######OpenITI# #META# URI: 1378CabbasHafiz.AlwanMinHubb.Hindawi31630496 #META# Tags: literature #META# ID: 31630496 #META# Title: ألوان من الحب #META# AuthorID: 74930641 #META# Author: عباس حافظ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # أوان الحب‏ # قسوة الحب‏ # رهان على الحب‏ # الفتاة التي تصنع الرجال‏ # معنى الحب‏ # ما الذي يقتل الحب؟‏ # حب بلا نسل‏ # زحام على قبر‏ # هتاف الأمومة‏ # زوج طاغية‏ # أوان الحب‏ # قسوة الحب‏ # رهان على الحب‏ # الفتاة التي تصنع الرجال‏ # معنى الحب‏ # ما الذي يقتل الحب؟‏ # حب بلا نسل‏ # زحام على قبر‏ # هتاف الأمومة‏ # زوج طاغية‏ # | ألوان من الحب # | ألوان من الحب # تأليف # عباس حافظ # | مقدمة # بقلم عباس حافظ # في هذه القطع العشر، ألوان نضر، وظلال سود وخضر من أرفع العواطف وأسماها، وأشرف الدوافع ~~وأقواها، وهو الحب، خليقة المصور البديع الباري، ويد اللطيف الخبير، الذي سوى الإنسان و ~~عدله، في أي صورة ما شاء ركبه، وجعل الحب في الحيوان أشد غرائزه، وأحاله في الإنسان ~~أكبر تمييزه، لأنه الغريزة مع لطف الحس، وتهذيب الحضارة وجمال اللون والشارة، ووحي الفكر، ~~وإلهام الضمير. # الحب هو غذاء القلب، ومادة الروح، وجوهر الكون، ومحرك الدنيا والرابط بينها وبين ~~الآخرة. # الله فيه يتجلى، والإنسان به يسمو، والعالم على هداه يسير. # وهذه ألوان مختلفة منه، كل منها طبيعي لأنه في الفطرة، وكل ظل من ظلاله جميل لأنه فيء ~~الدوحة البشرية التي منها نبتنا وعلى أفنانها تنقلنا، ومنها ثمراتنا على الدهر وأزهارنا في ~~مواسم الحياة وحقول الزمان ومسيرة السنين. # ومن يؤمن بالحب فهو بالله مؤمن، ومن يكفر به فقد كفر بنعمة الحياة التي جعلته شركة سواء ~~بين الحيوان والإنسان. # | أوان الحب # الحب ...! # لقد قضيت الحياة كلها أحلم به وأتلهف عليه وأتوق إلى مطالعه، ولو أنه جاءني بادرا لما ~~وجدني خافة للقائه، ولقد كنت على طول الحنين إليه لا أرى من زماني فسحة للبحث عنه، ولكنه ~~لم يجئ باكرا، وإنما طال عليه الغياب، ثم أقبل يدلف ويمشي وئيدا على أدبار الشباب ~~... # ولكنك لن تجد في قصة هذا الحب شيئا يروقك أو يوقد بعض ناره في جوانحك؛ لأنه حب بدأ على ~~ثنية الكهولة، ولم يبد على بواكر الشباب وسطع الحداثة، إذ تروح النفس مترعة بأحلامه، ولا ~~يزال الخاطر مصقول الأديم متهيئا لاستقباله ms01 . # إي والله لم أجد من زماني فسحة للحب، ولكن الذي صرفني عنه وعدل بي عن واديه، لم يكن غير ~~واجب الرعاية لأختي الصغيرة «ج ...»، فقد قضت أمنا يوم كانت أختي في العاشرة وأنا في ~~السادسة عشرة، فكانت رعايتي لتلك الصغيرة ومساعدتي لأمي المسكينة، التي لم تستطع نهوضا من ~~الصدمة التي عاجلتها بوفاة أبي، قد تركتاني أكبر قبل الأوان. # وكان أبي أبدا يناديني: «يا عوني الصغير»، فكنت أزهى بهذه الكنية، وآتيه فخارا بهذا ~~الاسم، وأجد فيه الفرح والخيلاء. # وكنت أقرب شبها بأبي مني بأمي، فقد ورثت عنه عينيه السوداوتين الهادئتين، اللتين توحيان ~~من الأعماق قوة الإرادة وحب الريف والميل إلى القرية. # وكان أبي رئيسا للحطابين الذين يعملون في أرباض قريتنا، وكانت أمي مخلوقة ناعمة ... صنع ~~الله لها، تلك الأم الغريرة الضعيفة الحول، الواهية الإرادة، لا تسأل شيئا ولا تسأل عن ~~شيء، وكانت الصغيرة «ج ...» أقرب شبها بها. وكانت أمي من أهل الحضر، ولدت ودرجت وقضت ~~مطالع شبابها في المدينة، فلم تكن تروقها عيشة القرى، ولم يفتنها مشهد الحقول، ولم تستروح ~~نفسها لأفق الريف. # وفي ذلك العهد لقيت أبي، فكأنما التقت قوة السروة الباسقة الصلبة المتينة بطراوة أنفاس ~~الربيع اللين العليل، وكان أبي يناديها «بأنفاس السماء» لنعومة بدنها، ونصاعة محياها، ومسة ~~من لون الذهب الأصفر الناضر تزين جدائلها المرسلة، وذلك العبق الخفيف الخفي المذهل الساحر ~~الذي يدع الناس ينادون زهرة الربيع بأنفاس السماء وشذاها. # وكذلك كانت في عين أبي وعيني، ولكنها لم تكن زهرة من زهرات البر، فلم تأخذ في النمو حيث ~~مضى بها أبي إلى الريف الفقير الساكن، بل عاجلها الذبول فنكست - فعل الزهرة الذاوية - ~~رأسها، وعادت أشبه الأشياء بشجرة اللبلاب تتعلق بالسروة الناهضة في صميم الفضاء. # ففي ذات يوم والشمس تتزاور بادية من خلف السروات الناحلات المديدات. إذ ارتفع في السماء ~~فبدد الصمت الرهيب صوت عظيم تهلع له النفوس، وتنهد القلوب هدا، صوت قصف توالى ينذر ~~بوقوع حادث في أكناف الغاب، وأخذ الناس يهرعون على الصوت من كل مكان، ويلتمسون ms02 الطبيب، ~~ويطلبون للمصاب الغياث ... # ولكن ترى من يكون هو، لقد مضت كل ذات بعل وذات ولد تسأل وهي شاحبة اللون واجفة الفؤاد: ~~من هو؟ وما الخطب الذي دهمه؟ ووقفن لاهفات جازعات ينتظرن النبأ، ويرتقبن قصة المصاب. # وجاء فتى من الحطابين يعدو، فقال: إن الرفقة قادمون بأبي ... وا حزناه ... لقد رأيت أمي ... أمي ~~المسكينة، الحلوة، الضعيفة، الواهية، تتواثب من فرط الألم، وتتساند من فداحة الكارثة، وأما ~~أختي فأخذت تتصايح وتبكي بدافع الغريزة، وهي لا تدري علام البكاء وما مبلغ المأساة وجلال ~~الخطب، وإنما تبكي لبكاء أمها، وتجاوب بالدمع دمعها، وأنا، الله لي ... لقد استقرت على وجهي ~~عيناه السوداوتان، وشفتاه الملتهبتان وهما تبتردان رويدا وتصفران على مهل، وهو يحاول أن ~~يبعث من صدره أنفاسه المتحشرجة الخافتة الراجفة، نعم، أنا عونه الصغير، وسناده الأكبر. وفي ~~رفق يمازحه إصرار، راحت جارة لنا تفك يدي أمي المشتبكتين حول صدره، وتمشي بها وطفلتها ~~منصرفة بهما من الحجرة، وجثوت أنا بجانب أبي، ومضيت أقول بصوت مختنق: إنك لن تتركنا يا أبي ~~... وحاول هو أن يرفع يده ليلاعب جدائل شعري ملاعبة ألفتها منه ولطالما فرحت بها ولذني لطفها ~~ورفقها، فتراخت يده ولم تستقم؛ إذ سقطت كتلة عظيمة من الخشب فوق صدره فحطمت أضالعه، وتركت ~~يديه مرتخيتين واهيتين متساقطتين إلى جنبيه. # وانحنيت وذهبت أنصت إلى الكلمات التي راحت تخرج من بين شفتيه المختلجتين متقطعة لاهثة لا ~~تكاد تبين. # قال لقد رقيت مركزا أسمى من مركزي أيتها الصاحبة الصغيرة والولية الحسناء ... نعم، أنا ~~تاركك لنفسك، ومعتزل في هذه الحياة عملي. يا عوني الصغير، أنت الآن عوني الأكبر ... لديك أمك ~~الصغيرة، «أنفاس السماء»، ولديك أختك الغريرة الحسناء، ألست ناهضة في العيش بجانبها، آخذة ~~بيديهما، يا حبيبة أبيك وخليفته في عشيرته ...!؟ # فأطرقت إطراقة الإيجاب؛ إذ عصاني منطقي فلم أجد لساني على الجواب مسعفا، ورأيت بياضا ~~يغشى فمه شيئا فشيئا ثم يتصاعد إلى خديه، ويكاد يبلغ عينيه، فانحنيت أداني وجهه وأمس بخدي ~~فمه، فإذا بذلك الفم قد سكن وانقطع اختلاج الشفتين واسترد ملك ms03 الموت من الأرض وديعة ~~السماء. # طار لبي، وغام السحاب على خاطري وعيني، ورفعت رأسي ونظرت إلى عينيه الجامدتين، فأفلتت من ~~بين شفتي أنة مجنونة موحشة، وإذا بيدين رقيقتين - لكن قويتين - قد رفعتاني من مجثمي وسمعت ~~صوت الطبيب يناديني قائلا: شجاعة أيتها المرأة الصغيرة وتجلدا لأجل أمك؛ فإنها أحوج ما ~~تكون اليوم إلى عونك. # وعند ذلك ارتفعت ورائي صيحة كظيمة متهيبة تقطع نياط القلوب، فدرت بعيني فرأيت شبح أمي ~~الناحل المترنح حيالي، وعيناها الأليمتان ترسلان نظرات لهيفة متوسلة، كأنما هي تحاول أن ~~تدرك مبلغ المصاب وتتساءل ما معنى الخطب وما أمره، وشفتاها تهتزان في حركة تهد الفؤاد، ~~ويداها الصغيرتان البضتان تصعدان وتهبطان وقد جاءت فترامت على صدري وتعلقت بثوبي ونحري، ~~ومن فوق بدنها الواهي الناحل ألقيت العين على أبي ... أبي وابتسامته الباسلة الحائرة التي لا ~~تزال على وجهه، وفي لهجة رهيبة ومنطق جليل رزين غمغمت أقول معطية عهدي، مقدمة أمام جثمانه ~~الهامد موثقي: «سأتولى مكانك يا أبت ... سأتولى مكانك، فنم بسلام». # ولما قضينا للميت الراحل حقوقه، خففت أنا وأمي وأختي من القرية إلى المدينة العامرة ~~المخيفة بضجيجها وزحامها، ولكن فتنة الحضر لم تستطع أن تمنع شجرة اللبلاب المتعلقة بجزع ~~السروة الصلبة المتينة من التشبث بسنادها، فما انقضى عام حتى وافت أمي الصغيرة أبي إلى مرقد ~~الآخرة، وضجعت بجانبه تحت أطباق الثرى. # وما بقي من مكافأة أبي استعنت به بعد رحيل أمي على شراء حانوت صغير على القارعة لبيع ~~الفاكهة. ~~••• # ومرت بي ثمانية أعوام طوال عنيفة جاهدة، دأبت فيها على الخدمة في الحانوت، وبرعت في ~~استهواء زبائني، واكتسبت خبرة برغباتهم، فاستطعت أن أجعل الصبية «ج» الحسناء رافلة أبدا في ~~المطارف الناعمة، تزيدها حسنا، وتكسبها تفتحا وازدهارا. # وفي المساء، إذا لم يكن حفل ولا خروج إلى النزهة، اعتدت أن أكب في البيت على الخيط ~~والإبرة، أحيك في معزل ثوبا جديدا لأختي تريده للظهور غانية حالية في محفل منتظر أو وليمة ~~وشيكة. ومن خلال الظلال لا ألبث أن أرى عينين ناعمتين براقتين مصقولتين تطالعانني ms04 ضاحكتين ~~متهللتين، وهما مترعتان مراحا بالحب، واسترواحا إلى الصبابة، وقد تحقق أمل الشباب، وصحت ~~في الصبا الأحلام. # وكان حبيبها فتى ممتشق القد مكتمل العضل، ذا فم حلو ومعارف عليها من الصباحة آيات بينات. ~~وفيما كانت تلك الإنسانة الصغيرة الخيالية البديعة تذوب متلاشية في تلك الأحضان القوية ~~الرقيقة المفتولة، كنت أذهب أسائل النفس في حسرات: لماذا لم تقدر لي السعادة، ولم قد ~~حرمت ذلك الهناء ...؟ # وأذكر ليلة دعاني فيها شاب مليح إلى الذهاب معه إلى العشاء في مطعم فخم والانطلاق بعد ~~نعمة المائدة إلى الملهى، فخفق فؤادي سرورا وطربا لتخيل قضاء بضع ساعات في رفقة ذلك ~~الأغيد المليح، ولكني تذكرت أن أختي ستذهب في تلك الليلة بالذات إلى مرقص بديع، ولم أتم بعد ~~ثوب زينتها، فاستعفيت ولم أقبل المقترح. وكان هذا آخر العهد بيني وبين ذلك الفتى. # وجاء اليوم الذي كاشفتني أختي الطفلة الغريرة اللدنة الناعمة كأمها بعزمها على القران، ~~ففي تلك الليلة أطلت الجلوس إلى المرآة فأدركت أنني مدانية حدود الكهولة، وأنني من فرط ~~حناني عليها ورعايتي تركت الحياة تمر بي مرا، حتى أصبحت ولم أعد غير فتاة عانس انمحت مسحة ~~جمالها فغدت خلية من سمات الحسن ومعالم الحداثة. # واها لي، وحسرة على الشباب، لقد كنت أحلم بالحب ولا أزال به حالمة، فيأسا أيتها ~~المسكينة وهيهات؛ فإن الحب لم يخلق لمثلك، وإنما أنت عون أبيك وخليفته في عشيرته ... ~~••• # وكذلك لبثت عشرين سنة بجانب «ج» أرعى لها بيتها وهي متعلقة بي كما كانت أمنا تتعلق ~~بأبينا، وكانت هي تقول إنها لا تستطيع العيش مستغنية عن عوني، فظللت في عونها، وكانت - وا ~~حسرتاه عليها - لا تزال في ربق الشباب عندما عاجلها الموت فذهبت للقاء أمها وأبيها، وكان ~~زوجها يحبها ويعجب بها، ولكن قبل أن تتفتح أكمام الزهر والأعواد التي زرعناها حول قبرها، ~~وكانت تلك الأزاهر أحب شيء إلى نفسها، جاء زوجها إلى البيت بزوج أخرى، ولم تكن هذه تحتاج ~~إلى سناد تترامى عليه، وعماد تنهض فوقه، فلم ألبث أن أدركت أنه لم ms05 تعد بأحد حاجة إلى ~~بقائي. # لقد كنت من الحداثة ضرورية لا غناء لأبي عني، ولا لأمي من بعده، ولا للصغيرة «ج» التي ~~تركاها لرعايتي وعوني. فإذا بي على رأس الأربعين، وحيدة لا حاجة بأحد إلي، ولا مكان لي عند ~~أحد. # وجاءني يقول وهو متكره متردد: إنه قد أعد العدة لإيوائي إلى دار هادئة يعيش فيها نساء ~~مثلي لا يعملن عملا مجهدا، ولكن يجدن رفاهية ورعاية بقية آجالهن. # وأحسب أنه كان ينبغي لي أن أكون شاكرة لهذا الصنيع، ~~عارفة هذه المحمدة له. ولكن روحا من الثورة والتمرد تولتني؛ إذ أحسست أنني قد خدعت في ~~صفقة الحياة وغبنت، فلقد ظللت الماضي كله أعطي كل شيء ولا آخذ شيئا، أعطيت الشباب والآمال ~~والأحلام، وها أنا ذي اليوم لا أجزى عما وهبت غير العيش بقية الأجل بين جدران ملجأ ~~... # وا حزناه ... أنا التي لهفت على الحب وحلمت به، ودعوت إليه، قضى القدر أن أحتبس في دار ~~للعجزة ... واللائي أدبر العمر بهن ... # يا لله ... أدبر العمر بهن، ولكني لم أعد كذلك. # لقد كنت فتية أحس في الأضالع وقدة الشباب، وكيف تنطفئ نار تجد في كل يوم وقودها من اللهفة ~~على الحب وحرارة الأمل، والتوق إلى المنى البعيدة؟ # لقد ثارت نفسي متمردة تريدان تحتال آخر الحيل قبل أن تسكن إلى اليأس وتودع الأمل الوداع ~~الأخير. ~~••• # وأعلنت صحف المساء أن معرضا للملاهي والألعاب سيقام على ضفاف البحر تذكارا ليوم ~~مشهود، ومضت تطنب في وصف ضروب اللهو التي حشدت فيه. فما كدت أقرأ هذا النبأ حتى أجمعت ~~أمري على أن ألقي بآخر سهم في كنانتي على مرمى الحياة قبل أن أستسلم إلى دخول ذلك الملجأ ~~صاغرة، فعددت فضلة المال التي ادخرتها، فكانت يسيرة ولكنها تكفي لركوب القطار ودفع الأجر ~~ونفقة البيت. إذن لا بأس ... سأثب الوثبة الأخيرة ... سأعيش لنفسي يوما واحدا في العمر، يوما ~~بهيجا حافلا بمتع الحياة من لهو وقصف، وإذن لن يستطيع العيش في الملجأ أن يحرمني نعمة ~~ذكرى ذلك اليوم وصورته ...! # وذهبت إلى دولاب ثيابي ms06 فأخرجت أحسن حلله، وأبى شعري الفاحم إلا أن يلتوي ويسترسل فروعا ~~وخصالا متلطفة تلاعب جبيني وخدي، وراح خيال شبابي المستعاد وعيني السوداوتين يضحك لي في ~~المرآة عندما تناولت جعبتي الصغيرة ومشيت منصرفة لاقتناص ... الحب ...! # وأخذت الجماهير تتقاطر، وما لبث الخليج أن بدا حاشدا بالسابحين والسابحات في مختلف ~~الألوان، تسطع منهم الأذرع وتبرق السيقان. وارتفعت صيحات الفرح من شفاه ملتهبة بحرارة ~~الشباب، تختلط في الفضاء بأصوات الباعة من كل صنف ولون، وعادت الرمال البيضاء المترامية على ~~الضفاف حديقة مفراحا بهيجة تطالع العين منها المظلات البديعة والأثواب المهفهفة، وقوالب ~~الحسن التياه، والملاحة ذات الدل والخفر والخيلاء ... وظللت لحظة مستطيلة قانعة بالجلوس فوق ~~الرمال الدافئة وتأمل المارة ورؤية مشاهد الألعاب، ولكني ما لبثت أن درت بعيني فألفيت ~~الناس جماعات، مثنى وثلاث ورباع، كلهم بإلفه فرح، وبرفيقه طروب، أو بصاحبه في سرور ~~وابتهاج، ووجدتني في وسط هذا الجمع وحيدة من الخلان، لا رفيق إليه منتهى جذلي، ولا سمير ~~أضاحكه وأنعم في بهرة الحفل بسمره، فتولتني وحشة أليمة وظمأ إلى الرفقة ولهف على الصاحب ~~والخدين، ورحت أجيل العين في الوجوه لعلي ملاقية وجها أعرفه أو أسمع صوتا آلفه، فوجدتني ~~وحيدة غريبة لا شأن لها بالجمع، بل امرأة محت الأيام مسحة الجمال من معارف وجهها، يدفعها ~~الشباب المساميح الصباح الوجوه بالمناكب، ويمرون بها ولا ينظرون. وا حزناه! لقد كنت بعد كل ~~تلك السنين أحسبني مختلسة من العمر يوما واحدا ذا مراح وابتهاج، أعده ذكرى طيبة مواسية ~~لبقية الأجل أقضيها بين جدران ملجأ موحش أليم. # لك الله أيتها العانس المسكينة، ودعي الأمل، هيهات ما لك في هذه الحياة من نصيب، اذهبي ~~اطلبي إلى الوردة أن تغمض وإلى الزهرة أن تعود كما نواراكما كانت. ما أنت والحب، وما أنت ~~والمراح، أنت عون أبيك وسنده، ولكن أبي ... ها أنا قد عدت وحيدة وقد تركني الذين وصيتني بهم، ~~ولم يعد لصغيرتك من تعينه وترعاه، وذهب الأمل، وخبت وقدة اللهفة على الحب. ~~••• # واحتملني تيار الجمع الزاخر في طريقه، فما لبثت أن ms07 وجدتني في السرادق الرحيب الذي أقيم ~~في المعرض للعبة الأحصنة الخشبية، فانتبذت من القوم مكانا فجلست ملقية يدي في حجري وأسلمت ~~خاطري للتفكير. # ولست أدري كم لبثت في مجلسي، وإذا بيد قوية قد ألقيت فوق يدي، فتطلعت بوجهي فأبصرت وجها ~~وسيما تطل منه عينان زرقاوان تنظران إلى وجهي نظرة مستطيلة مفعمة حنانا وتأثرا. # قال صاحب ذلك الوجه بصوت ملتهف خفيض: ماذا بك يا سيدتي؟ فأثر في نفسي حنان صوته، فوجدتني ~~أقول وأنا خائرة النفس معذبة: إنني وحيدة. قال: وحيدة! ... وخطف على وجهه نور رحمة وشهاب حنان ~~غريب. # فقال: يا لك من مسكينة! ألا صديق؟ # فهززت رأسي هزة النفي ولم أتكلم. # فسكت لحظة ثم ابتسم قائلا: هل لك في ركبة معي فوق الأحصنة؟ فخفق فؤادي ونهضت واثبة وقد ~~عاودني الأمل. # ولما رجع بالتذكرتين لمحت على وجهه لهفة كأنها رجاء الفتى وضراعة أهل الشباب، وركبنا ~~مرتين ثم استعدنا الركوب مرات، ونحن ضاحكان مسروران. وفيما كان يعينني على النزول لمس كتفي ~~كتفه واستندت ذراعي إلى ذراعه، فإذا موجة من كهرباء قد سرت في مفاصلي فهزتني هزا. # وكان ذلك إحساسا جديدا لم أشعر من قبل بمثله. # وجلسنا فوق الرمال، وأكلنا شيئا من الحلوى، وكسبت في النصيب سلة من سلال البقل والخضر، ~~فما عتمت هذه السلة أن أعادت إلى خاطري ذكر أحلامي الماضية ولهفاتي على عيش الزواج وحياة ~~ربة الأسرة، ورأيت الحاضر، نعم هذا الحاضر الهنيء الرغيد ذاويا متلاشيا في المستقبل ~~الأليم، حفت جوانبه الوحشة، وقام على حفافيه عذاب. # وتناول هو السلة فعلقها بذراعه باسما وبذراعه الأخرى أمسك بذراعي، فقال: لنترك هذه ونذهب ~~نركب إلى طوفة طيبة فذلك نعيم كدنا ننساه. # قلت: أوثر أن نجلس جلستنا هذه لنشنف أسماعنا بصوت ~~الموسيقى إذا لم تر من ذلك بأسا، فسرت في تضاعيف صوته أنغام حنان ورنة لهف غريب، وهو ~~يقول: أمتعبة أنت؟ قلت: كلا، ولكني أرى أن نختم يومنا على الأغاريد، فذلك أبدع ما يختتم به ~~يوم كهذا ... # ولفنا الصمت في مجلسنا مليا. # وكان هو بالحديث البادئ ms08 . # قال: هلا أنبأتني أين مقامك؟ وفيم لقاؤك؟ حتى نتوافى إلى يوم آخر طيب كهذا جميل المبتدأ ~~حلو المختتم. # وا حسرتاه ... يوم آخر ... لقد نهضت في مخيلتي جدران الملجأ وأسواره الشاهقة، وكإنسان بلغ ~~أقصى نهاية العذاب، ثم لم يستطع عليه بعد ذلك صبرا. رحت بين عبرة مخنوقة، وزفرة كظيمة، أقص ~~عليه قصتي، فلما أتممتها امتدت ذراعه فطوقتني، وراح صوته في مثل حنان الأمومة يقول: واها ~~لك أيتها المسكينة! واها لك أيتها الصغيرة المحزونة! # وجثوت إلى جانب أبي. # فاستعدت يدي من إمساكته وحاولت الكلام بثبات، ولكني اختنقت بالعبرات فلم أستطع ~~صبرا. # قلت: والآن لا أمل! لقد ذهب الحلم الجميل، ولم يبق غير ذكرى هذه الساعات القليلة، تلك عدة ~~أيامي القادمة. # وعاد يتناول يدي الباردتين في يده الحارة المستعرة، وراح يقول في لهجة المتضرع المبتهل: ~~ما أحوجني إلى عونك يا عون أبيك وأهلك، إن لدي البيت الذي كنت به تحلمين، والأفق الذي كنت ~~عليه تلتهفين، أواه أيتها الصغيرة! ... أنت والله المرأة التي كنت الحياة كلها أتمناها، ~~وتهفو نفسي إليها، فهل تجدين في فؤادك لعامل دؤوب مثلي موضعا؟ وهل ترضين بي في الحياة ~~شريكا؟ # وشد يدي حتى كاد يؤلمني، ولكني لم أتألم ولم أحفل؛ فقد كانت تلك أولى ساعات الحب ~~ومطالعه. # لقد لقيت ضالتي المنشودة وفزت في قنص الحب، وصحت الأحلام بعد لأي ويأس. وما أبدع الحب ~~يجيء وئيدا ويقبل على مهل، فينعش موات الأمل، وينسي المرء ما كابد على الطريق وما ذهب من ~~مراحل الأجل. # طوبى للحب، إنه رحيم بديع وإن جاء بعد الأوان ... # | قسوة الحب # كنت زوجا وفية فاضلة، لم يخطر لها يوما أن تخون بعلها، ولا هي يوما خانته، وما أتيت ~~حياتي أمرا نكرا، ولا قرفت في العيش شرا فيعيبني المجتمع به، ولكني مع ذلك قتلت رجلا ~~... # ذلك ما نبأني به والد القتيل بعد أن عفا عني وصفح، فقد راح يقول إنه لهين على المرأة أن ~~تقتل كما هو بين عليها أن تهب الحياة ... # يا عجبا! ما كنت أعرف ذلك ولا ms09 عن لي من قبل، بل قد كنت أتدبر الأمر من ناحيتي الخاصة، ~~وأعمل على أن أدفع عني غائلة القانون. وما كنت أدري ما على المرأة التي تجد من الرجل الحب ~~من فرائض كبار، وتكاليف ثقال ... # وأنا اليوم أسند في حدود الأربعين، وكان زواجي منذ ستة عشر عاما، وزوجي راغد العيش، موفق ~~في الحياة، فنحن نسكن دارا جميلة في أرباض المدينة ولم نرزق ولدا، وقد مضت حياتي حتى ~~العام الفارط هادئة مألوفة، إلا فترات تتولاني خلالها السآمة، ويغمرني ألم الوحشة، فأجلس ~~أستعيد أحلام الشباب وأماني الصبا، أيام كانت النفس لاهفة على الحب تتمنى لو تصيب إعجابا ~~وحبا، ولست أدري علام رحت أتمنى شيئا كهذا ولم أعد الصبية الحدثة، ولا الفتاة الغر ~~اللعوب، ولا حق لي فيه اليوم ولا أنا من أهله، ولكنا كذلك نحن النساء، قد نجاوز حدود ~~الشباب، ثم لا تزال نفوسنا على الحب لاهفة، والعين لنعمته ولذاذته طلعة، وعسير علينا أن ~~نتخلى عن ذلك الأمل ونستدبر ذلك الرجاء. # ومنذ قراب عام، قبل عهد هذا الأمر الذي جرى والذي أنا به محدثتكم، جاءت نسوة من المدينة ~~في زورة لدارنا، وكنا جالسات نخيط ثيابا، وقد جئت بفضلة من حرير وردي اللون فقلت لصواحبي ~~شاكية آسفة: أحسبها لا تكفي لنصطنع منها غطاء لوسادة. فقالت صاحبة منهن: لم لا تصنعين ~~منها قميصا مقورا لا أكمام له يا عزيزتي؟ ... # قلت ضاحكة: يا عجبا! ... ألمثلي يصلح القميص المهفهف الوردي لا كم له؟ ... # فقال: نعم، وله حاشية من مخمل مذهب، فأنت مديدة القامة سمراء المعارف، وإنك لتترائين في ~~ريطة مهفهفة كهذه مليكة من الملكات البهيات الباهرات ... # قلت: ولمن ترين ألبسه؟ ومن ذا سيشهدني مترائية به؟ # قالت: لزوجك تلبسينه، وعلى عينه تخطرين به. # فضحكن من قولها فاكهات، فقد كنا نعلم أن أزواجنا لا يحسبوننا مليكات، ولا يروننا - وإن ~~تجملنا لهم ما تجملنا - البهيات الباهرات. # ولكني أمسكت بفضلة الحرير فالتففت بها، وكان اليوم مطيرا والحجرة معتمة، فما لبثت أن ~~أدركت على بصيص الضياء أنني رحت في لفة تلك ms10 الفضلة الوردية اللون رائعة حقا، وحسناء باهرة ~~ولا خفاء، ولقد كنت في صباي بدينة ممتلئة البدن، ولكني اليوم نحلت فأضحيت ممشوقة هيفاء، ~~واتسعت حدقتاي فرحت في العين نجلاء. # وانثنت صاحبتي تقول: في الحق ما رأيتك يوما تلوحين كما لحت الساعة رائعة حسناء، ألا ~~اصطنعي منها الغلالة الفضفاضة يا عزيزتي على بركة الله. # وكنت أعلم في نفسي أنني ما كنت لألبس شيئا كهذا غريبا بديع الرواء، فإن زوجي سيحسبني به ~~ممثلة من رخيصات الممثلات، ولكني مع ذلك استمعت إلى نصيحة صاحبتي فجعلت من تلك الفضلة ~~قميصا ولم أصطنع له الحاشية المذهبة إبقاء على حشمة هونا ما، وحرصا على شيء من ~~وقار. # وفيما كنا نهيئ ذلك القميص، أنا وصديقتي، راحت تقول: لقد سمعتك يوما تقولين إن لزوجك آلة ~~كاتبة قديمة العهد يضعها في غرفة مكتبه، فاسمعي إذن، إن لدينا غلاما قد انحدر من بلده ~~البعيد ليقيم عندنا، وهو يعد نفسه اليوم لدراسة علم التجارة، وقد قلت له إن في وسعه أن يجيء ~~في بعض الأحيان ليتدرب على الكاتبة عندكم ويمرن أنامله. # قلت: لا ضير من ذلك، فإن زوجي لا يعود في المساء في هذه الأيام من كثرة عمله وتراكم ~~شواغله. # قالت: إن الغلام فتى هادئ وديع عليه من الذكاء سمات ومخايل. ~~••• # وفي أصيل اليوم التالي جاء الغلام. # وكنت قد غسلت شعري قبل قدومه وجلست أجففه في قاعة الاستقبال، ولم أكن عقصت جدائلي بعد، ~~ولا قصصت من ذوائبي الغزار، فعل النساء في عصرنا هذا، وديدن الحسان البرزات، وإنما تركت ~~شعري مرسلا على سجية فروعه الوحفة، وضفائره المديدات. # وتلفت حولي أبحث عن ثوب أشتمل به ريثما تجف جدائلي، ونحن اليوم لا نقنع إلا بالطريف، ولا ~~يرضينا في كل يوم سوى الجديد القشيب، فتناولت الثوب المهفهف الشفاف الوردي اللون الذي ~~اصطنعته. # حقا لقد أصابت صديقتي فيما رأت! فقد تراءيت بذلك الثوب باهرة ساحرة الرواء، ورحت أمسك ~~في يدي بمروحة يابانية مذهبة الحواشي، وكان شعري قد جف وراع ... ودق الجرس ... # وذهبت ففتحت الباب وبدوت حيال الغلام ms11 ، وأخذ مشهدي عينه، فتراجع مبهوتا كأنما قد رأى شبح ~~حورية من بنات السماء. # قلت: أأنت ... طالب التجارة ...؟ # قال: أرجو أن لا أكون قد أزعجتك بمقدمي. # وخيل إلي أنه قد راح بي المأخوذ المبهوت. وظننت دهشته تلك بعض حياء الشباب، ولكن رعشة ~~شفتيه، دلتني على أن ما به قد تجاوز حدود الدهشة والاضطراب، فأخذته إلى حجرة زوجي ورتبت له ~~المنضدة كما يشاء. # وراح يقول: إن ذلك منك لجميل، وهو منك طيب وكريم. وكان الغلام فتان الطلعة، غريب ~~الملامح، في الربيع الثامن عشر، ناحل البدن أزرق العينين مثال الحياء، تطل من عينيه نظرات ~~حييات، وفورات شعرية ما أحسبني رأيت منها يوما في عيون الشباب! # وكانت عيناه الزرقاوان لا تطرقان النظر إلى وجهي. # قلت: أيروقك المكان؟ # قال: أحسبه كذلك ... # ووقفت أنظم صفوف الكتب والأوراق فسقطت إحدى جدائلي على ذراعي العارية، فاستقرت عينه عليها ~~لا تبرحها، ولم يكن أحد غير زوجي قد رآني وأنا بادية في غلالة شفافة كتلك، ولم أكن أحسب ~~أنها تثير ألباب الرجال. ولكني عندما أدركت مبلغ التأثير الذي أحدثه مشهدي مترائية بذلك ~~الثوب الرقيق الفضفاض، شعرت بشيء من فرح الأطفال، فاصطبغ وجهي بلون الأرجوان، ولم أتمالك ~~نفسي من أن أبتسم ابتسامة مفعمة بالرقة واللطف، وإن لم أخرج بها عن حدود الاحتشام. # وانثنيت أقول للغلام: أنا تاركتك لتشتغل، فإن أردت شيئا فتعال اسألنيه فإني جالسة في ~~حجرة الاستقبال. # ومضيت من الحجرة أرفل في ذلك الثوب النضير على عينيه، وكان أولى بي أن أذهب فأنضوه عني، ~~وأستعيض عنه ثوبا من الثياب التي أبتذلها في البيت، ولكني في الحق لم أفعل، وإنما عدت إلى ~~حجرة الاستقبال فوقفت حيال المرآة أشد من حواشيه وأهذب من ثنياته وتلافيفه وأهز فروعي حول ~~كتفي، ثم رحت أستلقي على المتكأ. # بالله! منذ كنت صبية غرا لم يقع لي مثل هذا الإحساس الغريب الذي جال بنفسي، وغمر لبي في ~~تلك الساعة، ذلك إحساس متدفق فياض طاغي المد، معتلج الأواذي، بل إحساس لا يكون إلا في ~~أقاصيص السحرة وبنات الجن ms12 ، إحساس تكتمه المرأة عن كل مخلوق ولا تصفه لأعز صاحب ~~وصديق. # وجلست أنصت إلى دقات مفاتيح الآلة الكاتبة، وأتمثل عيني ذلك الغلام الوسيم المقسم، فخلت ~~كأني أتعاطي أفاويق عقار مسكر مخدر كنت إليه مشوقة لاهفة. # وفيما أنا مسترسلة مع ذلك الحلم اللذيذ الساحر، إذ سمعت صوتا يقول: لا تتحركي ... فإذا ~~لهذا الصوت رنة صوت العابد القانت لا أحسب امرأة تحلم بمثله من حبيب جليل الحب مكتمل ~~الولاء. # وكنت أعلم أنه ينبغي لي أن أرد الغلام عما هو آخذ فيه، ولكني لم أكن في ماضي الحياة قد ~~سمعت من فم رجل من أهل الدنيا صوتا حلوا عذب الأغاريد! ... # ووقف الغلام يتأمل شعري الفاحم المرسل حولي، وينظر مليا إلى ثوبي المهفهف الشفاف لا ~~يكاد يستر بدني. # قال: أتأذنين لي أن أجيء وأكثر المجيء؟ ... # قلت: بلا ريب ... # قال: شكرا شكرا ... # وانصرف مسرعا لا يلوي على شيء ... ~~••• # وكذلك جعل يجيء بانتظام، وراحت صديقتي تحدثنا بأخباره، قالت: إن أباه شيخ كبير في بلد ~~صغير بسواد الريف، وقد نشأ الغلام وحيدا من الخلان في كل بلدة، وأحسبه تعثر في علة ~~فاستطالت العلة به عاما كاملا. # قلت: لا عجب إذا هو اليوم بدا ناحلا واهي البدن. # قالت: أظنه قد عوفي من زمان بعيد وابل، ولكنه في الحق غلام عجيب، بل دودة كتب، كثير ~~القراءة، مكب على العلم. وإن كان أهله يقولون إنه يقرأ كتبا لا يخلق بمثله أن يتناولها ... ~~حقا إنه لغلام حساس شفاف العاطفة. # قلت: إنه ينظم شعرا. # قالت: يا عجبا! أشاعر هو أيضا؟ ولم تكن صديقتي تعرف ذلك عنه. ولكنه في تلك الأصائل ~~الثلاثة التي قضاها يتدرب على الأداة الكاتبة عندنا لم يصنع شيئا سوى كتابة القصائد، وكانت ~~القصائد تكتب لي، فقد جعل يجيء إلي بها في خجلة وحياء، فكنا نجلس على المتكأ معا ويروح هو ~~ينشدنيها بنفسه، وكان مجلسنا أبدا هادئا في خلوة رقيقة على نسائم الأصيل إبان الربيع، ولم ~~أكن أجد رغبا في الخروج من البيت، ولا أرتقب زائرا يزور، ولم يكن علي ms13 عمل أؤديه حتى تحين ~~الخامسة فأنهض لتهيئة العشاء لزوجي قبل رجعته، ورحت أجد مسرة النفس في الخلوة إليه، ~~والاستماع إلى شعره وقصيده الحافل بوصف الجمال وشكاة الحب، ووقف عند بيت يصف فيه لمسة يد ~~المليكة الفاتنة فألقى يده على يدي ولم أكن طيلة الحياة بالإنسانة المجنونة العاطفة، ~~الخلابة الهوى، فأردت أن أظل على خلقي هذا وعهدي، فاجتذبت يدي في رفق منه، فتركها غير ملحاح ~~في إمساكته، ولكنه ظل يرنو إلى يدي بين فترة وأخرى، فعل الطفل الحزين السليب من شيء حلو كان ~~يطلبه فحيل دونه. # والتهب خدي في ذلك المساء عندما غادرني غلامي الجميل، ووقفت أتطلع إلى وجهي في المرآة ... ~~يالله من بريق عيني وسطع نظرتي. # في الحق ما شهدت لهما يوما ذلك البريق الساطع، ولا عجب إذ راح زوجي يقول عندما عاد في ~~ذلك المساء: أنت تلوحين مشرقة الليلة يا طفلتي العجوز! أكنت في السينما؟ # فابتسمت لنفسي ورحت أوازن بين مسرة رؤية مشاهد الصور المتحركة وبين خفة الفرح الذي أجده، ~~فتضاءلت تلك المسرة في عيني وعفتها بجانب هذه الرعدة المسكرة التي تسري مني في أنحاء ~~البدن. # وفي المرة التالية جلسنا نتحدث، فمضى هو يقص علي طرفا من حياته الموحشة القفر من الأنيس، ~~ويتكلم في الحب ويقول إنه ليراه شيئا غامضا جليلا، ورائعا بديعا، ذا دب إلى النفس ما ~~لبث أن غمرها من جميع نواحيها. # فابتسمت لوصفه ونبأته أنني بأحلام الحب عليمة. # فانفجر يقول لي: الله! لقد كنت أشعر بأنك ستدركين وتفهمين وأنت المرأة الأريبة الجميلة ~~البديعة الساحرة. # فكدت أضحك وجعلت أقول لصواحبي ما بي، وأكاشفهن بما وجدت، ولكني كدت أبكي أيضا ويهجم ~~الدمع في عيني، فقد نسيت أنني كنت بادي الرأي أحسبه غلاما مفتونا، وقد راقني أن أسمع ~~أحاديثه عن الإعجاب بي وعن الجمال وعن الحب، وكان الغلام مفعم الفم بهذه الكلمات الكبار ~~الجلائل، وفي كل مرة راح يقولها كنت أدرك من نظرات عينيه أنني أنا عنده المعنية بها. # وجعل يتناول يدي في يده، ولست أدري كيف رحت أتركها ms14 له وأصبر لها طويلا في يده، وكان يمسك ~~بها في شيء من سذاجة الطفولة، ثم لا يلبث أن ينظر نظرة الطفل المتغلب على دموعه إذا أنا ~~حاولت أن أقطع عليه فيض أحاسيسه بمحاولة اجتذابها منه. # ولقد كان والله يتعبدها تعبدا، وكنت أنثني أضحك، وتهتز نفسي اهتزازا إذا انتهت خلوتنا، ~~متخيلة أننا كنا في حلم، ومضى الحلم. # ولكني لم أنبئ زوجي بما جرى، فما كان بوسعي أن أقف فيض هذه اللذة الجديدة التي مضت عندي ~~أشبه شيء بعقار مخدر أدمنت تعاطيه وهيهات أن أكف عنه. # ومضيت أحدث النفس قائلة: لا ضير من ذلك ولا بأس ما دمت امرأة فاضلة ولن أعدو حد الفضيلة، ~~فليكن هذا إذن سري الدفين الجميل. # وفي الحق أي جذل رحت أجده في أن يكون لي عند نفس ساذجة حلوة حب بليغ وإعجاب عظيم ولا ~~يعلم الناس بأمرنا، فلقد صغرني هذا الخاطر عشر سنين وردني مفراحا طروبا هانئة، وجعلني ~~أبدو حسناء لأول مرة في الحياة! ... # وانثنيت أعمل بنصائح صديقتي فألبس المخمل والمهفهف والغلائل الشفافة وأطيل الوقوف للزينة ~~أمام المرآة، فعل الفتاة في مقتبل أيام الشباب، حتى بدوت في عين هذا الفتى الناشئ أشبه شيء ~~بالمليكات ... # وكان يقول وهو يتراجع خطوة ليتأملني وأنا خاطرة نحوه: يا مليكتي. # ثم يمضي فيجلس بجانبي جلسته الغريبة، نصفها طفولة ونصفها عبادة، وأحيانا يضع رأسه في ~~راحتي أو يسند جبينه إلى كفي وينشئ يحدثني بكل ما يجول في نفسه ويجري في خاطره وأنا سكرى ~~بنشوة الحب. # قال يوما في توسل ورجاء: دعيني أنادك باسمك فحسب. # فضحكت من فرط السرور بأن في الدنيا مخلوقا لا يزال يريد أن يناديني نداء الفتى ~~للفتاة. # فتناول يدي في رفق وتهيب العابد الخاشع وغمغم يقول: يا غادة الجمال! # وطبع قبلة على يدي، ومضى. # وكانت أناملي لا تزال راعشة، يتدفق الدم خلالها حارا ملتهبا عندما ذهبت لأهيئ لزوجي ~~طعام العشاء، ولكني لم أشأ أن أسترسل مع نزق الحب، وإنما قلت لنفسي لا بأس من قليل من لذة ~~بريئة عفة كتلك ms15 في جو حياة صامتة خرساء في ظل زوج لا يعرف ما الحب. # وما خطر لي أن أنظر إلى هذه العلاقة الجديدة من ناحية الغلام، أو أتدبر ماذا يكون منه إذا ~~منعته بعد أن شجعته. # وكان الغلام متلاشيا في حبه لي، وأثار هذا الخاطر في نفسي زهوا وأولد خيلاء، عرفانا ~~مني بأنني رحت عنده شغله الشاغل ليل نهار، وأنني مانعته الاسترسال معي ورادته عن التمادي، ~~وأنا على ذلك جد قديرة. وكانت تلك ولا ريب قسوة، ولا تحتاج المرأة في سني إلى شيء من ~~البراعة تحشده للتسلط على فؤاد غلام. # وجاء يوما يتوسل، قال: البسي القميص الوردي اليوم فأنت فيه أجمل وأبهى. # ففعلت وجئت به بادية! # قال: دعي فروعك مرسلة، يالله من شعر المرأة! إنه والله السحر المبين! # فجلست فوق المتكأ وجدائلي نائمة حولي، والغلام جاثم عند قدمي. # وراح يتناول شعري فرعا فرعا فيقبله عشرا ويتمسح به عشرا، ورفع وجهه إلى وجهي. # قلت: حذار! # قال: ألا تسمحين لي بقبلة من خدك أيتها الفاتنة، إنني على القبلة في لهف. # فألقيت يدي على كتفه في رفق أمنعه. # قال: أتمنعيني القبلة وأنا ... # فأدركت إذ ذاك أن إعلان الحب قد وقف على شفتيه ... فهل تراني مانعته عن المضي في ~~حبه؟ # نعم، ذلك ما خطر لي في تلك اللحظة، فلم أحفل بألم الغلام من ذلك، ولا بفجيعة نفسه. # قلت: سكوتا! لا ينبغي لك أن تتكلم. # فجعل يرعش ألما وهو يقول: أنا نازل على ما تشائين! أفطاردتي أنت من رحمتك؟ # وكنت أعلم أن ذلك كان أكبر واجبي، فقد هتفت بي الحكمة وناداني الضمير أن افعلي ولا ~~تترددي، ولكني كنت مثله راعشة راعدة أخشى أن أفقده فتذهب عني فرحة الإحساس بحبه لي وإعجابه ~~بي. # وعاد يقول وهو يقبل ذوائبي: أنت لا تريدين مني أن أذهب؟ # قلت: كلا! ولكن اكفف عن هذا. # قال: لتكن مشيئتك، فهل تبيحين لي جدائل شعرك أغمرها قبلا؟ # قال: إنني على القبلة في لهف! # قلت: نعم، لك هذا فحسب. # وكنت لا أزال راعشة النفس عندما ذهب ms16 ، فقد كدت أواقع المحظور، وأخترق السياج. # وظل يجيء تباعا، وفي كل يوم نتمادى قليلا، ففي المجلس تظل يدي أبدا في يده، وكان أكثر ~~مجلسه يهوي عليها تقبيلا، ثم يعمد إلى جدائلي فيقبلها، وإلى ثوبي وإلى ذراعي العاريتين ~~فيلثم ما شاء أن يلثم. # وتفاهمنا على الحب بيننا وإن لم نتصارح به، ولم يكن أحد في المدينة يعلم بأمرنا. # وكان لصديقتي أربعة أولاد كبار، وما كانت تتصور أن غلاما في مثل سن أكبر أبنائها، يمكن ~~أن يحب صديقتها التي في سنها. # وكنت من ناحيتي لا أفتأ أقول لها: إن الغلام يدأب على العمل ويكد له، ولم أعد أدعو ~~الصديقات إلى بيتنا، واعتذرت لهن بأنني آخذ دروسا في فن التطريز، وأنني أخرج من البيت في ~~كل أصيل لذلك الدرس. # أما زوجي فقد راح يقول في ذات عشاء: أحسب ذلك الغلام «معجبا» بك مفتونا. # ومضى يضحك فاكها. # ذلك إذن هو رأي زوجي في الأمر ومعتقده، إنني إذن في مأمن من كل فضيحة أو خطر. # وعشت أيامي تلك في فرحة غاشية، أقضي ساعات الفراغ في إعداد ثياب جديدة للظهور بها على ~~الغلام إذا قدم، وكان يجيء وأنا أحيك الثوب الطريف فيتناوله فيقبل الكمين والصدر والنحر ~~ويقول: أنا بتقبيل الثوب جد قانع. # ولكنه في مرة ما قبل جبيني، وفي مرة أخرى قبل ما بين عيني. # لقد عشت في سكرة مقيمة لا أفيق منها وقد غادرتني سن الأربعين، فعدت شابة حارة الشباب، ~~أعيش في قصة من أقاصيص السحرة، غير آبهة بأن هناك غلاما يدفع ثمن ذلك من نجيع دمه وحشاشته ~~... ~~••• # وانتبهت من سكرتي على حين غرة، وصحوت من أحلامي على صدمة عنيفة. إذ وجدت الناس قد أخذوا ~~يتحدثون فيما بينهم عن علاقتي بالغلام وأمري معه، ورأيت نظرة غريبة متهمة في عين صاحبتي، ~~وسمعت خلسة غلاما يقول لصديق له وأنا أمر بهما: نعم، هذه هي السيدة التي يصعد ذلك الفتى ~~المعهود إليها في كل أصيل. # لقد مسحت هذه المخاوف عن فؤادي هناءته، فقد كان حلم الحب بديعا لذا ms17 ساحرا، ولكني لم ~~أشأ أن أشتريه بسمعة المرأة المتزوجة، وأحسب أنني لم أكن في الحق أحب الغلام لذات نفسه كحبي ~~لذلك الإعجاب الغريب منه بي، فلما رأيت لذة الإعجاب قد جعلت تختلط بألم الضمير، أهابت بي ~~نفسي أن امسكي. # وقد قامت القطيعة بيننا في ذات يوم كان فيه الغلام جذلان متوثبا. # قلت: دع شعري لا تجذبه. # قال: لا تغضبي فإنني مهاجمك بحب القبل. # فتولاني الرعب، إذ أدركت أنه قد تمادى فما أستطيع له ردا. # قلت: لقد كان الذي بيننا حماقة الحمقى. # قال: حماقة؟ يا عجبا! # وتراءت في عينيه نظرة مشدوهة كمن هو موشك أن تغشاه الغاشية وشعرت بأن موعد قدوم زوجي قد ~~قرب فخفت واضطربت. # قلت: عد إلى بيتك. # فراحت آماله وحنينه ومخاوفه ولهفاته تجتمع كلها على صفحة وجهه، ولكني لم أرع لها ولم أحفل ~~... # لقد كنت خائفة ... أفكر في زوجي القادم وأريد أن أختم الأمر عاجلة، فما كان مني إلا أن دفعت ~~الغلام في رفق صوب الباب ثم أغلقته في أثره، وقفلت راجعة لا أنظر إليه. # ولما عاد زوجي في ذلك المساء رحت أمسك بالثور من قرونه. # قلت: إن ذلك الغلام قد أكثر من الترداد ليشتغل على أداتك الكاتبة، أفلا ترى من ذلك بأسا؟ ~~قال: بل كل البأس، إنه غلام مضياع عاطل، نبئيه يذهب ليبتاع له واحدة. # قلت: سأفعل! # فنظر إلي نظرة حادجة قاسية وقال: وهل أحسن في غيبتي سلوكا؟ # قلت: أجل ... # وسادنا سكون طويل، وأدركت أن حلمي المعسول قد حار إلى ختامه، وأن شبابي الثاني قد انقضى ... ~~فعدت أقول: أحسبك بي واثقا لا تخامرك بي ريبة ولا يساورك شك؟ # قال: يا عجبا! أتخونينني مع ذلك الغلام «المفعوص» ...؟! # فتألمت في أعماق نفسي لرأي زوجي في ذلك الغلام الذي نعمت به دهرا، وخلته الوسيم المقسم، ~~ولكني ثبت إلى نفسي فحمدت الله على أنني لم أقترف الإثم العظيم. # وفي اليوم التالي قدم الغلام، ولقد وددت لو أنني استطعت أن أكون به رحيمة وعليه حادبة، ~~ولكني كنت منه خائفة، وتراءى لي في ms18 ذلك اليوم ضئيلا كما قال زوجي، مريضا أعجف ~~هزيلا. # قال: فاتنتي! # قلت: لقد كنت أهم بأن أقول لك أمس إنه ليس من الحكمة أن تجيء إلى هذا البيت. # فوقف يحدجني بنظر مشدوه أليم! # ومضيت أقول: إن من رأي زوجي أن تقتني لنفسك أداة كاتبة فذلك خير وأجدى. # قال: ويلتا ...! # وما كنت إلى ذلك العهد سمعت صرخة مخلوق آدمي في عذاب المحتضر، فقد هزتني صرخته تلك، ولكني ~~ناديت شجاعتي. # فقلت: إن كانت لك أشياء فخذها. # قال: ليس لي شيء آخذه. # ووقف ينظر إلى وجهي مليا وهو جامد في مكانه لا حراك به، حتى لقد هممت أن أصيح من فرط ~~الرعب الذي استحوذ على نفسي لمشهد عينيه الهاشتين، وشفتيه الراعشتين، ولما حاولت أن آخذ يده ~~في يدي لإمساكة الوداع، راح يضحك ضحكات مجنونة مرعبة، وانثنى يقول: إنك لكاذبة! ... إنك ~~لكاذبة! ... ودفعني عنه وانطلق لا يلوي على شيء ... ~~••• # وبعد ستة أشهر من ذلك الوداع الأليم، انتهى إلى مسمعي نبأ ما جرى، فقد أصاب الغلام داء ~~دوي، لا يسلم المصاب به من شره، ولما علم بخافية دائه أطلق النار على رأسه فكان من ~~الهالكين! # وجاءت صديقتي تنعاه إلينا فقالت: إن الغلام قد ترك لأبويه كتابا يقول إنه سئم الحياة ~~ويسألهما المغفرة. # ولكني كنت عليمة وحدي بسر يأسه وسوء خاتمته. فلم يأخذني أحد بجريرة ولا حملت إصر نكبته، ~~وأدركت رويدا أنني استخدمته لإشباع غروري ومسرة نفسي ... فقتلته! # وكان والده هو الذي بصرني بأثرتي المجرمة التي أودت بولده. له الله ذلك الوالد، لقد كان ~~رجلا كريما رفيع الذهن روحانيا، لو أن غلامه عاش لمضى على سنته، نعم إن الرجل من أهل ~~الدين ويرى أن المرأة المتزوجة ينبغي أن تكون فاضلة، وأن فضيلتها يجب أن تكون عندها مطالع ~~خصالها، ومن بعدها تأتي الرحمة والوفاء والحكمة وحسن الأدب. # ولا تكون المرأة امرأة خير حتى تجتمع أولئك لها، وكذلك مضى يعظني وهو يتحدث إلي عن آماله ~~الكبار التي كان يعقدها على فلذة كبده، فقال: لقد كان ولدي سهل القياد ms19 ، سريع التأثر، بحاجة ~~إلى الناصح المعين. # وسكت قليلا ليغيب السكين إلى مقبضه في صميم فؤادي، ثم مضى يقول: ولشد ما سرني أن علمت ~~من كتبه في ذلك الحين ورسائله مبلغ إعجابه بك، فلا شيء في العالم هو أعظم سلطانا على نفس ~~الغلام من صداقته لامرأة كريمة أكبر منه سنا، وكنت أرجو أن يجد عندك العون الذي كان بحاجة ~~إليه ... # ولكني بدلا من أن أعين ذلك الغلام ... قتلته ...! # | رهان على الحب # مضى «ت» إلى بارئه منذ ليلتين، وجئت اليوم منفذا وصيته أقص على الناس قصة حياته كما ~~سمعتها من شفتيه قبل أن تتخرمه المنون منذ بضعة أيام. # وإني لأذكر الساعة كلمة حكيمة صادقة كنت قد قرأتها فيما قرأت عن الحب، وهي أن الحب ليبلغ ~~بامرئ أبعد آفاق الهناءة والنعيم، أو يهوي بامرئ إلى أسحق وهدات الشقاء والبؤس، وكذلك كان ~~نصيب «ت» من بؤس الحب وحرمانه من هناءته ونعماه، وهو فتى في مقتبل الشباب، يكاد يكون غلاما ~~في طراءة الحداثة، وقد لبث قرابة عام يتجرع غصص الحب ويسقى من صابه، ويعاني من ألمه وعذابه، ~~حتى ذهب آخر مطاف الأسى ومدار الحزن ... في الهالكين الغابرين. # وكنت قد عرفت من قصته طرفا، قبل أن يكاشفني بها، فمضى يحدثني بطرفها الآخر ونحن جالسان ~~في ذات ليلة عاصفة نجد على النار دفئا وبهجة ضياء. # وأنشأ يقول: أرهف السمع لحديثي أيها الصديق؛ لأن الذي أنابه محدثك الليلة هو آخر ما أنا ~~به متحدث، فإن هاتفا يهتف بي، إنني على وشك الرحيل من هذا العالم، وأنا غدا عن هذه الدنيا ~~ظاعن متحمل ... فإذا ذهبت يا صاحبي فوصاتي إليك أن تقص على أهل الدنيا حديثي ليعلموا كم ~~تعذبت ... وليدركوا، فتكون عظة وتحق عبرة ... # والآن، هأنا ذا جئت أقص حديث حبه كما سمعته منه آخر مجلس لنا، والعناصر متمردة ثائرة ~~... ~~••• # والآن وأنا أقص عليك أمري، يعود بي الخاطر واثبا إلى ما وراء تلك الأشهر القليلة التي ~~حسبتها الأعوام الرخية، وخلتها من بطئها وتثاقل أيامها الحقب المستطيلة الوانية. لي الله ~~من ms20 تلك الأشهر، لكم حفلت بالأسى الممض، والويل الحازب، والحزن الكاسر للفؤاد، أيام مضيت من ~~عمل إلى عمل، ضاربا في الأفق ألتمس السلوة ولا أجدها، وأرجو البرء من البرحاء ولا برء منها ~~ولا شفاء. وإني لأسائل النفس اليوم من عجب وحيرة: أتراني واجدا القصاص على ما اقترفت يوم ~~أقف أمام بارئي، أم ترى هذا العذاب الذي خضته هذا العام الذي انفرط، والأسى الذي أنا خائض ~~بين عدوتيه على الأعوام القادمة، سيروح قصاصا كافيا في عين الله الذي يرعى الأرض ومن ~~عليها، ويشرف على الناس أجمعين ... # وإني لتعروني على الذكرى هزة، ويأخذ بأنفاسي هدأة الليل، وسكون نامة الطبيعة، يأس غلاب ~~أليم، فأود لو أنني ذهبت أختم حياتي بيدي، ثم يمسكني الخوف مما وراء هذا العالم، وخشية ما ~~أعد الله لنا في الآخرة، فأمضي أذرع حجرتي ذهابا وجيئة حتى يوهن الليل، وتبدو مطالع السحر، ~~فأتهالك على الفراش من فرط الإعياء، فأنهض للعمل في بكرة النهار كأني قد قطعت ما بين طرفي ~~الليل وسنان العين نائما ... # منذ عامين وكنت قد جاوزت العشرين، فارقت دار أهلي، ونزحت عن موطني، كما يفعل أكثر الشباب، ~~في طلب الرزق والتماس العمل، فتقلبت في أعمال عدة، حتى استقر بي ختام المطاف في مصنع كبير ~~ملاحظا للعمل: وكان «ف» وهو فتى في مثل سني مساعدا لي في عملي، فما لبثنا أن رحنا صديقين ~~وليين، يجمع بين فؤادينا محض الولاء، ويؤلف بيننا خالص الود. # وكان «ف» ذا طبيعة جموح تنزع إلى اللهو والمجانة كل منزع ... وكان يميل بعض الميل إلى ~~الشرب، ويستطيب الجلسة إلى الكأس، وما كادت تنفرط بضعة أسابيع على لقائنا واختلاطنا في ~~عملنا وفراغنا حتى وجدتني أعاطيه وأشاربه، ولم يكن إقبالي على الشراب رغبا فيه ونزوعا ~~إليه، وإنما أردت أن أريه أنني على الشراب كذلك لقادر. # ففي ذات مساء ونحن جالسان معا نشرب ونتسامر، أنشأ صاحبي يحدثني قائلا: استمع إلي، ما ~~بالك لا تحاول اقتناص الفتاة الممتنعة على القانصين؟ # قلت: من عجب الفتاة الممتنعة على القناص! يا لله! ومن ms21 تكون، وفيم امتناعها، وكيف استحال ~~قنصها؟ ... # قال: هي فتاة في هذه الناحية عزت على المغازلين، وأبت الاختلاط بالشباب، واستكبرت على ~~المتحببين، فتاة تدعى «سوسن» وهي والله أملح ظبيات المدينة وعذاراها الحسان، ولكن لم يستطع ~~أحد حتى اليوم أن يخلص إليه ودها ... أو يصيب منها موعدا للقاء. # فهززت رأسي هزة الساخر المستخف، ومضيت أقول في لهجة الاعتداد والخيلاء: إنني مراهنك على ~~أني فاعل، بل في وسعي أن أجعل بيني وبينك عهدا أنني خاطبها وظافر بودها إذا حاولت. # فضج صاحبي ضاحكا وصاح بي قائلا: أيها المزهو بنفسه، المعتد بسحره وفتونه، أتحسبك أوتيت ~~على النفوس سلطانا، أم تراك من الغواة الماكرين ...؟ ما هذا من شأنك، فإن له أربابه وله ~~سحرته وأساطينه، وإني معاهدك على أنني نازل لك عن راتب أسبوع كامل لو فعلت الذي قلت. # قلت: لقد رضيت رهانك، فهات ورقا ولنجعله بيننا موثقا ليكون أشد إلزاما وأضمن ~~وفاء. # وكتبنا التعهد في صورتين، أخذ هو صورة، وحفظت أنا الأخرى. # وانثنى يسخر مني ويعبث بي قائلا: والآن يا سيد روميو، بل يا أمير العشق والعاشقين، صن ~~فؤادك واحذر لمهجتك، وراقب الله في حشاشتك، فإن أخوف ما أخافه عليك أن تسقط أسير حب وتقع من ~~جمالها في شراك فتكون من الهالكين. # وكان أهل «سوسن» يقيمون غير بعيد من شاطئ النهر، حيث كنا نشتغل في تركيب آلة رافعة لري ~~وسقي، ففي غداة اليوم الذي تلا يوم الرهان، أوقعت عمدا الجرة التي نحفظ فيها الماء ~~لشربنا، وذهبت متشفعا مستسقيا إلى دار أهلها معللا النفس بنظرة منها أبلو بها الأمر الذي ~~أنا له، وأعد له عدته ... # وكان التوفيق رائدي؛ إذ لقيتني «سوسن» نفسها لدى الباب. # قلت: جئت مستسقيا، فهل في قليل من الماء تأذنين؟ فإن ماء النهر لا يطيب للشاربين. # قالت: حبا وكرامة، وابتسمت. # ويح النفس من ابتسامها! لقد كانت أفتن ابتسامة شهدتها على فم حسناء. # وأردفت تقول: تعال لأريك موضع البئر ... # وكانت البئر على مرمى الحجر من البيت. # وفيما نحن نمشي إليها، قلت مغريا بالحديث: إن اليوم ms22 لجميل. قالت وفي صوتها رنة الأسى ~~والحنين: هو كذلك، وإن أيامنا هنا لتثير في النفس الحنين إلى البلد الذي جئنا منه. # قلت: ومن أين أنتم؟ # قالت: من الإسكندرية. # قلت من عجب ودهشة: ماذا أسمع، أمن الإسكندرية أنتم؟ وفيها موطني، ولديها دار أهلي وقومي، ~~فمن أية ناحية منها جئتم؟ # قالت: من جنوبها، أراك تعرفها. # وتهللت أسارير الفتاة. # واسترسلت تسائلني قائلة: لا حدثتني عنها إن كنت قد جئت منها منذ حين قريب؟ فقد انفرطت ~~علينا أربعة أعوام سويا ونحن عنها في بين أليم ... نبئني متى كان آخر عهدك بها؟ # قلت: غادرتها منذ ستة أشهر فقط وأنا أدعى «ت». # فصاحت فرحة متهللة: يا عجبا! ألست في دهش من لقائنا ونحن أهل بلد واحد في موضعنا هذا، ~~فهلا أقمت حتى يجيء أبي؟ # وفي عودتنا من البئر استبقتني مسرعة تنادي أباها إلى الخروج. # وما هي إلا لحظة أخرى حتى ارتفع لنا شيخ ضعيف يتكئ على عصا، وكان لا يزال في دور النقاهة ~~من مرضه. # فابتدرته الفتاة قائلة: أبتاه، أقبل للسلام على ضيفنا، إنه يشتغل على الشاطئ في تركيب ~~الآلة الرافعة وهو من أهل الإسكندرية. # فجعل الشيخ يقول: أهلا، ومرحبا، وهو يمد يده مصافحا، وأدركت من حديثه أنه معروف في ~~الحي الذي نشأ به وما جاوره. # وما لبث الحديث أن مال بنا نحن الثلاثة إلى عدة شؤون، فلم أنتبه منه إلا على صفير الصافرة ~~المنبعثة من الآلة الرافعة، إيذانا بالظهيرة. فأسرعت إلى الجرة فاحتملتها وصحت أقول: يا ~~لله! لقد تأخرت عن الجماعة وأخشى أن يرجموني إذا أنا أطلت الغياب ... # وانثنى الشيخ يقول - وقد رآني أهم بالذهاب -: أرجو أن لا تقطع عنا زيارتك. # وأردفت الفتاة على قول أبيها: نعم، زرنا في أي وقت يحلو لك. # وفي طريقي إلى موضع العمل، نسيت الرهان كل النسيان، ورحت أردد بيني وبين نفسي قائلا: ~~نعم، سأزورها قريبا، وإني لأعود بالذاكرة الآن إلى ذلك اليوم الذي لقيتها فيه على تلك ~~الصورة، فلا أذكر ولا أشهد بعين الخيال غير عينيها الجميلتين السوداوين وهما ms23 تتحدثان بأبلغ ~~منطق قائلتين: إنني أحبك! ~~••• # وفيما أنا مقبل على المضارب، سمعت صوت صديقي «ف» يصيح قائلا: أين كنت يا رجل طيلة الضحى ~~كلها؟ أفلجرة ذهبت تملؤها تطيل هكذا الغياب، عجبا لك! أكنت تحتفر بئرا لتعود بالجرة من ~~مائها حافلة؟ ... # فتلفت في نواحي المضرب مستوثقا، فلما لم أر أحدا معه، رحت أجيبه قائلا: كلا يا صاح، ~~لقد كنت عند «سوسن» بعد أن ملأت الجرة، حقا أيها الصديق إنها لفتاة ساحرة آية ~~الملاحة. # فوثب صديقي من مكانه فأمسك بتلابيبي ومضى يهيب بي قائلا: ماذا جرى لك، وما الذي أصاب ~~شغاف فؤادك؟ ما كنت والله أحسب الأمر صائرا في يوم وليلة إلى ما أرى الساعة وألمح على صفحة ~~وجهك، أكذا هو الحب من أول نظرة؟ ... # ولقد أصاب صديقي في تسمية ما كان بي «الحب من النظرة الأولى»، لقد كان ذلك كذلك، وكانت ~~النفس به من أول وهلة مفعمة. # رأيت شبح «سوسن» مطالعي في ثوب أبيض كالضياء. # وما هي إلا أيام معدودات حتى وجدتني أقضي كل أيام الفراغ في دار «سوسن»، نلعب حينا ~~الورق، وحينا نذرع البستان النضير متمشيين متنزهين، وفي البستان كانت خميلة من أغصان ~~الشجر، وهناك اعتدنا أن نجلس الساعات في خلوة ساحرة، نتحدث ونستمع إلى خرير النهر ~~الفياض. # وا حزناه! ... إني والله لا أزال إلى الساعة أسمع خرير ذلك الماء الثجاج المتدفع، ولكني ~~أتبين من خلاله نغمة حزينة ورنة أسى، تمزق نياط الفؤاد ... # وفي ذات ليلة، ونحن في مجلسنا ذاك، والقمر يرسل ضياءه الفضي المتراقص المتلألئ فوق صفحة ~~الماء، رحت أتناولها بين ذراعي وأهمس قائلا: سوسن ... إنني أحبك ... يا أغلى النساء ... ألا ~~عديني أنك بالزواج مني راضية. # فهمست هي أيضا بصوت عذب رقيق، ودموع الفرح تتحير في عينيها: لك عندي مثل الذي لي عندك ~~ويزيد، ولن تطيب لي الحياة إلا بك؛ لأنني أحبك من أعماق قلبي، بل لقد أحببتك منذ أول يوم ~~تلاقينا ... # وكذلك جلسنا ساعة كاملة في مكاننا، نتحدث في أمر المستقبل، ونرسم له خططه، ولما اختفى ~~القمر عنا ms24 خلف أغصان الشجر وأعالي الدوح، عدنا أدراجنا على مهل إلى البيت. # قلت وأنا أطبع فمي على خدها: طاب ليلك يا سوسن العزيزة، وسأجيء مساء غد لنذهب بالنبأ إلى ~~أبيك معلنين. ~~••• # أواه ... لقد كانت تلك الليلة آخر عهدي بالسعادة ~~الحقيقية، فقد تلقيت ضحى اليوم التالي كتابا منها، ففضضت في لهفة غلافه، وإذا بتلك الورقة ~~التي كتبت أنا وصديقي «ف» فيها العهد والرهان قد سقطت من جوفه، وفي جنة الملتاث المذهوب ~~اللب رحت أقرأ ما كتبت سوسن في تلك الرسالة، فإذا هي تقول: «لقد برح الخفاء وحصحص الحق، فقد ~~عثرت بهذه الورقة فوق أرض الخميلة ... وا فؤاداه! ... ما الذي غرك بي حتى مضيت تلهو بفؤادي وأنت ~~العليم بمبلغ حبي لك، لقد ربحت رهانك! ولكنك أضعت فؤادي ... وداعا ...». # فما كدت آتي على هذه الكلمة الأخيرة، حتى اندفعت في وحشة وجنون أريد دارها، فوجدت الدار ~~قد أقفرت من أهلها، فالتمست الجيران أسألهم عنها، وعن أبيها، فقيل لي: أما الشيخ فقد ذهب ~~إلى المدينة، وأما فتاته فباقية، ولعلها قد مضت تتنزه في الحقول. # فكتبت إليها رسالة أشرح لها الأمر، وأبين، ودسست الكتاب من تحت عقب الباب، وانكفأت شارد ~~اللب، ذاهل الخاطر، عائدا إلى حجرتي، فتهالكت على المرقد باكيا، وجعلت أغالب الدمع الواكف ~~المنهمر فلا أقدر، ورحت أغمغم لنفسي والها ناشجا: سوسن ... سوسن ... إنني أحبك ... ألا صفحا ~~ومغفرة، وتقبلي الشفيع، وارتضي العذير. # ووجدني صديقي «ف» على تلك الحال بعد فترة قصيرة، فبهت مما رأى، وأقبل علي فألقى ذراعه ~~فوق كتفي، وقال: نبئني ما خطبك فإني على الخطب معوان. # فأنشأت في منطق عاثر وبلسان متلعثم، أقص عليه ما جرى، وكيف سقطت الورقة التي تعاهدنا فيها ~~على الرهان مني وأنا لا أدري، فعثرت هي بها، فلفظتني وتولت عني غير مستأنية لشرح، ولا ~~ممهلتي لبيان. # فجعل ذلك الصديق يواسيني ويربت ظهري بيده، ويقول: لا تخف ولا تحزن، فإنني ذاهب إليها هذا ~~المساء فشارح لها حقيقة الخبر إن لم تكن رسالتك قد أدت الغرض أحسن أدائه ... # ولبث بجانبي أصيل ذلك ms25 النهار كله، لا يكف عن مواساتي والتسرية عني، حتى أدركنا المساء، ~~فودعني وانطلق إلى غايته. # ولكنه ما لبث أن عاد يقول إنه لم يجدها في دارها، فما كدت أسمع النبأ حتى هجس بنفسي هاجس ~~أليم، وخفت أن يكون هذا النبأ مطلع الأسى ونذير المصاب. # وساورني القلق فلم أطق جمودا في مكاني، ولم أجد روحا إلى النوم أو أجدها وأعرف أين ~~ذهبت. # فخرجت تحت جنح الليل أمشي على غير هدى كأنني شبح من الأشباح هائما في بهرة الظلام على ~~وجهي، حتى رآني الصباح واقفا بباب بيتها ولا يزال الباب موصدا. # فعدت أدراجي إلى حجرتي متعبا واهنا، فالتمست النوم من فرط الإعياء، ورأيت فيما يرى ~~النائم، كأن نورا باهرا قد غمر الحجرة وشبح «سوسن» مطالعي في ثوب أبيض كالضياء، وهي ~~مادة ذراعيها كأنها تناديني، ثم ما لبثت الرؤيا أن اختفت، فصحوت من النوم ولا أزال أسمع ~~كلماتها وهي تقول: إنني أحبك ... ولن تطيب لي الحياة إلا بك ... # يالله! أتراها تناديني لأشرح لها ما خفي من أمري وما احتجب؟ # وأسرعت إلى ثيابي فارتديتها وانطلقت إلى دارها، فلم أجد فيها أثرا لمخلوق حي. فعدت إلى ~~صديقي فما كدت أدخل عليه حتى وثب صائحا: أراك قد عدت، فهل علمت وهل سمعت؟ # قلت مبهوتا - وقد رأيت وجهه ممتقعا -: ماذا ترتقب مني أن أسمع؟ نبئني، أمن جديد انتهى ~~إليك نبأه؟ # قال: تعال اجلس إلي أحدثك. # وكان صوته هادئا، وإن كان في منطقه رنة نكرتها. # فهمست أقول: أعنها أنت محدثي؟ إنها ليست ... # فنكس رأسه وغمغم يقول: لقد غادرت هذا العالم! ... # وأحسبني في تلك اللحظة قد غشيتني الغاشية؛ لأنني ما لبثت أن رأيت ذلك الطيف في ثوبه ~~الناصع الجميل طالعا علي مقبلا، ولكني سمعت صوت صديقي يناديني، ففتحت عيني ورحت أستمع له ~~غائب الذهن مشرد الخاطر، وهو يقص علي كيف كان موتها. # قال: لقد وجدوا جثتها طافية على صدر النهر ... # وقضيت أياما جاثيا بجانب ذلك القبر الجديد المحتفر، غير مغالب العبرات التي مضت تسح ~~من العين سحا، وأنا أناديها ms26 : ... يا أعز الناس ألا تعودين؟ إن لم يكن لك عود فلي إليك ذهاب ~~... # هذه هي قصتي، فلا عجب إذا أنت رأيتني قد عدت حطاما وشنا باليا، وأنا في الثالثة ~~والعشرين، وإذا أنت أدركت أنني على الموت ملتهف، فإن في أعماق فؤادي هاتفا يهتف بي: إنها ~~قد غفرت لي وإنها بتلك الابتسامة الساحرة التي لقيتني أول مرة في هذا العالم ستلقاني بها ~~وشيكا يوم أغادره ... ~~••• # ولنعد إلى ما قلت في صدر هذه القصة: لقد صعد «ت» منذ ليلتين إلى بارئه، وكان صديقه «ف» ~~ساعة المحتضر عن يمينه، وكنت أنا على شماله ... # وأحسبه مضى سعيدا قرير العين؛ إذ كانت كلماته الأخيرة: أي «سوسن»! ها أنذا قادم. # ولما سمع الشيخ «د» والد الفتاة بموت «ت»، ابتسم ابتسامة حزينة، وغمغم قائلا: نعم، هما ~~اليوم سعيدان! ... # وعملا بوصيته، وبرضى أبويه، دفن الشهيد الراحل ~~بجانب رفات الشهيدة الراحلة ... # | الفتاة التي تصنع الرجال # ترددت قليلا قبل أن أقدم على سرد هذه القصة، ولكن الآن لا بأس من قصها ولا ضرر، نعم ... ~~لقد كنت مجرما، ولن تجد بين معاشر المجرمين خلقا كثيرا يرفضون الاعتراف، أو يحدثون الناس ~~بقصة حياتهم، ولكني اليوم قد عدت رجلا شريفا، ولعل في إقدامي على التحدث عن الماضي حافزا ~~لغيري من المكدودين إلى التماس عيش الفضيلة، ومعينا لهم على تنكب طريق الجريمة ... # نشأت نشأة شيطانية، ونبت أسوأ منبت، ودرجت ونموت وشببت عن الطوق، في أحقر أكواخ ~~الفاقة والبأساء، في بلد عامر آهل، اشتهر بأنه شر ما في العالم من مدائن، فلا عجب إذا أنا ~~من بكرة العمر قد سرقت، وكانت سرقاتي الأولى من عجلات اليد والباعة الجائلين بسلعهم على ~~صغار المركبات، وكان ذلك أمرا طبيعيا؛ إذ لم يكن لي عمل آخر أعمله، أو صنعة أسلك نفسي ~~فيها، وإذ رأيت اللدات من الأيفاع والمراهقين يفعلون ذلك، ويتضاحكون له، ويتنافسون ~~فيه. # ولما بلغت السادسة عشرة، اتفق الصحاب جميعا وتضافر رأيهم على أن لي مستقبلا زاهرا في ~~عالم السرقة والسراق؛ فقد استطعت في ليلة من الليالي أن ms27 أنشل خمسين جنيها من جيب رجل جلس ~~مع الشرب في بعض المواخير. # وبذلك المال مضيت فاقتنيت أبدع ثوب في السوق وجدته، وابتعت للثوب ما يتسق له من زينة، ~~ويقتضيه من مظاهر النعمة، وغضارة الحال، وذهبت من غدي فدخلت على جمع من ناشئة اللصوص ~~يؤلفون عصابة للنشل والسلب، وكانوا يتوافون إلى حان تنتظمهم فيه موائد الميسر حلقات، ~~فقبلوني في زمرتهم ومضيت من ذلك الحين أعرف فيهم بصاحبنا «تاجر القماش» وهي كنية أطلقوها ~~علي لحسن بزتي وجدة ثيابي. # ومضت بي الحال كذلك أربعة أعوام، نشالا أوضع في السرقة وتمادى في الجريمة، وسدر في غلواء ~~الشر والإثم، وكانت العصابة التي أنا منها تدعو نفسها «جماعة أبناء الشوارع» وقد أخذت ~~وشيكا تشتهر في المدينة، ويتسامع الناس بأفانين سرقاتها. # ولم نكن إلى ذلك العهد قد أتينا عملا كبيرا من أعمال السرقة؛ إذ كان شعارنا «الصيد ~~السهل والفرار المضمون»، وكانت حلقات الميسر منتجعنا، وأندية القمار المرتاد الذي نروح إليه ~~ونغدو. # وكان لنا ناد يضم أفرادنا، وهو حجرة استأجرناها فوق حانوت بدال، نتلاقى عندها ونتواعد ~~إليها، لنختط الخطط، ونقرأ من الكتب وأسفار الأدب وقصص أبطال اللصوص ونوابغهم. # وكان منا فتية اشتهروا بتعاطي العقاقير، وأدمنوا الشميم، ذلك السم الذي اصطلح بغاته ~~والمولعون به على تسميته «الجليد الأبيض»، ففي جلسة لنا وقد طاف الشميم، قال قوم منا إنهم ~~قد علموا أن حلقة من لاعبي البوكر ستنتظم في ذلك المساء بالذات، في إحدى قاعات فندق كبير في ~~المدينة، وسيحتدم اللعب ويشتد الجزاف بالرميات الضخمة؛ لأن القوم جميعا من الأغنياء ~~والسادات. فاقترح الجمع أن نذهب إلى ذلك الفندق، ونتغفل اللاعبين حتى تواتينا الفرصة فنشهر ~~عليهم المسدسات ونختطف ما بين أيديهم من ركام الأموال، ونلوذ بأذيال الفرار آمنين. # ومضينا نرسم الخطة، وندبر التدابير، واتفقنا على أن يكون لقاؤنا إذا انتصف الليل، بمكان ~~قريب من الفندق، فإذا توافينا افترقنا، ودخلنا وحدانا من باب الخدم، بواسطة مفتاح مصطنع. ~~ولقد كانت هذه الخطة فكرتي المبتكرة الرائعة، ولا فخر، وقد نجحت هي وأخفقت أنا واقتنصت؛ إذ ms28 ~~بينما كنت مسرعا في الطريق وقد ألممت على المكان الذي ضربناه للملتقى، داخل الريب أحد ~~الشرطة فمشى نحوي وأوقفني عن المضي في طريقي حتى يفتشني، وكنت أحمل مسدسي، فزاده ذلك ريبة ~~بأمري واستاقني إلى المخفر. وخرجت العصابة من تلك الغارة موفقة، ولما كان الشرطي قد قبضني ~~وأنا قريب من الفندق، وقد حملت سلاحا دسسته بين أثوابي، راح الشرطة والمحققون يجمعون من ~~ذلك ما شاء لهم من القرائن والبينات، ودفعوني إلى القاضي فحكم علي بالسجن عامين. # وقضيت المدة في عذاب وألم، وحاولت العصابة مساعدتي على التماس الهرب، ولكني لم أجد له ~~سبيلا. وزادني عذاب المحبس على الدنيا نقمة، ورأى أصحاب السجن بوادر التمرد مني والثورة ... ~~فشددوا على الرقابة، حتى أتممت المدة كلها غير منقوصة شيئا لحسن السلوك. # ولما رأيتني بعد ذلك حرا طليق سراح، شعرت كأن حجرا ثقيلا قد أزيح عن صدري. ولكني كنت ~~على الإنسانية ساخطا، فأقسمت لأثأرن لنفسي من المجتمع، وأرين العالم كيف تكون ترتي وشري ~~وضري ... # عامان ... ذلك والله دهر طوال، ولكنه في غيابة السجن هو الأبد وقد عرتني منه في أول مقامي ~~به نوبات سآمة وغضب، ثم ما لبث أن أخذت في قراءة الكتب، وانتهى بي هذا التلهي إلى حبه وإلى ~~الشغف بالمطالعة. ومنذ ذلك الحين، جعلت أقضي ساعات الفراغ في السجن قارئا مكبا على ~~الكتب، ووجدتني تعلمت الشيء الكثير، وأصبت قسطا من العلم، فأخذت في بعض الأحيان أسائل ~~نفسي: ألم يجد علي هذان العامان أحسن الجدوى، ويردا علي خير مرد، وقد نفعني السجن من ~~حيث لم أحتسب ولم أرتقب؟ ولكني كنت لا ألبث أن أنفي هذا الخاطر من ذهني، وأنقي هذه الفكرة ~~جانبا، فلا عجب بعد ذلك إذا أنا رحت بعد إطلاق سراحي، أنتجع نجعاتي الماضية، وأعود إلى ~~الصنعة القديمة! # وكانت العصابة قد تغيرت وتحولت، وأصبح أفرادها في ذلك العهد ضحايا المخدرات، وفرائس لذلك ~~الشميم الأبيض، وأمعنت في البغي والعدوان، وأضحت لا تتورع من القتل في سبيل السرقة، وكان ~~لهم محام يجزلون له العطاء في سبيل ms29 المرافعة عنهم أمام القضاء، وأحسبه كان بتلك الأموال ~~التي راحوا يغدقونها عليه خليقا حريا، لأنه لم يدع أحدا يذهب إلى السجن بقوة خطابته، ~~وغريب دفاعه. وهو عالم عالم بأمرهم، لا تخفى عليه خافيتهم. # وما كادت تنفرط عشرة أيام على يوم سراحي، حتى ركبنا سيارة ضخمة نقصد بها إلى بلدة صغيرة ~~على مسيرة ثلاثين ميلا من المدينة، وبدأنا السير في الحادية عشرة منتوين أن نبلغ البلدة ~~ظهرا، ونحن معتزمون أن نهاجم مصرفا هناك فنسلب أمواله. # وهنا كان مدار الطريق، ومفرق السبيلين: سبيل الشر وسبيل الخير ... نعم في هذه المرحلة كان ~~خلاصي من عيشي الماضي، وتطليقي حياة الجريمة والآثام. # وإليكم كيف كانت الأعجوبة: وإنا سائرون بسرعة ثلاثين ميلا في الساعة، وقد قطعنا نصف ~~الطريق إلى الواجهة المقصودة؛ إذ أخذ صاحبنا الذي يتولى عمل السائق، يخفف سرعة السيارة ~~فجأة، وصاح بنا قائلا: «على الطريق ظبية مليحة، فما قولكم في اقتناصها». # فنظرنا فإذا على قيد خطوات منا فتاة فاتنة المحيا قادمة صوبنا، وأصاب اقتراح «السائق» كل ~~القبول من الجماعة ورقصوا له طربا ومجانة ... وما كادت السيارة تدلف بنا جانب الطريق أمام ~~كوخ مهجور حتى وثب منا فتيان إلى الأرض فتقدما نحوها، فانزوت الفتاة منهما خوفا ورعبا، ~~فصاح أحد الزملاء من السيارة قائلا: ألقيا بها في السيارة، فليس لدينا من الوقت فسحة لهذا ~~العبث. # وسمعت الفتاة كلمته تلك فارتد محياها في صفرة وجوه الموتى، وقبل أن يضع الفتيان أيديهما ~~عليها مضت في عويل ونحيب ... ~~••• # في تلك اللحظة لست أدري ماذا حدث لي، وما الذي اختلج في صدري، وسرى في أطواء نفسي، ففي ~~خطف البرق نزلت من المركبة والمسدس في يميني، فلم يكد الفتيان يرياني على هذه الصورة حتى ~~تراجعا مسندين ظهريهما إلى السيارة، رافعين أذرعهما في الفضاء، ووقفت حيال الجميع أصيح بهم: ~~يا عصابة السوء وجماعة الشر واللؤم، هذا فراق بيني وبينكم، البدار إلى الرجوع من حيث أتيتم، ~~ولا تحاولوا خطة أنا مدبرها، لأنني الساعة عليكم مفسدها ومنبئ أهل المصرف المالي ~~بنبئها. # ووقفت حيال السيارة ms30 وألقيت إلى السائق الأمر بالدوران، وجمدت في موقفي حتى رأيتها قد دارت ~~عائدة من الطريق التي منها أقبلت، وتلقيت من الجمع بضع نظرات شريرة كظيمة، ولكنهم كانوا بي ~~عالمين، وكنت أنا بجبانتهم وخوفهم جانبي أعلم وأعرف. # ورأيت في عيني الفتاة بريق الفرح بالنجاة يسطع، ووجهها المليح يسترد ورده، ويشرق بعد ~~اكفهرار ويلتمع، فكان ذلك خير الجزاء، وكان أبدع مستعاض عن تلك النظرات الشنيعة ~~النكراء. # وانثنت تقول في رفق: شكرا ... ولم تزد، ووقفت تتبع السيارة بعينها في صمت. # وانتبهت بعد ذلك من غشية الموقف المباغت، فوجدتني مقتعدا الأرض والفتاة تمد إلي يدها ~~لتنهض بي. # قالت: أخف ما بك. # قلت في ضعف وتخاذل: نعم، وما كان بي من أولئك الأدنياء غير ألم الاشمئزاز ساد مشاعري وذهب ~~لحظة ببعض قوتي. # وسكت هنيهة ثم عدت بدافع غريب تولاني أقول: فهل ترينني أشبه أولئك السفلة في شيء، وهل ~~في وجهي ما في وجوههم، وعليه من السمات سماتهم؟ # فانثنت تجيب في شيء من الاحتجاج، والغضب الحلو البديع: كلا! ما أنت منهم ولا هم منك في ~~قليل ولا كثير، ولا يخفى هذا على من به مسكة من العقل، وعين تنظر وتتبين، وأكبر ظني أنك عن ~~خطأ وجهل بهم ركبت مركبهم، واحتواك عن غير بصيرة مجلسهم، ولقد كان هذا الخطأ من حظي، وبفضل ~~هذا الجهل بهم كانت نجاتي من شرهم. # قلت: لم أركب مركبهم عن جهل، ولا كانت رفقتي لهم عن غير بصيرة. # ورحت أقص عليها قصتي، ووجدت في الاعتراف راحة، وشعرت من مكاشفتها بتاريخ الماضي بسرور لا ~~يوصف. # فلما سمعت قصتي، هزت رأسها في إطراقة المعتبر المتأثر، وأنشأت تقول: لقد أحسنت صنعا ~~بهذا الفراق الذي آذنتهم به، واليوم أنت مستطيع أن تبدأ الحياة من جديد متناسيا ما كان من ~~ماضيك كأن لم يغن بالأمس. # وسكتت لحظة ثم عادت تقول: وخير ما تفعله الساعة أن تجيء معي إلى البيت لنتناول الطعام ~~ونقضي ساعة من الزمن تفكر وتقطع فيما أنت معتزم من أمر مستقبلك. # وقبل أن أجيب، تناولت ذراعي ms31 واجتذبتني إلى الطريق سائرة بي صوب دارها. ~~••• # وكنت قبل ذلك العهد لم أخبر النساء ولم يكن لي بهن شأن، ولكني في تلك اللحظة لم أستطع أن ~~أمنع نفسي النظر إلى هذه الحواء الصغيرة، وتأمل وجهها المليح، على رغم أنها لم تكن تعدو ~~شأن الطفلات الغريرات. # وقدرت أنها في الربيع الثامن عشر، ورأيت لها شعرا أسود جثلا أثيثا كثير الأمواج، ~~وعينين سوداوين تنمان عن فرط إحساس، شفافتي الزجاجة، ملتمعتي النظرات، وأنفا دقيقا حسن ~~التركيب، وفما حارا لم يخلق لغير القبل. # ورحت أتصور كم كان يكون هنائي لو أنني لقيت فتاة كهذه قبل عهدي هذا ببضع سنين، وأي خير ~~كان سيرده علي لقائي بها، وأي فضل علي أستمده من حبها والبناء بها. # ومضت على الشقة البعيدة إلى دار أهلها، مسرة ميل وبعض ميل ... تقص علي الكثير من شأنها، ~~وتحكي لي عن نفسها، فإذا هي تعيش مع أخ لها في أكناف جدة لهما كفلتهما منذ سنتين، عقب وفاة ~~أبويهما في مطاح أحد الأوبئة. وأدركت من خلال حديثها أنهم في فاقة ورقة حال، وإن لم تذكر ~~ذلك ولم تجهر به، فقد كانت الفتاة فخورا مزهوة شماء. # ففي خطف البرق نزلت من المركبة والمسدس في يميني. # وعلمت أيضا أن لتلك الجدة أرضا ورثتها عن زوجها، فهم يعيشون جميعا من غلة تلك الأرض ~~وحصادها، وأن أخاها حدث في طراءة العمر، لا يستطيع العمل في المزرعة، ولم يؤت علم الزرع ~~والحرث، وأن جدته وأخته تلتهفان على بعثه إلى المدرسة ليتلقى شيئا من العلم يجدي عليه في ~~مستقبل أيامه، ويهذب من حواشيه، ولكنهما لم تفعلا وتخشيان ألا تفعلا؛ لأنهما تحتاجان إليه ~~في رعاية شؤون الحقل جهد المقل. ~~••• # وقدمتني إلى جدتها ونبأتها بما جرى على الطريق ولم تذكر من قصتي شيئا، فشكرتني العجوز ~~أوفر الشكر، وكانت تلوح بمعارف وجهها المشرق وفروعها البيضاء في الستين، ولم تفعل السنون ~~شيئا في طلعتها الناضرة. # وكانت الساعة قد اقتربت من الواحدة، فقالت الفتاة: أين أخي يا جدة، لقد وجب الطعام وتهيأ، ~~فأين تراه ms32 ذهب وغاب هذه الغيبة؟ # فانتشر على وجه العجوز قلق وخوف، وأجابت قائلة: لقد ذهب يا غاليتي إلى المرعى لإقامة ~~السور حوله ولما يعد، وقد ركب الجواد وأخشى أن يكون قد أصيب بسوء. # فانتظرنا لحظة أخرى ولما يعد بعد، وأوجست الجدة وحفيدتها من غيبته خيفة عليه، تطوعت إلى ~~الخروج لافتقاده. # فانطلقت ألتمس الحقل، وكان يترامى خلف البيت، وفي طريقي تبينت أن الزراعة لم تكن في حال ~~حسنة على فرط اجتهاد اليد المشرفة عليها، فقد كان شيء يتراءى نظيفا، يشعرك السلام والسكون ~~اللذين تعرف أثرهما في جو الدار، وتحسهما يملأن أفقها. # وما كدت أسير غير بعيد حتى سمعت صيحة الفتى وكان قد كبا به جواده فرض إحدى قدميه. # فاحتملته إلى البيت، وكان غلاما لم يدرك الحلم بعد، وقد نبأني وأنا محتمله أنه في ~~الثانية عشرة، ولكنه كان شجاعا جلدا ثابت الجنان، فلما سقط سقطته تلك لم يرفع بالصياح ~~عقيرته، ولم يملأ الجو بعويل أو يستصرخ لينادي الناس إليه، وإنما بقي في موضعه ساعتين ~~صابرا يرتقب أحدا من السابلة، فلما أهللت ناداني إليه. # وخشيت إذ دخلت به البيت أن تسقط جدته من فرط التأثر والخوف عليه، ولكني رأيتها قد ~~استجمعت بقية جلدها، فصبرت لمشهده وتجلدت، وألفيت أخته ترتعش وترتجف من خيفة عليه، وكان ~~الغلام رجلهما الذي يعولان في الحياة عليه، ويركنان في طلب العيش إلى قوته. ~~••• # وجاء الطبيب وذهب، وجلسنا إلى الطعام على الأصيل، وكانت جلستي إليه، أهنأ ما جلست في ~~الحياة إلى طعام، وكانت الوجبة أشهى وأعذب ما وقع لي من مأكل على مائدة. # وأدركت حاجتهما إلى النصير وافتقارهما إلى الولي المعين، فعرضت عليهما البقاء للعمل في ~~أرضهما، وكانت الزراعة في أشد الحاجة إلى الرعاية في ذلك الموسم، وقد كنت فيما عرضت من أمر ~~البقاء مطاوعا حاسة جديدة سرت كهرباؤها في النفس وهي لا تدري، وكانت تلك الحاسة ببوادرها، ~~تلك الغامضة الخفية قد تكشفت لي بعد ذلك ببضعة أشهر، فإذا هي ... الحب! # وقالت فتاتي وهي تبتسم ابتسامة الشاكر للصنيع: جميل منك هذا ms33 الذي تعرض وكريم محمود، ونحن ~~نقدره قدره ولكننا لا مال لدينا نوفيك منه حقك وأجر عملك. # قلت: لست أحسبني أستحق كبير أجر، على أن لي فضلة من مال أستعين بها على ما أريد إلى أوان ~~الحصاد فأنال يومئذ أجري. # وكذلك رضيت مني بالبقاء، إذ رأت في البقاء نفعي ونفعهم. ~~••• # والآن لا يزال فخار الفتى ببراعة زوج أخته في الزراعة وحسن القيام على الحقل، وتحدثه في ~~المجالس عن طيب الثمر، وازدهار الحصاد، البقية الباقية التي تذكرني بالماضي وأحداثه، ولكني ~~لا ألبث أن أعود فأطرد الذكرى بالنظر إلى وليدي الصغير الفاحم الشعر، وإلى عيني أمه ~~السوداوين الفاتنتين. # حقا لقد أتى الحب بالمعجزة، حباني من السعادة نعمة هي أجزل نعم الله على أهل ~~الأرض. # | معنى الحب # هذه قصة رجل كان أول أمره كأكثر معاشر الرجال، جنوحا إلى القسوة في أحكامه، لا يعرف قيمة ~~الحب الصادق إلا بعد الحرمان من نعمته، رجل كان يرى أن زلة قدم واحدة من أية امرأة، كافية ~~مهما يكن الباعث لطردها من حظيرة الإنسانية، ووصمها بميسم العار إلى الأبد، فلا تصلح زوجا، ~~ولا ينبغي أن تكون أما ... # ولست أدري ما الذي بعثني على أن أكتب قصتي هذه، إلا أن يكون دافعي عليها الأمل في أن ~~تروح نذيرا لغيري من الشباب حتى لا يقع في الخطأ الذي وقعت فيه، أولئك الشباب الذين يجنحون ~~إلى القسوة في الحكم، والذين لا تواتيهم الفرصة بعد ذلك لتعديل أحكامهم الماضية. ولعلي أريد ~~بسرد قصتي للملأ اليوم أن يعلم الناس كذلك مبلغ السعادة العجيبة التي نعمت بها منذ أدركت ~~غلطتي الأولى، ومضيت ألتمس إصلاحها، وأكفر عما كان مني في عهدها. # كنت في الرابعة والعشرين عندما لقيت الفتاة التي حسبتها متحلية بكل الصفات والمفاتن ~~والمزايا التي كنت أتطلع إلى اجتماعها في الفتاة التي أرتضي مثلها لي زوجا، وكانت قد مضت ~~علي أربعة أعوام وأنا أشتغل بصناعة النقوش والزخارف، وقد وجدت توفيقا في عملي، وكنت وحيدا ~~من الأهل، خليا من النزوع إلى اللهو، مقتصدا غير متلاف. فاجتمع ms34 لي على الأيام مبلغ طيب ~~من المال ادخرته لأيام الحاجة، فكان الذين لا يعرفون دخيلة أمري يحسبونني غنيا في نعمة ~~حال، ولما كنت أحاول أن أحدث هذا التأثير في نفوس الناس، تركتهم إلى هذا الظن فلم أشأ أن ~~أغير رأيهم في أمري. وكانت الفتاة «د» من هؤلاء، وإن لم أدرك ذلك في أول العهد بمعرفتنا ... ~~بل كنت أحسبها تعرف حقيقتي وتعلم أنني لست إلا عاملا يكدح لرزقه، وكنت أعتقد أن ميلها لي ~~عن حب محض، لا صلة له بالمادة ولا دخل للمال فيه، فبعثني هذا الاعتقاد على حبها، وذهبت ~~أعطيها من ذات نفسي ما تشاء. # وكان هناك شيء آخر أدناني منها وأسر فؤادي من ناحيتها، وهو جمالها الهادئ الساكن المهيب، ~~أشبه شيء بجمال الهياكل ورهبة التماثيل ... جمال كنت مؤمنا بأنه - ولا ريب طاهر - لم يلوث، ~~نقي لم تشب نقاءه شائبة ولا مجرد خطرة عارضة، ولا فكرة دنسة، مما يجول في أحلام العذارى عند ~~اكتمال نموهن. # وكنت من أولئك الرجال الذين - وإن لم يرتفعوا هم أنفسهم إلى مصاف الملائكة - لا يزالون ~~ينتظرون من الفتاة التي تحبهم أو المرأة التي يبنون بها، أن تكون ملكا من السماء، وأن ~~تكون أنقى من النقاء. # وكذلك كان مذهبي في الزواج وديني، وكنت مجمعا نيتي على أن لا أرتضي لنفسي في شركة هذه ~~الحياة إلا الفتاة الطاهرة النقية العذراء. # فلما أحببت «د» حسبتها مجتمع ذلك كله، وكانت أيامنا الأولى حافلة بالهناءة، ثم ما لبث أفق ~~عيشنا أن غام واكفهر، والآن، وأنا أعود بالذاكرة إلى ذلك العهد، أحسبني كنت يومئذ من ~~«الدقة» القديمة، ولم أكن في عرفاني بواجبات الزواج «ابن العصر» وفتى الجيل. # لست أدري ... وإنما كل ما أدريه أنني لم أك أحمقا في ذلك الحين؛ إذ كنت أنتظر في عودتي إلى ~~البيت من عملي على مطالع المساء أن أجد زوجي في الدار ترتقب عودتي من كدح نهاري، وكنت أرتقب ~~منها أن تقوم على رعاية شؤون المنزل وتعهده، ولكنها كانت تذهب في الزواج غير هذا المذهب، ~~وترى ms35 في عيش الأسرة غير هذا الرأي، وكان حسبي ما عانيت من ألم الوحدة وعيش العزلة في أيام ~~عزوبتي، أنعم بحياة الزواج ورفقة الزوج والمقام بدار حسنة نظيفة مكفولة الرعاية في ظل ~~المرأة التي اخترتها من بين نساء هذه الأرض لشركة الحياة. وكنت قد جمعت ما ادخرت من المال ~~من قبل، فابتعت دارا صغيرة غناء ذات حائط آنف، فجملتها بما شاء الذوق الرفيع من نفيس ~~الرياش، وظننتني بذلك قد ابتنيت عشا حلوا بديعا لمقامي بجانب امرأتي الحسناء. # وكنت أحسبها ستحسن القيام على تلك الدار وتتعهدها بالعناية الواجبة، ولكن وا أسفي ... لقد ~~أخطأت الظن، فقد كانت «د» لا تعرف من فن الطهي كثيرا أو قليلا، ولا تحفل بأن تتعلم منه ~~شيئا، وكانت أجهل امرأة كربة بيت، وأعلم امرأة كغادة برزة تغشى المجامع وتلتمس أماكن ~~القصف واللهو، وتبين لي أن مطالب البيت لن تكون يوما من واجبها، وإنما أنا الكفيل بغناي ~~الذي تعرفه عني أن أملأ البيت خدما لها ووصيفات. وألفيتها تشرب الخمر في مجالس الصواحب ~~والخلطاء، وتدخن التبغ، ولا ريب في أن أكثر السيدات يعاقرنها اليوم ولا يمتنعن عن اللفافة ~~أو اللفافتين، ولكن لعلي كنت يومئذ من «الدقة القديمة» كما قلت، فكرهت ذلك منها ونكرته، ~~وزادني استنكارا له أنها جعلتني أعتقد قبل الزفاف أنها لا تعاقر الخمر، ولا تدخن، ورأيتها ~~حوامة هوامة على مجالس اللهو، فتبعتها بادئ الرأي وسايرتها في هواها حتى تبين لي أنها لا ~~تبغي عن اللهو حولا ولا تجد منه شبعا، وأن البيت عندها هو آخر مكان تلجأ إليه إذا أعوزها ~~اللهو أو لم تجد قصفا. وكاشفتها في أمر الخلفة والرغب في الذراري والبنين، فصارحتني أنها ~~لا تريد من ذلك شيئا، فأخذت أدرك رويدا أن كل غرضها من الزواج بي لم يكن سوى الركض في ~~ميدان اللهو كيف شاءت وشاء لها الهوى. ولم تكن تشعر لي بشيء من الحب، وهو ما ينتظر من أية ~~امرأة سواها ما دامت ترى زوجها ذا مال تنفق منه وتجده هينا لينا معها، يأذن ms36 لها أن تسلك ~~في العيش المسلك الذي تحب، فبدأت أرفض الذهاب معها إلى مغاشي السمر واللهو، إلا على فترات ~~معقولة وفينات متناسبة، فراحت تغشاها وحدها أو مع رجل آخر. ولم أكن أعرف مع من كانت تذهب، ~~ولا حفلت بأن أعرف؛ إذ لم تكن حركاتها وسكناتها في تلك الفترة عندي ذات بال. وعدت إلى نفسي ~~في آخر الأمر فقلت لها: إن هذا الأسلوب من العيش لا ينبغي أن يمضي على سننه، وما دمنا في ~~فهم الحياة الزوجية على خلاف، فعلام نبدد أيامنا هكذا خلية من الهناءة المتبادلة والنعمة ~~المشتركة، وحاولت أن أقنعها بوجوب الطلاق والسماح لي بتسريحها، ولكنها غضبت وتمادت ... ~~فاستحوذت علي من ناحيتها سآمة ممضة، ودفعني الاشمئزاز من عبثها وخطتها إلى تركها، فخرجت في ~~ذات يوم هائما على وجهي تاركا كل شيء ورائي، متحملا إلى بلد بعيد لم أكاشفها به، ~~واعتزلت النساء كارها لهن واجدا عليهن الدهر كله، ووجدت لي عملا في ذلك البلد النائي ~~فسلكتني فيه، ولكني لم أقبل عليه إقبالي فيما فرط من أيام الشباب، وعهد النشاط وامتلاء ~~الفؤاد بالأماني والآمال، ورحت أتلهى وأتناسى مرير الخسة في زواجي بغشيان المشارب وإقامة ~~الليل، وبدأت أعاقر الشراب قليلا، ثم ما لبثت من إيلافي له أن رحت ألح عليه لحاحا ~~... # وكذلك مضى بي العيش رحيا حتى التقيت بالحسناء «ر» ... وفي الحق لم تكن هذه بالمرأة الأولى ~~التي عرفتها منذ رحيلي عن تلك الزوج الناشز الحوامة المتلاف، بل لقد لقيت قبلها كثيرات، ~~جعلت أتناولهن كما جئن، وأعاملهن المعاملة التي يستأهلن، فمنهن من أصابت مني الاحترام، ~~وأخريات لم يجدن عندي غير الاحتقار والعبث، ولكنهن جميعا لم يكن يظفرن مني بعاطفة صادقة. ~~فلما جاءت هذه، وجدتني لأول مرة قد وقفت لأتروى وأفكر ماذا ينبغي لها في فؤادي، فكانت بادئ ~~الرأي امرأة متعة أتلهى بها حينا لكي أنبذها إذا أنا بشمت بها، ولكن ما عتمت بعد عرفاني ~~قدرها، وامتحاني خلقها وعاطفتها، أن وجدتني أحس لها احتراما عميقا في أطواء النفس، ولم ~~أكن يومئذ أدري ما ms37 الذي بعثني على احترامها، وما عرفت ذلك إلا على ختام هذه القصة كما سترى ~~... # كانت في بادئ الأمر لغزا دق على حله، بل في الحق لقد سقطت علي بغتة، فدهتني بسحرها ~~فجأة؛ إذ رأيت فعالها وكلماتها على نقيض ما كنت أشهد من النساء اللاتي عرفتهن. وكانت مليحة ~~محببة، حلوة التركيب، ذات عينين نحلاوتين سوداوتين طاهرتين عفتين، وفروع سوداء فاحمة ~~كالليل، وإنها لتأتي عليها لحظات تبدو فيها عيناها رانيتين رنوة مسكينة شاكية يائسة ~~مستضعفة، حتى ليخيل للمرء أن ينثني إليها فيتناولها في أحضانه ويحميها بجناحيه، ويقيها بحبه ~~ورثائه، فإذا تكلمت أدرك السامع من لهجة حديثها وروعة منطقها أنها قوية فلا تحتاج إلى ناصر، ~~ولا تسأل عون معين. # ولاح لي أنها لم تكن تميل إلى رجل بعينه، أو تلتمس الحب عند فتى بذاته، بل كنت يوما ~~أراها مع واحد ثم لا ألبث أن أجدها عند سواه، وقلما تتراءى مع رجل أكثر من مرة أو مرتين، ~~وتضافر رأي الجميع بلا معارض على أنها مثال الفتاة الأنيسة المفراح لا غبار عليها، ولكنهم ~~كذلك اتفقوا على أنهم لا يجدون عندها ما هم واجدوه من الفتيات الأخريات؛ إذ لم تكن تبيح لهم ~~من عبث الغزل وألعاب الشباب ما تبسم له وتستطيبه غيرها من الأتراب والصاحبات، فلم يكن أحد ~~منهم يلتمس اصطحابها إلى النزهة واللهو أكثر من مرة واحدة ثم يكف. ~~••• # وكذلك رأيتني بعد قليل أسألها الخروج معي إلى النزهات، وما كان مثلي بمن يقنع بالمرة ~~والمرتين، فإن ما رأيته منها أكد عندي ما سمعته عنها، فزادني هذا تعلقا بها واستكثارا من ~~الجلوس إليها ومعاودة النزهة معها، فلم تكن ترفض لي سؤالا، وما عتمت أن قامت بيننا الرفقة ~~الثابتة المكينة، ووجدتها من تلقاء نفسها قد امتنعت عن الفتيان وكفت عن الخروج مع أحد منهم، ~~ولم أكن سألتها أن تمتنع، ولا أوحيت إليها أن تكف، فسرني ذلك منها وحببني إليها. وعلى ~~الأيام ألفيت تغيرا عظيما قد أخذ يظهر عليها، فقد بدأت ترفض اللفائف وتستعفي من الشراب ~~كلما عرض ms38 ذلك في المجلس، أو أغريتها به قائلة إنها لم تعد تحفل بشراب ولا «تبغي» تدخينا، ~~وكنت أعلم أنها من قبل كانت تشرب وتدخن، ووجدتها كذلك قد أخذت رويدا تخلع عنها شملة ذلك ~~المظهر القوي المستقل الثابت الذي كانت تتراءى للناس به، وراحت تبدي جانب المرأة الضعيفة ~~منها، وتتكشف لي عن إنسانة تحتاج إلى الحامي والراعي والنصير. # ومن ذلك الحين أخذت أحلم ثانية بالزواج وعيش الأسرة ونعمة الذراري والبنين، ففي ذات مساء ~~صائف اتفق رأينا على ألا نذهب إلى المراقص ولا نطلب في تلك الليلة الملهى، بل نخرج للنزهة ~~في الحدائق والرياض. # وفي الحديقة الكبرى ألفينا مقعدا منعزلا تحت شجرة، فقعدنا، وطوقت كتفها بذراعي تطويقة ~~حب وحنان، وسادنا سكون طويل ثم أنشأت تتكلم، قالت: أرى الأمور تجري مندفعة، فقبل أن نتمادى ~~مع تيارها ينبغي أن أكاشفك بما في نفسي ... إنني أحبك ... فما لي لا أجهر لك به، وأحسبك تحاول ~~حبي أنت كذلك، ولكن لعلي قد غلوت في التصور وحملت عاطفتك لي على أكثر مما ينبغي أن تحمل، ~~فإذا لم تكن تحبني، فلا حاجة بي إلى مكاشفتك به لأنه لا يخصك، أفأنت راغب في سماعه؟ ~~... # وانزوت عني قليلا وهي تتحدث، وكان صوتها خافتا مغمغما، حتى لا يكاد يقع في المسمع، وإن ~~كانت قد صبت تلك الكلمات صبا، وتدفقت بها تدفقا، كأنها من لهفة على الجهر بها تريد إراحة ~~صدرها من عبئها. # قلت: أريد أن أسمع أي شيء تقولين يا حلوة. # وساد سكون ثم غمغمت تقول: إن لي طفلة! # فنظرت إليها مبهوتا ولم أستطع قولا. # ولكني عدت أقول: إذن لقد كنت إذن ذات بعل؟ # فأجابت في صراحة رهيبة جليلة: كلا! # فبدهني هذا الجواب وصعقت له، ولم أستطع أن أصدق أن هذه الفتاة البريئة النظرات العفة ~~السمات التي أصابت منا جميعا مكان الإعجاب، هي ... يا لعنة السموات! # قلت: حدثيني كيف كان ذلك ... # فمضت في رفق وعلى فترات صمت كأن كل كلمة تفتح في النفس جرحا وتستثير عذابا أليما، ~~تحدثني بقصتها الأليمة وكيف أن لها ms39 طفلة أتمت الحول الأول أو قرابته. # وجلست بعد أن فرغت من حديثها شارد النظر سابح المخيلة في أودية التفكير. # قلت أخيرا: أتقولين إنه كان متزوجا بك لو أنه عاش وأنسأ الله في أجله. # قالت: ذلك كان قوله، وكنت أحسبه على الأيام فاعلا لو لم تعجله المنون فتخترمه. # وأمسكت فلم تزد، ولم تدفع عنها تهمة، ولا حاولت أن تعتذر بنزق الشباب، أو تتشفع بظروف ~~مخففة. # ولكني أدركت فيما تلا من الأيام شيئا كثيرا عن حياتها الماضية، وعرفت أنها كانت صادقة ~~فيما حدثتني به، وكانت ترقب الزواج بذلك الرجل لولا أن القدر خدعها في أمنية فؤادها. # وأنا اليوم قادر كل تلك الظروف التي اجتازتها تلك الفتاة المسكينة حق قدرها، ولكني في تلك ~~الأيام كان كل رأيي فيها أنها امرأة ملوثة دنسة لا تصلح لمثلي زوجا، أما امتلاكها فذلك أمر ~~آخر، وأما الاستحواذ عليها فلا بأس منه ولا ضير. # فإذا هي تخيط ثوبا صغيرا لوليد. # ومضيت أتشفع لهذه الفكرة بيني وبين نفسي بأنها قد ظلمتني بعض الظلم وأساءت إلي ناحية من ~~الإساءة؛ إذ غررت بي وأوهمتني أنها الفتاة العفة الجديدة لم تمس، وأنه ينبغي لي أن أدفع ~~الظلم بظلم مثله، وحسبتني في ذلك الحين قد كرهتها، وأنني واجد اللذة والمتعة في إيذائها، ~~وأن ما كنت أظنه حبا في النفس لها لم يكن في الحق شيئا غير النزوة والشهوة، ولكن لعلك ~~قائل لعمرك كيف تجتمع الكراهية والشهوة، ولكن كذلك كان يومئذ رأيي في مشاعري من ناحية تلك ~~المرأة. وكذلك مضيت أغريها بأنني لا أزال على حبي لها وأقنعها بقوة ذلك الحب أن لا بأس ولا ~~ضير من أن نعيش معا فترة من الدهر حتى يتواتى لنا أمر الزواج ... ولم أكتم عنها نبأ زواجي ~~الأول، ولكن نبأتها أنني عما قليل سأطلق زوجتي ولم أحفل بشيء في سبيل التغرير بها كما غررت ~~بي، فاستأجرت طبقة وسط في المدينة ففرشتها برياش بسيط وانتقلنا إليها، وكانت النية في ذلك ~~ألا أهبها شيئا صالحا ولا أدعها تنعم بعيش مونق ms40 جميل، اعتقادا مني أنها لا تستأهل ذلك، ~~واعتزاما من ناحيتي أن لا أطيل معها مكثا. ولاح لي أنها لم تلحظ حقارة الرياش، بل فرحت ~~بالبيت وما فيه، وأكببت على عملي النهار كله ولم ألق بالا إلى شؤون البيت ومطالبه، ولكني ~~ما لبثت أن دهشت لذلك التغيير العجيب الذي بدا لعيني؛ إذ جعلت كلما عدت إلى الدار بالعشي ~~أرى الرعاية تامة والبيت نظيفا والأفق فرحا يملأ النفس رضى ومسرة ... ولم أكن أعطيها من ~~المال غير النزر اليسير، ولكنها بذلك القليل قنعت، وحشدت في البيت من كل طيب وبديع وبهيج ... ~~وكان سرورها الأكبر أن تتحفني كل عشاء بلون جديد من الطعام ومبتكر طريف من المأكل ~~والألوان. # وكذلك كانت ربة بيت صناع ماهرة، وسيدة في الدار أريبة حذقة، وأذكرتني حالها بحال طفلة ~~تتخذ من لعبتها الجميلة بيتا، وتجد في تنسيقه نهاية الفرح والجذل. # واها للمسكينة! لقد كان ذلك أمنية فؤادها الأولى التي حرمتها ولم تتهيأ لها، ولعل ذلك سر ~~ابتهاجها بتوفير أسباب الهناءة في جوه وتجميله بما في مكنتها أن تجمله. ومضت الحال كذلك ~~ردحا، ولا زال في نفسي الرغب في الثأر منها، بل لقد كنت أقسى من ذلك شعورا. فحدثتني النفس ~~أن أستطيل في إمساكها حتى تطمئن إلى أن العيش قد استتب والدار قد استقامت، ثم أنثني فأحطم ~~كل ذلك بكلمة واحدة إغراقا في التشفي، ومبالغة في الأذى، وإن لم يكن ذلك بمانعي إذا عدت في ~~المساء من تناولها في أحضاني وطبع قبلاتي على صفحة محياها ... والتمتع بما أعدت لي من جديد ~~ومبتكر. # ففي ذات مساء راحت تسألني متى إذن يكون زواج. # فاستضحكت وقلت: لا تكوني بلهاء، وأنت تعرفين أنني ما فكرت قط في الزواج بك. # فأمسكت عن الكلام ولم تعمد إلى توسل ولا فزعت إلى شكاة أو عتب أو رجاء. # ولكني لن أنسى ما حييت تلك النظرة المسكينة التي أطلت علي من عينيها في ذلك المساء، وا ~~أسفاه! لم تكن تلك النظرة حدجة مسمومة ولا جحظة غاضبة، ولم تلح على عينها ms41 سريعا، ولم تخطف ~~كالتماعة البرق، وإنما كانت رنوة ألم ساكن ونظرة إنكار حائر، لاحت رويدا رويدا منبثقة ~~انبثاق الفجر، يبدو بياضه في سواد الليل خيطا بعد خيط، وكأنما كان المسيء إنسانا غيري، ~~فجاءت تلتمس بنظرتها تلك عندي المؤاساة والعطف والرثاء. # ولست أدري كيف رحت وحشا أعمى! فاسترسلت بعد ذلك في مسلكي القاسي الأليم. # ولقد كنت ولا ريب أرتقب من وراء هذه القسوة أن أحملها على النفور من هذا العيش، والتمرد ~~على تلك الحياة، وكنت أنتظر أن أعود ليلة فلا أجدها في البيت. # ولكنها لم تتبرم ولم تحاول فرارا، بل مضت تعنى بالدار أكثر مما فعلت من قبل، وتحشد فيها ~~ألوان الهناءة ما استطاعت، وتلتمس إرضائي بكل حيلة وسبيل، فظللت دهرا حائرا بين محاولة ~~النجاة من فتون حبها، وبين إطلاق النفس على سجيتها لتحبها وتحسن إليها. # ففي أصيل بديع بكرت فيه إلى البيت فدخلت عليها الخدر على غرة، فإذا هي تخيط ثوبا ~~صغيرا لوليد وتغمغم بأغنية حلوة، فلما انتبهت إلى مواقع قدمي وقفت أنغام الأغنية على ~~شفتيها واضطربت تحاول إخفاء الثوب الذي تحيكه، ولكنها لما أدركت أن لا جدوى من الإخفاء بعد ~~أن أخذ عيني طول ذلك الثوب ودقته، راحت تهز كتفيها الجميلتين وتعاود العمل بإبرتها. قلت: ~~لمن هذا الثوب؟ وأنا أعرف أو أحسبني أعرف أنه لطفلتها، ولم أكن رأيت طفلتها إلى ذلك العهد، ~~وإنما كنت من قبل قد قلت لها: إننا بعد الزواج سنجيء بالطفلة من البيت الذي هي فيه لتعيش ~~معنا وتترعرع في أكنافنا. # قالت في تؤدة: إنه لوليدك! # فبهت ووقفت مكاني جامد الحركة. # قلت عابثا ساخرا: وليدي! ما شاء الله! ومتى كان ذلك؟ # وكنت من قبل قد نبأت أن سبب نفاري من «د» أنها بجانب مسلكها الطائش لم تكن تريد أن أنعم ~~منها بفرحة البنين، فلما أنكرت عليها ذلك في لهجة السخرية التي فهت بها، لم تزد على أن ~~قالت: لقد كنت أظنك متلهفا على الوليد، وقد كنت أنا كذلك للذرية راغبة، فتركت للطبيعة ~~شرعتها المقدسة، مؤمنة بأنك ms42 ستتزوجني قبل أن تحين ولادة. # ولكني في أعماق النفس كنت ثائرا غاضبا، إذ كنت على ما ألفت من عقائد الناس ونظراتهم في ~~الحياة لا أزال أرى أن امرأة مثلها لا تروح خليقة بأن تكون لذريتي أما، فانثنيت أقول: ~~إنني أعرف طبيبا يستطيع أن ... # ولكني أمسكت فلم أتم كلمتي، إذ رأيت في عينيها نظرة أبلغ من الكلم، وأفعل في النفس أثرا ~~من الشكاة والضراعة! # وجاء يوم الوضع، وحضر الطبيب ووافت الممرضة، فخلتني رجلا احتواه بيت غريب ليس له به عهد، ~~وخرج الطبيب من حجرتها، فنبأني بأن زوجتي تريد أن أدخل عليها، فدخلت مستجمعا جأشي، فجلست ~~بجانب سريرها وأنا حائر لا أدري ماذا أفعل وماذا أقول! # ولكن وجهها الشاحب وعينها المتوسلة أوحيا إلى نفسي أنها تريد أن أكون منها قريبا، ~~وابتسمت لي قائلة: أود لو أنك تبقى بجانبي هكذا وتتحدث إلي وتمسك بيدي قليلا، أفترى في ذلك ~~بأسا؟ # قلت بحنان: لست أرى فيه بأسا مطلقا إذا كنت ترين أنه ينبغي أن أكون بجانبك، ولكن ~~أتحسبين في الحق أن مكاني الساعة هنا ... # وترددت ولم أزد. # وكأنما أدركت غرضي، فقالت: أريد أن تبقى، ولكن إذن ... واختنق صوتها بانتحابة مجهشة وشدت من ~~فرط تشنجها على يدي شدة لم أكن أستطيع أن أجتذب منها لو أنني أردت الانصراف. # وجاء الطبيب والممرضة إلى سريرها، لها الله من مسكينة! لقد كانت تعرف أي عذاب هي معانيته ~~بعد قليل، فقد أحست وقعه من قبل وجربت ألمه، ولكن ذلك لم يمنعها من معاودته بدافع الحب لي ~~والعمل لإرضائي. # ومضى أسبوع لم يأذن لي الطبيب في رؤيتها قائلا إنها تتعلق من الحياة بخيط واه، وإن من ~~الخطر عليها أن ترى أحدا وأن تراني أنا خاصة، فمضى علي ذلك الأسبوع في عذاب لم أكن أتوقعه، ~~وما أحسب أنني واجد مثله فيما بقي من الأجل. # وقد عرفت أثر الصلاة في النفس فرحت أصلي لله من أجل نجاتها ودعوته أن يقدرني على أن أكون ~~خليقا بذلك الحب، جديرا بتلك المرأة؛ لأنني وجدتني أحبها، وأدركت ms43 أنها هي عندي العالم ~~بأسره، وأنها إذا ماتت كنت أنا الملوم ولن أعيش بعدها أبدا، وعجبت لنفسي كيف كنت أعمى ~~البصيرة من قبل أحاول إقناع ضميري بأنني لم أشعر يوما من نحوها بحب، وأتجاهل ذلك الحب ~~الرائع العجيب الذي وهبتنيه من ذات نفسها. # وكأنما استجاب الله لدعائي، فأخذت تبل من علتها، وجاءني الطبيب ذات يوم يقول: اليوم لك أن ~~تدخل عليها، فطفر قلبي فرحا عندما مشيت إلى سريرها على أطراف القدمين، وجثوت بجانب فراشها ~~وطوقتها بذراعي هي والوليد، وكان يصرخ غير حافل بشيء، ورحت أبكي وأنتحب وهي لا تشعر بقربي، ~~ثم ما لبثت أن التفتت إلي فقالت في عجب: ما لك تبكي يا عزيزي؟ وأخذت تلاعب شعري بيدها ~~الخلية. # فانثنيت أقول: إنني لسعيد بك أيتها الأم الصغيرة، وراغد الحياة بشفائك وعودك إلي أنعم بك ~~آخر الدهر، وأنا فرح جذلان بهذا الوليد الذي جاءني ليدلني على أني كنت بالأمس أحمق! أواه يا ~~غالية، أيتاح لي أن أجعلك سعيدة مثلي اليوم! ويحي! هل لي أن أسألك صفحا عني وعودا إلى ~~حبي؟ وماذا أستطيع أن أفعل تكفيرا عما أسأت إليك من قبل؟ # قالت بصوت مغمغم وعين وسنانة: ما كففت عن حبك قط، وما كنت مستطيعة أن أكف عنه، فإذا أردت ~~أن تسعدني فقليلا من حب ... # وأمسكت فلم تتم كأنما من خوف. # قلت: نعم سنتزوج يوم أكون طليقا وسأكون ولا ريب. # وكأنما كان القدر مسعفي، فقد وجدت «د» الرجل الذي سكنت إلى حبه واطمأنت إلى نعمة العيش في ~~كنفه فودت طلاقا. # وكذلك كان زواجي الثاني منذ عشر سنوات، ونحن على محض الحب والوفاء والهناءة باقيان ~~... # | ما الذي يقتل الحب؟ # تسامع الناس بأنني اختطفت ابنتي، بل أسوأ من ذلك وأدهى أن القضاء حكم بأنني كنت خائنة عهد ~~زوجي، وقضى بطلاقه من هذه المرأة التي لا تعرف للشرف حقا، ولا ترعى حفاظا، وحكم له بأخذ ~~الطفلة ... # جرى ذلك كله باسم العدالة! فيا للنكر ويا للسوء! ... # أيتها العدالة، كم من مظالم ترتكب باسمك ...! # نعم، لقد كانت تلك ms44 كلها ظلما فوق ظلم، وأكاذيب إثر أكاذيب. # وقد حدث الحادث الأكبر في ذات صبح فقد فيه زوجي صوابه، ومضت نزعة الغيرة التي طالما ~~استبدت به، فاحتملته إلى نوبة عارضة من نوبات الجنون، وكنت قد استيقظت في ذلك الصباح كمن ~~يصحو من حلم أليم يملأ صدره تطيرا وشر النذر، فإذا به لا يزال في نصف ثيابه واقفا حيال ~~المرآة يتهيأ للبسة الخروج. # واستدار نحوي وفي عينه بريق الكراهية والحنق. # قال: أفهمت إذن، ينبغي أن لا تعرفيه بعد اليوم، لا أريد أن أكرر أمري هذا مرة ~~أخرى. # وكذلك قذفني بهذه الكلمات في اللحظة التي فتحت فيها عيني مستيقظة. # قلت بصوت راعش: ماذا جرى؟ # وأمسكت لحظة ثم استأنفت القول: أنت تعرف أننا التقينا به ليلة أمس في دار أخيك محض اتفاق، ~~وكان الدهر قد ضرب بيني وبينه عدة السنوات إذ كنت أعرفه في بلدنا يوم كنت في المهد صبية، ~~وجاء من البلد منذ عهد قريب وأنشأ يقص على سمعي أنباء أهلي وأقاربي، فكان أقل ما ينبغي أن ~~نفعله من أجله أن ندعوه الليلة إلى العشاء عندنا قبل أن يغادر المدينة. # ذلك ما قلته له. # ولم يكن شجارنا في الغداة إلا بقية من شجارنا في الليلة البارحة، فبرقت عيناه عندما سمع ~~كلماتي تلك، وقال: لا يهمني أن يكون ما تقترحينه أقل ما ينبغي أن نفعل، اعتذري له بأنك ~~اليوم مريضة، تشفعي بأي عذر، كل غرضي أن لا أرى ذلك الرجل في بيتي. # فاستويت جالسة في فراشي. # قلت: علام هذا التشنج والانفعال؟ إن ذلك الرجل - كما تقول عنه - صديق قديم، وأنا أصر على ~~أن نعامله كذلك. # وتولاني الغضب فاسترسلت أقول: لقد أزهقت روحي كل ~~هذه السنوات الثلاث الماضية باعتراضاتك كلما رأيتني أتحدث إلى رجل، بلا أدنى سبب معقول أو ~~عذر وجيه، وأنت تعلم أنني ظللت أبدا على الوفاء لك والحرص على عهدك، وأنا باقية عليه ما ~~حييت ... # ولكنه عاجلني بقوله وهو يهجم علي وقد احمر وجهه غيظا، وانتفخت أوداجه وهز أنملته في ~~وجهي هزا: «أتتحدثين ms45 عن الوفاء لي ... ما شاء الله ... أنت وفية؟ ... أنت ...!». # فانزويت منه رعبا إذ أدركت أنه قد استطار صوابه. # وإذا به يندفع في ثورة مجنونة صائحا بي: أنت وفية.؟ إذا كنت قد أقمت لي على الوفاء فما ~~ذلك إلا لأنني حفظتك كذلك وصنتك. نعم، أنت زوجي ولن أدعك تنسين ذلك، فهذا نذيري! إن ذلك ~~المخلوق لن يراك ما بقيت لي في هذه الدنيا حياة، أفاهمة ما أقول؟ # وتولى عني معرضا، فأخذتني نوبة حنق لكرامتي، فتلفعت بلفاعتي ونهضت له، فقلت: لمن تحسبك ~~تتكلم؟ لقد كنت مضحكا في غيرتك قبل اليوم، ولكني لم أكن أظنك ستنسى أدبك في حقي إلى هذا ~~الحد.؟ أنت ترى أن الدعوة قد تمت وهو قادم الليلة إلى هذا البيت، وقد أنبأني أن لديه أمرا ~~يريد أن يتحدث إليك في شأنه. # فدار على عقبيه وصاح بي: تقولين أمرا! أي أمر له معي؟ سأريه أمري معه. # وانطلق في ثورة الجنون، فدفع الباب خلفه وأدار المفتاح في قفله، فلم أكد أصدق سمعي ... يا ~~لله.! لقد حبسني زوجي في حجرتي.! # وعدوت إلى الباب مشدوهة، فعالجت أكرته وسمعت الباب الخارجي يغلق بعنف، فكدت من الهم ~~تغشاني الغاشية، ولكني تذكرت أن طفلتنا نائمة في سريرها في الحجرة المقابلة للشرفة، ولا بد ~~لي من الخروج من حجرتي في الحال لأعد لها فطورها وإلا خنقت الوليدة من فرط النحيب إذا أنا ~~لم أسارع إليها. # وكأنما قد أيقظها صياح أبيها فسمعتها من خلف الباب تصرخ قائلة: ماما ... ماما ... طاب الصباح ~~... # يا إلهي كيف العمل ... لقد جن جنون زوجي من أثر غيرته، وما أحسبه سيعود فيفتح الباب، ~~فتلفت حولي في الحجرة يائسة، فتذكرت أن النافذة، وكانت الوحيدة في الغرفة، تطل على فناء ~~البيت، فإذا صحت وناديت فلعل أحد السكان سيسمع صيحتي وندائي فيهيب بالبواب فيجيء هذا ~~لإخراجي، فأستطيع الذهاب إلى طفلتي في الحجرة الأخرى. # ولكني ترددت لحظة أسائل خاطري: أينبغي الصياح بالجيران ليعلموا أن زوجي قد حبسني في ~~مخدعي وانطلق في سبيله؟ كلا! آخر الحياة. يجب أن أحتال ms46 للخروج من هذا المازق بوسيلة ~~أخرى. # وكان ألمي الدفين في أعماق نفسي أن يكون زواجي به قد بدا غلطة شنعاء وغصة أليمة لنا، ~~والناس لا يعرفون عن ذلك قليلا ولا كثيرا، أو الجيران يعتقدون أننا من خير الأزواج ~~وأصلحهم حالا وأسعدهم عيشا، أفكان ظهور ذلك الرجل في أفق حياتنا سبب هذه المأساة التي ~~وقعت لي اليوم. # وفاض فيض عاطفتي، وثارت ثائرتي، وهمت عبراتي، فتهالكت على الفراش ساخطة حانقة، لم آت ~~منكرا، ولم أحدث في الحياة سوءا ولا ضرا، فعلام هذا العذاب؟! ولم هذا العسف الذي ~~أسامه؟ لقد كان لقاؤنا بذلك الصديق على غير ميعاد في بيت شقيق زوجي الليلة البارحة، وقد ~~سرني أن أراه بعد غيبة الأعوام الطوال، فقد كنا منذ عشر سنين في البلد الصغير الوادع الذي ~~فيه نشأت صديقين على ولاء، ثم انحدر هو إلى المدينة ليشتغل بصناعة المحاماة، ولعل ذلك هو ~~السبب الذي منعني الزواج حتى أدركت السادسة والعشرين على الرغم من إلحاح فتى آخر علي ~~بغزله وتودده واستدراجي إلى الرضاء به زوجا ... # كان ذلك منذ خمسة أعوام، مضت أربعة منها وأنا أغالب الندامة وأناضل الأسى حتى لا أعترف ~~لنفسي بأن زواجي عاد خيبة مريرة ولم يعد هناءة ولا رغدا! # ولكني أمسكت فيض خواطري وعدت إلى نفسي أردها إلى موقفي المحرج الأليم، وأذكرها بمحبسي ~~هذا في مخدعي. # ووثبت من فراشي لأحتال على الخروج، فمشيت إلى الباب أتفحصه، فإذا هو ثقيل متين القفل، فقد ~~جئنا بالنجار منذ أسبوع فأصلحه وكان من قبل لا ينغلق تماما إذا أغلقناه. # وتذكرت أن النجار انتزع الباب من مفصلاته ثم رده إلى موضعه، فصعدت كرسيا ونظرت إلى ~~المفصلة العليا وقلت لنفسي لعلي مستطيعة أن أنزع مسامير المفصلة كما فعل النجار، فمضيت ~~أحاول ذلك طويلا بمقصي، وذهني مفعم بذكريات الماضي، وأحداثه تعود إلى خاطري، بينما يداي ~~الضعيفتان تعالجان المسامير. # ولم أستطع أن أحل ذلك المعمى، معمى زواجي، ولم أجد له سببا إلا بعض تصاريف الأقدار ~~ومجتمع الظروف. # كنت كبرى إخواتي، وكنا ست فتيات، تزوجت ms47 قبلي إحداهن، وخطبت أخرى، وبلغت أنا من الشباب ~~مرحلة بدأ فيها أهلي يستشعرون خوفا أحمق من بقائي عذراء، ويشفقون من أن أروح عانسا العمر ~~كله. ولعل خوف أختي المتزوجة من هذه الناحية ومكاشفتها لي بمخاوفها وإقناعي بوجوب انتهاز ~~أول سانحة للإقبال على عيش الزواج، هي كلها السبب الذي حملني على الرضى به عاجلة غير ~~متروية. # وكنت يومئذ أعرف ذلك الفتى الآخر، وكان لا يفتأ يسألني رأيي في قبول الزواج به، ولكني ~~تركته بين نعم ولا حائرا مترددا. فقد عرفته من عهد الطفولة وكان طيبا ساذجا، ولكني ~~كنت أضيق به ذرعا، ولا أجد في نفسي له ميلا ولا هوى. وأنا لكذلك إذ نزل زوجي بالبلدة ~~لزيارة أقارب له فيها ولعمل متصل بشؤونهم، وكان ينوي الرجوع بعد بضعة أسابيع، وكان لقائي ~~به في فرح أقيم في القرية عقب قدومه، فما لبث أن افتتن بي من بين سائر الفتيات اللائي رحن ~~يتلطفن إليه ويتحببن ... وتسامع الناس بأنه في خير حال وبسطة من الرزق، وكان ذلك كله كافيا ~~في قرية صغيرة كقريتنا لتهافت القوم عليه. وكنت من قبل ألتهف على زيارة الحاضرة، فجعلت ~~كلما جلست إليه في خلوة أسأله أن يحدثني عن مشاهدها، وكان ذلك يثير في النفس خيالا وفتنة، ~~ويبعثني على تخيل الفرار من هذا العيش الرتيب وحياة القرية الغبية المتبلدة، فلم ألبث أن ~~آنست إلى حديثه وآثرته على سذاجة الفتى الآخر، فتزوجنا بعد بضعة أسابيع وتحملت معه إلى ~~الحاضرة، وكان قد قال لي قبيل الرحيل: إنك ستحبين المدينة ولست أشك في أن أمي ستحبك ... فأنت ~~مليحة محببة أيتها الزوج الصغيرة الغالية. # يا لله.! ما كان أهنأ عيشي في الأيام الأولى لزواجنا؛ فقد كانت الحياة حلما في الكرى أو ~~خلسة المختلس، ولكني من أول الأمر وجدت أهله على غير ما كنت أنتظر، فقد ألفيتهم قوما ~~أغبياء ضيقي الأذهان، فلم أشأ أن أجاريهم في حوار أو أبسط لهم في أمر رأيا، بل رضت نفسي ~~على السكوت والاستماع إليهم: وكانت له أم هي على غرار ms48 سواد الأمهات تغار عليه من زوجه، ولا ~~ترضى أن تشاركها في حبه إنسانة سواها، فلما التقينا أول لقائنا مضت تتأملني بنظرة المتفحص ~~وكأنما استكثرت علي أن أكون لولدها زوجا، وقد سمعتها بعد ذلك بأيام تنصح له بتشديد الرقابة ~~على حركاتي وسكناتي، وهي في معزل تتحدث إليه خفية، نعم لقد طرق سمعي يومئذ قولها: لا تنس ~~يا بني، إن في النساء مليحات متناهيات الملاحة والفتنة، وهذا والله على الزوج الشر كله وفيه ~~الضر؛ لأنهن لا يسلمن من غزل الرجال ومعاكستهم لهن والجري أبدا في أذيالهن، فكن على زوجك ~~الحسناء يا بني بصيرا. # لعلي مستطيعة أن أنزل مسامير بالمفصلة كما فعل النجار. # وأحسبها كانت الملوم على نزعة الغيرة الجنونية التي تمكنت من نفس زوجي، فلقد كانت كبيرة ~~السلطان على نفسه، تسيطر على جميع فعاله، وكان هو ضعيفا أمامها لا يجرؤ على عصيان ~~أمرها. # وأدركت بعد قليل أنه لم يكن الرجل المدقق في عمله الذي سمعنا عنه في القرية، وإنما كانت ~~لديه فضلة من المال أودعها مصنعا صغيرا لصناعة الثياب، ولكنها لم تدر عليه خيرا، فما ~~لبثت حياتنا أن ساءت، وعجزنا عن الوفاء بأكثر المطالب، فمضيت أبحث عن عمل أعين بمرتبي زوجي ~~على أمره، فأصبت عملا لقاء راتب طيب، وكان يشاطر أمه اعتقادها أن المرأة المتزوجة ينبغي أن ~~تلزم بيتها، فلا تسعى على رزق، شح في العيش المال أم كثر؟ فضاق بخروجي إلى العمل ذرعا، ~~وكم من حوار جرى بيننا ونضال نشب، فكان فيه أبدا يحتج على أن أعمل في محل يعمل فيه ~~الرجال. # ووقع يوما حادث أليم؛ إذ أذنت لرجل من زملائي في المكتب أن يماشيني إلى باب البيت، وكنت ~~لا أرى في ذلك سوءا ولا ضررا، فقد كان شيخا أشيب الفودين محبوبا من كل عامل في المكتب، ~~وجرى بنا الحديث في الطريق حتى ألممنا بباب بيتنا وقد آذنت السادسة، ولقينا زوجي لدى الباب ~~فلم يدع الرجل إلى الدخول معنا ولم يحيه، بل راح يغلق الباب بعنف في وجهه. # ولما احتوتنا قاعة ms49 الجلوس انفجر يقول: ها قد بدأت تماشين الرجال، وتسايرين الزملاء، يا ~~لها من فكرة بديعة. # قلت: لست أفهم موقفك هذا، إنه رجل مهذب ويأنس إلى حديثي، وهو شيخ حطمته السنون، فلا أرى ~~سببا يمنعني مسايرته إلى بيتنا، ثم هو يعيش في هذا الحي بالذات، وطريقي طريقه. # وحاولت بالتلطف في الحديث أن أتحاشى الشجار معه، ولكنه انطلق يقول وهو منصرف إلى مخدعه: ~~لقد قلت لك لا تسايري أحدا ولا تماشي مخلوقا، ولست أريد أن أكرر ذلك ثانية. # وفي ذلك العهد ونحن على أشد الخلاف، في الرأي والنظر إلى الحياة، قضى القضاء العجيب أن ~~أرزق منه طفلة، فتركت عملي، وحاولت علاج مطالب البيت قاصدة في النفقة ما استطعت. وكانت ~~الأشهر التي تلت ذلك عهدا موحشا في الحياة أليما، فرحت أتعزى فيه بقراءة الكتب وخياطة ~~الأثواب، وكانت الطفلة جميلة موفورة الصحة، وراح أبوها بها مفتونا وجعل ينفق الكثير في ~~سبيل إتحافها باللعب والدمى، ولم نكن في ميسرة حتى يتواتى لنا استخدام مرضعة في البيت ترعى ~~الطفلة عني، وتقوم على حوائج الدار، فاضطررت إلى الإضراب في البيت لا أبرحه. # وفي العام التالي لمولدها جاءت أختي «س» من البلد لزيارتي فأقامت ردحا، وكأنما كانت ~~رسولا من السماء لمعونتي وطرد الهم عني، فكانت تجلس إلى الوليدة تلاعبها على مطالع الأصيل ~~تاركة لي الفرص للخروج إلى الأسواق أو التماس النزهة، وكانت «س» فتاة محببة، فما لبثت أن ~~عرفت صاحبا في المدينة وصواحب، فجعل هؤلاء وأولئك يجيئون لزيارتنا، والسمر عندنا، وكان من ~~بينهم غلامان مليحان ذكيان، امتلأت جعبتهما بطرائف الأدب والعلم، وكنت في لهفة عليها لأن ~~زوجي كان أكره الناس للقراءة لا يفتح في حياته كتابا، ولا يجد في نفسه استرواحا إليها، ~~فطاب لي الحديث مع هذين الغلامين، فجعلنا نتجاذبه في كثير من الموضوعات ونتطارح الآراء ~~ونتساجلها. # وفي ذات ليلة جاء الغلامان لزيارتنا ولم تكن أختي في البيت، فقلت لهما إنها ستتأخر ~~كثيرا، ولكنهما مضيا يستأذنان! هل من بأس في البقاء معي للحديث والسمر، وخشيت أن يكون ~~المساء ms50 موحشا إذ كان زوجي قد نبأني بأنه قد يتأخر في الحضور عن الموعد الذي اعتاد أن يجيء ~~فيه، فسرتني زيارة الشابين وطردت عن صدري ألم الوحشة. # وأنت تعلم أن الشباب مولعون بالكلام عن النساء وخاصة مع سيدة أكبر منهم، لكي يصيبوا من ~~العلم بالمرأة ما لا يعرفون، فلا عجب إذا انطلق بنا الحديث في تلك الليلة عن أقيسة الجمال ~~وحدوده وتعريفه. وسرى الحديث بيننا خلال الساعات وأنا منه مسرورة جذلة، وراح أحدهما يقول ~~بسبيل ما كنا نتحدث عنه: إن «أختك» جميلة بل قد تكون أجمل منك، وإن لم تكن لها فتنتك، ولم ~~تصب حسن قدك وجلال مظهرك، ولا شيئا من ذكائك وأدبك. # فتلفت فجأة صوب الباب، فما كان أشد دهشتي إذ رأيت زوجي واقفا لديه، ولم نكن سمعنا حركته ~~ولا وقع قدميه وهو قادم، ولم أدر كم لبث في موقفه. # واضطرب الغلامان من مباغتته هذه والغضبة الظاهرة على محياه ... فاستأذنا وانصرفا ~~فجأة. # وما كاد الباب يغلق وراءهما حتى انطلق في فيض من الشتائم والسخرية المسمومة ~~القاسية. # قال: إذن أنت ناوية أن تدنسي فراش الزوجية وتلوثي شرف الطفلة. وكانت تلك أخف سبابه وأهون ~~شتائمه. # وحاولت الاحتجاج ولكن احتجاجاتي لم توقف تيار سبابه بل مضى يقول: لقد استطعت أن أبقي ~~عليك شريفة عفة كل هذه السنين، فإذا بك اليوم تشاغلين الفتيان لأنهم من السذاجة والغفلة ~~بحيث لا يعرفون أية شيطانة تكونين. # وكذلك طفق يرتع في عرضي كما شاءت له غيرته الحمقاء العمياء الحانقة. # وكانت أختي قد اعتزمت العودة إلى البلد في الأسبوع التالي، فأجمعت أمري على السفر معها ~~لأقيم فترة من الدهر بجانب أهلي، وأستريح ردحا من غيرته وريبه، فلما نبأته بنيتي، قام ~~بيننا شجار عنيف وأنذرني بأنه مغلق البيت وحابسي فيه إذا لم أنصع لحكمه. # ولم تكن هذه أول تهديدة من نوعها سمعتها من فمه، ولم أكاشفه بموعد سفري وتركته يمضي في ~~ذات صبح إلى عمله فارتحلت في سكون وخلسة. # وفرح أهلي بمقدمي والطفلة، وكانت تلك أياما طيبة، نعمت فيها بمجالس ms51 وأصحاب وصواحب أعرفهم ~~من زمان ويعرفونني، وفي دار إحدى الصواحب لقيت طبيبا أخصائيا في أمراض الأطفال، فلما رأى ~~طفلتي ووفرة عافيتها، وامتلاء بدنها، أعجب بها الإعجاب كله، فراح يقول: لقد دلتني التجارب ~~في صناعتي على أن الأطفال الأصحاء هم في الأغلب نتاج القران السعيد الذي يمسكه الحب وتغذية ~~هناءة الزوجين، وقلما يرى المرء زيجات تعسة تثمر من الذراري ثمرات طيبة ناضجة. # ولم أكن إلى ذلك العهد أفضيت إلى أحد من خلق الله ببأساء عيشي وخيبة زواجي، فلما قامت ~~الصداقة بيني وبين ذلك الطبيب الوديع، الكريم القلب، انتهزت فرصة زياراته لنا في ذات مساء ~~فمضيت أقص عليه خافية عيشي، فلما انتهيت قال: أريد أن أعلم، ألا تزالين تحبين زوجك؟ قلت: ~~أتسألني هل أحبه؟ لقد مضى علي زمان طويل أسائل نفسي فيه أبدا: أتراني أحببته يوما، ولا ~~ريب في أنني لم أكن أشعر له بهذه العاطفة في ذلك الحين؛ إذ لو كنت أشعر بشيء من ذلك له ~~لآلمني ذلك المسلك منه في حقي، ولكني لم أكن أحس من ذلك ألما، بل كنت مستخفة غير آبهة، وفي ~~بعض الأحايين أروح أنظر إليه وهو ثائر متمرد حانق كأنما أنظر إلى ممثل يلعب دورا على ~~المسرح. # قال: حقا، إن حالة زوجك من الحالات النفسية الغريبة، ولقد كان لتعليم أمه وإيحائها أسوأ ~~الأثر، وأحسبها لا تزال شديدة السلطان عليه، فلم لا تتركينه وتأخذين معك طفلتك؟ إن من نكد ~~الدنيا على المرأة العاقلة الأريبة مثلك أن تصبر على عيش كدر منغص مع زوج ضعيف الإرادة ~~مجنون الغيرة كزوجك! ومن أسوأ الأثر في نفس طفلتك أن تدرج وتنمو في جو عاصف كهذا، وأفق ~~تهب عليه الزعازع العاتية ... # ولكني لم أجد في النفس قوة على مواجهة هذه الفكرة، وخفت القالة وأشفقت من أن تلوك الألسنة ~~سيرتنا وتمتضغها الأفواه ... # وعدت بعد بضعة أسابيع إلى بيتي ولم أر ذلك الطبيب بعد ذلك، وما أشد حسرتي اليوم على أني ~~لم أعمل بنصيحته وتركت عيشي يسوء عما كان من قبل وتطم اليوم طامته ms52 . ~~••• # رباه.! ألا ينفتح هذا الباب؟ ها هو ذا المسمار الأخير قد بدأ يتفكك، ها أنا قد دفعت الباب ~~من موضعه أخيرا، وتعثرت عادية أطلب سرير طفلتي فتلقيتها في ذراعي الممتدتين لها وهي ~~مغرورقة العين بالعبرات، وضممتها مليا إلى صدري، ثم انثنيت ألبسها ثيابها، وأقدم لها طعام ~~فطورها، بينما راحت فكرة خاطفة كالوميض تلتمع في خاطري، وهي الخروج من هذا السجن الأليم، ~~والالتجاء إلى أي مكان آخر قبل أن يعود زوجي؛ إذ ما يدريني لعله قاتلي إذا وجدني قد فتحت ~~باب محبسي. # ولكن إلى أين المسير، وإلى من المفزع ... # خطرت لي صديقة تقيم غير بعيد عن حينا، فاحتملت الطفلة وهرعت إلى دارها فلم أجد غير وصيفة ~~لها عجوز، فتركت طفلتي في ذمتها ريثما أعود بعد ساعتين لآخذها، وكانت نيتي أن أذهب إلى ~~الطبيب ألتمس عنده النصيحة وأستعين ببعض الأصدقاء على توكيل محام عني ليطلب طلاقي من هذا ~~الزوج الذي رنق صفو حياتي بجنون غيرته، وخشيت أن آخذ الطفلة معي، فقد كنت في حال من الرعب ~~والاضطراب لا توصف، وخفت أن أفقدها في زحام المركبات والسابلة. # والتقيت بالطبيب فحدثته بجلية الخبر، فذعر لقصتي وحار في أمري، فلم يدر كيف الخلاص من ~~موقفي، غير أن يستعين بأحد المحامين، فاتفقنا على أن نرفع الأمر إلى القضاء فأطلب طلاقي منه ~~وإبقاء الطفلة في حضانتي. # وهدأت ثائرتي، ورأيت في ذلك الحل السريع بارقة الأمل، فعدت أدراجي مسرعة إلى بيت صديقتي ~~فلقيت حارس المصعد، فإذا هو مضطرب يحاول الكلام معي ولكنه لا يفعل، فلم أفهم ماذا ~~جرى. # وجاءت الوصيفة العجوز تفتح الباب فإذا هي في دموع تقول: إن الطفلة قد ~~ذهبت ...! # وعندئذ أدركت فحوى الأمر قبل أن أسمع ما يقال لي، فقد جاء زوجي في غيبتي فاختطفها عنوة ~~واقتدارا ... # وا حزناه.! لقد كانت الأسابيع التالية أسوأ ما مر بي من عهود الحياة، ولم أكن أدري علام ~~تنتهي هذه الملمة التي وقعت بي، وحاولت مرة أن أتملى من وجه الطفلة، فأذن لي المحامي الموكل ~~عن زوجي برؤيتها في ms53 محضره ومع بعض رجال الشرطة، وكانت تحملها مربية، فما كادت الطفلة تراني ~~حتى اضطربت وبكت وجعلت تصيح: أماه.! أماه، خذيني إليك ... # لقد كان ذلك مشهدا فتت كبدي على مرأى فلذته تبكي، وأعقب ذلك موقفنا في ساحة القضاء، وكان ~~المحامي عن زوجي رجلا مدرها مفوها، فراح يدلل أمام القضاء على أنني اختطفت الطفلة، وأنني ~~أخون زوجي مع رجل آخر، وجاء بأشهاد شهدوا على خيانتي، فلما طلب إليهم أن يعينوا عشيقي، كدت ~~أخر مغشيا علي، إذ سمعتهم يذكرون الطبيب. # أواه.! كيف يحدث ذلك أيها الناس، باسم العدالة.! لقد كانت تلك كلها أكاذيب وفريات ~~مصطنعة. # وانتهت المحاكمة، وقضى القضاء له بأخذ ابنتي ... # وكانت هذه الملمة سببا في التقريب بيني وبين ذلك الطبيب الرحيم، وهو اليوم يعلم أنني ~~أحببته فيما مضى من زماني، ولم يكن يومئذ بحبي عليما ... # وكان زواجنا بعد أشهر معدودات ... # | حب بلا نسل # انفرطت عدة أعوام منذ وقعت أحداث هذه القصة، ولكني لا أزال أشعر بالتهيب والخوف، وأنا ~~الساعة أدون الوقائع وأقص النبأ، وأسرد الحقائق التي ظلت إلى اليوم مختبئة في صندوق فؤادي، ~~لا يعلم أحد بسرها، ولا يدري مخلوق بخافيتها، ولم أعترف لأحد يوما بها، ولا كاشفت طبيبا ~~بآلامها، ولا فزعت إلى محام أستنصحه في أمرها، ولا بثثت ما في أعماق النفس من مواجعها لصاحب ~~ولا صديق. # لقد كنت أريد أن أحمل قصتي هذه معي إلى العالم الآخر، حيث صلاح كل شيء فسد في الأرض، ومآب ~~كل سر، ومعاد النفس وما تخفي وما تعلن. # ولكن لماذا جئت إذن إليكم أقصها ...؟؟ # لا أدري ... إلا أنني أريد أن أنفس بها عن صدر مثقل بالآلام، أو لعله ضعف مني اختلط بأمل ~~مستطيل دفين، وهو أن تكون هذه القصة رسالة حب إلى الذي تدور عليه قصتي وله فؤادي كله، ومعه ~~هواي، وإليه على أجنحة الخيال تأويبي ... ~~••• # وقع الذي وقع عندما كنت في الثامنة عشرة عقب خروجي من المدرسة، إذ تعثر أبي في علة قاسية، ~~فنصح له الطبيب بالمقام فترة من الدهر على ضفاف البحر ms54 في سياحة بحرية، فانتوينا أنا ووالدتي ~~أن نذهب معه، وما كنت أدري والله أن الحياة كلها معلقة على تلك الطوافة، رهن بتلك السفرة ~~النائية ... # وأبحرت بنا الباخرة في الخامس من شهر أغسطس، وقد حفظت ذلك التاريخ، ومثله في تاريخ ~~الحياة وشؤونها لا ينسى ولا يمحى من الذاكرة، لأنه اليوم الذي كان فيه لقائي ... به! # ولم يكن في لقائنا غرابة، بل كما يتلاقى الناس على صدور الجاريات في البحر، ويحدوهم ~~الجلوس معا إلى موائد الطعام، والخروج إلى ساحة الجارية للنزهة واستشراف البحر ~~المترامي. # ولكني منذ أول شدة بيده على يدي، رحت ناسية الزمن، أعيش في أفق متورد مزدهر، لا يقاس فيه ~~الزمن بالساعات وأجزاء الساعات، وإنما باللقاءات على سطح الباخرة والاحتجابات، وبخطران شبحه ~~على العين، وغيابه عن الناظر، فكان هذا هو الحب الذي يقول الناس عنه إنه يقع من أول نظرة، ~~وما كان في فؤادي منه جرى مثله في مسرى الكهرباء في أضواء نفسي. # ولم تكد الباخرة تلقي مراسيها فترة حتى تمت بيننا الخطبة، وتمنع أبواي في مبدأ الأمر، ~~وكان هذا التمنع أمرا مألوفا، لأنني كنت ابنتهما الوحيدة العزيزة الغالية، ولم يكونا ~~يعلمان قليلا ولا كثيرا من أمره، على حين لا يكاد الجليس إليه يقضي بضع دقائق حتى يجده ~~على أحب ما يكون أدبا وخيرا ورقة. وكان في ذلك العهد يشتغل وكيلا لمصنع وطيد كثير ~~الشهرة، فذهب أبي من ساعته فتحدث إلى أصحاب المصنع وعاد إلينا مسرورا راضيا عن الخطبة ~~قرير عين، وأغرى أمي بالقبول وهي في بكاء ودموع ... # واها لتلك المسكينة ... لقد كانت تطمع في أن تظفر لي بزواج كزواج الأميرات، لولولعها ~~بالأبهة والبذخ وعيش الترف، ولكن ارتقابها الظهور في حفلة القران كأم العروس وتجملها بأبدع ~~الثياب، وتهاديها رافلة في الدمقس والحرير، خفف بعض ألمها، وهون عليها بعض الأسف الذي ~~كانت تجده في أعماقها. # وانثنت أخيرا تقول: على بركة الله إذن يا بنية، فلنعج على أكبر المدائن لنبتاع جهازك، ~~ففعلنا، وتركنا أبي يتم سياحته في البحر وذهبنا نحن ننفق الكثير ms55 من المال ونبتاع خير ما ~~نجده من النفائس والمطارف. # وكذلك انقضى الصيف، وفي نهاية شهر سبتمبر عدنا من سفرنا، وكنت أنا وهو نريد أن يتم ~~الزاوج في نوفمبر، ولكن أمي كانت تود أن نستأني، فنترك الزفاف إلى أوان الربيع، إذ كانت ~~تكره العجلة في كل شيء وتحب أن تجعل زفافنا باهرا وتعد له أكبر المعدات، وتحيله حديث ~~المدينة وأهلها. # ولكنه كان عليه ملهوفا فلم تكن من حيلة للتأجيل. فحددنا لحفلة الزواج الثالث من ذلك ~~الشهر، وأخذت المعدات تعد في عجلة لذلك اليوم المنتظر والفرحة الموعودة، وحالت المجامع ~~والحفلات والمآدب بيننا وبين الاستمتاع بالخلوات، حتى لقد ذهب ذات مرة يقول ونحن عائدان من ~~أحد المراقص: ما قولك يا فاتنة في الخروج إذا بكر الصبح على الجواد إلى نزهة وحدنا في ~~معارج الغياض؟ # قلت: أبدع بها من نزهة! فلنا الله لم لم نفكر في هذه الخاطرة الجميلة قبل اليوم؟ تصور ~~كيف تكون مسرتي بالخلو إليك ساعة كاملة لا ينازعني في خلوتي إليك منازع. # وراح الجوادان يمشيان متلاصقان كأنهما فاهمان ما هناك! # فضحك وأهوى علي بقبلاته، وهو يقول: يا لك من صغيرة ساحرة ... إذا قضى الله يوما أن نفترق ~~فلن أعيش في هذه الدنيا ولن أحيا يوما. # وكذلك وجدنا الصباح الباكر قبل نهضة العالم من المضاجع على جوادين لنا نريد المنتزه، ~~وكأنما أدرك الجوادان ما يراد منهما فراحا يمشيان جنبا إلى جنب متلاصقين يهزان رأسيهما ~~كأنهما فاهمان ما هنالك ... # يا لله! ما كان أهنأها ساعة، وأملأها بالمسرات نزهة على أنفاس الصباح وسكينة الكون، ولم ~~أكن أصدق أن الساعة قد انتهت عندما نظر إلى ساعته، فقال: لقد حان الإياب. # فقلت: دعنا نفعل ذلك كل يوم. # قال: وهو كذلك. # وجعلنا في كل صبح نبكر إلى تلك النزهة، وفي بعض الأحيان نعرج على أحد المطاعم، فنتناول ~~طعام الفطور فيه. # وكذلك ولت بنا الأيام حتى لم يبق على يوم العرس غير أسبوع. # فقالت أمي يوما: لقد أخذت تلوحين نحيلة، تذكري يا بنيتي أنك إذا أوقدت الشمعة من ms56 طرفيها ~~استنفدت الضياء وشيكا، فخذي من هذه النزهات الباكرات على قدر، وتناولي من النوم كفاية بدنك ~~حتى تحفظي عليك جمالك يا غالية. # قلت: ركبة أخرى ثم نكف يا أماه ... # ولما ركبنا في صبح اليوم التالي، رحت أقول له برنة أسف وحزن ونحن عاطفان بجوادينا نحو ~~المتنزه: هذه هي ركبتنا الأخيرة. # فضحك قائلا: نعم يا آنسة، ولكنها غدا متكررة للعروس. # فهممت بأن أجيب ولكن وقع في تلك اللحظة ذلك الحادث الذي غير وجه حياتي، حادث بسيط ولكنه ~~ترك في العيش أثرا لا تمحوه الأيام، إذ هبت أنفاس الريح العاصف فأطارت غطاء رأس رجل من ~~السابلة في وجه جوادي، فكر ثم فر، وتوثب مجفلا، وفي لحظة رعب وهول وجدتني أسقط عن ~~صهوته، وما لبث أن غام الكون كله في عيني، ورحت لا أعي شيئا ...! # وبعد ساعات ثبت إلى نفسي فإذا أنا في ألم شديد والوجوه منحنية علي، والأصوات تتهامس ~~حولي، ولم أدر ماذا جرى ولا أدركت إلى أين جيء بي، ولا حفلت بالبحث، بل كل ما كنت في حاجة ~~إليه هو النوم ... النوم العميق ونسيان الألم الذي يفت في سائر أجزاء بدني. # ومضت أسابيع لست أستطيع اليوم على وصفها جلدا، فحسبي أن أقول إنني لبثت في المستشفى حتى ~~ختام الشتاء، فلما خرجت مبلة مما أصابني، كان أصحاب المصنع قد ألحوا عليه في الرجوع، فانتظر ~~حتى زال عني الخطر واطمأن، فلم يجد مفرا من العود فعاد، ولكنه كان على وشك الرجوع إلينا ~~وكنت في لهفة على لقائه. # ففي ذات صبح ونحن جالستان أنا وأمي في حجرتنا نشتغل بتطريز ثوب جديد مضيت أقول لها: يا ~~عجبا يا أم، كأنما كنت تتكلمين بلسان القدر، وها هو ذا الأمر سيقع كما كنت تريدين. # فنظرت إلي أمي حائرة وقالت: ماذا تعنين؟ # قلت: أعني العرس ولا ريب، ولقد أردت أن يكون أوان ربيع، وها هو ذا القدر قد أرجأه إلى ~~الربيع، فماذا تقولين؟ # وإذا بي أرى الدمع يترقرق في عينيها، وانثنت تقول - ملقية الثوب من يدها ومطوقتي بذراعيها ms57 ~~-: أي فتاتي العزيزة، لم يهن علي حتى الساعة أن أحدثك بما جرى، لأنك كنت واهية القوى، إنني ~~أخشى أنك ستضطرين إلى ترك فكرة الزواج جملة واحدة، أو على الأقل لا ينبغي التفكير فيه حتى ~~تكاشفي خطيبك بكل شيء. # قلت: من عجب كل شيء! ماذا تعنين يا أماه؟ ... أحالت بعد ذلك الحادث الحال، أم تنكر ~~الزمان؟ # فتلعثمت أمي قائلة: كلا يا ابنتي، لقد كانت أصابتك داخلية عندما سقطت من فوق صهوة ~~الجواد، وكان لا بد من إجراء عملية جراحية عاجلة لنجاة حياتك من مخالب الموت، ولقد كانت ~~عملية خطيرة، وكانت نتيجتها أنك لن تلدي إذا تزوجت أولادا، ولن تقع لك نعمة البنين. # أهذا إذن ما وقع، وكنت منه خلية الذهن؟ ... # ونهضت من مجلسي فمشيت متعثرة مترنحة إلى مخدعي، فاحتبست نفسي فيه، إذ أردت أن أخلو إلى ~~التأمل والتفكير، ولبثت ساعة مستلقية على الفراش أجهد الذهن في تدبر أمري، فكان ينتهي بي في ~~كل مرة مطاف التفكير إلى نتيجة واحدة، وهي أنني لا أستطيع تركه، وليس لي على فراقه يدان ~~... # لقد كنت أبدا أحب الأطفال، فقد كنت من طفولتي وحيدة في وحشة خلية من الأخ والأخت، فلا ~~غرو إذا كان قد جاء مع فكرة الزواج الشوق الشديد إلى ولادة الولدان، ولذة تربية البنين، ~~ولداننا نحن معا وبنينا سويا، وما أبدع خطيبي أبا، وما أروعه أن يروح بعد الزواج ~~والدا، وكنت على يقين من أن شعوره من هذه الناحية لا يختلف عن شعوري، ولطالما رأيته حانيا ~~على الأطفال، رحيما بالأفراخ الصغار، فلا يرى طفلا في ألم أو وليدا في بكاء، حتى يقف ~~ليسأله ما به ويرقأ دمعه، ويمسح عبرته. وإذا كان ذلك ما سيرتقب مني فهل لي الحق في الزواج ~~به وحرمانه تلك النعمة إلى الأبد؟ ولكن هل في استطاعتي وأنا أجمع الأضالع على هذا الحب ~~العميق له أن أنزوي جانبا لأرى امرأة سواي شاغلة منه مكاني، لا لهفوة هفوتها، ولا لخطأ من ~~صنع يدي، وإنما لحادث لم أستطع له ردا ...! # وحرت في ms58 أمري فأجمعت النية على أن أدعه يقطع فيه بالرأي الذي يراه، ونهضت في الحال ~~فذهبت إلى حيث كانت أمي لا تزال جالسة تسائل نفسها: أتراها قد أخطأت في مكاشفتي أم أصابت؟ ~~فقلت وأنا مقبلة عليها، متناولة في يدي يدها: أماه العزيزة، لقد انتويت أن أواجه الحقيقة، ~~فإذا جاء غدا - وفي غد سيصل - فلينبئه أبي أو الطبيب بما جرى، فإذا ظل بعد علمه به يريدني ~~لذات نفسي رضيت به، وإذا رفض فلا لوم عليه ولا تثريب ... # وعشت ليلتي تلك وغدي رهن قلق مستحوذ أليم. # وجاءني أخيرا ... فجمعني بين ذراعيه، وأمسكني مليا لصق صدره، وهمس يقول: أنت وحدك التي ~~أطلب، وأنت مناي الذي أتمنى، أمدركة يا غالية، أنت وحدك، لا بالولد أحفل بجانبك ولا ~~بالبنين ... # وبعد شهر من ذلك التاريخ تم الزواج، وكانت هدية العرس التي أتحفنا بها أبي، قطعة أرض ~~فسيحة في ضاحية قريبة، فذهبنا من مطالع عهدنا الجديد نفرغ قصارى سعينا في بناء البيت ~~والحائط وتجميله من الزهر والثمر بما شاء لنا الذوق الجميل ... # وهنأنا عيشنا في السنين الأولى من زواجنا، حتى خيل لي أن الغمامة التي كانت تنذرنا بأن ~~تغيم في سماء عيشنا الهنيء قد قشعت. # ولكن في ذات يوم بينما كنت أبحث في بعض الحقائب إذ عثرت على صورة فتوغرافية لي يوم كنت ~~طفلة في الحول الثاني فهرعت بها طافرة من الفرح إليه وكان جالسا إلى المنضدة يكتب، فألقيت ~~الصورة أمام عينيه وقلت: انظر، أتتبين في هذه ظل زوجتك. # فجلس يتأملها طويلا وهو لا يحير جوابا، ثم ألقى يديه فجأة حول خصري وراح يدفن وجهه في ~~طيات ثوبي وغمغم يقول وكتفاه يرعشان من فرط التأثر: أواه يا عزيزتي. # قلت جازعة: ماذا بك يا فاتني؟ # فخلاني من ذراعيه، وأمسك برأسه بين كتفيه وأخذ يبكي ... ففهمت ... ~~••• # وقضى أبي نحبه، وجاءت أمي لتعيش معنا. # وكنت قبل هذا العهد أصحب زوجي في رحلاته بين حين وحين، ولكني أدركت أن ذلك لم يعد ميسورا ~~لأنني لا أستطيع ترك أمي وحدها. # وبدأ الانفصال بيننا ms59 لأول مرة منذ عهد الزواج، وإني لأذكر جلستنا على مطالع المساء السابق ~~ليوم الفراق، فقد آوت أمي إلى مخدعها عقب العشاء، وراح هو يستلقي على جلد الدب بجانب ~~الموقدة ويناشدني أن أغني له لحنا. # وكنا في عتمة المساء ولم نشأ أن نضيء الأنوار، فمشيت إلى المعزف وأنشأت أعزف وفراق الغد ~~غالب على خاطري وأغني الأغنية الآتية: # ماذا أنت صانع يا حبيبي إذا أنا في غد ركبت البحر مفارقا. ماذا أنت في غد صانع ~~إذا جاءت الأنباء من بعيد تحطم آنية الحب وتذهب من وقعها الأليم بالعهد، ألا لا ~~تذكري ذلك ولا تتخيليه، فإنني على العهد باق، وعن الوفاء مسؤول، ولكن إذا قاسمني ~~فؤادك مقاسم، وشاركني في حبك مشارك، فلن أطيق القسمة ولن أحتمل، فماذا أصنع يا ~~حبيبي، وما أفعل يا فاتن الفؤاد ... # وتبين رنة الدموع في تضاعيف صوتي، فقام من استلقاءته فألقى يده على كتفي في حنان وقال: ~~هذه أغنية محزنة في ليلتنا هذه، فغنيني قطعة مفرحة فذلك خير ... # فكفكفت عبراتي وغنيته ما شاء ... # وفي الغداة قبل أوان الفراق دس رزمة صغيرة في يدي وهمس قائلا: لئلا تنسيني. # ولما انصرف أخذتها إلى مخدعي ففتحتها فإذا هي علبة بديعة دقيقة من الذهب مرصعة بالجواهر ~~ولها زنبرك تضغطه بأنملتك فينفتح الغطاء، فضغطته فإذا بوجهه الضاحك البسام يطالعني من جوفها ~~في صورة دقيقة مركبة في أيقونة حلوة غالية، فوضعتها لصق قلبي حيث هي إلى اليوم ثلاثين عاما ~~كاملة ... # وبدا شهر الغياب الذي غابه عني حلقة طويلة في عيني طول الأبد، وعاد أخيرا يحمل البشرى ~~بأنه قد عين مديرا عاما للمصنع، وأنه لن يضطر بعد ذلك إلى السفر وإنما سيقتضيه المنصب ~~الجديد الطواف بالفروع وإنشاء مركز للإدارة، ولكني قلت فرحة ضاحكة: على كل حال لن يفرقنا ~~بعد اليوم سفر ولن نضرب بيننا نوى. # ولكن الأعوام الثلاثة التي تلت ذلك مضت وزوجي أكثر وقته في غياب، وأنا منه في فراق أليم، ~~ولولا أن أمي كانت في مرض شديد لما ترددت في إغلاق البيت واللحاق بزوجي ms60 لأعيش في أكنافه ~~وأتفيأ ظلاله الوارفة، ولم يلبث أن أقيم معرض عام لمتاجر المصنع فاحتجزه هذا المعرض عني ~~الصيف كله، وقد تعب من العمل فآثر أن يقضي شهرا في مسارح الصيد، وقد ضرب هو وجماعة من ~~الرفاق الخيام على مسيرة أميال عديدة من الحضر فلم يستطع أن يكتب، وغابت عني رسائله، ~~ولكم بت ساهرة العين أرعى النجم وأفكر فيه وأخاف عليه أن ينتابه في تلك القفار سوء، ~~ولكن تلك الفترة التي قضاها في الفلاة أجدت على صحته، فعاد ملفوح الوجه نشيطا أجمل من ~~قبل. # وفي اليوم التالي اشتدت العلة بوالدتي، فألزمتها الفراش، وما كاد أسبوع ينقضي على رجوع ~~زوجي إلى عمله حتى وافتها المنون فمضت في الذاهبين. # وكان رحيلها في سكون، فلم أشأ أن أزعج زوجي بنعيها وآثرت له الراحة وهدوء البال. # ولما قضيت للراحلة حقوقها، سرحت الخدم وأغلقت البيت لأنني أردت أن ألتمس منه الفرار، ~~جازعة من ألم الوحشة، أحوج ما أكون إلى تبديل الهواء وطيب النقلة لكي يجيء في مختم الشهر ~~كما كنت أرتقب وأنتظر، فيجدني رغم الحداد على أمي متهللة للقائه، موفورة العافية لمقدمه، ~~فنعود إلى سالف عيشنا لا ننفصل آخر الدهر ولا نفترق. # ولكني كنت حيرى لا أدري أين المكان الصالح والموضع الطيب الذي يحسن الذهاب إليه، وتصفو ~~عنده الحياة، ويستقر حوله السكون، فأستجم عنده من النشاط، وأسترد أعصابي المحطمة ~~الواهية. # ولكني ما لبثت أن تذكرت فجأة موضعا حسنا أجد فيه كل ذلك، على ضفاف بحيرة حسناء، كنت في ~~عهد الطفولة قد قضيت صيفا من العمر كان أهنأ أيام العيش وأرغدها وأجمل ما في الحداثة من ~~ذكريات. # وما هي إلا أيام معدودات ألفيتني جالسة في سقيفة فندق يطل على أمواه البحيرة ويشرف على ~~مشهد الطبيعة الباهرة، وكان سحر المكان قد أسكرني وبدا لي أفتن مما كنت أذكر له من فتون، ~~وجلست ممسكة بكتاب أتطلع إلى الأولاد وهم يرتعون على الضفاف ويسبحون على صدر الماء، فعادت ~~نفسي تهفو في أثر البنين وعاد بي الحنين كما كان منذ ms61 سنين. # وحملني الخيال على أن أختار من بين أولئك الصغار صغيرا وأدعوه بيني وبين نفسي طفلي ~~وصغيري، وكان وليدا ما أحسبه تجاوز الحول الثالث بعد، وسرني أن لداته الصغار جعلوا ~~ينادونه باسم زوجي العزيز. # وبينما أنا في أحلامي هذه وتخيلاتي، إذ دلفت نحوي سيدة تنصف بها العمر، فجلست بجانبي ~~وكانت ثرثارة حلوة الثرثرة، تعرف من شؤون الناس أكثر مما يعرفون من شؤونها، فسألتها عن ~~«طفلي الصغير» فانطلقت تقول: أتعنين الوليد ذا الفروع الصفراء كأنها من سبائك الذهب صيغت، ~~ألا ترينه جميلا بديعا، تلك أمه الجالسة عن كثب منا، السيدة ذات المظلة الحمراء، إنها ~~والله لا تزال في مراح الطفولة كوليدها وهم يجيؤون للمقام بهذا الموضع مرة كل عام، وهذه ~~المرة هي الثالثة، وقد جاء أبوه العام المنصرم، فإذا هو رجل أغيد مليح، وهو بابنه هذا صب ~~كلف، يحنو عليه الحنان كله. # ودق الجرس إلى موائد الطعام فدخلنا إليها جميعا، وجاء مجلسي بجانب السيدة ووليدها ~~الصغير، فتجاذبنا الحديث وآنست كل واحدة منا إلى جليستها، وإن كانت هي حيية لا تطيل ~~حديثا، وإنما تحنو على صغيرها لا يشغلها عنه شاغل. # ولما نهضنا عن الموائد دس الطفل يده في يدي واقترح أن يريني سمكات له صغارا في دلو على ~~الشاطئ. # ولما سرنا إلى السمكات راح يقول في لثغة الأطفال: أنا أحبك وأنت لطيفة جميلة ... # ومن ذلك العهد أقبل علي بنفسه وأصبح أتبع لي من ظلي، وجعل يناديني أمي الأخرى، وأحسست ~~له حبا عميقا هو هتاف الأمومة المكينة من غريزتي الحبيسة في صدري، لم تجد من قبل ~~متنفسا ولم تر لتبعتها مغيضا. # قلت له مرة: أود لو أن أمك وهبتك لي. # فنظر إلي مليا وراح يفكر في صمت، ثم انثنى يقول: أخاف أن لا يرضى أبي إلا إذا أخذته ~~هو كذلك. # وكأنما أعجبته هذه الفكرة، فمضى يصفق لها ويضحك ملء فمه قائلا: إنه سيأتي غدا فلتسأليه ~~وستأخذني أمي إلى المحطة لاستقباله. # ولكن في غد لم يتح للصغير ما كان في أمسه يتمنى، إذ أصاب ms62 حجر في مخاض الماء قدمه فجرحها ~~واحتجزه الجرح عن المسير. # فقلت لأمه: دعيه في رعايتي. ولما رأيتها تتردد توسلت إليها فرضيت شاكرة. # حقا لقد كان ذلك في الحياة يوما مشهودا، منذ مضيت وطفلي ساعات معدودات، أضاحكه وأسليه ~~وأنسيه أبويه ووحشة الوليد إلى والديه، وأخذته ساعة النوم في أحضاني فجعلت أغني له أغنيات ~~الطفولة حتى أخذ الكرى في رفق بمعاقد جفنيه. # وكانت أمه قد تركت مفتاح حجرتها معي، فقمت به لأرقده في مهاده، ولكني ما كدت أقف بعتبة ~~بابها حتى جمدت في مكاني لا أستطيع حراكا، لقد أخذت عيني على المنضدة صورة زوجي في إطار ~~مجمل. # ومشيت بالوليد إلى سريره، فأضجعته وغطيته بغطائه وأنا راعشة الأوصال، وانحنيت عليه فطبعت ~~على وجنته قبلة راجفة! # وانتبهت إلى نفسي بعد لحظة فوجدتني جالسة فوق فراشي والعلبة الصغيرة التي ظلت لصق صدري كل ~~ذلك الدهر الطوال مفتوحة بين يدي ... يا لله! ... ها هو ذا الوجه وجهه والصورة صورته! ... # رباه! ماذا عسيت أن أفعل، وهو عما قليل قادم، لا ينبغي أن يراني ولا ينبغي لمخلوق في ~~العالم أن يعرف السر، أو يدرك الخافية. إن لي الحق الأول فيه ولكني أحمد لربي صنيعه أن ~~أنساني حقي، وألهمني نسيانه، وأوحى إلي النزول عنه. # إن هذه العشيرة الصغيرة تعيش اليوم في رغد، ولو أنني حطمت آنية هذه الهناءة وهدمت هذا ~~الفردوس الذي تنعم بأفيائه وخمائله، فما نفع ذلك لي وما جدواه، وما الذي عندي أحبو به الرجل ~~الذي أحببته، فيقوم عنده مقام هذا الوليد البديع، والصغير الغالي. # ولم أشعر في فؤادي بحقد على زوجي أو ضغن أو غضب، فقد أدركت الدافع وعرفت الباعث. # وآذنت الخامسة وحان موعد وصول الوالد إلى وليده، فهرعت إلى مهد الطفل، فأيقظته في رفق ~~وحنان وألبسته ثوبه، وكان يطفر ويتنزى كالعصفور الفرح على فننه، وتناولت مقصي الصغير ~~فاقتطعت لي خصلة من سبائك شعره، وتركته على صفير القاطرة يتلفت هاربا إلى البهو يتطلع إلى ~~القطار القادم غائبا عن حياتي إلى الأبد. # يا للطفل العزيز الجميل ... تراه ms63 اليوم قد نسي أمه الأخرى. # وانتبذت مكانا خفيا وسمعت صوت زوجي وهو يتلقى طفله مناديا إلى الأحضان يا زينة الحياة ~~...! # وتركت المدينة بقطع من الليل ... وآويت من ضجيج الحياة إلى منعزل هادئ صامت لا يعرف الناس ~~فيه من خبري شيئا، وإلى اليوم لم يبق لي من الماضي أثرا من ذلك الزوج الذي ضحيت بالحياة ~~كلها في سبيل هناءته. # تلك خصلة من شعر وليده الذي كان دهرا يناديني: يا أمي الأخرى ...!! # | زحام على قبر # كان اليوم بديعا والأرض ترسل أنفاس العبير، والشمس تعدل إلى المغيب ملقية على الغبراء ~~شعاعها الأحمر، حين وقفت على قبر إنسان كريم عزيز. # وفي تلك المقبرة التي تحوي أجداث الشهداء في حرب ماضية عادت الشمس والرياح وخبء السموات ~~تصلح من الأرض ما أفسدته الحرب وتكسوها ثوبها القديم الناضر، وراحت تلك القبور تتراءى ساكنة ~~هادئة تحت زرقة السماء التي اختلطت بضياء الشمس، كل منها يضم جنديا قضى فرحا مستبشرا، ~~أو حزينا غير مستبشر في سبيل وطنه وعشيرته، وتحت دافع وطنيته. وبينها أجداث كتبت عليها ~~أسماء الضاجعين تحتها في مراقد الأبد، وقبور غفل من الأسماء لا يدري الطائفون بها لمن ~~تكون. # ومشيت ميممة الجانب الغربي من صفوف القبور، ثم انثنيت أمشي وئيدة متثاقلة الخطى إلى بهرة ~~المقبرة، وانتزعت من بين أطواء ثوبي دفترا، فاستشرته وانكفأت أطلب المشرق وأنا أغمغم ~~لنفسي قائلة: أخشى أن يكون قد أخطأ تعيين البقعة، ثم عدت أستشير خريطة صغيرة جئت بها معي ~~ودفتري الذي في يدي وأخدت أعد القبور من الشرق إلى الشمال فما لبث نظري أن استقر على شاهد ~~أبيض لا يختلف عن غيره من الشواهد البيض التي حوله، فمشيت نحوه قدما، وهناك ركعت في سكون ~~وخشوع، فقرأت هذه الكلمات على الجدث: «الضابط ف ...، قتل في الموقعة في الثاني عشر من شهر ~~سبتمبر عام ...». # ولعل القارئ متسائل من أكون وما جملة أمري، وما باعث منقلبي إلى تلك القبور أطوف بها؟ ~~وجوابي أنني فتاة، لا بالفارعة العود ولا بالقصيرة، بل بين ذلك قواما، ذات شعر ms64 فاحم وعينين ~~سوداوتين، والذين يعرفونني يقولون فتاة مليحة أوتيت في الحياة رزقا حسنا، وفي العيش ~~توفيقا ورغدا، فتاة لم تألف مسارة أصحابها الفتيات بذات صدرها، ولم تعتد مكاشفة الناس ~~بما يعتمل في فؤادها، وإنما كل سري وهماهم نفسي لا أبوح بها إلا لصديق يدعى ... ح ... كان رفيق ~~ف ... في الحومة وعاد منها يحمل إلى سمعي كلماته في محتضره. # وكان حديثي عن صاحبه حديث أسى وأشجان وإيمان بحبه، ولطالما مضيت أقول إنني سأظل على عهده ~~آخر الدهر، وأجمد على موثقي له الحياة كلها. # وكانت الخطبة قد تمت بيننا على أحسن ما تتم الخطبات بين المتحابين المؤتلفين اختار كل ~~منهما صاحبه، واصطفاه لعيشه وشركته في حياته وأمره، والذي زاد في فرحنا بالخطبة أنها جاءت ~~بديعة وليدة حب لا يعرف غير التفاني، وحنان لا يؤمن بغير التلاشي فيمن يحب والفناء. # وما كادت بضعة أشهر تنقضي على أعز فرحات الحياة حتى قامت الحرب والتحق بالجيش ومضى في ~~الذين راحوا يهطعون إلى الميدان، وذهب كذلك صديقه وأعز صحبه عليه، وكنت أرى في عينيه بريق ~~الإخلاص الطاهر العف الجليل للفتاة التي أحبها صديقه واختارها لنفسه، ولكنه لم يشأ أن يدع ~~شيئا ينم عما في نفسه من الحب إلى مخافة أن يدفعه اليأس إلى تنغيص هناءة صاحبه ~~وفتاته. # فلما وقفنا وقفة الوداع قبيل صفير القاطرة الراحلة بالجند، انثنيت إلى الصديق فأعطيته ~~صفحة وجهي لقبلة الوداع، حنانا مني ورحمة، إذ لم تكن لي في الفتيات من صاحبة ولا خطيبة ~~يتودع منها بالقبلات، رأيته يجمع قبضتيه ويغمغم كاشرا عن أسنانه وهو يقول في خفية: لا ~~ينبغي أن يعود كلانا من الحومة حيا، وأدعو الله من أعماق فؤادي أن يكون هو العائد وأنا ~~الذاهب لا رجعة لي ولا عودة. # والتزمني خطيبي فأمسك بي لصق فؤاده مليا وغمغم يقول: انتظريني أيتها الغالية، سأظل ~~وفيا لحبك حتى أعود، وكنت أومن به وأعلم أنه لقسم عظيم وموثق لا نكث فيه ولا حنث. # ولما عاد ح ... وحده ذهبت إليه في لهفة أسأله أين ترك ms65 صاحبه، فعلمت ويا سوء ما علمت، لقد ~~عاد الذي كان يود أن لا يعود، ولم يرجع الذي ود أن يرجع! # وطفق يتحدث عن شجاعة صاحبه وثباته وبسالته في الميدان، ويعود إلى الحديث غير متململ ولا ~~ضجر، فأعلنته بنيتي قائلة: لن يملك فؤادي من بعده أحد ... فلما سمع كلمتي هذه امتقع وجهه، ~~وساد سكون رهيب فلم يقل شيئا ... # وفي ذات يوم راح في جلال وحزن بليغ يشكو لي حبه الدائم لا يفنى، ووجده المقيم لا يموت، ~~ويسألني أن أتقبله زوجا، فأبيت ولكن في رفق، وعادت بنا الخواطر إلى ف ... فانثنى يقول: إذا ~~وجدت لي يوما حبا في فؤادك فعودي إلي فسأظل في انتظارك حتى تحين ساعتي، فإذا لم تعودي ~~كنت أسعد وأهنأ لأنني أكون قد بقيت الدهر على حبك. # وانفرطت ستة أعوام. # وأحسست رغبة مستحوذة تدفعني إلى زيارة قبر خطيبي، فسافرت من يومي إلى مشهد أيام القتال ~~وساحته، وفي المحطة قبل أن يقلني القطار وقف ح ... لوداعي فقال في لهفة ووجد كظيم: إنني ~~منتظر ...! # ولكني بضحكة عصبية راعشة الرنين قلت له: ابحث لك عن فتاة غيري في غيبتي. # وتركته في مكانه مبهوتا حزينا واجما ... # وهكذا جئت من سفرتي إلى ذلك الموضع، ووقفت على قبر حبيبي لأقول له مرة أخرى ما قلته له في ~~الحياة عن إيماني به وإخلاصي إليه، والوفاء الدائم لذكراه. وتراميت على القبر أبكيه وأبلل ~~أحجاره بالعبرات والذراعان مشتبكتان محدقتان بشاهده، وأنشأت أقول: إنني على العهد باقية، إن ~~الحياة بعدك قفر موحشة، ولا يفهم أحد ما بي ... أو يدرك ما أعاني. وسكت لحظة ثم عدت أغمغم ~~قائلة: إلا صديقك وحده فهو الذي يشعر بحزني ويدرك لوعتي ... # وأهويت بفمي على القبر، فجعلت أقبله بحرارة، كأنما أحاول أن أرد الرجل الذي يتوسد تحته ~~إلى الحياة وأنشره من قبره وأعيده إلى جانبي. # وأحسبني لبثت في موضعي بضع ساعات بين دموع وصلاة وتوسل إلى الله أن يعينني على المضي في ~~حياتي وحيدة لا أنيس ولا صاحب. # وذهبت متعبة كليلة الروح، وانثنيت أترك المقبرة ms66 ، ولكني ما كدت أسير غير بعيد حتى شعرت ~~بحنين إلى الرجوع لأتودع بآخر نظرة من قبره، فلما درت على عقبي، والعينان لا تزالان مبللتين ~~بالدموع، غائمتين بسحائب العبرات، رأيت امرأة وصبيا يناهز السادسة راكعين أمام أحد ~~القبور، وأيديهما مشتبكة اشتباكة الصلاة والترحم والدعاء، فدلفت منهما في سكينة ورفق وقلبي ~~مفعم رثاء وعطفا على الأرملة والغلام اليتيم. وفيما أنا أقترب من قبر حبيبي، تبين لي أن ~~المرأة والصبي راكعان أمام قبره بالذات، فتأملت لحظة ثوب الحداد الذي اشتملت المرأة به، ~~وكان وجهها مدفونا في راحتيها، وبدا لي الصبي نظيفا حسن الثوب، فقلت في نفسي: إن هذه الأم ~~ولا ريب أولى بها أن تفخر بطفلها الوسيم الجميل. # ومشيت إليهما فقلت للمرأة: معذرة يا سيدتي ... إذ خطر لي أن المرأة ربما لا تعرف القراءة ~~فظنت أنها قد وقفت بالقبر الذي تريده. # فرفعت وجهها واختلجت في أعماق نفسي خالجة شديدة، إذ أدركت أنني قد وقفت حيال امرأة حسناء ~~لم أشهد في حياتي أجمل منها ولا أملح، وبدا لي أن جميع أحزان الدنيا وأساها قد استقرت على ~~معارفها لتطالع الناس منها أسطرها البليغة الناطقة. # ونهضت في رفق فكانت كل حركة من حركاتها جمالا رائعا وملاحة بادية، وتجلى حسن تركيب ~~بدنها على رغم كثافة الثوب الأسود الذي أسبغ عليها، وراح حسنها الظاهر على وجهها يتكشف في ~~كل حركة، وسكنة، وميلة، ونظرة، وكان يلوح عليها أنها متعلمة مهذبة على رغم رخص ثوبها، وكان ~~وجهها أبيض ناصعا فزاد بياض الوجه من حمرة الشفتين، وكأنما اقتطع ذقنها وأنفها الدقيقان من ~~المرمر، وراح شعرها الفاحم البراق مسترسلا على فوديها أبدع إطار لأجمل محيا، وكان حاجباها ~~وأهدابها في سواد فحمة الليل تطل من تحتهما عينان متوسلتان شاكيتان تعلنان الدنيا بأحزانها ~~... # وقفت تنظر إلي لحظة، ثم ترنو إلى طفلها أخرى، وإذا ببريق باهر مؤثر قد التمع في عينيها، ~~وأخيرا انثنت تجيبني قائلة: هل خاطبتني يا سيدتي؟ # قلت: عجبت لوقوفك بهذا القبر. # فقالت بكل بساطة: إنه زوجي ...! # فتولاني الرعب ولكنه لم يطل أكثر ms67 من لحظة واحدة، إذ ابتسمت في حنان وإدراك ورثاء وقلت: ~~ولكنه قبر الضابط ف ... وهو لم يتزوج قط قبل استشهاده! # قالت: وأنا زوجه، وهذا الغلام غلامنا. # وأبرقت العينان المفعمتان ألما بريق الفخار بالصبي، وقد وقف بجانبها وأمسك بيدها ونظر ~~إلى وجهها بعينيه السوداوين الذكيتين. # وعندئذ خطفت بذاكرتي صورة شمسية لطفل صغير أرانيها ف ... في بعض أيامنا الرغيدة، وقال: هذه ~~صورتي في طفولتي. # وتبينت قرابة الشبه بين الصورتين، فنظرت نظرة راعشة ورجف قلبي وتهدج صوتي إذ رحت أقول ~~كأنما أناجي نفسي ولا أخاطب المرأة الواقفة حيالي: ولكن أيكون ذلك؟ ... لقد كان خطيبي، وكان ~~آخر ما قال لي: سأظل وفيا لحبك. # فبدت في عينيها نظرة متوسلة مستصرخة مناشدة وصاحت تقول: أواه! أحق ما أرى ... أأنت إذن م ... ~~يا سيدتي؟ # فأطرقت إطراقة صامتة، وحبس الألم لساني فلم أستطع قولا، وفاض فيض الأسى على صدري، فوقفت ~~مروعة مأخوذة لا أريم حراكا ... # واعطيته صفحة وجهي لقبلة الوداع حنانا مني ورحمة. # وجثت على الثرى، وتشبثت بطرف ثوبي وانطلقت تقول: أواه! اغفري له يا سيدتي، واصفحي عنه ~~الصفح الجميل، فقد كان ذلك كله خطئي أنا واللائمة فيه لائمتي، فقد أقام في بيتنا قرابة ~~شهرين قبل أن يدعى إلى خط النار، فأحببناه جميعا وما لبثنا أن أحسسنا أننا نعرف الفتاة ~~التي ما فتئ يتحدث إلينا عنها، وقد شعر كل منا بميل إلى صاحبه، ولكنا حاولنا التباعد، ~~وإمساك هذه العاطفة قبل أن تنمو وتتمادى، فتغلبنا على أمرنا، وما لبث أخواي أن ذهبا إلى ~~الحومة، وجاءت امرأة من القرية فأقامت في البيت معي لنرعى الجنود ونقوم على خدمتهم، وفي ~~يومين متعاقبين وردت ثلاث إشارات برقية تنعي إلينا عشيرتي أجمعين، ووجدني «ف» باكية منتحبة ~~في معزل، فلم يستطع مجاهدة إرادته فتناولني في ذراعيه وضمني إلى صدره، فلم أقاوم ضمته، ولم ~~أتملص من إمساكته، نعم، لم أفعل وإن خطرت لي صورتك الحلوة العذبة الفاتنة التي ظل يحملها ~~فوق صدره ولصق فؤاده. # وأخيرا، انثنيت أقول له: و... م ... ما مصيرها؟ # فعاجل فمي بقبلة ms68 وقال: أواه لها! إنني أحبها أكثر من الحياة، وأما أنت فأحبك أكثر من ~~الشرف، تزوجيني يا غالية قبل أن أهطع إلى ساحة القتال. فما كان مني أنا الضعيفة المحزونة ~~إلا أن استسلمت وتقبلت واستكنت إلى الاحتواءة في ذراعيه. # وتم الزواج بيننا في يومنا، وتلاه أسبوعان انفرطا في الفردوس، وانصرما في جنة الأرض، وما ~~لبث أن دعي إلى الحومة. وفي ليلة الوداع مضى يقول لي: إنني أحبك، وأحبها كذلك، لقد حنثت ~~بموثقي لها، وعصيت داعي الوفاء للحب، ولبيت فيك داعي الشرف، فاضرعي إلى الله أن يلهمنا من ~~أمرنا هذا رشدا. # وانطلق إلى الساحة، وأجاب الله صلاتي فقضى الذي أحببناه معا ولم ألقه منذ ساعة الوداع ~~الخير. # وتحفزت في جثوتها، ورفعت رأسها رفعة الجلال والكبرياء وقالت: إنني أسألك الصفح عنه ولا ~~أسأل عن ذنبي صفحا ... # ووقفت في مكاني لا أبغي حركا، راجفة الأوصال، عصية المنطق. # وخطفت عيناها ببريق باهر، واسترسلت تقول: أنت في عيش ناضر في بلدك، وحال راغدة بين قومك، ~~أما نحن هنا ففي فقر شديد وأسى بالغ، وأنت موفورة الصحة مكتملة العافية، أما أنا فمريضة ~~بعلة القلب من أثر صدمة أصابتني حتى أضحيت لا أستطيع القيام على تربية ولدي، ونحن نقتر على ~~أنفسنا ونحتمل الخصاصة، وأنت الناعمة الرافلة تنفقين من المال غير باخلة على النفس ولا ~~مقترة، ولكن لا تحسبي في فؤادي حقدا عليك، ولا أنا عليك نافسة، وإنما كل الذي أرجو إليك ~~هو أن تصفحي عنه وتغفري له ما فرط من ذنبه. # وامتدت يداها المتعبتان من طول الكدح في البيت والعمل للرزق، في توسل وضراعة، ثم نهضت ~~فمشت في رفق منصرفة. # ووقفت جامدة الحركات بضع لحظات، ثم مشيت منصرفة في وجهي ورحت أنظر إلى هذين المخلوقين ~~الحزينين التعسين اللذين تقدماني على الطريق، بعين عمياء يغشاها سحاب الدموع وغاشية الهم ~~والأسى. # أواه ... # لقد سقط معبودي عن تمثاله، وهوى من أوجه العالي، فقد حنث بيمينه، ولم يخلص لي في ~~حبه. # وعاودتني هذه الخواطر فلم تترك في نفسي حنانا ولا إثارة من ms69 رحمة، وإنما بقي في فؤادي شمم ~~جريح ويأس ممض، وإذا بالعبرات تكف من مدمعي على خدي الشاحبين، وإذا عاطفة الصفح، والإيمان ~~والحب، قد فاضت في أعماق نفسي ثجاجة فوارة مندفعة، فأسرعت الخطى ثم عدوت ألاحق المرأة ~~وابنها ورحت أناديها: لقد صفحت، وألتمس منك المغفرة لما فرط من قسوتي وغلظة فؤادي!! # فالتفتت نحوي مجفلة، ثم وثب إلى عينيها بريق فرح متلألئ، وتلاه ظل ألم بليغ مستفيض فغام ~~عليه وحجبه، ورفعت يدها إلى فؤادها كأنما تمسك دقه وتهدئ من خفقه، ورأى صبيها هذه ~~الحركة منها، وكان قد اعتاد رؤيتها من قبل وأدرك ما يعقبها فعدا مطلقا ساقيه للريح ~~ليستدعي امرأة قروية قريبة من الموضع. # وما كاد الغلام يبتعد حتى ترنحت أمه وكادت تسقط إلى الأرض لو لم أعاجلها فأسندها إلى ~~ذراعي. فزفرت زفرة مستطيلة وقالت بصوت متقطع النبرات: لقد دنت الخاتمة، فأناشدك الله أن ~~تأخذي الصغير إلى ملجأ اليتامى من بعدي، فقد مات أهلنا ونحن اليوم وحيدان من الدنيا، لا ~~أقارب لنا ولا أصحاب ولا مال. # فأومأت برأسي ثم أكببت عليها فهمست أقول: أيهنؤك الرحيل إذا علمت أنني آخذته معي إلى بيتي ~~فقائمة عنك بتربيته ... هذا موثقي لك وعهدي! # ولكني لم أسمع جوابا، وإنما رأيت سمات السكينة والفرح والطمأنينة قد شاعت في وجهها ~~الحزين الأليم، ومحياها الساجي سجوة الغم والأسى ... # وأغمضت عينيها آخر عهدهما بنور هذا العالم! # وكان الصبي قد وصل في تلك اللحظة مع المرأة القروية فاحتملت الراحلة إلى كوخها الصغير ~~العاري الأجرد مما في بيوت الناس من متاع. # لقد ذهبت لتلقى زوجها في السماء. # ومشيت منكفئة إلى القبر فحنوت حياله خاشعة مشتبكة اليدين، ساكنة العين والفؤاد، وقلت في ~~رفق أناجي الضاجع نداء خفيا: لقد صفحت ... لقد عفوت ... # وانتبهت من غشيتي على مواقع أقدام صغيرة دقيقة، وإذا الصبي واقف على رأسي وهو يقول في ~~جلال وجد: هنا أبي يرقد، لقد كان شجاعا، وكانت أمي تحبه، فهل أنت التي كان يتكلم عنها ~~كثيرا، لقد سمعت أمي الساعة تناديك كذلك، فإن كنتها حقا ms70 أحببتك كما كان أبي يحبك، أنا ~~مثل أبي، وأمي تقول أنا به شبيه فخذي عني حبه، نعم، إنني أحبك يا حبيبة أبي وصديقته ~~... # ووقف يتمسح بثوبي وينحني على وجهي بوجهه. # قلت والعبرات تخنقني: وأنا أحبك كذلك، كما أحببت أباك من قبل وأمك، والآن يا طفلي العزيز، ~~وصورة أبيك الغالي، سنذهب لنعيش معا، ونعود إلى بلدنا وإلى صديقنا ح ... الولي الحميم ~~... # | هتاف الأمومة # ألم تنظر يوما إلى مشهد ما كان لك أن تشهده، وتلقي العين على شيء ما كان يدور بخلدك أنك ~~يوما عليه ملقيها، كابتسامة طفل نائم يخيل إليك أنها ابتسام السكون وضحكة العالم المجهول ~~الذي لا حد له؟ أو كانبثاق أول خيوط الفجر على صفحة البحيرة وأمواهها الساكنية الصافية ... ~~نعم، ألم تأخذ يوما عينك مشاهد تستدر الشؤون وترسل الدمع من العين صيبا منهمرا، وتثير في ~~فؤادك إحساسا غامضا جليلا، نصفه دهشة، ونصفه ألم؟ ... # إذا وقع لك في الحياة شيء من ذلك، فأنت إذن مستطيع أن تتصور مبلغ ما خالجني من الإحساس، ~~يوم رأيت حنان الأمومة الملهوف البليغ في صمته، الرائع في صورته ومقتبله، على وجه السيدة ~~«ب»، فقد رحت أتمثل في الخاطر مشهدا جرى على السنين، وتمادى مع الأعوام، سنين سادت خلالها ~~في فؤاد الأم لهفة الأمومة، وأعوام نما فيها مع الوليد حنان الوالدة، أعوام مضت فيها تلك ~~الأرملة الشابة التي مات عنها بعلها في الأشهر الأولى من مولد طفلها، تمسك بذلك الوجه ~~الدقيق الندي الجميل، وشعره الفاحم المنتثر تفاريق في جلدة رأسه، فتضمه إلى صدرها، وترضعه ~~أفاويق لبانها، ثم أعوام أخرى ذهبت خلالها تداور خيباتها، وتتناسى مناكد عيشها، وتتعلل بعذب ~~الأمل، واعدة نفسها، أن الأرض وما حوت من خير ووفر وهناءة ورغد، ستكون غدا لوليدها يتقلب ~~فيها حيث يشاء. # وأكبر ظني أنها كانت عن طواعية تخوض الجحيم، وعن رضى تصطبر لأشد العذاب في تلك السنوات ~~الأولى من عهد الطفولة، إذا كان في خوض الجحيم والاصطبار لعذاب الحريق ما يعينها على أن ~~تاتي بما لا تستطيع أم أن تأتي ms71 به لإرضاء طفلها، وما يسعفها على أن تقرب من يديه ~~المتطاولتين ما يلتهف عليه، ويبكي لطلبه، فوالله لقد كانت في كل ذلك أشبه شيء بكلب مخلص ~~أمين حيال سيده المتغير المتقلب، تفرح لفرحه، وتبكي لبكاه، وتأسى على أساه، وتأخذ من نفسها ~~لنفسه، وهي معه أبدا في حالتي بؤسه ونعماه. # وكذلك هي الأمومة عند بعض الأمهات، تأتي مستحوذة غالية، فتتلاشى الأم في الولد، وتتفانى ~~الروح كلها في فلذة الكبد، ومشهد أمومة كهذه والله أليم، ومرأى حنان كهذا الحنان يستثير ~~الرحمة ويروع الخاطر والوجدان. ~~••• # وكان مجلسهما أبدا قبالتي على مائدة الطعام في البيت الذي نزلنا به لمسكن وطعام، هو في ~~ممتشق قده، وفينان عوده، كأنه صورة «أبو للون»، رب الشمس عند اليونان، وهي في مسحة من جمال ~~دائل، وإثارة من حسن ذابل، وزرقة عينين نسطع فيهما حينا نظرة الأمومة المدهشة المبهوتة إذ ~~تشهد أن ولدها قد عاد الفتى المديد العود، الملفوح الوجه، المفعم البدن صحة وقوة وبأسا، ~~وقد أراه وهو يروح ويغدو، ويجيء وينصرف، خفيف الحركة، بادي النشاط، منفرج الخطو، منسرح ~~المشية، وأمه تتبعه النظر، وترسل العين في إثره، وتلم به قبل أن يلم بها، وتدانيه وهو قادم ~~من بعيد عليها. # لقد جاهدت لأجله أعوام الحاجة، وغالبت أيام الفاقة، وناضلت عهد طفولته البأساء، وكانت ~~يومذاك تكدح لرزقها ورزقه، خياطة مأجورة في متجر للأزياء، حتى أضحت كبيرة الحائكات ~~فيه. # وأخذت نفسها بالقصد في النفقة، حتى اجتمع لها من المال ما استعانته لتكفل لولدها من العلم ~~والتربية والتحصيل ما يصيب الشباب في أهل طبقتها من المجتمع. ولما أراد ولدها أن يسلك نفسه ~~في أحد الأندية الخاصة خلال أيام دراسته، راحت تدأب وتواصل العمل ليل نهار حتى استجابت ~~لأمنيته، وذللت له مطلبه. # ولا تحسبن الفتى مؤثرا ذاته، متناسيا حق أمه عليه، أنانيا لا يحفل بغير مناعم عيشه ~~وأطايب الحياة يؤتاها غير مسؤول ولا طالب ... # كلا، بل لقد كانت أمه تتكتم عليه دأبها، وتذهب ترتهن بقية ما أبقى الدهر من غاليها ~~ونفيسها، لتوافيه بكل بهيج، وتحبوه ms72 بكل حباء طيب جميل، وما أحسبه كان راضيا عن خطتها لو ~~أنه كان بها عليما، ولكنه كان فيما يرى من استخفاف الشباب لا يكرثه السؤال عن الوسيلة، ولا ~~البحث عن شيء يطلبه فيجده، من أين جاء وكيف تحقق. وكان يفزع أبدا إلى أمه كلما خاب أمل، ~~ويركن إليها كلما استبطأ رجاء، وهو عليم أنها لو استطاعت أن تحرك الجبال الرواسي من ~~مستقرها، وتبلغ يدها السماء وأفقها في سبيل التوفية بحاجته والرجوع بطلبته لما ترددت ولا ~~تأخرت. وبفضل سعيها المحمود، ونفوذها المسموع، ما لبث أصحاب الحانوت أن رضوا عنه وأرضوه ~~لجمال وجهه وشدة فتونه، ومظهره الحسن الرائع الأخاذ، وتبديه في الحانوت خير عنوان لحسن ~~الأدب، وخدمة المشترين. وكان أبدا مسرة العين وفرحة الناظر، فإذا خرج من المتجر ساعة ~~الظهيرة للغداء خفقت قلوب كثيرات من النساء لمشهده ودارت نحوه الأعين والأبصار مأخوذة بجمال ~~مطلعه، وكانت عيناه ترنوان أبدا بنظرة استخفاف بالحياة ومنزع إلى الهوى والعبث، ولكنهما لا ~~تخلوان من نظرة الصدق والطهر والنقاء، وذلك أثر أدب أمه وعنايتها بتهذيبه من حداثته. وكانت ~~أمه في تلك الأعوام الأولى من عهد نموه واقتبال شبابه، قد بعثته إلي لأمتحن فهمه لأسرار ~~الحياة وأخبر إدراكه للحقائق. # وكنت رجلا عرك الدهر، وذاق في الحياة الحلو والمر، فرحت أبصره بها وأفتح عينه لوهادها ~~السحيقة، فكان يفزع إلي بطلب النصيحة، ويقبل علي بدافع الغريزة، يلتمس عندي الرأي وحسن ~~المشورة. # وفي تلك الأحاديث والخلوات إليه جعلت أتبين فعل مغناطيسية نفسه، وأشعر بمبلغ امتلاكه ~~للقلوب، وصنع سحره في الأفئدة. # وكان السخط على هذا العمل الهين الذي أصابه في الحياة، يتسلل حينا إلى حديثه، ويغلب ~~حينا على أنغام صوته ونبرات لهجته، وكنت وأنا جالس في حجرتي، أسمع نتفا من حديث الأم ~~وولدها، يحملها الهواء إلى مسمعي من باب البهو أو النوافذ المفتحة؛ إذ كانت حجرتي لصق ~~حجرتهما، فكنت أتبين من سقاط ذلك الحديث ولثيثه، أن الفتى غير راض بقسمته، ملتهف على إتيان ~~الفعال الجسام، متبرم بالعيش، متململ من أن الحياة لم تبشر ms73 له ناهزة، ولم تلق بفرصها ~~المؤاتية في طريقه. # ولكن أكبر ظني أن ذلك الشاب على رغم سخطاته العارضة على الحياة وشكاته كان على الدهر ~~سيرتضي الحياة كما هي، وينزل على حكم المقادير وما قدرت، لو لم تعرض له في ذلك الصيف فتاة ~~كان أبوها الجراح الكبير الطائر الذكر بجانب يساره الموروث، ولشبه الطائل، وكانت دارهما ~~قصرا بديعا يأخذ العين جماله، وهو مرتاد الصفوة المختارة من أهل المدينة ومختلف وجوهها ~~وعيونها الظاهرة. # وبتلك الحرية التي تسود نفوس أهل هذا الجيل، وتقرب بين شباب هذا العصر كان هو وهي من ~~أفراد ندوة واحدة، وأعضاء رفقة مشتركة، وما لبث الناس أن رأوهما أكثر وقتهما مختلطين، ~~يمشيان إلى نزهة، أو يعودان من طوفة، أو يجلسان معا إلى حفل، أو يرقصان في المجمع، هي ~~بمرهف قدها وبهي جمالها، وهو الفارع الأغيد الوسيم. # ولم يكن يخفى على أحد فعل الحب، فقد كان يبدو للعين الصب المستهام، ولكم شهدت الحب والألم ~~يعتركان في نظرات عينيه السوداوين. # وكانت الفتاة كذلك تغالب عاطفتها وهي تعلم أنه ليس من طبقتها، وتجاهد الحب عن فؤادها وهي ~~مدركة أن لا أمل من وراء حبه وحبها، أما هو فكان يناضل ويغالب في سبيل سعادته، وهناءة عيشه، ~~كدأب الشباب في النضال، وديدنهم في المجاهدة والغلاب، بتلك الفلسفة التي آمنوا بها ولما ~~يؤمن بها المجتمع، وهي أن الحب لا يعرف طبقات، بل يسوي بين الدرجات ويتخطى الحواحز ~~العقبات. # ولست أشك في أن أبويها سيدللان لها على حماقة الزواج بفتى رقيق الحال، يشغل مكانا مهينا ~~في متجر. # وأضنى الجهاد العاشق والعاشقة، وجعل الحب والهيام والتوق واللهف تتدفق وتفيض على محيا ~~الفتى كلما نظر إلى الحسناء الهيفاء البديعة «ل ...» بعينيها النجلاوين، وفمها العقيق الدقيق ~~المرتسم، تلك الفتاة الغواءة المشغوفة باللهو والمراح، المستخفة بتقاليد طبقتها، بل ذلك ~~النوع من النساء اللاتي يدفعن الرجال إلى الجنون بهن غير عامدات ولا متجانفات لغواية مدبرة، ~~وخطة مرسومة. # ويخيل لي أنه كان يجاهد في سبيل امتلاكها بذلك السلاح المرهف الذي ما إن ms74 يزال الشباب ~~يجاهد به ويناضل من أول الدهر، وبداية الخليقة، بل هو ذلك الحب الطاغية الجبار المستميت ~~المستبسل يبدو حينا رهيبا في مشهده، جليلا في مبتداه ومطالعه. # وساقني الاتفاق الغريب في ذات ليلة إلى مطعم فخم أنيق في المدينة، هو مغشى الشباب ومختلف ~~السروات، لأتناول طعام العشاء فيه، فإذا المكان غاص بالناس، والعذارى الحسان في أنضر ~~الثياب، رائحات غاديات بين الموائد والصفوف، وقد ارتفعت الأصوات، وتعالت الأحاديث، واستطال ~~التهامس بين العاشقين والعاشقات. # وبين طنين الهمس والحديث، طرق سمعي فجأة صوت رقيق حلو النغم مفعم نشدانا وتوسلا وعتبا، ~~ولقد راح يقول: لسنا نستطيع أن نمضي أيها العزيز على ما نحن فيه ماضيان، فنحن أكثر ليلنا ~~ونهارنا مجتمعان، وأهلي وغير أهلي قد أخذوا يتحدثون أحاديث غريبة شاذة عنا. # وسمعت صوت رجل يجيب، فإذا هو الفتى المتكلم المتحدث، وقد اندفع يتكلم بلهجة المستهتر ~~الساخر، وقد أفلتت منه ضحكة قصيرة عجلى خاطفة، وكنت أعرف تلك الضحكة والنظرة التي تصحبها، ~~ضحكة مستخفة ساخرة تخالطها قسوة. # قال: وهل تحفلين بما يقولون؟ وماذا يقولون؟ هلا نبئتني بأقاويلهم. # فمضت الفتاة عاثرة في منطقها تقول: إنهم يشيعون أنني تخليت عن الطبيب «ف»، وأننا خطيبان ~~قد تمت بيننا الخطبة، وأنت تعلم يا عزيزي أنني سأتزوج به، وقد نبأتك بذلك من قبل، فهو صديق ~~لأبي حميم، وقد تعاقدا على الخطبة في العام المنصرم، فأولى بنا أن نكف وأخلق بنا أن نزدجر، ~~فإننا والله ظالمان لنفسينا، بل كل لصاحبه ظالم! # وبدت على وجهه الناحل أثر الشهوة المسرفة. # فراح الفتى يناديها قائلا: لو كنت حقا تحبينني ما جلست الساعة تنبئينني بأنك غدا ~~متزوجة برجل آخر ... أواه! أنت تحبينني، وقد كاشفتني بالحب، والآن تريدين هجري ظلما ~~وغدرا! # فسمعتها تتوسل إليه قائلة: دعنا ننهي الأمر اليوم ونقطع فيه برأي فاصل، نعم، لنكف عما نحن ~~فيه من الساعة وإن كان ذلك موحشا أليما قاسيا! ولكنه والله خير من إيلام نفسينا وأهون ~~ألما ... # فلم أستطع أن أسمع إذ ذاك ما غمغم به صوته واضطرب به منطقه، وأنا ms75 منصرف من المطعم في عجلة ~~وقد اختلست نظرة إلى وجهه المكفهر، وعينيه المنكستين المفعمتين كمدا وألما. # حقا لقد كان كل يحب صاحبه بكل قوى حياته، وكل وجدان نفسه، ولو أن فتاة أضعف منها كانت ~~في مكانها لما استطاعت أن تقاوم حبه الطاغية الأخاذ المتغلب. # ولكنها بيديها القويتين، يديها اللتين جعلتا بعض الأحايين ترعشان على قوتهما وترتجفان، ~~كانت ممسكة بأعنة العاطفة تحاول كبح جماحها، اتقاء الاسترسال مع الحب، والذهاب أبعد المذاهب ~~في الهوى، حيث النسيان والنزق وحماقة الصبا. ولا عجب فإن فتاة مثلها، أوتيت تهذيبها وأدبها ~~ورعاية أبويها، وأحيطت بالحب والنصيحة والإخلاص من جميع جهاتها، وأدركت جنة صاحبها بها، لا ~~يعقل منها أن تثب الوثبة الخطرة، غير مقدرة مواقع خطوها، ولا حافلة بما يكلفها ذلك من ~~ثمن. # وأكبر ظني أنه صحبها في ذلك المساء إلى دارها فكان وداعا، لا لقاء بعده ولا اجتماع؛ ~~لأنني سمعت صوته في حجرته وقد آذنت التاسعة وهو يتحدث إلى أمه حديث فؤاده، فقد مضى يتسخط ~~على الحياة عامة، وعلى أغاليظ المجتمع وأكاذيب الدنيا واحتفال أهلها بالمال والحسب والنسب، ~~وذهب في منتحب وسخط يقول لها: إنها والله لدنيا كاذبة، وعالم سافل منكر، يريد من الفتى أن ~~يهب الفتاة التي ملكت عليه لبه في بداية أمرهما، ومهد حبهما، ما لم يستطعه أبوها إلا على ~~فترة من السنين وحقبة طويلة من الأعوام. # وسكت لحظة وهو مطلق للدمع فيضه، ثم عاد يقول: ألا اعلمي يا أماه أنني لا أطيق صبرا، ولن ~~أحتمل عنها تخليا ولها تركا، إنها ملك فؤادي وهي بذلك عليمة خبيرة، يا عجبا لها كيف تسول ~~لها النفس تركي؟ وأي قلب قد من صخر قلبها! إنها تحبني ولا تجد للرجل الآخر حبا، ثم تأبى ~~إلا أن تدعني للحب يحطمني! فخير والله أن أراها في الهالكين، ثم لا أراها لذلك الرجل زوجا، ~~بل لخير أن نموت معا، فما نفع العيش إلى الثلاثين أو مرد التعمير إلى الخمسين، وقد تحطم ~~الأمل، وتفتح في شغاف القلب جرح غير مندمل! # وسمعته ينشج ms76 وينتحب نشيج رجل ونحيبه، وإنه والله لنشيج مخيف! ونحيب كأنه زمجرة الوحش ~~المعذب. # وطرق أذني صوت أمه وهي تؤاسيه وتحاول تخفيف الهم عنه، ثم ساد سكون ... ولكني لم ألبث أن عدت ~~أسمع وقع قدميه وهو من الحجرة منصرف، وطرقت أذني بعد ذلك حركة أمه وهي تخطو في الحجرة ~~ذهابا وجيئة، فبدأت خطى مترددات خفاف الوقع، ثم أخذت تسرع وتشتد، ثم تلاها سكون طويل وصمت ~~مطلق ... # وفي صبيحة اليوم التالي، وافانا الفتى وحده إلى مائدة الفطور لم تحضر والدته، وكان وجهه ~~ممتقعا، وعيناه متكسرتين متعبتين واتخذ إلى الخوان مجلسه صامتا، وأقبل على طعامه واجما، ~~ولكنه ما عتم أن التفت إلي قائلا - وقد اجتذب ساعته من جيبه فتطلع إليها - عجبي لغيبة أمي! ~~فقد ظننتها قبل مجيئي قد وافتكم إلى المائدة، فخير لي إذن أن أناديها. # ونهض عن المائدة فمشى إلى حجراتهما ولكنه لم يطل الغياب، بل عاد يقول: إنني من أمرها لفي ~~عجب! إن باب مخدعها موصد، وعهدي بها لا تغير نظام عيشها قبل أن تخبرني بما تنتوي، وتنبئني ~~بما عليه نجمع الرأي. # فمضيت معه إلى الباب فعالجناه، فإذا هو لا يزال موصدا، فرحت أقول في سكينة مجاهدة ~~مصطنعة وإن كان فؤادي خافقا واجما: أخشى أن تكون مريضة، فيحسن أن نقتحم عليها ~~الباب. # وأنت أيها القارئ فلتسم إحساسي في تلك اللحظة نبوءة الوجدان، أو فلتدعه هاتفا من هواتف ~~النفس: أيا ما تدعوه؟ فقد شعرت بما نحن عما قليل واجداه خلف الباب الموصد. # كانت عيناها مغمضتين كأنها في نوم هادئ، وكان وجهها ساكنا وإن لم يخل من أثر الضنى ~~والجهد الأليم، فكأنه نوم النائم الحزين يلتمس في الغمض بلسم النسيان. # وبهت الفتى مما رأى وغشي الخطب القادح على لبه، فلم يصدق عينيه. # وقضيت طيلة هذا النهار بجانبه أواسيه وهو ينتحب ويرسل حشاشة نفسه دمعا سخينا على هذه ~~الكارثة المباغتة الداهمة. # وفي أصيل ذلك اليوم جاءته الفتاة تشاطره الأسى، ولكن عناقاتها وكلمات الرثاء اللينة ~~العذبة من فمها لم تذهب بحزنه، ولا وقعت في ذلك ms77 المجلس موقعها الماضي من حبة فؤاده، وقضى ~~اليوم يلهج بذكر فضل أمه الراحلة، ويرسل في مديحها كلمات حارة لطالما كانت في الحياة تتوق ~~لسماع طرف منها، وقد أدهشني من الفتى إدراكه فضل تلك الأم الرؤوم عليه، وعرفانه تضحياتها ~~وحبها العميم المكين له ... ولكنه راح يسأل نفسه ويسألني سحابة ذلك اليوم المحزن الأليم: ليت ~~شعري لماذا فعلت ذلك؟ لماذا فعلته؟ لماذا ختمت الحياة على هذا النحو؟ # وكان الجواب يحترق في حنايا فؤادي، ويزدحم في خاطري يريد خروجا، ولكني أمسكت فلم أقل ~~شيئا ... # وبذلك الحنان الذي أبدته تلك الأم في الحياة قد القت في يد ابنها بموتها تعويضا عن ~~خسارته ... خمسة الآف من الجنيهات، فذلك هو القدر الذي كانت مؤمنة به على حياتها، فقضت لكي ~~يكون هذا المال من بعدها حقه ينعم به. # وضرب الدهر بيننا، فرأيته بعد بضعة أعوام فإذا هو لا يزال في ريع الشباب، ولكن عينيه ~~السوداوين قد أنطفأ منهما ذلك البريق السني، الذي كان يشع منهما قديما في نظرات بريئة ~~صراح، وبدت على وجهه الناحل أثر الشهوة المسرفة على نفسها المتحاربة من ميادينها الفسيحة ~~المترامية، فقد بدد ذلك المال كله ومضى يختلط بأهل الشر، ويركب للشهوات كل مركب ... # إن أمه بتلك التضحية المجنونة الجسور قد أبعدت إلى الأبد من منال يده أمله الأكبر، ذلك ~~الأمل الذي بذلت من أجله حياتها وعصارة نفسها؛ إذ لم تكد توسد الثرى حتى أخذت ألسنة السوء ~~تشيع في المدينة أنها قد ضحت بنفسها ليصيب ابنها بموتها مبلغ التأمين على حياتها، ويصيب مع ~~التأمين الهناءة والرغد. وسمعت الفتاة تلك بالقالة، فكأنما نهض بينها وبينه منذ ذلك اليوم ~~جدار شاهق، وسد منيع لن يزول إلى الأبد. # وتزوجت «ب» الطبيب الذي خطبها، وكان آخر عهدي بها في المدينة منذ أعوام، فإذا في عينيها ~~نظرة أليمة، ورنوة متكسرة هي أثر من أسى قديم هيهات أن يزول من الفؤاد، أو تمحو الأيام منه ~~ذلك الأثر ...! # | زوج طاغية # بنفس متعبة، وبدن مجهد ضعيف، وقفت في مطبخ داري أهيئ العشاء ms78 والشمس تعدل إلى المغيب، ~~وما لبثت أن سمعت مواقع قدم صغيرة آتية نحوي، وما لبث أن دخل ولدنا الكبير فؤاد خائفا ~~وجلا يصيح: إنه قادم يا أماه! ... فاضطربت من هذا النذير وأخذت أنظر إلى وجهه الناحل وعينيه ~~المسكينتين وفمه الدقيق الحساس، وأنا أغالب النفس أمنعها أن تنظر أو تتألم لما تنظر ~~... # قلت في عجلة: وأين أختاك «سميحة وسوسنة»؟ قال: هما آتيتان بالبقرات من الحقل يا أماه، وقد ~~تأخرنا في الرجوع لأن «سوسنة» تشكو عثرة أليمة أصابت قدمها. # قلت: وهل علفت أنت وأخوك الأغنام وسقيتها؟ قال: نعم يا أمي لقد فعلنا، وقد ذهب ليحضر ~~الوقود والحطب وأنا ماض لأعينه عليه، وإنما جئت اللحظة لكي أنبهك يا أم إلى أن أبانا قد ~~حضر. # قلت: أسرع يا بني وجئ بالدلو ممتلئا، فأنت تعرف غضبة أبيك كلما رأى الدلو ~~فارغا. # وأخذت أعدو وأروح في المطبخ مسرعة لهفة أعد العشاء جاعلة من يدي الاثنتين أربعا، وإذا ~~بطفلي الصغير سعد الذي لم يعد الحول الثاني قد جاء من فناء البيت باكيا صائحا، وكان قد ~~جرح إصبعه فأبكاه الألم ولعب النعاس بعينيه، ووقف يقول: جوعان يا ماما. # قلت: لا بكاء أيها العزيز، وستأخذك أمك إليها إذا فرغت من تجهيز العشاء. # فعاد يصيح ويتململ. # وسمعت وقع أقدام دانية ... فهمست للوليد أقول: سكوتا، ها هو ذا بابا قادم إلى البيت فخير ~~لك أن تكف عن البكاء فإن بابا لا يحب أن يسمع صوتك باكيا، فكف الوليد عن العويل مرة واحدة ~~وإن ظلت شفتاه تختلجان وتضطربان، وارتفع صوت أجش خشن النبرات عند الباب يقول: ألم ينته ~~تجهيز العشاء بعد؟ # فأخرجت الصينية من الفرن بسرعة وقلت: ها هو ذا قد تهيأ ... فزمجر وأرعد قائلا: وأين كنت ~~إلى الآن، وفيما قضيت هذا الأصيل يا لكاع؟ وها هو ذا الليل قد أقبل، وعلام كان هذا الخنزير ~~باكيا؟ # قلت خائفة: لا شيء ما به من سوء، وإنما جرح إصبعه. # قال: عليه السوء إن لم يكف عن «زنه» الدائم وبكائه المقيم لا ينقطع، أسامع هذا ms79 يا ~~ملعون؟ # ولكن الطفل أخذ (يزوم) ويبكي بكائا صامتا، فتألم له فؤادي وخفق؛ إذ خشيت أن يسوطه ~~أبوه إذا لم يكف، وتذكرت آخر مرة علاه بالسوط ولم أستطع عنه دفاعا أو أن أحميه من ~~سوطه. # قلت - لألهيه عن الوليد -: ها هو ذا العشاء قد تهيأ. # فتولى منصرفا كاشرا، وما كاد ينصرف عن المطبخ حتى تناولت الوليد في أحضاني وهمست له ~~أقول وأنا ألتقط صندوقا صغيرا من فوق الرف: خذ هذا الزبيب واسكت، فاحتجز الوليد عبرته ~~المختنقة ومد يده إلى الزبيب فملأت حفنته منه وأجلسته فوق مقعد بجانب المائدة. # وكان الطعام قد صف فوق الخوان، فجلس زوجي إليه، وتسلل الصبيان إلى مقعديهما من المائدة ~~وهما يختلسان النظر في رعب ووجل إلى أبيهما. وكان فؤاد قبل الذهاب إلى الخوان قد مر ~~بالمطبخ، فسألني في همس: أغضبان هو اليوم؟ # قلت: لا أدري، أحسبه في بعض الغضب، اذهب فإن العشاء قد وجب. # وأخذت سعيدا الوليد في حجري فجلست إلى المائدة. # وقطب زوجي حاجبيه الغزيرين وقال: ما لي لا أرى «سميحة» و«سوسنة» على المائدة؟ أين ذهبتا؟ ~~فوجمنا جميعا، وبدا الرعب على الصبيين، ولم يحر أحد منا جوابا. فعاد يزمجر قائلا: لم ~~لا تجيبون؟ أعدتم صما بكما لا تسمعون ولا تنطقون؟ # قلت: إنهما قادمتان بعد لحظة ... عندما يفرغان من حلب البقرات. فسكت وانثنى يأكل في صمت، ~~وما لبثت الصبيتان أن دخلتا فاحتلتا مقعديهما المعتادين منكستي الطرف خائفتين، وما عتم ~~أن ترك الأكل هنيهة ونظر إليهما قائلا: لماذا تأخرتما في حلب البقرات اليوم؟ فوقفت اللقمة ~~في حلق سميحة وتلعثمت قائلة: لقد آذت «سوسنة» قدمها فلم نستطع أن نعود بالبقرات مسرعتين، ~~فاضطربت المسكينة ووجلت وازدردت لقمتها في ألم وقالت: عثرت رجلي ... فالتوت ... قال: حقا ~~سأنظر فيما قلت، وإن وجدتك كاذبة فوالله ... ولم يتم وعيده وإنما راح يثأرها بنظره الحاد. ~~فامتقع محياها ورجفت شفتاها واضطربت اللقمة في يدها، وفي تلك اللحظة أحدث سعد الصغير على ~~المائدة حادثا فجائيا، وكان المسكين لا يزال في الحول السادس، وقد حل عليه التعب ms80 وأثقل ~~النعاس رأسه فأصابت المائدة وحطم القدح، فوثب أبوه من مجلسه متنمرا، ووجدتني أنا كذلك ~~قد نهضت، ورحت أتوسل إليه وأتشفع قائلة، وأنا أدور حول المائدة لأمنعه من الإمساك بالصبي: ~~إنه لم يقصد. ولكنه دفعني عنه دفعة ردتني إلى الجدار متراجعة وهو يصيح بي مرعدا: إليك عني، ~~ودعيني أعرف شغلي! ووثب على الطفل فهزه من فوق كرسيه ومد يده إلى عصا معلقة فوق الجدار وسحب ~~المسكين إلى خارج الحجرة وهو يصيح به: سأعلمك أدبا غير هذا الأدب، وأحرمك تحطيم الأكواب ~~والأقداح أيها الخنزير القذر. ورأى الفلاحان الأجيران ما جرى فأسرعا في الأكل وخرجا هاربين. ~~واحتملت الوليد النائم من فوق حجري فأضجعته في فراشه وعدت إلى المطبخ لغسل الأطباق وأنا لا ~~أزال أسمع صيحات الصبي من ألم الضرب، وكان دمعي قد نضب من زمان طويل، فلم أعد أشعر من هذه ~~المشاهدة المتكررة صباح مساء بشيء غير خفقان شديد وهزة عصبية أليمة! # وفي تلك الليلة، وقد آوى الجميع إلى المراقد، تسللت من جانب زوجي وهو نائم يغط، فدببت ~~إلى حجرة ولدي فألفيته لا يزال يبكي ويئن في مضجعه، فرقدت بجانبه وجمعته في أحضاني، فلصق ~~الصبي بي وأخذ يبكي بكاء يقطع الأكباد. قلت: صمتا يا بني وإلا سمعك. فازداد نحيبا وجعل ~~يقول: ولكني لم أفعل شيئا. قلت: دع البكاء يا بني لكي أقص عليك أحدوثة (الفتاة الذهبية ~~الشعر والدببة الثلاث). ولبثت معه حتى نام وعدت إلى مضجعي وما كدت أضع رأسي فوق الوسادة حتى ~~شعرت بيد تهزني وسمعت صوت زوجي وهو يصيح بي: ألم يأن لك أن تصحي؟ فنهضت متعبة ضعيفة الأوصال ~~فذهبت إلى المطبخ وما لبثت البنتان أن جاءتا تسألان: هل قلت له يا أماه؟ وكنا قد اتفقنا ~~فيما بيننا أن أتشجع فأستأذنه في الذهاب إلى البندر لعرض أمر صحتي على الطبيب؛ إذ كنت أشكو ~~ألما شديدا في جنبي الأيسر ... وقد علمت أن طبيبا جديدا قد نزل بالمدينة وتسامع الناس ~~بحذقه ونطسه، وكان الأولاد في لهفة على الذهاب إذا أذن أبوهم - لما ms81 في ذلك من مسرة مشاهدة ~~المدينة والخلاص يوما من طغيانه - فقلت للصبيتين: لم أفعل بعد. ووعدتهما أن أفاتحه عقب ~~الفراغ من فطوره. وانتظرت حتى هم بالنهوض عن المائدة فقلت خائفة مترددة: هل تسمح بأن أذهب ~~أنا والأطفال إلى البندر غدا؟ قال: وعلام تريدين ذهابا؟ قلت واجفة: إن جنبي الأيسر في ألم ~~شديد، وأريد أن أذهب إلى الطبيب. فقال مرعدا مبرقا: ما شاء الله! هذا ما كنت أنتظر، إن في ~~هذه المسالة إذن رجلا! أتريدين رؤية الطبيب الجديد؟ ذلك عذرك القديم وحجتك كلما أردت على ~~الرجال ظهورا! كلا، لا يمكن أن تذهبي غدا. # ولوى عني عنقه وانصرف، وعدت إلى الأولاد أحمل إليهم نبأ رفضه، فتلقوه صامتين واجمين، ~~ولكنه صمت الخيبة ووجوم الحزانى البائسين. وكان يومنا يوم الغسيل فاجتمع الأولاد له ليتولى ~~كل منه نصيبه، وجعل سعد الوليد يجري على قدر ما تحمله ساقاه الصغيرتان معطلا الأولاد عن ~~أعمالهم وهو يحسب أنه معينهم. وفيما نحن في شغل بالغسيل وغلي الثياب إذ حضر زوجي فجأة ~~حوالي الضحى فقال: إننا نقيم سورا حول الغيط القبلي فجهزي لنا في الحال غداء وركب ~~منصرفا. # فلم أكد أخلو إلى الأولاد حتى ألقيت الغسيل جانبا وصحت أقول في سخطة البائس الضجر: ~~رباه! ما العمل الآن وقد زحمنا الغسيل اليوم ولم نفرغ لغدائه! # ونهضنا جميعا لنهيئ طعاما وذهبت العجلة بصوابنا، فلم نكد نصنع شيئا حتى عاد يطلب ~~الغداء. قال: هل انتهى؟ قلت: بل كاد. فمضى يرسل صيبا من شتائمه ونذره. وانتهى الغداء ~~فحزمناه له وتناوله لاعنا ساخطا وتولى ذاهبا يرعد ويقصف. # وتهالكنا جميعا بعد ذهابه على المقاعد لنملك أنفاسنا الصاعدة الراجعة، وانثنت الصبية ~~«سميحة» المتمردة الثائرة تقول: يا للشيطان إنه لوحش كاسر! فلم يعترض أحد عليها فيما قالت، ~~ولم يقل أحد: قد أخطات! ونظر «الصغير» إلى وجهي في إشراقة وجه المؤمل وقال: هل سيغيب عن ~~البيت النهار طوله؟ # قلت: لعله. ففرح الأطفال وتهللت أساريرهم. # وفي اليوم التالي بينما كنت أنثر الماء رشاشا على الثياب المغسولة استعدادا لكيها، ~~إذ دخل ms82 علي زوجي فقال في لهجة المزمجر الساخر: لقد مضى عليك وقت طويل تهرفين فيه بسيرة ~~الذهاب إلى البندر، فهلمي تأهبي للذهاب الآن وعجلي. ففرحت بهذا النبأ المباغت وإن آلمني ~~أنه جاء على غرة فلم أهيئ للأولاد ثيابهم. وكان ذلك دأب زوجي، كلما أراد شيئا زحمني به، ~~وأخذني في غفلة الغافل، وذهبت الصبيتان لشد الحصانين إلى العجلة وخرج إليهما أبوهما فرأى ~~«سميحة» قد أسرجت الفرس البيضاء فصاح بها قائلا: ما الذي أوحى إليك أيتها الخرقاء أن تشدي ~~هذه الفرس العرجاء الجريح إلى العجلة، على حين قلت لك: شدي الحصان الأشقر؟ حقا ما رأيت ~~امرأة عنيدة مذهوبة اللب مثلك، ورفع كفه فلطمها لطمة عنيفة على خدها وزمجر قائلا: ارددي ~~هذه الفرس إلى المربط وامكثي في البيت اليوم لا تذهبين معهم. وسمع الأولاد النبأ فذهب عنهم ~~الفرح بالفسحة وتهيأنا بعد قليل لركوب العجلة ووقفت المسكينة ممسكة بالأعنة، وصاح زوجي بنا: ~~أريد منكم أن تعودوا إلى هنا الثانية عشرة، أسامعة ما أقول يا امرأة؟ فهززت رأسي هزة ~~الإيجاب، وأنشأت أقول مضطربة المنطق واجفة: وأجرة الطبيب كيف أدفعها؟ فدس يده في جيبه وأرعد ~~قائلا: تريدين نقودا؟ يا للعنة! لا تفتأين تطلبين نقودا، ها هو ذا نصف جنيه وهي أجرة ~~الطبيب القديم في البندر، فخير لك أن تذهبي إليه وإن كنت أعرف أنك تبتغين إلى الجديد ~~ذهابا. وتناولت المبلغ مترددة وقلت: ولكن أحسب الأولاد قد يحتاجون إلى شيء من الحلوى. ~~فألقى بضعة قروش إلى الصبي الكبير وقال: هاك هاك يا فؤاد فأنت العاقل الأوحد بين هؤلاء ~~الحمقى المجانين. # وأمسكت بالأعنة وبدأت العجلة تتحرك فصاح مناديا: قفوا قليلا، والتفت إلى الصبية فقال: ~~اطلعي معهم وعليك اللعنة. ولكن الصبية تذمرت قائلة: ولكن لا أستطيع أن أذهب هكذا يا أبت. ~~وكانت حافية القدمين في ثوب ناصل اللون ممزق ابتذلته في خدمة البيت، فصاح بها ثانية: اطلعي ~~قلت لك يا فاجرة. وفيما كانت الصبية تتسلق إلى العجلة قلت: يا إلهي! لقد نسيت قائمة البقول ~~والأصناف التي نريد أن نجيء بها ms83 معنا من البقال في البندر. فبدأ يسخط ويلعن وقال: وأين هي؟ ~~قلت: لا عليك سأنزل لإحضارها. وانطلقت عادية إلى البيت ثم عدت بعد لحظة وسارت بنا ~~المركبة ... # وكانت المدينة منا على مسيرة عشرة أميال، وكان حتما لزاما علينا وقد خرجنا على دقة ~~الثامنة أن نقطع الشقة خببا إذا أردنا أن نعود في الثانية عشرة كما وعد وأنذر. وقد قدرت ~~على هذا الحساب أن الذهاب والأوبة سيستغرقان من هذه المهلة الضيقة ثلاث ساعات ونصف ساعة، ~~ولن يبقى أمامنا لرؤية الطبيب وفسحة الأولاد في البندر والتعريج على البقال غير دقائق ~~معدودات. # وراح الأولاد يختلفون على خير الوجوه لتضييع النقود، فمن قائل: نشتري ملبنا، ومن قائلة: ~~ملبسا، وانثنت سميحة الناصحة العملية تقول: سأشتري بحصتي منه لبانا أمضغه فذلك أطول متعة ~~وأكثر لذة ومكثا. # ولما ابتعدت بنا العجلة عن القرية أوقفت الجوادين وأطلعت من تحت ثوبي فستان سميحة وحذاءها ~~وجوربها، فلم يكد الأولاد يرونها حتى هللوا وصفقوا. # وانثنت سميحة من فرح تقول: إذن لم تنسي يا أماه كشف البقال، وإنما تلك حيلة لطيفة لتعودي ~~بثوبي، فشكرا لك يا أم ... شكرا. # وأخذ الأطفال على الطريق في لغوهم وفاكة حديثهم، ولكني لم أكن إلى لغوهم ملقية سمعي، فقد ~~عادت بي الخواطر إلى ذكرى طفولتي الرغيدة الناعمة في أكناف أبي الناعم العيش الموفق، فمضيت ~~أوازن بين طفولتي وطفولة هؤلاء الصغار المساكين أفلاذ كبدي، فتذكرت أن سميحة أدركت سن ~~العذارى وبدأت تستقبل مطالع الشباب، تذكرت أنها قد صارت ابنة أربعة عشر ثم لم تدخل مدرسة ~~ولم تجد من حسن التأديب والعناية ما تجده الأتراب الشبيهات بها المثيلات، وكانت «سوسنة» في ~~الحادية عشرة ومن شهدها ثم منع الفؤاد أن يحبها؟ فقد كانت في الصبيات الحسناء الحنون ~~الوادعة. # وكان فؤاد لا يزال ابن ثمانية، وكان أحبهم جميعا إلى فؤادي، إذ كان أكثرهم مواساة لي ~~وترضية، ولو كان أبي شهد سعدا ابن السادسة، سعدا الشجاع القوي، لأحبه وأكبره، ولكن أبواي ~~ماتا قبل أن يرياني زوجا لذلك الرجل، وحمدا لله إذ لم ms84 ينسأ في أجليهما ليشهداني في شقوتي ~~الحاضرة. # وبلغنا المدينة فتركت الأولاد في حانوت البدال، ومضيت إلى الطبيب، وفيما كنت أصعد السلم ~~إلى طبقاته وددت لو أنني لم أجئ إليه ومضيت إلى الطبيب الجديد الذي يلهج الناس بحذقه ونطسه، ~~وما كدت أقف ببابه حتى علمت أنه غائب عن عيادته ولن يعود قبل الأصيل، فتولاني اليأس وكبر ~~علي أن أعود إلى القرية ولم ألتمس طبيبا، فخطر لي أن أذهب إلى الآخر ففعلت، وكان الدكتور ~~رجلا مكتهلا صادق القول رحيما وإن قست حقائقه، فراح يقول في بعض ما قال: دعيني يا سيدتي ~~أسر إليك الحق غير موارب، إن هذا الألم الذي تشعرين به هو من قلبك، إن قلبك في أسوأ حال، ~~فقد أجهد إجهادا شديدا طيلة السنين والأيام. # فوجمت ولم أقل شيئا. # قال: أراك لم تفهمي الأمر جليا، إنني إذا كنت قد قلت لك أن قلبك مجهد واهن فقد أردت أن ~~تعلمي أن أيامك في الحياة أصبحت معدودات، ومن العبث أن أشرح لك ذلك بلغة الطب ومصطلحات ~~الأطباء، وإنما حسبي أن أقول لك: إذا كان لك أمر تريدين إنجازه فبادري إليه، وإن كان لك ~~أقرباء تريدين لقاءهم فخير لك أن تبعثي في طلبهم. # فحملقت إليه البصر مبهوتة واجمة ثم انثنيت أقول: أتعني بهذا أيها الطبيب أنني على الرحيل ~~موشكة؟ # فتولى الرجل عني ليخفي ألمه. # وما لبث أن عاد يقول في حنان ورفق: إن خير شيء أفعل هو أن أصارحك الحق يا سيدتي، فاعلمي ~~إذن أنك إذا لم تجهدي البدن ولم تتأثري بعوامل قاهرة غالبة فقد تعيشين شهرا آخر، فإذا ~~جاوزته إلى خمسة أسابيع كان ذلك إحدى المعجزات، أما الحياة بعد الأسابيع الخمسة فذلك ضرب ~~من المستحيل، ونذيري إليك أن قلبك إذا هاجته هائجة من خوف أو حزن أو مسرة أو فرح، فلن يلبث ~~أن ينطفئ كما تنطفئ ذبالة المصباح الذي نفد زيته. # قلت كأنما أحدث نفسي ذاهلة شاردة اللب: أربعة أسابيع؟! # قال: هلا جلست هنا قليلا حتى أعود إليك؟ # ومضى إلى الحجرة الأخرى ms85 وبقيت وحدي. # يا لله! ما كان أعجب المشاعر المتضاربة التي جالت في نفسي، ولكن لم ألبث أن أحسست خاطرا ~~شديد السلطان قد تملكني، وهو ... إذا كنت للحياة عما قليل مودعة، فلا حاجة بي إلى الخوف من ~~زوجي بعد اليوم، والخشية من جبروته وطغيانه، ما دمت بعد أيام معدودة مفارقته متخلصة من ~~وحشيته وبغيه وعدوانه. # يا لله! لقد بدا بين عيني صغيرا ضئيلا لا يخاف شره، ولا يؤبه بأذاه وضره. # ونهضت من مجلسي فوقفت إلى المرآة أتطلع إلى وجهي ... # وا حزناه! أذلك وجه امرأة في الثامنة والثلاثين! أم تلك الثياب الناصلة اللون بزة صالحة ~~لزوجة رجل رب مزرعة حسنة الغلة، درارة الرزق؟ # لقد كان أولى بي من زمان بعيد أن أكون رافلة في المطارف وأن يكون أولادي سعداء ينعمون بكل ~~مباهج الحياة وأطايب العيش. فما لبثت في موقفي أن رحت أناجي النفس قائلة: لم يعد لي في ~~الحياة غير أربعة أسابيع أو قرابتها فلن أتطامن خلالها لمذلة، ولن أصبر على سوء، ولن أدع ~~الأولاد أشقياء أذلاء مساكين، يملأ الخوف من أبيهم أفئدتهم الصغار الوادعة، وماذا هو بي ~~صانع إن خرجت على طغيانه وشققت الطاعة عليه؟ أقاتلي هو؟ وما شأن أيام تزيد أو أيام تنقص؟ ~~... # وعاد الطبيب بزجاجة، فقال: هذه الزجاجة تحوي دواء يخفف الألم إذا أمض حينا ~~وأوجع. # فتناولتها ودفعت الأجر وانصرفت. # ولما عدت إلى الأولاد أحاطوا بي متوثبين متحدثين في نفس واحد مسائلين: ماذا قال الطبيب ~~ووصف؟ # فأريتهم الدواء وكتمتهم الخبر، وما نفع القول وما مرده، وهم صغار لا يدركون ~~شيئا؟ # واها للمساكين! لقد هجم الدمع في عيني عندما طاف بهم ناظري واستعرضهم البصر، أربعة ~~أسابيع معهم ثم أرحل عنهم آخر الدهر وأحقاب الأبد! إذن لا بد لهم من أعوام الشقاء والبأساء ~~والخوف والألم! # وهالني قصر المهلة في تلك اللحظة، فخطر لي أن أبدأ من تلك الساعة وأعجل. # قلت فجاة: ماذا أنتم صانعون إذا قيل لكم اللحظة ستبقون في المدينة النهار كله؟ # فبهتوا وتبادلوا النظر واجمين، وأقبل بعضهم على بعض ms86 يتسائلون: ولكن كيف نستطيع ذلك يا ~~أماه؟ إنه ولا ريب سيغضب وينالنا بسوء وقد ينالك يا أم كذلك. # قلت: لا عليكم، فلنبق اليوم في المدينة مرحين. # فتهللت منهم الأسارير وقالوا: لا بأس يا أمنا، وإنما ينبغي أن نريح الحصانين. # قلت: نعم ونجيء لهم بعلف صالح. # وتذكرت أننا بحاجة إلى نقود إذا أردنا في البندر مكثا. # فتركت الأولاد مع المركبة ومضيت إلى المصرف الذي كان زوجي يعامله ووقفت حيال العامل ~~المنشغل بما في يديه من العمل خافقة الفؤاد أسائل النفس: أتراهم سيقبلون دفع شيء من حساب ~~زوجي إذا طلبت؟ أم تراه نبههم إلى رفض الدفع إلى أحد غيره؟ # ولكني ما عتمت أن استجمعت جأشي فتناولت شيكا أبيض فطلبت خمسة جنيهات وأمضيته. # وكان العامل يعرفني وطالما شهدني مع زوجي في المصرف لتوقيع أوراق أراد أن أوقعها، فتناول ~~الرجل الشيك متلطفا مترفقا فأجال فيه عينه، ثم دفع القدر المطلوب بلا تعليق ولا اعتراض ~~البتة. وتناولت المبلغ ذاهلة كمن هو في حلم وانصرفت. وكانت تلك هي أول مرة منذ زواجنا ويقع ~~في يدي أكثر من جنيه واحد، وعجبت لنفسي كيف كان الحصول على المال سهلا، ثم لم أفكر فيه طول ~~السنين الماضية! # ووافيت الأولاد فقلت: لنتناول طعامنا أولا في خير مطاعم المدينة. # فنظر الأطفال إلى وجهي غير مصدقين ولا مدركين شيئا، وكأنما عجبوا ما بالي قد تغيرت هكذا ~~ولم أعد أحسب لأبيهم الجبار حسابا؟ # قلت: هيا ليختر كل منكم أبدع طعمة يقترح. # فقالت «سوسنة»: أريد جبنا، وصاح «سعد»: وأنا موزا، وطلبت «سميحة» سردينا، واختار فؤاد ~~تفاحا. # فكان ما طلبوا ... # ولما فرغنا من الطعام طفنا بالحوانيت أبتغي لكل واحد منهم هدية، ثم قلت لهم - بعد اقتناء ~~التحف المختلفة -: تعالوا أيضا نشهد الصور المتحركة، فوجموا وعقلت الدهشة ألسنتهم ولم ~~يكونوا قد رأوا الصور المتحركة من قبل، فجلسوا ينظرون إليها متلذذين حائرين ...! # وكان مساء عندما ركبنا عائدين إلى القرية، ولم أحمل على الجوادين، بل تركت العجلة تمضي في ~~رفق، فقد مضيت عدة سنين لم أشهد فيها الشمس ms87 في المغيب، ولم أمتع العين برؤية القمر بازغا، ~~وفيما كنا ندنو من القرية تذكر الأولاد أنهم عما قليل مواجهون أباهم فانزووا في مجالسهم من ~~العجلة خائفين. # وكانت التاسعة لما وقفت بنا المركبة فإذا به منتظر أوبتنا لدى الباب، فأجفلت لمرآه في ~~موقفه لأنني كنت قد نسيته كل النسيان. # قال: ما شاء الله! حقا إنه لوقت بديع فيه تعودون، أين قضيتم هذه الفترة المتطاولة؟ ألا ~~تعرفون أنني سأعود من العمل عشاء لأجد طعاما فلا أجده؟ اللعنة عليكم. # وراح يمطرنا وابلا من سبابه ولعناته. # ووقف الأطفال ينظرون إلينا مبهوتين جازعين. # قلت عابثة مفاكهة: هراء ما تقول، أنت لم تعمل شيئا كثيرا سحابة نهارك وعندك الأجيران ~~يتوليان العمل عنك، أفيؤودك أن تصنع عشاءك بنفسك ولو مرة في العمر! # ولو أن السماء خرت عليه في تلك اللحظة لكان ذلك عليه أهون، فقد شك لهذه المفاجأة الجريئة، ~~فوقف يحملق في وجهي البصر معقول اللسان، وقبل أن يستجمع لبه الذاهب كنت قد جمعت ما جئت به ~~معي في المركبة ومشيت بالأولاد إلى البيت. # ومددت يدي إلى محجر عينه ودفعت إصبعي فيه. # فانفجر قائلا: أنت مجنونة! مجنونة ولا شك. يا عجبا! ما سمعت هراء كهذا في حياتي. تريدين ~~أن تمرحي في البنادر وترتعي وتبددي مالي ونشبي وتعلمي أولادي ليكونوا غدا لصوصا وسفلة ~~مشردين مجرمين؟ ولا مليم أنت مصيبة، أسمعت نذيري؟ نعم، لن تنالي مني شيئا، ولئن لم يسمع ~~أولادك ما آمرهم به لأرجمنهم ولأصلبنهم في جذوع الشجر، وإذا لم تنتبهي لنفسك وتأخذي بالحكمة ~~والعقل في مسلكك فسيصيبك غدا ما هو مصيبهم. # ونظرت إليه في تلك اللحظة وهو كالمجنون الراعد الراعش، فلم ألق بالا إلى ثورته وغضبه، ~~وكأنما وهبني الله في تلك اللحظة قوة من لدنه فمضيت أقول: لقد كان لي خمسة آلاف جنيه يوم ~~الزواج بك، ذلك مال تركه لي أبي، ولقد مضى علي ستة عشر عاما وأنا أتوسل إليك، وأستندي كفك ~~لكل درهم أنفقه، وكل قليل ضئيل أحتاج إليه، وما أذكر أني أصبت منك في كل ms88 هذا الدهر الطويل ~~غير دراهم معدودات، ولكني اليوم عاملة على أن أسترد بعض ما وهبت، ولست أسألك أكثره، وإنما ~~فضلة منه أريد، ولقد أردت أن أدع لك الفرصة لتظهر شيئا من رجولتك فأبيت إلا أن تسلك مسلك ~~الجبناء، فعلى رأسك إذن فلتقع التبعة، ولتحمل إصر ما جنيت. # ولويت عنه نحري وانطلقت وهو يذرع الفناء ساخطا صائحا متنمرا يقول: إذا خرجت اليوم من ~~البيت وذهبت إلى المدينة، قتلتك كما يقتل الكلب العقور المسعور. # ومضى إلى حصانه فاعتلاه وترك للريح ساقيه. ~~••• # ولما بلغنا المدينة تركت الأولاد يلعبون ومضيت إلى المصرف فسألتهم بيانا عن حساب زوجي ~~ووقفت خافقة الفؤاد أنتظر، ولما تناولت الحساب وألقيت عليه نظري لم أكد أصدق ما أرى ... ألفان ~~وخمسمئة! # وكنت بالأمس أستنديه نصف جنيه للطبيب أجرا ...! # فتولاني الغضب وأخذ الغيظ بنحري ووددت لو أضع يدي على ذلك القدر كله، ولكني عدت إلى نفسي ~~فكتبت صكا بألف فقط، وذلك خمس ما كان لي يوم المقترن به. # ونظر الصيرف إلى الصك نظرة المستريب المتردد ثم قال: إن هذا المبلغ كبير، والأفضل أن ~~تقابلي المدير، فمشيت في إثره. # ولما علم المدير الخبر تطلع إلي قائلا: أمتاكدة يا سيدتي أن زوجك يريد سحب هذا المبلغ ~~كله اليوم؟ معذرة عن سؤالنا هذا وتدقيقنا. # قلت في أتم سكينة: نعم، يريده لسداد دين استحق الوفاء. # قال: إذن لا بأس، اصرفه لها، شكرا يا سيدتي، وعذرا ... # وتناولت الأوراق حيرى لا أدري أين أخفيها ... ولكن ما لبث خاطري أن عاد بي إلى رجل كبير ~~محام مدره حاذق كان صديقا لأبي، فذهبت إليه ونفضت له جملة الخبر. فأقرني على ما فعلت، وشدد ~~عزمتي وألهم روحي الإقدام، فأودعت لديه نصف المال لكل ولد منه مائة، ووضعت أربعمئة في غلاف ~~وكتبت اسمي عليه، ودسست المائة الباقية في حقيبتي، وانطلقت إلى الأولاد مسرعة، فأخذتهم إلى ~~مطعم فخم أنيق حيث أكلوا واستمرأوا الصحاف المختلفة الألوان، ولما خرجنا من المطعم قلت: ~~هلموا بنا نطوف الحوانيت مستقضين، فهللت «سوسنة» وفرحت «سميحة» وطرب وانثنى «سعد » يقول: ms89 بل ~~خير لنا لو أننا ذهبنا إلى الصور المتحركة، فاحتجت الصبيتان على هذا المقترح وصاحتا: بل ~~الحوانيت لنبتاع ما يروقنا، قلت: ليذهب الصبيان إلى السينما ولنذهب نحن إلى الحوانيت، فهل ~~تعدنا يا «فؤاد» أنك راع أخاك الصغير «سعدا» إذا تركناكم هناك، فطفر الغلام من الفرح ~~وبرعاية أخيه وعد، فذهبنا بهم إلى دار الصور فأجلسناهم في أماكنهم ورجعنا إلى المدينة نلتمس ~~المتاجر، فاخترت منها أفخم متجر للثياب فدخلناه وجعلنا نقلب الثياب حتى راق الصبيتين آخر ~~البحث والتقليب ثوبان بديعان نفيسان فابتعتهما لهما، واقتنيت كذلك ثيابا لردئة المدرسة ~~وهما ذاهلتان فرحتان بما ابتاعتا من نفيس وحسن. وعدنا إلى الصبيين فأخذناهما بدورهما إلى ~~الحوانيت لفرجة وشراء، وفيما نحن خارجون من باب المتجر لقينا زوجي وجها لوجه، فجمد الأولاد ~~في أماكنهم، ورأيت وجهه تعلوه فترة وفيه لون الغضب. قال: اركبوا العجلة إلى البيت فإني ~~سائطكم وملهبكم بالعصا أجمعين. ووثب إلى صهوة حصانه ومضى، فأنشأت «سوسنة» تقول خائفة: ~~ماذا ترينه سيفعل بنا يا أماه؟ وقال «فؤاد» وما العمل يا أمنا؟ قلت: لا عليكم يا بني ولا ~~خوف ولا رهق، ألست أمكم، أليس لي من الخطر والشأن ما لأبيكم؟ قالوا جميعا: ولكن كيف ~~نستطيع الذهاب إلى البيت وعلينا هذه الثياب الحسنة والمطارف ونحن نخشى عليها أن تفسد في ~~العجلة؟ ففكرت في الأمر مليا، وما عتمت أن رحت أسائل نفسي: علام الرجوع في تلك العجلة ~~القديمة القذرة بعد اليوم؟ ألم يكف أن ركبناها ستة عشر عاما كاملا؟ إن إنسانا لم يعد ~~له في الحياة إلا أربعة أسابيع - بل ثلاثة ونصف - فإن النصف الآخر انقضى - لأولى به أن ~~يكون أحسن ركبة من هذا وأفضل مستقلا، وفيم حرصي على البقية من المال التي أودعتها لدى ~~ذلك الشيخ الصديق إن لم أنفقها في نعمة ومتاع طيب؟ # فذهبت إليه من لحظتي وقلت له: إنني سأذهب لأبتاع سيارة، فامتدح الشيخ الفكرة ومضينا معا ~~إلى مخزن للسيارات قريب، فاشترينا واحدة بثمن معتدل، وما كاد الأصيل يجيء حتى دربني القوم ~~على سوق السيارة ، فركبناها ms90 إلى البيت والأولاد من الفرح بها ذاهلون عن خوف أبيهم وخشية ~~لقائه. وبعد العشاء ذهبت بهم إلى المضاجع باكرين، وظل زوجي على المائدة صامتا، ولما مضيت ~~إلى المطبخ جاء ورائي فقال محتدما: تعالي هنا. وكنت في الأيام القلائل الفارطة لم أعد ~~أستشعر منه خوفا، ولكني في تلك اللحظة خفت منه خيفتي الماضية، وانطلق هو يهز قبضة يده في ~~وجهي صائحا: هيا احزمي ثيابك. ورأى مني في تلك اللحظة انزواءتي منه فترك للغضب سبيله وعاد ~~يصيح: احزمي ثيابك يا فاجرة فلن يحتويك البيت بعد اليوم. قلت: والأولاد، واختنق صوتي ~~فأمسكت، فمشى يريد حجرتهم. فوثبت من مكاني فعدوت في إثره، قلت: ماذا تريد أن تفعل؟ فالتفت ~~إلي مزمجرا فقال: ما لك ولما أريد أن أفعل؟ سأسيطهم حتى أهرأ بالسوط أبدانهم. وأدار الأكرة ~~فألفى الباب موصدا، فأمسك بكرسي ومشى يريد تحطيمه، ولكن ما كدت أسمع صوت الضربة الأولى حتى ~~عاودتني شجاعتي في خطفة البرق وفي غضبة المجنون الثائر، وسمعت دويا في أذني ورأيت العالم ~~قد استحال في ناظري بلون النجيع الأحمر! فوثبت إليه فأمسكت بالكرسي قبل أن يهوي بالضربة ~~الثانية. وزأر هو صائحا: إنني قاتلك أيتها الشقية ... فتماسكنا بالمقعد ولست أدري حتى الساعة ~~أين لي بكل تلك القوة التي أحسستها في تلك الساعة. وانتشب بيننا عراك عنيف، وجعل يهوي ~~بلكماته ويهزني هزا، ورحت أخدشه وأركله وألعنه وأغيب أسناني في لحمه، وعدت في لحظة وحشا ~~كاسرا ضاريا، ورأيت ثغرة أمامي فمددت إليها يدي فإذا هي محجر عينه فدفعت أصابعي فيه، وما ~~لبث أن سادني ظلام دامس واستولت علي غشية غاشية ... ~~••• # ولما فتحت عيني ألفيتني طريحة على فراش في مستشفى والطبيب مكب علي والممرضة مشرفة، فأغمضت ~~العين ثانية وعدت أهبط سباتا عميقا ... # وتتالت الأسابيع، وأقبل مع الطبيب طبيب طار في الآفاق بالنطس ذكره. فتوليا فحصي ودققا ~~الفحص جهدهما، وطلع علي في ذات يوم - وقد أخذت أبل من مرضي - الطبيب بالبشرى. # قال: إن زميله رأى أنني مع الرعاية والفراغ من الهم والخلاء من المتاعب ستطول بي ms91 الحياة ~~وأعمر. # وفي أصيل اليوم التالي صحوت من إغفاءتي فرأيت زوجي واقفا عن كثب من مضجعي. # ولم أدر كم طال بي موقفه، وإنما كذلك وقف خاشعا محزونا يكاد يلوح أشيب حطمته ~~الأعوام. # قال في رفق وحنان: كيف تجدينك اليوم؟ # قلت: أخف حالا ولله الحمد. # فمشى إلى مرقدي فأهوى على يدي ووجهي تقبيلا في بكاء وخشوع. # وقال: أواه لك! لماذا لم تشاجريني من عهد بعيد وتعتركي، فلطالما لهفت على المشتجر وأحببت ~~المعارك المناجز! صفحا ونسيانا! قلت: من أجل الأولاد صفحت ونسيت ... ms92