######OpenITI# #META# URI: 1378CabbasHafiz.CyranoDeBergerac.Hindawi71619149 #META# Tags: plays #META# ID: 71619149 #META# Title: سيرانو دي برجراك #META# AuthorID: 37160493 #META# Author: إدموند روستان #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 74930641 #META# Translator: عباس حافظ #META# Related_books: 1337EdmondRostand.CyranoDeBergerac (TRANSL) #META#Header#End# # أشخاص الرواية‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # أشخاص الرواية‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # | سيرانو دي برجراك # | سيرانو دي برجراك # تأليف # إدموند روستان # ترجمة # عباس حافظ # | أشخاص الرواية # سيرانو دي برجراك. # كريستيان دي نيفييت. # الكونت دي جيش. # راجينو. # لوبريه. # الكابتن كاربون بون دي كاستل جالوه. # الغساقنة. # لينيير. # دي فلفير. # ماركيز - ماركيز آخر - ماركيز ثالث. # مونفليري. # بلروز. # جودوليه. # كويجي. # دار تانيان. # بريساي. # الأخت مارتا: # الراهبة. # ليزا: # زوجة راجينو. # الأم مرجريت: # بائعة مشروبات ومرطبات. # الأخت كلير. # ممثلة. # وصيفة. # بائعة زهر ... إلخ - راهبات، ونساء كثيرات. # آخرون: # فضولي - جندي - جندي آخر - ضابط إسباني - فارس - بواب - رجل من الشعب - ولده ~~- متفرج - نشال - جندي حراسة - عازفان على الناي - قسيس - شعراء - عمال في محل ~~حلواني - كومبارس عديدون - روكسان. # | الفصل الأول # حفلة تمثيلية في فندق بروغونيا # بهو في فندق بروغونيا سنة 1640، أشبه بملعب لكرة المضرب «التنس»، وقد زخرف وأعد للحفلات ~~التمثيلية. # والبهو مستطيل بانحراف بحيث يبدو المسرح كالقطاع المائل، وقد صفت على جانبي المسرح ~~الأرائك، وستار المسرح من شقين من قماش مزخرف، تنفرجان عن المسرح حين يبدأ التمثيل، وقد ~~علقت فوقهما الشارة الملكية، ومنها ثوب المهرج، وثمة درج عريض يؤدي إلى خشبة المسرح، صفت ~~على جانبيه مقاعد فرقة الموسيقى، وصف من الشموع. # وهيئت أماكن للنظارة على جانبي البهو صفا من خلف صف، خصص أعلاها للمقصورات، أما أرض ~~البهو التي تؤلف المسرح ذاته فلم يكن عليها مقاعد. # وفي نهاية المسرح - أي إلى اليمين من المقدمة - عدد من المقاعد تؤلف درجا، وتحت إحدى ~~الدرجات المؤدية إلى المقاعد العالية، حيث لا يرى منها إلا المقاعد السفلى، شيء يشبه المقصف ~~ازدان بالمصابيح البراقة، وأصص الزهر، والأقداح البللورية، والصحاف الملأى بأنواع الحلوى، ~~والفطائر، والأباريق. # ويقع مدخل المسرح في الوسط من مؤخرته تحت صف المقصورات، وهو باب كبير وقد فتح قليلا ~~ليدخل منه المشاهدون، وقد وضعت على واجهتيه الزجاجيتين، وفي أركان عدة، وفوق المقصف، وفي ~~أماكن أخرى إعلانات حمراء عن المسرحية التي ستمثل تلك ms001 الليلة «كلوزير». وعند رفع الستار ~~يبدو البهو مظلما تقريبا، وخلوا من الناس والمصابيح مدلاة وسطه تنتظر الإضاءة ... # المشهد الأول ~~(أخذ النظارة يتقاطرون قبل موعد التمثيل، وارتفعت جلبة خارج باب ~~البهو، واختلت الأصوات: فرسان، وأناس من الطبقة المتوسطة، وخدم، وعازفون - الماركيز ~~كويجي - بريساي، وغيرهم.) ~~(يدخل أحد الفرسان مسرعا غير آبه باعتراض الملاحظ الواقف ~~بالباب.) # الملاحظ ~~: # أين تذكرتك يا هذا؟ # الفارس ~~: # أنا داخل من غير تذكرة. # الملاحظ ~~: # ولماذا؟ # الفارس ~~: # أتسألني لماذا ...؟ أنا من رجال سلاح فرسان الملك. ~~(يدخل فارس آخر.) # الملاحظ ~~: # وأنت؟ # الفارس الثاني ~~: # أنا لا أدفع شيئا. # الملاحظ ~~: # ولم؟ # الفارس الأول ~~(لزميله) ~~: # ما أظن الرواية تبدأ قبل الثانية بعد منتصف الليل، والبهو خال من الناس ... ~~فتعال نتجالد بالسيف لقضاء الوقت ~~(يتجالدان) ~~. # أحد خدم القصور ~~(يلمح صاحبا له قد استبقه إلى القاعة) ~~: # أهذا أنت يا فلانكن؟ # الآخر ~~(وقد دخل في تلك اللحظة) ~~: # وهذا أنت يا شامبان! # الأول ~~(وهو يطلع من صداره أوراق اللعب، ويجلس على الأرض) ~~: # أتلاعبني؟ # الآخر ~~: # أنا لك ... فهلم! # الأول ~~(يخرج بقية شمعة فيشعلها، ثم يثبتها فوق الأرض) ~~: # لقد جئت بهذه الشمعة لأستضيء على حساب المولى الذي أخدمه. # جندي ~~(لبائعة زهور) ~~: # إنه لكرم منك أن تحضري قبل إضاءة الأنوار ~~(يعانقها) ~~. # أحد الجنديين المتجالدين ~~(وقد سدد ضربة إلى غريمه) ~~: # لقد أصبتك. # أحد اللاعبين بالورق ~~(يصرخ صرخة مغلوب) ~~: # سباتي. # الحارس ~~(في أثر الفتاة) ~~: # قبلة! # الفتاة ~~: # ويحك إن الأعين ترانا. # الحارس ~~(يجذبها إلى ركن مظلم) ~~: # لا تراعي؛ فإن أحدا لا يرانا. ~~(وهنا يأتي بعض النظارة يحملون طعاما فيجلسون فوق الأرض ~~ليأكلوا.) # أحدهم ~~: # لنأكل طعامنا على مهل ما دمنا قد جئنا مبكرين. # أحد رجال الشعب ~~(وقد اصطحب ابنه) ~~: # دعنا نجلس هنا يا بني. # أحد اللاعبين بالورق ~~: # ثلاثة آس. ~~(متفرج آخر يخرج زجاجة من خلف مئزره، ويجلس فوق الأرض وهو يجرع ~~منها.) ~~- لا بأس على الشارب من جرعة يتناولها من نبيذ في فندق بورغونيا! # الرجل ~~(لابنه) ~~: # يمين الله ليخيل للمرء أنه قد دخل بؤرة لا ملهى ~~(يشير بعصاه إلى ~~السكير) # ألا ترى السكارى؟ ~~(وهنا يصطدم ms002 ~~أحد المتجالدين بالسيف، وقد أراد أن يتحامى ضربة من زميله فيصطدم ~~به) ~~: ورعاع أيضا ...! ~~(ومن أثر الصدمة ~~يقع وسط اللاعبين بالورق) ~~: ومقامرون ...! # الحارس ~~(جندي من ورائه يعاكس الفتاة) ~~: # قبلة! # الرجل ~~(يتباعد بولده) ~~: # يا لله ... أفهذا يا بني هو الملهى الذي مثلوا فيه روايات روترو؟ # الابن ~~: # وروايات كورني ... ~~(يدخل جمع من الغلمان يرقصون ويغنون، وقد تواثبوا يدا ~~ليد.) # الغلمان ~~: # ترا لا لا لا لا لا لا لا! ... # الملاحظ ~~(غاضبا) ~~: # حسبكم، ما هذه المساخر وألاعيب الحواة؟ # أحدهم ~~(بلهجة الغاضب للكرامة) ~~: # إن سوء الظن بنا ... ~~(لزميله) # أمعك خيط؟ # الثاني ~~: # وشص لصيد السمك أيضا! # الأول ~~: # فلنصد بها الشعور المستعارة من فوق رؤوس المشاهدين! # نشال ~~(يجمع حوله فتية خبثاء) ~~: # استمعوا لي يا قطاعي الجيوب، بل أعيروني آذانكم حتى ألقنكم درسا في ~~النشل. # الغلام الثاني ~~(ينادي صحابا له في أعلا المسرح) ~~: # يا هؤلاء أعندكم نبال تهلو بها؟ # الغلام الثالث ~~: # نعم، وحمص نرمي به. ~~(وانبرى يساقط عليهم حمصا.) # الفتى ~~(لأبيه) ~~: # أية رواية سيقدمون لنا الليلة؟ # الأب ~~: # كلوريز # الفتى ~~: # ومن هو المؤلف؟ # الأب ~~: # الأستاذ بالتزار بارو. إنها مسرحية رائعة! ~~(يقف خلف ~~كتف ابنه) ~~. # النشال ~~(لصبيانه) ~~: # لا تنسوا أن تقطعوا بكل خفة ورفق. # أحد النظارة ~~(يشير إلى موضع في الملهى وهو يتحدث إلى صاحب له) ~~: # لقد كنت جالسا في ذلك المكان المرتفع في الليلة الأولى لتمثيل رواية ~~«السيد». # النشال ~~(يعلم الصبيان بأصابعه حركة النشل) ~~: # هكذا تنشل الساعات. # الأب ~~(لابنه) ~~: # سنرى الليلة مجموعة طيبة من مشاهير الممثلين والممثلات. # النشال ~~(يمثل حركة النشل) ~~: # وهكذا تنشل المناديل. # الأب ~~(لابنه) ~~: # وسنرى من هؤلاء الممثلين مونفليري. # أحدهم ~~(من إحدى المقصورات) ~~: # ألا عجلتم فأضأتم الشموع. # الأب ~~: # وسنرى بلروزوليبي، ولوبريه، وجودوليه! # أحد الغلمان ~~(في قاعة المسرح) ~~: # ها قد جاءت البائعة. ~~(تظهر الفتاة التي ستتولى البيع في المقصف «البوفيه»، فتقف ~~وراءه منادية.) # الفتاة ~~: # عصير الليمون، عصير البرتقال، لبن، شراب التوت. ~~(ترتفع جلبة في الخارج، وتسمع صيحة.) # الصوت ~~: # أفسحوا أيها الأوغاد. # أحد الخدم ~~(في دهشة) ~~: # يا عجبا، حضرات الأشراف جاءوا للجلوس في القاعة مع السوقة؟ # خادم آخر ~~: # لقد ms003 وفدوا لبضع دقائق فقط! ~~(يدخل فوج من النبلاء.) # مركيز ~~(لصاحبه وقد رأى الصالة شبه خاوية) ~~: # ماذا ترون؟ ونحن داخلون هكذا كأننا جماعة من تجار الأقمشة؟ فلنتلطف في ~~دخولنا، لا نزعج القوم، ولا ندوس على أقدامهم، أف لهم، أف لهم! من ذا أرى؟ ~~ها هو ذا كويجي! وهذا بريساي! ~~(يتبادل النبلاء التحيات والعناق.) # كويجي ~~: # لقد حافظنا على الموعد؛ فجئنا قبل إضاءة الشموع. # المركيز ~~: # ولكني لا أطيق طول الانتظار. # مركيز آخر ~~: # لا بأس أيها المركيز، انتظر ها هم قد جاءوا ليضيئوا المكان؛ فلا تضق ذرعا. ~~(ويرتفع التهليل وصيحات الفرح من النظارة أن رأوا الأنوار قد ~~بدأت تضاء، وأخذوا مجالسهم استعدادا لابتداء التمثيل.) # النظارة ~~: # وافرحتاه. # المشهد الثاني ~~(يدخل شاب ذو مكانة، مضطرب البزة، مخمور هو لينيير، متأبطا ذراع ~~شاب متأنق، على الرغم من قدم هندامه.) # المركيز كويجي ~~(وهو يلمح ذلك الخليع قادما) ~~: # ها هو ذا لينيير داخلا! # بريساي ~~(وهو يضحك) ~~: # ألم يثمل إلى الآن؟ # لينيير ~~(يتقدم بصاحبه نحو النبلاء) ~~: # هل أقدمك إليهم؟ # كريستيان ~~(يهز رأسه موافقا) ~~: # أقدم إليكم البارون دي نوفييت ~~(انحناءات ~~بالتحية) ~~. ~~(يدوي المكان بتصفيق النظارة حين أضيئت الأنوار جميعا.) # الجمهور ~~: # وافرحتاه. # كويجي ~~(ينحني على صديقه بريساي، ويرنو بعينه لكريستيان) ~~: # يا له من شاب مليح. # المركيز الأول ~~(للمركيز الثاني، وقد سمع الحوار) ~~: # هراء. # لينيير ~~(يسترسل في تعريف كريستيان) ~~: # مولاي المركيز دي كويجي، ومولاي المركيز دي بريساي. # كريستيان ~~: # لي الشرف. # المركيز الأول ~~: # لست أنكر أنه وسيم الصفحة، ولكن هندامه ليس فوق أحدث الأزياء. # لينيير ~~(يتحدث إلى المركيز كويجي) ~~: # إن هذا السيد قادم من تورين. # كريستيان ~~(في أثره) ~~: # نعم، ولم يمض في باريس غير عشرين يوما أو قرابتها، وأنا غدا ملتحق بالحرس ~~بفرقة الطلبة العسكريين. # المركيز الأول ~~: # لقد وصلت الرئيسة أوبرى. # فتاة المقصف ~~: # شراب البرتقال. لبن ... ~~(الموسيقيون يصلحون الأوتار.) # كويجي ~~(ينوه بازدحام المسرح لكريستيان) ~~: # لقد امتلأ المسرح. # كريستيان ~~: # نعم، جمهور كبير! # المركيز الأول ~~: # معرض لجميع الأزياء. ~~(تدخل السيدات فيشيران إلى كل باسمها، والنساء يوزعن الابتسامات ~~ردا على التحيات.) # المركيز الثاني ~~: # هذه مدام دي جيمينيه ms004 . # كويجي ~~: # وهذه مدام بوا-دوفان. # المركيز الأول ~~: # الحسناء التي ما زالت في قلوب الجميع. # بريساي ~~: # وهذه مدام دي شافيني. # المركيز الثاني ~~: # وهي التي ما زالت تلعب بأفئدتنا سحرا وفتونا. # لينيير ~~: # انظر! هو ذا المسيو كورتي، لقد عاد من روان. # الفتى ~~(لأبيه) ~~: # أعضاء المجمع العلمي الفرنسي كلهم هنا. # الأب ~~: # إني أرى أكثر من عضو واحد: فهو ذا بودي، وهناك يواسا وكيرو، ويورشير، ~~وكولومبي، وبورزيس، وبوربون، وأردو ... ولن يموت اسم من هذه الأسماء، ما أجمل هذه ~~الفكرة! # المركيز الأول ~~: # انظر! لقد احتلت سيداتنا مقصوراتهن، فهذه بارتنوئيد، وهناك أوريميدونت، ~~وكاسانداس، وفيليكسيري. # المركيز الثاني ~~: # ما أمتع أسماءهن؛ فهل تعرفهن جميعا يا مركيز؟ # المركيز الأول ~~: # نعم كلهن. # لينيير ~~(لكريستيان في ناحية) ~~: # لقد جئت إلى هنا يا صديقي لأدخل السرور على نفسك، ولكن غادتنا لم تحضر؛ فأنا ~~منسحب لأوافي «آفتي» المحبوبة، بنت الحان. # كريستيان ~~(يتلطف إليه محلفا في إمساكه) ~~: # كلا، كلا؛ فأنت الوحيد الذي تستطيع أكثر من سواك أن تعرفني من تكون هذه ~~الغادة التي أموت في حبها، ألست شاعر البلاط والشعب معا؛ فهلا بقيت مرة أخرى؟ ~~(وفي تلك اللحظة بدأت الموسيقى الوترية ترسل أنغامها، بينما ~~ذهبت فتاة المقصف تنادي على معروضاتها.) # رئيس الفرقة الموسيقية ~~: # سادتي ~~(يرفع وتره استعدادا) ~~. # فتاة المقصف ~~: # شراب البرتقال، بقسماط. # كريستيان ~~: # أواه، أخشى أن تكون هذه الحسناء لعوبا خداعة، صعبة الإرضاء، فأين لمثلي وأنا ~~البليد الألكن الجرأة على التحدث إليها ومخاطبتها؟ إنني بلغة اليوم وأساليب ~~العصر لجاهل، ما أنا إلا جندي، وإن كنت في مواقف الحب الهيابة الوجل، لقد كانت ~~تجلس هناك في ذلك الموضع أبدا، تلك المقصورة الخاوية التي على اليمين. # لينيير ~~(يهم بالذهاب) ~~: # إني منصرف لا محالة. # كريستيان ~~(يمسك بذراعه، ويتشبث به) ~~: # عليك بالله ... إلا ما مكثت. # لينيير ~~: # لا أستطيع مكثا، إن «داسوسي» ينتظرني في الحان، والإنسان هنا يكاد يموت ~~ظمأ. ~~(وفي تلك اللحظة تمر فتاة المقصف عن كثب منهما، تحمل صينية صفت ~~عليها الأقداح من مختلف الأشربة مترعة.) # الفتاة ~~: # شراب البرتقال ... # لينيير ~~(يتأفف من سماع هذا النوع من الأشربة ) ~~: # أف! ms005 # الفتاة ~~: # أتريد لبنا إذن؟ # لينيير ~~(يبدي حركة استياء) ~~: # أف! # الفتاة ~~: # نبيذ جيد؟ # لينيير ~~(لصاحبه) ~~: # سأمكث معك لحظة أخرى فدعني أذق هذا الذي عندها. ~~(يجلس إلى منضدة المقصف. وتصب الفتاة له شرابا.) ~~(وإذا بالأصوات ترتفع على مقدم رجل بدين قزم.) # الجمهور ~~(ينادي في فرح وتهليل) ~~: # ها هو ذا راجينو ... راجينو! # لينيير ~~(لكريستيان) ~~: # إنه الحلواني المشهور. ~~(وكان هذا مرتديا ثياب حلواني، فلم يكد يلمح لينيير حتى أسرع ~~إليه.) # راجينو ~~: # هل رأيت يا سيدي مسيو سيرانو؟ # لينيير ~~: # هذا حلواني الشعراء والممثلين. # راجينو ~~: # إن هذا لشرف عظيم. # لينيير ~~: # أمسك يا صاح؛ فأنت راعي الأدب والفنون. # صاحب الحان ~~: # نعم، إن أولئك جميعا يأكلون ما يشتهون عندي. # لينيير ~~(مقاطعا) ~~: # دون أن يدفعوا ... ~~(يستمر في التعريف به) ~~: وهو أيضا شاعر ~~موهوب. # راجينو ~~: # لقد قيل ذلك لي. # لينيير ~~: # وهو بالشعر مفتون. # راجينو ~~: # القول الصحيح إني أعطي في القصيدة الصغيرة ... # لينيير ~~(مستبقا) ~~: # فطيرة أو كعكة. # راجينو ~~: # بل كعيكة. # لينيير ~~: # يا له من شهم كريم، ولكن ألم تعط في مقابل قصيدة من ثمانية أبيات؟ # راجينو ~~(معاجلا) ~~: # أقراصا صغيرة من الخبز. # لينيير ~~(محتدا) ~~: # بالزبد، والمسرح ألا تحبه؟ # راجينو ~~: # إلى حد الهيام. # لينيير ~~: # وتدفع ثمنا لدخولك المسرح عملة من الفطير والحلوى؟ قل لنا فيما بيننا: كم ~~يكلفك الدخول؟ # راجينو ~~: # أربع قراقيش بالسكر، وخمس عشرة فطيرة رقيقة صغيرة ~~(يدير في المكان عينيه) ~~. أليس مسيو سيرانو هنا الليلة؟ إن هذا ~~لغريب. # لينيير ~~: # وما وجه الغرابة فيه؟ # راجينو ~~: # لأن مونفليري سيمثل! # لينيير ~~: # هذا صحيح، فإن هذا البرميل سيظهر في دور «فيدون» ... ولكن ما شأن سيرانو ~~به؟ # راجينو ~~: ~~.كيف؟ ألم تعلم النبأ ... إن سيرانو يضمر له أشد الكراهية، وقد حرم عليه الظهور ~~على المسرح شهرا كاملا # لينيير ~~(يجرع القدح الرابع) ~~: # وما رأيك إذن؟ # راجينو ~~: # رأيي أن مونفليري لن يمثل. # المركيز كويجي ~~(يقترب من جماعته) ~~: # ولكن ليس في وسعه أن يمنعه. # راجينو ~~: # ليس في وسعه؟ هذا ما جئت لأراه! # المركيز الأول ~~: # ومن يكون سيرانو هذا الذي تتحدثون عنه؟ # المركيز كويجي ~~: # فتى حاذق لجميع فنون السيف. # المركيز الثاني ms006 ~~: # وهل هو من النبلاء؟ # كويجي ~~: # هو في عدادهم؛ وهو ضابط صغير في فرقة الحرس ~~(يشير ~~إلى رجل من الأشراف يروح ويغدو في القاعة كمن يبحث عن شخص معين) # هو هو ذا صديقه «لوبريه» قادم نحونا، فاسألوه عنه، إنه بأمره العليم الخبير، ~~(يناديه) # لوبريه، ~~(لوبريه يدنو منه) # أتبحث عن دي برجراك؟ # لوبريه ~~: # نعم، وإني لقلق. # كويجي ~~: # أليس حقا أنه من أفذاذ الناس؟ # لوبريه ~~(بحنان) ~~: # الحق أنه بدماثة أخلاقه، ورقة حواشيه يفضل كل من تظلهم السماء. # راجينو ~~: # شاعر! # كويجي ~~: # مبارز بالسيف! # بريساي ~~: # عالم بالطبيعيات. # لوبريه ~~: # موسيقار! # لينيير السكير ~~(وهو يغمز بعينه) ~~: # إنه لشخصية عجيبة! # راجينو ~~: # إنه لكذلك، وإني لا أعتقد أن رساما وقورا كفيليب دي شامبان سيرسم لنا صورة ~~له، ولكن سيرانو، وهو ذلك الرجل الغريب، المسرف، المتقلب الأهواء ليمد المرحوم ~~جاك كالو # 1 # بموضوع لإحدى لوحاته، هو موضوع ذلك المبارز بالسيف الذي يتخيل أنه ~~المفرد العلم بين المبارزين، والبهلول الذي يستطيع أن يثير ضحك الناس وسخريتهم، ~~المعجب بنفسه الذي يتجمل بقبعة ذات ثلاث ريشات مختلفة الألوان، ولباس ينزل من ~~الرقبة إلى الخصر، تتدلى منه ستة أطراف، وذباب حسامه يرتفع إلى أعلى من تحت ~~ردائه من الخلف كأنه ذيل الديك، أما أنفه فحدث عنه ولا حرج، إن من يقع بصره على ~~هذه العينة الأنفية لا يتملك نفسه من أن يصيح: «إن الرجل وايم الله يغالي»، ثم ~~إذا هو يبتسم، ثم يقول: «سوف يزيله»، ولكن مسيو برجراك لن يزيله قط. # لوبريه ~~(وهو يطوح برأسه إلى الخلف) ~~: # نعم يستبقيه ويشطر من تسول له نفسه بالسخرية منه شطرين! # راجينو ~~(معتزا مفاخرا) ~~: # نعم، فإن سيفه هو يد القدر ضاربة، وعلى شفير حسامه المنايا راصدة. # المركيز الأول ~~(وهو يهز كتفيه) ~~: # ولكنه لن يأتي الليلة. # راجينو ~~: # بل سيأتينا ما في ذلك شك، وأنا أراهن بدجاجة، على نسق راجينو. # المركيز الأول ~~(مستضحكا) ~~: # فليكن. ~~(همسات في الصفوف، همسات الإعجاب، وغمغمة الاستحسان لظهور ~~الحسناء روكسان في مقصورتها، وقد جلست في الصدر، ومن خلفها الوصيفة العجوز.) ~~(كريستيان في تلك اللحظة منشغلا بدفع ms007 حساب الشراب لبائعة ~~المقصف، فلم ينتبه إلى الحسناء لحظة دخولها.) # المركيز الثاني ~~(في مرح بالغ) ~~: # لله درها أيها السادة من فاتنة مرهوبة الحسن، رائعة الجمال تستبي القلوب ~~استباء. # المركيز الأول ~~: # إن من ينظر إليها يخيل له كأن خوخة تضحك مع توتة! # المركيز الثاني ~~: # وكلها صباحة ونضارة ندية بدرجة يخشى معها المقترب أن تغشى القلب قشعريرة من ~~البرد. # كريستيان ~~(يرفع بصره، فيلمحها في مقصورتها؛ فيضطرب ويمسك بذراع ~~لينيير بقوة وهو يقول) ~~: # إنها هي! # لينيير ~~(يمسكه من ذراعه) ~~: # أهي هذه؟ # كريستيان ~~: # نبئني وعجل، فإني في وجل. # لينيير ~~(يتناول جرعات من النبيذ) ~~: # مجدولين روبان المعروفة بروكسان، حسناء من ربات الأدب المتحزلقات. # كريستيان ~~: # يا ويلتا! وأنا العيي لا أبين. # لينيير ~~: # وهي غير متزوجة، يتيمة الأبوين، وابنة عم سيرانو الذي كنا اللحظة نتحدث ~~عنه. ~~(وفي تلك اللحظة يدخل في مقصورتها أحد النبلاء في ثوب رشيق، ~~يزين صدره شريط أزرق؛ فيظل واقفا يجاذبها أطراف الحديث.) # كريستيان ~~(بدهشة) ~~: # ومن هذا الذي يكلمها؟ # لينيير ~~(وقد ثمل، فجعل يغمز بعينه وهو يجيب ضاحكا) ~~: # هذا كونت دي جيش المفتون بها، وهو وإن كان متزوجا بابنة أخت أرمان دي ~~ريشيليه، يسعى في تزويج روكسان برجل حقير يدعى الفيكونت دي فلفير، عساه يظفر ~~منها، وهي ذات بعل كهذا، بما عز عليه الظفر به، وهي عذراء، ولكنها تأبى الصفقة، ~~وتستعصم من المساومة، غير أن دي جيش ذو نفوذ، وفي وسعه معاكستها؛ إذ أين لابنة ~~رجل من عرض الناس، بلا نسب ولا لقب أن تقاوم رجلا في مثل نفوذه، ولقد عرضت ~~لهذه المحاولة الماكرة بالتورية، والاستعارة، والكناية في قصيدة لي من الشعر ~~الغنائي، وأحسبه الآن علي واجدا، وقد كان مقطع القصيدة في الصميم ... ألا تسمع ~~ماذا قلت؟ ~~(وتحامل لينهض؛ فترنح، ورفع القدح إليهم بالإنشاد.) # كريستيان ~~: # لا ضرورة ... لا ضرورة ... طاب مساؤك. # لينيير ~~: # إلى أين؟ # كريستيان ~~: # إلى مسيو دي فلفير. # لينيير ~~: # حذار؛ فإنه هو ولا ريب قاتلك ~~(يوجه نظر كريستيان ~~إلى روكسان بطرف خفي) # يالله، اثبت في مكانك إنها تنظر إليك! # كريستيان ~~: # هذا صحيح. ~~(ظل ms008 كريستيان غارقا في تأملاته بأعين مفتوحة، ورآه جماعة ~~النشالين على تلك الحال، فاغر الفم مشدوها، متطلعا إلى المقاصير ببصره؛ فدنوا ~~منه ليسرقوه.) # لينيير ~~(إلى صاحبه) ~~: # أنا ذاهب؛ فإن الظمأ قد اشتد بي، ولي صحاب ينتظرونني في المشارب والحانات ~~(ويمشي مترنحا إلى الباب) ~~. # لوبريه ~~(يعود إلى حيث كان راجينو جالسا بعد أن طاف القاعة كلها، ~~فلم يجد صديقه سيرانو، فيقول بصوت الواثق المطمئن) ~~: # لم أعثر لسيرانو على أثر. # راجينو ~~(وهو غير مصدق) ~~: # ومع ذلك ... # لوبريه ~~: # عندي بقية أمل، فلعله لم يقرأ الإعلان في الرواية. # النظارة ~~(يملون بطول الانتظار، فترتفع الأصوات من كل جانب) ~~: # الرواية! الرواية! # المشهد الثالث ~~(ينزل الكونت دي جيش من مقصورة روكسان فيجتاز القاعة، يحيط به جمع ~~كبير من السادات، وحملة الألقاب، ومن بينهم الكونت دي فلفير.) # المركيز الأول ~~(يهمس لصاحب له) ~~: # ألا ترى دي جيش كيف يمشي وسط حاشية كبيرة كأنه رب بلاط عظيم. # الماركيز الثاني ~~(ساخرا) ~~: # لا يغرنك ما ترى؛ فما هو إلا غسقوني كسائر الغسقونيين. # الأول ~~: # ولكنه الغسقوني ذو الحلم والمداورة الذي يصل ... ويشق طريقه في الحياة، والرأي ~~عندي أن لا خير في تجاهله، بل يحسن بنا أن نحييه. ~~(يتقدم الأشراف نحو دي جيش.) # المركيز الثاني ~~: # ما أجمل هذه الأشرطة والأوشحة، بأي لون تصفها يا كونت دي جيش، أتسميه قبلة ~~الغرام، أم دم الغزلان ...؟ # دي جيش ~~: # أسميه مرض الإسبان! # المركيز الأول ~~: # لقد صدق المظهر المخبر، فلن يلبث أمر إسبانيا في فلاندر أن يسوء بفضل شجاعتك. # الكونت دي جيش ~~: # إنني متجه إلى المسرح، فهلا جئتم معي. ~~(ويمضي إلى ~~المسرح؛ فيتبعه الأشراف الشباب مع الحاشية المحيطة به، ولكنه يستدير ~~فينادي): هلم يا فلفير. ~~(كريستيان يسمع هذا الاسم فيجفل، ويخطر له أن يخرج قفازه من ~~جيبه ليقذف به وجهه) # الفيكونت ~~: ~~... لأقذفن به في وجهه ... في وجهه ... ~~(ولكنه ~~حين يدس يده في جيبه ليخرج القفاز يحس يد النشال فيمسك بها) ~~... ~~وما هذا؟ # النشال ~~: # آه ... # كريستيان ~~(بينما يظل قابضا على يد النشال) ~~: # لقد كنت أبحث عن القفاز. # النشال ~~(مبتسما متوسلا) ~~: # ولكنك ms009 وجدت يدا ~~(بصوت منخفض) # هلا تركتني، ~~فإن عندي سرا أكاشفك به. # كريستيان ~~(وهو لا يزال ممسكا بيده) ~~: # وما هو هذا السر؟ # النشال ~~: # لقد كان معك منذ لحظة الشاعر لينيير. # كريستيان ~~: # نعم، ثم ماذا؟ # النشال ~~: # إن حياته في خطر، فقد نظم قصيدة هجاء أغضبت عليه جهات عليا، وقد نظمت مؤامرة ~~لقتله الليلة، وسيكمن له مائة رجل، وأنا أحدهم ليغتالوه ... # كريستيان ~~(مندهشا) ~~: # مائة رجل لرجل واحد، ولكن من هذا الذي دبر هذه المؤامرة؟ # النشال ~~: # هذا سر لن أبوح به. # كريستيان ~~(يهز كتفيه) ~~: # أي سر يا هذا؟ # النشال ~~(متصنعا الوقار) ~~: # سر المهنة! # كريستيان ~~: # وفي أي مكان سيكمنون؟ # النشال ~~: # عند بوابة نل، وفي وقت عودته إلى بيته ... فعليك أن تحذره. # كريستيان ~~(يطلق يد اللص من قبضته) ~~: # ولكن أين تراني واجده الساعة؟ # النشال ~~: # التمسه في الحانات، وطف عليه المشارب، اذهب إلى القنينة الذهبية، الأناناس، ~~المنطقة والخصر، المشعلان، المداخن الثلاث، واترك في كل حان ومشرب خبرا ينبهه ~~إلى ما يكاد له ليتقيه. # كريستيان ~~: # ليكن، وهأنذا منطلق ... يا للأوغاد، أمائة رجل على رجل بمفرده ~~(يلقي نظرة إلى روكسان، كلها وجد ولوعه) # يا ويح ~~القلب، كيف أتركها الساعة وأمضي ~~(يحدج فلفير شزر، ~~ويصرف بأسنانه) # وهذا الوغد، أذاهب أنا عنه، ولكن ما العمل، ومن ~~الشهامة أن أنقذ حياة لينيير؟ ~~(ينصرف ~~مسرعا) ~~. ~~(الكونت دي جيش، والأشراف الذين أحاطوا به قد تواروا خلف الستار ~~ليأخذوا أماكنهم فوق المقاعد المصفوفة على جوانب المسرح، وكان الزحام على أشده، ~~وامتلأت المقاعد والشرف بالمشاهدين، وهم في مضض من طول الانتظار.) # أحد النظارة ~~: # ألا يبتدئ التمثيل؟ ~~(وكان أحد الخبثاء في أعلى المسرح قد انتزع بخيط وشص الشعر ~~المستعار عن رأس أحد رجال الطبقة البورجوازية، وكان هذا جالسا في بهو المسرح، ~~فتلفت مذعورا؛ فانكشف رأسه الأصلع للنظارة؛ فتعالت الصيحات من الجمهور في فرح ~~وسرور.) # البورجوازي ~~: # شعري! # ثان ~~: # ها ها ها ها! # ثالث ~~: # إنه أصلع. # رابع ~~: # مرحى، الخدم ... ها ها ها. # البورجوازي ~~(يهز قبضة يده) ~~: # ويحك أيها الشقي المهذار. # النظارة ~~(صيحات الضحك والمرح) ~~: # ها ... ها ... ها ... ~~(ثم يسود ms010 السكون.) # لوبريه ~~: # ما معنى هذا السكون الذي ساد هكذا بغتة؟ ~~(أحدهم ~~يهمس له) ~~: أصحيح هذا الذي قلت؟ # الهامس ~~: # لقد سمعته اللحظة ممن أثق به. # همسات في الصفوف ~~: # إنه هو بلا ريب! كلا ليس هو ... إنه في المقصورة الأولى ذات السياج ... الكردينال ~~... الكردينال! # أحد الخدم ~~: # يا للشيطان، سيفسد حضوره علينا المرح والتسلية، ويلزمنا الأدب والسكون. ~~(يسمع النظارة الطرقة الأولى على المسرح من خلف الستار فيخلدون ~~إلى الهدوء، وتشرئب منهم الأعناق.) # صوت مركيز ~~: # أطفئوا الشموع! # مركيز آخر ~~(يطل برأسه بين شقي الستار) ~~: # إلي بكرسي! ~~(ينقل الكرسي من يد ليد فوق الرؤوس؛ فيتناوله المركيز، ~~ويتوارى عن الأنظار، ولكن بعد أن يكون قد بعث قبلات بيديه إلى صاحبات ~~المقصورات.) # أحد النظارة ~~: # هدوءا. ~~(يتوالى الدق ثلاثا، وترتفع الستار، فإذا السادات والنبلاء قد ~~جلسوا على جانبيه، تبدو عليهم مظاهر العظمة، وكان المنظر يمثل مرعى نضيرا تعلوه ~~سماء زرقاء، وقد أضيء قاع المسرح بأربع شموع في أوان بلورية.) ~~(القيثارات تعزف في رفق.) # لوبريه ~~(بصوت منخفض لراجينو) ~~: # ماذا ترى الآن؟ ألا تظن أن مونفليري هو الذي سيظهر اللحظة على المسرح؟ # راجينو ~~(عندما بدا الممثل للأبصار) ~~: # يا الله، إنه هو الذي سيبدأ. # لوبريه ~~: # وها هو سيرانو لم يحضر! # راجينو ~~: # نعم، وقد خسرت الرهان. # لوبريه ~~: # قدر الله ولطف. ~~(وبدا مونفليري بدينا ضخما في ثوب الرعاة، قد وضع فوق رأسه ~~قبعة مكللة بالورد، متدلية على إحدى أذنيه، وهو يمسك بمزمار مزين بالأشرطة، ينفخ ~~فيه فيرسل أنغاما موسيقية.) ~~(واستقبله الجمهور بالتصفيق ... مونفليري ... مونفليري ...) ~~(ينحني الممثل لهم شاكرا، ويبدأ التمثيل في دور فيدون.) # مونفليري ~~: # السعيد من نأى بنفسه عن قصور الملوك، وقربة الأمراء، وآثر العزلة في الخلاء، ~~وارتضى العيش في الأرض الفضاء، وحين تهب على الغاب أنفاس الهواء ... # صوت ~~(من وسط المسرح) ~~: # ويحك أيها الشقي، ألم أحرج عليك الظهور على المسرح شهرا كاملا ...؟ ~~(وهنا يستولي الذهول على الجميع، وتدور الأنظار لترى من هذا ~~الصائح المتوقح، ويسري الهمس في كل مكان، وتقف الغيد في المغاصير لتتبين ما ~~جرى.) # أصوات متباينة ~~: # عجبا؟ ما هذا؟ ما ms011 جلية الأمر؟ # كويجي ~~: # يا عجبا ... إنه هو؟ # لوبريه ~~(مرتاعا) ~~: # سيرانو! # سيرانو ~~: # يا أمير المهرجين، اترك المسرح في الحال. # الجمهور ~~(غاضبا متذمرا) ~~: # أف! أف! # الممثل ~~(في اضطراب) ~~: # ولكن ... # سيرانو ~~: # ويحك أتتحداني بعصيان أمري؟ # أصوات ~~(من قاعة المسرح) ~~: # سكوتا وكفى صياحا ... وأنت يا مونفليري استمر ولا تخف شيئا. # مونفليري ~~: ~~«السعيد من نأى بنفسه عن قصور الملوك، وقربة الأمراء ...» # سيرانو ~~: # الويل لك يا شر الأشقياء ... ألا تريد أن تغرب من المسرح إلا إذا جئتك فأذقتك ~~طعم عصاي؟ ~~(وارتفعت عصا في يد ممسكة بها فوق رؤوس المشاهدين.) # مونفليري ~~(يهم بالمضي في دوره مبتدئا) ~~: # السعيد من ... # سيرانو ~~: # انصرف قلت لك! ~~(ويهز العصا في ~~الفضاء) ~~. # الجمهور ~~(متذمرا) ~~: # أف! # مونفليري ~~(يمضي في دوره، ولكن صوته يختنق) ~~: # السعيد من نأى بنفسه عن قصور ... # سيرانو ~~(ينهض واقفا على كرسي وسط الصالة شابكا ذراعيه شبكة ~~المتوعد، مرخيا قبعته في ناحية إرخاءة الغضب، جافل الشاربين من سورة الغيظ، ~~وقد استطال أنفه المخيف) ~~: # لقد بدأت أغضب، فحذار من غضبي وبطشي. ~~(يشتد الهرج والمرج من هذه المباغتة العجيبة.) # المشهد الرابع # مونفليري ~~(يدور بعينيه إلى الأشراف مروعا) ~~: # النجدة أيها السادة. # المركيز ~~(بغير اكتراث) ~~: # استمر، استمر. # سيرانو ~~(يصبح بالممثل) ~~: # حذار أيها البدين، وإلا أوسعتك لطما. # المركيز ~~: # كفى! # سيرانو ~~(يلتفت إلى حيث كان النبلاء يجلسون) ~~: # وإذا لم يمسك هؤلاء السادة ألسنتهم فسأضطر إلى إذاقتهم طعم عصاي. # النبلاء ~~(ينهضون) ~~: # حسبك يا هذا، وأنت يا مونفليري. # سيرانو ~~: # إذا لم ينصرف مسرعا صلمت أذنيه، وقطعته إربا إربا. # صوت من المسرح ~~: # ولكن ... # سيرانو ~~: # لينصرف! # صوت آخر ~~: # ومع ذلك ... # سيرانو ~~: # ألم يذهب بعد، إذن فلأصعد إلى المسرح بنفسي فأفري هذا الإنسان اللحيم الشحيم ~~فريا ~~(يشمر عن ساعديه ليفعل) ~~. # مونفليري ~~(يحاول أن يهدئ من سورة غضبه متلطفا) ~~: # إنك بإهانتي على هذه الصورة تغضب بنات الشعر. # سيرانو ~~(في مثل لهجته) ~~: # وهل لبنات الشعر بمثلك صلة، وأنت البطين الضخم الفاتر البليد الإحساس، لا ~~والله لو أن لبنات الشعر معرفة بك لضربنك بنعالهن. ~~(ترتفع الصيحات من القاعة، وتسود الفوضى، وتتردد ~~الأصوات.) # النظارة ~~: # مونفليري، مونفليري أنشد ms012 لنا قصيدة بارو. # سيرانو ~~(إلى النظارة) ~~: # أرجوكم أن تحذروا وإلا إذا استمر هرجكم هذا، وصياحكم؛ فإن سيفي لن يلبث أن ~~يخرج من غمده. ~~(ويتحسس مكان سيفه؛ فيتراجع الذين كانوا قد أحاطوا به من ~~خيفته، ولكنهم يعاودون الصياح.) # النظارة ~~: # حلمك يا هذا. # سيرانو ~~(يلتفت إلى الممثل) ~~: # هلم انصرف. # النظارة ~~(يقتربون محتجين) ~~: # أف لهذا! أف لهذا! # سيرانو ~~(يلتفت فجأة) ~~: # هل أراد أحدكم الكلام؟ # صوت من الخلف ~~(ينشد) ~~: # السيد سيرانو يستبد بنا، ولكن ستمثل رواية كلوريز، رغم أنف الطاغية! # الجميع ~~(ينشدون) ~~: # كلوريز ... كلوريز. # سيرانو ~~: # حسبكم أيها الأوغاد، لو سمعت هذه الأنشودة تعاد؛ لأفنيتكم جميعا. # أحدهم ~~: # لست شمشون! # سيرانو ~~: # أعرني إذن عظمة فكك أيها الرجل لأضرب بها هذه الوجوه، كما فعل شمشون بفك ~~الحمار. # سيدة في مقصورتها ~~: # هذا تهجم فظيع. # أحد السادة ~~: # هذه فضيحة! # أحدهم ~~: # شيء يغيظ! # أحد الخدم ~~: # إنه لعبث سخيف! ~~(وعادت الضجة أشد من قبل.) # القاعة ~~: # هدوءا، مونفليري ... سيرانو ... # سيرانو ~~: # سكوتا! # النظارة ~~(يسخرون، وبعض الخبثاء فيهم يقلدون القطط، وصياح الديكة، ~~ومختلف البهائم والأنعام) ~~: # هي ها ... با ... أوا ... # سيرانو ~~: # آمركم ... # أحد الخدم ~~(يموء) ~~: # مياو ... # سيرانو ~~(يصيح بهم) ~~: # إني آمركم جميعا بالتزام السكوت، وأتحداكم بجمعكم، بل إني لمدون عندي ~~أسماءكم، فهلموا، تقدموا، وليبرز الشجعان فيكم والصناديد، صنديدا في إثر ~~صنديد، وعلي أنا المناداة بالعديد تلو العديد، والآن من منكم يريد أن يفتح ~~القائمة؟ وأين الشجاع البادئ بالمهاجمة؟ ~~(يتطلع إلى الوجوه، ويمشي مستعرضا الصفوف، وهو لكل ~~واحد منهم قائل) # أنت يا سيد ... أم أنت؟ أفكلكم لا؟ ألا من مبارز ~~يتاح له شرف الموت من كفي لفضل السبق على الآخرين ... أيها السادة ... من يشتق إلى ~~الموت فليرفع يده. ~~(يسود السكون.) # سيرانو ~~(صائحا) ~~: # يا لكم من جبناء رعاديد، خفتم مشهد سيفي مجردا عن غمده، إذن ألا من مبارز؟ ~~أفلا مناجز ... حسن ما أرى ... فلأمض فيما أريد. ~~(يستدير ناحية المسرح حيث كان مونفليري قد وقف وهو في أشد ~~حالات الاضطراب.) # سيرانو ~~: # هلموا انكفئوا من حيث أتيتم نجيا سالمين، وإلا أعملت سيفي في الرقاب، ~~(ويضع يده على مقبض حسامه ms013 ) ~~. # مونفليري ~~(بخوف) ~~: # إنني ... # سيرانو ~~(ينزل من كرسيه، ويتوسط حلقة المتفرجين الذين أحاطوا من ~~حوله) ~~: # سأصفق بيدي ثلاثا، وها أنتم قد اجتمع شملكم حولي، واكتمل كالبدر الممتلئ ~~الباهر، ولكنكم بعد الثالثة «من التصفيق» ستخسفون خسوفا، وتذهبون ~~أشتاتا. ~~(فاستضحك الناس، وتماجنوا لهذا التشبيه الذي شبه فرارهم ~~به.) # القاعة ~~: # مرحى! # سيرانو ~~(ولكنه لم يحفل بهم، وصفق صائحا) ~~: # واحد! ~~(مونفليري يرتاع ولا يدري ماذا هو صانع.) # صوت ~~(من جانب المقاصير يهيب به) ~~: # لا تذهب! ~~(وانقسم الناس فريقين: فمن قائلين إنه سينصرف، ومن قائلين إنه ~~سيصر على البقاء.) # القاعة ~~: # لن ينصرف! بل سينصرف! # مونفليري ~~(وهو يرفع بصره إلى الجمهور متلعثما) ~~: # أظن أيها السادة. # سيرانو ~~(يصفق صائحا) ~~: # اثنين! # مونفليري ~~: # أظن أنه من الحكمة في موقف كهذا ... # سيرانو ~~(يعاجله بالتصفيق مناديا) ~~: # ثلاثة! ~~(مونفليري يفر مثل خطفة البرق كأن الأرض انشقت من تحته فابتلعته ~~...!) ~~(النظارة يضحكون من فراره على تلك الصورة، ويطيلون صفير ~~الاستهزاء.) # المتفرجون ~~: # يا جبان ... يا جبان ... ارجع ولا تخف ...! # سيرانو ~~(يطرب لهذا المشهد، وتنتفخ أوداجه؛ فيعود إلى مقعده، ويجلس ~~شابكا ذراعيه) ~~: # ليرجع إن استطاع. # أحد النظارة ~~: # نادوا خطيب الفرقة. ~~(يظهر الممثل بليروز، ويتقدم وينحني للجمهور محييا.) # الجمهور ~~: # الممثل بلروز ... ها هو ذا سيتكلم؟ # بلروز ~~(بتؤدة مخاطبا الأشراف) ~~: # سادي النبلاء. # الجمهور ~~: # نريد جودوليه! نريد جودوليه. # جودوليه ~~(يتكلم من أنفه مشمئزا) ~~: # أيها العجول! # الجمهور ~~: # مرحى، مرحى، استمر. # جوديليه ~~: # لا مرحى يا سادة، ولا أحسنت، فإن ممثلكم المؤثر الذي تحبونه قد شعر بأنه ... # الجمهور ~~(مقاطعا) ~~: # إنه جبان. # جوديليه ~~: # بأنه مضطر إلى الذهاب. # أصوات ~~: # فليرجع. # أصوات أخرى ~~: # لا، لا ... # أصوات ~~: # ليرجع! ليرجع! ليرجع! # شاب من المتفرجين ~~(يخاطب سيرانو) ~~: # ولكن أرجو يا سيدي أن تبين لنا ما سر كراهيتك لمونفليري. # سيرانو ~~(وهو لا يزال مستويا في مجلسه) ~~: # لقد سألتني يا فرخ الإوز عما يدعوني إلى كراهيته، وجوابا عن سؤالك أقول: إن ~~لهذه الكراهية سببين، كل منهما يكفي في ذاته مبررا، أما الأول فلأنه ممثل شنيع ~~الإلقاء، غليظ الصوت، وهو حين يلقي الأبيات يتثاقل بها كأنما يمتح دلوا من ~~بئر، فتذهب ms014 روعة الشعر في انطلاقته، ويتجمد نسيمه، وأما الثاني فذلك سر من ~~أسراري لا أذيعه، ولا شأن لأحد به ... # شيخ ~~(من خلفه باستياء) ~~: # ولكن هذا عيب كان أولى بك الاستحياء منه، فقد حرمنا الليلة من مشاهدة رواية ~~«كلوريز»، ولهذا أصر ... # سيرانو ~~(يدور نحوه مقاطعا) ~~: # أيها الشيخ المخرف، إن شعر بارو العجوز من سقط المتاع، وإني لمسرور أن أغنيكم ~~عن سماعه دون أن يؤنبني ضميري على ذلك. # السيدات الأديبات المتحذلقات «اللاتي ازدانت بهن المقاصير» ~~: # كيف تجترئ بهذا القول في حق شاعرنا «بارو»؟ هذا كثير! هذا كثير! # سيرانو ~~(يحرك مقعده صوب مقاصيرهن متلطفا مداعبا) ~~: # يا أملح الغيد، وأجمل بنات حواء، تلألأن كما تشأن، وأرسلن علينا من باهر ~~ضيائكن، ووهج سبائكن، أليس حسبكن أنكن بالشعر إلى خواطرنا موحيات حتى تردن أن ~~تكن له ناقدات؟ # الممثل بلروز ~~: # لقد أفسدت علينا مورد ليلتنا، ونحن مضطرون إلى رد ثمن التذاكر للمتفرجين ... # سيرانو ~~(ملتفتا إليه) ~~: # يا بلروز، هذه هي أول ملاحظة بارعة وجيهة سمعتها الليلة، فلا ويمين الله ما ~~كان مثلي ليجرد الفن # 2 # من ثيابه ~~(ثم ينهض من مجلسه فيخرج كيسا ~~مليئا بالمال، ويطوح به على خشبة المسرح) # هاك التقط الكيس الذي ~~أرمي به، وحسبك لا تجادلني فيما فعلت. ~~(النظار يصيحون بدهشة بالغة ويهمهمون.) # جوديليه ~~(يجري إلى الكيس فيلتقطه بفرح متناه، ويزنه في يده بسرور ~~زائد مخاطبا سيرانو) ~~: # إذا كان هذا هو الثمن يا سيدي فتعال كل يوم لتعطيل تمثيل مسرحية كلوريز. ~~(النظارة ترتفع صيحات الاحتجاج والهمهمة.) # جودوليه ~~: # أيستهزأ بنا جملة على هذا النحو؟ # بلروز ~~: # يجب إخلاء المسرح. # جودوليه ~~: # تفضلوا يا حضرات، لقد أوقفنا الرواية. ~~(فريق منهم ينصرفون، وسيرانو ينظر نظرة الارتياح، وتنهض السيدات ~~في المقاصير ليرتدين معاطفهن استعدادا للخروج، ولكنهن لم يلبثن أن تلكأن، كما وقف ~~كثيرون من النظارة في أماكنهم لسماع حوار قام في تلك اللحظة بين سيرانو وصديقه ~~لوبريه، وعادت السيدات إلى الجلوس.) # لوبريه ~~(معاتبا) ~~: # إن هذا جنون يا صاح. # فضولي ثقيل ~~: # لقد أسأت صنعا، واستهدفت للأذى، ألا تعلم أن مونفليري محسوب على الدوق ms015 دي ~~كندال، وتحت رعايته، أفليس لك عظيم يحميك؟ # سيرانو ~~: # كلا. # الفضولي ~~: # يا عجبا، أحقا ليس لك من عظيم يرعاك؟ # سيرانو ~~(مجيبا) ~~: # قلت لك: كلا مرتين، فهل لا بد لي أن أعيد؟ # لا أنا بحسيب على أحد، ولا أنا صنيعة لمخلوق، ولكن حسبي هذا السيف لي راعيا ~~وحاميا ~~(يقبض بيده على حسامه) ~~. # الفضولي ~~: # يجب إذن أن تغادر المدينة غير متردد. # سيرانو ~~(متأففا) ~~: # سنرى. # الفضولي ~~: # إن للدوق باعا طويلا. # سيرانو ~~: # ولكنه لن يوازي سيفي طولا إذا خرج من جرابه هكذا، ~~(وراح يريه حسامه) ~~. # الفضولي ~~: # وهل تنوي أن ... # سيرانو ~~: # نعم أنوي ذلك. # الفضولي ~~: # ولكن ... # سيرانو ~~: # قلت لك انطلق في وجهك، وإلا فخبرني يا هذا ما الذي جعلك تطيل النظر هكذا إلى ~~أنفي ...؟! # الفضولي ~~(بخوف وتلعثم) ~~: # أنا؟! # سيرانو ~~(يقترب منه) ~~: # وما الذي يدهشك منه؟ # الفضولي ~~(يتراجع منتفضا من شدة الروع) ~~: # إنك تخطئ يا سيدي. # سيرانو ~~: # هل تراه متهدلا كالخرطوم؟ # الفضولي ~~: # حاشا يا مولاي، لم يخطر مطلقا لي ... # سيرانو ~~: # أم تحسبه أعوج مقوسا كمنقار البوم؟ # الفضولي ~~: # حاشا، حاشا، والله ... # سيرانو ~~: # أم تراك لمحت تؤلولا على أرنبته؟ # الفضولي ~~: # إني ... # سيرانو ~~: # أم شهدت ذبابة تستنشق الهواء فوق قمته؟ وإلا فما الذي تراه عجيبا فيه؟ # الفضولي ~~: # ويحي. # سيرانو ~~: # أهو فلتة من فلتات الطبيعة؟ # الفضولي ~~: # لقد تحاشيت يا سيدي أن أنظر إليه حتى النظرة العابرة. # سيرانو ~~: # وما الذي منعك أن تتطلع إليه؟ # الفضولي ~~: # لقد كنت ... # سيرانو ~~: # هل اشمئززت منه؟ # الفضولي ~~: # سيدي، حاشا لله. # سيرانو ~~: # أم عفت قبح لونه؟ # الفضولي ~~: # سيدي! # سيرانو ~~: # أم لم يرقك شكله؟ # الفضولي ~~: # أستغفر الله، ما عن هذا لخاطري. # سيرانو ~~: # ما بالك إذن قد أبديت علامات التنفض، وأمارات التأفف والاستهزاء؟ أرأيته ~~مفرطا في حجمه؟ # الفضولي ~~: # كلا يا سيدي، إنه صغير، عفوا، بل إنه لدقيق مفرط في دقته. # سيرانو ~~: # أتجترئ يا هذا على وصفي بما يعاب، واتهامي بما يبعث السخرية والضحك أصغير ~~أنفي؟ ... مهلا! # الفضولي ~~: # يا إلهي! # سيرانو ~~: # ويحك أيها المغفل الأحمق، والفضولي الذي يدخل فيما لا يعنيه، ألا فاعلم أنني ~~بهذا الأنف الكبير لفخور، أفقد جهلت ms016 يا هذا أن كبر الأنف دليل على لطف النفس، ~~ورقة الطبع، وعنوان الأدب والشجاعة، والأنفة والشمم، وهذا هو شأني، وتلك هي ~~شيمتي، هيهات أن تتاح لمثلك، ويقع شيء منها لمن هم على شاكلتك أيها المخلوق ~~الحقير، والصعلوك المهين، على حين يدل وجهك الكالح، وسحنتك الغبية، وصفحتك ~~السميكة التي لن ألبث أن أصفعها الساعة، على التجرد ~~(يلطمه فيصرخ) ~~. # الفضولي ~~: # أواه ... # سيرانو ~~: # أي والله، على التجرد من الشعور والكرامة في ملامح العبقرية، ومجمل القول من ~~الأنف، تجرد ركلة من حذائي تصيب أسفل ظهرك من هذه الصفات ~~(يمسك بكتفيه، ويديره إليه، ويركله بقدمه في ظهره ركلة ~~قوية) ~~. # الفضولي ~~(يتخلص منه) ~~: # النجدة، النجدة، أيها الجنود، إلي أيها الشرطة. # سيرانو ~~(إلى الذين أحاطوا به) ~~: # أفرأيتم ما صنعت بهذا الفضولي الثقيل، فليكن هذا نذيرا مني لمعاشر الحمقى ~~والمغفلين الذين يجدون في هذا الجزء الناتئ من وجهي مجالا للغزل والسخرية، ~~ومادة للنكات والمجون، فإنني لمذيقهم من هذا، أما إذا كان الماجن نبيلا، ~~والمهذار شريفا، فإني غير مفارق مكاني حتى أطعمه من مذاق سيفي، بدلا من نعلي ~~وخفي. ~~(كان النبلاء والأشراف في هذه اللحظة قد نزلوا من المسرح فسمعوا ~~هذا النذير الذي أطلقه سيرانو فيمن حوله.) # دي جيش ~~(لرفاقه) ~~: # لقد تمادى هذا الرجل في غيه، وأصبح ثقيلا علينا. # الكونت دي فلفير ~~(يهز كتفيه) ~~: # إنه لمغرور مدع. # دي جيش ~~: # ألا من أحد يسكته؟ # المركيز دي فلفير ~~(غاضبا) ~~: # أتسأل ألا من أحد؟ مهلا بعض هذا التجاهل؛ فإني مبادره بشيء من سخريتي ~~وازدرائي، ودعابتي واستهزائي، اسمع يا هذا ~~(يتقدم إلى ~~سيرانو، ولم يكن قد فاته شيء من كلام المركيز ومراده) # سيدي إن ~~أنفك ... ولكن لست أدري والله ماذا أنا قائل ... إن أنفك يا صاح مفرط في حجمه ~~كثيرا. # سيرانو ~~(يلتفت إليه بطرف من نظره، وبمنتهى البرود والسخرية) ~~: # أحقا؟ # المركيز ~~(يضحك حتى يكاد يستلقي) ~~: # ماذا تعنى؟ # سيرانو ~~(هادئا كالصخرة الصماء) ~~: # أهذا ما عندك؟ # المركيز ~~: # ولكن ... # سيرانو ~~(غاضبا) ~~: # أيها الشاب الغر، أراك أوجزت وقصرت فيما وصفت، والموصوف مديد مستطيل، لقد كان ~~يصح أن ms017 تقول في وصفه الشيء الكثير وتعدد، ويطول بك نفس الكلام ويمتد، ولا يعوزك ~~في أفانين القول وضروبه إلا التنويع في لهجته وأسلوبه، فأما وقد عجزت، ولم تنصف ~~أنفي بل ظلمت، فاسمع فنونا من القول فيه: فإن أردت لهجة المهاجم المتحدي، ~~قلت: «لو أن لي أنفا كأنفك يا سيدي لبترته من ميدان وجهي واستأصلته»، وإن شئت ~~لهجة الصديق قلت: «إن أنفك يا سيدي ينغمس في كأس شرابك، فخير لك أن تصنع له ~~وعاء خاصا»، وإن أردت مجرد الوصف قلت: «ليس هذا بأنف، إنه لصخرة ناتئة من ~~جبل، أو قلة قائمة فوق طود، أو رأس مشرف على بحر، لا والله، بل إنه في الحق ~~أدنى إلى شبه جزيرة شبها»، أما إذا قصدت العجب واستغربت، فإنك قائل: لعمر الله ~~ما أولى بهذا العقاص المستطيل الأجوف أن يروح للمقص جرابا، وأن يكون للخنجر ~~غمدا، أو ما بالك يا سيدي لا تتخذ منه دواة ليكون للمداد مددا، وإذا أنت أردت ~~الإشادة بالفضل، وإبراز المحامد، قلت: «أحسبك على الطير مشفقا، وعلى العصافير ~~حانيا، فجعلت لها من أنفك الطويل مأوى لها، تقع عليه لتسكن، وإذا قصدت إلى ~~الجفوة، ورمت قولا عنيفا، فما أراك إلا قائلا: «إذا دخنت لفائف تبغك، فخرجت ~~ذوائب الدخان منبعثة من هذه الماسورة التي في وجهك، أفلا يتصايح الجيران: «لقد ~~شب في المدخنة حريق!!» وفي مقام التنبيه والتحذير، يصح لك أن تقول: «أخشى عليك ~~يا سيدي أن ينقلب رأسك في الهوة إلى أسفل، وترتفع قدماك، إذا أنت أطرقت برأسك ~~وفيه هذا الثقل، الذي يختل به توازنك. # وفي مجال التحبب والعطف، جاز لك أن تقول: ألا من مظلة صغيرة نقيمها من فوق ~~أنفك، خشية على لونه الزاهي من شعاع الشمس أن تنطفئ، ومخافة على أديمه البراق ~~أن تتصل، وحين تريد التباهي بالعلم الواسع، وادعاء المعرفة والاصطلاح تنشئ ~~تقول: «أكبر الظن أن الحيوان الذي أطلق عليه (أرستوفانيس) # 3 # اسم هيبو كامبلفانتو كاميلوس # 4 # كان دون شك يحمل تحت جبهته هذه الكتلة المجتمعة من اللحم فوق هذه ms018 ~~الكتلة المجتمعة من العظم». # وإن أحببت مجونا قلت: «إن أنفك يا صات هو إحدى المبتكرات في صناعة المشاجب ~~لتعليق القبعات». # وإذا أردت التوكيد فإنك قائل: «أيها الأنف الجليل، ليس في الرياح ما يستطيع ~~أن يصيبك بوعكة البرد، إلا أن تكون رياح «المسترال».» # 5 # وإن عمدت إلى لغة التمثيل والتهويل، قلت: إن هذا الأنف الضخم إذا دمي فهو ~~البحر الأحمر. # وفي باب الإعجاب والاستحسان تقول: هو إعلان على دكان لبيع الروائح العطرية، ~~وتقطير الزهر والريحان»، وعلى سبيل التغني: «أأنت تربتون، # 6 # وهذا الأنف بوقه؟» # فإن آثرت الوقار قلت: «دعني يا سيدي أحييك بوصفك من ذوي الأملاك، وهذا الأنف ~~دارك». وفي لغة البساطة أنت قائل: «في أية ساعة من النهار، يمكن الدخول لمشاهدة ~~هذا المتحف، أو دار الآثار؟» # فإذا أردت تشبيهات الفلاحين. تقول: «لا تخدعني ما هذا بأنف يا بني! إن هو إلا ~~لفتة عملاقة، أو شمامة قميئة». وفي لغة رجال الحرب تقول: «صوب فوهته إلا ~~الفرسان». # وفي الأساليب المالية، لك أن تقول: «لو عملت عليه «يا نصيب» لفاز بالربح ~~الأوفى دون شك». # وإن شئت تحويرا لمرثاة بيرام، قلت: «هو ذا الأنف الذي يفسد على وجه صاحبه ~~جماله وتناسقه، كيف احمر خجلا من شعوره بالجرم في حقه والخيانة». # 7 # فمثل هذا يا سيدي العزيز وأشباهه كان جائزا لك أن تقوله لو أنك أوتيت أقل ~~نصيب من ذكاء، أو أدنى حظ من أدب وعلم. # ولكنك أيها المسكين الذي يرثى له لم تصب من الذكاء ذروة، ولم تظفر من بحر ~~العلم بقطرة، وما وعيت من أفانين القراءة والكتابة إلى أربعة أحرف مركبة، وإذا ~~تهجيتها كانت لك صفة مناسبة، وهذه الأحرف تجمعها كلمة «حمار». # وأما عن الذكاء، فلو أنك أوتيت القدر الضروري منه، لما رضيت لنفسك في معرض ~~مجانتك وعبثك أمام هذا الجمع الكبير من السامعين أن تقف عند نكتة واحدة، وهي في ~~ذاتها باردة، فتفسح بذلك لي المجال لقول ما قلت، وتخدمني في سياق كل هذه ~~الأوصاف والتشبيهات التي سقت، ولئن رأيتني قد وصفت ms019 بها نفسي، ورضيتها في معرض ~~الكلام عن شخصيتي، فإني لا أقبل عشر معشارها من أي إنسان، كائنا من كان. # الفيكونت دي جيش ~~: # هلم إذن أيها الفيكونت! ~~(يتميز غضبا) # كل ~~هذا الصلف والكبرياء! ومن ريفي حقير ليس لديه ... ليس لديه حتى قفاز، ويسير بدون ~~أشرطة أو أربطة. # سيرانو ~~: # إن تيهي إنما هو تيه النفس الباطنة، فلست أقنع بمخادعة نفسي كما تفعل ~~الببغاء، بل إني أكثر إباء وشمما، مني نزاعا إلى الظهور، وليس دأبي أن أمضي ~~في طريقي بأي حال من الأحوال قبل أن أمحو الإهانة، وأزيل آثارها، وما أنا لأقعد ~~وغمة بضميري، أو انتقاص بكرامتي، أو سبة بجبيني، إن ريشة المجد هي صراحتي، ~~واستقلال شخصيتي، ولا أتحدث عن القوام المنسق الجميل، بل إنها نفسي هي التي ~~أقمعها، فأمضي في حياتي تشرفني أعمالي لا الأشرطة، وإني لأشذب نفسي كما يشذب ~~الشارب، ويدقق طرفاه، وعندما أشق طريقي وسط الجمع أرسل الحقائق؛ فيكون لها رنين ~~نخز مهماز الفارس. # فالفير ~~: # ولكن يا سيدي ... # سيرانو ~~: # ليس لدي قفاز؟ وهذا أمر جلل! لم يكن لدي سوى زوج واحد قديم، لم ألبث أن أحسست ~~به عبئا ثقيلا ...؛ فألقيت به في وجه واحد من الناس. # الفيكونت ~~: # وغد، دنيء، نفاية من نفايات الأرض. # سيرانو ~~(يرفع قبعته محييا كأن الفيكونت قد أقبل يقدم نفسه ~~إليه) ~~: # ماذا تقول؟ وأنا سيرانو سافينيان هركيول دي برجراك. # الفيكونت ~~(بغيظ) ~~: # بهلول. # سيرانو ~~(يتلوى وينثني وينفرد، كأنما قد التوى عضل فيه، أو ضلع من ~~أضلاعه، وهو يصيح منه شاكيا) ~~: # أواه! # الفيكونت ~~(وكان قد هم بأن ينصرف، فلما سمع ذلك منه التفت ~~إليه) ~~: # ماذا قال أيضا هذا المخلوق؟ # سيرانو ~~: # ها هو ذا يتحرك، وأخشى أن يتوتر ويتخشب، وأحسب الكسل والفراغ، وانقطاع الحركة ~~هي العلة والسبب ~~(ويمضي في تأوهه ~~وتوجعه) ~~. # الفيكونت ~~: # ما الذي تشكو منه وتتلوى يا هذا؟ # سيرانو ~~: # أصاب سيفي تشنج، فهو في غمده مضطرب متهيج. # الفكيونت ~~(يستل سيف) ~~: # هلم إذن. # سيرانو ~~: # إنني لمشعرك منه ضربة صغيرة، وقدة يسيرة. # الفيكونت ~~(باحتقار) ~~: # كلام شاعر. # سيرانو ~~: # أي والله إني لشاعر، ms020 وبرهاني أنني ونحن متجالدان مرتجل أمامك أبياتا من ~~الشعر الغنائي. # الفيكونت ~~: # من الشعر الغنائي؟ # سيرانو ~~: # هل تريد أن أعرفك ما هو هذا «الضرب» منه؟ # الفيكونت ~~(مرتبكا) ~~: # ولكن ... # سيرانو ~~(بلهجة المدرس الذي يلقن تلاميذه درسا يستظهرونه) ~~: # اعلم يا فتى أن الأغنية، أو القطعة الغنائية من الشعر هي قصيدة تتألف من ثلاث ~~مقطعات، كل منها تحتوي على ثمانية أبيات. # الفيكونت ~~(يضرب الأرض بقدميه متأففا ضجرا) ~~: # أف. # سيرانو ~~(مسترسلا في تلقينه) ~~: # وهي تنتهي بمقطع أو ختام يتألف من أربعة أبيات. # الفيكونت ~~(ضجرا) ~~: # إنك ... # سيرانو ~~(لم يترك له مجالا للقول) ~~: # وإني لمنشدك قطعة من هذا الضرب من الشعر، أو توشيحا على غراره، ونحن نتجالد ~~بالسيف ونتبارز، ثم لا أكاد أبلغ منها المقطع، حتى أكون قد أنفذت فيك الطعنة ~~الأولى والأخيرة. # الفيكونت ~~: # هيهات. # سيرانو ~~: # كيف هيهات، وإني لمبتدئ من اللحظة فمرتجل مقدمة الأبيات، وهي عند البداية ~~واجبة: ~~(المبارزة في فندق بورغونيا ناشبة، بين دي برجراك وأحد ~~الأوغاد.) # وما موضع هذا من القصيدة الغنائية؟ # سيرانو ~~: # هذا هو الرأس منها والعنوان، فلنتم الآن. ~~(عند ذلك يستولي على جميع الحاضرين في الملهى اضطراب بالغ، ~~وحماسة متناهية؛ فيتزاحمون ويتدافعون.) # أحدهم ~~: # أفسحوا المكان؛ لنرى النزال بينهما، والطعان، ولتكف الأصوات لنسمع الأبيات. ~~(ينظم القوم دائرة، واختلط الأشراف والنبلاء فيهم بالعامة ~~والغوغاء، وتسلق المجنة والخبثاء أكتاف صحابهم والخلطاء ليشرفوا على سير المبارزة ~~الدائرة.) ~~(تقف الحسان والغيد في المقاصر متطلعات قلقات، بينما ينتحي ~~الكونت بحاشيته إلى اليمين، ويجتمع أنصار سيرانو ومريدوه: لوبريه، وراجينو، وكويجي ~~إلى اليسار.) # سيرانو ~~(يغمض عينيه برهة) ~~: # مهلا ولو ثانية، حتى أختار لأبياتي الروي والقافية، ~~(يم ينشد مطابقا بين كل لفظة من شعره، وبين كل حركة من ~~كره وفره) ~~«إني لأخلع في فرح قبعتي، وأنزع عن كتفي عباءتي، لتخلص ~~لي وثبتي وحركتي، ثم أستل حسامي المصقول، فأجول به وأصول، كأني «سلادون» خفة ~~وخطرانا، ورشاقة ودورانا، أو «سكاراموش» # 8 # ثم أختلس همسة في أذنك، وهي أني في النهاية طاعنك، ومع الختام ~~مصيبك، ~~(وهنا يبدأ النزال) # كان خيرا لك لو ~~لبثت محايدا ms021 وتطامنت، ولقدر نفسك عرفت، فليت شعري من أي موضع فيك أبعث الموت؟ ~~... أمن خاصرتك، أم تحت إبطك، أمن قلبك، أم من تحت وشاحك الأزرق الذي يلي الصدر؟ ~~يا للغناء العذب المشنف، في قراع السيف، فإني يا ميرميدون، # 9 # حتما للكرش والخوف مع الختام مصيب ...» ~~«ألا من قافية على حرف التاء المربوطة، أيتها المسكينة «البياض» المتلوية ~~المتخبطة، ألا من قافية تناسب رعشتك البادية؟ كأنك الريشة القلقة في مهاب ~~الرياح الجارفة، وي، هأنذا من ذبابة سيفك ألتمس واقيا، ومن الطعنة التي أردتها ~~ناجيا، وأما أنت إذن فخذ، ولا تنس أني في المقطع الأخير مصيب ...»، ~~(وهنا يهبط صوته منشدا الختام شاديا) # والآن صل ~~على روحك قبل أن تطير إلى السماء؛ فهأنذا أتقدم إليك الخطوة الباقية ليكون ~~الغناء ... ~~(فإذا بالفيكونت يتراجع مدبرا، ويترنح ~~متقهقرا) ~~. # سيرانو ~~: # ألم أنبئك أني في المقطع الأخير مصيب؟ ~~(يدوي المكان بالتصفيق، وترتفع الأصوات بالهتاف، وصياح ~~الاستحسان، وتشترك في التصفيق الغيد والحسان، وينثرن على الشجاع سيرانو الزهر، ~~والمناديل والرياحين، ويطوف به الفوارس مهنئين، ويرقص راجينو صاحب الخان في الهواء، ~~ويقفز من فرط السرور، ويبدو الفرح على وجه لوبريه، ولكنه يلبث قلقا في موضعه، ~~منشغل البال بينما يحمل الفيكونت الجريح أصحابه، وينصرفون به مبتعدين.) # الجمهور ~~: # يعيش، يعيش، يعيش! # أحد الفرسان ~~: # عظيم! # امرأة ~~: # جميل! # راجينو ~~: # مدهش! # ماركيز ~~: # نوع من النزال جديد! ~~(ويعود الجمهور فيرسل هتافا يشق السماء، ويحيط ~~بسيرانو.) # لوبريه ~~: # يبهر الأنظار. # صوت امرأة ~~: # إنه لبطل مغوار. # فارس ~~(وهو يبسط له يديه) ~~: # اسمح لي يا سيدي، فلعمر الحق ما في العالم أبدع مما رأينا، وأنا في مثله حكم ~~ترضى حكومته، ولقد شهدت براعتك فما ملكت نفسي من ضرب الأرض بقدمي إعجابا ~~(وينصرف مسرعا) ~~. # سيرانو ~~(إلى كويجي) ~~: # من يكون هذا السيد الذي انصرف اللحظة؟ # كويجي ~~: # هذا دارتانيان، يا عجبا ألم تكن تعرفه؟ # لوبريه ~~: # كلمة لي معك ~~(ويمسكه من ذراعه لينصرف به، ولكنه لا ~~يذهب) ~~. # سيرانو ~~: # انتظر حتى ينصرف الناس ~~(مخاطبا الممثل بلروز) # أتأذن لي في البقاء؟ # بلروز ~~(باحترام) ~~: # بلا شك. ~~(تسمع جلبة في الخارج، ms022 وصيحات متعالية.) # جودوليه ~~: # ما هذه الجلبة في الخارج ؟ إن الجمهور يصفق خلف مونفليري تصفيق ~~الاستهزاء. # بلروز ~~(مخاطبا حراس الباب) ~~: # هلموا أخرجوا الناس، وأغلقوا الأبواب، ولكن اتركوا الأنوار، فإنا سنتناول ~~العشاء، ولكننا سنعود بعد ذلك للتمرن والمذاكرة في أدوارنا الليلة القادمة. ~~(وينحني الممثلان لسيرانو تحية مؤدبة، وينصرفان عنه.) # البواب ~~(لسيرانو) ~~: # وأنت يا سيدي أذاهب لتناول العشاء؟ # سيرانو ~~: # كلا. ~~(البواب ينصرف.) # لوبريه ~~: # ولماذا لا تلتمس العشاء؟ # سيرانو ~~(بأنفة وكبرياء) ~~: # لأنني ... ~~(ويتهمل حتى يتوارى البواب) # ذلك ~~لأنني لا أملك درهما. # لوبريه ~~(بدهشة وهو يمثل حركة التطويح بكيس النقود) ~~: # كيف؟ وكيس النقود؟ # سيرانو ~~: # فكرت كما يفكر الأب، إننا نعيش من يوم ليوم! # لوبريه ~~: # يا عجبا لك ... ومم أنت منفق الشهر كله؟ # سيرانو ~~: # لم أعد أملك شيئا. # لوبريه ~~(وهو في أشد الدهشة) ~~: # رمي الكيس حماقة ما بعدها حماقة! # سيرانو ~~: # ولكنه عمل جميل، وفعلة رائعة، ألا تراها كذلك؟ ~~(وكانت الفتاة التي تبيع الحلوى والأشربة في المقصف واقفة من ~~خلفهما، وقد سمعت حوارهما؛ فسعلت سعلة ظاهرة، فالتفتا نحوها، وتقدمت وجلة إلى ~~سيرانو.) # البائعة ~~: # يؤلمني يا سيدي أن أراك ممسكا عن الطعام، وها هو ذا المقصف خذ منه كفو حاجتك ~~(بحرارة) ~~، هيا تناول منه ما يطيب ~~لك. # سيرانو ~~(وهو يرفع قبعته إكبارا واحتراما لشعورها) ~~: # أيتها الصبية الرفيقة الحانية، لئن كان إبائي وعزة نفسي، وحفاظي وكرامتي ~~تنهاني جميعا عن أن أتقبل أي عطاء مهما قل وضؤل من يديك، فإن خوفي من جرح ~~شعورك برفضي، وإيلام نفسك بإمساكي ليتغلبان عندي على الكرامة والإباء، فلا ~~يسعني إلا القبول ~~(يتقدم إلى المقصف) # فليكن ~~حسبي هذا القدر القليل ... سآخذ هذه الأعناب، وتقدم الفتاة العنقود كله، وتعرض ~~عليه شرابا، ولكنه يدفعها. # سيرانو ~~: # بل شربة من ماء قراح أفضل، ثم نصف قطعة من البقسماط. ~~(وكانت قد تقدمت إليه بقطعة كاملة، فرد النصف الآخر ~~إليها.) # لوبريه ~~: # يا لك من أحمق! # الفتاة ~~: # ألا تأخذ شيئا آخر؟ # سيرانو ~~: # نعم يدك لأقبلها ... ~~(وينحني على يد الفتاة يقبلها كما لو كانت يد أميرة عظيمة، ~~وتنحني له بأدب كثير: شكرا لك ms023 أيها السيد الكريم، وطاب ليلك.) ~~(تنصرف مسرعة.) # المشهد الخامس # سيرانو ~~(يكلم لوبريه) ~~: # الآن هات ما عندك؛ فإني مستمع لك. ~~(يقف قبالة البوفيه، ويضع البقسماط أمامه) # العشاء أولا ~~(ثم يمد يده إلى الأعناب، فيجعل صفحتها ~~بجانب البقسماط ثم الشراب، ويلقي قدح الماء حياله) # ثم الفاكهة ~~(ويأخذ له مجلسا قبالة عشائه) # الآن ~~إلى المائدة. يا لله ... لقد كنت في الواقع جائعا في مثل سغب الطير الجارحة ~~(يتناول الطعام) # لقد كنت الآن ~~تقول؟ # لوبريه ~~: # إن أولئك المنتفخين الذين يزدهيهم حديث النزال والطعان لن يلبثوا أن يذهبوا ~~بلبك، ويفسدوا عليك عقلك، فإذا لم تصدقني، فسل من كان به مسكة من عقل عن عقبى ~~هذه الجرأة المتناهية. # سيرانو ~~(وقد انتهى من تناول البقسماط) ~~: # بقسماط فاخر. # لوبريه ~~: # الكردينال. # سيرانو ~~(متهللا) ~~: # أكان حاضرا الكردينال؟ # لوبريه ~~: # نعم، ولا بد أنه كان من رأيه ... # سيرانو ~~: # إنها مبتكرة. # لوبريه ~~: # ومع ذلك ... # سيرانو ~~: # إنه مؤلف، وأكبر ظني أنه يسره أن أمنع تمثيل رواية لزميل له. # لوبريه ~~(غاضبا) ~~: # إنك بمثل هذا ونحوه تكثر أعداءك، وتزيد خصومك وحاقديك. # سيرانو ~~(وهو يتناول الأعناب) ~~: # كم بلغ عددهم الليلة في اعتقادك؟ # لوبريه ~~: # أربعون لا أقل، من غير أن نعد السيدات. # سيرانو ~~(مازحا) ~~: # حسنا، عدهم لي. # لوبريه ~~: # مونفليري أولا، ثم السيد الذي نهرته، ثم دي جيش، والفيكونت، والمؤلف بارو، ~~والمجمع العلمي. # سيرانو ~~: # كفى، إنك لمسعدي. # لوبريه ~~: # ولكن إلى أية نتيجة ستؤدي بك هذه التصرفات الغريبة، في النهاية هلا شرحت لي ~~غرضك منها ومرادك؟ خبرني ماذا تبغي من ورائها. # سيرانو ~~: # ماذا تريد أن أقول لك؟ لقد وجدتني في تيه متشعب المسالك، متناوح الدروب، ~~ورأسي أمام منافذ وسبل كثيرة متفرقة؛ فضللت وتهت؛ فأخذت ... # لوبريه ~~: # أيها أخذت؟ # سيرانو ~~: # أسهلها، لقد وطنت النفس على أن أصيب الإعجاب في كل شيء. # لوبريه ~~(يهز كتفيه) ~~: # ليكن ذلك، فما سر كراهيتك لمونفليري، السحر الحقيقي، قل لي. # سيرانو ~~(ناهضا) ~~: # هاك باعثا على بغضائه فاسمع: إن هذا الممثل البطين، سيلنوس # 10 # العجوز هذا، ذا الكرش الضخم لا يزال يحسب نفسه خطرا على الغيد، ~~كارثة على ربات ms024 الجمال، من تنظر إليه منهن، تقع في حبه، ومن تنظر إليه تستهم به ~~فهو حين تهدر شفاشفه، في تمثيل دوره، ويسيل لعابه، ويتساقط ريقه، يروح يلعب ~~بحاجبيه، ويغمز بطرفيه، نحو مقاصيرهن، ويضرب بعينين غليظتين كعيني الضفدع، ولقد ~~كرهته من تلك الليلة التي تجرأ فيها؛ فرفع عينيه إليها، حتى خيل إلي أني رأيت ~~«حلزونا» قد دب لينفث لعابه فوق غلاف زهرة على فروعها يانعة. # لوبريه ~~(مندهشا) ~~: # عجبا، أو فيمكن أن تكون ...؟ # سيرانو ~~(يقاطعه ضاحكا ضحكة مريرة حزينة) ~~: # في حب؟ أي والله أنا أحب. # لوبريه ~~: # وهل يجوز لي أن أعرف من تكون؟ لأنك لم تقل لي شيئا عن هذا قبل الآن. # سيرانو ~~: # أي والله إني محب، ولكنه الحب البائس لا أمل فيه، حب لا بصيص رجاء يشع عليه، ~~ولا علاقة فيه لتبادل، حتى ولا من جانب فتاة مسيحية فقيرة شوهاء، إذ لعمرك أية ~~فتاة تحبني، وأنا بهذا الأنف القبيح المركب في وجهي، هذا الأنف المستطيل الذي ~~يسبقني أينما سرت، ويتقدمني باعا كلما مشيت؟ ولكني مع ذلك أحسست حبا، فهل ~~تدري من تلك التي أحببت؟ لقد أبى القدر العجيب إلا أن أحب أجمل نساء الأرض، ~~فليت شعري ماذا كانت الحال لو كان الأمر بالعكس؟ # لوبريه ~~: # يا لله أجمل نساء الأرض تقول! # سيرانو ~~: # نعم ... أجمل النساء كافة، وأذكاهن عقلا، وأرقهن حاشية، ثم أفتنهن لون شعر، ~~وذهب جدائل. # لوبريه ~~: # ومن هي؟ بربك قل لي. # سيرانو ~~: # هي الخطر تمثل إنسانا سويا، والفتنة المميتة تجسمت بشرية، براءة كلها ~~ونقاء، مليئة بمفتن وبهاء، وهي بها غير آبهة ولا دارية، كأنها وردة حلوة عطرة، ~~فخ من فخاخ الطبيعة، بين لفائفها وأوراقها يكمن «كيوبيد» إله الحب في خفية، فمن ~~رآها تبتسم رأى الكمال الإنساني مائلا، وإنها لتقطر ملاحة، فتجعل لأتفه ~~الأشياء شأنا، وتضفي عليه من حسنها حسنا، في كل حركة منها، وإشارة نقاء سماوي ~~وطهارة، فلا والله ما «فينوس» نفسها على زورقها الصدفي في البحر ماخرا، كمثلها ~~وهي على المحفة سائرة، ولا «ديانا» ذاتها، وهي تجوب الغابة في الربيع الزاهر ms025 ~~خاطرة لتعدل جمال تهاديها وخطراتها مجتازة بك عابرة. # لوبريه ~~: # يا للشيطان لقد وضح الآن لي من تعني. # سيرانو ~~: # بل أوضح من النهار. # لوبريه ~~: # إنها ابنة عمك مجدولين روبان، المشهورة بروكسان. # سيرانو ~~: # أجل روكسان. # لوبريه ~~: # لا بأس من ذلك ولا ضير، بل لعل فيه الخير، ولكن لماذا لا تبوح لها بحبك وقد ~~شاهدت الليلة انتصارك وعلو شأنك. # سيرانو ~~: # أطل النظر في وجهي، ثم خبرني بأي أمل أيها الصديق يوحي إلى قلبي هذا الأنف ~~الناتئ في وجهي، ما أنا بالذي يغري نفسه بخداع الآمال، وينساق مع كواذب ~~الأماني، ولكني لا أكتمك يا صاحبي أن هناك أويقات تمر علي أحس فيها أحيانا ~~بحنان يسيل على قلبي، ونشوة حب تخامرني إذا أتى أزرق المساء، فأدخل روضة ناضرة ~~عطرة، أستنشق بأنفي الكبير المتقوس أرجها ورياها، وأملأ صدري من نفحات الربيع ~~المبكر، وقد يتاح لي أثناء ذلك أن أرى في الشعاع الفضي شبح عاشقين يمسك أحدهما ~~بذراع الآخر، فأتمنى لو صحبتني كهذا الهمام غادة تمسك بذراعي أنا أيضا، ونمشي ~~معا بخطى صغيرة في ضوء القمر الساهي، ولا يني الخيال يستخفني، ويطير بي حتى ~~تصدمني الحقيقة، وتتبدد الأماني والأحلام فجأة حين أرى ظل وجهي مبتسما على ~~حائط الروض. # لوبريه ~~(متأثرا) ~~: # واها لك أيها الصديق. # سيرانو ~~: # إنه في الحق لأليم أن أشعر أحيانا بوحدتي ووحشتي، وأتبين النحس المقترن بقبح ~~سحنتي. # لوبريه ~~: # أتبكي؟ # سيرانو ~~: # لا يا سيدي، ولن تراني باكيا أبد الدهر، وهل هناك أقبح منظرا من دمعة تنحدر ~~على ذلك الأنف الطويل، إنني لن أترك ما حييت ذلك الجمال المائل في الدموع يخالط ~~القبح ويجانسه، أتعرف يا صاحبي ما الدموع؟ لا شيء أنبل منها في الكون وأغلى، لا ~~شيء ... ولا أريد أن أريق واحدة منها تكون عرضة للضحك والسخرية. # لوبريه ~~(يهز رأسه) ~~: # هون عليك ولا تحزن، الحب أحاظ وجدود. # سيرانو ~~: # لا، انظر إلي، هل أنا قيصر فأهيم بكليوباترة، أو أنا فينوس فأحب برنيس؟ # لوبريه ~~: # إن لك يا صديقي شجاعتك، وعقلك ... أنسيت الفتاة الصغيرة التي عرضت عليك الساعة ~~الطعام ms026 والشراب ... وهل رأيت كيف أن عينيها سكنتا إليك، وأعجبتا بك؟ # سيرانو ~~: # أي والله، لقد كان ذلك. # لوبريه ~~: # ما بالك إذن تستسلم هكذا لليأس؟ فلقد والله رأيت روكسان نفسها شاحبة اللون، ~~وهي ترقب المبارزة وتتبعها. # سيرانو ~~: # أكانت حقا شاحبة؟ # لوبريه ~~: # إن قلبها وخاطرها لفي عجب؛ فتشجع وتحدث إليها لعلها ... # سيرانو ~~: # تسخر من قبحي ... لا، فإن هذا هو الشيء الوحيد في العالم الذي أخشاه. ~~(يدخل حارس الملهى.) # الحارس ~~: # سيدة تسأل عنك يا سيدي. # سيرانو ~~(يلمح وصيفة روكسان قادمة إليه) ~~: # يا إلهي هذه وصيفتها. # المشهد السادس # الوصيفة ~~: # كلفت يا سيدي بأن أعرف في أي مكان يصلح لسيدة معروفة أن تقابل ابن عمها ~~الشجاع الباسل على انفراد بمنأى عن العيون والرقباء ... # سيرانو ~~: # أتريد مقابلتي أنا؟ # الوصيفة ~~: # نعم يا سيدي، إنها تريد أن تتحدث إليك في أمر ما. # سيرانو ~~: # في أمر ما؟ يا للعجب، وماذا عسى أن يكون؟ # الوصيفة ~~: # في شئون خاصة يا سيدي. # سيرانو ~~: # يا إلهي. # الوصيفة ~~: # غدا حين يتورد وجه النهار، ويصطبغ محيا الصباح بأرجوان الشق، ستذهب للصلاة ~~في كنيسة سان روك. # سيرانو ~~: # يا إلهي؟ # الوصيفة ~~: # ففي أي مكان بعد الصلاة تستطيع سيدتي أن تخلو بك ... عجل بالجواب؟ # سيرانو ~~: # دعني أفكر! في مطعم ... راجينو ... الحلواني ... # الوصيفة ~~: # وأين يكون؟ # سيرانو ~~: # في شارع ~~(ينسى من فرط اضطرابه مكان الحان) # في شارع سان أونوريه! ... # الوصيفة ~~: # حسنا يا سيدي ... فلتكن في انتظارنا هناك في السابعة من الصباح. # سيرانو ~~: # بلا أدنى شك. # المشهد السابع # سيرانو ~~(مضطرب الفؤاد مرتميا على صدر صاحبه) ~~: # يا الله ... أموعد منها؟ ... # لوبريه ~~: # لا تحزن إذن، ولا تبتئس بعد الآن. # سيرانو ~~: # لتحترق الدنيا، وليفن العالم فما أحفل اليوم به ... إذ حسبي أنها قد عرفت أن ~~سيرانو في هذا العالم يحيا. # لوبريه ~~: # والآن لعلك تهدأ؟ # سيرانو ~~: # الآن ... ولكني الآن في جنة، أنا عاصفة تهدر، وسماء تصعق ... ألا من جيش كامل ~~أنازله ... فإن لي الآن عشرة قلوب تخفق في صدري، وإن لي عشرين ذراعا ... ولا ~~يكفيني الأقزام لأقدها بسيفي ... ألا من عمالقة؟ ~~(تبدو أشباح الممثلين في هذه ms027 اللحظة على المسرح، وأصواتهم ~~الخافتة تترامى في الردهة، وقد بدأوا يتمرنون على إلقاء أدوارهم في الرواية ~~القادمة.) # أحدهم ~~(وقد سمع صوت سيرانو) ~~: # ما هذه الأصوات، ونحن نتمرن على الرواية؟ # سيرانو ~~(إلى الممثلين الواقفين فوق المسرح وديعا ضاحكا) ~~: # لا بأس ... سنذهب في الحال ~~(ولكنه عند الباب يرى ~~كويجي، وبريساي، وبعض الضباط والجنود، وقد حملوا رجلا من فرط السكر لم تعد ~~ساقاه تقويان على حمله) ~~. # كويجي ~~: # لقد أحضروا إليك رجلا أخذ فيه الشراب ... # سيرانو ~~(وقد عرفه) ~~: # يا عجبا ... هذا لينيير، فماذا؟ # كويجي ~~: # إنه يبحث عنك ... # بريساي ~~: # ولا يجرء على الذهاب إلى بيته. # سيرانو ~~: # ما الذي يمنعه من ذلك؟ # لينيير ~~: # لقد جاءني هذا الكتاب ينبئني بأن مائة رجل سيكمنون لي عند بوابة «نل» ~~ليقتلوني، وما أحسب إلا أنهم قد استؤجروا شفاء لموجدة، ورغبة في انتقام، ولعلك ~~لم تنس أنت تلك القصيدة الهجائية التي قلتها، ولا بد لي من المرور بذلك الموضع ~~في طريقي الليلة إلى بيتي، ولست على هذا جريئا، فهلا أذنت لي في المبيت الليلة ~~تحت سقف بيتك. # سيرانو ~~: # أتقول مائة رجل؟ يمين الرحمن إنك الليلة ستنام في بيتي. لينيير: ولكن ... كيف ~~يا صاح وأنا ... # سيرانو ~~(في عنف وصوت قاصف، مشيرا إلى المصباح المضاء الذي يحمله ~~بواب المسرح، وكان هذا هاجه الفضول؛ فتلكأ ليسمع الحديث) ~~: # خذ المصباح منه. ~~(لينيير مذعنا لا يقول شيئا.) # سيرانو ~~: # هيا بنا ... وأقسم لك إنني سأهيئ لك مرقدك بنفسي في هذه الليلة ~~(إلى الضباط والجنود) # اتبعونا، ولكن عن بعد ... ~~لتكونوا على ما سيجري شهودا. # كويجي ~~: # ولكن مائة رجل ... # سيرانو ~~: # لو كانوا دون ذلك لما رضيت قتالا ... ~~(وكان الممثلون والممثلات في ثياب التمثيل قد نزلوا في تلك ~~اللحظة من المسرح، ووقفوا يصغون إلى الحديث.) # لوبريه ~~: # وعلام تورط نفسك في أمر كهذا؟ # سيرانو ~~: # يا عجبا لوبريه الذي يعلم، هو الذي يؤنب ويلوم. # لوبريه ~~: # ولكن ألذلك السكير الحقير؟ ... # سيرانو ~~(مقاطعا وهو يأخذ لينيير تحت جناحه، ويربت على كتفه ~~ملاطفا) ~~: # اعلم أن هذا السكير الذي يملأ كل ليلة جوفه خمرا، بل هذا ms028 الدن أو الراقود، ~~فعل ذات يوم فعلة جميلة، وذلك أنه بينما كان يهم بالخروج من الكنيسة بعد الصلاة ~~إذ رأى حبيبته وهي تشرب من الماء المقدس، فما كان منه وهو الذي يعاقر الخمر، ~~ويعاف الماء القراح إلا أن أسرع نحو جرن الماء المقدس، فشرب ذلك الماء إلى آخر ~~قطرة. # إحدى الممثلات ~~(في زي وصيفة) ~~: # حقا إنه لعمل جميل. # سيرانو ~~: # ألم أقل الحق أيتها الوصيفة؟ # الوصيفة ~~(للآخرين) ~~: # ولكن لماذا يتألب مائة على شاعر مسكين كهذا، وأي ذنب جناه؟ ~~(ولكن أحدا لم يجبها عن سؤالها ...) # سيرانو ~~: # هلموا بنا ... ~~(إلى الضباط) # وأنتم أيها ~~السادة حين ترونني أحمل على القوم لا يتقدم أحد منكم نحوي لمعونة، ولا تحاولوا ~~مددا ... # ممثلة أخرى ~~(تقفز من فوق المسرح) ~~: # لكم الله ... خذوني معكم لأشاهد وأرى. # سيرانو ~~(لها ضاحكا) ~~: # هيا إذن معنا. # ممثل ~~(يقفز من مكانه في البهو، ويلتفت إلى زميل له) ~~: # وأنت ألا تذهب معنا لتشهد كيف يخضب الدم الثرى # سيرانو ~~: # تعالوا جميعا ... وهلموا بجمعكم ... ليكتمل المهرجان بكم، ويقترن من هذه الرواية ~~التي ستمثل ... الجد فيها بالمهزلة، والوقار بالسخرية ... ~~(النساء جميعا يتراقصن من الفرح، ويصفقن، وترتفع ~~الأصوات.) # سيرانو ~~: # لتبدأ فرقة الموسيقى عزف دور المسير. ~~(يتألف موكب بديع ينضم ضاربو الكمان إليه، وينتزعون الشموع التي ~~تضيء جوانب المسرح ليتخذوا منها مشاعل في الطريق وأنواره.) # سيرانو ~~: ~~(يتقدم الضباط والجنود، تتلوهم النساء أترابا، في ~~أرديتهم، وثياب تمثيلهم أسرابا، وعلى عشرين خطوة من ورائهن) # سأمشي أنا بمفردي، تحت هذه الريشة التي زان المجد بها قبعتي، فخورا معتزا ~~بشجاعتي وكرامتي، ولكن حذار أن يتقدم أحد لمعونتي ... والآن هلموا، واحد، اثنان، ~~ثلاثة، يا حارس! افتح الأبواب. ~~(وهنا تلوح باريس للعيان في سر الليل الرهيب، وهي تمتد وتتباعد، ~~تحت ضياء القمر.) # سيرانو ~~: # ها هي ذي باريس قد لفها الليل بسواد ردائه، وها هو ذا القمر يسيل لجين ضيائه ~~على منحدر السقوف الزرقاء، فما أنسبه لمعركة الليل زينة، وما أجمله لصورتها ~~إطارا، بل ها هو ذا نهر السين كالمرأة الساحرة يرعش ويضطرب تحت وشاح من ~~البخار، ms029 وما هي إلا لحظة حتى تشاهدوا ما أنتم مشاهدوه ... # الجميع ~~: # إلى باب نل ... إلى باب نل ... # سيرانو ~~(على عتبة الباب صارخا) ~~: # نعم إلى باب نل، إلى الممثلة التي كانت منذ لحظة تسأل عن سر تألب مائة رجل ~~على رجل، ألم تسألي يا فتاة: ما الذي جمع مائة رجل على واحد بمفرده؟ ~~(يستل سيفه) # السر يا حسناء أنهم عرفوا أن ذلك ~~الرجل صاحبي، ولعنة الله على من يخذل صاحبه ... ~~(ينطلق منصرفا، يجري لينيير في أثره مترنحا متعثرا، ~~يتبعه الجمع من الضباط، والجنود، والممثلين، والممثلات بينما راحت الموسيقى تدق ~~أعذب النغمات، والليل رهيب، والمشاعل ترسل ظلالا متراقصة.) # | الفصل الثاني # المنظر (مطعم الشعراء) # كان راجينو «الحلواني» و«الكبابجي» يطل على شارعين: شارع سان أندريه، وشارع لابرسك، أي ~~الشجرة الجافة. # المنضدة الرخامية المستطيلة التي تصف فوقها الصحاف والأكواب قد أقيم فوقها رف من صلب علقت ~~بالخطاطيف منه أنواع الطير مختلفة بين إوز وبط وديكة، وهناك أوان من الخزف تحمل باقات من ~~الزهر، وأصص من عباد الشمس، وغيره من الأزهار ... ثم موقد لدفء طيب، ونار مشبوبة من فوقها ~~سفاقيد، وأوعية للشواء والطهي بأنواعه، وعن اليمين سلم قليل الدرجات، يؤدي إلى غرفة ذات ~~مائدة لمن يريد الخلوة إلى طعام وشراب، وقد انفرع عن السلم دهليز خشبي يفضي إلى غرف أخرى ~~مماثلة ... وفي وسط الحانون يتدلى طوق كبير من حديد له بكرة لرفعه وخفضه، وقد استدارت من حوله ~~لحوم الصيد ... # وكانت (الأفران) تبدو من تحت السلم من لهبها الحمراء، ونيرانها المتقدة، وقد برقت عندها ~~الآنية النحاسية من صقلتها ولمعانها، واجتمعت أكوام من المآكل والأطعمة في أشكال هندسية ~~مربعات، ومخاريط كالأهرام. # وكان النهار قد طلع وبدأت الحركة في المطعم لإعداد معدات اليوم ومطالبه ... وصبيان الطهاة ~~في شغل رائحين غداة ... والطباخون السمان البطان، ومن يلونهم من الخدم والغلمان في الطهي ~~وضعوا قلانسهم البيضاء فوق رؤوسهم مزدانة بريش كثير من ريش الديكة والدجاج، وهم يحملون فوق ~~ألواح معدنية، أو خيزرانية أكداسا مكدسة من الفطائر، والكعك، وصنوف الحلوى. # وفي نواحي الحانوت وأرجائه ms030 مناضد صفت حولها الكراسي، ووضع عليها ما لذ وطاب من صنوف ~~المآكل، وصحاف الطعام. # المشهد الأول ~~(يشاهد راجينو عند رفع الستار جالسا إلى منضدة صغيرة قائمة في ركن ~~من الحانون، عليها الدفاتر والأوراق ... وهو منهمك في الكتابة، سابح المخيلة، رافع بصره ~~إلى السماء، يعد على أصابعه بين لحظة وأخرى.) # طاه ~~(يحمل وعاء ممتلئا بالحلوى) ~~: # حلوى بالفاكهة ... «نوجا». # طاه ثان ~~(يحمل طبقا) ~~: # حلوى «كستر». # طاه ثالث ~~(يحمل ديكا محمرا فوق ريشه) ~~: # طاووس. # طاه رابع ~~(يحمل صينية عليها فطائر الحلوى) ~~: # فطائر رقاق. # طاه خامس ~~(يحمل قدرا) ~~: # مرق لحم بقري. ~~(راجينو ينقطع عن الكتابة، ويرفع عن الدفاتر رأسه.) # راجينو ~~(لنفسه) ~~: # ها هو الفجر قد بدأت تتألق فضته على الآنية النحاسية، ولا تزال يا راجينو ~~مضطرا إلى خلق وحي الشاعرية للذي يطير في صدرك، ولن تلبث أن تحين ساعة ~~الغناء، وألحان القيثار ... الآن سأعد «المواقد» والأفران ... ~~(ثم ينهض من مجلسه، ويوجه كلاما لأحد الطهاة) # هذا المرق سميك يا هذا ألا خففته؟ # الطاهي ~~: # إلى أي قدر أخففه؟ # راجينو ~~: # اسكب عليه الماء حتى يرتفع إلى ثلاثة أقدام. ~~(يبتعد عنه.) # الطاهي ~~: # كذا! # الطاهي الأول ~~: # إلي «بالتورتة»! # الطاهي الثاني ~~: # لقمة القاضي! # راجينو ~~(يقف أمام موقد قريب منه) ~~: # يا بنات الشعر، عودي إلى خدورك لئلا تلتهب الأعين الساحرة من أجيج النيران ~~الثائرة. ~~(طاه يقربه ويعرض عليه خبزا) # لقد أخطأت ~~وأسأت التقسيم، ألا تعلم أن المقطع ينبغي أن يكون بين المصراعين لوزن الشطرين؟ ~~(إلى آخر يعرض عليه فطيرة كبيرة لم تستكمل ~~نضجها) ~~، هذا قصر بلا سقف، فأضف له سقفا ~~(وإلى طاه ثالث من ناشئة الطهاة، وكان يشوي دجاجا على السفود) # وأنت يا بني، أراك لا ينضج لك شواء، إنك تنظم الدجاجة الصغيرة مع الديك الكبير ~~في سفود واحد، وكان يجب أن تنظم كالشاعر «ما لرب» البيوت الطويلة متناوبة مع ~~البيوت القصيرة، وأن تدير على النار مجموعات متراصة من الشواء. # طاه ناشئ ~~(يتقدم من صنعة الحلوى، يحمل وعاء مغطى) ~~: # لقد تذكرت أيها «المعلم» ذوقك، وما تحب ويروقك، فاصطنعت هذا الصنف لك ms031 فعله ~~سيسرك ~~(يكشف الغلام عندئذ عن فطيرة مطهوة في شكل ~~قيثارة) ~~... # راجينو ~~: # متهلل الوجه: قيثارة؟ # الطاهي الناشئ ~~: # نعم ... وهي من الدقيق، والزبد، والبيض، والسكر ... # راجينو ~~(متأثرا) ~~: # وفواكه مجففة مسكرة. # الطاهي الناشئ ~~: # ألا ترى إلى أوتاره كيف صنعتها من السكر؟ # راجينو ~~(ينفحه ببعض الدراهم) ~~: # خذ هذا لتشرب كأسا في صحتي ... ~~(يرى زوجته ليز قادمة) # اذهب ولا تبطئ، وأخف ~~القطعة التي أعطيتك ~~(ويتجه صوب ليز امرأته، فيريها ~~القيثار، وبه حرج) # أليست رائعة؟ # ليزا ~~(متأففة ضجرة) ~~: # إنها لسخافة وعبث ~~(تضع على المنضدة رزما من أوراق ~~ولفائف لتصطنع منها أكياسا صغارا لصنع الحلوى) ~~. # راجينو ~~: # ما هذا؟ أأكياسا أرى؟ شكرا لك ~~(يدنو من الأوراق ~~ليتأملها) # يا إلهي كتبي المبجلة، وقصائد أصحابي، سولت لك النفس ~~تمزيقها على هذه الصورة وتشويهها، لتصطنعي منها أكياسا للفطائر، ها أنت تعيدين ~~تمثيل القصة القديمة ... قصة أورفيوس، وكاهنات باخوس. # 1 # ليزا ~~(بجفوة) ~~: # ألست حرة على الأقل في الانتفاع بهذا الشيء الوحيد الذي يتركه كتابك الأردياء ~~أصحاب الأشعار المبتورة ثمنا لما طعموا وشربوا؟ # راجينو ~~: # أيتها النملة ... لا تسبي الجنادب المقدسة، معاشر الشعراء الصادحين بأعذب الشعر ~~وأحلاه نغما. # ليزا ~~: # لم تكن قبل معرفتك بهذه الطغمة من الصحاب والأصدقاء تدعوني نملة، وتشبهني ~~بكاهنات باخوس. # راجينو ~~: # أهكذا بالشعر تصنعين؟! # ليزا ~~: # لا شيء خلاف ذلك. # راجينو ~~: # وما تصنعين إذن بالنثر يا سيدتي؟ # المشهد الثاني ~~(يدخل غلامان صغيران يقفزان قفزا.) # راجينو ~~: # ماذا تطلبان أيها الصغيران؟ # أحدهما ~~: # ثلاث فطائر. # راجينو ~~(بعد أن يعطيهما) ~~: # انظر كيف هي طازجة ساخنة. # الغلام الثاني ~~: # هلا تفضلت يا سيدي فلففتها لنا. # راجينو ~~(وهو حائر متألم يقول لنفسه) ~~: # يا للأسف! سأفارق قصيدة من قصائد أصحابي ~~(إلى ~~الغلامين) # أو لا بد من لفها؟ ~~(يتناول كيسا من الورق، ويهم بأن يضع فيه الفطائر ~~لولا أن أخذت عينيه من الكيس هذا الشطر ~~«ولما فارق عولص حسناء ~~بنيلوب» ... ليس هذا! ~~(وتناول كيسا آخر، وكاد يضع ~~الحلوى في جوفه لولا أن قرأ على ظاهره) ~~«فيبيس الشقراء» ... لا، لا، ~~ليس هذا. # ليزا ~~(وقد عيل صبرها) ~~: # ما هذا التلكؤ؟ # راجينو ~~: # ها ms032 هو، ها هو، ها هو. ~~(يتناول كيسا ثالثا بيد ~~راعشة مستسلمة، ويلقي عليه نظرة ... ثم يقول) ~~«أغنية المناجاة ... إلى ~~فيليس»، فلتكن هذه وإن كان فراقي لها محزنا قاسيا. # ليزا ~~: # الحمد لله على أنك انتهيت من تخير الأكياس أخيرا ~~(تهز كتفيها) ~~، يا لك من متردد جبان # 2 ~~(تصعد مقعدا، وتصف الصحاف، وتنسق ~~الآنية) ~~. # راجينو ~~(يراها متولية عنه، فيغفلها فينادي الغلامين، وكانا قد بلغا ~~الباب) ~~: # هلا رددتما لي «مناجاة فيليس»، وأخذتما ست قطائر بدلا من ثلاث؟ ~~(فما إن يسمع الصبيان هذه المساومة الرابحة حتى يدفعا بالكيس ~~إليه، ويتناولا الفطائر الست، وينصرفا مسرعين.) # راجينو ~~(ينشر الورقة، ويتلو ما فيها من الشعر) ~~: # فيليس! يا أسفاه على هذا الاسم البديع الفاتن، الحلو الرنين ... فيليس لقد تلوث ~~بزبد الفطيرة. # المشهد الثالث ~~(يدخل سيرانو مسرعا.) # سيرانو ~~: # كم الساعة الآن؟ # راجينو ~~(وقد رأى سيرانو يدخل الحانوت مسرعا، ينحني انحناءة ~~بالغة) ~~: # أحسبها السادسة. # سيرانو ~~(بلهجة حماسة وانفعال وقلق) ~~: # لم يبق إذن على الموعد غير ساعة واحدة ~~(يذرع ~~الحانوت ذهابا وجيئة، ويمشي راجينو في أثره) ~~. # راجينو ~~: # مرحى! لقد رأيت ... # سيرانو ~~: # ماذا؟ # راجينو ~~: # معركتكم ... # سيرانو ~~: # أية معركة؟ # راجينو ~~: # المعركة الرائعة التي جرت في فندق بورغونيا. # سيرانو ~~(بازدراء) ~~: # آه ... المبارزة! # راجينو ~~: # أجل ... المبارزة في الشعر. # ليزا ~~: # هو هكذا أبدا، لا يتكلم في شيء سواه. # سيرانو ~~: # ما في ذلك من بأس. # راجينو ~~(يجرح نفسه بسفود أمسك به) ~~: # وفي المقطع الأخير أصيب! وفي المقطع الأخير أصيب! حقا إن هذا لبديع. # سيرانو ~~(بقلق وصبر نافد) ~~: # كم الساعة الآن يا راجينو؟ # راجينو ~~(وكان قد وقف يلوح بسفوده كأنه السيف في كفه مقلدا سيرانو ~~حين كان يجالد المركيز، ويصوب الطعنات إليه؛ فأمسك بصره إلى الساعة المعلقة فوق ~~الجدار) ~~: # الدقيقة الخامسة بعد السادسة، ولكن دعني أتمثل بختام الأبيات المرتجلة حيث ~~تقول: «في المقطع الأخير أصيب» ... لي الله ما أشوقني إلى نظم موشح غنائي. # سيرانو ~~: # بإزاء المنضدة الرخامية المستطيلة، ويسلم على ليزا وهو شارد الفكر، فترى يده ~~جريحة. # ليزا ~~: # ما الذي أصاب يدك؟ # سيرانو ~~: # لا شيء، جرح خفيف. # راجينو ms033 ~~: # هل جرى لك حادث سوء، أو تعرضت لخطر؟ # سيرانو ~~: # لا شيء مطلقا. # ليزا ~~(تهدده بإصبعها) ~~: # لست تقول حقا. # سيرانو ~~: # وهل رأيت أنفي يرعش وأنا أتكلم؟ إن مثل هذه الحركة تدل على إفك عظيم ~~(يغير لهجته) # إنني أنتظر هنا بعض الناس، فإذا ~~جاءوا فاتركونا وحدنا، ولا تزعجونا لشيء ما حتى ولو قامت القيامة، وأزفت ~~الآزفة. # راجينو ~~: # ولكن هذا مستحيل؛ فإن أصحابي الشعراء قادمون. # ليزا ~~(بتهكم لاذع) ~~: # لكي يتناولوا وجبتهم الأولى. # سيرانو ~~(للحلواني متلطفا) ~~: # أرجو أن تتنحى بهم ناحية حين ترى إشارة مني ... خبرني كم الساعة الآن؟ # راجينو ~~: # السادسة وعشر دقائق. # سيرانو ~~(يفتقد مجلس راجينو إزاء منضدته، وهو في حال من القلق ~~ظاهرة، يتناول ورقة من فوقها) ~~: # علي بقلم. # راجينو ~~(يدفع إليه بالقلم الذي كان قد وضعه خلف إحدى أذنيه) ~~: # هاكه فإنه من ريش بجعة. ~~(يدخل الحانوت فارس من حرس الملك، له شارب كبير.) # الفارس ~~(بصوت راعد) ~~: # طاب صباحكم. ~~(ليزا تسرع إليه.) # سيرانو ~~(متأملا) ~~: # من هذا؟ # راجينو ~~: # هذا صاحب لزوجتي، وهو جندي مخيف، ومقاتل جبار كما يزعم هو عن نفسه. # سيرانو ~~(يتناول القلم في يده ويشير إلى راجينو ليبتعد) ~~: # سكوتا ~~(ثم يناجي نفسه) # أكتب الكتاب ~~وأطويه ... وأدفع به إليها، وأنطلق هربا ~~(ولكنه يلقي ~~بالقلم من كفه) # يا لي من جبان ... يخيل إلي أنني أموت، أو أصعق قبل ~~أن أجترئ على مفاتحتها بما في فؤادي، أو أنطق أمامها بكلمة واحدة ~~(إلى راجينو) # كم الساعة؟ # راجينو ~~: # السادسة والربع. # سيرانو ~~(يضرب صدره بيده) ~~: # ألا من كلمة واحدة من الكلمات التي يزخر بها صدري هذا! ~~(يتناول القلم مرة ثانية) ~~. # والآن لأكتب هذه الرسالة الغرامية التي ألفتها، وأعدتها في نفسي مائة مرة ~~ومرة ... وما علي إلا أن أضع روحي بجانب القرطاس لأنسخ صورة مما فيها عليه ~~(وبينما هو مكب على الكتاب لاحت له من وراء الباب ~~الزجاجي أشباح هزيلة مترددة) ~~. # المشهد الرابع # ليزا ~~(إلى زوجها مهرعة، غضبى، متبرمة) ~~: # ها هم أولاء شعراؤك المهلهلون قد حضروا. ~~(يدخل الشعراء في ثياب سود، ترتمي أطراف جواربهم فوق وجوه ~~أحذيتهم؛ لافتقارها ms034 إلى الحمائل والأربطة، وهم شعث، غبر، تتلطخ بالأوحال ~~أرديتهم.) # أولهم ~~(إلى راجينو محييا) ~~: # السلام على نسيبي في الشعر والفن. # الثاني ~~(باليد مصافحا) ~~: # سلام على نسيبي العزيز. # الثالث ~~(مناديا) ~~: # تحية لك أيها النسر المحلق وسط طهاة الحلوى والفطير ~~(يرفع أنفه ليشم الفطائر) # حقا ما أزكى رائحة عشك. # الرابع ~~: # لقد انقلبت «فيبيس» ربة النور حلوانيا ... # الخامس ~~: # السلام على «أبوللون» # 3 # رب الطهاة البارعين. ~~(يجتمعون من حوله يعانقونه، ويتملقونه، ويدورون به.) # راجينو ~~: # ما أروح النفس إليكم، وما آنس الخاطر بكم، كلما اجتمعتم تهللت لكم الروح ~~تهللا. # الأول ~~: # لقد عاقتنا جموع الغوغاء عن البكور إليك، فإن الزحام كان شديدا حول «بوابة ~~نل». # الثاني ~~: # وقد تجمهر الناس، وأحاطوا بجثث ثمانية من اللصوص كانت طريحة فوق الأفاريز ~~مثخنة الجراح، كست أديم الأرض خضابا. # سيرانو ~~(مكبا على الكتاب الذي بين يديه، ولكنه إذ يسمع صوت هذا ~~الراوي يرفع بصره) ~~: # ثمانية! كنت أظنهم سبعة. ~~(يعاود ~~الكتابة) ~~. # راجينو ~~(لسيرانو) ~~: # وهل عرفت يا سيدي من يكون بطل المعركة؟ # سيرانو ~~(دون أن يرفع إليه ناظره، أو يحتفل بالجواب) ~~: # لست أنا ... # ليزا ~~(إلى الفارس) ~~: # وأنت هل تعرفه؟ # الفارس ~~(وهو يفتل شاربيه) ~~: # ربما ... # سيرانو ~~(وهو لا يزال منشغلا بكتابته مغمغما) ~~: ~~«أحبك ... أحبك ...» # الشاعر الأول ~~: # ولقد سمعت بأن رجلا واحدا هو الذي دوخ عصابة بأكملها، وبدد شملها! ... # الثاني ~~: # يا له من مشهد عجيب، الهراوات والأسنة كانت تغطي الأرض! ... # سيرانو ~~(لا يزال يكتب) ~~: # وإن عينيك. # الثالث ~~(في حماسة بالغة) ~~: # وكان الناس يجدون القبعات والقلانس حتى ساحل نهر السين. # الأول ~~: # يا لله لا بد أن يكون ذلك البطل وحشا ضاريا ... # سيرانو ~~(كدأبه) ~~: # وإن شفتيك ... # الأول ~~: # لقد كان صاحب هذه الفعال الجسام بلا ريب ماردا جبارا يقذف الرعب في القلوب ~~... # سيرانو ~~(مكبا على القرطاس) ~~: # وحين أراك دانية أنتفض من الرعب، وتسري الرعدة في أوصالي ... # الثاني ~~(وهو يلتهم فطيرة أهوى عليها) ~~: # ألا تنشدنا يا راجينو مما نظمت أخيرا؟ # سيرانو ~~(وقد هم في تلك اللحظة أن يمهر الكتاب بتوقيعه) ~~: # من الذي يهواك؟ ~~(ولكنه أمسك ونهض من مجلسه، ودس ~~الكتاب ms035 طي ثوبه) # لا ضرورة للتوقيع ما دمت سأدفع إليها الكتاب ~~بنفسي . # راجينو ~~(للشاعر الثاني) ~~: # لقد وصفت وصفة من الفطير في قصيدة خريدة من الشعر الذي اختمر في صدري. # الثالث ~~(وقد جلس إلى صحيفة حوت قطعة من الحلوى المزيجة ~~بالقشدة) ~~: # هلم أسمعنا ما قلت؛ فكلنا آذان ... # الرابع ~~(ينظر إلى فطيرة قد تناولها صاحبه) ~~: # ما لي أرى قبعتها منحرفة إلى ناحية، ألا يحسن أن نأتيها بأسناننا ننقص من ~~أطرافها لتعتدل، ويستقيم غطاء رأسها ... ~~(ويهوي على ~~الفطيرة فيقضم رأسها) ~~. # الأول ~~: # انظروا إلى هذه الكيكة المحلاة بالجنزبيل، إنها لتغمز للشاعر الساغب بعينيها ~~اللوزيتين، وحاجبيها المصنوعتين من حشيشة الملائكة، فتستبيه بحسنها الفتان ~~(يلتهمها التهامة الحوت ~~المفترس) ~~. # الثاني ~~: # أسمعنا قصيدتك. # الثالث ~~(يضرب بأصبعه جوف فطيرة محشوة بالقشدة) ~~: # يا لله ما بالها، هكذا تومض ضاحكة حتى ليسيل عسلها على جوانبها، وينبعث من ~~جوفها الدسم الشهي للطاعمين. # الثاني ~~(وقد أنشب أسنانه في الفطيرة المصنوعة على صورة ~~القيثارة) ~~: # يا لله! هذه هي أول مرة في حياتي تغذيني القيثارة فيها أشهى الأنغام مؤنة ~~... # راجينو ~~(استعد للإنشاد فتنحنح، وسعل وأرخى قبعته على جبينه، ووقف ~~وقفة شاعر معجب بنفسه) ~~: # إليكم قصيدتي في وصفة اللوزينج. ~~(الشعراء في شغل بالتهام الفطائر، والانقضاض على الكعك ~~والحلوى.) # الثاني ~~(للأول وهو يدفعه بمرفقه) ~~: # أتتناول طعام إفطارك؟ # الأول ~~(للثاني) ~~: # أتتناول عشاءك؟ # راجينو ~~: # والآن إليكم وصفة كعكة اللوز. # اخفق البيض خفيفا، ولكن مسرعا ... حتى يتكاتف زلاله مع محه فلا يكون مائعا، ~~وأخلط مع خفضه به عصير ليمون طيبا رائعا ... وضع على الخليط اللبن واللوز معا ~~... ثم أحط خصر القالب الجميل بالعجين، وخطط على القمة التقاسم برفق ولين ... واقطر ~~المزيج بخفة ورشرشة ... وهات القشدة الصريحة المنعشة، فاسكب منها سكبا طيبا ... ~~وأدخل القوالب في الفرن قالبا قالبا ... فإذا أخرجتها كانت محمرة الأديم ... ~~وظفرت من أكلها بمتاع ونعيم ... وصحت في فرح وحمية ... إنها لوزية أي لوزية! # الشعراء ~~(ترتفع أصوات الشعراء بالهتاف، وقد امتلأت بالفطائر ~~أشداقهم) ~~: # عظيم! لذيذ! # شاعر ~~(يكاد يختنق من الطعام) ~~: # أحسنت! ~~(الشعراء ينصرفون إلى موضع آخر من الحانوت وهم منتفخو ms036 الأشداق ~~بالطعام.) # سيرانو ~~(لراجينو، وكان يتأمل هذا المشهد الغريب) ~~: # ألم تر إليهم كيف يطربهم صوتك؛ فشرهوا على الطعام؟ # راجينو ~~: # نعم رأيت ذلك، ولكني تظاهرت بأني لا أرى حياء منهم، وخوفا من إيلامهم، وهكذا ~~أكتسب سرورا مضاعفا، وأجني لذة مزدوجة حين أنشدهم أشعاري؛ لأنني أتركهم ~~أحرارا يأكل منهم من لم يأكل، وفي الوقت ذاته أحقق شهوتي للشعر، وهو ضعف في ~~ممتع. # سيرانو ~~(وهو يربت على كتفه) ~~: # إنك تعجبني! ~~(ينصرف الحلواني لينضم إلى رفاقه، ~~يتبعه سيرانو بناظريه، ثم ينادي زوجة الحلواني بحدة، وكانت تتحدث إلى ~~الفارس حديث الغرام) # ما الأمر يا ليز، أهذا الضابط يحاصرك؟ # ليزا ~~(بغضب) ~~: # إن نظرة ازدراء واحدة مني تعرف كيف تقهر أي رجل إن هو اجترأ على عفافي ~~وفضائلي. # سيرانو ~~(بسخرية) ~~: # لكني أرى الأعين القاهرة ضعيفة مستسلمة ... # ليزا ~~(تستشيط غضبا) ~~: # ولكن ... # سيرانو ~~(بلهجة حادة قاطعة) ~~: # إنني أحب راجينو، وأنت فلتعلمي يا سيدة ليز أنني لن أسمح بأن يجعل ضحكة من ~~أحد مهما كان شأنه. # ليزا ~~: # ولكن ... ~~(تحاول ليزا أن تتكلم، ولكنه يستبقها رافعا صوته بالنذير ~~والوعيد لكي يبلغ ذلك الجريء الفاجر الذي يغازلها.) # سيرانو ~~: # ليتعظ من يسمع. ~~(يحيي الضابط، ويمضي إلى الباب القصي ليراقب بعد أن تطلع ~~إلى ساعة الجدار.) # ليزا ~~(إلى الضابط، وكان هذا قد رد على تحية سيرانو فحسب) ~~: # إني لأتعجب منك ... أهذا كل جوابك؟ هل فاتك أنفه؟ # الضابط ~~(مرتبكا) ~~: # أي والله، إنه أنفه، حقا إن أنفه ... ~~(يتقدم ولكن في ناحية بعيدة متحاشيا الدنو من سيرانو، وهي ~~تتبعه وتتأثره لتعرف أين هو ملتمس أن يذهب.) # سيرانو ~~(وهو لدى الباب يشير إلى راجينو ليصرف الشعراء ~~بعيدا) ~~: # هيا ~~(فينتحي الحلواني بالشعراء إلى ناحية الباب ~~الأيمن) ~~. # راجينو ~~: # تعالوا بنا إلى هذه الحجرة؛ فنستمتع بخلوة لنا طيبة. # سيرانو ~~(وقد عيل صبره) ~~: # هيا، هيا ~~(يبتعد راجينو بهم أكثر من ذلك ~~وأنأى) ~~. # راجينو ~~: # تعالو معي لمطارحة الشعر. # الشاعر الأول ~~(ولا يزال فمه بالفطير مزدحما) ~~: # إلى أين؟ إلى أين؟ والفطائر! ... # الثاني ~~: # نأخذها معنا. ~~(يهجمون على الأواني والأوعية هجمة مضرية، حتى يتركوها من ~~الحلوى ms037 والأطعمة خالية، ويذهبون في صف متتابع رهيب في أثر راجينو.) # المشهد الخامس # سيرانو ~~(لنفسه) ~~: # إذا أنا لمحت أقل بارقة من الأمل دفعت بالكتاب إليها ~~(تدخل روكسان وقد أرخت على محياها نقابا، وفي أثرها ~~وصيفتها، وهي تتهادى متقدمة نحوه، وخيالها يلوح له خلف زجاج الباب؛ فيبادر ~~إليه يفتحه على عجل) # ادخلا ~~(للوصيفة) # كلمتان معك يا سيدتي. # الوصيفة ~~: # بل أربعا يا مولاي. # سيرانو ~~: # هل تحبين الطعام الشهي؟ # الوصيفة ~~: # آكل حتى ينتابني منه المرض. # سيرانو ~~(يمد يده إلى الأكياس الورقية فوق المنضدة فيتناول جملة ~~منها) ~~: # بديع ما تقولين ... أفرأيت إلى هاتين القصيدتين الغنائيتين للشاعر بنسراد؟ # الوصيفة ~~(بوجه يرثى له) ~~: # تبا لك. # سيرانو ~~: # سأملأ هذين الكيسين اللذين يحويانها بالكعك والفطير ... # الوصيفة ~~(متغيرة الوجه) ~~: # مرحى. # سيرانو ~~: # وما رأيك في الحلواء التي يسمونها القطائف. # الوصيفة ~~: # إذا حشيت بالقشدة كانت آية عجبا. # سيرانو ~~: # ها هي ذي ست منها أسقطها لك في قلب قصيدة للشاعر «سان أمانت»، وأزيدك عليها ~~في هذا الكيس الحاوي لأبيات من شعر شابلان قطعة أخرى أخف وزنا، ولكن أوفر ~~عسلا وسمنا ... والآن هل تحبين الفطير الساخن الخارج لساعته من اللهب؟ # الوصيفة ~~: # من صميم القلب. # سيرانو ~~(يملأ حضنها بالأكياس من مختلف الصنوف والأشكال ~~مزدحمة) ~~: # هيا كلي، واستمتعي بمذاقها في الشارع. # الوصيفة ~~(بتردد) ~~: # ولكن يا سيدي ... # سيرانو ~~(يصرفها برفق) ~~: # إياك أن تعودي قبل أن تأتي على آخر واحدة منها. ~~(يغلق الباب في أثرها، ويتقدم إلى روكسان فيحسر عن رأسه محييا، ~~ويقف على خطوات منها وقفة أدب بالغ، واحترام كثير.) # المشهد السادس # سيرانو ~~: # أسعد باللحظة التي تنازلت فيها إلى التفكير في وجود رجل مثلي يتنفس في هذه ~~الدنيا ويعيش ... وتفضلك بالمجيء لتخبريني ... لتخبريني؟ # روكسان ~~(معاجلة وقد حسرت النقاب عن محياها) ~~: # بل لأشكرك أولا، فإن ذلك الكونت الدعي الخليع الذي هزمته ليلة أمس بسيفك ~~البتار هو الذي كان أحد كبار الأشراف الهائم بحبي ... # سيرانو ~~: # الكونت دي جيش؟ # روكسان ~~(وهي تخفض الطرف) ~~: # يريد أن يفرضه علي فرضا، ويحملني على الرضى به زوجا. # سيرانو ~~(بلهجة مرة لذاعة) ~~: # يا عجبا زوجا ms038 لمثلك ... زوجا مزيفا ... ~~(منحنيا ~~بالتحية) ~~: ما أهنأني يا سيدتي الكريمة أن أعلم الساعة أني كنت ~~أقاتله في سبيل عينيك الساحرتين، ولم أكن أقاتله من أجل أنفي القبيح. # روكسان ~~: # وثانيا أردت ... ولكن قبل أن أبوح بما جئت أعترف لك به، أود أن أجد فيك مرة ~~أخرى الصديق الأخ الذي كنته في أيام الطفولة البريئة، أيام كنا نرتع ونستبق في ~~الغاب على ضفاف البحيرة ... # سيرانو ~~: # نعم، وكنت تأتين إلى برجراك كل صيف ... # روكسان ~~: # أفذاكر أنت القصب كيف كنت تقتطع من خشبه مضارب وسيوفا؟ # سيرانو ~~: # نعم، إني له لذاكر، فهل تذكرين كيف كنت تتخذين من «شواشي» الذرة جدائل ~~لعرائسك؟ # روكسان ~~: # تلك أيام ملاعب ولهو. # سيرانو ~~: # وعليق حامض لم يتم نضجه. # روكسان ~~: # ولقد كنت في تلك الأيام تفعلين كل ما أريد. # سيرانو ~~: # وكانت روكسان في ثوبها القصير تدعى مادلين ... # روكسان ~~: # أكانت جميلة في تلك الأيام؟ # سيرانو ~~: # بهجة الخاطر كنت، ومسرة العين. # روكسان ~~: # كم من أحيان كنت تأتي من التسلق دامي اليدين، وكنت أنا إذ أراك هكذا، أمثل ~~دور الأم فأقسو عليك وأؤنبك ~~(تتناول يده في ~~كفها) ~~، ولكن ما هذا الخدش الذي أرى؟ ~~(وقد استولت عليها الدهشة وهي ترى خدشا آخر) ~~: يا إلهي، وهذا خدش ~~آخر. ~~(ويهم سيرانو بسحب يده من إمساكتها.) # روكسان ~~: # كلا، دعني أرى، حتى بعد أن كبرت سنا، وأين حدث لك هذا؟ # سيرانو ~~: # أصابني وأنا ألعب وألهو عند بوابة نل. # روكسان ~~(تجلس إلى مائدة، وتغمس طرف منديلها في قدح من ~~الماء) ~~: # هات يدك. # سيرانو ~~(يجلس بجانبها) ~~: # يا لها من أمومة حدبة حانية! # روكسان ~~: # خبرني وأنا أمسح الجرح، وأزيل الدم عنه، كم اجتمع من المقاتلين عليك؟ # سيرانو ~~: # مائة أو نحوهم. # روكسان ~~: # نبئني بالتفصيل ما جرى ... # سيرانو ~~: # اتركي هذا الموضوع، وحدثيني أنت عن الذي لم تجرئي على إعلانه ... # روكسان ~~(وهي لا تزال ممسكة بيده) ~~: # الآن أستطيع أن أتكلم؛ فإن ذكريات تلك الأيام العطرة قد شجعتني، الآن أستطيع ~~أن أبيحك سرا يتردد في صدري، فاستمع لي: إنني أحب ... # سيرانو ~~: # آه! ~~(ينتفض من الرعب، ولا يملك ms039 منع زفرة انبعثت من ~~أعماق جوانحه) ~~. # روكسان ~~: # ولكن الذي أحبه لا يدري بما في نفسي له ... # سيرانو ~~: # آه، ~~(يشتد اضطرابه، ويرسل زفرة أحر من ~~الأولى) ~~. # روكسان ~~: # مهلا إنه إلى الآن لا علم له ... ولكنه لن يلبث أن يكون به عليما ... # سيرانو ~~: # آه! ~~(يزفر زفراته وهو لا يملك النفس من فرط الدهشة ~~والذهول) ~~. # روكسان ~~: # هو شاب مسكين يهابني إجلالا، وقد أحبني من بعيد، ولكنه لا يجرؤ أن يعلن عن ~~حبه. # سيرانو ~~: # آه ... # روكسان ~~: # دع يدك في يدي ... ما بالها حارة كأنها من الحمى في مثل اللهب مستعرة، ولكني ~~رأيت اعترافاته ترتعد على شفتيه. # سيرانو ~~: # آه. # روكسان ~~(تضمد جرح يده بمنديلها) ~~: # وأعجب ما تتصور أنه بالمصادفة يا ابن العم يعمل في فرقتك ... # سيرانو ~~: # آه. # روكسان ~~(ضاحكة) ~~: # وهو في الضباط الأحداث عندكم، وفتيانكم الناشئين ... # سيرانو ~~: # آه. # روكسان ~~: # وعلى جبينه يبدو طابع الذكاء الخارق، والألمعية الباهرة، وهو فخور أبي قوي ~~شجاع جميل ... # سيرانو ~~(وقد دارت الأرض به؛ فنهض من مجلسه بجانبها) ~~: # جميل! # روكسان ~~: # ماذا بك حتى تلوح هكذا شاحبا مضطربا؟ # سيرانو ~~: # لا شيء بي، إنه ~~(وأراها الجرح الذي في كفه ~~مبتسما) # إنه هذا الخدش لا شيء سواه ... # روكسان ~~: # لقد أحببته، وفي هذا القول حسبي، ولكن يجب أن تعلم أني ما رأيته من قبل هذا ~~إلا في الملهى ... # سيرانو ~~(مدهوشا) ~~: # كيف هذا ... ألم تتخاطبا؟ # روكسان ~~: # إذا لم تتخاطب الألسنة تخاطبت العيون. # سيرانو ~~: # ومن أين عرفت إذن أنه كما تصفين ...؟ # روكسان ~~: # من أحاديث الناس تحت أشجار الزيزفون في منتزه رويال ... ومما يدور على الأفواه ~~فهمت ثم قدرت ... # سيرانو ~~: # أهو من صغار الضباط قلت؟ # روكسان ~~: # في فرقة الحرس. # سيرانو ~~: # وما اسمه؟ # روكسان ~~: # البارون كريستيان دي نوفييت. # سيرانو ~~: # كيف ذلك، وليس لدينا أحد بهذا الاسم؟ # روكسان ~~: # اليوم فقط يلتحق بفرقتكم تحت إمرة الكابتن كاريون دي كاستل جالو. # سيرانو ~~: # ما أسرع رفيف القلب وطيرانه، ولكن يا بنيتي المسكينة ... ~~(يسمع صوت الوصيفة وهي تفتح الباب.) # الوصيفة ~~: # لقد أكلت الفطير كله يا مسيو برجراك. # سيرانو ~~: # اقرئي الأشعار المطبوعة التي على الأكياس ms040 إذن ~~(تنصرف) ~~، ولكنك يا فتاتي المسكينة الصغيرة التي تحب الكلام ~~الرشيق ، واللفظ البارع، والحديث الموفق، والذكاء البارق، ماذا تكون الحال إذا ~~ظهر أن هذا الذي أحببته ليس إلا فتى غبيا بليد الخاطر، عييا محصورا؟ # روكسان ~~: # لا يمكن أن يكون كذلك، وله شعره الجميل الذهبي أشبه بشعر أبطال القصص في الروايات. # 4 # سيرانو ~~: # وما يدريك أن يكون جميل الشعر ذهبيه، وهو في الوقت نفسه ألكن اللسان ~~عييه؟ # روكسان ~~: # كلا، أكبر ظني وخاطري، بل حديث نفسي ومشاعري، أن لسانه عذب، وكلامه جميل. # سيرانو ~~: # أفكل الكلام في تقديرك جميل، ما دام مختبئا تحت الشارب الجميل، فلنفرض أنه ~~مأفون أحمق، فماذا تفعلين؟ # روكسان ~~(وهي تضرب الأرض بقدميها) ~~: # أقتل نفسي من الحزن الدفين ... # سيرانو ~~(بعد لحظة) ~~: # أفواعدتني اللقاء لكي تخبريني بهذا وتنبئيني؟ لست أرى يا سيدتي أي جدوى من ~~ذلك، وأي نفع ترتجين. # روكسان ~~: # لقد أحس قلبي بكمد قاتل حين علمت أمس أنكم جميعا في فرقتكم غساقنة. # سيرانو ~~: # ومن دأبنا أن نتحرش بكل فتى متثن مياس لم تنبت له لحية ولا عذار، ممن تدخله ~~الوساطة، والشفاعة، واحتساب المحتسبين في وسطنا نحن الغساقنة الخالصين، حفظ ~~الله موطنهم وصانه، أفحدثوك بهذا أيضا؟ # روكسان ~~: # ولك أن تتصور مبلغ الرعب الذي تملكني من خيفة عليه. # سيرانو ~~(يغمغم بين أسنانه) ~~: # ولك العذر. # روكسان ~~: # ولكني حين شاهدتك الليلة البارحة شجاعا قهارا، وباسلا مغوارا، رابط ~~الجأش، ثابت الجنان حيال أولئك النبلاء الفادسين الفجار، قلت لنفسي: لو أن هذا ~~الشجاع الذي يخاطبونه جميعا، ويتهيبونه تكرم وتعطف فقط بأن ... # سيرانو ~~: # أدافع عن بارونك الصغير، ليكن ذلك، فإني له لفاعل. # روكسان ~~: # أحقا ستدافع عنه؟ لطالما كنت لك الصديقة الوفية الحنون. # سيرانو ~~: # نعم، نعم. # روكسان ~~: # وسوف تكون صديقا له وحاميا، أليس كذلك؟ # سيرانو ~~: # سوف أكون صديقه. # روكسان ~~: # أتعدني أنه لن يدخل في مبازرة قط؟ # سيرانو ~~: # أقسم لك. # روكسان ~~: # كم أودك؟ والآن أحسب قد حان أن أنصرف. ~~(ترخي النقاب ~~على وجهها، وتتهيأ للذهاب، ولكنها لا تلبث أن تقف) ~~: ولكنك لم ~~تخبرني عن معركة الليلة الماضية، يا لله، ms041 لا بد أنها كانت معركة رهيبة، تجلت ~~فيها بطولتك رائعة تأخذ الأبصار ، أرجو إليك أن توصيه بأن يكتب لي. ~~(تمشي خطوات، ثم تبعث إليه بقبلة في الهواء من أطراف ~~أناملها) ~~، لله ما أعظم محبتي لك! # سيرانو ~~: # نعم، نعم. # روكسان ~~: # أمائة رجل ألب عليك؟ وداعا الآن ... لقد أصبحنا صديقين حميمين، أليس ~~كذلك؟ # سيرانو ~~: # هو كذلك، هو كذلك. # روكسان ~~(وهي منصرفة) ~~: # دعه يكتب لي ... وستقص على مسمعي قصة المائة رجل في يوم من الأيام، يا عجبا ... ~~مائة رجل ... يا لك من شجاع. # سيرانو ~~(ينحني لها مودعا) ~~: # لقد كانت المعركة التي تلتها بيني وبين نفسي أشد وأقسى، وكان موقفي منها أروع ~~وأسمى. ~~(يقف في مكانه مطرقا إلى الأرض. راجينو يفتح الباب للجناح ~~الأيمن من الحانوت، ويطل برأسه من فتحة الباب.) # المشهد السابع # راجينو ~~: # هل نستطيع الآن دخولا؟ # سيرانو ~~(وهو في موضعه لا يريمه) ~~: # نعم فقد انتهى الأمر. ~~(راجينو يومئ إلى الشعراء أن يدخلوا فيأتون مهرولين، يدخل في ~~تلك اللحظة من الباب الخلفي، كاربون دي كاستل جالو في ثياب الضباط، وشارات ~~(الكبتن)، فلم يكد يلمح سيرانو حتى تبدو الدهشة المتناهية عليه ...) # كاربون دي كاستل جالو ~~: # من أرى! # سيرانو ~~(يرفع بصره من طول إطراقته) ~~: # يا عجبا، الكبتن كاربون دي كاستل جالو؟ # كاربون ~~(متهللا) ~~: # أأنت هنا يا بطلنا الغضنفر؟ لقد سمعنا قصة ما جرى، وقد خلفت في الموضع ثلاثين ~~أو أكثر من ضباطنا. # سيرانو ~~: # ولكن ~~(يحاول أن ينزوي عنه، ويذهب منصرفا، ولكن ~~كاربون جعل يحاول أخذه معه) ~~. # كاربون ~~: # هيا بنا إليهم؛ فلن يستريحوا حتى يروك. # سيرانو ~~: # كلا. # كربون ~~: # وهم الساعة جلوس في الحانة المقابلة، حانة كروا دي تراهوار يكرعون الكئوس. # سيرانو ~~: # إني ... # كربون ~~(يمشي إلى الباب، وينادي بصوت قاصف، مخاطبا ضباط فرقته في ~~الجانب الآخر من الطريق) ~~: # إنه لا يريد أن يأتي، إن البطل اليوم لمتجهم منقبض. # صوت ~~(في الخارج) ~~: # ها! سانديو. ~~(جلبة في الشارع، ومواقع الأحذية الضخمة، وصليل السيوف، وهي ~~جميعا تقترب.) # كاربون ~~(إلى صديقه وهو يفرك يديه) ~~: # إنهم قادمون إلى هنا مسرعون. ~~(يدخل الضباط ms042 يتصايحون، وقد اختلطت الأصوات، وازدحم بهم ~~الحانوت: ميلديو - كابدديو - مورديو - بوكابدديو.) ~~(تراجع راجينو على مشهدهم مذعورا مجفلا.) # راجينو ~~: # أيها السادة، أأنتم جميعا من غسقونيا؟ # الضباط ~~: # نعم كلنا ... كلنا. ~~(يحيطون بسيرانو متصايحين، مصافحين بالأكف، بين معتنق له، ~~وهاز يده، ومقبل خديه.) # الضابط الأول ~~: # مرحى. # سيرانو ~~: # سيدي البارون. # الضابط الثاني ~~: # عشت. # سيرانو ~~: # سيدي البارون. # الضابط الثالث ~~: # دعني أعانقك. # سيرانو ~~: # سيدي البارون. # جمع من الضباط ~~: # لنعانقه. # سيرانو ~~(حائر وسطهم لا يدري من يجيب) ~~: # سيدي البارون عفوا، عفوا سيدي البارون. # راجينو ~~: # أكلكم بارونات أيها السادة؟ # الضباط ~~: # أي نعم كلنا بلا استثناء. # راجينو ~~: # وهل حقا هم كذلك؟ # أحدهم ~~: # وكيف لا ... وإنك لتستطيع أن تقيم برجا عاليا من تيجان باروناتنا وحدها. # لوبريه ~~(يدخل فيمشي رأسا إلى سيرانو) ~~: # إن الجمهور المتحمس يبحث عنك، وقد جاءت مظاهرة كبيرة يقودها أولئك الذين ~~كانوا معك ليلة أمس. # سيرانو ~~(باضطراب شديد) ~~: # يا لله، وهل أنبأتهم بمكاني؟ # لوبريه ~~(وهو يقلب كفيه) ~~: # نعم قد فعلت. ~~(وفي سرعة البرق دخل رجل من الطبقة المتوسطة تتبعه جماعة كبيرة ~~من الناس.) # الرجل ~~: # إن أهل حي ماريه في باريس قادمون جميعا إلى هنا لتحية البطل الصنديد. ~~(في الخارج تموج الشوارع بالجماهير، وتبدو مركبات ومحفات تقل ~~الأشراف والسادات.) # لوبريه ~~(في أذن سيرانو وهو يبتسم) ~~: # وروكسان؟ # سيرانو ~~(بعجلة) ~~: # صه، لا كلام الآن. # الجمهور ~~(يهتف في الخارج) ~~: # سيرانو ... نريد سيرانو! ~~(ويندفع الناس، ويتزاحمون بالمناكب، ويهجم الذين في الطليعة ~~فيقتحمون الباب، ويرسلون تصفيقا مدويا يصم الآذان.) # راجينو ~~(وهو فوق مقعد من المقاعد) ~~: # لقد اشتد الزحف على دكاني، وتكاثفت طلائع الهجوم على بضاعتي، وحطمت كل شيء، ~~ولكن كل هذا رائع بديع. # الجمهور ~~(حول سيرانو يصيحون) ~~: # ليحي صديق الشعب ... ليحي صديق الشعب. # سيرانو ~~: # يا سبحان الله، لم أكن أجد لي بالأمس صديقا واحدا، فأصبحت اليوم ولي كل ~~هؤلاء الأصدقاء. # لوبريه ~~: # لا عجب، فهكذا هو النجاح، وكذا يكون المجد. # مركيز شاب ~~(يتقدم إلى سيرانو) ~~: # لو أنك أيها الصديق العزيز عرفت ... # سيرانو ~~(مقاطعا) ~~: # صديق؟ عزيز؟ يا للعجب، ومتى كنت أنا وأنت نقف للحراسة معا؟ # شريف ms043 آخر ~~: # أحب يا سيدي أن أعرفك ببعض الغيد الحسان يرغبن في رؤيتك ، وهن الساعة في ~~مركبتي الواقفة بالباب تنتظر. # سيرانو ~~(ببرود) ~~: # ومن يعرفني أولا يا سيدي بك؟ # لوبريه ~~(مبهوتا) ~~: # ماذا حدث يا عزيزي وما الذي يغضبك؟ # سيرانو ~~: # صه. # أحد الأدباء ~~(يحمل دواة وقلما) ~~: # ألا أستطيع يا سيدي أن أظفر ببعض التفصيلات عن ... # سيرانو ~~(بجفوة) ~~: # كلا ... # لوبريه ~~: ~~(يغمزه بمرفقه معاتبا): كيف هذا؟ إنه تيوفراست رينودو المعروف، مخترع ~~الصحيفة السيارة. # سيرانو ~~: # ومن يعنيه أن يقرأ ورقة كهذه؟ # لوبريه ~~: # ولكن هذه الصحيفة من التي يحشدون فيها الأنباء والطرائف من كل نوع، ويقولون: ~~إنها فكرة ناجحة ستصادف بلا شك رواجا وإقبالا. # الشاعر ~~(يتقدم نحو سيرانو) ~~: # سيدي ... # سيرانو ~~: # وهل أديب آخر هذا الذي أرى؟ # الشاعر ~~: # ألا تأذن لي أيها البطل العجيب في نظم خماسيات من الشعر باسمك؟ # أحدهم ~~(يتقدم نحوه أيضا) ~~: # سيدي. # سيرانو ~~: # كفى، كفى. ~~(تظهر حركة أخرى في الصفوف، وبينهم الكونت دي جيش في حاشية من ~~الضباط، ومن بينهم كويجي، وبريساي، والضباط الذين صحبوا سيرانو في ختام الفصل ~~الأول.) # كويجي ~~(إلى سيرانو معلنا قدوم القائد) ~~: # مسيو دي جيش! ~~(فيتهامس الناس باسمه، وتتسع الحلقة، ~~وتفرج الصفوف، ويتنحى المتزاحمون لإفساح الطريق.) # وقد جاء من قبل ~~المارشال دي جاسيون ~~(دي جيش يحيي سيرانو) # ليعبر لك عن إعجابه بما أبديت أمس من جسام الفعال، وعظائم الأمور في ذلك الحادث ~~الرائع الذي سرى نبأه في البلاد. # أصوات ~~(بالهتاف) ~~: # مرحى. # سيرانو ~~(وهو ينحني أمام الكونت) ~~: # لا بدع؛ فإن المارشال حكم في فنون البسالة. # دي جيش ~~: # ولم يكن ليصدق ما سمع من أمرك، وترامى إليه لو لم يقسم هذان السيدان أمامه ~~أنهما شهدا المعركة. # كويجي ~~: # بعيني رأسينا. # لوبريه ~~(لصديقه سيرانو، وقد رآه ذاهلا، شارد الخاطر، مشتت ~~اللب) ~~: # ولكن ما بالك؟ # سيرانو ~~: # صه. # لوبريه ~~: # يبدو أنك تتألم. # سيرانو ~~(ينتفض ثم ينتصب واقفا) ~~: # أمثلي يضطرب أو يتألم أمام هؤلاء السوقة؟ ~~(يستوي بقامته، ويشرئب بعنقه، ويفتل شاربه، ويبرز ~~بصدره) ~~: مهلا فسترى. # دي جيش ~~(بعد لحظة كان كويجي خلالها قد دنا منه، فأسره كلاما غير ms044 ~~مسموع) ~~: # لقد بدأ اسمك في ميادين الشجاعة ينبه، وذكرك في ساحات المجالدة يشتهر، أتخدم ~~مع أولئك الغساقنة الحمقى؟ # سيرانو ~~: # أي نعم شباب الضباط. # أحد الضباط ~~(بصوت مرعب) ~~: # معنا. # دي جيش ~~(وهو يرى الغسقونيين وقوفا وراء سيرانو) ~~: # أفهؤلاء الذين تبدو على وجوههم أمارات الزهو، والتعاظم، والعجرفة هم ~~المشهورون بأنهم ... # كاربون دي كاستل جالو ~~(مناديا) ~~: # سيرانو. # سيرانو ~~: # سيدي الكابتن؟ # القائد ~~: # أنا وجميع ضباط فرقتي مجتمعون اللحظة هنا، فأرجو إليك أن تتكرم بتقديمهم إلى ~~مولاي الكونت. # سيرانو ~~(يتقدم خطوتين حتى يمثل بين يدي دي جيش) ~~: # سيدي الكونت دي جيش، اسمح لي أن أقدم ~~(وأشار بيده ~~إلى صفوف رفقائه) ~~. # إنهم شباب غسقونيا البواسل # تحت إمرة كابتن كاربون دي كاستل جالو # قتلة، كذبة، ولا حرج لكنهم أشرف من اللصوص نسبا # تستعر دماؤهم في أوردتهم، وتضطرم الحمية في حناياهم # إنهم شباب غسقونيا البواسل # أعينهم كالصقور، وسيقانهم كاللقالق # لهم شوارب السنانير، وأنياب الذئاب تمزق كل وغد # يغطي الريش قلانسهم العتيقة ليستر ما بها من خروق # لكن لهم عيون الصقور، وسيقان اللقالق # شوارب السنانير، وأنياب الذئاب # شعارهم المفضل الضرب والطعان # بقر البطون وتحطيم الجماجم # بلذة المجد أرواحهم سكرى، ونفوسهم إليه عطاش # أينما قام صدام، كانوا فيه على موعد # لأن شعارهم المفضل الضرب والطعان # ها هم شباب غسقونيا البواسل # عجائز الأزواج أكلت نفوسهم الغيرة # ومن أكلته الغيرة - أيتها الفاتنات - جعلوه ديوثا # فانفخي يا أبواق، واصدحي يا طيور # ها هم شباب غسقونيا البواسل. # الكونت دي جيش ~~(وهو جالس جلسة العظمة في مقعد رهيب، قدمه إليه راجينو صاحب ~~الحانوت) ~~: # إنه لمن دواعي الترف اليوم أن يكون للنبلاء شعراء يتبعونهم، أترضى أن تكون ~~شاعري؟ # سيرانو ~~(بأنفة وإباء) ~~: # كلا يا سيدي، لست أرضى أن أكون لمخلوق في هذا العالم تبعا. # دي جيش ~~: # لقد سر عمي ريشيليو من عبقريتك ليلة أمس، فلست أبخل أن أقول عنك كلمة تزكية ~~طيبة أمامه. # لوبريه ~~: # يا إلهي، إن هذا لنبأ عظيم. # دي جيش ~~: # وقد بلغني أنك وضعت رواية شعرية في خمسة فصول أو نحوها، فهل أبلغت حقا؟ # لوبريه ms045 ~~(في أذن صاحبه) ~~: # إنه يقصد روايتك «أجريبينا» لسوف تراها ممثلة في النهاية . # دي جيش ~~: # لو أنك أخذتها إليه ... # سيرانو ~~(وقد بدأ يتأثر ويفعل في نفسه الإغراء والترغيب) ~~: # في الحق إنني ... # دي جيش ~~: # فهو نقادة حاذق، وأديب بارع، وقد يصحح لك بيتا أو بيتين فيها. # سيرانو ~~(وقد عاوده إباؤه فتجهم) ~~: # هذا مستحيل، وإن دمي ليجمد في مسراه حين أتصور أن قلما يعمل فيما أكتب، أو ~~يدا تمحو فيه وتثبت حتى ولا نقطة واحدة أو ترقيما. # دي جيش ~~: # ولكنه إذا استطاب بيتا، أو راقه من الشعر شيء لم يضن عليه بثمن عظيم يا ~~صديقي العزيز. # سيرانو ~~: # ما أحسبه يدفع فيه ثمنا أعظم، ولا أغلى مما أدفعه أنا فيه، فإنني حين أنظم ~~بيتا يروقني أدفع نفسي له ثمنا، وأتغنى أنا ذاتي به. # دي جيش ~~: # إنك لمتكبر، وبنفسك فخور. # سيرانو ~~: # أحقا؟ ألم تدرك ذلك إلا الآن؟ ~~(يدخل في تلك اللحظة ضابط من الغساقنة يحمل على سنان سيفه خيطا ~~قد ربط فيه عدة قبعات قديمة ممزقة، كثيرة الثقوب والخروق.) # الضابط ~~: # انظر أيها العزيز ماذا وجدنا في هذا الصباح على الطريق؟ لقد قنصنا هذا القنص ~~البديع من الريش، بل هذه القبعات القديمة، قبعات الهاربين. # كاربون دي كاستيل جالو «قائد الفرقة» ~~: # إنها والله لأسلاب المعركة ~~(يضج الجميع ~~ضاحكين) ~~! ها! ها! ها! # كويجي ~~: # إن من دبر ذلك الكمين يجب عليه والله أن يسخط اليوم. # بريساي ~~: # وهل عرف الفاعل؟ # الكونت دي جيش ~~(بغضب) ~~: # هو أنا. ~~(فينقطع الضحك، ويسود السكون.) # الكونت دي جيش ~~: # لقد أردت عقاب شاعر عربيد، وتأديب نظام أفاق، فنزهت سيفي عن فعلة قذرة، ~~وربأت بحسامي عن عمل صغير، فعهدت إلى أولئك السوقة أن يتولوه عني ~~وينفذوه. ~~(وخيم صمت طويل.) # الضابط الذي حمل الأسلاب ~~: # ماذا نصنع بهذه القبعات وهي ملأى بالشحم والدهن؟ أنطبخ بها قدرا؟ # سيرانو ~~(يتناول السيف الذي ينتظم القبعات، ثم يلقيها تماما عند ~~قدمي الكونت دي جيش، ويؤدي التحية العسكرية) ~~: # أرجو يا سيدي أن تتكرم بردها إلى أصحابك، ~~(يخرج دي ~~جيش غاضبا) ~~. # دي جيش ~~(ينهض ويقول ms046 في لهجة مقتضبة) ~~: # إلي بمحفتي، وبالحمالين في الحال. ~~(يتوجه إلى سيرانو في صرامة) # أما أنت أيها ~~السيد ... ~~(يسمع صوت صائح في الطريق: حمالو السيد الكونت دي جيش.) # دي جيش ~~(بعد أن ملك زمام أمره، يقول وعلى شفته ابتسامة) ~~: # أقرأت دون كيخوته؟ # سيرانو ~~: # نعم قرأته، وإني باسم هذا المجنون الذي هبط علينا من عل، لأميطن اللثام عن ... # دي جيش ~~: # نصيحتي إليك إذن أن تتروى ... # أحد الحمالين ~~(يظهر إلى الخلف) ~~: # المحفة بالباب! # دي جيش ~~: # وتذكر الفصل الخاص بالمطاحن الهوائية! # سيرانو ~~(بانحناءة) ~~: # الفصل الثالث عشر. # دي جيش ~~: # ذلك لأنه عندما يهاجمها الإنسان، فما يحدث عادة ... # سيرانو ~~: # إلى أن أستنبط من ذلك أنني قد هاجمت أناسا يدورون مع كل ريح؟ # دي جيش ~~: # ذلك الذراع المكسو بالخيش من أذرعها الطويلة يلقي الإنسان في الوحل! # سيرانو ~~: # أو يرفعه إلى السماكين! ~~(يخرج دي جيش، يرى وهو يدلف إلى محفته، ينصرف السادة مهمهمين، ~~يصاحبهم لوبريه ثانية إلى الباب، ينفض الجمع، يظل الضباط جالسين إلى الموائد، إلى ~~يمينها ويسارها حيث يقدم إليها الطعام والشراب.) # المشهد الثامن ~~(سيرانو، لوبريه، الضباط جالسين إلى الموئد على اليمين وعلى اليسار ~~يقدم لهم الطعام والشراب.) # سيرانو ~~(ينحني في استهزاء إلى من ينصرفون دون أن يجرؤوا على ~~استئذانه بالانصراف) ~~: # سادتي ... سادتي ... سادتي ... # لوبريه ~~(يعود إلى النزول، في حالة شديدة من الابتئاس، رافعا يديه ~~إلى السماء) ~~: # ليت شعري، ما كان أجمل ملابسهم! # سيرانو ~~: # واه، أأنت؟ كنت أنتظر منك أن تتوجع وتتذمر. # لوبريه ~~: # وأخيرا، أنت متفق معي في أن اقتناص الفرص العابرة دواما يصبح ضربا من ~~المغالاة ... # سيرانو ~~: # أجل هذا صحيح، فإني أشتط فعلا. # لوبريه ~~(في نشوة النصر) ~~: # أرأيت، إنك تعترف بذلك. # سيرانو ~~: # ولكن اعتقادي أنه من الخير أن أشتط كما أفعل الآن، في سبيل المبدأ، وكذلك ~~لأقدم عظة لمن يتعظ. # لوبريه ~~: # ألا تخليت بربك لحظة واحدة عن نزوعك إلى الفروسية، وإلى الجاه والمجد. # سيرانو ~~: # ترى ما عسى المرء أن يفعل؟ # هل يسعى إلى عظيم من العظماء، ويتخذه نصيرا، ويحاول كما يفعل اللبلاب الخفي ~~عندما يلتف حول ms047 جذع شجرة يجعل منه دعامته، ويمتص لحاءه، فيبلغ العلا بالمكر ~~والخديعة لا بقوة ساعديه؟ لا شكرا لك. # هل تريدني أن أقدم القصائد كما يفعل البعض إلى أصحاب الجاه، وأنظمها في ~~مدحهم؟ هل أخلع على نفسي ثوب المهرج بغية أمل حقير في أن يرى شفتي وزير تنفرجان ~~له، ولو مرة واحدة عن ابتسامة لا تنذر بشر مستطير؟ لا شكرا لك. # هل آكل ضفدعا بريا كل يوم؟ أأزحف على بطني ذلا واستكانة حتى تتجرد ~~ثيابي، ويتسخ جلدي سريعا عند ركبتي؟ أأؤدي أعمالا تكسب ظهري مرونة من كثرة ~~الخشوع والانحناء؟ لا شكرا لك. أأربت على العنزة بيد، وأروي الكرنب باليد ~~الأخرى؟ أأقدم هدايا من نبات السنا لآخذ بدلا منه هدايا من الرواند، وألا أكف ~~عن التلويح بمبخرتي بين يدي واحد من أصحاب اللحى؟ لا شكرا لك. # أأرتمي في حضن بعد حضن، وأصبح رجلا عظيما صغيرا، في دائرة عظيمة ضيقة؟ ~~أأدفع سفينتي بالقصائد الغزلية بدلا من المجاديف، وأملأ أشرعتي بآهات عجائز ~~النساء؟ لا شكرا لك. # أأسعى لدى سرسي، ذلك الناشر الحاذق، وأعطيه مالا لينشر قصائدي؟ لا شكرا ~~لك. # أأسعى لنيل الشهرة بنظم قصيدة غزلية واحدة بدلا من أن أنظم قصائد غيرها؟ لا ~~شكرا لك. # أتراني أقصر جهدي على كشف مواهب الناشئين دون سواهم؟ أأخشى ما قد يحلو للصحف ~~الخاملة أن تقوله عني، ثم لا أفتأ أحدث نفسي قائلا: ليت اسمي يظهر في صحيفة ~~«باريس ميركري» الصغرى؟ لا شكرا لك. # هل أحتمي، وأخاف، وأنزوي، وأوثر القيام بزورة على الاضطلاع بنظم قصيدة، وأن ~~أجنح إلى تدبيج العرائض والملتمسات؟ لا شكرا لك؟ لا شكرا لك! لا شكرا ~~لك. # ولكني أوثر أن أغتني وأحلم، وأضحك وألهو، وأعيش منفردا حرا، وأن تكون لي ~~عينان يقظتان، وصوت مجلجل، وأن ألبس قبعتي حين أشاء وكيف أشاء، وأن يكون لي ~~الخيار حسب هواي في أن أدخل في مبارزة، أو أنشد أنشودة! وأن أعمل دون أن أحسب ~~حسابا للجاه والمجد، وأن أقوم بالرحلة إلى القمر، الرحلة التي تنشدها جميع ~~النفوس! وألا يدبج يراعي ms048 شيئا لا يصدر عن عميق وجداني، بيد أني في اتضاع أقول ~~لنفسي : يا صاح لتقنع بالأزاهير والفواكه، أجل لترض بأوراق الشجر فحسب، ما دمت ~~تجمعها من حديقتك أنت، ثم إذا اتفق أن أحرزت بعض النصر، فلن أكون ملزما أن ~~أعطي أي قسط منه لقيصر، بل أن أحتفظ به كله لنفسي، ومجمل القول: إني لأنأى ~~بنفسي عن أن أكون اللبلاب الطفيلي، حتى وإن عجزت عن أن أكون شجرة البلوط، أو ~~الزيزفون، وأوثر أن أرتفع معتمدا على نفسي، وإن لم أبلغ علوا شاهقا. # لوبريه ~~: # وحدك؟ ليكن ذلك لك، ولكن لا يجب أن يقف شخص واحد في وجه الجميع! كيف بربك ~~أصبت بهذا الجنون الذي يملكك، والذي يجعلك تخلق على الدوام أعداء لك في كل ~~مكان؟ # سيرانو ~~: # أصبت به عندما رأيتك تتودد إلى الناس، وتبتسم لهذه الجماعات من الأصدقاء ~~عينها بابتسامة لا تنفرج لها شفتان! لا أريد أن أحمل عبء رد التحايا في الطريق، ~~وإني لأصبح في نشوة: هل من عدو جديد؟ # لوبريه ~~: # هذا انحراف عقلي! # سيرانو ~~: # إني لا أجادلك في ذلك؛ فهذه إحدى نقائصي، إن سروري في أن أغضب الآخرين، وإني ~~أحب أن يكرهني الناس، أيها الصديق الحميم، لو تعلم كم هو حسن بالمرء أن يسير، ~~والعيون الحاقدة ترسل عليه شواظا من الحقد، وكم يكون ارتياحه لتلك البقع التي ~~تنتشر على صدره، وإن كان فيها شفاء لحقد الحاقدين والجبناء ... أما أنت فإن ~~الصداقات التي لم تكتمل، والتي تحيط بها نفسك أشبه بتلك «الياقات» الإيطالية ~~الواسعة، السهلة، المسترخية، ذات الفتحة التي تظهر منها الرقبة، وكأنها رقبة ~~امرأة، إنها ياقات توفر الراحة، ولكنها ذات مظهر غير لائق؛ لأن أطرافها التي لا ~~تشد إلى أعلى شدا لائقا، كثيرا ما تنحرف ذات اليمين وذات اليسار ... أما عني ~~فإن الكراهية تزيد كل يوم صلابة ياقتي التي تقيم رأسي وتنصبها في وضعها الصحيح، ~~إن كل عدو جديد هو طية أخرى من طيات هذه الياقة، وإن كانت هذه الطية تولد ضغطا ~~جديدا إلا أنها تضيف شعاعا آخر، فإن الكراهية ms049 التي تشبه الياقة الإسبانية من ~~جميع الأوجه هي رباط ووثاق، ولكنها هالة من النور أيضا! # لوبريه ~~(بعد برهة، يتأبط ذراع سيرانو) ~~: # إني لأعلنها على أسماع الجميع بأنك متشامخ حاقد، أما عني فلتقل لي في همس: إن ~~الأمر لا يعدو أنها لا تحبك. # سيرانو ~~(في حدة) ~~: # صه! ~~(كريستيان يدخل، ويختلط مع الضباط فيتجاهلونه؛ فيتوجه في ~~النهاية إلى منضدة صغيرة يجلس إليها منفردا؛ حيث تقوم ليز على خدمته.) # المشهد التاسع # ضابط ~~(جالس إلى مائدة ممسكا بكأس من الشراب ينادي) ~~: # سيرانو، ~~(يلتفت سيرانو نحوه) # سيرانو، ~~علينا بالقصة. # سيرانو ~~: # بعد حين. ~~(وينثني إلى صدقه لوبريه، فيعتمد على ذراعه، يروحان ويغدوان، ~~وهما في حديث وهمس مخافت.) # الضابط ~~(وهو ينهض من مجلسه ويتقدم إلى سيرانو) ~~: # علينا بالقصة، قصة معركة الليلة الفائتة، فلعلها تكون درسا حسنا وعظة ~~(يقف قبالة المائدة التي كان كريستيان جالسا ~~إليها) # لهذا التلميذ الحدث المتهيب. # كريستيان ~~(رافعا رأسه) ~~: # تلميذ؟ من هو الذي تعني؟ # آخر ~~: # هو هذا الفتى الشمالي الهزيل. # كريستيان ~~: # هزيل؟ # الضابط الأول ~~(متذمرا) ~~: # اسمع مني في أذنك يا مسيو دي نيفييت، إن هناك شيئا لا يستطيع أحد منا التحدث ~~عنه، كما لا يستطيع أحد التحدث عن الحبل في بيت المشنوق! # كريستيان ~~: # وما هذا الذي عنيت؟ # ضابط آخر ~~(بصوت مرعب) ~~: # انظر إلى ~~(يضع أصبعه ثلاث مرات فوق أنفه) # أفهمتني؟ # كريستيان ~~: # آه ... إنه ذلك ال ... # آخر ~~: # صه، ولا تنبس بهذه الكلمة وإلا كنت من الهالكين ~~(يشير إلى سيرانو، وكان في شغل بالحديث مع صديقه لوبريه) ~~، ويتقدم ~~ثالث من كريستيان فيقتعد المنضدة القائمة قبالته، وينحني إليه، ويهمس له. # آخر ~~: # اسمع لقد أهلك رجلين أخنفين في غضبة له، لا لسبب سوى أنهما كانا ~~أخنفين. # ضابط آخر ~~(يزحف من تحت المائدة، وكان قد تسلل تحتها خلسة) ~~: # وإذا أردت ألا تموت قبل الأوان، فتحاشى يا بني ذكر هذا الغضروف ~~المميت. # آخر ~~(وهو يربت على ظهره صائحا به) ~~: # بل إن كلمة أو إشارة أو حركة بمنديلك قد تجعل منه كفنك. ~~(يسود السكون، وينظر الجميع وهم مشبكو الأذرع فوق الصدور ms050 إلى ~~كريستيان، وكان قد تقدم إلى كاربون دي كاستل قائد الفرقة، غير أن هذا جعل يتحدث إلى ~~أحد الضباط متظاهرا بأنه لم ير كريستيان قادما نحوه.) # كريستيان ~~: # يا سيدي الكابتن! # الكابتن ~~(وقد استدار نحوه، وجعل يثأره بنظرة من رأسه إلى أخمص ~~قدمه) ~~: # ماذا تقول؟ # كريستيان ~~: # ماذا يصنع المرء إذا رأى جنوبيين يكثرون من الزهو والادعاء، ويسرفون في ~~الغطرسة والخيلاء؟ # كاربون ~~: # يقدم لهم الدليل على أن الفتى قد يكون شماليا، ومع ذلك شجاعا ~~أبيا. # كريستيان ~~: # شكرا لك. # الضابط الأول ~~(إلى سيرانو) ~~: # علينا الآن بالقصة. # الجميع ~~: # القصة، القصة. # سيرانو ~~: # إذن فلتسمعوا. ~~(وفي الحال يزدحم جميعهم من حوله، ويقربون المقاعد حياله، ~~ويتحفزون للإصغاء، ويقفز كريستيان فوق مقعد، ويظل قائما يترقب.) # سيرانو ~~: # لقد ذهبت وحدي للقاء تلك العصابة، ومشيت إليها بمفردي، وكان القمر مفترشا ~~أديم السماء، كأنه من الساعة الكبيرة الوجه والميناء، وإذا بذلك الصانع الماهر ~~الذي اصطنع الساعة، والأنجم الدقاق، قد أرسل بحكمته، وعجيب مشيئته، غماما كأنه ~~قطعة من قطن فوق الظرف الذي يمسك بتلك الساعة الفضية، فما لبث القمر أن احتجب، ~~وذهب متواريا، وساد الكون ظلام، فلم يعد المرء يرى شيئا أبعد من ... # كريستيان ~~: # أبعد من أنفه. ~~(يذهل القوم وينهضون من مجالسهم بطاء، وينظرون إلى سيرانو نظرات ~~الرعب إذ وقف مبهوتا لحظة، مشدوها لا يستأنف حديثا، ولا يعاود كلاما.) # سيرانو ~~: # من هذا المتكلم؟ # أحدهم ~~(همسا) ~~: # إنه زميل التحق بالفرقة اليوم فقط! # سيرانو ~~(وهو يخطو خطوة نحو كريستيان) ~~: # اليوم فقط. # كاربون دي كاستل ~~(بصوت خافت) ~~: # نعم، وهو يدعى البارون دي نيفييت! ~~(لا يكاد سيرانو يسمع هذا الاسم حتى يشحب لونه ويحمر.) # سيرانو ~~: # هذا؟ حسنا! ~~(ثم يتمالك نفسه وينزوي، ويهم بأن ينقض ~~على الفتى ليصرعه لولا أن احتجز غضبه) # إنه ... ~~(يتمالك نفسه) ~~. # إلى أي حد من القصة كنت قد بلغت؟ ~~(ويطلق زمجرة ~~ولعنة مكبوتة) # يا للعنة! وكان الظلام شديد الحلكة. ~~(وما كاد يبدأ على هذا النحو حتى علت الوجوه دهشة بالغة، ~~فقد كان القوم يتوقعون منه شيئا آخر، ويرتقبون أن يروه فاتكا بالفتى لساعته، ms051 ~~وظلوا يرمقونه بأبصارهم عاجبين.) # ولكني سرت قدما، وأنا أحدث نفسي قائلا: «أتراني من أجل مسألة تافهة أو ~~حكاية قبيحة أتحدى رجلا عظيما، أو كبيرا ذا خطر، أو من يدري أميرا في وسعه ~~بلا شك أن يهشم ... # كريستيان ~~: # أنفي ... ~~(فما أن يسمع الجميع هذه الكلمة الجرئية من الشباب الدخيل ~~الجديد عليهم حتى يستووا على سوقهم مبهوتين، قد تملكتهم الدهشة المتناهية، بينما ~~يظل كريستيان متأرجحا على كرسيه لا يأبه بشيء!.) # سيرانو ~~: # أن يهشم أسناني، ومجمل القول: أنني بطيشي وتهوري إنما رحت أدخل ... # كريستيان ~~: # أنفي ... # سيرانو ~~: # أصبعي بين الشجرة ولحائها، بل ما يدريني إذا كان ذلك العظيم شديد البأس، قوي ~~المحال، مديد السلطان، فيلقيني ... # كريستيان ~~: # فوق أنفي. ~~(يضطرب سيرانو، ويتصبب العرق من جبينه، ويمسحه عنه ~~بمنديله.) # سيرانو ~~: # على أصابعي، غير أني ناديت نفسي في نجواي قائلا: «تقدم يا ابن غسقونيا، ~~وافعل ما يمليه الواجب عليك، تقدم يا سيرانو!»، قلت هذا وتقدمت، ولكني ما لبثت ~~أن رأيت في الحلكة شبحا ينقر ... # كريستيان ~~: # أنفي ... # سيرانو ~~: # فتحاشيته، ولكني وجدت نفسي فجأة ... # كريستيان ~~: # أنفا لأنف! # سيرانو ~~(ولم يستطع تجلدا فانقض عليه صائحا) ~~: # لعنة السماء والأرض. ~~(فاشرأبت الأعناق، وتواثب الشباب ليروا ماذا سيحدث، ولكن سيرانو ~~ما كاد يصبح على قيد خطوة واحدة من كريستيان حتى تماسك، وانثنى يستأنف.) # سيرانو ~~: # وحيال مائة مخلوق من الرجال والصعاليك، والسكارى تنبعث منهم ... # كريستيان ~~(مقاطعا) ~~: # بل من أنوفهم. # سيرانو ~~(يبتسم بوجه شاحب) ~~: # تنبعث منهم روائح البصل والثوم، رحت أكر وأفر خافضا رأسي من خبث ~~ريحهم. # كريستيان ~~: # والأنف ضارب في الهواء. # سيرانو ~~: # فما زلت أكر عليهم حتى كتمت أنفس اثنين، ونفذت بالسيف في صدر ثالث، وتصدى لي ~~أحدهم، ولطمني «باف»! فرددت عليه ... # كريستيان ~~: # ثم عطست. ~~(سيرانو وقد انفجر غيظه المحتدم في صدره؛ فزعق زعقة مدوية ~~راعدة.) # سيرانو ~~: # يا للصاعقة! انصرفوا جميعا، ولا يمكث منكم أحد. ~~(يتدافعون جميعا إلى الأبواب.) # أحدهم ~~: # ها هو ذا النمر قد استيقظ. # سيرانو ~~: # اخرجوا جميعا، ودعوني وحدي معه. # ضابط ~~: # لن تلبثوا أن تشهدوه مفريا كاللحم المفروم. # راجينو ~~: # مفروما؟ # ضابط ثالث ms052 ~~: # حشو فطيرة من فطائرك. # راجينو ~~: # يخيل إلي أني شحبت، وانكمشت كهذه المنشفة . # كاربون ~~(إلى ضباطه) ~~: # هلموا بنا ننصرف. # ضابط منهم ~~: # لن يترك صاحبنا منه، ولا قطعة نثيرة من لحمه! # ضابط آخر ~~: # إني لأموت فزعا من تصور ما سوف يحدث الآن هنا. # ضابط آخر ~~: # إنه لشيء رهيب ما سيحدث الساعة هنا! # ضابط ثالث ~~(يغلق الباب) ~~: # شيء فظيع. ~~(ينصرف الجميع من أبواب متفرقة بينما يقف سيرانو وكريستيان ~~وجها لوجه، يرمق كل منهما الآخر شزرا.) # المشهد العاشر # سيرانو ~~: # الآن تعال عانقني. # كريستيان ~~: # سيدي؟! # سيرانو ~~: # إنك لشجاع جسور. # كريستيان ~~: # ولكن يا سيدي، ما ... # سيرانو ~~: # هيا عانقني؛ فإنني أخوها. # كريستيان ~~: # ومن هي تلك التي تعني؟ # سيرانو ~~: # أعنيها هي؟ # كريستيان ~~: # عجبا! ومن هي؟ # سيرانو ~~: # روكسان. # كريستيان ~~(وهو يعدو نحوه) ~~: # يا لله، أخوها أنت؟ # سيرانو ~~: # أخوها، أو ابن عمها، كلاهما على حد سواء. # كريستيان ~~: # هل نبأتك؟ # سيرانو ~~: # بكل شيء. # كريستيان ~~: # وهل هي تحبني؟ # سيرانو ~~: # يجوز. # كريستيان ~~(وهو يتناول يديه في كفه) ~~: # ما أسعدني يا سيدي اليوم بلقائك! # سيرانو ~~: # قد يسمى هذا شعورا فجائيا. # كريستيان ~~: # أستميحك يا سيدي مغفرة، وأسأل صفحا. # سيرانو ~~(يطيل النظر إليه، وهو ملق يده على كتفه، ويغمغم ~~لنفسه) ~~: # الوغد جميل حقا، جميل. # كريستيان ~~(في استحياء) ~~: # أواه يا سيدي، لو أنك عرفت مبلغ إعجابي بك؟ # سيرانو ~~: # وما شأن تلك الأنوف التي جعلت تذكرها لي؟ # كريستيان ~~: # أسحبها جميعا! # سيرانو ~~: # روكسان تنتظر منك هذا المساء كتابا. # كريستيان ~~: # يا ويحي. # سيرانو ~~: # ما الخبر؟ # كريستيان ~~: # لو فتحت شفتي بالكلام لكان في ذلك الخسران المبين. # سيرانو ~~: # ولم هذا؟ # كريستيان ~~: # وا آسفاه! إنني أبله منزو، شديد الحياء. # سيرانو ~~: # ليس الأبله من يدرك أنه الأبله، ولم تك كذلك حين تحديتني! # كريستيان ~~: # لا يعز على المرء أن يطلق صوته بصيحة الحرب قبل الهجمة، وما أنكر أن لي ~~بالجندية قليلا من المعرفة، ولكنني أمام النساء أجدني المرتج عليه، العيي ~~الحصور، أن أعينهن، يا لي من أعينهن، إنهن ليلحن لي من بعد عاطفة حانية. # سيرانو ~~: # وهل قلوبهن أقل حنانا إذا دنوت منهن، ووقفت بقربهن؟ # كريستيان ms053 ~~: # كلا، فإني من أولئك، وأنا أعرف ذلك، من أولئك الذين تنعقد ألسنتهم حين ~~يتحدثون عن الحب! # سيرانو ~~: # ليت شعري! لو أن الطبيعة عنيت بخلقتي، وأحسنت تصويري لكنت سيد العاشقين ~~مكاشفة وإعلانا. # كريستيان ~~(بتحسر) ~~: # أواه ليت لي من ملكة الكلام حظا، يؤهلني للتعبير عن الأشياء تعبيرا ~~جميلا. # سيرانو ~~: # ويا ليتني كنت جنديا عاديا، ولكن مليحا صبيح المحيا. # كريستيان ~~: # ولكن روكسان أديبة متحذلقة، ولا شك في أني سأخيب آمالها؛ فتتضح الحقيقة لها ~~... # سيرانو ~~(ينظر إلى وجهه المليح، ومعارفه المستوية، وطلعته ~~الباهرة) ~~: # لو أن لي مثل هذا المحيا مترجما يعبر عن روحي، ومتحدثا يشهد بما في ~~نفسي. # كريستيان ~~(متوجعا) ~~: # ألا بلاغة تباع؟ ألا بيان يشترى؟ # سيرانو ~~(فجأة) ~~: # في وسعي أن أعطيك فصاحتي، وفي وسعك أنت أن تعيرني حسنك ومفاتنك، بل لو ~~تمازجنا واختلطنا، لكان من مزاجنا وخليطنا بطل من أبطال القصص الغرامية. # كريستيان ~~: # ماذا تقول؟ # سيرانو ~~: # هل تحسبك مستطيعا أن تردد في كل يوم ما أعلم لسانك ترداده، وألقنك له إعادة ~~وتكرارا؟ # كريستيان ~~: # أتقترح علي ذلك؟ # سيرانو ~~: # إن روكسان لن تصدم في حبها، فهل تريد أن نشترك معا في غزو قلبها؟ أنت بحسنك ~~فاتنا، وأنا بالكلام الملقن ساحرا؟ هل ترضى أن أخرج ما في صدري فأضعه في صدرك ~~وحيا طبعا؟ # كريستيان ~~: # ولكن ... # سيرانو ~~: # سألتك هل أنت بهذه القسمة راض؟ # كريستيان ~~: # كلامك يخيفني. # سيرانو ~~: # أما وأنت بنفسك تخاف أن تبترد عاطفتها من نحوك في صدرها، فهل ترضى في سبيل ~~إضرام نار المحبة في قلبها أن أشترك بكلامي مع شفتيك وهما تقبلانها؟ # كريستيان ~~: # ما بال عينيك تتقدان؟ # سيرانو ~~: # أراض أنت؟ # كريستيان ~~: # عجبا! وهل يسرك رضائي كل هذا السرور؟ # سيرانو ~~(يستخفه الطرب) ~~: # بل أجد فيه بعض التسلية، فإن ذلك كما لا يخفى عليك يساعد الشاعرية، ويلهم ~~المعاني العاطفية، فدعني أكمل نقصك، ولتكمل أنت نقصي، أنت تمشي فائزا منتصرا، ~~وأنا أسير في أثرك ظلا تابعا، وشبحا مستترا، ولأكن أنا لك الخاطر والخيال، ~~ولتكن أنت لي الصباحة والجمال. # كريستيان ~~: # والكتاب الذي نبأتني أنها ترتقبه، فإني لن أستطيع أن ms054 أكتب منه حرفا واحدا. # سيرانو ~~(يخرج من صدريته خطابا مكتوبا) ~~: # انظر ها هو ذا الكتاب الذي تريده. # كريستيان ~~: # كيف فعلت ذلك؟ # سيرانو ~~: # خذه فهو لك، ولم يبق إلا أن يكتب عنوانه. # كريستيان ~~: # ولكني ... # سيرانو ~~: # لا تخف، وبادر إلى إرساله إليها، فهو الكتاب المناسب الذي سوف يسرها، ويلهب ~~الحب في صدرها. # كريستيان ~~: # وهل عندك منه؟ # سيرانو ~~: # نحن الشعراء جيوبنا من رسائل الغرام ملأى حافلة نخيلها تخيلا، ونتصور ~~للعشيقات أسماء تتشكل بها أحلامنها، بنات أشعارنا، وعذارى خواطرنا، ومصنوعات ~~أخيلتنا، هاك الكتاب، خذه، تتحول العواطف الزائفة فيه إلى حقائق لديك، وقد ~~أطلقت الزفرات والأنات في فضائه إطلاقا بغير حساب، وسترى كل هذه الطيور ~~الهائمة في أوكارها تقع وتشعر بأني كنت فيه فصيحا بقدر ما كنت بعيدا عن ~~الإخلاص، خذ الكتاب وتوكل. # كريستيان ~~: # ألا يحسن التحوير فيها والتبديل؟ وما دمت لم تكتبها إلى شخص معين، فهل ستكون ~~مناسبة لروكسان؟ # سيرانو ~~: # ستناسبها كما يناسب القفاز اليد. # كريستيان ~~: # ولكن ... # سيرانو ~~(لنفسه) ~~: # ما أعجب براءة الحب، وسذاجة الهوى، وما أقرب سرعة تصديق المحبين، لست أحسب ~~روكسان إذ تقرأ الكتاب إلا معتقدة أن كل كلمة فيه قد كتبت لها. # كريستيان ~~: # أي صديقي! ~~(يرتمي على ذراعيه، ويعانقه ~~مليا) ~~. # المشهد الحادي عشر ~~(يشتد قلق الجمع المنتظر بنجوة منهما، ويكاد صبرهم ينفد في ارتقاب ~~ما عسى أن يقع بينهما، فيدنو ضابط محاذرا يفتح الباب قليلا.) # الضابط ~~: # لا شيء، سكون رهيب، لا جرأة لي على الرؤية ~~(يطل ~~برأسه ليرى) # عجبا! ماذا أرى؟ ~~(يندفع الضباط والجميع في إثره متزاحمين، وهم في أشد الذهول ~~ليروا كريستيان وسيرانو متعانقين!) عجبا! عجبا! # أحدهم ~~: # لقد تجاوز هذا حدود التصور والإمكان ~~(رعب) ~~، ~~(وكان بين القدوم الضابط الذي يدعي ~~البطولة، ويتحبب إلى زوجة الحلواني، ويزعم أنه الشجاع الذي لا يشق له غبار، ~~والفتى الفارس المغوار، فاستهواه هذا المشهد إلى السخرية، وظن أن ما قيل عن ~~سيرانو وجسام فعاله لم يكن سوى خيال، ورواية تروى) ~~. # الفارس ~~: # يا للعجب. # القائد كاربون دي كاستل جالو ~~(مداعبا) ~~: # لقد استحال شيطاننا قديسا وديعا إذا ms055 ضربه أحد على منخره الأيمن أدار له ~~منخره الأيسر. # الضابط المدعي ~~(مناديا لويز) ~~: # لقد أصبحنا اليوم في حل من الكلام على أنفه، فتعالي اسمعي اللحظة ما أنا ~~قائله له ~~(بتصنع استنشاق الهواء) # أوه! أوه! ~~ما هذا الشذى الكريه؟ ~~(ويتقدم نحو سيرانو، وينظر إلى أنفه) ~~: لا شك ~~عندي يا سيدي في أنك قد عطست، وإلا فما هذه الريح التي انتشرت في كل ناحية؟! # سيرانو ~~(يضربه على أم ناصيته) ~~: # يا لها من رأس صنمة! ~~(الجميع يغرقون في الضحك، ويلوح السرور في الوجوه؛ إذ رأوا ~~سيرانو شجاعهم المعهود قد عاد إلى نفسه كما كان، يقفزون ويتشقلبون في ~~الهواء.) # | الفصل الثالث # المشهد - في دار روكسان # دار روكسان في حي (ماربه) بباريس، ذات بستان تكسو جداره الأغصان الناضرة غطاء من سندس ~~بهيج، وطلع نضيد. # شرفة ونافذة فوق الباب، ومتكأ قد وضع عن كثب منه، ومن السهل أن يصل الإنسان إلى الشرفة ~~إذا هو تسلق المتكأ أو من الأحجار الناتئة في الجدار. # وقبالة دار روكسان دار تشابهها في طراز بنائها، وشكل عمارتها، ولا تختلف عنها إلا في أن ~~لباب الدار المناوحة مطرقة، أو حلقة ملففة بقماش كأنها إبهام جريح مضمودة. # مصراعا الشرفة في دار روكسان مفتحان، والمساء موشك أن يؤذن، وقد توارت الشمس بالحجاب في ~~يوم قريب من العهد الذي جرت فيه الحوادث الماضية. # عند رفع الستار تشاهد الوصيفة جالسة على هذا المتكأ وراجينو واقفا إلى جانبها يروي لها ~~قصته، وقد ارتدى شيئا يشبه الفوطة، وراح يجفف دموعه. # المشهد الأول # راجينو ~~: # واحسرتي، لقد فرت مع ذلك الضابط، وحطمت تجارتي من ورائها، حتى لقد رحت أوثر ~~الموت على الحياة، وكدت أشنق نفسي، ولكن بينما هممت أن أفعل، وقد أخذت أنفاسي ~~تنقطع، ونبضي يخفت، وقلبي تهبط ضرباته، إذ دخل علي مسيو دي برجراك فبادر إلى ~~الحبل فقطعه، ثم ذهب فزكاني عند ابنة عمه؛ فأدخلتني في خدمتها كما ~~تعلمين. # الوصيفة ~~: # ولكنك لم تشرح لي كيف تحطمت تجارتك لهذا السبب، وكيف تركت متجرك؟ # راجينو ~~: # كانت ليز تحب رجال الحرب، وكنت ms056 أحب الشعراء، وكان إله الحرب يأكل الفطائر ~~التي يتركها إله الشعر والفن ، ولا يغيب عنك أن الحال ما لبثت أن تدهورت. # الوصيفة ~~(تنهض من مجلسها، وترفع بصرها إلى الشرفة وتنادي) ~~: # روكسان، هل تأهبت للذهاب؟ إن القوم ينتظروننا. ~~(تبدو الحسناء عند النافذة.) # روكسان ~~: # لم يبق سوى أن أشتمل بردائي، وأنزل حالا. # الوصيفة ~~(إلى راجينو) ~~: # إنهم ينتظروننا في هذه الدار المواجهة، فهي دار السيدة كلومير، وستلقي فيها ~~الليلة محاضرة عن العاطفة الرقيقة. # راجينو ~~: # عن العاطفة الرقيقة؟ # الوصيفة ~~(باستحياء) ~~: # نعم في الحب! ~~(تعود إلى مناداة سيدتها.) # الوصيفة ~~: # إذا لم تنزلي يا سيدتي مبادرة فاتتنا المحاضرة! # روكسان ~~: # هأنذي قادمة، هأنذي قادمة. ~~(أنغام أوتار تنبعث من موضع غير بعيد، وصوت سيرانو ~~متغنيا.) # سيرانو ~~: # لا! لا! لا! لا! # الوصيفة ~~: # ما أسمع؟! أتراهم يعزفون قطعة لنا؟ ~~(يظهر سيرانو بعد لحظة، وفي أثره غلامان يعزفان على ~~قيثارتين.) # سيرانو ~~(لأحدهما) ~~: # لقد نبهتك مرارا إلى أن هذه الطبقة ليست هي التي أريد أيها الأحمق. # الغلام ~~: # ومن أين لك يا سيدي أن تميز بين طبقات الألحان؟ # سيرانو ~~: # ويحك! إن كل من أخذ عن الأستاذ العظيم «دي جاساندي» لا بد بالموسيقى العليم ~~الخبير. # الغلام ~~(يعزف ويغني) ~~: # لا! لا! # سيرانو ~~(ينتزع القيثار من الغلام، ويتم الجملة الموسيقية) ~~: # أستطيع أن أتمها لا! لا! لا! لا! لا! ~~(تشاهد روكسان في الشرفة.) # روكسان ~~: # من أرى؟ أهذا أنت؟ # سيرانو ~~(يغني وهو على القيثار عازف) ~~: # هأنا جئت أحيي نرجسك الغض، وأقدم احترامي إلى وردك! # روكسان ~~(تنزل من الشرفة) ~~: # هأنذي نازلة. # الوصيفة ~~(وهي تشير إلى الغلامين) ~~: # وما شأن هذين اللاعبين اللذين ينفثان السحر في المعازف؟ # سيرانو ~~: # كسبتهما اليوم من «داسوسي» مراهنة، فقد كنا نتحدث في مشكلة نحوية، فاحتدمت ~~المناقشة اللغوية، واصطخبت بيننا الحجج والاعتراضات الجدلية، أنا أقول الصحيح ~~هو كذا، وهو يقول: لا، بل الصحيح هو كذا، وبينما نحن في حوار ومناظرة ونقاش ~~محتدم، وجدليات مستمرة، إذ جاء هذان الغلامان اللذان اعتاد أن يتخذهما لنفسه ~~حرسا كلما ذهب أو خرج من داره، وهما بالعزف والتوقيع عليمان، وللموسيقى ~~بضروبها حاذقان، ms057 فقال صديقي العالم النحرير، والفقيه الكبير: أراهنك على يوم ~~كامل من الموسيقى تسمعه إذا كنت أنت المصيب، وكان مني الخطأ، وانفلت إلى مظلته ~~يغوص فيها، وإلى مراجعه يبحث وينقب خلالها، حتى وجد ما كنا فيه مختلفين، فظهر ~~أني أنا المحق، وأنه هو المبطل، فكان لي الغلامان يغنيان لي، ويعزفان إلى أن ~~تستقل «فيبيس» # 1 # مركبتها مع الصبح إذا تنفس، وقد جئت بهما يطيعان أمري، ويشنفان ~~برنين المثاني والمثالث سمعي، وقد بدا الأمر لي أولا بديعا مسليا، ولكني ~~بدأت أمله، وأوشكت أن أضيق به ~~(يستدير نحو الغلامين ~~العزافين) ~~، وأنتما يا هذان، اذهبا إلى مونفليري، وغنياه لحنا ~~راقصا! ~~(وكان الممثل يسكن في تلك الناحية، فيتقدم أحد العازفين يريد ~~بابه.) # سيرانو ~~(إلى الوصيفة) ~~: # الليلة أتيت كعادتي لأسأل روكسان ... ~~(إلى الغلامين) # أطيلا العزف، وأكثرا من التوقيع، وأفسدا النغم، وانشزا ما استطعتما ~~نشوزا حتى تزعجاه، وتكدرا عليه عمله، ~~(مخاطبا ~~الوصيفة) # لقد جئت كدأبي كل ليلة لأسأل روكسان إذا كان حبيب النفس ~~لا يزال كعهدها به لا عيب فيه؟ # روكسان ~~(وهي خارجة من البيت) ~~: # لله كم هو مليح، وكم هو ذكي ألمعي، وكم أنا أحبه! # سيرانو ~~: # أكريستيان الذكي الألمعي حقا؟ # روكسان ~~: # بل أحسبه أذكى حتى منك أنت، وأفتن ألمعية يا ابن عمي! # سيرانو ~~: # ما أحب هذا إلى خاطري، فليكن كما تصفين! # روكسان ~~: # أحسبني لست واجدة في هذا العالم كله إنسانا قد برع مثل براعته، في حلاوة ~~عبارته، وعذوبة كلامه، وملاحة تأديته للمعاني التي تجيش في صدره، وقد تأتي عليه ~~أحيان يلوح عليه فيها أن ذهنه منه شارد، وشاعريته غائبة، والمعاني عليه ~~مستعصية، ثم إذا هو فجأة قد عاد المتحدث الساحر. # سيرانو ~~(متظاهرا بأنه غير مصدق ما قالت) ~~: # إنك تبالغين! # روكسان ~~: # بل أنت الذي تبالغ وتجاوز كل حد، ولكن لا بدع فأنتم كذلك معاشر الرجال ~~تتصورون أنه ما دام الفتى مليحا جميل الوجه، فلا عقل له، ولا فطنة! # سيرانو ~~: # وهل يعرف كيف يصف القلب وصف خبير؟ # روكسان ~~: # إنه لا يصف، بل يحلل ويفيض في دراسة الموضوع! # سيرانو ms058 ~~: # ويكتب. # روكسان ~~: # بل أكثر من ذلك، ألا تسمع إليه وهو يقول: «كلما أخذت من قلبي زاد قلبي ونما»، ~~(متفاخرة) ~~: فما رأيك في هذا؟ # سيرانو ~~(بزمة من شفتيه) ~~: # أهذا كل ما عنده؟ # روكسان ~~: # بل استمع لما بعده: «واعلمي أن الإنسان لا غنى له عن القلب لكي يتألم، فإذا ~~احتفظت بقلبي لديك فابعثي قلبك إلي بديلا». # سيرانو ~~: # إني لا أفهم مراده، فهو تارة يدعي أن عنده من القلب أكثر مما يطلب، وأخرى ~~يشكو أن صبابة القلب لا تكفيه. # روكسان ~~(باستياء) ~~: # أنت لا يعجبك العجب، إنها الغيرة. # سيرانو ~~(مضطربا) ~~: # ماذا تعنين؟ # روكسان ~~: # غيرة الشاعر منك والشاعرية، فاصغ الآن إلى هذه الآية في الرقة: «إن قلبي لديك ~~له صرخة واحدة هي صرخة الحب، ولو أن القبلات ترسل بالمداد بريدا لكنت تقرئين، ~~يا سيدتي، كتابي بشفتيك!» # سيرانو ~~(يبتسم ابتسامة الرضى بالرغم عنه) ~~: # ها! ها! هذه الأبيات ... ~~(بازدراء) # تافهة. # روكسان ~~: # إذن فاسمع مزيدا ... # سيرانو ~~: # يا عجبا، أفحفظت كل رسائله إليك عن ظهر قلب؟! # روكسان ~~: # كلها. # سيرانو ~~: # حقا إن هذا بلا ريب تقدير عظيم! # روكسان ~~: # إنه شاعر فحل. # سيرانو ~~(بتواضع) ~~: # عجبا! شاعر فحل؟ # روكسان ~~: # إنه وايم الحق كذلك. # سيرانو ~~(محييا) ~~: # ليكن ما تقولين، إنه شاعر فحل. ~~(تأتي الوصيفة مسرعة.) # الوصيفة ~~: # الكونت دي جيش ~~(إلى سيرانو، وهي تدفعه إلى البيت) # ادخل فلعله من الخير ألا يراك مخافة أن يعرف السر أو طريقه! # روكسان ~~: # أظن ذلك هو عين الحكمة، فإنه يحبني وهو ذو سلطان، فإذا عرف خافية أمري ذهب كل ~~أملي، وفجعت في حبي، ولرمى قلبي بضربة منه قاضية. # سيرانو ~~(وهو يدنو من البيت) ~~: # ليكن ما تشائين. ~~(يدخل دي جيش.) # المشهد الثاني # روكسان ~~(محيية دي جيش) ~~: # لقد كنت موشكة أن أخرج. # دي جيش ~~: # جئت للوداع. # روكسان ~~: # أمسافر أنت؟ # دي جيش ~~: # إلى الحرب. # روكسان ~~: # يا لله! # دي جيش ~~: # ونحن مسافرون الليلة. # روكسان ~~: # كذا؟ # دي جيش ~~: # لقد صدرت لي الأوامر بالذهاب؛ لأن أراس محاصرة. # روكسان ~~: # أراس محاصرة؟ # دي جيش ~~: # يبدو لي أن نبأ سفري قد نزل منك على قلب كالصخرة الصماء. ms059 # روكسان ~~(بأدب) ~~: # أوه ... # دي جيش ~~: # أما أنا فمحزون، وفي القلب غم، رباه، هل سيتاح لي بعد اليوم أن أراك؟ لست ~~أدري! فهل علمت أنني قد أعطيت مقاليد القيادة؟ # روكسان ~~(بغير اكتراث) ~~: # مرحى. # دي جيش ~~: # قيادة فرقة الحرس. # روكسان ~~: # فرقة الحرس؟ # دي جيش ~~: # وهي الفرقة التي يعمل فيها ابن عمك المتبجح المتعجرف أخو الخيلاء، وإني لواجد ~~هناك وسيلة للانتقام منه. # روكسان ~~(من فرط الروع تختنق، وكأنما لم تصدق ما سمعت) ~~: # كيف ذلك؟ أيسافر الحرس إلى أراس؟ # دي جيش ~~(ضاحكا) ~~: # ولم لا؟ أليست فرقتي؟ # روكسان ~~(وقد تهاوت جالسة على المقعد لنفسها) ~~: # كريستيان. # دي جيش ~~: # ماذا بك؟ # روكسان ~~(بتأثر) ~~: # إنني في غم شديد، ويأس بالغ من أمر هذا السفر، عندما تتعلق النفس بشخص، ثم ~~تعلم أنه إلى الحرب الغداة مرتحل! # دي جيش ~~(مندهشا ومنسحرا) ~~: # لأول مرة أسمع منك هذا الكلام الحلو، ولكن في يوم سفري. # روكسان ~~(وقد غيرت من لهجتها، وراحت تحرك مروحتها) ~~: # أحقا تنتوي من ابن عمي ثأرا؟ # دي جيش ~~(مبتسما) ~~: # أريد أن أعرف أولا هل أنت عليه أو معه؟ # روكسان ~~: # بل عليه! # دي جيش ~~: # أترينه أحيانا؟ # روكسان ~~: # لا أراه إلا قليلا. # دي جيش ~~: # إنه اليوم يلازم ضابطا في الحرس، ضابطا اسمه نو ... فيلان ... فيليه ... # روكسان ~~: # هل هو طويل؟ # دي جيش ~~: # ولكنه غبي! # روكسان ~~: # من ينظر إليه يحسبه كذلك، ~~(متدللة ~~متلطفة) ~~: ولكن ما الذي في خاطرك أعددته للثأر من سيرانو؟ أحسبك قد ~~فكرت في أن تلقي به في أكثف القتال، وأحر نار المعمعة، ذلك أحب شيء إلى نفسه، ~~إنه انتقام يائس، ولكني أعرف وجها آخر أشد جرحا لكبريائه وأفجعه! # دي جيش ~~: # وما هو ذاك؟ # روكسان ~~: # لو أنك خلفته في باريس مكتوف الأيدي، طوال الحرب هو ورفقاؤه الذين لا ~~يفارقهم؛ لكانت تلك الطريقة الوحيدة لإغاظة رجل مثله، فإن أردت عقابه، احرمه من ~~ركوب الأخطار. # دي جيش ~~: # يا للمرأة من دهائها ومكرها، من ذا يتصور فكرة كهذه، أو يتخيل للثأر شيئا ~~كهذا الذي أسمعه؟ # روكسان ~~: # ألا فاعمل يا سيدي على أن تدعه للهم والنكد ms060 يأكلان قلبه، واتركه للفراغ يذله، ~~ويخضعه ويحرمه من مضارب السيف ومقارعه ... # دي جيش ~~(وهو يقترب منها) ~~: # أتحبينني يا روكسان إذن ... ولو قليلا؟ ~~(روكسان ~~تبتسم له لتخدعه) ~~. # دي جيش ~~: # أود لو يكون هذا الذي رأيته الليلة منك، من مشاركتي فيما أعمل من حقد، دليلا ~~على الحب يا روكسان! # روكسان ~~: # إنه لدليل ... # دي جيش ~~(يبسط بين يديه كتبا) ~~: # هذه أوامر السفر، وسترسل حالا إلى كل فرقة وكتيبة ما خلا ~~(يحتجز منها كتابا) ~~، ما خلا هذا؛ فإنه خاص ~~بفرقة شبان الحرس، وإني به لمحتفظ ... حقا إن سيرانو سوف يتميز من الغيظ، إذ ~~يعلم أنه لن يشهد للحرب ميدانا، ولن يلتمس في ساحاتها من تيجان النصر إكليلا، ~~يا عجبا، ما كنت أحسبك من بين النساء تعرفين مكرا ... أو تكيدين للناس كيدا ~~... # روكسان ~~: # إنما أفعل ذلك قليلا ... # دي جيش ~~(وقد دنا منها) ~~: # لقد أضعت لبي، اسمعي، الليلة موعد سفري، ولكنني لا أستطيع الفرار حين أحس أنك ~~تجزعين لفراقي، اسمعي، يوجد بالقرب من هنا، في شارع أورليان، دير أسسه الأب ~~إثناسيوس، ولا يأذن الآباء لغير رجال الدين بدخوله، ولكنني كفيل بأولئك؛ فلهم ~~أردان يجدون متسعا لإخفائي فيها. # إنهم رهبان في خدمة ريشليو، ومن يك من العم في وجل يخشى ابن الأخ، وسيعتقد ~~الجميع أنني في طريقي إلى أراس ... وسآتي إليك متنكرا فدعيني، أيتها الفاتنة ~~اللعوب، أؤخر رحلتي يوما. # روكسان ~~(بقوة) ~~: # ولكن سمعتك ومجدك، إذا علم الناس، ماذا يكون مصيرهما؟ # دي جيش ~~: # أف لهما ... # روكسان ~~: # ولكن ... الحصار، أراس ... # دي جيش ~~: # ليكن ما يكون، فأذني لي في البقاء! # روكسان ~~(برقة) ~~: # كلا ... فإن واجبي أن أثنيك عن ذلك. # دي جيش ~~: # يا لها من كلمة! # روكسان ~~: # ارحل! ~~(لنفسها) # كريستيان يبقى «بصوت عال»: ~~أريد أن تكون بطلا يا أنطونيو! # دي جيش ~~(يستخف به الفرح) ~~: # إني إذن لمسافر، ~~(وانحنى على يدها يقبلها) # أفأنت راضية؟ # روكسان ~~: # نعم أيها الصديق ... # الوصيفة ~~(تنحني له باحترام ساخر) ~~: # نعم أيها الصديق. ~~(ينصرف دي جيش.) # روكسان ~~(إلى الوصيفة) ~~: # إياك أن تذكري كلمة واحدة مما جرى ... فإن سيرانو لو ms061 علم بأنني حرمته محضر ~~المعارك المنتظرة، لما صفح آخر الدهر عني. # المشهد الثالث # روكسان ~~(يتجه بوجهها نحو البيت منادية) ~~: # يا ابن العم، هلم إلينا مبادرا، ~~(يأتي سيرانو ~~مسرعا) ~~: إننا ذاهبتان إلى دار كلومير هذه ~~(تشير إلى الباب المقابل) # لنستمع إلى الكاندر ~~وإلى ليزيمون. # الوصيفة ~~(تضع أصبعها على آذانها) ~~: # أجل، ولكن أصبعي ينبئني بأننا سنتأخر، ولن نصل في الوقت المناسب ~~لسماعهم. # سيرانو ~~(لروكسان) ~~: # لا تدعي الفرصة تفوتك لسماع هذه القردة المدربة ~~(وقد وصلوا إلى منزل كلومير) ~~. # الوصيفة ~~: # انظر، لقد لفوا مطرقة الباب بالقماش، ~~(توجه الكلام ~~إلى المطرقة) ~~: لقد كمموك حتى لا يفسد رنينك على القوم سماع ~~المحاضرات الرائعة، واها لك من مشاكسة متوحشة! ~~(ترفع المطرقة بحذر، وتطرق على الباب بتؤدة.) # روكسان ~~(وقد رأت الباب يفتح) ~~: # اقترب يا سيرانو، وإذا جاء كريستيان - كما أتوقع - فلينتظرني حتى ~~أعود. # سيرانو ~~: # كلمة قبل أن تدخلي: في أي موضوع أنت راغبة في أن يتحدث كريستيان ~~الليلة؟ # روكسان ~~(مترددة) ~~: # ولكن ... لست أدري ... # سيرانو ~~(ملحا) ~~: # نبئيني؛ فليس في النبأ من يأس. # روكسان ~~: # أفتكتم عنه الذي أنا منبئتك به؟ # سيرانو ~~: # سوف لا يعلم حرفا منه. # روكسان ~~: # إني منتوية ألا ألقي عليه الليلة سؤالا، ولا أطلب إليه شرحا، ولا تفسيرا، ~~ولكني قائلة له: أطلق لخيالك عنانه، ارتجل. # سيرانو ~~(مبتسما) ~~: # كن عظيما! # سيرانو ~~(مبتسما) ~~: # حسنا. # روكسان ~~: # صه! # سيرانو ~~: # صه! # روكسان ~~: # اكتم السر، ولا تنبس بكلمة. ~~(تنصرف عنه مولية، ~~وتغلق الباب) ~~. # سيرانو ~~(والباب يقفل) ~~: # شكرا. ~~(يفتح الباب ثانية، وتطل روكسان.) # روكسان ~~: # قد يعد ما سيقوله! # سيرانو ~~: # كلا! يا للشيطان، كلا! # روكسان وسيرانو ~~(معا) ~~: # صه ~~(ثم يغلق الباب) ~~. # المشهد الرابع ~~(يدخل كريستيان في الموعد موافيا.) # سيرانو ~~(ينادي كريستيان) ~~: # لقد علمت ما يفيدنا ... هيئ قريحتك، فالفرصة مواتية لننال فخرا، فهيا بنا ولا ~~تضع الوقت سدى، ولا تكن - كما أرى - غاضبا متجهما، تعال بنا نذهب إلى بيتك، ~~لكي ألقنك وأعلمك مما أوتيت علما ... # كريستيان ~~: # كلا. # سيرانو ~~: # ماذا تقول؟ # كريستيان ~~: # كلا إني أنتظر روكسان ها هنا. # سيرانو ~~: # هل جننت يا فتى ... تعال معي لنتعلم ... # كريستيان ~~: # قلت ms062 لك كلا ... فقد مللت هذه الكتب المستعارة، وبرمت بهذا الغزل المحفوظ، ~~والتشبيب الموحى به ... والتمثيل المردد المعاد، والانتفاض الدائم، والرعشة ~~المستمرة ... لقد كان هذا حسنا في البداية ... أما الآن فإني أحس أنها تحبني فلم ~~أعد خائفا، ولا بي في الحب من وجل، وسأكلمها بنفسي، وأتحدث إليها حديث شعوري ~~وإحساسي. # سيرانو ~~: # عجبا! # كريستيان ~~: # لست أنكر أنني أفدت من دروسك، وانتفعت بتلقينك وتدريبك ... ولكن من علمك أنني ~~لست على الكلام قديرا، فإني على كل حال لست ضعيفا غبيا، ولا أخرس عييا، ~~وستعلم أنني الليلة الشارح المبين، والمعلن المتكلم ... يا عجبا ... أأعجز عن ~~عناقها، وضمها إلي! ... ~~(يلمح روكسان خارجة من الدار ~~المجاورة) ~~: ها هي ذي قادمة، لا تتركني يا سيرانو! # سيرانو ~~: # تكلم يا صديقي، وأرنا مبلغ براعتك ~~(ينصرف ويذهب ~~ليختبئ خلف جدار الحديقة) ~~. # المشهد الخامس ~~(تخرج روكسان من دار مدام كلومير في سرب من صاحباتها وأترابها، ~~فتودعهن لدى الباب.) # روكسان ~~: # إلى اللقاء يا برثنوئيد، ويالكاندر إلى اللقاء يا جرميوني. ~~(تخطر متهادية، وفي أثرها وصيفتها.) # روكسان ~~(ما زالت تودع صديقاتها) ~~: # إلى اللقاء يا أريمدونت، ~~(ينحنين لروكسان، ويتبادلن ~~عبارات الوداع، ثم ينصرفن في متشعب الطرق) ~~. # الوصيفة ~~(ضجرة مضحكة) ~~: # لقد فاتتنا المحاضرة عن «الإحساسات الرقيقة» من تلكؤك يا سيدتي؛ فحرمنا من ~~متعة طيبة ~~(تدخل البيت نافرة، وفي هذه اللحظة تلمح ~~روكسان صاحبها كريستيان فتدلف نحوه) ~~. # روكسان ~~: # أهذا أنت ... لقد دنا الإمساء، ونأى الصحب، وطاب النسيم، لا نفس صاعد ولا حس، ~~فلنجلس سويا، ولنتكلم فإني أصغي إليك ~~(سكون) ~~. # كريستيان ~~(يجلس بجوارها على مقعد ممدود. سكون) ~~: # إنني أحبك ... # روكسان ~~(تغمض عينيها) ~~: # هات حديثك عن الحب. # كريستيان ~~: # إنني ... # روكسان ~~: # فصل وبين! # كريستيان ~~: # إنني أحبك كثيرا ... # روكسان ~~: # بلا شك ... ثم ماذا؟ # كريستيان ~~: # ثم إنني لأرى في حبك لي منتهى سعادتي، قولي إنك تحبينني. # روكسان ~~: # إنك تقدم القشور، وكنت أنا أطمع في اللباب، ألا حدثتني قليلا كيف تحبني؟ # كريستيان ~~: # كيف؟ حبا جما ... # روكسان ~~: # هلم ... هلم ... أحلل هذه العقد المتشابكة، وأبن عن شعورك ... # كريستيان ~~(الذي اقترب منها، وأخذ يلتهم بعينيه جيدها الأبيض) ms063 ~~: # جيدك! ليتني أستطيع له تقبيلا! # روكسان ~~: # كريستيان! # كريستيان ~~: # إنني أحبك! # روكسان ~~(تهم بالنهوض ) ~~: # أما لهذا الحديث المعاد من نهاية؟ # كريستيان ~~(وهو يمسكها بقوة) ~~: # كلا، كلا، إنني لا أحبك. # روكسان ~~(عادت إلى مقعدها) ~~: # هذا حسن ... فماذا بعد؟ # كريستيان ~~: # بل أعبدك. # روكسان ~~(تنهض وتبتعد) ~~: # آه! # كريستيان ~~: # أجل، لقد صيرني الحب أحمق! # روكسان ~~(بجفوة) ~~: # هذا لا يروقني كما لا يروقني أن تكون قبيح الوجه كئيبا ... # كريستيان ~~: # إنني ... # روكسان ~~: # هلا ذهبت واستجمعت شتات فصاحتك الشاردة! # كريستيان ~~: # ويحي ... # روكسان ~~: # إنك تحبني، لقد عرفت ذلك، الوداع ~~(تسير صوب ~~البيت) ~~. # كريستيان ~~: # مهلا! أريد أن أقول لك ... # روكسان ~~(وهي تغلق في وجهه الباب) ~~: # إنك تعبدني ... نعم لقد عرفت ذلك. كلا ... كلا ... ارحل من هنا. # المشهد السادس # سيرانو ~~(وقد تسلل منذ هنيهة دون أن يراه أحد) ~~: # إنك كنت موفقا ... # كريستيان ~~: # أغثني! # سيرانو ~~: # وما أصنع لك؟ # كريستيان ~~: # الرحمة بي أيها الصديق، إذا لم أستعد في الحال رضاها قتلت نفسي. # سيرانو ~~: # وكيف بالله عليك أستطيع أن أعطيك درسا، ونحن تحت شرفتها. # كريستيان ~~: # ها هي ذي في حجرتها. # سيرانو ~~(وقد أحس رثاء لهذا الشاب المستهام العاجز المتحير، وأجفل ~~إذ رأى الضياء في حجرتها، ولكن الظلام كان داجنا، والليل حلكة) ~~: # لا يزال ثم أمل في إصلاح ما أفسدته، وإن كنت لا تستحق مني العطف الذي أوليتكه ~~وأظهرته، فاسمع ما أنا مشير به، سأختبئ أنا تحت الشرفة، وألقنك الكلام لفظا ~~لفظا، بل حرفا حرفا ... # كريستيان ~~: # ولكن ... # سيرانو ~~: # صه ... ~~(يدخل الغلامان يناديانه) ~~. # الغلامان ~~: # هلم. # سيرانو ~~: # صه ~~(يشير إليهما أن يخفضا صوتهما) ~~. # الغلام الأول ~~(هامسا) ~~: # لقد ذهبنا فعزفنا عند دار مونفليري ... # سيرانو ~~: # اذهبا فاكمنا غير بعيد عنها، أحدكما في شارع، والثاني في شارع آخر، وإذا دخل ~~علينا أحد فنبهانا بعزفكما. # الغلام الثاني ~~: # وأي نغم نعزف، نغم السيد جاسندي؟ # سيرانو ~~: # ليكن النغم مرحا إذا كان القادم امرأة، وحزينا إذا كان رجلا. ~~(يختفي الغلامان، فيتجه كل منهما صوب ركن من الشارع.) ~~(سيرانو ينادي كريستيان.) # كريستيان ~~(مناديا) ~~: # روكسان! # سيرانو ~~: # انتظر ~~(يتناول من الأرض بعض الحصا، فيحصب الشرفة ~~بحصوات دقاق ms064 منها) ~~. # المشهد السابع ~~(روكسان، كريستيان، سيرانو لا زلنا نراه في أول المشهد مختبئا تحت ~~الشرفة.) # روكسان ~~(في الشرفة) ~~: # سمعت هاتفا باسمي مناديا ... # كريستيان ~~: # أنا ... # روكسان ~~: # ومن تكون؟ # كريستيان ~~: # كريستيان ... # روكسان ~~(باحتقار) ~~: # أهو أنت؟ # كريستيان ~~: # أريد أن أكلمك. # سيرانو ~~: # أحسنت ... امض هكذا برفق متوانيا. # روكسان ~~: # لست لك بسامعة، فإنك لا تحسن كلاما ... اذهب عني. # كريستيان ~~: # رحمة. # روكسان ~~: # كلا، إنك لم تعد تحبني. # كريستيان ~~(وقد بدا سيرانو يلقنه وهو في مكمنه) ~~: # يا رب السماء، أتقولين إنني لم أعد أحبك، بينما في كل يوم أرى الحب في جوانحي ~~متلظيا ... # روكسان ~~(وقد همت بأن توصد الشرفة) ~~: # عجبا! هذا أحسن قليلا، فهات ما عندك سبحا طويلا. # كريستيان ~~(ما زال يلقن الكلام) ~~: # لقد نما الحب في صدري الخفاق بعد أن حل به كيوبيد القاسي، واتخذه مهدا ~~له. # روكسان ~~(تخرج إلى الشرفة، وقد هزها هذا الكلام الطريف اللذيذ في ~~سمعها) ~~: # هذا أحسن نوعا، ولكنك تبدو كأنك تشكو كيوبيد، وتحسبه قاسيا، فكان حريا بك ~~أن تخنق الوليد وهو في المهد صبيا ... # كريستيان ~~: # وا أسفاه، لقد حاولت ولكن سدى، فإن هذا الوليد قد انقلب هرقل، وارتد جبارا ~~عتيا ... # روكسان ~~: # وهذا أحسن! # كريستيان ~~: # وما لبث أن خنق الحيتين التوأمتين ... الكبر ... والشك، # 2 # وكأنه يعبث فحسب. # روكسان ~~(متكئة على الشرفة) ~~: # أسلوب جيد، ولكن ما بالك هكذا متلعثما قليلا ومضطربا، فهل في العقل خالج ~~وخبال سرى منه إلى ملكة الخيال؟ ~~(سيرانو يجذب كريستيان إلى ما تحت الشرفة، ويتسلل إلى مكانه وهو ~~يهمس له في أذنه ...) # سيرانو ~~: # أفسح لي مكانك، فإن الموقف قد توعر. # روكسان ~~: # مالي أجد الليلة كلماتك حيرى مترددة؟ # سيرانو ~~(يقلد صوت كريستيان) ~~: # لأن الليل قد أوغل، فهي في الظلام تتلمس طريقها إلى أذنيك ... # روكسان ~~: # ولكن لماذا لا تلاقي كلماتي هذا الحائل في طريقها إليك؟ # سيرانو ~~: # لا عجب، إذا هي اهتدت إلي فلم تتردد ولم تضطرب؛ لأن قلبي يتلقفها، بل ما ~~أكبر قلبي، وما أدق أذنك، وما أسرع مهبط الكلمات إذا هي من الأعالي نزلت، وما ~~أبطأها إذا صعدت! # روكسان ~~: # أخال ms065 كلماتك الأخيرة قد ألفت الصعود؛ لأنها قد انتظمت فلم أعد أحس خلالها ~~تلعثما ولا ترددا. # سيرانو ~~: # مع المرانة والتكرار تقل مشقة مثل هذه الرياضة! # روكسان ~~: # في الحق يخيل لي أنني أتكلم من أفق عال. # سيرانو ~~: # عال حقا، ولو سقطت منه على قلبي كلمة قاسية، لأوردته حوض المنية. # روكسان ~~: # إذن فلأنزل إليك. # سيرانو ~~: # كلا ... # روكسان ~~(تشير إلى المتكأ القائم تحت الشرفة) ~~: # اصعد فوق هذا المتكأ، وقف مليا ... # سيرانو ~~: # كلا. # روكسان ~~: # وكيف تعصي، أفتكون على الحب أبيا؟ # سيرانو ~~(وقد استأثرت به شيئا فشيئا) ~~: # بل انتظري هنيهة جارية ... فإن هذا الموقف بديع، والفرصة نادرة قلما تكون مثلها ~~مواتية، الفرصة التي يتحدث قلبانا فيها بين مختف لا يرى، وآخر ليس ~~مرئيا. # روكسان ~~: # ولماذا الخفية؟ # سيرانو ~~: # إنه لبديع ظاهر اللذة فليس السر فيه عصيا؛ لأنك وأنا على هذه الصورة بين ~~نصف مختبئ، ونصف منكشف، إنما ترين أطواء ثوبي سودا كأنها الأكفان البالية، ~~ولأنني أرى من ثوبك الناصع الأضواء البهية، أنا الشبح وأنت الضياء، أنا السواد ~~وأنت البهاء، فهل تتصورين مقدار هذه اللحظات في نفسي لو أنني كنت البليغ ~~الفصيح، ولم أكن عييا؟ # روكسان ~~: # ولكنك بليغ، دعوت إليك البيان فجاء ملبيا. # سيرانو ~~: # ولكن حديث نفسي لم ينبعث من قبل من نبعة القلب جاريا، كما ترينه في هذه ~~الليلة متدفقا ضافيا ... # روكسان ~~: # ولماذا؟ # سيرانو ~~: # لأن لا بد لكلماتي أن ترقى إليك الآن في مشقة. # روكسان ~~: # ماذا تقول؟ # سيرانو ~~: # إن لعينيك شعاعا يجعل القلوب واجفة، والأبصار زائغة راجفة، ولكن الليلة يبدو ~~لي أني أحدثك للمرة الأولى. # روكسان ~~: # هذا صحيح، فإن صوتك يبدو غريبا مختلفا ... # سيرانو ~~: # لأني في هذا الظلام الرفيق الحاني قد اجترأت على أن أكون نفسي ولو مرة واحدة. ~~(يتلعثم، ويهاجمه شعوره القديم، وحبه ~~الدفين) ~~: رباه لست أدري ماذا أقول، فاصفحي الصفح الجميل، فإن هذه ~~اللذة الجديدة التي لا عهد لي بها ما أعذبها على النفس، وما أحلاها! # روكسان ~~: # كيف تقول جديدة؟ # سيرانو ~~: # نعم جديدة؛ لأن الإخلاص في القول أصبح الساعة رائدي إليك، وكان خوفي من سخرية ms066 ~~الناس لا يفتأ يقبض القلب. # روكسان ~~: # وعلام السخرية؟ # سيرانو ~~: # لتلك الدوافع ... ولطالما أنزوى القلب حياء وراء الفصاحة والبيان، وكم من مرة ~~أهم فيها باجتذاب نجمة علوية، فأنثني من خشية المهزأة لأجتني زهرة دنية. # روكسان ~~: # وما للزهرة إنها حلوة ندية. # سيرانو ~~: # ولكنها جديرة منا بالازدراء هذا المساء. # روكسان ~~: # بالله، ما سمعتك تقول قولا مثل هذا قبل الآن! # سيرانو ~~: # وماذا علينا لو تركنا السهام والمشاعل والجعاب، ولذنا بعيدا بأشياء أبرد ~~ظلا وأحنى؟ ... وماذا علينا بدلا من أن نرتشف ماء ليس به طعم في قدح صغير رقيق ~~من الذهب لو تركنا النفس تشفي غليلها، وتعب في بحبوحة النهر الزاخر. # روكسان ~~: # وما قولك في البلاغة؟ # سيرانو ~~: # إذا كنت قد استعنتها على مشاغلتك في البداية، فاليوم حاشا أن أتخذها ~~مستعارا؛ لأن ذلك سبة بل إهانة، لهذا الليل النفاح، والعبق الفواح، والطبيعة ~~البليغة في ذاتها لا حاجة بها إلى البلاغة وأدواتها، ولا إلى الكلمات المنمقة ~~المصقولة التي تزدان بها كتب العاطفة ورسالاتها، انظري إلى كواكبها، وتطلعي إلى ~~مسابحها في الفلك ومذاهبها ... إن النظر إلى الطبيعة ينزع من نفوسنا كل بهرج ~~وزيف، وإن أخشى ما أخشاه أن كيمياءنا المستعذبة من صناعة وبيان قد يتلاشى فيها ~~محض الشعور وخالصه، وقد لا تلبث النفس بهذه الحيل والخدع الفارغة أن تضمحل ~~وتذوي، فيكون كسبنا لهذه الأشياء المصنوعة الزاهية هو في الواقع خسارتنا لكل ~~شيء. # روكسان ~~: # قل لي أيضا ما البلاغة؟ # سيرانو ~~: # البلاغة في الحب جريمة، والالتجاء إلى كلامها الرشيق، وتعبيرها المنمق بغيض ~~إلى النفس الصادقة كريه؛ لأنها أدنى في حلبة الحب الصادق الصريح إلى ملاكمة، أو ~~مجالدة، أو معركة سلاحها الألفاظ ... أو مباراة كلامية أداتها الكنية والمجاز، ~~ودقة الاستعارة، فعلام الفزع إلى البلاغة إذا كانت اللحظة المحتومة لا بد آتية ~~في النهاية، وإلا فيا ويح الذين لا يعرفون تلك اللحظة السماوية، اللحظة التي ~~يمضي فيها الحب الزاخر في قلوبنا مطهرا سائر نواحينا، وتصبح كل كلمة مختارة، ~~أو تشبيه، أو استعارة، تافهة لا قيمة لها ولا اعتبار. # روكسان ~~: # وافرض أن هذه ms067 اللحظة التي وصفتها قد جاءت فعلا وتجلت فماذا لعمرك أنت قائل ~~فيها؟ وأي الكلمات أنت على التعبير عنها مستعين؟ # سيرانو ~~: # كل كلام يومئذ يقال جميل، وكل ما يرد على الخاطر صالح، حسبي أن أتلقى الكلمات ~~من خاطري لحظة تواردها فأنثرها بغير نظام، وأقذف بها في غير تنسيق، نثري ~~الأزهار، لا أصطنعها باقات مرتبة الورود بجانب الرياحين ... يومئذ يغني قولي: إني ~~أحبك إني مستهام بك، لم أعد أحتمل إني أختنق، هذا كثير، اسمك في قلبي يخفق خفق ~~الجرس، ولهذا كان قلبي في خفقان دائم متصل، إذ الجرس لا يني عن الخفقان، مدويا ~~باسمك في رنين حلو. # أذكر يوما من أيام السنة الماضية، هو الثاني عشر من شهر مايو، يوم خرجت من ~~دارك في الصباح، وقد صففت شعرك تصفيفة جديدة، فاتخذت بريق شعرك نبراسا لي، ~~وكنت كمن يتطلع إلى قرص الشمس القرمزي، فلا تقع عينه إلا على بقع ذهبية تموج في ~~ناظريه. # روكسان ~~: # هذا هو لعمرك الحب. # سيرانو ~~: # أجل، إن هذا الذي يملأ حسي رهيبا غيورا متلظيا باكيا، هو الحب؛ لأن الحب ~~أبدا حزين، حتى وسط أفراحه، مبتئس حتى في لحظات مباهجه وانشراحه. # أي والله إنه الحب، وإن كان العجيب فيه أنه لا ينطوي على حب ذات، أو حب ~~لنفسه، فأنا من أجل حبك أرتضي أن أقتل بسرور ما أجد منه في صدري وإحساسي، حتى ~~وإن ظللت بسره تجهلين، بل ستلبثين الدهر كله عنه لا تدرين شيئا، ولا تعرفين، ~~حسبي وأنا في وحدتي ومنآي، وعزلتي وجواي، أن أسمع أحيانا صدى ورنينا، لذلك ~~الرغد الذي اشتريته لك كريما لا ضنينا، كل لمحة منك توقظ في نفسي فضيلة، وكل ~~نظرة مني إليك تهيئ شجاعة جديدة مجهولة، وشهامة لم تكن من قبل عندي وبسالة، ~~أفتراك أيتها العزيزة بدأت تفهمين ... لقد توانيت فهما، وتباطأت وجدانا، ألا ~~تعلمين أنني في اللحظات التي ترقى فيها آمالي أبعد ما تكون صعدة ورقيا، أحس ~~أنني قد أوتيت تعويضا مواسيا، لم أكن من قبل لمثله مؤملا، ولا راجيا، ~~فاليوم لم يبق ms068 لي إلا أن أموت فما أهنأ المنية، لقد كان لكلماتي فيك وقع السحر، ~~وهأنذا أراك تضطربين بين الأغصان الزرقاء في ظلمة الليل ... إنك ترتعدين كورقة ~~ناضرة بين أوراق الشجر ... ولقد أحسست بالرعشة الحلوة وهي تنزل من يديك على فروع ~~الياسمين المتدلية من الشرفة ~~(يقبل بجنون طرف فرع ~~متهدل) ~~. # روكسان ~~: # أي والحب ... إنني لواجفة ... والعبرات من عيني واكفة، إني لك، فقد شربت من أدبك، ~~وسكرت من حبك! # سيرانو ~~: # فليأت إذن الموت، فأنا، أنا حقا باعث هذه النشوة ... # روكسان ~~: # فما هو؟ # كريستيان ~~(من تحت الشرفة) ~~: # قبلة (تتراجع روكسان) ... فدعيني أسأل شيئا واحدا ... # روكسان ~~: # ماذا؟ # سيرانو ~~: # واها لك. # روكسان ~~: # أنت تسأل؟ # سيرانو ~~: # نعم ... أنا ... ~~(لكريستيان) # أيها الأحمق، إنك ~~متسرع. # كريستيان ~~: # ألا ترى أنها قلقة، فيجب أن أغتنم الفرصة؟ # سيرانو ~~(لروكسان) ~~: # لقد عجل لساني بما لم يساير وجداني محاذرا، وقد أدركت اللحظة أني كنت ~~جسورا، يا للخجلة، باغيا. # روكسان ~~(تعتريها خيبة أمل) ~~: # أو تصر على هذا فحسب؟ # سيرانو ~~: # ليس ثمة إصرار، نعم، نعم، إن حياءك ليردك عنها؛ ولذا فالقبلة التي سألتها لك ~~أن ترجعي فيها. # كريستيان ~~(إلى سيرانو وهو يجذبه من ثوبه) ~~: # لماذا؟ # سيرانو ~~: # صه يا كريستيان. # روكسان ~~(من فوق حافة الشرفة) ~~: # ماذا تقول بصوت خافت؟ # سيرانو ~~: # لقد جاوزت القصد، فكنت أحدث نفسي وألومها، وكنت أقول: اسكت يا كريستيان! ~~(يبدأ العازفان في العزف) # لحظة! ها هي ~~مواقع إقدام منا دانية. ~~(تغلق روكسان الشرفة، ويلبث سيرانو يرهف السمع للأنغام، أحد ~~العازفين يعزف نغما مرحا، والآخر يعزف نغما حزينا) # يا عجبا! ما بالها ابتدأت حزينة، ثم عادت لاهية، ثم انقلبت باكية؟ ليس ~~القادم إذن رجلا ولا امرأة، فمن يكون إذن إذا لم يكن راهبا تقيا ...؟ # المشهد الثامن ~~(يظهر قسيس حاملا مصباحا، وهو يبحث بين البيوت واقفا لكل باب ~~مناديا.) # سيرانو ~~(للقسيس) ~~: # ما حاجتك أيها القسيس تحذو حذو ديوجينيس بمصباحك؟ # القسيس ~~: # ولكني أفتش عن المرأة، وإن كان النهار قد راح. # كريستيان ~~: # إنه يقف في طريقنا. # القسيس ~~: # أريد دار مدام مادلين روبان؟ # كريستيان ~~: # وماذا يريد؟ # سيرانو ~~(يأخذ بيده، ms069 ويشير إلى شارع بعيد صاعد وهو يقول) ~~: # خذ هذا الطريق واستقم فيه إلى نهايته . # القسيس ~~: # بارك الله فيك يا بني ... سأدعو الله لك ليجزيك خيرا ~~(يخرج) ~~. # سيرانو ~~: # ولتتبعك تمنياتي الصادقة. ~~(يعود سيرانو إلى كريستيان.) # المشهد التاسع # كريستيان ~~(متأوها متحرقا) ~~: # ألا تحصل لي على تلك القبلة ناشدتك الله! # سيرانو ~~: # كلا. # كريستيان ~~: # إن عاجلا وإن آجلا ... # سيرانو ~~: # هذا حق ... إن اللحظة لا بد آتية، اللحظة التي ستخامر كما فيها نشوة الجنون، ~~وسكرة الهوى، فلا يلبث أن يلتقي الثغر بالثغر، وأن يميل الشارب الأشقر على شفاه ~~من الورد ... ~~(لنفسه) ~~: لكم تمنيت أن تكون بسبب ~~... ~~(تفتح الشرفة؛ فيتسلل كريستيان تحتها مختبئا.) # المشهد العاشر # روكسان ~~: # ألا تزال واقفا يا كريستيان إلى الآن ... لقد كنا نتحدث عن ماذا؟ # سيرانو ~~: # عن القبلة ما حدها سحرا والتذاذا، وما عجبي منك إلا أن شفتيك لست أدري ما ~~الذي يمسكهما، فإن كانت اللفظة ملهبة محرقة في معناها، فماذا عسى أن تكون هي ~~بذاتها، وماذا هي بالشفتين صانعة من حرها ونارها. # أواه يا مالكتي ... لا تدعيها ترعب حياءك، أو تخجل تواضعك، أفلم تتركي منذ لحظة ~~العبث جانبا، واستدرجك في غير فزع الابتسام إلى التأوه والأنين، ومن الأنين ~~تقدمت إلى الدمع السخين، فهلا تدرجت في رفق خطوة أخرى من الدمعة إلى القبلة، ~~وليس بينهما إلا رعدة لحظة، وخفقة قلب أخرى، وفي الجوانح من وسوستها ~~رنين؟ # روكسان ~~: # صه ... صه ... # سيرانو ~~(في حماسة اللحظة وحرارتها) ~~: # ما القبلة، وما أدراك ما القبلة، إن هي إلا في ميثاق الحب الإمضاءة والتوقيع، ~~العهد المختوم، والوعد المطبوع، اعتراف من القلب يسأل التوكيد، ونقطة النون، في ~~لفظة «الفتون»، وسر لا يهمس به في الأذنين ... وإنما يوسوس به في الفم والشفتين، ~~رفرفة جناح، تحمل الأرواح إلى لذة بلا نهاية، ونشوة أبدية، وخليط مركب من عصير ~~أزهار برية، نفاحة الأرج زكية، وتفريج عن القلب وتنفيس، حين يطغى الفيضان على ~~الحافتين، فينساب إلى الشفتين. # روكسان ~~: # حسبك ... حسبك ... # سيرانو ~~: # القبلة يا سيدتي كانت قديما عنوان تكريم، وشارة رضوان، إن ملكة فرنسا منحتها ~~يوما ms070 لعظيم اكتسب حظوتها. # روكسان ~~: # ثم ماذا؟ # سيرانو ~~: # لقد كان ذلك العظيم هو اللورد باكنهام ، وكان يتألم في صمت كما أتألم ... وكان ~~يعبد ملكته كما أعبدك أنت يا ملكتي، وكان حزينا كحزني ... وكان وفيا. # روكسان ~~: # وأنت جميل كباكنهام! # سيرانو ~~(لنفسه متحسرا) ~~: # هذا صحيح، إني جميل، لقد نسيت ذلك. # روكسان ~~: # اصعد إذن لنقتطف هذه الزهرة التي لا مثيل لها. # سيرانو ~~(انحنى وأمسك بكريستيان يدفعه إلى الشرفة) ~~: # اصعد. # روكسان ~~: # أو أنفاس القلب تفريجا وتنفيسا؟ # سيرانو ~~(يشد صاحبه، ويهمس له) ~~: ~~... هيا اصعد. # روكسان ~~: # أو هي طنين النحل ...؟ # كريستيان ~~(مترددا) ~~: # ولكن يخيل إلي الآن أنها قبلة خطرة. # روكسان ~~: # أو هي اللحظة الأبدية، والنشوة السرمدية. # سيرانو ~~(يدفع كريستيان) ~~: # اصعد أيها الحيوان. # كريستيان ~~(يتسلق المتكأ والأغصان حتى يبلغ المكان، ويحتوي روكسان في ~~الأحضان، ثم ينحني على شفتيها؛ فيقتطف ما شاء الحب أن يقتطف) ~~: # أواه يا روكسان. # سيرانو ~~(مناجيا) ~~: # أيها الألم الممض الذي يرفرف كالطائر في الصدر مني والحنايا، وهذه هي القبلة، ~~وليمة الحب ومأدبته، مني قريبة دانية، ولكني منها الطريد المنبوذ في ناحية، ~~كأنني الشحاذ الطريح في الظلام، # 3 # يرتقب من الموائد فتاتا، أو فضلات من طعام تساقط عليه، سارية إليه ~~هاوية. # أي روكسان، أحس أن قلبي الآن لديك؛ لأنك تقبلين على تلك الشفاه المتوهمة، ~~الكلمات التي قلتها الساعة! ~~(يسمع عزف الغلامين على قيثارتيهما بلحنيهما ~~المتباينين ... نغم حزين، ثم نغم مفرح: إنه الكاهن، فيجري متظاهرا بأنه قادم ~~اللحظة من مكان بعيد، ويقول بصوت واضح النبرات) ~~: هولا! # روكسان ~~(تطل لترى) ~~: # ما الذي جرى؟ # سيرانو ~~: # هذا أنا ... كنت مارا من هنا، ولكن هل رأيت كريستيان؟ # كريستيان ~~(مندهشا) ~~: # عجبا، سيرانو. # روكسان ~~: # أسعدت صباحا يا ابن العم. # سيرانو ~~: # أسعدت صباحا يا ابنة العم. # روكسان ~~: # إنني عما قليل موافية ~~(تختفي داخل ~~الدار) ~~. ~~(يعود الكاهن حامل المصباح يتلمس الطريق.) # كريستيان ~~(يلمح الكاهن) ~~: # أنت ثانية، ~~(يسير الكاهن خلف روكسان) ~~. # المشهد الحادي عشر # القسيس ~~: # ماجدولين روبان! إني متأكد أنها تسكن هذه الدار. # سيرانو ~~: # أقلت «رولان»؟ # القسيس ~~: # لا، بل روبان ... باء ألف نون! # روكسان ~~(تظهر على ms071 عتبة الدار يتبعها راجينو وهو يحمل مصباحا، ثم ~~كريستيان) ~~: # وما هذا؟ # القسيس ~~: # إنه خطاب. # كريستيان ~~: # ماذا؟ # القسيس ~~: # إنه كتاب لا يليق بحمله غير كاهن أو قسيس ... لأنه من أمير عظيم ... # روكسان ~~(باضطراب) ~~: # ما أحسب الكتاب إلا من دي جيش. # كريستيان ~~: # أو يجرؤ على هذا. # روكسان ~~: # إنه لن يضايقني بعد اليوم، حسبي أني أحبك. ~~(نقض الكتاب فيقدم راجينو في تلك اللحظة فيدني منها ~~مصباحا، وتقرأ هي على ضوئه.) ~~«سيدتي ... # الطبول تدق، وفرقتي تتأهب للرحيل، وأنا وحدي المتخلف، وإن ظن الجميع ~~أنني قد استبقت، لقد راودتني الجرأة على عصيان نصحك، والتمرد على أمرك، ~~وأنا الساعة مختبئ وراء جدران الدين رابض، متحينا الفرصة المواتية تبسم ~~لي، وتومض لكي أتزود بوداع الليلة وأسعد، وقد حملت كتابي هذا راهبا أبله ~~لا يدري ماذا حمل في اليد، لقد ابتسمت لي شفتاك العذبتان، فلا طاقة لي على ~~الرحيل دون أن أراهما مرة أخرى قبل البين ...» # روكسان ~~: # أحسبك يا أبي لم تعلم ما في هذا الكتاب فاسمع إذن ~~(تقرأ بصوت عال) ~~. ~~«سيدتي ... ~~«أمر الكردينال مطاع، وكلمته قانون، وإن كنت بالأمر لا ترحبين، أو فيه لا ~~ترغبين، وتنفيذا لأمره، وتحقيقا لمشيئته ... بعثت إليك بهذا الكتاب، على يد ~~رجل تقي ورع، ذكي حازم أريب؛ لكي تتلقي منه في الحال في بيتك بركة الزواج ~~سرا بكريستيان، وإن كنا نعلم أنك للزواج به كارهة ... ولكن فلتصبري ~~ولتستسلمي يعوضك الله عن صبرك خيرا كثيرا، والسلام». # الكاهن ~~(وقد اشتد اغتباطه) ~~: # إنه لسيد عظيم، بارك الله فيه، وما شككت في حسن رسالته، وشريف غايته. # روكسان ~~(همسا إلى كريستيان) ~~: # ألا ترى أني أحسن قراءة الكتب؟ ~~(يدير القسيس المصباح ناحية سيرانو.) # القسيس ~~: # فأنت الزوج إذن يا سيدي؟ # سيرانو ~~: # يحس بالأرض تميد به، ولكنه لا يجيب. # كريستيان ~~(مبادرا) ~~: # بل أنا هو. # القسيس ~~: # وهو يرفع المصباح ليراه، ولكنه يتبين خياله وجها مليحا، ~~(ولكن) ~~. # روكسان ~~(مقاطعة) ~~: # يا عجبا ... إن للكتاب حاشية نسيتها: «تبرعي إلى الدير بمائة وعشرين ~~بستولا». # القسيس ~~(بفرح) ~~: # نعم السيد العظيم، والمولى الكريم. ~~(لروكسان) ~~: وما تقولين، ألا تسلمين ms072 أمرك ~~لله وتذعنين؟ # روكسان ~~(بعد لحظة كأنما تستخير ضميرها، وتناجي خاطرها) ~~: # ثم لا تلبث أن تتخذ سمات المكره المستشهد منه). # روكسان ~~: # أسلم ~~(تلتفت إلى راجينو بأن يتقدم بالمصباح يهدي ~~إلى الطريق، يدخلون البيت إلا سيرانو الذي يتخلف) ~~. ~~(لسيرانو) # ابق يا ابن العم بموضعك هذا ~~لترد عنا غائلة دي جيش، وتكون له بمرصد، فإذا جاء فاحم الباب في وجهه، ولا تبحه ~~دخولا، فهمت؟ # سيرانو ~~: # فهمت، ~~(إلى الكاهن قبل أن يتوارى عنه) ~~: كم ~~يستغرق عقد القران منك؟ # الكاهن ~~: # حوالي ربع الساعة. # سيرانو ~~(يدفعهم داخل الدار) ~~: # ادخلوا فإني هنا ماكث، وليفعل الله ما يشاء. # روكسان ~~(لكريستيان) ~~: # هلم! ~~(يدخلون) ~~. # المشهد الثاني عشر # سيرانو ~~: # كيف السبيل ليت شعري إلى احتجاز دي جيش ربع ساعة؟ ~~(يعتلي المتكأ، ويتسلق الجدار في اتجاه ~~الشرفة) ~~: والآن لأتسلقه ... لدي خطتي ~~(يبلغ سمعه عزف القيثارة، وهي تعزف تعزف لحنا محزنا) # أن رجلا ~~في الطريق! ~~(ويسرع إلى قبعته فيرخيها على عينيه، ~~ويخلع سيفه، ويتزمل بردائه، يصبح اللحن تشاؤميا) # لن أخطئ هذا ~~المرة! ~~(يطل مختبرا الارتفاع من الشرفة إلى ~~الأرض) ~~: ليست المسافة بعيدة على كل حال. ~~(يتمشى في الشرفة، ويمده يده إلى فرع مديد في دوحة من ~~الجدار قريبة؛ فيتعلق به، ويمسكه بكلتا يديه، على الأهبة ليسقط من ~~فوقه) ~~: سأرج هذا الأفق رجا خفيفا. # المشهد الثالث عشر ~~(يظهر شبح دي جيش وهو ملثم، يتلمس الطريق في الظلام.) # دي جيش ~~: # يا عجبا لهذا الكاهن اللعين! ما الذي يمكن أن يريده؟ # سيرانو ~~(لنفسه) ~~: # ويحي إن هو عرف صوتي، ~~(يترك يدا متعلقة بالشجرة، ~~وباليد الأخرى يتظاهر بأنه يدير مفتاحا خفيا في الباب) # كريك! ~~كراك، ~~(بخشوع) ~~: سيرانو! عد إلى قديم ~~غسقونيتك! # دي جيش ~~(ينظر إلى الدار) ~~: # نعم، هذه هي الدار ... مالي لا أتبين الأشياء جيدا، إن هذا القناع ~~ليضايقني. ~~(يقف دي جيش بالباب، ويهم بأن يدخل البيت، يترك سيرانو جسده في ~~تلك اللحظة يهوي من مكمنه، فيسقط بين الباب وقدمي الكونت، يتعمد أن يحدث سقوطه ~~صوتا يوحي بأنه سقط من مكان عال جدا، ويظل راقدا على الأرض ms073 بلا حراك، وكأنه قد ~~غشي عليه.) # دي جيش ~~(يتراجع) ~~: # يا لله ما هذا؟ ~~(يرفع عينيه إلى أعلى فلا يرى إلا ~~السماء؛ لأن الغصن الذي كان متعلقا به عاد إلى مكانه بعد ~~انحنائه) ~~: من أين سقط هذا الرجل إذن؟ # سيرانو ~~(وهو يتحامل ويجلس، ويتحدث بالغسقونية) ~~: # من القمر انحدرت ... # دي جيش ~~: # من أين قلت؟ # سيرانو ~~(وكأنه يحلم) ~~: # كم الساعة الآن؟ # دي جيش ~~: # هل فقد الرجل عقله؟ # سيرانو ~~: # أي البلاد هذا البلد؟ وأي الأيام هذا من الأسبوع؟ وأية ساعة هذه؟ وأي فصل من ~~فصول السنة؟ # دي جيش ~~: # ولكني. # سيرانو ~~: # إني في ذهول. # دي جيش ~~: # سيدي! # سيرانو ~~: # من القمر سقطت كما تسقط القنبلة. # دي جيش ~~(وقد عيل صبره) ~~: # أهذا! سيدي! # سيرانو ~~(بصوت مدو وقد هب واقفا) ~~: # لقد هويت منه! # دي جيش ~~(متراجعا) ~~: # حسنا! حسنا! لقد هويت منه ... لعله مخبول ... # سيرانو ~~(متجها نحوه) ~~: # قلت لك إنني من القمر انحدرت، وأنا في ذلك لا أتكلم مجازا، ولا أستخدم ~~استعارة. # دي جيش ~~: # ولكن ... # سيرانو ~~: # لم يكن لي الخيار وأنا أهوي في أن أعرف مكان استغرقت، منذ كنت في تلك الكرة ~~الصفراء وأقمت؟ لست أدري. # دي جيش ~~(غير عابئ) ~~: # لقد أقمت هناك، فدعني أمضي وشأني. # سيرانو ~~(يمنعه عن المسير) ~~: # نبئني الحق، أين أنا؟ ولا تخف عني في أي قطر كنت، وبين أي قوم مثل النيزك ~~سقطت. # دي جيش ~~: # عجبا! # سيرانو ~~: # لم يكن لي الخيار، وأنا أهوي أن أعرف مكان سقوطي، فهل ثقل جسمي طرح بي إلى ~~القمر أو إلى الأرض؟ # دي جيش ~~: # ولكن أنصت لي يا سيدي. # سيرانو ~~(يصرخ صرخة مدوية يتراجع لها الكونت) ~~: # يا إلهي، إن وجوه أهل هذا البلد سود. # دي جيش ~~(يتلمس وجهه بيديه) ~~: # وكيف كان ذلك؟ # سيرانو ~~(خائفا) ~~: # أفي بلاد الجزائر أنا؟ ولعلك أنت من أهل البلاد؟ # دي جيش ~~(أدرك أنه يلبس قناعا) ~~: # واها لهذا القناع! # سيرانو ~~(متصعنا اهتداءه إلى الحقيقة) ~~: # فأنا في البندقية إذن، أو لعلي في جنوا؟ # دي جيش ~~(محاولا المرور) ~~: # دعني أمر؛ فإن غادة تنتظر. # سيرانو ~~(وكأنه قد اهتدى إلى الحقيقة) ms074 ~~: # أنا في باريس إذن يا رجل؟ # دي جيش ~~(يبتسم بالرغم عنه) ~~: # يا للوغد! إنه مسل . # سيرانو ~~: # عجبا! أتضحك؟ # دي جيش ~~: # نعم، ولكني أريد أن أمضي لسبيلي. # سيرانو ~~(مشرق الوجه) ~~: # لقد هبطت باريس، مع الزوبعة الأخيرة، ~~(يلقي الكلام ~~على عواهنه، نافضا الغبار عن ردائه، منحنيا في أدب) ~~: معذرة، إنه ~~السفر، إن الأثير يغطي بعض جسمي، وغبار الكواكب يملأ عيني، حتى مهمازي تكسوهما ~~بعض الشعرات من النجوم)، ثم يلتقط شعرة من كمه: يا عجبا، هذه شعرة في صدريتي ~~ما أحسبها إلا من ذنب نجم مذنب، ~~(ينفخها في الفضاء ~~كأنما يردها إليه) ~~. # دي جيش ~~(وقد ضاق ذرعا) ~~: # سيدي! (ولكن سيرانو يسارع إلى الانحناء ليمسك بساقه كأنما يريد أن يريه ~~شيئا). # سيرانو ~~: # يا لله ما هذا الذي وجدته مغروزا في ساقي؟ هذه سن من أسنان الدب الأكبر حين ~~كنت أمر بقرب «السماك الرامح» انحرفت، فرارا من حربته المثلثة الأسنة، فسقطت ~~على «الميزان»، واستويت جالسا على إحدى كفتيه، وأحسب أن مؤشره قد قيد وزني ~~عليه، هناك في السماء، ~~(يحاول دي جيش الانصراف؛ فيمسك ~~سيرانو بزر من أزرار صدريته) ~~: وإني لأقسم لك يا سيدي أنك لو ضغطت ~~أنفي بين أصبعيك لنفث لبنا حليبا. # دي جيش ~~: # تقول لبنا حليبا؟ # سيرانو ~~: # نعم؛ من أثر خوضي وسبحي في نهر المجرة «الطريق اللبني». # دي جيش ~~: # بل بمرورك على الجحيم! # سيرانو ~~: # كلا! بل هبطت من السماء، ~~(يضم ذراعيه على ~~صدره) ~~: وهل تصدق يا سيدي بالله عليك أنني في منحدري من السماء ~~رأيت «الشعرى اليمانية» تضع على رأسها «طاقية»، ~~(يسر ~~إليه كلاما) ~~: وقد نجوت من عضات الدب الأصغر؛ لأنه لا يزال حدثا ~~لا يعرف عضا؛ ~~(يضحك) ~~: ومررت بكوكب ~~«القيثارة»، فقطعت من أوتارها وترا، ~~(متفاخرا) ~~: وفي نيتي أن أضع في رحلتي هذه كتابا أو سفرا، وقد ~~حملت بين طيات قبائي الشائط نجيمات دقاقا، ركبت في سبيلها الأخطار، وأحسبها ~~تصلح لكي تكون «سطور نجوم» بين أجزاء الكتاب الذي أعتزم طبعه. # دي جيش ~~: # أو لم تنته بعد؟ لقد تحملت الكثير وأريد ... # سيرانو ~~: # إني أعرف ما ms075 تريد ... # دي جيش ~~: # سيدي! # سيرانو ~~: # أحسبك الآن تتشوق لمعرفة شيء مني عن القمر، ومم يتركب ، وهل يعيش الناس على ~~سطح هذه القرعة الكروي؟ # دي جيش ~~(ضاحكا) ~~: # كلا، كلا، إني أريد ... # سيرانو ~~: # لقد فطنت، إنك تريد أن تعرف كيف صعدت السماء، ألا فاعلم يا سيدي أني قد ~~اهتديت إلى طريقة عجيبة من حسر تفكيري، وصميم مبتكري. # دي جيش ~~(مبتئسا) ~~: # إنه لمجنون. # سيرانو ~~(باحتقار) ~~: # فلم ألتجئ إلى الرخ الثقيل كما فعل رجيومونتانس، ولا إلى اليمامة الوجلة التي ~~استخدمها أركيتاس. # دي جيش ~~: # هذا والله مجنون، لكنه مجنون مثقف. # سيرانو ~~: # كلا لن أكون مقلدا شيئا سبقني إليه القدماء. ~~(وفلت منه، وكان ينجح في بلوغ باب دار روكسان، لولا أن سيرانو ~~جرى في أثره مستعدا لاستخدام العنف والقوة لمنعه ورده.) # سيرانو ~~: # لقد ابتكرت ست طرق لاقتحام القبة الزرقاء، وغزو قلاعها. # دي جيش ~~(يلتفت خلفه) ~~: # ستة طرق؟ # سيرانو ~~(بطلاقة لسان) ~~: # أما الطريقة الأولى: فهي أن أقف مثل كفك عاريا، تحيط بي قوارير بلورية، ملأى ~~بعبرات الطبيعة الباكرية، في البكرة الندية، معرضا الجسد للشمس المتوهجة ~~القاسية؛ فتمتص قطر الندى، وتمتصني معه. # دي جيش ~~(بدهشة، يقف على الرغم منه مصغيا) ~~: # هذه واحدة، فما هي الثانية؟ # سيرانو ~~(وهو يتراجع خطوات؛ لكي يبعد به عن الشرفة الدانية) ~~: # والثانية يا صاح أن أعمد إلى توليد الرياح والأهوية، فأحتجزها في صندوق من ~~خشب الأرز، بوساطة مرايا متعددة الأوجه، وعدسات محرقة، ثم أرقى بها. # دي جيش ~~(وهو يتقدم خطوة) ~~: # والثالثة ما هي؟ # سيرا ~~(يتراجع خطوة مثلها) ~~: # أما الثالثة فتحتاج إلى براعة آلية؛ لاصطناع جرادة عملاقة، ذات أذرع صلبية، ~~وألقي بنفسي في جوفها، محركا إياها بمادة بارودية تحدث انفجارات متصلة، تقذفني ~~إلى تلك الحقول السماوية الزرقاء حيث قطعان النجوم. # دي جيش ~~(يتبعه وهو ساهم يعد على أصابعه) ~~: # عجل بالرابعة. # سيرانو ~~: # ولما كان للأدخنة والأبخرة خاصية الصعود إلى الطباق العالية، أروح أملأ بها ~~منطادا، بالقدر الذي يكفي لحملي معه. # دي جيش ~~(يتابعه مندهشا) ~~: # هذه طرق أربع، فلعل الخامسة أبدع. # سيرانو ~~: # أو ألطخ نفسي بنخاع من ms076 جسد ثور، أيتها الثيران، ما دامت فيبي، # 4 # وهي تتضاءل، تحب ارتضاع الدهن. # دي جيش ~~(مندهشا ) ~~: # هذه خمس، فما السادسة؟ # سيرانو ~~(وكان قد تراجع بدي جيش إلى أن بلغا الجانب الآخر من ~~المكان، ووقفا بجانب أحد المقاعد) ~~: # أو أركب لوحا من حديد، وأمسك في يدي بقطعة من مغناطيس أقذف بها في الفضاء، ~~ولا يكاد المغناطيس يطير حتى يندفع وراءه الحديد منجذبا إليه، ثم أبادر بقذف ~~المغناطيس كرة ثانية، وهكذا دواليك. # دي جيش ~~: # هذه ست طرق كلها طيبة باهرة فاخرة، فأيتها كانت المختارة؟ # سيرانو ~~: # اخترت سابعة. # دي جيش ~~: # إنه لمدهش، فما تلك؟ # سيرانو ~~: # حدس إن استطعت. # دي جيش ~~: # ليتني عرفت. # سيرانو ~~: # دعني أمثلها تمثيلا ~~(يمد ذراعيه، ويلوح بهما في ~~الفضاء كما يفعل الطافي فوق صفحة الماء، ويمثل الخرير والأمواج) # هويش! هويش! # دي جيش ~~: # وما هذا؟ # سيرانو ~~: # ألا تخمن؟ # دي جيش ~~: # لا. # سيرانو ~~: # هذا هو اللج المتقاذف، أو هو حركة المد والجذر في تلك الساعة الساحرة التي ~~يغازل القمر فيها الأمواج، ويجتذب عندها اللج الرجراج، وقد رحت بعد الاستحمام ~~في الماء الملح الأجاج، أستلقي على الرمال، حتى إذا أقبل القمر الوهاج، جذب ~~إليه اللجة فانجذبت من رأسي؛ لأن شعري كان مبتلا بالماء، ولم أزل أرقى السماء ~~طبقا طبقا، حتى رأيتني فجأة قد اصطدمت ... # دي جيش ~~(يجلس من الدهشة فوق المتكأ ليستمع إلى النهاية) ~~: # وماذا بعد؟ # سيرانو ~~(يعاود لهجة الغسقوني الصميم، ويترك التقليد) ~~: # لقد مضت الدقائق المحدودة فلن أمنعك بعد هذا ولا دقيقة واحدة؛ وقد تمت صيغة ~~القران. # دي جيش ~~(يثب واقفا) ~~: # يا عجبا، هذا الصوت أعرفه ... ~~(تفتح الأبواب في تلك اللحظة، ويأتي الخدم والغلمان يحملون في ~~أيديهم الشموع مستبقين العروسين، وقد تماسكا باليدين، وفي أثرهما الكاهن، ويحمل ~~راجينو كذلك مشعلا مضيئا، وفي الساقة الخادمة بثياب النوم مبهوتة.) # سيرانو ~~(يرفع قبعته) ~~: # والآن، هل عرفت من أنا؟ # دي جيش ~~(وقد كاد يجن من الدهشة والغضب معا) ~~: # وهذا الأنف ... أنت سيرانو. # سيرانو ~~(منحنيا بأدب) ~~: # لقد انتهوا الآن من عقد القران. # المشهد الرابع عشر # دي جيش ms077 ~~: # يا إلهي، ومن العروسان؟ ~~(يدور في القوم يلتمس ~~الوجوه، فيلمح روكسان) ~~: أأنت، ~~(ثم يلمح ~~كريستيان) ~~: وهذا هو؟ ~~(ينحني لهما ~~انحناءة الإعجاب) ~~: يا لك من ماكرة غادرة، ~~(ويلتفت إلى سيرانو) ~~: تهنئاتي الحارة، أيها ~~المخترع صاحب الآلات الطائرة؛ فإن قصتك والله لتحتجز على باب الفردوس القديسين ~~والأبرار، ونصيحتي لك ألا تغفل في كتابك مما بسطته لي صغيرة ولا كبيرة، فإنه ~~بلا شك سيكون ذا فائدة جليلة. # سيرانو ~~(منحنيا) ~~: # سوف أقوم يا سيدي بتنفيذ وصيتكم. ~~(يتقدم الراهب إلى الكونت ليريه العروسين، وهو مغتبط جذلان تهتز ~~لحيته البيضاء.) # الكاهن ~~: # زوجان جميلان تفضلت عليهما يا بني فوحدت بعقد القران اتباعا لوصيتك. # دي جيش ~~(يرمقه ببرود) ~~: # حسنا! ~~(إلى روكسان) ~~: هلمي أيتها العروس، ~~ودعي القرين قبل وشك الفراق. # روكسان ~~(مروعة) ~~: # وكيف هذا؟ # دي جيش ~~(يوجه الكلام إلى كريستيان) ~~: # إن فرقتك الساعة راحلة، فلتلحق في الحال بها. # روكسان ~~(جازعة) ~~: # أمسافرة إلى الميدان؟ # دي جيش ~~: # بلا شك. # روكسان ~~: # ولكن فرقة شبان الحرس لا تذهب ... # دي جيش ~~: # بل هي ذاهبة لا محالة، ~~(يتذكر الورقة التي في جيبه ~~فيخرجها) ~~: وهذا هو الأمر الصادر بشأنها ... ~~(إلى كريستيان) ~~: احمل الأمر إلى البارون بنفسك. # روكسان ~~(ترتمي في أحضان فتاها الوسيم الجميل صارخة) ~~: # كريستيان. # سيرانو ~~(لنفسه) ~~: # يظن أنه بذلك يسبب لي ألما. # دي جيش ~~(إلى سيرانو هازئا متهكما) ~~: # ما زالت ليلة الزفاف نائية. # سيرانو ~~(وهو على المشهد حزين كظيم «لنفسه») ~~: # أواه ... إن في لدغة تهكمه ألم الموت، إن كان يدري، ولكني المتجلد ~~الصبور. # كريستيان ~~: # هات شفتيك مرة أخرى. # سيرانو ~~: # حسبك الآن، وهلم. # كريستيان ~~(يهوي على صفحتها تقبيلا) ~~: # يشق على النفس فصالها، ولكنك لا تدري ... # سيرانو ~~(يحاول أن يبعد به) ~~: # بل أدري. ~~(أصداء طبول مدوية من مكان سحيق.) # دي جيش ~~(من الخلف) ~~: # لقد آذن الرحيل، والفرقة على أهبة المسير. # روكسان ~~(تتشبث بكريستيان لتمنعه، ويمسك به سيرانو ليجتذبه ~~معه) ~~: # سيرانو، وصيتي لك أن ترعاه، وإلى ذمتك أعهد به، فهلا وعدتني أنك عليه حريص، ~~وهلا أقسمت ألا تدعه يجازف يوما بالحياة، وأن تصد الأخطار عنه، وتقيه البأس ~~والبلاء. ms078 # سيرانو ~~: # سأبذل جهدي، أما أن أعد فليس في إمكاني. # روكسان ~~(متوسلة باكية) ~~: # إذن فأقسم على أنه سيكون الحاذر الحريص على نفسه! # سيرانو ~~: # وفي هذا أيضا سأبذل جهدي، ولكن ... # روكسان ~~: # وفي الحصار لا تدعه يعاني بأسا، أو يشكو بردا. # سيرانو ~~: # كل ما في مكنة الإنسان أنا فاعله ... # روكسان ~~: # وأن يبقى على حبي مخلصا وفيا. # سيرانو ~~: # بلا شك، ولكني ... # روكسان ~~: # وأن يكتب لي أحيانا. # سيرانو ~~: # أما هذا فلك به وعدي وثوقا واطمئنانا. ~~(ينزل الستار) # | الفصل الرابع # العسكر الغسقونيون # الموقع الذي تحتله فرقة كاربون دي كاسيل جالو في حصار مدينة أراس، يمتد بطول المسرح كله، ~~عند مؤخرته، يشاهد فيما وراء ذلك سهل ممتد إلى الأفق، أما الأرض فتغطيها منشآت تتصل بعملية ~~الحصار، ترى عن بعد وعلى صفحة السماء أشباح أسوار أراس ومبانيها، خيام وأسلحة متناثرة ~~وطبول، النهار يوشك أن يطلع، وفي الشرق لمع خافتة من خيوط صفر متجمعة، الحراس واقفون على ~~أبعاد متساوية، نيران المعسكر موقدة، يرقد العسكر الغسقونيون في سبات، ملتفين بعباءاتهم، ~~كاربون دي كاسيل جالو ولوبريه ساهران للحراسة، وقد شحب لونهما، ونحل بدناهما، وكريستيان ~~راقد في مقدمة المسرح مع غيره من رفقاء فرقته، وقد التف بعباءته، واستضاء وجهه بضوء إحدى ~~النيران المشبوبة بالمعسكر، والسكون مخيم على الجميع. # المشهد الأول # لوبريه ~~: # لقد ساءت حالنا. # كاربون ~~: # وهل بعد أن نفدت ميرتنا من سوء؟ # لوبريه ~~: # يا للشيطان ... # كاربون ~~(يحذره بإشارة منه أن يخفت صوته) ~~: # العن واسخط كما شئت، ولكن في سرك؛ لئلا يستيقظوا، ~~(يلقي ببصره إلى الشباب الرقود) ~~: لكم الله أيها الشباب الجياع ~~الغرقى، وليهنأكم النوم، ~~(إلى لوبريه) ~~: فإن ~~الجياع النيام يأكلون. # لوبريه ~~: # ولكن هذا عزاء لا يغني عن الذين هم مسهدون لا يخالط الكرى أجفانهم، يا لها من ~~مجاعة! ~~(أصوات طلقات من مكان بعيد.) # سيرانو ~~(فوق الهضبة) ~~: # برجراك أيها الأحمق ~~(ينزل من ~~الهضبة) ~~. # كاربون ~~: # ألا سحقا لهم ولطلقاتهم! سوف يوقظون أولادي ~~(يخاطب الجنود، وقد استيقظوا ورفعوا رؤوسهم) ~~: عودوا إلى ~~الرقاد! ~~(ينامون ثانية، وتسمع طلقات جديدة عن كثب.) # أحد الجنود ~~(يتحرك في موضعه) ~~: # لقد ms079 عاد الشيطان. # كاربون ~~: # لا شيء، إنه سيرانو عائد إلى المعسكر. ~~(يرقد الجنود ثانية.) # حارس ~~(فوق الهضبة ) ~~: # يا للشيطان ... من يسير هناك؟ # كاربون ~~: # لعنة الله على نيرانكم، إنها ستوقظ أبنائي من نومهم ~~(ينظر فيرى رؤوسا ارتفعت) ~~، بل استرسلوا يا بني الأعزة المكدودين ~~في سباتكم؛ فإن اليقظة لهف نفسي مؤلمة، (يتحرك في هذه اللحظة شاب من النائمين، ~~على سماع طلقات النيران) يا للشيطان، ألا تزال هذه الأصوات مدوية. # كاربون ~~(إليه مواسيا) ~~: # لا شيء يا بني، لا شيء ... إن هذا إلا سيرانو راجعا ... ~~(يعود الرقود الذين هموا بأن يرفعوا رؤوسهم إلى النوم ~~مستسلمين.) # الديدبان ~~(يشاهد على التل) ~~: # أيها القادم قف، من أنت؟ # سيرانو ~~: # سيرانو برجراك، أيها المعتوه ~~(يظهر وهو يهبط ~~المنحدر) ~~. # لوبريه ~~(مبادرا) ~~: # يا للسماء. # سيرانو ~~: # صه ... لئلا يستيقظوا. # لوبريه ~~: # أو جريح أنت؟ # سيرانو ~~: # لا ترع يا صاح ... ألست تعلم أنهم قد جعلوا دأبهم ألا يروني بينهم في الصباح؟ # لوبريه ~~: # إن مهمتك قد جاوزت كل حد، تحمل رسائل في كل مطلع فجر، إن هذا والله لهو الخطر ~~الأكبر. # سيرانو ~~(يقف قبالة كريستيان) ~~: # ماذا أصنع غير هذا الذي أنا صانع ... لقد وعدتها أن يكتب إليها كل يوم. ~~(يظل لحظة يتطلع إلى كريستيان) ~~: إنه نائم وسنان، ~~ولكن لله ما أشد شحوبه، ~~(فيتوجه إليه لوبريه ~~مضطربا) ~~: فلو أن فتاته عرفت أنه اليوم يوشك أن يموت جائعا ~~ضاويا ... ولكن جماله لا يزال على حاله باقيا. # لوبريه ~~: # هيا أسرع إلى غرفتك لتنام. # سيرانو ~~: # أقصر اللوم يا صديقي، أو أقلله ناصحا مشفقا، ولا تحسبني في حملي البريد كل ~~ليلة جزافا كبيرا، لقد اهتديت إلى موضع أسرب منه مجتازا خطوط الأسبان، حيث ~~يرقد الجند سكارى بين ضابط منزوف، وجندي ثمل، وديدبان نشوان. # لوبريه ~~: # حاول إذن أن تجلب إلينا طعاما. # سيرانو ~~: # لا ينبغي لمن يذهب أن يكون لشيء ثقيل حاملا، ولكن ثق أن مفاجأة ستباغتنا ~~الليلة، فإما أن يجد الفرنسيون طعاما، وإما أن يلاقوا الموت زؤاما، إذا صحت ~~رؤيتي. # لوبريه ~~: # ألا تقص علينا الخبر؟ # سيرانو ~~: # كلا ألست متأكدا من ذلك؟ ... سوف ms080 ترون. # كاربون ~~: # من المخجل أن نجوع نحن المحاصرين لا المحصورين. # لوبريه ~~: # ليس ثمة أعقد من حصار أراس هذا، لقد جئنا لنحصر جيشا، فإذا بنا نلقى فخا ~~منصوبا، وشركا محتلا، إذ بادرنا الأسبان بجيش هذا الكردينال الطفل ~~فحاصرونا. # سيرانو ~~: # يجب أن يخف إليه الآن من عليه النوبة في محاصرته. # لوبريه ~~: # لست مازحا. # سيرانو ~~: # عجبا! عجبا! # لوبريه ~~: # هلا فكرت أيها الجاحد أنك تعرض في كل يوم حياتنا للخطر، حياة قبل حياتك لمجرد ~~حمل ... ~~(يرى سيرانو متجها إلى إحدى الخيام.) # لوبريه ~~: # إلى أين؟ # سيرانو ~~: # إلى الخيمة لأعد كتابا آخر. ~~(يدخل الخيمة.) # المشهد الثاني # تشرق الشمس، ويصطبغ الجو بحمرة خفيفة، وتبدو مدينة أراس في الأفق، وقد انعكست عليها ~~الأشعة الذهبية. # يسمع قصف المدافع من بعيد، يتبعه قرع الطبول من جهة الغرب، ثم يسمع صوتها مقتربا، ~~وتتجاوب أصواتها وهي تدنو، ويتضاءل الصوت إذ تتباعد إلى أن تتلاشى جهة الشرق حول ~~المعسكر. # وتدب الحركة في الخيام حين يستيقظ النائمون، وتسمع أحاديث الضباط من بعيد. # كاربون ~~: # هذه نوبة الصحيان، ويحي! ~~(يتحرك الجنود في مضاجعهم، ~~ويتمطون بأصلابهم) ~~: أيها النوم اللذيذ لقد انتهيت، وإني أعرف ما ~~ستكون صيحتهم الأولى. # أحد الجنود ~~(يتحرك ويفتح عينيه) ~~: # أشعر بجوع. # آخر ~~: # إنني أموت. # الجميع ~~: # أواه! أواه! # كاربون ~~: # انهض يا هذا! # ثالث ~~: # لا قدرة لي على الانتقال خطوة واحدة. # رابع ~~: # ليست القوة على الحركة. # الأول ~~(ينظر إلى نفسه في صفحة السلاح) ~~: # لساني مغطى بطبقة صفراء، يبدو أن ثمة شيئا في الطقس لا يمكن هضمه. # آخر ~~: # إني لأتنازل عن جميع ألقابي في مقابل قطعة من الجبن. # آخر ~~: # أما أنا فإن لم يدخل معدتي شيء يهيج عصارتها، فسوف أحذو حذو أخيل، وأدخل ~~خيمتي. # آخر ~~: # نعم، شيء كالخبز مثلا! # كاربون ~~(يذهب إلى خيمة سيرانو، ويناديه بصوت منخفض) ~~: # سيرانو! # آخرون ~~: # إننا نموت جوعا. # كاربون ~~(عند باب خيمة سيرانو يكلمه بصوت منخفض) ~~: # أقبل يا سيرانو ناشدتك الله، فأعني على أمري، فلقد عرفناك المرح، القادر على ~~إدخال السرور إلى القلوب، تعال اشدد قلوبهم برطب حديثك، ولطف أمازيحك. # الجندي الثاني ~~(يهوي ms081 على الجندي الأول، وقد رآه يمضع شيئا) ~~: # ماذا تمضع يا هذا؟ # الجندي الأول ~~: # قطعة من فتيلة مدفع محمرة في شحم محور عجلته، وقد اتخذت من إحدى الخوذات ~~مقلاة لتحميرها، ذلك أن ضواحي أراس ليست غنية بحيوانات القنص. # جندي آخر ~~(يدخل) ~~: # لقد كنت أصطاد. # ثالث ~~(المزاح عينه) ~~: # وأنا كنت أصيد السمك. # الجميع ~~(وقد نهضوا وراحوا يضحكون، ويتمازحون مع القادمين) ~~: # ماذا؟ وماذا أحضرتما معكما؟ أسمكا أم طيورا؟ لنر ما في جعبتكما أسرعا! ~~أسرعا! # الصياد ~~: # لقد صدت عصفورا دوريا. # صائد السمك ~~: # وأنا صدت سمكة نهرية. # الجميع ~~: # كفانا هزرا ~~(وقد أخذ منهم الغضب مأخذه) # لنتمرد! # كربون ~~: # أغثني يا سيرانو! ~~(وقد طلع النهار) ~~. # المشهد الثالث # سيرانو ~~(يخرج من خيمته ساكن النفس هادئا، وقد وضع قلما خلف أذنه، ~~وأمسك بكتاب) ~~: # ما الذي أصابكم؟ ~~(سكون، يوجه كلامه لجندي يتخاذل في ~~مشيته) # ما بالك يا هذا تجر ساقيك هكذا جرا؟ # الجندي ~~: # أحس شيئا في قدمي يمنعهما عن السير. # سيرانو ~~: # وما هو؟ # الجندي ~~: # معدتي! # سيرانو ~~: # وأنا والله مثلك. # الجندي ~~: # لعلها مسببة لك ضيقا. # سيرانو ~~: # بل هي مسببة لي اتساعا. # جندي آخر ~~: # لي أسنان طويلة! # سيرانو ~~: # إذن فلن تقضم إلا ما سمك وغلظ. # آخر ~~: # معدتي خاوية. # سيرانو ~~: # ذلك خير، لكي تصلح طبلا ضخما، ندق عليها نوبة الهجوم ... # ثالث ~~: # أسمع دويا في أذني. # سيرانو ~~: # كذبت؛ فإن المعدة الخالية لا آذان لها. # آخر ~~: # إلينا بشيء نأكله بالزيت. # سيرانو ~~(يخلع خوذته ويضعها بين يديه) ~~: # خوذتك ملأى بزيت الشعر. # بعضهم ~~: # يا لله! ألا شيء نلتهمه. # سيرانو ~~(يدفع إليهم بكتاب كان في يده) ~~: # إليك الإلياذة. # أحدهم ~~: # إن الوزير في باريس ينعم بأربع وجبات في يومه. # سيرانو ~~: # كان من الذوق أن يرسل إليك بعض طير تأكله. # الجندي ~~: # ولم لا ... ونبيذ أيضا. # سيرانو ~~: # من نبيذ بورغونيا يا ريشيلييه أسعفنا، وكن متفضلا. # صاحب الطلب ~~: # كان في وسعه أن يرسله إلينا مع كهانه وأحباره. # سيرانو ~~: # بل يحمله إليك قداسته متشحا بثوب أغبر. # فتى آخر ~~: # إنني جوعان جوعة الغول. # سيرانو ~~: # كل من صبرك حتى تتخم. # الجندي الأول ~~(يهز كتفيه) ~~: # ألا ms082 تزال كدأبك لا تكف عن المجون، واستعمال التورية والمجاز؟ # سيرانو ~~: # كيف وإني لأوثر أن أجد منيتي على مساء يوم صائف، وعلائل النسيم في البكور، أو ~~عند رونق الضحى، وما للمجون من ضير، إذا كان لهدف نبيل، لنفي حزن، وطرد شر، أو ~~حمل جندي شجاع على ألا يموت إلا من حد الحسام بطعنة من عدو نبيل كائنا من كان، ~~أي والله إني لأوثر أن أموت فوق عشب بالدم مخضب، على أن أقضي على فراش الحمى ~~عليلا، فأهوي وسن الحربة في قلبي، وحلو النكتة على شفتي. # أصوات ~~(تصرخ) ~~: # نحن جياع، فماذا نصنع؟ # سيرانو ~~(وقد ضم ذراعيه) ~~: # ويحي! أكل أفكاركم وأخلادكم من لحم يؤكل، وشراب يشرب؟ فأنت يا برتران نافخ ~~البوق، كنت بالأمس راعيا تهش على الشياه والنوق، أخرج من حقيبتك الجلدية إحدى ~~آلاتك الموسيقية، هيا أضرب الناي لهؤلاء الجنود الشرهين النهمين المتعاوين، ~~ألحانا مما يتغنى به أهلنا في ريفنا، رجاعة بحنين، ملأى بشكاة وأنين، تذكرهم ~~بالوطن وقومه، وأناشيده ونغمه، كل صدى من أصدائها يناغيك كأنه بعض أهلك، ويدعوك ~~دعاء خفيا، وكل لحن من ألحانها يسري رويدا، ويصعد رويدا، كما تصعد ذوائب ~~الدخان وتيجانه من مداخن قرانا وأكواخنا، وأفران دورنا وأعشاشنا، وإن موسيقاها ~~لتقع في أسماعنا موقع غسقونيتنا، ورطانة ديارنا. ~~(يتناول الشيخ الراعي الناي.) # سيرانو ~~: # هذا الناي الذي يؤلمه أن يكون محاربا معنا ... ذكره الساعة وأنت ترقص أناملك ~~على جذعه الرفيع، فيرسل أنغاما مطربة غير مترددة، مثل صدح الطير تغريدا، ذكره ~~بأنه قبل أن يصنع من الأبنوس قد صنع من أنابيب القصب والغاب على ضفاف بلادنا، ~~وشواطئ أنهارنا لتذهله أنغامه، فهيا يا ناي غننا، أو غن بنا، وهيا أعد علينا ~~ذكريات أناشيد مراعينا وحقولنا، وهيا يا ناي استعد عهد شبابك في غياضنا ~~الزاهرة، ومروجنا. ~~(الشيخ يعزف شيئا من ألحان لانجويدوك، وأناشيدها.) # أرهفوا الأسماع إلى العزف والتوقيع معاشر الغساقنة، فليست هذه الأصوات ~~الخداشة التي تسمعها في معسكراتنا، ولكن الناي من تحت أنامل الشيخ ناي الغابات ~~والأجم، إن ألحانه وهو بين شفتيه لا تنادي إلى ms083 المعارك أرواحنا، وإنما تسمعنا ~~اللحظة أناشيد الرعاة العذبة خلف خرافنا، وشياهنا، وقطعاننا، هيا يا غساقنة، ~~أرهفوا الآذان لأغاني، ودياننا، وغاباتنا، وآكامنا، وألحان الرعاة، وقد أكسبتهم ~~الشمس سمرة وردية تحت قبعاتهم القرمزية، إنها أغاني المساء المرحة تتردد على ~~ضفاف الدردون الخضراء، إنها غسقونيا بكل ما فيها، فاسمعوا يا غساقنة إلى شدو ~~الغاب، وأرهفوا الآذان. ~~(لا يبقى في الجنود أحد لم يطرق، ولا خلا منهم فرد لم يزفر، ولم ~~يشهق، ولا تلبث أعينهم أن تشرد منها الأبصار واللمحات، كأنهم في حلم عذب تراءى لهم ~~في نوم عميق وسبات، وهم يمسحون الدموع والعبرات، وهم سكوت والناي يتكلم.) # كاربون ~~(لسيرانو همسا) ~~: # لقد هيجت أشجانهم، وأحزنتهم من حيث أردت إبهاجهم، واستثرت الدموع من أعينهم ~~منهلة، وكنت تحاول أن تدخل الفرح على القلوب منهم والأرواح. # سيرانو ~~: # إنه الحنين للوطن، وإن له لألما أشرف وأنبل من عضة الجوع، هو ألم الروح لا ~~وجع المعدة، وعواء البطن، فليتألموا وليتوجعوا؛ فإن وجائع القلوب خير والله من ~~آلام المعد والأمعاء. # كاربون ~~: # ولكنك تضعف من روح الشجاعة في نفوسهم، وتضعضع بذلك بقية قواهم. # سيرانو ~~(يشير إلى جندي من جنود الموسيقى وضاربة الطبول ليدنو ~~منه) ~~: # كلا يا سيدي القائد، إن البطولة الكامنة في قلب الغسقوني ودمه على استعداد في ~~أية لحظة لتستيقظ وتتنبه، بل تكفي دقة واحدة ... ~~(يشير ~~إلى الجندي فيدق طبلا راعدا، فإذا الشباب جميعا يستوون على سوقهم، ~~ويبادرون إلى أسلحتهم متحمسين) ~~. # الجميع ~~: # عجبا! ما هذا؟ # سيرانو ~~(إلى قائده مبتسما) ~~: # أفرأيت، لقد كانت دقة واحدة من دقات طبول الحرب كافية عندهم لنسيان كل شيء، ~~فما لبثوا أن نسوا الأحلام، والآلام، والذكريات، والحسرات، وذكروا الوطن والحب، ~~وما أثار فيهم لحن الناي، عدت عليه دقة الطبل فمحته محوا. # فتى ~~(من بعيد يصيح) ~~: # ها هو ذا مسيو دي جيش قادم نحونا. ~~(يصيح الجميع صيحة تأفف وكراهية هوو! هوو!) # سيرانو ~~(مبتسما) ~~: # تذمر الرياء. # آخر ~~: # لقد سئمنا هذا الرجل. # آخر ~~: # إنه يسير بخيلاء، وقد برز طوق رقبته المطرق فوق درع صدره. # آخر ~~: # كمن يلبس فوق الدروع ms084 رداء. # الجندي الأول ~~: # كان يجوز له هذا لو أن في رقبته دملا يحرص على إخفائه. # الجندي الثاني ~~: # هو ذا رجل آخر من رجال البلاط! # آخر ~~: # إنه ابن أخي عمه. # كاربون ~~: # ولكنه على كل حال غسقوني. # الجندي الأول ~~: # إنه مزيف فتحاشاه، ألا ترى أن الغساقنة مجانين، ليس ثمة أخطر من غسقوني ~~عاقل. # لوبريه ~~: # إنه شاحب الوجه. # آخر ~~: # إنه جائع كأي شيطان سقيم منا، ولكن لما كانت درعه ملأى بأزرار ذهبية، فإن ألم ~~جوفه يبدو مشعا في ضياء الشمس زاهيا. # سيرانو ~~: # دعونا إذن، لا نتراءى متألمين أمامه ... هلموا أخرجوا أوراق اللعب، وزهر النرد، ~~وغلايينكم. ~~(يبادرون جميعا إلى إبراز أدوات لهوهم وتسلياتهم، ~~يضعونها على الطبول والكراسي، ويدخنون غلايينهم الطويلة) ~~، ~~ولأتظاهر أنا بقراءة الفيلسوف ديكارت، ~~(يروح ويغدو ~~مطالعا في كتاب يخرجه من جيبه) ~~. # المشهد الرابع ~~(يدخل دي جيش فيبدو الجميع منهمكين في تسلياتهم، ويرى وجهه شاحبا، ~~يتجه إلى كاربون.) # دي جيش ~~(إلى كاربون) ~~: # طاب يومك، ~~(ويقف كلاهما يتفحص الواحد ~~الآخر) ~~. # الكونت ~~(لنفسه بلهجة المتشفي) ~~: # إنه ليبدو مصفرا ... # كاربون ~~(لخاطره) ~~: # لم يبق منه إلا عيناه. # دي جيش ~~(إلى الشباب) ~~: # أهؤلاء هم المتمردون؟ أيها السادة، لقد سمعت من جميع الجهات أنكم تسخرون مني ~~في مجامعكم، وإن صغار الجنود، ونبلاء الجيش من سكان الجبال وفلاحي بيارن، ~~وبارونات بيريجوران يطوون الكشوح على كراهيتي، ويلقبونني بصانع الدسائس، ورجل ~~البلاط الملكي، ويتهامسون عن تأنقي، وحسن سمتي، كأنما عندكم أن الغسقوني لا ~~يكون غسقونيا حقا إلا إذا بدا أشعث أغبر، متصعلكا مفلوكا، عاري الجسد، أو ~~في ثياب خلقة. ~~(سكون، والجميع ماضون في ألعابهم وتدخينهم.) # دي جيش ~~: # أتريدون أن آمر قائدكم بعقابكم؟ # كاربون ~~: # لو أنت قد فعلت يا سيدي لما أطعت أمرك. # دي جيش ~~: # ماذا تقول؟ # كاربون ~~: # إن الفرقة فرقتي، وأنا الذي يدفع أجور جندها، فلا أخضع إلا للأوامر المتعلقة ~~بالحرب. # دي جيش ~~: # أيصل الأمر إلى هذا الحد؟ لقد والله سمعت ما فيه الكفاية، إن تسخروا مني فإني ~~منكم لساخر، وما بي حاجة إلى من يعرفني قدر نفسي، وحقيقة شأني، وقد عرف ms085 الناس ~~من قبل مقدار شجاعتي، وإقدامي، وبأسي، ورأوا بالأمس كيف كانت حميتي وأنا أغير ~~على جيش الكونت دي بيكوا في «يابوم» الليلة البارحة، وكيف جمعت جنودي فانقضضت ~~عليه ثلاث مرات متوالية. # سيرانو ~~(وهو منكب على كتابه) ~~: # وما رأيك في وشاحك الأبيض؟ # دي جيش ~~: # أو عرفت حقيقة هذا الحادث وتفصيله، لقد اتفق أنني بينما كنت أجمع رجالي ~~للهجمة الثالثة إذ لقيتني شرذمة من الهاربين، فحملتني معها إلى موضع قريب من ~~صفوف الأعداء، فأدركت أنني قد وقعت في خطر من أسر، أو موت مبادر، وكان الظلام ~~شديد الحلكة؛ فخفت أن ينم وشاحي الأبيض عن درجتي العسكرية، فخطر لي أن أخلعه، ~~وألقي به جانبا، ففعلت، ولم ينتبه الأسبان إلى فعلتي، وعدت إلى مكاني؛ فاستعنت ~~بمدد من جنودي ففرقتهم كل مفرق، فماذا ترون أيها السادة في عمل كهذا، وما ~~منزلته من تقديركم؟ ~~(لا يبدي الجند رغبة في الاستماع، ولكنهم يكفون لحظة عن ~~التدخين، ولعب الورق والنرد، ويخيم السكون في توقع حدوث شيء ما.) # سيرانو ~~(يتقدم منه) ~~: # إن هنري الرابع لم يرتض حين أحدق الخطر به أن ينزع عنه ريشته البيضاء القائمة ~~في جانب من خوذته، على الرغم من كثرة المعارضين. ~~(يتهلل الجميع، ولكنهم يظلون على صمتهم، وألعابهم، ~~وتدخينهم.) # دي جيش ~~: # نعم، ولكن الخدعة نجحت، وهذا يكفي. ~~(يظل الجند على صمتهم ولعبهم.) # سيرانو ~~: # يجوز ... وإنما لا ينبغي للجندي أن يكون هذا هو دأبه في الفرار من شرف الموت من ~~رصاص أعدائه، ~~(تتبادل أوراق اللعب والزهر، ويزيد مرح ~~الجند) ~~: ولو أني كنت حاضر أمرك حين سقط وشاحك لبادرت إليه ~~فالتقطته، وألقيته على بدني، وقلت للموت هيا، إن شجاعتنا يا سيدي من طراز غير ~~طراز شجاعتك. # دي جيش ~~(بسخرية) ~~: # ما هذه إلا ادعاءة غسقونية كإيلافك زهوا وتباهيا. # سيرانو ~~: # أعرنيه الليلة ألتفع به، وأنا أقسم لك أنني به مقتحم صفوف العدو شجاعا ~~أبيا. # دي جيش ~~: # ادعاءة ثانية، إذ أنت تعلم أن الوشاح الآن في أيدي الأعداء، فقد سقط مني على ~~حافة قناة جارية، والرصاص الساعة عليها متكاتف يحصد ms086 الأرواح جنيا ... فما إلى ~~الوشاح اليوم من سبيل. # سيرانو ~~(يدس يده في «جيبه»، وإذا هو يخرج الوشاح الأبيض، ويتقدم ~~إلى دي جيش) ~~: # ها هو ذا وشاحك يا سيدي خذه إليك، إني قد حفظته لك مصونا نقيا. ~~(سكون، ولكن الغساقنة يكتمون ضحكاتهم خلف أوراق اللعب ~~التي في أكفهم من سخرية صامتة، يبدأ أحدهم بغير اكتراث يصفر بفمه صفيرا ~~يشبه النغمة التي سمعتها منذ لحظة من الشيخ الراعي صاحب الناي ~~وعزفه) ~~. # دي جيش ~~(يتناول الوشاح) ~~: # شكرا لك، إنه اللحظة يجدي نفعا، فإني سأتخذ منه بيرق إشارة لأعطيها، وقد ~~صميت نفسي من إعطائها حتى الآن. ~~(يصعد هضبة، ويلوح بالوشاح ثلاثا.) # الجميع ~~: # ما هذا الذي تفعله يا سيدي الكونت؟ # الحارس ~~(ينادي بأعلى صوته من أعلى الهضبة) ~~: # هناك رجل يجري هربا. # دي جيش ~~(ينزل من الهضبة) ~~: # هذا جاسوس أسباني مزعوم، اصطنعته لنفسي يحمل عني أنباء إلى الأسبان، وأنا ~~الذي أنفذه إليهم، وبذلك تكون خططهم متأثرة بما ندلي إليهم من معلومات. # سيرانو ~~: # يا لك من وغد! # دي جيش ~~(وهو يضع الوشاح عليه بكل برود) ~~: # إنه نافع لنا، ماذا كنا يا ترى قائلين؟ لقد تذكرت، لقد اجتمعنا أمس في حضرة ~~المارشال قائدنا العام للبحث في أمر مجاعتنا، فرأى المارشال أن يشخص خلسة بنفسه ~~إلى «دورلان» حيث تودع مئونة الملك وميرته، ولكي يعود إلى المعسكرات بلا خطر، ~~أو مشقة اصطحب قوة لا بأس بها من جنودنا، وبقينا نحن هنا مرابطين، فمن يردنا ~~بقتال أو غارة ينتفع بهذه الفرصة السانحة له؛ لأن نصف جيشنا عن الخطوط ~~غائب. # كاربون ~~: # ولو عرف الأسبان الحقيقة لكان في ذلك القضاء علينا، ولكن ألا يعرفون شيئا عن ~~هذا الأمر؟ # دي جيش ~~: # بل عرفوا، وسوف يهاجموننا. # كاربون ~~: # عجبا! # دي جيش ~~: # لقد جاءني جاسوسي هذا فنبأني النبأ قائلا: «إن في وسعي أن أدلهم على الموضع ~~الذي منه يهجمون على مواقعكم، فمن أي المواضع تريد أنت أن يهاجمونا لأنبئهم ~~أنها أضعف المواقع استحكاما، وأكثرها للهزيمة تعرضا، فليزحفوا نحوها، وهم ~~مطمئنون؟»، فأجبته أن ارقب إشارتي؛ فمن حيث تشهدها ms087 فتلكن غارتهم، وها قد رأيتم ~~الإشارة التي أعطيتها إليه. # كاربون ~~(مناديا جنوده) ~~: # إلى السلاح. ~~(ينهضون في خطفة البرق من مجاعتهم إلى أسلحتهم؛ ليكونوا على أتم ~~الأهبة والاستعداد، تسمع صلصلة السيوف، وقعقعة المناطق، وهم يتمنطقون بها.) # دي جيش ~~: # سينقضون علينا بعد ساعة. # أحد الجنود ~~: # بعد ساعة؟ حسنا! ~~(يعود الجنود إلى الجلوس، ومتابعة ألعابهم.) # دي جيش ~~(لكاربون) ~~: # يجب علينا كسب الوقت، فالمرشال في طريقه إلينا. # كاربون ~~: # وكيف نكسب الوقت؟ # دي جيش ~~: # بتفضلك بالسماح لهم بقتلك! # سيرانو ~~: # أهذا هو الانتقام إذن؟ # دي جيش ~~: # لن أدعي بأني اخترتك وجنودك لفرط حبي لكم، ولكن لما كانت شجاعتكم لا تبارى، ~~فقد اخترتكم خدمة لمليكي، وشفاء لغلتي! # سيرانو ~~: # اسمح لي أن أبدي لك يا سيدي شكري وعرفاني. # دي جيش ~~: # من كان يطرب لقتال مائة فلا يشكو من قتال آحاد؛ الفرصة سانحة لك الآن. # سيرانو ~~: # الآن أيها الشجعان الصناديد، قد آن لكم أن تضيفوا إلى شعاركم في الحرب، ورمز ~~سلاحكم ذي الستة الألوان المزيجة من أزرق وأصفر، لونا آخر كان ينقصه حتى ~~الساعة، وهو اللون الدموي الأخير. ~~(يرى دي جيش في المؤخرة، وهو يتحدث مع كاربون، وتصدر الأوامر ~~بالاستعداد للنزال، يتجه سيرانو نحو كريستيان الذي يقف مكتوف الذارعين في ذهول ~~صامت.) # سيرانو ~~(يضع يده على ذراع كريستيان) ~~: # كريستيان. # كريستيان ~~(يهز رأسه) ~~: # روكسان! # سيرانو ~~(بسخرية) ~~: # وا أسفاه! # كريستيان ~~: # وددت لو أني على الأقل بعثت إليها بكتاب وداع جميل وضعت فيه كل قلبي. # سيرانو ~~: # لقد هتف بنفسي من قبل هاتف أن اليوم هو له فهيأت إليها الكتاب، ~~(ينتزع من طيات صداره كتابا) ~~. # كريستيان ~~(زافرا متأوها) ~~: # أرنيه! # سيرانو ~~: # أو على رؤيته أنت الساعة قادر؟ # كريستيان ~~(يتناوله من كفه فينشره، ولكنه لا يكاد يقرأ فيه قليلا حتى ~~يغمغم) ~~: # ما هذا؟ # سيرانو ~~: # ماذا؟ # كريستيان ~~: # بقعة صغيرة مستديرة. # سيرانو ~~(يأخذ الخطاب بلهفة، ويلقي عليه نظرة ساذجة) ~~: # أو تقول بقعة مستديرة؟ # كريستيان ~~: # إنها دمعة! # سيرانو ~~: # نعم، إنها دمعة ... ذلك يا صاح دأب الشعراء، يقعون في سوء تعبير، وفي ذلك ~~سحرهم، ومحرك أخيلتهم. # ولقد جعلت أكتب ms088 هذا الوداع فاسترسل معي حزينا، ومضى من قلبي في أسلوب غم ~~واكتئاب، حتى لقد دمعت عيناي فتساقط الدمع مني على صفحة الكتاب. # كريستيان ~~(ينظر إليه) ~~: # أبكيت؟ # سيرانو ~~: # أواه، إن الموت في ذاته ليس برهيب، ولكن أن نفارقها، ونحن نحس أننا بعد اليوم ~~لن نملي العين منها، هو لذعة الموت، وأنها من الموت نفسه أبلغ والله في ~~الإيلام، وقد كنت أتخيل أنني لن ... ~~(كريستيان يرمقه ~~بنظرة) ~~: إننا لن ... ~~(ثم يستدرك ~~مسرعا) ~~: إنك لن ... # كريستيان ~~(يختطف الكتاب من يده) ~~: # هاته فإني له لحفيظ. ~~(تسمع جلبة من مكان بعيد، ثم يطرق أذنيهما صوت الحارس.) # الحارس ~~: # يا للشيطان! من القادم هناك؟ ~~(تسمع طلقات النيران، وجلبة وضوضاء، ورنين أجراس.) # كاربون ~~: # وما هذا؟ # الحارس ~~(فوق الهضبة) ~~: # إنها مركبة؛ ~~(يندفع الجميع ~~لمشاهدتها) ~~. # صيحات ~~: # ما هذا؟ مركبة في المعسكر؟ إنها داخلة إلى المعسكر، إنها قادمة من معكسر ~~الأعداء، يا للشيطان! أطلقوا النار عليها، لا، انتظروا إن الحوذي يصيح، ماذا ~~يقول؟ إنه يصيح: في خدمة الملك. # دي جيش ~~: # في خدمة الملك، وكيف؟ ~~(ينزلون من الهضبة، ويصطفون في نظام عسكري.) # كاربون ~~: # ارفعوا القبعات تحية! # دي جيش ~~(في الركن) ~~: # في خدمة الملك، تقهقروا إلى الوراء أيها الرعاع، وأفسحوا لها المكان لتدور ~~دورتها في أبهة وجلال. ~~(تظهر مركبة علاها الغبار، وتلطخت بها الأوحال، ولا تزال مسدلة ~~الأستار، ومن خلفها جلس وصيفان، تدخل المعسكر مسرعة، ثم تقف مرة واحدة.) # القائد ~~: # سلام سلاح. ~~(يدوي المكان بصليل السيوف، ودق الطبول، يرفع الجنود قبعاتهم ~~تحية.) # دي جيش ~~: # أنزلوا سلم العربة. ~~(يتقدم رجلان نحو العربة، يفتح الباب، وتنزل روكسان من المركبة ~~متهللة مشرقة المحيا.) # روكسان ~~: # طاب يومكم. ~~(دهشة عامة عند سماع صوت المرأة، ينتصب الجند، وكانوا قد انحنوا ~~للتحية.) # المشهد الخامس # دي جيش ~~: # في خدمة الملك، أنت؟ # روكسان ~~(ضاحكة) ~~: # أي نعم ... في خدمة ملك الحب، فهل ثم ملك أدين له سواه؟ # سيرانو ~~: # يا إله السموات! # كريستيان ~~(يندفع نحوها) ~~: # ما الذي جاء بك؟ # روكسان ~~: # هذا الحصار قد طال عليه المدى. # كريستيان ~~: # ولكن لم جئت؟ # روكسان ~~: # سوف أقص عليك ms089 ذلك فيما بعد! # سيرانو ~~(وهو يجمد في مكانه كالمأخوذ) ~~: # يا إلهي، لست أجسر على النظر إليها . # دي جيش ~~: # لا ينبغي أن تمكثي هنا؟ # روكسان ~~: # بل إني لماكثة، من ذا يقدم طبلته لأقتعدها، ~~(يبادرون إلى تقريب طبلة منها فتجلس فوقها) ~~: شكرا، ~~(وتضحك) ~~: لقد أطلقوا النار على المركبة ~~(بكبرياء) # العسس! يبدو أنها صنعت من قرعة، أليس ~~كذلك؟ كمركبة سندريللا، والخدم فيها جرذان. ~~(ترسل من طرف أناملها قبلة إلى كريستيان) ~~(تدير عينيها في الوجوه) ~~: ما بالكم لا ~~تلوحون فرحين متهللين، ألا تعلمون أن الطريق طويل من باريس إلى أراس هذه؟ ~~(تلمح سيرانو) ~~: أهذا أنت يا ابن العم، ~~ما فرحتي بلقائك، وما أبهج خاطري! # سيرانو ~~(يتقدم للسلام عليها) ~~: # ولكن بالله ... كيف؟! # روكسان ~~: # أتسأل كيف اهتديت إلى السبيل، الأمر بسيط، لقد مررت وسط خراب ضارب بجرانه، ~~وبلقع صفصف، ودمار شمل الأرض يا إلهي! لم أكن لأصدق بوجود هذا الدمار الرهيب لو ~~لم أره بعيني رأسي ... أهذه هي خدمة الملك أيها السادة؟ إني إذن لأوثر أن أخدم ~~ملكي أنا. # سيرانو ~~: # إن هذا لجنون مطبق، ولكن أي طريق شيطاني سلكت؟ # روكسان ~~: # أي طريق؟ سقت مركبتي وسط معسكر الأسبان. # أحد الجنود ~~: # لله ما أمكرهن! # دي جيش ~~: # ولكن حين جئت إلى خطوط نيران الأسبان كيف تواتى لك اجتيازها؟ # لوبريه ~~: # لا بد أنك لاقيت صعوبات جمة. # روكسان ~~: # في الحق لم أجد عناء، ولم أصادف تعبا، إذ كنت كلما مرت بي المركبة على حارس ~~من حراسهم أفتح نافذتي، وأبتسم له ابتسامتي، والحق أقول لكم أيها السادة في غير ~~غض من أقداركم، إن الأسبان أرق أهل الأرض خاشية، وأظرفهم نفوسا، ولذلك ~~مررت. # كاربون ~~: # هذا صحيح، ومن ذا الذي يرى الابتسامة منك، ويخطر له أن يعترض سبيلك، هذه ~~الابتسامة هي جواز المرور، ولكن لا بد أنهم أوقفوك مرارا ليسألوك يا سيدتي عن ~~وجهتك. # روكسان ~~: # وقد جعلوا يسألونني عن وجهتي، فكنت أجيبهم أنني ذاهبة لأرى حبيبي، فكانت هذه ~~الكلمة وحدها كافية لترد أشرس رجالهم خلقا، وأرهب جندهم ضراوة، هادئا صامتا ~~وتحدوه إلى إيصاد باب ms090 المركبة، وإعطاء الإشارة إلى الجنود بخفض فوهات بنادقهم، ~~وبانحناءة حزينة، وحركة وقور رائعة، يرفع القبعة قائلا : دعوا السنيورة تمر في ~~طريقها آمنة. # كريستيان ~~: # ولكن رباه. # روكسان ~~: # معذرة وصفحا عن قولي: حبيبي، ولكن أتحسبهم كانوا مجيزين لي المرور لو أني ~~قلت: إني ذاهبة إلى زوجي العزيز؟ # كريستيان ~~: # ولكن! # روكسان ~~: # ماذا بك؟ # دي جيش ~~: # حسبك مزاحا، لقد حان أن ترجعي؛ فإن هذا الموضع لا يصح أن يحتويك! # روكسان ~~: # أنا أرجع؟ # سيرانو ~~: # لا تردد، ولا ممانعة. # لوبريه ~~: # وبأسرع ما يكون الإسراع! # كريستيان ~~: # نعم، يجب ذلك. # روكسان ~~: # ولكن لماذا تريدني أن أعود ...؟ # كريستيان ~~(متحيرا) ~~: # لأن ... # سيرانو ~~(متحيرا أيضا) ~~: # لأن بعد ثلاثة أرباع الساعة ... # دي جيش ~~(متحيرا) ~~: # بل بعد ساعة واحدة ... # كاربون ~~(متحيرا) ~~: # خير لك أن ... # لوبريه ~~(متحيرا) ~~: # قد يكون ... # روكسان ~~: # سأبقى هنا، إنكم ستقاتلون. # الجميع ~~: # كلا! كلا! # روكسان ~~: # إنه زوجي، ~~(ترتمي في أحضان كريستيان) ~~: ~~فلنمت معا! # كريستيان ~~: # ولكن ما هاتان العينان؟ # روكسان ~~: # سأقص عليك السبب. # دي جيش ~~(وقد ضاق ذرعا) ~~: # إنها لوظيفة مرعبة. # روكسان ~~(تلتفت إليه) ~~: # تقول مرعبة؟ # سيرانو ~~: # ودليل ذلك أنه وكلها لنا! # روكسان ~~(إلى دي جيش) ~~: # ويحك! أتريد أن أصبح أرملة؟ # دي جيش ~~: # كلا! # روكسان ~~: # والآن لأكونن مجنونة، ولن أغادر المكان فضلا عن أن المسألة مسلية ~~جدا. # سيرانو ~~: # ماذا، هل انقلبت الأديبة بطلة؟ # روكسان ~~: # لا تنس يا مسيو برجراك أنني ابنة عمك. # أحد الجنود ~~: # سوف ندافع عنك ونحميك. # روكسان ~~(متأثرة) ~~: # إني لواثقة من ذلك أيها الأصدقاء. # جندي آخر ~~: # لقد فاح أريج السوسن في جميع أرجاء المعسكر. # روكسان ~~: # ولقد لبست لحسن الحظ قبعة تبدو موائمة جدا لميدان القتال، ~~(تلتفت إلى دي جيش) ~~: ولكن ربما قد حان الوقت ~~لانصراف الكونت، فقد يبدأ القتال في أية لحظة. # دي جيش ~~: # أواه هذا كثير! هذا كثير! إني ذاهب لتفقد المدافع، وسأعود ثانية، وما زال ~~أمامك وقت للتفكير في الأمر. # روكسان ~~: # كلا! لن أغير رأيي، ~~(ينصرف دي ~~جيش) ~~. # المشهد السادس # كريستيان ~~(متوسلا) ~~: # روكسان! ... # روكسان ~~: # كلا. # أحد الجنود ~~(لزملائه) ~~: # سوف تبقى! # الجميع ~~(يتدافعون ويتخاطفون الأشياء) ~~: # أريد مشطا، أين الصابون؟ ms091 إن في ثوبي رتقا، فهل من إبرة لكي أرتقه؟ ألا من ~~شريط، أعرني مرآتك يا هذا ؟ أبي أكمامي؟ إلي بمكواة الشارب، أين موسي الحلاقة؟ # روكسان ~~(لسيرانو الذي ما زال يتوسل إليها أن ترحل) ~~: # كلا! لن يزحزحني شيء عن هذا المكان! # كاربون ~~(وقد حذا حذو الآخرين، فشد وثاق منطقته، ونفض الغبار عن ~~نفسه وقبعته، وثبت الريشة عليها، وأصلح من كمي سترته، واقترب من روكسان يحدثها ~~بذلاقة) ~~: # ربما كان الأجدر بي أن أقدم لك - ما دمت قائمة بيننا - نفرا من هؤلاء السادة ~~الذين يودون أن يكون لهم شرف الموت تحت راية عينيك؛ ~~(تنحني له روكسان، وتقف وقد اشتبكت ذراعها بذراع كريستيان في انتظار تقديم ~~كاربون لزملائه) ~~: البارون بيرسكو دي كولينياك. # الجندي ~~(محييا) ~~: # سيدتي ... # كاربون ~~(يمضي في تقديمه زملاءه) ~~: # بارون دو كاستراك دو كوزاك، فيدام دوما لجوفر استرساك ليبا ديسكارابيو، ~~شفاليه دانتينياك جوزيه، بارون هيلو دوبلانيان، ساليشان دو كاستل كرابيول. # روكسان ~~: # ولكن بكم اسم يسمى كل منهم؟ # بارون هيلو ~~: # أسماء لا عدد لها. # كاربون ~~(لروكسان) ~~: # افتحي يدك التي تقبضين بها على منديلك. # روكسان ~~(تفتح يدها؛ فيسقط المنديل إلى الأرض) ~~: # ولم ذلك؟ ~~(يسارع الجنود مستبقين لكي يفوز أحدهم به.) # كاربون ~~(يفوز به قبلهم) ~~: # إن فرقتي لا راية لها؛ فلتكن لها من منديلك هذا والله أجمل راية خفقت ~~فوقها. # روكسان ~~: # ولكنه صغير جدا. # كاربون ~~(يضع المنديل على رأس حربة الكابتن) ~~: # ولكنه من «الدانتيلا». # أحد الجنود ~~(لزملائه) ~~: # الآن وقد رأيت هذا الوجه الجميل أموت وأنا سعيد قرير العين، لو أن في جوفي من ~~الطعام بقدر حجم الجوزة. # كاربون ~~: # أو تتحدث عن الطعام يا هذا في محضر سيدة جميلة رائعة؟ # روكسان ~~: # مالي أراكم في المعسكر متحفظين في تعاليم الجندية كثيرا، ألا من شراب يقدم ~~أو طعام؟ إنني في الحق أحس جوعا، وأجد في نفسي ظمأ، إن قائمة طعامنا حاضرة: ~~فطائر، وكعك، وفواكه مثلجة، ولحوم باردة، ونبيذ معتق، هذا كل ما لدينا؛ فهلموا ~~أحضروه إلينا. ~~(ذهول ودهشة.) # أحد الجنود ~~: # أكل هذا تريدين؟ # جندي آخر ~~: # ولكن أمزاحا أردت أم ms092 جدا؟ من أين لنا بشيء من هذا ... لست أدري. # روكسان ~~(برفق وتؤدة) ~~: # في مركبتي. # الجميع ~~(مبهوتين ) ~~: # وكيف ذلك؟ # روكسان ~~: # أمامنا عمل كثير! فلنقدم الطعام، ونقطع اللحم، وننزع العظم، ألا اقتربوا أيها ~~السادة من سائق المركبة، تتعرفوا عن أنفس الشخصيات، أما الطعام الذي ابترد ففي ~~وسعنا أن نجلبه إلى الموائد ساخنا. # الجميع ~~(يتدافعون نحو المركبة) ~~: # يا عجبا، هذا راجينو ... ليحي راجينو! ليحي راجينو! # روكسان ~~(بتأثر) ~~: # يصفح الله لهم. # سيرانو ~~(يتناول يدها، ويطبع القبلات عليها) ~~: # أيتها الحبيبة الرفيقة الحانية. ~~(يقف راجينو فوق مقعده من المركبة كما يفعل عادة دجالو الأطباء ~~في طريق عام.) # راجينو ~~: # أيها السادة، ~~(عاصف من التصفيق) ~~. # الجنود ~~: # مرحى مرحى! # راجينو ~~: # عندما نظر الأسبان إلى وجه الغادة الحسناء شغلهم حسنها عن النظر إلى الأطعمة ~~التي تحملها المركبة! ~~(هتاف.) # سيرانو ~~(يميل على كريستيان هامسا) ~~: # كريستيان! ~~(بينما يسترسل الحلواني القديم.) # راجينو ~~: # وقد شغلتهم النزعة الغرامية، فلم يلحظوا الصينية ... ~~(يأخذ طبقا من على المقعد) ~~، وهذه اللحوم الشهية، ~~(تصفيق حاد) ~~. ~~(يتناقلون طبق اللحم بينهم.) # سيرانو ~~(يميل على كريستيان هامسا) ~~: # لي كلمة معك أرجو أن تنصت لي ... # راجينو ~~: # ولقد اجتذبت فينوس ربة الجمال منهم الأبصار في المعركة، حتى لقد عميت أعينهم ~~عما حملت ديانا ربة الصيد من لحمان صيد شهية. ~~(يمد إليهم فخذا من اللحم؛ فيتراقصون بها من الفرح، وقد أمسكت ~~بها عشرون يدا.) # سيرانو ~~(هامسا لكريستيان) ~~: # أريد أن أتحدث إليك. # روكسان ~~(تخاطب الجنود، وهم يقبلون وأيديهم محملة بالطعام) ~~: # ضعوا كل شيء على العشب، ~~(تضع ملاءة على العشب ~~يساعدها خادمان ثابتا الجنان كانا واقفين خلف مركبتها، تنادي كريستيان في ~~اللحظة التي يريد سيرانو أن يختلي به) ~~: كريستيان أقبل، ساعد ~~الرفاق على الوليمة الهنية. ~~(يذهب إليها تاركا سيرانو في حيرة متناهية.) # راجينو ~~: # ديك رومي محشو بالكمأة. # الجندي الأول ~~(منشرح الصدر يقبل على الطعام فيقتطع شريحة من ~~اللحم) ~~: # مرحى! لن نذهب إلى المعركة الأخيرة قبل أن نجلس إلى المائدة، (يرى روكسان ~~مقبلة فيستدرك): عفوا قبل أن نجلس إلى الوليمة. # راجينو ~~(يمد يده إلى وسادات المركبة فيقلبها على ms093 ظهرها، ويلقي إلى ~~الجمع بها) ~~: # الوسادات أيضا محشوة بالعصافير. ~~(صيحة مدوية، يمزقون الوسادات، ويطلعون الطعام، وهم في مرح ~~وضحكات ضاجة عالية.) # جندي ثالث ~~: # مرحى! # راجينو ~~(وهو يلقي زجاجات النبيذ إلى الفتيان) ~~: # نبيذ أحمر كالياقوت، ونبيذ أبيض يضرب إلى صفرة الياقوت الأصفر. # روكسان ~~(وهي تطرح غطاء مائدة قد طوي طيا فوق رأس سيرانو) ~~: # انشر هذا الغطاء، وكن خفيف الحركة، هيا. # راجينو ~~(يلوح بأحد مصابيح المركبة) ~~: # كل من المصباحين مخزن طعام، بل نملية. ~~(سيرانو وكريستيان يتعاونان على نشر الغطاء.) # سيرانو ~~(إلى كريستيان) ~~: # يجب أن أتحدث إليك قبل أن تتحدث أنت إليها. # راجينو ~~: # إن مقبض سوطي مصنوع من السجق! # روكسان ~~(وهي تسعى عليهم بالشراب) ~~: # ما دمنا سنموت شهداء، فلندع بقية الجيش تبحث عن حاجتها بنفسها، فإن هذا كله ~~لكم معاشر الغساقنة، وليكن في علمكم جميعا أنه إذا جاء دي جيش فلن يدعى إلى ~~طعامكم أبدا. (تمشي بين الصفوف): على مهلكم، على مهلكم، فإن في الوقت فسحة ~~ومتسعا، ~~(تنتقل بينهم) ~~: إليكم الشراب، ما ~~بالي أرى فيكم بكاة، وأشهد دموعا. # الجندي الأول ~~: # يا لها من وليمة رائعة. # روكسان ~~(وهي تطوف عليهم) ~~: # نبيذا أحمر تشتهي أم الأبيض إليك أحب؟ قليلا من الخبز لمسيو كاربون، سكين ~~هنا، هات صحفتك أيها الفتى، أتفضل قشرة الرغيف؟ دعني أسكب لك خمرا، قطعة أخرى؟ ~~أتريد جناحا؟ # سيرانو ~~(يسير في أثرها، وقد حمل الصحاف باليدين معا ليكون ~~لتعاليمها وأوامرها طائعا، وقد أفاض فيض عاطفته، وجاش بالحب جانحته) ~~: # يا لله ... كم أعبدها! # روكسان ~~(لحبيبها) ~~: # وأنت ماذا تشتهي؟ # كريستيان ~~: # لا أشتهي شيئا. # روكسان ~~: # كعكا وكأسا من شراب، عزمت عليك إلا ما أخذت من هذا قليلا ...؟ أفلا حسوت من ~~شراب؟ # كريستيان ~~(وهو يحاول احتجازها) ~~: # هلا نبأتني ما الذي حدا بك إلى المجيء هنا. # روكسان ~~: # مهلا، بعض هذه اللهفة المتعجلة، حتى أؤدي واجبي الأول نحو هؤلاء الفتية ~~المساكين، ألا تصطبر لحظة واحدة؟ # لوبريه ~~(ينتقل في المؤخرة نحو الهضبة، وقد حمل كسرة من الخبز فوق ~~إحدى الحراب) ~~: # دي جيش! # سيرانو ~~: # أسرعوا، أخفوا كل شيء، الأطباق والقوارير والأباريق ms094 والصحاف، ولنبد كأن لم ~~يكن شيء من أمامنا، ~~(إلى راجينو) ~~: أما أنت ~~فاقفز إلى مقعدك فوق المركبة ... أأخفيتم كل شيء؟ ~~(يظهر الكونت دي جيش، فما هي إلا ومضة الطرف حتى كان كل شيء على ~~الموائد من شراب، ولحوم، وخبز، وحلوى، قد اختفى في طيات أرديتهم، أو أردان أثوابهم، ~~وتحت الصناديق.) ~~(سكوت.) # المشهد السابع # دي جيش ~~(وقد هبت على أنفه رائحة الطعام) ~~: # أجد للطعام ريحا فما سرها؟ # أحد الجنود ~~(يغني وهو ساه) ~~: # تولولو! ... # دي جيش ~~(لفتى اصطبغ وجهه أرجوانا) ~~: # أراك يا هذا شديد الاحمرار؟ # الجندي ~~: # لا شيء، وإنما دمي يغلي في شراييني؛ إذ أتصور المعركة القادمة. # جندي آخر ~~(يغني) ~~: # بوم ... بوم ... بوم ... # دي جيش ~~(ملتفتا) ~~: # وما هذا؟ # الجندي ~~(مخمورا) ~~: # لا شيء إنها أغنية، أغنية صغيرة. # دي جيش ~~(لآخر) ~~: # وأنت ما بالي أراك مرحا. # الآخر ~~: # إن لقرب القتال نشوة. # دي جيش ~~(يستدعي كاربون دو كاستل جالو ليملي عليه أمرا ~~عسكريا) ~~: # إنني أيها الكابتن ... ~~(تقع عليه عيناه فيقف عن ~~الكلام ثم يتابعه) # يا للطاعون! إنك تبدو مشرق الوجه أيضا. # كاربون ~~(يحمر وجهه وهو يخفي زجاجة خمر خلف ظهره) ~~: # تبا لي! # دي جيش ~~: # لقد تركت أحد المدافع هنا، وكنت قد أصدرت أمري بنقله إلى ذلك الركن ~~(يشير إلى جناح المعسكر) # يستطيع رجالك استخدامه ~~إذا استدعت الضرورة. # أحد الجنود ~~(بخيلاء) ~~: # لفتة كريمة! # جندي آخر ~~(مبتسما) ~~: # مطلب جميل. # دي جيش ~~: # أجن جنونهم؟ ~~(بجفاء) # أما ولم تعتادوا ~~استعمال المدافع، فاحذروا من رجفتها. # الجندي الأول ~~: # أهذا؟ بفتت ... ت ... ت. # دي جيش ~~(يتجه نحوه غاضبا) ~~: # ولكن! # الجندي ~~: # مدافع الغسقونيين لا تتراجع أبدا. # دي جيش ~~(يهزه من ذارعه) ~~: # إنك مخمور، مم؟ # الجندي ~~(بخيلاء) ~~: # من رائحة البارود. # دي جيش ~~(يهز كتفيه، ويتجه إلى روكسان) ~~: # أي اعتزام اعتزمت يا سيدتي؟ # روكسان ~~: # إنني هنا ماكثة. # دي جيش ~~: # بل يجب أن تفري من هذا الموضع فرارا. # روكسان ~~: # كلا، بل لأبقين هنا. # دي جيش ~~: # ما دام الأمر كذلك آتوني بندقية. # كاربون ~~: # ولماذا؟ # دي جيش ~~: # لأنني أنا أيضا معتزم البقاء. # سيرانو ~~: # الآن قلت قولا عظيما ... فهذه ms095 هي الشجاعة الحقيقية يا سيدي. # الجندي الأول ~~: # أنت غسقوني على الرغم من مظهرك. # روكسان ~~: # ماذا؟ # دي جيش ~~: # ما كنت لأترك امرأة في خطر. # جندي آخر ~~: # اسمع يا صاح، يمكننا أن نعطيه شيئا يأكله. ~~(لا تلبث الأطعمة أن ظهرت كأنما كان ظهورها بسحر ساحر.) # دي جيش ~~(تتقد عيناه عندما يشهد الأطعمة) ~~: # ماذا أرى؟ أطعمة؟ # الجندي الثالث ~~: # وسينبعث غيرها من تحت كل رداء. # دي جيش ~~(بكبرياء وأنفة) ~~: # أتحسبون أني آكل مما تركتم، أو أرتضي فضلاتكم؟ # سيرانو ~~(محييا) ~~: # لقد تقدمت تقدما كبيرا! # دي جيش ~~(بكبرياء، وقد اتخذ كلامه لهجة غسقونية) ~~: # سوف أقاتل قبل أن آكل. # الجندي الأول ~~(في نشوة الفرح) ~~: # إنه بدأ يتكلم بلهجتنا! # دي جيش ~~(ضاحكا) ~~: # هل فعلت ذلك؟ # الجندي ~~: # إنه واحد منا ... ~~(يأخذ الجنود في الرقص والمرح.) # كاربون ~~(يظهر فوق الهضبة، وكان قد اختفى لحظة خلفها) ~~: # لقد عينت لرجالي حاملي الرماح مواقفهم، إنهم ذوو عزم وتصميم. ~~(يريهم صفا من الرماح البارزة فوق الهضبة.) # دي جيش ~~(يميل إلى روكسان) ~~: # أتتفضلين بأخذ ذراعي لاستعراض الجيش؟ ~~(تتأبط ذراعه، فيصعدان معا إلى قمة الهضبة، يخرج الجند من ~~مكامنهم ويتبعونهما.) # كريستيان ~~(يتجه نحو سيرانو بلهفة) ~~: # عجل بما تريد أن تقوله لي. ~~(تظهر روكسان فوق الهضبة، فتتوارى الحراب عن الأعين، وقد نكست ~~للتحية، ويدوي المكان بالصياح، تنحني روكسان.) # حاملو الرماح ~~(يسمع صوتهم من بعيد) ~~: # تعيش! تعيش! تعيش! # كريستيان ~~: # ما هو السر الذي تريد أن تفضي به إلي؟ # سيرانو ~~: # إذا تحدثت روكسان إليك ... # كريستيان ~~: # عم؟ # سيرانو ~~: # عن الخطابات؟ # كريستيان ~~: # نعم الخطابات، أعرف ذلك. # سيرانو ~~: # فلا ترتكب حماقة بإظهار الدهشة، وإبداء العجب. # كريستيان ~~: # مم؟ # سيرانو ~~: # ينبغي ألا أكتمك الحق، رباه، إن الأمر ... وقد خطر ببالي اليوم عندما رأيتها، ~~وهو أنك ... # كريستيان ~~: # بالله عجل. # سيرانو ~~: # بأنك ... بأنك كتبت إليها مرارا، أكثر مما تظن. # كريستيان ~~: # عجبا! أفعلت أنا ذلك؟ # سيرانو ~~: # رباه! لقد أخذت الأمر على عاتقي، وكنت أعبر عما يجيش في صدرك من عاطفة، فجعلت ~~أحيانا أكتب إليها، ولا أقول لك. # كريستيان ~~: # عجبا. # سيرانو ~~: # فالأمر كما ترى جد يسير. # كريستيان ~~: # عجبا ms096 ... ولكن كيف تيسر لك أن تبلغها الرسالات، ونحن هنا محاصرون من كل ~~ناحية؟ # سيرانو ~~: # لقد كنت أتسلل مع الفجر فأجتاز خطوط العدو سرا. # كريستيان ~~: # وهل هذا أيضا بسيط للغاية؟ ولكن نبئني يا صاح كم مرة في الأسبوع كنت تكتب ~~إليها ... مرتين ... أثلاثا ... أم أربعا؟ # سيرانو ~~: # لا والله بل أكثر من ذلك أيضا. # كريستيان ~~: # أكنت تكتب إليها إذن مرة في كل يوم؟ # سيرانو ~~: # نعم ... مرتين في اليوم. # كريستيان ~~: # أو هكذا كنت تسخر من الموت لمجرد أن في ذلك الذي ألححت عليه لذة وفرحا؟ # سيرانو ~~(يلمح روكسان قادمة) ~~: # صه؛ لا حديث بينا أمامها، ~~(وينطلق مبتعدا فيدخل ~~خيمته) ~~. # المشهد الثامن ~~(روكسان، كريستيان، مشهد الجنود في المؤخرة يروحون ويجيئون، كاربون ~~ودي جيش يصدرون الأوامر.) # روكسان ~~(تنطلق نحو كريستيان) ~~: # هذا أنت يا كريستيان أخيرا. # كريستيان ~~(يتناولها من يديها) ~~: # الآن نبئيني لماذا جئت إلينا مجتازة كل هذه المخاطر والمهالك القائمة دوننا، ~~لقد تجشمت عظيما، وأردت أمرا شاقا. # روكسان ~~: # كتبك هي التي جاءت بي، وحديث رسالاتك هو الذي اقتادني، فإن كنت قد جازفت ~~فاللائمة لائمتك ... لقد ذهبت كتبك بلبي ... ولقد جاءتني في هذا الشهر منك تترى، ~~وكل كتاب منها أبلغ من سالفه، وأروع سحرا. # كريستيان ~~: # أمن بضعة كتب غرامية لا خطر لها و... # روكسان ~~: # حذار ... لا تتحدث عنها هكذا ... أواه، إنك لا تستطيع لسلطانها تصورا ... فمنذ تلك ~~الليلة التي رحت فيها تحت شرفتي تسكب في مسمعي حديثا عجبا، لم يكن لي بمثله ~~عهد، جعلت كتبك التي بلغتني طيلة هذا الشهر تعيد إلى مسمعي ذلك الصوت الرقيق ~~الحاني الذي فتنتني بسحره ... فالخطأ في مقدمي خطؤك، وأنت عليه الملوم، إن صوت ~~تلك الليلة دعاني فلبيت، ثم لبيت ... ويمينا لو أن «بنيلوب» في الأساطير الأولى ~~تلقت من زوجها «عولص» كتبا في مثل فنون كتبك وبلاغتها لما أطاقت على المقام في ~~نوى عنه صبرا، ولما لبثت مخلدة إلى مغزلها دهرا، بل لذهبت تفتش الأرض عنه كما ~~فعلت هيلانة العاشقة، # 1 # مجنونة بالحب رغما عن إرادتها وقهرا. # كريستيان ~~: # ولكن ... # روكسان ~~: # لقد جعلت ms097 أقرأها ثم أعاودها، حتى ذاب جسمي، وشعرت أني أصبحت ملكا لك، فكأنما ~~كنت أخال كل صفحة منها ورقة منفصلة من كم زهرة، انتزعت من أعماق روحك منتزعا؛ ~~فطارت نحوي طيرا، لقد كان الحب في كل كلمة منها يشعل في القلب نارا، هذا الحب ~~الصادق العميق. # كريستيان ~~: # الصادق العميق؟ وهل أحسسته في الكتاب جليا؟ # روكسان ~~: # أجل، لقد أحسسته في كل كلمة منه وسطر، وبيت من بيوته وشطر ... # كريستيان ~~: # وهذا هو الذي من أجله جئت؟ # روكسان ~~: # أي حبيبي ومالكي، لقد جئت ولو أني الساعة جثوت عند قدميك لأنهضتني، ولكن روحي ~~هي عند قدميك الجاثية، فما أنت على النهوض بها إلى أفق أرفع مما نهضت بها ~~بقادر، فقد بلغت القمة العالية، أي والله لقد جئت لأسألك صفحا، وأطمع في كلمة ~~غافرة راضية، لقد حان الابتهال، وأتت المغفرة، ما دام الموت قد أصبح دانيا، ~~أستغفرك يا كريستيان فاغفر حماقتي، ونزقي حين أحببتك بادئ الرأي لملاحة وجهك، ~~وحسن مظهرك. # كريستيان ~~: # روكسان! # روكسان ~~: # غير أن الحب ما لبث أن رشد بعد أن غوى، فأمسى كطائر نشر جناحيه، ثم لم يستطع ~~طيرانا، فقد احتجز جمالك حبي، ثم اجتذبت نفسك نفسي، فأحببتك جذابا بالجمال ~~والنفس معا. # كريستيان ~~: # والآن؟ # روكسان ~~: # الآن انتصرت نفسك على نفسك، فأصبحت أحبك لنفسك وحدها ... # كريستيان ~~(يتراجع عنها) ~~: # روكسان! # روكسان ~~: # فلتسعد بما كاشفتك الساعة به، فالحب من أجل الجمال فحسب، هذا الثوب المستعار ~~الذي لا تلبث الأيام أن تحيله ناحلا، أو ترده مزقا بالية، هذا النوع من الحب ~~مبعث شقاء للنفس الأبية، ولكن الحب حين تحب النفس وجمالها، والأحاسيس ونبلها، ~~هو الذي على الدهر يظل باقيا، إن ذلك الجمال الجسدي الذي فتنني في البداية، قد ~~تكشف الآن لعيني، فلم يعد عندي منظورا، ولا مرئيا. # كريستيان ~~: # رباه! # روكسان ~~: # أأنت في شك من الانتصار لنفسك؟ # كريستيان ~~(متوجعا) ~~: # أواه! روكسان! # روكسان ~~: # أأفهم من ذلك أنك لا تستطيع أن تؤمن بهذا الحب؟ # كريستيان ~~: # لست أسألك حبا كهذا الذي تصفين، وإنما أوثر أن تحبيني ل ... # روكسان ~~: # لذلك الذي أحبتك الغانيات ms098 واحدة بعد أخرى من أجله، حاشاي، لخير لك أن تكون ~~محبوبا مني أصدق من هذا حبا ... # كريستيان ~~: # لقد كنت أسعد حالا مني الآن. # روكسان ~~: # ما أبعدك من الحق، إن حبي الساعة هو الأفضل الأعز، فلو أن جمالك الباهر انطفأ ~~بريقه، وذهب لمعانه، لظللت أحبك؛ لأن نفسك هي التي أحب. # كريستيان ~~: # حسبك، حسبك ... # روكسان ~~: # بل لا أنفك عن حبك لو انقلبت دميما قبيحا في لحظة. # كريستيان ~~: # لا تقولي قولا كهذا! # روكسان ~~: # بل أقوله. # كريستيان ~~: # ماذا تقولين؟ حتى وإن كنت دميما. # روكسان ~~: # أقسم لأحبنك دميما. # كريستيان ~~: # رباه! # روكسان ~~: # أمسرور أنت الآن سرورا عميقا؟ # كريستيان ~~(بصوت مختنق) ~~: # نعم ... # روكسان ~~: # ماذا بك؟ # كريستيان ~~(يبعدها بلطف) ~~: # لا شيء، أود أن أقول كلمة فاسمحي لي بدقيقة أو دقيقتين. # روكسان ~~: # ولكن ...؟ # كريستيان ~~(يسير إلى جماعة من الجند في المؤخرة) ~~: # إن هؤلاء المساكين الذي يوشك الردى أن يطيح بهم محرومون من مرآك بسبب حبي لك، ~~فاذهبي تحدثي إليهم، وتبسمي لهم قبل أن يدركهم الموت. # روكسان ~~(برقة وحنان) ~~: # كريستيان العزيز. ~~(تنطلق إلى جموع الشباب الذين كانوا وقوفا عن كثب حلقات؛ ~~فيستقبلونها استقبالا كريما، ويلتفون حولها.) # المشهد التاسع ~~(كريستيان، سيرانو، روكسان في المؤخرة تتحدث مع كاربون، وبعض ~~الجنود.) # كريستيان ~~(مناديا) ~~: # سيرانو! ~~(يخرج سيرانو مدججا بالسلاح من فرعه إلى قدمه.) # سيرانو ~~: # ماذا تبغي؟ وما بالك هكذا مسفوع اللون مصفرا؟ # كريستيان ~~: # إنها لم تعد تحبني. # سيرانو ~~: # ماذا تعني؟ # كريستيان ~~: # إنها تحبك أنت. # سيرانو ~~: # لا! # كريستيان ~~: # إنها لا تحب مني غير الروح. # سيرانو ~~: # لا! # كريستيان ~~: # أجل، وأنت تعلم أن نفسي التي تعني، هي أنت، فهي إذن تحبك، وأنت كذلك تحبها. # سيرانو ~~: # أنا؟ # كريستيان ~~: # أعرف ذلك. # سيرانو ~~: # وهذه هي الحقيقة. # كريستيان ~~: # إنك تحبها إلى حد الجنون. # سيرانو ~~: # بل أكثر من ذلك قدرا. # كريستيان ~~: # إذن فلتبح لها. # سيرانو ~~: # كلا. # كريستيان ~~: # ولم؟ # سيرانو ~~: # انظر إلى وجهي تجد جواب ما سألت. # كريستيان ~~: # ولكنها صارحتني بأنني لو كنت دميما لظلت تحبني. # سيرانو ~~: # أقالت ذلك حقا؟ # كريستيان ~~: # وبكل صراحة. # سيرانو ~~: # إني لمسرور أنها قالت ذلك، ولكن حذار يا بني ms099 لا تصدقها، آه كم سرني أنها فكرت ~~في ذلك وقالته، ولكن اذهب، لا تأخذ كلامها على علاته ، ولا تكف عن الظهور أمامها ~~وسيما جميلا، وإلا لامتني عليه، وكنت عندها مسئولا. # كريستيان ~~: # هذا ما أريد أن أتبينه. # سيرانو ~~: # كلا! كلا! # كريستيان ~~: # يجب أن تخبرها بالحقيقة كما هي، ولتختر هي بيننا! # سيرانو ~~: # كلا! كلا! لا أستطيع أن أتحمل هذا الأمر. # كريستيان ~~: # أفلاني الجميل الوجه، الحسن معارف وقدا، أحطم سعادتك، وأبدد هناءتك ... إني ~~إذن لظالم. # سيرانو ~~: # وأنا من أجل أني قد حبيت من الطبيعة في بعض أسرارها، وغرابة أطوارها بموهبة ~~البيان، وملكة الإفصاح عما أحسه، وما أنت كذلك به شاعر، أعدو على سعادتك، وأسلب ~~منك كأسا هنية؟ # كريستيان ~~: # اذهب قل لها ذلك كله. # سيرانو ~~: # إنه يصر على إغرائي بذلك، وهذا أمر جلل. # كريستيان ~~: # لقد نئت حملا بهذا المنافس الذي في أعماق نفسي. # كريستيان ~~: # سيرانو، أصغ لي ... لقد كان قراننا سريا لم يحضره شاهد، ومن السهل فسخه إذا ~~عشنا ولم نك في الهالكين. # سيرانو ~~: # يا إلهي، أراك ملحا متشددا! # كريستيان ~~: # إما أن أحب وحدي أو لا أحب مطلقا، وهأنذا منطلق إلى المخافر الأمامية؛ لكي ~~أرى ماذا يفعلون، فتحدث أنت إليها، ودعها تختر من بيننا أحدا. # سيرانو ~~: # إنها ستختار أنت ... # كريستيان ~~: # أدعو الله! ~~(ينادي) # روكسان. # سيرانو ~~: # كلا! لا تفعل. # روكسان ~~(تقبل نحوه) ~~: # ما الخبر؟ # كريستيان ~~: # لدى سيرانو كلام خطير يريد أن يسره إليك. ~~(تعدو نحو سيرانو، بينما كريستيان ينصرف.) # المشهد العاشر # روكسان ~~: # كلام خطير؟ # سيرانو ~~(مبهوتا) ~~: # لقد ذهب ... ~~(لروكسان) # لا شيء، ألا تعلمين ~~أنه يرى في الشيء التافه شيئا عظيما. # روكسان ~~(متلهفة) ~~: # أو قد شك فيما نبأته به؟ إني رأيت الشك يخامره ... # سيرانو ~~(يتناول يديها) ~~: # أواثقة أنك قلت له الحقيقة كلها؟ # روكسان ~~: # نعم، نعم! لقد قلت له إني لأحبنه، وإن كان ... ~~(تبدو ~~مترددة) ~~. # سيرانو ~~(يبتسم ابتسامة مريرة) ~~: # أتشعرين بارتباك من قولك في وجهي يا روكسان ... # روكسان ~~: # ولكن ... # سيرانو ~~: # قولك: «لن يضيرني، وإن كان دميما». ~~(يدوي في الفضاء صوت الرصاص.) # روكسان ~~: # وإن كان دميما! ~~(يدوي في ms100 الفضاء صوت الرصاص) ~~... هذا صوت الرصاص يدوي. # سيرانو ~~(بحماس) ~~: # وإن كان دميم الخلقة مخيفا؟ # روكسان ~~: # وإن كان مخيفا! # سيرانو ~~: # وإن كان مشوها؟ # روكسان ~~: # ومشوها ... # سيرانو ~~: # وبشعا أيضا. # روكسان ~~: # لن يكون بشعا في نظري! # سيرانو ~~: # إذن لأحببته الحب ذاته. # روكسان ~~: # نعم ذاته، بل لقد أزيد عليه ~~(يكتم نفسه في ~~ذهول) ~~: رباه ليتها الحقيقة، فتتحقق السعادة. ~~(لروكسان) ~~: أصغي إلي ... أنا ... يا روكسان ... ~~(يأتي لوبريه من جهة الأسوار مسرعا.) # سيرانو ~~(ملتفتا نحوه) ~~: # ما الخبر؟ # لوبريه ~~: # لا ترفع صوتك ~~(يسر إليه كلاما) ~~. # سيرانو ~~(تفلت يد روكسان من يده، ويصرخ) ~~: # واها! # روكسان ~~: # ماذا ألم بك؟ # سيرانو ~~(محدثا نفسه وجلا) ~~: # لقد قضي الأمر، ~~(يسمع ضرب النار) ~~. # روكسان ~~: # ما الخبر؟ ما الذي يجري هنا؟ هل يطلقون النار؟ ~~(تصعد روكسان إلى الهضبة لتنظر.) # سيرانو ~~: # لقد قضي الأمر، لن أستطيع أن أبوح بشيء بعد الآن. # روكسان ~~(مندفعة) ~~: # ما الذي يجري هنا؟! # سيرانو ~~(يحاول منعها) ~~: # لا شيء. ~~(يقبل جمع من شباب الفرقة يحملون على أكفهم بدنا مسجى، وهم ~~يحاولون إخفاءه عن روكسان.) # روكسان ~~: # هؤلاء الرجال ...! # سيرانو ~~(يأخذها بعيدا) ~~: # دعيهم وشأنهم. # روكسان ~~: # ولكن ماذا كنت تريد أن تقول لي منذ لحظة؟ # سيرانو ~~: # كنت ... كنت أريد أن أقول ... بالله عليك، لا شيء، أقسم لك يا سيدتي ~~(بحزن وإطراق) ~~: إن روح كريستيان ... وإن نفسه ~~كانتا ~~(يستدرك مرتعبا) # إنهما أعظم ... # روكسان ~~: # تقول كانتا؟ ~~(تصدر عنها صرخة مدوية) # أواه! ~~(تتجه نحو القوم وتدفعهم.) # سيرانو ~~: # لقد قضي الأمر! # روكسان ~~(تشاهد كريستيان طريحا فوق قبائه) ~~: # كريستيان! # لوبريه ~~(لسيرانو) ~~: # لقد كانت أول طلقة من طلقات العدو. ~~(ترتمي روكسان فوق جسده، يعود العدو إلى إطلاق النار، ويسمع ~~صليل السيوف، ودق الطبول.) # كاربون ~~(وقد استل سيفه) ~~: # لقد بدأ الهجوم، فإلى مدافعكم، ~~(يتجه إلى الجانب ~~الآخر من الهضبة يتبعه جنوده) ~~. # روكسان ~~: # كريستيان! # كاربون ~~(يسمع صوته من وراء الهضبة) ~~: # أسرعوا! # روكسان ~~: # كريستيان! # كاربون ~~: # اصطفوا! # روكسان ~~: # كريستيان! # كاربون ~~: # أحكموا الهدف ... أطلقوا النار! ~~(يقبل راجينو مهرولا، يحمل الماء في خوذة.) # كريستيان ~~(يفتح عينيه وهو يحتضر) ~~: # روكسان! ~~(تجثو روكسان عند صدره، وقد مزقت قطعة من ms101 ثوبها عند الصدر، ~~وجعلت تبللها بالماء، وتمسح بها جرحه.) # سيرانو ~~(يهمس في أذن كريستيان) ~~: # لقد بحت لها بكل شيء، فإذا هي تختارك أنت. # روكسان ~~: # ماذا يا حبيبي؟ # كاربون ~~: # ارفعوا فوهة المدفع عاليا! # روكسان ~~(إلى سيرانو) ~~: # إنه لم يمت. # كاربون ~~: # أطلقوا النيران، واحصدوهم حصدا. # روكسان ~~: # أشعر بخده يبترد إزاء خدي. # كاربون ~~: # سددوا الضرب، وأحكموا الهدف. # روكسان ~~: # هذا كتاب على صدره ~~(تفضه) # إنه لي. # كاربون ~~: # أطلقوا النيران. ~~(يشتعل الفضاء لهيبا، ويتساقط الرصاص، وتحتدم المعركة، ويعلو ~~الصياح.) # سيرانو ~~(يحاول الفكاك من يدها، وكانت قد أمسكت به وهي ~~جاثية) ~~: # روكسان، دعيني أنطلق؛ فقد ابتدأت المعركة. # روكسان ~~(وهي لا تزال متشبثة) ~~: # انتظر فقد مات، وليس يعرفه معي حق المعرفة سواك، لقد كنت أنت الرجل الوحيد ~~الذي عرفته، ~~(ينتحب بهدوء) ~~: ألم يكن مخلوقا ~~رائعا عجيبا؟ # سيرانو ~~(يقف حاسر الرأس) ~~: # أجل روكسان. # روكسان ~~: # وكان شاعرا لا يبارى، جديرا بالتبجيل؟ # سيرانو ~~: # أجل، روكسان. # روكسان ~~: # وكانت له روح سامية؟ # سيرانو ~~: # أجل، روكسان. # روكسان ~~: # ألم يكن ذا قلب كبير، لم يتطرق الفساد إليه، ونفس أبية ساحرة؟ # سيرانو ~~(بعزم) ~~: # أجل، روكسان. # روكسان ~~(ترتمي فوق صدر كريستيان) ~~: # ولكنه مات! # سيرانو ~~(يستل سيفه من غمده) ~~: # الآن طاب الموت، فهي الساعة تبكيني في بكائها عليه، وعلى الرغم من أنها لم ~~تعرفه. # دي جيش ~~(يظهر فوق التل، منكوش الشعر، دامي الجبين: ثم يقول بصوت ~~راعد) ~~: # إنها الإشارة الموعودة! هذا صوت الأبواق يعلو، وها هم الفرنسيون يدخلون ~~المعسكر يحملون الأمداد والمؤن، اصمدوا قليلا. # روكسان ~~: # أرى الدم على خطابه، والدموع! # صوت ~~(من الخارج يصيح) ~~: # سلموا! # الجنود ~~: # لن نسلم! # راجينو ~~(يعتلي مكانه من المركبة ليشاهد المعركة منها) ~~: # إن خطر المعركة ليتفاقم! # سيرانو ~~(إلى دي جيش، وهو يشير إلى روكسان) ~~: # ابتعد بها يا سيدي، فإنني مقتحم أبواب الموت لست مباليا. ~~(يحملون الأمداد والمؤن، اصمدوا قليلا.) # روكسان ~~(تقبل الخطاب، وهي خائرة القوى) ~~: # هذا دمه، وهذه دموعه. # راجينو ~~(يقفز من العربة، ويتجه نحوها) ~~: # الله لها، لقد أغمي عليها. # دي جيش ~~(على الهضبة يخاطب الجنود بصوت غاضب) ~~: # اصمدوا. # صوت من الخارج ~~: # ألقوا ms102 السلاح. # الجنود ~~: # كلا. # سيرانو ~~(لدي جيش) ~~: # الآن وقد أبت شهامتك، وبسالتك يا سيدي، فانطلق بها ناجية. # دي جيش ~~(يسرع نحو روكسان، ويحملها على ذراعه) ~~: # سأفعل، وسوف ننتصر إذا أنتم كسبتم الوقت، وصمدتم قليلا! # سيرانو ~~: # إننا لفاعلون! # سيرانو ~~(ترى روكسان محمولة على ذراع دي جيش يعاونه راجينو) ~~: # روكسان الوداع. ~~(ويمرق كالسهم ليلقي بنفسه في وسط المعركة الحامية، فيوقفه ~~كاربون.) ~~(ضجيج المعركة، صيحات مدوية، يظهر الجنود مثخنين بالجراح، يهوون ~~على الأرض.) # كاربون ~~: # إننا نتراجع، وقد أصبت بطعنتي رمح! # سيرانو ~~: # أيها الغساقنة لن يولي الأدبار منكم أحد، واثبتوا في أماكنكم إلى النهاية، ~~(إلى كربون) ~~: لا خوف عليك؛ فإن لي اليوم ~~من الموت ثأرين: ثأر لصديقي الذي استشهد، وثأر لنعيمي الذي تبدد. # أطبقوا عليهم واسحقوهم. ~~(وينطلق والسيف في يمينه، وقد علق بذبابته منديل روكسان ~~الذي استحال علما مرفرفا، وبيرقا داميا.) # سيرانو ~~(ينادي العلم في جنة الحرب، وحماستها الهائلة) ~~: # ألا أيها المنديل رفرف؛ فأنت باسم روكسان متجمل مزدان. ~~(يغرس عصا الحربة في الأرض، ويصرخ في الجنود.) ~~(صوت زمر.) ~~(يبدأ الزامر في الزمر، ينهض بعض الجرحى مرة أخرى، يلتف بعض ~~الجنود منحدرين من الجسر حول سيرانو، وحول البيرق الصغير، ولما كانت العربة مكتظة ~~بالجنود من الداخل والخارج، فقد برزت أسنة بنادق الجنود كالشوك، وبدت وكأنها قلعة ~~منيعة.) # أحد الطلبة العسكريين ~~(يظهر على دعامة من دعامات الجسر وهو يقاتل، ثم ~~يصيح) ~~: # إنهم يصعدون المنحدر! ~~(يخر صريعا.) # سيرانو ~~: # إننا سنرحب بهم! ~~(يظهر فجأة فوق الجسر حشد رهيب من الأعداء، وتظهر ألوية الجيش ~~الإمبراطوري العظيمة.) # سيرانو ~~: # أطلقوا النيران! ~~(تطلق النيران من جميع المواقع.) # صيحة ~~(بين صفوف الأعداء) ~~: # أطلقوا النيران! ~~(يجري تبادل إطلاق النار، ويسقط الجنود صرعى من كل ~~جانب.) # ضابط أسباني ~~(يخلع قبعته) ~~: # ما خطب هؤلاء الرجال الذين عقدوا العزم كله على أن يقتلوا جميعهم! # سيرانو ~~(يجأر إذ يقف وسط الطلقات النارية المتطايرة) ~~: # إنهم الجنود الغسقونيون التابعون لكاربون دي كاستل جالو، وهم مقاتلون ~~مشهورون. ~~(يقفز إلى الأمام تتبعه حفنة من الجنود الباقين على ~~قيد الحياة) ~~: إنهم جنود ... ~~(يختفي بقية ms103 المشهد في غمار المعركة.) # | الفصل الخامس # بعد مضي خمس عشرة سنة 1655، الحديقة التابعة لدير شقيقات الصليب، في باريس. # أشجار ظليلة سامقة، إلى اليسار، البيت الذي له عدة أبواب تنفذ إلى شرفة فسيحة تنتهي ~~بدرج. # في منتصف المسرح ترتفع أشجار ضخمة منفصلة وسط فضاء إهليجي الشكل، إلى اليمين في الجناح ~~الأول، مقعد حجري نصف دائري، تحيط به شجيرات مخضرة. # يظهر على طول المسرح من الخلف طريق تصطف على جانبيه أشجار القسطل، ينحني في اليمين - ~~الجناح الرابع - إلى باب كنيسية ترى من خلال الأشجار. وترى من خلال صفي الأشجار المتشابكة ~~فوق الطريق مساحات من العشب، وطرق مليئة بأشجار أخرى، وأجمات من الأشجار والأطراف البعيدة ~~من الحديقة، ثم قبة السماء، وتصل إلى الكنيسة عن طريق باب جانبي إلى شرفة ذات عمد، تكتنفها ~~كروم قرمزية، تمتد الشرفة إلى الأمام، وتختفي عن الأعين خلف الشجيرات القائمة إلى ~~اليمين. # والوقت خريف، تتطاير أوراق الأشجار على العشب الذي ما زال نضرا، وثمة بقع قائمة من ~~الأوراق الدائمة الخضرة، وأوراق نبات السدر، وتحت كل شجرة بساط من الأوراق الصفراء، تنتثر ~~أوراق الأشجار في جميع أرجاء المسرح، ويسمع لها صوت وهي تتفتت تحت الأقدام، وتنتشر في أرض ~~الشرفة، وعلى المقاعد. # وبين المقعد الذي إلى اليمين، والشجرة القائمة في الوسط إطار للتطريز كبير، يقع أمامه ~~مقعد صغير، وسلال ملأى بالصوف الملفوف في خصل وكرات، وفي الإطار طنفسة لم تكتمل بعد. # وعند رفع الستار ترى الراهبات رائحات غاديات بالحديقة، تجلس قلة منهن على المقعد الحجري ~~حول راهبة مسنة، تتساقط أوراق الأشجار. # المشهد الأول # الراهبة مارتا ~~(وهي تخاطب كبيرتهن الأم مرغريت) ~~: # لقد رأيت كلير تقف أمام المرآة لتصلح من عقصة شعرها. # كلير ~~: # وأنا لقد شهدت الأخت مارتا في هذا الصباح تتناول خوخة من فوق فطيرة ~~كبيرة. # الأم مرغريت ~~: # هذا لا يحسن أيتها الأخت مارتا، ولا يليق. # كلير ~~: # لم تكن سوى لمحة، ولم أزد. # مارتا ~~: # وهل على من تتناول خوخة صغيرة حرج؟ # الأم ~~: # سأنبئ مسيو دي برجراك في هذا المساء بما فعلتماه. # كلير ms104 ~~: # كلا إنه لذاع السخرية! # مارتا ~~: # إنه ولا ريب قائل إننا نحن الراهبات ككل بنات حواء من ذوات الدلال. # كلير ~~: # بل أكبر الظن أنه سيقول: إن الراهبات لمنهومات! # الأم مرغريت ~~(ضاحكة) ~~: # ولكنه سيقول إنهن حانيات رقيقات. # كلير ~~: # أليس حقا إنه قد ألف الحضور في كل يوم سبت من الأسبوع منذ عشر سنين، لم ~~يتخلف عنها يوما واحدا. # الأم ~~: # بل أكثر من ذلك، ولعلها أربع عشرة سنة من ذلك اليوم الذي جاءت فيه ابنة عمه ~~في ثوب حدادها لتقيم بيننا أبدا، كأنها الطائر الحزين وسط أطيار بيض. # مارتا ~~: # وإنه أبرع من عرف كيف ينقي الحزن عن خاطرها مذ حلت بديرنا، وإن كان حزنها ~~عضالا، لم يخفف الزمن من حرقته! # جميع الراهبات ~~(كل بدورها) ~~: # إنه غريب الأطوار كلما جاء إلى الدير لا يلبث أن يدخل روحا جديدة على أفقه، ~~إنه يطرد الهم من نفوسنا بمجانته اللاذعة، إننا نحبه جدا، ونصنع له الفطائر، ~~إنه يعاكسنا، ما ألطفه! # مارتا ~~: # ولكنه ليس كاثوليكيا طيبا. # كلير ~~: # سنجعله على الدهر مؤمنا، وإلى الصواب سنرده على الأيام. # الراهبات جميعا ~~: # نعم، نعم، سنفعل ذلك. # الأم مرغريت ~~: # أحذركن أن تأتين شيئا كهذا فيقلل من زوراته، أو يمتنع عن روحاته ~~وغدواته. # مارتا ~~: # ولكن يا إلهي! # الأم مرغريت ~~: # لتطمئن عليه نفوسكن، إن الله به عليم خبير. # مارتا ~~: # إنه كلما حضر يوم سبت راح يقول بشمم وإباء: أختاه، لقد أكلت أمس أكلا دسما ~~شهيا! # الأم مرغريت ~~: # رباه، أقال ذلك؟ لقد لبث آخر مرة يومين كاملين لم يذق فيهما طعاما. # الأخت مارتا ~~: # وا أسفا له. # الأم مرغريت ~~: # إنه الفقر! # مارتا ~~: # ومن نبأك بذلك؟ # الأم مرغريت ~~: # مسيو لوبريه نبأني. # الأخت مارتا ~~: # أو لا يمدون إليه يد العون؟ # الأم مرغريت ~~: # لا يفعلون؛ لأن ذلك يغضبه. ~~(في أحد ممرات الدير في المؤخرة تبدو روكسان في ثوب الحداد، وقد ~~أرخت على وجهها نقابا أسود، ويمشي إلى جانبها بأبهة دي جيش، وقد بدت الشيخوخة ~~عليه، يسيران على مهل، تقف الأم مرغريت عندما تشاهدهما.) # مرغريت ~~: # لقد حان أن ندخل، فإن السيدة ms105 مادلين تتمشى في الحديقة مع زائر لها. # الأخت مارتا ~~(تهمس لكلير) ~~: # إنه الكونت دي جيش الذي أصبح يلقب بالمارشال دون دي جرامون؟ # الأخت كلير ~~(تنظر نحوهما) ~~: # أظن ذلك. # الأخت مارتا ~~: # لقد فرطت أشهر على آخر زيارة له. # الراهبات ~~(كل بدورها) ~~: # إنها مشاغله، واجبات البلاط الملكي، مسئولياته العسكرية. # الأخت كلير ~~: # مشاغل الحياة. ~~(ينصرفن، أما روكسان ودي جيش فينزلان في سكون، ويقفان أمام إطار ~~للتطريز.) # المشهد الثاني # دي جيش ~~: # أتقيمين هنا، هذا البياض ما فائدته، وأنت في ثياب الحداد أبدا؟ # روكسان ~~: # لن أفارق الدير آخر الحياة. # دي جيش ~~: # أولا تزالين على عهده باقية؟ # روكسان ~~: # نعم، وسأبقى. # دي جيش ~~(بعد فترة سكون) ~~: # أو عفوت عني؟ # روكسان ~~(بكل بساطة وهي تنظر إلى صليب الدير) ~~: # ما دمت هنا فليس في خاطري من آثار الناس شيء من ألم أو موجدة. # دي جيش ~~: # أكان حقا إنسانا ...؟ # روكسان ~~: # ليتك عرفته حق معرفته! # دي جيش ~~: # لم أعرف عنه إلا قليلا ... أو لا تزالين محتفظة بآخر رسائله فوق قلبك؟ # روكسان ~~: # ألبسه حجابا مقدسا، لا يفارق صدري معلقا بهذا المخمل. # دي جيش ~~: # أو لا تزالين تحبينه، وقد رحل من هذه الدنيا؟ # روكسان ~~: # يخيل إلي أحيانا أنه لم يمت، فإن قلبينا لا يزالان يتناجيان كأنما روحه ~~ترفرف علي، وتلفني تحت جناحيها. ~~(سكون.) # دي جيش ~~: # وسيرانو ... أيأتي لزيارتك؟ # روكسان ~~: # نعم أحيانا، هذا الصديق القديم هو بمثابة الصحيفة اليومية لي، وهو يزورنا ~~بانتظام، فإذا كان الجو صحوا وضعنا له كرسيا تحت الشجرة التي تجلس أنت الآن ~~تحتها، وأنتظره هنا، وأنا دائبة على شغلي، وتدق الساعة، وفي الدقة الأخيرة أسمع ~~دون أن أتلفت خلفي وقع صوت عصاه على الدرج، فيجلس ويروح يمجن ساخرا من الثوب ~~الذي أنسجه، ولا أنتهي منه آخر الحياة، وينثني يحدثني بأخبار الأسبوع، وما جرى ~~خلال غيبته. (تلمح لوبريه نازلا الدرج) ها هو ذا لوبريه، كيف حال صديقنا؟ # لوبريه ~~: # خلفته في حال سوء. # دي جيش ~~: # وا أسفاه. # روكسان ~~: # ويحك، لا تبالغ. # لوبريه ~~: # لقد صدقت فيه نبوءاتي الواحدة إثر الواحدة الفاقة والحرمان، والبؤس، ms106 ~~والاستهداف المتصل بالنقد اللاذع للنبلاء والأشراف، والأصدقاء المزيفين، ~~والشعراء الذين يسرقون القصائد، وبالجملة معاداة جميع الناس. # روكسان ~~: # ولكن سيفه لا يزال مرهوبا، فلن يكون يوما لأحد مغلوبا. # دي جيش ~~(يهز رأسه) ~~: # من يدري؟ # لوبريه ~~: # إني لأخشى عليه عدوا واحدا، هو أنكى عليه من سائر أعدائه، وما عدوه الألد ~~إلا العزلة والكمد، وها هو ذا الشتاء يدخل عليه المرقد، كأنه الذئب الجائع تسلل ~~للنهش والعض، وكثيرا ما قضى الليالي طاويا، وقد شد على بطنه بمنطقة، متجلدا ~~لأنياب الجوع الحداد، وقد استحال أنفه الذي جلب عليه الوبال على مثل لون العاج ~~القديم، ولم يبق لديه إلا ثوب أسود يستر بدنه! # دي جيش ~~: # هذا آتاه القدر مواهب كثيرة وذكاء، فأضاعها جميعا هباء، ومثله لا يستحق شفقة ~~ولا رثاء. # لوبريه ~~(بضحكة مريرة) ~~: # سيدي المارشال ... # دي جيش ~~: # لا داعي للرثاء له، إنه عاش عمره لم يلتزم بشيء في دنياه، حرا في أفكاره، ~~كما في أعماله. # لوبريه ~~(بابتسامة كسيفة) ~~: # سيدي الدوق! # دي جيش ~~: # نعم، فلست أنكر أن عندي كل شيء، وأنه لا يملك شيئا، ولكني وددت لو تصافحنا، ~~(ينحني بالتحية لروكسان) ~~: الوداع. # روكسان ~~: # سأرافقك إلى الباب، ~~(ينحني دي جيش للوبريه، ويتجه ~~مع روكسان نحو درج الشرفة) ~~. # لوبريه ~~: # أعلى البلاء تراه المحسود؟ # دي جيش ~~(يقف على الدرج) ~~: # نعم، أحيانا أراني لفكرة الحسد نهبا، ولا عجب فإن المرء كلما أصاب على ~~الدهر نجاحا مرموقا، لا يلبث فجأة أن يستشعر بالمجد برما وضيقا، دون أن ~~يكون قد ارتكب خطأ جسيما، ولست أعني بهذا أنه يحس في أعماق صدره وخزا ~~وتأنيبا، ولكني أعني ضجرا وملالا عجيبا، وكلما صعد درجات المجد تراكمت على ~~هدب ثوبه العسكري الأوهام والأشجان، كما يحدث وأنت تصعدين هذا الدرج حين يكتنس ~~هدب ردائك الأسود أوراق الخريف الميتة. # روكسان ~~(بتهكم) ~~: # أراك مسترسلا مع الأخيلة العنيفة القاسية. # دي جيش ~~: # هي والله كذلك، والآن فلأنصرف مودعا. ~~(ينحني انحناءة التوديع) # لوبريه! ائذني لي ~~يا روكسان لحظة، ~~(يتجه نحو لوبريه، ويحدثه بصوت ~~منخفض) ~~: حقا يا صاح ليس فينا من أوتي الجرأة ms107 على التحرش بصاحبك، ~~فلا عجب إذا أضمر له الناس كراهية وحقدا، حتى لقد قيل لي بالأمس في البلاط: ~~إنه بات يخشى عليه من حادث يقع له. # لوبريه ~~: # ويلاه! ماذا تقول؟ # دي جيش ~~: # نعم، فليقلل من خروجه، وليكن على حذر من أعدائه. # لوبريه ~~(يرفع ذراعيه نحو السماء) ~~: # ليكن على حذر! # يالله ... ولكنه سيحضر بعد قليل، وسأنبهه إلى ما يكاد له، أجل سأحذره، ولكن ... # روكسان ~~: ~~(واقفة عند أعلى السلم) # من ذا أرى؟ ~~(تدنو راهبة نحوها) # من هذا يا أختاه؟ # الراهبة ~~: # راجينو يريد رؤيتك، يا سيدتي! # روكسان ~~: # دعيه يدخل، ~~(تلتفت إلى دي جيش ولوبريه) ~~: ~~لقد جاء يشكو البؤس، فقد جال في خاطره يوما أن يكون شاعرا، فإذا هو يصبح ~~بدوره مغنيا في الكنيسة. # لوبريه ~~: # وصاحب حمام! # روكسان ~~: # وممثلا. # لوبريه ~~: # وموظفا تافها. # روكسان ~~: # وحلاقا. # لوبريه ~~: # ومعلم موسيقى. # روكسان ~~: # وماذا لعله صائر الآن؟ # راجينو ~~(يدخل مسرعا) ~~: # آه ... سيدتي ~~(يلمح لوبريه) # سيدي. # روكسان ~~(تضحك) ~~: # اقصص على لوبريه ماذا صنع الدهر بك، وسأعود حالا. # راجينو ~~: # ولكن ... سيدتي. ~~(روكسان تخرج غير ملتفتة إليه مع دي جيش، ويعود راجينو إلى ~~لوبريه.) # المشهد الثالث # راجينو ~~: # حسنا! ما دمت أنت هنا، فخير لها أن تبقى جاهلة بما حدث، كنت ذاهبا الساعة ~~إليه، فما كدت أدنو ثلاثين قدما من داره حتى رأيته خارجا؛ فأسرعت إليه لألحق ~~به، وأبصرته ينعطف في طريق آخر، وإذا بخادم يلقي فجأة من نافذة كان يعبر تحتها ~~كتلة ضخمة من الخشب عليه، هل كان ذلك قصدا أو مصادفة، لست أدري. # لوبريه ~~: # يا للخونة الأوغاد، وماذا حدث لسيرانو؟ # راجينو ~~: # فلما وصلت إليه وجدته ... # لوبريه ~~: # هذا شيء نكر. # راجينو ~~: # وجدته، يا سيدي، وجدت صديقنا وشاعرنا ملقى على الأرض، والدم ينزف من ثقب كبير ~~في رأسه. # لوبريه ~~: # أتراه قضي؟ # راجينو ~~: # كلا، ولكني احتملته إلى حجرته، له الله. آه، لو رأيت في أية حجرة يعيش! # لوبريه ~~: # هل يتألم؟ # راجينو ~~: # كلا يا سيدي، إنه فاقد الوعي. # لوبريه ~~: # هل التمست له طبيبا؟ # راجينو ~~: # لقد التمست أطباء كثيرين فتحللوا ... ولكن طبيبا كريما رضي أن يذهب ms108 ليفحصه. # لوبريه ~~: # إن قلبي لمتفجع عليه، ينبغي ألا تنبئ روكسان النبأ وشيكا، وما رأي الطبيب ~~فيه؟ # راجينو ~~: # لقد تكلم أخيرا، أبسبب الحمى، أم بسبب التهاب المخ؟ لست أدري، آه لو رأيته، ~~وقد عصب رأسه باللفافات، فلنذهب في الحال إليه؛ لأنه الآن وحده صريع الداء، ليس ~~بجانبه أحد مواسيا، ولا راعيا، إن الخطر من الموت محقق، إذا هو غادر فراشه أو ~~تحرك. # لوبريه ~~(يسحب راجينو إلى جهة اليمين) ~~: # فلنمض من هنا، فتعال بنا، هذا الطريق من الكنيسة أقرب الطرق إليه. # روكسان ~~(تعود من توديع دي جيش فتلمحهما، وهي لا تزال على الدرج، ~~يتواريان خلف أعمدة الكنيسة، فتنادي) ~~: # مسيو لوبريه! ~~(لوبريه وراجينو يسرعان تاركين روكسان تنادي.) # روكسان ~~: # أيذهب حين أناديه، أتراها مشكلة أخرى من مشكلات هذا الرجل الطيب راجينو؟ ~~(تنزل الدرج) ~~. # المشهد الرابع ~~(تجلس روكسان وحيدة ساهمة.) # روكسان ~~: # أواه ... هذا هو اليوم الأخير من شهر سبتمبر، إنه ليوم جميل، وقد بدأت كآبتي ~~تبتسم، هذه الكآبة التي كانت روعة الربيع تغضبها، أصبحت قسوة الخريف تغريها على ~~الابتسام. ~~(تأخذ في شغل الإبرة، وفي هذه اللحظة تدخل أختان ~~تحملان كرسيا فتضعانه تحت الشجرة) ~~: آه ... هذا هو المقعد العتيق ~~الذي يجلس فوقه صديقي القديم! # الأخت مارتا ~~: # تصفينه «بالعتيق»، وهو أحدث كرسي في قاعة الاستقبال! # روكسان ~~: # شكرا يا أختاه، ~~(الراهبتان تبتعدان) ~~: لن ~~يلبث أن يحضر، ~~(تدق الساعة أربعا، فتصغي إلى ~~دقاتها) ~~: الساعة تدق مؤذنة بمقدمه، وهو لم يأت بعد ... يا عجبا! ~~أراه لأول مرة متأخرا ... رباه لا بد أن الراهبة المنوطة بالباب ... أين قمع ~~الخياطة؟ ها قد وجدته، لابد أن هذه الراهبة قد حجزته عند الباب تحضه على ~~التوبة، لا يمكن أن يتأخر أكثر من ذلك ... يا إلهي ... هذه ورقة ذابلة، ~~(تسقط الورقة الذابلة على إطار شغلها فتزيحها ~~عنها) ~~، ولكني على يقين من أن لا شيء يمكن أن يعوقه عن الحضور، أين ~~مقصي؟ ها هو ذا داخل حقيبتي. # أخت ~~(من فوق السلم) ~~: # مسيو دي برجراك! # المشهد الخامس # روكسان ~~(دون أن تلتفت وراءها) ~~: # ماذا كنت أقول لنفسي اللحظة؟ ms109 ~~(تمضي في الخياطة، وقد ~~أوشك الظلام أن يعم ما حولها) ~~. ~~(هنا يبدو سيرانو شاحبا مخيفا، وقد أسدل القبعة على عينيه، ~~تنسحب الراهبة التي كانت تقوده، ثم يأخذ في نزول السلم رويدا بمشقة، معتمدا على ~~عصاه.) # روكسان ~~: # يا لله ... لست أدري كيف أجعل اللون الأصفر في هذا الغطاء متمشيا مع بقية ~~الألوان ... ~~(تتنبه إلى سيرانو، فتقول في شيء من ~~العتاب) ~~: هذه أول مرة تتأخر فيها منذ أربعة عشر عاما. # سيرانو ~~(وقد وصل إلى الكرسي، وجعل يقول بصوت مرح لا يتفق مع معالم ~~وجهه الشاحب) ~~: # أي ورب، إنني أكاد أتميز من الغيظ، لقد أرغمت على التأخير. # روكسان ~~: # وما الذي أرغمك عليه؟ # سيرانو ~~: # بزيارة مفاجئة. # روكسان ~~: # آه ... أبعض الثقيلات هي؟ # سيرانو ~~: # بل كان يا ابنة العم أحد الثقلاء. # 1 # روكسان ~~: # وهل استطعت منه خلاصا؟ # سيرانو ~~: # نعم، قلت له إنني آسف أشد الأسف، فاليوم يوم السبت، اليوم الذي اعتدت فيه ~~الذهاب إلى مكان طيب، وموضع محبوب، فلن تستطيع قوة في الأرض احتجازي عنه أو ~~تأخيري، فلتأت بعد ساعة أو نحوها. # روكسان ~~: # إذن على هذا الضيف أن ينتظر طويلا؛ فإني غير تاركتك قبل المساء. # سيرانو ~~: # ولكن من يدري، فقد أضطر إلى الرحيل قبله؟ ~~(يغمض عينيه، ويصمت لحظة.) ~~(الأخت مارتا تمر في الحديقة فتلمحها روكسان، وتشير إليها أن ~~تأتي.) # روكسان ~~(لسيرانو) ~~: # ما بالك اليوم لا تعاكس الأخت مارتا كعادتك؟ # سيرانو ~~(يصحو من ذهلته) ~~: # آه ... سأفعل بلا شك ... ~~(يتصنع الضحك) ~~: يا ~~أختنا مارتا، اقتربي، ~~(تتقدم فتقف أمامه) ~~: ~~ها ... ها ... ألا تزال العينان الجميلتان تغضان الطرف حياء، وتعبسان تجلدا ~~واستهزاء؟ # مارتا ~~(ترفع بصرها ضاحكة) ~~: # ولكن ... ~~(تلمح وجهه الشاحب؛ فيعتريها شيء من ~~الفزع) ~~: رباه ... # سيرانو ~~(يشير إلى روكسان، ويقول لها بصوت محبوس) ~~: # صه، إن هذا الذي رأيته لا يهم، ~~(بصوت ~~مرتفع) ~~: لقد تناولت أمس طعاما دسما، ونعمت بأكل شهي. # مارتا ~~: # أعرف ذلك، ~~(لنفسها) ~~: ولذلك أراه شاحبا ~~مفرط الشحوب، ~~(تخاطبه مسرعة راعشة الصوت) ~~: ~~هلا جئت بعد قليل إلى المطبخ، أتتناول شرابا ساخنا؟ إنك ستأتي، ناشدتك الله ~~أن تجيء. # سيرانو ~~: # نعم، ms110 نعم، سأجيء. # مارتا ~~: # آه ... أراك اليوم أكثر تعقلا! # روكسان ~~(وقد سمعتهما أخيرا وهما يتهامسان) ~~: # أتراها تحاول أن تعظك لتتحول بك إلى مذهبها في الدين ونحلتها؟ # مارتا ~~: # كلا، فإني متحاشية، محاذرة. # سيرانو ~~: # يا عجبا، ما الذي جرى، لقد كنت يا أختنا مارتا لا تكفين عن الكلام في الدين، ~~واليوم لا أجدك تحاولين إدخال الدين في رأسي، إنه لشيء عجاب حقا، ~~(في شيء من الغضب المصطنع) ~~: ولكني جاعلك تعجبين ~~أنت الأخرى ... سأهاجمك اللحظة بمفاجأة، ~~(يبدو كأنه ~~يبحث عن مداعبة لطيفة يفاجئها بها) ~~: آه ... أتحسبين عجيبا مني أن ~~أطلب إليك الصلاة لأجلي في الكنيسة هذا المساء ... ما قولك يا أخت فيما طلبته؟ # روكسان ~~: # عجبا! ... # سيرانو ~~(ضاحكا) ~~: # ما لي أرى الأخت مارتا مبهوتة ذاهلة؟ # مارتا ~~(بهدوء) ~~: # لم أكن أتوقع أن تسمح لي بذلك. ~~(تخرج.) # سيرانو ~~(يعود إلى روكسان، وينحني فوق إطار شغل الإبرة) ~~: # يا للشيطان! ألا تزالين حائكة ... أيها الغطاء المغزول متى أرى نهايتك؟ # روكسان ~~: # كنت أرتقب هذه النكتة اليوم منك، ~~(في هذه اللحظة ~~تسقط الرياح أوراقا ذابلة من فوق الشجر) ~~. # سيرانو ~~: # الشجر يتساقط علينا أوراقا ... نذير خريف مقبل. # روكسان ~~(ترفع بصرها، ثم تنظر إلى ممرات الحديقة التي غطتها الأوراق ~~المتساقطة) ~~: # إن لها لونا أشقر جميلا، ألا ترى إليها وهي متساقطة. # سيرانو ~~: # لله ما أحلاها في تساقطها! في تلك المسافة القصيرة التي تمتد من الفرع إلى ~~الأرض، تعرف الأوراق كيف تتجمل قبل الوداع الأخير، ومع انزعاجها من العفن فوق ~~الثرى تأبى إلا أن تضفي على سقوطها جمال خفق الطائر. # روكسان ~~: # ما لي أرى سيرانو اليوم حزينا؟ # سيرانو ~~(ينتبه لنفسه) ~~: # ما أنا بمحزون يا روكسان مطلقا. # روكسان ~~: # هيا دع الأوراق لشأنها، واقتصص علينا الجديد يا جريدتي. # سيرانو ~~: # ها هي. # روكسان ~~: # أجل؟ # سيرانو ~~(يبدو أكثر شحوبا، ويحاول إخفاء ألمه) ~~: # السبت اليوم التاسع عشر من الشهر أصيب الملك بالحمى، من البطنة والتخمة بعد ~~أن ملأ طبقه ثماني مرات من «مربى» العنب والفواكه، وقد اتهم مرضه بالخيانة ~~العظمى، فحكم عليه بالفصد، وهكذا خلا نبضه الملكي من آثار الحمى. ms111 أقيمت يوم ~~الأحد حفلة متنكرة في جناح الملكة، فأوقدت سبعمائة شمعة، وثلاثة وستين من ~~الشموع البيض، ويقال: إن قواتنا انتصرت في المعركة على قوات جان النمسوي، أعدم ~~أربعة دجالين شنقا، مرض كلب مدام داتي الصغير ... # روكسان ~~: # مسيو دي برجراك، هلا تكرمت بالسكوت؟ # سيرانو ~~(مسترسلا) ~~: # الاثنين؛ لا شيء غير أن مدام ليجدامير اتخذت عشيقا جديدا. # روكسان ~~: # أوه ... أوه. # سيرانو ~~(يستولي عليه الصمت، ويشتد به الألم) ~~: # الثلاثاء؛ انتقل البلاط إلى فونتبلو. الأربعاء؛ تحدثت لامونجلا إلى الكونت دي ~~فيهسك، فقالت له: «لا». # الخميس؛ منسيني ملكة فرنسا، أو تكاد ... وفي الخامس والعشرين تحدثت الحسناء ~~لامونجلا إلى الكونت فيهسك، فقالت له: «نعم»، وفي يوم السبت السادس والعشرين من ~~الشهر ... ~~(يغمض عينيه، ويطرق برأسه.) ~~(سكون.) # روكسان ~~(تعجب لسكوته؛ فتلتفت، وإذ تراه على هذه الحال تنهض ~~مذعورة) ~~: # يا لله، لقد أغمي عليه، ~~(تهرول نحوه ~~صارخة) ~~: سيرانو ... سيرانو. # سيرانو ~~(يفتح عينيه، ويغمغم بصوت شارد) ~~: # ماذا ... ~~(يلمح روكسان جاثية بجانبه، فيصلح من قبعته فوق رأسه، ~~ثم يغوص بخوف في جوف كرسيه) ~~: كلا، كلا، أقسم لك ... لا شيء بي ... ~~دعيني. # روكسان ~~(بهلع) ~~: # ولكنك ... # سيرانو ~~: # إنه جرح أراس ... ذلك الجرح القديم الذي تعرفينه. # روكسان ~~: # واها لك يا صديقي المسكين. # سيرانو ~~: # هذا أمر لا أهمية له، وسيزول وشيكا ألمي، ~~(يضحك ~~مغالبا) ~~: لقد انتهى وزال كل شيء ... # روكسان ~~(وهي واقفة بجانبه) ~~: # كلنا من جرحه متألم، أما أنا فجرحي هنا، جرحي القديم ~~(تشير إلى قلبها) # هنا ... في هذا الموضع تحت ~~الرسالة التي اصفرت صفحتها، ولا أزال أشهد عليها إلى اليوم دمعا ودما ... ~~(الشمس تأخذ في المغيب.) # سيرانو ~~: # رسالته ... لقد كنت قد وعدتني أن تريني كتابه في يوم ما لأقرأه. # روكسان ~~: # أتريد رسالته؟ # سيرانو ~~: # نعم ... أريد اليوم ... # روكسان ~~(تعطيه الرسالة المدلاة في سلسلة من عنقها) ~~: # هاكها ... # سيرانو ~~: # أتأذنين لي في فضها؟ # روكسان ~~: # افضضها واقرأ، ~~(تعود إلى شغلها فتطويه) ~~. # سيرانو ~~(يقرأ) ~~: # وداعا روكسان، إني لا محالة ميت ... # روكسان ~~(تقف متعجبة) ~~: # أتقرؤها بصوت مسموع؟ # سيرانو ~~(مستمرا في القراءة) ~~: # في هذه الليلة بالذات أشعر يا حبيبتي أن روحي ms112 قد ناءت بحب مكتوم لم يصب ~~تعبيرا ... روكسان وداعا إني الليلة سأموت، فلا تعود عيناي اللتان أسكرهما الحب ~~... # روكسان ~~: # كم هي عجيبة قراءتك لرسالته؟ # سيرانو ~~(مستمرا في القراءة) ~~: # عيناي اللتان تطربهما قبلة في الهواء لكل حركة تأتينها، أذكر منها حركة ~~ألفيتها حين تلمسين جبينك، فلا يسعني إلا أن أصيح ... # روكسان ~~(مضطربة) ~~: # كم هي عجيبة قراءتك للرسالة! ~~(يخيم الظلام فلا يشعر به.) # سيرانو ~~(متابعا القراءة) ~~: # فأصيح، الوداع! # روكسان ~~: # إنك تقرأها ... # سيرانو ~~: # أي عزيزتي، حبيبتي، كنزي. # روكسان ~~(حالمة) ~~: # إنك تقرأها بصوت ... # سيرانو ~~: # حبيبتي. # روكسان ~~(ترتعش) ~~: # وبصوت لست أسمعه لأول مرة، صوت ليس على سمعي غريبا، ~~(تقترب منه دون أن يشعر فتقف خلفه، وتنظر إلى الرسالة، ~~والظلام مخيم). # سيرانو ~~(يتلو) ~~: # لن يفارقك قلبي لحظة واحدة، وإني لباق في العالم الآخر الرجل الذي تجاوز حبه ~~الحدود. الرجل ... # روكسان ~~(تلمس كتفه بيدها) ~~: # يا عجبا، كيف تواتيك القراءة، والليل أرخى سدوله؟ ~~(يرتعش ويلتفت إليها ليجدها بجانبه؛ فيضطرب، ويطرق برأسه ... سكون ~~طويل.) # روكسان ~~(في حلكة الظلام، تضم يديها، وتتكلم بتؤدة) ~~: # ألا تزال على ديدنك، تؤدي الدور ذاته أربعة عشر عاما، دور الصديق الذي يسلي ~~النفس، ويضحك، ويروح عن الصدر، وإن كان حزينا آسيا؟ # سيرانو ~~: # روكسان ... # روكسان ~~: # لقد كنت أنت ... # سيرانو ~~: # كلا، روكسان، كلا. # روكسان ~~: # كان ينبغي أن أفهم حين كان يناديني باسمي. # سيرانو ~~: # كلا، روكسان ... لم أكن أنا ... # روكسان ~~: # بل لقد كنت أنت. # سيرانو ~~: # أقسم لك ... # روكسان ~~: # إني مقدرة موقفك النبيل، كل تلك الكتب كانت كتبك. # سيرانو ~~: # كلا. # روكسان ~~: # والكلمات العزيزة النشوى كانت كلماتك، والصوت الساري في جوف الليل كان ~~صوتك. # سيرانو ~~: # أقسم لك، كلا، كلا. # روكسان ~~: # والروح الشاعرية كانت روحك. # سيرانو ~~: # لم أحببك يوما. # روكسان ~~: # بل أحببتني. # سيرانو ~~: # لقد أحبك هو ... # روكسان ~~: # بل أنت أحببتني ... # سيرانو ~~: # كلا، كلا، ~~(بخفوت) ~~. # روكسان ~~: # أراك تخفض من صوتك. # سيرانو ~~: # كلا يا حبيبتي الغالية. # روكسان ~~: # رباه ... كم من أشياء ماتت، وكم من أشياء جديدة ولدت ... لماذا لزمت الصمت أربع ~~عشرة سنة، وها هي ذي رسالة لم يكتبها هو، وسكبت أنت عليها ms113 دموعك؟ # سيرانو ~~(يناولها الرسالة) ~~: # وهذا الدم دمه. # روكسان ~~: # إذن لماذا هذا الصمت الجليل ينهار اليوم؟ # سيرانو ~~: # تسألينني لماذا ؟ ~~(لوبريه وراجينو يندفعان إلى الموضع مسرعين.) # المشهد السادس # لوبريه ~~: # أي استهتار بالحياة هذا ... آه ... كنت على يقين أني هنا واجده ... ها هو ~~ذا. # سيرانو ~~(يضحك وهو ينهض) ~~: # أنت ... يا لك من عفريت. # لوبريه ~~(لروكسان) ~~: # لقد قضى على نفسه يا سيدتي بمغادرته فراشه. # روكسان ~~: # يا إلهي، أكان ضعفك منذ قليل هو السبب في ... # سيرانو ~~: # نعم، لم أكن قد انتهيت من سرد الحوادث، ففي يوم السبت السادس والعشرين من ~~الشهر، وقبل العشاء بساعة واحدة، مات السيد دي برجراك قتيلا ... ~~(يرفع قبعته، وتظهر الأربطة حول رأسه.) # روكسان ~~(في هلع) ~~: # ويلتا ... ماذا أرى ... سيرانو، رأسه ملفف بأربطة، ويلتا ماذا صنعوا بك ~~ويحهم. # سيرانو ~~: # بضربة سيف مسددة من كف صنديد إلى صميم القلب، كنت أتمنى أن تكون نهايتي، ولكن ~~القدر قد سخر مني، وهأنذا قتيل من كمين، من سقطة كتلة من الخشب تصيبني من ~~الخلف، لا من أثر طعن وضرب، قطعة خشب هوت فوق رأسي من كف خادم مهين، جميل ~~والله، لقد كنت الخاسر حتى في الموت. # راجينو ~~: # أواه سيدي ~~(يبكي) ~~. # سيرانو ~~: # راجينو ... لا تجعل لبكائك شهيقا وزفيرا ... ~~(يمد ~~إليه يده) ~~: قل لي يا صاحبي ماذا تصنع الآن يا أخا الود ~~والعهد؟ # راجينو ~~(وهو يبكي بحرارة) ~~: # أنا الآن أطفئ الشموع عند موليير. # سيرانو ~~: # موليير. # راجينو ~~: # ولكني سأترك خدمته غدا؛ لأني محتج متألم، فقد كانوا بالأمس يمثلون على ~~المسرح رواية «سكابان»، وبدا لي أنهم سرقوا منك فيها مشهدا. # لوبريه ~~: # مشهدا كاملا؟ # راجينو ~~: # نعم يا سيدي، المشهد الذي فيه تقول: ماذا هو بالله صانع؟ # لوبريه ~~: # نعم، لقد انتحله موليير منك انتحالا. # سيرانو ~~: # صه! صه! لقد أحسن عملا ~~(إلى راجينو) ~~، وهل ~~أصاب المشهد إعجاب الناظرين؟ # راجينو ~~: # أجل يا سيدي، لقد ظلوا له ضاحكين. # سيرانو ~~: # وا أسفي، لقد كانت حياتي حياة الملقن الذي يهمس الكلام للغير، ثم هو في ~~النهاية يذهب نسيا منسيا. ~~(لروكسان) ~~: ~~أفتذكرين ليلة جاء كريستيان يتحدث إليك تحت ms114 الشرفة والليل بهيم، لقد كانت كل ~~كلمة في ذلك الحديث من صميم حياتي، بل حياتي نفسها، وبينما كنت مختفيا في ~~الحديقة وسط الظلمة البادية، كان آخر يصعد ليقتطف قبلة النصر له دانية، ذلك عد ~~وحق أنا به مقر حتى باب مقبرتي الآتية ... لموليير العبقرية، ولكريستيان الجمال، ~~والصباحة، والصفحة البهية. ~~(تدق أجراس الكنيسة، وتبدو الراهبات من بعيد ذاهبات إلى ~~الصلاة.) # سيرانو ~~: # ليذهبن إلى الصلاة ما دام ناقوسهن يدق. # روكسان ~~(تنهض وتنادي) ~~: # أختاه ... أختاه. # سيرانو ~~(يمسك بها) ~~: # كلا، كلا، لا تنادي أحدا، فلن تجديني حين تعودين؛ لأني سأكون عندئذ قد ~~رحلت. ~~(الراهبات يدخلن الكنيسة، وتسمع عندئذ أنغام الموسيقى الكنسية ~~الشجية.) # سيرانو ~~: # كنت في حاجة إلى شيء من الموسيقى، وها هي ذي تأتيني في الوقت المناسب. # روكسان ~~: # بل لتحي يا سيرانو ولتعش، إني أحبك. # سيرانو ~~: # كلا، تلك أسطورة من الأساطير حيث تقول الفتاة لفارس أحلامها الذي صبغ جبينه ~~الحياء: «أحبك»، لا يلبث أن يحس دمامته تذوب على حرارة كلماتها كأنها الشمس ~~الحامية، ولكني وا أسفاه سأبقى آخر الحياة دميما كما أنا. # روكسان ~~: # يا ويحي ... لقد كنت سبب شقائك. # سيرانو ~~: # أنت، بالعكس، فقد كنت أجهل حنان المرأة، فأمي لم تجدني جميلا، وما كانت لي ~~في هذه الدنيا أخت حانية، ولا شقيقة راعية، بعد ذلك صرت أخشى الخليلة الساخرة ~~الغاوية؛ فابتعدت عن النساء ناجيا. # وأنا لك مدين، لقد وجدت فيك الصديقة الوفية، ولولاك لما مر بحياتي ثوب ~~امرأة. # لوبريه ~~(يريه القمر وهو يبزغ من خلال الشجر) ~~: # وها هو صديقك الآخر، أقبل ليراك. # سيرانو ~~(يضحك للقمر) ~~: # آه ... حقا ... ها هو ذا. # روكسان ~~: # ما أحببت في دهري إلا إنسانا واحدا، وهأنذي أفقده للمرة الثانية. # سيرانو ~~(لصديقه لوبريه) ~~: # سأصعد الليلة إلى منازل القمر بغير حاجة إلى اختراع جهاز يعين على الصعود ~~إليه. # روكسان ~~: # ماذا تقول؟ # سيرانو ~~: # أي نعم، هناك عند هذا القمر، سأهتدي إلى فردوسي الجميل الباهر، وألتقي ~~بالأرواح الأثيرة التي أحبها، والصحب الكرام الذين أتوق إلى لقائهم، سألتقي ~~بسقراط، وجاليليو. # لوبريه ~~(ثائرا حزينا) ~~: # كلا، كلا، يا لله ms115 ما أقسى النهاية وأمرها! أكذا يكون ختام شاعر، ونهاية قلب ~~كبير؟ أكذا يوافي الموت مثله؟ أكذا تحم المنية الغادرة؟ # سيرانو ~~: # ما لي أرى لوبريه متذمرا؟ # لوبريه ~~(مختنقا بالعبرات) ~~: # أواه ... يا صديقي الحبيب. # سيرانو ~~(ينهض شارد اللب والنظرات) ~~: # ها هم أولاء شباب غسقونيا وفتيانها، المادة الأساسية ... أي والله هنا ~~العقدة! # لوبريه ~~: # يا للعجب ... حتى في هذيانه لا يكف عن علومه. # سيرانو ~~: # لقد قال كوبرنيكوس. # روكسان ~~: # أواه ... # سيرانو ~~: # ولكن ماذا بربك كان يريد أن يفعل؟ ماذا بربك كان يريد أن يفعل داخل سفينته ... ~~؟ هذا الفيلسوف والعالم الطبيعي الشاعر، المبارز، الموسيقار، الرحالة إلى ~~الآفاق العليا، المفحم في أجوبته وردوده، العاشق أيضا، وفي العشق بؤسه ... هنا ~~يرقد هرقل سافينيان دي سيرانو دي برجراك، الذي كان كل شيء، والذي لم يكن أي ~~شيء. # ولكني ذاهب ... معذرة لا أستطيع أن أستبقي أحدا في انتظاري، كما ترون جميعا، ~~وتشهدون بأعينكم، ها هو ذا ضياء القمر يقترب ليأخذني، ~~(يسقط، فيعيده بكاء روكسان إلى الحقيقة، ينظر إليها، ويداعب ~~نقابها) ~~. # سيرانو ~~: # لا أريد يا روكسان أن تبكي الآخر أقل مما أنت غدا باكيتي، ذلك الفتى الجميل ~~الناضر الباهر، ولكني أريد شيئا واحدا حين تغمر جسدي الناحل برودة الموت ~~وهدأته، وهو أن تضفي على هذا النقاب الأسود معنى مزدوجا؛ ليكون حدادك عليه ~~حدادا علي، ولو قليلا. # روكسان ~~: # أقسم لك. # سيرانو ~~(تسري فيه قشعريرة، وينهض هائجا) ~~: # كلا، ليس هنا ... كلا أفي جوف كرسي أنت موافي؟ ~~(يمضي مهرولا، فيجرون خلفه) ~~: دعوني ... لا ~~تلمسوني ... ~~(يذهب فيستند إلى جذع الشجرة) ~~: لا ~~سناد لي غير الشجرة. ~~(سكون) ~~، إنه # 2 # في طريقه نحوي، أحس كأن حذائي قد استحال ثقيلا كأنه من المرمر، ~~وقفازي من الحديد، ~~(يجهد في مكانه) ~~: آه ... ~~ولكن ما دام دانيا نحوي، فلأنتظره واقفا، ~~(يمسك ~~سيفه) ~~: وسيفي في يدي. # لوبريه ~~: # سيرانو ... # روكسان ~~(منهارة) ~~: # سيرانو. ~~(يتراجعون مذعورين.) # سيرانو ~~: # أراه ينظر إلي ويحدق، ليته يجرؤ على النظر إلى أنفي ... القبيح، (يشهر ~~السيف): ماذا تقول؟ صراع لا نفع منه، أعرف ذلك، ولكن المرء لا يبارز مؤملا في ~~الانتصار، ms116 وإنما يجالد مستيئسا مكافحا، أي ورب إن المبارزة لأجمل وأروع حين ~~تكون بغير نفع، ولكن من هم الذين أرى قبالتي ... أأنتم ألف أم مائة؟ آه ... عرفتكم ~~معاشر أعدائي السابقين، أيها النفاق، أهذا أنت؟ ~~(يضرب ~~بسيفه الفضاء) ~~: هاكها إذن هه ... هه ... هه ... وأنتم من تكونون؟ معاشر ~~المرائين، والكاذبين والجبناء، خذوا ~~(يضرب ~~الفضاء) ~~، أأبرم صلحا معكم؟ كلا! كلا! ... أعرف أنك في النهاية ~~طارحي إلى الأرض، وما أهمية هذا؟ ولكني الساعة مجالدك، ومجالدك، ومجالدك، ~~(يضرب الفضاء بحركات عنيفة، ثم يقف فجأة من الضرب ~~لاهثا مقطع الأنفاس) ~~: لقد سلبتموني أيها الأوغاد كل شيء: الغار، ~~والورد خذوهما كذلك، إن هناك على الرغم من محاولاتكم شيئا واحدا لن تستطيعوا ~~له سلبا، شيئا أنا الليلة معي آخذه في رحلتي إلى الله، تحيتي لبارئي، لأكنس ~~به أعتابه المقدسة ... هناك شيء أنتم أعجز من أن تسلبوه، وسآخذه أنا معي على ~~الرغم منكم، سليما ناصعا لا شية فيه، ~~(يشهر ~~السيف) ~~: ذلكم هو ... ~~(يسقط السيف من يده، ~~فيترنح ويقع في أحضان لوبريه وراجينو) ~~. # روكسان ~~(تنحني عليه، وتطبع قبلة على جبينه) ~~: # وما هو؟ # سيرانو ~~: # ذلكم هو ... (في هذه اللحظة يفتح عينيه فيعرفها، ويبتسم لها) ... هو ريش ~~خوذتي! ~~(ستار) ms117