######OpenITI# #META# URI: 1377SalamaMusa.QisasMukhtalifa.Hindawi14642863 #META# Tags: novels #META# ID: 14642863 #META# Title: قصص مختلفة #META# AuthorID: 40515160 #META# Author: سلامة موسى #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # المقدمة‏ # أولاد حواء‏ # الطريق من الأرض للسماء‏ # قيمة الحياة‏ # في الأدب الياباني‏ # تاغورى‏ # قصة البحار المصري‏ # في المدينة الخاطئة‏ # مذكرات مكسيم جوركي‏ # قصة الكافر‏ # في أدب الزنوج‏ # لمحة في الأدب الروسي‏ # كيف صار المالك أجيرا‏ # المقدمة‏ # أولاد حواء‏ # الطريق من الأرض للسماء‏ # قيمة الحياة‏ # في الأدب الياباني‏ # تاغورى‏ # قصة البحار المصري‏ # في المدينة الخاطئة‏ # مذكرات مكسيم جوركي‏ # قصة الكافر‏ # في أدب الزنوج‏ # لمحة في الأدب الروسي‏ # كيف صار المالك أجيرا‏ # | قصص مختلفة # | قصص مختلفة # | مجموعة قصص مثالية حديثة لأمم مختلفة # تأليف # سلامة موسي # | المقدمة # هذه القصص كنت قد تخيرتها من آداب الأمم المختلفة؛ لكى أجعل منها مثالا طرازيا، وقد ~~جمعتها في هذا السفر مع مقدمات صغيرة إيضاحية، يجد فيها القارئ لذة وفائدة. # والقليل من هذه القصص مؤلف والكثير منها مترجم. # | أولاد حواء # للكاتب الإسباني إيبانيز # كانت قدر الرز موضوعة فوق النار، وقد التف حولها الحصادون عند الغروب بعدما انتهوا من ~~شغلهم، وكانوا جالسين في المطبخ والسكوت يشملهم، لا يسمع بينهم سوى صوت الشيخ كورا كولا، ~~وأزيز القدر. # وكان كورا كولا رجلا مسنا نحيفا يحسب الناظر إليه كأن صدره العاري حصير؛ لكثرة ما نبت ~~فيه من الشعر الأشمط. # وكانت النار تسطع على وجوه الحصادين التي لفحتها شمس الجنوب حتى لتظهر كأنها سوداء، ~~وكان سهك العرق يخرج من أجسامهم حاذيا، فيتشبع منه هواء المطبخ، وكانت النجوم تظهر من باب ~~المطبخ واحدة بعد أخرى كلما تقدم الغسق، وكانت غبشة الغسق قد غمرت الأراضي، وكان بعضها قد ~~حصد والبعض لم يحصد بعد، وهبت على الحصادين رياح ساخنة من الأرض الحصيدة، وماجت أغصان ~~الحنطة تحت هفيف نسيم الليل. # فتململ كورا كولا في مقعده يشكو من آلام في عظامه، ثم قال: «ما أشق هذا العيش، ولكن هذا ~~هو الحظ، هذا حظنا لا مفر منه، فإنه لا بد للعالم من أغنياء وفقراء، وعلى الفقير الذي يولد ~~للآلام أن يتعودها، نعم يا أولادي، هل سمعتم قصة حواء وغلطتها، فإنها هي السبب في هذا ~~البلاء الذي نقاسيه الآن». # رأى ms01 من الحاضرين قبولا لكلامه، فانساب في حديثه البلنسي يقص عليهم قصة البلية التي ~~أورثتها حواء أم البشر للفقراء. # فإن آدم لما أطاع حواء وطرده الله من الفردوس لعصيانه، خرج إلى العالم مع زوجته، وكان قد ~~حكم عليه الله بأنه لن ينال عيشه إلا من عرق جبينه، فجعل يقطع الأشجار والأثمار ويأتي بها ~~لحواء، وصارت حواء تخيط الملابس لأولادها من ورق التين، ومرت السنون فكثر الأولاد حتى ضاق ~~زرع آدم بهم، وكانت حواء تلد ولدا في كل عام. # وكان يأتي إليهم من عند الله ملك كل عام فيعاينهم، ويكتب تقريرا عنهم ويقدمه لمولاه. ~~وكانت حواء كلما أتى ملك تهش وتبتسم وتتقدم إليه وتقول: «هل أنت من فوق؟ كيف حال الله؟ ~~عندما ترجع إليه اذكر له أني ندمت على عصياني، ما أثمن الرفاهية التي كنا فيها في الجنة! قل ~~له: إن العيش هنا صعب، وإننا في اشتياق لرؤيته حتى نتأكد أنه ليس غاضبا علينا». وكان كل ~~ملك يجيبها بالإيجاب، ثم يصفق بجناحيه ويطير في أسرع من لمح البصر حتى يختفي في ~~السحب. # وتواتر مجيء الملائكة وذهابهم على حواء لغير ما فائدة، فإنه يظهر أن الله كان مشغولا ~~بإدارة الكون، حتى لم يعد له من الوقت متسع لينظر في شئون الأرض، ولكن حدث أنه في صبح أحد ~~الأيام انسل ملك إلى كوخ حواء، وقال لها: «أصغي إلي يا حواء، فإنه ربما أتى الله هذا ~~المساء لزيارتكم إذا كان الجو جميلا، فإني سمعته أمس يحادث ميكائيل ويقول له: «كيف حال ~~هذين الخاطئين؟». # فدهشت حواء من هذه المفاجأة وراحت تجري إلى آدم، وكان كعادته مقوس الظهر يشتغل في زرع ~~قطعة أرض فأخبرته الخبر، وعاد الاثنان إلى الكوخ فكنسا ما أمامه ورشاه بالماء، ونظفا غرفة ~~الجلوس، ولبسا أحسن ثيابهما، ثم جلسا ينتظرا زيارة المولى العظيم، وإذا بصوت مرعب قد نفذ ~~إلى أذن حواء فانتبهت، وكان صوت أبنائها الذين كانوا يبلغون الآن عشرين أو ثلاثين نفسا. ~~ولم تكن قد افتكرت بهم للآن، فكانت عيونهم رمضة، وأنوفهم وسخة ms02 ، وأجسادهم قد علتها طبقة من ~~الأقذار، فقالت: «وكيف لي أن أريه هذا القطيع؟ إنه إذا رآهم يحكم عليهم بالإهمال، فإن ~~الرجال عادة لا يعرفون مبلغ التعب الذي تتعبه المرأة مع أولادها». # وبعد أن ترددت طويلا قامت وانتخبت ثلاثة منهم، وغسلتهم، ونظفتهم، ثم طردت الباقين إلى ~~حظيرة الخنازير، وأقفلت عليهم بالرغم من صراخهم. # وما هدأت قليلا حتى رأت سحابة بيضاء كبيرة تنزل إلى الأرض، وسمعت حفيف الفضاء من كثرة ~~خفيق أجنحة الملائكة ورفرفتها، ونزل أولئك الزوار السماويون ومشوا في حقول الحنطة، فتراءوا ~~لها كأنهم نجوم تسري في الأرض، ورأت الملائكة وقد استلوا سيوفهم النارية وجاء إليها بعضهم، ~~وأقسموا لها أنها لا تزال في صباها جميلة فتية، وقام البعض الآخر يقفز من شجرة إلى أخرى، ~~ويأكل ما يشاء من الأثمار مما جعل آدم يتسخط ويحسب أنه لن يبقى له شيء على الشجر بعد ~~ذهابهم. # ثم جاء الله بعدهم، وكانت قصائب شعر رأسه بيضاء، كالفضة وكان لابسا تاجا لامعا كالشمس، ~~وكان محفوفا بجميع كبار موظفي السماء، فحيا الله آدم ثم ربت لحواء على خدها، وقال: «كيف ~~حالك؟ هل صرت أكثر عقلا من قبل؟». # فتأثر أبوانا الأولان من مجاملة الله لهما، وقدما له كرسيا كبيرا مصنوعا من أحسن ~~الخشب، ومحشوا بأجود القش، فلما جلس عليه سأل آدم عن حاله فأخبره بالمشاق التي ~~يعانيها. # فقال الله: «هذا حسن فإنك ستعلم من ذلك ألا تطيع زوجتك في ما تشير عليك به، فاشتغل واعرق ~~وإياك أن تقاوم الذين هم أعلى منك». # وكأن الله قد أسف على لهجته الحادة هذه فتلطف، وقال: «ما فات قد فات، وأنا لا أغير كلامي ~~وبما أني قد دخلت بيتكما، فإني سأترك أثرا جميلا لزيارتي، قدمي إلي أولادك يا ~~حواء». # فقدمت إليه أولادها الثلاثة الذين كانت قد هيأتهم لمقابلته. # فنظر إلى أولهم وكان صبيا تبين عليه دلائل الجد وقد عقد حاجبيه، ووضع أصبعه على فمه، ~~وقال له: «إنك ستكون قاضيا على الناس فتعمل لهم القوانين وتغيرها من وقت لآخر، ولكنك تعاقب ~~كل من ms03 يخالفها بعقاب واحد، كالطبيب الذي يداوي جميع الأمراض بدواء واحد». # ثم نظر إلى الآخر وكان خفيفا نشيطا يحمل في يده عصا يضرب بها إخوته، وقال: «وأنت ستكون ~~قائدا على الجيوش، وستجمع الرجال أمامك وتحشدهم في جيش وتسوقهم إلى الحرب، كما تساق ~~البهائم إلى المجزرة، وهؤلاء الرجال وإن كانوا هم فرائسك فسيهتفون لك، وعندما يراك الناس ~~ملطخا بالدم سيسجدون لك ويعتبرونك ملكا، وكل من يقتل من الناس سيعتبر مجرما، وأما أنت ~~إذا قتلت فستعتبر بطلا، فارو الأرض بالدماء وأعمل السيف والنار في المدن، واقتل واحرق ~~وانهب فالشعراء ستتغنى بك، والمؤرخون سيذكرون مآثرك، وأما الباقون الذين يعملون هذه الأعمال ~~وليس في يدهم رخصة العساكر فسيسجنون ويعدمون». # ثم تفكر الله قليلا ونظر إلى الثالث، وقال: «إنك ستكون ممولا عظيما فتملك ثروات ~~العالم، وستفتح البنوك وتقرض الناس الأموال بالربا، وإذا خربت البلاد من ذلك فإن إعجاب ~~الناس بكفاءتك المالية لن ينقص». # وكان آدم يبكي من الشكر، وكانت حواء قلقة تريد أن تقول شيئا ولكنها لا تعرف كيف تقوله، ~~فإن قلبها كان يتقطع أسى على حال أولئك المساكين الذين حبستهم في حظيرة الخنازير، ولم ~~يمنحهم الله حقوقا مثل إخوتهم، فهمست في أذن آدم قائلة: «إني لا أبالي، سأخبره ~~عنهم». # وكان آدم جبانا فثبطها، وتقدم ميكائيل وكان قد سئم قعوده في هذا الكوخ الحقير وقال ~~مخاطبا الله: «لقد أمسينا يا مولاي». # فوقف الرب وقفزت الملائكة من الأشجار واستلت سيوفها كالعادة. # فهرولت حواء إلى حظيرة الخنازير وفتحت بابها وقالت لله: «ربنا، قل شيئا لهؤلاء ~~المساكين». # فدهش الله من هؤلاء الأولاد القذرين وكانت الحظيرة تنتغش بهم كما تنتغش بدود، فقال: «لم ~~يعد عندي شيء أقوله، فقد منحت كل شيء لإخوتهم، ولكني سأتدبر». ولكن حواء بالرغم من منع ~~ميكائيل لها صارت تلح على الله ليقول لهم كلمة، وكان الله يريد الذهاب سريعا، فقال: «لا ~~بأس، إنهم سيخدمون إخوتهم ويشتغلون في الأرض». # وقال كورا كولا عندما انتهى من القصة: «فنحن الذين نحني ظهورنا كل يوم ونعمل في الأرض ~~ونخدم الآخرين ms04 - نحن أبناء هؤلاء الأولاد الذين حجزتهم حواء في حظيرة الخنازير». # | الطريق من الأرض للسماء # سلمى لاجرلوف مؤلفة قصصية أسوجية لها شهرة أوروبية، وقد حازت جائزة نوبل في سنة 1909، ~~وأشهر قصصها قصة «أورشليم» التي وضعتها بعد أن زارت مصر وفلسطين، وقد رأينا أن نقدم للقارئ ~~إحدى قصصها نموذجا لأدبها، وقد ظهرت هذه القصة أول مرة في ستوكهولم سنة 1922. ~~••• # لما كان لزوجة البكباشي دار مفتوحة كان الضابط برنكرتز يقطن أكبى في ذلك الجزء الخاص ~~بالخيالة من دارها، فلما ماتت وانتهت تلك المعيشة السعيدة التي كان يعيشها الخيالة معا ~~انتقل الضابط برنكرتز إلى قرية واقعة على شاطئ بحيرة لوفن. # وكان له غرفتان في الطابق الثاني من أحد المنازل إحداهما كبرى يجوزها الإنسان إلى صغرى، ~~وكان بالطابق الأرضي فلاحون وعاش الضابط هنا إلى أن بلغ الخامسة والسبعين يعتمل لنفسه، وليس ~~له من يخدمه. وكان يقول: إن اشتغاله بخدمة نفسه يساعده على قضاء الوقت، ولكن الحقيقة أنه ~~كان من الفقر بحيث لا يمكنه استخدام خادم، وكان على الدوام مشتغلا بشيء لا يجد مشقة في ~~إتمام الأعمال المختلفة التي بين يديه. # وكان للضابط بساط كان يصنعه بنفسه وقد بسط خيوطه على حيطان الغرفة الكبرى وأرضها، وكان ~~هذا البساط حديث أهل القرية، فإنه لم ينسجه على منوال كما هي العادة، وإنما مد خيوطه من ~~حائط إلى حائط بحيث أن من كان يدخل إلى هذه الغرفة كان يشعر أنه قد اشتبك في نسيج عنكبوت ~~عظيم، وبين هذه الخيوط كان الضابط يروح ويجيء بين الحيطان يعقد خيطا أو يفرز لونا خاصا، ~~ولو كمل هذا البساط لنافس في جودة الصنعة السجاد المصنوع في قندهار أو بخارى، ولكن طريقة ~~الضابط التي اتبعها كانت بطيئة، بحيث إنه على طول ما اشتغل فيه لم يكمل سوى مربعين اثنين ~~منه. # وكان ينام في الغرفة الصغيرة الأخرى على سرير من أسرة المعسكرات، وقد نام عليه في ~~حروبه في ألمانيا عندما كان يقاتل جيوش نابليون، ولكن سائر الأثاث في الغرفة كان ~~جيدا. # وفي إحدى ليالي الصيف ms05 كان الضابط نائما، فاستيقظ على صوت شخص يصعد على الدرج المؤدي إلى ~~غرفتيه، وكان في وقع أقدامه الثقيلة ما يشبه مشية الجندي القديم وفكر في الوقت فقرر أنه ~~حوالي منتصف الليل. # فقال في نفسه: «العجب لهؤلاء الفلاحين كيف ينسون على الدوام إغلاق الباب الخارجي». وكان ~~هو يحب النظام وكثيرا ما عنف الفلاحين الساكنين تحته؛ لأنهم لا يقفلون الباب بالمزلاج، ~~وترجح لديه أن هذا الغريب إنما يصعد على الدرج لوجود الباب مفتوحا، وليس ثم مجال للظن ~~بأنه لص فإن وقع أقدامه عال، كذلك لا يمكن أن يكون سكران يبحث عن مأوى. # وكان الضابط ينتظر من هذا الغريب أن يستمر في صعوده حتى يصل إلى أعلى طابق في المنزل، ~~ولكنه أخطأ فإن هذا الغريب وقف عند باب مسكن الضابط وسمع الضابط بأذنيه حركة المفتاح وهو ~~يدور في القفل. # فقال في نفسه: «افعل ما تشاء فإنك لن تقدر على الدخول». فقد كان موقنا بأنه قد أقفل ~~الباب وأزلجه أيضا قبل أن يذهب إلى فراشه، وكان يعنى بهذا العمل كل ليلة لاعتقاده ~~الإهمال في السكان الفلاحين الذين تحته، ولكنه سمع الآن هذا الغريب يمشي في الليل في الغرفة ~~الكبرى، فإن خيوط البساط الذي يصنعه كانت منتشرة وممدودة في كل مكان. # وقال الضابط في نفسه: «هذا الوغد سيمشي الآن في وسط خيوط النسيج، ويشتبك فيها فتلتبس فلا ~~أعرف كيف أخلصها في الصباح». # قال هذا وهم بالقيام يريد طرده وإخراجه، ولكنه سمع هذا الغريب يمشي نحو غرفة نومه كأنه ~~جندي في عرض، وكأن خيوط النسيج لم تمسه فنظر الملازم إلى الباب فوجده مزلجا، فقال في نفسه: ~~«ولكنك الآن لن تعرف كيف تدخل». # وآخذ يلعن ويشتم ولكنه سكت فجأة؛ إذ رأى الباب قد فتح ثم أغلق باصطفاق، كأن الريح قد ~~دفعته. # فنهض الضابط برنكرتز في فراشه قاعدا، وقال بلهجة عالية اهتزت لها الحيطان: «فيردا» من ~~أنت؟ # فضم الغريب قدميه فحيا الملازم تحية الجندي، وقعقع أسلحته وقال: «أنا الموت». # وكان الصوت الذي خرجت به هذه الكلمات غير عادي ms06 ؛ إذ لم يكن صوتا إنسانيا ولكنه لم يكن ~~ذلك مرعبا، وشعر الضابط كأن الصوت قد خرج من آلة موسيقية كالأرغن، ولكن نغمته كانت حلوة ~~مطربة حتى أحس كأنه في اشتياق لرؤية تلك البلاد التي جاء منها هذا الصوت الجميل. # فقال الضابط: «أسرع وانته من عملك». ثم شق قميصه واستعد لأن يطعن في قلبه. # ولكن الغريب الواقف أمامه لم يوافقه على ذلك بل قال: سأرجع قبل منتصف الليلة الآتية، ثم ~~عاد وقع الأقدام وقعقعة الأسلحة عندما خرج الغريب، واصطفقت الأبواب بالثاني وردت المزاليج ~~إلى مكانها. # وتهافت الملازم وقد ملكه الرعب في فراشه، فرقد ينصت لوقع الأقدام وهي تبعد وتخفت، وما هو ~~أن خرج الغريب من المنزل وصار في الصحن الخارجي حيث الضوء أكثر نورا حتى هرع الضابط إلى ~~النافذة لكي يلمح وجهه، ولكنه مع قدرته على رؤية شوارع القرية لم ير أحدا يسير فيها، وكان ~~مع ذلك يسمع وقع أقدامه ويكاد يحدد المكان الآتي منه، ولكنه لم يكن يرى مع ذلك ~~شيئا. # وهز برنكرتز كتفيه، وكان قد وطن نفسه من مدة على حدوث هذا الحادث يوما ما، ثم أخذ يوهم ~~نفسه بأن لعبة لعبها عليه أحد الشباب الماكرين الذين يلذ لهم إلقاء الرعب في قلبه، ولكنه ~~كان في قلبه يحس بالحقيقة، فإن الصوت الذي سمعه لم يكن صوت إنسان، ووضح أمامه تمام الوضوح ~~ما سيحصل في الغد، ومع أنه كان ينظر إلى الحالة باطمئنان كما هو الشأن في جندي قديم مثله، ~~فإنه مع ذلك لم يشعر بالرغبة في النوم ثانية، فهب من فراشه ولبس أحسن ملابسه، واحتلق ورتب ~~شعره الذي كان يلمع كأنه الفضة، فقد تذكر أنه بعد يوم سيكلف أحد الناس بتهيئة جسمه للقبر، ~~وعلى ذلك ينبغي أن يجد هذا الجسم في حالة حسنة. # ووضع الضابط كرسيا بجانب النافذة وقعد عليه، وعلى حجره الكتاب المقدس الذي تركته له أمه ~~وصار ينتظر انتشار الضوء لكي يتمكن القراءة، وبعد هنيهة انتشر في الشرق سحاب أحمر ثم انقشع ~~الظلام، ولكن الشمس لم تكن ms07 قد أشرقت بعد، فرفع رأسه وأخذ يتأمل ويفكر، ولم يكن ثم كاهن ~~يساعده على إدراك موقفه هذا وعلى ذلك فهو مضطر إلى أن يتفاهم وحده مع الخالق. # وأخيرا وقف الضابط وأقفل الكتاب وهو يقول: «لست أفهمك، ولكن أسهل أن نتفاهم في محكمة ~~عليا من أن نتفاهم هنا في هذه المحكمة الدنيا». # وثابت إليه سكينة عقله فقعد إلى منضدته يكتب ترتيب المشهد، وشرط أن يضرب جواده المسن ~~بالرصاص، وأن من يطلق عليه النار يكافأ بكأس فضي، وجمع حساباته ودون ما له وما عليه، وأوصى ~~بأثاثه وسائر أمتعته وأعطى معظمها لصبية صغيرة في القرية، وكانت هذه الصبية تحبه وتقضي ~~الساعات الطوال في الجلوس في غرفته فأراد أن يكافئها، وقبل أن ينتهي من تسوية حساباته كانت ~~الساعة ثمانية تقريبا، فأدى واجباته الاعتيادية، وبعد ساعتين وجد نفسه حرا يمكنه أن يقضي ~~سائر يومه الأخير كما يشاء، وكان قد قرر في نفسه أن يحتفل في هذا اليوم بعمل شيء غير ~~عادي. # وخرج يمشي حتى انتهى إلى مقعد في حديقة وقعد يفكر، ثم قال لنفسه: «من المؤكد أني لا أشعر ~~بالميل لنسج البساط اليوم، وعلى كل حال فإن هذا البساط لن يتم، فيجب إذن أن أركب العربة ~~وأسير بها إلى أي مكان، هذا يومي الأخير، فليس من الرأي أن أقضيه في قرية لا يعرف أحد من ~~سكانها ماضي حياتي». # وهنا ت«.نبه ذهنه كأنما قد اشتغل بذكرياته القديمة، وقر رأيه على أن يكون هذا اليوم ~~حافلا بالمسرات، وكان في أشد الاشتياق لأن يدخل في العالم ويشترك للمرة الأخيرة في مسراته، ~~ولم يكن من الممكن أن يتمتع بها كلها، ولكنه قد يتمكن من التمتع ببعضها أحبها إلى نفسه ~~وأحسنها. # وهب من مقعده مسارعا إلى جواده فقرنه إلى العربة ووضع عباءته خلفه، وكانت هذه العباءة ~~قد خدمته طول حياته العسكرية الماضية، ولكنها لم تبل بعد، ثم ساق الجواد إلى تقاطع خمس طرق، ~~ووقف لكي يقر قراره على نوع المتعة التي يريد أن يتمتع بها هذا اليوم، وهو آخر أيامه ms08 على ~~الأرض، فإن هذه الطرق الخمس كانت كل منها تؤدي إلى شيء يحبه، فقد كانت الطريق الرأسية ~~تؤدي إلى كارلستاد، ولو اتخذها لبلغها بعد ساعات قليلة، فقد كان يقيم فيها بعض أصدقائه، فلو ~~ذهب إليها لجمعهم وقضوا يوما معا، ثم يلعبون الورق بعد ذلك، ولقد كان يفكر في الورق ~~اللامع ويده ترتعش من الحماسة والفرح. # أما إلى اليمين فكانت الطريق تؤدي إلى تروسناس حيث معسكر الجنود المشاة الذين يدربون ~~هناك، وكان يعرف أنه إذا ذهب هناك فإن جميع الفرقة تقف أمامه صفوفا وتحييه، وكان يخيل ~~لنفسه الجنود الفتيان وهم في لباسهم الأزرق يبتسمون له، ويعرفون فيه الجندي القديم ذا ~~الشهرة العظيمة، ثم تقرع الطبول ويرفرف علمهم القديم، ومرت ثانية شعر الضابط برنكرتز فيها ~~كأنه يرغب في اتخاذ هذه الطريق، ولكن عاد فتردد، فقد قامت في نفسه شهوة غامضة أجبرته علي ~~يتخذ طريقا أخرى. # وكان على يساره سكة قد قامت على جانبها الأشجار، وكانت تؤدي إلى قصر قديم تملكه سيدة ~~عظيمة، كانت في شبابها من أجمل فتيات عصرها، وأجذبهن وأخفهن روحا، وقد صارت في الشيخوخة ~~كما صار هو فيها أيضا، ولكنها كانت مع ذلك أصغر منه سنا ومهما بلغ عمرها فإن مثلها لا ~~تفقد الجاذبية والفتنة، وكان يعرف أنه إذا زارها في ذلك اليوم على الرغم من الفراق الطويل، ~~فإنها لن تبخل عليه بأن تجعل يومه الأخير يوم نعيم له، وخيل لنفسه كيف يجول معها في القصر ~~من غرفة إلى أخرى كما كانا يفعلان أيام شبابهما، وكيف يحوطه البذخ والطرف فينسى أيام الوحدة ~~والفقر التي عاشها. # وكان أمامه أيضا طريق يتجه إلى الشمال الغربي وتؤدي إلى مصانع الحديد في أكبى، وهي بلدة ~~كان يحبها ويذكرها بأيام الهناء التي قضاها مع الخيالة في دار زوجة البكباشي، ولم يكن ~~بالدار أحد الآن ولكنه شعر أنه إذا ذهب إليها فإن الأبواب تفتح له هو آخر رجال الخيالة الذي ~~لم يمت بعد والذي يعد بمثابة آخر حلقة الاتصال بينه وبين ذلك العهد الذي قضوه جميعا ms09 في ~~أكبى عهد الفرح والغناء والرقص والمجازفات... # فتحول إلى هذه الطريق، وكان يعرف أنه إذا سار عليها فإنه لن يصل إلى ضيعة لوفن إلا عند ~~الغروب، وكان صاحب هذه الضيعة رجل يدعى ليلجيرونا، وكان بارعا في الضرب على الكمنجة، وكانت ~~الضيعة في ذاتها حقيرة، ولكن جذبته إليها موسيقى صاحبها، وما هو أن فكر فيها حتى رأى أنه لا ~~محيص له عن الذهاب إليها. # ودهش الضابط لاختياره هذه الطريق ولكنه لم يتردد هذه المرة، ووصل عند المساء إلى لوفن؛ ~~حيث سر بلقائه ليلجيرونا، وحياه أجمل تحية ودعاه إلى النزول عنده، وقد بدا السرور عليه ~~للقائه رجلا يذكره بالذكريات القديمة في أكبى، وكان إذا طرب ذهب وأخذ كمنجته وأخذ يضرب، ~~ولكن ليلجيرونا كان قد أسن فلم يكن عزفه على ما عهده منه قديما الضابط برنكرتز، فقد كان في ~~نغماته شيء يوهم أن اليد تتردد، كأنه يحاول أن يبلغ أشياء لا تعبر عنها الألفاظ، وكان البعض ~~يقول: إن عزفه قد انحط وقد سمع الملازم هذه الإشاعات قبلا، ولكنه وهو يسمع له الآن شعر ~~كأنه سيسمع منه لحنا حلوا جذابا، بل وضح في ذهنه وهو يوشك أن يموت بعد ساعات أن ~~ليلجيرونا يمهد له الطريق، وهي طريق لا غاية لها؛ إذ هي تؤدي إلى الفضاء، وبينما وهو يسمع ~~الموسيقى تتحسس أنغامها طريقها في الظلام إلى ما وراء فكر الإنسان، وخياله شعر بوقعها في ~~نفسه شديدا حتى باح رب البيت بأن هذا اليوم هو آخر أيام حياته. # فقال ليلجيرونا وهو في غاية الانفعال: «وهل هذا هو سبب مجيئك إلي اليوم؟». # وقال برنكرتز وكأن عينيه تنظران من بعيد: «لم أجئ من أجلك وحدك، إنما جئت أيضا لكي أسمع ~~ضربك على الكمنجة، والآن أشعر إني لم أرغب إلا في هذا اليوم، ألست ترى في الموسيقى شيئا ~~غريبا». # فقال ليلجيرونا: إنك تقول حقا في الموسيقى أشياء غريبة. فقال برنكرتز: أجل لعلها كذلك؛ ~~لأنها لا تتعلق بهذا العالم، يا للعجب! كلما تأملت في الموسيقى لا نعرف علتها ولا نرى ms10 فيها ~~شيئا محسوسا نفهمها منه، ألست تظن يا أخي أن الموسيقى هي اللغة التي يتفاهمون بها ~~فوق». # قال ذلك وأشار إلى السماء ثم استمر في حديثه قائلا: ومع ذلك لا يصلنا نحن هنا على الأرض ~~إلا الصدى الضعيف». # فقال ليلجيرونا: «تعني أن تقول ...» ولكنه وقف هنا وشعر بعجزه عن التعبير عن أشياء لا تعبر ~~عنها إلا نغمات الموسيقى. # فقال برنكرتز: «أعني أن أقول: إن الموسيقى تخص السماء والأرض معا. وربما كان القصد منها ~~أن تكون طريقا بينهما، والآن يجب أن تعزف وتمهد لي هذه الطريق لكي أسير عليها إلى ~~الأبدية». # وطفق ليلجيرونا يعزف بكل ما في نفسه وقلبه من قوة والضابط منصت في هدوء الليل، ثم تهافت ~~فجأة ووقع على الأرض فقفز ليلجيرونا إليه ورفعه إلى الفراش فقال الضابط: «ما بي من بأس، إني ~~أجوز الآن الطريق بين الأرض والسماء، أشكرك يا أخي». ولم ينطق بعدها بكلمة، وبعد ساعتين ~~أسلم الروح. # | قيمة الحياة # حدث أن غنيا من ذوي الملايين أسعدته الأقدار ذات مرة بمولود جديد، فأولم لأصدقائه وليمة ~~شائقة، ودعا إليها نخبة من الأدباء والغانيات ليزينوا الوليمة بالأدب والجمال. # فجلسوا وشربوا وأكلوا، ولما انتهوا من المائدة طفقوا يسمرون، فأراد الغني أن يملق الأدباء ~~من جهة، ويتظاهر بميزة أخرى غير الغنى من جهة أخرى، فقال: «ليست السعادة في الغنى بل هي ~~أكثر في الحب والعلم والأخلاق». # ولمح أحد الأدباء الشبان الدعوى في هذا الكلام فتهوعت نفسه منه، وود لو يقوم ويصفع ~~الغني عليه، ولكنه أنأد وقال مكابرا: «لا بل كل السعادة في الغنى فقط». # فقال الغني متحذلقا، وقد أوهمه الشراب ببراعة غير مألوفة: «ما هذا؟ أتظن أنك تكون سعيدا ~~إذا كنت غنيا، وبقيت بلا امرأة تحبها أو كتاب تقرؤه أو أنيس تحادثه؟» # فقال الشاب وكان غيظه قد دفعه إلى العنت: «أكون». # فاحتد الغني حدة مصطنعة، وقال: «كأنك تقول: إنا لو دفعنا إليك خمسين ألف جنيه، وحبسناك ~~في سجن عشر سنوات لا ترى فيها كتابا أو امرأة أو أنسيا لرضيت إذ تكون ms11 غنيا وبذا ~~سعيدا، فقال الشاب: «نعم». # فقال الغني مستشهدا الحضور: «أنا مستعد بأن أدفع لك خمسين ألف جنيه إذا كتبت لي عقدا ~~بأن تبقى عشر سنوات محبوسا في غرفة، لا ترى منها رجلا أو امرأة أو كتابا». # فقام الشاب وكتب العقد. # وفي اليوم التالي أدخلوه في الغرفة وأغلقوا عليه وكانوا يناولونه الخبز من كوة صغيرة بحيث ~~لا يرى منها أحدا. # وبقي الشاب كذلك عشر سنوات، وهو لا يرى رجلا أو امرأة أو كتابا. # وشعر الغني في الأسبوع الأخير أنه أخطأ أن سكرة ساعة قد أعقبت خسارة مبلغ جسيم فاستحضر ~~رجلين قويين، وأجرهما على قتل الشاب في آخر يوم من سجنه. # وجاء هذا اليوم فدخل الرجلان إلى غرفة الشاب، وكان مستلقيا بهيئة النائم فمشيا إليه ~~فورا حتى لا ينبهاه، وهم أحدهما بخنقه، فانتبه إليه الآخر ومنعه، وأشار إلى يد الشاب ~~فجساها وإذا هي باردة تارزة، فقلباه فوجداه مائتا. # فأسرعا إلى الغني وبشراه بالخير، فجاء متهللا وقد كلح وجهه من السرور الوحشي، وجعلوا ~~يفتشون الشاب فوجدوا في جيبه رقعة كتب عليها ما يأتي: ~~«انتحرت اليوم؛ لأنه ميعاد رجوعي إلى العالم بعد أن استرحت منه عشر سنوات، أيها البشر، ~~إني أكره سخافاتكم وغباواتكم وجهالاتكم، ونفسي تتقزز من علمكم وأدبكم وحكوماتكم وأديانكم ~~وآلهتكم وصحافتكم، وكل ما تحسبونه سعادة وجاها وشرفا وغنى». # | في الأدب الياباني # يعتقد كثيرون أن اليابان كانت بلادا منحطة فاعتنقت الحضارة الأوروبية، ثم وثبت إلى ~~التقدم فصارت الآن في طليعة الأمم الراقية. # والحقيقة أنها لم تكن قط منحطة أو متدهورة، وإنما كانت تسير على مبادئ المدينة الشرقية ~~التي نشأت عليها، ثم وجدت باحتكاكها بأوربا أن حضارة أوروبا تفوق حضارتها فاصطنعتها وسارت ~~عليها. # ومما يدل على صحة قولنا هذا هذه القصة التالية التي ألفها أحد أدباء اليابان في أواخر ~~القرن السابع عشر، والمؤلف يقصد منها بيان الآداب الفاشلة بين طبقة الأشراف الحربيين ~~المسمين ساموراء، قال: # منذ زمن غير بعيد كان رجل يدعى هارادا نيسوك، يسكن هو وزوجته في بلدة شنجاوة، وكانا ~~فقيرين معدمين، ms12 وكانت السنة قد أوشكت أن تنتهي، فكانا لذلك يترقبان نهايتها بخوف ~~وقلق؛ لأنه لم يكن عندهما شيء من المال لكي يقوما بما يتطلبه منهما ختام العام. # وكان للزوجة قريب يشتغل بحرفة الطب، وكان يعيش في حالة اليسر، فلما بلغ منها اليأس كتبت ~~إليه ترجوه أن يقرضها شيئا لعيد ختام العام، وكان هذا الأخ سخي النفس فلما جاء خطاب شقيقته ~~أزعجه فقال في نفسه: «لا بد من مساعدتهما ولا بد أن أبعث لهما بشيء». # فأخذ عشرة نقود ذهبية ووضعها في علبة، وأخذ يربطها وهو يضحك، ثم أرسلها لأخته في ~~شنجاوة. # وحمل صبي الطبيب هذه العلبة إلى منزل هارادا نيسوك في الوقت المناسب، فقابل الزوجان هذا ~~الصبي بالحفاوة والشكر، وما كاد يتركهما ويعود إلى منزل الطبيب حتى فتحا العلبة، فوجدا ~~داخلها ورقة تشبه الورق الذي يكتب عليه الأطباء وصفات الدواء: وكان مكتوب عليها ما ~~يلي: # المرض: الفقر. # الدواء: عشرة نقود ذهبية. # الجرعة: أحسنا الاستعمال فتشفيا. # فضحك الزوجان فرحا لهذا المزاح اللطيف، ولم يكادا يصدقان أعينهما عندما رأيا في العلبة ~~عشرة نقود ذهبية، وكان هذا المبلغ بالنسبة إليهما ثروة كبيرة، فرأيا جريا على سنة ~~الساموراء أن يشتركا مع غيرهم في التنعم بهذه السعادة، وفي الحال أخذ الزوج يكتب إلى جميع ~~أصدقائه يدعوهم إلى وليمة في منزله في ختام العام. # وجاء المساء الذي ضرب فيه معاد الوليمة وكان البرد شديدا قارسا والثلج يتساقط، ومع ذلك ~~قد حضر سبعة من أصدقائه، فلما اجتمعوا وأعدت المائدة وأخذ المدعوون يعجبون للبذخ الذي لم ~~يألفوه سابقا من صديقهم، فقال لهم هارادا نيسوك: «لقد جاءني بعض المال، ولذلك إني أستطيع ~~أن أحتفل بالسنة الجديدة احتفالا عظيما». # ثم طاف عليهم يريهم وصفة صهره الطبيب، فضحكوا وسروا من دعابة هذا الطبيب، وأخذوا ~~يتأملون بعين الإعجاب النقود الذهبية العشرة، وهي شفاء أكيد لذلك المرض الذي قد عمتهم ~~إصابته. # ولما دارت عليهم العلبة بنقودها قال رب البيت: «والآن دعوني أرد هذه النقود إلى العلبة ~~وأغلقها»، ثم عد النقود فوجدها تسعة فقط. # فوقف الضيوف ms13 في الحال وجعلوا ينفضون ملابسهم، ولكن النقد المفقود لم يظهر، وكذلك بحثوا ~~عنه بين الوسائد فلم يجدوه. # فتهامسوا قائلين: «هذا غريب، أين هو إذن؟» وبقوا في حيرة. # ثم تظاهر هارادا نيسوك بأنه قد تذكر شيئا وضرب جبهته بيده قائلا: «صحيح صحيح، ما أشد ~~بلاهتي، إني آسف جدا لأني أزعجتكم، فقد نسيت أننا أنفقنا نقدا من هذه النقود فلم يبق ~~سوى تسعة». # قال ذلك ثم لف العلبة، ولكن الضيوف لم يطمئنوا إلى هذا القول، وعدوه منه لطفا وأدبا ~~اقتضاه الحال. وقال كل منهم للآخر: «النقود عشرة». # ثم خلع أحدهم ملابسه كلها ونفضها ووقف عريانا، وفعل الثاني فعله، أما الثالث فقد بقي ~~صامتا ساكنا لا يتحرك، ثم انتقل من مكانه وجلس القرفصاء وبسط أمامه ذراعيه، وقال: «في هذه ~~الحياة كثير من الارتباكات، ولست في حاجة إلى أن أخلع ملابسي، فإن الشر الذي يلازمني قد قضى ~~أن يكون معي هذه الليلة نقد ذهبي، وبما أن نحسي قد قضى علي فها أنا ذا أقضي على ~~حياتي». # وما انتهى من هذا الكلام حتى أعد عدته لكي يقتل نفسه على طريقة الساموراء ولكن الآخرين ~~قالوا: «إنه يقول الحق، فإننا على فاقتنا البالغة قد يملك كل منا نقدا ذهبيا واحدا وإن ~~كنا لا نحمله معنا». # فقال الرجل: «أمس بعت خنجري وهذا النقد هو ثمنه، ولكني لا أنجو بشرفي إلا بقتل نفسي الآن، ~~ولكني أرجوكم أن تذهبوا غدا إلى جوزمون الذي بعت له هذا الخنجر واسألوه عن صحة ما ~~قلته». # وهم بوضع السيف في بطنه، ولكن أحد الضيوف صاح قائلا: «هاكم النقد، لقد وجدته في ظل هذا ~~المصباح». # فتنهد جميعهم تنهد الراحة، ووقف الرجل الذي هم بالانتحار عن إتمام عمله، وقالوا: «كان ~~يجب علينا أن نبحث جيدا». # ثم هنأ بعضهم بعضا، وبينما هم يفعلون ذلك إذا بربة الدار قد جاءت تهرول وهي تقول: «لقد ~~وجدت النقد، وجدته لاصقا في غطاء صندوق الكعك». # فدهش الجميع أشد دهشة، وما روته الزوجة هو الحقيقة، ولكنهم وجدوا الآن أن بين أيديهم أحد ms14 ~~عشر نقدا ذهبيا، في حين أنه كان ينبغي ألا يوجد سوى عشرة، فمن أين إذن جاء النقد الذي وجد ~~في ظل المصباح؟ فلا بد أن أحدا منهم وضعه، ولكن من هو؟ وقال واحد منهم: «إذا كانت عشرة ~~النقود قد صارت أحد عشر فيجب أن نفرح». # وأخذوا يهنئون هاردارا نيسوك الذي وقف مدهوشا من هذه الحوادث، وقال أحد الضيوف: «من ~~الطبيعي أن تصير التسعة عشرة، ولكن من الغريب جدا أن تصير العشرة أحد عشر، فنرجو ذلك ~~الذي دفع هذا النقد الزائد أن يتكلم حتى يرد إليه». # فلم يجبه أحد مع تكراره وإلحاحه، ومضى الليل وصاحت الديكة، وليس فيهم من يعرض لأخذ هذا ~~النقد الزائد، وبدأ الاكتئاب عليهم جميعا لهذا الحادث الذي نتج عن سوء التقدير، وأخيرا ~~عرض عليهم رب البيت أن يقترح عليهم اقتراحا ويدعوهم إلى قبوله، ثم سألهم هل يوافقونه؟ ~~فوافقوه جميعا. # فقال: «انظروا إلي الآن، فإني سأضع هذا النقد في صندوق الكعك، وسأضع الصندوق بجانب ~~البئر عند باب الجنينة، وستخرجون أنتم وتذهبون إلى دوركم واحدا بعد الآخر، وكلما يخرج واحد ~~منكم من الجنينة يقفل الباب وراءه، ولن يتحرك أحد منكم من هنا حتى نسمع صرير الباب وهو ~~يقفل، فيمكن للشخص الذي دفع النقد الزائد أن يأخذه من الصندوق ويذهب إلى بيته». # ووضع النقد في الصندوق بجانب البئر، وخرج الضيوف فرادى، الواحد بعد الآخر، ولما خرجوا ~~جميعا ذهب صاحب الحفلة وزوجته فحصا الصندوق فلم يجدا فيه النقد. # فمن هو الذي أخذه؟ ليس أحد يعرف ذلك، ولكن بدهي أن الرجل الذي وضعه قبلا لكي ينجى ذلك ~~الضيف الآخر من القتل هو الذي أخذه، وإنما سلكوا جميعا هذا السلوك؛ لأنهم كانوا من رجال ~~الحرب الأشراف من ذوي الخلق العظيم، الذين يعرفون واجباتهم وتبعاتهم، وكانت لهم على الرغم ~~من فاقتهم شجاعة وإيمان بمبادئ شيعتهم الساموراء. # | تاغورى # لمحة في شاعر الهند # دعنا من شعرائنا وما قالوه من مديح ورثاء وهجاء، وقصائد الاحتفالات، وأشعار ترتب على ~~البحر والقافية كأنما قد قدمت بحساب، ولننظر الآن قليلا ms15 في شاعر الهند تاغورى، عسانا نجد ~~فيه بعض ما يرفه عن النفس، ويبعث عن الأمل ويحرك فينا خاطر الاقتداء الشريف بمن يعد ~~الآن في مقدمة شعراء العالم بشهادة أدباء أوروبا أنفسهم. # وقبل أن أترجم للقارئ بعض مقطوعاته أقول: إنها قد ترجمت للإنجليزية نثرا ولم تترجم ~~نظما، وليس ذلك إلا لأن النثر يؤدي المعنى أكثر مما يؤديه النظم، ولذلك آثرت الترجمة ~~بالنثر مع علمي بوجود بعض هذه المقطوعات منظومة في العربية، ولكن نظمها لا يرضي من يتوخى ~~الدقة ومطابقة الأصل. # قال تاغورى: # عندما انتصف الليل قال رجل قد أزمع أن يشرع في حياة النسك: ~~«هذا هو الوقت لكي أترك بيتي وأنشد ربي، آه، من هذا الذي ربطني بهذا الباطل طول ~~هذه المدة؟». # فهمس إليه الله قائلا: «أنا» ولكن آذان الرجل كانت مسدودة # وكانت امرأته نائمة وإلى صدرها طفلها على الفراش # ثم قال الرجل: «من هذا الذي غرني وخدعني طول حياتي؟» # فقال الصوت ثانيا: «هو الله»، ولكنه لم يسمع. # ثم صاح «الطفل» في أحلامه ولصق بصدر أمه. # وأمره الله قائلا: «قف أيها الأحمق، ولا تترك بيتك». ولكنه لم يسمع أيضا، فتنهد ~~الله وقال: «لم يخرج هذا العبد يجول ويطوف ليبحث عني وهو يهجرني؟ ~~••• # ليس ثراؤك ثراء لا حد له أيتها الأرض أيتها الأم الصبور الغبراء # فإنك تكدين لكي تملأي أفواه أبنائك، ولكن الطعام قليل # وعطية السرور التي تدخرينها لنا لم تكن قط كاملة # وهذه اللعب التي تصنعينها لأطفالك قصفة سريعة الانكسار # إنك لن تستطيعي أن ترضي أطماعنا ولكن هل لي أن أهجرك لهذا السبب؟ # إن ابتسامتك المظلمة بالألم حلوة في عيني وحبك الذي لا يعرف وصالا عزيز على ~~قلبي # لقد أطعمتنا الحياة من صدرك ولكنك لم تطعمينا الخلود، وهذه هي العلة في أن عينيك ~~أبدا يقظتان # لقد مضت دهور وأنت تعملين بالألوان والأغاني، ولكن ها هي ذي سماؤك لم يتم بناؤها ~~بعد، فإننا لا نعرف منها سوى الإيحاء الحزين # وفوق ما أحدثته من الجمال سحابة من الدموع # وها أنا ذا أصب أغاني ms16 على قلبك الأخرس، وحبي على حبك # وسأعبدك بالعمل # لقد رأيت وجهك الحنون أيتها الأرض، أيتها الأم، وإني أحب غباؤك الكامد ~~••• # لقد همس إلي قائلا: «حبيبتي ارفعي عينيك» # فوبخته بحدة وقلت: «اذهب» ولكنه لم يتحرك # ووقف أمامي وقبض على كلتا يدي، فقلت: «اذهب عني» ولكنه لم يذهب # ثم وضع وجهه قريبا من أذني، فنظرت إليه وقلت: «يا للعار» ولكنه لم يتحرك # ثم لمست شفتاه خدي: فارتعشت وقلت: «إنك لجسور» ولكنه لم يخجل # ثم وضع زهرة في شعري فقلت: «لا فائدة من هذا ولكنه وقف دون أن يتأثر»، # ثم نزع عقد الزهر من عنقي وأخذه ومضى، وها أنا ذا أبكي وأسأل قلبي: «لم لا يرجع ~~إلي؟» ~~••• # أحبك يا حبيبي فاغفر لي حبي لقد وقعت كما يقع العصفور ضل عن طريقه # وعندما ارتعش قلبي تمزق حجابه فتجرد فجلله بالحنان يا حبيبي واغفر لي حبي # وإذا لم تقدر يا حبيبي أن تحبني فاغفر لي ألمي # ولا تنظر إلي نظرة الشرير من بعيد فإني سأذهب إلى الزاوية وأجلس في الظلام # وبكلتا يدي سأخفي خجلي العاري، أديري وجهك عنك يا حبيبتي، واغفر لي ألمي، # وإذا كنت تحبيني يا حبيبتي، فاغفر لي فرحي # وعندما يحمل تيار السعادة قلبي فلا تبتسمي على استرسالي الخطر # وعندما ما أجلس على عرشي وأتحكم فيك بجوار الحب وأعاملك كما تعامل الربة من ~~تحابيه فتحملني كبريائي واغفري لي فرحي ~~••• # لا تحتفظ بأسرار قلبك يا صديقي، بح بها سرا إلي إلي وحدي # أنت يا من يبتسم بهذا اللطف، اهمس لي فإني أسمعك بقلبي لا بأذني # الليل عميق والمنزل صامت وأعشاش الطيور قد نسجت بالنوم # تكلم إلي من بين الدموع المترددة والابتسامات المتعثرة والخجل الحلو والألم ~~الحلو وأخبرني بأسرار قلبك ~~••• # هو: إني آخذ ما ترضخ به يدك لي، ولست أسألك أكثر من ذلك # هي: أجل أجل، إني أعرفك أيها السائل المتواضع، أنت تطلب كل ما عندي # هو: أما من زهرة تستغنين عنها أضعها في قلبي؟ # هي: ولكن هبني أعطيتك شوكا؟ # هو: سأتحمله # هي: أجل أجل، ms17 إني أعرفك أيها السائل المتواضع أنت تطلب كل ما عندي # هو: لو أنك ترفعين عينيك العزيزتين إلى وجهي مرة واحدة فإنك تجعلينني أشعر بحلاوة ~~الحياة التي لا يصل إليها الموت # هي: ولكن هبك وجدت نظرات قاسية فقط؟ # هو: أحتفظ بها في قلبي الذي تخترقه # هي: أجل أجل، إني أعرف أيها السائل المتواضع أنت تطلب كل ما عندي ~~••• # وحسب القارئ هذه المقطوعات نموذجا لشاعرية تاغورى، وأقول في الختام لبعض شعرائنا: إنهم ~~قد يستغربون أنه ليس في دواوين تاغورى المطبوعة رثاء أو مديح، وإنه لم يتقرب بشعره لأمير أو ~~غني أو شريف، ولم يؤجر عليها عند وضعها، وإنما هي عفو الخاطر وفيض العبقرية. # | قصة البحار المصري # لكل أمة أساطيرها التي يؤثرها الخلف عن السلف تحكى للأطفال قبيل النوم، ويروع بها ~~الآباء أبناءهم الصغار عند المخالفة والعصيان، فلكل أمة بعبع وغول، ولكل أمة أيضا طبعة ~~خاصة عن البنت الفقيرة اليتيمة التي يسعدها الحظ وتتزوج من أحد الأمراء، أو عن ذلك الشاب ~~الشجاع الذي يخاطر بحياته لكي يأتي لبنت الملك بما تشتهيه، فينال بذلك يدها ~~ويتزوجها. # وقد صار لهذه الأساطير علم خاص ويدعى في الإنجليزية والفرنسية: «فوكلور» ويرمي إلى ~~البحث عن أصل هذه الأساطير ومنشأها الأول، ومبلغ انتشارها، وما طرأ عليها من التغير عند ~~انتقالها من أمة إلى أخرى، وعلة هذا التغيير ودلالته على مزاج الأمة أو تاريخها. # ومن يستقص الأساطير الشائعة بين فلاحينا التي يروونها لأطفالهم يجد عددا كبيرا منها قد ~~نزل إلينا من المصريين القدماء؛ فإن هذه الأسطورة التي سنرويها الآن للقارئ قد وجدت ~~مكتوبة على بردي لا يقل عمره عن أربعة آلاف عام، وهو موجود الآن في بطرسبرج، ومن يقرأها لا ~~بد أنه يذكر أنه سمع أمثالها من مربيته أو والدته وهو بعد طفل. # قال الراوي وهو بحار: «ذهبت إلى البحر الأخضر العظيم في سفينة يبلغ طولها مئة وخمسين ~~ذراعا في عرض خمسين ذراعا وكان فيها مئة وخمسون بحارا من نخبة البحارة المصريين. وكانوا ~~يرقبون السماء ويرقبون الأرض. وكانت قلوبهم أجرأ ms18 من الأسود. وكانوا يتنبئون عن العاصفة قبل ~~مجيئها ويخبرون عن الزوبعة قبل حدوثها». # وكانت غاية السفينة بلاد البونت وهي أرض المصريين القدماء المقدسة، ومكانها قطر الصومال ~~الآن، ثم حدثت الزوبعة وتحطمت السفينة قريبا من الشاطئ وهلك جميع البحارة ولم ينج سوى ~~الراوي الذي يقول: «إني نجوت وحدي ولم يكن لي رفيق سوى قلبي». # ثم هدأت العاصفة وصحا الجو فعاد إلى البحار روعه، فقام وأخذ يسعى يفتش عما يقتات به ~~فوجد أن سفينته قد تحطمت على شاطئ جزيرة غير مأهولة، ولكن أشجار الفاكهة زاكية تشتبك فيها ~~دوالي الكروم بأغصان الرمان والتين، وكانت الأسماك تروح وتغدو إلى جانب الشاطئ والبحر ~~منبسط حول الجزيرة هادئ لا يقلق هدوءه سوى ظهور الدلافين التي كانت تثب ثم تغوص فتترك ~~وراءها رشاشا من الماء يلتمع في ضوء الشمس. # قال الراوي: «وجدت هناك تينا وعنبا وبصلا جيدا وبطيخا ورمانا وقرعا من جميع ~~الأصناف، وكان هناك أسماك وطيور وكل ما اشتهيته وجدته هناك؛ فأكلت وشعت، ووضعت على الأرض ~~ما جمعته بين ذراعي ثم أخرجت زندي وأشعلت نارا وقدمت قربانا للآلهة». # وبينما هو يأكل سمع صوتا كالرعد ظنه أولا صوت أمواج البحر ولكنه عاد، فرأى أيضا أن ~~الأرض ترتجف والأشجار تصطك ونظر فإذا بشيء رائع جعله ينبطح على وجهه ويخفي رأسه في الأرض ~~قال: ~~«ثم كشفت عن وجهي فرأيت ثعبانا طوله ثلاثون ذراعا وكان ذنبه ذراعين وكان جلده مغطى ~~بالذهب وعيناه من الفيروز الحقيقي. فكان بذلك كاملا من جميع الجهات ففتح فمه وأنا منبطح ~~على وجهي وقال لي: «من أتى بك هنا أيها الصغير. من أتى بك هنا؟» إذا لم تقل لي حالا من أتى ~~بك إلى هذه الجزيرة فإني أعرفك مقدارك بعد إذ تكون رمادا وتصير شيئا لا يرى». # ولكنه لفرط فزعه لم يقدر على الجواب، ورق قلب الثعبان له فحمله في فمه وسار إلى أن وصل ~~إلى مسكنه فوضعه هناك، وكان البحار لا يزال مروعا، فقال له الثعبان: «من أتي بك إلى هنا ~~أيها الصغير. من أتي ms19 بك إلى جزيرة البحر الأخضر العظيم التي تطفو على الماء؟» فقال البحار: ~~«كنت مسافرا إلى المناجم بأمر الملك في سفينة يبلغ طولها مئة وخمسين ذراعا في عرض خمسين ~~ذراعا، وكان فيها مئة وخمسين بحارا من نخبة البحارة المصريين، وكانوا يرقبون السماء ~~ويرقبون الأرض، وكانت قلوبهم أجرأ من الأسود، وكانوا يتنبئون عن العاصفة قبل مجيئتها ~~ويخبرون عن الزوبعة قبل حدوثها، وكان لكل منهم قلب جرئ وذراع عبل وكلهم مجرب، وثارت العاصفة ~~ونحن بعد في البحر الأخضر العظيم قبلما نصل إلى الشاطئ، ثم تضاعفت هبوط العاصفة، وكانت ~~الأمواج ترتفع ثمانية أذرع، فتعلقت أنا بلوح من الخشب، وتحطمت السفينة وهلك جميع من كان ~~فيها سواي أنا وحدي الذي أقف الآن إلى جانبك، وحملتني أمواج البحر الأخضر العظيم إلى هذه ~~الجزيرة». # فتحنن عليه الثعبان وقال له: «لا تخف أيها الصغير لا تخف ولا يغلبك اليأس، فإذا كنت قد ~~أتيت إلي فإن الله هو الذي أبقى على حياتك وحملك إلى هذه الجزيرة التي لا ينقصها شيء بل ~~يوجد فيها كل شيء حسن، وستقضي هنا شهرا بعد شهر حتى تنتهي أربعة أشهر، ثم ترد إلينا سفينة ~~من بلادك تعرف بحارتها وتعود معهم حيث تموت وتدفن في بلدك». # وأنس به الثعبان وأقبل إليه يحدثه عن ماضيه حتى يسري عنه فقال له: «لقد نزل بي مثل ما نزل ~~بك؛ فقد كنت أسكن أنا وأخوتي وأولادي هنا في هذه الجزيرة وكنا جميعا 72 ثعبانا غير بنت ~~جاءتنا علي سبيل الصدفة، فنزل علينا نجم فاحترق الجميع وذهبوا، وكنت وقت أن احترقوا بعيدا ~~عنهم ولم أكن بينهم، وعندما عدت ورأيتهم كومة من الجثث أوشكت أن أموت جزعا عليهم». # ثم قال الثعبان للبحار: «إذا كنت شجاعا قادرا على ضبط شوقك فإنك سوف تضم أولادك إلى ~~صدرك وتقبل زوجتك وترى بيتك وهو خير ما تحب، وسوف تصل إلى وطنك وتعيش بين إخوانك». # فقال البحار: «وهنا انبطحت على وجهي ولمست الأرض أمامه وقلت له: سأخبر الملك عن قوتك ~~وعظمتك، وسأعرفه عن مقدارك، وسأجعله يرسل ms20 إليك الطيوب والتوابل والمر والعود والبخور وسائر ~~ما يتقرب به إلى الآلهة، وسأخبرهم عما حدث لي وما رأيت من قوتك، وسوف يحمدونك أمام جميع ~~قضاة البلاد، وسأضحي لك بالثيران والأوز وأرسل إليك بالسفن التي تحمل أحسن ما في مصر كما ~~يجب أن نعمل لإله يحب الناس ويعيش في جزيرة لا يعرفها الناس». # ولكن الثعبان استغرق في الضحك وقال له: «ألا ترى هنا أشياء البخور؟ ألست أنا هنا رب ~~البونت وعندي بخوري؟ أما التوابل ففي الجزيرة منها الشيء الكثير. ولكن عندما يترك هذا ~~المكان فإنك لن ترى الجزيرة ثانيا إذ تصير أمواجا». # ثم مضت الأشهر الأربعة وجاءت السفينة كما تنبأ الثعبان قال الراوي: ~~«صعدت على شجرة وعرفت من في السفينة فذهبت لكي أخبر الثعبان فوجدته كان يعرف ~~ذلك». # ثم ودعه الثعبان وقال له: «لتصحبك السلامة يا بني، لتصحبك السلامة إلى منزلك. وإني أدعو ~~لك أن ترى أولادك وأن يكون لك اسم طيب في بلدك، هذه هي دعواتي لك». # قال البحار: «فانبطحت أمامه وطويت ذراعي، فأعطاني شحنة من البخور والطيوب والمر والعود ~~والكحل وأذناب الزرافة وأنياب الفيل والكلاب والقردة وأشياء أخرى ثمينة، ووضعتها جميعها في ~~السفينة، ثم نزلت وانطرحت لكي أشكره فقال لي: «ستصل بلادك بعد شهرين وتضم أولادك إليك وتعيش ~~في خير وبركة وهناك تدفن». # قال البحار: «فسارت سفينتنا نحو الشمال إلى مكان الملك ووصلنا بعد شهرين كما قيل لنا، ~~ودخلت على الملك وقدمت له ما أحضرناه معنا من الجزيرة فشكرني الملك أمام جميع قضاة البلاد، ~~وصرت من الحاشية وكوفئت بعدد من الموالي». # | في المدينة الخاطئة # جمهورية تشكو سلوفاكيا من الجمهوريات الحديثة التي ظهرت عقب الحرب، وكان أهلها قبلا من ~~رعايا النمسا والمجر، وأهل هذه الجموهرية الجديدة أقوام حديثو العهد بالوطنية إذ كانوا ~~قبلا ملكا مشاعا بين النمسا والمجر، فحكومتهم وأدباؤهم وساستهم يجهدون أنفسهم لإيجاد ~~عاطفة التماسك والوطنية فيهم الآن. # والقصة التالية وضعها أحد أدبائهم المدعو كاريل كابيك وهو يرمي إلى هذه الغاية، وقد جعل ~~موضوعها قصة النبي لوط وخروجه من ms21 مدينة سدوم إذ أمر الله بإهلاك قومها لطغيانهم وانغماسهم ~~في الخطايا والموبقات. قال الكاتب: # نزل سدوم ملكان وقت المساء فرآهما لوط ووقف لكي يستقبلهما ثم انحنى أمامهما ووجهه إلى ~~الأرض. # ثم قال لهما «انزلا في منزل خادمكم واقضيا الليل واغسلا أقدامكما فإذا جاء الصباح فذهبا ~~إلى حيثما تشاءان». # ولكنهما أجاباه قائلين: «سنقضي الليل في طرق المدينة». # ثم قال له: «أهنا أحد غير هؤلاء الذين نراهم؟ زوج ابنتك وأبناؤك وبناتك وغيرهم ممن ~~يوجودون في المدينة؟ اجمعهم جميعا وأخرجهم من هذا المكان فإننا سنهلك من فيه من السكان ~~لانغماسهم في الدنس والخطيئة حتى صار الله يمقتهم». # وسمع لوط هذا الكلام فاغتم غما شديدا فسألهم قائلا: «ولماذا أترك هذا ~~المكان؟». # فقالا: «لأن يهوه (الله) لا يريد أن يهلك الصالحين». # فوجم لوط طويلا ثم قال: «اسمحا لي أن أغادركما حتى أخبر أصهاري وبناتي كي يتهيئوا ~~لترك المدينة». # فأجاباه إلى ما طلب فخرج يهرول إلى شوارع المدينة، وصار يعدو ويصيح في الناس: «أيها ~~الناس! اخرجوا من هذا المكان فإن الله سيدمر المدينة». # ولكن الناس حسبوه يسخر منهم فلم يلتفتوا إليه، فعاد لوط إلى منزله ولكنه لم ينم بل قضى ~~الليل قاعدا يفكر، فلما انتشر ضوء الفجر جاء الملكان إلى لوط ثانيا وقالا له: «قم خذ ~~امرأتك وبنتيك واخرجوا لئلا تهلكوا مع الذين سيهلكون لذنوبهم». # فقال لوط: «كلا، لن أخرج، لقد استشرت نفسي طول الليل ورأيت أني لا أقدر على ترك المدينة ~~لأني واحد من أهلها». # فقال الملكان: «أنت رجل صالح ولكن أهل سدوم جائرون طغاة وقد أغضبت ذنوبهم الله، فما يعنيك ~~من أمرهم؟». # فقال لوط: «لست أعرف ما يعنيني وإنما أقول إني فكرت فيما يجب أن أعمله مع أهل سدوم، فرأيت ~~أني قد قضيت حياتي وأنا أشكو منهم وأحكم على أفعالهم وأقسو في الحكم، ولكني أراني الآن ~~حزينا لأنهم قد قضي عليهم بالهلاك، أجل إني قد ذهبت إلى أهل مدينة سيجور فرأيت أنهم أكثر ~~صلاحا وتقى من أهل سدوم». # فقال الملكان: «قم واذهب إلى سيجور ms22 فإنها لن تهلك». # فقال لوط: «وما يعنيني من شأن سيجور؟ إني أعرف رجلا صالحا هناك كان يشكو من أهل مدينته ~~كما أشكو أنا من أهل سدوم، والآن اتركاني فلست أقدر على ترك سدوم». # فعاد الملكان يلحان عليه بالخروج وقالا له: «قد أمرنا الله بأن ندمر سدوم» فقال ~~لوط وهو هادئ: «فلتكن مشيئة الله، لقد فكرت طول الليل وتذكرت عدة أشياء جعلتني أبكي، هل ~~سمعتم أهل سدوم وهم يغنون؟ كلا، إنكم لا تعرفونهم ولو عرفتم لما جئتم إليهم بهذه المهمة، ~~فإن فتيات هذه المدينة إذا سرن في الطرق تبخترن في مشيتهن وتغنين بالأغاني العجيبة ~~ويضحكن عندما يستيقن من الآبار. وليس في العالم ماء أصفى من ماء سدوم، وليس في العالم لغة ~~أحلى من لغة سدوم، وإذا تكلم طفل فهمته كأنه ابني، وإذا لعب فإنما يلعب ما كنت ألعبه في ~~طفولتي. # وكنت وأنا طفل إذا بكيت لاطفتني أمي بلغة سدوم. آه يا ربى إني أشعر كأن هذا قد حدث أمس ~~فقط». # فقال أحد الملكين: «إن أهل سدوم قد أذنبوا وذنوبهم تعدو حدود الغفران ولذلك ...». # فقاطعه لوط قائلا: «أجل إنهم أذنبوا ولكنك هل لاحظت بعينك صناع المدينة؟ فهم يشتغلون ~~كأنهم يلعبون فإذا صنعوا قدرا جميلة أو نسجوا قطعة من المدينة الكتان فليس يملك أحد قلبه ~~من أن يطفر عندما يرى هذه الأيدي الصناع الماكرة وهي تشتغل، وقد يجلس الإنسان أمامهم طول ~~النهار لا يسأم لفرط ما يبدونه من المهارة، وإذا أخطئوا غضب الإنسان لخطئهم أكثر مما يغضب ~~لخطأ الصناع في سيجور. بل يشعر الإنسان بعذاب هذا الخطأ كأنه هو نفسه قد أخطأ فما هي قيمة ~~صلاحي إذا كنت من أهل سدوم؟ فإذا كنتم ستقضون على سدوم فاقضوا علي أنا أيضا فلست رجلا ~~صالحا بل واحد منهم؛ ولذلك إني لن أترك هذا المكان». # فاربد وجه الملك وقال مغضبا: ~~«إنك ستهلك إذن معهم». # فأجاب لوط: «قد يكون ذلك، ولكني سأعمل جهدي كي أنجيهم من الدمار، ولست أعرف ما سأفعله ~~ولكني أعتقد أن واجبي يحتم علي ms23 مساعدتهم إلى النهاية. أتظن أنه من السهل علي أن أتركهم؟ ~~إني أخالف إرادة الله فهو لا يسمع لي، ولو سمع الدعوات إليه أن يمنحني ثلاثة أعوام أو ثلاثة ~~أيام أو حتى ثلاث ساعات. وما قيمة ثلاث ساعات في عين الله؟ لو أن الله أمرني أمس بترك ~~المدينة لقلت له: أمهلني يا ربى حتى أتكلم مع هذا وأخاطب ذاك، أجل إني قضيت حياتي أحكم ~~عليهم بدلا من أن أتوسل إليهم وأغريهم بالصلاح فكيف أتركهم الآن ليهلكوا؟! ألست أنا أيضا ~~مسئولا عن انغماسهم في الخطيئة، لست أحب أن أموت لكني لا أستطيع رؤيتهم يهلكون ولذلك سأبقى ~~هنا. # فقال الملك: «ولكنك لن تستطيع تخليص سدوم». # فأجابه لوط قائلا: «أعرف ذلك ولكني سأحاول. لقد كنت قاسيا عليهم طول حياتي وحملت معهم ~~أثقل أعبائهم وهو طغيانهم، ولكني يا ربي لست أقدر على التعبير عن مكانهم في قلبي وقصاراي أن ~~أمكث معهم». # فقال الملك: «إن قومك هم الصالحون الذين يؤمنون بالرب الذي تؤمن به أما أهل الخطيئة والشر ~~وعبدة الأوثان فليسوا من قومك». # فقال لوط: «كيف لا يكونون قومي وهم أهل سدوم، إنك لا تدرك معنى ما أقول لأنك لا تسمع إلى ~~صوت الدم والأرض، تقول عن سدوم إنها مدينة الإثم والشر، ولكن أهل سدوم عندما ينفخ بوق الحرب ~~لا يقاتلون من أجل إثمهم وشرهم، بل يقاتلون من أجل أشياء ثمينة، حتى أشرارهم يستطيعون أن ~~يموتوا من أجل الغير؛ فسدوم هي كل شيء، وإذا كان الله يرى في بعض المزايا فليعزها إلى ~~سدوم لا إلي وماذا أن قائل بعد هذا؟ ألا قل لربك: إن عبدك لوط قد وضع نفسه بين رجال سدوم ~~يدافع عنهم ويحميهم منك أنت كأنك عدوه. # فصاح به الملك: «قف ما أفظع خطيئتك ولكن الله لم يسمعك، قم واستعد لترك المدينة وانج ~~بزوجتك وابنتيك». # فتفجرت عينا لوط بالدموع وقال: «أجل يجب أن أنجيهم، أنت محق في هذا أرشدني». # ولكنه تلكأ، فأخذه الملكان من ذراعيه وأخذا زوجته وابنتيه وقادوهم إلى الخارج؛ وذلك لأن ~~الله ms24 كان يرحم لوطا. # فلما خرج لوط بأهله صلى قائلا: «كل ما بي من حياة فهو من سدوم، فلحمي من أرضها ولغتي ~~هي لغة رجالها ونسائها، وما لعنت هؤلاء الرجال والنساء مرة إلا وأنا أقبلهم، أجل يا سدوم ~~إني أراك عندما أغمض عيني لأنك كائنة في نفسي كما كنت أنا كائنا فيك. سدوم. سدوم ألست أجمل ~~بلاد العالم؟ # لو أني رأيت نافذة من نوافذ بيوتك عليها غطاء من الكتان لعرفتك منها وقلت هذه نافذة بيت ~~من بيوت سدوم، إني كالكلب يؤخذ من صاحبه ويبعد عنه فيضع أنفه في التراب فيشم رائحة صاحبه، ~~إني أؤمن بالله ونواميسه ولم أؤمن بك سدوم ولكنك كائنة، أما البلاد الأخرى فظل زائل لست ~~أرتاح إذا جلست إلى حائط من حيطانها أو شجرة من أشجارها. # إني أؤمن بالله لأنه رب سدوم فإذا ذهبت سدوم فسيذهب إيماني. ~~«أبواب سدوم. إلى أين أذهب عنك؟ وفي أي فراغ أضع قدمي؟ أجل ليس تحت قدمي أرض فإنا أقف ~~وكأني لست أقف، اذهبن عني يا بناتي فلست أقدر على أن أسير أكثر مما سرت». # فحملوه إلى خارج المدينة وقال الملكان: «انجوا بحياتكم ولا تلتفوا إلى الوراء ولا تمكثوا ~~في هذا السهل، بل فروا إلى الجبال حتى لا تهلكوا». # وكانت الشمس قد طلعت عندما قالا ذلك، ثم دمر الله مدينة سدوم ومدينة عمورة وأمطرهما ~~وابلا من النار والحمم، ورأى لوط ذلك فصاح صيحة الألم وجرى عائدا إلى المدينة. # فعدا وراءه الملكان وصاحا به: «ماذا تفعل؟!». # فقال لوط: «أذهب لكي أساعد أهل سدوم» ثم دخل إلى المدينة وهي تحترق. # | مذكرات مكسيم جوركي # أنقل للقراء فيما يلي نموذجا من الأدب الروسي في قطعة مختارة من مذكرات مكسيم جوركي، ~~ويذكر القراء أن هذا الأديب الشهير قد عين في بدء الحركة البولشفية مديرا لإدارة ~~الفنون الجميلة، ثم لم يطق استبداد لنين فاستقال ورحل من روسيا إلى بلاد أوروبا، والقطعة ~~التالية تبين للقارئ ذلك القلق الذهني الذي أصاب أدباء روسيا من تأثير الصدمة التي نالتهم ~~في ذلك الانقلاب ms25 الهائل عند انتقال الأمة الروسية من أوتوقراطية القيصر إلى ديمقراطية ~~البولشفيين، أو بالأحرى فوضاهم. # قال جوركي: # تحدثت أمس إلى الشاعر إسكندر بلوك، وقد خرجنا معا من إدارة الآداب فسألني رأيي عن ~~محاضرته التي ألقاها من مدة وكان موضوعها: «تحطم آداب الإنسانيات». # فقد ألقى هذه المحاضرة منذ أيام وقد كانت أشبه بمقالة منها بمحاضرة، وشعرت وأنا أصغي إليه ~~كأن معناها كان غامضا ولكنه كان ذا مغزى سيئ ونذير شؤم. وكان بلوك وهو يقرؤها يذكرني بذلك ~~الطفل في تلك الأسطورة الشهيرة حيث يضل في الغابة فيشعر كأن الجن المردة تقترب منه، وتحدثه ~~نفسه بأن يقول تعويذة قد حفظها لطرد هؤلاء الجن فيدمدم بها وهو خائف مذعور، فكانت أصابعه ~~ترتجف وهو يقبض بها على أوراق المحاضرة. # وتساءلت وأنا أنظر إليه وقتئذ عما إذا كان هو قد سره تحطم هذه الآداب أو أساءه، ~~وهو في النثر قليل الحظ بخلافه هو في الشعر، فأسلوبه جامد ولكنه عميق الشعور يميل إلى الهدم ~~والتدمير، وأقول بعبارة أخرى إن بلوك من رجال «الانحطاط» واعتقادي أن آراء بلوك غير واضحة ~~في ذهنه؛ فكلماته كالأعشاب التي تنبت الأحجار ليس لها جذور عميقة في ذهنه، فهي لا تغور إلى ~~ذلك العمق الذي لو بلغه لتحطم هو أيضا مع ما يسميه «تحطم آداب الإنسانيات». # وبعض الآراء التي أدلى بها في المحاضرة تراءى لي عندئذ كأنه فج لم ينضج، مثال ذلك ~~قوله: ~~«إن نشر الحضارة بين سواد الأمة ليس من المستطاع ولا هو من الضروري». وقوله أيضا: «إن ~~المخترعات قد أخذت مكان المستكشفات». # فإني أعرف أن القرن التاسع عشر والقرن العشرين إنما كان غنيين بالمخترعات لأنهما كانا ~~أعظم العصور وأخصبها في المستكشفات، ثم القول بأن الحضارة غير ضرورية للأمة الروسية وغير ~~ممكنة هو نوع من الهمجية. # وقد أخذت أوضح له رأيي في حذر وحيطة؛ لأن من الصعب أن يناقشه الإنسان في موضوع ما، فإنه ~~يزدري بجميع الناس الذين لا يأنسون إلى عالمه الذهني فينظرون إليه نظرة الاستغراب ويرون أنه ~~غير واضح، وقد كنت ms26 أنا أحد هؤلاء، وقد اعتدت أن أجتمع به مرتين في الأسبوع في إدارة ~~الآداب. # وقد تناقشت معه غير مرة عن نقص الترجمة من حيث روح اللغة الروسية، ومثل هذه المناقشات لا ~~تقرب الناس بعضهم من بعض، وكان مثل سائر الموظفين في إدارة الآداب ينظر إلى الأعمال ~~نظرا رسميا فلا يكترث لها. # وقد قال لي إحدى المرات إنه قد سر لأنه رآني قد تخلصت من تلك العادة التي يقع فيها ~~رجال الذهن في روسيا، وهي ميلهم إلى حل المسائل الاجتماعية، وكانت كلماته لي وقتئذ: «لقد ~~كنت على الدوام أشك في حقيقة هذا الميل فيك، وظاهر من قصتك «مدينة أوركوروف» أن المسائل ~~الصبيانية تقلقك وتزعجك، وهي في الواقع أهم االمسائل وأروعها وأعمقها». # وقد كان مخطئا في هذا الزعم ولكني لم أناقشه وقلت في نفسي: «فليعتقد في ما شاء إذا ~~كان هذا الاعتقاد يسره أو إذا كان يضطر إليه اضطرارا». # ولكنه لج في السؤال حتى قال لي: «لماذا لا تكتب عن هذه المسائل؟». # فقلت له: إن مثل هذه المسائل كمعنى الحياة والموت والحب، هي مسائل شخصية تلصق بي أنا ~~وحدي، فلا أحب أن أنشرها على الناس في الأسواق، وإذا اتفق في النادر أنى أفعل ذلك على الرغم ~~مني فإني عندئذ أراني لا أحسن البيان، وكلام الإنسان عن نفسه نوع من الفنون الجميلة لا ~~أزال أجهله. # ثم سرنا إلى بستان الصيف وجلسنا على أحد المقاعد، فكانت عينا بلوك زائغتين، وكانت ~~فيهما لمعة وفي وجهه اختلاجات تنبئ عن حيرة أدركت منها أنه في اشتياق إلى الكلام وإلى ~~السؤال، فحرك قدميه على الأرض، ثم التف إلي وقال بلهجة العتاب: ~~«لماذا تخفي؟ أنت تخفي أفكارك عن الروح وعن الحقيقة، فلماذا تفعل ذلك؟». # وقبلما أجيبه على سؤاله اندفع ينكر على رجال الذهن الروسيين طريقتهم وخطتهم، وينتقدهم ~~بألفاظ لم يعد لها موضع بعد الثورة. فقلت له: إني أعتقد أن الموقف الانتقادي الذي يتخذه ضد ~~رجال الذهن هو في الحقيقة موقف ذهني؛ لأن هذا الموقف الانتقادي لم يكن ليأتي عن ms27 طريق ~~الفلاحين الذين لا يعرفون من رجال الذهن سوى الطبيب الذي يبذل نفسه في خدمتهم ومعلم ~~القرية في الأحوال النادرة، وليس هذا موقف عمال المدن الذين لا يعزون فضل رقيهم وتعلمهم إلا ~~إلى رجال الذهن. وهذا الموقف خطأ في ذاته ثم هو قد أزال من رجال الذهن احترامهم لأنفسهم ~~وأتلف عليهم عملهم التاريخي باعتبارهم حفظة الثقافة ووكلاءها؛ فإن مهمتهم في التاريخ وفي ~~المستقبل بل هي الآن تنحصر في القيام بعمل الجواد الذي يجر المركبات، فقد رفعوا العمال ~~بجهودهم التي لا تعرف الكلال إلى مستوى الثورة التي لم يسبق لها مثيل من حيث مدى المسائل ~~التي تحاول حلها الآن وغورها. # فشعرت كأنه لم يكن ينصت إلي، ولكني عندما سكت عاد إلى نغمته الأولى عن رجال الذهن، ~~فأشار إلى تذبذبهم نحو البولشفية ثم التفت إلي وقال هذه الكلمة الصادقة: ~~«لقد أخرجنا روح التدمير من الظلمة وأوجدناه، فليس من الحق بعد ذلك أن ننكر أننا نحن علة ~~وجوده؛ فالبولشفية هي النتيجة التي لم يكن ثم مناص منها لجميع ما قام به رجال الذهن في ~~محاضراتهم في الجامعات وفي مقالاتهم في الصحف وفيما كانوا ينشرونه سرا». # وهنا مرت بنا امرأة جميلة فحيته تحية الوداد، فنظر إليها نظرة جافية كأنه لا يكترث ~~لها. فتركتنا وعلى شفتيها ابتسامة الارتباك. ثم أتبعها بعينيه ينظر إلى قدميها الصغيرتين ~~المترددتين وقال لي: ~~«ماذا تظن في الخلود. في إمكان الخلود؟». # وكان في سؤاله لهجة إلحاح تتبين العناد من نظرته، فقلت له: ربما كان لاميناس صادقا في ~~قوله بأنه ما دامت المادة الموجودة في الكون محدودة فيجب أن يتكرر امتزاج هذه المواد عدة ~~مرار على مدى الأبدية؛ وعلى هذا فمن الممكن أنه بعد ملايين من السنين في مساء أحد الأيام ~~سيجلس هنا في «بستان الصيف» بلوك وجوركي يتحدثان عن الخلود مرة أخرى. # فقال: «هل تتكلم بجد؟». # فدهشت من إلحاحه بل شعرت كأنه يحرجني، ولو أني شعرت أنه لم يسألني عن فضول بل عن رغبته في ~~إزالة خاطر قد علق به كالوسواس ms28 يزعجه ويقلقه. # فقلت له ليس هناك من سبب يدعوني إلى اعتقاد أن رأي لاميناس في هذا الموضوع أقل وجاهه من ~~رأي الآخرين الذين كتبوا فيه. # فصك الأرض بقدمه وهو يتململ مع أنه قبل هذه الليلة لم أكن أعهد فيه سوى الصمت والتحفظ. ثم ~~قال: «ولكن عن نفسك. عن نفسك ماذا تعتقد؟». # فقلت: «أما عن شخصي فإني أعتقد أن الإنسان هو أداة تتحول بواسطتها المادة الميتة إلى قوة ~~نفسية، وأنه في أحد الأزمنة الآتية بعد دهر طويل في المستقبل البعيد سيحول الإنسان هذا ~~الكون بأجمعه إلى قوة نفسية لا مادة فيها». # فقال: «لست أفهم ما تعني: تريد عالما روحانيا؟» فقلت: «كلا، فإن الكون كله سينقلب ~~فكرا مجردا، وستزول كل مادة لأنها ستصير فكرا مجردا، فلا يبقى غير الفكر الإنساني يحتوي ~~على لمحات الإنسان الأولى إلى اللحظة الأخيرة حين يتفجر». # فقال وهو يهز رأسه «لست أفهم ما تعني» فأشرت إليه بأن يتوهم الكون باعتباره انحلالا ~~دائما للمادة، والمادة في هذا الانحلال تصدر عنها قوات مختلفة مثل الضوء والأمواج ~~الكهربائية المغنطيسية والأمواج الهرتزية وما إلى ذلك؛ فالفكر هو أيضا انحلال مادة الدماغ، ~~وليس الدماغ سوى تآلف بعض المواد الميتة، ففي دماغ الإنسان تتحول هذه المادة على الدوام إلى ~~قوة نفسية، وهذه القوة ستتآلف أجزاؤها وترتاح إلى التأمل في ذاتها وفى قواها المبتكرة ~~العديدة المختبئة فيها. # فتبسم بلوك وقال: «خيال كامل رديء، ومن حسن الحظ أن الناموس القائل أن المادة لا تفنى ~~يعارض ما تقول» فقلت: «وأنا أيضا أعتقد أن من حسن الحظ أن القوانين التي تصدر عن معامل ~~التدريب لا تتفق ونواميس هذا الكون المجهولة؛ فإني مقتنع بأنه إذا كنا نستطيع وزن هذا ~~الكوكب الذي نسكنه وجدناه يقل بالتدريج». # فهز بلوك رأسه ثانيا وقال: «هذا عبث، فالمسألة أبسط جدا مما ذكرت، وهي تتلخص في أننا ~~قد بلغنا من البراعة حدا صرنا لا نؤمن فيه بالله ثم لم نقو بعد على الإيمان بأنفسنا، ~~أما أساس الحياة والإيمان فوالله ونفسي. تقول النوع البشري؟ ولكن هل ms29 تقدر أن تؤمن بالنوع ~~البشري بعد هذه الحرب وهذه الحروب القاسية التي نحن على وشك النزول فيها؟ كلا. إن خيالك ~~غريب وأظن أنك تعبث». # ثم تنهد وقال: «آه لو استطعنا أن نقف عن التفكير مدة عشر سنوات حتى ينطفئ هذا الضوء ~~الخالب، هذه اليراعة التي تسوقنا نحو الظلام، ما أحوجنا إلى أن نصغي بقلوبنا إلى أنغام هذا ~~الكون! يا لهذا الدماغ! إنه عضو لا يصح أن يؤتمن قد عدا طوره في الضخامة والنمو كأنه ~~ورم». # ثم سكت برهة وشفتاه مطبقتان ثم قال في هدوء: ~~«لو وقفت كل حركة ...». # فقلت: «الحركة تقف إذا كان كل شيء حولها يسير بسرعتها». # فنظر إلي بلوك ورفع حاجبيه وأخذ يتكلم بل يهذي بكلمات غامضة لم أفهمها، وشعرت شعورا ~~غريبا، شعرت كأنه يمزق من نفسه خرقا بالية. # ثم وقف فجأة ومد إلي يده مودعا وسار نحو الترام، وقد تشعر وأنت تنظر إليه أن خطواته ~~ثابتة ولكنك متى دققت النظر ألفيتها مضطربة متزعزعة، ومهما كان لباسه من حيث الجودة ~~والنظافة فإنك تشعر أنه يجب أن يختلف الناس في لباسه وهندامه، بخلاف سائر الناس فإنهم مهما ~~لبسوا ومهما كان زيهم لا يختلفون عن غيرهم، ولكن بلوك يختلف عنهم فهو يحتاج إلى زي ~~آخر. # | قصة الكافر # دخلت المسيحية مصر في القرن الأول الميلاد، فآمن بها الفقراء أولا، وكانوا يجتمعون ~~اجتماعات سرية فيأخذون في الصلاة وسب الأوثان والأغنياء، ثم قوي فصاروا يجهرون بإيمانهم ~~ويلعنون الأغنياء في الشوارع ويتصدون لهم بالسب والتشهير، وكان بعضهم يذهب خلسة إلى المعابد ~~فيضع الأقذار على الآلهة. # وكان من مبادئ المسيحية ألا يقاوم الشر بالشر، فامتنع المسيحيون من دخول الجيش الروماني ~~وصاروا يحضون الرومانيين على ذلك. # فهاجت لذلك الحكومة الرومانية في مصر ورومية وهاجت الطبقات الغنية، فقد كان لا يمضي يوم ~~إلا ويسمع الأغنياء بأن المسيحيين سيذبحونهم ويوزعون أموالهم على السواء بينهم ويعيشون في ~~شبه شيوعية كما كان يعيش حواريو المسيح. # فأخذ نيرون ودقلديانوس في الضرب على أيدي النصارى ومكافحة هذا الدين الجديد، وصارت ~~الحكومات الرومانية ms30 تضطهد المسحيين وتقبض عليهم في كل مكان، وتأمر بقتلهم أو رجوعهم إلى ~~ديانة الأوثان، فكان ضعاف القلوب والإيمان وذوو المسئوليات العائلية ينكرون إيمانهم جهرا ~~ويؤمنون به سرا، وهم في كل ذلك ينتظرون الزمن السعيد الذي يزول فيه عن الناس حكم الناس ~~ولا يبقى سوى حكم الله. # وكان في إحدى مدن الصعيد شاب يدعى جورجي، وكان من أسرة غنية إذ كان أبوه قاضيا في ~~المدينة، وكان الأغنياء يشبهون بالرومانيين في التسمي بأسمائهم دون الأسماء المصرية، ونشأ ~~جرجي معبدا يغشى المعابد ويصلي أمام الآلهة وكثيرا ما كان يقضي طول نهاره وهو قائم ~~يتعبد وكان يتهجد أيضا بعض الليل. # وكان يكره المسيحيين ويعتبرهم كفرة طغاة يجب أن يتقرب الإنسان إلى الآلهة بذبحهم، وكان ~~يلاحظ أحوال الخدم في بيت أبيه ويحذرهم من الانضمام إلى تلك الشيعة الجديدة التي تدعي أنها ~~مؤمنة بإله لا يرى ولا يحس. # وكان الخدم يعرفون تعصبه للأوثان فيتظاهرون بالطاعة ويضمرون بالمسيحية، ولكن كان من ~~بينهم خادم حصيف رأى من حرارته الدينية وشدة إيمانه مادة غفلا يمكن استعمالها في نشر ~~المسيحية، فصار يتقرب إليه ويتلطف له في الحوار، يراجعه بالحسنى ويداوره بالمكر حتى استطاع ~~أن يأخذه إلى أحد أندية المسيحيين بعد أن استوثق منه ألا يفشي سرهم. # وذهب جرجي مع الخادم إلى حيث يجتمع المسيحيون، وكانوا يجتمعون في جبانة قديمة مهجورة، ~~وكان أكثر قبورها مكشوفا محطما، فرأى هناك شيئا غريبا لم ير مثله قط بين عبدة ~~الأوثان. # فقد اعتاد أن يرى كهنة الأوثان يضعون أفخر الحلل ويأكلون أشهى الأطعمة ويعيشون أنعم عيشة ~~يتقلبون في الترف واللذة، عليهم الديباج والذهب ولهم الخدم والحشم والضياع الواسعة العامرة ~~تأتيهم بالريع الكثير والخير العميم، أما هؤلاء المسيحيون فكانوا في خرق بالية قد خرجوا من ~~كل ما يملكون إلا إيمانهم بربهم وحبهم للناس ورغبتهم في خدمة الفقير، وكانوا إذا وقفوا ~~للصلاة أداموا الوقوف والسجود ساعات متوالية فإذا وعظهم واحد منهم خروا على وجوههم وبكوا ~~أحر البكاء، يفعلون ذلك حتى يطلع الفجر فيعودون إلى أعمالهم بالنهار. # فأخذ ms31 جرجي في محاجة شيوخهم عن الإيمان الحقيقي فلم يدم الحال طويلا حتى آمن ~~إيمانهم. # ولكنه لم يكن خائر النفس ضعيف الإيمان حتى يضمره ويظهر الوثنية، فإنه جهر بدينه الجديد ~~وصار يتصدى للأغنياء ويدعوهم إلى ترك أموالهم للفقراء والإيمان بالمسيحية، وينذرهم بالعقاب ~~العاجل الذي سينزل من السماء ويحل بهم إذا هم أصروا على عبادة الأوثان، ولو كانت الدعوة إلى ~~المسيحية في تلك الأيام مقصورة على الإيمان فقط لما وجد المسيحيون عناء في هدم الأصنام ~~وتعميم المسيحية، ولكنهم كانوا يطلبون من الأغنياء ترك أموالهم وتوزيعها بين ~~الفقراء. # فهاج الأغنياء لهذه الدعوة الجديدة، وعقدوا محفلا أوضح فيه خطباؤهم أن جرجي قد أثار ~~الفقراء علي الأغنياء وأنه كسر بعض الأصنام، وأنه يعتز بوجود أبيه في كرسي قضاة المدينة فهو ~~لا يقبض عليه ولا يحكم عليه بالموت مع أن غيره ممن جهر بهذه الدعوة قد حكم عليه ~~بالموت. # وانقسمت المدينة حزبين: حزب الفقراء النصارى وهم يؤيدون جرجي، وحزب الأغنياء والموظفين ~~والكهنة وهم يطلبون قتل جرجي بلا محاباة لأنه قد كفر بدين الآباء وحرض الفقراء على العصيان ~~واغتصاب أموال الأغنياء. # وكان جرجي وحيد أبيه، وكان أبوه رجلا مستنيرا قد قرأ بعض الكتب الإغريقية، ففتقت ذهنه ~~وصبغت مزاجه وعقله بصبغة التساهل والتفكير الحر، فلم يكن يبالي بإيمان الناس ويعتقد أن ~~الإيمان يفيد العامة والرعاع ويزعهم عن ارتكاب الموبقات كائنا ما كان هذا الإيمان وثنيا ~~أم مسيحيا. # فلما أحرج علي محاكمة ابنه لم يجد بدا من هذه المحاكمة، ولكنه أراد أن يبرئه فعقد ~~المحاكمة وقضى بأن جرجي قد كفر بديانة الآباء، ولكنه لم يحكم بقتله لهذا السبب بل خيره ~~في أن يأتي بمعجزة إن كان دينه صادقا. # وكان خارج المحكمة زير كبير قد حفر له في الأرض ووضع فيها إلى نصفه، فقال القاضي: «سنملأ ~~هذا الزير ماء فإذا كان دينك الجديد حقا فنحن نتركك يوما كاملا مع هذا الزير فإذا نزحته ~~دون أن تعتمد على كوز أو أي شيء آخر فإننا نؤمن بإلهك ونترك أوثاننا». # وكان المسيحيون مشهورين ms32 في ذلك الوقت بقوة الإيمان، وكانوا يقولون بأن الإيمان إذا كان ~~خالصا لا شائبة فيه يزحزح الجبال. # وفرح الأغنياء لهذا الحكم ورأوا أنه بمثابة القتل؛ لأن المعجزات والكرامات لا تحصل للناس ~~في ضوء النهار، وكان أكثرهم تأكدا من ذلك هم الكهنة. # ولكن جرجي كان قوي الإيمان فقبل وقت المحاكمة هذا الشرط، ورضي أن يقتل إذا لم يقم ~~به. # وجاء يوم المحنة فخرج الحرس وساقوا جرجي مغلولا إلى جانب الزير، ووقفوا هم بعيدا عنه، ~~واجتمع إليهم كثير من المسحيين والوثنيين وكلهم بين الرجاء والخوف وان اختلفت ~~نياتهم. # ونظر جرجي إلى الزير فدب في قلبه الشك، فقد كان ضخما كبير البطن ثابتا في الأرض إلى ~~نصفه. # وكان قد أقيم بين المتهم والحرس والجمهور حاجز يخفيه عنهم، وكانوا جميعا ينتظرون آخر ~~النهار لكي يروا هل تتم الكرامة أو لا. # وشعر جرجي بالخزي والعار لقلة إيمانه ولقتله علنا أمام إخوانه المسحيين ثانيا، فاخرج ~~مدية من تحت ملابسه وضرب بها نفسه. # وجاء آخر النهار فذهب الحرس إلى الزير فلم يجدوا به ماء ولكنهم وجدوا جرجي مقتولا ~~مضرجا بدمه إلى جانب الزير. # فذهبوا إلى القاضي وقالوا وهم يتعجبون: «لقد تمت المعجزة ولكن جرجي قد قتل نفسه». ~~••• # وعندما اختلى القاضي بزوجته أخذ الاثنان يتناجيان الحديث عن حوادث ذلك اليوم المشئوم قال ~~القاضي: ~~«لقد كان قليل الإيمان؛ فقد كان الزير مكسورا فلا بد أن الماء كان سيرشح إلى الأرض ويذهب ~~فيها، ولكنه كان قليل الإيمان قليل الصبر». # ثم أخذ يبكي. # ولم تزد هذه المعجزة المسيحيين سوى زيادة تشبثهم بإيمانهم، ولكن الوثنيين زادوا أيضا ~~تمسكا بإيمانهم وتعلقا بأموالهم. # | في أدب الزنوج # القصة التالية من القصص المنظومة التي يتغنى بها المنشدون الجائلون في بلاد الزنج ~~الواقعة بين نهر النيجر وبين الصحراء الكبرى الغربية الإفريقية، فإذا دخل المنشد القرية ~~انعقد حوله سامر وأخذ يقص على المجتمعين أقاصيص النجدة والبسالة التي يتصف بها أبطال ~~الزنج. # ويرى القارئ في هذه القصة أن الزنج يشتركون وسائر الأمم في تلك الأحدوثة القديمة التي ~~كنا نسمعها ms33 ونحن أطفال عن ابن الملك الذي يهجر أباه ويتزوج من ابنة ملك آخر ويظفر في ~~القتال وما إلى ذلك. قال: # كان سمبا جبانا، وكان منذ طفولته إذا رأى أحدا يرفع يده يصيح من الخوف، وكان إذا صرخ في ~~وجهه أحد جرى منه مرعوبا، ونشأ على هذه الحال حتى صار رجلا، وأعطاه أبوه فرسا وسائسا ~~وعين له أيضا منشدا لكي يقص عليه الأقاصيص ويؤدبه، وكان جميع الناس يحتقرونه لجبنه، ~~فقالت أمه لمؤدبه: «جميع الناس يسخرون من ابني فهل لك من سبيل إلى إصلاحه؟». # فأجابها المؤدب قائلا: «لا يمكن إصلاحه فإني كل يوم أعلمه الشجاعة وأقص عليه جميع ~~الملاحم العظمى لكي أبعث في نفسه روح المنافسة، ولكنه كان جبانا في صغره وسيبقى كذلك في ~~كبره». # فقالت أمه: «يا لفضيحة أسرتنا! لست أطيق هذا. يا للعار!». # وبعد ذلك بأيام قرع طبل الحرب لأن معركة كانت على وشك النشوب قريبا من مكانهم، فقال ~~المؤدب لسمبا: «لقد قرع طبل الحرب» فلم يجبه سمبا. وبعد صمت قليل عاد المؤدب وقال: «لقد ~~قرعت الطبول، فهلا ذهبنا إلى المعركة؟». # فقال سمبا: «ما ظنك بي؟ هل تظن أني سأذهب إلى الحرب لأنك قصصت علي الأقاصيص؟ كلا. إني ~~سأبقى هنا». # ثم جاء والد سمبا وقال له: «اصغ إلي يا بني. ألست تذهب إلى الحرب مع الآخرين». # فقال سمبا: «كلا. إني أفضل البقاء هنا في البيت». # فصاح به أبوه عندئذ قائلا: «لقد فضحتني. اذهب عني. فلا أراك بعد الآن». # قالت أمه: «عندما أنظر إليك أشعر بالفضيحة والعار، فاذهب عنا». # فخرج سمبا وهتف بالسائس فلباه، فقال له: «لقد طردني أبواي لأني أكره الذهاب إلى الحرب، ~~أسرج لي فرسي فإني سأبحث عن بلاد لا يكون فيها حرب أو قتال». # وأسرج الفرس وجاء المؤدب وقال: «اني أرغب في أن أذهب معك إلى بلاد نائية». # وخرج الثلاثة معا وصاروا يجوبون البراري حتى مضى شهر ونصف، وأخيرا انتهيا إلى جوار قرية ~~كبيرة، وكان يحكم هذه القرية حاكم شديد وكانت له ابنة لم تزل بكرا، وكانت أمة ms34 هذه الفتاة ~~في الغابة قد خرجت تحتطب، وما كادت تضع الحطب على رأسها وتسير نحو البيت حتى وقعت عينها على ~~سامبا فافتتنت بجماله وهو ممتط صهوة جواده، حتى ألقت بالحطب على الأرض وجرت إلى البيت ~~فقالت لسيدتها: «وصل إلى القرية فارس جميل معه مؤدبه وسائسه، اسألي والدك أن يحتفي ~~بزيارتهم بمكان طيب ينزل فيه». # فذهبت الفتاة إلى والدها وطلبت إليه ما أشارت عليها به الأمة. # وجاء سمبا واستقبله الحاكم وأنزله في عشة كبيرة وذبح له خروفا إكراما لمقدمه: ونزل سمبا ~~وعاش في هذه القرية وتزوج من ابنة الحاكم. # وفى أحد الأيام دقت طبول الحرب، وكان سمبا راقدا في بيته لا يبالي بصيحة الحرب، وجاءت ~~إليه زوجته وركعت أمام باب غرفته احتراما له ثم قالت: «سمبا. أتسمع طبول الحرب؟ ألست ~~ذاهبا إلى القتال». # فنهض سمبا وقال «ما هذا؟ أتظنين أني أذهب إلى الحرب لأن أباك ذبح لي خروفا؟ كلا. لن ~~أفعل هذا فإني أكره الحرب؛ فإني سمبا الجبان، طردني أبواي لأني جبان أرفض القتال». # فنهضت ابنة الحاكم وقد أخذ منها الحنق وقالت: «هل أنت هذا الرجل؟ هل أنت سمبا الجبان؟ إذن ~~هذه قطيعة بيني وبينك وقد طلقتك، فاذهب في تجوالك فإني لا أحبك». # فصاح سمبا بسائسه وأمره أن يسرج فرسه وهم بركوبه لكي يذهب، فقال له مؤدبه: «سأعود إلى ~~قريتنا فإني أكره البقاء معك إذ لا فائدة من ذلك، فلست أنتظر منك سوى العار ~~والفضيحة». # ورجع المؤدب إلى قريته، أما سمبا وسائسه فأخذا في تجوالهما حتى انتهيا إلى قرية كبيرة ~~وكان يحكمها ملك عظيم، وكان لهذا الملك ابنة عاقلة جميلة لم تتزوج بعد. وكانت أمة هذه ~~الفتاة قد خرجت لكي تغسل ملابس مولاتها على شاطئ النهر قريبا من باب المدينة، فما هو أن ~~رأت الفارس ووراءه سائسه حتى أخذ جماله ببصرها فافتتنت وتركت الملابس وجرت إلى سيدتها فدخلت ~~عليها في غرفتها، وقالت لها: «رأيت فارسا جميلا يقترب من المدينة، اطلبي إلى أبيك أن ~~يستقبله ويحتفي به فإني لم أر أجمل منه ms35 في حياتي» # وذهبت الفتاة إلى والدها الملك وقالت له: لقد أخبروني أن فارسا جميلا قد اقترب من ~~المدينة فأرجوك أن تستقبله وتحتفي به. # فأعد له الملك مكانا شريفا، وعندما وصل سمبا ذبح له ثورا، وقالت الفتاة لأمتها: ~~«لقد قلت صدقا فإنه أجمل من رأت عيناي» ثم كافأتها بثوب جميل. # فانشرح صدر سمبا لهذا الاستقبال وعاش في المدينة كأنه من أهلها، وكانت الأطعمة الفاخرة ~~تقدم إليه كل يوم. وتزوج ابنة الملك وأولمت الولائم المطهمة في عرسهما، ولكن لم تمض ~~أيام بعد ذلك حتى قرعت طبول الحرب وتصايح الناس: «العدو على الأبواب. العدو على الأبواب!» ~~وتصامم سمبا عن هذه الصيحة. # ووقفت زوجته تراقب ما يفعل زوجها وما أزمع، ولما لم تر شيئا ركعت أمامه وقالت له: ~~«سمبا لقد قرعت طبول، فاذهب مع رجال الملك لكي تقاتل العدو» # فقال سمبا: «لن أذهب. فقد طردني أبواي لخوفي من الحرب؛ ولذلك هم يسمونني سمبا الجبان، وقد ~~طلقتني امرأتي الأولى لأني جبان، فهل تظنين أني تغيرت وأني أذهب إلى القتال لأن أباك ذبح لي ~~ثورا؟ كلا لن أذهب. وإذا لم ترغبي ببقائي فإني أرحل عنك». # وكانت الفتاة مع جمالها وكبريائها ذكية وقد تحدثت كثيرا إلى سمبا منذ زواجهما، وعرفت ~~سريرته وكانت متعلقة به لفرط جماله. فقالت له: «لن أتركك ولو أنك تقول إنك سمبا الجبان، ~~فإني سأرتدي ملابسك وأذهب بنفسي إلى العدو، والظلام ينتشر الآن فلن يعرفني أحد». # وكان هناك عبيد سمعوا وعرفوا كل ما قيل ولبست ابنة الملك ملابس زوجها وقالت لهم: «إن من ~~يبوح منكم بما رأى فإني سأقطع رأسه». # ثم امتطت جواد سمبا وركضته في الظلام، وصار سمبا ينظر إليها وهو غارق في التفكير. # وتبين بعد ذلك أن صيحة الحرب كانت هرجا لا أصل له إذ لم يكن هناك قتال، وعاد المقاتلون ~~في نصف الليل ومعهم ابنة الملك التي خلعت ملابس زوجها عند وصولها ولبست ملابسها، وكان سمبا ~~يعبر أحد ميادين المدينة فسمع منشدا يتغنى ويقول: ~~«رأيت فارسا شجاعا ليس من أهل مدينتنا ms36 يخرج إلى العدو وكله شجاعة ونجدة، ولو وقعت ~~الوقعة لأبلى فيها وقتل الكثيرين ونشر جثثهم على الأرض». # وسمع سمبا هذا المنشد ثم عاد إلى منزله، وكانت زوجته حزينة لأنها لم تستطع أن تجعل من ~~زوجها مقاتلا. # وأخذت تفكر في هذا الموضوع وتدرس أخلاق سمبا وكان مما يرجيها في ذلك أنه كان لا يزال صغير ~~السن. # وحدث بعد ذلك في أحد الأيام أن جاء الملك وقال لابنته: «إذا لم أكن مخطئا فإني أتوقع أن ~~نقاتل أعداءنا هذا المساء. فأخبري سمبا بذلك ولكن احذري من أن يفشوا الخبر بين أهل ~~المدينة». # فذهبت وأخبرت زوجها، ثم اشترت قرعة مملوءة بخمر العسل، فلما أمسى المساء ذهبت إلى سمبا ~~فلم يعرف سمبا ما معها لأنه كان ساذج القلب لم يكن يدري أن هناك من الأشربة ما يسكر، ~~فسألها عنه فقالت: «هذا شراب ينفع البدن، اشرب قليلا منه». # فجرع سمبا منه قليلا ثم قال: «لم تخبريني قبلا عن هذا الشراب الفاخر؟» # وصار يشرب حتى صعد الشراب إلى رأسه فلما رأت ذلك زوجته قالت له: «يعتقد الناس هنا أنك قوي ~~وأنك يمكنك أن تقتل عصابة لصوص بأكملها» فتبسم سمبا وأخذ يوالي الشرب. # وقرعت طبول الحرب فهمت زوجته بأن تلبس ملابسه وتخرج، ولكنه أوقفها قائلا: «هل تبغين ~~الذهاب بدلا مني إلى الحرب؟ كلا. فإن الطبول تقرع لأجلي أنا وحدي والناس يقولون إني ~~يمكنني أن أهزم عصابة لصوص بأجمعها». # ثم نادى سائسه وأمره بتهيئة جواده لأنه يريد الذهاب إلى الحرب. # وذهب إلى المعركة وقتل أحد الأعداء وعاد إلى زوجته وقال: «لقد ساء حظي هذا اليوم إذ لم ~~أقتل غير واحد» ثم رقد ونام. # وكان بجانب المدينة التي يسكن فيها صهر سمبا رجل مشهور بشراسته وجبروته وسعة أراضيه، وكان ~~يدعى جومبل وكان عنده من العبيد الذين يشتغلون في أرضه عدد كبير، وكان يقتل كل من يطأ ~~أرضه عمدا وسهوا ويعلق رءوسهم على الأشجار حول أملاكه، وكان من الشهرة والشجاعة بحيث كان ~~الجميع يخشون اسمه ويتفادون السير على الطرق التي تؤدي ms37 إلى أرضه. # ولما رأت ابنة الملك أثر الخمر على سمبا اشترت شعيرا وخمرته جعة قوية في بيتها ~~وصارت تناوله وهو يشرب حتى إذا انتشى قالت له: «الناس جميعهم يطرون شجاعتك». # فقال سمبا: «كلا. إني ما فعلت شيئا. فإني أسمع عن رجل يدعى جومبل». # فقالت زوجته: «لا تذكر اسمه؛ فإن الجميع يخافونه». # فأخذ سمبا قرعة الجعة وجرع جرعة كبيرة ثم نهض وقال: «هلمي إلى أبيك أخبريه بأن يأمر بقرع ~~الطبول لأني أريد أن أقاتل جومبل». # فسارعت إلى أبيها وأخبرته بذلك فسر لهذا الخبر وأمر بقرع الطبول. # ثم امتطى سمبا صهوة جواده واستصحب معه مئة مقاتل ومئة منشد ومئة عبد ومئة نعال ممن ينعلون ~~الخيل، فلما ساروا بعض المسافة انشعب الطريق طريقين، يمينهما رحب ممهد ويسارهما ضيق يؤدي ~~إلى أرض جومبل، فأخذ سمبا طريق اليسار، فلما سار هنيهة وقف العبيد وقالوا: «هذه حرب جنونية ~~فلنتركها ولنعد». # ثم تفرقوا وعادوا من حيث أتوا، وبعد مدة وقف المنشدون والنعالون وقالوا: «حسبنا سيرا؛ ~~فإن أرض جومبل تقع وراء هذه الأكمة». # فلم يبق معه سوى المقاتلين وهؤلاء ساروا قليلا ثم وقفوا أيضا، فسار سمبا بمفرده حتى ~~أوطأ جواده أرض جومبل وكان يشتغل فيها سبعمئة من أولاده وعبيده، وكان جومبل نفسه راقدا في ~~ظل شجرة على شاطئ جدول، فسار إليه سمبا وكأنه لا يراه ونظر إليه جومبل وهو لا يكاد ينطق من ~~الدهشة، ثم صاح فيه قائلا. «أيها الفتى العجيب، هل أنت غريب عن هذه البلاد؟». # فقال سمبا: «أجل أنا غريب». # فقال جومبل. «وكيف ذلك؟ ألم يخبرك أحد من شيوخ بلادك عما يحصل لمن يطأ أرضي؟ ألا فاعلم ~~أني قتلت جميع من مست نعال خيولهم أرضي. قبضت عليهم وقطعت رءوسهم وعلقتها في تلك الأشجار ~~التي أمامك، فاعلم بمكانك الآن» # فقال سمبا: «أراني قد بلغت المكان الذي أردته، فأنا في طلب جومبل». # فقال جومبل. «هأنذا، قل ما تريده فإنك فتى جميل لك ملامح حسنة، ولكن انزل عن جوادك وأخرجه ~~من أرضي أولا ثم اجمع التراب الذي داس عليه ms38 وذره في الرياح خارج أرضي، وأنا أطلب إليك هذا ~~قبل أن نصير صديقين». # فقال سمبا: «إنك لم تفهم غرضي، دعك من كل هذا، إني إنما جئت لكي أقتلك أيها ~~الوغد». # فقال جومبل: «كن لطيفا في مزاحك فإنك لو لم تكن فتى جميلا لكنت علقت رأسك إلى تلك ~~الشجرة، ولكني سأمنحك فرصة أخرى؛ فلعلك جائع تبحث عن عمل ترتزق منه، فإذا كنت كذلك فهناك ~~عبدين أعطيهما لك هدية فإني أحب ملامح وجهك». # فقال سمبا. «أرى أنك لا تريد أن تفهم ما أريده منك؛ فإني لا أقصد سوى قتلك». # وفي الحال قفز جومبل على بندقيته وأطلقها على سمبا ولكنه أخطأ، فقبض سمبا عليه وحمله ~~وأداره بين يديه، وهم أولاد جومبل وعبيده بالهجوم على سمبا ولكن جومبل منعهم وقال لسمبا: ~~«لقد اغتنمت انطلاق البندقية وخطأها». # فتركه سمبا حتى أطلق البندقية مرة أخرى عليه ولكنه أخطأ أيضا، إذ أصابت لباس رأسه فقط، ~~وقبض عليه سمبا مرة ثانية وأداره في الهواء ثم قال له: «هبني غلبتك مرة ثالثة هل تصير ~~سائسا عندي؟» # فقال جومبل: «لا يمكنك أن تغلبني مرة ثالثة» # فافترقا، وهم جومبل بإطلاق البندقية ولكن سمبا قفز عليه وقبض عليه قبل أن يطلقها ~~وأداره في الهواء المرة الثالثة، وحاول أولاد جومبل وعبيده السبعمئة أن يهجموا على سمبا ~~ولكن جومبل منعهم وقال لسمبا: «لقد غلبتني وسأكون سائس جوادك وخادمك، أفعل ما تريد». # فعاد سمبا ووراءه جومبل حتى وصل إلى حيث كان المئة المقاتلون، وصاحوا بنصر سمبا وهزيمة ~~جومبل، ولكن جومبل قال لهم: «لا تهزءوا بي وإلا رأيتم مني ما تأسفون له فأنا خادم سمبا ولست ~~خادمكم، وحسبكم أن تمدحوا سيدكم لأنه شجاع قوي جميل». # وعاد الجميع إلى ابنة الملك حيث عاش جومبل خادما لسمبا. # | لمحة في الأدب الروسي # من سمات الأدب الروسي تلك السذاجة النادرة التي لا تكاد توجد في أدب الأمم الأخرى، ~~فالألفاظ على قدر المعاني والمجازات والاستعارات وسائر ألاعيب البديع لا وجود لها إلا في ~~النادر الأقل. # ومن سماته أيضا تلك النزعة التقريرية ms39 والاقتصار على وصف حادثة أو حالة دون تمهيد أو ~~استنتاج، فالمؤلف لا يعظ ولا يعلق ولا يشرح، وإنما يقرر ويترك الصورة الذهنية التي يرسمها ~~بقلمه تفعل فعلها في ذهن القارئ. # ومن سمات الأدب الروسي أيضا نزعة أخرى هي النظر إلى الجوانب المظلمة والتلذذ بوصف ~~الأمراض والكوارث والفاقة والتعس وما إلى ذلك، ولكن ليس كل أدباء روسيا سواء في ذلك، فمن ~~أشدهم ميلا إلى هذه النزعة دستؤفسكي وأندرييف، ولكن تشيهوف وتولستوي لم تخل قصصهما من هذه ~~النزعة أيضا. # وتشيهوف هذا هو من الذين أتقنوا فن القصة الصغيرة، وأظن أن أكبر ما جعله يملك ناصية هذا ~~الفن هو أنه يمتاز حتى على سائر أدباء الروس بمبالغته في السذاجة، فهو لا يتكلف إحساسا ~~كاذبا ولا يداري ولا يبالغ، وقد قال عنه الأديب المعروف مكسيم جوركي. ~~«أظن أن كل من حضر أنطون تشيهوف كان يشعر دون أن يعي برغبته في أن يكون أكثر سذاجة وأصدق ~~مظهرا مما كان قبلا، وكثيرا ما كنت أرى الناس يخلعون عن أنفسهم ذلك الكساء المزخرف ~~الرخيص من عبارات الكتب والألفاظ المنمقة، وسائر تلك الحيل التي يتحلى بها الروسي لكي يظهر ~~بمظهر الأوروبي كما يزين المتوحشون أنفسهم بالصدف وأسنان السمك، فكان تشيهوف يكره ~~أسنان السمك وريش الديكة، فكان ينزعج إذا رأى أحدا قد وضع على نفسه كساء لامعا غريبا لكي ~~يظهر بذلك ضخما في أعين الناس، وكنت ألاحظ أنه عندما كان يرى رجلا في هذا الزي يحاول أن ~~ينفذ من هذا البهرج إلى نفسه الحية، وقد عاش تشيهوف طول حياته صريحا حرا في قرارة نفسه ~~ولم يكن يبالي بما كان ينتظره الناس منه أو بما يطالبه به أناس آخرون أخشن منهم ~~طبعا». # وفيما يلي يرى القارئ إحدى قصص تشيهوف وهو يمثل فيها سذاجة طفل قد هجر أبوه أمه لعلاقتها ~~برجل أخر يزور البيت ويجالس هذا الطفل. قال: # كان بيلاييف شابا في الثانية والثلاثين، أحمر الوجه، عليه دلائل الشبع والعافية، وكان ~~يملك بعض الأملاك في بطرسبرج، ويقصد أكثر أوقاته لزيارة مضمار ms40 سباق الخيول، فلما كان مساء ~~أحد الأيام توجه إلى منزل مدام أولجا حيث كان يقيم معها أو كما كان يقول هو أنه كان يمثل ~~معها قصة غرامية طويلة متعبة. والحقيقة أنه كان في هذا الوقت قد انتهى من قراءة الصفحات ~~الأولى اللذيذة من هذه القصة، ولم يبق سوى صفحات لا تنتهي وليس فيها شيء من اللذة ~~والطلاوة. # ولما لم يجد مدام أولجا في المنزل جلس على ديوان في غرفة الاستقبال ينتظر مجيئها، فما هو ~~أن فعل ذلك حتى سمع صوت طفل يقول: ~~«مساء الخير يا بيلاييف، ستكون أمي هنا حالا، فقد ذهبت مع سونية إلى الخياطة». # وكان صاحب هذا الصوت طفلا يدعى اليوشا وهو ابن مدام أولجا، وكان في الثامنة من عمره حسن ~~الهيئة جميل اللباس، فكانت سترته من القطيفة، يغطي ساقيه جورب أسود، وجاء وجلس على ديوان ~~آخر في الغرفة نفسها، ثم تولاه مرح الطفولة وكأنه أراد أن يقلد بهلوانا رآه يلعب من مدة في ~~أحد الملاهي، فرفع ساقه في الهواء ثم رفع الأخرى، فلما تعبت ساقاه الجميلتان عاد إلى يديه ~~وحاول أن يمشي عليهما، وكان يفعل ذلك بجد واهتمام وهو يلهث ويئن كأنه يأسف لأن الله قد ~~أعطاه هذا الجسم المرح. # فقال بيلاييف: «مساء الخير يا بني، أأنت اليوشا؟ إني لم أراك، كيف والدتك؟» # فقبض اليوشا على قدمه اليسري بيده اليمنى وجذبها وهو يتلوى في ذلك ثم وثب على قدميه، ونظر ~~إلى بيلاييف من خلال ظل المصباح وقال: «لا أدري كيف والدتي، فهي امرأة وكل امرأة تشكو من ~~شيء ما». # وأخذ بيلاييف ينظر إلى وجه اليوشا، ولم يكن قد انتبه إلى هذا الصبي قبلا طول مدة علاقته ~~بمدام أولجا، بل كان يتجاهل وجوده، وكان اليوشا أمامه كل يوم، ولكن بيلاييف لم يسأل نفسه ~~مرة عن سبب وجوده أو عن الدور الذي يمثله. # وكان وجه اليوشا في غسق ذلك المساء يشبه بجبهته البيضاء وعينيه السوداوين وجه مدام أولجا ~~في الصفحات الأولى من تلك القصة الغرامية، فشعر بيلاييف وهو ينظر ms41 إليه بعاطفة الصداقة نحوه، ~~وقال له: «تعال إلى هنا أيها الصغير، تعال هنا لكي أراك جيدا». # فقفز اليوشا من الديوان إلى بيلاييف فوضع بيلاييف يده على كتف الصبي النحيف وقال: «كيف ~~حالكم الآن؟». ~~«كان حالنا أحسن من الماضي». ~~- «ولم؟» ~~«مسألة بسيطة. كنت أنا وسونية لا نحفظ سوى الموسيقى والقراءة أما الآن فهم يجعلوننا نحفظ ~~الألفاظ الفرنسية، هل حلقت لحيتك؟» ~~- «نعم» ~~«هذا صحيح، لحيتك قصيرة. دعني ألمسها. هل تؤلمك؟» ~~- «كلا». ~~«لماذا إذا شددنا شعرة واحدة تؤلمنا وإذا شددنا خصلة كبيرة لا تتألم؟ ولماذا لا تربي شعرك ~~في عارضيك؟ هنا يجب أن تحلق شعرك أما هنا في الجوانب فيجب أن تتركه». # ثم أخذ يلعب في سلسلة بيلاييف وقال: «عندما أذهب إلى المدرسة العليا ستشتري أمي لي ساعة ~~وسأجعلها تشتري لي سلسلة مثل هذه ... ماما ... نوط، نعم نوط، أبي له نوط مثل هذا في سلسلة، ولكن ~~نوط أبي عليه حروف أما هذا فعليه قضبان صغيرة ... وصورة أمي في وسط نوطه، وأبي له سلسلة ~~مختلفة ليس فيها حلقات ... تشبه الشريط ...». ~~- «وكيف تعرف؟ هل ترى أباك؟» ~~«أنا، نعم ... كلا ... أمي». # احتقن وجهه بالحياء وارتبك وشعر كأن كذبته قد بانت، فأخذ يمسح النوط بشدة، فأحد بيلاييف ~~نظره فيه وقال: «هل ترى أباك؟». ~~«لا ... لا ... لا». ~~«قل الحق بشرفك، فإنه ظاهر أنك تكذب، فما دمت قد فلتت الحقيقة من لسانك فلا تحاول الإنكار ~~الآن، قل هل تراه؟ قل لي الآن أنت صديقي». # فتردد اليوشا ثم قال: «ولكنك لا تخبر أمي؟». ~~- «كلا، أبدا». ~~- «بشرفك». ~~- «بشرفي». ~~- «احلف». ~~- «إنك لطفل غريب، ماذا تظنني؟». # فنظر اليوشا إلى ما حوله ثم فتح عينيه وهمس إلى بيلاييف قائلا: «ولكن أرجوك ألا تخبر ~~أمي، ولا تخبر أحدا لأن هذا سر، وإذا عرفت أمي نقع كلنا أنا وسونية وبيلاجيه، اسمع الآن: ~~أنا وسونيه نذهب كل يوم ثلاثاء وجمعة ونقابل أبانا فإن بيلاجيه تأخذنا قبل العشاء للتنزه ~~فنجد أبانا ينتظرنا في مطعم إيفل، وهو يجلس في غرفة وحده وأمامه مائدة من الرخام عليها ~~منفضة في شكل ms42 أوزة بدون ظهر». ~~- «وماذا تفعلون هناك؟» ~~- «لا شيء، نقول أولا: كيف حالك؟ ثم نجلس حول المائدة ويشتري لنا أبونا الفطائر والقهوة، ~~وسونية تأكل الفطير المحشو باللحم، أما أنا فلا أطيق ذلك لأني لا أحب سوى عصيدة الكرنب ~~الأبيض، ونحن نأكل كثيرا عند أبي حتى إننا عندما نجلس مع والدتنا في العشاء نجتهد في أن ~~نأكل شيئا حتى لا تلحظ أننا أكلنا قبلا» ~~- «وعن أي شيء تتكلمون؟» ~~«مع أبي؟ نتكلم عن أي شيء، فهو يقبلنا ويعانقنا ويذكر لنا نوادر مضحكة، وهو يقول لنا أننا ~~عندما نكبر سيأخذنا لكي نعيش معه، وسونية تقول إنها لا ترغب في الذهاب أما أنا فأرغب ذلك، ~~وطبعا سأشتاق لرؤية والدتي ولكني سأكتب إليها خطابات، ويمكننا أن نأتي ونزورها في وقت ~~الإجازات. ألا يمكن ذلك؟ إنها فكرة غريبة، وأبي يقول أيضا إنه سيشتري لي جوادا، وهو كثير ~~الحنان علينا، ولا أدري لماذا لا تطلب إليه أمي أن يأتي ويسكن معنا هنا، ولماذا تمنعنا من ~~أن نزوره، أتعرف أنه يحب والدتي جدا؟ فهو يسألنا دائما عن صحتها وعما تفعل، ولما كانت ~~مريضة أمسك رأسه بيديه هكذا ... ثم. ثم أخذ يمشي بسرعة في الغرفة، وهو يطلب منا أن نطيعها ~~ونحترمها على الدوام، اسمع هذا: هل صحيح إننا تعساء؟» ~~- «أهم ... لماذا؟» ~~- «هذا ما يقوله أبي، يقول: «أنتم أطفال تعساء» أليس كلامه هذا غريبا؟ فهو يقول: «أنتم ~~تعساء وأنا تعيس وأمكم تعيسة» ويقول لنا أيضا: «يجب أن تصلوا لأجل أنفسكم ولأجل ~~والدتكم» # ثم نظر اليوشا إلى طائر محنط في الغرفة واستسلم للخواطر. # فقال بيلاييف وصوته يتهدج: «إذن ... هذا ما تفعلونه، تلتقون في المطاعم وأمكم لا تدري ~~شيئا». ~~- لا، لا تدري شيئا وكيف تدري؟ فإن بيلاجيه لا تخبرها، وقد أعطانا أول من أمس بعضا من ~~الكمثرى، كانت حلوة كالمربى فأكلت منها اثنتين». ~~- «أهم اسمع لي ... اسمع، هل قال أبوك شيئا عني» ~~- «عنك؟ ماذا أقول؟». # ونظر الصغير إلى وجه بيلاييف كأنه يتفرسه ثم هز كتفيه وقال: «لم يقل شيئا ~~مهما». ~~- «مثال ذلك، ماذا ms43 قال؟». ~~- «ألا تغضب إذا قلت لك؟». ~~- «وماذا بعد ذلك؟ ولم؟ هل يسبني أمامكم؟». ~~- «لا. لايسبك ولكنه مغضب، ويقول إنك علة شقاء أمي وإنك سبب خراب بيتها، وكلامه من هذا ~~الموضوع غريب، فإني أقول له إنك حنون شفيق وإنك لا توبخ أمي مطلقا، ولكنه يهز ~~رأسه». ~~- «فهو إذن يقول إني خربت بيتها؟» ~~- «نعم. ولكن لا تغضب». # فنهض بيلاييف ووقف قليلا ثم أخذ يمشي في الغرفة ذهابا وإيابا، ثم جعل يدمدم قائلا: ~~«كل اللوم عليه، ومع ذلك يقول إني خربت بيتها، ألعله الحمل البريء؟ فهو إذن يقول لكم ~~إني خربت بيت والدتكم؟» ~~- «نعم. لكنك قلت إنك لن تغضب، ألم تقل ذلك؟» ~~- «لم أغضب، وليس هذا شأنك، إن هذا لأمر عجب، لقد وضعوني هم أنفسهم في المسألة كما توضع ~~الدجاجة في الحساء والآن يقع علي اللوم». # ثم سمع طرقات على الباب، فقفز اليوشا وجرى إلى خارج الغرفة، وبعد لحظة دخلت سيدة تصحبها ~~صبية صغيرة، وكانت السيدة مدام أولجا والصبية ابنتها سونية، ودخل في أثرهما اليوشا وهو يقفز ~~ويمرح ويلوح بيده، فلما رآهما بيلاييف هز رأسه واستمر في مشيه في الغرفة، ثم دمدم قائلا: ~~«طبعا إن الذنب ذنبي وإلا فعلى من يقع أنه صادق فهو زوج قد ثلم عرضه». # فقالت مدام أولجا: «عم تتكلم؟» ~~- «عم أتكلم؟ ألم تسمعي ما يشيعه زوجك عني؟ يقول إني وغد سافل خربت بيتك وأشقيت أبناءك، ~~فكلكم في شقاء وأنا وحدي السعيد، سعيد جدا جدا». ~~- «لا أفهم ما تقول، ماذا جرى؟» ~~- «اسمعي أنت لما يقوله هذا الصغير». # فاحتقن وجه اليوشا ثم عراه الشحوب وصارت عضلات وجه تختلج من الخوف، ثم نظر إلى بيلاييف ~~وقال وهو يهمس همسا عاليا: «اسكت». # ونظرت مدام أولجا إلى اليوشا وهى مدهوشة ثم إلى بيلاييف ثم إلى اليوشا ثانيا. # فقال بيلاييف: «اسأليه؛ فإن هذه المجنونة بيلاجيه تأخذ الطفلين وتذهب بهما إلى المطاعم ~~ويجلسون جميعا مع زوجك، ولكن ليس هذا محور الموضوع. # فمحور الموضوع أن زوجك يعد نفسه ضحية وأني أنا الشقي الذي خربت بيتكم». # فتنهد اليوشا ms44 وقال: «ألم تعدني بشرفك يا بيلاييف؟» فأبعده بيلاييف عنه وقال: «شرفي! أي ~~شرف إن هذا النفاق هذا الكذب ...» # فقالت مدام أولجا وعيناها تغصان بالدموع: ~~«لا أفهم هذا. أخبرني يا اليوشا هل تزور أباك؟» # ولكن اليوشا لم يسمع هذا السؤال لأنه كان ينظر والرعب قد ملك عليه كل حواسه إلى بيلاييف، ~~ثم قالت أمه: «هذا محال سأذهب إلى بيلاجيه وأسألها». # وخرجت مدام أولجا من الغرفة فقال اليوشا وجسمه كله ينتفض: «لقد وعدتني بشرفك». # فأبعده بيلاييف عنه بيده وأخذ يمشي في الغرفة، وكان قد تملكه الغضب حتى أنساه وجود ~~الطفل كما كانت عادته قبلا فقد كان يعتبر نفسه رجلا كبيرا ذا خطر، فلم يكن في أفكاره ما ~~يتسع للانتباه للأطفال وجلس اليوشا مع سونية في إحدى زوايا الغرفة، وجعل يقص عليها كيف خدعه ~~بيلاييف، وكان طول الوقت يرتعش ويتلعثم ويبكي، وكانت هذه هي أول مرة في حياته واجه فيها ~~الكذب مواجهة خشنة، ولم يكن يعرف قبل هذا الوقت أنه يوجد في هذا العالم بجانب الكمثرى ~~الحلوة والفطائر والساعات الغالية أشياء أخرى عديدة لا تستطيع لغة الأطفال أن تعبر ~~عنها. # | كيف صار المالك أجيرا # كنت أعرف الشيخ حسين ولي جارا لنا يسكن في قرية قريبة من كفرنا في الشرقية، وكان له ما ~~يقرب من الفدان يزرعه ويعيش منه، فكنت وأنا صغير أخرج مع أخي أو ابن عمي فنسير في الحقول ~~حتى نبلغ أرض هذا الجار فنقعد عند ساقية كان يسقي منها زرعه ونتحادث معه في شئون شتى. وكان ~~حول الساقية حرجة من الأشجار المتكاثفة من السنط والجميز، وكان لها ظل سابغ إذا بلغناه ~~قعدنا فيه وارتوينا بجرعات الماء نحمله بأيدينا من قناة الساقية إلى أفواهنا. # وكان الشيخ حسين فوق الخمسين معروق الوجه قليل شعر اللحية آدم اللون، وكان يقعد أحيانا ~~معنا يحدثنا عن كل شيء يخطر في باله، وكان إذا تكلم نكت الأرض بعصاه وابتسم وأبرقت أساريره، ~~فنرى في وجهه بشاشة حلوة نأنس بها. # ولم يكن حديثه يلذ لنا كثيرا لأنه كان يتكلم ms45 على الدوام عن الزراعة والغلات، وهذه كلها ~~لم نكن في سننا تلك نأبه لها، وإنما كنا نحب منه تلك الأنسة التي كان يلقانا بها وأيضا ذلك ~~الخيار أو القثاء الطازجة يقطعها من أرضه ويقدمها لنا. # وكانت هذه الساقية وما حولها من الأشجار والشيخ حسين وأولاده وما انطبع على وجوههم من ~~هناء العيش وطمأنينة الحياة كلها كانت تجذبنا، فلا يكاد يمر علينا يوم بالكفر إلا ~~ونزورها. # وشببنا ودخلنا المدارس واغتربنا بعضنا في القاهرة وبعضنا في المدن الأخرى، فكنت لا أذكر ~~أيام صباي وحلاوتها إلا مقرونة بساقية الشيخ حسين وتلك الساعات التي قضيناها في ظلال ~~أشجارها، وما كنت أنسى وأنا أزور الكفر زيارة الشيخ حسين فأقعد معه وأحاوره في الزراعة ~~التي صرت أفهم فيه شيئا، وإن كانت «الدورة الزراعية» لم تكن قد وضحت بعد في ذهني مع أني ~~كنت قد جزت الخامسة عشرة. فكنت أحرص على ألا يظهر جهلي بها أمام أحد الفلاحين. # وحدث وأنا حول العشرين أني زرت الشيخ حسين فألفيت الأحوال قد حالت، وما كنت أراه من ~~طمأنينة في وجوه العائلة وانبساط وأنسة في كلا الشيخ حسين قد تبدل كله شيئا من الكآبة ~~والصمت والشكوى. # فاستوضحته عن حقيقة شكواه فأخبرني، وهو يحيل كل شيء إلى إرادة الله: أن أرضه مرهونة وأن ~~قيمة الرهن كبيرة تبلغ نحو 80 جنيها، وأنه يلقى صعوبات كثيرة في دفع القسط، ولكنه يعتمد ~~على الله في وفاء الدين وتخليص الأرض، وكان يروى لي قصة الدين وهو ينظر إلى الأرض ~~ينكتها بعصاه على عادته، وتبين لي من هذه القصة أن أرض الشيخ حسين كانت في الأصل غير مربعة ~~تستطيل قليلا ثم يدخل طرفها في أرض الجار، وكان يحلم على الدوام بادخار شيء من المال ~~لكي يشتري بضعة قراريط ويدفع عوضا للجار فتصير العشرين القيراط التي معه نحو ثمانية وعشرين ~~قيراطا مربعة. وادخر بالفعل مقدارا من المال وشرع في مفاوضة جاره في شراء ثمانية ~~قراريط منه وفي عمل الاستبدالات اللازمة لكى تصير القطعة مربعة. ولكن الثمن لم يكن ms46 كله ~~حاضرا فاحتاج إلى الاقتراض من بنك فريد أحد المرابين في المدينة. # وكان فريد هذا مرابيا معروفا في المدينة، فلما ذكر اسمه التفت إلي ابن الشيخ حسين ~~وكان يدعى محمودا وكان في سني تقريبا وقال: «أنا حذرته منه يا أفندي، والله العظيم أنا ~~حذرته منه» قال هذا وزفر زفرة تشبه التأوه. # فقال الشيخ حسين وهو يرد على ابنه أكثر مما يروي لي: «لما قلت نعمل القطعة مربعة كلكم ~~وافقتوني، حد منكم قال لا؟ الدين ده أصله إيه؟ أنا عشت بعشرين قيراط وطول عمري أنتم اللي ~~طمعتم». # ورأيت المحاورة بين الأب والابن توشك أن تحتدم وكل منهما يتهم الآخر بالطمع وبأنه السبب ~~في الدين، فهونت عليهما وارتجلت لهما حسابا يمكنهما من دفع القسط واستهلاك شيء من رأس ~~المال كل عام، فلا تمضي ست أو سبع سنوات حتى تكون الأرض خالصة من الدين، فوافقني كلاهما ~~معتمدين على الله وما يكتبه لهما في لوح القدر. # وتركتهما وفي نفسي كمود أفكر في طريقي وأنا عائد إلى الكفر، وأتأمل في هذا الشيخ الذي كنت ~~أتمثل السعادة الريفية فيه وأذكر قناة ساقيته بمائها الصافي والظل الوارف الذي تسبغه ~~الأشجار عليها كأنها لازمة من لوازم السعادة. وأذكر البشاشة التي كانت تكسو وجهه كيف تبدلت ~~الآن هما عظيما يأخذ عليه مسالك تفكيره ويملأ حياته نكدا ونغاصة، ما كان أسعده وهو في ~~تلك العشرين القيراط وإن لم تكن في ذلك الوقت مربعة، وما أشقاه الآن بهموم الدين ولو أن ~~القطعة مربعة وتبلغ ثمانية وعشرين قيراطا. # والحق أني تمنيت لهذا المسكين أمنية خالصة أن يخلص من دينه ويعود إلى حياته الساذجة وأن ~~يفرغ من هذه الهموم التي طرأت عليه في شيخوخته وسودت عليه أيامه. # واغتربت أنا عن الكفر نحو ست سنوات عدت بعدها إليه، فما كان أشد استغرابي وألمي عندما ~~سمعت أن الشيخ حسين ولي وأولاده قد انتقلوا إلى كفرنا بعد أن بيعت أرضهم وبيع بيتهم في ~~القرية المجاورة، وأنهم الآن يشتغلون بالأجرة، وكانت خلاصة ذلك أنهم لم يقدروا على ms47 دفع ~~الدين فبيعت الأرض فلم تف بالدين فبيع البيت أيضا. # هذه هي خلاصة القصة التي رواها لي أهل كفرنا، ولكني أردت أن أستقيها من معينها ~~الأصلي، فانتهزت فرصة وجود الشيخ حسين بالغيط وخرجت لكى أقعد معه قليلا وأهون عليه هذه ~~الحالة الجديدة التي ألقاه فيها القدر، ولكن ما أشد ما كانت دهشتي عندما رأيت الشيخ حسين قد ~~عادت إليه بشاشته ووجهه متهلل ينبسط في الحديث ويروي ماضيه رواية موضوعية كأن لا شأن له في ~~وقائعها، فذكرت حاله هذه بحاله تلك عندما زرته عند الساقية وهو مثقل بالدين مشتت الفكر ~~حائر في كيفية دفعه فقلت في نفسي: «هذا هو برد اليقين تطمئن إليه النفس بعد هموم الحيرة، ~~فإن المصيبة مهما ثقلت وفدحت أهون على النفس عند التحقق من وقوعها مما هي عند الشك في ~~وقوعها والنجاة منها». # وقعدت أمامه على العشب أغذو عيني من هيئته الساذجة واستسلامه لحكم الأقدار، وكانت عصاه ~~معه ينكت بها الأرض وساقاه عاريتين إلى الركب وعروقهما بارزة، أما وجهه فلم يتغير عما ~~عهدته منذ صباي لولا أن الشيب قد وخطه قليلا وأسنانه الأمامية قد زالت إلا اثنتين ضلتا ~~أخواتهما ووقفتا مفردتين معلقتين. # فأبديت شوقي لرؤيته وذكرت له أسفي عن فقدانه أرضه، فضحك ونظر إلى الأرض ونكتها بعصاه ~~وقال: «هيه. عمرك طويل كلها فانية، واهو عمر ويفوت» # قلت: «ولكن أرضك يا شيخ حسين كانت جيدة وغلتها كبيرة، وكان يمكنك دفع الأقساط ~~كلها». # فقال: «كان يمكني، لكن حصل غش وسرقوا منا الأرض سرقة، الله يجازيهم». # فلما ذكر الغش مالت نفسي إلى سماع القصة؛ لأن بيع الأرض لم يجر على الطرق المألوفة في ~~مثل هذه الحالات: عجز عن الدفع ثم البيع، فسألته أن يحكي لى القصة من أولها. # فقال: «لما اشترينا الأرض استلفنا من بنك فريد 40 جنيها ندفعها 80 في خمس سنوات كل سنة ~~16 جنيها، وكنا وقت التيسير ندفع القسط، وكان الكاتب رجلا كلامه حلو لكن قلبه أسود، يرخي ~~لنا الحبل ويطلب منا في مقابل ذلك شيئا من ms48 الجبن والزبد، وحصلت بيننا وبينه مودة فلم ~~نطلب منه كتابة إيصالات». # فتجسم في ذهني نوع «الغش» الذي سرقوا به الأرض منه فقلت: «ولم لم تكتب إيصالا؟» # فقال: «والله يا أفندي عمري ما كتبت وظني أن الدنيا سلام وأمان، ولكن بعد ثلاث سنوات ~~جاءني إعلان دعوى بالدفع وفيه أنى متأخر لم أدفع شيئا قط». # قلت: «وماذا قلت في المحكمة؟» # فقال: «أنا عمري ما دخلت محكمة، كنت أظن أن المحكمة واسعة والقاضي رجل شيخ يلبس عمامة ~~كبيرة وأمامه كتاب الله يحلف عليه بالحق، لكن لما دخلت لقيت واحد أفندي شاب صغير، كنت أفتكر ~~في الأول إنه لما يشوفني يشتمني ويقول لي: ليه ما دفعتش يا ابن الكلب؟ زي العساكر ما بتقول ~~للفلاحين، ولكن هو أول ما شافني تلطف وقال لي: يا عم يا بوي. فارتحت ورجع لي نفسي وقلت له: ~~أنا دفعت الأقساط كلها للكاتب فلان. وكان الكاتب جنبي، فسأله القاضي فأنكر وعرض على القاضي ~~أنه يحلف اليمين». # وهنا تجسم في ذهني «غش» آخر وقع فيه هذا المسكين لأن اليمين قاطعة وتمنع السير في التحقيق ~~فقلت: «وهل حلف؟ وهل رضيت أن يحلف؟» # فمد ساقه على العشب ورفع عصاه وقال: «أنا قلت للقاضي: يحلف؟ إن كان يحلف يحلف. هو ودينه ~~ومنه لله. وأمره القاضي أن يحلف فحلف بأسرع من البرق وأنكر كل شىء أخذه مني، وتشمرت أنا ~~وبدأت أبين وأوضح، ولكن القاضي هنا قال لي: اسكت يا شيخ؛ انت قبلت اليمين، القضية انتهت. ~~قلت: قضية ايه يا حضرة القاضي؟ للساعة ابتدينا؟! ولكن كل كلامي كان غير مفيد، حكم علينا ~~بالمبلغ والفوائد ورفضت الخروج ولكن الحاجب جاء وأخرجني». # قلت: «وبعد ذلك؟» # فمسح جبهته كأنه يمحو ذكرى قديمة مؤلمة، وتنهد ثم نظر إلى الأرض وعاد إلى نكتها بعصاه ~~وقال: «عمرك طويل، بعد الحكم الحجز والعمدة يعين الخفراء على المحصول ياكلوه، وارتباك في ~~ذيل ارتباك حتى البيع، واهو عمر ويفوت». ms49