######OpenITI# #META# URI: 1377SalamaMusa.NushuFikratAllah.Hindawi37164035 #META# Tags: philosophy #META# ID: 37164035 #META# Title: نشوء فكرة الله #META# AuthorID: 40515160 #META# Author: سلامة موسى #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # المقدمة‏ # نشوء فكرة الله‏ # المقدمة‏ # نشوء فكرة الله‏ # | نشوء فكرة الله # | نشوء فكرة الله # تأليف # سلامة موسى # | المقدمة # إن هذا الكتاب يبحث في الدرجات التي تدرج فيها الإنسان إلى التوحيد الحاضر وكيفية وصوله ~~إلى معرفة الله. وليس موضوعنا البحث في صحة الاعتقادات الدينية الحاضرة أو خطئها وإنما نبحث ~~عن مجرد تاريخها وتسلسلها من العقائد الوثنية القديمة. وسيكون أمامنا في بحثنا ثلاث نقاط ~~يجب اعتبارها ثلاثة أركان مهمة للموضوع: # النقطة الأولى: # هي البحث عن أصل الاعتقاد بالآلهة مطلقا. # النقطة الثانية: # هي البحث عن أصل الاعتقاد بإله واحد. # النقطة الثالثة: # هي البحث عن أصل المسيحية. # وبحثي في هذا الموضوع علمي بعيد عن شائبة الغرض وآمل أن القارئ لا ينظر إليه إلا من هذه ~~الوجهة العلمية أيضا. # | نشوء فكرة الله # (1) المسيحية كمقياس ديني # إذا أخذنا المسيحية كنموذج للأديان واعتبرنا نشوءها نجد أن كل ما فيها من العقائد ~~والمراسم مأخوذ من الأديان السابقة لها التي كانت فاشية عند ظهورها. فإله المسيحية - ~~المسيح - كان إنسانا كما كانت كل الآلهة القديمة عند أول ظهورها. وقد اعتبره المسيحيون ~~الأولون ابنا لإله تنزيها له عن الإنسانية كما فعل اليونانيون مع إسكندر المقدوني. ~~وتجد في المسيحية ما يسمى «بالثالوث الأقدس» وهو عبارة عن إدماج ثلاثة آلهة وهم الأب ~~والابن والروح القدس في إله واحد على مثال ما كان يعتقد المصريون في الثالوث الإلهي ~~المكون من أوزيريس وإيسيس وهوريس. والمسيحيون يعتقدون أن أم المسيح عذراء. ولا بد أن ~~هذا الاعتقاد قد تسلسل من الاعتقاد المصري القديم الذي كان قائما على اعتقاد البكارة ~~في إيسيس أم هوريس. وكذلك ترى إذا بحثت عن الأصل في مراسم المسيحية كالصليب والقبر ~~والكنيسة والهيكل أنها مأخوذة من الأديان المصرية القديمة. كما أن نظام القربان ~~والكهنوت مأخوذ منها أيضا. ~~(2) الأديان والأساطير # الدين عبارة عن قوة خارقة لنواميس الطبيعة يحترمها الإنسان ويعبدها. # وأبسط أشكال الديانات الحاضرة عند المتوحشين لا تحتوي على أكثر من بعض طقوس يقصد بها ~~احترام أشخاص الموتى. فهم لا يميزون بين روح الميت وبين ms01 الله الخالق بل يعبرون عن ~~الاثنين بكلمة واحدة. فبعض قبائل الكومبامه في أفريقيا يعبدون روح الميت في موضع بالمحل ~~الذي كان يقيم فيه صاحب الروح قبل موته وإذا كان الميت عظيما اعتقدوا أن روحه سكنت ~~جبلا أو سحابة حتى إذا مرت بهم عبدوه واستمطروه. وهم يسترضون الروح بقربان يقدمونه على ~~قبره. ومن هنا تعرف أصل القربان وأصل الصلاة. فالقربان يقدم اعتقادا بأن الروح تجوع ~~وتطلب طعاما والصلاة تقدم استجلابا للأمطار أو استنصارا بالآلهة على الأعداء. وقد ~~قيل إن الأديان نبتت من الأساطير - أي مجموعة الخرافات التي تتجمع عادة حول كل دين. ~~ولكن هذا خطأ؛ لأن الأساطير مجرد قصص مبالغ فيها وحكايات حكيت عن الأشخاص الذين ماتوا ~~وعبدت أرواحهم وهي ليست أصيلة ولازمة في الدين؛ لأن الفرد من هذه القبيلة التي ذكرناها ~~قد يعبد أباه ولا ينسب إليه أعمالا خارقة للعادة يتعلل بها في عبادته لروحه، بل يعبده ~~لمجرد موته ليس إلا. وقد يشتهر شخص في حياته بفروسيته وشجاعته فإذا مات لم تقتصر ~~عبادته على عائلته بل تمتد إلى كل أفراد القبيلة ويعتبرون روحه بذلك رئيسة للأرواح ~~الأخرى. # هذا هو أصل الأديان كلها: يعبد الإنسان أباه أو جده المائت ويسترضيه بالأدعية ~~(الصلاة) والطعام (القربان) فإذا اشتهر ميت عبدته القبيلة كلها وصار إلها عموميا. ~~وما الأساطير التي تتجمع حول اسمه وتحكى عنه إلا أعمال كبيرة قام بها في حياته وكبرتها ~~المخيلة في الإنسان فبالغ في حكايتها. والإنسان ميال بطبيعته للمبالغة حبا في إتيان ~~الغريب الخارق للعادة لما في ذلك من تمييز الحاكي على أقرانه وإذا تدوولت هذه الأساطير ~~وكثرت حفظها الحفاظ واحترفوها وصاروا بذلك كهنة الدين وأئمته وصارت الأساطير كتب الدين ~~المقدسة. ~~(3) حياة الموتى # كثيرون من المتوحشين لا ينظرون إلى الموت كأنه حالة طبيعية لا بد من حصولها للإنسان. ~~والسبب في ذلك أن الموت الطبيعي لا يكاد يوجد عندهم؛ فإنهم أكثر ما يموتون قتلا ~~أو جوعا أو عطشا أو تقطيعا أو غير ذلك. لهذا السبب تجدهم ينسبون الموت الذي لا ~~يمكنهم تعليله ms02 بما ذكرناه للقوى السحرية المجهولة، وكثيرون منهم أيضا لا يميزون بين ~~الموت الصحيح والإغماء الوقتي. فإذا ما غاب أحدهم عن الحس وانقطع نفسه استرضوا روحه ~~بالرقى وبالأدعية ورغبوها في الرجوع وقد يعود الشخص المغمى عليه إلى الحياة فيلحظون من ~~ذلك أن الروح والجسم شيئان منفصلان. ولما كان التنفس ينقطع في حالتي الإغماء والموت صار ~~«التنفس» بمعنى الروح عندهم كما كان عند أكثر الأمم كالعرب واليونان. # فإذا مات أحدهم اعتقدوا أن روحه سترجع إليه حتما واجتهدوا في حفظ جسمه بالتحنيط ~~وتقديم الطعام إليه، ومما ساعدهم على الاعتقاد بحياة الموتى كثرة الأحلام التي يرون ~~فيها أشخاص المائتين. فإن أسهل وأقرب تفسير لهذه المظاهر الطبيعية هو طبعا الاعتقاد ~~بوجود روح حية تجول بين أصدقاء الشخص المتوفى الذي كانت تسكن جسمه في حياته وقد انفصلت ~~عنه في مماته. # هذا هو أصل الاعتقاد بوجود الأرواح. فإن ~~الإنسان الأول ظن أنه كما ينقطع نفس الإنسان وقت الإغماء ثم يعود إليه عند الإفاقة ~~كذلك تعود الروح إلى الجسم بعد الموت. وهذا هو البعث. وما كان تقديم الطعام للميت ~~وتقديم ألبسته وأسلحته إليه إلا لتهيئته لاستقبال الروح ولم تنشأ عادة حرق الموتى إلا ~~بعد أن ارتقى الإنسان من فكرة البعث إلى فكرة خلود الروح مستقلة عن الجسد منفصلة عنه ~~انفصالا تاما لا يؤثر فيها مطلقا حرق الجسم. # وقد نشأت عادة الحرق هذه من الخوف من الموتى ورجوع أرواحهم إلى الأحياء لمعاكستهم ~~والإضرار بهم. وقد يرى القارئ تناقضا بين عادة حرق الموتى خوفا منهم وتقديم الطعام ~~إليهم حبا فيهم. وسنبين في فصل تال السبب في هذا التناقض غير أنا نثبت الآن حقيقة ~~الخوف من أشخاص الموتى وأرواحهم بدليل القيود التي يقيد بها الشخص عند موته أو بتر ~~أعضائه أو دفنه تحت ركامات الأحجار حتى لا يقوى على التحرك. وهي عادات فاشية الآن بين ~~المتوحشين، والحرق وسيلة راقية من وسائل تعجيز الميت عن معاكسة الأحياء. وقد أدت عادة ~~حرق الموتى إلى اعتقاد انفصال الروح عن الجسم انفصالا تاما، وتكون في ms03 مخيلة ~~الإنسان ما يسمى «بالعالم» الثاني الروحي الخيالي. وأصبح الناس بتوالي الزمن وتقدم ~~الفكر يعتقدون أن الحرق يسهل للروح الخروج من الجسد والانفكاك منه كأنها كانت مقيدة ~~به في حياته. وقد أدت عادة الحرق هذه أيضا إلى توهم الروح جسما أثيريا خياليا حتى ~~إنهم كانوا يحرقون مملوكات المتوفى اعتقادا بأن الروح لا تحتاج في عالمها الثاني ~~الخيالي إلى مادة ما. ~~(4) أصل الآلهة # قد رأينا أن متوحشي أفريقيا يعبدون موتاهم وأن القبيلة كلها تعبد أب رئيس القبيلة ~~كأنه رئيس الموتى كما أن ابنه العائش رئيس الأحياء. وما زال الصينيون يعبدون أسلافهم ~~إلى الآن ولا يعترفون بوجود خالق ما غيرهم. وقد كان الإنسان ~~في البدء يعبد الجسم الميت ذاته لعدم استطاعته معرفة ~~ما إذا كان ميتا أو حيا مغمى عليه. ثم ارتقى من ذلك إلى أن الموت إغماء طويل فعبد ~~الروح. وقد ساعد على جعل الروح إلها ثلاثة أشياء: # أولا: # المعابد، وهي في الأصل القبر حيث كان يقدم الطعام. # ثانيا: # الأصنام وهي في الأصل ذات الشخص المتوفى المحنط. ثم لما كان تحنيط ~~الجسم كله صعبا صاروا يستخرجون أحشاء الإنسان ويحشون جوفة بالجوامد ~~التي لا تتعفن كما كانوا يضعون خرزا وحجارة في مواضع العين حتى يحفظوا ~~صورة الوجه. ثم لما وجدوا أن التحنيط لا يحفظ الجسم تماما صاروا ~~يرسمون صورة المتوفى على غطاء التابوت أو ينحتون صنما على مثال الميت. ~~وليس أسهل من أن يصير الصنم الخصوصي صنما عموميا. # ثالثا: # الكهنة وهي الطائفة التي تعيش بخدمة الدين. وهي في الأصل رئيس ~~القبيلة نفسه، وهو ابن الروح الإله وجملة الخدم الذين يقدمون القربان ~~إلى الروح عند القبر؛ أي المعبد. ~~(5) الأحجار المقدسة # لم يجر الإنسان الأول المتوحش على أصول المنطق في اختيار عقائده. فإنما هي فكرة ~~خطرت بعمل ما فصارت عادة وتلتها فكرة أخرى في عصر آخر وناقضتها. فلم يرفض عادته القديمة ~~ويتبع الجديدة لأن تلك كان قد أعارها الزمن والتكرار ثوب القداسة وأصبح من الصعب ~~انتزاعه منها مع مناقضتها لأفكاره الحاضرة. # كان الإنسان الأول ms04 يعبد شخص الميت ويقدم له الطعام وربما حفظه في بيته ليتعبده. ولكنه ~~حينما تقدم وميز بين الجسم والروح ظهرت أمامه أشخاص الموتى بهيئة غريبة مخيفة ~~تستطيع أن تحيا في الليل وتقلق باله وتعاكسه. فاحتفر القبور يحبسها فيها وقيدها أو ~~بتر أعضاءها. ولكنه مع ذلك لم ينكف عن تقديم القربان للروح وعبادتها لأن الزمن كان قد ~~قدس هذه العادة عنده. # فأصبح يقدم الطعام على القبر. والقبر في ذلك الوقت كومة أحجار مرصوصة فوق الجثة. وليس ~~من البعيد منطقيا على الرجل الذي نما وترعرع وشب وهو يرى أمه تضع المأكولات على ~~الأحجار أن يقدس هذه الأحجار أيضا وأن يعتقد أن الروح موجودة بها. من هنا نشأت عادة ~~تقديس الأحجار. وقد قلنا قبلا إن الأصنام نشأت من تحنيط الشخص الميت أو تصويره. ونقول ~~الآن إنها قد تنشأ أيضا من أحجار القبر، فإن الذي يقدم الطعام للحجر يتصور له طبعا ~~جسما وبالتالي فما يأكل به. وعلى هذه الطريقة تنحت الأصنام وترتقي. وقد كان ~~اليونانيون في بدء تاريخهم يعبدون أحجارا مشوهة لا شكل لها ارتقت إلى أصنام جميلة ~~بتقادم الزمن. وقد كان مناة واللات حجرين يعبدهما العرب كما كان بعل صنم الفينيقيين ~~حجرا. وقد كان تقديس حجر الكعبة شديدا عند العرب «حتى إن النبي زعيم التوحيد اضطر أن ~~يدخله في دينه.» # ولما خرج اليهود من مصر حملوا معهم حجرا كانوا يعتقدون في قداسته وأنه منجيهم من ~~المصريين وهو أصل إلههم؛ فإنهم بارتقائهم جردوا هذا الحجر من مادته واعتبروه خالقا ~~للعالم كله. ~~(6) تقديس الأشياء الأخرى # لم يقدس الإنسان الأحجار فقط بل قدس أشياء أخرى أيضا بجانبها كالأشجار والآبار ~~والبحيرات. وكيفية تقديسه لها جرى على مثال تقديسه للأحجار. فإن الشجرة قد تنمو على قبر ~~المائت فيختلط على العابد أيهما يجب تقديسه فإذا ما عبد شجرة القبر مرة كبر في عينه ~~اعتبار الأشجار الأخرى وقدس بعضها، وكذا يفعل في الأشياء الأخرى. وقد كانت العرب تعبد ~~العزى وهي ثلاث نخلات. ~~(7) آلهة مصر # قد استخلصنا فيما سبق من الفصول جملة ms05 نظريات عن نشوء الأديان عموما. ولنأخذ مثالا ~~على صحة نظرياتنا بتطبيقها على الديانة المصرية. فإننا نرى أن الموميات - أجسام الأموات ~~المحنطة - كانت أول معبودات المصريين. ولم يكن للأمة إله عمومي تتحد على عبادته، بل كان ~~لكل قرية إلها خاصا أو ربة خاصة يعبدهما سكان القرية مستقلين في عبادتهما عن القرى ~~المجاورة لهم. ونرى أيضا أن الأصنام نشأت أولا على مثال الموميات التي كانت توضع معها ~~في تابوت واحد؛ أي كانت خصوصية في بدء اصطناعها لا يقدسها غير أهل الميت ثم عم ~~تقديسها بعد ذلك. ونجد أيضا أنهم صنعوا الأصنام على مثال الموميات لكي لا تضل الروح ~~إذا أرادت أن تتجسد ووجدت أن الجسم قد طرأ عليه طارئ وأفسده رغم تحنيطه. ونجد أيضا أن ~~الكاهن كان في أصل نشوئه خادما يخدم على قبر الميت. وقد وجد النقابون بعد ألفي سنة من ~~موت الملك خوفو رجلا كانت مهنته الخدمة على قبر خوفو، وكان يعيش بوقف أسسه هذا الملك ~~منذ ألفي سنة وتوارثته عائلة هذا الكاهن أبا عن جد. وإنا لنستدل على سبق عبادة أرواح ~~الأسلاف لعبادة الآلهة بندرة ذكر الآلهة وخموله في العصور الأولى ثم اشتهاره وعظم ~~أهميته في العصور المتأخرة. وإذا بحثنا أيضا عن أصل الإله أوزوريس، وهو أشهر آلهة مصر، ~~نجد أنه كان في أول نشوئه إلها صغيرا محليا في أبيدوس (العرابة) نرجح أنه كان جدا ~~من جدود حاكمها. فلما نبغ من هذه المدينة مينا أول ملوك مصر وضم إمارات مصر المتفرقة ~~إلى ملك واحد، عمم طبعا عبادة إله مدينته الخصوصي. وقد قال فلوطرخس المؤرخ إن قبر ~~أوزوريس في أبيدوس. ومن هذا يفهم أن هذا الإله العظيم لم يكن في أصله إلا شخصا كبيرا ~~ربما كان أميرا على أبيدوس في وقت ما، فلما توفي عبد روحه كل سكان إمارته وعمت ~~بعد ذلك هذه العبادة في جميع أنحاء القطر المصري. ~~(8) آلهة بني إسرائيل # كان اليهود قبل أن يصلوا إلى التوحيد يعبدون أصناما؛ أي تماثيل موتاهم، فكان لكل ~~عيلة صنم صغير هو ms06 في الأصل صورة فقيد من العيلة منحوتا على حجر صغير كانوا يتبركون به ~~ويقدسونه ولم تتلاش هذه العادة إلا مؤخرا عند تغلب التوحيد. # وكانوا يعبدون الأحجار كما كان يفعل العرب. وقد بينا السبب في عبادة الأحجار. ونقول ~~الآن إن بعض هذه الأحجار كان ينحت على هيئة أسطوانة مخروطة القمة كالمسلات إذا كان ~~المدفون رجلا أو على هيئة الأثداء إذا كان الشخص المدفون امرأة؛ أي إن الأحجار كانت ~~توضع في الأصل لتعريف الميت إذا كان ذكرا أو أنثى، وكان يرمز للذكر بعضو ~~التذكير. # فلما اكتسبت الأحجار سمة القداسة انتشرت هذه الأساطين وصار ينسب إليها القدرة على ~~إيجاد النسل للمرأة العاقر، فكان يضحي ويصلي لها. وقد كان عند اليهود كثير من هذه ~~الأحجار ولم يكن «بعل» إلا حجرا من هذه الأحجار آلهة اليهود (ولعل معنى الزواج العربي ~~الذي في هذه الكلمة مأخوذ من هذا المعنى العبراني القديم). # ولنقل الآن إن التوراة قد أقرت بوجود هذه الأحجار كما أقرت أيضا أبحاث النقابين. ~~ونريد أن نبين الآن أن إله العبرانيين «يهوه» الذي تغلب على كل الآلهة المعاصرة له ~~وتفرد بالألوهية دونها لم يكن في الحقيقة إلا حجرا من هذه الأحجار - أي أسطوانة ترمز ~~إلى الذكورة كان يراد بها الدلالة على جنس الشخص المتوفى ثم عم تقديسها عند اليهود. ~~والدليل على ذلك أن أنبياء التوراة الذين أرادوا أن يجردوا «يهوه» من كل مادة لم ~~يتمالكوا عن أن ينسبوا إليه بعض أشياء نمت بأصله. من ذلك أنهم كانوا يصفونه بأنه ~~«الصخرة القوية» وكانوا ينسبون إليه قوة إيجاد النسل للعواقر، وكادوا لا ينسبون إليه ~~قوة أخرى كأنه أخصائي في هذا الأمر. وفي الضحية التي كان اليهود يقدمونها له - وهي ~~الولد البكر - دلالة على وظيفته كأنهم كانوا يقولون «حيث إنه المنعم علينا بأولادنا ~~وفي يده حرماننا من النسل يجب أن نضحي له بكرنا.» وقد استعاضوا عن هذه الضحية فيما بعد ~~بقطع قلفة الذكر ورميها إليه. وهو عمل جدير بالالتفات للمعاني الملتفة حوله. وقد ضاعت ~~دلالة هذه العادة الآن ms07 وصار الأب «يختن» ابنه لغرض صحي أو ديني مجهول. ويهوه هذا هو ~~الله الذي عبده المسيحيون فيما بعد كما سنبين، وهو الحجر الذي خرج اليهود من مصر ~~به. ~~(9) ظهور التوحيد # كان الإسرائيليون يعبدون جملة آلهة لم يكن يهوه إلا واحدا منها، وسنبحث في هذا الفصل ~~عن الأسباب التي دعت إلى إفراد يهوه بالألوهية دون بقية الآلهة وكيفية نشوئه من ~~الأسطوانة الحجرية الحقيرة إلى الإله الأثيري المتجرد من كل صفة مادية. # من سمات العقل السامي خلطه في مميزات الآلهة وصفاتها وإشراك الواحد في صفات الآخر. ~~والباحث عن الآلهة المصرية يصعب عليه جدا التمييز بين الآلهة وتحديد كل واحد منها في ~~حدود مخصوصة. مثال ذلك أنها كلها قد اكتسبت بتقادم العهد صفة «را»؛ أي الشمس المؤلهة. ~~فكل الآلهة المصرية تتصف بأنها مبعث النور، مع أن هذه الصفة كانت تقتصر على «را» فقط. ~~وقد يكون هذا الخلط هو السبب في الاهتداء إلى الاعتقاد بإله واحد؛ لأن الآلهة إذا تساوت ~~في الصفات وضاعت مميزات الواحد عن الآخر فنيت شخصياتها في بعضها وأصبحت إلها واحدا ~~كثير الأسماء عديد الصفات. # وإذا بحثنا عن الأدوار التي ترقى فيها «يهوه» إله اليهود نجد أنه كان في الأصل ~~أسطوانة ترمز إلى الذكورة ثم صار عجلا، وبعد ذلك استغنى اليهود عن العجل وأبقوا ~~القرون، وما زالوا يرسمون القرون على الهياكل إلى ما بعد التوحيد. ثم اكتسب يهوه صفات ~~الشمس. وكان اليهود يعبدون معه سبعة آلهة أخرى هي السيارات السبعة. فلما ارتقوا إلى ~~التوحيد أفردوه بالألوهية وجعلوا السنة مقسمة إلى أسابيع، كل أسبوع منها سبعة أيام ~~مسماة على أسماء السيارات. وقد كانوا لا يشتغلون يوم السبت؛ خوفا من غضب أحد الآلهة ~~فلما تسيطر يهوه على الآلهة واستبد بالسلطة صاروا «يستريحون» في ذلك اليوم مجاراة ~~ليهوه الذي استراح فيه من خلق الدنيا. # وهناك ثلاثة أسباب ساعدت يهوه على التفرد بالألوهية والخروج من الحالة المادية إلى ~~الحالة الروحية: # السبب الأول: # هو أهمية وظيفته الأصلية للأمة اليهودية وعلو منزلته بذلك في عيون ~~اليهود. نريد ms08 بهذه الوظيفة تكثير النسل وتنميته، وهو عمل عظيم لأمة ~~صغيرة كاليهود محفوفة من كل جانب بأعداء أقوياء يجزون منها رجالها في ~~حروبهم المتتالية. فإن أعظم نعمة ينعم بها إله على أمته في مثل هذه ~~الظروف هي تكثير نسلهم. # السبب الثاني: # هو غيرة يهوه من كل إله آخر، حتى إنه حتم في الوصايا العشر عدم ~~عبادة أي إله آخر أمامه أو معه، وهذه صفة امتاز بها عن أقرانه الآلهة. ~~فطفق عبدته يتحاشون ذكر الآلهة الأخرى ويعتقدون بخطيئة من يعبد ~~سواه. # السبب الثالث: # هو كراهة الساميين الغريزية للأعمال الفنية؛ لأنهم خياليون بطبعهم ~~يميلون لتصور الأشياء لا لتحقيقها بأيديهم. فهم يكرهون بطبعهم عمل ~~التماثيل وإذا اصطنعوها لم يكن اصطناعهم لها فنيا جميلا يستهوي ~~القلوب ويستوقف الأنظار كتماثيل اليونان. ولما هجم البابليون على ~~أورشليم ودكوا هيكل يهوه وكسروا تمثاله صار اليهود يعبدونه إلها ~~مجردا من كل مادة. ~~(10) الإنسان المؤله # كثير من القبائل والأمم كقبائل أفريقيا وأمة الصين يعتبرون رئيس قبيلتهم أو ملكهم ~~إلها مقدسا قادرا على إتيان المعجزات. وتأليه الإنسان إنما يبنى على اعتقاد حلول ~~روح ما من الأرواح الخيالية في جسم الشخص المؤله؛ أي إن الروح تهبط وتتجسد في ذلك ~~الجسم وتتسيطر عليه بعدما تفقده شخصيته الأولى ويصبح آلة في يدها تفعل ما تشاء به. ~~وأصل هذا الاعتقاد هو غالبا مظاهر الصرع والجنون والأحلام، فإن الأشخاص الذين يصابون ~~بهذه العوارض يظهرون أمام أهلهم وقبيلتهم كأنهم «سكنوا» بروح غريبة؛ أي تجسدت بجسدهم ~~روح هي غير روحهم الأصلية. وما زال بعض العوام في مصر يتبرك بالأبله وينظر لهذيانه ~~كأنه وحي وولاية؛ أي إنهم يعتقدون بلهه آتيا عن حلول روح في جسمه يجب استرضاؤها. ~~والملك أو رئيس القبيلة أليق الناس بالتأله؛ لأن أسلافه أرباب القبيلة، وابن الإله إله ~~بالطبع. من هنا كانت ملوك مصر وما زال ملوك اليابان والصين آلهة تقدس وتعبد. # على أن هناك أمرا غريبا قد يلقي القارئ في حيرة لأول وهلة؛ نريد به قتل الآلهة. ~~فإن كثيرين من القبائل بل والأمم كانت في ms09 قديم الزمان وما زالت تقتل الإله الذي تعبده ~~وتسترضيه طول حياته بل وتقدسه بعد قتله. والسبب في ذلك خوف عبدته من حلول الشيخوخة ~~بمعبودهم؛ لأن للشيخوخة نقائص لا تتفق مع عظمة الألوهية. وأين الفم الأدرد واللعاب ~~السائل والصوت الخافت واليد الواجفة واكونداد الشيخوخة مما ينتظر من إله قوي قادر على ~~محق العالم ودك الجبال وتسيير السحب؟ فالقبيلة تقتل إلهها تبجيلا لمركزه ورفعة لمقامه ~~فهي تجدد لمن تختاره إلها عمرا - خمسة عشر أو اثنتي عشرة سنة - تقتله عند نهايته ~~تلافيا لظهور آثار الكبر أو انبثاق غرائز الشبوبية. على أن بعض القبائل بتقدمها ~~استنكرت قتل الملك واستعاضت عن ذلك بقتل أحد المجرمين أو بحرق صورته أو بإدماء الملك ~~لنفسه. كذا كان يفعل أتيس الملك والكاهن معا على مملكة فرجيا، كما كانت تحرق صورة ~~أدونيس الملك المؤله. وهاتان العادتان كانتا شائعتين وقت ظهور المسيحية. ~~(11) اصطناع الآلهة # قد رأينا مبلغ اعتقاد المتوحشين في قوة الأرواح وحقيقة العالم الثاني عندهم لدرجة أن ~~رئيس القبيلة فيهم قد يأتي بشخص ما ويقص عليه قصة ثم يخبره بأن يبلغها لوالده أو لغيره ~~المتوفى. وكيفية هذا التبليغ تكون دائما بقتل الشخص المبلغ. ومنطق هذا العمل عندهم أن ~~الروح مقيدة بالجسد فإذا قتل الشخص انفكت روحه وانطلقت إلى الأرواح الأخرى وبلغتها ~~القصة التي أخبرها بها رئيس القبيلة. # ومن هنا نشأ اصطناع الآلهة. فقد رأينا أن الإله يكون في الأصل روح رجل عظيم - ملك أو ~~رئيس أو أمير - مات وأصبحت روحه إلها بذلك. فإذا أرادت القبيلة تأسيس مدينة أو بناء ~~سور لم تنتظر موت عظيم وتستحمي روحه هذه المدينة أو ذاك السور بل تقتل على الفور رجلا ~~عظيما لتكون المدينة في كنف ورعاية روحه. وهذه العادة هي منشأ عادة قتل البشر تحت أسس ~~البيوت وغيرها من المباني العظيمة. فإن الغرض الأصلي منها كان إيجاد روح - إله - لكي ~~يعبده سكان القرية المستجدة. ولكن بتقادم الزمن تنوسي هذا الغرض وصاروا يقتلون الأشخاص ~~على الأسس حتى بعد انقراض الوثنية وظهور التوحيد. # وقد كانت عادة ms10 قتل الأشخاص لفك أرواحها شائعة شيوعا عظيما في الزمن القديم، وما ~~زالت شائعة بين المتوحشين، فإن بعض القبائل في غرب أفريقيا يقتلون جملة أشخاص عند بدء ~~القتال ليستنصروا أرواح هذه الأشخاص - التي صارت آلهة - على الأعداء. وكانوا عند بناء ~~سفينة يسفكون دما بشريا عليها، وما زال أثر هذه العادة باقيا عند الإنجليز الذين ~~يريقون كمية من النبيذ على السفينة قبل إنزالها إلى البحر. والنبيذ عند النصارى في ~~الكنائس يرمز إلى الدم. ~~(12) آلهة الزراعة # نرانا مضطرين هنا إلى الاستطراد إلى أصل الزراعة مطلقا؛ لأن المتوحش الذي كان يعيش ~~بصيد الأسماك والحيوانات واجتناء الأثمار البرية يصعب عليه جدا أن يعرف أن البذور ~~تنتج الشجيرات والمحاصيل كما نعرف نحن الآن؛ لأن الاعتقاد بنبت حبة القمح إلى سنبله هو ~~في قياسه تماما كالاعتقاد بنبت حمار من ذنبه. # لهذا نظن أن المتوحش اهتدى إلى الزراعة بواسطة القبور ومن هنا نشأت أيضا آلهة ~~الزراعة. فقد رأينا أن المتوحش يدفن مع الميت طعاما كالذي كان يأكله في حياته. كاللحم ~~والحبوب والأثمار. وعملية الحفر التي يحتاجها الدفن تفتت التربة، وبالتالي تهيئها لنبت ~~البذور. # فإذا ما دفن الميت اليوم لا تمضي عدة أيام حتى يرى أهله أن الزرع قد جلل قبره؛ ~~فيعللون ذلك بأن روحه قد رضت عنهم بما قدموه لها من الطعام وكافأتهم بهذه النباتات. ولا ~~يغب عن القارئ أن هذه النباتات تنمو قوية فوق القبر - أقوى من نباتات نوعها التي في ~~الغابة - لأن لحم الميت وطعامه يصيران سمادا لها، كما أن تفتيت التربة عند الحفر يزيل ~~الحشائش القديمة ويسهل تغذية النباتات. # لا نعجب بعد ذلك أن نرى المتوحش يعتقد في أن نبات القبر ليس إلا معجزة من معجزات روح ~~الميت. فالمزرعة هي في الحقيقة مقبرة. ولهذا السبب ما زال بعض قبائل أمريكا الجنوبية ~~الوطنيين يقتلون شخصا عند وقت بذر التقاوي؛ لأنهم بذلك يفكون روحه من جسمه لتكون إلها ~~ينمي الزرع. وقد رأينا منطق هذا العمل في الفصل السابق حيث كان يقتل شخص عند بناء قرية ~~جديدة لكي ms11 تكون روحه ربة القرية تحرسها وتبيد أعدائها. # فالإنسان اهتدى إلى الزراعة بواسطة الحبوب التي كان يضعها مع الميت اعتقادا بأنه ~~سيأكلها ونشأت آلهة الزراعة من اعتقاد أن روح الميت هي التي أخرجت الزرع وصار بالتالي ~~ضروريا لكل زرع من روح لكي تنبته. وهذه القبيلة التي ذكرناها في جنوب أمريكا إذا ~~قتلت شخصا عند بذر البذور قطعت جسمه نسائر وأعطت كل مزارع قطعة لكي يدفنها في أرضه؛ ~~وبذلك يضمن مجيء الروح إلى مزرعته وإنماء زرعها. ولعل حفلة «تبريك الحقول» التي يقوم ~~بها القساوسة في فرنسا حاملين «البرشانة» بين الحقول بقية أثرية من بقايا تلك العادة ~~القديمة؛ لأن البرشانة تمثل عند الكاثوليك جسد المسيح. وقد كان المصريون يذبحون شخصا ~~أشقر كل سنة لإنماء محاصيلهم، وكان غيرهم كالرومان يستعيضون عن ذبح البشر بذبح ~~الحيوانات كالقطط وغيرها لهذا الغرض عينه أيضا. وترى هذه العادة ممسوخة في بعض البلاد ~~الأوروبية حيث يستعيضون الآن عن الذبيحة البشرية أو الحيوانية بصورة بشرية يمزقونها ~~ويفرقون أجزائها بعد أن يزفوها في مهرجان بين الحقول. ~~(13) آلهة النبيذ والغلال # رأينا في الفصل السابق أن بعض القبائل كانت ولا زالت تذبح شخصا أو حيوانا عند وقت ~~بذر البذور من كل عام. والسبب في تكرار هذا العمل سنويا هو اعتقادهم أن روح الذبيحة ~~تتجسد في الزرع وتبعث في المحاصيل فإذا حصد الزارع زرعه من الأرض اعتقد أنه اقتلع الروح ~~أيضا من الأرض مع الزرع فهو لذلك يذبح ذبيحة أخرى عند بذر البذور الثانية لكي تقوم ~~روحها مقام الروح السابقة وتنمي المحصول الجديد. # وقد يكون بين هذه الذبائح البشرية من كان شخصه ومركزه عظيمين في حياته - وكلما كبر ~~مقام شخص في الدنيا كبر مقامه في العالم الآخر - فتعتبر روحه في مركز أعلى من مراكز ~~الأرواح الأخرى وربما ألهوها وخلدوا ذكرها بخلاف الأرواح الأخرى التي لا يزيد حد ~~عمرها عن عام واحد؛ أي مدة استواء المحصول فقط. ومن هنا نشأت الآلهة: ديونيس وأتيس ~~وأدونيس. # وقد كانت الذبائح تقدم لهذه الآلهة سنويا اعتبارا بأنها - الآلهة - تتجسد ms12 في ~~الذبيحة وتصير هي والذبيحة كائنا واحدا فيأخذ كل من المزارعين قطعة من الذبيحة ~~معتقدا أنها جزء من جسد الآلهة يدفنه في مزرعته لكي ينمي زرعه؛ ولهذا السبب كانت ~~الضحية التي تقدم لهذه الآلهة تسمى باسم الإله الذي تقدم له - ~~لأنه تجسد فيها - وكان المضحون يبكون على الضحية لأنهم إنما يذبحون فيها إلههم. ويجب ملاحظة ما قلناه ~~هنا لما سنقوله عن المسيحية. ~~(14) الضحية والدم # قد رأينا فيما سبق أن للضحية باعثين؛ الأول: هو الاعتقاد بأنها تقدم كطعام للروح ~~أو الإله. والثاني: هو الاعتقاد بأن الإله ذاته يتجسد فيها وتدفن أجزاؤها في الحقول ~~لكي تنمي الزروع. # إلى هنا لم نتكلم عن أكل الناس الأحياء للضحية. فقد رأينا الضحية تجزأ وتدفن في ~~الحقول باعتبار أنها إله، ورأينا القربان أيضا يوضع للميت اعتبارا بأنه سيجوع ويأكله. ~~وسنتكلم الآن عن أصل عادة أكل الناس للضحايا. # من الشائع بين عوام مصر أن من أكل قلب ذئب صار قويا مثل الذئب، ويعتقدون في الهند ~~أن من يأكل نمرا يصير شجاعا جريئا كالنمر. لهذا لما نشأت عادة ذبح الآلهة المتجسدة ~~في الضحية ورد على خواطر المضحين أن يأكلوا هم أيضا قطعة من جسم الإله حتى يصيروا مثله ~~في صفاته على نحو ما يفعل أكل الذئب والنمر. فصاروا يضعون جزءا من الضحية المؤلهة في ~~الأرض ويأكلون جزءا آخر منها. وهذا صيد العصفورين بحجر واحد: مباركة الحقل وتقوية ~~الجسم. كذا تفعل قبائل الغوند. وكذا أيضا كان يفعل المكسيكيون؛ فإنهم كانوا إذا أرادوا ~~التضحية قبضوا على أسير من أسرى حروبهم وعاملوه معاملة الملوك مدة عام يقتلونه باحتفال ~~عظيم في نهايته ويأكلونه. وبمضي الزمن ارتقى الإنسان من التضحية البشرية إلى التضحية ~~الحيوانية الحاضرة في أعياده. وفي طريقة الذبح عند العرب والعبرانيين الآن بقايا أثرية ~~من عوائد التضحية القديمة؛ فإنهم يذبحون الآن «باسم الله» ويتطلبون إراقة الدماء من ~~المذبوح والدم هو في العادة الجزء الذي يشتهيه الإله؛ لأنه - بخلاف اللحم - يجف فيظن ~~الرائي أن الإله قد شربه. # قلنا إن الإنسان كان يشرب ms13 دم الذبيحة أو يأكل لحمها اعتقادا بأنه يأكل ويشرب من لحم ~~الإله ودمه. وقد قلنا إنه كان يعتقد بأن روح الضحية روحا للإله تنحل من الذبيحة عند ~~الذبح وتنتشر في المحاصيل كالكروم والغلال. # من هنا نشأت عادة أخرى وهي أن يأكل المتدين خبزا أو يشرب نبيذا باعتقاد أنه يأكل من ~~لحم الإله ودمه؛ لأن روح الإله قد تجسدت في محاصيل الغلال والكروم. والخبز والنبيذ هو ~~ما يأخذه المسيحي من قسيسه باعتقاد أنه يأكل ويشرب من لحم المسيح ودمه. ~~(15) ضحية الافتداء # للضحية كما قلنا اعتباران عند المتوحشين: (1) أنها تقدم كطعام للروح أو للإله. ~~(2) أنها تقدم كأنها هي الإله ذاته. # وهناك نوع ثالث من الضحايا يقدم باعتبار أنه يفدي القبيلة أو الأمة من خطاياها. وقد ~~صلب المسيح لكي يفدي الناس من خطاياهم؛ أي لكي يكفر عن ذنوبهم. # والأصل في هذه الضحية هو الاعتقاد بإمكان نقل المرض من شخص لشخص أو لشيء لآخر. مثال ~~ذلك أن ملكا في بتشوانالاند أصيب مرة بمرض ما فأحضر ثورا وتليت عليه الرقيات وأغرق ~~بعد ذلك في النهر. ومنطق هذا العمل عندهم أن المرض قد انتقل إلى الثور وذهب معه بعيدا ~~عن الملك. ولا يزال عندنا - نحن المصريين - آثار باقية من هذا الاعتقاد في رقياتنا حيث ~~تزيل الرقية المرض وتلقيه بعيدا عن المريض بإلقائها بعض أشياء كانت تحرقها في النار ~~وقت الرقية. # وقد نشأ من اعتقاد إمكان نقل المرض اعتقاد إمكان نقل الخطيئة. مثال ذلك أن بعض قبائل ~~أفريقيا يقتل كل سنة شخصين رجلا وامرأة؛ لكي يكفرا عن خطايا القبيلة. يعتقدون أن ~~خطيئات القبيلة قد انتقلت إلى هذين الشخصين وأنهم بقتلهما يغسلون القبيلة من أدران ~~خطاياها ويبررونها أمام آلهتها، كما كان يقتل الأثينيون شخصا عند وفود وباء ما على ~~بلدهم اعتقادا بأن الوباء يموت بموته وينجي الأمة منه، وكما تذري الراقية قطعة الشب ~~التي أحرقتها في النار وقت الرقية اعتقادا بأنها حملت المرض معها وذهبت بعيدا عن ~~المريض. ~~(16) العالم قبل المسيح # كان العالم الذي انتشرت فيه المسيحية تابعا ms14 للدولة الرومانية عند بدء انتشار هذه ~~الديانة. وقد كانت هذه الدولة تشمل كل ممالك البحر المتوسط، ودرجت اللغة الرومانية على ~~ألسن التجار فقربت بين هذه الأمم وصبغتهم بالصبغة الرومانية. وقد بعثت التجارة على ~~المهاجرة والنزوح إلى المواني، فكانت الإسكندرية ورومية وأنطاكية ملأى بالسوريين ~~والرومانيين والإسبانيين وغيرهم من الجاليات التي هجرت مواطنها الأصلية، واستعمرت هذه ~~المواني للارتزاق. وقد أدى هذا إلى انتشار الأديان في أصقاع الإمبراطورية وخروجها من ~~أوطانها الأصلية، فكانت الآلهة المصرية تعبد في إنجلترا ورومية بسبب النزلاء المصريين، ~~كما كان يعبد الإله يهوه في الإسكندرية ومرسيليا بواسطة اليهود. وقد كانت بعض هذه ~~الآلهة تتحد في الصفات فيعبدها الناس وإن كانت أجنبية عنهم إلا أنها تتفق في صفاتها مع ~~أحد آلهتهم. أو كانت الظروف تقتضي عبادة الآلهة الغريبة كما حدث مع البطالسة، فإنهم ~~حينما تولوا حكم مصر عبدوا الآلهة المصرية مع أنهم كانوا يونانيين. وقبيل ظهور المسيحية ~~كانت الأديان الوثنية قد ضعفت أمام الفلاسفة وحصل بذلك اشتياق في النفوس للتوحيد ~~اليهودي. ولو لم يكن يهوه إله اليهود وطنيا متعصبا في ألوهيته يكاد لا يعترف بأمة ~~حقيقية بالجنة غير اليهود لعمت عبادته. لهذا تحول الناس إلى العبادة المسيحية؛ ~~لأنها في الحقيقة عبادة الآلهة كلها، لأن المسيحية اشتقت مناسكها وسننها ومراسمها من ~~آلهة مصر وسوريا ورومية وفرنسا وإنجلترا وغيرها، فكانت كل الأمم تعرف شيئا عنها وتعتقد ~~بصحة بعض سننها وأساطيرها. ومما زاد في الإقبال عليها سهولة طريقة التدين بها وصعوبته ~~عند اليهود. ~~(17) نمو المسيحية # إنا نشك في أن المسيح كان إنسانا موجودا. على أننا إذا صدقنا رواية وجوده كشخص ما ~~فإنما نعتقد ذلك باعتبار أنه وجد وقتل كضحية مؤلهة. وهي الضحية التي قلنا إنها كانت ~~تقدم لآلهة الغلال والنبيذ. فقد كان السوريون المجاورون لليهود يعبدون أتيس إله الغلال، ~~وكان من عادتهم أن يقدموا له ضحية سنوية. ولعل الإشاعة التي فشت بعد ظهور المسيحية عن ~~ذبح اليهود للأطفال قد نشأت عن هذه التضحية. وعندنا سبعة أشياء ترجح أن المسيح كان ~~ضحية مؤلهة. وهي ms15 : ~~(1) # إذا فحصت عظات بولس في رسائله إلى القورنثيين تجده يصف المسيح كأنه يصف ~~أحد آلهة الغلال تماما. ~~(2) # أكل تلاميذ المسيح وكل المسيحيين الآن الخبز والنبيذ باعتبار أنهما من ~~جسد المسيح ودمه. وهذا ما كان يفعله تماما عبدة أدونيس وأتيس إلهي الغلال؛ ~~لأن الإله يتجسد في المحصولات. ~~(3) # قول المسيح «أنا خبز الحياة.» «خذوا، كلوا من دمي.» وقد وصفوه بأنه قمحي ~~الوجه وأن شعره كلون النبيذ. ~~(4) # أنه دخل أورشليم بهيئة ملك مثل ضحايا أتيس وأدونيس؛ لأن الاعتقاد كان ~~فاشيا بأن هذين الإلهين يتجسدان في الضحية التي تقدم لهما فيجب إذن ~~إكرامهما ما داما على قيد الحياة. وقد جاء في الإنجيل أنهم وهم يقتلون ~~المسيح ركعوا وهذا يماثل ما كان يفعله كهنة أتيس بالضحايا. ~~(5) # ولما دخل المسيح أورشليم كان ممتطيا حمارا وقد نثرت أغصان الأشجار على ~~الأرض وهو عين ما كانوا يفعلونه مع ضحية أتيس. وما زال في «أحد الزعف» الذي ~~يسبق العيد الكبير عند النصارى بقية من بقايا أعياد آلهة الغلال. ~~(6) # لما قتل المسيح بكت عليه النساء، مثلما كان يحدث في ضحايا أتيس؛ لأنهم ~~كانوا يعتقدون بأن الإله يتجسد فيها، وبالتالي يبكون عليه لأنهم ~~قتلوه. ~~(7) # بعثه بعد ثلاثة أيام، مثل أتيس وأدونيس بالضبط، فالمسيح قتل لغرضين: أنه ~~ضحية مؤلهة، ولكي يفدي الشعب من خطاياه (وقد عرفنا أصل ومعنى ~~الفداء). # أما الثالوث فقد جاء للمسيحية من مصر، ونشأ أولا عند الأقباط لأن أديانهم الوثنية ~~السابقة كانت تحتم هذا الاعتقاد. # أما الصليب فقد أتى أيضا من مصر وتراه للآن على الجعلان. وقد اختلط الموضوع على ~~بطريرك مصري مرة فقال في أحد كتبه عن المسيح إنه «جعل الله»؛ أي إنه ظن الصليب والمسيح ~~شيئا واحدا لأن الجعل كان يرسم عليه الصلب. ~~(18) بقايا أثرية في المسيحية # ما زال المسيحيون للآن يعبدون الموتى. وقد كانت الكنائس عند أول تشييدها قبورا ليس ~~إلا. ومركز القديس الآن بين النصارى وقيمته عندهم كمركز رئيس القبيلة المتوفى بين ~~قبيلته بالضبط؛ لأن النصراني يحترم القديس ويتهيبه ويتقرب منه كأنه يعبده عبادة ولو ms16 ~~أنكر ذلك. وقد كانت القرون الوسطى العصر الذهبي لعبادة الموتى والأرواح؛ فإنهم كانوا لا ~~يبنون كنيسة إلا إذا أحضروا لها شهيدا أو قديسا دفنوه في هيكلها. وقد تفانوا في هذا ~~العمل حتى إن البندقيين نقلوا جثة مرقس الرسول من الإسكندرية إلى البندقية لكي يضعوها ~~في الكنيسة المسماة باسمه هناك. # ودين الإسلام التوحيدي العظيم لم يتمالك عن تقديس الموتى واعتبارهم. فالمسلمون ما ~~زالوا للآن يتمسحون بقبور الأولياء ويتبركون بها ويبنون لهم - للأولياء - المساجد ~~على قبورهم. # نريد بذلك أن الإنسان الذي تشبع بالتوحيد ما زال يحن إلى ميوله الوحشية وتبعثه ~~غريزة التدين الأصلية إلى العبادة الأولى: عبادة الجثث والأرواح. # وترى للآن عند المسلمين أثرا من آثار العبادات القديمة في مشهد قتل الحسين حيث ~~يمثلون قتل الحسين ويسيرون به في الشوارع باكين ومترحمين عليه كما كان يفعل السوريون في ~~البكاء على أدونيس سنويا. ~~(19) الخاتمة # أقول بالاختصار إني أعتقد بأن عبادة الجثث هي أصل لكل العبادات الحاضرة. وأعتقد ~~أيضا أن الأرواح هي أصل الآلهة الحاضرة. ولكني مع ذلك لا أجزم بصحة استنتاجاتي، وقد ~~يأتي البحث بعكسها في المستقبل. غير أني أقول إن الشواهد التي أتيت بها إثباتا ~~لنظرياتي هي جزء صغير من مجموعة الشواهد التي عندي، والتي تحاشيت ذكرها منعا ~~للتطويل. ms17