######OpenITI# #META# URI: 1377SalamaMusa.TariqMajdLiShabab.Hindawi86141960 #META# Tags: literature #META# ID: 86141960 #META# Title: طريق المجد للشباب #META# AuthorID: 40515160 #META# Author: سلامة موسى #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء‏ # 1 - الفرق بين السعادة والسرور‏ # 2 - الحي لا يسأم الحياة‏ # 3 - اليقظة خير من النوم‏ # 4 - الاستعداد للتطور الحالي‏ # 5 - القلق الموقظ والطمأنينة المخدرة‏ # 6 - لنعش كي نربي أنفسنا‏ # 7 - يجب أن نعمل كي نعيش‏ # 8 - المسئولية فيتامين الشخصية‏ # 9 - نأكل لنعيش‏ # 10 - لا نخف الحياة‏ # 11 - الصحة والجمال‏ # 12 - ضرورة الفلسفة‏ # 13 - الطيبة هي ذكاء القلب‏ # 14 - قسوة الرحمة‏ # 15 - الشطط في الفضيلة‏ # 16 - المروءة تثقفنا وتصقلنا‏ # 17 - اجعل المجد هدفك‏ # 18 - فلنحرر رءوسنا كما حرر الصينيون أقدامهم‏ # 19 - المتمدنون المتوحشون‏ # 20 - الشرق والغرب ... أيهما المادي؟‏ # 21 - القارئ التافه والمجلة التافهة‏ # 22 - تأنق في مطالعتك‏ # 23 - كيف نستغل فراغنا؟‏ # 24 - الطبيعة تجود بجمالها‏ # 25 - الطبيعة مبعث النشاط‏ # 26 - ثراء بلا ثروة‏ # 27 - التعليم بالقدوة‏ # 28 - التثقيف الأبتر‏ # 29 - التوسع في الثقافة‏ # 30 - من التعميم إلى التخصيص‏ # 31 - الاهتمامات تمنع الغوايات‏ # 32 - الموت إكليل الحياة‏ # 33 - الضمير الاجتماعي‏ # 34 - حرية العقيدة‏ # 35 - الدين للتوفيق لا للتفريق‏ # 36 - الحب دين العالم‏ # 37 - اختيار الزوجة‏ # 38 - الزواج السعيد‏ # 39 - سعادة الزواج بالتعاون الحبي‏ # 40 - تزوج أما لأولادك‏ # 41 - متى يحسن أن يقع الطلاق‏ # 42 - نفس فنية‏ # 43 - النفاسة في النفس‏ # 44 - سيطرة النفس على الجسم‏ # 45 - الحياء والخجل‏ # 46 - كيف نقوي إرادتنا؟‏ # 47 - تربية الخيال‏ # 48 - غاندي زعيم الإنسانية‏ # 49 - فورد يذم الادخار‏ # 50 - كلمات جديدة‏ # 51 - الناقصون في الذكاء‏ # 52 - ادرسوا سيرة رجل عظيم‏ # 53 - المباراة في الاقتناء علة الشقاء‏ # 54 - البساطة في الحياة فن‏ # 55 - وقف الثروة على الأبناء‏ # 56 - وقت من ذهب ووقت من تراب‏ # 57 - الشاب الذي يثير الإعجاب‏ # 58 - لا تضرب الأعرج‏ # 59 - لا تكن فاترا‏ # 60 - العاهة لا تقعد الشجاع‏ # 61 - يجب أن نحترم كل عمل مفيد‏ # 62 - شروط الرئيس ولسن للرجل المهذب‏ # 63 - الأدب المتصل‏ # 64 - البذاء في الشوارع‏ # 65 - الدكتور القديس‏ # 66 - الأعياد والهدايا‏ # 67 - عيد شم النسيم‏ # 68 - أعظم الألم توقع الألم‏ # 69 - لك الساعة التي أنت فيها‏ # 70 - لا حياة بلا ms01 شجاعة‏ # 71 - كيف نتعلم؟‏ # 72 - ماذا نتعلم؟‏ # 73 - المرأة في الشرق‏ # 74 - الملامح مرآة النفس‏ # 75 - وجوهنا الحزينة‏ # 76 - في الرابعة والتسعين‏ # 77 - يجب أن ننسى الماضي‏ # 78 - رجل عظيم‏ # 79 - ليس عندنا موسيقى‏ # 80 - لنكن أدباء وشعراء‏ # 81 - آلة الراديو واسم الراديو‏ # 82 - الرحلات الفضائية‏ # 83 - العالم في أزمة القدر‏ # 84 - تربية أديب‏ # 85 - الشيخوخة المعذبة في مصر‏ # 86 - عرف المجتمع ومصلحة البشر‏ # 87 - لنكن اجتماعيين‏ # 88 - حياة الفطرة والفن‏ # 89 - كراهة المخالفين لنا‏ # 90 - قادة العالم‏ # 91 - ضريبة الضمير‏ # 92 - نحو المستقبل‏ # 93 - الصناعة ... الصناعة‏ # 94 - هذه الغوغاء من الصحف‏ # 95 - في الأسلوب ‏ # 96 - الامتحانات الصينية‏ # 97 - في القطب الجنوبي‏ # إهداء‏ # 1 - الفرق بين السعادة والسرور‏ # 2 - الحي لا يسأم الحياة‏ # 3 - اليقظة خير من النوم‏ # 4 - الاستعداد للتطور الحالي‏ # 5 - القلق الموقظ والطمأنينة المخدرة‏ # 6 - لنعش كي نربي أنفسنا‏ # 7 - يجب أن نعمل كي نعيش‏ # 8 - المسئولية فيتامين الشخصية‏ # 9 - نأكل لنعيش‏ # 10 - لا نخف الحياة‏ # 11 - الصحة والجمال‏ # 12 - ضرورة الفلسفة‏ # 13 - الطيبة هي ذكاء القلب‏ # 14 - قسوة الرحمة‏ # 15 - الشطط في الفضيلة‏ # 16 - المروءة تثقفنا وتصقلنا‏ # 17 - اجعل المجد هدفك‏ # 18 - فلنحرر رءوسنا كما حرر الصينيون أقدامهم‏ # 19 - المتمدنون المتوحشون‏ # 20 - الشرق والغرب ... أيهما المادي؟‏ # 21 - القارئ التافه والمجلة التافهة‏ # 22 - تأنق في مطالعتك‏ # 23 - كيف نستغل فراغنا؟‏ # 24 - الطبيعة تجود بجمالها‏ # 25 - الطبيعة مبعث النشاط‏ # 26 - ثراء بلا ثروة‏ # 27 - التعليم بالقدوة‏ # 28 - التثقيف الأبتر‏ # 29 - التوسع في الثقافة‏ # 30 - من التعميم إلى التخصيص‏ # 31 - الاهتمامات تمنع الغوايات‏ # 32 - الموت إكليل الحياة‏ # 33 - الضمير الاجتماعي‏ # 34 - حرية العقيدة‏ # 35 - الدين للتوفيق لا للتفريق‏ # 36 - الحب دين العالم‏ # 37 - اختيار الزوجة‏ # 38 - الزواج السعيد‏ # 39 - سعادة الزواج بالتعاون الحبي‏ # 40 - تزوج أما لأولادك‏ # 41 - متى يحسن أن يقع الطلاق‏ # 42 - نفس فنية‏ # 43 - النفاسة في النفس‏ # 44 - سيطرة النفس على الجسم‏ # 45 - الحياء والخجل‏ # 46 - كيف نقوي إرادتنا؟‏ # 47 - تربية الخيال‏ # 48 - غاندي زعيم الإنسانية‏ ms02 # 49 - فورد يذم الادخار‏ # 50 - كلمات جديدة‏ # 51 - الناقصون في الذكاء‏ # 52 - ادرسوا سيرة رجل عظيم‏ # 53 - المباراة في الاقتناء علة الشقاء‏ # 54 - البساطة في الحياة فن‏ # 55 - وقف الثروة على الأبناء‏ # 56 - وقت من ذهب ووقت من تراب‏ # 57 - الشاب الذي يثير الإعجاب‏ # 58 - لا تضرب الأعرج‏ # 59 - لا تكن فاترا‏ # 60 - العاهة لا تقعد الشجاع‏ # 61 - يجب أن نحترم كل عمل مفيد‏ # 62 - شروط الرئيس ولسن للرجل المهذب‏ # 63 - الأدب المتصل‏ # 64 - البذاء في الشوارع‏ # 65 - الدكتور القديس‏ # 66 - الأعياد والهدايا‏ # 67 - عيد شم النسيم‏ # 68 - أعظم الألم توقع الألم‏ # 69 - لك الساعة التي أنت فيها‏ # 70 - لا حياة بلا شجاعة‏ # 71 - كيف نتعلم؟‏ # 72 - ماذا نتعلم؟‏ # 73 - المرأة في الشرق‏ # 74 - الملامح مرآة النفس‏ # 75 - وجوهنا الحزينة‏ # 76 - في الرابعة والتسعين‏ # 77 - يجب أن ننسى الماضي‏ # 78 - رجل عظيم‏ # 79 - ليس عندنا موسيقى‏ # 80 - لنكن أدباء وشعراء‏ # 81 - آلة الراديو واسم الراديو‏ # 82 - الرحلات الفضائية‏ # 83 - العالم في أزمة القدر‏ # 84 - تربية أديب‏ # 85 - الشيخوخة المعذبة في مصر‏ # 86 - عرف المجتمع ومصلحة البشر‏ # 87 - لنكن اجتماعيين‏ # 88 - حياة الفطرة والفن‏ # 89 - كراهة المخالفين لنا‏ # 90 - قادة العالم‏ # 91 - ضريبة الضمير‏ # 92 - نحو المستقبل‏ # 93 - الصناعة ... الصناعة‏ # 94 - هذه الغوغاء من الصحف‏ # 95 - في الأسلوب‏ # 96 - الامتحانات الصينية‏ # 97 - في القطب الجنوبي‏ # | طريق المجد للشباب # | طريق المجد للشباب # تأليف # سلامة موسى # | إهداء # إلى الصديق الفقيد صادق سلامة أهدي هذا الكتاب لأنه هو الذي أوحى إلي تأليفة وفتح صدر ~~جريدته «الإنذار» لكثير من موضوعاته. # سلامة موسى # الفصل الأول # | الفرق بين السعادة والسرور # ليس هناك شاب إلا وهو يزعم أنه ينشد السعادة، ولكن ليست هناك كلمة يضطرب معناها، ويختلف ~~مدلولها أكثر من هذه الكلمة، وهناك عشرات، بل مئات، من الناس ظنوا أنهم ينشدون السعادة، ~~ولكنهم أخطئوا الهدف فجهدوا وتعبوا دون أن يصلوا إلى غايتهم؛ ذلك لأنهم كانوا يجهدون ~~ويتعبون لتوفير المسرات والملذات ظنا بأن هذه الأشياء هي السعادة، ولكنهم بعد ms03 الحصول ~~عليها وجدوا أنهم لا يزالون كما كانوا في البداية لم يسعدوا، بل ازدادوا جوعا وشوقا إلى ~~الاستكثار وعطشا إلى الطمع. # ولذلك يجب أن نميز بين اللذة والسعادة، فإن الأولى مادية كالطعام أو الشراب، أو اقتناء ~~شيء نفخر به أو نحو ذلك، فنحن نلتذ الطعام والشراب، ونسر بالأثاث الجميل والبذلة الجديدة ~~ونحو ذلك، ولكن هذه الملذات أو المسرات المادية تنتهي إلى نهاية، فنعود إلى الجوع وطلب ~~الزيادة. # ولكن السعادة فكرية؛ أي: أننا نسعد بالفكرة وليس بالمادة، ولذا تحفزنا الفكرة إلى جهاد ~~نبقى معه وبه، وسعادتنا هنا مقيمة لا تزول، فقد نخدم مبدأ إنسانيا، أو ندعو إلى مذهب ~~اجتماعي أو سياسي، أو نرى رؤية بشرية سامية نحاول أن نحققها، أو ندرس نظرية علمية نبغي من ~~ورائها كشفا أو فهما، ففي كل هذه الحالات نحس السعادة التي لا نسأمها؛ إذ لن نشبع منها ~~كما نشبع من الملذات المادية ... الملذات والمسرات مادية، ولكن السعادة فكرية. # هذا هو الأساس السليم للتفكير في السعادة، والسعادة لهذا السبب مجانية، أو تكاد تكون ~~كذلك، وهي أيضا لا يحملنا الكفاح من أجلها إلى الحسد أو الغيرة، كما أنها تستنبط فينا ~~الخير للبشر، فنحن حين نسعد بكفاح من أجل مذهب، أو لأننا نرى رؤية لا يراها غيرنا، نحاول أن ~~يسعد الناس مثلنا، وأن يكافحوا كفاحنا، أما حين ننشد الملذات والمسرات المادية فإننا لا نحب ~~أن يشاركنا فيها أحدا أو أن يبلغ ما بلغنا، ولذلك كثيرا ما تبعث في نفوسنا أخس الغرائز، ~~كما أننا في النهاية لا نجد أننا قد شبعنا، وهذا هو السبب في شقاء الكثير من الأثرياء الذين ~~قد ينتهون إلى الانتحار. # ومن هنا أيضا تلك السعادة التي يحسها الفنان والفيلسوف، ورجل العلم الذي يسعى لكشف حقيقة ~~مجهولة، فإن كل هؤلاء سعداء؛ لأنهم ينشدون هدفا فكريا وليس لذة مادية. # فإذا شئت السعادة أيها الشاب فاخدم فكرة سامية يرتفع بها الناس أو ينتفعون، واجعل هذه ~~الفكرة تستغرق كل اهتمامك، وعندئذ تكفل لنفسك السعادة والهناء. # الفصل الثاني # | الحي لا يسأم ms04 الحياة # نسمع كثيرين يقولون، في تثاؤب واسترخاء، إنهم سئموا الحياة، ولكن الحقيقة أنهم لم يسأموا ~~الحياة، وإنما الموت هو الذي سئموا. # ذلك أنهم قد مضت عليهم سنوات وهم في موت ولكنهم لا يدرون، وقد تسلل الموت إلى نفوسهم ~~رويدا رويدا في غير عناء أو بطش، فلم يحسوا، فاستسلموا وماتوا، وهم لا يختلفون عن موتى ~~القبور إلا في أنهم لم يدفنوا بعد. # فقد قضوا سنوات التثاؤب والاسترخاء وهم في فراغ؛ أي: خواء النفس والعقل، فلم يؤدوا عملا، ~~ولم يعرقوا ويلهثوا في كفاح، ولم تكن لهم أهداف يتطلعون إليها، أو آمال ينشدون ~~تحقيقها. # وكل هذه من علامات الحياة، ولكنهم قد خلوا منها جميعا، وعاشوا في خواء فسئموا حياتهم؛ ~~أي: «سئموا الموت». # إننا نحيا بالكفاح والعمل والمسئوليات، ولا عبرة بأن ننتصر أو ننهزم؛ لأن الحياة الناجعة ~~ليست ببلوغ الهدف بقدر ما تكون بمحاولة البلوغ، وأولئك الذين يسألون من وقت لآخر عن ماهية ~~السعادة، أو طريق الوصول إليها، إنما قد فقدوا لذة الحياة؛ لأنهم يعيشون بلا كفاح أو ~~عمل. # والرجل المكافح، أو الرجل العامل الذي ينشد هدفا، لا يقف كي يسأل هذا السؤال؛ لأنه يحس ~~أنه في سعادة بكفاحه أو عمله، وأنه يعيش حياة هادفة، يقصد منها إلى غاية، ولذلك تستحيل ~~حياته إلى نشاط سام، كأنه يؤدي رسالة . # أيها القارئ: لا تجعل حياتك خواء هباء، ولا تتسكع في هذه الدنيا، فتسأم الحياة أو تموت ~~وأنت حي. # عش عن عمد، وأهدف إلى هدف، وأد رسالة، وكافح من أجل الشرف والحق والعدل، وإذا استطعت ~~أن تحترف المجد فاحترفه، فقد تكون أهلا له. # الفصل الثالث # | اليقظة خير من النوم # يقال: إن بعض الحشرات، كالنمل، لا تعرف النوم؛ إذ هي تعيش حياتها كلها في يقظة، وليس ~~بعيدا أن يستغني الإنسان في المستقبل البعيد عن النوم، ويحيى حياته كلها. # وفي جسم الإنسان أعضاء لا تعرف النوم منذ تولد إلى أن تموت، كالقلب، وسائر الأعضاء ~~الداخلية، ولذلك لا نستبعد أن يتطور الإنسان في المستقبل نحو يقظة المخ أيضا طوال الحياة، ms05 ~~فنعيش ليلنا كما نعيش نهارنا، وتتضاعف بذلك أعمارنا. # والنوم هو بلا شك موت في جميع المعاني، إلا معنى التعفن، ولذلك هو خسار عند جميع الذين ~~يكرهون أن يفقدوا وجدانهم ويحبون أن يبقوا على يقظة وفهم العالم. # ولكن الإنسان، لفرط ما قاسى من كوارث وآلام جعلت الحياة كريهة والوجدان مرهقا، قد اخترع ~~الخمور وغيرها من المخدرات؛ كي يلغي يقظته ويعطل وجدانه، ولم يخترع المنبهات الموقظة التي ~~تجعلنا نستغني عن النوم أو نرتقي من الذهول والنعاس إلى اليقظة البهجة. # وقليل منا من يستطيعون أن يقولوا: إنهم عاشوا أربعا وعشرين ساعة في يوم من أيام حياتهم، ~~أو سهروا الليل كله، ورأوا القمر وهو بدر منذ بزوغه إلى الصباح، حين يسحر العالم بأشعته ~~الشاحبة، وخاصة في الحقول حين نحس، وحين نتأمل السماء والأرض، إننا ذرة متصلة بهذا الكون، ~~نجومه وكواكبه ومجراته. # وقليل منا من رأوا الفجر قبل أن ينبثق، حين يعم العالم ظلام أبيض، وحين يصل بيننا وبين ~~السحاب هواء رخيم يكاد يتميع من الرطوبة، ثم لا نزال في هذا السهر إلى أن يلتهب الشرق ~~بأنوار الشمس، وفي هذه اللحظات تنزع النفس إلى الخشوع والصلاة، وكأن القلب يقول: ~~آمين! # أجل، إننا ما دمنا نعيش يجب أن تكون حياتنا يقظة متنبهة بعيدة عن الذهول، ويجب أن نتصل ~~بالطبيعة اتصال بالحب، وأن تكون بيننا ومواعيد سرية في الساعة الثالثة أو الرابعة من ~~الصباح، فنغرد معها، ونتحدث إليها في همس حديث النفس المبتهجة بالحياة ... # الفصل الرابع # | الاستعداد للتطور الحالي # قد يكون عصرنا أسوأ العصور من حيث الأخطار التي تتكاثف يوما بعد يوم وتنتظر الانفجار، ~~فقد رأيت في حياتي حربين تحطم فيهما نحو ثلاثين مليون عائلة، وأوشك أن أرى حربا ثالثة قد ~~تؤدي بمئة مليون عائلة أخرى، وهذه الحرب الثالثة سوف تجعل كلا منا يعيش في شقاء مركز يقلق ~~في نهاره، ويأرق في ليله، ويخشى البتر والموت لجميع من يحب، فإن القنبلة الذرية سوف تكون ~~كابوسا لجميع من يعيشون في هذه الحرب القادمة، سواء في ذلك الجندي والمدني، ms06 والآباء، ~~والرجال والنساء. # وليس شك في أن كل هذا يحزن، ولكن هناك ما يجب أن يبعثنا على الآمال الواسعة، حتى مع وقوع ~~هذه الحرب الثالثة، ذلك أن العالم سوف ينتقل من المباراة والتحاسد والجشع، إلى حضارة ~~اشتراكية جديدة تقوم على الإخاء والتعاون والقناعة. # وهذا الانتقال أو التطور الذي نمر فيه هو ظاهرة اجتماعية يجب على كل شاب أن يدرسها، وذلك ~~بأن يكون على وجدان يقظ، وتنبه دائم للحركات السياسية والاقتصادية في العالم، بل إن كل شاب ~~يعد مسئولا في عصرنا عن هذا التطور الذي يجري هادئا صامتا، أو صاخبا متفجرا، ويجب أن ~~يشترك فيه، ويعمل لاستعجاله، مجاهدا بما يمليه فهمه وتعقله للحوادث، حتى يقف إلى جانب ~~الخير ويقاوم قوات الشر. # ولذلك يجب على كل شاب أن يقرأ الجرائد التي تعنى بدراسة الشئون العالمية، وأن يوالي ~~هذه الدراسة التي ترفعه إلى آفاق من الفهم والمعرفة والحكمة لا يصل إليها أولئك الذين ~~يقتصرون على قراءة المجلات التي تخاطب الغرائز وتجمش الشهوات، وتكافح الذكاء، وتطارد العقل، ~~أو أولئك الآخرون الذين يعيشون على الخبز وحده. # ويقول الحديث الشريف: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته». # ويقول المثل الأوروبي: «كل فرد في أمة ديمقراطية يعد ملكا؛ لأن له رأيا في ~~الحكم». # والأمة أو الرعية هذه الأيام هي النوع البشري كله على هذه الأرض، وأنت أيها القارئ مسئول ~~عنه، وأنت مضطر لهذا السبب إلى دراسة السياسة والاقتصاد وهما أساس التطور الاجتماعي الذي ~~نرجوه، أو الانفجار الذري الذي نخشاه. # الفصل الخامس # | القلق الموقظ والطمأنينة المخدرة # القلق متعب والطمأنينة مريحة، ولكن قد يكون القلق في ظروف كثيرة أشرف من الطمأنينة؛ إذ هو ~~قد يبعث على اليقظة والتفكير والاهتمام في حين تبعث الطمأنينة على الركود والنوم. # قبل أن يخرج «قاسم أمين» كتابيه عن تحرير المرأة المصرية، كنا مطمئنين على المرأة، كما ~~كانت هي راضية بما فرضته عليها التقاليد من الحجاب، ولم يكن أحد يهتم بتعليمها أو يفكر في ~~ضرورة مساواتها بالرجال، ولكن قاسم أمين دعا إلى سفورها وإلى تعليمها، فأثار ms07 القلق الشريف ~~بيننا، وشرعنا نختلف في الرأي ونناقش، والآن بعد نحو خمسين سنة من هذه الحركة نجد 6 آلاف ~~طالبة في الجامعات المصرية، فضلا عن آلاف الطالبات في المدارس الأخرى، ونجد السفور عاما ~~والتمدن ينتشر بيننا. # ومثل هذه الحال تعم الفلاحين في أيامنا، فإن المصري البار الذي يدعو إلى رفع مستوى ~~المعيشة في الريف، وإلى زيادة أجور الفلاحين وحقوقهم، يجابه بأن الفلاحين سعداء لا يطلبون ~~شيئا، وأنهم مرتاحون مطمئون إلى حالتهم. # ولكن المرأة المصرية أيضا كانت مطمئنة قبل دعوة قاسم أمين، واطمئنانها لم يمنع هذا ~~المصري العظيم من أن يقلقنا ويقلقها بدعوته الجديدة، دعوة النور والحرية، وكذلك يجب أن ندعو ~~دعوة النور والحرية أيضا، حتى لو لم يطلبها هو؛ لأنه لا يعرف قيمتها، ويجب أن نقلق أنفسنا ~~وأن نقلقه حتى ينشد الرقي لنفسه. # إن القلق الموقظ أشرف من الطمأنينة المخدرة. # الفصل السادس # | لنعش كي نربي أنفسنا # ما هو أحسن وأعظم ما نبلغه من الحياة. # قد يقول أحدنا: إنه الصحة، أو المال، أو الجاه، أو الثقافة. ولكل واحد من هذه الأشياء ~~قيمة، ولكن أكبرها قيمة عندي أننا نجد في الحياة تربية؛ لأننا بما يمر بنا من الحوادث ~~والاختبارات والمتع والمحن، نزداد فهما للدنيا وتعمقا لمشكلاتها. # فنحن نتعلم في المدرسة أو نتخرج في الجامعة، ولكننا في النهاية لن نجد شيئا يعلمنا أكثر ~~من اختباراتنا، ولن نبلغ الحكمة إلا إذا خرجتنا الحياة نفسها بما نمارسه فيها وننتفع به، ~~ولو كان هذا من الكوارث التي حزت في أجسامنا أو في نفوسنا. # ولذلك يجب أن نعيش حياتنا بروح المتعلم الذي يبغي زيادة في الفهم، وأن نجعل هذا الفهم ~~أعظم من الصحة، والمال، والجاه، والثقافة؛ لأن كل هذه الأشياء تحمل في طياتها ألوانا من ~~الغش، فالصحة قد لا تكون أكثر من القوة العضلية الحيوانية، وقد يكون المال وفرة مرهقة لا ~~تحررنا بل تقيدنا، وقد يكون الجاه عبسا وغطرسة، كما قد تكون الثقافة دجلا لا قيمة ~~له. # ولكن الفهم الذي يستخلص الحقائق من المعارف يزيدنا إنسانية، ويرفعنا ms08 فوق كثير من الأوهام ~~الاجتماعية، ويقرر لنا قيما وأوزانا من السعادة أو الشرف لا يمكن أن نصل إليها إلا بذكاء ~~العقل المدرب الذي جعل من الحياة مدرسة كثيرة الاختبارات والتجارب. # والرجل الحكيم هو الذي يجعل حياته تربية له، وعلى هذا الأساس أخرجت كتابي «تربية سلامة ~~موسى»، فإن هذا الكتاب هو تاريخ حياتي التي أنظر إليها من زاوية معينة هي؛ كيف حققت تربيتي ~~منها، وقد يجد القارئ أخطاء كثيرة في الأسلوب أو التفاصيل، ولكني لا أظن أنه يستطيع أن ~~يخالفني في الهدف، وهو أن الحياة تربية تزيدنا وجدانا وفهما، أو يجب أن تكون كذلك. # وما أحرى الشباب بأن يهدفوا إلى هذا الهدف، وهو أنهم يعيشون كي يربوا أنفسهم، وكي يزيدوا ~~فهما للدنيا، وأن خريج الحياة خير من خريج الجامعات. # الفصل السابع # | يجب أن نعمل كي نعيش # كتب إلي أحد الشبان يقول: إن مرتبه الشهري أقل من خمسة عشر جنيها، وأنه يعول زوجته، ~~وأولاده، وأبويه، وبعض أقاربه المحتاجين بهذا المبلغ، ولذلك هم في قحط، وهو يطلب إلي أن ~~أحل هذه المشكلة. # وواضح أن هذا المبلغ لا يكفي كل هؤلاء، وفي أوروبا المتمدنة يمنح المسنون الذين بلغوا ~~الستين معاشات من الحكومة يعولون بها أنفسهم، سواء كانوا من رجال أم نساء، وكذلك الحكومات ~~المتمدنة تعالج الغلاء الذي نعانيه في مصر ولا نجد له أي علاج. # ولكن، حتى مع هذه الاعتبارات، يبقى هناك اعتبار ضخم له أكبر الشأن فيما يعاينه هذا الشاب؛ ~~إذ لو كان هو أوروبيا لعملت زوجته وكسبت، بل لعمل كل فرد يتجاوز سن التعليم من أولئك ~~الذين يعولهم هو الآن في مصر، وكانوا عندئذ يكسبون، ويصونون صحتهم بالطعام الوفير، وكرامتهم ~~باحترام المجتمع لهم. # ولذلك يجب أن نعترف بأن شبابنا منكوبون بثقافة شرقية تمنع، أو تؤخر، استخدام المرأة ~~وكسبها، في الوقت الذي يعيشون فيه في ظروف غريبة تطالب كل شاب وكل فتاة بأن يعملوا وينتجوا ~~ويكسبوا. # وهذه الثقافة الشرقية هي التي تمنع المرأة أو الفتاة، في كثير من بلدان الشرق، من العمل ~~والكسب، ms09 وتطالب الزوج أو الأب أو الابن بأن يعمل وحده كي يعول سبعة أو ثمانية أعضاء في ~~عائلته، وهو بالطبع يعجز، ولذلك هم يعيشون في قحط دائم، بل أحيانا يعيشون في خلاف يؤدي ~~إلى المحاكم حين تطلب السيدة أو الفتاة نفقة من عمها أو ابن عمها بدلا من أن تعمل ~~وتكسب. # ولذلك علينا أن نترك ثقافتنا الشرقية القديمة، وأن نأخذ بالأوزان والقيم الأوروبية حتى ~~نخفف عبء العيش عن الرجل، وعلى كل امرأة وفتاة في الشرق أن تعمل وتكسب كما تفعل ~~الأوروبيات. # الفصل الثامن # | المسئولية فيتامين الشخصية # تغيرت مناورات شباب اليوم لتحقيق الرجولة، ذلك أنهم قد استغنوا عن العصا، وكذلك هم حين لا ~~يجدون ما يسعفهم من الطربوش الأعوج، فإنهم يؤكدون شخصيتهم بالتدخين، فالشاب يدخن؛ لأنه يجد ~~في السيجارة ما يرفعه إلى مقام الرجال، بل أحيانا تفعل الفتاة أو السيدة ذلك اعتقادا ~~بأنها قد حظيت بكرامة واحترام تحفقان عنها «مركب النقص». # ومركب النقص هذا عام في الطفل والصبي والشاب، ذلك أن الدنيا بمصاعبها العدة تخيفهم، وهم ~~يجدون من الكبار جرأة ومعرفة واختبارات لم يصلوا إليها، فيتعمق نفوسهم إحساس الشك والخوف ~~والعجز من حيث لا يدرون السبب لكل هذا، فينشأ في نفوسهم شوق إلى التفوق والعظمة، وجلب ~~الاحترام بألوان من التصرف، وأنواع من السلوك، كثيرا ما تكون زائفة غير صحيحة؛ أي: لا ~~تؤدي إلى الهدف الذي ينشدونه. # واتخاذ العصا، أو السيجارة، هو سلوك زائف لتكبير الشخصية وتحقيق التفوق وجلب الاحترام، ~~ولكنه مع زيفه ليس كثير الأذى إلا من حيث إنه يحول بين الشاب وبين التصرف المثمر الذي يكبر ~~شخصيته ويرفعها إلى النضج والإيناع، ولكن يحدث أحيانا أن الشاب، لإساءات سابقة مست كرامته، ~~يعمد إلى مغامرات تقارب الجريمة؛ كي يثبت أنه عظيم، وقد تنتهي هذه المغامرات بتدميره، كما ~~نرى مثلا في شاب يبذر أمواله الموروثة كي يثبت عظمته، أو يدخل في مشروعات خيالية تجلب عليه ~~الإفلاس لهذا السبب نفسه. # فيجب على الشاب أن يحلل بواعثه، وأن يفهم الأسباب التي تحمله على تصرف أو سلوك ms10 معين، هل ~~هي بواعث صبيانية لتكبير شخصيته، أم هناك أهداف حقيقية يستطيع بالجهد والمثابرة أن يصل ~~إليها؟ وبكلمة أخرى: هل هو معاند لقوات كبرى عناد الأطفال والصبيان؛ أم هو مفكر ناضج؟ هل هو ~~يريد تكبير شخصيته بالسيجارة والمظهر الزائف، أم بالعمل المثابر؟ # إن الشخصية شيء عظيم، يجب أن ننشدها جميعا، ولكن في تعقل ووجدان، وأول مراتبها أن نخدم ~~إخواننا، ونتحمل المسئوليات؛ لأن المسئولية هي فيتامين الشخصية، وعلى قدر المسئولية يكون ~~قدر الشخصية. # الفصل التاسع # | نأكل لنعيش # قبل شهور كنت أعيب على بعضنا قلة تقديرهم واحترامهم لعيد «شم النسيم»؛ إذ بدلا من أن ~~يجعلوا منه مهرجانا للربيع وهو في غلوائه، وعيدا للزهور وهي في أرجها، ينتشون بجمالها، ~~ويتنسمون نسمات الصبح المشرق في الحقول النضرة، يعمدون إلى أكل الفسيخ والبصل ويجعلون من ~~أنفسهم سبة وقحة لهذا العيد الذي يعد في صميمه عيدا لجمال الطبيعة. # ولكني عند التأمل أجد أننا في طعامنا العادي نكاد نأكل الفسيخ ثلاث مرات كل يوم؛ إذ إننا ~~نكثر من الملح والتوابل، فنبقى طوال النهار نشرب الماء؛ كي نخفف من الحرقة التي تحدثها هذه ~~التوابل والمأكولات المملحة. # وعلى الرغم من أن الحضارة المصرية قد دخلت بيوتنا، فإن مائدتنا قد ظلت، من حيث الطعام، ~~شرقية، وإن كانت من حيث النظام قد أصبحت غربية، ولذلك لا نكاد نجد طعاما يخلو من الثوم أو ~~البصل أو الفلفل أو غيرها مما يثير المعدة إلى طلب الزيادة، فنتعود الشره، ونأكل حتى نتخم، ~~ثم نسمن ونترهل ونستكرش، وتأخذ شهوات البطن الدنيا عندنا مكان الشهوات الذهنية العليا عند ~~المتمدنين. # وأعظم ما يدل على الرجل المتمدن، أن يكون بطنه متمدنا، والحياة الفنية العالية يجب أن ~~تحملنا على مقاطعة تلك التوابل التي تحثنا على الإكثار من الأكل، وليس يليق بالرجل المتمدن ~~أن تختلط أنفاسه بروائح الثوم أو البصل، كما لا يليق به أن يأكل الأطعمة المتوبلة التي لا ~~يشبع منها قبل أن يتخم. # يجب أن نأكل لنعيش فقط، لا لنسمن ونترهل، ويجب أن نهتم بالزهور النضرة، والأطباق الفاخرة، ms11 ~~أكثر مما نهتم بالأطعمة الدسمة المتوبلة، ويجب أن نتذوق الطعام بعقولنا قبل أن نتذوقه ~~بألسنتنا، فنطلب النافع الذي نصح به قبل أن نطلب اللذيذ الذي قد نلذ به، ولكن نمرض ~~منه. # الفصل العاشر # | لا نخف الحياة # من أعظم ما يدل على أن بعض شبابنا يخافون من الحياة، ويؤثرون الوقوف على شاطئ السلامة ~~والأمن، مهما يكن في وقوفهم هذا من ضعة وجبن، أن كثيرا منهم يسألون ويبحثون عما تملكه ~~الفتاة التي يخطبونها للزواج، بل هم أحيانا يضعون هذه المسألة في مقدمة ما يطلبون، كأنها ~~الغاية الأولى من الزواج. # وهذا يدل على خوف من الدنيا، وعلى أنهم يبغون قضاء حياتهم على هذه الأرض بلا اقتحامات، ~~وبلا صعوبات، وليست هذه هي الحياة المثلى للرجل الأمثل؛ لأن الحياة يجب أن تحتوي النور ~~والظلام، والمتعة والمحنة، كي نعيشها حافلة بالاختبارات والتجارب، وكي نسبر أعماقها كما ~~نرتفع إلى قممها. # ومع أن مجتمعنا ليس وطيدا في بنائه الاقتصادي، بل إنه كثير التزعزع، فإن الشباب الذي ~~ينشد من الزواج أمنا اقتصاديا قبل كل شيء إنما يضحي بسعادته ومسراته العليا من أجل ~~الوقاية من الخوف، وهو في هذه التضحية خاسر بلا شك. # إنما متعة الزواج في رفقة الحياة التي قد تبلغ نصف قرن أو تزيد وهو تكون، ثم نمو، ونضج، ~~بل هو خلق جديد يستتبع تبعات قاسية سامية في تربية الأبناء وتنشئتهم. # وهذا المال الذي يتطلبه الشاب من خطيبته ليس سوى الهباء الذي لا قيمة له بالمقارنة إلى ما ~~يرثه هؤلاء الأبناء من الذكاء والجمال والصحة، هذه الصفات الثلاث التي يجب أن تطلب أولا في ~~الشاب أو الفتاة اللذين يبغيان الزواج، بل ليست هناك صفة أخرى تطلب إلى جنب هذه الصفات؛ ~~لأنها أزلية تورث في الأعقاب. # أيها الشاب: إذا فكرت في الزواج فانشد الفتاة الذكية الجميلة التي عاشت مع أبوين كريمين ~~فاضلين، فحصلت بذلك على ميزتي الوراثة والوسط، وتهيأت بذلك للزواج والأمومة، وحسبك ~~هذا. # الفصل الحادي عشر # | الصحة والجمال # من مساوئ مجتمعنا في الوقت الحاضر أن نعد العمل ضرورة ms12 للكسب فقط، ونتمنى لو أننا كنا ~~قادرين على الاستغناء عنه وعلى أن نعيش في بطالة، وهناك من الأثرياء الوارثين من يعيشون في ~~البطالة فخورين بثرائهم، حتى لينظر إليهم غيرهم من العاملين المكدورين بعين الحسد، يودون ~~لو أنهم أيضا كانوا قد ورثوا وقد هنئوا مثلهم بالبطالة. # ولذلك تعد البطالة في بعض أوساطنا ميزة، إذا لم تكن الفرص تتيح لنا تحقيقها فلا أقل من أن ~~يدفعنا الزهو إلى التظاهر بأننا قادرون على أن نعيش فيها، حتى لنرى المالك الوارث الذي لا ~~يملك سوى خمسة أو ستة أفدنة يتباهى ببطالته، ويقضي وقته فراغا كاملا في حركة الجسم ~~والذهن، ونرى كذلك سيدة البيت وهي تقعد وتتعفن في مقاعدها بلا عمل؛ اعتقادا بأن للبطالة ~~حقها الطبيعي، وأن العمل والخدمة لم يخلقا لها، وأنه ما دام في البيت خادم فإنها هي يجب أن ~~تقضي حياتها مرتاحة، في حين يجب على الخادم أن يعمل ويكد، وكثيرا ما أتأمل هذه الحال، ~~وأقارن بين الخادمة وسيدتها، فأجد أن الأولى تمتاز بالقوام النحيف الجميل في حين أن الثانية ~~تترهل وتستكرش وتلهث لأي جهد، وذلك لأن العمل ينشط الخادمة ويشيع الصحة في جميع أعضائها، ~~فهي خفيفة متحركة نشيطة، في حين أن البطالة التي تفخر بها سيدتها تملأ أعضاءها شحما وتجعل ~~بطنها ينبعج، حتى لتزول معالم الجمال فيها؛ إذ هي كتلة متراصة من اللحم والشحم، ونحن إذا ~~أغفلنا القيم الاجتماعية، واعتمدنا على القيم البشرية وحدها، لقلنا: إن هذه الخادمة أفضل من ~~سيدتها، ولو أننا كنا قد نشأنا على احترام العمل، وعلى أن سبب وجودنا في هذه الدنيا هو أن ~~نخدم المجتمع الذي نعيش فيه، لما احتجنا إلى الألعاب الرياضية التي نعوض بها ما كان يجب أن ~~نؤديه بالخدمة والعمل اليدوي، ولو كانت كل سيدة تمسح منزلها كل يوم، وتؤدي واجبات الخدمة ~~لزوجها وأبنائها لما أوذيت أعيننا بمظاهر الشحم المتكتل واللحم المترهل في نسائنا اللائي ~~فقدن معالم الجمال؛ لإيثارهن البطالة على العمل، واعتقادهن أنه ليس من واجبهن أن يجهدن ~~ويخدمن. # ليكن لنا مذهب ms13 ندعو إليه ونمارسه: وهو أن العمل والخدمة هما الشرف، أما البطالة فهي ~~الضعة والخسة. # الفصل الثاني عشر # | ضرورة الفلسفة # يتغير معنى الحياة الصالحة أو الحياة السامية بتغير الظروف والأزمنة، ولكن الإنسان في ~~جميع الأقطار، وفي مختلف العصور، قد وصل إلى معنى للدين تبلورت فيه فلسفته، وتجوهر فيه ~~إلهامه، وهو الحب للبشر والارتفاع من الأهداف الأنانية إلى الأهداف البشرية والاجتماعية، ~~وهذا المعنى الديني هو الذين يعين لنا أسلوبا للحياة الصالحة أو السامية. # ومن هنا ضرورة الفلسفة لكل شاب أو فتاة؛ أي: يجب أن ندرب عقولنا على التفكير السليم حتى ~~نصل إلى الرأي السديد في شئون الحياة ونعيش متسائلين مستطلعين عن قيمة نشاطنا؛ أي: يجب أن ~~نعيش المعيشة الدينية الفلسفية، ونقيس رقينا بمقدار ما نرتفع عن الأنانية المادية الوضيعة ~~إلى الخدمة البشرية والحب للناس والرغبة في رقيهم. # والواقع أنه ليس هناك إنسان يخلو من العواطف تمام الخلو، وهو لو كان كذلك؛ أي: لو خلا من ~~هذه العواطف تماما، لما ائتمناه على أن يجاورنا في مقعد بالترام أو القطار؛ لأننا عندئذ لا ~~نجد أقل الضمان عندنا ألا يجرؤ على سرقتنا. # ولكننا نختلف في هذه العواطف، فهي قوية في البعض ضعيفة في الآخرين، ومن هنا حاجتنا إلى ~~الغذاء الفلسفي بالدرس والتأمل والبحث فيما ينفع الناس حتى نشحذ شباة العاطفة الاجتماعية ~~التي تحملنا على العمل الإيجابي للخير، فضلا عن الكف عن الشر. # علينا أن نتفلسف ونرفع مشكلتنا الخاصة الفردية إلى مقام المشكلة العامة الاجتماعية، فنجعل ~~من فلسفتنا كفاحا للخير والرقي، وبهذا فقط نستطيع أن نمارس القداسة في معناها ~~العصري. # الفصل الثالث عشر # | الطيبة هي ذكاء القلب # في أوساطنا المختلفة أفراد لا يمتازون بالذكاء أو النجاح أو الشخصية، ولكنهم يمتازون بشيء ~~آخر لا نكاد نحدد تعريفه، ولذلك نصف أحدهم بأنه رجل «طيب». # ونعني بهذا الوصف أنه يكره أذى الناس، وأنه يحب الخير للناس، وأنه حساس لا يجرح قلب ~~المسكين أو المحتاج، وأنه يسارع إلى المعونة، فإذا شئنا التوسع في وصف هذا الرجل الطيب، ~~قلنا: إنه حين ms14 يكون ثريا لا يفتخر أمام الفقراء بثرائه، وحين يكون ناجحا لا يتباهى أمام ~~المخفقين بنجاحه، والمرأة الطيبة هي التي لا تشيد بأولادها أمام الزوجة التي حرمت الأولاد، ~~وإذا كانت سعيدة في زواجها تحفظت في وصف سعادتها أمام الزوجة الشقية. # كان النازيون وحوشا في كثير مما دعوا إليه من مبادئ، أو مارسوه من أعمال، ولكنهم أحسنوا ~~المروءة حين ألغوا كلمة «خادم» واستبدلوا بها عبارة «أمين البيت». # والطيبة هي ذكاء القلب الذي قد يخالف أحيانا منطق العقل، وهي التي تحملنا على أن ننسى ~~الفروق الاجتماعية ونذكر أننا سواء في القيم البشرية، لكل منا، مهما حقرت مكانته ~~الاجتماعية، كرامته البشرية. # وذكاء القلب هذا، أو هذه الطيبة، ما زلنا نجدها في بعض الأوساط الريفية التي لم تفسدها ~~الفروق الاجتماعية، هذه الفروق التي تنمو نموا بغيضا في المدن، فقد رأيت بعض المالكين في ~~الريف يأكلون مع عمالهم، وعرفت سيدة كانت تأكل مع خادمتها، والنفس المهذبة هي، بعد كل شيء، ~~النفس الطيبة، وما ذكرناه هنا هو التهذيب الظاهر، ولكن هنا المروءة التي هي مذهب الرجل ~~الطيب، وهو الذي يغيث المحتاج في السر والخفاء، وهو الذي يواسي بكلماته ونقوده من يحتاجون ~~إلى المواساة. # على كل شاب أن يكون طيبا قبل أن يكون ناجحا، وقبل أن يفخر بذكائه أو مكانته أو عمله، ~~يجب أن يفخر بطيبته؛ أي: عليه أحيانا أن يفكر بقلبه ويحس بعقله. # الفصل الرابع عشر # | قسوة الرحمة # الرحمة والحنان من أجل العواطف البشرية، ولكن يجب أن يرافقها التعقل والتبصر لمصلحة هذا ~~الشخص الذي نرحمه ونتحنن عليه، فإن في الرحمة أحيانا قسوة تفتت الصلابة وتفكك ~~الأخلاق. # ونستطيع أن نرى «قسوة الرحمة» في الأم التي تدلل طفلها فتلبي جميع طلباته، فينشأ المسكين ~~على أخلاق مترهلة حتى ليبلغ الخمسين أو الستين من العمر وهو لا يزال طفلا يعاند ~~ويتدلل. # ونستطيع أن نرى قسوة الرحمة في أولئك الذين يتصدقون على الصبي أو الشاب القادرين على ~~الخدمة، فيفقد كلاهما شهامته ويذل للاستكداء ويرضى بالتسول وسيلة للعيش، بدلا من أن يعمد ~~إلى ms15 رجولته ويعمل ويجد، وهذه الرحمة قد تكون على أقساها وأفظعها حين نتصدق على المريض الذي ~~يحمل في جسمه مرضا معديا كالجذام أو الدرن، فتدفعه رحمتنا إلى أن يتعلق بالترام ويتزاحم ~~بالركاب، ويتخللهم، وينقل عدوى مرضه إليهم. # وقد كان هتلر مجنونا، وكانت النازية مذهبا تدميريا، ولكنه كان رحيما بصيرا بأسمى ~~المعاني للرحمة، حين عمد إلى تعليم الناقصين الذين كان يخشى من انتقال نقصهم إلى نسلهم؛ لأن ~~الرحمة لهؤلاء الناقصين كانت بلا شك تنطوي على قسوة للأبناء والأحفاد الذين ينشئون وبهم ~~عيوب وراثية لا يمكن علاجها. # يجب أن نتبصر في رحمتنا، وأن نتعقل في حناننا، حتى لا نؤذي الشخص الذي نرحمه ونتصدق عليه ~~فننزع منه رجولته، ونجرد منه شهامته بحناننا وتصدقنا، كما يجب ألا تؤدي رحمتنا لأحد ~~الأشخاص إلى قسوة بالمجتمع. # الفصل الخامس عشر # | الشطط في الفضيلة # عندما أتأمل بعض الأخطاء التي يقع فيها الناس أجد أنها نتيجة للشطط في فضائلهم، فإن ~~المقتصد يغالي في اقتصاده حتى يقع في البخل أو التقتير، والمتبصر يغالي في تبصره حتى يخاف ~~المستقبل ويضحي بحاضره من أجل مستقبله، والأم التي تحنو على أطفالها تغالي في حنوها حتى ~~تدللهم وتؤذيهم؛ لأنها لا تحملهم على الاستقلال وتكاد تلقمهم اللقمة في أفواههم. # وكلنا إلى حد ما يقع في مثل هذا الشطط، كأننا ضحايا فضائلنا ، وذلك لأن الفضيلة التي ~~نمارسها تعود بحكم التكرار لممارستها عادة ننساق فيها، ولا نتنبه إلى أن هناك ظروفا يجب ~~أن تحملنا على الحد من الإسراف أو المبالغة فيها، ثم يكون الزلل. # أعرف رجلا فاجرا عالجه إخوته بالرحمة اعتقادا بأنها سوف تصلحه، ثم أسرفوا في الرحمة ~~والغفران فلم يكن من نتيجة لهذا الشطط في الفضيلة سوى إسرافه هو في الفجور والعدوان، وكانوا ~~هم أنفسهم ضحايا هذا الفجور والعدوان؛ أي: ضحايا فضيلتهم في الرحمة به؛ إذ لم يترك واحدا ~~منهم دون أن يسرقه أو يؤذيه، وقد استحال هو إلى لص بهذه الرحمة، ولو أن عائلته عاملته ~~بالإنصاف لنشأ رجلا فاضلا. # ولذلك يجب أن نذكر على الدوام أن ms16 الاعتدال هو رأس الفضائل، وأن الشجاعة وسط بين التهور ~~والجبن، والاقتصاد وسط بين التبذير والتقتير، وأن الرحمة وسط بين القسوة والتدليل. # وبكلمة أخرى يجب ألا نكون ضحايا فضائلنا، ويجب أن نزن الفضيلة إلى جنب غيرها من الفضائل، ~~وأن نجعل نظرتنا محيطة شاملة، فلا نلتزم فضيلة تستهوينا وتعمينا عن غيرها، فإن الحياة أكبر ~~من أن تحتويها فضيلة واحدة. # الفصل السادس عشر # | المروءة تثقفنا وتصقلنا # عندما ننصح لأحد الشبان بأن ينشط إلى معاونة الغير، أو إلى إسداء المروءة إلى المحتاجين، ~~يكاد هذا الشاب المستمع يعتقد أنه يطالب بالتضحية، وأننا نكلفه شيئا يتجاوز الفروض ~~والواجبات. # ولكن قليلا من النظر السيكلوجي لمواقف المروءة والتعاون والبر يجعلنا نفهم، أو نوقن بأن ~~هذا الشاب البار الذي يمارس المروءة ينتفع ببره ومروءته مثلما ينتفع ذلك الشخص الذي أسدى ~~إليه البر أو المروءة، بل ربما أكثر منه. # ذلك أننا بهذه الممارسة تزيد الإحساس الاجتماعي في نفوسنا، ونتعود ما يلابس هذا الإحساس ~~من مجاملات لفظية أو إيمانية تحمل كل من يصادفنا على احترامنا وحبنا، بل أكثر من هذا، وهو ~~أننا نتجه اتجاه الخدمة والحب للمجتمع، فنتجنب الإثم والعار والجريمة، ونمارس الفضيلة ~~الاجتماعية في غير تكلف. # ممارسة المرءوة تجعلنا اجتماعيين، بحيث ننأى عن الشذوذ والإجرام؛ لأن أبرز صفات المجرم ~~أنه انفرادي يفكر في نفسه فقط ، فهو يتجلف في لغته، ويمدح نفسه، ويعد المروءة سخفا، ثم لا ~~يبالي بعد ذلك أن يخدعك ويسرك؛ لأن «الغرائز» الاجتماعية لم تجد عنده ما يرويها ويصقلها من ~~التعاون والبر والمروءة. # مارس أيها الشاب المروءة والنجدة والشهامة، واعلم أنك وأنت تسدي المعاونة إلى أحد ~~المحتاجين، إنما تخسر مادة يسيرة ولكنك تكسب تربية نفسك وصقلها ورفعها إلى المستوى ~~الاجتماعي الذي ينأى بك عن الشذوذ أو الإجرام، واذكر أننا نحس الحب للناس عندما نخدمهم، ~~ونحس الشهامة عندما ننجدهم. # والنفس السوية هي في النهاية النفس الاجتماعية. # الفصل السابع عشر # | اجعل المجد هدفك # يعيش كثير من الشباب سادرين يجرون مع التيار كأنهم حطامة يحملها السيل ويتجه بها أية ~~وجهة، ويقنعون ms17 من الدنيا بما تعين لهم الحوادث، ليس لهم هدف أو برنامج. # ولو أن أحدا أسس مدرسة وأعلن أنه ليس له برنامج ولا هدف لتجنبه الناس، وعدوا مدرسته ~~مؤسسة للفوضى؛ لأن غاية المدرسة هي التعليم، وهو يحتاج إلى درجات مرتبة من التثقيف تنتهي ~~إلى نهاية. # وكذلك يجب أن يكون الشأن في الحياة، نهدف منها إلى تربية الشخصية، فنعمل جاهدين إلى أن ~~نصل إلى نضجها فأيناعها، ونحن نتربى وننضج بما يقع بنا من حوادث وتجارب، فالحياة هنا مدرسة ~~تربينا مدى سبعين أو ثمانين سنة نعيشها على الأرض، ولكن يجب علينا أن نقف من هذه التربية ~~موقف المعلم والتلميذ معا نختار البرنامج ونعين الهدف، ولا نترك أنفسنا منفعلين مندفعين ~~بالتيارات المحيطة بنا. # ومما تثبته السيكلوجية الحديثة أن لكل منا هدفا يتعين لنا أيام الطفولة، فنرسم لأنفسنا ~~الصورة المثلى التي تتمنى أن تتحقق، ثم نجهد على غير دراية منا كي نصل إلى تحقيقها. # ولكن هذه الصورة طفلية، وهي ليست جديرة بأن نجهد لتحقيقها، فيجب ألا ننخدع بها. # والشاب الناضج هو الذي يقف حوالي العشرين من عمره موقف الوجدان والاختيار، فيعين هدفه ~~لنصف القرن الباقي من عمره ويسأل: ماذا أريد من هذه الدنيا؟ كيف يجب أن أكون بعد 30 أو ~~أربعين سنة؟ وهل أسلوب الحياة الذي أتخذه الآن سيؤدي بي إلى المجد والصحة والمعرفة واليسر؟ ~~أم إلى الحقارة والمرض والجهل والفقر؟ # فإذا هو عين هدفه، واستقر عليه بعد المراجعة والتنقيح، فعليه أن يعين البرنامج على مراحل، ~~كل مرحلة خمس سنوات مثلا، يرتقي بها من حال إلى حال أخرى في كل ما يمتاز به الإنسان الراقي ~~من الصحة والمعرفة واليسر، بل أيضا من المجد، بل الحق أن الشاب الذي يتوخى المجد لا يحتاج ~~إلى أن يفكر في غيره؛ لأن هذا الهدف وحده سيوجهه، وسيضطره إلى ممارسة كثير من ~~الفضائل. # أجل: أيها الشاب، احترف المجد من الآن، واجعله هدفك، وعين برنامجك لتحقيقه. # الفصل الثامن عشر # | فلنحرر رءوسنا كما حرر الصينيون أقدامهم # كانت الطبقة الحاكمة في الصين، وهي ms18 طبقة المانشو التي زالت عن مقاعد الحكم والسلطان بثورة ~~سون يوت سون في 1911، تمارس عادات وتقاليد تحافظ عليها كما تحافظ على سلطانها، وكان من هذه ~~التقاليد أن تربط قدم الطفلة بأربطة وثيقة، حتى إذ شبت وصارت آنسة مرشحة للزواج كان من ~~ميزاتها التي تفخر بها وتفاخر بها عائلتها أن قدمها صغيرة، بل صغيرة جدا لا تسمح لها ~~بالسعي والعمل؛ لأن السعي والعمل من صفات الفقراء والصعاليك، أما هي فمن طبقة الأثرياء أو ~~النبلاء التي تعيش بلا عمل. # وكان ربط القدمين يؤدي إلى ضغط الشرايين والأوردة، فلا تجد القدمان غذاءهما، فتضمر ~~كلتاهما وتسقطان، وتعيش هذه الفتاة الثرية النبيلة سائر حياتها بلا قدمين، تفخر بنبالتها في ~~المجتمع وخبيتها في الحياة التي تحياها على قدمين هما عضوان. # وجميعنا إلى حد ما يربط قدميه بالتقاليد أو العادات، وإن كانت القدم هنا مجازا أو ~~استعارة. # ذلك أننا نربط عقولنا كي لا نفكر التفكير الحر، أو تسن الحكومة قوانين حتى لا نفكر إلا ~~في الحدود التي تعينها لنا، وهذه الحدود للعقل هي بمثابة الأربطة الصينية القديمة للقدم، ~~وهناك تقاليد وعادات نفخر بأننا نتقيد بها، ونحصل بذلك على كرامة اجتماعية، ولكن عقولنا ~~تضيق وتأسن حتى تعجز عن التفكير البكر المنتج، ونصل إلى حال يسألنا الأطفال فيها أسئلة ~~صريحة عن هذا الكون ومنشئه وعن الحق والضلال وعن الفضيلة والرذيلة، فنجيب على أسئلتهم ~~بالكذب أو النفاق أو الغش؛ لأن عقولنا قد ربطت منذ طفولتنا كالقدم الصينية القديمة. # وقليلون منا هم الذين فكوا هذه الأربطة عن عقولهم وانطلقوا يفكرون في حرية وابتكار، ولكن ~~المقيدين المربوطين لا يطيقون هذه الحرية؛ لأنها نور يعشى عيونهم التي نمت في ~~الظلام. # علينا أن ننمو النمو الطبيعي بلا أربطة صينية للعقل أو لغير العقل، وعلينا أن نكف ~~الحكومات عن وضع الأربطة للعقول، وأن ننفض عنا التقاليد والعادات التي تربط عقولنا ~~وتقيدها. # الفصل التاسع عشر # | المتمدنون المتوحشون # من القصص التي تركت في ذهني أثرا حيا قويا لما فيها من الدلالة لحياة الكثيرين منا، ~~قصة لمؤلف أوروبي ms19 نسيت اسمه، وموضوعها أولئك المتمدنون المتوحشون الذين يتخذون زخارف ~~الحضارة، ولكنهم في أعماق قلوبهم وحوش تفترس ولا ترتفع إلى معنى الإنسانية. # والمؤلف يعقد فصلا، أو منظرا، يجتمع فيه طائفة من هؤلاء المتمدنين حول مائدة، وقد زها ~~كل منهم في حلة غالية تدل على الثراء والوجاهة، كما أن السيدات تتلألأ عليهن الجواهر وتصرخ ~~فساتينهن بالألوان، والجميع يتحدثون في لغة مهذبة، يجامل بعضهم بعضا بالابتسامات ~~والإيماءات التي تنطق عن عناية سابقة في تدريبهم على مثل هذه الاجتماعات. # أما المائدة فكانت تكتظ بالآنية الفاخرة والأزهار النضرة والأنبذة الرحيمة، ويتوسط ~~المائدة طبق كبير عليه اللحم الذي يمزقونه ويتناولونه فلذة بعد فلذة يأكلونها في تأنق يدل ~~على تمدنهم. # ولكن هذا اللحم لم يكن لحم الضأن أو لحم البقر، وإنما كان لحم طفل بشري قد طبخ وهيئ ~~بالتوابل، وأنضج بالزبد والمرق، وكان كل ما يهتم به هؤلاء المتمدنون أن يتناولوا لحمه فوق ~~القواعد المرسومة لآداب المائدة، أما هذا الطفل البشري المبسوط أمامهم، المطبوخ على النار، ~~فلا يسألون عنه. # وهنا المغزى الرمزي لكثير من أولئك المتمدنين المتوحشين، الذين لا يبالون أن يعيشوا في ~~ترف، يأكلون أشهى الأطعمة، ويلبسون أجود الأقمشة، ويتأنقون في سلوكهم ولكنهم لا يبالون ~~العائلة الفقيرة التي استخدموا أعضاءها فجمعوا منها أموالهم وحرموها من الغذاء الكافي أو ~~المسكن الصحي أو تركوها حتى تموت جوعا وعريا. # أجل، إن هؤلاء المتمدنين المتوحشين يأكلون لحوم الأطفال على موائد مطهمة، تحمل الآنية ~~الفاخرة والأزهار النضرة. # الفصل العشرون # | الشرق والغرب ... أيهما المادي؟ # من أسخف المزاعم أن يقال: إن الشرق روحي والغرب مادي، كأن الروحية هباء أو سحر لا تتصل ~~بحاجات الحياة من طعام وكساء ومسكن، وكأن الفلاح المصري الذي تأكل ديدان البلهارسيا أحشاءه، ~~ولا يحصل على أكثر من جنيه أو نصف جنيه في الشهر، ولا يقتات هو وأبناؤه إلا بأتفه الطعام، ~~هذا الفلاح، أكثر روحية من الفلاح الإنجليزي أو الفرنسي الذي يتمتع بجسم سليم من الديدان، ~~ويحصل على خمسين جنيها في الشهر يشتري بها الطعام الوافي لأولاده والكساء الواقي، ويعيش ms20 في ~~المسكن الصحي النظيف. # وليس عجبا بعد هذا السخف والهراء أن نجد أن أعظم أمة كانت تدعو إلى الروحية، وهي الهند، ~~قد انتهت روحيتها هذه إلى إيجاد طبقة من المنبوذين يبلغون خمسين مليون إنسان قد حرموا ~~الحقوق البشرية البدائية، ووصموا بالنجاسة في حين نسبت القداسة إلى البقر. # وقد سئمنا جميعا هذا الهراء عن الروحية والمادية، كما سئمتها الهند التي ألغت روحيتها، ~~وأقبلت على المادية تنشئ المصانع وتزيد الثراء وتلغي الفقر، حتى لقد قال «هوشي» أحد زعماء ~~النهضة في الصين الجديدة «إن الواقع أن الغرب أكثر «روحية» من الشرق؛ لأنه يشتغل ويهتم ~~بإنهاض الشعب، والشعوب الأوروبية تعمل لأجل الحرية والمساواة والعدالة، أما الشعوب الشرقية ~~فتقعد، وتزعم أنها تصلي بتكرار كلمة «بوذا»، وهذا الشرق يرضى، وهو راكد، عن الفاقة ويسترضي ~~السماء ويتحمل صامتا متاعب الحياة، ولكننا نجد في الغرب سخطا على الفقر، وكراهة لتحمل ~~المظالم، وكفاحا عنيدا مثابرا لإصلاح الوسط، ويجب على الصين أن تجعل ديانتها عملية ~~نشيطة، ويجب على شعبها أن يعالج الفاقة ويعمل للتقدم.». # هذه كلمات رجل ناهض يعده دعاة التقاليد المحنطة الذين يعيشون لينوحوا على تراثهم العتيق ~~في الصين كافرا، وليس شك في أنه كافر بالماضي الذي ينوء بالظلم والظلام، ولكنه مؤمن ~~بالمستقبل الذي ينبلج نوره عن حضارة جديدة. # الفصل الحادي والعشرون # | القارئ التافه والمجلة التافهة # يكفيني في بعض الأحيان وأنا أنظر إلى الشاب في الترام أو القطار وهو يقرأ المجلة أو ~~الجريدة أن أحكم على مرتبته الثقافية وأعين درجته الاجتماعية، فهناك الشاب التافه الذي يقرأ ~~المجلة التافهة ويشغل ذهنه بالقيل والقال، وهو لا يقتل وقته بهذه القراءة بل يقتل نفسه؛ ذلك ~~لأنه يثبت على هذه التفاهة أو هو يشبع منها ويصد عنها ثم لا يقرأ، فيعيش عاميا بليد الذهن ~~لا يفهم ولا يهتم بالاهتمامات العالية. # لذلك يجب أن نعنى باختيار الجريدة أو المجلة كما نعنى باختيار الصديق، وكما نتجنب ~~الصديق الذي يسيء إلى سمعتنا ويغشنا بالنصيحة أو يحملنا بالقدوة على السلوك السيئ، كذلك يجب ~~أن نتجنب الجريدة أو ms21 المجلة التي لا تغذونا بالأخبار الصحيحة، والتي لا تبالي سوى إغرائنا ~~على قراءة السخيف من الأخبار والآراء. # ونحن نقرأ الجرائد والمجلات نحو خمسين أو ستين سنة في حياتنا، وهي لذلك تربينا وتكون لنا ~~مزاجنا الفني، واتجاهنا الاجتماعي، بما تزودنا به من أخبار وما تنشره من آراء، بل أيضا بما ~~لا تنشر من أخبار أو آراء، وأثرها في أنفسنا لهذا السبب أكبر من أثر المدارس ~~والجامعات. # وهناك امتحان واحد للجريدة أو المجلة يدلنا على أنها حسنة أو سيئة، هو أن يسأل الشاب ~~نفسه: هل أنا أربي نفسي بقراءتها وأرتقي وأنتفع منها أم أنا لا أجد فيها غير التسلية ~~العابرة بالنكتة السخيفة والصورة العارية؟ أو هي لا تزيد لذتها عندي على أكثر من أكل اللب ~~أو الاستماع إلى القيل والقال. # يجب أن نقرأ كي نربي أنفسنا، ويجب أن نختار هذا المعلم الذي يرافقنا في حياتنا نحو نصف ~~قرن، فإذا لم يكن جديرا بالتعليم فيجب أن نتركه ونبحث عن غيره؛ حتى تتسع آفاقنا بالسياسة ~~العالمية والعلوم والآداب العصرية، وحتى نتعود منه عادات البحث، وحتى نعرف كيف نستخلص ~~الحقائق من المعارف. # وهذا المعلم هو الجريدة أو المجلة. # الفصل الثاني والعشرون # | تأنق في مطالعتك # كثير منا يقتصر تعليمهم على المدرسة، وقليل منا من يصلون إلى الجامعة، ولكننا نترك ~~الاثنين على كل حال قبل أن نبلغ الخامسة والعشرين، ثم نقضي بعد ذلك سائر أعمارنا، أربعين أو ~~خمسين سنة، ونحن نتعلم من الكتاب، وأكثرنا هم الذين يشترون الجريدة أو المجلة. # فالوسيلة الأصلية لتثقيفنا وتوجيهنا التي تقدم لنا غذاء الذهن والروح في عصرنا هي الجريدة ~~أو المجلة، ولذلك يجب أن نسأل حين نشتريهما: بماذا أنتفع منهما؟ وهل هما ترقيان الذهن ~~وترفعان النفس أم أنهما تعملان لتبليد الذهن وضعة النفس؟ # يجب أن تربينا جرائدنا ومجلاتنا، فإذا لم تفعل فإننا يجب أن نتجنبها، بل نكافحها ونمنع ~~انتشارها بين الجمهور. # إني أجد من المجلات هذه الأيام ما يمكن أن يحسب في عداد المواخير، ذلك أنها تعيش وتتفشى ~~بالتحرش بالغريزة الجنسية وتجميش ms22 الشهوات الوضيعة؛ إذ هي مجلات يكتبها عوام كي يقرأها ~~أعوام، تحفل بالصور التي تبرز فيها السمات الجنسية الثانوية للمرأة، كالصدر والكفلين ~~والبطن، وتكاد بعض المجلات لا تحوي شيئا آخر. # ولا يمكن الشاب أن يرتفع أو ينتفع بقراءة هذه المجلات، بل هي أحرى بأن تبلد ذهنه وتكسب ~~روحه جلافة، وتحيله من إنسان متعدد الاهتمامات إلى حمار ينهق وراء الأنثى، كأن جميع كفاءاته ~~الإنسانية العليا قد ألغيت، ولم تبق فيه غير الغريزة الجنسية والشهوات الحيوانية. # وحرام عليك أيها الشاب أن تبيع نفسك رخيصة بهذا الثمن البخس، فأنت تعيش في هذه الدنيا كي ~~ترقى وتنمو وتنضج، وأنت، حتى حين لا تقرأ ولا تشتري هذه المجلات، أرقى ذهنا وأوفر حكمة من ~~ذلك المحرر الذي ينشر لك صور الصدور والأكفال والبطون، ويكتب لك قصص العشق والفسق. # أنت أرقى منه فتجنبه، حتى يتعلم هو كيف يكتب وماذا ينشر. # الفصل الثالث والعشرون # | كيف نستغل فراغنا؟ # كان «هربرت سبنسر» يقول: إنه يستطيع أن يعرف اهتمامات أي إنسان بعد ثلاث أو أربع دقائق من ~~الاستماع لحديثه؛ وذلك لأننا كلنا في الحديث نتجه نحو الموضوعات التي تشغل قلوبنا وتحرك ~~عقولنا. # ولكن ما نهتم به ليس في الأغلب حرفتنا ومعاشنا، بل مشاغلنا التي نملأ بها هذا الفراغ بما ~~نحب من نشاط، ولذلك نجد أن الهواية أو الهوايات التي تلصق بقلوبنا، والتي نستغل بها فراغنا ~~أو «نقتل» بها وقتنا، تعمر شخصيتنا وتملأ حديثنا فلا نكاد نتحدث إلا عنها، ولذلك نستطيع أن ~~نميز الرجل الحكيم من الرجل الجاهل عندما نعرف الطريقة التي يستغل بها كل منهما ~~فراغه. # وهذا معقول؛ لأننا في الحرفة التي نتكسب بها قد نضطر إلى عمل ليس لنا فيه اختيار، ولكننا ~~في الفراغ نختار ونفاضل ونميز بين الأعمال، فأحدنا يقرأ والآخر يلعب، وأحدنا يتكاسل ويتثاءب ~~ويسمر، والآخر ينشط ويتخذ بعض الألعاب الرياضية، بل إن أحدنا قد يهوى عملا فنيا لا يزال ~~يمارسه ويتبرع فيه حتى يجد في أحد الأيام أن هوايته هي كل شيء، وأنها جديرة بأن تكون حرفة ~~يتخذها ms23 بدلا من حرفته التي اضطر إليها اضطرارا. # وعندما نبلغ الشيخوخة أو نقاربها، نجد أن حرفتنا التي كنا نعيش بها ونتكسب منها قد ~~نسيناها، بل نحن نسارع إلى نسيانها، ولكن الهواية التي لازمتنا أيام الشباب قد بقيت وقويت، ~~ونحن عندئذ نجد فيها أعظم ما يبعث النشاط والبهجة والسعادة أيام الشيخوخة. # يجب أن يكون لكل شاب هواية كالقراءة أو الكتابة أو الصيد أو تربية الحمام أو النجارة أو ~~غرس الأشجار أو الرسم أو البحث العلمي أو قرض الشعر ... إلخ إلخ. # ذلك لأن هذه الهواية تصده عن «قتل الوقت»، فلا يعود الوقت عدوه بل يستحيل إلى صديق؛ لأنه ~~يجد فيه الفراغ الذي يرقى به وينمو به ذهنه وتنضج به شخصيته، فلا يزال في نمو ونضج ولو بلغ ~~التسعين أو المئة من العمر، ثم مع ذلك يكون سعيدا برقيه ونموه. # ما هي هوايتك أيها الشاب؟ وهل أنت «تقتل» وقتك أم «تستغله»؟ # الفصل الرابع والعشرون # | الطبيعة تجود بجمالها # من أحسن ما قاله «ريتشارد لوجالين» في دعوة الناس إلى الاستمتاع بالحياة: «ماذا كنا ندفع ~~من أموالنا كي نرى القمر لو لم تكن الطبيعة قد عرضته لنا بالمجان؟.». # والواقع أن الإنسان ليسخو بأكبر مقدار من أمواله كي يرى هذا المنظر الطبيعي الرائع، القمر ~~وهو يدور يتوسط السماء، أو وهو بازغ يتوهج من الشرق ، وكي نعرف القمر على أكمله يجب أن نراه ~~في الريف من الحقول المنبسطة التي يسكب عليها أشعته ويكسوها بمثل السحر، حتى لنكاد نضن ~~بساعة للنوم تحرمنا رؤيته، ونحس أننا نود لو نقضي الليل كله وهو يغمرنا بسحره، ونحن مأخوذون ~~بروعته. # ولكن ليس القمر وحده هو الذي يمثل جمال الطبيعة، فإن الشفق الذي ينبسط على الآفاق وقت ~~الغروب لا يقل جمالا عن القمر، والحقول التي تزد هي بخضرة النبات وألوان الزهر، بل حتى ~~الصحراء القاحلة، تبعث في نفوسنا من الإحساسات الفنية ما يجب على كل إنسان أن يستمتع به، ~~وأن يسخو بالوقت والمال كي يحسه ويقتنيه اقتناء نفسيا يجعله ثريا بالحياة. # يجب أن نربط أنفسنا ms24 بهذه الدنيا، بل بهذا الكون كله، فلا نعيش حياتنا محصورين محدودين في ~~البيت أو المتجر، بل يجب أن نخرج من وقت لآخر كي نزور هذه الدنيا، فنعرف مياهها وجبالها ~~وريفها، يجب أن نرصد بعض ليالينا كي نتحدث إلى القمر والنجوم، وكي نحس خلوة الصحراء في ~~الظلام، ودبيب الصبح على رمالها، ونتسمع إلى صمتها، ونحاول أن نحس إحساسها بروح ~~ديني. # والناس في أيامنا مشغولون بالاقتناء العقاري ينفقون عليه جهودهم ويفنون أعمارهم، ولكن ~~كلا منا يستطيع، إذا كان فهيما حكيما، أن يقتني هذه الدنيا كلها، بل كل هذا الكون ~~اقتناء نفسيا لا يكلفه سوى التأمل والتعرف، ويجب أن نتعمق الفكرة في هندستها، وعطرها، ~~وألوانها، وأن نتأمل الغرب في مكره، وهو يدس دسيسة للخطف والنهب، وأن نقعد الساعات على ~~الشاطئ كي ننقل إلى أنفسنا إحساس هذا الماء الجاري أمامنا. # إننا، وهذه الطبيعة التي تحطونا، وحده لا تنقسم، فيجب أن نتعرف إليها ونتغلغل في ~~تفاصيلها، ونستمتع بجمالها ونقتنيها اقتناء لا ينزع من نفوسنا، هو اقتناء التأمل ~~والدرس. # الفصل الخامس والعشرون # | الطبيعة مبعث النشاط # مات منذ سنوات أديب إنجليزي يدعى «ديفز» ولكن مع أن ديفز هذا كان أديبا وله مؤلفات في ~~الشعر والنثر فإنه لم يكن محترفا للأدب؛ لأن حرفته الأصلية كانت التشرد. # وكلمة «التشرد» تحمل كثيرا من المعاني، ولكن ديفز كان متشردا من حيث إنه آثر التجوال في ~~الريف على الإقامة، فكان يتنقل من بقعة إلى أخرى؛ كي يستمتع بمناظر الطبيعة سواء أكانت ~~زرعا نضرا أم ماء يجري أم جبلا يشمخ أم غابة تحفل بالأشجار والطيور. # وألف ديفز كتابا عن حياته المتشردة هذه، وكتب برنارد شو مقدمته، فكان مما قاله في ~~المقدمة: إنه يغبط ديفز على هذه الحياة التي عاشها وهو متشرد، وإنه آسف على أنه هو نفسه لم ~~يتخذ هذا الأسلوب في حياته، ولم يستمتع بهذه الدنيا الحافلة بمباهج الطبيعة التي استمتع بها ~~ديفز. # وظني أن برنارد شو كان مبالغا في إعجابه، ولو أنه كانت قد أتيحت له هذه الحياة لما ~~رضيها؛ ذلك ms25 لأن إحساسه الاجتماعي عميق، وهو لذلك لا يستطيع أن يتخلص من المسئوليات التي يجد ~~نفسه مضطرا إلى تحملها، ولا يمكنه أن يترك مكتبه ويؤثر عليه التجوال في الريف إلا بضعة ~~أيام فقط يعود بعدها وهو مجدد متحمس للكتابة والتأليف. # وهذه هي العبرة التي يجب أن نستخلصها من حياة ديفز، وهي أن ننطلق من وقت لآخر إلى الريف ~~وأن نجدد اتصالنا بالأرض، وأن نتشمم الربيع حين يستأنف النبات والحيوان حياتهما، وحين تنادي ~~الأجيال القادمة من الحشرات والطيور وسائر الحيوان، فينبعث الحب ويتذبذب الهواء بأنغام ~~الغرام، ويجب أن يكون لكل منا إحساس الأرض، نشتاق إلى رؤية الحرث حين تفوح منه نكهة ~~الخصوبة، كما نشتاق إلى نضرة الزرع، وليس من الضروري أن نكون متشردين مثل ديفز؛ كي نستمتع ~~بالطبيعة، ولكن حسبنا أن نتخلص من وقت لآخر من حبسة المدن؛ كي ننطلق في مرح وطرب بين الحقول ~~نتعرف إلى العشب والشجر والطير والحيوان. # الفصل السادس والعشرون # | ثراء بلا ثروة # أجل، يجب أن نكون أثرياء، ولكن أثرياء في الحياة ذلك أن كثيرين منا يظنون أن الثراء ~~بالمال هو كل شيء. # ولكن هذا الثراء في المال كثيرا ما يعمينا عن الثراء في الحياة، بل يحرمنا إياه. # فالحياة تكون فقيرة محدودة إذا لم تكن غنية بالأصدقاء الذين نخلص لهم ويخلصون لنا، ~~فنستمتع برفقتهم وحديثهم، ونفرح لفرحهم، ونبتئس لتعسهم. # والحياة تكون فقيرة محدودة إذا لم نكن أغنياء بالصحة، صحة الجسم من الأمراض، وصحة النفس ~~بالضمير السليم والعواطف البشرية النبيلة. # والحياة تكون فقيرة محدودة إذا لم نكن أغنياء بالحب؛ أي: تلك المرأة التي نحبها وتحبنا، ~~وتلك العواطف الباردة التي تجعلنا نحس أخوتنا مع سائر البشر؟ # والحياة تكون فقيرة محدودة إذا لم تكن نفوسنا معمورة بالاتجاهات الفلسفية، وعقولنا مؤثثة ~~بالثقافات القديمة والحديثة. # الحياة تكون فقيرة محدودة إذا لم نستمتع بالفن والجمال، ولكن الاستمتاع بالفن والجمال ليس ~~صورة نشتريها أو أثاثا فاخرا نقتنيه، وإنما هو قبل كل شيء نفس فنانة قد ربيناها على ~~التأنق، وعقل يستجيب للإيقاع في الطبيعة. # وهذا هو ms26 الثراء في الحياة، والحياة أكبر من المال، ويجب لذلك أن يرتفع معنى الثراء من جمع ~~المال إلى اقتناء الصحة والأصدقاء، والثقافة والحب والفن، حتى نعيش العيش العريض الذي يحفل ~~بالشرف والسعادة، أجل ونعرف فيه الألم والتعس. # الفصل السابع والعشرون # | التعليم بالقدوة # يستطيع السيكلوجي أن يقول: إن الطرق التي نعامل بها الخدم في بيوتنا هي أسوأ تدريب ~~لأبنائنا على العنف والبطش والاندفاع العاطفي، ذلك أن السيدة تضرب الخدم أكثر مما تناقشهم، ~~وتندفع في غضب عاطفي إلى سبهم بالكلمات النابية، وإلى إيذائهم بالدفع واللكم. # وهذه السيدة نفسها تعلم أبناءها الرفق والمجاملة والتعقل، ولكن هذا التعليم بالكلمات ~~والنصائح ينهزم أمام القدوة، حين تقف أمامهم وهي كالمتوحشة تسب وتضرب. # ولذلك ينشأ الصبيان وقد حفظوا ما تعلموه بالقدوة، ونسوا ما تعلموا بالكلمة ~~والنصيحة. # لأن القدوة كانت أثبت في نفوسهم وأرسخ في وجدانهم، فهم يقتدون بأمهم ويعاملون الأقارب ~~والغرباء في المجتمع بالأسلوب العاطفي، فيستسلمون للغضب الأعمى، ويبصقون السباب، ويبطشون ~~لأقل استفزاز، وعندئذ ينفر منهم الناس أو يصدون عنهم كارهين عازفين عن سلوكهم، وما أحرى ~~الأمهات بأن يعاملن الخدم بالرقة واللطف والرفق؛ لأنهن إنما يعلمن أبناءهن السلوك الحسن ~~بهذه المعاملة؛ إذ ليس أفعل من القدوة في الصغار؛ لأن من شأن الصغير أن يقتدي بالكبير، ~~وخاصة إذا كان هذا الكبير أما لها قوة الإيحاء والتوجيه، وملايين الكلمات من النصح لا ~~تجدي أمام المثال العملي الذي يجده الصبي في سلوكها مع خدمها. # والبيت هو المدرسة الأولى، بل يكاد يكون المدرسة الوحيدة للتربية، ونعني التربية ولا نعني ~~التعليم، وأفضل أنواع التربية هو القدوة، فنحن نأخذ عن أمهاتنا الأسلوب الذي نعامل به أفراد ~~المجتمع، وبعض هذا الأسلوب ينغرس في نفوسنا ونحن صغار مما نرى من معاملة أمهاتنا ~~للخدم. # ولهذا نناشد السيدات الرفق والتعقل في معاملتهن لخدمهن، وإذا لم يكن عندهن من الإنسانية ~~والبر ما يحملهن على ذلك، فليكن لهن من الأنانية والحب لأطفالهن ما يبصرهن بمستقبل هؤلاء ~~الأطفال. # الفصل الثامن والعشرون # | التثقيف الأبتر # من المشكلات التي لم ترتفع بعد إلى وجدان ms27 المثقفين في مصر مشكلة التعليم للمتعلمين، ذلك ~~أن هناك كثيرا من المتعلمين الذين ينقطعون عن الدراسة لأسباب مختلفة، ربما كان من أهمها أن ~~أسلوب الدراسة الذي خضعوا له في المدرسة أو الجامعة كان مرهقا بغيضا، فما هو أن ينال ~~الشاب شهادته ويشرع في كسب عيشه حتى ينسى أو يتناسى عاداته السابقة في اقتناء كتاب أو قراءة ~~مجلة جديدة، وعندئذ يغدو تعليمه أبتر، وهناك آلاف من أمثال هؤلاء «المتعلمين» الذي قد يمضي ~~على أحدهم عشرون سنة لا يقرأ فيها كتابا حسنا، وليس لهم مصدر ثقافي يصدرون عنه ويعتمدون ~~عليه في معارفهم وآرائهم سوى ما سبق أن تعلموه في المدرسة أو الجامعة، وتبقى عقولهم فارغة ~~غير مؤثثة بثقافة عصرية تنير تفكيرهم في المشكلات المتجددة. # وهذا التعليم الأبتر شر من الجهل؛ لأنه يبعث على الزهو السخيف، ولأن المتعلم الناقص يدلي ~~بآراء قديمة لا تتفق والتطورات الجديدة، ويرفض الجهد الذي تتطلبه الدراسة؛ لأنه كف عن ~~الدراسة بل طلقها، في حين أن الجاهل يتواضع ويقبل النصيحة ويرضى ببذل الجهد كي ~~يتعلم. # وقد كنت أعجب وأنا في إنجلترا حين كنت أدخل غرفة الخادمة فأجد بها رفا يحمل خمسين أو ~~ستين كتابا، وحبذا عادة الخدم هذه في إنجلترا تنتقل إلى بعض السادة في مصر حتى يقرءوا ~~ويستنيروا، فإن أشرف ما في الإنسان هو عقله، فيجب أن ننفق على تغذيته مثل ما ننفق على تغذية ~~البطن، ويجب ألا تقتصر هذه التغذية على القراءة للكتب؛ لأن هناك وسائل أخرى كالسياحة، ~~والمحادثة مع المستنيرين الراشدين، وبحث المشكلات الاجتماعية، وزيارة المتاحف، وقراءة ~~الجريدة اليومية ونحو ذلك. # ولكن اقتناء الكتب ودراستها أهم هذه الأشياء. # ويجب أن يسأل الشاب نفسه من وقت لآخر: هل تعليمي أبتر؟ وهل أنا من أبناء 1956 أو ~~1920؟ # الفصل التاسع والعشرون # | التوسع في الثقافة # من الأخبار الصغيرة الخطيرة التي يجب أن نوجه النظر إليها؛ ما ذكرته إحدى الصحف الأوروبية ~~من أن شركة شل للبترول في هولندا قد منحت كلا من موظفيها المتخصصين للأبحاث العلمية في ~~مادة البترول مئتي جنيه ms28 كل عام فوق رواتبهم، ولكنها شرطت على الموظف أن ينفق هذا المبلغ في ~~أية دراسة أخرى بحيث لا تتصل بموضوع التخصص الذي يقوم به؛ أي: أنه يستطيع أن ينفق هذا ~~المبلغ على دراسة التاريخ أو الفلسفة أو البيولوجية أو الفلك أو غير ذلك. # وقد انتهت الشركة إلى هذا القرار؛ لأنها وجدت أن التفكير الذي يثمر الابتكار والكشف لا ~~يأتي عادة إلا من أولئك الذين يخرجون من المحيط الضيق الذي يقتضيه التخصص إلى الآفاق ~~الواسعة في العلوم الأخرى التي لا تمت بأية علاقة إلى مادة تخصصهم، ذلك أن المتخصص الذي ~~يدرس نقطة معينة يجد في الدراسات الأخرى من الاتجاهات ما يتفاعل مع موضوع بحثه، فتختمر عنده ~~الأفكار وتنضج وتثمر تصورا جديدا لم يكن يصل إليه لولا هذه الدراسات الأخرى. # وما أجدرنا أن نفهم العبرة من هذا الخبر الصغير، فإنه يجب على الطبيب أن يدرس الطب ~~والتاريخ، ولو أن المهندسين الذين أقاموا الخزانات للري في بلادنا وشقوا القنوات، ووفروا ~~الماء للزراعة عرفوا الطب لما تفشت الانكلستوما والبلهارسيا. # يجب أن نتوسع في آفاقنا الفكرية كي نزيد فهما للبؤرة الدراسة التي نتخصص فيها، وأيضا كي ~~نستمتع بالاتزان النفسي والذهني الذي يحد التخصص منه. # وكثيرا ما تحدنا الحرفة كما تحد القضبان الحديدية القطار الذي يسير عليها، حتى تعود حرفة ~~الكسب كأنها سيرة الحياة، فلا نعرف من الدنيا غير حرفتنا، فهي مادة تفكيرنا، ومنتهى آمالنا، ~~وطريقة معيشتنا، وعندئذ يؤدي ضيق الحرفة إلى ضيق الحياة. # أي يجب أن نكون موسوعيين نحاول أن نعرف كل شيء، ونتطلع إلى كل أفق، نتعلم للحياة وليس ~~للحرفة فقط. # الفصل الثلاثون # | من التعميم إلى التخصيص # نحن البشر في حياتنا المدنية، نولد وننشأ في وسط المدينة أو الريف، فإذا كنا أطفالا ~~تشابهت تقاسيمنا وملامح وجوهنا كما تشابه سلوكنا، إلا القليل النادر جدا الذي تبرره فروق ~~الوراثة، فنحن في الطفولة مواد بشرية خامة لم تتبلور ولم تتجوهر. # ثم ندخل المدارس، ونحترف الحرف، ويؤثر الوسط الخاص أثره في كل منا، فنختلف، هذا تاجر، ~~وهذا محام، ms29 وهذا حوذي، وذاك مزارع، وهذا كاتب موظف، وذاك مهندس حر. # وكل من هذه الحرف يطبع طابعه في تقاسيم النفس والجسم، ثم تمضي السنوات، عشرون أو ثلاثون ~~سنة، ونحن نلتزم حرفة بسلوكها وأخلاقها التي تقتضيها، وبمرور هذه السنين، تنكشف كالزهرة، من ~~التعميم إلى التخصيص، ومن الحال الخامة العامة إلى حال التبلور والتجوهر. # وكأن هذه الاختبارات التي تمر بنا تصهرنا وتخرج منا الجوهر الخاص، أجل هو الجوهر، ولكنه ~~جوهر الحرفة، وليس جوهر الشخصية. # لذلك عندما نتأمل أحد الناس الذين التزموا حرفة ما ثلاثين أو أربعين سنة لا نكاد نخطئ في ~~تعيين حرفته دون أن نحتاج إلى سؤاله عنها؛ إذ هي تخبرنا، وهو يتحدث؛ لأن لهجة الحرفة عالية ~~عليه، كما نجد من إيماءاته واختيار كلماته جميع الأمارات التي تعلن عن حرفته. # وعندما نتقدم في السن، ونكون قد عنينا بتربية أنفسنا وتنمية شخصياتنا نجد أننا أيضا ~~نتبلور ونتجوهر، ولكن ليس من حيث الحرفة فقط بل من حيث الشخصية، وصحيح أن الحرفة هي بعض ~~المؤثرات في الشخصية، ولكنها ليست بالطبع كل المؤثرات. # اعتبر شابا فجا خاما، واعتبره أيضا رجلا في الخمسين قد نضجت أخلاقه وأينعت شخصيته، ~~وقارن بين الاثنين، تجد الأول لا يزال في التعميم، فهو «أحد الشبان»، أما الثاني فقد تخصص، ~~وله مغزى، وهو يرمز إلى أشياء عدة لها قيمتها الاجتماعية أو الثقافية. # وهذه الرمزية، وهذا المغزى، هما ثمرة الحياة الحيوية، الحياة الفنية التي قضيناها ونحن ~~نقصد إلى غاية ونتبع نهجا ونكسب الاختبارات وننمو بها، وهي جميعا تصهرنا، وتحيل التبر ~~الخام إلى الذهب الخالص. # الفصل الحادي والثلاثون # | الاهتمامات تمنع الغوايات # الاهتمامات تمنع الغوايات؛ لأن الشاب الذي يهتم بالأدب أو السياسة، أو الذي ينعم بهواية ~~تشغل ذهنه وتملأ فراغه، لا يستطيع أن يفكر في الغوايات التي يقع فيها غيره الذي يجد في ~~بطالته سأما يبعثه على التخلص منه بالعادات السيئة. # ذلك أنه ليس شيء أسوأ من البطالة: بطالة الجسم التي تؤدي إلى الترهل، وبطالة الذهن التي ~~تؤدي إلى اسأم، وكثيرا ما أتأمل إحدى سيداتنا حين ms30 تنغمس في القيل والقال، وتجرح بلسانها ~~إحدى السيدات أو الآنسات، فأجد في النهاية أن الذي أوقعها في هذه العادة بطالتها وسأمها، ~~ولو أنها كانت تشغل فراغها بهواية ما، كالقراءة أو التطريز أو نحو ذلك، لما وقعت في القيل ~~والقال. # وأحيانا أجد شابا لم يبلغ الخامسة والعشرين، وهو مع ذلك يدخن ويسرف في شرب القهوة أو ~~الشاي، لا لشيء إلا لأنه قد سئم حياته الفارغة، ولم يعرف بم يهتم. # وقد بلغت أنا السبعين ولم أعرف التدخين، ولا أكاد أعرف سببا لذلك إلا أني اهتممت ~~بالقراءة منذ المراهقة، فصارت هوايتي التي تشغل فراغي. # وفي هذه الدنيا آلاف الأشياء التي يجب أن يهتم بها الشاب، بل يستطيع أن يجد فيها هوايته ~~التي تملك قلبه وعقله، والتي تهيئه بمهارة تجلب له الاحترام من أقرانه وتنيله السعادة، ~~وتحول بينه وبين العادات السيئة. # علينا جميعا أن نشتغل كي نملأ فراغنا، ونكسب عيشنا، ولكنا حتى إذا لم نكسب عيشنا فإننا ~~يجب أيضا أن نشتغل حتى لا تترهل أجسامنا وعقولنا، وحتى لا ننحدر إلى الغوايات ~~المؤذية. # وخير لسيدة البيت التي يتوافر لها الخدم أن تؤدي بنفسها بعض الواجبات المنزلية، من مسح ~~وغسل حتى لا يترهل جسمها بتراكم الشحم، فإني كثيرا ما أجد أن قوام الخادمة أجمل من قوام ~~سيدتها؛ لأن الأولى كانت تعمل وتجهد، فلم تترهل، في حين أن الثانية قد قنعت ببطالتها ~~والتزمت القعود والركود فسمنت وترهلت. # ثم يجب أن تشغل عقلها بالمفيد من القراءة بدلا من التفكير العقيم والتسلية بالقيل ~~والقال. # الفصل الثاني والثلاثون # | الموت إكليل الحياة # كان جورج هربرت يقول: «يجب أن نعيش كما نحب أن نموت». # وذلك أن أيام الموت التي تطول أو تقصر هي أيام التأمل والمراجعة، فإن كلا منا يقلب ~~صفحات حياته الماضية فيقف عند الصفحة المضيئة بالشرف والشهامة، وهو فرح بما أنجز من عمل، ~~راض عما أتم من خير، كما يقف عند الصفحة القاتمة وهو ساخط نادم، حين لا يجدي سخط أو ندم، ~~وساعة الموت هي الساعة التي يحكم فيها الناس ms31 لنا أو علينا، فكأننا نسمع من وراء الغيب كلمة ~~الثناء أو كلمات اللعنة. # والموت هو بهذا المعنى «إكليل الحياة»، فإذا عشنا ونحن نحسب للموت فإننا نعيش ولنا آمال ~~من الشرف وأهداف من المجد، فنسير سيرة الصلاح بين الناس، وسيرة الشهامة التي تربأ بنا عن ~~الدنس والخسة، فلا نرضى بأن نعيش تلك الحياة التافهة، حياة الزبد الذي يذهب جفاء ولا يمكث ~~في الأرض بعد وفاتنا. # إننا نعيش سبعين أو ثمانين سنة على الأرض، ولنا ساعة أخيرة يقال لنا فيها: أحسنتم أو ~~أخطأتم، بل نحن نقول هذه الكلمة؛ لأنفسنا، ونحن نجيب عليها في فرح وغبطة، أو في حزن وأسى، ~~فيجب أن نعيش حياتنا بحيث نجيب في هذه الساعة الأخيرة إجابة الفرح والغبطة. # وإنما نفرح ونغتبط إذا كنا قد بنينا شخصيتنا، وأنتجنا للمجتمع الذي عشنا فيه أكثر مما ~~استهلكنا منه، إنتاج المال أو الثقافة أو الأخلاق، ثم سرنا السيرة الصالحة التي اقتدى بها ~~غيرنا فصلح، ووقفنا مواقف الشهامة أمام الأنذال والظالمين، ونصبنا؛ لأنفسنا أهدافا من ~~المجد والشرف، إذا لم نكن قد بلغناها فلا أقل من أننا قد جهدنا لبلوغها. # لمثل هذا يجب أن نعيش ويجب أن نموت ... نعيش حياة كأنها قصيدة مليئة بالمعاني، حافلة ~~بالبلاغة نترنم بأبياتها ساعة الموت. # الفصل الثالث والثلاثون # | الضمير الاجتماعي # من التعابير المألوفة أن يقول أحدنا : إنه ليس لهذا الرجل ضمير، وإنه بذلك لا يبالي أن ~~يقترف أية جريمة، ولكن الصحيح أن لكل منا مهما بلغ فساد ضميره، ضميرا، حتى المجرم له ضمير ~~شخصي؛ أي: أنه يقتصر على مصالح شخصه، ولكن الضمير العام بين الناس هو الضمير العائلي؛ إذ ~~إننا جميعا نتجاوز مصالحنا الشخصية إلى مصالح زوجاتنا وأولادنا وإخوتنا. # وليس لنا فضل في هذا الضمير العائلي؛ لأننا ننتظر من أعضاء عائلتنا مثله، أو نحن نستمتع ~~بما يشبه الاقتناء والامتلاك حين نرعى مصالح أبنائنا وبناتنا وزوجاتنا. # وقليل منا من يمتازون بالضمير الاجتماعي، أولئك الذين يفكرون في الأغراب والبعداء ممن لا ~~تربطنا بهم قرابة أو صداقة، وهذا الضمير يحتاج إلى تربية ms32 وثقافة، ولذلك نراه على يقظة ~~وحيوية في الأمم المتمدنة، وعلى سبات وتخدر في الأمم التي رزحت قرونا تحت الطغيان ~~والاستبداد، وعاشت قرونا في الفاقة والذلة حتى صار هم كل فرد أن يقول: أنا وحدي أو على ~~الأكثر أنا وأولادي. # وقد أثمر الضمير الاجتماعي في أوروبا إصلاحات سامية؛ مثل: منح المسنين الذين يبلغون ~~الستين معاشات، ومثل: منح المتعطلين أجورا وقت تعطلهم، ومثل: منح الحوامل أجورا وهن ~~مرتاحات بالبيت نحو شهر قبل الوضع وشهر بعده، ومثل تعويض المعتوهين من عاهاتهم، ومثل: ~~التعليم بجميع مراحله بالمجان، ومثل: المعالجة المجانية بالمستشفيات؛ هذا هو بعض مظاهر ~~الضمير الاجتماعي في أوروبا. # الفصل الرابع والثلاثون # | حرية العقيدة # كانت الحكومات الأوروبية في القرون الوسطى تقيد التفكير وتمنع حرية الرأي أو العقيدة، بل ~~كانت أحيانا تعاقب المخالفين الذين يصرحون أو يلمحون بآرائهم أو عقائدهم، وكانت تحرق الكتب ~~التي كانت تزعم أنها تخالف العقائد العامة. # ولكن أوروبا انتهت إلى حرية الرأي والعقيدة، بل إن معظم حكوماتها قد فصل الدين عن الدولة؛ ~~حتى لا يتحيز ساستها لإحدى العقائد. # وقد أخذت بعض الأمم الشرقية بهذا النظام وجعلت الرأي مباحا والعقيدة حرة، كما فصلت الدين ~~عن الدولة، ففتحت الطريق لأبنائها إلى المستقبل. # وربما كانت الهند أعظم هذه الدول الشرقية في الإكبار من حرية العقل في العصر الحديث؛ إذ ~~إن دستورها الجديد ينص على عقوبة من يؤمن بالنجاسة أو يمنع المنبوذين من الدخول في المطاعم ~~أو المدارس أو المسارح. # ولكن حرية العقل لا تحتاج إلى نصوص القوانين التي تصدرها الدولة فقط؛ ذلك لأننا جميعا ~~نرث من التقاليد الفكرية والمركبات العقيدية ما يشبه العقد النفسية التي تحول بيننا وبين ~~النظر الحر والتفكير السليم، فإذا لم نتنبه إلى هذه العوائق وننفضها من عقولنا فإنها ترسخ ~~في نفوسنا، وتقفل أبوابا من التفكير الحر كنا نستطيع أن نفتحها، ونتطلع منها إلى آفاق ~~جديدة في الابتكار والتغيير والتطور، وأيضا في زيادة الروابط للأخاء البشري، وهو الإخاء ~~الذي تفصمه، مع الأسف، العقائد والأديان. # ولذلك مع أن حكومة الهند قد كفلت ms33 حرية الرأي والعقيدة لرعاياها، فإن الملايين من الهنود ~~لا يزالون مقيدين بالعقائد الموروثة التي تحبس عقولهم وضمائرهم في سياج. # وكلنا مثل هؤلاء الهنود إلى حد ما، وقد ورثنا عادات ذهنية وعقائد خرافية تتصل بالمجتمع أو ~~الغيبيات، وهي بمثابة الجدران الكثيفة التي تمنعنا من التفكير الحر. # ولذلك يجب أن نفحص عن أنفسنا ونتخلص من هذه القيود الموروثة. # الفصل الخامس والثلاثون # | الدين للتوفيق لا للتفريق # ننشأ على تراث من التقاليد والاستعراضات التي تحملنا على أن نكره غيرنا ممن يخالفوننا في ~~الدين أو المذهب أو اللون، أو حتى أحيانا في اللباس، ونتعلم ونحن في الطفولة أو الصبا ~~كلمات شوهاء، ليست للخير أو الصلاح، ولكنها للشر والفساد، فينبز أحدنا بها الآخر؛ لأنه ~~يختلف عنه في هذه الأشياء التي ذكرنا، وقد بلغ هذا الاختلاف ذروته في الهند حين انقسمت ~~الهندوكية طبقات لا يتزوج أحد فيهما إلا من طبقته، بل بلغ التعصب والاستعراض أن فرزت هناك ~~طبقة سميت طبقة «الأنجاس أو المنبوذين» لا يجوز أن يمس أحد أفرادها أو أن يقع ظله على شيء؛ ~~لأن نجاسته تنتقل إليه. # وقد كان هذا التعصب الطبقي في الهند صداع المصلحين، حتى إن «طاغور» الأديب الهندي الكبير ~~قال ذات مرة: إنه يود لو أن زلزالا يهدم جميع المعابد ويحطم جميع الآلهة الهندية حتى ينسى ~~الهندوكيون ديانتهم التي فرقت بينهم؛ فيعودوا إلى ديانة جديدة تعمل للتوفيق لا ~~للتفريق. # والمتأمل لحال فلسطين هذه الأيام يحس كأن الأديان قد جاءت للتفريق لا للتوفيق؛ لأن فلسطين ~~قد «تهندت» بفضل الاستعمار الإنجليزي. # إن لكل أمة تقاليدها الحسنة، ولكن لها أيضا تقاليدها السيئة في التعصب والاستعراض، ~~والعالم في حاجة إلى دعاية بشرية جديدة؛ كي يعرف سكان هذا الكوكب أنهم بشر قبل أن يكونوا ~~هندوكيين أو منبوذين أو مسيحيين أو مسلمين أو يهودا أو زنوجا أو بيضا، وأنهم يستوون في ~~الحقوق. # لقد كان غاندي يكافح عدوين: العدو الأول هو تقاليد بلاده التي حرمت على المنبوذين الحقوق ~~البشرية، ولذلك فتح لهم المعابد، ثم جاء «نهرو» فعين واحدا منهم ms34 وزيرا، أما العدو الثاني ~~فهو بالطبع هؤلاء المستعمرون الإنجليز. # وعلى كل شاب أن يتخلص من هذه الاستعراضات، وأن يعرف ويعلن أن وطنه ليس فوق الأوطان، وأن ~~البشر سواء مهما اختلفوا في الدين أو المذهب أو اللون أو اللغة، وأن الإخاء هو ديانتهم ~~الأولى. # الفصل السادس والثلاثون # | الحب دين العالم # من أغرب الظواهر الاجتماعية في تاريخ البشر أن الأديان جميعها دعت إلى الخير والبر ~~والإخاء والحب، ولكن البشر لم يعرفوا مع ذلك من الحقد والغضب ومن القتال والانتقام، مثلما ~~عرفوا من الفوارق الدينية، فإن تاريخ أوروبا حافل بالحروب الدينية التي فتكت بالرجال ~~والنساء والأطفال ودمرت البيوت وحطمت الدول، وكذلك الحال في الشرق حتى ليقف القارئ لتاريخ ~~هذه الحروب والخلافات المذهبية الدموية متسائلا: كيف انقلبت دعوة الحب التي تدعوها جميع ~~الأديان إلى دعوة الحقد التي تصطبغ بالدماء؟ # ليس شك في أنها انقلبت هذا الانقلاب المشئوم؛ لأن الأديان قد أسيء فهمها حتى صار المؤمن ~~بأحدها يعتقد أن له حق الامتياز على غيره من الذين لم يؤمنوا إيمانه، ولم ينطقوا بدعائه ولم ~~يسجدوا بصلاته. # ولكن مع هذا الفهم السيئ الذي يتفشى بين كثير من الناس نجد أفرادا لهم عقول كالمصابيح، ~~قد استضاءت وأضاءت. # قال الفيلسوف الأندلسي محيي الدين بن عربي: # قد كنت اليوم أنكر صاحبي # إذا لم يكن ديني إلى دينه داني # فقد صار قلبي قابلا كل صورة # فمرعى لغزلان ودير لرهبان # وبيت لأوثان، وكعبة طائف، # وألواح توراة، ومصحف قرآن # أدين بدين الحب، أنى توجهت # ركائبه، فالحب ديني وإيماني # ولو أن جميع الأمم فهمت ما فهمه ابن عربي من الدين، ومارست الحب في معاملة كل فرد للآخر، ~~وعملت بما يقتضيه هذا الحب من العدالة والمساواة والشرف، لما انتهى الدين إلى أداة أو وسيلة ~~للكراهية والحقد والقتال. # ولذلك فإن هذه الأبيات التي نطق بها ابن عربي جديرة بأن يعيها كل شاب في قلبه، وأن يجعلها ~~هدفا لتربيته القومية والبشرية، وفي العالم الآن نحو 2600 مليون إنسان: منهم ألف مليون ~~بوذي، و700 مليون مسيحي و400 مليون ms35 مسلم و350 مليون هندوكي، وهم لن يستطيعوا أن يعيشوا في ~~سلام وحب إلا إذا استرشدوا بأولئك المفكرين الذين تجلى لهم الحق؛ مثل: ابن عربي ~~وغيره. # الفصل السابع والثلاثون # | اختيار الزوجة # مهما تعددت الغايات التي نهدف إليها في حياتنا فإنه لا شك في أن أولى هذه الغايات أن نحيا ~~ونستمتع بما في هذه الدنيا من متع ذهنية أو عاطفية، وليس معنى هذا الاستمتاع أن نسترسل في ~~الملذات الحيوانية الوضيعة، ولكن معناه أن نسعد بأطيب ما في الدنيا من نعم الوجود. # وأطيب هذه النعم هو الزواج الحسن؛ لأن الزواج هو أدوم مسراتنا؛ إذ هو يحسب بعشرات السنين، ~~ولذلك يجب أن نعنى أكبر العناية ونتأنق أكبر التأنق في اختيار الزوجة التي قد نعيش معها ~~أربعين أو خمسين سنة في معاشرة يومية واتصال حميم، يجب أن نختار الزوجة بحيث تكون صفات ~~الجمال فيها على أوفرها: جسم جميل، وعقل ذكي، والذكاء هو جمال العقل، ويجب ألا ننخدع بالقيم ~~الاجتماعية التي يحيطنا بها المجتمع الاقتنائي الذي نعيش فيه، فإن هذا المجتمع يكبر من شأن ~~المال ويخيفنا، بل يرعبنا، من الفاقة والحرمان بحيث ننحرف إلى الناحية الأخرى انحراف ~~الجنون، فنضحي بكل شيء تقريبا من أجل المال، ونختار الزوجة الثرية بحيث نتغاضى عن جمال ~~جسمها وجمال عقلها، ثم نعقب منها أولادا دميمين ينقصهم جمال الجسم وجمال العقل، وعندئذ قد ~~ننجح في المجتمع ولكننا نخفق في الحياة. # والحياة أكبر من المجتمع، وهي الخالدة وهو الزائل، وذلك الشاب الذي يختار الفتاة لثرائها ~~لا يخون نفسه فقط بل يخون البشرية نفسها، يخون مستقبل الإنسان. # يجب على كل شاب حين يرى فتاة ويفكر في خطبتها أن يسأل: كيف يكون أبنائي منها؟ هل يكونون ~~مصابيح تتلألأ بالصحة والجمال والذكاء أم يكونون غير ذلك؛ لأني آثرت المال والاقتناء على ~~هذه الميزات؟ # إن قيم الحياة أسمى وأدوم من قيم المجتمع، ويجب أن نتزوج كي نسمو بالحياة، حتى يكون ~~أبناؤنا أجمل منا وأذكى. # الفصل الثامن والثلاثون # | الزواج السعيد # يعد الزواج من أعظم المشكلات التي يواجهها الشاب، ms36 فهو يقلق ويأرق كثيرا قبل الزواج بشأن ~~الفتاة التي يختارها كي تشاركه في حياته وتكون أم أولاده، وكذلك الشأن في الفتاة عندما تفكر ~~في مستقبلها وحياتها الزوجية. # والشاب والفتاة كلاهما يجد أنه حائر لا يعرف كيف يقيس سعادته المستقبلة، وكيف يتعرف ~~أماراتها وبشائرها في أخلاق هذا الشريك المنتظر؟ وقد حاول الأستاذ تيرمان أن يستقرئ السعادة ~~الزوجية بإحصاء عن المتزوجين، مع الرجوع إلى طراز الحياة التي كان يحياها الأزواج قبل ~~الزواج، وقد خرج بنتائج منيرة يجدر بكل شاب وفتاة أن يدرسوها أيام الخطبة، وهو يرى أن ~~السعادة الزوجية مرجحة كثيرا إذا كانت الأحوال السائدة للشاب أو الفتاة قبل الزواج كما ~~يلي: ~~(1) # أن يكون الأبوان، للشاب والفتاة، قد عاشا في سعادة ووفاق. ~~(2) # أن يكون الشاب والفتاة قد عاشا في طفولة سعيدة. ~~(3) # ألا يكون قد اصطدم الشاب أو الفتاة بأبويهما. ~~(4) # أن يكون البيت الذي عاش فيه كل منهما على نظام في تأدية الواجبات والحقوق، ~~ولكن بلا قسوة. ~~(5) # أن يكون كل منهما قد تعلق بأبويه وأحبهما. ~~(6) # أن يكون الأبوان قد صارحا الشاب أو الفتاة مدة الطفولة عن الشئون ~~الجنسية. ~~(7) # أن تكون العقوبات التي أنزلت بكل منهما خفيفة في وقتها قليلة في ~~حدوثها. ~~(8) # أن يكون اتجاهما نحو الشئون الجنسية سويا ليس فيه كراهة أو اشمئزاز. ~~••• # هذه هي الشروط الثمانية التي وجد تيرمان بالاستقراء أنها تتوافر في جميع الذين هنئوا ~~بالزواج، وخلاصتها عندما نتأملها جميعها أن الشاب والفتاة يسعدان إذا كانا قد عاشا قبل ~~الزواج في عائلة حسنة، قد وجدا فيها الحب بين أبويهما والحب لهما، في بيت قد خلا من القسوة ~~والمشاجرة، وذلك لأن هذا الوسط يبعث الطمأنينة في نفس الطفل أو الطفلة، فإذا شب كلاهما نظر ~~إلى الدنيا نظرة التفاؤل والجرأة وليس نظرة التشاؤم والخوف، ثم هما قد تعودا المسالمة ~~ومعالجة الصعوبات بالوفاق والتعاون في بيت الأبوة، وهذا الأسلوب ينتقل معهما إلى بيت ~~الزوجية فلا يكون شقاق أو خلاف. # ونحن نعيش حياتنا وفق الأسلوب الذي تعلمناه من أبوينا مدة الطفولة، ولكن القدوة هنا أهم ms37 ~~من التعليم؛ لأن الطفل الذي يرى أبويه في شجار تزول عنه الطمأنينة، فينشأ وهو يخاف الزواج، ~~ويعامل زوجته بالتوجس كما يخاف كل شيء آخر. # فالسعادة الزوجية عادة، أو بالأحرى عادات، في المعيشة نتعلمها في الطفولة من أبوينا، ولكن ~~يجب ألا يرعبنا هذا، إذا كان حظنا قد ساء وقضى بأن نعيش ونحن أطفال في عائلة يعمها الشقاق؛ ~~لأننا نستطيع بالتعقل الوجداني أن نغير الأسلوب الذي تعلمناه من أبوينا، وإن كان هذا ~~التغيير شاقا؛ أي: عندما نجد أن حياتنا الزوجية في شقاق دائم يجب أن نسأل: هل هذا الشقاق ~~يعود إلى أسلوب في المعاملة وعادات في المعيشة تعلمناها من أبوينا اللذين لم يسعدا ~~بزواجهما؟ # وإذا صح هذا لدينا فإننا جديرون بأن نصحح من أسلوبنا وعاداتنا بما يتفق وسعادتنا. # الفصل التاسع والثلاثون # | سعادة الزواج بالتعاون الحبي # عندنا نقرأ قصة، أو نشاهد أحد الأفلام السينمائية، نجد أن المؤلف يبدأ بجهاد عاشقين مع ما ~~يتخلله من غدر أو شهامة، ومن آلام أو ملذات، حتى ينتهي آخر الكتاب أو آخر الفيلم بالنهاية ~~السعيدة وهي الزواج. # وهذا وضع سيئ؛ لأن الزواج يجب أن يكون بداية وليس نهاية، حتى يفهم كل من الشبان والفتيات ~~أنهم عندما يتزوجون سيجدون دنيا جديدة من الصداقة والتعاون، وتربية الأبناء، والاشتراك في ~~الهدف، والمعاشرة الجميلة التي قد تبلغ خمسين سنة، ومثل هذه السنين هي التي تحقق السعادة ~~والخير للزوجين وأولادهما، وهي الجديرة بأن تؤلف عنها الكتب حتى يهتدي بها ~~المتزوجون. # وأسوأ شيء يضر بالحياة الزوجية أن تفهم الفتاة، أو يفهم الشاب، أنه قد «وصل» بالزواج؛ لأن ~~هذا الفهم يجعله يهمل ويتهاون، فلا يبالي تربية نفسه أو زوجته. # ولا يبالي أن يراعي تلك الحقوق والواجبات التي تصون الزواج من العبث والمجانة ~~والاستهتار. # وإني أود أن أجد مؤلفا قصصيا يشرح في كتاب، أو في فيلم، حياة زوجين مدى أربعين أو ~~خمسين سنة كيف بدأ زواجهما، ثم كيف نمت العائلة في الثقافة والوجاهة والخدمة والكفاح للخير ~~البشري؛ لأن مثل هذه القصة أو هذا الفيلم يرشد الحياة ms38 إلى السعادة الزوجية التي كثيرا ما ~~تتحطم للجهل بأساليبها وأهدافها. # الفصل الأربعون # | تزوج أما لأولادك # الحكمة في الزواج أن نتزوج بتلك الفتاة التي نعرف أننا نستطيع أن نعيش معها أربعين أو ~~خمسين سنة، ولن نستطيع ذلك إلا إذا كانت على مستوانا الثقافي، أو لم تكن بعيدة عنه بحيث ~~ينتفي بيننا التفاهم ويعود البيت وهو مثار للمشاكل التي لا تنقطع، ولهذا يجب أن نتزوج ~~الفتاة المتعلمة. # والحكمة في الزواج أن نتزوج تلك الفتاة التي نعتقد أنها جديرة بأن تكون أما لأولادنا، ~~ولا نعني هنا أن تكون قادرة على تربيتهم فقط، بل نعني أن تكون حائزة على الصفات الوراثية ~~الممتازة التي سوف يمتاز بها أبناؤها، ولذلك يجب أن نختار الفتاة الذكية الجميلة التي تتسم ~~بصحة العقل وسلامة الجسم. # والحكمة في الزواج أيضا أن تؤثر الحب على الشهوة، وكي نميز بين الاثنين يجب أن نفهم أن ~~الشهوة هي ثمرة اللحظة القائمة والإعجاب في الوقت الحاضر. # ولكن الحب هو ثمرة العقل والتفكير في المستقبل، والشهوة في صميمها عدوانية، وهي أقرب إلى ~~إحساس الجوع منها إلى إحساس الرفق والبر، ولكن الحب حناني تعاوني، كله رفق وبر، فالشهوة ~~تأخذ وتنهب وتخطف، والحب يعطي ويمنح ويسخو. # والحكمة في الزواج ألا نسأل: هل أحب هذه الفتاة الآن؟ بل يجب أن نسأل: هل أستطيع أن أحب ~~هذه الفتاة بعد عشر سنوات أو عشرين سنة. # إننا نتزوج كي نعيش العيش الطيب، وكي ننسل النسل السليم، فيجب أن يكون نظرنا بعيدا ~~بصيرا، ويجب أن نختار الفتاة التي نسعد بأن نعيش معها نصف قرن وأن نفرح بأبنائها ونعدهم ~~كسبا، ليس لنا فقط بل للمجتمع كله، لما سوف يكون فيهم من ذكاء وجمال وأخلاق. # الفصل الحادي والأربعون # | متى يحسن أن يقع الطلاق # من الكلمات التي تؤثر فتذكر؛ لأنها تدل وتنير، كلمة قالها كاتب إنجليزي هي: إن خير ~~الأوقات للطلاق هو وقت الخطبة، والمعنى واضح، وهو أن الفتيات والشبان يجب ألا يتزوجوا إلا ~~بعد أن يختبر كل منهم الآخر في أيام الخطبة، حتى إذا ms39 وجدوا أن هناك خلافات أصيلة تحول دون ~~الوفاق الزوجي، قطعوا هذه الخطبة، وعمد كل منهم إلى البحث عن نصفه الآخر في تعقل ~~وتبصر. # ولذلك يجب أن تطول مدة الخطبة حتى تتسع الفرصة للتعارف الصحيح بين الخطيبين، وحتى ينكشف ~~المستور من أخلاقهما، وصحيح أن الخطيبين يبديان أحسن ما عندهما من أخلاق قبل الزواج، ولكن ~~إذا طالت المدة وزادت الألفة فإن الحقائق تتضح، فإما وفاق فزواج، وإما خلاف فطلاق. # وهو طلاق بالاسم؛ إذ ليست هناك تبعات من أطفال أو غير ذلك. # وإذا جاء ميعاد الزواج بعد خطبة طويلة قد بلغت عاما أو أكثر، فإن هذا الزواج الذي يبنى ~~على النور والمعرفة يدوم؛ لأنه لم يجئ مطارئا، ولم يكن ثمرة الطلاء السطحي والهوى ~~الوقتي. # إن أسوأ ما ينكب به إنسان هو الطلاق؛ لأن النكبة هنا تشمل المسيء والمحسن من الزوجين، ~~وتشمل الأطفال، وهؤلاء الأطفال «المطلقون» لا يختلفون عن اليتامى إلا في إحساسهم الدائم ~~بأنهم قد ظلموا، ولم يستمتعوا بحب الوالدين، ولو أن مدة الخطبة كانت طويلة، والاختلاط بين ~~الخطيبين كان كبيرا، لقل الطلاق بين الأزواج إلى حد الندرة والعدم. # وعلى كل شاب أن يتوقى الطلاق وقت زواجه بألا يتزوج إلا بعد أن تطول الخطبة، وبعد أن يعرف ~~أخلاق خطيبته المعرفة الصحيحة. # الفصل الثاني والأربعون # | نفس فنية # قعدت ذات مرة مصادفة، وأنا على الباخرة في عرض البحر المتوسط، إلى جانب سيدة كانت مسافرة ~~إلى إنجلترا قادمة من أستراليا، وتحدثنا كثيرا عن السياسة، ولكنها لم تكن تفهم السياسة على ~~أنها التنظيم في العلاقات بين الدول، وإنما هي تلك المجموعة العصرية من الإصلاحات ~~الاجتماعية التي أحالت بعض الحكومات في أوروبا إلى جمعيات خيرية، فالسياسة هي منح طقوم ~~الأسنان والسماعات للدرد والصم، وهي المعالجة بالمجان، وهي منح هذه المعاشات للعميان إذا ~~بلغوا الأربعين، وهي منح الإعانات السخية للحامل قبل وضعها وبعد الوضع بشهر، وهي التعليم في ~~المدارس الثانوية بالمجان، وهي بناء المنازل بمئات الألوف ... إلخ. # وكانت تقارن بين تأخر أستراليا وتقدم بريطانيا في هذه الإصلاحات، ثم بعد ms40 ذلك أفاضت في مدح ~~الإنجليز وذم الأستراليين، ثم فاجأتني بسؤال: هل عندكم زهور؟ # فلما أجبت بنعم، شرعت تسأل وتستوضح عن كل زهرة تنبتها بلادنا، وذكرت لها نحو عشرين زهرة ~~بأسمائها الإنجليزية، واستوقفتني كثيرا وأنا أصف لها زهرة الأفيون، وزهرة الفتنة، فإنها لم ~~ترهما من قبل. # ثم تحدثت إلي عن الورد، وذكرت لي بيتا لإحدى الشاعرات الأمريكيات تقول فيه: «الوردة هي ~~الوردة هي الوردة هي الوردة». # وذكرت لها بعض الأبيات الفلسفية من رباعيات الخيام عن الورد. # وأخيرا ذكرت لها أن عندنا أديبة فرنسية تقيم في حلوان، وأنها مغرمة مثلها بالزهور، ~~وتختص الورد بأكبر غرامها، وأنها تحتفل بموت الورد فتجمعه حين يذبل وتحمله إلى زاوية في ~~الحديقة وتدفنه؛ إذ هي لا ترضى لهذه الزهرة السامية أن تهان وتلقى على الأرض وتدوسها ~~الأقدام. # وأعجبتها قصة هذه السيدة، وندمت على أن عمرها الماضي قد فات دون أن تتنبه إلى هذا الواجب ~~في رثاء الورد ودفنه ... ووعدت بأن تقوم بهذا الواجب في المستقبل. # واستغرق الحديث بيننا عن الورد نحو ساعة، قمت بعدها إلى قمرتي وشرعت أتأمل هذه النفس ~~الفنية التي تشتغل بالورد، وتتحدث عنه كما لو كان الاهتمام الأكبر في الحياة، وقلت، وكأني ~~أعلق على حديثنا: إن هذا الاهتمام بالورد إنما هو بعض الاهتمام بالجمال، وإني لواثق أن هذه ~~السيدة لا تستطيع أن تتناول غذاءها إلا إذا كانت طاقة الورد تزين مائدتها، ولا تستطيع أن ~~تؤدي عملا إلا إذا كانت تهدف منه إلى مأرب فني، فهي تتوخى الجمال في تزيين وجهها وهندامها ~~وفي لغتها وإيماءتها، بل في حياتها كلها. # إنها تحيا الحياة الفنية؛ أي: الحياة النافعة؛ لأن كل نافع جميل ... وليس عندنا من امتحان ~~نعرف به النافع من الضار سوى الجمال، وما ليس نافعا ليس جميلا، والتمييز بين الحال والنفع ~~هو تمييز يدل على جهل، قد أورثناه هذا الجري، هذه الهرولة، وراء الاقتناء والادخار، ونحن في ~~هذا الاقتناء والادخار لا نختلف من حشرة الجعل التي تدخر روث البهائم. # الفصل الثالث والأربعون # | النفاسة في النفس # العصامية ms41 من الكلمات التي تبعث في الذهن معنى النجاح، فالعصامي هو الناجح، ولكن كثيرا ما ~~يشتبه علينا معنى النجاح فنعتقد أنه الثراء. # فالحرب الكبرى الأولى، ثم الحرب الكبرى الثانية، كلتاهما قد علمتنا أن النجاح المالي ليس ~~هو ما تنشده النفس النفيسة، وليس هو ما تطلبه الحياة العالية، فقد نجح في هاتين الحربين ~~مئات، نشئوا في الفاقة، وجمعوا المال، وصاروا من الأثرياء، وكانوا في كل ذلك عصاميين، ~~يتباهون بأنهم لم يرثوا، بل لم يتعلموا. # ولكن دلنا الاحتكاك بهم على أن عصاميتهم هذه، وبلوغهم هذا الثراء العظيم، لم يحققا لهم ~~نجاحا؛ إذ بقوا في جهلهم السابق وعاداتهم الوضيعة، والتزامهم للخرافات في العيش والعقيدة، ~~فكانوا من حيث المادة في ثراء ومن حيث الروح في الصحراء. # إنما النجاح هو قبل كل شيء نجاح الشخصية؛ أي: يجب أن ترتقي النفس بالتدريب الثقافي، بل ~~بالتدريب الفلسفي، وأن نتعود العادات الرفيعة التي تجعلنا نحس الإحساسات الإنسانية أكثر مما ~~نحس الإحساسات الحيوانية، وأن نفهم أن النفاسة في النفس قبل أن تكون في المال أو سائر ~~الممتلكات. # والسبيل إلى أن نحصل على نفس نفيسة شاق متعب، ولكنه يؤدي في النهاية إلى أعظم المكافآت، ~~وأية مكافأة أفضل من أن نجد في سني الشيخوخة أننا قد وصلنا إلى بصيرة فلسفية لهذا الكون، ~~وإلى إحساس فني للحياة، وإلى آفاق اجتماعية وبشرية تحملنا جميعها على زيادة الفهم ~~والوجدان؟ # كان «ه. ج. ولز» الكاتب الإنجليزي، حين يشرع في كتابة إحدى قصصه يعمد إلى الفصل الأخير ~~فيكتبه أولا، وذلك كي لا ينحرف، فيختلط عليه موضوع القصة ويتشتت، وحياة كل فرد منا هي قصة ~~يجب أن يعين من الآن فصلها الأخير، ثم يسدد نحوه مجهوداته حتى لا ينحرف بنشاط فرعي، وهذا ~~الفصل الأخير هو شخصيتنا، شخصية فذة تحوي عقلا يحس وقلبا يفكر؛ أي: يجمع بين الفهم العلمي ~~الدقيق والإحساس الفني الأنيق، شخصية الجمال النفسي. # الفصل الرابع والأربعون # | سيطرة النفس على الجسم # ذكرت إحدى المجلات حادثا فذا يدل على قوة النفس في السيطرة على الجسم، ذلك أن إحدى ms42 ~~المريضات في مستشفى للأمراض النفسية دخلت هذا المستشفى وهي في السادسة عشرة من عمرها، وبقيت ~~به إلى أن بلغت الخامسة والستين، ولكن من كان ينظر إليها كان يحسب أنها فتاة لا تزال في ~~العشرين، لم يتجمد وجهها، ولم ينحن ظهرها، ولم يترهل لها بطن. # وكان أعظم سمة يتسم به مرضها هو اعتقادها أنها آنسة جميلة لا تزال في الشباب، وتغلغل هذا ~~الاعتقاد في نفسها حتى صار عاطفة يتجه بها الجسم، وتعمل بها وظائفه، وكانت النتيجة أن جعل ~~هذا الإيحاء جسمها في صحة الشباب. # ونحن نعبس بإيحاءات تصور لنا أنفسنا في صور مختلفة، وبعض هذه الإيحاءات سلبي، حين يتوهم ~~أحدنا أنه مظلوم أو مريض أو سيئ الحظ، أو عاجز عن التخلص من عادة سيئة أو حين يأسف على ~~الماضي أو يحزن على فرصة فاتته فيتوتر جسمه ونفسه، وهذا الإيحاء السلبي يعين لنا صورة أو ~~خيالا حافلا بالتعس والانحطاط تنتهي إلى إيذاء الجسم والنفس معا، ونبلغ الشيخوخة ونحن في ~~الأربعين، وتتسلط علينا الأمراض الوهمية التي تعود حقيقة بقوة العاطفة. # ولكن هناك إيحاءات إيجابية توحي الصحة والطمأنينة والابتهاج، تغلغل عواطف في نفوسنا فنعيش ~~كتلك الفتاة في طرب الابتهاج ونشوة الفوز، وقد لا نبلغ ما بلغته؛ لأن الجنون قد أقام بينها ~~وبين الواقع سدا كثيفا فاستسلمت لخيالها، ولكن إذا نحن لم نبلغ ما بلغته فإننا على الأقل ~~نستطيع بالإيحاء أن نجعل خيالاتنا عن أنفسنا حسنة، فنوحي أحسن الإيحاءات التي تتسلط على ~~جسمنا وتوجهه التوجه السديد. # لقد دلت الإحصاءات في إنجلترا على أن هناك علاقة بين التعمير وبين الحرفة، وأعظم المعمرين ~~في إنجلترا هم القسيسون، وذلك للطمأنينة التي يكتسبونها من العقيدة. # ونحن في ظروفنا الحاضرة نعمل بأعصابنا أكثر مما نعمل بعضلاتنا، حتى لقد قيل: إننا نسير ~~مهمومين ونتحدث محمومين ونناقش غاضبين، ولذلك ينهار الجسم أمام أعباء النفس. # الفصل الخامس والأربعون # | الحياء والخجل # الحياء من الفضائل الأنيقة السامية التي لا نعرف قيمتها إلا حين نفتقدها، ولا نجدها في ~~أولئك الواغلين والوقحين والصاخبين والمستهترين، الذين يؤذوننا بوجودهم، ms43 ويخنقون جونا ~~بأصواتهم وحركاتهم، الذين إذا ضحكوا قهقهوا، وإذا مرحوا أسرفوا وعربدوا. # ويجب لذلك أن يكون كل منا على شيء كبير من الحياء الذي يجعلنا نتحفظ في حديثنا، ونتصون في ~~سلوكنا، فلا نفتات على الحقوق الصغيرة التي يتمتع بها غيرنا، ولا نتجرأ على التماس الألفة ~~في غير موضعها. # ولكن هذا الحياء يستحيل إلى رذيلة، حين يكون خجلا ملازما، يجعلنا على الدوام محجمين عن ~~التعرف والحديث، نعتزل المجتمع بالصمت، حتى حين نكون بين أعضائه، ونكره الزيارة والاختلاط ~~مع ما فيها من أنسة ورقي اجتماعيين. # وكم من شاب فاتته الفرص العظيمة؛ لأنه كان خجولا لا ينطق ولا يتقدم إلا في مشقة ~~وتكلف. # بل هناك من الشبان من يأسف على فرصة ذهبية ضاعت منه؛ لأن الفتاة التي طلب يدها وجدته ~~خجلا جامدا فنفرت منه، أو لأن الرئيس الذي كان يزمع استخدامه قد وجده يرتبك ويتلعثم لفرط ~~الخجل فرفض استخدامه. # والخجل يعد لذلك من أعظم أمراض الشخصية، ويجب على كل شاب أن يكافحه ويتخلص منه، بل كذلك ~~يجب على كل فتاة؛ لأن الخجل يجمد شخصيتها فلا تعرف كيف تتلطف وتتظرف، وكثيرا ما يحتبس ~~اللسان لفرط الخجل، وقد يرتعش الشاب أو الفتاة الخجولان ويتصبب العرق منهما، وهذه حال تحتاج ~~إلى العلاج بالمرانة على الحديث، بل بالمرانة على الخطابة في المجتمعات الصغيرة في الأندية ~~مثلا، وبعيد جدا أن يخجل شاب أو فتاة قد تعود الخطابة، ولذلك تعد الخطابة من أنجع ~~الوسائل لتكوين الشخصية. # الفصل السادس والأربعون # | كيف نقوي إرادتنا؟ # كثيرا ما يسألني بعض الشبان عن السبيل إلى تقوية الإرادة؛ لأن إرادتهم كما يزعمون ضعيفة، ~~وأن ضعفها يؤخرهم. # ولكن الواقع أنه ليس هناك إرادة مطلقة؛ لأننا إنما نريد شيئا معينا، كأن نطلب الثراء أو ~~الوجاهة أو النجاح في الأدب أو في العلم، أو ننشد السعادة بصورة معينة، أو ننجح في الزراعة ~~أو التجارة ... إلخ، وهذه كلها إرادات، وليست إرادة واحدة، وليس هناك إنسان يطلب كل هذه ~~الأشياء معا، وإنما هو يطلب شيئا واحدا منها. # والسبيل إلى تقوية ms44 الإرادة في هذا الشيء الواحد هو إيجاد الإيحاء الدائم بالتخيل؛ أي: ~~بأحلام اليقظة، فإننا كلنا وقت الراحة والاسترخاء نتخيل خيالات سارة لذيذة كأنها الأحلام، ~~فإذا كنا نرغب في الثراء مثلا، ولا نجد الإرادة للعمل والكد لتحقيقه، فإن السبيل لإيجاد ~~هذه الإرادة هو أن نتخيل الثراء بتفاصيله، كأن يضع الشاب نفسه في المركز الذي ينشده ويهواه، ~~ويستسلم للخيالات المحيطة بهذا المركز، وهو، عندما يداوم على هذه الخيالات، يجد يوما ما أن ~~الإيحاء منها قد استقر وتغلغل في نفسه حتى صار عواطف لها قوة التوجيه للشخصية. # وعندئذ يتجه كل نشاطه إلى هذا الخيال الذي دأب في تخيله فيعمل لتحقيقه؛ لأن الخيال قد ~~أحدث الإيحاء، فالإرادة هي التي توجه الشخصية من حيث لا ندري إلى الأخذ بكل ما يعمل للثراء، ~~وتجنب كل ما يؤخر هذا الثراء. # هذا هو السبيل إلى إيجاد الإرادة وتقويتها: خيال، ثم إيحاء، ثم إرادة، وهذا المثل الذي ~~ضربناه ليس خير الأمثلة، ولكنه أوضحها؛ لأن الشاب الذكي لا ينشد الثراء فقط، وإنما هو ينشد ~~الصحة، والمكانة الاجتماعية، والثقافة، والسعادة العائلية ... إلخ، بل أحيانا قد يطلب أحدنا ~~إبطال التدخين أو الشراب، أو أية عادة سيئة أخرى، والسبيل هنا أيضا هو أن يتخيل نفسه ~~سليما نظيفا بعيدا عن عادة التدخين مثلا، يجني ثمرة تركها والإقلاع عنها صحة وجمالا ~~وشبابا، بل أيضا ما لا يتوافر له، كي يؤدي به عملا نافعا، فإذا تغلغل الخيال في نفسه، ~~كان الإيحاء، ثم الإرادة. # الفصل السابع والأربعون # | تربية الخيال # عندما أتأمل في الجرائم التي يرتكبها المجرمون، من سرقة أو اغتيال، أو تزوير، أو نصب، لا ~~أتمالك الإحساس بأن هذه الجريمة التي وقع فيها أحدهم ليست الأولى إلا من حيث ~~الاقتراف. # أي أن هذا المجرم، قبل أن يرتكب جريمته هذه الأخيرة التي قادته إلى السجن أو إلى المشنقة، ~~قد فكر كثيرا فيها وارتكبها بخياله، وحلم بها في نومه وفي يقظته، واجتر الفكرة، حتى انتهى ~~إلى الاقتراف. # وكثير منا على هذه الحال؛ أي: أنه يرتكب الجريمة بالفكر والخيال والاتجاه؛ ms45 لأنه يترك ~~عواطفه تطغى على عقله، ويستسلم للخواطر الإجرامية؛ اعتقادا بأن هذه الخواطر لن تؤذيه؛ إذ ~~هو بعيد عن الاقتراف. # ولكن هذا خطأ؛ لأن الخطوة قصيرة بين الفكر والعمل، ويجب لهذا ألا نترك خيالنا مسيبا، ~~تسوقه وتوجهه عواطفنا الغشيمة؛ أي: يجب أن نربي عواطفنا ونوجه خيالنا حتى لا نرتكب ~~الجرائم بالفكرة، ثم ننساق بعد ذلك إلى ارتكابها بالفعل. # ولذلك يجب أن نراقب خيالنا، ونوجهه نحو الخير والبر، ونحلم بالخدمة، ونستورد إلى عقولنا ~~الخواطر التي تثير في نفوسنا الشهامة والشرف والحب، ونستبعد عنها الخواطر التي تثير الحسد ~~والحقد والانتقام والأنانية، وبهذا نبتعد عن الجريمة، ليس بالفعل فقط، بل بالفكرة ~~أيضا. # لقد كان أفلاطون يقول: إن ما يحلم به العقلاء يفعله المجانين، ولكن هؤلاء العقلاء قد ~~يعودون مجانين إذا أدمنوا الفكرة وحلموا بها كثيرا. # إن لنا تراثا من العواطف الوحشية التي كانت تخدمنا في حياة الغابة القديمة، حين كان ~~البطش يسعفنا أكثر من العقل، ولكن هذا التراث يؤذينا في حياة المدنية، ويجب لذلك أن نربي ~~عواطفنا على المعيشة الاجتماعية البارة، وخدمة البشر، بأن نجعل أخيلتنا بارة كريمة. # الفصل الثامن والأربعون # | غاندي زعيم الإنسانية # مات رجل في العام الماضي استطاع أن يكسبنا معنى جديدا للإنسانية، ذلك هو غاندي. # فقد تعلمنا منه أن المجد أو العظمة أو السمو، أو ما يتبع هذه المعاني من الكلمات ، ليست في ~~القائد العظيم الذي يهزم الجيوش ويدمر المدن، وليست في ذلك السياسي الداهية الذي يستولي ~~على ثروات الأمم الصغيرة لمصلحة وطنه، وليست للثري الذي يقتني الثابت والمنقول من العقارات، ~~وإنما هي لذلك الإنسان الذي يستطيع أن يعيش وهو يعرف كيف يستغني وليس كيف يقتني. # لقد عاش غاندي مستغنيا لم يتقن سوى العنزة التي كان يشرب لبنها، والشملة التي كان يستتر ~~بها، فلم يكن يكلف الأمة الهندية التي عاش لها، وحقق لها الاستقلال أكثر من جنيهين أو ثلاثة ~~جنيهات في العام كله؛ أي: مقدار ما ينفقه رجل شبه ثري في اليوم في مصر أو غير مصر. # ونحن نقرن الحقارة ms46 إلى الفقر، ولكن غاندي كان عظيما مع فقره، وقد أغنى أمته وبقي هو ~~فقيرا. # وبذلك تعلمنا منه أن الرجل المهذب الذي يفكر في الآفاق، ويهتم بالمشكلات الإنسانية ~~الكبيرة، ليس هو ذلك الذي يزحم نفسه بالمقتنيات التي تستهلك وقته والتفاته، وإنما هو الذي ~~يتخلص من هذه المقتنيات حتى يتفرغ لما هو أعظم منها شأنا، مما يرقى به شخصيته وأمته ويزيد ~~الخير في الدنيا وينقص الشرور. # وهناك مقاييس كثيرة نستطيع أن نقيس بها فضل الرجال، ومن أحسن هذه المقاييس ما اعتمد عليه ~~«برنارد شو» حين قال: إن الرجل الفاضل هو ذلك الذي يعطي الدنيا أكثر مما أخذ منها، بحيث ~~تزيد الدنيا ثروة أو علما أو حكمة يوم وفاته على ما كانت يوم ميلاده. # وقد زادنا غاندي حكمة، وتعلمنا منه أننا نستطيع أن نقاوم الشر بالخير، وأن نعيش بأقل ~~الحاجات، فنحصل على الكرامة والعزة التي لا يحصل عليها أقوى الأقوياء. # وعلى كل شاب طموح، يسرف في الطمع والاقتناء، أن يذكر أن زعيم الهند، بل زعيم الشرف ~~والخير، زعيم الإنسانية، لم يكن ينفق في العام على نفسه سوى جنيهين أو ثلاثة جنيهات، وأنه ~~ترك لنا قدوته السامية كي نتأسى بها في القناعة. # الفصل التاسع والأربعون # | فورد يذم الادخار # كان هنري فورد رجلا فذا، وهو في التعبير الإنجليزي «قد صنع نفسه»؛ أي: أنه ربى نفسه، ~~وجمع ثروة تعد بالملايين، وأنشأ مصانع غيرت بنظامها وإنتاجها المجتمع الأمريكي؛ أي: أنه ~~كان عصاميا في تربيته، وثقافته، وثروته، وجاهه، ولذلك يجب أن نسترشد بحياته وندرس أقواله؛ ~~لأنها ثمرة الخبرة والمعرفة. # ومن أحسن ما قاله بشأن النقود وادخارها قوله: «كان يقال للشبان فيما مضى: ادخروا كي لا ~~تفتقروا في شيخوختكم، ولكن الواقع أن الذين يحسنون صرف النقود لا يفتقرون، ولذلك أقول ~~للشبان: أنفقوا نقودكم، ولكن يجب أن تتأكدوا بأنكم تنفقون على الأشياء التي تعمل لرقيكم، ~~وتتقدم بكم إلى الأمام من المكان الذي كنتم فيه في الأمس.». # وهذه كلمات الحكمة ينطق بها حكيم مجرب، ذلك أننا لا ننتفع بالنقود إلا عندما ms47 ننفقها، أما ~~حين تبقى مدخرة فإن انتفاعنا بها من حيث ترقية شخصيتنا، أو الاستمتاع بالرفاهية أو الصحة أو ~~السعادة، هذا الانتفاع يبقى معطلا، وإنما يبدأ الانتفاع حين يبدأ الإنفاق، وبكلمة أخرى ~~نقول: إننا لا نبدأ في امتلاك النقد واستخدامه إلا في وقت الابتداء في إنفاقه. # والشاب الذي يحسن الإنفاق، ويوجه نقوده إلى الأهداف التي تزيد سعادته وكفاءته لن يخشى ~~الفقر؛ لأنه وهو ينفقها إنما يربي نفسه، حتى حين يخسر بعض ما ينفق؛ لأن أقل ما يقال هنا ~~أنه كسب الخبرة، أما ذلك الذي يشن على نفسه، ويكنز ما جمع من المال، فإنه يبقى فقيرا في ~~شخصيته وثقافته واستمتاعه وسعادته، حتى ولو بلغ ما يكنزه الألوف من الجنيهات. # أيها الشاب: أنفق كثيرا واشتر بنقودك الاختبارات والاستمتاعات التي تكبر شخصيتك ~~وتربي عقلك وعواطفك وتزيدك حكمة وشبعا من الدنيا. # الفصل الخمسون # | كلمات جديدة # هناك كلمات تؤدي كل منها دلالة ترفعها إلى مقام الشعار الذي يعين السياسة أو الأخلاق أو ~~السلوك، بل إنها لتعين برنامجا تحيا به الدولة أو ينهج عليه الفرد في حياته ويستهدف به ~~نبلا وكرامة وسعادة. # ومن أحسن الكلمات التي شاعت في أوروبا هذه الأيام هذا الوصف الذي توصف به الدولة حين ~~نقول: «دولة إيجابية»، فإن دلالة هذه الكلمة تزيد على المعنى المألوف من الكلمات؛ إذ هي ~~شعار للدولة، ذلك أننا تعودنا على أن نطالب الحكومة بألا تتدخل في شئون الفرد أو المجتمع ~~إلا بأقل مقدار، وكنا نقنع منها بتعميم الأمن، كأننا نؤثر أن تكون سلبية، فيما عدا الأمن، ~~لا تعنى بالصحة أو التعليم أو نحو ذلك. # ولكن وصف الحكومات المصرية بأنها إيجابية هو تبدل كبير في معنى خصائص الدولة ومهمتها، ~~فالدولة العصرية هي التي لا تقف سلبية مكتوفة، وتترك الحبل على الغارب للمباراة الاقتصادية ~~حتى يأخذ الثراء والفقر مجراهما بلا عائق، وإنما هي التي تتقدم وتعمل وتفتح الميادين ~~الجديدة لألوان كثيرة من النشاط، وليس التأميم الذي شاع في أوروبا إلا بعض هذه السياسة ~~الإيجابية. # وهناك كلمة أخرى هي ما توصف ms48 به الحكومات الديمقراطية في أوروبا الغربية الشمالية حين ~~نقول إنها «دولة خيرية»، فإن دلالة هذه الكلمة كبيرة جدا. # ذلك أننا كنا نصف الجمعية بأنها «خيرية» حين تؤسس المدارس وتعلم أبناء الفقراء بالمجان، ~~أو حين تفتقد الفقراء وتتصدق عليهم، أو حين تنشئ المستشفيات، ولكن الدولة الخيرية تفعل كل ~~ذلك، وأكثر منه هذه الأيام، فإن الحكومة الإنجليزية مثلا تعلم الشعب كله بالمجان، كما ~~أنها تعالجه بما يشبه المجان، وفي العام الأسبق أنفقت واحدا وعشرين مليون جنيه اشترت بها ~~طقوم الأسنان والسماعات والنظارات، ووزعتها كلها بالمجان على ضعفاء الأسنان والسمع ~~والنظر. # هذا عمل خيري كانت تضطلع به الجمعيات قديما، أما الآن فإن الدولة الخيرية تضطلع ~~به. # ولذلك يجب أن نستورد هذه الكلمات من أوروبا، وأن نحفظها ونستذكرها، حتى تلد الكلمة الفكرة ~~وتلد الفكرة العمل. # يجب أن نستذكر الدولة الإيجابية، والتأميم، والدولة الخيرية، فإن هذه ليست كلمات فقط؛ إذ ~~هي شعارات أيضا، هي برامج تنادينا بالعمل والكفاح لتعميم السعادة ومحو الشقاء من ~~بلادنا. # الفصل الحادي والخمسون # | الناقصون في الذكاء # لا يمكن أن نصف رجلا بالذكاء؛ لأنه أمضى حياته في احتيالات ومراوغات ومناروات لجمع مقدار ~~باهظ من المال. # وإني أصف هذا المال الكثير بكلمة باهظ؛ لأنه يبهظ مقتنيه، فيشغله بأعبائه عن الكثير مما ~~يجب أن يحيا له، والمعقول أننا نعيش، أقصى ما نعيش في المتوسط، نحو ثمانين أو تسعين سنة، ~~وهذا العمر لا يحتاج إلى ربع مليون جنيه، والرجل الذي يرصد حياته لاقتناء هذا المبلغ، لا ~~يختلف عن الرجل الذي يشتهي أن يأكل أرنبا فيقتني خمسين ألف أرنب، أو هو يحتاج إلى السكر ~~للشاي فيجمع ألف قنطار من السكر ثم يخزنها، أو هو يحتاج إلى سرير فيشتري مئة سرير. # ذلك أن حاجتنا في هذه الدنيا لا يمكن أن تحملنا على أن ننام في سريرين فضلا عن مئة سرير، ~~ولا أن نأكل خمس وجبات في اليوم فضلا عن خمسين وجبة، ولا أن نتزوج عشر نساء فضلا عن مئة، ~~ثم أعمارنا لا يمكن أن تمتد إلى مئتي ms49 سنة فضلا عن ألف سنة، وحتى عندما نفكر في تزويد ~~الأطفال بشيء من المال، فإن ما يرثونه يجب أن يكون مقدارا معتدلا حتى لا يستنيموا إليه ~~ويحجموا عن العمل والإنتاج اللذين يجعلانهم يحسون بأنهم أعضاء نافعون في المجتمع. # وإذن يجب أن نقول: الإسراف في جمع الثروة هو غباوة وليس ذكاء، أو بكلمة أخرى، هو اندفاع ~~أو انسياق في القيم الاجتماعية السائدة دون الفحص الذكي عن حدودها. # وميزة الذكاء هي النظرة الشاملة لأي موضوع، هذه النظرة التي نقيس بها الأبعاد والأمداء في ~~حياتنا. ~~••• # ويجب ألا ننسى هذه النقطة، وهي أن سمة الغبي هي النظرة الجزئية لأي موضوع، وأيضا للحياة، ~~وميزة الذكي هي النظرة الكلية لأي موضوع، وأيضا للحياة. # النظرة الكلية، النظرة الشاملة، النظرة الاستيعابية، التي تستوعب الموقف كله، الحياة كلها ~~هي نظرة الذكاء. # ما هي النظرة الشاملة للحياة؟ # هي أننا نعيش نحو ثمانين سنة على هذا الكوكب، فيجب أن نختار أحسن ما فيه من القيم فنأخذ ~~بها ونعنى باستكمالها. # وأكبر القيم في حياتنا هي الصحة، فيجب ألا نبخل بأي شيء لصيانة صحتنا؛ إذ هي الثروة ~~الأولى التي لا يمكن الاستمتاع بأي ثروة أخرى بدونها. # أما الثروة الثانية فهي ذكاؤنا الذي يجب أن نغذوه بالثقافة المتوالية. # ومعنى هذا أن أهم ما نعنى به لأشخاصنا هو صحة الجسم وترقية الذهن. # ثم تأتي بعد ذلك القيم الأخرى؛ أي: الثروات التي يجب أن نقتنيها. # وفي نظامنا الحاضر نحتاج إلى المال، ولكن ثروة المال، التي نتعب في جمعها، يجب ألا تبهظنا ~~سواء في التحصيل أو في الاقتناء، وقصارى ما نطلبه منها أن تكفينا نحو سبعين أو ثمانين سنة، ~~ومن البلاهة أن نتعب ونلهث حتى نجمع ما يكفينا سبع مئة أو ثمان مئة سنة. # وهذا بالطبع مع التفكير المتزن فيما نتركه للأطفال. # ثم هناك الثروات الأخرى التي يجب أن نحصل عليها؛ العائلة، الأصدقاء، المجتمع، الإنسانية، ~~الطبيعة، السياحة. # إن كل هذه ثروات لا يمكن أن يهملها الرجل الذكي. # ومما يجب أن نتنبه إليه أن الأخلاق جزء من الذكاء. ms50 # وثق أنه على قدر النقص في الذكاء يكون أيضا النقص في الأخلاق؛ لأن الرجل الذكي يتناول ~~حياته، فيما بين سن العشرين وسن الثلاثين، كما لو كانت أكبر وأخطر وأعظم الموضوعات التي يجب ~~أن يدرسها، فهو يعين هدفه في هذه الدنيا ويعين أيضا برنامجه للوصول إلى هذا الهدف. # وأنا أشك في ذكاء الشاب الذي لا يفعل هذا قبل أن يبلغ الثلاثين. # الفصل الثاني والخمسون # | ادرسوا سيرة رجل عظيم # كان باستور من رجال العلم الفرنسيين الذين غيروا الاتجاه الطبي، ووضعوا أسسا جديدة ~~للمعالجة، وقد ألقى ذات مرة في جمع من الشبان كلمات من النصح والإرشاد، فكان مما قال لهم: ~~«ادرسوا سيرة رجل عظيم.». # وهذه نصيحة يجب أن تقال وتكرر لجميع الشبان في كل وقت؛ لأن هناك من الخفايا في سير ~~العظماء ما يدهش الشاب العادي الذي يطلب الطمأنينة والراحة، ويقصر حياته على نشاط تكراري ~~ليس فيه استقلال أو ابتكار، ففي سيرة كل عظيم تقريبا تجد ألوانا من التضحية والنشاط ووحدة ~~الهدف، ومقاطعة الملذات الرخيصة، فهذا عظيم نعرف من سيرته أنه كان يستيقظ في الساعة الرابعة ~~من الصباح، وهذا آخر نعرف أنه لم يدخن قط، وهذا ثالث، مثل سعد زغلول، نعرف أنه شرع يتعلم ~~لغة أجنبية وهو في الثانية والستين من عمره ... إلخ. # ومثل هذه الدراسة جديرة بأن تشكك الشاب في القيم والأوزان التي يؤخذ بها، وجديرة بأن ~~تلهمه حتى يتغير، فيهدف إلى العظمة، فيتغير في أسلوب حياته، ويهدف إلى هدف جديد. # وقد رأيت في الأسبوع الماضي عظيما، وهأنذا أبوح ببعض الخفايا عنه لعل في ذلك ما يلهم ~~ويوجه، فهو الآن في الخامسة والخمسين, وقد وصل إلى قمة المجتمع مالا ووجاهة وكفاءة، ولكنه ~~وجد هذا العام نقصا في بعض معارفه، فسارع إلى استخدام معلم يدرسه، ورأيت كرامته وكناشته ~~كأنه قد عاد تلميذا يستعد للامتحان، وتأملته مليا، وعرضت حياته الماضية منذ كان موظفا ~~صغيرا لا يزيد مرتبه على عشرة جنيهات في الشهر إلى أن أصبح دخله السنوي يقدر بالألوف من ~~الجنيهات، وتساءلت: ما الذي ms51 رفعه إلى هذه القمة؟ # تساءلت وفكرت، ثم قلت: هي عادة تعودها منذ كان شابا «عادة الارتقاء». # ذلك أنه اتخذ أسلوبا في حياته هو أن يرتقي، فالارتقاء عنده عادة وعاطفة يمارسها في غير ~~وجدان؛ أي: من حيث لا يدري، فهو يرتقي اجتماعيا وماليا وصحيا وثقافيا، وقد أشرت إلى ~~أنه يثقف ذهنه على يد معلم، ويجب أن أشير أيضا إلى أنه يثقف جسمه بتمارين رياضية ~~قاسية. # والارتقاء يمكن أن يكون عادة يتعودها الشاب، وهو إذا فعل فإنه لن يرضى بقضاء ساعة من عمره ~~على المقهى، ولن يرضى بأن يبلد ذهنه بقراءة السخف في المجلات الجنسية، ولن يرضى بقتل الوقت ~~بأكل اللب أو التدخين. # يجب أن نجعل الارتقاء عادتنا وعاطفتنا، وأن نرقي أذهاننا بالدراسة كما فعل هذا الباشا ~~العظيم باستخدامه معلما يدرسه وهو في منتصف العقد السادس من عمره، وكما فعل سعد، وهو في ~~الثانية والستين. # وعادات الارتقاء، كالتزام القناعة في الطعام، وممارسة الألعاب الرياضية، واقتناء الكتب ~~والدراسة، ومصادقة الشخصيات السامية التي تربأ عن الهذر والسخف، هذه العادات ليست أشق علينا ~~من عادات الانحطاط التي يقع فيها كثير من الشبان ثم يعجزون عن الإقلاع عنها، فتؤخرهم في ~~ميدان الحياة وتجعلهم يندمون بعد أن تكون قد فاتتهم الفرصة. # الفصل الثالث والخمسون # | المباراة في الاقتناء علة الشقاء # نحن نعيش في عصر اقتنائي نتبارى فيه لاقتناء العقارات والمنقولات وجمع الأموال، ونفاخر ~~فيه بالتكاثر، وفي أحيان كثيرة لا نبالي الطرق التي نقتني بها أو نجمع بها المال، وذلك لأن ~~شهوة الجمع والاقتناء تتسلط على عواطفنا، وتتغلب على إحساسنا، بل إننا في حالات كثيرة ننكر ~~على أنفسنا الراحة فضلا عن الاستمتاع كي نقتني ونجمع. # وأحيانا نعمى عن الحقائق وننساق ذاهلين كأننا لا ندري ما نفعل، فتحملنا شهوة الاقتناء ~~على التقتير الجنوني، فقد قص علي طبيب كان يمارس مهنته في قرية قريبة من طنطا، أن رجلا قدم ~~إليه ومعه ابنه المريض وهو شاب دون العشرين، فلما فحص عنه وجد أن مرضه هو «البلاجرة» وهذا ~~المرض برهان على سوء الغذاء، ms52 ثم فحص عن أخيه فوجد أنه أيضا مريض بهذا المرض الذي لا يفشو ~~إلا حيث يكون الجوع، ونعني هنا الجوع الكيماوي حين يكون المقدار كافيا، ولكن عناصر الطعام ~~ناقصة. # ولما سأل الطبيب عن الحال الاقتصادية التي تعيش فيها عائلة هذين الشابين، وجد أن الأب ~~يملك خمسة عشر فدانا يزرعها بنفسه ولا يؤجرها؛ أي: أن إيراد الفدان لا ينقص عنده عن عشرين ~~أو ثلاثين جنيها. # ومع هذا الإيراد كان ابناه يشكوان قلة الغذاء؛ لأن روح الاقتناء قد تغلب عليه حتى صار ~~يقتر في غذاء أولاده، وأدى التقتير إلى مرضهم. # وليس منا من ينكر قيمة المال في مجتمعنا وظروفنا، ولكن يجب ألا ننساق في القيم الاجتماعية ~~ونضحي بالصحة من أجلها؛ لأن هناك قيما بشرية يجب أن تحتل المكانة الأولى في نفوسنا، وأولى ~~هذه القيم بالطبع هي الصحة، وهناك الثقافة، والارتفاع بحاجات الحياة إلى التأنق الفني وضروب ~~الاستمتاع العديدة. # والشاب الذي يهمل صحته أو ثقافته، ويضحي بحاضره لأجل المستقبل، ويحمله كل ذلك على ~~التقتير، إنما ينكر على نفسه السعادة التي هي من حقه وواجبة، ولو كنا نعيش في مجتمع سليم ~~لكان يجب أن نحجز على المزارع الذي أحدث لابنيه مرض البلاجرا بتقتيره وتمنعه من الصرف؛ لأنه ~~بدلا من أن يجعل المال خادما جعله سيدا. # الفصل الرابع والخمسون # | البساطة في الحياة فن # عندما نقول: إننا يجب أن نعيش المعيشة الفطرية، ونتوخى السذاجة البساطة؛ نجد أننا نقع في ~~التباسات واشتباهات كثيرة، فإن الحيوان يعيش المعيشة الفطرية؛ أي: أنه يقنع بما تزوده به ~~الطبيعة من طعام ومأوى، سواء أكان مخبأ في ديسه أو جحرا في كهف، وليس هذا ما يقنع به ~~إنسان، ولكن هناك المعيشة الفطرية التي يطلبها الفيلسوف أو الرجل الحكيم حين يستغني عن ~~عشرات أو مئات الأشياء التي يقتنيها غيره فتببظه بعبئها وتكاليفها دون أن يقتنع بها. # ولذلك يجب أن نترك عبارة المعيشة الفطرية ونقول: إننا يجب أن نحيا الحياة الفنية ففي الفن ~~البساطة، ولكنها بساطة تشبه «السهل الممتنع»؛ إذ هي ثمرة الثقافة العميقة ms53 التي استخلصنا ~~منها أسلوبا وهدفا للحياة حتى استطعنا أن ننحي عنا كثيرا من الزوائد والنوافل. # ونحن حين نقرأ قصيدة، ونعجب بأبياتها، أو حين نقرأ قصة ونفكر في الأسلوب الذي اتخذه ~~المؤلف، وفي الهدف الذي رسمه، نجد أنه إذا كان من الممتازين، قد ارتفع ببطله إلى صورة أو ~~طراز هو في صميمه من فن الحياة. # فلم لا نمارس فن الحياة؟ ولم لا يرتفع الشاب إلى أن يكون كذلك البطل الذي يقرأ عنه، ~~ويعجب به في القصص العالية. # هناك فنون كثيرة، كالرسم والبناء والنحت والموسيقى والغناء، وكلها فنون جميلة لا يعد ~~الإنسان إنسانا إلا إذا كان قد أحس بجمالها أو مارس بعضها، ولكن هناك فنا هو فوق هذه ~~الفنون جميعها وهو «فن الحياة»؛ أي: ماذا أنت صانع بحياتك؟ ما هو الهدف الذي ترمي إليه من ~~هذا العمر الذي قد يبلغ 80 أو 100 سنة؟ ما هو بيت القصيد في هذا العمر؟ ثم أيضا ماهو ~~الأسلوب الفني الذي تتخذه كي تحقق هذا الهدف؟ # قد يقال: إن الأسلوب هو الفن، و'ن الهدف هو الفلسفة ولكن عند الرجل الحكيم الذي أينعت ~~شخصيته يندمج الاثنان، بل ينعدم الثلاثة: الفن والفلسفة والحياة، جميعها شيء واحد والرجل ~~الحكيم يصل إلى نوع من الحياة الفطرية، ليست حياة الضرورة الحيوانية، ولكنها حياة «لزوم ما ~~لا يلزم» كما يقول المعري، حياة الفن العالي الذي نستغني به عن عشرات الأشياء، ولكنا نطلب ~~أشياء لا يطلبها العاميون غير الفنيين. # الفصل الخامس والخمسون # | وقف الثروة على الأبناء # من الحوادث الصغيرة التي تحمل في معناها الدلالة الكبيرة أن أحد الأثرياء في الولايات ~~المتحدة قصد إلى محام، وطلب إليه أن يحرر له وصية تكفل بقاء ثروته لأبنائه، ثم لأبنائهم ~~وأحفادهم من بعدهم، خشية أن يبددها هؤلاء الأبناء والأحفاد، ثم يعيشون فقراء. # فسأل المحامي هذا الثري، ما هو عدد الأجيال التي تطمع في بقاء الثروة فيها؟ فأجاب الثري ~~بأنه يرجو بقاءها في عشرة أجيال، فحسب المحامي عدد الجدود الذين يعد هذا الثري واحدا منهم ~~إلى الجيل العاشر، ms54 فوجد أنهم يقاربون خمس مئة جد فقال له: ماذا يهمك أن تكون واحدا من خمس ~~مئة جد حتى تعنى هذه العناية بالجيل العاشر؟ # ونحن المصريين نعرف من وقف الثروة على الأبناء والأحفاد ماذا جره علينا هذا من المتاعب ~~والأحقاد في العائلات، وأيضا ضياع الثروة لإهمال العناية بها. # والعبرة الأولى: # لهذه القصة أن العناية بمستقبل الأبناء يجب أن تقف عند حدود لا تتجاوزها ~~إلى السخف، بحسبان أن المستقبل يمكن أن يرتهن للأبناء والأحفاد. # والعبرة الثانية: # أن الإخاء البشري ليس من الفكرات الفلسفية التي يتسلى بها المؤلفون ~~والكتاب، وإنما هو حقيقة بيولوجية، فليس في مصر الآن رجل أو امرأة لا ~~ينتسب إلى ملوكها قبل ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف سنة، وليس في مصر الآن رجل ~~أو امرأة لن يكون جدا أو جدة لجميع الملايين التي سوف تعيش بعد خمس مئة ~~عام، إلا إذا أضرب عن التناسل، وتستطيع أيها القارئ أن تحسب هذا الحساب في ~~بضع دقائق، وتستطيع أن تستنتج وتتحقق أن الأمة المصرية كلها عائلة واحدة، ~~بل ماذا أقول؟ إن النوع البشري كله عائلة واحدة. # إن الإخاء البشري في الأخلاق ينهض على أخوة بشرية في البيولوجية. # الفصل السادس والخمسون # | وقت من ذهب ووقت من تراب # ليس شيء أدعى إلى الحسرة والألم من رؤية الشاب وهو قاعد في المقهى يتثاءب أو يتطلع إلى ~~المارة من رجال ونساء كأن عقله خواء لا يجد مما يشغله شيئا من مهام هذه الحياة، وتزيد ~~الحسرة والألم عندما نجد أنه قد استعان بشاب آخر، وقد قعد كلاهما يلعبان أحد ألعاب الحظ، ~~فيقضيان وقتهما في قتل الوقت. # وتزيد الحسرة أكثر وأكثر عندما أسأل أحدهما عن قيمة هذه اللعبة مستنكرا، فيجيبني بأنه لا ~~يلعب للنقود وإنما يلعب للتسلية، كأن ضياع قرش من نقوده أغلى عليه من ضياع ساعة من حياته، ~~مع أن القرش يمكن أن يسترد، أما الساعة فلن تسترد. # وهؤلاء الشبان يعيشون في سأم قد أحدثته لهم الحياة الخاوية، ولذلك يفرون من هذا السأم إلى ~~أنواع من التسلية ترفه ms55 عنهم. # وليس بعيدا أن يقعوا بعد ذلك في المنكرات المدمرة من باب الترفيه أيضا. # والمرض الأصلي الذي يشكوه هذا الشاب الأجوف، من حيث لا يدري، هو أنه لم يعن في الماضي ~~بتثقيف عقله، ورأسه لذلك كالغرفة العارية، ليس بها أثاث يشغل فراغها، ولذلك لا يهتم بقراءة ~~الجريدة، ولا يقتني كتابا، ولا يسأل عن المشاكل السياسية والاجتماعية، رأس خلو يتعلق بما ~~يسليه كي ينفض عنه السأم فقط، ولو كان ذلك بأكل اللب أو لعب النرد أو الورق أو التطلع إلى ~~المارة أو التحدث بالقيل والقال، وعندما يصل هذا الشاب إلى الشيخوخة لا يجد أمامه غير ~~اليأس، فهو يتعفن في وحدته النفسية والذهنية إلى أن يبلى فيموت. # لهذا يجب على كل شاب أن يثقف عقله، ويهتم بالجريدة والكتاب، كما يجب عليه أن يرتفع بلغته ~~إلى المعاني الدقيقة السامية التي تحول بينه وبين التبذل الرخيص من الكلمات التي كثيرا ما ~~تجره إلى أخلاق مبتذلة رخيصة. # يجب أيها الشاب أن تثقف عقلك وتصقله حتى تجعله غاليا عزيزا، وليس رخيصا ~~مبتذلا. # الفصل السابع والخمسون # | الشاب الذي يثير الإعجاب # مما يثير الاشمئزاز في نفسي منظر ذلك الشاب التافه الذي يعيش حياة تافهة بلا جذور ولا ~~هدف، ولا تربطه بالدنيا هموم أو اهتمامات، يقرأ المجلة التافهة، ويغذو ذهنه منها بالغذاء ~~الرخيص، ويجهل خطورة القنبلة الذرية، فلا يدري شيئا عن منظمة الأمم المتحدة، أو الحركة ~~الصهيونية، أو الاستعمار من أجل البترول، إذا حدثته عن الفلاح قال: إنه أسعد منك، وإذا ~~ناقشته عن قيمة الصناعة لمصر سئم المناقشة وأبدل بها حديثا عن الممثلة الأمريكية التي ~~تزوجت للمرة العاشرة ممثلا سينمائيا أو لوردا إنجليزيا أو بهلوانا إسبانيا. # وهو إذا لم يحدثك عما يقرأ فإنه قادر على أن يسهب في صفات الخياطين، وامتياز كل منهم على ~~الآخر، بل لعله يحدثك عن أحسن الحلاقين. # فإذا لم يجد الفرصة للحديث فإنه يلعب لعب الحظ، فيقضي الساعتين وهو مهموم متفزز يبغي ~~الانتصار ويخشى الهزيمة. # هذا هو الشاب التافه الذي لا يهدف في الحياة، ولا ms56 يرتبط بحياته أو بحياة عائلته أو ~~وطنه. # ونقيض هذا الشاب التافه ذلك الشاب النابه الذي يميز بين الخطير والحقير، ويحس أن وطنه هو ~~هذا العالم كله، يهتم بشئونه ويرتبط بمشكلاته، ويرفع هذه المشكلات إلى المستوى الفلسفي ~~العالي، فيرتفع هو بارتفاعها ويجل بجلالها، وبذلك تمثل له أهداف في الشرف والسعادة ~~والشهامة، فيعرف أن وقته أغلى من الذهب، وأنه يشترك في قيادة هذا العالم نحو النور، ومثل ~~هذا الشاب يثير الاعجاب. # تأمل في حياتك أيها الشاب واسأل نفسك هل تثير حياتك الاشمئزاز أم الاعجاب ... هل أنت خاو ~~أم مليء؟ # الفصل الثامن والخمسون # | لا تضرب الأعرج # تدل الأمثال الجارية في الأمة على اتجاهها النفسي وذكائها الشعبي، وعلى أنها راشدة أو ~~قاصرة، حسيسة أم بليدة. # ومن أجمل الأمثال التي عثرت عليها مثل هندي يقول: «لا تضرب الأعرج» ويقابله مثل صيني ~~يقول: «احترم العبء». # وهذان المثلان يدلان على النفس الطيبة، تلك النفس التي لا تمتاز بالمهارة أو الذكاء، ~~ولكنها تمتاز بالعقل الحساس الذي ينزع بصاحبه إلى المروءة والشهامة في غير قصد إلى مصلحة ~~ذاتية أو مأرب خاص، وفي عصرنا هذا حيث يحيط بنا جميعا جو من المباراة، ويغشانا روح من ~~النهب والخطف، نحتاج أشد الحاجة إلى الرجل الطيب الذي يذكرنا بالمروءة والشهامة. # يقول المثل الهندي: «لا تضرب الأعرج»؛ أي: لا تستغل عجزه كي تنتفع بقوتك، فتقهره وتستعلي ~~عليه، ويدعونا المثل الصيني إلى أن نحترم العبء، فيجب أن نقف كي تقعد المرأة الحامل أو التي ~~تحمل رضيعها، بل يجب أن نخفف عن الحيوان بعض أعبائه ولا نثقل عليه بحملنا فوق عبئه. # ويجب أن تكون لنا نفس حساسة، فلا نقول للفقير إنه عاجز، ولا للعانس إنها دميمة، ولا نسب ~~الخادم، ولا نحتقر المسن الواهن، وهذه كلها عادات نعزوها إلى المروءة والشهامة، وهي لا ~~تحتاج إلا إلى أن نكون طيبين. # إن الشبان هذه الأيام يطلبون النجاح أو ينشدون السعادة، وهذا خير، ولكن بشرط ألا ينسوا ~~الطيبة، حتى ولو اعترضت النجاح أو السعادة وعاقته بعض الشيء، فقد ننجح، ولكنا ms57 نبقى مع ذلك ~~أوباشا أخساء، وقد نتوهم السعادة، مع أننا لا نتمتع إلا بما يتمتع به الحيوان من ملذات ~~مادية، ولكن الطيبة هي صفة النفس الإنسانية؛ أي: النفس النفسية التي تعلو على النجاح ~~والسعادة، بل هي في آخر الأمر أسمى أنواع النجاح والسعادة. # ونحن قد نستغش الذكي الناجح، ولكننا نأتمن الرجل الطب في أي مكان؛ لأن الأول قد يكون ~~أنانيا أو صل إلى غايته بالعدوان والخطف، أما الثاني فقد مارس المروءة والشهامة واستضاء ~~بالحب، وربى نفسه على الإحساس بآلام الآخرين. # الفصل التاسع والخمسون # | لا تكن فاترا # ندخل هذا الأسبوع في عام جديد يطوي منا تاريخا لن يعود ويفتح أمامنا أبوابا للأمل ~~والنشاط والعمل. # والشاب عندما يعرض لحياته في العام الماضي يجد بلا شك محاسن ومساوئ، أو بالأحرى يجد ~~الإصابة والخطأ، وهو لذلك يجدد عزيمته على أن يسلك السلوك السوي الذي يرقى به في العام ~~الجديد. # فليعقد كل شاب عزيمته للعام الجديد على أن يقلع عن عادة سيئة لسيتبدل بها عادة حسنة، سواء ~~أكانت هذه العادة في لغته في الحديث المهمل الذي يحفل بالكلمات العوراء أو النابية، أو في ~~الهندام الذي تنقصه الأناقة، أو في قضاء الفراغ الذي يمتلئ بالعبث واللهو، أو في التصرف ~~الاجتماعي الذي تأخذ فيه الخصومة مكان المصالحة. # وليعين الشاب، كتابة، هذه العزائم، واحدة بعد أخرى كأنها دين عليه يجب أن يفي به شهرا ~~بعد شهر. # يجب أن يقرأ الكتب الرصينة، وأن يختار الكاتب الذي له دلالة ومغزى، دون الكاتب الذي يتسكع ~~ولا يهدف إلى غاية، ويجب أن يقاطع هذه الغوغاء من المجلات التي تخاطب غريزته الجنسية، ويجب ~~أن يسأل ويتعلم علما جديدا، أو يتعرف إلى المشكلات العالمية، ويجب أن يثقف جسمه وذهنه حتى ~~تنضج شخصيته، فيجد في هذا النضج السعادة لنفسه والاحترام والحب من غيره. # ويجب أن يعيش في حماسة وغلواء، حتى تتوهج شخصيته، وتدفأ، وتبعث النشاط في جميع من يتصل ~~بهم، ولن يكون هذا إلا بالاهتمامات التي تحتاج إلى دوام اليقظة، والاشتغال بالمشاكل ~~الاجتماعية والسياسية والعالمية. ms58 # أيها الشاب، لا تكن كذلك الجامد الفاتر الذي وصفه الإنجيل بقوله: «ليتك كنت حارا أو ~~باردا، ولكن؛ لأنك فاتر، فأنا مزمع أن أتقيأك». # يجب أن تكون حارا، تعيش في حماسة وغلواء تهتم، فتفكر، فتنشط، وليكن هذا برنامجك للعام ~~الجديد. # الفصل الستون # | العاهة لا تقعد الشجاع # من النوادر التي ذكرها أدلر، السيكلوجي النمسوي، أنه عرف في الحرب الكبرى الأولى جنديين ~~أصابت كلا منهما قذيفة أطاحت بذراعه، وبرئ كلاهما من الجراحة. # فلما انتهت الحرب ومضت سنوات لقيهما أدلر مصادفة، كلا على حدة، ولكن في وقت متقارب، ~~فقال أحدهما عندما رآه: «إني يا دكتور عاجز عن العيش، أجر جسمي كما لو كان عبئا؛ لأن بتر ~~ذراعي قد حال بيني وبين أي عمل نافع، وليتني كنت مت بدلا من أن أعيش على هذه ~~الحال.». # وكان هذا الجندي شابا، ولكنه استنام إلى كارثته وارتضى العجز والاستسلام، فصار يعيش كما ~~لو كان شيخا هرما محطما. # وفي الأسبوع نفسه زاره ذلك الجندي الآخر الذي بترت ذراعه أيضا عقب الإصابة في القتال، ~~فقال له: «أنا يا دكتور في أحسن حال، فقد وجدت عملا أرتزق منه أكثر مما كنت أرتزق بعملي ~~قبل الحرب، حين كانت لي ذراعان، وقد تزوجت، وأنا سعيد بزوجتي وأولادي، وأكاد أتساءل لماذا ~~خلق الله لنا ذراعين مع أن ذراعا واحدة تكفي.». # ويقارن أدلر بين هذين الشابين، ويبرر قيمة الشجاعة في مجابهة الحياة وما تحمل من كوارث ~~ومحن، فإن أحدنا يلقى هذه الكوارث والمحن بقلب حي جريء ووجه ضاحك ساخر من تقلبات الدنيا، ~~وما أن يفيق من الصدمة حتى يشرع في تجديد حياته ويكافح في تفاؤل وكبرياء لا يهين ولا ~~يتضعضع، فلا تمضي السنوات حتى يكون قد وصل إلى القمة، ونحس حين نتأمل حياته أن الصدمة قد ~~زادته عنادا وتشبثا بالنجاح، في حين أن الآخر قد هان وتضعضع ونام إلى الكارثة راضيا بها ~~مستسلما وكأنه قد فرح بها؛ لأنها زودته آلامهما بالعذر الذي يتيح له النوم والكسل وتجنب ~~المسئوليات، والرضا بأن يعوله غيره. # ويعزو أدلر هذا ms59 الفرق العظيم بين هذين الشابين إلى أن أحدهما قد تعود منذ الطفولة، في ~~السنوات الثلاثة أو الأربع الأولى من عمره، أن يكون شجاعا يتحدى ويتصدى، في حين تعود الآخر ~~أن يجبن ويفر ويستكين، ويرى أدلر هنا تبعة الأمهات وضرورة تعليمهن الشجاعة لأطفالهن. # وهذا الذي يقوله أدلر حق، ولكن يجب ألا تكون تربيتنا السيئة في الطفولة عذرا لأن نجبن ~~ونستكين للكوارث متى تقع بنا، فإذا لم نكن قد تعودنا الشجاعة فيجب أن نشرع في تعودها، نجابه ~~الدنيا بوجه ضاحك وقلب جريء، ونغالب الكارثة، ولا نعترف بالهزيمة، ويجب أن نذكر ذلك القائد ~~العظيم الذي قال: «إن الجيش لن يهزم ما دام لا يعترف بالهزيمة.». # وكذلك الشاب، مهما حل به من المحن والكوارث، سيبقى منتصرا ما دام لم يستسلم. # ومن الكلمات الذهبية التي تؤثر عن أدلر أيضا قوله: «الشجاعة هي صحة النفس.». # ذلك أن جميع الأمراض النفسية تقريبا تعود إلى الخوف هذا الخوف الذي ليس له ما يبرره من ~~العوامل الخارجية، وإنما هو حال نفسية تعسة تجعل صاحبها يخاف كل شيء، فهو ينبع من الداخل، ~~لتزعزع نفسي أو لتربية سيئة وليس لعرض من الخارج، والبرهان على ذلك أن الحادث الفادح قد يقع ~~باثنين فيتصدى له أحدهما ويستكين الآخر فيفشل، كما رأينا في المثال الذي ذكره أدلر. # الفصل الحادي والستون # | يجب أن نحترم كل عمل مفيد # حدث عندما كان هتلر في أوج جنونه وذروة فحشه، أن دخل الألمان مدينة فينا عاصمة النمسا، ثم ~~عمدوا إلى خصومهم وصاروا يبتكرون الأساليب لاحتقارهم وإذلالهم، وكان ممن ألقوا القبض عليهم ~~قائد يكره النازية قد سبق له أن قاتل في الجيش الالماني نفسه في الحرب الكبرى الأولى، ~~فسلموه مكنسة وطلبوا منه أن يكنس الشوارع. # وأراد هذا القائد أن يخجل هؤلاء الجنود، فعمد إلى شكته؛ أي: سترته الرسمية، فلبسها وتناول ~~المكنسة وصار يكنس، وخجل الألمان من هذا المنظر؛ لأن هذه الشكة كانت ألمانية تحمل السيف ~~والأوسمة، فعفوا عنه. # وقد أذكرني هذا الحادث حادثا آخر، ذلك أنه في السنة المشئومة 1882 ms60 حين انهزم العرابيون، ~~صار خصومهم يبحثون عمن أيدوهم أو عاونوهم على الثورة، ثم كانوا يجعلونهم يكنسون الشوارع، ~~وكان من هؤلاء المؤيدين للثورة رجل رأيته في شيخوخته هو أمين الشمسي (باشا) في الزقازيق، ~~وكان جميل الوجه تزينه لحية بيضاء، وكنت في صباي أهرع إليه كي أقبل يده. # وقد حمل أمين الشمسي (بك وقتئذ) المكنسة وكنس الشوارع في الزقازيق، وإني أوقن بأنه حين ~~كان يكنس كان يجد الاحترام والإكبار من أولئك الذين رأوه في هذه الحال، وأمين الشمسي هذا هو ~~والد علي الشمسي (باشا). # وقد ذكرت هذين الحادثين كي أنبه القارئ إلى تلك التقاليد والرواسب الاجتماعية التي تحملنا ~~على احتقار بعض الأعمال، حتى إننا لنعاقب من نكرههم بممارستها، مع أننا نعرف أن هذه الأعمال ~~ضرورية لنا، وإذا كان هناك مجال أو هدف للاحتقار، فيجب أن يكون في أولئك الذين يحدثون القذر ~~والشعث في الشوارع، وليس في أولئك الذين يجملونها بالنظافة والترتيب. # وجميع الصناعات يجب أن تحترم، ما دامت تخدم المجتمع، ولذلك يجب أن نحترم الكناس، وأن ~~نحتقر أولئك السفهاء الذين ظنوا في كنس الشوارع هوانا وحاولوا إهانة خصومهم ~~بممارسته. # الفصل الثاني والستون # | شروط الرئيس ولسن للرجل المهذب # كان الرئيس ولسن من أعظم الرجال المثقفين في العالم، وهو مخترع «عصبة الأمم» وصاحب عبارة ~~«تقرير المصير» التي أشعلت وطنيتنا في سنة 1919، ومؤلفاته وخطبه تعد نماذج للتفكير الخصب ~~المثمر. # وقد وضع أربعة شروط يجب أن يستوفيها الرجل المهذب المثقف هي: ~~(1) # أن يعرف تاريخ العالم منذ بداية الكون إلى الحضارة العصرية. ~~(2) # أن يعرف تاريخ الأفكار السائدة، كالدستور والحرية والاشتراكية والنقابة وحرية ~~المرأة والديمقراطية والفاشية ... إلخ. ~~(3) # أن يعرف علما من العلوم التجريبية. ~~(4) # أن يعرف لغته المعرفة التامة. # وهو بالطبع لا يذكر هنا المهارة الفنية التي يرتزق بها الشاب، فقد تكون هذه المهارة ~~هندسة، أو طبا أو تجارة أو زراعة، وقد تتصل بالثقافة العامة أو هي تنحصر في ناحية منها لا ~~يدري بها الجمهور، ولا يكون لها وقت في التطور الذهني للأمة، والصناعات تختلف هنا وتتفاوت ~~في قيمتها ms61 الثقافية، فإن صناعة الصحفي أو المحامي تتصل بالعقل العام في الأمة وتؤثر فيه ~~وتتأثر به، ولكن صناعة الساعاتي أو الطرزي ليست كذلك. # وغاية الثقافة أن تجعل الإنسان إنسانيا ... أي: مشتبكا في المشكلات البشرية: يدرس الهند ~~وينشد استقلالها، ويفكر في الطاقة الذرية، هل هي وعد أم وعيد؟ ويتأمل في حياة لنكولن محرر ~~الزنوج، أو قصة الثورة الفرنسية أو تاريخ الكفاح الدستوري في إنجلترا، ويقرأ الجريدة أو ~~المجلة عن فهم وتبصر بالعوامل التي تنشر الأخبار أو تخفيها وتمنعها. # والحق أن الشروط الأربعة التي ذكرها ولسون جديرة بأن تجعل الإنسان مثقفا، والشاب المصري ~~العادي قادر على أن يستوفي هذه الشروط حتى ولو لم يلتحق بجامعة، فإن المؤلفات العربية ~~الشائعة تكفيه إذا هو أحسن الاختيار، وتحري الثقافة التي ينتفع ويرتفع بها دون كتب اللهو ~~والتسلية التي لا يزيد مقامها على مقام اللب أو الفول السوداني الذي يقصد منه إلى قتل ~~الوقت، بل كذلك يجب عليه أن يعنى باختيار المجلة أو الجريدة، بحيث يتوخى منها المعرفة ~~المنيرة التي يرتقي بها. # وأول شرط وضعه ولسون للشاب المثقف هو أن يعرف تاريخ البشر منذ بداية التطور؛ أي: تاريخ ~~الإنسان، وهذا الكوكب، منذ ألف مليون سنة، وهو جدير هنا بأن يحس، من هذا التاريخ، إحساسا ~~دينيا رفيعا. # ثم عليه أن يدرس الافكار السائدة التي يسير بها العالم المتمدن؛ لأنه بذلك يصير هو ~~متمدنا، يدري القيم والأوزان للعوامل التي تقوم عليها الحضارة. # ثم عليه أن يعرف علما تجريبيا، مثل الكيمياء أو السيكلوجية أو الطبيعيات؛ لأن التقدم ~~العلمي هو الذي يهيئ السيادة للأمم السائدة، وهو الذي يجعل الرقي ممكنا ويوفر الرفاهية، ~~وليست الصناعات العصرية التي عممت الرخاء أو الثراء سوى ثمرة العلوم. # وأخيرا يحتاج الشاب المثقف إلى أن يعرف لغته المعرفة الدقيقة؛ لأن التفكير لا يستطاع ~~إلا بالكلمات الحسنة التي تتيح التعبير الدقيق، فإذا كانت اللغة ناقصة، فالتفكير ناقص ~~أيضا. # فأين أنت أيها القارئ من هذه الشروط الأربعة؟ # إن القراءة قد بسطت أمامنا آفاقا جديدة، ولكن هذه الآفاق تحوي الربوات ms62 العالية التي ~~نرتفع إليها والوهدات المنخفضة التي نهوي إليها، وهناك من الكتب والصحف ما يجرنا إلى أسفل ~~ويشغل أذهاننا بالتافه الخسيس، ولذلك يجب أن نختار ثقافتنا، وأن نتأنق في الاختيار، وننشد ~~ما يرفعنا. # الفصل الثالث والستون # | الأدب المتصل # من التعابير الجديدة التي تحمل معنى موقظا هذا التعبير الذي شاع في فرنسا حديثا، وهو ~~قولهم: «الأدب المتصل» أو «الأدب المرتبط». # والمعنى المقصود أن الأدب يجب أن يتصل بالمجتمع، يعالج مشكلاته بل ينغمس فيها، وأن ~~الأديب يجب أن يكون مكافحا يدوس المجتمع ويعرض لعيوبه ويدعو إلى التغيير والتطور، فليس ~~الأديب هو الذي يؤلف كي يسلي ويسري عن قرائه همومهم بالخيال الرائع والكلمات العذبة، وإنما ~~هو ذلك الذي يحملهم على الاهتمام، ويخز ضمائرهم، بل يعذبهم، حتى يثير وجدانهم إلى المساوئ ~~الفاشية وحتى يحسوا تبعاتهم فيهبوا إلى العمل للإصلاح. # وهذا المعنى هو الذي فهمه أدباء فرنسا حين رحلوا إلى إسبانيا مقاتلين للدفاع عن الحرية ضد ~~الدكتاتورية قبل اثنتي عشرة سنة، وحين أصبحوا يكافحون في الجبهات السياسية داخل ~~بلادهم. # وقد أدرك الكتاب الفلسفيون ضرورة الارتباط بين الفلسفة وبين المجتمع، بل كذلك فعل رجال ~~الدين، كما نرى مثلا في أوروبا وأمريكا، فإن الدين هناك هو إصلاحات اجتماعية يراد بها ~~ترقية المجتمع، وقد نجح الدينيون في الولايات المتحدة فيما بين 1922 و1932 في منع الخمور، ~~ومع أن التجربة أخفقت، ومع أن الحكومة قد عادت فأذنت بصنع الخمور وبيعها، فإن هذا المنع قد ~~دل على أن رجال الدين يحسون الارتباط بين الكنيسة والمجتمع، أو هم يؤمنون بالدين المتصل أو ~~بالدين المرتبط. # وخلاصة القول أن الأدب والفلسفة والدين، جميعها، تتجه في الأقطار المتمدنة إلى وجهة ~~الارتباط بالمجتمع، وتعد إصلاح هذا المجتمع غايتها، ولهذا فإن الأديب والسياسي ورجل الدين ~~يعدون مكافحين للإصلاح، على استعداد لأن يشتركوا وينغمسوا في جميع الحركات الشعبية التي ~~تهدف إلى الخير والرقي. # وهذا تقدم يسجل لأبناء القرن العشرين، فإن الأدب لم يعد لهوا كما لم تعد الفلسفة والدين ~~يتيهان في الغيبيات والطلسمات. # الفصل الرابع والستون # | البذاء ms63 في الشوارع # قبل شهور قليلة كنت على الترام، وكانت العربة مزدحمة بالركاب، وكثير منهم من السيدات ~~والآنسات، فلما بلغنا أحد المواقف، سمعنا السباب القذر يتبادله أحد الباعة الجائلين مع آخر، ~~وكان كثير من هذا السباب يتألف من الأسماء الفجة للأعضاء التناسلية، يصرح بها كل منهما في ~~صوت عال ولذة حارة. # والتفت عندئذ إلى واحد من هذين المازحين المتسابين وأشرت عليه بأن هذه الكلمات فاضحة، وأن ~~بالعربة سيدات وآنسات، فنظر إلي في استهزاء وقال: «إحنا بنقول أكثر من كدا يا ~~أفندي.». # ولم أستغرب منه هذا الرد، ولكني أسفت لجمود القاعدين؛ إذ لم ينهض واحد كي يؤيدني في وقف ~~هذا السباب، بل تركوني أقوم بمجهود منفرد لم يؤثر في هذا البائع الجائل الذي سيعود ويعود ~~إلى كلماته هذه في ظروف مماثلة في المستقبل. # إن على الشباب أن يغيروا هذا الجو الاجتماعي البذيء، وأن يبادروا إلى إسكات هؤلاء الذين ~~يبصقون السباب من أفواههم، ولست أنكر أن الميدان الأول للتربية هنا هو ميدان الطفولة؛ لأن ~~هذه الكلمات لا يمكن أن يجري بها لسان إلا إذا كان قد تعلمنا في السنوات الأولى من العمر، ~~ثم تبقى بعد ذلك إلى آخر العمر. # ولكن ليس في مقدورنا أن ندخل إلى البيوت ونعلم الآباء حتى يعلموا الأبناء، ولذلك يجب ان ~~يقتصر جهدنا على الكف والزجر كلما لقينا هذا الغبار القذر في الشوارع. # ولن يستطيع الشباب أن يعيشوا في جو نظيف طاهر إلا إذا ساهموا هم في نظافته ~~وطهارته. # والشارع هو ملك الجمهور الذي يحب أن يحرص على حقوقه فيه بأن يصونه من القذر، وقذر اللسان ~~هو شر الأقذار. # الفصل الخامس والستون # | الدكتور القديس # مات من مدة قريبة في الإسكندرية طبيب يوناني يدعى سقراط لاجوزاكي، وقد بلغ الخامسة ~~والسبعين من عمره، وقضى من هذا العمر السنين الخمس عشرة الأخيرة وهو يعاني مرض الجذام، ويرى ~~بعينيه سريان هذا السم في جسمه يمزق أعضاءه ويبتر أطرافه ويهدده بالعمى التام والشلل ~~العام. # وهذا بالطبع خبر عادي مألوف، ولكن ما يستغرب فيه، وما ms64 يرفع هذا الرجل إلى مقام القديسين، ~~أن سقراط لاجوزاكي هو نفسه الذي سعى وحقن جسمه بهذا المرض حتى سرت العدوى فيه وشرعت تأكل ~~جسمه. # وليس بين الأمراض ما هو أبشع من هذا المرض، وهو، قبل كل شيء، مرض الفقراء الذين يعيشون في ~~القذر ولا يجدون كفايتهم من العناصر الغذائية، لذلك ليس في أوروبا كلها، وهي أكثر من ثلاث ~~مئة مليون، مجذوم واحد، ولكن في القاهرة وبكين وبومباي، الفقيرة، عشرات بل مئات. # وكان هذا القديس لاجوزاكي ينشد، عندما حقن جسمه، دراسة هذا المرض كما يحسه وكما يجد ~~تطوراته أنه في تفتيت أعضائه وقيمة الأدوية والعلاجات المختلفة في التخفيف أو الشفاء منه، ~~حتى يستطيع أن يهدي غيره من المجذومين إلى الوسائل الناجعة للتخلص منه. # وقد جرب جميع الأدوية فلم تنجع، ثم جرب دواء من الذهب واليود فوجد فيه التخفيف من المرض ~~وإن لم يجد فيه الشفاء، واستطاع بهذا الدواء أن يقف سير المرض، ثم بعد ذلك صار ينفق أمواله ~~على المجذومين المساكين في الإسكندرية؛ إذ كان يشتري لهم الدواء ويحقنهم به بالمجان. # ومات هذا القديس من مدة قريبة، ولكن صورته لم تعلق إلى الآن على جدران بيوتنا وكنائسنا، ~~نستوحي منها الصلاح والشهامة والشجاعة؛ أي: القداسة، كما يجب أن نفهم معنى هذه الكلمة في ~~عصرنا. # الفصل السادس والستون # | الأعياد والهدايا # يحتفل الغربيون بأعيادهم فيخرج الصبيان يوم 25 من ديسمبر مثلا وهم في عربدة من الألوان، ~~يحملون معهم هداياهم التي أهديت إليهم من آبائهم أو من الأصدقاء ... ويقضون ذلك اليوم وهم في ~~مهرجان من المرح والزئيط. # ولكن هذه الهدايا لا تقتصر على الصبيان والأطفال، فإن عيد الميلاد فرصة للتهادي أيضا بين ~~الزوجين وبين الأصدقاء والأقرباء. # ونحن الشرقيين كرماء، ولكن كرمنا لا يزال يسير على أساليبه البدائية القديمة، من حيث إننا ~~نثقل الضيف بأثقال من الطعام، كأننا نتفاخر بعدد السعرات التي نقدمها له، ولكننا لا نكاد ~~نعرف التهادي، مع أن الإهداء هو خير ألوان الكرم، وهو وسيلة الذكرى واستدامة ~~الصداقة. # ولنا أعياد يحتشد فيها الاستهتار، ms65 وينفرج الكظم العام، بالشراب والطعام، ولكننا لا نهدي ~~إلى أطفالنا وأصدقائنا من الهدايا النافعة في هذه الفرص ما يستديم صداقتهم وحبهم وينبه فيهم ~~الغرائز الاجتماعية. # والهدية التي نهديها إلى صديق، أو إلى صبي، تحمل في ثناياها إحساسا اجتماعيا يزيد ~~كثيرا على قيمتها المادية، ومن الحسن أن نحرك هذا الإحساس من وقت لآخر في أنفسنا، وفي ~~غيرنا؛ لأننا لا نكون على تربية حسنة ما لم نكن اجتماعيين، والتهادي هو تدريب اجتماعي ~~للمتهادين. # وقد تكون الهدية عربونا للصداقة، كما تكون تأييدا أو تجديدا لها، وعلى كل شاب لهذا ~~السبب أن يخص جزءا من دخله لشراء الهدايا لأصدقائه أو لأبنائه الصغار، وما ينفقه من مال في ~~هذه الهدايا سيعتاض بأكثر من قيمته حبا ومكانة في وسطه الاجتماعي. # وهذا اللون من الكرم هو خير من إيلام الولائم الشرقية القديمة التي كثيرا ما تؤدي إلى ~~التخمة، والتي لا تزيد لذتها على أن تكون لذة حيوانية. # الفصل السابع والستون # | عيد شم النسيم # في كل عام تحتفل مصر بعيد من أعيادنا القومية هو عيد شم النسيم. # وما أعظم المعنى والدلالة في هذا العيد، فهو أول شيء عيد الجميع، بلا اختلاف في الأديان، ~~وهو بعد ذلك عيد الربيع الذي تنهض فيه الحيوانات والنباتات من سبات الشتاء، ولذلك تحفل ~~الحقول بالزرع النضر والزهر المتألق، كما يحفل الجو بنشاط الطيور. # ولهذا العيد اتصال بآلهتنا القديمة وكهنتها ، الذين كانت مهمتهم الأولى أن يباركوا على ~~الزرع ويعملوا لأنضاجه، وتعميم الخيرات على سكان وادي النيل بالقمح والشعير اللذين يحصدان ~~بعد شهر أو نحو ذلك. # يجب أن نحافظ على تقاليدنا المصرية في هذا العيد؛ إذ هي تقاليد حسنة، تنبهنا إلى قيمة ~~الهواء النقي في فسحة الحقول الزاهية؛ أي: يجب أن نبكر في الصباح، ونخرج إلى أنأى مكان، ~~بعيدين عن جو المدينة وصخبها، فنقعد تحت ظل شجرة إلى مجرى الماء يحيط بنا الريف في سذاجته ~~وجماله، وهناك نرقد قانعين بالتأمل في العام الجديد إزاء الأعوام الماضية، أو نهب ونمرح، ~~كما لو كانت سني الطفولة قد ms66 عادت إلينا. # ولكن يجب أن نحترم هذا العيد الجميل، ونجعل منه عيدا للورد والزهر، والنضرة والانتعاش، ~~فلا ندنسه بأكل البصل والفسيخ كما تفعل الغوغاء من الأثرياء والفقراء، ولا نتخم فيه بغذاء ~~ثقيل يضطرنا إلى النوم؛ لأن هذا اليوم هو يوم اليقظة للطبيعة، يجب أن نعيش فيه أحياء يقظين ~~من ساعاته المبكرة إلى ساعاته المتأخرة. # وفي أول شهر مايو من كل سنة تحتفل أوروبا أيضا بعيد الطبيعة الذي يقابل شم النسيم ~~عندنا، بل لعله هو نفسه شم النسيم قد انتقل إلى أوروبا في عصور غابرة، وقد أصبح هذا العيد ~~عيدا للعمال، ولكنه في الأصل عيد الطبيعة. # وفي هذا اليوم سننسى أحقادنا التي غرسها فينا المجتمع، وسنذكر شيئا واحدا، هو أننا بشر، ~~نتحد في الفرح بالربيع، ونشم نسيمه، ويقول الناس بعضهم لبعض، مهما اختلفت مذاهبهم الدينية: ~~هنيئا هذا العام الجديد. # الفصل الثامن والستون # | أعظم الألم توقع الألم # تقدم ثمانية من أعضاء البرلمان الإنجليزي بمشروعات كي يبحثها المجلس ويجعلها قوانين، وكل ~~من هؤلاء الأعضاء ينفرد بمشروع خاص، ولكنها جميعا تهدف إلى الرحمة بالحيوان. # فواحد منها يراد منه النص على أن يمنع وضع شرك؛ أي: فخ، إذا كان يؤذي الحيوان الذي يقع ~~فيه بجرح أو يؤلمه بأية صورة أخرى، وآخر ينص على طريقة «إنسانية» لذبح الحيوان في المجزر، ~~وآخر ينص على منع الصيد بالطراد، حين يخرج الصائدون وكلابهم، ويعدون وراء الوعل أو الأرنب ~~أو الثعلب، ولا يزالون في العدو حتى تقع الطريدة إعياء وإغماء، وآخر ينص على منع البتر ~~للذنب، كما يفعل بعض الذين يقتنون الكلاب أو القطط. # وهذا الاهتمام بالحيوان، والرغبة في حمايته من الآلام أو تخفيفها، هما برهان على رقي ~~نفسي، وعلى إحساس قد أرهف بالتأمل، والأغلب أننا نبالغ في تصورنا لآلام الحيوان؛ لأننا نجد ~~في حياتنا البشرية أن أعظم ما يؤلمنا ليس هو الألم، وإنما هو توقع الألم، والحيوان سعيد من ~~هذه الناحية؛ لأنه يجهل المستقبل. # ولكن هؤلاء الأعضاء قد نقلوا إحساسهم البشري الذاتي إلى الحيوان، وهم لم يفعلوا ذلك، ولم ms67 ~~تنشأ فيهم هذه العواطف الرحيمة، إلا بعد تفكير طويل في الحب والرحمة، وهم؛ أي: هؤلاء ~~الأعضاء أنفسهم، قد ارتقوا بهذه العواطف التي أضفوها على الحيوان، فزادوا إنسانية. # ونحن والحيوانات أسرة واحدة، وبيننا وبين كل منها قرابة تطورية، فإن كلا منا يعرف من ~~أعماق نفسه ونخاع عظمه أنه حيوان، كما أن كل حيوان ينطوي على النفس البشرية، ولذا فإن ~~القسوة بالحيوان هي فظاظة وغلظة وجهالة يجب أن يترفع عنها الإنسان المثقف. # الفصل التاسع والستون # | لك الساعة التي أنت فيها # ستفن ليكوك أديب أمريكي، يمزج الحكمة بالفكاهة والفلسفة بالعيش، ومن أحسن ما قرأت له ~~قوله: «ما أغرب هذه الحياة، فإن الطفل يقول: عندما أصير صبيا ... والصبي يقول: عندما أصير ~~شابا ... والشاب يقول: عندما أتزوج ...» # ولكن ماذا بعد الزواج؟ إن هذا الزوج يقول: عندما أترك العمل وأرتاح ... فإذا جاء هذا الوقت ~~المؤمل وترك العمل وارتاح، نظر خلفه فإذا به يرى هذا الفضاء الذي قطعه وكأن ريحا عاتية قد ~~اكتسحته، وكأن هذا العمر قد ولى وفات، ثم يعرف بعد ذلك؛ أي: بعد فوات الفرصة، أننا إنما ~~نحيا بأن نعيش في فسيح اليوم والساعة اللذان يمران بنا.» أو كما يقول الشاعر العربي: # ما مضى فات والمؤمل غيب # ولك الساعة التي أنت فيها # وحكمة هذا القول تتضح عندما نتأمل الكثيرين وهم يجترون المحن الماضية، ويخشون الكوارث ~~القادمة، وكأن هذا اليوم الذي يقف بين الماضي والمستقبل ليس له قيمة عندهم، مع أنه يجب أن ~~تكون له أكبر القيمة. # يجب أن نعيش في يومنا وننسى الماضي، ونؤدي عملنا، وحسبنا ذلك، أما المستقبل فإنه يكون ~~مكفولا لنا إذا أحسنا نحن عمل هذا اليوم، وليس هناك ما يمنع من أن نفكر فيه تفكير السكينة ~~والاتزان، ولكن يجب ألا نقلق بشأنه؛ لأن هذا القلق لن يغير ما سوف يحدث فيه، ولكنه سيمنعنا ~~من أن نؤدي عمل اليوم، واليوم هو فرصة استمتاعنا بالحياة، وأخيب الناس هم أولئك الذين ~~يرتهنون شبابهم لشيخوختهم، فيعملون جاهدين لهذا المستقبل البعيد، ويحرمون أنفسهم عيش ~~الشباب، فإذا جاءت ms68 الشيخوخة عدموا القدرة على الاستماع، فلم يبق لهم سوى الندم فكأنهم لم ~~يعيشوا. # الفصل السبعون # | لا حياة بلا شجاعة # من قصص الحياة التي تحمل عبرة كبيرة لكل شاب، قصة المستر هاني، وهو رجل أمريكي كان يشكو ~~قرحة معوية استعصى علاجها، وقد عالجه ثلاثة من الأطباء يئسوا من شفائه حتى طلب أحدهم منه أن ~~يكتب وصيته وأن يترك عمله؛ لأن الموت قريب. # ولكن هذا المستر هاني كان يمتاز بالشجاعة، وهي فضيلة تعلو على جميع الفضائل البشرية، فإنه ~~تساءل: «مادام لم يبق لي غير القليل من الأيام كي أعيش، فإني يجب على الأقل أن أستمتع بهذا ~~القليل، وقد كنت أشتهي السياحة حول العالم قبل أن أموت، وها هي ذي الفرصة تسنح لي الآن فيجب ~~أن أنتهزها.». # ولكن أطباءه أنذروه بأنه إذا غادر البلاد فإنه سيموت ويدفن في البحر، وكذلك أنذرته ~~عائلته، وحاولت أن تكفه، ولكنه أبى أن ينصاع. # وعمد، في حنين وتعقل معا، إلى أحد اللحادين فاشترى منه نعشا من المعدن الذي يمكن أن ~~تحكم منافذه حتى لا يتسرب منه أو إليه الهواء، وطلب من ربان الباخرة أن يوضع في هذا النعش ~~عندما يموت، وأن يبقى في الثلج حتى يرد إلى أسرته ويدفن في الجبانة إلى جوار ~~أقربائه. # وكان قد ساءت حالته حتى لصق الجلد بالعظم، ولكنه تحامل إلى الباخرة، وما هو أن استقبل ~~الاقيانوس وهبت العواصف حتى انتعش وانبعث فيه روح الاقتحام، ثم رأى الهنود في عريهم، ~~والصينيين في بؤسهم، فذكر همومه التي جلبت إليه هذه القرحة، وتعجب كيف أجاز لنفسه أن يتحمل ~~هذه الهموم مع أنه لم ير جزءا من ألف مما يراه هؤلاء الهنود أو الصينيون. # وعاد إلى أمريكا وقد زاد وزنه تسعين رطلا، وباع النعش واكتسب فوق الصحة تربية وفلسفة ~~للحياة، ولباب هذه الفلسفة أو الشجاعة هي خير ما نواجه به المصاعب ونقتحم به المستقبل، وهي ~~العلاج السامي لجميع همومنا وأمراضنا الجسيمة والنفسية. # الفصل الحادي والسبعون # | كيف نتعلم؟ # كثيرا ما يأسف بعض الشبان؛ لأن الظروف لم تتح لهم ms69 أن يحصلوا على تعليم جامعي، اعتقادا ~~بأن هذا التعليم كان يمكن أن يرفعهم إلى مستوى من الثقافة، وإلى قدرة على الكسب، لا ~~يستطيعون الحصول عليهما؛ لأن تعليمهم قد بتر أو قطع قبل الشهادة الثانوية أو بعدها. # ولكن المتأمل يجد أن هذا القول لا ينبني على أساس، فإن القدرة على الكسب في مجتمعنا ~~الحاضر لا تكاد تحتاج إلى تعليم؛ لأن المتجرين باللحوم أو الخضروات أو المنسوجات أو الطوب ~~أو الخمور أو غير ذلك، يزيد كسب أحدهم على مرتب وكيل وزارة، بل أحيانا على مرتب وزير، وهم ~~في الأغلب غير متعلمين، ثم إن الثقافة ليست مقصورة على التعليم النظامي، ذلك أن التعليم ~~الحقيقي، الذي يرفعنا إلى مستوى عال من الثقافة، هو تعليم العمر كله، وليس تعليم المدرسة ~~أو الجامعة، وتدل اختبارات جميع المثقفين البارزين على أن ما يعلمه لنا غيرنا صغير القيمة ~~إلى جنب ما نعلمه نحن لأنفسنا. # وهناك أسباب سيكلوجية لذلك، أهمها أننا حين نعلم أنفسنا إنما نطلب من المعارف ما نحتاج ~~إليه، كما يطلب الجائع الطعام، فهو يحس حاجة فسيولوجية يعبر عنها اشتهاؤه لغذاء معين، ولا ~~يستطيع أحد أن يختار له هنا مثلما يختار هو لنفسه، ومعنى ذلك أن المتعلم الذي يختار بباعث ~~من نفسه يمتاز على ذلك الآخر، الذي يعلمه غيره؛ لأن الأول يحس حاجة ذهنية لا يحسها ~~الثاني. # ثم هو لهذا الإحساس يشتهي، فيقبل في حماسة، ويدرس، ويتعب، ولذلك ينبغ، أو أن النبوغ لا ~~يكون بعيدا عنه، ومن هنا يجب ألا يبتئس شاب قضت ظروفه الخاصة ألا يحصل على تعليم ~~جامعي. # ولذلك أيضا نجد أن المعلم الحسن ليس هو الذي يزودنا بالمعرفة، وإنما هو الذي يزودنا ~~بالمنهج كي نعرف كيف نبحث ونعلم أنفسنا، أو هو الذي يقدم لنا من المعارف تلك التي تثير ~~استطلاعنا، وتبعثنا على البحث والدرس طوال أعمارنا. # الفصل الثاني والسبعون # | ماذا نتعلم؟ # يسألني بعض الشبان عن الموضوعات التي يجب أن يدرسها كي يكونوا مثقفين، على اطلاع بالحركات ~~الذهنية، وجوابي على الدوام هو: ادرس ما تحتاج ms70 إليه؛ لأن الحاجة تثير الاستطلاع، وتجذب ~~الشوق، وكلاهما ضروري للدراسة، وبكلمة أخرى يجب أن تعلم نفسك ولا تنتظر من أحد أن ~~يعلمك. # ولكني إذا تجرأت وأشرت هنا بما تجب دراسته، فإنما افعل ذلك كنتيجة لاختباراتي الشخصية، ~~وليس للإملاء على أي شاب كي يسير في خطاي، فإن لكل إنسان مصباحه الذي يستضيء به في هذه ~~الدنيا، وهو يخطئ حين يطرحه ويتخذ مصباحا آخر، وقد يهديه مصباحه إلى الأدب، أو التاريخ، أو ~~العلم، أو الفلسفة، أو أي موضوع آخر يثير استطلاعه وشوقه. # وقد وجدت أنا نفسي أننا لن نستطيع أن نفهم هذه الحضارة القائمة، إلا إذا درسنا علما من ~~العلوم المادية، ولست أعني هنا هذه المعارف التي يرشدنا إليها هذا العلم فقط، وإنما أعني ~~منهج هذا العلم أيضا، ذلك لأن الحضارة القائمة وإن لم تكن علمية الأسس فإنها تسير في خطى ~~العلم وتعتمد عليه، وليست المجتمعات أو الحكومات الحاضرة علمية، ولكنها تنشد النظام العلمي ~~في كل شيء، وسوف تنشده أكثر في المستقبل حين تتخلص من تقاليدها وعاداتها الموروثة. # ولكن إلى جنب العلم يجب أن ندرس الفلسفة، والفرق بين الاثنين أن الأول يبين ماهية الأشياء ~~تحليلا وتركيبا، أما الثانية فتبين لنا قيمة هذه الأشياء لنا من حيث إنها تزيدنا فهما أو ~~سعادة أو إخاء أو حبا. # ويدخل في الفلسفة الأدب والدين؛ لأن كليهما يبحث القيم، ثم الهيئة؛ أي: علم الكواكب ~~والنجوم والسدوم، وهي أقرب العلوم إلى الفلسفة؛ لأنها تبسط لنا آفاق الكون، وتحملنا على أن ~~نسأل أسئلة الأطفال الساذجة: ما الأصل؟ ما المصير؟ ولماذا؟ وكيف؟ # العلم كمنهج نفهم به المصانع والطائرات والذرة، والفلسفة كفاية نحاول أن نكون بها ~~إنسانيين، نبحث عن مراسينا في هذه الدنيا ونجدها؛ أي: أن العلم وسيلة والفلسفة غاية. # الفصل الثالث والسبعون # | المرأة في الشرق # إذا أردت أن تعرف حقيقة الأخلاق التي ينطوي عليها الرجل أيا كان ما يفعل، فما عليك إلا ~~أن تسمع حديثه الخاص بشأن المرأة. # فالرجل المستهتر يتحدث عنها باعتبارها متعة ولذة، والرجل الجاهل لا يرتفع في ms71 الحديث عنها ~~عن التقاليد، وكلاهما يعتبر المرأة وسيلة لخدمة الرجل وبقاء النوع البشري، فيجب ألا تكون ~~شيئا آخر سوى زوجة وأم، ولكن الرجل الناضج، الذي درب ذهنه على الفلسفة الاجتماعية العصرية ~~ينظر إلى المرأة كما ينظر إلى الرجل باعتبار كل منهما غاية وليس وسيلة. # إن المرأة أنثى لا شك في ذلك، والرجل ذكر لا شك في ذلك، ولكن ليس معنى هذا أن تحترف ~~المرأة أنوثتها وأمومتها، كما أن الرجل لا يحترف ذكورته وأبوته. # لقد بالغت الأمم الشرقية في تأنيث المرأة حتى جعلتها أحيانا بعض «الفراش»، وكانت النتيجة ~~لهذه المبالغة أو الإسراف أن المرأة الشرقية لم تعد تصلح لأن تكون زوجة؛ لأنها لم تعد زميلة ~~لزوجها، ثم لم تصلح لأن تكون أما؛ لأنها لا تختلط بالحياة الاجتماعية، وتربية الأطفال ~~تحتاج لشيء غير قليل من الخبرة الاجتماعية، كما تحتاج الهناءة الزوجية إلى زمالة ~~الزوجين. # يجب أن نرفع المرأة من الأنوثة إلى الإنسانية. # يجب أن نعلمها وندربها كي تختلط بالمجتمع، وتحترف وتكسب، وتشترك في الوظائف العامة، ~~والمناصب العليا، وتصوت وتنتخب للبرلمان، حتى يستوي عقلها بالعقل العام الراقي، ليس في ~~وطنها فقط بل في العالم كله، ويجب أن تمارس حقوقا كي تؤدي واجبات رفيعة للوطن والعالم ~~والعائلة. # والزوجة المثلى، أو الأم المثلى، ليست هي التي تمهر في غسل الملابس وطبخ الملوخية، وليست ~~هي التي تغري زوجها بأنوثتها، وإنما هي تلك التي تعلمت وتدربت في الواجبات والحقوق ~~الاجتماعية، وكسبت وبصرت بالتطورات الاجتماعية. # هي التي تخاطب فيها عقلها المفلسف، النير، السخي، وليست هي التي تخاطب فيها الثديين ~~الرخيمين والبطن الطري. # الفصل الرابع والسبعون # | الملامح مرآة النفس # إنما ترى النفس من خلال الجسم إذا كان هناك ذكاء يتألق ويسطع على الوجه بتعابير الفهم ~~والحماسة والإخلاص والتفاؤل، ولكن هذه التعابير تختفي، وأيضا تختفي معها النفس، عندما يسود ~~التشاؤم، أو البلادة، أو الفتور، أو الخبث. # وكثيرا ما أقعد إلى أحد الأشخاص، سواء أكان رجلا أم امرأة، فأحس كأني أرى شخصا فقط ولا ~~أرى نفسا، ذلك لأنه فاتر، ولا يحمى، ms72 ولا يبالي، ولا يستطلع، أو هو مغموم قد كربته كارثة ~~فتجمدت ملامحه منها، أو هو بليد، مظلم، لم تشرق على عقله أضواء الثقافة، أو هو ماكر يفكر ~~في الأذى حتى كلحت ملامحه لدمامة نفسه. # ونحن حين نصف أحد الناس بأن له شخصية قوية أو ساحرة إنما نقول في الواقع إن له نفسا ~~منيرة قد سطعت على وجهه، وحين نصف آخر بأن شخصيته كريهة أو جامدة إنما نقول في بعض الواقع ~~بأن له نفسا لم تنتبه بالثقافة أو تنصهر بالتجربة. # ذلك أن جمالنا هو جمال نفوسنا، وهذا الجمال يصنعه كل منا لنفسه؛ لأن ما نرثه من الطبيعة ~~إنما هو المادة الغشيمة؛ أي: الجسم، أما النفس فهي من صنع أيدينا وعقولنا؛ لأنها ثمرة ~~التربية والاختبار والثقافة والأخلاق، ولذلك يجب أن ننشد الجمال في أجسامنا عن طريق إيجاده ~~في نفوسنا، فلا نفكر في الشر أو الخبث، أو الأذى؛ لأن كل هذه الأشياء ترسم خطوطها المشئومة ~~على وجوهنا، كما تنطلق بكلمات قبيحة على ألسنتنا، وإنما يجب أن نفكر في الخير، والبر، ~~وإسعاد الناس، وترقية المجتمع، ونؤمن بالعدل والشرف، وعندئذ لا نكون أشخاصا فقط، بل نكون ~~أيضا نفوسا متوجهة تشجع النار والنور. # الفصل الخامس والسبعون # | وجوهنا الحزينة # من الأخبار المليئة بالدلالة والتنبيه خبر ذكرته إحدى المجلات الأمريكية، ففي إحدى ~~المؤسسات التي تؤوي العميان وتعلمهم استطاع طبيب جراح أن يقوم بعملية لفتاة عمياء قضت عمرها ~~كله منذ ميلادها وهي في ظلام العمى لم تر النور قط. # ونجحت العملية، وشرعت الفتاة تتحسس هذا العالم وتستكشفه، وهو عالم كانت تجهله إلا عن طريق ~~اللمس والشم، وخطر ببال أحد المعلمين أن يسألها عن أعجب وأغرب ما رأته في هذه الدنيا ~~الجديدة عقب انكشاف العمى وانبلاج النور. # فأجابت الفتاة: «إن أعجب وأغرب ما رأيت هو الوجه البشري، وهو منظر قد أحزنني، فقد كنت ~~وأنا عمياء أتخيله جميلا، وكنت أظن أنه يشرق برؤية الجمال في السماء، والبحر، والجبال، ~~والوجوه البشرية الأخرى، ولكني وجدت غير ذلك، وجدت الوجه البشري حزينا، حزينا ~~جدا.». ms73 # ودلالة هذا الخبر أننا فقدنا طرب الحياة، وأن الهموم التي ركبتنا، وربكت عقولنا، قد أكسبت ~~وجوهنا هذا الحزن الذي رأته هذه الفتاة؛ لأنها جديدة في الرؤية، أما نحن، فلم نعد نرى هذا ~~الحزن؛ لأننا قد ألفناه، بل إننا لا نكاد نرى غيره حتى نقارن ونستنتج. # وقد ذكرت الفتاة جمال السماء والبحر والجبال، بل جمال الوجه البشري أيضا، وهي توبخنا ~~وتبكتنا بهذا القول؛ لأن هذا الجمال يغمر الدنيا مشاع بالمجان لنا جميعا، ولكننا نعمى عنه، ~~ونفكر في هموم ترهقنا وتحزننا بل تستعبدنا. # كان داروين العظيم يقول: «إني ما زلت أذكر تلك اللحظة التي تأملت فيها العين البشرية، فقد ~~اعترتني رعدة لا أنساها.». # أجل، هذه العدسة الصغيرة التي تنقل إلى رءوسنا آلاف العوالم المشتتة في هذا الكون، ونرسم ~~في خلاياها صور السحب والطيور والأشجار والزهور، وصور الأطفال في مرحهم والنساء في روعتهن، ~~هذه العين البشرية هي أعجب ما في هذا الكون، وليست الشمس بكل ما فيها من جلال وعظمة سوى شيء ~~غشيم خام بالمقارنة إليها. # هذه العين البشرية هي معجزة هذا العالم، بل هذا الكون كله، وذلك الشاب الذي يهمل ~~الاستمتاع بها، ولا يتأمل الجمال في الطبيعة أو البشر، لن يجد ما يعيضه عنها ولو جمع مال ~~قارون. # لا، بل هو حين يجمع مال قارون، سترتسم على وجهه أمارات الحزن التي رأتها هذه العمياء ~~عندما أبصرت، بدلا من إشراق الفرح الذي كان يجب أن يعم وجوهنا جميعا في طرب الحياة ومرح ~~الصحة؛ لأن مال قارون سيحمله من الهموم والشكوك والمخاوف ما يجعل الحزن أصيلا في قلبه ~~منعكسا على وجهه. # الفصل السادس والسبعون # | في الرابعة والتسعين # بعد أسابيع يدخل برنارد شو في الرابعة والتسعين من عمره، وليست العبرة مع ذلك في بلوغه ~~هذه السن، ولكنها في محافظته على صحة عقله وسلامة جسمه، فإن هناك كثيرين بلغوا هذه السن ~~ولكنهم التزموا السرير واستقالوا من الحياة، أو هم يعانون الحياة أكثر مما يستمتعون ~~بها. # ولكن برنارد شو لا يزال نشيطا يؤلف ويوجه ويعلم، وقد علم ms74 أربعة أجيال، وهو يؤمل أن ~~يعلم الجيل الخامس، وهو يقول كما يقول كثير من العلماء هذه الأيام: إن الموت ليس ~~طبيعيا. # وقد اتخذ برنارد شو أسلوبا في العيش يجدر بنا جميعا أن نعرفه وإن لم نمارسه، فهو قد ~~انقطع عن اللحوم منذ 65 سنة، وهو يأكل الخبز الأسمر، وينام مع ترك النافذة مفتوحة حتى في ~~الشتاء، وهو شتاء إنجلترا القطبي، وهو لا يدخن ولا يشرب الخمور، كما أنه يفكر هذه الأيام ~~في أن يصوم يوما كاملا كل أسبوع. # وبرنارد شو يدرس جسمه ويحاول أن يصوغه كما لو كان كتابا يؤلفه، وهو كثير التفكير في ~~التعمير، وقد ألف درامة في هذا الموضوع يقول فيها: إن أعمارنا المألوفة قصيرة، وإننا نترك ~~الدنيا أطفالا لما نتعلم، ولما نستمع، ولما نصل إلى الحكمة، وإننا على الأقل يجب أن نعيش ~~ثلاث مئة سنة، نقضي المئة الأولى في التعلم، والمئة الثانية والثالثة في الاستمتاع والتفكير ~~الناجع، كما أنه يرى أن الإنسان عندما يحقق هذه السن سوف يعمد إلى إصلاح هذه الدنيا ~~وإحالتها إلى فردوس؛ لأن إقامته المديدة عليها ستضطره إلى ذلك حتى يهنأ بعيشه فيها ولا ~~يسأمها. # وقد يكون في الخبز الأسمر؛ أي: الرغيف الكامل الذي لم ينخل شيء من دقيقه، بعض المميزات، ~~كما أن التزام النباتات ينقص الأحماض التي تؤذي الجسم، كما قد يكون في النافذة المفتوحة ~~وفرة من الأكسجين تجددنا وقت النوم، ويضاف إلى ذلك اللبن ومشتقاته، وقيمتها كبيرة. # ولكن هذا النظام وحده ليس كل شيء في حياة برنارد شو، فقد يتبعه آخر ثم لا يبلغ التسعين ~~حتى يكون قد خرف لاختلال قواه العقلية، على الرغم من صحة الجسم، ولكن الميزة الأولى لبرنارد ~~شو هي أنه لا يزال يعيش في عنفوان الحياة الذهنية، والسبب في ذلك أنه احترف الأدب والفهم ~~والتفكير، وكلمات اللغة موفورة عنده، وهي تحمل المعاني التي يدأب الدماغ في استنباطها ~~وتوليدها، ومن هنا حيوية ذهنه التي تسمو على حيوية جسمه. # وهذه الحياة الذهنية القوية التي يحياها هذه الأيام هي التي تجدد ms75 شبابه، وتحفزه على ~~التفكير في المستقبل بدلا من الحنين إلى الذكريات القديمة، كما هو شأن المسنين العاديين، ~~وهي التي تملؤه تفاؤلا على الرغم من الكوارث العالمية المحيطة. # فلتكن لكل شاب عبرة في حياة برنارد شو الذهنية وآماله الروحية كما في نظام معيشته ~~المادية. # الفصل السابع والسبعون # | يجب أن ننسى الماضي # هناك فرق أصيل بين الرجل الناجح والرجل الخائب، فإن الأول يفكر للمستقبل، ويتربص للفرص، ~~ويجعل آماله برامج وبرامجه حقائق، وهو يحلم في يقظته ويرى رؤيا لشخصه، فما يزال يحاول ~~تحقيقها حتى تتحقق، وهو يتخلص من ماضيه، فلا يذكر أن هذا الصديق قد أساء إليه، وأن هذا ~~القريب قد غشه، وأنه كان يكون ثريا عظيما أو متعلما لو لم يخطئ أخوه أو أبوه أو نحو ~~ذلك. # ومعنى هذا أن ميدان نشاطه هو المستقبل، وهو ينحي عنه الماضي، ويستمتع بحاضره، ويعمل ~~لمستقبله في مرح وطرب وتفاؤل. # ولكن الرجل المخفق يذكر ماضيه، لا، بل هو يستذكره ويدرسه، كأنه قد فرض عليه أن يقف في ~~محكمة للشهادة عن حوادثه، فهو يذكر لك قصصا عن أولئك الذين غدروا به، وعن حماته التي أفسدت ~~حياته الزوجية، وعن ابنه الذي تجرأ عليه، وعن صديقه الذي اقترض منه ثم لم يرد القرض، وهو ~~إنما يستذكر كل هذه الحوادث وأمثالها؛ لأنه يتمحل بها لإخفاقه ويبرر بها ركوده، وهو في كل ~~هذه الذكريات متشائم، حزين، حالك في حزنه، كأن الدنيا مسئولة أمامه قد وقفت في القفص ~~ليحاكمها. # بل إن هذا الفرق بين الناجحين والمخفقين من الأفراد ينتقل إلى الأمم، ففي الشرق أمم ~~مشغولة، بل مجمدة، بماضيها لا تتقدم، وفي الغرب أمم مشغولة بمستقبلها، واثبة إليه دائبة في ~~الاختراع، مفتحة العيون نحو الرقي والتطور. # ولست بذلك أنكر قيمة الماضي، فإننا يجب أن نذكره لاستخلاص العبرة والحكمة، وليس للتأسف ~~والتنهد، أما المستقبل فهو ميداننا أو حقل التجربة لنشاطنا وحياتنا، وهذا الأمس الماضي الذي ~~لم تمض عليه أربع وعشرون ساعة قد خرج من نطاق نشاطنا وابتعد عن حياتنا، وهو لا يختلف عن ~~السنين ms76 التي سبقت بناء الأهرام أو ظهور الإنسان. # وعلى كل شاب أن ينسى حسراته ومآسيه في الماضي، وأن يرى رؤيا المستقبل، وأن يبني شخصيته ~~وفق هذه الرؤيا، ويعين هدفه ويشرع في السير في نحوه؛ أي: يشرع، هذا اليوم، بل هذه الساعة، ~~فيجعل أمانيه برامج وبرامجه حقائق. # الفصل الثامن والسبعون # | رجل عظيم # في 1919 مات رجل عظيم يدعى أندور كارنجي بعد أن أتم 85 عاما على هذه الأرض كانت كلها ~~كفاحا في جمع الثروة ... وأيضا في إنفاقها. # وكان إسكوتلندي الأصل، هاجر وهو صبي إلى أمريكا، ثم تقلب في الأعمال حتى أثري، وقدرت ~~ثروته في بداية هذا القرن بنحو مئة مليون جنيه، لم يترك منها لورثته غير ربع مليون جنيه، ~~أما الباقي فقد أنفقه في حياته على البر، وكان هناك نوع من البر قد اختص به، هو إنشاء ~~المكتبات، فإنه أنشأ منها الألوف وكان على الدوام يصر على أن من يطلب مكتبة يجب أن يقدم ~~الأرض التي سيقام عليها البناء، وأن يعين وقفا لإدارة المكتبة، أما هو فيقوم بتكاليف ~~البناء وشراء الكتب، وكارنجي هذا هو الذي قام بتكاليف السراي التي تضم محكمة لاهاي في ~~هولندا لدعم السلم. # وقد استقال من أعماله في 1901؛ أي: استقال من جمع المال في هذه السنة، وشرع ينفق ما جمع، ~~وهو القائل: «إن إنفاق المال أشق من جمعه.» وهو هنا يعني أن اختيار المبرة التي يراد ~~الإنفاق عليها يحتاج إلى التفكير والدرس والاهتمام أكثر مما يحتاج إليه جمع المال؛ لأن ~~المال عند كارنجي كان يجتمع وحده بعد المليون الأول، بلا مجهود، أو بأقل المجهود، أما ~~الإنفاق فكان يحتاج إلى التفكير الكثير. # ولما مات قدرت ثروته فلم تزد على خمسة ملايين جنيه؛ أي: أنه أنفق نحو 95 مليون جنيه في ~~المبرات، ثم هذا القدر الفائض بعد موته لم يتركه لورثته، بل ترك لهم فقط ربع مليون جنيه، ~~ووقف الباقي على المبرات، ومعظمها كما قلنا مكتبات؛ لأنه كان يؤمن بقوة الكتاب في التنوير ~~والتوجيه. # وقد قيل عقب وفاته أن ورثته امتعضوا، ms77 ولم يشكروه؛ لأنهم لم يحصلوا إلا على جزء من أربع ~~مئة من ثروته، ولكن المتأمل لهذا المبلغ الذي ورثوه، وهو ربع مليون جنيه، يجد أنهم من حيث ~~الوفاء بالحاجات، بل والكماليات البشرية، ليسوا في حاجة إلى المزيد؛ إذ إن هذه الحاجات ~~والكماليات محدودة، يفي بها هذا المبلغ ويفيض، ولم يكن كارنجي محقا فقط، بل كان أيضا ~~عاقلا، عندما حبس أمواله على الخير. # الفصل التاسع والسبعون # | ليس عندنا موسيقى # هاك خلاف قائم بين دعاة الوسيقى الشرقية ودعاة الموسيقا الغربية، وهذا الخلاف يبشر ~~بالخير؛ لأنه يحث على البحث والفهم والدرس، وهو يقفنا موقف التساؤل من ماضينا ومستقبلنا، ~~كما يرفع الفنون الجميلة إلى المقام الذي يجب أن تحتله في شئوننا الوطنية، وأيضا في النفس ~~المصرية. # ومن رأينا أن مقاطعة الموسيقى الشرقية هي ضرورة في تطورنا الوطني الحاضر، ذلك أنها هي ~~والغناء الذي يرافقها تراث سيئ من الرقص «البلدي» الذي قاطعناه والذي حظرته الحكومة، فقد ~~كان كلاهما التعبير الإيقاعي، بالكلمة والنغمة، لهذا الرقص، وهما لذلك لا يزالان يحملان كل ~~ما كان في هذا الرقص من إيماءات جنسية وضيعة. # ونحتاج إلى قليل من الشرح لهذا الرقص المحظور، فإن المرأة المصرية كانت في القرون الماضية ~~تعيش في أسر الحجاب تزين وتزخرف وتخبأ، ولم تكن في هذه الحال إنسانة، وإنما كانت أنثى ~~فقط، وأسرفت هي في هذه الأنوثة حتى جعلتها «مازوكية» أي خضوعا وتضرعا وتألما، وأصبح الرقص ~~مقصورا على البغايا اللائي كن يمثلن هذه الأنثوية المشرقة، وكانت حركات هذا الرقص لا تزيد ~~على أن تكون اتصالا جنسيا فنيا تبدي فيه المرأة تأوهاتها. # إننا لا نرضى أن تبقى موسيقانا وأغانينا تأوهات منغمة كانت تتناسق مع الرقص الذي ألغيناه، ~~ولكنها لا تتناسب مع حياتنا الناهضة العصرية. # بل إني عندما أسمع رجلا يغني أحس أنه يقهر نفسه على اتخاذ أسلوب نسوي في الإحساس الفني، ~~وتفسير ذلك واضح، وهو أن غناه إنما ينشأ في بيئة الرقص البلدي، فكان يتسارق ويتناسق، أي ~~يتلاحن ويتناغم مع الحركات والتنهدات والتأوهات التي كان ذلك الرقص ms78 يقتضيها في المرأة، وقد ~~كان الرقص مقصورا على المرأة، ولو أننا كانا قد علمنا هذا الفن للرجال لتغير الغناء ~~والموسيقى إلى فن ملئ بالشهامة والقوة والنشاط. # في أوروبا يمنحون لقب دكتور للدارسين للموسيقى بعد سنوات في الجامعة، فهل نستطيع أن نتخيل ~~أننا نعطي هذا اللقب لأحد المغنيين والموسيقيين في مصر؟ لا ... # إننا نطلب الموسيقى الأوروبية؛ لأنها موسيقى النشاط والانتعاش، وهي تربية للإحساس وارتفاع ~~بالنفس إلى الاقتحام. # الفصل الثمانون # | لنكن أدباء وشعراء # الناس اثنان، فهناك الرجل الحيواني الشره، ومهمته اقتناء المال، ولكنه ينتهي بأن يقتنيه ~~المال، ويحدد آفاقه، ويحصر تفكيره في الإثراء، أما الآخر فهو الفنان، الذي قد يفشل في المال ~~واقتناء العقار، ولكنه يقتني لنفسه مسرات نفسية وذهنية تجعله يحس كأنه يقتني هذه الدنيا ~~كلها، بل هذا الكون بأجمعه. # وعندما يصل هذان الاثنان إلى سن الستين أو السبعين نجد أن الأول كان ولا يزال «مرمطونا» ~~يعيش في المطبخ ويتحدث عن البقول واللحوم، في حين أن الثاني؛ أي: الفنان، قد صار أديبا أو ~~شاعرا يستمتع بملذات أنيقة في شفق ملتهب أو نجوم خافتة أو فكرة ارستطالية أو طائر مغرد، ~~وهو يجد الانتعاش الروحي والمذاق الفني في بيت من الشعر، وهو يحس صداقة مع المعري أو غاندي، ~~وهو يفرح بالحياة فرح الأطفال؛ لأنه لم يشخ قط، وفوق ذلك تبقى نفسه سليمة؛ لأن المزاج ~~الأدبي هو مزاج التفريج والتنفيس؛ أي: أنه لا يكظم . # أما طالب الثراء المادي، الذي يجمع العقار ويكظم كثيرا؛ لأنه يخاف كثيرا، وليس عنده ~~وسيلة الفن والأدب والشعر للتنفيس، ولذلك كثيرا ما تمرض نفسه. # اعتبر الليل أيها القارئ، فهو عند الأول ظلام يخفي الدنيا ويدعو إلى النوم والنسيان، ~~ولكنه عند الثاني، الذي انتعش ذهنه بالشعر والأدب، ظلام يخفي الدنيا حقا، ولكنه يكشف عن ~~الكون بنجومه؛ أي: شموسه وكواكبه، وهو كون يزيد على كواكبنا آلاف بل ملايين المرات، والقيمة ~~الرمزية لهذا المثل واضحة، وهي أن ما يضيق به طالب الثراء المادي ينفسح أمام الأديب ~~الفنان. # رؤية الأديب هي رؤية الطبيعة التي ms79 يستلزمها، والمعاني التي يستنبطها، والآفاق العظيمة ~~المترامية من الحياة يتعمق حقائقها ويتوسع في معانيها، في حين أن ذلك الثرائي المادي الذي ~~يجمع ويكتنز ويثري يحد حياته بحدود هذه المهام، وهو بذلك يحد استمتاعه ويحد رؤياه. # ثم تجد لذلك أن الأدب والشعر يكسبان حياتنا معنى ودلالة لنكن أدباء وشعراء. # الفصل الحادي والثمانون # | آلة الراديو واسم الراديو # يقال أن ما أنفق على مجمع فؤاد للغة العربية منذ إنشائه إلى الآن (1949) يبلغ نحو مئة ألف ~~جنيه، وقد كان الهدف من إنشائه هو إيجاد الكلمات العربية «الصحيحة» للأسماء والكلمات ~~الأجنبية التي استحدثها العلم العصري. # ثم هناك هدف آخر دائم يجب أن يبقى ماثلا أمام المجمع، وأن يتجدد حتى بعد الانتهاء منه هو ~~تأليف «معجم للغة العربية». # وليس شك أن هذا الهدف الثاني «الدائم» هو أعظم ما يجب أن يضطلع به المجمع، وهو ما يجب أن ~~يسأل عنه ماذا أتم منه؟ ومتى يطبع وينشر بين الجمهور المثقف؟ فإن لغتنا العربية تخلو من ~~هذا الأصل الذي يبين لنا تاريخ كلماتها وتطور معانيها. # لذلك يجب أن نلح ونكرر الإلحاح في استعجال المجمع في إخراج هذا المعجم الذي ينيرنا عن ~~اشتقاق لغتنا، فنكتب على دراية دقيقة بالمعاني، وهذا بالطبع غير «المعجم الشعبي» الذي لا ~~يتوسع في تاريخ الكلمات، ولكنه يضع المعنى بإيجاز في التعبير واقتصاد في الشرح. # على أن المجمع لم يستطع إلى الآن على الرغم من إنفاق نحو مئة ألف جنيه أن يخرج أحد هذين ~~المعجمين، وهو، كما تدل على ذلك تقاريره ومطبوعاته، يلتفت كثيرا إلى ترجمة المصطلحات ~~العلمية بكلمات عربية «صحيحة». # وهذا مجهود نحب أن يبتعد عنه المجمع ابتعادا تاما، ذلك أن الكلمات العلمية لا تنتمي ~~إلى إحدى اللغات العصرية، فكلمات الطب مثلا ليست إنجليزية أو فرنسية أو ألمانية، وإنما هي ~~«طبية»، بحيث إن المهندس الإنجليزي، أو التاجر الألماني، أو الأديب الفرنسي، لا يعرفها، ~~وإنما يعرفها طلبة الطب في القاهرة وباريس ولندن، وإذن فمحاولة المجمع ترجمة هذه الكلمات؛ ~~أي: إيجاد كلمات عربية لها، إنما هي محاولة ms80 عقيمة، وهي زيادة على ذلك تقطع ما بين الطالب ~~المصري واللغة الطبية العالمية، بحيث يتكلف مشقة جديدة كي يدرس الطب في لغة أجنبية. # ونزيد على ذلك أن هذا الاتجاه كله خطأ؛ لأن مصر لا تحتاج إلى أن تعرف اسما جديدا ~~للراديو، وإنما هي في حاجة أشد الحاجة إلى أن يدرس شبابها آلة الراديو، فنحن نحتاج إلى كتب ~~علمية مفصلة، وأخرى شعبية يدوية تشرح لنا آلة الراديو وآلة الأتمبيل وآلة الميكرسكوب وآلة ~~القاطرة، أما الأسماء فلا تهمنا كثيرا، بل يهمنا أن نعرفها كما عرفتها جميع الأمم. # إن في المجمع عيبا أصيلا، هو أنه لا يستلهم الماضي فقط ولكنه يتقيد به، ثم هو مع ذلك ~~يكاد يقاطع المستقبل أو يتجاهله، مع أن هذا المستقبل لا يقاطعنا، ولا يتجاهلنا، ولكنه ~~يتحدانا. # الفصل الثاني والثمانون # | الرحلات الفضائية # لم يكن أحد يعتقد إلى وقت قريب أن هناك تطورا آخر في التنقل البشري يزيد على الطيران؛ ~~أي: الانتقال من مكان إلى آخر بالجو. # ولكن وزارة الطيران الأمريكية أعلنت قبل أسابيع أنها أرسلت صاروخا ارتفع إلى مستوى يبعد ~~عن الأرض بمقدار 400 كيلو متر تقريبا، وليس في هذا المستوى جو؛ أي: هواء؛ لأن طبقة الهواء ~~التي تحيط بالأرض لا تزيد على خمسين أو ستين كيلو مترا، أما بعد ذلك ففضاء خواء. # وكان هذا الصاروخ يحمل معه قمرات فوتوغرافية استطاعت أن تنقل صورة الأرض وهي على هذا ~~البعد الشاسع ، ونقلت لأول مرة في تاريخ البشر صورة الانحناء الكروي للأرض؛ لأن عدستها ~~المرتفعة تناولت مساحة كبيرة جدا من هذا الكوكب فظهر الانحناء. # والفرق بين الطائرة الجوية والصاروخ الفضائي أن الأولى تطير؛ لأن لها مراوح تضرب الهواء ~~فتندفع كما تندفع الباخرة بدواليبها التي تضرب الماء، أما الصاروخ فينطلق بقوته الخفية، ثم ~~يتجاوز الهواء، ويسير في خواء بأيسر قوة؛ إذ لا يجد ما يصدمه أو يعوقه. # وعندما تخرج الصواريخ من طور التجارب إلى طور الخدمة سوف يكون من الميسور أن نقرأ جرائد ~~باريس أو لندن في القاهرة بعد صدورها بربع ساعة، ms81 ثم قد يلغى السفر بالطائرات وتقصر الرحلات ~~البعيدة على الصواريخ. # وأبعد هذه الرحلات في الممكنات البشرية الحاضرة، أو المقدرة هي تلك التي سوف نقطعها إلى ~~القمر، ولم يعد هذا خيالا بعد اختراع الصاروخ، ولا نذكر هنا الذرة؛ لأن ممكناتها أعظم ~~جدا جدا. # في سنة 1909؛ أي: قبل أربعين سنة، كنت في لندن، وطار في تلك السنة الطيار الفرنسي ~~«بليريو» فقطع المسافة بين فرنسا وإنجلترا في دقائق، وأخذت شركة سيفلردج طائرته وعرضتها في ~~متجرها اجتذابا للمتفرجين، وكنت بين هؤلاء، ورأيت في هذه «اللعبة» على ركاكة صنعها آفاقا ~~جديدة للمستقبل البشري تبعث التفاؤل، ومن ذلك الوقت أصبح التفاؤل عندي داء، على الرغم من ~~الكوارث التي حلقت وما زالت تحلق فوق برلين وغير برلين. # أجل، إن العلم يندفع نحو الاختراع، والإنسان يتسلط على الطبيعة، بل يعيد كيانها ويغيره، ~~وهذا الصاروخ سوف يحملنا إلى القمر، فنحمل إليه الهواء والماء وبذور النبات والحيوان، ثم ~~بعد ذلك يكون استعمار الكواكب الأخرى. # إن رجل الأدب يؤلف قصائد من الشعر تقرأ وتغنى، ولكن رجل العلم سوف يؤلف قصيدة، بل ~~علياءة، تتخطر أبياتها وترقص عبر الفضاء، بين الأرض والقمر فتتغنى بها الكواكب ~~والنجوم. # الفصل الثالث والثمانون # | العالم في أزمة القدر # كان من دأب بعض الكتاب الأوروبيين أن يقولوا: إن العلوم المادية قد تقدمت إلى درجة ~~خطيرة، وإن العلوم الاجتماعية قد تخلفت عنها، وإنه قد نشأ من التفاوت قصور في استخدام ~~المكتشفات والمخترعات الآلية والكيماوية والبيولوجية لمصلحة البشر، وإنها لذلك قد تستخدم ~~للضرر وليس للمنفعة. # والمتأمل لهذا الموضوع لا يتمالك نفسه من الإحساس بأن الإنسان لم يحصل بعد التربية ~~الاجتماعية والسياسية التي يتوقى بها الضرر، وأنه كان يكون من الحظ الحسن لو أن هذه ~~المكتشفات والمخترعات قد تأخرت إلى وقت يكون قد أتم فيه الإنسان تربيته الاجتماعية ~~والسياسية. # ولذلك نحن بني البشر جميعا، من شرقيين وغربيين، وبيض وسود، نعاني أزمة القدر، ونكاد ~~نسمع وقع أقدام التاريخ وهي تقترب منا اقترابا مشئوما حين تصطدم الدول الكبرى في ~~المناورات الدموية القادمة. # ونحن نقرأ ms82 الجرائد كل صباح ومساء، فتكاد أخبارها تصطك في آذاننا كما لو كانت قنابل، فنحس ~~أن العالم في تزعزعه الحاضر يومئ بل ينحدر، إلى الحرب، وهي حرب جامعة جامحة سوف تشترك فيها ~~جميع الأمم في العالم. # ولكن على الرغم من الأخطار المتوقعة، هنالك ميزة، هي هذا التنبيه الدائم الذي يشبه ~~الإحساس الديني، وهو أن هذه الأمم يجب أن تنتهي إلى وفاق وإلى إخاء، وأن الأخطار العظيمة ~~المتوقعة سوف تجعل الوفاق والإخاء محتومين. # ولهذا يجب أن نقرأ الصحف وندرس السياسة بالروح الديني، روح المسئولية عن الأخطار القادمة ~~للبشر الذين أصبحوا يترجحون بين البقاء والفناء، وليس لهذه المسئولية بالطبع نتائج عملية ~~محسوسة، ولكنها تربي ضميرنا وتذكي عقلنا. # وتتابع هذه الأحداث العالمية الخطيرة يجعلنا نحس كأننا نعيش بسرعة لم يكن الجيل السابق ~~يعرفها، بل الواقع أننا لا نحس فقط لهذه السرعة بل نمارسها؛ لأن العالم يسرع في تطوره، بل ~~أحيانا يهرول، وقد تتغير الدنيا في يوم واحد بأكثر مما تغيرت في عام أو أعوام قبل خمسين ~~سنة. # ويجب لذلك أن نقرأ الصحف الجدية بروح الجد، فلم تعد الصحيفة ملهى نتسلى به؛ لأن العالم ~~الحديث، في أخطاره الراهنة والقادمة، لم يعد يتسع للهو، والصحيفة الجدية تربينا وتنبهنا، في ~~حين أن الصحيفة المسلية تخدرنا وتنومنا. # الفصل الرابع والثمانون # | تربية أديب # يستوفي «أندريه جيد» في نوفمبر القادم من 1949 ثمانين عاما من الخلود. # وهو في الوقت الحاضر أديب فرنسا ؛ أي: أديب أوروبا؛ لأن فرنسا هي الوطن الأدبي للعالم ~~الأوروبي، ولذلك نجد أن الصيحة العالمية في الأدب والفلسفة هذه الأيام تتركز حول الأديب ~~أندريه جيد والفيلسوف بول سارتر، وكلاهما من أبناء باريس، المدينة الفنانة. # وتربية الأديب من أشق الأمور، فإن الوراثة والوسط يجب أن يتواطآ على إيجاده وتنشئته، حتى ~~إذا بلغ سن التأليف كانت جمجمته حافلة بالمركبات الذهنية التي تثير في نفسه السخط، وتجذبه ~~إلى البحث، وتعين له المنهج. # وقد خمل أندريه جيد نحو عشرين عاما بعد أن وضع قدمه على عتبة الأدب، ثم انفجرت شهرته بعد ~~الخمول، ms83 وفي العام الماضي توجت شيخوخته بجائزة نوبل. # ولكن ماذا نقول؟ إنه لم يبلغ الشيخوخة، بل إن رذائل الشباب لا يزال قلبه يحمى بها، وهو ~~هنا مثل زميله الإنجليزي العظيم «برنارد شو» الذي لا يزال وهو في الثالثة والتسعين يحتفظ ~~بروح الشباب في غير وقار، بل أحيانا في وقاحة واستهتار. # ولد أندريه جيد في عائلة بروتستنتية في أمة كاثوليكية، فامتاز بما يمتاز به أحيانا أبناء ~~الأقليات من هذا الشذوذ الاجتماعي الذي ينبه ويوقظ. # وعرف أيام شبابه «أوسكار وايلد» وتعلم منه الاستهتار، والاستهتار الجنسي خاصة، ولكن يجب ~~علينا أن نستمع إلى كلمة نيتشه هنا، وهي: «ماذا علينا أن نقرأ العبقريين حتى ولو كانت في ~~رءوسهم بعض الديدان؟.». # وفي شبابه زار الجزائر، وتوغل في الاستمتاع النفسي والذهني والجسدي، وفي 1925 زار إفريقيا ~~السوداء في كونجو، وعرف الاستعمار، وانبلجت له حقائق كانت تشتبه عليه قبل ذلك في شأن ~~الحضارة الأوروبية، وعرف مما رأى في الجزائر، ثم في كونجو، أن الاستعمار هو كارثة البشر ~~وفضيحة الحضارة، وأن الإنسان المتمدن يجب أن يكافحه حتى يمحوه. # وفي عام 1936 زار روسيا، ودرس هذه الدولة الجديدة، ووجد فيها ما ظنه قيودا للحرية، وهنا ~~نجد أن الديدان لا تزال تنغل في رأسه؛ إذ لام الروسيين؛ لأنهم قيدوا الحرية ووضعوا العقوبات ~~للشذوذ الجنسي. # وكانت هذه السياحات الثلاث تربيته التي عرف منها الدنيا؛ لأن نظرة الأديب هي في النهاية ~~النظرة العالمية البشرية التي تتجاوز حدود الوطن والأمة، وهو يحتاج لهذا السبب إلى أن يسبح ~~في أنحاء العالم، وأن يدرس آثار الماضي وعلامات المستقبل. # وقد ظهرت ترجمة إنجليزية هذا الشهر لكتابه «الجورنال»؛ أي: المذكرات اليومية التي ينقل ~~فيها إحساساته وتأملاته، والعجب في هؤلاء الإنجليز أنهم ارتضوا السجن لأوسكار وايلد سنتين، ~~ثم هم يرحبون الآن بتلميذه الذي يدعو دعوته. # وأعظم ما يفتن في أندريه جيد هو هذا الأسلوب الفرنسي المستقطر، وهذا الاستطلاع السيكلوجي ~~الذي يفتح الذهن على مكامن الظلام وأودية النور في الطبيعة البشرية، وأخيرا هذا التعلق ~~بالحرية. # الفصل الخامس والثمانون # | الشيخوخة المعذبة ms84 في مصر # إن الشيخوخة في مصر لا تجد ما تستحق من عناية، فإن الحكومة تقيل الموظف من عمله وهو في ~~الستين، وتستغني بذلك عن اختباراته القيمة، مع أنه قد يستطيع العمل عشر سنوات أخرى ربما ~~تكون خير سني حياته للخدمة الحكومية، وصحيح أن جهده الجسمي في هذه السنوات ينقص، ولكن ليس ~~هناك أي دليل على أن جهده الذهني الذي تحتاج إليه الحكومة ينقص أيضا، بل إنه يمتاز على من ~~دونه في السن بالخبرة التي تلهمه الحكمة والتبصر. # ثم هو حين يقال في الستين لا يجد شيئا من الاستمتاع، فليس عندنا أندية للمسنين، ثم نحن ~~نقحم عليهم وقارا متزمتا ينكر عليهم الاستمتاعات البسيطة، فإذا لبس المسن جاكتة بيضاء، ~~أو كرافتة حمراء، أو إذا سار على الشواطئ ببنطلون أبتر، أو إذا ضحك فقهقه، أو إذا زار الدور ~~السينمائية أو غير ذلك، اتهم بالخروج عن عادة الشيخوخة ووقارها. # وهذا الوقار الإلزامي شرقي في أساسه، ولعل له علاقة بتلك الحركات الصوفية التي كانت تدعو ~~إلى الهدوء والتأمل، أو الركود، وهو ركود الكسل والتعفن والبلى، فأصبح الصلاح يقصد منه خطأ ~~كراهة النشاط والتزام السكينة بدعوى الوقار، وشيوخنا يذبلون لهذا السبب، وهم يقضون سني ~~حياتهم التي قد تطول بعد الستين في ملابس قاتمة توحي بالكآبة والاغتمام في عزلة البيت أو ~~على المقهى لتبديد الوقت في ألعاب الحظ السخيفة، أو في الزيارات العقيمة للأقارب! # واعتقادنا أن الحكومة تنتفع كثيرا، اقتصادا وكفاءة ، إذا رفعت سن الإحالة على المعاش إلى ~~الخامسة والستين، ما لم يطلب الموظف هذه الإحالة لأسباب شخصية، وسن الخامسة والستين، بل سن ~~السبعين، هي سن المعاش في كثير من الأمم الأوروبية، وخاصة في القضاء الذي يحتاج إلى أكبر ~~المجهودات الفكرية. # واعتقادنا أيضا أننا يجب أن نربي جمهورنا على أن يعترف للمسنين بحقهم في النشاط ~~الاجتماعي، والزي الاجتماعي، حتى لا يحس المسن أنه يختلف عن غيره، وحتى لا يكون لهذا أثر ~~نفسي سيئ عنده، فيجب ألا ننتقد السيدة التي تزيد على الستين أو السبعين من العمر إذا ms85 وضعت ~~وردة على صدرها أو صبغت شعرها، وإن كان الشعر الأبيض هو أجمل صبغة للمسنين. # ثم هناك واجب على المسنين هو أنه يجب ألا يهملوا رقيهم الشخصي والاجتماعي والثقافي وألا ~~يركنوا إلى الركود، فعليهم أن يعنوا بملابسهم أكبر العناية، وأن يقرءوا ويحضروا الاجتماعات، ~~ويهتموا بالشئون الحيوية لبلادهم حتى تبقى نفوسهم حية. # وقد بعثتني هذه الحال التي يعانيها شيوخنا على أن أؤلف كتابي «كيف نسوس حياتنا بعد ~~الخمسين»، وإني أرجو أن ينتفع به المسنون. # الفصل السادس والثمانون # | عرف المجتمع ومصلحة البشر # معظم الناس يسيرون في تفكيرهم وعاداتهم على العرف الجاري، وليس في هذا بأس؛ لأننا ما دمنا ~~نعيش في مجتمع فإننا يجب أن نأخذ بقواعده في الأخلاق والعادات والتفكير، ولكن هناك من ~~يلتزمون الحرف دون الروح في هذا العرف الاجتماعي، وهم بذلك يأخذون بالقشور دون اللباب، ولا ~~يتجاوزون الواقع إلى الخيال، أو هم يجمدون عند القاعدة كأنها خلاصة الحكمة بدلا من أن ~~يفكروا في الآفاق أو يتعمقوا الأصول. # فمن هؤلاء مثلا، من يعنون أكبر العناية بارتداء السواد عند وفاة قريب والسير خلف ~~الجنازة، ولكنهم لا يفكرون في الأرملة وأطفالها الذين يحتاجون إلى مختلف المساعدات بعد وفاة ~~عائلتهم. # وهناك من يبعثون بالبطاقات للتهنئة في كل فرصة، كالأعياد أو غيرها، ولكنهم لا يؤدون خدمة ~~بارة لمن يستحقونها في مثل هذه الفرصة. # بل هناك من أولئك العرفيين من يتحدثون عن الزواج أحيانا، سواء أكان؛ لأنفسهم أم لبناتهم ~~أم لقريب لهم، كأنه احتفال متلألئ ومقصف يئن بأثقال من الطعام من المملكة الحيوانية ~~والمملكة النباتية، أما حياة هذين الشخصين اللذين سيربطان نحو خمسين سنة فليست ذات شأن ~~عظيم. # ورجل العرف يحب الرسميات والظواهر، ويحيلها إلى شعائر يكاد يكون لها قوة الدين في الطاعة ~~والانقياد، حتى ولو كان في ذلك إرهاق لمن يمارسونها. # ولذلك علينا أن نفطن إلى أن المصلحة البشرية يجب أن تسمو في جميع اعتباراتنا على العادة ~~الاجتماعية؛ أي: يجب أن يكون شعارنا الخدمة وليس العرف، بل يجب في بعض الظروف أن نهمل العرف ~~ونلغي ms86 العادات الاجتماعية وجميع الظواهر؛ كي نخدم المصالح الحقيقية العليا لإحدى العائلات ~~أو لأحد الناس فنقنع العائلة الفقيرة بألا تنفق على الجنازة، وإنما تنفق على الأطفال ~~ونقنع الشاب الفقير أو المتوسط بألا يبالي بهارج العرس ولألأته، وإنما ينفق على توفير ~~الوسائل التي تسعده هو وزوجته في المستقبل، أما القادرون المتخمون بالترف فليس من يلومهم ~~على التزام العرف مهما تبلغ تكاليفه. # الفصل السابع والثمانون # | لنكن اجتماعيين # ليس هناك من المناظر البشرية الجميلة ما هو أجمل من العائلة التي يرتبط أفرادها بالحب ~~والحنان، ويتعلق فيها الأبناء بالآباء والآباء بالأبناء، ولكن الرجل الذي يسرف ويلتصق ~~بعائلته كل الالتصاق، لا يعرف غير بيته ومكتبه، هذا الرجل لا يمكن أن يعد متمدنا. # ذلك أن الأمة المتمدنة تتألف من مجتمع وعائلة، والرجل العائلي الذي يقاطع المجتمع لا ~~يعيش الحياة المليئة ولا يستمتع بالإحساس الاجتماعي الذي يربيه ويثير في نفسه الاستطلاع إلى ~~الرقي؛ لأن الرقي، سواء بالثراء أو الثقافة أو الوجاهة، إنما هو معنى اجتماعي يتجاوز ~~الاعتبارات الاجتماعية الواسعة. # والمرأة العائلية التي تسرف في التزام بيتها، ولا تفكر في غير أبنائها ومطبخها وزوجها، ~~هذه المرأة تنتهي بهذا الالتزام إلى ضيق العقل وفقر العواطف البارة، وقلة الآفاق التي تجعل ~~تفكيرها محدودا أو شخصيتها هزيلة. # إن التمدن يقتضينا أن نكون عائليين واجتماعيين معا، نخرج من البيت ونشترك في ألوان من ~~النشاط الاجتماعي، فنستضيف ونستضاف، ونكون أعضاء في الجمعيات والمنظمات والأحزاب التي ~~تعمل للخير أو تنتصب لغاية بشرية سامية لتأييد فكرة اجتماعية أو لترويج نظرية علمية، ويجب ~~أن يكون لكل منا، رجالا ونساء وشبانا وكهولا، النادي الذي نجد فيه الأصدقاء والزملاء، بل ~~يجب أن نخرج من وقت لآخر إلى المطاعم والمشارب العامة. # إن المجتمع يربينا أكثر مما تربينا العائلة؛ لأنه في الأكثر يخاطب عقولنا، في حين أن ~~العائلة في الأكثر تخاطب عواطفنا، وهو في أكثرها إيثار، في حين أن العائلة في أكثرها إثرة، ~~ثم إن الإحساس الاجتماعي خير كفيل بصيانة الأمة في النهاية من الفوضى أو الاستبداد في ~~الحكومة؛ لأن الرجل ms87 الذي اتجه وجهة اجتماعية يحس على الدوام أنه مسئول عن النزاهة والشرف ~~والكفاءة في الحكم. # يجب ألا تحجزنا العائلة عن المجتمع، كما يجب ألا يجذبنا المجتمع بحيث نهمل ~~العائلة. # والرجل الأمثل ليس هو ذلك الذي «لا يعرف غير بيته» وكذلك المرأة المثلى ليست هي الأم أو ~~الزوجة فقط، وإنما هي تلك التي تدرس السياسة العامة، وطنية وعالمية، وتشترك في المشروعات ~~الاجتماعية، وتصوت في الانتخابات البرلمانية، وتهتم بشئون العلم والسياسة والتجارة؛ أي: ~~تكون عضوة حية في المجتمع، تضيف وتستضاف، وتشترك في الجمعيات والأحزاب، بل وتحترف حرفة ~~تؤدي بها خدمة اجتماعية منتجة. # الفصل الثامن والثمانون # | حياة الفطرة والفن # كثيرا ما نسمع أو نقرأ عن جمال الطبيعة والحياة الفطرية وسذاجة العيش، وهذا كلام حسن ~~لولا أنه يحمل بعض الالتباسات التي تعوق الفهم الصحيح لما يريده دعاة الطبيعة. # ذلك أن الحضارة القائمة تبهظنا بأعباء وتكاليف كثيرة معظمها بهارج زائفة قد قضى علينا بها ~~المجتمع بعاداته وتقاليده، فنحن نعيش مندفعين في سياق الاعتبارات الاجتماعية التي ننشد بها ~~الأبهة والثراء، ونقتني شارات الترف فنزحم منازلنا بالأثاث الثقيل الذي تتعدد أشكاله ~~وألوانه، ونحتفظ بمظاهر توهم الغير بأننا قادرون أثرياء ممتازون، بل لقد ينتهز أحدنا ~~الفرصة في عرس أو جنازة، أو أية مناسبة أخرى، فيرهق نفسه بتكاليف توهم الغير بأنه في مكانة ~~اجتماعية ممتازة. # والفرار من هذه الحضارة المرهقة كسب لا شك فيه، وهو كسب الاستغناء عن البهارج الكاذبة ~~والاعتبارات السخيفة. # ولكن الحياة العالية هي الحياة الفنية المثقفة، فيجب ألا ينطوي استغناؤنا عن البهارج ~~والشخاشخ على أن نستغني عن الفن والثقافة. # لقد كان تولستوي يكره الحضارة، وقد ترك المدينة وعاش في الريف، ولكن حبه للطبيعة، وغرامه ~~بحياة الفطرة، لم يمنعاه من ممارسة الفنون ودراسة الثقافة، وكذلك الشأن في غاندي فإن قناعته ~~بالعنزة لغذائه، والشملة لكسائه، لم تكن لتمنعه من قراءة الكتب العالية والجرائد ~~الجدية. # وليس الغنى مقصورا على الأثاث أو البناء أو الموسيقا أو الشعر؛ لأننا يجب قبل كل شيء أن ~~نعيش الحياة الفنية، نستغني عن المائدة المطهمة، ms88 ولكن لا نستغني عن الذهن المثقف والذوق ~~المتأنق، ولا بأس بأن نعنى بملذات الجسم، ولكن يجب أن نعنى أكثر بملذات النفس ~~العليا. # لقد كان غاندي وتولستوي وروسو وثورو ساذجين في عيشهم يقنعون بالكفاف من الغذاء واللباس، ~~وكانوا يعيشون الحياة الفطرية يحبون الحقول، ويصلون للشمس في بزوغها، ويتحدثون إلى النجوم ~~في الليل، ولكنهم كانوا جميعهم يمتازون بعقول مركبة مثقفة تحفل بالنظريات والتأملات. # ولم يكن اسغناؤهم جهلا، ولكنه كان فنا. # الفصل التاسع والثمانون # | كراهة المخالفين لنا # حدث في أثناء الحرب الكبرى الأخيرة أن دعاني نادي «سمطس» وكان أعضاؤه من دولة إفريقيا ~~الجنوبية المتحدة، كي أتحدث إليهم عن مصر وأشرح لهم ما يجهلونه، وكانت سياستهم في ذلك الوقت ~~تتجه نحو الاتحاد معنا باتفاقات اقتصادية وعسكرية. # فلما انتهيت من حديثي سألني «جنرال» من الأعضاء سؤالا غريبا، ولكنني لم أعجب منه؛ لأني ~~كنت أعرف مأتاه من الحال القائمة في إفريقيا الجنوبية، فإنه قال: ~~«لماذا ترضون بالاتحاد مع النوبيين مع أنكم شعب آخر؟.». # وكان يعني بهذا السؤال أن النوبيين سود ونحن بيض أو سمر، وأننا يجب أن نعاملهم كما ~~يعاملون هم السود في إفريقيا الجنوبية؛ أي: نحرمهم من التعليم وحق الانتخاب. # فأجبته بكلمة موجزة تقطع المناقشة، وهي أن هؤلاء النوبيين أقرب إلى الفراعنة منا، ولا ~~تزال لغتهم تحمل المئات من الكلمات الفرعونية، وهم لذلك أكثر مصرية وأحق بمصر. # وليس لهذه الكراهية للسود، التي تبلغ الاشمئزاز أحيانا، من سبب سوى الاختلاف ، وقد سمى ~~العرب كل من يختلفون عنهم «أعاجم»؛ أي: أنهم خرس، كما سمى الإغريق غيرهم «برابرة»؛ أي: ~~متوحشين، والآن نجد أن البيض في الولايات المتحدة وفي إفريقيا الجنوبية يكرهون السود، وقد ~~كان هتلر يصف الزنوج بأنهم «قرديون» وقد وصفنا سافل من سفلة الكتاب الإنجليز يدعى دجلس ~~سليدن بأننا «صفر زرق» وذلك قبل نحو أربعين سنة، ولكن الاختلاف وحده لم يكن هنا سببا لهذا ~~السباب؛ لأن المبادئ الإمبراطورية كانت خلفه. # وإذا استثنينا القليل من السلالات البشرية في أستراليا وتسمانيا وإفريقيا لا نكاد نجد ~~فرقا في الميزات البشرية ms89 بين الصيني والأوروبي، أو بين الأوروبي والزنجي، وقد عرف القراء ~~في الأشهر القليلة الماضية أن الدكتور بانش نائب مجلس الأمن في مسألة فلسطين ينتمي إلى جد ~~زنجي، وكلنا يعرف أن الأديب الروسي بوشكين، وكذلك الأديب الفرنسي ألكسندر دوماس، كانا ~~ينتميان إلى جدين زنجيين. # وهذه الكراهة لمن يختلف معنا أو يخالفنا هي عاطفة بدائية غشيمة يجب أن نهذب أنفسنا ~~منها، وإن كنا لا نستطيع أن ننكر أن الكارهين إنما يتسترون خلف هذه العاطفة أحيانا، ~~ويستغلونها في الشعوب، كي يستطيعوا استخدام الزنوج أو غيرهم من الصفر والسمر بأجور وضيعة ~~تدر عليهم الربح الوفير، فإن الاستعماريين مثلا يقيمون من هذه الكراهية نظرية «علمية» ~~مزيفة قوامها أن السلالات البشرية تختلف في الكفاءة الذهنية، وعندئذ يجدون المنطق الذي ~~يجيز لهم الاستعمار والسيادة والتسلط. # الفصل التسعون # | قادة العالم # من الأخبار التي تلتفت إليها صحفنا خبر خطير، بل غاية في الخطورة؛ لأنه يدل على فلسفة ~~جديدة واتجاه جديد، ذلك أن المسيو بوس، وهو ثري فرنسي يملك عددا كبيرا من البواخر، قد منح ~~جامعة أكسفورد الإنجليزية مليون ونصف مليون جنيه لتأسيس كلية جديدة لتخريج القادة للعالم، ~~وشرط أن يكون ثلث الطلبة من الفرنسيين. # ولا يعرف لماذا اختار أكسفورد دون السوربون، وربما كان لمركز أكسفورد العالمي بعض الوزن ~~في هذا الاختيار، ويجب أن نذكر أن المسيو بوس يتجه اتجاها عالميا بهذا التبرع العظيم، ~~فلا يمكن أن يتقيد باعتبارات وطنية، وحسبه من هذه الاعتبارات الوطنية أنه شرط أن يكون ثلث ~~الطلبة من الفرنسين. # ولو أن المسيو بوس كان يعيش قبل 500 أو 1000 سنة وأحس في نفسه بهذه النزعة الكريمة لشيد ~~كنيسة كاتدرائية كبرى، ولكنه يعيش في القرن العشرين حيث قد أنشأ لنا العلم مشكلات يجب أن ~~يحلها العلم لا الدين. # فنحن نعيش في أسر مشكلات اقتصادية وإنتاجية وثقافية عديدة، كما أن عالمنا قد اشتبك حتى ~~لكأننا قطر واحد بل قرية واحدة، فإذا تزعزع الدولار في نيويورك ارتفع ثمن الذهب في القاهرة، ~~وإذا حدثت أزمة في لنكشير انخفض ثمن القطن ms90 في الإسكندرية، ونحن نتحدث عن المباراة الحرة ~~للصناعات، وعن التأميم للفحم أو البترول، كما نتحدث عن استخدام الذرة للإنتاج السلمي أو ~~للفتك الحربي، وقد فشت أخلاق جديدة أوجدها الإنتاج الصناعي الآلي، وهي تصطدم بالأخلاق ~~الزراعية القديمة في جميع الأمم، وهذه جميعها مشكلات علمية. # وقد كانت الحرب الكبرى الثانية فرصة للحضانة الفكرية بشأن المستقبل، وقد أحس القادة وقتئذ ~~بأن العالم يحتاج إلى منظمة جديدة تشرف على مصيره وتحل مشكلاته، فكان من ذلك منظمة الأمم ~~المتحدة. # والعالم يزداد ارتباطا ويزداد كذلك مشكلات، ولم يعد علم السياسة أو فنها مقصورا على ~~الاعتبارات الوطنية، ولذلك لا بد من دراسات جديدة لأبناء الجيل الجديد كي يحلوا مشكلاتهم ~~الحاضرة والمستقبلة، ومن هنا قيمة الكلية الجديدة في أكسفورد. # ويجب أن يدرس الطلبة هناك كل شيء يمس هذه الارتباطات والمشكلات الجديدة، ويجب أن يتوفروا ~~على الدراسة، ولا بأس من أن يتخرجوا بعد دراسة علمية في سن الأربعين أو الخمسين على فلسفة ~~بشرية جديدة تنحو بالعالم المرتبط نحو السلم والأمن والرخاء والثقافة. # الفصل الحادي والتسعون # | ضريبة الضمير # عندما نرى طفلا يتألم من جرح أو مرض، أو عندما نرى الترام يدوس صبيا ويقطع قدميه، ~~نتأثر ونحزن، وقد نبقى متأثرين أياما، ولكن عندما تروي إحدى الصحف أن خمسين ألف إنسان بين ~~رجل وامرأة وطفل قد ماتوا في الهند أو الصين في المجاعة، نمر بهذا الخبر كما لو كان من ~~الأشياء العادية التي لا تستحق التفكير أو الاهتمام . # وهذا يدلنا على أننا نتأثر بالحس أكثر مما نتأثر بالعقل، بل هذا هو ما يجرئ الطيار على أن ~~يلقي القنابل على المدينة، فهو يعرف أنها سوف تبقر بطون الأمهات، أو تمزق وجوه الأطفال ~~وتحطم أجسام الرجال، يعرف كل هذا بعقله، ولكنه لا يراه بعينيه، ولذلك لا يتأثر، ولو أن هذا ~~الطيار طلب إليه أن يذبح طفلا بيده لاستفظع هذا الطلب ورفض القيام به، مع أنه في كل رحلة ~~حربية يقتل مئات الأطفال أو يصيبهم بجراح أليمة مميتة. # ونحن نعيش بإحساسنا أكثر مما نعيش بعقولنا، ms91 ونحتاج إلى تربية السنين حتى يستحيل أحدنا من ~~المادة البشرية الخامة، والضمير الغشيم، إلى العقل المفكر والإنسانية العالية، وعندئذ يكون ~~لوقع المجاعة في الصين، أو إلقاء القنابل على النائمين، ذلك الوقع الذي نجده عندما نرى ~~غلاما يمزقه الترام أو يتضور جوعا. # ونستطيع أن ننتقل إلى معنى آخر ليس من هذه المعاني التي ذكرنا ولكنه ينساق معها، ذلك أننا ~~نخجل إذا طلب إلينا دائننا قضاء دينه وعجزنا، ونخجل إذا قيل إننا نماطل في أداء ديوننا؛ لأن ~~الإحساس هنا شخصي حسي، ولكن هناك آلافا لا يخجلون ألا يؤدوا ديونهم للحكومة؛ أي: الضرائب ~~التي تفرض عليهم، ذلك أن الحكومة ليس لها كيان شخصي وإحساسنا نحوها ليس حسيا؛ إذ هي لا ~~ترى بالعين ولا تحس بحاسة أخرى فضمائرنا نحوها غشيمة. # ولكن الضمير المهذب الذي يعتمد على العقل يعرف أن حق الحكومة عليه لا يختلف عن حق أي دائن ~~شخصي آخر، وهو لذلك يؤدي الضريبة راضيا، بل يطلب زيادتها؛ لأن الضريبة هي في النهاية ~~الثمن الذي ندفعه كي نحصل على التمدن؛ أي: الأمن والصحة والتعليم والرفاهية. # وهناك في إنجلترا شيء يسمى «فلوس الضمير» وهو يبلغ عشرين مليون جنيه كل عام في قسم ~~الإيرادات من الميزانية، ذلك أن الجابي، الذي يحاسب الممول الإنجليزي يسهو عن أشياء كانت ~~تستحق الجباية، فإذا انتهى من حسابه وحصل على حق الحكومة عاد الممول إلى المراجعة، فإذا وجد ~~أن هذا الجابي قد أغفل شيئا عمد هو ونزعه من ماله وأرسله إلى الحكومة. # وهذا إحساس سام يجب أن يتصف به الرجل المهذب في الأمة الراقية، وعلى كل منا أن يذكره ~~ويعمل به، إحساس العقل المهذب الذي يرتفع برؤية الدنيا من خلال العقل والفهم، وليس من خلال ~~الحواس الخمس. # الفصل الثاني والتسعون # | نحو المستقبل # أكتب هذه الكلمات وأمامي صورة لبقرة جيرزية من ذلك البقر الذي جلبته كلية أسيوط ~~الأمريكية، وهذه البقرة وحدها تدر في اليوم الواحد 63 رطلا من اللبن؛ أي: أن هذه البقرة ~~تستطيع أن تغذي اثنتين وثلاثين عائلة مصرية باللبن باعتبار ms92 أن كل عائلة تحتاج إلى رطلين ~~فيهما غذاء للأطفال ودواء للصغار والكبار؛ لأن اللبن كما هو معروف يحتوي على جميع ~~الفيتامينات التي لا يمكن لحي - إنسانا كان أم حيوانا - أن يعيش بدونها. # وقد استطاعت هذه الكلية أن تستحدث سلالات جديدة من البقر المهجن؛ أي: النتاج الذي ينشأ من ~~عجول جيرزية وأبقار مصرية، وكان الإدرار عاليا لم ينقص بالتهجين، وتستطيع الحكومة، كي تزيد ~~مقدار اللبن في مصر عشرة أضعاف المقدار الحاضر، وكي تخفض الثمن إلى النصف أو الثلث أيضا، ~~أن تستورد ثلاثة أو أربعة آلاف بقرة ونحو مئتي عجل من هذه السلالة الجيرزية، تهجن به بقرنا، ~~ولا يكلفنا كل هذا أكثر من مليون جنيه، ننفقه في هذا الخير الذي يعمم لنا الصحة ~~والغذاء. # وهذه الكلمات التي أكتبها عن الأبقار الجيرزية في أسيوط تحرك في نفسي أشتاتا من ~~العواطف، فاني آسف؛ لأننا لا ننشط إلى شرائها وتوزيعها بأثمانها أو بنصف أثمانها، ولكني ~~أيضا أحس أن الخيال يستطيرني، فإن هذه البقرة الجيرزية لم تعد حيوانا، وإنما هي مصنع ~~كيماوي لإحالة المادة النباتية إلى لبن وقشدة وزبد وجبن، لا بل أكثر من ذلك، فإن البقرة ~~الحديثة قد أخذت بعادات عصرية لم تكن تعرفها أمها أو جدتها، ذلك أنها أصبحت تدر اللبن دون ~~أن تحمل أو تلد، فإن حقنة من الإستروجين تغنيها عن تعب الحمل والولادة، فتتضخم الضرة وهي لا ~~تزال عذراء، ثم تعطينا من اللبن كما لو كانت قد حملت وولدت . # وهذه حقيقة واقعة؛ أي: أن البقر يدر اللبن في أمريكا بطريقة عصرية، بل مستقبلية. # وإني أعتقد أنه ليس بعيدا أن نصنع اللبن قريبا بالتأليف الكيماوي، كما نصنع الفيتامينات ~~جميعها تقريبا. # ولكن لنترك هذا الخيال المستقبلي ولنقبض على حقائق الحاضر، وأهمها، وأعظمها شأنا، أن ~~نستورد الأبقار الجيرزية ونستولدها ونهجنها حتى يتوافر لنا اللبن غذاء ودواء. # الفصل الثالث والتسعون # | الصناعة ... الصناعة # في ظروف العالم الحاضرة، وفي التطورات الاقتصادية التي تنمو وتتفشى، يجب أن نعد المصنع ~~مقدسا من مقادس الأمة، ويجب أن نضع رجالنا القائمين بالصناعة ms93 في أعلى المراتب الاجتماعية، ~~ويجب أن نجعل افتتاح المصنع ميسرا أقصى التيسير. # المصنع نفسه مدرسة؛ لأنه لا يعمل إلا بقواعد العلوم العصرية، ونحن نحتاج إلى هذه ~~العلوم. # والمصنع أيضا وسيلة للثراء. # والمصنع وسيلة إلى القوة؛ لأنه هو الذي يصنع لنا الأسلحة والذخائر، والعالم في اضطرابه ~~الحاضر يضطر إلى صنع الأسلحة والذخائر. # ولهذا كله يجب ألا ترهق المصانع بشروط تجعل إقامتها شاقة، ويجب ألا نرهق الصناعيين بضرائب ~~تغل من إقدامهم وتثبط عزائمهم، أو تنقص مقدار الأموال التي يجب أن تتراكم، وأن تطفو في ~~الأسواق المالية حتى تبعث على التوسع الصناعي والنشاط الاقتصادي. # ولست بذلك أنكر حاجة الحكومة إلى الضرائب، ولكن يجب أن تكون هناك سياسة عامة في فرضها ~~وتقديرها، بحيث يؤدي هذا الفرض والتقدير إلى هدف نبصر به من الآن ونستطيع وتحقيقه بعد ~~سنوات. # وخير لنا من أن نفرض الضرائب على الأرض الزراعية، وأن نزيد ضريبتها، بدلا من أن نزيد ~~الضرائب على المصانع، ذلك لأن حضارة الأمة وأمنها، ورفاهيتها، وسلامتها من العدوان الخارجي ~~كل هذا يتطلب بعث الصناعات الكبرى المتعددة ودعمها، وهي إلى الآن لا تزال مبتدئة تحبو، ~~وتحتاج إلى من يسندها، أما الزراعة فثابتة لا خوف عليها. # وتطورنا الحاضر لهذا السبب يقتضي استغلال أموالنا في الصناعة أكثر مما يقتضي استغلالها في ~~الأرض والزراعة، أجل، يجب ألا تكون الأرض مقبرة لأموالنا. # بل حتى الريف المصري، يجب أن يستصنع بالصناعات الصغيرة الآن، ثم بالصناعات الكبيرة في ~~المستقبل. # لقد سبق أن قيلت كلمة كافرة أذيعت في مصر كثيرا، هي أن «بلادنا زراعية»، ولكن اتضح الكذب ~~في هذه الكلمة حتى لم نعد نؤمن بها، ثم جاء اكتشاف البترول منبها لنا؛ لأنه الوقود الذي ~~سنبني به صناعاتنا إلى جنب القوة الكهربائية من خزان أسوان. # ولن تتفشى الصناعات إلا إذا كان الإغراء كبيرا للمقدمين عليها، بحيث يحسون أنهم سيربحون ~~منها أكثر مما يربحون من الزراعة، ولهذا يجب ألا يرهقوا بالضرائب. # الفصل الرابع والتسعون # | هذه الغوغاء من الصحف # هناك صناعة مليئة بالشرف، حافلة بالإقدام، يجب علينا نحن ms94 الصحفيين أن نتأمل منطقها ~~وأخلاقها، ونعنى بها صناعة الطب، فإن فيها عبرة كبيرة لنا. # فإنه ليس ثمت شك أن الطبيب يزداد كسبا إذا ازدادت الأمراض، ولكن الأطباء لا يفشون ~~الأمراض، بل يكافحونها، ويجدون لتعميم الصحة، وهذا مع أنهم يعرفون أنه لو عمت الصحة جميع ~~السكان لما كسبوا وارتزقوا. # والمتأمل للسنين الأربعين أو الخمسين الماضية يتعجب من هذا الإقدام في مكافحة المرض، كما ~~يتعجب من هذا الشرف الطبي الذي يحمل الأطباء على أن يبحثوا عن العلاجات الجديدة، ليس لشفاء ~~الأمراض، بل لمحوها، وقد أوشك عدد كبير منها أن ينمحي. # قبل أربعين سنة كنا نرى في مصر منظرين كريهين، أحدهما ذلك الوجه المنقر بندوب الجدري، ~~والثاني ذاك الوجه الذي بتر أنفه بالسفلس، وقد زال هذان المنظران من مدننا وريفنا؛ لأن لقاح ~~الجدري قد كشف العدوى، كما أن السلفرسان، ثم البنسلين، قد جعلا السفلس قريب الشفاء خفيف ~~الوقع. # ولم يعد الأطباء يكسبون بعلاج الجدري بتاتا، كما أن كسبهم من علاج السفلس قد لا يبلغ ~~الآن جزء من مئة مما كانوا يكسبون منه قبل خمسين سنة، ولكنهم مع ذلك لم يتراجعوا عن البحث ~~والدرس حتى اهتدوا إلى علاجهما وكبحهما. # هذا هو الشرف، شرف الصناعة الطبية التي لا يبالي الأطباء أن يعمموا الصحة بها ولو كان في ~~ذلك نقص لأرزاقهم. # وإلى جانب هذا الشرف نجد إقداما ساميا، حين يقتحم الطبيب غرفة المحموم الذي تنتقل عدواه ~~بالذبابة، أو حين يقتحم مناطق الوباء الفاتك كما رأينا في وباء الكوليرا الأخير. # إني لا أذكر الطب إلا وأحس بهذا الشرف وهذا الإقدام. # ولكني حين أنتقل من الطب إلى الصحافة أحس هوانا، فإن هذه الغوغاء من الصحف تتوسل بكل ~~وسيلة وضيعة إلى الوصول إلى القارئ، لا يبالي كتابها ومخرجوها أن يؤذوا الجمهور في ~~نفسه وعقله ومستقبله وشرفه، فإذا ناقشناهم في هذا قالوا: إنهم يريدون الكسب، الصحافة ~~تجارة. # ولم يقل أحد: إن الكسب يعيب الصحف أو التاجر، ولكن الذي يعيبهما هو غش السلعة أو الإغراء ~~بالخسائس. # ولو أن الطبيب كان يقول ms95 مثل هذا القول لكان عليه أن يحول دون تعميم الثقافة الطبية، ~~واختراع الأدوية الجديدة التي تكبح الأوبئة أو تنقص مدة العلاج. # إننا نسلم بأن الصحافة تجارة، في ناحية ما، ولكنها أيضا رسالة، والصحفي معلم قبل كل شيء، ~~وعليه لذلك أن يقتحم المشكلات حتى ولو تعرض للخطر، شأنه في ذلك شأن الطبيب. # الفصل الخامس والتسعون # | في الأسلوب # يسألني أحيانا كاتب ناشئ عما يجب أن يعمل لتحسين أسلوبه، وإجابتي عن هذا السؤال هي على ~~الدوام: السبيل إلى تحسين أسلوبك هو تحسين أخلاقك. # ذلك أن أسلوب الكاتب ينساق مع أخلاقه، فأسلوبنا في المشي والكلام والكتابة والهندام واحد ~~لا يتجزأ، وهو في النهاية المظهر العام لأخلاقنا التي بثت منذ الطفولة، والتي اكتسبناها ~~بالاختبارات والاختلاط الاجتماعي، بل قد يكون أسلوبنا ثمرة لأحد المركبات السيئة أو الحسنة ~~في النفس، ولذلك قيل: إن الأسلوب هو الرجل؛ أي: هو الشخصية. # فالرجل الصريح الذي يبدو في حديثه مباشرا هادفا غير ملتو، لا يسار ولا يهمس، هذا الرجل ~~تجد له أخلاقا أخرى تستقيم وتتناسق مع هذه الصراحة في أسلوبه الكتابي، فإن الجملة الأولى ~~من الموضوع تنبئ عن صراحته، وقد تصل صراحته إلى سذاجة بعيدة عن الفن، أو قد ترتفع إلى ~~بساطة سامية في الفن. # وقد يقف القارئ هنا عند هذه العبارة: «بساطة سامية في الفن»، ذلك لأننا قد نشأنا على أن ~~نفهم أن الفن هو العمل المتكلف، والزخارف البهارج من مجازات واستعارات، ونحو ذلك، هنا احتاج ~~إلى مقارنة، فإننا إذا كنا نصنع آنيتنا من الفخار فإننا نحتاج إلى زخرفتها، ولكن إذا كانت ~~هذه الآنية من الذهب أو الفضة فإنها تبدو لنا جميلة مسحاء، تضيء بصميم معدنها الثمين الذي ~~هو غاية في الجمال، ساذجة بلا زخرفة. # وهكذا شأن الأسلوب في الكتاب، فإننا نقرأ كلمات غاندي أو تولستوي فنجد السذاجة السامية؛ ~~لأنهما ينطقان عن نبع صاف من العواطف الإنسانية النبيلة؛ أي: أنهما يقدمان لنا آنية من ~~الذهب والفضة لا تحتاج إلى زخارف. # أسلوب غاندي هو أخلاقه، هو شخصيته، وأسلوب تشرشل هو أخلاقه، ms96 وشخصيته، وتربيته مدى سبعين ~~سنة في جو الاستعمار البريطاني، أسلوب عدواني نعجب ببطولته، ونتأمل زخارفه المجازية، التي ~~يحاول أن يرتفع بها على الحقائق المؤلمة التي يرويها، ولو أن غاندي أو تولستوي هما اللذان ~~كانا يرويان هذه الحقائق لكان لهما أسلوب آخر كله سذاجة، ولكنه بهذه السذاجة نفسها كان يثير ~~في أنفسنا الألم والحسرة والغصة. # وقد كان صمويل بطلر يقول: إن أسلوب الكاتب يجب أن يكون مثل لباسه، لا يلفت نظر المارة ~~إليه بألوانه الزاعقة أو حواشيه المستفيضة. # ولو سئلت عن الأسلوب الأمثل لقلت: إنه هو الذي يجب أن يكون عاريا صريحا، ولكن معنى هذا ~~أن أخلاقنا يجب أن تكون عارية صريحة، غير أن الجمهور لن يطيق هذا العري إلا إذا كان جميلا ~~مثل المعدن الثمين الساذج. # الفصل السادس والتسعون # | الامتحانات الصينية # قبل أن تعلن الجمهورية الصينية في 1911 كانت الامتحانات في الصين مضرب المثل في الصرامة ~~والقسوة، وكثيرا ما كان يحدث أن يعمد الطالب وهو محبوس في زنزانته إلى الانتحار، أو يهب ~~مجنونا فيمزق أوراقه ويضرب ممتحنيه؛ إذ كان يجد نفسه، بعد إرهاق السنين الطوال في الدراسة، ~~عاجزا عن الإجابة فيختل اتزانه وينفجر. # وقد حدث في 1882 أن هذا الجنون انتقل من الطلبة إلى المشرف الأكبر على الامتحانات، فشرع ~~يهذي ويخبط بيديه وقدميه حتى اضطر مرءوسوه إلى القبض عليه وربطه بالحبال. # وكانت الصين في ذلك الوقت أمة قديمة قد تشبعت بتعاليم كونفوشيوس، فإن هذا الرجل جعل ~~القواعد الاجتماعية شعائر دينية، فهو يعين للشاب كيف يجب أن يقعد أمام أبيه أو عمه، كما ~~يعين للمرأة أوقات خروجها، أو الأسلوب الذي تتحدث به أمام حماتها، أو الإيماءات التي تشير ~~بها عندما يحدثها حموها. # قواعد السلوك البسيطة هذه، والتي تتغير بسهولة في أية أمة متطورة، قد استطاع كونفشيوس أن ~~يجعلها تقاليد متحجرة يجب أن تتغير، وقد تجمد المجتمع الصيني تجمدا حجريا إلى 1911، ثم ~~انهار فجأة، وهو لا يزال كذلك إلى الآن (1948) لم يتماسك. # وكان روح المحافظة الذي بعثه كونفوشيوس قد أصبح المزاج العام ms97 للحكومة والأمة، وأصبحت ~~الامتحانات العامة تجري وفق هذا الروح أو هذا المزاج؛ إذ هي لم تكن تتجاوز دراسة التاريخ ~~القديم، واللغة والخط، وقواعد الحكماء من أمثال كونفوشيوس، وكان بعض الطلبة يقضون العمر ~~كله، ويبلغون السبعين أو الثمانين، وهم لا يزالون يطلبون هذا «العلم» الشاق، ولم تكن ~~الوظائف العامة تمنح إلا للناجحين في هذه الامتحانات التي لم تكن تزيد على أن تكون «معارف» ~~لا تمت إلى الحقائق بشيء، فلما أهل القرن العشرون وجد الصين لا تزال في القرن ~~العاشر. # وقد خطرت لنا هذه الخواطر؛ لأن امتحانات المدارس والجامعة قد اقتربت، وأخذت التوترات ~~النفسية تبدي علاماتها على وجوه الطلبة. # ولذلك نرجو أن يذكر الممتحنون أن المعارف ليست كلها حقائق؛ إذ إن نصفها، أو أكثر أو أقل، ~~قد يكون من نوع المعارف العقيمة التي كان يستظهرها الطلبة الصينيون في التاريخ واللغة ~~والنحو والبلاغة والأدب. # ونحب أن نذكر امتحانا آخر تقوم به الحكومة الإنجليزية للمتقدمين في طلب الوظائف ~~الحكومية، ذلك أنها تحبسهم ثلاثة أيام تحت إشراف الممتحنين، ولكن ليس للوقوف على درجة ~~معارفهم ووفرتها، وإنما للوقوف على شخصياتهم، ذلك لأن شخصية الموظف العام أكبر قيمة من ~~معارفه. # فليذكر هذا ممتحنونا، وليذكر هذا موظفونا. # الفصل السابع والتسعون # | في القطب الجنوبي # يمكن أن يوصف القطب الجنوبي بأنه جهنم الباردة، فإن جبال الثلج تكسوه على مدى العام كله ~~تقريبا إلا في بعض الشهور، حين يذوب الثلج على الأرض التي تقع إلى السواحل أو تقترب ~~منها. # وزيادة على هذا البرد المثلج تكتسح القطب الجنوبي في بعض الأحيان عواصف قد تبلغ سرعتها ~~مئة ميل في الساعة، بحيث إن الإنسان الذي يعترض الريح وهو واقف على الثلج يحس الدفء، بل ~~الحر؛ لأن الريح تحتك به بعنف وسرعة، فتحدث الحرارة من الاحتكاك. # وقد زار الأميرال بيرد الأمريكي هذا القطب الجنوي مرتين، إحداهما في 1928 والثانية في ~~1934، وتوغل في صحاريه الثلجية، وقضى فيها خمسة شهور، بعد أن بنى عشة من الخشب تقيه من ~~البرد والريح، وقضى هذه المدة وهو وحده، ولم يكن ms98 حوله إلى مسافة مئة ميل إنسان أو حيوان، ~~وكان البرد من القسوة بحيث إنه كان يسمع أنفاسه وهي خارجة من أنفه أو فمه، حين تتجمد ~~وتتبلور عندما تمس الهواء؛ إذ كان لها شخشخة عقب صدورها منه، وكانت هذه الشهور الخمسة ~~ظلاما حالكا في الليل، وغبشة كأنها ضباب دكن في النهار، وقد وصف حياته في هذه الأيام في ~~كتابه «في وحدتي» وأوضح فيه كيف استطاع أن يتوقى الجنون. # أما كيف استطاع ذلك؛ أي: كيف استطاع أن يبقى سليم العقل في خمسة شهور من الظلام، وهو وحده ~~بين الثلوج، فيتلخص في أنه كان يملأ فراغه طوال النهار الأغبش بالعمل، يرصد الجو، ويسجل ~~التغيرات، ويجرف الثلوج التي تتراكم عليه وتوشك أن تدفن عشته، وهو يقول هنا: «لقد كان عجبا ~~حقا أن أنفق وقتي بهذه الطريقة، وقد أحسست بعملي هذا أني أملك زمام نفسي.». # وهذا الذي ذكرناه عن بيرد ينطبق علينا جميعا، ففي حياة كل منا فترات نحس فيها كأننا ~~نجتاز مرحلة نفسية تشبه ظلام القطب الجنوبي وبرودته، حين تغم علينا الهموم وتشملنا المخاوف ~~والشكوك، ولكن إذا كنا نعيش الحياة الهادية، لنا غاية نسعى إلى تحقيقها، ولنا عمل يملأ ~~فراغنا، فإن هذه الهموم والمخاوف والشكوك تنقشع، ونحس عندئذ أننا نملك زمام نفوسنا مثل ~~بيرد. ms99