الفقري خطت الحيوانات خطوة كبرى؛ لأن الحيوانات الحلقية لم يكن في ~~مقدورها أن تنشر في الهواء والماء واليابسة؛ فالمحيطات الكبرى من الماء لا يسكنها سوى ~~الأسماك والقيطس، ولكليهما فقار، والجبال والسهول تعيش فيها الفقريات أيضا، حتى الهواء لا ~~يمكن الحشرات الارتفاع فيه مثلما يرتفع العقاب، ولا يمكنها أن تهاجر على أجنحتها من قارة ~~إلى قارة كما تفعل الطيور القواطع. # وبخروج الفقريات إلى اليابسة ظهرت الحيوانات البرمائية؛ أي التي تعيش في البر والبحر؛ مثل ~~الضفادع، وهي تقضي طورا من حياتها كالسمك لها خياشيم، وطورا آخر كحيوان اليابسة وحيوان ~~البحر، ثم ظهرت الزواحف وملأت العالم. # وقد نشأت البرمائيات والزواحف من الأسماك، وأكبر ما يميز الواحدة عن الأخرى أن الأسماك ~~تتنفس بخياشيم، أما الزواحف فبالرئات، والصلة بين الاثنين لا نزال نجدها؛ فإن في أكثر ~~الأسماك كيسا يمتلئ هواء أحيانا، فتخف السمكة وتسهل عليها السباحة، وبعض السمك الذي يعيش ~~في الأنهار؛ كسمكة الطين التي تعيش في النيل، تقضي عدة أشهر أحيانا في الطين عند انحسار ~~الماء، فتخرج من وقت لآخر وتبتلع جرعة من الهواء في هذا الكيس، ثم تنغرز ثانيا في ms065 الطين، ~~فإذا جاء الماء عادت واستنشقته بخياشيهما؛ فهذا الكيس هو أصل الرئة في الزواحف. # شكل 1: (سمكة الطين تعيش في النيل، تستنشق بخياشيم في الماء، ثم برئة ~~ابتدائية في الهواء، فهي حلقة اتصال بين حيوان الماء وحيوان ~~اليابسة) # وعصر الزواحف يمثل القرون المظلمة في تاريخ الأحياء؛ فقد جاء وقت ملأت فيه هذه الزواحف ~~العالم، فكان منها الصغير الذي في حجم السلحفاة الآن، وكان منها الكبير الذي يشبه العظاية ~~(السحلية)، وكان حجمه يبلغ عشرة أضعاف حجم الفيل، وكان منها آكل العشب، وآكل اللحم، ومنها ~~البرمائي، ومنها الخاص باليابسة. # ثم جاء وقت انقرضت فيه هذه الحيوانات إلا القليل جدا، وكان انقراضها فجائيا، مما يدل ~~على أن سبب ذلك في الأرجح هو تغير حدث في مناخ العالم، بظهور عصر جليدي نشر البرد فأباد ~~هذه الحيوانات التي لم يكن لها صوف أو ريش يحيمها، كما أباد أيضا أنواع الأمونيت (من ~~المحار) التي كانت تعج بها البحار في وقت الزواحف الكبرى. # ومن هذه الزواحف تفرع فرعان كبيران: أولهما الطيور، وثانيهما اللبونات التي ترضع ~~أولادها. # فقد ورثت الزواحف عن الأسماك أربعة أطراف؛ هي الأيدي والأرجل، وكانت قبلا زعانف، فصارت ~~الأيدي أجنحة للطير، بل لقد نشأ قبل نشوء الطيور الراهنة طيور أخرى من الزواحف كانت تطير ~~بلا ريش، وإنما أطرافها متصلة بأغشية على نحو ما نرى في الخفاش، وقد انقرضت ولا علاقة لها ~~بطيورنا الحاضرة. # وإنما يظن أن ريش الطائر نشأ من حراشف الزواحف، كما أن شعر اللبونات قد نشأ أيضا من هذه ~~الحراشف (وبعضهم ينكر ذلك). ومن المعروف المشاهد أن في الشعر والريش مادة زيتية نشعر بها ~~إذا وضعنا يدنا في شعر رأسنا ومشطناه بأصابعنا، ونراها أيضا عندما تسبح البطة في الماء ولا ~~تبتل؛ فهذه المادة الزيتية هي أصل اللبن في الحيوان اللبون، ولا يزال يوجد بين اللبونات ما ~~يعد حلقة الاتصال بين اللبونات العليا والزواحف. ~~(أول الطيور: له ريش متحجر وله ~~أسنان) ~~(الصورة الأولى لمتحجر له، والثانية لهيكله العظمي، ~~والثالثة بعد تركيب أعضائه) # ففي أستراليا - مثلا ms066 - حيوان يدعى الأخدنة، له خرطوم يلتقط به النمل ويأكله، وليس لهذا ~~الحيوان ضرع أو ثدي، وإنما كل ما له أنه عندما يبيض (وهو لا يلد) يتشقق بطنه وتخرج منه ~~مادة زيتية تشبه زيت الشعر فيلحسها أولاده، ثم يشترك هذا الحيوان والزواحف في أن له مخرجا ~~واحدا يتبرز ويبول منه معا. # وقد كان ظهور اللبونات في الطبيعة من الانقلابات العظيمة؛ لأننا نجد في الرضاع استبقاء ~~الطفل مع الأم، ومعاني الأمومة والعائلة والحب واللغة والجماعة والتعليم، وهذه هي الظروف ~~التي ساعدت على وجود الإنسان بعد ذلك. ~~(هيكل عظمي للأخدنة: أول اللبونات، وهو حيوان في ~~أستراليا يقتات بالنمل، ويبيض، ولكنه يرضع أطفاله مثل ~~البلاتيبوس) # | سمكة السيلاكانت # في ديسمبر من 1952، أذاعت الصحف نبأ يعد من أعظم الأنباء في تاريخ الأحياء، وهو العثور ~~على سمكة «السيلاكانت» بالقرب من جزيرة مدغشقر شرق إفريقيا، والقيمة العظمى لهذه السمكة - ~~كما يرى القارئ في صورتها - ظهور التجربة الأولى في تطور الأحياء للذراعين والساقين؛ أي ~~المحاولة الأولى لصعود السمك من البحار إلى اليابسة والمشي عليها بدلا من السباحة في ~~البحر. # وكان المظنون أن هذه السمكة قد انقرضت منذ خمسين مليون سنة على الأقل؛ إذ وجدت أحافيرها ~~المتحجرة، ولكن لم توجد حية إلا في 1938، ثم في الشهر الماضي، وفي المرة الأولى أتلف ~~المحنط أحشاءها، وأضاع الفرصة على البيولوجيين لدراستها، أما هذه المرة فقد عني الدكتور ~~سميث بصيانة أعضائها، ولما اصطيدت بقيت ثلاث ساعات بعد إخراجها وهي حية. # وقد سميت «سيلاكانت» لأنها جوفاء المأق، والمتأمل للصورة يجد المأق في خلف العين ~~وهو أجوف. ~~(السيلاكانت) # وقولنا إن المظنون أنها كانت قد انقرضت منذ خمسين مليون سنة لا يعني أنها ظهرت منذ خمسين ~~مليون سنة؛ لأن الأرجح أن تجارب الخروج من البحر إلى اليابسة بدأت منذ أكثر من 200 أو 300 ~~مليون سنة، ونعني هنا خروج السمك وليس خروج القشريات مثل السرطان والكابوريا ~~والجنبري. # وقد كانت التجارب الأولى تقوم على حياة مشتركة في البحر واليابسة، بحيث تبيض السمكة في ~~الماء، وينفقئ البيض وتسبح الصغار ms067 فترة من حياتها، ثم تخرج إلى اليابسة وتسعى، ولا يزال هذا ~~الشأن في البرمائيات (البر والماء)؛ مثل الضفادع. # ثم استقل الحيوان على اليابسة، فظهرت الزواحف، وتفرعت الزواحف إلى فرعين: الطيور من ~~ناحية، واللبونات من ناحية. # وسمكة السيلاكانت واحدة من مئات السمك الذي حاول الصعود إلى اليابسة والسعي عليه بذراعين ~~وساقين ابتدائية، ولا بد أن كثيرا منها قد فشل في هذه التجارب، ولا نعرف إذا كانت ~~السيلاكانت من أسلافنا أم لا؛ إذ ليس بعيدا أن تكون قد قامت بالمحاولة ثم ارتدت عنها وقنعت ~~بالإقامة في الماء. # ويجب أن نتخيل عالمنا قبل مئتي أو ثلاث مئة مليون سنة على حال أخرى غير حاله الحاضرة؛ فقد ~~كانت البحيرات والمخاضات وانسياب البحار فيه أكثر مما هي الآن في استقرار قاراته وبحاره، ~~وكان بعض الأسماك التي تحيا في البحيرات يعاني من وقت لآخر جفافا أو ما يقارب الجفاف، فكان ~~يختبئ في الطين ويبقى أسابيع أو شهورا إلى أن تعود الأمطار - مثلا - فيهب السمك المختبئ ~~من رقاده ويسبح، وكثير من السمك يزحف على زعنفتيه على الطين. # وفي النيل سمكة خاصة به تسلك هذا السلوك، وهي تسمى «سمكة الطين»؛ لأنها تختبئ فيه وتزحف ~~عليه إلى أن تأتي مياه الفيضان فتخرج وتسبح (شكل # 1 ~~). # وسمك الطين هذا يحتوي «مثانة» هوائية يختزن فيها الهواء، ويستعملها كما لو كانت رئة بدلا ~~من الخياشيم التي يتنفس بها في الماء، وهذه المثانة هي الأصل في الرئة التي تتنفس بها ~~الزواحف والطيور واللبونات، وفي العالم الآن أربعة أنواع من «سمك الطين» هذا، واعتقادنا أنه ~~أرقى من السيلاكانت في سلم التطور. # ونحن نجزم من الآن بأن السيلاكانت تحتوي هذه المثانة، ولو بصورة أثرية؛ لأنها وإن كانت قد ~~انقطعت عن تجاربها في المشي على اليابسة، فإنها بلا شك قد قضت ملايين السنين في هذه ~~التجارب. ~~(سمك البيريوفتلم، وهو هنا يتسلق جذور الكوريدا التي ~~تنبت على الشواطئ، وقد تعرت هذه الجذور بتأثير الأمواج) # ولم يعرف عن هذه السمكة أنها تخرج إلى البر؛ لأن الأغلب أنه بعد ms068 ظهور هذه الأعضاء ~~الابتدائية للذراعين والساقين عادت فاستقرت في البحر، ولذلك لم تتقدم هذه الأعضاء. # وتركت ميدان اليابسة لغيرها، أو لما قد تطور من أقاربها وسلائلها، وعلى كل حال نحن ~~باكتشاف السيلاكانت قد حططنا على حلقة كنا نظنها منقرضة في سلسلة التطور. # ونحن إزاء كشف جديد، ولا بد أننا سنعرف كثيرا عن هذه السمكة مما ينيرنا عن تاريخنا ~~القديم، أو عن أعظم انقلاب في تاريخنا القديم، وهو خروج الأحياء من البحار إلى ~~اليابسة. # | التطور في النبات # تطور النبات ليس في وضوح تطور الحيوان؛ فإن طائفة كبيرة من حلقات الاتصال بين الأنواع ~~الموجودة الآن قد فقدت، أو قل إن العلميين لم يهتدوا إليها بعد، وربما كان عدم الاهتداء ~~إليها ليس ناتجا عن قلتها بل عن قلة المشتغلين بالنبات؛ فهذا العلم فيه شيء من الجفاف ~~يصد رجل العلم عن درسه؛ إذ ليست به تلك الجاذبية التي تغري العلماء بدرس الحيوان. # وقد أحصيت أنواع النبات الموجودة الآن في العالم فوجدت كما يلي: # النباتات المزهرة (أي ذات الجنسين) # 103000 نوع # النباتات المخروطية (كالصنوبر) # 3500 نوع # النباتات الطحلبية # 7500 نوع # النباتات السرخسية # 3500 نوع # أنواع الأشنة # 5500 نوع # الفطر والكمأة والبكتريا # 4000 نوع # الألجة وعشب البحر # 14000 نوع # ونرى وجها للمشابهة بين تطور النبات وتطور الحيوان من حيث إن الاثنين بدأت فيهما الحياة ~~عن سبيل الخلية الواحدة البسيطة، ثم تطورت وتدرجت حتى وصلت في الحيوان إلى الفقريات، ~~فانتشرت هذه الفقريات في البحر واليابسة والهواء، وتغلبت على جميع ما عداها من الحيوان، ~~وصارت هي السائدة في هذا العالم. # وكذلك الحال في النبات؛ تطور وتدرج حتى وصل إلى النباتات المزهرة، فتغلبت على جميع ما ~~عداها من النبات حتى بلغ عدد أنواعها نحو أربعة أسباع عدد أنواع المملكة النباتية، وقد ~~انتشرت في جميع أنحاء اليابسة؛ فنجدها في السهل، وفي الجبل، وفي القطب الشمالي، وفي خط ~~الاستواء، وفي الماء، وفي اليابسة. # والخلية الأولى من النبات تشبه الخلية الأولى من الحيوان، بل هي تتحرك مثلها كما نرى ذلك ~~في البكتيريا ms069 التي تعيش في دم الحيوان؛ فالبكتريا في النبات مثل الميكروب في الحيوان، ~~والنبات يقترب من الحيوان بمقدار انخفاضه في مرتبة التطور، فإذا ارتفع كلاهما في سلم التطور ~~انفصل كل منهما عن الآخر، وتميز بميزات عديدة. # بل إن هذه البكتيريا، وهي خلية مفردة كالنبات، بدلا من أن تستغل ضوء الشمس بواسطة المادة ~~الخضراء؛ أي الكلوروفيل كالنبات، تستغل مادة حية أخرى، وقد تطورت حتى ظهر منها الكمأة التي ~~تنبت حيث الخموم والعفن، وتستغل الأحياء الميتة، وهذه الكمأة، لأنها لا تعيش عيشة النبات ~~وإن كانت منه، قد فقدت لون النبات الأخضر، وصار طعمها طعم اللحم، وكذلك البكتيريا صارت ~~تتحرك حركة الحيوان. # وأول نبات ظهر في العالم، بل ربما كان أول حي، هو الألجة؛ فليس له ورق ولا جذوع ولا جذور، ~~وهو يعيش خلية واحدة، وقد يتصل فيتألف منه عشب البحر؛ فإن الخلايا المؤلف منها عشب البحر ~~المنتشر في جميع أنحاء البحار تشبه خلية الألجة. # بل هذه الأشنة - وهي حي مركب من الفطر والألجة - ليست في الحقيقة نباتا واحدا، وإنما ~~نباتان ينتفع كل منهما من الآخر. # وإلى ظهور هذه الأنواع كان النبات لا يزال في الماء طري الجسم، إذا تعرض للشمس جف، ولم ~~يكن له بعد خشب يحمل رطوبته ويحتفظ بها لمقاومة الجفاف، فلما نشأ الخشب تمكن النبات من ~~الخروج من الماء إلى اليابسة. # ثم ظهرت النباتات الطحلبية وكانت تقدما بنوع ما؛ لأن النباتات السابقة لم يكن لها جذوع، ~~أما هذه فقد حصلت على جذوع، ولكنها لم تحصل بعد على جذور، وهي لا بد منها للصعود إلى ~~اليابسة. # ثم ظهرت النباتات السرخسية، وكان لها جذور غير الجذع والورق، فانتشرت في اليابسة. وطبقات ~~الفحم الموجودة الآن نشأت منها؛ فقد جاء وقت على العالم ملأت فيه هذه النباتات اليابسة. ~~(متحجرات نباتات قديمة معظم طبقات الفحم مؤلف ~~منها) # ثم ظهرت النباتات المخروطية؛ أي التي ثمرها بهيئة المخروط مثل الصنوبر، وكان هذا المخروط ~~أول تهيؤ لظهور الأزهار. # واختتم التطور بظهور النباتات المزهرة، والنباتات المخروطية تعتبر حلقة الصلة بين ms070 ~~النباتات السرخسية والنباتات المزهرة. # ومما هو ذو جلالة أن النباتات المزهرة ظهرت عقب ظهور الحشرات الغشائية؛ كالنحل والزنابير، ~~التي تنقل اللقاح لهذه الزهور، وهنا نتذكر العوامل غير المباشرة للتطور؛ فإن ظهور الحشرات ~~الناقلة للقاح كان سببا لتطور النبات. ~~(أوراق أشجار بائدة من طبقات ~~الفحم) # وذوات الزهر هي الوحيدة بين أقسام النباتات التي يمكنها أن تقتنص الحشرات وتأكلها، وهي ~~أيضا تنمو في كل مكان؛ حارا كان أم باردا، ويابسة أم ماء، وأقل نجاحها في الماء الملح، ~~ومع ذلك فإن النباتات السرخسية والمخروطية لم تنجح مطلقا في الماء الملح، وهذا كله يدل على ~~أن ذوات الزهر قد حصلت على عدة كفايات لم تحصل عليها سائر النباتات. # وذوات الزهر تنقسم إلى قسمين: أحدهما ما تكون بذرته ذات فلقة واحدة؛ كالذرة والقصب والقمح ~~والنخل، والآخر ما تكون ذات فلقتين؛ كالفول والقطن واللوز والبرتقال. # والجذع في القسم الأول يكون على الدوام متساوي الثخانة من الأسفل والأعلى، كما نرى في جذع ~~النخل والذرة، أما القسم الثاني فيكون ثخينا من أسفل دقيقا من أعلى. # والقسم الأول أحدث عهدا من الثاني؛ بدليل أن النواة أو حبة الذرة عندما تنشأ يكون فيها، ~~وهي بعد جنين، تلميح إلى تكون الفلقتين، ثم تعود فتندغم الفلقتان وتصيران فلقة واحدة. # | البيئة والحي # تنازع البقاء سبب نتيجته بقاء الأصلح أو الأنسب، فإذا تنازع فردان في بيئة ما عاش ~~أنسبهما ومات الآخر، وهذا هو السبب في أننا عندما نعرض جميع الأحياء في الطبيعة نجد أنها ~~كلها توافق الوسط أو البيئة التي تعيش فيها، وهي إنما وصلت إلى هذه الحال بعد نزاع طويل مات ~~فيه كل حيوان أو نبات لم يوافق، من حيث شكله أو لونه أو قوته أو نوع طعامه، تلك البيئة التي ~~يعيش فيها. # فالببر مثلا، وهو الحيوان المخطط الذي يخطئ بعض الناس ويسميه نمرا (مع أن النمر منمر؛ ~~أي منقط)، يشبه الغابة التي يعيش فيها، فإذا ربض تحت الغصون والأوراق اختلط لونه بلونها فلا ~~يمكن تمييزه منها، فهو بذلك يحتمي من عدوه ويختفي ms071 عن فريسته في آن واحد، ولم يصل إلى هذا ~~اللون إلا بعدما انقرض جميع الأفراد التي كان في لونها شهرة تنم عليها؛ لأن هذه الشهرة تجعل ~~فريسته على حذر منه، فهو أبدا مكشوف أمامها، فلا يعيش ولا ينسل من الببرة إلا ما وافقت ~~خطوط جلده ظلال الغابة في ألوانها. # وحيوان الصحاري يشبه لونه لون الرمال، بحيث إذا نام ضب أو ورن على سطح الصحراء لم يميزه ~~الإنسان من الرمال التي تحته، وإذا نام غزال أو ثعلب اختلط لونه الأغبر بغبرة الرمل، فلا ~~يمكن حيوانا أو جارحا أن يميزه مما حوله. # وحيوان الصحراء لم يبلغ هذه الحالة إلا بعد تنازع بقاء طويل باد فيه كل ما كان في جلده ~~لمعة من بياض، أو أي لون آخر يشهره ويدل كواسر الطير عليه، أو يهدي إليه بعض الوحوش. # وكذلك الحال في نباتات الصحراء فإنك تجد على الدوام أوراقها ملساء تمنع تبخر الماء منها ~~(كالصبير)، وتجد جذورها تمتد إلى عمق بعيد فيها، وذلك لقلة ماء الصحراء وبعد غوره؛ ~~فالصبير في الصحراء كالجمل، كلاهما يعمل لادخار الماء؛ هذا باختزانه في معدته، وذاك في ~~أوراقه، وهما لم يبلغا هذه الكفاية إلا بحكم الوسط الذي يعيشان فيه. # ولون الجمال الغالب، مع تدجينها الطويل، لا يزال أغبر في لون الرمل، وربما لم تظهر الإبل ~~السوداء أو البيضاء إلا بعد الاستئناس، وهي لو كانت تعيش في الحال البرية لكانت أولى ما ~~يقع فريسة للضواري الكبرى. # وكثيرا ما يقف أحدنا في وسط حقل وينظر إلى نبات ما فلا يجد فيه ما يدل على وجود حشرة، ثم ~~ما هي إلا أن تتحرك يده في جهة ما حتى يرى فراشة زاهية كبيرة تطير فجأة كأنها وجدت من ~~العدم، فهذه الحشرات التي تتعقبها الطيور قد حدث بينها «تنازع بقاء» حتى لم يبق منها سوى ~~القادر على إخفاء نفسه بأن يندغم لونه في لون الغصن الذي يحط عليه؛ حتى لا تهتدي إليه ~~الطيور، وبعض هذه الحشرات يشبه الزهرة، وبعضها يشبه الورق، والبعض الآخر يشبه ms072 غصنا مكسورا ~~جافا بحيث ينخدع الطير عنه. ~~(حشرة تشبه غصنا جافا فإذا حطت عليه لم تتميز ~~منه) # ومن هنا ندرك السبب في أن الثعلب والدب اللذين يعيشان في القطب الشمالي يكون فروهما أبيض ~~ناصعا، بحيث إذا رقد أحدهما على الثلج امتزج لون الفرو بلون الثلج فلا يظهر للعدو أو ~~للفريسة، فالالتئام بينهما وبين البيئة التي يعيشان فيها تام، وهو لم يبلغ هذه الدرجة إلا ~~بعد تنازع طويل مات فيه كل مشهور اللون واضحه. ~~(حشرة تشبه ورق الشجر فإذا حطت في جانب ورقة لم ~~تتميز منها) # ولننظر في أثر آخر للبيئة في الحي؛ فإن القيطس - مثلا - وهو أكبر حيوان في العالم (أكبر ~~من الفيل عشرة أضعاف) يعيش في الماء البارد قريبا من القطبين الشمالي والجنوبي، وهو حيوان ~~لبون يرضع أطفاله، ودمه دافئ مثل الدم البشري، وقد كان يعيش يوما على اليابسة، ثم نزل إلى ~~الماء فانقلبت يداه إلى زعانف، ولكن لا تزال أصابعه الخمس كامنة في كل زعنفة من زعنفتيه. # فهذا الحيوان لا يمكنه أن يعيش في الماء البارد إذا لم تكن له وسيلة يحفظ بها حرارته، وقد ~~فقد شعره لأن الشعر لا يوافق السباحة في الماء، فلم يبق له سوى أن يكسو جسمه بطبقة كثيفة ~~جدا من الدهن تبلغ آلاف الأرطال، هي الآن أكبر ما يغري الصيادين بصيده، وهو لم يبلغ هذه ~~الحالة إلا بعد نزاع طويل انقرض فيه كل قيطس لم يكن جلده مبطنا بمثل هذه الطبقة من ~~الدهن. # وبعض الحيوانات التي نزلت إلى الماء بعد أن كانت تعيش على اليابسة تدلنا بسلوكها على طريق ~~التدرج الذي اتخذته في الوصول إلى حالة القيطس؛ فإن القيطس يلد في الماء ولا يحتاج إلى ~~الخروج إلى البر، ولكن لا يزال في العالم حيوانات لم تبلغ هذه المرتبة وإن كانت تسير في ~~طريقها؛ ففرس النهر الذي يسميه الأطفال «السيد قشطة» يعيش في الماء واليابسة على السواء، ~~ويبقى مدة طويلة ورأسه تحت الماء لطول نفسه، والدب كذلك لا يبالي السير على الأرض أو ~~السباحة ms073 في الماء، ولكنهما يلدان على الأرض. # والتمساح واللجاة يعيشان في الماء، ولكنهما وقت البيض يخرجان إلى اليابسة، فتبيض الأنثى ~~ويبقى ولدها مدة على البر، ثم ينزل الماء. والفقمة تعيش طيلة حياتها في الماء، ولكنها ~~وقت اللقاح والولادة تخرج إلى البر، فهي لم تبلغ بعد مبلغ القيطس الذي يعيش ويلد في ~~الماء. # فاحسب آلاف السنين التي مضت، وما مات من القياطس في هذا النزاع الطويل، حتى تمكنت من أن ~~تجعل الماء وسطا ملائما لحياتها وأولادها. # واذكر هذه الأطوار التي يقطعها الآن أمثال فرس النهر والتمساح واللجاة والفقمة للوصول إلى ~~حال القيطس، تعرف أن التطور لم ينقطع، وإنما هو سائر كما كان يسير في الماضي، وأنه سيأتي ~~يوم تلد فيه الفقمة في الماء، ويتمكن فرس النهر - إذا لم تبده المدنية - من أن يعيش طيلة ~~حياته في الماء. # ثم اعتبر الأسماك التي تعيش في قعور البحار العميقة، فإن قعر البحر إذا بلغ عمقه نحو ~~أربعة كيلو مترات يكون مظلما، فلا تستطيع الأسماك رؤية طريقها حتى تتقي عدوها وتهجم على ~~فريستها، فلم يكن لها بد من الاهتداء إلى طريقة تجعلها تلائم هذا الوسط المظلم، ولم تكن هذه ~~الطريقة سوى اختراعها ضوءا يشع وينير لها هذه الظلمة. # واعتبر عنق الزرافة وخرطوم الفيل، فكلاهما يؤدي وظيفة واحدة وهي الوصول إلى الأغصان أو ~~الأعشاب، وعنق الفيل قصير، وعنق الزرافة طويل، ولكنهما يحتويان كلاهما على سبع فقار مثل ~~عنق الإنسان، فالطول والقصر تعديل يراد به الملائمة بين البيئة والحيوان، والأساس واحد وهو ~~عظم الفقار، ولكن التعديل يختلف باختلاف البيئة، ولو لم نكن نحن والفيلة والزرافة من أصل ~~واحد لكان لكل منا عدد من الفقار يوافق طول عنقه، بحيث يحتوي العنق الطويل على عدد أكبر من ~~الفقار مما في العنق القصير. # ويمكن القارئ إذا تأمل في أحياء الطبيعة؛ نباتها وحيوانها، أن يرى الملاءمة الدائمة بين ~~البيئة والحي، وهذه الملاءمة لم تبلغ درجتها الحاضرة إلا بعد انتخاب طبيعي عاش فيه ما لاءم ~~الوسط وأنسل، وانقرض ذلك الذي لم يلائم وسطه. ms074 # فشجرة السنط - إذا كانت صغيرة يمكن الحيوان أن يأكلها - امتلأت شوكا يذود الحيوان عنها، ~~فإذا كبرت ولم تعد تخشى الحيوان زال شوكها أو قل، وحشرات الليل؛ كالخنافس وغيرها، تكون ~~سوداء لا تظهر في الظلمة، وديدان البطن تهضم بجلدها مع أنه كان لها قناة هضمية، بل القناة ~~الهضمية ظهرت فيما هو أحط منها من طبقة الشائكة؛ مثل خيار البحر ونجمة البحر، ولكنها، لأنها ~~تعيش في قناتنا الهضمية في الغذاء، صارت تهضم بجلدها؛ لأن هذا أسهل عليها من ابتلاع الغذاء ~~بفمها، ثم هضمه، ثم تبرز نفايته. # ولون الإنسان من سمرة أو سواد هو ضرب من الملاءمة بين الوسط والحي؛ فأجسامنا تفرز هذه ~~الصبغة من سمرة أو سواد على بشرتنا كي تقينا من ضوء الشمس وما فيه من سموم، نعرفها عندما ~~نعمد إلى قتل الميكروبات الشفافة بتعريضها للشمس، وعندما نفتح النوافذ لتطهير غرفنا بها، ~~بل القردة التي تعيش في إفريقيا لها وجوه سود أيضا مثل الزنوج؛ فبيض البشرة لا يمكنهم أن ~~يتحملوا الضوء الشديد، ولذلك انقرضوا من البلاد الحارة، ولم يبق سوى الحاصلين على صبغة ~~قليلة أو كثيرة. # والخلاصة أن الطبيعة في غربلة دائمة لا تنقطع؛ فما لاءم الوسط أبقته، وما لم يلائمه ~~أبادته. # | تطور بعض الأعضاء # يمكن دارس التطور أن يعمد إلى أي عضو في جسم الإنسان؛ كالعين أو الساق أو القلب أو الأذن، ~~فيتتبع تطورها منذ ظهور الحيوانات الدنيا إلى أن بلغت مرتبتها الراهنة العليا في الإنسان، ~~وفي ما يلي يرى القارئ تطور بعض الأعضاء على سبيل التلخيص: # تطور الثدي: # في جلود الأسماك غدد تفرز نوعا من الدهن أو الزيت ينتشر على سطحها ~~فيجعلها ملساء زلقة فيسهل عليها بذلك اجتياز المياه، وهذه الغدد تتركز ~~أحيانا في بعض مراكز، وتنشئ أحيانا مجاري، وأحيانا أخرى تتفرق في جلد ~~السمكة. # وأكثر الضفادع وبعض الأسماك تفرز مادة زيتية كريهة على جلودها؛ حتى لا ~~يفترسها مفترس، وهذا هو السبب في أن الكلب أو القط أو الثعلب يكره الضفادع ~~ولا يأكلها مع كثرتها أمامها. # وللزواحف والطيور غدد ms075 تفرز مواد كريهة أحيانا؛ لتكره أعداءها فيها حتى ~~لا تفترسها. ~~(كان الإنسان قديما يلد أكثر من واحد، فكانت للمرأة عدة ~~حلمات، ومن هنا حدوث الفلتات الآن؛ إذ يكون لبعض النساء ~~عدة حلمات) # على أن الحيوان اللبون (ذا الثدي) يمتاز على كل الحيوانات الأخرى بثلاثة ~~أنواع من الغدد، وهي غدد اللبن؛ أي الأثداء، وغدد العرق، وغدد الشعر؛ أي ~~الغدد الدهنية. # واللبن في تركيبه قريب من المادة التي تفرزها غدد الشعر، وتشتد مشابهته ~~لمفرزات الغدد الدهنية هذه كلما نزلنا في سلم التطور إلى الحيوان اللبون ~~القريب من الزواحف؛ ففي استراليا - مثلا - حيوان يسمى الأخدنة، وهو شائك ~~كالقنفذ، ويعيش بأكل النمل، وهو أحط اللبونات الحاضرة؛ فإنه لا يزال ~~كالزواحف يبيض ولا يلد، وليس له غير منفذ واحد للبول والتبرز، وليس له حاجز ~~بين صدره وبطنه كالحيوان اللبون، وليس له ثدي بالمعنى المتعارف، بل تتورم ~~جلدة بطنه وتحتقن عندما ينفقس بيض فراخه، وتتشقق ثم ترشح نوعا من الدهن ~~الذي يفرزه جسدنا للشعر، فتلحسه فراخه. # ومن ذلك نفهم أصل الأثداء، فإنها غدد دهنية تركزت في موضع من الجسد، وكان ~~القصد منها في الأصل مجرد إيجاد الدهن للشعر. ~~(فلوس القرش التي على جلده، وأسنان القرش لا تختلفان في ~~شيء، ومن ذلك نعرف أصل أسناننا) # ويجب ألا ننسى أن الشعر، وهو يحتاج إلى غدد دهنية، من خواص الحيوان ~~اللبون؛ ولذلك لم يظهر اللبن في غيرها. # وعدد حلمات الأثداء والضروع تكون عادة مناسبة لعدد ما يلده الحيوان في ~~الدفعة الواحدة؛ ولذلك هي كثيرة في الفأر والخنزير، قليلة في الإنسان ~~والقرد، ويظهر في جنين الإنسان خمسة أزواج من الحلمات، ثم تضمر وتزول، مما ~~يدل على أن الإنسان قضى حينا من الزمن وهو مثل الخنزير والفأر يلد عددا ~~من الأولاد في الولدة الواحدة. # ثم إن ألبان الحيوانات تختلف وتتماثل باختلاف هذه الحيوانات أو مماثلتها؛ ~~فألبان الإنسان والقرد والنسناس تتماثل، وألبان الحيوانات المجترة تتماثل ~~أيضا، ولكنها تختلف عن ألبان الحيوانات الأخرى. # تطور الأسنان: # الأسنان ضرب من فلوس السمك التي تغطي جسمه، ms076 فهي مثلها كيماويا، ولا ~~تزال أسنان القرش تصنع وتتكون وهو جنين بالطريقة نفسها التي يتكون بها ~~قشره، وأكثر أجنة الحيوانات التي تعيش على اليابسة يكون جلدها مغطى بما ~~يشبه فلوس السمك، وتنشأ الأسنان مثلها ومعها في وقت واحد، ثم تزول الفلوس ~~التي على الجلد وتبقي الفلوس (الحراشف) التي في الفكين، وهي ~~الأسنان. # تطور الرئة: # لأكثر الأسماك كيس يتصل بالمريء، ويكون دائما مملوءا، والغرض منه تخفيف ~~جسم السمكة عندما تريد الصعود في الماء وإثقاله بالإفراج عن الهواء الموجود ~~فيه عندما تريد الغوص، وهذا الكيس هو أصل الرئة في الحيوانات الأرضية، وقد ~~حقق ذلك في السمندل - وهو حيوان يقضي طفولته أو شبابه في الماء ثم يهجره ~~ويسكن اليابسة - فإن كيسه هذا، الذي كان يستعمله في العوم وقتما كان يسكن ~~الماء يتنفس بالخياشيم كالسمك، يتحول إلى رئة عندما يسكن اليابسة، والرئة ~~نشأت عن طريق المصادفة تقريبا؛ لوجود هذا الكيس قبلا في الأسماك، كما نشأ ~~الثدي عن وجود غدد الشعر الدهنية. # تطور الأجنحة: # نشأت الطيور من الزواحف، بل هي لا تزال للآن زواحف طيارة، وغاية ما حدث ~~لها أن ساقيها الأماميتين صارتا جناحين، وأكثر الطيور تعيش مدة طفولتها وفي ~~طرف أجنحتها مخلب أو ظلف، وقد يبقى معها طيلة حياتها، مما يدل على أن ~~الجناح كان ساقا يوما ما. # وصغار الدجاج تستعمل أجنحتها للاعتماد عليها في المشي كما تستعمل الزواحف ~~ساقيها الأماميتين، والطيور لا تزال تتعلم الطيران تعلما ولا تأتيه طبعا ~~وغريزة، مما يدل على قرب عهدها به، ثم إن أجنة الزواحف والطيور تتماثل إلى ~~قرب تفقس البيض تقريبا، ثم إن حياة الزواحف والطيور الفسيولوجية متشابهة ~~إلى حد يمكن أن يقال إنها واحدة فيهما. # تطور الأذن: # الجنين يمثل تاريخ النوع الذي ينتسب إليه، وفي حياتنا الجنينية تظهر ~~حزوز وشقوق في الوجه تمثل الخياشيم التي كنا نتنفس بها حينما كنا أسماكا، ~~أو على الأقل من الحيوانات البحرية، والأذن في الأسماك الآن ليست أكثر من ~~خيشوم يصل إلى الدماغ وليس فيه طبلة أو تجويف طبلي؛ ولهذا السبب ms077 تتكون ~~الأذن في جنين الإنسان من أحد خياشيمه. # وتظهر الطبلة والتجويف الطبلي والقناة اليوستاخية الواصلة الأذن بالأنف ~~أولا في الحيوانات البرمائية (مثل الضفادع)، وتظهر صدفة الأذن في ~~الليونات، والغرض منها جمع الصوت بتحريك هذه الصدفة إلى جهة الصوت، كما نرى ~~في الحمار والفرس. # ولم يعد للصدفة فائدة ما للإنسان أو القرد، ولذلك ضمرت عضلاتها وضعفت ~~عن الحركة، إلا القليلين الذين يستطيعون تحريكها حركة ضعيفة؛ وذلك لأننا ~~نعتمد في سلوكنا على العين أكثر مما نعتمد على الأذن أو الأنف. # | حواس الحيوان وعقله # الدماغ والحواس كلاهما نشأ لتدبير مصالح جسم الحيوان، والحواس تتفاوت دقة بين حيوان وآخر، ~~وبعض الحيوان يعتمد على إحدى حواسه دون الأخرى التي يعتمد عليها غيره. # والدماغ والحواس كلاهما أداة للعقل أو الغريزة، والعالم الحيواني ينقسم شطرين؛ بعضه جل ~~اعتماده في حياته على غريزته، كما هو الحال في الحشرات وما دونها من الأحياء، وبعضه جل ~~اعتماده على العقل؛ أي الرؤية والتدبر واكتساب الخبرة والتجربة، وهذا هو الحال في الإنسان، ~~ولكن أعمال الغريزة والعقل تتداخل؛ فالطفل الإنساني يرضع أمه بغريزته، والرجل منا يغضب ~~بغريزته، والحشرة إذا عاقها عائق في سيرها ظهر في سلوكها ما يقارب الروية والتدبر. # ولكن يمكن أن نقول على وجه الإجمال إن الدماغ الصغير هو دماغ الغريزة، والدماغ الكبير هو ~~دماغ العقل، وهذا هو ما يمكن استنتاجه بالاستقراء؛ فكلما زاد جرم الدماغ اتجهت أعماله نحو ~~الروية والتدبر؛ أي العقل، وخلصت من الغريزة، فأدمغة الحشرات والقشريات والعناكب؛ أي ~~الحيوانات المفصلية، قليلة الجرم، ولذلك يبدو على أعمالها كأنها كلها غريزية، والحال كذلك ~~في ما هو دون هذه الحيوانات، ثم يكبر الدماغ في الأسماك، ويتدرج في الكبر في الحيوانات ~~البرمائية؛ (أي التي تعيش في البر والبحر كالضفدع)، ثم الزواحف، ثم الطيور، ثم اللبونات؛ ~~(أي التي ترضع أطفالها)، إلى أن يبلغ أكبر جرمه في القردة العليا والإنسان، وبنسبة كبر ~~الدماغ يكون تغلب العقل على الغريزة. # والبحث عن تطور العقل ينتهي بالطبع إلى البحث عن تطور أداتيه؛ وهما الحواس والدماغ، وما ~~دام ms078 الغرض من العقل أو الغريزة هو تدبير مصالح الجسم والمحافظة عليه، فالبحث في تطور الحواس ~~الخمس ودقتها وتركزها في الحيوان هو سبيلنا إلى معرفة تطور الدماغ؛ لأن هذه الحواس هي ~~بمثابة النوافذ التي يطل منها العقل على العالم، أو هي السفير الذي ينقل رسالة العالم إلى ~~الفرد، فهي وسيلة التعارف بين الحي ووسطه. # ويمكننا أن نعقل أن الحواس الخمس، بل أكثر من الحواس الخمس، كان موجودا في الخلية ~~الحيوانية الأولى بشكل مبهم منتشر، لم تتخصص كل حاسة بمكان، ويمكننا أيضا أن نتصور أن ~~الأثر الذهني الذي يحصل للأحياء الدنيا من هذه الحواس يشبه على وجه ذلك الأثر الذهني الذي ~~يحصل لنا عندما ننظر في مكان مضيء ثم نغمض عينينا، فتبقى صورته مدة ما بعد إغماض العينين، ~~وهذا هو أول الذاكرة التي هي أصل العقل والغريزة. # وابتدأ ظهور الحواس على سطح الجسم، ولا يزال منها ثلاث على سطح جسم الإنسان؛ وهي اللمس ~~والنظر والسمع، ولكن يجب ألا ننسى أن الذوق نشأ على سطح الجسم، ولا يزال بعض الأسماك يذوق ~~الأشياء بسطحه، والفم هو جزء من البشرة الخارجية ينمو معها؛ أي إنه ليس جزءا من القناة ~~الهضمية نما حتى وصل إلى البشرة الخارجية، بل هو عكس ذلك جزء من القشرة الخارجية نما ودخل ~~في الجسم حتى وصل إلى القناة الهضمية. # ونجد دليل ذلك القرش، وهو سمكة غضروفية كبيرة (ليس بها عظم، وإنما بها غضروف، وتكثر في ~~البحر الأحمر)، فإن تركيب أسنان هذا الحيوان هو نفسه تركيب فلوسه؛ أي حراشفه التي تنشأ وهو ~~جنين على بشرته الخارجية؛ أي إن فمه ليس سوى امتداد بشرته إلى داخله. # وبدهي أن الصور الذهنية التي تنشأ عن بعض الحواس تكون دون تلك التي تنشأ عن بعض الحواس ~~الأخرى في مقدار تصوير العالم الخارجي على ما يشبه حقيقته؛ فالعين - مثلا - تصور العالم ~~الخارجي للذهن بأدق وأوسع مما يصوره الأنف، وكذلك الأذن تصوره أكثر مما يصوره اللمس؛ ولذلك ~~نجد الحيوانات التي دق سمعها وارتقت عيونها؛ مثل الإنسان والقرد، أرقى ms079 جميع الحيوانات في ~~العالم. # وأول ما نرى دلائل العقل؛ (أي الروية والتدبر واكتساب التجارب) واضحة في السمك؛ فإن ~~بعضها يحاور الشص وبعضها يتوقاه، وللسمك عيون لا تغمض، لا يعرف مقدار رؤيته بها، وله ~~أذنان يسمع بهما، بدليل أنه يمكن تعويده الحضور للطعام بدق ناقوس، ولكن وظيفة الأذنين في ~~السمك تتصل بمهمة التوازن في السباحة أكثر مما تتصل بمهمة السمع، والسمك - كما قلنا - يذوق ~~أحيانا بجلده. # ويلي السمك في كبر الدماغ وفي دقة الحواس، الحيوانات البرمائية؛ كالضفدع، وهي تجيد النظر، ~~بدليل أن لسانها يخطف الذبابة فلا يخطئ، ويمكن الضفدع أن تميز بين اللون الأحمر والأبيض، ~~ومن غريب حواسها أنها تشعر بالضوء في أي مكان من جلدها، ومعنى هذا أنها لا تزال تحتفظ ~~بالإحساس بالضوء كما كانت تفعل الحيوانات قبل تركز هذا الإحساس في العين. # والزواحف؛ كالثعابين والسلاحف، أكبر دماغا وأدق حواس؛ إذ هي يمكن تربيتها حتى تميز ~~صاحبها من غيره من الناس وتلبي نداءه، وهي تخرج إلى مسافات بعيدة، وتعود إلى عشها مهتدية ~~بذاكرتها مع التواء الطريق وتشعبها، وكلنا يعرف أن الثعبان يلتذ الصفير والغناء ~~والموسيقى، وهذا برهان على دقة آذان الزواحف. # ويلي الزواحف الطيور، وهي تتفاوت في جرم الدماغ ودقة النظر، وأهم حواس الطيور هي عيونها ~~التي تشرف بها على الأرض، حتى النسر لا يهتدي إلى الجيفة بأنفه، بل بعينيه التلسكوبيتين ~~العظيمتين، وهي تجيد السمع أيضا بدليل استحسانها الغناء من ذكورها. والغناء عند بعضها سبيل ~~الذكر إلى الأنثى، ولكنها مع ذلك سيئة التذوق؛ فالدجاجة تبلع حبة من الذرة من غير أن ~~تذوقها، أو ربما كان ذوقها بها ضعيفا جدا. # وجرم الدماغ - كما قلنا - يتفاوت فيها؛ فللغراب والببغاء والصقر والعقاب أدمغة كبيرة؛ ~~ولذلك تسير كلها سيرة العقل المشوب بأدنى غريزة، في حين أن الحمام - مثلا - صغير جرم ~~الدماغ؛ ولذلك غريزته ظاهرة، يكفي دليلا على قوتها وضعف عقله أنه إذا نقل الإنسان بيض ~~الحمامة من مرقده وأبعده نحو عشرة سنتيمترات فقط لما استطاعت الحمامة أن ترده إلى مكانه، ~~بل تذهب إلى مرقده ms080 السابق وترقد. # ويلي الطيور في الرقي الذهني اللبونات، ومن اللبونات ما هو دون الطيور في ذلك، ولكن يمكن ~~أن يقال بوجه الإجمال إنها أرقى من الطيور؛ فدماغها أكبر، وقبولها للتعليم والتجاؤها إلى ~~الحيل دليل الرقي في عقلها، ولا شك في أن رأس اللبونات من حيث الرقي الذهني هو الإنسان ~~والقردة العليا، ونظرة واحدة إلى أحط أنواع القردة تدلنا على تنبه عقلها؛ فالقرد دائم ~~النشاط والتفزز والاستطلاع، فلست ترى قردا صامتا هادئا كالكلب أو القط أو الثور. ~~••• # والفصل التالي ملخص من كتاب داروين «تسلسل الإنسان»، وفيه يرى القارئ كيفية معالجة ~~داروين، شيخ نظرية التطور، لمثل هذا الموضوع؛ حيث يقابل القوى العقلية في الإنسان بمثلها في ~~الحيوان، قال: # ربما خطأنا البعض في قولنا بتسلسل الإنسان من الحيوان لعظم الفرق بيننا وبين ~~الحيوان في القوى العقلية، ولا شك في أن الفرق عظيم حتى بين المتوحش الذي ليس في ~~لغته غير ما يعبر عن أربعة أشياء وليس فيها اسم للمسميات المعنوية، وبين أعلى ~~الحيوانات مثل القرد، وهذا الفرق لا يزال عظيما حتى لو استأنسنا القرد ودجناه ~~مثلما دجنا الكلب؛ حيث جعلناه أذكى وأرقى من سلفه الذئب أو ابن آوى؛ فإن الفويجيين ~~يعدون من أحط الهمج، ومع ذلك كنت أدهش كلما رأيت الفويجيين الثلاثة الذين كانوا ~~معنا ينظرون إلى الأشياء نظرنا ويرتأون رأينا فيها بعد أن أقاموا معنا قليلا في ~~إنجلترا. # ولكن مع ذلك يمكننا أن نبين أن الاختلاف بين العقل الحيواني والعقل البشري غير ~~أساسي كما نتوهم، ثم يجب أن نذكر أن الفرق بين أحط السمك وأعلى القرود في القوى ~~العقلية أكبر وأعظم من الفرق بين القرد والإنسان، وهذا الفرق بين السمك والقردة ~~يتدرج في درجات لا يكاد يميزها الإنسان لدقتها، كما يتدرج الفرق بين الهمجي الذي ~~ينفض ابنه على الصخر ويقتله لأنه أسقط سلة المحار، وبين رجل مثل نيوتن أو ~~شكسبير. # وغرضي الآن أن أبين أنه ليس ثمة اختلاف أساسي بين القوى العقلية في الإنسان ~~والحيوان. # أول ما يلفت نظر الباحث في هذا ms081 الموضوع هو مشابهة غرائزنا لغرائز الحيوانات؛ فالذكر منا ~~يحب الأنثى، والأم تحب طفلها، مثل ما يفعل الحيوان. وصغار الحيوانات، حتى صغار النمل، تلعب ~~مثل صغارنا، والخوف يفعل بالحيوان مثل ما يفعل بنا، فيقف شعره وترتخي عضلاته ويرتجف جسمه، ~~والحيوانات تحقد ويلذ لها الانتقام مثلنا، وقد شوهد أن إناث القردة تموت جزعا عند فقدان ~~أطفالها، وأن الكلب يلحس يد صاحبه وهو يقتله، مما يدل على أن عواطف الحب والأمانة شديدة في ~~الحيوانات. # وإناث القردة تتبنى اليتامى من نوعها وترضعها وتربيها، والغيرة مشاهدة بين الحيوانات، ~~كما أنها تشعر بالحياء والتواضع والعظمة، فتجد الكلب الكبير يهزأ بنباح الكلاب الصغيرة، ~~كأنه يترفع عن قتالها، وقد حقق الباحثون أن القردة تكره من يضحك منها أو يهزأ بها، ورأيت ~~بنفسي قردا كاد يجن من الغيظ عندما كان حارسه يقرأ أمامه خطابا، وبلغ به الغيظ مرة أنه عض ~~ساقه حتى أدماها، والكلب يفهم الفكاهة ويمازح صاحبه، فإذا ألقيت إليه عصا كي يأتي إليك ~~بها قعد بعيدا عنك وهي معه، فإذا دنوت منه جرى منك وقعد، وهكذا، كأنه يتلذذ بالمزاح ~~معك. ~~(مواقف عاطفية مختلفة في الشمبنزي: الضحك، الحزن، التهيج، البكاء) # هذه لمحة من غرائز الحيوانات يراها القارئ تماثل غرائزنا، ولنتكلم الآن عن تلك الشهوات ~~العقلية العليا كي نرى إن كانت الحيوانات تماثلنا فيها؛ فالحيوانات تتعجب من الأشياء ~~الغريبة، وتتطلع إليها كأنها تريد أن تتعرفها مثلنا، وبعض الصيادين يلعبون أمام الغزلان ~~ألعابا غريبة تستوقف أنظارها، فيصيدونها وهي لاهية بالتطلع إليهم، والقردة تخاف الأفاعي، ~~ولكن الاستطلاع مع ذلك يدفعها إلى الدنو من صندوق الأفاعي، فكانت تقترب مع خوفها، فتفتح ~~غطاءه وهي ترتجف، وتطل عليها ثم تهرب. # وقد جربت تجربة من هذا النوع، فأتيت بثعبان صناعي ووضعته بينها، فاصطفت حواليه وجعلت ~~تحدق فيه، وتوترت أعصابها في هذه اللحظة لدرجة مضحكة، فقد وقعت مصادفة كرة فقفزت صارخة ~~إلى أعلى القفص، كأنها حسبت أن الثعبان تحرك إليها. # والإنسان؛ خصوصا المتوحش منه، يحب التقليد، وكذلك الحيوانات العليا كالقردة، وصغار ~~الحيوانات تتعلم أكثر ما تحتاج ms082 إليه من أمهاتها بالتقليد، والانتباه والذاكرة ظاهران في ~~الحيوان؛ فالقط يقعد طويلا عند جحر الفأر منتظرا خروجه وافتراسه، والكلب يتذكر صاحبه ~~بعد غيابه السنين. # والتصور، وهو تخيل الأشياء الغائبة، موجودة عند الحيوان، بدليل أنها تحلم، والكلب عند ~~إهلاله؛ أي عندما يصيح ذلك الصياح بين النباح والأنين في ظلمة الليل، يتخيل أشياء تثير ~~أشجانه. # والعقل من الصفات الإنسانية، ومع ذلك فالعلماء على رأي واحد الآن في أن أكثر الحيوانات ~~العليا تعقل، وكلما تقدم البحث ظهر أن أكثر الأفعال التي تأتيها الحيوانات، وكانت تظن ~~قبلا أنها نتيجة الغرائز، إنما هي نتيجة التقليد العقلي؛ فقد رأيت فيلا كان إذا رأى شيئا ~~يقصر عنه خرطومه وأراد أن يتناوله مد خرطومه فوق هذا الشيء ونفخ، بحيث إن تيار الهواء ~~الذي ينفخه يلتقي بالأرض فيتفرق ويدفع إلى ناحية الفيل هذا الشيء، ورأيت دبا كان في حوض ~~مملوء بالماء، فكان إذا رأى لقمة بعيدة عنه أحدث تيارا بيده في الماء فتصل إليه اللقمة؛ ~~فهذه الأعمال تدل على عقل. # وذكر «ونجر» أنه كان يعطي القردة بيضا لتأكله، فكانت أول ما عرفته تسحقه سحقا، فكان ~~يضيع أكثر ما فيه على الأرض، ولكنها تعلمت بالاختبار بعد ذلك ألا تكسره إلا بالتؤدة ~~وتقشره بأظافرها، وكان يعطيها قطع السكر ملفوفة فتسرع في أكلها، فوضع مرة زنبورا في الورق ~~فكانت لا تفتح الورق من هذا الوقت إلا بعد أن تضعه على آذانها وتهزه لتحزر ما فيه. # وذكر آخر أن كلبا من كلاب الصيد رأى نفسه بين بطتين مصيدتين؛ إحداهما جريحة ولكنها ~~تستطيع الطيران، والأخرى ميتة، وأراد أن يرجع بالاثنتين معا، فوقص عنق الحية وحملهما إلى ~~صاحبه، والقردة تماثل الإنسان في الصفات العقلية، حتى الجنون يعرض لها كما يعرض ~~للإنسان. # وقد ميز البعض الإنسان من الحيوان بأنه يستطيع الترقي والتقدم، وأنه يستعمل النار، ~~ويستأنس الحيوانات، وأنه قادر على التفكير المجرد، وأنه يستعمل لغة ما، ويستعين بالآلات، ~~ويقدر الجمال ... إلخ. # أما عن الترقي، فمعناه الانتفاع من الاختبارات الشخصية، والحيوانات تنتفع من التجارب التي ~~تمر عليها؛ ms083 فالحيوانات المسنة لا تقع في الفخاخ بالسهولة التي تقع بها صغارها، والصائد لا ~~يستطيع الصيد في موضع واحد دائما؛ لأن الحيوانات تعرف الفخ وتتوقاه. # وقد ارتقى الكلب من الوحشية إلى حالته الحاضرة، فالقرد يكسر البندق والجوز بالأحجار، ~~والفيل يقطع أغصان الأشجار ويذب عن نفسه بها الذباب، وقد رأيت قردا يغطي نفسه بلحاف ~~عندما عرف بأنه سيضرب، والقردة تتقاذف بالأحجار وقت القتال، كل هذا يدل على استعمال ~~الحيوانات للآلات. # أما عن اللغة، فالقردة تتفاهم بأصوات محدودة، والببغاء تسمي المسميات، وغاية ما يختلف ~~الحيوان عن الإنسان أن هذا الأخير أوسع منه باعا في التعبير عن الأشياء والأفكار، ويجب أن ~~نذكر أن اللغة صناعة من الصناعات نتعلمها تعلما، فهي ليست ميزة طبيعية للإنسان، حتى الطيور ~~تتعلم أحيانا أغاني الطيور الغريبة عنها وتعلمها لأولادها. # والحيوان يقدر الجمال مثل الإنسان؛ فالذكران من الطيور تتبختر وتتطوس للإناث وقت ~~التلاقح؛ حتى تنتخب الأنثى أجملها لونا، وبعض الطيور يزين عشه بالأصداف الزاهية، وهي ~~تتلصص وراء الطيور لتخطف منها جملة ريشات. # والحاصل أنه ليس ثمة فرق نوعي بين الإنسان والحيوان في القوى العقلية. # هذه هي خلاصة صغيرة لداروين، يقف منها القارئ على ناحية معينة من التطور عالجها هذا ~~العبقري الذي وضع التعقل المادي للكائنات الحية مكان التعقل الغيبي. # | ظهور الإنسان # منذ عدة سنوات مرت إحدى السفن في المحيط الأطلنطي حين كانت تجتازه إلى أميركا، فوجدت ~~البحر مغطى بآلاف من نوع واحد من السمك الميت، فأخبر ربانها ولاة الأمور في الولايات ~~المتحدة، فأنفذت الحكومة سفينة كي يحقق رجالها هذه المسألة، وذهبت السفينة ووجدت عشرات ~~الآلاف من السمك لا تزال طافية على الرغم مما أكلته سائر الأسماك منه، وأخذوا يبحثون عن علة ~~فناء هذا السمك، فوجدوا أن «تيار الخليج» الدافئ قد انحرف في سيره فدخل في منطقة باردة فرفع ~~درجة حرارتها، وكان هذا السمك معتادا أن يعيش في برودة نسبية، فلما تغيرت أحوال البيئة لم ~~يقو على مقاومة الحرارة، فمات جميع أفراده إلا ما شذ وتحمل الحرارة، وقد أنقذت حكومة ~~الولايات ms084 المتحدة هذه الشواذ واستولدتها حتى تكاثرت. # فما حدث في بضع السنوات الماضية كان يحدث في ملايين السنين الماضية؛ فإن مناخ العالم كان ~~يتغير؛ فالأقاليم الحارة تعود باردة فتموت فيها الأحياء التي لا تقوى على مكافحة البرد، ~~والعكس بالعكس، فنحن نعرف أن النخل لا ينمو إلا في البلاد الحارة ، ومع ذلك قد وجدت ~~متحجراته حول القطب الشمالي والأرض الخضراء في كندا، مما يدل على أن المناخ هناك كان ~~حارا مدة ما. # وقد أصاب العالم عصور جليدية تبلغ أربعة أو خمسة، كان البرد ينتشر فيها شديدا في عدة ~~أمكنة، ومعتدلا في أمكنة أخرى، فكانت الأحياء التي لا تستطيع مكافحته تموت، وتنقرض بذلك ~~أنواع من الحيوان والنبات. # وأهم ما يهمنا من هذه العصور الجلدية اثنان: ذاك الذي أباد الزواحف الكبرى بعد أن كانت ~~تملأ العالم، وبعد أن بلغ حجم بعضها ستة أو سبعة أضعاف الفيل، ثم يهمنا أيضا العصر الجليدي ~~الأخير الذي انتهى بظهور الإنسان، وهذا العصر لا تزال بقاياه ظاهرة في جو أوربا البارد، ولا ~~تزال قمم جبال الألب، وهي إعجاز الجبال القديمة، مغطاة على الدوام بالثلج صيفا ~~وشتاء. # فهذه العصور الجليدية كانت بمثابة الامتحان الشاق لا يجوزه إلا ذو الحيوية القوية أو ~~العقل الذكي أو القانع بالطعام القليل؛ فقد قضى أحد هذه العصور على الزواحف الصغيرة، التي ~~لا تزال تعيش بيننا للآن عيشة سرية في ظلام الليل؛ لأنها قنعت بطعام قليل في وقت انتشر فيه ~~البرد، فقل نمو النبات، فلم يعد فيها ما يكفي غذاء الزواحف الكبرى فانقرضت، ولم تكن وسائل ~~تنازع البقاء قائمة على العقل أو القوة الجسدية؛ لأن الدماغ كان في ذلك الوقت صغيرا جدا، ~~فكان إدراك الدينصور - أحد هذه الزواحف - لا يزيد على إدارك طفل لم يكمل عاما من عمره، ~~ولم يكن التنازع متوقفا على القوة الجسدية؛ لأن أقوى هذه الزواحف كان أضخمها جسما ~~وأكثرها طعاما، فلما قل الطعام للبرد بادت كلها، ما عدا حيوانات صغيرة قنعت بالقليل من ~~الطعام، بل يقول البعض بانقراضها كلها. # أما في العصر ms085 الجليدي الأخير فقد أتيحت فيه الفرصة للحيوانات أن تتنازع بعقولها؛ لأن ~~الدماغ كان قد بلغ حجما يؤبه به، واتسع إدراك الحيوان، ونحن نعرف ذلك بما نجده الآن من ~~متحجرات الحيوان قبل هذا العصر وبعده؛ فقد تضاعف حجم الدماغ بعد العصر الجليدي في جميع ~~الحيوانات تقريبا، مما يدل على أن النزاع بينها كان قائما على قوة الدهاء وسعة الحيلة ~~والقدرة على الاستنباط. # فالعصر الجليدي جعل الحياة شاقة على الأحياء؛ لأن الطعام قل قلة محسوسة، ولأن مطالب ~~الجسم زادت بزيادة البرد، وخرج الإنسان سيدا للكائنات من هذا العصر؛ لأنه أكبرها دماغا، ~~وهو لا يزال كذلك للآن؛ فليس في العالم الآن حيوان له دماغ في قدر دماغنا أو أكبر منه سوى ~~الفيل والقيطس، لكن دماغ كل منهما بالنسبة إلى جسمه أصغر من دماغنا بالنسبة إلى جسمنا، أما ~~دماغ الجاموس والجمل والبقر فأصغر من دماغنا نسبة وإطلاقا مع ضخامة أجسام هذه ~~الحيوانات. # ولكن لم يكن الدماغ وحده العامل الوحيد في سيادة الإنسان؛ لأننا لو فرضنا أن للثور دماغا ~~مثل دماغ الإنسان لرأينا أنه لا يستطيع أن يعمل شيئا عظيما، وإنما ساعد الإنسان على ~~التفوق ثلاثة أشياء: # أولها: # أننا كنا نعيش قبل العصر الجليدي على الأرض والأشجار، نفترش غصونها ~~ونعترشها، فقويت فينا حاسة النظر، والنظر أكثر الحواس تذكية للعقل؛ لأنه لو ~~كانت معيشتنا تستدعي قوة الشم أو السمع دون النظر لما ساعد هذا على حدة ~~ذكائنا؛ لأن النظر يجمع عدة صور أمام الذهن فيفسح له مجال التصور، بخلاف ~~الشم أو السمع فإنهما يضيقانه إذا قوبل عملهما بعمل النظر. # ثانيهما: # أننا لأننا كنا نتسلق الأشجار، نشأت لنا أيد ممسكة صرنا نستطيع أن نمسك ~~بها الآلات أو نصنعها بها، والحضارة تحتاج مهما كانت منحطة إلى آلات، فلو ~~فرضنا أنه كان للثور عقل مثل عقلنا، وكان محروما من يد مثل يدنا لما ~~انتفع بعقله؛ لأنه لا يمكنه أن يصنع آلة بيديه؛ أي ساقيه ~~الأماميتين. # ثالثا: # أننا لنا لسان ينطق، ولولا هذا اللسان لما انتفعنا بأيدينا وعقلنا إلا ~~قليلا؛ ms086 لأننا كنا - حينئذ - نشبه جماعة من الخرس يعيشون معا، فالذي ساعد ~~الإنسان على التفوق أربعة أشياء: عقله ونظره ويده ولسانه. # وليس شك في أننا كنا نتسلق الأشجار في الزمن القديم، فإن ابن عمنا القرد وابن عم جدنا ~~الليمور لا يزال كلاهما يعيش على الأشجار للآن، ولكن الإنسان لم يقصر معيشته على الأشجار ~~منذ زمن قديم جدا، كما يدل على ذلك تركيب قدميه اللتين تختلفان الآن عن أقدام القردة، بل ~~ربما كانت أقرب إلى أقدام الليمور منها إلى أقدام القرد. # وقد سبق ظهور الإنسان عدة حيوانات هي دون الإنسان وفوق القردة الحاضرة في حجم الدماغ، وقد ~~انقرضت كلها بظهور الإنسان. ~~(أسلافنا: في أعلى «الزباب» حيوان صغير في قدر ~~الجرذ، يأكل الحشرات. وفي أسفل باليمين «الليمور» وهو أصغر في الحجم من ~~القط، وفي ذيله السميك حلقات. ثم الطرسيوس أو «الطرسير» الذي سبق القردة، ~~والذي يسهر بالليل وينام النهار، ودماغه قريب من الدماغ ~~البشري) # ووجدت حديثا في روديسيا في إفريقيا الجنوبية جمجمة طفل من هذه الأنواع المنقرضة، ووجد ~~في جاوة من مدة جمجمة من هذا النوع أيضا، واختلاف العلماء عنها، هل هي جمجمة قرد أم جمجمة ~~إنسان، دليل على أنها يمكن أن تعد حلقة الاتصال بيننا وجدودنا. # وكذلك لم يظهر إنسان واحد، بل ظهر عدة أناسي قد عرف منهم خمسة الآن، نحن أحدها، ووجدت ~~جماجم الأربعة الأخرى، وهي: ~~(1) # جمجمة إنسان بكين الذي انقرض منذ نصف مليون سنة. ~~(2) # جمجمة الإنسان النياندرتالي، الذي يظن بعض العلماء أن دماءه لم تختلط بدمائنا ~~لكراهية نشبت بيننا وبينه؛ لقبح صورته وكثرة الشعر في بشرته، فأفنيناه، وكان له ~~شيء من الحضارة والدين. ~~(3) # جمجمة إنسان هيدلبرج الذي امتزج أيضا بنا. ~~(4) # إنسان كرومانيون الذي امتزج بنا. # ولا يمكن الجزم بالمكان الذي نشأ فيه الإنسان الحاضر، وإنما يرجح أنه نشأ في مكان بارد، ~~والذي يدعو إلى هذا الترجيح أن أقدر الحيوانات على مقاومة برد العصر الجليدي هي - بالطبع - ~~تلك التي كانت تعيش في مكان بارد قبل مجيء هذا العصر؛ لأنها تكون قد ms087 تهيأت لشدائده بعض ~~التهيؤ. # | ارتقاء العقل البشري # الجهاز العصبي في الحيوان هو أداة استجابة الحي للعوارض الخارجية؛ لذلك كان أول ظهوره على ~~السطح الخارجي للجسم، حتى إذا تركز بعض الحواس في الرأس؛ كالسمع والشم والنظر والذوق، صار ~~مكان الرأس مركز القوى العصبية للحيوان، وأخذ الرأس يكبر بالتدريج؛ لأن هذا الجهاز صار ينمو ~~بتقدم الحيوان في التطور؛ فأكبر الحيوان دماغا بالنسبة إلى جسمه هو الإنسان، وهو آخر وأعلى ~~حلقة في سلسلة التطور. # ونحن نعرف من قصة التطور أن القشريات؛ مثل الجنبري، قد سبقت السمك، والسمك قد سبق ~~الزواحف، والزواحف قد سبقت الطيور، وأن اللبونات أكثر تطورا من الطيور، فإذا نحن قسنا ~~أدمغة هذه الحيوانات وجدناها متناسبة مع درجة تطورها؛ فدماغ الغراب - مثلا - يزيد على دماغ ~~السمكة التي في حجمه بنحو ثلاثين ضعفا. # وقد كان من ضروب اللباقة التي يعتد بها المعارضون لنظرية داروين قولهم إن للإنسان ~~عقلا وأن للحيوان غريزة، فنحن نعقل وهو لا يعقل، ولكن هذا الاعتراض قد ضعف الآن أو بطل، ~~وليس شك في أننا إذا نظرنا إلى الحشرات العليا؛ كالنمل والنحل والزنانير، نجد 99 في المئة ~~من أعمالها غريزة محفوظة آلية لا أثر للعقل فيها، ولكن بذرة العقل لا تزال فيها، ثم إننا ~~إذا نظرنا إلى الإنسان، وهو أرقى الحيوان عقلا، وجدناه يعتمد في أكثر من نصف أعماله على ~~الغريزة، وحسبنا دليلا على ذلك أن أكبر ما يدفعه إلى السعي والنشاط غريزتان؛ هما البحث ~~عن الأنثى، والبحث عن الطعام. # وليست الغريزة سوى عمل متكرر أشبه بأعمالنا التي تنطبع في العقل الباطن فيؤديها بلا جهد ~~أو التفات. # ولكن دماغ الإنسان مع ذلك يفوق دماغ سائر الحيوان، بحيث إن الهوة التي تفصله عنها كبيرة ~~جدا؛ فلا بد من أن نعتبر الظروف التي دعت إلى هذا التفوق، وإليك أهم هذه ~~الظروف: ~~(1) # أن الإنسان حيوان له يد بها إبهام. ~~(2) # أن له عينين في وجهه. ~~(3) # أن له لغة. # هذه هي العوامل الثلاثة التي ساعدت على كبر دماغه دون سائر الحيوان، فهو يشترك مع ms088 جميع ~~الحيوانات، بل جميع النبات، في أنه قاسي ضروبا من تنازع البقاء أهلكت منه كل ضعيف أو أبله، ~~كما أنه كابد مشاق العصر الجليدي الأخير، وهذه الميزات قد كتبت له التفوق على سائر الأحياء. ~~(تطور المخ من السمكة إلى الإنسان: مخ سمكة، ثم مخ ~~زاحفة، مخ طائر، مخ حيوان ثديي، مخ أورانج أوتان، وأخيرا مخ ~~إنسان) # وربما لا يوجد في قصة التطور شيء - باستثناء العين - أعجب من اليد؛ فإننا للآن لا نعرف ~~كيف تطورت؛ إذ لسنا نجد في الحيوانات الدنيا يدا ناقصة تأخذ في التدرج للكمال حتى تصل ~~للإنسان، كما أننا لا نجد يدا ذات ثلاث أصابع تترقى إلى أربع ثم إلى خمس، وهلم جرا. ~~(زعنفة سمكة وترسيم تطورها إلى ~~اليد) # لا، إنما اليد في جميع حيوان اليابسة الفقاري تحوي خمس أصابع الآن، أو كانت تحتوي على ذلك ~~العدد قديما، كما هو الشأن - مثلا - في حافر الفرس أو ظلف الثور أو جناح الطائر أو زعنفة ~~الدلفين. # ومما يدل على قدم اليد، وأنها ليست حديثة التطور، أنها أقوى أعضاء الطفل الرضيع الذي ~~يبلغ أسبوعين أو ثلاثة من العمر؛ فإن الطفل في هذه السن يمكنه أن يحمل جسمه في الهواء بأن ~~يتعلق بعصا بيديه. ~~(صورة فوتوغرافية تمثل قوة اليدين عند ~~المولود) ~~(حافر الفرس وكيف تطور من الأصابع الخمس إلى أن صار ~~أصبعا واحدة كما تدل على ذلك متحجرات الفرس) # والأرجح أن الحيوان عندما خرج من الماء إلى اليابسة استعمل زعانفه للتسلق كما يفعل بعض ~~السمك الآن على شطي النيل، فلما صارت الزعنفة يدا بقيت كذلك إلى أن وصل الإنسان إلى مرتبة ~~الإنسانية، أما في سائر الحيوان فقد حدث التخصص، فصارت الأصابع حافرا أو ظلفا أو مخلبا ~~أو جناحا، واندغمت في الجسم ثانيا كما في الثعبان. # ومن ذلك نفهم أن المبالغة في التخصص تؤذي الحيوان وتمنعه من التقدم؛ لأنها تؤدي إلى ~~الجمود، والتطور يحتاج إلى اللدونة والمرونة بحيث يستطيع العضو أن يؤدي جملة وظائف في وقت ~~واحد، ومن هنا نرى الشبه كثيرا بين ms089 يد الضفدع ويد الإنسان على بعد ما بينهما، ونرى ~~الاختلاف كبيرا بين الجمل ويد الإنسان على قرب ما بينهما. # فيدنا أقل أيدي الحيوانات تخصصا، ومن هنا ميزتها؛ فإننا نؤدي بها جملة وظائف، ويدنا ~~تختلف عن يد القرد من حيث إن لنا إبهاما تمسك الأشياء، أما إبهام القردة فلا فائدة منها ~~لهذا الغرض. وأقرب الحيوانات إلينا من هذا الاعتبار هو الليمور الذي سبق القردة في الظهور، ~~ولكنه بالطبع دونها في حجم الدماغ. # ولليد تأثير في كبر الدماغ؛ لأن أهم أعمال اليد هو تناول الأشياء ومطاوعة الدماغ على ~~تكييف المادة كما يقتضيه خياله، وهي أيضا آلة الدفاع للإنسان، فمن هذه الاعتبارات تجد اليد ~~الخفية اللبقة تساعد الدماغ القوي على البقاء، وأنه لولا اليد لما كان للإنسان حضارة أو ~~ثقافة أو أي نوع من أنواع الرقي، فهناك تفاعل بين اليد والدماغ؛ فالدماغ الكبير ذو العقل ~~الحاد يخترع الآلة الحسنة للدفاع أو الهجوم، واليد اللبقة تساعده على تجسيم خياله؛ فكلاهما ~~يعمل لبقاء الآخر ويزيده كفاية. ~~(يد الليمور وفي السبابة مخلب) # ومن عوامل تكبير الدماغ في الإنسان تحول العينين من صدغيه إلى وجهه؛ فإن العينين في ~~جميع الحيوانات الفقارية تقعان في الصدغين كما هو ظاهر في السمك والطيور والبقر، فإذا أراد ~~الديك أن ينظر إلينا أمال رأسه كي ينظر بعين واحدة، فيتراءى لنا كأنه يصعر خده، وإذا ~~ركبنا فرسا وأراد أن ينظر الطريق أمامه ثنى عنقه قليلا كي ينظر بعين واحدة. # وقد كان الإنسان كذلك قديما، كما يدل عليه تطور جنينه، فإن العينين تظهران في الصدغين ~~أولا، فنحن والقردة العليا نمتاز على سائر الحيوان بهذه الميزة العجيبة التي تتيح لنا رؤية ~~الأشياء بعينين معا لا بعين واحدة، فيستقيم نظرنا للأشياء التي تتجسم لنا على حقيقتها ~~وندرك أبعادها. # فجميع الحيوانات بالنسبة إلينا فيما يشبه العور، بل هي أكثر من ذلك؛ لأنه قد تختلف الصورة ~~التي تنقلها إلى ذهنها إحدى عينيها عما تنقله الأخرى، ولعل هذا هو السبب في إجفال بعض ~~الحيوانات عند رؤية الإنسان وهو على ms090 مسافة بعيدة منها؛ إذ إن وضع عينيها لا يجعلها تدرك ~~البعد الصحيح بينها وبينه؛ ولذلك فالحيوان يعتمد كثيرا على حاسة الشم لأن عينيه لا ~~تكفيانه، ومعظم وجهها ذاهب في الأنف لأن الخياشيم تستغرق أكثره. # وتعزى القمحدوة؛ أي الجزء الخلفي الناتئ من رأس الإنسان، إلى نمو العينين، وقد عرف ~~العلماء هذا لأنه إذا إيف هذا الجزء إيفت العينان، ثم إن زوال العينين من الصدغين أتاح ~~الفرصة للدماغ بأن يتسع ويضخم من الجانبين. # ومما ساعد دماغنا على النمو، هذه القامة المنتصبة، فنحن نحمله حملا عموديا فلا يثفلنا. ~~(دماغ الإنسان كثير التلافيف، ودماغ القرد قليل ~~التلافيف) # ومما زاد حجم الدماغ توفق الإنسان إلى لغة، فإنه لا يكاد يكون للدماغ فائدة بلا لغة ~~تعبر عن أغراضه، ولا نقصد التعبير عن أغراضه لغيره بل لنفسه أيضا؛ فالخاطر لا يزال مبهما ~~غامضا حتى تقيده اللغة بالألفاظ، فالإنسان الذي يعبر عن خاطره بالألفاظ يفهم ما يريد ~~ويقصد إليه بلا تردد، والجماعة التي تتفاهم تعيش وتتعقل أكثر من غيرها، وربما كان افتقار ~~القردة إلى لغة أهم ما يمنعها من الرقي، فهي تشبه الآن جماعة خرسا من الناس قد قطع إبهامها ~~فلا تعرف كيف تخترع آلة ولا كيف تتفاهم، دع عنك صغر دماغها. # فإذا قيل لك لماذا لا يصير القرد إنسانا فاذكر أن دماغ القرد أصغر من دماغنا، وأنه أخرس، ~~وأن يده بلا إبهام تذكر، فهو لا يتناول شيئا إلا بارتباك وثقل. # فاليد واللغة والعين تعتبر من أهم أسباب نمو الدماغ في الإنسان؛ فقد كان بين هذه الثلاثة ~~وبين الدماغ تفاعل مستمر كلاهما يؤدي إلى رقي الآخر. # | نحن والقردة # مما يجعل نظرية التطور بعيدة عن أفهام الجمهور أن حدائق الحيوان لا تحتوي في الغالب إلا ~~على الأنواع الدنيا من القردة، فإذا قال أحد باشتراك الإنسان والقرد في الأصل لم يخطر ببال ~~القارئ إلا هذه القردة الصغيرة القميئة التي يسير بها القرداون في الشوارع تلعب أمام ~~الناس وتهرج، فيستبعد لذلك فكرة الصلة بين الإنسان والقرد، بل يكره النظرية لما يرى ms091 فيها ~~من الإزراء بقدره وبنوعه. # ولكن هذه القردة الصغيرة المزينة عادة، لكل منها أليتان حمراوان من الخلف، والتي تلعب ~~ألعاب البهلوان، لا تنتمي إلى الإنسان إلا بمقدار ما ينتمي القط إلى الأسد، بل القط أقرب ~~إلى الأسد من هذه القردة إلينا. # ولكن هناك أنواعا أربعة من القردة «العليا» قلما نراها في حدائق الحيوان، وظني أنه ليس ~~في حديقة الجيزة الآن سوى واحد منها، وهذه الأنواع الأربعة هي: الجبون والأورانج أوتان في ~~آسيا، والشمبنزي والغوريلا في إفريقيا. # والجبون أقلها رقيا إذا اعتبرنا المعنى الإنساني لهذه اللفظة، وهو أيضا أصغرها ~~جسما، ثم هو إذا وقف كما يقف الإنسان مست أطارف يديه الأرض لطول ذراعيه، فهما أطول ذراعين ~~في العالم، لا تجد لهما مثيلا في أي حيوان آخر إذا اعتبرنا النسبة إلى الجسم، وليس له في ~~يديه من إبهام سوى العجز القصير، وليس له ذنب، ورأسه ووجهه كلاهما يشبه رأس الإنسان ~~ووجهه، غير أن الأنف مفرطح، وترتيب أسنانه مثل ترتيب أسنان الإنسان، وتنبعت من عينيه ~~السوداوين نظرة هدوء ليس فيها تلك المسحة الكاريكاتورية التي نراها في القردة الدنيا، ~~وحنجرته تشبه حنجرة الإنسان؛ ولذلك يصوت تصويتا عاليا، ويفعل ذلك جماعة كأنه يلتذ صوته، ~~وهو يعيش في جزر ملقا وسومطرا. # والجبون أبعد القردة العليا منا من حيث المشابهة في هيئة الجسم ومزاج النفس ~~والخلق. # ويعيش في جزر سومطرا وملقا وبورنيو قرد آخر يدعى الأورانج أوتان، وهو يشبه الإنسان في ~~صغره أكثر مما يشبهه عندما يتقدم في السن؛ فأطفاله تكاد تكون أطفالا بشرية تتدلل على صدر ~~حاملها، وتضحك وتبكي، وإذا تركها حاملها على الأرض وسار بعيدا عنها أخذت في الصياح وضرب ~~الأرض بيديها كما تفعل أطفالنا. # وعينا الأورانج صغيرتان، وهما قريبتان الواحدة من الأخرى، واليدان أطول من الساقين، ~~وأصابع اليدين طويلة جدا إلا الإبهام فإنه قصير جدا، وليس في القدمين أظافر أحيانا؛ أي ~~إنه هنا قد سبقنا في التطور، وهو كاس بطبقة خفيفة من الشعر الأسمر الذي يضرب إلى الحمرة. ~~(الجبون: إذا وقف مست أطارف يديه ms092 ~~الأرض) # وهو يعيش في الأشجار، ولا يحسن السير على قدميه، ويجهل السباحة ولا يحاولها؛ ولذلك توجد ~~منه سلالات بعدد الجزائر التي يعيش فيها، وإن كان ما يفصل الجزيرة عن الأخرى خليج صغير، وهو ~~يقطع الغصون ويبني منها عشه، ويعيش جماعات أشبه بالعائلة منها بالقطيع. # ولفظة «أورانج أوتان» تعني في لغة أهل بورنيو «إنسان الغابات»، وهي تدل على إحساس الأهلين ~~نحو هذا الحيوان، وهم يعتقدون أنه يمكنه أن يتكلم، ولكنه يتعمد الصمت خشية أن يستخدمه ~~الإنسان ويسترقه، وبعض الهولنديين في المستعمرات يقتنون صغار الأورانج لتعلب مع أطفالهم. ~~(الأورانج أوتان: ذكر صغير السن، له لحية ~~وشارب) # ويعيش الشمبنزي في إفريقيا، وهو أصغر جسما من الأورانج والغوريلا، وأكثر الناس يعرفونه ~~للأعمال المختلفة التي يؤديها بحذق ومهارة على المسارح، ومزاجه لا يتغير إذا أسن، وهو ~~مفراح لعوب، فيه شيء من الخبث، وهو يبني عشا مثل الأورانج، ويزيد عليه سقفا يقيه المطر ~~ويتعهده بالترميم من وقت لآخر. ~~(الشمبنزي: ذكر أصلع الرأس) # والغوريلا أكبر القردة العليا جسما، ويده أقرب الأيدي في تركيبها إلى يد الإنسان، وإن ~~كانت إبهامه لا تختلف عن إبهام القردة الأخرى في الصغر، وهو يحمل غصون الأشجار ويضرب بها ~~عدوه أحيانا، ولكنه يعتمد في الأكثر على قوة ذراعه التي تكفي لطمة واحدة منها لأن تقتل ~~إنسانا. # وهو يعيش فيما يشبه النظام العائلي، فإذا جاء الليل انحدر من الشجرة ونام عند أصلها؛ كي ~~يحرس الأنثى وأولادها في عشهن على الشجرة، وفي علاقة الغوريلا بأنثاه وبالشيوخ المسنة من ~~نوعه ما يشبه الاحترام والوقار، وهو يفهم معنى الانتقام، ويغير على منازل الزنوج الذين ~~يؤذونه، ولم يدخل إلى الآن (1927) في حدائق الحيوان في أوربا غوريلا ذكر، وقدم الغوريلا ~~هي الوحيدة بين أقدام القردة العليا التي لا تزال يدا تؤدي وظيفة التناول والإمساك. # وطفل الإنسان مثل أطفال سائر الحيوان اللبون؛ يولد وذراعاه تساوي في الطول ساقيه، فإذا ~~شب زاد طول ساقيه على ذراعيه، ولكن القردة العليا بعكس ذلك تأخذ الذراعان في الزيادة ~~الفاحشة حتى يبلغ النمو حده؛ ولا ms093 سبب لذلك إلا أن القردة قد اتخذت الأشجار وطنا لها ~~فاحتاجت إلى الذراع الطويلة، بخلاف الإنسان الذي رضي بالمقام على الأرض. # ثم هناك فرق آخر في نمو الدماغ؛ فإن أطفال القردة تشبه أطفال الإنسان في هيئة الرأس ~~والوجه، ولكن طفل الإنسان يستمر دماغه في النمو بلا عائق إلى أن يبلغ سن الخامسة عشرة أو ~~أكثر، أما طفل القردة فإن دماغه يقف عن النمو بينما يأخذ فكاه في النمو المفرط، وليس شك ~~في أن الإفراط في نمو الفكين والأسنان عند القردة العليا هو أحد الأسباب لتوقف نمو الدماغ ~~عندها أيضا؛ فإن عضلات الفكين تمتد على جوانب الرأس وخلفه وتعوق نموه؛ إذ هي أشبه بحبال ~~مشدودة حول الرأس تمنعه من أن يتحيز مكانا أكبر. # وقد كان داروين يحتاط في كل ما يقوله؛ فلم يتورط مرة في القول بأن أصل الإنسان قرد، ولم ~~يقل ذلك «هكسلي» أيضا، وإنما قال إن الفرق بين القردة الدنيا وبين العليا أكبر من الفرق ~~بين هذه وبين الإنسان، أما «هيكل» فقد تورط وقال إن أصل الإنسان قرد، والصحيح أننا من ~~أسرة واحدة ترجع إلى حد بعيد، لم يكن قردا ولم يكن إنسانا. ~~(الغوريلا: ذكر صغير السن في حوالي العاشرة من ~~عمره) # فإنه يبدو من تركيب أجسام أطفال الإنسان وأطفال القردة أن هذه القردة والإنسان يشتركان في ~~أب واحد هو في الأغلب - كما قال كروكشانك - «الإنسان القردي المنتصب» الذي وجدت أحافيره في ~~جاوة، والأغلب أن هذا الإنسان لم يحصر معيشته في الأشجار أو على الأرض، وإنما عاش بينهما، ~~فلما خرجت ذريته وانتشرت في العالم عمد بعضها إلى الأشجار والغابات فعاش فيها وفقد ~~إبهامه، واعتمد على فكيه في الافتراس، فطالت ذراعاه ولم ينم دماغه، واعتمد بعضها على الأرض ~~فعاش فيها، فاحتفظ بإبهامه واستعمل السلاح يحمله في يده، فلم يحتج إلى تقوية فكيه، فكبر ~~دماغه وانتصبت قامته. # ويؤيد هذه النظرية أننا نجد إنسان آسيا وهو المغولي، يشبه قرد آسيا وهو الأورانج؛ فتخطيط ~~الكف يتفق في قرد الأورانج والإنسان المغولي، ويختلف عن ms094 تخطيط الكف في إنسان إفريقيا وأوربا ~~والقردين المعروفين في إفريقيا، وكذلك قعدة الآسيويين هي نفسها قعدة الأورانج؛ فكلاهما ~~يقعد على أليتيه ويطوي ساقيه تحته، وهذا بخلاف القردة والناس في إفريقيا وأوربا، حيث ~~المشابهة كبيرة بين الإنسان الأوربي وبين الشمبنزي. ~~(الغوريلا: أنثى مضجعة على جانبها) # | حياة الأورانج أوتان # الأورانج أوتان فصيلة من فصائل القردة العليا البتراء الأربع، وقد ألممنا بشيء من حياة ~~هذه القردة على وجه التلخيص، ولكن يحسن بنا أن نفصل حياة أحد هذه القردة بعض ~~التفصيل. # فالقردة العليا تمتاز كلها بالمسحة البشرية التي على وجوهها، ولو تأملت وجهها وهي تلحظ ~~ما حولها بعينيها دون أن تحرك رءوسها، أو لو نظرت إليها وهي تتنهد، أو تقطب حواجبها، أو ~~تحك، أو تتأمل، أو تحاول استكشاف شيء، لشعرت بأنك أمام حيوان قد أوشك أن يكون ~~إنسانا. # والأورانج يعيش في سومطرا وبورنيو، وهو ضخم الجثة كبير البطن، ووجهه خلو من الشعر، عليه ~~مسحة الكآبة، وللذكر دون الأنثى خدود كثيفة تجعل الوجه عريضا كأنه إنسان صيني، ووجهه أسمر ~~إلى سواد، ولكن بجبهته شيء من الحمرة الخفيفة، وشفتاه متحركتان، وهما تبرزان إلى الخارج ~~عندما يأكل. # وليس للأورانج ذقن كما للإنسان، ولا فرق بين أذنه وأذن الإنسان، والذراعان طويلتان تبلغان ~~عقبه، وأصابع يديه مشتبكة عند أصولها بغشاء، ولكن إبهامه قصيرة، وكثيرا ما تخلو من المفصل ~~الأخير، ظهر يده قليل الشعر، وإبهام القدم قصيرة جدا أيضا، وكثيرا ما تخلو هي وسائر ~~الأصابع من الأظافر، وهو هنا قد سبقنا في التطور؛ لأن مصيرنا القريب إلى ذلك أيضا. # وقلما يتشابه اثنان من الأورانج في حجم الرأس، ولكن رأس طفل الأورانج يشبه رأس الإنسان، ~~ووجه طفله يشبه الوجه الصيني بين الناس. # وعدد أضلاعه يساوي أضلاع الإنسان، وليس للأورانج فلكة كما هو الحال في الإنسان والشمبنزي ~~(والفلكة هي اللحمة المتدلية من منتهى الحنك وتقع عند أصل اللسان). ~~(الأورانج أوتان في عشه) # ويعيش الأورانج منفردا في أعالي الأشجار، ولا يعايش الأنثى إلا وقت التلاقح، وطريقة ~~التلاقح هي الطريقة البشرية، البطن يلي البطن، ms095 وعضو التناسل عند الذكر قصير غليظ يشبه عضو ~~التناسل عند الإنسان الصيني، وإذا سارت الأنثى صحبها على الدوام واحد أو اثنان من أولادها؛ ~~أحدهما رضيع، والآخر طفل يمشي، وهي لا تتئم وإنما تلد طفلا واحدا، ولا يبلغ الطفل ~~ويكتمل نموه قبل الثالثة عشرة أو الخامسة عشرة. # وإناث القردة تحيض مثل أنثى الإنسان، وهذا بخلاف إناث سائر الحيوان التي لا تحيض أبدا، ~~وليس الأورانج لبق الحركة خفيفا في تنقله على الأشجار، وإنما يتحرك بروية وتفكير، حتى ~~يتوهم الناظر إليه أنه مرتبك، وهو يقفز من غصن إلى غصن كما يفعل البهلوان، وعندما يرغب في ~~الانتقال من شجرة إلى أخرى يجمع في يده بعض الغصون، ثم يتحقق من متانتها ويقذف نفسه على ~~الشجرة الأخرى. ~~(عشان من عشاش الأورانج أوتان) # أما على الأرض فيمشي مشيا سيئا، وهو يعتمد على يده كأنها عكازه، وإذا كانت الأرض مكشوفة ~~فإن الإنسان يدركه في السباق، وهو في مشيته يشبه رجلا مسنا قد توكأ على عكازته، ولكن ~~قلما ينزل الأورانج من الأشجار إلا مضطرا. # وإذا أراد الأورانج أن يشرب ملأ كفه وشرب، فهو لا يضع فمه على المجرى مباشرة كما يفعل ~~الحيوان. # وليس لعشه سقف، بل هو أشبه بمقعد منه بعش، وهو ينام عليه في الليل، فإذا كان النهار انسطح ~~عليه وبسط ذراعيه على الغصون التي فوقه، وهو يأكل الجوز وبعض أوراق الشجر، ووجبته هي الغداء ~~في الظهر. # وهو شرس متوحش إذا أسر وهو كبير، ولكنه وديع لطيف إذا استؤنس وهو صغير، ولكنه قلما ~~يعيش إلى سن البلوغ في الأسر، وهو يفر من الإنسان، إلا أنه إذا وجد الطريق مسدودا ~~وتحقق من الوقوع دافع عن نفسه وحمل على من أغار عليه، وربما قتله، وهو يدافع عن نفسه بيده ~~وأسنانه الحادة، وقد وجد بين ما صيد منه في بورنيو عدد كبير قد فقد بعض أصابعه فيما دار ~~بينه وبين خصومه من القتال. # وإذا قعد الأورانج اتخذ هيئة بوذا؛ أي الهيئة الصينية، فيقعد على أليتيه ويطوي ساقيه ~~أمامه أفقيا، وخطوط كفه ms096 أيضا تشبه خطوط كفوف المغول؛ كالصينين والتتار، وتختلف عن خطوط ~~الكفوف عند الأوربيين والإفريقيين وقردي إفريقيا؛ الشمبنزي والغوريلا. # | مسألة الدماغ البشري # نستطيع أن نلخص نظرية التطور فيما يلي: ~~(1) # أننا البشر، وكافة أنواع الحيوان مما هو دون الإسفنج وما يعلو عليه؛ كالحشرات ~~والسمك والثعابين والطيور والسباع والبهائم، نشترك في أصل واحد، وبيننا وبين ~~هذه الحيوانات قرابة بعيدة. ~~(2) # أننا البشر خاصة ننتمي إلى أسرة متعددة الأنواع؛ منها الزباب والطرسيوس ~~والليمور والقرد، وهذه هي الأسرة الكبرى، أما العائلة الصغرى التي ننتمي إليها ~~فهي القردة العليا، وليس معنى هذا أن القردة العليا الحاضرة هي الأصل الذي نرجع ~~إليه، وإنما المعنى أننا نحن وهذه القردة من أصل واحد، وبيننا وبينها قرابة ~~وثيقة؛ نحن أبناء عمومة. ~~(3) # أن التطور لم ينقطع أو يقف؛ فإن جميع الأحياء - حيوانا كانت أم نباتا - لا ~~تزال في تغير جيلا بعد جيل، والتغير يتراكم حتى ينقلب من الكم إلى الكيف ~~فيصير تطورا. # وأعظم عقبة يصطدم بها المبتدئ في درس التطور هي الفرق العظيم الذي يتراءى له بيننا وبين ~~القردة العليا من حيث القدرة على التفكير، هذا التفكير الذي انتهى بين البشر إلى إيجاد ~~حكومات ومجتمعات ومؤسسات ثقافية عديدة، والواقع أن الفرق بين الدماغ البشري والدماغ القردي ~~كبير جدا؛ فإن وزن الأول 48 أوقية إنجليزية في المتوسط، ووزن الثاني (في الغوريلا) 20 ~~أوقية إنجليزية. وبكلمة أخرى يبلغ تجويف الجمجمة البشرية 1350 سنتيجرام مكعب، وتجويف ~~الجمجمة القردية 700 أو 800 سنتيجرام مكعب. # وهذا الفرق كبير جدا إذا اعتبرنا المقارنة بين الإنسان والقرد وحدهما، ولكنه ليس كذلك ~~إذا اعتبرنا سائر الحيوان؛ فإن هذا القرد الذي لا يزيد وزن دماغه على 20 أوقية قد لا يزيد ~~وزن جسمه على 150 رطلا، ومع ذلك قد تبلغ السمكة 1500 رطل في الوزن ولا يبلغ دماغها أوقية ~~واحدة. # ونحن نستعمل كلمة دماغ هنا كي تعني كل ما في تجويف الرأس؛ أي الدماغ الأمامي والدميغ ~~الخلفي. # وامتيازنا على القردة ليس من ناحية ضخامة الدماغ فقط، فإن جسم الدماغ أبيض يكسوه ms097 لون ~~أغبر، وهو مكان الإحساس والإرادة والتفكير؛ أي مكان الوجدان أو الوعي، والخلايا التي ~~بالدماغ كثيرة جدا عندنا؛ لوفرة التلافيف في دماغنا، وقلتها في دماغ الفرد؛ فإن التلافيف ~~تحدث غئورا في جسم الدماغ فتنزل الخلايا فيه وتتخلله، فتزيد قدرتنا على الوجدان (= ~~التفكير)، ويبدو أنه عندما كبر الرأس وصار ثقيلا على الجسم، وأحيط بطبقة من العظم الجامد، ~~تحول التطور إلى الداخل، فزيدت مساحة السطح بطي أجزائه هنا وهناك وإيجاد أخاديد فيه تتسع ~~للخلايا التي نعتمد عليها في الوجدان، ونحن في هذا كالفلاح الذي يزيد أرضه للقطن بإيجاد ~~أخاديد فيها تجعل مساحة السطح المعرض للشمس أكبر من تلك الأرض التي لم تخدد. ~~(أجنة ثلاثة من الحيوانات في أطوراها الأولى وهي في ~~الرحم: السحلية (والعظاية) والأرنب والإنسان، وكل عمود يمثل حيوانا في ~~الأسابيع الأولى بالرحم، وهو يتدرج من تحت إلى أعلى، وترى الخياشيم ~~والأذناب فيها جميعا) # فدماغنا في الحجم كبير، ووفرة تلافيفه تزيد قدرتنا على التفكير، ولكن كل هذا ما كان ليكفي ~~للامتياز العظيم الذي يمتاز به نوع البشر على أنواع القردة، إنما امتيازنا يعود أيضا إلى ~~اللغة واليد؛ لأن اللغة ربطت تفكيرنا وجعلت لنا تراثا ثقافيا، ولأن اليد (التي امتازت ~~بإبهام) جعلت الحضارة مستطاعة باختراع الأدوات والآلات. # وكي يعرف القارئ قيمة اللغة في الارتقاء البشري يجب عليه أن يقرأ كتابي «البلاغة العصرية ~~واللغة العربية»؛ فإن في هذا الكتاب فصلا عن فتاة خطفتها ذئبة وأرضعتها وربتها، فصارت ~~بعد ذلك خرساء في كل شيء؛ تعوي، وتسعى على أربع، وتأكل الرمم، وتسهر في الليل وتنام في ~~النهار. # وإذا شاء القارئ أن يعرف تأثير الخرس فلا ينظر إلى أخرس يعيش بين متكلمين؛ لأن هذا الأخرس ~~يسمع الكلمات ويرى سلوك غيره بها، فيعرفها ويفهم ويعقل، ولو أنه لا يتكلم، ولكن على القارئ ~~أن يفرض مجتمعا مؤلفا من أفراد خرس لا يسمعون كلاما، وعندئذ لا يستطيع أحدهم التفكير ~~لأنه لا يقيد المعاني بالكلمات، ولأنه يعيش بلا تراث ثقافي قد دون بالكلمات. # وكان من المستطاع أن تنشأ بين جماعات ms098 الشمبنزي أو الغوريلا أو الأورانج أوتان حضارة لو ~~أنها كانت قد عرفت لغة، حتى مع صغر أدمغتها وقلة التلافيف فيها، نعني حضارة بدائية تجعل ~~الأفراد يعيشون كما لو كانوا أناسا في درجة منحطة من الذكاء. # فاللغة هي فاصل كبير بيننا وبين القردة، وثم فاصل آخر يفصلنا نحن والقردة معا من سائر ~~الحيوان، هو العينان، بل إن العين قد فصلتنا بعض الشيء من القردة؛ إذ كانت هي عاملا آخر ~~جعلنا ننتصب في القامة انتصابا تاما لا يصل إليه القرد؛ ففي حركتنا خفة، وفي قامتنا ~~اتزان، وفي عدونا سرعة لا تبلغها القردة؛ لأن عيوننا أدق من عيونها. # والواقع أن تفكيرنا هو تفكير العين، حتى ليقول أحدنا: «أنا عرفت هذا من عينه»، أو: «ما هي ~~نظرتك في هذا الموضوع؟»؛ لأن النظر يتصل بجميع عواطفا تقريبا، والعين بأعضائها المختلفة ~~وما يحيط بها تتحرك بما يكشف عن حالتنا النفسية، والتفات العين يدل على التفات الذهن، وإزاء ~~العين تراجعت سائر الحواس البشرية إلى مكان منحط في الوجدان. # وأستميح القراء في التكرار التالي: ~~(1) # أننا في ملايين السنين السحيقة تعلقنا بالأشجار وعشنا فيها بعض حياتنا، ~~وتعلمنا من التسلق مبادئ انتصاب القامة والإمساك باليد وتقوية حاسة ~~النظر. ~~(2) # انتصاب القامة جعلنا نستغني عن الذنب؛ لأن اليد الممسكة أدت عمله، واستطعنا ~~أن نحمل رأسا ضخما؛ لأنه يقع عموديا على قامتنا. ~~(3) # أن العينين صارتا في الوجه بدلا من الصدغين، وصرنا نعتمد على النظر أكثر من ~~أي حاسة أخرى، ونحن نجد الآن أن البومة، وهي طائر ليلي، قد جمعت عينيها في ~~وجهها؛ لأن دقة النظر في الظلام أو الغبشة تحتاج إلى الجمع بين العينين. # والطرسيوسي (الذي يسمى أيضا الطرسير) أحد قرابتنا البعيدة الحية إلى الآن، ~~حيوان ليلي قد جمع عينيه في وجهه أيضا، ونستطيع أن نحدس أن ظلام الغابة ~~والحاجة إلى اليقظة في الليل هما السبب في جمع العينين في الوجه دون الصدغين، ~~ثم إن انتصاب القامة زادهما ارتفاعا في الوجه؛ حتى يشرفا على الفضاء، كما أنها ~~زادتا القامة انتصابا. ~~(4) # لم نلتزم المعيشة ms099 في الشجر دون الأرض؛ ولذلك احتفظنا بالأيدي حرة تليق للتسلق ~~كما تليق للإمساك، وبقيت الإبهام تواجه الكف أو تنطوي على الأصابع وقت الإمساك، ~~وهذا هو ما فقدته القردة العليا فلم تحسن الإمساك. ~~(5) # لما تركنا الشجر وعشنا على الأرض احتجنا إلى الاجتماع، وأدى اجتماعنا إلى ~~اختراع اللغة؛ للتفاهم وقت الصيد جماعة. ~~(6) # بعد كل هذه الميزات، وبعد اختراع اللغة ، غزونا هذا الكوكب وتسلطنا على جميع ~~أفراد عائلتنا الحيوانية بما جمعته لنا اللغة من تراث ثقافي يزداد على مر ~~السنين فتزيد معارفنا وتجاربنا وقوتنا. ~~(7) # إن اختراعنا اللغة زاد قدرتنا على تعديد المعاني وتنويعها، وأدى هذا إلى ~~تكبير الدماغ الذي يختزن هذه المعاني؛ فاللغة هي أصل الدماغ الكبير، وليس ~~الدماغ الكبير أصل اللغة. # ولذلك فإن تفوقنا على الحيوان ليس قائما على ضخامة الدماغ البشري وكثرة تلافيفه التي ~~تزيد الخلايا الغبراء فقط، بل هو أيضا قائم على تراث اجتماعي لغوي، وأذكى الرجال، حين ينشأ ~~ويعيش في الغابة بلا ثقافة بشرية، لا يكاد يمتاز على أي قرد في تنازع البقاء. # | الوجه البشري # ما زال التنقيب يكشف لنا عن أنواع قديمة لا يمكن أن يقال إنها بشرية، كذلك لا يمكن أن ~~يقال إنها قردية، وإنما تدل هذه الأنواع على اتجاه قردي يتخصص للشجر، أو اتجاه بشري يتخصص ~~للسعي على اليابسة ويومئ إلى الإنسان الحاضر، وهذه الأنواع كانت تعيش إلى ما قبل مليوني ~~سنة. # والعامل الوحيد لتغير الحيوان وتطوره هو التغير والتطور في البيئة، بحيث يستجيب ~~الحيوان للتغيرات بمجهوده، على توالي الألوف والملايين من السنين، فتتغير أعضاؤه وتتخذ ~~وظائف جديدة، ثم تتراكم التغيرات حتى تظهر سلالات جديدة، ثم أنواع جديدة. # وقد تغير الوجه كما تغيرت القامة البشريان، والإنسان الحاضر نوع واحد يتلاقح ويخصب مهما ~~تباعدت السلالات، ولكن هذه السلالات تختلف في الملامح والتقاسيم؛ لأنها عاشت في أقاليم ~~مختلفة حرا وبردا ورطوبة وجهدا، ولكننا جميعا نتشابه، ومع أن الفرق عظيم جدا بيننا ~~وبين الطرسير، الذي لا يزال حيا، فإننا ما زلنا نرى ملامحنا فيه؛ إذ له عينان في الوجه ms100 ~~مثلنا، وله يدان بأصابع مستطيلة للتناول، بل هو من هاتين الناحيتين أقرب إلينا من القردة؛ ~~لأن هذه قد تخصصت، وفصلها التخصص منا. # ونحن نمتاز من القردة العليا - وهي الأربعة البتراء - بقامة عمودية وبجمجمة كبيرة وبجسم ~~أملط، فأما القامة العمودية فمرجعها إلى أننا تركنا الشجر واعتمدنا على السعي على قدمينا ~~على الأرض، فطالت أقدامنا واستطاعت أن تحملنا في اتزان، ومع ذلك لسنا سعداء بهذا الوضع ~~العمودي؛ فإننا ما زلنا نتعب في الطفولة، نحبو أولا ثم نتعلم الانتصاب، وأيضا في الشيخوخة ~~نعود إلى الانحناء، والساقان هما العضوان الأساسيان في انهيارنا مدة الشيخوخة؛ ولذلك نحتاج ~~إلى ساق ثالثة هي العكازة التي نعتمد عليها، واعتبر أيضا الفتق، وهو اندلاق الأمعاء أو ~~بعضها في الخصيتين، بسبب هذا الوضع العمودي. # وأما الجمجمة الكبيرة التي تتسع لنحو تسعة آلاف مليون خلية في الدماغ فمرجعها أيضا إلى ~~هذا الوضع العمودي؛ لأننا لولا هذا الوضع لما استطعنا حملها وهي بهذا الثقل الذي يبلغ ألفا ~~وخمس مئة جرام، ثم إن اهتداءنا إلى اللغة ربط المعاني بكلمات، وهذه عملت على تكبير ~~الدماغ. # أما الملط، فمرجعه إلى أننا نحن البشر قد اهتدينا إلى النار وإلى السكنى في الكهوف منذ ~~أزمان بعيدة جعلتنا عرضة للحر المرهق، وللموت حرقا لو كانت شعورنا باقية تكسو أجسامنا، ولا ~~يزال أثر المناخ واضحا؛ فإن الزنجي الذي يعيش حول خط الاستواء أملط بخلاف الأوربي الذي لا ~~يزال الشعر يكسو معظم جسمه؛ لأن الشعر يؤدي عمل الكساء الصوفي في التدفئة، وأوربا باردة ~~وإفريقيا حارة. ~~(شمبنزي بعد ولادته ب 48 ساعة، وهو يشبه رجلا ~~مسنا أملط الجسم ليس له شعر إلا على رأسه) # وليس عندنا من الشعر الكث سوى ذلك الذي يكسو الرأس، وهو هنا وقائي لأنه بمثابة المرتبة ~~القطنية؛ يصد الصدمة أو يخفف وقعها على الرأس. # وألوان الأجسام البشرية تخضع للوسط؛ فحيث تكون الرطوبة والحر معا يكون لون البشرة أصفر، ~~وهذا ما يحدث لأقدامنا المحبوسة في الأحذية، وهذا أيضا ما يحدث للصينيين وسائر الأمم التي ~~تعيش في الأقاليم التي ms101 تقع في الشرق الجنوبي من آسيا، أما في أوروبا، حيث ضوء الشمس أخف ~~وقعا مما هو في إفريقيا، فإن البشرة تكاد تشف؛ ولذلك يبدو الدم الأحمر تحتها واضحا؛ إذ ~~ليس في هذه البشرة سوى صبغة خفيفة، ولكن عندما يعيش الأوربي في أقصى الشمالي، حيث يدوم ~~الثلج على الأرض نحو تسعة أشهر، فإن بشرته تقاوم البياض في هذا الثلج بشيء من السمرة. وهذا ~~هو ما نجد عند الإسكيماويين، ولون العينين والشعر يتبع لون البشرة من حيث الخفة أو ~~الثقل. # والوجوه البشرية، أو بالأحرى الرءوس البشرية، تتبع طرازين: أحدهما الوجه المستطيل، والآخر ~~المستدير، وهناك طراز وسط بينهما، ولكل من هؤلاء مزاج سيكلوجي خاص. # والأنف البشري يخضع للوسط من الحر أو البرد؛ فحيث يكون الحر يتمدد الهواء ويحتاج الإنسان ~~إلى أنف واسع المنخرين؛ كي يحصل على ما يحتاجه من الأكسجين، وهذا هو الشأن في أنف الزنجي أو ~~الصيني المفرطح المنبسط، أما إذا كان الهواء باردا، كما هو الشأن في أوربا، فإن الأنف ~~يستدق ويضيق المنخران؛ حتى يدخل الهواء البارد في بطنه ساخنا ولا يفاجئ الرئة ~~ببرودته. # وأنف الزنجي لا يختلف هنا من أنوف القردة، ولونه كذلك؛ فإنها هي أيضا زنجية، أو تتسم ~~بألوان السمرة القاتمة، وهي بالطبع تعيش في ظل الشجر، فلا تحتاج إلى الصبغة الثقيلة التي ~~يحتاج إليها الزنجي المكشوف لضوء الشمس في قريته أو حقله. # ونحن نرى شبها آخر في ملط الزنجي وشعرانية الأوربي، فإن الفيل في إفريقيا وآسيا يكاد ~~يكون أملط، وكذلك الجاموس؛ لأن الحر يغنيها عن الشعر، أما الحيوانات التي تعيش في القطب ~~الشمالي؛ مثل الدب والثعلب، فتكتسي بفراء وفيرة كثيفة تحميها من البرد، والبقر يعيش في ~~أوربا بخلاف الجاموس لهذا السبب أيضا. # والأذن البشرية صغيرة، وقد كانت كبيرة تتحرك، بل لا يزال هناك أفراد يستطيعون استرداد ~~القدرة على تحريكها، وانحطاط الأذن عندنا يرجع إلى أننا قد استغنينا عن السمع - إلى حد بعيد ~~- بالاعتماد على الرؤية. # ومما يميزنا من القردة أن الفكين اللذين يحملان الأسنان عندنا قد ضؤلا وتراجعا ms102 للوراء، ~~وصارت بعض ضروسنا الخلفية لا تنبت، أو هي تبزغ بعد أن نبلغ العاشرة أو الخامسة عشرة، وهي ~~تزعجنا وتؤلمنا أكثر مما تفيدنا، ثم قد تلازت الأسنان؛ لأن الفكين في صغرهما لم يعودا ~~يتسعان لها، والبشر يعانون في أيامنا أزمة بيولوجية في الأسنان؛ لأن نصفها كان يكفينا، ~~ولكننا ورثنا تراث الحيوان المفترس القديم دون الفرصة للافتراس. # وهذا على خلاف ما نرى من بروز الفكين عند القردة؛ فإنها تأكل وتمضغ الأطعمة القاسية ~~التي تحتاج إلى القضم والهرس والتمزيق؛ ولذلك بقي الفكان، كما بقيت عضلات وجهها التي تحرك ~~هذين الفكين. ~~••• # وهنا نقطة تستحق أن نقف عندها، ذلك أننا لا نجد بين الحيوانات جميعها هذا الالتفات للوجه ~~كما نجد بين الإنسان؛ فنحن نقول عن شاب أو فتاة أو امرأة إن أحدهم جميل، ونعني أن الوجه ~~جميل، ولا نكاد نلتفت إلى عضو آخر سوى الالتفات العابر، فنحن نذكر العينين الناطقتين، ~~والوجنتين النضرتين، والجبهة العالية، والأنف المرهف، والشفتين الرقيقتين، ونحس أن في الوجه ~~شيئا أكبر من الملاحة الجسمية، نحس نبلا وروعة وشهامة وسحرا. # ولا عبرة بأن يقال إن هذا الجمال ذاتي، وإنه ليس له وجود موضوعي في الطبيعة؛ إذ هو يجب أن ~~يكون ذاتيا، وذاتيته برهان على الإحساس العام، في الضمير أو الوجدان البشري، بقيمته، وأنه ~~هو الصورة التي رسمها هذا الوجدان. # وبكلمة أخرى نقول إن الرجل ينظر إلى المرأة بخلاف ما ينظر الذكر إلى الأنثى من الحيوان، ~~ولا مفر من أن نرد هذا الفرق إلى الوضع الذي اتخذاه في التعارف الجنسي، هذا التعارف الذي ~~يتم بيننا نحن البشر وجها لوجه، وليس - كما هي الحال بين الحيوانات - وجها لظهر، فالحيوان ~~بهذا الوضع يشتهي ظهر الأنثى وخلفها، ويهمل الوجه، ونحن نشتهي وجه المرأة وصدرها، ومن هنا ~~عنايتنا الكبرى بملامح الوجه، وهي عناية لا يعقل أن تكون عند الحيوان، وقد أصبح الوجه ~~البشري بذلك بؤرة التقدير الفني من الرجل ومن المرأة. ~~(وجه الربة فينوس كما تخليه الفنانون الإغريق حين ~~أرادوا تمثيل الجمال البشري) # ومع هذا ما زلنا ms103 حيوانات؛ فإن شهوة اللحم عندنا تجد في كفلي المرأة ما يثير الانجذاب ~~الجنسي، وهذا يرجع بالطبع إلى قبل ملايين السنين الماضية حين كان التعارف الجنسي بيننا يجري ~~على أسلوب الحيوانات؛ أي وجه الذكر إلى ظهر الأنثى، ولكن هذا الأسلوب قد تغير فالتفتنا إلى ~~الوجه، وتغير الوجه بحيث صار وفق الصورة التي رسمها وجداننا عن الجمال البشري، ولكن بقيت ~~الذكرى الحيوانية في الإعجاب بكفلي المرأة، بل بقي الشذوذ الجنسي. # وجميع الحيوانات الرواضع تتسم بقرب أثدائها من ساقيها الخلفيتين، ولكن ثديي المرأة ~~ترتفعان إلى الصدر؛ وعلة ذلك أنها قد أصبحت تحل طفلها على صدرها وتمشي على ساقيها فقط، بل ~~هي تعتمد حين تقعد على أليتيها أيضا، فيحتاج الطفل في الرضاع إلى أن يجد الثديين على ~~الصدر، وليس على أسفل البطن. # ومع أن ضخامة الأليتين لا تعد من الجمال إلا عند البدائيين أو المتوحشين، فإن هناك ما ~~يرجح القول بأنهما ستزيدان ضخامة في المستقبل؛ لأن الدماغ سيكبر في حجمه، وسيحتاج الجنين ~~إلى حوض واسع عند المرأة حتى تسهل ولادته، واتساع الحوض يعني في النهاية تضخم ~~الأليتين. # | السلالات البشرية # من عادة الإنجليز أن يؤلف صغار الكتب كبار الناس من العلماء، وقد كان «نيتشه» يأسف ~~لأن بلاده لا تتبع هذه الطريقة، وذلك لأن أقدر الناس على الاختصار مع عدم الإخلال هو العالم ~~المتعمق. # ومن أحسن ما قرأنا من هذه الكتب كتاب صغير يدعى «المغولي بين ظهرانينا»، تأليف الدكتور ~~كروكشانك. # وخلاصة نظرية الدكتور كروكشانك أن هناك ثلاثة أوجه بشرية؛ هي الوجه المغولي، والوجه ~~الزنجي، والوجه الأوربي، وأن الوجه المغولي يشبه وجه قرد جاوة المسمى أورانج أوتان، وأن ~~الصيني في بعض أخلاقه وتركيب جسمه يشبه هذا القرد؛ فكلاهما يقعد بعد أن يطوي ساقيه تحته. # وكف الصيني مخطط على طريقة كف الأورانج، وعندما يفقد الصيني عقله ينحو نحو الأورانج في ~~جملة عاداته وأحواله، وكذلك الأوربي إذا فقد عقله وجن بنوع خاص من الجنون قعد بهيئة ~~الشمبنزي، أما الزنجي فيرد في جنونه إلى الغوريلا. # والإنسان وقت الجنون يرد إلى ms104 أصله؛ لأن كفاياته العقلية التي تختل هي الكفايات العليا ~~الجديدة التي لم ترسخ بعد في تركيب جسمه، وهي أيضا أولى الكفايات التي تؤثر فيها الخمر أو ~~الشيخوخة؛ وذلك لأن الإنسان يتطور بما يشبه الطبقات؛ طبقة فوق طبقة، فأثبت الطبقات أقدمها، ~~وأقلها ثباتا أجدها؛ فالعقل من أجد الطبقات وهو لذلك أسرعها زوالا عند السكر ~~والشيخوخة والجنون، وإذا زال ظهر ما يليه من الطبقات، فيرد الإنسان إلى أصله، وتظهر فيه ~~أخلاق أسلافه. # فنحن نعرف - مثلا - أن كثيرا من الأطفال، إذا اشتد بهم الضعف من مرض، ظهر على بشرتهم ~~شعر؛ سواء أكانوا ذكورا أم إناثا، فإذا عاودتهم الصحة زال الشعر، ومعنى هذا أن قوة الجسم ~~التي اكتسبها الإنسان حديثا في إخماد نبات الشعر قد ضعفت، فنهضت كفاياته القديمة لا تجد ما ~~يعارضها في الظهور. # ويقول الدكتور كروكشانك إن هذه الوجوه الثلاثة منتشرة في جميع الأمم للاختلاط القديم ~~بينها؛ فقد تجد الطراز الزنجي أو الطراز المغولي في وسط لندن - مثلا - ولست تجده فقط بين ~~البله الذين ورثوا بلاهتهم، بل تجده أيضا منتشرا بين عامة الناس، وقد لا يكون في صاحبه ما ~~يدل على بلاهة أو عته. # ولا يقصد المؤلف أن الإنسان ثلاثة أنواع كل منها ينتسب إلى أحد القردة العليا الموجودة ~~الآن، وإنما يريد أن يثبت قرابة الإنسان لهذه القردة، وأننا وهي من أصل واحد، وقد يكون هذا ~~الأصل هو «الإنسان القردي المنتصب» البائد الذي وجدت متحجراته (أحافيره) في جاوة، والذي ~~يظن أنه كان يعيش قبل أكثر من مليوني سنة، فنشأ منه فرعان في آسيا؛ هما الإنسان المغولي، ~~وقرد الأورانج، وفرعان في إفريقيا وأوربا وغربي آسيا؛ هما الإنسان الأوربي، وقرد الشمبنزي، ~~وفرعان آخران في إفريقيا؛ هما الإنسان الزنجي، وقرد الغوريلا. ~~(وجه مغولي، وآخر زنجي، وثالث أوربي، وهم أصل ~~السلالات) # وسواء صح هذا الفرض أم لم يصح فإن مما لا يمكن الشك فيه أن لنا عدة أصول؛ فإن متحجرات ~~الجماجم (البشرية) القديمة التي تخالف جماجمنا، ومتحجرات الجماجم نصف البشرية، توجد الآن ~~بكل مكان تقريبا، ومن ms105 المرجح أنها اختلطت بنا، وتسرب إلينا من طبائعها شيء كثير. # وكثيرا ما نجد على وجوه البله في بلادنا مسحة مغولية، نرى أثرها ظاهرا في بروز الصدغين، ~~وكثيرا ما نجد الرأس المغولي المستدير متفشيا في بلادنا وفي أوربا، بل إذا قعد أحدنا على ~~قهوة وأخذ يتأمل السابلة وجد سلالات النوع البشري كلها تقريبا منطبعة أصولها على وجوههم ~~بدرجة قليلة أو كبيرة. # ولكن مع كثرة هذه السلالات لا يزال النوع البشري نوعا واحدا؛ فإن التلاقح يصح بين أي ~~ذكر وأية أنثى من أفراده؛ أي ليس بين الناس مهما اختلفت سلالات الآباء «بغال» عقيمة لا تلد ~~كما يرى في النتاج الناشئ من الفرس والحمار. # ولننظر الآن في أثر البيئة في الإنسان، ويجب أن نذكر أن أثر البيئة أقل في الإنسان مما هو ~~في غيره من الحيوان، وأنه الآن أقل مما كان في الزمن الماضي؛ فإن المدينة تخفف من أثر ~~البيئة، بل قد تزيل هذا الأثر كلية؛ فإن الحيوان إذا انتقل من مناخ حار إلى مناخ بارد عمد ~~إلى جلده، فزاد كثافة فروه أو أفرز طبقة من الدهن تحته، ولكن الإنسان لا يفعل ذلك، بل يسكن ~~بيتا ويدفئه، أو يصيد حيوانا ويستلب منه فروه. # والإنجليزي الذي يعيش في السودان الآن لا يخشى عليه أن يصير أسود أو أسمر؛ لأنه يحمي ~~نفسه من فعل الضوء بوسائل المدنية العديدة المتوافرة لديه. # فالإنسان مع أنه أكثر الحيوانات تطورا بطبيعته، لأنه أرقاها، هو الآن أقلها تطورا بفعل ~~المدنية. # ولكن الإنسان حديث عهد بالمدنية؛ فلذلك كان تأثير الوسط فيه كبيرا في الماضي؛ فالأوربي ~~أبيض، والصيني أصفر، والزنجي أسود، وكل ذلك بفعل الوسط في الماضي، ولو لم يعمد الإنسان إلى ~~المدنية منذ زمن بعيد لكان أثر هذا الوسط فيه أكبر، بحيث كانت تختلف سلالته اختلافا كبيرا ~~يشبه اختلاف أنواع القردة العليا الآن. # وهناك أشياء في فعل البيئة أو المناخ لا نفهم سرها، ولكننا نرى أثرها؛ فوجه الأمرندى - ~~ساكن أمريكا القديم - مستطيل، والأوربيون الذين هاجروا إلى أمريكا قد استطالت وجوههم مثله ms106 ~~لعلة لا نعلمها. # ولكننا نعرف أن الأوربي أبيض؛ لأن ضوء الشمس في أوربا ضعيف، والضوء سم إذا اشتد قتل ~~الحي، ونحن أنفسنا نطهر الغرف من الميكروبات بالضوء؛ أي إن الضوء يقتل الميكروبات لشفوفة ~~أجسامها. # فالجسم الحي المعرض للشمس يحتاج إلى أن يحمي نفسه منها بإفراز صبغة تمنع نفاذ الضوء إلى ~~أعضائه الداخلية؛ فالزنجي أسود والأوربي أبيض لهذا السبب ، بل الإسكيماوي الذي يعيش قريبا ~~من القطب الشمالي أسمر البشرة؛ لأن الأرض مغطاة أكثر شهور السنة بالثلج الأبيض الذي يقوم ~~مقام ضوء الشمس في التأثير في البشرة. # وأنف الأوربي أشم مستدق، بينا نجد أنف الزنجي منفطس مفرطح؛ لأن الهواء بارد في أوربا ~~وهو حار في إفريقيا، وبعبارة أخرى نقول إن الهواء يتمدد في إفريقيا بينما هو يتقلص في ~~أوربا. وجسم الأوربي يحتاج إلى كمية من الأكسجين تساوي ما يحتاج إليه جسم الزنجي، ولكن حجم ~~هذه الكمية كبيرة في إفريقيا؛ لأن تمدد الهواء صغير في أوربا لتقلصه؛ فالزنجي في حاجة إلى ~~أن يتسع أنفه حتى يأخذ من الهواء الكمية التي يحتاج إليها منه مع جرمها الكبير المتمدد، ثم ~~إن البرد في أوربا يستدعي استدقاق الأنف؛ حتى يدفأ الهواء قبل وصوله إلى الرئة، ومن هنا ~~استدق أنف الأوربي وانفطس أنف الزنجي. # والصيني أصفر لرطوبة بلاده وحرها، فوجهه يشبه أقدامنا عندما نخلع الحذاء، فإن الرطوبة ~~والحرارة تحيلان اللون في القدم إلى صفرة. # والشعر الزنجي مفلفل بفعل الحرارة في الأغلب؛ فإننا إذا عرضنا شعرة مستقيمة للحرارة ~~تكمشت. # والصيني أو المغولي على وجه عام مستدير الرأس، بينما الأوربي مستطيله، وقد لا يكون للبيئة ~~أثر في ذلك، وإنما هذا الشكل قد يرجع إلى اختلاف السلالة. # ثم يجب ألا يبرح من أذهاننا أن الإنسان لا يطاوع البيئة كل الطواعية، حتى بعد أن نحط من ~~ذلك أثر المدنية؛ فإن للإنسان مثلا أعلى يبتغيه ويريد تحقيقه في وجهه وجسمه، فهو دائم ~~الانتخاب والانتقاء بين إناثه وذكوره، وهذا «الانتخاب الجنسي» ينتهي بإيجاد طراز خاص في ~~الوجه والجسم يختلف فيه كل شعب عن ms107 غيره. # | نشأة المجتمع البشري # أصل الطبيعة في الحيوان أن يكون انفراديا؛ لأن تجمع الأفراد في جماعات يجعل الحصول ~~على القوت شاقا، كما يحمل الأفراد المجتمعين على التنازع والتقاتل من أجل هذا القوت، ~~وإنما ينشأ الاجتماع بعد ذلك للاحتماء من العدو، أو لصيد الحيوانات الكبيرة؛ كالفيل أو ~~الثور أو الفرس؛ لأن في الاتحاد قوة لا تتاح للفرد. # وعندما نتأمل الحيوانات الاجتماعية العليا نجد أن بينها جميعا صفة عامة، هي أن أولادها ~~تقضي قسما كبيرا من أعمارها في الرضاع والطفولة، والطفل حين يرضع أمه يتعلق بها ويجري ~~خلفها ويطاوعها ويفهم إشارتها في التخويف أو الترغيب، ثم إن أطفال الحيوانات هذه يألف بعضها ~~بعضا بالرضاع والاشتراك في الأم؛ فالتعلق بالأم أولا، ثم الألفة بين الأطفال الرضع ~~ثانيا، كلاهما يغرس في الأطفال الحب والتضامن، ومن هنا بداية المجتمع الحيواني. # وقد يشترك الأب مع الأم والأولاد في عائلة واحدة، فيزيد التضامن وتعود هذه العلاقات ~~العائلية أصلا للعلاقات الاجتماعية في القبيلة، كما نرى في الإنسان، ومن المعقول أن تكون ~~جماعات الإنسان الأولى جماعات عائلية فقط تتألف من الأب والأم والأولاد، ولكن قد يموت ~~الأب لحادث ما فتبقى العائلة متماسكة بقوة الألفة السابقة. # وواضح أن الإنسان قضى مئات الألوف من السنين وهو لا يعرف الزراعة؛ إذ كان يعيش بالترحل، ~~يأكل ما يعرض له من جذور أو فواكه برية، ويصيد ما يستطيع من الحيوانات، وكان الأولاد ~~ينتسبون للأم؛ لأن الإنسان لم يكن يعرف أن الرجل ضروري للتلاقح، وكان يعتقد أن الاتصال ~~الجنسي لا يقصد منه غير اللذة، وأنه لا علاقة له بالتناسل. # ولهذا السبب كانت جميع الأمم القديمة تنسب إلى الأم، ويتضح هذا اتضاحا ظاهرا عند قدماء ~~العرب؛ حيث نجد أن كثيرا من أسماء القبائل ينتسب إلى الأم، وما دامت القبيلة مترحلة فإن ~~النظام يبقى أمويا، ونرى برهان هذا في اللغة العربية؛ فإن كلمة رحمة تعود إلى الرحم؛ أي ~~إنها العلاقة القائمة بين الأخوة من الأم، وكذلك كلمة «الحماة» فإنها والدة الزوجة، ومعنى ~~هذا أن الزوجة التي هي ms108 محور العائلة تحتمي بأمها، وزوجها تابع لها يحتمي أيضا بهذه الأم، ~~ثم هناك الخال وهو شقيق الزوجة، وقيمته كبيرة جدا عند قدماء العرب، ثم كان هناك أيضا عند ~~قدماء العرب زواج الضمد، وهو أن تتزوج المرأة جملة رجال في وقت واحد، فلا يعرف الأولاد لهم ~~أبا، وإنما يعرفون الأم فقط. # ولا تزال القبائل في جزيرة تروبرياند ~~(Trobriand) # من جزر ~~البحر الجنوبي بين أستراليا وآسيا تعيش على النظام الأموي إلى الآن؛ فالسكان ينتسبون إلى ~~الأم وللحموات والأخوال قرابة يعترف بها، ولكن ليس للأب أية قرابة بالأولاد، وعلاقته ~~الجنسية بزوجته لا تعد في زعمهم أصلا للتناسل. ~~(مجتمع غوريلي، يرى زعيمه واقفا إلى اليمين، وبيت ~~الجماعة عند أصل الشجرة بين جذورها؛ حيث ترى إحدى زوجات الزعيم قاعدة ومعها ~~طفل. وجماعات الغوريلا يترجح عددها بين 10 و20 فردا) # ولكن النظام الأبوي نشأ بعد استقرار الزراعة؛ لأن الزراعة جمعت الأب والزوجة والأولاد ~~والماشية في مكان لا يتغير، وصار هو الرأس الذي يحكم ويتحكم، فصار الانتساب إليه مكان ~~الانتساب إلى الأم. # وبارتقاء المجتمع صارت صفات الارتباط بين العائلة صفات الارتباط بين القبيلة والأمة، كما ~~ترى في كلمة «الرحمة»، وكما صرنا نحن نقوم بالإخاء بين الناس كالأخوة بين ذوي الأرحام. # وطفولة الإنسان تبلغ 18 أو 20 سنة، يحتاج فيها إلى معونة الأبوين، وفي هذه السنين يتدرب ~~على ممارسة فضائل عائلية تصير بعد ذلك فضائل اجتماعية، وربما يحتاج القارئ إلى هذا التلخيص ~~الإيضاحي التالي: ~~(1) # كان المجتمع البشري الأول عائليا فقط. ~~(2) # كانت العائلة تترحل؛ لأن الزراعة التي تدعو إلى الاستقرار لم تكن قد عرفت، ~~فلذلك كانت العائلة لا تزيد على الأم وأولادها. ~~(3) # من المعقول أن الزوج كان يرافق الأم بعض الوقت، ولكنه كان أيضا يتركها، ~~فتتخذ هي زوجا آخر في ترحلها مع أولادها. ~~(4) # مثل هذا النظام يجعل الأولاد ينتسبون إلى الأم؛ لأنها هي الباقية معهم دون ~~الأب في الترحل. ~~(5) # زد على هذا جهل الإنسان البدائي بحقيقة التناسل، واعتقاده أن الأب غير ضروري ~~للتلاقح؛ ولذلك نجد في لغتنا أن الحياة ms109 مشتقة من الحيا، وهو عضو التناسل في ~~المرأة. ~~(6) # كذلك نجد النظام الأموي فاشيا عند القبائل الرحل التي لم تعرف الزراعة، ~~كما كانت حال القبائل العربية في الأزمنة السحيقة. ~~(7) # كانت الأم تموت أحيانا وتترك الأولاد، فتبقي الرابطة التي أوجدها الرضاع ~~ورفقة الأم، ومن هنا نشأ المجتمع البشري من نواة المجتمع العائلي؛ لأن الإخوة ~~يعيشون معا. ~~(8) # لما عرفت الزراعة واستقرت العائلة في مكان، صار الزوج واحدا لا يتغير؛ لأنه ~~ارتبط بالزراعة والماشية والأولاد، في حين أن الترحل القديم كان يفكك العائلة ~~فيجعل الزوج يضرب في تجواله، كما كانت الزوجة تختار زوجا آخر في مكان آخر وهي ~~تترحل. # | النار والطعام # سايرت الثقافة الحضارة؛ فإن الإنسان في حالة البداوة الأولى عاش دهرا طويلا وهو لا يعرف ~~الزراعة؛ أي لا يعرف الحضارة؛ لأن الحضارة والزراعة مترادفتان في المجتمع القديم، ولكنه مع ~~ذلك لم يكن طول هذه المدة جاهلا؛ فإنه كان يعرف كيف يصنع الآلات البسيطة من الحجر، وكيف ~~يصيد الحيوان ويدبر له المكايد، وكان يعرف النار، وكانت له سحرة وقصصيون يحركون ذكاءه بما ~~يقصون عليه من العجائب والنوادر. # وبالجملة، كانت له ثقافة لا تختلف عن ثقافة المتوحشين الذين لم يعرفوا الزراعة؛ مثل سكان ~~أستراليا الأصليين، أو بعض قبائل إفريقيا أو أمريكا الآن. # وكانت النار من أهم ما عرفه الإنسان، بل ربما كانت هي أكبر الأسباب في انفراج الهوة بينه ~~وبين القردة العليا، وأحط السلالات البشرية الآن؛ مثل أهل أستراليا أو الفويجيين في جنوب ~~أمريكا، يعرفون النار، ولكن ليس بين القردة الآن ما يعرفها. # والنار تحدث في الغابات وقت القيظ حين يجتمع الجفاف والحر، ولا بد أن أول معرفة الإنسان ~~بها كان عن هذا السبيل، ولكن ثم فرقا عظيما بين معرفة النار وبين كيفية إحداثها، ~~والغريب أن جميع المتوحشين الآن يعرفون كيفية قدحها بالزند، وكيفية القدح تختلف، ولكن ~~المبدأ واحد، وهو إيجاد اللهب بالاحتكاك. # ولكن جميع المتوحشين لا يطفئون نارهم؛ فكلهم حريص على أن يهيئ النار قبل نومه، حتى إذا ~~أصبح وجدها واستخدمها، وهذا يدل على ms110 أنهم لا يستسهلون قدح النار بالزند. # وهذا يدعونا إلى الظن بأن ذلك الفرد، أو أولئك الأفراد الذين عرفوا كيف تقدح النار بالزند ~~في أول عهد الإنسان، احتكروا هذه المعرفة لأنفسهم، واستغلوها للسيادة على سائر الناس، ~~وجعلوها من ممارسات الدين أو السحر، وعند الإغريق القدماء أسطورة خاصة بالنار تدلنا على شيء ~~من هذا، خلاصتها أن الرب «برومتيوس» أفشى سر النار وكيفية قدحها بالزند للناس ، فعاقبته ~~الآلهة بأن سلطت عليه العطش، ووضعته في ماء يربو إلى أن يبلغ فمه، فإذا أوشك أن يشرب غاص ~~ثانيا، وهو في هذا من العطش إلى الأبد. # والزند والحجر مقدسان عند البراهمة، ورسمها مقدس للآن عند البوذيين، وتقديس النار عند ~~المجوس من آثار احتكار النار الباقية من البداوة تخطتها إلى عهد الحضارة. # ومهما قلنا في فائدة النار للإنسان الأول فإننا لن نستطيع أن نقدر قيمتها في تقدم ~~الإنسان؛ فهي من المخترعات العجيبة التي دفعته إلى الأمام من كل جهة، وساعدته على التطور، ~~بل هي لا تزال كذلك إلى الآن، وإن يكن هذا التطور ليس خيرا خالصا. # فبالنار تعود الإنسان أن يعقد مجتمعا للاصطلاء، فخف شعره أو زال، ثم ارتقت اللغة لما ~~ينشأ من الحديث في مثل هذا الاجتماع، وقد كان الإنسان يجتمع في الصيد، ولكن الصيد يحتاج إلى ~~الترصد والصمت، لا إلى الكلام، ولكن قبل الصيد وبعده يحتاج المجتمعون إلى اللغة، وحين لا ~~يكون هناك ترصد يكون الكلام وقت الصيد. # وربما كان فضل المرأة في ترقية اللغة لهذا السبب أكبر من فضل الرجل؛ فإن نساء الرجل كن ~~يجتمعن حول النار في الليل، فكن يتفاهمن بالكلمات؛ لأن الإشارات لم تكن ترى في الظلام، ~~وذلك وقت غيابه في الصيد، فيأخذن في الحديث، وفي سك الكلمات الجديدة التي تعبر عن المعاني ~~التي تخطر في أذهانهن. # وكانت النار أيضا سببا في انتشار الإنسان في الأصقاع الباردة البعيدة التي لم يكن ليطيق ~~المعيشة فيها لولا النار؛ فالإنسان - مثلا - لم ينتشر في أميركا إلا بعد أن جاز تلك ~~الأصقاع الباردة في شمال آسيا ms111 وأمريكا، وهو لم يكن ليستطيع ذلك لولا النار. # وكانت النار أيضا سلاحا يمنع الوحوش عن مهاجمة الإنسان في الليل، وللنار فائدتان ~~أخريان: الأولى تهيئة الطعام، والثانية صهر المعادن للصناعة من لوازم الحضارة العصرية، ونحن ~~إنما نصف حال الإنسان في البداوة الأولى، أما الطعام فيجب أن نقول فيه كلمة لعلاقته ~~بالنار. # فطعام الإنسان في الأزمنة القديمة لم يكن يختلف عن طعام القردة العليا الآن ، فكان يتألف ~~من بعض الأثمار والجذور وما يسنح من حشرة أو خشاش؛ كالجراد أو العظاء، وإذا اعتبرنا أسنان ~~الإنسان وقناته الهضمية، وحياته القديمة في الأشجار، حكمنا بأنه نباتي في أكثر طعامه، ~~حيواني في أقله؛ وخاصة إذا علمنا أن نحو أربعة أخماس البشر يقتاتون بالنبات الآن. # فكيف إذن عرف الإنسان اللحم واعتاد أكله؟ # يغلب على الظن أن الأصل في ذلك هو رغبة الإنسان في تحقيق غاية سحرية، هي الحصول على قوة ~~الحيوان الذي يأكله، ومن هنا أيضا عادة أكل البشر؛ فإن هذه العادة نشأت أولا لرغبة ~~الإنسان في الحصول على قوة الرجل المقتول أو الميت، بأن يؤكل قلبه أو دماغه أو أي عضو آخر، ~~بحيث يصير الآكل شجاعا جريئا مثل الرجل المقتول المأكول، وقد صارت هذه العادة سببا بعد ~~ذلك في الاعتقاد بتقمص الأرواح الذي صار عنصرا مهما في بعض الأديان الكبرى؛ لأن منطق ~~السحر يقول إني حين آكل رجلا إنما أتقمص روحه أيضا. # فلما فشا هذا الاعتقاد بين جماعات الإنسان الأولى عمدوا إلى صيد الحيوانات الكبرى؛ كالفيل ~~والأسد، بغية أن يأكلوا شيئا من لحمها حتى يحصلوا على قوتها، وما زال بعض الفلاحين عندنا ~~يعتقدون أن من يأكل قلب ذئب يصير قويا كالذئب، ويجب أن لا ننسى أن صيد الحيوان كان سهلا ~~في الأزمنة القديمة؛ لأن الحيوان لم يكن قد تعود الخوف من الإنسان، وإنما صار الخوف ~~كالغريزة فيه بعدما ألح الإنسان في صيده. # ولا بد أن نفرض أن الإنسان كان يأكل أعضاء هذه الحيوانات مع الاشمئزاز الذي يشعر به كل ~~منا عندما يأكل طعاما جديدا لم يألفه، ms112 أو كان محرما عليه بحكم الدين أو العرف. # وكانت النار إذا شبت وقت القيظ في الغابات يحترق فيها بعض الحيوان ويموت، فيجد الإنسان ~~الفرصة سانحة لأن يأكل بعض أعضائها، ولا بد أنه كان في هذه الحال يستمرئ طعم لحمها المشوي ~~فينتبه إلى شي الطعام بالنار ويضري عليه. # وإذا أراد الأستراليون أن يشووا كنغرا وضعوه في النار بدون أن يبقروا بطنه أو يستخرجوا ~~أمعاءه ، فإذا انفتح بطنه بالغازات بقروه بسكينهم الحجرية (الظر) وأكلوه؛ ولذلك يجب أن نعتبر ~~الشي أول ضروب الطهي التي عرفها الإنسان؛ لأنه لم يكن قد عرف الآنية بعد. # والمتوحشون الذين لا يعرفون للآن كيفية صنع الفخار يستعملون قحف الرأس في الإنسان لحمل ~~السوائل، أو يستعملون القرعة بعد إفراغها من اللب، وهم لا يمكنهم أن يضعوا مثل هذه الآنية ~~على النار؛ ولذلك يضعون فيها اللحم والماء، ثم ينقلون الحجارة المحماة ويضعونها في القرعة ~~أو القحف فيسخن الماء وينضج اللحم. # وقد نقف هنا ونتساءل: هل تعدل فائدة النار للإنسان الأول أضرارها للإنسان الحاضر، من ~~حيث تعويده طعام اللحم وطبخ الطعام وتنشئة الصناعة إلى هذا الحد الذي يكاد يحكم بالفناء على ~~بعض الأمم؟ أما كان أهنأ للإنسان أن يعيش بلا نار؟ # ولكن ليس هذا موضوع كلامنا الآن. # | أصل اللغة # يبدو للمتأمل في تاريخ الإنسان عند عرضه مع سائر الحيوان؛ وخاصة تلك اللبونات التي ينتمي ~~إليها، أن كثيرا مما يمتاز به عليها أنه لم يتطور إلى ناحية التخصص الجامد الذي وقفت عنده ~~معظم الحيوانات الأخرى. # وذلك أن الحيوانات عندما بدأت تخرج من البحر إلى اليابسة تحولت زعانفها إلى أيد وأرجل ~~للتسلق، فكان التسلق أول ما عرفت من الوظائف، ثم حدث التخصص، فمشي بعضها على أربع فصارت ~~أيديه حوافر أو أظلافا، وعاش بعضها بافتراس الحيوان فصارت أصابعه براثن، وحفر بعضها تحت ~~الأرض مثل الخلد ففقد إبهامه، ونزل بعضها ثانيا إلى البحر مثل اللجاة والدلفين والقيطس ~~والتمساح فصارت أيديها مجاذيف تشبه الزعانف القديمة، وإن تكن الأصابع لا تزال باقية بها، ~~ظاهرة أو مختفية. # حدث ms113 هذا التخصص فتجمد التطور وكاد يقف فيها عند حد، إلا الإنسان، فإنه استمر في ~~تسلقه لا يمشي على أربع، وكأنه خرج من البحر إلى الأشجار فلم يرض بالنزول إلا إنسانا ~~سويا، فاحتفظ بيديه وفي كل منها أصابعه الخمس، واحتفظ بهيئته القائمة المنتصبة؛ لأن معظم ~~الحيوانات التي تتسلق تقف وتمشي وهي منتصبة قليلا أو كثيرا كما ترى ذلك في السنجاب ~~والفأر، وساعدته هيئته المنتصبة على أن يضخم رأسه ويكبر، واستطاع أن يحمل هذا الرأس لأنه ~~يقع عموديا عليه، وهو لو كان يمشي على أربع لما أمكنه أن يحمله وهو في هذه الضخامة، حتى ~~وهو في الأشجار لم يبلغ به التخصص أن أضعف إبهامه كما هو الحال في القردة العليا. # ثم انظر إليه الآن تجده لم يتخصص حتى في طعامه؛ فهو يأكل كل شيء في العالم تقريبا، ولم ~~يتخصص في الصوت؛ فهو بمرانة قليلة يمكنه أن يقلد صوت أي حيوان كما نرى ذلك في بعض الممثلين، ~~ثم انظر إلى فم الحيوان؛ كالكلب أو الثور، تجده ممدودا إلى الأمام، فإذا أقفله لصق اللسان ~~بالحنك الأعلى ولحم الفك الأسفل، فليس في فم الحيوان تجويف يساعده على النطق. # فاعتبر كل هذا، فلو أن الإنسان كان يمشي على أربع لما استطاع أن يحمل دماغا ثقيلا، ولما ~~استطاع أن يقف، فنحن لا يمكننا أن نتصور أن يقف الفرس مهما مضى عليه من السنين، ولو أن ~~الإنسان كان قد فقد إبهامه - بالبراعة في القفز بين غصون الأشجار أو بالحفر تحت الأرض ~~كالخلد - لما اكتسب هذه الإبهام ثانيا بأية حيلة، وقد عرفت فيما سبق قيمة هذه الإبهام في ~~إمساك الأدوات والآلات وتداولها، ثم لو كان يتناول طعامه بفمه لطال هذا الفم وضاق، فيصعب ~~عليه عندئذ الكلام. # والإنسان لولا الكلام لما اختلف كثيرا عن البهائم؛ إذ كان كل فرد - عندئذ - يحتاج إلى أن ~~يخترع المعاني اختراعا، في حين أننا نتسلمها الآن من سائر الناس بما وضعوه لها من ~~الكلمات. # ويجب أن نذكر في نشأة اللغات الأولى أنها لم تقم أولا ms114 على الكلمات وحدها، بل كان ~~للإشارات الشأن المهم في التفاهم ولا نزال للآن نستعمل بعض هذه الإشارات نريد بها معاني ~~كلماتنا؛ فنهز الكتفين ونحرك الحاجبين واليدين ونرفع الرأس، ولكل من هذه الحركات معنى، ~~وكانت هذه الحركات قديما أكثر مما هي الآن. # وبعض هذه الإشارات يعم معناه جميع الأمم؛ كهز الرأس ذات اليمين وذات اليسار لمعنى ~~النفي، وبعض ما يتفاهم به المتوحشون الآن نتفاهم به نحن مع الخرس؛ مثل التعبير عن الركوب ~~بوضع سبابة اليد اليسرى تحت اليد اليمنى في الفرجة التي بين السبابة الوسطى. # وسبيلنا إلى معرفة أصل اللغة أن ندرس لغات القردة الحاضرة، ولغة الطفل، ونقابل اللغات ~~الشائعة والقديمة لنرى وجه الاتصال بينها، ولم يدرس واحد من هذه الشئون درسا تاما أو ~~مرضيا للآن، غير أننا نعرف أننا نشترك والقردة العليا في لفظة «كخ» التي تقال لزجر الطفل ~~عن شيء، وهذه اللفظة موجودة للآن في جميع اللغات، ونعرف أن لفظتي الأب والأم هما (با) و(ما) ~~اللتان ينطق بهما الطفل في عامه الأول، وأن إشارة النفي التي نفهمها من هز الرأس قد نشأت من ~~محاولة الطفل رفض شيء تريد أمه أن تضعه في فمه، ونعرف أيضا أن هناك بضعة كلمات يشترك فيها ~~الإنجليزي الحاضر والمصري القديم، ثم الألماني المتحضر والأسترالي المتوحش، ثم زنوج إفريقيا ~~والأوربيون، مما يدل على أن اللغات قد تطورت من أصل واحد أو عن عدة أصول قليلة. # وقد كانت النار عاملا قويا في تنشئة اللغات وإيجاد الكلمات؛ لأنها كانت تجمع النساء ~~حولها فيأخذن في القيل والقال كما هو شأنهن الآن، وكانت النار أيضا تجعل السهر في الليل ~~ممكنا، وعندئذ لا يمكن التفاهم بالإشارات، فيصبح اختراع الكلمات ضرورة لازمة. # ولا شك في أن محاكاة الصوت المسموع كان أصلا مهما في اختراع الألفاظ، وكان الإنسان ~~الأول يعتمد عليه كثيرا في التعبير عن أفكاره، وما زلنا للآن نرى ذلك الأصل في ألفاظ خرير ~~المياه واصطكاك الأسنان وصرير الباب وحفيف الأوراق وعواء الذئب وهدير الرعد، وكذلك في المطر ~~والرعد وفوات القدر ms115 وإصفاق الأمواج وما إلى ذلك. # ولغتنا العربية غنية بالاشتقاق، مما يدل على أنه كان كثير الشيوع قديما؛ فقد عرف الإنسان ~~النار فاشتق منها النور والنهار، وكان يعبر عن الضخامة والكبر بلفظة قديمة لا بد أنها ~~انقرضت وبقي عندنا منها عدة ألفاظ قريبة في النطق والمعنى، مثل جل وكل وجبل وجمل ولج ~~وجلل. # ولا بد أيضا أنه كان للاستعارة والمجاز شأن عظيم أيضا في تأليف اللغات، وعندنا في «أساس ~~البلاغة» الذي وضعه الزمخشري ما يثبت عظم المدى الذي قطعه الإنسان عن هذا السبيل في تأليف ~~اللغات. # وربما كان أشق ما نال الإنسان في تأليف الكلمات وأعنته إعناتا عظيما مسألة الأرقام؛ ~~فقد يمكن أن يكون عند الأستراليون نحو خمس مئة لفظة تدل على ما حولهم من الأشياء ولكن ليس ~~عندهم سوى لفظتين اثنتين للأرقام؛ وهما واحد واثنان، أما الثلاثة فهي اثنان وواحد، والأربعة ~~اثنان واثنان، وما زاد على ذلك فهو «كثير». # وقد كان للغة أثر كبير في زيادة الفهم في الإنسان؛ لأن التفاعل دائم بين اللسان والدماغ، ~~لا يرتقي الواحد إلا بارتقاء الآخر؛ فالمعنى يتحدد ويتضح إذا أحسن اللسان التعبير عنه ~~باللفظ، وهكذا كانت اللغة مثل اليد، إحدى وسائل سيادة الإنسان، وقد استطاعت اللغة أن تجعل ~~الزمن تاريخيا والفضاء جغرافيا، وبهذا نشأت الثقافة البشرية. # واللغة تعود إلى الاجتماع والإنتاج المشترك، فلو أن الإنسان كان يعيش منفردا لما احتاج ~~إلى اللغة؛ إذ مع من يتفاهم؟! # فالإنسان، حين ترك الإقامة على الشجر وصار يجتمع مع أقرانه للصيد، صار يتفاهم مع هؤلاء ~~الأقران بالإشارة أولا، ثم باللغة ثانيا. # | العصر الحجري # تمتاز يد الإنسان على يد القرد بأن لها إبهاما، فيمكن اليد بذلك أن تتناول الأشياء ~~تناولا حسنا وتصنع الآلات، وليس بين القردة ما يمكنه أن يصنع آلة - وإن كانت بعض القردة ~~العليا تحمل العصا وتقذف الأحجار - وليس ذلك إلا لأن إبهام اليد في القرد صغيرة جدا لا ~~تصلح للقبض على الأشياء وتحريكها بما يلائم صناعتها وصياغتها في شكل خاص. # وقد نتساءل هنا: لماذا صغر إبهام ms116 القردة العليا دون إبهام الإنسان ما دام قد نشأ كلاهما ~~من أصل واحد هو «القرد الإنساني المنتصب» كما يظن كروكشانك، أو من حيوان آخر يشبهه؟ # والجواب على ذلك أن الإنسان اتخذ الأرض مقاما له، أما القردة فاتخذت الأشجار، ومعيشة ~~الأشجار تقتضي القدرة على القفز من غصن إلى غصن، والإبهام في هذه الحالة لا تسعف صاحبها، بل ~~تعوقه؛ فإننا إذا أردنا أن نتعلق بغصن أو قصبة اكتفينا بأصابعنا الأربع ولا حاجة لنا إلى ~~الإبهام. # وعلى ذلك نعود فنكرر بأن الإنسان يمتاز على القردة بجملة أشياء صغيرة في ذاتها، كبيرة في ~~نتائجها، وليس ينكر أننا نمتاز على القردة بضخامة الرأس وما يتبع ذلك من عقل كبير، ولكن هذا ~~العقل لم يكن ليفيدنا شيئا لو لم تكن لنا يد ماهرة في صنع الأشياء، ولو لم يكن لنا لغة ~~نفهم بها ما ينطق به غيرنا وما ننطق به أنفسنا، بل إن اللغة هي الأصل في ضخامة الدماغ وليس ~~العكس. # والإنسان في أول عهده بالصناعة لم يكن يعرف سوى الأحجار والأصداف والقرون والخشب والعظم، ~~يصنع بها آلاته الحادة التي يستعملها في القطع والقتال، وقد أطلق على هذا العهد اسم «العصر ~~الحجري»؛ لأن معظم آلاته فيه كانت من الحجر، كما نعرف بعد ذلك عصر «البرونز»، ثم عصر ~~«الحديد» الذي لا نزال فيه إلى الآن. # وبعض الهمج لا يزال يعيش للآن في العصر الحجري، فلا يمكنه أن يصنع آلة من البرونز أو ~~الحديد، وهذا هو الحال - مثلا - في بعض شعوب إفريقيا وشعب أستراليا القديم، وكان العرب إلى ~~عهد قريب يستعملون سكاكين من الحجر، كما تدل على ذلك لفظة «ظران». ~~(فأسان من الحجر) ~~(إبر من عظم) ~~(سكاكين من حجر) # وقد تطور العصر الحجري أيضا، فأقدم ما نجده من الآلات، # وهو بالطبع أعمقها في أودية الأنهار ومسيل الأمطار، يكون على الدوام حجرا يكاد يكون ~~مخروطا، كان الإنسان يقبض عليه بيده فيستعمل طرفه المستدق للتمزيق وسلخ الحيوان، وإحداث ~~الجروح في العدو، والحفر وما إلى ذلك، أما طرفه الغليظ فيستعمل في ms117 الدق والضرب. ~~(أقدم الآلات الحجرية كانت تستعمل للضرب ~~والتمزيق) # ثم ارتقت الآلات الحجرية بعد ذلك، فصارت تصنع منها السكاكين والفئوس، وتوضع في نصاب من ~~الخشب أو العظم، واستمر استعمال الأحجار مدة طويلة حتى بعد ظهور البرونز؛ فإن تهيئة البرونز ~~كان يحتاج إلى ثقافة، من معرفة بالنار إلى كيفية استنباط مواده الخامة، إلى غير ذلك مما لم ~~يكن في مقدور كافة الناس أن يعرفوه. # ومن الآلات الحجرية ما نجده غاية في إتقان الصنعة، كبعض السكاكين والفئوس والحراب، بل بلغ ~~الإنسان من الإتقان في ذلك أن صار يرسم على الحجر صور الحيوان الذي كان يصيده؛ كالفيل ~~والثور وغيرهما، وكان يخيط ملابسه المصنوعة من الجلود والفراء بإبر من العظم. # وكثيرا ما نجد هذه الآلات الحجرية في مكان غريب يدل على عقلية الإنسان الأول، والبواعث ~~التي كانت تدفعه إلى الاجتماع والعمل المشترك؛ ففي بعض الأحيان نجد ربوة عالية تنتهي إلى ~~هوة عميقة، وفي هذه الهوة نجد هذه الآلات الحجرية مع ركام من عظام الحيوانات؛ كالفيل أو ~~الحصان أو الثور. # وتعليل ذلك أن الإنسان كان يصيد هذه الحيوانات بأن يطردها إلى مثل هذه الربوة ويحتاشها ~~إليها، فإذا اندفعت عادية إليها، وجماعة الناس وراءها يضجون ويصيحون، لم يسعها أن ترتد ~~لقوة اندفاعها فتقع في الهاوية وتتردى، فتذهب إليها الجماعة وتسلخ جلدها، وتأخذ بعض عظامها، ~~وقد تأكل شيئا من لحمها. # وربما كان صيد الحيوان أول ما دعا الناس إلى الاجتماع والقيام بعمل مشترك، وفي الاجتماع ~~تنشأ الرياسة والنظام، ثم عرف بعد ذلك الحرب، وهي إحدى درجات الرقي في الإنسان. # | ملابسات المجتمع الأول # لنا سبيلان إلى تحقيق الحالة الاجتماعية الأولى التي كانت تلابس الناس عند أول ظهورهم على الأرض: # الأول: # معرفة أحوال الهمج والمتوحشين الآن، ودرس عقائدهم الدينية وشبه الدينية ~~من سحر وغيره؛ فإن الإنسان قبل أن يتحضر كان في الأرجح كثير الشبه في ~~حالته الاجتماعية بالهمج الآن. # الثاني: # معرفة بعض العادات الفاشية بين المحضرين الآن، والتي فقد المتحضرون ~~دلالتها، ولكننا نفهم هذه الدلالة إذا نظرنا إلى هذه ms118 العادات في ضوء ~~الأحوال الفاشية بين الهمج. # وأهم ما يجب اعتباره في درس الهيئة الاجتماعية الأولى هو هذه المسائل الثلاث: ~~(1) # حالة الزواج وملابساته. ~~(2) # نشوء الرياسة التي هي أصل الحكومة. ~~(3) # الطوطم والطبو. # وإنما نبحث عن هذه الأشياء في حالة البداوة الأولى حين كان يعيش الإنسان بالصيد، دائم ~~الرحلة من مكان إلى آخر في طلب القوت، أما حين ظهرت الزراعة وهدأ الإنسان في مكان ، فإن ~~أحواله الاجتماعية كانت قد ارتقت، فانتظمت الحكومة ورسخت عادات مرعية في الزواج والدين لا ~~تكاد تختلف عن عاداتنا الآن. # وقد تكلمنا في فصل سابق عن الزواج، كيف بدأ بالنظام الأموي وقت الرحلة والتجوال، وانتهى ~~بالنظام الأبوي بعد الزراعة. # ولكن يجب ألا نستسلم لقواعد جامدة؛ ففي مدة الرحلة ظهرت عادة السبي، فإن بعض الذكور ~~كانوا يجدون مشقة في الحصول على الأنثى فيخاطرون بالقتال، ويخطفون فتاة أو صبية، وكان بعض ~~الذكور من القوة بحيث يجبرون بضع إناث على مرافقتهم، فيحرمون غيرهم من الأنثى، ويضطرونهم ~~إلى القتال لخطف أنثى من مكان ناء، وعادة السبي هذه علمت الإنسان الحرب. # والحرب درجة من درجات رقي الإنسان، فإنها تتطلب الاتحاد والجلد والتضحية والطاعة والشجاعة ~~والرياسة، وكل هذه خصال إنسانية اجتماعية، ولا يمكن الإنسان أن يعقل أن حربا كانت تنشب بين ~~قبيلتين في زمن البداوة القديم إلا لأجل المرأة؛ لأنه لم يكن هناك شيء يملك غير ~~المرأة. # وكذلك عادة السبي عودته الزواج بامرأة واحدة؛ لأنه قبل أن يعرف السبي كان كثير من ~~الإناث ملكا لأقوى إنسان في القبيلة، فلما شاعت عادة السبي صار لكل إنسان تقريبا ~~زوجة. # ولا يزال بين الهمج الآن عادات تمارس في العرس وتدل على أن السبي هو أصل الزواج، فإن ~~الزوج يتظاهر بخطف المرأة بين ولولة النساء وصراخ الفتاة المفتعلين، وبين المتحضرين ~~يلقى الرز في وجه الضيوف، ويحمل الرجل عروسه فوق عتبة الباب، والرز إشارة إلى الكفاح ~~القديم في طرد الرجل ومن يساعده من عشيرته، وحمل العروس رمز إلى خطفها وسبيها. # وقد نشأت عادة أخرى من السبي، وهي أن لا ms119 يتزوج الإنسان من عشيرته؛ فالصينيون للآن لا ~~يتزوج منهم الشاب فتاة يتفق اسمه واسمها، وليس لهذا من معنى إلا أن القدماء كانوا يستحسنون ~~السبي، ويعدونه الطريقة المشروعة للزواج، واتفاق الاسمين كان يدل على اتفاق الأصل، فلا يصح ~~- عندئذ - الزواج. # وربما لم يكن الصداق الذي صار يدفع لأهل المرأة بعد ذلك إلا فدية يفتدي بها الجاني ~~جنايته في سبيه إحدى الفتيات، فيعوض أهلها من خسارتهم، ولكن يجب أن نذكر أن الصداق لم ~~ينشأ إلا بعد الزراعة وهي الحضارة، أما قبل ذلك فلم يكن شيء جديرا بالامتلاك غير المرأة، ~~فلم يكن سبيل إلا الافتداء. # ولننظر الآن في الرياسة، كيف نشأت، وكيف ارتقت إلى حكومة؛ فإن رئيس القبيلة أو العشيرة ~~كان أقوى فرد فيها، ولكنه لم يكن يمارس سلطانه على أفراد القبيلة إلا حيث يرد اعتداء على ~~نسائه؛ لأنه لم يكن يبالي بشيء آخر؛ فكانت زوجاته يتقين غضبه على أولادهن بمنعهم من ~~النظر إليهن؛ وخاصة إذا شبوا، ومن هنا عادة لا تزال شائعة بين المتوحشين، وهي أنه عندما ~~تمر زوجة الأب يخفي ابنه وجهه؛ حتى لا يراها فيدخل في قلب أبيه الشك، فهذا هو أول المحرمات ~~الأخلاقية التي يعرفها أفراد القبيلة. # ولم يكن للإنسان في أول عهده منازل، والمتبع بين المتوحشين الآن إذا أراد الرئيس أن ~~يتشاور مع كبار رجال قبيلته في شأن مهم عن حرب أو غارة أن يجتمع بهم في مكان بعيد عن سائر ~~أفراد القبيلة، وفي هذه الحالة يعاقب كل فرد يقترب من هذا المجلس بالقتل. # وكيفية استدعاء هذا المجلس وإنذار سائر الأفراد به أن يحمل واحد شيئا يدعى «هدارة»، ~~وهي ليست سوى عصا قصيرة محزوزة في أحد طرفيها، ويربط بها حول هذا الجزء خيط قوي من شعر، ~~ويربط في طرفه الآخر مثقلة من خشب، فإذا أدار الإنسان هذه المثقلة حول العصا أحدثت ما يشبه ~~هدير الرعد، فيفهم رجال القبيلة أن هناك مجلسا فلا يقتربون منه. ~~(الهدارة وحولها ثلاثة أنواع من المثاقل التي ~~تربط بالعصا) # وهذه الهدارة ضرورية - كما قلنا ms120 - لأنه ليس للمتوحشين منازل يمكنهم أن يجتمعوا فيها، ~~وهذا المجلس هو أول تلميح إلى وجود سلطة ورياسة وحكومة، وربما كان عند الإنسان الأول نظام ~~أبسط من هذا، ولكن الهدارة معروفة عند المتوحشين في أمريكا وأستراليا وإفريقيا، مما يدل على ~~قدمها. # والبحث في الحكومات القديمة التي بلغت شيئا من الرقي يثبت أنها نشأت من أحد أصلين، أو ~~منهما معا: # فالأصل الأول: # يرجع إلى القائد في الحرب (وهذا إلى رئيس القبيلة)، ومنه نشأت فكرة ~~الملوكية. # والأصل الثاني: # يرجع إلى الساحر، ومنه ظهر الكهنة، ولا يزال معنى السحر باقيا في هذه ~~اللفظة في لغتنا، لأن الكاهن ساحر، وفي التكهن عرافة وتنبؤ، وقد عاش بنو ~~إسرائيل وهم لا يعرفون سوى حكومة الكهنة مدة طويلة. # وقد يجتمع الاثنان معا فيصير الملك كاهنا، ولكن الملوك والكهنة لم يظهروا إلا بعد أن ~~ارتقى الإنسان، أما في حالة البداوة القديمة فلم يكن شيء من ذلك. # ولننظر الآن في شيئين لا يخلو منهما أحد المجتمعات عند المتوحشين، ولا بد أن الإنسان ~~الأول قد عرفهما، وهما الطوطم والطبو، وليس شيء كتب عنه العلماء وخطوا فيه أكثر ~~مما كتبوا وخطوا فيهما؛ وعلة ذلك أن المتوحش نفسه لا يحسن التعبير عن معتقداته، وليست ~~لغته مما يمكن عالما أن يتقنها. # وصفوة ما يقال في الطوطم أن نساء المتوحشين لا يعرفن أن الرجل هو سبب الحمل في ~~المرأة، فإذا مرت المرأة الحبلى على ثعبان أو عظاية، أو سنح لها طائر أو حيوان، اعتقدت أن ~~هذا الحيوان هو سبب حملها وولادتها، فإذا ولدت وشب ابنها صار هذا الحيوان طوطما له، لا ~~يجوز أن يقتله أو يؤذيه للصلة التي وهمت الأم وجودها بينها وبينه! # فلكل فرد من الهمج طوطم لا يجوز له أن يقتله، وللقبيلة طوطم عام له هذه الحرمة أيضا، ~~وربما كان في ذلك أصل لتقديس بعض الحيوان بعد ذلك. # ثم هناك الطبو، وهي لفظة بولينيزية عممها العلماء على كل ما هو محرم عند ~~المتوحشين، وفكرة التحريم عند المتوحش تختلف عما نفهمه من هذه الكلمة؛ ms121 فمثلا زوجة الأب ~~طبو لأولاده؛ أي إنهم محرومون من أن ينظروا إليها أو أن يتعاملوا معها، فإذا فعلوا ذلك ~~صاروا هم أيضا طبو يحرم على رجال القبيلة أن ينظروا إليهم أو يتعاملوا معهم. # فمن ارتكب شيئا محرما عند المتوحشين صار نجسا يحرم على سائر أفراد القبيلة النظر ~~إليه، وبعبارة أخرى نقول إن من ارتكب طبوا صار هو نفسه طبوا، وفي شريعة موسى ما يدل على ~~أن بعض الناس كانوا طبوا في نظر الغير لا يجوز لهم ممارسة الأعمال الدينية، ومن الطبو ~~نشأت الأخلاق؛ إذ عرف الإنسان ما يجوز له أن يعمله وما يجب عليه أن يتجنبه. # وفي طور آخر من أطوار الإنسان المتقدمة صار بعض الحيوانات طبوا لا يجوز للإنسان أن ~~يأكله؛ كالخنزير مثلا، إنما لا ينبغي أن نفرض حدوث ذلك في المجتمع الأول؛ فإن الخنزير - ~~مثلا - لم يصر طبوا إلا بعد انتشار عقيدة التقمص، وهذه العقيدة تحتاج إلى رقي فكري لم ~~يكن قد بلغه الإنسان الأول، وهي قائمة على أنه إذا أكل الإنسان الخنزير صار هو نفسه خنزيرا ~~مثله؛ لأنه بعد أن أكله قد تقمص جسمه وروحه. # وليس يمكننا أن نترك موضوع المجتمع الأول بدون أن نذكر شيئا عن السحر وعقيدة المتوحشين ~~الآن، أو الإنسان الأول قديما وكيفية نظره للموت والمرض. # والسحر نوعان: سحر التقليد، وسحر العدوى؛ فسحر التقليد، أو المحاكاة، نراه في الأسترالي ~~حين يريد الساحر قتل إنسان، فيقلد حركات القاتل في قتله وإن كان بعيدا عن الشخص المراد ~~قتله، وكالعربي الجاهلي حين يستنزل الأمطار بصب ماء من إناء؛ أي كما ينزل الماء من ~~الإناء كذلك ينزل المطر من السماء. ~~(تكوين لبعض الأناسي الذين انقرضوا ويعثر على ~~أحافيرهم في عصرنا) ~~(أستراليان يقتلان أحد الناس بالسحر، والشخص الذي ~~يراد قتله في مكان ناء لا يريانه) # أما الثاني فسحر العدوى؛ فالساحر يحرق ثوب الشخص المراد قتله فتنتقل عدوى الفناء (= ~~الموت) من الثوب إلى صاحبه، وفي مصر الآن نرى آثار هذا السحر في الرقية. # وقد ذكرنا أن المتوحشين لا يعرفون سبب ms122 الحمل والولادة، وهم كذلك لا يعرفون سبب الموت أو ~~المرض؛ فالقتل والجرح كثيران بينهم، ولذلك فهم يعزون الموت الطبيعي أو المرض إلى قوة غير ~~منظورة وجهها أحد الأشخاص إليهم، ويساعدهم على هذا أنهم يرون هؤلاء الأشخاص في ~~أحلامهم. # ووظيفة الساحر عند أحط المتوحشين تنحصر تقريبا في إصابة أحد الأشخاص بالمرض أو بالموت، ~~فيقبض على حربة صغيرة ويلقيها في ناحية الشخص المراد قتله وهو بعيد عنه، فإذا عرف هذا الشخص ~~ما فعله الساحر عمد إلى ساحر آخر كي يشفيه، أو يمتلكه الخوف فيموت بقوة الإيحاء والوهم. # وإصابة الناس على بعد بالشر والضرر لا تزال موجودة عند العامة، كما نرى في وضع الكف بهيئة ~~«كبة»، والأصبع الثاني المسمى «السبابة» يدل على هذا المعنى القديم؛ لأن الاسم مشتق من ~~السب؛ أي الشتم. # ومن السحر نشأ بعد ذلك الطب (ولا يزال معنى هذه الكلمة في العربية السحر)، والكهانة، ولها ~~أيضا هذا المعنى. # | أصل الحضارة # تطلق الحضارة على جملة معان خاصة تجتمع معا فيتألف منها معناها؛ ففي الناس طوائف تعيش ~~في الغابات بعيدة عن الحضارة، وبدو الصحراء ليسوا متحضرين إلا بمقدار ما اكتسبوه من ~~المتحضرين؛ من لباس يلبسونه أو ثقافة بسيطة قد تلقنوها منهم في تدجين حيوان أو الإيمان بإله ~~أو معرفة شيء عن الكواكب. # فنحن نفهم من معنى الحضارة ناسا يعيشون معا في مقام لا يرحلون عنه، لهم صناعة أو زراعة ~~يرتزقون منها، ولهم نظام اجتماعي ونظام حكومي، ولهم شيء من ثقافة الدين أو العلم قلت أو ~~كثرت. # والآن نتساءل: كيف نشأت الحضارة؟ # ونقول إنها نشأت بعد أن سبقها دهر طويل من حال البداوة، حين كان الإنسان يعيش باقتيات ~~الجذور والأثمار البرية وبعض الحشرات وصغار الحيوان، على نحو ما تفعل القردة العليا الآن، ~~وكان الذكر يستأثر بأنثى ويمنع سائر الذكور من الاقتراب منهن، ثم أخذ الإنسان في الاجتماع ~~لأجل الصيد، فساعده ذلك على: ~~(1) # صناعة السلاح من الأحجار للصيد. ~~(2) # إيجاد حرمة لنسائه وقت غيابه، وهذا أول الأخلاق. ~~(3) # اجتماع النساء معا، وفي ذلك تنشيط اللسان على ms123 الكلام وإيجاد لغة ~~للتفاهم. ~~(4) # استئناس بعض الحيوانات الصغيرة التي قتلت أباؤها في الصيد. # ولكن كل ذلك لم يكن ليكفي لإيجاد حضارة؛ فقد كان الإنسان لا يزال يعيش عريانا لا يعرف ~~شيئا عن الصناعات المختلفة، يجهل القراءة ولا يعرف من الدين سوى أرواح الغابة وما يتشوش ~~به ذهنه من الأحلام، والحقيقة أنه لم يكن في حاجة إلى الحضارة؛ فقد كان مشردا لا يهدأ ~~بمكان ولا يطمئن إلى صناعة. # وإنما ابتدأت الحضارة حين عرف الإنسان الزراعة؛ لأن الزراعة تقتضي الإقامة بمكان لا ~~متحول عنه، والإقامة تستدعي السكنى في كوخ، فتنشأ صناعة البناء، ثم يصير استئناس الحيوان ~~- الذي كان يحدث اتفاقا وقت الصيد - تدجينا دائما، فتعرف صناعات الألبان والأصواف ~~والأوبار، ويعرف الإنسان من اللبن فوائد الخميرة، فيستعملها في خبزه وجعته. # والزراعة تقتضي التوقيت المحكم، فيضطر الإنسان إلى معرفة شيء عن الكواكب؛ لأن الإنسان ~~وهو في البداوة يكتفي بالتوقيت القمري، وهذا لا ينفعه بشيء في الزراعة؛ فهو لذلك محتاج إلى ~~معرفة السنة الشمسية، ولا بد له من شيء من الفلك لإتقان ذلك، ثم هذا التوقيت لا يمكن إتقانه ~~ما لم يضبطه بالكتابة. # فالحضارات الأولى نشأت عند الأمم الزراعية في البلاد المعتدلة الحرارة؛ مثل مصر، أو ~~العراق، أو الهند، أو الصين، وأقدم حضارات العالم التي عرفها العلماء الآن هي حضارة مصر؛ ~~ولذلك يمكننا أن نقول إن مصر هي أصل الحضارة في العالم أجمع. # ولست أنزع في هذا الكلام نزعة وطنية، فإن العلماء الإنجليز والأمريكيين يتجهون إلى هذا ~~الرأي الآن، وأمامي الآن كتاب لأحد علماء الإنجليز يدعى: «أبناء الشمس» تأليف بري العالم ~~الإنجليزي، يبلغ عدد صفحاته 551 صفحة، يستقصي فيه المؤلف آثار الحضارة المصرية في آسيا ~~وأمريكا. # والمنطق والتاريخ يؤيدان هذه النظرية؛ فإن الإنسان كان طيلة الوقت الذي سبق اكتشاف ~~الزراعة خلوا من أي معنى للحضارة، وكيف يكون متحضرا من يعيش في الغابة يأكل الأثمار ~~والجذور ويصيد من وقت لآخر وحشا؟! فإن هذه الحياة لا تتطلب منه معرفة أية صناعة سوى صناعة ~~الصيد. # فإذا سلمنا بأن ms124 الزراعة هي أصل الحضارة بقي أن نعرف أن الأمم الزراعية سبقت غيرها؛ إذ ~~لا بد أن واحدة منهن قد سبقت الجميع، ولسنا نعرف من تاريخ بابل أو الهند أو الصين أن إحدى ~~هذه الأمم تساوي مصر في قدم تاريخها. # والاستقراء يثبت أن الثقافة المصرية، من دينية وصناعية، قد خرجت من مصر وسارت في جميع ~~آسيا، بل وصلت إلى أمريكا؛ حيث عرف أسلوب من التحنيط المصري في وقت كان قد مات فيه من مصر؛ ~~إذ كانت المسيحية قد انتشرت عندنا، على نحو ما نرى الآن الصناعات التي كانت فاشية في عهد ~~الحروب الصليبية قد انتشر استعمالها الآن بين زنوج إفريقيا الغربية الذين يصنعون السيوف ~~والدروع على طريقة الصليبيين. # ولا بد أن الحضارة الأولى نشأت في بلاد معتدلة الحرارة حول أحد الأنهار؛ لأن الزراعة التي ~~هي أول أنواع الحضارة لم تكن مستطاعة في العصور الأولى في بلاد شديدة الحرارة أو شديدة ~~البرودة.؛ لأن شدة الحرارة تسرع نمو النبات والأعشاب فلا يستطيع الإنسان السيطرة عليها، ولا ~~يزال للأن سهل الأمازون في برازيل غير آهل بالسكان؛ لكثرة غاباته وأحراشه التي لم يقدر ~~الإنسان على التغلب عليها. # وكذلك شدة البرودة تبطئ نمو الزرع، ويتكلف فيها الزراع مشقة أكبر مما يتكلفه ~~الزراع في البلاد المعتدلة الحرارة، وإنما تنجح الزراعة في أوربا الآن لكثرة الآلات ~~العصرية. # فبلاد مصر هي أولى البلاد التي ظهرت فيها الزراعة في العالم لاعتدال مناخها، وهي لذلك أول ~~قطر عرف الحضارة في العالم؛ لأن الزراعة أجبرت المصري على أن يعرف صناعة البناء (والخزف ~~ضمنا) وتدجين الحيوان وخميرة الخبز والجعة والتوقيت، وهو يحتاج إلى معارف فلكية عن الشمس ~~والكواكب، ثم الكتابة لكي يضبط بها التوقيت في تقويم خاص. # وما زلنا نحن للآن نشهد بصحة توقيت قدماء المصريين باستعمالنا تقويمهم في الزراعة؛ فإن ~~السنة القبطية هي السنة المعول عليها بين الفلاحين الآن، ومن الحروف الهيروغليفية الصورية ~~اهتدى الفينيقيون وغيرهم إلى حروف أبجدية انتشرت في جميع أنحاء العالم. # وبوجود الزراعة في مصر وجد مجتمع منظم، ووجد ms125 نظام للكهنة وأوقاف للمعابد، وصار الدين ~~عقائد ثابتة لا تتغير، وكل هذه الأنظمة خرجت من مصر وفشت في البلاد الأخرى، بل ربما كانت ~~لفظة «آمين» المنتشرة في العالم الآن التي تختم بها الأدعية هي نفسها لفظة «آمون» الرب ~~المصري القديم؛ لأنها في الهيروغليفية تكتب «آمن»، ويمكن أن تنطق أمان وأمين وأمون. # وهذه هي الحضارة، وهي لا تختلف عن حضارتنا الراهنة إلا من حيث الدرجة لا من حيث النوع، ~~فمنذ عرف الإنسان الزراعة بدأت الحضارة. # أما كيف عرف الإنسان الزراعة فلا يزال موضع شك، وقد قيل في ذلك أنه عندما كان الإنسان ~~يدفن موتاه كان يضع بعض الأثمار معه حتى يأكلها؛ اعتقادا بأنه يحتاج إلى الطعام بعد وفاته، ~~فكانت البذور التي في الأثمار تنمو، بل تنمو زكية لأنها تتغذى بسماد الجثة المتوفاة، فكان ~~هذا داعيا إلى تنبيه ذهنه إلى الزراعة وإلى الإيمان بأرواح الموتى أيضا. # ومن الإيمان بأرواح الموتى ترقى الإنسان إلى الإيمان بالآلهة، ومما يزيد هذا الظن أن ~~الأمم القديمة، وبعض الطوائف المتوحشة الحديثة، كانت تضحي بإنسان أو بماشية وتقطعه أجزاء ~~توزعها في الحقول حتى يزكو الزرع؛ كأنها تجري على التقليد القديم حين كان يعتقد الإنسان أن ~~الزرع لا ينمو إلا عن واسطة ميت، وربما ابتدأت الملكية في الأرض أيضا من هذا الأصل؛ لأن من ~~دفن قريبا له صارت الأرض حوله حرما له يزرع فيه ما يشاء، ويكون الزرع ملكه؛ لأن روح الميت ~~التي أنبتته هي روح قريبه الذي لا حق لأحد عليه غيره. # وسواء أصحت هذه الفروض عن الزراعة أم لم تصح فإن الذي يمكن الجزم به أن الزراعة هي أصل ~~الحضارة، وأن القطر المصري أول ما زرع من أقطار العالم، فهو بذلك أصل حضارته، وانتظام ~~الفيضان الذي يأتي به النيل كل عام مع مواظبته في مواعيد محددة كان جديرا بأن يفتح أذهان ~~المصريين القدماء إلى قيمة الماء في حياة النبات، وبأن يرشده إلى الزراعة. # وبتقدم الصناعة وظهور المعادن صارت الزراعة تتجه نحو الشمال بالتدريج، في أفينيقيا ~~أولا، ثم ms126 في بلاد الإغريق، ثم في إيطاليا، ثم في أوربا، صاعدة من الجنوب إلى الشمال؛ أي من ~~الحر إلى البرد. # وأغلب الظن أن الزراعة نشأت أولا على عمل الرقيق، وللرق فضل على الإنسان؛ لأنه علمه ~~مزاولة العمل والإقلاع عن حياة التشرد في الغابات، وفي معاني «عمل» و«شغل» و«نصب» ما ~~يدل على أن الإنسان القديم لم يكن يستسيغ العمل. # وكما كانت الزراعة أصل الحضارات القديمة فهي لا تزال أساس الحضارات الحديثة، ولكن ظهر ~~عامل جديد في الحضارة، وهو الصناعة التي يختلف أثرها الاجتماعي عن أثر الزراعة؛ فالزراعة ~~تدعو إلى تشتيت العمال، كما هو الحال في الهند ومصر، وهذا يساعد على وجود حكومات استبدادية، ~~وأيضا تتوافر فيها الأقوات الرخيصة ويتكاثر فيها السكان، فتنتشر الفاقة بين العمال ~~الفلاحين لهذا السبب، والفاقة تدعو إلى الاحتقار والمهانة، ثم إلى استبداد الأغنياء ~~بالفقراء. # أما حيث تكون الحضارة صناعية فإن أجور العمال تبقى مرتفعة والأقوات غالية الثمن، ~~وارتفاعها يدعو إلى احترامهم؛ لأنهم لا يظهرون بمظهر الفقر المهين، والعمال يتجمعون حول ~~المصانع ويتعاونون على صيانة حقوقهم وزيادتها، وهنا تنشأ الحكومة الديمقراطية، ومن هنا نفهم ~~السبب في ديمقراطية الحكومات الأوربية. # والحضارة الأوربية تتجه الآن نحو الاشتراكية بلا جدال، يساعدها على ذلك نزعة الأهالي ~~الديمقراطية وكثرة الآلات؛ فإن انتشار الآلات والمصانع الكبيرة لا يتفق والملكية ~~الفردية. # | أصل الدين # عاش الإنسان الأول حقبة طويلة من الزمن قبل أن يعرف ما هو دون الدين من ممارسات السحر ~~والكهانة؛ فلم تكن اللغة تساعده بعد على أن يوضح لنفسه غوامض هذا الكون، فإذا فكر في ~~مسائل الحياة والموت، والعالم والكون، وما إلى ذلك من نفس وجسد وعقاب وعقاب وثواب، اختلطت ~~أفكاره وارتبكت خواطره؛ لأنه لم يكن في لغته الكلمات التي تؤدي هذه المعاني، وليس من الممكن ~~أن نتصور معنى مجردا ما دمنا نجهل الكلمات التي تعبر عنه. # دع عنك أن هم الإنسان الأول كان مصروفا إلى إرضاء شهوة الطعام والشهوة الجنسية، ولم ~~يكن الطعام وفيرا؛ لأن الزراعة لم تكن قد عرفت بعد، ووسائل الصيد لم ms127 تكن أيضا قد عرفت؛ ~~فأوربا التي تقيت الآن أكثر من ثلاث مئة مليون نفس لم تكن تكفي نصف مليون إنسان، أو على ~~الأكثر مليونا يقطعونها جبالا وأنهارا لكي يهتدوا إلى بعض الجذور أو الحشرات أو الثمرات ~~لكي يأكلوها. # ثم إن الشهوة الجنسية في الإنسان والقردة أشد مما هي عند سائر الحيوان، بل هي في الإنسان ~~أشد من القردة، كما ترى في شعر العانة الذي اختص به الإنسان دون سائر حيوانات العالم أجمع، ~~والذي لم ينشأ فيه إلا لفرط قواه الجنسية، ولفتا للأنظار إلى أعضائه التناسلية، والزينة ~~الخلفية الحمراء في بعض القردة الدنيا هي لهذا الغرض أيضا. # فلم يكن الإنسان يهتم إلا لهاتين الشهوتين، ولم يكن يفكر إلا فيهما، وكانتا لذلك تستغرقان ~~كل وقته، فلما عرف الصيد والاجتماع وارتقت لغته بعض الرقي بدأ «يعتقد» في أشياء، وأخذ ~~يتدرج- عندئذ - من السحر إلى الوثنية، ثم إلى التوحيد. # وكان الموت أحد الشئون الكبرى التي انبنت عليها عقيدة الإنسان الأول؛ فإن الموت الطبيعي ~~لم يكن من مألوفات الإنسان، وكان أكثر ما يرى الموت عند القتل أو التردي أو الغرق، فيعرف ~~عندئذ سببه، أما أن الموت يحصل بلا سبب فهذا ما لم يكن يعقله؛ لذلك صار يعتقد أن الإنسان ~~عندما يموت وحده بشيخوخة أو مرض إنما يحدث له هذا الموت بفعل إنسان بعيد عنه أراد به المرض ~~أو الموت ونجح في تحقيق إرادته بالسحر. # ومن هنا نشأ السحر؛ فإن المتوحشين للأن في أستراليا وإفريقيا يستأجرون ساحرا لكي يوقع ~~المرض أو الموت بعدو لهم بعيد عنهم، والساحر وهو يؤدي هذه الخدمة يقلد حركات القاتل، ~~فيجمع جراميزه ويضرب بسلاحه هذا الشخص المقصود. # ولكن الإنسان الأول لم يكن يعتقد أن الموت نهاية الحياة؛ وسبب ذلك أنه كان يرى أحيانا أن ~~بعض الأشخاص كان يغمى عليهم فتظهر عليهم أمارات الموت ثم يفيقون، وكان أحيانا يرى بعض ~~الموتى في أحلامه فيخاطبهم ويخاطبونه كأنهم أحياء، فيتوهم من ذلك أن الموت لا يناقض ~~الحياة، وقد نتج عن ذلك عدة أشياء: ~~(1) # صار الإنسان يعنى ms128 بالجثة ويقدم لها الطعام معتقدا أن صاحبها حي، فنشأ من ~~ذلك صناعة التحنيط وفكرة القربان والتضحية. ~~(2) # عندما كان يموت عدوه أو أحد كبار المجرمين الذين آذوا القبيلة أو العشيرة، ~~كان يخشى بأسهم بعد الموت، فكان يقيد أيديهم وأرجلهم إذا ماتوا، أو كان يضع ~~فوقهم ركاما من الأحجار حتى لا يستطيعوا القيام من تحتها، فنشأت من ذلك صناعة ~~القبور ثم المعابد . ~~(3) # عندما كان يموت رئيس العشيرة أو القبيلة، أو أحد الأبطال المحبوبين، أو الذين ~~كان يخافهم ويحترمهم في حياته وينظر إليهم كأنهم حماة القبيلة، كان يستمر على ~~احترامهم بعد الموت، ويذكرهم هو وذريته من بعده، فيصير هؤلاء الأبطال آلهة، ~~وتصير قبورهم معابد تزار. ~~(4) # كانت الجثة تبلى فيزول فمها ويداها، فيعرف أنها لا يمكنها أن تأكل، فيضع ~~شبها من الطين أو الحجر ويقدم له الطعام، ومن هنا نشأت صناعة الأصنام ~~والتماثيل، بل الفنون الجميلة الأولى. # ولكن هنا يجب أن نذكر أن للفنون الجملة أصلا آخر، وهو السحر؛ فإن بعض السحرة إذا أرادوا ~~أن يؤذوا أحدا صنعوا تمثالا له من الطين ثم قتلوه؛ اعتقادا بأن ما يحصل للتمثال يحصل ~~لصاحبه (وهذا سحر التقليد أو المحاكاة)، وعلى كل حال، يجب أن نعتبر هذين الأصلين في نشأة ~~الفنون الجميلة. # وقد كان الإنسان الأول يأكل بعض أعضاء الموتى المشهورين لكي يحصل على قوتهم، وكان يفعل ~~ذلك أيضا بمن يقتله من الأعداء إذا كان يعتقد فيه القوة والبأس، ومن هذه العادات نشأت فكرة ~~التقمص وفكرة الروح، والغالب أنها نشأت متأخرة جدا؛ أي بعد ممارسة تلك العادة مدة ~~طويلة. # ومعظم المتوحشين الذين يعرفون الآلهة لا يعرفون عقيدة الشيطان، وهذا يدل على أن هذه ~~الفكرة حديثة العهد، وربما كانت فارسية، وعلى كل حال فلفظة شيطان عبرانية، لعلها مشتقة من ~~سيت (شيت) إله الشر المصري، وإبليس لاتينية (ذيابولوس). # أما خروج الإنسان من الوثنية إلى التوحيد فيحتاج إلى شرح طويل، وإنما خلاصة ما يقال إن ~~التوحيد نشأ عند الأمم التي لا تحسن صناعة البناء والتماثيل والأصنام؛ ولذلك ظهر بين الأمم ~~البدوية ms129 التي تعيش في الخيام؛ مثل الهكسوس والإسرائيليين والعرب، والأغلب الهكسوس هم أول من ~~آمن بإله واحد يجدونه في كل مكان يترحلون إليه، ولا يحتاجون إلى تمثيله في صنم يرهقهم حمله ~~ونقله، أما الأمم المتحضرة فكانت تجيد صناعة الأصنام، تنحتها من المرمر فتخلب أفئدة ~~المتعبدين، وكانت لها هياكل ثابتة عليها كهنة ولها أوقاف، فكان من الصعب جدا أن تروج ~~بينها فكرة التوحيد. # | تطور اللباس # ليس تاريخ اللباس عند الإنسان سوى تاريخ الزينة والحلي؛ فإن الإنسان لم يلبس اللباس في ~~أول أمره اتقاء للبرد والحر، وإنما هو قصد منه إلى الزينة فقط، وهذا هو حال جميع المتوحشين ~~الآن؛ فبعضهم - مثل الفويجيين - لم يعرفوا اللباس قط في تاريخهم، ولا هم في حاجة إليه الآن ~~مع صرامة الجو الذي يعيشون فيه. # ونحن إذا نظرنا الآن إلى لباس السيدات عندنا أو عند الغربيات وجدنا أن الزينة هي العامل ~~الأكبر في انتقاء الزي، وأن المحل الثاني للفائدة الصحية أو لا محل لها على الإطلاق، ونحن ~~الرجال لا يزال في لباسنا شيء كثير من الزينة الخالية من أية منفعة لنا، كما نرى في الطربوش ~~الأحمر وعذبته السوداء، ورباط الرقبة، والأزرار العديدة، والخواتم وغيرها. # ولذلك فالكلام عن تطور اللباس هو في أكثره شرح لضروب الزينة التي تزين بها الإنسان من ~~أقدم عصوره إلى الآن، وأكبر ما يبعث الإنسان على الزينة هو ظهور المرأة بمظهر يلفت إليها ~~نظر الرجل ويستدعي إعجابه، وظهور الرجل بمظهر يلفت إليه نظر المرأة؛ لأنه لم يكن في العالم ~~شأن عند الإنسان القديم - بعد الطعام - أهم من العلاقة الجنسية التي تربط النساء بالرجال، ~~فهذه العلاقة التي تشغل عقلنا الكامن (الباطن) الآن، والتي هي مبعث أكثر خواطرنا وأحلامنا، ~~كانت كذلك عند الإنسان الأول، بل كانت أشد من ذلك؛ لأن مشاغله كانت محدودة بالنسبة إلى ~~مشاغلنا، فكان أكثر اجتراره الفكري خاصا بالشهوة الجنسية. # فالوزرة التي يغطي المتوحش بها أعضاءه التناسلية لا يدفعه إلى وضعها الحياء من الناس، ~~بل هو يقصد منها إلى لفت نظر الأنثى إليه، وكذلك ms130 الحال في الوزرة التي تضعها المتوحشة، وهذا ~~هو السبب في أن هذه الوزرة لا تزيد أحيانا عن أن تكون عقدا من الودع والصدف لا يخفي ~~شيئا، بل يؤكد معنى؛ فالحياء من المعاني الحديثة التي أنتجها التمدن، والتي لا يعرفها ~~الإنسان المتوحش أو الحيوان، بل الذي أوجدها هو اللباس. # وكلمة «الحياء» مشتقة من «الحيا» وهو عضو التناسل في المرأة، ولا بد أن الإنسان عند بدء ~~خروجه من الحالة الحيوانية كانت بشرته مغطاة بالشعر، وهو لم يتجرد من شعره إلا بالتدريج، بل ~~هو لم يتجرد منه تماما للآن. # وربما كان «الانتخاب الجنسي» العامل الأكبر في هذا التجرد؛ فلأمر ما قام في ذهن الرجال ~~منذ زمان بعيد أن المرأة المتجردة من الشعر أجمل من المرأة الكاسية به، فصارت أقل النساء ~~شعرا أكبرهن أولادا، وهؤلاء الأولاد يرثون أمهم في قلة الشعر، وما يحدث في المرأة ينعكس ~~أثره بحكم الوراثة في الرجل، فيتجرد الرجل أيضا من الشعر، وإن كان تجرده أخف من تجرد ~~المرأة (على نحو ما ظهرت الثديان في صدر الرجل تبعا لظهور الثديين في صدر المرأة). # ومن ضروب الزينة التي تؤيد نظريتنا، وهي أن الحياء ليس أصلا للباس، أن الشعر ينمو حول ~~الأعضاء التناسلية عند الرجال والنساء دون سائر قرابتنا من القردة العليا؛ فهذا الشعر حديث ~~العهد، وهو لا يقصد منه إلا لفت النظر وابتعاث الخواطر الجنسية في الأنثى والذكر. # وقد تكون معرفة الإنسان بالنار وتعوده الاصطلاء بها من الأسباب التي دعت إلى زوال الشعر ~~أو قتلته؛ فالنار تؤدي وظيفة الشعر في الدفء، ثم هي تؤذي الرجل الشعراني، وقد تؤدي إلى ~~احتراقه. # ومن ضروب الزينة التي يمارسها الهمج الآن، وربما كان أسلافنا يمارسونها أيضا، تحزيز ~~الوجه والجسم، ولعل الأصل في ذلك أن يثبت الإنسان أنه قد تمرس بالقتال وجرح، على نحو ما ~~يفخر الطلبة في الجامعات الألمانية الآن بما تركته المبارزات من الجراح في أجسامهم. # ومن ضروب الزينة أيضا صبغ الوجه بصبغة ما؛ فالهمج في أستراليا - مثلا - يمضغون ورق ~~اليوكالبت (الذي يسمى في ms131 مصر خطأ بالكافور)، ثم يدلكون بمضاغهم بشرتهم، فتكتسب بذلك لونا ~~أخضر، والأصباغ التي تستعملها النساء الآن لا تحتاج إلى شرح. # ومن التحزيز والإصباغ نشأ الوشم الذي لا يزال يمارسه المتوحشون في إفريقيا وغيرها، ~~والمنحطون من المتمدنيين في بلادنا؛ فالوشم هو تحزيز في الجسم يوضع فيه الصباغ. # وبعض الزينة له قيمة سحرية؛ فبعض نسائنا يتزين بحلية قبيحة من الذهب تدعى «كف ~~مريم»، وكذلك يفعل المتوحشون فيحملون على صدورهم يدا أو سنا يتوهمون أنهما تردان عنهم ~~عادية الأرواح البشرية. # ولكن كل هذه الزينة لم تكن لتؤدي إلى اللباس الذي نعرفه الآن، والذي صار فيه معنى الوقاية ~~من الحر والبرد، والأصل في اللباس هو في الأغلب عادة الرجال الذين فازوا في صيد أحد ~~الحيوانات في وضع فروه أو جلده على أكتافهم؛ للفخر والتزين أمام الرجال والنساء؛ فمن صاد ~~حيوانا مفترسا؛ كالأسد أو الببر، حمل جلده شهادة على بسالته وقوته، فيغطيه الرجال وتعجب ~~به النساء، ويبقى يحمل هذا الجلد كل يوم لهذه الغاية، وينافسه آخر في هذا العمل حتى يصير ~~حمل الجلود أو الفراء سنة متبعة عند الجميع، ثم تعرف قيمتها بعد ذلك في الدفء. # وقد مضى دهر طويل والإنسان يلبس جلود الحيوان قبل أن يعرف المنسوجات؛ فإن هذه كانت تحتاج ~~قبلا إلى الزراعة، وإلى عدة فنون أخرى. # | تنازع البقاء في عصرنا # لا يمكن أن يكون تطور دون أن يكون هناك تنازع بقاء، أو ما يقوم مقام هذا التنازع من ~~انتخاب صناعي مقصود. # مثلا، حيواناتنا الداجنة لا تتنازع البقاء؛ أي إن أفرادها لا تتغالب على العيش والتناسل، ~~ولكننا مع ذلك ننتخب منها ما نرغب في نسله ونخصصه للفحلة، فيحدث عندئذ التطور؛ تظهر أولا ~~سلالات جديدة، ثم يشتد التباين بين هذه السلالات حتى تصير أنواعا جديدة. # وكذلك الحال في الإنسان في الحضارة الراهنة؛ فقد أصبح بمثابة الحيوان المدجن لا يتنازع ~~أفراده على البقاء والتناسل إلا تنازعا ضعيفا قليل الأثر في تطوره، دع عنك أنه ليس بين ~~أفراده انتخاب صناعي، وإليك إيضاح ذلك: ~~(1) # كان الإنسان الأول ms132 لا يعرف الزراعة، فكان يلقى المشاق في الاهتداء إلى طعامه، ~~وكان القطر المصري لا يسع أكثر من خمسين ألف نفس، كلهم يستعمل ذكاءه وقوته ~~وشجاعته للحصول على طعامه من الغابات، فلم يكن ثم مجال لأن يعيش في هذا ~~الوسط رجل يشوب جسمه أو قلبه أو عقله أي ضعف. # وكان كل إنسان يبذل جهده لكي يحصل على قوته، أما الآن فإنه يعيش في مصر نحو ~~22 مليونا قد تعلموا الزراعة ومارسوها بأيسر مجهود، فالمجال واسع لعدد كبير ~~من الضعفاء لأن يعيشوا. وقل مثل ذلك في جميع أنحاء العالم المتمدن؛ فالمعيشة ~~الآن أيسر مما كانت في زمن البداوة الأولى، وهذا يجعل تنازع البقاء أضعف مما ~~كان. ~~(2) # لم يكن الحصول على امرأة في الزمن القديم أمرا متاحا لجميع الذكور؛ إذ كان ~~أقوى العشيرة يستأثر بجميع النساء، ثم لما عرف السبي كان شجعان القبيلة وحدهم ~~يحصلون على النساء، فكان التناسل محصورا مقصورا على الشجعان والأقوياء وذوي ~~الحيلة في بلوغ الرياسة. # وهذه الحال لا تزال جارية بين المتوحشين للآن، وهي تؤدي إلى بقاء الأقوى ~~الأشجع، وفناء الأضعف الأجبن، ولكننا نجد خلاف ذلك بين المتمدنين؛ فإن كل إنسان ~~بصرف النظر عن ضعفه يتزوج الآن وينسل إلا في حالات قليلة جدا لا يعتد بها، ~~فالزواج بين المتدنين يعوق التطور؛ لأنه يطبع الأجيال القادمة بطابع الأجيال ~~الحاضرة. ~~(3) # كان القتال في زمن البداوة الأولى يساعد على بقاء الشجعان والإكثار من نسلهم؛ ~~إذ لم يكن يقاتل الرجل إلا من أجل الحصول على امرأة، فإذا انتصر كان انتصاره ~~شهادة له بتفوقه، وكان حصوله على المرأة وسيلة لأن ينشر خصال التفوق في هذه ~~الجماعة التي ينتسب إليها، أما الآن فإن عكس ذلك يحصل؛ لأن الحروب الحاضرة تفني ~~شباب الأمة المنتقى، حتى قيل إنه عندما مات نابليون نقصت قامة الفرنسي؛ لكثرة ~~من ماتوا في حروبه وكانوا منتقين من طوال القامات. ~~(4) # كان الإنسان الأول لا يعرف شيئا من ضروب العناية بالمريض، فكان كل مريض يهلك ~~أو يشفى بقوة ما فيه من حيوية أصلية، فكانت ms133 الأمراض لذلك قليلة، وجميع أفراد ~~القبيلة في حيوية تامة، أما الآن فإن المريض يعيش بين ظهرانينا ويمكنه أن يتزوج ~~وينسل نسلا ضعيفا مثله، فينتشر الضعف في الأمة، وما يقال في ضعيف الجسم يقال ~~أيضا في ضعيف العقل؛ فإن الأبله أو المغفل يعيشان كلاهما في الحضارة الراهنة ~~وينسلان، وهما لو كانا في البداوة الأولى لما عاشا يوما واحدا؛ فإن الغابة ~~بما فيها من ثعابين ووحوش وحشرات، بل وإنسان أيضا، لا تتسع لأن يعيش فيها أبله ~~أو مغفل أو مريض. ~~(5) # في الحضارة الراهنة شيء من الانتخاب الصناعي في معاقبة المجرمين باعتقالهم في ~~سجن أو بقتلهم، وفي كلتا الحالتين يمتنع نسلهم إما جزئيا وأما كليا، وليس شك ~~أن بعض دوافع الإجرام الحاضرة كانت السبيل إلى التفوق في الأزمنة القديمة، ولكن ~~أكثرها يرجع إلى ضعف الأعصاب ضعفا يؤدي أحيانا إلى تأزمها، وإلى نزوات ~~جنونية من مصلحة الجماعات البشرية أن تخلص منها؛ فعقاب المجرمين، حتى مع اعتبار ~~الجرائم التي تحدث من المظالم الاقتصادية، لا يزال عاملا من عوامل بقاء الأصلح ~~في الأمم؛ والأصلح الآن هو الرجل الهادئ الأعصاب الذي راض نفسه على العمل في ~~خدمة نفسه وخدمة الأمة. # فعوامل التطور أو بعبارة أخرى عوامل الرقي في الإنسان قليلة، بل تكاد تكون معدومة، بخلاف ~~الحال بين الحيوان والنبات البريين أو بين المتوحشين أنفسهم، وهذا ما دعا العلماء إلى تأسيس ~~علم اليوجنية؛ أي علم إصلاح النسل؛ فإنهم لما وجدوا الانتخاب الطبيعي قد وقف فعله بين الناس ~~عمدوا إلى ما يقوم مقامه، فكان ذلك الانتخاب الصناعي بسن قوانين التعقيم التي تمنع غير ~~الأكفاء من التناسل، وإن لم تمنع زواجهم. # | إنسان المستقبل # لو أن إنسانا من عالم آخر زار الأرض قبل نحو مئتي مليون سنة، حين لم يكن في البحار سوى ~~الأسماك وما هو أدنى منها من الحيوان، ولم يكن على اليابسة شيء من الحيوان مطلقا، أو كان ~~بها بعض الحشرات، ثم قيل له إنه بعد مئتي مليون سنة ستتحول زعانف الأسماك إلى أيد وأرجل، ~~وتصير مثانتها رئة تتنفس ms134 بها الهواء مباشرة، ثم يخرج السمك إلى اليابسة فيمشي ويتسلق ~~الأشجار، ثم تصير هذه الأيدي أجنحة فيطير في الهواء - لظن أن هذا الكلام هو غاية السخف بل ~~العته. # نقول هذا تحذيرا للقارئ حتى لا يستبعد شيئا يقال عن مستقبل الإنسان بعد ملايين السنين ~~الآتية؛ فإن التطور لم يقف، وإن كانت وجهته قد اختلفت عما كانت قبل في الإنسان. # فالإنسان كان وقت بداوته خاضعا كل الخضوع لتنازع البقاء؛ يستأصل منه ضعيف الجسم أو ~~العقل أو العاطفة ويعمل الاستئصال لرقيه، ثم طرأت عليه الحضارة فسهل العيش على عدد كبير ~~منه كان مقضيا عليهم لو أنهم كانوا يعيشون بغير وسائل الزراعة التي يسرتها لهم الحضارة. # وقد كانت وجهة التطور قبل أن يتحضر الإنسان تنحو نحو ترقية جسمه وعقله بإحداث تعديلات ~~فسيولوجية في تركيب أعضائه حتى يوافق الوسط الذي يعيش فيه، على نحو ما يحدث للحيوان أو ~~النبات الآن، ولكن عندما بدأ الإنسان يتحضر صار يسيطر هو على الوسط بدلا من أن يخضع ~~له. # كان الإنسان في حال البداوة أو في الحال الحيوانية السابقة إذا اشتد البرد وقسا على ~~الأجسام بادت منه أفراد بحكم الانتخاب الطبيعي؛ فمن كان كاسيا بالشعر أكثر من غيره، أو من ~~كان يقوى لأي سبب آخر على تحمل البرد، عاش وأنسل وأورث نسله صفاته في حين كان يموت غيره، ~~أما في الحضارة الآن فإنه عند اشتداد البرد يحمي نفسه بمنزل يأوي إليه بفراء الحيوان أو ~~الملابس المنسوجة من النبات، وقل مثل ذلك في سائر الأشياء. # فالإنسان إذا لم يوافقه الوسط الآن عمد إلى عقله ليفكر في تغييره حتى يوافقه، في حين أن ~~الوسط كان قديما يؤثر فيه ويعمل على تعديل جسمه بما يوافقه، ولو كان كل منا يستعمل عقله في ~~جعل الوسط موافقا له لما كانت الحضارة عائقا عن التطور، وكل ما يكون في الأمر - عندئذ - ~~أن التطور كان ينتقل من الجسم إلى العقل، ولكن الحقيقة أن واحدا في المليون تقريبا يهديه ~~ذكاؤه إلى طريقة للتغلب على الوسط فيستفيد منها ms135 سائر المليون بدون أن تكون لهم أية ميزة ~~تستدعي بقاءهم. # فالحضارة أعاقت التطور بعض الشيء، ولكنها لم تعقه كل الإعاقة؛ إذ لا يزال تنازع البقاء ~~يقتل منا أفرادا بالسجن والتشريد والمرض والبله، ويبقي على أفراد آخرين. # ثم يجب ألا ننسى أن حالة الوجدان (الوعي) هي حال جديدة في الإنسان، ليس هناك ما يدل على ~~أنها موجودة عند الحيوانات العليا إلا بمقدار يسير؛ فنحن نشعر بما نفعل، ونشعر بوجود شخصي؛ ~~لنا أمس ولنا غد، بل منا من يسرف في الإحساس بحالة الوجدان هذه ويحسب لما بعد الموت ويخرف. # فهذا الإحساس؛ أي إحساس الوجدان بأنفسنا، لا يشعر به أي حيوان، وهو آخذ في الازدياد فينا، ~~وسيخرجنا في المستقبل من حياة الغريزة الإنسانية إلى حياة التعقل والقصد. # فنحن الآن نتناسل بحكم الغريزة، وإن كان بعضنا - وهو الأقل - بحكم عقله، ولكن حكومات ~~المستقبل ستعرف قيمة التناسل فتجعل قاعدته القصد لا الغريزة، وتقصره على فئة خاصة من الناس ~~تجد فيها ما ترغب في أن تحصل عليه الذريات القادمة، فإذا بلغ بنا الوجدان أن نضع التناسل ~~موضع القصد والنظام بدلا من أن نجري فيه اعتباطا بوحي الغريزة، كان لنا منه في الحضارة من ~~الانتخاب الصناعي ما يقوم مقام الانتخاب الطبيعي في الحال الحيوانية القديمة، بل في حال ~~البداوة الإنسانية، وعندئذ يرتب الزواج بطرق تضمن رقي الإنسان السريع، وليست قوانين ~~الوراثة معروفة كلها الآن، ولكن عرف منها قانون «مندل»، وهو بلا شك أقوى أداة في المستقبل ~~لإيجاد السلالات الجديدة من الإنسان، وإن كانت لا تزال أشياء كثيرة منه مجهولة. # وليس يمكن الجزم بنوع الزواج في المستقبل البعيد، وهل يجري على مقترح أفلاطون أو مقترح ~~جماعة أونيدا، وإنما الغرض في كل حال هو تأصيل الإنسان كما تؤصل الحيوانات أو النباتات الآن. ~~(قانون مندل، وهو أهم ما عرف في الوراثة؛ خلاصته ~~أنه إذا تلاقح حيوانان كانت بعض صفات أحدهما غالبة في النسل على صفات ~~الآخر، ولكن إذا تلاقح أفراد هذه النسل ظهر نسلهما بنسبة لا تتغير. ففي هذا ~~الشكل ms136 - مثلا - نجد أننا إذا ألقحنا خنزيرا أسود من سلالة سوداء خالصة ~~«من خنازير الهند» بخنزيرة بيضاء من سلالة خالصة، كان الجيل الأول أسود ~~هجينا؛ لأن صفة السواد هي الغالبة، فإذا لاقحنا بين أفراد هذا الجيل الأول ~~ظهر النتاج هكذا في الجبل الثاني: واحد أسود خالص، إذا تلاقح مع السود لم ~~ينسل أبيض، وواحد أبيض خالص إذا تلاقح مع البيض لم ينسل أسود، ثم اثنان ~~هجان «في الوسط» ينسلان كما أنسل الجيل الأول) # ولا شك في أن تقوية العقل وتنقية العواطف وصحة الجسم من الصفات التي سيتجه إليها نظر ~~المربين للإنسان، ويمكننا أن ننظر إلى إنسان المستقبل بعين الخيال، فنجد أضخم ما فيه ~~رأسه؛ فهو يقوم على جسمه كالبلون الكبير فوق عنق قصير ضخم وأكتاف قوية، أما الجسم فيكون ~~قصيرا ضامر البطن نحيف الأطراف، وستزول من القدمين أصابعهما كما زالت من بعض القردة ~~(الأورانج أوتان) أظافرها. # أما من حيث العواطف، فإنسان المستقبل سيختلف عنا اختلافا كبيرا؛ لأن الغرائز ستضعف فيه ~~إلى حد الانعدام تقريبا، فهو لن يعرف الحب أو الغضب أو الخوف؛ إذ هو سيتناسل عن عقل لا عن ~~غريزة. # أما الغضب والحقد والخوف والغيظ فهي صفات صائرة إلى الزوال القريب؛ لأنه لن يعود لها ~~فائدة في المستقبل؛ فقد كانت هذه الصفات تنفعنا في الماضي في حياة الغابة، فكان الخوف ~~إنذارا للفرار، وكان الغيظ يحرك فينا الرغبة في التغلب على خصمنا، وكان الغضب يخيفه ويرده ~~عن أذانا. ~~(تمثال آدم كما تخيله المثال أبستين ~~الأمريكي) # وستقتصر هموم إنسان المستقبل على درس هذا الكون والتملي بجماله واكتشاف مجاهله، ومن يدري ~~لعله يفتح فتحا جديدا في أحد العوالم الأخرى، أو لعله يعرف لغة يتخاطب بها أفراده وهم ~~سكوت بلا حاجة إلى ألفاظ، بل بلا حاجة إلى اقتراب الأشخاص. وكل هذا خيال، ولكنه خيال ~~يستضاء فيه بالتطور الماضي والأحوال الحاضرة؛ فمن التطور نعرف أن بعض الحواس الخمس ارتقى ~~في الإنسان أكثر من ارتقائه في أي حيوان. # مثال ذلك: الذوق والنظر، فبعض الطيور أبعد نظرا منا، ms137 ولكن نظرها غير دقيق؛ لأنها تنظر ~~بعين واحدة ولا تجمع نظر العينين إلى جهة واحدة، ثم هي سيئة الذوق. ونحن أضعف من بعض ~~الحيوان في حاستي السمع والشم، بل في حاسة اللمس أيضا، وهذه الحواس الثلاث الأخيرة تخدم ~~الغريزة أكثر مما تخدم العقل؛ ولذلك فالأغلب أنها صائرة إلى الزوال في الإنسان الذي سيكون ~~جل اعتماده في المستقبل على النظر، إلا إذا ارتقت فيه الحاسة الموسيقية فارتقى لذلك ~~سمعه، على نحو ما حدث بين الطيور. # ثم ليس يبعد أن تنشأ حواس أخرى؛ كالإحساس عن بعد مثلا، وهو ما يدعيه بعض الناس الآن؛ ~~فقد تكون هذه الدعوى صحيحة، وهي إذا كانت صحيحة فإنها تنشأ في أفراد قلائل، ثم تعم بين ~~البشر على نحو ما نرى أناسا يولدون الآن وليس في أقدامهم أظافر. # وقد قلنا إن الحضارة تعيق تطور جسم الإنسان وعقله بعض الإعاقة؛ فالرجل السيئ الذاكرة ~~يتذكر الأشياء بكتابتها في دفتر، والرجل الضعيف النظر يمكنه أن يقويه بالنظارة، وكلاهما ~~ينسل وينشر نقيصته في النوع البشري، في حين أن الحدأة السيئة البصر تموت جوعا، والغزال ~~البطيء في عدوه لا يستطيع البقاء أمام الوحوش التي حوله. # ولكن الناس في المستقبل سيعمدون - كما قلنا أيضا - إلى القصد في التناسل، فلن يكون ~~التناسل حقا مشروعا لكل إنسان، بل يقصر على ذوي الكفايات الجسمية والخلقية والذهنية، ~~وهناك في عصرنا أمم كثيرة تعمد إلى تعقيم الناقصين في الكفايات حتى لا يتناسلوا، وإن كان ~~هذا التعقيم لا يحول دون الزواج؛ ولذلك لا خوف على الإنسان من الحضارة، فإن فيها الداء ~~والدواء معا. # ونستطيع أن نبصر في إنسان المستقبل، بعد نحو مئة ألف سنة أو أقل، هذه الصفات ~~التالية: ~~(1) # دماغ كبير يترجح تجويفه بين 1800 و2000 سنتيمتر مكعب، وهو الآن في المتوسط ~~نحو 1450 س. م في المتوسط، وسيصل الإنسان إلى هذه الحال بانتخاب صناعي تعنى به ~~المجتمعات البشرية القادمة؛ لأن زيادة الدماغ تعني زيادة الذكاء، وأكبر ما يعمل ~~لزيادة الذكاء وتكبير الدماغ هو زيادة المعارف البشرية التي ستتطلب زيادة ms138 في ~~خلايا الدماغ. ~~(2) # سيتسع حوض المرأة ويزداد كفلاها بذلك حجما؛ كي يمر الجنين (بعد زيادة رأسه) ~~دون عائق من ضيق الحوض. ~~(3) # زوال أصابع القدمين باشتباكها واكتسائها باللحم؛ لأنه لم تعد لنا أية منفعة ~~منها، وهذا بالطبع بعد زوال الأظافر الذي ابتدأ منذ الآن. ~~(إنسان المستقبل = رأس ضخم، وزيادة في قوة ~~النظر وحدته، مع ضعف أو زوال الحواس الأخرى، وقامة قصيرة، وجسم ~~أملط متكتل قوي الفقار لحمل الرأس الضخم) ~~(4) # صغر الفكين، وزوال ضرس العقل، واندغام بعض الأسنان الأمامية مع صغر حجمها؛ ~~لأننا لن نحتاج إلا إلى أقل المضغ. ~~(5) # يزيد النقص في حواس الشم والسمع واللمس إلى ما يقارب الزوال، بل إن الشم قد ~~أوشك أن يزول منا، ولكن النظر يزداد قوة ودقة، وقد يبقى السمع حاسة أنيقة لنفهم ~~النغم واللحن. ~~(6) # يضمر البطن، وربما تزول المعدة والقولون؛ (أي المعى الكبير) ويبقى المعي ~~الصغير فقط للهضم؛ لأننا لن نحتاج إلى خزن الطعام أو نفايته؛ وكذلك سنقنع من ~~الطعام بالحجم الصغير والغذاء المركز. ~~(7) # سيزول الشعر عن أجسامنا بما في ذلك الرأس والوجه، فيصبح وجه الرجل أملط كوجه ~~المرأة، وكذلك جسمه، بل كذلك رأس المرأة سيخلو من الشعر، والصلع عندنا هو بداية ~~الخطة التطورية التي ستنتهي بالملط التام. ~~(8) # ستقصر القامة وتزداد فقرات العنق والظهر متانة، وكذلك عظام الصدر والكتفين؛ ~~لكي تحمل الرأس الكبير. ~~(9) # ربما يكون التفاهم بين الأشخاص بلغة تلقائية غير منطوقة في الأكثر إلى جنب ~~اللغة المنطوقة في الأقل. # | تشارلس داروين # تعزى نظرية التطور إلى داروين، حتى إنها كانت تسمى إلى وقت قريب «الداروينية» كأنها مذهب ~~ديني ينتسب إلى إمام معين، ومن حق القارئ أن يعرف شيئا عن ترجمة هذا المفكر العظيم؛ لأنه ~~لا يمكن مؤلفا أن ينفصل من مؤلفاته؛ إذ هي تصطبغ وفق مزاجه وذكائه، وقبل كل ذلك وفق ~~العوامل الثقافية التي تعاصره. # ينتسب تشارلس داروين إلى أسرة اشتهرت بالذكاء؛ فإن جده لأبيه هو «أرازموس» الذي عالج ~~نظرية التطور بالذات، وحاول أن يصل إلى حل لعقدتها؛ أي أصل الأنواع، وله مؤلفات في النبات؛ ms139 ~~مثل «معبد الطبيعة» و«الحديقة اليونانية»، وكلاهما يتسم بالنظرة الشاملة والنزعة التعميمية ~~اللتين تبرزان في مؤلفات حفيده. # أما جده لأمه فهو «ويدجود» الخزاف العظيم الذي لا تزال مصنوعاته من الأطباق والزهريات ~~تباع تحفا غالية يقتنيها الأثرياء للفخر، ويعرضونها في مناظرهم للضيوف. # ومن هذين الجدين يعرف القارئ أن التراث الذهني الذي ورثه داروين من عائلتي أبيه وأمه ~~لم يكن مما يستهان به. # وولد داروين في 1809، وحصل على التعليم المألوف في مدارس الطبقة المتوسطة، ثم التحق ~~بجامعة أدنبره كي يخرج طبيبا، ولكنه بعد سنتين كف عن التحصيل؛ نفورا من الطب، ثم انتقل ~~إلى جامعة كمبردج كي يخرج قسيسا، ثم كف أيضا عن التحصيل، وكان طيلة أيامه في هاتين ~~الجامعتين متعلقا بهوايته التي صارت بعد ذلك رسالة حياته وغاية وجوده في هذه الدنيا، وهي ~~دراسة الحيوان والنبات. # ولم يكن «العلم» بمعناه العصري مما يدرس في هاتين الجامعتين، ولم تكن له شهادة دراسية؛ ~~ولذلك حصل داروين على دبلوم الآداب، بكلوريوس ثم ماجستير في الأدب. # ومن هنا نفهم أن داروين لم ينتفع بتاتا بالجامعة، وتخبطه بين الطب والكهانة يدل على ~~تبلبل ذهنه وتسكعه في الثقافة، كما نفهم أنه لم يكن لهاتين الجامعتين أي فضل في اهتدائه إلى ~~نظرية التطور، وكل ما يذكره داروين أنه عرف «الأستاذ هنسلو» في الجامعة، وأنه كان يسدده ~~ويرشده في جمع الحشرات والنباتات النادرة، ويذكر زملاء داروين في شبابه أنه كان مغرما بجمع ~~الحشرات، وكان يخرج في رحلات خاصة يبحث فيها عن النباتات الغريبة في البحر واليابسة. # وحدث في 1831 أن أعدت الحكومة البريطانية سفينة لارتياد المياه المحيطة بأمريكا الجنوبية؛ ~~كي تسبر أعماقها وتدرس تياراتها مع الوقوف على أحوال الجزر في المحيط الهادي، وكان اندفاعها ~~في الاستعمار والاستيلاء على الأقطار المتخلفة، وعلى الأسواق، يحملانها على العناية بدرس ~~البحار وتكبير أسطوليها التجاري والحربي، وكانت السفينة في حاجة إلى شخص على دراية بما كان ~~يسمى «التاريخ الطبيعي»؛ أي القليل من المعارف الخاصة بالنبات والحيوان والتغيرات الأرضية، ~~فسعى داروين كي تختاره الحكومة لهذا الغرض، وحصل ms140 على توصية من الأستاذ هنسلو. ~~(تشارلس داروين في شبابه حين سافر على السفينة ~~البيجل إلى أمريكا الجنوبية) # وقد كتب داروين بعد ذلك تفاصيل هذه الرحلة التي رأى فيها الفويجيين المتوحشين في أمريكا ~~الجنوبية، كما رأى السلاحف العظيمة والنباتات الغريبة - في كتاب مستقل نجد فيه تجرثم ~~الفكرة التي كانت رسالة حياته بعد ذلك في تفسير نظرية التطور وتعميمها في العالم المتمدن، ~~وهذا الكتاب يحوي معارف نادرة كثيرة، كما يدل القارئ على عناية داروين بالتفاصيل. # ولما عاد إلى لندن أخذ في ترتيب أوراقه، وكان من وقت لآخر يلقي محاضرات في الجمعيات ~~العلمية في شأن الأحياء الغريبة التي لقيها في رحلته. # وتزوج ابنة عمه، وبقي في لندن سنوات قليلة، ثم رحل إلى قرية داون، وهي تبعد بضعة أميال ~~عن لندن، وتمتاز بالبيئة الريفية التي يحتاج إليها؛ أي السكون للدراسة أولا، وقلة الاختلاط ~~الاجتماعي الذي يفسد عزلة الكاتب المفكر ثانيا. وهذا إلى وفرة النباتات والحشرات والطيور ~~والدواجن، وكان قد ورث ثروة من والديه تغل له دخلا متوسطا يكفي المعيشة المعتدلة فوق ~~الحاجة ودون الترف. # وهنا استقر وشرع يؤلف، وأخرج كتابه العظيم «أصل الأنواع» في 1855، فارتجت الدنيا به ~~كما لو كان قنبلة قد انفجرت وأسمعت الجامعات التي كانت تدرس الآداب، بل الغيبيات الخرافية ~~والتي كان كثير من مدرسيها دكاترة في الإلهيات يعتقدون أن أسطورة آدم وحواء تكفي لتفسير ~~الخلق، وقوبل الكتاب من الأكثرين بثورة من الغضب والحنق والاشمئزاز والنفور والسخرية، وقوبل ~~من الأقلين بالرضى والتعقل. # ولم تمض سنوات حتى كان قد أعيد طبعه وترجم إلى أكثر من عشر لغات متمدنة، وكان هذا ~~الكتاب جرثومة لتفكير توجيهي جديد، ليس في النبات والحيوان فقط، بل في الاجتماع والاقتصاد ~~والدين والسياسة، وكان داروين في هذا الكتاب متحفظا مستحيا، ولكنه تجرأ بعد المجادلات، ~~التي وصلت أحيانا إلى السباب، على أن يؤلف كتابا آخر هو «أصل الإنسان»، وموضوعه أننا ~~والقردة من أرومة واحدة. # وفي 1872 ألف كتابا آخر، هو «التعبير العاطفي» في الحيوان، ثم ألف في 1875 كتاب ~~«النباتات التي ms141 تأكل الحشرات»، وهذا غير رسائل عديدة موجزة أو مفصلة عن موضوعات نباتية أو ~~حيوانية. # وبقيت مجلة «بنش» الفكاهية سنوات وهي تستمد من نظرية التطور، ومن داروين نفسه، موضوعا ~~أسبوعيا للفكاهة، ولكن فكاهتها كانت خالية من السخرية، مقصورة على الدعابة، كما ترى من ~~هذه الأبيات التي كتبتها في 1871، وفيها تصف أسلافنا كما صورهم داروين: # They slept in a wood, # On Wherever they could, # For they didn’t know how to make beds; # They hadn’t got hnts, # They dined upon nuts, # Which they cracked upon each other’s; # They hadn’t much scope, # For a comb, brush or soap, # Or towels or kettle at fire; # They had no coats nor capes, # For n’er did these apes, # Invent what they didn’t require. ~~••• # From these though descended, # Our manners are mended, # Though, still we can grin and backbite; # We cut up each other, # Be he friend or brother, # And tails are the fashion - at night; # This origination, # In all speculation, # We gamble in various shapes; # So Mr. Darwin # May speculate in # Our ancestors having been apes. # والناظم هنا يتهكم بالمتمدنين كما يتهكم بداروين، ولا نحتاج إلى ترجمة هذه الأبيات ؛ ~~لأنها سهلة مفهومة، كما أنها في الترجمة تفقد لذعتها. # وكان داروين مديد القامة يبلغ 180 سنتيمترا، وكان من الطراز الذي نسميه في عصرنا ~~انبساطيا؛ أي كان وجهه مستديرا، قد بكر الصلع في رأسه، وكان سيئ الهضم كثير الشكوى، ~~يحتاج إلى عناية خاصة في تهيئة الطعام، ولعله انتفع بهذا المرض الذي أكسبه عادات السكون ~~والتأمل. # وكان يعرف في القرية باسم «الدكتور»، لا يجهله أحد من سكانها الذين كانوا يحبونه ~~ويحترمونه، وكان يخرج عصاري كل يوم على جواده للنزهة ومعه كلبه، ولما مات الجواد لم يشتر ~~غيره، وصار يكتفي بالسير في الطرق المتنحية بين الحقول، ولم يكن يشرب الخمر ولكنه كان يدمن ~~التدخين، حتى كان يضع علبة الدخان خارج الغرفة كي يجد من بعدها عنه مثبطا عن الإدمان، ~~وكان يستيقظ ms142 في السادسة من الصباح وينام في العاشرة مساء. # وقد أنجب سبعة أولاد مات منهم في الطفولة والصبا اثنان، أما الخمسة فقد نشأوا نشأة حسنة ~~ونجحوا في الحياة، وفي السنوات العشر الأخيرة من عمره قبل وفاته في 1882 كانت داره محجا ~~للعلماء، يفدون إليه من القارات الخمس. # هذا هو الرجل الذي أكسبنا تصورا جديدا للحياة، ونقل التفكير البشري من النظر الغيبي ~~الخرافي للكائنات الحية إلى النظر المادي الواقعي. # وفي فرنسا يعطى لتلاميذ المدارس الثانوية كتاب «براون سيكار» عن الغدد الصم للمطالعة ~~والدارسة، وهو في ميدانه لا يقل في القيمة البذرية للتغيير الثقافي عن «أصل الأنواع» ~~لداروين أو يقاربه، ولكن داروين وبراون سيكار لا تحبهما وزارة المعارف المصرية، وتؤثر ~~عليهما الماوردي وابن المقفع ونكات العباسيين وأشعارهم في الهجاء والمديح، وهذا أحد الأسباب ~~التي تمنع تغيرنا؛ أي تطورنا، وتبقينا أمة شرقية تتعلق بالتقاليد والخرافات، وتكره ~~الابتكار والابتداع. ms143