######OpenITI# #META# URI: 1378CabbasHafiz.BatalNahdaMisriyyaKubraSacdZaghlulBasha.Hindawi35092828 #META# Tags: history #META# ID: 35092828 #META# Title: بطل النهضة المصرية الكبرى سعد زغلول باشا #META# AuthorID: 74930641 #META# Author: عباس حافظ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إلى الشهداء‏ # كلمة للمؤلف‏ # تاريخ صاحب المعالي سعد زغلول باشا‏ # كلمات مأثورة لصاحب المعالي سعد زغلول باشا‏ # إلى الشهداء‏ # كلمة للمؤلف‏ # تاريخ صاحب المعالي سعد زغلول باشا‏ # كلمات مأثورة لصاحب المعالي سعد زغلول باشا‏ # | بطل النهضة المصرية الكبرى سعد زغلول باشا # | بطل النهضة المصرية الكبرى سعد زغلول باشا # تأليف # عباس حافظ # إن لم نحافظ على الصدق والأمانة في جميع أعمالنا ضعنا وضاعت آمال الأمة فينا. # سعد زغلول # قد عاهدت الله منذ نشأت على أن أصرح بما في ضميري وهذه هي لذتي في حياتي. # سعد زغلول # | إلى الشهداء # إلى: الشهداء الأبرار والضحايا الأخيار. # إلى: النفوس التي سالت في سبيل معنى من أكبر معاني الحياة. # إلى: تلك الأرواح الزكية التي سكنت الآن في مساكن الخلود. # إلى: خفقات تلك القلوب العالية التي سكنت وخمدت لغرض من أشرف أغراض الاجتماع. # إلى: ذكرى الضحايا العزيزة التي كانت الفدى للأرض التي نبتت منها والأرض التي عادت إليها. # إلى: ذبائح النهضة وقرابين الإخلاص والحمية. # إلى: كل نفس اضطجعت تحت التراب دفاعا عن الذين فوق الثرى. # إلى: تلك الجسوم الطاهرة التي ترقد اليوم وراء السور الخارجي لهذه الحياة مرفرفة على الأحياء تطلع إليهم بعين ندية وقلب خافق. # إلى: أرواح الأبطال الذين استشهدوا وشهد لهم التاريخ بالعزة والمفخرة. # إلى: عظماء القلوب الذين وسدوا الثرى من أجل العاطفة السامية والحاسة السادسة في الإنسان. # نرفع تاريخ رجل عظيم الذهن والقلب، يعيش بيننا، ويشرف على الملائكية التي تجري في أرواحنا، ويعمل على أن نتطهر من أرجاس الحياة المهينة ويجعلنا جميعا على مثاله أبطالا عظماء. # عباس حافظ # | كلمة للمؤلف # تجتمع جلدة هذا الكتاب على أبحاث نشرت بضعة منها على أثر انتخاب هذه الأمة صاحب الترجمة ~~وكيلا عنها في الجمعية التشريعية، وخصصت بتلك الأبحاث المجلة المعروفة في هذا البلد، مجلة ~~البيان الشهرية، التي لا أزال أكتب لها، وأسوق لقراء العربية فيها ما ينفع الناس، وهذه ~~الأبحاث التي نشرت في البيان كانت على أثر كراسات استمدها البيان من المترجم به ودفع بها ~~إلي صديقي الأستاذ ms01 الأديب المكين في الأدب الشيخ عبد الرحمن البرقوقي، فصغت منها بحثي، ~~وجعلتها سناد التاريخ الذي توفرت عليه، واستعنت فيها بطائفة من المعلومات والآراء الخاصة ~~التي هداني إليها صديقي صاحب البيان. # ولو كان لهذا الكتاب فضل، فما أنا واجد له فضلا إلا لروح المترجم به، وما كان يشع علي ~~من الوحي من ناحيته، فلقد كنت أكتب وكأنما أحس شبحا ساميا يتراءى لي من وراء الأفق، يملي ~~علي فأكتب، ويجري يدي على الصفحات فإذا هي صحف مكتوبة، وقد كنت أتسمع إلى صوت أجش يملأ ~~المكان الذي مللته ويناديني إلى خواطر ما كنت مهتديا إليها لولا أن هداني ذلك المثل الأعلى ~~الذي تجلى لعيني من المترجم به. # وقد قصرت من وجوه، وأفضت من أخرى، على أنني كنت أرسم للناس صورة من الصور الآلية التي لا ~~تراها ا لأبصار، وإنما تكشف الحجب عنها القلوب، وكنت حسن النية، وإنما الأعمال ~~بالنيات. # | تاريخ صاحب المعالي سعد زغلول باشا # صفحات ناصعات في تاريخ مصر الحديثة # نحن الآن إزاء تاريخ مصر الحديثة كله مجتمعا في تاريخ رجل، بل نحن الآن حيال ترجمة الأمة ~~مجتمعة في ترجمة واحد، وكأني بالقوة الأزلية تراعي وجوه الاقتصاد في خلق الناس وتوزيع ثروة ~~العقول عليهم، فهي إذا شاءت أن تخلق عظيما، أو أرادت أن تجود بعقل جبار جمعت إليها آلافا ~~من العقول الإنسانية فدمجتها في عقل جبار عظيم، ولقد يمر الجيل فيعدو إلى القرن، والأقدار ~~لا تزال تهيئ للأمة عقلا مفردا هائلا يغنيها عن نصف عقولها، ويكون بمثابة الغذاء ~~التاريخي لها، هذا ونساء الأمة في كل ساعة يحملن وحبالاها في كل يوم يلدن، ومرضعاتها في كل ~~لحظة يرضعن، وإنك لتقرأ إحصائية المواليد في الأسبوع الواحد فترى العشرات والمئات قد خرجوا ~~للعالم من منابت مختلفة، وأصلاب وترائب متباينة، فما يخطر ببالك أن سيكون من هذه الأدمغة ~~الصغيرة عقل للأمة كبير، ثم انثن فاطلع إلى إحصائية الوفيات تجدها لا تزيد ولا تنقص عن تلك ~~إلا شيئا يسيرا، فمن ذلك تعلم أن الطبيعة تزيد على عدد ms02 الأمة في صبحها ما تنقصه منها في ~~مغربها لكي يطرد بها بقاء التوازن الحيوي في الأمة، ثم هل جاءك نبأ أمة الصين وهل سمعت ~~بتعدادها، وهل علمت أن قد مضى ما يربى على ألفي عام، والأقدار لم تصغ بعد من هذه الملايين ~~العديدة رجلا آخر على مثال كونفوشيوس، فكأنها لم تطبع من كونفوشيوس إلا نسخة واحدة. # فإذا ما أخرجت الأمة عظيما، فكأنما لم تتسع في عهده إلا له وحده، وكأن روحه وعقله ~~وأخلاقه ومميزاته عدسات تبصر منها أمته عقلها وأخلاقها ومميزاتها، وكأنه يجلو بصر كل منا، ~~ويزيل عن عينيه حجاب الأنانية فلا ننظر إلا له ولعظائم فعاله، ولا تكون الأمة منه إلا كما ~~يكون من الصبية إزاء معلمهم، إذ كانت الحياة تجري على قاعدة مدرسية بحتة، والناس يحترمون ~~عظيمهم لأنه أبدع قالب يحاولون أن يصوغوا أنفسهم على نحوه ومثاله. # ونحن بني الدنيا نعيش ونتغذى من العظمة، ونحس في وجود العظيم بيننا أنا جميعا عظماء، ~~ونشعر في حضرة العقل الكبير أنا بجملتنا جمع عقلاء؛ لأنه ينبه منا خامد عقولنا، ويثير في ~~قلوبنا هاجع حميتنا، ويوقد بين أضالعنا فاتر أرواحنا ويكرهنا على أن نتناول كل عمل يعمله ~~بحثا وتفكيرا، ويريدنا على أن نتناول كل كلمة يقولها شرحا وتفسيرا، ويطالبنا بأن ننهض ~~لحسناته تحبيذا وتكبيرا؛ لأن الناس يستحبون الحمية، وإن لم يكونوا هم مادتها، ويتطلبون ~~الحرارة النفسية، وإن لم يكونوا هم أنفسهم نشأتها، ولا تقوى أعصاب الأمة إلا بالمصل الذي ~~يحقنها به قادتها، ولا تشتد عضلاتها إلا بالحركات الرياضية التي يمرنها عليها رجالاتها، ~~وكان خليقا بقادة الشعوب أن يكونوا أعلم بطب النفوس، وأخبر بالأدوية النواجع التي توافق ~~أمزجة شعوبهم. # هذا ولو لم تكن الجمعية التشريعية تضم بين أعضائها صفوة رجال الأمة، وخلاصة مجموعها، لما ~~رأيت من عرض الأمة فردا واحدا متنبها متيقظا، ولأسدل السبات ستره على الأمة والجمعية ~~معا، فلا تكون محاضر الجمعية إلا مواعيد نوم تبتدئ وتنتهي بدقات أجراس أول من ينام وأول من ~~يصحو من أعضائها، وإذن لما سمعت في النوادي ms03 والمجتمعات والأسمار هذه الشروح القيمة ~~والتأويلات الجليلة، والاستنباطات الدقيقة والاستنتاجات الثمينة، والاقتراحات السديدة، ~~والآراء الوجيهة، التي يلقاك بها القوم على اختلاف طبقاتهم، وتباين أقدارهم، وتعدد أوساطهم، ~~ولما رأيت نبض السياسة على ما شهدت من قوة، وعاينت من ضربان وانتظام. # وهذه الروح السياسية القويمة: وهذا التطور الفلسفي الذي وثبت إليه الأمة: هما فيض من روح ~~رجل عظيم: كان أكبر ثمرة جادت بها الأقدار على هذا البلد المجدب رجالا: الخصيب زرعا، ~~المريع نباتا؛ بل هو المادة الواسعة التي يتغذى منها تاريخ مصر الحديث: وهو الكوكب ~~الإنساني الذي في كل قلب مصري منه وميض: وفي كل عقل مصري من سناه قبس وضياء، وفي كل نفس ~~مصرية من وهجه شعاع ولألاء، ولا أحسب القارئ يعوزه بعد ذلك التفهيم، ولا أظنه بحاجة إلى ~~زيادة الإيضاح والتبيين، بلى: هو سعد زغلول باشا قائد الأمة اليوم: ووزيرها بالأمس: وقاضيها ~~من قبل ذلك ومحاميها، بل هو أول محام راح في الأمة قاضيا: وأول قاض كان وزيرا: وأول ~~وزيرا أضحى في هذا الجيل نائبا! # وأنت فستقرأ في الصفحات الآتية تاريخه الحافل بالعظائم، وتعي ترجمته المترعة بالمحاسن ~~والمكارم؛ فتتبين كيف يكون العظيم في قوة الإرادة، وما قوة الإرادة إلا انتصار للقوة ~~الإلهية الكامنة في الإنسان، وما القوي في إرادته إلا من يكون لنفسه قانونا وشرعة ~~ونظاما، يعلم علم اليقين أنه إذا نزل على رأيك وحكمك، وعمل بأمرتك وإرادتك، وخضع لسيطرتك ~~وسلطتك، عطل فيه الإرادة التي تحركه وأفسد على الله الميكانيكية التي يركبها فيه لتسيره ~~وكأني بقوة الإرادة من النباتات التي قل ما تنمو في هذا الجو المصري، وندر ما تطب في ~~تربته؛ وأنك إن تظفر من القوم برجل قوي الإرادة، فكأنك ظفرت منه بمادة هذه القوة وعنصرها. ~~ومن الذي ينكر على صاحب هذا التاريخ أنه في طليعة من ذكت قوة إرادتهم: واشتد في نفوسهم ~~الاستقلال في الرأي، وقليل هم. # ولا يغيب عنك قوة منطقه وسحر بيانه، وشدة عارضته: فكأنما يكسب قضيته في ذاكرته، قبل أن ~~يقف لها في ساحة المحاجة ms04 والجدال: كما كان نابوليون العظيم يهزم عدوه فوق خريطته الحربية: ~~قبل أن تضمه وإياهم سوح # 1 # الحرب وتجمعه بهم ميادين القتال. # ولد سعادة سعد زغلول باشا بناحية ابيانا من أعمال مركز فود عام 1860: فهو اليوم في الحول ~~الرابع والخمسين، ولكنك لو أشرفت عليه لرأيت ثم شيخا أشيب يسند في حدود السبعين، وكذلك ~~عظماء الرجال تذيب جسومهم تلك الحرارة المتأججة في أجوافهم وجنوبهم وكلما ازداد ضرام تلك ~~الحرارة الروحانية استمد وقوده من اللحم والدم، وأنت فلا ترى رجلا نابغة إلا وجدته أبدا ~~أكبر من عمره الحقيقي حتى إنك لتلقى الشاعر العبقري - والشاعر أحر خلق الله روحا، وأكثر ~~عباد الله توهجا - يبدو لك في مظهر الشيخ الوقور، وهو لا يعدو أن يكون شابا في مقتبل ~~العمر وحداثة الشباب، ولشد ما يخطئ الناس إذ يقدرون عمر الرجل العظيم كما يقدرون أعمار سائر ~~البشر، كأنهم لم يعلموا أن دقيقة العظيم تعدل يوم غيره. # فلما حبا إلى السابعة من عمره دخل مكتب القرية وظل به حوالي خمسة أعوام، ثم شخص إلى دسوق ~~لتجويد القرآن فجوده على الشيخ عبد الله عبد العظيم وكان أخوه الرجل الطيب الشناوي أفندي ~~زغلول يومذاك رئيس مجلس مركز دسوق، ولم يلبث المترجم به في دسوق طويلا، بل جاء إلى القاهرة ~~موطن عظمته ومهد شهرته ومعهد نباهته ودخل الأزهر ولبث يتلقى فيه العلوم خمس سنوات، وكان ~~السيد جمال الدين الأفغاني حينذاك بالقاهرة، فلم يكد يستقر بصاحب الترجمة المقام في القاهرة ~~حتى تعرف إليه وإلى تلاميذه أمثال المرحوم الأستاذ محمد عبده والهلباوي والباجوري والشيخ ~~عبد الكريم سلمان، فتلقى على الأستاذ محمد عبده القطب على الشمسية وبعض كتب في التوحيد وكان ~~الأستاذ إذ ذاك من علماء الأزهر، ثم تعين بعد ذلك صاحب الترجمة محررا في الوقائع المصرية ~~وكان يرأس تحريرها الشيخ عبده، وكان من بين كتابها ومحرريها الشيخ سلمان والسيد وفا زغلول ~~شقيق نصر بك زغلول المحامي، وأقام في تحرير الوقائع سنة وبضعة أشهر يكتب بتوقيعه مقالات في ~~الاستبداد والشورى والأخلاق، وكان قبل تعيينه ms05 في الوقائع المصرية قد لخص كتاب ابن مسكويه ~~وطبع منه أغلبه، وكان يكتب مقالات في جريدة مصر وكان يديرها ذلك الكاتب الحمي الأنف الأبي ~~القلم أديب بك إسحاق، وكان بين الذين يشايعون تلك الجريدة من الكتاب سليم نقاش، وكذلك كان ~~يوافي بكتاباته صحف البرهان والمحروسة والتجارة، وكلها كانت للمأسوف عليه سليم نقاش، وكان ~~الشيخ حمزة فتح الله يكتب إذ ذاك في صحيفة البرهان. # والقارئ يرى من ذلك أن المترجم به بدأ حياته العظيمة بشباة القلم وسنان اليراع يستنفد في ~~جميع ما يكتب عصارة ذلك الذهن القوي بطبيعته الذي لا عون له إلا روح الزمن، ولا خلابة له ~~إلا من روح صاحبه، وماذا أنت متصور من مبلغ سحر كاتب يكتب ليستمع لرنات براعته وتوقيعات ~~قلمه أمثال أديب إسحاق ومحمد عبده وسليم نقاش ومن علمت من الفحولة الأعلام، ولعمري ما كانت ~~الصحف وقتذاك كما ترى منها اليوم يتهجم على ميدانها التلميذ والسوقة والكاتب الفج والدعي ~~والغبي والركيك حتى لا تكاد تقرأ في كثير منها بعد أحداث اليوم وأنبائه إلا موضوعات إنشائية ~~لعلها نماذج المعلمين في المدارس، ولا تأخذ عينك بين أعمدتها وأنهارها إلا قصائد نسيب يصف ~~فيها بعض هؤلاء الرصاصين وجه حبائب ولدن لهم في مخيلاتهم يشببون بوجوه لهن سافرات - وإلى ~~جانب هذه القصائد السافرة مقال مطول في وجوب الحجاب - إلى آخر ما يقرع سمعك من كل مضحك ~~مبك. # ولا تعجب بعد ذلك إذ تعلم أن مقالات صاحب الترجمة في الوقائع والبرهان كانت من مهيئات ~~الثورة ومضرماتها، فكأنما ألقت إليه الأقدار ذلك القلم الذي وضعته من قبل بين أنامل جان جاك ~~روسو، فأقام به العالم وأقعده. # وعين المترجم به بعد تحرير الوقائع معاونا في الداخلية ثم ناظرا لقلم قضايا الجيزة على ~~أنه لم يلبث بذلك القلم إلا بضعة أسابيع حتى إذا فصلت الثورة العرابية فصل من وظيفته، وكان ~~انفصاله بتهمة أنه من تلاميذ الشيخ محمد عبده، وأنه من المنتمين إلى المرحوم البارودي ~~واكتفوا من عقابه بفصله. # ويجمل بنا أن لا ننسى تلك ms06 الحسنة الكبرى التي أسداها المترجم به إلى اللغة؛ إذ كان يصحح ~~ركيك المقالات، وفاسد الأساليب وعاثر العبارات، التي كانت تنتهي إلى الوقائع أيام كان من ~~محرريها، فكان ذلك درسا عمليا لنشر اللغة، واتساع نطاقها، وإبرائها من ذلك الاضطراب ~~العامي الذي يأبى أشباه العامة إلا أن تصاب اللغة منه بعدواهم، وكانت طريقته في ذلك أن ينشر ~~الرسائل بنصها، ثم يجيء بعدها بما هو أصح منها لغة وأفصح سياقا، حتى يتبين الصحيح من ~~المعتل، وينكشف السليم من المختل، وحتى يعلم الذين في ألسنتهم مرض - لا زادهم الله مرضا - ~~أن بضاعتهم قد بان فسادها، وأن تجارتهم اللغوية قد وضح وكسها وكسادها - ونحن أن نعجب فعجب ~~لهؤلاء الذين يأبى العرف اليوم إلا أن نسميهم من باب المجاز كتابا، وإنك لتشفق عليهم أن ~~يبدو للناس عوارهم فتنقح لهم عبارة قد فسدت أو جملة ركت أو اصطلاحات أخلقت أو تراكيب ابتذلت ~~على أنهم ما يزالون يريدونك على تهريب هذه المواد المحظورة ونشرها على حساب اللغة وحساب ~~ضميرك، ثم هم بعد ذلك ساخطون غاضبون لأساليبهم «العصرية» في حسناتهم؛ وهي إن انتسبت إلى أي ~~عصر لبرأ إلى الزمن كله من الانتساب إليها، وإذا أنت جئتهم من جانب النصح والاستدراك تشفع ~~بعضهم إليك أنهم إنما يكتبون موضوعات علمية، فكأنما قد كتب على أبواب الموضوعات العلمية ~~«ممنوع دخول اللغة الصحيحة». # وما كان من تلك الطريقة المثلى التي سنها المترجم به إلا أن صحت لغة الدواوين من علتها ~~وقامت نهضة مدهشة في مصالح الحكومة بلغ منها أن سواد الموظفين كانوا يهرعون إلى المدارس ~~الليلية لتعلم اللغة العربية الفصحى. # ثم دخل في سلك المحاماة مع المرحوم حسين أفندي صقر، وكان هذا رئيس قلم في نظارة الداخلية ~~ثم فصل بسبب الثورة، فانتقل صاحب الترجمة معه في المحاماة أمام المجالس الملغاة، ولم تكن ~~المحاماة في ذلك الحين شفوية، بل كانت بتقارير تتبادل بين طرفي الخصوم أو وكلائهما، ثم ~~اتهم بالاشتراك في جمعية سرية كان قد ألفها شخص فرنسي جاء من الجزائر واجتمع ببعض القوم ms07 ~~في مصر فأقاموا منهم جمعية سرية سموها جمعية الانتقام، على أن هذه التهمة التي قرفوه بها ~~والظنة التي أخذوه بأسبابها لم تكن لتروعه ولم تكن لترهبه؛ لأن الرجل الكبير كالكرة ~~المطاطية تقذف بها إلى الأرض وتأبى هي إلا سموا وارتفاعا، ولا ترى التهم تروج إلا حيث ~~يروج الكذب ولا يروج الكذب إلا حيث تذل النفوس وتفسد الطبائع والناس كما علمت يحبون التهم ~~الحب كله ويخفون للظنون ويبتهجون، وهم لا يريدون فيها قضاة ولا يسألون عليها دفاعا ولا ~~يطلبون لها شهودا ولا محلفين؛ لأنهم يخافون أن يفسد التحقيق عليهم تلك اللذة النفسانية ~~التي أحدثتها التهمة فيهم، فإذا ما برأ القضاة متهما فاعلم أن في الناس ألوفا لا يزالون ~~يعتقدون بإدانة ذلك المتهم البريء. # ولا جرم أن تكون التهمة التي تجنوها على صاحب الترجمة إفك أفاك وفرية مفتر وانتقام حقود، ~~وهل كانت الطبيعة القوية الوثابة التي فطره الله عليها، لتستطيع أن تعمل ساعة واحدة في ظل ~~المكامن والمخابئ، هذا ولم يكن لصاحب الترجمة معرفة بأحد من رجال هذه الجمعية ولا من ~~أعضائها ولكن لما اكتشفت الحكومة أمر هذه الجمعية سنحت لبعض رجال الحكومة الفرصة المطاوعة ~~فعمدوا إلى الانتقام من أعدائهم فكأنهم لم يكتشفوا «جمعية الانتقام» إلا ليقيموا لأنفسهم ~~مثلها؟ # وكان من الذين استهدفوا لشرة هذا الانتقام صاحب الترجمة وشريكه المرحوم حسين أفندي صقر، ~~وتألفت لجنة لمحاكمتها مع زعماء هذه الجمعية من بعض القضاة الأجانب الذين جيء بهم من بلجيكا ~~للاشتراك في تشكيل المحاكم الأهلية تحت رئاسة قاض منهم يسمى فلمنكس وعضوية مسيو دهولس الذي ~~كان مستشارا في محكمة الاستئناف وانفصل عنها منذ زمن قريب، وحسين بك واصف - حسين باشا واصف ~~الآن - والمرحوم حامد بك محمود ومحمود بك سالم. # فلما تناولت اللجنة القضية وبحثتها تبين لها براءة صاحب الترجمة وشريكه وعجبت لإدخالهما ~~في هذه التهمة النكراء، وأقرت بأن لا وجه ثمت لإقامة الدعوى عليهما ولامت الحكومة على ~~اتهامهما ظلما وعدوانا وأمرت بإخلاء سبيلهما للتو واللحظة، وقد لبثا في السجن سبعة أيام، ~~على أن ms08 الحكومة لم تنفذ هذا الأمر بل أبقتهما 98 يوما وحاولت نفيهما إلى السودان، وأعد ~~عثمان باشا ماهر المعروف بالسنيورة محافظ مصر وقت ذلك مشروعا بذلك تقدم إلى مجلس النظار، ~~ولكن المجلس لم يقر عليه إذ لاحظ المرحوم فخري باشا ناظر الحقانية إذ ذاك أن النفي المطلوب ~~يعد ضربة للقضاة الأجانب الذين التجأت مصر إلى عونهم على توزيع وجوه العدل في هذا البلد ولا ~~سيما أن القرار الذي أصدره بأن لا وجه لإقامة الدعوى كان باكورة أعمالهم، ولكن على الرغم من ~~هذه المعارضة ظل المترجم به رهن المحابس حتى رفعت ظلامته إلى المستر مكسويل وكان نائبا ~~عموميا أمام المحاكم الأهلية، فأخذه العجب لذلك وأمر على الفور بإطلاق سراحهما فكان ما ~~أمر. # وعاد المترجم به بعد أن ردت إليه حريته الشخصية إلى الاشتغال بالمحاماة مع شريكه، وكان ~~ذلك إبان افتتاح المحاكم الأهلية وكان أول من تقيد اسمه في محكمة مصر محاميا وكان ذلك عام ~~1884. # وانفسح إذ ذاك المجال في قضايا الجنايات للقوة الخطابية، وبدأ المحامي يدلي بدفاعه أمام ~~منصة القضاء ويبسط حججه بلسانه ويستنصر ببلاغة مذودة، وهنا تجلى للناس صاحب الترجمة يحمل ~~تحت لسانه وفي تضاعيف صوته موهبة عظيمة الشأن جليلة القدر كانت حرارتها من قبل ذائبة في ~~مداد قلمه، وإذا به ذلك الخطيب المفوه العظيم الذي إذا خطب الناس قاد آراءهم وقاد مع آرائهم ~~إراداتهم، وإذا تكلم رفعهم فوق أنفسهم وأحدث فيهم قوة جديدة لم تكن تجري في شرايينهم وإذا ~~أراد أن يهزم أفكار سامعيه، ويفتح أذهانهم نثر فيهم روحه فكلهم إذ ذاك قطعة منه لا تزال ~~تنجذب إليه بقوة المغناطيسية المنطقية. # وكانت صناعة المحاماة في ذلك العهد على أسوأ حال وأحقر مكان وأحط قدر لا يلقي بنفسه في ~~تيارها الكدر إلا الذين استهدفوا لسوء القالة وشين السمعة وخسران الكرامة، وقد كان من ضعف ~~ثقة القوم بأهل هذه الصناعة وخشية شرهم ورهبة ضيرهم وأذاهم أن لقبوهم بالمزورين ودعوهم ~~بالأشرار أو ما هو في اصطلاحهم العامي «المرازين» ولكن المترجم به كان العامل ms09 على تطهير ~~سمعة هذه الصناعة الإنسانية الكبرى وإعلاء كلمتها والنهوض بها في عثرتها والسمو بها من ~~كبوتها ورد كرامتها عليها، ولم يكن ليخشى على مكانته الشخصية أن يصيبها شيء من سوء تلك ~~السمعة إذ لا يضير الفيل العظيم أن يكون مركبا للملوك والعظماء، وما كان في ذلك إلا كالشمس ~~تنفذ بضيائها إلى الأماكن الوخمة والقيعان الوبيئة والمراتع المظلمة فتبدد وضمها وتقتل ~~جراثيمها وتهتك حجاب ظلماتها وترسل في جوها مادة الحياة وتنشر في منافسها مادة ~~الصحة. # ولبث يرفع من شأنها برفعة شأنه ويطهر ذكرها بطهارة ذكره حتى عام 1891؛ إذ سمت مكانتها ~~واستوثق لها أمرها وشرفت سمعتها، وما كاد هذا العام ينصرم ويقبل العام التالي حتى اختارته ~~محكمة الاستئناف نائب قاضي بها، وبذلك كان أول محام في مصر رفع قاضيه، وقد كان لهذا ~~التعيين نشوة ابتهاج وهزة جذل بين لداته المحامين فلما كان اليوم الثامن عشر من شهر يوليه ~~عام 1892 أقام له جلة المحامين وخيرتهم مأدبة كبرى في نزل حديقة الأزبكية، واشترك معهم في ~~تلك الحفلة الكبرى رئيس محكمة الاستئناف في ذلك العهد أحمد بليغ باشا - وإسماعيل بك صبري - ~~إسماعيل صبري باشا - وكيلها، وأحمد حشمت بك - حشمت باشا - الأفوكاتو العمومي للمحاكم ~~الأهلية، فلما انتظم عقد الحفل انبرى رأس شعراء هذا الجيل سعادة إسماعيل بك صبري - باشا - ~~فقال: إن تعيين حضرة الفاضل سعد أفندي زغلول عضوا في محكمة الاستئناف لدليل على أن ~~المحاماة والقضاء إخوان رضيعا لبان، وغصنان صنوان، حتى لقد راقني أن أتمثل بقول أبي الطيب ~~المتنبي: # هذي منازلك الأخرى نهنيها # فمن يمر على الأولى يعزيها # ثم تلاه إسماعيل بك عاصم المحامي وإليك ما قال: «إنما يعرف صلاح الأمة بصلاح الحكومة ~~وإنما يعرف صلاح الحكومة بحزمها والحزم هو أن يوضع كل شيء في مكانه ويصرف في وجوهه، وبابه ~~أن تعطى الوظائف لأهليها وتسند المناصب لذويها، وهذه قاعدة فلسفية فأية حكومة لا تعطي ~~الوظائف للخليقين بها انحطت وأية حكومة اتخذت ذلك الحزم قانونا لها تقدمت، وقد شاهدنا ~~حكومتنا اليوم تعطي الوظائف في ms10 المحاكم الأهلية لمن هم أجدر بها وأصلح لها، ولما كانت ~~صناعتنا المحاماة مشتبكة مرتبطة بالقضاء فقد كان لنا جزيل السرور أن رأينا في محكمة ~~الاستئناف الأهلية مثل سعادة رئيسها وحضرة وكيلها الفاضلين، وبينما نحن منشرحو الصدر مثلجو ~~الأفئدة لظهور هذا التطور والارتقاء في إصلاح خطة القضاء بانتخاب الأكفاء لها إذ رأينا ~~الحكومة قد نشطت لخطة جديدة مثلى فانتقت من صناعة المحاماة أصوليا نابغة وهو حضرة سعد ~~أفندي زغلول فعينته في محكمة الاستئناف، ولم يكن قبل في صناعة دنيا فنقول اليوم إنه ارتقى ~~ونهنئه على ارتقائه، بل كان في مهنة شريفة سامية وكانت تفخر به وتزهى بجانبه فما كان من ~~القضاء إلا أن نفسه علينا فضمه إليه من بين أظهرنا، وكان ذلك دليلا على انتهاج سبيل ~~الإصلاح إذ كان سعد أفندي زغلول يصلح في الحقيقة لمنصب أرقى مما انتخب له وأسمى ~~مكانا. # وقد اجتمعنا نحن عصبة المحامين الليلة لنهنئ أنفسنا بانتخاب الحكومة لحضرة الفاضل في سلك ~~القضاء ولنهنئ حضرته؛ لأنه سيوجد مع رئيس اشتهر بصفات الكمال ومكارم الأخلاق وطهارة الذمة ~~وحب الاستقلال وسعة العلم، وأعتذر إليكم أيها السادة لعجزي عن إبداء كل ما يختلج ضميري من ~~الفرح والسرور الحقيقيين. # ثم وقف بعده «المرحوم» إبراهيم أفندي اللقاني فقال: «يا سعد» وفي هذا اللفظ من معنى ~~الإجلال والتعظيم ما يكفيني مؤونة المقال، فيا سعد قد عز علي القول في هذا المقام مع ما ~~لي من الأثرة والاختصاص بك والاحتفاظ بجليل فضلك إلى حد يحتبس معه لساني ويعجز عن الإفصاح ~~والبيان، وأقتصر الآن على أن أهنئك من قلب يخالطه الأسف عن انفصالك من بيننا، وقد كنت واسطة ~~عقدنا، وعلى قدر هذا الأسف تكون تهنئتنا على دخولك في سلك القضاء، ولكن علام هل انتقلت إلى ~~مقام تكون فيه أكثر ثراء وأوسع دينا مما كنت فيه، كلا بل إلى مقام يحبس فيه رزقك، على راتب ~~زهيد فعلام إذن نهنئك - أم هل انتقلت إلى مقام تزاول فيه علما لم تزاول أو تزداد سعة منه ~~ووفرا وكنت فيه ms11 قصير الباع - كلا ... فعلام إذن نهنئك؟ # بلى، نهنئك لأنك كنت تناضل عن الحق، وتحارب للإنصاف، وتجاهد للعدل، ولم يكن بيدك فأصبحت ~~والعدل واليوم بيدك يطالبك بحقه، ألا فلنشرب على سر استلامك زمام الحق ونصرته. # ثم وقف أحمد حشمت بك - حشمت باشا - النائب العمومي فقال: إخواني قد علمتم أن النيابة ~~العمومية والمحاماة خصمان مختلفان، ولكن كل منهما يناضل عن الحق والإنصاف، ويجد لمحو ~~عوامل الاستبداد والاعتساف، وقد كان حضرة الفاضل سعد أفندي زغلول من أشد أولئك الخصماء ~~وأقواهم حجة ودفاعا عن الحق وذودا عن العدل، فأصبح اليوم في صف الحاكمين بين الخصوم، فحق ~~للنيابة العمومية أن ترحب به فيصلا يقضي بالحق كما عهدناه في دور خصومه نصيرا له. # وانبرى في أثره عدة خطباء يزيدون عن العشرة، يعددون جميعا حسنات المترجم به في المحاماة ~~ومناقبه ومميزاته، حتى جاء دور ذلك الخطيب المصقع البليغ والمحامي النابغة المنطيق، الأستاذ ~~إبراهيم بك الهلباوي فوقف يقول: «إذا التمست من حضراتكم المعاذير، وطلبت الصفح عن التقصير، ~~فلي شفيع قائم بين أيديكم ألا وهو كوني أخطب الآن أثر ثلاثة عشر خطيبا، كلهم قد خلب ~~الألباب، وأخذ بمجامع القلوب، ولكن لا أسألكم عذرا لأن موضوع خطب شخص كله فضائل ومهما قال ~~الخطباء فبحر الفضل واسع لا تنفذ مادته، ولست أقصد بمقالي إلى الأسف على فراق سعد أفندي ~~زغلول لطائفة المحامين فإنا ما اجتمعنا هنا لتوديعه منها، بل لنهنئ هذه الطائفة التي يحق ~~لها أن تفخر إعجابا بما نالته بتعيينه من الشرف وعلو الشأن. # تقولون إن حرفة المحاماة شريفة وفضلها مقرر، وأقول كان ذلك لها ولكن على القرطاس، وفي ~~القواعد الفلسفية، أما المشاهد فليس كذلك ما كان. # فمنذ تسع سنوات كانت أبعد عن اسم الشرف والفضل، وتعلمون أنتم أن المحاكم الأهلية حلت محل ~~المجالس الملغاة التي كان أمامها محامون يسمون بوكلاء الدعاوي ليس صاحب السمعة فيهم إلا من ~~كان أخبر بأغراض القضاة وأعرف بحاجاتهم، فكان ولا ريب هذا الفن ضائع الاعتبار بين أيدي طبقة ~~مضيعة لشرفه خافضة لمكانته فلما تألفت ms12 المحاكم الأهلية لم يجسر أحد أن يسوق بنفسه ضحية لهذا ~~الفن وذبحا إلا رفيقنا سعد أفندي زغلول فظل يعالج مرضه ويرتق فتقه ويقيم أوده، ويجاهد في ~~سبيل إعلاء كلمته حتى أسدل الستار على كثير من فضائحه ومعايبه فأقدم إذ ذاك أرباب الشرف على ~~الاحتراف به، ولهذا كان سعي رفيقنا بادئ بدء جهادا مستمرا، ولولاه ما استطاع أحد منا ~~الاشتغال بهذا الفن الذي أصبحنا نعده اليوم فنا شريفا ومهنة سامية عالية. فالفضل كل ~~الفضل في سمو مكانتها لحضرة سعد أفندي زغلول، فلذلك وجب علينا أن نهنئ المحاماة بانتقاله ~~منها وارتقائه إلى منصة القضاء، فهو هو الذي صيرها أهلا لأن يرتقي منها مثله إلى محكمة ~~الاستئناف. # ومن الغريب أنه لما عرض تعيين حضرة صديقنا المفضال سعد أفندي زغلول عضوا في محكمة ~~الاستئناف قال قائل إن حضرته على الرغم مما أحرزه من الفضل وسعة الاطلاع في القوانين لم تكن ~~لديه شهادة «ليسانسيه» فلما بلغ هذا القول سعادة الفاضل رئيس محكمة الاستئناف أجاب بأنه إذا ~~كان معترفا بفضله وسعة اطلاعه في القانون أفلا يكون اضطلاعه بدراسة الشريعة الإسلامية ~~الغراء شفيعا له وقائما مقام شهادة الليسانس، وهذه حجة دامغة ومقال رشيد، وهل من ينكر ~~بعد هذا فضل حضرة سعد أفندي زغلول وقد عرف فضله كل مصري حتى أصبح الفلاح في زوايا القرى ~~يعتمد على اسمه في مقاضاة خصمه إن كان محقا وتخور قواه وتهن عزيمته عند ذكر اسمه إذا كان ~~مبطلا، فهل مثل هذا الفاضل تكبر عليه وظيفة مندوب في قلم قضايا الحكومة وقد أكبرتها من قبل ~~ذلك الأغراض، ثم كادت أن تكبر عليه وظيفة نائب قاض في محكمة الاستئناف وهي الوظيفة التي ~~نحتفل اليوم لها؟ وأنتم يا حضرات الإخوان تعترفون في سركم وعلانيتكم بأنه أفضلنا وأجدرنا ~~بالرقي واستلام زمام الحكم في أكبر مصالح الحكومة، فالمحاماة التي رفعها إلى ذروة الشرف لا ~~تزال تطالبه بأن يتسنم بها أعلى سنام الرعاية والاعتبار، وأن يمحو عنها ما بقي من رسوم ~~الزراية والاحتقار حتى إذا طلب أحدنا فيما ms13 بعد إلى منصب أرقى مما نال اليوم لا يجد دونه ~~معترضا. # كلكم تعرفون يا حضرات المحامين أن القضايا كانت ترفع إلى المحاكم وفي كل مئة منها سبعون ~~أو ما يزيد ترفع فيها المسائل الفرعية فتقبل لخطأ في الشكل وجهل بالطرق القانونية، فأصبحت ~~وليس في المئة خمس قضايا مما تقبل فيها الفرعيات، ومرجع الفضل في ذلك كله إلى سعد أفندي ~~زغلول إذ كان قدوة وأستاذا للمشتغلين بصناعة المحاماة، بل كان أستاذ الكثيرين من القضاة، ~~وهذه تقاريره الشرعية والعقلية محفوظة لدينا يرجع إليها كل من استبهم عليه أمر قانوني فلم ~~يعد بعد من حاجة إلى بقائه بيننا، فقد أتم دروسه علينا سواء من حيث الصدق والاستقامة وطهارة ~~الذمة أو من حيث البلاغة والفصاحة أو من حيث المسائل القانونية الدقيقة المعضلة، فليت شعري ~~لأي شيء نتأسف من فراقه، وليس بنا من حاجة إليه إلا ما يطلب منه في دوره الجديد. # أي مشكل قانوني أو أية حادثة قانونية أخذت بطبيعتها شكلا من الأشكال والالتباس - ~~وللحوادث طبائع تختلف حتى مع وحدة القانون - ولم نر مرجع الفضل في حله إلى حضرة الفاضل سعد ~~أفندي زغلول؟ بل في أي وقت تنازعنا في مبدأ قانوني وكان الحكم بين الفريقين غيره، أو لم يكن ~~الرجوع إلى آرائه في الأحكام السابقة التي بسبيل هذا المبدأ، وانتقاله اليوم إلى سلك القضاء ~~لا يحزننا بل يملأ صدورنا فرحا واغتباطا؛ إذ به تزول عنا بقية الوصمة التي لم تبرأ حرفتنا ~~من عابها حتى الآن، فلو قال لنا قاضي من القضاة بعد اليوم أن فيكم من لا يصلح لشيء أجبناه، ~~بل إن فينا من شرف منصب القضاء. ا.ه». ~~(1) خطبة صاحب الترجمة # فلما انتهى الأستاذ من هذه الخطبة البليغة، وانتهى الحضور من التصفيق والهتاف ودلائل ~~الاستحسان والإعجاب، قام في أثره صاحب الترجمة يرسل بينهم ذلك الصوت العذب السحري وينثر ~~فيهم ذلك البيان الجزل السحباني، يشكر لهم احتفالهم به وشهادتهم بفضله وإقرارهم بنبوغه ~~وعبقريته، بل إن شئت قل قطعة من اعترافاته وناهيك باعتراف العظماء، قال: حفظه ms14 ~~الله. # إخواني وسادتي # قد عهدتموني وليس من شيمتي الحسد؛ إذ ليس الحسد بنافع أحدا مطلقا، كما أنه لم يكن ~~من طبعي الافتخار، فأنا آمن بما عهدت فيكم من أن ترموني به، ولكني أرى نفسي اليوم على ~~غير ما طبعت عليه، أراني حاسدا نفسي فخورا بما أنا اليوم فيه؛ إذ كنت موضوع اهتمامكم ~~ورهين عنايتكم وكنت أود لو أني بينكم أهنئ غيري من بين صفوفكم، بما يناله عن جدارة ~~واستحقاق. # إخواني وسادتي # قد كنت أعرف في نفسي القدرة على البيان، وتقرير الحقائق، بل كنت أعتقد - ولو كنت ~~مخطئا في اعتقادي - أني على شيء من البلاغة والفصاحة واللسن، وما عهدت نفسي كالآن ~~عيبا محصرا محتسبا عاجزا عن القيام بما يجب لحضراتكم في بيان مقام الشكر لكم، ~~وأراكم اختلفتم في الوجهة وتباينتم في الأسلوب وقد اتحدتم في المعنى واجتمعتم فماذا ~~يسعني من أساليب البيان لأداء ما يحق لكل منكم، بماذا أشكركم وقد هجرت الكلام شهرا، ~~ولولا أن مظاهر السرور على وجوهكم تدفعني للمقال، وأن لساني محض معبر عما يليه إحساسي ~~الخالص ما استطعت الكلام الآن بعد أن اقتنعت من نفسي بأني عاجز عن مجاراة كل منكم في ~~حلبة الفصاحة والبيان. # إخواني # أراني لا أزال واحد منكم، وأن نهاية الشرف عندي أن تقبلوني كذلك لأنكم أنتم الذين ~~تخدمون الحقيقة ولا زلتم تجدون في طلبها، ولم يكن من أمري إلا أن ضعفت عن مجاراتكم ~~واحتثاث السير معكم في هذا الطريق المحمود فجلست وسرتم. # هذا ما دعاني لأن أكون قاضيا، بعد أن كنت معكم محاميا، استرحت بعد العناء، لا زراية ~~بشرف المحاماة؛ لأنها حرفة إظهار الحق لمن تولى أمر القضاء بين الناس، وأرى أن أفخر ~~حلي الشرف أني كنت بينكم زمنا طويلا أسعى معكم في إظهار الحقائق، والله يعلم أني ما ~~سعيت إلا لهذا المقصد الشريف، ولكني أشهد أنكم أشد مني عزيمة إذ قعدت وأنتم ~~نهوض. # إخواني # إنني ما سبقت إلى اتخاذ فن المحاماة شعارا إلا لأنها الحرفة التي تستلزم بسط آراء ~~المشتغل بها على حضرات ms15 القضاة الفضلاء والأقران وجماهير العامة، فهي من ثم الحرفة ~~الوحيدة التي تظهر فيها قيمة المرء في وسطه. # والحق أقول ما كنت بمستطيع أن أخالط من كانوا مشتغلين بهذا الفن يوم لبست شعاره، كما ~~قال أحد إخواني أثناء كلامه وإني محدثكم الحديث. # أول ما هممت بالاشتغال بفن المحاماة وحدثتني نفسي بشأنها، نظرت فإذا من رزئت به من ~~الذين كانوا عنوان سمعتها وذكرها، كأنهم الشوك يؤذي الناس ويعذبهم وذلك أنهم كانوا ~~يسيئون إلى عباد الله بخيانتهم وزيغهم عن طريق الحق والهدى، ولذلك ترددت بادئ بدء ثم ~~قلت في نفسي ما ضرك لو كنت وردة بين هاتيك الأشواك، ولو كنت الآن ما حدثتها هذا الحديث ~~«فمن حسن حظي أني أجيل البصر في هذا المحفل الحافل فلا أجد أثرا لذلك الشوك» فلما ~~استقر بخاطري أن القيام بالواجب خير للمرء حتى وإن كان بحرفة هي بأهلها من سقط المتاع ~~أقدمت مستحصد العزم على الاشتغال بهذه الحرفة بين أولئك الذين عددتهم شوكا، والحمد لله ~~إذ قد لفظهم الزمان لفظ النواة، وطهر الله مواضع نظرنا أن تقتحمهم في هذه ~~الليلة. # إخواني # لا أحب أن أخوض في حديث أولئك القوم، ولكني أقول كما قال أحد إخواني أنه كان أقصى ~~واجبات تلك الشرذمة إرضاء خواطر أولئك القضاة الذين محقهم الحق، وذهب بهم العدل. # ذلك ما أقول بصفتي محاميا بالأمس واليوم قاضيا لا يليق بي في الحالتين أن أكذب على ~~نفسي وعلى غيري. # والذي حبب إلي الاشتغال بهذه الصناعة أني كنت مشتغلا من قبلها بوظيفة من شأنها ~~الإطلاع على أحكام المحاكم الملغاة التي كانت تنشر في الجريدة الرسمية يوم كنت عضوا في ~~هيئة تحريرها، وكان من حظي أن عهد إلي أمر نقد تلك الأحكام، وتلخيص معانيها، ثم ~~انتقلت من هذه الوظيفة إلى وظيفة ناظر قلم قضايا مديرية الجيزة، وهي كما تعلمون أشبه ~~بوظيفة القاضي؛ إذ كان من خصائصه، أن تصدر الأحكام في كثير من المواد الجزئية، فلما ~~انفصلت من هذه الخدمة كما تعلمون وصفا الجو من الأحداث لم يرق عيني ms16 أن أطرق باب أحد ~~التماسا للرجوع في وظيفتي أو وظيفة غيرها وإن كنت ممن يحب التواضع استغفر الله، بل إني ~~رجوت من توسمت فيه الخير أن يساعدني لنيل وظيفة، فأعرض جهلا منه عني ونأى بجانبه، فكبر ~~عندي الأمر وازددت ميلا إلى الاشتغال بحرفة المحاماة وقلت لنفسي: علام تحتمل يا سعد ~~منة جهول، وما ضرك أن تكون مستقيما بين مفسدين، بل ما ضرك أن تكون وردة بين الأشواك، ~~فهان علي إذ ذاك أن احترف حرفة لم يكن فيها مناضل عن حق لوجه الحق. # هذا ما كان يحيط به حديث نفسي يوم أردت الاشتغال بحرفة المحاماة، وأن في العالم ~~الكوني وجودا يجب صاحبه أن يشعر به، وذلك هو الوجود الإنساني فكان يخيل لي أن استقامتي ~~في حرفة منيت بالفساد والضلال لا بد من أن يعرف قدرها الوجود فأجتني ثمارها، وكنت لذلك ~~أتوسم أن تأتي ظروف أحبها وتحبني. # إخواني # إنني اشتغلت بالمحاماة متنكرا عن أهلي وأصحابي وكلما سألني سائل هل صرت محاميا ~~أقول: معاذ الله أن أكون كقوم خاسرين. # وجملة القول إني كنت أجتهد أن لا يعرفني إلا أرباب القضايا وإن كنت أجهل ماذا تكون ~~العاقبة، وقدر لي أني حبست في أول اشتغالي بهذه الحرفة ظلما وعدوانا فنفعني مشروعي ~~فيها وقد كنت أدافع عن الخصوم بالكتابة عن التقارير التي كانت تقدم إلي للإجابة على ~~ما فيها من المسائل، فانظروا يا إخواني في أمر محام كان يناضل عن الحق وهو منه سليب، ~~وبعد أن انقضت مدة سجني عدت إلى مزاولة هذه الصناعة لا أبغي بها غير الحقائق مطلبا - ~~وكنت أحب أبدا أن يحترمني القاضي فأحذر كل ما يؤدي إلى غير ذلك - ولعل سعادة الرئيس ~~يذكر أنه لما كان بين أعضاء لجنة الامتحان التي طلبتني أمامها وسألتني ما هي واجبات ~~المحامي كان جوابي درس القضية جيدا - والمدافعة عن الحق واحترام القضاء. # سادتي، تعلمون أن الحق صعب الاكتشاف، وأن الحقيقة إذ تكون ضالة تتشعب طرق نشدانها على ~~الباحث ويعلم الله كم من ليال مضت ما كان ms17 أمرها عندي لا لأني كنت في عيش ضنك ولا لأني ~~قليل الميسرة، ولكن لأن الحقيقة ضائعة لا أجدها في طريق نشداني لها بين أناس عهدت ~~إليهم أمانة ولا من يؤديها منهم لأهلها - كنت أرى القانون يكرهني على احترام القضاة ~~وضميري يأبى الامتثال لاحترام كثير منهم فكنت أجمع بين الاحترام والتحقير ولا أستطيع ~~التوفيق بين الظاهر والباطن - فاعجبوا أيها الأفاضل من مطيع غير مطيع - ولا جناح علي ~~لأن القوانين لا حكم لها على السرائر والضمائر - أقول الحق إني كنت أسأل من القاضي ~~حقا ومن النيابة واجبا فلا أجد هذا ولا ذاك - أما الآن فكلنا يعترف في سره وعلنه بأن ~~القضاء ارتقى والحق عنه مسؤول، وما زلت إخواني أعد نفسي محاميا عن الحقيقة التي ~~أردنا المحاماة عنها جميعا. # وإني شاكر فضلكم منشرح الصدر من كونكم عددتموني جوهرا شفافا سطعت عليه أشعة العدل ~~وأنوار الحق - فادعوا الله معي أن يؤيد روح الحق في بلادنا ويزيد في نشر الفضيلة ~~والعدل. ا.ه. ~~(2) القاضي سعد # بلغنا بالقارئ من ترجمة رجل مصر العظيم، سعد زغلول باشا، منطيق الأمة ومقولها، ~~والمحامي عنها ومذودها، إلى تلك الحفلة الكبرى التي أقامها المحامون لتكريمه على أثر ~~انتخابه نائب قاض بمحكمة الاستئناف، وكان ذلك في اليوم الثامن عشر من شهر يوليه عام ~~1892 أي منذ اثنين وعشرين حولا، وجئنا بالخطبة المؤثرة الرقيقة التي ألقاها المترجم به ~~بين جماعة المحتفلين، وفيها تلك الاعترافات البليغة التي فاض بها قلب من تلك القلوب ~~الخفاقة النباضة، وجاشت بها نفس من تلك النفوس العبقرية الغياضة، وإن للنفوس لعبقرية هي ~~في أغلب الأحيان أشد من عبقرية الأذهان، وما عبقرية النفوس إلا قوة الشعور بالواجب، ~~الإيمان بالحق، ومنابذة الباطل، وهي الوحي الإلهي الذي يتنزل على النفوس الخصيبة، ~~فيملؤها روحانية، ويرسل في نواحيها مادة الإحساس الشفاف، وإذا كانت القوة الإلهية لا ~~تكثر في الإنسانية من عداد العبقريين عقولا وأذهانا، فما أقل خلقها للعبقريين نفوسا ~~ووجدانا لأن القوة الإلهية تدأب في عملها، وتجد في إخراج قوالبها، على أنك لتهز إليك ~~جذع ms18 الشجرة المثمرة ، فلا تستطيب من متساقط ثمارها، ولا تستعذب من متناثر بواكرها إلا ~~ثمرة أو ثمرتين، وأنت فتجد أنواع الزهر الذي لا رائحة له ولا عرف، أكثر بأضعاف من أنواع ~~الأزاهر ذات الشذى والأريج إذ كانت لذة الجميل أن لا يكون شائعا، ولا يروح فاشيا ~~ذائعا، ولعل أكبر الدلائل على العظمة الإلهية أن تخلق عظيما واحدا، بين ألوف كلهم ~~صغار، وأن تصور امرأة حسناء وسيمة، في أسرة كل نسائها قباح دميمات، وما أجمل مظهر ~~الخير، وما أروع موقفه، إذا اكتنفه الشر من كل مكان. # كذاك كان نصيب سعد باشا زغلول من عبقرية الذهن، وكذاك كان قسطه من عبقرية النفس، وهما ~~لم يجتمعا في قالب إنساني إلا أحدثا توازنا في جميع عواطفه، فإنك ترى أكثر العبقريين ~~أذهانا، أقرب إلى الحيوانية من غيرهم، وأشد إسفافا إلى البهيمية من سواهم، ولو كان ~~أمثال الفردده موسيه وبيرون ونابوليون، عبقريي النفوس، لما هام الأول بحب البغايا، ووصل ~~الفاجرات، وما استرسل الثاني في هوى الغادات الفاتنات، ولا ركب الثالث رأسه، فطاح ~~بملايين النفوس والمهجات. # ونحن اليوم عائدون فآخذون في ذلك التاريخ العظيم ونحن له أشد روحا وأخف نشاطا؛ لأنا ~~نرى في خلاله دروس الحكمة تلقى من فم التاريخ، ونشهد في تضاعيفه مزايا العظمة تطل من ~~الماضي إلى الحاضر، واثبة إلى المستقبل فدافعة إلى الأبدية. ~~••• # دخل المترجم به في سلك القضاء، بتلك الشخصية القوية التي ما أسند إليها عمل عظيم، إلا ~~استكان لها، وتشكل بشكلها، واصطبغ بصبغتها، وتضاءل إزاء قوتها، وما كان أكبر الأعمال، ~~وأرفع المناصب، إلا ليضيق بصاحب الشخصية القوية، وإن اتسع لألوف الناس، ورحب بعديد ضعاف ~~النفوس واحترام النفس من أسمى معالم العظمة النفسية، ونحن لشد ما نروح معجبين مكبرين، ~~إذا وقفنا على رجل من عرض العامة، في قهوة أو منتدى، يستمسك برأيه، ويستند إلى حجته، لا ~~ينزل عنهما ولا ينكص، وقد اجتمع الجلوس كلهم على نقيض رأيه، واتفقوا جميعا على دحض ~~حجته، بل إنك لتمتلئ إعجابا وإكبارا لشأن الرجل العامي الحقير، يجيئك بكيس نقود ms19 ~~فقدته، ويأبى أن يقبل منك على ما أحسن أجرا ولا عطاء، ويرفض أن ينال منك على ما صنع ~~مكافأة ولا جزاء. # وما أروع الشخصية القوية في منصة القضاء، وما أشد جلال القاضي المهيب، وإذا اجتمع ~~جلاله بجلال مقعده، والتقت روعة شخصيته، بروعة سدته، وعلى قدر قوة الشخصية في القضاة، ~~تكون قوة الإنكار في المجرمين والجناة، حتى إنك لتلقى المتهم إزاء القاضي القوي ~~الشخصية، مضطربا مذهولا حائرا مذعورا إذ يخيل إليه أمام تلك القوة الخفية - قوة ~~الجاذبية، القوي والضعيف أن قد انفتحت مغاليق نفسه، وانكشفت حيالها مجاهل ضميره وبدت ~~أعماق سريرته، وأنه قد أصبح بين يدي القاضي، وكله ثغور تطل منها ذنوبه، وتشرف من خلالها ~~جرائمه، حتى إذا بلغ منه تأثير تلك القوة السحرية كما يبلغ من المنوم تأثير مغناطيسية ~~المنوم، أدلى إلى القاضي باعترافه وهو هادئ ساكن وأشهده على جريمته، ليتخلص من ذلك ~~التأثير الشخصي الذي يصدمه به القاضي ويهدم فيه كل عزيمة للإنكار، وكل إصرار على التنصل ~~والتكذيب. # وكم من جرائم ما كان ليجدي في اكتشاف جناتها دقة التحقيق، وما كانت لتفنى في الاهتداء ~~إلى مرتكبيها شدة التحري والاستقصاء، وقوة البحث والاستهداء، ولا ذكاء الشرطة وحيلهم، ~~ولا مهارة المحققين وخدعاتهم لو لم تقع في يد قاض قوي الشخصية، اهتدت قوة شخصيته إلى ~~المجرم من الجلسة الأولى. ~~••• # وبعد، فإن صاحب الترجمة، كما قالت صحيفة الإيجيبت عنه منذ ثمانية أعوام، من فريق ~~القضاة العصريين، الذين يعتقدون أن القانون لا يعاقب رغبة في الانتقام، ويرون أن من ~~الواجب الأخذ بالرفق في تنفيذ القانون؛ وذلك لأن العقاب لا يطهر المجرم، ولا يزيل عنه ~~أقذار الجريمة، ولكنه على نقيض ذلك أشد إفسادا للمجرم من الجريمة نفسها ولا تظن أنت أن ~~المجرم يصبح بعد العقاب نفس مرتكب الجرم، بل كأن غيره الذي احتمل العقاب على فعلته، ~~وقاسى تبعة جريمته، وليس الانتقام إلا عدلا وحشيا، وما كان القانون إلا عدلا ~~إنسانيا؛ ومن ثم لا ينبغي أن يشوب العقاب القانوني شائبة من وحشية الانتقام وإنما يجب ~~أن ms20 تمازجه إنسانية العدل، ولا أظن القانون يعاقب اللصوص والقتلة وغيرهم من الآثمين ~~والجناة لينزع من قلوبهم تلك الأنانية الشديدة التي دفعتهم إلى الاعتداء على حقوق غيرهم ~~ونفوسهم وأموالهم، وليست جرائم السرقة والقتل وغيرهما هي التي نفسها جعلت بين الناس ~~قتلة ولصوصا ومعتدين. # ولعل صرامة العقاب القضائي، وشوائب الانتقام التي تشوبه، وأمارات الترة البادية ~~عليه، هي التي تجعل من الأمور المستحيلات، أن نصبح في مجتمع إنساني يعلن المجرم فيه عن ~~جريمته، ويذيعها على أفراد جنسه، ويملي هو الحكم بعقابه وهو معتز مفتخر بأنه بذلك يوقر ~~القانون الذي سنه بيده، وأنه بعقاب نفسه ينفذ القوة المخولة له، ونعني بها قوة المشرع، ~~وسلطة واضع القانون، ولا يكون من ذلك العقاب الاختياري إلا أن المجرم يرفع نفسه ويعلو ~~بها فوق جريمته ويمحو آثارها بصراحته وعظمته وسكونه. # وذلك هو المجرم الذي يطلبه صالح الجمعية البشرية، وتريده القوانين الإنسانية، شعاره ~~«لا أخضع في عظيم الأمور وحقيرها إلا إلى القانون الذي وضعته أنا بيدي». # والمترجم به كذلك في طليعة المصريين الحريين، كما شهدت له بذلك صحيفة الغازت الفرنسية ~~منذ ثمان سنين أيضا، يرى أن المحافظة لا تلائم سنن التطور، ولا تسير بالجماعات في ~~طريق الرقي، وإنما تقف بها في مكان واحد على حين أن الحياة تجري كل يوم إلى طور جديد، ~~ولا ترى عقيدة المحافظة على القديم إلا ضعيفة الحجة، حقيرة الرأي، لأنها تقبض بيدها على ~~حقيقة واحدة، ولا تريد أن تفتح عينها لترى حقيقة أخرى خيرا منها وأفضل أثرا ولذلك تجد ~~عقيدة المحافظة أبدا معتذرة، محتجة بالظروف والضرورات، وعندها أن التغيير معناه ~~الإفساد، وأن التجديد مرادفه التبديد، ولكنك ترى مذهب الحرية أبدا على الحق، منتصرا ~~فائزا، يقاتل وهو موقن بالنصر والفوز، ومذهب المحافظة يستند إلى أن للإنسان حدود ~~مقررة، ويحتج مذهب التجديد إلى أن ليس هناك أثر لحدود الإنسان، والمذهب الأول يقوم على ~~الظروف ولكنك تجد المذهب الثاني يقوم على القوة، ذاك يطلب الراحة والسكون وهذا لا يريد ~~إلا العمل والحركة ذاك سلبي وهذا إيجابي، والمذهب ms21 الأول يعتمد في جميع حياته على ذاكرته ~~وماضيه وأما المذهب الثاني فيركن إلى عقله وحاضره. # وإليك ما قالته عن صاحب الترجمة جريدة التيمس الكبرى في عام 1906 «هو من شيعة المرحوم ~~محمد عبده الذين امتازوا بالارتقاء والتهذيب، وهم الذين أسماهم اللورد كرومر فريق ~~الجيروند في النهضة الوطنية المصرية وهو مصري عريق في وطنيته، أجمع الناس على إكرامه ~~والإعجاب به لما اشتهر عنه من الاستقامة والاستقلال.». # ونحن نقول إن شيعة المرحوم الأستاذ محمد عبده ما نبغت من الأزهر، وذكت في ربوعه، إلا ~~لأنها كانت من أصحاب العقول القوية بفطرتها، والأرواح الخصيبة بطبيعتها، ولا تجد من ~~طلاب الأزهر، نابغة ولا عبقريا، إلا وكان أول أمره ذا عقل قابل، وذكاء فطري وروح ~~وثابة ناهضة لأن الأنبات الإنسانية الضعيفة، والعقول المظلمة، والأدمغة المعتمة، لا ~~تذكو ولا تطيب في تلك التربة الأزهرية القوية، ولا تتفق مع جوها، ولا تنمو تحت قبتها، ~~بل إنها لتزداد كلما بقيت ضعفا وتأودا، وكلما سقيت من سقي ذلك المعهد ورويت من ~~ريه أسرعت إلى الزبول والاضمحلال، أما الذين يعيشون في جو الأزهر من الأقوياء طبائع ~~وأذهانا وأرواحا، فلا ينون في ذلك المعهد يزدادون قوة على قوتهم، وذكاء على ذكائهم ~~لأن الأزهر يخدم النبوغ، وإن لم يكن فيه من هذا النبوغ مادته، وينضج الذكاء الفطري، حتى ~~يكون منه العقل الجبار، والذهن العبقري، وإن لم يكن يعمل على إيجاد هذا الذكاء. والأزهر ~~لا يفيد إلا أهل الاستعداد، ولا يصلح إلا للقابلين للنبوغ والرقي. # فلا عجب بعد ذلك أن نرى الأزهر مقلا من إخراج الثمار الطيبة الصالحة: على كثرة عديد ~~طلابه: وألوف الدارسين فيه، وإذا ما أخرج الأزهر يوما عبقريا واحدا: فلا تظن أن ~~المدارس كلها مستطيعة أن تخرج آخر على شكله وغراره، وهل كانت مدارسنا قادرة على أن ~~تخرج رجلا على نحو الأستاذ الإمام ومثاله، وأنت إذا رجعت إلى الأزهر واطلعت إلى ~~إحصائيات طلابه لألفيت عدد ما يذبل بين جدرانه، ويذوى بين حيطانه يربى على المئات، ~~ويسمو على الألوف، ثم إذا أنت ms22 نظرت إلى عدد النوابغ من خريجيه والعبقريين من طلبته: لما ~~وجدتهم إلا نفرا قليلا. # هذا؛ ولا غرو أن يسمي اللورد كرومر شيعة الأستاذ الإمام بفريق الجيروند في النهضة ~~المصرية؛ إذ كان الجيروند هم حزب طلاب الإصلاح في إبان الثورة الفرنسية، وهم المعتدلون ~~الذين كانوا يريدون إصلاحا لا يلطخه دم، ولا يشوبه قتل ولا جرم، وهم العقلاء من دعاة ~~الملكية الدستورية، لم يطلبوا أن يطاح برأس ذلك الملك المخلص الضعيف، ولا أن تدق عنق ~~تلك الملكة الغر الطائشة؛ وإنما يريدون حق كل فرد عند الحكومة دون أن يستعدوا عليها قوة ~~ذلك الفرد، ولولا «الجبليون» # 2 # المتطرفون ولولا المجازر التي أقاموها والدماء التي سفحوها والنفوس التي ~~أسالوها: لما كان للثورة الفرنسية ذلك الاسم المرعب، والتاريخ المخوف الرهيب، ولا تجد ~~الثورة إلا لنشبه الداعي إليها في كل أطواره وحالاته، فليست الثورة الفرنسية إلا لتحكي ~~چان چاك روسو في كل أحواله الطبيعية، ومزاجه الثوري: وعواطفه الحارة المضطربة: ~~والداعون إلى الثورة يبدأون بطلب حق مهضوم، وينتهون بأن يصبحوا لحقوق غير حقهم هاضمين، ~~وهل ترى روبسبيير ومورات ودأنتون # 3 # كانوا يقتلون ويذبحون إلا لأنهم يريدون أن يستخلصوا حق الشعب من ~~الأرستقراطية والكهنوت، لا ليردوه للشعب ويعيدوه، بل ليستفردوا هم به وحدهم، ولعل الشعب ~~في الثورة وتحت الجمهورية الأولى، كان أسوأ حالا منه تحت الملكية، فلما جن روبسبيير ~~بالسلطان، وأذهلت لبه مشاهد الدماء، وذهبت بعقله روعة «الجلوتين» أراد الشعب على دين ~~جديد ينسخ به الدين القديم، وأسمى دينه ذاك «عبادة المخلوق الأعلى»، وما كان المخلوق ~~الأعلى في هذه العبادة إلا روبسبيير نفسه، فهل كان هذا من حقوق الشعب المهضومة؟ # ولذلك لا نجد طلاب الثورة في أكثر الأحايين إلا طلاب المآرب وإذا لم يكونوا بادئ بدء ~~طلاب مآرب، فإن الثورة جاعلتهم # 4 # ولا ريب كذلك والمترجم به في صف أولئك العبقريين كبار النفوس المنضوين تحت ~~ذلك اللواء الذي يحمله في طليعتهم جون ملتون، الشاعر الإنجليزي الخالد، وهو «أعطني حرية ~~القول، وحرية التفكير، وحرية الضمير، ولا تعطني قبل ذلك ms23 شيئا» وإنك لتسمع من كل فم ، ~~وتلفى على كل شفة، اسم صاحب الترجمة مقرونا بتلك الصفة العظمى، والسجية الكبرى ونعني ~~بها حرية الرأي وصراحة القول والمبدأ، يرى الطبيعة التي فطره الله عليها شرعا إلهيا ~~مقدسا ينبغي أن لا يغير فيه الناس ويبدلوا، ولا يمحوا فيه ويثبتوا. # وما كان الرجل العظيم إلا ليدلي برأيه أمام العالم كله: وإن اجتمعت أمته وأمم الأرض ~~جميعا على مخالفته في ذلك الرأي وأنت فلا تسمع لأولئك الذين يقولون: إن صوت الشعب هو ~~من صوت الله، فلعله في أكثر الأحايين من صوت الشيطان وضرورة الحكومة الخارجية للإنسان ~~لا تكون إلا على نقيض نسبة القوة التي يستعين بها الإنسان على حكومة نفسه، فإذا استكملت ~~الثانية واستجمعت، قلت الحاجة إلى الأولى ونقصت، ومن ثم كلما ازدادت الفضيلة ~~بضروبها وفروعها: ازدادت الحرية وعمت، والرجل الذي يقذف بأغراض الناس وآرائهم ويعمل ~~بإرادته لا بإرادتهم، ويفكر بذهنه لا بأذهانهم، ليس إلا رجلا تنزلت الإلهية على قلبه ~~وصفت مشاعره من شوائب الحيوانية، وتنزهت عواطفه عن نقائص البشرية. # وترى الرجل العظيم يجهر عالي الصوت برأيه في يومه، فإذا جاء عليه الغد، أعلن رأي غده ~~في مثل جهارة صوته، ورفعة روحه، حتى وإن نقض رأي الغد رأي أخيه الأمس، لا يحفل بأن لا ~~يفهم الناس من أمره شيئا. # وهل فهمت الإنسانية كلها في جميع أجيالها فيثاغورس وسقراط ولوثر، وغاليليه ونيوتون، ~~وكل من على شاكلتهم من كل ذي روح نقية حكيمة ركبها الله في جسم ودم. والعظمة أخلق بأن ~~لا تطلب الوضوح للناس، وأحرى بأن تدق على أنظار صغار الناس، وتغيب عن أفهام عاديي ~~الرجال، وكل ما ترى من عظمة العظماء، ونبل أرواحهم وصراحة أفكارهم، وحرية ضمائرهم، ربيب ~~العزلة، ووليد الابتعاد عن غمار الجماعات؛ إذ كان المجتمع في كل مكان يعمل على قتل ~~رجولة كل فرد من أفراده، وما المجتمع إلا شركة مساهمة يدفع لها كل عضو من أعضائها حريته ~~وفكره ثمنا لسهمه، ولا ينال من أرباح هذا السهم إلا خبزه وطعامه وأمانه، ولذلك كان ms24 ~~عظماء العالم ومفكروه وقادته وعبقريوه هم الذين نشئوا بعيدين عن المجتمع، خارجين على ~~قوانين هذه الشركة الغابنة رافضين أرباحها وسهامها، عاملين على إفلاسها، وإصلاح موادها ~~وبنودها، وإن أكبر مزايا المفكرين والعظماء، أمثال سقراط، وأفلاطون، وسبنسر، إنهم لم ~~يعتدوا بالجماهير ولا اكترثوا بآراء الناس، ولا بالعادات والقوانين التي يعيش عليها ~~الجماعات، وإنما جاءوا بآرائهم على نقيضها، وأتوا بأفكارهم هادمة لأفكارها. ~~(3) قوة الإرادة # نعود فنسترسل في ترجمة هذا الرجل العظيم الذهن، الكبير الروح، المتوثب الوجدان، ونعود ~~فنأخذ في دروسنا الجليلة التي نستمدها من الحياة العظيمة، والشخصية الكبيرة، وما كانت ~~حياة العظيم إلا الجزء الأكبر من حياة الإنسانية نفسها، ولو أردت أن تستلخص تاريخا ~~حيا حارا لأمة من الأمم، فالتمسه في تراجم عظمائها وقائمة أبطالها، ولو أنت تجاوزت ~~ذلك إلى حياة عامة أفرادها، وعادي رجالها، لما كان تاريخك إلا مذكرات يومية بطعام الأمة ~~وشرابها، وشبعها وريها، وحيوانيتها وعجماواتها، وليست تراجم كبار الرجال إلا برامج ~~سامية للجنس، وخططا عالية للنوع، هى أشد أثرا في تطور الإنسانية من الفلسفة والعلم، ~~وابتكارات الذهن، ومخترعات العبقرية، لأن هذه لا تهذب نفوس الناس، ولا تطهر من أخلاقهم، ~~ولا توقد من وجداناتهم، بل إن الفلسفة والعلم والآداب والمبتكرات في كل يوم تقتل نفسها، ~~ويمحو اليوم منها ما يثبت الأمس، وأما حياة العظيم، فلا تني تخلق عظيما مثلها أو أشد ~~عظمة، وهي بعد مطهرة لدهماء الناس، مهذبة لأخلاقهم ووجوه الحياة عندهم، وما كانت حياة ~~نابوليون إلا نسخة أخرى من حياة هنيبال أو الإسكندر، بل كم خلقت ترجمة نابوليون من ~~نابوليون صغير، له روح نابوليون العظيم ومشاعره وليست له قوته، وليس له حظه. ~~••• # تكلمنا فيما مضى عن نواحي شتى من شخصية سعد زغلول باشا ومزايا عظمته ونحن اليوم ~~ذاكرون شيئا من قوة عزيمته، وقوة دأبه وإرادته، فمن ذلك أن المترجم به تعلم اللغة ~~الفرنسية، وهو يكاد يناهز الأربعين من سنه، ولم يلبث غير قليل حتى حذقها، وأتقن ~~معرفتها، وبلغ من إلمامه بها، أن أدى الامتحان بها في علم الحقوق وهو قاض ms25 في ~~الاستئناف، ونال بذلك شهادة الليسانسييه . وأنت ترى من ذلك أن هذا الرجل الكبير كان ينزل ~~عن منصة القاضي ليجلس مجلس التلميذ، وذلك لأن العظمة لا تخجل من أن تستخدم ما تحتها في ~~سبيل كماليتها، وأن الشاعر العبقري لا يضيره أن يجالس البغي لكي يستعين بتحليل نفسها ~~على الإبداع في قصيده وخواطره، والفيلسوف لا تسمو نفسه عن أن يماشي السكير لكي يدرس ~~طبائعه وعوارضه، والبحاثة العالم لا يترفع عن أن يصحب السوقة ليكونوا مادة له في بحثه ~~وتفكيره، والناس كلهم طلاب معرفة، وأشدهم في طلب المعرفة نوابغهم؛ لأن المعرفة في ~~التعريف الفلسفي، هي ضرب من القوة. # هذا؛ ولقد كانت الإرادة القوية عاملا من أكبر العوامل في تطور العالم وارتقائه، ~~وازدياد وسائل المدنية وأساليبها ومستلزماتها، فهي التي رفعت الإنسانية من ظلمة الخمول ~~وحمأة الانحطاط، هي التي كشفت العالم الجديد، وفتحت مجاهل العالم القديم، وظهرت على متن ~~العالم الجليد # 5 # هي ذللت الكيمياء الحديثة وأحماضها، وهي أخرجت مكتشفات الطب الجديد ~~وجراثيمه وأدويته ومضاداته، وهي اخترعت عجائب الطيران ومدهشاته. # ولا أحسب الرجل الذي يحاول اختراق الطريق مسرعا فتدهمه العجلات كان يعجز عن بلوغ ~~الجانب الآخر، لو لم تتعطل فيه قوة إراداته، فعطلت فيه قوة ساقيه، ألا ترى اللص الهادئ، ~~يعدو والشرطي في أثره، وإذا به قد وقف بغتة عن عدوه، وكان سابقا الشرطي بالمسافة ~~البعيدة، ذلك لأن قوة الإرادة فيه قد اضطربت، فاضطرب لها مجموع جسمه. # إن أمام الإرادة القوية الوثابة لا تتطاول صعاب الأمور وعسيراتها ولا تستكبر عظائم ~~الخطوب وجليلاتها، بل إن اجتياز نابوليون هضاب الألب وجباله، وثلوجه وشعابه، هو الذي ~~علمه أن يقول إن كلمة «مستحيل» ليست في اللغة. ~~(4) من القاضي إلى الوزير # ننتقل الآن من ترجمة القاضي إلى حياة الوزير، ونترك منصة القضاء إلى مسند الوزارة، ~~وليس في أعمال الجمعية البشرية عمل هو أخطر من عملها، وليس بعد الصحافة كما يقول اللورد ~~روزبري من وظيفة هي أشق ولا أكبر مكانا منها، وما كان في أبهة هذا المنصب وعظمته وضخم ~~أعطيته ms26 ما يغني عن متاعبه ومشاقه وأخطاره، وأنت لا ترى الوزارة تجعل من الرجل عظيما، ~~ولا تخلق منه نابغة، بل هي تحبوه ليس غير بالعطاء الكبير واللقب العظيم والمركب السني، ~~وهو الذي يعلو بالوزارة ويهبط وينحرف بدفتها ويستقيم إذ كانت الوزارات مقاييس حرارة ~~لرجالها، وموازين دقيقة لكفاءات أربابها، هي التي تريك مقدار الجزء الإنساني من الوزير، ~~وتشعرك بمبلغ الشعور الأهلي في الحكومي، وتفهمك مقدار علمه بالنفسية الأمية، ~~والوجدانات القومية؛ إذ كان حقا على الوزير أن يكون عليما بسيكولوجية الشعب وشعوره، ~~ومطالبه ومراميه، وطبائعه ومزاجه، وهل كان جراي ودلكاسيه وأشباههما إلا من أكبر علماء ~~النفس، وأعظم الملمين بروح الاجتماع وأسراره؛ ذلك لأن الوجدانات الأهلية أشبه ~~بالوجدانات الطفولية، سريعة التحول، متناقضة المبادئ ضعيفة الاستنتاج، قابلة للتأثير، ~~خوارة أمام الشخصية الحكومية الكبيرة، ولذلك كان من الوزير الكبير أن يحتال لعوارضها ~~ويتحصن من تقلباتها، ويعمل على مصانعتها وإظهار شخصيته عليها، ولذلك كانت الوزارات ~~قصيرة الأعمار سريعة السقوط، مستمرة التجديد؛ إذ على قدر معرفة الوزارة بنفسية شعبها ~~والعمل على مطاوعة هذه النفسية ومواتاتهما يكون عمر الوزارة من القصر أو الطول ومكانها ~~من الاحترام في التاريخ. # كان انتقال صاحب الترجمة من محكمة الاستئناف إلى وزارة المعارف من أكبر العوامل في ~~حياته فقد أخذت شخصيته القوية من ساحة القضاء لتعرض في ساحة الأمة، ولم تعد تلك الفضائل ~~الإنسانية العظيمة التي تنطوي عليها روحه تبدو فقط للمجرمين والمتهمين وأرباب الظلامات، ~~وذوي الحقوق المضيعة والشكايات، بل هنا جعلت تتجلى للجميع، وهنا بدأت حرارتها تزداد، ~~ونطاقها يتسع، وأثرها يعظم ويطول، لأنها تريد أن تشمل كل فرد في الأمة وتعم المجتمع ~~المصري بجملته، ولقد كانت وثبته من مرتبة القاضي إلى كرسي الوزير دليلا بينا على ~~علو شأنه، ورفعة روحه؛ لأن الامتياز باستقلال الرأي واحترام الذات والبعد عن الزلفى ~~والملق لأصحاب السلطات، كان كفيلا بأن يأخذ بيده إلى منصب سام لم يكن يومذاك يفكر ~~فيه أو يطلبه، بل أعجب ما في ذلك أن المترجم به حتى يوم تعيينه في الوزارة كان أبعد ~~الناس ms27 عن فكرة مفارقة وظيفته التي ألفها واطمأنت نفسه إليها وحبس آماله وكفاءاته عليها، ~~وأنه لما ذكر نبأ تعيينه الجديد حسبه مزاح مازح ودعابة مداعب؛ ذلك لأنه كان قليل ~~الاختلاط بالقابضين على أزمة الأمور، في معزل عن أولي السلطة والنفوذ مخلدا إلى وظيفته ~~يخلص إليها ويتوفر على إظهار نبوغه فيها، وليست هذه الحادثة إلا أمثولة طيبة، جديرة ~~بالعظة، خليقة بالاعتبار، هي مقياس لنتائج الخلق الكريم، والذهنية العظيمة، والروح ~~العالية، فقد كانت سنة الرقي من وظيفته التي كان بها أن يدرج منها إلى وكيل للمحكمة ~~فرئيس لها فوكيل للوزارة حتى ينتهي إلى الوزير، وكان في البلاد كثيرون من هؤلاء هم ~~خلقاء برتبتهم وألقابهم ومناصبهم بأن يظفروا بالمنصب دونه، ولكن المزايا الذهنية ~~والروحانية التي نبغت في سعد زغلول بك # 6 # كانت بحيث تحتاج إليها الوزارة أكثر من المحكمة، وكانت باعثة على هذه ~~الطفرة السريعة، وسترون مما سننشره من أعمال المترجم به في وزارة المعارف أن ذلك ~~الانقلاب في سنة الرقي الحكومي، جاء بالخير العظيم للأمة والإصلاح العلمي الكبير، ~~وكثيرا ما يكون الانقلاب السريع خيرا وأفعل أثرا من التطور الهادئ البطيء. # وقد كان دخول سعد زغلول بك الوزارة عنصرا حيويا جديدا في الحكومة إذ كانت الوزارة ~~الفهمية قد ظلت إحدى عشرة سنة وأشهرا وهيئتها على حالها لا تغيير ولا تعديل، وكانت ~~وزارة المعارف تحت المرحوم حسين فخري باشا يشرف عليها وهو في وزارة الأشغال، كعمل هين ~~إضافي، فكانت وزارة المعارف بحاجة إلى قائد يبث فيها روحا حارة، وذهنا كبيرا نشيطا، ~~ويسير بها في طريق الإصلاح السديد، فلم تجد الحكومة لها أكفأ من المترجم به ~~فعينته. # الرطانة ما جعلهم وسطا بين المغاربة والمشارقة، وقد كان لسعي ذلك الوزير القوي الروح ~~الكثير الشخصية فضل على الدين؛ لأن اللغة العربية هي لغة الإيمان ولسان القرآن ولو ضعفت ~~مكانتها لعدا بسوء حالها على العقائد، ولو تردت عن سموها لتردت المبادئ الإسلامية من ~~سمائها، ولكن أبت عظمة الرجل عليه إلا أن يرفع مستوى اللغة، ويعلي مكانتها ويمشي بأدبها ~~إلى ms28 الظهور، ولعل رقي أساليب الكتابة في السنين الأخيرة وعناية المتأدبين بالأدب وكثرة ~~الكتاب المجيدين من الشباب واحتفال الأدباء بالتجويد واختراع المعاني وبراعة المناحي ~~كل أولئك من آثار تلك الخطة التي أنفذها سعد باشا وأخذ على نفسه العهد إلا أن ~~ينجزها. # ونحن نعلم أن مكان الوزير في وزارته لا يزال موقفا حرجا وموطنا مستنفدا الصبر، ~~ضيق المضطرب إذ تمتد حوله الأيدي، تغل يده عن عمله إذا أراد عملا، وتغلق مفاتيح السعي ~~إذا ابتغى سعيا، وتضع له من العقبات في طريقه ما يسد عليه السبيل ويحميه السنى. # وكانت وزارة المعارف هي الوزارة التي لا يكون فيها الوزير إلا حامل خواتيم وواضع ~~توقيعات، وممهر رسائل ومكاتبات وهو حاجب من الحجاب على وزارته، وكبير في مظهره وإن كان ~~صغيرا في حقيقته، ولكن إذا وزر سعد عليها وألقيت إليه ودفع إليها وهو يعلم ما كان من ~~الوزراء قبله وما حظ الوزير منها اختط الخطة لنفسه لأن العظمة تأبى أن تصغر دون ما هو ~~أهل لها وتنكر على نفسها أن تضؤل فتكون في يد الناس آلة، وفي خدمة القوم أداة. # والعظيم لا يتطامن للأكاذيب وإن لبست ثوب الحقائق ولا يسكن للتمويه وإن ارتدى بردة ~~اليقين؛ لأن العظيم إنما يأخذ من نفسه ولا يرضى أن يأخذ الناس من روحه، ولخير له أن ~~يفقد الناس جميعا أرواحهم، وتعيش الدنيا بلا أرواح من أن يفقد روحه، ويسيء إلى ضميره، ~~ولو أكره الناس عظيما على مكان خفض ومركز مهين، لما رضي أن يسلك فيه، ولو تقبله لرفع ~~من شأنه، وطهر من مقاذره، وهذب من حواشيه، وجعله عليا ساميا، حتى يوازن بين عظمة ~~نفسه وعظمة المكان الذي هو فيه. # فلا تعجب إذن إذا علمت أن بطل هذا التاريخ كان في وزارة المعارف الوزير العامل المنفذ ~~لإرادته، المحتفظ بشخصيته، وأنه أطلق نفسه منذ ذلك الأسار الذي ارتضاه الوزراء قبله ~~وبعده، وتحرر من السلطة التي عاهدت نفسها إلا أن تحتكر كل شيء دون الوزير ويده، وتخلص ~~من تلك الشورى العنيدة التي هو في ms29 غنى عنها، وقبض على أزمة الوزارة وأشرف على جميع ~~شئونها، حتى أصبحت السلطة كلها في يديه يصرفها كما يشاء عقله الكبير، وذهنه الجبار، ~~ويقلبها على الوجوه الصالحة التي ترتضيها رويته وحكمته ورزانته. # وكان سعد بعد كل هذا في وزارة المعارف الوزير المصري الأوحد الذي عرف كيف يكون جليلا ~~أمام تلك السلطة الإشرافية، رائعا أمام النير الذي يحوطه، قويا أمام الذين يريدون أن ~~ينقصوا من قوته، فكان عهده في وزارة المعارف، عهد خير وإصلاح، ومقدمة تهذيب ~~ورقي. ~~(5) في الوزارة السعيدية # في عام 1910 انحلت الوزارة البطرسية على أثر حادثة الورداني، فتألفت وزارة سعيد، ~~فأصاب فيها سعد وزارة الحقانية، ونحن لسنا في مقام الكلام عن تلك الوزارة، ولا بسبيل ~~أولاء الرأي التاريخي عنها؛ لأن ذلك فريضة المؤرخ العام، ودأب المتصدين له، ولكنا نجزئ ~~القول فنقول: إن سعيدا وثب من الجماعة التي نهض في صفوفها سعد، وهي جماعة القضاء، ~~وأساطين القانون، ولو كان يحمل في جوانحه البذور الصالحة للأجل العظيم لكان، ولو كانت ~~تضطرب في حياته روح النزاهة، وحمية الإخلاص، ووفدة الصدق، لظهرت في وزارته وتجلت في ~~سيرته، ولكن سعيدا أوتي ذهنا طيبا، وذكاء لا بأس به، ولكن لم يؤت قلبا جميلا، ولم ~~تمنحه الطبيعة العاطفة القوية، ولم تبذر في فؤاده البذور الشريفة الناهضة ~~السامية. # وأنت ترى أن في الناس عظماء أذهان، تنهض على قلوب من الطين، وأفئدة من الآجر، وعظماء ~~أرواح، لا قوة لأذهانهم، ولا عظمة تمتزج بألبابهم، على حين تجد أقدر العظماء وأقلهم ~~عدادا، منهم عظماء أرواح وأذهان معا، وهؤلاء لا تسرف في خلقهم القوة الإلهية، ولا ~~تفرط في حشدهم للدنيا والإنسانية، وإنما تبعث الفرد منهم على فترات الأجيال، وعلى هون ~~من القرون والأعوام، ليتم الغرض المقدس الذي أرادت أن تنفذه في هذا الكوكب الأرضي، فأما ~~عظماء الأذهان الذين تنهض أذهانهم الجبارة على قلوب ضعيفة متأودة مريضة ملوثة، فهؤلاء ~~أقرب إلى الشر منهم إلى الخير، وأنعر مما يطلب عظمة الروح، وذكاء القلب، وأجنح إلى ما ~~يجتمع فيه الدهاء والخسة، ويلتقي فيه ms30 الخداع وألاعيب العقل، بالصغار والحقارة، ثم أليس ~~في اللصوص عظماء أذهان، وأليس في المحابس مجرمون من كبار العقول أهل البديهة الحاضرة، ~~والمهارة الذهنية الغريبة، وما ساق بهم إلى غياباتها إلا أن ذكاءهم لم يجد سلطانا عليه ~~من أرواحهم، وإن عقولهم لم تر ضابطا يضبط زيفها ويقتل إغراءاتها، ويطهر من أدرانها، ~~ويمحو من ضلاتها، على أن خارج حيطان السجون، وجدر المحابس، من هؤلاء الأذكياء الضعفاء ~~الأرواح الذين يجرمون في كل يوم عن كثب من القضاء، وجهل من الشرطة، ويحشدون من خدائع ~~العقل وسقوط الوجدان، ما لو اضطلعت عليه لوليت منهم فرارا ولقلت إنهم أحق بالسجون ممن ~~في غياباتها ودورها وحجراتها. # ومن هذا يتبين لك أن عظماء القلوب هم الذين يملأون الدنيا خيرا وهم جمال العالم وزين ~~الخلق وهم الملائكة الأرضيون ورسل الصلاح الطهرة الأبرار، أما عظماء الأذهان فهم الذين ~~يملأون الدنيا دموعا ويرسلون في جوانب الحياة عبرات، وهم أكثر الناس إحداثا للشر ~~وإخراجا للأذى؛ لأن العظمة الذهنية الخلو مما تعتمد عليه من الروح الشريفة لا تزال ~~نقمة على الناس وحربا على أهلها. # إذا أدركت ذلك فاعلم أن الوزارة السعيدية كانت رأسا بلا قلب وكانت دهاء «بلا ضمير» ~~ولذلك عاشت أعواما أربع أو نحوها ولو وزنت بمقدارها وقدرت لها السن الواجبة لما عاشت ~~إلا أياما أربع أو ما دونها. # وعجيب أن يعيش سعد في تلك القطعة من الأمن وهو في عظمة ذهنه وروحه تحت وزارة لا تعيش ~~إلا برأسها وتسعى لصالحها وصالح الذين يشرفون عليها دون صالح الأمة التي تقلدوا مقاليد ~~الحكم فيها، ولكن لعمري ماذا يستطيع أن ينقض سعد وحده ما يبرم الرئيس وصنائعه من ~~وزرائه، وماذا يجد من القوة لمحاربة الضعف والمهانة التي حشدت حشدها بين زملائه، ونحن ~~نعلم أن الشر قد يستطيع زمانا أن يطفئ لمعة الخير وقد يسوق الخير في أزياله ويحمله فوق ~~ظهره، ويلبسه لبوسه ويقنعه بترك أمره، على أنه وإن اشترك هذا الرجل العظيم مع الوزارة ~~السعيدية فيما أحدثت من النكر وجاءت به من الأذى، فلا ms31 نرى له أبدع شفاعة من صراحة ولا ~~نجد معاذير خيرا من معاذيره إذ قال يوما في موقف مشهود في الجمعية التشريعية: «أعترف ~~أني وأنا وزير قد عملت بحسن نية وإخلاص عملا لو عرض علي اليوم لكنت أول المعارضين ~~فيه، فقد عرض علي قانون المطبوعات فعارضت فيه أولا، ثم لم ألبث أن وافقت عليه ~~واشتركت في تطبيقه لظروف بررتها في ذلك الوقت أمام نفسي وها أنا اليوم نادم على ما فعلت ~~بالأمس - «وقال أيضا» «كنت قاضيا وكنت وزيرا وها أنا اليوم عضو بينكم في الجمعية ~~التشريعية وأحس من نفسي بأن شعوري كان يختلف باختلاف تلك المراكز جميعها، وأني ربما كنت ~~أرى الرأي في حالة ثم أرى غيره في حالة أخرى، ومع ذلك فقد كنت حسن النية في جميع ~~الحالات، فلا تهولنكم أشخاص الوزراء ولا الفضل الذي تعرفونه عنهم فقد تتغلب عليهم ~~مراكزهم فيعملون بحسن نية ما يظنون أن فيه فائدة للأمة وهو ليس كذلك.». # هذه هي العظمة التي لا تأنف من أن تعلن عن هناتها، وتشرح للناس هفواتها، لأن العظماء ~~يرون أنهم أكبر من أن يدعوا أن الخطأ لا يداخل عملا من أعمالهم، وأن الهفوات ليست منهم ~~وليسوا منه، وإنما صغار الناس والمتكبرون الطائشون هم الذين يكبر عليهم أن يعترفوا بخطأ ~~أو يكاشفوا الدنيا بهفواتهم؛ لأن حياتهم سلسلة من الأغلاط وتاريخهم هو تاريخ الخطأ ~~الإنساني كله ولا تجدن عظيما يبيح لنفسه أن يبرئها من الزلل؛ لأنه يعلم أن تلك صفة لم ~~تقع للجنس الإنساني وإنما اختصت بها القوة الإلهية. # وكذلك سقطت وزارة سعيد في عام 1913 فاعتزل سعد منذ ذلك العهد المناصب الحكومية ووقف ~~بعد ذلك مواقفه عن الأمة، فكان تاريخه فيها أنصع من تاريخه في حياته الحكومية. ~~(6) نائب الأمة في الجمعية التشريعية # لم يلبث بعد أشهر قضاها صاحب الترجمة مخلدا إلى العزلة بعيدا عن ضجة الحياة ~~السياسية، أن أنشئت الجمعية التشريعية فكان فيها العضو المنتخب عن الأمة بجانب العضو ~~المنتخب عن الحكومة وقد ظفر بذلك المنصب على رغم أعدائه. # ونال ms32 هذا اللقب بعد أن دست الدسائس لحرمانه، وتألب الخونة وصغار النفوس والمارقون ~~المالقون، وأرادوا أن يحولوا في الانتخابات بينه وبينه ولكن الحق أبى إلا أن يدفع ~~الباطل، فوقف الرجل مكانه العظيم المشهود في تاريخ الجمعيات البرلمانية وجال في الجمعية ~~التشريعية جولته والذين اطلعوا على ما كان يجري من المناقشات في تلك الجلسات ورأوا سعد ~~زغلول خطيبا وشهدوه قائدا من قواد الإنسانية العظماء، رأوا ثم قلبا يتدفق على فم ~~سحري عذب، ومنطقا متينا جياشا بليغا، ودفاعا مستمكنا حارا ملتهبا. # ويلوح لنا أن للخطيب البليغ فضلا على الكاتب البليغ؛ لأن الكاتب يستطيع أن يجد من ~~زمنه وجلوسه إلى مكتبه حول كتبيه وتواليفه ومراجعه ومعاجمه المكنة التي تعينه على ~~العناية بمعانيه والاحتفال بأسلوبه، ولكن ليس للخطيب البليغ إلا مكانا بين لسانه ~~وجنانه يربط سلسلة أفكاره ويوازن بين معانيه وليس لديه من الزمن ما يمكنه من ~~ذلك. # ولولا القوة الخفية التي تدعى إلى الخطيب بالمعاني الثرة المستفيضة ولولا الوحي الذي ~~يتنزل على قلبه وهو في موقفه الرهيب، ولولا أن الخطيب إنما يتلقى معانيه وآراءه جاهزة ~~من يد الطبيعة مفصلة تامة من لسان الكون لما استطاع خطيب أن يقع في قلوب السامعين أو ~~يريد القوم على ما يريده منهم وقد وعيت جميع ما أتاه به صاحب الترجمة وما جاء في عرض ~~أحاديثه وخطبه ومواقفه السياسية فما هزني منها ولا راعني من ناحيتها إلا مبدأ واحد ~~وفكرة فذة؛ وهي أن سعد زغلول رجل ديموقراطي النزعة حري المبدأ، ولعل تلك الكلمة ~~العظيمة التي ألقى بها إلى أعضاء الجمعية التشريعية ... وهي ... يجب أن لا نكون ملوكيين ~~أكثر من الملك «هي الشعار الذي يوحي إلى الناس الدليل على تلك النزعة، وهي شاهد حق صادق ~~على استمكان تلك العاطفة من فؤاد الرجل ومبلغ أثرها في لبه. # ويظهر لي من إضعاف كلمه وآرائه أنه رجل منطقي لا يستهويه الشعر ولا يجب أن تمتزج ~~الأفكار الشعرية الهوائية؛ بالحياة لأنه يعتمد على الحقائق ويرى أنها العنصر الواجب في ~~حياة الأمم، ولا يميل إلى ms33 التأثير على الناس واجتذاب القلوب من ناحية العواطف ولا ~~يستخدم لغة الأفئدة، وإنما أكبر ما يحتفل به في التأثير على الناس أن يسرد لهم الحقائق ~~ويجيء إليهم من ناحية العقل؛ إذ يخشى أن تروح لغة العواطف في بعض الأحايين لغة كاذبة، ~~وزخرفا باطلا؛ لأن أكثر ما تغتذي القلوب من الخيال والأوهام، وأما العقول فلا يصح لها ~~ولا يجمل لديها إلا الحقائق والمشاهدات والنظريات الثابتة. # ولعل صاحب الترجمة اكتسب هذه النزعة الطيبة من كثرة قراءته كتب القانون، وتوفره على ~~درس الكتب المنطقية وجلوسه إلى رجال القضاء، وامتزاجه بالمفكرين والعقليين، ولا تحسب أن ~~ذلك حائل دون الرجل والأسلوب الرقيق، الذي يتغلغل إلى صميم القلوب، ويأخذ بأعنة ~~الأفئدة، بل لا يزال الرجل عذب المنحى في خطابته، سلس التعبير، يدعو البيان فيجيبه، ~~وتتدفق المعاني على شفتيه في ألفاظ رقيقة تجمع نفسها من حرارة وجدانه، والتهاب مشاعره، ~~وصدق طويته. # وما علمنا قبل اليوم زعيما سياسيا في هذا البلد تلتقي في خطابته رقة الأسلوب ~~بحلاوة المنطق، إلا مؤسس النهضة المصرية، البطل مصطفى كامل باشا، وهذه مزية لا بد فيها ~~للزعامة، ولازمة لا غناء لقواد الأمم، وأبطال الشعوب عنها، وإلا فقدوا جزءا عظيما من ~~نجاح مهمتهم، وكان افتقارهم منها خسارة كبرى وعقبة قد تقف في طريقهم، وفي الناس كثيرون ~~من المفكرين أو السياسيين كانوا على خصوبة أذهان وقوة تفكير، ولكن وقف بهم أنهم عجزوا ~~عن أن ينادوا في الجماهير بها، وحال بينهم وبين الخلود حرمانهم من هذه الموهبة ~~الإلهية. # وظل كذلك صاحب الترجمة رائعا في كل موطن من المواطن العصيبة في ندوات الجمعية ~~التشريعية، يناضل عن موقفه، ويحارب عن إخلاص في سبيل المهمة التي أنابته الأمة عنها ~~لها، حتى حق عليه أن يقول صادقا، كلمته الكبرى التي فاه بها في تلك الجمعية، لست آلة ~~في يد أحد غير نفسي! ...». # فلما انتهت الجلسات في دور انعقادها الأول لم تلبث الظروف أن تغيرت، ووقعت من الأحداث ~~الغريبة ما أوقف سير تلك الجمعية، إذ أعلنت الأحكام العرفية بعد نشوب الحرب ms34 بزمن يسير، ~~وذلك في شهر نوفمبر عام 1914 فعاد سعد زغلول إلى العزلة وأخلد إلى الحياة ~~الهادئة. ~~(7) في حياة العزلة # نشبت الحرب الكبرى وتغيرت الحكومة المصرية من خديوية إلى سلطنة وعين الأمير حسين ~~كامل يومذاك السلطان الأول، وبقيت الوزارة الرشدية العاقلة الرزينة تعمل باحتراز وتتخذ ~~طرائق تمشي بها في تلك الملمة السياسية العصيبة، واعتقلت السلطة العسكرية البريطانية ~~خلقا كثيرا من مختلفي الطبقات فذهبت بهم إلى المنفى وتقطعت الأسباب بالذين نفوا في ~~الغرب وحيل بينهم وبين بلدهم العزيز # وفي وسط تلك الزوبعة السياسية الهوجاء كان رجل عظيم في ركن من هذا البلد يعيش معتزلا ~~الدنيا ناعما في ظل الوحدة هادئا لا يعبأ بالقلاقل التي حوله ساكنا لا تنفذ إلى ~~جنابه الضجة ولا تثيره الضوضاء ولم تمسسه السلطة العسكرية بسوء، ولم تفكر في اعتقاله ~~لأنها رأت أمامها رجلا عاقلا تتخذ على نفسه عهدا أن لا ينهض بشر ولا ينهد من سكونه ~~في خلال الحرب، وعلمت أن لا خطر عليها وعلى نواياها وأغراضها وخططها وطرائقها منه في ~~عزلته؛ لأنها أدركت أن الرجل العظيم لا يعمل في خفية ولا يتستر على ما يعمل ولا يدس ~~الدسيسة في المكامن وينجز مهماته في الخفاء، ولذلك لم تشأ السلطة العسكرية أن تحرمه ~~حريته بل تركته لشأنه فلزم داره وأخلد إلى بيته، ولكن رجلا مفكرا عاش طوال عمره على ~~الجهاد والدأب لم يكن يستطيع أن يدع نفسه بلا عمل أو يستنيم للقعود والعطل؛ لأنه يعلم ~~أنه ولا ريب لا يلبث أن يصدأ ويفقد لمعته وبريقه لأنه من معدن حساس رقيق لا يطيق صبرا ~~على برودة السكون والعيش في ظلال الخمول. # وإذ ذاك رأينا الرجل الذي شهدناه في الرحلة الرابعة من عمره يجلس إلى درس اللغة ~~الفرنسية، وينكب على تفهم أسرارها وقواعدها قد عاد في الحلقة السادسة وهو يحطم الربيع ~~الخامس والخمسين فأمسك بالكتاب يتهجى في لغة جديدة ويفك الخط في حروف لم يعرفها من قبل، ~~وراح يتعلم اللغة الألمانية ويطالع كتبها الأولية حتى ينقذ ذهنه الكبير من برودة ms35 الفراغ ~~ويخلص روحه من مفسدة التبطل وحتى يعرف طرفا من لغة هذا الشعب الذي وثب في هذا العصر ~~فقذف بالعالم كله في شعلة نار عظيمة أحرقت جميع نشاط الدنيا، وهدمت الحضارات، وجاءت ~~بأفكار جديدة، وأنشأت عصبة الأمم، وأخرجت ذلك الأستاذ الفيلسوف الإنساني الخالد، الرئيس ~~ويلسون وهو يحمل رسالة جديدة من الوحي السياسي، ويصرخ في العالم بنداء رفيق، وينادي ~~الدنيا إلى مبادئ سامية عالية، ويريد أن يقتل شبح الحرب من الأرض، وينشئ السلام العام ~~المقيم، ويخرج الشعوب الصغيرة من أسار الاستعباد، ويرد الحرية إلى الأمم الصغيرة ~~والكبيرة على السواء. # فلما وقفت رحى الحرب وخمدت شعلة القتال، وتهادن الأعداء، ومشى الجمع بكلمة الهدنة في ~~الصفوف واللواء، لم يلبث المترجم به أن قذف بكتاب اللغة التي كان يتعلمها جانبا ونهض ~~مجفلا من سكونه على هذا الصوت الأجش العميق الذي تردد في أركان العالم بأسره، ووثب ~~وثبته من عزلته؛ إذ علم أن الفرصة قد جاءت وكان منها على مرتقب به، وأن السانحة سنحت ~~وكان منها على مرصد، ورأى أنه لا يخلق به أن يعتزل العالم وقد سمع ويلسون ومبادئه ~~العالية، ووجد أن أمته حرية بأن تظفر بتحقيق أمانيها القومية، قمينة بأن تشترك مع ~~الشعوب المطالبة بالحرية، فجعل يضع المذكرات ويجمع حوله الأنصار والصحابات فلم يلبث أن ~~استقال الأستاذ الكاتب الاجتماعي الخالد أحمد لطفي السيد من وظيفته على رأس دار الكتب ~~السلطانية وانضم إلى الجمع الوزير إسماعيل صدقي باشا، ثم شعراوي باشا، وحمد باشا ~~الباسل، ومحمد باشا محمود، وطائفة من عيون الأمة وأبطالها ومفكريها وقرروا أن يكون منهم ~~وفد يحضر مؤتمر السلام، ويمثل الأمة المصرية وينضح عن قضية الشعب المصري في عصبة الأمم، ~~وكذلك مضوا في عملهم ومشو ا على سننهم غير مزحزحهم خوف أو واقف بهم تردد أو ريب حتى إذا ~~كان الشهر الماضي «مارس عام 1919» لم تلبث الأمة أن فزعت ونهضت مروعة على نبأ استكت منه ~~المسامع ووقرت له الآذان وكسفت له الوجوه وهو نبأ اعتقال الزعماء الكبار سعد ورفاقه ~~الثلاثة إسماعيل صدقي ms36 وحمد الباسل ومحمد محمود ونفيهم إلى مالطة. # ووقعت أحداث ومظاهرات وقلاقل وملمات كان منها أن أفرج بعد أيام عن أولئك العظماء ~~وأجيز لهم السفر إلى المؤتمر فركبوا الباخرة كاليدونيا الفرنسية شاخصين إلى مرسيليا وقد ~~رحلوا هم ورفقاءهم الذين سافرو ا للحاق بهم من مصر إلى باريس في اليوم الثاني عشر من ~~شهر أبريل عام 1919 وقد أعدوا العدة للدفاع، وحشدوا ما في النفوس من قوة للنضال عن ~~الأمة المصرية أمام سادة أهل الغرب وساستهم والمفكرين والشهود العدول والعظماء ~~المنصفين. ~~••• # هنا نمسك القلم عن الخوض ونقف موقف المؤرخ المرتقب النتائج المتمهل للحوادث المنتظر ~~دورة الزمن غير مستعجلين القضاء ولا مستقدمين الحكم ولا متكهنين بالنبوءة، وندع للتاريخ ~~حق التسجيل والتدوين، ونرجو أن يعود هذا الرجل العظيم يحمل كتاب الحياة الجديدة ومطالع ~~المستقبل النضير وبواكر العهد الجديد في تاريخ مصر الحديث. ~~(8) حياة الأسرة # ما أرحم قلب الطبيعة وأبدع حكمة الكون إذ تهب القوة الإلهية الرجل النابغة والمفكر ~~العظيم الذهن امرأة ذات خلق وسيدة ربة ذكاء تسهم وإياه في عمله الذي أراد الله به أن ~~ينفذ، وتحمل عنه أعباء حياته الخطيرة وتقوم على مواساته ومشاطرته عواطفه ونزعاته، وأنت ~~قد رأيت مما قرأت من سجل المخلدين والنوابغ وأبطال الإنسانية وهداة الدنيا أن العظيم لا ~~غناء له عن المرأة تحمل طرفا من البناء الذي يعمل على تأسيسه وترسل في ثنايا روحه ~~حرارة النشاط، وتمده بتلك القوة الهائلة التي لا بد منها لعمله، وأن أكثر عظماء التاريخ ~~لم يصيبوا الخلود ولم يظفروا بالذكر الذائع، ولم تتم لهم المقاصد وتنجز الفعال الجسام ~~إلا وكان بعض الفضل لزوجاتهم ونصف العمل موكلا بنسائهم. # وإن كان التاريخ يخص بالفضل كله الرجال وتروح أسماء النساء معلقات في أذيالهم ~~متضائلات بجانب أساميهم، وتجد آخرين من أهل البطولة جبابرة العقول كانوا ولا ريب ~~ستعتريهم برودة الحياة ويقعون في الخمول وتنحط فيهم مداركهم ويسفون إلى الحضيض ويخسرون ~~الصفحة الناصعة التي أعدت لهم في سجل البررة الأخيار والنوابغ الكبار لو لم تنهض لهم من ~~جوف الأقدار ms37 سيدة أو زوجة فحملت عنهم أوزارهم وخففت بيدها البضة جراحهم، وأعدت لهم ~~الخلود مقاما عليا، ولولا أن جوزفين وقعت من حظ نابوليون وهو في نشأته الأولى وشبابه ~~الغض وبواكر عمله ونبوغه لما كان منه نابوليون الخالد الذي دوخ الغرب وثل عروش ~~الأكاسرة ورمى بلاد المغرب في شعلة حرب ظلت أعواما طويلة مشبوبة لا تخمد سعيرها؛ حتى ~~لكأنما كانت جوزفين وهي بعيدة عن زوجها بونابرت الشاب المتوقد النشاط وهو في ميدان ~~القتال يرسم الخطط للمعارك، ويضع الطرائق للمواقع هي التي توحي إليه بالوحي، وهي التي ~~ترسم بيده صور القتال وهي التي تجري ريشته على الخرائط في ميدان النزال. # وكانت جوزفين هي التي أحرزت الوقائع الأولى أشباه مارنجو وأخواتها حتى كتبت لزوجها ~~النصر ورفعته إلى مقام الإمبراطور، فلما بشم نابوليون بالسلطان وبلغ الذروة من العظمة ~~وواتاه جميع ما أراد وتحقق له جميع ما اشتهى قامت برأسه نزوة من النزوات الطائشة وتلجلج ~~بخاطره رأي غير صالح؛ إذ مد عينه إلى جعل الإمبراطورية الفرنسية إرثا من بعده، وود لو ~~أنه رزق بغلام حتى يكون وريث تلك الدولة وشبل ذاك الأسد، فطلق زوجته جوزفين تلك الروح ~~العالية التي كانت تمتزج بروحه وتوحي إليها أسمى ضروب الوحي، وهي التي كانت تدفع بها ~~إلى النصر وتكتب لها الفخر، فلما فعل ذلك لم يلبث الحظ أن أدبر عنه وتنكر له القدر؛ إذ ~~انطفأ ذلك السراج الذي كان يضيء له الشبهات وأفل من سماء حياته ذلك الكوكب الذي كان ~~يدلج على ضيائه في الملمات، فما أغنت عنه ماري لويز النمسوية ولا سدت مسد جوزفين ولا ~~أرسلت إليه رسل الإلهام مثلها، بل انقطع عنه وحي العظمة وخسر بعد دولته الكبرى جوزفين ~~العظيمة دولته الدنيوية فرنسا المجيدة. # من هذا تعلم أن العظماء لا يزالون بحاجة إلى أزواج نوابغ ونساء على خلق عظيم، وأن ~~الزوجة الذكية للزوج النابغة هي اللازمة الأولى والمطلب الأكبر، وأن طائفة من العظماء ~~لم تمنحهم الطبيعة هذه المنحة ولم تحبهم بهذه الهبة، بل رزقوا بنساء شريرات أو زوجات ms38 ~~غير صالحات فكن لهم الويل العظيم وفقدوا من جرائهن النعمة الكبرى ففسدت أذهانهم وقتلت ~~عظمتهم، وخسرت الإنسانية شيئا كثيرا مما كانت به ولا ريب ظافرة لو أنهم نجوا من تلك ~~الشقوة النكراء. ولا نذكر الناس بحديث سقراط وزوجه فقد كانت السوأة الملعونة في حياته، ~~وكانت شقاءه وكانت مصيبته ونكبته. ~~••• # إذا وعيت جميع ذلك فاعلم أن المترجم به من صفوف أولئك العظماء الذين منحتهم القوة ~~الإلهية ما منحت به من قبله من هداة الإنسانية وأعني به الزوجة الصالحة، فقد تزوج يوم ~~كان قاضيا في الاستئناف سليلة بيت من أكبر بيوتات الشرف وكريمة بيت من بيوت الوزارة، ~~وسيدة من ربات الذكاء الراجح والعقل الخصيب والخلق الكريم، وهي بنت الوزير الطائر ~~الذكر مصطفى فهمي باشا. # رباها أبوها الشيخ الوقور على خير ما يربي العظماء بناتهم، وأدبها أحسن تأديب ~~وأنشأها نشأة النبلاء فهي تعرف اليوم الفرنسية والعربية والتركية، وهي بعد كل هذا شريكة ~~زوجها في عواطفه وقرينته في مشاعره وإخلاصه لأمته ومشاطرته في حميته وآماله وعلالاته، ~~وقد كان أهل المغرب يرمون المرأة الشرقية بالجهل، ويقرفونها بالجمود ويتخذون من كلمة ~~«الحريم» معنى الموت في البيت، والقبر في الخدر ويتفاخرون على نسائنا نحن المشارقة ~~بنسائهم معشر المغاربة، ويعتزون بمدنياتهم وآرائهم ويزهون بأن المرأة الغربية هي ~~الوحيدة في بلاد الدنيا التي تشارك الرجل في عواطفه وتنادي بمبادئ المدنية وتسهم في ~~مطالب الحضارة، وتتطالب بالحرية وتشعر في جوانبها الوطنية على أن المرأة المصرية قد ~~راحت اليوم لا تقل عن نساء الغرب في شرف عواطفها ونبل مطالبها، وقد نهضت اليوم تشارك ~~الرجال في أسمى نهضات الشعوب وتشاطرهم أمانيهم القومية، وكانت زوج المترجم به في رأس ~~تلك النهضة وعلما من أعلام النساء في هذا البلد وروحا عالية تجري وروح زوجها العظيم ~~في منحى واحد وتماشيها في سنن عال شريف، وقد اعتقل زوجها فكانت على ثبات عظيم وقامت ~~بأعبائه بما لا ينهض به أعاظم الرجال، وكانت معبدا تخشع عنده نفوس الأمة، وكانت منارة ~~عليا ترسل ضوءها السني على الحياة المصرية، وقد ms39 كانت تلقى الوفود بالتشجيع والحمية حتى ~~أعلنت أنها تتنازل عن جميع حجرات قصرها لزعماء النهضة وأبطال الفكر، وتقتنع من تلك ~~الدار الفسيحة بحجرة صغيرة في سطح البيت، وتلك دلائل بينة على تلك النفس العالية ~~والمشاعر السامية والنزعة الحارة المخلصة التي تجري في فؤاد تلك السيدة العظيمة قرينة ~~بطل النهضة المصرية الكبرى. # | كلمات مأثورة لصاحب المعالي سعد زغلول باشا # ماهية الجمعية التشريعية ووظيفتها # الجمعية التشريعية قوة في ذاتها بقطع النظر عن أشخاص رئيسها وأعضائها، وعن ~~اجتماعها وعدم اجتماعها، فهي موجودة دائما قبل الانتخابات وبعدها، وفي حالتي ~~حلها وقيامها؛ لأن الذي أوجدها هو الأمر العالي الصادر بها لاجتماعها وتأليفها، ~~فليس للحكومة أن تغفل وجودها الذاتي، وأن لا تعتبر إلا وجودها الخارجي فتصدر ما ~~تشاء من القوانين قبل اجتماعها بناء على أنها غير موجودة. # إذا صدر قانون بدون أخذ رأي الجمعية مهما كان مفيدا في ذاته ففائدته لا ~~تمنعنا من الاحتجاج عليه؛ لأن الذي يبرر وضع القوانين ليس هو وجود الفائدة فيها ~~فقط، بل الذي يبررها أن تكون صادرة بالشكل القانوني، ولا فائدة لدينا أعظم من ~~أن نحترم وتحترم قوانيننا. # إن كانت الحكومة تريد أن تكون الجمعية مكتب تسجيل لقوانين الحكومة وأوامرها ~~فأنا بصفتي مصريا محبا لبلادي أفضل أن لا يكون لمثل هذه الجمعية أثر في هذا ~~الوجود. # بدلا من أن يقال ما هي الفائدة العملية المترتبة على المعارضة في أمر لا ~~تفيد المعارضة فيه يجب أن يقال ما هي الفائدة المترتبة على وجود الجمعية ~~التشريعية، والجواب عن هذا السؤال هو الجواب عن ~~ذاك. # نعم إن حق الجمعية في التشريع حق ضعيف جدا كما تقولون؛ ولهذا نحن نسترحمكم ~~يا حضرات النظار أن لا تزيدوه بقوتكم ضعفا على ضعفه. # لو كنتم مسؤولين أمامنا كما تسأل الحكومات في أوروبا أمام برلماناتها ~~لحاسبناكم على أعمالكم، ولكننا قوم ضعاف لم يقسم لنا من الحظ ما قسم للأقوام ~~الأقوياء فكل ما نستطيع أن نقوم به أمامكم هو أن نسألكم لا أن نحاسبكم. # أعطونا برلمانا مثل برلمانات أوروبا يكون ms40 له الكلمة الأخيرة في كل شيء ونحن ~~نقبل أن يكون في يدكم من السلطة ما تشاءون. # سمعت أن جناب اللورد كتشنر غير راض عن الجمعية التشريعية، ولكني لا أعتقد أن ~~هذا الاستياء سيدفع به إلى نصح حكومته باتخاذ إجراءات غير شرعية ضدها؛ لأن كل ~~ما سيقدمه من الأسباب أن الجمعية لا تتفق في الرأي أحيانا مع الحكومة، ومثل ~~هذا السبب لا يعتبر كافيا في نظر أحرار الإنكليز الذين هم أعرف الناس ~~بالمبادئ الدستورية، وبأن الهيئة النيابية التي تدافع عن حقها وحقوق الأمة التي ~~أنابتها عنها تؤدي واجبها. # لا بد من وضع حد لهذه الحالة إما بحل الجمعية وإما بترك التهديد بحلها ~~لتستطيع أن تتفرغ لعملها وتؤدي وظيفتها. # واجبات الأعضاء نحو أنفسهم # أنا في الجمعية التشريعية المترجم الأمين عن شعور الشعب المصري في مصلحته ~~المحضة. # خطتي مع الحكومة تأييدها إذا أصابت والتفاهم معها إذا أخطأت، ومع الأمة البحث ~~عن حاجاتها وتعرف رغباتها ومشاورة ذوي الرأي فيها، ومع زملائي احترام آرائهم ~~والتضامن معهم في السعي لكل ما فيه خير عام. # إنني رجل قد وضعت تحت تصرف أمتي عقلي واختباري وبياني، فإن استفادت الأمة من ~~عملي فذلك ما يجعلني سعيدا، وإلا فهو واجب قد أخذته على نفسي فأنا أقوم به ~~لأريح ضميري. # إننا إن لم نحافظ على الصدق والأمانة في جميع أعمالنا ضعنا وضاعت آمال الأمة ~~فينا. # لا عيب علينا في الرجوع إلى الحق متى ظهر لنا؛ لأننا ما جئنا هنا لندافع عن ~~أنفسنا وأنانيتنا بل لندافع عن الحق ونؤيده. # أنا لا أستعمل نفوذ أي اسم كان للحصول على أي غاية كانت، وإن سمو الأمير ~~وجناب اللورد كتشنر يعلمان حق العلم أني لست آلة في يد أحد غير نفسي. # نعم نحن لسنا بأوصياء على الأمة بل وكلاء عنها ولكنا وكلاء أمناء فيجب علينا ~~أن نؤدي لأمتنا الأمانة كما أخذناها منها. # لا يفوتنكم أن تحتجوا على كل أمر ترون أن فيه مخالفة للقانون مهما كان صغيرا ~~في نظركم، فربما كان لهذا الأمر الصغير علاقة ms41 في المستقبل بأمر كبير فيتخذ ~~سكوتكم في هذا حجة عليكم في ذاك . # لسنا هنا في مقام مصالحات وإنما هي حقوق نعتقد أنها لنا فيجب أن نطالب بها ~~كما هي وأن نأخذها كذلك، أما التجزئة فخديعة يراد بها ضياع الحق بجملته. # واجبات الأعضاء نحو الحكومة # يجب أن لا نكون ملوكيين أكثر من الملك. # الحق فوق القوة والأمة فوق الحكومة. # إن الحكومة ما جاءت هنا لتسألنا عن رأيها هي بل عن رأينا نحن، فيجب أن نعطي ~~لها آراءنا لا آراءها. # ليس للحكومة أن تغضب كلما قلنا لها إنها مخطئة، فإننا ما جئنا هنا إلا ~~لننبهها على خطئها. # تقول الحكومة: إني لا أتنازل عن رأيي، فلتقل كما تشاء فإن قولها هذا لا ~~يمنعنا من أن نقول لها: نفذي مشروعك كما شئت وتمسكي به كما أردت فهذا حقك الذي ~~خولك إياه القانون، ولكن لا تنتظري منا أن نشترك معك في هذه المسؤولية، فاعملي ~~عملك وعليك وحدك مسؤولية ما فعلت. # واجبات الحكومة نحو الجمعية # إن الحكومة قد حفظت لنفسها كل شيء فلتتركنا على الأقل نتمتع بإبداء آرائنا ~~ولا تغلبنا على هذه البقية الباقية لنا. # لتسلك الحكومة في مناقشتنا طريق الحجة والبرهان حتى إذا تنازلنا لها عن شيء ~~نكون متنازلين عنه بطيب خاطر وارتياح نفس، لا أن تلزمنا بما لها من القوة ~~والسيطرة أن نسلم لها آراءنا مقهورين مغلوبين. # نحن يا حضرات النظار لا حول لنا ولا قوة، فالقوة في يدكم والحول لكم، ونحن لا ~~نملك إلا كلمة الحق ننطق بها أمامكم، فهل تريدون أيضا أن لا ننطق بكلمة الحق؟ ~~إن هذا شديد جدا لا يحتمله منكم أحد. # إن الحكومة لم تحتكر الصواب لنفسها فلا ينبغي لها أن تستنكر منا مخالفتنا لها ~~في رأيها، بل إن وقوع الخلاف بيننا وبينها لازم من لوازم وجودها معنا وعرضها ~~مشروعاتها علينا، بل إنها في حاجة إلى وقوع ذلك الخلاف؛ لأنه هو الذي يكشف لها ~~الصواب فيما يلتبس عليها وجه الصواب فيه من أعمالها ويوصلها إلى الحقيقة التي ~~تنشدها. # يهاجموننا ms42 فإذا حركنا أيدينا للدفاع عن أنفسنا قالوا: إنكم مشاغبون ومشاكسون ~~فيا للعجب ! أيكون مكدرا للماء من يجلس بجانبه ليذود عنه من يريد تكديره، ولا ~~يكون مكدرا له من يلقي فيه التراب والأحجار؟ # نحن قوم هادئون جدا لا تحدثنا نفوسنا بفتنة ولا ثورة، وقد تخالج نفوسنا في ~~بعض الأحيان أفكار نضطر إلى الإفصاح عنها من حيث لا نريد بها سوءا ولا شرا، ~~فليس للحكومة وهي أعلم بمقاصدنا ونياتنا أن تتسرع بوصف أفكارنا بأنها أفكار ~~ثوروية؛ لأن ذلك ربما يسوق بنا وبها إلى أمور تكون هي أول النادمين ~~عليها. # واجبات الحكومة نحو الأمة # إنا إذا احترمنا أمرا للحكومة نحترمه لأنه نافع للأمة لا لأنه صادر من تلك ~~القوة المسيطرة. # لا يجوز للحكومة بصفتها حكومة أن تقول لنا: إما أن تقبلوا هذا القانون على ~~علاته وإنما أن تقبلوا على ما أنتم عليه؛ لأن الواجب عليها بصفتها هذه أن تسهل ~~الصعاب التي تعترض في طريق الأمة لا أن ترضى ببقائها قائمة في وجهها. # لو كان ما تدعيه نظارة المعارف صحيحا من أنها تخدم العلم في البلاد لكان ~~لديها الآن العدد الكافي من العلماء للقيام بجميع وظائف التعليم ولم تكن في ~~حاجة لأن تجلب من الخارج في كل عام هذا الجم الغفير من المدرسين بسبب أن العلم ~~الصحيح لم يوجد بيننا حتى اليوم. # لقد أصبح من الصعب جدا على الإنسان في هذا العصر أن يجد سبيلا إلى العيش ~~إلا إذا كان حاصلا على درجة خاصة من العلم، فيجب على الحكومة أن تساعد الأفراد ~~على أن يتعلموا ليعيشوا، فإن لم تفعل ذلك كانت مقصرة في النظر في شئون ~~رعيتها. # مركز الوزارة في الجمعية # لا قيمة لتصريحات الحكومة بيننا إلا إذا أرادت بها التنازل عن حق من حقوقها، ~~أما تصريحاتها التي تريد بها أن تسلبنا حقا من حقوقنا فلا قيمة لها عندنا ~~مطلقا. # إن تصريح الحكومة بشيء يتضمن سلب حق من حقوق الجمعية هو بمثابة أمر تصدره ~~مملكة قوية إلى مملكة ضعيفة بجانبها بإضافة جزء من أملاكها ms43 إليها، فكما أن تلك ~~المملكة لا يهمها أن تحفل بمثل ذلك الأمر كذلك نحن لا نعتد بمثل هذا ~~التصريح. # ليس بصحيح أصلا أن رئاسة الجمعية التشريعية في يد الحكومة وأن رئيس الجمعية ~~مندوب الحكومة بيننا، واعتقاد ذلك خطأ محض واستنتاج باطل، فليس للرئيس أن يتلقى ~~في إدارة رئاسته أوامر إلا من الجمعية نفسها، ولا في إبداء رأيه أوامر إلا من ~~الله وذمته. # ليس للحكومة مطلقا بصفة كونها حكومة أن تتداخل بوجه من الوجوه في وضع ~~لائحتنا الداخلية، وإنما يجوز للنظار أن يبدوا فيها آراءهم بصفتهم أعضاء ~~الجمعية لا أعضاء الحكومة. # مركز الوزير في وزارته # رب فعل يصفه الوزير وهو في مركزه السياسي بأنه ثوروي ولو كان في مركز القضاء ~~لأزعجه أن يوصف هذا الفعل بمثل هذا الوصف. # اعترف أني وأنا وزير قد عملت بحسن نية وإخلاص عملا لو عرض علي اليوم لكنت ~~أول المعارضين فيه، فقد عرض علي قانون المطبوعات فعارضت فيه أولا ثم لم ألبث ~~أن وافقت عليه واشتركت في تطبيقه لظروف بررتها في ذلك الوقت أمام نفسي وها أنا ~~اليوم نادم على ما فعلت بالأمس. # كنت قاضيا وكنت وزيرا وها أنا اليوم عضو بينكم في الجمعية التشريعية، وأحس ~~من نفسي بأن شعوري كان يختلف باختلاف تلك المراكز جميعها، وأني ربما كنت أرى ~~الرأي في حالة ثم أرى غيره في حالة أخرى، ومع ذلك فقد كنت حسن النية في جميع ~~الحالات، فلا تهولنكم أشخاص الوزراء ولا الفضل الذي تعرفونه فيهم فقد تتغلب ~~عليهم مراكزهم فيعملون بحسن نية ما يظنون أن فيه فائدة للأمة وهو ليس ~~كذلك. # آراء في التشريع # يظهر لي أن العدالة الحقيقية لم توجد حتى اليوم في أي قانون من قوانين ~~العالم، وإنما تتفاضل القوانين فيما بينها بالعدالة النسبية. # كل شريعة تؤسس على فساد الأخلاق فهي شريعة باطلة. # لا أجيز التحكم في ضمائر القضاة، بل أرى أن تترك لهم الحرية ليحكموا بحسب ~~زعمهم واعتقادهم. # ليس للحكومة أن تقول إني وضعت هذا القانون لجواز أن يحصل كيت وكيت، ms44 وليس لنا ~~أن نوافق على قانون مبني على الجواز والاحتمال؛ لأنها أبداننا وأرواحنا التي ~~يراد التصرف بها في هذه القوانين. # من الخطر العظيم على العدالة أن تستسهل الحكومة وضع القوانين الاستثنائية ~~كلما خطر في بالها أن تفعل ذلك. # لأجل أن يعدل قانون من قوانين العقوبات يجب التحقق أولا من أن العقوبة التي ~~نص عليها فيه قد أصبحت غير صالحة بعد بذل جميع الوسائل في ذلك. # لا تصدقوا أن هناك قاعدة يرجع إليها القاضي في تقدير العقوبة أو أن هناك ~~ميزانا توزن به الجزاءات، وإنما هي أمور اجتهادية يلهم بها القاضي ~~إلهاما. # لا يجب أن ننقاد لعواطفنا فننظر لمصلحة المتهم فقط عند وضع أي قانون من ~~قوانين العقوبات، بل يجب أيضا أن ننظر لمصلحة العدالة والهيئة الاجتماعية التي ~~هي جزء منها. # إن القاضي بصفته قاضيا هو عادل، أما مجلس النظار فاليوم الذي يصبح فيه محكمة ~~يكون محكمة عرفية أو محكمة مخصوصة أو محكمة إدارية، ونحن لا نثق بأحكام تلك ~~المحاكم. # السياسة إما أن تكون مضرة بالأمن العام فها هو القضاء يتولى الفصل في جرائمها ~~وإلا فهي مباحة للأفراد فلا فائدة من اتخاذ حيطة جديدة لها، وقوانيننا الجنائية ~~والحمد لله كفيلة بمعاقبتنا على كل شيء حتى على خواطرنا التي تختلج في نفوسنا ~~بل على أفكارنا التي ربما نفتكرها في المستقبل. # لا بد من إعطاء فرصة للجاني حتى يتمكن من النزوع والتوبة، وكل قانون يوقع ~~اليأس في قلب الجاني من أن يتدارك في غده ما فرط فيه في أمسه قانون ~~ظالم. # إني أقبل أن أحاكم أمام قاض صغير من قضاة المحاكم الجزئية في شرفي وعرضي ~~ومالي خير لي من أن أحاكم أمام ذلك المجلس الكبير مجلس النظار في أهون الأشياء ~~وأصغرها؛ لأن أعضاءه وإن كانوا بصفتهم الشخصية رجالا قانونيين ولكنهم قبل ذلك ~~رجال سياسيون، وأخشى أن تتغلب فيهم صفة السياسة على صفة العدالة، والسياسة ~~كثيرا ما تدوس الحقوق والواجبات. # الحرية وحدودها # كل أمر يقف في طريق حريتنا لا يصح أن نقبله مطلقا مهما ms45 كان مصدره عاليا ~~ومهما كان الآمر به. # كل تقييد للحرية لا بد أن يكون له مبرر من قواعد الحرية نفسها وإلا كان ~~ظلما. # قد عاهدت الله مذ نشأت على أن أصرح بما في ضميري وهذه هي لذتي في ~~حياتي. # الصحافة حرة تقول في حدود القانون ما تشاء وتنتقد ما تريد، فليس من الرأي أن ~~نسألها لم تنتقدنا، بل الواجب أن نسأل أنفسنا لم نفعل ما تنتقدنا ~~عليه. # نحن نحب الحرية ولكنا نحب أكثر منها أن تستعمل في موضعها. # جميل جدا أن يقال لا تحجروا على الناس ولا تقيدوا حريتهم، وإنها لنغمة ~~لذيذة يحسن وقعها في الأسماع والقلوب، ولكنا لا نريد الحجر على الناس ولا تقييد ~~حريتهم بل نريد حماية الحق وصيانته من أن يتمتع به غير صاحبه من حيث يحرم منه ~~صاحبه. # قالوا إني أقصد من المعارضة الحصول على مركز سام في الحكومة وليس ذلك بصحيح ~~لأني أعلم أن معارضتي وشدتي فيما مضى كانت هي السبب في بعدي عن تلك المراكز ~~السامية، فلا يمكن أن أتخذها اليوم وسيلة للحصول عليها، على أن أعظم مركز تطمح ~~إليه نفسي هو مركزي الذي أنا فيه اليوم؛ لأنه المركز الذي أستطيع أن أتمتع فيه ~~أكثر من غيره بالحرية التامة في إبداء آرائي التي أراها في مصلحة بلادي. # التمسك بالمبدأ # سواء لدي نجحت أم لم أنجح فإني لا أخطب في الجمعية التشريعية وحدها بل في ~~الأمة جميعا، ولا أخاطب الحاضر وحده بل المستقبل أيضا. # إني أفضل أن أكون عضوا بسيطا في جمعية تحافظ على حقوقها وتحترم كرامتها من ~~أن أكون وكيلا أو رئيسا لجمعية تتهاون في حقوقها ولا تحفظ كرامتها. # إنني رجل قد وطدت نفسي على الدفاع عن الحق، وأن أتحمل فيه كل مكروه ولو كان ~~آتيا من الذين أدافع عنهم. # نحن قوم مسالمون لا مشاغبون فإذا اشتددنا نشتد لأن الحق يطلب منا ذلك، وإذا ~~سلمنا نسلم تسليم الأحرار لا تسليم العبيد. # لم أرسم لنفسي في الجمعية خطة معارضة الحكومة ولا مسالمتها، وإنما رسمت خطتي ms46 ~~مع الحق نفسه، فإن رأيت أن الحكومة تؤدي واجبها حق الأداء وتقوم بالمسئولية ~~الملقاة على عاتقها نحو الأمة حق القيام كنت أول المسالمين لها والواقفين ~~بجانبها، وإن رأيت أنها تعمل على خلاف ذلك وهو ما لا أريد تصوره فإني لا أتردد ~~في أن أكون أول المعارضين لها. # نحن لا نريد مطلقا غلبا أو بغيا ولكنها حقوق أعطيت لنا ولا بد لنا من ~~المطالبة بها فلا يحل للحكومة أن تسمي المطالبة بالحقوق مشاغبة أو معاكسة؛ لأن ~~هذا حرام عليها وبعيد عن قصدنا. # ليست وظيفتي أن أرضي بكلامي بل وظيفتي أن أقول ما يجيش بصدري وما أراه نافعا ~~لبلادي ولا شأن لي بعد ذلك بالغضب أو الرضا. # احترام القانون # نعم أمر الرئيس ولكن القانون قد أمر أيضا وهو الذي يجب أن يطاع. # يجب أن ننقاد للقانون وأن لا نعتبر الانقياد إليه مهانة ومذلة بل عزا ~~وشرفا. # من أراد أن نخضع له ونذعن إليه ونتجرد أمامه من قوتنا وشجاعتنا فليس بيننا ~~وبين الوصول إلى ذلك إلا أن يعمل عملا واحدا فقط، وهو أن يحترم الحق والقانون ~~فنخر له صاغرين. # إن كانت الحكومة تريد أن نكون في صفها مدافعين عنها فما عليه إلا أنه تتبع ~~الحق والعدل وتحترم القانون. # أخلاق وآداب # يعجبني الصدق في القول والإخلاص في العمل وأن تقوم المحبة بين الناس مقام ~~القانون. # يقولون لنا إنكم لا تستطيعون أن تصلوا إلى الكمال التام، نعم ولكن ذلك لا ~~يمنعنا من أن نعمل لنصل إلى الكمال الممكن. # كم من رأي يسمعه العاقل فيراه مخالفا كل المخالفة لما قام في نفسه، بل ربما ~~اعتقد أنه رأي سخيف أو ساقط أو مستهجن، ومع ذلك فلا يرى بأسا في أن يصغي إليه ~~ويحترم قائله ويجادله بالتي هي أحسن، وكذلك يجب أن يكون شأننا فيما بيننا وشأن ~~الحكومة معنا. # إن من الناس ناسا إذا رأوا ضاربا يضرب ومضروبا يبكي قالوا للباكي لا تبك ~~قبل أن يقولوا للضارب لا تضرب وهو منتهى ما يتصور من الظلم والحيف. # الذي يلزمنا ms47 أن نفاخر به هو أعمالنا في الحياة لا الشهادات التي في ~~أيدينا . # لا يكفي أن يتخرج التلميذ من المدرسة لينال الثقة بين الناس، بل لا بد له أن ~~يتعلم أيضا في مدرسة العالم لينال الثقة العامة التي يريدها. # كلما كان الشيء واضحا كان البحث فيه موجبا لغموضه، وإذا أردنا أن نحدد معنى ~~الضوء والظلام انتهى بنا الأمر إلى أن لا نعرف معناها. # ما أنا بسباب ولا شتام وإني أقر واعترف بأني لا أملك في هذا الميدان قوة ~~أستطيع بها أن أقاوم أضعف إنسان. # يجب أن نعترف بأنا نتفاضل فيما بيننا وإن كنا في الاعتبار القانوني ~~سواء. # نحن لسنا محتاجين لكثير من العلم ولكنا محتاجون لكثير من الأخلاق ~~الفاضلة. ms48