######OpenITI# #META# URI: 1377SalamaMusa.TarbiyatSalamaMusa.Hindawi30809151 #META# Tags: biographies #META# ID: 30809151 #META# Title: تربية سلامة موسى #META# AuthorID: 40515160 #META# Author: سلامة موسى #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # المقدمة‏ # الطفولة والصبا‏ # أمي وإخوتي‏ # القاهرة فيما بين 1903 و1907‏ # أول وجداني الذهبي‏ # كرومر وجورست وكتشنر‏ # الآفاق الأوروبية تتفتح لي‏ # أنا أربي نفسي‏ # تربيتي الأدبية‏ # تربيتي العلمية‏ # ذكريات الحرب الكبرى الأولى‏ # ثورة 1919‏ # زوجة وأطفال‏ # شخصية عرفتها‏ # كفاحي الثقافي‏ # كفاحي السياسي‏ # في خدمة الشباب‏ # من الأفلام الماضية‏ # بعض الأدباء الذين عرفتهم‏ # التدابير الإنجليزية لفقرنا وجهلنا ومرضنا‏ # فلسفة وديانة‏ # هذا العمر‏ # من 1919 إلى 1947‏ # برنامج السنوات العشر القادمة‏ # عشر سنوات‏ # سن السبعين‏ # السبعون سنة الأولى من عمري‏ # مؤلفاتي التي وجهتني‏ # ذكريات من حياة «مي»‏ # المقدمة‏ # الطفولة والصبا‏ # أمي وإخوتي‏ # القاهرة فيما بين 1903 و1907‏ # أول وجداني الذهبي‏ # كرومر وجورست وكتشنر‏ # الآفاق الأوروبية تتفتح لي‏ # أنا أربي نفسي‏ # تربيتي الأدبية‏ # تربيتي العلمية‏ # ذكريات الحرب الكبرى الأولى‏ # ثورة 1919‏ # زوجة وأطفال‏ # شخصية عرفتها‏ # كفاحي الثقافي‏ # كفاحي السياسي‏ # في خدمة الشباب‏ # من الأفلام الماضية‏ # بعض الأدباء الذين عرفتهم‏ # التدابير الإنجليزية لفقرنا وجهلنا ومرضنا‏ # فلسفة وديانة‏ # هذا العمر‏ # من 1919 إلى 1947‏ # برنامج السنوات العشر القادمة‏ # عشر سنوات‏ # سن السبعين‏ # السبعون سنة الأولى من عمري‏ # مؤلفاتي التي وجهتني‏ # ذكريات من حياة «مي»‏ # | تربية سلامة موسى # | تربية سلامة موسى # تأليف # سلامة موسى # العالم طيب ... إني أبارك على الحياة. # رامبو # | المقدمة # ميلاد كل منا هو مغامرة مع القدر، نخرج إلى العالم بكفاءات وراثية لا تتغير من أبوين لم ~~نخترهما. ونعيش في وسط، تتكون فيه نفوسنا وتملى علينا فيه العقائد وطرز السلوك، قبل أن ~~نستطيع أن نغيره. ثم تتوالى علينا الحوادث التي تقرر اتجاهاتنا في الحياة وتقع بنا ~~الكوارث التي نتكيف بها وننزل على مقتضياتها. وعلى الرغم من أننا جميعا نصاغ في قالب ~~البشرية، فإن كلا منا فذ في هذه الدنيا قد كتبت حظوظه - أو أكثرها - قبل أن يولد، ~~إن خيرا وإن شرا. ولذلك فإن قصة كل منا هي قصة فذة مفردة تستحق أن تروى ~~وتقرأ. # وكلنا يحب أن يتحدث عن نفسه، وأحيانا يسرف ويدمن في هذا الحديث حتى يثقل على إخوانه. ~~ولكن - مع ذلك - لا تكاد تخلو حياة إنسان مما ms001 يجدر ذكره للمغزى أو العبرة إلا إذا كانت ~~حياة أبله قد مرت الاختبارات دون أن ينفعل بها. وواضح أن مثل هذه الحياة لا تزيد كثيرا - ~~من حيث المغزى أو العبرة - على حياة البقول. # وأحيانا تضطرب العصور التي يعيش فيها المجتمع، فيبعث هذا الاضطراب وجدانا - أي وعيا - ~~بالأخلاق والسياسة والاقتصاد والاجتماع؛ فيذكو، حتى العقل الخامد. ويتنبه، حتى القلب ~~الغافل. ونأخذ جميعا في التساؤل والاستطلاع، ونرفض التسليم بالقيم السابقة أو الطاعة ~~للتقاليد الموروثة. ثم نتطلع إلى المستقبل ونحاول أن نخترع الأساليب الجديدة للعيش. # وقد قضيت عمري إلى الآن 1947، وهو يقارب الستين، في بقعة مضطربة من هذا الكوكب، هي مصر. ~~وعشت هذا العمر وأنا أرى انتقالها المتعثر من الشرق إلى الغرب؛ أي من آسيا إلى أوروبا. ~~وعاينت مخاضها وهي تلد هذا المجتمع الجديد الذي لا يزال طفلا يحبو، كما عاينت كفاحها ~~للإنجليز المستعمرين وللرجعيين المصريين. وكل هذا يستحق أن يروى وأن يقف عليه الجيل ~~الجديد. # وأنا إذن في هذه السيرة لست مؤرخا لنفسي فقط؛ إذ إني حين أترجم بحياتي وأصف للقارئ كيف ~~تكونت شخصيتي وكيف ربيت نفسي، بل حين أعزو إلى نفسي بعض الفضل في تحطيم المعابر التي كانت ~~تصل يومنا بأمسنا، أي بالقرون المظلمة، وتحاول ربط تاريخ الغد الحافل بالاقتحام والشجاعة ~~والرؤيا بتاريخ الأمس وهو مأساة حالكة بالظلم والفاقة والجهل والجبن، في كل ذلك إنما أروي ~~تاريخ العصر الذي عشت فيه وتاريخ الجيل الذي كنت أحد أفراده. # ولكني، مع أني سأروي تاريخ مصر أو أشير إلى الأعلام البارزة فيه مدة حياتي، فإني مع ذلك ~~لن أكون الراوي الموضوعي؛ لأني في هذه السيرة، سوف أنظر بعدستي الذهنية وأؤثر الانفعال ~~الذاتي على الحقيقة الموضوعية؛ لأني أترجم بالسيرة قصدا أولا، وأدون التاريخ عرضا ~~ثانيا. # وواضح أن كل سيرة يرويها صاحبها يعيبها نقص هو الذاتية؛ إذ يشق على أذكى الناس أن يحلل ~~نفسه ويعرض لتاريخه التحليل والعرض الموضوعيين، ولكن هذا العيب هو أيضا ميزة؛ لأن القارئ ~~ينتفع بشيء آخر لا يجده في الرواية الموضوعية، يكتبها غيرنا ms002 عنا، وهو أنه سيقف على وقع ~~الحوادث في الكاتب. # وقد يعيب السيرة الذاتية أيضا أن مؤلفها لن يبوح بكل ما يعرف، وخاصة إذا كان ما يحب أن ~~يبوح به يتصل بأشخاص لا يزالون أحياء يكره أن يؤلمهم. وهناك أشخاص هم في وجداني الآن حين ~~أذكرهم أحس أن أنفاسي تنهدات لفرط ما أساءوا إلي، ولكني لن أكتب شيئا عنهم؛ لأنهم ~~لا يزالون أحياء. ويعيب السيرة الذاتية أيضا أن كاتبها لا يحسن التحليل لنفسه؛ لأن كثيرا ~~مما يراه غيره فيه يعمى هو - لذاتيته - عنه. وأخيرا يعيب السيرة الذاتية أن مؤلفها ~~سيثرثر كثيرا، وقد يغلو عن صناعته كأنها كل شيء في حياته. فالأديب يتحدث عن الأدب، والطبيب ~~عن الطب. ولكن قليلا من العناية بالتنبه الوجداني عند الكاتب يؤدي إلى إصلاح هذا ~~النقص. # ونحن، حين نكتب تاريخنا بيدنا، نمتاز من حيث إننا نكتب عن موضوع لا يعرف تفاصيله أحد ~~مثلنا. وهذه ميزة كبرى وخاصة إذا حرصنا على ألا تغمرنا التفاصيل فنخطئ الأبعاد ولا نرى ~~الغابة، في نظرة شاملة مترامية؛ لأننا نشتغل برؤية الشجرة القريبة منا. # وقد يكون الدافع الأول لكتابة هذه السيرة أني أحس - إلى حد كبير - أني منعزل عن المجتمع ~~الذي أعيش فيه لا أنساق معه في عقائده وعواطفه ورؤياه. وعندئذ تكون هذه الترجمة التبرير ~~لموقفي مع هذا المجتمع وهو موقف الاحتجاج والمعارضة؛ فأنا أكتب كي أسوي حسابي مع ~~التاريخ. # وكل حياة - بصرف النظر عن الحياة البقلية البلهاء التي أشرت إليها - تستحق أن تعرف ~~وتروى أخبارها واختباراتها؛ لأننا - كما يجب أن نقرأ عن القمم التي وصل إليها العبقري أو ~~القديس - كذلك يجب أن نعرف الأعماق التي هبط إليها المجرم؛ إذ إن كليهما إنسان ومن حقنا أن ~~نقف على مقدار العمق الذي تهوي إليه الطبيعة البشرية كما نقف على الارتفاع الذي تسمو إليه. ~~ولذلك أيضا يجب ألا نستصغر قيمة السيرة، يكتبها المتوسط العادي وحتى المنحط الشاذ؛ لأن في ~~تخلفه عن اللحاق، أو في عجزه عن السبق، عبرة قد يرجع مغزاها إلى المجتمع الذي عاش ms003 فيه ~~فتقع تبعته على بيئته وليس عليه. وعندئذ تكون سيرته دعوة إلى هذا المجتمع كي يتغير ~~ويتطور. # وحين يكتب أحدنا سيرته، ويخلص بقدر ما تتيح له ظروفه، يعرض - من حيث لا يقصد - للعوامل ~~التي كونت شخصيته وربته؛ لأننا لا نتربى في المدارس فقط. إذ تربينا أيضا للعائلة التي ~~نشأنا في أحضانها الناعمة أو بين أشواكها الخشنة. كما يربينا الشارع الذي اختلطنا بأبنائه، ~~ثم بعد ذلك - أي بعد العائلة والمدارس - نعيش نحو خمسين أو ستين سنة ونحن نتربى بالصحف التي ~~نقرأ كل صباح وبالكتب التي نستنير بها. ثم بالعمل الذي نرتزق به؛ لأن هذا العمل - بما فيه ~~من حقوق وواجبات - يكلفنا تكاليف مختلفة، ويحملنا على الاختلاط والتعرف إلى الشخصيات ~~البارزة التي كان لها أثر التوجيه الحسن أو السيئ في المجتمع، كما أن تتابع الحوادث ~~وتغير الدنيا بالمخترعات الآلية أو الكيماوية، ثم اختباراتنا ومحننا؛ كل هذا له أثر ~~التكوين والتربية. وكل من يكتب سيرته إنما هو الواقع يشرح للقارئ كيف ربى نفسه أو كيف ~~ربته الحوادث. وليس معنى هذا أن التربية كانت حسنة؛ إذ ربما كانت سيئة، فإن المجرم قد ~~انتهى إلى مأساته باستجابات ورجوع بينه وبين الوسط المادي والاجتماعي. ولو أنه استطاع أن ~~يشرح لنا الحوادث التي انتهت به إلى الجريمة ويحلل مواقفه المختلفة من المجتمع لأخرج لنا ~~كتابا منيرا؛ ولذلك كل سيرة - مهما يكن «سائرها» - تنفع وتنير ما دام كاتبها يكتب في ~~إخلاص وما دام على شيء متوسط من الذكاء يحمله على أن يبصر بالعوامل المختلفة. # و«تربية سلامة موسى» هي سيرتي أبسطها لقراء الجيل الجديد حتى يعرفوا ما لم يروه أو ~~يختبروه من الحوادث التي مرت بنا فيما بين 1895 و1947. وأعود فأكرر أنها ليست ~~تاريخا وإنما هي وقع التاريخ في نفسي. وسيرتي هي أولا وآخرا تربيتي. وقد اقتبست العنوان ~~من هنري آدمز، ووجدت في معناه مغزى قد ينتفع به القارئ. # وقد كتبت فصول هذه السيرة في سنتين ونشرت بعضها في المجلات؛ ولذلك قد يجد القارئ تكرارا ~~لأن النية لم ms004 تكن في الأصل تهيئة كتاب، بل كانت مقصورة على اختيار بعض الحوادث التي مرت ~~بحياتي مما يصح أن يكون له مغزى للقارئ أو يجد عنده اهتماما. # | الطفولة والصبا # رأيت القرن التاسع عشر بعين الطفولة، ورأيته وهو خلو من الغش لم يلابسه شيء من مخترعات ~~القرن العشرين. وهذا ما لا يستطيع أن يقوله أوروبي؛ لأن إيماءات القرن العشرين كانت تبدو ~~واضحة في أواخر القرن التاسع عشر في أوروبا. أما في مصر فقد حدث العكس، وهو أن تراث القرن ~~التاسع عشر بل بعض القرون التي سبقته بقيت عالقة ببداية قرننا هذا. وما زلنا في 1947 نرى ~~هذا التراث على أثقله في طبقاتنا الفقيرة. وليس هذا من ناحية الوسط فقط حيث الفقر المذل، ~~بل من ناحية النفس أيضا، حيث الرضا بالحظ المقسوم والإيمان بالخرافات والتسليم ~~بالنظم الإقطاعية كأنها الشيء الطبيعي لمجتمعنا. # أجل! لقد ركبت الحمار من محطة القاهرة إلى عابدين، ورأيت الجاموسة تحضر كل يوم من العزبة ~~إلى منزلنا بالزقازيق كي تحلب ثم تعود. وضربت من أختي لأني ناديتها باسمها من الشارع؛ إذ ~~كان يعد من الشعائر الاجتماعية العامة ألا تعرف أسماء الفتيات. وعشت في الزقازيق حين ~~لم تكن تعرف المصابيح؛ حتى إننا كنا - حين نزور بعض أقاربنا - نحمل معنا «فانوسا» نسترشد ~~به في ظلام الشوارع. ورأيت أحد المجرمين يشنق في ميدان الزقازيق، وبقيت نحو عام وأنا ~~أفزع من اسمه، وكان يدعى «سيد أهله». ولم أكن أستطيع النوم إلا وأنا متعلق بعنق أمي، ولم ~~أكن أستطيع الدخول في المرحاض إلا بمرافقة الخادم؛ لأن رسم المشنقة بقي حيا في مخيلتي ~~الصغيرة. وكان من المألوف الذي كنا لا نحس فيه وخزا أو عيبا أن يجري خلفنا الفلاح نحو ~~ساعة ونحن على الحمير وهو يلهث كأنه والحمار سواء. # وكانت لنا دار «قوراء» في الزقازيق تتسع لحمار أو بغل في فنائها الذي يستقبل السماء وتفرش ~~أرضه أشعة الشمس. وكانت هذه المطايا أتومبيلات العائلة وفقا لشعائر القرن التاسع عشر. ولعل ~~إرماد عيني في صباي كان يعود إلى روث ms005 هذه البهائم. # والزقازيق بلدة جديدة لا يرجع تاريخها إلى أكثر من ثمانين عاما، وجميع عائلاتها لهذا ~~السبب ينتمون إلى بلدان أخرى. وكذلك كانت أسرتي فإنها ترجع إلى البياضية في مديرية أسيوط، ~~وقد تركنا البياضية منذ نحو 140 سنة؛ أي في نهاية الحكم الفرنسي وبداية حكم محمد علي، ~~وأسرتنا في مديرية الشرقية تعرف بلقب «العفي» ولا يزال هذا اللقب في البياضية على الرغم ~~من فرقة تقارب قرنا ونصف قرن. والأصل والفرع يعيشان في يسر. ولكن ليس هناك أي تعارف بين ~~أعفياء البياضية وأعفياء الشرقية. ولم نزر هذه القرية منذ 140 سنة. # أما لماذا هجر فرعنا الحاضر في مديرية الشرقية هذه القرية الصعيدية، فإننا نجهل تفاصيله، ~~ولكني أرجح هذا التفسير التالي: «لما غزا نابليون مصر في أواخر القرن الثامن عشر انتعش ~~الأقباط. ولم يكن الشعب المصري - مسلمين ومسيحيين - يحس الوجدان «الوعي» الوطني الذي نحسه ~~في عصرنا؛ وذلك لأن الوجدان الديني كان يقوم مقامه. وفرح الأقباط بدخول نابليون واستطاعوا ~~أن يجرءوا على تغيير ملابسهم، وأن يرحلوا عن قراهم في الصعيد إلى القاهرة، وبلدان الوجه ~~البحري. وكانوا إلى ذلك الوقت يتعممون بالعمائم السود مع أزياء أخرى يختصون بها ويتخذونها ~~مضطرين منذ القرون المظلمة. وكانت هذه الأزياء الخاصة تمنع تنقلهم وارتيادهم مدن القطر. ~~فلما جاء نابليون نزعوا هذا الزي واتخذوا الزي المصري العام الذي كان ينفرد به إخوانهم ~~المسلمون. وبذلك أتيح لهم التنقل. وأنا أعد هذا السبب الأصل لنزوح أبي جدي من ~~البياضية إلى القاهرة، ثم إلى القراقرة في مركز منيا القمح ثم إلى الزقازيق.» # ومما يؤيد هذا التفسير قول الجبرتي في حوادث 1233 هجرية: # فيه نودي على طائفة من المخالفين للملة من الأقباط والأروام بأن يلزموا زيهم من ~~الأزرق والأسود ولا يلبسون العمائم البيض؛ لأنهم خرجوا عن الحد في كل شيء. ويتعممون ~~بالشيلان الكشميري الملونة والغالية في الثمن. ويركبون الرهوانات والبغال والخيول، ~~وأمامهم وخلفهم الخدم يطردون الناس عن طريقهم. ولا يظن الرائي لهم إلا أنهم من ~~أعيان الدولة. ويلبسون الأسلحة وتخرج الطائفة منهم إلى ms006 الخلاء ويعملون لهم نشانا ~~يضربون عليه بالبنادق الرصاص وغير ذلك. فما أحسن هذا النهي لو دام. # ولكنه لم يدم كما اشتهى هذا العالم الأزهري الجبرتي. ويبدو أن الأقباط والأروام عادوا ~~فتوسلوا بالقناصل الفرنسيين والإيطاليين إلى محمد علي فألغى هذا التمييز، فاستطاع الأقباط ~~أن يختلطوا بسائر الشعب وأن يرتحلوا وينتقلوا كما شاءوا. وواضح أن الأزياء السابقة التي ~~كانوا يتخذونها منذ الحاكم بأمر الله كانت تجمدهم في قراهم؛ لأنهم كانوا إذا انتقلوا إلى ~~مدينة غريبة صاروا عرضة - على الأقل - للتهزئة والتعيير، إن لم يكن لأكثر من هذا. # وهجر أبو جدي قرية البياضية حوالي 1800 أو 1810 في عمامة بيضاء، وكان هذا من الانتصارات ~~الخطيرة للقرن التاسع عشر على القرون السابقة. # وجميع أفراد عائلتنا يعدون - بحسب الترتيب المزاجي لكرتشمر - انطوائيين، يتسمون ~~بالوجه الطويل والقامة النحيفة، والاعتكاف أو كراهة الاختلاط. وأحيانا يبدو هذا المزاج في ~~مبالغة شاذة، حتى إني أعرف أشخاصا في أسرة العفي عاشوا كأنهم كانوا رهبانا يتوقون ~~المجتمع ولا يحضر أحدهم عرسا أو جنازة إلا بضغط. وقد لا يجدي الضغط، ولكن هذا الشذوذ كان ~~بالطبع نادرا. # ومات أبي ولما يبلغ عمري السنتين. ونشأت لذلك في بيت لا يزوره ضيف، إلا إذا كان من ~~الأعمام أو الأخوال، فزادني هذا الظرف انزواء على ما ورثت من المزاج الانطوائي. وقد صار ~~هذا الانزواء بعد ذلك فضيلتي ورذيلتي معا؛ فقد كانت تمضي علي السنة والسنتان لا أعرف ~~فيها القعود على القهوة، كما أني إلى الآن أجهل ألعاب الحظ الاجتماعية البسيطة بالورق أو ~~غيره مما يتسلى به غيري، كما أجهل التدخين. وما زلت أفر من المجتمعات في استحياء أو ~~كراهة، ومع أني أحسن الكتابة فإني أسيء الخطابة؛ لأن الأولى تؤدى في انفراد، ~~والثانية تحتاج إلى مجتمع. وقد عانيت كثيرا من هذا النقص الاجتماعي في حياتي بعد ذلك. ~~ولكني أعزو إلى انطوائيتي هذا الاعتكاف في مكتبتي، وهو الذي بسط لي آفاقا واسعة من الحكمة ~~وأمتعني بجنات نضرة وغرس في نفسي ديانة بشرية سامية. # وأولى الذكريات التي تمثل في ms007 ذهني من أيام الطفولة: صورة أمي وهي قاعدة إلى فراشي ~~تصلي من أجلي وأنا مريض. ولا أعرف كنه هذا المرض الذي ألزمني الفراش نحو عام أو ~~عامين. والأغلب أني مرضت به وأنا في الخامسة أو السادسة، ولعله كان حمى الملاريا؛ لأن ~~الزقازيق كانت في ذلك الوقت حافلة بالبرك الآسنة. ولما قاربت الشفاء كان خادمنا عطية ~~يحملني إلى ضريح ولي مسلم يدعى أبا عامر. ولا يزال ضريحه قائما بقرب الزقازيق. وكان يشتري ~~الشمع ويتصدق بقروش، ويدور بي حول الضريح ويتمسح به ويقرأ الفاتحة جملة مرات وأنا على ~~عاتقه. وكان عطية متعلقا بي يهمل شئون البيت كي يقعد بجواري ويلاعبني وأنا مريض. وبقى ~~أكثر من عشر سنوات بعد ذلك بمنزلنا. وكان حبه لي ساذجا يطغى، فكان يلقمني الطعام حتى أعجز ~~عن البلع، وكان هذا العجز علامة الشبع عنده، ولم يتركنا إلا بعد أن اشترى فدانا وآثر ~~الفلاحة على الخدمة المنزلية. # ومما أذكره من تلك السنوات؛ أي بين 1895 و1898، أن وباء الكوليرا فشا في الزقازيق، فكانت ~~النعوش تخرج متوالية وليس وراءها سوى شخصين أو ثلاثة، وعم الذعر بين السكان ولكن ~~توالي الموت كان أيضا مجالا للفكاهات. وكنا نحن الصبيان أكثر السكان فكاهات، فكنا نسير ~~جماعات صغيرة فإذا سمعنا فزعة الموت بصراخ النسوة قابلناها ب «هيه ...» ثم نجتمع أمام البيت ~~كي نرى الشعائر الأخيرة. وكانت هذه الشعائر تجري في سرعة واقتضاب. # وكان مما يحدث أن بعض الصبيان الذين كانوا في جماعتنا يقع هذا الوباء في بيوتهم، ~~فيتركونا. ولكنا لم نكن نضن عليهم بهذه المظاهرات. ولم يكونوا هم على وجدان بالمأساة إذ ~~سرعان ما كانوا يعودون إلينا قبل أن ينفض المأتم، وأعني بالمأتم صراخ النسوة يجتمعن في ~~البيت. أما إقامة السرادقات للعزاء فلم يكن الوقت يتسع له لوفرة الوفيات. # وأدخلت الكتاب، ولم تكن بدعة المدارس قد ظهرت في الزقازيق. وقضيت من السنين ما لا ~~أذكره وأنا أجهل القراءة. وكانت غاية العريف أن يعلمني عن ظهر قلب بعض الصلوات، فلما حفظت ~~«نعظمك يا أم النور»، ms008 وهو دعاء إلى العذراء، رافقني إلى البيت وقعد هو أمام أمي وانطلقت أنا ~~أسرد الدعاء . وناولته أمي على أثر ذلك جنيها. # وتألفت في الزقازيق جمعية خيرية من الأقباط، وكان أول نشاطها أن أنشأت مدرسة «عصرية»؛ ~~أي إنه كان بها مقاعد من الخشب ومعلمون في زي أوروبي. وانتقلنا من الكتاب إليها. وشرعنا ~~نتعلم وندرس في جد، ثم ظهرت المدرسة «الأميرية» فدخلناها. وكان التلاميذ يلبسون الجلابيب ~~إلى أن زار الخديوي عباس هذه المدرسة حوالي 1899 فطالبونا باتخاذ الزي الأوروبي. وحصلت ~~المدرسة من كل تلميذ على 25 أو 30 قرشا ثمن بذلة بيضاء لكل منا. وزارنا الخديوي ونحن في ~~هذا الزي الأبيض الناصع. ولم نعد بعد ذلك إلى الجلابيب. # ولا يستطيع مصري التحق بالمدارس المصرية الابتدائية والثانوية الأميرية فيما بين 1900 ~~و1920 أن يقول إنه كان هنيئا بالحياة المدرسية؛ فقد كانت هذه المدارس ثكنات، وكان كل ما ~~يستحق الاهتمام فيها هو النظام؛ أي الطاعة. ولم نكن نعرف ذلك الروح الديمقراطي الذي يعم ~~المعاهد التعليمية في هذه السنين. وكذلك لم تكن هناك أية ألفة بين المدرس والتلميذ. وكانت ~~هذه الصفات أبرز في المدارس الثانوية منها في المدارس الابتدائية، حتى كان العام يمر ~~والتلاميذ لا يعرفون اسم المعلم الإنجليزي الذي كان ينطق صمته قبل حديثه بالغطرسة. وكان ~~المعلم يسرع إلى العقوبة لأقل إيماءة مخالفة من التلميذ. وكانت العقوبة المألوفة أن يحرم ~~التلميذ من الغداء ويعطى رغيفا يأكله وهو واقف إلى جنب زملائه القاعدين إلى المائدة. ولست ~~أظن أنه كان يقصد بهذه العقوبة سوى تعميم الذلة والهوان بيننا. # وكان التعليم في المدارس الابتدائية أقل ذلة؛ لأن المعلمين كانوا مصريين، ولكن حتى هنا ~~كان القرن التاسع عشر يثب علينا بأساليب في الضغط والعربدة. فكان المعلم أحيانا يعمد ~~إلى أسلوب في العقاب يفشي بيننا الكراهة والوقيعة؛ ذلك أنه إذا أخطأ أحدنا ورده تلميذ آخر ~~إلى الصواب عمد هذا الثاني إلى لطم الأول على خده. فإذا تعطف هذا الضارب وأدى العقوبة تأدية ~~شكلية استعاده المعلم وطالبه بالضرب الجدي. فإذا ms009 انطلقنا بعد ذلك من الفصل إلى الفسحة ~~أمسك المضروب بخناق الضارب وانتقم منه. # ولكننا كنا نهنأ بالإجازات المدرسية التي كنا نقضيها في الريف. وهي لا تزال تبرز في ~~ذهني كأجمل وأنصع ذكرياتي. وفي هذا الريف اكتسبت كثيرا من الاختبارات التي لا تتحقق لأطفال ~~المدن. وكانت قريتنا تبعد عن الزقازيق نحو ساعة على الحمار. وكنا نلعب مع صبيان ~~المزارعين إلى الساعات الأولى من الصباح. وأحيانا كنا ندبر السرقات في الحقول للخيار أو ~~البطيخ. ولا يزال عالقا بذاكرتي بعض الاقتحامات والصبوات؛ فقد تسلقت ذات مرة شجرة كان في ~~أطرافها العليا عش. فلما بلغته وجدت فيه فرخي غراب، فأمسكتهما بيدي وشرعت أهبط. ولكني ما ~~كدت أترك العش حتى وجدت ثورة من اللطم المؤلم والعض الشنيع تغمر رأسي ووجهي، وطار عقلي وأنا ~~في هذا الاضطراب. فلم أتنبه إلى أن هذه الثورة هي أم الفرخين يساعدها أب أو عم. ولو كنت ~~أدركت لخليت عن الفرخين ونزلت في سلام. ولكني لفرط الألم والرعب بقيت في غشية مغمض العينين ~~وأنا ممسك الفرخين أتحسس طريقي الخطرة على فروع الشجرة إلى أن مسست الأرض. وهنا أفقت وفتحت ~~عيني فوجدت ثلاثة أو أربعة من الغربان تصرخ بي وتسب وتهاتر بعد أن أثخنتني وضرجت رأسي ووجهي ~~بالدماء. # ومرة أخرى في إحدى جولاتي سمعت خشخشة في ديس عند حرف القناة، فلما اقتربت وجدت جحرا ~~وظننت أني قد هبطت على عش سأخرج منه بغنيمة. فلما أدخلت يدي قبضت على جسم طري، فجررته فإذا ~~به ثعبان. # ولكن الريف لم يكن كله على غرار هذه المفازع؛ فإن مباهجه والأنسة الديمقراطية التي كانت ~~تنعقد بيني وبين الصبيان الذين كانوا في سني، والليالي التي كنا نحييها في السمر أو اللعب، ~~والاستحمام في القناة، وركوب الفرس، والجولة إلى السوق الأسبوعية، ثم إلى ذلك معيشة الريف ~~الساذجة؛ كل هذا كانت تحفل به حياتنا في الصبا. وكنا نجد اهتمامات تشغلنا، ولم تكن كلها ~~صبيانية؛ فإني أذكر أن ولادة الجاموسة حركت عقلي وقلبي جملة أيام، وما زالت صورتها إلى الآن ~~ترتسم ms010 في مخيلتي وهي في حرج الولادة تئن وتلهث وتتلفت، وجميعنا حولها في عطف نتألم لها، ~~وكان بعضنا يدعو لها بالسلامة كأنها صديق من البشر، حتى خرج المولود بعينيه الواسعتين وهو ~~يترنح ونحن نسنده وأمه تحنو عليه وتلحسه. # وحصلت على الشهادة الابتدائية في سنة 1903، ولا أعرف بالضبط كم كان عمري؛ لأن إثبات ~~الميلاد لم يكن في أيامنا من القواعد الصارمة ولكن أغلب الظن أني ولدت حوالي 1887، ~~ودخلت السنة الأولى في المدرسة الأميرية وأنا في الحادية عشرة، وهي السن التي نال فيها ابني ~~بعد ذاك هذه الشهادة ... ومع ذلك كنت أعد من صغار السن في الفصول؛ إذ كان بيننا من بلغوا ~~العشرين. # وعندما أقارن بين ما تعلمته بالمدرسة الابتدائية بالضرب وسائر العقوبات بما تعلمته عفوا ~~في الريف من اختبارات في الحياة، أجد أن الريف قد علمني أكثر وأكسبني من المعارف الذهنية ~~والروحية ما يعد تربية حقة ما زلت أنتفع بها إلى الآن. فقد اكتسبت من الريف هذا الحب ~~للطبيعة الذي جعلني أحس سائر حياتي أن الأرض هي الأم. وأكاد وأنا في الريف أحس مثلما أحس ~~ذلك الراهب في قصة «الإخوة كرامازوف» لدستوئفسكي، حين انبطح على الأرض يقبلها، مثل هذه ~~العاطفة المقدسة. وظني أن هذه العاطفة هي المبعث الذي انبعث منه بعد ذلك وجداني الديني ~~البشري واستطلاعي الدائم لعالمي النبات والحيوان واهتمامي بشئون العمال. # وكانت حياتنا بالريف سليمة من الناحية الصحية؛ فإنه على الرغم من أننا كنا ندوس الحقول ~~ونخوض القنوات بلا حذاء ونستحم في القناة، فإننا لم نعرف البلهارسيا أو الأنكلستوما؛ وذلك ~~لأن التربة لم تكن قد استشبعت بالماء كما هي الحال الآن، بعد أن عمت مشروعات الري التي ~~أحالت أرض القطر المصري كلها تقريبا إلى عزبة لإنتاج القطن دون أي اعتبار لصحة الفلاحين. ~~وأذكر أن التربة كانت أيام الجفاف تتشقق، وكان عرض الشق يزيد على عشرة سنتمترات ويغور نحو ~~نصف متر. وفي مثل هذا الوسط لم تكن الديدان تستطيع الحياة. وكانت صحة الفلاحين سليمة ~~وأجسامهم قوية. ولكن الإنجليز المتسلطين على بلادنا ms011 وقتئذ رأوا أن إنتاج القطن خير لهم من ~~صحة الفلاحين. # وكانت الحياة الدينية أبرز من الحياة الاجتماعية أو المدنية في العائلات القبطية. وهذا ~~على عكس ما نرى الآن، فإني أذكر أنه كان لعيد الميلاد ضجة عظيمة تمتاز بمقدمات ولواحق. وكنا ~~نعد له الأيام ونتهيأ بالملابس والنقل والذبائح. وكانت تفد إلى بيتنا عجوز تقضي في كل ~~عيد نحو شهر، لا أعرف أصلها ولكني أذكر اسمها خريستا، وكانت تقص علينا الأساطير البديعة كما ~~تصنع لنا أنواعا من الكعك المزخرف. # وقد ورث الأقباط التعاليم الكنسية كما كانت حين تجمدت في الدولة البيزنطية فيما بين القرن ~~الرابع والقرن السادس؛ ولذلك كانت «العذراء» بارزة بروزا يبرر وصف الأوروبيين للعقيدة ~~المسيحية في مصر في نهاية القرن الماضي وأوائل القرن الحاضر بأنها «ماريلوجية». ولكن انتشار ~~المذهب البروتستنتي في مصر استفز الكنيسة القبطية وأثارها إلى الوجدان المسيحي. وكثير من ~~الأقباط يأسفون على انتشار المذهب البروتستنتي في مصر، ويجدون فيه شقاقا لم يكن ضروريا. ~~ولكني أظن أنه لولا هذا المذهب لما تنبهت كنيستنا الأرثوذكسية ولما استيقظت من نعاس القرون ~~الماضية. # وكانت المرأة - مسلمة أو قبطية - تعيش في ظلام الحجاب لا تجالس الضيوف من الرجال. وكان ~~هؤلاء يزورون أو يزارون في «منظرة» لا تشترك في لقائهم المرأة. وكان البرقع عاما لا تخرج ~~امرأة إلا ووجهها مقنع. وأذكر أن أمي وإخوتي المتزوجات التزمن البرقع إلى حوالي سنة ~~1907 أو 1908 حين تركنه. وظني أن هذا الترك كان من أثر البروتستنت أيضا؛ لأنهم كانوا ألصق ~~بالغربيين وأكثر أخذا بطرقهم منا نحن الأقباط الأرثوذكس. # | أمي وإخوتي # لا أذكر أبي لأنه مات وأنا دون السنتين في 1889، ولكن جو البيت في طفولتي كان حافلا ~~بذكراه؛ فقد كانت أمي تصف سنة وفاته ب «السنة السوداء»، وبقيت بذلته معلقة إلى الحائط جملة ~~سنوات كما كانت يوم وفاته. حتى القميص المنشى بياقته المتصلة لم يكن يبرح مكانه. وكنت ~~أسمع القصص عنه. وقد بقينا عقب وفاته نتناول مؤخر مرتبه عشرين شهرا تقريبا. وهذا بالطبع ~~غير المعاش. ومن هنا يعرف ms012 القارئ مقدار الإفلاس الذي كانت قد هوت إليه الحكومة؛ فقد كان ~~الموظفون تتأخر مرتباتهم سنة أو سنتين. وكانت الرشوة تتفشى لهذا السبب . وكانت وظيفة أبي ~~«رئيس تحريرات مديرية الشرقية» ولم يزد مرتبه على سبعة جنيهات ونصف جنيه ومع ذلك ترك لنا ~~وقت وفاته أكثر من مائة فدان. وكان الثمن المعتاد في تلك السنين عشرة جنيهات أو عشرين ~~جنيها للفدان. وقد اطلعت على عقد بيع لجدي في نحو سبعين فدانا (حوالي 1840) وكان اهتمام ~~الكاتب في العقد بشأن أدوات الزراعة، كالمحراث والنورج، وأوصاف الماشية، من بقرة إلى جاموسة ~~إلى حمار، أكبر جدا من اهتمامه بالأرض التي لم تستغرق سوى ثلاثة سطور، بينما استغرقت ~~الأشياء الأولى أكثر من أربعين أو خمسين سطرا. وكان اتخاذ البذلة الأوروبية جديدا في تلك ~~السنين - أي قبل وفاة أبي - بين الموظفين. وكانت البذلة المألوفة شيئا يسمى «السترة ~~الإستامبولية» وكانت سوداء بين الردنجوت والبونجور. وكنا نسمع القصص التي تروى عن التجارب ~~الأولى في خلع الملابس القديمة واتخاذ البذلة الأوروبية. وكانت هذه القصص مجالا للتنادر ~~والضحك. # والطفولة في أيامنا كانت أكثر إمتاعا، ولكن أقل تنبها مما هي الآن؛ لأننا قضيناها في ~~الزقازيق والريف. وكانت الزقازيق تخلو من تلك الحركة الصاخبة الخطرة التي ترى الآن في ~~القاهرة، فكنا نجول فيها مطمئنين أو نخرج منها إلى الحقول المجاورة، ولكن لم يكن هناك ما ~~ينبه الذهن ويبعث الاستطلاع. # ومما أذكره وأنا في الرابعة أو في الخامسة أن شابا يدعى زغبان غرق في القناة التي ~~أمام بيتنا. وأخرجت جثته ورأيتها محمولة على عاتقي أحد الشبان وخلفه عدد كبير من الرجال ~~والنساء في لغط وصراخ. ثم صار لزغبان هذا روح أو عفريت يتردد في الظلام فنخوف به، ~~وتذكره الأم لطفلها المشاغب فيسكت ويخنس. # حدث هذا حوالي 1892، وفي 1945 أي بعد 53 سنة كنت أسير إلى هذه القناة، فسمعت من إحدى ~~الأمهات اسم زغبان تخوف به هذه الأم طفلها، وهنا عبرة تفسر لنا نشأة ~~الخرافات. # وعاشت أمي معي إلى 1916 حين ماتت في الثالثة والسبعين. وكانت ms013 امرأة متدينة تعنى بالصلاة ~~والدعاء وقت مرضي أيام الطفولة أكثر مما تعنى باستشارة الطبيب. وقد قضيت طفولتي وأنا في ~~ملابس سوداء أحمل عبئا من التعاويذ يعوق الحركة الحرة، بل لا تزال في أذني علامة الخرم ~~الذي علق به قرط إيهاما بأني لست غلاما بل بنتا حتى تتقى بذلك العين. وقد رأيت وأنا ~~أقرأ «الأرض الطيبة» لبيرل بك أن هذه العقلية تسود الصينيين أيضا؛ فإن الأم في هذه القصة ~~تتحدث عن ابنها كأنه بنت حتى لا تصيبه الآلهة بالعين. وقيمة الذكر تزيد على قيمة الأنثى ~~كلما انحط شأن المرأة. ولذلك كان للغلام - ولا يزال إلى حد كبير - مكانة كبيرة في مثل ~~الصين أو الهند أو مصر يمتاز بها على أخواته البنات. # وجميع الأمهات المصريات اللاتي ولدن قبل مائة سنة لا يختلفن. فهن طراز واحد من حيث ~~الأمية والإيمان بالخرافات واحترام التقاليد والتزام الحجاب. ولكن إذا كان النور قد ~~نقصهن فإن الطيبة لم تكن تنقصهن؛ لأن المطامع المالية الحاضرة لم تكن معروفة، والتفاخر ~~بالأثاث والأزياء والمقتنيات لم يكن أيضا معروفا إلى الحد الذي بلغه اليوم. ولا أذكر ~~يوما رأيت أمي تأكل وحدها؛ إذ كان على الدوام هناك امرأة أخرى فقيرة تتغدى معها. # وقد تركت أمي في نفسي ذكريات من الحنان لا تزال تعود إلى ذهني فتغمرني بلذة أليمة. فما ~~زلت أذكرها وأنا في طفولتي، وأنا في الحمى أتقلب وأستيقظ في فترات فأراها قاعدة إلى جنبي ~~تدعو وتصلي كأنها قد نسيت النوم. وكانت في سذاجة عقائدها - حين كنت أودعها للسفر إلى ~~القاهرة وأنا بالمدرسة الثانوية - تناديني عقب خروجي من الباب وتصر على أن أدخل البيت ~~ثانية، كأن في هذا رمزا إلى عودتي سالما بعد السفر. وكان أكثر إلحاحها علي قبيل ~~موتها أن أتزوج؛ ولذلك في ليلة العرس، وأنا قاعد إلى جنب عروسي في الزفاف، في 1923، بعد ~~موتها بسبع سنوات، تذكرت إلحاحها وغيابها فارتعشت وانتفض جسمي وطفر الدمع الذي لم أجرؤ على ~~مسحه. ولكن عروسي أخبرتني بعد أيام أن بعض الحاضرين للزفاف يقولون إني ms014 كنت أبكي. # وأنا أصغر إخوتي؛ ولذلك لا أذكر اثنتين من أخواتي بالبيت لأنهما تزوجتا قبل أن أبلغ ~~وجداني. وكل ما أذكره عنهما أننا كنا نرحل مع والدتي إلى مقرهما في ميت غمر بالهدايا من ~~الخراف والدنادي والفواكه والنقل. ونحمل كل هذا معنا على العربات إذ لم يكن بين الزقازيق ~~وميت غمر خط حديدي. وظني أن هذا كان يقع فيما بين 1891 و1895، ولا يزال لميت غمر أثر نضر ~~في ذاكرتي؛ ذلك أنه كان يقصد إليها الغليون من أثينا أو أزمير أو بيروت. والغليون هو سفينة ~~شراعية تحمل نحو عشرة أو أكثر من الأشرعة، وكانت تجتاز البحر المتوسط ثم النيل إلى أن تصل ~~إلى دمياط فالمنصورة فميت غمر فبنها فالقاهرة، وتحمل معها جميع المتاجر من تركيا ويونان ~~ولبنان. وكانت ترسو إلى الشاطئ فكنا نقصد إليها نحن الأطفال، مع مئات من الكبار، ونشتري ~~النقل والفواكه المجففة والحلوى الطحينية. وكانت تبيع كل شيء تقريبا حتى ملابس الأطفال ~~اليونانية اللونية في أحمرها وأصفرها وأخضرها. وكان رسو أحد هذه الغلايين أشبه ~~بالأعياد؛ لأن المدينة كانت تهرع إليه وتشتري حاجتها، فتطن الشوارع بالحركة. # أما أختي الثالثة فلا أذكرها بالبيت، ولكني أذكر ضجة العرس التي علقت بذاكرتي لما كان ~~فيها من موسيقا وثريات وسرادق يملأ الشارع أمام البيت، وبقي هذا السرادق نحو سبعة أيام ~~أو أكثر، وانتعشنا فيه باللعب والسهر. # أما أختي الصغرى فهي الرابعة وأذكرها بنتا بالبيت قبل زواجها، وكانت تقودني إلى ~~الكتاب ثم تأتي إلي وقت الانصراف وتعود بي إلى البيت. وكانت بيننا ألفة دامت سنوات إلى ~~أن تزوجت وتركتنا. ويبدو أني أسأت الاستعمال لهذه الألفة؛ ففي ذات يوم وقفت في الشارع أمام ~~البيت وناديتها باسمها كي تفتح لي، فما أدري إلا وقد انفتح الباب وانهالت هي علي ضربا ~~لأني ناديتها باسمها؛ لأن الحجاب كان لا يزال يغشى بيوتنا، وكان يقضي بألا تذكر أسماء ~~البنات كما يجب ألا ترى وجوههن، وظني أنها حجزت بالبيت منذ العاشرة وأفسد هذا الحجاب ~~برنامج تعليمها. فقد كانت بالزقازيق مدرسة ms015 قبطية للبنات ولكن الرجعية الاجتماعية حالت دون ~~الانتفاع بها. ولذلك لم تتعلم واحدة من أخواتي؛ إذ كن يحجزن بالبيت وهن حول ~~العاشرة. # وهذه الألفة التي دامت سنوات الصبا بيني وبين أختي الصغرى بالبيت بقيت حبا وصداقة إلى ~~يوم وفاتها في 1944 حين قعدت أمامها وهي في عذاب الذبحة الصدرية تكافح الموت إلى أن غشيتها ~~غيبوبة الليل الطويل. وما زلت أذكر تلك الساعات المؤلمة التي كانت تهيأ فيها للاحتفال ~~بالزواج؛ فإني لم أكن على وجدان بأنها ستفارقني وكنت مغتبطا بضجة العرس زائطا. أما هي ~~فكانت تخطفني وأنا أمر عليها أعدو وأزأط فتعانقني وتلهث وتشهق بالبكاء. وبقينا إلى يوم ~~وفاتها ونحن نتزاور مرة على الأقل كل أسبوع. # وفي الوسط العائلي المصري يسود الوئام والحب اللذان لا يفسدهما سوى المطامع المالية من ~~أحد الأعضاء. ولكن أحيانا تسود الشهامة. فقد كان أبي موظفا في مديرية الشرقية. وكان هناك ~~قانون يحرم على الموظف أن يشتري أرضا في المديرية التي يعمل فيها؛ وذلك تلافيا من ~~استعماله وظيفته وسلطته لمصلحته الخاصة. فكان أبي يشتري الأرض ثم يسجلها باسم أحد أولاده. ~~فلما مات كان معظم أرضنا مسجلا باسم البنتين الكبريين، اللتين تزوجتا في ميت غمر. وكان ~~الزوجان شقيقين، وكان أبوهما غبريال سعد بك رجلا شهما. فلما رأى أن ثروة أبينا توشك أن ~~ينتقل كثير منها إلى زوجتي ابنيه أي أكثر مما تستحقان انتظر حتى بلغت أختاي سن الرشد ثم ~~جمعهما مع زوجيهما وحملهم جميعا على التنازل لي أنا وشقيقي، وكنت أنا في الثالثة أو ~~الرابعة وشقيقي في السابعة أو الثامنة. وقد سمعت من أمي بعد ذلك بسنين أن هذا الرجل الشهم ~~لم يبال أن ينتهر ابنيه حتى يجبرهما على الموافقة على التنازل. وبدهي أن مثل هذه ~~الشهامة نادرة في أيامنا. ولا بد أيضا أنها كانت نادرة وقتئذ؛ ولذلك فإن فضل هذا الرجل ~~عظيم، وقد بورك له في عائلته حتى أصبح نسله يعقوبيا يتجاوز المئات عدا. وكلهم تقريبا ~~ناجح موفر المال والعمل والكسب. # والراضون عن النظام الاجتماعي الحاضر في ms016 مجتمعنا الاقتنائي كثيرا ما يذكرون العائلة وأن ~~نظامنا يؤيدها. مع أنه لا يفكك العائلات ويضع البغض مكان الحب بين أعضائها سوى الخلافات ~~المالية التي تلابس هذا النظام. وقل أن نجد عائلة متوسطة أو ثرية بلا خلاف مالي بين ~~أعضائها مرجعه طمع أحد أعضائها ورغبته في الاستئثار دون الآخرين. ولم تنج عائلتنا من هذه ~~الخلافات التي سودت العلاقات، ولو أننا كنا نعيش في نظام اشتراكي ومجتمع تعاوني غير ~~اقتنائي لما كان هناك مجال لهذه الخلافات التي تكاد تعم العائلات في أيامنا. # واحد على آخر أو طمع واحد في آخر. وكلها مطامع مالية ما كانت لتكون لولا أننا نتعلم منذ ~~الطفولة بأن هذا لي وهذا لك، وإنني يجب أن أتفوق عليك في اللعب والعمل وفي المدرسة ~~والمجتمع. روح خبيث يقال لنا إنه يعمل للرجولة مع أنه يعمل للعداوة والبغض والحقد. وقد ~~لقيت أختي الصغرى عناء بل سرقة صريحة من بعض أعضاء عائلتنا. ولم يكن المرتكب لهذه ~~السرقة يحس أنه مجرم، بل كان يتباهى لأن روح المباراة - هذا الروح الاقتنائي الذي ننشأ عليه ~~- قد أكسبه هذه العقلية. وكلنا مغموسون في هذا الفساد بدرجات متفاوتة. ولذلك قل أن نجد ~~مثل ذلك الرجل الشهم الذي أشرت إليه غبريال سعد بك يعارض هذا الروح الاقتنائي ويطلب الخير ~~لغير أبنائه. # وجميع العائلات المصرية موبوءة بالشقاق الذي يرجع إلى مطامع ثم خلافات مالية بشأن الميراث ~~أو الوصية أو الوقف. وقد عرفت عائلات بقي الخلاف فيها بين الإخوة نحو عشر سنوات وهم ~~مشتتون في المحاكم الأهلية، ثم المحاكم المختلطة؛ إذ كان أحد الإخوة يعمد إلى أجنبي ~~مشاكس فيأجره على المعاكسات التي تنقل القضايا من المحاكم الأهلية إلى المحاكم المختلطة ~~وتصل إلى الإسكندرية. يفعلون هذا وينقطع كل منهم عن زيارة الآخر وتنمحي عاطفة الأخوة بينهم ~~فيعودون أعداء يبحث كل منهم عن دماء الآخر. ولا أكاد أجد عائلة تخلو من هذه الخلافات إلا ~~إذا كانت تخلو من العقارات الموروثة. فقد عرفت عائلة مسلمة قريبة من عزبتنا ترك الأب فيها ~~للورثة أكثر ms017 من 150 فدانا، ثم جعلها وقفا وعين ناظرا للوقف أكبر أبنائه. ثم فشا الخلاف ~~بين الورثة وكانوا يزيدون على عشرة. فلم يكن من هذا الناظر إلا أن أجر الأرض الموقوفة ~~كلها إلى رجل يوناني أو إيطالي، وجاء هذا الرجل إلى الأرض يزرعها بنفسه، وأصبح الورثة ~~يتضرعون إليه كي يعطيهم نصف أردب من الذرة أو القمح أو جنيها أو جنيهين ... وأعرف رجلا آخر ~~كان ثريا «باع» أرضه لورثته. ولم يكن الغرض من هذا البيع سوى التمييز لبعض دون بعض. وكان ~~هذا البيع بالطبع صوريا. وكان يعتقد أنه سيبقى متصرفا إلى يوم وفاته. ولكنه عندما قصد ~~إلى عزبته - عقب البيع - كي يبيع القطن، قابله الخولي وأخبره بأنه لا يملك شيئا؛ لأن ابنه ~~الذي «اشترى» منه يمنعه من التدخل في أرضه، وحزن الرجل واحتقن الحزن في قلبه فأصابه فالج ~~مات به بعد أقل من شهرين. # وأيام صباي يملؤها شقيقي الذي يكبرني بأربع سنوات. وكنت أعده بطلا لجراءاته واقتحاماته. ~~وقد ذهبنا معا إلى كتاب مسيحي ثم إلى كتاب إسلامي. ثم عدت إلى كتاب مسيحي. وخرجت ~~من هذه الكتاتيب الثلاثة بعد ثلاث أو أربع سنوات وأنا لا أحسن قراءة سطر، وإنما أحفظ عن ~~ظهر قلب بعض الصلوات المسيحية وبعض سور القرآن. ولم أشرع في القراءة إلا بعد أن دخلت ~~المدرسة الابتدائية التي أنشأتها الجمعية الخيرية القبطية في الزقازيق. # وكان شقيقي طفلا ذكرا بعد بنات أربع. وأذكر من بعض اقتحاماته أنه ألف في الزقازيق ~~عصابة كنت أحد أعضائها. وألف علي الشمسي «باشا» عصابة أخرى؛ ففي ذات يوم انفردت بنا عصابة ~~علي الشمسي وأوسعتنا ضربا وإيلاما لخصومة كانت قائمة بينه وبين شقيقي. ولكننا بعد ذلك ~~استدرجنا علي الشمسي إلى طريق ناء شمال الزقازيق ثم أثخناه بالعصي والأحجار حتى عاد ~~مريضا. وكان والده أمين الشمسي باشا يعرف عائلتنا لصداقة قديمة بينه وبين أبي. ولم أكن أمر ~~عليه وهو أمام منزله حتى أقبل يده فيسألني عن أعضاء عائلتنا. وكان فيما بين 1895 و1900 ~~مغضوبا عليه من رجال الحكم؛ لأنه ms018 كان عرابيا في ثورة 1882؛ إذ انضم إلى الحركة الوطنية ~~ضد الخديوي توفيق مع أنه كان شركسي الأصل. وكان الصراع بين عرابي والخديوي صراعا - إلى ~~حد بعيد - بين الأتراك والشركس من جانب وبين المصريين من جانب آخر. ولكن أمين الشمسي باشا ~~عرف عدالة المطالب المصرية وانضم إلى العرابيين. # ولما كنت في إنجلترا في 1908 أرسلت إليه خطابا أقترح عليه فيه إنشاء مدرسة لتعليم أبناء ~~الفلاحين الذين يعملون في أرضه وأرضنا، وكنا متجاورين لأن عزبته كانت ملكا لجدي ولا يزال ~~اسمها «كفر سليمان» باسم جدي. وأرسلت مثل هذا الخطاب إلى كبراء المالكين من عائلتنا، ولكن ~~خطابي لم يجد سوى التسلية عندهم جميعا؛ لأن الوجدان التعليمي كان لا يزال في مصر خامدا. ~~ولم يكن خطابي سوى ثمرة الوسط المتمدن المتنبه لقيمة التعليم في لندن. # وقد باع جدي «كفر سليمان» هذا إلى الشمسي باشا قبل أن أولد أنا بنحو 15 سنة - حوالي 1872 ~~- ولكني نشأت على الاصطلاح بأنه «الكفر القديم» وهو يبعد عن كفرنا الجديد بنحو كيلو متر. ~~وقد زرته وأنا طفل مع بعض أقاربي فأروني بيتا أو زريبة كانت تسمى «بيت العبيد» أي ~~المكان الذي كان يحجز فيه العبيد في الليل ويقفل عليهم حتى لا يفروا ... # وبالطبع لم تكن في أيامي عبودية ولا عبيد. ولكن الذكرى كانت قريبة؛ فإني وأنا طفل كنت ~~أخوف بكلمة «فرج» وهي اسم عبد مات في إحدى غرف المنزل وبقيت ذكراه تتسلسل للتخويف من ~~إخوتي إلي. وكذلك رأيت امرأتين سوداوين إحداهما كعب الخير والأخرى زهراء. وكانتا جارتين ~~عندنا شملهما قانون تحرير العبيد ولكنهما لم تنقطعا عن زيارتنا. بل كانت إحداهما تقضي ~~الشهور - عندما تترك زوجها - في بيتنا، وكانت تكل إلى أمي مفاوضات الصلح مع زوجها حين كان ~~يعود لطلبها. # وكانت بيني وبين شقيقي نحو أربع سنوات؛ فلذلك لم تكن بيننا رفقة أو زمالة. وقد وجدت هذه ~~الرفقة والزمالة في ابن خالة لي يدعى ميخائيل، وكان من سني. وقد ترافقنا طفلين ثم صبيين ثم ~~شابين. ومن الذكريات البارزة في صباي ms019 مدينة بسطة الفرعونية. فقد كنت أزورها مع ابن خالتي ~~هذا حين كانت لا تزال بيوتها قائمة. والغرف في بعض هذه البيوت كانت لا تزال تحتفظ بجوها ~~الحميم حتى مكان المسرجة في الطاق كان واضحا بسواد دخانها. وكانت الشوارع الضيقة سالكة بين ~~البيوت. وهذا إلى عشرات من التماثيل الحجرية، ولم يبال الإنجليز أن تمحى هذه المدينة مع ~~قيمتها التاريخية العظمى؛ إذ جعلوا بيوتها وأنقاضها سمادا «كفريا» ينقله الفلاحون إلى ~~حقولهم. ولم يعد لها من أثر الآن. # وكان ميخائيل يسكن في بيت يجاور منزلنا، فلم نكن ننفصل طوال النهار، وإليه أعزو نزعتي ~~الثقافية؛ فقد كان منذ صباه يحب الشعر ويتفصح، وكنت أعجب بفصاحته. وكنا نشتري المؤيد ونقرؤه ~~معا. بل تجرأنا ذات مرة على أن نؤلف درامة جعلنا فيها البطل ملكا يقص حلما على المسرح ثم ~~يتحقق هذا الحلم. ولكننا لم نثابر إلى النهاية فقطعناها في منتصف الفصل الأول. وقد ثابرت ~~أنا بعد ذلك على الدراسة وانقطع هو عنها. ولكنه لم يقاطعها؛ فإني ما زلت إلى الآن عندما ~~ألتقي به أجد فيه الالتفات إلى الحركات الأدبية بل أجد النقد الذكي. ولكن من ينظر إليه هذه ~~الأيام لا يعتقد أن سنه تزيد على الأربعين مع أنها لا تقل عن 59 أو 60 سنة. وقد يعزو ~~بعضهم هذا الشباب إلى حياة السرور التي كان ولا يزال يؤثرها على أي أهتمام آخر. وبقينا ~~مترافقين مدة التعليم الابتدائي ثم افترقنا حيث توظف هو والتحقت أنا بالمدارس ~~الثانوية بالقاهرة. ولكنا كنا أيام الإجازات لا نفترق. وقد اهتززت سرورا وتأملا قبل ~~سنتين عندما زارني بالقاهرة أحد الأقارب المزارعين ورأى حولي مئات الكتب، فتأملها ثم تنهد ~~وقال: «لم يغرس فيك هذه العادة المرذولة سوى هذا الملعون ميخائيل ابن خالتك.» وقد قال هذه ~~الكلمة الصادقة؛ لأنه كان يرانا فيما بين 1901 و1904 نقرأ معا وندرس معا في هوس لم يكن ~~يجد فيه هو سوى خسار المال والذهن والوقت. # ولا تزال ذكريات الصداقة والرفقة بيني وبين ميخائيل عذبة في ذهني. ولم أعرف ms020 صديقا بعد ~~ذلك لازمني وتناسقت معه في الصداقة المنيرة المربية سوى عزمي الدويري الذي عرفته في 1930 ~~وفقدته في 1944. وكان في بداية صداقتنا خاما أخضر في ثقافته يقرأ الكتب العربية ويستضيء ~~بمصابيح خافتة. ولكنه بعد أن عرف المؤلفين الأوروبيين انغمس في المذاهب الأوروبية ~~والسياسية الجديدة واستضاء ذهنه بها وصار يمتاز بالعقلية العالمية. وجر عليه هذا النور ~~الجديد عسفا من البوليس السياسي لم يباله. وكنت كثيرا ما أذكره بإعجابه القديم ~~بأدباء البهرجة البلاغية ثم احتقاره لهم بعد ذلك فيضحك كثيرا. بل الحق أنه استحال بعد أن ~~عرف الآداب الأوروبية خصما لهم يعد وجودهم عائقا لتطورنا الثقافي والسياسي. وظني أن ~~هذا هو اختبار جميع المنتقلين من الأدب العربي إلى الأدب الأوروبي حين يقرءونه في لغاته ~~الأصلية غير مترجم. وقد ترك موت عزمي في نفسي لوعة لما تنطفئ. # وقد رأيت أخواتي يمتن واحدة إثر الأخرى. والموت يفقد لذعته عندما تكون السن ~~متقدمة؛ لأن الرحلة الأخيرة إلى الليل الطويل تسير هونا والموت يأتي على ترقب. ولكن ~~عندما كان الموت يفجأ إحداهن وهن لا يزلن في بداية العقد السادس أو السابع كان وقعه في ~~القلب ووطأته على العقل يحدثان جمودا كأنه كابوس اليقظة، ولكن السنين تحيل بكيمياء ~~الزمن هذه الكوارث، حتى إني عندما أذكرهن الآن أحس الحزن عليهن في حنان ورقة وليس في ألم ~~وغضب. # وأستطيع الآن أن أعرض لجميع الشخصيات البارزة في عائلتنا، سواء أكان هذا البروز للفضيلة ~~أم للرذيلة، وهذه الشخصيات هي الآن فوق الخمسين أو الستين. وعندما أرجع بذاكرتي إلى أيام ~~طفولتهم وإلى الظروف البيئية الأولى التي سعدوا أو تعسوا بها أجد التعليل الكافي لسلوكهم ~~الحاضر. وأستطيع أن أقول - في ضوء ما أعرف من سيرتهم، بل أحيانا سيرتهم الحميمة - إن ~~التعاسة الأولى التي ينكب بها أي إنسان في حياته إنما هي التدليل، وإن التعاسة الثانية هي ~~الاضطهاد. فجميع أولئك الذين لقوا تدليلا أو اضطهادا في عائلتنا أيام طفولتهم فسدوا. ~~ومعنى «الفساد» هنا ليس العجز عن الكسب أو حتى العجز عن الانتصار المألوف ms021 في معركة الحياة. ~~ولكني أعني ذلك الفساد الاجتماعي الذي يقارب الإجرام بل هو إجرام تخفيه رفاهية العيش؛ فإن ~~الشخصية السيكوباتية التي وصفها صديقي الدكتور صبري جرجس في كتابه واضحة في عائلتنا في جميع ~~أولئك الذين لقوا تدليلا أو اضهادا أيام طفولتهم. وقد يقع الاضطهاد لأن زوجة الأب أساءت ~~إلى ابن زوجها في المعاملة وميزت عليه أطفالها دونه فعلمته المكر والخبث والكذب والغش؛ ~~فنشأ على هذه الأخلاق التي صار يعامل بها المجتمع. ولكن في ذهني زوجة أب أخرى عاملت ابن ~~أختي الدكتور رزق الله موسى في طلخا بالنزاهة والرفق والحب، فنشأ قديسا. وفي ذهني آخر في ~~الخامسة والستين من عمره دلله أبواه فنشأ وكل حياته جرائم. ولكن أولئك الذين وجدوا النزاهة ~~والإنصاف في التربية أيام الطفولة هم إلى الآن - في شيخوختهم - مثال الطيبة والإحساس ~~الاجتماعي السامي. # | القاهرة فيما بين 1903 و1907 # في عام 1903 اجتزنا امتحان الشهادة الابتدائية، وكنا في القطر كله لا نزيد على ثلاثمائة ~~أو أربعمائة تلميذ. وعقد الامتحان في القاهرة. ولم يكن بالقطر كله سوى ثلاث مدارس ثانوية ~~كانت في نظامها ثكنات يتسلط عليها الإنجليز بالأوامر العسكرية والعقوبات العسكرية. ~~والتحقت بالمدرسة التوفيقية ثم بالمدرسة الخديوية، وكان شمال المدرسة التوفيقية وشرقها ~~وغربها أرضا زراعية لا يباع الفدان فيها بأكثر من مائتي جنيه وقد ارتفع سعر الفدان الآن ~~1947 في هذه الأرض بالذات إلى نحو عشرين ألف جنيه. ولم يكن للمالكين أي فضل في هذا الثراء ~~ولم يتعبوا لإيجاده؛ إذ إن الفضل لسكان القاهرة وتقدم المدنية. # وكان الإنجليز يحاربون شيئين في الأمة لا ثالث لهما. وكانوا يكفلون بقاءنا في ظلام الجهل ~~وذلة الفقر بهذين الشيئين، وهما التعليم والصناعة، ونجحوا في ذلك نجاحا عظيما؛ فلم يسمحوا ~~طوال إشرافهم على وزارة المعارف بإنشاء مدرسة ثانوية للبنات في أي مدينة من مدن القطر. ~~وكانوا يعلموننا أن بلادنا زراعية لا تلائمها الصناعة، كأن القدر قد قضى علينا بالفقر ~~الأبدي. وكانوا يصرون على المحافظة على «تقاليدنا». فكانت المدرسة السنية الإبتدائية في ~~القاهرة - وكانت ناظرتها إنجليزية ms022 - تصر على اتخاذ البرقع للتلميذات وهن في العاشرة أو ~~الثانية عشرة من العمر، وكان معلم اللغة العربية يفصل من وزارة المعارف إذا نزع عمامته ~~وقفطانه واتخذ البنطلون والجاكتة. وتقدمت الآنسة نبوية موسى لامتحان الشهادة الثانوية في ~~سنة 1907 من بيتها، فرفض دنلوب المستشار الإنجليزي لوزارة المعارف قبولها في الامتحان. ~~ولكنها استمرت على الكفاح وأحدثت ضجة في الجرائد، وتقدمت في السنة التالية فقبلت ونجحت. ~~ولكن الإنجليز تنبهوا، فلم تفز فتاة مصرية بالشهادة الثانوية منذ 1908 إلى 1929 حين ~~تقدمت الفتيات اللاتي أنشأت لهن وزارة المعارف مدرسة ثانوية في 1925 أي بعد إعلان الاستقلال ~~بسنتين. # وكانت التلمذة في المدرسة الخديوية فيما بين 1903 و1907 سلسلة من التعذيب. فكان أحدنا ~~يعاقب طوال العام الدراسي بالحضور يوم الجمعة في المدرسة حتى لا يهنأ بالإجازة ~~الإسبوعية. وكان من العقوبات المألوفة أن يحضر أحدنا في منتصف الساعة السابعة صباحا أي في ~~الظلام مدة الشتاء، ثم لا يترك المدرسة آخر النهار إلا بعد الحبس ساعة أو أكثر. وقد يكون ~~السبب الوحيد لكل هذه العقوبات أن المعلم الإنجليزي قد طلب من التلميذ أن يقعد فوقف، أو يقف ~~فقعد. وقد تكون هذه المخالفة محض التباس لا أكثر. ثم يتأخر المسكين في الحضور في الساعة ~~السادسة والنصف صباحا، فيزداد عقوبة والزيادة تتراكم. وهذا إلى عقوبات أخرى مهينة مثل ~~حرمانه من الغداء إلا برغيف يأكله وهو واقف أمام زملائه. # وكان ناظر المدرسة يدعى شارمان، وكان يتأنق في تعذيبنا. وحدث أن الجمعية الخيرية ~~الإسلامية أرسلت على نفقتها بعض تلاميذها من مدارسها الابتدائية. وكانت تشتري لهم ملابسهم ~~في شكة صفراء واحدة. وكان هؤلاء المساكين يخجلون من هذه الملابس الرخيصة. واشتروا غيرها ~~من الملابس المألوفة، حتى لا يتميزوا بفقرهم أمام زملائهم. ولكن شارمان أصر على أن يلبسوا ~~ملابسهم التي تصمهم بالفقر؛ فلبسوها وكانوا ينزوون منا في خجل. # ولست أشك أنه حين أعلنت الجرائد وفاة شارمان هذا غرقا في أواخر الحرب الكبرى الأولى، ~~عم الفرح جميع القارئين الذين كانوا تلاميذه. وقد يستنكر القارئ هذه العاطفة ms023 منا. ~~ولكني أؤكد أن التلمذة في تلك السنين كانت عذابا لا يطاق. وكان للمعلمين الإنجليز لذة في ~~تعذيبنا. وكانت العلاقة بيننا وبين هؤلاء المعلمين خالية من الإحساس البشري، حتى لقد كنا ~~أحيانا نجهل اسم المدرسين طوال العام الدراسي. # وقضيت ثلاث سنوات بالمدرسة الخديوية لا أكاد أعد أسبوعا واحدا فيها هنئت به. ولذلك ~~تخلفت في الدراسة. وكان من أسباب هذا التخلف أيضا أني مرضت بعيني واحتجت إلى إجراء ~~عمليتين لا يزال أثرهما المشوه باقيا. كما أني أعزو إلى عذاب المدرسة هذه العربدة الجنسية ~~الذاتية التي انغمست فيها للترفيه عن نفسي. وإزالة الكمد الذي كانت تحدثه هذه الحياة ~~المدرسية المرهقة. # ولكن القاهرة في تلك السنين 1903-1907 كانت حافلة ببشائر العصر الجديد. فقد رأيت فيها ~~الأتومبيل لأول مرة. ولكن الحياة القديمة كانت لا تزال راسخة. فكان السقاء يحضر الماء ~~في قربته لمنزلنا. وكنا أحيانا نركب الحمير من مكان إلى آخر لأن الترام كان يسير في شوارع ~~قليلة. ولم يكن شيء من المنازل قد بني على الضفة الغربية من النيل، كما أن هليوبوليس كانت ~~لا تزال صحراء، بل إن شمال المدرسة التوفيقية في 1903 كان - كما سبق أن ذكرت - خاليا من ~~المباني إلا القليل المتفرق. # وكنا نتحدث في تلك السنين عن شيئين يحركان المجتمع المصري، هما الاحتلال الإنجليزي وحركة ~~قاسم أمين لتحرير المرأة. ولم أكن أهتم بالحركة الثانية كثيرا. وكان الحزب الوطني أعظم قوة ~~تكافح الاحتلال في ذلك الوقت. وكان قد ألفه في 1897 ستة من الشبان المتنبهين هم: أحمد لطفي ~~السيد «باشا» ومصطفى كامل ومحمد فريد ومحمد عثمان (والد أمين عثمان باشا) ولبيب محرم - شقيق ~~عثمان محرم باشا - وسعيد الشيمي. وكان «اللواء» - جريدة الحزب الوطني - يستهوي النفوس، ~~وكنا نسارع إلى شرائه عقب الانصراف من المدرسة ولكن الشبان الأقباط كانوا يجدون بعض ~~الاستياء من الدعوة الدينية في الحزب الوطني وكذلك الدعوة العثمانية - أي التركية - وكان ~~منطقهم يقول: «إذا كنتم تدعون إلى جامعة إسلامية وإلى تأييد الحقوق العثمانية في مصر، مع أن ~~الأتراك ليسوا فقط ms024 أجانب، بل إن تاريخهم يحفل بالمظالم في مصر؛ فإن لنا الحق في الاتجاه نحو ~~جامعة مسيحية والاعتماد على الاحتلال البريطاني.» # وقد انتهى موقفهم هذا إلى أن حمل مصطفى كامل عليهم وأثار تعصبا دينيا ساءت عواقبه ~~واستغله الإنجليز أيام كرومر وجورست. ولم يصلح هذا الفساد القومي غير أحمد لطفي السيد ~~حين أسس «الجريدة » ودعا دعوة مصرية بحتة ليس فيها شيء من الدعاية للأتراك أو للعرب أو ~~للإسلام. ولكن حتى مصطفى كامل قبيل وفاته بخمسة أشهر أو ستة أعلن في مقالات أن مصر يجب أن ~~تكون للمصريين فقط، وصار لهذا يعارض الخديوي عباس في ممالأته للدولة العثمانية. وبلغ من ~~معارضته له أن جريدة «المؤيد» وصفته بأنه قد أصبح يشبه عرابي. # والواقع أن المجتمع المصري في بداية هذا القرن كان مجتمعا تركيا أو كالتركي؛ فكان ~~الاصطياف في إستنبول مألوفا. وكانت الحكومة المصرية تؤدي «الجزية» السنوية لتركيا. وكانت ~~العائلات الغنية عائلات تركية خالصة أو خلاسية. وقلما كنا نجد «مصريا» ثريا. ولذلك حين ~~نتأمل العائلات المصرية الثرية في 1947 نجد أنها كلها حديثة العهد بالثراء. وهذه الحال تفسر ~~لنا سيكلوجية الحركة العرابية. فإن عرابي كان يتأمل وطنه في عام 1880 فلا يجد فيه مصريا ~~صميما يملك شيئا يؤبه له. وأن جميع الأثرياء كانوا من الأتراك أو الألبان الذين كان محمد ~~علي قد اختصهم بالامتيازات وأقطعهم أرض المالكين المصريين السابقين الذين استولوا على ~~عقود امتلاكهم وأحرقها. ولذلك كنا لا نعرف رئيسا للوزارة إلا وهو تركي الأصل، بل أحيانا ~~كانت تؤلف الوزارة وليس بين أعضائها مصري صميم واحد أيام إسماعيل وتوفيق. وكنا نرى هؤلاء ~~الأرستقراطيين على سخفهم ونذالتهم وهم في عرباتهم يتنزهون على جسر قصر النيل. وكان يتقدمهم ~~قواص أو قواصان وكل منهما في سترة تهريجية يحمل عصا طويلة في وضع عمودي ويعدو أمام العربة ~~وهو يصيح بأعلى صوته: هيه. هيه. # وكانت الجرائد المقروءة في تلك السنوات ثلاثا: «اللواء» الذي كان يحرك الأمة إلى ~~المطالبة بالجلاء ويقرؤه جميع الشبان، و«المؤيد» الذي كان يؤيد الخديوي ويقرؤه أبناء ~~البيوتات ms025 التركية والمحافظون من المصريين، و«المقطم» الذي كان يؤيد الإنجليز ويقرؤه ~~الموظفون. أما «الأهرام» فكانت في ركود يشبه الموت لا يقرؤها غير عدد صغير من ~~التجار. # وكان الخديوي عباس محور الحركة الوطنية في أوائل حكمه. وهو الذي أوعز بإيجاد الحزب ~~الوطني، وكان يعاونه بالمال. ومما زاد الخديوي اتجاها نحو الحركة الوطنية تلك الإهانات ~~الشخصية التي كان يجدها من كرومر. فقد حصل هذا الرجل على تربيته السياسية في الهند، وكان ~~يعامل المصريين كما كان يعامل الإنجليز الهنود قبل خمسين أو ستين سنة، وكانت له في ذلك ~~أساليب طفلية. وقد رأيته ذات مرة وهو ينزل من عربته، فلم ينزل مستويا على قدميه كما يفعل ~~البشر بل تقدم له خادم مصري وحمله كأنه طفل من العربة في عناية ورقة حتى حط جثته على ~~الأرض ... وقد فعل هذا في ظني كي يثبت أنه سيد مطاع أو ملك غير رسمي. وتشاجر مرة مع الخديوي ~~لأن الحوذي الذي كان يسوق عربة الخديوي إنجليزي. وحاول مرة - عقب انتقاد الخديوي للجيش ~~المصري الذي كان كتشنر قائدا عاما له - أن يعين وزيرا إنجليزيا. وكان كرومر هذا من ~~عتاة الاستعماريين، وهو الذي أحال القطر المصري كله إلى عزبة للقطن، وقتل الصناعة المصرية ~~قتلا تاما؛ حتى إننا حوالي 1898 أنشأنا مصنعا في القاهرة لغزل القطن ونسجه، وجئنا له ~~بمدير إنجليزي، فأصر كرومر على فرض الضرائب الباهظة عليه حتى أغلقه. ثم - وهنا عبرة - عين ~~مديره الإنجليزي في الحكومة المصرية. # وبفضل الحزب الوطني - بل بفضل الشاب مصطفى كامل - تزايدت الحركة الوطنية وأخذت موجاتها ~~تعلو وتزبد. ورأى كرومر عجزه عن مكافحتها. فحمله الغيظ على العنف الأحمق بل على التوحش ~~الإجرامي، فانتهز حوالي سنة 1907 فرصة التقاء الجنود ببعض الريفيين في دنشواي إحدى القرى في ~~المنوفية، وكانوا يصيدون الحمام الذي كان هؤلاء الفلاحون يربونه، فاشتبك الريفيون مع ~~الإنجليز في مشاجرة انتهت بقتل بعض الإنجليز أو بالأحرى بوفاتهم. وعندئذ عينت محكمة ~~«مخصوصة» وكان رئيسها المرحوم بطرس غالي باشا، ومن أعضائها المرحوم فتحي زغلول باشا، وكان ~~المحامي عن ms026 الإنجليز المرحوم الهلباوي الذي صار بعد ذلك عضوا في حزب الأحرار الدستوريين. ~~وشرع في محاكمة الدنشوائيين وعم الأمة توتر نفسي وغلت العواطف. وكتب «المقطم» بأن المشنقة ~~أرسلت إلى دنشواي قبل أن تنتهي المحاكمة، فخجلت الحكومة وكذبت الخبر. ولكن المرجح أن ~~المقطم كان صادقا؛ لأنه كان يتصل اتصالا وثيقا بالإنجليز في ذلك الوقت. وصدر حكم المحكمة ~~بجلد البعض وبشنق الآخرين. وأنفذت الأحكام في القرية ذاتها. ورأى الأطفال آباءهم يشنقون ~~أو يجلدون، ورأت الزوجات والأمهات والشقيقات والآباء أعزاءهم وهم يتدلون من الحبال ~~أو يصرخون من الجلد. # وأذكر أني كنت في الإسكندرية في ذلك الوقت أتنزه مع أخي، وكنا نأكل في المطاعم، فلما قرأت ~~الحكم عمني جمود يشبه الغثيان، فلم أستطع الأكل جملة أيام، ودارت في رأسي خواطر جنائية عن ~~هؤلاء المعتدين على بلادنا وأهلنا. وخجل الإنجليز أنفسهم من هذا الحادث الإجرامي، فعزلوا ~~كرومر عن وكالته في مصر. وكان يرأس الوزارة الإنجليزية في ذلك الوقت رجل من الحريين يدعى ~~هنري كامبل بانرمان. ولكن وزير الخارجية المدعو جراي برر جريمة كرومر بأن وقف في البرلمان ~~يقول: «إن التعصب الإسلامي قد تفشى في أفريقيا الشمالية كلها بما في ذلك مصر.» وكتب ~~«المقطم» مقالا عنوانه «التعصب يمتد ويشتد.» أي تعصب المصريين المسلمين الذين يجب أن ~~يكبحوا بمشانق دنشواي. وما زالت كلمات هذه المقال ترن في ذهني، ولا تزال «دنشواي» عندي من ~~الذكريات النفسية الأليمة. # وقد وجدت تعزية في شيء واحد هو أن الوجدان الوطني أصبح عاما وتنبهت الأمة كأنها ~~استيقظت من نوم. فكنت أجد بعض الشبان يشترون «المقطم» ويمزقونه حتى لا يقرأه أحد. وحتى ~~الأقباط الذين كانوا متوجسين من حركات الحزب الوطني الدينية، أصبحوا وطنيين يكرهون ~~الإنجليز. وكان هذا الانفعال الجديد ملحوظا في أعضاء عائلتنا. ولكن اختلاط الحركة الوطنية ~~بالدعوة الإسلامية من ناحية وبالرغبة في السيادة العثمانية من ناحية أخرى عرقل الاندماج ~~التام للأقباط في الحركة الوطنية. فكانوا يشيحون عنها ويذكرون حكم الأتراك ومظالمهم أيام ~~إسماعيل وتوفيق. # وشعرت في ذلك الوقت بما زلت أشعر به الآن، ms027 وهو أن الاستعمار البريطاني ليس هو العدو ~~الوحيد لبلادنا؛ لأن الرجعية بالتزام التقاليد، وكراهة الروح العصري في السياسة والاجتماع ~~والعقيدة، كل هذا يتألف منه عدو آخر لعرقلة أمتنا عن التقدم. وكانت نظرية التطور التي ~~تعلمتها من «المقتطف» قد جعلتني ألمح بصيصا من الرؤيا الجديدة، وأن أومن بأن العلم - الذي ~~حقق السيادة وإن لم يحقق السعادة لأوروبا - جدير بأن يرفعنا من حضيض الفقر والجهل الذي ~~وضعنا عليه الإنجليز، وأن يحقق لنا استقلالنا؛ ولذلك وجدتني من ذلك الوقت أدعو إلى أن نعيش ~~العيشة العصرية، وأن أناصب الرجعيين المصريين العداء الذي أناصبه للإنجليز. # وكان علي يوسف صاحب جريدة «المؤيد» معدودا بين كبراء الكتاب الصحفيين يحسن المناقشة ~~ويلتزم المنطق والتعقل. وكان «المؤيد» قليل الانتشار يسبقه «اللواء» ويطغى عليه بمقالات ~~مصطفى كامل النارية. ولكن «المؤيد» كان يثب في الأزمات؛ ففي حادث دنشواي مثلا أقبل عليه ~~القراء - وهم في كمد وحزن وحيرة - يقرءونه ويتعقلون ما يكتبه عن السياسة الإنجليزية ~~المصرية وينظرون للمستقبل من خلال بصيرته. # ولكن علاقة الشيخ علي يوسف بالخديوي جعلته يتجه صوب إستامبول أو كما كانوا يسمونها ~~«الأستانة العلية»؛ حتى إنه عندما أسس «مجلس المبعوثان» في تركيا دعا المصريين إلى أن ~~يرسلوا نوابا عنهم فيه؛ إذ إن مصر جزء من الدولة العثمانية ... # أما مصطفى كامل فكان يغزو قلوب الشبان. وكان إذا أعلن عن خطبة يلقيها تجمع الألوف ~~لسماعه، وكان في شبابه وحماسته إغراء للشبان. وقد مات بالدرن ولما يبلغ الثانية ~~والثلاثين. # وفي تلك السنين شبت الحرب بين روسيا واليابان، فاتجه الرأي العام نحو اليابانيين ~~باعتبار أنهم أمة شرقية مثلنا، فكنا نفرح كلما قرأنا عن هزيمة روسية؛ لأن روسيا كانت تمثل ~~في أذهان الجمهور أوروبا التي تنتمي إليها بريطانيا، كما أن يابان كانت تمثل يقظة الشرق. ~~حتى إن مصطفى كامل ألف عنها كتابا باسم «الشمس المشرقة». # وأحدث خليل صادق نهضة أدبية في تلك السنين بسلسلة من القصص كانت تخرج كل شهر باسم ~~«مسامرات الشعب» وهي قصص مترجمة عن الفرنسية والإنجليزية اشترك في الترجمة له فيها ms028 ~~كتابنا المعروفون مثل حافظ عوض وعبد القادر حمزة «باشا» ومحمود أبو الفتح وغيرهم. ولكن ~~الأدب لم «يتمصر» في ذلك الوقت؛ لأن كفاحنا للإمبيريالية البريطانية كان يستغرق كل مجهودنا، ~~فكان الكاتب الذي يجد في نفسه القدرة على التعبير الفني يلتفت إلى السياسة قبل الأدب، ~~ويجاهد في إيقاظ الوجدان المصري الوطني. وما نقصنا نحن من هذه الوجهة سده إخواننا السوريون ~~واللبنانيون عنا: وهم بالطبع كانوا أقرب إلى الثقافة العصرية الأوروبية منا؛ لأنهم ~~تعلموا في الجامعة الكاثوليكية والجامعة الأمريكية في بيروت، وهم أيضا - لأن عددا ~~كبيرا منهم كانوا مسيحيين - لم يجدوا العائق السيكلوجي الذي كنا نجده نحن في مصر إزاء ~~الثقافة الأوروبية العصرية. # وكنا فيما بين 1903 و1908 في تبلبل سياسي وفي تبلبل آخر أدبي واجتماعي، فقد كانت تسود ~~وجداننا السياسي نزعتان: الأولى والكبرى هي الاتجاه نحو الدولة العثمانية، والدفاع عن ~~استقلالنا المصري؛ بدعوى أننا جزء من هذه الدولة العثمانية. وواضح أن موقفنا هنا كان حائرا ~~مقلقلا. ثم كانت النزعة الأخرى وقد بزغت ضعيفة تتلجلج بل لا تكاد تنطق، وهي الدعوة إلى ~~الاستقلال المصري التام والتخلص من بريطانيا وتركيا معا. # أما التبلبل الأدبي فلم نكد نحس به في تلك السنوات. وكان جميع الكتاب، باستثناء ~~اللبنانيين، يعنون بالأدب دراسة القدماء من العرب لا أكثر. ولكن كان هناك تبلبل ~~اجتماعي وضع خميرته محمد عبده وقاسم أمين، ونمت وزكت هذه الخميرة في الوسط الإسلامي، وأصبح ~~لها دعاة وخصوم. # وكان الخديوي عباس محبوبا إلى سنة 1907 يجد فيه الشباب رمزا للكفاح. وكانت شراسة كرومر ~~- الذي كان يرغب في معاملته كما لو كان أحد مهراجات الهند - تنبه فيه هذا الكفاح. ~~وتعلق به الجمهور وشاعت عنه مواقف وطنية. ومما سمعناه في تلك السنين أن ويصا واصف ومرقس حنا ~~وعددا آخر - معظمهم من المحامين - قصدوا إلى سراي عابدين وانتظروا إلى أن هم الخديوي ~~بركوب عربته، فأصروا على أن يحلوا خيولها ويجروها هم. ولكن الخديوي اتخذ موقفا معارضا ~~لاتجاهات الشيخ محمد عبده نحو الأزهر؛ فكان - أي الخديوي - يصر على أن يبقى ms029 الأزهر كما كان ~~منذ مئات السنين محافظا لا تتسرب إليه تيارات الثقافة العصرية، وكان محمد عبده يصر على أن ~~يتطور الأزهر إلى جامعة عصرية. واتجه المستنيرون من الأمة وجهة محمد عبده فازوروا عن ~~الخديوي. # ولكن أعظم ما جعل الجمهور المصري يتغير على الخديوي هو ما كان يسمى بسياسة الوفاق؛ فإن ~~الإنجليز - بعد أن رأوا سياسة كرومر الشرسة مع الخديوي قد أحالته إلى وطني يدس لهم ويؤيد ~~الحركات الوطنية ضدهم - عينوا السر الدون جورست وكيلا لهم بالقاهرة؛ فتحبب هذا إلى الخديوي ~~وزاد في سلطته. وارتاح الخديوي إلى هذا التغيير ارتياحا عظيما جدا، وشرع يعارض الحركات ~~الوطنية الدستورية، ويسير مع الإنجليز في «سياسة وفاق» كان ضررها بالأمة فادحا. # وكانت سياسة الوفاق هذه سببا في انقلاب مصطفى كامل؛ إذ إنه أبى أن يسير مع الخديوي، وأصر ~~على الكفاح. ولم تمض سنوات حتى أصيب جورست بالسرطان ومات به في إنجلترا. وأعرب الخديوي عن ~~حبه له، وتقديره لسياسة الوفاق بأن زاره خفية وهو على فراش الموت. # ثم جاء كتشنر، فأعاد سياسة كرومر، ولكن في فجاجة العسكري وغشومته. وعاد الخديوي إلى موقف ~~المعارضة والمعاكسة للإنجليز. # ولو سئلت عن الفرق في القاهرة بين 1905 و1945 لقلت إن نبض القاهرة قبل أربعين سنة كان ~~أبطأ، كما أن الإيقاع كان شرقيا في كل شيء تقريبا. فكان الناس يمشون أكثر مما يركبون. ~~وكانت المدينة متجمعة متكتلة في رقعة صغيرة لم تستفض بعد إلى صحراء هليوبوليس أو إلى الضفة ~~الغربية من النيل. وكنا في الملابس نعبر طور الانتقال. فإني أذكر أني لبست قفطانا بحزام ~~وأنا تلميذ بمدرسة الأقباط في الزقازيق، وكنت في العاشرة من العمر. ثم لبست أيضا وأنا في ~~الثانية عشرة بذلة رمادية من طراز الريدنجوت. أما نساؤنا وآنساتنا فبقين كلهن إلى سنة 1919 ~~يتخذن البراقع والحبرات. # وكنا نقضي ليالي السرور عند الشيخ سلامة حجازي. والحق أن هذا الرجل كان ممثلا بارعا، ~~ولكنه لم يكن يمثل قدر ما يغني؛ فقد وجد إقبالا عظيما على أغانيه فكان التمثيل ~~عنده ملحقا بالغناء. ms030 وظني أنه كان يفعل هذا مضطرا؛ لأن كفاءته المسرحية كانت عظيمة ~~جدا. ولا بد أنه كان يتألم لأن الجمهور لا يقدرها بل يؤثر عليها الغناء. # وكانت هناك إلى جنب مسرح الشيخ سلامة ملاه أخرى كانت غاية في الفحش، حيث كانت الراقصات ~~يقمن بحركات وإيماءات هي في صميمها محاكاة غير فنية للتعارف الجنسي، محاكاة فاحشة رخيصة ~~دنسة متهتكة. وقد اضطررنا بعد سنة 1922 إلى إلغاء هذا الرقص. ولكن بعض الأغاني القديمة ~~الفاحشة لا تزال تغنى إلى أيامنا هذه. # وشرعنا - بعد ذلك بسنوات - نحس الوجدان المسرحي، وندرك معنى الدرامة ومغزاها، مما ترجمه ~~فرح أنطون ومما مثله جورج أبيض من الدرامات عن اللغة الفرنسية. # | أول وجداني الذهبي # كنت في سنة 1903 تلميذا في السنة الأولى الثانوية قد تركت بلدتي الزقازيق ورحلت إلى ~~القاهرة؛ إذ لم تكن في تلك السنين مدارس ثانوية إلا ثلاث في القاهرة والإسكندرية. وكانت سني ~~إذ ذاك نحو 15 أو 16 سنة، فشرعت أقرأ الجرائد اليومية وأشتري مجلتي «المقتطف» و«الجامعة» ~~وأسأل عن الكتب. ولم تكن هناك مجلات أسبوعية. وبقيت الحال كذلك إلى أن أنشأت أنا أول مجلة ~~أسبوعية في 1914 وهي «المستقبل». # وعرفت «المقتطف». وكان اهتدائي إليه من المصادفات البديعة التي أعانتني على التثقيف ~~الذاتي. وكنت أشتري الأعداد القديمة - بل أحيانا الأعداد الجديدة - من الإدارة، على غلاء ~~ثمنها، وألتهمها من الغلاف إلى الغلاف، وعندما عدت إلى الزقازيق وجدت في بيت صديق لي بقرية ~~قريبة من الزقازيق نحو مائة عدد من هذه المجلة، فاستعرتها وقرأتها جميعها. وكان يحرر ~~«المقتطف» في تلك السنين الدكتور يعقوب صروف. وكانت بؤرة اهتمامه الذهني في ذاك الوقت نظرية ~~التطور التي كان يسميها نظرية النشوء والارتقاء؛ ولذلك لم يكن يخلو عدد من بحث هذه ~~النظرية. # وفي مجتمعنا المصري كثير من الكظوم التي ترهق الذهن بالقيود والسدود. وكان الإيمان ~~بنظرية التطور نوعا من التفريج والانتقام؛ ولذلك وجدتني في ذلك الوقت داعية متحمسا لهذه ~~النظرية في البيت والمدرسة وفي كل مكان آخر. وشعرت كأني ممتاز بهذه النظرية. فبعثني هذا ms031 إلى ~~التوسع فيها، وعرفت لذلك الدكتور شبلي شميل، وكان رجلا كبير الذكاء محدود المعارف. فكان ~~يعتمد على الحجة المنطقية أكثر مما يعتمد على البينة العلمية. وفي الوقت الذي كان يعتمد ~~فيه «المقتطف» على البينات العلمية وينقل أقوال البيولوجيين في أوروبا عن هذه النظرية، ~~كان شبلي شميل ينافح عنها ويدعو إليها بقوة المنطق. ولكن يجب مع هذا أن نذكر فضل شبلي شميل ~~في أنه نقل إلى العربية كتاب بوخنر في المادية العلمية. والحق أن هذه النظرية كانت رؤيا ~~جديدة لشاب مثلي لم يكد يخرج من طور الصبا، كما كان شبلي شميل بجرأته وذكائه شخصية فذة لها ~~قوة الإيحاء والتوجيه في نفسي. # ولكن مع ذلك لم يستطع «المقتطف» ولا شبلي شميل تكوين مدرسة فكرية؛ لأن الركود الذهني كان ~~عاما كما كان الشرق بقواته التاريخية الساحقة يخيم علينا بل يحط علينا بكلكله. فلم يكن ~~المجتمع المصري وقتئذ يجيز لنا أن نبوح ونعلن عن سرائرنا. فكنا لذلك أفرادا متفرقين ~~نناقش هذه الأفكار والآراء في همس متسترين أو في استحياء يشبه الاعتذار إذا صادفنا غرباء. ~~وكثيرا ما كنت أجد أن الحجة تنتقل من الرأس إلى الذراع، فأسارع إلى التسليم وأعلن صحة ~~العقائد والتقاليد وكذب الآراء والعلوم؛ لأن المنكرين كانوا في العادة أكبر مني سنا وأضخم ~~جسما ... # وإني أعزو إلى «المقتطف» هذه النزعة العلمية التي لازمتني طوال حياتي الماضية، كما أعزو ~~إليه هذا «الأسلوب التلغرافي» الذي أكتب به والذي يظن كثيرون أنه من اختراعي. وكان الدكتور ~~يعقوب صروف لا يعرف التزاويق بل كان في الأغلب لا يتذوق الجملة الفصيحة أو الكلمة الناصعة ~~أو العبارة المتلألئة أو سائر تلك الألاعيب الصبيانية التي كان الكتاب يرفعون من شأنها ~~إلى قبيل الحرب الكوكبية الأولى. # وكان يرافق هذا الوجدان العلمي بالنظر المادي وجدان أدبي آخر شرع يغمرني ويبسط لي آفاقا ~~جديدة. ذلك أننا في تلك السنين أي حوالي سنة 1905 أو 1906 لم نكن نعرف من معنى الأدب سوى ~~القواعد الجامدة للبيان والبلاغة التي نحفظها عن ظهر قلب في جمود ms032 أو كراهة. ولكنا كنا ~~نتذوق شيئا من الجمال الفني في مقالات اللواء ومصباح الشرق. وكنا نقرأ كتاب أدب الدنيا ~~والدين للماوردي أو كتاب كليلة ودمنة لابن المقفع. والواقع أن أسلوب الأول يخالف أسلوب ~~الثاني؛ فإن الماوردي مسهب غير ململم أو محبوك في حين أن ابن المقفع موجز رصين مضبوط. ~~ولذلك كانت رؤيا جديدة بل إلهاما جديدا أن أعرف مجلة «الجامعة» لفرح أنطون. ثم اقتنيت ~~مؤلفات هذا الكاتب العظيم، فرأيت دنيا جديدة من الأدب الأوروبي لم نكن نعرف عنها شيئا من ~~قبل. وقد مس هذا الأدب أوتارا في نفوس جميع قارئيه في الشرق العربي؛ لأن هذه الدنيا ~~الجديدة من الأدب الأوروبي كانت تختلف - لا بل تناقض - ما تعلمنا من أدب عربي؛ ذلك لأن ~~الأدب العربي - كما كنا نعرفه في ذلك الوقت - كان أدب السلطة والتقاليد والعقائد. ولكن ~~الأدب الأوروبي - أو بالأصح الفرنسي - الذي نقله إلينا فرح أنطون، كان أدب الثورة والتمرد، ~~أدب العقل الذي يحس والقلب الذي يعقل، أدب فولتير وروسو وديدرو وبرناردان دواسان بيير. وكان ~~جميع هؤلاء مجاهدين يكافحون استبداد الملوك والأمراء واستبداد العقيدة وسلطان ~~التاريخ. # وكنا نحن في مصر في حال اجتماعية وسياسية تحملنا على الترحيب بهذا الأدب، ففتحنا له ~~قلوبنا، لا بل تفززنا وتمردنا. وكان هذا الأدب هو الذي هيأ فرنسا التهيئة الذهنية ~~للثورة الكبرى. ويبدو لي الآن أن فرح أنطون لم يكن على جهل بما يعمل. فإنه خرج من لبنان ~~حوالي سنة 1900 وكان هذا القطر يغط في ركود تاريخي آسن، وقد خيمت عليه الدولة «العثمانية» ~~ومنعت عنه النور إلا بصيصا يتلقاه الشباب في كلية بيروت الفرنسية أو الجامعة الأمريكية. ~~ودرس فرح أنطون الفرنسية وتشبعت نفسه وذهنه بآدابها. فلما رحل إلى مصر وجد شيئا من الحرية، ~~ولكنه أدرك أن الظلام الذي كان يشكوه لبنان هو نفسه الظلام الذي تشكوه مصر مع فرق في الدرجة ~~فقط. فعمد إلى هؤلاء المؤلفين الفرنسيين الذين ذكرت أسماءهم ينقل عنهم أو يستلهمهم في كل ما ~~يكتب. ومن هنا كانت جدته وطرافته لي ms033 بل لجميع قرائه؛ فإن «المقتطف» لم يكن يعنى ~~بالأدب. وكان «مصباح الشرق» جريدة أدبية يصدرها المويلحي، ولكن لأدب العرب فقط. أما الجامعة ~~فانفجرت بيننا تنير وتشير وتثير؛ أي تنير عقولنا، وتشير إلى مبادئ ومناهج رتبها أدباء ~~فرنسا في أواخر القرن الثامن عشر. وكان يحس أننا في حاجة إلى هذه المبادئ والمناهج؛ ولذلك ~~أثارنا بترجمة قصة الثورة الفرنسية لألكسندر دوماس. ولا أعرف واحدا يقظا في تلك السنين ~~لم يقرأ هذه القصة ولم يتغير بها وبسائر مؤلفات فرح أنطون. # وكان جديرا بهذه المؤلفات أن تحدث حركة رومانسية ابتداعية في الأدب العربي، ولكنها للأسف ~~لم تحدث. فإن خلاصتها أن الإنسان حسن مسالم، ولكن المجتمع سيئ يحمله على الرذائل. وما كان ~~أبدعها من فكرة لمثل أمتنا في مثل ذلك العصر أي حوالي 1905 أو 1906. فإن هذه الفكرة كانت ~~جديرة بأن تختمر وتبعث النشاط الذهني في جميع القراء، كما تبعث وجدانا أدبيا جديدا ينضج ~~ويتوالد في شتى الأفكار والآراء. # ولعلي محتاج هنا إلى أن أشرح ماذا أقصد إليه من الاتجاه الرومانسي في الأدب؛ فإن الأدب ~~يمكن أن يقسم من ناحية المزاج والاتجاه وقواعد التفكير واللغة بأنه أدب كلاسي ~~اتباعي أو أدب رومانسي ابتداعي. وليس أحدهما خيرا من الآخر، ولكنهما مختلفان. وفي فترة ~~ما تحتاج الأمة إلى النزعة الاتباعية في حين أنها في فترة أخرى قد تحتاج إلى النزعة ~~الابتداعية. # فالنزعة الاتباعية تقتضي العناية بالماضي والجري على أساليب السلف والتقيد بالنصوص في ~~قواعد التفكير واللغة. ففولتير اتباعي، وطه حسين في كتابه عن المعري اتباعي، والعقاد في ~~كتبه عن رجال الإسلام الأولين اتباعي، وقس على هذا. # والنزعة الابتداعية تقتضي الخيال أكثر من التقيد بالنصوص. وهي تجنح إلى التحلل من ~~النص والقاعدة؛ ولذلك كان روسو ابتداعيا كما أن طه حسين في «الأيام» ابتداعي، وكذلك توفيق ~~الحكيم ابتداعي في معظم ما يكتب. # ونحن محتاجون إلى النزعتين، ولكنا في مصر أكثر احتياجا إلى النزعة الابتداعية؛ لأنها في ~~النهاية نزعة التجديد واقتحام المستقبل. # وكان فرح أنطون فيما ألف ونقل رومانسيا ابتداعيا، ms034 بل إن أول الكتب التي نقلها عن ~~الفرنسية كان كتاب «إميل» لجان جاك روسو، وهو يعد أساسا للحركة الرومانسية في أوروبا، حيث ~~يقول بأن الطبيعة البشرية حسنة يفسدها المجتمع والحكومات والقوانين. وهذا الكتاب - مع الأسف ~~- لم يطبع إلى الآن. # ولكن حياة فرح أنطون في ذلك الوقت بترت؛ لأنه وقع في مناقشات تمس الدين مع الشيخ محمد ~~عبده، فبارت مجلته بعد الرواج، ورحل إلى القارة الأمريكية حيث اشتبك في خصومات صحفية لم يكن ~~القلم وحده أداة الرأي والحجة فيها، فعاد مهزوما إلى مصر. # وكان أثر فرح أنطون في نفسي أني أكبرت الأدب الأوروبي إكبارا عظيما. # ولم يكن هذا غريبا في مثلي؛ فإن فرح أنطون استبدل بالماوردي عندي جان جاك روسو، وحملني ~~على أن أستبدل بالكلمة الوضيئة والعبارة المذهبة أدب المبدأ والفلسفة والفكرة. # وعرفت فرح أنطون بعد ذلك حين اشتغلت معه في جريدة «اللواء»، وكانت جريدة الحزب الوطني ~~يرأسها المرحوم عثمان صبري حوالي 1910، فزادني توجيها نحو الأدب الأوروبي. وعاش فرح في مصر ~~إلى 1921 حين توفي وهو في الحادية والأربعين. وكانت وفاته نكبة على النهضة المصرية السياسية ~~والأدبية. وكان من اللبنانيين القلائل الذين اندغموا في الحركة الوطنية المصرية اندغاما ~~تاما. وكان سعد زغلول يحبه ويقدره. وزاره واصف غالي باشا وهو في فراش المرض قبيل ~~وفاته بمنزل أخته السيدة روزا حداد وقدم له تحية الوفد. # والآن أعود بالذاكرة إلى هذه الشخصية الفذة وأتساءل: ما مقدار ما ضاع منا بوفاته؟ # الحق أن ما فقدنا فيه عظيم فادح؛ فلو أنه عاش إلى أيامنا مثلا لطبع النزعات الأدبية ~~والسياسية في مصر بطابعه. ولعله كان يوجه الأدب المصري هذه الوجهة الرومانسية التي آسف ~~على أنه لا يتجهها الآن؛ لأننا على الرغم من كل جديد في هذا الأدب ما زلنا نعيش في أسر ~~التاريخ بأدب أغلبه سلفي، نفكر بمزاج سلفي في لهجة سلفية. وأدبنا هو أبعد الآداب عن روسو، ~~بل لقد أصبحت حركاتنا الاجتماعية سلفية أيضا كما نرى في حركة «الإخوان المسلمين». # وكان فرح أنطون بشري النزعة والإيمان، ms035 يؤمن بالإنسان ويكره الأساطير الغيبية بل يشمئز ~~منها. وكان يمتاز بالذهن الاستطلاعي يرود كل جديد في الثقافة الأوروبية. فهو أول من كتب عن ~~نيتشه. وأظن أني أنا كنت الثاني؛ لأن أول مقال صحفي لي كان في «المقتطف» سنة 1909 بعنوان ~~«نيتشه وابن الإنسان» وقد وصلت إلى نيتشه مستقلا وأنا بأوروبا. # ولذلك عقب عودتي من أوروبا واتصالي به كنت لا أجد موضوعا أختلف فيه معه. وكنا نتحدث عن ~~الاشتراكية والنزعات الأدبية الجديدة والسياسة في مصر، فنكاد نتفق في كل شيء حتى في العقيدة ~~الدينية. # وفيما بين 1907 و1910 ظهرت قوة جديدة في مصر كان لها أثر آخر في توجيهي النفسي، وكانت هذه ~~القوة أحمد لطفي السيد؛ ففي تلك السنين كانت الوطنية المصرية في طور اليرقة لم تنسلخ بعد ~~إلى الجسم الحي الكامل. وكانت عرضة لأخطار شتى وتطوحات مختلفة. وحسب القارئ أن يعرف أن ~~كلمة «وطنية» ليست عربية وأننا إنما سككنا هذه الكلمة كي نعبر بها عن وجدان جديد؛ ذلك أن ~~مصر في بداية هذا القرن كانت لا تزال في أسر الماضي. وكانت الدولة «العثمانية» هي دولتنا ~~التي كنا نكافح بها الإمبراطورية البريطانية. وكان بيننا متنبهون تعلموا في المدارس ~~الفرنسية أو نبهتهم الحوادث وأيقظت فيهم وجدانا وطنيا، فلم يكونوا يسيغون منطق اللواء ~~والمؤيد في الدفاع عن استقلال مصر بحق الأتراك في سيادتها. وكان الأقباط ينفرون من هذه ~~الوطنية العثمانية نفورا عظيما. # وظهر لطفي السيد في الجرائد يدافع عن هذه البديهية الواضحة، وهي أن مصر يجب أن يملكها ~~المصريون دون الأتراك ودون الإنجليز. ووجد في الأول مصادمة قوية من الكتاب الذين ألفوا ~~الدعاية للأتراك ولكن سرعان ما انتصر وظفر بالرأي العام في مصر. ووجد الأقباط منطقا في ~~هذه الوطنية كما وجد المثقفون فيها أملا جديدا يعبئ الأمة للإصلاح والتجديد فأقبلوا على ~~الجريدة وشغفوا بمقالات لطفي السيد فيها. # وكثير من القراء في أيامنا - أي بعد نحو 35 سنة من هذه الحركة - لا يعرفون مقدار هذه ~~الحركة وفضل أحمد لطفي السيد فيها؛ ذلك أننا جميعا ms036 قد اعتنقنا هذه الوطنية الجديدة - وطنية ~~مصر للمصريين - ولم نعد نعرف غيرها. ولكن على القارئ أن يذكر أن الدولة «العثمانية» كانت ~~شيئا أكبر من تركيا الحاضرة. وكانت إمبراطورية شاسعة لها جيوش وموظفون في اليمن والحجاز ~~والعراق وطرابلس. وكانت الرحلة السنوية إلى إستامبول أو كما كان يصفها الصحفيون وقتئذ «دار ~~السعادة» لا تقل في عدد المسافرين المتنزهين عن الرحلة إلى باريس. وكان حبل الدسائس لا ~~ينقطع بين القاهرة وإستامبول. ولكنه مع ذلك كان واهيا ، كما كانت هذه الدسائس عقيمة. # وكان لطفي السيد وعبد العزيز فهمي وقاسم أمين جيلا جديدا في مصر بعد الجيل الذي كان منه ~~الأفغاني ومحمد عبده. وكان هذا الجيل أكثر جرأة؛ ولذلك نجد أن قاسم أمين يدعو إلى سفور ~~المرأة وإلغاء الإعراب في اللغة. ولطفي السيد يدعو إلى لغة مبسطة تقارب العامية، كما نجد ~~عبد العزيز فهمي الآن يدعو إلى الخط اللاتيني. وقد حفظ هذا الأخير شبابه الذهني إلى ما بعد ~~السابعة والسبعين. وهو يعاني الآن من هذا الشباب عنتا من خصومه أولئك الشبان الذين شاخوا ~~قبل الثلاثين والأربعين. # والواقع أن لطفي السيد مهد لحركة سنة 1919 بجمع الأمة على رأي موحد في الوطنية، كما أنه ~~جعل التجديد مساغا لا يتهم القائمون به بالهوج أو الرعونة. بل أصبحت الدعوة إلى حرية ~~المرأة وتعليمها شيئا وقورا محترما، واحترمت «الجريدة» بعد أن كانت موضوعا للنكات ~~البذيئة. # وقد سبق أن قلت إن أسلوب المقتطف كان علميا مقتصدا وإني أخذت عنه ما أسميته «الأسلوب ~~التلغرافي». ولكن أسلوب لطفي السيد كان موجزا مقتصدا أيضا. وهو أشبه الأساليب بأسلوب ابن ~~المقفع، وأظن أني تأثرت به أيضا. # وقد كان هؤلاء الثلاثة: يعقوب صروف، وفرح أنطون، ولطفي السيد، من القوات التي صاغت شخصيتي ~~الثقافية الذهنية؛ فإن الأول وجهني إلى طريق العلم، والثاني بسط لي الآفاق الأوروبية ~~للأدب، والثالث جعل من المستطاع لي - بوصف أني غير مسلم - أن أكون وطنيا في مصر. # | كرومر وجورست وكتشنر # في 1907 كنت قد بلغت حالا من القلق النفسي والثقافي جعلت مقامي ms037 في مصر شاقا؛ فقد كنت ~~أعاني هذا الكرب المدرسي الذي أحدثه الإنجليز بنظام الثكنات في المدارس، إلى جنب نكد عائلي ~~آخر أوجدته تلك المطامع العائلية الصغيرة التي أجد من البر أن أنساها. والقارئ يعرف أننا ~~في مصر نكابد خلافات عائلية تتعدد مراجعها من التمييز المالي أو المطامع المالية بين ~~الورثة إلى الاشتباكات التي تعود إلى مصاهرات سيئة تحيل العائلات إلى قبائل تحيي الثأر ~~وتعيش السنين وهي في الشقاق والنزاع. وقد كابدت من كل ذلك مضضا وألما، ولكني كنت أجد ~~العزاء في شغفي بالثقافة. بل لقد كانت هذه المساوئ العائلية تحملني على تجنب الاختلاط ~~بالاعتكاف للدراسة كما كانت الدراسة نفسها سرورا أنشده كي أخفف عن نفسي هذا ~~البلاء. # وحين أرجع بذاكرتي الآن إلى تلك الأيام أجد أن بؤرة هذه المتاعب كان واحدا أو اثنين قد ~~أسيء إليهما في طفولتهما بالتدليل المسرف. فنشأ كلاهما على العدوان والعناد والخطف. والحق ~~أنهما لا يزالان على هذه الحال إلى الآن. # وسافرت إلى أوروبا وأنا على غير وجهة تعليمية معينة سوى الحصول بأية وسيلة على الثقافة ~~العصرية. وقد كان ميراثي من أبي الذي مات وأنا دون السنتين يكفل لي نحو 25 أو 30 جنيها في ~~الشهر دخلا ثابتا. فلم أحس الحاجة إلى إعداد مهني أتكسب به. ولم تكن الوظائف مغرية في ~~ذلك الوقت؛ لأن الحاصل على الدبلوم لم يكن يزيد مرتبه على ثمانية جنيهات. # وقصدت إلى باريس عن طريق إستامبول. وكانت الدولة العثمانية - تركيا - في تضعضعها قد شاع ~~فيها التفكك والانحلال. وكانت غايتي من اختيار هذا الطريق أن أرى أوروبا قبل أن أهبط باريس، ~~وقد يلذ للقارئ أن أروي له ثلاث حوادث وقعت لي في السفر لا تزال بارزة في ذهني: أولها أنه ~~كان يرافقني في قمرة الباخرة موظف تركي كان قادما من اليمن إلى إستامبول، وكان يعرف ~~العربية، وكان يعين مساءه بشرب زجاجة من العرق، ويعين صباحه بملء فمه ماء ثم ينفخ طربوشه ~~نفخا من فمه ويمسحه بعد ذلك. وكنا نتحدث كثيرا عن السياسة التي ms038 كان يفيض ويصرح في شئونها ~~عقب الكئوس الأولى من العرق. وكان يسب اليمنيين والعرب عامة. وكانت الباخرة قد قامت من ~~بورسعيد تقصد إلى المواني الشرقية على البحر المتوسط وتلبث في كل منها نحو ثلاث أو أربع ~~ساعات. فكنا ننزل للتفرج. فلما بلغنا أزمير اقترح علي أن يرافقني وأن نستأجر عربة لرؤية ~~المدينة. فلما واجهنا العربات على رصيف الميناء جعل يسأل الحوذية بلغته التركية عن أسمائهم، ~~فطلبت منه أن يخبرني عن السبب لهذه الأسئلة، فأجابني: «أسأل كي أعرف إذا كان مسيحيا أم ~~مسلما؛ لأننا يجب ألا نركب إلا مع حوذي مسلم.» ولم يكن يعرف أني مسيحي. وبصرت عندئذ بإحدى ~~المشكلات التي أدت في النهاية إلى موت السلطنة العثمانية؛ إذ ليس شك أن الأقليات من العرب ~~والأرمن - لما نالها من عسف - حطمت بنيان هذه السلطنة؛ لأن هذا التعصب الديني كان يرافقه ~~تعصب عنصري آخر ضد العرب. كما نعرف نحن مما فعله الشريف حسين الذي ألب العرب وانضم إلى ~~الإنجليز وحارب الأتراك في الحرب الكبرى الأولى. # والحادثة الثانية أني وأنا في إستامبول دخلت قهوة تركية كان دخان النارجيلات قد انعقد ~~فيها بحيث لم يكن الداخل ليستطيع التنفس أو رؤية السقف. وصدمني هذا الجو فارتددت بعد أن ~~فتحت الباب. وعدت إلى الشارع. ولكني تأملت وقلت في نفسي يجب أن أعرف هذا الوسط التركي ~~بعيوبه وميزاته. ورجعت إلى القهوة وقعدت، وأنا من الأصل أكره الدخان. وظني أني على ~~«استهداف» طبي منه، مثل أولئك الذين يستهدفون لهباء القطن أو القمح أو عطور بعض الأزهار. ~~ولم يمض علي بهذه القهوة نصف ساعة حتى شعرت بغثيان فخرجت وقئت في الشارع، وقصدت إلى ~~الفندق وأنا في غاية الكرب في الرابعة بعد الظهر، وآويت إلى الفراش، وفي رأسي ضربان كأن ~~مطرقة تدق دماغي، وتورمت الغدد في عنقي، ولم أفق إلا في صباح اليوم التالي، وكان واضحا ~~أني تسممت بدخان هذه القهوة. # أما الحادث الثالث فهو رؤية السلطان عبد الحميد وهو يقصد من قصره إلى المسجد لصلاة ~~الجمعة، وكنا نحن المتفرجين ms039 قد اصطففنا على الطريق وأمامنا الجنود الأتراك في صف عسكري. ~~وكانت المدافع تطلق قنابلها والنواقيس تدق في المسجد، على غير مألوفنا في مصر. والمؤذن يهتف ~~باللغة العربية، ويدعو إلى الصلاة. وخرج عبد الحميد في عربته وكان قد تجاوز الشيخوخة إلى ~~الهرم المتحطم، فكان منحنيا يكاد رأسه يلمس ركبتيه. وكانت العربة تسير على مهل وهتاف ~~القائد: «بادي شاه شوك يشا.» يبعث في كل منا حماسة تاريخية وإن تكن غير ديمقراطية. ولكن ~~أفسد علينا هذه الحماسة التاريخية منظر آخر هو ضابط شركسي كان واقفا قريبا منا، وكان ~~غاية في جمال الوجه وفتنة القوام، وزادت هذا الجمال شكته العسكرية الزاهية. وكان إلى جنبي ~~وخلفي سيدات أجنبيات فأخذت عيناي تتجسس عليهن كي أرى وقع هذا المنظر فيهن، وكان ما توقعت؛ ~~فقد تركت أعينهن عبد الحميد وتجمعت نظراتهن في بؤرة مفردة هي هذا الضابط الشركسي. وهكذا ~~انتصر عرش الجمال والشباب على عرش السلاطين الأتراك. # وقطعت الطريق من إستامبول إلى باريس على مراحل قصيرة كي أرى العواصم الأجنبية حتى استقررت ~~في باريس. وسأروي في فصل آخر ماذا رأيت في فرنسا. وكنت قد تركت مصر عقب خروج كرومر الطاغية ~~الإنجليزي الذي عاث وعربد في كياننا الاقتصادي والسياسي، وعطل بلادنا من التطور، وكان ~~السبب لخروجه فظيعة دنشواي التي فضحت الاستعمار البريطاني في جميع أنحاء العالم ~~المتمدن. # ولم يكتب إلى الآن في اللغة العربية تاريخ كرومر؛ فقد كان هذا الرجل جاهلا يتشدق ~~بعبارات لاتينية أو إغريقية قديمة، ولا يعرف شيئا من العلوم العصرية الجديدة. ولما ترك مصر ~~استخدمته مجلة «اسبكتاتور» في لندن لكتابة النقد للكتب السياسية الجديدة. وكنت أقرأ مقالاته ~~هذه وأنا في لندن فلا أجد نورا أو معرفة، ولكن حذلقة لغوية جوفاء وآراء سخيفة مغرضة. ~~وكان استعماريا مسرفا في الاستعمار، فمنع التعليم، وخاصة تعليم المرأة، وقتل الصناعة ~~المصرية، وأحال القطر المصري إلى عزبة للقطن. ولما أصر السر هنري كامبل بانرمان رئيس وزارة ~~الأحرار على طرده من مصر عقب فظيعة دنشواي وقف في دار الأوبرا يودع أصدقاءه الإنجليز ~~وأعداءه ms040 المصريين فقال هذه الكلمات التالية التي تدل على حنقه وعجزه، وذلك في 4 مايو من ~~1907: # أخاف أن أكون قد أتعبتكم أيها السادة بطول الكلام، ولكن ما قلته إلى الآن كان عن ~~الماضي، فإذا تكرمتم علي بالإصغاء فإني أقول شيئا عن المستقبل. # ما هي حقائق الحال المصرية الآن؟ أولها أن الاحتلال البريطاني سيدوم إلى ما شاء ~~الله. وقد قالت لنا حكومة صاحب الجلالة الملك ذلك رسميا. والثاني أنه ما دام ~~الاحتلال البريطاني باقيا فالحكومة البريطانية تكون بالضرورة مسئولة عن الخطة التي ~~تجري عليها الحكومة المصرية. ولا يكونن عند أحد أقل ريب في هذه الحقيقة الثابتة. ~~والنتيجة التي أستخلصها من هذه المقدمة أن نظام الحكم الحاضر دائم. # وإذا كانت هذه الكلمات تدل على حنقه فإنها أيضا توضح سياسته التي اتبعها في ~~مصر. # وجاء بعد كرومر من يدعى جورست، وكان قد أدرك أن الخديوي عباس يرأس الحركة الوطنية ويؤيد ~~مصطفى كامل في جهاده الوطني، وأراد أن يجتذب الخديوي إلى الإنجليز، فاخترع ما كان يسمى ~~«سياسة الوفاق»؛ أي إن الإنجليز يجدون المحالفة مع الخديوي أسوس له وأنفع لمصالحهم من ~~الخلاف المستمر والتصادم بينهم وبينه. وكان ما أراد جورست؛ فإن الخديوي تنكر لمصطفى كامل ~~بعدما أطلقت يد الخديوي في «نظارة» الأوقاف، بل أصبح يناوئ حزب الأمة الذي كان يطالبه ~~بالدستور. وكان أحمد لطفي السيد قد أصدر - بمعاونة بعض الأعيان - «الجريدة»، وجعل رسالتها ~~الأولى الدعوة إلى الدستور. وكان من وقت لآخر يحمل على الخديوي لأنه تتاح له الفرصة لمنح ~~الدستور ولكنه لا يمنحه. ووقعت البلاد من هذا «الوفاق» بين عميد الاستعمار البريطاني وأمير ~~البلاد في هاوية من اليأس. وتوطدت الصداقة بين عباس باشا وجورست حتى إنه عندما مرض هذا سافر ~~إليه الخديوي وزاره في لندن وهو في فراش الموت كما سبق أن ذكرت. # ثم كان هذا الانبعاث الوطني الجديد في الأمة، فعمد جورست إلى مناورة استعمارية أخرى هي ~~إيجاد الخلاف والشقاق بين المسلمين والأقباط. فكان الموظفون الإنجليز يحرضون الأقباط من ~~ناحية على المسلمين ثم يعودون فيحرضون ms041 المسلمين من ناحية أخرى على الأقباط. وشرعت المصالح ~~الحكومية تخرج إحصاءات غير مطلوبة كي تبين عدد الموظفين من القبط والمسلمين. وشرع كل فريق ~~يعقد المؤتمرات ويطالب بطلبات كأن مصر لم يعد لها طلبات قبل الإنجليز المعتدين علينا ~~جميعا، وإنما صار كل ما نطمع فيه أن يطلب المسلمون من الأقباط ترك هذه الوظائف أو تلك، ~~ويطلب الأقباط من المسلمين هذا الحق أو غيره. وهكذا انتهى جورست إلى «تهنيد» مصر. وسعد ~~الإنجليز وشقينا نحن ونسينا الدستور ونسينا الاستقلال. وخيم الشر على الأمة؛ حتى إن ~~كاتبا يدعى عبد العزيز جاويش كتب في اللواء جريدة الحزب الوطني يقول في رعونة إن المسلمين ~~كانوا يستطيعون أن يصنعوا نعالا من خدود الأقباط ... # وعاشت مصر أياما سودا اغتبط فيها العدو وابتأس الصديق. وقتل بطرس غالي باشا رئيس ~~الوزراء فحمل قتله على أنه ثمرة التعصب الديني. وهكذا تحققت الأسطورة التي اخترعها ~~إدوارد جراي وزير الخارجية البريطاني كي يبرر بها فظيعة دنشواي وهي أن التعصب الإسلامي قد ~~فشا في مصر وعم أفريقيا الشمالية. واستغل المستعمرون هذه الأسطورة. # ومات جورست قبل أن ينال جميع الثمرات التي كانت ينتظرها من الوقيعة التي غرسها بين ~~الأقباط والمسلمين. وجاء بعده كتشنر - وكان عسكريا فظا غليظ العقل يحمل حقدا قديما ~~على الخديوي - وبقي إلى 1914، وكانت غايته محو الحركة الوطنية وضم مصر إلى الممتلكات ~~البريطانية. وسار سيرة الضغط والعداء للأمة والخديوي، وأفشى التجسس في الحكومة، وأرسل بعثة ~~مصرية إلى موسكو كي يتعلم رجالها طرق التجسس التي كانت تستعملها حكومة القيصر نيقولا في ~~مكافحة الأحرار الروس حتى تصل إلى شنقهم أو نفيهم إلى سيبريا. وأقام قلعة تحت ستار ثكنة في ~~ميدان باب الحديد لا تزال قائمة إلى الآن وعلى كل زاوية منها مزاغل من الحديد. وكنت أقرأ ~~هذه الأخبار في الجرائد التي واظبت على الاشتراك فيها وأنا بفرنسا وكلي يأس واغتمام. وكانت ~~تصل إلي أيضا خطابات خاصة من أقاربي وأصدقائي الأقباط وهم حانقون على إخوانهم المسلمين، ~~وخاصة لهذا المقال البذيء الذي كتبه ذلك الكاتب الشاطح عبد ms042 العزيز جاويش عن خدود الأقباط ~~تصنع نعالا، في نقاش صحفي بين جريدتي اللواء والوطن. # ولكن مع هذا الظلام الذي عم مصر فيما بين 1907 و1912 كانت هناك أشعة من نور؛ منها الدستور ~~الذي دأب حزب الأمة ولسانه «الجريدة» في المطالبة به، ومنها هذا التطور الملحوظ في الوطنية ~~المصرية، والفضل فيه أيضا للجريدة وأعني به الانتقال من الوطنية العثمانية إلى الوطنية ~~المصرية البحتة. وقد كانت هناك تطورات أخرى غير ملحوظة لأنها سارت في هدوء؛ فقد رأيت مصر ~~سيدة مصرية تكتب في الجرائد باسم «باحثة البادية» هي ابنة المرحوم حفني ناصف، بل رأيت أيضا ~~الآنسة نبوية موسى تنجح في نيل الشهادة الثانوية على الرغم من معارضة دنلوب لها ومنعها من ~~التقدم للامتحان في السنة الأولى. ومن التطورات غير الملحوظة أن الثروة انتقلت من ~~العائلات التركية إلى العائلات المصرية؛ وذلك لأن أبناء الأتراك قنعوا بثرواتهم الموروثة ~~ولم يتعلموا، في حين أقدم الشبان المصريون على التعلم، فصار منهم الأطباء والمحامون ~~والمهندسون وعامة الموظفين. وكان هذا انتصارا عظيما للعنصرية المصرية. والقراء الذين ~~ألفوا رؤية وزراء من المصريين فيما بين 1920 و1947 قد يتعجبون حين يعرفون أن المصري ~~القح لم يكن يعين وزيرا إلا نادرا، بل نادرا جدا، قبل 1900. وكان بطرس غالي باشا ~~أول رئيس وزراء مصري للوزارة منذ الاحتلال البريطاني. كما أن فرح الأمة باختيار سعد زغلول ~~باشا وزيرا للمعارف في وزارة بطرس باشا كان يرجع بعضه إلى أنه مصري العنصر. والتفاتي هنا ~~إلى هذا الموضوع يدل القارئ على أننا منذ بداية هذا القرن كنا على وجدان بالعنصرية ~~المصرية. وقد ضعف هذا الوجدان بتقهقر السلالة التركية في الوظائف الحكومية. # وعدت إلى مصر بعد قضاء سنة في فرنسا في 1909، وأذكر أني حين نزلت في الإسكندرية سارعت ~~إلى قطع التذاكر عند شركة كوك لرؤية مدن الصعيد إلى الأقصر. وقضيت شهرين أتنقل من بلدة إلى ~~أخرى أدرس الآثار المصرية. وكان الباعث المؤلم بل المخزي على هذه الرحلة أني لم أكن ألقى ~~واحدا في أوروبا إلا وكان يفاجئني بالسؤال ms043 عن تاريخ الفراعنة الذين كنا نجهلهم تمام الجهل؛ ~~لأن الإنجليز كانوا يشعرون أن هذا التاريخ الذي يشتعل مجدا وعظمة يجب ألا يعرفه أبناء ~~الفراعنة في القرن العشرين لئلا يشتعل فيهم مثل هذا المجد أيضا فيطلبون الاستقلال. ومنذ ~~ذلك الوقت وأنا أهتم بالفراعنة وثقافتهم، وكان كتابي «مصر أصل الحضارة» ثمرة هذا ~~الاهتمام. # وعدت إلى القاهرة بعد هذه الرحلة. وكانت الحركة الوطنية على أشدها، فكانت هناك ~~المظاهرات من الطلبة، كما كانت هناك الصحف التي تطالب الإنجليز بالجلاء والخديوي بالدستور ~~والشعب بالنهوض. فكتبت أنا بعض المقالات في اللواء جريدة الحزب الوطني. وكان يرأس التحرير ~~فيها المرحوم عثمان صبري. وكان رجلا حكيما عرف الهوة التي أردى فيها عبد العزيز جاويش ~~الأمة حين وصف خدود الأقباط بأنها تصنع نعالا فشرع يستصلح ويسترضي ويضع الوفاق مكان ~~الشقاق. ودعاني إلى التحرير. وكان من أعظم ما طربت له أني وجدت هناك فرح أنطون صاحب الجامعة ~~التي وجدت فيها الثقاب الذي أشعل في نفسي الرغبة في درس الآداب الأوروبية. وقد انتفعت ~~كثيرا بصحبة فرح أنطون في ذلك الوقت؛ فإني - زيادة على ما كنت أستمتع به من حديثه في ~~الصباح - كنت أجتمع به في المساء في إحدى القهوات بميدان الأوبرا. وكان فرح جميل الطلعة ~~عصري الذهن أوروبي التفكير، يكره الأتراك والإنجليز على السواء. وكان مسامرا يتنقل من ~~الأدب إلى السياسة ولا تفوته النكتة العالية والاقتباس الفريد. # وكان المندوبون الإنجليز - كرومر وجورست وكتشنر - سواء في الغاية وهي استغلالنا ونهب ~~أموالنا. ولكنهم كانوا يختلفون في الوسيلة. فقد كان كرومر لوردا لا يعد هتلر شيئا في ~~جانبه من حيث الاعتقاد بأن الآريين يفضلون الآسيويين والأفريقيين. وكان يصر على مظاهر ~~السيادة البريطانية في كل شيء، بحيث كان يصرح بأنه يجب على الرئيس المصري أن يخضع للمرءوس ~~الإنجليزي. وكان لكل وزارة «مستشار» هو في حقيقته وزير يتصرف كما يشاء، وليس على رؤسائه سوى ~~الخضوع. وأستطيع أن ألخص سياسته كما أذكرها الآن فيما يلي: ~~(1) # قتل الصناعة المصرية قتلا تاما بحيث لا يجوز لمصري أن ينشئ مصنعا؛ ms044 إذ ~~على مصر أن تستورد جميع المصنوعات من إنجلترا، بل من غير إنجلترا إذا اقتضى ~~الأمر ذلك؛ حتى لا يتعلم المصريون شيئا من الثقافة الصناعية. ~~(2) # إحالة القطر المصري كله إلى عزبة للقطن، كأنه ضاحية زراعية لمصانع لنكشير. ~~وتوجيه نشاط الحكومة كله إلى هذه الغاية. حتى فقدت كلمة «مشروعات» معناها ~~اللغوي عند الحكومة وأصبح معناها الوحيد زيادة المياه للري حتى تزيد مساحة ~~الأرض التي تزرع قطنا. وكانت هذه الزيادة في المياه السبب في تفشي ~~البلهارسيا والأنكلستوما واستشباع التربة بالماء حتى وهنت. ~~(3) # قصر التعليم وتحديد عدد المدارس لتخريج الموظفين للحكومة فقط، وذلك بعد قصر ~~نشاط الحكومة على مهمة واحدة هي زراعة القطن. ~~(4) # المحافظة على تقاليدنا التي ورثناها من القرون المظلمة وكانت تؤخرنا، وأهمها ~~بقاء البرقع والحجاب للمرأة وتثبيط تعليمها. وقد اتبع من جاءوا بعده هذه الخطط ~~كلها، حتى إننا لم نؤسس مدرسة ثانوية للبنات إلا في 1925. # أما جورست فكان بعيدا عن صراحة كرومر، ولكنه كان يسير في الخطة نفسها من حيث تثبيط ~~التعليم ومنع الصناعة وزيادة الزراعة القطنية. وزاد على ذلك الوقيعة بين المسلمين والأقباط. ~~وزاد أيضا حبا متبادلا بينه وبين الخديوي عباس على حساب الشعب. # أما كتشنر فقد عاد إلى صراحة كرومر. وكان يكره الخديوي عباس كراهة شخصية، ولم يكن فيه من ~~الميزات السياسية ما يمكنه من إخفاء هذه الكراهة. وكان صغيرا في أساليبه شرسا في ~~مبادئه الإمبيريالية؛ فقد أراد الخديوي عباس حوالي 1913 أن يزور بعض المدن، وكان الأعيان ~~يستقبلونه على المحطات، فكان من صغار كتشنر أنه عندما كانت القهوة توشك أن تقدم على ~~المحطة يصفر القطار ويطير في سرعة مفاجئة فيرتبك الخديوي ويضطرب المستقبلون ويعم الهرج. ~~وكان هذا الصغار يلذ لكتشنر. وقد ذكر هذه القصة جورج لويد مع الإعجاب؛ لأن هذا الأخير ~~كان - نفسا وذهنا - لا يختلف عن كتشنر صغارا وانحطاطا. # وقد كانت شهرة كتشنر حربية؛ ولذلك كانت له الكلمة العليا في الحرب الكوكبية الأولى. وقد ~~عانى الإنجليز أعظم خسائرهم باستماعهم لمشورة كتشنر الذي أوصى بإنفاذ حملة إلى الدردنيل ms045 ~~كانت من بدايتها لنهايتها خسارا فادحا للإنجليز وهزائم متوالية منكرة. # ولم أبق سوى بضعة أشهر في اللواء جنيت فيها مرانة حسنة على الكتابة وبعض الدراية عن ~~الشئون الداخلية في مصر. ثم سافرت إلى فرنسا عن طريق سويسرا التي تركت لي أجمل الذكريات ~~النفسية عن جبالها وبحيراتها ومدنها وناسها وحريتها وثقافتها. # وكنت وأنا بفرنسا أتتبع الجهاد الوطني في مصر وأشترك في معظم الجرائد والمجلات. ووجدت في ~~«الجريدة» نزعة وطنية جديدة خلاصتها أن الجهاد يجب أن يتركز في بؤرة وطنية هي أن مصر ~~للمصريين وليست للإنجليز أو الأتراك. وأن الشعب يجب أن يحكم نفسه بدستور حتى لا يترك ~~الخديوي حاكما مطلقا للبلاد. وقد أدت هذه الدعوة إلى تقهقر الحزب الوطني، وإلى اعتناق ~~الأقباط للوطنية المصرية التي كانوا قبل ذلك يتوجسون منها ويخشون أن تكون وطنية تركية ~~لمصلحة السلطنة العثمانية. # وأخذت الحركة للمطالبة بالدستور تنتشر وتعم الأمة، وأصبح الخديوي بعيدا عن الحركة ~~الوطنية إن لم يكن مناهضا لها. # | الآفاق الأوروبية تتفتح لي # لما فوجئ العالم في أوائل أغسطس من هذا العام 1945 بالقنبلة الذرية وجد كثير من شباننا ~~«المتعلمين» أنهم محتاجون إلى أن يراجعوا حياتهم وأن يفتشوا أذهانهم كي يعرفوا موقفهم على ~~هذا الكوكب. وقد اضطر كثير منهم إلى أن يغيروا الأوزان والقيم الثقافية التي كانوا ~~يرتضونها من قبل وأن يستبدلوا بها قيما وأوزانا أخرى. وقد أحدثت هذه القنبلة صدمة في ~~أذهان هؤلاء المتعلمين أؤكد أنها لا تقل - في قيمتها الروحية - عن الصدمة المادية التي ~~أحدثتها في هيروشيما وناجازاكي في اليابان. # أعرف من هؤلاء الشبان اثنين كلاهما يستمتع بمركز مالي حسن كما أنه على اطلاع حسن ~~بالتيارات الثقافية العصرية. وقد كان إلى أغسطس الماضي قانعا بمعارفه وتطوراته الذهنية. ~~ولكن هذه القنبلة كشفت له عن نفسه فجاءة. فقال لي واحد منهما: «أشتهي أن أعيش طويلا كي ~~أتعلم وأعرف كثيرا من تطورات العالم بعد ظهور هذه القنبلة.» # وقال الثاني: «إني أحس كأني أحتاج إلى تربية جديدة كاملة أولد بها من جديد أتعلم معارف ~~جديدة وأقف ms046 على كنه هذه القنبلة وعواقبها الحربية والمدنية.» # وقد ذكرت مثلي هذين الشابين كي أقول إني في عام 1908 أحسست مثل هذا «الوجدان» وضاقت نفسي ~~إلى حد الانفجار؛ فقد وجدت من الأدب الذي نقله إلى العربية فرح أنطون ومن نظرية التطور ~~التي دأب في شرحها يعقوب صروف سنوات في «المقتطف» أني إزاء رؤية أنا أعمى إلا عن بصيص منها، ~~وأن هناك آفاقا مغلقة يجب أن يكون همي واهتمامي في حياتي أن أفتحها، وذلك بعد أن استقر ~~عندي أن جهلي عميق، وأني في مصر أعيش في حياة ذهنية صحراوية تقفر من التفكير الخصب. لذلك ~~قررت وأنا في التاسعة عشرة أن أترك مصر وأرحل إلى أوروبا كي أبحث عن الحياة وأربي نفسي ~~وأولد من جديد. وكنت في ذلك الموقف الذي وجدته في أغسطس من 1945 من ذينك الشابين اللذين ~~ذكرتهما، وأحسست كأني أريد أن أنسى - عن ظهر قلب - كل ما سبق أن تعلمت، وأن أمسح لوحة ذهني ~~كي أنقش فيها المعارف التي أختارها بنفسي. # وكان من حظي الحسن - كما سبق أن ذكرت - أن الناحية المالية بفضل ما ورثت من عقار صغير ~~مغل، لم تحوجني قط إلى الاهتمام بالكسب ولم يكن الإسراف أو الاستهتار في مزاجي؛ ولذلك ~~لم أبال في دراستي أن أعين هدفا بنية الارتزاق والكسب، بل كان كل قصدي ونشاطي أن أستنير ~~وأن أقشع الظلام المخيم على عقلي. وشرعت آخذ تربيتي في يدي وأعين برنامجي أو برامجي، لا ~~للدرس فقط بل للحياة أيضا. بل الحق أن الدرس كان عندي هو الحياة؛ لأني شعرت أني أعيش لأدرس ~~وأني أدرس لأعيش. ويبدو لي أني أحسنت الاختيار في هذا البرنامج؛ لأني أجد في 1945 أن ~~همومي الثقافية لا تزال هي نفسها تلك الهموم التي كانت تشغل قلبي وذهني في 1908 و1909. وإذا ~~كان هناك تغيير فهو في التوسع والتفرع فقط. # في 1908 سافرت إلى فرنسا وهبطت باريس: # شباب وفراغ وباريس، وأنا في التاسعة عشرة، ولكن لا! فإن باريس عندي لم تكن مدينة ~~الأنوار التي كان ms047 يحج إليها المصطافون ويجدون فيها ما يشتهون؛ لأن هذا الذي يشتهونه ~~قد وضع لهم وحدهم؛ إذ إن سواد الباريسيين يجهله. وباريس من حيث الانغماس الجنسي ~~تعد من أنسك العواصم الأوروبية. ثم كانت شهواتي الملتهبة في تلك السنين ذهنية ~~أكثر مما كانت جنسية. وكانت الدهشة عندي على أعظم ما تكون حين وجدتني في مجتمع ~~يخالف المجتمع الذي نشأت فيه في مصر، ولم تكن دهشة منبهة فقط بل كانت صدمة ~~موقظة. # كنت في مصر قبل 1908 أعرف الحجاب وأرتضي شعائره ولا أجد غرابة أو عيبا في التلميذات ~~الصغيرات يدخلن المدرسة السنية الابتدائية وعلى وجوههن براقع بيض. وكنت أجد الفصل بين ~~الجنسين شيئا مألوفا. والبيت في مصر خدر كامل ونساؤنا مخدرات كاملات. ولا أكاد أذكر ~~أني طوال عمري في مصر قبل سفري إلى فرنسا قد تحدثت إلى آنسة أو قعدت إلى سيدة أو فتحت عيني ~~في وجه امرأة مصرية. فلما وجدت المجتمع الباريسي واختلطت به ورأيت فيه المرأة الفرنسي على ~~حريتها وصراحتها وطلاقتها؛ شعرت أن أفقا جديدا يتفتح أمامي لم يستطع يعقوب صروف أو فرح ~~أنطون أن يفتحه لي من قبل. فإنهما لم يمسا هذا الموضوع - أي حرية المرأة - لسبب واضح وهو ~~أنهما مسيحيان. وكانا بالطبع يخشيان أن يعاب عليهما النقد للعقائد أو التقاليد ~~الإسلامية. ولم أكن قد عرفت قاسم أمين أو بالأحرى لم أتحمس له. ولا أدري العلة لغيابه عن ~~وجداني في ذلك الوقت؛ لذلك كنت حين أضطر إلى محادثة إحدى الباريسيات أحس ارتباكا يغمر ~~كياني فلا أجد اللعثمة في لساني فقط بل التخاذل أيضا في سائر أعضائي. وقد احتجت إلى سنوات ~~كثيرة حتى أتغلب على هذا الشعور المتعس الذي غرسته في نفسي تسع عشرة سنة من الفصل بين ~~الجنسين في مصر. # وواضح أن هذا الشلل النفسي منع عاطفة الحب أو كظمها في الوقت الذي كان يجب أن تنفرج فيه ~~أو تتسامى؛ ذلك أن الحب فنا كنا نجهله نحن في مصر في تلك السنين. وكانت أية محاولة مني ~~نحو التعارف الحميم بآنسة ms048 تنتهي بخيبة تكوي القلب والعقل معا. وفي مصر في وقتنا هذا من ~~ينظر إلى الاختلاط بين الجنسين بعين المقت أو النفور، ولكني حين أقارن حالي سنة 1909 وما ~~كنت عليه من تعس جنسي ووكس عاطفي بحال شبابنا الآن في سرورهم ولهوهم أراني مضطرا إلى ~~الاعتراف بأنهم سعداء يغتبطون في ظروف كنت أنا فيها شقيا يرثى لي. # وحبست نفسي في مدرسة ابتدائية في قرية قريبة من باريس تدعى موليري من قرى القرون الوسطى. ~~واندغمت في عائلة ناظر المدرسة، وشرعت أتعلم اللغة الفرنسية في نشاط ومثابرة حتى نبزت ~~بين المعلمين بعبارة «كيه فوديرسا» أي «ما المعنى؟» وذلك لإلحاحي على السؤال. ولم تمض أشهر ~~حتى وجدتني أقرأ الجريدة اليومية بل الكتاب في فهم وتعقل بمساعدة المعلم. وكان انتفاعي ~~بجرائد فرنسا اليومية عظيما؛ لأنها وجهتني في السياسة وجهة عالمية كانت جرائدنا في مصر في ~~ذلك الوقت تعجز عنها. وانقطعت صلتي بمصر باستثناء «الجريدة» التي كان يصدرها لطفي السيد، ~~وكان يلقن بها تعاليمه الجديدة: مصر للمصريين لا للأتراك ولا للإنجليز. حرية المرأة. ~~الحكومة الدستورية بإيجاد برلمان. وكان يكتب في هذه الشئون وغيرها بأسلوب اقتصادي بعيد عن ~~الزخارف التي كنا نتعلمها في المدارس الثانوية ونحسب أنها قمة البلاغة وتاج الفصاحة. وقد ~~عرفت أن مجلة «المقتطف» قد جمعت هذا العام 1945 عددا كبيرا من مقالاته التي كتبها ~~بالجريدة فيما بين 1907 و1914. والقارئ يستطيع أن يجد في هذه المقالات ذلك التوجيه الوطني ~~الذي وجدته أنا في تلك السنين منها. # وكانت المرأة الفرنسية - كما قد عرف القارئ مما ذكرت - أعظم ما حرك وجداني الاجتماعي، بل ~~كذلك حرية المرأة في أوروبا الغربية؛ فإن هذه الحرية كانت لهبا يلسع ويجرحني في كرامتي ~~الوطنية كلما ذكرت حال المرأة المصرية. وإلى هذه السنوات وإلى هذا الوجدان تعود ثورتي بعد ~~ذلك على التقاليد المصرية التي لم أعد أطيق صبرا عليها. وكثيرا ما فقدت صداقات كنت أحرص ~~عليها لموقفي من هذه التقاليد، بل هناك من أصدقائي من يقول إني فقدت مكاسب. # وبعد ذلك قرأت ms049 هنريك إبسن ودعوته إلى شخصية مستقلة للمرأة، ثم عرفت المنظمات والجمعيات ~~النسوية التي كانت في لندن تطالب بحقوق الانتخاب والنيابة. وامتلأ قلبي وذهني نورا ~~وتفاؤلا بمستقبل البشر. # وقد نشأت في مصر في وسط ريفي؛ ولذلك التفت إلى الريف في فرنسا وتعلمت منه. فإننا في مصر ~~لا نرحل إلى الريف إلا مضطرين كارهين؛ لأننا نتوقع الغبار على السكك والإهمال الصحي ~~في المساكن. وريفنا فضلا عن هذا صحراء الروح لما يخيم عليه من جهل وفاقة وقذر للجسم كأنه ~~الدنس للنفس. ولكن ريف فرنسا جنة العين. وكنت أجد السعادة العظمى في فسحة أقضيها ماشيا على ~~الطرق الزراعية التي يكسوها البلاط - وقتئذ - بين حقول تموج بحركة الحياة النامية في ~~البقول أو تزدان بالكروم وأشجار الفاكهة الزاكية. وما زلت أذكر ذات مرة أني رأيت على مسافة ~~في جولاتي هرما صغيرا أحمر أثار استطلاعي فقصدت إليه، فلما بلغته وجدته شجرة قد كساها ~~التفاح الأحمر كاد يخفي أوراقها ... # والقرية الفرنسية - مهما صغرت - تحتوي كثيرا من المرافق الاجتماعية حتى لكأنها مدينة ~~صغيرة؛ فإن فيها المطعم والحانة والفندق والسوق الأسبوعية. ولذلك كثيرا ما يقضي الباريسي ~~أسبوعا أو شهرا في الريف كما يقضي أحدنا مثل هذه المدة في الإسكندرية أو رأس البر. # وفي الحرب الكبرى الثانية أشار الماريشال بيتان شبهات وشكوكا بشأن المجتمع الفرنسي ~~أوهمت كثيرا من القراء المصريين أن هذا المجتمع مريض قد تفككت فيه العائلة وتزعزع الإيمان. ~~والواقع أن كل هذا وهم؛ فإنه ليس في أوروبا عائلة متماسكة كالعائلة الفرنسية. ولا يزال نظام ~~هذه العائلة بطريركيا لا تخرج فيه السلطة عن الأب. وليس في كل أوروبا الغربية أمة تحترم ~~الكنيسة كما يحترمها الفرنسيون. وحسب القارئ أن يعرف أن جميع الكنائس في فرنسا - وبعضها ~~ينفرد في ريف ناء - تترك مفتوحة ليلا ونهارا، ومع ذلك لا يسرق ما فيها من الأثاث ~~الغالي الذي يقدر أحيانا بمئات أو ألوف الجنيهات. وهذا على الرغم من حرية الفكر ~~المستفيضة. لا بل على الرغم من الدعايات النشيطة ضد الدين والكنيسة. وما زلت أذكر منظرا ms050 ~~كان له أثر الصدمة الموجعة لأول شهر كنت فيه في باريس في 1908؛ فقد رأيت جنازة تسير في أحد ~~الشوارع تتقدمها راية قد كتب عليها «لا رب ولا سيد!» # ومثل هذا المنظر يوهم أن الأمة الفرنسية قد استفاض فيها الكفر والإلحاد. ولكن وقفة واحدة ~~خارج الكنيسة أو داخلها يوم الأحد كانت تكذب هذا الوهم؛ فإن كاهن القرية هو الرئيس ~~الروحي الذي يخاطب السكان بلهجة الأمر تحيط به هيبة التقاليد. والواقع أنه ليس في أوروبا ~~كلها كنيسة حية كالكنيسة الفرنسية. # والحانة - على الرغم من اسمها وشهرتها - هي في باريس والمدن والقرى مؤسسة اجتماعية ~~للسمر بين الرجال أو بين الرجال والنساء. وكثيرا ما يجد فيها الزائر الطعام إلى جنب ~~الشراب. ومع أن في فرنسا آلاف الحانات، ومع أن الأطفال يشربون الخمر، فإني لا أذكر أني رأيت ~~طوال إقامتي في فرنسا في 1908 و1909 رجلا سكران. ولعل مرجع ذلك أن الفرنسي يأكل ويشرب ~~ويسكن ويلبس ويعمل وله في كل ذلك مأرب فتى يحمله على أن يتأنق في معيشته. فهو يتجنب ~~السكر عن تأنق وفن كما يجد في التمالك كرامة ولياقة. والمائدة الفرنسية - بأوانيها ~~وزهورها - هي متعة فنية للعين كما هي لذة للذوق بمهارة طهاتها. # وبدهي أن لتماسك العائلة الفرنسية نتيجة هي أن فرنسا أقل أقطار العالم كله طلاقا. ~~وأن البيت الفرنسي يشبه في كثير من الأحيان متحفا يحوي كثيرا من التحف القديمة والطرف ~~الغالية. والجيل الجديد يرث عن الجيل السابق تقاليد في البيت هي الشعائر الاجتماعية التي ~~يتعارف بها الأفراد كما يرث الأبناء تراث الآباء من أثاث مادي أو ذكريات روحية. # وتعلمت اللغة الفرنسية في سرعة عجيبة. وقد هبطت وحدي بلا معونة على طريقة، وجدت بعد ذلك ~~أن المربين التفتوا إليها، هي أن الجملة - دون الكلمة - هي التي تحفظ وتستذكر. وحين كنت ~~أزور باريس كنت على الدوام أعنى بحضور إحدى الدرامات. وقد أتيح لي أن أستمتع برؤية سارة ~~برنار وهي تمثل «العقاب الصغير» ولكنها كانت في كهولتها قد ذهبت عنها لمعة الشباب مع بقاء ms051 ~~البراعة الفنية. # ودأبت في قراءة الجرائد الفرنسية اليومية، وكانت تباع بأثمان التراب. وتعرفت إلى ~~الأحزاب الفرنسية وشغفت بقراءة الأومانيتية التي كانت تعبر عن آراء الاشتراكيين. وكانت ~~الاشتراكية رؤية جديدة حملتني على أن أذكر الطبقة الفقيرة في مصر وأجعلها موضع اهتمامي. ~~وأكسبتني الجرائد الفرنسية العقلية السياسية الأوروبية، واستطعت أن أفهم كثيرا في ضوء ~~المذهب الاشتراكي. وكانت جرائدنا في مصر «محلية» قد أنهكها الكفاح للاستقلال وحال بينها ~~وبين دراسة الشئون العالمية؛ ولذلك انتفعت كثيرا بهذه النظرية الواسعة، وخاصة لأن إقامتي ~~في فرنسا صادفت تلك السنوات التي سبقت الحرب الكوكبية الأولى. فكانت الخمائر تختمر لمن ~~يتشمم الأخبار ويتنسم الطوالع. # ومع أن اللغة الفرنسية هي لغة الإفصاح والإيماض، لغة الأدب الحر الذي يمتاز بعبقرية خاصة ~~في الدقة والوضوح، ومع أن باريس بؤرة الآداب الأوروبية بل شعلة الثقافة التي تعشو إلى ضوئها ~~عيون الأوروبيين، ومع أن فرنسا لا تزال في وجداني فكرة أكثر مما هي قطر، فإني - لاتجاهي ~~العلمي - وجدتني في مستقبل أيامي أميل إلى قراءة الكتب الإنجليزية وأوثرها على الفرنسية؛ ~~لأن الإنجليزية تعبر عن نزعة عملية تحقيقية كثيرا ما نجدها بعيدة أو غائبة عن المزاج ~~الذهني الفرنسي، ولذلك أعزو تربيتي أو بالأحرى معارفي الثقافية إلى الإنجليزية أكثر مما ~~أعزوها إلى الفرنسية. # وإذا سألني القارئ: هل وجدت في الإنجليزية أديبا له مرانة الفن ودقة الحس وأناقة ~~التفكير وجمال التعبير مثل أناطول فرانس؟ أو هل وجدت أديبا في الإنجليزية له حكمة فولتير ~~وثورة روسو وجنونهما المقدس في خدمة الحق والفن؟ فإني أجيب بلا، بل إني أعترف أن هناك آخرين ~~غير أناطول فرانس وفولتير وروسو ممن أثمرتهم الثقافة الفرنسية ولا يوجد من يضارعهم من ~~أدباء الإنجليز أو الأمريكيين. ولكن ميزة الكاتب الإنجليزي، وأسمى كتاب الإنجليز ~~عندي هو برناردشو، ميزته أنه يلصق بالحقائق، وله قدم ثابتة في الأرض حتى حين يرتفع رأسه فوق ~~السحاب. ومع أني ما زلت إلى الآن أؤثر الجريدة الفرنسية في القاهرة على الجريدة الإنجليزية، ~~ولا أترك نزعة أدبية فرنسية تفوتني؛ فإني حين أحتاج إلى ms052 دراسة، تطالبني بالهرس والطحن، أعمد ~~إلى الكتب الإنجليزية. # وفضل فرنسا علي أنها جعلتني أوروبي التفكير والنزعة. وقد تركت باريس في نفسي إحساسا ~~بأنها عاصمة العالم المتمدن. ولم يتركني هذا الإحساس إلى الآن، بل إني أرى من الحق أن نصف ~~المصري أو الألماني أو الروسي أو الصيني الذي استشبع بالثقافة الفرنسية بأنه «فرنسي»، كما ~~كان يوصف سكان البحر المتوسط من الرومان والمصريين والمشارقة بأنهم «هلينيون» إذا ~~استشبعوا بالثقافة الإغريقية ونزعوا النزعة الأتينية. لأن إغريقيا لم تكن وطنا جغرافيا ~~للإغريق فقط بل كانت أيضا وطنا ثقافيا لغيرهم من أبناء الأمم المجاورة. وكذلك فرنسا ~~ليست الآن وطنا جغرافيا للفرنسيين وحدهم ، وإنما هي وطن كل مثقف درس الثورة الفرنسية وأحب ~~باسكال وروسو وعرف كلود برنار وأناطول فرانس. ولا يستطيع أحد أن يقول مثل هذا القول عن أي ~~قطر آخر. لقد فتحت لي فرنسا الآفاق الأوروبية التي لا تزال تنبسط أمامي فتكسب حياتي مغزى ~~حتى حين أعيش في وسط ليس له معنى فضلا عن مغزى. وأي عزاء أكبر من هذا؟ # | أنا أربي نفسي # في 1909 قصدت إلى لندن بعد قضاء شهرين في مصر عقب عودتي من فرنسا. وهنا يجب أن أذكر أن ~~السفر كان في ذلك الوقت حرا، فلا جوازات وتقييدات أو عراقيل حكومية. وكان السفر إلى باريس ~~أو برلين أو لندن لا يختلف عندي من السفر إلى طنطا أو أسيوط. وأذكر أني أخذت إلى لندن باخرة ~~قادمة من الهند عليها موظفون من الإنجليز في الحكومة الهندية، فقاطعوني حتى على المائدة حين ~~يحتاج كل واحد إلى مناولة الملاحة أو إناء الماء أو غيره. ولم أنجح في حمل أحد من هؤلاء ~~الإنجليز على الحديث معي ونحن على سطح الباخرة. وعوملت كما لو كنت هنديا، أنا العبد وهم ~~السادة. ولكني وجدت بعض الهنود الذين عزلوا أيضا - اجتماعيا - مثلي، فكنا نتحدث معا ~~ونحن على وجدان بهذا الاستغراض الإمبراطوري. أجل لقد عرف الإنجليز نظرية «الشعب السائد» ~~ومارسوها حين كان لا يزال الألمان مبتدئين في تفهم مغزاها يكتبون عنها فقط. ms053 وكان هذا أول ~~اختباري للاستغراض اللوني؛ لأن أوروبا كلها لم تكن تعرف هذا الاستغراض. وكنا نحن المصريين ~~نجد الاحترام بل الإكرام في عواصم أوروبا إلا في عاصمتين: إستامبول حيث كان الأتراك ينظرون ~~بالاحتقار إلى كل عربي، ولندن حيث كان الإنجليز على وجدان وقح بسيادتهم للهنود والمصريين ~~وسائر الأمم التي استولوا عليها. # وقد يسأل القارئ: لماذا لم أعد إلى باريس بعد أن قضيت فيها نحو سنتين كانت بالطبع لا ~~تكفي للتعلم؟ # وللإجابة أقول إن باريس بعد أن بسطت لي آفاق الثقافة الأوروبية حملتني على أن أسرف في ~~الطموح. فقد كنت في مصر أعيش في عزوبة ثقافية لا أقرأ غير اللغة العربية ولا أستنير عن شئون ~~هذا العالم حتى بقراءة الجريدة العربية. وكان تعلمي للفرنسية بمثابة التزوج من الثقافة ~~الأوروبية. وخشيت إن أنا بقيت في باريس أن أنسى اللغة الإنجليزية التي تعلمتها بمصر. ~~فأضمرت برنامجا لتربيتي الذاتية، برنامج الحياة، هو أن أعيش في لندن سنة أو أكثر ثم أقصد ~~إلى برلين فأتعلم الألمانية. وامتلاك هذه اللغات الثلاث يكفل الاتصال بالعالم المتمدن كله ~~جملة وتفصيلا من حيث الوقوف على معارفه واتجاهاته. وقد اختل هذا البرنامج فيما بعد؛ فإني ~~وأنا في لندن شرعت في تعلم الألمانية، ولكن صعوبة هذه اللغة، وأيضا سوء الطريقة التي ~~اتبعها المعلم معي، كلاهما جعلني أكف عن الاستمرار في تعلمها. وبدلا من أن أبقى في لندن ~~سنة بقيت نحو أربع سنوات. # ورأيت وأنا بلندن أن أتخذ دراسة نظامية إلى جنب دراساتي الأخرى الاختيارية. ولم يكن لي من ~~قصد في هذه الدراسة النظامية سوى الحصول على الشهادة للوجاهة لا للكسب؛ ولذلك لم أبال ~~أية دراسة. والتحقت بلنكولنز إن، وهي أشبه بهيئة نقابية للمحامين في لندن تجهز الطلبة ~~الملتحقين بها بدراسات قانونية ينتهي من يجتاز الامتحان فيها بالحصول على شهادة هي في ~~الحقيقة رخصة بأن يكون محاميا أو وكيل دعاوى. وقد كان اختياري لهذه الدراسة كارثة؛ فإني ~~بعد أن درست الدستور البريطاني بشيء من الحماسة والتوسع وجدت سائر القوانين الإنجليزية لا ~~تطاق ms054 ولا تستحق العناء، وخاصة تلك القوانين التي تعالج مشكلات التجارة البحرية؛ ولذلك ~~شملني فتور حال دون الاستمرار في الدراسة. # ولكن هذا الفتور في دراسة القوانين الإنجليزية كان يصحبه نشاط محموم في دراسات أخرى كنت ~~أتهجد لها في الليل. كما كانت هناك فترات تطول أياما بلا دراسة ولكن في تأمل وفي امتحان ~~ذاتي حين كنت أبحث عن مراسي في هذه الدنيا المبلبلة. وأذكر أني - في إحدى هذه الفترات - ~~وجدتني قاعدا على الكرسي كأني قد سمرت به، وكأني نويت أني لن أبرح هذا الكرسي حتى أصل إلى ~~قرار حاسم. ماذا أنا عامل في هذه الدنيا؟ من هم خصومي الذين يجب أن أكافحهم؟ من هم أصدقائي ~~الذين يجب أن أؤيدهم؟ # ووجدتني أفكر وأجيب. وأحيانا يحتد تفكيري فأسمعه كلاما أنطق به. أجل، ليس لي مأرب ~~في هذه الدنيا، فلست أبالي أن أكون ثريا، لا بل لست أبالي أيضا أن تكون لي زوجة وأطفال. ~~وإنما قصدي أن أفهم، أن أعرف كل شيء وآكل المعرفة أكلا. # ثم عدت فقلت: ولكن لماذا؟ وأجبت: لأكافح. # أكافح الإنجليز حتى يجلوا عن وطننا، وأيضا أكافح تاريخنا. # أكافح هذا الشرق المتعفن الذي تنغل فيه ديدان التقاليد. وأكافح هذا الهوان الذي يعيش فيه ~~أبناء وطني: هوان الجهل وهوان الفقر. أجل إني عدو للإنجليز وعدو لآلاف من أبناء وطني، ~~لهؤلاء الرجعيين الذين يعارضون العلم والحضارة العصرية وحرية المرأة، ويؤمنون بالغيبيات، ~~وصارت هذه الأفكار هما يؤرق. # وعقب مقامي في لندن بأربعة أشهر فقط أصبت بنزلة شعبية فنهضت منها منهوكا حتى نصح لي ~~الطبيب المعالج بأن أعود إلى مصر كي أنتفع بشمسها، فوجدت أن العودة إلى مصر بعد شهور فقط قد ~~تحدث ارتباكا كبيرا في برنامجي. ولما كان الغرض هو ترك جو لندن أي الضباب والبرودة فإني ~~فكرت في مراكش لقربها من إنجلترا. وقلت: أقضي بضعة أسابيع هناك وأعود في مارس حين يكون قد ~~خف البرد. وتجهزت للسفر. وكانت الرحلة من لندن إلى جبل طارق حافلة بعناء الأمواج المضطربة ~~في خليج بسكاي ونغاصة الإقامة مع ms055 الموظفين الإنجليز العائدين إلى مصر والهند وسائر ~~الإمبراطورية. وكان هؤلاء ينظرون إلينا كأننا كلاب بل أشنع. ونزلت في جبل طارق حيث طاب لي ~~أن أتردد على المراكشيين التجار وأتحدث معهم بالإنجليزية والعربية. # وقصدت إلى طنجة مدينة ابن بطوطة، وهناك قضيت نحو عشرين يوما كان أعظم وقعها في نفسي أني ~~اقتنعت بأن الشرق مفلس وأن طراز الثقافة الذي يعيش به ويسترشد بقواعده يجب أن يتغير. فقد ~~كانت الحكومة المراكشية تبيع الحشيش للأهالي وتحتكر الاتجار به تؤثر بذلك ربحها على ~~صحة السكان. وقد حدث أني خرجت مع الدليل لرؤية بعض الآثار الرومانية التي تبعد أميالا عن ~~طنجة. وكان كل منا على بغلة، ولما وصلنا إلى سفح تل نزلنا للاستراحة، فانطلقت بغلة الدليل ~~وفرت فوق التل، فلما طلبت إليه أن ينهض ويدركها أجابني في برود وطمأنينة بأن الحشيش ~~«قطع» قلبه، وأني يجب أن أنهض أنا وأعدو وراء البغلة حتى أمسكها وأعود بها إليه. ونظرت إلى ~~وجهه وتأملت شحوبه وتحقق لي أنه ليس هناك مفر من أن أستمع لكلامه. وقمت أجري خلف البغلة على ~~التل. وقد احتجت إلى نحو نصف ساعة وأنا ألهث جهدا حتى قبضت عليها وعدت بها لهذا الدليل ~~الحشاش. # وقيل لي وأنا في طنجة إن الرقص ممنوع، ولكن الدليل أسر في أذني بأنه على الرغم من هذا ~~المنع فإني أستطيع أن أرى الرقص وأسمع غناء المغربيين، ولكن في مكان غير علني. وبعثني ~~الاستطلاع على أن أستجيب لاقتراحه. وقصدت معه بعد الثامنة مساء إلى هذا المكان حيث وجدت ~~فتيات عاريات لا تستر أجسامهن خرقة وهن يرقصن ويغنجن ويغنين أغاني مراكشية ويطربن الأجانب ~~وبعض الوطنيين بهذا الابتذال الذي بعث في نفسي اشمئزازا عظيما. # وكانت لغة المغاربة عربية بالطبع. ولكنها تنطق بلهجة تغاير لهجتنا في مصر حتى كنت أوثر ~~التحدث بالفرنسية. فإذا لم يفهمها محدثي ألقيت عليه السؤال باللغة العربية الفصحى. وكان - ~~بعد أن يتأملني في دهشة - يجيب بفهم على سؤالي. وقد كتبت عن رحلتي هذه مقالات بالمقتطف في ~~1909 بعنوان: «أسبوعان في المغرب.» ms056 # وعدت إلى لندن منتعشا معافى وقد فطمتني الزيارة للمغرب من أي أثر باق من الولاء ~~للشرق. وشرعت أتعرف إلى ينابيع الثقافة الإنجليزية العصرية وأتتبع مناقشات الصحف. والتحقت ~~بالجمعية الفابية التي كانت تنشر الاشتراكية بين المتوسطين والأغنياء دون العمال. وكانت هذه ~~الجمعية في ذلك الوقت تجمع عددا كبيرا من المتيقظين للتطورات الاجتماعية والاقتصادية ~~بزعامة برناردشو وولز. وكان الثاني قد تركها ولكن أثره كان باقيا. ولم أنقطع منذ عرفت هذين ~~المؤلفين عن دراسة مؤلفاتهما التي تعد تربية عصرية في الاقتصاد والاجتماع والدين ~~والأدب والعلم. وقد تربى عليهما جيل في أوروبا وأمريكا أصبح أفراده يقودون عصرهم ويرتادون ~~المستقبل. وعرفت أيضا جمعية العقليين . وكانوا يطبعون مؤلفات مبسطة رخيصة عن العلوم ~~والمكتشفات التي تناهض العقائد الدينية المألوفة. وقد طبعوا الملايين من هذه الكتب التي كان ~~يباع الواحد منها بنحو 25 مليما. وقرأت جميع مؤلفاتهم ومطبوعاتهم. # وكان المذهب العقلي يتفشى في أوروبا في تلك السنين ويجد أخصب تربة لنموه في فرنسا. ~~فقد كان في باريس جرائد يومية - مثل لو لانترن - تكافح الغيبيات. ولا أنسى مظاهرة هائجة ~~ارتجت لها لندن وسائر العواصم الأوروبية حوالي 1910، فقد حدث أن رجلا من هؤلاء العقليين ~~يدعى فرانسيسكو فيرير أعدم في إسبانيا. وكانت التهمة التي حوكم من أجلها أنه دبر مؤامرة ~~لقلب نظام الحكم من الملوكية إلى الجمهورية غير تهم أخرى خاصة بالجيش. ولكن التهمة الحقيقية ~~كانت أنه كان ينشر في إسبانيا المظلمة مؤلفات الأحرار في أوروبا مثل فولتير ونيتشه ~~وكوربتكين وروسو وتولستوي، ويترجم مؤلفات العقليين - وخاصة ما اتصل منها بنظرية التطور - ~~إلى اللغة الإسبانية ويبيع هذه المؤلفات بأثمان مخفضة حتى تصل إلى العامة. ورأى الكهنة ~~والرجعيون أن هذه المؤلفات خمائر سوف تقوض سلطانهم وتلغي امتيازاتهم واحتكاراتهم. ~~فدبروا له تهمة «قلب نظام الحكم عنوة» وأعدموه. # وهاجت أوروبا كلها لإعدام هذا الرجل، فكانت مظاهرات في كل مدينة بل في كل قرية. وكانت ~~الخطب النارية في كل ناد ومحفل استنكارا لهذه الجريمة. وحضرت المظاهرة الكبرى التي سارت ~~مواكبها في لندن وتجمعت أخيرا في ساحة ms057 «الطرف الأغر» حيث ألقيت الخطب من الأحرار ~~والديمقراطيين في التشنيع بالحكومة الإسبانية واستبداد الكنيسة الكاثوليكية. وعقدت اجتماعات ~~كثيرة بعد ذلك في هذا الشأن. ووصلت الأخبار من باريس في مساء ذلك اليوم بأن المظاهرات جمحت ~~وقتل عدد من المتظاهرين الذين حاولوا الهجوم على الكنائس والأحزاب الرجعية. وصدرت الكتب ~~العديدة في شرح الحركة العقلية التي كان يقوم بها فيرير ومحاكمته الجائرة التي انتهت ~~بإعدامه. واتضح من هذه المحاكمة أن وكيل النيابة الذي شرح التهمة للمحكمة صرح بأنه لا ~~يعرف من هو تولستوي الذي كان فيرير يتعب وينفق ماله في نشر مؤلفاته باللغة الإسبانية. ولما ~~وثب الطاغية فرانكو إلى الحكم في 1937، وحارب الديمقراطيين والاشتراكيين - بمعاونة الكهنة - ~~وقتلهم ودمر المدن الإسبانية بمساعدة الطيارين الفاشيين من ألمانيا وإيطاليا؛ تذكرت فيرير، ~~وتذكرت ما كان يقول الأحرار وقتئذ عن إسبانيا، وهو أن الفاصل بين أوروبا المتعلمة المتمدنة ~~وبين أفريقيا السوداء هو جبال البرانس التي تفصل أيضا بين فرنسا وإسبانيا ... # وقد أنعشتني هذه المظاهرات وبت ليلتي وأنا أفكر في هذا الروح البشري في مدن أوروبا ~~المتمدنة وقراها، هذا الروح الذي انطلق بالسخط واللعنة على الحكومة الإسبانية لأنها أعدمت ~~رجلا أوروبيا من أبناء القرن العشرين في حين هي أصرت على أن تعيش في القرون المظلمة ~~وأن تكون أفريقيا متوحشة. وأخذت أسائل: هل مثل هذه المظاهرات يمكن أن يوجد في مدن ~~الشرق؟ # وكانت من الأغلاط التي وقعت فيها أني آمنت بمذهب النباتيين فامتنعت عن تناول اللحم نحو ~~عام كدت أموت من الهزال في نهايته. وكانت المطاعم النباتية في لندن كثيرة تقدم لزبائنها ~~مختلف الألوان الشهية التي تغني في الطعم عن اللحم؛ فلم أجد صعوبة في الكف عن ألوان ~~اللحوم، ولكني هزلت حتى كدت أمرض. # والتحقت ببعض الكليات لدراسة العلوم المختلفة التي جذبتني، مثل المصرلوجية للأستاذ بتري، ~~ومثل البيولوجية والجيولوجية والاقتصاد. وانغمست في هذه الدراسات كثيرا. # وعلى الرغم من الشهرة التي تتمتع بها باريس بشأن حرية المرأة فقد وجدت أن المرأة ~~الإنجليزية أكثر حرية. والشبان والفتيات يتحابون ويتغازلون جهرة في الحدائق ms058 العامة بل ~~أحيانا في الشوارع. ولكن الشلل النفسي الذي أحدثته التربية الشرقية فينا حال دون استمتاعنا ~~نحن المصريين بهذه المسرات في لندن. واحتجت إلى مرانة طويلة قبل أن أجرؤ على المبادأة ~~والسلوك الاستقلالي في الحب، ثم حانت فرصة. # ذلك أني كنت أصطاف في إحدى المدن الصغيرة على الشاطئ الشرقي لإنجلترا، فعرفت هناك فتاة ~~إرلندية في سني أو أكبر قليلا كانت تعمل في التدريس. وكانت تحنق على الإنجليز لسلوكهم ~~الإمبراطوري في إرلندا كما كنت أحنق أنا على احتلالهم لمصر. وتوطدت بيننا صداقة على أساس ~~هذا الحنق، ثم صارت الصداقة حبا فغراما. واستسلمت لي واستسلمت لها. وكنا نقضي ليالينا في ~~غرفة واحدة ، وكانت من الجمال بحيث تحدث فيمن يحبها أو في بعض ذلك العيب الأكبر الذي كان ~~يعلله فرويد بمركب أوديب. وقد استطعت أنا بعد ذاك بعشرين سنة أن أشفي صديقا عزيزا إلي ~~من هذا المأزق. ولكني لتعسي في 1910 كنت أجهل فرويد وأجهل السيكولوجية. وكانت إليزابيث ~~جميلة تمتاز ببشرة غاية في النعومة والصفاء. وكانت مديدة القامة كنت أحس وهي قادمة إلي عن ~~بعد أنها علم يخفق. وكان نشاطها يبدو في حركاتها كأن جسمها وذهنها يتفززان. وتناسقنا ~~كلانا في التفكير والعواطف. فكنا نقرأ الجرائد معا ونتفق على مغزى الأخبار. # وعدت إلى لندن وعادت هي إلى مدينتها في وسط إنجلترا. ولم تنقطع المراسلة بيننا. وعقد في ~~لندن مؤتمر الشعوب المخضعة، وكان محمد فريد يمثل مصر، وكان دي فاليرا يمثل إرلندا. فجاءت ~~إليزابيث وقضينا أياما في لندن حضرنا فيها اجتماع هذا المؤتمر الذي خطب فيه دي فاليرا ~~باللغة الإرلندية التي لم يفهمها أحد. ولكنه أصر على ذلك كي يثبت حق أمته في ثقافة ولغة ~~مستقلين، وترجمت خطبته إلى الإنجليزية. وكذلك خطب محمد فريد باللغة الفرنسية. وبعد هذه ~~الزيارة القصيرة للندن عادت إلى بلدتها وتأكد لي عندئذ أن الزواج غير مستطاع لأني لن أبرأ. ~~وبعثت إليها بذلك مع هدية غالية. وتزوجت هي بعد ذلك ولكني لم أرها وهي متزوجة. # وقد ملأ هذا الاختبار نفسي غما ms059 ومرارة، ولكنه بعثني على الاستطلاع والدراسة للشئون ~~الجنسية، فعرفت هافلوك أليس وأوجست فوريل قبل أن أعرف فرويد. بل إن هذا الاستطلاع الجنسي ~~كان سببا في استطلاعات ثقافية أخرى عديدة. # وكانت الحركة النسوية على أشدها في لندن حوالي 1910. فكانت مظاهرات النساء للمطالبة ~~بحقوق الانتخاب. وكان بعض هذه المظاهرات عنيفا تشتبك فيه السيدات والفتيات مع رجال البوليس ~~وكانت زعيمة هذه الحركة سيدة تدعى المسز بانكهرست، وكانت جرئية مقدامة تتخير الكلمات ~~الجارحة عندما تصف رجال الحكومة الذين كانوا يعارضون هذه الحركة. وحضرت أحد هذه الاجتماعات ~~وعجبت للحماسة بين الحاضرات المستمعات وهي حماسة تجلت عن جمع نحو خمسة آلاف جنيه في بضع ~~دقائق للإنفاق على هذه الحركة. # وكان البيت الإنجليزي يمتاز برفاهية لا تعرفها البيوت في أي قطر آخر في أوروبا؛ وذلك ~~لارتفاع مستوى المعيشة بين الإنجليز بما كانوا ينهبونه من محصولات الأمم المخضعة في ~~إمبراطوريتهم أو يشترونه رخيصا من هذه الأمم ويبيعونه غاليا لهم ولغيرهم. وكذلك بما كان ~~يرد إليهم من دخل آخر هو أرباحهم من الشركات التي يؤسسونها في الهند أو مصر أو غيرها. ولذلك ~~كثيرا ما كنت أجد منزل النجار في أحد المصيفات مؤثثا بالرياش التي تعد في مصر فاخرة ~~لا يحصل على مثلها إلا موظف في الدرجة الرابعة. # وانتفعت كثيرا باختلاطي بأعضاء الجمعية الفابية، وكانوا - كما قلت - من الاشتراكيين، ~~ولكنهم كانوا مع ذلك أماميين في شئون أخرى. وأيما حركة كانت تنتشر في الأدب، أو نظرية يقول ~~بها العلميون، أو دعوة إلى بدعة جديدة في الدين أو الفلسفة، كنا نجد لها من يمثلها أو ~~تمثلها في الجمعية الفابية؛ فقد كانت بها اجتماعات لبحث اليوجنية أي هذا العلم الجديد ~~لترقية النسل. كما كان بها اجتماعات أخرى لدرس التطورات الاجتماعية أو الاقتصادية في ~~ألمانيا أو فرنسا. وقد عرفت الأدب الروسي عن طريق هذه الجمعية كما عرفت إبسن. ولا أذكر شو ~~أو ولز وكلاهما كان من أعلام هذه الجمعية. # وكان برناردشو في تلك السنين في شبابه أحمر اللحية يتعلق به الفابيون ويتكأكئون حوله، ~~وكان ms060 أول لقائي له في الحديث أنه رآني أتأمل رسما له على الحائط. فجاءني وقال: ما رأيك في ~~هذا القذف؟ فقلت: إن الرسم جميل ولا يعد قذفا. فلما عرف أني قبطي قال: أنت ~~مونوفيزيت؟ # فأربكني السؤال لأني لم أكن أعرف هذه الكلمة الضخمة. وتبادر إلي أن الكلمة تتعلق ~~بالطعام النباتي؛ لأن برناردشو كان مقرونا في ذهني إلى الطعام النباتي. وكنت قد داعبت ~~الفكرة بأن اقتصرت أنا أيضا على النبات وانقطعت عن اللحم جملة أشهر. وظننت أن الخطاب ~~موجه إلينا كأمة لأن كلمة أنتم تقال في الإنجليزية للمفرد كما للجمع. وأنه قد حسب أننا ~~مثل الهندوكيين نقتصر على الطعام النباتي. فقلت: لا، نحن نأكل اللحم أيضا في مصر. # فانفجر بالضحك، وطلب إلي أن أبحث في المعجم عن «مونوفيزيت» وبحثت عنها ذلك المساء فوجدت ~~أنها تتعلق بالغيبيات المسيحية. وأن الأقباط يؤمنون أن طبيعة المسيح البشرية قد اندغمت في ~~طبيعته الإلهية، وأن له لذلك طبيعة واحدة أي مونوفيزيت. وأن هذا المعنى هو النقطة الجوهرية ~~في الخلاف بيننا وبين الكاثوليك الذين يعتقدون أن طبيعة المسيح حين كان على الأرض كانت ~~بشرية، وأن طبيعته الإلهية تبدأ من رفعه إلى السماء بعد صلبه. # وكان برناردشو في تلك السنين «الطفل المدلل» في الصحافة والأدب. وكانت دراماته قد بدأت ~~تغزو المسارح وأفكاره تستحيل إلى مذاهب تتشيع لها أو عليها الجماعات المفكرة. وقد غزا ~~برناردشو عصره وأشعل نورا كثيرا ما كان يستحيل إلى نار، حين كان يجد جورا إمبراطوريا ~~أو ظلمات استغراضية أو تعصبية. # وقد كانت لندن حوالي 1910 في ثورة فكرية على التقاليد التي كانت تسود الأمة في العصر ~~الفكتوري أي القرن التاسع عشر. فقد اختمرت في هذا القرن جملة خمائر في الاقتصاد والدين ~~والاجتماع. # واتفق وجودي في لندن في الوقت الذي كانت قد شرعت فيه هذه الخمائر تغير الآراء ~~والعقائد والاتجاهات. وكان أعظم ما تركته في نفسي الثقافة العامة الإنجليزية في ذلك الوقت، ~~هو الشك في القيم والأوزان الأخلاقية والروحية. وقد رأيتني أسير في لندن بلا قبعة احتجاجا ms061 ~~على العرف مع أن الرأس العاري لم يكن وقتئذ مألوفا كما هو في أيامنا. وكان إكبابي على ~~دراسة كتب العقليين دليلا آخر على هذا القلق الذي كان يشيع في الأوساط المتعلمة اليقظة. ~~وزادني قلقا اختلاطي بأعضاء الجمعية الفابية وكانوا على وجدان بالتغيرات الكامنة ~~والقادمة يضعون أناملهم على نبض الثقافة الأوروبية ويتعرفون اتجاهاتها. وفي هذا العام 1909 ~~ألفت رسالة صغيرة دعوتها «مقدمة السبرمان» وأرسلتها إلى المرحوم جرجي زيدان محرر الهلال ~~فطبعها لي بعد أن حذف بعض الفقرات الجريئة. وهي تدل القارئ على القلق العام لشاب مصري لم ~~تزد سنه على 20 أو 21 سنة، شاب مسته بل كوته الثقافة الجديدة وقطعت ما بينه ~~وبين الماضي وسددت نظره إلى بصيص من نور المستقبل. # وقد نفدت هذه الرسالة ولم أعد طبعها، ولكني - بعد تنقيحات أو تلطيفات - جعلتها فصلا ~~من فصول كتابي «اليوم والغد». # ولا أنسى هنا أن أذكر المتحف البريطاني؛ فإن هذا المتحف - زيادة على ما فيه من الآثار ~~القديمة التي تحوي مقدارا كبيرا من مخلفات الفراعنة - يحتوي أيضا مكتبة بها نحو أربعة ~~ملايين مجلد. وكنت أتردد كثيرا على هذه المكتبة. بل لقد قرأت فيها بعض الكتب ~~العربية. # وقد ذكرت شيئا عن الاستغراض اللوني في لندن. ولكن هذا الاستغراض كان مع ذلك ضعيفا. وكان ~~لا يبدو إلا في بعض البنسيونات أو الفنادق التي كانت ترفض نزول الهنود فيها. وكنا نحن ~~المصريين نعامل أحيانا مثل الهنود. وأحيانا كنا نجد التسامح لأن لوننا كان قريبا من لون ~~الأوروبيين. أما في الريف الإنجليزي فلم نكن نجد شيئا بتاتا من هذا الاستغراض. # والريف في إنجلترا هو أجمل ريف في العالم كله؛ لأن الإنجليز لا يعنون بالزراعة، ~~فالجبل والسهل، والبحيرة والغابة، لا تزال جميعها على عذريتها لم تمسسها سكة المحراث إلا في ~~نبذ صغيرة متباعدة؛ ولذلك يجد الزائر الجائل في الريف الإنجليزي الطبيعة الساذجة في صميم ~~جمالها. # والريف في كل أوروبا يعد مزارا في الربيع والصيف حين ترغي الحقول وتزبد بفيض الحياة ~~الهائجة. والقرية الأوروبية مبلطة الشوارع جميلة ms062 البناء تغسلها الأمطار حتى لتبدو عقب ~~شؤبوب من المطر كأنها صورة مزخرفة بالألوان الزاهية. وكل قرية - مهما صغرت - تحتوي الحانة ~~والمطعم والفندق؛ ولذلك يستطيع الزائر أن يجد الراحة أسبوعا أو أكثر. وقد انتفعت كثيرا ~~واستغللت هذه الحضارة القروية في تأملات ومقارنات مع ريفنا الكالح الأسيف الذي لا يزال ~~يعيش الفلاحون في قراه في جحور تحطم صحهتم وتجرئ المستبدين على انتهاك كرامتهم. # وأذكر أني في بعض زياراتي للريف البريطاني قعدت على العشب أتحدث إلى فلاح مسن، وكان ~~قريبا منا حقل قد نمت فيه الذرة وزكت ارتفاعا وغصونا. فسألت الفلاح: هل تشوون الذرة ~~كما نفعل؟ فلم يفهم سؤالي، وعرفت أن الذرة تنمو في إنجلترا ولكنها لا تثمر ، أي إن الكوز أو ~~القنديل لا يتكون؛ لأن القمة التي تتألف من اللقاح الذكري لا تتم. وإنما تزرع الذرة كي ~~تصير مرعى فقط للبهائم، وبرودة المناخ هي التي تمنع نمو الذرة إلى النضج. # وإيجار الفدان لم يكن يزيد على نصف جنيه أو جنيه. فمن يملك مائة فدان في إنجلترا لا يحصل ~~إلا على خمسين أو مائة جنيه في السنة إيجارا. أما الفلاح المزارع المستأجر فيحصل على نحو ~~عشرة جنيهات ربحا من الفدان. وهذا عكس ما نجد في مصر حيث أكثر الربح للمالك وأقله بل أقله ~~جدا للمستأجر. # وزرت فلاحا آخر في بيته، فوجدته يربي نحو خمسين عجلا يشتريها وهي في الأسبوع الثالث ~~من عمرها، ثم يرضعها في بيته بالبزازات؛ أي إنه كان يبيع قشدة اللبن ثم يأخذ المخيض ويخلطه ~~بزيت القطن ويرضع بمخلوطهما هذه العجول. فيكسب ثمن القشدة أو الزبدة في حين أن العجل يجد ~~في الزيت عوضا عنهما. فإذا فطم العجل حبس حتى لا يكاد يتحرك ثم يسمن بالغذاء المركز ~~من كسب القطن وبعض البروتينات. والعجل المسمن في إنجلترا يبلغ وزنه أحيانا طنا كاملا ~~- 22 قنطارا - ويباع لحمه بأغلى مما يباع الضأن. # وقد كان تأملي للمزارع الأوروبية يبعثني على الاكتئاب كلما فكرت في فلاحينا في مصر؛ لأن ~~المقارنة بين القرية الأوروبية والقرية المصرية إنما ms063 هي مقارنة بين النعيم والجحيم أو بين ~~الجمال والقبح أو بين الكرامة والمهانة. # | تربيتي الأدبية # عندما أرجع بذاكرتي إلى البذور والجذور التي نشأت ونبتت منها ثقافتي الحاضرة أجد أنها ~~تكاد جميعها تعود إلى الفترة الواقعة بين 1907 و1911 حين كنت في لندن. ففي تلك الفترة كانت ~~هناك طائفة من المذاهب والنظريات في الأدب والعلم «تتجرثم»، وقد كان من حظي الحسن أن أدركت ~~الجراثيم الأولى لهذه الحركات. ومع أني الآن مشرف على الستين، فإني أجد - بالاستبطان ~~الذهني - أن ما أعرفه أو أعتقده أو أدعو إليه من نظريات أو مذاهب في 1946 إنما أخذت جراثيمه ~~الأولى من تلك الفترة. ولم تكن الزيادة في السنين بعد ذلك سوى زيادة في نمو هذه النظريات ~~والمذاهب أو التوسع فيها أو التفرع منها. وظني أن هذا هو المألوف أيضا في سير التكشف ~~الثقافي عند غيري؛ أي إننا لا نكاد بعد العشرين نجدد شيئا، وإنما قصارانا أن ندافع عما ~~أحببنا أو تلقينا راغبين، ثم يبعثنا الحب إلى النمو بالتوسع والتعمق. وعندي البرهان على ~~ذلك؛ فإني في 1909 ألفت رسالة صغيرة تبلغ نحو 40 صفحة بعنوان «مقدمة السبرمان»، حين أعود ~~إليها الآن، أجد فيها جميع الجراثيم الفكرية التي لا تزال تشغل ذهني، وهي تمتاز بفجاجة في ~~الأسلوب مع فجور في التفكير. إذا كانت تدل على عقل خام ناشئ، فهي أيضا تدل على عقل مستطلع ~~واثب. # واندمجت في المجتمع الإنجليزي الجديد، وأعني بنعت «الجديد» تلك الطوائف والجماعات ~~المستطلعة المتسائلة في «الجمعية الفابية» و«جمعية العقليين» وأمثالهما، وكان كل شيء في تلك ~~السنين في البوتقة في سبيل التغير والتطور؛ فقد كان حزب الأحرار في مجده يقوده كامبل ~~بانرمان واسكويث ولويد جورج. ولكن هذا المجد كان يحمل غبار القرن التاسع عشر. وتراكم هذا ~~الغبار حتى لم يستطع الأحرار أن ينفضوه عنهم. فلم تمض عليهم بعد ذلك نحو عشر سنوات ~~حتى خنقهم فلم نعد نسمع شيئا عن الأحرار بعد الحرب الكوكبية الأولى. وكانت جراثيم ~~الاشتراكية تختمر في كل أوروبا، وكان هؤلاء الأحرار أنفسهم ms064 عجينتها التي نمت فيها هذه ~~الجراثيم. # ولم يمض علي عام في لندن حتى وجدتني أتجه نحو اليسار أي نحو الاشتراكية. ولم يكن هذا ~~الوجدان سياسيا فقط، فقد وجدتني اشتراكيا قبل أن أقرأ ماركس لقوة الجذب التي كانت عند ~~الاشتراكيين في ناحيتي العلم والأدب. ذلك أن هؤلاء المجددين في السياسة كانوا أيضا ~~مجددين في العلم والأدب، يؤمنون بمذهب داروين، ويؤلفون جمعيات لليوجنية أي إصلاح النسل، ~~كما كانوا يقرءون الأدب الروسي ونيتشه وإبسن؛ ولذلك أدركتني الاشتراكية في تلك الأيام عن ~~طريق الأدب أكثر مما أدركتني عن طريق السياسة. وكان «التطور» لا يزال مذهبا أكثر مما ~~كان نظرية علمية؛ ولذلك أنفق «العقليون» مجهودا كبيرا في المقاومة السلبية للكتب المقدسة ~~بدلا من أن ينيروا أو يشرحوا حقائق التطور. # وأذكر أنه في تلك السنوات طغى الأدب الروسي على لندن؛ فلم يكن هناك حديث أو سمر إلا عن ~~جوركي أو دستويفسكي وأمثالهما. وأذكر أني حضرت محاضرت عن تولستوي فوجدت الحاضرين المستمعين ~~كأنهم في معبد خاشعين. وكانت المحاضرة أيضا أشبه بعظة دينية. وكان هذا طبعا من الانحرافات ~~في تفسير تولستوي؛ لأن مقام تولستوي في الفن كان أكبر جدا من تلك التطوحات الوعظية التي ~~شطح فيها. وأذكر أن أحد الناشرين عرض قصة صغيرة لأحد الروس فسارت في المكتبات كأنها حريق، ~~فلم يكن أحد يتكلم إلا عنها. وهذا يدل القارئ على المكانة العظمى التي احتلها أدباء الروس ~~في لندن في تلك الفترة، حتى أشار إليهم برناردشو مرة بكلمة «العمالقة». ولما عدت إلى ~~القاهرة شرعت - بهذا التأثير - أترجم «الجريمة والعقاب» لدستويفسكي وطبعت منها على نفقتي ~~جزءا يبلغ نحو 120 صفحة. ولكني أخفقت في نشره حتى بعت هذا الجزء بسعر مليم واحد للنسخة. ~~وثبطني هذا عن المضي في الترجمة لسائر القصة. ولكني دأبت في الحديث والكتابة عن الأدباء ~~الروس، حتى صار كثير من القراء الذين كانوا يجهلونهم على وجدان بهم. # وفي تلك السنوات عرفت إبسن ونيتشه وبرناردشو وولز، وأذكر أني قضيت ليلة كاملة إلى الصباح ~~وأنا أقرأ نيتشه وقد أخذني سحر ms065 أسلوبه وجراءة تفكيره. ونيتشه لا يخطو ولا يعدو، وإنما يقتحم ~~ويثب. ولكني عندما أرجع أيضا إلى الاستبطان الذهني أجد أني لم أتأثر كثيرا به أو أن ~~أثره كان مقصورا على سنوات، على الرغم من الحماسة التي كنت أتلقى بها مؤلفاته وأحفظ بها ~~عباراته. فأنا الآن خلو أو كالخلو من المركبات الذهنية التي أستطيع أن أعزوها إلى نيتشه. ~~ولكنه غرس في الإقدام النفسي وحطم عندي ما كان باقيا من قيود غيبية. أما مؤلفات داروين ~~مثلا فكنت أقرؤها في عناء التفكير حتى كنت أترك الكتاب أياما أو أسابيع ثم أعود إليه ~~يحفزني إحساس الواجب لا الرغبة، فلم يكن له في صدري حماسة. ومع ذلك هو الباقي الآن في كياني ~~الثقافي. وكتابي «نظرية التطور وأصل الإنسان» هو إحدى ثمرات داروين. ولا تزال هذه النظرية ~~تفتق في خلاياي الذهنية، وتحملني على توسع وتعمق في التفكير البيولوجي والسيكلوجي ~~والاجتماعي. # وهنريك إبسن يعد الآن من الكتاب القدامى، ولكنه كان جديدا في تلك الفترة بين 1907 ~~و1911. وكان وقعه في نفسي كبيرا، أكبر مما كان في نفوس قرائه الأوروبيين؛ وذلك لأنه كان ~~يجدد في مجتمع كنت أعده أنا جديدا بالمقارنة إلى مجتمعنا المصري الجامد؛ إذ كنت ~~أدمن التفكير في حال المرأة المصرية والمرأة الأوروبية، وكنت كثير الإعجاب بحرية ~~الثانية في باريس ولندن وأنها تملك جزءا كبيرا من مصيرها وتقرره. ولكن درامة إبسن «بيت ~~اللعبة» أو «بيت عروس» كشفت لي عن حقائق مرة، وبسطت لي آفاقا جديدة؛ لأن ما كنت أتوهمه ~~عن حرية المرأة أو استقلالها في أوروبا إنما هو في نظر إبسن لم يكن سوى طلاء سطحي يخفي ~~حقيقة الاستعباد القائمة؛ لأن المرأة لا تجد من المجتمع سوى التدليل لأنها لعبة الرجل أو هي ~~كالعروس من الخشب يلعب بها الأطفال، أطفال الرجال الذين لا يطيقون المساواة الحقيقية بينهم ~~وبين النساء. ومغزى الدرامة أن المرأة يجب أن ترتفع من الأنثوية إلى الإنسانية، ويجب أن ~~ترفض التدليل وأن تربي نفسها وتكسب الاختبارات في هذه الدنيا؛ لأنها إنسان قبل أن ms066 تكون زوجة ~~أو أما. # وعندئذ انجابت عن ذهني غشاوة، واتضح لي أن المرأة الأوروبية كالمرأة الشرقية سواء، وأن ~~ما بينهما من فرق إنما هو طلاء الحضارة فقط، أو هو فقط فرق الدرجة في الاستعباد. وهو ~~استعباد بعيد أحيانا عن أية رحمة أو رأفة؛ لأن المرأة التي تعمل كالرجل لا تحصل على أجره. ~~وفي أقطار أوروبية كثيرة كانت لا تحصل على ميراثه. وكانت الجامعات ترفض قبولها طالبة، كما ~~كانت ترفض الدولة قبولها ناخبة أو مرشحة لعضوية المجالس البرلمانية. # وليس لهذه الدرامة قيمة في أوروبا الآن؛ لأن الحال تغيرت في 1946 عما كانت عليه في ~~1910، بل تغيرت كثيرا جدا، وكثير من هذا التغيير يعزى إلى هذه الدرامة التي أهابت ~~بالمرأة أن تكون إنسانا له شخصيته ومكانته في هذه الدنيا قبل أن تكون أنثى أو زوجة لها ~~مكانتها في البيت. # وكنت في تلك السنوات لا أعرف عن المسرح إلا ما كان يخرجه لنا سلامة حجازي من التمثيل ~~الميلودرامي والأغاني الغرامية. فكانت الدرامة عندي لهوا فنيا لا أكثر. ولكن إبسن جعل ~~الدرامة اجتماعية بل أحيانا فلسفية. وقرأته في انتباه وقلق وتفكير وتعب. وأصبحت أصد - في ~~اشمئزاز ذهني - عن المرأة المؤنثة المغناج، وأحترم المرأة العاملة الكاسبة التي تصر على أن ~~تحيا وأن تعرف وتختبر. وعندي أن إبسن كان محوريا في ثقافتي؛ لأن دراماته بعثتني على ~~دراسات أخرى متصلة بالموضوعات التي عالجها هو في أسلوبه الدرامي. # وإذا كانت أوروبا قد أهملت إبسن الآن فذلك لأنها تعلمت منه وعملت بجميع مبادئه. ويعد ~~برناردشو إحدى ثمرات إبسن. فإن جميع دراماته اجتماعية أو فلسفية. ولكنه يختلف عن معلمه من ~~حيث عجزه عن الكمال الفني الذي استطاع إبسن أن يرتفع إليه. # وقد تأثرت كثيرا ببرناردشو. وعندما أسائل: لماذا لم أؤلف كتابا عنه إلى الآن؟ أعود ~~بذاكرتي إلى محاولات في هذا التأليف كان يصدني عن المضي فيها أني أعرف الكثير عن برنارد ~~شو. فصعوبتي هي صعوبة خراش، بل هي أكثر. وهي أن زيادة على أني سأضطر إلى الاختيار مع ~~الإسهاب والتفصيل ms067 فإني أيضا سوف أواجه من المبادئ والأفكار والفلسفات ما أحتاج إلى تفصيله ~~مما لا يطيقه قارئ رجعي أو جامد لم تتفتح مسام ذهنه للتفكير العصري بل المستقبلي. فإن ~~برناردشو يفكر للمستقبل. وهو علمي الذهن يفكر في آفاق فلسفية بلغة أدبية. وقد أمضيت من ~~حياتي نحو أربعين سنة وأنا أتعلم على يدي هذا الحكيم الذي أعد حياته في عصرنا نورا ~~ونارا لجميع الذين يعرفونه، ولا أظن أنه فاتني شيء مما كتب. وكتاباته هي الآن هورمونات ~~ذهنية توقظني وتحركني. # والكاتب ينفعنا إما بما يبسط لنا من معارف، وإما بما يرسم لنا من خطط واتجاهات. وبرناردشو ~~من النوع الثاني؛ لأنه يسدد العقول الزائغة نحو أهداف بشرية جديدة، ويبعثنا على الاستطلاع ~~العلمي للدنيا والإنسان والمستقبل. والنزعة العلمية في برناردشو قوية جدا، ولكنها ممزوجة ~~بنزعة فنية أيضا؛ ولذلك نشعر كأنه يحس بعقله ويفكر بقلبه. وهو أحيانا يسب ويهاتر ويهدد ~~بالمعاني العلمية. ومشاجرته مع داروين بشأن «تنازع البقاء» هي مشاجرة فلسفية سيتوقف على ~~الإجابة عليها - وخاصة بعد اختراع القنبلة الذرية - مصير الإنسان. إذ ماذا يكون مصير 99 في ~~المائة من البشر إذا ثبت أن الحق للقوة، مهما يكن نوع هذه القوة؟ أو إذا كان معنى تنازع ~~البقاء هو بقاء الأصلح كما نرى هذا «الأصلح» في عصرنا؟ # لقد رد برناردشو على داروين بأن ذكره بأن المسيح لم يكن صالحا للبقاء ... في النظام ~~البيولوجي الذي وضعه داروين للتطور. # وبرناردشو مجاهد، وأدبه هو الأدب الجهادي، أو كما يسميه هو الأدب الصحفي؛ لأنه يبحث ~~الهموم والاهتمامات العصرية بالذهن العلمي في ضوء المستقبل. وقد أحدث لي مركبات أو عقدا ~~أدبية وفنية ذهنية كثيرة في حياتي الثقافية لا تزال إلى الآن مثار التفكير ~~والتأمل. # وأحيانا حين أتأمل الكاتب العظيم أجد أنه عظيم من حيث إنه قادر على أن يترك لنا عقدة ~~ذهنية، في المعنى الحسن، تترتب عليها أفكار واهتمامات متصلة متشابكة نامية؛ فقد ترك إبسن في ~~ذهني عقدة ذهنية هي «الشخصية الاستقلالية» التي هي الواجب الأول على كل إنسان. وترك ~~برناردشو عندي ms068 طائفة من العقد ربما كان أهمها هو النظر البيولوجي للإنسان، وأن التطور ~~المستقبلي للبشر يجب أن يكون له المقام الأول عند أية حكومة متمدنة. بل هو يقترح أن تكون ~~لكل دولة وزارة خاصة بالتطور غايتها بحث الوسائل كي تتطور الأمة. # ولا عبرة بأن تكون له أخطاء وأوهام؛ إذ ماذا نبالي - كما يقول نيتشه - أن يكون في رأس ~~المفكر بعض الديدان؟ # ولم أر رؤيا واحدة في برناردشو، بل رأيت ثلاثا أو أربعا. والرؤيا الأولى هي ~~الاشتراكية الإنسانية. وهي بالطبع لا تختلف عن اشتراكية ماركس العلمية. ولكن برناردشو - ~~لأنه أديب وفيلسوف وفنان - جعل المذهب الاشتراكي مذهبا إنسانيا، ودمغ بالخزي كل من يجهل ~~الاشتراكية أو لا يسعى لها. وهو الذي استطاع أن ينشر هذا المذهب بين الأثرياء؛ لأنه أثبت ~~لهم أن أموالهم لا تساوي همومهم وما يتعرضون له من قلق، وأن الاشتراكية إنما جاءت لتغني ~~وتزيد لا لتفقر وتنقص. # والرؤيا الثانية هي ديانة برناردشو؛ فإن مشاجرته مع داروين ينتهي مغزاها إلى أنها مشاجرة ~~دينية. إذ كيف يمكن أن نسكن إلى كون يكون محوره ومغزاه تنازع البقاء وبقاء الأصلح؟ وقد قلت ~~إن من الموانع التي حالت دون تأليفي عن برناردشو أني كنت أخشى الأذهان الجامدة التي لم تتسع ~~مسامها الذهنية للآراء الجديدة. وهنا أيضا أقول إني عاجز عن بعض الإسهاب أو التفصيل ~~لديانة برناردشو. وقصاري أن أقول إنها ديانتي وإن عمودها الفقري هو التطور الذي يعد فيها ~~أسلوبا وهدفا. # أما الرؤيا الثالثة فهي الإيمان بالعلم بل السلوك العلمي ولكن مع الدين، وعلم بلا دين هو ~~القنبلة الذرية وبقاء الأصلح كما يفهم هذا الأصلح أو يتخيله تجار منشستر ونيويورك، ولكن ~~العلم مع الدين هو السعادة البشرية والتطور إلى السبرمان. # وبرناردشو مثل جوتيه قد جعل من حياته كتابا آخر، بل ربما كان هذا الكتاب أحسن مؤلفاته؛ ~~فإن الناس يقرءون حياته ويستوحون منها القدوة والصلاح. فهو الآن في التسعين، وقد عاش منها ~~ستين سنة وهو نباتي. وهو يسير كل يوم ساعيا على قدميه نحو سبعة كيلومترات ويقرأ ms069 ويكتب كما ~~لو كان في الثلاثين أو العشرين. وهو يخفف من ألم الحقائق بالفكاهة، تلك الفكاهة الجديدة ~~النارية التي تخرج منه كأنها تشنجات الحكمة أو وخزات الفلسفة. # ومن عجب أن هذا الرجل - الذي نسترشد بآرائه وتستنير برؤاه أحسن الطبقات المثقفة في العالم ~~- هذا الرجل لم يتعلم قط في مدرسة أو جامعة. وقصارى ما حصل عليه تعليم أبتر في السنتين ~~الأولى والثانية من المدرسة الابتدائية. ولكن إذا عد هذا تقصيرا أو قصورا في النظام ~~التعليمي وبرامجه، فإنه يجب علينا أن نعد ارتقاء برناردشو إلى القمة في الثقافة العصرية ~~برهانا على أن الثقافة السامية قد أصبحت مشاعة بين الجمهور، بحيث إذا توافر الذكاء ~~والعناية استطاع أي فرد منه أن يصل - من الكتب المطبوعة - إلى أرقى ما يستطيع المتعلم في ~~الجامعة بل أكثر. وهذا ما لا يمكن أن يقال في قطر مثل مصر. وإنما يقال مع التأكيد عن ~~فرنسا أو بريطانيا أو الولايات المتحدة؛ لأن الثقافة شائعة تفشو في كل مكان بكل طرزها ~~الابتدائي والمتوسط والعالي، ولذلك سرعان ما يتعلم الأمي أو من هو في مقامه ويتسلق إلى ~~القمم. # وهناك شخصية فذة أخرى كانت محورية توجيهية في حياتي هي شخصية ه. ج. ولز وظني أنه الآن ~~1946 في مرض من الموت. وكل من شو وولز يبحثان العالم وكأنهما يشرفان عليه كما يشرف العمدة ~~في ألفة ومعرفة على قريته. ولكن بينهما مع ذلك فرقا؛ فإن شو يتجاوز الأعماق والآفاق إلى ~~ما وراءهما. وولز يتعمق ولكنه لا ينظر إلى ما وراء الآفاق. يعيش على الأرض في حين يعيش شو ~~في السماء، حتى لنحس ونحن نقرأ ولز أننا نختنق بهواء المدينة ولو أننا نتحدث إلى رجل يعرف ~~كل ما فيها، ولكنا نحس حين نقرأ شو أننا نتنسم أوزون البحر المعقم. وكلاهما طائر، ولكن ~~ولز يدرج وقلما يحلق، أما شو فدأبه الطيران والتحليق. # والمغزى في شو أن الإنسان سيتغير، جسما ونفسا؛ لأن التطور يقضي بذلك. ورسالته هي أن ~~يبعث وجدان التطور في قرائه. # ولكن المغزى في ولز ms070 أن المجتمع سيتغير، في نظمه وأخلاقه؛ لأن الآلات قد أحدثت قوات ~~اقتصادية جديدة سوف تضطر شعوب العالم إلى أن تكون أمة واحدة. ورسالته هي أن يبعث في ~~قرائه وجدانا هو أن هذا العالم قريتنا الكبرى. # وولز هو بلا شك الأب الروحي للعالم الجديد؛ فإنه يدعو إلى لغة واحدة وثقافة واحدة. بل لقد ~~ألف في شرح الطرق التي يجب أن تتخذ لإيجاد موسوعة عالمية يتحد فيها أبناء هذا الكوكب ~~في آراء واتجاهات نحو الخير والحضارة. وله ثلاثة مؤلفات تدل على اتجاهه العالمي. أولها ~~«خلاصة التاريخ» وقد ألفه عقب الحرب الكبرى الأولى حين كانت عبارة «الحرب لإنهاء الحرب» ~~تجري على الألسنة وتوحي الخيالات الزاهية بشأن اتحاد العالم. وهذا الكتاب هو محاولة ~~نيرة خيرة غايتها أن تفهم أن الحضارة القائمة هي مجهود البشر جميعهم. وأن هذه ~~الشعوب الكثيرة المختلفة إنما هي أمة واحدة، أو يجب أن تكون كذلك. وكتابه الثاني: «علم ~~الحياة» هو دعوة إلى النظر العلمي لهذه الدنيا وسكانها من الأحياء. وهي دعوة دينية علمية. ~~وكتابه الثالث: «أعمال البشر وثروتهم وسعادتهم» هو بحث في حاضر البشر وطاقتهم لحضارة ~~قادمة. # وقد كان أثر ولز عندي نفسيا أكثر مما كان ذهنيا؛ أي إنه أكسبني مزاجا عالميا ~~يكاد يكون مساويا للحماسة الوطنية، فإن اهتمامي بالحركة الوطنية مثلا في الهند كان ~~يحرك عاطفتي ويثير انفعالي كالحركة الوطنية في مصر. وكنوز أفريقيا من الحيوان تشغل ~~ذهني وتثير غضبي عندما أقرأ عن عبث الصيادين في الغابات، كما تشغل ذهني وتثير غضبي سياسة ~~الإنجليز في تحديد زراعة السودان أو ضبط مياه النيل. بل كسبت من ولز مزاج التساؤل ~~والاستطلاع والتوسع الثقافي في العلم والأدب والفن. # وقد كان اهتدائي إلى شو وولز عن طريق الجمعية الفابية حوالي سنة 1909. ولكني واليت اتصالي ~~بهذين الكاتبين إلى وقتنا هذا وهما يدرسان السياسة العالمية على آفاقها العالمية. ومفتاح ~~دراستهما هو الاشتراكية والتطور. # وفي الفترة بين 1907 و1911 كان إبسن وشو وولز عالقين بقلبي يرسمون لي معالم دراساتي في ~~المستقبل. ولكن كان هناك مؤلف آخر ms071 تسلط فترة قصيرة على ذهني، وكان تسلطه ناريا ثم عاد ~~تحريريا، أعني به نيتشه. فقد التهمت مؤلفاته في حماسة ولذة فعصفت بي. وكان ظني وقتئذ أنه ~~فتح لي أبوابا كانت مغلقة من قبل. ولكن الحقيقة أني كنت مأخوذا بسحره في الأسلوب وجرأته ~~في التفكير، وهما سحر وجرأة يستهويان الشباب. وهو يؤلف النثر وكأنه يقرض الشعر، ويفكر وكأنه ~~يقتحم. وانتفعت كثيرا بتحليله للأخلاق. ولكن هذا التحليل بالطبع فقد قيمته بعد أن عرفت ~~التحليل الماركسي، وإن كان كلاهما ينتهي إلى أن الأخلاق السائدة هي أخلاق السائدين. ولكن ~~ماركس وصل إلى هذه النتيجة بالتحليل الاقتصادي للمجتمع على حين وصل إليها نيتشه بالتحليل ~~التاريخي للغة، أما أخلاق الأقوياء التي دعا إليها نيتشه وجعل منها ديانة جديدة يجب أن ~~يبشر بها الفيلسوف الجديد فقد استهوتني سنوات، بل انحزت إليها وآمنت بها، فيما يشبه الحزبية ~~الفلسفية، بتأييد من نظرية التطور حين استسلمت لتنازع البقاء وبقاء الأصلح. ولكن رويدا ~~رويدا تقهقر نيتشه من وجداني وتغير عندي مغزى التطور بل تطورت عندي نظرية التطور، فلم ~~يعد نابليون هو السبرمان، ولم يعد للإمبراطوريات مغزى التفوق البيولوجي الذي كاد نيتشه ~~يوهمني أنه كذلك. # وعرفت بعد ذلك ماركس وجوتيه وفرويد. عرفتهم عن سبيل تلك المركبات أو العقد الذهنية التي ~~أحدثها لي شو وولز وإبسن وداروين. # وفي تلك السنوات أيضا كان في لندن مجلات أسبوعية أدبية كثيرة تختص بدراسة الأدب ~~الإنجليزي والأوروبي. وكانت «ذي أثنيوم» ثم «ذي أكاديمي» أقوى هذه المجلات. وكانت الأولى ~~راقية حاوية موضوعية. أما الثانية فكانت شخصية جدلية، وكان يحررها اللورد ألفريد دوجلاس ~~صديق أوسكار وايلد. وكان شاعرا أنيقا، ولكن تاريخه الماضي وعلاقته الحميمة الشاذة بأوسكار ~~وايلد كانا يجعلان الجمهور الإنجليزي المحافظ يصد عنه، وكانت مجلته تنزوي في استحياء في ~~المكتبات يسأل عنها طالبها. # وربما نستغرب في مصر أنه ليس عند الإنجليز الآن مجلة أسبوعية واحدة للأدب إذا استثنينا ~~الملحق الأدبي للتيمس ومجلة جون أو لندن وهي تكتب بالعامية. وقد يعد القارئ هذه الحال ~~تأخرا للحركة الأدبية، ولكني أعده ms072 تقدما؛ ذلك أن الأدب انتقل من برجه العاجي - ~~أدب للأدباء - إلى الميدان الاجتماعي بل السياسي والاقتصادي. ولذلك فإن المجلات السياسية ~~الإنجليزية تعالج الأدب في عناية وخبرة تدلان على أنها تعرف قدره في التفكير والتوجيه. ~~أو قل إن التطور السياسي في أوروبا قد أصبح حافلا بالانقلابات والانفجارات، وإنه جذب إليه ~~جميع الأدباء؛ ولذلك صار الأدب مذهبيا يتحزب ويتشيع لآراء معينة في السياسة أو الاجتماع ~~أو الاقتصاد. # وغاية الثقافة بعد ذلك أن نزيد الحياة وجدانا بأن نجعل مشكلات العالم مشكلاتنا الشخصية؛ ~~لأن الحياة تنادينا إلى اليقظة والفهم والجد كلما استولى علينا النعاس والركود، والأدب ~~هو إحدى الوسائل لزيادة هذا الوجدان. وعندي أن الرجل المثقف هو الذي يرتفع وجدانه الشخصي ~~إلى الوجدان العالمي. ولا يكون هذا إلا بالانغماس في المشكلات البشرية العالمية. # وهذا هو ما يجب أن يكون؛ لأن الأدب للأدب هو الأدب في الخواء، وقد يقال حسب الأدب أن ~~يكون إنسانيا، ولكن كيف يكون كذلك إذا لم يشتبك في المشكلات الإنسانية الحاضرة: السياسة ~~والاقتصاد والاجتماع؟ # ووجدت من هذه الحركات الأدبية في تلك السنوات توجيها لي وتربية. وكثير من مؤلفاتي - إن ~~لم يكن جميعها - اتجهت فيها هذه الوجهة الاجتماعية، حتى صرت أوصف بأني «كاتب اجتماعي»، ~~وكأن هؤلاء الواصفين أرادوا أن يميزوا بيني وبين الأدباء الذين ما زالوا يفصلون بين الأدب ~~وبين الاجتماع. ولكني - مع ذلك - أجد فرقا أساسيا آخر بيني وبين بعض الأدباء في مصر، هو ~~أني أمارس طرازا من البلاغة يمارسون هم غيره. ذلك أن طرازي أوروبي وطرازهم عربي. وقد حملني ~~هذا الفرق على أن أؤلف كتابي «اللغة العربية والبلاغة العصرية»؛ لأن بلاغتنا التقليدية لا ~~تلابس حضارتنا العصرية، وقد وجدت فيها عجزا عن التعبير لشئون عصرنا، فاخترت أسلوبا ~~آخر للتعبير الذي يجمع بين الفن والاقتصاد، كما يكون على وجدان بقيمة التفكير ثم التعبير ~~العلمي. فإن معاجمنا العربية التي ورثناها عن الأدب العربي تقول مثلا إن الطب هو السحر. ~~ولكننا في القرن العشرين نقول إن السحر هو الخرافة، وإن الطب قد صار علما ms073 تجريبيا ~~اجتماعيا بيولوجيا. ويجب - لهذا السبب - أن تلابس البلاغة العصرية عند الكاتب العصري ~~هذا الطب الجديد فتكون هي أيضا علما تجريبيا اجتماعيا بيولوجيا. وبكلمة أخرى ~~أقول: إن البلاغة - كاللغة - اجتماعية؛ أي إنها تخدم المجتمع وتلابسه. فإذا تغير المجتمع ~~وجب أن تتغير البلاغة. ومجتمع القرن العشرين يحتاج إلى بلاغة القرن العشرين، بلاغة العلم ~~والاجتماع الجديدين لا بلاغة العباسيين ولا بلاغة الأمويين. # | تربيتي العلمية # لما تركت مصر إلى فرنسا في سنة 1907 كان «التطور» من مركباتي الذهنية البارزة، بل المركب ~~الأول؛ حتى إني حين هبطت باريس جمعت طائفة من الكتب التي تعالج هذا الموضوع، ولكني لم ~~أستطع فهمها وقتئذ؛ لأني أسأت الاختيار فلم أقتن الكتب الابتدائية أو بالأحرى لم أجدها. ~~فلما قصدت إلى لندن وجدت العشرات من هذه الكتب الابتدائية. وكانت جمعية «العقليين» تنشرها ~~وتبيعها بأثمان التراب بسعر 25 مليما لكل كتاب. فأكببت عليها في دراسة مثابرة، مع استخراج ~~الخلاصات وكتابة التعليقات. وقرأت كتاب داروين «أصل الأنواع». وليس في هذا الكتاب شيء يشق ~~على الفهم. ولكنه يحتاج إلى التأمل الكثير. وداروين بعيد كل البعد عن التعبير المسرحي؛ إذ ~~هو متواضع معتدل يكتب في حذر كأنه يخشى أن يؤمن القارئ بكل ما يقول. وهو الضد لنيتشه في ~~الأسلوب. فإن نيتشه ناري سماوي، أما داروين فأرضي طيني. وأسلوب نيتشه عاطفي ذاتي حتى حين ~~يهتدي إلى الحقائق الموضوعية. أما داروين فيكتب عن وجدان وتعقل؛ حتى لتحس أنه ينفض عن نفسه ~~عاطفته وذاتيته كما ينفض أحدنا الغبار عن شخصه. # وليس شك أن حبي لداروين وتحيزي لنظرية التطور - منذ نشأتي الثقافية - قد تركا أثرهما في ~~أسلوبي الكتابي. فقد قيل إن الأسلوب يدل على الجانب الأخلاقي للمؤلف بل يكشف عنه. أي يدل ~~على الاتجاه التفكيري وإيثار بعض القيم على بعض. وأنا أوثر أسلوب داروين: أسلوب المنطق ~~الصارم والحذر والاعتدال على أي أسلوب آخر يوصف بأنه «أدبي». وكثيرا ما وصفني الكتاب في ~~مصر بأني لست «أديبا»؛ لأنهم لا يجدون عندي تلك الزخارف والتزاويق المألوفة في غيري من ~~الكتاب. ومع ms074 ذلك فإني لا أنكر سحر الأسلوب العاطفي. ولكني إذا كنت ألتذ السحر أحيانا ~~وأستمتع بما فيه من مهارة فإني أوثر عليه أسلوب التعقل والوجدان. وأذكر أني حين قرأت «من ~~الأعماق» تأليف أوسكار وايلد أعجبت بسحره. حتى إني عندما بلغت الصفحة الأخيرة عدت فورا ~~إلى الصفحة الأولى أقرؤه ثانية كأني أستعيد لحنا جميلا وأنغاما رائعة. ولكنه لم يترك في ~~رأسي مركبات ذهنية كتلك التي تركها «أصل الأنواع» لداروين. فقد غيرني داروين. أما أوسكار ~~وايلد وجون روسكين وكارليل من الكتاب الذاتيين فقد نسيتهم؛ لأنهم جميعا بعيدون عن ~~الحقاق الموضوعية. وحين أقرؤهم الآن أشعر أنهم يخطبون أو يصرخون أو يتفصحون. فأجد اللذة ~~العابرة في أسلوبهم ولكني أحس أنهم ليسوا مفكرين أساسيين. والمفكر الأساسي عندي هو ~~داروين الذي يتحدث في اعتدال وحذر. وأسلوبه هو الأسلوب الرصين. وأقرب الناس إليه في هذا ~~الأسلوب هو برناردشو. وقد سبق أن قلت إن أحسن ما نقيس به الكاتب أن نعرف مقدار ما تركه لنا ~~من المركبات الذهنية؛ لأنه على قدر هذه المركبات يكون تفكيره محوريا أو بذريا؛ أي إننا ~~لا نأخذ منه المعرفة الجامدة فقط، بل نأخذ المعرفة النامية التي تنمو وتتشعع في الخلايا ~~الرمادية من الدماغ فتتركنا ونحن نفكر ونشتبك في اشتباكات جديدة لا تفتأ تنبهنا إلى توسع ~~وتعمق فإيناع. ومنذ 1908 حين قرأت «أصل الأنواع» وأنا في هذا التوسع والتعمق. فقد درست ~~البيولوجية والجيولوجية بل سيكلوجية فرويد بحافز من إيحاء داروين. كما أن داروين كان السبيل ~~إلى التعرف إلى هربرت سبنسر. وكان داروين يصفه بأنه «فيلسوف التطور» والحق أن سبنسر هو ~~المسئول عن تعميم هذه النظرية ونقلها إلى المجتمع، ولا عبرة بأنه ارتكب أخطاء كثيرة في ~~التفاصيل؛ فإن الأخطاء أحيانا قد تكون منيرة مثل الإصابات؛ لأنها تفتح كوة على ناحية لم ~~تكن مفتوحة من قبل. فإذا كان الناظر إليها قد أخطأ الرؤية، فإن فضله لا يزال عظيما لأنه ~~فتح الكوة. وهذا هو ما أراه في كثير من المفكرين مثل فرويد وسبنسر بل داروين نفسه. فقد ~~نبهنا ms075 فرويد في خطئه عن «مركب أوديب» كما نبهنا سبنسر في خطئه عن سوء النظام الاشتراكي، ~~وكذلك نبهنا داروين في خطئه عن تنازع البقاء. وكل هذه الأخطاء كانت كوات جعلتنا نفكر ~~ونبحث؛ لأنها فتحت لنا آفاقا جديدة. وقد انتقلنا بها من الميدان البيولوجي إلى ميادين ~~الاجتماع والدين والاقتصاد. # ومن الكتاب البذريين الأساسيين الذين تأثرت بهم، وما زالت المركبات الذهنية التي خلفوها ~~في خلاياي الرمادية قائمة بل نامية: كارل ماركس. فقد وصلت إليه عن استغراض ضده من كتاب ~~«الانفرادية» الذين يقولون بالمباراة الاقتصادية مثل هربرت سبنسر، وخرجت منه على احترام له ~~واحتقار لهربرت سبنسر وأمثاله. ولكن هذا الاحتقار في هذه النقطة المعينة لم ينقص إكباري ~~للقوة التفكيرية عند سبنسر. والحق أنها قوة عظيمة جدا. فإن نظرته شاملة وهو فيلسوف أكثر ~~مما هو عالم . ولكنه فليسوف بعيد عن الغيبيات. وقد احترف هذا الرجل التفكير احترافا. حتى ~~ليسأم الإنسان حين يقرؤه ويكاد يسائل: لماذا هذا الجد؟ لماذا يلهث ويعرق؟ ألا يفكر في إجازة ~~يستريح فيها؟ # والحق أنه لم يفكر في إجازة. وقد أصيب لهذا السبب بانهيار عقلي تألم منه نحو سنتين، وحتى ~~بعد ذلك كان أحيانا يطلب من ضيوفه ألا يتكلموا بل أن يبقوا في ضيافته أو رفقته صامتين ~~... # وفي هذه السنين كدنا ننسى هربرت سبنسر. ولكن كارل ماركس يزداد بمرور السنين قوة بل حياة؛ ~~فإن نظرياته تحيا في كل مكان في العالم، والأزمة العالمية الحاضرة هي أزمة الصراع المنتظر، ~~أو الوفاق المحتمل بين الماركسيين دعاة الإنتاج التعاوني وبين الديمقراطيين دعاة المباراة ~~الاقتصادية. ولذلك لا يمكن أحدا أن يصف نفسه بأنه مثقف إذا كان يجهل الماركسية ولو كان ~~يكرهها؛ لأن الأزمة العالمية هي في صميمها أزمة ماركسية. # وقيمة الماركسية في فهم السياسة العالمية والتطورات الاجتماعية والأخلاقية الحاضرة ~~كبيرة جدا. ولكن لها قيمة أخرى في فهم التطورات التاريخية. والتعمق في دراسة ماركس لا ~~يتمالك من الشعور بأنه هو - لا فرويد - الأساس الصحيح للفهم السيكلوجي. فإن ماركس أثبت أن ~~العواطف الاجتماعية - أي التي نكتسبها من المجتمع ms076 - أكبر قيمة وأبعث على التغيير والتطور ~~وأثبت في كياننا مما نسميه العواطف الطبيعية؛ ولذلك لا يقتصر فضل ماركس على أنه جعل ~~الاقتصاد علما؛ لأن الحقيقة أنه جعل كذلك الأخلاق والاجتماع والسيكلوجية علوما. ولا ~~يستطيع أحد أن يفهم هذه الثلاثة على حقيقتها الفهم الموضوعي إلا إذا كان ماركسيا. # داروين وماركس، كلاهما قد غرس في رأسي مركبات ذهنية، وجعلني أنظر إلى الدنيا وإلى الأحياء ~~في استغراض علمي وتحليل اقتصادي وسيكولوجي. وعندما أستبطن إحساسي الديني أجد أن بؤرة هذا ~~الإحساس هو «التطور». وهذا الإحساس الديني هو فهم وممارسة؛ فإني أفهم أننا وجميع الأحياء ~~أسرة واحدة بما في ذلك النبات، وأن الخلية الأولى التي نبض بها طين السواحل قبل نحو 700 ~~مليون سنة هي عنصرنا الأول، وأننا ما زلنا ننبض ونتغير في تجارب لا تنقطع، وأن سنتنا هي ~~لذلك سنة التغير، وجريمتنا هي لذلك جريمة الجمود. ونحن حين نجمد إنما نكفر بسنة ~~الكون مادة وحياة. ولكن إلى جنب هذا الفهم الديني يجب أن «نمارس» ممارسة دينية باحترام ~~الحياة أيا كانت والتعرف إلى أشكالها وحمايتها من الأميين المستهترين بالطبيعة. هذه ~~الطبيعة التي تكتسب في ذهني قداسة كلما فكرت في غابات أفريقيا أو الهند وما تحوي من تحف ~~الحياة، أو كلما فكرت في غياهب المحيط الهادي أو الأطلنطي أو المحيطين القطبيين وما بهما من ~~أحياء يحاول التجاريون - في غير شرف - أن يبيدوها بالإلحاح عليها في الصيد. # وكذلك لا أقرأ الجريدة اليومية ولا أسمع عن خبر سياسي أو مشروع لقانون جديد إلا وأنظر ~~إليه بالاستغراض الماركسي من حيث دلالته على النوازع المختفية التي دفعت إليه، في حين أن ~~الذي يجهل الماركسية يتطوح ويتخبط في تقديرات «شخصية» للممثلين السياسيين أو الحربيين. مع ~~أن هؤلاء ليسوا سوى أدوات تأخذ مكانها في دورة الآلة الكبرى، في حركة المجتمع الاقتصادي؛ ~~ولذلك أيضا أصبحت فكرة «البطل» في التاريخ من الفكرات التي كانت تتقهقر في وجداني كلما ~~تقدمت في التحليل الاقتصادي. ولكن يجب أن أعترف أنها مع تقهقرها لم تنمح، وأنه لا يزال ms077 ~~للشخصية قيمتها في تفكيري. # وفرق عظيم - بل عظيم جدا - بين شخص قد قرأ ماركس ودرس التفسير الاقتصادي للتاريخ، وبين ~~آخر يجهله؛ لأن الأول الذي امتاز بالحاسة بالتاريخية التي اكتسبها من ماركس يجد في أخبار ~~الجريدة اليومية من المعنى والمغزى ما لا يجده الثاني الذي يحسب أن الحوادث التافهة ~~والخطيرة، والاتجاهات السياسية، والتطور والثورة والحرب والسلام، كلها أشياء تجري ~~جزافا. # ويأتي فرويد - بعد داروين وماركس - في إيجاد المركبات الذهنية التي عملت في توسعي وتعمقي. ~~وعندي أن «مركب أوديب» الذي يعد محور السيكلوجية الفرويدية هو خطأ، ولكنه خطأ منير؛ ~~لأنه نبهنا - كأنه دسيسة عملية تحركنا إلى البحث والتنقيب في كهوف النفس المظلمة - إلى قيمة ~~السنين الأولى أيام الطفولة في تكوين الشخصية. وقد وصفت أقوال فرويد بحق بأنها «سيكلوجية ~~الأعناق». وهي كذلك وإن كنا نختلف كثيرا عما نجد في هذه الأعماق. ولولا فرويد لما كان ~~هذا الجيش الذي يتألف من آلاف العلميين الذين يبحثون النفس البشرية في جميع الأقطار ~~المتمدنة. وقد جمعت بين فرويد وماركس وخرجت منهما بأزكى الثمرات، بل فطنت إلى أن ماركس هو ~~السيكلوجي الأساسي؛ لأنه يجعل وجدان الفرد ثمرة المجتمع. # وعبارة «التحليل النفسي» من العبارات التي تعزى إلى فرويد وهي «اللافتة» لجميع أنواع ~~العلاج السيكلوجي، وليس ثمة شك في قيمة التحليل. ولكني أحس أن «التأليف النفسي» أهم وأنفع ~~من التحليل، وإنه إلى الآن مهمل لأن السيكلوجيين مقيدون بفرويد. # وفي حياتنا العصرية لا يستطيع أحد أن يهمل التفكير العلمي؛ لأن الحضارة الصناعية السائدة ~~هي حضارة العلم. وقد دأبت في دراسة العلوم التي تدور حول التطور أو الاقتصاد أو السيكلوجية ~~أكثر من ثلاثين أو أربعين سنة؛ ولذلك أستطيع أن أتناول كتابا عن الهورمونات - أي مفرزات ~~الغدد الصماء - أو كتابا عن الأيكولوجية - أي علاقة الحي بالبيئة - أو كتابا عن مشكلات ~~الوراثة، أو كتابا عن جنون الشيزوفرينا، فأقرؤها جميعا في رغبة وفهم ولا أجد ذلك الصدود ~~الذي يجده غيري ممن لم يعنوا بالعلوم. # وكل هذه العلوم هي دراستي المستقلة؛ لأن ما حضرته من محاضرات ms078 في لندن لا يؤبه به. ومما ~~آسف عليه أحيانا أني لم أجد المرشد حوالي 1907 الذي كان يستطيع أن يعين لي منهجا ~~دراسيا في العلوم. ولكني - بعد التفكير - أسائل: هل يكون أفضل لي لو أني كنت قد انغمست في ~~دراسة علمية تجريبية معينة؟ ألم تكن مثل هذه الدراسة مانعة بطبيعتها الاختصاصية من ألوان ~~أخرى من الثقافة الموسوعية التي أتمتع بها الآن؟ إني لا أكاد أعرف اختصاصيا في علم ما، ~~نجح في أن يكون موسوعيا ينطلق في سهولة ويسر إلى رياض الفلسفة والأدب والاجتماع، مع أن كل ~~هذه الميادين - فضلا عن العلوم - قد ألفتها وجلت - بل نقبت - فيها وفكرت في تناسقها، ~~وسرت فيها بروح المتعلم الذي يربي نفسه في بعد عن الاغترار والزهو. فإذا اعتبرت القيم - ~~قيم الحياة لا قيم التخصص الثقافي - فإني أجد أني نجحت في تربية نفسي أكثر مما لو كنت قد ~~تخصصت؛ لأن المتخصص في الجيولوجية أو البيولوجية أو الأيكولوجية قلما يفكر في دراسة ~~أفلاطون أو قراءة الجاحظ أو دراسة الحضارة الفرعونية. ولكني أنا بالاتجاه الموسوعي الذي ~~اتجهته قد درست هذه العلوم، في غير تخصص، ولكن مع الاستطلاع الدائم لغيرها من الثقافة؛ حتى ~~إني أقدر - مثلا - عدد المؤلفات التي قرأتها عن حضارة الفراعنة بما لا يقل عن أربعين أو ~~خمسين كتابا. ولم أترك كلمة مطبوعة للجاحظ لم أقرأها. وكذلك أستطيع أن أؤلف كتابا عن ~~جوتيه أو الإصلاح الزراعي في مصر أو المسألة الهندية بأيسر عناء. # ولذلك يرى القارئ أني درست لا للثقافة، بل للحياة، وقد حملتني دراستي العلمية على أن ~~ألتفت كثيرا إلى المراحل البعيدة التي قطعتها العلوم المادية، كالطب والهندسة والكيمياء ~~والميكانيات والطبيعيات، مع تأخر العلوم الاجتماعية التي حال دون التفكير الحر فيها ~~وتغيير قواعدها تقاليد وشعائر وسنن وقوانين تعمل كلها لتجميد تطورنا الاجتماعي. فالاجتماع ~~- باعتباره علما - يعيش على مستوى التفكير في 1600 أو 1700 ميلادية، بل هو في أقطار آسيا ~~وأفريقيا يعيش على مستوى سنة 1000 للميلاد، في حين أن الكيمياء أو الطب يسبقانه بنحو 300 ms079 أو ~~400 سنة؛ ولذلك نحن لا نعيش المعيشة العلمية في بيوتنا ولا يسود حكومتنا النظام العلمي. ولو ~~أنه كانت هناك تقاليد وشعائر وسنن وقوانين للكيمياء مثلا - كما للمجتمع - لبقي هذا العلم ~~على مستواه حين كان كل هم الكيماوي أن يحيل الرصاص إلى ذهب. كما أننا لو استطعنا التخلص ~~من تقاليدنا ومن الاستغراضات التي تخدم بعض الهيئات والطبقات لكان في مقدورنا أن نرتفع ~~بالاجتماع إلى مستوى العلوم التجريبية المادية. # ولهذا أيضا نجد أن الطالب الذي يدرس الطب نقول له في صراحة إن الذباب ينقل عدوى الرمد ~~أو الدوسنطاريا، أو إن لحم البقر الذي أصيب بالدرن تنتقل عدواه إلى آكله من البشر، ولكنا لا ~~نقول لهؤلاء التلاميذ أو الطلبة إن الأجور المنخفضة التي يحصل عليها العمال في مصر تفشي ~~بينهم الدرن والعمى والموت؛ لأننا نخشى هنا الاستغراضات الامتيازية والاحتكارية ~~والاقتصادية . ونخشى أن نصرح للفلاحين بأن كثيرا من الغيبيات التي يؤمنون بها ~~خرافية. # ذات يوم في 1918 كنت قاعدا في الريف إلى قناة صغيرة في ظل شجرة وإلى جنبي فلاح قد بلغ ~~الثمانين. وكنت أتأمل يرقات الضفادع وهي تسبح. فسألت الشيخ عنها فاتضح لي أنه لا يعرف أنها ~~ضفادع صغيرة. ثم تشعب الحديث إلى النبات فقال: «إن لكل نبتة من هذه الأعشاب التي تنمو على ~~شطوط القنوات ملكا يحرسها.» ولما نهضت أخذت أفكر في هذه الرواسب الثقافية التي انحدرت ~~إلينا عن الفراعنة والكلدانيين والبابليين، وجعلتنا نعيش في غيبيات تحملنا على النظر المخطئ ~~لحقائق هذا العالم وتباعد بيننا وبين النظر العلمي الموضوعي. وقلت في نفسي: هذا الرجل غيبي ~~يؤمن بأن العالم حافل بالأرواح التي تحرس الناس والحيوان والنبات؛ إذن هو من خصوم ~~داروين. # ولكن هذا الفلاح المسن يمثل في سذاجته المركزة جهل الرجل العادي والمرأة العادية. ~~وكلاهما يعيش بذهنه على رواسب قديمة من العقائد؛ حتى إن فكرة «القرينة» عند الفراعنة لا ~~تزال حية في أيامنا. أجل! لقد ذكرت الآن؛ فقد كنت طفلا لم أتجاوز السابعة أو السادسة، وكنت ~~قد غضبت وصرخت ورفست وأنا على ms080 العشاء. فقالت لي أمي تخيفني: «دلوقت أختك تزعل منك ~~وتضربك.» # وكانت تعني بأختي هذه «قرينة» الفراعنة. وقصدت إلى الفراش ونمت بلا عشاء. وإذا بي أحلم أن ~~فتاة قد حضرت وهي تحمل سوطا ترفعه في الهواء كي تتحفز لضربي، فصرخت في النوم. وأقبلت إلي ~~أمي في فزع فأيقظتني وحضنتني وجاءتني بكوب من الماء شربت منه جرعة. ثم أخبرتها عن الحلم، ~~فأخذت تقبلني وهي تبكي: «حقك علي يا ابني، أنا كنت بضحك، مفيش أخت، مفيش أخت.» # ولكن مجتمعنا لا يزال في أسر هذه القرينة أو ما يشابهها من العقائد التي تتخذ أحيانا ~~أسلوب البحث العلمي. كما نرى مثلا في أولئك الذين يزعمون أنهم يستجلبون الأرواح فتنقر على ~~المائدة وتتحدث عن العالم الثاني ... وهذه العقائد تعيش كأنها كابوس للمجتمع تعمل على تجميده ~~وتخويفه حتى لا يتطور. ودعاة الروح هؤلاء لا يختلفون عن تلك الأم الساذجة التي تقول عندما ~~يعثر طفلها: «وقعت على أختك أحسن منك.» تمدح الأخت وتسترضيها حتى لا تصيب طفلها بأذى ~~... # وهذه القرينة أو هذه الأخت التي أفزعتني في نومي، وهذه الملائكة التي تحرس النباتات عند ~~ذلك الفلاح المسن، هي ضباب العقل الذي كان يجب أن يقشعه العلم. وقد انقشع أو كاد في أمريكا ~~وأوروبا. ولكنه لا يزال يخيم علينا؛ لأن الثقافة العلمية لا تزال بعيدة عنا لم نتنفس هواءها ~~الصافي. # وهذه الثقافة العلمية هي ما أفتأ أرجو أن أجعلها أسلوبي في الحياة الشخصية ~~والاجتماعية. ولكني لم أخطئ قط ذلك الخطأ المألوف بأن أجعل العلم غاية إذ هو وسيلة فقط. أما ~~الغاية فيعينها الأدب والفن والفلسفة. أي إن غاية العلم هي الدين الذي نكسبه من الأدب ~~والتاريخ والفن والفلسفة. أي كيف نعيش في مجتمعنا أصلح العيش وأروحه وأقصده وأشرفه. # وقد وضعت كتابي «نظرية التطور وأصل الإنسان» ولي مأرب هو مكافحة الغيبيات الشائعة، ونشرته ~~كله مقالات في «البلاغ» قبل طبعه كتابا؛ كي أصل إلى أكبر عدد من القراء. ومن الذكريات ~~السعيدة أني وقفت ذات يوم إلى دكان صغير لا تزيد مساحته على ms081 ثلاثة أمتار مربعة أشتري لابني ~~بعض الحلوى، فعرفني البائع وأخبرني أنه قرأ كتابي هذا وفهمه. # ولو أني وجدت التشجيع لأرصدت حياتي لإخراج كتب شعبية مثل «نظرية التطور» و«العقل الباطن» ~~ونحوهما. وكثيرا ما كنت أتحسر حين كنت أرى مؤلفات العقليين في لندن. فإن كتاب «أصل ~~الأنواع» الذي زلزل به داروين الثقافة الأوروبية كان يباع بأقل من خمسة وعشرين ~~مليما. # وحوالي 1930 وجدت أنا والأستاذ فؤاد صروف الفرصة سانحة لإيجاد حركة علمية شعبية في مصر. ~~فعقدنا العزم على تأليف «المجمع المصري للثقافة العلمية». وكانت الغاية منه أن يضم جميع ~~المهتمين بالثقافة العلمية ونشرها بين الجمهور. ونجحنا في المشروع نجاحا لم نكن ننتظره، ~~وعقدنا الاجتماع السنوي الأول له وألقيت فيه محاضرة سيكلوجية عن طبيعة التفكير في ضوء ~~الأحلام في قاعة الجمعية الجغرافية. ولكني في ذلك الوقت كنت أمارس نشاطا سياسيا مركزا ~~في مكافحة إسماعيل صدقي (باشا) حين ألغى الدستور واستبدل به غيره، واتفق مع المستعمرين ~~والمستبدين على إعادة الحكم التركي الشركسي الذي حاول عرابي أن يحطمه. وأدى نشاطي هذا في ~~السياسة إلى طردي من المجمع. # وكان من حظنا السيئ أننا اخترنا معظم الأعضاء من الموظفين؛ ولذلك حين اختير حسين سري ~~(باشا) رئيسا لاجتماعه الثاني أرسل إلي خطابا يفصلني من المجمع «مع الشكر». وكان وقتئذ ~~وكيلا لإحدى الوزارات، فوافق جميع الأعضاء «الموظفين» ولم يشذ غير واحد - غير موظف - هو ~~الأستاذ إسماعيل مظهر. وجاء في عقب طردي الصديق زكي أبو شادي يعتذر إلي بأنه لم يجرؤ على ~~مخالفة «وكيل وزارة»؛ ولذلك أعطى صوته ضدي ووافق على طردي، على أنه يعرف أنه ليس من حق ~~المجمع أن يفصلني لنشاطي السياسي. واتجه المجمع بعد ذلك وجهة اختصاصية غير شعبية؛ ولذلك لم ~~ينتفع به الجمهور كثيرا. # وعندما أقارن بين الثقافة العلمية والثقافة الأدبية أجد أن القيمة العظمى للأولى أنها ~~تحريرية؛ لأن التفكير العلمي يسير على نهج ارتقائي: هذا سيئ فيجب أن نبحث عن الحسن، وهذا ~~أحسن ولكن يجب أن ننشد أحسن منه بالاكتشاف والاختراع. والتفكير الارتقائي هو بطبيعته ms082 تفكير ~~علمي. وهو لم ينشأ في أوروبا إلا بعد أن اتجه الأوروبيون وجهة علمية في القرن السابع عشر. ~~أما قبل ذلك فلم يكن هناك من يقول بأن الشعوب يجب أن ترتقي وتتغير. وقد يرد هنا علي بأنه ~~كان هناك طوبويون يتخيلون حالا سعيدة للبشر غير حالهم الحاضرة. ولكن الفكرة الارتقائية لم ~~تنبت قط في هذه التربة الطوبوية، وإنما نبتت من البذور العلمية. # والثقافة الأدبية إذا لم تجد الحافز من العلوم تركد، وقد كان هذا شأنها في العصور الوسطى: ~~وسط زراعي راكد يعيش في ثقافة أدبية راكدة محافظة. أما الآن فالعالم المتمدن يعيش في وسط ~~صناعي متحرك، يعيش في ثقافة علمية متحركة متغيرة. # ومن هنا قيمة التوجيه العلمي في الثقافة العربية الحاضرة. بل يجب أن يرتفع هذا التوجيه ~~إلى مقام الدعاية. # | ذكريات الحرب الكبرى الأولى # كانت الحرب الكبرى في 1914 متوقعة ، وكان أساسها المباراة العظيمة بين الإنجليز ~~والألمان؛ فإنهما كانا على تقدم صناعي عظيم يحتاج إلى المستعمرات والمواد الخامة ~~والأسواق. وكان الإنجليز حاصلين على كل هذا، ولم يكن الألمان حاصلين على شيء يؤبه به. ~~فكانت الصناعات الإنجليزية تمتاز بالمواد الخامة الرخيصة التي تحصل عليها من الهند وجاوة ~~ومصر وغيرها، فتستطيع بيع مصنوعاتها بأثمان منخفضة. ثم في الوقت نفسه كانت تجد التفضيل في ~~الأسواق في هذه الأقطار وغيرها. وإذا لم يكن هذا التفضيل بالامتياز الجمركي الصريح الذي ~~يجعل مصنوعاتها تدخل هذه الأقطار بسهولة، فإنه يكون بألاعيب أخرى تؤدي إلى التفضيل، ويقوم ~~بها موظفو المستعمرات لخدمة طبقة الصناعيين والتجاريين في بريطانيا. # ولم يطق الألمان هذه الحال؛ أي أن يثرى الإنجليز بأوضاع غير عادلة، ويبقوا هم في ~~تخلف اقتصادي، وشيء من هذه الحال كان أيضا بارزا في مقدمات الحرب الكبرى الثانية التي ~~دعت اليابان فيها إلى «الرخاء المشترك». # وكانت الشرارة الأولى للحرب قتل أحد الأمراء من أسرة الإمبراطور فرانز جوزيف، وكان ~~إمبراطورا هرما على إمبراطورية هرمة ركيكة. ولم تمض إلا أيام حتى كان العالم كله ~~مشتعلا، وأخذ الجمهور في مصر على دهشة. # وكنت أصدرت ms083 مجلة «المستقبل» في القاهرة، فدعيت إلى تعطيلها في إدارة المطبوعات. ثم شرع ~~الإنجليز في اعتقال من يتوجسون في اتجاهاته. ولبثت بعض الشهور وأنا أعمل مع مي في ~~جريدتها؛ أي جريدة والدها «المحروسة». ولكني سئمت الرقابة التي لم تكن تسمح بنشر خبر صحيح ~~إلا بعد أن تزيفه حتى تخرج الهزيمة التي كانت تقع بالحلفاء كأنها انتصار رائع ~~لهم. # ورحلت إلى الريف، ورأيت كيف كان يسلط الإنجليز علينا الموظفين المصريين من مأمورين ~~ومديرين وحكمدارين وشرطة لخطف محصولاتنا. وكانت الجمال والحمير بل الرجال يخطفون أيضا ~~كما لو كانوا في قرية زنجية على خط الاستواء قد كبسها النخاسون لخطف سكانها وبيعهم في سوق ~~الرقيق. وكان المنظر يهين النفس كما يفتت القلب. فكان الرجل يربط بالحبل الغليط من وسطه، ~~وخلفه أمثاله، ويسيرون على هذه الحال صفا إلى أن يبلغوا «المركز» فيحبسون في غرفة ~~المتهمين ثم يرحلون إلى فلسطين. وكنت أنجح أحيانا بالرشوة في استخلاص بعض هؤلاء ~~المساكين. وذات مرة وأنا بالمنزل سمعت صراخا ودخلت على نسوة في فزع ونحيب، وعرفت أن ثلاثة ~~ممن يزرعون أرضنا ألقي القبض عليهم وهم يحرثون في الحقل. فخرجت ووجدتهم مربوطين بالحبال ~~الغليظة بحراسة أحد الشرطة. أما سائر الشرطة فقد تركوهم كي يغزوا قرية أخرى، واستطعت ~~بمساومات مع الشرطة أن أحصل على الإفراج عنهم. ولكني لم أكن أنجح كل مرة، ففي ذات يوم قصدت ~~إلى المأمور في الزقازيق أطلب منه إطلاق اثنين من الفلاحين، فتأملني ثم قال: أنا عايز ~~أرحلك أنت لفلسطين. فتركته إذ لم تكن الظروف وقتئذ تأذن بالتحدي. # وفي تلك السنوات السود أثري كثير من العمد ثراء فاحشا؛ فقد فرضوا ضرائب على جميع الشباب ~~من سن العشرين إلى الخمسين كل على مقدار ما يملك. فهذا يؤدي خمسة جنيهات، وذاك عشرة جنيهات، ~~حتى يعفيهم من الاعتقال وبعثهم إلى فلسطين. وعرفت عمدة كان يملك ستة أفدنة فقط جمع نحو ~~خمسة آلاف جنيه بهذه الطرق. وكان الفلاحون يجوعون كي يجمعوا هذه الغرامات ويؤدوها. # وقد استمتعت بعد ذلك بالشماتة عندما رأيت هذا العمدة ms084 وقد قبض عليه الإنجليز بعيدا عن ~~قريته وأجبروه على النزول في ترعة يبحث عن أحد قضبان الخط الحديدي لشركة الدلتا. فقد فوجئ ~~وهو على حمار قاصدا إلى قرية مجاورة فأنزلوه وضربوه وأجبروه على العمل في ترميم الخط ~~الحديدي الذي كان الفلاحون قد نزعوه في 1919. وعرفت بعد ذلك أنه تورط في معاكسات ومشاجرات ~~بينه وبين الأهلين فضاع كل ما جمعه. فقد تعقبوه بالشكايات جملة سنوات وتمسكوا عليه بمخالفات ~~خطيرة جعلته ينفق في الرشوة وأجور المحامين كل ما كان قد جمعه من هؤلاء الفلاحين ~~المساكين. # وكان معظم النقل في الحرب الكبرى الأولى على الخيول الأسترالية. وكانت ضخمة يعلف الحصان ~~منها بضعف ما يعلف به حصان من خيولنا؛ ولذلك كان التبن والشعير يخطفان من الريف. وقد قام ~~عمالنا المصريون - وهم من الفلاحين - بخدمة الحملة الإنجليزية في فلسطين. وكانوا يعدون ~~بعشرات الألوف مات أكثرهم وعمي بعضهم. ومع ذلك عندما انتهت الحرب واشتعلت الثورة في مصر في ~~سنة 1919 وقف السفير البريطاني في واشنطون ينتقص من قيمة خدمتنا في الحرب كي يحول دون العطف ~~الأمريكي على قضية استقلالنا، فقال: إن جميع من قتلوا في الحرب من المصريين لا يزيدون على ~~ثلاثة أشخاص. ثلاثة فقط. # وكثير من الفلاحين يتركون الأرض إلى المدن لما يلاقون من قسوة المالكين الذين يعصرونهم ~~بالإيجارات والمحاسبات. ولكن الريف لا يزال معمورا بل مزدحما بالفلاحين على الرغم من جميع ~~ما يلقى هؤلاء فيه من مصاعب. وظني أن بعض السبب لذلك أن في الأرض فتنة تسحر الفلاح ~~وتربطه بها مهما قل كسبه منها؛ فإنه يستيقظ قبل الشروق، ويخرج إلى حقله ترافقه بقرته ~~وحماره وعنزته أو نعجته. وهو يحس برفقة هذه الحيوانات ويجد في هذه الرفقة لذة تسمو على ~~الاعتبارات المالية. وهو يتشمم الأرض عقب حرثها حين تنفح التربة الهواء بروائحها التي توحي ~~الرخاء والبركة. بل هو يبكر أحيانا كي يتحقق من النمو الجديد في الذرة أو القمح. وفي ~~الشتاء حين يكسو الندى البرسيم تبدو الدنيا في بهاء لا يعدل الإنسان به أي جمال ms085 ~~آخر. # وقد وجدت هذه الفتنة في السنوات التي قضيتها في الريف مدة الحرب. وكنت كثيرا ما أتأمل ~~الفلاحين وهم يكدون من الفجر إلى الغروب، ثم يعودون مرحين يتغنون بالمواويل خلف البهائم إلى ~~بيوتهم. وهذا الحب للأرض وللنبات وللحيوان يلصق الفلاح بالريف ويجعله يرضى بالمعيشة الضنينة ~~من حيث الطعام واللباس والمسكن. بل هو يرضى بقسوة الإيجارات والمحاسبات، بل إن الفلاحة ~~أيضا تجد من الاهتمامات بتربية الدجاج والبط والحمام ما يجعلها مفتونة بهذه الطيور فتغني ~~لها كما لو كانت تؤدي هواية لذيذة. وكثيرا ما رأيت إحدى الفلاحات تخاطب البقرة التي عزفت ~~لسبب ما عن الطعام بقولها: «يا حبيبتي، يا أختي.» ثم تمسحها بيديها كما لو كانت طفلا ~~تدلله. # ثم يجب أن لا ننسى القمر في الريف؛ فإنه يسكب سحره على كل شيء، وأبناء المدن الذين يرون ~~القمر من خلال المباني لا يعرفون فتنة هذا الكوكب في الريف. # وغيري يعد الريف منفى، ولكني أعتقد أن أحسن سني حياتي هي التي قضيتها في الريف. فقد ~~أتاح لي الدراسة الجدية كما أتاح لي الاستمتاع بالطبيعة. ولم يكن يمر علي يوم دون أن ~~أستيقظ في الساعة الرابعة أو الخامسة من الصباح وأسير في الحقول وهي مبللة بالندى في ~~هدوء الطبيعة الرخيم أنتظر بزوغ الشمس فأحييها وأتأملها كأني في صلاة. وهناك آلاف من الناس ~~لم يعرفوا قط هذه الصلاة ولم يحسوا هذا الإحساس الديني في الاتصال بالطبيعة في خلوة ~~الحقول التي تنمو كل نهار بحياة جديدة. والسائر في الحقول في هذه الساعات الأولى من النهار ~~تغمره نشوة حقيقية حتى ليجد خفة في نفسه لا تختلف من تلك التي يحدثها الكئول، ولكن دون ~~تخدير للوجدان. # والريف يوهم التجزؤ والانفصال: هذا نبات، وهذا حيوان، وهذا مسكن، وهذا حقل، بل هذا ~~إنسان وهذا بهيم. ولكن المتأمل يجد الترابط والتكافل، كأن كل هؤلاء وحدة حية. # وقد كان داروين يقول على سبيل الفكاهة إنه يستطيع أن يقدر عدد العوانس في قرية (في ~~إنجلترا) بملاحظة حقول البرسيم المحيطة. فإذا كان البرسيم مزدهرا ناجحا ms086 فإنه يدل على أن ~~العرائس كثيرات في القرية؛ ذلك لأنهن يربين القطط، والقطط تأكل الفئران، والفئران تأكل ~~النحل، والنحل هو الذي ينقل إلى البرسيم لقاحه من زهرة إلى زهرة ... فإذا قلت العوانس قلت ~~القطط وزادت الفئران، وقل النحل ثم قل ازدهار البرسيم. # ونحن نرى هنا بالطبع فكاهة، ولكن لها مغزاها، وهو أن النبات والحيوان يعيشان في تضامن ~~سمبيوزي أي إن كلا منهما يخدم الآخر. فحياة هذا تتوقف على حياة ذاك. وقد كنت أبتهج ~~بالتأمل في الريف لهذه الروابط بين النبات والحيوان. وكثيرا ما كنت آسف وأنصح بشأن البومة؛ ~~فإن الفلاحين قد ورثوا عقائد غيبية عنها؛ إذ يقتلونها لأنهم يتشاءمون منها، مع أنها تأكل ~~الفئران التي تقتات بذراهم وخبزهم. ثم إن تكاثر الفئران يؤدي إلى تكاثر الثعابين التي تقتات ~~بها. بل إن للذئاب والثعالب في ريفنا قيمتها السمبيوزية في حياتنا الريفية أيضا لأنها تنظف ~~القنوات من الرمم. # وقد كنت - وما زلت إلى الآن - أجد لذة واهتماما في أن أتابع فراشة بل أجري وراءها كالصبي ~~حتى أمسكها وأتأملها وأبحث عن أعضائها، ثم أطلقها. وسلوكي هذا كثيرا ما كان يبعث ~~الابتسامات بين الفلاحين الذين يعتقدون أن مثل هذا العبث لا يتفق والوقار ... وما زلت إلى ~~الآن متعلقا بالريف أخطف إليه الزيارات بل ما زلت أحلم بأن أقضي السنة الأخيرة من عمري في ~~الريف. # وريفنا الذي صنعته الطبيعة، ريف الحقول والزهر والشجر والطير والفراش، هذا الريف يتلألأ ~~بالجمال ويبعث الحياة تنبض في عروقنا حين نشرب من هوائه ونشم منه خضرة البرسيم أو الذرة ~~التي تغمر نفوسنا. ولكن الريف الذي صنعه المجتمع المصري، ريف المساكن الكالحة المبنية من ~~الطين المجفف، ريف الإيجارات والمحاسبات والحرمان للفلاحين، هذا الريف لا يوحي إلينا ~~الصلاة بل يوحي الغضب واللعنة وكراهة الحياة في مصر؛ فإن المالك يعامل أحيانا الفلاحين ~~بروح تجاري لا يبالي هل هو يجوع أو يمرض بسبب الإيجارات العالية التي يفرضها عليه. # وأذكر أن أحد الفلاحين في عزبة غير بعيدة قدم إلي ذات صباح في 1915 وعرض علي ms087 أن ~~ينتقل إلى عزبتنا، فقبلت. وقبيل الغروب حضر هو وزوجته التي كانت تحمل ابنتها على صدرها، ~~وكان هو يحمل جرة بها «مخلل». وكانت هذه الجرة كل ما يملك من متاع في الدنيا؛ فقد حاسبه ~~صاحب الأرض وأخرجه خالصا لا عليه ولا له. وفاحت رائحة كريهة من الجرة، فكشف عنها أحد ~~الحاضرين وصب منها على الأرض، وما زال يصب حتى فرغت، وكان هذا «المخلل» الذي ذكره هذا ~~المسكين لا يتجاوز هذا السائل الكريه يبلل به هو وزوجته خبز الذرة ثم يبلعانه. وكان الهزال ~~واضحا في الثلاثة، وكان أوضح في الطفلة التي كانت تتعلق بصدر أمها كأنها خرقة بالية معلقة ~~في ترهل، وقد ماتت هذه الطفلة بعد نحو أسبوعين. # وقص علي علي - وهذا اسمه - مأساته؛ فقد دخل تلك العزبة قبل ست سنوات ومعه بقرة وحمار، ~~وكان لزوجته صندوق ولحاف وحصيرة ومخدة، ولكن المالك كان «يحاسبه» كل عام، فيخرج مدينا. ~~وباع بقرته وحماره في تسديد الدين، ثم باعت زوجته كل أمتعة البيت كي تشتري الذرة. # وذات مساء أقبلت على العزبة فوجدت عليا مبطوحا على بطنه وهو يصرخ صرخات عالية، وفزعت ~~عندما رأيته على هذه الحال، وظننت أنه قد تسمم أو أن وباء الكوليرا قد نقل إلى مصر مع بعض ~~الجنود الهنود، ولكن المسكين سكت خجلا عندما رآني. وذهبت به اليوم التالي إلى الزقازيق ~~لأحد الأطباء، فقال إنه مريض بالبلاجرا وهو مرض ينشأ من النقص الغذائي، فذكرت الجرة التي ~~جاء بها وصببنا منها المخلل على الأرض ... # وتفاقمت حاله، وظهرت عليه أمارات البلاهة. وتركته زوجته وتزوجت غيره. ثم حدث حريق في ~~بهنباي بعد ذلك بسنين، وكان هو في أحد أزقتها، فخانه ذكاؤه الذي تقهقر من البلاجرا فعجز عن ~~التخلص من النار ومات بالحريق. # وفي الريف المصري الجميل آلاف من هذه المآسي التي تعود إلى الروح التجاري في محاسبة ~~الفلاحين وزيادة الإيجارات حتى يموتوا في بطء لقلة الطعام. وأغلب المسئولين عن هذه القسوة ~~هم من المالكين الذين يعيشون في المدن ويستغلونها - غيابيا - أرضهم، فلا يستطيع وكلاؤهم ms088 ~~التسامح - ولا نقول الرحمة - مع المأزومين والفقراء، بل أحيانا يبرهن هؤلاء الوكلاء على ~~إخلاصهم واجتهادهم للمالكين بزيادة الإيجارات على هؤلاء المساكين. # وكنا نقرأ الأخبار كما يحب الإنجليز أن نفهمها؛ ولذلك كانت الرقابة صارمة شاملة؛ فقد ~~اشتركت في بعض المجلات الأمريكية كي أصل عن طريقها إلى الأخبار الصحيحة. فكانت إما تمنع ~~من الوصول إلي وإما تقص أوراقها التي تحمل أخبارا غير ملائمة للإنجليز. ولكن حتى بين ~~المحررين المصريين من كان يستطيع أن يروي الخبر بحيث يجوز ظاهره على الرقيب ويدرك قارئه ما ~~بين سطوره، مثل: # جاء في التلغراف أن هزيمة الألمان عند فردان كانت فادحة؛ إذ تقدموا بعد جهد كبير ~~عشرة كيلومترات، ولكن ارتد عليهم الجنود الإنجليز والفرنسيون فانتزعوا منهم ~~طاحونا، وقد أحدث هذا المنظر فرحا عاما في قيادة الحلفاء. # وكان الرقيب ينخدع بهذه البهجة وينسى المعاني الواضحة. # وكان إعجاب الجمهور بألمانيا يفوق الوصف. وبعض هذا كان يعود بالطبع إلى الشماتة بالإنجليز ~~المحتلين لوطننا. وكنا نهجس أحيانا بأمل الاستقلال إذا انهزمت بريطانيا أو على الأقل لم ~~تنتصر. وكان هذا الأمل قويا في بداية الحرب وبقي إلى أن دخلت أمريكا في صف ~~الحلفاء. # ولم تكن الطائرات عنصرا خطيرا في الحرب الكبرى الأولى، ولم تزرنا فيها غير طائرتين: ~~الأولى ألقت قنبلة بالقرب من البنك الأهلي، والثانية ألقت قنبلة في حي الفجالة. وكان التلف ~~صغيرا. وأيضا أرسلت ألمانيا بلونا عبر جونا ذهابا وإيابا؛ من أوروبا إلى المستعمرة ~~الألمانية في أفريقيا الشرقية. ولم يلق أية معارضة من الإنجليز. وكان على ارتفاع بعيد ~~حتى لم يسمع أحد بأزيز موطراته. # وقد كانت براعة الالمان في القتال عظيمة، ولكن إخفاقهم في السياسة كان عظيما أيضا؛ إذ ~~لم يستطيعوا أن يتوقوا انضمام الأمريكيين إلى أعدائهم؛ ولذلك صحت كلمة لويد جورج رئيس ~~الوزارة الإنجليزية عندما قال: «الألمان يكسبون المعارك الآن. ولكنا نحن سنكسب ~~الحرب.» # وكان تشرشل بطل الحرب الكبرى الثانية بطلا أيضا في الحرب الكبرى الأولى؛ فقد كان يتهم ~~الألمان بأنهم يصنعون الصابون من جثث القتلى أي يستخرجون الشحم من ms089 هذه الجثث ويصنعون منه ~~الصابون. وقال أيضا إن الألمان يبعثون جنودهم إلى المدن لتلقيح النسوة بلا زواج ... وكانت ~~هذه التهم بالطبع غير صحيحة. ومما قام به تشرشل في تلك الحرب أنه زيف ملايين النقود ~~الورقية وبعث بها عن طريق سويسرا إلى ألمانيا حيث أفسد قيمة النقد الألماني. وتشرشل أيضا ~~هو المسئول عن الحصار الذي ضربه الإنجليز على ألمانيا أكثر من ستة أشهر بعد إعلان الهدنة. ~~فلم يكن يدخل ألمانيا شيء من الأغذية التي يحتاج إليها السكان، وكانوا قد بلغوا حالا بشعة ~~من القحط. وقد عم الكساح أطفالهم لهذا الحصار. # وارتفعت الأسعار والأثمان إلى أربعة أضعاف بل خمسة أضعاف ما كانت عليه قبل الحرب. ولكن ~~الرخاء كان عاما؛ لأن الإنجليز بعد أن كانوا قد حددوا أثمان القطن في السنتين الأوليين من ~~الحرب تركوها حتى وصلت إلى 40 و45 جنيها للقنطار. وكان أردب القمح يصل إلى 7 أو 8 جنيهات. ~~وبقيت إيطاليا مدة طويلة وهي محايدة، فكانت تموننا بكثير من المصنوعات. ولذلك لم يزد ~~قط ثمن البذلة على 8 أو 9 جنيهات. وأحدثت أثمان القطن المرتفعة هوسا عاما في الريف ~~حتى بلغ ثمن الفدان خمسمائة جنيه وإيجاره 40 أو 50 جنيها. وبدهي أنه في مثل بلادنا حيث منع ~~الإنجليز تأسيس المصانع يجب أن ترتفع أثمان الأرض كلما زاد النقد المتداول؛ إذ ليس هناك ~~شيء آخر لاستغلال النقد الفائض. وأعرف اثنين شقيقين في الريف كانا يتجران بالقطن في 1919. ~~وقد عمهما الهوس بشأن الزيادة المستمرة في أثمانه، فصارا يجمعان منه ويكنزان حتى أصبحت ~~ثروتهما كلها قطنا لا يملكان شيئا غيره. وكان يعرض عليهما الثمن العالي فيرفضان انتظارا ~~لارتفاع الثمن إلى خمسين أو مائة جنيه. وهما في هذه الآمال والأحلام وإذا بالثمن يهوي إلى ~~أقل من أربعة جنيهات. فجن أحدهما ومات الآخر. وكثر الانتحار بين المضاربين على أثمان ~~القطن في بورصة الإسكندرية. وفي أثناء هذه الحمى كانت الثروات الضخمة تتكون في أيام أو ~~أسابيع؛ فقد كان هناك تجار يشترون البيض أو الزبد أو يتجرون في ms090 البهائم. فلما رأوا أن ~~القطن يصعد إلى السماء أقبلوا عليه. فلم يكن يدور العام على أحدهم - فيما بين 1918 و1919 - ~~حتى كان يملك عشرين أو ثلاثين ألف جنيه مع أن كل ما كان يملك في بداية تجارته لم يكن يزيد ~~على مائتي جنيه. وكان بعض هؤلاء يتناسى قديمه ويزعم أنه أصيل عريق في الثراء. وبعض آخر كان ~~يتبجح بعصاميته وأنه جمع ثروته بذكائه، أو كما كان يقول بذراعه. وكلاهما كان كاذبا؛ لأن كل ~~ما في الأمر أن الحظ رفعهم كما خفض غيرهم. # وكانت الحرب تسير في سلحفة بطيئة خالية من الاقتحامات، حتى كاد الناس يعدونها شيئا ~~مألوفا ليس هناك ما يدعو إلى أن يتغير؛ فقد حفرت الخنادق - من الجانبين - في الإقليم ~~الشمالي من فرنسا وجهزت بالأثاث والمصابيح الكهربائية، ونظمت بينها المواصلات ~~وحصنت بالأسمنت. وعم الجهة الغربية ركود حتى صارت عبارة «كل شيء هادئ في الميدان ~~الغربي» من العبارات الرمزية نقولها عندما لا نجد خبرا جديدا. وهنا الاختلاف بين الحرب ~~الأولى والحرب الثانية في 1939؛ فإن الغارات الجوية التي وصلت إلى مدننا جعلت هذه الثانية ~~متحركة نشيطة بالمقارنة إلى سكون الأولى في الخنادق. وحاول الألمان أن يحركوا الجبهة ~~الغربية بالهجوم الكبير على فردان، ولكنهم لم ينجحوا إلا في قتل عشرات الألوف من شباب ~~الألمان والفرنسيين. والواقع أنه لم يكن في أخبار الحرب الأولى - بعد الهجوم البرقي ~~الألماني الأول مما بقي أثره - سوى ثلاثة أشياء هي: دخول أمريكا في الحرب، ثم انفصال روسيا ~~بنظامها الجديد، وأخيرا شروط ولسن التي أحسسنا بها كأننا نفتتح عصرا جديدا للسلام ~~والعدل. وكان أهم ما في هذه الشروط حق تقرير المصير للشعوب التي يستعبدها الاستعمار. وكانت ~~عصبة الأمم إحدى الثمرات لجهاد ولسن للسلام العام. # وقد ظهر ولسن بمذهبه الجديد كما لو كان نبيا؛ فإن العالم الذي كان يئن من ~~الإمبراطورية البريطانية استروح نسيما منعشا من هذه المبادئ الجديدة التي تقول بالمساواة ~~والحرية وتقرير المصير. وعلقت هذه المبادئ بأذهاننا، وصرنا نلهج بها ونفكر فيما نستطيع ~~أن ننتفع به منها. ms091 وكان الساسة الإنجليز يتململون من هذه المبادئ ولكنهم لم يستطيعوا منعها ~~وإنكارها. وقد عادوا إلى مثل هذه الحال في الحرب الكبرى الثانية عندما دعا الرئيس روزفلت ~~إلى ميثاق الأطلنطي والحريات الأربع؛ فقد قبلوا مبادئ ولسن ثم مبادئ روزفلت بالقول مع نية ~~نقضها بالفعل. # وكان ولسن يسير في أوروبا ويتنقل من عاصمة إلى أخرى والجماهير تحتشد له وتتلقاه في خشوع ~~ديني؛ حتى كان بعضهم يجثو على الركب على أرصفة المحطات، وكان الكاتب الفرنسي رومان رولان في ~~سويسرا وقد غادر فرنسا احتجاجا على الحرب. # وقد كتب له خطابا مفتوحا قال فيه: # أنت وحدك، أيها الرئيس، بين جميع أولئك الذين يحملون الواجب الرهيب لقيادة الأمم، ~~أنت وحدك تستمتع بسلطة روحية عالمية؛ لأنك توحي الثقة العامة. # أجب نداء هذه الآمال الحارة، وتناول هذه الأيدي التي بسطت إليك فاجعلها تصافح ~~بعضها بعضا ... لأن الأمم إذا وجدت أنها خذلت في هذه الوساطة فإنها ستتفرق وتهيم ~~في فوضى ثم لا بد أن تتحطم في الشطط. وعندئذ تنغمس الشعوب في الدماء وتنكفئ ~~الأحزاب القديمة إلى رجعية دموية ... أيها الوارث لجورج واشنطون وإبراهام لنكولن ~~هلم إلى الراية وهي ليست راية حزب أو راية أمة وإنما هي راية العالم كله. ~~وادع نواب الشعوب إلى برلمان البشرية. وارأس أنت هذا البرلمان بالسلطة ~~الكاملة التي هي حقك لما لك من وجدان روحي سام، ولما لأمريكا من مستقبل عظيم. ~~تكلم! تكلم إلى الجميع؛ لأن العالم متعطش إلى صوت يعلو ويغمر تخوم الأمم ~~وطبقاتها. كن الحكم للأمم الحرة، حتى يعرفك المستقبل بأنك كنت المصالح ~~بينها. # وليس من شك في أن مبادئ ولسن الأربعة عشر كانت من أكبر العوامل لثورتنا في 1919. وكان ~~ولسن يحاول تغيير العالم؛ وكان يؤمن برسالته في جد وشرف. ولكن الرجل في شرفه وسذاجته لم ~~يقدر عتو اللؤم والخسة في الإمبراطوريين: كليمنصو رئيس وزارة فرنسا، ولويد جورج رئيس ~~وزارة بريطانيا. فقد سايره هذان الاثنان وأوهماه بالموافقة التامة على مبادئه كي يلقي بكل ~~القوة الأمريكية في كفة الحلفاء ضد ألمانيا، حتى إذا تم ms092 الانتصار بفضل هذه القوة للإنجليز ~~والفرنسيين تنكر هذان الاثنان له. وكان من الفكاهات التي يتنادر بها الفرنسيون في حمق ~~ورعونة قول كليمنصو وقت المفاوضات: «إنني في مأزق، فعن يميني نابليون وعن يساري المسيح.» ~~وهو يعني بنابليون لويد جورج في زعمه أنه بطل، وبالمسيح ولسن في زعمه أنه مصلح للعالم. ونحن ~~الآن في 1947 عندما نذكر هذه المفاوضات في 1919 ندرك أن ولسن لم يكن فقط الرجل البار ~~بالبشر بل كان أيضا الرجل البصير. أما هذان الاثنان فكانا أحمقين قد طربا للانتصار ورضيا ~~بالنظر القصير. ولو أن مبادئ ولسن عمت العالم لما وقعت الحرب الكبرى الثانية. # وعلى كل حال ربح العالم من ولسن «عصبة الأمم». وصحيح أن الإمبراطوريين من الإنجليز ~~والفرنسيين أفسدوها وأحالوها إلى هيئة ميتة عندما أيقنوا أنها تعارض المذهب الإمبراطوري. ~~ولكن هذه العصبة نبهت الأذهان، وبقيت ماثلة أمام العالم نحو عشرين سنة وهي تشهد - حتى ~~بضعفها وفشلها - على ضرورة إقامة منظمة عالمية تشرف على مصالح البشر. وقد كانت هي الباعث ~~بعد ذلك لإيجاد «منظمة الأمم المتحدة» و«مجلس الأمن». # والحق أن هاتين الحربين قد أنجبتا في الميدان الديمقراطي الغربي بطلين عالميين فقط، ~~كلاهما أمريكي هما ولسن وروزفلت. وكلاهما دعا دعوة عالمية فعبر عن أسمى الأماني وأنضر ~~الآمال في السلام والعدل والشرف بين البشر. # وفي العالم الآن ثقافة عالمية بشرية جديدة تختمر، وعن قريب ستتبلور، ثم سوف تتجوهر مبادئ ~~أو ديانة عامة نؤمن بها جميعا ونقول بها إن هذا الكوكب هو وطننا، هو قريتنا التي يجب أن ~~نجوب شوارعها ونعرف أزقتها، في القطب الشمالي أو جبال الهملايا في الصيف، وفي صحارى ~~أفريقيا أو آسيا في الشتاء. وطن عالمي جديد كبير يلغي هذا العالم المجزأ أو هذه الأوطان ~~القديمة. # وكثير من الفضل في هذا الاتجاه يعزى إلى ولسن وروزفلت. # | ثورة 1919 # في 1882 حكم علينا الإنجليز - بمعاونة المستبدين المصريين - بالموت السياسي، وبقينا في ~~هذا الموت إلى 1919 حين بعثنا وشرعنا نعود إلى التاريخ. وعدنا إليه بالثورة والدم ~~والتدمير. # وكانت جميع طبقات الأمة ms093 في ثورة؛ فإن الفلاحين بعد أربع سنوات من خطف محصولاتهم ورجالهم ~~كانوا حاقدين على الإنجليز. وكانت الطبقة المتوسطة من الموظفين حاقدة أيضا على الإنجليز ~~الذين منعوا الرياسة في الوظائف عن المصري وقصروها على الإنجليزي. وعادوا بنا إلى أيام ~~توفيق حين كانت الرياسة للأتراك والشركس دون المصريين. # فطبقات الأمة الفقيرة والطبقة المتوسطة أيضا كانت في تململ؛ ولذلك حين تولت الطبقة ~~المتوسطة قيادة الثورة انقاد الفلاحون والعمال إليهم. ولكن يجب ألا ننسى أن الوجدان الوطني ~~لم يمت قط منذ 1882، ولكنه كان خامدا، وقد بعث فيه مصطفى كامل الحياة. ولكن هذا الزعيم ~~جاء قبل أوانه ثم مات في شبابه في 1907. ثم كانت هناك فترة اختلاط فكري هو تراث التاريخ: ~~مصر أحد أقطار الدولة العثمانية؟ أو مصر يجب أن تدعو إلى الجامعة الإسلامية؟ # وكان هذا الاختلاط الفكري يفتت الوطنية المصرية. فلما كانت الحرب الكبرى الأولى رأينا ~~الإنجليز يتصرفون بحظوظنا كما لو كانوا آلهة فوق السحاب يعلنون على العالم «حماية» مصر . ثم ~~يخلعون الخديوي، ثم يرتقي عرش مصر بدلا منه السلطان حسين. ثم يمنعوننا من الاجتماع أو ~~الكتابة ويراقبون جرائدنا حتى لا يكتب حرف إلا بإذنهم، ولكن بعد ذلك يصيح بنا ولسن: هبوا ~~إن لكم حق تقرير المصير. # وكان أكثر الأمة وجدانا بأن سنة 1919 يجب أن تكون سنة فاصلة في تاريخنا أولئك الذين ~~عاشوا في الثورة العرابية واشتركوا فيها. وكان سعد زغلول في مقدمة هؤلاء؛ فإن لوحة التاريخ ~~المصري من 1880 إلى 1919 كانت واضحة الخطوط والصور في ذهنه. # فما هو أن أعلنت الهدنة حتى قصد هو وعلي شعراوي باشا وعبد العزيز فهمي باشا، وكلاهما ~~رأى الثورة العرابية أيضا وعاش في سني الخزي الوطني التي أعقبتها أو في العصر الجليدي ~~للوطنية المصرية، قصدوا إلى دار المندوب السامي البريطاني وطلبوا في إلحاح الإذن لهم بالسفر ~~إلى لندن كي يطلبوا استقلال مصر. # ولكن المندوب السامي كان يفكر في تيار آخر هو استعمار مصر؛ ولذلك لم يسغ هذا الطلب، ~~ورفضه. وشرع سعد يبعث في الأمة وجدانا بالظروف ms094 الجديدة التي تجعل الاستقلال طلبا أساسيا ~~لا نقبل دونه شيئا آخر. وسرت في البلاد موجة من السخط على الإنجليز. واعتقل الإنجليز سعدا ~~ورفاقه ونفوهم إلى مالطة في مارس من 1919. وزاد السخط وكثرت الإضرابات من الطلبة ~~والموظفين، وقطعت السكك الحديدية وأسلاك التليفون والتلغراف. وعندئذ أذن الإنجليز بسفر ~~الوفد؛ أي سعد ورفاقه، إلى باريس كما أرسلوا لجنة إنجليزية برياسة الاستعماري القارح ملنر ~~لتحطيم الحركة الوطنية بإغراء عناصر أخرى، غير أعضاء الوفد، حتى يقبلوا الحكم ويضربوا الأمة ~~بالحديد والنار كي تقبل الاستعمار البريطاني وتخضع له. # ووصلت لجنة ملنر إلى مصر في ديسمبر من 1919. وكان سعد ورفاقه - أي الوفد المصري - في ~~باريس، فكان إرسال هذه اللجنة بمثابة التلصص على الحركة الوطنية أو الدخول إليها من الباب ~~الخلفي للاتفاق مع العناصر التي ليست مع سعد. ولكن الشعب قاطع هذه اللجنة، بل إن محمد سعيد ~~باشا رئيس الوزراء استقال احتجاجا على إرسال هذه اللجنة مع وجود الوفد المصري في ~~باريس. # واستطاعت لجنة ملنر وهي في مصر أن تقنع عدلي باشا بالمفاوضة مع الإنجليز. وكان سعد ~~والوفد - وهما في باريس - يطالبون باستقلال مصر باعتبار هذا الاستقلال جزءا من مفاوضات ~~الصلح العام في 1919. وسافر عدلي إلى سعد وأقنعه بضرورة السفر إلى لندن في مايو من 1920 ~~للمفاوضة. وهنا تغير موقفنا؛ فقد كان سعد والوفد يطلبان الاستقلال باعتباره من القضايا ~~التي تتجاوز حق الإنجليز أو حق استئثارهم في بحثه، وأن الدول المجتمعة في باريس - أي ~~الولايات المتحدة وفرنسا وسائر الدول الصغرى - لها حق البحث لهذا الموضوع إلى جنب بريطانيا. ~~ولكن عدلي نقل هذه القضية من هذا الموقف الرحب إلى موقف حرج هو المفاوضة مع الإنجليز ~~فقط. # وتقهقرت القضية المصرية خطوات إلى الوراء بهذا الموقف الجديد، وسافر الوفد المصري إلى ~~لندن؛ فطلبنا نحن الاستقلال وطلب الإنجليز الاستعمار، وهذا هو ما كان ينتظر. وكان الإنجليز ~~يرمون إلى تضعضع الروح الوطني بمرور الأشهر حين يجد المصريون ركودا وهمودا فتموت الحركة ~~الوطنية. # وعاد سعد والوفد المصري إلى مصر. وشرع سعد يبعث الحرارة والنشاط ms095 في الأمة بالخطب ~~والمنشورات. وكان عدلي قد فشل في مفاوضاته مع الإنجليز، وقد وصف سعد هذه المفاوضات بأن جورج ~~الخامس يفاوض جورج الخامس. وكثرت الاضطرابات، فعمد الإنجليز إلى العنف والعسف فألقوا القبض ~~على سعد ورفاقه ونفوهم في 1921 إلى سيشيل. واتبع الإنجليز سياستهم وهي الإغراء، فأعلنوا ~~«استقلال» مصر في 28 فبراير من 1922 بشروط أربعة هي حق الإنجليز في: ~~(1) # حماية المواصلات الإمبراطورية في مصر. ~~(2) # الدفاع عن مصر ضد أي اعتداء أجنبي. ~~(3) # حماية الأجانب والأقليات. ~~(4) # بقاء السودان على ما كان عليه. # وفي 19 أبريل من 1923 اختارت الحكومة ثلاثة من الأشخاص البارزين فوضعوا الدستور المصري. ~~وكان سعد ورفاقه قد أعيدوا من المنفى وتولى هو أولى الوزارات الدستورية في 1924. # وفي سني الثورة هذه - في الوقت الذي كان يعمل فيه سعد ورفاقه - ويهدم فيه خصومه ما يحاول ~~أن يبنيه، في هذا الوقت كان الشعب يختمر ويبني روحا جديدا؛ فقد حفظت مبادئ ولسن، وكان ~~الطلبة والموظفون والتجار يتناقشون فيها ويجدون فيها إيحاء لمكافحة الإنجليز وتحقيق ~~الاستقلال. وكانت المظاهرات من الطلبة والنسوة، بل كانت الغزوات من الريفيين على السكك ~~الحديدة وأسلاك التلغراف. كل هذا - على ما وقع فيه من شطط - كان يبعث النشاط في ~~الأمة. # وكان خروج النسوة في المظاهرات ليس ثورة على الإنجليز وحدهم بل كان ثورة أيضا على ألف ~~سنة من ظلام الحجاب؛ فقد كن يخرجن مقنعات بالبراقع البيض في المظاهرات الأولى. ولكن لم ~~تمض أشهر حتى كن قد خلعن البراقع، وتألفت منهن لجان في الوفد. # ومن القصائد التي نظمها حافظ إبراهيم قصيدة في وصف المظاهرات الأولى للسيدات المصريات في ~~1919، وكان الإنجليز لا يأنفون حتى من ضربهن كما كانوا يفعلون بمظاهرات الطلبة. قال ~~حافظ: # خرج الغواني يحتجج # ن ورحت أرقب جمعهنه # فإذا بهن تخذن من # سود الثياب شعارهنه # فطلعن مثل كواكب # يسطعن في وسط الدجنه # وأخذن يجتزن الطري # ق ودار «سعد» قصدهنه # يمشين في كنف الوقا # ر وقد أبن شعورهنه # وإذا بجيش مقبل # والخيل مطلقة الأعنه # وإذا الجنود سيوفها # قد صوبت لنحورهنه # وإذا ms096 المدافع والبنا # دق والصوارم والأسنه # والخيل والفرسان قد # ضربت نطاقا حولهنه # والورد والريحان في # ذاك النهار سلاحهنه # فتطاحن الجيشان سا # عات تشيب لها الأجنه # فتضعضع النسوان وال # نسوان ليس لهن منه # ثم انهزمن مشتتا # ت الشمل نحو قصورهنه # فليهنأ الجيش الفخو # ر بنصره وبكسرهنه # فكأنما الألمان قد # لبسوا البراقع بينهنه # وأتوا بهندنبرج مخ # تفيا بمصر يقودهنه # فلذاك خافوا بأسه # ن وأشفقوا من كيدهنه # وكنا في تلك الأيام لا نستطيع السفر إلا بإذن من موظف إنجليزي ولو كان الانتقال لا يتجاوز ~~ما بين القاهرة وبنها. وأذكر أني حين أردت الحصول على هذا الإذن دخلت على الموظف الإنجليزي ~~فجابهني بقوله: استكلال؟ بلهجة التهكم. # وكان الأقباط يدا واحدة مع المسلمين ولم تنجح دسائس التفرقة. حتى كان الشبان المسلمون ~~يخطبون من منابر الكنائس والشبان الأقباط يخطبون من منابر المساجد. وقد عرفت بعد ذلك أنه ~~كان في الثورة العرابية في 1882 مثل هذا الاتفاق أيضا إذ كان يرافق عبد الله نديم خطيب ~~الثورة قسيس ينهض بعده ويخطب في الدعوة إلى الاتفاق بين العنصرين وحق الأمة في الحكم ~~النيابي التام. # وكان بديها أن يقتل بعض الإنجليز من الأبرياء في مثل هذا الاختلاط؛ لأن الإنجليزي - ~~أيا كانت شخصيته - كان رمزا للاستعمار. ولكن الإنجليز كانوا وحوشا يهاجمون القرى ويصبون ~~البنزين عليها ويحرقونها. وكانوا - عقب تحطيم الترام ونزع قضبانه في القاهرة - يقبضون على ~~الأفندية ويطرحونهم على الأرض ثم يجلدونهم. وبعد الجلد يجبرونهم على العمل في ترميم ~~القضبان المنزوعة. وحدث أن قطع الخط الحديدي للدلتا فيما بين الزقازيق وميت غمر، فقصد ~~الجنود الإنجليز إلى مكان القطع واحتشد الفلاحون المساكين نساء ورجالا وأطفالا - في سذاجة ~~- في ذلك المكان. والأغلب أنهم لم يشتركوا في قطع هذا الخط، ولكن الإنجليز عندما اقتربوا ~~منهم صوبوا عليهم البنادق وقتلوا منهم عددا كبيرا. # وكل هذا التقتيل في المصريين نسيه الإنجليز وذكروا فقط العدد القليل من قتلاهم. فأنشئوا ~~المحاكم العسكرية لمحاكمة المصريين الذين اتهموا بقتلهم، وكانت هذه المحاكم تحكم ~~بالإعدام. # وما زلت أذكر نادرة مضحكة وقعت لي ms097 في تلك الأيام. فقد ركبت حمارا من الزقازق أقصد إلى ~~العزبة. وبينا أنا في الطريق خرج إلي أحد الفلاحين من حقل قريب وأخبرني أن الإنجليز ~~يرممون الخط الحديدي على مسافة فهمت أنها تبلغ نحو كيلومتر. واقترح علي أن أختار طريقا ~~أخرى لأنهم - إذا اجتزت بهم - سيلقون القبض علي ويجبرونني على العمل معهم في الخط ~~الحديدي. وبينا هو يحدثني خرج علي صبي وعرض علي أن أشتري منه جرو ذئب، فنفحته بقرش ~~وأخذت الجرو، وسرت في بطء أفكر في طريق أخرى أتجنب بها الإنجليز. ولكن الفلاح الذي أوهمني ~~أن بيني وبينهم نحو كيلومتر كان مخطئا أو هو لم يحسن التعبير عن المسافة؛ لأني وأنا لا ~~أزال في التفكير عن طريق أخرى خرج علي إنجليزي من خلف جميزة غليظة وهجم علي وجرني في ~~عنف إلى الأرض وطلب مني العمل مع سائر من قبض عليهم. وكان الجرو لا يزال بيدي، فقلت له: هل ~~لك أن تأخذ هذا الذئب وتخلي عني؟ فلم يصدق أنه ذئب. ولكنه بعد أن لوح بيده أمامه وكشر له ~~الجرو عن أنيابه سلم بأنه ذئب وقبل الصفقة. بل زاد عليها أن حمل الجرو وأنا على الحمار ~~وحرسني من زملائه حتى اجتزت مكان الترميمات وسرت في طريقي وأنا أتعجب من هذه المصادفة ~~الحسنة وفضل هذا الجرو علي. # وتبرز في ذهني ثلاثة أشياء من ثورة 1919: # أولها الإكبار العظيم للموقف الوطني الذي اتخه الأقباط ورفضهم أية مساومة مع الإنجليز ~~بشأن حماية الأقليات؛ فإن شباب المسلمين وكهولهم كانوا لا يزالون يذكرون موقف الحزب الوطني ~~وما كان يدعو إليه من الجامعة الإسلامية ونفور الأقباط من هذه الدعوة. ولذلك كانوا يتشككون ~~في موقفهم في 1919. ولكن الأقباط كانوا على الدوام في المقدمة، بل كان منهم كاهن هو القسيس ~~سرجيوس الذي كان لا يبالي أن يقول ويكرر القول بأنه إذا كان استقلال المصريين يحتاج إلى ~~التضحية بمليون قبطي فلا بأس من هذه التضحية. وعندما كانت لجنة الدستور تبحث قانون الانتخاب ~~طلب توفيق دوس باشا أن تكفل حقوق الأقباط في ms098 الانتخابات بالتعيين، أي إذا لم ينتخب منهم ~~العدد الذي يمثلهم فإن الحكومة تعين حينئذ عددا من الأقباط حتى لا يكون هناك نقص في ~~التمثيل. فهببنا - نحن الشبان في ذلك الوقت - نزيف هذا الرأي ونقول بالاكتفاء ~~بالانتخاب. # والشيء الثاني الذي يبرز في ذاكرتي من هذه الثورة هو وثبة المرأة المصرية من الأنثوية ~~والبيت إلى الإنسانية والمجتمع؛ فقد مزق الحجاب وشرعنا جميعا نعد المرأة المصرية ~~إنسانا له حقوق الإنسان بعد أن كنا نتكلم عنها باعتبارها ربة البيت أو الزوجة أو غير ذلك ~~من الصفات التي كنا نصف بها «المخدرات». وقد زالت هذه الكلمة الآن من لغتنا. # أما الشيء الثالث فهو النهضة الاقتصادية التي أثمرت بجهود طلعت حرب وغيره، بنك مصر وسائر ~~توابعه من الشركات الأخرى، وبهذا البنك مسخت عن جباهنا الوصمة التي كان يعيرنا بها المستشار ~~المالي برونيات بقوله إنه ليس بين المصريين من يعرف أعمال البورصة. # هذا في شئوننا الداخلية، أما في شئوننا الخارجية فإن ثورة 1919 علمتنا كيف ننظر إلى ~~الدولة باعتبارنا أمة مستقلة لا نجري في ذيل بريطانيا. # ولكن استطاع الإنجليز بعد ذلك أن يحطموا استقلالنا ويزيفوا دستورنا على يد زيور ~~وإسماعيل صدقي وأمثالهما. # ولكننا نحن رجال الذهن المتصلين بالعقل العام في أوروبا وأمريكا كنا نتطلع إلى آفاق أخرى. ~~ومن الحسن أن يعرف القارئ الشاب بعض اختباراتنا ومشاهداتنا في أعقاب الحرب الكبرى الأولى ~~ويقارنها بما رأى هو وشاهد في أعقاب الحرب الكبرى الثانية. # ففي 1919 كانت مبادئ ولسن مذهبا جديدا يشبه الدين المدني الجديد للبشر على كافة الأرض. ~~وكانت حماستنا لهذه المبادئ أحر من الحماسة التي تلقى بها العالم مبادئ روزفلت في ~~ميثاق الأطلنطي والحريات الأربع. وظني أن من أكبر الأسباب لخمود الحماسة هنا هو ما لقيه ~~العالم من التزييف والتعويق لمبادئ ولسن في 1919. # وقد حدثت ثورتان في الحرب الكبرى الأولى: الأولى في 1917 في روسيا حين تسلم الشيوعيون ~~الحكم وألغوا الامتلاك الشخصي للعقارات. وهاج الإمبراطوريون في فرنسا وبريطانيا وبولونيا ~~وإيطاليا وأنفذوا الجيوش إلى روسيا لقتل هؤلاء الشيوعيين، بل ms099 إنهم استخدموا الجيش ~~الإلماني المقهور لهذه الغاية أيضا. # ومما لا نزال نذكره أن أتلي وبيفن - وهما من أعضاء الوزارة البريطانية الحاضرة 1947 - ~~كانا يحرضان العمال على عصيان الحكومة في شحن الذخائر والأسلحة إلى روسيا. ونجحا في إيجاد ~~إضراب في الموانئ الإنجليزية. وفشل تشرشل في تهيئة حملته على روسيا لهذا الإضراب. وأحدثت ~~الثورة الروسية دهشة عامة. وكان الإمبراطوريون ينشرون الدعاية ضدها بألوان مختلفة. مثال ~~ذلك أن الروس قد ألغوا الديانة والزواج. وإن هذا هو عاقبة الإلغاء للامتلاك ~~الشخصي. # ولكن أهم من الثورة الروسية في نظر الجمهور المصري تلك الثورة التركية التي قام بها مصطفى ~~كمال حين ألغى عرش السلاطين كما قطع علاقة تركيا بالشرق؛ ذلك أننا منذ 1882 كنا نتطلع إلى ~~تركيا باعتبارها «دولة الخلافة» وكنا نأنس إلى خيال لم يتحقق قط هو أنها يجب أن تحمينا ~~وأن ندخل في حظيرتها ونكون معها سلطنة عثمانية كبرى. فلما جاء مصطفى كمال يهدم الأسس ~~ويوجه الأتراك نحو الغرب بدلا من الشرق ويلغي الخط العربي ويستبدل به الخط اللاتيني، ~~ويفصل الدين من الدولة وينفض العرب والعربية عن تركيا الجديدة، لما أحدث مصطفى كمال هذه ~~الأحداث تنبه التقليديون في مصر إلى احتمالات سياسية أخرى وانحازوا إلى الاستقلال المصري ~~باعتبار أنه كل شيء في أهدافنا السياسية. وفرق عظيم بين هذه العقلية الجديدة وبين العقلية ~~القديمة التي كان يتسم بها الشيخ علي يوسف في «المؤيد» حين دعا حوالي 1907 إلى أن ترسل ~~مصر مبعوثيها أي نوابها إلى مجلس المبعوثان في الأستانة. بل كانت هذه عقلية مصطفى كامل ~~أيضا؛ أي إنهما كانا يفسران الاستقلال المصري بأنه الانضواء إلى الراية العثمانية. # وبالطبع كان الاختلاف كبيرا بين الجمهور المصري بشأن ثورة لنين وثورة مصطفى كامل. ولكن ~~الشعور العام إزاء هاتين الثورتين أن العالم القديم يحطم الأغلال وينطلق في حرية جديدة. ~~ولا عبرة بأنه في انطلاقه هذا يتعثر ويكبو؛ لأنه سوف ينهض ويستقر. # وقد بعثت فينا هاتان الثورتان تفاؤلا عظيما كما بعثتا تشاؤما عظيما أيضا عند ~~المستعمرين الإنجليز. ومن هذا التفاؤل ms100 أني أنا وبعض الإخوان ألفنا حزبا اشتراكيا في ~~1920 حاربتنا الحكومة بشأنه حتى قتلته. # أما حال ألمانيا فكانت شنيعة، فإنه عقب الهدنة منع الإنجليز وصول الأقوات إليها أحد عشر ~~شهرا حتى قيل إن جميع الأطفال هناك أصيبوا بالكساح. ثم هبت ثورة سبارتكوس لتحقيق ~~الشيوعية في يناير من 1919. ولكن فشلها كان عاجلا وخاصة بعد قتل الزعيمين كارل ليبنخت ~~وروزا لكسمبرج. ثم جاء بعد ذلك انهيار المارك الألماني. وقد خسر فيه آلاف من المغامرين ~~المضاربين في مصر وغيرها حين أنزله الألمان إلى الصفر وأخرجوا نقدا جديدا. فكنا نرى في ~~مصر كيسا من الأوراق يحمله أحد هؤلاء المغامرين ويقول: إنه كلفه ألفا أو خمسمائة جنيه وهو ~~الآن لا يساوي مليما. # وقد جاءت هذه الأحداث عقب الحرب الكبرى الأولى في تواتر فكانت مجالا للتأمل والتفكير ~~والحديث: مبادئ ولسن، الثورة الروسية، الثورة المصرية، الثورة الألمانية، ثورة مصطفى ~~كمال. # ولكن كل هذه الأحداث لم تكن شيئا في جنب القنبلة الذرية في أغسطس من سنة 1945؛ لأن هذه ~~القنبة تلقي من الآن ضوءا أو ظلا على مستقبل البشر بعد ألف بل آلاف السنين. # | زوجة وأطفال # لم أكن طوال عزوبتي أفكر في الزواج. ولكن كانت أمي تلح علي كما هو الشأن في جميع ~~الأمهات. وكنت من وقت لآخر أستمع لندائها وأزور هذا البيت أو ذاك، حتى إذا أوشكت أن أجد ~~الفرصة وأن كل شيء مهيأ لإتمام الزواج، كنت أفزع وأفر بالسفر أو أتمحل الأعذار الكاذبة. ~~وماتت أمي في 1916 وكنت في الثامنة أو التاسعة والعشرين فلم أعد أجد الحافز إلى التفكير ~~في الزواج، وبقيت على ذلك إلى 1923. # وليس شك أنه كان للصدمة التي لقيتها أيام حبي لتلك الفتاة الإرلندية - وأنا في إنجلترا - ~~أثر في كامنتي لكراهتي أو تجنبي للزواج. فلم يكن يقترح علي أحد الزواج بعد هذه الصدمة ~~إلا وأتنهد في حسرة وأسف، ثم أصد في جمود وعزوف. ولكن في 1923 زرت مع صديق لي بيتا لبعض ~~أصدقائه، فوجدت هناك فتاة قد أينع شبابها، وكانت لا تزال بالمدرسة وقد ms101 قعدت إلى مكتبها وهي ~~مشغولة بالكراسة والكتاب والقلم. وتحدثت إليها قليلا عن مشاغلها المدرسية، ونهضت وودعت وفي ~~نفسي هواجس، وفي اليوم التالي وفي نفس الميعاد حملت صديقي على معاودة الزيارة، وأدرك هو ~~مأربي واستجاب لرغبتي في سرور. # وبقيت معها في هذه الزيارة الثانية أكثر من ساعتين، ثم تجرأت بعد ذلك على أن أزورها وحدي ~~وتجرأ والداها على أن يتركانا معا، وبقيت خطبتنا نحو خمسة أشهر لم أنقطع عن زيارتها يوما ~~واحدا. وأيام الخطبة تعد من أسعد الأيام لأن الخطيبين يحسان أنهما في مؤامرة سرية يرتكبان ~~فيها المخالفات للعرف والقواعد الاجتماعية. وفي الخطبة نحوم ولا نرد، ونحسو ولا نعب؛ ~~فيزيدنا هذا شوقا من يوم إلى يوم، وقد تعلمنا طرقا في التخلص من أحد الوالدين أو أحد ~~الإخوة، وكنا نجد لذة عظمى في ممارسة هذه الطرق وخاصة حين كان أحدنا يلفق خبرا يؤدي إلى ~~جلاء هذا القاعد الذي لا يريد أن يفهم أننا نرجو خلوة. # وعقب الزواج وجدت صعوبتين: أولاهما أني أحترف الأدب والصحافة وأتعلق بالقراءة وهوايتي هي ~~الثقافة. والزوجة تعد الإنفاق على الكتب إسرافا، ثم هي أيضا لا تطيق رؤية زوجها وهو غارق ~~في كتابه طوال الوقت أو معظمه في البيت، وخاصة إذا كانت هي لم تتعود إدمان القراءة. ~~والصعوبة الثانية هي التفاوت العظيم بين مستويينا الثقافيين؛ فإن الإنجليز كانوا قد حرموا ~~التعليم الثانوي، ولم يكن في القطر المصري كله مدرسة ثانوية للبنات تديرها وزارة المعارف ~~إلى سنة 1925، وكانت زوجتي قد تعلمت في مدرسة فرنسية من تلك المدارس التي تديرها الراهبات ~~ويتجه فيها معظم العناية إلى التعليم الديني؛ ولذلك وجدت أنه للتغلب على هاتين الصعوبتين أن ~~أشرع في تعليمها من جديد. فصرت أشركها فيما أكتب وأناقشها في جميع الموضوعات الثقافية التي ~~أهتم بها. وبدهي أن كل زوجة تهتم بحرفة زوجها. ولما كانت حرفتي هي الصحافة والأدب والعلم ~~فإنها اضطرت إلى تتبع نشاطي حتى ارتفعت على مستواها السابق كثيرا. # وبهذا صح الوفاق بيننا، بل أكثر من ذلك إذ هي قد أصبحت صديقتي ms102 كما هي زوجتي. وظني أن ~~خير طريق إلى الصداقة الضرورية بين الزوجين في مصر أن يرفع الزوج زوجته إلى مستواه ~~الثقافي. # إذ هو حين يقصر في ذلك يجد أن التفاهم معدوم أو ملتبس، فلا يكون الحديث بينهما إلا في ~~الشئون التافهة ويعودان وكل منهما يعيش في عالم منفصل من العالم الذي يعيش فيه الآخر. ~~والصداقة التامة تحتاج إلى التكافؤ الثقافي بينهما أو ما يقاربها. # ومن عجب أني - مع الدكتور كامل لبيب - ألفت كتابا عن ضبط التناسل أنصح فيه بمنع الحمل ~~إلا عن وجدان ودراية بما يتفق ومصلحة الوالدين والأطفال. ولكني مع ذلك أجد عندي ثمانية من ~~الأولاد حتى يصح أن أواجه بالبيت القائل في أحد شطريه: # هلا لنفسك كان ذا التعليم؟ # ولكن هناك ظروفا جعلت المخالفة للكتاب الذي ألفته قهرية؛ فإن الأطفال الأربعة الأولين ~~كانوا إناثا، فكان الشوق إلى ولد ذكر حتى أنجبناه. أما من زادوا فكان سبب وجودهم نقصا ~~صيدليا في منع الحمل. وللرأي العام في إيثار الذكور على الإناث قوة تجعل أم البنات ~~تحس كأنها موصومة وتشتاق صونا لكرامتها إلى أن تلد ذكرا . وهذه «غريزة» اجتماعية عامة. ~~وقد عاش أولادنا جميعا ولم يمرض أحد. وأنا أعزو هذا إلى أننا تعودنا من سنين أن نشرب اللبن ~~نيئا لا يوضع على النار بتاتا، ولم يحدث قط أن احتجنا إلى أن نغير هذه العادة. وقد وجدت ~~من نحو عام مقالا لأحد الإنجليز يدعو فيه إلى تناول اللبن نيئا ويقول بأن غليه على النار ~~يفقده كل ميزاته تقريبا. # والأولاد في البيت، حين يرفرفون ويغردون يملئون الجو حياة بل يزيدون الحياة حيوية. وليس ~~شيء أجمل وألذ من رؤية الذكاء ينبجس في الطفل وهو في سنيه الأولى حين يسأل ويستطلع. ~~والأطفال أحيانا عذاب جهنمي عقب الغداء أو وقت القراءة أو الكتابة. ولكنه عذاب حلو سرعان ~~ما ننسى آلامه؛ فإن الابتسامة التي تشرق على وجه الطفل تضيء الجو وتقشع كل ما تكاثف فيه من ~~غيوم. والآنسة الصغيرة التي اشترت فستانا جديدا تسير به في خيلاء ms103 وطرب كأنها في عيد ~~تملأنا سرورا وبهجة. ومنذ أن شببت عن الطفولة، كانت تمر بي الأعياد فلا أعرفها إلا من ~~الجرائد أو الأصدقاء إلى أن امتلأ البيت بالأولاد فعادت الأعياد مهرجانات. فيكون منها صداع ~~قبل ميعادها بشهر، ونحن في مساومات بشأن البذلة الجديدة والحذاء الجديد والفستان الجديد، ~~حتى إذا كان يوم العيد زهى البيت بالأحمر والأخضر وامتلأ أرضه بقشور النقل وضج هواؤه ~~بالصواريخ وتجاوبت جدرانه بصيحات الحماسة والسرور. # ولكن الأولاد مع كل هذه المسرات يحملون الآباء على النكوص بدلا من الإقدام وعلى البخل ~~بدلا من السخاء. وقد يقال إنهم يزيدون مسئوليات الآباء ويجعلونهم اجتماعيين بعيدين عن ~~الشذوذ أو الانحراف الأخلاقي أو الاجتماعي. وهذا القول صحيح ولكنه يحمل في طياته أيضا معنى ~~الجبن والخوف من الاقتحام؛ لأن الأب يفكر كثيرا ويقلق كثيرا بشأن المستقبل، مستقبل ~~أولاده، وليس مستقبله. وهذا التفكير أو القلق يحيله من حيوان حر جريء ينطلق في مفاوز ~~الحياة ويقتحم غاباتها إلى حيوان مدجن كأنه دجاجة لا ينشد غير السلامة. ولذلك من الشاق ~~وكل المشقة أن ينشد المجد - الذي يحتاج إلى أن نرقى إليه السماوات - رجل متزوج له ~~أولاد. # وحين نحترف الأدب نحتاج إلى شجاعة قد تحملنا على ألا نبالي الرأي العام وعلى أن نجحد ~~التقاليد ونخرج على السنن؛ لأن الأديب الحق يجد أنه محتاج في بعض الأوقات إلى أن يغير ~~القيم والأوزان الاجتماعية والأخلاقية وأن يجهر بما يجبن غيره عن الجهر به. ولكنه حين ~~تحدثه نفسه بذلك يجد نداء العائلة أي الزوجة والأولاد صارخا في وجدانه: قف! ألا ~~تتذكر ابنتك هذه التي ستتزوج بعد عام أو عامين؟ فينكص في جبن وذلة. وصوت الزوجة هنا هو صوت ~~الضمير الاجتماعي الكامن. والزوجة في البيت تمثل المجتمع بعاداته وعرفه وشعائره، فإذا ثار ~~الزوج وحاول أن ينفصل ويطير ويحلق غير آبه للمجتمع جرته هي إلى الأرض. # ولهذا السبب آثر كثيرون من المفكرين والأدباء العزوبة على الزواج. بل أحيانا وقفوا ~~فيما يشبه منتصف الطريق بين العزوبة والزواج، كما فعل هافلوك أليس؛ فإنه تزوج، ms104 ولكن - ~~بالاتفاق مع زوجته - عاش كل منهما مستقلا في منزله الخاص، كما أنهما امتنعا عن التناسل. ~~وقد قرأت سيرتيهما كما كتبها كل منهما وكما كتبها ثالث اتصل بهما فوجدت أنهما نجحا في ~~تحقيق الحرية التي ابتغياها. وعاش كل منهما في استقلال فكري وفني وفلسفي. وهذا الانفصال ~~بينهما في العيش زاد رباط الحب والصداقة قوة بينهما، حتى لقد روي عنهما أن شخصا لا يعرفهما ~~رآهما في القطار معا فظن أنهما خطيبان؛ وذلك لما رأى من سلوكهما الغرامي ووفرة الكلمات ~~والإيماءات التي كانت تدل على شوق مفرط وحب عميق مع أنهما كانا قد مضت على زواجهما ~~السنين. ولكن يجب أن أقول إني أحسست عقب قراءة سيرتهما أن الزوج استمتع بالاستقلال والعزلة. ~~ولكن الزوجة تألمت منها كثيرا حتى إنها وقعت أو أوشكت أن تقع في هاوية الشذوذ الجنسي مرة ~~وفي هاوية الانتحار مرة أخرى. ولكن قد يعترض هنا بأن المركز الاجتماعي للمرأة في الحضارة ~~القائمة لا يتيح لها الاستمتاع باستقلالها لأنه - أي هذا الاستقلال - كثيرا ما يكون غرما ~~لها بدلا من أن يكون غنما؛ إذ هي محرومة من كثير من الفرص التي تكسب الرجل كرامته ~~الاقتصادية والاجتماعية. وأنا أسلم بكثير من هذه الحجة، ولكني أكتب في حدود الحضارة ~~القائمة. # وشخصية الأديب الصميم هي - سيكلوجيا - شخصية سيكوباثية؛ أي إنه والمجرم سواء. ولكن ~~الفرق بينهما أن المجرم ينحرف إلى أسفل المجتمع. والأديب ينحرف إلى أعلى. كلاهما متقلقل ~~متأفف نازع إلى الشذوذ لا يرضى بأوزان المجتمع وقيمه. وكلاهما مكروه من الرجل العادي. ~~وكما أن العائلة من العوامل الكبرى التي تحول دون الإجرام كذلك هي أيضا من العوامل ~~الكبرى التي تحول دون الأدب أو تعوق رسالته. أو بكلمة أخرى، تعمل العائلة للاعتدال وتحول ~~دون الشطط: الإجرامي والعبقري معا. # وكل ارتباط هو - في معنى ما - تقيد؛ فإن الارتباط - بالمذهب أو بالحزب السياسي - يقيد ~~الأديب ويحد من حريته ومن هنا دعوة ألدوس هوكسلي الأديب الإنجليزي وأندريه جيد الأديب ~~الفرنسي إلى «الانفصال»؛ أي يجب أن ينفصل الأديب من الأحزاب والمذاهب ms105 ويستقل في فنه ~~وتفكيره. والحق أن لهذا القول وجها بل وجوها من الصواب. وخاصة في عصرنا هذا حيث نرى ~~الأحزاب تستخدم الأديب لتأدية أغراضها بل أحيانا أغراضها السافلة. ولكن عصرنا هذا أيضا ~~يتسم بصراع روحي بين الحق والباطل. والأديب الذي تنفذ بصيرته إلى صميم هذا الصراع ~~ويقف على البينات والمعارف إنما يكفر بحرفته وفنه إذا هو نكص عن الدفاع عن الحق وإذن ليس ~~هناك مجال في عصرنا لهذا الاستقلال المزعوم. فللأديب المخلص حزب كما أن له عائلة وهو يرضى ~~بشيء من القيود يتقيد بها فنه كي يبقى متصلا بالمجتمع يدرس - عن اختبار - مشكلاته ~~ويجعلها أساس الفن ومحور الحرفة. # وقيود العائلة مع ذلك لها ما يقابلها من الميزات بما تهيئ للأديب من نظام في المعيشة ~~لا يحصل على مثله الأعزب الذي يتعود عادات التسكع. ثم إذا كانت مسئولية الأطفال تؤخر أو ~~تنقص من الشجاعة والحرية فإنها أيضا تزيد الإحساس الاجتماعي وتصل بين الأديب وبين المجتمع ~~بروابط قوية تجعله على قدرة لخدمته. والإنسان يتربى بعائلته ويزداد بها فهما للطبيعة ~~البشرية. فالأولاد يربون الآباء كما يربي الآباء الأولاد ؛ لأننا ونحن نربي أولادنا نبصر ~~بالطبيعة البشرية في سذاجتها واستطلاعها وتمردها. وكل بيت هو لذلك معهد للتجارب البشرية. ~~وهذا المعهد يخرج العبيد، كما يخرج الأحرار، والمجرمين والعبقريين. # ولكني إذا كنت قد وجدت من العائلة قيودا من الحرير؛ فإني وجدت من الحكومة المصرية - ~~بإيعاز الإنجليز وتسلطهم - أغلالا من الحديد. فهي التي منعتني خمسة عشر عاما من أن ~~أكتب حرفا إلا بعد أن يقرأه رقيب حتى ولو كان في اللغة أو التاريخ أو السيكلوجية. وهي ~~التي حرمتني - إلا في فترات من حياتي - من احتراف الصحافة التي أهواها. # | شخصية عرفتها # حوالي 1915 كنت بالإسكندرية مع «الصحفي العجوز» توفيق حبيب. وبينا نحن نتنزه على ~~الكورنيش إذ قابلنا أحد الشبان وسلم في ألفة على المرحوم توفيق. وتعارفنا، فإذا به طبيب ~~قد عاد من باريس وشرع يعمل ولكن في غير نشاط ولذلك فهو في قلة من الكسب. # وقص على توفيق قصته، ms106 فقال إنه من أسرة عريقة في الصعيد، وإنه ورث ثروة كانت تغل له نحو ~~خمسين جنيها في الشهر. ولكنه بددها في باريس لأنه آثر أن يعيش باذخا في مدينة النور ~~والجمال. وعاد من باريس وهو لا يملك غير مهنته التي مضى عليه وهو يمارسها بالإسكندرية نحو ~~ثلاث سنوات. # وفي اليوم التالي تقابلنا ووجدنا فسحة من الوقت تحدثنا فيها، فوجدت فيه اطلاعا واسعا ~~وخاصة في البيولوجية، والتطور، والنظريات الاجتماعية. كما وجدت فيه حرية فكرية لم أكن في ~~تلك السنين أجد لها مكانا في مصر؛ ولذلك ائتنس كل منا بالآخر. فصرنا نعين المواعيد ~~صباحا ومساء نلتقي ونتنزه ونتحدث. # واتصلت معرفتي به بعد ذلك. فكنت أكتب إليه من القاهرة. وكان إذا زار العاصمة قضى كل وقته ~~معي. وكان يعجبني منه - خاصة - صراحة تكاد تكون طفلية إلى ولاء للبشرية يتجاوز الوطنية، ~~وإلى حب وتقدير للحرية والثقافة الحرة. وكان يكتب - كما أكتب أنا أيضا - في الجرائد ~~والمجلات باسمه أو باسم مستعار عن شئون علمية أو إنسانية. # فلما كانت السنين الأخيرة للحرب الكبرى الأولى انقطعت عني أخباره، فظننت أن مرجع ذلك إلى ~~وفرة عمله، ولم أبال كثيرا، وقلت في نفسي إذا ذهبت إلى الإسكندرية فإني - لا بد - ~~واجده. # وذات يوم مشئوم من سنة 1920 كنت في الترام بالقاهرة، فرأيت شخصا زريا رث الملابس ~~مشعث الشعر يواجهني في آخرالعربة ويسلم علي. فلم أرد السلام لأني ظننت أنه لا بد قد قصد ~~غيري. فتلفت حولي كي أجد أحدا آخر يرد عليه السلام فلم أجد. فعدت أحدق فيه، وعاد ~~هو يسلم علي، وفي لحظة شعرت كأن قلبي قد استحال إلى كرة ثقيلة وأنه يسقط في جوفي. فقد ~~فزعت وارتعت! أجل هو صديقي الطبيب، صديقي الحميم الذي أحببته وأحبني، صديقي الذي كنت أقعد ~~معه وأنظر إلى عينيه فأكاد أعرف كل ما في ثنايا عقله من أفكار وأوهام وآمال. ونهضت إليه، ~~وتكلمت وسألت وأنا في لهفة عما حدث له، وعرفت شر ما يعرف. # ونزلنا من الترام وقعدنا في قهوة قريبة، وقص ms107 علي قصته بل مأساته وهي أنه وقع ضحية ~~للكوكئين ... وأنه قد مضى عليه أعوام وهو يتناول هذا السم وأنه لم يعد يطيق تركه. وما أعجب ~~ما تغيرنا الملابس! فإن هذا الطبيب الحبيب لم يتغير شيء في وجهه إذا استثنيت شحوبا ~~وهزالا. فملامحه الحلوة ونغمة صوته وبريق عينيه بل إيماءة يده، كل هذا كان كما عرفته منذ ~~خمس سنوات. # ولكن ما قيمة كل هذا إلى جانب اللحية التي لم تحلق منذ عشرة أيام؟ وما قيمته إلى جانب ~~القميص الأبيض الذي فقد بياضه وحمل من العرق والتراب ما يدل على أنه بقي على جسمه أكثر من ~~شهرين؟ وما قيمته إلى جانب الصدر الذي بان عنه القميص فبرزت عظامه، وإلى جنب البنطلون الذي ~~تمزق من خلفه الأعلى ... # كنت إزاء شخصية هذا الصديق وأنا أحس أن الكوكئين قد فصل بيننا، كأننا من كوكبين مختلفين؛ ~~فقد مضت عليه مدة طويلة انقطع فيها عن عمله وعن قراءة الصحف وعن الاختلاط بعائلته التي ~~قاطعته. ومع أني كنت أعرف أن المدمن لهذا السم يحتاج إلى معالجة طويلة فإن أسفي عليه حملني ~~على أن أطلب منه أن يكف ويقلع. ولكن إجابته لهذا الطلب ردت إلي وجداني وجعلتني أدرك ~~أنني إزاء مريض له منطق آخر. ولم نعد نتحدث عن العلم أو السياسة أو الأدب؛ لأن كل همه ~~معي كان الحصول على ريال يشتري به جرعا أخرى. وأخرجت له كل ما في جيبي وأنا واثق أنه ~~سينفقه في هذا الشر. # وبهذه المقابلة «تجددت» صداقتي له. ولكنها كانت صداقة من نوع آخر؛ إذ كان همه الوحيد أن ~~يحصل مني على الريال وكنت حين ألقاه أسلمه المبلغ وأنا أتوقى ألا يراني أحد؛ لأن رثاثته ~~كانت في ازدياد حتى لقيته ذات مرة بلا حذاء ... # وفي إحدى المرات لقيته وكان لا يكاد يستر جسمه إلا بخرق مهلهلة، فقدته إلى بيتي، وهناك ~~سلمته بذلة كاملة ومعها الملابس الداخلية، ومع أني أقصر منه فإن البذلة كانت على كل حال ~~حسنة لائقة. # وقابلته بعد ذلك، ولشد ما كانت ms108 دهشتي إذ وجدته لا يزال في الخرق المهلهلة القديمة، وعرفت ~~أنه باع بذلتي ... # وساءت الحال حتى صرت أتجنبه ولكني لم أفقد العطف والأسف عليه. وذات مرة كنت جالسا في ~~قهوة مع بعض المعارف، ورأيته وهو يدخل من الباب فأدرت وجهي كي لا يراني، ولكنه لمحني، ومر ~~علينا وسلم علي فتعاميت خجلا ممن كانوا معي. وخرج هو وظننت أن كل شيء قد انتهى وأنه ~~فهم أني لم ألحظه وهو يمر بمائدتنا. # ولكن لما انتهت قعدتنا وخرجت سرت قليلا ولم أبعد. فوجدت صوتا خلفي يلعن ويسب ... فالتفت ~~ورائي فوجدت صديقي الطبيب الذي أخذ يعتب علي بكلمات الهاوية التي تردى فيها لأني تعاميت ~~عنه في القهوة وهو يسلم علي. فأوضحت له موقفي، وسلمته الريال الذي أعاد إليه ~~الصفاء. # واشتغلت بعد ذلك في تحرير مجلة «الهلال»، وكان يزورني من وقت لآخر. وفي ذات مرة جاءني ~~وهو في اتزان لم أعهده فيه، وكان ذلك بعد غيبة استغرقت سنوات كدت أنساه فيها. فلما سألت ~~عرفت أنه قد شفي من الكوكئين. # وكان شفاؤه بمصادفة عجيبة بل بمأساة؛ ذلك أنه أحس ذات يوم ألما موجعا في بطنه يرافقه ~~قيء، فلما قصد إلى الطبيب أخبره أنه في حاجة عاجلة إلى عملية لإخراج الزائدة الدودية التي ~~التهبت. ولم تمض عليه ساعة حتى كان قد أجريت له العملية في نجاح وهو غارق في غيبوبة ~~الكلوروفورم، والمعروف أننا لا نحس ألمين معا. بل نحس الألم الشديد الذي ينسينا الألم ~~الخفيف، ولذلك أنساه تعب العملية وتخدير الكلوروفورم آلام الحرمان من الكوكئين. ونهض من ~~فراش المرض بعد 15 يوما وهو بريء من الاثنين؛ التهاب الأمعاء من الزائدة الدودية والتهاب ~~المخ من الحرمان من الكوكئين. # وفرحت بهذا الانقلاب، وإن كان الاتزان الجديد لم يثبت، فقد كان يتقزز من وقت لآخر ولا ~~يكاد يطيق الجلوس على الكرسي أكثر من دقائق. ولكن صحته عادت إليه فعاد الدم يجري في ~~وجنتيه. # وهنا انقدح في ذهني خاطر، قلت له: يا دكتور، ألا ترغب في خمسة جنيهات كاملة؟ فأشرق وجهه ms109 ~~وسأل في لهفة: «كيف ذلك؟» # قلت: «اكتب لنا مقالا في «الهلال» عن الهاوية كيف ترديت فيها وكيف نجوت منها وابدأ الآن ~~إذا شئت، وهاك جنيها.» # فوقف في احترام أو حماسة يتسلم الجنيه الذي مضى عليه بضع سنوات لم يلامس مثله كفه. ~~وسلمته الورق والقلم، وشرع يكتب، ولكن أنا وهو كنا واهمين؛ فإن اتزانه الذي لمحته فيه لم ~~يكن يكفي للكتابة؛ لأنه ما كاد يكتب خمسة سطور حتى مزق الورقة، ثم مزق أخرى وأخرى. وأخيرا ~~تركني على وعد أن يعود ويكتب ما طلبته منه. وقضى نحو ثلاثة أشهر وهو يكتب هذا المقال الذي ~~لم يزد على خمس أو ست صفحات. # ونشرنا المقال في «الهلال»، وكان مأساة، وقرأته السيدة الكريمة مدام فهمي ويصا، فاشترت ~~نحو خمسمائة نسخة وزعتها على أعضاء البرلمان، وكان من أثر هذا المقال أن سن قانون جديد ~~لمعاقبة المتجرين والمتعاطين للكوكئين. # وانتعشت رويدا صداقتنا القديمة بانتعاش صحته النفسية والجسمية فصرنا نتواعد ونقعد معا ~~على القهوة أو في ناد. وعاد يحترف صناعته ويجد فيها شيئا من الكسب الذي يكفي للوقار في ~~الملبس والمطعم. وهو لا يزال حيا إلى الآن أقعد إليه فأجد النور القديم في عينيه كما أجد ~~أثر العاصفة التي مرت به ولكن مع الإنسانية والتفكير المنظم. وقد بلغ الخامسة والستين. ~~وظني أنه سيعيش كثيرا وسيذكر هذا الكابوس الذي جثم على عقله وأظلمه نحو خمس أو ست سنوات ~~ولكن ما أضيع هذه السنوات! # والآن بعد نحو ربع قرن من هذا الحادث المؤلم أعود بذاكرتي إلى تلك الأيام وأتعجب وأسائل: ~~كيف كان الكوكئين يباع في كل مكان ويشتريه الجمهور بالقرش والجنيه ولا يجد أي إنسان صعوبة ~~في الحصول عليه، ثم مع ذلك كان بوليس القاهرة يعجز عن ضبط المتجرين به؟ # أذكر أني كنت قاعدا مع بعض الإخوان ذات مساء في قهوة بباب الحديد. وشرع أحدهم يتشمم هذا ~~المسحوق الأبيض، فدفعني الاستطلاع إلى أن آخذ قليلا منه وأستنشقه، فأحسست انتعاشا أو ~~«يوفوريا»، ولم أحس أي تخدر ولما آويت إلى الفراش لم ms110 أحس أي ميل إلى النوم، فشرعت أقرأ ~~ولا أدري متى نمت. ولكن استيقظت في الصباح في الساعة العاشرة فعرفت أن الكوكئين قد أرقني ~~- أي نبهني - إلى الساعة الثالثة أو الرابعة من الصباح، وتأخري في الاستيقاظ هو وحده الذي ~~أذكرني أني تناولت قليلا من ذلك السم في المساء السابق. # | كفاحي الثقافي # واختباراتي الصحفية # الثقافة إما أن تكون راكدة وإما مكافحة. وهي تركد حين تعالج الموضوعات لا تثير المناقشة. ~~وقد يرجع هذا إلى أن المجتمع نفسه مستقر يعيش في بيئة زراعية مثلا، أو أن حق الحكم منفصل ~~منه حين يتولى شئونه مستعمرون مثلا. وقد بقينا نحن على هذه الحال نحو أربعين سنة فيما بين ~~1882 و1922 كان مجتمعنا فيها منفصلا من الإدارة الحكومية إلى أن تقررت لنا حقوق ~~بالدستور. وكان المتولون من الإنجليز - الذين لا تجدي المناقشة الصحفية معهم - عن موضوع ~~تعليمي أو صحي أو اقتصادي. وأذكر أن المرحوم عوض واصف حين أنشأ مجلة «المحيط» في 1903 قال ~~في العدد الأول: إن مجلته ستعالج الشئون السياسية والحكومية. فردت عليه «المقتطف» بأنه ليست ~~هناك جدوى؛ لأن المتولين لهذه الشئون إنجليز لا يقرءون العربية. # ولكن مجتمعنا أثار المناقشة وجعل الثقافة الدينية - عن طريق محمد عبده - ثم الثقافة ~~الاجتماعية - عن طريق قاسم أمين - موضوعا للمناقشة الحية. وكانت حالنا في تلك السنين أشبه ~~بحال روسيا أيام القيصر؛ فقد كان المفكرون الروس ممنوعين من نقد السياسة، فاتجهوا إلى ~~الأدب. وكان علينا في مصر حظر عام بشأن السياسة وانتقاد الحكومة، فاتجه النقد نحو ~~المجتمع. # وفي أيامي الأولى، في بداية وجداني الأدبي، وجدت مجلات «المقتطف» و«الهلال» و«الجامعة»، ~~من المحركات الذهنية، بل أكسبتني هذه المجلات توجيها تجديديا في العلم والأدب. وكنت ~~قانعا بهذه الثقافة. ولولا حادثة دنشواي لما التفت إلى السياسة أدرس أصولها وأعنى ~~بتفاصيلها في السنين العشر الأولى من هذا القرن. # وكانت نظرية التطور التي فهمت مغزاها من «المقتطف» البذرة الخصبة في ثقافتي. فقد أكسبتني ~~معرفة وأسلوبا، وعينت لي أصدقائي وخصومي من المؤلفين والمفكرين. وغرست في نفسي مزاج ~~الكفاح ms111 لأنها تصدت للعقائد والتقاليد. وقد تشعع الكفاح من هذه البؤرة إلى موضوعات أخرى. ~~ولذلك لم أسعد قط بالبرج العاجي. كما أن مغزاها الخطير في التفكير العلمي والاجتماعي ~~جعلني دائم الشك كبير الاستطلاع والمساءلة. وتغيرت الأوزان والقيم عندي، وأخذت بقيم وأوزان ~~جديدة ترى على فجاجتها في «مقدمة السبرمان» التي ألفتها وسني نحو 19 سنة. # ففي هذه الرسالة أجدني أقول بالاشتراكية واليوجنية والتطور وتنظيم الدولة والمجتمع ~~الاشتراكي لإيجاد السبرمان أي الإنسان الأعلى الذي نكون نحن منه بمكان الغوريلا أو الشمبنزي ~~منا. وقد كان التفكير عندي في هذه الشئون أقرب الأشياء إلى ما يمكن وصفه بأنه «غيبيات» ~~عملية، أخذت مكان الغيبيات الدينية وقتئذ. وفي السنة التي ألفت فيها هذه الرسالة 1909 نشرت ~~مقالا في «المقتطف» بعنوان «نيتشه وابن الإنسان» وفي «الهلال» مقالا عن الاشتراكية التي ~~أسميتها وقتئذ «الاجتماعية»، وهذا الاسم الثاني أقرب إلى الكلمة الأوروبية من كلمتنا ~~الشائعة الآن «االاشتراكية». وألفت رسالة في هذه الموضوعات بعثت بها إلى مطبعة المقتطف كي ~~تطبع، فردتها إلي المطبعة مع نحو ثماني صفحات مجموعة - وكنت في لندن - واعتذرت عن التوقف ~~عن الطبع لأن القانون في مصر يعاقب على نشر هذه الآراء ونزلت عن أجر الطبع للصفحات ~~الثمان. # وقد كان هربرت سبنسر يقول إنه يستطيع أن يعرف المستوى الذهني لأي إنسان بعد مدة قصيرة من ~~التحدث معه. وهو يعني بهذا أن لكل منا كلمات أو عبارات محورية تتكرر أو يلتفت إليها الذهن ~~كثيرا، وهي تدل على اهتمامات المتكلم أي تدل على ثقافته مادة واتجاها. وحين أرجع إلى ~~نفسي أبحث عن الكلمات التي تتكرر في مؤلفاتي ومقالاتي أجد أن أكثرها تكرارا: التطور، ~~العالمية، حرية المرأة، العلوم، الحضارة الصناعية، الرجعية، المستقبل. أي إنها كلمات تدعو ~~إلى تغييرنا. # وأجد أن تفكيري في السياسة والثقافة كان على الدوام يساريا، وفي الأغلب ارتياديا. ~~ومما يلاحظ أن جميع الكتاب في مصر بدءوا حياتهم الأدبية مذهبيين ارتياديين، ثم انتهى كثير ~~منهم إلى ملاذ التقاليد يدعون إلى الفعل الماضي بدلا من اقتحام المستقبل. كما أني أجد ms112 أن ~~لي استغراضا ديمقراطيا في جميع ما أكتب يحملني على مكافحة الظلمات الذي لا تزال حية ~~في الشرق العربي: في الاجتماع والاقتصاد والعقيدة. ولكن لم يتغير موقفي من حيث إني كاتب ~~مذهبي يساري أكافح الرجعيين الذين يجدون الحكمة خلفنا لا أمامنا، كما أكافح أيضا ~~الإقطاعيين الذين يعارضون الاتجاهات الديمقراطية في الأمم العربية. وليس شك أن لوضعي ~~الاقتصادي الاجتماعي من حيث إني من الأقلية المسيحية أثرا في اتجاهي الثقافي اليساري. فإن ~~اليهود - وهم أقلية في أوروبا - كانوا ولا يزالون يحملون علم الثقافة اليسارية في السياسة ~~والاجتماع والاقتصاد. # وقد كانت حياتي الصحفية في مصر ثقافية إلى أبعد حد؛ فقد أخرجت «المستقبل» في 1914 ~~وجعلته للكفاح الفكري، ولم ألتفت فيه إلى السياسة، وأخرجت منه 16 عددا. وكان شبلي شميل من ~~محرريه ومؤيديه. ثم اشتغلت بالهلال ثم بالبلاغ. وفي هذه الجريدة الأخيرة اشتبكت بالسياسة. ~~ولكن همي الأول واهتمامي الأكبر كانا بالصفحة الأدبية. وهناك ثلاثة كتب هي «نظرية التطور ~~وأصل الإنسان» و«مصر أصل الحضارة» و«التجديد في الأدب الإنجليزي الحديث» نشرتها كلها فصولا ~~متتابعة في «البلاغ» قبل أن تجمع في كتب ووجدت من عبد القادر حمزة ليس الصدر الرحب فقط بل ~~التشجيع أيضا على أن أمضي في هذه البحوث. # أما «الهلال» فقد حررته من 1923 إلى 1929، وكان من شروط عملي فيه أن أؤلف كل عام ~~لقرائه كتابا جديدا يقوم مقام العطلة حين كان ينقطع شهرين. وكان بعض هذه الكتب للتسلية ~~مثل «أشهر قصص الحب التاريخية» وكنت أؤديها على سبيل الواجب الحرفي. ولم تكن تكلفني ~~مجهودا، ولكن كان بعضها الآخر يحملني على البحث والدراسة. فكنت أؤلف وأنا أتعلم، مثل «حرية ~~الفكر وتاريخ أبطالها» و«العقل الباطن». والحق أن هذه المؤلفات التي ألفتها وأنا بالهلال ~~ثم بالبلاغ كان كل منها بمثابة المدرسة التي علمتني وأمدتني بالغذاء الذهني سنوات. بل حتى ~~المقالات التي كنت أنشرها في «الهلال» و«البلاغ» وجدت من الناشرين اهتماما، فطبع بعض منها ~~مع تنوع موضوعاتها باسم «مختارات سلامة موسى» و«اليوم والغد» و«في الحياة والأدب». # وقد سعدت بهذه ms113 المؤلفات على قلة بل تفاهة ما كسبت منها ماليا. وذلك أني كسبت تربيتي، ~~كما كسبت هذا التغير الذي وجدته فيمن قرءوها، وهو تغير كان أحيانا يصل إلى التطور بل ~~الانقلاب. وفيما بين 1923 و1930 أثير غبار في القاهرة بشأن التجديد في الأدب، وكان كل ~~أديب يفهم من معنى هذا التجديد غير ما يفهمه الآخرون، كل تبعا لمزاجه واتجاهه وثقافته. ~~وأستطيع أن أعين الاتجاهات التجديدية لتلك المناقشات الحامية كما أذكرها الآن فيما ~~يلي: ~~(1) # أن يكون لنا أدب مصري عصري لا يرتكن إلى الأدب العربي القديم. ~~(2) # أن يكون لنا أسلوب عصري في التعبير لا يمت إلى الجاحظ أو غيره، مع مداعبة ~~مستحيية للغة العامية ... وهي مداعبة لم تثمر. ~~(3) # أن نأخذ بالأوزان والقيم الأوروبية في النقد الأدبي دون أوزان الناقدين ~~القدماء وقيمهم كالجرجاني أو ابن الأثير أو ابن رشيق. ~~(4) # أن نجعل الأدب يتصل بالمجتمع ويعالج شئونه ويندغم في مشكلاته. ~~(5) # أن نوجد القصة والدرامة المصريتين. ~~(6) # أن نجعل الأدب إنساني الغاية عالمي المشكلات. # والمؤلف بالمقارنة إلى الصحفي يعد ناسكا. فإن المؤلف ينزوي في غرفته باحثا منقبا، ~~ولكن الصحفي يخرج ويختلط بالمجتمع. ومع أن أكثر مجهودي في الصحافة كان ثقافيا في بحث ~~العلوم والآداب فإني قد مسست السياسة أيضا، وأحيانا اقتحمت غبارها حتى عصفت بي في كثير من ~~الأوقات. ولكن أعظم ما يعزيني أن ما عصف بي كان أيضا يعصف بالأمة، وأني في كفاحي الصحفي ~~كنت أكافح للديمقراطية التي حاول المستبدون أن يحرمونا منها. # وأول اختباري للصحافة كان في «اللواء» في 1909. فقد قضيت فيه نحو أربعة أشهر مع فرح ~~أنطون. وكان يرأسنا رجل مهذب مستنير يدعى عثمان صبري وكان صهر مصطفى كامل، وكان قد تولى ~~الرياسة بعد المرحوم الشيخ عبد العزيز جاويش الذي كان قد أغضب الأقباط بكلمات نابية. وكنا ~~نكتب في المطالبة بالجلاء، ولا مفاوضة إلا بعد الجلاء. وهذه العبارة كان يستنكرها بعض ~~الساسة في مصر، أما الآن فلا تستنكر. وقد عمل بها الهنود حين أصروا مدة الحرب الكبرى ~~الثانية على شعار «اتركوا الهند». وقد ms114 بقي فرح طوال عملي معه باللواء وهو يظن أني مسلم؛ ~~لاشتباه اسمي، ولأنه لم يكن في كل ما أكتب ما يدل على وجهة طائفية خاصة. أما عثمان صبري ~~فكان يعرف أني قبطي، وكان كثيرا ما يذكر مقالات الشيخ عبد العزيز جاويش بالاستنكار أمامي ~~ويتفادى من نشر أي مقال يوهم الشقاق بين المسلمين والأقباط. وقد كسبت من «اللواء» مرانة ~~صحفية حسنة، وكنت أكتب الخبر والمقال في السياسة الداخلية والسياسة الخارجية. ولم يكن ~~للمخبر في تلك الأيام قيمة كبيرة. وكانت الجرائد «مقالية» أكثر مما كانت خبرية؛ وذلك لأن ~~الكفاح من أجل الاستقلال كان يستغرق كل اهتمامها تقريبا، فكان جميع كتاب الجريدة تقريبا ~~محررين. # وفي العقد الأول من هذا القرن كان طراز «اللواء» جريدة الحزب الوطني يغلب على الصحافة؛ ~~لأنه كان الجريدة الناجحة. وكان أسلوبه خطابيا إذ كان مصطفى كامل يعتقد بحق أن الصحافة ~~يجب أن تكون في خدمة الوطنية وأن تثير حماسة الجمهور وتنبه وجدانه الوطني. ولذلك لم تكن ~~العناية بالأخبار الخارجية كبيرة بل لم تكن هناك أقل عناية بها. إذ كانت تختصر أو تقتضب ~~في نصف أو ربع عمود من التلغرافات . أما سائر الجريدة فكان معظمه يرصد للمقالات التي ~~تندد بالإنجليز المحتلين أو تثير الجمهور. وكان لذلك أول شرط للكاتب الصحفي أن يكتب في ~~أسلوب فصيح بعبارات صارخة. وبقيت هذه الحال تقليدا في الصحافة إلى حوالي 1930 حين شرعت ~~جرائد «الخبر» بدلا من جرائد «المقالة» في الظهور. وما زلنا إلى الآن 1947 نجد من بقوا من ~~الصحافة القديمة كبيري العناية باللغة قليلي العناية بالمعارف العامة عن المشكلات العالمية ~~أو العلمية أو الاجتماعية، بل نجد بين بعض القراء إساغة لهذه الكتابة الأسلوبية. # وكانت الجرائد في ذلك الوقت «شخصية» فكنا نقرأ الجريدة لا لأنها حافلة بالأخبار أو ~~الصور بل لأن فلانا يكتب فيها مقالا. بل كانت المخاصمات أيضا شخصية. فكان «المؤيد» ~~يشنع على مصطفى كامل لأن الخديوي عباس صفعه. وكان «اللواء» يشنع على الشيخ علي يوسف ~~صاحب «المؤيد» لأنه لم يكن كفئا لزواج ms115 كريمة السادات السيدة صفية بل كان «المقطم» يدخل في ~~هذه المخاصمات ويتكلم أيضا عن زوجة الشيخ علي يوسف. # وظهرت أولى المجلات الفكاهية حوالي 1900، وكانت مادتها الأساسية تهزئة الإمام العظيم محمد ~~عبده. وكان يشاع أن الخديوي عباس باشا كان يحرضها على اتخاذ هذا الموقف لأنه كان يكره الروح ~~العصري الذي كان يدعو إليه الإمام في الأزهر. وظني أني أنا أول من أخرج مجلة أسبوعية جديدة ~~هي «المستقبل» في 1914. # ولما تركت «اللواء» وعدت إلى أوروبا بقيت الصحافة خيالا ساحرا في ذهني. ورجعت إلى مصر ~~واستطعت في 1914 أن أحقق هذا الخيال بأن أصدرت مجلة «المستقبل» الأسبوعية، ولكن لم أصل إلى ~~العدد السادس عشر حتى كانت الحرب الكبرى الأولى قد شبت، وارتفع سعر الورق نحو عشرة ~~أضعاف سعره السابق. وكان لا بد أن أعطلها. ولكن التعطيل جاءني بطريق آخر. ففي ذات يوم وأنا ~~أفكر في مشكلة الورق طلبتني إدارة المطبوعات. فقصدت إليها غير عابئ بما يحدث. وكانت ~~الإشاعات كثيرة بشأن تعطيل المجلات والجرائد. وهناك قعدت أمام أحد الموظفين السوريين الذي ~~حياني وطلب لي القهوة، وجعل يلاطفني بكلمات عذبة. ويسألني عن المجلة وهل هي رائجة أم أني ~~أخسر فيها. ثم بعث في طلب رجل إنجليزي. وجاء هذا وقعد قبالتي يستمع دون أن يتكلم. ثم شرح لي ~~هذا الموظف حرج الموقف وضرورة وقف - أي تعطيل - بعض المجلات. ومع أني لم أكن أبالي التعطيل ~~- كما قلت - فإني وجدت فتنة سيكلوجية في متابعة البحث والمناقشة وخاصة أمام هذا الإنجليزي. ~~فأبديت أني قادر على إصدار «المستقبل» مهما كانت الصعوبات. فتلاحظ الاثنان وأنا مفتون ~~بالموقف. وأصررت على أني سأصدرها إلى آخر الحرب، وأني سأدعو فيها إلى الاشتراكية. وعاد ~~الموظف السوري يخاطبني في ملاطفة مسرفة ويقول إني أستاذ وعاقل ... إلخ، وأصررت أنا على ~~العناد. # وأخيرا صرح في غير ملاطفة بأن إدارة المطبوعات تستطيع التعطيل. وأن المناوئين للحكم في ~~الظروف الحاضرة الشاذة يمكن نفيهم أو اعتقالهم. وكان هذا ما أردت أن أسمعه، فنهضت وقلت إني ~~سأعطل المجلة، وخرجت. # وليس عندي مجموعة ms116 من مجلة «المستقبل»، ولكن بعض القراء ما زالوا يقتنونها مجلدة تحتوي ~~الأعداد الستة عشر التي صدرت. ومقالاتها تدل على تفكيري وقتئذ. ويعبر هذا التفكير عن ~~اتجاهي الذهني العصري. فإن فيها مقالات عن نيتشه. وبها مقال كله فجور إلحادي عنوانه «الله» ~~وهذا غير قصائد ومقالات لشبلي شميل وكان يدعو فيها إلى نظرية التطور وإلى المذهب المادي. ~~وأجد بها بحثا عن «الضمد» عند العرب أي زواج المرأة لجملة رجال. والخلاصة: كان المستقبل ~~يدعو دعوة عصرية بل مستقبلية فجة خاصة. وكنت أبيع منه نحو ستمائة نسخة في الأسبوع. وهذا غير ~~المشتركين المتحمسين. وظني أنه كان يمكن أن ينجح ويؤدي رسالة الهدم والبناء التي كنا ~~نحتاج إليها لولا ظروف الحرب في 1914. ولم تظهر بعد «المستقبل» مجلات من طرازه التحريري. ~~ولما عمدت إلى إخراج «المجلة الجديدة» في أواخر 1929 كنت قد تأثرت بالفن الصحفي، كما أن ~~الظروف المصرية كانت قد دجنتني تدجينا سيئا. فخبت النار وباخت الحماسة وأخذ الاعتدال ~~مكان الغلو. # وأرسلت إلي مي عقب التعطيل خطابا تطلب مني أن أحرر «المحروسة» وكانت جريدة يومية قليلة ~~الانتشار يصدرها والدها، فقبلت، وبقيت أحررها جملة أشهر سئمت بعدها الكتابة مع المراقبة ~~الصارمة التي كانت تفرضها إدارة المطبوعات على الصحف. ولم يكن يخفف من هذا السأم سوى زيارات ~~مي ومؤانستها لنا من وقت لآخر؛ فقد كانت حلاوتها تمتزج بظرف ورقة. # وبقيت طوال الحرب الكبرى الأولى وأنا معطل. وقد قضيت معظم سني هذه الحرب في الريف في ~~عزبتنا بالقرب من الزقازيق ... وكانت تلك الأيام بمثابة الحضانة. فقد أكببت على القراءة ~~الجدية في الآداب والعلوم واستوعبت منها كثيرا. وكنت من وقت لآخر أقصد إلى مأمور المركز في ~~الزقازيق كي أرجوه في الإفراج عن أحد الذين قبض عليهم من الفلاحين. وكانت الحكومة تنفذ ~~شرطتها إلى الأسواق الريفية العامة فتقبض على من تستطيع من هؤلاء المساكين وتربطهم بالحبال ~~الغليظة كما لو كانوا أسرى حرب. ثم يبعثهم الإنجليز إلى فلسطين وكانوا يموتون بالمئات ~~والألوف. ولم أكن أنجح في تخليصهم إلا بالرشوة. # وسئمت الركود ms117 الريفي، فاشتغلت بالتعليم فترة. ثم هبت الثورة في 1919 ورأيت أن أقصد إلى ~~القاهرة حتى أكون على صلة بالحوادث وحتى أجد منفذا جديدا إلى الصحافة. وتحقق لي ذلك؛ ~~فإني بعد أن اشتغلت بالتعليم في مدرسة التوفيق قليلا اشتركت في تحرير «الهلال» واشتركت ~~أيضا في تحرير «البلاغ». # وانغمست في السياسة مع المرحوم عبد القادر حمزة. وكنت أزور معه سعدا. وكان عبد القادر ~~حمزة من الكتاب الأفذاذ إذا نشب في موضوع لم يترك الجدل فيه حتى يستقصيه ويخرج منه ~~منتصرا. وكان نزيها في حكمه حتى حين كان يختلف. فإنه بعد أن ترك الوفد في 1931 بقي على ~~صداقته السابقة مع كثير من الوفديين. # وأصدرت «المجلة الجديدة» في أواخر 1929. وأصدرت «المصري» في السنة التالية. وكانت الأولى ~~شهرية والثاني أسبوعيا. وكانت الدعوة في كليهما تحريرية في الثقافة والسياسة. وعصفت بنا ~~في 1930 عاصفة سياسية في وزارة إسماعيل صدقي باشا، فألغى الدستور واستبدل به آخر بعيدا عن ~~الديمقراطية. وألغيت مجلتاي. وكان قد شرط في قانون النشر الجديد أن من يطلب امتيازا لجريدة ~~أو مجلة جديدة يجب أن يؤدي تأمينا قدره 150 جنيها. فأديت التأمين نقدا، ولكنه رفض. ~~وبعد ثلاث سنوات أي في 1934 جاءت وزارة عبد الفتاح يحيى باشا، فاستطعت أن أعيد إصدار ~~«المجلة الجديدة» بضمان عامل في المطبعة عندي ... وهذه هي حالنا في مصر: في وزارة يرفض ~~التأمين النقدي وفي وزارة أخرى يقبل ضمان العامل الذي لا يملك شيئا. # وفي بداية الحرب الكبرى الثانية أنشئت وزارة الشئون الاجتماعية، فاستدعتني كي أحرر ~~مجلتها. وقبلت لأني وجدت أن الفرصة تتيح لي الإرشاد العصري والتوجيه الاجتماعي. وبقيت أكتب ~~في هذه المجلة نحو سنتين. وكانت مقالاتي يوقع عليها بإمضائي أو تنشر بلا إمضاء. فإذا ~~راقت المشرفين على المجلة وضع لها إمضاء غيري حتى ولو لم تكن له علاقة بالوزارة. وقد كان ~~هذا العمل مثارا للسخرية أحيانا وللأسف أحيانا. # وكنت أتناول عشرين جنيها راتبا شهريا على التحرير دون أي اشتراط على القدر الذي أكتب ~~أو على مواظبة الحضور. فكان ms118 يمضي الشهر دون أن أحضر للوزارة، وكنت أكتب أي قدر شئت من ~~الصفحات. ولكن الوزارة ضنت علي بهذه الحرية مع صغر الراتب. فألغته وعينت أربعين قرشا ~~للصفحة الواحدة. ورأيت آخر الشهر بعد هذا النظام أن كل ما حصلت عليه هو جنيهان فقط، فتركت ~~التحرير. # وكنت طوال عملي بالوزارة أصدر «المجلة الجديدة» أيضا. وبقيت على ذلك إلى 1942 حين سلمتها ~~لبعض الإخوان الأصدقاء كي يقوموا بنشرها وكي أختص أنا في التحرير السياسي. ولكنهم نزعوا ~~نزعة ديمقراطية يسارية مسرفة لم ترض الاستعمار، فألغيت في تلك السنة بأمر ~~عسكري. # وفي السنة التالية اشتريت امتياز جريدة يومية. وقبلت إدارة المطبوعات نقل الامتياز الذي ~~أثبت فيه أنها «يومية» وذكر فيه الضمان بأنه 300 جنيه أي ضمان جريدة يومية. وبعد أن قبل كل ~~هذا وبعد أن استعددت لإصدار هذه الجريدة اليومية أقيلت وزارة الوفد. وفي اليوم التالي ~~للإقالة في أكتوبر من 1944 أبلغتني إدارة المطبوعات أن الجريدة شهرية وأنه لا يجوز لي أن ~~أصدرها يومية. # وعندما أقارن بين صحافة الجيل الماضي - من 1900 إلى 1920 - وصحافة الجيل الحاضر! أجد أننا ~~قد تقدمنا وتأخرنا. أجل! تقدمنا في فن الطبع والإخراج تقدما عظيما جدا؛ فإن جرائدنا ~~ومجلاتنا تدل على رقي فني يضارع أعلى المستويات الصحفية في أوروبا. ولكننا من حيث التحرير ~~تأخرنا؛ إذ ليس عندنا الآن من المحررين من يضارعون مصطفى كامل أو علي يوسف أو لطفي السيد. ~~وقد مات عبد القادر حمزة وهو آخر هذا الجيل المنقرض. # ولكن هناك مع ذلك علامة حسنة في الصحافة الحديثة، هي عنايتها الكبيرة بالأخبار الخارجية. ~~فإن هذه العناية - التي كان مبعثها الحربين الأخيرتين - تنير القراء وتربيهم على النظر ~~العالمي وبحث سياستنا من الزاوية السياسية العالمية الكبرى. وهذا حسن. ولكن انسياق الجرائد ~~وراء الإعلانات قد حد من حريتها واهتماماتها. فإن جرائدنا مثلا تعنى بالميدان ~~السينمائي الذي يغل لها الإعلانات، أكثر مما تعنى بالزراعة المصرية التي يعمل فيها ~~الملايين ولكن لا تنتفع منهم الصحف بالإعلانات. # وقد دلتني اختباراتي في السياسة والثقافة على أن ms119 بضع مقالات في السياسة أحيانا تعود ~~بمثل الربح المالي الذي يعود من تأليف كتاب كامل قد احتاج إلى دراسة السنين. ولذلك فإن ~~التأليف في مصر تضحية كبيرة لا يرضاها إلا المهوسون بالثقافة. ولذلك أيضا أصبح كثير من ~~الأدباء الذين افتتحوا حياتهم بالتأليف صحفيين. # وذات مساء وكان ذلك في 12 يوليو من هذا العام 1946 كنت نائما على الأسفلت في غرفة مظلمة ~~في سجن الأزبكية مع نحو أربعين من المتهمين بالسرقة والضرب والفسق والقتل وحيازة المخدرات ~~وغير ذلك. وكانت تتهمني أني أفكر وأدعو إلى الجمهورية أو الشيوعية. وكانت خشونة الأسفلت ~~تمنعني من النوم وتؤلمني فأرقت. وأخذت ذاكرتي تعرض لي فلم حياتي الماضية. فذكرت الحرية التي ~~كنت أتمتع بها في 1914 حين كنت أكتب مقالات في «المستقبل» لو أن بعضها نشر هذه الأيام ~~لقاد إلى السجن. وذكرت العناء الذي لقيته في الدراسة والتأليف، وعددت نحو عشرين كتابا ~~ألفتها لأبناء وطني أخلصت فيها النية وبذلت المجهود كي أنير وأعلم، وكي أسمو بالشباب إلى ~~مثليات القرن العشرين وأخرجهم من ظلمات القرون الماضية. ثم تأملت حالي على الأسفلت الخشن، ~~وكيف أني لم أجمع مالا ولم أحصل حتى على الكرامة التي يستحقها من يخدم ويخلص في الخدمة. ~~وكان إلى جنبي نصف رغيف هو عشائي الذي قررته لي الحكومة المصرية جزاء هذا العمر الذي قضيته ~~في خدمة مصر. وأخذت أفكر وأجتر التفكير وعقلي يتضور من الألم، إلى أن أصبح الصباح ودخل ~~علينا رجل بقفة فيها خبز، فناولني رغيفا للفطور وضعته فوق نصف الرغيف الذي تناولته في ~~المساء السابق. وهكذا يفعل بنا الاستعمار والاستبداد المتحالفان. # | كفاحي السياسي # كنت طوال إقامتي في أوروبا أدرس السياسة من الجرائد اليومية الإنجليزية والفرنسية وأستمع ~~إلى المحاضرات الحزبية التي يلقيها الدعاة البارزون من الأحزاب. ولكن التفاتي إلى السياسة ~~كان بمثابة النشاط الموجي على السطح. أما في الأعماق فكانت التيارات التي تحفزني وتوجهني ~~اجتماعية ثقافية. فقد كنت مثابرا على الملاحظة المباشرة للمجتمع الأوروبي أقابل بينه وبين ~~المجتمع المصري في مركز المرأة ونظام العائلة بل ms120 نظام البيت وأحوال العمال في المدينة ~~والريف والحرية أو بالأحرى الحريات العامة في البيت والمجتمع والصحافة والخطابة. ومن ذلك ~~الوقت إلى الآن - أي من 1907 إلى 1947 - وأنا أكافح في جبهات متعددة سياسية واجتماعية ~~واقتصادية. وأحيانا تتداخل هذه الجهات أو تمتزج حتى تصير جبهة واحدة. كما حدث مثلا في ~~1930 حين كنت أقف في صف الوفد في مكافحة الطغيان الذي حاول إسماعيل صدقي باشا أن يعممه ~~بعد أن ألغى دستور 1923 كما سبق أن ألغى الإنجليز دستور عرابي في 1882. ولكن حتى في هذه ~~المعمعة السياسية التي هبت في الأمة تقاتل المستبدين والمستعمرين معا كنت أيضا أكافح ~~كفاحا آخر من أجل الاستقلال الاقتصادي. فألفت جمعية «المصري للمصري» لإيجاد وجدان - أي وعي ~~- وطني اقتصادي. # وكانت الأحزاب السياسية في أوروبا قد شرعت حوالي 1910 تتجه اتجاها اشتراكيا. وكان هذا ~~الاتجاه على أقواه في ألمانيا وفرنسا وعلى أضعفه في بريطانيا. بل الحق إنه لم يكن في 1909 ~~في مجلس العموم الإنجليزي غير اشتراكي واحد - من نحو 600 عضو - يدعى فكتور جرايسون، وكان ~~يجمع بين حماسة الشباب وحماسة المذهب. وقد حاول ذات مرة أن يقسر المجلس على المناقشة في شأن ~~العاطلين. فقرر المجلس إخراجه. وكان يلقي الخطب في الاجتماعات الشعبية ويفخر بأن المجلس ~~طرده. والغريب أن هذا الشاب اختفى فجأة ولم يعرف إلى الآن كيف كانت نهايته. # ولكن كان بمجلس العموم في ذلك الوقت حزب للعمال وحزب آخر يسمى «العمال المستقلين» يتزعمه ~~كير هاردي. ولكن هؤلاء العمال جميعا لم يكونوا اشتراكيين مذهبيين ولم تكن الدعوة بينهم إلى ~~الاشتراكية بل كانت دعوة متواضعة قانعة بزيادة الأجور للعمال وترقية أحوالهم المعيشية. وقد ~~زرت كير هاردي في غرفته المتواضعة في لندن في 1909. وكان اسكوتلنديا في وجهه سماحة وطيبة ~~قد أرخى لحيته. وكان يصر على اتخاذ قبعة العمال المخصوفة من القش. وكانت سكرتيرته آنسة ~~مثقفة جاءت بعد ذلك إلى مصر وتولت رياسة التحرير لجريدة «ذي إجبشيان جازيت». وكان السبب ~~لزيارتي لكير هاردي أني قرأت له كتيبا عن الهند شرح ms121 فيه ما رآه فيها من المظالم البريطانية ~~للهنود. ورأيت في هذا الكتاب ما يثير وما يبعث على التفكير فيما يفعله الإنجليز في مصر. ~~ولما قابلته قال لي إنه اشتراكي وإن الاشتراكية سوف تعم أوروبا ثم تنتقل إلى سائر القارات. ~~وإن الاستعمار البريطاني يجب أن يزول من مصر والهند، وإن واجبنا الوطني الأول في مصر هو ~~إخراج الإنجليز ثم إيجاد الإصلاحات الاجتماعية في المجتمع المصري. # وكانت الخطوط السياسية التي نراها الآن في السياسة العالمية في 1947 واضحة في أوروبا في ~~1909. ولكن الخطوط اليمينية كانت وقتئذ أبرز من الخطوط اليسارية. أي إن أصوات الاستبداد ~~والاحتكار والحرب والاستعمار كانت عالية تنطق بها دولة القياصرة في روسيا ودولة السلاطين في ~~تركيا، ثم دولتا الوسط في أوروبا. وأخيرا الإمبراطورية البريطانية وفرنسا. أما في 1947 فإن ~~هذه الدول جميعها - باستثناء بريطانيا وفرنسا - قد زالت وأخذت الجمهوريات مكانها. كما أن ~~الأكثرية السياسية للأحزاب قد أصبحت يسارية للاشتراكيين والشيوعيين في جميع أوروبا ~~المتمدنة. وقولنا «المتمدنة» يستثني بالطبع إسبانيا وبرتغال حيث الفاشية لا تزال حية. وهذا ~~اتجاه واضح لا يخطئه إلا المغفلون أو المتغافلون. # وقد أصبحت من تلك السنين أتوسم الأحزاب وأرود المستقبل في ضوء هذه الاتجاهات الاشتراكية ~~العالمية. ولذلك لم تفاجئني الأحداث الكبرى مثل حرب 1914 التي بعثتها المباراة الاقتصادية ~~بين ألمانيا وبريطانيا، أو مثل حرب 1939 التي بعثها الصراع بين أحزاب اليمين من المحافظين ~~وبين أحزاب اليسار من الاشتراكيين والشيوعيين. وإن كانت هذه الحرب قد فقدت منذ بدايتها ~~تقريبا روحها المذهبي واستحالت إلى النزاع الاقتصادي القديم بين بريطانيا وألمانيا، كما ~~دخلت فيها مركبات اقتصادية أخرى. # ولما عدت من أوروبا وضعت رسالة صغيرة عن الاشتراكية. كما وضعت قبل ذلك رسالة أخرى عن ~~«السبرمان» أي إنسان المستقبل. وكذلك لخصت كتاب جرانت الين عن «نشوء فكرة الله» وترجمت نحو ~~120 صفحة من قصة «الجريمة والعقاب» لدستويفسكي. وكل هذا النشاط قمت به فيما بين 1909 و1914. ~~وهو يدل على أن أفكاري العامة الحاضرة كانت تتبلور في ذهني: السياسة الاشتراكية، والأدب ~~الروسي ms122 والفلسفة الداروينية، مع النفور من الغيبيات. # وفي 1920 عقب الثروة هبت ريح الحرية في الجو المصري المكظوم. فألفت أنا والمرحوم الدكتور ~~العناني والأستاذ محمد عبد الله عنان والأستاذ حسني العرابي، الحزب الاشتراكي. وأرخى لنا ~~المستعمرون الحبل كي يعرفوا مدى نشاطنا والاستجابة التي نلقاها من الشعب. والحق أنها كانت ~~استجابة حسنة. ويبدو أننا كنا نسير في اعتدال ونتقي المصادمات. وترجمت في ذلك الوقت «نداء ~~إلى الشباب» لكوربتكين وهو الأمير الروسي الذي ترك إمارته أيام القيصر نقولا وانقلب كاتبا ~~ومؤلفا وداعية للفوضوية. ولكن حدث فجأة أن أحدنا الأستاذ حسني العرابي وجد فينا بطئا لم ~~يطق له صبرا. فقصد إلى الإسكندرية وأعلن «الحزب الإباحي». وكلمة «إباحي» كان يقصد منها ما ~~يفهمه الجمهور الآن من كلمة شيوعي. وانشق عنا وانضم إليه كثير من الشبان الذين سرقوا دفاتر ~~الحزب وقضوا عليه. وماتت حركتنا وقضت الحكومة على حسني العرابي بحبسه ثم تشريده في أوروبا. ~~فقد سافر إلى ألمانيا وما هو أن بلغها حتى صدر قرار من مجلس الوزراء بحرمانه من الرعوية ~~المصرية كي يمنع من العودة إلى مصر. وكثيرا ما اشتقت أنا إلى السفر إلى أوروبا ولكن خوفي ~~من أن يلحق بي مثل هذا القرار كان يحملني على الدوام على النكوص. وليس على هذا الكوكب أمة ~~تحرم أبناءها من رعويتهم إذا كرهت منهم مذاهبهم السياسية غير مصر. وهذا الحرمان من الرعوية ~~يشبه - في صيغة عصرية - الحرمان من الكنيسة أيام القرون المظلمة. ولكنه الاستعمار البريطاني ~~يحالف الاستبداد المصري على مطاردة كل من كان يتوهمان فيه خطرا على مركزهما الممتاز في ~~مصر. # والاشتراكي المصري يجد نفسه في صف واحد مع الوفد؛ لأن الوفدية هي في صميمها الدعوة إلى ~~الاستقلال. ولا يمكن اشتراكيا أن يفكر في أي برنامج اشتراكي ما لم يكن الاستقلال محققا ~~ناجزا. ومن هنا الكراهة البريطانية لجميع الحركات الاشتراكية في العالم وليس في مصر ~~وحدها. # والاشتراكية والاستعمار ضدان لا مصالحة بينهما؛ فالأولى تعاون ومساواة وعدل، والثاني ~~استغلال وامتياز واحتكار وخطف. ولذلك أيضا نجد أن جميع الاشتراكيين ms123 في مصر هم قبل كل شيء ~~وطنيون غالون في وطنيتهم لا يطلبون الاستقلال لمصر وحدها بل للهند والجزائر والعراق ومراكش ~~وغيرها. # وتحدث أحيانا مصادفات مشئومة. فقد كنت في 1925 أو ~~حوالي ذلك أكتب للبلاغ. وكان زيور باشا قد قام بأولى المحاولات لرد الأمة إلى عصر توفيق أي ~~إلى حكم أتوقراطي بلا دستور أو بدستور صوري. فكتبت مقالا قلت فيه إن زيور يشبه أبا الهدى ~~في حكومة عبد الحميد. وكان اسم أبي الهدى يزكم الجو بالدسائس والاستبداد. وكتب الأستاذ عبد ~~القادر حمزة (باشا) - دون أن يعرف مقالي - مقالا آخر قال فيه إن مصر تحكم كما لو كانت ~~تركيا أيام عبد الحميد. وقضت المصادفة بأن يخرج المقالان معا كأن هناك مغزى مقصودا. ~~وقصدنا إلى بيت الأمة حيث قابلنا سعد باشا الذي أنذرنا بخطورة المقالين وبأن النيابة العامة ~~سوف تقوم بالتحقق معنا في شأنهما. وكان سعد باشا في سنيه الأخيرة حتى لقد لاحظت أن ساقه ~~كانت ترتعش ولكنه كان يقظ الذهن دكتاتوري اللهجة. # وقد سبق أن قلت إن كفاحي السياسي كان يمتزج في أحيان كثيرة بكفاحي الاجتماعي أو ~~الاقتصادي. ولذلك ألفت في 1930 جمعية المصري للمصري كي أبعث الوجدان الاقتصادي للأمة. وكنا ~~نجد في تلك السنة - حين ثار إسماعيل صدقي باشا على الدستور وألغاه - أن دعوتنا «المصري ~~للمصري» تتفق ومقاطعة البضائع الإنجليزية. ووجدت هذه الحركة حماسة كبيرة بين الشبان. وكنا ~~نحتم على أنفسنا اتخاذ جميع ملابسنا الخارجية والداخلية من الأقمشة المصرية باستثناء ~~الطربوش. ولكن حتى هذا وجد من يصنعه من الصوف المصري الأبيض. وقد أرسل إلي أحد المتحمسين ~~مثالا منه هدية يطلب مني اتخاذه بدلا من الطربوش الأحمر الذي كان يرد إلينا من أوروبا. ~~وقد كان الأستاذ أحمد حسين رئيس جمعية مصر الفتاة وكيلا لجمعية المصري للمصري في كلية ~~الحقوق حين كان طالبا بها. فلما كافحنا إسماعيل صدقي باشا، وقتل من مجلاتنا التي كانت تنشر ~~دعوتنا أكثر من عشر مجلات ووقفنا مضطرين عن الحركة، عمد أحمد حسين إلى إحيائها أو بعثها ~~ولكن بصورة ms124 قد يستنكرها البعض. والحق أنه كان فيها كثير مما يستنكر مثل الهجوم على ~~الحانات، أو مداعبة الآراء الفاشية، ومدح موسوليني أو هتلر، ونحو ذلك. # ولا بد أن أذكر أنه كان هناك لاستقلال الهند مكانة كبيرة في تفكيري السياسي. وعندي أن ~~مشكلة الهند - بل مشكلة أي مستعمرة في العالم - هي أيضا مشكلة لمصر؛ لأن استقلالنا يقتضي ~~مكافحة الاستعمار أينما وجد. ولذلك ألفت كتابي عن «غاندي والحركة الهندية». وأعجبني من ~~غاندي أنه كان ولا يزال يكافح في جبهتين هما الإنجليز المستعمرون والتقاليد الهندية التي ~~فسدت وتقيحت في جسم الأمة الهندية المريضة. كما أنه بعث نشاطا اقتصاديا بتعميمه المغزل ~~بين الريفيين. ولقد أرسلت إليه في 1931 خطابا أطلب منه المؤلفات الخاصة بحركة الغزل ~~والنسيج التي يقوم بها الفلاحين الهنود وأيضا بعض أدوات الغزل التي تستعمل في الهند. ~~فأرسلها كلها إلي. ولكننا بعد الدرس لموضوع الغزل لم نجد أننا قادرون على إيجاد مثل هذه ~~الحركة في مصر. ذلك أن المغزل اليدوي قليل الإنتاج لا يغل للغازل عيشا كافيا في مصر. وإن ~~كان يغل هذا العيش الكافي للفلاحين الهنود لأن مستواهم الاقتصادي دون مستوى فلاحينا. ولكن ~~وزارة التجارة والصناعة تحاول الآن في 1947 أن تجد مغزلا ريفيا يستحق عناية فلاحينا ~~ويشغل فراغهم في بعض أشهر الشتاء. # وهذا النشاط الاقتصادي أو الوطنية الاقتصادية التي قمنا بها في 1931 قد بعثت روحا جديدا ~~من اليقظة والإحساس الوطني. حتى لأذكر أن ضابطا من البوليس حضر لتفتيش مكتبي في إحدى ~~الهجمات التي كانت تتوالى علينا لضبط مجلاتنا ومصادرتها. فلما شرع يقرأ الخطابات الواردة ~~إلينا من أنحاء القطر بشأن الصناعة والتجارة المصرية تغير موقفه فصار يدعو لنا بالنجاح ~~ويمزق بنفسه الأوراق الخطرة. # وهنا يجب أن أذكر شخصية نبيلة قد فارقتنا للأسف منذ أربع سنوات هي المرحوم محمد عبد الصمد ~~مدير مدارس رقي المعارف في شبرا. فإنه كان وكيل جمعية المصري للمصري حين كنت أنا رئيسا ~~لها. وكنت قد كتبت مقالا أدعو فيه إلى إنشاء متجر في شارع فؤاد لا يبيع ms125 غير المصنوعات ~~المصرية. وكانت البضائع المصرية لا تباع إلا في الأزقة النائية في السكة الجديدة في أطراف ~~شارع الموسكي. ولما قرأ المرحوم طلعت حرب هذا المقال بعث إلي وأخذ يناقشني في هذا ~~الموضوع، وخرجت من عنده قاصدا إلى المرحوم محمد عبد الصمد حيث اتفقنا على أن يعرض ألف جنيه ~~يساهم بها في هذا المشروع. ونشرت هذا العرض مع صورة الشيك في الصفحة الأولى من إحدى المجلات ~~التي كنت أنشرها. وكان هذا العرض بذرة المتجر القائم الآن باسم «شركة مصر لبيع المصنوعات ~~المصرية» في شارع فؤاد. # ويجب ألا أنسى هنا أني في كفاحي السياسي ألتفت إلى موضوعين: أحدهما هو بعث النخوة الوطنية ~~عن سبيل الإكبار من شأن الفراعنة. وقد وجدت ما يزيدني تأييدا لهذه الدعوة بما استفاض في ~~أوروبا عامة وبريطانيا خاصة من أن مصر هي التي بعثت الموجات الأولى من الحضارة القديمة إلى ~~أنحاء العالم وأخرجت الإنسان من العصر الحجري إلى عصر الزراعة. وكتابي «مصر أصل الحضارة» ~~يقوم على هذه المعاني ويشرحها. أما الموضوع الثاني فهو الإكبار من شأن عرابي. فقد نشأنا على ~~أن هذا الوطني العظيم كان خائنا لمصر وأنه هو السبب لاحتلال الإنجليز لوطننا. والحقيقة أن ~~من يقرأ تاريخ هذه الشخصية المصرية المقدسة يتعجب للخسة التي بعثت خصومه على سبه والحط من ~~شأنه. وليس في تاريخ مصر منذ أكثر من ألفي سنة من خدمها بروح الشرف والوطنية والنزاهة مثل ~~عرابي. وقد كانت ترجمة كتاب بلنت «التاريخ السري للاحتلال البريطاني لمصر» من الجهود السارة ~~التي قمت بها لجريدة «البلاغ»؛ لأن المؤلف كان صديقا لعرابي وكان واقفا على أهدافه ~~الوطنية السامية. # وكذلك لا أنسى أني في سبيل الكفاح السياسي ألفت كتابين أحدهما «حرية الفكر وتاريخ ~~أبطالها» في 1927 سردت فيه أطوار الكفاح التاريخي من أجل الحرية سواء عند الأمم العربية أم ~~في أوروبا. ثم عدت في 1946 فأخرجت كتيبا بعنوان «حرية العقل في مصر» طلبت فيه إلغاء قوانين ~~المطبوعات التي تحد من حرية الكتابة والصحافة وإلغاء إدارة المطبوعات التي تطلب ms126 استخراج ~~«رخصة» عندما يرغب أحدنا في إصدار مجلة أو جريدة. والغريب أنه في نفس هذه السنة 1946 عاد ~~حكم إسماعيل صدقي باشا المشئوم. فأصدر مشروع قانون لزيادة الحد من حرية الصحافة التي لم يكن ~~يطيقها هذا الرجل. وتقدم وزير سابق هو الأستاذ فؤاد سراج الدين باشا لطلب امتياز أي رخصة ~~لجريدة يومية فرفض طلبه. ومثل هذه الجرأة ليس لها نظير في أية أمة متمدنة على هذا الكوكب. ~~أعني جرأة رجل مثل إسماعيل صدقي باشا على أن يفكر في زيادة القيود للصحافة المصرية وعلى أن ~~يمنع وزيرا سابقا من أن يصدر صحيفة. # وكلما فكرت في كفاحنا السياسي أحس ألما للعقم الذي لازمه إلا القليل من الثمر الذي ~~حاول المستبدون والمستعمرون إفساده. فقد أثمر هذا الكفاح دستورا غيره المستبدون مرة ثم ~~عطلوه مرة ثم ألغوه واستبدلوا به آخر مرة. ونجحوا في أن جعلوا ديمقراطيتنا كاريكاتورية. ~~ولكن مما يبعث السرور إلى نفسي أني لم أتضعضع ولم أترك المعسكر الوطني لمكافحة ~~المستبدين والمستعمرين كما فعل كثير من الأدباء ممن طمسوا النور الذي كان في قلوبهم ~~وأطفئوا وهج نفوسهم كي يصلوا إلى حياة أو مال فانخاروا إلى الاستعمار الأجنبي أو الاستبداد ~~الوطني. # | في خدمة الشباب # منذ تأسست جمعية الشبان المسيحية في القاهرة حوالي 1922 وأنا عضو فيها. ولكن عضويتي كانت ~~شكلية إذ كنت قليل الزيارة لها. وبقيت على ذلك نحو ست أو سبع سنوات حين طلب مني سكرتيرها ~~الأستاذ نجيب قلادة أن أقبل المناظرة مع الأستاذ توفيق دياب بشأن الأدب المكشوف والادب ~~المستور. وكنت أنا في موقف الدفاع عن الأدب المكشوف باعتبار أن الأدب يجب أن يكون حرا ~~طليقا لا يتقيد بأي قيد سوى ضمير الكاتب. وكان الأستاذ توفيق دياب يرى أنه يجب أن تكون ~~هناك قيود وحدود اجتماعية لا يجوز للكاتب أن يتجاوزها. # وأحدثت هذه المناظرة اهتماما بين الشبان ولغطا غير منير في المجلات. وحوالي 1929 زاد ~~اتصالي بالجمعية وعرفت سكرتيريها الأمريكيين والمصريين. ثم حوالي 1933 رغب إلي الأستاذ ~~نجيب قلادة كي أكون مستشارا ms127 للمكتبة. ومنذ تلك السنة إلى الآن وأنا أزور الجمعية نحو ثلاثة ~~أو أربعة أيام كل أسبوع تقريبا. # ورأيت في اتصالي بالشبان فائدة كبيرة لي ولهم؛ فقد كانت مهمتي الأولى أن أوجههم إلى ~~القراءة وأعين لهم الكتب التي يستطيعون الانتفاع بها سواء أكانت عربية أم إنجليزية أم ~~فرنسية. وكنا نعقد اجتماعا كل يوم اثنين نتحدث فيه حديثا «عائليا» وكلنا قعود، بعضنا ~~يشرب الشاي أو يدخن على مقاعد مريحة. وكانت أحاديثنا تتناول بالطبع مشكلات الشباب سواء ~~أكانت ثقافية أم جنسية أم عائلية. ولذلك كان الاتجاه الجنسي يزداد بروزا في هذه الأحاديث. ~~ومن هنا الفائدة التي وجدتها لنفسي من هذه الأحاديث؛ فإن هؤلاء الشبان كانوا «المواد ~~الخامة» التي استطعت أن أدرس بها الطبيعة البشرية. # ذلك أن هؤلاء الشبان كانت تترجح أعمارهم بين الثامنة عشرة والخامسة والعشرين؛ ولذلك كانت ~~المشكلة الجنسية بارزة عندهم جميعا. وهذه المشكلة الأصلية تحرك مشكلات عائلية واقتصادية ~~واجتماعية أخرى. وكثيرا ما وجدت أن أحد الشبان كان مثقلا أو مرهفا بالعاطفة الجنسية التي ~~كان يتخلص منها بالعادة السرية. وكثيرا ما كنت أجد أن الخيبة في الامتحانات المدرسية تعود ~~إلى الانغماس في هذه العادة التي يزيد خطرها فداحة أن الجنسين لا يختلطان. فإن اعتزال كل ~~جنس للآخر يحمله على الاستسلام للخيال ثم يلتزم هذا الخيال حتى يعود وكأنه في «شيزوفرنيا» ~~أي هذا الجنون الذي يتسم بالاستسلام التام للخيال والانفصال التام من الواقع ومن ~~المجتمع. # وكثيرا ما فكرت في هذا الموضوع المعقد أي كيف يرفه الشاب الأعزب المرهق بالعاطفة ~~الجنسية عن نفسه في مجتمعنا المصري الانفصالي. وما زلت أذكر شابا كان حوالي العشرين جاء ~~إلي في ذل وصغار يلمح أحيانا ويصرح أحيانا بأنه لا يطيق حالته وأن يوشك على عمل خطير إن ~~لم يتخلص من العادة السرية. وكان قد أمعن فيها حتى صار يحلم أحلاما جنونية، وكان يبقى طوال ~~النهار التالي وهو مكتئب بسببها لأن هذه الأحلام كانت تبدو له حقيقية، وبكلمة أخرى شرع عقله ~~يختلط. # ورأيت أن أنصح له بالرقص مع إحدى ms128 الفتيات. ونفر هو من هذا الاقتراح، كما كان ينتظر؛ لأن ~~المستسلم لهذه العادة يؤثر الانفراد والخيال ويكره الاختلاط والواقع. ولكني بعد جهد استطعت ~~أن أقنعه بأن يحاول هذه التجربة؛ إذ لعلها تنجح. وكان له أصدقاء يرقصون فرافقهم، وبعد ~~المحاولات الأولى الفاشلة تم التعارف بينه وبين بضع فتيات وحذق بعض الرقصات وصار يزور ~~المراقص. # ورأيته بعد نحو شهرين فخلوت به وسألته عن حاله فأخبرني - وأنا في دهشة عظيمة - أنه منذ ~~تعلم الرقص كف عن العادة السرية. وكان تعليله عجيبا، فقد قال إن في الرقص من الشهامة ~~والذوق والجمال - وهي صفات تلازم الرقص - ما يناقض الذلة والصغار والحقارة التي في العادة ~~السرية. وتأملت الشاب وهو يصرح بهذه الكلمات فوجدت في وجهه وإيماءته مصداق ما يقول، فقد ذهب ~~عن وجهه التردد والخوف وازدان بجرأة وشهامة. # وكان في هذا الكلام نور لي. وبالطبع كانت الحالات تختلف. فهناك من كان ينجع فيه النصح ~~بالاهتمام بالكتب والثقافة. وهناك من كان يجد في النجاح المدرسي ما يشغله عن هذه العادة. ~~ولكن الرقص كان من أعظم الوسائل الشفائية وخاصة للحالات الخطيرة. # وهذه المشكلات اضطرتني إلى أن ألقي أحاديث عديدة للشبان عن السيكلوجية. وكتابي الأخير في ~~هذا الموضوع «عقلي وعقلك» قد ناقشت فصوله قبل كتابتها معهم في قاعة المكتبة. وكثير من ~~مؤلفاتي قد ألقيت فصولها أحاديث عائلية وطرحت للمناقشة مع الشبان، مثل «البلاغة العصرية ~~واللغة العربية» و«الشخصية الناجعة» و«التثقيف الذاتي أو كيف نربي أنفسنا» و«فن الحياة» ~~وهذه الكتب على ما يبدو من أسمائها تختلف في الموضوعات ولكنها تتفق في أن وجهتها جميعا ~~سيكلوجية. # وكثير من أفراد الجمهور يعتقد أن جمعية الشبان «المسيحية» خاصة بالمسيحيين، مع أن الحقيقة ~~أن بها نحو 300 أو 400 عضو مسلم وبها عدد كبير من اليهود. وقد حدث أن أحد الطلبة من الأزهر ~~جاءني في ذات يوم وطلب إلي أن أدله على المكان الذي يستطيع أن يشتري منه الكتاب الذي ~~ألفته أو طبعته الجمعية عن الإسلام. وكان يعتقد أن هذه الجمعية تبشيرية وأنها لا هدف ms129 لها ~~سوى التبشير بالمسيحية. فلما أخبرته أني لا أعرف هذا الكتاب وأن بالجمعية نحو 400 عضو مسلم ~~لا يعرفون أيضا دهش وتركني وهو لا يكاد يصدق. والتبشير هو أبعد الأهداف عن هذه الجمعية. ~~وفي 1937 ثم في 1938 كان للجمعية مصيف قرب العريش وكان المصطافون من الأعضاء المسلمين ~~والمسيحيين واليهود. وكانت العادة أن نبدأ الفطور بصلاة قصيرة يتناوب فيها مسلم بقرآنه أو ~~يهودي بتوراته أو مسيحي بإنجيله. # ومما تمتاز به هذه الجمعية أنها دائبة في التطور وهي تتكيف بالبيئة. ففي العالم نحو ~~مليوني شاب وفتاة في فروع هذه الجمعية. ولكن نظامها في الهند غير نظامها في مصر أو في ~~برازيل أو في الصين. وإليك بعض مراحل التطور في جمعية القاهرة: ~~(1) # حوالي 1926 أنشأت الجمعية قسما للصبيان الذي تترجح أعمارهم بين 10 و16 سنة. ~~ويرأس هذا القسم الأستاذ يعقوب فام الذي تعلم في جامعة ييل بالولايات المتحدة ~~قيادة الصبيان وإرشادهم وتكوين شخصياتهم وتقويم أخلاقهم. ولا يزال هذا القسم ~~يربي وينشئ الصبيان وهو مفخرة للجمعية. ~~(2) # حوالي 1933 أنشأت الجمعية نادي كوبري الليمون للصبيان المحرومين الذين ~~يجمعون من الأحياء الفقيرة ويعلمون كيف يقضون وقتهم في أعمال وألعاب ~~تعاونية اجتماعية تبعدهم عن التسكع في الشوارع. وهذا النادي هو أولى الحركات ~~الارتيادية لتعليم الصبيان الفقراء في مصر. ~~(3) # حوالي 1939 شرعت الجمعية تجيز التحاق الفتيات كي يختلطن بالشبان. وقد سارت ~~على حذر في هذا المشروع فكان الاختلاط يحدث أولا مع عائلة الفتاة حتى إذا ألفت ~~الفتاة هذا الاختلاط صار لها أن تحضر وحدها. وقد أدى هذا الاختلاط بين الشبان ~~والفتيات - تحت أعين المشرفين اليقظة - إلى مظهر جديد من الشخصية للفتيات وإلى ~~لباقة ورشاقة في الحديث والإيماءة بين الشبان. فإن من المناظر السارة أن نجد في ~~الحديقة جماعة من الشبان والآنسات، أكثرهم - بل ربما جميعهم - من الطلبة ~~والطالبات، يقعدون إلى المائدة يشربون الشاي ويتحدثون في أنسة وصراحة لم نكن ~~نحلم بمثلهما في شبابنا. ويرأس هذا القسم الأستاذ حنا فام الذي تعلم أيضا في ~~الولايات المتحدة ودرس هناك ms130 شئون «الواي» أي جمعية الشبان المسيحية. # وقد عاون قسم المكتبة في الجمعية على هذا الاختلاط بما أسماه «يوم العائلة» حيث يعقد ~~اجتماع مسائي يوما في الشهر من عائلات الأعضاء الذين يتناولون الشاي ويستمعون إلى حديث ~~قصير من إحدى السيدات أو الآنسات المشتغلات بالشئون الاجتماعية أو الثقافية. وفي خلال ~~الاجتماع تعزف الموسيقا أو تجرى ألعاب للتسلية. والفضل في ذلك للأستاذ غالي أمين الذي ~~تعزى إليه أفضال كثيرة أخرى في تنظيم المحاضرات والاجتماعات بالمكتبة. وهو الآن في ~~أمريكا. # وفي الحرب الكبرى الثانية نشط البوليس السياسي في القاهرة ومنعني من إلقاء محاضرات في ~~الجمعية إلا بعد أن تعرض على وزارة الداخلية التي توافق على إلقائها أو ترفضها. فكنت أكتب ~~المحاضرة - أو كما نسميها في الجمعية «الحديث» - ثم أرسل هذا إلى المحافظة فيبقى أحيانا ~~عشرين يوما قبل أن يرد إلي مع عبارات قد ضرب عليها حتى لا أقولها. ثم يحضر عضو من البويس ~~معه نسخة من الحديث. فأقرأ أنا الحديث أمام الأعضاء ويراجع هو علي حتى لا أخالف ما هو ~~مكتوب. وبعد نحو شهرين من هذه الحال رأيت أن الكف عن إلقاء الأحاديث أسلم، وكففت. وكتابي ~~«التثقيف الذاتي أو كيف نربي أنفسنا» قد روجع معظمه في وزارة الداخلية على هذا الأساس. فقد ~~كنت ألقيه أحاديث تقرأ وتراقب قبل الإلقاء ... # وقد تأسست «جمعية الشبان المسلمين» على غرار جمعية الشبان المسيحية. ولكن العضوية قصرت ~~فيها على المسلمين دون المسيحيين واليهود. وهذا عيب كبير لأن جمعيات الشبان المسيحية هي ~~منظمات عالمية يراد بها الإخاء البشري الذي يتجاوز الاختلافات المذهبية والدينية ~~والعنصرية. # وأحب أن أذكر شيئا عن سكرتيري هذه الجمعية في القاهرة. فقد مر ذكر الصديقين يعقوب فام ~~مدير قسم الصبيان وحنا فام مدير قسم الطلبة. وكلاهما - كما قلت - قد تعلم في الولايات ~~المتحدة على نفقة الجمعية تعليما اختصاصيا للعمل الذي يقوم به. وقسم الصبيان هو دار ~~الشفاء للصبيان الذين يبتئسون بالبيت أو يفسدون بالشارع، أو هو دار وقاية أكثر مما هو دار ~~شفاء. وقسم الطلبة من التجديدات ms131 الرائعة في الجمعية. والاتجاه نحو الاختلاط بين الجنسين في ~~هذا القسم قد أثمر خير الثمرات ولم يحدث قط ما يدعو إلى الأسف. # وهناك الأستاذ مراد عصفور مدير القسم الرياضي. وهو أيضا قد أرسلته الجمعية إلى الولايات ~~المتحدة كي يتعلم ويعود للقاهرة لإدارة الرياضة في الجمعية، وأخيرا هناك السكرتير العام ~~وهو الأستاذ نجيب قلادة. وهو شخصية محبية قد اندغمت حياته في الجمعية حتى لأظن أنه يحلم بها ~~في نومه. وهو رجل متبصر يحسب للمستقبل كثيرا ولا يتهور. # أما الشخصيات الأمريكية التي عرفتها بالجمعية فكثيرة، أقتصر منها على ذكر اثنتين فقط. ~~الأولى شخصية السكرتير العام للجمعيات في الشرق الأوسط وكان يدعى ولبر سمث. وكان أعرج قد ~~قطعت ساقه إلى الفخذ منذ الشباب لأن الدرن كان قد ضرب في عظامها. وكان مع عرجه يسوق ~~الأتومبيل ويلعب التنس ويخطف درجات السلم. وكان نشاطه عجيبا حتى بعد الثانية والستين. يقرأ ~~ويلعب ويختلط بالأعضاء. وكثيرا ما كنت أتعجب لوفرة ثقافته مع وفرة اهتماماته بشئون ~~الجمعية. وإني أذكر أني ناقشته أكثر من ساعة عن فولتير وقيمته في حركة التحرير والتنوير في ~~أوروبا. وكان يقتني الكتب وينفق عليها في سخاء. ولم تكن المناقشة معه محدودة أو مقيدة في ~~أي موضوع. وهذا هو روح النشاط في قاعة المكتبة على الدوام. وهذا هو بالطبع ما أدى إلى هواجس ~~وزارة الداخلية وتدخلها للرقابة أيام الحرب. # وهناك شخصية أخرى هي جيمس كواي. وهو أمريكي بقامته ووجهه وأخلاقه وميوله. فقد كان معنا ~~حين كنا نصطاف بالعريش، فكان ينزل البحر عريان كما ولدته أمه في حين كنا نحن نعجز عن ~~التخلص من رواسب الحجاب فكنا لا ننزل البحر إلا بعد أن نتخذ الكلسونات. ومما يدل القارئ ~~على أسلوب المعاملة الذي يتبعه هذا الأمريكي مع خادمه أنه - حين كان يمنح إجازته - وهي سنة ~~كاملة يقضيها في الولايات المتحدة إزاء كل أربع سنوات يقضيها في القاهرة، كان خادمه يقضي ~~هذه السنة بلا عمل ينتظر رجوعه. ومن الشعائر التي كان كواي يتبعها أيضا مع خادمه هذا أنه ms132 ~~كان يدعوه هو وعائلته - عائلة الخادم - إلى مائدته وتقوم المسز كواي بتهيئة الطعام وتقديمه ~~لهم باعتبارهم ضيوفا. وفي هذه المجاملة مغزى إخائي لا يستهان به. # وفي أثناء الحرب الكبرى الأخيرة تبرعت حكومة الولايات المتحدة بنحو ألف جنيه للمكتبة ~~لشراء كتب أمريكية. وقد انتفعنا كثيرا بهذه الهبة. # وأخيرا أقول إنه إذا كانت الجمعية قد انتفعت بي باعتباري مرشدا ثقافيا فإني أنا أيضا ~~قد انتفعت بها بالوقوف على اتجاهات الشبان ومشاكلهم. وعندما أذكر بعض هذه المشاكل وأنه كان ~~لي بعض الفضل في إزالتها يغمرني سرور عظيم. # وقبل نحو أربعين سنة كنا لا نعرف غير القهوة مكانا نقعد فيه ونفر من البيت إليه. وكانت ~~بيوتنا خالية من وسائل الراحة ولا نقول الرفاهية، سيئة الطراز في البناء سيئة الجوار سيئة ~~الأثاث. وقد تحسنت هذه الحال شيئا بين الطبقة المتوسطة ولكنها ازدادت سوءا بين الطبقات ~~الفقيرة. ومثل جمعيات الشبان المسيحية وأيضا نادي كوبري الليمون يعد ملاذا يلجأ إليه ~~الشاب أو الصبي ويتعود فيه المطالعة والمناقشة والحديث وألعاب التسلية النظيفة. بل يتعلم ~~فيه الاختلاط المهذب مع الجنس الآخر. وهذا ما لم نكن نحلم به في شبابنا. ولذلك نجد أن ~~للشاب الذي قضى سنتين أو ثلاثا في عضوية الجمعية سمات لا تخطأ. فهو لبق متحدث أنيس لا ~~يعرف القعود على القهوة، يدرس السياسة ويقتني الكتب، ولا يخجل ذلك الخجل المربك من الحديث ~~إلى الجنس الآخر. وكل هذه العادات قد تعودها من الجمعية. # | من الأفلام الماضية # نستطيع أن نجمع الضوء بالعدسة فتتلاقى أشعته المتفرقة في بؤرة هي أضوأ نورا وأكثف أشعة، ~~وليست هناك عدسة للزمن حتى تجمع فيها ساعاته ودقائقه في ثانية أو ثوان ... ولكن وجداننا يقوم ~~أحيانا في المآزق والضائقات مقام العدسة، بحيث نعيش في لحظة خاطفة سنين طويلة، كما يحدث ~~مثلا عندما توشك على الغرق ويغشانا الماء ونتعلق بين الحياة والموت. ففي هذه الحال ينبسط ~~أمامنا «فلم» من الذكريات التي مضت عليها السنين ... # كنت مرة على جزيرة وايت حوالي سنة 1908، في جنوب إنجلترا، وكنت أسير على ms133 شاطئ صخري هاو ~~يرتفع أكثر من مائة متر ... وبينا أنا في سيري أتأمل البحر إذا بقطيع من الغنم تتقدمها كباش ~~قد برزت قرونها في وحشية مروعة تتجه نحوي في هرولة طار لها عقلي فوثبت كي أتجنبها. ولكني ~~في وثبتي رأيتني على حافة الهاوية أكاد أسقط. وفي تلك اللحظة الحرجة رأيت فلما من أفلام ~~طفولتي يمر بذاكرتي في سرعة برقية. # فهنا مأزق من مآزق الحياة قل إن خلا أحد من تجربته أو ما يشبهه: خطر داهم يجمع ذكرياتنا ~~في بؤرة تسطع منيرة في وجداننا ... ولذلك نذكرها طيلة حياتنا. ولكن هناك تجارب أخرى يتكاثف ~~فيها الزمن وتتجمع في وجداننا. وهي أيضا نتيجة المأزق الحرج الذي لا يبلغ الموت ولكنه ~~يدانيه في عمق الإحساس وتنبه الوجدان. # وليس من الضروري أن يكون هناك خطر متوقع، ولكن لا بد أن يكون هناك ألم يحز كأنه الموت. ~~كنت ذات مرة في باريس أجلس على قهوة ومعي إخوان نتحدث عن السياسة. فتطور الحديث إلى نقاش ~~حام. فاحتد أحد الشبان الفرنسيين علي لأني خالفته وقال لي: «لا تناقش ... ليس لك هذا الحق. ~~الإنجليز أسيادكم!» # وتبالهت. وتضاحكت ... ولكني شعرت كأنما شربت سما، وأن أمعائي تتمزق. ونهضت وقصدت إلى ~~غرفتي، وانبطحت على السرير وأنا أبكي. وبعد ذلك لم أكن أصدم في أي مدينة في أوروبا بأي شخص ~~أقل مصادمة إلا ويهتف بي صوت داخلي: «الإنجليز أسيادكم!» فأذل وأتمزق. # وفي الحرب الكبرى الأولى كان شبابنا يؤخذون قسرا من القرى فيربطون بالحبال وينقلون ~~إلى فلسطين. وكان الكثيرون منهم يموتون أو يعودون وهم حطامات بشرية، قد فقدوا أنفع أعضائهم. ~~وذات يوم كنت على محطة الزقازيق فإذا بي أرى شابا لم يبلغ العشرين، وإلى جانبه شيخ هرم ~~كأنه أب أو عم لهذا الشاب. وكان الشيخ دائب الكلام في حرارة وعطف، حتى كاد رأسه يمس وجه ~~الشاب، فاقتربت منهما. ولكني فزعت من هول ما رأيت، وما زلت أفزع من هذه الذكرى ... فقد كان ~~الشاب فاقد البصر من غبار فلسطين وسينا، وعاد أعمى لا يرى نور ms134 النهار ... وكان الشيخ يواسيه ~~بكلمات كاذبة، والشاب ينصت في جمود وصمت كأنه لا يسمع. # وأحسست - وبيني وبينهما أقل من مترين - كأني مجرم، وكأني مسئول عن هذه الكارثة التي نزلت ~~بهذا الشاب. وجف حلقي وودت أن أقول للشيخ شيئا. ولكن جمود الشاب جمدني. وبقينا ثلاثتنا على ~~هذه الحال، إلى أن جاء القطار الذي حملهما إلى قريتهما ... # وقد مضى على هذه الحادثة نحو 28 سنة. ولكني عندما أخلو لنفسي، يعود «الفلم» فينبسط أمامي ~~وأستعيد كل كلمة وأرى كل حركة من حركات الشيخ المواسي والشاب الأعمى. ثم تتمزق أمعائي عندما ~~أفكر في دخوله قريته واستقبال أمه أو أخته له واستقباله لهم. # وكنت حوالي سنة 1917 في المنصورة. وسئمت من جلسة طالت على إحدى القهوات التي تشرف على ~~النيل، فنهضت عند الغروب وصرت أجول على غير هدى في الشوارع والأزقة. فلما عتم المساء ~~أخذت طريقي إلى القهوة ... # فبينا أنا أسير الهوينا إذا بي أسمع صوتا خافتا ظننت أنه يصدر من أحد المنازل، ولكن ~~الصوت كان مع خفوته قريبا. فتلفت حولي فرأيت شيئا ضئيل الجسم حسبته كلبا أو قطا. ~~فاقتربت منه فسمعت صوتا يقول في خلط واضطراب: «ملوخية ... ملوخية باللحمة ... عيش وملوخية ... ~~بدي آكل ... أنا جعانة: عيش وملوخية ...» # ودنوت من هذه الأشلاء المكومة الملفوفة في الخرق. فوجدتها امرأة قد اسحتالت من الفاقة ~~والبؤس إلى حطام لا يعقل. ووقفت إلى جانبها أسمع أنين الجوع وبكاء المعدة ... ثم قصدت من ~~فوري إلى مطعم فاشتريت لها طلبتها وعدت مع صبي المطعم إليها، وأخذنا نحن الاثنين نعرض عليها ~~ما أحضرناه من الملوخية واللحم، وأكلت المسكينة في ضعف وارتباك ... ولكنها لم تأت على ربع ~~الرغيف، وظني أنها كانت في أيامها الأخيرة ... # وكلما جاءت العتمة عقب الغروب وضاقت نفسي لسبب ما عادت هذه الذكرى تضيء في مخيلتي فأتنهد ~~أسفا على ذلك الحطام البشري الذي ظننته أول الأمر كلبا أو قطا. # وفي صرخة الموت عذوبة تفتن النفس، وفي الموت نفسه فتنة كأنها صحوة الوجدان، حتى لنحس أن ~~يقظتنا إنما هي حلم نصحو ms135 منه عندما نقف إزاء من نحب وهو في النزع الأخير. # وقفت إلى جانبها - وهي أختي - وكانت في عذاب الذبحة الصدرية تصرخ صرخات الموت. ولم أكن ~~مخدوعا أو واهما في المصير المحتوم الوشيك! وعاد «الفلم» ينبسط أمامي مبتدئا بما حدث منذ ~~أكثر من 50 سنة، وأخذت صوره تتعاقب الواحدة بعد الأخرى في لحظات خاطفة، وفي نصوع ووضوح، حتى ~~كأني أسمع كلماتها وهي تشتري لي الحلوى، وتغسل لي وجهي أيام الطفولة ... ثم أنتبه من هذه ~~الذكريات إلى صرختها العذبة الأليمة. وكانت في عذوبتها تجعلني أنتفض كأني في لذلة أليمة، أو ~~كأني في طرب حزين ثم جاءت النهاية وساد السكون ... # وخرجت وإذا بي أنظر إلى السماء فلم أترك سحابة إلا وأنا أتأملها كأنها شأن خطير يجب ألا ~~أنسى شيئا من تفاصيله. أو كأني أقرأ حروفها الفضية وأطلع من ورائها على سر خطير. فلما ~~انطبعت هذه السحب في نفسي، نظرت إلى الأرض. ولكني عدت في لهفة أنظر إلى هذه السحب كأن شيئا ~~يوشك أن يفلت مني. ثم ترن فجأة تلك الصرخات العذبة الأليمة فأرتاح إليها وأسكن وأستكين ~~... # وهذه الذكريات، أو هذه «الأفلام» على إيلامها، هي الحياة. هي كنز يجمع المر والحلو واللذة ~~والألم. وحياة تخلو منها هي الحياة تخلو من كنوزها ... وحين أعود إلى اللحظات الخاطفة التي ~~تجمع فيها الإحساس والوجدان، أحس حنانا لذيذا جارفا، يبدأ حرقة والتهابا ثم يتميع ~~خيالا ينساب هنا وهناك في أفكار وخواطر شتى عن الموت، وعن الدنيا، وعن المصير، وعن الحاضر ~~والمستقبل ، بل وعن العلم والأدب والفلسفة والسياسة ... فتتغير القيم والأوزان، فأرفع من بعضها ~~وأبخس من بعضها الآخر، وعندئذ أحس أن هذه المآزق، وهذه الكوارث، هي المجال الذي أتغير فيه ~~وأتطور. وأن هذه الكوارث، إنما هي حوافز تنبه الوجدان وتبدل الذهول بالإحساس الملتهب، ~~والتفكير المركز ... حتى إني لا أحسد أولئك الذين حرموا من هذه الكوارث فتبلدوا وتجمدوا ~~وعاشوا كما لو كانوا سمكا لا يحزنون ولا يلتهبون ... أجل! لم يعرفوا طرب الحزن الذي يسمو في ~~لذته وتأثيره على طرب الفرح، ms136 ولم يصدموا بتلك الصدمات المنبهة التي توقفهم في الطريق حتى ~~يتأملوا ما قطعوا منه في الماضي وما سوف يقطعون في المستقبل، أجل! لم يجمعوا الزمن في بؤرة ~~إنسانية تتكاثف فيها الأشعة فيزداد ضوء الوجدان. # | بعض الأدباء الذين عرفتهم # عرفت جرجي زيدان مؤسس «الهلال» قبل أن يموت بسنتين أو ثلاث، بل عرفته منذ 1909 حين كنت ~~بإنجلترا، وكنت قد ألفت رسالة «مقدمة السبرمان» وبعثت بها إلى مطبعة الهلال كي تطبع، ~~فأحالتها المطبعه إليه ليقرأها. وبعث هو إلي بخطاب مسهب يشرح لي فيه وجوه النقد التي ~~يأخذها على الرسالة، ويقترح حذف بعض الفصول والسطور مما عده مخالفا للعقيدة العامة. ~~وأذكر من خطابه هذا قوله: «إنه لا بأس بأن ننتقد المسيحية؛ لأن المسيحيين قد ألفوا نقد ~~ديانتهم، أما المسلمون فيجب أن نتوقاهم؛ لأنهم لم يألفوا النقد.» وقد خرجت هذه الرسالة ~~مشوهة مبتورة لكثرة ما حذف منها. # ولما عدت إلى مصر زرته واتصلت معرفتي به إلى وفاته، وكنت بين مشيعيه إلى قبره. وكان جرجي ~~زيدان عصاميا في ثقافته وثروته، وهو أول من أرصد حياته في عصرنا لدراسة التاريخ الإسلامي، ~~وألف في ذلك قصصه الكثيرة كما ألف تاريخ التمدن الإسلامي. وهذه الكتب تعد من الطلائع ~~لهذه الدراسات التي استفاضت في العشرين أو الثلاثين سنة الأخيرة. ولم يكن لجرجي زيدان أي ~~اتجاه علمي، حتى لقد كتبت ذات مرة أعزو الحجاب عند العرب إلى أسباب بيولوجية هي أن البنات ~~في الأقطار الحارة يبلغن سن النضج الجنسي في الحادية عشرة أو حوالي ذلك أي قبل اكتمال سن ~~النضج الذهني. ولذلك لم تكن لهن من عقولهن رقابة على غريزتهن الجنسية أو ضبط لها، وأن هذا ~~هو السبب للحجاب بين العرب. فتعجب لهذا التعليل وقال لي إن «الأسلوب يعجبني»، ولكن الحقاق ~~تكذبه. وكانت هذه «الحقائق» عنده تاريخية. وأنا الآن أعرف أني كنت مخطئا في هذا التعليل ~~البيولوجي؛ إذ ليس هناك أي فرق في سن النضج الجنسي بين أبناء المناطق الحارة والمناطق ~~الباردة، والتعليل الصحيح للحجاب اجتماعي. # وكان جرجي زيدان انبساطيا ms137 بدينا بشوشا كثير الأصدقاء. ومات عقب انتهائه من أحد ~~مؤلفاته. فما هو أن أتم الصفحة الأخيرة حتى وضع القلم وانسطح، فانفجر شريان أحدث له ~~«النقطة». وفي اليوم التالي شيعناه إلى الجبانة، وكان هناك عدد غير صغير من الأدباء الذين ~~استعدوا لتأبينه. ووضع النعش وكشف عن الوجه ونهض أحد المؤبنين. ولكن ما إن شرع في ~~إلقاء كلماته حتى صاح شقيق للمتوفى يقول: إنه رأى شقيقه يرمش وإنه لا يزال حيا. وكانت ~~المسألة لا تزيد على أن عاطفته قد تغلبت على عقله. ولكن كانت النتيجة أن المشيعين عادوا ولم ~~يسمعوا تأبينا، وترك حارس للجثة إلى الصباح ... # ومؤلفات جرجي زيدان لا تزال حية وهي أقرب إلى التلخيص منها إلى الإسهاب؛ لأنه عالج ~~موضوعات لم يعالجها أحد من قبل. فكان يستوعب أكثر ما يستطيع فيضطر إلى الاقتضاب. ولما ~~أنشئت الجامعة المصرية كلف إلقاء محاضرات عن التاريخ الإسلامي. ثم عادت إدارة الجامعة ~~فألغت هذا التكليف بدعوى أنه مسيحي. وقد تركت هذه الحادثة في نفسه مرارة؛ فكان لا يفتأ ~~يذكرها في حزن وألم. # وكان فرح أنطون يصدر «الجامعة»، وكان من وقت لآخر ينتقد «الهلال». وكانت مجلة «الهلال» ~~شرقية ومجلة «الجامعة» غربية، فلم يكن هناك نقطة للتعارف أو التصادق بين صاحبهما. واتصلت ~~صداقتي بفرح حين شاركته في تحرير «اللواء» لفترة قصيرة حوالي 1909. وكنا نقضي السهرة في ~~إحدى القهوات المطلة على ميدان الأوبرا أو ما يقاربها. وكان فرح «مفكرا حرا» بالمعنى ~~الفرنسي لهذه العبارة. وكان يعرف نيتشه وروسو. وقد اندمج بعد ذلك في الحركة الوطنية ~~المصرية. وكان حلبي الأصل؛ ولذلك شق عليه اتخاذ اللهجة المصرية العامية. وكان انبساطيا ~~مفراحا يشرب الخمر، بل كان يشرب الأبسنت، وهو مشروب منع بيعه بعد ذلك لفتكه ~~بالصحة. # وقد ترك كل من جرجي زيدان وفرح أنطون أثره في النهضة المصرية. فإن الأول فتح أبواب ~~الدراسة لتاريخ الإسلام والعرب وآدابهم وعقائدهم وحضارتهم، كما فتح الثاني أبواب الدراسة ~~للنهضة الأوروبية. ومات الأول حوالي الخمسين، ومات الثاني حوالي الأربعين. # وفي تلك السنوات عرفت يعقوب صروف محرر ms138 «المقتطف»، وكان قد جاوز الستين. وأذكر أنه لأول ~~مقابلة لي شرع يسألني عن أصلي هل أنا مصري قح أم بي عرق أجنبي؟ وكان قد قرأ رسالتي «مقدمة ~~السبرمان». وبعد حديث طال في العلوم عاد فجزم بأني أجنبي، وأن تفكيري يدل على هذا! وكانت ~~نزعته العلمية قد طغت عليه، فلم يكن يحسن التقدير للأدب أو الفلسفة. ودار بيني وبينه نقاش ~~ذات مرة عن هربرت سبنسر وشوبنهور، فأبرزت أنا القيمة العظمى للفيلسوف الألماني الذي نظر ~~النظرة الكونية الشاملة، أما هو فكان يرى أن سبنسر أعظم المفكرين في العالم، وأن شوبنهور لا ~~قيمة له بتاتا إلا في «ملاطفات» أدبية أو مجازفات فلسفية. وكان «المقتطف» في أيامه من ~~المجلات القوية التي وجهت القراء العرب الوجهة العلمية وأنارت بصيرتهم. ولم يكن جافا في ~~إيراده للبحوث العلمية، كما أنه كان من وقت لآخر يترجم إلى العربية مقالات جدية من المجلات ~~الأوروبية. # وفي إدارة المقطف وجدت أمين المعلوف، وكان لغويا علمي الذهن. وقد وضع معجما بعد ذلك ~~للحيوان لا يزال أحسن ما يعتمد عليه في هذا الموضوع. واتصلت بيني وبين أمين المعلوف صداقة ~~إلى وفاته. وكان يكثر من الشراب. وقبيل وفاته بعامين أو ثلاثة أصيب ببحة كانت تجعل الحديث ~~معه شاقا، ولكنه احتفظ ببشاشته وذكائه. وقد عاش أمين المعلوف ملء حياته. فاشتغل في ~~السودان ووصل إلى أقاصيه العليا حيث أفريقيا السوداء، كما اشتغل في مصر والعراق. وهو - مثل ~~فرح أنطون - لم يتزوج. # ويجب أن أذكر هنا أن جميع هؤلاء الأربعة كانوا سوريين، أو - كما نقول الآن بعد التجزئة ~~التي أعقبت انهيار الدولة العثمانية - لبنانيين. وكانوا جميعهم كارهين للحكم العثماني لا ~~يطيقون ذكره. وكان إذا شرع أحدهم في الحديث عنه لم يتمالك من الغيظ. ولم يكن وجدانهم ~~وطنيا؛ لأن رؤيا الاستقلال للعرب لم تكن قد تجسمت. وكان اليأس أغلب عليهم. وحتى بعد ~~انهيار الدولة العثمانية عقب الحرب الكبرى الأولى، بقوا على شك من حقيقة الاستقلال المزعوم ~~لهذه الدول العربية. وأظن أنهم كانوا على حق في هذا. # ومن الشخصيات ms139 الفذة التي عرفتها قبل الحرب الكبرى الأولى شخصية الأديبة الكبيرة مي. وقد ~~بقينا صديقين إلى يوم وفاتها عقب عودتها من مستشفى الأمراض العقلية في لبنان. ولم تكن مي ~~جميلة ولكنها كانت «حلوة». وكانت تعرف الآداب الإنجليزية والفرنسية، وتقرأ كثيرا وتقف على ~~الاتجاهات العصرية في أوروبا وأمريكا والشرق. وكانت أيضا متمدنة من حيث اكتمال وسائل ~~التمدن في المعيشة. وكان تمدنها وثقافتها يكسوان وجهها وتعبيرها ظرفا ورقة. وقد ~~استطاعت مي أن تجعل احتراف الأدب عند الفتاة المصرية والسورية زينة أنثوية لا استرجالا ~~كريها. وكانت - في حياة أبويها - تعقد بمنزلها اجتماعات «صالونية» حيث يكون السياسي ~~والأديب والوجيه بعض ضيوفها. وكانت تشترك في جميع المناقشات بل كانت أحيانا تديرها. وقد ~~تنبه ذكاؤها كثيرا لاختلاطها بهؤلاء الضيوف. ولم يكن هناك موضوع تعجز عن الاشتراك في ~~معالجته. وتفعل كل ذلك في رقة وجمال وتمدن. ومات أبوها فلم يتأثر «الصالون»، ولكن عقب ~~وفاة والدتها تزعزعت مي. ولم يكن ذلك - في ظني - لحزنها على والدتها التي ماتت بعد أن ~~أسنت وبعد أن كان موتها منتظرا. وإن كانت الفرقة بين الأم وابنتها قد تركت أثرها، وخاصة ~~عندما نعرف أن مي لم تتزوج، وأن رفقتها لأمها كانت تعزيها. وليس من السهل على فتاة أن تجد ~~نفسها يوما ما وهي منفردة مقطوعة في منزلها، وخاصة في وسط - مهما قلنا إنه متمدن - لا يزال ~~شرقيا. # على أني أظن أن السبب للتزعزع النفسي الذي أصاب مي كان انتقالها الفسيولوجي من الشباب إلى ~~الكهولة. وهذا الانتقال كثيرا ما يخل بالاتزان الفسيولوجي عند بعض النسوة، وقد ماتت مي ~~منذ أكثر من سنتين بعد سنوات قضتها في مستشفى الأمراض العقلية في لبنان. ولما عادت زرتها مع ~~صديقي الأستاذ أسعد حسني، وفتحت هي لنا الباب. فرأيت شخصا لا أعرفه، رأيت سيدة بيضاء الشعر ~~كأنها في السبعين. فسدرت عيني، فغمزني أسعد وهمس: الآنسة مي! الآنسة مي! فسلمت وتضاحكت. ~~ولكنها هي أدركت كل شيء واستولى علي اكتئاب وخجل وجمود وارتسمت في ذهني صورة لعذاب النفس ~~الذي لقيته هذه المسكينة ms140 في مرضها. ولكن سرعان ما زال عني الاكتئاب والخجل والجمود؛ إذ ~~شملني أسف. فإن مي قعدت إلينا وشرعت تقص علينا ما قاسته في المستشفى وكيف ألبسوها «الجاكتة» ~~التي تمنع العربدة عند المجانين، وكيف أضربت هي عن الطعام، ثم - وهنا الأسف والحزن - كانت ~~وهي تروي لنا ما وقع لها وكيف أن أدباء مصر نسوها وتركوها ولم يسألوا عنها، كانت تضحك مرة ~~وتبكي أخرى، وتكرر هذا منها كثيرا. وأدركت أنها لا تزال في حاجة إلى المستشفى. # وزاد اعتقادي هذا عندما أصرت على أنه كان لها أقرباء ينوون خطفها من القاهرة، وكانت تذكر ~~أسماءهم وأنهم كانوا يتربصون بها في مكان تعينه، وكانت هي مضطرة إلى المرور بهذا ~~المكان. # وخرجنا نحن الاثنين ونحن في أسف وغم لهذه الحال التي كانت عليها مي. ولكن أسفي أنا كان ~~مزدوجا؛ فإني بقيت طوال المساء وأنا أفكر في جمودي وكيف أني لم أتنبه عندما رأيتها ~~بالباب فأحييها تحية اشتياق وتقدير وأنها لا بد قد عرفت من جمودي أنها قد تغيرت، وأن جمالها ~~وحلاوتها وظرفها ورقتها قد زالت. وملأتني هذه الخواطر مرارة بل كراهة لنفسي. # فلما كان اليوم التالي قصدت إلى منزلها وأنا طوال الطريق أستعد للقاء أرجو أن أقشع به ~~غمامة الأمس. وهو مع ذلك لقاء لفتاة مريضة مزعزعة. فلما فتحت لي الباب عانقتها في حنان صادق ~~وحب مصطنع. # وتراجعت هي وتأملت وجهي في ابتسام وانشراح واضحين وهي تقول: «مرسي، مرسي يا ~~أستاذ!» # وشعرت أني كفرت عن جمودي بالأمس. وقعدت معها وأنا أتحدث في نشاط ومرح. ولكنها عادت إلى ~~البكاء والضحك. فكانت دموعها تنهمر بالبكاء ثم بعد لحظات تتشنج بالضحك. وبعد أسابيع ماتت؛ ~~إذ لم تطق هذه الدنيا التي رافقتها أكثر من ثلاثين سنة وهي تتلألأ فيها بالشباب والجمال، ثم ~~عادت فتركتها منفردة في شيخوختها بلا جمال وبلا تلألؤ. # ومخلفات مي الأدبية كثيرة، ولكنها كانت في حديثها أبرع وأذكى مما كانت في جميع ما كتبت. ~~وكنت أقول لها إن السبب لتفوق حديثها على مقالاتها ومؤلفاتها أنها شرقية تخاف ms141 في الكتابة أن ~~تبوح بكل ما تفكر فيه ولكن هذا الخوف يزول عنها في الحديث. وقد صدمتني ذات مرة بملحوظة ~~جعلتني أفكر، هي قولها: «إن مبالغتك في التفاؤل هي في صميمها وأصلها مبالغة في التشاؤم.» ~~وأحيانا أظن أنها كانت صادقة، كما أنها هي أيضا كانت مثلي متفائلة ذلك التفاؤل الذي يخفي ~~التشاؤم ويضمره. # وقد يسأل القارئ هنا: لم لم تتزوج مي مع جمالها وثقافتها؟ فالجواب أنها كانت تعيش في ~~وسط شرقي. ولو كانت مي قد نشأت في برلين أو باريس أو لندن لوجدت الكثيرين ممن ينشدون الشرف ~~والسعادة بالزواج منها، والفخر والمجد بالتصاق تاريخهم بتاريخها. ولكن إخواننا اللبنانيين - ~~على الرغم من عصريتهم - لا يزالون شرقيين، ولم يستطيعوا أن يسيغوا زوجة تستقبل ضيوفها في ~~صالون أدبي له حرية الصالونات الأوروبية في المناقشة والاختلاط. وبكلمة أخرى أقول: إن مي ~~عاشت عمرها قبل ميعادها بخمسين سنة. # وقبل الحرب الكبرى الأولى عرفت عبد الرحمن البرقوقي صاحب مجلة «البيان». وكانت هذه المجلة ~~الشهرية تحاول أن تحيي الأسلوب العربي القديم على نحو ما فعلت جريدة «مصباح الشرق» للمويلحي ~~أو كما تفعل الآن «مجلة الرسالة». وكان البرقوقي نقيضي في أهدافه الأدبية؛ فقد كان يجد ~~لذة عجيبة في التعبير عن معنى ما بكلمة مماتة. ويقول إننا يجب أن نحيي هذه الكلمة. ~~ولم يكن يجدي احتجاجي عليه بأن الكلمة إنما أميتت لأسباب قوية استدعت موتها، وأن إحياءها ~~الأن خطأ؛ لأن مركزها الاجتماعي قد انعدم. وكان صهره مصطفى صادق الرافعي أكثر إمعانا منه ~~في خطة الإحياء للكلمات المماتة. وعرفت محمد السباعي وكان الكاتب الأول في مجلة «البيان». ~~أما الكاتب الثاني فكان عباس حافظ. وكلاهما كان يعنى أكبر العناية بالأسلوب العربي ~~القديم. ولم يكن بمجلة «البيان» لا كثير ولا قليل من الفن الصحفي، ولذلك لم تعش ~~طويلا. # وكان عبد الرحمن البرقوقي من أطيب الناس. وكان غربي الذهن قضت المصادفات بأن يكون شرقي ~~التربية والثقافة. وكنا أحيانا نمشي في الإسكندرية فيأخذ في المقارنة بين الشوارع التي ~~أقيمت إليها مساكن الأجانب وبين تلك ms142 الأخرى التي أقيمت إليها مساكن المصريين. ~~ويستنتج من هذه المقارنة ما يحمله على القول بأن الشرق كله مفلس. وقد عرف الشيخ محمد عبده ~~وأدرك المغزى في اتجاهاته وإصلاحاته. # وإذا كان حقا أن الخمر تكشف عن خبايا الصدور، وتفكك الضوابط التي تحول دون الصراحة، ~~فإني أروي الحادث التالي الذي يدل على النفس الزكية التي كان يتسم بها البرقوقي، فقد كنا ~~على قهوة في الإسكندرية حوالي 1914، وقد قعدنا إلى الموائد الخارجية والنسيم يهب علينا كأنه ~~البلسم في رقته ورخامته، وأمامنا أكواب من البيرة - أو غيرها - نشربها في اشتهاء ولذة. ثم ~~طلبنا رطلين من الكباب، فجاء بهما الخادم وبخار الكباب يتصاعد ورائحة الشواء تسكر. وما إن ~~شرعنا نتنقل على هذا الطبق حتى طرأ علينا متسول. وكان غاية في الرثاثة والجوع والعفن. ~~فطلب إحسانا، فتأمله البرقوقي ثم نظر إلي كأنه يستفهم. ثم دفع الطبق إلى طرف المائدة ~~وقال للرجل: كل. فأكل الطبق كله برطليه من الكباب وهو واقف. # وكان البرقوقي يسكن - هو ومجلته - بالقرب من باب الخلق، وكانت «الجريدة» قريبة منه. وقد ~~دعوته قبيل الحرب الكبرى الأولى إلى أن نزور معا لطفي السيد (باشا) رئيس تحريرها. ولم أكن ~~أعرفه قبل ذلك إلا من مقالاته مع إعجابي العظيم بها. فلما دخلنا عليه وجدت غرفته كأنها غرفة ~~وزير في سعتها وأثاثها. وتحدثنا عن نيتشه والتصوف. ولا أدري إلى الآن كيف جمع بينهما لطفي ~~السيد. ولكني خرجت من هذه المقابلة الأولى وفي اعتقادي أن لطفي السيد أديب كما هو ~~فيلسوف. # وحوالي تلك السنين، أو قبل ذلك بقليل، بزغ طه حسين، وكان أزهريا معمما، يكره الأزهر، ~~ويعربد على صفحات «الجريدة». والتحق بالجامعة المصرية ونال دكتورية الأدب. وكان الفرح ~~عاما بين الشباب الجديد لهذا الأزهري الناجح. وكنت أصدر مجلة «المستقبل» الأسبوعية في ~~الدعوة إلى القرن العشرين وما بعده. فنشرت صورته وهو بالجبة والقفطان. وراج العدد بين ~~القراء الذين رغبوا في اقتناء الصورة، وكان لنجاح طه حسين قيمة رمزية هي أن مصر العتيقة ~~تستطيع أن تتجدد. وقد وجد طه حسين ms143 من لطفي السيد المراعاة بل أحيانا المحاباة، حتى كانت ~~مقالاته تتحيز المكان الأول في «الجريدة» على الدوام. والواقع أن انتقال طه حسين من الأزهر ~~إلى الجامعة المصرية ثم إلى السوربون - مع أنه ضرير - هو معجزة. ولكن ثم معجزة أخرى هي ~~أنه اتخذ مكانا أماميا ثوريا مستقبليا في الأدب. مع أن الإنسان كان يتوقع - بعد ~~اعتبار ماضيه - أن يتخذ مكانا تقليديا حيث يراعى «قواعد النحو والصرف» في الأدب ~~والاجتماع والسياسة. وقد يقال إن المعري قد أثر فيه وبعث في نفسه كراهة لقواعد «النحو ~~والصرف» في أسلوب الحياة. ولكن يبقى عندئذ سؤال هو: لماذا اختار طه حسين المعري كي يكتب ~~عنه ويسهب في الكشف عن عقله وقلبه؟ ولا عبرة بأن يقال إن الاشتراك في العاهة باعث مقنع ~~للقوة الجذبية التي وجدها طه حسين في المعري. لأن هناك أدباء وشعراء كثيرين بهم هذه العاهة ~~ولكنهم لم يجذبوه. وظني أن عاهة العمى لم يكن لها إلا أقل الأثر في التفات الأديب المصري ~~إلى أديب المعرة. وإنما الأثر الأكبر أنهما يشتركان في الثورة، وخاصة الثورة على المشايخ. ~~فقد رأى طه حسين في الأزهر ما بعث سخطه وحركه إلى الكفاح، ثم رأى عند المعري مثل هذا ~~السخط ومثل هذا الكفاح. فارتبطت بين الأديبين أواصر الحب والفهم وتعارفا وتفاهما. وقد ~~انتقلت عند طه حسين بعد ذلك بؤرة المعركة من ميدان الأزهر إلى ميدان السياسة المصرية. ولكن ~~اتجاهه الأول لم ينحرف. # وهناك من يزعم أن السياسة قد أفسدت أدباءنا وشغلتهم عن مهمتهم الأصلية. وهذه المهمة إنما ~~هي عند هؤلاء الزاعمين أدب البرج العاجي الذي لا يتصل بالمشكلات العصرية. ولكنهم مخطئون؛ ~~لأن الأديب في عصرنا يخون عصره إذا لم يكن سياسيا. وأعني بالطبع السياسة العليا العالمية ~~والقطرية ولا أعني أن يستأجر أحد الأحزاب كاتبا فيرصد هذا قلمه للدفاع عنه ظالما أو ~~مظلوما في مهاترات مزرية. ونحن نعيش في عصر انفجاري يحفل بالانقلابات الاجتماعية والأدبية ~~والعلمية. وذلك الأديب الذاهل الذي يعيش في البرج العاجي إنما يبتعد عن أهم الشئون البشرية ms144 ~~حين يبتعد عن السياسة. وكل أديب له وجدان بتطور العالم في عصرنا يحس أن واجبه الأول أن يكون ~~هو نفسه عنصرا من عناصر هذا التطور؛ ولذلك يستحيل أدبه إلى أدب كفاحي سياسي. # ولذلك لا يستحق أدباؤنا اللوم على أنهم أخضعوا أدبهم للسياسة، بل الحق أنهم يستحقون ~~الثناء والحمد. وحين أتأمل الصدود الذي نلاقيه أحيانا في بعض الأفراد أو عند الجميع عن ~~شوقي - على الرغم من شاعريته الرائعة - أعتقد أن مرجعه أن شوقي لم يمارس الأدب الكفاحي. ولم ~~يطابق بين فنه وبين أماني الشعب إلا في فترات نادرة. وأن إعجاب الشعب بحافظ إبراهيم - على ~~الرغم من شاعريته التي لا تسمو إلى مستوى شوقي - إنما يرجع إلى أنه طابق بين فنه وبين ~~أمانينا السياسية. وحتى في المستقبل، بعد مائة سنة مثلا، سوف يدرس حافظ ويستدل بشعره على ~~عواطف الأمة المصرية واتجاهاتها ومستواها الفني أكثر مما يدرس شوقي الذي عاش زمنا غير ~~قصير من حياته في البرج العاجي. # ولم أعرف شوقي إلا في السنوات الأخيرة من حياته. وكان له مكتب بالقرب من دار الكاتب ~~المصري كنت أزوره فيه. وقد فهمت مقدارا كبيرا من سيكلوجيته حين شرع ذات مرة يوضح لي في ~~إسهاب لماذا ألف درامة «كيلوبطرة». فقد زعم أنه أراد أن يزكي هذه المرأة باعتبارها ملكة ~~مصرية قد أسيء إليها في سمعتها. ودهش أكبر الدهشة مني عندما ناقضته وقلت إنها لم تكن مصرية. ~~وكان في ثقافته يصبو إلى كل قديم، حتى إنه لم يدرك شيئا من التيارات الكاسحة التي اتسم بها ~~الثلث الأول للقرن العشرين. وقد ولد شوقي في أواخر القرن التاسع عشر في مصر، في بيئة ~~الباشوات والبكوات التي كانت تكره عرابي، ولم يقطع الحبل السري الذي كان يربطه بالقرن ~~التاسع عشر إلى يوم وفاته. # أما حافظ إبراهيم فكان من الجواهر التي لا تزال تلمع وتسطع في ذكريات جميع الذين عرفوه. ~~وكان يمتاز أو يتسم بوجه كالح متجهم يصدم بل يخيف لأول نظرة، حتى إذا قضى معه الإنسان نصف ~~ساعة ود لو ms145 ينهض ليقبله ويعانقه. فقد كان أنيسا يحدثك بنكات، بالمعنى العربي القديم ~~لهذه الكلمة. وكان وطنيا يطابق بين أمانيه وأماني الدهماء من الفلاحين والعمال ~~والمتوسطين. وأذكر من نكاته أني سألته ذات مرة عن رأيه في أحد الشعراء، فكانت إجابته ~~العجيبة: «إن أشعاره يجب أن تنسى عن ظهر قلب.» وهو عندي ذكرى تترنم بها نفسي. # وليس هناك مفر من المقارنة بين شوقي وحافظ ومطران؛ فإن دراسة هؤلاء الثلاثة تدل على ~~التيارات المتناسقة والمتناقضة في المجتمع المصري في الخمسين من السنين الأخيرة. فإننا ~~نحس أحيانا في قصائد شوقي ومقطوعاته جو الترف المصري الذي أوشك على الزوال: ~~السجاجيد الإيرانية، وصينية القهوة الفاخرة يحملها عبد أسود، والمقاعد الناعمة والحجاب، ~~حجاب المادة والروح. أما أشعار حافظ فصرخات المتألم، وأحيانا مهاترات العاجز. ونحن نقرؤها ~~فنصرخ معه أو نهاتر في ألم وعجز؛ لأنه منا ونحن منه. شاعر مصري بلدي يقرأ أخبار المظاهرات ~~ويفرح بها، ويؤلف القصائد عنها وكأنه يريد أن ينتظم فيها مع الطلبة. أما مطران فيشبه ~~أحيانا تلك الحدائق الأنيقة التي يجمع فيها أصحابها الأثرياء أصص النباتات الأجنبية التي ~~نسأل عن أسمائها ونعجب بروائها، ولكن ليس لها في قلوبنا ذلك الحنين الذي نحسه حين نذكر ~~حقولنا المألوفة بفلاحيها وجداولها وأشجارها من الجميز والتوت. # ومن الشخصيات الذهبية التي تبرز في وجداني وأفتأ أذكرها كلما عن حديث عن الأدب أو ~~القلم أو الشرق أو الحضارة، شخصية شبلي شميل. وكان رجلا قصيرا متكتل الجسم كأنه مصارع، ~~عرفته في 1912 وبقينا على اتصال بل تحاب إلى وفاته في أواخر الحرب الكبرى الأولى. وكان ~~في تلك السنوات يقارب السبعين ولكنه كان على صحة وشباب نادرين، وكان روحه الكفاحي للغيبيات ~~يسم - وقد يقول غيري: يصم - كل كتاباته. ذلك أنه كان يدعو إلى الحرية الفكرية في ~~كلمات جريئة وأحيانا في وقاحة جريئة، كما كان يدعو إلى نظرية «النشوء والارتقاء» أي ~~التطور. وقد نقل إلى لغتنا كتاب بوخنر في هذا الموضوع. وكان يسخر من الغيبيات في كلمات لا ~~يجرؤ غيره على استعمالها. ولما أصدرت مجلة ms146 «المستقبل» في 1914 أيدني وكان يكتب فيها ~~بتوقيعه أو بلا توقيع، وقد كتب فيها قصيدة «فلسفية» لم أفهم غايته منها، وإلى الآن لا ~~أفهمها. # وكان شبلي شميل مفكرا أكثر مما كان عالما. وكان يقنع القارئ بعقله وليس بمعارفه. ~~ولذلك عندما نقرأ مخلفاته الآن نجد التفكير الرصين والأسلوب الرصين. وكان كثير من ~~المعجبين به يستهويهم أسلوبه، وكان هو يرد على ذلك بأن رصانة الأسلوب هي ثمرة الرصانة في ~~التفكير. وهذا حق. ولكني مع ذلك كنت عند زيارتي له في منزله أجد التوراة أمامه وأجد آثار ~~التنقيب فيها. وكنت حين أداعبه بأن مكافحته للغيبيات لا تتفق وهذا الغرام بالتوراة كان يجيب ~~بأنه يحب بلاغة التوراة وأن اهتمامه بها لغوي أثري. # وكان من حيث المزاج والتفكير بل المعيشة أوروبيا متمدنا. وكان يحمل على عادات الشرق ~~وتقاليده في لهجة غاضبة. وكان متدينا شديد التدين بل متعصبا في تدينه بالديانة ~~البشرية. وظهر هذا التدين عند إعلان الحرب الكبرى الأولى؛ فإنه بقي أسابيع وهو هائج كما لو ~~كان قد استولى عليه نيوروز. وظني أنه لو كان في سن الشباب لتطوع لمحاربة ألمانيا لأنه عد ~~هجومها هجوما على المبادئ البشرية. # وهذه الديانة البشرية التي ذكرتها كانت أيضا ديانة جميل صدقي الزهاوي. ولكن الزهاوي كان ~~يعمل في بغداد، في السر والظلام. في حين كان شبلي شميل يجاهر ويعلن ولا يبالي. وحوالي 1925 ~~زار الزهاوي القاهرة مع السيدة زوجته، وسارع إلى السؤال عني. وقضينا أياما ونحن نلتقي ~~ونتحادث في كل شأن. وكان رجلا ضئيلا قد بلغ السبعين أو تجاوزها، وكان يسير على ساقين ~~ركيكتين تكادان تعجزان عن حمله. وكان أيضا غربي الذهن على ذكاء خارق ولكن على معارف ناقصة ~~في العلوم العصرية. وقبل أن يغادر القاهرة سلم إلي مخطوطة هي ديوان يجمع عددا من قصائده ~~التي لو طبع بعضها لأدى إلى السجن؛ لأنها طعن وقح في كثير من العقائد التي اصطلح الناس على ~~تقديسها. وهذا الديوان - بعد أن بقي عندي سنوات - طلبه مني زكي أبو شادي ولا يزال عنده ms147 إلى ~~الآن. ولا أظن أن الظروف الحاضرة أو القادمة، في القريب، ستؤذن بطبعه. # وقد تركنا زكي أبو شادي يعيش في الولايات المتحدة؛ لأنه يعتقد أن الرجعية الفكرية قد ~~خيمت على مصر في هذه السنوات الأخيرة، وأن الأحرار - لهذا السبب - لا يستطيعون أن يتنفسوا ~~في الجو الخانق الذي سعى الإنجليز لإيجاده في جميع أقطار الشرق العربي. ونحن نخسر كثيرا ~~بغيابه عنا. فإنه أديب عالم وقد أخرج مجلة وألف كتبا خدمت مصر وبسطت لنا آفاقا للتفكير ~~العصري. وهو يجيد الكتابة بالإنجليزية كما يجيدها بالعربية. وله عندي مؤلف باللغة ~~الإنجليزية في الديانة البشرية جدير بأن يوضع في صف مع المؤلفات التي من نوعه في ~~أية أمة أوروبية متمدنة. # وحين أراجع المعاكسات التي لقيها زكي أبو شادي، والتي أدت أو أدى بعضها إلى تركه لمصر، ~~زيادة على موجة الرجعية التي اكتسحتنا هذه السنوات الأخيرة، أجد أنها تعود إلى أنه متمدن. ~~وأنه في سلوكه - فضلا عن لغته - لا يبالي أن يكون عصريا. وهذه العصرية تنعى على بعض ~~الأشخاص المتمدنين. والناعون هم على الدوام شرقيون تقليديون كارهون للحضارة العصرية. ولكنهم ~~في كراهتهم لا يتشوفون إلى حضارة مستقبلية راقية أو أرقى مما نجد في حاضرنا، بل يرجعون ~~إلى تقاليد وعادات تنافي العصر الديمقراطي وتنكر مبادئه. ومن هنا فرار زكي إلى الولايات ~~المتحدة وكراهته لجونا الحاضر. وهذا هو ما يجب أن نأسف عليه جميعا وأن نتأمل في مغزاه ~~كثيرا. # ومن الأحرار الذين عرفتهم محمود عزمي، وهو الآن في كهولته «معتدل». ولكنه كان في شبابه ~~جريئا واسع الآفاق بعيد الأمداء. وكان يجري في غلواء الشباب. دعوته ذات مرة في أواخر 1930 ~~إلى أن يكتب للمجلة الجديدة مقالا فشرط علي أن يكتبه بالحروف اللاتينية. وكان هذا قبل أن ~~يناضل عبد العزيز فهمي باشا لأجل الخط اللاتيني بنحو خمس عشرة سنة. ولم ينزل عن رأيه إلا ~~بعد مناقشات متكررة. وكان يدعو إلى القبعة ويعتمر بها في شوارع القاهرة. وقل أن نجد ~~كاتبا مثل محمود عزمي في نصاعة تفكيره وصحة منطقه. وهو ms148 هنا يشبه كثيرا عبد القادر حمزة. ~~ومن الملذات الذهنية أن يقرأ له الإنسان مقالا يناقش فيه الموضوعات السياسية مناقشة ~~موضوعية في تعقل بعيد عن الزخارف اللفظية أو الأوهام البلاغية. # وعندما أرجع بذاكرتي إلى كثيرين من الأدباء - وبعضهم لا أحب أن أذكرهم - وأتأمل المجهودات ~~العظيمة التي بذلوها والنزعات النبيلة التي نزعوا إليها في أول عهدهم بالكفاح الأدبي، ثم ~~كيف انتكسوا منهزمين راضين بالماضي بدلا من أن يقتحموا المستقبل، عندما أتأملهم، أجد أن ~~العيب لم يكن فيهم وحدهم، وإنما هو أيضا في هذا القدر الذي حاطنا بظروف سياسية استعمارية ~~أجنبية أو استبدادية داخلية، تعاقبنا - نحن الأدباء - على التقدم والرقي وتكافئنا على ~~التأخر والانحطاط. أجل، هذا القدر القاسي الذي يهيئ لقوات الظلام في مصر وفي أقطار الشرق ~~العربي كي تخيم على دعاة النور وتطمس نورهم، وقد انطمس كثير من النور. # | التدابير الإنجليزية لفقرنا وجهلنا ومرضنا # لم يكتب تاريخ الجناية التي جنتها بريطانيا على مصر إلى الآن. لم يكتب لا تفصيلا ولا ~~إجمالا. وهو حين يكتب سوف يقف الجمهور في مصر كما تقف شعوب العالم خارج مصر على جنايات ~~تتجاوز حدود الخيال. فقد هبت الأمة في 1882 بقيادة عرابي تطلب من الخديوي توفيق طلبا ~~متواضعا بالمقارنة إلى سائر الأمم، هو الحكم البرلماني. وبعد أن سلم الخديوي بهذا الطلب ~~عاد فماحك فيه وانتهى إلى القول بأن مجلس النواب يستطيع أن يفعل ما يشاء إلا النظر في ~~الميزانية. ومعنى هذا أنه لا يستطيع شيئا بتاتا؛ لأن كل مشروع يحتاج إلى مال يدخل في ~~الميزانية وإذن يستطاع إلغاؤه ويعود البرلمان كما لو كان جمعية يتمرن أعضاؤها على الخطابة ~~العقيمة الثرثارة. وإذا كان جائزا لملك أو أمير أن يطلب مثل هذا الطلب من أمته لكان يجب في ~~ظروفنا في 1882 ألا يجوز مثل هذا الطلب من الخديوي في مصر. لأننا في تلك السنين كنا ~~خارجين من سنوات الإفلاس للحكومة المصرية، وهو الإفلاس الذي كان يرجع سببه إلى تصرف الخديوي ~~السابق إسماعيل. وما زلنا نحن إلى الآن أي في ms149 1947 نؤدي أقساط هذا الدين الأبدي. # كان الخديوي توفيق يصر على منع النواب من النظر في الميزانية بتحريض الماليين - أي ~~الساسة؛ لأن السياسة هي المال - من الإنجليز والفرنسيين. فإن هؤلاء كانوا يوقنون بأن ~~الدين المصري ظلم فاحش واحتيال سافل. وكانوا يتوقعون من النواب المصريين عرقلة في دفع ~~الأقساط. فكان لذلك خوفهم من الحركة الوطنية المصرية وتأييدهم لاستبداد الخديوي توفيق في ~~اصطدامه بعرابي. # وشخصية عرابي هي شخصية مقدسة في تاريخنا، شخصية الفلاح الناهض الذي لم يطق رؤية أبناء ~~الأتراك والشركس والأرمن يمتازون على أبناء المصريين في الجيش والإدارة. فثار على هذا ~~النظام. ثم رأى أن النواب في ثورة أخرى لأجل الحكم البرلماني الصحيح. فاندغمت الثورتان ضد ~~الخديوي توفيق وضد طبقة الأتراك والشركس. # ورأى الإنجليز الخطر على ديونهم التي أوقعوا فيها إسماعيل كما رأوا الفرصة سانحة كي ~~يحتلوا مصر. ثم يحيلوها بعد ذلك إلى مزرعة للقطن تغنيهم عن الواردات الأمريكية من القطن، ~~كما يقفون أيضا على قناة السويس وهي باب البحر المتوسط إلى آسيا. فكانت الحرب بين الإنجليز ~~المستعمرين - أي الساسة التجاريين والصناعيين - وبين الفلاحين المصريين. # وكان يعاون الإنجليز في هذه الحرب الغادرة عرب الصحراء والأتراك والشركس. ولم يكن يعاون ~~الفلاحين أحد. # وانتهت الحرب بهزيمتنا أي هزيمة الفلاحين المصريين. ودخلت مصر - سياسيا - في العصر ~~الجليدي، ومحي اسمها من التاريخ ووقف تطورها نحو خمسين سنة. وأعاد الإنجليز إلى الخديوي ~~سلطته الاستبدادية وألغوا البرلمان. وأيضا أعادوا حكم الأتراك والشركس والأرمن. كما نرى ~~مثلا أن رياسة الوزراء لم تسلم إلى مصري من أبناء الفلاحين منذ 1882 إلى 1908 أي مدة ~~26 سنة تولى فيها هذه الرياسة أبناء الأرمن والشركس والأتراك وحدهم. وبقي الإنجليز بعد ذلك ~~على هذه القاعدة كلما رأوا نهضة من الفلاحين. فإنهم كانوا يعمدون فورا إلى أحد أبناء ~~الأتراك أو الشركس فيولونه رياسة الوزراء كي يحطموا به نهضة الفلاحين أي الحركة ~~الوطنية. # ثم شرع الإنجليز في مهمتين سلبيتين؛ إحداهما: منع التعليم فأقفلوا المدارس. وثانيتهما: ~~منع الصناعة فلم يأذنوا بإقامة مصنع. بل لقد أقمنا ms150 مصنعا لنسيج القطن في بولاق حوالي 1900 ~~اشتغل وأنتج الأقمشة فتعقبوه بالمعاكسات حتى أقفلوه وعينوا مديره الأرلندي في وظيفة حكومية. ~~ولا تزال أسسه قائمة. وقد حصلت من كامل صدقي (باشا) على أحد الأسهم التأسيسية لهذا المصنع ~~الذي عمل الإنجليز على إفلاسه. ثم حددوا التعليم وصرحوا بأن المقصود منه إيجاد الموظفين فقط ~~للحكومة. وكانت مدرسة الطب محدودة العدد حتى إن خريجيها في بعض السنين لم يكونوا يزيدون على ~~6 أو 7 أطباء في العام كله. وكان أطباء الجيش المصري يجلبون من لبنان من خريجي الكلية ~~الأمريكية في بيروت. وكانت حالنا مع ذلك أفضل من حال الهنود؛ فإن هؤلاء كانوا محرومين من ~~مدرسة للطب إلى 1920 فلم يكونوا يتعالجون - وهم 400 مليون - من أمراضهم إلا على أيدي ~~الدجالين أو على أيدي الأطباء القليلين جدا الذين تعلموا في أمريكا أو أوروبا. # فتعقل هذا أيها القارئ، تعقل وتدبر في هذه القسوة وكيف كنا محرومين من الأطباء قبل ~~1919 إلا خمسة أو ستة تخرجهم مدرسة الطب كل سنة. # وكيف حرم الهنود حرمانا تاما من مدرسة للطب إلى 1920. وإني أذكر فيما بين 1900 ~~و1915 أني لم أزر طبيبا مصريا. لا أنا ولا واحد من أعضاء عائلتي. ولم أكن أسمع عن طبيب ~~مصري؛ إذ كان كل الأطباء الممارسين بالقطر المصري أجانب من اليونانيين أو الإيطاليين أو ~~الإنجليز أو الفرنسيين. بل أكثر من هذا، ففي 1927 كان علي ماهر (باشا) وزيرا للمعارف، ~~وسنحت له فرصة في إحالة الجامعة الشعبية إلى جامعة حكومية، وكانت هذه الفرصة هي غياب ~~المندوب السامي البريطاني جورج لويد. وجمع المختصين وصرح لهم «بأننا يجب أن نبادر وأن ~~نؤسس الجامعة المصرية على أساس ثابت في غياب اللورد لويد؛ لأنه إذا جاء قبل أن ننتهي من هذا ~~العمل فإنه سيعارض ويمنعنا من إيجادها.» وتلك كانت خطة الإنجليز لتبوير العقول ~~المصرية. # وتم تأسيس الجامعة في غياب اللورد لويد، ولما عاد إلى مصر ووجدها قائمة كان ينتفض غيظا ~~وجزعا. # وكانت همة الإنجليز المشئومة في منع التعليم تتجه إلى ms151 البنات كما تتجه إلى الغلمان؛ ~~فإنهم منعوا التعليم الثانوي للبنات ولم نستطع إيجاد مدرسة ثانوية للبنات إلا في 1925. ~~وكانت وزارة المعارف ترسل بعثات إلى أوروبا وتشترط على أعضائها ألا يلتحقوا بأية جامعة، ~~وإذا فعلوا فصلوا من البعثة وحرموا الإعانة المالية. # هذا من ناحية التعليم من حيث المنع أي من حيث تحديد الكم، ولكن حملتهم المشئومة كانت تتجه ~~أيضا نحو الكيف. فكانوا مثلا يصرون على ألا تدخل بنت في المدرسة السنية الابتدائية - ~~أكرر كلمة ابتدائية - إلا وهي مبرقعة. كما كانوا يصرون على أن يكون معلم اللغة العربية ~~معمما؛ غيرة على التقاليد. حتى نبقى من دعاة الفعل الماضي نعيش في الأمس. # أما من ناحية الصناعة فقد عرفوا المصنع في عام 1904 بأنه: «محل مقلق بالراحة أو مضر ~~بالصحة أو خطر.» ولا يزال هذا التعريف قائما إلى الآن. وهو يكفي لإقفال أي مصنع في العالم. ~~ولذلك لم يجرؤ واحد على إنشاء مصنع إلى 1919، بل إني أنظر في جدول الصادرات والواردات في ~~1913 فأجد أن الواردات إلى مصر كلها من السلع الإنتاجية - أي الآلات - لا يزيد ثمنها على 1800 ~~جنيه؛ أي أقل مما يحتاج إليه مصنع صغير في سنة واحدة. # واتجه الإنجليز إلى إحالة القطر المصري كله إلى عزبة للقطن، وانبعثت هممهم إلى زيادة ~~محصوله بإيجاد المشروعات للري حتى يتوافر فيشترونه رخيصا ولا يخشون المزاحمة الأمريكية في ~~الأسواق العالمية. ولم يكن الإنجليز قط أمة زراعية، فكان من العجب أن يفتونا هم في الزراعة ~~ويتسلطوا على حظوظنا فيها. والمتأمل لتاريخ وزارة الأشغال ووزارة الزراعة يجد أنهما كانتا ~~تعملان وتشتركان لهدف واحد. هدف واحد ليس له ثان هو زراعة القطن. الأولى تقيم القناطر ~~وتخزن المياه وتشق القنوات، والثانية تقوم بالتجارب لإيجاد سلالات جديدة من القطن تمتاز بها ~~صناعات لنكشير في إنجلترا. # أما كيف نصنع قطعة الجبن أو كيف نزرع التفاح أو كيف نربي الدجاج أو كيف نزيد ثروة الفلاح، ~~فكل هذا لم يخطر قط بالأذهان المالية السياسية البريطانية. وقد أدى بنا هذا إلى أننا - ~~ونحن أمة ms152 زراعية كما زعموا - كنا نشتري أقة التفاح بجنيه ونصف جنيه مدة الحرب ~~الأخيرة. # والإنجليز في جنونهم بزراعة القطن لم يبالوا قط بما سوف يؤدي إليه خزن المياه في ~~النيل، وتوفيرها في قنوات الريف من الأراضي. لم يبالوا أية مبالاة سواء بصحة التربة أو صحة ~~الفلاحين أو الماشية أو النبات. فإن أي إنسان - مهما يكن جاهلا - كان يستطيع أن يفهم في ~~1900 مثلا أنه إذا استشبعت التربة بالمياه الوفيرة فإنها ستملح وتقل خصوبتها، كما أن ~~الحشرات والديدان ستعيش فيها وتتكاثر. ولا بد أن تفشو ديدان البلهارسيا والأنكلستوما ~~والأسكاريس. # وقد فشت كل هذه الديدان التي لم نكن نعرفها في 1900 إلا قليلا جدا. إذ لم يكن بين ~~الفلاحين ممن يحملون هذه الديدان في أجسامهم تأكل لحومهم وتشرب دماءهم من 1890 إلى 1900 سوى ~~2 أو 3 في المائة فأصبحوا الآن - بفضل جنون الساسة التجاريين من الإنجليز - نحو 80 أو 90 في ~~المائة. وأصبحنا أمة مريضة نحاول الآن أن نشفي فلاحينا من هذه الديدان. # ومحاولتنا إلى حد بعيد عقيمة؛ لأن أساس الري الذي وضعه الإنجليز في جنونهم بزراعة القطن ~~وهم أمة غير زراعية، هذا الأساس لا يزال قائما. ومياه الري تعلو مستوى التربة. # وإني أذكر حين كنت صبيا بين 1895 و1900 أني كنت ألعب مع الصبيان الفلاحين في الريف فكنا ~~نجد الأرض أيام الجفاف مشققة يبلغ عرض الشق فيها نحو ربع متر، وقد يطول إلى خمسة أمتار أو ~~أكثر، ولا يقل عمقه عن نصف متر أو متر. وكانت الحشرات والديدان تموت في هذا الجفاف. وكان ~~الفلاحون يستمتعون بصحة عجيبة. وكان الفدان يغل عشرة قناطير أو اثني عشر قنطارا من القطن. ~~وهذا كلام يكاد الفلاحون أنفسهم لا يصدقونه. ولكني رأيته بعيني. وخصوبة الأرض متصلة - كما ~~يعرف جميع الذين مارسوا الزراعة وفطنوا إلى الأمراض الريفية - بصحة الفلاح بل بصحة النبات ~~والحيوان. ولكن طرق الري التي أفشاها الإنجليز في ريفنا أفسدتنا جميعا، ناسا وحيوانا ~~ونباتا وتربة. # تبوير العقول المصرية بمنع التعليم. # وإفقار الأمة بمنع الصناعة. # وتعميم ms153 الأمراض الدودية بالري الوفير لزرع القطن. # هذه هي الخطط الأساسية الثلاث التي سار عليها الإنجليز فيما بين 1882 و1919. وكانوا ~~يدبرونها في عناية مع التبصر للمستقبل. فإنهم كانوا يمنعون تعليم البنات مثلا في 1900 كي ~~لا تكون لنا عائلات متعلمة في 1910 أو 1920. وكانوا يمنعوننا من إيجاد مصنع للقطن مهما ~~صغر؛ كي لا نستغني عن أقمشة لنكشير بعد عشر سنوات. وكانوا يعارضون في إنشاء جامعة كي لا ~~تتفشى العلوم بيننا فتوقظ عقولنا ... إلخ. # وبهذا استطاع الإنجليز أن ينزلوا بنا إلى الحضيض جهلا وفقرا وعجزا. ومع أنهم هم السبب ~~الأصلي للجهل والفقر والعجز فإنهم كانوا يحتجون علينا بهذه النكبات الثلاث عندما كنا نطلب ~~الاستقلال. فكانوا في 1919 يذيعون في أنحاء العالم أن القارئين في مصر لا يزيدون على 2 أو 3 ~~في المائة وسائر الشعب غارق في غياهب الجهل. وكان أحد مستشاريهم في 1919 أيضا يلوم علينا ~~جهلنا وأنه ليس بين المصريين من يدري عمليات البورصة. # ومما زاد فداحة الاحتلال الإنجليزي لوطننا فيما بين 1882 و1919 أن تلك الفترة كانت فترة ~~الاستعجال والترويج للانقلاب الصناعي التاريخي ليس في أوروبا وحدها بل في العالم كله. ونعني ~~في العالم الذي لم ينكب بالاستعمار البريطاني. ولذلك كان تخلفنا عظيما جدا في نتائجه. ~~حتى إن ثورة 1919 ثم ما تلاها من تطور اجتماعي أو اقتصادي تكاد تعد من المعجزات، أجل من ~~المعجزات على الرغم من جميع العراقيل التي وضعها الإنجليز لمنع تطورنا. # ولو أن تطورنا سار سيرته الطبيعية من 1882 إلى الآن 1947 بلا تدخل أو احتلال الإنجليز، ~~ولو أن الخديوي توفيق نزل على رأي مجلس النواب، لكانت مصر الآن في مقدمة الأمم المتمدنة. ~~مائة في المائة من أبنائها يقرءون ويكتبون ويتعلمون في نحو عشرين جامعة ونحو خمسين ألف ~~مدرسة ابتدائية وثانوية. ولكان أجر العامل فيها لا يقل عن جنيه في اليوم حيث كان يعمل في ~~نحو خمسين ألف مصنع مصري. وكنا عندئذ نكون أمة قوية في زاوية البحر المتوسط لا تجرؤ ~~بريطانيا على أن ms154 تنطق بكلمة في شأن قناة السويس. # وكنا نكون أمة متمدنة لنا ريف متمدن لا تخلو قرية من قرانا من نحو مصنعين أو ثلاثة ~~مصانع تحيل المواد الخامة الريفية إلى مصنوعات عصرية. # كل هذا كان ممكنا لو أن أحدا لم يقف ضد مجلس النواب ويصر على أنه لا يجوز للنواب بحث ~~الميزانية. # ولو أن الإنجليز لم يحتلوا مصر في 1882. # وحتى بعد أن حصلت الأمة على الدستور في 1922 بقي الإنجليز على خطتهم القديمة وهي مكافحة ~~الحكم النيابي. فكانوا يتحينون الفرص لتزييفه ويختارون الرجال لتحطيمه. ولذلك بقي طراز ~~الصراع الذي كان بينهم وبين الأمة في 1922 كما كان في 1882 بينهم وبين عرابي. وكانوا يبحثون ~~عمن بقي من الأتراك والشركس كي يجعلوهم رؤساء للوزارات التي تناهض الحركة الوطنية ~~الممثلة في الوفد. فرأينا زيور يجمع البرلمان في الصباح ويطرد أعضاءه في المساء في 1925 ~~كأن نواب الأمة غوغاء لا أقل ولا أكثر. # وأرجو القارئ أن يفهم أني لست أشك في وطنية أبناء الأتراك والشركس في مصر الآن؛ فقد ~~اندغموا في الأمة ونسوا الصراع القديم أيام عرابي كما نسوا لغتهم الأصلية. ولكن الإنجليز ~~يحسون هذا الصراع القديم أكثر مما نحسه نحن ثم يسيئون فهمه أيضا. وإن كان مثال زيور ~~يدل على أنهم لم يسيئوا الفهم. فقد حاول هذا المخلوق أن يحطم الحياة النيابية في مصر ونجح ~~في تحطيمها سنين طويلة. # أخشى بعد أن سردت الكوارث التي أنزلها الاستعماريون الإنجليز بشعبنا أن يعتقد القارئ أني ~~أكره الإنجليز أو أن يؤدي ما ذكرته إلى أن يكره هو الشعب الإنجليزي؛ فإن هذا الشعب من أنبل ~~الشعوب في العالم. وما أستمتع به أنا من ثقافة أو قيم بشرية سامية يعزى معظمه إليه. ~~وإنما أنا أكره الاستعماريين الإنجليز فقط. وهؤلاء الاستعماريون ينهبون الشعب البريطاني ~~نفسه ويذلونه بالفقر والجهل كما كانوا ينهبوننا ويذلوننا . وليس الشعب البريطاني ثريا إلى ~~الحد الذي يتخيله وينتظره الإنسان حين يتأمل هذه الإمبراطورية الشاسعة. وصحيح أنه انتفع ~~بموارد الإمبراطورية التي حركت الصناعة. ولكن معظم المنفعة يعود ms155 إلى الاستعماريين ~~والاستغلاليين. وهم طبقة واحدة. أي إن الذين يستغلون العمال في منشستر وجلاسجو وبرمنجهام هم ~~أنفسهم الذين كانوا يستغلون المصريين والهنود والجاويين. وفي بريطانيا من الفقر ما ليس في ~~أمة لا تملك أية مستعمرات مثل سويسرا أو نروج أو سويد. وقد ذكر هيوليت جونسون أن الصبيان ~~الفقراء في يوركشر - في إنجلترا - عندما عرض عليهم الموز رفضوا تناوله ولم يعرفوا كيف ~~يؤكل؛ لأنهم لم يأكلوه قبل ذلك. وكذلك فعلوا بالبيض. وذكر السر جيمس أور أن الذين يحصلون ~~على الغذاء الكافي في إنجلترا لا يزيدون على النصف، وأن سدس الأمة الإنجليزية مريض للنقص ~~الغذائي. # ومرتب الكناس في المجلس البلدي - من إحصاء في 1938 - في سويسرا هو 223 جنيها في السنة. ~~وفي سويد 210 وفي دنمركا 150. وليس لهذه الأمم مستعمرات. أما مرتب الكناس في المجلس البلدي ~~في لندن فهو 145 جنيها في السنة فقط. وإني أقصد من ذكر هذه التفاصيل أن أبين للقارئ أن ~~الشعب الإنجليزي بريء من الجرائم الاستعمارية التي يرتكبها دعاة الاستعمار والاستغلال، وأن ~~البرهان على ذلك هو فقر هذه الطبقات الدنيا في إنجلترا، هذه الطبقات التي تعيش فيما يقارب ~~الحرمان والمرض اللذين نقاسيهما نحن المصريين والهنود والجاويين من التسلط الإمبراطوري ~~البريطاني مع تفاوت في الدرجة. # الشعب الإنجليزي شعب متمدن نبيل. ولكن الاستعماريين من الإنجليز أشرار بل أبالسة يجب ألا ~~نذكرهم إلا باللعنات. # | فلسفة وديانة # نعيش في ضوضاء تلهينا عن الفلسفة، أي تلهينا عن الدين؛ لأن الفلسفة هي الدين. والرجل ~~العصري الذي يدرس الفلسفات والأديان بروح المتعلم يجد بينهما اختلاطا يشبه الاندغام؛ ~~وذلك لأن قضية الدين هي نفسها قضية الفلسفة، وهي: كيف نفكر التفكير السليم ونعيش العيشة ~~الطيبة؟ ومقاييس الدين هي في النهاية مقاييس الفلسفة، كما نرى مثلا في كلمة برناردشو: إن ~~الرجل الطيب هو الذي يعطي الدنيا أكثر مما يأخذ منها. أي إن الدنيا تجد بعد انقضاء عمره ~~أنها كسبت به ولم تخسر، وأنفقت عليه أقل مما ترك لها. وهذا الذي تركه لها قد يكون حكمة أو ~~قدرة أو ms156 علما أو اختراعا أو زيادة في الثروة أو الخير أو السلام. # وهذا المقياس فلسفي ديني. ولذلك حين أتحدث عن فلسفة الحياة التي أعيش بها هذه الأيام وأنا ~~في الستين أو حواليها، أجد أنها مزيج من الفلسفات والأديان. وصحيح أن الدين يطالبنا ~~بالتسليم، والفسلفة تطالبنا بالمنطق. ولكن ليست هذه الحال دائمة أو واضحة الحدود؛ فإن في ~~الدين منطقا كما أن في الفلسفة تسليما في بعض الأحوال. # وقد يقال أيضا إن في الدين غيبيات وليس في الفلسفة غيبيات. ولكن هل هذا صحيح؟ ألسنا نقف ~~مع أينشتين أو غيره إزاء غيبيات علمية حين يتحدثون عن الكون المتمدد الذي يدأب في الاتساع ~~في الخواء؟ # إني أذكر أني - حين كنت في حمى المراهقة - شرعت أسائل وأشك في الغيبيات المألوفة. ولم ~~تزدني السنون من ذلك الوقت إلا يقينا بالإنكار. ثم تطورت الفكرة الدينية عندي أو انتقلت من ~~التسليم بالغيبيات إلى الإيمان بالقيمة الاجتماعية للدين أو الفلسفة وإلى تربية الضمير، حتى ~~تتغلب - في اللغة السيكلوجية - الذات العليا على الذاتين الاجتماعية والحيوانية؛ أي تتغلب ~~القيم البشرية على القيم الاجتماعية والمادية. # وليس من السهل أن يكشف الإنسان عن ضميره الديني كيف تكون ثم نما ثم تبلور في قليل من ~~الاتجاهات الأخلاقية الرئيسة، ثم تجوهر في اتجاه مفرد يجذب إليه كل ما في الشخصية من نشاط ~~روحي. ولكني أذكر أني - وأنا دون العشرين - أحسست أن نظرية التطور تأخذ مكانا دينيا في ~~نفسي وأنها قد حملتني واجبا روحيا. وقد نما هذا الواجب في نفسي إلى واجبات. ذلك أن ~~آفاق الحياة لم تتسع فقط بنظرية التطور، بل زادت في العدد واللون، كما شسع بها تاريخ ~~البشرية شسوعا عظيما. ذلك أننا قد فهمنا من هذه النظرية أن كل حي على هذه الأرض لا يقل ~~عمره عن 700 مليون سنة؛ لأن كل إنسان قد كان في وقت ما طينة نبضت بالحياة، فإذا به فيروس ثم ~~أميبة مفردة ثم أميبات متصلة متعاونة، ثم حيوان رخو بلا رأس، ثم سمكة، ثم زاحفة، ثم حيوان ~~لبون، ثم ms157 قرد، ثم إنسان. ثم هذا الإنسان سوف يكون سبرمانا. # فهنا قرابة تطورية بيننا وبين الحيوان. وفي هذا معنى ديني جليل لأننا والأسود والكلاب ~~والقياطس والسمك أبناء عمومة. وكنا قد قطعنا على هذا الكوكب نحو 700 مليون سنة. وقد انقرض ~~بعضنا وبقي بعضنا الآخر. ولكن مع هذا الانقراض وهذا البقاء يتجه التطور في مجموعة نحو ما ~~نفهم من الرقي البشري: وجدان موضوعي يأخذ مكان العواطف الذاتية، أي عقل يسمو على الغرائز. ~~وإذن نجد أن للرقي البشري أساسا طبيعيا. بل إن هذا الرقي مفروض علينا وواجب حتم بل واجب ~~ديني بحيث يتطور الفرد وتتطور الأمة وتتطور الدنيا. ومن يعارض التطور ويدعو إلى الجمود يكفر ~~لأنه يعارض الدين. وليس التطور كله منطقا نستطيع أن نقيم عليه البرهان الناصع لأن فيه ~~كثيرا من التسليم. ومن هنا كانت المشابهة بينه وبين العقائد الدينية. وليس من الضروري - كي ~~يكون لنا دين أو ضمير ديني - أن نؤمن بالغيبيات؛ لأن المعارف العلمية في أيامنا تكسبنا ~~نزعات دينية. فهناك رجال الثورة الفرنسية مثلا، فقد اشتطوا وألغوا الديانة المسيحية، ~~وأسسوا ما أسموه «ديانة العقل». والإنسان العادي حين يقرأ تاريخهم ويصفهم الوصف المألوف ~~يقول إنهم «كفرة». ولكنا عندما نتأمل سلوكهم نجد أنهم كانوا مسوقين بروح ديني، بل أكثر من ~~هذا بعقائد دينية. وهنا تعجبني كلمة قالها ماتزيني الوطني الإيطالي: «ليس هناك انتصار للروح ~~البشري أو خطوة ارتقائية للمجتمع البشري إلا ومرجعها عقيدة دينية راسخة.» # وفي سني أجد أن مصادر ديانتي - أو بالأحرى ضميري الديني - إلى جنب البوذية والإسلام ~~والمسيحية واليهودية والهندوكية، تعود في كثير من النور الذي أهتدي به، إلى السيكلوجية ~~والبيولوجية والأنثربولوجية والتاريخ. فإن هذه العلوم قد أفدت منها مغزى المأساة البشرية، ~~مأساة ماضينا وحاضرنا وآمالنا في المستقبل. ولذلك كانت ديانتي موضوعية منطقية لا ذاتية ~~عقيدية فقط. # ومع أني نشأت في المسيحية واحتضنتني الكنيسة أيام طفولتي وصباي فإنها كانت في تلك السنين ~~الأولى من عمري في جمود لا يحمل على الحماسة أو يبعث الولاء أو يربي الضمير. وليس شك أن ms158 ~~الكنيسة القبطية قد نهضت هذه الأيام، وهي الآن غير ما كانت عليه قبل خمسين سنة. # وقد تغير إحساسي نحوها تغيرات مختلفة؛ فقد عزفت عنها أيام الشباب لأن وطأة العلوم ~~العصرية كانت شديدة على نفسي. ثم عدت إليها في حنان فوجدت فيها تاريخنا المعذب الممزق، ~~ووجدت صوت الفراعنة ينطق عاليا من منابرها. فأصبحت الكنيسة القبطية عندي كنيسة قومية ~~مصرية. ولكن لم يكن هناك دين إذ كان كل هذا إحساسا تاريخيا. # أجل! قد يقال هذا القول، وأنا أسلم بصحته إلى حد ما، ولكن الإحساس التاريخي ينطوي ~~أيضا على إحساس ديني. ولست أشك أني حين انكببت على دراسة الفراعنة، إنما كنت أنبعث بروح ~~ديني قومي. والدراسة الصحيحة للتاريخ يجب أن تكون موضوعية علمية كما يدرس أي علم. ولكن ~~قلما نستطيع ذلك إذا كنا ندرس تاريخنا القومي. # وقد عرفت حوالي 1935 المرحوم كامل غبريال (باشا)، وكان قد درس اللغتين القبطية ~~والفرعونية، وحاول أن يحملني على درسهما. ولكن سني المتقدمة حالت دون ذلك. وقد نهضت ~~هذه اللغة في بعض الأوساط القبطية، ولكنها لم تبلغ المكانة التي بلغتها اللغة العبرية بين ~~اليهود، أي أن تصير لغة التخاطب والتفاهم بل التأليف؛ فإن اليهود الصهيونيين قد انقلبوا ~~إلى عبرانيين وأحيوا لغتهم التي كانت قد انقرضت حتى في أيام المسيح. وظني أنهم يخسرون بذلك؛ ~~لأن هذه اللغة لن تتسع للثقافة العصرية. كما أن الأرلنديين الوطنيين قد خسروا أيضا بإحياء ~~لغتهم القديمة؛ لأن اللغة الإنجليزية خير لهم - ولو أنها لغة الفاتحين الغاصبين - من لغتهم ~~التي لن تتسع للثقافة العصرية. # وما زلت أذكر الأثر السيكلوجي في صديقي كامل غبريال (باشا)؛ فإنه لتعلقه بلغة الفراعنة ~~صد عن المسيحية باعتبارها ديانة أجنبية قد طردت الديانة المصرية القومية. وكان كثيرا ما ~~يعقد المقارنات بين عقائد الكتاب المقدس - التوراة والإنجيل - وبين عقائد الفراعنة، كي ~~يقنعني بأفضلية الثانية على الأولى من حيث الأخلاق السامية والقيم البشرية العالية. # وقد كان أثر العقليين كبيرا جدا في نفسي؛ حتى إني لخصت أحد الكتب التي كانوا ~~ينشرونها وهي «نشوء فكرة ms159 الله» لجرانت ألين. وأصدرت هذا التلخيص في نحو ثلاثين أو أربعين ~~صفحة في مصر حوالي 1912. ويرى القراء هذا الكتيب ضمن كتابي «اليوم والغد». وقد كان هدف ~~المؤلف أن يثبت تسلسل الأديان، وأن التوحيد الحاضر يرجع إلى الأديان القديمة. ولم يكن جرانت ~~ألين مصيبا في جميع افتراضاته، ولكنه استهواني في تلك السنين للنظر المادي الذي اتبعه ~~في تفسير الغيبيات. وبعد ذلك عرفت «الغصن الذهبي» لفريزر. وهو موسوعة رائعة للعقائد القديمة ~~وتسلسلها إلى أيامنا تحت أستار مختلفة. ثم زادني نورا تلك البحوث المتشعبة التي قام بها ~~إليوت سمث وزملاؤه في إيضاح الأثر الذي تركته العقائد المصرية القديمة. وهذه المؤلفات ~~لفريزر، وإليوت سمث - مع تناقضها أحيانا - هي تربية خصبة وتثقيف سام لكل من يدرسها. ولا ~~يستطيع إنسان أن يصف نفسه بأنه مثقف إلا إذا عرفها. ولكن اهتماماتي بهذه الدراسات وقتئذ لم ~~تكن دينية بل كانت تاريخية. # على أن اهتمامي بالدين بدأ وأنا حوالي الأربعين. ذلك لأن النضج الديني - مثل النضج الجنسي ~~- لا يأتي إلا في ميعاد. فقد شرعت أقرأ الكتب المقدسة جميعها في عناية، وأشغل نفسي ~~بالمشكلات الدينية الهندوكية. وكنت أجد فتنة في أنبياء التوراة بل في أسلوب التوراة. كما ~~أني وجدت أن القوة الجاذبية في شخصية المسيح كبيرة جدا. وقد مضى علي نحو عشرين سنة وأنا ~~أحلم بتأليف كتاب عن شخصية المسيح بحيث أكتب في حرية الضمير مع إيماني به وحبي له. ولكني ~~كلما كنت أفكر في الالتباسات التي سوف تنشأ بيني وبين بعض القراء، كنت أنكص وأنا في أسف ~~ومرارة. لأني أكره أن أؤلم المطمئنين المستقرين الذين قد لا يجدون الطمأنينة واليقين ~~في السيرة التي أرويها، مخلصا، أنشد الحقائق ولا أبالي غيرها. وموقفي هنا هو موقف تولستوي ~~ورينان. # ومن الأخطاء الصغيرة الخطيرة التي ارتكبها المترجمون للإنجيل أنهم يذكرون الله على لسان ~~المسيح بكلمة «أبي». ولكن الحقيقة أن المسيح كان يسمي الله باسم أبا أي «بابا»، وهي كلمة ~~التحبب والإدلال، كلمة الأطفال. وذلك لإحساسه العميق الحميم بأبوة الله أبوة حقيقية. ومن ~~هذه ms160 البؤرة العاطفية تشع سائر عواطفه في التحيز للفقراء والمساكين وفي الإحساس بأن البشر ~~جميعهم عائلته لأن «بابا» لا ينسى واحدا منهم. # وشخصية المسيح هي بعد كل ذلك شخصية مقلقة. فإن كل أمثولة من أماثيله تبعث على التفكير ~~المقلق المثمر؛ إذ هو يثير بها المشكلات البشرية العديدة التي تنزعنا من القيم الاجتماعية ~~الزائفة إلى القيم البشرية الصميمة. وحياته الرائعة، ثم مأساته المؤلمة، كلتاهما دعوة إلى ~~البر والشجاعة والشرف والتضحية. ولا يتمالك المتأمل للإنجيل مع الوجدان بأن الضمير المسيحي ~~يقتضي النظام الاشتراكي؛ لأن هذا النظام هو التطبيق العملي للأخلاق المسيحية. والمسيحية تعد ~~- في هذا المعنى - ديانة الكفاح وليست كما يتوهم البعض ديانة الركود. # ولست أشك أن الرجل المسيحي في دنيانا هذه وفي عصرنا هذا هو المثال الأسمى في الأخلاق. ~~وهناك كثيرون يعيشون الحياة الطيبة، أي الحياة المسيحية كما أرادها المسيح الذي دعانا من ~~ناحية إلى أن نكون كالأطفال في السذاجة والاستطلاع والبعد عن الشر، أي أن تكون القيم التي ~~نعمل بها قيما بشرية، نحب الأشياء التي يحبها الأطفال: نحب اللعب ونحب الزهر ونحب كل شيء ~~حسن يرجع حسنه إلى قيمته الأصلية لا إلى القيمة التي يفرضها المجتمع. ثم دعانا من ناحية ~~أخرى إلى أن نخشى مديح الناس. بل قال: ويل لكم إذا أثنى عليكم الناس! وهنا دعوة إلى ~~الاستقلال الفكري أو الروحي، استقلال الضمير، حتى نعمل ما يوحيه إلينا الشرف دون مبالاة ~~لاعتبارات المجتمع. وقد يكون هؤلاء مع ذلك غير مؤمنين الإيمان الرسمي بالمسيحية؛ إذ ليس من ~~الضروري، كي يكون للإنسان ضمير ديني، أن يؤمن بدين معين. فإن جميع الأديان سواء؛ من حيث ~~إنها تنشد الحياة الطيبة. # وأذكر هنا أن نحو ستين عضوا من جمعية الشبان المسيحية كانوا يصطافون في صحراء العريش في ~~سنة 1937، وكان بيننا المسلم والمسيحي واليهودي والبهائي. فكنا في الصباح نقرأ قطعة من ~~القرآن أو الإنجيل أو التوراة مناوبة . وكان البهائي يجد في كل واحد من هذه الكتب كتابا ~~مقدسا له. وكنا نجد نحن في جميع ما يقرأ لنا ms161 من أي كتاب منها دعوة صالحة توحي الخير والشرف ~~والحياة الطيبة والحب. وقد وجدت أن الجمع بين هذه الكتب والاختيار منها على مبدأ المساواة ~~قد بعث على التفكير الديني البار بين الأعضاء وربط بينهم برباط ديني محايد أي غير متحيز. ~~حتى لقد انتحى بي بعض الأعضاء وسألوني: لم لا يفعل جميع البشر مثلما نفعل نحن هنا في ~~العريش؟ أي يضعون جميع الكتب المقدسة في جميع المعابد. # وأذكر أني نصحت لهم بأن يقرءوا حياة السلطان أكبر الهندي الذي تولى الحكم في القرن السادس ~~عشر؛ فإنه عقد مؤتمرا من الأئمة والكهنة من المسلمين والمسيحيين واليهود والهندوكيين، وطلب ~~منهم أن يتفقوا على ديانة جديدة موحدة من هذه الديانات الأربع. وقد أخفق المؤتمر لأن ~~الأعضاء - كما ينتظر - لم يتفقوا. ولو أنه كان قد اختار أعضاء هذا المؤتمر من المدنيين دون ~~الدينيين لكان هناك مجال للظن بالنجاح. بل لقد قيل إن السلطان أكبر هذا قد تزوج أربعا ~~نسوة: إحداهن مسلمة، والثانية هندوكية، والثالثة مسيحية، والرابعة يهودية. وذلك كي ينشأ ~~أبناؤه على أساس من الحب الذي يدعمه التقارب الديني. وقد عاشت أسرته جملة قرون وهي لا تعرف ~~معنى للتعصب في الهند بين المسلمين والهندوكيين. فكان الصليب يعلق في الغرفة التي ~~يأتي إليها القارئ في الصباح كي يقرأ إحدى سور القرآن، وكان المبشرون من اليسوعيين يقعدون ~~في حضرته إلى جنب كهنة اليهود. وقصة أكبر هي إحدى قصص القداسة الهندية التي نرى لها صورة ~~أخرى في عصرنا في غاندي. # وجميع الكتب المقدسة سواء عندي. ولكني أضيف إليها عشرات من المؤلفات الأخرى في الفلسفة ~~والأدب. ولذلك أقول إن بعض ديانتي يرجع أيضا إلى «جمهورية أفلاطون» وإلى «الإنسان ~~والسبرمان» لبرناردشو، وإلى مؤلفات جان جاك روسو، وتولستوي، ودستويفسكي، وإلى أخناتون. ~~فقد زودني هؤلاء جميعا بهورمونات دينية. وقبل نحو خمس عشرة سنة شاعت دعوة في أمريكا ~~وأوروبا إلى ما يسمى «البشرية». وهي ديانة تستبعد الغيبيات، وتؤمن بالرقي البشري ~~القائم على التطور. وهي تعتمد على الكتب المقدسة وكتب الأدب والتاريخ والفلسفة. وقد وجدت ms162 ~~فيها إغراء كبيرا. # ولكن ما أحب أن أوضح للقارئ هو أن الدين عندي كان تربية بطيئة لم أصل بعد إلى نهايتها ~~ولكني في سبيلها. والدين كالفلسفة أو الأدب نأخذ منها بمقدار ما ورثنا من كفايات وامتزنا به ~~من أوساط تعلم وتربي وتوجه. وهنا يغير كالفين هذا التعبير فيقول: إننا إنما نفهم من ~~الدين بمقدار ما وهبنا من نعمة الله. # وقد كان نفوري أيام شبابي من الغيبيات علميا منطقيا، ولكني أنفر من الغيبيات الآن ~~لأسباب اجتماعية؛ لأنها - أي الغيبيات - جبرية ليست فيها حرية الماديات. أي إن التفكير ~~المادي حر متطور، أما التفكير الغيبي فمقيد جامد، ونحن نتحرر بالأول ونتقيد بالثاني. # ولكن الفلسفة - أي الديانة - ضرورية لكل إنسان. والرجل؛ إذ يقول إنه ليس له ديانة، هو كما ~~يقول برناردشو، إنما يقول إنه ليس له شرف. ونحن حين نستقطر العلم أو الأدب أو الفلسفة أو ~~الفن كي نجد لها كلها غاية، إنما ننشد بهذه الغاية ديانة نعيش بها أي دستورا روحيا ~~وأخلاقيا يعين علاقتنا بالطبيعة والكون والإنسان والمستقبل. ونحن نحس الحاجة إلى هذا ~~الدستور وهو ليس دستورا جامدا إذ هو يتغير ويتطور كلما تقدمنا في السن وازدادت بصيرتنا ~~نورا. # ولما شرعت أدرس السيكلوجية وجدت ناحية من الدين لم أكن قد التفت إليها، هي سلام النفس. ~~فإنه ليس شك في أن المتدين يحس سلاما ويجد ابتهاجا يحرم منهما غير المتدين. ذلك أن ~~المتدين يثق بالكون، وكأنه يحس أنه - أي الكون - لن يخونه، حتى حين يصطدم بالمصاعب. أو قل ~~إنه يعيش في وسط أوسع كما أن آفاقه تمتد إلى آماد أبعد. ونستطيع أن نزن هذا الموقف حين ~~نتخيل غاندي إزاء الجبال من المصاعب التي يلاقيها. فإنه في كل حياته أكثر اطمئنانا وأعمق ~~ابتهاجا من أي إنسان آخر، مع أنه يواجه من المصاعب أكثر مما يواجه كل إنسان آخر. وليس ~~غريبا بعد هذا أن تكون للدين - أي الفلسفة - قيمة سيكلوجية عظيمة؛ لأنه يؤدي إلى استقرار ~~النفس ويحول دون التزعزع الذي قد ينتهي بالتحطم. وعندما نتأمل مرضى ms163 النفس نجد أنهم لم ~~يتردوا في الهوة إلا لأنهم استسلموا إلى قيم وأوزان مخطأة. هي في الأغلب قيم وأوزان ~~اجتماعية انساقوا فيها وأرهقوا بها حتى حطمتهم. وأنهم لو كانوا على فلسفة حسنة، وعاشوا ~~العيشة الطيبة التي يوحيها كل دين في العالم، لكانوا قد أخذوا بقيم وأوزان دينية تتيح لهم ~~سلام النفس الذي فقدوه. # ولا بد أن القارئ سيسائل: أليس هناك فرق بين الدين والفلسفة؟ وهل أنا محق في التحدث ~~عنهما باعتبارهما وحدة؟ # وجوابي أني لا أعرف أمصيب أنا أم مخطئ، ولكني هنا أذكر إحساسي، وإذا شئت التمييز بينهما ~~فإني أقول إن الإحساس الديني هو طرب الحب، حب الطبيعة وحب الحيوان وحب الإنسان بل حب الحياة ~~والكون. أما الإحساس الفلسفي فهو تأمل الفكر. ولكن الحقيقة أنهما يندمغان عندي، وإن كان ~~أحدهما قد يتغلب على الآخر في بعض الظروف، وأن هذا هو إحساس غاندي: تأمل فكري وطرب عاطفي ~~معا. # وكثير من كفاحي الثقافي - بل أحيانا السياسي - قد سرت فيه بتأمل الفكر وطرب الدين. ~~والتأمل يطلب السكون في حين يستفزنا الطرب إلى الحركة. فإذا مزجنا الدين بالفلسفة وجدنا ~~الكفاح. ولذلك لم أعرف قط ذلك البرج العاجي حيث استسلم للتفكير بعيدا عن المعركة؛ إذ إني ~~لا أكاد أنتهي إلى فكرة بالتأمل حتى يعمني الطرب فأنشط إلى الكفاح. # وقد قلت إن ديانتنا وفلسفتنا تتكون أولا ثم تتبلور ثم تتجوهر. وعندي أن هذه النهاية، ~~هذا التجوهر هو الحب. وقد انتهت جميع الأديان إلى هذا الموقف، كما انتهت السيكلوجية إليه ~~أيضا. والحب هو اتجاه وسلوك، هو الاستطلاع الدائم للكون والرغبة النهمة في المعرفة، ثم هو ~~التعاون والتسامح. وهذا الحب هو أيضا ما انتهى إليه الصوفيون المسلمون مثل محيي الدين بن ~~عربي حين يقول: # لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي # إذا لم يكن ديني إلى دينه داني # وقد صار قلبي قابلا كل صورة # فمرعى لغزلان ودير لرهبان # وبيت لأوثان وكعبة طائف # وألواح توراة ومصحف قرآن # أدين بدين الحب أنى توجهت # ركائبه فالحب ديني وإيماني # وفي هذه الأبيات الأربعة ms164 قد استقطر ابن عربي روح الدين. # ومن الحسن أن تذاع مثل هذه الأبيات الذهبية وتعلق في بيوتنا إلى الجدران، وخاصة في هذا ~~الشرق العربي الذي يجب أن تتعانق فيه الأديان الثلاثة عناق الحب. ومثل هذه الأفكار ~~الإنسانية تجدها أيضا في المعري حيث يقول وإن يكن موقفه سلبيا: # إذا الإنسان كف الشر عني # فسقيا في الحياة له ورعيا # ويدرس - إن أراد - كتاب موسى # ويضمر - إن أحب - ولاء شعيا ~~••• # ما الدين صوم يذوب الصائمون له # ولا صلاة ولا صوف على جسد # وإنما هو ترك الشر مطرحا # ونفضك الصدر من غل ومن حسد # ولكن يجب أن أقول إن ديانتي - من الناحية الغيبية - تشبه بل تطابق ديانة سبينوزا. أي إن ~~المادة والقوة شيء واحد ليس بينهما انفصال. وكذلك الشأن في العقل والجسم. # وليست هناك نهضة عالمية - كالثورة على المظالم أو التجديد للمبادئ أو الدعوة إلى الإخاء ~~والمساواة والحرية - إلا وهي تسير على الأسلوب الديني. حتى لتتجاوز المنطق إلى الإيمان، ~~وتسرف وتشط في ناحية الغيرة والتضحية والحب ضد الأنانية والاستئثار والبغض. فهي ملهمة ~~بالروح الديني، ولن تنجح إلا به. ولذلك كثيرا ما نجد الدعوة إلى الاشتراكية الحزبية تستحيل ~~إلى دعوة دينية عالمية تغمرها الحماسة ويتغلب فيها الإيمان. وحركتنا نحن في مصر في سنة 1919 ~~لم تنجح إلا بمقدار ما كان فيها من الحماسة والإيمان أي بمقدار ما كان فيها من طرب الدين. ~~وهي لم تتقهقر إلا بمقدار ما فقدت من هذا الطرب الديني بتفشي الأنانية والاستئثار ~~والبغض. # ولن تعود دعوتنا الوطنية في مصر، دعوة الحرية والإخاء والمساواة إلا إذا أحدثت لنا - كما ~~كانت تحدث في سنة 1919 - طربا دينيا يتألف من الحماسة والإيمان والحب والتضحية. # وأخيرا يجب أن نقول حين نتكلم عن ديانتنا، كما يقول أندريه جيد: «لست كائنا أبدا؛ إنما ~~أنا صائر.» وبكلمة أخرى يجب ألا نجمد ونستقر، بل ننمو ونتطور، وندأب في استخلاص الحقيقة من ~~المعرفة. # | هذا العمر # سن الستين أشبه الأشياء بالقمة نقف عليها في سياحتنا على هذا الكوكب ونسائل: ماذا ~~أفدنا ms165 من الماضي، وماذا ننتظر من المستقبل؟ وفي أعماق العقل الكامن وسوسة كأنها لغط في ~~النفس: سن الستين هي سن الإقالة، يجب أن تقال أنت من الحياة. # وفي هذا العام 1947 الذي أتم فيه هذه السن أجدني قد أخرجت كتابا «كيف نسوس حياتنا بعد ~~الخمسين» وكأنه احتجاج على الشيخوخة، ولو أن مي كانت حية لقالت لي على عادتها: ها أنت ذا ~~تتشاءم وتحاول أن تتفاءل، تحس الضعف فتتخذ القوة. # ولكني كنت أجيب بأني ما زلت أحس حماسة الروح بل غلواءه، وإني أستطلع الدنيا كما لو كنت ~~طفلا. وحسبي هذا برهانا على أني بعيد عن الشيخوخة. # وأعود إلى أيام الطفولة والصبا بل الشباب أيضا، فأجد أني - من حيث التعلم المدرسي أو ~~الجامعي - عشت في صحراء لم أنتفع بشيء منها. وإنما كان انتفاعي بما كسبت من تربيتي الذاتية: ~~من جامعة الكتب في اللغتين الإنجليزية والفرنسية، ومن سياحاتي في أوروبا، وأخيرا - ولهذا ~~أكبر قسط في تربيتي - من اختباراتي الشخصية. وقد تكون الفترة التي عشتها وأنا على وجدان يقظ ~~بالحوادث فذة من حيث إنها فترة الانتقال من مجتمع الأمس إلى مجتمع الغد. ومن تحول الإنتاج ~~من النظام القروي الزراعي إلى النظام المدني الصناعي، ومن الغيبيات إلى الماديات. والحق أني ~~لا أكاد أعرف عصرا تجمعت فيه عوامل اقتصادية واجتماعية انقلابية مثل عصرنا هذا؛ فإن الفترة ~~التي تقع بين 1900 و1950 هي تاريخ بشري يزيد في مغزاه ونتائجه للمستقبل على القرون التي تقع ~~بين 500 و1500. أجل! لقد عشنا بسرعة في هذه الفترة بل هرولنا نحو المستقبل. وهناك من تخلفوا ~~لأنهم لم يطيقوا هذه السرعة أو الهرولة، فلهثوا وعرقوا ثم قعدوا وبعد أن قعدوا واطمأنوا ~~أخذوا يحفظون عن «ظهر قلب» قواعد الفعل الماضي في حين بقينا نحن في الهرولة نحو المستقبل. ~~وليس شك في أننا نعثر، ولكن العثار مع السعي خير من السلامة مع القعود والركود. # والتربية الحقيقية - وهي ثمرة العمل لكل إنسان - هي في النهاية اختباراته طوال حياته. ~~وليست هذه الاختبارات هي ما يقع لنا بل ms166 هي الرجوع والاستجابات لما وقع لنا. ونحن نختلف ~~كثيرا في هذا؛ فإن هناك من يستجيبون بالصدود والاعتزال، وهناك من يستجيبون بالإقدام ~~والمكابدة. وهؤلاء هم الذين ينتفعون بالاختبارات. أما المعتزل الذي يؤثر السلامة بالصدود ~~والاعتزال والإحجام والانكفاف فهو ميت حتى لو طال عمره إلى المائة؛ لأن الحياة لا تقاس ~~بالطول وحده إذ إن لها عرضا وعمقا أيضا، ولا يكون لها العرض والعمق إلا بأن ننغمس فيها ~~ولا نقف على ساحلها متفرجين بل نقتحم عبابها ولو تعرضنا بذلك للموت المبكر. # وفي كل حياة من المصادفات ما يعد حسنا أو سيئا، وبعضها يقود إلى النمو والخصب، ~~وبعضها يؤدي إلى البوار والدمار. ومصر نفسها مصادفة سيئة لكل مصري من حيث إنها مأساة ~~جغرافية. إذ هي تقع في ملتقى القارات الثلاث الكبرى، كما أنها تقع في طريق الملاحة بين آسيا ~~وأوروبا. ثم هي فوق ذلك تخلو من الجبال التي تيسر الدفاع؛ ولذلك وقعت في أسر الغزو ~~المتكرر. وكان آخر غزاتها هؤلاء الإنجليز الذين أحالوها إلى عزبة للقطن ومنعوا عنها الصناعة ~~والتعليم، وأيدوا الرجعية وضربوا أبناءها المخلصين الثائرين على الاستبداد، وعمموا فيها ~~الفاقة والجهل والمرض. # ونحن المصريين جميعا سواء في هذه الكارثة، كارثة هذه المصادفة التاريخية بغزو الإنجليز ~~لوطننا وبقائهم فيه أكثر من ستين سنة، يفرضون علينا القيود ويقيمون السدود ويحالفون ~~الرجعيين لقمع الروح المصري. وكثير مما عانيته في حياتي من المصادفات السيئة التي عطلت ~~نشاطي وبعثرت قواي يرجع إلى هذه المحالفة القائمة بين الرجعيين المصريين والمستعمرين ~~الإنجليز فيما اتفقوا عليه من قيود للحرية كانت تضطرني إلى أن أدرج بدلا من أن أطير. بل ~~كانت تضطرني أحيانا كثيرة إلى أن أقعد بدلا من أن أدرج. وهناك من الكتاب في مصر من ~~استسلموا لهذه القيود وارتضوها، بل صاروا يخيفون الجمهور من الحرية وينعون ما فيها من ~~استباحات تؤدي إلى أخطار. ولكني لم أدخل قط في معسكرهم إذ لا أطيق العمل في هذا الجو ~~الخانق للضمير والذهن. # أما مصادفاتي الحسنة التي أخصبت حياتي فكثيرة، أذكرها بالشكر للأقدار التي ms167 هيأتها لي. ~~وأولها وأكبرها قيمة أني لم أعرف قط الحاجة المالية الملحة. وكذلك لم أعرف الترف ~~المخدر،فأنا أتمتع بذلك القلق الذي يبعث على الاهتمام اليقظ المنبه، ولكنه قلق لا يؤدي ~~إلى الهم المرهق المجمد. ثم صادفتني مصادفة حسنة أخرى هي أني عرفت اللغتين الفرنسية ~~والإنجليزية في سن مبكرة. وقد وصلتا بيني وبين الثقافة العالمية العصرية. ولذلك ارتفعت ~~اهتماماتي من المشكلات «القروية» الصغيرة التي تحفل بها صحفنا من جرائد ومجلات إلى مشكلات ~~عالمية بشرية منبسطة الآفاق. # ثم هناك مصادفة أخرى مؤلمة للعالم منبهة لرجال الذهن. فإني عشت عمري فيما بين 1887 و1947 ~~في عصر انقلابي انفجاري رائع من حيث الاكتشافات والاختراعات والثورات؛ لأنه عصر المعارك ~~التاريخية والصراع الخطير بين مجتمع آفل وبين مجتمع بازغ. كأن حوادث ألف سنة قد تجمعت في ~~بؤرة زمنية، كما يتجمع ضوء الشمس من العدسة. فصرنا نرى الانقلاب تلو الانقلاب، والعالم ~~يعاني الآلام من هذه الانقلابات التي تنبه المثقفين إلى الدرس وتحرك ذكاءهم وتبسط ~~لهم رؤيا زاهية للمستقبل لا يراها غيرهم في السعادة القادمة من خلال المخاض الحاضر ~~وآلامه. # وعندما أعرض لحياتي الماضية أجدني ممتازا امتيازا واضحا جدا بصفة طفلية هي ~~الاستطلاع. وهذا الاستطلاع يحطم القيود التي وضعها العرف أو كثيرا منها، فيتسع ميدان ~~الاختبارات ويزيد بذلك الوجدان. وهذا الاتجاه نفسه - أي الانتفاع بالاختبارات - يغير القيم ~~والأوزان بحيث إن ما يعده غيري نكبة قد أعده أنا نعمة؛ لأن له قيمة لا يراها هو في التربية ~~والتنوير والنمو. فقد وقعت بي كوارث وأحزان أحمضت حياتي فترة. ثم اكتسبت من الكوارث نورا ~~وحكمة، كما اكتسبت من الأحزان حنانا ورقة، لا أحب أن أفقدهما. أجل! لقد تضورت من الألم حين ~~مات ابن أختي وهو في السنة الأخيرة بكلية الطب، وبقيت في نفسي لوعة تمزقني كلما ذكرته. ولكن ~~هذه اللوعة قد استحالت بالزمن إلى حنان رخيم لا أحب أن أفقده. وكذا الشأن في جميع الأحزان ~~الماضية تطفئ كيمياء الزمن نارها وتحيلها إلى ذكريات رفيقة تؤنس ماضينا. ولذلك أكنز هذه ~~الذكريات وأستثيرها ms168 بعد عشرين أو ثلاثين سنة للذة لا للألم، مع أن وطأتها حين وقوعها كانت ~~بمثابة الصدمة التي تذهل وتجمد. # وأظنني أمتاز أيضا بعقل حر مفتوح يحسن الضيافة للآراء الجديدة. وليس لي فضل في هذا، ~~وإنما هو الفضل للغتين الإنجليزية والفرنسية اللتين أتاحتا لي الاتصال الدائم بالثقافة ~~الأوروبية العصرية. وهي تمتاز بالحرية المستفيضة كما يمتاز المجتمع الأوروبي بحرية ~~واسعة لا يعرفها المجتمع المصري. ومن هنا أصبحت ثقافتي ارتيادية أتحسس الجديد في الآراء ~~وأعرضه على مجتمعنا كي أوقظه إلى الحياة العصرية. ومن هنا كان ما يبدو من أني يساري متطرف، ~~مع أني لو كنت في مدينة أوروبية لكنت أعد عاديا ليس بي أي تطرف. وليس شك أن بعض ~~اتجاهي هذا يعود إلى أني مسيحي لا أحس أني مقيد بتقاليد الأكثرية في مصر. # ولو سئلت ما هو «بيت القصيد» أو «إيماءة حياتي» كما تبدو من مؤلفاتي وسيرتي واتجاهي، لقلت ~~إنها الحرية. فإني أحب عرابي وفولتير لدفاعهما عن الحرية كل في ميدانه. وقد ألفت كتابين عن ~~حرية الفكر. وأحب كتاب «الجمهورية» لأفلاطون و«الإنسان والسبرمان» لبرنارد شو؛ لأنهما ~~يتجردان من التقاليد في بحث «التأصيل» البشري. وأحب إبسن في «بيت عروس» لأنه يبسط آفاقا ~~جديدة للحرية في شخصية المرأة. # وأنا الآن في الستين أعد نفسي صائرا ولست كائنا كما يقول أندريه جيد. ولذلك أعنى بأن ~~أتعلم كلمة جديدة أو أشرع في دراسة علم جديد أتغير أو أتطور به. وفي هذه الأيام مثلا أجد ~~أني مزحوم بدراسات كثيرة، منها هذه السيمية أي علم اللغة من حيث صحة التعبير وملاءمته. كما ~~أن اهتماماتي بالسيكلوجية والتطور والاجتماع تجعلني أشكو قلة الفراغ. وفي العالم الآن ثقافة ~~جديدة قد تجرثمت في بداية هذا القرن وهي الآن تتبلور وتتجوهر، هي ثقافة عالمية غير وطنية ~~أحس أني من أبنائها ودعاتها. وقد أثبتت لنا القنبلة الذرية ضرورة الاتجاه العلمي وخطورته ~~معا؛ لأن الحضارة القائمة - حضارة السادة على هذا الكوكب - هي حضارة العلوم المادية، ~~والأخطار القائمة هي أخطار العلوم المادية. ولذلك فإن الأمة التي تهمل ms169 العلوم إنما تهمل ~~حياتها. وقد حاولت في مصر طيلة حياتي الماضية أن أعمم التوجيه العلمي بمؤلفات شعبية ~~مختلفة. وكثيرا ما نبتت الخصومات بيني وبين بعض الكتاب على هذا الأساس؛ أي إني كنت ~~أنتقص قيمة مؤلفاتهم لأنها لم تكن تتجه الاتجاه العلمي أو على الأقل كانت تتجاهل الأسس ~~العلمية وتستسلم لمزاعم غيبية تافهة. ولذلك تعد مؤلفاتي من أدوات التطور الذهني في مصر، ~~وليست كذلك مؤلفات كثير من الكتاب الذين عاصروني. ففي الوقت الذي كنت أؤلف فيه عن ~~«العقل الباطن» أو «نظرية التطور وأصل الإنسان» أو «البلاغة العصرية واللغة العربية» أو ~~«حرية الفكر» ثم «حرية العقل» أو «غاندي والحركة الهندية» أو نحو ذلك مما يوجه ويغير، ~~كان غيري يؤلفون عن الخلفاء الراشدين أو الأمويين أو العباسيين! أجل، كنت أنشد الآفاق ~~وأرتاد المجاهل في الوقت الذي كانوا هم فيه يشرحون لقرائهم قواعد الفعل الماضي. مع أن هذه ~~القواعد معروفة ومشروحة في مئات الكتب القديمة ولا تحتاج إلى زيادة في الشرح والإيضاح. فإن ~~جميع الذين كتبوا مثلا في ترجمة عمر بن الخطاب لم يكتبوا عنه بأوفى مما كتب ابن أبي الحديد ~~منذ نحو ألف سنة. وجميع الذين يخرجون لنا من وقت لآخر تراجم عن أبي نواس أو المهدي أو ~~المأمون لم يزيدوا كلمة عما كتبه مؤلف الأغاني أو غيره من المؤلفين القدماء. ولكن الجمهور ~~الذي يتعطش إلى الثقافة العصرية كي يفهم الحضارة العصرية لا يجد غير هذه الموضوعات القديمة، ~~فيبقى - أي هذا الجمهور - قديما غير عصري. # وهناك أشياء آسف لها كثيرا، منها أني عطلت عن الكتابة إلا تحت أعين المراقبة نحو خمسة ~~عشر عاما في الحربين الكبريين؛ إذ حتم علينا الإنجليز ألا ننشر حرفا في جريدة أو مجلة أو ~~كتاب إلا بعد أن يقرأه رقيب. وقد قرئت لي كتب في الأدب والعلم وحذف الرقيب منها ما شاء ~~... وهذا التعطيل قد جمد فكري مدة طويلة؛ لأن قطع التفاعل بين المؤلف وبين الجمهور يجعل ~~الثقافة محدودة. لأن الثقافة اجتماعية لا نهتم بها إلا في مجتمع حي ms170 يوافقنا أو يعارضنا، ~~ولكنه في كلتا الحالين حي ينبهنا. وقد قطع الاستعمار البريطاني بيننا وبين الجمهور هذه ~~السنين الطويلة، فقطع عنا بذلك التنبيه الذي كان يحركنا إلى التفكير والدراسة الخصبة، كما ~~قطع عن الجمهور التنوير الذي كان يحتاج إليه. # وشيء آخر آسف له هو أن الحكومة المصرية - بإيعاز المستعمرين الإنجليز أيضا - قد سنت ~~قانونا تستطيع أن تحرم به أي مصري خارج القطر من رعويته المصرية، ويكفي لذلك قرار من مجلس ~~الوزراء بلا محاكمة أو دفاع. وقد منعني هذا القانون من أن أترك مصر منذ عشرين سنة، مع أن ~~مثلي يحتاج أن يزور أوروبا مرة كل عام أو كل بضعة أعوام حيث يتجدد بالإيحاء أو التغيير ~~الذهني والترفيه النفسي. # ولكن المتسلطين الذين يعيشون في مصر بالامتيازات القديمة - هذه الامتيازات التي هي فضيحة ~~مصر الآن في جميع المحافل المتمدنة - يخشون رجلا مثلي يسارع إلى شرح الآراء الجديدة ~~والإصلاحات العصرية. فما هو أن أضع قدمي في باريس حتى أجد قرارا بحرماني من الرعوية ~~المصرية؛ وعندئذ يجب أن أتسكع سائر عمري إلى أن أموت خارج وطني بعيدا عن أولادي. ولهذا ~~آثرت البقاء في القاهرة على التسكع - بلا وطن - في مدن أوروبا. وظني أن هذا القانون سيبقى ~~إلى أن أموت. ولن أرى أوروبا التي تشع أنوارها على هذا الكوكب. # وأخيرا أعود إلى السؤال الذي لا يفتأ يتكرر: هل ربيت نفسي؟ # وهذا السؤال يعيد إلى ذهني وصف ه. ج. ولز للوزير البريطاني الكبير جلادستون بأنه لا ~~يعد متعلما أو حاصلا على تربية، وذلك لأنه «كان يجهل الأثنولوجية - أي علم وصف ~~السلالات البشرية وخصائصها - وأن رؤيته للتاريخ كانت ناقصة؛ لأنه لم يكن يدري الصورة ~~الحقيقية للجيولوجية - أي علم طبقات القشرة الأرضية وتاريخ الأحياء - كما كان يجهل الأفكار ~~الابتدائية عن البيولوجية - أي علم الحياة - وكذلك كان يجهل العلوم الاقتصادية والاجتماعية ~~والسياسية العصرية والآداب والفكر الحديث.» # وإذا قست نفسي بهذا المقياس الذي عينه ولز كي يبرهن على جهل جلادستون فإني أجد أني حاصل ~~على هذه التربية التي قصدها؛ لأني ms171 أدري كل هذه الأشياء التي ذكرها وأكثر منها مما يجري على ~~طرازها. والحقيقة أن الذين يستطيعون أن يسموا أنفسهم ممتازين بتربية صحيحة في أيامنا قد ~~لا يبلغون واحدا في الألف، والبرهان على هذا أن الذين يفهمون مثلا النظرية النسبية ~~لأينشتين أو الطاقة الذرية قليلون جدا. وهذه القلة ترجع إلى أن وسائل التربية معدومة أو ~~نادرة في بقاع كثيرة. وذلك الذي يصل - على الرغم من كل ذلك - إلى تربية تكاملية حاوية بحيث ~~تتسع عنده المعارف وتتكامل وتتناسق، هذا الرجل، يحتاج إلى أن يفني العمر كي يحقق هذه ~~الغاية. وطلب العيش يحول دون ذلك عند 999 في الألف من الناس. # الواقع أن الذين يقودون العالم منذ أيام جلادستون إلى الآن كانوا - ولا يزالون - في عداد ~~الجهلة. فقد روى ولز مثلا عن جلادستون أيضا أن السر جون لبوك رافقه في زيارة لداروين. ~~فكان طوال وقته يتحدث عن المشكلة البلغارية كأنها كل شيء في وجدانه، أي إنه لم يكن يدري ~~القيمة البشرية الكبرى لنظرية التطور التي أخرج داروين إنجيلها للعالم. ولكن أليس هذا حال ~~الساسة إلى الآن، هل وزراء بريطانيا أو فرنسا أو الولايات المتحدة أو مصر في 1947 أفضل من ~~حال جلادستون في 1870؟ # إن العالم منكوب بتقاليد في التربية والتعليم. وفي المدارس والجامعات رواسب ثقافية تبلد ~~الذهن بل تحول دون التفكير. كأن هناك محظورات لا يجوز التفكير فيها. اعتبر مثلا هذا الفقر ~~المصنوع في العالم. فإن الإنتاج الزراعي ثم الإنتاج الصناعي يكفيان - مع التنظيم - كي يعيش ~~كل فرد على هذا الكوكب وهو موفر الطعام والكساء والمسكن، آمن على نفسه وجسمه من المرض ~~والجريمة، متعلم أقصى تعليم، مستمتع بالفراغ الذي يمكنه من زيادة معارفه. ولكن الساسة ~~الذين يتولون شئون هذا العالم لا يزالون في مستوى جلادستون يهتمون بمشكلة بلغاريا أكثر ~~مما يهتمون بنظرية التطور. والعجب أنك عندما تبحث في مشكلة بلغاريا تجد أنها نبتت من ~~الجهل أيضا، وأن الذين يحاولون حلها جهلاء يثرثرون وهم يعتقدون أنهم يفكرون. # وقد سبق أن قلت إني لا آسف ms172 كثيرا على أني لم أتخصص؛ لأن الاختصاصيين - كما أرى في ~~أخلاقهم - لا يتوسعون أو يتعمقون في الدراسات التي لا تمس العلم أو الفن الذي اختصوا فيه. ~~وأعتقد أحيانا أن الزهو هو الذي يمنعهم من هذا التوسع أو التعمق، وأنهم يحسون استكفاء ~~ذاتيا لا يحتاجون معه إلى زيادة. وأقول في نفسي عندئذ إني لست كذلك وإني لو كنت قد تخصصت ~~في علم تجريبي لما زهيت. ولكن هذا الفرض ليس سيكلوجيا لأنه يتجاهل العواطف الاجتماعية. ~~ولكني لا أشك أني بعيد عن الزهو في غير تعمد أو تكلف، وأن بعدي عن الزهر هو الذي ~~يجعلني أتابع الثقافة بروح الطالب، وهو الذي يجعل أسلوبي خاليا من التفصح. وكثير من ~~الكتاب يتفصح في خيلاء وزهو؛ لأنه يسلك في حياته وأخلاقه سلوك الخيلاء والزهو. ولهذا ~~السلوك أثره في نفسه لأنه يحمله على الاستكفاء فلا يدرس ولا يتزيد من المعارف. ولذلك أستطيع ~~أن أجزم بأن التفصح في الكاتب برهان على كراهة التزيد أو التطور في الدراسة. وليس هذا ~~لأن التفصح يشغل وقته بل لأنه يكسبه زهوا فيقنع بالخيلاء والتبختر. وفي ذهني الآن ~~كاتب من هؤلاء المتبخترين يكتب من وقت لآخر عن الأخلاق. قعدت إليه ذات مرة أحدثه عن ~~الأخلاق وأنها هي والاجتماع ثمرة الوضع الاقتصادي. فلم ألق منه غير الضحك. فانتقلت من ~~البيئة إلى الوراثة وذكرت له كاتبا هو كرافت أبنج عن «السيكوباثية الجنسية» فلم أستنبط منه ~~غير الدهشة. أجل! إن تفصحه المتحذلق قد حال بينه وبين تربية نفسه؛ إذ هو قانع بهذه ~~الخيلاء اللفظية وسيموت بها جاهلا لشئون هذا الكوكب الذي عاش عليه. # ولذلك أعتقد أن أعظم الوسائل للتربية هو الاتجاه. أي كيف نتجه في هذه الدنيا وبماذا نهتم؟ ~~نهتم باقتناء الفصاحة أم باقتناء المعارف؟ بمشكلة بلغاريا أم بنظرية التطور؟ نهتم بأن نكون ~~وجهاء نسير في خيلاء وزهو أم عقلاء نفكر في سداد وفهم؟ # وفي عصرنا هذا يجب أن نقيس التربية الحقة بأدق وأكبر من المقياس الذي وضعه ه. ج. ولز؛ ~~ولكن عندئذ لا نجد أحدا ms173 - ولا واحدا - يمكن أن يقال إنه حاصل على تربية حقة. فإن العلوم ~~خاصة والثقافة عامة مشتتة غير منظمة، وتحصيلها لهذا السبب شاق، وأعمارنا تفنى في ~~محاولات عقيمة وإن تكن مخلصة للتعلم. حتى إذا انتهينا إلى الطريقة واهتدينا إلى المنهاج ~~وجدنا أن الشباب قد ولى. # وقد يبعثنا هذا إلى القول بأن العمر يجب أن يزيد حتى يبلغ المائة سنة مثلا، فنجني في ~~العقود الأخيرة ما جهدنا لأجله واختبرناه في العقود الأولى. ولكن قبل ذلك يجب تنظيم المعارف ~~ومناهج الدراسة وترقية الصحافة حتى تعود جميعها أدوات ووسائل للتنوير؛ لأن الواقع أن بعضها ~~الآن أدوات ووسائل لتبليد الأذهان ومطاردة الذكاء، ونشر الظلام. والعالم حافل بالتباسات ~~واستغراضات للجهل الفاشي، هذا الجهل الذي يجد دعامة بين المعلمين والأدباء والفلاسفة ~~الذين يدعون إلى مزاعم وعقائد يوحون منها إلى القراء والمتعلمين بأنها آراء وحقائق. وقد سبق ~~أن عانى جوتيه مثل هذه الحال حين قال: «ليس هناك أفظع من الجهل النشيط.» # وإذن أجيب على سؤالي: هل ربيت نفسي؟ بأني ما زلت «صائرا» في سياق التربية. وأني أسر حين ~~أحس أن لي شخصية نيوروزية قلقة مستطلعة أطمع في أكثر مما أستوعب، وأن الثقافة تحتل المكانة ~~الأولى من اهتماماتي. بل أحس أحيانا أنها الاهتمام الوحيد؛ حتى إني لأفجأ نفسي من وقت لآخر ~~بخطاب يرسله إلي صديق فأرجئ فتحه إلى الغد كي أتصفح كتابا جديدا هذا اليوم. # وأسر أيضا حين أجد أن القيم البشرية عندي تأخذ مكان القيم الاجتماعية. وعندي أن هذا ~~الانتقال هو البرهان في عصرنا على الحكمة والفهم. فإن القيم الاجتماعية - بإلحاح العادات ~~والتقاليد - تغمرنا وتقيم في نفوسنا «عواطف» تحملنا على السعي والجهد لما يسمونه «منافسة» ~~وأحرى أن يسمى «محاسدة» لاقتناء أتومبيل أو عزبة أو لقب أو نحو ذلك مما يحملنا المجتمع ~~على احترامه. وكثير من الناس يموتون شهداء هذا الجهد السخيف. وحين ننتقل إلى القيم البشرية ~~نجد أن حياة الصحة والصلاح الاجتماعي والفهم والقناعة بالحاجات الضرورية والاستمتاع بما في ~~الدنيا من أطايبها المجانية خير ألف مرة بل مليون ms174 مرة من تلك القيم الاجتماعية. وليس في ~~الدنيا ما يعدل فنجانا من الشاي أو كسرة من الخبز مع الجبن تحت ظل شجرة - كما قال ~~الإمبراطور أوريليوس - أو قراءة كتاب منير أو الحديث إلى المجرة في منتصف الليل في الريف أو ~~تحية الشمس في بزوغها أو - حين أكتب - البحث عن بشائر المستقبل والتشبث بها وشرحها في ~~مقال أو كتاب. # وإذا سأل القارئ: ماذا تستنتج من اختباراتك، وما تكهناتك للمستقبل بعد أن قضيت نحو أربعين ~~سنة وأنت على اتصال وجداني بالعقل العام على هذا الكوكب؟ # فإني أجيب بأن الحاضر يومئ إلى المستقبل إيماءة واضحة نراها بالعين وأحيانا نسمعها صاخبة ~~بالأذن، هي الاشتراكية التي سوف تعم الدنيا كلها. وليس هذا لأن الناس سيتحولون من أشرار إلى ~~أبرار، بل لأن الإنتاج الصناعي سيحتم ذلك. كما سيحتم توافر النقل وضرورة التجارة - على ~~أبعاد كوكبية - أن يحال العالم إلى دولة واحدة تتجه نحو ثقافة واحدة ولغة واحدة. # وهذا النظام الاشتراكي العام سوف يرفع المرأة من الأنثوية إلى الإنسانية؛ لأنه من جهة ~~سيفتح لها أبواب العمل والاختبار والتعلم كالرجل سواء، كما أنه من جهة أخرى سيغنيها عن ~~عناء الواجبات المنزلية العديدة. وليس هذا لأنها ستترك المنزل بل لأن كثيرا من الواجبات ~~المنزلية ينتقل بالحضارة إلى خارج المنزل. ويتضح هذا من المقارنة في مصر بين المرأة في ~~الريف والمرأة في المدينة. فإن الأولى تعجن وتخبز وتحلب البقرة وتصنع الجبن وتخيط ملابسها ~~وتحمل جرة الماء من الجدول وتجمع الوقود إلى غير ذلك من الواجبات التي لا تعرفها المرأة في ~~المدينة. ثم المقارنة بين المرأة في القاهرة والمرأة في نيويورك تزيدنا فهما بأن الحضارة ~~تلغي الواجبات المنزلية التي ترهق ربات البيوت الآن وتحول بينهن وبين العمل في الخارج أو ~~بين تربية أنفسهن. ولذلك نحن صائرون نحو تحقيق الرؤيا التي حلم بها إبسن في شخصية «نورا» ~~هذه الأنثى التي أصرت على أن ترتفع من الأنثوية إلى الإنسانية. # وأستطيع أن أستنتج من حياتي الماضية أن أعظم العقبات التي تؤخرنا في مصر كما ms175 تؤخر كثيرا ~~من أمم آسيا وأوروبا - بعد الاستعمار - هي هذه الرواسب من الثقافات والتقاليد والغيبيات ~~الفرعونية والبابلية وأمثالها التي انحدرت إلينا. وهي تتخذ ألوانا من الصيغ والأساليب، ~~وتعترض عجلة التاريخ وتعوق التطور. والبيئة الصناعية وحدها هي التي تحطمها؛ لأنها - أي هذه ~~البيئة - لا تنهض إلا على العلم. وهو نار كاوية تحرق جميع الرواسب وتبدد عفنها هباء. # والحضارة الجديدة المنتظرة هي الحضارة الصناعية، هي الحضارة التي لا يبعد أن تلغي ~~الزراعة من العالم. وليس هذا بالعمل العظيم المستحيل كما يتوهم بعضنا؛ فإن الكيمياء ~~الصناعية تصنع الآن مركبات كيماوية عديدة كان صنعها قبل هذا القرن مقصورا على الجسم ~~الحي نباتا كان أو حيوانا. فإذا استطاعت الكيمياء الصناعية أن تصنع مادة البروتين فإن ~~الزراعة تعود عناء لا ضرورة له بتاتا وعندئذ يحال العالم إلى حدائق وغابات تعنى بها ~~الطبيعة وحدها. وإذا كنا نظن أن صنع البروتينات لا يزال بعيدا فيجب أن نذكر الطاقة الذرية؛ ~~لأن أي إنسان منا، لو أنه - قبل خمس سنوات - سئل أيهما أقرب إلى خيالنا: استخدام الطاقة ~~الذرية قنابل للتدمير أو صنع البروتين كيمائيا، لظن هذا الثاني أيسر بكثير من ~~الأول. # وظني أيضا أن الزمن ليس بعيدا حين نشرع - حتى في مصر - في تطبيق نظرية التطور بالانتخاب ~~التناسلي؛ أي اليوجنية. وفي العالم نحو أربعين دولة متمدنة تمنع غير الصالحين للتناسل من أن ~~يعقبوا. والأمة التي تعارض في مثل هذا الإصلاح ستتخلف في ميدان التطور البيولوجي أي الرقي ~~البشري الصميم. # وأخيرا أقول إني أرى إيماءة ثقافية جديدة هي التخلص من المذهب الانفصالي - مذهب ديكارت ~~الذي يفصل بين الروح والجسم، أو بين الحياة والمادة، أو بين العقل والمادة - إلى المذهب ~~الاتصالي الذي يقول بأن القوة هي المادة المتدفقة، والمادة هي القوة المتجمدة. وفي هذا ~~القول وثبة ثقافية واسعة إلى المستقبل سوف تكون كبيرة الأثر في الحضارة القادمة. وقد سبق ~~للفيلسوف العظيم سبينوزا أن نبه إلى ذلك في لغة فلسفية ونحن نقتنع هذه الأيام بصحة تفكيره ~~عن طريق العلم التجريبي، ونصل إلى وحدة ms176 وجودية في الطبيعة ثم نتدرج إلى ما يلائمها في ~~المجتمع. # وعندما أرتفع إلى هذا التفكير أحس أن كثيرا من الاهتمامات بل الهموم الوطنية التي ~~حجبت النور وعكرت الصفاء اللذين كنت أنشدهما في حب وولاء بشريين، هذه الهموم تذوب وتتبدد. ~~أجل! إني أحب أن أعترف. فإني ما كتبت كلمة واحدة ضد المستعمرين الإنجليز إلا وأنا في ~~ألم وارتعاش وأسف أكثر مما أحس من غيظ وحنق وكفاح. وكذلك كان الشأن عندما كنت أكافح، ~~الرجعيين المستغرضين والجهلاء النشيطين من المصريين. فإني أخجل حين أقول إني أحب جميع هؤلاء ~~الإنجليز المستعمرين والمصريين المستبدين. وفي نفسي رجاء بأن يتغيروا وأن يروا رؤياي وأن ~~ينسلخوا من الاستعمار والاستبداد، ويفتحوا عقولهم للثقافة الجديدة: للحرية والإخاء ~~والمساواة. وجميعها مستطاع لو أنهم كفوا عن «الجهل النشيط» الذي يمارسونه. # وقد احترفت الثقافة وقضيت عمري أقرأ وأكتب. وزادتني هذه الحرفة وجدانا بالدنيا، كأني أحس ~~أكثر وأرى أبعد، حتى لقد صغرت همومي الشخصية إلى جنب اهتماماتي العامة. ودراستي للأدب ~~وللفلسفة قد أوهجت خيالي وأحدت ذكائي. ثم انعكست هذه الدراسة إلى حياتي فأصبحت قيمي ~~وأوزاني الخاصة قيما وأوزانا أدبية وفلسفية. ولذلك كثيرا ما أنصح للشبان بأن يقرءوا ~~الأدب والفلسفة، وأن يحاولوا كتابة القصة وقرض الشعر؛ لأنهم وهم في هذا النشاط يتخيلون ~~الحال المثلى ويصعدون بأذهانهم إلى السماء ويختارون أسمى المعاني وأنصع الكلمات. وكل هذا ~~ينعكس على حياتهم الخاصة فيرتفعون عن التبذل ويحيلون حياتهم إلى فن جميل. # لو أني مت ثم بعثت وخيرت في الحرفة التي أحترف لما اخترت خيرا من أن أقرأ ~~وأكتب. ولكني مع ذلك سوف أموت وفي نفسي شيء من الطاقة الذرية؛ لأنه يجب على كل إنسان في ~~عصرنا أن يستوفي ثقافة علمية معينة يدرك منها هذا المنهج البشري الجديد للتسلط على ~~المستقبل. ولم أجد الفرصة لهذه الثقافة كما كنت أشتهي وإن كان حظي منها قد يحسدني عليه ~~غيري. أجل! لقد تركت الطاقة الذرية في نفسي مركب نقص أعانيه في ألم كل يوم. # | من 1919 إلى 1947 # رأيت الحكم البريطاني في ms177 مصر فيما بين 1900 و1919 وأنا على وجدان بتصرفاته واتجاهاته. ~~ورأيت الحكم «المصري» فيما بين 1919 و1947 وأنا على وجدان أيضا بتصرفاته واتجاهاته. وقد ~~قلت «المصري» بهذه الصيغة الكتابية لأنه لم يكن في كثير من الأحيان مصريا بحتا؛ إذ كانت ~~اليد الإنجليزية تعلوه وتقوده إلى الفساد والشر. فإن الإنجليز هم الذين جعلوا زيور باشا يحل ~~البرلمان في 1925 في نفس اليوم الذي عقد فيه. وهم الذين سلطوا علينا إسماعيل صدقي فيما ~~بين 1930 و1934 كي يضرب الأمة بالسياط والبنادق. وهم الذين حملوا محمد محمود باشا في 1929 ~~على أن يعطل البرلمان ثلاث سنوات «تقبل التجديد». ولكننا مع ذلك مضطرون إلى أن نسمي ~~هذا الحكم فيما بين 1919 و1947 مصريا؛ لأن الأيدي التي أنفذت السياسة كانت مصرية. وكانت ~~تستطيع أن تكف الأذى عن الوطن لو أنها شاءت. # فيما بين 1900 و1919 كانت السلطة الإنجليزية صريحة. فقد تعلمت أنا الجغرافيا في السنة ~~الثانية الابتدائية حوالي 1900 باللغة الإنجليزية وكان كل التعليم بالمدارس الثانوية - فيما ~~عدا اللغة العربية طبعا - باللغة الإنجليزية في جميع المواد. وكنا لا نستطيع أن نحل مشكلة ~~تتصل بالحكومة إلا على يد إنجليزي. ولكن كل هذا أو معظمه تغير بعد 1919. # وأول ما يسأل الإنسان عندما يقارن بين الاحتلال والاستقلال هو مقدار الحرية التي يتمتع ~~بها الفرد. حرية القول والخطابة والصحافة والاجتماع. ومع الأسف بل الألم العظيم يجب أن ~~أعترف هنا بأن هذه الحرية نقصت ولم تزد بعد 1919. فإننا في 1947 أقل حظا من هذه الحريات ~~مما كنا حوالي 1905 أو 1910. وهذا هو ما مارسته بنفسي. ففي 1914 استخرجت «رخصة» لإصدار ~~مجلة «المستقبل» ولم أجد الصعوبات الشاقة التي أجدها أو يجدها غيري في مثل هذا الاستخراج ~~في 1947. بل لقد حاول وزير سابق هو الأستاذ فؤاد سراج الدين باشا استخراج «رخصة» لجريدة ~~يومية في 1946 فرفض طلبه. وقد كنت قبل 1919 ألقي المحاضرة بلا ترخيص من المحافظة في ~~القاهرة. أما الآن فإني أحتاج إلى ترخيص. وأنا أكتب هذه الكلمات في أكتوبر من ms178 1947 وقد بلغت ~~التحقيقات بشأن مقالات أو أخبار الصحف العشرات . وهذا ما لم نكن نعرفه قبل 1919. # وفي 1922 صدر الدستور المصري. وفهمنا منه أنه سيحترم وأنه وثيقة رهيبة يجب أن تستنبط منا ~~إحساسا دينيا لاحترامها. ولكن هذا الدستور استبدل به آخر أيام زيور باشا في 1925. ثم ~~عطل أيام محمد محمود باشا في 1929. ثم ألغي واستبدل به آخر أيام إسماعيل صدقي باشا في ~~1930. وصحيح أن المستعمرين الإنجليز كانوا خلف هذه العربدة في حياتنا الدستورية. ولكن ~~الأيدي المنفذة كانت مصرية. # وكلنا يعرف أن الذين جاهدوا وضحوا هم الوفديون. ومع ذلك حسبت السنوات التي تولوا فيها ~~الحكم فيما بين 1923 و1947، أي نحو ربع قرن، فوجدت أنها خمس سنوات وثمانية أشهر فقط. وحسبت ~~السنوات التي تولى فيها إسماعيل صدقي باشا الحكم، في هذه المدة أيضا وليس له حزب، وليس له ~~رأي عام مصري يؤيده، فوجدت أنها تقارب المدة التي حكم فيها الوفد. فكأن الدستور لم يغير ~~شيئا من أوضاع الحكم التي كانت تشكو منها مصر قبل 1919. وفيما بين 1930 و1934 أوقع بنا ~~إسماعيل صدقي باشا من ألوان الاستبداد البشعة ما اضطره هو نفسه إلى أن يطالبنا بنسيانه في ~~1946. ولم نر قط مثل هذا الاستبداد من الإنجليز قبل 1919 إلا في حادث دنشواي. والمتأمل ~~للكراهة العميقة عند بعض العناصر للوفد يجد أنها ليس لها من سبب سوى أن الوفد هو الهيئة ~~الديمقراطية الشعبية الوحيدة في مصر. # وهذه العربدة في حياتنا الدستورية حينذاك وفي نشاطنا السياسي هي التي انتهت بنا إلى أن ~~ينشأ حزب ديني مثل «الإخوان المسلمين» يتناول السياسة من ناحية الدين، ويجعلنا في شك أو خوف ~~من المستقبل بعد أن كافح لطفي السيد وغيره في فصل الدين من السياسة. فإن «الإخوان المسلمين» ~~يتوسمون في الجامعة الإسلامية من الآمال والآفاق ما كان يتوسمه الحزب الوطني أيام مصطفى ~~كامل من الجامعة العثمانية. وفي هذا تفكيك للوطنية المصرية وتشكيك في قيمتها ومستقبلها. ~~وأنا مضطر أن أصرح بأني كنت متشائما من هذا الاتجاه الذي كان قائما وقتئذ. ms179 # ولكن يجب أن نذكر الكسب أيضا. وهو كسب عظيم. وعندي أن أعظم مآثرنا هنا هو انتقال المرأة ~~من ظلام القرون الوسطى إلى نور القرن العشرين. ويجب ألا يلومني القارئ إذا كررت وأطنبت في ~~هذا الانتقال. فقد رأيت بعيني نسوة مصريات حوالي عام 1898 «يذبحن» الخنافس. فلما سألت عن ~~السبب قيل لي: إنهن يطبخنها ويأكلنها كي يصبحن سمينات بعد النحافة ... ورأيت تلميذات المدرسة ~~السنية حوالي 1903 وهن مبرقعات مع أن أعمارهن لم تكن تزيد على إحدى عشرة أو اثنتي عشرة سنة. ~~وكانت ناظرة المدرسة - وهي إنجليزية - تلح وتصر على التزام البرقع لأنه من «تقاليدنا». ~~والانتقال من هذه الحال إلى «المرأة الجديدة» المحامية والطبيبة والصحفية وسائر نسوتنا ~~السافرات هو آية في الرقي الاجتماعي لا نكاد نصدقها لولا أننا نحسها ونختبرها. والجيل ~~الجديد لا يقدر هذا الارتقاء لأنه لم ير عمق الهاوية التي كنا فيها قبل 1919. وهذا ~~الارتقاء النسوي في مصر هو مرحلة من الرقي الاجتماعي قد قطعناها ولن تستطيع قوة أن ~~تنزعها منا. فقد انتصرنا بها على القرون الوسطى وعلى الشرق معا. # وكذلك كسبنا في التعليم ولكن كسبنا هنا أقل من الارتقاء النسوي. فإني أذكر أني حين كنت ~~تلميذا بالمدارس الثانوية لم يكن في القطر المصري كله غير ثلاث مدارس ثانوية لا تدخلها ~~فتاة. وهي الآن تعد بالعشرات والفتاة تتعلم فيها أيضا بلا عائق. وكذلك الجامعات التي لم ~~نكن في أيامنا ندري معناها، والتي كان الإنجليز يحظرون علينا تأسيسها. # ولكن نهضتنا التعليمية سارت مع ذلك ببطء. ولا تزال بطيئة. وأذكر أن أحد الأمريكيين قبل ~~عشر سنوات سألني عن عدد المدارس الثانوية للبنات فقلت إنها تسع - ولم تكن تبلغ ذلك - فقال: ~~«كنت أنتظر أن تقول إنها تسعون مدرسة.» على أن هذا البطء لم يمنع تخريج ألوف الشبان ~~المتعلمين والفتيات المتعلمات الذين يعتمد عليهم في تكوين رأي عام مستنير سوف يصون ~~الدستور من العبث، ويحمل الحاكمين على مراعاة العدل وإنصاف الأمة في المستقبل. ولكن حماستنا ~~للتعليم قد أعثرتنا فيما يسمى «التعليم الإلزامي» الذي أنفقنا ms180 عليه منذ إيجاد نظامه إلى ~~الآن نحو خمسين مليون جنيه دون أن نستطيع تخريج مصري واحد متعلم منه . وعلة ذلك أنه تعليم ~~يقوم على نظام شرقي غير عصري. # وقد ارتقينا في الصناعة. فصارت لنا صناعات كبيرة. ونسينا الأكذوبة التي كان يشيعها ~~المحتلون البريطانيون بيننا ويطلبون منا تصديقها، وهي أن مصر «بلاد زراعية»؛ وذلك كي يقصروا ~~نشاطنا على زراعة القطن ويمنعونا من الصناعة. أي إنهم كانوا يرمون إلى أن نكون أمة لا تنتج ~~للعالم سوى «المواد الخامة» كما يفعل الزنوج الأفريقيون. وقد اغتصبنا منهم الصناعة والتعليم ~~اغتصابا؛ لأنهم كافحونا فيهما بكل ما قدروا عليه ثم انهزموا. # على أن هناك ما يحزن في حياتنا الاستقلالية أو الدستورية، مع جميع التحفظات الذهنية بشأن ~~التدخل الاستعماري البريطاني فيهما. فإننا منذ 1922 إلى 1947 لم نقم بأي إصلاح يرفع من شأن ~~الفلاح الاقتصادي أو يخفف من كوارث الفقر؛ فإن الفلاح يعيش الآن كما كان يعيش قبل 1919. ~~وقد قرأت هذا الصباح في المصري - 11 أكتوبر 1947 - هذه الكلمات التالية بشأن وباء الكوليرا: # ولم تقع حتى الآن أية إصابة في القاهرة بين أفراد الطبقتين العالية والمتوسطة، ~~وكل ما وقع من الإصابات حتى الآن كان بين أفراد الطبقات الفقيرة. # وهذا بعد أن مضى على تفشي هذا الوباء نحو عشرين يوما. وليس أدل على وهدة الفقر التي ~~يتردى فيها تسعة أعشار الشعب المصري - بما فيها من حرمان وقذارة - من هذه الكلمات. وليس أدل ~~على تقصيرنا في الإصلاح الاجتماعي من هذا الإهمال الفاضح لأبناء أمتنا. بل لقد أصبحنا ~~نتهم بالشيوعية كل من يدعو إلى إصلاح اجتماعي ويبرز فضائح هذا الفقر الكالح الأسود ~~الذي يعيش فيه فلاحونا وعمالنا. وبعض الكراهة للوفد تعزى إلى أنه قد حاول إصلاح هذه الحال ~~فاتهم بالغلو في الديمقراطية التي لا يطيقها المستعمرون الإنجليز والمستبدون ~~المصريون. # ولكن حال العامل في المصانع أرقى بكثير من حال الفلاح في الريف. وهو بقليل من السخاء من ~~الإصلاحات الاجتماعية التي يتمتع بها العمال في أوروبا، يمكن أن يسير إلى مستوى ~~أعلى. ms181 # والمشكلة التي تتحدانا في مصر الآن هي الفقر كيف نعالجه بل كيف نمحوه. ولا قيمة لأية أمة ~~ولا معنى لأي رقي ما لم يكن الهدف هو مكافحة الفقر وما يجر من حرمان وجهل ومرض. أجل ~~مرض الكوليرا الذي يفتك الآن بطبقاتنا الفقيرة لأنها عاجزة عن الحصول على الغذاء الوافي أو ~~النظافة الوافية. # | برنامج السنوات العشر القادمة # في شهر مايو من هذا العام - 1947 - ألقي علي القبض بتهمة إلقاء قنبلة في إحدى الدور ~~السينمائية في القاهرة. وأيقظني البوليس في الساعة الثالثة من الصباح وساقني إلى القسم حيث ~~اعتقلت إلى أن نقلت في الساعة الحادية عشرة إلى دار النيابة للتحقيق. وقد وافق هذا ~~القبض علي بلوغي سن الستين. وهي سن التقاعد في نظر الحكومة المصرية أي السن التي تخور ~~فيها القوى وينحط النشاط ويبدأ الركود. ولكن الحكومة أبت إلا أن تميزني بنشاط الشباب وأن ~~تعزو إلى رعونته. وقد أتاح لي هذا القبض أن أفكر كثيرا وأن أتأمل حال مصر هذه الأيام ~~بحال الأتراك أيام السلطنة العثمانية. وذكرت قصة كان قد قصها علي مصري قبل أربعين ~~سنة. فإنه كان حوالي 1907 قادما من أوروبا إلى الأستانة. وكان يلبس القبعة لأنه لم يكن ~~يرغب في لفت الأنظار إليه إذا لبس الطربوش وسار في شوارع باريس وبرلين وبودابست. وكان ~~طربوشه في حقيبته قد احتفظ به إلى يوم يعود إلى مصر. فلما بلغ عاصمة السلطنة العثمانية وصرح ~~بأنه مصري زمجر في وجهه رجال البوليس التركي وسألوه كيف يكون مصريا يلبس قبعة. لا بد أنه ~~جاسوس. وألقي به في السجن. # فلما دخل السجن وجد صبيين تركيين لا يزيد عمر أكبرهما على اثنتي عشرة سنة. وكانت تهمتهما ~~سياسية ... وقد وجدت سبيلا للمقارنة بين اتهامي بإلقاء قنبلة وأنا في الستين من عمري وبين ~~اتهام صبي في سن الثانية عشرة بقلب نظام الحكم في تركيا. وقلت في حديث النفس وأنا معتقل على ~~الأسفلت في قسم الأزبكية: أنا وهذان الصبيان ضحايا الجهل النشيط في الأستانة والقاهرة على ~~حد تعبير جوتيه. # وأنا ms182 في سن الستين الآن أحس أني «قوي القوى كلها» كما كان يقول الفارابي أو ابن سينا عن ~~نفسه. ولذلك أرى من حقي - أو بالأحرى واجبي - أن أضع برنامجا للسنين العشر القادمة. # وعلى ذكر ابن سينا أقول إني أجد له اختيارا ثقافيا يتفق واختياري. فهو يقول في ترجمته ~~بحياته: «فلما بلغت ثماني عشرة سنة من عمري فرغت من هذه العلوم كلها. وكنت إذ ذاك للعلم ~~أحفظ، ولكنه اليوم معي أنضج. وإلا فالعلم واحد لم يتجدد لي بعده شيء.» # وابن سينا لا يعني بالطبع أن المعارف لم تزد بعد هذه السن. وإنما هو يعني أن المبادئ ~~والنظريات والآراء والاتجاهات التي استقرت عنده حوالي الثامنة عشرة لم تتغير بعد ذلك. وإنما ~~قصارى ما حدث فيها توسع وتعمق أي نضج. وظني أن هذه هي حال الجميع الذين عنوا بالتربية ~~الذاتية. فإني حين أعود إلى «مقدمة السبرمان» التي ألفتها وأنا حوالي التاسعة عشرة وأتأمل ~~الموضوعات التي عالجتها فيها لا أكاد أجد موضوعا جديدا قد درسته بعد ذلك طوال الأربعين ~~سنة الأخيرة. وإنما قصارى ما حدث لي هو توسع وتعمق أي نضج. أي إني أستطيع أن أؤلف عن ~~كل فصل من فصول «مقدمة السبرمان» كتابا برأسه. ولا أعرف وأنا أوشك أن أبدأ العقد السابع من ~~عمري فكرة جديدة لم أومئ إليها في تلك الرسالة التي طبعت في 1909. # وليس كبيرا أن أطمع في عشر سنوات قادمة؛ فإن الطب العصري يتقدم بسرعة وهو معقد ~~الآمال لأولئك الذين ينشدون من الشيخوخة عنفوانا وريعانا. وإذا لم نجد منه الشباب الذي ~~يتيح العدو والوثب «وإلقاء القنابل» في الستين والسبعين فلا أقل من أن نجد اليقظة ~~والقدرة على الاستمتاع مع بقاء الحواس سليمة. ولذلك أرى أنه لا يجوز لي أن أترك هذه السنين ~~العشر الباقية تتابع جزافا بل سأضع لها برنامجا يزيدني توسعا وتعمقا للحياة على ~~مستواها الوجداني في الشبكة الدماغية العالية. # وفي أثناء الحرب الكبرى الثانية كنت أتوق إلى رؤية نهايتها واستقرارها على سلم. ولكني إلى ~~الآن لم أر الاستقرار وإن ms183 كنت قد رأيت النهاية. وهي نهاية مع ذلك تومئ إلى أنها سوف تكون ~~بداية. ذلك أن العالم يسير رويدا نحو «الأزمة الماركسية» في تصادم نظامين يتناقضان. ونحن ~~الآن في طور المهاترة والسباب بين هذين النظامين وعن قريب سنرى التصادم بالقنابل. وسيرى ~~العالم عن قريب هل القرن العشرين هو القرن الأمريكي أو هو القرن الروسي. وأنا متتبع ~~لأطوار هذا الصراع تائق إلى رؤية نتيجته متشائم في انتظار الحرب الكبرى الثالثة. ولكن لا ~~يزال هناك أمل ضعيف بأن العالم يستطيع بالتسويات والتطورات أن يتجنب هذه الحرب. وأنا أقرأ ~~هذه الأيام أخبار الصين وقوانين العمال الجديدة في الولايات المتحدة وتأميم المناجم والأرض ~~الزراعية في بعض أوروبا ... وأيضا أقرأ أخبار التقدم الآلي الصناعي الكيماوي. وأقرن هذه ~~الأخبار وأجمعها في ضوء الأزمة الماركسية التي ينتظر تفاقمها: إنتاج يزيد ويحدث تعطلا يزيد ~~أيضا، ثم رغبة في الحرب لمعالجة هذا التعطل. # وقد جعلتنا هذه الأزمة نعيش فيما يشبه الذبذبة العصبية كلنا في قلق نعاني مضض الانتظار ~~ولا نعرف المصير. ولكن مع هذا القلق أو المضض نحن في انتباه واهتمام. نحن أحياء لا ننساق ~~على غير وجدان بل ندري بجميع العوامل التي تجرنا إلى الهاوية أو تصدنا عنها. ولهذا السبب ~~تعد الجريدة اليومية هذه الأيام من أعظم الوسائل للتثقيف الذاتي لأنها تنبهنا إلى الأخطار ~~القادمة. # وقد كانت لي أطماع في شبابي أود أن أتابعها في شيخوختي. ولم تكن أطماعي مادية فقط. فلم ~~أرهق نفسي في تحقيق أغراض مالية. وقد وصفني أحد الكتاب حديثا بأني مقتر. وهو واهم في ~~هذا الزعم. فإني منذ 1913 إلى الآن لم أشتر سوى فدان واحد وعشرة قراريط. وليس لي رصيد في ~~أي بنك؛ لأني من اليد إلى الفم. بل بلغ ما بعته من ميراثي منذ 1913 إلى الآن - أي في 34 سنة ~~- أكثر مما اشتريت. وليس هذا القدر صغيرا بالمقارنة إلى جملة ميراثي. ولم أبال قط ~~الاقتناء المالي؛ لأن كل همي واهتمامي هو الاقتناء الذاتي أو بالأحرى الاقتناء ~~النفسي. # ولذلك يثب إلى ذهني ms184 في أول البرنامج أن أقرأ بعض الكتب أو أعيد قراءة البعض مما ترك في ~~نفسي شكوكا أو شبهات ثقافية. فمن ذلك مثلا كتاب «الغصن الذهبي». فقد قرأت التلخيص الذي ~~يزيد على ألف صفحة ولكني أنوي قراءة الأصل الذي يزيد على عشرين مجلدا. وهذا الكتاب هو كنز ~~للثقافة القديمة حين شرع الإنسان البدائي يتحسس الدنيا ويتعرف إلى حقائقها ويحاول - في ~~تخبط - أن يستخلص منها منطقا مفهوما. وتربيتي ناقصة نقصا عظيما ما لم أقرأ هذه المجلدات ~~كلها. ثم بعد ذلك أنوي قراءة كتاب الموتى أو «طلوع النهار» كما كان يسميه أسلافنا قبل خمسة ~~آلاف سنة. وهو الذي كان يدفن مع الموتى كي يتعلموا منه الإجابات السديدة وقت الحساب في ~~العالم الثاني. وهذا الكتاب هو زاوية منفصلة للبحث الذي يبحثه «الغصن الذهبي». # أما بعد ذلك فإني أنوي دراسة الذرة. ولو احتاج الأمر إلى استئجار مدرس. لأن خطورتها ~~أكبر من أن يهملها رجل مثقف. وفي المستقبل حين تستغل الذرة لخدمة البشر بدلا من ~~قتلهم، سوف يقسم التاريخ البشري قسمين: ما قبل الذرة وما بعدها. # ولكن هناك دراسة أخرى، قد تكون لها علاقة بالذرة، لا تفتأ تهجس بي كما لو كانت ~~وسواسا هي العلاقة بين القوة والمادة أو الله والكون. وظني هنا أني مع سبينوزا. ولكني ~~لما أهتد إلى همزة الوصل بين القوة والمادة. أعني أني لم أبلغ درجة من الفهم في هذه ~~المشكلة أستطيع بها أن أرتفع إلى التعبير اللغوي عنها. # وقد كان يقال إلى وقت قريب، بل لا يزال هناك من يقول إنه ليس هناك حد تقف عنده المعارف ~~البشرية. ولكن هذا خطأ؛ لأن هذا المعارف محدودة في هذا الكون. وظني أننا نعرف في عصرنا ~~الحاضر أكثر من نصفها أو ثلثيها، ولم يبق علينا غير الثلث أو أقل. ونستطيع أن نستبدل بكلمة ~~«معارف» كلمة «حقائق»؛ فإني لا أستطيع أن أعرف ما يقرب من مائة ألف نوع من الحشرات حشرة بعد ~~أخرى. ولكني بتشريح حشرة واحدة أعرف حقيقة الحشرات جميعها. وعلى هذا الأساس نقول ms185 إن حقائق ~~هذا الكون محدودة. وبعد جيلين أو ثلاثة أجيال لن يجد البشر ما يكتشفونه منها سواء على الأرض ~~أم في النجوم أم في الحيوان أم في النبات. # ويجب أن تؤدي هذا الحال إلى التشجيع والتفاؤل؛ فإن هذا الكون ليس من السعة أو العمق إلى ~~الحدود الغيبية التي تثبط عن المحاولة والفهم، فهو مكشوف قليل الحقائق وقد أوشكنا أن نعرفها ~~جميعها ولم يبق سوى استغلالها. وهناك بالطبع مظلمون يحاولون أن يستنبطوا الغيبيات السرية ~~من الماديات المكشوفة. ولم أنخدع قط بهم. وهم عندي والباحثون عن الروح بالنقر على المائدة ~~سواء. وظني أن مشكلتهم عاطفية تحتاج إلى التحليل النفسي وليست ذهنية تحتاج إلى المناقشة ~~الوجدانية. # وفي السنين العشر القادمة سوف أتوسع وأتعمق في السيكلوجية والبيولوجية، وأزداد فيهما ~~نضجا. وهما من غرام الشباب الذي لازمني إلى الشيخوخة. ومن أطماعي الثقافية أيضا أن أجعل ~~علاقتي بأرسطوطاليس حية أكثر مما كانت إلى الآن. فإن «عصرية» هذا الرجل عجيبة. ولو أنه ~~كانت له قدرة أفلاطون الأدبية في التعبير لكانت مؤلفاته على لسان العامة قبل الخاصة. ولو ~~أني بلغت من المعرفة بأرسطوطاليس ما بلغته بجوتيه أو برناردشو لعددت هذا فوزا عظيما في ~~حياتي. ولكن هذه أمنية مستحيلة. # وسيكون لي كفاح ثقافي في مصر، فلن أكف عن تأليف الكتب المقلقة مثل «نظرية التطور» أو ~~«حرية الفكر» ... خمائر صغيرة أبعثها في أنحاء الوادي وغيره إلى الأقطار العربية كي أزعزع ~~التقاليد السوداء وأحرق العفن الذي تركته على العقول المطموسة. ومن مسرات حياتي أن أجد أن ~~مؤلفاتي «تسري» في الجسم الاجتماعي على مهل وفي غير عنف فيأخذ التطور مكان الجمود ~~والنزعة الارتقائية مكان الرجعية الجامدة. # وكذلك أرجو أن يكون لي كفاح صحفي للدفاع عن الديمقراطية في مصر. وظني أني لن أرى انتصارا ~~للديمقراطية في السنين العشر القادمة؛ لأن الرجعية والاستبداد في استقرار واستحكام ~~والديمقراطية عزلاء من كل سلاح. بل إن الصراع القائم في أيامنا بين أمريكا وروسيا سوف ~~يعزز الرجعية والاستبداد في مصر؛ لأن جميع الحركات اليسارية قد أصبح الأمريكيون ~~يشتبهون ms186 فيها ويحضون على مكافحتها. ولكن هذه الحال يجب أن تدعونا جميعا إلى الدعاية ~~الديمقراطية بل إلى الإلحاح في هذه الدعاية وإلا عم الظلام مصر بأكثر مما كان يعمها ~~قبل سبعين سنة. ولا أظن أني مسرف هنا في التشاؤم. فإن في مصر الآن قوات كبرى تتأهب ~~وتتكاتف لتحطيم الأنظمة الديمقراطية ومكافحة الاتجاهات الديمقراطية في مصر. وهذه الحال يجب ~~أن تزيدنا حماسة وغيرة لمكافحة الاستبداد والرجعية. وأرجو أن يكون لي نصيب يمتعني بهذا ~~الكفاح الذي أطمع في الاشتراك فيه. # وثم مطامع أخرى تكاد لبعدها عن الواقع تقارب الأماني. منها أن أرى أوروبا وأحس رياح ~~البلطيق في شمال ألمانيا وأسأل عن الكلمات الفرعونية التي لا تزال باقية في فنلندا، وأرى ~~المرأة الأوروبية الجديدة: نورا، التي كتب عنها إبسن وأثار بها خيالي قبل أربعين سنة. وأحب ~~أن أقرأ «جورنال دوجنيف» وهو لا يزال ساخنا فور خروجه من المطبعة. وأحب أن أقعد في قهوة في ~~البولفار في باريس وأناقش في السياسة. أناقش وأنا مطمئن إذ لن يقول لي أحد القاعدين: «اسكت، ~~ليس لك حق في المناقشة، الإنجليز أسيادكم.» ثم أقصد إلى غرفتي وأنا ذليل مهين أتبرز الدم ~~والمخاط. كما حدث لي حوالي 1908. وأحب أن أزور تمبكتو في أفريقيا وبكين في الصين. وأحب أن ~~أقف أمام جبل هملايا وأحس خشوع العبادة للكون. أحب أن أرى كل هذا لأن من واجب من يعيش في ~~الدنيا أن يرى الدنيا. ولكن العالم لم ينظم إلى الآن كي يحس أبناؤه أنهم يملكون هذه الدنيا. ~~ووطنيتنا الكبرى مجزأة وقوميتنا البشرية ممزقة، فنحن في أوطان كأنها أحجار لا نخرج منها إلا ~~بإذن وفي فزع، ونحن نلوي ألسنتنا بأصوات مختلفة فنظن أننا مختلفون. # وأخيرا أحب أن يكون من برنامجي قضاء السنوات الخمس الأخيرة من العمر في الريف حيث أصادق ~~الخراف والحمير والبقر والشجر، وأتحدث إلى النجوم وأحيي الشمس في الصباح وأضحك مع الماء ~~يجري بين النبات وآكل الخس والفجل على حرف القناة. # وهنا يستطيع السيكلوجي أن يجد في هذا الشوق إلى الريف «هروبية» ms187 كأني قد انهزمت أمام ~~الصعاب المدنية والثقافة العصرية المتقلقلة. وأنا لا أحلل هنا. ولكني لا أحب أن تكون هذه ~~السنوات الخمس الأخيرة من العقد السابع آخر العمر لأني ما زلت أطمع في تجديد البرنامج عشر ~~سنوات أخرى، بل وعشر أخرى. فإن الشباب في الثمانين والتسعين لم يعد أمنية بعيدة إذ هو حقيقة ~~راهنة في مئات من الذين عنوا بثقافة الذهن وثقافة الجسم معا. # من 1947 إلى 1957 # الصفحات السابقة وهي كتاب «تربية سلامة موسى» في طبعته الأولى تركتها على أصلها لم ~~أغير فيها منذ كتبتها في 1947. # أما الصفحات التالية فقد كتبتها في سنة 1956 و1957. # | عشر سنوات # عشر سنوات مضت منذ كتبت ونشرت الصفحات السابقة. وقد حدثت في هذه المدة أحداث داخلية ~~وخارجية تستحق التدوين لما لها من خطورة وطنية أو عالمية وذكريات سارة أو أليمة. # فأما أحداثنا الداخلية فأكبرها ثورة 1952 وطرد فاروق وإعلان الجمهورية ثم تأميم قناة ~~السويس في 1956 بعد إجلاء الجيش البريطاني عن الوطن. # وأما الأحداث الخارجية فكثيرة. كان أعظمها بلا شك الانقلاب الاشتراكي في الصين. ثم ~~التقدم العلمي في اختراع القنبلة الهيدروجينية، ثم الأقمار الصناعية التي يدور منها اثنان ~~حول الكرة الأرضية، وأنا أكتب الآن هذه الكلمات في نوفمبر من 1957. # بلادنا تغيرت والدنيا تغيرت. # فإننا منذ تبوأ صلاح الدين الأيوبي عرش مصر في 1176 إلى نهاية حكم فاروق في 1952 لم نعرف ~~ملكا أو سلطانا عربيا أو مصريا؛ إذ كانوا كلهم أتراكا أو أكرادا. وقد دمروا مصر ~~تدميرا كاد يكون كاملا. # ولذلك كان خلع فاروق انتصارا للقومية المصرية العربية وليس محض انتقال من النظام الملوكي ~~إلى النظام الجمهوري؛ لأن الانتقال الأكبر كان من الحكم التركي الكردي الذي عاش 776 سنة إلى ~~الحكم المصري العربي الذي سيعيش إلى الأبد بإرادة الشعب. ~~••• # كان فساد الحكم - قبيل خلع الشقي فاروق - قد بلغ أقصاه. وكانت السراي تستخدم كل من شاءت ~~من الموظفين، وخاصة الجواسيس، لتعقب جميع الذين يشتبه في سلوكهم نحوها. وما زلت أذكر أن ~~صديقي محمد خالد الكاتب ms188 الناهض المعروف زارني ذات يوم. وقعدنا في مكتبتي وتجاذبنا الحديث عن ~~الفساد العام في الأحزاب والزعماء وجرأة فاروق على العدوان. وتبادلنا كلمات تساءلنا فيها ~~إذا كان فاروق ينوي قتلنا في الشارع؟ وأن من الأصوب ألا نبقى خارج منازلنا إلى ما بعد ~~الغروب. وكان قد شاع عن فاروق أنه يقتل خصومه. ولم يكن أسهل من قتلنا في الظلام على أيدي ~~الجواسيس أو القبض علينا وطرحنا في أحد السجون ثم الادعاء بأننا متنا بالسكتة. # وكانت تهمتنا وقتئذ أننا كنا نريد قلب نظام الحكم من الملوكية إلى الجمهورية. وتقدمت ~~جاسوسة معروفة كانت تختلط بالأدباء وتصادق أديبا «كبيرا» بهذه التهمة لنا - أنا والدكتور ~~مندور - إلى السراي. وقامت النيابة العامة بالتحقيق وأفرجت عنا بعد اعتقالي 15 يوما ~~واعتقال مندور 50 يوما. # ولذلك كان يوم خلع فاروق يوم التهاني تصل إلي عن طريق التليفون وبالمصافحة في الطريق ~~وبالزيارة لبيتنا حين كنا نقدم الشربات للمهنئين. ومما يذكر مع السرور أن ضغط الدم عندي ~~كان على الدوام حوالي 180، ولكن بعد طرد هذا الشقي من مصر انخفض إلى 150. وبقي على ذلك إلى ~~الآن. # وفساد فاروق يعود - كما هو الشأن في جميع الفاسدين - إلى الوسط الفاسد الذي نشأ فيه. فإن ~~تربيته الأولى أيام الطفولة والصبا كانت تتجه نحو حرمانه مما كان يشتهي من طعام؛ لأن أباه ~~المغفل فؤاد كان يعتقد أن هذا الحرمان سوف يصنع منه رجلا يضبط شهواته. ولكن الذي حدث أن ~~فاروق تعلم سرقة الطعام كما تعود خدمه الخاصون به تهريب الطعام إليه. فنشأ على اعوجاج ~~في الأخلاق يقصد إلى مآربه بطرق سرية ملتوية غير صريحة. # ولما مات أبوه انفرج بعد الضيق فأصبح يأكل كما لو كان ثورا. ومن هنا هذا الإفراط في ~~السمن الذي انتهى إليه. # ولما أصبح ملكا وجد أن النظام الحزبي في مصر يتيح له أن يستغل الخلافات والمتناقضات ~~فيضرب حزبا بآخر كي تنتهي السلطة إليه وحده. فإذا كان حزب الوفد يطالب بالحد من سلطانه وهو ~~في الحكم، فإن حزب الأحرار الدستوريين يسلم له - وهو ms189 خارج الحكم - بما بخل به عليه حزب ~~الوفد؛ فيطرد الوزارة الوفدية ويأتي بوزارة من الأحرار الدستوريين. أما حكم الدستور ففي ~~التراب. # وكان فاروق يجد - مع الأسف - من يؤيده من السفلة في هذا السلوك الإجرامي نحو ~~الوطن. # ولكن أي وطن؟ إن مصر لم تكن وطنه إلا من حيث الشكل. وكان مكانه منها الإقطاعي يستغل ~~أبناءها. ولم يتعلم قط تاريخها ولم يدرس لغتها ولم يهدف إلى أهدافها، وهذا شأن أسرته كلها ~~منذ أيام محمد علي؛ أي منذ 150 سنة. بل ماذا أقول؟ كان شأنه شأن الحاكمين الأتراك والأكراد ~~منذ صلاح الدين الأيوبي إلى 1952. # وكان الشعب مع الوفد على الدوام إلى سنة 1950. # أما بعد ذلك فقد رسخ في أذهان المفكرين أن الوفد لم يعد الهيئة الثورية التي كانت تكافح ~~استعمار الإنجليز واستبداد السراي كما كانت حاله أيام سعد بل بعد سعد إلى سنة 1950. وكان ~~الوفد - حين يتولى الحكم - يبقى مناضلا لا يساوم ولا يخضع. ولكنه - لهذا السبب نفسه - لم ~~يكن يبقى في الحكم أكثر من سنة أو سنة وشهورا، ثم يطرد، وتأتي في مكانه وزارة يتولى ~~رياستها أحمد زيور أو إسماعيل صدقي أو محمد حسين هيكل أو إبراهيم عبد الهادي أو ~~غيرهم. # وزارة تسلم بكل طلبات السراي وتمجد اسم فاروق وآباءه وجدوده ومآثره وفضائله. حتى لقد ~~قال الشيخ علي عبد الرازق - وكان وقتئذ وزيرا للأوقاف - إن الله يجدد دينه مرة كل مائة ~~سنة، وإن فاروق هو الموكل بتجديد الدين هذه المرة ... # ولم يكن التملق مقصورا على الوزراء؛ فإن أديبا «كبيرا» وصفه في مقال بأنه فيلسوف، كما ~~أن أديبا كبيرا وأستاذا محترما آخر وقف في الجامعة، ومئات الطلبة أمامه يستمعون، وفاروق ~~ينصت لكلماته، وقف يقول له: «وإن سلوكك الشخصي يا مولاي ليصلح أن يكون قدوة لشعبك وللناس.» ~~ولا تنسى كلمة «الشخصي». # وكان المؤلفون يذكرونه في مقدمات كتبهم على أنه «المصلح العظيم». # هكذا أفسد الوزراء والأساتذة فاروق؛ ففسد. # وفي 1950 انتهى الوفد إلى حال من اليأس حملته على أن يقبل ويمارس منطقا جديدا أملاه ~~عليه ms190 إقطاعي كبير. خلاصته أن الوفديين لا يبقون في الحكم إلا سنة أو سنة وشهورا؛ لأنهم ~~يعارضون طلبات السراي. أما الأحزاب الأخرى فتبقى أربع وخمس سنوات لأنها تبلي طلبات السراي ~~ولا تعارض. وأنه خير للوفد أنه يلبي هو الآخر طلبات السراي ويكف عن خطة المعارضة التي ~~ورثها من أيام سعد زغلول؛ وذلك كي يبقى في الحكم خمس سنوات. # وأذكر أني قصدت إلى منزل مصطفى النحاس قبيل تأليف الوزارة الوفدية الأخيرة. وكان هناك جمع ~~محتشد يزيد على المائة. فألقى الزعيم - الذي كنا نحترمه - خطبة أطنب فيها في الثناء على ~~فاروق وقال إن حكومة الوفد ستكون صارمة في القضاء على كل حركة يقصد منها إلى المساس بجلالة ~~الملك. # وعم الحاضرين وجوم، ولكن الزعيم لم يكترث لهذا الوجوم. فمضى يشرح ويؤكد المعاني للمحالفة ~~الجديدة بين الوفد والسراي. # وانفض الشعب عن الوفد في أسف ويأس. # وجعل فاروق يرقص ويرفس كما يشاء. وانتهى باختيار أحد حظاياه فجعله وزيرا. وكان هذا ~~الحظي يقعد في ملهى الأوبرج ويصفعه فاروق على قفاه مداعبة ولهوا. وبكت مصر لا لخيبة ~~فاروق وحده بل لخيبة رجالها وزعمائها أيضا. # وما زلت أذكر حادثا عجيبا وقع في 1951. فقد كنت مع أصدقاء في مشاهدة قصة سينمائية ~~وخرجنا حوالي الساعة الحادية عشرة وسرنا في شارع عماد الدين نستروح نسيم المساء. فأشار ~~أحدنا إلى شارع إلى اليمين وقال: هنا ماخور يزوره فاروق في بعض الليالي. # وأثارت هذه العبارة استطلاعنا ودخلنا الشارع. فوجدنا رجال البوليس السري في ملابسهم ~~التنكرية واقفين في الأماكن الاستراتيجية. ووجدنا السيارات. ورأينا البيت تتلألأ منه أنوار ~~المصابيح. # وكان رجال البوليس السري في غاية الكياسة يمنعون ويشيرون في رفق واستحياء. وكثرت ~~تعليقاتنا. وقصد كل منا إلى مسكنه وهو يفكر. # وعندما أتأمل تلك الأحداث المهينة لتاريخنا أجد أن الوفد لم يكن ليجد الفرصة لضرب السراي ~~أكثر مما وجدها في 1950؛ فإن فاروق قبل سنتين كان قد دفع الجيش المصري إلى مقاتلة إسرائيل ~~دون أن يستشير مجلس الوزراء فضلا عن البرلمان. وهذا عمل يكفي وحده لخلع أي ملك ms191 في العالم. ~~وأوقعنا بذلك في حرب كان جيشنا فيها لا يزيد على 23 ألف جندي بينما كان جيش إسرائيل يبلغ ~~65 ألف جندي. وأنا أنقل هذه الأرقام عن جلوب (باشا) الذي لا يمكن أن يتهم بحب ~~مصر. # على أن لفاروق هنا فضلا قد أسداه إلى بلادنا من حيث لا يدري ومن حيث لا يقصد؛ ذلك أن ~~الحرب بيننا وبين إسرائيل قد نبهت الجيش إلى مدى الفساد الذي كان يعم بلادنا. فكانت بداية ~~التفكير والعمل لإنقاذ الوطن من الاستعمار البريطاني والاستبداد الفاروقي. وبدأت الثورة ~~تختمر. ~~••• # وسارت الثورة، التي شرحتها في كتابي «الثورات»، في تدرج: التخلص من السراي، ثم التخلص من ~~الإقطاعيين، ثم التخلص من الإنجليز، ثم البناء والإصلاح. ~~••• # وكان أعظم ما قامت به الثورة - بعد ذلك - هو الإقدام على تأميم قناة السويس في ~~1956. # وتاريخ هذه القناة لا يقرؤه مصري إلا مع الألم والغيظ؛ فإنه أكبر عملية نصب واحتيال في ~~السياسة العالمية في القرن التاسع عشر. # وأذكر أني في 1947 دعوت في مقال بمجلة «مسامرات الجيب» التي كان يصدرها الأستاذ عمر عبد ~~العزيز إلى تأميم هذه القناة. وقلت في تدليلي وتبريري إن هذه القناة تقع في أرض مصرية، وإن ~~تأميمها من حيث القانون لا يزيد على تأميم الترام في القاهرة. وعدت فكتبت مقالات أخرى في ~~هذا المعنى في مجلات أخرى. ولا أعتقد إلا أن الوفديين كانوا يقرءون مقالاتي هذه في استهزاء ~~وسخرية. ولكن أحد الصحفيين سأل النحاس (باشا) - بإيعاز من الشركة على ما أظن - عن إشاعة ~~التأميم؛ فأجاب بأنه ليس عند الحكومة أية نية للتأميم وأنها تنتظر انتهاء الامتياز حين ~~تستولي عليها أي في 1969 ... كان الوفد قد فقد روح الكفاح. # وأممت القناة في 1956. وأحس الشعب أنه بهذا التأميم لم يسترد هذه القناة فقط بل ~~استرد كرامته. # وقصة الكفاح الذي كافحنا به الدول الثلاث التي أغارت علينا بقواتها في البر والبحر ~~والهواء لا تزال ماثلة في أذهان الجمهور. ولكن شيئا واحدا يجهله الجمهور وهو أن أمريكا ~~التي كانت تبدو كأنها تدافع عنها ms192 وتلوم المغيرين، هذه الدولة طلبنا منها في الأيام الأولى ~~من القتال أن تسعفنا بالقمح لأن ما كان عندنا منه لم يكن ليكفي أكثر من ثلاثة أسابيع؛ ~~فرفضت. وأصررنا على الطلب، فرضيت بشرط أن ندفع الثمن بالدولارات، ولم تكن عندنا ~~دولارات. # وكانت خطة الولايات المتحدة أن تغزونا من الداخل أي تنتظر حتى يعم بيننا قحط يحمل ~~الجائعين على الثورة. وعلى الاستنجاد بالأمريكيين. # هذا هو الذكاء العظيم الذي تفتق عنه ذهن أيزنهاور الذي كان يلوم فرنسا وبريطانيا ~~وإسرائيل؛ لأنهم أغاروا علينا فجعلوا العالم يستنكر خططهم. أما خطته فلن تستنكر. أليس ~~العالم «الحر» حرا في أن يبيع القمح أو لا يبيع؟ # وعمدت حكومتنا إلى الدولة السوفيتية الاشتراكية وطلبت منها إسعافنا بالقمح. فلبت الطلب ~~فورا. # ومن ذلك اليوم إلى الآن يشكو أحد وزرائنا لغطا في القلب لفرط ما فزع عندما اعتقد أن ~~الشعب سيجوع وأنه هو المسئول. # إن «الديمقراطية» الغربية كانت تنوي إيجاد مجاعة في بلادنا كي نخضع ولكن الاشتراكية ~~السوفيتية أنقذتنا. فلم نجع، ولم نخضع، ولم ينقلب نظام الحكم، ولم يرجع فاروق، وبقيت ~~جمهوريتنا سليمة. ~~••• # وقصة علاقاتنا مع الدولة السوفيتية من أروع القصص التاريخية، فإنها تحوي ألوانا من ~~النذالة والشهامة، والشرف والدناءة. # والشهامة والشرف في جانب الاتحاد السوفيتي والنذالة والدناءة في جانب الدول الغربية التي ~~تصف نفسها بأنها حرة وبأنها ديمقراطية، ولا تذكر نفسها بأنها دول استعمارية قتلت الألوف من ~~الهنود والمصريين والجزائريين بعد أن نهبت ثرواتهم. # ذلك أننا - عقب ثورة أكتوبر في 1917 - حين استولى البولشفيون على الحكم، قاطعنا دولة ~~الاتحاد السوفيتي بإيعاز بل بإلزام من الإنجليز. وكان يكون معقولا - في عرف السياسة ~~الاستعمارية السائدة وقتئذ - لو أن هذه المقاطعة اقتصرت على التبادل الدبلوماسي. ولكن ~~الإنجليز جعلوا هذه المقاطعة تجارية أيضا. فكانت الدولة السوفيتية إذا احتاجت إلى القطن ~~المصري رفضنا نحن بيعه لها. وعندئذ كان الإنجليز يشترون منا ما يحتاج إليه السوفيتيون ~~ويبيعونه لهم. وفرق الثمن يذهب إلى جيوبهم. وكنا نرضى بهذه الحال ... # وبقينا على نحو ذلك عشرين سنة نرفض بيع قطننا ms193 للروس وغير الروس من دولة الاتحاد السوفيتي. ~~وذلك بزعم أن الشيوعية تدخل بلادنا إذا تعاملنا مع السوفيتيين. # إن أقل ما خسرناه في هذه المقاطعة الجنونية يبلغ نحو مائة مليون جنيه كسبها الإنجليز ~~منا بدعوى حمايتنا من الشيوعية. وكان لنا وزراء عمي صم لا يفهمون، أو خونة جبناء ~~يعرفون ويخفون. وكان لفؤاد الملك السابق الجبان اللعين أكبر الأثر في هذه المقاطعة. # وبقينا على تجمد في العلاقات مع الاتحاد السوفيتي إلى يوم الهجوم على قناة السويس في ~~1956. فرأينا الظلام في الظهر. وجعلت عيوننا ترود الظلام نبحث عن أصدقاء. ووجدناهم، وكان في ~~مقدمتهم الاتحاد السوفيتي، والهند، والصين والدول العربية، أو بعضها. # وهددت دولة الاتحاد السوفيتي الدول الثلاث الغادرة بالصواريخ، إذا لم تكف عن الهجوم ~~وتنسحب. وخضعت هذه الدول وهي ذليلة وخرجنا نحن منتصرين. وكان من أكبر العوامل لانتصارنا أن ~~انضم الشعب إلى الجيش في بورسعيد؛ فلم يظفر الأعداء بالاكتساح السريع لقناة السويس كما ~~كانوا يدبرون. # وانتصر العدل بانتصارنا؛ إذ ثبت أولا أن الدول الناهضة الجديدة مثل الهند والصين ~~والاتحاد السوفيتي تقاطع الاستعمار وتطارده. وثبت ثانيا أن هيئة الأمم - على الرغم من كل ~~نقائصها - تستطيع أحيانا أن تقف في صف العدل والحق ضد الطغيان والاستعمار. بل ثبت أخيرا ~~أن العالم كله قد أصبح على وعي أي وجدان بعضه ببعض، وأنه لم يعد هناك مكان للتسلل في خفية ~~إلى الاستعمار. ~~••• # حين أعرض لأحداث بلادنا فيما بين 1947 و1957 أجدها على اختلاف بارز بين نصفيها. فالنصف ~~الأول إلى 1952 كان انحدارا كاد يكون انهيارا في السياسة والأخلاق. فقد ظهرت حركات رجعية ~~أوشكت على إحالة بلادنا إلى جهنم. كما فسد الجهاز الحكومي وطغى العرش واستخفت الأحزاب ~~بالقيم الأخلاقية بل استهترت. وأصبح الزعماء والساسة الذين كنا نحترمهم لكفاحهم متسلقين ~~يرغبون في الوصول إلى القمم. وهي في الأغلب قمم الثراء والسلطان دون أي حساب للشعب. بل ~~تجاوزت هذه الحال إلى من نسميهم أدباء ومؤلفين وصحفيين كبار؛ فقد ارتشوا إلا الأقلين، عن ~~ضمائرهم وصاروا يؤلفون ويكتبون كما لو كانوا يكتبون ms194 إعلانات مأجورة في الصحف بل إعلانات ~~خادعة غاشة لخدمة النذل فاروق. # أما النصف الثاني - أي من بداية الثورة في 23 يوليو من 1952 إلى 1957 - فيمثل نهضة الشعب. ~~وهي نهضة إنشائية بنائية في جميع المرافق ما زلنا ماضين في طريقها الذي لن يكون له آخر. ~~وأنا لذلك كبير التفاؤل بالمستقبل، وخاصة بعد هذا الاتفاق الذي عقدناه بيننا وبين الاتحاد ~~السوفيتي في نوفمبر من 1957 على تصنيع بلادنا، هذا التصنيع الذي أمضيت أكثر من ثلاثين سنة ~~وأنا أنادي به. # ومتى انتشرت المصانع بيننا فإن كثيرا من أزماتنا سيحل، بل هذه الأزمات تحل نفسها عندئذ ~~بلا عمل إرادي من الحكومة. فإن التعطل سيزول، وخاصة تعطل المتعلمين. وسيأخذ الاتجاه العلمي ~~مكان الاتجاه الأدبي. وستزول العقائد التي تعطل التطور النفسي للشعب. # الثقافة العلمية ستكون النتيجة للحضارة الصناعية. ثم تعود هذه الثقافة فتؤثر في هذه ~~الحضارة، ويستمر التفاعل بينهما. ~~••• # إن هذه الكلمات الموجزة التي كتبتها في وصف إحساسي للأحداث الكبرى التي خلفت آثارها في ~~بلادنا في السنوات العشر الماضية كنت أحب أن ألحق بها وصفا آخر للأحداث الكبرى في ~~العالم. ولكن الإيجاز الذي توخيته في الكلام عما حدث في بلادنا يطالبني بإيجاز مثله في ~~شأن الأحداث العالمية. # وربما كان أعظم هذه الأحداث من حيث التنبيه العام لشعوب العالم وإيجاد وعي أي وجدان كوني ~~جديد للإنسان، هو هذا الحدث الذي ما زلنا نعاين تفاصيله كل يوم. أي هذان القمران الصناعيان ~~اللذان أرسلتهما دولة الاتحاد السوفيتي إلى السماوات يدوران حول الأرض. # وإطلاق الصواريخ لا يحتاج من العلم إلى ما تحتاج إليه القنبلة الذرية أو القنبلة ~~الهيدروجينية. وهو فن أكثر مما هو علم. ولكن قيمته المسرحية كبيرة؛ لأنه بمثابة الإنذار ~~للنائمين كي يصحوا أو للغافلين كي يتنبهوا. # وقد اضطرت الصحف إلى أن تلغط بشأن السفر إلى القمر ثم إلى الكواكب عقب إطلاق الصاروخين ~~اللذين انطلق منهما القمران. وأصبحت العامة - قبل الخاصة - تتحدث وتعلق وتفكر. وهذا كله كسب ~~للذكاء البشري سوف تكون له آثاره البعيدة العميقة في المستقبل القريب. ms195 # أما الحادث التاريخي العظيم بل الرهيب فهو ظهور الصين الجديدة دولة اشتراكية تقف في صف ~~العدل والخير للبشر ضد الاستعمار والغدر والخيانة في الأمم التي تزعم أنها حرة وديمقراطية. ~~وقد أصبح عدد الاشتراكيين في الاتحاد السوفيتي والصين ودول أوروبا الشرقية نحو 1000 مليون. ~~وهم قوة كبيرة سوف تقضي على سبة البشر الكبرى - أي الاستعمار - في السنوات القريبة ~~القادمة. # هم قوة جديدة. ولكنهم أيضا قوة عجيبة من طراز آخر غير ما عرفه التاريخ. فإن دولة الاتحاد ~~السوفيتي مثلا تعاقب كل من يجرؤ من مواطنيها على الدعوة إلى الحرب بعقوبات قد تصل إلى ~~السجن 25 سنة. وهذا في الوقت الذي يقف فيه الوغد تشرشل في فولتون بالولايات المتحدة ويطلب ~~من حكومتها ضرب السوفيتيين بالقنابل الذرية. # ولو كان تشرشل مواطنا سوفيتيا وألقى هذه الخطبة ضد أمريكا مثلا في موسكو لعوقب بالسجن ~~مدة قد تبلغ 25 سنة. ولكنه أحد المواطنين في بريطانيا دولة الاستعمار والحرب ونهب البترول ~~من العرب وقتل اليمنيين والعمانيين والكنيويين ... إلخ. # ولا أستطيع أن أقول إن الحرب الكبرى الثالثة لن تقع. ولكني أقول إن احتمال وقوعها قد نقص ~~بعد أن فاز الاتحاد السوفيتي باختراع الصواريخ وبعد أن زادت أسلحته الأخرى. # إن قوة الاتحاد السوفيتي هي الضمان الوحيد للسلم في العالم في عصرنا. ~~••• # وأحتاج إلى أن أقول شيئا عما مر بشخصي من الحوادث في السنوات العشر الماضية. # فمنذ حوالي 1946 اتضح للوفديين أني - لما أتسم به من اليسارية - عبء عليهم وأنهم يتهمون ~~برعايتي أو على الأقل بالتسامح معي. ولست أشك أني كنت مقلقا لهم؛ فإنهم لم يستطيعوا قط ~~زحزحتي عن مبادئي الاشتراكية وعن نقدهم لتخلفهم في خدمة العمال، وعن كراهتي للسراي وبغضي ~~للحركات الرجعية التي كثيرا ما حالفوها هم وصانعوها. وقوطعت من الصحف الوفدية. بل أستطيع ~~أن أذكر حادثة تدل على النفاق المستتر الذي كان يمارسه زعماء في الصحافة. # ذلك أن أحد الصحفيين الوفديين الكبار - وهو ليس في مصر الآن - دعاني ذات يوم كي نتقابل ~~للحديث في شأن مهم. فلما التقينا وجدته ms196 يعرض علي العمل في جريدته الكبرى بحيث أشرف على ~~الاتجاهات السياسية؛ فلا يكون هناك فيما ينشر ما يخالف الخطط والأهداف الوفدية. وبقينا نحو ~~ساعتين ونحن في نقاش، بل في ترتيب وتنظيم لصفحات جريدته. وبعد أن تعبنا افترقنا على أن ~~نجتمع بعد يوم. ولكن مرت أيام ولم نجتمع ولم يطلبني هذا الصحفي الكبير. # وأحسست الإهمال بل الإهانة . وقصدت إلى موظف كبير بهذه الجريدة - صار وزيرا بعد ذلك - ~~وقصصت عليه ما حدث. فابتسم وهو يقول: إنه - أي صاحب الجريدة - لا يعين موظفا في جريدته إلا ~~بعد استشارة السراي. وإنه بالطبع قد عرض اسمي، فوجد الرفض البات المنتظر. فسكت، وأهمل ~~الموضوع. # وهذا كان شأن كثيرين غيره. كانوا يتظاهرون بمعارضة السراي في استبدادها ولكنهم في الوقت ~~نفسه كانوا يحرصون على الولاء لها فلا يخالفون لها رأيا بل يستشيرونها. # وتسكعت جملة سنوات في الصحافة بسبب هذه المقاطعة؛ حتى لقد مرت علي شهور لم أكن أكسب ~~منها سوى خمسة جنيهات في الشهر كنت أتناولها ثمنا لمقال في «مسامرات الجيب». ومن ذلك: ~~المقال الذي دعوت فيه إلى تأميم قناة السويس. # وفيما بين 1947 و1952 كان «البوليس السياسي» أو «القلم المخصوص»، كانت كل هذه الهيئات ~~تعربد وتعمل للتخريب في السياسة والصحافة والتفكير. وكانت جميع هذه الهيئات أيضا على ~~اتصال بالسلطات الإنجليزية الاستعمارية بدعوى مكافحة الشيوعية وتبادل المعلومات عن نشاط ~~الشيوعيين. # ولم يكن بعيدا على بعض هؤلاء الجواسيس - بحكم هذا الاتصال وطبيعته - أن يخدموا الإنجليز ~~في خططهم الاستعمارية، بل إن هذا هو ما يرجح ما دام هناك اشتراك وتبادل في المعلومات ~~... # وطغى هذا البوليس طغيانا عظيما حتى لقد كان «يخطف» مؤلفاتي من مكتبة كادموس بلا أدنى ~~حرج. فكان يدخل أحدهم ويضع يده على عشرة وعشرين مجلدا ويخرج بها دون أن يدفع الثمن بدعوى ~~أنها محرمة. وكانت هذه المكتبة في شارع 26 يوليو (فؤاد سابقا). ولا تزال صاحبتها حية ~~أما المكتبة فقد أقفلت. # والذي يجب أن أعترف به في ألم أن أدباءنا الكبار - إلى بداية الثورة في 1952 - لم ~~يعملوا ms197 قط للثورة على الأوضاع الخسيسة التي كان يستند إليها نظام الحكم. فلم يكن بينهم إلا ~~من أيد فاروق أسفل تأييد وأحطه. ولي الحق بأن أفخر بأني لم أكن كذلك. وقد نالوا بهذا ~~التأييد كل ما أرادوا من مال وجاه، حتى لقد عيروني بأني أحسدهم على ما نالوه هم ~~وحرمته أنا من يدي فاروق الملوثتين. # وها أنذا في 1957 أجد الجمهورية التي اتهمت بالدعوة إليها وحبست من أجل ذلك في ~~1946، وأجد نجاح دعوتي للصناعة وهي دعوة أمضيت فيها أكثر من ثلاثين سنة، وأجد دعوتي للعلم ~~كما أجد الإيمان بنظرية التطور، وأخيرا أجد تهمتي بأني أحب دولة الاتحاد السوفيتي، هذه ~~التهمة قد أصبحت فخرا، بعد إذ عرفنا وعاينا موقفها الأبي الكريم نحونا في هجوم فرنسا ~~وبريطانيا وإسرائيل علينا في 1956. وأجد مصريا صميما على رأس حكومتنا هو جمال عبد الناصر ~~الذي نشأ في عائلة فلاحين وتشمم تربة «خيم». # ولذلك أستطيع أن أقول: إني انتصرت. ~~••• # من وقت لآخر أتساءل: ما هو القصد العام في حياتي الفكرية؟ # وأجيب بأن القصد العام - عن وعي أو غير وعي - قد ~~تغير عندي جملة مرات؛ ففي سني شبابي - حين كنت في أوروبا - كان أعظم ما يحفزني إلى الكفاح ~~قصدان، هما: ~~(1) # استقلال بلادنا من هوان السيطرة الإنجليزية. ~~(2) # ثم تحرير المرأة من الحجاب ودعوتها إلى أن تكون لها شخصية مستقلة بالتعلم ~~والعمل والإنتاج والكسب. # كانت هاتان الفكرتان تغمرانني في أوروبا. فلما عدت إلى مصر وجدت أن الوعي الديني أكبر ~~وأعمق من الوعي القومي أو الوطني سواء بين المسلمين أم بين الأقباط. وأحسست عندئذ قصدا ~~آخر هو ضرورة مكافحة الغيبيات بنشر نظرية التطور حتى تأخذ بينة العلم مكان عقيدة الإيمان. ~~وعندئذ يجد الشباب وعيا جديدا هو الوعي للعلوم المادية الذي يساوي بين أبناء الأمة بل ~~أبناء البشر، ويدعو إلى الوفاق بدلا من الشقاق. # وكنت وأنا في لندن قد درست الاشتراكية التي رسمت لي قصدا نبيلا عظيما ليس لمصر فقط بل ~~للعالم كله. وقد كان من المحال أن نفرض نجاح هذه الدعوة التي ms198 كان الإنجليز المستعمرون ~~والباشوات الإقطاعيون يتحدون في مقاومتها. ومع ذلك أنشأنا حزبا اشتراكيا في 1921 قتله ~~سعد زغلول. مع أنه لو كان قد تركه لكان وسيلة إلى الدراسات الاقتصادية التي تنحاز في ~~اتجاهها نحو الطبقات الفقيرة في بلادنا. ولكن سعد زغلول كان «باشا». وكان هذا التفكير أبعد ~~ما يكون من ذهنه. # ثم وجدت لي قصدا علميا آخر هو تعميم الصناعة. وظني أني تعلقت بهذا القصد باعتبار ~~الصناعة بديلا من الاشتراكية. أي بديلا يغري الأغنياء. ثم تكون هي - أي الصناعة بعد ذلك - ~~وسيلة لتحقيق الاشتراكية. # ومع أني في كتابي «هؤلاء علموني» قد ذكرت نحو عشرين من الأدباء والعلماء والمفكرين ~~الذين وجهوا نشاطي الذهني وربوا نفسي، فإني لم أذكر معهم كارل ماركس داعية الاشتراكية. ~~والآن أحب أن أعترف أنه ليس في العالم من تأثرت به وتربيت عليه مثل كارل ماركس. وإنما كنت ~~أتفادى من ذكر اسمه خشية الاتهام بالشيوعية. # والآن في 1957 أحس قصدا آخر إزاء الغيوم الذرية التي تخيم على العالم وتهدد البشر ~~بالفناء. هو تعميم السلام ومكافحة دعاة الحرب. وهؤلاء الدعاة هم مائة في المائة استعماريون ~~يهدفون إلى استعباد الشعوب الأفريقيا والأسيوية ونهب ثرواتهم ومنع الحضارة عنهم ولو ~~بالمخاطرة بمستقبل البشر؛ إذ هم ليسوا بشرا، هم ذئاب. # وإني أعمل الآن في صحف «أخبار اليوم» وأؤلف الكتب بغية تحقيق هذه الأهداف. # | سن السبعين # أبدأ هذا الأسبوع - 4 يناير 1956 - السنة السبعين من عمري، وهذه السن هي التي ذكرها ~~سليمان الحكيم في التوراة بأنها أقصى ما ينشد الإنسان على الأرض. وهو بالطبع لم يكن يعرف ~~وسائلنا الصحية الوقائية والغذائية وأننا نطمع إلى سن المائة محتفظين بشبابنا ~~وقوتنا. # وأظن أن القارئ يحب أن يعرف إحساساتي وأنا على عتبة السبعين. والحق أني أحب أن أعرفها أنا ~~نفسي. وعندما أتأملها أراني أعود إلى الذكريات في الماضي ثم أراني أؤمل للمستقبل. # وأول ما ألاحظ أن علامات الشيخوخة قد بدت على سطح الجسم أكثر مما بدت في داخله، فإن على ~~وجهي غضونا، كما أن شعري الأسود الجعد ms199 قد استحال إلى زغب أبيض ناعم. ولكن بعد ذلك لا أجد ~~من علامات الشيخوخة داخل جسمي سوى القليل الذي لا يؤبه به. بل القليل الذي أرتاح إليه مثل ~~ضعف الشهوات النارية التي كانت وقت اشتعالها تقارب التشنجات. وكذلك يجب أن أسلم بأن ~~الذاكرة قد ضعفت بعض الشيء. ولكن يقوم مقامها استيعاب عام يقارب الحكمة. # ولكني حين أعود إلى السنين الماضية أحس الرضى - إن لم يكن السرور - بأني عشت حياة حافلة ~~بالأفكار العميقة والاقتحامات الذهنية والشهوات العليا. وأني قد احترفت العلم والأدب ~~والفلسفة وألفت الكتب وصرت عضوا مقلقا للمجتمع المصري، مثل ذبابة سقراط، أنبه الغافيلن، ~~وأثير الراكدين، وأقيم الراكعين الخاضعين. # ومما يسرني بشأن حياتي الماضية أن ما كتبته قد حييته وما حييته قد كتبته. وأكثر مما ~~يسرني أني ما زلت أحتفظ بشباب ذهني؛ لأن عادات شبابي لا تزال تلازمني. فأنا أقرا وأقتني ~~الكتب وأستطلع وأستزيد من الثقافة كما كنت أفعل قبل أربعين أو خمسين سنة. # وأحب لذلك أن أعيش نحو عشرين أو ثلاثين سنة أخرى أو أكثر. # وليست العبرة بالطبع أن نزيد الحياة سنين، وإنما هي أن نزيد السنين حياة بأن نتعلم ونعمل ~~ونعرف ونختبر. أجل نختبر المر والحلو ونستنبط منهما حكمة للعيش وزيادة في الفهم. # لقد ذكر التاريخ عن كاتو الروماني أنه شرع يتعلم اللغة الإغريقية في سن الثمانين. وليس في ~~هذا ما يستغرب؛ فإن عادات الدرس التي نتعودها في الشباب تلازمنا إلى سن المائة. وظني أن ~~كاتو تعود الدراسة منذ شبابه فلزمته العادة إلى سن الشيخوخة. فإذا كنت أيها الشاب تلعب ~~الورق وتلهو بألعاب الحظ الأخرى فإنك سوف تفعل ذلك عندما تبلغ السبعين أو الثمانين. أما إذا ~~كنت تحب الدرس وتعشق الثقافة فإنك سوف تبقى على هذه الحال ولو بلغت المائة. # وغرامي بالكتب في سنة 1955 هو غرامي بها في سنة 1905. وطربي بالفكرة النبيلة والكشف ~~العلمي والأمل الجديد في الحضارة هذا العام هو طربي بها جميعا قبل خمسين عاما. # هو أسلوب للحياة اتبعته. فلازمني. # وقد احترفت الصحافة والتأليف، وأدغمتهما. ms200 ولذلك أنا في الصحافة أحاول أن أرفع المقال ~~السياسي أو الاجتماعي إلى مقام الأدب. وأن أستنبط العبرة من الأخبار حتى أرفعها إلى مقام ~~الأنباء. وأن أجعل من الصحيفة كتابا ومن الكتاب صحيفة. # وكان من مصادفات حياتي أني عرفت نيتشه في 1909، فاكتسح ذهني اكتساحا. وكنت حوالي العشرين ~~أتقبل الرأي بلا مناقشة. فآمنت بكثير من أقواله وعبدت الكثيرت من عقائده. ومع أني قد ~~شفيت بعد ذلك من هذه الأقوال والعقائد فإني ما زلت أحتفظ بالكثير مما تعلمت منه. وأول ~~ذلك أن أنظر إلى الدنيا بالعقل البكر والقلب البكر وأن أقتحم الأفكار بروح البطل أو ~~الشهيد. # وعرفت الأدب، وعرفت الفلسفة، وعرفت نفسي، من نيتشه. وإلى الآن لا يخلو أدبي من فلسفة، كما ~~لا تخلو فلسفتي من أدب أو علم. # وكثير من الفضوليين العارفين يحسون هنا أني لا أقول كل ما أريد. وكأنهم يسألونني: ما هو ~~إيمانك؟ # وجوابي أني أومن بالمسيحية والإسلام واليهودية، وأحب المسيح وأعجب بمحمد، وأستنير بموسى، ~~وأتأمل بولس وأهفو إلى بوذا. وأحس أن كل هؤلاء أقربائي في الروح أحيا معهم على تفاهم ~~وأستلهم منهم المروءة والحق والرحمة والشرف. # وأومن - زيادة على هؤلاء - بحب الطبيعة وجلالة الكون. ولا أنسى المعنى الديني في نظرية ~~التطور وموكب الأحياء التي يتوجها الإنسان. بل إني لأجد هذا المعنى الديني في جمال المرأة، ~~وقداسة الأمومة، وشرف الإنسانية، وأومن بتولستوي وغاندي وفولتير وبيكون. # إن الصورة الوحيدة التي تطل على سريري أراها عند اليقظة في الصباح وقبل النوم في المساء ~~هي صورة تولستوي الإنسان الإنساني. # وبكلمة أخرى أقول: إن بؤرة إيماني هي الإنسانية بمن تحوي من فلاسفة وأنبياء وأدباء وبما ~~تحوي من شجاعة وذكاء ومروءة ورحمة وجمال وشرف. # ولا يمكن أن يكون إيماني ساذجا كله طمأنينة وتسليم. فأنا بعيد عن هذه الحال ولا آسف على ~~ذلك؛ لأنه إذا كان اليقين أروح فإن الشك أشرف كما يقول برتراند روسل. وأنا رجل قد أكسبتني ~~الثقافة النظرة الشاملة للحياة والكون. واعتقادي أنه لا يمكن للإنسان أن تتكون له شخصية ~~دينية سامية ما ms201 لم يكن مثقفا قد حقق النظرة الاستيعابية للكون فنظم عقله وقلبه بحيث ~~ينسجمان في حركة الحياة الكونية والآمال الإنسانية، ووصل في كل ذلك إلى رأيه الخاص أو قلقه ~~الخاص. والدين رأي خاص ولا يمكن أن يكون عاما. ويجب أن يبقى قلقا دائما. # وهناك عشرات من الكتب المحورية التي بنيت بها حياتي وشخصيتي. ولكنها كانت بمثابة الأسكلة ~~التي تنصب من الخشب والحديد لتشييد البناء، حتى إذا تم ، هدمت. ولذلك هدمت نيتشه كما هدمت ~~عشرات غيره؛ لأني استغنيت عن الأسكلة بعد أن بنيت بها شخصيتي. # وحين أتأمل شخصيتي وأهدافي أحس أني أؤدي في مصر في القرن العشرين ما كان يؤديه رجال ~~النهضة في أوروبا فيما بين سنة 1400 وسنة 1800. ولذلك أجد قرابة روحية ونشاطا رساليا ~~بيني وبين ليوناردو دافنشي، وفولتير، وديدرو ومن إليهم. ومن هنا دعوتي إلى العقل بدلا من ~~العقيدة، وإلى استقلال الشخصية بدلا من التقاليد. # وربما كان أقرب هؤلاء الناهضين إلى نفسي هو ليوناردو دافنشي؛ فإني مثله في الاعتقاد بأن ~~الذهن الناضج لا يرضيه أن يحد نفسه بحدود الأدب وحده، أو الفلسفة وحدها، أو العلم وحده؛ إذ ~~هو يجمعها كلها ليستقطر منها فلسفة للحياة. # وإذا شئت أيها القارئ، زيادة في التفاصيل فاعرف: ~~(1) # أني أومن بالحقائق؛ ومن هنا تعلقي بالعلم لأنه حقائق. ~~(2) # وإذا كان لا بد من عقيدة فإني أومن بها عندما تكون ثمرة الحقائق العلمية؛ ~~فإني أعتقد مثلا بالمستقبل الاشتراكي للعالم كما لمصر وأعمل له؛ لأن ~~الاقتصاديات العصرية تومئ بذلك. ~~(3) # وأومن بأنه ليس في الدنيا أو الكون أو المجتمع استقرار؛ لأن التطور هو أساس ~~المادة والأحياء والمجتمعات، أي أساس الوجود. وأن الجمود الاجتماعي هو معارضة ~~آثمة من الأشرار لسنن الكون والحياة. # وقد وصلت في تثقيف ذهني إلى أقصى ما يطمح إليه رجل في سني. ومع أنه لا تزال في نفسي ~~اختمارات سوف تنفجر في المستقبل فإن أهدافي الآن عديدة. وهي إحالة مصر من قطر شرقي ضعيف ~~يحيا على التقاليد في أساليب الزراعة والعيش إلى قطر أوروبي يحيا على العلم والصناعة ms202 ~~واستقلال الشخصية مع الاتجاه الاشتراكي في تنظيم اقتصادياتنا. # وعندي أن الاشتراكية هي التطبيق العملي لمذهب الإنسانية. # وقد حققنا من الاشتراكية أساسها الأول وهو الجمهورية بدلا من الملوكية. وقمنا بمكافحة ~~الإقطاع وإيجاد المصانع. وأحس لذلك كأن أشياء كثيرة قد أنجزت من وعد حياتي. # والاشتراكية تعني في النهاية أن الشعب فوق كل شيء. بل هو كل شيء. ومن هنا كفاحي الصحفي ~~لإيجاد أسلوب شعبي في الكتابة العربية. وأيضا في جعل الأدب والعلم والثقافة جميعها في ~~متناول الشعب لا تقصر على طبقة خاصة منه. # وقد عاب علي بعضهم أني أكتب عن الملوخية والبامية والفول المدمس. وإنما فعلوا ذلك ~~لبعدهم عن الشعب وتعلقهم بمذاهب قاحلة من الأدب، وأنه يجب أن يترفع عن الحديث عن هذه ~~الأطعمة العامية وأن يتحدث عن «الترف الذهني». وأنا أختلف معهم من حيث إني أعتقد أن الأدب ~~رسالة إنسانية لخدمة المجتمع وإنهاض الإنسان. # وفقراء شعبنا الذين أفقرهم وأجاعهم الاستعمار الأجنبي والاستبداد الوطني لا يحتاجون أن ~~نصف لهم طاقات الورد وبتلات الياسمين. # لا، ليس الجمال غاية الأدب، وإنما غايته هي الإنسانية. # والإنسانية تطالب الأديب الإنساني قبل كل شيء بتوفير الطعام للشعب، ثم بعد ذلك الورد ~~والياسمين ... # وحياتي الماضية في الصحافة والأدب والعلم يمكن أن تعد فشلا أو نجاحا. # فهي فشل يكاد يكون تاما من الناحية المالية لشخصي. فقد احترفت الصحافة منذ 1914 حين ~~أخرجت مجلة المستقبل. وبقيت على هذه الحرفة - مع انقطاعات قهرية تدوم سنوات أو شهورا - إلى ~~هذا العام. واشتغلت في جملة صحف ومجلات وأخرجت «المجلة الجديدة» 14 عاما، وألفت نحو أربعين ~~كتابا. # ومع كل ذلك كنت - كي أعيش - أبيع ما أملك مما ورثت. كما أن وزارة «المعارف» لم تشتر قط ~~بما قيمته مليم واحد من مؤلفاتي ولم تشترك في «المجلة الجديدة» سنة واحدة. وهناك صحفيون ~~زاملوني لا يقل مجموع كسبهم في هذه السنين عن 30 أو 40 ألف جنيه. بل إن بعضهم كانت وزارة ~~«المعارف» تشتري مؤلفا واحدا منه بألف جنيه دفعة واحدة. وكذلك هناك مجلات شهرية أو ~~أسبوعية ms203 - دون ما أصدرت أنا من مجلات - بلغ اشتراك هذه الوزارة فيها ما لا يقل عن عشرين ألف ~~أو ثلاثين ألف جنيه. بل إن محطة الإذاعة المصرية عاملتني بما يشبه المقاطعة كأني لست ~~مصريا؛ حتى إني لأستطيع أن أقول إني لم ألق فيها في السنوات العشر الأخيرة أكثر من ~~خمسة أحاديث. بينما غيري قد ألقى فيها نحو 400 أو 500 حديث في هذه المدة. # ومنح كثير من الأدباء جوائز لم أحظ أنا بجزء من مائة منها ... وهذا نجاحهم، وهذا ~~فشلي. # أما نجاحي أنا فمن طراز آخر، هو أني استطعت أن أغير شباب مصر والشرق العربي إلى حد ~~بعيد، وأوحيت إليهم استقلالا وشجاعة واعتمادا على العلم والرأي العصريين. أي جعلتهم ~~يتطورون ويحيون حياة جديدة. وأكسبتهم بصيرة للمستقبل يعرفون بها ما فيه من ميزات ~~وأخطار. # واستطعت أن أستنبط لهم أسلوبا كتابيا عصريا يؤدي - إلى حد ما - ما يحتاجون إليه من ~~فهم. كما أني لم أتأخر عن التنبيه إلى ضرورة الأخذ بالحروف اللاتينية عندما اقتنعت بأن ~~حروفنا العربية الحاضرة تعوق ارتقاءنا العلمي وتحد من ثقافتنا. # ولم أعرف قط البرج العاجي للأدب. وكيف يجوز لأحد أن يحيا في أبراج إذا كان 99 في المائة ~~يحيون في بدرومات من طين؟ # ونجاحي مع الشباب يرتبط بفشلي المالي مع الحكومات البائدة؛ ذلك لأني رفضت الانضمام إلى ~~القوات الرجعية بألوانها المختلفة، وهي القوات التي كانت تكافئ أتباعها في سخاء بالمال ~~والعقار وتقاطع خصومها وتكيد لهم. وكان حبسي سنة 1946 بتهمة الدعوة إلى الجمهورية بدلا من ~~الملوكية والدعوة إلى الاشتراكية بدلا من الإقطاع، من أسباب النجاح الذي أفهمه وأنشده. ومن ~~أسباب الفشل الذي يعيرني به شيوخ الأدب الذين ألقوا الخطب والمقالات والقصائد في مدح البغي ~~فاروق، حتى إن أحدهم وصفه بأنه قدوة في الأخلاق يجب على شباب مصر أن يقتدي بها. # وبداية سن السبعين تومئ من قريب إلى نهاية الحياة. ولكني أعتقد أني ما زلت بعيدا عن هذه ~~النهاية بنحو عشرين أو ثلاثين سنة، وسوف أتقبل هذه النهاية في طمأنينة ms204 كاملة. ولكني أحب أن ~~أبقى على شهواتي الذهنية الحاضرة وأن أنهم إلى الحياة والمعرفة والفهم كما كنت في ماضي ~~حياتي. # وأحب أخيرا أن أموت كما مات الجاحظ «وعلى صدره كتاب». # | السبعون سنة الأولى من عمري # في هذا الشهر - يناير من 1957 - أتممت السبعين سنة الأولى من عمري. وما لم يكن رأس ~~الإنسان مصنوعا من الحجر الصلد فإن في هذه السنين ما يبعث على التفكير والعبرة بشأن ~~الحياة. # بشأن الحياة وليس بشأن الموت ... # وإنى حين أفكر في الموت فإنما أفعل ذلك كي أستنبط وأستخلص منه عزما جديدا لأن أحيا. ~~وذلك لأني أسلم بنهائية الموت. وليست لي أية مطامع غيبية بعده. وكثيرا ما يخطر ببالي لذلك ~~أن إحراق الجثمان خير من دفنه؛ لأن النار التي تلتهم الجسد وتحيله إلى غاز ورماد تؤكد هذه ~~النهائية، أو على الأقل تؤكدها في إحساسنا؛ ولذلك أرجو أن أنتهي إلى هذا المصير ولو في ~~المرمدة الهندية التي بالقاهرة. # وما بقي من عمري سوف أنشد فيه النمو. أي أن أكبر ولا أعمر فقط. أكبر وأنضج. # ومن مدة قريبة قرأت هذا البيت التالي ووقفت عنده أتامل الحال النفسية التي انبعث بها ~~الشاعر إلى تأليفه: # ندمي أن الشباب مضى # لم أبلغه مدى أشره # إنه شاعر سخيف؛ إذ لا بد أنه قال هذه الكلمات وهو في مثل سني الآن، في نهاية السبعين. ~~ولكن أي أشر هذا الذي يندم على أنه لم يحققه؟ # أنه يأسف على إنه لم ينزق كما كان يحب. # ولكن أكبر ظني أنه لو كان قد نزق وأشر وانغمس في اللذات الجنسية والكئولية والصبيانية ~~لكان ندمه أكبر. وأقصد هنا الانغماس؛ لأننا نستطيع - حتى بعد السبعين - أن نمارس هذه اللذات ~~في اعتدال. وهي مع ذلك لذات حيوانية لا ترتفع إلى قمة كياننا، إلى الرأس. # ولي هنا اعترافان: # الأول: # أني أهتم بالدنيا ومصير الإنسان أكثر مما أهتم بنفسي. # والثانى: # أن أكبر لذاتي هو اللذة الفلسفية. # ولست أجد السعادة الراكدة في هذه الأشياء الثلاثة، وإنما أجد الكفاح النشيط. # إني أعرف ناسا هانئين ms205 راكدين سعداء. ولكن سعادتهم لذلك أشبه بالموت منها بالحياة. وما ~~يحسبونه سعادة هو غفلة ونعاس أو أنانية حيوانية. ولكن السعادة الإنسانية هي أن نهتم ~~بالإنسان والمجتمع، فنقلق، ثم يبعثنا القلق على الكفاح ... ثم تكون سعادة الكفاح. # إننا نولد مرة واحدة من أمهاتنا، وميلادنا هذا يعين لون بشرتنا ومقدار قامتنا ونحو ذلك. ~~ولكن الإنسان الذي يكبر ويسير نحو النضج يحتاج إلى أن يولد قبل السبعين نحو عشر مرات. وهو ~~عندئذ لا «يصل» إلى سن السبعين أو الثمانين وإنما ينمو إليها؛ فإن النمو هو شعار الحياة ~~الحية. # لقد كان أول ميلادي - بعد سن المراهقة - حين عرفت نظرية التطور، فأحسست بها أن عقلي قد ~~كبر وأن نظرتي قد أصبحت تشمل الكون، وأني أحاول الشمول والاستيعاب، وأن لي ديانة تربطنى ~~بأقصى النجوم والكواكب وأحط الديدان والحيوان، وأني مسئول أمام الحياة والإنسانية. # وامتدت أمامي دراسات ما زلت أتابعها بسبب هذه النظرية. وهي دراسات تتعدد وتتنوع وتتناول ~~خميرة العجين وجسيمات الذرة ومنشأ السحر ومستقبل الإنسان. # لقد عرفت برناردشو، وفكرت كثيرا في معنى الشخصية الإنسانية في درامات إبسن، وعرفت الحبيب ~~المجنون نيتشه، وصحوت على الحضارة الأوروبية وهبطت على أسسها في الصناعة والعلم، وأعجبت ~~بجوتيه، واجتررت كثيرا، مع فرويد، أسرار النفس الإنسانية، ودرست الغصن الذهبي، وسحرني ~~دستوفسكى وبقيت في السحر حتى أنهضني منه جوركي. # وكنت كلما اكتشفت واحدا من هؤلاء أحسست بميلاد جديد. # كنت وأنا في سن الأربعين أو الخمسين، عندما كانت الحياة ترهقني بتكاليفها وأعبائها، أهفو ~~إلى الريف وأحلم بالراحة والهناء في سذاجته وأتمنى قضاء السنين الأخيرة من العمر فيه حيث ~~البساطة في كل شيء كما فعل روسو. # ولكني الآن لم أعد أسيغ هذا الحلم، هذا الفرار من أعباء الإنسانية، بل أصبح همي أن أزيد ~~هذه الأعباء بأن أستوعب مشكلات العالم وأدرس ثقافته. وأحس كلما زادت هذه المشكلات وتعقدت أن ~~مسئوليتي قد زادت أيضا. والرجل المثقف الذي ينشد الريف وسذاجته وراحته هو جندي فار من ~~معركة الخير والشر التي يجب أن يعرف مكانه فيها. # وقد كنت أيضا ms206 أفكر في هواية ما تخفف من جد الحياة وضغط المسئوليات. بل لقد نصحت الشبان ~~بأن يختاروا إحدى الهوايات ويتعلقوا بها. ولكني أحس الآن أن الهواية فرار آخر من الحياة، ~~وأننا يجب ألا ننشد التسلية وتزجية الوقت بل ننهض بعمل إيجابي كفاحي لخير الإنسانية. # وأصل الرغبة في راحة الريف. واتخاد الهواية، هو أننا ننشد - عن جهل - ما نسميه السعادة، ~~ولكن هذه السعادة تخدر النفس، أما الهموم والاهتمامات فتنبهها. ولن نحس الحياة على أعمقها ~~إلا حين نكافح، بل الكفاح هو الذي يجعلنا نحس أننا أحياء. # ومع ذلك إذا كانت الهواية كفاحا فأنعم بها. ولكن هذه الكلمة عندئذ تخالف معناها ~~المألوف. # وهناك وسائل كثيرة للتربية الذاتية ولكن أعظم هذه الوسائل وأجداها هو الكفاح من أجل الخير ~~في العالم. فأنت تكافح كي تغير حالا قائمة ولكنك أنت أيضا تتغير بهذا الكفاح؛ وذلك لأنك ~~ستحتاج إلى الدرس والتفكير، وستلاقي الصعوبات والعقبات. وقد تنجح أو تخيب، وكل هذا تربية لك ~~وزيادة في عقلك وبصيرتك. إن الماضي ميت. # وأنت حين تكافح تختار المعارف الحية التي تغير الدنيا والأخلاق والآمال. فأنت حين تدرس ~~وتتربى يتجه تفكيرك بالمعارف الحية نحو المستقبل أي نحو التغيير. أما إذا اخترت المعارف ~~الميتة فإن تفكيرك يتجه نحو الماضي، وليس في الماضي مكان للتغيير. إن الماضي ميت. # وهنا الفرق بين كاتب وكاتب، بين أديب وأديب، بين مفكر وغير مفكر. # إن المفكرين المكافحين يفكرون في المستقبل ويخططونه بينما غير المفكرين يكتبون عن الماضي ~~وكأن ليس لهم شأن بالمستقبل، ليس لهم كفاح. # إن الشيخوخة، سن السبعين أو الثمانين، قد تكون بشيرا لك، أيها الشاب، أو نذيرا. فهي ~~بشير إذا كنت قد عودت نفسك - منذ شبابك - العادات الحسنة، الإيجابية والسلبية، وأول هذه ~~العادات الاهتمام بالدنيا والإنسانية والسياسة والثقافة ومستقبل بلادك بل مستقبل الإنسان ... ~~فإذا اهتممت بكل هذه الأشياء السامية فإنك أنت ستسمو بها كما تتربى وتكبر شخصيتك ويحد ~~ذكاؤك. وهذا الاهتمام نفسه سيشغلك عن العادات السيئة التي تفشو كثيرا بين الفارغين ~~التافهين الذين يستهلكون كل يوم عشرات ms207 الفناجين من القهوة والشاي ويدخنون إلى حد إفساد ~~الجو حولهم. وقد يتسلون عن فراغهم وسأمهم بالانغماس في الخمور أو نحوها. # لا تكن شابا أجوف، لا تكن شابا تافها. اهتم بالدنيا وبالإنسانية. واهتمامك هذا يربيك ~~ويجعلك شابا وأنت في سن السبعين والثمانين. واجعل من الفلسفة أكبر لذاتك التي تحيا معك ~~إلى يوم وفاتك والتي تفوق كل ما يقوله التافهون عن الملذات الأخرى. # | مؤلفاتي التي وجهتني # نحن المؤلفون نؤلف الكتب ونوجه بها الأفكار ثم تعود هي فتؤلفنا وتوجهنا ، والأغلب أن ~~الكتاب الأول الذي ألفناه وشغفنا بإخراجه وتهيأنا له بالتفكير البكر، أو ما ظننا أنه بكر، ~~هذا الكتاب هو الحلقة الأولى من سلسلة للكتب التي نخرجها بعد ذلك وفق البذور التي بذرناها ~~في هذا الكتاب الأول. ثم نحن في تأليف هذه الكتب نحرص على رباطنا بالكتاب الأول. فلا نحيد ~~ولا ننحرف. # لا نحيد ولا ننحرف لسببين: # الأول: # أننا نحرص على ألا نبدو متناقضين، وهذا أخف السببين، بل ~~أتفههما. # والثانى: # أن الأفكار الأولى التي حفزتنا على التأليف الأول تبقى حية تنمو وتكبر، ~~فنتوسع فيها بما لها من خاصة التوسع، وليس لحرصنا على التزامها. # إن الذين قرءوا جان جاك روسو يذكرون كيف أن فكرة الطبيعة فاجأته وهو يمشي على طريق ريفي ~~بين الحقول. فما هو أن وجد شجرة حتى ارتمى تحتها وأخذ يجتر الفكرة: إن الإنسان كان سعيدا ~~في سذاجته وبدائيته، ثم عرف العلم والحضارة فتعس. # الفكرة بسيطة بل مخطأة أيضا، ولكن لها زاوية تستحق التنقيب والبحث. وأخرجها روسو في ~~رسالة قصيرة قرأها الناس ودهشوا بها. ولكن الشيء الذي يلفت نظرنا هنا أن حياة روسو نفسه ~~تأثرت بهذه الرسالة. فإنه بعد تأليفها شرع يتوسع في معانيها ويحيي هذه المعاني في سلوكه ~~وأخلاقه وأفكاره. # هذه الرسالة التي ألفها روسو عادت فألفت حياته هو ووجهته وعينت أهدافه. وكل منا - نحن ~~المؤلفين - له مثل هذا الشأن إذا كان مؤلفا أمينا يقول ما يعتقد وما يتعقل. أما إذا كان ~~مأجورا للدفاع عن مذهب فليس لمؤلفاته تأثير عليه سوى ذلك ms208 التأثير الذي يقال عن الكاذب ~~يكرر ويدمن الكذب حتي يصدقه. # حتى القصة يؤلفها الكاتب في الخيال ويعين لبطلها صفات وميزات تعود بعد ذلك فتؤثر في هذا ~~المؤلف نفسه حتى ليتخذ هذه الصفات والميزات لنفسه. ألسنا نرى في قصص تولستوي أبطالا يشبهون ~~تولستوي نفسه؟ # قد تقول هنا إن أبطال تولستوي في قصصه يشبهونه في الأخلاق؛ لأن أخلاقه هو كانت كذلك قبل ~~أن يخلقهم. وهذا ممكن ولكنه ليس ضروريا. ولكنه وهو يدون صفاتهم ويفصلها ويعين ميزاتهم، ~~كان يتبنى شخصياتهم ويستلهمها في حياته، ثم أيضا يرتبط بها. # الكتاب الذي أؤلفه هو صديقي الذي أؤثر فيه ويؤثر في. # كان أول ما ألفت كتابا باسم «مقدمة السبرمان» وذلك في 1909 وأنا في لندن أعاني اختمارات ~~ذهنية كثيرة انفجر بعضها في هذا الكتاب. والآن بعد خمسين سنة أجدني لم أتغير عما قلت في ~~ذلك الكتاب. بل كل ما حدث أني توسعت وتعمقت؛ ففي هذا الكتاب إشارات أو فصول موجزة عن: ~~التطور، الاشتراكية، برناردشو، إبسن، الدين والعلم، حرية الفكر، داروين ... إلخ. # وهذه الإشارات أو الفصول قد صارت بعد ذلك مؤلفات ومجلدات أثرت في حياتي وأخصبتها ~~وأدخلتني السجن وأسعدتني بدراسات وألهمتني خططا ما زلت في نتائجها ومناهجها. # وفي 1914 أخرجت أول مجلة أسبوعية في مصر باسم «المستقبل». والاسم نفسه يحوي دلالة لحياتي ~~بعد ذلك؛ فقد كافحت دعاة الفعل الماضي الذين يعوون بشأن التقاليد. كما دعوت إلى العلم الذي ~~نبني به مستقبلنا. وأجد في أحد الأعداد مقالا بعنوان «الله» يحوي أفكارا يمكن أن توصف ~~عند الصديق بالحرية وعند العدو بالإلحاد. # وفي 1916 وجدتني أدعو في جريدة الأخبار إلى إلغاء الطربوش. وكان يحفزني على ذلك إحساس ~~بأنه شارة الاستعمار التركي لمصر. # وكنت في إخراج مجلة المستقبل ودعوتي فيها إلى الاشتراكية وإلى المادية، ثم بعد ذلك في ~~اقتراحي إلغاء الطربوش، مسوقا بالكتاب الصغير الذي ألفته في 1909 بعنوان «مقدمة ~~السبرمان». # وحررت بعد ذلك مجلة الهلال سبع سنوات أخرجت فيها هذه الكتب. وهي جميعها امتداد وتوسع ~~وتعمق لما جاء في مقدمة «السبرمان»: ms209 حرية الفكر، العقل الباطن، أحلام الفلاسفة. # ثم عملت في تحرير البلاغ فنشرت فيه مقالات جمعت بعد ذلك كتابا باسم «نظرية التطور ~~وأصل الإنسان». # ومؤلفاتي في السيكلوجية - من «العقل الباطن» إلى ما تلاه من الكتب - هي امتداد لنظرية ~~التطور؛ لأن العقل الباطن هو الحيوان الكامن في الإنسان. # واتجاهي الاشتراكي الحاضر هو امتداد للفصل الموجز الذي خصصته عن الاشتراكية في هذا الكتاب ~~الأول الذي ألفته في 1909. وكنت وقتئذ عضوا بالجمعية الفابية الاشتراكية ~~الإنجليزية. # وقد تشعبت فكرة التطور عندي فأصبحت إيمانا بالارتقاء واتجاها نحو المستقبل وبحثا بل ~~أبحاثا متكررة في معاني الحضارة والثقافة والعلم. # نحن المؤلفين نتجاوب مع مؤلفاتنا نؤثر فيها ونتأثر بها. وهي - كما توجه القراء - توجهنا ~~نحن أيضا. وبالطبع أعني المؤلفات التي تتصل بالأخلاق والحياة العامة والمذاهب والسلوك؛ إذ ~~ليس من المعقول أن مؤلفا يؤلف كتابا في صناعة الصابون أو القيم الصحية في بعض الأغذية ~~تتأثر حياته به. وإن كنت أظن أن اهتمامه بمثل هذه الموضوعات سيربطه - ثقافيا وعلميا - ~~بها طيلة حياته. ولكن العبرة الكبرى بالكتب التي نؤلفها في الأخلاق والمذاهب والسياسة ~~والاجتماع. # وبكلمة أخرى أستطيع أن أقول للقارىء: إذا شئت أن تتعرف إلى مؤلف وتقف على منهجه في ~~الحياة واتجاهه الفلسفي فإنه يكفيك أن تقرأ عناوين مؤلفاته. # ذلك لأن مؤلفاته هي حياته. # ومؤلفاته الأولى على الأخص؛ إذ هي مؤلفاته التي ألفها عفو ميله واتجاهه، وقصد منها إلى ~~البوح والاعتراف عما كان يكظم في نفسه من أفكار. # والأغلب أنه لم يكسب منها بل لعله خسر فيها؛ إذ هو ألفها دون أن يهدف إلى كسب وإنما إلى ~~إشباع شهوة ذهنية. # فيما بين 1909 و1914 ألفت «مقدمة السبرمان» و«نشوء فكرة الله» و«الاشتراكية» وجميعها خسرت ~~فيها بل لم أكد أجمع جنيها كاملا منها كلها. ولكني سعدت بها؛ لأني بحت بالمكتوم في ~~نفسي واسترحت بالبوح. # وليس عجيبا بعد ذلك أن أعظم مؤلفاتي انتشارا وهو كتاب «نظرية التطور وأصل الإنسان»، ~~الذي ألفته منذ ثلاثين سنة، كان أقلها كسبا لي. فقد بعت حقوق الطبع الكاملة فيه بعشرين ms210 ~~جنيها فقط، مع أنه الآن في الطبعة الرابعة. # وقد يظن القارئ أني أبتئس بذلك، ولكن العكس هو الصحيح؛ فإني سعيد بانتشاره لأنه يعالج ~~نظرية حبيبة إلى نفسي أحب أن تنغرس مبادئها في قلوب القراء العرب حتى يسترشدوا بها في ~~السياسة والاجتماع والأخلاق ... # هو هزيمة مالية فاضحة ولكنه انتصار ذهني رائع. # وكتاب آخر جرى هذا المجرى هو «تربية سلامة موسى»، فما هو أن خرج من شركة «الكاتب المصري» ~~في 1947 حتى أعلنتني أنها أبطلت مشروعاتها في الطبع والنشر وأنها ستبيع الكتاب بالمزاد ؛ أي ~~تبيعه بقدر ما فيه من ورق يوزن بالأقة. ولم أصب منه غير عشرين أو ثلاثين جنيها، ولكني أعده ~~أحسن مأ ألفت؛ فإنه اعترافات صفيت فيها حسابي مع المجتمع الذي أعيش فيه وسردت حياتي بكل ما ~~تحوي من صفاء أو غبار. # وكثير من مؤلفاتي بعد ذلك - وهي تبلغ أربعين - هي اعترافات؛ فإن «هؤلاء علموني» و«الأدب ~~للشعب» كلاهما يبسط للقارئ ما أعتقد عن تطوري الثقافي. ولكن كثيرا أيضا من مؤلفاتي الأخرى ~~هو تعليمي قصدت منه إلى الشرح والبسط كما فعلت في جميع كتبي عن السيكلوجية. # وهناك كتاب ألفته في 1953 كان يجب أن يؤلف قبل ذلك بنحو ثلاثين سنة هو كتاب «الثورات». ~~وإنما أخرني عن ذلك هذا العرش الأجنبي الملوث على بلادنا ووقوف الاستعمار البريطاني ~~السافل خلفه يؤيده لأنه كان وسيلته إلى استغلالنا. وقد كان موضوعه يختمر في ذهني منذ ألفت ~~«مقدمة السبرمان» في 1909 التي تعد ثورية في الاجتماع والثقافة أكثر مما هي كذلك في ~~السياسة. فقد عرضت فيه للثورات أو لبعضها الخطير التاريخ وأبرزت معانيها وأهدافها. # ومع أني لم أخرج هذا الكتاب إلا في 1953 فإن عامة القراء كانوا يجدون في مؤلفاتي ~~السابقة اتجاهات ثورية في مختلف النشاط السياسي والاجتماعي والاقتصادي. # وكان الحزب الاشتراكي الذي ألفته - مع حسني العرابي وغيره - ثورة في نظر النيابة العامة ~~التي حققت معنا في 1923 بشأنه. ثم سنت بعد ذلك القوانين - بإيحاء الإنجليز - وحظرت ~~إيجاد مثله في المستقبل. # ويقول السيكلوجيون: إن الابن الأصغر ms211 في العائلة كثيرا ما ينشأ ثائرا؛ ذلك لأن مكانه ~~فيها هو مكان الضعف حين يستبد به إخوته الكبار ويحملونه باستبدادهم على التمرد والثورة. ~~وهو حين يشب ويختلط بالمجتمع يتجه فيه اتجاه الثورة؛ إذ يجد في أشخاص المستبدين ذكريات غير ~~واعية من استبداد إخوته الكبار أيام طفولته. # وقد كنت أصغر إخوتي في العائلة، ولا أذكر منذ صباي إلا أني كنت على إعجاب عظيم بعرابي ... ~~وكانت ترجمتي بعد ذلك لكتاب بلنت «التاريخ السري للاحتلال البريطاني لمصر» من المسرات التي ~~أسعدتني. أجل ووجهتني؛ فإن كراهتي للعرش أيام فاروق، وهي التي جعلت النيابة العامة تحبسني ~~أسبوعين - بعضها على الأسفلت - في 1946 بدعوى التآمر على إيجاد حكم جمهوري بدلا من الحكم ~~الملوكي، هذه الكراهة كانت تجري في سياق كراهتي لتوفيق الشقي الذي تآمر مع الإنجليز على ~~هزيمة عرابي وتحطيم الحركة الوطنية. # إن ظروفا كثيرة سيكلوجية واجتماعية عملت لتوجيهي الثوري، كما عملت أنا بعد ذلك لهذا ~~التوجيه للقراء. ثم كان بعد ذلك الارتباط بين المؤلف ومؤلفاته. ~~••• # ما هو الذي يحفزني على التأليف؟ # اعتقادي أنه اهتمامي بالشعب؛ أي إنه مجموعة من عواطف السخط على الحال القائمة والأمل في ~~حال مرجوة. والسخط يثير علي غضب الكثير من الجهلة الذين لا يفهمون طبيعة الحضارة الغربية ~~وما يكمن فيها من عدوان واستعمار للشعوب الضعيفة التي تعيش على قديمها الرث من التقاليد. ~~ولست أنا من عشاق هذه الحضارة الغربية بدليل أني اشتراكي. فهي حضارة المباراة والاشتراكية ~~حضارة التعاون. ولكن - لأن هذه الحضارة الغربية عدوانية استعمارية - يجب علينا أن نقاومها ~~بأسلحتها. وأعظم هذه الأسلحة هو العلم والصناعة، مع اتجاهنا نحو الاشتراكية. # وعندما أقارن بين مؤلفاتي وبين مؤلفات طه حسين وعباس العقاد أعجب أكبر العجب؛ لأن ~~موضوعاتهما التي تشغلهما تختلف عن الموضوعات التي تشغلني. # فإن لهما أكثر من ثلاثين أو أربعين كتابا في شرح المجتمع العربي في بغداد والمدينة ومكة ~~في القرن الأول للهجرة. ولهما دراسات عن أبطال من العرب ماتوا قبل 1300 أو 1200 سنة. وكأن ~~المجتمع المصري الحديث، وثورات الشعوب، والانقلاب ms212 الاقتصادي الذي يفصل بين عصر الإقطاع وعصر ~~الصناعة، وحرية الفكر التي تدعو إلى العقل بدلا من العقيدة، وقيمة العلم، ونظرية التطور، ~~كل هذا وغيره مما يلابسه من الأفكار والاهتمامات لا قيمة لهما في نظرهما لارتقاء شعبنا. ~~وليس لواحد منهما كتاب واحد عن هذه الموضوعات. # ومما يؤسف له أنه قد نشأت لهما «مدرسة» تؤلف عن كل شيء عربي قديم، وليس عن مشكلة مصرية ~~حديثة. والتأليف هنا سهل لا يكاد يحتاج إلى مجهود؛ إذ ليس أسهل من الرجوع إلى الطبري، أو ~~الأغاني، أو ابن الأثير، أو السيرة الحلبية، أو غير هذه الكتب لاستخراج صيغة جديدة لترجمة ~~قديمة. وكثيرا ما تكون هذه الصيغة الجديدة دون السيرة أو الترجمة القديمة. # وكما كان يقول توفيق الحكيم، أو كما كان يمارس الفن - وفق سخافة «الفن للفن» - كذلك أحس ~~وأنا أسمع بعنوان جديد لطه حسين أو عباس العقاد بأنهما يؤلفان للتأليف وليس لهدف اجتماعي ~~يخدم الشعب. # في كل ما ألفت أنا هدفت تصريحا أو إضمارا إلى خدمة الشعب وتوجيهه؛ فإن عناوين مؤلفاتي ~~يكفي ذكرها للبرهان على ذلك. مثل «نظرية التطور» و«حرية الفكر» و«الثورات» و«كيف نربي ~~أنفسنا» و«الأدب للشعب» و«برناردشو» و«طريق المجد للشباب» ... إلخ. # ولو كنت قد وجدت الحرية أيام الحكومات الملوكية السابقة لألفت عن الاشتراكية بما كان يوجه ~~ويرشد. # وسخافة «الفن للفن» جعلت توفيق الحكيم يدعو إلى الموت بدلا من الدعوة إلى الحياة كما هو ~~واضح في درامته «أهل الكهف». ~~••• # والآن عندما أراجع حياتي التأليفية، أحس الأسف أكثر مما أحس الفرح؛ ذلك أنه كان يمكنني أن ~~أنفع بلادي أكثر لو أني كنت على حرية تامة في التأليف. ولكني كنت حين أؤلف أحس التوتر في ~~ضميري وأقف حائرا فترات يظل فيها عقلي حائرا بين أن أكتب ما يجب أو أكتب ما يمكن. وأنتهي ~~إلى «ما يمكن» وأترك ما يجب. أي أترك الحسن إلى ما هو دونه. # وربما كان الأزهر أكبر ما عاق تفكيري الحر. وقد ألفت كتابي: «هؤلاء علموني» ولم أذكر فيه ~~كارل ماركس مع أنه الأول في ms213 تنويري وتثقيفي؛ فقد خشيت إن أنا ذكرته أن أتهم بنشر ~~الشيوعية. # وما زلت أذكر مع الغصة أن شيخ الأزهر - أيام حكم إسماعيل صدقي في 1930 - طلب من وزارة ~~المعارف ألا تشترك في «المجلة الجديدة» التي كنت أصدرها وقتئذ وأناهض بها هذا الطاغية الذي ~~ألغى الدستور. وكانت حجة الأزهر أن هذه المجلة تدعو إلى الكفر. ووجد إسماعيل صدقي في هذه ~~التهمة تبريرا لتعطيلها وتخلصا من نقدي له. وفعل مثل ذلك مع اثنتي عشرة مجلة أخرى كنت ~~أصدرها. # وإذا تركنا هذا النقص في حرية الفكر باعتباره أحد الأسباب لتعطيل التأليف الحر في مصر ~~فإنه يبقى علينا أن نقول إن هناك نقصا آخر يساعد على هذا التعطيل هو تقصير دور النشر في ~~القاهرة وبيروت وغيرهما عن خدمة المؤلفين بترويج مؤلفاتهم بالطريق التجارية المألوفة في بيع ~~أية سلعة أخرى. فإن الكتاب في السوق سلعة لا تختلف من غيرها وتحتاج إلى الأساليب التي تروج ~~بها السلع الأخرى في نظامنا التجاري الحاضر. كما أن إخراج الكتاب بالطبع والتغليف لا يزال ~~دون ما يستحق من العناية. # ولهذا لا يزال المؤلفون يستعينون بالصحافة على التأليف. ولا أكاد أعرف مؤلفا عربيا يجد ~~كفاية عيشه من التأليف وحده؛ إذ هو في أغلب الحالات يستعين بعمل آخر. وأقرب الأعمال إلى ~~التأليف هو الصحافة. # ولكن الصحافة للمؤلف تنفع وتضر. # فهي تنفع لأنها تلصق المؤلف بالجمهور وتبرز في وعيه أحداث العالم وتطوراته ~~وتحمله على أن يكون شعبيا في أغلب الحالات. ولكنها تضر من حيث تعويده السرعة بل ~~العجلة في التأليف والرضا بالنتيجة الوقتية دون التمهل والإتقان. # وظني أنه يمكن المؤلفين أن يرصدوا حياتهم أو معظمها للتأليف إذا وجدوا الخدمة المتقنة من ~~الناشرين في الارتقاء بالطبع والإخراج مع النشاط في التوزيع. ~~••• # وأخيرا أحب أن أنبه إلى أن التأليف ليس صناعة أو حرفة وإنما هو حياة؛ ذلك أن موظف ~~الحكومة أو المتجر أو المصنع أو صاحب الدخل من العقار أو الأرض أو الشركة، كل هؤلاء يعملون ~~- إذا عملوا - انتظارا للأجر أو الربح. وليس لعملهم أية ms214 علاقة بحياتهم، عملهم ينفصل من ~~حياتهم إذ هو وسيلة للحياة وليس الحياة نفسها. # ولكن المؤلف يحيا في مؤلفاته كما أن مؤلفاته تحيا فيه. فهو مشتغل الفكر دائب التأمل ~~يمارس الحياة وهو يلحظ منها موضوعاته التأليفية. بل إن هذه الموضوعات تغمره وتتدخل في ~~علاقاته العائلية والاجتماعية والاقتصادية. # وحياة التأليف هنا تشبه حياة الفلاحة التي تغمر الفلاح في كل يوم من أيام حياته، بل في كل ~~ساعة؛ فهو لا ينتظر منها الأجر فقط إذ هو يحياها في نخاع عظامه. أي إنه لا يجعل من الفلاحة ~~وسيلة للعيش فقط وإنما هو يحيا حياة الفلاحة والزراعة، حياة الريف التي يجعل منها هدفا ~~أكثر مما يجعل منها وسيلة. # | ذكريات من حياة «مي» # قصة «مي» هي عندي ذكرى ثم أسف. # عرفتها في 1914 وكانت حوالي العشرين من عمرها، حلوة الوجه مدللة اللغة والإيماءة، تتثنى ~~كثيرا في خفة وظرف. وكان الدكتور شبلي شميل يحبها ويعاملها كما لو كانت طفلة بحيث كانت ~~تقعد على ساقيه. وكان يؤلف عنها أبياتا ظريفة من الشعر للمداعبة وما هو أكثر من ~~المداعبة. # وكنت أصدر في ذلك الوقت مجلة أسبوعية باسم المستقبل. وكنت أنا وشبلي شميل على نية معينة ~~مبيتة في إصدارها من حيث مكافحة الخرافات الشرقية. ونشرت في أحد أعدادها حديثا مع مي ~~أطريتها فيه إطراء عظيما. وكان القارئ لكلماتي يلمح أكثر مما يرى من الإعجاب الأدبي، ~~ولكني مع ذلك حرصت على أن يكون إعجابي بها أدبيا فقط؛ ولذلك لم أتعمق مي في تلك السنين. ~~وكانت أحاديثي لها اجتماعية أكثر مما كانت سيكلوجية. # وبقيت بعد ذلك أزورها فيجري حديثنا على المستوى الأدبي الرفيع. وكانت مي على ثقافة واسعة ~~في الأدب الفرنسي وعلى اطلاع للأدب الإنجليزي. وكانت تتحدث باللغة الفرنسية في طلاقة ~~وترطن باللغة الإنجليزية في دلال. # وكانت إلى هذه الثقافة النادرة موسيقية على دراية بكبار الموسيقيين. وكان إحساسها الفني ~~دقيقا. وكانت لذلك تختار الفكرة والكلمة بما يطابق أو يجاري الروح الفني. ولم تكن لذلك ~~أيضا تبالي العلوم. ولم أكن أجد بين الكتب ms215 التي حفلت مكتبتها بها كتابا واحدا في ~~العلم. # وكان هذا نقصا واضحا في ثقافتها؛ ولذلك كانت حين تؤلف كتابا أو مقالا تكتب بقلبها، ~~بعاطفتها، دون العقل والمنطق. وانعكس فنها على حياتها فعاشت بالعاطفة. بالساعة «التي أنت ~~فيها». دون التفكير في المستقبل. وخاصة هذا المستقبل البعيد حين يذوي الشباب وتحتاج كل فتاة ~~إلى حكمة العقل إذ ما ذهبت عنها حلاوة الوجه. وأهملت الزواج والأمومة إذ كانت لاهية بشبابها ~~تتلألأ أمام أضيافها الكثيرين كل مساء وكل هؤلاء الأضياف من الباشوات الأثرياء أو من ~~الأدباء الأثرياء أو من الأدباء المعدمين. وكلهم كان معجبا وإن اختلفوا في مواضع الإعجاب ~~... # وكانت مخطئة. وكان خطؤها خطأ الحياة. وكثير من الناس يفهم النجاح على أنه نجاح الحرفة أو ~~الثراء أو الجاه، ولا يفهمه على أنه نجاح الحياة كلها، نجاح الصحة التي نعيش بها إلى يوم ~~الوفاة، ونجاح الفلسفة التي توجهنا في هذه الدنيا، ونجاح الحرفة التي نحصل منها العيش ~~الإنساني، بل كذلك نجاحنا في البناء العائلي والبناء الاجتماعي. # لم تفهم مي ذلك؛ ولذلك ما هو إن تجاوزت الخامسة والأربعين وبدأت خطوط الحلقة الخامسة ~~ترتسم على وجهها، وما هو إن أحست بأن جمهور المعجبين قد شرع يتناقض حتى ركبها الهم والقلق، ~~بل الخوف والرعب من ذهاب جمالها وذبول حلاوتها. والتفتت كثيرا في هذه الفترة من عمرها إلى ~~التأليف والصحافة، وأجادت، ولكنها كانت تعاني صراعا داخليا هو محاولتها الجمع بين أن ~~تكون امرأة جميلة وأديبة عظيمة. # وكانت هذه المحاولة فاشلة منذ البداية وكان يجب عليها أن تتنازل عن عرش الشباب والجمال ~~وترضى قانعة بعرش الأدب والفن. ولكن شق عليها بعد ثلاثين سنة قضتها وقلبها يضحك من نظرات ~~المعجبين بها وكلمات الإطراء التي كانت تنبعث إليها وهي عاطرة لاهثة بعواطف المحبين، شق ~~عليها ألا ترى هذه النظرات ولا تسمع هذه الكلمات. # وبلغت التاسعة والأربعين، وهي سن اليأس عند المرأة التي لم تعرف أن لها ميزة أخرى في ~~الدنيا غير جمالها. وهي سن الحكمة والنضج عند المرأة التي صاغت شخصيتها واختبرت ms216 وعرفت. وكان ~~يمكن مي أن تثابر على الآداب والفنون تدرس وتكتب وتؤلف. وكان يمكنها أن تقنع بالتبريز في ~~هذا الميدان بعد إذ رأت أن الميدان الأول قد تزلزل من تحت قدميها. # ولكنها لم تفعل. وابتأست كثيرا وصارعت المحال. # وفي هذا الانتقال الذي تمارسه المرأة قبيل الخمسين تتزعزع الشخصية بعض الشيء. فإذا رافقها ~~مثل هذا الصراع الداخلي الذي كان يتمزق به قلب مي على الشباب الذاهب فإن هذا التزعزع ~~يتفاقم. # وهذا هو ما حدث. فإن مي شرعت تخلط بين الحقائق والأوهام. وكانت تطل من نافذة غرفتها فتجد ~~من يتربصون بها بغية خطفها. وكانت أمها التي كانت تؤنسها قد ماتت؛ فزادت أوهامها وتجسمت ~~حقائق مرعبة تمزق أعصابها وتطغى على عقلها. # وعرف أقرباؤها هذا الحال وخافوا عليها مصيرها المؤلم إذا بقيت وحدها. فأغروها بالسفر إلى ~~لبنان للنزهة والتفرج فلما وصلت حملوها مقيدة إلى مستشفى، أو مارستان، حيث بقيت سنوات، ~~عادت بعدها إلى مصر. # وسمعت بعودتها، فاتفقت مع صديق لي هو الأستاذ أسعد حسني على زيارتها. وكانت صورتها في ~~ذهني لا تزال صورة الفتاة الجميلة الحلوة التي تضحك في تدلل وتتحدث في تأنق عن النزعات ~~والمذاهب الأدبية أو الفلسفية. ودققنا الجرس، فخرجت لنا امرأة مهدمة كأنها في السبعين قد ~~اكتسى رأسها بشعر أبيض مشعث. وكان وجهها مغضنا قد تقاطعت فيه الخطوط، وكان هندامها يبدو ~~مهملا. # وظننت لأول رؤيتها أنها خادمة وانتظرت كي تتنحى وندخل أنا وصديقي، ولكنها لم تتنح. وغمزني ~~صديقي الذي كان قد زارها من قبل وهو يهمس بصوت أعتقد أنها سمعته: «الآنسة! الآنسة!» # وعندئذ سلمت وأنا مثلج من الخجل، ودخلت أجر قدمي وقعدت إزاءها وأنا أفكر في هذه المأساة: ~~أين شبابها؟ أين حلاوتها؟ # وكان معظم ما يؤلمني أني أحسست أنها فهمت من ترددي في التسليم عليها عند الباب أني ~~أنكرت شيخوختها ولم أعرف أن مي الجميلة الرشيقة خالدة الشباب، قد استحالت إلى عجوز لم يبق ~~لها من جمالها غير الذكرى. # وقعدنا نتحدث، فروت لنا كيف خطفوها من القاهرة إلى مارستان العصفورية في ms217 لبنان، وكيف ~~كانوا يتربصون بها على مقهى قريب في الشارع القريب من منزلها. ثم شرحت لنا ما كابدته من ~~عذاب في هذا المارستان، وجعلت تلومني لأني لم أسأل عنها. وتدفقت دموعها كما لو كانت ميازيب. ~~وجرى بكاؤها في تشنج كأنها كانت تلتذه. ثم هدأت، وأشعلت سجارة وجعلت تدخن وتنفخ دخانها ~~علي مداعبة لأني أكره الدخان، وهنا استولى عليها طرب فشرعت تضحك في إسراف يزيد على ~~إسرافها في البكاء. وكانت تتشنج بالضحك كما كانت تتشنج بالبكاء. # وتكرر هذا منها. ضحك فبكاء، ثم ضحك فبكاء ، مع إسراف في الاثنين. # وسهل علي الوقوف على علتها. هي مانيا؛ أي ذلك الجنون الذي يقع كثير من الانبساطيين ذوي ~~الوجوه المستديرة. # وخرجنا أنا وصديقي أسعد حسني، وافترقنا. وأحسست ضوضاء في رأسي وغيظا في قلبي؛ لأني جرحت ~~كبرياءها وأفهمتها بترددي وصمتي على الباب حين ظهرت أني افتقدت جمالها فلم أجده، وأني ~~شهدت بذلك أن دنيا الشباب التي كانت تستمتع بها وتمرح فيها قد زالت عنها. وارتميت على كرسي ~~في مقهى قريب من بيتها عند ميدان مصطفى كامل وشرعت أفكر. وأحسست كأني أريد أن أصفع وجهي ~~لهذه الجلافة التي بدت مني عند لقائها. ثم نهضت وأنا على نية العودة إليها في اليوم التالي ~~كي أكفر عن زلتي الماضية. # وفي صباح اليوم التالي وعلى غير ميعاد قصدت إليها حوالي الساعة التاسعة من الصباح، ودققت ~~الجرس، وبعد قليل فتحت الباب وكانت متبذلة كأنها لم تكن تنتظر سوى بائع أو بواب يطرق ~~بابها في هذا الوقت. فلما رأتني ارتدت خجلة، ولكني سارعت إليها وعانقتها وقبلتها في ~~حرارة مصطنعة كأني عاشق مفتون. ولم يكن هناك عشق وإنما كانت تغمر قلبي رحمة وكان كمدي على ~~لقاء الأمس قد أثارني إلى هذا اللقاء؛ كي أثبت لها أنها لا تزال كما كانت: مي الجميلة ~~الرشيقة الأديبة التي تجذب القلوب وتفتن العقول. # وما هو أن خليت عنها حتى تراجعت وهي تقول: «مرسي، مرسي يا أستاذ!» وكأنها أحست أن هذه ~~المعانقة لم تكن إلا تفضلا وتصدقا. وقعدنا ms218 معا وأنا أحاول أن أتحبب إليها بالكلمة ~~والإيماءة وأرد إليها كرامتها المجروحة. وطربت هي ومرحت ... وعادت تقص علي القصص وتتشنج ~~بالضحك. ثم تذكر آلامها في المارستان فتبكي وتتشنج بالبكاء. وكان بكاؤها أكبر من البكاء، ~~كان دموعا تتدفق ترافقها تشنجات وتنهدات عالية، ثم يغمرها هدوء ترتاح إليه وتعود إلى ~~الحديث. # تفعل ذلك في تكرار وأنا أخفف عنها وأداعبها وأضاحكها. وتركتها بعد عناق حاولت أن أحسن ~~تمثيله. وظني أني أحسنت؛ لأنها حين ودعتني كانت تثب ضاحكة مرحة. وودعتني عند الباب ~~بمثل ما ودعتها به، وتركتها وقد نذرت أني أزورها مرتين كل أسبوع. ودعوتها لإلقاء محاضرة ~~في جمعية الشبان المسيحية فلبت الدعوة. وحضرت وألقت محاضرتها وهي على أحسن ما كانت من ~~الرصانة والتفكير. # ولكن المرض - ألمانيا - لم يكن قد فارقها؛ ففي أحد الأيام كنت أسير بالقرب من البنك ~~الأهلي فرأيتها متبذلة، بل في رثاثة شاذة، وهي تحمل كرنبة كبيرة وتسير بها نحو بيتها. ولم ~~تكن فقيرة إلى هذا الحد؛ إذ كان يمكنها أن تستخدم خادما أو اثنين. ولكن الاختلاط العقلي ~~الذي كانت تعانيه من ألمانيا جعل تصرفها شاذا. وحاولت أن أنزع منها الكرنبة وأسير معها ~~إلى البيت، ولكنها رفضت، وسرت معها على خجل من المارة وأنا أفكر في الحال السيئة التي ~~انحدرت إليها. وفارقتها عند بيتها وقد غمرني حزن وكمد. # ودعتني الظروف إلى الاغتراب عن القاهرة نحو شهر، فلما عدت قرأت نعيها في الصحف، سبعة أو ~~ثمانية سطور في عمود الوفيات هي كل ما بقي عن مي بعد موتها ... # وعرفت بعد ذلك أن مرضها قد تفاقم، وأنها التزمت مسكنها لا تخرج نحو عشرة أيام، وصامت عن ~~الطعام. وكانت قد فقدت كل ما بقي لها من وجدان وتعقل، فكانت تبول وتتبرز في أنحاء المسكن ~~وعلى الفراش وسائر الأثاث، وماتت جوعا وإن لم تحس أنها جائعة. # وقد تتبعت في حياتها مؤلفاتها وكتبت لأحدها مقدمة. # وأسفي عليها أني لم أزد اختلاطي بها وخاصة عقب عودتها حين لم يعد لها أب أو أم ~~يؤنسها؛ لأني أعتقد أنها ms219 كان يمكن أن تنقذ من هذه «ألمانيا» التي استولت عليها واستبدت ~~بعقلها حتى سحقته لو أننا كنا قد استطعنا أن نبعث صالونها الأدبي من جديد حتى تعود ~~فتتلألأ وتجمع حولها المعجبين بأدبها وعبقريتها. ~~••• # قلت: إن مي لم تطق انفضاض المعجبين بجمالها عنها. وكان هذا أحد الأسباب - بل لعله ~~السبب الوحيد - لانهيار شخصيتها؛ ذلك لأنها لم تقنع بالتبريز في الأدب، ولو كانت قد قنعت به ~~لوجدت فيه العوض مما فقدت من جمال الجسم عقب الخمسين من عمرها. ولعلها كانت عندئذ تحتفظ ~~بسلامة نفسها وعقلها . # ولكني مع ذلك، حين أتأمل أدب مي، أجده أدب الحلاوة والطرافة في الجملة الناعمة للمعنى ~~الناعم. ولست أجد فيها أدب المذهب والمبدأ والكفاح. هذا الأدب الذي يضني الأديب ويتبعه ~~ولكنه يحييه أي يحيي نفسه. # لم تكن مي تحيا بأدبها. لم تكن مكافحة. # ذلك أنه حين يكون الأديب مكافحا يبقى - مع تعبه وعرقه - مؤملا متفائلا يحيا عن قصد، ~~ويرمي إلى هدف، ويتابع حركة التطور في يقظة واهتمام. وعندئذ يحس أنه حي وكأنه لن يموت. ~~وهذا الإحساس يزيد نفسه سلامة كما يزيد جسمه صحة، بل يطيل عمره. # كانت مي تكتب أحيانا كما لو كانت هاوية فقط تتصيد المعنى الأنيق وتتخير الكلمة الحلوة، ~~وتقنع بذلك. # ولو أنها قد دعت إلى حرية المرأة في مصر أو إلى المذهب الاشتراكي، لوجدت - في الكفاح لهذه ~~الدعوة - ما يملأ نفسها وعقلها معا باهتمامات متجددة. بل كانت تجد من الحوار بين من كانت ~~تسعد بهم وتفخر بإعجابهم أكثر مما كانت تسعد أو تفخر بأولئك الذين أعجبوا بجمال ~~شبابها. # ولكن مي كانت معذورة في إحجامها عن الكفاح؛ إذ كانت تعرف أنها لو دعت إلى تحرير المرأة في ~~مصر وكافحت لتحقيق ذلك، لوجدت نفورا عظيما لأنها لم تكن مصرية ولم تكن مسلمة. ثم كانت ~~تعرف أنها لو دعت إلى الاشتراكية لانفض عنها أصدقاؤها الأثرياء كما كانت الحكومة تتعقبها ~~بالاضطهاد وتطاردها حتى تخرجها من مصر. # إن أدب الكفاح - أي كفاح إنساني - يجعل المؤلف يحس أنه يحمل رسالة مقدسة ms220 لا يبالي إلى ~~جنبها ما يقع من كوارث. ولكن مي آثرت - مضطرة - ممارسة أدب الصالون على أدب الكفاح. فلما ~~انطفأ بعض المصابيح في الصالون لم تعرف ما تصنع، فاستسلمت للموت. ms221