######OpenITI# #META# URI: 1377SalamaMusa.TarikhFununWaAshharSuwar.Hindawi49157416 #META# Tags: arts #META# ID: 49157416 #META# Title: تاريخ الفنون وأشهر الصور #META# AuthorID: 40515160 #META# Author: سلامة موسى #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # المقدمة‏ # 1 - الفنون الجميلة‏ # 2 - الجمال ومعاييره وحدوده‏ # 3 - عصر الانحطاط‏ # 4 - الفنون الإسلامية‏ # 5 - أصل الرسم الحديث: مدرسة فلورنسا‏ # 6 - الرسم بالزيت: المدرسة الفلمنكية‏ # 7 - نجوم النهضة‏ # 8 - نحو البندقية‏ # 9 - مجد البندقية‏ # 10 - نهضة الفن في ألمانيا‏ # 11 - المدرسة الفلمنكية‏ # 12 - نهضة الفن في إسبانيا‏ # 13 - فن الرسم في هولندا‏ # 14 - هولندا في القرن السابع عشر‏ # 15 - نهضة الفن في فرنسا‏ # 16 - الرسامون الإنجليز في القرن الثامن عشر‏ # 17 - رسم الأشخاص في إنجلترا‏ # 18 - الثورة الفرنسية والفنون‏ # 19 - رسم المناظر الطبيعية عند الإنجليز‏ # 20 - الرسامون الإنجليز في عصر فكتوريا‏ # 21 - فرنسا في القرن التاسع عشر‏ # 22 - هويسلر وتأثير الشرق الأقصى‏ # 23 - النزعة التقريرية والتأثرية في فرنسا‏ # 24 - الوحوش والتكعيبيون والاستقباليون‏ # المقدمة‏ # 1 - الفنون الجميلة‏ # 2 - الجمال ومعاييره وحدوده‏ # 3 - عصر الانحطاط‏ # 4 - الفنون الإسلامية‏ # 5 - أصل الرسم الحديث: مدرسة فلورنسا‏ # 6 - الرسم بالزيت: المدرسة الفلمنكية‏ # 7 - نجوم النهضة‏ # 8 - نحو البندقية‏ # 9 - مجد البندقية‏ # 10 - نهضة الفن في ألمانيا‏ # 11 - المدرسة الفلمنكية‏ # 12 - نهضة الفن في إسبانيا‏ # 13 - فن الرسم في هولندا‏ # 14 - هولندا في القرن السابع عشر‏ # 15 - نهضة الفن في فرنسا‏ # 16 - الرسامون الإنجليز في القرن الثامن عشر‏ # 17 - رسم الأشخاص في إنجلترا‏ # 18 - الثورة الفرنسية والفنون‏ # 19 - رسم المناظر الطبيعية عند الإنجليز‏ # 20 - الرسامون الإنجليز في عصر فكتوريا‏ # 21 - فرنسا في القرن التاسع عشر‏ # 22 - هويسلر وتأثير الشرق الأقصى‏ # 23 - النزعة التقريرية والتأثرية في فرنسا‏ # 24 - الوحوش والتكعيبيون والاستقباليون‏ # | تاريخ الفنون وأشهر الصور # | تاريخ الفنون وأشهر الصور # تأليف # سلامة موسى # | المقدمة # إذا استثنينا الفصول الأربعة الأولى من هذا الكتاب، وبعض الفصول التي رأينا حذفها، أمكننا ~~أن نقول إنه ملخص عن كتاب السير «وليم أوربن» «خلاصة الفن»، فقد تقيدنا بآرائه وإن لم نتقيد ~~بصوره، بل أخذناها من مصادر كثيرة أخرى، ولم نذكر كل الذين ذكرهم من الرسامين بل اقتصرنا ~~على المشهورين. # والغاية من إخراج هذا الكتاب هي أن نقدم للقراء مجموعة فاخرة من الصور والرسوم المشهورة ms01 ~~في أوروبا، مع لمحة من تاريخها وتاريخ الرسامين الذين أدوها، ووصف الظروف التي بعثت الفنون ~~وعملت على تطويرها في الأزمنة المختلفة، أما الفصول الأربعة الأولى فقد حاولت فيها أن أشرح ~~النظرية العامة عن الفنون الجميلة، وأبين أوجه الانحطاط الذي يعتريها، ولذلك فأنا المسئول ~~عما أبديت فيها من رأي . # وعندنا الآن نهضة فنية ابتعثها من الموت الأمير يوسف كمال وهو رجل لا يتكلم كثيرا ولكنه ~~يعمل كثيرا، فقد أسس مدرسة الفنون الجميلة فكانت البذرة الصالحة لفن الرسم في مصر، وقد جلب ~~لها معلمين أكفاء من أوروبا وأنفق عليها عشرات الألوف من الجنيهات، وهو إلى الآن ما زال ~~دائبا في هذا العمل الشريف، ومن بين أساتذة هذه المدرسة الأستاذ «سانتس» الذي استحدث في ~~الصحف المصرية الفن الكاريكاتوري. # وإلى جانب هذه المدرسة نشأ هواة آخرون تعلموا باجتهادهم، فكان الرسم مهواتهم التي أكبوا ~~عليها وبرعوا فيها، وتألف من هؤلاء وهؤلاء «جمعية محبي الفنون الجميلة» التي أقامت أول ~~معارضها سنة 1923 في مصنع الأستاذ فؤاد عبد الملك، والفضل في تأسيس هذه الجمعية للأمير يوسف ~~كمال، ومحمد (بك) محمود خليل، وفؤاد (أفندي) عبد الملك. # وحدث أن اثنين من الرسامين المصريين أرادا أن يرحلا إلى إيطاليا لدرس القدماء، ولم يكن في ~~استطاعتهما أن ينفقا على هذه الرحلة والبقاء طويلا في رومية، وكانا وهما في مصر يعملان في ~~تعليم الرسم بالمدارس المصرية، فاتفق كلاهما على أن يعمل أحدهما عمل الآخر في مصر ويرسل له ~~مرتبه، ثم يعود الآخر إلى مصر فيعمل عمل الأول، وهكذا يتعاونان على الارتحال إلى المدينة ~~الخالدة، وكان هذان الاثنان هما: راغب عياد، ويوسف كامل، فلما علمت الحكومة بهذا المجهود ~~الشريف تبرعت بنفقات بعثة تتعلم الرسم في إيطاليا. # وكانت هذه البعثة الأولى تتألف من محمود مختار المثال المعروف ثم هؤلاء الرسامين: محمد ~~حسن، ويوسف كامل، وراغب عياد. # ورأت وزارة المعارف أن تنهض بالفن المصري الحديث فأسست مكتبا للفنون، ثم ما زال هذا ~~المكتب يكبر حتى صار له رئيس، هو وكيل الوزارة للفنون الجميلة الأستاذ أحمد ms02 نجيب الهلالي ~~(بك). # الفصل الأول # | الفنون الجميلة # الفنون الجميلة كما نسميها الآن، أو الآداب الرفيعة كما كان يسميها العرب، هي: الموسيقى، ~~والشعر، والنثر، والبناء، والرسم، والنحت، والرقص، والغناء، والتمثيل. # وغاية هذه الفنون جميعها هو الجمال، ولكن الجمال ليس شيئا موضوعيا له حقيقة أصلية في ~~الكائنات التي حولنا من حي وجماد، وإنما هو ذاتي في أذهاننا، فالعالم أو الكون نفسه ليس ~~جميلا أو قبيحا، وإنما الجمال والقبح اعتباران ذهنيان أي: قائمان في أذهاننا فقط. # ويمكننا أن نوضح ذلك بالمقابلة بين صورة فوتوغرافية تؤخذ عن حقل أو حيوان أو إنسان وبين ~~هذه الصور نفسها يرسمها رسام ماهر من رجال الفن العبقريين، فأما من حيث النقل واتباع الأصل ~~فالصورة الفوتوغرافية أمينة تطابق الأصل أكثر من الصورة التي يرسمها الرسام، ولكننا مع ذلك ~~نستحسن صورة الرسام ونقول إنها تفضل الصورة الفوتوغرافية. # والسبب في ذلك أن الجمال ذاتي وليس موضوعيا، نعني أنه في ذهن الرسام وليس في ذات الحقل ~~أو الحيوان أو الإنسان، فإذا كان الرسام عبقريا يدرك ببصريته مرامي الفنون استطاع أن ينفذ ~~إلى ما لا تنفذ إليه الآلة الفوتوغرافية وينقل لنا روح المنظر كما ينقل لنا جسمه، فمهمته ~~ليست النقل الساذج كما هي مهمة الآلة الفوتوغرافية، لأن عليه أن يفسر ويكشف لنا عما خفي عن ~~أنظارنا من آيات الجمال في المنظر الذي يرسمه. # فنحن لا نرى في صورة الرسام خياله هو كما نرى أيضا صورة المنظر الأصلي، نعني أنه لا يقنع ~~بالمحاكاة وإنما هو مع نقله يفسر ويشرح ويكسب الطبيعة التي ينقل عنها شيئا من خياله ومن ~~بصيرته في معنى الجمال. # ولهذا السبب كثيرا ما نعجب بالصورة يرسمها الرسام لحقل أو حيوان أكثر مما نعجب بهذا ~~الحقل أو هذا الحيوان نفسه؛ لأننا ونحن بإزاء الصورة نرى تفسيرا، بينا نحن أمام الحقل أو ~~الحيوان لا نرى سوى الطبيعة، فالرسام يكسب بخياله جمالا جديدا للطبيعة التي ينقل ~~عنها. # وخيال الرسام أبعد في إدراك الجمال من الطبيعة التي ينقل عنها، فقد حكي عن «موسلر» ~~الرسام الإنجليزي ms03 أن سيدة وقفت تنظر إلى رسمه، فلما تأملته انتقدت عليه مخالفته للطبيعة ~~فأجابها: «هو كما قلت مخالف للطبيعة، ولكن أما كنت تودين أن تكون الطبيعة كذلك؟» وهذا يجرنا ~~إلى البحث عن الأصل أو الباعث الذي يبعثنا على ممارسة الفنون الجميلة، فإننا عند التأمل لا ~~يسعنا إلا الاعتراف بأننا نمارس الفن الجميل لأننا نبتغي منه جمالا نرى فيه ما يرضينا أكثر ~~من الحقائق الواقعة التي حولنا؛ أي: أننا نرى في الطبيعة نقصا نحاول بخيالنا أن نكمله ~~بالفن الجميل. # مثال ذلك أن الفخاري قد يصنع قدرا من الطين يشويها على النار فتخرج سوداء كابية، فيعمد ~~إلى تزيينها وزخرفتها بالألوان والرسوم، فهو إنما يجملها بهذه الزخارف لأنها في الأصل ~~قبيحة، ولكن هب أن صائغا قد صنع كوبا من الذهب الخالص، فهل نحتاج ونحن ننظر إلى هذا الكوب ~~إلى أن نطلب من هذا الصائغ أن يزينه ويزخرفه بالألوان والرسوم؟ كلا، فالصائغ وهو يصنع هذا ~~الكوب من الذهب لا يحتاج إلى أن يمارس فيه فن الرسم، ولكن الفخاري وهو يصنع القدر من الطين ~~يحتاج إلى ممارسة فن الرسم. # فالذي يبعثنا على ممارسة الفنون أننا لا نرضى برؤية الطبيعة ساذجة؛ لأنها في سذاجتها ليست ~~جميلة، فلو كنا نأكل ونشرب في صحاف وأكواب من ذهب لما احتجنا إلى زخرفتها، ولكن المواد التي ~~نصنع بها أدوات الطعام والشراب ليست جميلة فنحن نجملها بالفنون. # ولو كانت الأحجار التي نبني بها منازلنا حسنة تمتع العين برؤيتها لما احتجنا إلى أن ~~نكسوها بالطلاء ونجملها بالرسوم، ولو كان سواد الناس حائزين صفات الجمال لما احتجنا إلى صنع ~~التماثيل ورسم الرسوم للوجوه الجميلة، ولو كنا نتكلم فيلذ للناس سماع كلامنا كأنه الغناء ~~لما تعلمنا الغناء، ولو كان في حفيف الشجر وهفيف الرياح وتغريد الطيور ما يقنعنا ويستهوي ~~أفئدتنا لما احتجنا إلى فن الموسيقى، ولو كنا نمشي كأننا نرقص لما ظهر فن الرقص. # فالذي يبعثنا على ممارسة الفنون الجميلة أننا لا نجد في الطبيعة ما يرضينا ولا نجد في ~~مواد الصناعة ما تشتهيه نفوسنا ms04 من الجمال، وهناك مواد جميلة، ولكنها قليلة لا تكفي الناس، ~~وهي لجمالها لا نحب أن نزينها، فلو كان الدرج الذي نرتقي عليه إلى منازلنا من البلور الصافي ~~لارتقيناه ساذجا لا نقش عليه، ولو كانت أدواتنا المنزلية من الذهب لقنعنا بها ساذجة ~~أيضا. # والحرير من الأقمشة الفاخرة، ولذلك نعجب به إذا كان ساذجا، والمرأة الجميلة نعجب بها ~~أكثر كلما أنقصت من ثيابها، وإنما التكحل فن يقوم مقام الكحل. # واعتبر ذلك في جميع الفنون حتى النثر والشعر، فإنه إذا كان المعنى عميقا يبلغ القلب ~~ويعكس لنا حقيقة بارعة، لم نحتج إلى الزخارف اللفظية التي تسمى بالبلاغة، وإنما نحتاج إلى ~~هذه الزخارف إذا سخف المعنى، كما يحتاج القماش السخيف إلى مختلف الصبغ والحواشي لإخفاء ~~سخافته، وأكثر الكتاب في العربية انغماسا في الزخارف اللفظية هو الحريري؛ لأنه لا يعالج من ~~المعاني سوى النزر التافه. # ونحن والطبيعة كلها من أصل واحد؛ ولأننا نشترك في وحدة الأصل نشترك أيضا في الغايات، فما ~~هو راق جميل عند الطبيعة كذلك هو راق جميل عندنا. # فنحن نعرف من قصة التطور في العالم أن الجماد سبق النبات، وهذا سبق الحيوان، ثم نعرف من ~~تطور الأحياء كيف أن الحياة ظهرت أولا في أشكال حقيرة في خلايا منفردة كالميكروبات، ثم ~~متصلة بلا نظام كالإسفنج، ثم فيها بعض النظام الهندسي مثل نجمة البحر والقشريات، ثم السمك، ~~ثم حيوان اليابسة من برمائيات وزواحف، وأخيرا نرى في رأس التطور الطيور واللبونات. # فإذا صح أننا والطبيعة نتفق في النظر، وجب علينا أن نرى الجمال في أرقى أحيائها ونراه في ~~أدون درجاته في أدنى أحيائها أو حتى في جمادها، وهذا هو الواقع الذي نحس به، فأقل المناظر ~~جمالا بل أكثرها قبحا هو منظر الطبيعة الجرداء الخالية من أمارات الحياة؛ أي: منظر ~~الجماد. # ولكننا نحس بشيء من الجمال إذا رأينا صورة للأعشاب والنبات، ويزداد هذا الإحساس إذا رأينا ~~حيوانا. # ولكننا نتدرج في استجمال الحيوان، فليس منا من يقول: إن صورة الإسفنج جميلة تساوي الجمال ~~الذي نحس به عندما ms05 نرى صورة سمكة، وصورة السمكة دون صورة الفرس أو الطاووس. # وخلاصة القول أن الحياة أجمل من الجماد، والحيوان أجمل من النبات، وأرقى الحيوان وهو ~~الإنسان أجملها أيضا، فنحن نصنع التماثيل للإنسان حبا في جماله، وقلما نصنع تمثالا ~~لحيوان إلا إذا كان من أرقى اللبونات التي ننتمي إليها مثل الفرس أو الكلب أو الأسد. # وقد يعترض علينا بأننا أحيانا نحب الجماد ونستجمله، كما يحدث لنا عندما نرى السحاب وقت ~~الشفق أو عندما نصنع ثعبانا من البلور أو عندما نتزين بفصوص اللؤلؤ والماس والياقوت، وهذا ~~صحيح، ولكن لو أن هذه الأشياء كانت حية لزاد استجمالنا لها، وهل يمكنك أن تتصور الشفق ~~حيوانا به روح الحيوان وفيه سر الحياة، أو هل يمكنك أن تكسب هذا الثعبان من البلور أو فصوص ~~الجواهر بالحياة دون أن تقول: إنه ليس في العالم أجمل منها؟ فهذه الأشياء جميلة وهي جامدة، ~~ولكنها كانت أجمل جدا لو كانت حية. # ولكن ما الذي يجعلنا نقول: إن هذا الشيء جميل وذاك الآخر غير جميل؟ # إن هذا الذي يجعلنا نقدر الجمال ونتوخاه ونحبه هو شيء آخر غير هذا العقل الذي يوازن ~~ويقابل ويبرهن ويعرف الأسباب والنتائج، فنحن نفهم الجمال بشيء آخر نسميه «البصيرة»، وهذه ~~البصيرة هي نفسها تلك التي نفهم بها الدين، وهي التي تحملنا أحيانا كثيرة على التصوف، وهي ~~تلك التي تحملنا على الحب، والرغبة في الخير والشجاعة، والأريحية والتضحية، فالعقل وحده لا ~~يعرف سوى الفائدة المادية المحسوسة، ولكن البصيرة تناقض العقل أحيانا وتطالبنا بأن نضحي ~~بذواتنا، بينما العقل يدعونا إلى الفرار والنجاة. # ولنضرب مثلا بالموسيقى، فنحن لا نفهم الأنغام والألحان بعقولنا، وإنما ندركها ببصيرتنا، ~~والأغلب أن هذه البصيرة أقدم في النفس البشرية من العقل، بدليل أننا نجد من الحيوان ما يلذ ~~له سماع الموسيقى، وهذه الموسيقى تحدث في نفوسنا من الطرب ما لا نستطيع أن نقول إنه معقول، ~~ولو أننا اجتمعنا عشرة أو عشرين نفسا نسمع أحد الألحان، فرأينا بعضا منا يستطيره الطرب ~~أكثر من الآخرين، لما قلنا إن هذا ms06 البعض أذكى من الآخرين، وإنما نقول: إنه أبصر بالموسيقى، ~~والذكاء من صفات العقل، ولكن الطرب من صفات البصيرة، فالشهيد يتقدم للنار وهو في طرب ~~الاستشهاد، والمحب يعانق حبيبته وهو في طرب الحب، كما أن الوطني يتقدم للدفاع عن وطنه وهو ~~في طرب الشجاعة الوطنية، ونحن نقف أمام الصورة الجميلة ونحن في طرب كأنه السحر والبصيرة ~~ألصق بالحياة وأعرف بغاياتها من العقل، ولذلك فنحن نجزم بأن الشجاعة والحب وتوخي الجمال ~~غايات ملهمة ترسمها لنا البصيرة، ولكن العقل يخدمها بالعلم، كرجل الفن يتوخى الجمال ولكنه ~~يتوسل إليه بالصنعة، فالعقل يصنع الآلة الموسيقية، ولكن اللحن من شأن البصيرة، والعقل يدبر ~~الألوان والأصباغ ويدرس كيمياءهما للصورة، ولكن البصيرة تكشف لنا سر الجمال فيها. # فالفن للبصيرة والإلهام، والصنعة للعقل والعلم، وكلاهما ضروري للاتقان. # والفنون الجميلة هي الصلة بين الإنسان والطبيعة، ففي الطبيعة إيقاع نرى مثله في الموسيقى ~~والشعر والرقص، وصور الطبيعة وأشباحها من حيوان ونبات وجماد نرى مثلها في فني النحت ~~والرسم. # ولكن رجل الفن لا يقتصر على محاكاة الطبيعة، بل هو يتجاوز حقيقتها إلى خياله ويتسامى بها ~~إلى أرفع ما تلهمه إليه بصيرته، وليس شك في أن الفنون قامت في الأصل على المحاكاة، وكانت ~~تقنع بذلك، كما أن الطفل إذا أراد أن يرسم أو يصنع تمثالا من الطين لا يتجاوز ~~الحقيقة. # ولكن من الرؤية تنشأ الرؤيا؛ أي من الحقيقة ينزع رجل الفن إلى الخيال، وإذا كنا قد قلنا ~~إن الفنون هي الصلة؛ أي الجسر، بين الإنسان والطبيعة، فهي أيضا الجسر بين الحقيقة ~~والخيال. # ولكننا ونحن نجنح إلى الخيال نرتكز على الحقيقة، لأننا نحن من الطبيعة وهي منا، وإنما نحس ~~ونحن على رأس التطور بمغزى هذا التطور، فنستكنه روحه ونتجاوز حاضره إلى مستقبله، فإذا لم ~~تخطئنا بصيرتنا حططنا على الحقائق الخافية التي لم تتكشف عنها الطبيعة بعد. # ففي الطبيعة مثلا إيقاع يتضح في الجماد كما في تيارات البحر وأمواجه، وفي تعاقب الليل ~~والنهار، وفي النبات؛ في غذائه وراحته ونموه ونضوجه، وهو أوضح في الحيوان حين ms07 يرقص ويغرد، ~~ولكن رجل الفن يستكنه الروح في هذه المظاهر، فيخرج منها برؤيا الموسيقى والشعر والرقص، فهو ~~مع تجاوزه الحقيقة يجعل أساسه فيها، كذلك المثال يرى البشر والحيوان أجساما مختلفة ~~وهيئات متفاوتة فينظر من وراء هذه الأجسام والهيئات إلى الغاية التي يرمي إليها التطور، ~~وإلى الروح التي وراء هذه المناظر، فينحت لنا من الحجر رجلا يمثل الشجاعة أو امرأة تمثل ~~الحب. # فالفنون الجميلة في أدنى مراتبها محاكاة، وفي أعلاها تفسير ورؤيا والفنون الجميلة جميعها ~~متجانسة، كما يتضح لنا من الألفاظ التي نستعملها، فالروي في الشعر هو الإيقاع في الموسيقى ~~والرقص، وأحيانا يمكن الكاتب الناثر أن يرسم «صورة» قلمية لما هو بشأنه من الوصف، و«البيت» ~~من الشعر يوهمنا أن الشاعر «يبني» الكلمات كأنه معماري، وهناك «موسيقى» الألوان، والراقص ~~الماهر يرقص على اللحن الموسيقي. # وهذا التجانس يجعل الأديب؛ أي رجل الفن، محيطا بالفنون جميعها أو أكثرها أو واقفا على ~~غاياتها، وإن كان جهله بالصنعة اللازمة لكل منها يعوقه عن ممارستها في غير الفن الذي يختص ~~به، وصلة الاشتراك بين جميع الفنون هي وحدة الأصل فيها؛ أي تلك البصيرة التي تنفذ إلى ما ~~وراء المظاهر في الطبيعة فتفسر وتتخيل وتتسامى بهذه المظاهر. # ولكن يجب ألا يفوتنا هنا أن نقول إن الفنون الجميلة مع أنها تنبع من معين واحد هو البصيرة ~~فهي تبتعد أو تقترب من الذهن بنسبة متفاوتة، وأبعد الفنون عن الذهن هي الموسيقى، حتى إننا ~~لا نحب ونحن نسمع لحنا جميلا أن يفسده علينا أحد بغناء يرافقه؛ لأن في الغناء من المعاني ~~الذهنية ما نراه غير متفق مع اللحن الذي يخاطب بصيرتنا ويطربنا دون أن يطالبنا بتعليل ذهني، ~~فإننا نقنع بتلك الأنغام تسري إلى نفوسنا فتجعلنا ننبض لها كأننا الصدى. # وأقرب الفنون إلى الذهن هو الشعر الذي تنطوي معانيه أحيانا على الحكمة تغذو العقل ويمكن ~~المناقشة فيها، يليه بعد ذلك العمارة التي تتصل كثيرا بعلم الهندسة، ثم الرسم والنحت، ولكن ~~يجب ألا ننسى أن الأساس الأصيل للفنون هو البصيرة، وأن أحب الفنون ms08 إلينا لهذا السبب وأطربها ~~لأفئدتنا هو أبعدها عن الذهن نعني الموسيقى، وأن الكاتب الذي يستطيع أن يجعل من قصته أو ~~نثره أو شعره أيا كان شيئا يشبه الموسيقى في الطرب، دون أن نجنح إلى الذهن، هو أقرب ~~الكتاب إلى أن يجعل ما يمارسه فنا جميلا. # وللفنون عيوبها، فنحن نعرف مثلا أن الشعر قد يسقط أحيانا إلى أن يكون نظما، وإذا أردنا ~~أن نعرف الفرق بين النظم والشعر أمكننا أن نقول: إن الأول يعتمد على الذهن، فهو معقول ولكنه ~~غير جميل، والثاني يعتمد على البصيرة، فهو جميل ولكن لا يمكن أن يوصف بالعقل، فلو أن أحدا ~~نظم قواعد الحساب أو قواعد النحو أو النظام الدستوري في قصيدة أو قصائد، لما استطعنا أن ~~نقول: إنه كاذب، لأنه يعالج حقائق نعترف بها، ولكنا مع ذلك نقول: إنه نظام، لأنه يجنح إلى ~~الذهن دون البصيرة، ويطلب الواقع دون الخيال، وينقل دون أن يفسر، ويقنع بالرؤية ولا يستطيع ~~الرؤيا. # وأكبر عيوب الفن الأنانية، فالرجل الذي لا تسخو نفسه بالحب للعالم وكائناته لا يستطيع أن ~~يرى جماله، فأنت لا تستطيع أن تصف امرأة جميلة، وتجيد الوصف، ما لم تكن تحبها، فالحب أساس ~~الإحساس بالجمال، فنحن نستجمل الزهر والحيوان والإنسان والطبيعة الجامدة لأننا نحبها، وما ~~لا نحبه نستبشع منظره، فالكاتب أو الشاعر أو الرسام أو المثال الذي تغمر نفسه الكراهة، وهو ~~دائم الحقد على الناس، لا يمكنه أن يجيد فنا من الفنون الجميلة. # ومن عيوب الفن المحاكاة، فنحن لا نقنع من الرسام بأن ينقل لنا صورة فوتوغرافية، ولا من ~~الموسيقى بأن يحاكي تغريد الطيور، وإنما نطلب من كل منهما أن يتجاوز ذلك إلى روح الطبيعة ~~وينقلها لنا. # وربما كان أكبر العيوب التي تعاب بها الفنون هو العرف الاجتماعي الذي يقضي على رجل الفن ~~بأن يحد من بصيرته، ويكف خشية العقاب عن ممارسة أشياء تدعوه نفسه إلى ممارستها في الفنون، ~~فقد حرم مثلا رجل الفن العربي من ممارسة النحت والرسم من الطبيعة الحية بحكم العرف ~~الديني. # وهذا العرف ms09 قد تصنعه الهيئة الاجتماعية حين تلزم رجل الفن بأن يراعي الأخلاق ولا يتمادى ~~في الحرية، فتمنعه مثلا من أن ينحت أو يرسم رجلا أو امرأة عارية، مع أن دواعي فنه قد ~~تدعوه إلى ذلك، أو حين يضع الدين حدودا للفنون، فيحد بذلك بصيرة الأمة، كأن يحرم النحت أو ~~الرسم، أو حين ينشأ بين أهل الفن نفسه عرف يحد من نزعة التجديد، كأن يرسم الرسام أو ينحت ~~المثال على غرار من سبقوه فلا يبتدع وإنما يقنع بالجري على خطة السلف، والبدعة شرط أساسي ~~للرقي سواء أكان ذلك في البصيرة أم العقل، في الفنون أو العلوم، وذلك لأن الجمود يناقض ~~الطبيعة التي تدأب في الرقي والتطور، فإذا لم ينزع رجل الفن نزعتها ويرقى ويتطور ويبتدع ~~فإنه يخالف أهم شروط الفن الصحيح، وهو استكناه روح الطبيعة وسبقها إلى مراميها. # ويمكننا أن نلخص هذا الفصل في الكلمات التالية على سبيل التذكير: # إن الجمال ذاتي؛ أي: في رأس رجل الفن وليس في الطبيعة. # إن الباعث الذي يبعثنا على ممارسة الفن أننا لا نجد في الطبيعة أو المواد ~~التي حولنا مشتهانا من الجمال. # إننا والطبيعة نتفق في الغاية، فأرقى الأحياء في التطور هي أيضا أجملها في ~~نظرنا. # إننا ندرك الجمال ببصيرتنا وليس بذهننا، فالجمال يطرب النفس ولو كان غير ~~معقول. # الفن هو الصلة بين الإنسان والطبيعة، ولكن رجل الفن لا يقنع بنقل الطبيعة بل ~~يتجاوزها إلى كنهها ومرماها، فهو يبني فنه على أساس من الواقع، ولكنه يتسامى به ~~إلى الخيال، وهو في ذلك لا يناقض الطبيعة بل يسبقها إلى غايتها. # الفنون كلها متجانسة؛ لأنها تنبع من معين واحد هو البصيرة، وعلى ذلك يمكن أن ~~نقول: إن أقربها إلى البصيرة وأبعدها عن الذهن هو أفضلها. # للفنون الجميلة عيوب كثيرة منها الجنوح إلى العقل دون البصيرة، ومنها ~~الأنانية، ومنها المحاكاة، وأكثر هذه العيوب شيوعا هو العرف الذي يحد من حرية ~~رجل الفن. # الفصل الثاني # | الجمال ومعاييره وحدوده # الجمال في أشكاله المختلفة لا يختلف فيه الناس إلا بمقدار تربيتهم ms10 الفنية التي تزيد ~~البصيرة الطبيعية نورا وتورثهم هذا الذوق الذي نراه على أكمله في رجل الفن، فجميع البشر ~~على السواء يتذوقون الجمال الساحر في الزهرة الزاهية، والشجرة النضرة، والوجه المشرق، ~~ويجمعون على أن في الفرس رشاقة هي نقيض السماجة التي ترتسم على وجه الخنزير أو الكركدن، ~~ولكن للوسط أثرا في تربية الذوق، فالزنجي والياباني والأوروبي والمصري كلهم يتفقون إجمالا ~~على ماهية الوجه الجميل ولكنهم يختلفون تفصيلا، ولكن يجب ألا نبالغ في هذا الاختلاف لأن ~~الواقع أن الزنجي يستجمل المرأة الجميلة كما كان ينحتها المثال الإغريقي قديما أو كما ~~يرسمها الرسام الإنجليزي الآن كما نستجملها نحن، وذلك لأن الوسط الذي أثر في ملامح المرأة ~~الزنجية لم يؤثر بعد في بصيرة الزنوج، ونحن المصريين نعرف أننا نستجمل الوجه الأوروبي ~~الجميل كما يستجمله الأوروبيون بلا أدنى فرق، مع أننا في هيئة الوجه نختلف بعض الاختلاف، ~~وعندما نتأمل صور الوجوه التي يرسمها رجل الفن الياباني يريد بها أن يصور الجمال، نراها ~~قريبة الشبه جدا من الشكل الأوروبي، مع أن الوجه الياباني في حقيقته يختلف جد الاختلاف من ~~الوجه الأوروبي. # إن للتربية والعرف والوسط بعض الأثر الذي لا ينكر في تكوين الذوق الفني، فالفتاة التي ~~نشأت لا ترى من الرجال سوى الرجل الحليق، لا يمكنها أن تستجمل الشاب الملتحي إلا بعد تربية ~~جديدة، والزنجي الذي لم ير قط في حياته امرأة بيضاء يشك، لأول ما يرى امرأة بيضاء، في سلامة ~~صحتها، والفلاح يتزين بالألوان الزاهية الزاعقة بينما الرجل المهذب يقنع بالألوان الخفيفة، ~~ولكن كل هذه تفاصيل لا قيمة لها أمام البصيرة التي يشترك فيها جميع الناس ويتفقون فيها على ~~معنى الجمال في الشخص أو الصورة أو التمثال أو البناء. # ولكن الأمم تتفاوت في النزعة التي تنزعها نحو الجمال، فقد كانت النزعة السائدة عند ~~المصريين القدماء هي الدين، فكان المثال إذا نحت تمثالا قصد منه إلى معنى الخلود والهدوء ~~الديني، وكان الإغريق القدماء ينزعون إلى الجمال الذي عبدوه في أشخاص آلهتهم وأبطالهم وفي ~~رياضتهم وألعابهم حتى ms11 صاروا لسائر الأمم أسوة وإيحاء، فليس هناك الآن أديب يخدم فنا من ~~الفنون إلا ويستلهم الإغريق القدماء، بل الفلسفة الحديثة نفسها قد نحت هذا النحو، وهذا على ~~خلاف الرومان الذين كانوا ينزعون نزعة عملية تتجه نحو الاستعمار وتشييد البناء، حتى عرفوا ~~أشياء كثيرة عن الهندسة، فكانوا أشبه بالعلماء منهم بالأدباء، أما نزعتنا نحن الآن فهي ~~النزعة الاقتصادية التي تجعلنا كلنا منهمكين في جمع المال والاستكثار من العقار. # وربما كان سؤالنا عن السعادة، ومن هو أسعد الناس، خير ما يدلنا على نزعة كل أمة من حيث ~~الفن، فقد سأل الإغريق أنفسهم هذا السؤال، وأجابوا عن لسان أرسطوطاليس بأن الرجل السعيد يجب ~~أن يكون جميلا، وذلك لأنهم قد انغمسوا في الفنون ولابسوها في معيشتهم ورياضتهم حتى صاروا ~~يعتقدون باستحالة السعادة إذا لم تقرن إلى الجمال، وكانوا مع تقديرهم للفنون يرون أن ~~الإنسان الحي يجب أن يمثل الجمال في شخصه، ولو وضعت مثل هذا السؤال للمصري القديم لأجابك أن ~~الرجل السعيد هو الذي ترضى عنه الآلهة، بينما الروماني يرى السعادة في كثرة العبيد ووفرة ~~المساكن، أما نحن فلا نكاد نتخيل السعادة إلا مقرونة بالثروة. # والفنون الجميلة تتأثر بالنزعات الأدبية، فهنا الرسم أو النحت التقريري، مثلما هناك القصة ~~التقريرية التي تصف الأشياء والحوادث كما تقع، وهناك الرسم الخيالي الذي يقصد إلى المثل ~~الأعلى كما أن هناك القصة الخيالية، وكذلك هناك الرسم التأثيري الذي ينقل الأثر الذي ينطبع ~~في الذهن من المنظر دون الإحاطة بتفاصيل هذا المنظر، وقد نجد في الشعر والقصة مثل هذه ~~النزعة، وهناك النزعات الطبيعية التي تنقل عن الطبيعة أو تنسخها، ولكن كل هذه النزعات في ~~الأدب والفنون تنتهي حتما إلى أن تكون خيالية، فالأديب والرسام لا يقنعان بتقرير الأشياء ~~على حالها، وإنما هما يرسمان الواقع ولو كان قبيحا لكي يتوسلا به إلى الخيال والمثل ~~الأعلى، وإلا لو كان الواقع غاية، لقنع الرسام التقريري بأن يرسم لنا جسم الإنسان كما يرسم ~~في كتب التشريح. # وكلمة أخرى نقولها قبل ختام هذا الفصل عن ms12 الفنون الجميلة، فإنها لاعتمادها على البصيرة ~~دون العقل أو لاعتمادها على الأولى أكثر من الثاني، أو لأن البصيرة هي التي ترسم الغايات ~~والعقل هو الذي يهيئ الوسائل، تتسم الفنون هذه بشيء من مسحة الخلود، فالأدب والفنون الجميلة ~~خالدان لاعتمادهما على البصيرة، وذلك لأن هذه البصيرة قديمة في الإنسان ، بل ربما كانت في ~~القرون البعيدة الماضية أقوى منها الآن، ومن هنا إعجابنا بفنون القدماء دون علومهم. # ويجب ألا ننسى هنا أن النزعة العقلية تكاد تناقض نزعة البصيرة، ومن هنا احتقار رجل العلم ~~الذي يبني علومه على العقل للفنون الجميلة القائمة على البصيرة، وقد يصح أن نتساءل هنا: ما ~~هو مصير الفنون في المستقبل إذا انبسطت العلوم وصارت السيطرة للعقل؟ # الفصل الثالث # | عصر الانحطاط # يعتري الانحطاط الفنون الجميلة من جملة نواح، أولها المنع من الناحية الدينية، فقد كانت ~~الفنون الجميلة تجد عند المصريين والإغريق من القدماء أسعد الفرص لأن تتجلى وتتمثل ذلك لأن ~~للوثنية معابد فخمة وأصناما تزينها ورسوما تنقش على جدرانها. # ولكن لما فشا التوحيد عن اليهودية أولا ثم المسيحية ثم الإسلام، أخذ الموحدون يحاربون ~~الوثنية ويهدمون الأصنام ويحرمون على الناس اقتناءها أو رسم الأشخاص، والهيئات الاجتماعية ~~القديمة كانت هيئات ارستقراطية، تنحصر الثروة في الطبقة العالية وسائر الأمة تعيش في فقر، ~~فلم يكن للفنون قدرة على أن تعيش ما لم تجد هذا العون من المعابد؛ لأن أفراد الأمة كانوا من ~~الفاقة بحيث لا يستطيعون شراء التماثيل والصور، فلما ماتت الوثنية ماتت فنون الرسم والنحت ~~والبناء، وذلك لأن البناء أيضا كان يقوم على المعابد، وهو شديد الالتصاق بفني النقش (الرسم ~~والنحت)، وبتحريم هذين الفنين اعتراه هو الآخر بعض الانحطاط، والطبقة العالية في كل أمة هي ~~أولى الطبقات التي تسيطر على الدين أو الدين يسيطر عليها، فيجب أن تتخذ مظاهره، ولذلك نجد ~~أنها بعد أن كانت تحمي الفنون الجميلة في عهود الوثنية صارت تقاومها في عهود التوحيد ~~المختلفة. # ولكن الأديان لم تؤثر في الفنون من هذه الناحية فقط، بل لها تأثير آخر، فمن ms13 المتفق عليه ~~أن الفنون الجميلة تعد من الترف، ولكن الأديان ترمي جميعها باختلاف في الدرجة إلى التقشف ~~والزهد وإساءة الظن بالترف، ومن هنا كان بعض سخطها على الفنون الجميلة. # وعصر الانحطاط في الفنون الجميلة يبتدئ في أوروبا من أول انتشار المسيحية إلى زمن النهضة، ~~ومصر تابعة لأوروبا في هذا الانحطاط أيضا، فقد حطم المسيحيون الأصنام وهدموا المعابد في ~~إيطاليا واليونان ومصر وسورية، ونشأ على هذه الحطامة فن بيزنطي منحط نرى للآن صوره في كنائس ~~مصر والأستانة، ويتسم هذا الفن بأن العرف يأخذ من الرسام الاعتبار الأول، وأكثر الرسوم ~~تعنى بالقديسين والعذراء والسيد المسيح. # وقد بنى المسيحيون الأول فنونهم على الآثار الوثنية القديمة على الرغم من كراهتهم لها ~~واجتهادهم في تحطيمها ومحوها، فصورة العذراء وابنها ترجع إلى الصور المصرية القديمة التي ~~كانت تمثل الربة العذراء إيسيس وابنها أوزوريس، وصورة القديس جرجس الذي يرى للآن نقشه على ~~الجنيه الإنجليزي تمثل أسطورة ترجع إلى عهد انتشار الثقافة القديمة. # والرسوم البيزنطية تجري كما قلنا على العرف، فالرسامون يعنون بالهالة المنيرة حول الرأس ~~أكثر مما يعنون بملامح الوجه وأعضاء الجسم، وللتذهيب مقام عندهم أكثر من مقام الألوان ~~الطبيعية التي تعكس لون البشرة الإنسانية، أما الفنون عند الأمم الإسلامية في القرون ~~الوسطى، ونعني هنا الزمن الواقع بين ظهور الإسلام والنهضة العربية الحديثة، فقد اقتصرت على ~~فني البناء والزخارف، وذلك لأن النحت والرسم قد حرما تحريما باتا إلا عند الشيعة من ~~الفرس، فإن رسم الوجوه عندهم لم يحرم، ولذلك فإن الزخارف الإسلامية اتخذت أشكالا هندسية ~~ليس فيها صورة إنسان أو حيوان. # الفصل الرابع # | الفنون الإسلامية # لما كان العرب في جزيرتهم لم يرحلوا عنها بعد إلى مصر والعراق وسورية عقب النهضة ~~الإسلامية كانوا يجهلون الفنون الجميلة شأن البدو في كل مكان، فلما اختلطوا بالأمم المتحضرة ~~في هذه الأقطار نقلوا عنها فنونها الشائعة بعد أن حذفوا منها ما لا يتفق وروح الإسلام، ~~وصبغوا سائرها بالصبغة الإسلامية، ولذلك فالفنون الإسلامية هي في الواقع فنون مصرية أو ~~عراقية أو هندية أو ms14 فارسية، ونحن في مصر نعرف أن الكنائس القبطية القديمة كانت تزين ~~بالمشربية والفسيفساء، وكلتاهما نراهما بعد ذلك في المباني الإسلامية. # وقد نزع الإسلام نزعة توحيدية، وجعل للتوحيد المقام الأول في الإيمان، فتأثرت الفنون من ~~هذه الناحية بحذف كل ما يختص برسم الإنسان أو الحيوان أو نحت تماثيلهما، وذلك لأن الصور ~~والتماثيل تومئ إلى الأوثان التي يخشى على التوحيد منها، ولكننا نجد أمتين إسلاميتين هما: ~~الفرس، ومصر (مدة الفاطميين) تسامحتا بعض التسامح في الرسم والنحت حتى كانت ترى قي قصور ~~الفاطميين مناظر الرقص والصيد والغزلان، وكانت كتب الفرس وقصورهم تزين أيضا بصور الحيوان ~~والنبات، ولكن هذا لا يطعن فيما نثبته من معارضة الإسلام لهذين الفنين، بل هو أجدر بأن يؤيد ~~ما قلناه، وذلك لأن فارس ليست سنية، وكذلك مصر أيام الفاطميين كانت شيعية، والتشيع نوع من ~~الانشقاق عن الإسلام وخروج على جمهور المسلمين، فاتفاق مصر في ذلك العهد مع الفرس وتسامحهما ~~في الرسم والنحت للحيوان والنبات يدلان على صحة قولنا، ومما هو جدير بالذكر أننا لا نرى بين ~~المسلمين في سورية أو شمال إفريقية ما يدل على أن رسم الحيوان أو الإنسان أو نحت التماثيل ~~لهما كان يرخص فيهما لأحد. # ولما وجد رجال الفن المسلمون أن الدين يعارض النزعة الفنية في الرسم والنحت عمدوا إلى ~~تصوير الجمال عن طريق الذهن لا عن طريق البصيرة، فجعلوا فنونهم ذهنية، ولذلك فإنهم بالغوا ~~في إتقان الصنعة مع إهمال الفن، إلا حيث يميل الفن بطبيعته لأن يكون ذهنيا كما نرى مثلا ~~في البناء، فإنهم أقاموا عددا كبيرا من المباني الفخمة، وكذلك في الشعر ألفوا القصائد ~~الرائعة، ولكنهم أتقنوا الصنعة هنا دون الفن، فإن لهم القصائد ولكن ليست لهم الدراما أو ~~الملحمة. # والفنون الإسلامية على وجه العموم هي فنون الذهن، تنقصها البصيرة والرؤيا والخيال، وهي ~~تميل إلى إتقان الصنعة مع تناسي الغاية من الفن، ولذلك فإن مقامها لم يكن عظيما عند ~~المسلمين، حتى إننا قلما نجد اسم الصانع مدونا بجانب أحد النقوش أو حتى العمارات، وإهمال ms15 ~~اسمه يدل على الاحتقار الذي كان يضمره له مستخدموه. # وقد سار فن الرسم الإسلامي في ثلاثة اتجاهات: ~~(1) # الزخارف الهندسية المتقابلة من أقواس وخطوط تتقابل فترتاح العين إلى شكلها ~~الهندسي. ~~(2) # الزخارف التي تعود في الأصل إلى «باعث» من رسم حيوان أو نبات يعمد الرسام ~~إليه فيطيل في بعض أعضائه أو يفرطحها أو يشرشرها حتى يخفي أصله ثم يجعله يتقابل ~~مع شكل آخر لا يختلف معه، فيحصل على شكل هندسي يمتاز من الزخارف الهندسية ~~المحضة بما فيه من هذا «الباعث» الذي يزيد حلاوته في العين. ~~(3) # لما رأى المسلمون ضيق الميدان الذي يمكنهم أن يستخدموا فيه مواهبهم الفنية ~~اضطروا إلى أن يجعلوا من الخط العربي فنا، فزينوه وزخرفوه حتى صار له جمال ~~خاص. # وأقدم الآثار العربية في مصر هو جامع عمرو، ولكن الإصلاحات المتكررة قد تعاورته حتى لا ~~يمكن الآن أن يقال إن به شيئا من أيام عمرو، ولذلك لا يمكننا أن نستشهد به على تطور الفن ~~المعماري الإسلامي، ولكن يمكن أن يقال بلا خوف كبير من الخطأ: إن العصر الذهبي الأول لهذا ~~الفن هو عصر الفاطميين الذين ذكرنا جرأتهم في تزيين قصورهم برسوم الحيوان، ويلي الفاطميين ~~الأيوبيون، ولكن هؤلاء لا يبلغون ما بلغه المماليك بعدهم، ففي أيام الصناعات فشت العمارات ~~والمساجد العظيمة في القاهرة وراجت الصناعات وظهر المقرنص الذي يرى فوق أبواب المساجد، ~~و«الباعث» لهذا المقرنص هو القناديل لأنها تمثل قناديل مدلاة قد مسح عليها العرف مسحة ~~هندسية كما هو الشأن في الفنون الإسلامية. # الفصل الخامس # | أصل الرسم الحديث: مدرسة فلورنسا # جوتو. تشني. أوركينا. انجليكو. لبي. بوتيتشلي. تشيمابو # بقي الرسم مدة العصور المظلمة يجري على عرف الكنيسة وتتغلب عليه طريقة بيزنطية، هذه ~~الطريقة التي ما زلنا نراها في الكنائس القبطية في مصر حيث تتشابه الوجوه وتجمد الأجسام ~~ويحيط بها كلها هالة القداسة، وترسم الصورة الصورة على فرش مذهب فلا يمكنك أن تميز من النظر ~~إلى الوجوه اختلافا في العاطفة أو الأخلاق. # وقد كان الدين أساس الحياة في القرون الوسطى ولذلك فإنه جمع ms16 من ناحية بين فلسفة الإغريق ~~واللاهوت، كما جمع أيضا بين النظر الديني والفنون، وكما استعمل كتاب الكنيسة فلاسفة ~~أفلاطون وأرسطوطاليس للدفاع عن الدين، كذلك استعملوا الرسم لخدمة الدين، فكانت موضوعات ~~الرسام لا تخرج عن رسم الملائكة والعذراء والمسيح والقديسين، وكان العرف هو القاعدة التي ~~يجب على الرسام ألا يتخطاها، وكان الرسام إذا أراد أن يرسم المسيح صوره في هيئة طفل ساذج ~~جميل الوجه باسم المحيا، أو ربما صوره شيخا في هيئة قاض كبير، أما العذراء فكان هم الرسام ~~أن يبعد عنها ما استطاع تلك اللوثة الإنسانية لكي يجعلها أشبه بالملائكة منها بالناس، ولذلك ~~فإنك لا تحس منها بعاطفة الأمومة، وفي كلتا الحالتين يحاط المسيح والعذراء بهالة القداسة ~~التي تخرجهما من صف الآدميين. # ولكن في القرن الثالث عشر نرى بذرة النهضة الأوروبية في آراء «روجر بيكون» الذي يدعو إلى ~~ترك التقاليد ووضع العقل فوق النقل، وأيضا في طريقة الرسم الجديدة في إيطاليا حيث شرع ~~الناس يفهمون من المسيحية أنها ديانة الحب، وأكسب هذا الاعتقاد الجديد صورة إنسانية للعذراء ~~تمثل الحب بالأمومة. # ولعل أول من مسح هذه المسحة على الدين هو القديس فرانسيس، فإنه جمع بين حب الطبيعة ~~والإيمان بالدين، فكان يخاطب الطبيعة ويتآخى مع الطير والسمك ويطرب في لذة الاجتماع ~~بالخليقة والاشتراك معها في طرب الصوفية، فنقل الدين بذلك من جمود القاعدة وضيق العرف ~~الكنسي إلى رحابة الطبيعة وما فيها من ألوان مختلفة. # وأول من نقح في الطريقة البيزنطية هو «جوني تشني» وهو رجل فلورنسي ولد سنة 1240 ومات سنة ~~1302، وهو ما يزال في رسومه يتبع على وجه الإجمال قواعد بيزنطية ولكنه يمسح على رسومه مسحة ~~إنسانية جديدة فيها معاني العطف والحب، وقد كلف بأن يزين الكنيسة التي دفن فيها القديس ~~فرانسيس برسومه، فكان هذا القديس بصوفيته إلهاما له يبعثه على اتخاذ البدعة بدلا من ~~التقليد في الفنون، ومما يذكر أيضا أن تلميذه «جوتو» كان من عظماء رجال النهضة. # ويمكن مؤرخ النهضة الفنية أن يبدأ بجوتو فهو الفاصل الحقيقي بين النهضة ms17 وبين تقاليد ~~بيزنطية، وكان جوتو في صباه راعيا يرعى الغنم، وحدث ذات مرة أن رآه تشني وهو قاعد يرسم ~~فأعجبه رسمه وطلب من أبيه أن يأذن للصبي بمرافقته لكي يتتلمذ له فأذن الأب. # ولما كلف تشني بتزيين كنيسة القديس فرانسيس خص جوتو ببعض الرسوم التي تمثل حياة القديس ، ~~وهنا ظهرت عبقرية التلميذ حتى تفوق على معلمه؛ إذ إنه أبدى كما يقول رسكين: «خروجا على ~~التقاليد والعرف والمثل الأعلى» وعمد إلى الطبيعة ينقل عنها. # وقصد إلى روما وهناك كلف أيضا بتزيين بعض الكنائس، فرسم صورة «البكاء على القديس ~~فرانسيس» وأيضا صورة «عيد ميلاد هيرودس»، ونعرف بعد ذلك أنه ذهب حوالي سنة 1306 إلى «بدوا» ~~لأن المعروف أن دانتي الشاعر كان هناك في ذلك الوقت، وكان يوعز إلى الرسام برسم واختيار بعض ~~الموضوعات، وهذا يدلنا على مكانة جوتو الذي كان يعرفه بترارك أيضا ويصادقه. # ومن المفيد أن نقابل بين رسم تشني «العذراء وابنها» ورسم جوتو «البكاء على القديس ~~فرانسيس» لكي نعرف الفرق بين العهدين أو بين المعلم والتلميذ، فما زالت على صورة تشني ~~المسحة البيزنطية: هالات من نور حول الرءوس وفرش مذهب للصورة، ولكن التنقيح في القواعد ~~البيزنطية واضح من المسحة الإنسانية التي على الوجوه، أما صورة القديس فرانسيس والرجال ~~الذين حوله يبكونه فليس فيها شيء من قواعد بيزنطة، وإنما كل ما يعاب عليها النقص في الصنعة ~~أي في الأبعاد ودقة التصوير ونحو ذلك، وليس هذا غريبا إن اعتبرنا أن جوتو قد شرع في محاولة ~~جريئة ففيه النقائص التي تلازم كل مبتدئ، فهو أول من ترك موضوع القداسة الجامدة إلى نشاط ~~الطبيعة فصار يرسم الحقول والأشجار والحيوان والإنسان. # وقد كان جوتو مع عبقريته في الرسم معماريا عظيما بنى البرج المعروف الآن باسمه في ~~فلورنسا، ولما عاد إلى هذه المدينة التي هي مدينته الأصلية لقي الترحيب والإكرام من أهلها ~~سنة 1334 وتعين هناك مديرا للأعمال في الكاتدرائية الكبرى، وبقي هناك يعمل في الرسم ~~والعمارة إلى أن مات سنة 1337. # ومن الفلورنسيين الذين انتفعوا بالطريقة ms18 الجديدة التي وضعها جوتو نجد «أوركنيا» صاحب صورة ~~«تتويج العذراء» وهو مع لزومه السذاجة الطبيعية لم يبلغ مبلغ جوتو في تصوير نشاط ~~الطبيعة. # وهذه النزعة نحو الطبيعة التي أوجدها جوتو في المدرسة الفلورنسية تفرعت فرعين: أحدهما ~~نفسي، والآخر جسمي، فرجال الفرع الأول اتجهوا نحو اتقان التصوير للعاطفة القوية العميقة مع ~~الحركة والعمل، بينما رجال الفرع الثاني اتجهوا نحو تقرير الواقع مع التدقيق في رسم الأعضاء ~~بحيث ينطبق الرسم على الحقيقة، واستطاع هؤلاء أن يتغلبوا على صعوبات الصنعة كتحقيق الأبعاد ~~الخطية والهوائية ودرس التشريح للأجسام العارية في الكون والحركة وسائر التفاصيل الخاصة ~~بالأحياء والجمادات لونا وشكلا، وبذلك أمكن الخروج من العرف والقواعد البيزنطية. # ويلي أوركنيا في النهضة الفلورنسية رجل راهب له شهرة لا تقل عن شهرة جوتو، وإن كانت ~~عبقريته الفنية دونه وهذا الراهب هو «الأخ انجليكو» الذي ولد سنة 1387 ومات سنة 1455، وكان ~~من رجال الفرع النفسي في التصوير، ولكنه كان مع ذلك يجيد رسم الجبال والأزهار والأشجار، حتى ~~ليظن الإنسان أن هذا هو موضوعه الأصلي الذي خص فنه فيه، ولكن الحقيقة أن انجليكو لم يرسم ~~هذه الأشياء إلا لأنها وسطه الذي عاش فيه معظم حياته إذ قضى في قرية كارتونا وقرية فيوسول ~~خمسين سنة، فلم يختلط بالمدن الكبرى مثل فلورنسا أو روما إلا بعد ذلك، ولكن هواه وبراعته ~~يتجهان نحو تصوير الحالات النفسية، فقد كتب عنه فارساي يقول: «إن ملائكته التي يرسمها تبدو ~~كأنها كائنات من الفردوس»، وذلك للخيال الذهني الذي قاده إلى تصويرها، وهذا الخيال كان ~~يخالف الطبيعة. # وقال عنه موتهور: «إن رسومه التي يصور فيها الاستشهاد توهمك بأنه يرسم صبيانا أو شبانا ~~قد اتخذوا هيئة الشهداء والجلادين، أما رجاله الملتحون فيبكون بكاء النساء، ولذلك فهو لا ~~يقنعك بأنه يصور لك الحقيقة، ولكنه عندما يلزم موضوعه الخاص به، وعندما ينقل إليك رقة ~~الشعور أو الفرح العظيم الصامت للقلب أو الحزن الرقيق أو الطرب الديني، فإن لصوره تأثير ~~الصلاة الصامتة للطفل». # وصورته «البشارة» التي تمثل الملك وهو يبشر العذراء ms19 بالمولود تدل على صدق ما قاله موتهور، ~~فهم الرسام هنا أن ينقل إليك صورة التقوى والدين أكثر مما يريد أن يدقق في رسم ~~الأشخاص. # ومن رجال ذلك العصر أيضا «الأخ لبي» ولا بد أن القارئ يقف هنا متأملا هؤلاء الرهبان ~~الذين انسلخوا من الرهبانية إلى الفنون، ولكنه إذا عرف أننا نتكلم عن عصر النهضة التي ليست ~~شيئا آخر سوى الخروج من التقاليد الدينية إلى الدرس البكر في مسائل الحياة والطبيعة، وإذا ~~عرف أن الثقافة والفنون كانت مدة القرون الوسطى خاضعة للرهبان مصبوغة بالدين حين كانت ~~الأديار مثوى الآداب، لم يتعجب بعد ذلك من أن تكون بداية النهضة في الفنون على أيدي بعض ~~الرهبان، ولكن هؤلاء الرهبان كانوا خارجين على تقاليد الكنيسة وإن لم يشعروا بذلك، لأن روح ~~الزمن كانت قد انضجت العقول، وهيأتها للثورة والخروج. # و«لبي» هذا يمتاز عن «انجليكو» بأن العذارى عنده أشبه ببنات فلورنسا منهن ببنات السماء، ~~فهو يفهم الجمال النسائي كما هو في طبيعته، ويجيد رسم الأزهار كما تدل على ذلك صورته ~~«البشارة». # ويمثل «لبي» الروح العلمية في الرسم، فقد درس الأبعاد درسا دقيقا ورسم معركة حربية لأول ~~مرة في تاريخ النهضة، ولم يحاول أحد بعده رسم معركة حربية إلا بعد مضي قرن كامل على وفاته، ~~ورسم هذه المعركة يدل على ميل رجال الفن في ذلك الوقت إلى الانفصال من الدين، وقد ولد ~~«لبي» سنة 1406 ومات سنة 1469. # وفي سنة 1447 ولد «بوتيتشلي» الذي مات سنة 1535 وفي عصره تم الانفصال بين الدين والفن، ~~فقد كانت الكنيسة راعية الفنون مدة القرون الوسطى وفي بداية النهضة، فكان الرسامون ~~والمعماريون يعملون لها، ولكن القرن الخامس عشر كان يتسم بالتجديد، وظهر فيه رعاة آخرون ~~للفنون غير الكنيسة. # وكان هؤلاء الرعاة لا يبالون بالدين، ولا يكلفون الرسامين لزوم القصص التورائية أو ~~الإنجيلية، ولذلك فإننا نجد بوتيتشلي يرسم صورا تمثل القصص الإغريقية القديمة مثل صورته ~~«الربيع» حيث ترى في الوسط «الزهرة» ربة الحب تنتظر قدوم الربيع يحوم فوقها «قوبيد» الربيب ~~الصغير الذي ms20 يقنص القلوب ويوقعها في شباك الغرام، وعلى يمينها الفتيات الثلاث وعطارد رسول ~~الآلهة، وعلى يسارها يتقدم الربيع تدفعه إلى الأمام بلطف «فلورا» ربة الزهر ويحذوه «زفير» ~~الذي يمثل النسيم، وأينما تطأ قدماها تظهر الأزهار، وهذه صورة تدل على الجراءة التي اتسم ~~بها ذلك الزمن، لأنها لو ظهرت في القرون الوسطى لعوقب صاحبها واتلفت لإحتوائها على آلهة ~~وقصص وثنية. # وقد تعلم «بوتيتشلي» على يدي «لبي» وكان متأثرا به يتبع طريقته إلى أن ترك «لبي» مدينة ~~فلورنسا في مهمة، فلما انفرد «بوتيتشلي» ترك لعبقريته العنان في التأليف فصار يرسم الناس ~~كما يراهم، ولا يمسح عليهم مسحة التواضع الديني. # ولما ذاعت شهرته في فلورنسا استدعاه البابا إلى رومية حيث رسم فصولا من تاريخ موسى، وبعد ~~سنتين عاد إلى فلورنسا، وهناك وجد «سافونا رولا»، وهو رجل كان متحمسا للدين وعمد إلى الكتب ~~فأحرقها، وتأثر بأقواله بعض الرسامين حتى أتلفوا ما رسموه من الأوثان والآلهة، وهذا يدل على ~~أن الصراع بين الدين والنهضة كان ما يزال قائما، ولكن الجمهور الذي كان «سافونا رولا» ~~يحمسه إلى الدين عاد فانقلب عليه وأحرقه هو نفسه. # ورأى «بوتيتشلي» هذه الحوادث في مدينته فحزن، وخصوصا عندما رأى أن الأسرة التي كانت ~~ترعاه قد انهزمت ونفيت من المدينة، وهي أسرة مديتشي، بل حين رأى أخاه يتلف رسومه السابقة ~~بيده للإشارات الوثنية التي فيها. # وممن يذكرون أيضا في عصر هذه النهضة تشيمابو الذي ولد سنة 1240 ومات سنة 1302 وأحسن ~~رسومه صورة العذراء وابنها. # الفصل السادس # | الرسم بالزيت: المدرسة الفلمنكية # فان ايك. مملنك. ماسيس. مابوز # لا نعرف كيف نشأ الفن في إقليم الفلمنك، وكيف كان في طفولته وحداثته، فإننا نجده لأول ما ~~نجده راقيا مبتدعا يجري على أسلوب تقريري يراعي الدقة في تصوير الحقائق دون تزيين أو ~~زخرفة. # وقد كان الرسم الشائع في أوروبا الغربية إلى نهاية القرن الثالث عشر، مثل العمارة الشائعة ~~أيضا في ذلك الوقت وبعده، قوطيا، ما زلنا نراه في أوراق اللعب حيث ترى صور الملوك ~~والملكات، وهذا الرسم ms21 القوطي لا علاقة له بتاتا برسم الإيطاليين من مدرسة فلورنسا، ولذلك ~~فإن فضل المدرسة الفلمنكية وانتقالها من هذا الرسم القوطي إلى الرسوم المتقنة التي أدتها ~~عظيم جدا. # ويجب عند المقابلة بين المدرسة الفلمنكية والمدرسة الفلورنسية أن نميز بين الأساس الذي ~~قامت عليه كل منهما، فأساس الأولى هو الفن القوطي، وأساس الثانية هو فن الكنيسة أي الفن ~~البيزنطي، ولذلك فإن الفلورنسيين لزموا إلى حد ما الموضوعات الدينية، وكان معظم رسومهم على ~~جدران الكنائس، أما الفلمنكيون فإنهم خرجوا بالفن من حظيرة التقاليد الدينية إلى رسم أشخاص ~~الأغنياء وتصور الأثاث، وهناك سبب آخر ساعد على بلوغ هذه النتيجة، وهو أن الكنائس في ~~إيطاليا لا يخيم الظلام على جدرانها لأن الجو في أغلب أوقاته في صحو ونور، ولذلك فإن الرسم ~~على الجدران يمكن رؤيته وتقديره، ولكن الغيوم تتغلب في المناخ الشمالي، فلا يكون للرسوم ~~التي ترسم على الجدران الداخلية في هولندا أو ألمانيا تلك القيمة أو ذلك الجمال الذي نجده ~~لها في إيطاليا أو إسبانيا، ولهذا السبب اتجهت جهود الفنيين في الشمال إلى تزيين زجاج ~~النوافذ بدلا من تزيين الجدران، لأن الزجاج يسطع عليه الضوء مهما ضعف فيبدي ما فيه من ~~رسوم. # وقد اشتهر في المدرسة الفلمنكية رجلان شقيقان، هما: هوبرت فان ايك، وجان فان ايك، وفضلهما ~~لا يقتصر على استحداث الرسوم التي لا علاقة لها بالموضوعات الدينية، بل يتناول أيضا طريقة ~~الرسم بالزيت التي اخترعها أحدهما وزاولها كلاهما، فإن الرسم كان قبل ذلك يعتمد على الماء ~~والأصباغ، وكان الرسم يستعين أحيانا وهو يجبل أصباغه بمح البيض، ولكن هذين الشقيقين ~~استعملا الزيت الحار وزيت الجوز في جبل الأصباغ، وشاعت عنهما هذه الطريقة، وتقدم فن الرسم ~~بهذه البدعة خطوات إلى الأمام. # ولا يعرف إلا القليل عن تاريخ هذين الشقيقين، وهذا بخلاف الرسامين في إيطاليا، ولكن ~~فسارى كتب تاريخهم مع تفاصيل حياة كل منهم، وكان هو نفسه رساما في القرن السادس ~~عشر. # والمعروف أن «هوبرت» ولد سنة 1365 في قرية قريبة من كولونيا، والظاهر أنه تعلم ms22 في هذه ~~المدينة، فلما بلغ سن الشباب تركها إلى مدن الفلمنك حيث كانت «غنت» و«بروج» قد أحرزتا شأنا ~~في الرخاء والتجارة، وفي غنت أدى هو وأخوه ذلك الرسم العظيم الذي يسمى «عبادة الحمل»، وهو ~~من الرسوم الكبيرة، ولا تقل مساحته عن ألف قدم، أما شقيقه «جان» فأصغر منه بعشرين سنة، إذ ~~ولد سنة 1385، وهو أدق في الصنعة وأعمق بصيرة في الفن وأبعد شهرة، وقد اشتغل بالسياسة ورحل ~~إلى إسبانيا وبرتغال في خدمة فيليب، وهو أول من اتبع الأسلوب التقريري، وابتدع تصوير ~~الأشخاص، وكان إذا رسم شخصا لم يترك في وجهه أو جسمه أي علامة أو قبح حتى ينقله، كما ترى ~~رسمه «الرجل الحامل للقرنفل»، وهذه روح غريبة لا تدل على الرغبة في تصوير الحقيقة وكراهة ~~المبالغة والتزيين فقط، بل تدل أيضا على أن الهيئة الاجتماعية التي عاشت في ذلك العصر كانت ~~سليمة من الزهو والغرور قانعة بالواقع، والفن ظاهرة من ظواهر الاجتماع، فإذا كان هذا ~~الاجتماع مختلا لم يسلم الفن من الخلل، وتجد في هذه الصورة دقة عجيبة في نقل الصغائر ~~والتفاصيل حتى عروق اليد وأسارير الوجه واضحة، ومن ينظر إلى الصورة وقد افتر الثغر يكاد ~~ينتظر منها أن تخاطبه. # ولجان فان ايك صورة أخرى عن زوجين من الطبقة المثرية تمثلان عنايته بنقل الأثاث وتفاصيل ~~الملابس مما يجعل لها قيمة تاريخية زيادة عما لها من القيمة الفنية، وهذان الزوجان هما: ~~«جان أرنولفيني وزوجته»، بل بلغت عنايته حدا عجيبا في نقل ظل الزوجة في المرآة المستديرة ~~التي بالوسط. # ويلي هذين الشقيقين في الشهرة «هانز مملنك» الذي ولد حوالي سنة 1430 ومات سنة 1494، ولا ~~نعرف تفاصيل حياته على وجه التحقيق، وإنما الأرجح أنه تعلم في كولونيا ثم قضى سائر حياته في ~~بروج حيث كان يملك دارا وعقارات أتاحت له العيش في رخاء، وقد زين مستشفى سان جون في بروج ~~بطائفة من رسومه. # وفي تزيين المستشفى في بروج في إقليم الفلمنك ما يجعلنا نلمح شيئا من هذه الروح الشمالية ~~التي تختلف عن روح ms23 الجنوب في إيطاليا مثلا حيث نجد آثار الرسامين في الكنائس. # ولم يكن مملنك خلوا من الروح الدينية فإن أحسن آثاره في الفن ما رسمه من الصور عن حياة ~~القديسة «اورسولا»، ولكن العناية بالمستشفيات وتزيينها في القرن الخامس عشر يعد بدعة تدل ~~على روح الزمن وترينا أن الشماليين أدركوا في ذلك الوقت أن البر لا يقتصر على الأعمال ~~الدينية بل يتجاوزها إلى الأعمال المدنية. # وأحسن ما تركه «مملنك» هو صورة الدوق كليف، فهي تمثل جمال الشباب قد امتزج إلى راحة ~~الإيمان، وهذه الصورة من النفائس التي يزدان بها الآن المتحف الوطني في لندن. # وحوالي هذا الزمن نجد أن الرسم قد انطلق تماما من التقاليد الدينية؛ لأن الحياة المدنية ~~كان شأنها قد ارتفع، فظهرت طبقة من التجار والصيارفة وأصحاب المصانع لها من الجاه والثروة ~~ما يجلب إليها ذلك الاحترام الذي كان مقصورا على رجال الدين أو على الأمراء والملوك، فنرى ~~مثلا رساما مثل «كانتان ماسيس» الذي ولد سنة 1466 ومات سنة 1530 يعيش في انفرز، وينقل لنا ~~صورة صيرفي مع زوجته، وقد اشتغل هو بعد النقود والتفتت هي إليه بعد أن كانت تقرأ في كتاب ~~ديني مذهب، وقد بالغ الرسام في الدقة حتى رسم على المرآة المستديرة صورة نافذة ~~مفتوحة. # وبوفاة ماسيس يختم العصر الأول للمدرسة الفلمنكية، وهو عصر الاستقلال والابتعاد عن ~~إيطاليا وتقاليدها البيزنطية الضعيفة، أما الرسامون الفلمنكيون بعده فقد تأثروا بإيطاليا ~~مثل «مابوز» الذي ولد سنة 1472 ومات سنة 1535، فإنه أدخل الطريقة الإيطالية بعد أن زار ~~إيطاليا وعرف هناك دافنشي، وأحسن ما خلقه من الرسوم صورة «مرجريت تودور» التي ترى للآن في ~~ادنبرج في إسكوتلاندة. # الفصل السابع # | نجوم النهضة # دافنشي. أنجلو. رفائيل # من يقرأ حياة دافنشي بتفاصيلها الصغيرة يمكنه أن يمثل في ذهنه تلك الاضطرابات الذهنية ~~التي أصابت الناس في عصر الانتقال من القرون الوسطى إلى القرون الحديثة، نعني بذلك الزمن ~~الذي عاش فيه دافنشي بين ميلاده سنة 1452 ووفاته سنة 1519. # ففي حياة دافنشي رأت أوروبا دخول الأتراك إلى القسطنطينية، ms24 وهزيمة المسيحيين أمام ~~المسلمين، كما رأت اكتشاف أميركا، وفي كلتا الحادثين ما يدفع إلى التفكير، ووضع العقل فوق ~~النقل، والرأي فوق العقيدة، والشك مكان اليقين. # ويمثل دافنشي عصره، لأنه عبقري أحاط في دراسته وهمومه الذهنية بطائفة كبيرة من العلوم ~~والفنون كأنه كان يجوع إلى التجارب والمعارف، فكان رساما كما كان مثالا يصنع التماثيل، ~~وكان عالما أدرك بذهنه أن جبال الألب كانت تحت الماء، وكان يدرس الرياضة درس الهوى والتعلق ~~والشغف، وكان لا يكف عن التجارب الجديدة حتى صنع مرة طيارة، ولم يمنعه من الاستمرار في ~~تتميم اختراعها إلا حماسة تلاميذه الذين خشي عليهم من اقتحام الهواء، وكان يخترع آلات الحرب ~~وأدوات السلم، وكان موسيقيا ماهرا، ومع ذلك وضع أحسن كتاب في زمنه عن التشريح، قال عنه فسارى: # يحدث أحيانا أن السماء تهب أحد الأشخاص من الجمال والنعمة والقدرة بحيث أن كل ما ~~يعمله يبلغ من الروعة الإلهية أن يسبق جميع ما يعمله سائر الناس، ويثبت بوضوح أن ~~عبقريته إنما هي هبة من الله وليست اكتسابا بالحذق الإنساني، وقد رأى الناس هذا في ~~ليوناردو دافنشي الذي لا يمكننا مهما فعلنا أن نبالغ في جماله الشخصي، والذي كان له ~~من القدرة الخارقة ما كان يستطيع به أن يحل أية معضلة تعترضه. # ولم يبالغ فسارى في هذا الوصف فقد كان دافنشي موهوبا، يجمع إلى قوة جسمه التي كان يمكنه ~~بها أن يلوي نعل الفرس بيده، جمال طلعته ورقة نفسه، حتى ذكر عنه أنه كان يشتري العصافير من ~~التجار ثم يطلقها في الهواء. # وقد أرسله أبوه إلى المدرسة، ولكنه «كان يدرس عدة أشياء ثم يتركها»، ومع ذلك كان مع نزقه ~~هذا يلزم شيئا لا يتركه وهو الرسم، فأخذه أبوه إلى الرسام «فروشيو» لكي يتتلمذ عنده، ويحكى ~~أن فروشيو هذا كان يعمل في إتمام صورة كبيرة تمثل «يوحنا المعمدان» وهو يعمد المسيح، وكان ~~قد كلف بعمل صورة أخرى، فاضطر للسرعة أن يكلف دافنشي بأن يرسم على الصورة أحد الملائكة، ~~وقام دافنشي بهذا العمل، وكان الملك ms25 الذي رسمه خيرا من الملائكة التي رسمها أستاذه، فلما ~~عاد فرشيو تعجب لهذه العبقرية التي تفجرت من هذا التلميذ، ولكنه في الوقت نفسه تأسف لأن ~~تلميذا لم يدرب يجيد الرسم أكثر منه، ويقال إنه من ذلك الوقت لم يتناول الريشة وقصر نفسه ~~على نحت التماثيل. # وذاعت شهرة دافنشي بعد ذلك فطلبه الدوق سفورتسا لكي يكون في خدمته في ميلان، وهناك رسم ~~الصورة المشهورة: «العشاء الأخير» الذي مثل فيه المسيح بين تلاميذه عندما أخبرهم بأن واحدا ~~منهم سيخونه، وكان دافنشي لتشعب خواطره بين العلم والفن والرياضة يتباطأ في عمله، وكان يصنع ~~هذه الصورة لأحد الأديار القريبة من ميلان فلما أبطأ شكاه رئيس الدير إلى الدوق، وأرسل هذا ~~إلى دافنشي يلومه على تباطئه، فأجابه دافنشي بخطاب جميل قال فيه: # بقي علي من الصورة رأسان لم أتمهما بعد، فإني أشعر بالعجز عن تصور الجمال ~~السماوي الذي يتمثل في مولاي (المسيح)، والرأس الآخر الذي يجعلني أفكر هو رأس يهوذا ~~الخائن، فإني أعتقد أني لن أتمكن من تصوير وجه هذا الرجل الذي استطاع أن ينطوي على ~~نية الخيانة لمولاه بعد أن انتفع به كل هذا الانتفاع، ولكن رغبة في توفير الوقت، ~~فإني لن أفكر كثيرا في هذا الرأس، بل أقنع بوضع رأس رئيس الدير، فهذا هو رأيي الذي ~~لا أجد خيرا منه الآن. # وضحك الدوق من هذه الفكاهة الجميلة وطلب من رئيس الدير ألا يقلق دافنشي بعد ذلك بشكاويه ~~وإلحاحه في السرعة. # ولدافنشي صورة أخرى أشهر من صورة «العشاء الأخير» هي صورة «موناليزة» المشهورة باسم ~~«الجيوكندة» فقد قضى فيها ثلاث سنوات وهو لا يتمها، إما لأنه كان كل يوم يجد في هذه المرأة ~~معنى جديدا يريد أن ينقله إلى اللوحة، وإما لأنه أحبها، فكان يتعلل بالتأخير لأنها كانت ~~تأتيه كل يوم، وكان بالطبع يخشى إذا كملت الصورة أن يمنعها زوجها من الذهاب إلى مرسمه، ~~ويبدو من تاريخه أن حبه لها كان عذريا. # وترك دافنشي الدوق وانضم إلى فرنسيس ملك فرنسا الذي أحبه واحترمه وحمله معه ms26 إلى فرنسا، ~~وهناك مات، وكانت صورة «موناليزة» معه لم تفارقه، حتى إن الملك أراد أن يضعها في قصره، ~~فرجاه دافنشي أن يتركها له حتى يموت، وهي الآن في متحف اللوفر في باريس، وقد ذكر فسارى أنه ~~بلغ من عناية الملك فرنسيس بهذا الرسام أنه عندما سمع بمرضه زاره وحمل رأسه بين يديه، وكان ~~دافنشي في غيبوبة، فلما أفاق ووجد الملك يعنى به ويحنو عليه تأثر ومات. # ويجدر بنا هنا قبل أن نتكلم عن النجمين الأخيرين أن نذكر واحدا عاصر الثلاثة وهو ~~غرلندايو الذي ولد سنة 1449 ومات سنة 1494، وهو يمثل ديمقراطية الفن، فقد كان أولئك العظماء ~~الثلاثة يرعاهم البابا أو الملك أو الأمير، أما هو فقد جعل مرسمه دكانه الصغير الذي كان ~~يبيع منه إكليلا اخترعه وصار يصنعه لكي يضعه السيدات على رءوسهن، والروح المسيحية التي ~~وضعت جمال النفس فوق جمال الجسم واضحة في رسومه، فهو يصور جمال النفس ولا يبالي بالجسم، ~~وهذا يخالف المألوف عند الأمم القديمة أيام الوثنية، فإنها كانت تفهم الجمال في الجسم، ~~وأحسن صور غرلندايو هي صورة «الجد وحفيده»، وأنف الجد قبيحة بل وجهه دميم، ولكن الناظر إليه ~~يستشف جمالا في النفس في عاطفة الأبوة المرتسمة عليه وهو يحنو على حفيده الصغير، وله أيضا ~~صورة جيوفانا ترنابيوني. # أما النجم الثاني فهو ميخائيل أنجلو الذي ولد سنة 1475 ومات سنة 1564، وهو يفوق دافنشي في ~~الرسم والنحت، ولكن دافنشي يسمو عليه في الحكمة، وقد عاش دافنشي لذلك سعيدا أما أنجلو فقد ~~كان يضيق بالناس وبنفسه. # وقد كان والده قاضيا وأراد أن يربي ابنه على أن ينشأ تاجرا، ولكن عبقرية الصبي أبت إلا ~~الظهور والتفجر، واضطر أبوه أن يلحقه بمرسم غرلندايو وهو في الثالثة عشرة، ولكنه مال إلى ~~النحت أكثر مما مال إلى الرسم. # وكانت أسرة مديتشي لها السيطرة والاسم في ذلك الوقت، وكان لورنتسو عميدها، فبسط عليه ~~رعايته وعين له مرتبا وخصه بالتعليم في «مدرسة الحديقة» التي كانت قد أنشأها لتخريج ~~المثالين. # وحوالي سنة 1490 اهتزت فلورنسا بذلك ms27 المدعو «سافونا رولا» فقد كان هذا الرجل راهبا رأى ~~حواليه أمارات الانتقال من التقاليد الدينية إلى العصر الحديث عصر الشك، فكبر عليه ذلك وأخذ ~~يدعو إلى كراهة العلوم والفنون، وكانت الكتب تجمع وتحرق علنا في ميادين فلورنسا، وكان ~~كثيرون يهجرون أعمالهم لكي يدخلوا في الرهبانية، ورأى ميخائيل أنجلو ذلك فلم يتأثر به ~~بالعكس عمد إلى الوثنية الإغريقية فصار ينقل عنها، وصار يصنع التماثيل الرائعة للآلهة ~~«باخوس» و«ادونيس» و«قوبيد». # وبقي سافونا رولا يصلي ويعظ الناس في الشوارع، ويسب البابا، ويصب اللعنات على المترفين ~~والكافرين والذين يقرءون الكتب الوثنية، إلى أن سئمه أهل فلورنسا فأحرقوه سنة 1498، ونصروا ~~بذلك النهضة التي أوشكت أن تموت في مدينتهم. # وكان ميخائيل أنجلو قد فر من البندقية في هذه المدة ثم عاد إليها، وكان أحد التجار قد ~~اشترى منه تمثاله «قوبيد» وباعه لأحد الكرادلة في روما بعد أن أوهمه أنه تحفة قديمة صنعها ~~الإغريق، ولكن الكردينال عرف الغش ووقف على الحقيقة، ثم فرح لهذا الغش عندما تحقق أن ~~إيطاليا حديثا يمكنه أن يصنع تمثالا يشبه تماثيل قدماء الإغريق، وبعث من فوره في طلب ~~أنجلو الذي قصد روما وهناك بقي في رعاية الكردينال. # وبقي مدة في روما وهو متشبع بالروح الوثنية، ولكن وثنيته انتهت قبل أن يبرح روما إلى ~~فلورنسا سنة 1501 حيث صنع تمثالا لداود. # وبقي في فلورنسا أربع سنوات لم يسعد فيها، ولذلك فإنه ما كاد البابا يوليوس الثاني ~~يستدعيه إلى روما حتى رحل إليها، وهناك عرض عليه البابا أن يبني له ضريحا، فسافر ميخائيل ~~أنجلو إلى مقالع كرارة واقتلع المرمر الذي يحتاج إليه، ثم عاد إلى البابا فرآه قد أبدل ~~رأيه، فإن أحد الذين حوله أوهموه أن بناء الضريح في حياته فأل سيئ، فأحجم البابا عن المضي ~~في مشروعه وطرد المثال من قصره. # وعاد أنجلو إلى فلورنسا، ولكن البابا عاد فاستدعاه، فلما بلغ روما أخبره البابا بأنه يريد ~~أن يكلفه رسم السقف في مصلى سستين، وكان أنجلو يؤثر النحت على الرسم، فنصح له بأن يستخدم ms28 ~~رفائيل بدلا منه، فأصر البابا على إنفاذ كلمته. # وفي 10 مارس من سنة 1508 كتب ميخائيل أنجلو هذه العبارة: «اليوم أنا ميخائيل أنجلو ~~المثال قد شرعت في رسم المصلى». # وفي السنة التالية كتب يقول: «ليست هذه مهنتي ... فأنا أضيع وقتي». # ولكنه بعد أربع سنوات وهو راقد على ظهره انتهى من رسم السقف الذي يعد الآن من مفاخر الفن ~~الإيطالي. وقد قسم السقف ثلاثة أقسام كل قسم منها مجزأ ثلاثة أجزاء، فالقسم الأول يشتمل على ~~خلق الدنيا في ثلاثة أجزاء: أولها الله عز وجل يفصل بين النور والظلام، وثانيها يخلق ~~النجوم، وثالثها الله يبارك على الأض، والقسم الثاني يحتوي على سقوط الإنسان في ثلاثة أجزاء ~~أيضا: أولها خلق آدم، وثانيها خلق حواء، وثالثها الإغواء والسقوط، والقسم الثالث يحتوي على ~~الطوفان، وهو أيضا ثلاثة أجزاء: أولها تقدمه نوح، وثانيها الطوفان، وثالثها سكر ~~نوح. # وقد أصيب المثال بآلام وأوجاع من بقائه أربع سنوات وهو ينسطح كل يوم لكي يرسم السقف حتى ~~بقي بعد ذلك مدة إذا أراد أن يقرأ أو يرى شيئا جليا رفعه فوق رأسه على ما اعتاد من أيام ~~الرسم. # وعاد إلى فلورنسا، وكانت قد ذاعت شهرته وصار أهل فلورنسا يفاخرون به، وقادهم الحب له إلى ~~الاغترار به، فأقاموه في ثورة لهم مديرا للتحصينات يقاتل أسرة مديتشي، وفر من المدينة التي ~~انهزمت، وعادت هذه الأسرة التي كان يحاربها فاستخدمته وأذلته. # ولكن البابا بولس الثالث أنقذه من هذا الذل، فكلفه برسم «يوم القيامة»، ثم عاد فكلفه بصنع ~~القبة التي ما تزال روما تفتخر بها. # وقد زاره فسارى في أواخر سنيه وذكر عنه فقره، وأنه لا يأكل سوى القليل من الخبز والنبيذ، ~~وأنه مع ذلك لم يكف عن النحت، فقد صنع لنفسه خوذة يلبسها على رأسه ويضع فيها الشمعة، فيقوم ~~في الليل ويكب على عمله في ضوء هذه الشمعة التي لم تكن تشغل إحدى يديه. # وقبل أن يموت بيوم أحس باقتراب الأجل المحتوم فأوصى وصيته بحضور خادمه وأصدقائه وجاء فيها ~~قوله إنه «يوصي ms29 بروحه لله وبجسمه للأرض». # أما النجم الثالث فهو رفائيل الذي ولد سنة 1483 ومات سنة 1520 وهو في السابعة والثلاثين ~~من عمره، وقد قضى هذه الحياة القصيرة يتقلب في السعادة بخلاف تلك الحياة الطويلة التي قضاها ~~ميخائيل أنجلو في الشقاء والفقر. # وقد درس رفائيل في فلورنسا فاستدعاه البابا إلى روما سنة 1508 وهناك شرع في تزيين قصر ~~الفاتيكان، ثم تعين المعماري الأول لكنيسة القديس بطرس والأمين لآثار رومية القديمة، وكان ~~جميل الوجه لا يمشي في روما إلا وحوله حاشيته، حتى يحكى عنه أنه وهو في سيره التقى ~~بميخائيل أنجلو، فقال له هذا بلهجة الحسد وهو يرى الحاشية التي حوله: «تسير هنا كأنك قائد ~~على جيش». # فأجابه رفائيل: «وأنت تسير كأنك الجلاد يقصد إلى النطع». # ومعظم رسوم رفائيل دينية، وهو أفضل من رسم «العذراء» وأكسبها جمالا وشبابا لا يجدهما ~~الإنسان عند أي رسام آخر، ومات في يوم ميلاده سنة 1520 بحمى لم تمهله سوى بضعة أيام. # الفصل الثامن # | نحو البندقية # مانتنيا. كوريجيو. بليني. جورجوني # إذا ذكرت الفنون في إيطاليا كان لفلورنسا والبندقية أكبر المقام، بل لهما أكبر المقام في ~~أوروبا لأنهما أساس النهضة الفنية، وهما تذكران لظهورهما، ولأن نصيبهما من نهضة الفنون كان ~~عظيما، ولكن إلى جانبهما ظهرت جملة مدن أخرى في شمال إيطاليا عني أعيانها وأغنياؤها ~~بالفنون مثل: بدوا، وبولونيا، وبارما، وفرارا. # وقد كان للنهضة الإيطالية أسباب اقتصادية، فإن الفنون لا تنشأ وتزدهي بين الفقر والفاقة، ~~فالفن الجميل نبات يحتاج لنموه إلى روح الرفاهية ووسط الرخاء إن لم نقل إنه يحتاج إلى عادات ~~الترف، وذلك لأن الصورة الجميلة أو التمثال الرائع لا يقتنيه إلا رجل قد استراح من هموم ~~المعاش الضروري، ووجد في وقته وماله تلك السعة التي تتيح له التأنق وإحاطة نفسه بضروب الترف ~~الكمالية. # وقد كان الجزء الشمالي من إيطاليا بين القرن الثالث عشر والسادس عشر في نهضة اقتصادية ~~أساسها التجارة بين أوروبا والشرق، فظهرت البندقية وفلورنسا وجنوا، وظهرت فيها طبقة غنية ~~تعزى إليها في ذلك الوقت رعاية ms30 الفنون. # وقد كانت فلورنسا الأولى في رعاية هذه النهضة، ولكن لم يمض وقت طويل حتى انتشر رجال الفن ~~في المدن الأخرى التي حولها أو القريبة منها عندما كثر الرسامون وضاقت بهم فلورنسا، وأعظم ~~المدن التي تناولت النهضة من فلورنسا وسارت بها شوطا بعيدا هي البندقية، تلك الجمهورية ~~الغنية التي ما تزال آثارها الفنية ماثلة يتمتع بها كل زائر، بل يمكن أن نقول: إن منازل ~~أغنيائها هي الآن تحف عجيبة من المرمر الذي ينهض من بين الماء كأنه الجواهر، ولكن قبل أن ~~نذكر عظماء البندقية يجب أن نجول جولة قصيرة في المدن الصغيرة التي انتشرت فيها الفنون ~~الجميلة قبل أن تبلغ البندقية وتزدهي فيها. # ففي «بدوا» حيث كانت هناك جامعة قد شرعت في درس الإغريق والرومان وجد أحد الخياطين المدعو ~~«سكوراتشوني» أن الأهالي والطلبة يعنون بالآثار ويسخون في دفع أثمانها أكثر مما يعنون ~~بالأزياء، فعمد إلى الإتجار بالآثار وملأ حانوته بالتماثيل، وكان الطلبة يزورونه لكي يصوروا ~~هذه التماثيل، وفي سنة 1441 ادعى هو نفسه الرسم ودخل عضوا في «نقابة الرسامين» في بدواه ~~والأرجح أنه هو نفسه لم يرسم وإنما كان يغذو شهرته بأعمال تلاميذه، ومن هؤلاء التلاميذ صبي ~~صغير يدعى «مانتنيا» تبناه صبيا، وما فتئ الصبي يلاحظ التماثيل ويقلد الطلبة الذين ~~يترددون على الحانوت للنقل حتى حذق الصنعة وأخذ ينقل هو نفسه هذه التماثيل ويدرس قصص ~~الإغريق وكان بليني (الأب) الرسام المعروف قد عرف هذا الخياط وصادقه ورأى من عبقرية هذا ~~الصبي ما أعجبه، ونشأت بينهما صداقة أثمرت زواجا بين مانتنيا وابنة بليني. # واستقل عندئذ مانتنيا وترك الخياط الذي تبناه وصار يعمل لنفسه، واستدعاه البابا أنوسنت ~~الثامن لكي يزين جدران البلفدير بصوره وأحرز ثروة كبيرة فاشترى عقارا في مدينة «مانتوا» ~~ومات بها سنة 1506. # وكان مانتنيا وثني المزاج للنشأة الأولى التي نشأها في دكان الخياط بين التماثيل ~~الإغريقية، ولذلك فإنه يتناول الموضوعات القديمة مثل «انتصار يوليوس قيصر»، وأحسن رسومه ~~صورة «برناسوس» التي رسم فيها رباوة برناسوس في اليونان التي هي وطن ربات ms31 الفنون التسع وهن ~~يمثلن الفنون الجميلة، وعلى الرباوة فينوس أي الزهرة مع أبولو وبجانبه قوبيد الصغير ينفخ في ~~البوق وترقص الربات حولهم، وقريب منهم وقف عطارد رسول الآلهة ومعه جواده المجنح ينتظر وحي ~~الآلهة للشعراء ورجال الفن على الأرض. # ولكن يعاب على مانتنيا أن أشخاصه جامدة، فهو يرسم الشخص وكأنه ينقله عن تمثال من المرمر ~~وليس عن شخص حي. # ومن أعظم الرسامين الذين يصلون بين عهد فلورنسا وعهد البندقية أو يبدءون عهد البندقية ~~ثلاثة هم: كوريجيو، وبليني، وجورجوني. أما كوريجيو فلا يعرف إلا القليل عن حياته. فقد ولد ~~سنة 1494 ومات سنة 1534 وقضى معظم عمره في مدينة بارما، وكان وثني المزاج إلى حد ما، يحب ~~تصوير الأساطير الإغريقية، وصورته «تربية قوبيد» من أجمل ما خطته ريشة رسام في الخيال ~~والصنعة، وقد ذكر عنه فسارى أنه «كان مغرما بالإدخار مثل جميع الناس الذين يحملون عبء ~~الأسرة حتى صار مقترا مبالغا في التقتير»، ويعزو سبب موته إلى أنه حمل عبئا كبيرا من ~~النقود النحاسية فأثقله حملها وهو سائر في الشمس، حتى عطش فشرب وهو ضائق بالحر والجهد ~~فأصابته حمى مات بها وهو في الأربعين. # أما بليني فاسم يطلق على ثلاثة من الرسامين، أولهم: يعقوب بليني (الأب) الذي زار الخياط ~~في بدوا وزوج ابنته لمانتنيا، ثم أبناه جنتيله بليني الذي ولد سنة 1429 وجوني بليني، ولم ~~يكن الفرق بينهما في السن سوى سنة أو سنتين، وكان الجميع قد انتقلوا إلى البندقية التي أخذ ~~أغنياؤها - وهم في ذلك الوقت أغنى أغنياء العالم - يستخدمون الرسامين في تصويرهم وينقدونهم ~~أعلى الأجور. # والبندقية تقوم في البحر، شوارعها خلجان وقنوات، وهي لذلك رطبة الهواء، وقد وجد الشقيقان ~~أن طريقة الرسم الفلمنكية أي مزج الأصباغ بالزيت توافق هذه المدينة أكثر من الطريقة ~~السابقة، فاصطنعاها في رسومهما في كنائس البندقية ومجلس الدوق، قال فسارى يصفهما: «كان ~~الشقيقان يعيشان منفصلين، ولكن كان كل منهما يحترم الآخر كما كانا كلاهما يحترمان والدهما، ~~حتى إن كلا منهما كان يعد نفسه ويصرح بأنه ms32 دون الاثنين الآخرين». # ولكن الصغير جوني كان أبرع في الرسم من أخيه وأبيه، وقد حدث أن سفير البندقية في الأستانة ~~كان قد اقتنى بعض الصور التي رسمها جوني على القماش، فرآها السلطان محمد الثاني وأعجب بها ~~إعجابا عظيما، وطلب من هذا السفير أن يستدعيه لكي يرسمه، فأرسل السفير إلى دوق البندقية ~~يطلب من المجلس الإذن بسفر جوني إلى الأستانة، ولكن المجلس ضن بجوني وأرسل أخاه جنتيله، ~~وهناك في الأستانة رسم جنتيله بليني صورة محمد الثاني، وعاد إلى البندقية مزودا بخطاب من ~~محمد الفاتح للدوق والمجلس يمتدح فيه براعة الرسام ويوصي به، ومات جنتيله سنة 1507 أما أخوه ~~جوني فقد عاش بعده عشر سنوات ودفن في البندقية. # وللأخوين عدة صورة يعرف منها للآن صورة «الدوق لورندانو» رئيس جمهوية البندقية، وهي لجوني ~~بليني، وصور أخرى تزدان بها كنائس البندقية ومجلس الدوق. # وقد علم جوني بليني طائفة بارزة في الشهرة منهم جورجوني وتسيانو المعروف عند الإنجليز ~~باسم تيتيان، وقد ولد جورجوني سنة 1470 ونشأ في الريف، وكان والداه يشتغلان بالفلاحة، وكان ~~يجمع بين الموسيقى والرسم، يجيد النفخ في الناي كما يجيد الغناء، وكثيرا ما كان يزين رسومه ~~بالآلات الموسيقية، وكان يقول بأن الرسم يؤدي من المعاني أكثر من النحت، ولكي يثبت صحة ~~قوله: «رسم جسما عاريا قد التفت تحت أقدامه فسقية من الماء الصافي يعكس ماؤها صورة الجسم ~~من الأمام، وعلى أحد الجانبين من الفسقية رسم درعا، الدرع صورة أحد جانبي الجسم لأن المعدن ~~يعكس صورة الأشياء، وفي الجانب الآخر من الفسقية مرآة تعكس صورة الجانب الثاني من ~~الجسم». # وله من الصور الآن غير آثاره في البندقية «صورة شاب» و«صورة العذراء على العرش»، ومات ~~جورجوني سنة 1510 لأنه كان يحب فتاة مرضت بالطاعون فلزمها ولم يتركها فانتقلت إليه العدوى ~~ومات وهو في الرابعة والثلاثين. # الفصل التاسع # | مجد البندقية # تسيانو. تنتوريتو. فيرونيز. موروني # كانت البندقية في وقت من الأوقات أغنى دولة في العالم تكاد تحتكر التجارة بين أوروبا ~~وآسيا وإفريقية، وكان لها أكبر أسطول. ms33 # ولكن ذهبت قوتها كما ذهب غناها ولم يبق لها من المفاخر سوى هذه الآثار الفنية التي تركها ~~لها الرسامون. # وأساس الفن في البندقية هو الفن الفلورنسي، فقد أخرجت فلورنسا المعلمين الذين علموا ~~البندقيين أو علموا من علموهم. وإذا ذكرت البندقية في الفنون طار الخيال إلى تسيانو الذي ~~يسميه الإنجليز «تيتيان». # وقد ولد هذا الرسام العظيم سنة أو حوالي سنة 1482. ويقال إنه بلغ التسعين من عمره وهو في ~~خدمة البندقيين. ولم تكن البندقية بلدته الأصلية ، فإنه نشأ في قرية صغيرة على جبال الألب، ~~ولا نعرف شيئا كثيرا عن طفولته أو صباه، وإنما نجده حوالي سنة 1516 رساما معروفا في ~~البندقية بعد وفاة جورجوني وبليني، وقد تعين في تلك السنة رساما للحكومة. # قال فسارى عنه: «كان جميع الأمراء والعلماء والأعيان الذين يزورون البندقية يقصدون إليه ... ~~ولم يكن تسيانو عظيما في فنه فقط، بل كان نبيلا أيضا في شخصه». # وأعظم ما يعرف به تسيانو الآن صورته للإمبراطور شارل الخامس «فإنه صوره عقب انتصاره في ~~واقعة أوجسبرج وكافأه الإمبراطور بألف قطعة من الذهب. وكان بعد ذلك كلما صنع له صورة كافأه ~~بمثل هذا المبلغ. وكان تسيانو إذا رسم المرأة أخرجها وسطا ناضجا في الأنوثة، لا هي شابة ~~ولا هي عجوز، حتى في صوره الوثنية أو المسيحية. ومات سنة 1576 وبلغ من إعجاب البندقيين به ~~وحبهم له أنهم خالفوا أوامر الحكومة التي كانت تقضي بدفن الموتى خارج المدينة لتفشي ~~الطاعون، ودفنوه في إحدى الكنائس التي زين هو نفسه جدرانها برسومه. # وظهر بالبندقية بعده «تنتوريتو» الذي تتلمذ له وهو صغير، ولكن تسيانو طرده لسبب غير ~~معروف. فقد روى بعضهم أنه غار منه، وروى آخرون أنه كان يعصيه. والأرجح أن السبب الثاني هو ~~الصحيح. # وقد ولد «تنتوريتو» بالبندقية سنة 1518 وكان سريعا في عمله. حكي عنه أن «الأخوة سان ~~روكو» عرضوا على الرسامين أن يقدم كل منهم رسما لسقف الغرفة الخاصة بالطعام. فذهب كل منهم ~~إلى مرسمه يفكر في الرسم. ولكن «تنتوريتو» قصد إلى هذه وقاس السقف ms34 واشترى القماش ورسم الرسم ~~عليه وذهب وعلقه. فلما كان اليوم المعين لفحص الرسوم رأى الرهبان أن «تنتوريتو» قد انتهى من ~~عمله فأجازوه، ولم يلتفتوا إلى ما عمله الآخرون. # ويمتاز «تنتوريتو» بأنه رسم أكبر صورة هي صورة الفردوس في قصر الدوق، يبلغ عرضها 84 ~~قدما. كما يمتاز أيضا بأنه آخر الرسامين الإيطاليين الذين عنوا برسم المواقف الدينية. بل ~~يمكن أن يقال إنه بموته سنة 1594 أدى الفن الإيطالي مهمته وصار على الأمم الأخرى أن يتموا ~~ما بدأته فلورنسا والبندقية. # وكان يعاصر «تسيانو» و«تنتوريتو» رجل آخر تعلم منهما هو «بول فيرونيز» الذي ولد سنة ~~1588. وكان مولده في فيرونا. ولكن قضى حياته في البندقية. وهو الذي زين قصر الدوق بجملة ~~مناظر فخمة تتسم بالأبهة والفخامة والجسامة. وأحسن صوره هي صورة «أسرة دارا أمام الإسكندر ~~المقدوني». # وكان «بول فيرونيز» يحب ملذات الدنيا ومسراتها وينقل بعض هذه المسرات إلى رسومه، حتى أدى ~~ذلك إلى محاكمته أمام «محكمة التفتيش»، فقد كلف بأن يرسم «العشاء الأخير» للمسيح فما كان ~~منه إلا أن حشد الصورة بالطعام الشهي والشراب الكثير والخدم والحرير. فلما علمت «محكمة ~~التفتيش» بذلك استدعته وقنعت بتوبيخه. وقد رسم بعد ذلك صورة «عبادة المجوس» فتوقى فيها تلك ~~الملذات التي كان هو نفسه غارقا فيها. ومن أحسن صوره صورة «رؤيا القديسة هيلانة ~~للصليب». # ومن عظماء الرسامين في البندقية «موروني» الذي ولد سنة 1520 ومات سنة 1578. وكان يجيد ~~رسم الأشخاص. بل يمكن أن نقول: إن جميع البندقيين من الرسامين كانوا يجيدون رسم الأشخاص، ~~لأن سكان البندقية كانوا تجارا يتنافسون في رسم وجوههم ويكافئون الرسام بأكبر قيمة. ~~وموروني مشهور برسمه لأحد الخياطين، وبرسم آخر لأحد النبلاء الإيطاليين. # وقد أنجبت البندقية عددا غير قليل من الرسامين غير هؤلاء من «لوتو» الذي كاد يستوحي الفن ~~البيزنطي القديم من حيث الروح والإيمان. أما من حيث الصنعة فإنه إيطالي. # الفصل العاشر # | نهضة الفن في ألمانيا # دورير. هولبين # اتفقت النهضة الفنية في ألمانيا والنهضة الدينية، ولكنهما لم تشتركا ولم تتعاونا، بل سارت ~~كل منهما ms35 في طريق ونهجت إحداهما نهجا يخالف النهج الذي اتخذته الأخرى. وبعبارة أوضح نقول: ~~إن الكنيسة الكاثوليكية ساعدت النهضة الفنية كما لا بد أن القارئ قد لاحظ ذلك بين رجال الفن ~~في فلورنسا والبندقية، فإن معظم أعمالهم الفنية أتموها بمساعدة الكنيسة البابوية التي تجيز ~~تزيين جدرانها بالصور والتماثيل، بل كانت تتسامح أيضا في نقل الصور الوثنية القديمة ولا ~~تعد هذا كفرا. # ولكن لما ظهرت البروتستانتية في ألمانيا على يد لوثر سنة 1517 كان من دعوتها تطهير ~~الكنائس من التماثيل والصور. وقد كان وما يزال لصورة العذراء والإيمان بشفاعتها شأن كبير في ~~الكنيسة الكاثوليكية. والعذراء من الموضوعات التي توحي إلى رجل الفن. وتجعله يصور الأنوثة ~~والأمومة في شخص أم المسيح. ولكن الدعوة البروتستانتية قاومت الإيمان بالعذراء، وأنزلتها من ~~مكانتها التي لها في الكنيسة الكاثوليكية. ولذلك لا نجد أن الفن يزكو في البيئة ~~البروتستنتية كما زكا في البيئة الكاثوليكية. ويمكن مع ذلك أن نقول: إن الفن انتفع كما ~~استضر بهذا التطبيق؛ لأنه وجه نظر رجاله إلى موضوعات أخرى لا تمت إلى الدين. # وقد رأينا نهضتين: إحداهما في إيطاليا في مدينتي فلورنسا والبندقية، والأخرى في أقاليم ~~الفلمنك حيث عرف الرسم بالزيت. والنهضة الألمانية تعتمد على النهضة الفلمنكية أكثر مما ~~تعتمد على النهضة الإيطالية. # وهذه النهضة الألمانية تكاد تنحصر في رجلين. هما: دورير، وهولبين. # أما «دورير» فقد ولد سنة 1471 ومات سنة 1528. وهو من أصل هنغاري، ولد أبوه في هنغاريا ~~ولكنه رحل إلى نورمبرج وأقام بها منذ سنة 1471. ونشأ الصبي شغوفا بالرسم، فألحقه أبوه بأحد ~~الرسامين وهو غير راض عن هذه الحرفة. ولكن عبقريته تفجرت بعد مدة قليلة، وذاعت شهرته، ورحل ~~إلى البندقية، وهناك التقى بجوني بليني. ومما يحكى عنه وهو هناك، أن بليني أعجب بالطريقة ~~التي يرسم بها الشعر حتى ظن أن دورير قد اخترع ريشة خاصة لرسم الشعر. فلما عرف كل منهما ~~الآخر، طلب بليني من دورير أن يهدي إليه ريشة من تلك الريش التي يرسم بها الشعر. فأخرج له ~~دورير كل ما ms36 عنده من الريش فإذا بها عادية. فتعجب بليني، ولم يكد يصدق ما قاله دورير حتى ~~رسم أمامه بإحدى هذه الريش بعض هذا الشعر الذي يعجب به. # وكان في البندقية في ذلك الوقت جالية ألمانية استدعته لكي يزخرف لها بعض الأبنية الدينية ~~الخاصة بها. وبلغ من إعجاب البندقيين له أن عرضوا عليه ما يسمى «حرية المدينة» أي أن يكون ~~بندقيا. وقد عرضت عليه الفرس ذلك أيضا عندما زارها. # وأحسن رسومه صورته التي رسمها بنفسه، وفيها من السذاجة المقرونة إلى الكرامة ما يجعل ~~الإنسان يقف متأملا في هذا الوجه الجميل. وكذلك له رسوم أخرى ما زالت باقية مثل «آدم» ~~و«حواء» و«صلب المسيح». # وفي سنة 1518 استدعاه الإمبراطور مكسيمليان إلى أوجزبرج فرسمه هو وحاشيته. وقد أعلن لوثر ~~المبادئ البروتستينية في حياته، ولكنه بقي محايدا. وهذا هو السبب في أن الإمبراطور ~~مكسيميليان لم يجد ما يمنعه من أن يبعث في طلبه. ويبدو من أخلاقه وأعماله بعد ذلك أنه كان ~~بروتستنتيا. # أما الرجل الثاني فهو «هولبين» الذي ولد سنة 1497 ومات سنة 1543. ولما مات دورير 1528 كان ~~هولبين شابا لا يزيد عمره عن 31 سنة يرسم في لندن، ولكنهما يختلفان كثيرا. فإن دورير ~~قديم ليست فيه تلك الروح الجديدة التي كانت تضطرم في صدر هولبين. وهذه الروح الجديدة هي ~~الطباعة الجديدة، واكتشاف أميركا، وذلك الشك العلمي الجديد الذي أخذ مكان العقائد ~~القديمة. # وقد نشأ هولبين في أسرة تتشغل بالرسم ولكن لم يشتهر فيها أحد. وهناك من يقول إنه زار ~~إيطاليا، وليس هناك ما يدل على ذلك في تاريخه. والمعروف عنه أنه نزل في بازل ولوسيرن. قال ~~السير أوربن: # وقد كان أستاذا في فنه إلا أنه كان من طراز آخر غير طراز دورير، فكان يحترف ~~الرسم ويبغي إتمام عمله اليومي على أكمل وجه، ولكنه لم يحاول أن يوضح للناس كيف يجب ~~أن يعيشوا أو أن ينفذوا إلى خفايا الحياة. وكان قانعا بأن يرسم ما يراه فينقله ~~نقلا صادقا رائعا، إلا أنه كان حكيما يعيش في عصر ms37 الخداع والغش، فكان يحجم عن ~~أن ينفذ إلى ما تحت السطح. فهو إذا رسم رجلا مثل يعقوب ماير قنع بوصف أخلاقه، ولكن ~~دورير يحاول أن يطلعك على نفسه. # ولما رأى هولبين أن النهضة البروتستنتية تحول دون رواج الرسم شرع يرسم قصصا غير دينية ~~مثل أمثولة «رقص الموت». # وفي سنة 1526 رحل إلى إنجلترا بدعوة من السير توماس مور صاحب الكتاب عن «الطوبى» وهناك ~~رسمه هو وأسرته. ثم اتصل بالجالية الألمانية في لندن ورسم بعض الأشخاص، فأقبلوا عليه وربح ~~منهم أموالا غير قليلة. ثم طمع أن يبلغ الملك هنري الثامن، وكان يعتقد أن السير توماس مور ~~يكون الوسيلة إلى ذلك. ولكن الملك غضب على السير توماس لأنه رفض أن يوافق على طلاقه ~~لامرأته، فتوسل إلى الملك برسم بازداره روبت تشزمان، وعرف الملك بعد ذلك فقبل رسمه. وكان في ~~أثناء إقامته في إنجلترا يتردد على بازل ويرسم صور الأمراء والأعيان في أوروبا. ~~«وكما لم يكن لدورير وهولبين سلف عظيم، كذلك لم يكن لهما خلف عظيم، واحتاجت أوروبا أن ~~تنتظر أربعا وثلاثين سنة قبل ميلاد رسام عظيم خارج إيطاليا وذلك هو: روبنز». # الفصل الحادي عشر # | المدرسة الفلمنكية # روبنز. فانديك # لم يكن «روبنز» رساما فقط، بل كان أيضا سياسيا يختلط ببلاطات الملوك والأمراء ويثقف ~~ذهنه بمختلف العلوم والفنون. وقد نشأ في بيت من البيوتات الكبيرة؛ إذ كان أبوه جون روبنز قد ~~تربى في إيطاليا، وعاد إلى إقليم الفلمنك موطنه الأصلي، وقضى معظم حياته في انفرز. وكان ~~إقليم الفلمنك في ذلك الوقت خاضعا لحكم إسبانيا، فلقي جون روبنز اضطهادا دينيا ~~وسياسيا جعله يرحل بأسرته إلى كولونيا. # وهناك تعرف إلى وليم الصامت وعرف زوجته أميرة أورانج. ثم زادت العلاقة بينهما إلى حب ~~انفضح أمره، فحبس جون روبنز ولم يطلق سراحه إلا بعد أن تم الطلاق بين وليم الصامت وزوجته. ~~ومات بعد خروجه من السجن بزمن قليل أي في سنة 1587. # وولد الرسام بطرس روبنز في وستفاليا سنة 1577؛ أي أنه كان قد بلغ العاشرة عند وفاة أبيه. ~~وعادت ms38 أمه إلى انفرز فلم يتعلم الصبي كثيرا، ولكنه التحق بمرسم ابن عمه. # ويجب أن نذكر هنا أنه منذ وفاة ملبوز سنة 1533 لم يظهر رسام عظيم قبل بطرس روبنز. ولم ~~يلبث عند ابن عمه ستة أشهر حتى تركه إلى مرسم رجل آخر أشهر منه يدعى «فاينيوس». وكان أحسن ~~ما لقيه من هذا المعلم حثه له على زيارة إيطاليا. ورحل بطرس إلى البندقية، وعرف الدوق ~~مانتوا فدخل في خدمته وتمكن من زيارة فلورنسا ودرس رسومها. وحضر زواج ماري دي مديتشي بملك ~~فرنسا، ثم أرسله الدوق على رأس بعثة إلى ملك إسبانيا مزودا بالهدايا من الجياد ~~والرسوم. # وعاد من إسبانيا إلى إيطاليا ونزل في جنوه. ثم بلغه أن أمه مريضة في انفرز فسافر إليها ~~سنة 1608، وكان في هذا الوقت قد صار له شأن وذاعت له شهرة فطلب إليه الأرشدوق البير في ~~بروكسل أن يترك الدكتور مانتوا لكي يكون رسام البلاط. وقبل روبنز هذا التعيين، ولكنه اشترط ~~أن يكون مقامه في انفرز مدينته الأصلية. وهناك تزوج بزوجته إيزابيلا سنة 1609. # وفي السنة الثانية وضع روبنز ترسيما لقصره شيده على الطراز الإيطالي، وقضى هناك اثنتي ~~عشر سنة وهو لا يشتغل بشيء آخر سوى الرسم. # وهناك رسم صورتين شهيرتين هما: «رفع الصليب» و«النزول من الصليب». # وكان من عادة روبنز أن يستعمل تلاميذه في إنجاز صوره، ثم يقنع هو بالمسحة أو اللمسة ~~الأخيرة. وأنشأ مصنعا في انفرز لصنع الصور. وقد نشأ على يديه طائفة كبيرة من الرسامين منهم ~~«فانديك». # وفي سنة 1622 طلبت ماري مديتشي ملكة فرنسا من روبنز أن يحضر لكي يزين قصر لوكزمبرج. وما ~~تزال صوره إلى الآن تزين جدران هذا القصر. وكانت الغاية من هذه الرسوم رفع شأن أسرة مديتشي. ~~ومن أعجب ما هدته إليه عبقريته أنه صور الملك هنري الرابع وهو ينظر إلى صورة زوجته نظرة ~~الإعجاب والعشق، وحاط الصورة بآلهة الحب. # ولما مات الأرشيدوق البير استدعته زوجته لكي يكون مستشارها في بروكسل. وكانت سياستها في ~~ذلك السعي في صداقة هولندا وإنجلترا وإسبانيا، ms39 والوفاق بين هذه الدول الثلاث مع مجانبة ~~فرنسا. وسافر روبنز إلى الهاي لكي يعقد محالفة بين الفلمنك والهولنديين سنة 1623. # وسافر بعد ذلك إلى باريس، حيث عرف الدوق بكنجهام. وهو الحاكم الحقيقي في ذلك الوقت ~~لإنجلترا أيام الملك تشارلس الأول الذي قتله الثائرون. وأرسله بكنجهام إلى إسبانيا لكي يجس ~~نبض الحكومة وهل ترضى في محاربة فرنسا التي كان هذا الدوق يكرهها لمخاصمته للدوق ~~ريشليو. # وبلغ روبنز مدريد وهناك رسم الملك فيليب الرابع، وعرف فلاسكس الرسام الإسباني. وكان روبنز ~~أكبر منه بنحو 22 سنة. # وسافر روبنز بعد ذلك موفدا من قبل فيليب الرابع إلى إنجلترا، وهناك رسم الملك تشارلس سنة ~~1629 ووضع أساس الصلح بين إنجلترا وإسبانيا. ومما يدل على كياسته أنه مهد لهذا الصلح بصورة ~~رسمها وقدمها هدية لملك إنجلترا وهو «بركات السلام» وفيها «منيرفا» ربة الحكمة تدفع الحرب ~~إلى الوراء بينما السلام يستقبل الغنى والسعادة وأبناءهما المبتسمين. # ومما يحكى عنه أنه عندما بلغ لندن قال له أحد الإنجليز الذين بالبلاط: هل مولاي السفير ~~يلهو أحيانا بالرسم؟ # فأجاب روبنز: كلا. إنما ألهو أحيانا بالسفارة. # وأنعم عليه الملك بلقب سير سنة 1630، وهي السنة التي عاد فيها إلى انفرز. وكانت زوجته قد ~~ماتت، فتزوج فتاة صغيرة تدعى «هيلين» لم تبلغ السادسة عشرة. وقضى بعد ذلك سبع سنوات يهنأ ~~بالزراعة والرسم. ولم ينغص بشيء سوى مرض النقرس. # وكان سريعا في الرسم حتى يحكى عنه أن الملك فيليب كلفه برسم جملة صور. وكان رسوله ~~يتعجله. فقال له ذات يوم: «سأرسمها كلها بنفسي لكي ننتهي منها بسرعة». وهذا يدل على سرعة ~~يده في الرسم وعلى أنه كان يوكل عنه غيره في تأدية بعض الصور. # قال موتهور عنه يصف رسومه الطبيعية: «إننا لا نجد هنا نزاعا بين العناصر، بل نجد كل شيء ~~يلمع بالندى والرطوبة. وفي الأشجار بهجة تشبه بهجة الأطفال السمان الذين قاموا من المائدة ~~وشبعوا». # وقال أورين: «لقد قيل إن هناك مناظر طبيعية تهدئ النفس وتسكنها، وأخرى تنشطها. ومناظر ~~روبنز هي من هذا الصنف الثاني، ms40 فإنه لم يكن يتصوف في نظره إلى الطبيعة بل كان يقترب منها ~~بلا هيبة تحدوه كبرياء الرجل القوي الذي يحترم القوة». # ويقارب روبنز في شهرته وإن كان مع ذلك دونه «فانديك» الذي ولد في انفرز سنة 1599. وقد ~~تعلم الرسم على أيدي كثيرين أشهرهم روبنز. ولما أن بلغ رشده كان قد برع في الرسم، حتى إن ~~سفير إنجلترا في الهاي دعاه إلى زيارة إنجلترا فقصد إليها سنة 1620. ولكنه لم يمكث طويلا ~~بل عاد إلى انفرز، وهنا أغراه روبنز بزيارة إيطاليا فعمل فانديك بإشارته. # وانتفع فانديك من هذه الزيارة ، وعاد وقد قويت فيه ملكة التمييز بين الألوان والقدرة على ~~أداء التفاصيل، وسافر إلى إنجلترا حيث رسم الملك تشارلس الأول على جواده، وكان الثائرون قد ~~استولوا على هذه الصورة بعد أن قتلوا الملك ثم باعوها حتى وقعت في يد أمير بافاريا، وبقيت ~~هناك إلى أن اشتراها منه الدوق مارلبرا. وما زالت في بيته إلى سنة 1885 حين ابتاعتها ~~الحكومة هي وصورة «العذراء» لرفائيل بمبلغ 87000 جنيه. # وكان فانديك رقيق المزاج ضعيف الجسم، وانغمس في الملذات فلم يتحمل جسمه أضرارها. وقد مات ~~سنة 1641 وهو في الثانية والأربعين من عمره. وكان يؤمن بالخرافات ويبحث عن «حجر الفلاسفة» ~~وأنفق في البحث عنه قوته وماله. # الفصل الثاني عشر # | نهضة الفن في إسبانيا # الجريكو. فلاسكس. موريلو # ترجع نهضة الفن في إسبانيا إلى إيحاء الفلمنك ثم إلى إيحاء الإيطاليين. وليس هذا غريبا ~~إذا عرفنا أن الفن الفلمنكي انتشر في بلجيكا وهولندا، وهذه الثانية كانت من ممتلكات إسبانيا ~~ولم تنل استقلالها إلا بعد حروب دينية طويلة. # وكان فان إيك الفلمنكي قد زار إسبانيا في سنة 1428، وتبعه آخرون جرأهم على الرحلة إليها ~~ما لقيه هو من تقدير وحظ ثم دخلت بعد ذلك نابولي وصقلية في دائرة الممتلكات الإسبانية، ~~فاتصل الإسبان بالفن الإيطالي. # وكان الفن قد ظهر في نابولي وارتقى على يد كرافاجيو الذي ولد سنة 1569 ومات سنة 1609. ~~وكان قد استقل بأسلوب خاص في نقل الطبيعة كما هي، فكان بذلك ms41 رائدا للأسلوب التقريري أو ~~التحقيقي في حين أن معظم الرسامين في زمنه كانوا يقتصرون على نسخ رسوم العظماء، فكان هو ~~طليعة الرقي الجديد بينما الكثرة الغالبة حوله من الرسامين كانوا قد انحطوا ودخلوا في طور ~~النسخ والقنوع بما أداه عظماء فلورنسا والبندقية. ولكرافاجيو رسوم قليلة باقية أهمها ~~وأبدعها صورة «الغش في الكوتشينة». ورسومه كلها ناصعة الألوان. ولكن هذه النصاعة لم يبلغها ~~إلا بالمبالغة في رسم الظل، بحيث يهمل الاندغام والتدرج بين الألوان فيجعل النور أضوأ ~~والظلام أحلك من حقيقتيهما. وقد ورث عنه هذا النقص فلاسكس. # وانتقلت طريقة كرافاجيو إلى إسبانيا على يد ربيبرا، وهو رسام إسباني غير مشهور توفي سنة ~~1656. ولكن إسبانيا كانت قد تأثرت برسام أجنبي ولد في جزيرة كريت، ولذلك أطلق عليه اسم ~~«الجريكو» أي الإغريقي، وكانت ولادته سنة 1545 ووفاته سنة 1614، وقد زار البندقية وتتلمذ ~~لتسيانو، وفي سنة 1575 هاجر إلى إسبانيا ونزل في طليطلة، وهناك في مدينة طليطلة وجد تلك ~~الحركة الدينية التي أحدثها لويولا زعيم اليسوعيين ومنشئ فرقتهم، وقد سبق أن ذكرنا للقارئ ~~ما كان من التأثيرات المختلفة التي أحدثتها الحركات الدينية في فن الرسم، وكيف أثرت حياة ~~القديس فرانسيس ثم حياة الراهب سافونا رولا ثم ظهور النهضة البروتستانتية، والآن نقول: إن ~~النهضة اليسوعية كان لها أثر غير صغير أيضا في فن الرسم في إسبانيا، فقد كانت الغاية من ~~هذه النهضة مكافحة البدعة الجديدة التي أوجدها لوثر؛ أي البروتستنتية، ولكن سبيل هذه ~~المكافحة هو تطهير الكنيسة الكاثوليكية ولذلك نجد أن الموضوع الذي استهوى الجريكو فأجاد ~~رسمه هو «المسيح يطرد الصيارفة من المعبد»، وهذه الصورة أشبه شيء بالرمز لنهضة لويولا الذي ~~يريد أن يطهر الكنيسة كما أراد المسيح أن يطهر المعبد من المرابين. # وإذا ذكرت إسبانيا من ناحية الرسم خطر بالبال «فلاسكس» أعظم رساميها، بل من أعظم الرسامين ~~في العالم، وقد ولد في إشبيلية سنة 1599 وكان أبوه برتغاليا وأمه إسبانية، فلما بلغ ~~الرابعة عشرة دخل مرسم رجل رسام غير مشهور يدعى «هريرا» لم يبق عنده ms42 إلا بضعة أشهر ثم تركه ~~إلى رجل آخر أشهر منه يدعى «باشيكو»، فبقي هناك يتتلمذ له نحو خمس سنوات، وتزوج سنة 1618 ~~ابنته، فعمل باشيكو على مساعدته وتقديمه وإذاعة اسمه. # وكان من مواتاة الظروف لفلاسكس أن ارتقى العرش سنة 1621 فيليب الرابع واستوزر الكونت ~~اوليفاريز، وكان والد هذا الكونت حاكما على إشبيلية، وفيها نشأ ابنه فلما صار وزيرا أخذ ~~الرسامون في إشبيلية وغيره من طلاب المصالح والمناصب يتقدمون إليه بحق الاشتراك في الانتساب ~~إلى مدينة إشبيلية. وقصد فلاسكس إلى مدينة مدريد سنة 1623 وهناك سعى له الكونت أولفاريز حتى ~~اقتنع الملك بأن يقعد له حتى يرسمه. # ومن ذلك الوقت ذاعت شهرة فلاسكس، وصادقه الملك وأحبه وجعله رسام البلاط وعمره وقتئذ لم ~~يكن سنوى 24 سنة، وعمر الملك 18 سنة. وكان الملك يزوره كل يوم في غرفته بالقصر، وكان قد جعل ~~هذه الغرفة مرسما يرسم فيه الملك وسائر أعضاء الأسرة والنبلاء. # وفي سنة 1628 زار روبنز مدريد وعرف فلاسكس الذي انتفع بنقده ونصيحته، وخصوصا عندما نصح ~~له بزيارة إيطاليا التي كانت في ذلك الوقت محج رجال الفن يقصدون إليها لمشاهدة نفائس المدن ~~في عواصمها الكبرى. وأصاع فلاسكس لنصيحته ورحل إلى إيطاليا حيث زار البندقية ورومية ~~ونابولي، ثم عاد إلى مدريد واستأنف أعماله بالقصر. # وعاد سنة 1649 إلى زيارة إيطاليا ثم رجع إلى مدريد بعد أن شاهد معظم الصور الفنية واشترى ~~طائفة كبيرة منها للملك. فتمت بذلك تربيته ونفذت بصيرته إلى دقائق لم يكن يلتفت إليها في ~~أول نشأته. # وفي عالم الرسم اثنان كل منهما شغف بإحدى الصور. هما: رمبرانت الهولندي الذي شغف برسم ~~صورته وترك منها عددا كبيرا ما يزال للآن يزين المتاحف والقصور، وفلاسكس الذي شغف برسم ~~الملك فيليب الرابع حتى إنه ما يزال من رسومه للآن 26 رسما غير ما أضاع الحريق ~~منها. # قال أوربن: «يمكننا أن نعرف ثمرة هذا الإكباب على رسم أنموذج واحد في فلاسكس، وذلك ~~بمشاهدة هذه الرسوم التي قدرت له أن يدرك ما يدركه في ms43 النهاية كل رسام، وهو أنه إذا أراد أن ~~يتفوق فإنما سبيل هذا التفوق لا يكون في موضوع الرسم بالذات وإنما في طريقة المعالجة لهذا ~~الموضوع. ولم يكن فلاسكس ينشد وحيه أو إلهامه في طرافة الموضوع الجديد، وإنما كان ينشدهما ~~في الدأب المتواصل في زيادة الفحص وترقية الرسم لشيء سبق أن رآه». # وكانت علاقة الرسام بالملك علاقة الصداقة والاحترام المتبادل، حتى كان يلزم أحدهما الآخر ~~وتسقط بينهما التكاليف التي توجبها عادات البلاط. وكانت سلواهما الرسم والصيد واقتناء ~~الخيول والكلاب. ومن أحسن الصور التي رسمها صورة ولي العهد كارلوس الذي لم يعش إلى أن يرتقي ~~عرش إسبانيا. وقد رسمه في هيئة ملوكية وهو قابض على العصا، ولكنه مع ذلك مسح عليه مسحة ~~الطفولة التي تحببه إلى كل من يرى هذه الصورة الفريدة. ومن رسومه الفريدة صورة «ايزوب» التي ~~تمثل فليسوفا قد أنهكه الدرس والفقر فهو سيئ اللباس مشعث الشعر قد تغضن وجهه وبرزت عظامه ~~وذهبت عن عينيه لمعة الشباب. ولعله صور فيها أحد أصدقائه الكثيرين المفلوكين الذين كان ~~يعرفهم قبل أن يرتقي إلى معرفة الملك. # وتعين بعد ذلك «مارشال القصر» فكان يؤدي أعمالا كثيرة جعلته يهمل الرسم. وفي سنة 1659 ~~كان الكردنال مازران الفرنسي قد عقد صداقة جديدة بين فرنسا وإسبانيا بعقد الزواج بين لويس ~~الرابع عشر وماري تيريز الإسبانية. وحضر فلاسكس هذا الزفاف، وكان عليه أن يهيئ جميع ما ~~تتطلبه الأبهة الملوكية. فأنهكه العمل، فلما عاد إلى مدريد في السنة التالية سنة 1660 ~~مات. # وأعقبت وفاته فترة من «الجاهلية» في إسبانيا ترجع إلى سيادة رجال الدين الذين ما زالوا ~~سائدين حتى نسي اسم فلاسكس. ولكن منذ خمسين سنة أخذ هويسلر في إنجلترا ومانيه في فرنسا ~~يشيدان بذكر فلاسكس وكأنما قد اكتشفاه، فبعثت شهرته من جديد. # وتعرف إسبانيا برسام آخر هو دون فلاسكس ولكنه على شيء من النبوغ الذي يجعل لرسومه بعض ~~القيمة للآن، وهو «موريلو» الذي ولد سنة 1600 ومات سنة 1667. وقد نشأ أيضا في إشبيلية ~~وسافر إلى مدريد وانتفع بمعرفته ms44 لفلاسكس. ثم عاد إلى إشبيلية وهناك رسم تلك الرسوم التي ~~تمثل الطبقات المنحطة مثل الشحاذين والفقراء ونحوهم. ومن أشهر رسومه «اثنان يأكلان الشمام ~~والعنب» وهي تمثل حالة إسبانيا الاجتماعية في ذلك الوقت، حالة القوة في الدولة والضعف في ~~الأمة. فكانت الدولة مشهورة بالغنى والسلاح والحروب، والأمة تتمرغ على تراب الفقر. وله صورة ~~أخرى هي «حمل العذراء» وهي تمثل السذاجة والحلاوة في العذراء التي تتطلع إلى فوق بنظرة ~~ممزوجة من الدهشة والأمل. وقد اشترت الحكومة الفرنسية هذه الصورة سنة 1852 بمبلغ 23400 ~~جنيه. # ولم يظهر في إسبانيا رسام آخر بعد «فلاسكس» و«موريلو» إلا بعد مضي نحو مائة سنة وهو ~~«جوبا» الذي سنذكره بعد. # الفصل الثالث عشر # | فن الرسم في هولندا # هالز، رمبرانت # ظهر الرسم في هولندا بعد أن أينع في إقليم الفلمنك. وكانت هولندا قد أوشكت على الخراب ~~أمام النوازل التي أنزلتها بها إسبانيا. ولم تكن هذه النوازل مما يهون على أمة أن تكابدها ~~وتبتسم للدنيا، وخصوصا إذا عرفنا أن الهولنديين كانوا أمة صغيرة والإسبان في ذلك الوقت ~~يؤلفون إمبراطورية كبيرة. ولذلك نجد حياة الهولنديين مصورة في رسوم «فرانز هالز» التي تبدو ~~وعلى الوجوه مسحة القلق والغم والاضطراب. وهذه هي المدة التي كان الكفاح فيها شديدا بين ~~الهولنديين والإسبانيين والخاتمة مجهولة. ولكن بعد أن انتصر الهولنديون واضطرت إسبانيا إلى ~~الاعتراف باستقلالهم نجد الوجوه في رسوم «هالز» قد استبشرت وانطلقت. والفن هو مرآة ~~الحياة. # والمعروف عن «فرانز هالز» أن أباه خرج أو فر بأسرته من هارليم، المدينة الهولندية ~~المشهورة، والإسبان يحاصرونها، إلى مدينة انفرز البلجيكية. ولولا فراره لما عرف العالم هذا ~~الرسام، فإن الإسبان عندما دخلوا المدينة ذبحوا السكان. وهناك في انفرز ولد له «فرانز هالز» ~~سنة 1580. # ولا يعرف متى رجعت أسرة فرانز هالز إلى هارليم ولا كيف تعلم الرسم. وإنما هناك بضعة حوادث ~~تثبت أنه كان في سنة 1616 مقيما في تلك المدينة وله زوجة قد شكته إلى ولاة الأمور لأنه ~~أساء معاملتها. وأنه قد طلب إليه رسميا أن يكف عن ms45 الإساءة إلى زوجته ويتجنب مخالطة ~~السكيرين. وقد ماتت الزوجة بعد هذه الشكوى بقليل. # ولا يمكن أن يتحقق الإنسان من مقدار التبعة التي تحملها «فرانز هالز» في هذه الحادثة، ~~ولكن يجب ألا ننسى أن تهمة الإدمان لا تتفق وإجادة الرسم. فإن اليد المرتعشة، والذهن ~~المخبول، لا يهيئان الرسام لأن يكون عظيما. وقد تزوج «هانز» بعد ذلك وعاش مع زوجته الثانية ~~خمسين سنة دون شقاق أو خصام. ومما يدل على أنه كان رجلا محترما أنه تعين وهو في الرابعة ~~والستين رئيسا لنقابة الرسامين في هارليم. # ولكن الذي لا يمكن إنكاره أنه كان يحب الشراب ومجالسة الإخوان. وهذا واضح من بعض رسومه ~~التي يمثل فيها النور في تشردهم ولعبهم، كما يمثل في رسوم أخرى العازفين في الشوارع. ثم ~~حدثت له أزمات مالية آخر حياته تثبت تبذيره، فقد حجز عليه الخباز سنة 1652. وبعد عشر سنوات ~~ضاق بعيشه حتى طلب من المجلس البلدي أن يتصدق عليه، فدفع له 150 فلورينا. وبعد سنتين عين له ~~معاشا سنويا قدره 200 قطعة من الذهب. # وقد بدأ حياته الفنية في عاصفة الحرب الوطنية التي شرعت فيها هولندا قبل أن يولد بنحو 12 ~~سنة والتي استمرت مدة طويلة في حياته، ورأى بعينيه الاستقلال يتحقق لبلاده والحرية تنتزع ~~انتزاعا من الإسبان فتأثر فنه بذلك. # ومن أحسن الصور التي رسمها صورة «الفارس الضاحك» وهي تمثل فارسا هولنديا قد ارتسم على ~~محياه الاستبشار والابتسام، وذلك عندما حالت الأحوال واتضح للهولنديين أن النصر سيكون ~~حليفهم. ومن أحسن رسومه أيضا صورة «المربية مع الطفل» وقد أوشك الطفل أن ينفجر بالضحك. ~~ومثل هذه الصورة لا يمكن أن يرسمها رجل سكير يعق أولاده كما يتوهم الإنسان من شكوى زوجته ~~الأولى. # ومات «فرانز هالز» سنة 1666. وهو في مقدمة الرسامين الهولنديين لا يبذه سوى «رمبرانت». ~~قال أوربن: # هناك فرق أولي بين هالز ورمبرانت. فإن هالز قضى معظم عمره في زمن الحرب، أما ~~رمبرانت فقد بلغ فنه النضوج، وأتم معظم رسومه بعد عقد الصلح. ولذلك عاش هالز في وسط ~~الحياة ms46 النشيطة المتحركة التي لا تتيح للناس التفكير والهدوء. وقد نقل صورة هذه ~~الحياة في رسومه. أما رمبرانت فقد أمضى عمره بعد شبابه في عصر السلام والهدوء عندما ~~أتاحت الظروف لهولندا أن يكون لها من الفراغ ما تفكر فيه، وتتأمل عظمة استقلالها ~~الذي نالته كما أتيحت أيضا مسائل حياتها. فيمكن أن نقول إن هالز كان يمثل فروسية ~~هولندا ونشاطها بينما رمبرانت يمثل عمق تفكيرها. # وقد ولد «رمبرانت» سنة 1607 في مدينة ليدن، وهي مدينة هولندية كبيرة تمتاز بجامعة كبيرة. ~~وقد كان أبوه يريد أن يعلمه في الجامعة، ولكن الصبي لم يؤهل نفسه لذلك، فإنه قضى معظم وقته ~~في المدرسة وهو يرسم الرسوم المختلفة على هوامش الكتب ولا يؤدي شيئا من واجباته المدرسية . ~~فأخرجه أبوه وألحقه بمرسم أحد الرسامين، الذي لم يبق عنده إلا قليلا ريثما أتقن الصنعة. ~~أما الفن فقد كان يعرفه بسليقته وقوة بصيرته. # وفي سنة 1631 انتقل «رمبرانت» من ليدن إلى أمستردام. وهناك عرف أسرة غنية طلبت منه أن ~~يرسم صورة فتاة تدعى «ساسكيا فان اولينبورج»، فرسمها وتبادل الاثنان الحب وتزوجا سنة ~~1634. # وقد عاش الاثنان في هناء مدة طويلة. وكان هذا الحب المتبادل الذي هو أساس السعادة بين ~~الزوجين موفورا بينهما، بل من ينظر إلى رسم الزوجة وهي قاعدة على رجل زوجها لا يتمالك من ~~الشعور بهذا السرور الذي يجمع بينهما. وكان لزوجته دخل يستعين به على تحقيق الرفاهية التي ~~كان يحبها، وكان هو نفسه كثير الربح من رسومه. وقد أثث منزله وزينه بأفخر الرياش والتحف، ~~مما يدل على هناء الحياة الزوجية التي كان يشعر به ويستزيد منه. # ولكن هذا الهناء لم يدم فقد ماتت زوجته بعد أن مات له ولدان منها. ولم تترك سوى ولد واحد ~~هو «تيطس» الذي ما تزال صورته ترى للآن في لندن. # وقامت منازعات بشأن ميراث زوجته بينه وبين أهل زوجته عقب وفاتها؛ لأنه غاظهم منه زواجه ~~بالخادمة. # ومات ابنه ولم يترك سوى طفلة ولدت بعد وفاته. فعاش «رمبرانت» بعد ذلك يعاني صنوف الفاقة، ms47 ~~وأعلن إفلاسه لكثرة ديونه التي كان يقع فيها حتى في أيام الرخاء الأولى مع زوجته الأولى، ~~كما يدل على ذلك أنه عندما ماتت أمه وورث منها نصف طاحون احتاج إلى أن يتهارب من الدائنين ~~بتنازله عن حقه لأخيه. # ومات في سنة 1669 وهو وحيد فقير. ومن أشهر رسومه صورة «العجوز» التي صور فيها الشيخوخة ~~وحاطها بمعاني الحب والاحترام والرقة. أما غرامه بنفسه فكان كبيرا جدا حتى رسم نفسه عدة ~~مرات في أعمار مختلفة. وأحسن ما فيه أن ينقل العاطفة ويعبر عن الفكر المستتر وراء الوجه. ~~وهذا واضح في جميع صوره. # الفصل الرابع عشر # | هولندا في القرن السابع عشر # جيراردو. دوهوش. فرمير. بوطر. جوب. هوبيما. دي فلت # عقدت معاهدة مونستر سنة 1648 بين إسبانيا وهولندا . وبها استقلت هولندا وزال عنها كابوس ~~الاضطهاد الإسباني، فسارت في طريق الرقي الاقتصادي والفني. ولم يمض عليها نحو قرن حتى صارت ~~من أكبر القوى البحرية في العالم. # وعم الرخاء الأهالي، وبعمومه دخل الفن في طور جديد من حيث نزعته وبواعث رجاله. فقد كان ~~إلى الآن في أوروبا يصور حياة العظماء من ملوك وأمراء، أو كان رجل الفن يستخدم ريشته في رسم ~~جدران الكنائس أو تزيين القصور بالحوادث التاريخية. وذلك لأن الكنيسة والبلاط كانا يستأثران ~~بالسلطان المادي والسياسي. ولكن هولندا أزالت هذين السلطانين إذ ألغت البابوية كما ألغت ~~الملوكية فصارت بروتستنتية كما صارت جمهورية. ولهذا نجد أن الفن الهولندي في القرن السابع ~~عشر يمثل الحياة العادية أكثر مما يمثل حياة العظماء. أما الحياة الإكليريكية أو حياة ~~القديسين التي نراها في إيطاليا فلا نجد ما يمثلها في هذا الوقت في هولندا. # وقد كان لهذا التطور في الفن الهولندي ربح وخسارة. أما الربح فهو دخول الفن في ميادين ~~جديدة من حياة الأمة وتمثيله لأحوال معايشها المختلفة في الريف والحضر والبر والبحر. وأما ~~الخسارة فترجع إلى أن رجل الفن وجد بالاختبار أن الجمهور والعامة يحبون الصنعة أكثر مما ~~يحبون الفن. وذلك لأن الصنعة يسهل على العامي أن يفهمها؛ لأنها لا ms48 تزيد عن أن تكون تدقيقا ~~في نقل الأصل الطبيعي. أما الفن فيحتاج إلى خيال الرسام الذي يصعب على العامي أحيانا أن ~~يفهمه. وهذا هو عين ما نجده في الأدب. فالأديب الكبير لا يبالي بالصنعة مقدار ما يبالي بها ~~الأديب الناشئ الذي يعنى بالألفاظ والتزويق والبهرجة. وذلك في حين أن للأول من ثقافته ~~وهمومه الذهنية ودراساته المختلفة ما يلفت نظره إلى ما هو أهم من هذه الفسيفساء اللفظية ~~يفهمها العامي ويعجب بها ويتذوق أسلوبها أكثر مما يستطيع فهم ما يكتبه الأديب ~~الكبير. # وكذلك الحال في فن الرسم. فالعامة لا يمكنها أن تفهم الفن الإيطالي الراقي أو فن رمبرانت، ~~لأن خيال الرسامين الذين أدوا تلك الرسوم السامية التي ما تزال للآن تزين المتاحف والقصور ~~والكنائس كان من السمو كما كانوا هم أيضا من الثقافة بحيث يتجاوز خيالهم أذهان العامة. ~~وكانت الطبقات الراقية من الكهنة والعظماء المتعلمين يفهمونهم ويساعدونهم. أما الديمقراطية ~~الجديدة، ديمقراطية العامة، فلم تفهمهم في هولندا. ولذلك تغلبت الصنعة على الفن وأخذ النقل ~~الساذج المتقن من الطبيعة مكان الخيال والاختراع. # وهذا النقل المتقن يصور لنا حياة الهولنديين في القرن السابع عشر ولكنه لا يلهمنا. فنحن ~~نكاد نرى فيه صورا فوتوغرافية متقنة. فإذا نظرت إلى طائر رسمه أحد هؤلاء الرسامين ألفيت كل ~~ريشة فيه قد رسمت بألوانها وظلال ألوانها كأنك ترى الأصل، ولكنك تقف عند هذه الحقيقة ولا ~~تعدوها إلى الخيال. وليست هذه غاية الفن. # ولذلك نرى في القرن السابع عشر في هولندا طائفة كبيرة من صغار الرسامين مثل «جيراردو» ~~الذي ولد سنة 1613 ومات سنة 1675. ومن أحسن رسومه صورة «بائعة الدجاج» نعني لحم الدجاج، لأن ~~الأوروبيين لا يشترون الدجاج حيا ويكلفون أنفسهم مشقة ذبحه في البيوت. # ومنهم «بطرس دوهوش» الذي ولد سنة 1629 ومات سنة 1677. وله ميزة على أقرانه من حيث اهتمامه ~~بتصوير النور عندما تقع أشعته على أنحاء الغرفة، كما يتضح للقارئ من رسمه الذي يمثل فيه ~~غرفة في منزل هولندي بها فتاة «التارنة» تقرأ في ضوء الشمس الذي ينسكب ms49 على جدار الغرفة من ~~النوافذ. # ومنهم «مومير» الذي ولد سنة 1632 ومات سنة 1675. وكان يمتاز بالدقة في تصوير الألوان. ومن ~~أحسن رسومه «رأس فتاة». وفي هذا الرسم من حلاوة الصبا وبزوغ الشباب ما يجعل الصورة ذكرى لمن ~~يراها. وهي تفوق عصره في الفن والخيال. # ومنهم «بول بوطر» الذي ولد سنة 1625 ومات سنة 1654 ويمتاز بما له من الرسوم الريفية. ~~وهولندا بلاد تعنى بالزراعة من زمن قديم بل هي الآن أعظم أمة في القدرة على استغلال ~~الأراضي وأقدر أمة على استخراج الحاصلات الزراعية، ولذلك كان من الطبيعي أن يعنى رساموها ~~بتصوير حياتها الريفية. وأحسن رسوم «بوطر» هو رسمه «العجل» وهو عجل أوروبي بارد، إذا تأملته ~~خيل لك أنه يجتر فليس فيه شيء من معاني الفحولة. # وممن رسموا الماشية في هولندا «البرت جوب» الذي ولد سنة 1620 ومات سنة 1691 وله مناظر ~~ريفية مثل منظره «عند النهر». # ومن عظماء الرسامين في هذا القرن «مندرت هوبيما» الذي ولد سنة 1638 ومات سنة 1709. فإنه ~~ينزع إلى شيء من الخيال يميزه عن سائر الرسامين الهولنديين في ذلك الوقت، ورسومه عن الطبيعة ~~من أبدع ما خلفه من التحف الفنية. وأحسن رسومه «الطريق». وقد كانت رسومه وحيا للمدرسة ~~الإنجليزية التي عنيت برسم الطبيعة والأشجار والأنهار والجبال. وهنا يجب أن نلاحظ أن حب ~~الطبيعة والريف والرياضة الخلوية نشأ في الأمم الشمالية، حيث الطبيعة في الجمال دون ما هي ~~عليه عند الأمم الجنوبية مثل إيطاليا أو إسبانيا. فالرياضة البدنية الخلوية هي من المخترعات ~~الاسوجية أو الإنجليزية أو الألمانية. وحب الطبيعة والدعوة إليها هما أيضا من خصائص أهل ~~الشمال في أوروبا. وهذا مع العلم بأن السماء أصحى في الجنوب مما هي في الشمال والطبيعة أزكى ~~نباتا وحيوانا في الجنوب أيضا. وكذلك الفن نحا نحو الطبيعة في الشمال، في هولندا أو ~~إنجلترا. ولا ترى هذا النحو عند رجال الفن في جنوب أوروبا. وتكاد توهمنا هذه الشواهد بأننا ~~نحب الطبيعة والريف والشمس والصحو بمقدار ابتعادنا عنها. فنتخيلها في الرسم، ونتغنى بها ms50 في ~~الأدب، وننزع إليها في الرياضة. أما إذا كنا نعيش بينها ونلابسها في حياتنا فإننا لا نقدرها ~~ولا نهيم بها. # وكما كانت هولندا أمة زراعية كذلك جاء عليها وقت كانت فيه أمة بحرية كبيرة كادت تنازع ~~إنجلترا سيادة البحار. ولذلك نجد أن الفن الهولندي قد تناول موضوع الحياة البحرية. وأشهر من ~~قام بذلك «فان دي فلت» الذي ولد سنة 1633 ومات سنة 1707، فقد صور البحر في سكونه وهياجه. ~~وأشهر رسومه صورة «العاصفة» التي تمثل الكفاح بين الأمواج والملاحين. # الفصل الخامس عشر # | نهضة الفن في فرنسا # واطو. بوشيه. شاردن. فراجونار. جروز # ظهر فن الرسم في فرنسا في القرن السابع عشر وقد نزع نزعتين: إحداهما نزعة ديمقراطية تمت ~~إلى الفلمنكيين والهولنديين ويعنى فيها الرسام برسم أحوال الطبقات الوسطى والفقيرة، ~~والأخرى نزعة أرستقراطية تمت إلى الإيطاليين ويعنى فيها الرسام برسم حياة العظماء والملوك ~~وتزيين القصور. # وأعظم الرسامين الفرنسيين في القرن السابع عشر هو «أنطون واطو» الذي ولد سنة 1683 ومات ~~سنة 1721. وكان مولده في فالنسين قريبا من الحدود الفرنسية الفلمنكية. ولما حاول أن يتعلم ~~الرسم رفض أبوه أن يساعده لأنه كان يرغب في أن ينشأ نجارا مثله. ولما بلغ التاسعة عشرة فر ~~إلى باريس، وهناك عرف أحد التجار الذي يتجرون بالصور الدينية فاشتغل عنده بنقل هذه الصور. ~~ولم يكن الطبع بالحجر قد عرف بعد، فكانت الصور ترسم باليد. ويحكى عنه في ذلك الوقت أنه قصد ~~إلى غرفته التي يأوي إليها على سطح أحد المنازل ومعه قماشه وريشته وأصباغه، ولكنه نسى صورة ~~«القديس نقولا» الذي كان عليه أن ينقلها. وجاءت زوجة التاجر تحمل معها هذه الصورة إليه، ~~ولكنها عندما بلغت غرفته وشرعت في توبيخه لأنه نسي الأنموذج الذي ينقل منه، حانت منها ~~التفاتة فرأت أنه قد رسم صورة هذا القديس معتمدا على ذاكرته فقط ولم ينس شيئا من ~~التفاصيل. # وترك هذا العمل الذي يشبه السخرة واشترك مع رسام آخر يدعى جيلو، ولكنهما افترقا لأن جيلو ~~رأى أن شريكه أبرع منه في الرسم وعرف في ms51 ذلك الوقت أمين قصر لوكزمبرج، فصار يتردد إليه يرسم ~~ما حوله من الأشجار ويدرس ما في جدرانه من الرسوم التي زينه بها روبنز، وفيها وصف حياة ماري ~~دو مدسيس (مديتشي). وتشبع «واطو» برسوم روبنز، حتى أثر بذلك في الفن الفرنسي فجعله يتجه نحو ~~الطريقة الفلمنكية الهولندية بدلا من الاتجاه نحو إيطاليا. ومن أحسن رسومه في ذلك الوقت ~~رسمه «السيدة تلبس ملابسها». # وكان يحن إلى رؤية إيطاليا محج الرسامين في كل وقت، ورغب في أن ينال الجائزة المالية التي ~~تمنحها الأكاديمية لكي يسافر بها إلى إيطاليا، وكان قد سافر إلى بلدته وهناك أدى بضعة رسوم ~~تمثل حياة الجيش، فأخذ لوحتين كبيرتين من هذه الرسوم وتوسل بالرجاء إلى أن علقتا على جدران ~~الأكاديمية. وحدث أن أحد الأعضاء وهو المسيو دولا فوس رآهما وأعجب بهما. فسأل عن الرسام ~~وتعرف إليه. فلما بثه «واطو» دخيلة سره وأنه يرغب في أن يظفر بالجائزة لكي يسافر بها إلى ~~إيطاليا أجابه المسيو دولا فلوس بأنه ليس في حاجة إلى ذلك لأنه يحسن الرسم كالإيطاليين إن ~~لم يفضلهم. وسعى له هذا العضو حتى جعله هو نفسه عضوا في الأكاديمية. وكان هذا خيرا من ~~الجائزة، لأنه أذاع شهرته فأقبلت عليه الدنيا وراجت رسومه. # ولكنه لم يتمتع كثيرا بهذه الشهرة، فقد كان مصابا بالدرن الذي تفشى في رئتيه أيام البؤس ~~الأولى، فلما كان في السابعة والثلاثين ساءت حاله فكان لا يستطيع العمل إلا قليلا، وكان ~~يحب العزلة والاعتكاف وهما من الصفات الذهنية التي يحدثها التدرن في نفس المصاب به. وخطر له ~~أن يسافر إلى إنجلترا سنة 1719، وهناك لقي توفيقا، ولكن الجو القائم والرطوبة أثرا في صحته ~~فعاد إلى فرنسا وقد تبدلت نفسه، فصار يكب على الصلاة وقراءة الأناجيل وينتظر الموت. وكان قد ~~آوى إلى كوخ في قرية صغيرة تدعى نوجان أقام بها إلى أن مات سنة 1721. وكان آخر ما أداه من ~~الرسوم رسم «صلب المسيح». # ومن الرسامين في ذلك العصر «بوشيه» الذي ولد سنة 1703 ومات سنة 1770، وقد نال جائزة ms52 ~~الأكاديمية وهو حوالي العشرين من العمر. وقد عرف تلك المرأة الجميلة المدام دو بومبادور ~~وأتحفها بطائفة كبيرة من رسومه. كما أنه ابتدع بدعة جديدة في الألوان، وهو أن يتخفف منها ~~كلها فلم يستعمل الألوان الصارخة التي كانت شائعة في زمنه. # ومن رسامي ذلك العصر أيضا «شاردن» الذي ولد سنة 1699 ومات سنة 1779. وكان ديمقراطي ~~النزعة ينشد الجمال بين الفقراء من الصناع والتجار والعمال. ومن أحسن رسومه صورة طباخة تصنع ~~الفطير، وعلى الرغم من أنه كان يعيش في زمن من أفسد الأزمنة، هو ذلك الزمن الذي هيأ التربة ~~لنبات الثورة، فإنه لم يغتر ببهارج الطبقة السائدة ولم ينشد الجمال إلا في سذاجة الطبيعة ~~وسلامة النفس. # ومن أحسن الرسامين في ذلك العصر «فراجونار» الذي ولد سنة 1732 ومات سنة 1806. وقد نال ~~جائزة الأكاديمية سنة 1752. ورحل إلى إيطاليا فقضى فيها أربع سنوات. وعاد إلى باريس فنال ~~الحظوة بين النبلاء، وهو أشبه الرسامين من هذه الناحية ببوشيه الذي كان يحظى برعاية المدام ~~دي بومبادور عشيقة الملك. # قالت الليدي دلك الإنجليزية: «لقد وجد بوشيه في فراجونار خلفا صادقا. فإن أزياء البلاط ~~وعاداته بما فيها من التصنع الكبير، حتى في التظاهر بالبساطة ولزوم الطبيعة، ثم مزاج الهيئة ~~الاجتماعية التي كانت تنغمس في الشهوات على الرغم من ادعائها للحنان والعطف، كل هذا كان ~~سببا لتلك الأكاذيب الكثيرة التي تجري في حياة الناس العادية ... وحدائق فراجونار كلها سرور ~~ولكن ما فيها من آلام وعواقب وخيمة كان يتجاهلها الرسام في رسومه. كما أن الأمراض والأحزان ~~كان الناس يتجاهلونها في الحياة الواقعة أيضا». # والفن كما سبق أن قلنا مرآة الحياة. وقد صور هذه الحياة التعسة بين نبلاء فرنسا كل من ~~«فراجونار» و«بوشيه» ونقلاها في رسومهما بروح الإعجاب لا بروح الاستيلاء. وكان ذلك دليلا ~~على مقدار الغفلة المتسلطة على هؤلاء النبلاء الذين اكتسحتهم بل ذبحتهم الثروة ~~الكبرى. # وقد كان يعاصر «فراجونار» رسام آخر هو أعظم من ذكرناهم شهرة وهو «جروز» الذي ولد سنة 1725 ~~ومات سنة 1805، وهو يمثل أفكار جان جاك ms53 روسو في تصوير البساطة وسذاجة الإيمان، وقد نال ~~شهرته لصورة رسمها عن «والد يشرح الكتاب المقدس لأسرته». وحياته تشبه حياة «واطو» من نواح ~~كثيرة. فقد كان والد كل منهما نجارا يعارض ابنه في اتخاذ الرسم صناعة. وكما فر «واطو» ~~كذلك فر «جروز» إلى باريس. وكلاهما نال شهرته حوالي الثلاثين: الأول بدخوله عضوا في ~~الأكاديمية، والثاني بعرضه هذه الصورة التي ذكرناها. وقد تألم كل منهما في آخر حياته: الأول ~~بالمرض، والثاني بالفقر. # وأصل هذا الفقر الذي وقع فيه «جروز» هو زوجته، فقد أحبها وهو يعلم بفساد أخلاقها. ولكنه ~~كان يمني نفسه بإصلاحها، وقد خلدها في رسم بديع هو «رأس فتاة تتطلع» فإن هذه المرأة لم تكف ~~عن فسادها وزادت على ذلك أنها أتلفت ماله وأضاعت كل ما كان يدخره. وجاءت الثورة الفرنسية ~~فكانت عنصرا جديدا لم يألفه «جروز » فمات غريبا عنها لا يعنى به أحد. # الفصل السادس عشر # | الرسامون الإنجليز في القرن الثامن عشر # هوجارث. ولسون. رينولدز # لم يكن «هوجارث» أول الرسامين الإنجليز، ولكنه كان أول من اعتمد على بصيرته في الرسم دون ~~النسخ الذي كان دأب الذين سبقوه. وهو لم يكن فقط ... «أول رسام إنجليزي وطني، وأول من نظر إلى ~~الحياة الإنجليزية نظرا إنجليزيا ورسمها بدون تصنع أو تأثير أجنبي، بل كان أيضا أول من ~~جعل الصور محبوبة عند الشعب». # ولد «هوجارث» سنة 1697. وكان أبوه معلما مستنيرا، فلم يعارض في أن ينشأ ابنه رساما. ~~وكان السير ثورنهل قد أنشأ جمعية للفنون، وكان يلقي فيها محاضرات، فصار هوجارث يواظب على ~~حضورها، ولكنه سئمها في الآخر عندما رأى أن الرسم مقصور على النسخ من الصور القديمة. وكان ~~يقول: «النسخ أشبه الأشياء بصب الماء من إناء لإناء» أي أنه كان يرغب في أن يستنبط ماءه ~~بنفسه من الحياة ذاتها. # ولكنه بقي يلازم مرسم السير ثورنهل لأنه أحب ابنته. ولم يكن يطمع في أن ينال رضا السير ~~ثورنهل بزواجه بابنته، ولذلك عمد إلى الفرار بها وتزوجها. وبقي الزوجان أربع سنوات وهما ~~بعيدان عنه حتى ms54 ساعده الحظ ورفعه إلى مكانة الكفء لمصاهرة السير ثورنهل، فاصطلحا وأسس لنفسه ~~مرسما في لندن. # ولم يبتغ «هوجارث» حظوة النبلاء والطبقة العالية، ولكنه كان يرسم الطبقات المتوسطة ~~والوضيعة كالممثلين والخدم وأفراد أسرته. وهو يرسم هؤلاء على حقيقتهم. ومن أجمل رسومه رسم ~~«فتاة الجنبري» التي تنبض بالحياة ويكاد ينطلق وجهها مؤديا تلك المعاني التي توضحها ~~العينان والفم. # وقد ابتدع طريقة جديدة في الرسم، وهي أن يؤلف القصة ثم يرسمها فصلا بعد فصل. وقد كان ~~الرومان ينقشون على الأعمدة والجدران الرسوم الخاصة بوقائع الإمبراطورة، وكان جوتو يرسم ~~أسفار التوراة، ولكن «هوجارث» كان يؤلف القصة ثم يرسمها. وكثيرا ما كان يضمنها العبر ~~والعظات في الأخلاق. وله سلسلة تسمى «زواج المودة» تعمد فيها نقد الأخلاق في الأسر الراقية ~~وتهزئة ما يتصنعه أفرادها من ثقافة وكبرياء. # وكان مع بلوغه حالا حسنة من اليسار متواضعا يكره الأبهة. خرج ذات مرة من مرسمه فسار إلى ~~منزله والمطر يهطل، وقد نسي أن له مركبة فاخرة تنتظره، فأصابه برد فمات سنة 1764. # ويعد «ولسون» الحلقة التي تصل بين «هوجارث» و«رينولدز» كما يعد ثلاثتهم واضعي الأساس ~~لنهضة الفن في إنجلترا. وكان مولد «ولسون» سنة 1714. وكان أبوه قسيسا فقيرا، ولكن أمه ~~كانت متصلة بأسرة كبيرة تعرف قيمة الفنون. فلما رأى بعض أفرادها ميل الشاب إلى الرسم بعثه ~~إلى لندن ليتعلم. وقد بدأ برسم الأشخاص، ولكنه اشتهر برسم مناظر الريف والطبيعة. وحدث ذات ~~مرة أنه دعي سنة 1748 إلى رسم ولي العهد والدوق يورك ومعلمهما، ونال أجرا كبيرا تمكن به ~~من أن يرحل إلى إيطاليا لكي يدرس صور عظماء النهضة الإيطالية. وهناك رسم بعض المناظر ~~الطبيعية. # وعاد إلى إنجلترا فلقي حظوة كبيرة بين الأغنياء الذين صاروا يتغالون في شراء صوره، إلا أن ~~الحظ عاد فانقلب عليه حتى قضى سنيه الأخيرة وهو في فاقة بالغة إذ لم يكن ينال من الطعام سوى ~~الخبز. # أما سبب نكبته فيرجع إلى أن الجمهور لم يداوم على طلب المناظر الريفية والطبيعية التي كان ~~يرسمها، وأيضا إلى حادثة صغيرة ms55 حدثت له. فقد رسم منظرا من حدائق كيو وعرضه، فأراد الملك ~~أن يشتريه. فبعث إليه اللورد بوت، وكان هذا اللورد من الإسكوتلانديين المتزمتين الذين لا ~~يفهمون الفكاهة. فلما شرع يساومه في الثمن أجاب الرسام أن الثمن 60 جنيها لا ينزل عنه. ~~واستكثر اللورد بوت هذا الثمن فأجاب الرسام مداعبا: «قل لجلالة الملك يدفع الثمن ~~أقساطا». # واستكبر اللورد بوت هذه الكلمة وأنزل بالرسام غضب البلاط الذي استتبع أيضا غضب النبلاء. ~~ولولا أن «ولسون» كان قد تعين أمينا لمكتبة «الأكاديمية الملوكية» بمرتب 50 جنيها في ~~العام قبل أن يفوه بهذه الدعابة لهلك جوعا. ومات بعد فاقة مؤلمة سنة 1782 عند أقاربه في ~~ويلز. # ومعظم الرسوم الباقية لولسون هي مناظر طبيعية لإنجلترا وإيطاليا. ولم يكن أثره مقصورا ~~على أن جعل الرسوم الطبيعية محبوبة، بل هو جعل الريف الإنجليزي نفسه محبوبا بما أظهر فيه ~~من محاسن يغفل عنها الزائر المتنزه، ولكنها تتضح في الرسم الذي تؤديه اليد الماهرة والخيال ~~السامي. # وأعظم الثلاثة هو بلا شك «رينولدز» الذي ولد سنة 1723 في ميناء بليموث، وهناك عرضت له ~~فرصة حسنة لزيارة إيطاليا. فقد نشأ الفتى يحب الرسم واتفق أن قبطان إحدى البوارج الراسية في ~~تلك المياء رآه هناك وأحبه وأعجب برسومه وأفضى إليه الفتى بهواه في رؤية إيطاليا وكانت ~~البارجة على وشك السفر إلى البحر المتوسط فعرض عليه القبطان أن ينقله إلى إيطاليا. # وهناك أخذ يدرس الرسوم المشهورة في رومية والبندقية وفلورنسا. ولما عاد إلى لندن أقام له ~~مرسما عاش فيه عزب يقول عن نفسه إنه قد تزوج فنه. وكان أصم يعيش مع أخته وسائر قريباته. ~~ولم يكن بيته يخلو من حلاوة الطفولة وجمال الصبا. ورسومه الخاصة بالطفولة مأخوذة من أعضاء ~~أسرته. ولما تأسست «الأكاديمية الملوكية» تعين رئيسا لها. قال لوكاس: «لم يكن الناس يطلبون ~~رينولدز إعجابا ببراعته في الرسم، بل حبا لمحادثته. ومع أنه لم يكن ينشد مصادقة الطبقة ~~العالية فإنه كان يعرف قيمتها. وهناك من ذوي الأذهان السامية من صادقوه مثل: بورك، وجولد ~~سمث، ms56 وجونسون، فكان منزله مركزا للمسامرة والأنسة». # ومن أحسن رسومه صورة «الآنسة بوت تمثل طائس». وطائس هذه هي الفتاة الإغريقية التي رافقت ~~الإسكندر المقدوني في حروبه، فلما مات أخذها بطليموس الأول فولدت له ثلاثة أولاد. وصورته ~~الثانية «الطفل صمويل» وقد جعلها رمزا لسذاجة الإيمان، وصورته «وقت السذاجة». # ومما يؤسف له أن «رينولدز» كان يحب من الألوان أزهاها وأنضرها، فكان يمزج أصباغه ببعض ~~مستخرجات القار. ومن المعروف أن القار يذوب في الحر، كما يتضح لنا ذلك في الصيف في الشوارع ~~المفروشة بالأسفلت، ولذلك فإن بعض رسومه تلفت واختلطت أصباغها. # وكان «رينولدز» قد فقد إحدى عينيه فحزن لذلك كثيرا في آخر أيامه، وبقي في خشية العمى إلى ~~أن مات سنة 1792. وقد دفن باحتفال رسمي في كنيسة القديس بوليس أكبر كنائس لندن. وكان أديبا ~~يجيد الكتابة كما يجيد الرسم. وله الآن كتاب يدعى «محاضرات عن الرسم» هو مجموعة المحاضرات ~~السنوية التي كان يلقيها على طلبة «الأكاديمية». # الفصل السابع عشر # | رسم الأشخاص في إنجلترا # جينز بورا. رومني. رايبورن. هوبنر. لورانس. كوفمان # ولد «جينز بورا» سنة 1727 أي قبلما يبلغ «رينولدز» الرابعة من عمره. وقد بقي الاثنان طول ~~حياتهما يتباريان في ميدان الفن مع شيء من التحاسد. ويحكى عن «جينز بورا» أنه وهو صبي صغير ~~كان شغوفا بالرسم حتى إنه شهد ذات مرة رجلا يتسور بستانا للسرقة فرسمه، وكانت هذه الصورة ~~التي رسمها دليلا اهتدت به الشرطة للقبض على السارق. ولكنه لم يكن يستعمل هذه البراعة ~~لمصلحة الأمن العام على الدوام، فقد حدث أنه أراد أن يحصل على إجازة من المدرسة، فأرسل ~~خطابا لناظرها عن لسان أبيه، وأجاد نقل خطه وإمضائه، ونجح في نيل الإجازة. ولكن أباه عرف ~~بعد ذلك حقيقة ما جرى. # ولما رأى أبوه أنه لا ينتفع بالمدرسة؛ إذ يقضي معظم وقته في الرسم، أرسله إلى لندن وهو في ~~الخامسة عشرة حيث تتلمذ لرسام فرنسي يدعى جافلو. وكان في الوقت نفسه طالبا بمدرسة للرسم، ~~فلما حذق شيئا من أصول الرسم التحق بمرسم فرانسيس هيمان ms57 فبقي عنده نحو أربع سنوات. وعاد ~~سنة 1745 إلى مدينته الأصلية في ولاية سفوك حيث شرع يرسم بالأجر. وكان رسمه مقصورا على ~~الأشخاص، ولكنه كان من وقت لآخر يرسم المناظر الطبيعية والريفية. # وتزوج «جينز بورا» وهو في التاسعة عشرة بفتاة تدعى «مارجريت بور» وكانت تمتاز فوق الجمال ~~بدخل لا يقل عن مائتي جنيه في العام. وجعل الزوجان مقامهما في مدينة ابزويك حيث اشتغل ~~بالرسم وجنى منه ربحا متوسطا. وكانت معيشته في هذه المدينة سعيدة إذ ولدت له بنتان. وكان ~~يقضي أوقات فراغه من الرسم في التعرف على الكمنجة التي برع فيها أيضا. # وفي سنة 1760 رحل إلى مدينة باث، وكانت إذ ذاك مزار العلية والأغنياء في لندن وسائر المدن ~~الكبرى. وصار يرسم الأشخاص ويرفع من أجوره حتى ازداد دخله. ولكن سعادته البيتية تناقصت ~~بنسبة هذه الزيادة، فإنه تعرف إلى كثير من السيدات اللواتي أثرن الغيرة في نفس زوجته. وزاد ~~شقاؤه عندما اختلت أعصاب زوجته وبنتاه وفسدت قواهن العقلية. # وفي سنة 1768 تعين «عضوا مؤسسا» في الجمعية الملوكية في لندن، ولكنه لم يبرح باث إلا في ~~سنة 1774 حين قصد إلى لندن واستقر فيها. # وكانت شهرته قد سبقته فما هو أن استقر حتى توافد عليه الكبراء والأغنياء يطلبون منه أن ~~يرسمهم، وكلفه الملك برسم شخصه. وهنا بدأت المنافسة بينه وبين «رينولدز» ويقال إن أحسن ~~رسومه وهو «الغلام الأزرق» لم يرسمه بهذا اللون إلا لأن «رينولدز» كان قد حاضر تلاميذه بشأن ~~الألوان فأشار عليهم بألا يكثروا من استعمال اللون الأزرق. فأراد «جينز بورا» أن يناقضه ~~ورسم هذا الرسم الفريد. وكذلك المظنون أنه أكثر من هذا اللون في رسمه الفريد الآخر «المسز ~~سيدونز» لهذا الغرض أيضا. # وكانت «المسز سيدونز» ممثلة بارعة الجمال رسمها كل من «رينولدز» و«جينز بورا». ومن ~~المقابلة بين الرسمين تتضح طريقة كل منهما وعبقريته. وكان عمر الممثلة وقت الرسم حوالي ~~الثامنة والعشرين، ففي الصورة التي رسمها «رينولدز» نجد التأكيد واضحا من ناحية إظهار ~~ذكائها وفهمها. أما «جينز بورا» فقد رسمها ms58 امرأة جميلة رشيقة. وكان لكل منهما مهواة تدل على ~~مزاجه الذهني. فقد كان الأدب مهواة «رينولدز». أما «جينز بورا» فلم يكن يهوى سوى الموسيقى. ~~وهو لم يكن يجيد العزف فقط، بل كان أيضا يطرب للسماع. ويحكى عنه أنه سلم أحد العازفين ~~صورة عظيمة لأنه طرب لعزفه. # وقد جمع مالا عظيما من رسمه للأشخاص، أما صوره الريفية والطبيعية فلم تجده شيئا حتى ~~إنه عندما مات كانت جدران منزله كاسية بهذه الصور. ومات سنة 1788 بسرطان ظهر في عنقه. وقد ~~طلب وهو على فراش الموت «رينولدز» واستغفره. لإساءاته الماضية، وقال له: «سنذهب كلنا إلى ~~السماء ومعنا فانديك». # ويلي «جينز بورا» في الشهرة في رسم الأشخاص «رومني» الذي ولد سنة 1734. وقد أهمل تعليمه ~~في الصغر، وكان يعاون أباه في حانوت صغير يملكه. فلما بلغ العشرين رأى رجلا رساما جوابا ~~يسير من مدينة إلى أخرى ويرسم للناس بأجور بخسة، ففتنت الشاب «رومني» حياة التجوال وسار معه ~~تاركا أباه. وشرع يتعلم الرسم ولكنه في السنة التالية مرض، وكانت ممرضته فتاة ساذجة أحبها ~~وتزوجها بحكم عاطفة الحنان التي تشتد وقت المرض والوحدة، وكانت هذه الغلطة الكبرى في حياته ~~فإنه عندما ارتفعت أحواله ونبغ في الرسم، ورحل إلى لندن وأقام بها، لم يستطع أن يحضر معه ~~زوجته لسذاجتها. فبقي طول حياته منفردا في لندن. # ولما أقام في لندن نشط في الرسم، فكثرت أرباحه واستطاع عندئذ أن يتوفر على بعض الرسوم ~~التاريخية مثل: «وفاة ولف»، و«وفاة الملك إدوارد» التي نال عليها جائزة جمعية الفنون. ~~واستطاع بما أحرزه من الثروة أن يسافر إلى إيطاليا، ونزل في رومية حيث أخذ يدرس رسامي ~~النهضة. وفي عودته إلى لندن زار البندقية وبارما. # وكان رسم الأشخاص قد ذاع بين الناس في ذلك الوقت، حتى إن «رينولدز» عندما بلغت تركته ~~80000 جنيه، وبلغ دخل «رومني» 3635 جنيها في سنة 1785. وهذه أرقام ضخمة إذا عرفنا أن ~~قيمتها وقتئذ كانت أضعاف قيمتها الآن. # وأحسن ما يذكر به «رومني» الآن صورته للفتاة «أماليون» التي عرفت بعد ذلك ms59 باسم «الليدي ~~هاملتون». وكانت هذه الفتاة فقيرة تعيش بحماية من يدعى «شارل جريفل». فلما ضاق سلمها لعمه ~~السير هاملتون. وقد أحبها «رومني» وبقي خمس سنوات وهو يرسمها رسوما مختلفة، وقد كثرت ~~الأقوال عن علاقتهما، ولكن الأرجح أن حبه لها كان أفلاطونيا وأن إعجابه بجمالها كان ~~فنيا أكثر مما كان جنسيا. وهذه الفتاة هي التي عشقها بعد ذلك اللورد نلسون. # ومن رسومه المشهورة «المسز روبنسون» أو «برديتا». وهي ممثلة كانت في «حماية» ولي العهد ~~الذي صار بعد ذلك جورج الرابع. ولكنه تخلى عنها بعد أن أعطاها صكا بعشرين ألف جنيه لم ~~يدفعها. وماتت المسكينة سنة 1800 فقيرة مفلوجة. # وفي الصورتين نجد عطفا من «رومني» يكاد يكون عطف الأب على ابنته أكثر مما نجد غراما، ~~فقد رسم الليدي هاملتون والمسز روبنسون وكأنه يعطف على حالهما. ويريد أن يظهرنا على الجوهرة ~~المكنونة من الجمال التي في كل منهما. وله صورة أخرى تعرف باسم «ابنة القسيس» لا يعرف ~~أصلها. # ولم يستدع «رومني» زوجته إلى لندن استحياء من الجمهور المتمدن أن يرى هذه الفتاة الساذجة ~~كما سلف، ولكنه كان يبعث إليها بالمعونة المالية. ولما اقتربت وفاته قصد إليها فمات بين ~~ذراعيها سنة 1802. # وقد أنجبت إسكوتلاندة رساما عظيما في ذلك الوقت هو «رايبورن» الذي ولد سنة 1756 في ~~ضاحية من ضواحي أدنبره. ودخل المدرسة ولكنه كان يقضي وقته في رسم المعلمين والتلاميذ رسوما ~~كريكاتورية، فأخرجه أبوه وألحقه بصائغ حتى يتعلم منه صياغة الذهب، ولكنه دأب في الرسم حتى ~~برع فيه، وأسس مرسما له في أدنبره. وحدث أن قصدت إليه سيدة أرملة لكي يرسمها، فأحبها ~~وتزوجها. وكان لها مال أغناه عن ابتذال نفسه في الرسوم التجارية. # وفي سنة 1785 زار لندن والتقى هناك برينولدز، فحثه هذا على زيارة إيطاليا «لكي يتشبع ~~بميخائيل أنجلو». وعرض عليه المعونة المالية التي ظن أنه يحتاج إليها، ولكن «رايبورن» لم ~~يكن في حاجة إليها. وسافر إلى إيطاليا ومكث في رومية سنتين، وعاد سنة 1787 إلى أدنبره حيث ~~استفاضت شهرته. وبقي إلى يوم ms60 وفاته سنة 1823 وهو في سعادة وإقبال يغبط عليهما، ولم يذهب إلى ~~لندن للرسم. فقد استمع لنصيحة لورنس الذي قال إنه خير له أن يكون أول رسام في أدنبره من أن ~~يكون «أحد» الرسامين في لندن. # قال أوربن: «والأرجح أن رايبورن كان سديد النظر حين استقر رأيه على الإقامة في إسكوتلاندة ~~فإن مما يشك فيه أن حبه للصدق والحق في رسومه كان يجد من يرضى به في لندن، وكان أقوى رسام ~~في المدرسة الإنجليزية في القرن الثامن عشر، ولم ينجح أحد قط في رسم شخص الإنسان على القماش ~~كما نجح هو. ومع أنه قد ترك لنا بضعة رسوم فخمة للنساء فإن تفوقه كان في رسم الرجال. وأحسن ~~رسومه هو رسم «السير جون سنكلير» وهو رسم يمكن أن يعد من حيث الحيوية والوقار والقوة من ~~أحسن رسوم الرجال في العالم». # ومن الرسامين المعروفين في ذلك الوقت «هوبنر» الذي ولد سنة 1758 ومات سنة 1810. وأحسن ~~رسومه «المسز جوردان» و«ولي العهد» و«الكونتس أوكسفورد». وكان رجلا مثقفا يشبه رينولدز، ~~وله مقالات بديعة في مجلة الكوارترلي، ولكن لما كانت هذه المجلة تعبر عن رأي الأحرار، وهم ~~في ذلك الوقت من المغضوب عليهم في البلاط، فقد أضاع «هوبنر» مركزه في البلاط لانتمائه إلى ~~هذه المجلة. والطبقة العالية التي تشتري الرسوم وتغالي بها تتبع البلاط، ولذلك فإنه فقد ~~فيهم نصراء للفن. # ومن الرسامين في ذلك الوقت أيضا «لورانس» الذي ولد سنة 1769 ومات سنة 1830، وكان رئيسا ~~للأكاديمية الملوكية. وكان أبوه يدير خانا صغيرا، فكان الصبي يتلهى برسم النازلين في ~~الخان. وبرع في ذلك حتى أذن له أصحاب البيوت الكبيرة في نقل الصور المشهورة التي تزدان بها ~~بيوتهم. وفي سنة 1791 صار عضوا في الأكاديمية على سبيل الاستثناء؛ لأن سنه لم تكن قد بلغت ~~الخامسة والعشرين. وتعين رساما للملك، فكان هذا التعيين فاتحة الإقبال له، فإنه لم تمض ~~عليه مدة طويلة بعد ذلك حتى صار رئيسا للأكاديمية. وكان «هوبنر» أجدر منه بالرياسة، ولكن ~~انتسابه إلى حزب الأحرار أضره. ms61 # قال أوربن: «وشهرته الآن أقل مما كانت في حياته وذلك لضعف أصيل مكين في فنه وأخلاقه. فما ~~زلنا نعجب بما في رسومه من لطافة التمييز، ولكن لم يكن فيه حب الصدق والحقيقة اللذين كانا ~~فيمن سبقوه. وإذا قوبلت رسومه برسومهم، تراءت لنا كأنها متصنعة ماسخة. وأحسن ما له هو صورة ~~«الليدي بليسنجتون». # ومن الرسامين الذين ينتمون للمدرسة الإنجليزية في ذلك الوقت الرسامة «انجليكا كوفمان» ~~التي ولدت سنة 1741 وماتت سنة 1807. وكان أبوها سويسريا هاجر إلى إنجلترا، وكان يشتغل ~~بالرسم. فنشأت الفتاة في وسط الفنون وعلقت بالرسم حتى أدخلها أبوها مدرسة الأكاديمية في زي ~~شاب، لأن قواعد المدرسة كانت تحول دون دخول الإناث. ثم سافرت إلى إيطاليا فزارت مدن الفن ~~مثل: ميلان، وفلورنسا، ورومية، والبندقية. وفي هذه المدينة الأخيرة عرفت سفير إنجلترا الذي ~~أعجب برسمها وحملها على أن تعود إلى إنجلترا. # وعرفتها الملكة وأحبتها. ودخلت الأكاديمية «عضوا مؤسسة». وحدث أن خدعها رجل ألماني سافل ~~تزوجته وهي تعتقد أنه الكونت دو هورن، فإذا به خادمه، وتخلصت منه بعد أن دفعت له 300 جنيه ~~واشترطت عليه الرحيل إلى ألمانيا. ولم تستطع الزواج إلا بعد وفاته سنة 1780، وتزوجت رساما ~~بندقيا يدعى «أنطونيو زوكشي» وعادت معه إلى إيطاليا حيث بقيت في رومية إلى وفاتها سنة ~~1807. وأحسن ما يعرف لها من الصور الآن صورتها. # الفصل الثامن عشر # | الثورة الفرنسية والفنون # دافيد. جيرار. لوبران. جروس. أنجر. جويا # لكي نعرف الأثر العظيم الذي أحدثته الثورة الفرنسية في الفنون يجب أن ننظر قليلا في حالة ~~الفنون الفرنسية في القرن الثامن عشر. ففي سنة 1648 تأسست «الأكاديمية» الفرنسية وغايتها ~~ترقية القنون، ولكنها سارت في خطة تناقض هذه الغاية، فإن «رجال الفن الذين لم يكونوا أعضاء ~~بهذه الأكاديمية أو منتسبين إليها لم يؤذن لهم بعرض رسومهم للجمهور، بل أعضاء الأكاديمية ~~أنفسهم لم يكن لهم أن يعرضوا رسومهم في مكان آخر غير الأكاديمية، وقد طرد واحد من ~~الأكاديمية يدعى «سير» لأنه عرض صورته «طاعون مارسليا» لكي تباع. والمنحة الوحيدة التي كانت ~~الأكاديمية ms62 تمنحها لغير الأعضاء هي الإذن بالعرض يوما واحدا في ميدان دوفين في «معرض ~~الشباب» بحيث لا تزيد مدة العرض عن ساعتين». # وفي هذا ما ينبه القارئ إلى الخطر الذي يمكن أن يحدث للثقافة والفنون من المجامع العلمية ~~إذا لم يكن المؤسسون لها يقظين يحسبون للرغبة الطبيعية في هذه الهيئات في الاحتكار ~~والسيطرة. ولنا نحن من ذلك عظة. # فهذه الأكاديمية الفرنسية أخرت الفنون بدلا من أن ترقيها، ولذلك لما جاءت الثورة أذنت ~~«الجمعية الوطنية» لجميع رجال الفن سواء أكانوا أعضاء أم غير أعضاء بالأكاديمية أن يعرضوا ~~رسومهم، وألغت بذلك احتكار الأكاديمية للعرض. ومن الأرقام يتضح للقارئ مقدار التقدم بإلغاء ~~السلطة الأكاديمية. فقد كان المعروض من الصور قبيل الثورة سنة 1789 والملوكية قائمة 350 ~~صورة، فزادت إلى 794 سنة 1791 أي مدة الثورة. وفي سنة 1795 بلغ العدد 3048 صورة. # وهذه الأرقام تدل القارئ على أن ما نحسبه نظاما مفيدا قد يكون تقييدا مضرا، وأن ~~الحرية على ما فيها من قليل من الفوضى والاضطراب خير من المبالغة في التقييد بدعوى ~~النظام. # وفي سنة 1793 قررت حكومة الثورة دفع مكافآت لرجال الفنون تبلغ قيمتها السنوية 442000 ~~فرنك. وتأسس متحف في اللوفر لجميع التحف الفنية. وبينما كان الرعاع يهدمون الآثار الفنية، ~~كان رجال الثورة يجمعون كل ما يستطيعون جمعه منها وصيانته. # وكانت النزعة الفاشية في الفنون مدة الثورة تنحو نحو القدماء وتستوحي الإغريق والرومان، ~~وكان الميل إلى الرومان أكثر من الميل إلى الإغريق، ولعل هذا هو السبب لإخفاق الثورة في ~~إنجاب رجل عظيم من رجال الفن. # ويعد «دافيد» الذي ولد سنة 1748 وتوفي سنة 1825 من أحسن من يمثل تأثير الثورة في الفنون. ~~وقد رحل إلى روما، وأخذ هناك في درس القدماء. ولا نعني القدماء من الرسامين في عهد النهضة، ~~بل قدماء الرومان أيام الإمبراطورة، ولذلك فإنه كان يختار لرسومه موضوعات قديمة. وعاد إلى ~~باريس فكان من حزب روبسبير، وكاد يتعرض للخطر. ولكنه كف عن السياسة واعتكف في مرسمه، فنجا ~~بذلك من عواصف الثورة. ms63 ولما أسس «معهد فرنسا» على أنقاض الأكاديميات القديمة تعين «دافيد» ~~عضوا لكي يختار سائر الأعضاء. # ولما ظهر نابليون وارتفع شأنه كان «دافيد» من أعظم المعجبين به، وقد قعد له نابليون جلسة ~~واحدة فشرع في رسم الرأس ولكنه لم يتمم الجسم لسأم نابليون، ولأنه كان يحب أن يظهر للناس ~~كما يتخيلون على رأس جيش أو وهو على جواده في المعمعان أو نحو ذلك، ولذلك رسمه رسما ~~خياليا في صورة «نابليون يعبر جبال الألب». # وأحسن ما خلفه «دافيد» هو صورة «المدام ريكامييه»، مع أنه كان يعتقد أنها غير جديرة به ~~وكاد يتلفها لهذا السبب. وقد حدث له أنه قبل أن يكمل الصورة تركته هذه السيدة وقصدت إلى ~~رسام يدعى «جيرار» وثب حديثا إلى الشهرة لكي يرسمها، فلما مضت مدة لم تعجبها الصورة فعادت ~~إلى «دافيد»، ولكنه أجابها بقوله: «نحن يا سيدتي لنا نزق النساء فلنترك الصورة حيث ~~وقفنا». # ولما انهزم نابليون سنة 1815 نفى «دافيد» من فرنسا. فقصد إلى بروكسل حيث مات سنة 1825. ~~وإلى «دافيد» يعزى إحياء هذه النزعة إلى درس القدماء من إغريق ورومان. # ومن أحسن الرسامين في ذلك العصر المدام «فيجيه لوبران» التي ولدت سنة 1755 وماتت سنة ~~1842. وكان أبوها رساما مات وهي في الثانية عشرة فاستأنفت هي عمله وصارت لها شهرة وهي بعد ~~في الخامسة عشرة. وتزوجت المسيو لوبران، وكان يتجر بالرسوم والتحف الفنية وعنده مجموعة من ~~الصور، وجدت هي الفرصة الحسنة في درسها والنقل عنها. واختيرت عضوا في الأكاديمية سنة 1783. ~~وكانت ترسم أعضاء الأسرة المالكة، وقد رسمت الملكة ماري أنطوانت وأولادها. ولما اشتعلت ~~الثورة خشيت عواقبها فنزحت إلى إيطاليا، وهناك احتفل بها الرسامون وأكرموها، وتنقلت في ~~العواصم الأوروبية. ثم عادت إلى فرنسا سنة 1801، وعادت فغادرتها إلى إنجلترا ثم هولندا، ولم ~~تعد إليها إلا سنة 1809. # ولم تتأثر بالثورة لأنها قضت معظم وقتها خارج فرنسا، ولذلك فإننا لا نجد فيها تلك النزعة ~~إلى القديم التي نجدها في دافيد. ولا يمكن أن ننسبها إلى مدرسة خاصة، فإنها لا تنتسب إلى ~~المدرسة ms64 الفرنسية إلا من حيث الرعوية والزمن فقط، فهي في الواقع أممية الذوق والنزعة. وأحسن ~~ما خلفته من الصور هو رسمها لنفسها مع ابنتها. # ويعد «البارون جروس» من تلاميذ دافيد. ولكن هذه التلميذة كانت شؤما عليه، وكانت سببا ~~لانتحاره. وقد ولد سنة 1771 وتوفي سنة 1835. ودخل مرسم دافيد سنة 1785 وما زال يمارس الرسم ~~عنده حتى أشبع بطريقته وحبه للقدماء. وسافر إلى إيطاليا ونزل في جنوه، وهناك عرف جوزفين ~~التي صارت بعد ذلك إمبراطورة فرنسا فقدمته لنابليون الذي أحبه وأذن له برسمه في الصورة ~~المعروفة باسم «نابليون في اركول». # وقد كان يمكنه أن يكون زعيم نهضة في الرسم لو لم يتأثر بالنزعة إلى القدماء التي غرسها ~~فيه دافيد. فقد بقي طول حياته تصطرع في نفسه نزعتان: إحداهما تنزع به إلى رومية وأثينا، ~~والأخرى تنزع به إلى ما يسمى الحركة الرومانية. # وهذه الحركة الرومانية شاعت في الأدب والفنون منذ أواخر القرن الثامن عشر إلى منتصف القرن ~~التاسع عشر. وكانت ترمي في الفنون إلى مخاطبة العواطف بدلا من مخاطبة الذهن، ولكنها كانت ~~في الأدب ترمي إلى النزوع نحو القرون الوسطى. # وقد درس «جروس» روبنز وفانديك وتأثر بهما من حيث المبالغة في الألوان. ورأى الحرب بنفسه. ~~إذ حوصر وهو في جنوده بالجيوش الفرنسية. فقاده ذلك من حيث لا يدري إلى أن يخرج على أستاذه ~~دافيد. وفي سنة 1804 عرض صورته «المرضى بالطاعون في يافا» في باريس، فأثارت الحماسة في نفوس ~~الشبان المشتغلين بالرسم حتى جللوها بالزهر. # ولما سقط نابليون وأعيدت أسرة نابليون البوربون إلى العرش بقي «جروس» آمنا، بل أنعم عليه ~~الملك بلقب بارون. وكان دافيد في ذلك الوقت ينعي على تلميذه تركه للقدماء وإضاعة وقته في ~~رسم الأشياء الحاضرة، ويهيب به إلى أن يعود إلى رسم الصور التاريخية، وهو يعني بذلك تاريخ ~~رومية وأثينا. وكان «جروس» يتهم نفسه بخيانة المبادئ التي وضعها أستاذه. ولما مات دافيد ~~أراد «جروس» على سبيل الشكران له أن يرسم صورا قديمة فرسم «هرقل وديوميد». ولكنها عند ~~عرضها لم ms65 تنل سوى استهزاء الرسامين الجدد الذين شرعوا يدركون من الحركة الرومانية معاني ~~أسمى من الدعوة إلى رسم الموضوعات القديمة. وفي سنة 1835 انتحر «جروس» بأن أغرق نفسه بعد أن ~~يئس من صد تيار الحركة الرومانية الجديدة. # ولكن زعامة الدعوة إلى القديم كانت في يد «أنجر» أشد غرضا وأقوى سبيلا مما كانت في يد ~~جروس. وقد ولد سنة 1780 ومات سنة 1867. وسافر إلى رومية سنة 1806 وبقي هناك 18 سنة «يرسم ~~ليتعلم ويصنع الصور ليعيش». وكان أحسن القديم عنده ما سبق النهضة الإيطالية، فهو لم يكن ~~يميل إلى رومية والإغريق بمقدار ما كان يميل إلى أولئك الرسامين البدائيين في ~~إيطاليا. # ولما عاد إلى فرنسا وجد نفسه زعيما للدعوة إلى القديم. وثم اختلاف بين دافيد وبينه، ~~فالأول كان يدعو إلى اتخاذ الموضوع القديم، أما «أنجر» فكان لا يبالي بأي موضوع يرسمه. ولكن ~~المهم عنده أن يرسم على الطريقة القديمة، وليس شك في أنه انتفع بهذه الفكرة، وخصوصا عندما ~~كان يرسم الجسم الإنساني العاري. وأحسن ما خلفه من الصور هو «العين»، وهذه الصور تحفة ثمينة ~~تمثل فتاة عارية قد وقفت وعلى كتفها دن أو جرة لتستقي من العين. وقد شرع في رسمها سنة 1824، ~~ولكنه تركها، ثم عاد إليها فأتممها سنة 1856. فجمع بين خيال الشاب وصنعة الشيخ الخبير. ومن ~~أحسن رسومه أيضا صورة «جان دارك» الفتاة الريفية التي قادت الجيش الفرنسي وطردت الإنجليز ~~من فرنسا ثم أحرقت بالنار بتهمة الهرطقة. # ومن أغرب ما يذكر عن تأثير الثورة الفرنسية أن الرجل الذي تأثر بها ونزع نزعتها لم يكن ~~فرنسيا بل إسبانيا، وهو «جويا» الذي ولد سنة 1746 ومات سنة 1828. فقد قضى عمره يدعو ~~بريشته إلى الثورة، فيهزئ الملوكية والكهانة والدين والمجد الحربي. وكانت إسبانيا ترزح تحت ~~أسرة البوربون كما كانت فرنسا قبل الثورة، وكان البلاط الإسباني في غاية الانحطاط. # ونشأ «جويا» في أراغون، وكان أبوه فلاحا، ولكن الفتى أبدى ميله منذ صباه إلى الرسم. ~~فأرسله أبوه إلى مرسم أحد الرسامين في سراقسة، وانتقل إلى مدريد ms66 وتصعلك بتعرفه إلى الفئات ~~المنحطة وكان يطارد من مكان إلى آخر، وأخيرا تزوج بأخت أحد الرسامين المعروفين في البلاد، ~~فاتصل بالملك شارل الثالث ورسمه وصلحت حاله بعد ذلك، وكان يرسم أشخاص الطبقة العالية وكأنه ~~يريد أن يفضحهم، فالأصباغ واضحة في الوجنتين، والكحل والتزجيج ظاهران، ولكن إسبانيا كانت من ~~الانحطاط بحيث لم تكن مثل هذه الأعمال مما تلام عليها امرأة. # ومن أحسن ما رسمه صورة الدوقة الفا التي سماها «الماجة العارية»، ويقال إنه نوى أن يرسمها ~~في الأصل عارية، ولكن زوجها فاجأه فرسم عليها ثيابا رقيقة لئلا يشك الدوق في أمانة زوجته، ~~ثم أعطى الصورة الكاسية للدوق وصنع صورة أخرى عارية استبقاها لنفسه. # وله رسوم كثيرة عن الأسرة المالكة، وقد تعمد أن يرسم أشخاصها بهيئات تبعث الاشمئزاز في ~~نفس الناظر إليهم، ورسم سلسلة من الصور سماها «الأهواء» لتهزئة الحالة الاجتماعية والدينية، ~~كأنه يرسم نساء متدينات يعبدن فزاعة من تلك الفزاعات التي تنصب في البساتين لطرد الطيور، أو ~~يرسم القسوس وهم يصلون بلا تقوى أو خشوع، أو يرسم الجثة وقد انتفضت من القبر وكتب على ~~أصبعها «العدم» كأن الآخرة التي بعثت فيها لا تحتوي على شيء سوى العدم، أو كأن يصور جهل ~~القسوس في صورة مثل «المسحور» حيث ترى كاهنا مرعوبا بالعفاريت التي تتراءى له بهيئة ~~الحمار والتيس، ومن أحسن ما خلفه صورة تمثل فظاعة الحرب في وقت لم يكن أحد يفكر في المجد ~~إلا معلقا بالحروب والسلاح، ففي هذه الصورة يصور رجلا إسبانيا من المتطوعين قد حكم عليه ~~الفرنسيون بالإعدام، فهم يقتلونه في فظاعة وطمأنينة كأنهم يؤدون عملا اعتياديا لا غرابة ~~فيه، ورسم صورة أخرى سماها «موت الحق» مثل فيها الحق شخصا عاريا يقتله القسوس. # وفي سنة 1791 ماتت زوجته وابنه، وأصيب هو بالصمم، ولكنه دأب في رسم الصور التي تمثل ~~أفكاره الثورية، فمن ذلك مثلا رسمه لحجر السجون وحجر التعذيب، ومن أشهر رسومه الآن صورة ~~«قتال الثيران» وهو موضوع عرفه أيام صعلكته الأولى. # ولما أحس أن الطبقات الحاكمة قد بدأت ms67 تفهم مقاصده من رسومه التي هاجم فيها الدين، سافر ~~إلى فرنسا، وهناك نزل في بوردو حيث مات سنة 1828. # الفصل التاسع عشر # | رسم المناظر الطبيعية عند الإنجليز # مورلاند. تورنر. كونستابل. بونتجتون # كانت الثورة الفرنسية ترمي إلى تغيير الحكومة، ولكن أهم ما أحدثته من التغيير كان في ~~الهيئة الاجتماعية والأخلاق وعلاقات الأفراد والفنون الجميلة. فقد نزعت بالناس إلى حب ~~السذاجة والطبيعة وكراهة التصنع والكذب. وكان لهذا أثره العميق في الفنون. # وقد بدأ حب الطبيعة ورسمها في فرنسا في القرن السابع عشر قبل الثورة، ولكنه لم ينجح. وكان ~~الرسام يضطر إلى «تزيين» رسمه بالأشخاص أو الحوادث التاريخية لأنه لو اقتصر على الطبيعة لما ~~اشترى أحد صورته، وأول من رسم الطبيعة هو كلود جيليه الفرنسي الذي ولد سنة 1600 ومات سنة ~~1682. وكان يرسم حوادث التوراة على فراش من الطبيعة الزاهية بالألوان والأضواء اللامعة. ~~وهناك رجل فرنسي آخر أحب الطبيعة هو نقولا بوسن الذي ولد سنة 1594 ومات سنة 1665. وقد عاش ~~طول حياته في رومية. # بيد أن النزوع إلى الطبيعة لم يظهر تماما إلا عقب ظهور أدباء الثورة الفرنسية، أمثال ~~روسو الذي قضى عمره وهو يدعو الناس إلى الرجوع إلى الطبيعة والسذاجة. وقد تأثرت إنجلترا ~~بهذا الدعوة في أدبها وفنونها. ولذلك نرى أن أول من تجرأ على رسم الطبيعة هو «جورج مورلاند» ~~الإنجليزي الذي ولد سنة 1763 ومات سنة 1804. وكان ضغط أبويه له قد أفسد أخلاقه، حتى إنه ~~عندما انطلق من قيودهما انطلق أيضا من قيود الأخلاق واندفع في حياة اللهو وأكب على الشراب ~~حتى انتهت حياته بالحبس. وقد عرض عليه رومني أن يعطيه مرتبا قدره 300 جنيه إذا عاونه في ~~مرسمه، ولكن «مورلاند» لم يطق هذا «التقييد». إذ كان يلذ له أن يتنقل في الريف ويزور ~~الحانات ويعيش عيشة التشرد. وكان المتجرون بالصور يستأجرونه للرسم ويملون عليه الموضوع، ~~فلذلك رسم صورا سخيفة مثل «نتائج الإسراف والكسل» أو «ثمرة الاجتهاد» وكان أجره في اليوم ~~أربعة جنيهات يضاف إليها الشراب. وقضى السنوات الأخيرة من عمره في ms68 السجن. # ولكن أعظم الرسامين الذين نبغوا في رسم الطبيعة هو «تورنر» الإنجليزي. وهو للرسم ~~الإنجليزي بمثابة شكسبير للدراما الإنجليزية، وقد ولد سنة 1772 وكان أبوه حلاقا في لندن. ~~وكان الصبي يخدم في دكان أبيه ويلهو بالرسم. فلما رأى بعض الزائرين براعته في الرسم نصحوا ~~أبيه أن يلحقه بمدرسة الأكاديمية. وقضى الصبي سنوات في هذه المدرسة ثم خرج وأخذ يرسم للناس ~~وللمجلات، فاتضحت للناس قيمته وأقبلوا على شراء صوره. # وكان في أول ظهوره ينقل عن الطبيعة نقلا مجردا من الخيال، ولكنه عندما تقدم ووثق من ~~نفسه صار يضيف خياله إلى الطبيعة ويؤلف منهما ألوانا عجيبة من الجمال. ومن أحسن رسومه تلك ~~الصورة التي رسمها سنة 1807 وهي «الشمس تبزغ خلال البخار». وقد باعها ثم عاد فاشتراها لتكون ~~هدية منه للأمة. وليس في العالم رجل استطاع أن يرسم أضواء الشمس والقمر وظلال هذه الأضواء ~~مثل «تورنر». # ومن أحسن رسومه صورة «البارجة المتهورة» وهي بارجة فرنسية كانت بأبي قير مدة وجود نابليون ~~في مصر، فلما دهم الإنجليز الأسطول الفرنسي قاتلت بشجاعة حتى أطلق عليها اسم «المتهورة». ~~وهي في الصورة تقاد إلى الميناء لتحطيمها. # وقد عاش «تورنر » مع أبيه دون أن يتزوج، ولكنه بعد وفاة أبيه عاش عيشة مزدوجة. فقد عرف ~~سيدة في لندن كان يقضي معها أياما باسم «الأميرال بوث» ثم يعود إلى منزله فيقضي أياما ~~باسم «تورنر». ولم تعرف هذه الحقيقة عنه إلا قبل وفاته بيوم. فإن السيدة أبلغت الخادم أن ~~«تورنر» عندها. وفي اليوم التالي لوفاته نقل إلى منزله الأول الذي شيعت جنازته منه ودفنت ~~جثته في كنيسة القديس بولس سنة 1851. وقد ترك 120000 جنيه أوصى بمعظمها لترقية الفن ومساعدة ~~رجاله، ولكن حدثت خلافات عقب وفاته في تأويل الوصية، انتهت بالصلح بين ورثته وبين ~~الأكاديمية. وفي سنة 1840 عرف روسكين «تورنر» وألف كتابه «الرسامون المحدثون». وكانت غاية ~~المؤلف الإكبار من شأن «تورنر» فزاد هذا من شهرة الرسام الذي هو رمز الآن للعبقرية الفنية ~~عند الإنجليز. # وليس لمن عاصروا «تورنر» ذكر بالنسبة ms69 إلى شهرته مع أنهم لولاه لكانت لهم شهرة وصيت، وهذا ~~مع استثناء «كونستابل». فمن هؤلاء: جبرتن ودوونت وكوكس. وهذا الأخير أشهرهم، ولد سنة 1783 ~~في برمنجهام حيث تعلم الرسم. ولكنه لم يبرع فيه إلا بعد أن استنار ذهنه بالسياحة في أوروبا. ~~وفي سنة 1839 التقى بالرسام جيمس مولر (1812 - 1845) وكان هذا قد زار مصر واليونان وتأثر ~~بمناظرهما الطبيعية التي تخالف المألوف في إنجلترا. وقد انتفع كوكس به ودرس رسومه وتأثر ~~منها. وأحسن ما خلفه «كوكس» رسمه «يوم عاصف» وقد مات سنة 1859. # أما «كونستابل» فلا يقل عبقرية عن «تورنر» ولكنه دونه شهرة وتوفيقا. وعلة ذلك أن «تورنر» ~~كان يعرف أن الناس لا يحبون اقتناء صورة الطبيعة والريف، فكان يخترع حادثة تاريخية توهم ~~الناظر كأنها هي الأصل، والمناظر الطبيعية حولها ليست سوى فراش الصورة. بيد أن «كونستابل» ~~لم يكن يحتال على أذواق الجمهور بهذه الطريقة بل كان يقنع برسم المنظر الطبيعي أو الريفي ~~ويجعله الأصل والفصل. وقد ولد سنة 1776 وتتلمذ للسير بومونت الذي لم يكن رجلا غنيا يرعى ~~الفنون فقط بل كان رساما أيضا، وكان يشجع «كونستابل» على الرسم ويعاونه بالمال ~~والنفوذ. # وفي سنة 1816 تزوج «كونستابل» وعاش بعد ذلك سعيدا مع زوجته، وأسس له مرسما، ولكنه لم ~~يحز الشهرة التي يستحقها في لندن وإنما حازها في باريس. لأن الفرنسيين استطاعوا أن يقدروا ~~عبقريته وبراعته في رسم الأضواء والألوان الطبيعية. ومن أحسن رسومه «الجواد القافز» و«حقل ~~القمح»، ولولا أن صهره مات وخلف لزوجته 20000 لشعر بالفاقة. وانتخب في آخر حياته عضوا في ~~الأكاديمية، ولكن وفاة زوجته في ذلك الوقت لم تترك له الفرصة لأن يتمتع بهذا الامتياز. ومات ~~سنة 1837 وازدادت شهرته بعد ذلك. والآن يتغالى الناس برسومه ويدفعون فيها عشرات الألوف من ~~الجنيهات. ويمتاز «كونستابل» عن «تورنر» من حيث إنه إنجليزي أكثر منه في رسومه. فإن «تورنر» ~~قد تأثر بمناظر أوروبا التي ساح فيها، ولكن «كونستابل» لم يكن يعرف سوى ريف إنجلترا ~~وجبالها. # ومن الرسامين الإنجليز في ذلك العصر بونتجتون ms70 الذي ولد سنة 1801 ومات سنة 1828. وقد زار ~~فرنسا وإيطاليا ولم يعش طويلا ليكشف عن تلك العبقرية الكامنة فيه. وأحسن رسومه صورة «عمود ~~كنيسة القديس مرقس» وهي الكنيسة الكبرى بالبندقية. # ومنهم جون كروم الذي ولد في مدينة نوريتش مدينة النسيج الإنجليزية المشهورة وكانت ولادته ~~سنة 1769 ووفاته سنة 1821. وهو مؤسس «مدرسة نوريتش» إذ جمع حوله طائفة من شباب تلك المدينة ~~الذين يهوون الفنون الجميلة، فألف منهم جمعية صارت تنشئ المعارض السنوية في نوريتش ولندن. ~~وظهر في هذه المدرسة طائفة حسنة من الرسامين مثل «جيمس ستارك» الذي مات سنة 1859، و«كوتمان» ~~الذي مات سنة 1842 و«جون كروم» الذي مات سنة 1821. ونجحت «مدرسة نوريتش» لأسباب اقتصادية ~~لأنها نشأت في وسط غني بالصناعة يقدر أهله الفنون ويقتنون التحف الجميلة. وكذلك لنجاحها سبب ~~آخر هو علاقة الأقاليم الشرقية الإنجليزية بهولندا وتأثرها بالفن الهولندي. # الفصل العشرون # | الرسامون الإنجليز في عصر فكتوريا # فورد مادوكس براون. روزيتي. هولمان هونت. ميليس. بورن جونز. ليتون. بوينتر. ~~الماتاديما. مور. لندسير. ريفيير. واطس # تولت فكتوريا سنة 1837 وماتت سنة 1901. وفي هذه المدة الطويلة ظهر عدد كبير من الرسامين، ~~ولكنهم اختلفوا نزعات وأغراضا حتى يمكن تقسيمهم إلى طبقات ثلاث: ~~(1) # طبقة النازعين «إلى ما قبل رفائيل». ~~(2) # ثم طبقة النازعين إلى التاريخ القديم. ~~(3) # ثم طبقة الرسامين الديمقراطيين الذين رسموا ما حولهم وما يؤثره ذوق ~~الجمهور. # ولننظر الآن في: # الطبقة الأولى: # وهي التي نزعت «إلى ما قبل رفائيل» ففي سنة 1848 اجتمع ثلاثة من ~~الرسامين. هم: روزيتي، وهولمان هونت، وميليس. وألفوا منهم «أخوية» للرجوع ~~بالفن إلى روحه السابقة لعصر رفائيل مع استغلال الصنعة الحديثة. فقد كان ~~الرسامون قبل رفائيل يعنون بالفكرة أكثر مما يعنون بالصنعة، ويرمون إلى شرف ~~الغاية وعبرة الخيال أكثر مما يرمون إلى إتقان الرسم. ولكن منذ رفائيل اتجه ~~نظر الرسامين إلى إتقان الصنعة مع إهمال هذه الغايات. وهذا ما أراد هؤلاء ~~الثلاثة أن يعودوا إليه. # وكان أكبرهم «هولمان هانت» الذي ولد سنة 1827، وأصغرهم «ميليس» الذي ولد ~~سنة 1829، وأوسطهم «روزيتي» الذي ولد سنة 1828. # وكان ms71 «روزيتي» أبعدهم خيالا وفلسفة وأضعفهم صنعة، وقد كان شاعرا أيضا، ~~ولذلك كان روح هذه النهضة والموحي لها. # وقبل أن نذكر أعضاء هذه الأخوية يجب أن نلمح إلى رجل لم يكن ممن نزعوا ~~إلى «ما قبل رفائيل» ولكنه تأثر بالنهضة الجديدة كما أثر فيها. نعني به ~~«فورد مادوكس براون» الذي ولد سنة 1821 ومات سنة 1893. وكان مولده ونشأته ~~في فرنسا حيث رأى أشهر الرسوم الفرنسية والأوروبية في غنت وبروج وانفرز ~~ورومية. وهناك في هذه المدينة الخالدة انتهى إلى ما يقرب من النتيجة التي ~~انتهت إليها «الأخوية» وهو وجوب الرجوع إلى ما قبل رفائيل في الروح والنزعة ~~مع الاحتفاظ باتقان الصناعة. بيد أنه لم يجعل هذا مذهبا كما جعله أولئك ~~الرسامون الثلاثة. وبقي طول حياته وهو صديقهم، بل هو نفسه كان معلما ~~لروزيتي. وأشهر رسومه صورة «المسيح يغسل قدمي بطرس» وهي تتفق ونزعته إلى ~~«ما قبل رفائيل». # وقد رأى أعضاء هذه «الأخوية» مقاومة بل استهجانا من الجمهور، فأصدروا ~~مجلة تدعى «الجرثومة» للدفاع عن مذهبهم. وغلوا فيها إلى حد الشطط، فزاد ~~استهجان الجمهور لهم، فلم ينثنوا بل دأبوا في الدعوة حتى صار لهم حزب يدافع ~~عنهم. وأعظم من دافع عنهم هو جون رسكين الكاتب المعروف. # وترى طريقة «الأخوية » على أوضحاه في رسوم «ميليس» مثل «الأمر بالإفراج» ~~و«العمياء». ومات ميليس سنة 1896. # أما «روزيتي» فكان أضعف صنعة من «ميليس» ولكنه كان أكبر خيالا. وأحسن ~~رسومه «الحبيبة» وقد اتخذها من نشيد الإنشاد في التوراة، وهي تمثل المرأة ~~التي يتغنى بها سليمان. وله أيضا «حلم اليقظة» وقد ساعده رسكين بماله ~~ونفوذه، ولكن حظه كان سيئا فقد ماتت زوجته التي كان يحبها كثيرا وبلغ من ~~وجده أن وضع في كفنها قصائده التي ألفها في حياته معها. ولكنه عندما عضته ~~الفاقة عاد فنبش قبرها واستخرج هذه القصائد ونشرها. وقد بقي سنوات بعد ~~وفاتها وهو لا يعمل شيئا للجمود الذي استولى على ذهنه عقب وفاتها. ومات هو ~~سنة 1882. # أما «هولمان هونت» فهو أثبت الثلاثة على مبادئ «الأخوية». وربما ساعده ~~على ms72 ذلك تعلقه بالدين؛ لأن هذه الروح تأتلف وما قبل رفائيل. وأحسن ما تركه ~~من الرسوم صورة «نور العالم» وهي صورة للمسيح وحوله هالة من النور وبيده ~~مصباح. وقد زار فلسطين مرتين لكي ينقل المناظر التي حدثت فيها والخاصة ~~بتاريخ المسيح. ومات سنة 1910. # ولا يمكن أن يذكر الإنسان «أخوية ما قبل رفائيل» حتى يخطر بباله «بورن ~~جونز» الذي ولد سنة 1833 ومات سنة 1898. فهذا الرسام العظيم لم يكن عضوا ~~بهذه الأخوية ولكنه تأثر بها. ويرى الناظر إلى وجوه النساء اللواتي يرسمهن ~~شبها عظيما لوجوه «روزيتي» وإن كان «روزيتي» يمسح عليهن مسحة الصحة حين ~~يكاد «بورن جونز» يجعلن مرضى شاحبات. وأحسن ما تركه هو «أنشودة ~~الحب». # أما الطبقة الثانية: # وهي تلك التي نزعت إلى التاريخ القديم، فقد سبق أن ذكرنا أن بعض الرسامين ~~في الثورة الفرنسية جعلوا دأبهم رسم الموضوعات التاريخية. وكانوا يحتقرون ~~رسم الحوادث أو الأشخاص التي تعاصرهم. وقد ظهرت طبقة في إنجلترا في عصر ~~فكتوريا تنزع هذه النزعة، وأعظم أشخاصها هو «اللورد ليتون» الذي ولد سنة ~~1839 ومات سنة 1896. فقد زار وهو بعد صبي إيطاليا وتشبع بتاريخ القدماء، ~~وبقي مدة في فلورنسا يتعلم الرسم من المعلمين الإيطاليين. ثم رحل إلى باريس ~~حيث أسس له مرسما، وكان يرسم الحوادث الإغريقية وأساطير القدماء. وأحسن ~~رسومه «استحمام بسيكه» وكان مثالا أيضا له تمثال «الرياضي ~~والثعبان». # ومن هذه الطبقة أيضا نذكر الرسام «بوينتر» الذي ولد سنة 1836 ومات سنة ~~1919، ومعظم رسومه تتعلق بموضوعات تاريخية عن الإغريق والرومان والمصريين. ~~ومن أحسنها صورة «الجندي الروماني» الذي يقف في مركزه وبومباي تحترق ~~بالبركان وهو ثابت لا يبرح مكانه. وكذلك صورته عن «الإسرائيليين في ~~مصر». # ومن هذه الطبقة أيضا «الماتاديما» وهو رسام هولندي ولكنه تابع للمدرسة ~~الإنجليزية إذ عاش عمره في إنجلترا. وقد ولد سنة 1836 ومات سنة 1912، ~~وموضوعاته عن المصريين والإغريق والرومان. ومن أحسن رسومه «الحب في ~~الكسل». # ومنهم أيضا «ألبرت مور» الذي ولد سنة 1841 ومات سنة 1893، وأحسن رسومه ~~«الزهر» أو بالأحرى «النور»، وهي صورة امرأة ms73 واقفة وراءها مقدار كبير من ~~النور، وهو لم يكن ينزع إلى التاريخ من حيث رسم الحوادث التاريخية بل من ~~حيث الانقياد للروح الإغريقية. # أما الطبقة الثالثة: # وهي تلك التي نزلت تقريبا على ذوق الجمهور وصار أعضاؤها يرسمون الحوادث ~~الجارية، فنذكر منهم «لندسير» الذي ولد سنة 1802 ومات سنة 1837 وكان بارعا ~~في رسم الكلاب. ومن أحسن رسومه «الوقار والوقاحة» وهما كلبان: أحدهما صغير ~~وقح، والآخر ضخم وقور. واشتهر برسم الكلاب في هيئات وأوضاع مختلفة، حتى إنه ~~يحكى عن قسيس أنه عندما عرض عليه أن يرسمه «لندسير» أجاب بقوله: «لست ~~كلبا». وله رسوم مع هذا كثيرة عن الأسود، فقد مات أسد عند إحدى الفرق ~~البهلوانية فأخذ جثته ودرسها لونا وتشريحا وبرع بعد ذلك في رسم هذا ~~الحيوان. # ومن هؤلاء الرسامين «بريتون ريفيير» الذي ولد سنة 1840 ومات سنة 1920. ~~وهو مشهور أيضا برسم الحيوان. وأحسن رسومه «العطف» وهي صورة تمثل صبية قد ~~غضبت منها أمها وطردتها ومعها كلبها يعطف عليها في هذا الموقف ~~المحزن. # ولكن أحسن هؤلاء هو «واطس» الذي ولد سنة 1817 ومات سنة 1904. ومن أحسن ~~رسومه «مامون» وهو يمثل رب الذهب أو حب المال وله أذنا حمار وتاج أو إكليل ~~من الذهب وقد قعد على عرش دموي أقيم على جماجم، وفي حجره أكياس النقود. وقد ~~سحق بيده اليمنى رأس امرأة، وتحت إحدى قدميه رجل قد انطرح ميتا. والصورة ~~تمثل قوة المال في القرن التاسع عشر. وله رسم آخر بديع هو «الأمل». # الفصل الحادي والعشرون # | فرنسا في القرن التاسع عشر # جريكول. دولا كروا. كورو. روسو. ميليه # ذكرنا في فصل سابق أن الثورة الفرنسية أحدثت بين الرسامين انقلابا جعلهم يلتفتون إلى درس ~~الإغريق والرومان، ولكن في القرن التاسع عشر حدث ارتداد عن هذه النزعة إلى القدماء، وخصوصا ~~بين الشباب الجديد الذي كانت صيحته العالية: «هل من خلاص من الإغريق والرومان؟». # ومن هؤلاء الداعين إلى ترك القدماء نجد «جريكول» في المقدمة. وقد ولد سنة 1791 ومات سنة ~~1824. # ويحكى عنه أن «دافيد» طلب إليه ms74 أن يهجر الرسم لأنه لم يعد له. ولكن الفتى عرف نفسه ~~وقدرها، وأقام على الرسم كما تهديه إليه سليقته. ومما يذكر عنه أنه رأى ذات يوم جوادا ~~جامحا، فأخرج دفتره ودون ما يذكره من هيئته، وأخذ بعد ذلك يدرس حركات الخيول. ورسم لوحة ~~كبيرة بها ضابط على جواده في هيئة النشاط والحركة على غير المألوف، إذ كانت الجياد ترسم ~~قبلا جامدة لا تتحرك. ففتح بهذه الصورة عهدا جديدا للرسامين في فرنسا. # ورحل «جريكول» إلى إيطاليا لكي يعبد «ميخائيل أنجلو» المثال الرسام العظيم. وحكى عن ~~نفسه أنه كان يقصد إلى رسومه وتماثيله «فيرتجف». # ولما عاد إلى فرنسا سمع عن غرق السفينة «ميدوزا» فقصد إلى النجارين الذين كانوا قد ~~اشتركوا في صنعها وجعلهم يصنعون له أنموذجا منها، ثم قصد إلى اثنين من الذين نجوا من الغرق ~~ورسم السفينة في حالة نزول الكارثة بها وعليها ملاحوها ومنهم هذان الاثنان اللذان نجوا من ~~الغرق، وذاعت شهرته بهذه اللوحة، وصارت لطريقته الحرمة التي كانت قبلا لطريقة الداعين إلى ~~الرومان والإغريق. # ومن عظماء الرسامين أيضا في القرن التاسع عشر «دولا كروا» الذي ولد سنة 1798 ومات سنة ~~1863. وهو رسام الخيال الذي كان ينتزع موضوعاته من شكسبير وبيرون ودانتي. ومن أحسن رسومه ~~«المتاريس» أو «الحرية تقود الشعب». وهي صورة قد امتزجت فيها الحقيقة بالخيال، فقد رسم ~~الثائرين والقتلى رسما تقريريا، وفي وسط اللوحة رسم خيالي لفتاة جميلة تحمل بإحدى يديها ~~العلم المثلث وبالأخرى البندقية. ولما عرضت خشي مدير الفنون الجميلة في فرنسا ما فيها من ~~إغراء بالثورة، ولكنه في الوقت نفسه لم يستطع إنكار البراعة بل العبقرية في رسمها. وأخيرا ~~عمد إلى حل طريف، وهو أنه اشترى الصورة وقلب وجهها إلى الحائط. وهي الآن تزين متحف ~~اللوفر. # وقد سافر «دولا كروا» إلى مراكش حبا في الألوان الزاهية المتلألئة التي لم يجدها في شمس ~~فرنسا، وأكب على رسم المناظر المراكشية حتى شاعت بعده الرغبة في الرسوم الشرقية. # ومن الرسامين في هذه النهضة أيضا «كورو» الذي ولد سنة 1796 ms75 ومات سنة 1875. وكان مغرما ~~بالطبيعة والريف لا يسأم رسمهما في مختلف الأضواء والألوان. ولكنه كان سيئ الحظ قال إنه بقي ~~ثلاثين سنة وهو لا يجد من يشتري شيئا من رسومه، لأن الجمهور الفرنسي كان مثل الجمهور ~~الإنجليزي في جموده نحو المناظر الطبيعية والريفية. ولكن رجال الفن وعظماء الأدب مثل الفرد ~~دو موسيه التفتوا إليه وأعجبوا به. ومن أحسن رسومه «الربيع» و«المشرع». # ومن أشهر الرسامين في القرن التاسع عشر في فرنسا «روسو» الذي ولد سنة 1812 ومات سنة 1867، ~~ورسومه أيضا تتعلق بالريف والطبيعة، ومنها «نزول البقر». # ولكن أعظم هؤلاء جميعا هو «ميليه» الذي ولد سنة 1814 ومات سنة 1875. وقد قصد بمساعدة ~~المجلس البلدي في شيربورج إلى باريس حيث بقي يدرس ويرسم على الطريقة المألوفة. ولكنه في سنة ~~1849 نزع إلى الطبيعة في معيشته وفنه، فترك باريس وقصد إلى باربيزون حيث كان هناك الرسامان ~~الشهيران: «روسو»، و«دياز». وهناك رسم صورته الخالدة «الباذر» وهو فلاح يبذر الحب في الحقل ~~ثم صورة «الجامعات» أو «اللاقطات» وهي لوحة بها ثلاث نساء يجمعن ما تخلف في الحقل من ~~الحصيد. # وكان سيئ الحظ في بيع رسومه، يتهم بالاشتراكية، حتى إن «روسو» اشترى سرا أحد رسومه ~~بمبلغ 160 جنيها. وذلك لكي لا يحرج كبرياءه، وادعى أن أحد الأميركيين الأغنياء ~~يطلبها. # ولما أعلنت الحرب الفرنسية الألمانية سنة 1870 غادر باربيزون إلى شيربورج وبقي بها إلى ~~جلاء الألمان عن باريس. واستدعته الحكومة الجمهورية الجديدة إلى باريس لكي يرسم جدار ~~البانثيون ولكن صحته ساءت فمات سنة 1875. # الفصل الثاني والعشرون # | هويسلر وتأثير الشرق الأقصى # في أواخر القرن الماضي اتصلت أوروبا بالشرق الأقصى اتصالا وثيقا في التجارة، وتبادلت مع ~~الصين واليابان البضائع والسلع. وانتقلت إلى أوروبا بعض الرسوم اليابانية والصينية فأحدثت ~~أثرا واضحا في مناهج الرسم. وقد عرضت في المعرض الأممي في لندن سنة 1862 طائفة من الرسوم ~~اليابانية كان لها وقع كبير في نفوس الرسامين، كما أنشئ حانوت في شارع ريفولي في باريس لبيع ~~الرسوم. وكان يزور هذا الحانوت الرسامون الفرنسيون أمثال: ms76 ديجاس، ومونيه، ومانيه، وكذلك فتى ~~ناشئ أميركي المولد يدعى «هويسلر». # وقد قضى «هويسلر» هذا معظم حياته الفنية في فرنسا وإنجلترا وكان له أثر كبر في فن الرسم ~~عند كلتيهما. وقد اتجه منذ أن ابتدأ يرسم نحو «فلاسكس» الإسباني و«هوكوصاي» الياباني، فنبه ~~الأوروبيين إلى الأول، وقد كان مغمورا أو شبه المغمور، كما فتح أعينهم إلى مناهج الفن في ~~الشرق الأقصى. # وقد ولد «هويسلر» في الولايات المتحدة سنة 1834 وهاجر مع أبويه إلى روسيا حيث كان أبوه ~~يشرف على بناء سكة حديدية بين موسكو وبتروغراد. وكانت إقامة الصبي في بتروغراد حيث تعلم ~~الفرنسية. # ومات أبوه فعادت به أمه إلى الولايات المتحدة، وأدخلته مدرسة الضباط، ولكنه لم يفلح فيها. ~~وكان ميله للرسم واضحا فسعى حتى تعين في قسم المساحة في واشنطون. ولكن الرسم الذي كان ~~يمارسه للمساحة لم يكن هو الذي يطمع فيه. فلما بلغت سنه الحادية والعشرين سافر إلى باريس، ~~وهناك شرع يدرس الرسم درسا منتظما والتفت بوجه خاص إلى «فلاسكس» و«هوكوصاي»، ولذلك نهج ~~منهجا خاصا هو مزيج من هذين الرسامين، وهذا بعد أن طبعه بطابعه الشخصي. ونحن نرى أثر ~~الشرق الأقصى على أبلغه في رسمه «أميرة بلاد الصين» وهي صورة الآنسة سبارتالي ابنة قنصل ~~اليونان في لندن، ففي هذه الصورة نرى كل شيء يابانيا ما عدا الوجه فإنه أوروبي. # وفي سنة 1872 رسم أمه رسما جميلا يلمع إلى الطريقة اليابانية إلماعا خفيفا بتزيينها ~~الباهر. ورسم أيضا صورة الكاتب المشهور «كارليل» وهي الصورة الشائعة الآن عن هذا ~~الكاتب. # وقامت في حياته خصومة كبيرة بينه وبين نقده الرسم، وخصوصا بينه وبين «رسكين». وأساس هذه ~~الخصومة هو أنه ابتدع ولم يقنع بالجري على الطرق الممهدة المألوفة. وقد أوذي «هويسلر» من ~~هذه الخصومة، حتى ترك الرسم مدة وصار يتكسب بالحفر على المعدن. ولما ألح عليه «رسكين» ~~بالنقد والتشهير، وكان لكلامه قيمة عند الجمهور، ورأى «هويسلر» أن هذا الناقد يتحامل عليه ~~ويؤذيه رافعه إلى القضاء يطلب تعويضا. وكان قد رسم صورة «الليل بين الأزرق والذهبي» فقال ms77 ~~عنها رسكين: إنها لوحة قد أراق عليها الرسام قدرا من الأصباغ. # وكان «هويسلر» قد طلب ثمنا لهذه الصورة مائتي جنيه. فلما كان وقت المحاكمة اتضح من سؤاله ~~أنه رسم هذه الصورة في يومين، فسأله محامي رسكين: «وهل تطلب مائتي جنيه في عمل يومين ~~اثنين؟» فقال «هويسلر»: «لا. لكني أطلب هذا المبلغ للمعرفة التي جنيتها طول حياتي». # وكان بالمحكمة محلفون على النظام الأوروبي، وبينهم جهلة، حتى إنه عندما قدم رسما للرسام ~~الإيطالي العظيم «تسيانو» يستشهد به على حسن طريقته ظنه أحد المحلفين أنه من رسوم «هويسلر» ~~نفسه فنحى الرسم عنه وهو يقول: «حسبنا منك ومن رسومك». # وحكم «لهويسلر» بتعويض قدره أربعة مليمات فقط. وكان هذا سببا لأن يهجر الرسم مدة طويلة. ~~ولكن بينما كان الإنجليز يستهجنون طريقته كان الفرنسيون يقدرونه ويمنحونه أوسمة الشرف، بل ~~يشترون رسومه للمتاحف الفرنسية. وأخيرا عرف الإنجليز قدره. وذلك الرسم الذي استكثر عليه ~~«رسكين» مائتي جنيه بيع بعد ذلك بمبلغ ألفي جنيه. ومات «هويسلر» سنة 1902 في لندن. # الفصل الثالث والعشرون # | النزعة التقريرية والتأثرية في فرنسا # كوربيه. مانيه. مونيه. ديجاس. رينوار. رودان # نشأت النزعة التقريرية في فرنسا حوالي سنة 1840، وكان زعيمها «كوربيه» الذي ولد سنة 1819 ~~ومات سنة 1877. # وقد نشأ «كوربيه» في أورنان، إحدى مدن فرنسا الصغيرة التي خلد الرسام ذكرها في رسومه. ~~وقصد إلى باريس لكي يتعلم الحقوق ، ولكنه عكف على الرسم. وكان جمهوري المبدأ، يعطف على ~~العمال، ولذلك فمعظم رسومه إن لم نقل جميعها يتعلق بحياة الطبقات الفقيرة. وكان يكره ~~الخياليين، الذين كانوا يستخرجون موضوع رسومهم من الأشعار وقصص القرون الوسطى، ويقول: إن ~~الحياة وأعمال الناس هي الموضوع الذي يجب على الرسام أن يتناوله ويدرسه وينقله على ~~لوحاته. # ويحكى عنه أن أحد الأغنياء رغب إليه أن يرسم بعض الملائكة في إحدى الكنائس فاجابه ~~قائلا: «ملائكة! ولكني ما رأيت في حياتي ملائكة، فكيف أرسمها وأنا لم أرها؟!». # ولما عمت الثورات أوروبا سنة 1848 راجت رسوم «كوربيه» لديمقراطيته وحبه للعمال، ونال في ~~تلك السنة وساما يجيز له ms78 عرض رسومه بدون أن تقر على ذلك لجنة المعارض. وقد انتفع هو بذلك، ~~لأنه عندما زالت النشوة الثورية وجاء وقت الارتداد، وكرهت رسومه، بقي يعرضها ويستعمل ~~حقه. # ومن أحسن رسومه صورة «الحجارين» أي مقتلعي الأحجار، و«جنازة في أورنان». ولكن صورته «رسم ~~الرسام: رمز حقيقي» هي أحسن ما خلفه؛ لأنها تمثل لنا حياته وأغراضه من فن الرسم. فقد رسم ~~نفسه وهو يشتغل برسم الريف حول أورنان، مدينته الأصلية، وعن يمينه شحاذ وعامل وتاجر وقسيس ~~ولص ولحاد، وهم الأشخاص الذين كان يعطف عليهم ويرسمهم، وعن يساره بعض أصدقائه ومنهم ~~«بولدلير» و«برودون». # وفي سنة 1871 حوصرت باريس وأعلنت الشيوعية فتعين هو رئيسا للجنة الفنون الجميلة. فأمر ~~بهدم العمود الذي يخلد ذكرى نابليون، فلما زال الحصار ورجعت الحكومة الفرنسية حوكم على ذلك، ~~وحكم عليه بغرامة قدرها 400000 فرنك. ولكنه فر إلى فرنسا ومات بعيدا عن بلاده سنة ~~1877. # وخلف «كوربيه» في قيادة النزعة التقريرية «أدوار مانيه» الذي ولد سنة 1833 ومات سنة 1883. ~~وكان يتبع طريقته بفرق واحد، وهو أنه لم يكن ديمقراطيا مثله فكانت أشخاصه من الطبقة ~~المتوسطة ولم تكن من العمال. # وكان مولد «مانيه» في باريس، وكانت نية أبويه أن يدريس الحقوق ولكنه مثل «كوربيه» ترك هذا ~~العلم والتحق بمرسم «كوتور» (توفي سنة 1879) ثم ساح في ألمانيا والنمسا وإيطاليا لدرس ~~القدماء. وكان يلتفت إلى موضوع ظلال الأضواء في الصورة. ويحكى عنه أنه سئل ذات مرة وهو ~~يرسم جماعة من الناس: «من هو أهم هؤلاء الأشخاص؟». # فقال من فوره: «أهم الأشخاص عندي هو الضوء». # ولما أقيم معرض الصور سنة 1883 في فرنسا عرض «مانيه» بعض رسومه فرفضت. ولكن نابليون ~~الثالث عندما سمع بأن اللجنة المكلفة بدرس الصور وقبولها أو رفضها قد رفضت عددا كبيرا، ~~أمر بإيجاد معرض آخر «للمرفوضين». وكان بين هؤلاء المرفوضين: «هويسلر»، و«مانيه»، و«لاتور»، ~~و«كلود مونيه»، و«رينوار» وغيرهم. # وكان من الرسوم المعروضة صورة «غروب الشمس» لكلود مونيه. وقد كتب تحتها «تأثر»، وبدلا من ~~أن تستثير هذه الصورة إعجاب الزائرين استثارت ضحكهم حتى إنه ms79 أطلق على هؤلاء المرفوضين اسم ~~«التأثريين». ولصق هذا الوصف بكلود مونيه فرضيه منهجا جديدا للرسم ينسب إليه وسار ~~فيه. # ولم يكن «إدوار مانيه» يعرف كلود مونيه قبل هذا المعرض، ولكنهما للتشابه بين اسميهما ~~وللاشتراك في الطريقة الجديدة صار هدفا للسب والتشهير. # وقد سبق أن قلنا: إن «إدوار مانيه» كان تقريريا ينزع إلى وصف الحقيقة، وقد بقي كذلك مدة ~~طويلة يجري على خطة «كوربيه». وأحسن رسومه في ذلك الوقت هو صورة «الكوكب السائغ». ولكنه ~~انتهى بأن انضوى إلى المدرسة الجديدة التأثرية كما يرى في رسمه لصورة «مشرب الفولي ~~بيرجير». # والآن يجدر بنا أن نلخص النزعات الفنية منذ الثورة الفرنسية ثم نشرح النزعة التأثرية. ففي ~~مدة الثورة ظهر «القديميون» أي الذين ينزعون إلى درس الرومان واليونان ويرسمون آلهتهم ~~وأساطيرهم. ثم ظهر «الخياليون» الذين ينزعون إلى رسم حوادث القرون الوسطى ويستخرجون ~~موضوعاتهم من الشعراء والقصصيين، ثم ظهر بعدهم «التقريريون» الذين يقتصرون على تقرير ~~الحقائق. وأخيرا ظهر «التأثريون» وعلى رأسهم «كلود مونيه». # فالرسام التقريري يرسم الأشياء كما هي حين يتأمل المنظر ويتدبره، ولكن الرسام التأثيري ~~يرسم الصورة كما تفجأه بمنظرها وكما يتذكرها خواطر سريعة تمر بذهنه وتترك فيه أثرا بارزا ~~تنسى فيه التفاصيل ويبقى الأثر البارز. وبعبارة أخرى نقول: إن المنهج التأثري يرمي إلى ~~التأليف بين الشكل العمومي بلا تحليل أو عناية بالتفاصيل. # وقد احتاج التأثريون إلى درس الألوان درسا علميا، ومالوا إلى الألوان البراقة مع معرفة ~~التغير الطارئ على الأشياء لتغير الضوء الساطع عليها. فلون الأعشاب إذا رؤيت عن كثب أخضر، ~~ولكنها إذا رؤيت عن بعد صارت زرقاء. ولون الثلج عن كثب أبيض، ولكنه إذا رؤي عن بعد كما ترى ~~أسناد جبال الألب صار نحاسيا، فهذه الاختلافات أخذ التأثريون يدرسونها لمعرفة الأثر ~~الذهني الذي تتركه الصورة في نفس الناظر. # وقد ولد «كلود مونيه» سنة 1840وقضى مدة الخدمة العسكرية في الجزائر. وعرف «رينوار» ~~وصادقه، كما صادق بعد ذلك «مانيه» وأسس مرسما في باريس. ومن أحسن رسومه صورة «جسر ~~لندن». # ومن الثائرين أيضا «ديجاس» الذي ms80 ولد سنة 1834 ومات سنة 1917. وقد رحل «ديجاس» سنة 1856 ~~حيث تشبع برسوم النهضة. ولما عاد إلى باريس شرع يرسم الموضوعات التاريخية. ومن رسومه في ذلك ~~لوحة كبيرة هي «منظر الحرب في القرون الوسطى». ولكنه ترك ذلك إلى نقل صور الحياة التي ~~يحياها الناس حوله، فكان يرسم المناظر في القهوة ودار التماثيل ومضامير السباق والمرأة التي ~~تكد للعيش. وقد تأثر فنه مثل هويسلر بالفن الياباني. ومن أحسن رسومه صورة «الراقصة» التي ~~تتوهج بشباب الفتاة وحماستها وانتعاشها بالفرح والانتصار وهي تتلقى هتاف المتفرجين. وقد كاد ~~يختص برسم أوضاع الرقص حتى نبغ في ذلك. وباع إحدى لوحاته المسماة «الراقصات في الحانة» ~~بعشرين جنيها. وقبل أن يموت بيعت هذه اللوحة نفسها بمبلغ 17400 جنيه. # ومن الثائرين أيضا «رينوار» الذي ولد سنة 1841 ومات سنة 1919. وقد بدأ حياته الفنية ~~بالرسم على الصيني. وبقي طول حياته يميل إلى الزخارف لهذا الميل أو التربية الأولى. وقد نشأ ~~في ليموج، ولكنه غادرها إلى باريس حيث أقام له مرسما واختص برسم الأشخاص. # ومن أحسن من أنجبتهم فرنسا المثال «رودان» الذي أعاد إلى الناس في عصرنا ذكرى ميخائيل ~~أنجلو والعبقرية الإيطالية القديمة. وقد ولد في باريس سنة 1840 ومات سنة 1917. وقد استعمل ~~الطريقة التأثرية في نحته، وصنع تمثال الكاتب القصصي «بلزاك» على هذه الطريقة. وقد ابتدع ~~طريقة جديدة في نحت التماثيل، وهو أنه كان أحيانا يصنع التمثال وينحته كاملا ناصعا، ~~ولكنه يتركه في الحجر الغشيم الأصلي الذي نحت منه ليتوهم الناظر إليه كأنه قد انتفض من ذلك ~~الحجر. # الفصل الرابع والعشرون # | الوحوش والتكعيبيون والاستقباليون # سيزان. فان جوخ. جوجان. ماتيس. بيكاسو. مارينتي. جوا كيمو بالا # حدث عقب «النزعة التأثرية» نزعات جديدة هي أشبه بالانحرافات الجنونية منها بالنزعات ~~السليمة. ربما كان لظهور الآلة الفوتوغرافية بعض الأثر في ذلك، فإن الرسامين أرادوا أن ~~يمتازوا من المصورين الفوتوغرافيين فكان ذلك فيهم داعية إلى الشذوذ والانحراف. فقد قالوا: ~~«إذا كانت الآلة الفوتوغرافية تصور الجسم، فعلى الرسام أن يصور الفكرة». # وهؤلاء الذين نذكرهم في هذا ms81 الفصل من العبقريين الذين انحرفوا أو مالوا إلى الشطط وأولهم ~~«سيزان» الذي ولد سنة 1830 ومات سنة 1906. فقد بقي مدة طويلة وهو يعرض رسومه مع التأثريين ~~ويعد في جملتهم، وكان صديق «مونيه» و«رينوار». ولكنه لم يكن يستعمل تلك الألوان المتلألئة ~~التي كان يستعملها التأثريون، إذ معظم رسومه تكسوها السمرة، وكان يهوى الرسم لذة وطربا ~~بالفن لا يبغي منه أجرا حتى لقد حكي عنه أنه كان يخرج إلى الحقل أو الغابة للرسم فإذا أتم ~~لوحته تركها مكانها كأنه لم يكن يرسم إلا لكي يدرس الطبيعة. فكانت زوجته تخرج وتحمل اللوحة ~~إلى البيت. وهو يعد تأثريا لولا حبه للألوان السمراء، وليس هذا انحرافا كبيرا. وأحسن ~~رسومه صورته لنفسه و«لاعبا الورق». ~~«خيانة المسيح» لچوتو ~~«حياة الفنانين» لڨازاري ~~«زواج چيوفاني ارنولفيني وچيوفانا سينامي» لڨان أيك ~~«الچيوكندا» أو «الموناليزا» لداڨنشي ~~«سانت چيروم» لداڨنشي ~~«طرد آدم وحواء من الجنة» لمايكل أنچل ~~«لادونا ڨالاتا» لرافائيل ~~«بالداسار كاستليوني» لرافائيل ~~«عيد شامبير» لچورچوفي ~~«ديانا وآسبايون» لتسيانو ~~«مارس وڨينوس يجمعهما الحب» لڨيرونيز # الفنان دورير بريشته ~~«قبعة القش» لروبنز ~~«روبنز» بريشته وهو في الخمسين ~~«الخلاسي» لهالز ~~«الرجل ذو الخوذة النحاسية» لرامبرانت ~~«سيدة وأطفالها» لدوهوش ~~«فتاة بقرط لؤلؤي» لڨرمير ~~«حفلة الموسيقى» لواطو ~~«درس الموسيقى» لفراجونار ~~«بائعة الجمبري» لبوجارث ~~«الصيادون يخرجون للصيد» لجينزياره ~~«إبنتا الرسام والقطة» لجينزياره ~~«إيما هاملتون» لرومني ~~«الملكة شارلوت» للورانس ~~«تتويج نابليون» لداڨيد ~~«مدام ريكامييه» لجيرار ~~«المحظية والعبدة» لرنجر ~~«دونا إيزابيل كوبوس ديه بورسيل» لچوبا ~~«بزوغ الشمس من وراء الضباب» لتورنر ~~«28 يوليه 1830» لدولاكروا ~~«جمع ضرائب العرب» لدولاكروا ~~«نزوة بالأحمر والذهبي» لهويسلر ~~«في الحديقة» لمانيه ~~«أمام بار الڨولي بيرچير» لمانيه ~~«حديقة چيڨرني» لمونيه ~~«راقصة الباليه» لديجاس ~~«راقصة الباليه» لديجاس ~~«المرجيحة» لرينوار ~~«الڨاز الأزرق» لسيزان ~~«المائدة» لسيزان ~~«الدكتور كاشيت» لڨان جوخ ~~«سيدة» لڨان جوخ ~~«ركن في المدلان ديه لاجاليت» لتولوز لوتريه ~~«المغنية ايڨيت جيلبرت» لتولوز لوتريه ~~«ثلاثة من تاهيتي» لجوجان ~~«المحظية في سروال أحمر» لماتيس ~~«رأس ثور» لبيكاسو ~~«آنسات اڨينيون» لبيكاسو # وقريب من «سيزان» في نزعته «فان جوخ» الذي ولد سنة ms82 1853 ومات منتحرا سنة 1890. وهو ~~هولندي كان أبوه قسيسا، فنشأ وقد أشبعت نفسه بالتعصب الديني. واشتغل في باريس ببيع الرسوم، ~~ثم صار معلما في إنجلترا، وعاد إلى أمستردام لكي يصير قسيسا، ولكنه ترك كلية اللاهوت التي ~~التحق بها وقصد إلى منطقة عمال المناجم في بلجيكا باعتباره مرسلا دينيا، وهناك درس أحوال ~~هؤلاء العمال وعطف عليهم حتى لفت نظر ولاة الأمور بعطفه، وكان يعطي العمال كل ما يملك حتى ~~كان يجوع أحيانا ويؤثرهم على نفسه، وكان يتلهى ويزجي السأم برسمه أشخاصهم. # وقد بدأ «فان جوخ» هاويا، ولكنه أتقن الرسم وسار على طريقة التأثريين وجعل مقامه في أرل ~~في جنوب فرنسا، وهناك ظهرت عليه عوارض الشذوذ، فإن إحدى فتيات الحانة عرضت عليه أن يهدي ~~إليها هدية. فلما أبى طلبت منه على قبيل المزاح أن يهدي إليها أذنه الضخمة. فلما كان عيد ~~الميلاد وجدت الفتاة طردا من طرود البريد قد أرسل إليها، فلما فتحته وجدت أذنا ما يزال ~~دمها ينضح. وذهب الطبيب إلى «فان جوخ» فألفاه محموما يهذي. وحمل المسكين إلى المارستان حيث ~~بقي مدة، ثم خرج بعد أن شفي. ولكن السوداء ما زالت تعاوده وتظلم ذهنه حتى انتحر سنة ~~1890. # ومع جنونه فإن رسومه تدل على إنسانية عجيبة، وأحسن رسومه صورة «المساجين يؤدون التمرين ~~اليومي» في فناء السجن. فإنها تدل على العطف الإنساني وتبعث في النفس الأسى والحزن العميق ~~لهؤلاء المساكين. # ويبدأ الشذوذ والانحراف في «جوجان» الذي ولد سنة 1848 ومات سنة 1903. وهو فرنسي من أم ~~بيروية، قضى شبابه في السياحة ولم يشرع في الرسم إلا وهو حوالي الثلاثين. وكان يرسم على ~~طريقة التأثريين، ولكنه حوالي 1891 هجر فرنسا إلى تاهيتي مؤثرا معيشة المتوحشين ورسمهم على ~~معيشة المتمدنين. وعاد إلى باريس في أواخر القرن الماضي وهو يدعو إلى طريقة جديدة في الرسم ~~والحياة فلقيت دعوته قبولا عند أولئك المنهوكين الذين اصطلح على تسميتهم «أبناء آخر القرن» ~~أولئك الذين لا يطيقون تكاليف الحضارة وما تطلبه من الأعصاب من الجهد فينزعون إلى السذاجة ~~والرجوع إلى ms83 الفطرة. وأحسن رسومه التي تمثل هذه السذاجة «امرأتان من تاهيتي». # وقد تبع «جوجان» كثيرون من الفرنسيين أطلق عليهم اسم «الوحوش» لأنهم يؤثرون حال البداوة ~~والتوحش على الحضارة. # وهذه الرغبة في السذاجة نجدها على أوفاها عند «هنري ماتيس» الذي ولد سنة 1869. وقد سار ~~أولا على الطريقة التأثرية، ولكنه بالغ في الرغبة في البساطة كما يرى القارئ في صورته «رأس ~~امرأة». # وظهر عقب «الوحوش» مدرسة أخرى هي مدرسة «التكعيبيين» التي ما يزال الشك قائما حول مؤسسها ~~هل هو «براك» الفرنسي أو «بيكاسو» الإسباني. وتتصل حركة «التعكيبيين» بحركة «الوحوش» من ~~ناحية الرغبة في الرجوع إلى الأصل والفطرة. فإن «التكعيبيين» قالوا: إن البلورة هي الشكل ~~الفطري الأصلي في الطبيعة، ولذلك علينا أن نتخلص من الأقواس ونضع مكانها الزوايا كما نرى في ~~أشعة البلورة. ثم علينا أن نستعمل الخطوط المستقيمة لأنها أقوى من الخطوط المنحنية. ولذلك ~~فهي أجمل لأن الجمال في القوة. # ويمكن الرد على هذه المدرسة بأن الوردة أضعف الأشياء وأجملها معا، وأن القنطرة أقوى من ~~الخط المستقيم. # ونشأت بعد ذلك مدرسة إيطالية أخرى يدعون أفرادها أنفسهم «الاستقباليين». ولهم غايات أدبية ~~وفنية يرمون منها إلى ألا يغمر التاريخ الماضي حاضر إيطاليا. وزعيم هذه الحركة «مارينتي» ~~الذي ولد بالإسكندرية. ومن أحسن أو أغرب رسامي هذه المدرسة «جوا كيمو بالا». وربما كانت ~~أعظم ميزات هذه المدرسة أنها تحاول أن تنقل إلى الناظر الإحساس بالحركة في الرسم. # وقد استعمل الرسامون الإنجليز الطريقتين «التكعيبية» و«الاستقبالية» مدة الحرب الكبرى في ~~نقل مشاهد الحرب. ms84