######OpenITI# #META# URI: 1377SalamaMusa.SihafaHirfaWaRisala.Hindawi50605797 #META# Tags: literature #META# ID: 50605797 #META# Title: الصحافة حرفة ورسالة #META# AuthorID: 40515160 #META# Author: سلامة موسى #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # 1 - يوم أن ماتت صحافة مصر‏ # 2 - لما كانت الصحافة محتقرة‏ # 3 - الصحافة تلقى عنتا وتعسفا‏ # 4 - كيف أفسدت الحكومة الصحافة المصرية‏ # 5 - الإعلانات في الصحف‏ # 6 - الأسلوب في الصحافة‏ # 7 - رذيلة صحفية: تملق الجماهير‏ # 8 - الصحافة المصرية في نصف قرن‏ # 9 - الكفاح في صحيفة اللواء‏ # 10 - الكفاح في صحيفة الجريدة‏ # 11 - كفاحي في الصحافة‏ # 12 - صحافة المقالة وصحافة الخبر‏ # 13 - المرأة في الصحافة‏ # 14 - الفن الكاريكاتوري‏ # 15 - الصحافة والرأي العام‏ # 16 - كيف نرفع الصحافة إلى مقام الأدب‏ # 17 - الصحفي كما يجب أن يكون‏ # 1 - يوم أن ماتت صحافة مصر‏ # 2 - لما كانت الصحافة محتقرة‏ # 3 - الصحافة تلقى عنتا وتعسفا‏ # 4 - كيف أفسدت الحكومة الصحافة المصرية‏ # 5 - الإعلانات في الصحف‏ # 6 - الأسلوب في الصحافة‏ # 7 - رذيلة صحفية: تملق الجماهير‏ # 8 - الصحافة المصرية في نصف قرن‏ # 9 - الكفاح في صحيفة اللواء‏ # 10 - الكفاح في صحيفة الجريدة‏ # 11 - كفاحي في الصحافة‏ # 12 - صحافة المقالة وصحافة الخبر‏ # 13 - المرأة في الصحافة‏ # 14 - الفن الكاريكاتوري‏ # 15 - الصحافة والرأي العام‏ # 16 - كيف نرفع الصحافة إلى مقام الأدب‏ # 17 - الصحفي كما يجب أن يكون‏ # | الصحافة حرفة ورسالة # | الصحافة حرفة ورسالة # تأليف # سلامة موسى # الفصل الأول # | يوم أن ماتت صحافة مصر # في سنة 1930 كان يبدو للمتأمل أن الصحافة قد باتت من الفنون التي ينجح فيها سوى غير ~~المصريين، وقد ينتهي من تأمل الواقع - في انتشار الصحف غير المصرية، وانخذال الصحف المصرية، ~~وغنى الصحفيين الأجانب وامتلاكهم الدور الفخمة والضياع الخصبة، وفقر الصحفيين المصريين، ~~وتشردهم في الشوارع لا يملكون كوخا ولا قيراطا - أن الكاتب الأجنبي في مصر أذكى عقلا، ~~وأبعد نظرا، وأدق تحريرا للصحف، مجلات كانت أو جرائد، من الكاتب المصري. # ولكن هذا الاستنتاج سرعان ما ينقلب إلى النقيض عندما كان يتعمق القارئ في تأمله ويربط ~~النتائج بأسبابها؛ فالحقيقة أن الظروف السياسية كانت مدة الاحتلال الإنجليزي (أي سنة 1920) ~~تعمل لكبت الروح الوطنية بمساعدة الجرائد الموالية للإنجليز، ومعاكسة تلك التي ~~تناوئهم، فنحن نرى عقب الثورة العرابية أن الحكومة تدفع ms01 تعويضا ضخما لأصحاب جريدة ~~غير مصرية، لأن الثائرين كسروا المطبعة لانضمام هذه الجريدة إلى الخديو، وكان هذا فاتحة ~~اليسر والخير لتلك الجريدة، ثم نجد الإنجليزية بعد ذلك يسندون بنفوذهم جريدة المقطم التي ~~أصبح أصحابها بهذا السند القوى من أغنياء القطر المعدودين؛ وعلى هذا كان يرى القارئ في سنة ~~1930 أن تفوق الصحف غير الوطنية لا يعزى إلا لأسباب لا يرضاها مصري لنفسه. # ثم جاءت الحركة الوطنية سنة 1919، وحدثت الانشقاقات في الوفد بعد ذلك وصار لكل حزب ~~جرائده، والصحفيون غير الوطنيين في مصر يعيشون كالملوك «فوق الأحزاب» فهم يتمصرون ولكن ~~تمصرهم لا يحملهم على الغلو في الوطنية؛ ولذلك فهم يستفيدون من الوطنية المصرية لأنهم ~~يتحامون ما فيها من غلو، هذا الغلو الذي جعل الأستاذ عبد القادر حمزة يصدر منذ سنة ~~1920 إلى سنة 1930 «14» جريدة تقفل كلها، بعضها إقفالا نهائيا وبعضها لبضعة أشهر. # فلنفرض أننا قابلنا بين صحفي غير وطني وبين الصحفي المصري عبد القادر حمزة، فهل من ~~الإنصاف أن نقيم هذه المقابلة على النتيجة الحاضرة، وهي موت البلاغ وإفلاس صاحبه، ~~بينما كانت الصحف المحايدة في سنة 1930 حية تملأ الشوارع، وأصحابها قد تكدست خزائنهم ~~بالمال؟ # نظن أن ذلك ليس من الإنصاف، والذي كان يقول بعجز المصري عن تحرير الصحف وإدارتها لا يمكنه ~~أن يضرب المثل بالبلاغ والصحف المحايدة التي كانت تنافسها في ذلك الوقت، فإنه يفتح أعيننا ~~للطرق التي كان يعيش بها الصحفي الأجنبي من الصحافة، وهي طرق لا يرضاها مصري. # ومن البديهي أنه لا يمكن لمصنع في العالم أن يعيش إذا كان يعرض للإغلاق 14 مرة في عشرة ~~أعوام، كما حدث للجرائد التي أصدرها الأستاذ عبد القادر حمزة. # وهكذا أوشكت صناعة الصحافة في ذلك الحين أن تفلت من أيدينا وتمسي صناعة غير مصرية ~~يحتكرها غير المصريين، وليس للصحفي الأجنبي ميزة علينا فيها سوى أنه لا يغضب عندما يجب ~~الغضب، ولا يبالي مصلحة مصر تعرض للضياع ما دام هو يربح هذا الضياع ما يزيد دخله بض مئات من ~~الجنيهات، وهو ms02 على كل حال يمتاز بوطن آخر يمكنه أن يذهب إليه ويعيش فيه إذا لم يوافقه العيش ~~في وطننا، ولكن أين نذهب نحن؟! # وكان عارا علينا أكبر العار أن يوكل تكوين الرأي العام المصري إلى أقلام غير مصرية، ~~غريبة عنا في المزاج، لا يشغل قلوب أصحابها ما يشغل قلوبنا من أماني وآمال، ولا يؤلمها ما ~~يؤلمنا. # وظهر نوع من الصحف المحايدة، وكان على رأس إحدى هذه الصحف صحفي قارح، وكانت توارب وتراوغ ~~فلا تستطيع إلا أن تشمئز منها؛ فهي تكتب أحيانا مقالا مستور اللهجة والغاية، تخرج ~~منه بأن حكومة معينة حسنة وحزبا معينا حسن، وكان هذا هو النفاق الذي يشمئز منه ~~الإنسان. # وكانت هناك جريدة غير مصرية تهاجم حزبا، ولكنها كانت تخشى أن يفلت منها القراء المائلون ~~إليه، فهي تشطر نفسها شطرين لتضمن القارئ، فتجعل نفسها حكومية، وتجعل مجلة أسبوعية أخرى ~~تصدر عن نفس الدار حزبية، فمن يكره الجريدة اليومية لحكوميتها يقرأ المجلة الأسبوعية ~~لحزبيتها! # وكانت هذه المجلات والجرائد تعيش في بلادنا، ويربح أصحابها الألوف من الجنيهات، وتستقر ~~لهم بها صناعة يثرون منها مع ما فيها من الأذى، بينما كتابنا المصريون أمثال محمود عزمي ~~يبحثون عن عمل آخر غير الصحافة يستطيعون أن يعيشوا منه؛ لأن صحفنا المصرية كان قد مضى عليها ~~عشرون سنة وهي تعطل ويخرب أصحابها ويشتت محرروها، أما الصحف الأجنبية فلا تعل ولا يمس ~~أصحابها أذى. # وكان علينا جميعا أن نقرأ كل يوم ما يكتبه لنا الصحفيون غير المصريين فيما يجب علينا وما ~~لا يجب أن نتبعه في سياسة بلادنا من الخطط، كأن الصحفي الأجنبي هو الوحيد الذي كان ~~يؤتمن على مصلحة مصر في الصحف، أما المصري فلا يؤتمن على ذلك. # وكان هذا شقاء. # وكان هناك صحفي غير مصري يكتب صباح مقالا افتتاحيا للمصريين عن فوائد الاحتلال ~~البريطاني، وجهالات الوطنيين الذين لا يعرفون ما يقولون، وكان هذا الصحفي يسمي الزعيم مصطفى ~~كامل «شحاذ بردنجوت»، وكان قبل ذلك يكتب في جريدة في الخرطوم، يشتم المصريين ويمدح ~~الانجليز، وكان يكتب كل ms03 يوم مقالا عن الأوباش المجرمين الذين يطالبون بتحرير المرأة ~~ومساواتها بالرجل في مصر، ويدعو الرجعيين إلى أن يملئوا صحيفته بآرائهم، فإذا وجد من ذلك ~~فائدة مالية تملأ اليد فذاك، وإلا فإنه يدعو المجددين للكتابة في صحيفة ويحثهم على ~~شتم الرجعيين ، ثم يدعو فيقول إن هذه الوزارة حسنة وتلك سيئة، وإن النظام البريطاني لا يفيد ~~المصريين كثيرا، وإنما يفيدهم بناء الموانئ وصنع السفن إلخ. وعاشت تلك الجريدة طول عمرها ~~تقول إن احتلال الإنجليز لمصر خير من استقلالها، وكانت صحيفة غير مصرية أخرى في الصراع الذي ~~قام بين الخديو توفيق والحزب الوطني تمالئ الخديو وتساعده على الأمة التي نكبت ~~به. # وكان كل هذا مسبة لذكائنا ووطنيتنا وعارا بل فضيحة لتغلب هذه الصحف على ~~صحافتنا. # وهكذا كان أولئك الصحفيون غير المصريين أغنياء، وكنا نحن الصحفيين المصريين فقراء، وليس ~~ذلك لأنهم أذكياء ونحن بلداء؛ لأننا كنا نكتب بضمير وطني، ونغضب عندما نعتقد أن الغضب واجب، ~~وهم يكتبون بضمير غير وطني ولا يغضبون لأية نكبة تنزل بنا، لأن الوطن ليس وطنهم بالعاطفة ~~والقلب. # وكانوا لا يبالون بالأذى يصيب عقولنا، وهم أغنياء يملكون دورا كالقصور، ويعيشون في ترف ~~قد لا يبلغه الوزراء، ولم تكن هذه الجرائد والمجلات غير المصرية تخشى تعطيلا من الحكومة، ~~ولم يكن أحد من التجار يتوقع لها موتا قريبا أو بعيدا؛ ولذلك كانت تنال إعلاناتهم ~~وتستحوذ بذلك على آلاف الجنيهات التي يحرم منها الصحفي المصري لأن التجار لا يثقون ~~بصحفه إذ هي عرضة للتعطيل في كل وقت. # ونترك هذه الصحف غير الوطنية ونقصد إلى حيث كان يعيش الصحفيون المصريون، فكأنك ~~انتقلت من مدينة الأحياء إلى جبانة الأموات. كنت تجد أحدهم قابعا في غرفة أو شقة وقد ~~تأخر علية إيجاره لخمسة أو ستة أشهر، أو كنت تجده يصدر الصحيفة وهو لا يملك المطبعة، ~~أو هو يملك المطبعة ولا يملك الصحيفة، وكنت تقرأ الصحيفة المصرية فلا تجد بها أخبارا لأنها ~~عطلت مرارا حتى تركها المخبرون وبحثوا لهم عن عمل آخر يستطيعون أن يعيشوا ~~منه. # ودار ms04 الصحيفة مصنع، تكتسب الخبرة فيه بالتجارب المتكررة ويحظى بعطف التجار بالاستمرار، ~~فالصحيفة إذا عطلت 14 مرة في 10 سنوات، كما عطلت جرائد عبد القادر حمزة ومحمد التابعي وأحمد ~~حافظ عوض وتوفيق دياب، لا تستطيع أن تحظى باعتماد التاجر في إعلانه، بينما كان الصحفي ~~الأجنبي المحايد يمكنه أن يختار أحسن المخبرين ويشتري الورق بالثقة، وكان لا يمكن للصحفي ~~المصري أن يفعل ذلك، كان قد مضى عليه عشرون سنة وهو مزعزع، تقفل داره في أي وقت، ويطرد إلى ~~الشارع في أي وقت؛ ولذلك لم يكن يثق به أحد. عشرون سنة مضت من الاضطهاد للصحافة المصرية قضت ~~علينا وجعلتنا فقراء. # وكانت لنا خصومات داخلية أسدلت على عيوننا غشاوة، فصرنا لا نفقه الحق ولا نستطيع تمييزه ~~من الباطل، حتى بتنا ينبذ بعضنا بعضا بالخيانة، فصار الدستوري لا يقرأ جرائد الوفد، ~~وصار الوفدي لا يقرأ جرائد الدستوريين؛ فانتهت القصة أو المهزلة بأن التجأنا إلى الجرائد ~~المحايدة نقرأها لأنها ليست وفدية ولا دستورية. # ومضى علينا أكثر من عشرين سنة وجرائدنا ومجلاتانا تقفل بحزبية عمياء وعصبية صماء، وسقطت ~~الصحافة المصرية بذلك، وخسرت في ذلك الحين كل شيء إلا الشرف، فصار الغنى في جانبهم والفقر ~~في جانبنا، والوجاهة لهم والاحتقار لنا؛ وكل ذلك لأننا كنا نخلص لمصر وطننا. # وكنا نصدر الجريدة أو المجلة فلا يثق بنا تاجر ويأتمننا على إعلان واحد، وكانت تفتح ~~الجريدة الأجنبية في مصر فتراها حافلة بالإعلانات التي تعود على أصحابها بعشرات الألوف من ~~الجنيهات، ولكنك كنت تفتح المجلة أو الجريدة المصرية فلا تجد بها إعلانا واحدا يستحق ~~الذكر. # وهكذا انهزمت الصحافة المصرية، وأصبح الصحفي المصري شخصا ساخطا فقيرا، أضاع ماله كما ~~أضاع عمره في صناعة اعتقد أنه سيجد فيها المجال للخدمة الصادقة لأمته؛ فعادت عليه هذه ~~الصناعة بخسارة العمر وخسارة المال. وكنت أينما سرت، من الاسكندرية إلى أسوان، لا تجد إلا ~~جرائد ومجلات مصرية في النزع الذي تستقبل فيه الموت القريب. # مثل هذه الحال كان يجب أن ندرسها وأن نتعرف أسبابها، لأنها حال لم ms05 تتفق وكرامتنا الوطنية ~~أو مصلحتنا الاقتصادية. # الصحيفة هي مرآة الأمة، مرآتها اليوم تريها نفسها كما هي الآن، ثم هي مرآتها في الغد ~~تريها نفسها كما يجب أن تكون في المستقبل. # وهي لهذا السبب يجب ألا يقوم بها أجنبي غريب عنها في الدم أو المزاج أو الرجاء، ولكل أمة ~~مزاجها التي تتميز به من سائر الأمم، فنحن نضحك من النكتة التي لا يضحك منها الأجنبي لأن ~~لنا مزاجا هو خلاصة آلاف السنين من الوراثة ليس لأحد أبناء الأمم الأخرى. ولكل أمة فكاهتها ~~التي تضحكها ولا تضحك غيرها، فقد يأخذ أحدنا مجلة بنش الإنجليزية أو سمبلسموس الألمانية ~~ويقلب صفحاتها فلا يفتر ثغرة بابتسامة، بينما يجد الإنجليزي أو الألماني فيها ما يجعله ~~يقهقه. # فهذا المثال البسيط يدلنا على أن لكل أمة ذوقا لا يستجيب للغريب في النكتة والفكاهة، وهي ~~كذلك لا يمكنها أن تستجيب للغريب في الأدب أو الصحافة، بل هي إذا استجابت له في ذلك ~~فاستجابتها برهان على أن ذوقها قد فسد ونفسها قد وهنت لطول ممارستها لهما، وهذه الصحف ~~والمجلات الأجنبية في مصر لم تكن تعبر عن النفس المصرية أو الذوق المصري، لأننا كما نختلف ~~عن الأجانب في النكتة والفكاهة كذلك نختلف في الروح الصحفية، ومن الإفساد الكبير لأذواقنا ~~ونفوسنا المصرية أن نطبعها بطابع أجنبي. # ولكل أمة رجاء تقصد إليه بقلبها وعقلها، ونحن لنا رجاء الاستقلال والحرية والإصلاح ~~الاجتماعي، وهو رجاء لا يؤنس قلب الصحفي الأجنبي، ولو أنه آنسه لكانت بلاده أولى به ~~منا. # لقد مات مصطفى كامل فكان شبابنا يبكون في الشوارع، ومات بعد ذلك سعد زغلول فكانت نساؤنا ~~قبل رجالنا يبكينه في البيوت، فهل بكى الأجنبي من أجل مصطفى أو سعد؟ # وكان لنا مسائل اجتماعية، منها مسألة المرأة ومسألة الفلاح، وهي مسائل كانت تشعرنا بالضفة ~~والانحطاط كلما رأينا الشقاء الذي يعيشان فيه، وكنا نحن راضيين بالتضحية والجهاد من أجل ~~إصلاحها، فهل كان يرضى الصحفي الأجنبي في مصر بأن يضحي بشيء من ماله أو نفسه من أجل ذلك؟ ~~كلا؛ لأن ms06 رجاءنا كان يختلف عن رجائه. # والصحافة هي بعد ذلك نوع من الأدب الجديد، أدب الجماهير والعامة، فهل نحن نبغي منه أدبا ~~مصريا أو أدبا أجنبيا؟ # ليس شك أننا كنا نريد أدبا مصريا. كنا نريد من الصحفي المصري أن يخاطبنا بلغتنا، وأن ~~يحرض في نفوسنا الأماني المصرية، ولم ننتظر من الصحفي الأجنبي أن يؤدي لنا هذا الواجب؛ بل ~~هو لا يستطيعه لو أراده لأن نفسه غير نفسنا، فلم نكن ننتظر من الجرائد والمجلات الأجنبية أن ~~تطالبنا بدرس الحضارة الفرعونية كما فعل الدكتور محمد حسين هيكل، وأن يثبت على هذه الدعوة ~~بينما المجلات الأجنبية تتهمه بالإلحاد من أجلها، ولم نكن ننتظر منها أن تدعونا إلى وطنية ~~مصرية، كما فعل الأستاذ لطفي السيد في الجريدة، مع الإهانات المتكررة التي لقيها من العامة ~~على ذلك. # والخلاصة أن الصحيفة التي يقرأها المصري يجب أن تكون مصرية بالدم والروح والمزاج، لأنها ~~مرآة نفسه في اليوم والغد، وتمثل رجاءه في الاستقلال والحرية، وتنشد له أدبا مصريا يتفق ~~ومزاجه ولغته وبيئته ومصريته. # وكانت الصحافة تجارة مثل أي التجارات، ولكن كانت قيودها أثقل من سائر التجارات، وكان ~~الصحفي المصري يحمل هذه القيود راضيا وينزل على شروطها صاغرا، لأنه كان يراها تتفق ومصلحة ~~وطنه التي هي أكبر من مصلحته، ولكن الصحفي الأجنبي لم يكن يبالي بهذه القيود، فهو كان ينشد ~~من هذه التجارة الربح، والربح فقط. # لهذا السبب مضت علينا ثلاثون سنة والجرائد المصرية تعطل بينما الجرائد الأجنبية لا تعطل، ~~وانتهت هذه الحال بأن أصبحت الصحافة في مصر صناعة أجنبية كاد ينساها المصري، ونحن نعرف من ~~الشبان المصريين عشرات هجروا الصحافة لأنهم وجدوا من تعرضها المستمر للتعطيل ما يجلب عليهم ~~الجوع والحرمان، فتركوها ساخطين. # والصحفي الأجنبي المحايد لم تتعرض جريدته للتعطيل لأنه كان يسير مع كل حزب ويمشي وراء ~~الغالب، وهو لم يكن يشعر بالعار يلحق بالإنسان إذا استبدل بآرائه وخططه السياسية خططا ~~وآراء أخرى كما يستبدل الإنسان حذاءه؛ وذلك لأن مصر ليست وطنه، وهو إنما هاجر إليها يبغي ~~منها ms07 المال ولم يبغ منها وطنا؛ ولهذا السبب لم تكن تجد أجنبيا ينضم إلى حزب معين من ~~الأحزاب السياسية المصرية، وقد تسمع منه أنه متمصر وأنه لا يعرف من الأوطان سوى مصر، ~~ولكنه مع ذلك لم يكن يرضى أن يكون وفديا أو دستوريا لأن مصلحته التجارية كانت تدفعه إلى ~~أن يبقى خارج الأحزاب يستغلها كما يشاء، ولأنه كان يخشى اذا هو تقيد بأحد الأحزاب أن يتعرض ~~للتضحية، ثم هو إلى الأغراض المالية والكسب المادي كان يسير على الدوام مع الكثرة من العامة ~~في الشئون الاجتماعية. # وكنا نحن في مصر نطالب بحرية المرأة، ولكنه كان يرى أن العامة تكره هذه الحرية، فهو يسير ~~مع العامة ويدافع عن الحجاب، مع أنه في بيته وبين أهله وبني وطنه كان يضحك منا وينسب ~~تأخرنا إلى الحجاب، وهذا هو السبب في المقالات الكثيرة التي كان يكتبها الرجعيون في ~~الجرائد المحايدة الأجنبية في الدفاع عن الحجاب وتفشي الإلحاد في مصر. # هذا إلى هذر وهذيان وسخف من القصص والحكايات والخرافات كان يكتب في الصحف الأجنبية ~~لتسميم العامة وإضعاف عقولها. # وبينا كنا نرى الصحف المصرية معطلة والأقلام المصرية مقصوفة، نرى المجلات الأجنبية تنساب ~~بين العامة كأنها الحيات السامة، تشرح لهم كيف أن «الأستاذ» حافظ نجيب كان ينصب على ~~الناس، وكيف أن بطلا من أبطال الأوباش كان يأكل حذاء كاملا، وكيف استطاع شحاذ أن يشتري ~~بالشحاذة عقارا ضخما، وكيف يدخن الحشيش، وأين؟ # وكان يكتب هذا في مجلات أنيقة الطبع، تستهوي العين بالصور الجميلة وبالطبع الحسن، فيقرأها ~~الشاب المصري ويضعف عقله ويختل نظره للأشياء، حتى ليظن العبقرية في النصب والشحاذة ~~والسخافة. # ولنضرب مثلا على الأجنبي في مصر بواحد منهم جعل الصحافة المصرية هذرا وهذيانا، يجمعون ~~منها قروش العامة ويثرون، بينما عبد القادر حمزة ومحمد التابعي وعباس العقاد وحافظ عوض ~~وتوفيق دياب ومحمد أبو طايلة وأحمد حلمي وغيرهم، تقصف أقلامهم وتخرب بيوتهم. # كان هذا «الأستاذ» يكتب في المجلات الأجنبية قصصا يتكرر بعضها عشر مرات أحيانا عن فتح ~~الله بركات باشا، الذي يختلف ms08 عن سائر الناس أجمع من حيث إنه لا يأكل المدمس وانما هو يغمس ~~اللقمة في مرق المدمس فقط، ويذكر «الأمير» فاروق فيقول عنه: إنه لا يخاطب جلالة والده أو ~~والدته بقوله «يا صاحب الجلالة» أو «يا صاحبة الجلالة»، وإنما يقول كما يقول سائر الأطفال ~~في العالم: يا «بابا» ويا «ماما»، ثم يذكر الامير عمر طوسون فيقول عنه: إنه يدخن الشيشة قبل ~~الظهر ويدخنها أحيانا بعد الظهر وأحيانا لا يدخنها قبل الظهر أو بعد الظهر، ثم هو - أي ~~الأمير - يأكل في الغذاء أكثر من العشاء، وأحيانا يأكل في العشاء أكثر من الغذاء. # ثم يقول إن الأستاذ لطفي السيد تقابل مع علي الشمسي باشا فبدلا من أن يبدأ التحية علي ~~باشا بدأها الأستاذ لطفي السيد. # هذا هو الكاتب المثالي الأجنبي الذي كان يكتب للعامة هذا الهذر ليضعف عقولهم، بينما ~~كتابنا المخلصون كانت أقلامهم قد قصفت، وكان بعضهم يبحث عن عمل آخر غير الصحافة يمكنه أن ~~يعيش منه دون أن يتعرض للجوع. # وفي سنة 1930 أصدر إسماعيل صدقي باشا قرارا بإقفال ثلاثة مصانع مصرية، هذه المصانع هي: ~~(1) ~~«البلاغ» لصاحبه عبد القادر حمزة. ~~(2) ~~«الكوكب» لصاحبه أحمد حافظ عوض. ~~(3) ~~«اليوم» لصاحبه توفيق دياب. # وكل من هذه الجرائد كان مصنعا يحتوي على آلات كبيرة، ومواد كيماوية، ويحتاج إلى عمال ~~ميكانيكيين وكيماويين يفهمون الآلات ويدرون بالأصباغ، ولا يمكن لأحد هذه المصانع أن يرتقي ~~ويبلغ درجة من الإتقان تجذب عين القارئ إلا بعد تجارب وتضحيات كبيرة، وقد كان يعيش في كل من ~~هذه الجرائد وحولها نحو خمسمائة أسرة مصرية. # ولكن هذه المصانع المصرية أقفلت، فوثبت الصحف المحايدة الأجنبية إلى الأمام وأخذت مكانها، ~~والجريدة ترسخ بالزمن لأنها مصنع يرتقي بالتجارب الفنية، والزمن وحده هو الذي يجعلها تنال ~~حظوة التجار في الإعلان عن بضائعهم، والتاجر لا يمكنه أن يأتمن جريدة على إعلانات وهي معرضة ~~للموت في أي يوم. # وهذه الخطة في إقفال الجرائد المصرية قد مضى عليها عشرون سنة بل أكثر، وكانت تسير نحو هدم ~~الصحافة باعتبارها صناعة مصرية وإحيائها ms09 باعتبارها صناعة أجنبية، حتى بتنا نحن الصحفيين ~~المصريين نرى الهزيمة واضحة في جانبنا والفوز ظاهرا في جانب الأجانب، وبينما كانت الحكومة ~~تسن القوانين لمساعدة المصانع الأخرى، تعمد إلى المصانع الصحفية المصرية فتقتلها؛ فكنا في ~~حاجة إلى تغيير الخطة كلها للمحافظة على هذه الصناعة . # ونحن نضرب مثلا عن شناعة هذه الخطة بجريدة البلاغ، فهذا «البلاغ» قد اشترى في سنة 1930 ~~ماكينة للطبع لا يقل ثمنها عن سبعة آلاف جنيه ويبلغ قسطها الشهري 700 جنيه، وكانت هذه ~~الماكينة تستطيع إخراج البلاغ بالألوان والصور، وقد عطله إسماعيل صدقي بعد تجارب مضى ~~عليها أشهر، كانت كلها خسارة في انتظار الربح القادم، أي لما أوشك كل شيء أن يتم وبعد ~~التضحيات الكثيرة عطلت الجريدة، ولم يكن على الأستاذ عبد القادر حمزة سوى أن يبيع هذه ~~الماكينة بأبخس ثمن أو أن يعلن إفلاسه، وفي إفلاسه إفلاس العمال الذين تعلموا هذه ~~الصناعة، بل إفلاسنا جميعا. # ثم كانت إحدى الجرائد الأجنبية التي تسير مع كل حزب وتجري مع كل ريح، وتضحك منا جميعا، ~~قد اشترت ماكينة للطبع بالألوان أيضا ونجحت بها، ولم تخش الجريدة الخسارة لأن صاحبها لم ~~يصدم بأية قوة غالبة في البلاد، وعندما عاد البلاغ إلى الظهور كانت الصحف الأجنبية ~~المتفرجة قد رسخت ونالت حظوة القراء، وحظوة التجار في الإعلانات، فلم يستطيع البلاغ أن ~~يزحزحها عن مكانها. # والمغزى أن مصنعا أجنبيا كان يتغلب على مصنع مصري ويقتله، والنتيجة أني أنا وأنت أيها ~~القارئ المصري كنا نخسر بهزيمة الصحف المصرية التي يعطلها الحاكم. # والعلاج الوحيد هو أن ننقل العقاب من الصحيفة إلى الصحفي؛ فالصحيفة المصرية مصنع يجب ~~ألا يقفل بأية حال، فإذا حدثت عن سبيلها جناية فلنعاقب الجاني وهو الشخص الكاتب، ولا ~~نعاقب الصحيفة. فلنفرض أن جريدة البلاغ مثلا ارتكبت جناية، فلنقبض على المرتكب ونعاقبه، ~~أما الجريدة فيجب أن تصدر كل يوم لأنها في نفسها لا ترتكب الجناية وإنما هناك شخص أو أشخاص ~~يرتكبونها وهم الذين يستحقون العقاب. # وقد كان القدماء يعاقبون الآلة التي ارتكبت بها الجريمة ms10 فيتلفونها، ولكننا ارتقينا ~~عليهم وقصرنا العقاب على الشخص الجاني. # أما الآلة فشيء نافع يجب أن يستمر في العمل، فإذا فرضنا أن قاطرة داست بعض الناس وقتلتهم ~~فنحن لا نتلف القاطرة بل نعاقب السائق، ونترك القاطرة تؤدي خدمتها للجمهور بعد أن يتسلمها ~~سائق آخر خبير بالسياقة ، وهكذا يجب أن تكون الحال في الصحافة عندما ترتكب إحدى الصحف جناية، ~~نعمد إلى الكاتب فنجلده أو نحسبه أو نشنقه، ولكن يجب أن تترك الصحيفة تصدر كل يوم وتؤدي ~~خدمتها للناس لأنها هي الآلة، وهي حديد وحبر وورق، لا يمكنها وحدها أن ترتكب جناية، وإنما ~~المرتكب شخص يمكن استبداله وعقابه، ثم في إقفال الجريدة أو المجلة قتل لصناعة مصرية يجب أن ~~تشجع وتعيش مثل سائر الصناعات. # الفصل الثاني # | لما كانت الصحافة محتقرة # أذكر أني في 1923 احتجت إلى أن أستأجر مسكنا بالقاهرة، وقصدت إليه وعاينته وارتضيته ~~بأجرة شهرية قدرها سبعة جنيهات، وشرعنا في كتابة عقد الإيجار، وما هو أن فهمت مالكة ~~المسكن أني صحفي حتى انتفضت من مقعدها وهي تقول: «جرنالجي» ويدفع منين سبعة جنيهات في ~~الشهر؟ # ورفضت التوقيع على العقد، ولم تجد معها المناقشة والشرح، وخرجت وأنا أتعثر في ثوب ~~الخيبة. # واستطعت، بعد أن تشفعت بقريب لها، وبعد أن دفعت مقدما أجرة ثلاثة أو ستة شهور، أن ~~أحصل على رضا المالكة وعلى المسكن. # وقد مضى على هذه الحادثة 35 سنة، ولكني أذكرها كي أبين للقارئ المكانة المحتقرة ~~التي كان الصحفي يحتلها في المجتمع المصري، وكانت كلمة «غازيتجي» من الكلمات التركية التي ~~تعني «صحفي»، وكانت مألوفة عند الطبقة الحاكمة في بداية هذا القرن، وكانت تحمل معنى التشرد ~~والفقر والصعلكة. # ولما تزوج الشيخ علي يوسف صاحب «المؤيد» ابنة الشيخ السادات أقام الأب دعوى عليه يطلب ~~إلغاء الزواج بدعوى أنه صحفي، وأن الصحافة محتقرة، ولا يليق بمن تنسب إلى «الأشراف» مثل ~~ابنته أن تصاهره، وحكمت المحكمة الشرعية بإلغاء الزواج على هذا الأساس؛ أي إن الصحافة مهنة ~~غير شريفة، ومحترفها لا يليق لمصاهرة أسرة «شريفة». # وقبل نحو ثلاثين ms11 سنة كان صادق سلامة صحفيا في المنيا يراسل جرائد القاهرة، وكان يكتب في ~~انتقاد المدير وسائر الموظفين المسئولين في المديرية، وغاظهم نقده، وذات صباح جاءه رجل ~~البوليس يقوده إلى مأمور البندر، وهناك ووجه بتهمة التشرد، وتسلم «إنذار» التشرد، وكان ~~هذا الإجراء بعض ما يلاقيه الصحفيون من رجال الإدارة والسياسة في مصر في تلك الأيام. # ولكن صادق سلامة كان رجلا إلى نخاع عظامه، فقصد إلى القاهرة، وسعى حتى حصل على رخصة ~~بإصدار صحيفة أسبوعية أسماها «الإنذار» تخليدا للفضيحة التي ارتكبها رجال الإدارة معه في ~~المنيا، وقد شرفني بالتحرير فيها فيما بين 1948 و1952. # والواقع أن الصحافة قبل نحو أربعين أو خمسين سنة كانت من المهن المحتقرة، إذا اعتبرنا أن ~~نوع النجاح الذي يعترف به المجتمع هو النجاح المالي، فإني أذكر أني اشتغلت في «اللواء» سنة ~~1909 بأجر شهري قدره سبعة جنيهات، وخرجت لعجز الجريدة عن دفع أجري، بل خرجت ولي عندها متأخر ~~شهرين أو ثلاثة شهور. # ونستطيع أن نعزو انحطاط الصحافة المصرية إلى جملة أسباب: # أولها أن الحكومة الاستعمارية الاستبدادية كانت تطاردها باعتبار أنها تحمل راية النقد ~~لإدارة يجب أن تبقى مستترة عن أعين الجمهور، وكانت أيضا تدعو إلى جلاء الإنجليز المحتلين ~~لبلادنا. # ثم كان تأخر التعليم، وتحديد عدد المدارس الحكومية، يعمم الأمية أو يكاد بين طبقات الشعب، ~~فكان جمهور القراء صغيرا لا يغذو جريدة يومية أو أسبوعية كثيرة النفقات؛ فكانت أجور ~~الصحفيين - تبعا لذلك - منخفضة. # ولذلك كانت جرائدنا على الدوام في إفلاس، بين التعطيل والغرامة وحبس المحررين والمخبرين، ~~ولم تكن في حالها هذه تتيح للصحفي أن يتربى التربية الصحفية، وقد مات اللواء، ومات بعده ~~المؤيد، ثم الدستور، ثم الجريدة، وهذا غير عشرات المجلات، وأصبح الاعتقاد العام أن الصحافة ~~مهنة خطرة تؤدي إلى الحبس، كما هي مهنة المفلسين أو الموشكين على الإفلاس؛ ولذلك لك يكن ~~يقبل عليها الأكفاء الذين يجدون عملا آخر يتيح لهم الطمأنينة والكسب إلا أولئك ~~الهواة المهووسين بالفن، وهؤلاء كانوا على الدوام قلة. # ولهذه الأسباب جميعها كثيرا ما ms12 كنا نجد الشبان يلجئون إلى الصحافة كما لو كانت معبرا ~~يعبرون منه إلى وظيفة حكومية، وكثيرا ما حدث هذا فإن المحرر أو المخبر باتصالاته بالموظفين ~~كان يجد الفرصة لأن يثب من الصحافة إلى الوظيفة ويترك الصحافة في غير أسف. # وبقي إحساس الخطر من مهنة الصحافة قائما عند كثير من الصحفيين إلى وقت قريب، فإن الصحفي ~~لم يكن لينتظر من مهنته أن تكون رسالة حياته أو على الأقل مورد رزقه طيلة حياته، فكان يجمع ~~منها ما يستطيع من مال كي يشتري ضيعة أو يقتني منزلا، وهو بهذا العمل كان يخرب صحيفته إذ ~~يكف عن ترقيتها بالإنفاق عليها حتى تزداد خدمتها للجمهور؛ ولذلك كثيرا ما ماتت الصحف لأن ~~أصحابها لم يرعوها بالتحسين والتوسع. # وواضح أن هذا الإحساس بالخطر من مهنة الصحافة كان يعود في الأكثر إلى القوانين الغاشمة ~~التي ذكرناها والتي كانت تحمل الصحفي على أن يبحث عن عمل آخر، أو يقتني ما يكفل له العيش من ~~مرتزق آخر، وخاصة إذا كانت صحيفته من تلك الصحف المكافحة، وليست من تلك الصحف ~~المتفرجة؛ أي تلك الصحف التي وضعت نصب عينها مكافحة الاستعمار ومكافحة الاستبداد، فإن ~~موقفها كثيرا ما كان يقضي عليها بالإلغاء، أي الموت أو الحبس المؤذي المهين، أو الغرامة ~~الفادحة. # ويمكن أن نعد الصحف المصرية التي ظهرت ثم ماتت لموقف الكفاح هذا بالمئات منذ عرفت مصر ~~الصحافة، وهي لم تمت إلا بعد أن بعثت في قرائها روح الكفاح، وبعد أن نادت وأطلقت صرخاتها ~~من أجل الحرية والاستقلال ونزاهة الحكم؛ ولذلك لن ننسى فضلها. ~~••• # كانت الصحافة مهنة محتقرة، كما كانت أيضا خطرة ولكنها كانت أيضا فقيرة. # وكان مرجع فقرها إلى أنها كانت مهددة بالإفلاس في كل وقت، فلم تكن تؤدي من الأجور ~~والمرتبات للذين يعملون فيها إلا أخس المبالغ، ثم كان موقف العداء الدائم الذي كانت تقفه ~~منها الحكومات الاستبدادية يحرم المشتغلين فيها أي ضمان من الإقالة أو حرمان ~~المكافأة. # وكان هناك من أصحاب الصحف استغلاليون، دخلوا في هذه الحرفة بنفس الروح التي ms13 يقدم بها ~~التاجر على تجارة ما، لا يبغي سوى الربح؛ ولذلك كانوا يرهقون عمالهم من المحررين إلى ~~الطباعين بالعمل الشاق الذي كثيرا ما أودى بصحتهم. # وجميع الصحفيين يعرفون كيف أن إحدى الدور الصحفية القديمة في القاهرة كانت ترهق محرريها ~~بالعمل حتى كانوا يخرجون منها وهم في انهيار نفسي، لو أنه طالت مدته لكان قد حملهم على ~~الانتحار أو قضى عليهم بالجنون، وكيف أن كثيرا من عمال الجمع والطبع أصيبوا ~~بالسل لمشقة العمل، زد على هذا أنه لم تكن هناك مكافآت للصحفي عن سني عمله إذا استقال، ~~وقد عملت أنا سبع سنوات في دار صحفية مشهورة، وخرجت دون أن أحصل على مليم واحد ~~مكافأة. # وكانت خسة الأجور والمرتبات من دواعي الاحتقار عند الشعب للصحفي؛ فإننا نعيش في نظام ~~ثرائي اقتنائي يحسب فيه مقام الفرد بمقدار ثروته وما يقتني من عقار وما يحصل عليه من ~~دخل. # الفصل الثالث # | الصحافة تلقى عنتا وتعسفا # بعض ما أكتب في هذا الفصل قد أشرت إليه في مواضع أخرى موجزا عابرا، ولكني أحتاج هنا إلى ~~الإيضاح والتركيز. # فالصحف هي عين الشعب على الحاكمين، فإذا كان هؤلاء من المستعمرين والمستبدين فإنهم لا ~~يطيقون هذه العين الناقدة البصيرة التي تعين الأخطاء وتفضح الخيانات وترتب المسئوليات، وقد ~~كان كثير من الحاكمين في مصر منذ 1882 إلى 1952 خونة ولصوصا، ترتشي ضمائرهم عن الحق ~~والعدل، وترضى نفوسهم نهب البلاد، وقد رأيت كثيرا في حياتي الصحفية من جرائم هؤلاء ~~الحاكمين. # أذكر، قبل أكثر من عشرين سنة، أني كنت في دكان حلاق كنت أوثره على غيره لأنه كان يستخدم ~~حلاقا يدعى «المصري» كانت له اتصالات بالصحافة، وكان يجيد الكتابة في شئون العمال، ~~وبينما هو يشتغل بقص شعري إذا بشرطي يدخل ويلقي القبض عليه ويقيده، وكانت التهمة التي سيق ~~بها إلى مركز البوليس هي «التشرد». # التشرد وفي يده المقص يقص شعر الزبون. # وقد كانت تهمة «الشرد» من التهم المحبوبة المأثورة عند البوليس أيام الحاكمين المدنسين، ~~يتهمون بها الصحفي من وقت لآخر كلما عجزوا عن ms14 إثبات تهمة صحفية واضحة عنه. # فقد ألقي القبض في المنيا على صادق سلامة وسلم «إنذار»، وكان كل ما ارتكبه أنه كان يراسل ~~صحف القاهرة وينتقد المدير والوكيل في المديرية، وأصدر بعد ذلك صحيفته الأسبوعية باسم ~~«الإنذار» في ذكرى هذا الحادث على ما ذكرنا قبلا وبقيت صحيفته بهذا الاسم إلى أن توفي في ~~1955. # وأسوأ من هذا في باب الظلم، ما حدث لأحد أصحاب الصحف، فقد كان في أوروبا وكتب أحد محرري ~~صحيفته كلمة استوجبت تحقيق النيابة، ولم يقرأ صاحب الصحيفة ما كتبه هذا المحرر، ولم يعرف ~~موضوع التهمة، فلما وصل إلى ميناء الإسكندرية ألقي القبض عليه وحوكم، وحبس بسبب ما نشره ~~في هذا المحرر وهو غائب في أوروبا، وقد كان قانون الصحفيين في ذلك الوقت ينص على مسئولية ~~صاحب الصحيفة لما يكتب في جريدته حتى ولو كان غائبا عنها، وكان هذا بعض العنت الذي ~~اخترعته الأمخاخ السوداء في رءوس المستبدين والمستعمرين في مصر في وقت ما. # ومن هذا العنت أيضا أن تختص محاكم الجنايات بمحاكمة الصحفيين في قضايا الجنح، وفي هذا ~~الاحتيال العجيب لإيذاء الصحفيين إشارة واضحة إلى الفساد الذي كان هؤلاء الحاكمون ~~الفسدة يحاولون التسلل به إلى إفساد نزاهة القضاة. # وكانت «المطبعة» التي تطبع بها الصحيفة المعارضة موضوعا آخر للمعاكسات؛ ذلك أنها ~~تعد «مصنعا» ينطبق عليه تعريف الإنجليز بقانون 1904 للمصانع المصرية، وهو أنه «محل ~~مقلق للراحة أو مضر بالصحة أو خطر». # وأذكر أني كنت مع شريك قد أقمنا سنة 1950 مطبعة في قسم الأزبكية لطبع صحيفة، فلم نحصل في ~~مدى أربعة شهور على الترخيص بإدارتها، مع أننا كلفنا مهندسا متمرنا على شئون المباني كي ~~يقوم بالرسم ويعين المواضع، وجاء طبيب قسم الأزبكية فوافق على الترتيبات جميعها، ولكنه عاد ~~إلينا بعد ذلك يقول إن الوزارة تطلب نقل النافذة نافذة المرحاض من الجهة الشمالية إلى الجهة ~~الشرقية، وإنه لا يعرف علة هذا الرأي، ويسألنا: هل نحن نعرفه؟ # ولم نكن نعرف سوى العنت الذي كانت الوزارة تهدف منه إلى إقفال المطبعة، ونجحت ms15 في ~~ذلك. # وفي تلك السنة بالذات فكر وزير الداخلية فؤاد سراج الدين في اتخاذ جملة خطوات مشئومة، ~~ليست لتقييد حرية الصحف فقط بل أيضا لإخفاء جرائم فاروق ورجال قصره الدنس حتى لا يقف ~~الجمهور المصري على الحقائق السوداء التي تمس رجال الحكم في القصر، وذلك بأن أعد مشروعا ~~لمنع الصحف من نشر أخبار القصر ، أي أخبار فاروق ونازلي وبولي وكريم ثابت، وأخبار الراقصات ~~اللائي كن يرافقن فاروق في رحلاته إلى الإسكندرية أو الصحراء، وينزل معهن في الأوبرج ~~بالفيوم أو غير هذا الفندق في الأماكن الأخرى. # وأذكر أنه جيء بي من بورسعيد محروسا برجل البوليس إلى القاهرة؛ كي تحقق معي النيابة ~~العامة بشأن جملة وردت في مقال لي بجريدة «الشعلة» هذه كلمتها بالنص: «الأوبرج وما أدارك ما ~~الأوبرج»! # وكان المحقق الأستاذ إسماعيل عوض الذي استطاع أن ينقذني، ثم ينذرني. وكانت كلمة الأوبرج ~~من الكلمات الحساسة عند فاروق لما كانت قد شاع وقتئذ لأنه يسلك سلوكا شائنا في هذا ~~الفندق. # ولما هاج الصحفيون في شجاعة وشهامة على مشروع هذا القانون، فكر فؤاد سراج الدين في ~~مشروع آخر في 1950 أيضا هو «قانون الاشتباه السياسي» كي يصبح الصحفي مشتبها حين لا يمكن ~~إثبات تهمة عليه، واستطاع الصحفيون أيضا أن يئدوا هذا المشروع. # وأذكر أن إحدى الشركات التي كانت تطبع الكتب الشهرية قد تعاقدت معي حوالي 1948 بشأن كتاب ~~قديم لي كانت دار الهلال قد نشرته سنة 1926، فلما كان بالمطبعة يجري طبعه، أوقف الطبع ~~بدعوى أن الكتاب واسمه «أشهر قصص الحب التاريخية» يحتوي فصلا عن حب الملوك، وأن في هذا ~~تعريضا بفاروق. # وفي سنة 1945 ألفت كتيبا بعنوان «حرية العقل في مصر» دعوت فيه إلى منع مثل هذا العنت ~~في معاملة الصحفيين والأحرار والمؤلفين. # وعلى القارئ لهذا الفصل أن يذكر أسماء الصحف المكافحة التي ماتت جميعها لأن المستبدين ~~والمستعمرين لم يطيقوا صدورها، وقد ماتت بمثل هذه المعاكسات، في حين أن الصحف المتفرجة، ~~التي لم تكن تبالي فحش فاروق، أو سرقات الوزراء، أو نهب الاستعمار ms16 لكنوز بلادنا، أو تأخر ~~بلادنا في جميع الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية، هذه الصحف عاشت وأثرى أصحابها ~~حتى أصبحوا يملكون من العقارات وغير العقارات ما تبلغ قيمته مئات الألوف من ~~الجنيهات. # الفصل الرابع # | كيف أفسدت الحكومة الصحافة المصرية # كانت الحكومة المصرية أيام الاستعمار والاستبداد تمارس ألوانا من الفساد أو الإفساد ~~الصحفي يتجاوز الخيال، وهو فساد أو إفساد لم تعرفه أمة أخرى في هذا العالم كله. # فمن ذلك مثلا المصروفات السرية التي كانت ترشو بها الوزارات المتعاقبة الصحفيين حتى ~~ينكروا الحق وينشروا الباطل، والذي ابتدع هذه البدعة هو عدلي يكن الذي هدف منها إلى محاربة ~~سعد زغلول بتضليل الرأي العام وشق الأمة عليه عن طريق الصحافة، ولم تلغ هذه المصروفات ~~السرية إلا بعد ثورة 1952، وكان في إلغائها تطهير وتنظيف. # وكان الغرور والزهو يحملان بعض الوزراء على أن يسخوا سخاء الإغداق على أحد الصحفيين لأنه ~~كان ينشر صورهم في جمال ساحر وإن يكن زائفا، ويصف مآثرهم وإن لم تكن مآثر، ويروي القصة تلو ~~القصة بشأن إصلاحاتهم التي لم يكن يعرفها الجمهور إلا في الصحف. واتضح من الكشف الذي أذاعته ~~حكومة الثورة في 1952 أن إحدى الصحف الأسبوعية التافهة حصلت على أكثر من 26 ألف ~~جنيه. # وكانت صفحاتها وقفا على الثناء على وزراء الاستبداد، فلا مقال عن العلم أو الأدب أو ~~الصناعة أو الزراعة أو السياسة، وإنما كل ما كان فيها كلمات رنانة وجمل مرصعة في الثناء على ~~الذين يمنحونها هذه «المصروفات السرية». # ثم كانت هناك رشوة أخرى لإفساد الصحفيين هي الإعلانات الحكومية، فصاحب الجريدة المستقل ~~المعارض الذي يهدف إلى الإصلاح ولا يفتأ ينادي بقمع الفساد، يحرم الإعلانات أو لا يحصل ~~منها إلا على التافه، في حين أن الصحفي الذي يمدح ويتغنى بعدل المستبدين ينال الألوف من ~~الجنيهات، بل إن إحدى الصحف الأسبوعية التي لا يزال يذكرها الصحفيون نالت من إعلانات ~~الحكومة في عدد واحد ما تزيد قيمته على نحو ثلاثمائة جنيه. # وهذا في الوقت الذي لم تنل فيه صحيفة يومية في أربعة شهور ms17 كاملة تصدر فيها كل يوم، ~~وتباع، وتذاع، لم تنل سوى ما قيمته أربعون جنيها أي بمتوسط عشرة جنيهات في الشهر. ولم ~~يكن لهذه الصحيفة من ذنب سوى أن محررها كان رجلا حرا يأبى الثناء الرخيص الكاذب على وزير ~~الداخلية المتصرف. # وكانت الإعلانات الحكومية - التي كان هدفها في الأصل خدمة الحكومة بتنبيه الجمهور أو ~~المقاولين أو غيرهم - وسيلة لإفساد الجريدة أو المجلة، وأذكر أني حين أخرجت مجلة المصري في ~~1930، وعارضت فيها إسماعيل صدقي في سياسته، عمد إلى التوسل إلى إفلاسي بحرماني هذه ~~الإعلانات، ولم يحرم «المصري» فقط بل حرمت 12 مجلة أخرى أصدرتها بعد إلغائه. # وكنت في تلك الأيام عرضة لزيارات لا تنقطع، غايتها أن أخضع، مع عرض المكافأة السخية وهي ~~الإعلانات، ولم أخضع؛ ولذلك أفلست جميع المجلات التي أصدرتها. # ومثال آخر لرشوة وإفساد الصحفيين، هو اشتراك وزارة «المعارف» وغيرها من الوزارات في بعض ~~المجلات والجرائد دون بعض، فقد كان المقياس هنا ليس منفعة الطلبة والتلاميذ أو الموظفين، ~~ولكن موقفها إزاء السياسة التي تتبعها الوزارة، فإذا كانت الصحيفة معارضة وتنتقد فإنها ~~تقاطع، وإذا كانت موالية تمدح فإن الوزارات تشترك فيها، وكثيرا ما كانت المدارس «تختزن» ~~المجلات التافهة بألوف النسخ التي لا تفض غلافات البريد عنها لهذا السبب. وقد أثرى صحفيون ~~تافهون كثيرون بهذه الوسيلة. # ووسيلة أخرى عرفتها الحكومة أيام الحرب الكبرى لإفساد الصحف، هي الورق، فإن مقدار المخزون ~~منه في البلاد كان محدودا، ومقدار ما كان يرد إلينا من الأقطار الأجنبية كان أيضا ~~محدودا، وتعللت الحكومات بهاتين العلتين وتدخلت لتوزيع الورق «بالعدل»، وكان من هذا ~~العدل أن عومل الموالون الخاضعون بالسخاء وعومل المعارضون بالتقتير. ويعرف الصحفيون في ~~أيامنا كيف اقتنى بعض الصحفيين مئات الألوف من الجنيهات حصلوا عليها ببيع الورق في السوق ~~السوداء. # وشاع هذا البيع حتى صار فضيحة مكشوفة، وحتى صار كثيرون من الصحفيين تجارا، يحصلون على ~~ورق الصحف فيبيعونه لأصحاب المكتبات الذين كانوا يحتاجون إليه لطبع الكتب. # وألف المرحوم أمين عثمان الوزير الوفدي جمعية «للصداقة» الإنجليزية المصرية، كان شعارها ms18 ~~أننا نحن المصريين قد تزوجنا الأمة الإنجليزية زاوجا كاثوليكيا لا تفصم عراه، ~~وكان كل من ينضم إلى هذه الجمعية من الصحفيين يجد أجود الورق بأرخص الأثمان، بشرط الإبقاء ~~على الزواج الكاثوليكي. # ولا أكاد أتخيل صورة أفظع من هذه الصورة في إفساد الصحف المصرية، وقد فسدت أو فسد الكثير ~~منها، كما يدل على ذلك هذا الحادث التالي: # ذات يوم دعاني أحد أصحاب الصحف، فلما قعدت إليه وأخذنا في الحديث فهمت أنه يرغب في أن ~~أتولى رياسة التحرير، وشرع يثني علي كثيرا، ولم يكن عندي ما يمنع من قبول هذا العرض، ~~وجعلنا نتحدث قرابة الساعة عن وجوه الإصلاح في الصحيفة، ونتناولها صفحة بعد أخرى بالنقد ~~والاقتراح هنا وهناك، ونقترح أسماء لمحررين نحتاج إليهم، وانتهى اجتماعنا بأن أفهمني بأنه ~~سيكالمني بالتليفون في اليوم التالي، وودعته وخرجت. # ومضت أيام لم يكلمني فيها ولم يعتذر، وصادف لقائي لأحد الوزراء وكانت له به علاقة متينة، ~~فشكوت إليه هذه المعاملة التي بخسني بها، فكان جوابه السريع الصريح: «اسمع يا أستاذ، فلان ~~هذا لا يوظف محررا في صحيفته إلا بعد استئذان السراي، وأنت تعرف رأي السراي عنك؛ فلا بد ~~أنه استشارهم فأشاروا عليه بألا يجعل لك صلة بصحيفته». # ولا أنسى أن أقول إن هذه الصحيفة كانت وقتئذ تفهم الجمهور أنها معارضة للسراي. # وكان منصب «مدير المطبوعات» من المناصب العليا في الدولة، ولكن الحكومة الفاسدة كثيرا ما ~~كانت تعين أفسدت الناس وأجهلهم لهذا المنصب؛ لأنها كانت تخشى الرجل المستقل النزيه المثقف ~~الذي قد يأنف مما يطلب منه من اتباع خطط سافلة مؤذية للجمهور أو للصحفيين. # وأذكر أني قصدت ذات يوم إلى واحد من مديري هذه الإدارة لشأن صحفي، فلما هممت بالدخول إلى ~~غرفته منعني سكرتيره وأفهمني أن هناك مسائل خطيرة جدا يشتغل بها مدير المطبوعات، وأني ~~يمكن أن أنتظر حتى ينتهي منها. # وقعدت مع السكرتير، وطال انتظاري، فسئمت وأخذت استفسر منه عن هذه المسائل «الخطيرة» التي ~~يشتغل بها مدير المطبوعات الذي كنت قد خبرته من قبل ووجدت فيه أتفه ms19 رجل عرفت. # ولكن السكرتير رفض أن يبوح، وعندئذ لم أباله، وهممت إلى الباب واقتحمته، فماذا ~~وجدت؟ # وجدت مدير المطبوعات هذا، الذي يشرف على الصحف، ويوجه الرأي العام، ويطلب إنذار صحيفة ~~وإلغاء أخرى، ويقدم الصحفيين للنيابة العامة، ويعين مقدار الإعلانات والمصروفات السرية، ~~وجدت هذا المدير قاعدا وأمامه عراف مشهور في القاهرة بأنه يرى الحظ ويتكهن عن المستقبل عن ~~طريق النجوم والودع ، وكان الموضوع الذي حضر من أجله هو أن يخبر المدير عن التاريخ الذي ~~ستقال فيه الوزارة أو تستقيل حتى يتهيأ بخطط معينة للوزارة القادمة. # هذا بعض مما لاقاه الصحفيون من فساد الحكم أيام الوزارات التي سبقت الثورة. # الفصل الخامس # | الإعلانات في الصحف # ليس شك في أن الإعلانات التجارية والصناعية والترويحية تنفع القراء وترشدهم، فإن ربة ~~البيت تعرف منها ما يجد من المخترعات التي تخفف الأعباء المنزلية، كما يجد جمهور القراء ~~فيها دليلا عن المسارح والدور السينمائية ونحوها، وهذا غير ما يجده كل منا بشأن لباسه ~~وطعامه وسكناه وسائر حاجاته. # والإعلانات، من زاوية أخرى، تخدم الروح وتزيد الاستهلاك، فلا تركد حركة الأسواق. # ثم هي بعد ذلك تصل بين الصحيفة وبين حركات الإنتاج في شتى السلع، فهي من هذه الزاوية ~~تنطوي على عوامل تنويرية لمحرري الصحف أنفسهم لأنها تدلهم على الأحوال الاقتصادية المتغيرة ~~المتطورة. # وفي نظام إنتاجي مثل نظامنا الحاضر يقوم على المباراة، تحتاج المتاجر إلى الإعلان، وأقرب ~~الوسائل إلى ذلك هو الصحيفة؛ ولذلك أصبحت الإعلانات أعظم الموارد لحياة الصحيفة، حتى لقد ~~عرف أحد المتهكمين الصحف، جرائد ومجلات، بأنها «أوراق» قد كتبت عليها إعلانات وفي ظهر ~~هذه الإعلانات أخبار. # وعندما نتصفح إحدى جرائدنا الكبرى، مثل الجمهورية أو الأخبار أو الأهرام أو الشعب، غير ~~المجلات الأسبوعية العديدة، نجد أن مقدار الورق أحيانا يزيد ثمنه على الثمن الذي تباع به ~~الجريدة أو المجلة، وعلة ذلك هي الإعلانات؛ لأن قيمة الإعلان تعوض الدار الصحفية وتجعل ~~الخسارة في ثمن الورق كسبا في قيمة الإعلان. # ونحن القراء نضيق أحيانا بكثرة الإعلانات، ولكن الجريدة التي تبلغ صفحاتها 16 ms20 أو 20 صفحة ~~لا يمكن أن تباع بأثمانها الحاضرة لولا هذه الإعلانات العديدة التي تسد النقص في أبواب ~~أخرى من نفقات الصحيفة. # وقد حاول أحد الصحفيين الأمريكيين أن يتحدى القواعد الصحفية في الولايات المتحدة فأصدر ~~صحيفة في واشنطن كان يبلغ عدد صفحاتها 16 (في نصف قطع جرائدنا اليومية)؛ فلم يعتمد في عدد ~~واحد على سطر من الإعلانات، ولكنه وقفها بعد أقل من سنتين لوفرة ما خسره في إصدارها من مال، ~~وصحيح أن الجمهور عند صدورها أقبل عليها، ولكنه عزف عنها بعد ذلك، لأنه وجد أن الجرائد ~~التي تستعين بالإعلانات تتوسع في عدد صفحاتها وتزيد من أخبارها وسائر مرافقها وخدماتها ~~الصحفية أكثر مما تستطيع جريدة بلا إعلانات. # وللإعلانات في نظامنا القائم قيمة تنويرية كبيرة لا تقل أحيانا عما تنشره الصحيفة من ~~أخبار أو مقالات، فإن الشركة الجديدة - في تجارة أو صناعة - تحتاج إلى شرح أعمالها القادمة، ~~وهي لا تنتظر الخدمة المجانية من الصحيفة في هذا الشرح؛ ولذلك تقوم هي بنشره إعلانا أو ~~إعلانات متكررة حتى تقف الجمهور على مشروعاتها ويقدم على شراء أسهمها، وكثيرا ما تظهر هذه ~~الإعلانات في صيغة مقالات، والجمهور يستنير بهذه الإعلانات والشركة تنتفع. # وقد يقال هنا إن الشركة أو المؤسسة التجارية أو الصناعية التي تغزو إحدى الصحف ~~بإعلاناتها تستطيع أن تؤثر في سياستها وتحددها بالحرمان إذا هي أقدمت على انتقادها بما يؤدي ~~إلى إيذائها ماليا. # واعتقادنا أن هذا صحيح، وقد مرت بي اختبارات صحفية من هذا النوع؛ فإني أذكر أن إحدى ~~البواخر ارتطمت، وكان عليها مسافرون مصريون، وتسلمت الخبر بالإنجليزية من إحدى شركات ~~الأخبار وترجمته، ولكن بعد أقل من عشر دقائق جاءنا رسول من مكتب الشركة التي تملك هذه ~~الباخرة وطلب أن نمتنع عن النشر، وكان التهديد المضمر أننا إذا نشرنا الخبر أسأنا إلى سمعة ~~الشركة، وعندئذ تقطع إعلاناتها عن الجريدة التي كنت أعمل فيها محررا ومترجما، وامتنعت ~~الجريدة عن النشر خاضعة ذليلة، بل حدث ما هو أفدح من هذا، فقد كانت هناك شركة تأمين في ~~التصفية، ms21 فرشت الصحف حتى لا تنشر خبر التصفية، واستطاعت أن تنتهي من التصفية قبل أن ~~تؤدي التزاماتها للمؤمنين عندها، ونستطيع أن نزيد. # حدث هذا قبل نحو ثلاثين سنة. # وبالطبع هذا الامتناع من الصحيفة عن نشر الحقائق خشية أن تخسر الإعلانات يعد إجراما ~~صحفيا يترفع عنه ويأباه الصحفي الأمين المخلص، كما يجب أن تترفع عنه وتأباه الشركة ~~التجارية أيضا سواء أكانت شركة بواخر أم شركة تأمين. # ولكن في نظامنا الاجتماعي الحاضر مفاسد، تكاد تكون أصيلة فيه، وإن يكن هناك من الرجال ~~الأشراف من يستطيعون من وقت لآخر أن يستعلوا وأن يأبوا الخضوع لهذه المفاسد. # اعتبر مثلا جريدة المقطم، فإننا كلنا نعرف الضرر الفادح الذي أنزلته بالشعب المصري حين ~~عاشت حياتها وهي تؤيد الاستعمار البريطاني، ولكن كانت لها فضيلة أخرى لا يعرفها الجيل ~~الجديد الذي سمع عنها ولم يرها؛ ذلك أنها طيلة سبعين سنة أو أكثر من عمرها رفضت نشر إعلان ~~واحد عن المشروبات الكحولية، وخسرت بالطبع بهذا الرفض نحو مئة أو مئتي ألف جنيه، ولكنها ~~ارتضت هذا الخسار التزاما لمبدئها وهو جحد الخمور. # وشبيه بذلك أيضا ما حدث في أيامنا، ففي 1953 كتبت الصحف بشأن إحداث التدخين لسرطان ~~الرئة، وكان الأطباء الذين يصدرون مجلة «بريتش مديكال جيرنال» قد بحثوا هذا الموضوع ~~واقتنعوا بصحته؛ فأعلنوا في يناير من 1954 أنهم يرفضون نشر الإعلانات عن السجاير، مع أن أقل ~~ما كانت تحصل عليه هذه المجلة الطبية من هذه الإعلانات لم يكن لينقص عن خمسة أو عشرة آلاف ~~جنيه في السنة. # ان لبعض الصحفيين أخلاقا عالية. # وأعود فأكرر القول بأن نظامنا الاقتصادي الحاضر، نظام المباراة يحتاج إلى الإعلانات، ~~وربما لا يستطيع البقاء بدونها، ولكن في نظام آخر مثل روسيا ليست هناك حاجة إلى إعلانات في ~~الصحف؛ ولذلك تصدر جميع جرائدها ومجلاتها بلا إعلان واحد، ونظامها الاقتصادي لا يحتاج إلى ~~ذلك، فإن أحد الأسس الذي تنهض عليه فكرة الإعلان هي أن «سلعتي أفضل وأرخص من السلع التي ~~يبيعها غيري». # وليست هناك مباراة في البيع في روسيا؛ ms22 وإذن لا حاجة إلى الإعلانات. وقد ذكرت مثالين عن ~~إساءة الاستعمال في الإعلانات، وهما مثال شركة التأمين ومثال شركة البواخر، ولكن في ظني بل ~~يقيني أن أعظم من أساء الاستعمال للإعلانات في الصحف هو الحكومة المصرية في عهدها اللعين ~~البائد أيام الوزارات الإقطاعية. # فقد كانت الإعلانات توزع على الصحف المصرية، لا للانتفاع بانتشارها حتى تصل إلى ~~المحتاجين إليها فيعرف منها المقاول مثلا أخبار المزايدة أو المناقصة أو نحو ذلك، وإنما ~~كانت توزع بالمحاباة الصريحة بحيث تعود هدية أو رشوة من أحد الوزراء لأحد الصحفيين فحسب، ~~أما خدمة الدولة في مصالحها المالية فلا شأن لها أي شأن في نظر الوزير. بل كانت هناك مجلات ~~أسبوعية لا يتكلف إصدار العدد الواحد منها خمسين قرشا يحمل من الإعلانات الحكومية ما كانت ~~تبلغ قيمته عشرين جنيها أو أكثر. # وبعض الجرائد في بعض الأحيان يزيد ثمن الورق الذي تطبع به على ثمنه وهو جريدة مطبوعة، بل ~~يزيد أضعافا في بعض الأحيان، وإنما يحصل أصحاب الجريدة على الربح من الأجور العالية ~~للإعلانات. # بل يحدث أكثر من ذلك، فإن بعض المصانع والمتاجر والمؤسسات المالية تؤسس الجرائد وتغذوها ~~بالمال حتى تنتشر، ويكون القصد خدمة هذه المصانع والمتاجر والمؤسسات، وإلى الآن لا أعرف مثل ~~هذه الحالات - لحسن الحظ - في مصر، ولا ينتظر أن يحدث مثل ذلك في مصر إلى سنين عديدة قادمة، ~~فإن رأس المال في أوروبا وأمريكا من القوة والحيلة والدراية، بحيث تمتد شباكه إلى الصحف ~~فيستغلها، ولكنه لا يزال ضعيفا في مصر. # وقد قلت إن الإعلان كثيرا ما يؤدي إلى التنوير، خاصة إذا كان بشأن مشروع جديد يحتاج إلى ~~الدعاية، ولكني أعتقد أن الإعلانات في مجموعها تنتهي إلى التغرير وليس إلى التنوير، وإن تكن ~~مع ذلك ضرورية في نظام المباراة الذي نعيش فيه، ولو أن حكومة ما من حكومات رأس المال، حزمت ~~رأيها ومنعت الإعلانات في الصحف لكانت شكوى القراء أكبر من شكوى أصحاب رأس المال، إذ ليس ~~لنا طريق إلى الوقوف على السلعة التي نريد شراءها ms23 غير الجريدة والمجلة في الوقت ~~الحاضر. # ولعل من المفيد أن نقول إن تدريس فن الإعلان يلقى في بعض الجامعات اهتماما أكبر من ~~تدريس فن الصحافة، وهذا معقول؛ إذ هو يتفق ونظام مجتمعنا القائم على المباراة في التجارة ~~والصناعة. # الفصل السادس # | الأسلوب في الصحافة # حين أعود بذاكرتي إلى الستين سنة الماضية في حياتي، أي منذ شرعت أقرأ وألتفت إلى الصحف، ~~أجد أن الأسلوب السهل المنير الذي وصلنا إليه في الكتابة بلغتنا العربية، لا يعود الفضل فيه ~~إلى معلمي اللغة في المدارس، بل لا يعود الفضل فيه حتى إلى الكتاب «الأدباء» القدامى، ~~وإنما الفضل في هذا الأسلوب يعود إلى الصحف. # ذلك أنها - لاضطرارها إلى السرعة في إيراد الخبر - احتاجت إلى أن تختار من الكلمات ~~والعبارات ما تسهل كتابته وقراءته معا؛ إذ لم يكن يتسع الوقت للخبر أو المحرر أن ينظر ~~بكلمات السجع أو المجاز أو أن يتبختر بالعبارات الموسيقية المزيفة التي كان يعتقد أنها ~~فنية. # وربا كان خير من ألف بأسلوب عربي سهل في غير الصحافة هو قاسم أمين، وإن كنت أنا أعد ~~مؤلفاته من الصحافة، إذ هي جميعها تعالج مشكلاتنا المصرية العصرية، يليه لطفي السيد في ~~الأسلوب الدقيق المحكم. # وصحفنا تكتب هذه الأيام بلغة شعبية، ولو شئت أن أعين شخصا كان له فضل هذا التوجيه لقلت ~~إنه محمد التابعي؛ فإنه هو الذي اخترع لنا «الخبر المقالي» أو «المقالة الخبرية» فاحتاج إلى ~~أن يجعل الكتابة أقرب ما تكون إلى الكلام، فأحدث أسلوبا يغري بالقراءة، وزاد عدد القراء ~~للصحف. # وليس معنى هذا أنها ابتذلت في أسلوبها وأخبارها حتى صارت عامية، وإنما هي جذبت بسهولة ~~الأسلوب الكتابي الذي اتبعته وطريقة إيراد الخبر، والتنويع في وسائل الإمتاع الصحفي بالصورة ~~الفوتوغرافية والصورة الكاريكاتورية، والعناية بالأخبار النائية، جذبت فريقا من القراء لم ~~يكونوا يعنون قبل صدورها بالسياسة العالمة والأخبار الصحفية؛ فكانت لهم بمثابة المدرسة التي ~~شغلتهم بثقافة جديدة ترفعهم عن اللهو الرخيص الذي كانوا يمارسونه حين لم يكونوا يجدون ما ~~يجذب من الصحف. # وليس هذا نزولا إلى ms24 العامة وإنما هو رفع العاملة إلى مستوى الشعب. ونحن جميعا شعبيون، ~~نطالب الحكومة بأن تكون شعبية، كما نطالب بتعليم الشعب كله، بل نطالب بأن يكون الشعب هو ~~صاحب الكلمة العليا في تقرير السياسة الداخلية أو الخارجية. # ولذلك يجب علينا نحن الصحفيين أن نتحمل مسئولية تنوير الشعب، وأولى الوسائل لهذا التنوير ~~أن نكتب بلغة يفهمها الشعب، لغة سهلة نبلغ بها المعنى العميق دون أن نحتاج إلى الغريب ~~الحوشي من الكلمات التي تصد القارئ. # وقد كانت صحفنا - أيام اللواء والمؤيد - تكتب بلغة تعلو أحيانا على فهم أفراد الشعب، ~~ولكن السرعة التي تطبع الصحافة بطابعها جعلت الكتاب كما قلنا يكتبون كما يتحدثون، فكان ~~هناك اتجاه يقوى عاما بعد عام نحو أسلوب شعبي انتقل بعد ذلك من الصحافة إلى الأدب. # والصحفي العظيم - كما أحب أن أكرر القول - هو ذلك الذي يرفع الصحافة إلى الأدب؛ إذ إن ~~الصحافة يمكن في اعتبارات عديدة أن تعد من الأدب، وهي واقعية شعبية بطبيعة أهدافها ~~ووسائلها، ولا يكاد يوجد أديب في مصر لم يعمل في الاثنين: الأدب والصحافة. # ولكن كما أن عندنا أدباء غير شعبيين يحبون «الصعب» من الأسلوب، ويبحثون عن موضوع لدراستهم ~~في مجتمعات نائية في التاريخ غير مجتمعنا، كذلك كان عندنا كتاب صحفيون يحاولون أن ~~يكتبوا بأسلوب «صعب» وكأنهم ينظرون إلى الصحيفة كما لو كانت مقصورة على الخاصة دون ~~الشعب. # وقد استطاع محررو الصحف أن يهتدوا إلى أسلوب شعبي، لا هو عامي ولا خاص، يفهمه جمهور الشعب ~~ويغريه بالقراءة اليومية. # وهذا التوخي للسهولة هو أيضا الذي بعث إلى إيجاد الألوان المبسطة للعلوم والأدب والشئون ~~النسوية، بل إن الأطفال أيضا قد وجدوا نصيبا في هذا التبسيط. # وهناك قاعدة يجب ألا ننساها، هي أننا نكتب وفق ما نشأنا عليه من اتجاه أخلاقي، وأيضا ~~وفق الأحوال السيكلوجية التي نتكون بها ونسير في تياراتها، فإذا كنا من الشعب، نكتب ~~للشعب، فإنه لا مفر من أن نكتب بلغته، ولكن ليس معنى هذا أننا نكتب بالعامية؛ لأن الكاتب ~~فنان قبل كل شيء والعامية ms25 تخلو من الفن. # والكاتب الذي يلتزم أسلوب الجاحظ أو ابن المقفع من الكتاب القدامى يحيا في مناخ قديم؛ ~~ولذلك أيضا تجد أن أهواءه وأغراضه تنأى عن الشعب، بل هو حين يؤلف كتابا يتخذ موضوعا من ~~موضوعات القدماء التي لا تمت إلى الشعب، وهو ينعت هذه الموضوعات بأنها «ثقافة». # والثقافة عند هؤلاء الكتاب أن تهتم بثورة الخوارج على الخلفاء وتؤلف عنها، ولكن لا تهتم ~~بثورة مصر ، بل ثوراتها، ولا تبالي أن تكتب عنها شيئا. وعندما تكتب عن الخوارج فإنك تتخذ ~~الأسلوب الذي في هذا المناخ النائي عنا. # وقد كان هذا حال صحفنا قبل نحو ثلاثين سنة حين كنا نجد فيها أبحاثا ودراسات عن مشاكل ~~تاريخية قديمة، أما مشاكلنا نحن فلم يكن هؤلاء الكتاب يعنون بها أقل عناية، بل كانوا حين ~~يكلفون كتابة مقال افتتاحي، يتجهون في عناية خاصة إلى اتخاذ أسلوب قديم يتميزون به، كأنهم ~~يأنفون لغة الشعب واهتمامات الشعب. ~~••• # لقد قرأت اللواء والمؤيد وأنا طالب في المدارس الثانوية، وعرفت المقال يكتب مسهبا ~~بلغة عكاظية في نحو خمسة أو ستة أعمدة، والخبر ينشر بلا عنوان، وأحداث الدنيا تنحى في ~~زاوية تحت عنوان واحد وهو: تلغرافات خارجية. ولا تزيد على ربع عمود. # ثم جاءت ثورة 1919 فأكسبت الشباب أهدافا، وارتفعت بهم إلى معان جديدة من الفهم وبسطت ~~أمامهم آفاقا، وظهرت صحف تغذوهم وتحاول إشباعهم بالصورة والخبر والمقال. # ولكن الصحف المصرية التي تعد السياسة موضوعها الأول اصطدمت بالسياسة، فلم تكن ترفع برأسها ~~وتشهر أقلامها لمكافحة الاستعمار أو الاستبداد حتى كان المستعمرون والمستبدون يسددون إليها ~~سهامهم القاتلة، وقتلوا عشرات من الجرائد اليومية والمجلات الأسبوعية، وما هو أن كانت ~~الحكومات الماضية تعرف في إحدى هذه الصحف نزعة قومية أو تطرفا وطنيا حتى كانت تتعقبها هي ~~ومحرريها إلى أن تقتلهم جميعا. # فقتلت جرائد الحزب الوطني كلها، وقتلت «الأخبار» التي كان يحررها الرجل الأمين أمين ~~الرافعي، ولا أنسى أنه عطلت لي في سنة واحدة هي سنة 1930 اثنتا عشرة مجلة أسبوعية، وعطلت ~~جرائد المرحوم عبد القادر حمزة ms26 جملة مرات، وأصدرت قوانين جعلت احتراف الصحافة يشبه احتراف ~~الجريمة في نظر القضاء. # ومرت على مصر سنوات سود لم يكن يظهر فيها من الصحف سوى تلك التي كانت تنحني رءوس أصحابها ~~ومحرريها، وكاد الصحفي المصري يلغى من الوجود؛ إذ هو متهم على الدوام بتهمة ~~الوطنية. # ولكن رويدا رويدا تغيرت الدنيا، دنيا الصحافة في مصر، ورويدا رويدا رأينا شبابا ~~جديدا يأخذ بألوان من النشاط الصحفي لم نعرف مثله قبل 1930 و1940، وحرث الأستاذ التابعي ~~حقلا بالخبر المقالي أو المقال الخبري، وبالصورة الكاريكاتورية التي ليس لها عنوان، ولكنها ~~تنطق بل تصرخ بالمعنى أو تطعن ضحيتها كما لو كانت سكينا، ثم جاء بعده، ونقل عنه، من زرعوا ~~هذه الأرض المحروثة. # الفصل السابع # | رذيلة صحفية: تملق الجماهير # يقرأ أفراد الجمهور الصحف كي يستنيروا بالأخبار ويسترشدوا بالمقالات ويستمتعوا بالصور ~~والطرف، فالصحيفة إرشاد وتربية إمتاع. # ولكن إذا كانت الصحيفة تعمد إلى التضليل بدلا من الإرشاد فإن حقها في البقاء يسقط، ويجب ~~أن تجد الصدود الذي يؤدي إلى سقوطها. # والصحافة في يد الكاتب الصحفي العظيم ترتفع إلى مقام الأدب، بحيث تهدف في أخبارها ~~ومقالاتها وسائر وسائلها إلى الإنسانية، فلا تدعو إلى البغض، ولا تحرك حوافز الحرب، ولا ~~تقول بتعصب عنصري أو ديني، ولا تغري القراء بمخاطبة غرائزهم السفلى. # ولكن هناك رذائل كثيرا ما يقع فيها الصحفي أو بالأحرى ينزلق إليها؛ فإنه - لحرصه على أن ~~يصل إلى أكبر عدد من القراء - يميل بسليقته الصحفية إلى أن يقول ما يرضيهم ويتجنب ما يكرهون ~~من الأخبار، بل هو قد يسرف في هذا الاتجاه حتى ليتملق الجماهير، فيطبخ الأخبار الكاذبة ~~وينشرها كما لو كانت حقائق، وهنا الضرر العظيم. # وبكلمة أخرى نقول إن هذا الصحفي، بدلا من أن يربي الجماهير، ويرتفع بهم، ويصلح نفوسهم ~~ويرشدهم، بدلا من هذا يعمد إلى تملقهم ويكذب عليهم ويضللهم. # وقد رأينا كثيرا من هذا التضليل في الصحف المصرية في السنوات القليلة الماضية، فإني ما ~~زلت أذكر تلك الأضاليل التي كانت تنشر على القراء في صحف يومية كبيرة ms27 بشأن الحرب بين ~~إيطاليا وإثيوبيا قبل الحرب الكبرى الثانية؛ فإن بعض الصحفيين أحسوا بأن جمهورنا يستنكر ~~العدوان الإيطالي - أيام موسوليني - على هذه الدولة الصغيرة، وكان بالطبع يحزن لكل خبر يصدم ~~إحساسه وحبه لإثيوبيا؛ وعندئذ شرعت بعض الصحف تغذو هذا الإحساس بأكاذيب مخترعة تقول فيها ~~إن الإثيوبيين قد هزموا الإيطاليين، وإن عدد القتلى من الإيطاليين يعد بالمئات والألوف ~~بينما عدد القتلى من الإثيوبيين لا يزيد على الآحاد والعشرات، وكان القراء المساكين يصدقون ~~هذا القول وينخدعون. # وبالطبع كان هناك من القراء من يعرف أن دولة عصرية، بل فاشية حربية، مثل إيطاليا لها من ~~الطائرات والدبابات ووسائل النقل والقنابل والجنود المنظمين، لا يمكن أن تنهزم أمام دولة ~~بدائية لا تزال تفهم الشجاعة والانتصار على أنهما يقتضيان المهارة في الفروسية، كما كانت ~~الحال في إثيوبيا حوالي 1936، حتى ولو كانت إثيوبيا على حق وإيطاليا على باطل، ثم جاءت ~~النهاية المحزنة بالهزيمة المنكرة التي أدهشت القراء الواهمين المخدوعين، وكان يجب على هذه ~~الصحف التي تملقت الجماهير وخادعتها أن تصرح بالحقائق، وأن تنذر وتحذر وتوضح العبرة لنا من ~~الهجوم الإيطالي على إثيوبيا، وأعظم العبر لنا في مصر من هذه الحرب أن الشجاعة والوطنية ~~والفروسية والتضحية ليست لها قيمة كبيرة في الحروب العصرية، إزاء الاستعداد بالطائرات ~~والدبابات والمدافع والأساطيل وإيجاد المصانع التي تصنع هذه الأسلحة والأعتدة، بحيث لا ~~تحتاج الدولة المحاربة إلى أن «تتسول» وتتضرع في أسواق العالم كي تشتري ما تحتاج إليه ~~منها، وقد تتعرض للرفض. # وحدث بعد ذلك شيء قريب من هذا، ولكنه كان أكبر خطورة علينا، ذلك أننا في عام 1948، عندما ~~دفعنا فاروق المجرم إلى حرب فلسطين بلا أدنى استعداد، ودون أن يستشير حتى وزراء الدولة ~~وقتئذ، ولا نذكر البرلمان، وعندما انهزمنا في هذه الحرب، بقيت الصحف توهم الجمهور أننا ~~منتصرون، واتفقت على أن تصف إسرائيل بأنها الدولة «المزعومة»؛ أي إنها بدلا من أن تصارح ~~الجمهور بالحقائق، وأن توضح لنا أننا انهزمنا لأننا كنا غير مستعدين للحرب، وأن فاروق ~~وطغمته الفاسقة كانت تتجر بالأسلحة الفاسدة ms28 وتسلمها لأبنائنا فيقتلون، أصرت على أن ~~توهم الجمهور بأننا انتصرنا. # أعلن فاروق الحرب على إسرائيل دون أن يستشير الوزراء أو البرلمان، وكان هذا الإجراء وحده ~~يكفي لخلعه أو محاكمته والحكم عليه بالإعدام، فقد زج بنا هذا الوغد في حرب ونحن على غير ~~استعداد، وإنما كنا على غير استعداد لأنه هو؛ أي فاروق وطغمته، كانوا يتجرون بشراء ~~الأسلحة الفاسدة ويفسقون، وكانوا مطمئنين إلى هذا السلوك لأنهم لم يجدوا الصحفيين أو الكتاب ~~الذين يجرءون على أن يقولوا لهم: قفوا. بل أكثر من ذلك، فإن فاروق وجد كتابا وأدباء ~~يمدحونه ويرفعونه إلى السماء. # هذه الرذيلة، رذيلة الصحفي أو الكاتب حين يخدع الجمهور ويكذب عليه ويضلله، هي أسوأ ~~الرذائل الصحفية والأدبية؛ لأن الصحافة تغدو عندئذ وسيلة لنشر الأوهام والجهالات بدلا من ~~نشر المعارف والأخبار. # وقد عادت الصحف المصرية - وأعني بعضها - إلى مثل هذه الأكاذيب في معركة القنال، حين شرعنا ~~نضيق على الإنجليز المحتلين حتى نضطرهم إلى الجلاء عن بلادنا، ولم نكن في حاجة إلى أن نخترع ~~الأكاذيب؛ فإن الشعب أبدى من الشجاعة ما يتجاوز الوصف، ولو أن الإنجليز كانوا يقتلون منا ~~عشرة أو مئة إزاء جندي إنجليزي واحد نقتله نحن لكان لنا الفخر والمجد، ولأننا كنا عزلا ~~أو نكاد نكون كذلك إزاء قوات قد أعدت ودربت لسفك الدم في كل مكان في هذه الدنيا ~~التي كابدت وما تزال تكابد كوارث الإنسانية في الإمبراطورية البريطانية. # فقد نشرت صحيفة يومية كبرى في 21 من نوفمبر من 1951، أن الفدائيين المصريين قتلوا 82 ~~بريطانيا، وكانت كاذبة مضللة لأن جميع من قتلناهم في معركة القنال في ثلاثة شهور لم يزد ~~على 11 جنديا. # وكتبت هذه الصحيفة نفسها في اليوم التالي، أي 22 نوفمبر، تقول إن الفدائيين المصريين قد ~~دربوا الأفاعي على الهجوم على الإنجليز؛ بل دربوا القطط. # وكان هذا قمة التهتك الذي تبلغه صحيفة في التضليل بالجمهور، وهو لا يقل عما سبق أن ذكرته ~~الصحف بشأن الجمل الذي فر من مجزر مصر القديمة، ومازال يعدو حتى وصل قصر عابدين ms29 يستغيث ~~بفاروق فأغاثه. وأنشأ أحد «الشعراء» من أعضاء مجمع اللغة العربية قصيدة يشيد فيها بعظمة ~~فاروق، ويذكر هذا الحادث دليلا ناصعا على هذه العظمة. # أي تضليل أكبر من هذا للجمهور المصري مما كتبه هؤلاء الصحفيون والأدباء؟ # وأعجب من هذا كله أنه في الوقت الذي كان بعض الصحف يشيد بما يقوم به الفدائيون المصريون ~~من ألوان الشجاعة والتضحية في مكافحة الجنود الإنجليز في القنال، كان وزير الداخلية فؤاد ~~سراج الدين يلقي القبض عليهم وينقلهم إلى القاهرة. # لقد كان التضليل عظيما، ودفعنا ثمنه بعد ذلك غاليا، بل غاليا جدا، في يوم 26 ~~يناير من 1952 عندما حرقت مدينة القاهرة. # الفصل الثامن # | الصحافة المصرية في نصف قرن # أن أول وجداني بالصحافة حوالي 1897 أو بعد ذلك بقليل، فقد كان المؤيد واللواء يباعان ~~ويقرأهما الوطنيون ويتحدثون عنهما، كما كان المقطم مقروءا من طبقة الموظفين المصريين، ~~وكانوا يقرءونه كي يقفوا منه على أخبار الحكومة من مشروعات أو ترقيات أو تنقلات. # ولم يكن المؤيد واللواء من صحف الأخبار، إذ كان كلاهما يعتمد على المقالة، أما الخبر فكان ~~له المحل الثاني، وكانت مقالة نارية تستفز وتستثير الجمهور بشأن الإنجليز والاستعمار، في ~~حين كان المؤيد وقورا رزينا؛ ولذلك كان الإقبال على اللواء عظيما من الشبان ~~والطلبة. # وربما كان أعظم ما تتهم به الصحف المصرية في السنين العشر الأولى من هذا القرن تقصيرها في ~~نشر الأخبار الخارجية، بحيث كان القراء يجهلون التطورات العالمية ويعجزون عن وضع مشكلة ~~الاستقلال المصرية في أبعادها العالمية الصحيحة. # وإني لأذكر أني كلفت التحرير في اللواء في سنة 1909 ولا أكاد أذكر أنه كان يعاوننا ~~وقتئذ مخبر؛ إذ كنا كلنا نكتب المقالات، وعلى كل حال إذا كان هناك في ذلك الوقت مخبرون ~~فإن غيابهم عن ذاكرتي يدل على أنهم كانوا في مكانة ثانوية لا يلتفت إليهم كثيرا. # كما أننا لم نكن نعنى بالأخبار الخارجية؛ فإن شركة روتر كانت تزودنا ببعض هذه الأخبار ~~فننشر منها نحو ثلث أو نصف عمود، ولا كنا نعنى برسائل يومية مسهبة ms30 من طنطا أو كفر الزيات ~~أو أسيوط. # وظهرت في السنين الأولى من هذا القرن مجلة فكاهية تدعى «حمارة منيتي»، وكان موضوعها ~~الأساسي سب الشيخ محمد عبده؛ لأنه كان على خلاف مع الخديو عباس باشا، ولكن لم تكن بها صورة ~~كاريكاتورية واحدة، وبقينا أكثر من خمس عشرة سنة بلا مجلة كاريكاتورية حتى أخرج المرحوم ~~سليمان فوزي مجلة «الكشكول»، وكان موضوعها الأساسي سب سعد زغلول وكبار الوفديين، وهي أولى ~~المجلات التي صورت بالألوان، ولكن إخراجها لم يكن متقنا ذلك الإتقان الذي عهدناه من ~~مجلاتنا المصورة في السنوات العشر الأخيرة. # وفي السنوات الخمس الأولى من هذا القرن كانت الآفاق السياسية والاجتماعية في المجتمع ~~المصري مقصورة على التيارات الجديدة التي أوجدها الشيخ محمد عبده في ضرورة تعميم الروح ~~العصري في الأزهر وفي دعوة قاسم أمين إلى تحرير المرأة وإلغاء الحجاب، ثم في تنبيه الرأي ~~العام إلى مكافحة الإنجليز بقلم مصطفى كامل. ولم يكن القارئ يجد موضوعا في الصحف يكاد يخرج ~~عن الاهتمامات التي كانت تهم هؤلاء الثلاثة، وكان لنا الحق في ذلك لأن هؤلاء الثلاثة مسوا ~~النفس المصرية في أعماقها وسكبوا الضوء على مشكلاتها الأساسية. # ولكن الوجدان السياسي في ذلك الوقت كان ناقصا جدا؛ فإن كلا من مصطفى كامل صاحب ~~اللواء وعلي يوسف صاحب المؤيد كان يفهم الاستقلال على أنه إخراج الإنجليز مع البقاء داخل ~~السلطنة العثمانية. # وكانت رسالة الآستانة أي إستامبول تنشر كل يوم تقريبا في المؤيد أو اللواء، بل إن ~~المؤيد حين أنشئ البرلمان التركي تساءل: لماذا لا نرسل نوابا مصريين إلى هذا البرلمان؟ ~~وكان هذا حوالي سنة 1907. وكان المقطم نفسه ينشر كل يوم مناقشات البرلمان التركي ويملأ بها ~~صفحته الأولى، وكان لا بد إذن من أن يصحح هذا الوجدان السياسي بحيث تتنزه الدعوة إلى ~~الاستقلال من هذا الانحراف نحو الحماية التركية؛ ولذلك وجد أحمد لطفي السيد إقبالا عظيما ~~من الجمهور المستنير عندما دعا إلى أن تكون مصر للمصريين لا للأتراك ولا للإنجليز، ومع أن ~~هذه الدعوة تكاد تكون في وضوحها وصحتها ms31 تافهة لا تستحق مناقشة فإنها وجدت مكافحة من كثيرين ~~من القراء الذين لم يسمعوا بها قبل ذلك والذين تعودوا على أن مصر جزء من السلطنة العثمانية ~~اغتصبه الإنجليز. # وكان ظهور الجريدة التي أنشأها أحمد لطفي السيد للدفاع عن هذه البديهة في سنة 1907، وقد ~~ربت الرأي العام تربية جديدة. وحاولت أن توجد في مصر اتجاها في السياسة والاجتماع ~~يشبه ذلك الاتجاه الذي قام به الحريون في أوروبا في القرن التاسع عشر، أي الحكم الدستوري ~~ونشر التعليم العام وحرية الضمير وسفور المرأة، وهذا المذهب هو وسط بين المحافظين ~~والاشتراكيين. # ولكن «الجريدة» ماتت في سنة 1915 ليس لأنها كان ينقصها القراء، ولكن لأن الأحكام العرفية ~~جعلت بقاءها محالا، وهنا يجب أن أقول إنه من سنة 1914 إلى الآن خضعت الصحف المصرية للرقابة ~~التي كانت تمنع نشر سطر واحد غير مصدق عليه، ست عشرة سنة كانت فيها سجينة، بل كان الذكاء ~~المصري فيها مقيدا، وذلك في أثناء الحرب الكبرى الأولى والحرب الكبرى الثانية اللتين ~~خيمت فيهما الأحكام العرفية على بلادنا. # وبالطبع لا يمكن أن ينتظر للصحافة تطور أو ارتقاء وهي خاضعة للرقابة قد أصلت على ~~رأسها سيف الأحكام العرفية؛ ولذلك يجب أن تقتطع هذه السنين من عمرها كأنها لم تعش فيها، بل ~~يجب أن تقتطع من عمرنا نحن رجال الذهن، وفي الحرب الأولى الكبرى ظهرت أولى المجلات ~~المصورة، وهي «اللطائف» للأستاذ إسكندر مكاريوس، وربما كانت هي الأولى في اتخاذ الفن الصحفي ~~وحده أساسا لنجاح الصحيفة؛ إذ لم تتخذ دعاية معينة بل كان كل اهتمامها محصورا في نشر ~~الأخبار والمقالات المصورة. # وأدخل أصحاب «الهلال» آلات الروتوغرافور لأول مرة في مصر حوالي 1923، فأحدثوا بذلك نهضة ~~بل وثبة في الطباعة أدت إلى نهضة عامة في الصحافة؛ فإن الارتقاء الفني شرع يجذب إليه جميع ~~الصحفيين، وكان لهذا أثر كبير في توجيه الصحفي وتكوين ثقافته، فإن المقالة غابت عن أنظار ~~القراء وأخذ مكانها الخبر الساذج أو الخبر المصور، بل إن ألوف القراء الذين جذبتهم هذه ~~المجلات المصورة الجديدة لم ms32 يكونوا قبل ذلك من قراء الصحف، ولم تكن لهم ألفة بالمناقشات ~~الصحفية والخصومات السياسية؛ ولذلك قنعوا من المجلة المصورة بالصور والتافه من الأخبار، ~~وظهرت عقب ذلك صحف الطرائف التي تنشر خبر الذي يعض الكلب بدلا من الكلب الذي يعض ~~الرجل. # وهذا عامل آخر لا نستطيع إهماله فإن الدور السينمائية التي جذبت ألوف الأفراد من الشعب، ~~أميين وعاميين وقارئين، هذه الدور بما لها من قوة مالية بالإعلان في الصحف ومن إغراء جنسي ~~لا يمكن التغاضي عنه، هذه الدور السينيمائية قد أثرت في الصحف تطورا وارتقاء، وقد يكون ~~هناك من يقول عكس ذلك. # فإن الصحف شرعت تجاري الفن السينمائي بنشر الصور الرائعة للممثلات والتحدث عن التمثيل، ~~وليس شيء يساعد على نشر المجلة مثل صورة بالروتوغرافور لإحدى الممثلات المحبوبات التي تجمع ~~بين جمال الوجه وبراعة التمثيل. # والحق أن اعتماد الصحف على الصورة الجميلة قد جعل الكاتب العظيم في المكانة الثانوية، بل ~~أصبح الشاب الذي يرشح نفسه للصحافة ويبغي احترامها يقنع بدراسة موجزة ولا يتعب نفسه بالعمق ~~الثقافي؛ لأنه يعرف أن صاحب المجلة لن يطلبه ولن يكافئه بأكبر الأجر لأنه مثقف وإنما لأنه ~~قادر على جذب القراء وبيع أكبر عدد ممكن من المجلة باختيار الصور المشرقة والأخبار ~~المقلقلة. # وهنا أستطيع أن أذكر - للمقارنة - أن العتبة الأولى التي وضعت قدمي عليها كي أحترف ~~الصحافة كانت مقالا فلسفيا في المقتطف عن «نيتشه وابن الإنسان» في سنة 1909، وإني واثق ~~أن هناك عشرات من الصحفيين في المجلات الأسبوعية المصورة، بل من رؤساء التحرير لهذه ~~المجلات، لا يدرون شيئا عن هذا الموضوع الذي كتبت عنه قبل أربعين سنة وجعلته مدخلا في ~~الصحافة المصرية. # وليس شك في أن الارتقاء الفني في الطباعة بالروتوغرافور قد أحدث إهمالا إلى حد بعيد ~~للتحرير، وقد تقهقرت مجلة المقتطف، وتغير الهلال من مجلة جديدة لا تبالي أن يبلغ المقال ~~فيها خمس عشرة صفحة من القطع الكبير إلى مجلة مصورة لا يزيد المقال فيها على ثلاث أو أربع ~~صفحات، وماتت مجلة المصري، ومن قبل ذلك ماتت ms33 المجلة الجديدة. # وكل هذا لأن هذا الاتجاه الذي ذكرت بشأن الارتقاء الفني قد جعل العناية بالتحرير الذي لا ~~يتصل بالصورة معدوم القيمة، كما أن المقالة قد ألغيت أو أوشكت على الإلغاء من الميدان ~~الصحفي كله، على أنه تلقاء هذا التقهقر في التحرير قد تحققت ميزات جديدة للصحافة المصرية ~~غير ما أشرت إليه من الارتقاء الفني في الطبع، فمن ذلك مثلا العناية الكبيرة بأنباء ~~العالم، والفضل في ذلك للحربين الأخيرتين؛ فإنهما أثارتا الاستطلاع وأصبحت أخبارهما ~~مقدمة على الأخبار الداخلية، وثبتت من ذلك عادة جديدة عند القراء هي الاهتمام بأخبار ~~العالم، وأصبح الاستقلال أو رقينا السياسي والاجتماعي ينظر إليهما في ضوء هذه الأخبار ~~العالمية، ولم ينقص هذا من روح الكفاح للاستقلال، ولكن الصحيفة القديرة مثل اللواء أو ~~المقطم أو المقطم أو المؤيد قبل سنة 1910 كانت تعد قروية محلية بالمقارنة إلى جرائدنا ~~اليومية الكبرى هذه الأيام. # للأشخاص منطقهم الذي يحكمون به على الأشياء والناس، ولكن للحوادث منطقها الذي يتغلب على ~~منطق الأشخاص، هذا هو ما يجب أن نذكره حين نتأمل صحافتنا في الخمسين أو الستين سنة الماضية، ~~فإن الصحفي قد ينشئ صحيفة يومية أو أسبوعية، وينوي أحسن النيات، ويعتقد أنه سيجعلها الجريدة ~~أو المجلة المثلى، ولكن لا يكاد ينتهي العام الأول من صدورها حتى يجد أن منطق البيع (أي ~~القراء) ومنطق الإعلانات (أي المتاجر) يتغلبان على منطقة هو، ولن يستطيع الصمود إزاء ~~الخسارة إذا رفض الخضوع لهذين المنطقين الآخرين. # ثم هناك الطبقة الجديدة من القراء التي لم تتعلم إلا في المدرس الابتدائية والإلزامية، ~~كيف نغريها بالقراءة؟ إن وسيلة ذلك هي الخبر والصورة وليس المقال والأرقام، إني عندما أقارن ~~بين اللواء (الذي عملت فيه محررا سنة 1910) والمؤيد والجريدة، وبين جرائدنا الآن، أحس ~~الفارق العظيم في ارتقاء صحفنا الحاضرة على الرغم من كل ما توصف به من التجارية ~~والمنفعية. # وأعظم ما خدمت به جرائدنا الحاضرة جمهور الشعب عنايتها بالخبر ثم ربطها الخبر ~~بالمقال. # فالمقال خبري والخبر مقالي، وبهذا العمل بعثت بين القراء تنبها جديدا ms34 ووعيا ~~للحوادث ما كان ليعرفه جمهورنا قبل نصف قرن، واستنار الشعب بذلك. # وظني أن هذا الاتجاه سيزداد قوة واندفاعا عندما نجد قبل عشر سنوات نحو نصف مليون قارئ ~~للجرائد والمجلات في مصر؛ لأن أربعة أخماس من هؤلاء سيكون من خريجي المدارس الابتدائية ~~الذين يحتاجون إلى الصورة المغرية والخبر والقصير والمقال الموجز المثير. # وعندي أن الصحفي العظيم يجب أن يعرف لغتين أجنبيتين، وأن يزور نحو عشرة أقطار كبرى ويمكث ~~فيها السنوات للتعلم ولمراسلة الصحف، وأن يتعلم الآداب والعلم والسياسة كما يتعلم كتابة ~~الخبر واستقصاء الخبر، وتحسن صحفنا كل الإحسان إذا بعثت بكتابها ومخبريها كل منهم ~~نحو ستة شهور أو سنة كاملة في قطر أجنبي، بل لماذا لا تتبادل الصحف كتابها ومخبريها كما ~~تتبادل الجامعات؟ # اعتقادي أن الفكرة حسنة ولكننا لم نرتفع إليها بعد. # الفصل التاسع # | الكفاح في صحيفة اللواء # أكاد أقول إن كل صحيفة ليس لها كفاح معين تفقد حقها في البقاء، ولست أنكر أن للخبر - محض ~~الخبز بلا توجيه - قيمة تربوية كبيرة، ولكن شرور الدنيا كثيرة، والجريدة التي تقنع بالوقوف ~~منها موقف المحايدة المتفرج، والتي تقنع بإيراد الأخبار فحسب، هذه الجريدة توحي إلى قرائها ~~حيادا ذهنيا وفلسفيا يؤذيهم في حياتهم ويجعلها منفصلين من شئون الدنيا ~~ومشكلاتها. # فما بالك إذن بصحافة تحايد وتتفرج على مصر وأحداثها في سني كوارثها، منذ شرع الإنجليز ~~يفتكون بروحها وثروتها، ومنذ شرع رجال الخديو الخائن توفيق ينتقمون من الوطنيين الذين ~~انضموا إلى زعيم الشعب أحمد عرابي! # وكيف يستطيع مصري أن يحايد في شأن الاستقلال، أو وثبة سنة 1925، أو وثبة إسماعيل صدقي سنة ~~1930، على الدستور؟ إن معنى الحياد هنا هو الرضا بالاستبداد. # والذي نراه في تاريخ الصحافة في مصر أن جميع الصحف التي كافحت المستبدين والمستعمرين ماتت ~~لأنها لم تقو على الحياة إزاء الضغط والظلم والتشريد وسائر المظالم التي عومل بها ~~أصحابها. # وأعظم مثال للصحيفة المكافحة في بلادنا هو اللواء الذي أسسه مصطفى كامل وأشرف على تحريره، ~~وكان اللواء صحيفة ودعاية وكفاحا، اندغمت حياة صاحبه فيه، وكانت ms35 حياة الكفاح لاستقلال ~~الوطن، وكان كفاحا مرا انتهي بموت مصطفى كامل وهو دون الثانية والثلاثين، وكان موته أقرب ~~إلى القتل العنيف منه إلى الموت الهادئ، لفرط ما كابد من مرارة هذا الكفاح. # ظهر اللواء في 1900 فكان منبرا نقرأ فيه كل يوم خطبة بقلم مصطفى كامل بشأن الاستقلال، ~~ولم يكن الشعب يقرأ هذه الخطبة اليومية، وإنما كان يتلقنها، ويتحفظ معانيها، ويتأمل مستقبله ~~إزاء هذه المعاني، فكان منها بعث الوعي الوطني. # كانت صحيفة اللواء تحث الشعب على المطالبة بالاستقلال، وكانت أيضا تطالب بالإصلاح داخل ~~البلاد؟ انظر إلى ما يقول في عدد 16 نوفمبر من 1940 بشأن الحكم الدستوري: # وعندي أن هذه الأدوار المختلفة والأدواء المتنوعة دالة كلها على شدة حاجة هذه ~~البلاد إلى مجلس نيابي تكون له السلطة التشريعية الكبرى، فلا يسن قانون بغير ~~إرادته، ولا تحور مادة إلا بمشيئته، ولا يزعزع نظام بغير أمره، ولا تعلو كلمة على ~~كلمته، وإلا فإن بقاء السلطة المطلقة في يد رجل واحد سواء كان مصريا أو أجنبيا ~~يضر بالبلاد كثيرا ويجر عليها الوبال. # وكتب تحت عنوان «إنشاء مجلس نيابي» في عدد 9 مارس سنة 1904 من اللواء ما يأتي: # لعل قراء اللواء وغيرهم من أفراد الأمة المصرية يذكرون ما قلناه من فوق المنابر ~~وكتبناه في هذه الجريدة وغيرها عن وجوب إنشاء مجلس نيابي منذ عشر سنوات كاملات، ~~ويسرهم كما سرنا أن هذا المطلب العزيز صار على ألسنة الكثيرين من أهل القطر، لأنه ~~الأنشودة التي يجب أن يترنم بها المصريون بعد طلب الاستقلال، وسواء كان سابقا أو ~~لاحقا لتخلص البلاد من رق الاحتلال؛ فإنه الضمانة الوحيدة والكفالة الصحيحة لسلامة ~~القوانين والحرية الخاصة والعامة. # إلى أن قال: # ليس للاحتلال مصلحة في إيجاد مجلس نيابي لهذه البلاد، ولكن صوت الأمة يعلو على ~~صوته إذا تمسكت به ودعت إليه وطالبت وجاهدت بقوة الرأي والفكر والثبات التي هي أكبر ~~القوى الفعالة في حياة الأمم، فلتفعل؛ فإنما هي تخطو بالوصول إليه أكبر خطوة في ~~طريق الاستقلال. # وكانت الدعوة إلى الحكم ms36 النيابي - مع احتلال الانجليز لبلادنا - لا تنقص في قيمتها عن ~~الدعوة إلى الاستقلال؛ ولذلك وجدت المقاومة من المستعمرين الإنجليز ومن المستبدين ~~المصريين بقيادة الخديو. # وفي 1904 عقد ما يسمى «الاتفاق الودي» بين بريطانيا وفرنسا: الأولى تقنع بسرقة ~~مصر، والثانية تقنع بسرقة مراكش، ولا تتدخل إحداهما في شأن ما تسرقه الأخرى من مصر أو ~~مراكش. فكتبت اللواء مئات المقالات لتنبيه الشعب إلى أن ينهض لمكافحة هذا الاتفاق. وفي 18 ~~أبريل كتبت اللواء هذه الكلمات التالية التي تعد مثالا لغيرها، فخاطبت الشعب قائلة: # انظر إلى الشعوب التي أصابها ما أصاب شعبك، تجد البولوني وقد مزق وطنه وعلت ~~فيه كلمة دول ثلاث، يجد ويعمل مفكرا كل يوم بل كل لحظة «بولونيا» يذكر تاريخها ~~ويبكي أيامها الخالية، ويربي ابنه على حبها والتمسك بحقوقها، والفنلندي وقد لبس هو ~~وبقية أفراد أمته ثياب الحداد يوم قررت روسيا ضم جيش فنلندا لجيشها، وهو محو بقية ~~استقلال هذه الأمة، والأيرلندي وقد عارض إنجلترا في ضغطها على بلاده وسلبها لحقوقه، ~~واستمر يعارض ويجاهد حتى حملها على تجريد اللوردات عن أملاكهم بثمن بخس ورد ~~الأراضي الأيرلندية إلى أصحابها الأصليين. # وانظر إلى غيرهم وغيرهم، لتعلم أن الأمم، كبيرة كانت أو صغيرة، حاكمة أو محكومة، ~~لا تسمو فيها الأخلاق والصفات، ولا ينشأ بينها رجال الفكر العالي والعمل الكبير إلا ~~بالشعور الوطني؛ فكل عامل على إطفاء نوره محارب لأمته وقومه وذويه، وكل داع إليه ~~مجد في سبيل الحياة القومية الصحيحة والرقي الخالد. # وتنبه مصطفى كامل إلى سوء التعليم وفساد توجيهه للشباب، ففكر في إنشاء جامعة مستقلة عن ~~الحكومة، وكتب في اللواء بتاريخ 26 أكتوبر من 1904 مقالا فيه: # مما لا يرتاب فيه إنسان أن الأمة المصرية أدركت في الزمان حقيقة المركز الذي يجب ~~أن يكون لها بين الأمم، وأبلغ الأدلة على ذلك نهضتها في مسألة التعليم، وقيام ~~عظمائها وكبرائها وأغنيائها بفتح المدارس وتأسيس دور للعلم بأموالهم ومجهوداتهم، ~~ولكن قد آن لهم أن يفكروا في الوقت الحاضر في عمل جديد، الأمة في أشد الحاجة ms37 إليه، ~~ألا وهو إنشاء جامعة للأمة بأموال الأمة. # وجاءت حادثة دنشواي 1906 فهبت صحيفة اللواء تناشد الشعب أن يتنبه لهذه المأساة، ولم ~~يكتف عندئذ مصطفى كامل الصحفي المكافح الأول في مصر بجريدة اللواء، بل سافر إلى أوروبا ~~وجعل يخطب وينبه الإنجليز والفرنسيين إلى فضائح الحكم البريطاني في مصر، وينشر عليهم ~~التفاصيل المسهبة عن التوحش الذي عومل به سكان دنشواي. # وكان من أثر هذه الحملات الصحفية والخطابية لمصطفى كامل أن تنبه الشعب إلى وعي وطني قوي ~~لم يجد الإنجليز إزاءه إلا أن يقيلوا كرومر المعتمد البريطاني في القاهرة، فأقيل في صورة ~~استقالة. # إن حياة جريدة اللواء هي حياة الشرف والتضحية لخدمة الشعب المصري، بل هي أعظم مثال ~~للصحيفة الهادفة المكافحة. # الفصل العاشر # | الكفاح في صحيفة الجريدة # لم يكن مفر من أن تكون صحفنا الأولى - حين كنا نكافح الاستعمار - شخصية؛ إذ لم نكن ننشد ~~في الصحيفة أخبارا أو فنونا في الطبع والتصوير، أو دروسا سياسية عن شئون العالم، أو ~~شرحا للآداب أو العلوم، وإنما كنا ننشد شيئا واحدا أصيلا، هو تحرير بلادنا من المستعمر، ~~وما عدا ذلك فقيمته ثانوية. # وكان يمكن بالطبع أن تشمل جرائدنا الأولى كل ما تحتويه الصحف الراقية، ولكن الاستعمار لم ~~يترك لصحف الكفاح مجالا للرقي، إذ كان يتعقبها بالقضايا والمعاكسات الاقتصادية والإدارية ~~حتى تفلس، وقد أنشئ «قلم المطبوعات» لهذه الغاية المفردة. # كنا نقرأ اللواء لشخصية الزعيم الشاب مصطفى كامل، وكنا نقرأ المؤيد لشخصية علي يوسف، وكنا ~~نقرأ الجريدة لشخصية أحمد لطفي السيد. # وكانت «الجريدة» تكافح في ثلاث جبهات فيما بين 1906 و1915: # الجبهة الأولى: # هي مقاومة الاستعمار البريطاني. # الجبهة الثانية: # هي مكافحة الخديو عباس. # الجبهة الثالثة: ~~- وهنا أدت الجريدة رسالتها الأولى - هي مقاومة الرجعية ~~الاجتماعية. # وكان لطفي السيد رجلا قد صيغ عقله في القالب الفلسفي، يفكر في إحاطة، وينظر النظرة ~~الاستيعابية لشئون مصر. وكثيرا ما كانت كلماته تحريرا للنفوس من ظلام القرون الماضية، ~~وكان مع جراءته معتدلا في لهجته؛ ولذلك وجد الاحترام أكثر مما وجد الغضب من خصومه. ms38 # والاحترام هو الكلمة اللائقة لإحساس الجمهور نحوه؛ فإنه لم يجد الحب الذي وجده مصطفى كامل ~~حين كان يخاطب قلوبنا ويثير عواطفنا الحامية، ولكنه - أي لطفي السيد - وجد الاحترام لأنه ~~كان يخاطب عقولنا الباردة. # وليس بين الصحفيين المصريين من جمعت مقالاته بالعناية التي جمعت وطبعت بها ~~مقالات لطفي السيد في الجريدة؛ وذلك لأنها كتبت بلهجة الأديب وتفكير الفيلسوف ورزانة ~~السياسي وحذر المصلح الاجتماعي. # وهأنذا أنقل نماذج من تفكير لطفي السيد وتعبيره عن بعض شئوننا السياسية والاجتماعية، فهو ~~يقول عن عرابي: # ولولا عرابي لم يكن الدستور؛ فالدستور المصري من عمله ومن صنع يده ومن آثار ~~جرأته، طلبه عرابي لا بوصف أنه عسكري ثائر، ولكن بوصف أنه وكيل وكلته الأمة في ~~ذلك، فإن عريضة طلب الدستور كانت ممضاة من آلاف من وجهاء الأمة ومشايخها، فأما ~~كون القوة العسكرية هي التي كانت الآلة لتنفيذ إرادة الأمة في ميدان عابدين، فذلك ~~إن لم يكن مشروعا قانونيا فإنه مشروع بتقاليد الأمم، لأنه هكذا جرى في كل بلد من ~~البلاد، وكان القائد للحركة الدستورية في كل بلد يحمل على الأكتاف ويهتف باسمه في ~~الشوارع والنوادي والمجالس، ويعتبر أكبر بطل من الأبطال، فعرابي حقق آمال الأمة ~~بالدستور ولم يرتكب في ذلك جريمة، ولم يسفك دما؛ بل كانت الحركة في حقيقتها سلاما ~~لابسا كسوة حربية. # ولا يجوز لنا أن نغمط حق الرجال في إنالتنا الدستور، بل يجب علينا أن نردد له ~~شكر آبائنا يوم صدر قانون الانتخاب وقانون مجلس النواب، فإن كانوا بنا لم يستطيعوا ~~حفظ مراكزهم، أو إذا كانت إنجلترا أغلقت المجلس وألغت قانونه يوم دخولها، فمما ~~لا شك أن ذلك ليس من خطأ عرابي ولا من ذنبه، ومع ذلك إذا كان عرابي في أخريات الأمر ~~أو في عهد الثورة لم يحترم استقلال المجلس وضغطه بقوة السيف، فذلك عمل آخر يحسب ~~عليه بعد أن يحسب له الدستور. # وهو يكتب عن المرأة المصرية حوالي 1910 فيقول في شأن الحجاب والزواج: # تخطب السيدة المصونة، والجوهرة المكنونة، على الطريقة التي نعرفها ms39 جميعا ~~لعبة في علبة، لا تشترط فيها إلا أن تروي عنها السيدات المكنونات أيضا ما شئن من ~~الجمال الذي لا يعرفن له معنى إلا السمن والبياض، والأدب الذي لا يعرفن له صورة إلا ~~غض الطرف ووضع اليدين بانتظام على الركبتين كتماثيل سقارة، ثم تنقل هذه الشابة التي ~~عقد عقدها إلى بيت زوجها كما تنقل البضاعة التي حصل اتفاق المتعاقدين عليها ~~عقدا عاما، ليس فيه شرط ولا خيار عيب ولا خيار رؤية، وكان الأزواج في هذه الحال ~~عمي يحبون بالسماع، ويختارون بالسماع، ويعولون في سعادتهم الزوجية على السماع، قد ~~تكون الصدفة سعيدة فيحصل كلا الزوجين على ما كان يحب، ولكن الصدفة أبعد جدا من أن ~~تصلح نظاما عمليا للروابط الاجتماعية، فإنها تسعد مرة، وتخبث مرارا. # إن هذه السيدة كانت مكنونة في الحجب في دار أبيها، مكنونة في بيت زوجها، وجهها ~~عورة يجب ستره، وصوتها عورة يجب كتمانه، وملكاتها عورة يجب خنقها تحت الحجاب، ~~واسمها عورة، وكلها كذلك. ثم يطلب منها بعد ذلك أن تكون إنسانا حرا تام الشخصية، ~~عليه للاجتماع أثقل الواجبات، وهو واجب تربية البنين والبنات. # يبين لبعض الذين يأخذون بظواهر الأشياء أن السيدة المحجوبة هي موضوع الاحترام ~~والإجلال، أو في نظر أبيها وزوجها أكثر احتراما ورعاية من تلك الفلاحة التي لا ~~حجاب عليها، ولكن ذلك خطأ محض؛ فان الفلاحة ملحوظ فيها أنها إنسان أمين على نفسه، ~~أي إنسان تام الخلقة، له من الحرية ما وهب الله لكل مخلوق، أما السيدة أو الهانم ~~فإنه ملحوظ فيها أنها ليست أمينة على نفسها، لا قوام لها بغير المراقبة الشديدة، أو ~~لا وجود لها إلا بصفتها متعلقة بإنسان آخر، هو وليها أو زوجها. # وهو يتحدث عن اللغة العربية فيقول: # ولقد نتج من ذلك أن علماءنا الذين لا يعرفون العربية الصحيحة قد تقطعت بهم أسباب ~~التأليف بلغتنا، وعدم وسائل ترجمة العلوم المختلفة من اللغة الأجنبية التي تعلموا ~~العلم بها. # ومن نوابغنا في العلم من كتب آراءه بالفرنساوية دون العربية، ومن محامينا الفصحاء ~~من إذا ms40 جادلته في مسالة قانونية استسهل أن يخرج لك كثيرا من المعاني لابسة صورتها ~~الفرنساوية بألفاظها الفرنساوية، كأن المعنى قار في ذهنه كذلك. # لهذا الاعتبار دعتنا حاجة البيان إلى أن نفكر في غرض مزدوج هو الكلام في جعل ~~اللغة العربية لغة العلم الحديث في القرن الحديث، وجعلها فوق ذلك حية متداولة على ~~الألسن، مستعملة يوميا في الخطب والمرافعات وأحاديث السمر، بل في مساومة السلع في ~~الأسواق. # إننا ندع إلى جانب ما يتهموننا به من حب القضاء على اللغة العربية، وما يدعون ~~علينا من أننا نريد إحلال اللغة المريضة محل اللغة الصحيحة، ندع ذلك إلى جانب، ~~ونرجو خصومنا أن يرجعوا النظر فيما كتبناه في جميع فصولنا الماضية في هذا الموضوع ~~ونبين من جديد هذا الغرض المزدوج. # اللغة العربية لا تكون لغة العلم الا إذا كانت هي لغة التعليم واشتملت على ~~موسوعات العلوم العصرية المختلفة، وقد كان الطريق العادي القريب لذلك هو الترجمة، ~~كذلك بدأت نهضتنا العصرية، ولقد قابلت أحد الذين يشتغلون بالترجمة قبل أن أكتب أول ~~مقالة (في اللغة) وسألته عن حاله، فأجابني: تلك حال لا تسر، وصعوبة تكاد لا تتخطى ~~في ترجمة العلوم إلى اللغة العربية. # قلت: لا بأس عليك، إن في اللغة العربية كلمات كثيرة، فاستخدم منها ما شئت لما شئت ~~من المسميات التي ليس لها في القاموس أسماء، استخدم بعلاقة النسب قال: فإن لم أجد؟ ~~قلت له: انحت اسما من وظيفة المسمى. قال: فإن لم أستطع. قلت: ما عليك إلا أن ~~تثبت الاسم الإفرنجي في العربية كما هو في اللاتينية أو اليونانية مع المحافظة على ~~موازين اللغة بقدر المستطاع. ~~••• # أني أعزو كثيرا من تربيتي الصحفية إلى لطفي السيد، فقد كنت أوالي قراءة مقالاته سواء ~~وأنا في مصر أو في إنجلترا، وكانت لي بمثابة الكشف الذهني لمعاني السياسة الوطنية في مصر؛ ~~ذلك أن المقطم كانت تؤيد سياسة الإنجليز تأييدا تاما، وكانت الأهرام تؤيد سياسة فرنسا ~~وتعارض السياسة البريطانية، وكانت اللواء والمؤيد كلتاهما تعارض الاستعمار ولكن مع الزعم ~~بأن مصر جزء ms41 من الدولة «العلية» أي العثمانية. # وكنت أجد حرجا في هذا الموقف السياسي، ولم أكن على نضج وفهم بحيث أفهم أن مصطفى كامل ~~باعث الوطنية المصرية إنما كان يستند إلى الدولة العثمانية توسلا وحيلة فقط لمكافحة ~~الاستعمار البريطاني، كما اتضح ذلك في الشهرين الأخيرين قبل وفاته، حين حمله ضميره على أن ~~يصارح الأمة، فكتب يقول وكرر القول بأن مصر نهب لبريطانيا وتركيا معا، وعارضته المؤيد ~~ووبخته بقولها: إنه يكتب كما لو كان عرابي. # وكان ظهور الجريدة بقيادة لطفي السيد انفصالا صريحا من هذه الخطة التي اتبعتها اللواء ~~والمؤيد؛ فإنها - في صراحة لا تشوبها شبهة - قالت: إن مصر للمصريين وليست لتركيا أو ~~بريطانيا. # ومع أن هذا المنطق واضح مقبول في أيامنا فإنه لم يكن كذلك فيما بين 1906 و1916؛ ولذلك وجد ~~لطفي السيد معارضة غير صغيرة، ليس من الصحف فقط، بل من الشعب أيضا، ولكنه وجد تأييدا ~~تاما من الطبقة المثقفة، كما وجد مثل هذا التأييد من الأقباط الذين لم يكونوا يفهمون معنى ~~لاستقلال ندعو إليه تكون فيه السلطة المشرفة على البلاد سلطة الأتراك. # وهنا فضل لا ينسى إلى جنب أفضال كثيرة للطفي السيد على الصحافة المصرية؛ إذ ليس شك أنه ~~المجدد الأول في الوطنية كما هو المجدد الأول في الصحافة المصرية. # الفصل الحادي عشر # | كفاحي في الصحافة # سأكتب هذا الفصل لا على أني رجل خطير في الصحافة المصرية، بل للتمثيل على عدد كبير من ~~الصحفيين الذين هدفوا من الصحافة إلى الكفاح، فخدموا الشعب وعودوه الفكرة والأسلوب ~~والهدف في مكافحة الاستعمار الأجنبي والاستبداد الداخلي. وإذا كنت أكتب عن نفسي بدلا من أن ~~أكتب عنهم فلأني أعرف نفسي أكثر، وليس لأني خدمت أكثر. # في 1914 أنشأت أولى المجلات الأسبوعية في مصر، وهي مجلة «المستقبل»، وكنت في بداية العقد ~~الثالث من عمري قد أسكرتني الحضارة الأوروبية كما شاهدتها واختبرتها في عواصم أوروبا، فدعوت ~~- في وجه المعارضة الاجتماعية قبل المعارضة الحكومية - إلى الأخذ بالآراء العصرية والحريات ~~العصرية، وعطلت مجلة المستقبل في بداية الحرب الكبرى الأولى. ms42 # ثم عملت محررا في مجلات دار الهلال وجريدة البلاغ، وكانت دعوتي - كما هي الآن - الأخذ ~~بالعلوم العصرية والصناعات العصرية، كما يتضح ذلك من الكتب التي ألفتها فيما بين 1924 ~~و1930 مثل: «مختارات سلامة موسى» و«نظرية التطور وأصل الإنسان» و«اليوم والغد» و«العقل ~~الباطن» إلخ. وجميعا تصطبغ بالصبغة العلمية وتهدف إلى التغير الفكري، كما أن معظمها كان ~~قد نشر مقالات مستقلة في الجرائد والمجلات التي عملت فيها. # وفي أواخر 1930 أخرجت مجلتين، إحداهما شهرية وهي «المجلة الجديدة»، والأخرى أسبوعية وهي ~~«المصري»، ولم تكد تظهر الأعداد الأولى حتى كانت الانقلابات التي دبرها إسماعيل صدقي بشأن ~~إلغاء الدستور بإملاء فؤاد الملك وقتئذ، وكان هذا الأخير - لجهله وفساد ذهنه - يتعقد أن ~~من حقه أن يحكم مصر حكما منفردا لا شأن للأمة فيه. # وكان وراء هذه الحركة الاستعمار الذي أراد معاقبة الوفد الهيئة الوطنية المتماسكة الوحيدة ~~وقتئذ لأنه رفض عقد معاهدة ترسخ أقدام الإنجليز في بلادنا؛ وعندئذ وجدتني في غمرة كفاح ~~عنيد ضد ثلاثة أعداء، هم: # المستبدون: # فؤاد وإسماعيل صدقي ومن انضم ~~إليهما. # المستعمرون: # الإنجليز. # الرجعيون: # الذين لا يأخذون بالآراء العصرية ~~ولا يدركون قيمة الصناعات العصرية التي هي علة التفوق الأوروبي على الشرقيين، ~~ولا علة غيرها. # فأما المستبدون فقد كافحتهم على صفحات المصري كفاحا مريرا، ثم بعد تعطيل المصري ثابرت ~~على الكفاح في نحو اثنتي عشرة مجلة أسبوعية، كنا نستأجرها من أصحابها ونصدرها في صورة مجلة ~~«المصري» ورسمه، إلى أن أصدر إسماعيل صدقي قانونا جديدا للصحافة وقفنا عن هذا النشاط، ~~وذلك في 1931. # وأذكر أني كتبت في مجلة «المصري» بتاريخ 4 ديسمبر مقالا افتتاحيا بعنوان «تربية ~~الملوك»، يفهم منه القارئ أنه موجه إلى «فؤاد» الملك وقتئذ، وصفت فيه الخديو إسماعيل ثم ~~الخديو توفيق بأنها كانت تنقصها التربية، وبرهان ذلك أن الأول عمد إلى خمسة أو ستة من ~~المجرمين، الذين لم تستطيع محكمة إثبات ما اتهموا به، فدس لهم السم في السجن، ~~فماتوا. # وذكرت توفيق بأنه كان يقف على سطح قصره بالإسكندرية ليرى ضرب الإنجليز للإسكندرية، فكان ~~يفرح ms43 ويهلل كلما أصابت إحدى قنابل أسطولهم منازل المدينة. وإليك بعض الكلمات التي وردت ~~بالمقال: ~~... وقد رأينا في تاريخنا الماضي كيف توفيق باشا آثر دخول الإنجليز مصر وخيانة ~~الوطن على أن يقسر نفسه أو يذللها للروح الدستورية ويخضع لمجلس النواب الذي اختارته ~~الأمة، ولو أن هذا الرجل كانت قد أحسنت تربيته منذ الصغر، وأنشأه أبوه على ~~الإقلاع عن طبيعة الاستبداد والتطبع بالروح الدستورية، لما جنينا كل هذا الذي ~~جنيناه من المصائب. ~~... وقد ذكرت الصحف كيف أن إسماعيل باشا الخديو كان يأمر أحد المديرين بتسميم ~~المتهمين بالإستركنين كما تسمم الكلاب الضالة الآن، وهذا العمل هو على فظاعته ليس ~~إلا نتيجة هذه الطبيعية الاستبدادية التي نشأ عليها إسماعيل، حتى إنه لم يكن يستطيع ~~أن يروض نفسه على الصبر ومحاكمة المتهمين أمام المحاكم؛ لأن استبداده كان يدفعه إلى ~~التعجيل بالقضاء عليهم، وكل أمة في العالم كائنة ما كانت تسمح للملك المتولي الحكم ~~عليها أن يستبد بها، جديرة بأن تجد منه مثلما وجدنا من توفيق أو إسماعيل: الأول ~~ينضم إلى العدو على البلاد، والثاني يستخدم رجال يسمون الناس بالإستركنين. # ونشرت خمس صور لخمسة ملوك مخلوعين، وقلت إن السبب لخلعهم أنهم لم ينزلوا على إرادة ~~الشعوب، وكان الهدف المقصود واضحا، ولو بالبناء للمجهول. # ولم يكن عدد واحد من مجلة «المصري» يخلو من الهجوم على إسماعيل صدقي الذي ألغى دستور 1923 ~~وألف دستورا ينكر سيادة الشعب ويفتح الأبواب للغش والخدعة في الانتخابات ~~للبرلمان. # هذا هو كفاحي السياسي الذي أستطيع أن أقول إني خدمت به الشعب فنبهته إلى حقوقه وإلى ضرورة ~~المقاومة لطغيان المستبدين. # ثم كان لي أيضا في 1930 كفاح آخر للمستعمرين، وقد جعلته إيجابيا بنائيا، وذلك بإنشاء ~~«جمعية المصري للمصري». # ذلك أن فهمي للاستعمار كان وما يزال ينطوي على أنه نظام يقوم لاستغلال المستعمرات، وذلك ~~بتشجيع أبنائها على الإنتاج الخام في استخراج المواد الخامة زراعية أم معدنية، ثم حرمانها ~~الصناعة، وعندئذ تشتري الأمة المسلطة منتجات المستعمرة الخامة بأتفه الأثمان، ثم تعود ~~فتبيعها لها، بعد استصناعها، بأغلى ms44 الأثمان. وألفت جمعية «المصري للمصري» كي نضرب الاستعمار ~~البريطاني في أساسه هذا، وكان قانون الجمعية يشترط على أعضائها ألا يشتروا سلعة أجنبية ما ~~دام هناك ما يقابها من السلع المصرية، وأن يقاطعوا المصنوعات الإنجليزية، وأن يتجروا مع ~~التجار المصريين دون التجار الأجانب. # ودعوت إلى إيجاد متجر مصري في شارع 26 يوليو (فؤاد كما كان يسمى وقتئذ) ولم يكن به ~~متجر مصري واحد، واحد فقط. # هل تصدق هذا أيها القارئ؟ هل تصدق أنه لم يكن في هذا الشارع متجر مصري واحد في ~~1930؟ # واستطاعت جمعية «المصري للمصري» أن تحمل بنك مصر على إنشاء «محل بيع المصنوعات المصرية» ~~في هذا الشارع، وكان عرضنا الأول على المرحوم طلعت حرب مبلغا مقداره ألف جنيه قدمه وكيل ~~الجمعية (وكنت أنا الرئيس) شيكا باسم هذا المتجر، وكان هذا الشيك بداية المشروع. # وسارت حركة «المصري للمصري» فيما يشبه الالتهاب، وانتشر الوعي الاقتصادي بين الشعب، فصار ~~«التاجر المصري» هو المقصود الأول، وكان من أعضائها الوزير فتحي رضوان والوزير نور الدين ~~طراف وأحمد حسين. # وكان هذا كفاحي للاستعمار. # ثم كان لى كفاح ثالث هو الرجعية، التي تستسلم للغيبيات، ولا تسلم بحرية المرأة، ولا تقبل ~~على الآراء العصرية، ولا تحتضن العلم، وكان من أثر هذا الكفاح أن شيخ الأزهر وقتئذ (1930) ~~كتب إلى وزارة المعارف يحذرها من خطري، وأنها يجب ألا تشترك في «المجلة الجديدة» التي كنت ~~أنشرها، وأطاعته الوزارة في جبن وجهل. # هذه هي أنواع الكفاح الثلاثة كما مارستها في 1930، وقد أدت إلى تعطيل مجلاتي جميعها: ما ~~كنت أملكه وما كنت أستأجره، فهل فشلت؟ إن النظرة السطحية توهم الفشل، ولكن النظرة العميقة ~~توضح النجاح كما يجب أن يكون. # ذلك أنه كان في مستطاعي أن أجعل مجلاتي «متفرجة» محايدة، تنشر الخبر والصورة والمقالة ~~والقصة، وتقرأ للتسلية والترويح على المقهى أو في القطار، ينصفها القارئ فلا يجد ما يبعث ~~فيه حزنا أو غضبا أو حافزا على عمل أو جهد أو باعث على اتجاه وتسديد إلى هدف، وعندئذ ~~يكون النجاح العرفي نجاح المال والاقتناء. ms45 # ولكن الصحافة رسالة، وهي كفاح، وقد كافحت من أجل الدستور، وكافحت الإنجليز بالعمل ~~الإيجابي الصالح الباقي، وهو الدعوة إلى التجارة والصناعة المصريتين، وكافحت الرجعيين الذين ~~يكرهون العلم، ويحتقرون المرأة، ويسبون الشباب. # واعتقادي أني نجحت في كل ذلك، وإن كانت مجلاتي قد ماتت. # كان نجاحي صحفيا، ولكني فشلت ماليا، بل إني بعت بعض ممتلكاتي كي أتجاوز الأزمة التي ~~أحدثها لي إسماعيل صدقي في 1930. # ولكني عندما أسير الآن، في 1956، في شارع 26 يوليو (فؤاد سابقا) وأرى على صفيه متاجر ~~مصرية كبيرة وصغيرة أحس بالفرح بل الطرب يغمرني، حين أذكر أني كنت أسير في هذا الشارع في ~~1930 وقبلها فلا أجد متجرا مصريا واحدا؛ لأن التجارة المصرية وقتئذ كانت محدودة ~~محصورة، بل محبوسة، في خان الخليلي، لا نزيد على بعض التحف من النحاس الأصفر وفسيفساء العظم ~~أو الصدف، وكان الإنجليز قد نجحوا في إيهامنا بأن «بلادنا زراعية»، حتى إن مقاعد التلاميذ ~~في المدارس كانت تستورد من إنجلترا، وكان المصنع المصري لا يجد تعريفا في قوانيننا ~~غير أنه «محل مقلق للراحة أو مضر بالصحة أو خطر». ~~••• # وفي بداية هذا العام قدم إلى القاهرة أديب إنجليزي من الطراز الاستعماري القديم هو سومرست ~~موم، وقد حزن عندما رأى متاجرنا في شارع 26 يوليو، وأسف على أننا تركنا خان الخليلي. # وبعض الفضل في أسفه الاستعماري - إن لم أقل كل الفضل - لجمعية المصري للمصري التي أرصدت ~~صحفي في 1930 لخدمتها والدعوة لها. # الفصل الثاني عشر # | صحافة المقالة وصحافة الخبر # كانت بلادنا في أيام إسماعيل مركزا عالميا لهجوم رأس المال الأوروبي، ومن هنا مشروعات ~~إسماعيل الكثيرة التي انتفعنا ببعضها كما وقعنا في الإفلاس بعد ذلك بسبب بعضها الآخر، وفي ~~أثر هذه المشروعات، وفي تزاحم الدول والشركات، وفي التنبه العام الذي أنتجه تصادم الطبقة ~~الحاكمة بالأجانب، ظهرت بعض الصحف. # ثم في أيام توفيق زاد التنبه العام للتصادم بين المصريين المحكومين وبين بقايا الأتراك ~~والشركس الحاكمين، فظهرت صحف أيضا تشايع الشعب، ثم جاء الاحتلال فأوعز الإنجليز لبعض ~~الكتاب بإيجاد صحف أخرى ms46 تشايع الاحتلال ضد الدولة العثمانية. # ولذلك نرى روسيا القيصرية تؤسس جريدة يومية بالإسكندرية تجعل من دأبها الطعن في الدولة ~~العثمانية والدعاية لروسيا القيصرية، وكانت تنوي القضاء على الدولة العثمانية بالاستيلاء ~~عليها واختراق إلى البحر المتوسط # ثم نرى بعد ذلك، أيام الاحتلال البريطاني، جريدة يومية أخرى ينشئها الانجليز، ويغذونها ~~بأموالهم، للطعن في الدولة العثمانية أيضا والإكبار من نزاهة وعدل الدولة ~~البريطانية. # وبقي الميدان الصحفي في مصر، باستثناء فترة قصيرة ظهرت فيها صحف الدعاية للثورة العرابية، ~~وقفا على هاتين الجريدتين. # ثم رويدا رويدا ظهرت الصحف الوطنية التي تدعو إلى الإحساس المصري والوعي القومي بالدعوة ~~إلى الاستقلال، فكانت المؤيد ثم اللواء ثم الجريدة. # ولما كانت الدعاية هي الهدف، فإن هذه الصحف جميعها، مع الصحيفتين السابقتين، قبل الاحتلال ~~وبعده، كانت صحف المقالة؛ لأن الدعاية ليست أخبارا بقدر ما تكون مقالات. # المقالة الإنشائية في مدح روسيا، ثم فرنسا، ثم بريطانيا، ثم بعد ذلك على أيدي الوطن ~~المصريين: علي يوسف، ومصطفى كامل، ولطفي السيد. المقالة الإنشائية في مكافحة الإنجليز، ~~والدعوة بقلم لطفي السيد إلى الإصلاح الاجتماعي ومكافحة الرجعية. # وأصبحت «المقالة» أساس الفن الصحفي، أما الخبر فقد تقهقر إلى حد الإهمال التام أحيانا، ~~وبقينا على هذه الحال إلى حوالي سنة 1930 حين اتخذ الفن الصحفي ميدانا آخر للمباراة ~~والتفوق بالخبر والصورة، وكان للتقدم المطبعي فضل كبير في ذلك؛ لأن للصورة بأناقة طبعها قوة ~~جاذبية كبيرة، وهي في صميمها خبر. # كان موقعنا الوطني، فيما بين الثورة العرابية إلى حوالي سنة 1930، موقف الكفاح السياسي ~~للاستعمار البريطاني، وأيضا للاستبداد الوطني الذي كان يمثله أمراء وملوك من أسرة محمد ~~علي، والواقع أن كل كاتب مصري على شيء من الذكاء كان على وعي تام بأننا منذ الحركة العرابية ~~إلى 1952 كنا نكافح عباس أو حسين أو فؤاد أو فاروق، كما كان أسلافنا يكافحون توفيق والطغمة ~~المحيطة به من أتراك وشركس. # وكلمة الكفاح تعني في النهاية تنبيها وتحميسا وتحريضا، وكل هذه المعاني كانت تستوعبها ~~المقالة، وظهرت مقالات مصطفى كامل الالتهابية في التحميس لتنبيه ms47 الشعب إلى ضرورة السعي ~~والجهاد للاستقلال، ومقالات علي يوسف المنطقية ضد الإنجليز، وأخيرا مقالات لطفي السيد في ~~مكافحة الرجعية والدعوة إلى الإصلاح الاجتماعي، وعلى هذه الأقلام نشأ عبد القادر حمزة، فنقل ~~المقالة إلى المناقشة الحزبية. # وأصبحت المقالة من تقاليد الصحف المصرية، لا ينشد صحفي التفوق بدونها، ولا يفكر أحد في ~~البراعة الصحفية عن طريق الخبر الداخلي أو درس السياسة الخارجية. وما زلنا - نحن المسنين - ~~نذكر كيف كانت الأخبار الخارجية أخبار العالم والإنسانية، تهمل إهمالا كبيرا في صحفنا ~~القديمة، اللواء والمؤيد والجريدة، حتى كانت تلغرافات رويتر توجز في نحو عشرين سطرا في ~~عمود ناء خفي من أعمدة الصحيفة. # وظهرت فيما بين الاحتلال الإنجليزي و1930 مدرسة الصحافة المقالية، يكتبها كتاب برعوا في ~~الأسلوب والجدل المنطقي، واستوعبوا مقدار كبيرا من الثقافة العامة التي يجهلها كثير من ~~الصحفيين المحدثين في وقتنا؛ ولذلك كان معظم هؤلاء الكتاب مؤلفين أو كانت مقالاتهم ~~الصحفية من القيمة والخطورة بحيث صارت تجمع وتضم بين دفتي كتاب، وما زال بعضها يقرأ إلى ~~الآن كما نرى مثلا في مقالات لطفي السيد في الجريدة أو غيره من الكتاب القدامى. # وفضل هؤلاء الصحفيين المقاليين أنهم استطاعوا أن يبتدعوا أسلوبا كتابيا سهلا يستطيع ~~أفراد الشعب الذين لم يحصلوا على مقدار كبير من الثقافة أن يفهموه ويسيغوه، وصار لهذا ~~الأسلوب قيمته في إيجاد القراء للصحف، كما أن لغتنا لانت ومرنت بعد ذلك للتأليف ~~الشعبي. # ويمكن أن نصف صحف المقالة بأنها كانت صحفا «شخصية»؛ ذلك لأنها حين أهملت الخبر وعنيت ~~بالمقال أصبح صاحب المقال «بطلا» عند القراء، يشترون الصحيفة من أجله لقراءته وحده ثم ~~يطرحونها بعد ذلك. ثم هو كان - لتوالي مقالاته - عرضة لاضطهاد المستعمرين والمستبدين؛ ~~ولذلك كثيرا ما كان يحبس فيعود شهيدا أمام الجمهور. ولم نكن نشتري اللواء أو المؤيد مثلا ~~فيما بين 1900و1910 إلا لنقرأ مقالات مصطفى كامل أو علي يوسف. # ويجب أن أنبه هنا أيضا إلى أن صحف المقالات سبقت صحف الأخبار لأنها كانت تعاني ضعفا في ~~ممكناتها ومقتنياتها، فلم يكن جمهور القراء ms48 كبيرا، وخاصة عندما نذكر أن التعليم كان ~~محدودا، وكانت اللغة الإنجليزية تعلم بدلا من العربية منذ السنة الأولى الابتدائية؛ ~~ولذلك لم يكن دخل الجريدة يمكنها من استخدام عشرات المخبرين الذين تستخدمهم الصحف في ~~وقتنا، كما أن التقدم المطبعي لم يكن قد تحقق ولهذا التقدم قيمته الكبرى في جعل الصحيفة ~~خبرية بدلا من أن تكون مقالية، وفي وصولها إلى أكبر عدد ممكن من القراء للقوة الإغرائية ~~فيها. # ومع أني لا أنكر أن للخبر قيمته في تربية القارئ، وأن الصحيفة العصرية تستطيع بالخبر ~~الدال أن تربي قراءها، فإني مع ذلك آسف على أن صحيفة المقال قد اختفت واختفى معها الكتاب ~~الكبار الذين كانت تجمع مقالاتهم الصحفية كتبا تقرأ وتحفظ، وأمامي هذه اللحظة ~~أربعة مجلدات للطفي السيد هي بعض مقالاته الصحفية في الجريدة، ولي أنا ستة مجلدات عن ~~موضوعات ثقافية مختلفة نشرت جميعها بالصحف اليومية حين كانت صحف مقالات، ثم جمعت كتبا ~~تقرأ وتحفظ لقيمتها الثقافية، وكذلك الشأن مع غيري من الكتاب القدامى. # كنا نكتب للتفسير والتثقيف والتعليم، وكانت بضاعتنا رائجة، ولا أنكر أن الصحف العصرية ~~«الخبرية» لا تزال تقدرنا، ولكني أحس أنها تفعل ذلك تفضلا وليس ضرورة؛ لأنها تستطيع أن ~~تستغني عنا إذا كان الهدف هو الانتشار وعدد ما يطبع من الصحيفة فقط. # ثم إن هناك ذلك الشطط الذي يحيل صحيفة الخبر أحيانا إلى اختيار الخبر المغري لغرابته، ~~وإن لم يكن له أي مغزى أو دلالة؛ وذلك جريا وراء المثل الصحفي المعروف، وهو أن خبر الرجل ~~الذي يعض الكلب خير من خبر الكلب الذي يعض الرجل، وقد شاع هذا الطراز من الأخبار في أيامنا، ~~وكان خبر الجمل الذي فر من المجزر إلى قصر عابدين كي يستغيث بفاروق حتى لا يذبح، بعض هذه ~~الأخبار. ~~••• # وانتقلت الصحافة في مصر من صحافة المقالة إلى صحافة الخبر، وكان هذا تطورا أو انتقالا ~~طبيعيا؛ وذلك أننا منذ الثورة العرابية كنا في كفاح لا ينقطع لأعداء هذه الثورة. # وكان احتلال الانجليز للقاهرة قد صعق الشعب وجمد إحساسه، كأنه ms49 قد ارتضى الهزيمة يأسا؛ ~~ومن هنا التفسير لرواج الإشاعات التي أشاعها أعداء الشعب بأن عرابي كان خائنا. وصحيح أن ~~جمهور الشعب لم يصدق هذه الإشاعات، ولكن إلحاح الطبقة الحاكمة من الأتراك والشركس على ~~ترويجها جعلها مستساغة عند بعض الوطنيين الذين تساءلوا عقب الهزيمة عن مقدار الحكمة في رجال ~~الثورة، ومن هنا اجتراء الشاعر شوقي عل ذم عرابي ومدح الخديو توفيق، وإن يكن هذا الشاعر ~~نفسه قد عاد، في الطبعة الثانية لديوانه فخذف أبيات السباب التي سب بها عرابي. وذلك بضغط ~~الرأي العام. # وفي هذه الحال تعين على الصحفيين المصريين، عبد الله نديم ومصطفى كامل وعلي يوسف، أن ~~يعيدوا الثقة إلى الشعب، وأن يحملوه على استئناف الكفاح ليس ضد الخديو فقط بل ضد الإنجليز ~~أيضا، وسبيل ذلك المقالة. # وازدادت قيمة المقالة في ثورة 1919؛ فإن جميع جرائدنا وقتئذ كانت جرائد الدعوة الوطنية ~~لا أكثر، ولم نكن نشتري الصحيفة كي نقرأ خبرا بقد ما نشتريها كي نقرأ مقالا لأحد الكتاب، ~~الا إذا كان هذا الخبر خاصا بالثورة. # كان الصحفي الفذ في 1919 وما قبلها هو كاتب المقالة، في حين أن الصحفي الفذ في 1958 هو ~~راوي الخبر، وكانت الصحيفة المصرية إلى 1919 تفتتح صفحتها الأولى بمقال وطني في حين هي في ~~1958 ترصد هذه الصفحة للأخبار الداخلية والخارجية. # ثم هناك سبب آخر لإيثار المقال على الخبر في صحفنا القديمة؛ ذلك أن قدرتها المالية ~~وإمكانياتها الفنية المطبعية كانت صغيرة، فقد كان القراء قليلين لقلة المدارس، وكانت الأمية ~~فاشية تعم نحو 90 في المئة من أفراد الشعب أو أكثر؛ لأن الاستعمار كان يحرص على ألا يفشي ~~التعليم بيننا حتى لا يؤدي إلى وعي وطني ينقلب إلى عداء شعبي عام للمستعمرين، وحسب القارئ ~~أن يعرف أن وزارة «المعارف» لم تنشئ مدرسة ثانوية للبنات إلا سنة 1925. # ولما كانت صحيفة الخبر تتكلف من النفقات نحو خمسين بل مئة ضعف ما تتكلفه صحيفة المقالة، ~~فإن الصحف القديمة قبل انتشار التعليم كانت صحفا فقيرة لا تجد العدد الكبير من القراء ms50 ~~الذين يمكنونها من الإنفاق بسخاء على جميع الأخبار؛ فكانت لذلك صحف المقالات هي الصحف ~~العامة. # ولكن ثورة 1919 أوجدت وعيا صحفيا جديدا لاهتمام الشعب بحركة الاستقلال وما تخللها من ~~حوادث القمع والحبس والنفي والإعدام التي قام بها الإنجليز، وكانت هذه الحوادث أخبارا ~~تواليها الصحف بالعناية وتنشر تفاصيلها يوما بعد يوم، وتخلل هذه الحوادث دسائس قام بها ~~القصر لتحطيم الحياة النيابية البازغة بمؤازرة الكتاب المارقين، ومع أن هؤلاء الكتاب ~~كانوا متخصصين في المقالات فإن للتقزز العام ويقظة الشعب احتاج كلاهما إلى صحف جديدة ~~للأخبار تغدو تلهف القراء على الجديد في الحركة الوطنية. # وظهر حوالي 1925 نوع جديد من المقالات، ذلك أننا كنا نقرأ المقالة قبل ذلك فنجد تحمسا ~~وتنبيها يشبه إلى حد كبير مقالات مصطفى كامل ، وكانت اللهجة الخطابية تغلب عليها؛ إذ كان ~~الكاتب يخاطب عواطفنا كي يلهب إحساسنا لمكافحة الاستعمار وتحقيق الدستور، ولكننا شرعنا ~~حوالي هذا التاريخ نقرأ المقالة الخبرية أو الخبر المقالي. # وكان بطل هذا الابتداع محمد التابعي الذي أستطيع أن أصفه بأنه أبو الصحافة المصرية ~~الحديثة بكل ما فيها من ميزات وعيوب؛ ذلك أنه شرع في مجلة «روز اليوسف»، ثم بعد ذلك مجلة ~~«آخر ساعة»، يجذب أكبر عدد من القراء بنشر التفاصيل المغرية عن المسرح والطبقة العليا من ~~الشعب، أو ما يسمى المجتمع الراقي، ثم انتقل من هذه الموضوعات إلى الأخبار السياسية ~~التي لم يكن ينشرها أخبارا وإنما مقالات مفصلة، وبهذه الطريقة ربط بين الشعب وبين السياسة ~~وأوجد المقال الخبري بدلا من المقال الخطابي، وعاونه على ذلك التقدم الفني في ~~الطبع. # ذلك أن المقال الخطابي العاطفي الذي كنا نجده في توفيق دياب، أو المقال السياسي النقاشي ~~الذي كنا نجده في عبد القادر حمزة، لم يكن أحدهما يحتاج إلى الصورة أو اللون، ولكن الخبر ~~الذي يحتاج إلى الصورة الكاريكاتورية، ثم صورة الممثلة التي تتلألأ في جمالها المطبوع أو ~~المصنوع، وإتقان الطبع والإخراج بالآلات المطبعية الحديثة، كل هذا قد رفع من شأن الصحف ~~الخبرية وجعل لها المقام المفضل على الصحف ms51 المقالية، وهنا ظهرت طائفة الصحفيين ~~المخبرين. # وليس معنى قولي هذا أن صحف المقالات، مثل اللواء والجريدة والبلاغ، لم تكن تبالي بالأخبار ~~وتعنى بها، فقد كان لها مخبرون ولكن مراكزهم الصحفية كانت ثانوية إلى جنب مكانة المحرر كاتب ~~المقال الافتتاحي أو المقال الأوسط أو المقال الأدبي، وكان معظم نشاطهم يتجه نحو موظفي ~~الحكومة، وتنقلاتهم وترقياتهم، وما يستطيعون الحصول عليه من دوائر البوليس والنيابات، ~~يكتبون ذلك كله في إيجاز وجفاف ليس فيها أي إغراء فني صحفي، ولكن بعد حوالي 1925 برزت ~~الأخبار وتفوقت على المقالات، بل أخذت صيغة المقالات، وصارت الجريدة توفد أحد مخبريها لحادث ~~يقع في السويس أو أسوان، بل في بغداد أو الظهران، فيوافيها بتفاصيل أحد الحوادث يوما بعد ~~يوم، ويرسل إليها الصور، التي لم تكن تعرفها صحفنا القديمة، والتي تشوق القارئ مثلما تشوقه ~~سائر التفاصيل، وهذا المخبر لم يعد يكتب الخبر في الإيجاز الذي كان يكتبه سلفه، إذ هو يحيله ~~إلى مقالة أو مقالات. # وظهرت المجلات الفنية التي تحيا على الأخبار فقط، ولكن كل خبر داخلي أو خارجي يستغرق ~~الصفحة الواحدة أو الصفحتين أو أكثر مع الصور؛ ولذلك لا نكاد نجد مقالا واحدا في «آخر ~~ساعة» مثلا من تلك المقالات التي كنا نجدها في الصحف قبل 1925، وإنما نجد أخبارا مقالية ~~أو مقالات خبرية. # وقد يسأل القارئ هنا هل هذا خير أم شر؟ هل هو كسب أم خسارة؟ # والجواب أنه كلا الاثنين، ومع ذلك أنا أؤثر صحفنا الحديثة التي تعنى بالأخبار على صحفنا ~~القديمة التي كانت تعنى بالمقالات؛ فان للأخبار قيمتها الكبرى في زيادة الوعي الإنساني، ~~فضلا عن الوعي الوطني، وقد يقال إن الصحف العصرية تعنى كثيرا وتسرف في نشر الأخبار الخاصة ~~بالجرائم والجنس، وهذا صحيح. ولكن يقابله انعدام هذه الأخبار من الصحف القديمة، وما دامت ~~الأخبار صحيحة فنحن نحتاج إلى الوقوف عليها، ولكن بلا إسراف في التفاصيل التي لا تزيدنا ~~نورا وفهما. # ثم إن عناية الصحف العصرية بالأخبار قد حملتها على العناية بأخبار العالم، وهي أخبار لم ~~نكن نعرفها ms52 في جرائدنا القديمة؛ ولذلك صارت تخص صفحتها الأولى بهذه الأخبار وصرنا نجد كل ~~صباح صورة حية لأحوال العالم الذي نعيش فيه والذي يجب ألا نجهله، والصحفية هي - بعد كل ~~شيء - للعالم وليست للوطن وحده. # ثم هناك ميزة أخرى لصحف الأخبار الحديثة، هي أنها لاعتمادها على المخبرين المتصلين بالشعب ~~في أحواله الارتزاقية والثقافية والسياسية والاجتماعية، قد أوجدت أسلوبا شعبيا في ~~الكتابة لم يكن يعرفه كتاب المقالات القديمة الذين كانوا يستلهمون الكتب أكثر مما كانوا ~~يستلهمون الشعب، وهذا كسب كبير. # الفصل الثالث عشر # | المرأة في الصحافة # عندما نتأمل الحال التي كان يعيش فيها نساؤنا قبل أربعين سنة، حين كان الحجاب عاما ~~والفصل بين الجنسين تاما، ونقارنها بحالنا الحاضرة ونحن نجد المرأة السافرة بل العاملة، ~~نحس أن أجمل ما في نهضتنا وأبعثها على السرور والغبطة هو هذا التطور الذي يشبه ~~الوثبة. # لقد ارتقينا في التعليم وأصبح عندنا من طلبة الجامعات ما يساوي - بالمقارنة إلى السكان - ~~عدد الطلبة في أوروبا. # وارتقينا في الصناعة فأصبح عندنا بعض المصانع، وكان الاستعمار يحظر علينا إنشاء المصانع ~~كما نحظر نحن بيع الحشيش أو سائر المخدرات. # وارتقينا في شئون وطنية مختلفة، ولكن أجمل الأنواع في هذا الارتقاء هو انتقال المرأة ~~المصرية من الأسلوب الشرقي في العيش إلى الأسلوب الغربي، وهذا الارتقاء قد استتبع تغيرات ~~عديدة في العلاقات الاجتماعية، فأصبحت كلمة «الحب» من الكلمات المحترمة التي لا يخجل منها ~~الشاب أو الفتاة. # واقتحمت المرأة الميادين المختلفة في النشاط المصري، ومن أجمل اقتحاماتها هذه أنها طرقت ~~أبواب الصحف التي فتحت لها مع الترحيب والتقدير. # وإني أعود بالذاكرة الآن إلى أول امرأة مصرية كتبت في الصحف، فأذكر «باحثة البادية» التي ~~كانت تكتب حوالي 1910 في الجريدة حين كان يرأس تحريرها الأستاذ أحمد لطفي السيد، وكانت تكتب ~~بأسلوب عربي متين، ولم يكن هذا عجيبا، إذا هي ابنة اللغوي المشهور حفني ناصف، ولكنها كانت ~~تكتب وكأنها تنظر إلى قلمها فإنها كانت زوجة لأحد الوجهاء من العرب في الفيوم، ولكن إقدامها ~~على الظهور بقلمها في ms53 صحيفة يومية كان بدعة تبعث على اليقظة والنهوض على الرغم من دعوتها ~~إلى المحافظة على التقاليد. # ولكن جاءت في عقبها الآنسة مي، وهي فتاة فلسطينية أو سورية (قبل التجزئة الوطنية التي ~~ابتدعها الاستعمار الإنجليزي) قد نشأت في بيئة مسيحية وتعلمت في مدراس غربية؛ ولذلك عندما ~~أقدمت على الكتابة في الصحف لم تجد العائق السيكولوجي الذي كانت تجده باحثة البادية، وكانت ~~مع ذلك على معرفة باللغتين الفرنسية والإنجليزية وتعمق لآدابهما، فكانت مقالاتها في الأدب ~~والاجتماع والحياة عامة ظاهرة جديدة في الصحافة، بل كانت حياتها الحرة بصالونها الأدبي في ~~القاهرة ظاهرة اجتماعية كبيرة القيمة، وكانت تدعو إلى الحياة العصرية مع اعترافات هنا وهناك ~~تجري على سن قلمها في مديح الشرق، ولم يكن هذا المديح سوى الضريبة التي كانت تؤديها ~~للرجعيين والمحافظين حتى لا يناصبوها العداء ويكرهوها على ترك الصحافة. # وقد جرأت مي الكثيرات من الكاتبات المصريات واللبنانيات على الكتابة في الصحف؛ وذلك أنها ~~أجادت، وتناولت الموضوعات المختلفة، ولقيت احتراما، فهيأت الميدان لغيرها من بنات جنسها ~~اللائي أقبلن على الكتابة في الصحف وهن لا يخشين لوما أو عيبا. # ثم خف عنا - عقب نهضة 1919 - كابوس الاستعمار، وإن لم يزل. فعدنا ننشئ المدارس ~~الابتدائية والثانوية للبنات بعد أن كان الإنجليز قد أقفلوها عقب الاحتلال في 1882، بل ~~أنشأنا الجامعة و«زحلقنا» الفتاة المصرية إليها خلسة من وراء ظهور المحافظين والرجعيين، وما ~~هي إلا سنوات حتى كان عندنا ألف من الفتيات في المدارس الثانوية ثم مئات منهن في الجامعة، ~~وما زالت هذه المئات في التكاثر حتى أصبح عندنا منهن في 1956 نحو ستة آلاف طالبة في ثلاث ~~جامعات. # وقد ضنت الحكومات على خريجات الجامعة بوظائفها الا مع الشح، ولكن الأعمال الحرة رحبت ~~بهن. وكانت الصحف في مقدمة المرحبات بهن. # ووجدت الفتيات المتعلمات إغراء كبيرا في الصحف، وخاصة عندما ظهرت المجلات المصورة التي ~~عنيت بتصوير الأخبار والنابغات السينمائيات، بل حين أسرفت في هذا التصوير حتى فتنت به ~~عقول الشبان والفتيات معا، فكان الإقبال على القراءة أولا ثم الإقبال ms54 على الكتابة ثانيا، ~~وأصبحت كل فتاة تحس شيئا من الاستعداد الصحفي تؤلف القصة أو المقال وتجرب قلمها في النقد ~~أو الوصف. # وأحب أن أشير هنا إلى أن اختلاط المرأة بالرجل كثيرا ما يرفع من أخلاق الجنس الخشن من ~~حيث الارتفاع بالحديث إلى الكلمات المهذبة؛ ذلك أننا نحن الرجال، حين تغيب عنا المرأة، ~~نترخص في استعمال الكلمات الغليظة ولا نبالي النكتة النابية، ولكننا نحذر ذلك عندما نجد ~~معنا امرأة. # الفصل الرابع عشر # | الفن الكاريكاتوري # مما يذكر عن جريدة «نيويورك تيمس» الأمريكية أن مديرها وجد في انتشارها ركودا أو تخلفا ~~عن سائر الجرائد التي تباريها في السوق، فشرع يتصفحها كي يهتدي إلى علة هذا الركود، وبعد ~~دارسة للصفحات والأبواب قصد إلى رئيس التحرير واقترح عليه أن يبحث عن محرر قد اعتاد الشراب ~~يكتب كل يوم حديثا للقراء يتألف من خطرته «السكرانة». # فلما سأله رئيس التحرير عما بعثه على هذا الاقتراح أجابه بأن علة الركود في بيع ~~الجريدة هي أنها مسرفة في الجد ليس فيها كلمة مزاح أو نكتة مضحكة، وأن القراء يسأمون الجد ~~ويحتاجون إلى شيء من الهزل من وقت لآخر. # وعلى هذا الأساس اتجهت الصحف الكبرى إلى أن تخصص جزءا من أعمدتها للكتاب المرحين، ولا ~~تكاد تخلو جريدة من مثل هؤلاء الكتاب الذين يرفهون عن القراء بأحاديثهم. # والصورة الكاريكاتورية هي ترفيه أنيق، يحتاج إلى إعمال الفكرة واستخلاص النكتة في صورة ~~تنطق أحيانا عن معناها، بحيث لا تحتاج إلى كتابة شيء يفسرها ويوضحها أو هي تحتاج إلى أقل ~~الكلمات. # وقد ظهرت الصورة الكاريكاتورية عندنا منذ حوالي 1920 واختصت بها مجلة الكشكول التي كان ~~يصدرها المرحوم سليمان فوزي، وكان يهدف منها في كثير من الأحوال إلى غير ما خصصت له، فكان ~~ينتقل بها من الترويح إلى التشهير بالوفديين، ولكنه مع ذلك فتح الباب وشق الطريق. # ثم جاء محمد التابعي فجعل منها دراسة في مجلاته التي كان يصدرها مثل روز اليوسف وآخر ~~ساعة، وشاعت بعد ذلك في بعض مجلاتنا، ولكن جرائدنا اليومية لم تأخذ ms55 بها إلا منذ قريب، وهي ~~مع ذلك لم تعم جرائدنا حتى الآن. # والصورة الكاريكاتورية خاصة وعامة، فهي خاصة حين تتناول إحدى الشخصيات فتبرز فيها سمتها ~~أو موقفها في شأن عام، وهي عامة حين تجعل من معناها نكتة لها قيمتها الاجتماعية، وهي بهذين ~~النوعين تعالج السياسة كما تعالج الاجتماع، وتوضح الأخبار والاتجاهات. # والغاية من الصورة الكاريكاتورية هي - كما قلت - التخفيف من جدية الجريدة، وهي تروح عن ~~القارئ لأنها تضحكه، ولكن لماذا يضحك؟ # إن للضحك تفسيرات عديدة ربما كان أقربها إلى فهمنا أنه يجعل من الشخص أو الأشخاص آلات قد ~~غاب عنها التعقل، فهي تسلك سلوكا آليا، وهذا هو تفسير «برجسون»، ومع أني أجد فيه شيئا ~~من الصدق فإني لا أجد فيه كل الصدق. # فليس شك أن نكات جحا تنطوي على أنه ينطق ويسلك كما لو كان عقله قد غاب عنه فترة ما، كما ~~في قوله - مثلا - عندما رأى جلبابه يطير من حبل الغسيل، بأنه يحمد الله على أنه لم يكن على ~~جسده. والنكتة هنا ساذجة نضحك منها لأننا نحس خطأ جحا وحسبانه شخصه كما لو كان مثل الجلباب ~~سيطير معه إذا دفعته الريح. # ولكن معظم النكات ينطوي على سخرية تعلو على السذاجة، مثال ذلك الصورة الكاريكاتورية التي ~~نشرتها مجلة بنش الإنجليزية، ذلك أن الإنجليز يصفون الإسكوتلانديين بالبخل، وأيضا ببطء ~~الفهم. # ونحن نجد في الصورة رجلا إسكوتلانديا يلعب التنس، وبعد أن انتهى من الدور أراد أن يعطي ~~غلام الكرة الذي يجلبها له حين تنأى عن ميدان اللعب قروشا، ولكنه لبخله أعطاه شيئا ضئيلا ~~غاظ الغلام الذي أراد الانتقام، فاقترح على الإسكوتلاندي أن يرى بخته من كفه، ونظر الغلام ~~إلى الكف وقال: «أنت إسكوتلاندي» والمعنى هنا أنه بخيل، ووافق الإسكوتلاندي على ذلك، ثم قال ~~الغلام بعد نظرة ثانية إلى الكف: «وأنت أعزب»، ووافق الإسكوتلاندي على هذا القول أيضا، ثم ~~نظر الغلام النظرة الثالثة إلى الكف وقال: «وأبوك أيضا كان أعزب». # والذي يضحكنا هنا جملة أشياء، منها أن الإسكوتلاندي يبدو في الرسم مديد القامة ms56 ناضج ~~الرجولة في حين أن الغلام صبي لا يزيد على الثانية عشرة، وإحساسنا بأن الصبي قد غلب الرجل ~~يثير الضحك، وهو يثيره أكثر حين نعرف أن الصبي أخذ من الرجل عوضا عن حقه هذه السبة التي ~~وجهها إليه، ثم نضحك أيضا عندما نجد الإسكوتلاندي مرتبكا بشأن الإجابة الأخيرة، فقد كان ~~ينتظر كلمات حلوة منعشة فإذا به يجد لطمة. # وهنا لا يسعفنا برجسون بتفسيره الآلي للضحك. # الفصل الخامس عشر # | الصحافة والرأي العام # حضارتنا القائمة هي حضارة الغرب أي حضارة رأس المال، ومعنى هذا أن كل إنسان حر في أن ~~يقتني ويدخر ثم يشتري العقار ويستغله، ومعنى الاستغلال أن نكسب منه إما بتأجيره كما نفعل ~~في المسكن، وإما باستخدام عمال يعملون فيه بالأجر فنكسب في الحالتين، وكسبنا يعود إلى مال ~~ادخرناه ثم استغللناه، ونعيش بذلك على عمل الآخرين. # وحضارة الغرب الاستغلالية هي التي أدت إلى الاستعمار بكل ما جلبه على السكان في ~~المستعمرات من ظلم، ونهب، وتوحش، ومرض، وفقر، وجهل. # يفعل رأس المال هذا في المستعمرات حين يستغل السكان بما يشبه السخرة، بحيث لا يزيد أجر ~~العامل على مليمات أو قروش حتى يكبر كسب صاحب أو أصحاب رأس المال، وهو يحاول أن يفعل أو ~~يسلك هذا السلوك حتى في بلاده التي نشأ فيها، ولكن نظم العمال النقابية هناك تقاومه وتكفه ~~عن الفتك بالعمال، ثم هناك قوانين عديدة تخفف من طغيانه، كما أن الرأي العام على تنبه دائم ~~لمحاولاته في الاستغلال الإجرامي. # ووسيلة التنبيه للرأي العام هي الصحف؛ ذلك أن الصحافة حرفة ورسالة: هي حرفة من حيث إن ~~أصحابها ومحرريها ومخبريها وسائر موظفيها وعمالها ينشدون منها الكسب أو الأجر كي يعيشوا ~~مثلهم في ذلك مثل جميع من يعملون ويكسبون. # ولكنها أيضا رسالة، لها شرف الرسالة وواجب التضحية وشهامة الإنسانية والوطنية؛ ومن هنا ~~مواقفها الخطرة التي ربما تؤدي إلى إفلاسها، ولم تفلس جرائدنا المكافحة إلا لمثل هذه ~~المواقف التي اعتقد فيها الصحفيون أن الإنسانية والوطنية تطالبهم فيها بالكفاح. # وماتت صحفنا المكافحة وعاشت الصحف المتفرجة ms57 المحايدة. ~~••• # وفي تاريخ الصحافة المصرية كثير من هذه المواقف المشرفة؛ فإن جريدة السياسة مثلا حاربت ~~إسماعيل صدقي، بل حاربت الملك الأسبق فؤاد بشأن الدستور الذي ألغياه وسنا بدلا منه ~~دستورا آخر، وكذلك حاربت السياسة الوزارة في إقدامها على اضطهاد علي عبد الرازق لأنه نشر ~~كتابه «الإسلام وأصول الحكم» وكان اضطهاد المؤلف اضطهادا لحرية الفكر في مصر. ~~••• # والاستعمار هو كارثة الإنسانية في القرن العشرين، وهو في كل زمان ومكان كارثة، ولكنه يعود ~~أكرث وأنكب حين يقع في حرب؛ ذلك أن الدولة المستعمرة تحس الخطر على ما انتهبته من أقاليم ~~وثروات، وتحس - مع الخطر - أن حقها في هذا الانتهاب المغصوب لا يزيد على حق الدولة التي ~~تحاربها إذا تغلبت عليها، إذ لن يكون لها أي حق في هذا الحال في أن تناشد العالم العدل أو ~~الشرف أو الحق، إذ هي - بالاستعمار - قد داست جميع هذه القيم، ولا يمكن ن يكون هناك عدل أو ~~شرف أو حق مع الاستعمار. # ولهذا السبب يطغى الاستعمار في أثناء الحروب على المستعمرات، ولا يبالي قتل الناس وخطف ~~الأموال وتعطيل القوانين، بل لقد رأينا كيف كان الإنجليز يخطفون الناس ويبعثونهم إلى فلسطين ~~بدعوى أنهم «متطوعون»، مع أن هذا التطوع كان يحتاج إلى ربطهم بالحبال حتى لا يفروا وهو ~~يقادون إلى فلسطين مكتوفين. # ولا يمكن أن ننتظر من المستعمر رأفة، بل الحق الذي نعترف به أنه مضطر إلى القسوة وممارسة ~~الوحشية التي لعله قد يستنكرها وقت السلم؛ ذلك أنه يرى أبناء بلاده يقتلون ويمزقون، وأن ~~مصير وطنه في كفة القدر الذي ربما ينتهي ليس بالهزيمة فقط بل بالفناء أيضا، فكيف وهو في ~~هذه الحال نطالبه بالرأفة مع بلادنا وأبنائنا مدة الحرب؟ # ولكننا، مع هذه التقديرات، يجب أن نكافح ولا نستسلم. ~~••• # والرجل المتمدن المثقف في عصرنا يقرأ جريدته للاستنارة عن شئون العالم، وقد ازداد وجداننا ~~العالمي في السنين الأخيرة بالاشتباكات السياسية والاقتصادية، كما جعلت الطائرات ~~والتلغرافات عالمنا هذه صغيرا في أبعاده كبيرا في نفوسنا، فأصبحنا نتهم بأخبار هونج كونج ~~ونيويورك ms58 وموسكو ولندن ودمشق وبغداد كما نهتم بأخبار أسيوط والإسكندرية، بل ربما يزيد ~~اهتمامنا بهذه المدن الخارجية أكثر من اهتمامنا بمدننا المصرية. # ولذلك فإن الجريدة أو المجلة التي تقصر اهتمامها على شئون وطنها فقط إنما تعد ~~قروية في عصرنا، تتحدث أحاديث القرية وتجهل الآراء العالمية بشأن العالم. # ثم إن تطور العلاقات المصرية بالدول العربية قد حمل الصحف مسئوليات جديدة بشأن التنوير ~~والتعريف والتقريب. # الفصل السادس عشر # | كيف نرفع الصحافة إلى مقام الأدب # من الحوادث التي يجدر بكل أمريكي أن يفخر بها أن أحد الناقدين في الولايات المتحدة كتب ~~ذات مرة يقول إن «كرستيان سينس مونيتور» وهي من كبريات الصحف اليومية الأمريكية قد انحط ~~شأنها لأنها لم تعد تبالي بالآداب والعلوم، وإنها كانت تعنى قبلا بتثقيف قرائها أكثر مما ~~تعنى الآن . # ولم ترد عليه هذه الجريدة بالإنكار، ولكنها عمدت إلى العدد الذي صدر في اليوم الذي فيه ~~هذا النقد، فجمعت ما فيه من آداب وعلوم وفنون، وطبعت كل ذلك في كتاب مستقل يحوي أكثر من مئة ~~صفحة، فكان كتابا رائعا لا يزال يباع إلى الآن، وهذا محصول يوم واحد من جريدة ~~يومية. # والحق أني لا أعرف في العالم كله جريدة تعلو على هذه الجريدة، فإنها قد رفعت الصحافة إلى ~~مقام الأدب، وهي تختار لكتابة أخبارها ومقالاتها أدباء وعلماء واجتماعيين وفنانين، والقارئ ~~الذي يتناولها لا يجد الأسلوب الأدبي فحسب وإنما يجد الدلالة الاجتماعية في الخبر الساذج، ~~ويجد الإرشاد والتوجيه الفلسفيين في المقال التحريري. # وما أجدرنا نحن الصحفيين المصريين بأن نلتفت إلى هذه المرتبة العالية التي بلغتها الصحف ~~الأوروبية والأمريكية، أو بلغها بعض الممتاز على الأقل، وخاصة بعد أن تفشت بيننا صحف تثير ~~الاشمئزاز والألم سواء بنشر الكاذب من الأخبار أو الزائف من الآراء أو الفاحش من الصور ~~والكلمات. # إن الصحفي الممتاز هو الذي يكون قد وصل إلى الصحافة بعد أن انصهر في بوتقة الأدب والعلوم ~~والفنون، بحيث يعالج حوادث اليوم بميزان الآداب ويكتب بالأسلوب الأدبي الذي يريد الفهم ~~ويصقل الذهن، والصحفي الممتاز هو ms59 الذي يبصر بقيمة العلوم في التطور العالمي الحاضر، فيكون ~~على معرفة وتقدير لتولستوي وجيته، وعلى دراية بالآمال والمخاوف بشأن الطاقة الذرية، والصحفي ~~الممتاز هو الذي يفكر بعقل فولتير حين يتحدث عن قانون المطبوعات الحاضرة في مصر وعن سائر ~~القيود التي تصاغ للحرية، والصحفي الممتاز هو الذي يدرس مشكلات مصر في ضوء المشكلات ~~والتيارات العالمية، وأخيرا الصحفي الممتاز هو الفيلسوف الأديب العالم الفنان. # وقد كان أعظم الصحفيين العالميين من هذا الطراز، ولا يزال هذا شأنهم في الجرائد الكبرى، ~~بل إن بلادنا تستطيع أن تفخر بأن صحافتها جذبت إليها - في بعض الأحيان - الأذهان الحية التي ~~ترشد وتوجه؛ فإن «أحمد لطفي السيد» فيلسوف، وقد كان من حظي أن أوالي في شبابي قراءة ~~الجريدة، وهو يحررها، نحو ثماني سنوات، وكان «عبد القادر حمزة » أديبا وكتابه عن «حضارة ~~الفراعنة» يدل على الآفاق الواسعة المتراحبة التي كان يتطلع إليها من خلال المناقشات ~~السياسية والحزبية في السنوات الماضية، وكان «أنطون الجميل» أديبا، يتحدث عن بيت من الشعر ~~باهتمام وعناية كما لو كان ينطوي على تغيير في الوزارة، ومن وقت لآخر نجد لطه حسين نزوات ~~صحفية تتسم بطابع الأدب السامي. # وأحيانا أستسلم لخيال عابر وأسأل نفسي: كيف تكون حال هذه المجلة الأسبوعية أو هذه الجريدة ~~اليومية لو أننا سلمنا رياسة التحرير فيها للطفي السيد؟ لطفي السيد مترجم ~~أرسطوطاليس؟ # أرسطو طاليس في الصحافة؟ # أجل ... ولم لا؟ # لا. لا نستطيع أن نحتقر هذه الآراء إذا كنا عقلاء؛ ولذلك إني آسف أشد الأسف على أن مثل ~~لطفي السيد لا يوجد الآن في صحافتنا. # الفصل السابع عشر # | الصحفي كما يجب أن يكون # ليس شك أن الصحيفة اليومية تحيا وتصدر للخبر. # الخبر هو أول ما ننشد في أية صحيفة يومية، وهناك من يستصغرون شأن الأخبار مع أن قيمتها ~~التربوية بل الإنسانية للحياة كبيرة جدا؛ إذ هي الصلة الروحية بيننا وبين الوطن الذي ~~ننتمي إليه كما هي كذلك بيننا وبين العالم؛ ذلك أننا حين نوالي قراءة الأخبار اليومية عن ~~أحداث العالم نحس قرابتنا لهذا ms60 العالم، ونشتبك في مشكلاته، ونهتم بشئونه في الإصلاح ~~والتعمير، فنجد معنى لارتقاء الصين، ودلالة في مشروعات الري في مسيسبي بالولايات المتحدة، ~~ونفرح للتقدم الصناعي في الهند، وفي كل ذلك نزداد إنسانية، وتتراحب آفاق جديدة متزايدة كل ~~يوم لنمو الذهن ونضح النفس. # ولكن الخبر مع ذلك ليس كل شيء في الصحيفة اليومية، وخاصة بعد أن ظهرت الإذاعة والتلفزة، ~~فإن الصحيفة تصدر مرة واحدة في اليوم فلا نعرف منها أحداث العالم إلا مرة واحدة في اليوم ~~أيضا، ولكن الإذاعة والتلفزة كلتاهما تستطيع أن توالينا بالأخبار طول النهار والليل، فهما ~~من ناحية الخبر أقدر من الصحيفة على الوصول إلى المستمعين والرائين. # ولهذا نحن ننتظر التنوير والتعليق والتفهيم والتبصير في الصحيفة بأقلام الكتاب الممتازين، ~~وهو ما لا نجده في المذياع أو التلفزيون، بل حتى حين نجد هؤلاء الكتاب الممتازين فيهما ~~فإننا لا نلتفت إليهما بالعناية التي نلتفت بها إلى كتاب الصحيفة. # وهنا يجب أن نلاحظ أننا نفهم بالعين وبالقراءة أكثر مما نفهم بالأذن والاستماع، ثم تمتاز ~~الصحيفة بعد ذلك بأنها قيد الطلب، نقرأها حين نريد بلا مواعيد معينة لا نستطيع تغييرها، ~~نقرأها في الفراش، وفي المكتب، وفي القطار، وقت راحتنا وفراغنا دون أن نقسر على ميعاد لا ~~يتفق وأعمالنا اليومية. # وأحسن الصحفيين هو من عمل مخبرا في بداية حياته الصحفية، وأحسن الكتاب المعلقين هو من ~~اعتاد، لسبق خدمته في إيراد الخبر، أن يصل بين الأخبار والمقالات أو يكتب المقال الخبري أو ~~الخبر المقالي، إذ هو عندئذ يكسب تعليقاته حيوية الخبر، ويبقى على الدوام متصلا ~~بالمجتمع والإنسانية والبيئة، ولا يشطح في أبحاث تنأى عن اهتمامات الجمهور. أجل، ولا يحتقر ~~الجمهور كما هو الشأن في كثير من الكتاب الصحفيين الذين لم يتمرسوا بالخبر قبل كتابة ~~المقال. # الأدب يجب أن يكون للشعب وللإنسانية وللمجتمع، ولا نقصد بكلمة الشعب تلك العامة من ~~الغوغاء، فننزل إلى أفرادها بمغريات وضيعة ننشد منها رواج القصة أو الكتاب أيا كان ~~موضوعه. وإنما نؤلف للشعب كله خاصته وعامته، وهذا ما يجب أيضا أن ms61 تكون وجهة الصحيفة، بحيث ~~تكتب للشعب لا للخاصة ولا للعامة. # بل إن الشعب الأمثل، الشعب المتمدن، يجب ألا يميز بين الخاصة والعامة؛ إذ يجب أن يؤدي ~~نظامه الديمقراطي السوائي إلى تعميم الثقافة ورفع مستوى التعليم، بحيث لا يحتاج الصحفي، كما ~~لا يحتاج الأديب، إلى الزعم بأنه يكتب للخاصة أو يتوسل بإغراءات وضيعة إلى النزول إلى ما ~~يسميه مستوى العامة. # ولأن الصحيفة - مثل الأدب أيضا - تخاطب الشعب كله بمختلف اتجاهاته الثقافية والفنية ~~والاقتصادية، فإنها يجب أن تستوعب جميع ألوان النشاط الذهني السياسي والاجتماعي والفني ~~والعلمي، وهي حين تفعل ذلك تربي قراءها كما أنها تقرب بين طوائف الشعب. # ولكن الذي يجب أن نؤكده هنا أن الصحيفة لا يمكن أن تحايد، أي إنها يجب أن يكون لها مذهب ~~أو مذاهب في الوطنية والسياسة، فإن في الدنيا خيرا كثيرا وشرا كثيرا، والصحفي الذي ~~يقول إنه ينقل الخبر، وإنه لا شأن له بالعدل أو الاستبداد، وبالاستعمار أو الاستقلال، ~~وبفساد الحكم أو صلاحه، إنما هو صحفي عاهر يفسق بذهنه، ولعله أيضا يساوم على ضميره. # فالصحفي، مثل الأديب، لا يمكن أن يكون متفرجا، يروي الأحداث، ويقتصر على الرواية، غير ~~معني بما يصيب الأمة أو الإنسانية من خير أو شر. # لا. ليس هناك برج عاجي سواء في الأدب أو الصحافة، وليس هناك في المجتمع الحسن متفرجون في ~~الصحافة. # والصحفي، كما يجب أن يكون، يحتاج لهذا السبب أن يدرس كثيرا ويختبر كثيرا، وهو إذا كان ~~قد بدأ حياته الصحفية بالمرانة على كتابة الخبر، فإن اختباراته ستتكاثر طيلة حياته، لأن ~~الخبر سيبقى بارزا في ذهنه يحركه إلى التفكير الذي يبني ويعمر، وإلى التعليق الذي يرشد ~~ويهدي. # أليست هذه الدنيا حوادث؟ ثم أليست الحوادث أخبارا؟ # إن كل إنسان متمدن يحيا في مجتمع متمدن، يجب أن يشتبك في شئون هذا المجتمع، والصحفي أولى ~~الناس بهذا الاشتباك، وأنا هنا أنظر إلى أخلاقه قبل أن أنظر إلى حرفته؛ إذ هو قد ينجح ~~النجاح المالي إذا بقي متفرجا محايدا لحوادث بلاده والعالم، ولكنه لن ينجح ms62 النجاح ~~الإنساني، النجاح الشريف الذي يجب أن يهدف اليه كل صحفي، إلا إذا اشترك مع مجتمعه في كفاح ~~للخير والشرف والإنسانية والعدل والاستقلال. # وبعد هذه الكلمات العامة عن الصحفي «كما يجب أن يكون» نحتاج إلى كلمات خاصة تمس الحرفة ~~مسا خاصا. # ومع أنه يمكن أن يكون هناك تعليم خاص لتخريج الصحفي فإني لا أتمالك الإحساس بأن الصحافة ~~هواية قبل كل شيء، وقد ترجع في جذورها المختبئة إلى ما يسمى في السيكولوجية «العرض» أو ~~في التعبير المألوف «حب الظهور»، وقل أن يخلو صبي أو شاب من ذلك؛ ولهذا كثيرا ما نجد ~~الإغراء قويا بين الشبان للكتابة في الصحف فيما بين سن العشرين وسن الثلاثين فيرسلون ~~بمقالاتهم أو قصصهم إلى الصحف فإذا صادفوا نجاحا احترفوا الصحافة، أو هم يكفون بعد أن ~~يتحققوا أن كفاءتهم لا تعينهم على ذلك. # الصحافة - كالشعر والأدب والفن - هواية، ولكن الهاوي يحتاج إلى التربية والتعليم حتى يمهر ~~ويحذق، ويحتاج إلى ظروف مؤاتية أيضا في الجمهور أو البيئة، وإني لأجد - من اختباراتي ~~الماضية التي تزيد على نصف قرن - أن خير ما يؤهل للصحافة الراقية في بلادنا وسائر الأقطار ~~العربية إتقان لغة أجنبية على الأقل، ولغتين خير من لغة؛ وذلك أن الاتصال بلغتين أجنبيتين، ~~مثل الفرنسية والإنجليزية، أو الألمانية والروسية، يصل بين الصحفي العربي وبين التمدن ~~العصري، كما يتيح له الرحلة كل سنة أو سنتين إلى أقطار أجنبية ينتفع بزيارتها ودارسة ~~مؤسساتها وتجديداتها، ومن الغرور الكاذب أن نزعم أننا - نحن الصحفيين المصريين مثلا - في ~~«اكتفاء ذاتي» لا نحتاج إلى اللغات والآداب الأوروبية أو الأمريكية؛ فإن حاجتنا إلى هذه ~~اللغات لا تقل في الصحافة الراقية عن حاجتنا في الطعام للغذاء الصحي. # وكما نحتاج إلى اللغات الأجنبية ندرسها بإتقان، نحتاج أيضا إلى زيارة الأمم الأجنبية ~~وإلى الإقامة شهورا أو سنوات في باريس وبرلين ولندن ونيويورك وموسكو؛ كي نتعمق البواعث ~~والحوافز في السياسة والاجتماع والاقتصاد والارتقاء؛ ذلك لأن الاستعمار والاستبداد كلاهما ~~قد أخرنا عن اللحاق بموكب الحضارة العصرية، فنحن في حاجة لا تنقطع ms63 عن استملاء هذه ~~الحضارة من الأمم المتمدنة المتقدمة، وأسوأ ما تعانيه الصحافة المصرية في وقتنا من حيث ~~تفاهة موضوعاتها وأخبارها يعود في النهاية إلى أن المحرر أو المخبر لم يدرس لغة ~~غربية. # وأعني أنه لم يدرسها دراسة الإتقان، ولا أعني أنه لم يعرفها، فإن المعرفة قد تكون رطانة ~~لا تغني. # ثم يجب أن يكون للصحفي - كما للأديب والفنان والشاعر - كفاح، وبكلمة أخرى يجب ألا يكون ~~متفرجا متسليا بالكتابة وبالدنيا، وقد رأينا في مصر في الخمسين سنة الماضية عشرات من ~~الصحف والصحفيين المتفرجين المتسلين الذين كانوا ينشدون «النجاح» بالإحجام عن التورط في ~~مشكلاتنا السياسية والاقتصادية، فلا ينتقدون وزيرا ولا يبرزون فضيحة دارية، ولا يعارضون ~~خطة استعمارية أو استبدادية، بل رأينا كتابا مدحوا جميع الأحزاب، وأثنوا على السادة ~~العظماء، من فاروق إلى الأذناب، بقصائد ومقالات. # يجب على الصحفي الشريف أن يشتبك، وألا يبالي أن يؤدي به هذا الاشتباك إلى التورط في ~~الحبس، وأن يقع في الاضطهاد؛ إذ عليه أن يتحمل كل ذلك باعتباره جزءا من حرفته، بل من شرف ~~حرفته، وأن ينهض في وجه الظلم والفساد ولو أدى هذا إلى إفلاسه ودماره. # ذلك أن لكل حرفة مقتضياتها التي يقتضيها الشرف، شرف الحرفة. فإذا وفد وباء كالكوليرا أو ~~الطاعون على مصر فإننا ننتظر من الأطباء أن يهرعوا إلى مكان العدوى ويكافحوا هذا الوباء، ~~حتى مع يقيننا ويقينهم بأن الموت يمكن أن يكون جزاء خدمتهم وإسعافهم للمرضى، ولا يمكن أن ~~نقر طبيبا على الفرار من الكفاح أو الوقوف موقف المحايد المتفرج. # كذلك الشأن في الصحافة، فإذا واجه الصحفي ظلما أو فسادا أو استعمارا فإن عله أن يكافح، ~~حتى ولو وثق بأن كفاحه قد ينتهي بدماره وسجنه وإفلاسه؛ لأن شرف الحرفة يقتضي ذلك. # والصحيفة المثلى هي - بعد كل شيء - معهد عام وليست مشروعا خاصا؛ أي إنها تنصب نفسها ~~وتنذر كتابها للخير والتربية والتطور والتجديد، توسع من صفحاته للكاتب الناضج، وتوسع من ~~اختباراتها للكاتب البادئ، وتبقى أمام الشعب مصباحا يهدي في الظلمات وعنوانا لمعاني الشرف ~~والخدمة. ms64 # ويجب ألا ننسى أن لهجة الكاتب وأسلوب تفكيره واتجاهه وهدفه، كل هذا ينتقل إلى القارئ، ~~فيعين مزاجه بل يعين أخلاقه، فإذا كان الكاتب مكافحا فإن القارئ سيكون أيضا مكافحا، وإذا ~~كان متفرجا محايدا فإن القارئ سيكون أيضا متفرجا محايدا. # وفي عصرنا هذا حيث تتعدد المذاهب والأفكار، وتتصارع الديمقراطية مع الأوتوقراطية، وتنتصب ~~الحرية ضد الطغيان، وينهض الاستقلال ضد الاستعمار، ويجابه الفقر الفاحش الثراء الفاحش، في ~~هذا العصر لا ينبغي أن يكون هناك إنسان محايد أو صحيفة محايدة. # وبعد كل هذا الذي ذكرنا، مما يوهم أن الصحافة مهنة شاقة كثيرة المسئوليات، نحتاج إلى ~~أن نقول إنها ليست مهنة فحسب وإنما هي حياة أيضا؛ فالذي يختار الصحافة لا يختار مهنة للكسب ~~فقط، بحيث يقصد إلى عمله في الصباح ثم يعود إلى بيته في المساء، وقد نسي مهنته، واشتغل ~~بشئون عائلية أو اجتماعية أو ترويحية أخري. # لا ليست الصحافة كذلك؛ إذ هي مهنة وحياة معا، وأقرب الأشياء إليها، من حيث اندغام المهنة ~~في الحياة، هو مهنة الزراعة أو مهنة التأليف، فالزراع لا يحترف الزراعة فقط ويفصلها من ~~حياته، وإنما هو يحيا حياة الزراعة التي لا يقتصر اهتمامه بها على اقتصادياتها وما يكسب ~~منها له ولعياله، وإنما هو يجد فيها أسلوبا للعيش وأهدافا للسعادة لا يجد مثلها ساكن ~~المدينة، فهو يحب رؤية الأرض المحروثة يسير عليها ويتشمم منها أرج الخصوبة، وهو يألف ~~البقرة والحمار والخروف ويحس صداقة إنسانية نحوها، وهو يخرج في ظلام الفجر الأبيض كي يرى ~~الدنيا وهي صامتة قبل طلوع النهار، وهو يقنع بما يزرع ويحيا في بطء بلا عجلة أو هرولة، ~~وطعامه ساذج، ولباسه ساذج، إذ هو إلى حد بعيد لا يزال ابن الطبيعة. الزراعة حياة كما هي ~~حرفة. # وكذلك الشأن في الصحافة؛ فإن الصحفي العظيم يجد أنه مكلف دراسة الدنيا، وتلغرافات الصباح ~~التي يقرأها، والتي ترد إليه من أنحاء العالم، يكاد يحس أنها رسالات شخصية إليه، والأسماء ~~الجغرافية عنده تكتسب ألوانا إنسانية، وهو يدرس الدنيا والمجتمع والسياسة والجريمة والحرب ~~والتاريخ والأدب ms65 والعلم، كما لو كانت جميعها ضرورية لحرفته أي لحياته، وهو لهذا السبب يحس ~~ارتقاء متواصلا يقرأ، ويختبر، ويبحث عن الحادث الخطير، كي يتخلل أشخاصه ووقائعه ويعرف منه ~~الأسرار في البواعث، وهو يزور الأقطار الأجنبية بنفس الإحساس الإنساني الذي يزور به المدن ~~والقرى في وطنه، وهو - كما هي الحال عند محترفي التأليف للكتب - يقتني الكتب كي يقرأ ~~ويستنير. أجل، ويؤلف. # وإذن يجب أن نقول إن أعظم ما يعوض الصحفي العظيم من مشاقه أنه يحس ارتقاء متواصلا ~~عاما بعد آخر؛ أي يحس أنه ينمو، ويزداد نضجا، بل إيناعا، في الإنسانية. ms66