######OpenITI# #META# URI: 1378CabbasHafiz.MustafaNahhas.Hindawi37091731 #META# Tags: history #META# ID: 37091731 #META# Title: مصطفى النحاس #META# AuthorID: 74930641 #META# Author: عباس حافظ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # كلمة الإهداء‏ # تصدير وتصوير‏ # سر الزعامة‏ # العوامل والمؤثرات في نشأة الزعامة‏ # الصفات والخواص المشاهدة في الزعامة والزعماء‏ # الشخصية البارزة وصفاتها ومختلف مظاهرها‏ # قوة الإرادة وضبط النفس‏ # اللباقة والروح المرحة‏ # الأسلوب والتنظيم وحاجة الزعامة إليهما‏ # أخطار الزعامة والعوامل السيئة التي تتأثر بها‏ # الزعامة والزعماء في النظام الديمقراطي‏ # المرأة والزعامة‏ # الزعامة في الشرق‏ # الثورة المصرية في أدوارها الأولى‏ # سعد زغلول في دور التكوين‏ # زعامة سعد وظهور مصطفى النحاس‏ # مصطفى النحاس نشأته وتكوينه‏ # مصطفى النحاس في حياته العملية‏ # مصطفى النحاس في عهد الثورة‏ # سعد ومصطفى يبنيان للديمقراطية والدستور‏ # مصطفى النحاس‏ # مصطفى النحاس في الكفاح للدستور والاستقلال‏ # مصطفى النحاس وتوافر صفات الزعامة فيه‏ # كلمة الإهداء‏ # تصدير وتصوير‏ # سر الزعامة‏ # العوامل والمؤثرات في نشأة الزعامة‏ # الصفات والخواص المشاهدة في الزعامة والزعماء‏ # الشخصية البارزة وصفاتها ومختلف مظاهرها‏ # قوة الإرادة وضبط النفس‏ # اللباقة والروح المرحة‏ # الأسلوب والتنظيم وحاجة الزعامة إليهما‏ # أخطار الزعامة والعوامل السيئة التي تتأثر بها‏ # الزعامة والزعماء في النظام الديمقراطي‏ # المرأة والزعامة‏ # الزعامة في الشرق‏ # الثورة المصرية في أدوارها الأولى‏ # سعد زغلول في دور التكوين‏ # زعامة سعد وظهور مصطفى النحاس‏ # مصطفى النحاس نشأته وتكوينه‏ # مصطفى النحاس في حياته العملية‏ # مصطفى النحاس في عهد الثورة‏ # سعد ومصطفى يبنيان للديمقراطية والدستور‏ # مصطفى النحاس‏ # مصطفى النحاس في الكفاح للدستور والاستقلال‏ # مصطفى النحاس وتوافر صفات الزعامة فيه‏ # | مصطفى النحاس # | مصطفى النحاس # تأليف # عباس حافظ # | كلمة الإهداء # إلى الأمة المصرية التي أنجبت سعد زغلول، والتي أنبتت مصطفى النحاس، والتي أخرجت صحبه ~~وزملاءه القادة الأبرار المخلصين. # أقدم هذه الرسالة الصغيرة الموجزة، منبعثة من أعماق صدر وطني مؤمن بهؤلاء الأبطال ~~الأمجاد المغاوير الصادقين. ~~••• # وإلى الأجيال القادمة، والغد المؤمل، والمستقبل الوارث للحاضر وعمله. # أزجي هذه الصورة الدقيقة المصغرة، من ريشة صادقة، ساذجة، غير حاذقة ولا ماهرة. # لتكون رسما للحاضر في صلته بالماضي المنشئ، والغد المستثمر، في حقل الحياة، على دورة ~~الدهر، وكرة السنين. # عباس حافظ # | تصدير وتصوير # ليس هذا الكتاب ترجمة حياة؛ لأن البطل الذي تناول بطولته بالبحث، والزعيم الذي شمله ~~بالتحليل والدراسة ms001 - حي بيننا، نرجو بقاءه، وندعو الله أن يطيل في فسحة عمره ليخدم ~~الأمة أكثر مما خدمها، ويفيض عليها بأغزر مما أفاض. ولا تكون التراجم ومدونات الأعمال ~~وإقامة أدق الموازين، إلا بعد أن ينتقل الأفراد الخلقاء بها إلى ذمة التاريخ، ولا يزال ~~لهذا البطل الذي انتوينا دراسته غد مرقوب، وحياة قادمة مرجوة الخير، وعمل عظيم طيب الغرس، ~~حسن المجتنى، منتظر القطاف، موعود الثمر. # وإنما النية في هذه الفصول المحدودة، والأبواب المتعددة، تصوير البطولة من المعالم، ورسم ~~الزعامة من الخطوط التقريبية، وتعيين النبوغ الوطني من ناحية رفعة مادته، وصدق معدنه ~~وخاصيته، على ضياء ما ظهر من مزاياه وجملة موهبته، وبسبيل النجاح الأخير لجهوده في قضية ~~الحرية والاستقلال. # ونحن فيما نصفه من عمل هذه البطولة وجهدها، إنما نصف الجيل الحاضر المندمج فيها، ونسجل ~~آثار الماضي المشتمل عليها، الدافع إليها، وندون المزايا والمواهب التي اجتمعت لديها؛ ~~ليكون هذا الكتاب فاصلا بين الترجمة والتاريخ، ووسطا بين التقرير والتسجيل ~~والتدوين. # وما هو في الحق إلا تحية للفوز المكسوب، والنجاح المربوح، وتصوير للتقدير العام، والإيمان ~~الشامل بالزعامة التي بلغت بالأمة هذا النصر المبين. # وقد جرينا فيه على نمط من التناول جعلنا مفتاحه البحث في معاني الزعامة وحدود البطولة، ~~ثم تطبيق موجباتها ومطالبها على زعامتنا، والتماس نواحيها في أبطالنا وقادتنا، جلاء لحقائق ~~البطولة عامة، وتصويرا لمظاهرها ومظانها ومواقفها في بطولتنا الوطنية خاصة، حتى يكون ~~الكتاب درسا وتطبيقا، وبحثا وتحقيقا، وتعريفا وتصديقا، ومعالم ومقتضيات، وعبرا مواثل ~~وعظات، ومرشدا للمستهدين والمسترشدين. # وقد جعلنا شخصية مصطفى النحاس ومبلغ بطولته ومحل زعامته من الزعامات، مقدمة الدرس ~~ونظريته، والتمهيد للبحث ونقطته؛ لأنه الشخصية التي استحوذت على إعجاب الجيل ومحبته، ~~والعظمة الصادقة التي وجدت الملايين من الناس بها مؤمنين. # وفي الحق إن عظماء الأمة وزعماءها هم المرائي البلورية التي يرى الناس على صفحاتها ~~الشفافة وزجاجاتها الصقيلة الملتمعة، خواطر أذهانهم، وحقائق أنفسهم، وأطياف أخيلتهم، بل ~~إن كل فرد منا مدفوع بفطرته إلى التماس العظمة عند غيره ليرقد تحت ظلالها، ويستريح من هم ~~الحياة ومتاعبها تحت ms002 شجرتها، والناس من قديم الزمان عشاق البطولة، رواد الفضيلة، منتجعو ~~نجعات النبوغ والتفرد والاستباق، فكلما جاءتهم نباغة أكبروها، فإذا ارتفعت مراتبها إلى ~~الدرجات العليا احتشدوا حولها، وأسلموا أنفسهم إليها حيارى من أمرها، معجبين بقوة تركيبها، ~~مبهوتين يتساءلون كيف تهيأ لها أن تبلغ هذا الأفق البعيد، وهم يتحاملون ليصعدوا، وتلهث ~~أنفاسهم وهم لها طالبون. # ولكن البطل العظيم إنما يفتح عينيه فيرى الأشياء على حقائقها، منكشفة على أنواره المسلطة ~~عليها، ظاهرة الأسباب، واضحة المعالم، مجلوة الأجزاء والدقائق والمفردات، على حين يذهبون ~~هم يلتمسون رؤيتها فلا يبصرونها، ويفتحون أعينهم على سعة أحداقها فلا يرونها، ثم هم لا ~~يسلمون من الخطأ وإن حرصوا؛ لأنهم يحاولون كل شيء، والعظمة لا تحاول شيئا، كما لا يحاول ~~السكر أن يكون حلوا، ولا الملح أن يكون أجاجا؛ ولأن العظيم هو الذي خرج من مصنع ~~الطبيعة جاهزا مفصلا على قد الزمن الذي ظهر فيه، ووفق مطالب العصر الذي احتاج ~~إليه. # وكذلك كان مصطفى النحاس فينا عظيما، بل كذلك اتصل هو بنا واتصلنا نحن به، إذ وجدنا عنده ~~شرح حياتنا، وبلاغ آمالنا، وبيان ما يعتمل في نفوسنا، ونحن فقد لا نعرف كيف نتحدث إلى ~~الدنيا بما نريد، ولا نبين عما نقصد، ولا نجيد شرح ما يضطرب في أعماقنا، ولكن العظيم لا ~~يلبث أن ينبري ليكفينا متعبة الإبلاغ، ويريحنا من مشقة التأدية، ويغني عنا مجهدة التفسير ~~والبيان؛ لأنه قريب من نفوسنا، متصل بدقائق شعورنا، محتل موضعه من إحساسنا ووجداننا، وكل ~~الذي هو طيب بفطرته، كبير في تأثيره، حسن في تقديره، واجد مكانه، مصيب موضعه، مقتعد ~~مطمأنه، وإن التفاحة الصالحة لتخرج بذورها، وأما الفاسدة فلا تخرج شيئا؛ وإنما تخدم ~~مع ذلك التفاح الطيب الصالح؛ لأنها تدل عليه، وتشير إلى الفارق بينها وبينه، ويوم يجلس ~~الرجل منا في رحاب الحياة مكانه، ويقعد مقعد الصدق الذي أعد له؛ يروح الخصيب، ويمضي الباني ~~المنشئ، ويغدو المحدث الفاعل المنتج، وإذا كان النهر العظيم هو الذي يخط بمجراه ضفافه، ~~ويقيم شاطئيه، فإن طيبة الرجل العظيم هي التي ms003 تجد مصبها إلى النفوس، وتشق عباب الحياة ~~إلى القلوب والأفئدة، ويوم تبلغ الغاية، ويرتفع منها المد، ويتعالى النوء والموج والفيض، ~~هنالك الخصيب العميم، والحقل الناضر، والحراث الشاكر، والمستثمر العريف للصنيع. # ولقد أفاض علينا مصطفى النحاس من طيبة نفسه؛ فطابت به نفوسنا، وجرى إلى أعماقنا مجرى ~~النيل إلى أرضنا، فكان فينا كوثر خير نحن الأعزة به، وكان فيضا روحيا عميقا، نحن به ~~ناعمون. # لقد جاءنا مصطفى بطيبة مخلصة طاهرة، لا تتكلف صنعة ولا تزويرا ولا خبا، فلم نتكلف نحن ~~لها رضى ولم نصطنع لها حبا، هو أعطانا كل نفسه، فأعطيناه نحن صفوة أنفسنا؛ وهو عظمة ~~صراح متجلية على نورها، ظاهرة الجزئيات والكليات من صقل جوهرها، ونحن نبادلها المصارحة في ~~المودة، والمودة في القربى، وكلما اشتد عليه الخطب، اشتد له عندنا الحب، وكلما أصاب ~~النصر في المعركة، التفت حوله الأفئدة صافة مشتبكة، كأن كل فؤاد قد انتصر، وكل إحساس ~~بالفوز ظفر؛ بل إن الشدائد لا تقع عنده جديدة عليه، وإنما هي الجديدة علينا، المباغتة لنا، ~~وقد يفرح هو بها، ونحن نجزع عليه منها، ويوم يخرج منها الفائز المنتصر؛ يعطينا مع الفرحة ~~بانتصاره أبلغ الدروس وأروع العبر. # ولسنا نعلم في نزاهة الزعامة صورة صريحة المعالم، صادقة الأجزاء، خالية من المحسنات، ~~بادية بطبيعة ألوانها، هي أروع من نزاهة زعامة مصطفى وطهارتها، ومن كان للحياة واهبا، فلن ~~يكون العرض الزائل موهوبا، ومن ترك شأن نفسه، مؤثرا شأن الناس عليه، فلن يكون آخذا ~~وهو المعطي، ولن يستطيع أحد في هذا العالم أن يكون عليه متفضلا وهو المانح أعز شيء يملك: ~~روحه التي بين جنبيه، وذلكم هو أكبر العطاء، وأعظم جلاله أنه النزيه الخالص الموهوب لا يسأل ~~عليه أجرا ولا جزاء. # وما مصطفى إلا منحة من الله لمصر، ومن يأت من عند الله للناس منحة، يأت صفيا من ~~الشائبة، لا يجدي عليه ممنوح، ولا تمتد إليه كف بموهبة. ولقد قيل في إبان العهود الغابرة: ~~لقد «ثبتت» بحكم القضاء نزاهته، وما درى الذين قالوا ذلك أن هذه النزاهة ms004 نزلت إلى الدنيا ~~بحكم الله «ثابتة» ... # وأعجب ما في هذه الزعامة التي نحن بسبيل تقديرها أنها بناء شاهق من جلال الخلق، وأن قوة ~~الخلق في جلالها وطبيعة خواصها كالحرارة والضياء والشمس والهواء، وعناصر الكون والقضاء، ~~والسر في أنك تحس وجود أحد الناس، ولا تستشعر وجود سواه، كامن في سر الجاذبية، مبثوث في ~~طبيعة المغناطيس، والحق هو قمة الحياة، وأسمى ذروة الوجود، والصدق في القول والإحسان في ~~العمل هما التطبيق للحق، والمعراج إلى قمته، والإسراء إلى ذروته، وإن الطباع البشرية ~~لتتفاوت في درجات هذين العنصرين ومبالغهما، فمن خلصت طبيعته وتطهرت فطرته، جرى من منابعه في ~~أعلى جبال الحق، منصبا في طباع الناس وفطرهم انصباب الماء من الآنية العالية إلى الأوعية ~~المنخفضة، ولن يستطيع في العالم شيء أن يقاوم هذه القوة المكينة في بناء الرجل العظيم؛ لأنه ~~أبدا القوي الغالب، وأنت فقد تلقي بحجر في الفضاء فيرتفع لحظة في الطباق، ولكنه لا يلبث ~~أن يرتد إلى الأرض لا محالة، وكذلك أنت العاجز حيال الشخصية القوية الغالبة، فمهما حاولت أن ~~تحيلها عن طبعها وخيمها، أيأستك من محاولتك، وظلت على طبعها الذي فطرت عليه، بل إنها لتسري ~~في كل من حولها، وتتغلغل خفية إلى أعماق أصحابها وأهلها، وترسل الحياة تدب في أفقها ووسطها، ~~وتشع بنورها على محيطها، وتغمر الفضاء الرحيب بإحساسها، وتتخذ الوادي كله مجالا لروعتها، ~~ومظهرا لآيتها وعظمتها. وإن النفس القوية النقية من أدران الحياة لتتحد مع الحق وتمتزج ~~بالعدل اتحاد المغناطيس مع القطب، وتروح إزاء الذين يبصرونها أشبه شيء بجسم شفاف، صقيل ~~الأديم، رائق الزجاجة، قائم بينهم وبين الشمس؛ فمن أراد منهم إلى الشمس سفرا، اتخذ ذلك ~~الأديم الشفاف إليها مجازا ومعبرا. # وكذلك كان مصطفى النحاس الواسطة بيننا وبين أشرف الغايات، وكان الضمير الحي الذي به نشعر، ~~والوجدان العام الذي به نرتبط. # وأحسب الميزان الصادق لقياس الرجل العظيم على حقيقته، وقوة شخصيته، وخطر رسالته في هذا ~~العالم ومهمته، هو مبلغ مناوأته للحوادث، ومحاربته للزمان، واستقباله للخطوب، واضطلاعه ~~بالنوب والمحن والشدائد، ففي ذلك ms005 جميعا يرتفع الرجل العظيم عن مستوى عامة الناس وأمثالهم؛ ~~لأن أخوف ما يخافونه هو الزمن، وأعدى أعدائهم الدهر، وأكبر دعائهم لله النجاة من المحن، ~~والخلاص من الأحداث الشداد، وأما العظيم فذلكم هو الذي يتخذ ظروف الزمان حاشية له تمشي في ~~ركابه، ويرغم الأحداث على أن تظهر للناس ما بطن من خلقه وسر نفسه ولبه ومبلغ سخريته من ~~المشاق والصعاب والعقبات. # ولقد عرفنا مصطفى النحاس يمتحن بالمحنة وهو الصابر، ويرمى بالخطب المفاجئ، وتحيط به ~~الأزمة المباغتة؛ فلا يني يخرج منا جميعا بفوز، ولا يزال يجالدها حتى يعود من المجالدة ~~بانتصار. # ونحن جميعا في مصر المؤمنون بحقنا، ولكن مصطفى النحاس ظل على الخطوب المترادفة أشدنا به ~~إيمانا، حتى لقد جعل حقوق بلاده في الحرية والاستقلال فكرته التي يقضي عليها نهاره، ويسهد ~~لها زلفا من ليله، وينام بها لمشاهدة أحلامه ومعارض رؤياه، بل لقد ظلت عنده اللغة التي ~~يعطيها أكثر كلامه، والموضوع الذي يحشد له أكبر اعتزامه، بل لقد عاش هذه السنين كلها من ~~أجلها ولها بكليته، ونحن قد عشنا لها بكل جزئياتنا؛ وكانت لها نفسه جميعا، ولنا بجانبها ~~آمال نفوسنا، ومشاغل عيشنا، وهماهم حياتنا وأطماعنا. # وكذلك أعطى الزعامة مواهبها، وأدى لها واجبها، وحشد لها مطالبها، ورفرفت من فوقه روح ~~سعد الذي اصطفاه، يطالعنا منها ومنه بقوتين: قوة الذكرى، وقوة الإيمان ... حتى أدى رسالته، ~~وبلغ طلبته، وحقق لبلاده ما كانت تصبو إليه. # ولا يزال أمامه عمل عظيم، ومهمة خطيرة، وشأن جليل، هو استثمار ما استعاد لوطنه، وحسن ~~القيام على ما استرد لقومه، وإنفاذ وجوه الإصلاح الذي يحتاج إليه العصر، وتوفير مقتضيات ~~الحياة للجيل الحاضر، والبناء للأجيال القادمة، وترك أغنى التراث للمستقبل والذراري ~~المنحدرة في مواكب الزمن وقافلة الأبد ومسيرة الحياة. # وقد يحسن أن نقدم لهذا الكتاب بفصول في تعريف الزعامة وكشف أسرار الشخصية القائدة، وتعيين ~~مطالب العظمة وقيادة الأمم والجماهير؛ لنسير على ضياء هذه المعاني في فهم هذه الشخصية ~~العظيمة التي يحيط بها تاريخ مصر الحديث في مرحلة الجهاد لحريتها المقدسة. # | سر الزعامة ms006 # الزعيم هو الفرد الذي يصيب نفوذا خاصا وسلطانا معينا على جماعة من الناس، وأكثر ~~الأفراد في هذا المجتمع يصيبون نفوذا على بضعة أفراد على الأقل في نديهم أو جمعهم أو ~~محيطهم، ولكن هذا النحو من النفوذ لا يسمى زعامة، إذ لا يتوافر معنى الزعامة إلا باجتماع ~~النفوذ الخاص، ووجود الجماعات الكبيرة والطوائف الكثر الآحاد. # والزعامة على هذا القياس هي الشخصية الفعالة النافذة في نفوس الجماعات، وهي من هذه ~~الناحية تتألف من معالم خلقية تؤثر وتعمل وتنفذ، ومن معالم خلقية تطيع وتمتثل وتستجيب؛ أو ~~هي التفاعل بين أخلاق وصفات معينة، وبين أخلاق أخرى في الجمع أو الكثير من الوحدان، بحيث ~~تتأثر هذه بتلك، وتنزل على مشيئتها راضية. # ولا ريب في أن الشخصية نوعان: النوع المؤثر والنوع المتأثر، أو القيادة والتبعية، وأن ~~للزعامة صلة وثيقة بالذاتية - أو الفردية الشخصية - وبعنصرها المكمل لها، وهو «الاجتماعية»؛ ~~وأنه إذا كانت الذاتية تشير إلى تلك المزايا والصفات الممتازة البارزة التي تجعل فردا من ~~الأفراد ممتازا عن غيره بينا عن سواه، فإن الاجتماعية هي جملة الصفات ومظاهر السلوك ~~التي تتشابه وتتماثل في الأفراد جميعا. # إن صاحب الصفات الذاتية هو القادر بفضل ذاتيته هذه على تأدية عمل ما من سبيل تختلف، وبقوة ~~أسمى وأعظم من سواه من الناس أو الأفراد المحيطين به، وهو من هذه الناحية الخليق بالزعامة، ~~الجدير بالسيادة والتفوق والقيادة، وإن كان كثير ممن أوتوا هذه الذاتية قد تخلفوا فلم تنتج ~~ذاتيتهم زعامة في الناس ولا سلطانا محسوسا بارزا. # وأما عنصر الاجتماعية فهو الذي يعين الفرد على فهم الناس، والاتصال بهم، والاندماج فيهم، ~~وإدراك حاجات نفوسهم ومطالب أرواحهم وآمال خواطرهم ومختلج أمانيهم، وإيجاد الوسائل ~~والأساليب التي تخرج بهم من المآزق الشداد، والمحرجات الرهيبة، أو تحقق لهم ما يبتغون، ~~وتسير بهم إلى الغاية التي لا يستطيعون وحدهم لها طلبا. # ومن لا تتوافر الاجتماعية له فهو العاجز عن قيادة الناس، والزعامة على الجماهير، والظفر ~~بالسلطان الروحي عليهم؛ وإن كانت الاجتماعية بذاتها لا تخلق زعامة ولا تخرج ممن أوتيها ms007 ~~سيدا مطاعا قائدا. # والزعامة من ناحية أخرى هي وليدة حياة الجماعة، وثمرة ما يطرأ على القيم الاجتماعية من ~~التغييرات؛ فكلما اعتدي على قيمة اجتماعية أو هوجمت أو أريد أن تزول؛ نهض لها من يدافع ~~عنها، ويذود عن مستواها، ويحارب في سبيل الحرص عليها، ومن شأن هذا أن يخلق زعامة ويجيء ~~بالقائد المدافع الذواد، كما أن مهاجمة القيم الاجتماعية في سبيل إصلاحها أو القضاء ~~عليها، قد تأتي بالزعيم الخليق بأن يتولى الهجوم وينظم العدوان. # وكذلك يكون قائد الوطن المعتدى عليه زعيما، كما يكون القائد المعتدي المهاجم بدافع ~~الوطنية المستعلية الغازية الفاتحة زعيما، وإن كان الأول في جانب الخير والفضيلة، والآخر ~~مع الشر والسوء. # إن الوطنية لتبتدئ جميلة جليلة زاهية الألوان، ولكنها قد تستحيل في النهاية موحشة مرهوبة ~~ضارية، فهي في أدوار تكوينها تطل على أكثر نواحي الخير والفضيلة وكرائم الأخلاق، وفي ~~مراحل شبابها تبدو حالية بأفخر زينة، متهادية في أفتن مشية، وإن جمالها في هذا الدور من ~~حياتها هو في حدتها وروعة رسالتها، وإيثارها وإبائها، وتفانيها ووفائها، وضحاياها ~~وشهدائها، وتلك هي وطنية الفضيلة الاجتماعية، وفناء الإنسان في الإنسانية القومية، بل وطنية ~~الدفاع عن الوطن في غير هجوم، والذود عن الوطن في غير طمع، والكفاح عن الذمار في غير جشع ~~ولا استكثار ولا استعمار ولا عدوان. # هذه هي وطنية الأمة التي استقلت فرضيت باستقلالها، وقنعت إذا تحررت بالحرص على حريتها، ~~ولم تمدد عينها إلى أكثر مما يصون ذلك الاستقلال، كما هي وطنية الشعب الذي اعتدي على ~~استقلاله، فهو يطلبه ويجاهد في طلبه، ويلهم الأفراد العمل له والسعي في سبيله، وطنية الشعب ~~المستعر الجوانح، الحاضر الحماسة، الباذل التضحية، المستعذب الإيثار، المختفي الأنانية، ~~المقبل على البذل والفداء. # ولكن الوطنية إذ تفرغ من كل هذه المعاني وتستتمها، وتنعم بالاستقلال ومزاياه، ويتزاحم على ~~صدرها المجد وأحلامه، والطمع وتكاليفه، والتوسع ومطالبه؛ قد يحتمل أن تستحيل إلى حاسة ~~باغية عادية، موحشة ضارية، وتصبح وطنية الأقوياء الذين يذهبون يجربون قواهم في غير أوطانهم ~~ولا يقنعون باستكمال حريتهم، فيخرجون للعدوان ms008 على حرية غيرهم؛ فتنقلب الوطنية بهم جشعة ~~متمادية، كلما زادوها استزادت، وكلما أكلت طلبت من الطعام زحاما من الألوان. # الوطنية المدافعة عادلة، والوطنية المهاجمة ظالمة، أو نصفها في جانب العدل، ونصفها في ~~جانب الظلم. # والوطنية الأولى فاضلة، والوطنية الأخرى تمادت مع الفضل حتى رذلت، وتناهت مع غرور القوة ~~حتى لتنتهي في الأعم الأغلب إلى التدهور والفناء. # إن وطنية الهجوم باطلة، وهي لذلك لا تعمر. # وإن وطنية الدفاع حق، وهي لذلك باقية ليس لها على الدهر من زوال ولا انتهاء. # ولكن لكل منهما قادة وزعماء؛ وإنما الفارق بين الزعامتين في الناحيتين هو المسافة بين ~~الخير والشر، والفاصل بين الفضيلة والرذيلة، وقد كان نابليون زعيما، كما كان واشنطن محرر ~~أمريكا زعيما؛ والفرق بين زعامتيهما هو في تاريخهما، وإن كانا فيه خالدين، فقد ترك واشنطن ~~صفحات بيضاء نواصع زاهيات، وما ترك نابليون غير كتاب سطوره من دم قان نجيع ولا يزال هذا ~~باديا في جيلنا؛ فإن موسوليني زعيم، وهيلاسلاسي كذلك زعيم، والفارق بين الزعامتين مثل ~~الصبح ظاهر ... # واشنطن - محرر أميركا. # وكم من أفكار طيبة، وآراء سديدة صائبة، ونظريات جميلة زاهية خلابة، وآمال تتزاحم على نفوس ~~الجماعات، وأماني عذاب تتراقص أمام الأذهان، وتبدو فاتنة ساحرة البيان، ثم لا يزال ~~الناس يتمثلونها في سكرات الخيال، وينظرون إليها نظراتهم إلى المحال، ويحسبون تحقيقها ضربا ~~من ضروب الأحلام، فإذا ما ظهر الفرد القوي الشخصية، الباده الخليقة، المستحصد العزم، ~~العميق الإيمان بصواب ذلك ونحوه، وحكمة أولئك وما يتصل بها؛ توثبت النفوس، واستحمت ~~المشاعر، وتوقدت العزمات، وبدأ المسير إليها، وآذن الرحيل وراح الناس ينطلقون نحوها، ~~ويتبعون هذا الحادي القوي الحداء، الجهير الصوت، المفتول الساق، الجلد على طول المسير، وهم ~~مؤمنون مقدما بأنهم بالغو الغاية السامية آخر الجهاد من أجلها والنضال. # ولقد أصبحنا نعيش في عصر الزعامات، فإن الجيل الحاضر قد أضحى يحيا، ويتحرك، ويعتمد في ~~حياته، على المجهود المشترك، ويجد نفسه وسط مجاميع متعاونة؛ وهيئات متآزرة، حتى ما من ناحية ~~من نواحي الحياة الاجتماعية إلا كان مجهود المجموع هو ms009 مظهرها الغالب، وطابعها الظاهر، ~~وصفتها العامة! بل لقد تعدت هذه الظاهرة إلى الناحية الفرحة اللاهية من الحياة، فغمرت ~~الأندية والمجامع الرياضية وفرق الألعاب وجماعات اللاعبين. # الزعيم هو إذن القوة المشرفة على الجماعة؛ لكي تتعاون وتتناصر وتتضافر في سبيل تحقيق غاية ~~معينة، وتنفيذ غرض مشترك، بل هي تلك القوة النفسية المؤثرة في المحيط، النافذة بسلطانها في ~~الأفق والبيئة، الجامعة في يدها لكل قواها وموارد نشاطها ومستودعات مواهبها، الدافعة بها ~~نحو غرض واحد ومطلب عام، العاملة على أن يؤمن كل فرد بأن مصلحة الجماعة ينبغي أن تتقدم ~~مصلحته، وأن المثل الأعلى يقتضي اختفاء الأثرة، ورياضة النفس على الغيرية والإيثار ~~والاستعداد للبذل والتضحية والفداء. # إن الجماعات إنما تعمل وتتقدم وتنجح وتحقق غاياتها وأمثلتها العليا باتحاد الجهود ~~الفردية، واستثمار الرغبة الصادقة المنبعثة من أرواح الآحاد الذين يؤلفونها، واستخدام القوة ~~الخفية الكامنة في الأفراد الذين يكونونها، وهذا يقتضي أن يكون للجماعات روح معنوي دافع ~~ملهم محتث، يجمع جهودهم كلها لتحقيق الغرض العام، ومن مهمة الزعامة أو وظيفتها ~~الاجتماعية في الشعب أو الأمة أن تخلق هذا الروح، وأن تبثه وتنميه وتعمل أبدا على توجيهه؛ ~~وبغير الزعامة لا يمكن أن يكون للروح المعنوي وجود أو حياة. # وإذا صح أن النهضات العامة هي في الغالب ظل رجل واحد، وغراس مجهوده، وثمر زرعه ~~بمفرده؛ فلا ينبغي أن ننسى أن نجاحها وتوفيقها وفوز هذا الزارع الأكبر، والغارس المثمر، هو ~~أيضا فضل من حماسة الجماعة المتأثرة به، وصدق انبعاث النفوس على هداه، وحرارة المشاعر التي ~~ألهبها، والأحاسيس التي ابتعثها، فوجدت في البيئة والمحيط تلبية ومستجابا. # وليست هذه الحماسة في الواقع وليدة الإرشاد فحسب وثمرة التوجيه، ولكنها أيضا نتيجة دعوة ~~عامة واستجماع لكل قوى الرغبة في القيام بعمل صح الاعتقاد بخطره وتم الإيمان بنفعه ومست ~~حاجة العصر إليه، وهي الرغبة التي يغذيها الزعيم ويتعهدها ويسقيها ويرعاها برعيه؛ فتنشأ من ~~ثم هذه الحماسة المتقدة التي تسري في الجماعة وتدفع بها إلى المسير على حداء الإيمان ~~واحتثاث اليقين. # إن مجهود الزعامة ليجد فسيح ميادين ms010 ، ويشمل عديد وجوه، ويغمر أفقا واسع النطاق؛ فإن ~~الزعامة هي التي تضع التصميمات، وترسم الخطط وتحدد السياسات، وتعين المناحي والأساليب، ~~وهي التي تنظم جهود الجماعات، وتوزع التبعات والمسئوليات، وتراقب الظاهرات والبوادر ~~والمقدمات، وتشرف على الحركة الإجماعية والتقدم العام، كما تدرب الذين يلتفون حولها على ~~حمل الأعباء، والاضطلاع بالفعال الجسام، بل هي أخيرا التي تبعث قوى الأفراد جميعا وتحفز ~~المواهب الكامنة، والنباغات الهاجعة، والمزايا المستكنة، والكفايات التي بحاجة إلى التشجيع ~~والبروز لتشترك في الغاية العامة، فيغمرها روح واحد ويشملها انسجام تام؛ فإن هذا الانسجام ~~هو خلق جديد في ذاته، لقوات جديدة في نفسها، تروح بمثابة احتياطي ومدخر، ومستودع زاخر، ~~لا ينفد منه المورد ولا ينضب المعين. # إن سلطان الزعامة هو الذي يدفع القوى العامة في الجماعة إلى مستوى رفيع، وهو الذي يرد ~~الموافقة السلبية رضى إيجابيا، ويحيل النفور رغبة، والسكون حركة، والبرودة اشتعالا، ~~والفتور حماسة وسعيرا، وقلة المبالاة اقتناعا ويقينا، والجمود عملا، والخصومة مودة، ~~والعداوة مقلمة الأظفار. # بل إن سلطان الزعامة لأشبه شيء بفتح السيال الكهربائي الذي يحرك مختلف أجزاء الآلة ~~وأجهزتها الدقائق، ومركباتها المتعددة؛ فتؤدي كلها وظائفها، وتبرز طاقتها، وتحدث حدثها ~~المطلوب. # وليس من شك في أن الأفراد في الجماعة إنما يتحركون بالدوافع النفسية والبواعث الروحية، ~~فتنشأ من هذه الدوافع والبواعث قوة إضافية، ومحركات جديدة، وتحتشد قوات أخرى لم تكن من قبل ~~في التقدير والحسبان. # ومن هذا يخلص لك أن الزعامة هي المقدرة على التأثير في الجماعة لحملها على التعاون ~~والتضافر في سبيل تحقيق غاية تدرك هذه الجماعة أنها أصلح شيء لها، وأنها وفق أمانيها، ورمز ~~آمالها، ومجموعة رغباتها ومطالبها في الحياة. # وقد يكون هذا التعريف لسلطان الزعامة وسرها الخفي وأثرها الأكبر جديدا، إذ شاهدت ~~الإنسانية قبل اليوم زعامات من غير هذا الطراز، بل لا نزال نشاهد الآن في بعض البلاد ~~المتحضرة أمثلة لا تندمج تحت هذا التعيين ... زعامات آمرة ناهية، متحكمة طاغية، حتى في الخير ~~وإليه، وحتى بالعنف والحمل عليه؛ أي أنها زعامات خلت من الشرط الأول الذي تتم ms011 به الزعامة ~~الهادية المستجاب لها في غير اصطناع، المطاعة في غير غضاضة ولا ألم إرغام، وهذا الشرط هو أن ~~يقابل الزعامة رضوان الجماعة، ويتلاقى عندها الانبعاث الصادق والطاعة، فقد أصبحت فكرة ~~الزعامة في النظام النيابي متركزة في هذا المعنى بالذات، قائمة على هاتين الدعامتين ~~المتقابلتين: رضوان الجماعة، وتوجيه الهداة القائدين. # وتقوم الزعامة عند حاجة الشعب إليها، وتظهر في الوقت الذي يتلفت الناس حولهم باحثين عنها، ~~ملتمسين معونتها وهداها، فقد رأينا أكثر الزعماء يبرزون في مواقف الخطر العام، وساعات الفزع ~~المنتشر، ومنتهى السرعة الواجبة لدرئه، والدافع الملح لمعالجته، ويوم تقتضي الظروف الزعيم ~~المنشئ الباني المصلح القائد السائر بالجماعة إلى أمثلتها العليا؛ ينبري من لدن الطبيعة ~~وبرحمة من الله، الرجل الذي تجد الجماعة فيه مطالبها فترتضيه لها، فإذا ما كان الزمن معه، ~~ظهر ووثب وطفر، وكانت رغبة الشعب قوية متجلية، تقدم ليملأ الفراغ ويحتل المكان. # وفي حياة سعد زغلول ومصطفى النحاس يتمثل هذا بكل جلاله، ويبرز بكل قوته، فقد توافرت في ~~زعامتهما العناصر المناسبة لتكوين الزعامات تلبية لمقتضى العصر وحاجة الجيل ومطالب التوجيه، ~~بل كانت السفينة بحاجة إلى الربان، فاهتدت إلى القبطان ...! # وليس من ريب في أن هناك أمثلة لزعماء متعددي الشكول والصنوف والألوان، ولكن الواقع ~~المشاهد أن كل زعيم هو نتيجة اجتماع ظروف الزمن، ومهيئات الموضع، والمزايا النادرة فيه، ~~والخواص الرائعة التي تصطفيه الجماهير من أجلها وتجتبيه، وليست واحدة من هذه جميعا كافية ~~بمفردها لقيام الزعامة، ولا وجودها كفيلا بإظهارها، وإنما لا بد من التلازم فيها جميعا والاقتران. # الزعيم الخالد سعد زغلول. # وهذا من شأنه أن يجعل الزعيم مولى للشعب، وعلى عهد الجماعة الحريص الأمين، والمرشد الذي ~~يهديهم إلى تأدية الغرض المطلوب، وبلوغ الهدف المقصود. # ومتى اجتمعت في الزعيم قوة الشخصية بقوة النفس الجياشة المتحفزة المعلنة عن ذاتها بسحرها ~~الخفي وجلالها الباده، مع توافر قوة العزم لديه وصلابة التصميم على تأدية الرسالة التي يؤمن ~~بها كل الإيمان، والمجاهدة في سبيل مثل عال يعتنقه أصدق الاعتناق؛ فإنه في الساعة ~~المنتظرة واللحظة الواجبة ms012 ليقفز إلى الموضع الخليق به، والمكان المعد له في لوح الأقدار، ~~وسياق الحوادث، ودورة الزمان. # ولكن ينبغي أن نفصل هذا الطراز من الزعماء المفرغين في قوالب البطولة النفسية عن طراز ~~النابليونيين والطغاة والعسفة والجبابرة، أو معاشر الذين استبدت الأثرة بهم، وإن أبرزوا ~~وجوها عديدة من الزعامة، ولكنهم تراموا على إجابة السلطان بالعدوان أو استضعاف الجماهير، ~~والبغي على الجماعات، وانتهاز الفرص، واقتناص السوانح؛ غير أن أكثر هؤلاء - إن لم نقل ~~كلهم - انتهوا إلى فشل ساحق وخاتمة سيئة. # وقد يريد هؤلاء الخير في بداية أمرهم، ويتوخون الصالح العام، ولكن شهوة السلطان وظمأهم ~~إلى الطاعة عند الجماهير، ومخافة ضياع الأمر من أيديهم، تنتهي بهم حتما إلى الأثرة التي ~~دفعت بهم، فيأبون إلا الحرص على السلطان والاحتفاظ بالنفوذ مهما كلفهم ذلك من ثمن، ~~واقتضاهم من تكاليف جسام. # موسوليني - زعيم إيطاليا. # ولا تلبث الجماعة في النهاية أن تسائل نفسها: هل نحن حقا نستمد من هذا البطل القوة ~~الدافعة والخدمة الجليلة التي كنا ننتظرها، والمجد القومي الذي كنا نحلم به؟ وهل هو حقا ~~يخدم غرضنا ومصلحتنا، ولا يخدم أغراضه هو ومصالحه، ويشبع شهوته، ويرضي ذاته على حسابنا؟ ~~وأكثر ما يكون الجواب العملي على هذه النجوى المخافتة قيام الجماهير على هذا الطاغية ~~وإسقاطه من أوج مكانته بعد زوال الحلم الجميل الذي رفعه مكانا عليا. # ومهما تكن الدوافع التي تحفز الجماعات إلى المسير وراء هذا النوع من الزعامة الأثرة ~~الغاشمة، فإن الحركات التي تنشأ منها وتبدو في بعض الأحيان بظاهر من الخير وأغشية من ~~الإحسان، إنما هي هزات وقتية لا تلبث أن تزول فتستيقظ الجماعات من سكرتها على حقيقة مؤلمة، ~~وتعاود سيرتها الأولى، فلا تسلم زمامها إلا في حدود مشيئتها ومطلق رضاها؛ ليكون الزعيم الذي ~~ترتضيه هو رمز أمانيها والفرد الذي تتمثل فيه إرادة الجميع. # ومن ثم كان الزعيم الذي تنتخبه الجماعة بمحض إرادتها وتضع فيه كل ثقتها، أنزع إلى النجاح ~~وأدنى إلى التوفيق في مهمته التي ألقى إليها كل قلبه، وادخر لها كل جهوده، وأفنى في ~~سبيلها ms013 عصارة روحه؛ لأن أثره في كل إصلاح بارز، ونفوذه عند الجماعات المخلصة الواثقة به ~~شديد الأثر، قوي التوجيه، بالغ السلطان. # | العوامل والمؤثرات في نشأة الزعامة # يرد العلماء الذين بحثوا في سر الزعامة وتقصوا نشأتها والتمسوا بالمشاهدات والاستقراءات ~~والإحصاءات الاهتداء إلى العوامل والمؤثرات في إيجادها، وتكوين الصفات الواجبة لها، يرد ~~هؤلاء العلماء نشأة الزعامة إلى عوامل مختلفة، ومؤثرات متعددة منوعة، منها الطبيعية؛ وهذه ~~تتصل بالوراثة والبيئة والإقليم، والاستعدادات الفطرية، والغدد والإفرازات، ومنها ~~الاجتماعية كالظروف المهيئة والفرص السانحة، وأثر البداوة والحضارة والمحيط الاجتماعي ~~والبيئة الثقافية، والأفق المنزلي ونوع الأصحاب والرفقاء والخلطاء واللحظات الموقظة، ونقطة ~~الدوران الفجائية، ومنها الشخصية كالنزعات والأهواء والميول والاتجاهات الخاصة، وقوة النشاط ~~ونسبة الذكاء والأخلاق القويمة من التكوين من نحو حب الاستكمال والقدرة على التمام والرغبة ~~في الإجادة والإتقان، وكقوة الاحتمال، والصبر الرفيع، والتجلد المتناهي، والمثابرة والدأب ~~الملح على الاستمرار، والشجاعة وانتفاء التهيب والمخافة، وقبول تحمل التبعات والاضطلاع ~~بالمسئوليات والإخلاص، وصدق النية والأمانة والنزاهة ونقاء الذمة والعطف على الناس، والثبات ~~على الفكرة أو المبدأ والوفاء للعقيدة، والتصميم على الرأي وقوة العزيمة وعمق الإيمان، وضبط ~~النفس والاتزان والتزام السكينة، ومقاومة الانفعالات واللياقة والكياسة وحسن التصرف، ~~ومعالجة الأمور بالحكمة وفصل الخطاب. # على أن هذا التقسيم التقريبي للعوامل المؤثرة في نشأة الزعامة وخلقها كما ترى لا يزال ~~متداخلا مشتبكا متصلا بعضه ببعض، فما سميناه طبيعيا منها لا يخلو من صلة بما دعوناه ~~اجتماعيا من بينها، كما أن من العوامل الشخصية ما يرتبط بالمؤثرات الطبيعية، ويتولد عنها ~~ويجد منها التعهد والتنمية والغذاء والوراثة والاكتساب. # ولو أردنا أن نتحدث عن كل عامل من هذه العوامل المختلفة في فصل قائم بذاته، وبحث مستقل ~~بمفرده، لترامت حدود هذا الكتاب في مقدماته قبل أن يدخل في تخومه ويعالج الموضوع الرئيسي ~~الذي وضع بسبيله. # ولكن لا ضرر من أن نتناول هذه العوامل في شيء من الإيجاز يكفي لشرحها من حيث اتصالها ~~بالفكرة التي بعثتنا على إخراجه إلى الناس، في عجلة ومبادرة حتى يوافي مناسبته ويلحق وقته، ~~ولو قد ms014 استأنينا له ووجدنا الفسحة الواسعة الخليقة به، وتوفرنا عليه دون سواه، واستنفدنا ~~فيه الزمن الطوال، والدراسة المتقصية، والبحث المستفيض، والعلاج المدقق؛ لكان خيرا من ~~هذا وأحسن مردا، وأوفر مادة، وأروع بناء. ~~••• # كان أول من عالج بحث عامل الوراثة في خلق الزعامة وتنشئة الزعماء العالم المشهور فرانسيس ~~غالتون الذي راح يطبق علمه البيولوجي على الحياة الإنسانية، فذهب إلى أن العبقرية أو الحد ~~المتناهي في العقل والذكاء هو أثر فطري حيواني طبيعي، محتوم الأثر، معلن عن ذاته، مهما قامت ~~في وجهه العقبات والظروف غير المساعدة، وأما غياب الصفات الوراثية الرفيعة السامية فلا ينتج ~~تفوقا، ولا يعمل على إيلاد نبوغ وإحداث عبقرية، ولا يخرج نباتا صالحا زكيا. # ولكن الدراسات الحديثة بعد غالتون قد تقدمت شوطا آخر في فهم عامل الوراثة أكثر مما كان ~~مفهوما في بداية البحوث الخاصة به، وأصبح المقرر اليوم أن ناموس الوراثة ليس بالعامل ~~المخيف العنيف المستبد الذي يؤيس الذين لا يكسبون رضاه، ولم تشع على حياتهم من أثره ~~ابتسامته ووميض حظوته. # واليوم إذا أنت سألت كيف ينشأ النبوغ، وتحدث العظمة، ويصيب الفرد السمو والرفعة والقوة ~~الدافعة إلى الصعود والعلاء، أجابك العالم البيولوجي أن النوابغ والأفراد الصالحين السامين ~~المتوفقين هم نتاج اشتراك صفات الأبوين واقتران نطفهما وتلازم عناصرهما، بحيث إذا وجد نقص ~~في أحدهما، استكمل من الآخر نقصه، وبحيث يعمل المؤثران معا؛ أي أن ذلك وليد اتحاد البذرتين ~~وتكاملهما وتفاعلهما في إنشاء الأجنة والتأثير في الذراري والولدان. # وقد يتولد الرفيع أحيانا من الرفيع وأحيانا يأتي من الصغير والضئيل القيمة، كما يبدو ~~ذلك في خليقة شكسبير وظهور كيتس الشاعر ومولد لينكولن، فقد نبت هؤلاء في أسرات صغيرة، ~~ونشئوا كما نشأ عشرات من النوابغ والعظماء في عشيرات دنيا، وإن كانت هذه الظاهرات قد لا ~~تبدو شذوذا إذا نحن استطعنا أن نعرف تاريخ أرومة الفرد وتسلسله وأجداده من أجيال عدة ~~وسلالات كثيرة متعاقبة. # ومن النظريات التي تبدو صحيحة على وجهها ولكن ينبغي ألا تؤخذ بظواهرها فيما يتصل بالزعامة ~~وعامل الوراثة - قولهم إن المثل ms015 يولد المثل، والنظير يخلف النظير، فإن النوابغ ~~والعبقريين لا يتحتم دائما أن يولدوا وينتجوا نوابغ وعباقرة مثلهم، بل الواقع المشاهد ~~أنهم أندر ما يفعلون ذلك، وقليلا ما تنحدر منهم أشباههم في هذا الناحية، وقد ينتج الآباء ~~الصغار الشأن ذرية رفيعة نابغة متفوقة، وفي الحق أن كثيرا من عظماء الدنيا ونوابغ العالم ~~كانوا أبناء لآباء أقل منهم شأوا ودونهم مكانة ورفعة، وإذا كان من الخطأ في الحكم أن يقال ~~إن الأفراد الأفذاذ النوابغ لا بد من أن يكونوا نتاج آباء أفذاذ من قبلهم، فإن من الصواب ~~والحق أن يقال مع ذلك إن نسبة كبيرة من النوابغ والمتفوقين كانوا نتاج آباء ممتازين لا من ~~آباء من عرض الجماهير. # ومن النظريات الخاطئة أيضا القول إن ناموس الوراثة هو العامل الأكبر في شئون الناس ~~وبنائهم وخليقتهم، وإنما يصح اتخاذ الوراثة كأحد الاعتبارات في بحث أصل العظيم ومنشأه ~~ومنبته، ولكن لا يصح الغلو في تقدير أثره والاعتماد عليه في البحث والاستقراء كل ~~الاعتماد. # لقد أسرف غالتون في تطبيق نظريته في الوراثة، فلا ينبغي أن نترسم أثره ونغلو غلوه، ولما ~~كان من الأفراد من يولدون وينشئون من الأكواخ، ثم إذا هم يبرزون في الحياة بمقدرة خارقة ~~للمألوف، ومواهب فوق مستوى الناس، كما أن فيهم من ينشئون في القصور، ويتربون في حجور ~~النعماء؛ فمن الخير أن ننظر إلى منابت الزعامة والشخصية البارزة نظرة ديمقراطية، ونعتقد أن ~~النوابغ كثيرا ما ينبتون من العامة وأشخاص الشعب والطبقات الدنيا في الجماعات والأمم ~~والصفوف الخلفية في الحياة. ~~••• # وقد ارتقى الطب الحديث أخيرا من ناحية إدراك علم واسع بأثر الغدد المختلفة في الجسم، ~~وامتد البحث في تأثيرها إلى استقراء مفعولها في إنتاج الزعامة والنبوغ، وذهب العلماء ~~الباحثون إلى أن في الجسم نحو اثنتي عشرة غدة تسمى «الهرمون» أو الغدد المهيجة؛ لأنها ~~تهيج أو تنشط الأجهزة العضوية في البدن، فإذا أحدثت فيه نشاطا خارقا للمألوف، ساعد ~~ذلك على النبوغ والتفوق، وإذا قصرت في إحداثه، أثرت في قوى الفرد ومبلغ نشاطه، كما أن زيادة ms016 ~~نشاط الغدد يستتبع زيادة مقدرته على الأحداث وشدة تحمله للمجهود، وتدفع به إلى طريق ضبط ~~النفس وقوة الإرادة والاضطلاع بالأعمال الجسام. # وأشهر هذه الغدد هي الغدة الدرقية، وقد سميت بالدرقية؛ لأنها تشبه الدرقة أو ~~الترس، وإن لها لعاملا غير مباشر - وإن كان خطيرا - في تكوين الزعامة والنبوغ، ويتطلب ~~الجسم مقدارا معينا من إفرازات هذه الغدة ليظل في حالته الطبيعية، فإذا قل أو نقص اضطرب ~~الجسم تبعا لمبلغ القلة ومقدار النقص، وتحطم الزعيم أو النابغة وانهدم كيانه إذا لم يجد ~~لهذا النقص في إفراز هذه الغدة سدادا عاجلا؛ لأنه يجلب الاضطراب العصبي، ويحدث سرعة ~~التأثر والبادرة والهياج والانفعال، كما يفقد قوة الشخصية ويتحيفها ويهدمها هدما، ويعطل ~~ملكة الاتزان التي تعد من صفات الزعامة والنابغين. # ويقرر الطب الحديث أنه لولا الغدة الدرقية، وعملها في الجسم لما كان هناك عمق في التفكير ~~ولا ملكة تقدير الجمال، ولا ذكاء ولا فهم ولا إدراك، بل لا شيء مما تمتاز به النفس الحساسة ~~أو الذهن الذكي الأصمع السريع الشعور. # وهناك غدة صغيرة تتصل بالغدة الدرقية، ومن وظيفتها إمداد الدم والخلايا بالمقادير ~~الضرورية للجسم من الجير، فإذا قل الجير عن تلك المقادير حدث الاضطراب العصبي، وغلبت على ~~الشخص سرعة التهيج والانفعال، ولا خفاء في أن هذه الأعراض والحالات لا تتفق مع صفات الزعامة ~~ومطالبها الأساسية. # وفي الجسم كذلك غدد تسمى الغدد النخامية، وهي مستقرة في قاعدة المخ، وإلى عملها ينسب كثير ~~من المزايا والصفات كقوة الإصرار وشدة العزم، وهما صفتان تبرزان في النوابغ والزعماء، ~~ولإفراز هذه الغدد - وهو البلغم - تأثير مقو منشط لسائر أجزاء البدن كله وكافة أعضائه، ~~ولا شك في أن لجوار هذه الغدد للمخ صلة بالنشاط العقلي ووفرته أو نقصه تبعا لمقدار ~~إفرازها. # وإذا ما قل ذلك أفقد الفرد قوة ضبط النفس، وأحدث لديه نزوعا إلى الكذب والسرقة والإجرام؛ ~~لأن للإفرازات النخامية أو البلغمية عاملا كبيرا في فضيلة الثبات وقوة الشخصية وغيرها من ~~مزايا الزعامة وخواصها المتعددة. # وتعمل الغدد الأدرينالية القائمة فوق الكلية، بما تفرزه ms017 من الأدرينالين أو الكنظر، ~~عملا مباشرا في إحداث النشاط والزعامة والنبوغ؛ لأن مادة الأدرينالين في أوقات الخطر، ~~والحاجة إلى مزيد من المجهود، والحمل على النفس بالعمل الملح والدأب المتواصل، تزيد ~~في مقدار السكر الذي يسري في الدم فتنشط الكريات الحمر، وتزيد حركة التنفس وعمل القلب؛ ~~ولذلك يعطي الأدرينالين للمرضى كمنبه قوي في حالات الإغماء والغشية وضعف القلب وخفوت ~~حركته. # وقد يحول بين الفرد وبين بلوغ الزعامة ومكانة الرياسة ومواضع التفوق والسمو والعلاء نقص ~~في إفرازات البنكرياس - وهو غدة كبيرة في الجهاز الهضمي - وهذه الإفرازات هي الأنسولين، ~~فإذا قل الأنسولين في الجسم عن المقدار الواجب له زادت كمية السكر التي في الدم زيادة ~~عالية، وأحدث مرض البول السكري، وهو من الأمراض التي تعوق النشاط وتفقد المرء قوة الجلد ~~على الدأب والإكباب على العمل ومضاعفة الجهود. # وجملة القول في أمر الغدد وأثرها في تكوين الزعامة والنبوغ أن لهذه الغدد فعلا غير ~~مباشر، ولكنه كبير الخطر في تكوين الصفات التي ينبغي أن تتوافر في الزعماء والنوابغ أو ~~تعطيلها، فلا يستطيع الفرد الذي يقل فيه مفعولها أو يختل نظامها أن يجد الطريق إلى البروز ~~في الحياة والنجاح. # وينبغي أن تتوافر للشخصية القوية الفرصة إذا أرادت أن تبلغ مكان الزعامة، كما أن نوع ~~الزعامة ودرجتها يتبعان نوع الفرصة وطبيعتها، فإن الفرص التي تسنح للزعامة في بلد من البلاد ~~أو بيئة من البيئات، لا تتواتى ولا تصلح لمثلها في غيرها من الآفاق والأجواء، وقد كانت ~~الفرص المواتية لخلق الزعامات في عصور الجهل الماضية تختلف عنها في عهود العلم والنور ~~والتحرير والتهذيب. # وفي إيطاليا اليوم تنحصر الفرصة في إملاء الفاشية وتعاليمها، وفي الروسيا تقتصر على حظيرة ~~الشيوعية، كما تنزل في ألمانيا على حكم النازية، وإذا لم يكن مال ولا صحة ولا تحرر من قيود ~~الحياة العائلية وهموم العيش والحاجة وآلام الحرمان، فإن الفرصة لبلوغ مكان الزعامة وموضع ~~الرياسة تروح بعيدة للغاية أو تكاد تكون مستحيلة السنوح، وفي البيئات التي تسودها العصبية ~~الدينية، أو يغمرها الركود العقلي وتغشاها ms018 الجهالة، قلما تتواتى الفرصة لقيام الزعماء ~~الأحرار وبروز القادة المتمردين على أجيالهم. # إن طبيعة الفرص هي التي تحدد الاتجاه الذي تسير الزعامة فيه، وهنا يقول غالتون: إن في ~~العالم أفرادا يبلغون النجاح ويبرزون مواهب نادرة وصفات العبقرية في أي ظرف من الظروف مهما ~~كان نوعه أو شأنه أو ما يحيط به. # ولكن الذي لا مراء فيه أنه في البيئة التي يسودها الرق والاستعباد، يندر أن يتاح لأحد ~~الرقيق أن يظفر بمكان الزعيم، ومن قبائل أفريقيا وبين همجها يحول إيمان الزنوج والهمج ~~بالخرافة وغرائب المعتقدات دون ظهور الزعماء؛ لأن كل من ينادي بجديد أو يدعو قومه إلى شيء ~~مستحدث يتهم بالسحر ويحكم عليه بالإعدام. # وقد تتفاوت الأصقاع والبلاد والأقاليم في مبالغ إتاحتها الفرص لظهور النوابغ وبروز ~~الزعماء، وقد ذهب كثير من العلماء إلى أن الحواضر والمدائن أكثر بعثا ودفعا وتنمية لمحصول ~~النبوغ من سواد الريف وآفاق القرى، وأن المدن الصغيرة والبنادر المتوسطة الحال أكثر إخراجا ~~للنوابغ والزعماء من كبريات المدن ومزدحم القواعد والحواضر الكثيرة السكان. # وللتربة أيضا عامل بين الأثر في تكوين الزعامة، وإيجاد الفرص لظهورها، وقد أورد ~~العلماء في ذلك شيئا كثيرا بالنسبة لأنواع التربة ومختلف أحوالها وخواصها وأشكالها ~~وطبائعها، فقالوا مثلا: إن الأصقاع الجبلية والتربة الكثيرة الأنجاد والهضاب أو التربة ~~القاسية العنيفة، تختلف كثيرا عن البلاد الكثيرة السهول والتربة المنبسطة التي يندر فيها ~~الجبال والمرتفعات، والأقاليم التي يجد الفرد فيها مطالب القوت سهلة هينة مأتية بقليل من ~~العمل ومن غير كدح ولا إجهاد. # وليس من ريب في أن الريف يرد على الأجسام، ويملأ الأبدان قوة وبأسا، ويجعل الأعضاء ~~مفتولة شديدة المراس، ومن يعيش في أحضان الطبيعة - كما يقولون - يعيش قويا شديد المحال ~~ذا مرة مليئا بالحياة ... # ومما يعين على تكوين الزعامة أو بلوغ الفرد موضعها أن تتوافر له الفرصة الثقافية؛ أي أن ~~يكون من خلفه تركة غنية من نوع اتجاهه وقبيل صناعته أو استعداده، وفي كثير من الأسرات يبدو ~~التفوق عند عديد من أفرادها، وينبغ من أصلها أكثر من ms019 واحد، ويبرز عدة من أعضائها؛ فترى أحد ~~الإخوة نابغة في ناحية ما، وأخا آخر بارزا في صناعة معينة، وأختا بارعة في فن من الفنون، ~~بينما العم والخال والأقارب الآخرون قد نجحوا كذلك في مختلف الميادين. # وقد قال الأستاذ ويل ديورانت في كتابه تاريخ الفلسفة - وهو بسبيل الكلام عن أرسطو - إنه ~~نشأ ونما وسط رائحة الأدوية، فكان ذلك فرصة أعانت على أن يكون له ذهن علمي واتجاه بحث ~~وتفكير، كأنما كان معدا مجهزا من النشأة ليكون مؤسسا للعلم، إذ شب على قوة الملاحظة من ~~الحداثة. # وقد أسلفنا عليك أن الفرد الرفيع المواهب تنقصه الفرصة إذا هو ولد ونشأ في محيط راكد ~~وبيئة جامدة آسنة، وقد تكون الأحوال السياسية أو النظام الاقتصادي في البيئة كاتمة الأنفاس ~~موصدة الأبواب في وجوه سائر الأفكار الجديدة، فلا يصيب الذين يخالفونها ويتمردون عليها غير ~~النفي والتشريد والعذاب الشديد، وقد تقطع السبيل على كل فرصة أمامهم غير فرصة المماثلة ~~بينهم وبين أفقهم والنزول على حكم محيطهم. # إن الفرصة أو الظرف المهيأ المساعد تقتضي بيئة من الأكفاء والنظراء؛ حتى يحتك الفولاذ ~~بالفولاذ، ويشتبك الصلب بالصلب، وتصطدم الآراء وتتعارض الأفكار، ويقوم الجهاد بين متنازع ~~الحجج ومختلف المذاهب والنظريات، ويكون ثم تقدير للعقول ووزن عادل للمواهب والجهود ~~وثمرات الأذهان، وليس معنى الفرصة هنا إلا وجوب الإقرار والاعتراف بالحاجة التي تطلبها ~~البيئة، وبالأفراد الذين يستطيعون قضاءها، وفي مقدورهم حل مشاكل الجماعة وقضايا البيئة ~~ومطالب المجموع. # ويراد بالفرصة الاجتماعية كذلك سنوح الظروف للسفر والتجوال في الآفاق واكتساب الخبرة ~~والاحتكاك بالنوابغ والقادة والزعماء في مختلف الأقطار، والإقدام على الزج بالنفس في مواقف ~~ومواطن تبعث المواهب الكامنة، وتوقظ المشاعر الهاجعة، وتوقد خبوة الذكاء. # ويندمج في معاني الفرص مطالب المرانة والتدريب؛ لأن النبوغ مهما كان محله من الرفعة لا ~~يزال بحاجة إلى المرانة، والعبقرية وإن بلغت الذروة لا يزال ينقصها التدريب وتعوزها ~~الرياضة، وقلما رأينا المقدرة الذاتية مغنية عن التعاليم، بل إن النابغة الخلي من ~~المرانة لأشبه شيء بمعزف فيه كل الأصوات، وسائر الألحان وطبقات ms020 الموسيقى، وجملة ~~الأوتار، وإنما تنقصه اليد العازفة والأنامل الموقعة الخفاف، فضلا عن أن المرانة تستوجب ~~التناسب والملاءمة، فكثيرا ما يخطئ المدرب أو القائم بالتمرين فهم تلميذه؛ فيدربه على ما ~~لا يتفق مع استعداده، ويسلك في رياضته وتمرينه أسلوبا غير مناسب لمواهبه، أو يحاول أن يجعل ~~منه صورة أخرى من نفسه، وهو مخلوق لغير ذلك، مفطور لكي يبلغ غير مبالغه. # وقد يحرم الفرد الفرصة المؤاتية للرياسة والاستعلاء؛ لأنه جاء فوجد أناسا أقوى منه ~~وأقدر وأكثر فضلا في الميدان، وقد اعترف الناس بهم وازدحموا من حولهم، وقد شهدنا نوابغ ~~صالحين لم يستطيعوا الظهور؛ لأن ظل عظماء استبقوهم تعرض فحجبهم عن الأنظار. # ومن معاني الفرص أيضا مواجهة العظيم للصدمات والظروف القاسية والضربات العنيفة الأليمة ~~المدمية حتى يألف الخشونة ويعتاد الجهاد والمجالدة، ولا يستنيم للراحة والترف ويسكن إلى ~~الطراوة والعيش الناعم الظليل، كما تشمل الفرصة قيام الزعيم بمنجاة من الحاجة والكدح للرزق، ~~والتماس العيش والأقوات للذين يعولهم من الأقارب وأهل العشيرة، فكم من رجل كان ينتظر أن ~~يصبح في قمة الرياسة وذروة النبوغ قد حيل بينه وبين هذا باضطراره إلى العمل لكي يعول ~~الآخرين، والبحث عن رزق الضعفاء من ذوي نفسه وقرابته. # وقد يكون معنى الفرص أحيانا ظهور حادث يقتضي مواهب عاجلة للبروز بالنسبة له، من نحو أزمة ~~سياسية، أو نشوب حرب فجائية، ففي هذه الحالات تتمخض الطبيعة عن الرجل الخليق بالظرف، والبطل ~~المنتظر في اللحظة الواجبة. # وقد تخلق الفرص العارضة ومحض المصادفة، زعامة لا تلبث أن تستبي الجوانح، وتصيب أكبر ~~الإعجاب والتقدير، كأن يصاب أحد اللاعبين في الحلبة بإصابة أو أذى، فيقال لأحد الأفراد: خذ ~~مكانه في اللعب لسداد موضعه، فإذا هو لا يكاد ينزل إلى المستبق حتى تبعثه حرارة اللعب ~~وحماسته إلى بذل جهود لم تكن منتظرة منه، وإنه ليشاهد يجري أسرع مما كان معروفا عنه، ~~ويصيب الهدف ناجحا موفقا، ولم يكن ذلك في الحسبان. # لقد واتته الفرصة في غير انتظار، وكان له من مادته ومقدرته ما أعانه على الانتفاع بها، ~~والملاءمة ms021 بينه وبينها، وحسن القيام عليها، ومن شأن الفرص أن أكثرها وأغلبها يجيء على هذه ~~الصورة، ومن الناس خلق كثير يتركز كل جهدهم وينحصر كل اهتمامهم في حل مشكلة أو علاج مسألة ~~من المسائل؛ حتى ليقع منهم موقع الدهشة البالغة أن يكتشفوا اهتمام الجماهير بهم، وينتبهوا ~~إلى حفاوة الجماعات بأمرهم والازدحام عليهم من كل حدب ومكان، وأنت فلتتصور كيف كانت دهشة ~~الطيار لندبرج المشهور قاهر المحيط لذلك الاستقبال الرائع المجيد الذي قوبل به عند وصوله ~~إلى مطار ليبورجيه في باريس في مساء الحادي والعشرين من شهر مايو سنة 1927، فقد كان بلا شك ~~يتوقع شيئا من هذا، ولكنه لم يكن ينتظر هذا اللقاء العظيم، ولا تلك الضجة الداوية بداية ~~أنه قبل سفره عبر المحيط على متن طائرته، أخذ معه كتب توصية ورسائل تعريف به ...! # وكثيرا ما تكون الفرصة حاضرة وإن لم تبد كذلك، ولم ينتبه إليها على أنها كذلك ... ولكن ~~الفرد المتيقظ المتنبه الساهر هو الذي يعرفها من أول وهلة، فيتقدم إليها جريئا ويحسر عن ~~وجهها القناع بكل جسارة وإقدام. # ولتأثير القرناء من الحداثة والخلطاء من الصغر قيمة كبيرة في التمهيد للنبوغ، والتوطئة ~~للرياسة، والبناء للزعامة، فكم من نابغة أو عظيم كان لأهله والذين خالطهم من النشأة وتأثر ~~بهم فضل كبير في بلوغه الذروة من المجد، ووصوله إلى النجاح في الحياة. # ولقد رأينا آباء تركوا الحرية لبنيهم من النشأة وفق ملكاتهم، أو تعهدوا هذه الملكات من ~~الطفولة بالتشجيع والعناية والاحتثاث؛ فكان من أولادهم فيما بعد عظماء وزعماء وقادة ونوابغ ~~صالحون، كما شهد كثير من هؤلاء فيما تحدثوا به عن نشأتهم وذكريات حداثتهم بفضل آبائهم عليهم ~~في تكوين الصفات والسجايا والخلال والنزعات التي أعانتهم على بلوغ الفوز المبين. # ولا ننسى كذلك تأثير الأمهات في تكوين ولدانهن وتنشيط ملكات أبنائهن، فقد رأينا المخترع ~~إديسون يعترف بأن أمه كان لها الفضل في إيقاظ ملكاته وكوامن مواهبه، كما شهدنا كثيرا من ~~العظماء والنوابغ يقرون في ذكريات صباهم بما كان لأمهاتهم عليهم من فضل عظيم. # وقد كتب ms022 ويلسون رئيس الولايات المتحدة الذي ظفر بالشهرة العالمية في مؤتمر الصلح بشروطه ~~الأربعة عشر وتقرير المصير، فصولا رائعة في فضل والده «ودرو» عليه، وتعهده لملكاته من ~~النشأة، وقيامه على رياضة ذهنه واستعداده من الطفولة الباكرة، كما اعترف جورج واشنطن محرر ~~أمريكا العظيم بأن كل مجده وشهرته ومكانته من أمته كان من ثمرات غرس أمه في نفسه في الأعوام ~~الأولى من حياته. # ومن المحقق أن للزوجات والشريكات في الحياة أثرا في مجد عدد عديد من الزعماء وعظماء ~~الرجال، كما كانت زوج «لافايت»، فقد وصفها بقوله: «لقد كانت ملك خير.» وحتى لقد قاسمته ~~السجن وشاطرته المحبس في أيام بلواه وفترة محنته وشدائده. # وقد يكون لبعض الأقارب أحيانا كالأعمام والأخوال أو الأجداد في هذه الناحية أثر كبير، ~~كما يكون للمعلمين في المدرسة والأساتذة في المعهد، ولبعض المعارف أو أصدقاء العشيرة ~~والمترددين على البيت والجيران في الحي أو المنزل القريب. # وربما اجتمعت كل هذه المؤثرات في حياة الفرد من النشأة أو في الشباب، فأحدثت السلطان ~~البارز في تكوين زعامته، وأعانته باجتماع عواملها المختلفة على البروز فوق قمة ~~النجاح. ~~••• # وقد تظهر البواعث بالاكتساب، أو قد تنبثق فجأة في بعض النفوس انبثاق الشهاب، وتستولي على ~~المشاعر مفاجئة، وتدب إلى الأذهان طارئة وتستأثر بكلية الوجدان في لحظات مباغتة لم تكن في ~~الحسبان. # وقد ينبعث الدافع في ظروف معينة تعرض للأفراد، ونقط دوران في حياتهم وسير أعمارهم؛ فتعطف ~~بهم عما كانوا منطلقين صوبه، وتعدل بهم إلى طريق جديد لم يكونوا سالكيه أو مفكرين فيه، وقد ~~يقع هذا بسبب حادث خطير أو حادث يسير، أو لسبب من أهون الأسباب، فيكون ذلك بداية دور جديد ~~في حياة الفرد أو منعطف عند نقطة دوران. # وربما عرض يوما لفرد يعيش في نعماء ويتقلب في سراء ويحيا في حجر الآلهة - كما يقولون - ~~ما يحفزه إلى قلب حياته وتغيير مجرى عيشه، وقد برز هذا بجلاء في حياة الفيلسوف العظيم ~~«تولستوي»، إذ كان لا يزال بعد طالبا في الكلية، ففيما هو عائد ذات ليلة من ms023 مرقص في صميم ~~الشتاء، والزمهرير شديد يهرأ الأبدان، إذ رأى سائق مركبته وكان في انتظاره قد جمد في مكانه ~~من شدة القر؛ فتأثر بمشهده على تلك الصورة أشد التأثر، ومضى وهو في المركبة عائد إلى داره ~~يسائل النفس قائلا: لماذا ينعم هو الذي ما أحسن يوما في حياته، ولا عمل صالحا، ولا ~~أجدى على المجتمع، بكل المناعم والمزايا التي هو بها مستمتع، بينما هذا السائق وأمثاله من ~~أبناء الشعب الذين يؤدون أشق الأعمال، ويحملون المجتمع كله على أكتافهم، يعيشون جياعا ~~تطحنهم الفاقة ويهرؤهم الزمهرير؟! فلم تلبث هذه النجوى أن أولدت حافزا قويا في نفسه، ~~حمله على أن يتنازل عن فكرة الفروق بين الطبقات، وجعل منه فيلسوفا جديدا ونصيرا ~~للفلاحين، ومتحدثا باسم الجماهير، وذوادا عن حقوق الشعب في الوجود والحياة. # توماس إديسون - زعيم المخترعين. # وكان نبوغ المخترع العظيم توماس إديسون راجعا إلى تأثير حادث صغير عرض له في دور ~~الحداثة، وذلك أنه كان يشتغل ببيع الصحف في القطر ومركبات السكة الحديد، ففي ذات مرة وإنه ~~ليخترق القضبان إذ بصر بطفل يلهو عن كثب، وقد أوشك قطار قادم مسرعا أن يدهمه، فألقى ~~إديسون برزمة الصحف جانبا في مثل ومضة البرق، وعدا نحو الغلام فاحتمله قبيل أن يدهمه ~~القطار، ومضى به إلى أبيه، وكان هذا ناظر المحطة، فأراد أن يجزيه أجر ما أحسن إليه، فأذن له ~~بالجلوس في كل يوم بضع ساعات في مكتب التلغراف أو كشك الإشارات ليتعلم هذا الفن على عماله، ~~فكان ذلك الحادث هو الذي أولد في نفسه الدافع القوي الوثاب الذي جعل منه على الدهر أكبر ~~المخترعين في العصر الحديث. # ويمتد بنا نفس الحديث وتترامى حدود الكتاب، إذا نحن فصلنا الأمثلة على تولد ~~الدوافع فجأة ونقط الدوران في حياة النوابغ والعظماء، فحسبنا أن نجمعها جهد الحصر، ونعرضها ~~في غير تمثيل. # فقد يكون المرض باعثا، وقد تكون الهزيمة الأولى في مطامع الحياة العملية دافعة إلى ~~التغيير وتجديد القوى والعزمات، وقد تكون سرعة الملل من الدوافع التي تدفع بالفرد إلى ~~الاهتداء ms024 إلى الأمر الذي يرضيه، أو الطريق الذي يسهل عليه السير فيه، أو الاتجاه الدائم له، ~~أو الصناعة التي يحسن فيها أعجب الإحسان. # وفي أحلام الشباب، وتصورات الحداثة، وأماني الصبا، أقوى البواعث والدوافع إلى النبوغ ~~وإحداث العظائم، والإجداء على الإنسانية والإحسان إلى الجماعات ... # | الصفات والخواص المشاهدة في الزعامة والزعماء # وينبغي أن تتوافر في الزعامة وأهلها من عظماء الرجال وقادة الجماعات صفات معينة، وخواص ~~نفسية كثيرة، ولسنا نعني بوجوب توافرها أن كل زعيم يتحتم أن تجتمع لديه بجملتها، ولا أن كل ~~نوع من أنواع الزعامة في الناس يقتضي احتشاد هذه الصفات لديه جميعا؛ وإنما نحن فيما نورده ~~في هذا الباب من ذلك مستقرئون تراجم العظماء، مثبتون الصفات والمواهب التي ظهرت في خلق كثير ~~من الزعماء، مستدركون هذا الاستدراك لخطأ الذهاب إلى التعميم؛ لأن الواقع هو أن بعض ضروب ~~الزعامة قد يحتاج إلى هذه الصفات، والبعض الآخر قد لا يكون بحاجة إلى هذه الخواص مجتمعة ~~متوافرة. # لقد دلت دراسة سر الزعامة الناجحة على أن التفوق الشخصي ينبغي أن يكون من لوازمه وبواعثه ~~وأسبابه، توافر مقدار غير اعتيادي من النشاط البدني وقوة الأعصاب، فإن الذين ينهضون نهوضا ~~غير مألوف فوق سواد الناس وجمهرة الخلق يشاهدون عادة أملك للانبعاث، وأقوى جسوما، ~~وأحضر نشاطا، وأمتن أعصابا، وأعظم جلدا من الأفراد الاعتياديين؛ إذ ثبت أن المقدرة على ~~التأثير في الناس راجعة إلى المقدار الذي يملكه الزعيم من هذه الصفة؛ فإن النشاط يحفز ~~النشاط، والقوة تلهم القوة، وليست حماسة الجماهير إلا وليدة المقدرة الغزيرة في زعمائهم، ~~والنشاط الحي الزاخر عند قادتهم، وكل إنسان منا بلا ريب قد أدرك من سير حياته كيف أن تأثير ~~عمله ومقدرته على الدأب، واسترواحه إلى الكد والمتابعة، مرتبط بحالته العصبية، ومبلغ قوته ~~ومدخر نشاطه، وأن التراخي وسرعة الشعور بالتعب ووشيك الإعياء من أقل الجهد وترك العمل يسير ~~وئيدا على هونه - هي أعدى أعداء الزعامة، وصفات معطلة لها، وأعراض تنفي وجودها، وترسل ~~عليها أقتم الظلال والألوان. # وينبغي ألا ننسى أن من أهم مقتضيات الزعامة ms025 في تأدية دورها كمنشط للجماعة، وملهم القوة ~~للأنصار والأتباع، ومستثير للحماسة ومشعل للنفوس، أن تكسب نشاطها ألوانا من الحمية، وتلبسه ~~ثوبا من القوة والحيوية، ويحسن لهذا بالزعيم أن يعنى بمظهره الشخصي؛ ليكون مظهره ~~توكيدا لقوته وشدة بأسه ومراسه، والنشاط الزاخر في كيانه، ومما يساعد على إثارة الحماسة في ~~نفوس الناس أن يبدو زعيمهم مليئا بالقوة، مترعا بالنشاط، مفعما روحا وشبابا ~~وحياة. # ولا ينقص من شأن الزعيم وقدره أن يحيط قضيته التي يجاهد لها ببعض الضوضاء والحركة ~~والفتون؛ لكي تبدو ساحرة لافتة الأنظار مثيرة النشاط والحمية والوقدة في نفوس المقودين؛ لأن ~~الناس إنما يرجون ذلك منه ويتوقعونه ويتلقونه بفرح وانبعاث معه وقبول. # وليس معنى هذا بلا شك أن يستخدم صفاته الشخصية ومواهبه المغناطيسية الجذابة لخدمة نفسه، ~~واكتساب الإعجاب بشخصه، وإنما معناه أن يجعل نفسه رمزا لمثله الأعلى وقضيته. # ولا خفاء في أن الجماهير تحب أن تقاد، وأن قيادة الزعيم لهم لتبعث في أعماقهم إحساسا ما ~~كان لينبعث وحده، لولا هذا العامل الخارجي الكبير السلطان، وإنهم ليجدون في متابعة ~~زعامتهم التعبير المقنع الكافي لما كان يعمل في نفوسهم، ولا يجد أداة لذلك التعبير، فلا ~~يلبثون أن يصبحوا قوة محسة خارج أنفسهم فيشعروا بأنهم وحدة حسية انسجمت واتحدت مع قوة ~~أكبر منهم، ومن ثم تبرز وحدة المجموع كتلة متراصة يشد بعضها بعضا كالبنيان ~~المكين. # ولا يكفي أن تحب الجماهير أن تقاد، بل تجب قيادتها وجوبا؛ فإن أكبر الخطر على بعض ~~الزعماء أن رسالتهم تظل ذهنية فحسب، وتبقى حججا تعرض، وآراء تبسط، ونظريات تشرح، أي تعيش ~~في أفق الفكر دون سواه؛ إذ المشاهد أن أمثال هذه الرسالات تخمد وشيكا، وتبرد ويعاجلها ~~الفناء؛ لأن الناس إنما يتحركون بتحرك مشاعرهم، وتجيش حماستهم بمس النواحي العاطفية العميقة ~~الأغوار في طباعهم، وإن للقوة والنشاط لسريانا من الزعيم إلى نفوس الناس وقلوبهم، وسلطانا ~~عظيما على الأرواح، فإذا ما استطاع فرد أن يستخدم هذه القوى في إكساب قضيته هذه الفتنة ~~العاطفية، واجتذاب الجماهير إليها بهذا التأثير؛ فهو الزعيم الحكيم الذي ms026 يعرف فن القيادة ~~والسلطان. # وليس العمل وحده يكفي بالنسبة للزعامة، ولكن ينبغي إبرازه في مظهر السمو والتمام والإجادة ~~والإتقان، فقد أثر عن العالم لويس باستور أنه في شبابه كان في إمكانه أن يدخل الامتحان، ~~إذ كان الرابع عشر في الترتيب خلال السنة الدراسية، ولكنه لم يشأ أن يدخل الامتحان قائلا ~~إن عمله لم يكن من الإحسان والإجادة بدرجة كافية، فأرجأ ذلك إلى العام التالي، وقد وصل ~~ترتيبه في التقدم إلى الرابع بعد الرابع عشر؛ وذلك لأنه لم يشأ أن يقنع بمجرد المرور في ~~الامتحان. # إن قولنا نحن «هذا يكفي» رضوانا منا بتأدية عمل ما، لا يصلح شعارا للزعماء؛ إذ يجب أن ~~يكون مبدأهم مواصلة العمل والانكماش فيه، حتى يبلغوا به درجة الكمال ومرتبة التمام. # وهذا يستتبع وجوب العناية والتدقيق، وهما من خواص الزعامة والذين يتطلعون إلى قمتها ~~العالية، كما أن النشاط قد يظهر في المداومة والانتظام؛ فقد لبث الفيلسوف هربرت اسبنسر عدة ~~سنين لا يستطيع بسبب صحته أن يشتغل أكثر من ساعة واحدة في اليوم، ولكنه مع ذلك تمكن من ~~إخراج مقدار عجيب مدهش من المؤلفات في تلك الفترة من السنين. # والجلد على العمل وقوة احتمال الدأب والكد من صفات الزعامة وخواص الزعماء، وهي خلة تابعة ~~لقوة النشاط والحيوية الزاخرة فيهم، والبنية القوية المكينة لديهم، وقد قيل عن نابليون إنه ~~إنما نجح في حروبه وفاز في معاركه بفضل شبابه وصحته، ووفرة حيويته، ومقدرته على احتمال ~~المجهود البدني احتمالا يجاوز كل الحدود، حتى لقد كان يركب جواده فيظل فوق صهوته يوما ~~كاملا، وينام عندما يريد النوم في غير غلبة للنعاس عليه، وقد أوتي معدة تأكل أي شيء وتهضم ~~أي طعام. # ويروى عن مصطفى كمال - أتاتورك - أنه ظل يشتغل ثماني وأربعين ساعة بلا انقطاع في وضع ~~ملخص لمشروع نهضة تركيا الحديثة، حتى لقد جعل يستبدل سكرتيرا بآخر كلما أعياه الجهد وأضناه ~~الاستمرار، بينما ظل هو بنشاطه العجيب الذي بدأ العمل به، بل بتلك القوة الزاخرة الماثلة ~~الحاضرة التي تجلى بها في معركة ms027 سقارية المشهورة الخالدة في التاريخ. # مصطفى كمال - زعيم تركيا الحديثة. # وكذلك يقال عن الرحالة الرائد المشهور جون ويسلي إنه قطع على صهوة الخيل أكثر من ~~مائتين وخمسين ألف ميل أو مسافة تعادل عشرة أمثال خط الاستواء، وإنه جعل يخطب ويعظ خمس عشرة ~~مرة في الأسبوع باستمرار وانتظام زهاء خمسين سنة متوالية، وقد ظل خلالها يخوض المستنقعات، ~~ويعبر الأنهار ويقرأ ويطالع وهو على صهوة جواده، حتى إذا بلغ الثمانين، جعل يشكو من أنه ~~يستطيع أن يطالع ويقرأ أكثر من خمس عشرة ساعة في اليوم! # وقد وصف فيكتور هوجو بالنشاط والقوة البدنية المتناهية حتى لقد قال عنه أبوه إن شعر ~~رأسه ولحيته كان أكثف من أشعار الناس ولحاهم كثيرا، حتى لقد كانت الموسي والمقص ~~يتثلمان من خشونة شعره، وكانت له أسنان الذئب حدة، حتى ليكسر بها أجمد الجوز ~~قشرا، وقد قال عنه الأديب فلوبير إن له قوة من الطبيعة وعصارة الشجر في دمه، وكانت خاصيته ~~البادهة تناهي القوة والبأس كما كانت العافية تغمر بدنه وتفيض منه، وقد بقيت بشرته إلى ~~شيخوخته متوردة بلون الشباب اصطباغا واحمرارا ...! # وإن التغلب على العقبات وتخطي الصعاب والحوائل، واجتياز الحواجز والموانع، لهي جميعا من ~~أسرار الزعامة وصفاتها البارزة، وإن أكثر انتصاراتها لهي نتيجة العزم المستحصد، والإصرار ~~المستأسد، والنية النافذة، ومن يرد النجاح قويا دءوبا مثابرا مصرا مصمما، يأته ~~النجاح في النهاية مهما لاقى على طريقة، وقد قال الزعيم بوكر واشنطن محرر الزنوج في أمريكا: ~~لقد بدأت كل شيء بهذه الفكرة، وهي أنني أستطيع أن أبلغ النجاح، وكان مقياس السمو عنده ~~والرفعة وإتيان العظائم والجسام خليقا بالتدبر، حريا بالإعجاب به والتقدير، إذ كان يذهب ~~إلى أن النجاح لا يقاس بالمركز الذي وصل المرء إليه، بل بالعقبات والصعاب التي تغلب عليها ~~واجتازها في سبيله إلى ذلك المركز. # فيكتور هوجو - في منفاه. # وفي الحق إن التشبث بالغرض صفة عالية تقترن بالعظائم، وتلازم العزمات القوية المثابرة، ~~ولا تطيق الفتور والوني والتثبيط، ولا تعرف اليأس والقنوط والتسليم، وكلما اشتدت المعركة ~~وحمي الوطيس ms028 ، اتقدت العزمة والتهبت المشاعر واستعر الوجدان وازداد الكر والفر ~~والإقدام. # وكثيرا ما يجد النشاط العظيم مضطربه في الشجاعة الدافعة الجليلة التي تستفيض إلى ~~الزعامة وتبلغ مواضعها، وتلك هي الشجاعة التي لا تخشى شيئا ولا تنزوي متراجعة من أمر مهما ~~تعاظمها، بل إنها لتسير حتى إلى التضحية والاستشهاد في سبيل فكرة رفيعة أو مبدأ عظيم أو ~~قضية عامة خطيرة الشأن بقدم ثابتة، وأحسب هذا النوع الروحي من الشجاعة مقدسا؛ لأنه يكتسب ~~شيئا من قداسة الدين، ويصبح إيمانا لا يتزعزع ويقينا لا يهن، ولو راجعت قوائم الضحايا ~~والشهداء لأدركت أن الدافع الذي احتثهم على التضحية بأرواحهم من الجلال بحيث يلوح أشبه شيء ~~بالدوافع الدينية، وكم من امرئ واجه خصومه بشجاعة فجردهم من أسلحتهم وقلم من أظفارهم، ~~وأطفأ من حدة خصومتهم، وشدة لددهم، بفضل شجاعته وقوة إقدامه. # ولطالما كانت الشجاعة في مواجهة الأعداء والخصوم هي الصفة البارزة في أخلاق كثير من ~~الزعماء الناجحين، وهذه الشجاعة التي تلازمها المثابرة ويصاحبها الدأب والثبات، تجد غذاءها ~~بلا ريب من معين النشاط ووفرة القوى البدنية، إذ ليس شيء هو أشد تأثيرا فيها، وأذهب ~~لمدخرها من التعب والكلال والجهد وتراخي البدن، وإن إشراق الطلعة ونشاط المظهر ومداومة ~~المجهود، إنما تستمد من قوى لا تعود إلى الأذهان بقدر ما تعود إلى الجسوم والأبدان، وساعة ~~يبتدئ الزعيم يسائل نفسه: هل هذا الذي أحاوله خليق بأن يحاول؟ يكون الرجحان في أمره أنه ~~بلا شك قد أصبح بحاجة إلى الراحة والاعتزال! ~~••• # وليس في الدوافع المختلفة التي تحرك الناس في إثر الزعيم دافع هو أعظم أثرا من أن يجدوه ~~أمامهم في المواقف الرهيبة، والأحداث الكبار، متقدما مستبقا حمالا للأعباء الثقال ~~متزن الخطى أمام صفوفهم وهم من خلفه تابعون، إذ يوم يشهدون ذلك منه لا يبقى فيهم فرد ~~متخاذل ولا امرؤ متراجع الخطوات، بل كلهم يومئذ متقدم منبعث إلى حمل مسئوليته والاضطلاع ~~بواجبه ومهمته. # ألا إن الرجل الذي يخشى حمل المسئولية عن نفسه وعن الآخرين لا يمكن أن يكون زعيما، ولا ~~أن يروح يوما ms029 على الطريق المؤدية إلى الزعامة، فلا معدى عن المخاطرة وتحمل الأخطار، ~~وإطاقة الأعباء الكبار؛ لكي يكون المرء زعيما ويتصدى لقيادة الناس، وإن كان من الحكمة ألا ~~يجازف المرء ولا يخاطر إلا وهو عالم بمبلغ ذلك وشأنه وحقيقته وحد خطره. # إن تحمل المسئولية الشخصية حتى إلى حد المخاطرة بالحياة هو ميسم الزعامة وعنوان العظمة ~~وصفة القادة الشجعان المغاوير المكافحين، ويوم قال الناس للعلامة باستور وهو يشتغل ~~بالبكتريا - أو الجراثيم المعدية الفاتكة: إن هذا العمل الذي تتولاه خطر شديد العدوى، لم ~~يكن جوابه غير أن قال: «وماذا يهم هذا أو يعني؟! إن الحياة وسط الأخطار هي والله الحياة، بل ~~هي الحياة الحقيقية، حياة التضحية، حياة المثل والقدوة والأسوة، الحياة المثمرة المنتجة ~~النافعة ...!» # وتعدد الجوانب من مزايا الزعامة وصفاتها الأولى، وذلك أن تظهر قوة الزعيم في أنحاء ~~متعددة، وتتجلى في مظاهر كثيرة، وتسير في اتجاهات مختلفة، وقد يلوح هذا التعدد في وقت واحد، ~~فيكون الرجل العظيم مديرا وحاذقا للإدارة، وماليا عريفا لفنون المال واستثماره، أو يكون ~~رئيسا وكاتبا وخطيبا، أو محاميا مدرها ساحر البيان. # لقد اشتهر روسو بمقدرته في الفن والأدب والفلسفة والاجتماع؛ كما تفوق ميشيل أنجيلو في ~~الرسم والموسيقى والنحت والهندسة؛ وكان تيودور روزفلت في آن واحد عالما طبيعيا، ~~وسياسيا قائدا، وكاتبا فحلا، ومحاضرا واسع العلم، وقد قيل عن العلامة «بوز» الهندي ~~إنه - بجانب علمه الواسع بالمعارف الطبيعية - المهندس والكهربائي والمثال والخبير ~~بالعاديات والفنون. # ولا خفاء في أن هذا التعدد لجوانب المقدرة في الزعامة يصونها من الصدأ، ويحميها من ~~التثلم، وذهاب الحدة والإرهاف؛ كما أن هناك نزوعا من ناحية هذا التعدد إلى المخالطة بين ~~العمل واللهو بنسب متساوية أو بنسب واجبة، فلا تقطع الأيام في عمل دائم متواصل لا استجمام ~~منه، ولا متعة خلاله، ولا رياضة نفس ورفاهة بدن. # وقد رأينا زعماء كثيرين اشتهروا بجانب فضلهم وجلال زعامتهم بالبراعة في بعض الملاعب، ~~والحذق لجملة من الرياضات المنوعة؛ فمنهم السباح الماهر، والعداء الحاذق، والموسيقي ~~البارع، والملاكم الفواز على الملاكمين. # جان جاك روسو. # وهناك ms030 وجه آخر من هذا التعدد الطبيعي؛ وهو قابلية الزعيم للجلوس في أية جماعة، والاختلاط ~~بأية ندوة، والاحتفاء بمقدم أي قبيل من الناس حتى لقد قيل عن أحد الزعماء إنه كان السهل ~~اللين العريكة، الرقيق الحاشية، العذب المحضر، المؤنس المقبل على الرفقة والجماعة بنفسه ~~الصافية الشفافة الأديم. # وكذلك يروح تعدد جوانب القوة والنشاط شهادة بارزة على صلتها الوثيقة بالزعامة، إذ ليس من ~~ريب في أن النشاط هو الدينامو أو المحرك أو الأداة الثابتة في جهاز الشخصية القوية، أو هو ~~الدافع الباعث الذي تستمد منه الصفات الأخرى في الزعامة قواها وحياتها ومظاهرها ~~المتعددة. # النشاط الحيوي هو البداية بالنسبة للزعامة، ولكنه ليس مع ذلك النهاية في مجموع صفاتها ~~ولوازمها الكثيرة ومقتضياتها المنوعة؛ لأنه لا يكفي لضمانها، فقد يسير النشاط في ناحية من ~~الخطأ، وقد يضل الطريق السوي، وإنما يجب أن نعترف بقوة الذهن أو الذكاء والعلم وأصالة ~~الرأي والحكمة والسداد. # وأبرز العناصر التي تتركب منها قوة الذهن وتتصل بتكوين الزعامة هي قوة الملاحظة، وبعد ~~النظر، وصحة التقدير، وملكة التصور والتفكير، وقوة العارضة والمنطق، وما يتفرع عن هذه من ~~المزايا والصفات المتقاربة والملكات المجاورة المتماثلة. # وإذا أردت منا أن نعرف لك الملاحظة، قلنا إنها إدراك الاتجاهات العامة، والتبصر في ~~الدقائق، ورؤية التفاصيل، وكشف الجزئيات، وهي ترى النتائج الكبرى التي تترتب على عمل ما، ~~وتكشف دقائق اللحظة وكل ما يحيط بها؛ وهي تبتدئ باستخدام الحواس في فهم الأشياء، ثم تمتد ~~بعد ذلك إلى إدراك الصلات والعلاقات والروابط بين بعضها وبعض؛ بل هي التحري والتساؤل ~~والتقصي والاستقراء جميعا؛ لتكوين المبادئ ووضع الخطط ورسم السياسات المختلفة. # وقد قال العلامة شارلز داروين على الرغم من حيائه وتواضعه إنه لم يفترق عن مجموع الناس ~~وسوادهم في شيء أكثر من أنه ألف أن يلاحظ الأشياء التي تفوتهم وتعزب عن بالهم ولا تتصل ~~بحسهم، وأن يعنى باستقرائها عناية التدقيق وطول البال. # الملاحظة تمهد وتوطن للعمل الصالح، وتعبد الطريق للفعل الصحيح والمسلك الصائب الحكيم؛ ~~وهي تكفل للمرء علم ما يحتاج إلى علمه ms031 لملاقاة الطوارئ، وملاقاة الحوادث ومواجهة المفاجآت ~~والخطوب، كما أن التساؤل يوسع مدى العمل، ويستكمل الملاحظات ويكسب المعرفة الضرورية لقيام ~~الزعامة وبروزها، فقد كان الزعيم لنكولن يألف الإكثار من الأسئلة والمبالغة في التقصي، ~~واستجواب الذين يتقدمون إليه بالأنباء والأخبار والمعلومات، وقد تمكنت منه هذه الملكة من ~~النشأة والطفولة، فكانت كلمات مثل «استقلال» و«مستقل» تشغل خاطره الصغير وتشوقه إلى فهم ~~معانيها، فكان لا ينفك يسأل عن معناها، فلما أجيب إليه لبث مستيقظا ساهرا الليل كله ~~يستوضح لنفسه المراد من كلمة الاستقلال والمقصود، حتى بلغ شأو الرجولة فأضحى رجلا أكبر ~~ملكاته ومواهبه سرعة ربط الألفاظ من معانيها واختيار أبسط الكلمات للتعبير حتى يتيسر لأكثر ~~الناس فهم الأفكار والأحاسيس التي كان يريدهم على فهمها، وكان يقول عن نفسه: إنني لا أرتاح ~~لحظة ولا أسكن ولا أهدأ من ناحية فكرة تعرض لي، وأريد بثها ونشرها، حتى أسايرها شمالا ~~وأتابعها جنوبا وأحدها شرقا وأبلغ تخومها مغربا. # وكذلك وصل لنكولن إلى المعرفة الصحيحة الدقيقة لاستخدام الكلمات والألفاظ في أدق مواضعها ~~وأسهل مبانيها وأسلس نظامها، وذلك ببحثها أولا وفحصها واستجوابها وتحري جميع وجوهها وتقصي ~~سائر نواحيها؛ فعرف بذلك كيف يفكر تفكيرا واضحا رائقا، ويفوق كثيرا من الزعماء في ~~التعبير عن أغراضه ومعانيه بأحسن منهم أسلوبا، وأصفى منهم كلما، وأسلس منهم تعبيرا، ~~فمثلا لقد راح يستجوب نفسه، ويسائل خاطره من ناحية فلسفية، وعلى صورة عجيبة منطقية، عن ~~معنى «الأمانة»؛ فذهب إلى أن الأمانة هي فضيلة سلبية، إذ إن معناها هو «ألا تسرق»، ولكن ~~العدل بخلاف ذلك فضيلة إيجابية، وهي لهذا مولدة للقوى محركة حافزة دافعة. # إبراهام لنكولن. # إن أكثر الناس سطحيون، فمن الصفات النادرة التي تخلق بالزعامة قوة الملاحظة؛ فهي ~~المزية الكفيلة بأن تفتح أمام الزعيم آفاقا جديدة من الفكر قلما يستطيع الناس أن يرقوا ~~إليها إذا لم يتوفر لهم الهادي الأمين. # وأما بعد النظر فذلك هو المقدرة على رؤية أمر من الأمور من جميع جوانبه في غير ميل أو ~~تجانف إلى جانب واحد منها، وإنه ليقي الرجل منا ms032 السقوط في الفخاخ التي كثيرا ما يقع الناس ~~فيها بقصر نظرهم وضيق أذهانهم، كما أنه يعين المرء على التسامح ولا يجعله يضيق بشيء، ~~ويفسح له مدى التفكير ومضطربه. # ومن مزايا بعد النظر أنه يسبق الحوادث، ويستشف الحجب، ويعين على توقع الأمور القادمة، ~~ويوم قام الرحالة الكشاف المشهور أمندسن يريد القطب الجنوبي أخذ معه سبعة وتسعين كلبا من ~~كلاب الأسكيمو الخفاف الأقوياء، ولم يكد يسير جنوبا حتى راح يقيم فوق تخوم الجليد مستودعات ~~للميرة والمئونة معلما لمواضعها بالأعلام والرايات والبنود ومختلف الإشارات، حتى إذا ~~عاد من كشف المتجمد وجدها في أماكنها لم تصب بسوء، وكذلك أكسبه بعد النظر والفراسة ~~والتوقع صفة الاستعداد للحوادث وأعانته جميعا على النجاح. # الرحالة أمندسن - كاشف القطب. # ويقتضي النظر البعيد وسبق الأحداث خيالا قويا وحكما متزنا، فإن مزاج هاتين الملكتين ~~من شأنه أن يوفر الاستعداد، ويكفل التأهب وييسر الاحتياط للمجهول، والتعرف من المنتظر وغير ~~المنتظر على السواء. # ويشمل الذكاء وقوة الذهن ملكة التقدير الصحيح للأشياء، سواء منها القيمة والتافهة، فإن ~~هذه الملكة هي خير معوان على صواب الحكم وسداد البت في الأمور، والوصول إلى نتائج حاسمة ~~وقرارات فاصلة، ويقتضي التقدير من الناحية النفسية وزن الشواهد والأناة في البحث وطول ~~التفكير، كما يوجب التدقيق في التفاصيل والجزئيات، بل الاهتمام بالتوافه والشئون الصغيرة، ~~فكثيرا ما رأينا العظماء يرون في التافه ما يؤدي إلى الخطير، ويشهدون في الأمر الصغير ما ~~يحدث كبير الأثر، وقد كان أندرو كارنيجي يقول: «احذروا من التوافه وصغار الأمور.» ومرد ~~ذلك إلى أن الاستخفاف بها قد ينقلب خطرا، ويستحيل شرا عظيما، وقد يكون في الكلمة أو ~~النظرة أو الحادث البسيط ما يؤثر في مصير فرد أو مصير أمة بأسرها، وإن صغار الأشياء هي التي ~~تخلق الإنسان أو تحطمه، وتبنيه أو تهدمه، بل إن التوافه هي التي تشترك مع العظائم في تقرير ~~المصير، وبناء الإرادة، وطريقة المسير إلى الغد المجهول ...! # | الشخصية البارزة وصفاتها ومختلف مظاهرها # الشخصية هي مجموعة أخلاق الإنسان في نظام مستكمل، وكل مجتمع، ووحدة مؤتلفة. ms033 وقد يكون ~~المرء - من حيث المعاني النفسية «البسيكولوجية» للشخصية - قويا أو ضعيفا؛ أما الفرد ذو ~~الشخصية الضعيفة فهو الذي لا يعرف ذهنه، ويجهل اتجاه نفسه، وتكون الأخلاق الشخصية فيه مفككة ~~منحلة واهية الروابط والصلات، مضطربة في غير تواصل ولا نظام، ومثل هذا لا تتاح له يوما فرص ~~الزعامة؛ أما الفرد صاحب الشخصية القوية فهو الذي يحس دافعا عظيما، وحافزا قويا في ~~أعماقه، بل هو الذي يعرف ماذا يريد، ويدرك ماذا هو طالب، ويتبين كيف هو محققه، وهو الذي لا ~~يتردد ولا يتوانى ولا يتراجع إذا أراد شيئا وابتغى أمرا؛ لأن كل صفاته الشخصية مجتمعة ~~معا منظمة، حسنة السياق مؤتلفة الترتيب. # ومن ناحية المعاني النفسية على هذا القياس قد يكون المجرم صاحب شخصية قوية، فترفعه شخصيته ~~إلى مرتبة «زعيم عصابة»؛ وذلك لأن دافعه الرهيب لا يلبث أن يجمع إليه أتباعا، ويجتذب نحوه ~~أنصارا ومشايعين، ولكنه إنما يقودهم إلى الجريمة، ويسير بهم إلى السوء، ولئن كان على طريق ~~الخطيئة أو شريرا بتفكيره وانبعاثه، فهو مع ذلك يقتضيهم الاحترام له ومهابته والإعجاب به، ~~بل قد يرتفع إعجابهم بالزعيم لقوة شخصيته إلى حد العبادة والإيمان العظيم. # ومن الناحية الاجتماعية تعد الشخصية هي مجموعة الأخلاق الفردية من جهة القيمة ~~الاجتماعية، فقد يكون الفرد صاحب شخصية نبيلة خيرة، أو أخا شخصية شريرة سيئة، فمن أوتي ~~الشخصية الشريرة هاجم القيم الاجتماعية، ومن أوتي شخصية طيبة بنى قيما اجتماعية جديدة، ~~وأتى فيها بحديث وطريف. # ومن ثم تنشئ الشخصية القوية فرصا للزعامة، وتمهد لها أحسن تمهيد، وتقوم بمثابة لازمة ~~من لوازمها المتعددة؛ لأن هذه الشخصية هي التي تضع الحجر الأساسي في بناء الزعامة ~~الاجتماعية المنشئة المصلحة، فإذا ما اجتمعت الطبيعة والقوة الشخصية لزعيم كانت زعامته ~~باجتماعها موفورة مستكملة تامة البنيان. # ولا ريب في أن جوهر الشخصية كأحد عوامل الزعامة وأفاعيل تكوينها هو الإخلاص؛ إذ هو ~~الأمانة والصدق، وأنت إذ تصف رجلا بأنه امرؤ يحفظ كلمته؛ إنما تمدحه بأنه المطمأن إليه، ~~الموثوق به. ومن أجمل الصفات أن يقال عن امرئ ms034 إنه الوفي الواضح كالنهار. # الصدق أو الإخلاص أو الأمانة هي أن المرء لا يمكن أن يظهر بغير ما يبطن، أو يبدو على غير ~~حقيقته، أو يتراءى بأنه يعرف أكثر مما هو في الواقع عارف، بل هي أن المرء يلقي بنفسه وبكل ~~قلبه وشعوره وحقيقته في عمله ومسلكه ومظهره، وفي ذلك يقول هنريك إبسن: كن كما أنت بكل نفسك ~~ولا تكن باديا من ناحية واحدة، أو من أجزاء متفرقة. # على أن الفرد الذي يصبح زعيما اجتماعيا لا يلبث أن يجد نفسه أمام مسألة تطلب الحل، وهي ~~إلى أي مدى يصح له أن يركن إلى أنصاره، ويطمئن إلى أشياعه والتابعين له، وهل يجوز له أن ~~يصارحهم بكل نقائصهم وعيوبهم وهناتهم فيغضبهم وينفرهم ويفضهم من حوله، بل يخلق منهم ~~بالصراحة خصوما له وحاقدين؟ أم ينبغي له أن يكون «دبلوماسيا» على حد التعبير الجديد، وأن ~~يكون الفرد دبلوماسيا معناه أن يعمل بروح المتهرب من الحقائق، المتحاشي لمواجهتها، ~~المتطامن للأكاذيب في بعض الأحايين. # إن الركون إلى الأنصار يوجب الصراحة، وينطوي على خطر التنفير والإغضاب، ولكن الزعامة ~~القوية هي التي لا تخشى هذا الخطر، وتعرف كيف ترتفع فوق الدبلوماسية وتسمو على صفات ~~السياسة؛ لأن من يصانع مرة لا يلبث أن يجد نفسه مصانعا في أمور كثيرة، وذلك من شأنه أن ~~يذهب بالهيبة، ويجرد الزعامة من قداستها بين الناس. # لقد كان إخلاص إبراهام لنكولن وصدقه وصراحته العوامل التي حببته إلى الملايين، فكانت ~~كلماته خلية من المظاهر إذا هو تكلم، نقية من شوائب المواربة أو المداجاة إذا هو تحدث إلى ~~الناس، وكان مسلكه حيال الجماهير يوحي الأمانة، ويحملهم على التصديق والاقتناع والإيمان، ~~حتى لقد سمي «آب ... الأمين»، وقد وصفه أحد الذين سمعوه وهو يخطب الجماعات فقال: لقد كانت ~~قطرات العرق تسيل من جبينه إذا هو اهتز وتمايل مع نغمات خطابه وتيارات فكره، ولم يكن يخطب ~~بلسانه وحده، ولكن بكل قطرة من دمه المتدفق في كيانه، حتى لقد كان كل سامع في الحشد المجتمع ~~يحس أنه معتقد صحة كل ms035 كلمة تخرج من بين شفتيه، وأنه كمارتن لوثر ليفضل أن يذهب إلى المشنقة ~~على أن يمحو حرفا واحدا منها ...! # إن نقاء الذمة يثير الاحترام ويكسب الإعجاب ويوجد الأنصار والمشايعين، ولقد مشى لنكولن ~~على قدميه ستة أميال بعد جهد النهار ومتاعبه ليرد بضعة دراهم إلى سيدة اشترت شيئا من ~~المتجر الذي كان يعمل فيه، فتقاضاها خطأ أكثر مما يجب أن تدفعه. وقد اشتهر لنكولن وهو محام ~~بأنه لا يقبل المرافعة في غير القضايا الصالحة، حتى قيل عنه في القضايا الحسنة: يعد لنكولن ~~أحسن محام في أمريكا كلها، وفي القضايا السيئة يعد «دوجلاس» أكبر المحامين فيها على ~~الإطلاق، ولا عجب في أن رجلا مخلصا نقي الذمة كإبراهام لنكولن ليس في وسعه أن يضع كل قلبه ~~في الدفاع عن الشر والباطل، بل لو فعل لكشف عن حقيقة القضية من عجزه عن الإقناع، وقد سئل ~~يوما أن يدافع عن متهم كان مقتنعا بإدانته، فقال: إن الرجل مدان وأنتم تستطيعون الدفاع ~~عنه، ولكن أنا لا أستطيع؛ إذ لو حاولت أن أتكلم فإن المحلفين المستمعين لي سوف يرون أنني ~~أعتقد إدانته فيدينونه. ولا غرو، فإن النزاهة الصحيحة أو الذمة النقية لا تعرف الخداع ولا ~~تجيد المداجاة، وإن الزعامة الصالحة الناجحة الموفقة لا يمكن أن تبنى على التستر والغش ~~والدهان. # إن أرفع مستوى الإخلاص والأمانة والصدق إنما يكسب الاحترام؛ لأنه لا يرتضي تسامحا ولا ~~تساهلا ولا مصانعة إذا ما كان في شيء من ذلك أقل مساس بالمبادئ، ولأن الأمانة لا يمكن أن ~~تبيع نفسها، وهي كذلك لا تضحي بالحاضر من أجل مغنم قابل أو لكسب محتمل، فقد كتب إلى لنكولن ~~في سنة 1860 صديق له يقول: إن أصوات طائفة من النواب يمكن ضمانها إذا نحن وعدنا زعيمهم أو ~~رئيسهم تقلد منصب وزير المالية، فلم يكن من لنكولن إلا أن بعث إليه بكتاب يقول فيه: أنا ~~لا أرتضي مساومات ولا أتقيد بها، فلا تعط وعودا كهذه ولا تصارح بأدنى ارتباطات ... # إن الشخصية القوية الكفيلة باكتساب الحب والاحترام والتفاف ms036 الناس حولها ليست جافة ولا ~~صلبة ولا خشنة العاطفة، بل هي الشخصية الحنون العطوف الجاذبة، هي الشخصية التي تعرف هموم ~~الناس ومتاعبهم وخيباتهم وهزائمهم، وهي الشخصية التي تشاركهم في أفراحهم وأحزانهم، وتشاطرهم ~~سراءهم وضراءهم، بل هي التي تمد يدها فتأخذ بأيديهم، وتتقدم إليهم فترفعهم فوق نفوسهم، ~~وتعينهم على السخرية من المكاره والخطوب. # على أن هذه العاطفة في نفس الزعيم ليست مشابهة لمثلها في نفوس السواد من الناس، ولكنها ~~عاطفة متزنة رزينة لا تسرف على نفسها، فتتشابه والحساسية اللينة المتمادية المتجاوزة ~~الحدود؛ لأن العطف المنظم الذي يتوخى صلاح الذين يبدى لهم في المحن ويظهر لهم في الكوارث ~~وعند مس الحاجة، هو العطف المشاهد في الزعامة، المشهود له المعترف به عند أنصارها ~~والمشايعين. # ويجب إذن أن يكون اشتراك الزعيم مع الناس في شعورهم منظما مشدود الأعنة، مكبوح الجماح، ~~وإلا فسد ولم يحدث الأثر المطلوب، كما أن العطف لا يكون تمثيلا ولا رئاء الناس، إلا إذا ~~كان من جانب زعامة غير صحيحة ولا صادقة المنبعث ولا قوية التكوين. # ومن صفات الزعامة الرشيدة الصالحة، الجنوح إلى الاختلاط بأنصارها وتفقد أحوالهم والتماس ~~معرفة شئونهم وحاجاتهم، والرفق بالصغار قبل العناية بالكبار منهم؛ لأن ذلك يكسب قلوبهم، ~~ويؤثر في نفوسهم أبلغ الأثر، فإن الناس يودون أن يفعلوا أو يكونوا، كما يعتقدون أن الزعيم ~~الذي يعنى بهم ويشترك في العاطفة معهم يريدهم أن يفعلوا ويكونوا، فإن هذا يهيئ لهم ~~إحساسا يعيشون به، وينمي في نفوسهم العاطفة التي تقبل عليه، ويعين أمامهم ما يراد منهم، ~~ويبصرهم بما هو منهم مرتقب وفيهم منشود، وإنهم ليشعرون بالاغتباط والفرح إذا هم انطلقوا ~~يحققون آمال الزعيم فيهم، ورغباته إليهم، بل يومئذ يشعر الناس بأن هناك حاجة إليهم، وأنهم ~~مطلوبون، ولهم قيمة وفيهم رجاء وأمل وخير مرقوب. # ومن أخص مميزات الزعامة ولاؤها لمبادئها ووقوفها بجانب عقائدها متأبية الانحراف عنها ولو ~~قليلا، مهما كلفها ذلك من جسامة التضحية أو تقاضاها من بالغ المقاومة والمجالدة ~~والجهاد. # ويروى عن صمويل جومبرز أنه وقف في وجه الرئيس تافت ms037 رئيس الولايات المتحدة الأمريكية وقفة ~~رجل مخلص لمبادئه محارب لها، لا يرتضي أن يزحزح عنها قيد أنملة، فقد قال له يوما ~~الرئيس تافت: إذا أنت حذفت المادة كذا من مشروع القانون المقدم منك إلى المجلس، فلست أمانع ~~في إقراره، فكان جوابه: ليس في وسعي أن أفعل ذلك أيها الرئيس، ولا في رغبتي أن أقوم به، بل ~~أرى من الضروري حتما أن تبقى تلك المادة حيث هي لا يمسها شيء، فسكت الرئيس تافت لحظة كأنما ~~يفكر، وراح يقول: حسنا، أحسب الموقف وقد وصل إلى هذا الحد يضطرني إلى توقيع هذا ~~المشروع. # وقد جعل الولاء للمبادئ أو الثبات على الفكرة التي هي موضع الإيمان عند صاحبها واليقين، ~~هنريك إبسن، رجلا عظيم القدر خالد الذكر في العالم، وهو القائل: أعظم الرجال شأنا هو من ~~يقف وحده بجانب عقيدته. # وقال ودرو ويلسون في بعض خطبه وهو يواجه خصومه وأنصاره على السواء: لكم إذا شئتم أن ~~ترفضوا هذا الذي أعرضه عليكم، بل في وسعكم أن تمتنعوا عن متابعتي وترفضوا المسير في إثري، ~~وفي استطاعتكم أيضا أن تقيلوني من عملي، وتنزعوني من منصبي وتنفضوا من حولي، ولكن ليس في ~~وسعكم ولا مقدوركم ولا مستطاعكم أن تحرموني من قوتي وتجردوني من سلطاني ما دمت الثابت ~~الصامد الواقف بجانب ما أراه حقا وعدلا، وفي صالح الشعب وخير المجموع. # ومن شأن الزعيم الموقن بفكرته ألا يلتفت يمنة ولا يسرة، ولا أن يتراخى ويتردد ويبطئ في ~~خطاه، وإنما يعمل ما يراه حقا وصدقا بكل ما فيه من قوة، لا يحول دونه اعتبار الشرف أو ~~العار، أو اعتبار الحمد والذم، أو المديح والقالة السيئة. # إن الوقوف بجانب الفكرة مثار الإعجاب ومكتسب الاحترام، وهو يورث صاحبه عادات وصفات ~~ومزايا تجعل زعامته شريفة نبيلة بالغة رائعة، ألم تر إلى كلمة أحد زعماء الحركات الوطنية، ~~وهو يقول في بعض خطبه الحماسية الرنانة المتسعرة: «في وسعكم أن تحرقوا جثتي حتى تستحيل ~~رمادا تذروه الرياح، بل في ميسوركم أن تسحبوا روحي التي بين جنبي إلى هوة ms038 الظلام واليأس، ~~حيث تظل معذبة إلى الأبد، ولكنكم تحاولون عبثا أن تطلبوا مني تأييد فكرة أعتقد خطأها حتى ~~ولو بتأييدي لها قد أستطيع أن أحقق ما أعتقده حقا وصوابا.» # والناس مجبولون على التأثر بهذه الصفة إذا برزت في زعمائهم؛ لأنها تنطوي على اليقين بأن ~~الإنسان على الحق، وأن الحق لا ينبغي أن يتطامن برأسه مستذلا أمام السلطان مهما كان عظيم ~~الأثر. # الإيمان هو عنصر من عناصر الشخصية يدفع صاحبه إلى أفق بعيد من القوة والنفوذ، ويحدوه إلى ~~أنبل العمل وأمجده، وهو في الزعامة وحدودها ينطوي على الثقة بقوتها في ذاتها، والثقة ~~بالطبيعة البشرية، والثقة بأن هذه الطبيعة تستجيب لكل ما هو رائع وبديع جليل في الفن والحق، ~~بل هو الإيمان بالحياة وبالمقدرة على الاستتمام والاستكمال، وبأن الجهود المتواصلة مؤدية ~~إلى الغرض مفضية إلى الغاية، مهما قامت العقبات وتكاثرت الحوائل والمصاعب، ذلك الذي يرد ~~الشيخ شابا، وينفخ من روحه في النفس فتضطرم وتستعر، وتستثير الإعجاب وتملأ النفوس التي ~~كانت متشككة من قبل إيمانا ويقينا، وقديما قيل عن هذا الإيمان الصادق العميق إنه الشيء ~~الوحيد في هذا العالم الذي يجدر أن يعاش له، ويخلق بالمرء أن يحيا من أجله؛ لأنه الإيمان ~~بأن الله مع المجاهد، وقوى الطبيعة في صف المكافح للخير، المستبسل في سبيل المجموع، بل هو ~~الإيمان الذي يحرك الجبال، ويعين على مخاض الأهوال، والذي أحال ألوفا من الأناسي ~~الاعتياديين إلى قديسين وأبرار وشهداء. # إن الإيمان يلهم الشجاعة على الوقوف بجانب العقائد وملازمة المبادئ، وينفي الأوهام ويحمي ~~عن صاحبه خاطئ التصورات وخدع النفوس، ويمنع عنه سلطان الإغراء والإرهاب، ولئن قام يوما ~~في سبيل المبدأ حائل أو اعترضته عقبات وصعاب، فإن الإيمان بها في النهاية ولا شك متخط ~~منتصر غالب، وإن الناس ليموتون ميتة طبيعية أو ميتة سياسية، ولكن الفكرة هي التي تعيش، ~~والعقيدة هي التي تحيا، والإيمان هو أبدا الخالد ليس له فناء. # بل إن الإيمان هو الذي يجعل للعين نظرة رهيبة غير مألوفة، بل خارقة للمألوف، ويكسب النفس ~~بريقا وهاجا ms039 كأنه من نور السموات، فيثير الرهب ويبعث الجلال، ويقيم أرفع قواعد الزعامة، ~~وأمتن أسسها؛ لأنه يستحوذ على القلوب أي مستحوذ ويستولي عليها أيما استيلاء ~~... # ومن هذا كله يخلص لك أن الشخصية هي صخرة طارق ~~التي تنهض عليها كل زعامة قوية معمرة ثابتة، وأنها الصامدة للشدائد والأزمات ومحن الظروف ~~وتجاريب الأيام، وإنها لترفع رأسها الجليل المهيب، فتعلو به فوق سحب الشك وغمائم الوسواس ~~والتردد والارتياب، وإنها لتملك تلك القوة المتحدية للزمن الساخرة من أفاعيله الهزاءة ~~بتصاريفه المستصغرة لأحداثه، وإنها أخيرا التي تتمثل وتتجسم فيها تلك القوة المتغلبة على ~~اليأس والقنوط، والتي تعين على كل عظيمة اجتماعية، وكل عمل إنساني صالح جليل ... # | قوة الإرادة وضبط النفس # لكي تأمر وتقود، ينبغي أن تزجر النفس وتقوى عليها، وتمتنع عن الاستماع إليها، وقد يلوح في ~~هذا الشرط الأساسي الذي وضعناه للزعامة بعض التناقض، وشيء من الغموض والاستبهام، ولكنا ~~إنما أردنا بذلك زجر المشاعر وضبط الانفعالات، وكبح جماح النفس الرامحة، كما قصدنا به إلى ~~ادخار قوى النشاط بتوفير النفس على العمل تحت إمرة الإرادة العاقلة، والعقل الحكيم والرأي ~~المتزن، إذ لا غناء لمن يبتغي الرفعة على الناس والسمو عن المستوى العام، عن رياضة نفسه ~~في كثير من الاتجاهات، ومنعها عن الاسترسال في عديد من الظروف، ومن يرد أن يشعل في ذات ~~نفسه شهب الإحساس القوي النفاذ، وأضواء الفراسة المتغلغلة إلى الأعماق، فلا ينبغي أن يكون ~~موزع العقل، مشتت الحس، متفرق الخوالج، مضطرب الوجدان. # وليس من شك في أن المشاعر والبواعث النفسية والانفعالات الطليقة من القيد، المسرحة من ~~اللجم، المرسلة على هواها، من شأنها أن تسرف وتتجاوز الحدود المعقولة، وتفسد على صاحبها ~~حكمه على الأشياء، وتعمي بصيرته عن محجة السداد، وتنقص من القيمة، وتقلل من القدر، وتذهب ~~برفعة المكان. # إن زجر الانفعالات والأحاسيس إنما يزيد في القوى النفسية المدخرة، ويرسل حول النفس ~~مهابة وجلالا؛ لأنه لا يحيلها مكشوفة ظاهرة على الأبصار، ويجنبها في كثير من الأحيان ~~موارد الخطأ، ويحميها من مهاوي الضلال، وليس من ريب في أن ms040 الاحتفاظ بما يختلج في النفس، أو ~~الحرص على كتمان ما يعتمل في الخاطر، يكسب الشخصية عمقا، ويحيلها بعيدة الغور لا يبلغ أحد ~~منها مواضع الأعماق. # إن قوة الإرادة تمنع من التهالك والتهافت والفضول والصغار، وتصون الشخصية بكل ما لها من ~~وقار، وهي من جهة الزعامة تكبح جماح الأحاسيس الأثرة، وتزجر المشاعر الأنانية، والمآرب ~~الذاتية، وتختزن قدرا احتياطيا عظيما من القوى الروحية لوقت الشدائد وحين الأزمات، وهي ~~ملاك سيادة الإنسان نفسه، ومن ثم ملاك سيادة النفوس، وسلطانه على الأرواح، وهي قوام ~~الاحترام الذاتي والاعتداد بالكرامة، والترفع عن كل حقير وصغير مهين. # ولعل أبلغ ما قيل في فضل عمق النفس وبعد غورها ما قد أثر عن بنيامين فرانكلين، وهو «لا ~~تدع الناس يعرفونك تمام المعرفة، فقد جبل الناس على مخاض الجداول الضحضاحة القليلة ~~العمق بالأرجل والأقدام ...!» # ولقد أرتنا الحوادث كيف كان ضبط النفس معوانا لبعض الرجال على الوصول إلى مكان الزعامة ~~بفضل كبح النفس في المواقف العظيمة، وساعات الاضطراب الاجتماعي وإزاء الأحداث الخطيرة، فإن ~~التماسك والاتزان والرشد من شأنها جميعا أن ترفع صاحبها عن مستوى الناس إذا ما ذهب كل فرد ~~هائما على وجهه، وساد الأفق فزع، واختلط على القوم أمرهم، وحارت العقول أين السبيل إلى ~~النجاة وأين مكان الحق وموضع الصواب؟ وكم من امرئ استطاع بقوة الاتزان، وضبط النفس أن يسمو ~~بشخصيته على آخرين كانوا أكبر شأنا منه وأرفع خطرا. # وقد يكتسب الاتزان وضبط النفس بالرياضة على احتمال الآلام، والصبر للشدائد، ومغالبة ~~الخطوب، والابتسام للصعاب والأحزان والتجاريب القاسية، تلك البسمات الدائمة التي لا تفتر عن ~~الثغر ولا ينطفئ من الوجوه لها وميض. # ولعل مقاومة فنون المال ومغالبة سحر الذهب النضار أروع مظاهر ضبط النفس وقوة الشكيمة ~~والبأس، على فرط ما لذلك السحر من سلطان على النفوس، ورغم قيمة المال في نظر المجتمع ~~وتقديره، وبخاصة في هذا العصر المادي المتحجر الذي فتنه المال أيما فتون، ولقد كان جواب ~~أجاسيز العالم الأمريكي إذ عرض عليه مركز يدر عليه المال الوفر أن ليس لديه ms041 فسحة من ~~الوقت ليشتغل بالمال، وأن الحياة أغلى وأرفع قيمة من أن تنفق في هذا السبيل، ولقد جعل ~~أجاسيز دأبه في الحياة ومبدأه أن ينصرف عن أي عمل عقلي بمجرد أن يصبح ذلك العمل مجزيا أو ~~عائدا بفائدة مادية أو له قيمة تجارية ما. # وثم أيضا فتنة تقتضي مقاومتها شكيمة قوية وضبط نفس شديدا، وهي فتنة المديح وسحر الرتب ~~والأوسمة والألقاب، فقد رفض إديسون درجات الشرف حين عرضت عليه، وهو يشتغل بتجاريبه ~~العلمية ومخترعاته، كما أبى العلامة أينشتاين أن يستمع للمديح العام الذي لهج الناس في ~~العالم به، وأطالوا في ترداده تنويها بفضله وإقرارا بعلمه، حتى لقد قيل عنه إنه لا يعرف ~~عدد الجامعات التي منحته ألقابا فخرية، وجعل إذا هو تحدث عن الوثائق الرسمية والبراءات ~~الخاصة بدرجات الشرف وألقاب الفخار التي انهالت عليه يصفها بقوله: «لفائف الفخر» التي لا ~~تصلح لغير لف الحوائج، وكان يتحاشى عرضها على الزوار، ويأبى فرجة الناس عليها إذا ما أقبلوا ~~عليه مسلمين. # العالم الرياضي أينشتاين. # وكم من عظماء أحالهم ضبط النفس أو الزاجر القوي من الإرادة زاهدين في متع الدنيا ~~متبتلين للعمل منقطعين لخير الإنسانية! وكم من زعماء عرفوا كيف يمسكون بغضبهم، ويهدئون من ~~ثائرة نفوسهم، ويكبحون جماح هواهم، فعاشوا طيلة أعمارهم مثال النزاهة والعفة ~~والنقاء! # ويروى بسبيل مظاهر الاتزان وجمال السكينة النفسية وضبط النفس أن الملكة فكتوريا كانت لذلك ~~كله في حداثة سنها مثالا عجبا، فقد تجلت تلك الصفات عليها وهي شابة عند اعتلائها عرش ~~بلادها، فأكسبتها هذه المظاهر الرائعة إعجاب الملايين من أفراد شعبها العظيم، حتى لقد قيل ~~إنه ندر ما أبدت فتاة أو امرأة في مثل سنها من السيطرة على إرادتها، والاتزان في حركتها ~~وفطرتها والهدوء السابغ عليها، والسكينة الضافية على مسلكها، ما أبدت الملكة الصغيرة في تلك ~~المناسبة. # وقد وصف الكاتب الإنكليزي الكبير «ليتون استراشي» في كتابه عن ترجمة حياتها، مظهرها ~~الرائع على أثر نعي الملك الراحل وارتقائها العرش خلفا له، فقال: إن جموع الأشراف والأعيان ~~والأساقفة والقواد والوزراء كانوا ms042 حاشدين في انتظار قدومها، فلم يلبثوا أن شهدوا الأبواب قد ~~فتحت، وإذا بفتاة قصيرة القامة ناحلة البدن متشحة بالسواد قد دخلت عليهم وحدها، فمشت إلى ~~مقعدها بجلال غير مألوف ومهابة نادرة، فرأوا حيالهم طلعة ليست جميلة ولكن أخاذة، وجدائل ~~شقراء كالذهب، وعينين زرقاوين نجلاوين، وأنفا دقيقا أقنى، وفما مفتوحا تبدو منه نواجذه ~~العليا، وذقنا دقيقة، بل رأوا فوق ذلك جميعا أبلغ أمارات النقاء والوقار والجلال والصبا، ~~وفي أتم الهدوء ورباطة الجأش سمعوا صوتا عاليا ساكن النبرات لا يضطرب ولا يتلجلج وهي تقرأ ~~بأتم الوضوح وأجلى البيان، ثم لم يكد الاحتفال ينتهي حتى رأوا ذلك القوام الصغير ينهض من ~~مجلسه، وبذلك الجلال ذاته والمهابة نفسها، ينثني منصرفا من المجلس كما دخله أول مرة ~~... # ولعل أقرب شبه إلى هذا المثال البديع على الاتزان في الحداثة والوقار والجلال في موقف من ~~هذه المواقف الرهيبة، ما كان من ملكنا المحبوب، وصاحب عرش بلادنا المفدى، الملك الشاب ~~الجميل الجليل فاروق، الذي أحبته أمته وهو أمير، وتطلعت بأبصارها وقلوبها إليه وهو في المهد ~~صبي، وفي الطفولة عزيز، وفي الحداثة مليك منتظر، تتلهف على سماع أخباره، ويشوقها علم حركاته ~~وسكناته، وملاعبه ودراسته، فلما قضى أبوه الملك الكبير الرهيب، أحست البلاد حنانا بالغا ~~على ملكها الشاب، وشعرت برفق متناه به، مخافة أن يكون الموقف أكبر من سنه، والحادث العظيم ~~أشق عليه، فإذا هي تحس مع الأسى له، الإعجاب الرائع به، وتشعر مع الحزن لحزنه بالإجلال ~~لجلاله ورهبه، فقد تلقى الحادث وهو عن البلاد مغترب، بكل الرزانة الملكية الخليقة به، وسلك ~~في تلك المناسبة أروع مسلك، وزان الإمارة باتزانه، وجلت الملكية بهدوئه السامي ورباطة ~~جأشه العجيبة وقوة جنانه، ورفعة وجدانه، حتى تضاعف حب الشعب له، وازدادت الأمة تفانيا فيه وولاء. # جلالة الملك فاروق عند حضوره من إنجلترا يوم 6 مايو سنة 1936، في طريقه ~~إلى ضريح المغفور له والده لزيارته. # ولا غناء للزعامة عن الحلم والتغلب على الانفعال وقهر سورات الغضب؛ لأن من يحتد ويغضب ~~يفقد حجته ويضيع قضيته، وقد ms043 حدث يوما أن الكاتب الأمريكي العظيم رالف والدو إيمرسون وقف ~~خطيبا في جمع من الناس وراح يلقي عليهم كلاما يسوءهم، وقولا لا يروقهم، فما لبثوا أن ~~قابلوه بالهتاف الساخر والضجيج المتعالي، والاحتجاج الثائر، حتى أكرهوه على النزول من فوق ~~المنبر، فنزل غاضبا متهيجا، وانصرف إلى داره منفعلا ثائر الإحساس، ولكنه ما لبث إذ بلغ ~~البيت أن شهد الكواكب الساطعة تطل عليه من خلال أغصان الشجر وأفنان الدوح كأنما تقول له: ما ~~بالك هكذا أيها الإنسان الصغير متهيجا ثائرا لهذا الأمر التافه؟ فما عتم أن هدأ ~~وسكن. # وقد وصف أحد الزعماء بأنه قد أوتي المقدرة العجيبة على ضبط حركات وجهه وخوالج سحنته، حتى ~~إنه إذا أراد أن يخفي مشاعره لم تبدر منه مطلقا بادرة من هزة أو اختلاج تنم عما في نفسه، ~~وتكشف عما يضطرب في خاطره ويجري في خلده. كما قيل عن الرئيس هوفر إنه قد ظل أبدا الحريص ~~على ضبط النفس، فما شوهد مرة منفعلا ولا رؤي ذات يوم غاضبا أو خارجا عن طوره، وما تكلم ~~يوما كلمة لم يتدبرها مليا قبل أن يدعها تخرج من بين شفتيه. # ومما يذكر عن أخلاق فورد صاحب مصانع السيارات المشهورة أنه لم يشاهد يوما طائر الفرح ~~بعظمة عمل أداه، ولا رؤي مطلقا العنان لسرور بالغ أو فخار ظاهر أو خيلاء متناهية إذا سمع ~~يوما مديحا لعمله أو ثناء بالخير عليه. # ومن أدلة السمو الخلقي والحلم الرفيع أن يظل الرجل منا باسما بسمة السخرية حيال من يحاول ~~إغضابه ويستثير غيظه، إذا كان هذا الشخص دونه قدرا ومكانة، فقد قيل عن بوكر واشنطون زعيم ~~زنوج أمريكا ومحررهم العظيم من رق البيض: «لقد كان أبدا الباسم الرفيق المتلطف، لا يجادل ~~ولا يماري ولا يشتجر.» # هنري فورد - ملك السيارات. # ولا ننسى أن مراعاة شعور الغير والأناة والتؤدة في الحكم على الرأي العام صفة من صفات ~~الزعامة، كما أن الامتناع عن إظهار الرأي أو المصارحة بحقيقة الإحساس والشعور حتى تحين ~~المناسبة وتسنح الفرصة الملائمة يقتضيان درجة خاصة ms044 من ضبط النفس، وفي ذلك يقول بوكر ~~واشنطون: لقد طلب إلي كثيرون أن أقول كلمة في الصحف بسبيل إهدار دماء الزنوج في بعض ~~الولايات، ولكني ظللت معتصما بالصمت في ذلك الحين؛ أي بينما كانت هذه الجرائم تقترف جهرة ~~وعلانية؛ لأنني كنت أعتقد أن الرأي العام لم يكن في حالة تدعه يستمع إلى رأي في هذا الشأن، ~~ولا يرتضي مناقشة فيه، وإنما يحسن الانتظار حتى تهدأ المشاعر، ويزول الهياج، ويعاود الناس ~~الحكمة والسكينة. # ومن الزعماء من يفسد أمره بكثرة الكلام، ولا يعرف كيف يحتفظ برأيه في ذات صدره، ومنهم من ~~لا يبلغ مكانا طيبا؛ لأنه قد ألف أن يقول للناس عن آرائه فيهم ويتحدث عن شئون الغير في ~~غيابهم، ولا يقدر على إخفاء أمر أو كتمان شيء، ومن ثم لا يحس الناس له ذلك الجلال الذي يغمر ~~الزعيم المتئد الوقور الذي يتحدث بميزان، ويتكلم متحفظا غير متهافت على الإعلان ~~والبيان. # وقد يكون ضبط النفس متناهيا إلى حد القسوة والتجهم والعبوس والخشونة، وقد يصبح قانونا ~~نفسيا شديد السلطان ونظاما جافا لا هوادة فيه، حتى لقد قيل عن الزعيم لينين إنه أخذ ~~نفسه بمنتهى الصرامة إذ عرف أنه لا شيء ينقذ الثورة الروسية من الفشل، وهي المهددة بالجوع ~~والغزو والانتكاس، غير العمل الصارم القاطع الموحش الذي لا تسامح ولا هوادة ولا رفق فيه. # لينين - زعيم الشيوعية. # وأشد ما يثير ضبط النفس الإعجاب والإكبار إذا هو ارتقى إلى مرتبة «التضحية»، فإن التضحية ~~هي أسمى مظاهر التغلب على النفس وأرفع درجات ضبطها وقمعها، وإن لقاء الصعاب ومواجهة الشدائد ~~والصبر على الآلام البالغة كانت ولا تزال أبدا صفة من صفات الزعامة، وقد غلا سير توماس مور ~~في إبرازها من فرط ولائه لمليكه حتى لقد قيل إنه حين ألقي في غيابة السجن، ولم يكن يستحق ~~ذلك العقاب، راح يحتمل هذا الظلم صابرا متجلدا وينظر إليه نظرة فلسفية، ويقول لو لم يلق ~~الملك به في حصير أليم لالتمس هو ذلك الحصير بنفسه أن كان في السجن تدليل على ms045 ولائه لجلالته ...! # محمود إسماعيل. # وقد تتصل الزعامة أحيانا بالقوى الخارقة للطبيعة، وبتحدي القوانين والاستخفاف بالمبادئ ~~والأفكار العامة، وبالجرأة المتوقحة المتناهية التي تكسب صاحبها الرهب والمهابة وتجعله ~~يبدو غامضا، ويلوح سرا مستغلقا على الناس لا يعرفون حقيقته، ولا يدركون خافيته، وإن ~~اعتقاد موسوليني بأن قدرا حارسا حاميا يرعاه هو الذي جعله غريبا على الناس، بعيد الغور ~~لا يسبر عمقه، ولا تفهم حقيقته، وقد بعث موسوليني على أثر محاولة اغتياله في مدينة ~~بولونا برسالة إلى رئيس الشعبة الفاشية فيها يقول: إن الحادث الإجرامي الذي وقع في اللحظة ~~الأخيرة هيهات أن يحجب مجد اليوم المشهود وروعته، أو يغطي على عظمته وجلاله، وإني باعث إليك ~~بالرصاصة والشريط الذي مزقته لتحفظهما مع التذكارات الفاشية في مدينتكم، وأود منك أن تحمل ~~إلى جميع إخواننا كلمة واحدة، هي الحق الصراح، وهو: «لن يمسني سوء حتى أتم واجبي وأؤدي ~~مهمتي، وليس في الدنيا قوة تستطيع أن تحول بيني وبين هذه الغاية، وإن الرصاص ليتهاوى من ~~حولي، ويبقى موسوليني سليما ما به من بأس ولا أذى ...» # ولعل أعظم امتحان لمبلغ ما عند المرء من بعد الغور وعمق الإحساس، ورباطة الجأش، ومنتهى ~~سكينة الأعصاب، لقاؤه الموت وموقفه في محضر المنون، ففي ظرف كهذا يتجلى المعدن الذي تتركب ~~منه الأبطال، والمادة الخفية التي تفرغ في قوالبها النفوس العظيمة الكبار، فقد فحص ~~الطبيب نبض «جوزيه ويزال» الزعيم الوطني في جزر الفيليبين، قبل إنفاذ الحكم فيه بالإعدام، ~~فوجد «دقاته منتظمة هادئة لا تدل على انفعال ولا خوف ما!» وقد وصف مسلكه قبل إعدامه فقيل ~~إنه أبى أن يدخن أو يشرب نبيذا أو يطيل السهر ليلا، فبقيت أعصابه هادئة ساكنة، أبعد ما ~~تكون من الاضطراب، وقد وضع لنفسه في السجن قبل تنفيذ الحكم نظاما خاصا شعاره فيه ~~«الحمية والاعتدال والتعفف، في غير إضاعة للوقت ولا تبديد للصحة»، ثم راح يستمسك بهذا ~~النظام استمساك المتصوف الزاهد المتبتل، حتى لقد جعل من بين القواعد التي يسير عليها ألا ~~يرفع صوته إذا هو تحدث، فكان لذلك يتكلم ms046 بكل هدوء وسكون واتزان. # وليس من ريب في أن أروع مشاهد الشجاعة، والسكينة والجلال عند لقاء الموت، ما كان من ~~«محمود إسماعيل» في مسيره إلى آلة الإعدام بخطواته الثابتة، وصعدته إليها بجلده العجيب، ~~بل ما كان من كلماته الجلائل الرائعة قبل أن يضع الجلاد الحبل في عنقه، فقد كان ذلك حدا ~~بعيدا من الشجاعة يكاد يداني الأسرار الإلهية الرهيبة، ويدق على الأفهام تصوره، ويستغلق ~~على المشاعر تخيل مداه. # تلك حالة نفسية لا توصف ولكن تحس، إذ ليس في اللغة ما يؤدي معانيها، ولا تحتوي من ~~الألفاظ ما يقرب صورتها إلى الأذهان، ولكن الذين يحسونها يموتون، ويطاح بهم على المشانق، ~~فيذهب سرها معهم دفينا. # وبسبيل هذا المعنى ميتة الشباب الشهداء من طلاب الجامعة المصرية في نوفمبر سنة 1935، ~~فقد أبرزوا في لقاء الموت شجاعة رائعة لا توصف، وثباتا عجيبا لا يكون في أسنانهم، ولا ~~ينتظر من غضاضة أعمارهم، فمن ذا الذي ينسى تلك الشجاعة العجيبة التي أبداها الشهيد عبد ~~المجيد مرسي في لقائه الموت على الكوبري، وهو يغرق منديله في دمه ويرسله مشربا بقاني ~~لونه إلى زعيمه، تحية الشجاعة للوفاء، ورمز التضحية إلى الحب والولاء؟ ومن ذا الذي لم يتأثر ~~ولم يتفجع لما كانت الصحف ترويه عن شجاعة عبد الحكم الجراحي وهو يكتب في محضر الموت رسالة ~~بالإنكليزية إلى إنجلترا، يصف فيها اعتداء الشرط الإنكليز عليه، وكيف تلقى الموت بابتسام ~~...؟! # عبد الحكم الجراحي. # طه عفيفي. # عبد المجيد مرسي. # وقد زخرت ذكريات الثورة المصرية منذ سبعة عشر عاما بشواهد غزار من هذه البطولة والشجاعة ~~الثابتة في مواجهة الموت، فقد كان الشباب والولدان يتساقطون صرعى تحت وابل الرصاص، وهم ~~مصفقون هاتفون من فرح، منادون لمصر بالحياة، ولوطنهم بالحرية والاستقلال. # جوته. # ومن خواص ضبط النفس وردعها وامتلاك ناصيتها، أنها جميعا تعين على الحركة والتقدم «في غير ~~عجلة، ولكن بغير تردد ولا جمود»، كما قال شاعر الألمان الأكبر جوته، بل كما كان دأبه ~~وشعاره، وأنها تعطي صاحبها شيئا ليس عند غيره، وتختزن لديه ما ليس في ms047 مدخر سواه، وتقيم ~~ستارا كثيفا يخفي حقيقته العميقة عن الأبصار، ويوم يصبح المرء كذلك، عميقا بعيد الغور، ~~لا سبيل إلى اكتناه سره، وإدراك بعد غوره، واختراق أديمه إلى صميمه ولبه، يلوح للناس ~~كأنه قد ملك شيئا ليس عندهم، ومن ثم يصبح موضع اهتمامهم، ومحل عنايتهم، ويقبلون عليه ~~ملتفين حوله، مسلمي نفوسهم إليه، وهذه هي الزعامة المعمرة الخليقة بقيادة الناس ... # | اللباقة والروح المرحة # ومن صفات الزعامة أيضا من الناحية النفسية اللباقة أو الكياسة، أو حاسة مراعاة التناسب، ~~كما أن من صفاتها الظرف أو الروح المرحة، أو نزعة الفكاهة، أو حاسة تناول الأشياء بغير ~~تناسب، وهاتان الحاستان قد تلتقيان في نفس الزعيم وإن كانتا في الحياة ذاتها جد مختلفتين، ~~بل تكادان تكونان متناقضتين؛ فأما الأولى فهادئة مع تحفظ ورزانة واتزان، وأما الأخرى فصريحة ~~متكشفة معلنة مرفوعة القيود والتكاليف. # وكلتاهما تنظر إلى الأشياء مجردة عن صلتها بالأشخاص، فإن من ينظر إلى الحياة كأنها جزء لا ~~يتجزأ من شخصه أو نفسه، لا يصيب مكان الزعامة فيها؛ إذ يفقد صفة من أبرز صفاتها، والذين ~~أوتوا اللباقة والروح المرحة هم الذين لا يدعون النفس تقف في طريق نظراتهم إلى ~~الحياة. # اللباقة أو مراعاة التناسب صفة بارزة من صفات الزعماء؛ لأنها تنطوي على المماثلة ~~والمقاربة بين النفس والغير على صورة تمنع الغير من النفور والتبرم والإعراض، كما تنطوي على ~~مراعاة وجوه نظرهم، واحترام مشاعرهم، والنظر إليهم بعين الاعتبار. # فهي - أي اللباقة أو الكياسة - مرادف للطف التناول، ودقة الشعور، ورجاحة اللب، وحسن ~~البداهة؛ لأنها في الواقع تأدية الشيء البسيط المعقول، البعيد من أية لائمة، المتحاشي ~~الوقوع في معاب، وقد روي عن دوايت مورو أنه حيث وصل إلى المكسيك ليكون سفيرا فيها للولايات ~~المتحدة لم تلبث لباقته في اختيار السبيل إلى مباشرة مهام منصبه أن أعجبت المكسيكيين، ونفت ~~من نفوسهم كل ريبة في أنه إنما جاء ليستغلهم من أجل بلاده، وذلك أنه ظهر أمامهم يوم وصوله ~~في بذلة الصباح، ولم يلبس الثياب الرسمية التي يرتديها السفراء وأشباههم عادة في ms048 مثل هذه ~~الظروف، فقد سأل السفير قبيل وصوله عما إذا كانت الثياب الرسمية من عادات المكسيكيين أم ~~عادات الأمريكيين، فقيل له إنها عادة أمريكية، فقال: حسن، إذن سأرتدي الثوب المناسب لوقت ~~الوصول، وكان وصوله صبحا، فارتدى من ثم بذلة الصباح. # وقد تقتضي اللباقة أو مراعاة المناسبات والظروف والأحوال، التضحية بكسب قليل عاجل في ~~سبيل الظفر بكسب كبير آجل، ولا تمتنع عن التمهل والتسويف، حتى تسنح فرصة أكثر ملاءمة، ويجيء ~~ظرف أنسب وألطف مردا. # وفي معاملة رئيس طيب القلب ولكنه يحب أن يتراءى رئيسا كبيرا، ويحرص على مظاهر رياسته، ~~لا نحسب ثم غناء عن اللباقة ولطف التناول ودقة المأخذ، إذ هنا يقتضي الأمر الحذر من ~~التنفير، وتحامي الإضجار، وإحداث الجفوة، والتمهل والأناة ريثما يعود ذلك الكبير فيتصور أن ~~الفكرة التي تقدمت إليه ممن دونه هي في الواقع فكرته، وقد حدثنا أحد المرءوسين الذي أوتوا ~~اللباقة ولطف الحس بما قد جرى له يوما مع رئيسه بسبيل ما نقرر هنا ونبين، فقال: «لقد ~~ذهبت إليه ببرنامج وضعته بنفسي لإجراء تغيير كبير في النظام المتبع؛ فلقيني في الحال ~~بنفور ورفض حاد، حتى لقد هممت بادي الرأي أن أقابله بالمثل أو أحتد عليه، ولكني تمالكت ~~نفسي فاحتملت الصدمة العنيفة صابرا غير معترض، ورحت أحاول تخفيف وطأة هذا اللقاء الجاف، ~~فغيرت موضوع الحديث، وأخذت في موضوع كنت أعرف أنه يهتم به ويتبسط فيه، وبعد ستة أشهر عدت ~~بالبرنامج ذاته بعد أن وضعته في شكل أخف وصورة أزهى مما كان من قبل، فلم يتردد في إقراره ~~قائلا إن شيئا كهذا كان قد دار في خلده قبل أن أعرضه عليه!» # ومن اللباقة مراعاة وجوه الشبه ونواحي التماثل في طبيعتنا البشرية، كأن يحب كل منا ~~مثلا أن يكون ذا اعتبار، أو شيئا مذكورا، أو إنسانا له شأن وخطر ووجود، فإذا ما راعى ~~المرء هذا عند الناس وحسب له حسابه وجد الإعجاب به عندهم، وقوبل بالرضى والالتفاف ~~حوله. # وكثيرا ما نرى الزعامة موقرة كرامة الغير مجتنبة كل ما قد يحملها ms049 على الزهو، رائضة ~~نفسها على كراهية الخيلاء، وتحاشي الكبرياء على الناس، والزعامة الصادقة هي التي تضع ~~الأفراد في مواضعهم من التقدير الصحيح، وهي التي تعطي كل ذي حق حقه، وتمدح الذي يستأهل أن ~~يمدح، وتستثير كل ما هو بديع سام رفيع في الطباع البشرية، وهي التي تبعث الأمل، وتتولى ~~الإيحاء والإلهام، وتنشط الأرواح، وتستوقد النفوس والعزمات، وتحمل المرء على أن يعتقد أنه ~~خير مما هو في الواقع، ومن ثم تبث في نفسه روح التطلع والطموح إلى الإجادة والرفعة ~~والإحسان. # وقد تجلى أثر اللباقة في شخصية رجل كبنيامين فرانكلين فهو القائل: لم أكن يوما في بسط ~~أية فكرة جديدة أحسبها مثيرة جدلا، مقيمة بعض الاعتراض، أستخدم عبارة «بالتأكيد» أو كلمة ~~«بلا شك» أو ما يماثلهما من العبارات التي تظهر الفكرة مظهر الحقيقة القاطعة والرأي المجزوم ~~به، والفكرة التي لا يأتيها الباطل من أي وجه من وجوهها؛ وإنما كان دأبي أن أقول في هذا ~~المعرض «أظن» أو «أفتكر» أو «إن الأمر كذلك إذا لم أكن مخطئا» أو «يلوح لي أنه ...» إلى ~~أشباه هذه العبارات التي لا تفيد القطع والجزم والتحتيم، وقد أفدت من هذه العادة كثيرا ~~في بث آرائي، والتمهيد لأفكاري، والتوطئة لمقترحاتي التي كنت أقدمها إلى الناس واستحثهم على ~~الرضوان بها، وإذا كانت الغاية الأولى من الحديث وتجاذب أطراف الكلام هي أن تستقي علما أو ~~تبث علما، وأن تقنع وتستحث، أو تسر وترضي، فإني أرجو إلى العقلاء والمراجيح ~~والعاملين للخير والفائدة العامة ألا يضعفوا سلطانهم، ويوهنوا مقدرتهم على الخير والإحسان ~~والإفادة باتخاذ سمات الحزم والقطع والتحتيم في أحاديثهم، وإلقاء آرائهم كقضايا مسلم بها؛ ~~فإن ذلك في الغالب منفر للنفوس، مثير الاعتراض، غير مؤد إلى الغاية من الحديث والغرض ~~من الكلام، وهو أن تستقي علما أو تبث علما، أو تريد إقناعا، أو مجرد تسلية ~~وإرضاء. # وتقتضي اللباقة كذلك البعد مما يزري، وتجنب ما يستكره، واتخاذ الطريق المأمون من ~~الخطر، وترك التحرش وإثارة الحفائظ، فإن ذلك جميعا ينجح المقصد، ويبلغ الغرض، ويصلح ما ms050 ~~فسد ، ويمحو من الآثار الماضية كثيرا، وقد كان «بوكر واشنطن» محرر زنوج أمريكا حاذقا لهذا ~~الأسلوب مفتنا فيه، محسنا به كل الإحسان، فقد وقف يوما يخطب اجتماعا من البيض في ~~الولايات الجنوبية، فكان استهلال خطابه «إنني أضرع إليكم بالنيابة عن ستمائة وخمسين ألفا ~~من أبناء جلدتي في ولايتكم هذه، هم اليوم جثي ركع عند أقدامكم، وإن مصائرهم ~~ومستقبلهم اليوم في أيديكم، ولقد نبئت أنكم قوم إخوان مروءة وشجاعة وكرم، فأنتم أرفع ~~من أن تسيئوا إلى الضعيف، أو تضطهدوا البريء، أو تظلموا من لا منة له ولا بأس ...» # وقد أوتي هنري فورد لباقة عجيبة في مسلكه إزاء رجل وقف يوما خطيبا يندد بعصر ~~الصناعة، ويزعم أنه إنما أفاد الذين استغلوه للإثراء وكسب المال، وأن التقدم الصناعي في ~~العالم الحديث كبير الخطر سيئ العاقبة، وأن الأوتوموبيل سوف يذهب بفضل الطبيعة، ويفسد ~~الغرائز أشد الإفساد، فقد حدثنا فورد في كتاب عن نفسه بسبيل هذا الحادث فقال: «وكنت أخالفه ~~في هذا الرأي من أساسه، واعتقدت أنه قد استرسل مع عاطفته في فكرة أبعد ما تكون من الحق ~~والصواب، فلم أفعل أكثر من أنني بعثت إليه بأوتوموبيل طالبا إليه أن يجربه ليتبين بنفسه هل ~~يعينه على فهم الطبيعة وإدراكها أكثر من قبل وأسهل، فكان ذلك الأوتوموبيل الذي استنفد فترة ~~طويلة من وقته في المرانة على تحريكه وإدارته، هو الذي جعله يغير رأيه ويعدل عن فكرته ~~...!» # وقد يستوجب العمل السياسي لباقة أو كياسة دقيقة، إذ لا غناء للسياسي أو الموظف الدبلوماسي ~~كالممثل أو السفير عن هذه الصفة في علاج الدقائق وتقدير الأشياء ومراعاة اللباقة، واعتبار ~~المصلحة القومية والصالح الدولي، إذ ينبغي له عند تمثيل أمته ألا يغفل عن حساب مصلحة الأمم ~~الأخرى ومواقفها وأحوالها وسياستها واتجاهاتها. وقد أثر عن الرئيس روزفلت في سنة 1907 ~~بسبيل الحركة العدائية التي قامت في كاليفورنيا ضد هجرة اليابانيين أنه استخدم أعجب الكياسة ~~في إطفاء تلك الحركة والخروج من الأزمة بسلام. # وقد تحدث هو عما فعله في هذا السبيل فقال: «لقد ms051 بينت لأهل كاليفورنيا أنني مشترك معهم ~~كل الاشتراك في الرأي بصدد نزوح اليابانيين إليهم في جماعات كبيرة وزرافات متعددة، ولكني ~~أود أن أحقق غرضهم على صورة من الكياسة والرفق والأدب ترضي مشاعر اليابانيين كل الإرضاء، ~~ومن ثم استطعت أن أحملهم على العدول عن فكرة إصدار تشريع يمنع الهجرة اليابانية إلى بلادهم، ~~وتمكنت من إبرام اتفاق مع اليابان تقضي نصوصه بأن يمنع اليابانيون أنفسهم طوائف عمالهم من ~~النزوح إلى بلادنا، وإلا اتخذت حكومتنا في الحال التدابير لإصدار قانون بإخراج اليابانيين ~~جميعا من أراضيها، وهكذا كان من الخير أن تقف اليابان بنفسها تيار هجرة أهلها إلينا، ولا ~~نتولى نحن صده ومقاومته.» # وقد يكون فقدان اللباقة أو الخلاء من الكياسة خطرا على الدولة سيئ النتائج وخيم العاقبة، ~~فإن الخلاف بين الأحزاب السياسية أو التناحر والخصومات بين الزعماء السياسيين قد يكون ~~راجعا إلى فقدان اللباقة والافتقار إلى الكياسة أكثر مما يرجع إلى الاختلاف على المبادئ ~~والتباين في المذاهب والاتجاهات. # وفي بعض الأحيان يعمد السياسي الحازم اللبق الحكيم إلى استخدام الكياسة بكلمة طيبة، أو ~~بإظهار الصبر والأناة، أو بإقامة الأمثولة الصالحة، أو برواية نادرة فكهة تناسب المقام، ~~ومعنى هذا أن استخدام الكياسة يقتضي بوجه عام براعة كبيرة، وحذقا عظيما، ومهارة ~~بالغة. # فقد جاء إلى الزعيم الأمريكي إبراهام لنكولن خلال الحرب الأهلية وفد من النواب يحتجون ~~ويتذمرون، فلم يكن منه إلا أن ردهم من حيث أتوا راضين مقتنعين، إذ راح يقص عليهم القصة ~~الآتية، أو يستشهد بها على سبيل الاستعارة والتمثيل، قال: # أيها السادة، افرضوا أن كل الثروة التي تملكونها كانت ذهبا خالصا فأسلمتموه ~~جميعا إلى بلوندين الحاوي الماهر في الرقص على الحبال ليحمله مجتازا به شلالات ~~نياجرا وهو فوق الحبل، فهل تهزون الحبل أو تروحون تتصايحون به «يا بلوندين، استو ~~قليلا في مشيتك، أو انحن قليلا في خطرانك، أو اعتدل هونا ما في تنقيل خطاك؟!» ~~كلا، ولكنكم تقفون بلا ريب لاهثي الأنفاس، فاغري الأفواه، معقودي الألسنة، ~~مبتعدين من الحبل حتى يجتازه بلوندين بسلام، ذلك مثل ms052 أضربه لكم لكي تعلموا أن ~~الحكومة تحمل عبئا ثقيلا على عاتقها، وهي تؤدي عملها بكل قصارى جهدها، فلا ~~تزعجوها بكثرة الكلام وطول الصياح، وإنما التزموا الصمت حتى تحملكم إلى بر ~~الطمأنينة بسلام آمنين. # ويوم تستحيل اللباقة إلى ملق ومداهنة وتمويه وخداع تفسد على الزعامة أمرها، وتروح ~~عيبا من أسوأ عيوبها، وكذلك إذا هي غالت وبالغت أو وقفت عند حد الأدب والمصانعة، أو إذا هي ~~حالت دون بلوغ محجة الصواب وتقرير أحكم الخطط وتدبير أرجح الوسائل، فإن ذلك كله من شأنه أن ~~ينقص من قيمة الزعامة في الميزان. # وليس من شك في أن الظرف، أو روح الفكاهة، أو الروح المرحة إذا تهيأت للزعيم أعانته ~~كثيرا على عمله، ومهدت له أحسن تمهيد، ويسرت له الصعب، وسهلت له الشأن العسير، فهي أولا ~~لا تجعله في كل الأحوال والظروف يبدو العابس المتجهم، الجاد الرزين، ولا تدع الناس ~~ينفضون من حوله، وإنما تحببهم إليه، وتزين لهم الطاعة له والنزول على أمره. # وليس يخفى أن الذين هم في مراكز السلطان والنفوذ في الناس لا يزالون غرضا لكثير من ~~الإغراءات، عرضة لبعض الهوى، كأن تأتي عليهم لحظات يحسون فيها أنهم أعظم شأنا مما ~~يحسبهم الناس، وأقوى إرادة وأشد إصرارا وأفخم مظهرا وأروع رواء، فلا يني هذا الغلو في ~~تقدير عظمتهم أن يكشفهم ويسيء إليهم ويفسد عليهم كل إفساد، ولكن الظرف أو روح الفكاهة هو ~~الذي يمنع ذلك ويحول دونه ويصلح ما فسد منه؛ لأنه يمكن للزعيم من جعل مشاعر أنصاره وأشياعه ~~والتابعين له ودية متحببة صافية الأديم، وهذا قد يقتضيه في بعض الأحيان ألا يتكره من أن ~~يشعرهم في المناسبات بأنهم أسمى منه، وأنه إنما يستمد مكانه من فضلهم، أو أنهم أعرف منه بما ~~هو مطلوب وأعلم بما هو واجب. # ولعل النادرة التي نبسطها فيما يلي خير مثل يساق على تواضع الزعماء، وعملهم على إقناع ~~أنصارهم بأنهم أعلم منهم وأكثر فضلا. # حين انتخب ودرو ويلسون حاكما لولاية نيوجرسي أدبت له مأدبة حافلة تقدم الخطيب الأول ~~فيها إلى ms053 المدعوين قائلا على سبيل تعريفهم بويلسون: «إنه الرئيس العتيد للولايات المتحدة.» ~~وكانت تلك فرصة عظيمة أمامه يحسن انتهازها، فوقف أمام الحشد الحاشد يقول بعد الشكر ~~والتمهيد: «وإني لأحسبني من ناحية واحدة - وأرجو أن يكون من ناحية واحدة لا أكثر - أشبه شيء ~~بقوم سمعت عنهم قصة فكهة أنا محدثكم الساعة بها، كان لي صديق سافر إلى كندا مع جماعة من ~~الصائدين، وكان بين القوم رجل خطر له أن يأخذ معه نوعا من الشراب، يسمى «السنجاب»، ولما ~~سئل عن سر هذه التسمية قال إنه إنما سمي السنجاب لأنه يجعل الذين يشربونه يحسون الرغبة في ~~تسلق الأشجار فعل السناجب. # وفي ذات يوم راح هذا الشريب الملح على «السنجاب» يشرب حتى فقد صوابه ونزفت الخمر ~~لبه، ولم يكد يؤذن الموعد المضروب للسفر في القطار مع إخوانه، وكانوا قد تواعدوا على أن ~~يتوافوا إلى القطار قبل قيامه، حتى راح من فرط سكره يركب قطارا مسافرا إلى الجنوب على ~~حين كانوا هم شخوصا إلى الشمال! # ولما أقبل صحبه وأدركوا ما جرى، خشوا عليه العاقبة وأشفقوا من أن يمسه سوء، فبعثوا ~~ببرقية إلى «كومساري» القطار الذي ركبه صديقهم يقولون فيها: «ارجع رجلا قصيرا يدعى ~~جونستون بين الركاب؛ لأنه ركب خطأ، وهو يريد قطار الجنوب؛ لأنه ... سكران!» # فجاءهم الرد من ملاحظ القطار يقول: «نريد معلومات وافية، ففي القطار ثلاثة عشر رجلا لا ~~يعرفون أسماءهم ولا وجهات سفرهم!» # أما أنا فمتأكد أنني أعرف اسمي، ولكني لست متأكدا من معرفة وجهتي وطريقي «بالدرجة» التي ~~يصفها الخطيب!» # وكثيرا ما يروح الضحك عن عطف، والابتسام عن رفق ولطف، والفكاهة عن إشفاق، والتصوير المرح ~~لبعض المواقف - معوانا على حل المشكلات، وقضاء الأغراض، ومزيلا لما قد تأثرت به النفوس في ~~الجماعات أو استولى منه اليأس على الجماهير، إذا هو استعين به في اللحظات الدقيقة والظروف ~~المناسبة، أو اللحظة البسيكولوجية كما يقولون، وإذا لم يكن أيضا منطويا على سخرية من أحد ~~الحاضرين أو استهزاء ببعض السامعين، فإن الضحك من الناس قد يجوز بين الأصدقاء والخلطاء، ms054 ~~ولكن الضحك أو التعبير الفكه الذي يعمد الزعيم إليه ينبغي أن يقتصر على العموميات، ولا ~~يتعدى إلى الشخصيات، فيكون مجرد فكاهات بسبيل الاستشهاد بالتجاريب الشخصية، أو تصوير ~~للمواقف العامة. # وبين الزعماء فريق قليل من الذين آتاهم الله أرواحا خفافا، ونفوسا لطافا، وسحرا ~~نفاثا، وتعبيرا حلوا جميلا ينفذ إلى الأعماق، وهؤلاء إذا خطبوا الناس أو تصدروا المجالس ~~أو حضروا الندي، فلا يعدمون نوادر يمزجون بها خطبهم، وعبارات مونقة يلقونها في وسط ~~كلامهم مما يناسب المقام ويلائم الظرف ويندمج في الموضوع، ثم لا يزال نجاح النكتة التي من ~~هذا النوع، ومبلغ تأثير النادرة أو العبارة الفكهة التي من هذا القبيل، متوقفا على مقدار ~~البراعة في الأداء، والمهارة في الإلقاء، وحسن الاختيار للمناسبة، وهذه لا تتواتى إلا ~~للبرعة والظرفاء من الزعماء والقادة المحببين. # ولا يزال الناس في مصر يذكرون كيف كان سعد - رحمه الله - المتفوق في هذه الناحية، الفذ في ~~هذا السبيل، فلم تكن خطبة له تخلو من فكاهة يضج لها السامعون ضحكا، ويدوي له الهتاف من ~~أجلها غامرا الفضاء، ولعله كان أول من ذكر ذلك التعبير التهكمي البديع الذي سار من بعده ~~مسار الأمثال، وهو قوله عن الذين كان يساق بهم مقرنين في الأغلال أو الحبال إلى ميادين ~~العمل مع السلطات البريطانية في الحرب الماضية «متطوعو السلطة!»، فإن التعبير عنهم ~~«بالمتطوعين» جد بديع، ونكتة ظاهرة، لما انطوت عليه من التناقض البليغ والمغالطة ~~الفاضحة. # بل كم كان لسعد زغلول في سائر خطبه الرنانة من ألفاظ وكلمات خلدت تخليدا من بعده، فمن ~~ذا الذي ينسى تعبيره عن سفر عدلي باشا للمفاوضة مع الإنكليز يوم كانت الخصومة محتدمة بشأن ~~السفر ورياسة الوفد المسافر، وهو قوله: «جورج الخامس يفاوض جورج الخامس!» فقد عاشت هذه ~~الكلمة الفذة إلى اليوم، ولا تزال مذكورة على الشفاه، وسوف تنحدر مع الزمن إلى الأجيال ~~القادمة. # وثم كلمة أخرى له جاءت عفو الخاطر، ووقعت موقع المحز، وصادفت أنسب موضع، وذلكم قوله وقد ~~انبرى الخطباء يلهجون بمديحه: «لقد أخجلتم تواضعي.» فإن هذا التعبير ms055 كما ترى بديع مونق لطيف ~~الأداء، حسن الاستعارة، جديد المعنى، فاتن الثوب والغشاء والتلوين. # وكان لسعد في المواقف الخطيرة شجاعة رائعة تلهمه الكلمة النادرة، وتبعث في نفسه التهكم ~~اللاذع، وتطلق مقوله بالفكاهة المرهفة، ومن أمثلة ذلك ما كان منه يوم دخل عليه في رياسة ~~مجلس الوزراء لورد اللنبي وقد أقبل في عديد من الفرسان المسلحين يستبقه النفير يملأ الفضاء ~~بصوته المرنان لكي ينذر سعدا ذلك الإنذار المعروف عقب حادث مصرع السردار، فقد تلقاه ~~البطل الشجاع الثبت سعد قائد الحركة الوطنية في البلاد بكل سكينة وهدوء وابتسام مسائلا: ~~ماذا ...؟! هل أعلنت الحرب ...؟! فلم يسع لورد اللنبي إزاء هذا التهكم البديع إلا أن يصمت ~~حائرا مرتبكا قبل أن يستجمع نفسه من أثر هذه المباغتة غير المنتظرة. # فرانكلين روزفلت - رئيس جمهورية الولايات المتحدة. # وكانت مجالس سعد وأسماره تفيض بعذب الكلام، ولطف الحديث، وحلو الفكاهة، وكان منزله في ~~مسجد وصيف أو بساتين بركات للاستجمام، فترات تجرد من التكاليف، وعيش نضير مع أضيافه الذين ~~يصطفيهم لذلك ويأنس إليهم؛ فكانت تنعقد يومئذ جلسات بديعة، يشترك فيها الأصفياء من كل حلو ~~الحديث، وبارع النكتة، وحاضر البديهة، ويلازمه خلالها الشاعر حافظ إبراهيم - رحمه الله - ~~وكان من أبدع الناس كلاما وألطفهم مدخلا على القلوب، والدكتور محجوب ثابت بقافاته الحلوة، ~~وعثنونه البديع، وكلماته النافية للهموم المروحات عن الصدور. # ومن أحاديث خليفته «مصطفى النحاس» لمع من أفذاذ الكلم، وأماليح القول، وبوارع ~~الفكاهات، فلا يخلو مجلسه من لطف الإشارات وعذاب الأحاديث، وغرائب التعبير، وحسن ~~البيان. # وممن اشتهر في عصرنا الحديث بهذه الصفة التي تلازم فريقا كبيرا من الزعماء، الرئيس ~~فرانكلين روزفلت، فهو على ما به من عاهة، أقدر من حمل تكاليف الرياسة، وأحذق من أدرك ~~مطالب الحكم وصان تبعاته، ثم هو بجانب ذلك الرجل المفراح الضحوك البارع الأحاديث، ومن ~~المأثور عن موظفي مكتبه وأفراد أسرته والمتصلين بعمله قولهم إن أسرع طريقة لمعرفة مكانه إذا ~~افتقدوه هو الانتظار حتى تدوي أصداء ضحكة رنانة من القلب، فيعرفوا مصدرها؛ فحيث تنبعث يكون! ~~وهو يعالج تخفيف ms056 وطأة عمله بهذا الروح المرح، ويروض كثرة تكاليف منصبه بهذا المنشط ~~البديع. # ومن مزايا الروح الفكه عند الزعماء أنه يساعد على معرفة المواقف الضعيفة التي تقتضي ~~التقوية والتعزيز، والتوطيد في الحين المناسب والظرف المواتي، إذ لا شك في أن بعض هذه ~~المواقف تلوح في وقت ما مربكة محيرة، ولكنها مع الوقت تعود فتبدو طبيعية أو مألوفة ~~ليس منها بأس ولا ضرر، ومن المواقف ما يتراءى غير مناسب؛ لأن الناظر إليها لم يؤت الفسحة ~~الكافية لاستعراضها بالرأي الصحيح والعناية الواجبة. # وإذا اقترن روح التقدير الدقيق للأشياء، أو الكياسة واللباقة، بروح الفكاهة أو النظر ~~المرح إليها، أعانتا معا على بلوغ الزعامة قمة نفوذها في النفوس وسلطانها على ~~الأرواح. # | الأسلوب والتنظيم وحاجة الزعامة إليهما # لا غناء للزعامة عن الأسلوب والتنظيم لكي تصيب النجاح وتبلغ الهدف وتوفي على الغاية، ~~وتنبغي مراعاة هاتين القاعدتين في الزعامة ذاتها، وفي الهيئة السياسية أو الاجتماعية التي ~~ترأسها، أو تتولى الإشراف عليها، وتقودها إلى الغرض المرجو والمقصد المنشود. # أما من حيث الأسلوب والتنظيم بالنسبة للزعيم نفسه، فمظهر ذلك في ترتيب أوقاته، وتنظيم ~~ساعات عمله، وتنسيق برنامج عمله اليومي، وتوحيد طريقته في التفكير، ومنحاه في النظر إلى ~~الأشياء وتقدير الأمور وتدبير الشئون. وأما من جهة الجماعة نفسها أو الهيئة التي يليها، ففي ~~بناء وحدة قوية، وإنشاء نظام مكين ثابت، وتعيين نيابة صالحة عنه، وتمثيل مناسب كفء للقيام ~~بمهمته، وحسن اختيار أعوانه، وتسلسل القيادة في صفوف الموالين والتابعين؛ لتكون ثم ~~رياسات فرعية، وشعبات منظمة متعاقبة متتالية، كما يتجلى ذلك أيضا في مبلغ تنشيط القوى ~~العامة، وإثارة الحمية للعمل، وبث روح التآلف والتضامن، وبعث الملكات والكفايات الكامنة إلى ~~الظهور والإنشاء والتكوين. ~~«مكان لكل شيء وكل شيء في مكانه» هذا هو مفتاح الأسلوب وشعاره والمراد منه، فإن العقل ~~الذي يشتغل كالساعة هو أروع مظهر لمعنى الأسلوب وفضله، وأدق التعريف لصفته وطريقته، ويبدأ ~~الأسلوب بالصغير والتافه، وينتهي بالكبير والعظيم والخطير من الأمور، ففي هذا التدقيق الكلي ~~يبرز جلال الزعامة، وعليه ينهض أساس كل رياسة ms057 ناجحة مهتدية إلى الطريق. # وقد وضع الفيلسوف «كانت» نظاما ثابتا لحياته لم يكن يرتضي فيه تغييرا أو تحويرا يوما ~~من الأيام، حتى قيل إنه كان يخشى التغييرات التافهة مخافة أن تؤثر في صحته أو تعوق سير ~~دراسته، فكان الشديد على نفسه المتزمت العنيف، لا يعرف في أسلوب عيشه تساهلا، وحتى كاد ~~يجعل «التدقيق» أول صفات العلم ومزاياه، وكان يصر على أن يحتذي مريدوه وطلاب العلم عليه ~~حذوه في هذه الصفة التي كانت عنده بارزة. # وكان بنيامين فرانكلين يمتحن مبلغ تدقيقه في مسلكه وتصرفاته بين حين وآخر بأغرب ضروب ~~الامتحان ليصلح من أخطائه، ويهذب من أغلاطه، ويمحو من هناته. وكان فريق من العظماء والزعماء ~~والنوابغ الكبار يحفظون «يوميات» يدونون فيها كل أعمال يومهم ساعة فساعة، حتى وقت النهوض من ~~الفراش، وما قرءوه قبل الفطور وبعد الفطور، وجملة ما يفعلونه سحابة النهار، وكان دأبهم في ~~هذا التدوين مراعاة الدقة التامة في نظام العيش وأسلوب الحياة. # وروي عن باستير العالم البحاثة الكبير أنه القائل: «إن الفرصة الحسنة لا تواتي غير العقل ~~المنسق المنظم.» ولقد اتهمه أصحابه بالبطء ونسبوا إليه يوما التراخي من فرط هذا التدقيق ~~العجيب الذي أخذ نفسه به في كافة بحوثه وأعماله، ولكن الذين تدبروا مزية هذا الأسلوب وفضله ~~ونفعه راحوا يقولون إنه ما كان يقرر شيئا إلا وهو المتثبت منه المتأكد كل التأكيد، وقد قال ~~فيه أحد الكتاب الفرنسيين: «يحفظك الله يا باستير لفرنسا ويمد في أجلك، ويبقي فيك على ~~هذا التوازن العجيب بين العقل النير الذي يتأمل ويرقب ويلاحظ، والعبقرية الملهمة التي ~~تحس وتكشف وتهتدي، واليد الحاذقة الحكيمة الموفقة التي تنفذ وتستكمل في أتم تدقيق عرف عن ~~العلماء إلى الآن!» # ومن فضل الأسلوب الشخصي وأثره أنه يكسب صاحبه الاتزان، ويجنبه السرعة، ويباعد بينه وبين ~~الزلل، كما أنه يدخر قواه، ويفسح له في وقته ومداه، ويساعده على معرفة العمل الذي في وسعه ~~أن يؤديه، والزمن الذي تستغرقه بدايته ومنتهاه، بل إنه ليعين على الافتنان والتجويد ~~والإتقان، ويجعله يألف حسن التنسيق ms058 والترتيب والتوضيح والبيان. # ولا يكون الأسلوب إلا حيث تكون المهارة، وحيث يسير التدقيق يسير الحذق والبراعة، وفي ~~رفقته يمشي أبدا بعد النظر وفضيلة الاستقلال، وهو مرتبط بجملة من المعالم الخلقية، ~~والمزايا النفسية، والمواهب الشخصية، بحيث تكسب المرء درجة من السلطان، وحدا من السيادة ~~أو الزعامة، لا يمكن التفوق عليها بسهولة من طريق آخر. # ولا خفاء في أن وضع برنامج دقيق للعمل اليومي من شأنه أن يزيد في محصول العمل ونتاجه، ~~ويكثر من قطوفه وثماره، كما أن الأسلوب يقتضي أيضا تنظيم الوقت تنظيما اقتصاديا. وقد ~~كان شارلز داروين العالم المشهور صاحب مذهب «النشوء والارتقاء» - على الرغم من ضعف صحته، ~~وهو ما يجعل عمله بطبيعة الحال محدودا - ينظم كل ساعة من ساعات نهاره لعمل ما أو مهمة ~~معينة، ولا يقنع منها بغير أكبر ربح وأجزل فائدة، وكان يعتقد أن التدقيق والعناية معوان ~~على توفير شطر كبير من الوقت؛ لأنه لا يضطر المرء إلى عمل الشيء «مرتين»، وأحسب داروين هو ~~القائل: «لقد جهل قيمة الحياة من يرضى أن يضيع من وقته ساعة واحدة.» # وقريب من الصفات والمعالم الخلقية التي تحدو المرء إلى اتباع أسلوب معين في حياته الخاصة، ~~ما يتصل بمقدرته على تنظيم الأفراد وتوحيد أمرهم في جماعة معينة، وجمع شتاتهم لتأسيس هيئة ~~عامة، فإن ذلك يقتضي نشاطا وقوة وذكاء ومقدرة على توحيد الجهود واحتثاث الأفراد على ~~العمل معا، وهي ما يسمونه «المقدرة التنفيذية» أو حزم الإدارة، وعزم الأمور، وأصالة ~~التوجيه، وحكمة القيادة. # موسوليني. # وفي عصرنا الحديث لا يستطيع أحد أن يصعد إلى مرتبة الزعيم أو القائد المنفذ إذا لم يحسن ~~توزيع المسئولية ورياضة أصحابه وأنصاره على حمل التبعات. وقد قال أحد أصحاب الأعمال ~~الناجحين في هذا المعرض: «إن السبب في نجاحي حتى أصبح لي هذا المصنع الكبير هو أنني استخدمت ~~لكل فرع منه رجالا أكفاء وأشخاصا خبراء عارفين لمطالبه، إذ لا يتيسر لفرد واحد أن يعرف كل ~~شيء في متجر يحوي ألوفا عديدة من السلع والصنوف، ولقد أصبحنا في عصر «التخصص»، وأمسينا ms059 ~~بحاجة إلى أن نحسن علم ما نحن بحاجة إلى علمه أشمل العلم.» # ومن ثم ليس للزعيم المنظم غناء عن الاستعانة بأهل النظر وذوي الخبرة وأصحاب الخطر ~~والمكانة في الناس فيجمعهم إليه، ويؤلف بينهم حوله، ويسند إلى كل طبقة منهم عملا خاصا، ~~ومهمة مستقلة بذاتها. وقد قيل عن الزعيم لينين في هذه الناحية إنه في كل ناحية من نواحي ~~الحياة يلتمس مشورة الأخصائيين ويركن إلى آراء الثقات، حتى لقد افتقد في الشئون العسكرية ~~عون القواد الذين كانوا في المناصب على عهد الحكم القيصري القديم، وإذا رأيته يستشير ~~«ماركس» الألماني مثلا في المسائل الثورية والشئون الانقلابية، رأيته كذلك يستنصح تايلور ~~الأمريكي مثلا بسبيل حسن الإنتاج الصناعي ووسائل تقدمه وتنميته، وهو لا ينفك يتحدث عن فضل ~~الخبراء من سائر الصنوف والألوان: الحاسب والمهندس والزارع والأستاذ على السواء. # ومن مزايا الزعماء الكبار وأساليب نجاحهم العناية التامة بالدقائق والجزئيات، ولا نحسب ~~موطنا تظهر فيه قيمة هاتين الصفتين ومبلغ نفوذهما وأثرهما العظيم هو أنسب من مواطن التجرد ~~للإصلاح الاجتماعي، ومواقف الجهاد المجتمع الصفوف لتحقيق غاية عامة، ففي هذا المجال تتجلى ~~فضيلة التدقيق، وقيمة العناية الكاملة بكل صغيرة وكبيرة. # وشاهد ذلك فيما قرأناه ذلك الوصف البديع الذي وصفته السيدة بنكهرست الإنكليزية التي كانت ~~تدعو إلى منح النساء في إنجلترا حق الانتخاب، ففي ذلك تقول تلك الزعيمة العجيبة: لقد كنا ~~نعرف أننا نستطيع تنظيم مظاهرة كبرى تفوق كل المظاهرات العظيمة التي كان الرجال يقيمونها في ~~سبيل الظفر بحقوقهم الانتخابية في خلال القرن التاسع عشر، فقد قيل إن أعظم مظاهرة قامت من ~~قبل واحتشدت في «هايد بارك» كانت تبلغ اثنين وسبعين ألفا أو نحوها، فاعتزمنا - نحن النساء ~~- أن ننظم في ذلك الموضع بالذات مظاهرة تضم مائتين وخمسين ألفا على الأقل، وحددنا يوم ~~الأحد الحادي والعشرين من يونيو سنة 1908 موعدا لإقامتها، ولبثنا أشهرا طوالا نعمل في ~~هذا السبيل لكي نجعل ذلك اليوم مشهودا جليلا خالدا في تاريخ الحركة النسوية، حتى لقد ~~أنفقنا في الدعاية والإعلان وحدهما ما يزيد على ms060 مائة ألف جنيه ، وملأنا جدران لندن وكافة ~~المدائن الكبيرة إعلانات ضخمة منوعة، كما وضعنا خريطة تبين فيها الطرق التي تسير فيها ~~المواكب السبعة إلى موضع الاجتماع في «هايد بارك»، وخريطة أخرى لتوزيع الأماكن في ذلك ~~المتنزه بين الحشود والمواكب المتفرقة، ونظمنا أنفسنا أعجب التنظيم وأبدعه حتى لقد قضينا ~~أسبوعا كاملا قبل الميعاد نخرج كتائب من النساء تخترق الشوارع حاملات الألواح والإعلانات ~~في كل مكان ...» # هتلر - زعيم ألمانيا النازية. # ولا مراء في أن الجماعات الكبيرة المنظمة من شأنها أن تمتص وتبتلع وتجتذب، وهي في ذلك كله ~~قوية الأثر، شديدة الامتصاص، رهيبة الجاذبية، ومن ثم قد تنتزع الزعامة المتفردة المطلقة ~~بقوة هذا الامتصاص آخر شيء من النشاط عند الأفراد والتابعين، وتستنفد كل ذرة من قوى الأنصار ~~والمنضوين تحت رايتها، كما قد ينتهي الغلو في التنظيم إلى جعلهم مجرد آلات مسخرة وأجهزة ~~آلية فاقدة الإرادة، ومثل هذا مشاهد في الجماعات الكبيرة التي يقودها هتلر، كما هو ظاهر كل ~~الظهور في النظم الفاشية تحت سلطان الزعيم الإيطالي موسوليني، فإن الرجال والنساء والشباب ~~والشيب مندمجون في هذه النظم اندماجا كليا ينزع منهم كل إرادتهم، ويجردهم من كل استقلال ~~المشيئة وحرية التصرف والسلوك والتفكير. # ولكن الزعيم الحذر الشديد اليقظة غير المجازف ولا المتهور، حري بألا يغلو في بسط ~~سلطانه، خليق بألا يتناهى في إملاء إرادته، حتى لا تكون قيادته قيادة استعباد، ونفوذه ~~نفوذ مستبد طليق الهوى. # وقد رأينا قبل الآن زعماء عدوا من خيرة المنظمين للجماعات، ثم لم يستطيعوا في بعض ~~الأحيان أن يجنبوا أنفسهم الجنوح إلى انتزاع إرادة الناس انتزاعا، والحمل على قواهم بأشد ~~العنف والإجهاد، وقد قيل عن الرئيس «هوفر» إنه كان يتولى كل شيء في الجماعة، وينفرد بكل ~~صغيرة وكبيرة من السلطان حتى لينفرد بالأمر المطلق في تحريك أقل شيء، وتنفيذ أتفه ~~الشئون. # وأخطر ما تنبغي الإشارة إليه بسبيل التنظيم هو حسن اختيار الأكفاء لتوزيع التبعات عليهم، ~~فقد شهدنا زعماء حكماء يحسنون انتقاء الأفراد الذين يعرفون أكثر منهم في النواحي المختلفة ~~من حياة ms061 الجماعة ويدركون ماذا ينبغي من العمل، وما يجب من التصرف، أسرع وأتم وأكمل من ~~إدراكهم. والقاعدة التي راضوا أنفسهم في ذلك على اتباعها هي أن يجعلوا صحبهم وزملاءهم ~~كبارا مثلهم ذوي تبعات معينة عليهم، بارزين بجانبهم، ماثلين أمام الشعب بأخطارهم وكفاياتهم ~~ومواهبهم المنوعة. # وقد كان من هذا الطراز من الزعماء سعد زغلول، إذ جعل من دأبه وديدنه توزيع التبعات بين ~~صحبه وأنصاره الكبار، وخلى بينهم وبين مواهبهم يبرزونها في كل ما يسرت له، كما كان ~~يشجع على إبرازها، ويأخذ بأيدي الموهوبين والأكفاء ليصعد بهم إلى القمة، ويعلو بهم إلى ~~الأوج. وكان الوفد المصري هو ثمرة هذا التنظيم النيابي في هيئته، ونتاج هذا التنسيق الحكيم ~~في سائر نواحيه وفروعه، حتى لقد عد الوفد بشهادة خصومه من خير الهيئات السياسية تنظيما، ~~وأمتنها في تدبير الخطط إحكاما، وأروعها في العمل أساليب. # وقد سار خليفة سعد على آثار سلفه؛ فاستطاع أن يبقي الوفد على هذا النظام التقليدي ~~المكين بعنايته البالغة بالروح المعنوي في وسط الجماعة، ويقظته التامة لمطالب التوزيع في ~~المسئوليات، وتقسيم الواجبات، وحسن سير العمل في كل موقف وظرف وحين. # وقد مات بوكر واشنطن فظن خصوم حركته في أمريكا أن عمله قد انتهى بنهايته، والحركة ~~منطفئة بانطفاء سراج حياته، ولكن لشد ما بهتوا وعجبوا أن رأوا ذلك النظام البديع ~~المكتمل قد عمر بعده طوال السنين. # وهذا هو ما كان خصوم الوفد يتوقعونه عقب رحيل سعد من هذه الدنيا، ولكن خاب فألهم، ~~وطاشت أحلامهم، وظل الوفد قائما على شأنه، مستوليا على مكانته، ملتفا حواليه من الأمة ~~التي عرفت كيف تصونه وتحوطه بسياج من الإيمان، وسور منيع من اليقين. # وبفضل التنظيم الداخلي في الجماعة أو الهيئة أو الحزب لا يلبث الزعيم أن يجد نفسه على رأس ~~حشود من أشباهه، وجموع زاخرة يحتذون حذوه ويسيرون على منهاجه، فهو قائم على رأسهم، ولكنه في ~~الواقع موزع فيهم، كثير بينهم، متعدد الصور والأمثال في وسطهم، وإنما نجاح ذلك كله رهن ~~بمجنح الزعيم واستعداده واتجاهه، فإذا ابتغى من هذا ms062 جميعا محض مجده الذاتي ومجرد شهرته ~~وغايته، ففي أكثر الأحايين ينتهي الأمر به إلى السقوط والتلاشي والفناء، أما إذا كان هدفه ~~الأوحد منه هو إنجاح قضية ما، أو الفوز بمقصد عام وأمنية قومية، فليس أمامه سوى العمل على ~~تنمية الكفايات من حوله، وادخار القوى المنشئة بجانبه، ولا غناء في سبيل النجاح عن إطلاق ~~اللجم وإرسال الأعنة، والسماح للأفكار الجديدة والمثل العليا أن تعيش وتحيا بفضل احتثاثه ~~وحفزه وتشجيعه. # وأنت فقد تسأل كيف يتسنى للزعيم أن يتعهد الهيئة التي يقودها بالتنمية والتعزيز والتكثير، ~~هل يعمد إلى زيادة عدد أفرادها، والإكثار من أعضائها، وتضخيم حجمها، حتى تتفيل وتتناهى ~~جسامتها البارزة، أم يتولى الإشراف على الكفاية، وتغذية مصادر الإنتاج، والعناية التامة ~~بالعمل والإنشاء والخلق والبناء؟ ونحن مجيبوك بأن الزعيم الطليق المنفرد يفضل الوجه الأول، ~~وأن الزعيم الديمقراطي هو الذي يؤثر السبيل الثانية. وقد رأينا زعيما مثل فرانكلين ~~يأبى قبول مزيد من الأفراد في عضوية حزبه أو ناديه «الجونتو»، على رغم الإقبال على الدخول ~~في حظيرته، مكتفيا بالقدر الذي اندمج فيه، مستغنيا عن الإكثار بترقية الكفايات وحسن ~~القيام على النظام؛ لأنه المعوان الأوحد على النجاح. # إن أكبر مظاهر الزعامة الديمقراطية لتتجلى في رغبة الجماعات في العمل معا، ومعرفة وجوه ~~القوة ووجوه الضعف فيها، واكتشاف الميول التي لا تجد سبيلها، والنزعات التي لم تبلغ غايتها، ~~والعمل على توجيه الجهود والقيام ككتلة واحدة تامة الأجزاء مرصوصة البنيان. # ومما يعيب بعض الزعامات أنها قد تروح جنوحا إلى الترفع عن الجماعة واعتزال الصفوف، ~~والتواري بالحجاب عن الجماهير، ومحاولة السمو على الأفراد، وأنها قد تنادي بوجوب التضافر أو ~~التعاون، ولكنه لا يعدو أن يروح تعاونا من جانب واحد وتضافرا يؤدي كل فرد منهم ما يريده ~~الزعيم ويشاطره ويبتغيه، وقد كان تيودور روزفلت أكبر من أدرك وجوب قيام العناصر ~~الديمقراطية في الزعامة فقال: «لقد تعلمت درسا غاليا لا يقوم بثمن ولا يقدر بقيمة، ~~وهو أن ليس من أحد في وسعه أن يؤدي أرفع خدمة للمجموع ما لم يتعاون وصحبه وزملاءه ms063 عليه، فإن ~~كلمة «خذ وهات» هي شعار التعاون الصحيح، ووجه التضافر التام الكفيل بأحسن الثمر.» # إن الأسلوب والتنظيم إذن مشتركان اشتراكا فعليا حقيقيا في العمل على إنجاح الزعامة، ~~وتيسير السبل أمامها نحو الفوز المبين، وبلوغ الغاية النهائية الحاسمة ... # | أخطار الزعامة والعوامل السيئة التي تتأثر بها # كثيرا ما نقرأ أو نسمع خلقا من الناس في حديثهم عن زعيم أو قائد جماعة أو ذي سلطان ~~يقولون: «لقد ورم رأسه» أو «هو المسرف في تقدير نفسه»، أو أنه عنيف في الحمل على أنصاره ~~وسوق أتباعه، أو هو «لا يستمع إلى نصح ناصح، ولا يستجيب إلى مشورة مشير»، أو «إذا أردت أن ~~تكون ذا قربة منه وحظوة لديه، فأمن على كل كلمة يقولها، وصانعه في كل ما هو صانع»، أو ~~«هو يحاول أن يجعل كل إنسان طائر النفس شعاعا من خيفته»، أو «إذا رأيته غاضبا فلا تقترب ~~منه، والتمس عياذا ونجوة من سورة غضبه»، أو «هو بالنساء أبدا مشغول الخاطر مفتون». # هكذا يقول الناس في أحاديثهم عن زعماء كثر أو قواد أعلام، وهذا بلا ريب بعض ما يذم ~~الزعماء به، فإن هناك ما هو أكثر من هذا وأسوأ قيلا، وكله يدل على أن الزعماء هم أبدا ~~موضع دراسة الناس وملاحظاتهم أكثر مما يتصورونه حاصلا، كما ينم على أن الذين يبلغون مراتب ~~السلطان على الغير قد تتطرق إليهم صفات غرائب عليهم، وتتسلل إلى نفوسهم عوامل سيئة تبديهم ~~في صور شوهاء للأبصار، وتتعرض زعامتهم لأخطار متعددة وآفات كثر وأذى شديد. # وقد يكون الزعيم في إنفاذ سلطانه على الناس مستمدا مكانه ونفوذه من رضاهم التام وبيعتهم ~~الكاملة، وثقتهم الغامرة الشاملة، ومع ذلك نراه مجاوزا كل حدود نفسه إلى الإضرار بسلطانه، ~~وتسوئة مكانه، والإيذاء لأنصاره وأشياعه وأعوانه. # وليس من شك في أن أية لوازم وخواص تجعل الزعيم معنيا بنفسه إلى حد الغلو والسرف ~~والإفراط، ناظرا إلى إرضاء عاطفته وحدها وشخصه ذاته، تصبح خطرا يتهدد زعامته ويوشك أن ~~يفسد صلاته بالذين من دونه، ومثل ذلك أن يكون غير متزن ms064 الذهن، أو مريضا ببعض العلل ~~النفيسة، أو معوضا عن مناقص فيه ومعايب بوسائل غرائب، ووجوه شذوذ، أو أساليب مضللة، أو ~~أسير عادات سيئة ولازمات فاسدة؛ فإن ذلك ونحوه من شأنه أن يحيط مكانه في الناس بخطر شديد لا ~~يلبث أن يذهب به وينزعه منه نزعا. # على أن حالات الشذوذ الباثولوجية - الناشئة من بعض العلل والأدواء - هي كقاعدة عامة أقل ~~من حالات الإفراط والغلو في خواص ولوازم اعتيادية تفسد السلوك وتتنكب الطريق السوي، ~~والسبيل القويم، ومن ثم تقيم حواجز وحوائل أمام سلطان الزعيم ونفوذه. # ونحن معالجون في هذا الباب من الكتاب كلتا الناحيتين، متوخين شرح الظواهر الغالبة في ~~ناحية الاضطرابات الخلقية والعلل والمساوئ التي قد تتعرض لها الزعامة أحيانا، فتفسد عليها ~~محلها من النفوس، وتؤثر في مكانها من الجماعات أسوأ الأثر. # وليس يخفى أن من أول واجبات الزعماء أن ينظروا إلى الناس كغايات في أنفسهم لا كآلات ~~وأدوات في سبيل تحقيق الغايات التي يفرضها الزعماء عليهم فرضا، ويريدونهم عليها إرادة ~~إكراه وقسر وغلاب، وأن أية صفات أو منازع من شأنها أن تحيل الزعيم مزهوا بذاته عنيفا ~~على الناس شديد الوطأة بالغ القسوة، تجعله بلا ريب يجنح إلى تغليب رضوان ذاته وإشباع نفسه، ~~على إرضائهم، والظفر بسكونهم إليه. # وكذلك يمكن القول بأن الشخص السليم العقل الصحيح الموفور العافية إنما يجنح إلى النفوذ ~~بالحض لا بالإكراه، وبالاحتثاث لا بالضغط والإجبار، وباللين والعرف لا بالاستبداد ~~والعنف. # ولا ينبغي أن ننسى أن للسلطان إغراء، وأن في هذا الإغراء الخطر كل الخطر على الزعامة إذا ~~هي لم تتئد وتأخذ نفسها بالرياضة وكبح الجماح. # وقد يعترض مع ذلك بأن الاتزان العقلي لا ينتظر من الزعماء؛ لأن الصفات التي جعلتهم ~~زعماء هي بطبيعة الحال التي جعلت لهم ذلك التفوق الرفيع على الناس، فهم بها أغنياء عن ~~التماس صفة أخرى على التعيين، ولكنا نستطيع بكل سهولة أن نستشهد بأمثلة كثيرة لزعماء يرجع ~~سلطانهم إلى أنهم جعلوا من رذائلهم فضائل، وتخذوا من مساويهم حسنات، أو إلى اعتمادهم على ~~خواص معينة ms065 فيهم تناهت في الغلبة على سواها، وانمازت عن غيرها، فأصبحت هي البارزة البادهة ~~الغالبة. # وفي الحق إذا نحن نظرنا إلى الفرد من ناحية كفايته وصلاحيته للزعامة، وإلى المجموع من حيث ~~بحثه عن الزعيم الموفق الناجح القوي المكين، بدا لنا أن الإفراط في بعض الصفات وتناهي ~~الحد في بعض المزايا والخواص، هو وحده الخطر الذي يهدد الزعامة، وإنه من الخير لها أن تكون ~~على توازن في الصفات، وتعادل في الخواص والمزايا؛ لتستقيم على وجه صالح، وتأخذ أقوم ~~طريق. # ونحسب تقسيم العوامل المختلفة التي تؤثر في الزعامة سيئ الأثر تقسيما علميا، وجها من ~~البحث ليس من شأننا، وإنما يصح أن نعرض لها في لغتنا ليكون ذلك مفتاحا لمن يبتغي في هذا ~~الباب توسعا ويطلب مستزادا. # ولكن لعل أكثر هذه العوامل اتصالا بالموضوع الذي نحن بسبيله هي شهوة السلطان، وسرعة تغلب ~~العاطفة، والمخاوف الملحة الدائبة، والإحساس بالعجز، واختلاف الشفائع والمعاذير، واختلال ~~الوظائف الجنسية، والنزوع إلى العنف والقسوة. # ونحن متناولون هذه العوامل بالبحث إيجازا واختصارا ... # إن الرغبة في الرفعة والرياسة والسؤدد هي من غير شك أحد الدوافع الرئيسية في الإنسان، بل ~~هي الحافز الذي يؤثر في مسلكه، ويطبع تصرفاته بلونه، ويسيطر على جميع حركاته وسكناته، وهو ~~بلا ريب دافع طبيعي ضروري في الحياة، فكل منا يريد أن يذكر ويشاد باسمه؛ بل كل منا يريد ~~أن يحسن في عيني نفسه ويشعر بأن له في ذاته شأنا وفضلا، والزعيم بطبيعة الحال يصيب ~~أكثر من غيره الفرصة التي ترضي في نفسه هذا الشعور وتشبع هذه الحاسة باستخدام الزعامة ~~وتنفيذ السلطان، ولكن هذا الحب للرفعة والرياسة والسيطرة من السهل للغاية أن يخرج زمامه من ~~اليد، وتتسرب لجمه من القبضة، ويوم يصبح مركز الزعيم أو مجرد استحواذه على السلطان ~~السبيل الوحيدة لإبراز السيادة، وإظهار إرادة التملك، وإبداء مظاهر النفوذ؛ تتمثل أخطار ~~الإفراط، ويخشى من عاقبة السرف والغلو ومجاوزة الحدود. # وقد يتخذ هذا الغلو أو هذا الإفراط أشكالا متعددة، فمثلا قد يجد الزعيم في ذات نفسه ~~الشعور بالغبطة بسبب الترفع ms066 عن السواد، والإحساس بالسمو عن الجمهرة، والزهو على الناس، ~~والترفع عن مخالطتهم، وما يتبع ذلك من إظهار التنزل إليهم تفضلا منه وتكرما، والنزوع إلى ~~الغرور والعجب والخيلاء والعزة والكبرياء، وقد يقتضيهم حدا مفرطا من التضامن فيه ~~والولاء له، فيضطر بذلك إلى تقريب الملقة وإحاطة نفسه بجموع المزدلفين والمتمسحين ~~بالأعتاب، أولئك الذين لا هم لهم إلا التأمين «بأي نعم» على كل ما يقوله، والتمداح لكل ~~ما يفعله، والطبل والزمر أبدا من حوله، وقد يأبى إلا متابعة هواه، وتغليب إرادته على إرادة ~~سواه، والتكبر على النزول على نصيحة النصاح ورأي الصحب والخلطاء والمشيرين. # وأنت فقد تجد أحاسيس الغيرة من الآخرين الذين قد يتطلعون بأبصارهم إلى مركز زعامته ~~ومحل رياسته، بارزة عند بعض الزعماء كدليل على الرغبة في التفرد بها والاستئثار المطلق، ~~دون منازع أو شريك. # هذه هي طائفة من الحالات التي يستبد فيها الكلف بالسلطان بنفس صاحبه، فماذا يصح أن ~~يصنع في علاجها، وما سبيل العمل على إزالتها واستئصالها من أصولها الدفينة وجذورها ~~المستسرة ...؟ # أولا دعنا نسأل لماذا نجد بعض الزعماء يظهرون أثرتهم من خلال زعامتهم على هذه الصورة ~~المكشوفة البينة؟ هل ذلك راجع إلى محاولة التعويض عما في نفوسهم من الإحساس بالعجز، أو ~~عما كان في صغرهم وحداثتهم من الضغط والتضييق والاحتجاز، أو ما غشي عهد تربيتهم ونشأتهم من ~~خنق العاطفة، وتعطيل الملكات، ومحاربة الصفات الطيبة، والانبعاثات الحسنة الخيرة ~~الفاضلة؟! # هذا هو ما ينبغي أن نفهمه ونتبين دقائقه قبل أن نعمد إلى المعالجة والإصلاح والتقويم، وقد ~~يقتضي الأمر في بعض الأحيان وجوب حمل الزعيم نفسه على الشعور بهذا النقص فيه، وقد لا يغني ~~في هذا مجرد الإيحاء الأدبي، أو التنبيه العقلي، فإن جذوره قد تكون متغلغلة في أعماق ~~نفسه وأغوار منازعه ورغباته، وليس ثم كبير فائدة في محاولة التقويم والعلاج ما لم تفحص ~~البواعث والأسباب فحصا، وتكشف على حقائقها تماما. # وقد تتكشف هي أحيانا وتتبدى للزعيم ذاته دون تنبيه أو إهابة بسبب حوادث تقع له، ~~وخيبات تطالعه، كأن يسقط في الانتخابات ms067 عند محاولة إعادتها ، أو يلقي أمرا إلى الذين ~~يتشيعون له فلا يهرعون إليه، ففي هذه الحالة ونحوها قد يهديه منطق الحوادث إلى مواجهة ~~الحقيقة، والاعتراف بأن علاقاته بالمقودين لم تعد قوية مكينة صالحة، وإلى البحث في ذاته ~~ومسلكه وتصرفاته عما عسى أن يكون العيب فيه والنقص الذي أدى إلى هذا الفشل الأليم. # وأحيانا أخرى قد يستطيع الناصح الأمين، والصديق المخلص، والمشير الغيور، أن يقنع الزعيم ~~بأن تناهيه في حب السلطان مزيل له معجل به، وقد يكون هو على الأيام قد شعر بالخطأ وأدرك ~~من تلقاء نفسه الغلط والمعاب، فإذا جاءت النصيحة من المشير مطابقة لما في صدره، مماثلة لما ~~في خاطره، لم يبق غير التماس الأسباب التي أدت إليه، والبحث عن البواعث عليه، وحينئذ تنبغي ~~معالجتها، ويصح العمل على إزالتها، وليس من الميسور هنا بيان الخطوات التي تتخذ في هذا ~~السبيل؛ لأن لكل حالة علاجا، ولكل علة من العلل أشفية ودواء. # بيد أنه في الإمكان إبداء جملة من الملاحظات على وجه العموم، فقد يكون من الخير ~~أحيانا أن يعمد الزعيم المستهتر - أي المولع - بالسلطان إلى توسيع مرمى تفكيره ~~ومدى نشاطه حتى يتيسر لكلفه بالسلطان أن يجد أكثر من مجال واحد أو متنفس بذاته أو ~~اتجاه ليس غير. ومما يصلح شأن الزعيم المفرط في الإعلان عن نفسه، المسرف في تحكيم نفوذه، ~~المجاهر بأن عمله هو كل حياته، أن يوجد لنفسه ملهاة أو تسلية ما أو «غية» ينشغل بها ~~قليلا عن حصر كل تفكيره في ذاته، فتخفف من حدة إحساسه بسلطانه، وارتكاز كل عاطفته في ~~زعامته، وتهيئ له جوا أوسع للتأمل، ومرمى أفسح جوانب للتفكير المتزن، والخاطر السديد ~~الراجح، كما تستنفد فرط نشاطه والزائد عن الحاجة من قوته في سبل لا تغري بالإسراف في ~~إعطاء فكرة السلطان أكثر مما تستحق. # وليس بعيدا من الصواب ولا من المشاهد المحسوس في الجماعات الكبيرة والهيئات الواسعة ~~النطاق، ألا يكون للزعيم سبيل منظم للاتصال الدائم الوثيق بأتباعه والمشايعين له، فلا تسنح ~~له الفرص، ولا تتهيأ له ms068 الظروف لدراسة شعورهم نحوه دراسة جدية دقيقة، وفهم أحاسيسهم من نحو ~~تناهيه في النفوذ واستبداده بالسلطان، فلا يتاح له اكتشاف ذلك إلا بعد فوات الأوان، حيث ~~يصبح من الصعب عليه أن يزيل ما علق بأذهانهم من هذه الناحية، وحل في صدورهم من هذا ~~السبيل. # ومن ثم تنهض حجة القائلين بوجوب إيجاد وسائل صالحة منظمة لاتصال الزعامة بأشياعها، ~~والاجتماع بممثلي الجماعات المنضوية تحت لوائها، حتى يرى الزعيم الأمور على حقيقتها، ويمسك ~~بالمرآة أمام الطبيعة لتنعكس له عن صدقها ودقائقها ومعالمها، فإذا ما رأى في نفسه اعوجاجا ~~قومه، أو تناهيا في السلطة انحرف عنه إلى جانب الاعتدال والاتزان. # ومن أكبر المبررات البسيكولوجية لإقامة هيئات تمثيلية فرعية وإنشاء لجان متعددة، أن ~~ممثلي الجماعات والناطقين باسمها والنواب عنها يستطيعون - إذا شاءوا - أن يحدوا من مناحي ~~سلطان الزعيم وغلو اعتداده به، وأن يجعلوه دائما مدركا لرغباتهم، شاعرا بأمانيهم ~~ومطالبهم، عليما بما ينبغي لهم قبله من حقوق. # ومن أساليب الوقاية قبل العلاج، أن يدرب القادة وهم في مطالع أمرهم، ويراض ~~الرؤساء والذين ينتظر أن يصبحوا يوما في مواضع الزعماء، على أن يفهموا هذه الحقيقة ~~الكبرى التي ينبغي لكل زعيم النزول عليها والائتمار بها، وهي أن الزعيم في الأمة هو خادمها ~~الأمين على ما استودعته، العامل بمشيئتها؛ لأن مشيئة الشعب فوق مشيئته ... # لقد أسلفنا عليك ما للانفعال وسرعة الغضب من أسوأ الآثار وأكبر الأخطار على الزعامة، ~~والآن نقول استكمالا لهذا الباب من الكلام إن هناك مظاهر أخرى لسرعة البادرة وتقلب الأهواء ~~ينبغي التوقي منها والعمل على درء أسبابها، فثم مثلا سرعة الهياج، وعاجل الحدة، ~~وتقلب المزاح، وانتياب الكآبة والوجوم والاغتمام، أو الانتقال السريع بلا سبب ظاهر ولا علة ~~واضحة من التهلل والتطلق وإشراق الطلعة إلى الاكتئاب والتجهم والإطراق، وقد يصبح هذا في ~~الحالات الشديدة عارضا مرضيا، وهو معروف «بالسوداء»، وهي حالة دقيقة تستوجب أبلغ العناية ~~وأدق العلاج. # وثم حالة أخرى، وهي حالة النشاط العصبي الأهوج الذي لا يكف ولا يهدأ، أو فرط الانشغال ~~المجرد مع العجز عن ms069 تركيز القوى في عمل ما أو مهمة معينة، وقد تلوح هذه النزعة الظاهرة ~~القافزة للناظر في بعض الأحيان انبعاثا قويا، ونشاطا عظيما زاخر الأمواه، غزير التيار، ~~ولكنها إذا ما اقترنت بالعجز عن التركيز والتمام، أو لم تتجاوز حد القدرة على الابتداء بعمل ~~وتركه، والشروع في أمر والانصراف عنه؛ كانت مظهر تقلب خطير يحتاج إلى العناية ~~والعلاج. # وقد تكون أسباب هذا التقلب كثيرة ومنوعة، وهي في أغلب الحالات ترجع إلى علل «عضوية»، وقد ~~تكون عوارض لأمراض تتصل بعسر الهضم، والارتباكات المعدية، أو اضطرابات الغدد، أو الاختلال ~~في الوظائف الجنسية، أو الشيخوخة وتقدم السن، أو التعب والإعياء، كما قد تكون مظاهر انزعاج ~~وانشغال واضطراب نفسي عميق الأثر. ومثل هذه الحالات من شأنها أن تدع الأنصار والأشياع لا ~~يجلدون على احتمال الأهواء الغريبة التي تولدها، والأوهام والأطوار الشاذة العجيبة التي ~~تقترن بها في أغلب الأحيان. # على أنه ينبغي التمييز مع ذلك بين سرعة التقلب الذي تتجه آثاره وتحكماته نحو الناس ~~فيضيقون بها ويستشعرون ضغطها وثقل وطأتها، وبين فورة العاطفة لفكرة ما أو قضية معينة تنزل ~~من النفس منزلة التقديس، ففي هذه الناحية ليس من المحتم ارتقاب الثبات الرزين، ولا من ~~المرغوب فيه إيثار السكينة الجامدة، وإنما لا ينفي هذا وجوب إنصاف الزعيم في هذه الناحية ~~بحسن وزن الأمور، وأصالة الحكم، ودقة التقدير، بل المنتظر من الزعامة الرفيعة السامية أن ~~تكون مفعمة العاطفة قوة ونشاطا وحماسة وفيضا روحيا، وأن تضع كل همها ومدخر قواها في ~~تلك الفكرة المقدسة أو القضية العظيمة الشأن؛ لأن فورة الإحساس بسبيلها قوة مرهوبة، وحماسته ~~من أجلها هي كل فضلها وسلطانها؛ بل إن سرعة التقلب عنده في هذا المعنى تجدي عليه أحسن ~~الإجداء، وترد عليه خير مرد. # لقد أصبحنا نعرف اليوم أن المخاوف - وإن لم يعترف الأفراد بها في الغالب - قد تلعب دورا ~~كبيرا للغاية في إفساد الصلات الإنسانية وتوهين الوشائج العظيمة الأثر بين الناس، ولئن كان ~~يلوح غريبا مستغلقا على الذهن أن يقال عن فرد يتولى قيادة مجموع من ms070 الناس إنه يعتريه ~~الخوف أحيانا، وينتابه الفرق والخشية والتوجس في بعض الظروف، فمما لا شك فيه أن ذلك هو ~~الواقع، أو كثيرا ما يكون الصحيح، ونحن باحثون هنا في بعض أنواع الخوف التي يتأثر بها فريق ~~من الزعماء والمتولين الرياسة في الناس. # فأولا قد يخاف بعض الزعماء ألا يكون الخليق بأداء مهمته، القدير على الاضطلاع بعمله، وقد ~~يخشى ألا تكون لديه المؤهلات لها، أو أنه على وشك الفشل فيما بدأه، والخيبة المخزية فيما هو ~~ماض فيه، وقد يتألم من إدراكه أنه ليس بالمتكافئ وأصحابه، المتساوي وزملاءه، في الحظ ~~المظفور به من التربية والتعليم، أو من حيث الأصل والمحتد والنسب في المجتمع، أو في السمت ~~والهيئة والمظهر، أو في الخبرة والشهرة بين الأنصار والأعوان. # وقد يحس الخوف من أن مركزه ليس مضمونا بسبب عجزه عن إرضاء الذين من فوقه أو من دونه، وقد ~~يبلغ منه هذا الشعور أحيانا مبلغ المرض الفكري المثير لأشد الألم، المحدث لأعجب الأوهام ~~والأخيلة والتصورات المزعجة، حتى ليتوهم أن ثم ائتمارا خفيا للإيقاع به، أو كيدا ~~مبيتا لإحباط عمله وإفساد الأمر عليه؛ كما قد يكون في باب الخوف أو من بعض صوره وألوانه، ~~الغيرة من أفراد يلوحون كأنهم موشكون أن يظفروا بمكان مساو لمكانه أو فوق ذلك ~~مظهرا. # ولا خفاء في أن هذه الخوالج ونحوها مما يذهب بفضيلة الثقة بالنفس ويحطم قوة الاعتداد ~~بالذات، ويصرف جميع القوى إلى جهة الشيء المرهوب، وناحية ما هو مثير للخوف والوهم، ويخمد ~~الحماسة، وتخبو به الحمية، ويتلاشى من أثره النشاط؛ بل هي عامل سيئ، وحائل كبير دون بروز ~~المواهب، وظهور القوة الشخصية، وإن كانت هذه الخلجات في العادة مسرفة معطاة أكثر مما تستحق ~~من العناية، بل قد لا يكون ثم مبرر لها ولا عذر، وقد تدل على أن صاحبها لا يواجه الحقائق ~~كما ينبغي بشجاعة وتؤدة واتزان أن تواجه. # وما أحوج رجل كهذا إلى مساءلة نفسه: ما هذا الذي أنا منه خائف، ولماذا أنا منه وجل ...؟! ~~فإن المواجهة الصادقة لهذا السؤال ms071 كثيرا ما تكشف عن مبلغ الوهم فيه، وتبين للمرء أن لا شيء ~~ثم يستوجب مخافة، أو إذا كان الأمر مستدقا بعيد الغور، فإن مجرد محاولة الاهتداء إلى ~~السر وكشف الدافع قد يشجعه على معرفة ما في مكنته أن يتوسل به لإزالة أسباب هذا التوهم ~~الملح الذي أوجده الخوف والإيجاس. # ولكي نبين كيف تفعل المخاوف والصدمات القديمة في هدم النفوس، وكيف تحدث حالات الرعب ~~والفزع التي وقعت للناس في الطفولة، ثم مع الزمن والتقدم في العمر ذهبت نسيا منسيا، من ~~سوء الأثر في الحياة العملية وعهود الرجولة أو الشباب - نقص الآن عليك قصة رجل اعتاد في ~~الاجتماعات الكبيرة الجلوس قريبا من محل الخروج وباب الانصراف، حتى لقد غلبت عليه هذه ~~العادة فلم يكن يخالفها في أي اجتماع، أو يشذ عنها في أية حفلة من الحفلات، ثم حدث يوما أن ~~طلب إليه عند إعداد برنامج احتفال ما أن يلقي خطابا باسم الجماعة التي يمثلها فيه، وكان ~~الحفل سيقام في بعض المسارح الأهلية، فلما نهض ليخطب القوم لم يلبث أن تولاه رعب شديد، وشعر ~~كأنه قد وقع في فخ، وراح يدور بعينيه حوله ملتمسا سبيلا إلى الخروج، وقد بلغ منه الروع كل ~~مبلغ حتى لقد جرى تاركا المسرح لا يلوي على شيء إلى الشارع في فزعة الهارب الباحث عن ~~النجاة. # ولما ثاب إلى نفسه تبين له أن هذا الذي كان منه لا يمكن أن يكون مجرد فزع من وقفة المسرح، ~~وذهب يستشير أحد الأطباء النفسيين، فلم يلبث هذا أن كشف سر هذا التوهم العجيب، فقد حمله ~~الطبيب على أن يتذكر حادثا معينا وقع له في طفولته، فتذكر أنه حبس ذات مرة وهو في البيت ~~صغير في غرفة مظلمة عقابا له على هفوة اقترفها، ففيما كان جالسا وسط الظلام في جوف ذلك ~~المحبس الصغير، هاجمته فأرة كبيرة فروعته وأخافته أشد الخوف، وقد ظل أثر هذه الصدمة أو ~~الهزة المروعة باقيا دهرا طوالا مع زوال الحادث ونسيانه، حتى اتخذ خوفه من الاحتجاز في ~~مكان محصور ms072 حالة باثولوجية عنده ؛ أي أصبح «مرضا» متأصلا فيه، متمكنا منه، ولكنه وقد ~~انكشف سر الحادث الذي وقع له في الطفولة، وفهمه هو حق الفهم، واقتنع بصحته تمام الاقتناع، ~~لم يلبث أن كف عن خوفه، وعدل عما كان ملازما له. # وكثيرا ما يعتري بعض الزعماء والموكلين بالرياسات أو المشرفين على مجاميع من العمال أو ~~الموظفين حالات توهم غريب يخيل لهم أنهم مطاردون أو مضطهدون أو غرض أعداء مستخفين ~~وخصوم يسخرون منهم، وهي حالات نفسية مرضية، ناشئة من اضطراب ذهني كلما حاول المرء الخلاص ~~منه أو تهدئة ثائرته وإزالة أعراضه، جنح إلى تفكير خاص أو تعليل ما للموقف الذي يشاهده، أو ~~الحالة الراهنة التي تحيط به. # ومثل المصاب بهذا ونحوه قد يرى مثلا رجلين قد وقفا في ناحية يتحدثان أو يتخافتان بقول، ~~فيقر في خاطره أنهما لا بد من أن يكون حديثهما عنه، وأنهما بلا شك يتساران بشأنه، ~~ويتهامسان عليه أو يكيدان له كيدا. # وقد يحيي أحدا من الناس فلا يسمع هذا تحيته، أو يكون منشغلا في تلك اللحظة بالذات ~~فلا يردها بمثلها أو أحسن منها؛ فيتبادر في ذهنه حالا أن ذلك الشخص يكرهه أو ينقم عليه، ~~وقد يرى في أشياء أخرى من هذا القبيل أو من محض المصادفة ومجرد الاتفاق ما يبعثه على الظن ~~بأن القوم يدبرون له مؤامرة أو يبتغون به ضرا أو يكنون له العداوة والبغضاء. # والعلة هنا أكثر ما تكون في حالة الشخص ذاته، ومن ثم ينبغي تشخيصها، ويجب فحصها ~~والعناية بعلاجها، وقلما تكون في الحوادث والوقائع والملابسات التي يتوهمها، ويرجع بواعثها ~~إلى ذلك الذي يدور في خلده ويضطرب به وجدانه. # وهذا ما يحدو بكثير إلى الاعتقاد بأن هذه الخوالج والتوهمات راجعة إلى بعض عيوب أو مناقص ~~في الأشخاص لا يريدون الاعتراف بها، ولا ينزعون إلى التصديق بأنهم متأثرون بها؛ فلا يسعهم ~~إلا محاولة الاعتذار عنها أو التعليل لها بأمثال هذه الأوهام الكاذبة، وبرد اللائمة على ~~غيرهم فيما يعانون منها؛ مع أن الواقع أن العلة فيهم، وأنهم مرضى ms073 بمخاوف تصورية ليس لها من ~~حقيقة ولا أساس. # ويروى عن أستاذ في بعض الكليات أن رئيس الجامعة تحدث إليه يوما في أمر توليه مقاليد ~~منصب العميد فترة قصيرة من الزمن في غيبة عميدها الأصلي، ولم يكن الأستاذ قد جرب ولا ~~اختبر من قبل أعمال الإدارة، فلم يكد يتلقى هذه الفكرة حتى أحس فعلا وسواسا شديدا يوحي ~~إليه الريب في مقدرته على الاضطلاع بذلك الواجب، والقيام بذلك العبء؛ فلبث مترددا غير ~~مستقر على رأي قاطع في قبول المنصب أو رفضه، وأخيرا انثنى رئيس الجامعة يقول له: «استمع لي ~~أيها الأستاذ ... كلنا يخطئ، وما من أحد سلم من الغلط، وأنا أخطئ وأنت بلا ريب سوف تخطئ، ~~ولكني واثق أنك ستؤدي عملا حسنا في هذا السبيل، وستجد مني كل معونة وتأييد.» فلم ين ~~الأستاذ أن وجد في هذه الكلمات الطمأنينة إلى القبول؛ لأنها قوت إيمانه بنفسه، وأزكت ~~ثقته بذاته، فأحسن كعميد غاية الإحسان. # وهكذا لا تخلو هيئة من الهيئات الكبار من أناس خلقاء بالقيادة، أحرياء بالرياسة، ولكنهم ~~يخشون المحاولة، ويخافون العمل، ويقوى في نفوسهم الشعور بالعجز، والإحساس بالقصور، فلا ~~يملكون الفرار منه، والتخلص من تأثيره، وقد يكون سبب هذا الشعور فيهم عاملا نفسيا، ولكن ~~هذا العامل يمكن أحيانا التخلص منه بالمحاولة والرياضة وغلبة الإرادة. # ويصح للزعيم إذا هو رأى رجالا يتوسم فيهم المقدرة على حمل المسئوليات الجسام والبروز إلى ~~مواضع القادة في الصفوف، ولكنهم يتراجعون دون المحاولة، ويتأبون الرياضة على الاضطلاع بها ~~- أن يعينهم ويأخذ بأيديهم ويساعدهم على قفز الحواجز، والوثوب فوق الحوائل، واقتحام ~~العقبة، إذ من السهل للغاية المرور على رجل من هؤلاء يقول إنه لا يريد تقدما، ولا يحب ~~استعلاء؛ ولكن من الخير، بل كل الخير، في محاولة اكتشاف الباعث الذي يبعثه على رفض احتمال ~~المسئوليات الكبار، حتى يتبين تماما أنه في رفضه ذاك غير متلمس معاذير عن قصور لا أصل له، ~~وعجز متوهم متخيل لا يستند إلى حقيقة. # وليس لهذه النفسية «المنكمشة» المنزوية من دواء ناجع غير تجديد الإيمان، وتقوية ms074 الثقة ~~بالنفس، كما أن النجاح في أول مهمة من شأنه في هذه الحالات أن يأتي بعد ذلك بالعجب، ويبني ~~المرء من جديد، ويخلقه خلقا آخر، ويرفع عنده من اعتداده بنفسه وإيمانه بقواه، فما هو إلا ~~دور تردد ووسواس إذا عولج معالجة صالحة مناسبة، أعقبته أدوار يقين وثقة وإيمان واطمئنان ~~... # والمراد بتلمس الحجج والمعاذير هو الخيبة في عمل ما، ثم التماس التعليل لعمله، ومحاولة ~~الاعتذار عن فعله، كما هو العجز عن تأديته، ثم الذهاب إلى اصطناع الشفائع عن تركه. وليس من ~~شك في أن هذا النزوع يصبح خطيرا سيئ النتائج إذا هو جعل الشخص يخدع نفسه بأنه قد واجه ~~الحقائق مواجهة صحيحة، في حين أنه في الواقع قد عمي عن خطر معقباتها وبالغ نتائجها، ~~أو قد ترك أسباب حالة ما أو بواعث حادث من الحوادث من حساب اعتذاره، ومحاولة التشفع له، أو ~~إيجاد الحجة لتبريره. # وليس معنى هذا كله سوى أن الفرد إنما يحاول إقناع نفسه بأن ليس على مسلكه من غبار، وأنه ~~على صلات طبيعية بالناس؛ مع أنهم في الوقت ذاته قد يكونون على بينة من أن هناك ولا بد نقصا ~~أو اختلالا أو اضطرابا في صلته بهم. # ونحسب الشواهد على هذا الانتحال للمعاذير غير المنطقية عديدة تتوارد على خاطر كل امرئ منا ~~إذا هو فهم ما نقصد إليه، وأراد التمثيل له والتدليل عليه، فلا حاجة بنا إلى إيراد شيء ~~منها، وإنما تجدر بنا الإشارة إلى النتائج التي تترتب على قيام هذا النزوع في نفوس بعض ~~الزعماء، فمن ذلك أنه يجنح بهم إلى الرغبة دائما في تجاهل الحقائق الخطيرة، والعوامل ~~الهامة عند التفكير في أمر ما، أو محاولة الوصول إلى قرار فيه؛ إذ معنى هذا أن الزعيم ~~المتأثر بهذا النزوع يدرك ما يريد، ويفكر فيما يبتغي، ويتصرف كما يشاء، ثم يروح يستخدم ~~الاعتبارات والبينات الموافقة الملائمة لتأييد ذلك التصرف الشخصي، ويزيد ذلك المسلك ~~بذاته، كما أن هذا النزوع ينمي في نفسه الميل دائما إلى لوم الغير على المحاولات الخائبة ~~التي ms075 لا ينبغي أن تكون اللائمة فيها على أحد سواه. # وكثيرا ما رأينا زعماء لا يعنون العناية الواجبة بتحديد مدى التبعات أو المسئوليات التي ~~يخصون بها الذين من دونهم، ويوزعونها على الذين يعملون بإمرتهم؛ لأنهم وجدوا أن ذلك من شأنه ~~أن يدعهم أطلق حرية، وأفسح مدى، وأوسع سبيلا، للإنحاء باللائمة على مرءوسيهم إذا لم يؤد ~~أحدهم المهمة الموكولة إليه على النحو الذي يريدونه، والصورة التي يرتقبونها، ومن ثم قد ~~شهدنا فريقا من الزعماء والقادة والمدبرين لا يميلون إلى تدوين قراراتهم أو مشيئاتهم ~~كتابة؛ لأن ذلك يجعلها محدودة قاطعة واضحة المعالم والحدود غير تاركة سبيلا إلى التأويلات ~~والتعللات التي قد يلجئون فيما بعد إليها تبريرا لتغيير قراراتهم، أو توجيه اللائمة حين ~~الخيبة والإخفاق. # ولا يصعب على الزعيم أن يتوهم أو يوهم أن مجرد المشيئة هي التنفيذ في التقدير والاعتبار، ~~أو معنى ذلك أن يذهب به الظن إلى أن تصريحاته بسبيل سياسته وكلماته الرنانة في إعلان حسن ~~نياته، هي التنفيذ في ذاته والعمل نفسه والإنجاز سواء بسواء، وقد لاحظ الفيلسوف باكون «أن ~~أصحاب السلطان هم بخاصة عرضة للتوهم بأن حسبهم هم التوجيه إلى الغاية دون احتمال تكاليف ~~الوسيلة ومقتضيات الواسطة!» # والمشاهد في كثير من الأحيان أن فريقا من الزعماء في الأحزاب والهيئات الكبيرة قد ~~اعتادوا أن يختفوا خلف أغلاط القادة المنفذين الذين من ورائهم، مدعين أنه بما أن ذلك كان من ~~خطة الحزب أو سياسة الهيئة كما أعلنوها هم وصارحوا بها، فقد كانوا يعتقدون أن ذلك هو الواقع ~~فعلا والحاصل تماما، فإذا ما تقدم الذين تولوا التنفيذ معترضين بأن الخطأ لم يكن من ~~ناحيتهم ولكنه في مبلغ توجيههم؛ قالوا: لقد كان بابنا مفتوحا لكل صاحب فكرة أو متقدم برأي، ~~وكان يجب أن يرجع إليهم قبل الإقدام التماس النصيحة. # والواقع أن الغالب على الزعامة التي من هذا الغرار أن حجتها الدائمة قولها: إننا ~~أعرف من سوانا بما يصح وما لا يصح ونحن أخبر وأدرى، وفي هذه الحالة يغلب على الزعيم ~~أن يكون منصرف الذهن ms076 إلى تقدير أصالة رأيه واستقامته وحكمة تفكيره، أكثر منه إلى خير الناس ~~ونفعهم؛ أي أنه في ذلك إنما يعنى أولا بانتحال الشفيع عن الاستبداد بالرأي وإيجاد ~~المعاذير عن تفرده بالسلطان. # ألا إن الزعيم الذي يغلو في تصور مبلغ التأييد الذي يملكه، ويسرف في الاعتقاد بخطر ~~قضيته ومبلغ قيمتها في نفوس أمته، ويحسب النصر منه قريبا حتى ليجده عند أول زاوية ~~وأدنى منعطف؛ هو زعيم لا يستطيع مواجهة الحقائق، وإنما هو في هذا الخيال البعيد خادع مخدوع، ~~كثير الشفائع منحول المعاذير. # وإنما الواجب أن يكون في مجلس المشورة من الزعامة كل العناية والاحتفال في المواقف ~~الدقيقة والمسائل الخطيرة بتدبر الحقائق ومواجهتها بأمانة وإخلاص حتى وإن لاحت كريهة مؤلمة، ~~وبالصراحة والصدق في بحث الأسباب والعلل والأغراض ومحتمل النتائج، بل إن الزعيم العارف ~~المأمون السبيل الحكيم في تصرفه هو الذي يعود إلى الشعب في المواطن العظيمة مستلهما شعوره، ~~ملتمسا مشيئته، باحثا عن اتجاه تفكيره؛ فإن ذلك كفيل بأن يؤمنه العثرة، ويجنبه الزلل، ~~ويسلك به أقوم المسالك، ويعرفه مزاج الناس ومبلغ استجابتهم لزعامته. # هذا مبحث طبي من بعض نواحيه، كما هو نفسي من نواحيه الأخرى، ولسنا نبغي الإطالة فيه، ~~وإنما نذهب في تناوله موجزين، فإن علاقة الحاسة الجنسية بمزاج الشخص وأخلاقه ومسلكه ~~وتصرفاته ليست مجهولة من كثير من الناس، ولا مستغلقة على الأذهان. # وليس من شك في أنه من الصعب أن يعمل فريق من الناس تحت إمرة رجل محتبس الشهوة، أو مختل ~~الحاسة، فإن ذلك يورث سرعة البادرة، وضيق العطن، وشدة التبرم والضجر، كما يكسب الخشونة ~~وجفوة الطباع. # على أن الذي ينبغي ألا ننساه بسبيل هذا البحث هو أن الجانب الجنسي من الطبيعة البشرية هو ~~من القوة وشدة الأثر ودقة المسرى بحيث يجب على كل فرد أن يجعل له منفسا، ولمطالبه فسحة ~~وموضعا، حتى تهدأ وتسكن ولا تحتجز فتضطرم وتتأجج بها الأعصاب. # ومن ثم لا بد من أن يروح الجانب الجنسي من حياة الزعماء منظما على نحو لا يغض من ~~أقدارهم، ولا يعيب أشخاصهم، ms077 ولا ينتقص من كرامتهم؛ فإن ذلك - بلا ريب - معوان على تجديد ~~النشاط وادخار القوى وسلامة البدن؛ كما أن ترك هذا الجانب غير مقيد ولا مزجور من شأنه أن ~~يجعل الإفراط والإسراف والإجهاد والحمل عليه بالعنف مستنزفة تلك القوى ناضبة المورد جافة ~~المعين. # بيد أن زعماء أطهارا استطاعوا الالتجاء إلى «الاستعاضة»؛ فأغنتهم عن إلحاح هذه الحاسة ~~وسلطانها، وكانت استعاضتهم عن طريق المحبة «العائلية»، أو بالانصراف مع الرياضة الدقيقة ~~وأخذها بأتم الاعتدال، إلى متابعة غايات مثلى والتفكير الكلي المستحوذ في مقاصد سامية، ~~وأمثلة عليا، فتيسر لهم بذلك إدماج الدافع الجنسي في مجموع دوافعهم الأخرى حتى تلاشى ~~فيها جميعا، ولم يعد له من أثر فيهم ولا سلطان. # ومعنى ذلك أنه في الإمكان صرف هذا الدافع، والحكمة في رياضته كشهوة السلطان تماما، ~~وتحويله إلى وجه الاعتدال والعفة والتصاون، وذلك من طريق الحب العميق الصادق، أو ~~بالإيمان البعيد الغور بكبار الأماني وسامي المثل وعليا المطالب، أو بمحض تقدير الجمال ~~وتذوقه والمتع البريئة بتأمله وتملية العين منه؛ إذ ليس من شك في أن من خواص ~~الجانب الشهوي أو العاطفي من الطبيعة البشرية، المساهمة في ترقية مدارك المرء، وتهذيب ~~أحاسيسه، وتزكية مشاعره، وإغناء وجدانه، وإكسابه عمق الشعور، ورقة الطباع، وفضيلة ~~العطف والمودة والرفق والحنان، والاستجابة لتقدير الجمال في سائر أشكاله وجملة نواحيه. # الجنرال بريمو دي ريفيرا الإسباني. # غير أنه لما كان هذا الجزء من طبيعتنا شديد الإلحاح في دوافعه، وجب أن يكون أصحاب ~~الشخصيات القوية، أو معاشر الزعماء، على معرفة وعلم قبل كل شيء بطبائعهم، وفهم صحيح صادق ~~لمقتضيات تغليب الدافع الأكبر في نفوسهم على هذا الدافع الملح الدائب، أو الاستعانة ~~بالاعتدال في الاستجابة له على تجديد قوى نشاطهم، فتروح جهودهم في عملهم ومطالب زعامتهم ~~متواصلة متحفزة في غير انقطاع ولا سكون. # وجملة القول في هذا الباب أن عوامل الرياضة المجدية في توهين الدافع الجنسي وتسكين ~~ثائرته وترويض شموسه، هي فترة الإدراك وضبط النفس والتوجيه الحكيم والمجاهدة ~~الفاضلة. # ومن الأعراض التي كثيرا ما تظهر على فريق من ms078 الناس بسبب الحاجة إلى إشباع هذه الحاسة، ~~النزوع إلى إيلام الغير والقسوة عليهم والميل إلى تعذيبهم وإيذائهم، وهي حالة نفسية يعرفها ~~العلماء باسم «الساديزم»، ويعنون بها إيلاف اللذة بتعذيب الآخرين، والمشاهد غالبا في ~~هذا المرض أن المصاب به يجد هذه اللذة ولا يشعر ببواعثها الخفية ودوافعها الكامنة. # ولا ريب في أن حالة كهذه إذا أصابت زعيما كانت نقمة ووبالا عليه، والواقع أن ذلك مشاهد ~~عند الزعماء الذين وصلوا إلى الزعامة عقب نزاع طويل على بلوغها، ومجالدة عنيفة شاقة في سبيل ~~الصعدة إليها، وقد نسمع هؤلاء في بعض أحاديثهم يقولون: «لقد حاربت لكي أصيب ما قد أصيب، ~~فليخض الآخرون جميعا المخاض ذاته، وليقاسوا ما كنت مقاسيه»، أو «العنف والجهد والدأب ~~تفيدهم وتجدي عليهم»، أو «إذا نحن دللناهم ولايناهم وتسامحنا معهم، أفسدناهم أي إفساد»، ~~وذلك كله ونحوه يحمل عارض «الساديزم» أو الحالة التي نعنيها، حالة القسوة التي يظهر بها بعض ~~الزعماء، والجبروت الذي يجنحون إليه في معاملة الذين يقودونهم، ومسلكهم إزاء الناس وحيال ~~الجماهير. # ولا خفاء في أن هذا المسلك سيئ النتائج وخيم العاقبة، أو عقيم خال من النفع والفائدة؛ ~~لأن القسوة في التدريب، والعنف في المرانة، لا يؤديان ما يؤديه الإشراف الرفيق، والتوجيه ~~الحكيم، والرياضة الطيبة الصالحة. # ومن أسلحة هذا الأسلوب الخطر في عنفه وقسوته وشدة وقعه سلاح «التهكم والسخرية»، وهو سلاح ~~يجد فيه بعض الزعماء السرور والرضى والاغتباط مع أن أثره في نفوس الأتباع والمقودين سيئ ~~للغاية منفر، عامل على الانفضاض والكراهية، وقد رأينا رئيس هيئة كبيرة يدفع إلى أحد ~~مرءوسيه بمهمة لتنفيذها قائلا له: «إليك عملا تستطيع أن تتمه في عشر ساعات، ثم لم يكد ~~الرجل ينصرف من حضرته حتى التفت إلى بعض الجالسين إليه فقال: إن هذا العمل لا يمكن أن ينتهي ~~قبل أربع وعشرين ساعة، ولكن من الخير له أن يحاول محاولة الشياطين ليرى كيف هو صانع ~~...!» # ويوم يجد الزعيم منتهى الفرح من مشهد آلام الأشياع والأعوان وعذابهم وبلائهم، ولم يعد هو ~~يقاسمهم إياها، أو يشاطرهم نصيبا ms079 منها؛ يصبح مركزه في خطر من محتمل ثورة النفوس عليه، ~~وانتقاض الجماعة على زعامته. # ومن المحقق أن كل إنسان نزاع إلى رسم صورة في خاطره للشخصية العظيمة التي يريد ~~احتذاءها، أو يبغي مشابهتها، فإذا ما اختلفت هذه الصورة المتخيلة مع الحقائق التي يراها ~~الناس عيانا، كان هذا الاختلاف خطرا سيئ النتائج، وكلنا - ولا ريب - قد عرف أشخاصا ~~أقزاما منتفخي الأوداج، يعطون أنفسهم أهمية وخطرا أكثر مما لهم؛ لأنهم يتمثلون أنفسهم ~~كنابليون، وقد شوهد هذا في موسوليني وحركاته ومسلكه إزاء أصحابه وأشياعه، وفي متبداه ~~على الجماهير، وخطراته ومشيته بين أسمطة الحشود الحاشدة حول مواكبه. # وكلنا كذلك عرف أناسا يتمثلون أنفسهم «دون جوان»، ويحسبون أنهم «سحرة» النساء وسباءو ~~قلوبهن، وغزاة أفئدتهن، وآخرين يتراءون أو يحبون الظهور على الناس خطباء مفوهين كجوريس أو ~~دي فاليرا أو لويد جورج أو سعد زغلول؛ فلا يكون بينهم وبين هذه الصور التي يبتغون تقليدها ~~غير الغنة ومشابهة الجرس، واستخدام اللوازم، ثم هم بعد ذلك أعجز المقلدين. # ولعل علاج هذه الحالة هو في رياضة النفس على معرفة قيمتها الحقيقية باكتشاف أسباب هذا ~~النقص فيها، ومواجهة الحقائق وإن لم تألم من صدمتها، فإن مواجهتها حقيقة بأن تروض المرء ~~على قبول قيمته، والسكون إلى ما يسرته الطبيعة له في هذه الحياة. # | الزعامة والزعماء في النظام الديمقراطي # لا يتيسر لأحد في النظام الديمقراطي؛ أي في البلد الذي يسوده الروح النيابي، ويقوم الأمر ~~فيه على قواعد الدستور، أن يكون زعيما وطنيا، ما لم يكن في الوقت نفسه سياسيا في رياضة ~~العقول واجتذاب القلوب وعظم التأثير في الأذهان. # وهذا الرأي يسترعي النظر إلى ما هو معروف عن النظام النيابي مشاهد فيه، محس بالنسبة ~~إليه، وهو أن الزعيم يواجه في الواقع حائلا عظيما عجيبا في ذاته يقف له في الطريق يمنعه ~~الوصول إلى أوج المكان الذي يطل منه على الجميع، وهذا الحائل هو أن كل فرد يعتبر نفسه ~~صالحا طيبا كفوا كالآخر تماما، وأن الجميع متساوون نظراء أمثال من هذه الناحية، فمن ~~يبغ أن ms080 يبلغ الزعامة فيهم يتحتم عليه أن يدلل على أنه أحق بالقيادة من الآخرين. # وليس يكفي مجرد الرغبة في الوصول إلى الزعامة، وإنما يجب أن تتمثل الرغبة عملا رائعا، ~~ومسلكا فريدا، وتصرفا بادها، واتخاذ أساليب مقبولة، ووسائل صالحة، وطرقا واضحة الحجة، ~~بينة المناهج، مزدانة الحواف والجنبات بالزهر والرياحين. # لقد كانت القوة أو المقدرة على تصريف الشئون قبل أن تنتشر الأفكار الديمقراطية في العالم ~~انتشارها اليوم ويتسع لها المدى اتساعه الأخير، يظن أنها محض القوة، وكان يلوح أن ~~القوة هي التي صنعت الحق، وفي مجتمع تسوده هذه الفكرة، كانت الزعامة بطبيعة الحال تلوح ~~في التصور وتبدو في الاعتبار مظهر الظفر بالقوة واستخدامها، والمقدرة على التملك والتفرد ~~والسيادة والسلطان. # وفي الواقع لا تزال تصوراتنا وأفكارنا وأخيلتنا في معاني الزعامة وتعريفها متأثرة كثيرا ~~بفكرة الماضي ونظريته من حيث السيادة والنفوذ. # ولكنا نعيش اليوم في عصر ديمقراطي مقر معترف به، بل نحيا في عهد يجد الفرد فيه حقوقه ~~وامتيازاته مصونة مؤيدة، صريحة معلنة. وقد أصبح المجتمع يرتضي ويسلم بحق الفرد في ~~الحياة والحرية وطلب السعادة والتماس الهناء، وإن كان هذا التسليم نظريا على الأقل؛ إذ ~~أصبح من القضايا المسلم بها أن الناس قد ولدوا أحرارا متساوين، وأمسى مفروضا أن لكل ~~شخص قيمته في ذاته، ولفرديته وحقوقها كل الشأن وأكبر الحساب. ولا تزال فكرة المساواة آخذة ~~في النمو والازدياد والقوة والاطراد والتحقيق والتنفيذ مع تطور الحياة ومر السنين. # وإذا كان الأمر كذلك في المجتمع اليوم، أفلا يقلل قيام المساواة العامة الضرورية في ~~النظام الديمقراطي والحياة النيابية من الفرص المهيئة لنهوض الزعامة، كما يضعف من حاجة ~~الناس إليها، والتماسهم لوجودها، وافتقارهم إياها؟! بل أليس من شأن تشدد المجتمع الحديث في ~~اعتبار حقوق الفرد وامتيازاته قاعدة لكل القيم الاجتماعية، وأساس كل تقدير للأشخاص، أن ~~يؤثر أكبر التأثير في فكرة الزعامة ووسائل قيام الزعماء؟! # لقد يلوح هذا صحيحا على وجهه، مستقيما على ظاهره، ولكن الواقع هو بالعكس؛ إذ الحقيقة أن ~~الفرص المساعدة لقيام الزعامات في المجتمع الديمقراطي اليوم قد ms081 أصبحت أكثر من قبل، وزادت ~~زيادة متناهية، وإنها لتنمو كذلك وتتوافر وتسنح كثيرا، إذا ما فهمت الزعامة على حقيقتها ~~من ناحية مقتضياتها النفسية وجوهرها الصحيح ومعدنها السليم. # إن الخطر الحقيقي الذي تتعرض له الديمقراطية هو خطر انتشار الصغار والتفاهة، وشيوع ~~التماثل والتناسق، وقبول الحياة للاستمرار على وتيرة واحدة ونظام رتيب، وقيام أقيسة عامة ~~للقيم والمراكز والأخطار. ووجه الخطر من ذلك كله هو من حيث فقدان الإمامة والهداية ~~والتوجيه، والنشاط الروحي والحماسة النفسية، والشعلة التي تلهب الحياة العامة وترسل ~~وقدتها في كل القلوب والأذهان. # الخطر الحقيقي هو ما يخشى على الحياة في النظام الديمقراطي من الركود والأسن، وما قد ~~يغشاها من الجمود والنوم والإغفاء والبلادة واليأس والكلال والإعياء. # وفي سبيل درء هذا الخطر لا غناء عن بذل الجهود الفعالة الإيجابية المثمرة لإنقاذ ~~المجتمع من مظاهر هذا الخطر وبوادره وكافة نواحيه؛ إذ لا بد من قوة توجيه تدفع بالنفوس إلى ~~العظائم، وتسوق الأفراد إلى البذل والتضحية والإيثار، وتضرم نار الحماسة في الجماعة ليسيروا ~~نحو المثل العليا، ويحدثوا الجسام، ويتطلعوا إلى الكمال. # وإذا صح أن الديمقراطية لا تيسر للزعامات طريقها، ولا تفتح السبل أمامها، ولا تمهد لها ~~أطيب المهاد، بل قد لا تشجع - كما هو الظاهر - على قيامها، وتستريب بالذين يبلغون مكانها، ~~وتتشكك في الأفراد المبرزين الذين ينهضون ليحتلوا فيها مواضعها؛ إذا صح هذا أو نحوه مما هو ~~مشاهد اليوم في الديمقراطية أو محسوس من ناحيتها، فإن الدافع مع ذلك هو أن الفرص التي تتهيأ ~~في النظام الديمقراطي للفرد الذي يستطيع التدليل على حقه في امتلاك النفوذ، وإصابة الرياسة، ~~والظفر بالسلطان، لا تزال كثيرة، وفرة، مأتية، متوالية السنوح، لا تكاد تضارع، ولا مثيل ~~لها فيما مضى من العهود وأدوار الحياة. # وما ذلك إلا لأن الديمقراطية مهما بدت في الظاهر قائمة على المساواة والتماثل والتجاوب ~~والانقياد، فلا تزال في الحقيقة قائمة على مجموعة مركبة من أفراد يحنون أو يتطلعون إلى ~~إبراز أنفسهم بوسائل أو أساليب لا يكادون يشعرون بها، ولا يتعمدونها تعمدا، ويريدون أن ms082 ~~يشبعوا ما يعتمل في نفوسهم، وما يضطرب في أخلادهم من آمال وعلالات وطموح إلى التفوق ~~والتبريز والعلاء. # وليست الفرص التي تسنح لبلوغ الزعامة ومرتبة القيادة منحصرة في الميدان السياسي وحده، وهو ~~الميدان الذي تتبادر إليه الأذهان رأسا كلما جاء ذكر الديمقراطية، أو عرض حديثها ~~للمتحدثين، فإن الزعامة السياسية في الحق خطيرة الشأن عظيمة القدر مرهوبة الجانب كبيرة ~~السلطان، ولكن الواقع أنها ليست سوى ميدان من عدة ميادين يمكن الإنسان أن يعلن فيها عن ~~نفسه، ويبرز في ساحتها إذا واتاه البروز. # إن فرص الزعامة والتفوق والغلبة لتصيح عالية الصوت، طالبة الظهور، منادية الأكفاء ~~والأفذاذ إليها، في كافة النواحي وجملة الميادين؛ إذ في كل ميدان منها يعمل الناس، ويحاول ~~أفراد منهم تأدية رسالاتهم، والنبوغ بينهم والاستعلاء، وهم يريدون من أعماقهم أن ينهضوا فوق ~~المساواة الاسمية، أو المساواة القانونية، لإظهار سمو أقدارهم عنها، وحقيقة رفعتهم فوقها، ~~من حيث المقدرة والنباغة والاستعداد. # ولكن لكي يبلغوا هذا الذي يتطلعون إليه ينبغي أن يقادوا، ويجب أن يذعنوا إلى الزعامة، ~~ويدخلوا في صفوف المؤمنين بها، والنازلين على أمرها، والمرتضين لوجودها، حتى يتسنى لها أن ~~تنظم وجودهم، وتقسمهم طرائق وهيئات وجموعا، وتستخدم كفاياتهم في سبيل الصالح العام ~~والغايات الاجتماعية المنشودة في الحياة. # إن هذا التقسيم ضروري في الجماعة لأجل إيجاد الصلات والروابط والعلاقات المنظمة للعمل، ~~المرتبة لتوزيع الجهود، الصالحة لإبراز العبقريات والنباغات والأكفاء، الكفيلة ببلوغ طباق ~~جديدة من الفكر والنظر، والوصول إلى آفاق بعيدة من الأماني والآمال والأغراض. # وما مثل الزعيم في ذلك كله إلا كمثل المرشد أو الدليل المحترف في تسلق الجبال والهضاب، ~~فإن الدليل لا يعتبر بالضرورة أحسن ولا أمهر ولا أسمى من الذين يتقدمهم إلى صعود الجبل ~~ويستبقهم جانب الهضبة أو صخور الهرم، وإنما هو المفروض فيه فقط - وهذا وحده كاف - ~~أنه العليم العارف الخبير بصعود هضبة خاصة أو مرتفع معين أو قمة معلومة، فهو لهذا يستبق ~~المتسللة، وطلاب الصعود وملتمسة الارتياد، تنظيما للصعدة، واستهداء بالخبرة، واسترشادا ~~بالدليل. # غير أن هناك أيضا بطبيعة الحال الطلائع ms083 الأولون، والرادة المقتحمون ، والكشافة ~~السباقون، الذين يظهرون من حين إلى حين، فإن هؤلاء بلا ريب هم المتسلقون الكبار، والمرتادون ~~الأفذاذ، والسائحون الكشافون النوادر، ومثلهم كمثل الأنبياء والهداة الأولين. # فنزيلوس - زعيم اليونان. # ولا شك في أن الحياة تتطلب هذين النوعين، والدنيا بحاجة إلى هذين الصنفين، وإن كانت ~~الفرصة لنوع الأدلاء والمرشدة في النظام الديمقراطي أكبر بوجه خاص، وأكثر سنوحا، وأوفر ~~ظهورا؛ إذ في وسع الدليل عندما تتضافر الجماعات على الجهود والدأب والعمل المشترك ~~الموحد الاتجاه، أن يباعد بين المتسلقين في أثره والتابعين له والمترسمين لخطاه، وبين ~~الخطأ والزلل، ويجنبهم الوقوع في الأغلاط الخطيرة المهلكة، وقد يحدوه نشاط المجموع، وتحفزه ~~طاعتهم وامتثالهم إلى البلوغ بهم أعلى القمم وأسحق القلل، والوصول بهم إلى ذرى لم ~~يبلغها أحد من قبلهم، أو ما كانوا لولاه لها بالغين. # ولا يخفى أن الصعوبة الكبرى ليست في تردد الأمة الحرة في الانقياد للزعامة، وتراخي الشعب ~~الديمقراطي في الاستسلام لها، والسير في إثرها؛ بل هي في الخوف من أن يعمد الذين تحتاج ~~الأمم إلى قيادتهم وتطلب إليهم احتلال مكان الزعامة فيهم، إلى أخذ كل شيء في أيديهم، ~~والاستيلاء على كل سلطة لأنفسهم؛ فيروحوا طغاة أكثر منهم زعماء، وبغاة عتاة جبابرة، لا هداة ~~أخيارا صالحين. # ومن الحق بل من الواجب أن يكون عبء الإثبات ومهمة التدليل على صلاحية الزعامة وطيب نوعها ~~وحكمة اتجاهها واقعا في الجماعات الديمقراطية على الزعيم نفسه، فهو الذي ينبغي أن يبرز ~~حقيقته للناس في عمله، ويدلل على نوع زعامته بمسلكه وتصرفاته. # وينبغي ألا ننسى أن الشعوب الديمقراطية العريقة قد تلقت دروسا تاريخية في هذه الناحية، ~~ووجدت العبر المواثل لها في ماضي حياتها، فأضحت بحق تخشى قيام الطغاة والجبابرة، وتشفق من ~~النزعات الاستبدادية التي طالما خلقت من قبل أسرات متحكمة، وأرستقراطيات وراثية، وبغاة ~~مطلقي السلطان. # ومن ثم قد أصبحت هذه الشعوب تطلب - ولها الحق فيما تطلب - من كل زعيم يتولى قيادتها أن ~~يبرر وجوده، ويثبت استحقاقه لمكانه، ويدلل على شفيعه لاحتلال موضعه، بأن يظل أبدا راعيا ~~لحقوق ms084 الأمة وسلطتها، ذاكرا حقوق الأفراد وآمالهم، وأمانيهم ومطالبهم، مخلصا لبلاده، ~~متفانيا في وطنه، بعيدا من نزوات الشهوة والمآرب والأغراض. # وليس هذا بناف ما للزعماء من سمو المواهب، ورفعة النفوس، وبعد البصيرة، وأصالة الرأي، ~~وما هو باعتراض على وجود هذه الملكات والصفات فيهم، ولكنه بالعكس يدلل على وجوب توافرها، ~~مثبت لضرورة اجتماعها؛ لأنها هي المعوان لهم على مجانبة الخطأ، والبعد من إغراءات ~~السلطان. # وسوف يظل الزعيم الصادق العظيم الخليق بموضعه هو الفرد الرفيع العلي، المكين في ~~الجماعة؛ بل سوف يظل خير من يتولى القيادة بفضل هذه المواهب وقوة هذه الملكات وجلال هذه ~~الصفات، وإنما العبرة في الطريقة التي يستخدم بها تلك المواهب، والأسلوب الذي يتخذه في ~~إبراز تلك الملكات والغايات والأغراض والمقاصد التي يتوخاها باستغلال تلك الصفات والميزات ~~جميعا، فإن ذلك هو في الحق والواقع امتحان الزعامة ومبتلى فضلها ومقياس شأنها؛ إذ على ~~كيفية الانتفاع بالمقدرة والحذق والمواهب التي تتوافر في الزعيم لخير المجموع وصالح الشعب ~~وفائدة الجماهير، يتوقف مكانه عند الناس، ومحله من النفوس، ونجاح زعامته في البلاد، وتوفيقه ~~إلى ما يصون هذه الزعامة من السوء، ويحفظ لها الموضع ويطيل لها في البقاء. # المارشال بلسودسكي - زعيم بولونيا. # ومن هنا كان من حق الزعامة أن ترتفع بمكانها عن مواضع الصفوف، بل من واجب الصفوف أن تسمو ~~بزعيمها عن مكانها هي ومحلها، وتقيمه في المحل الأرفع، وتقدسه تقديسا، وتمجده كل التمجيد؛ ~~لأنها إنما ترعى فيه رمزها، وتنظر فيه إلى مثلها الأعلى ونبراسها، وتعتبره مجتمع آمالها ~~وأمانيها وصورة فذة مفردة من صور نفوسها، وخوالج مشاعرها، وما يعتمل منها في القلوب ~~والأذهان. # نعم هو إنسان مثلها، وبشري كما هم بشر مثله، ولكن المثل العليا تحتاج إلى هذا ~~التقديس؛ لأنه إنما يتوجه إلى المبادئ التي تتمثل فيه، ويراد به المعنى الجليل الذي يطل ~~منه، وليس في ذلك ريح الوثنية، ولا ظل لمعنى العبودية؛ لأنه ليس عن خوف، ولا هو من رهبة، ~~ولكنه احترام ذاتي، احترام الأمة لكرامتها، وإدراك نفسي عميق لقيمتها، وهو مظهر عزة ~~الناس ms085 بأنفسهم، وتقديرهم وإيمانهم بما يعتنقون من مبادئ وتعاليم، وما يبتغونه من مقاصد ~~سامية ونبيل غايات، ومراتب رفعة وكمال. # ومن أكبر الخطر على الزعامة نفسها أن تنزل بأقيستها وأغراضها إلى مستوى الجماعات التي ~~تتولى قيادتها، فإن ذلك ذاهب بجلالها، مضعف لشأنها، مفقد لسلطانها العظيم، وإنما ينبغي ~~للزعيم أن يكون أعرف وأخبر بأتباعه وأنصاره وأشياعه وجماهيره منهم هم بأنفسهم، وأن ~~يكون نظره إليهم وتصوره لهم وعمله ومجهوده من أجلهم مقترنا بالواقع، ملازما الحقيقة، ~~متطلبا الخير، متطلعا إلى التقدم بهم إلى الأمام، فإن مهمة الزعامة أو واجبها الأول هو أن ~~تحمل الناس على الولاء والتفاني في أغراض ومقاصد عظيمة خليقة بهم كأفراد أحرار مسئولين، ~~وجماعة مستقلة تريد أن تحتل بين الشعوب مكانا عليا. # وفي الحق إن الأمم في الاستجابة إلى زعمائها والاستماع إلى أصوات قادتها، إنما تستجيب لما ~~هو أحسن في نفوسها، وتستمع إلى ما هو أنقى وأسمى في أدوارها ومشاعرها وحواسها، وهذا وجه ~~آخر من قولنا إن سريان الشخصية واتساع مدى سلطانها وترامي حدود نفوذها، وهو السريان الذي ~~يساعد الزعيم على إيجاده عند التابعين له والسائرين في أثره، إنما يتلاقى في وقت واحد مع ~~أكبر آمالهم في العيش، وأعز أمانيهم في الحياة؛ بل إن هذه الوحدة التي يجتمع الزعيم مع ~~أنصاره وجماهيره عندها، وحدة الشعور، ووحدة الأماني والآمال والمطالب والدوافع، هي أكبر ~~مبرر لوجود الزعامة، وخير مدلل على وجوبها في النظام الديمقراطي؛ إذ ليست الديمقراطية سوى ~~العلاقة النفسية التي تربط أفراد المجتمع، والصلة الروحية التي تشد بنيانهم العام، والآصرة ~~المعنوية من الرخاء والمساواة في الحقوق، والاشتراك في الجهاد للمثل العليا التي تتطلع ~~المجاميع إلى بلوغها، وليس الزعيم الديمقراطي في الواقع سوى الوسيط أو المعوان الذي يساعد ~~الجماعة على الارتباط بهذه الصلة، والتزام هذه الرابطة، والتضافر على بلوغ تلك ~~الأمثلة. # وهذا هو المراد بما يقال أبدا عند إظهار حسنات الزعامة الديمقراطية وإبراز فضلها ~~والتنويه بخيرها، من أنها هي التي تحدث وقدة النشاط في الجماعة، وتستثير الحمية في ~~النفوس، وتكسب الأمم روح المرح والأمل، ms086 وتبعث عاطفة الإيمان واليقين؛ لأنها في الحق، ~~إذا بلغت أشدها وظهرت في رأس الجماعة بخير مراتبها وأحسن درجاتها، أكبر معوان لنا على ~~السمو فوق أنفسنا، وهي لهذا السبب وحده - إن لم يكن لسواه - من أكبر واجباتها لكي تنجح ~~وتعمر في البلاد الديمقراطية أن تعمل في كل ناحية، وتشرف على كل فرع من فروع الحياة، وتوجه ~~الآخرين أحكم توجيه، وترشد الناس جميعا إلى ما ينفعهم. ويرد عليهم أحسن مرد، وهي ~~ليست موكلة كما يظن بالقضايا الخطيرة وحدها، والحركات الكبرى دون سواها؛ وإنما هي - كما ~~قلنا - المشرفة على كل شيء، الباعثة النشاط والسداد والحكمة في كل ناحية، أو هي «الراعي» ~~العام الذي يرتاد للجماعات أطيب مرتاد، ويرعى مرافقها أتم الرعاية ... ~~••• # وأنت قد بدا لك من هذا الذي استرسلنا فيه بسبيل الديمقراطية وموضع الزعامة منها، أن الفرص ~~السوانح للزعامة كثيرة تحت هذا النظام وفي جواره، وأن الخطر الوحيد الذي يخشى على ~~الديمقراطية من ناحية الزعامة هو في فتون السلطان وإغرائه الزعامة بالتناهي فيه، وحب ~~الاستمساك به، والاستحواذ المطلق عليه، ونحن نريد الآن أن نبين لك أن هذا الخطر بالذات قد ~~ظهر في كثير من الديمقراطيات قديما وحديثا على السواء، حتى في أول عهد الإنسانية ~~بالثورات، وإبان استرداد حقوقها الطبيعة من الغشم والمستبدين بالسلطان؛ فقد حشد التاريخ ~~سير زعماء بدءوا مخلصين للجماعات أمناء على حقوق الشعوب، ثم لم تلبث أثرتهم أن طغت على ~~جانب الخير فيهم فبغوا الانفراد بالنفوذ، وراموا الحرص على كل السلطان، وفي سير دانتون ~~ومارات وروبسبيير من زعماء الثورة الفرنسية الكبرى أصدق الصور على هذه الحقيقة الملابسة ~~للديمقراطيات. # دانتون. # مارات. # روبسبيير. # وفي العصر الحديث قد رأينا زعماء مضت خططهم بادي الرأي صالحة لخير المجاميع، ثم ما لبثوا ~~بفعل التخدير الروحي الذي استعانوه على تملك نواصي الجماعات، والأخذ بمقاود الأمم، خلال ~~النشوة المذهلة، والثمل بأحلام المجد والعظمة، وأماني الخير والرخاء، أن انقلبوا مطلقي ~~السلطة، منفردين بالأمر، وإن أبقوا في الديمقراطية على ظل واهن، وتركوا النظام النيابي ~~قائما بهيكله دون جوهره. وقد صبرت ms087 الجماعات لهذا التحول الجديد، وارتضت إلى حين هذا ~~الانقلاب الظاهر؛ لأنها ظلت في ثمل بالمجد المنتظر والعلاء المتطلع إليه، والرفعة التي ~~يتحدث لها عنها في لغة من الشعر، وبيان كالسحر، وتصوير يستبي القلوب، ويستحوذ على ~~الوجدان. # وفيما شهدنا من فعال بلسودسكي زعيم بولونيا، وبريمو دي ريفيرا في إسبانيا، وفنزيلوس في ~~اليونان، ومصطفى كمال في تركيا، وهتلر في ألمانيا، وموسوليني في إيطاليا، أدلة ماثلة على ~~الديمقراطيات التي تتعرض للخطر الذي أشرنا إليه، وشواهد نواطق عن احتمال اتجاه الزعامات ~~الديمقراطية إلى ما يسمونه السلطان المطلق للخير، أو الدكتاتوريات الخيرة الحسنة القصد ~~الطيبة المراد. # ولكن هذه الأحداث ليست في الواقع كما قدمنا غير هزات عارضة، وفترات قصار، تمر على ~~الجماعات، فتدعها تستسلم لحرمانها من حقوقها، وتسلم كل السلطات وهي مصدرها، تحت تأثير الحلم ~~الذهبي المصور لها، فإذا لم يتحقق، اقتصت من الذين خدعوها، واستعادت سلطانها ~~المغصوب. # ولقد كان القدر الرحيم متلطفا بنا، راعيا لأمرنا؛ فنشأت عندنا الديمقراطية، قبل أن ~~يتوطد لدينا الاستقلال، وكان خصومنا يظنون أننا سوف ننشغل بها عن طلبه، أو ستشغلنا هي ~~بأنفسنا، وتبذر بذور الشقاق والفرقة بيننا، فلا ننصرف إلى استكمال استقلالنا؛ فأطلقوا لنا ~~أولا المشيئة في إقامة الديمقراطية ونظامها، وافتتاح الحياة النيابية ومطالبها، فوضعنا ~~دستورا وأنشأنا برلمانا، ثم وقف خصومنا عن كثب يشاهدون ماذا ترى نحن صانعون ...؟! # ولكن الدستور الذي أريد به أن يكون أذى وبلاء انقلب خيرا ووفاء، بل إن الدستور الذي ~~قصد به أن يروح أداة تفريق، لم يلبث أن استحال أداة توحيد ووسيلة إجماع، ومظهر تكاتف وتضافر ~~والتئام؛ لأنه جاء فغربل الجماعة، ونخل الحياة، ونفى ما لا خير فيه، وأبقى على الخير الصالح ~~وأبرز الطيب الماكث في الأرض، وجعل الزبد جفاء. # كذلك وقتنا الديمقراطية من بداية أمرنا؛ فاستروحنا إليها، وحذقنا في وقت قصير ~~مطالبها ومقتضياتها، وصنا بها إجماعنا، وحفظنا بفضلها كثرتنا؛ فلم يلبث القدر الرحيم مرة ~~أخرى أن أراد أن يزيدنا بها استمساكا، وينمي في نفوسنا قوة الحرص عليها، فجعل خصومنا ~~غضابا منها، مؤتمرين بين حين ms088 وآخر بها، حتى لقد راحوا يعطلون أداتها، ويغرون أعوانهم ~~بسحبها وحرمان البلاد منها، فاشتدت اللهفة مع الحرمان، وازداد بفضلها اليقين والإيمان، ~~وتوالت فترات الجهاد والكفاح لاستردادها، فكان انتصار الديمقراطية في كل مرة ملهما بأن ~~النظام الديمقراطي هو أصلح النظم، ما دام هو المستهدف أبدا لأعنف العدوان. # وقد نشأت الزعامة عندنا في وسط الثورة، فكانت بطبيعة الموقف من النشأة زعامة تستند إلى ~~المشيئة العامة، وتعبر عن إرادة الأمة؛ بل وقاها سلطانها الروحي الغامر الشامل في الجماعة ~~من فتون السلطان المادي في الحكم والأمر والنهي وطلب الطاعة، إذ كانت خارج الحكم ~~المستغنية عنه، المعتزة بمكانها دونه، ثم إذ جاءت الديمقراطية وحل عهدها، أكسبها الحق في ~~الحكم فهي تشدد فيه؛ لأنه حقها، ولا يمكن أن تتركه لغيرها، فيتولاها بلا حق فيه، ومن يغتصب ~~حقا فهو المسيء حتى وإن ابتغى به الإحسان ... # ومن ثم جربت البلاد الطغيان ليكون درسا لمعناه وخبرة بوجوهه وامتحانا بمواده، وليظل ~~النظام الدستوري الديمقراطي هو الموئل الأوحد من شره، والملاذ الأكبر المستعاذ به من سوئه ~~وأذاه. # وهكذا خدمت الديمقراطية الزعامة فينا، وصانت بالدستور - وهو أداتها الأولى - إجماعنا، ~~فكان الوفد المصري مع زعامته الأولى صاحب الفضل في إنقاذ الديمقراطية من خصومها ~~المتكاثرين. # وقد أثبتت الحوادث بعد ذلك أن الديمقراطية هي التي أنقذت الاستقلال أيضا وهيأت له، ~~وأعانت على الظفر به، وبذلك اكتسبت الزعامة الثانية - أو زعامة مصطفى النحاس - قوتين ~~مجتمعتين: القوة التي تستمدها من الديمقراطية، والقوة التي تستعين بها من الاستقلال، بل ~~بهذا وحده انتفى الخطر الذي تتعرض الجماعات له، وقامت زعامتنا على أوطد أساس، ونهضت فوق ~~أقوى القواعد لأعز مكان. # لا خوف إذن علينا في عهدنا الجديد من النزوع إلى التفرد، ولا خشية من الجنوح إلى ~~الاستئثار؛ لأن نظامنا النيابي هو بالنسبة لنا ساحل الأمان وصخرة النجاة. # | المرأة والزعامة # لو أردنا أن نستوفي الحديث في هذا الكتاب عن المرأة في ميدان الزعامة، وساحات التفوق ~~والنبوغ، وأقطار السيادة والنفوذ والسلطان، وفي مختلف نواحي الحياة التي اشتركت فيها مع ~~الرجل ونافسته وتلاقت ms089 فيها معه أو زاحمته فقهرته - لامتد بنا نفس الكلام، وخرج السياق ~~الذي ينتظم البحث من حدوده التي أردناها، كتوطئة كاملة للمراد الجليل الذي توخيناه، وتمهيد ~~واف للدراسة التي قصدنا إليها، إلى مدى وسيع لم تكن نيتنا الضرب فيه، وأفق بعيد من موضوعنا ~~الذي نعالجه. # ولكن حسبنا منه لمعا خاطفة، ومرا سريعا، من أقصر طريق. # لقد استطاعت المرأة عبر الأجيال الماضية وأدوار التاريخ المتلاحقة أن تشارك الرجل في ~~أخشن مظاهر الحياة، وتساهم معه في ميادين البطولة والشجاعة والإقدام، وتبرز أعجب الجلد ~~بجانبه على احتمال أعنف البلاء وأقسى الآلام، فقديما كان النساء في الإغريق يشتركن في ~~المعارك محاربات، وكانت لهن في ذلك جولات وصولات، والحديث عن المرأة «الأمازون»؛ أي ~~المحاربة، مدون في أساطير الأولين. # وقد كانت المرأة العربية في عصور الجاهلية والإسلام تخرج مع الرجال لحضور المعارك ~~والملاحم تشجيعا للفوارس والأبطال، يملأن الفضاء بالنشيد، ويهتفن بالأهازيج، ويلهبن النفوس ~~حماسة، ويضرمن الحمية في الأرواح. # ولقد قهرت «تاميريز» ملكة الحيثيين الملك سيروس ونكلت بجيشه الضخم وجحفله الجرار، كما ~~ظهرت «سميراميس» ملكة بابل، واشتهرت بالبطولة ومطلق السلطان. # ولا يزال اسم «جان دارك» أو فتاة أورليانس، التي ألهمت الخروج من خدرها لإنقاذ فرنسا ~~من أعدائها الإنكليز الذين اكتسحوا أرضها وأغاروا على ذمارها، علما على الشجاعة ~~المتناهية التي يحيط بها الرهب والجلال، وتبدو من فرط جلالها سرا من الأسرار. # وقد جندلت «خولة» العربية فرسان الروم في حرب فتح الشام على عهد أبي بكر - رضي الله عنه - ~~وكانت شجاعتها مضرب الأمثال، كما طعنت المجاهدة الشجاع «شارلوت كورداي» الذباح المشهور في ~~الثورة الفرنسية «مارات»، وراحت تتلقى الموت بعد ثأرها لقومها بابتسام، وسخرت «ماتاهاري» ~~الجاسوسة المشهورة النادرة البسالة في الحرب العظمى من الحلفاء، ومكرت بهم أعجب المكر، حتى ~~لقيت الموت رميا بالرصاص. # جان دارك. # وفي عصرنا هذا اشتركت نساء الصين في الحرب الوطنية الأخيرة منضويات تحت لواء الزعيم «سن ~~يات سن» محاربات مع الجيش الجنوبي حتى استولين على ما يقرب من ثلثي الصين؛ كما استمات ~~النساء في الثورة التي نشبت ms090 في جمهورية «نيكارجوا »، ونهضن في إثر زعيمتهن «ناتالي ~~جراسيا»، وقد ذهبت هذه في الحرب مستشهدة. # وما نسي أحد كيف راحت البلجيكيات الباسلات يدافعن عن بلادهن، ويصمدن مع الرجال لصد جيوش ~~الألمان عن أرضهن غير منزويات من وابل النيران ومدرار الرصاص يحصدهن حصدا. # وقد كان بروز المرأة بهذه الشجاعة في مواطن القتال حافزا بعض الدول إلى استخدام النساء ~~في الجيوش كمحاربات، فضلا عن أعمالهن في الإسعاف والتمريض، وكان أسبق الدول إلى ذلك ~~فنلندا، وهي الجمهورية التي انسلخت أخيرا من الروسيا، فقد جيشت كتائب من النساء ~~المقاتلات، وجهزتهن بأحدث أدوات الحرب ومعداتها، وكذلك بولونيا والصين واليابان وروسيا السوفيتية. # الطيارة الجريئة إيمي جونسون المعروفة اليوم بمسز موليسون. # وقد نبغ النساء أيضا في أكثر الميادين التي ظهرت فيها مغامرات الرجال وألوان بطولاتهم ~~وضروب جسارتهم وجزافهم بالحياة، فاليوم ما أكثر النوابغ والبطلات في فنون الطيران والسباحة ~~وألعاب القوى في سائر الممالك والأقطار، ومن ذا الذي لا يعجب للمغامرة الأولى «إرهارت» ~~الطيارة الأمريكية المقدام التي اجتازت المحيط الأطلسي على متن الفضاء شاقة طريقها وسط ~~العواصف والكسف وكثائف السحاب، والطيارة الإنجليزية إيمي جونسون التي انتزعت يوما من ~~زوجها الطيار الكبير موليسون بطولة الطيران الطويل المدى من لندن إلى الكاب، والطيارة ~~النيوزيلندية «جين باتن»، التي طارت من إنجلترا إلى أوستراليا عدة مرات، وكانت الناجحة ~~الموفقة الظاهرة على سائر النابغين في الطيران والنابغات؟! # ومنذ عدة القرون والأجيال اشتغلت المرأة بالسياسة وتدبير الملك وحمل الصولجان، واقتعدت ~~العروش ولبست التيجان؛ فأبدت من المهارة والدهاء والبراعة والنبوغ ما لا يزال ذكره مستفيضا ~~في التاريخ. # ومن هؤلاء الملكة اليصابات التي جلست على عرش إنجلترا في القرن السادس عشر، وأدارت الملك ~~أحسن الإدارة، ورفعت في عهدها لواء الأدب، ومكنت لبلادها من سيادة البحار، ومن قبل نبغت ~~كليوباطرة في مصر، وبلقيس في مملكة سبأ، كما نبغت في الأجيال الحديثة «فيكتوريا»، وكان ~~عصرها في إنجلترا أزهر العصور. # وقد ظهرت المرأة أيضا في مضمار الأدب والعلم، وآفاق الفكر والعمل المنتج، وعالم الاختراع ~~والابتكار، ومن النساء اللاتي نبغن ms091 في هذه النواحي «فلورنس نايتنجيل» التي أوحت بالفكرة ~~الإنسانية السامية الجليلة، وهي إنشاء جمعية الصليب الأحمر، ومدام دي ستايل الكاتبة ~~الفرنسية الخالدة التي حملت على نابليون وهاجمته، ونكرت بطولته، و«جورج ساند» التي أحبت ~~الشاعر الفرنسي البديع «الفرد دي موسيه»، واشتهرت بقصصها الممتع الفاتن، وكاترين ~~منسفيلد الأديبة النيوزيلندية صاحبة القصص الرائعة الفياضة بالفن والإعجاز في تصوير ~~الشخصيات ورسم ألوان الحياة، والتي قضت بالسل من بضعة أعوام، ومسز برواننج الشاعرة ~~الإنكليزية المبرزة في العصر الحديث، ومسز رينهارت الكاتبة الأمريكية المشهورة، وأرسالا ~~بروم الأديبة الإنكليزية المحدثة، والسيدة إيني بيزانت زعيمة المذهب الصوفي في أدايار ~~بقرب مدراس في الهند، وهي امرأة أرلندية الأصل، اختارت الهند موطنا لها، فبلدت بمدراس ~~ورأست المذهب الصوفي، ويوم نعيت إلى غاندي صديقها الحميم الذي تأثر كثيرا بتعاليمها، قال ~~في رثائها: «إن لها فضلا علينا لن ينساه الشعب الهندي آخر الحياة.» وقد قضت أخيرا وهي في ~~الخامسة والثمانين، وكانت جنازتها حفلا رهيبا مشهودا في الهند. # السيدة إيني بيزانت. # وقد استفاض تاريخ الأدب العربي بسير مشهورات النساء في الشعر والنثر وجملة ~~الفنون. # وفي ميدان العلم نجد عشرات من المبرزات، وحسبنا أن نذكر فضل مدام كوري كاشفة مادة ~~«الراديوم» التي غيرت وجه العلم الحديث. # وفي السياسة ظهرت المرأة أيضا وتألق نجمها، وتجلت براعتها، وبدا حذقها، حتى أصبحت تجلس ~~اليوم في البرلمان الألماني والبريطاني والأسوجي والشيكوسلوفاكي نائبة عن الشعب، وثم ~~امرأة كانت تحكم ولاية «تكساس» في أمريكا، وأخرى كانت وزيرة في فنلندا، ومس بونفيلد التي ~~كانت وزيرة للعمل في وزارة العمال البريطانية الماضية، والسيدة خالدة أديب التي كانت وزيرة ~~للمعارف في تركيا، والسيدة كوربت أشبي زعيمة الحركة النسوية في إنجلترا ورئيسة الاتحاد ~~الدولي للحرية والسلام، والتي عينتها حكومتها عضوا في المؤتمر البريطاني في مؤتمر خفض ~~السلاح، والسيدة «ساروجيني نايدو» الزعيمة الهندية والشاعرة الوطنية المشهورة، والعضو في ~~المؤتمر الوطني الهندي الأعلى، والتي سجنت في الثورة أربعة أشهر أو تزيد، ولكن أفرج ~~عنها وأطلق سراحها وكان الحكم عليها بالسجن سنة كاملة، وقد اشتغلت المرأة بالسفارة ms092 ومناصب ~~السلك السياسي والتمثيل الخارجي. # وإذا كانت المرأة قد أدركت شأو الزعامة في مختلف وجوهها، ومترامي نواحيها، كما رأيت فيمن ~~أسلفنا ذكرهن، فإن للمرأة فضلا عظيما على الدنيا، وحسنات جلى على الإنسانية، إذ هي ~~التي أنشأت الزعامة أما، ورعتها والدة، وأعانتها زوجا، ورفهت عنها كشريكة في الحياة. # مس بونفيلد - وزيرة سابقة في بريطانيا. # وقد قدمنا لك في الفصول الأولى من هذا الكتاب أمثلة من الزعماء وكبار الهداة في العالم ~~وسادة العلماء وأهل الاختراع الذين كان لأمهاتهم أو جداتهم أو قريباتهم أو أزواجهم فضل كبير ~~في بروز نجومهم، واشتهار أمرهم، والنجاح العظيم الذي بلغوه. # ألا إن المرأة في هذه الناحية هي الخلاقة للزعامات، المنجبة للنبوغ، الشريكة المساهمة ~~في تهيئة الظروف والعوامل الصالحة لبروز الملكات وإظهار كوامن المزايا والاستعدادات، حتى ~~ليكاد تاريخ العالم يلوح كأنه تاريخ الأمهات؛ لأنهن اللاتي يهدين إلى العالم أفذاذ الرجال، ~~ومصابيح الهدى، وأعلام الفضل والعظمة والنبوغ. # وفي سير هؤلاء أو أكثرهم يبدو أثر الأم الرءوم المتعهدة المنشئة، فهي التي كان لها ~~الفضل في ظهور رجال كبار، وعظماء مثل كرومويل، وإبراهام لنكولن، وتوماس إديسون، وأوليفر ~~لودج، والجنرال بوث، وهو القائل: «كنت في حداثة سني أشكو أحيانا إلى أمي من ثوبي المهلهل ~~ومظهري الرثيث، وخوفي من إثارة السخرية مني في نفوس رفقائي ولداتي في المدرسة، فكنت أقول ~~لها: أخشى أن يظنوا أننا فقراء، فكانت تجيبني قائلة: ولماذا تريدهم أن يظنوا غير هذا؟! إننا ~~حقا فقراء ... وإني والله لمدين بالكثير من نجاحي في الحياة لذلك الحب المطلق للحقيقة، وذلك ~~التمجيد السامي لها، وكان ذلك أظهر صفاتها وأبرز خلالها، لقد كانت أمي مثالا عاليا ~~للتضحية وإنكار الذات!» # وينبغي ألا ننسى فضل النساء كزوجات، فكم في التاريخ من سير سيدات فضليات أعن ~~أزواجهن في الحياة على البروز، وحفزنهم إلى السبق والنباغة وكن كواكب سعود لهم، ونجوم ~~هدى في مضربهم في الصحراء، وذهابهم في التيه، واقتحامهم لأشد المكاره، وتخطيهم لأقسى ~~العقبات، بل لقد كن لهم بمثابة الواحات النضر الفيحاء يرقدون تحت ظلالها الوارفة إذا ms093 مسهم ~~اللغوب ، ويفزعون إلى مائها الصادر إذا أحرقهم الظمأ، ويلتمسون عندها الراحة واستعادة النشاط ~~والاستجمام. # وإذا ذكرنا جوزفين وما كان لها من الفضل على نابليون، واليمن الذي بارك حياته، وكوكب ~~السعد الذي كان ملازمه، حتى إذا ذهب عنه تخلى الحظ عنه؛ وإذا نوهنا بالسيدة «أنيتا ~~غاريبالدي» التي شاركت زوجها قائد الحركة الوطنية في إيطاليا، وأحد مؤسسي وحدتها الحديثة، ~~وشاطرته جهاده في سبيل بلاده، وأسهمت معه في الحروب والمعارك للدفاع عن أمته ووطنه، حتى ~~لقيت حتفها في بعض تلك الحروب، وإذا أشدنا بفضل زوجة «غاندي»، وما احتملت بجانبه من آلام، ~~وما قاسته في الحركة الوطنية من سجن ومعتقل ومطاردة ومختلف ألوان الظلم والعدوان، وما كابدت ~~من مشاق وقسوة تكاليف، وكيف ظلت أبدا بجانبه ترعاه وتعنى به، وتعاني الشظف احتراما ~~لمبادئه، فإنا - ولا ريب - ذاكرون ما وقع لنا نحن بسبيل ذلك في نهضتنا الوطنية وثورتنا ~~الرهيبة لاسترداد حقوقنا في الحرية والاستقلال. # مدام كوري العالمة في ثياب الدكتوراه. # ولا شك في أن التاريخ الوطني لهذه البلاد سيفرد صفحات نواصع للسيدة الجليلة، والعقيلة ~~الطاهرة، والوطنية الباهرة، والمجاهدة العظيمة، أم المصريين، وشريكة سعد، السيدة صفية ~~زغلول، فقد حملت العلم في صدر جنسها، وأفاضت على الثورة من جلال نفسها، ومفعم وجدانها ~~وحسها، وآثرت على نعومة الحياة خشونة جهادها، وأشبعت الأمومة من حنانها على شباب بلادها، ~~كأنهم بعض فلذات كبدها، حتى استحقت مع الفخار هذا اللقب العظيم ... «أم المصريين». # الشاعرة الوطنية الهندية الكبيرة السيدة ساروجيني نايدو. # لقد جاء سعد زغلول مختارا من الطبيعة لأسمى المعاني في الحياة الإنسانية، وظهر عند ~~اشتداد الظلمات ظهور الكوكب الساطع والنجم الثاقب في فحمة الليل، وبرزت هذه السيدة من ~~خدرها في أثره كالزهرة السنية، يشعان على المجتمع سويا، هو من لدن العناية الإلهية ~~مختارا، وهي من القدر الرحيم «صفية»، وهما معا رسولا الجهاد ورمزا الحرية، اقترنا في خطة ~~القدر ليكونا معا لمصر؛ فكان له منها الحليف في الشداد، والمعوان على الجهاد، وكان له ~~منها فخار الأزواج، أنساها الذراري، وأغناها عن الولدان والبنين. ms094 # كان سعد المسافر في الصحراء، وكانت صفية على طريقه وفي وعثاء سفره الواحة الخضراء؛ كلما ~~أجهده المسير وأتعبه الإدلاج والإسراء، عطف على الجنة الفيحاء ليستريح تحت الظلال، ويعب ~~عندها ويعل من العذب الزلال، ويستجم للسفرة التالية، ويتزود للشقة القصية، ويمتار ~~للمرحلة النائية، ويجد عندها خير ما يجدي على الرحل والمسافرين. # كاستوريا غاندي - زوجة الزعيم غاندي. # وفي الحق ما أحوج الرجل العظيم إلى المرأة العظيمة، فهي بلسم جراحه من سهام ~~الأعداء، وسلواه الآسية في الوعكة والداء، وعزاؤه إذا شح أو عز عليه العزاء! ويوم تجيء ~~السيدة العظيمة للرجل العظيم نعمة من السماء؛ يركب الطريق إلى النجاح، ولا يبالي أن يعود ~~من المعارك مثخنا بالجراح؛ لأن هناك روحا بجانبه تمسح عن نفسه، وتفيض على إحساسه، بل ~~إن هناك لعاطفة متلاشية فيه، وشخصية يحتويها وتحتويه، وفهما سريعا يفطن إلى معانيه، ~~وحبا يغمره، وبرا يشمله، ووفاء يغذيه، ونصيرا غالبا حافزا أبدا إذا احتاج إلى ~~النصير. # وفي تاريخ العظمة والنبوغ والزعامة رجال هوت بهم نساؤهم، ورجال كانت نساؤهم كواكب سعودهم، ~~وكان نصيب سعد هذا النجم السائر بسعده، والكوكب الهادي إلى مجده، والقرين الحافز إلى مضاعفة ~~جهده، وكأنهما على موعد من الأقدار تلاقيا، ووحي من السماء تدانيا؛ ليكون هو عميد أسرة من ~~الملايين، ولتكون هي فيهم الأم الرءوف الحنون، وهما نعم الوالدان لشعب من البررة ~~الأبناء المخلصين. # وكذلك هيأ القدر الحارس لسعد الزعيم القرينة الصالحة لمثله، والزوج الخليقة به، ~~والشريكة المعوان له، إن طلب الصبر عندها وجده، وإن اقتحم المخاطر، لم تمنعه ولم ~~تصده، شجاعتها كشجاعته، ووطنيتها من وطنيته، وبسالتها قرينة بسالته، وفطنتها شعاع ~~سني يجاوب تيار فطنته، ومواهبها جميعا عند مشيئته، وهي زوجه وابنته وصديقه وشريكته، ~~وهو عندها الزوج والوالد والصديق والشريك والولي الأمين ... # وقد خاضت هذه السيدة الفاضلة مع سعد مكاره وخطوبا، واحتملت الآلام معه حضورا ومنأى ~~وغيابا، حتى أكرهت خصوم زوجها على احترامها، وأخبرتهم بشهامتها، وقوة صبرها، وعزتها ~~وإبائها، على أن ينظروا إليها بعين الإجلال والتقدير. # وأشد ما تكون أم المصريين بروزا في ms095 الطليعة، واستباقا في صدر الجماعة، واجتماع بسالة ~~وصبر وشجاعة، في عهود المحن العامة، وفترات الحكومات الغاشمة، والشدائد الكارثة الطامة، فإن ~~أولئك جميعا أكبر مجال لوطنيتها، وأفسح الميادين لصولة حميتها، وظهور عظمتها ~~وبسالتها، وإنها لتتقدم إلى المخاطر وتتجلى في المكاره، وتصمد للشدائد والعواصف، وإنها ~~لتحنو على الضعفاء في المحن، وتأسو جراح المنكوبين ساخرة من الحتوف، هازئة بالمصاعب، ~~مستخفة بالمشاق، لا تبالي مقاومة، ولا تعبأ مناواة، ولا تعرف الرجوع إذا ما أهاب بها الوطن ~~أن تقدمي، ولا تحفل أساليب الغاشمين. # وقد احتملت في العهود الغابرة نصيبها الكبير من مساويها، وشطرها من مناكرها، ~~وأرصدت الأشراط على دارها، وأقيمت القوات في طريق مسيرها، فلم يصدها ما منعت السياسة ~~الغاشمة عن عمل وطني تؤديه، وإقدام رائع تبديه، وعزاء مرفه للجرحى تقدمه، وبر بالأرامل ~~والأيامى والمعوزين تزجيه، وإحسان تقوم به في مقدمة المحسنين. # ومنذ رحل سعد إلى جوار الله، وهي كما علمت مصر وعرف العالم كله السيدة الراجحة الرأي، ~~الكبيرة الفؤاد، المعروفة بالأصالة والسداد، أخذت من العلم بأوفى الأنصبة، واشتركت في ~~النهضة بالنبوغ والموهبة، وأسهمت في الجهاد مع خليفة سعد ومتمم رسالته وصاحب بيعته، ورجحت ~~بعشرات الألوف من الرجال، وأظهرت في الملمات شجاعة الأبطال، وكانت أبدا حربا على ~~الظلام والمتجبرين. # ولا يزال فضلها بارزا على الحركة الوطنية بما ظلت على السنين تبثه في النفوس من روح ~~الإيمان، وتتعهد به النهضة من المثل العالية، والوطنية السامية، وما تمحضه الزعامة من ~~حكيم الرأي، وصادق الفكرة، وسديد الإلهام، ومتواصل التأييد. # واليوم في ثوب هذه السيدة الجليلة ذكريات سعد كلها، ورائحة سعد بأنفاس عطرها، وعظمة سعد ~~بروعتها وجلالها، وأفق سعد الذي كان يعيش فيه، وملاذه الذي كان يحتويه، فلا عجب إذا كان ~~المصريون جميعا لشخصها مكبرين، ولمكانتها العالية حافظين، ولا غرو إذا أكبروها مرتين، ~~مرة في سعد لها، ومرة في ذاتها لفضلها، واجتمعوا على الولاء لها شيوخا وشبابا وعذارى ~~وبنين. # وأمام هذه السيدة العظيمة تقف الإنسانية وقفة الاحترام؛ لأنها مثال رفيع لنبالة المرأة، ~~ووطنية المجاهدة، وشجاعة السيدة، وسمو عاطفة الوفاء، ms096 وحنان غريزة النساء، ومعنى جديد في ~~الشرف، وظاهرة جليلة في حياة المجاهدين. ~~••• # وقد بينا لك في صدر هذا البحث أن حشد أسماء النساء اللاتي نجحن في العالم كزعيمات غير ~~ميسور؛ لأنه يروح مستطيلا خارجا بالكتاب عن حدوده، وهنا نقول إنه ما من شك في أن عددهن ~~مقدور له بالطبع أن يزيد ويترامى كلما تعددت الظروف المهيئة التي تعين النساء على أن ~~يتساوين، أو يفقن الرجال في الزعامة والصدارة والسلطان، وهذه الظروف والعوامل - بلا ريب ~~- ستزداد مع تطور الحياة الحديثة وعلى مر السنين. # حضرة صاحبة العصمة السيدة الجليلة أم المصريين. # ولا خفاء في أن ما قدمناه في فصول الكتاب بسبيل الزعامة وأسرارها وصفاتها وشروطها، ينطبق ~~على النساء كذلك في موضع الزعامة، وإنما يختلف الفريقان، المرأة والرجل في هذا الموضع، من ~~حيث الأخطار التي يتعرض لها كل منهما، فإن مساوي الزعامة وأخطارها بالنسبة للمرأة أكثر ~~عددا، وأدق صفة، وأعمق غورا، وأفعل نتائج ومعقبات. # ومما يلاحظ غالبا في زعامة النساء أن الزعيمة تجد من النساء أنفسهن انتقادا أكثر مما ~~يوجه إليها من قبل الرجال، فهي من ثم مطالبة بأن تؤدي عملا أخطر وأفضل مما يؤديه ~~الرجل لو أنه في نفس الموضع، بل هي مقتضى منها أن يكون تفوقها غير منازع فيه، وسمو ~~نفسها فوق كل شك أو مظنة، وإخلاصها لا يرقى إليه أقل اتهام أو أدنى ارتياب، ولعل سر ~~الانتقاد القاسي المرير الذي ينبعث من جهة النساء نحو المرأة الزعيمة هو أن النساء قد ~~ألفن من قديم الزمان أن يشهدن الرجال مديرين، ويرين الرياسة لهم، والزعامة أبدا فيهم؛ ~~ومن ثم إذا وقع ذلك لإحداهن، قام في أخلادهن النزوع إلى الموازنة على ضوء زعامة الرجال في ~~بحث زعامة المرأة، فرحن يقتضين منها الخلو المطلق من العيوب في غير تسامح ولا تساهل، ~~ومضين يتعقبن الهنات واللمم وأتفه العيوب. # ومما يعاب على زعامة المرأة أن النساء في هذا الموضع يجنحن إلى الاشتطاط في الرقابة على ~~الذين من دونهن، والغلو في التدقيق، والمبالغة في الملاحظة، إلى حد ms097 التجسس والتفقد المتسلل ~~في الخفاء، وهو - بلا ريب - عيب عام فيهن، وأكبر مظهر له وأغلب عارض من أعراضه ما يشاهد في ~~البيوت من السيدات ومسلكهن مع الخدم، ولعل ذلك الجنوح هو الذي يفسد على الأتباع عملهم ويعطل ~~ملكاتهم، لما فيه من الاحتجاز والتضييق على الحرية، ومنع التابع من استخدام مواهبه في مدى ~~فسيح ومضطرب واسع النطاق. # السيدة كوربيت آشي: زعيمة الحركة النسوية في إنجلترا، ورئيسة الاتحاد ~~النسوي الدولي. # ويؤخذ على زعامة المرأة أيضا أنها تنزع إلى الشك في مقدرة النساء من أشياعها، ~~والعاملين تحت إمرتها، ذاهبة إلى أنها تعرف بنات جنسها حق المعرفة، وليس من ريب في أن هذا ~~النزوع لا يتفق والزعامة المتوخية لنفسها النجاح، باجتذاب النفوس إليها واستمالة القلوب ~~والأرواح؛ فإن الثقة بالغير تقتضي غير هذا النزوع المتشكك، وتستوجب الشعور بأن الولاء يمكن ~~اكتسابه، والإخلاص الصحيح ميسور لمن يطلبه، بأمثل وسائله وأصلح أساليبه، ولا خفاء في أن ~~الميل إلى الانتقاص من أقدار الناس بسبب علل وبواعث ودوافع ملازمة حتما لطباعهم وغرائزهم ~~وبشريتهم هو نقص في الزعامة، وعيب ينبغي للزعامة العاقلة الحكيمة أن تحاول جهدها اجتنابه؛ ~~لأن الحكمة في رياضة الطبائع لا في مقاومتها، وفي استمالة الطبيعة البشرية بإدراك حقائقها، ~~والنظر إليها من نواحي محاسنها ومساويها بالسواء لا في تجاهل المساوئ ومطالبة الطبيعة ~~بما ليس في الإمكان. # ومن المقرر أن في النساء مزايا هي عادة أبين وأظهر منها في الرجال، كما أن في هؤلاء ~~مزايا لا تظهر على كثرة في النساء، وإن اجتماع العزم المتحمس النشيط الصادق الانبعاث إلى ~~الغاية المنشودة بالحرارة والشعور نحو الجماعة والرغبة في التضافر معها لإقامة وحدة مجهود ~~واتجاه، هو عنوان الزعامة الصالحة الرشيدة، واجتماع هذه الصفات قد يتوافر في المرأة كما ~~يتوافر في الرجل، وإن اختلفت النسبة وتباين المقدار. # ومن هنا كان نزوع النساء اللاتي يتولين الرياسات والزعامات في محيطهن نحو تقليد الرجال ~~واحتذائهم والتشبه بهم في السياسة والمسلك والطريقة والأسلوب والمنهاج، مفسدا لطباعهن، ~~متلفا لخواصهن، محدثا أسوأ النتائج. # وإنما كل المطلوب من المرأة ms098 هو المحافظة على جوهر نسويتها، حتى تكون المرأة الزعيمة هي ~~أبلغ النساء أنوثة، وأصدقهن حرصا على جنسها وطبيعتها؛ فلا تقلد نماذج لا تتفق وذوقها ~~وميولها الطبيعية، بل ينبغي لها أن تتابع دوافعها، وإملاء شعورها، حتى تكتسب إخلاص جمهورها ~~أو أشياعها وأنصارها بالعاطفة والحماسة والمودة وحاسة الولاء. # وقد أثبت التاريخ أن أرقى النساء الزعيمات وأرفعهن زعامة وأكبرهن سلطانا هن اللاتي ~~«بقين أنفسهن» طيلة الحياة؛ أي لزمن حقيقة طباعهن، ولم يتكلفن ضد نزوعهن وفطرتهن، بل هن ~~اللاتي ظللن فخورات بنسويتهن غير مزورات على الناس ولا مزيفات. # | الزعامة في الشرق # ظهور غاندي # كان الشرق مهد الحضارات، ومعلم الدنيا فيما غبر من الأجيال، بينما كان الغرب يعيش ~~على البداوة، وتسوده الهمجية، وتغمره الجهالة، وتتعاقب عليه القرون المظلمة، وقد ظل أمر ~~الشرق في سمو وصعدة حتى أوفى على الغاية، ثم مضى يكر راجعا، ويهبط منحدرا؛ على حين بدأ ~~الغرب يستيقظ، وراح يفيق من هجعته ويستوي على سياقه، ويتحرك ويمشي، ثم يثب ويطفر، فدارت ~~بذلك دائرة السوء على الشرق وأهله، وتقدم الغرب يرقى ويسمو صعدا، وتزدحم بشعوبه ~~أرضه وأقطاره، وذهب يلتمس آفاقا جديدة، ويرتاد لمنازله ومعايشه، وينتجع لمتنفس زحمته، ~~والتخفيف من ضغط سكانه، فبدأ تاريخ الاستعمار من ذلك الحين، وهو تاريخ حفل بكثير من مشاهد ~~الوحشية والمجازر الدامية والفواجع المتناهية؛ وما نعرف في ذلك التاريخ فتوحا ولا غارات ~~ولا منزل دولة غربية ببلد من البلاد، خلت من هذه الحوادث البشعة، ومخاض الدماء الجارية، ~~والاستعانة بكل وسائل الهمجية والعدوان. # ولعل القرن التاسع عشر كان بين القرون الأخيرة أحفلها بنشاط الاستعمار، فإن الدول العظمى ~~راحت تتقاسم خلاله خريطة الدنيا جملة، على نسب متفقة مع شأن كل منها وقوته وسلطانه؛ فسقطت ~~بذلك أمم كثيرة في أيدي المستعمرين ووقعت فريسات للمطامع، ونهبا مقسما بين الدول ~~المستعمرة، وكانت الدولة المغيرة تجد في ذلك متعة الظفر بأمم كبار، ومتعة المجد بالغلبة على ~~حضارات قديمة، والسيادة فوق شعوب ذات عظمة ماضية وتاريخ مجيد. # وكانت بريطانيا العظمى المتفوقة على دول الغرب جميعا في حصصها ms099 من الغنائم ، وأنصبتها من ~~التقسيم، ومكاسبها من الاستعمار؛ إذ أتيح لها في ظروف عجيبة، وبمدخل غريب، وأساليب تجارية ~~داهية، أن تستولي على الهند في آسيا الشرقية، وهي أكبر من بلادها بأضعاف متعددة، ولها في ~~الحضارة القديمة مكان بارز، وموضع رفيع، ومجد تليد، وكان عمل الكشاف الأكبر روبرت كلايف ~~وحيلته العجب في التمكين لسلطان بلاده في أرض الهند، نهاية في براعة العبقرية ~~الاستعمارية وحذق المغيرين، وافتنان الساسة في ناحية الوطنية المهاجمة المعتدية المستعلية. # روبرت كلايف. # ولكن الوطنية المدافعة - وطنية الشعب المغلوب على أمره - لم تمت تحت وطأة الوحشية ~~الاستعمارية، وإنما ونت يومئذ وانزوت لكي تجد مسارب لها خافية، ومنافس لها متوارية، ~~ومكامن لها في أعماق النفوس وأغوار الجوانح والقلوب. # ومهما يفعل الظلم وتحدث وطأة المستعمر، فإن الوطنية في الحق لا تموت، وإن لاحت يوما ~~متراخية، أو ظن أنها قد أسلمت أنفاسها وسكنت نأمتها؛ لأنها إنما تسكن حينا على الألم، ~~وتكمن حينا على المضض، وتختفي دهرا ما لتحتقن وتنحبس، ثم تنفجر في الساعة المعلومة ~~وتنبجس، وتقذف من جوفها الحمم المدمرة فعل البراكين. ~~••• # كذلك ظلت الهند إلى نهاية القرن الماضي تحت نير الاستعمار البريطاني صبورة محتملة، ساكنة ~~على الأذى، مقيمة على الضر؛ بينما كانت الأقدار تهيئ لها الظروف الصالحة لظهور الزعيم ~~المناسب لها، والقائد الوطني الذي يلائم حياتها ويتفق وبيئتها ومحيطها، بل لقد احتاج الأمر ~~إلى فترة من الدهر يقضيها ذلك الفرد الذي ارتضته الطبيعة لزعامتها خارج حدودها، للمرانة على ~~القيادة، والتدرب على الجهاد، والاستعداد للموعد المعلوم والأمر المنتظر؛ فهيأت له موضعا ~~خارج الهند يتدرب فيه ويتجهز، وينغمس - بادي الرأي - في الحضارة الغربية ليعرفها معرفة ~~المجرب، ويمتزج بالمدنية الإنكليزية ليعاينها معاينة الخبير المحنك، حتى إذا استكمل علمه ~~بها، واستتم تدربه للدور الخطير الذي أعد له، ويبتلى بالظلم ذاته الذي أرسلته العناية ~~الإلهية لمحاربته حتى يمتحنه في نفسه، ويشهده بخبرته وحسه، أطلعته فجأة في ساحة الجهاد ~~ليؤدي رسالته إلى وطنه، ويستحوذ على إعجاب الدنيا كافة بأمره العجب وخليقته المستغربة، ~~ودينه الجديد ...! # وهكذا ظهر غاندي ms100 - الذي عرفناه - ذو العينين السوداوين الناعمتين النجلاوين البارزتين في ~~وجهه الناحل الصغير، وبدنه الهش الدقيق، ليس عليه غير لفافة من قماش خشن تستره وهو فيها ~~أشبه شيء بالعراة الحفاة الضاربين في قلب المجاهل والبيد، هكذا ظهر غاندي الناسك المتبتل ~~المتقشف الذي يأكل الأرز والفاكهة، ويشرب الماء واللبن، وينام على الأرض، وهو قليل النوم، ~~كثير العمل والدأب، كأن ليس لبدنه حق ولا حساب عليه؛ بل هكذا ظهر غاندي الذي شهدناه يكاد ~~يروح أشبه شيء بطفل في سذاجته وبساطته، وبراءة نفسه وطهارة شعوره، بل غاندي الوديع الرقيق ~~الحاشية حتى في معاملة خصومه، الفاتن الشخصية، كما قال جوزف دوك أحد الذين صادقوه ولازموه ~~من الإنكليز، حتى ليستحيل ألد أعدائه مؤدبين حياله من فرط أدبه وسحر جاذبيته، غاندي الصادق ~~الحريص على إخلاصه وصدق فطرته، حتى إن أي تجانف عن الحق - كما قال صديقه الآخر اندروز - ~~لا يجد قبولا لديه بتاتا، وإن كان تافها لا قيمة له. # مهاتما غاندي. # هكذا ظهر غاندي المتواضع الحيي غير المتكلف، حتى ليكاد يبدو أحيانا المتهيب المتردد، ~~وإن أحسست أنت منه النفس الأبية التي لا تقهر ولا تذل، الشجاع الصريح لا يعرف تراخيا ولا ~~مساومة ولا مكابرة في الباطل، أو مداجاة في الخطأ، ولا يعرف النزعات «الدبلوماسية»، بل ~~ينكرها ويمقتها، ولا يعمد إلى التأثير الخطابي بفخم الكلم وحماسة العبارة، وإنما يعافها ~~ولا يتقبلها ولا يفكر لحظة فيها، وينزوي بشعور باطني من مظاهر الحفاوات والترحاب به في ~~المجامع والندوات العامة، ولا يدع دوي الهتاف باسمه، ولا صاخب الصياح من حوله، في حشدة ~~الجماهير، وتزاحم الناس عليه، يحجب صوت ضميره، ويبدد نجوى نفسه التي بين جنبيه. # هذا هو الرجل الذي وصفه «دوك» صديقه بقوله: «إنه ليس بالخطيب المتقد المتحمس، وإنما هو ~~الهادئ الساكن المعتمد في خطابه على مجرد ذكاء سامعيه، ولكن سكينته هذه تضع الموضوع الذي ~~يناقشه أو يتحدث عنه تحت أسطع الأنوار ومتوهج الضياء وفي أصرح البيان، وإن تموجات صوته لا ~~تكاد تختلف أو تتغير، ولكنها مع ذلك الصادقة البالغة الصدق، ms101 المخلصة الجهيرة الإخلاص، وهو ~~لا يكاد يحدث حركات ولا إشارات بيديه وذراعيه إذا هو خطب الناس، بل لا يكاد يحرك خالجة فيه، ~~ولا أنملة واحدة من أنامله، وإن كانت كلماته الواضحة، وعباراته القوية الجزلة، وجمله ~~الموجزة القاطعة، تحمل في طياتها قوة الإقناع، وتنطوي في تضاعيفها على روعة الحجة الصادقة ~~وجلال القول الفصل المبين.» # هذا هو الرجل الذي حرك نفوس ثلاثمائة مليون من خلق الله وبعثهم على الثورة، وحفزهم إلى ~~النهوض؛ بل هذا هو الرجل الذي هز الإمبراطورية البريطانية من القواعد، وأدخل على السياسة ~~الإنسانية أقوى دافع ديني شهدته الدنيا من ألفي سنة! # هذا هو المسيح في الوطنية، جعلها دينا من الأديان، وأحاطها بأعمق الإيمان، وحرسها بأروع ~~اليقين. # وهو الآن في الثامنة والستين، إذ كان مولده في شمال الهند في اليوم الثاني من شهر أكتوبر ~~سنة 1868، وكان منشأه في قوم أخيار صالحين، تمتد تجارتهم ما بين عدن وزنجبار، وكان والداه ~~من الخاصة، ينزعان نزعة استقلالية حرة في حياتهما، حتى لقد اضطرا يوما من الأيام إلى ~~الفرار نجاة والتماس خلاص، وكانا يدينان بمذهب الأحمسا ~~(Ahimsa) ~~، وهو مذهب هندوكي ينادي بتحريم الأذى لكل ما ~~فيه روح وحياة، بل هو ذلك المذهب القائم على الوداعة والحب الذي قدر لغاندي أن يكون المنادي ~~به في العالم كله، والذي أدمجه فيما بعد في عقيدته الوطنية الجديدة؛ فسمي من ذلك الحين ~~«بالمقاومة السلبية»، أو «الرغبة الكلية عن العنف والعدوان». # وقد سافر إلى إنجلترا لاستكمال دراسته وهو في التاسعة عشرة من العمر، وكان قد تزوج وهو ~~صبي صغير في الثانية عشرة على عادة قومه، وإن كان المتأفف الكاره لهذا البكور في القران، ~~فالتحق أولا بجامعة لندن، ثم درس فيما بعد الحقوق، وعاد إلى الهند في سنة 1891 بعد قرابة ~~أربع سنوات قضاها في سبيل العلم مغتربا، وهو يومئذ معجب بالحياة الإنكليزية، متعشق ~~لحضارتها الزاهرة، وإن ظل الحريص على موثقه لأمه وعهده في الحرص على دينه. # ولم يلبث أن نزح إلى جنوبي أفريقيا، حيث كان ألوف من أهل الهند ms102 قد استوطنوا التماس الرزق ، ~~وبحثا عن القوت والمعاش؛ فوجد الحكومة تضطهدهم وتطغى عليهم بما تصطنع في تكريههم المقام ~~بأرضها من شواذ القوانين. # عند ذلك بعثه غضبه لكرامة بني قومه على الدفاع عن أولئك المظلومين المعصوف بهم، فلم يحفل ~~بما كان يكسبه من صناعة المحاماة يومئذ، وكان مورده منها نحو خمسة آلاف أو ستة آلاف من ~~الجنيهات في السنة، وآثر الفاقة وارتضى الحرمان، مودعا النعماء، مغادرا حياة الرغد؛ ~~ليقاسم بني وطنه الألم والجوع والظلم والتشريد. # وكان قد تأثر يومئذ بقراءة «تولستوي» وفلسفته في الاشتراكية المسيحية، وقد رأينا كيف راح ~~تولستوي في سنة 1910 - أي قبيل موته - يكتب إلى غاندي خطابا مستفيضا وقد سمع بحركته ~~وجهوده ومناداته بمذهب «المقاومة السلبية»، فهو يمدح غاندي فيه، ويثني خيرا عليه ويقول إن ~~ذلك المذهب هو في الواقع «شريعة الحب»، بل الإلهام الذي يبعث على وجوب ارتباط البشر بالروح، ~~وهو المسيحية الوطنية التي دان بها الزعماء الروحيون في العالم جميعا. # غاندي، عند مروره بمصر. # ومن ذلك العهد بدأ غاندي جهاده النفسي الذي صحبه وعكف عليه عكوف المؤمن العميق الإيمان من ~~سنة 1907 إلى سنة 1914، غير جازع ولا آبه بما لقيه من سجن وإيلام وتشريد وتعذيب، ويومئذ ~~عاد إلى الهند تستبقه الشهرة بأنه الزعيم الهندي الجديد. # وإذا كان القرن التاسع عشر قرن الوطنية المهاجمة، والنزوع الاستعماري الموحش الرهيب، ~~فقد جاء القرن العشرون ليكون بداية ظهور الوطنية الدفاعية في الشرق، وانبثق نور الزعامة في ~~أكثر نواحيه. # وكان أروع مظهر لتلك البداية ظهور غاندي في الهند قبيل الحرب العظمى، وكان قد سبقه جوكهيل ~~مؤسس الحركة الوطنية الهندية، بل ذلك الأستاذ الشيخ الجليل الذي نسيته «الهند الفتاة»، ولم ~~تعرف حقه الأجيال المحدثة، وإن كان غاندي قد عرف له سابقته في الجهاد، وأخذ عنه في صباه ~~وحداثته، وعتب على بني قومه نسيانهم لذكراه، وجحودهم لفضله الذي يستحق التقدير. # ولم يكن غاندي يومئذ يكره الإنكليز، بل لقد شخص في مبتدأ الحرب العظمى إلى عاصمة بلادهم ~~لتنظيم فرقة من بني وطنه لأعمال الإسعاف، ms103 وكان يعتقد عن صدق نية أنه فرد من أفراد ~~الإمبراطورية البريطانية، وأن من واجبه الاشتراك في الدفاع عن مصيرها، وقد وصف فيما بعد ~~شعوره ومبلغ خدمته للإنكليز، فقال في رسالة له سنة 1920 مخاطبا معاشر البريطانيين إنه لم ~~يخدم «إنكليزي» الدولة بأصدق مما خدمها هو، مخلصا لها الخدمة، ممحضا إياها الولاء، ~~حتى لقد جازف بحياته أربع مرات في سبيلها، وقد ظل يعتقد وجوب التعاون معها حتى تكشفت هي على ~~حقيقتها؛ فلم يلبث أن زال من نفسه ذلك الاعتقاد، وتلاشى ذلك الإيمان. # ولم يكن غاندي هو وحده المخدوع يومئذ من هذه الناحية، بل لقد كانت الهند كلها قد انخدعت ~~في سنة 1914 بتلك الكلمات السامية التي كان الحلفاء ينادون بها في جوانب العالم وأنحائه، ~~وهي أنهم يحاربون من أجل الحق والعدل، ويريدون إنقاذ السلام في العالم وتنجية الحضارة ~~والمبادئ الإنسانية العالية. # وكانت الحكومة الإنكليزية - وهي تسأل الهند معونتها - قد راحت تمنيها أجمل الأماني، ~~وتعدها أكبر الوعود، وترسم لها الغد المنتظر بعد النصر في أزهى الألوان، وأجمل الزهر ~~والورود والرياحين. # فما كان من الهند إلا أن بادرت إلى النداء، وأجابت السؤل غير مترددة ولا وانية، فساهمت ~~بنحو مليون مقاتل، وبذلت أسخى بذل، ورضيت بأكبر التضحيات، وانتظرت صبورا مترقبة متلهفة على ~~تحقيق تلك الوعود. # ولكن اليقظة كانت خطيرة، والحقيقة التي مثلت للهندسة 1918 مخيفة صاعقة قاسية؛ فقد تنكرت ~~بريطانيا لها بعد النصر، وراحت تنظر إليها النظر الشزر، وتناست وعودها الماضية، وحنثت في ~~عهودها الكثيرة، وتأهبت لملاقاة الموقف بأشد العنف وأقسى العدوان. # هنالك انفجرت الثورة في الهند، وقام غاندي ليتولى قيادتها إلى ساحة الجهاد وميدان الكفاح ~~والنضال، ولكنه في سنة 1919 لم يشترك في الثورة القومية اشتراكا فعليا ظاهرا، وإنما ~~الذي أسهم فيها كل الإسهام، وتقدم إليها بكل عزم وجرأة وإقدام، رجل آخر من طراز آخر، وهو ~~لوكا مانيا بال جانجدبار «تيلاك»، رجل نادر خارق للمألوف نشاطا وقوة واعتزاما، رجل اجتمعت ~~فيه المزايا الثلاث؛ العقل الكبير، والإرادة القوية، والخلق الرفيع؛ بل لعله كان أذكى ms104 من ~~غاندي أو على الأقل أكثر «شرقية» منه وأعرف بالثقافة الآسيوية، إذ كان أديبا ورياضيا ~~من كبار علماء الرياضيات، وقد ضحى بكل أطماعه الشخصية لكي يتوفر على خدمة بلاده. # وكان مثل غاندي أزهد الناس في الإعلان عن ذاته والتماس المجد لشخصه؛ لأن كل مطمحه هو نجاح ~~مثله الأعلى وانتصار فكرته حتى يستطيع اعتزال الميدان السياسي، ويعاود عمله العلمي ودراسته ~~وبحوثه القديمة. # لقد كان تيلاك يومئذ زعيم الهند جميعا، وليس يدري أحد ماذا كان سيحدث لو أن الأجل أنسأه ~~وامتد به فلم يخترمه الموت في سنة 1920؟! # ولكن الظاهر أنه لو كان تيلاك عاش واستطال الأجل به لظل غاندي - الذي كان يعترف له ~~بعبقريته، وإن اختلف عنه اختلافا جوهريا من ناحية أساليبه ومبادئه وسياسته واتجاهه - ~~الزعيم الديني للحركة الهندية، بل يومئذ ما كان أروع مشهد الهند وهي تسير خلف هذه ~~الزعامة المزدوجة، ولو قد كان ذلك لراحت الهند القوية المرهوبة لا تغالب؛ لأن تيلاك ~~كان زعيما عمليا بالقدر ذاته الذي كان به غاندي زعيما دينيا أو زعيما روحيا، عظيم ~~السلطان على الأرواح والأذهان. # غير أن القدر حال دون ذلك، وهو ما يؤسف له، لا من أجل تيلاك نفسه، بل من أجل الهند جمعاء، ~~بل من أجل غاندي بالذات؛ لأن غاندي أصلح ما يكون زعيما للصفوة المختارة، أو زعيما للطبقة ~~المتعلمة، وكان هذا هو جل ما يبتغيه غاندي نفسه ويتمناه، بل كان هذا أوثق شيء بالنسبة له ~~وأنسب موضع لطبيعته، وكان - بلا ريب - سيروح السعيد المغتبط يترك صاحبه «تيلاك» يقود ~~الأكثرية ويسود الدهماء، وكان غاندي بالأكثريات دائما قليل الإيمان، بينما كان ذلك شأن ~~«تيلاك» وديدنه؛ فقد كان يؤمن بالجماعات، وكان «ديمقراطيا» بالغريزة، وسياسيا لا يبالي ~~الاعتبارات الدينية، مناديا بأن السياسة لم تخلق للقديسين ولا لرجال الدين، ولو عاش هذا ~~الرجل لضحى بكل شيء في سبيل انتصار وطنيته؛ لأنه وإن كان في حياته الخاصة مثال الرجل ~~النقي الأمين المستقيم، لم يكن ليتردد في القول بأن في السياسة كل شيء جائز، وكل أمر ~~مقبول. # ولكن ms105 غاندي لا يرى هذا الرأي ويأبى إلا أن يسمو بمبادئه الخيالية إلى أبعد الآفاق، فلم ~~يتفقا ولم يتلاقيا عند رأي واحد، وإن ظل كل لصاحبه محترما قادرا حق التقدير؛ فقد كان ~~غاندي يشعر بأنه إذا ما تعارض الحق والصدق مع الحرية والاستقلال في ناحية الأسلوب ووسائل ~~الجهاد، فإنه بلا أقل ريب يفضل التزام الصدق والحق على الحرية بل على الوطن ذاته، على حين ~~كان تيلاك يرى العكس، ويعتقد أن وطنه مقدم فوق كل شيء في هذه الحياة، وأن مصلحته تستبق كل ~~اعتبار في الوجود. # وقد قال غاندي في ذلك: «إنني مقترن بالهند؛ لأنني معتقد تمام الاعتقاد أن عليها رسالة ~~تؤديها إلى هذا العالم ... وليس لديانتي أو عقيدتي حدود جغرافية ولا تخوم، وإنما إيماني بها ~~يعلو على كل شيء حتى على الهند نفسها.» # ولعل هذا هو سر خطط غاندي في جهاده الوطني، وتعليل مسلكه في محاولة تحرير بلاده، بل لعل ~~فيه سر فشله الأخير وإخفاق جهوده؛ لأن هذه الكلمات النبيلة السامية هي مفتاح الرسالة ~~الغاندية التي تولى أداءها هذا الزعيم الجديد الغريب على هذه الدنيا، الطارئ على هذا ~~العالم، فإن عقيدة غاندي أشبه ببناء ضخم شاهق مؤلف من طبقتين؛ الطبقة الأولى منه هي القاعدة ~~أو الأساس، أو هي الجزء الديني من تلك العقيدة، والطبقة الأخرى الناهضة من فوقه هي الجزء ~~السياسي الاجتماعي، ومعنى ذلك أن غاندي ديني بالفطرة، فهو من ثم زعيم سياسي ~~بالضرورة، وقائد وطني لمجرد الحاجة ومراعاة للظروف، وقد تتغير هذه وتتبدل، ويبقى غاندي ~~الأصيل، غاندي الديني، قائما لا تحويل له ولا تبديل. # غاندي في تنسكه الديني. # وإن غاندي في ديانته وإيمانه لينزع بقلبه الإنجيلي منزع المسيحية المتسامحة إلى أبعد ~~الحدود، بل هو تولستوي جديد، تولستوي آخر، ولكن أرق حاشية، وأروع وداعة، أو إن شئت فقل أكثر ~~مسيحية؛ إذ لا ينبغي أن ننسى أن تولستوي لم يكن مسيحيا بالطبيعة والفطرة، وإنما كان كذلك ~~بالمجاهدة والرياضة وقوة الإرادة. # وأقرب وجوه الشبه بينهما وأبرزها اشتراكهما في النعي والتنديد والنقمة من الحضارة ms106 الحديثة ~~بسبب ما حوت من مفاسد ومضال ومساوي وأكاذيب. # ومنذ بدأ روسو سخريته من الحضارة، وهي في أوروبا مرمى سهام أكبر العقول في الغرب وأعظم ~~الأذهان، فإن هؤلاء هاجموها طلقاء الفكر، وحاربوها غير هيابين ولا مشفقين، وحين بدأ الشرق ~~يستيقظ ويحس شيئا من القوة يعاوده، ويشعر بالتمرد على الظلم والطغيان والعذاب الذي سامه ~~الغرب، وألح به عليه، باتساع نطاق الاستعمار، واحتداد جشعه ومطامعه، لم يكن بحاجة إلى ~~أكثر من أن يتصفح سجلات تاريخ أوروبا نفسها؛ لكي يتبين آثار مدنيتها الكاذبة، وما أحدثته في ~~الدنيا من أذى وشر وضر وبلاء مستطيل. # وقد فعل غاندي ذلك، بدليل أنه في كتاب «هندسواراج» - أي «استقلال الهند» - قد راح يعدد ~~كتبا وتواليف مما كتب الغربيون، ومن بينهم لفيف من الإنكليز أنفسهم، في تجريح المدنية ~~الغربية واستنكارها والتنديد بها، وإظهار ما فيها من شرور ونقائص ومعايب وسيئات. # ولكن ليس ثم أبلغ من هذه الناحية ولا أنطق دليلا ولا أقوى حجة وسجلا وتدوينا مما ~~كتبته أوروبا نفسها بمداد من دماء الشعوب التي اعتدت عليها وظلمتها وأفسدتها كل إفساد باسم ~~أكذب الدعاوى وأعجب المبادئ على الحق اجتراء، وبخاصة في الفترة التي استغرقتها الحرب ~~الماضية، فانكشفت أوروبا خلالها عن أكاذيب ووحشية وضراوة وجشع شديد، تلك الحرب التي زعم ~~الغرب أنها حرب الحق والعدل، حرب الحضارة واستنقاذها، بل الحرب لتخليص المدنية من أعدائها ~~الألداء؛ فقد هوت أوروبا يومئذ من السوء والرذيلة والشر إلى أبعد الأغوار وأسحق قرار، ~~حتى لقد بلغ بها الجنون أن دعت شعوب الشرق إلى الفرجة عليها وهي متجردة عارية مهتوكة الحجب ~~مهلهلة الثياب، فرأوها على حقيقتها بادية للعيان، وأصدروا عليها حكمهم الصحيح. # وفي ذلك قال غاندي سنة 1920: «لقد أبدت لنا الحرب الأخيرة بأبلغ برهان قيمة الحضارة التي ~~تسود أوروبا اليوم، فقد حطم المنتصرون فيها كل فضيلة من فضائل الأخلاق باسم الفضيلة نفسها ... ~~فما من أكذوبة تورعت عنها، وما من جريمة اقترفت إلا كان الباعث من ورائها جشعا ماديا ~~يدفعها، إن أوروبا اليوم مسيحية اسما فقط، وهي في ms107 الحقيقة والواقع وثنية اتخذت المادة لها ~~ربا معبودا وإلها من دون الله!» # المدنية في نظر غاندي هي مدنية بالاسم فقط، أما في الواقع فهي أشبه شيء بما تسميه ~~الهندوكية القديمة «القرون المظلمة»؛ لأنها أقامت «المادة» أو الحياة المادية غرضها الأوحد ~~في الحياة، ولأنها أصبحت تسخر من الروحانيات، فهي جحيم للضعفاء والطبقات الفقيرة والكادحين ~~للأرزاق والأقوات، وهي تعتصر حيوية الإنسان وتمتص دماءه امتصاصا، وسوف تحطم نفسها بنفسها ~~على الأيام. # الحضارة الغربية هي عدو الهند اللدود، وخصمها الحقيقي الأوحد، وهي في ذلك أكثر من ~~الإنكليز، فإن هؤلاء - أفرادا - لا بأس بهم، وهم - مجموعا - ضحايا هذه الحضارة والمرضى ~~بها، والعناة من شرها وأدوائها. وإن غاندي ليسخر من بني وطنه الذين يريدون أن يطردوا ~~الإنكليز من بلادهم ليتولوا هم ترقيتها وتحضيرها وفق أقيسة الغرب وحضارته؛ فإن ذلك في نظره ~~كمثل اكتساب طبيعة النمر وضراوته، وإن غاب النمر نفسه وتوارى في حد ذاته، ومن ثم كان واجب ~~الهند وغرضها الأوحد أن تصد تيار هذه الحضارة بل تمحو كل أثر لها من الوجود. # وأشد ما يكره غاندي من هذه المدنية قلبها وجوهرها أو «ميكانيكيتها» الحديثة، فإنها اليوم ~~تعيش في عصر الحديد، بل عصر الآلات، حتى لقد استحال قلبها فولاذا أصم جامدا، وأصبحت ~~الآلات هي المعبود الضخم العظيم، ومن ثم كان جل ما يتمناه غاندي هو أن يرى الآلات قد محيت ~~آثارها جميعا ومسحت من الهند مسحا. # وقد يعترض عليه المؤمنون بناموس التقدم والارتقاء مسائلين: وماذا ترى يكون مصير الهند إذا ~~استغنت هي عن الآلات؟! فيجيب غاندي على هذا السؤال بسؤال آخر، وهو: ألم تكن الهند موجودة ~~قبل وجودها؟! لقد ظلت الهند ألوف السنين تقاوم وحدها طوفان الدول، وتقلب السلطان، وصروف ~~الدهر، وغير السنين، حتى تعاقبت تلك جميعا وبقيت هي ماثلة حاضرة، ولقد مثلت الهند على ~~الدهر فضيلة القناعة وضبط النفس، وتواتى لها من ذلك الرضى والهناء، فهي ليست بحاجة إلى أن ~~تتعلم شيئا آخر من الأمم، أو تتلقى درسا آخر من الشعوب، وهي في غنى عن ms108 الآلات، فإن ~~سعادتها الغابرة كانت قائمة على المحراث والمغزل والفلسفة فحسب، فما عليها إلا أن تعود إلى ~~مصادر سعادتها الماضية، ولا يمكن أن يتم ذلك عاجلا، ولكن لا بأس من أن يحدث تدريجا وعلى ~~مهل. # فليس للقرون في اعتبار الهند حساب، كما أن غاندي يؤمن بأن استقلال الهند حتى تعيش هذا ~~العيش وتكتفي بهذا النحو من أسلوب الحياة، لا يمكن أن يأتي عنفا، ولكنه إنما يتواتى بقوة ~~الروح، فإن هذا هو سلاح الهند الوحيد، سلاح الحب والحق، أو ما يسميه هو بلغته «السايتا ~~جراها»؛ أي قوة الحب وسلطان الإيمان، وما اصطلحنا نحن عيه بقولنا «المقاومة السلبية» وإن ~~كان غاندي شديد الكراهية والنفور من هذا الاصطلاح؛ لأنه يستنكر «السلبيات»، إذ هو الرجل ~~المحارب المكافح الذي لا يحس الكلال، ولا يكف عن المقاومة، وهي المقاومة التي تعمل وتكد ~~وتجاهد، المقاومة العقلية النشيطة التي لا تجد متنفسها في العنف ووسائله، بل في الحب ~~والإيمان والتضحية والفداء. # وهو في ذلك يقول: لا تأتي القوة من القدرة البدنية، ولكنها تأتي من الإرادة القوية ~~الغلابة التي لا تقهر. وليست الرغبة عن العنف معناها الاستضعاف والذل والخضوع لإرادة ~~المسيء، وإنما معناها الاعتصام بكل قوة النفس وإرادتها حيال المتجبر والطاغية، وضد الظالم ~~العاتية، وفي استطاعة الفرد وحده إذا هو عمل بهذا واتبع سبيله لأنه قانون الحياة وشرعة ~~الوجود، أن يتحدى قوة أكبر دولة، فيسقطها إذا هي كانت ظالمة، ويعيد بناءها إذا هي اتبعت ~~طريق العدل والإحسان. # وغاندي في ذلك إنما يبني هذه العقيدة على مزايا «الألم» وقوته وفضله، فيقول إن الألم هو ~~الناموس العظيم، بل هو سر الحياة البشرية وقانونها الأبدي وشرعها الثابت؛ فإن المرأة تتألم ~~وتتلوى وتتعذب في المخاض لكي يحيا وليدها، كما تأتي الحياة من الموت، وكما تنمو السنابل ~~بتلاشي البذرة. وما من بلد نهض يوما وارتقى إلا وقد تطهر ونقي بمخاضه نيران الألم ~~وانصهاره في أتون العذاب، فمن المستحيل الاستغناء عن قانون «الألم»؛ لأنه الشرط الذي لا غنى ~~عنه في هذه الحياة، وليس معنى «الرغبة ms109 عن العنف» كمحرك بالغ الأثر إلا أنها الرضوان بالألم ~~... ولقد وضعت أمام الهند ناموس «التضحية» بل ناموس الصبر على الألم، وإن الأولياء والقديسين ~~الذين كشفوا هذا القانون وسط أشد أنواع العنف وأقسى ضروب الأذى والطغيان، كانوا والله أعظم ~~عقولا وأكبر عبقرية من «إسحق نيوطن»، بل كانوا أكبر محاربين وأروع مكافحين من ويلنجتون ~~ذاته. ولم يقصد هذا الناموس بالأولياء والصالحين وحدهم، ولكنه مراد بالناس جميعا، والخاصة ~~والعامة بالسواء. ~~«فإذا اتخذت الهند العنف عقيدة لها فلن أرضى لنفسي المقام بها، ولا أحب العيش فيها، ~~ويومئذ لن تثير في نفسي فخارا بها، ولن يبقى لها في نفسي أي موضع؛ لأن وطنيتي خاضعة ~~لديانتي، مقيدة بعقيدتي، وأنا في نسبتي وتعلقي بالهند كمثل الطفل المتشبث بثدي أمه، وما ذلك ~~إلا لأنني أشعر بأنها ترضعني أفاويق الغذاء الروحي الذي أحتاج إليه، فإذا هي خذلتني كنت ~~كاليتيم البائس الذي لا يجد وليا ولا نصيرا، ويومئذ فلتكن قمم «الحملايا» المغطاة ~~بالجليد موئلي وملاذي، أجد لديها ما هي مكسبتي وماسحة عن روحي الدامية ...!» # وكذلك راح غاندي يمزج الوطنية بهذا العنصر الديني العجيب، ويقود الهند به إلى الجهاد، وقد ~~طالما لقي في سبيله الألم، وزج به في غيابات المحابس، وقد حار خصومه في أمره، ولم يعرفوا ~~ماذا يصنعون به؛ فكانوا كلما سجنوه عادوا بعد حين فأطلقوا سراحه، وهو في السجن والسراح هو ~~لا يغالب ولا يقهر ولا ينثني عما هو ماض فيه يأسا أو قنوطا. # وقد جرت هذه المبادئ الدينية التي اختلطت بوطنية الهند إلى الاستعانة بوسائل مناسبة لها، ~~وهي المقاومة السلبية «وعدم التعاون»، وفي حماسة الثورة راحت هذه التعاليم تغمر النفوس في ~~الهند جلدا على الألم، واستماتة بالتعذيب، وتدفع الشباب إلى الشهادة، وتحبب إلى نفوسهم ~~الموت في سبيل الوطن ولقاء المدافع رحب الصدور، ولكن لا تلبث بعد الثورة أن تحمل الناس ~~على التساؤل في قيمتها ومبلغ نفعها، وتثير في النفوس الشك في صلاحيتها والمداومة على التدرع ~~بها، كما أن اختلاف النحل في الهند وكثرة الملل، وتعدد الطوائف والديانات، ظل ms110 أكبر حائل ~~دون الوحدة الروحية التي نادى غاندي بها وأهاب ، والتي جعلها صيحته المترددة الصدى في كل ~~مكان. # وقد تولى غاندي الدفاع عن الطبقات الصغيرة، تلك الطبقات العامة المهينة التي وطئها ~~الظلم بأقدامه، وديست بالصغار، وسمي أهلها «بالأنجاس» و«المنبوذين»، ولم يكن هذا ~~الإحساس جديدا عليه في الكبر، ولكنه نشأ معه من الحداثة، حتى لقد اعتزم وهو في الثانية ~~عشرة أن يمحو هذه الوصمة عند الهند، ويزيل هذا العار من حياتها الاجتماعية، بل لقد بلغ من ~~سخطه على هذا التفريق الشنيع بين الأخ وأخيه في شركة الوطن الواحد أنه كان يقول إن بلاده ~~تستحق كل ما أصابها من ظلم الغير وطغيان الأمم جزاء لها وانتقاما منها على هذا النظام ~~الفاسد المنكر الشنيع، وهو في ذلك ينادي مصارحا؛ إذا كان الهنود قد أصبحوا عبيدا أذلاء ~~للأمم الأخرى، فقد حق ذلك عليهم جزاء وفاقا، وحل بهم انتقاما من رب عادل منتقم للضعيف، ~~أفلا ينبغي لنا نحن «الهندوس» أن نغسل أيدينا الملوثة بالدم قبل أن نطلب من الإنكليز أن ~~يغسلوا هم أيديهم؟ ... إن «المنبوذية» قد حقرتنا في أعين الأمم، وحقرت شأننا في العالم، وما ~~دام الهندوس قائمين عنادا وتشبثا على الاعتقاد بأنها جزء من دينهم، فسوف يظل بلوغ ~~الاستقلال مستحيلا علينا مهما صنعنا ومهما جاهدنا، إن الهند لأثيمة مذنبة، ولم يفعل ~~الإنكليز بها أسوأ مما فعلت هي بنفسها، إن أول واجب علينا أن نحمي الضعفاء ونذود عمن لا ~~نصير لهم ولا معين، ولا نؤذي إحساس أحد من الناس، ولن نرقى عن مستوى الحيوان حتى نتطهر من ~~الخطايا التي اقترفناها في حق إخواننا المساكين. # ومن ثم راح غاندي يجاهد في سبيل جعل الهند وحدة كاملة، سامية فوق اختلاف الملل والنحل ~~والأديان؛ لأنه أقام جهاده الديني أو رسالته الروحية فوق وطنيته، وهو في ذلك يقول: «الوطنية ~~عندي هي حب الإنسانية؛ فأنا وطني لأنني إنساني محب لخير الناس، وإذا كنت قد اشتركت في ~~السياسة، فما ذلك إلا لأن السياسة قد أصبحت اليوم تلتف علينا كالتفاف الحية لا ms111 سبيل إلى ~~الخلاص منها مهما حاولنا، وليتني أستطيع أن أتغلب على هذه الحية التي أحاطت بي ... إنني أحاول ~~أن أمزج السياسة بالدين.» # وأكبر الظن أن هذا الذي أصر غاندي عليه واستنفد كل قواه فيه، هو الذي أدى في النهاية إلى ~~فتور حركته، وانقطاع ما كان موصولا من رسالته، ومكن لخصومه من إحباط مساعيه وإفساد مهمته؛ ~~لأن غاندي قد قام يطلب أمرا عسيرا للغاية، ويجعل هذا الأمر نقطة ارتكاز في سياسته وما كان ~~منتظر لغاندي أن ينجح وشيكا؛ لأن الحاسة الدينية شديدة متأصلة في الهند، والاختلاف الطائفي ~~فيها غائر الجذور، بعيد العمق، متشعب، كثير النواحي، متعدد الوجوه، بسبب كثرة النحل ~~والملل، حتى لتبلغ العشرات، مما لا يتسنى التغلب عليه، ولا يمكن معه إيجاد الوحدة الوطنية ~~الكفيلة في قضايا الاستقلال بالنجاح. # وقد انقطعت اليوم أخبار غاندي، وعقب فشل مؤتمر المائدة المستديرة أخلد إلى رسالته ~~الروحية؛ ولكن أكبر ظننا أن فتور حركته هذا إلى حين، وأنه سينبعث مرة أخرى فيملأ سمع الدنيا ~~بحديث نهضته وجديد ظهوره. # على أن «غاندي» لم يعد اليوم اسما لشخص من الأشخاص، ولكنه مثل وقدوة، وعقيدة ومبدأ، ~~ودين جديد ورسالة، ولكنها رسالة لا تنحصر في الهند، ولا تحتبس داخل حدودها وإنما تسري ~~رويدا في العالم، وتتمشى على مهل لتغمر الدنيا كافة؛ لأنها رسالة الحق غير المسلح، الحق ~~الوديع الراغب عن العنف، حيال القوة المدججة، القوة الغاشمة التي تدعي أن الحق لها ما دام ~~السيف في كفها، والقذيفة فوق كتفها، والمدافع من حولها، وفي البحر لها الجارية المسلحة ~~والسفين. # هي رسالة عامة للإنسانية، وإن كانت الهند هي مهدها ومحل ظهورها، بل ضحيتها وتفديتها، وقد ~~تكون رمز صليبها، كأنما قدر على كل صاحب رسالة أن يكون ضحيتها، قبل أن تنتشر وتهب الدنيا ~~قوة وحياة جديدة. # ولكن اعتقادنا أنه لن يطول الزمن على الهند حتى تصل إلى الغاية التي توسلت برسالة غاندي ~~إلى بلوغها، وهي «الاستقلال»، فإن أوروبا التي سوف تدميها الحروب والثورات، وتنهك قواها ~~الفاقة والإعياء، وتتلاشى هيبتها القديمة في عين ms112 الشرق الذي طالما بغت عليه واستبدت به، لن ~~تستطيع في أرض الشرق وأقطاره وآفاقه مقاومة أماني شعوبه المستيقظة، وأممه ~~الناهضة. # بيد أن هذا إذا هو وقع فلن يكون كبير الخطر ولا عظيم القيمة ولا خطير النتائج - مهما ~~كان من فضله في اشتراك بضعة شعوب جديدة في مجمع الإنسانية وجوقة العالم والمسرح الدولي - ~~إذا لم تصبح رسالة الشرق أو رسالة غاندي أو هذا الروح الآسيوي، هي الأداة لمثل أعلى جديد في ~~الحياة والموت، بل في العمل والتصرف والسياسة وسائر نواحي الحياة بالنسبة للإنسانية جمعاء ~~والعالم بأسره. # نعم، لن يكون لمجرد نجاح الشرق في استغلال ضعف الغرب قيمة ولا خطر إذا لم تتحقق هذه ~~الرسالة؛ إذ كل ما سيكون في الأمر يومئذ أن قويا ضعف، وضعيفا قد استحال قويا، وأن ~~الدائرة إنما دارت على الجهاز القديم ذاته، والمبادئ العتيقة نفسها؛ وإنما الخطر الكبير ~~والشأن العظيم هو أن تتغير نظرات الإنسانية إلى الحياة، وتتحول إلى مثل جديدة على ضياء ~~الرسالة الغاندية التي أراد بها غاندي إنقاذ العالم لا الهند وحدها، ونادى بها كمبدأ عام قد ~~حان للإنسانية كافة اعتناقه. # لقد أصبحت القوة المادية طاغية سائدة متفوقة، وقد هبت ريحها العاتية تريد أن تذرو حصاد ~~الحضارة وتبدده تبديدا، ولم تثر هذه الزوابع والعواصف فجأة أو لوقتها وساعتها، ولكنها ~~نتيجة اجتماع أجيال عديدة من زهو الأمم بذاتها، وفخار الشعوب بأنفسها، ذلك الزهو الذي ~~غذاه روح الثورة الفرنسية الكبرى ووثنيتها الجديدة للمبادئ الخيالية، بل نتيجة قرون ~~متوالية من الحروب الوحشية والديمقراطيات المزيفة، انتهت إلى هذا القرن «العشرين»، قرن ~~الرأسمالية الموحشة في ميادين الصناعة، قرن الطبقات الممولة الجشعة النهمة القاسية، بل قرن ~~الماديات والاقتصاديات، حيث السلطان العقلي للمادة دون سواها، وكان طبيعيا أن ينتهي ذلك ~~كله إلى هذا النزاع الرهيب والصراع المخيف الذي يوشك أن يحطم أوروبا كل محطم، ويفني ~~قواها كل إفناء. # لقد أصبح كل شعب في أوروبا يريد أن يقتل الآخر باسم المبادئ ذاتها والدوافع نفسها التي ~~تخفي في ثناياها غرائز قابيل قاتل أخيه، وأضحى ms113 الكل سواء منهم النازيون والفاشيون ~~والبلاشفة، بل سواء منهم الطبقات المظلومة والطبقات الظالمة، يدعون أن لهم الحق في ~~استخدام «القوة»، بينما هم يأبون على غيرهم هذا الحق المزعوم. # منذ نصف قرن مضى كانت القوة هي التي تسود الحق، فأصبح الأمر اليوم أسوأ وأضل سبيلا، ~~وأصبحت القوة هي الحق! بل لقد انقضت القوة على الحق فأكلته! # وليس في أوروبا ملاذ من هذه الحال ولا أمل في إصلاحها ولا رجاء ولا بريق ضياء، حتى الدين ~~نفسه لم يعد له على النفوس من سلطان، فإن أهله قد راحوا يضعون نصحهم وموعظتهم في لفائف ~~وأغشية، أو في جرعات مخففة؛ لكيلا يغضبوا «القوة» ولا يستهدفوا لعداوة السلطان، بل إن أهل ~~الدين أنفسهم والقوامين عليه لا يضعون المثل ولا هم القدوة الحسنة، بينما يتحدث أنصار ~~السلام أوهى الحديث عنه، حديث قوم عن شيء لم يعودوا مؤمنين به، إذ لا يدلل على الإيمان ~~غير العمل والجهاد والغيرة الصادقة. # هذه هي رسالة الهند، كما قال غاندي، وجوهر رسالتها هو «التضحية بالذات»؛ إذ هو في ذلك ~~يقول: «أرجو أن ينمو هذا الروح، روح التضحية، كما أرجو أن تزداد أيضا الرغبة في الألم ~~والرضى به، فإن هذا هو الحرية الصميمة، وليس ثم شيء أسمى من ذلك ولا أعلى، حتى الاستقلال ~~السياسي نفسه ... لقد آمن الغرب بالقوة والثروة المادية، ومهما يصح مناديا إلى السلام ~~ونزع السلاح، فإن وحشيته ستروح أعلى صوتا وأشد صياحا، وإنما نحن الضعفاء المساكين في ~~الشرق هم الذين ينبغي أن ينقذوا العالم من هذا الجنوح المتأصل الرهيب.» # هذه هي رسالة غاندي، وقد تكون بطيئة المسرى، ولكنها مع ذلك قد تحركت في الشرق، ولا بد ~~من أن تصل إلى غايتها في يوم من الأيام. ~~••• # في سنة 1921 عاد إلى الهند رجل كان يطوف أوروبا وقد لبث أعواما طوالا لها طائفا، وفي ~~آفاقها متنقلا، يجمع الحكمة، ويجد في التجوال الخبرة بالدنيا، والتجربة للحقائق، ورؤية ~~الحياة في مختلف نواحيها، رجل فيلسوف لم يلبث أن ملأ اسمه سمع الإنسانية، واشتهر ذكره في ms114 ~~العالم كله، وهو طاغور أو «رابندرانات طاغور» بكامل اسمه، فإن هذا الشاعر الفيلسوف قد دهش ~~عند مآبه إلى بلاده من التطور العقلي الذي بدا أثره في قومه، وكان قبيل رجعاه قد أبدى ~~قلقه من هذه الناحية في رسالات بعث بها من أوروبا إلى أصحاب له في الهند وأصدقاء. # ومن ذلك الحين اختلف طاغور وغاندي في وجهة النظر ومنزع التفكير، وهو خلاف خطير، بل اختلاف ~~فكري بين رجلين عظيمين، لم يجعلا له أي أثر في احترام كل لصاحبه وإعجابه به؛ وإنما ظلا ~~على الرغم منه يتبادلان الإكبار والاحترام؛ اختلاف جوهري كان محتوما أن يفرق بينهما أبد ~~الدهر، افتراق الفيلسوف عن القديس، أو افتراق بولص عن أفلاطون. # شاعر الهند الأكبر رابندرانات طاغور. # لقد كان طاغور ينظر دائما إلى غاندي كقديس أو ولي، ويعده أسمى من تولستوي، وأبهر منه ~~ضياء، ذاهبا إلى أن غاندي صادق الطبيعة، نقي من الشوائب، بسيط للغاية، بعيد من التكلف؛ ~~بينما الأمر عند تولستوي غير ذلك، فإن كل شيء عنده هو الثورة المزهوة المتكبرة ضد الزهو ~~والكبرياء، والكراهية حيال الكراهية، والشدة ضد الشدة؛ أي أن كل شيء عند تولستوي عنيف قوي ~~صارخ، أما غاندي فكل شيء عنده وديع هادئ ساكن رهيب السكينة والجلال. # وقد كانت نية طاغور حين غادر فرنسا عائدا إلى الهند أن يؤيد غاندي صادق التأييد، ويظاهره ~~على أمره بإخلاص، ولكنه بعد ثلاثة أشهر لم يلبث أن أذاع رسالة عنوانها «نداء الحق» كانت هي ~~الإيذان بالفراق بين الزعيمين، وإن كان قد استهلها بأبدع مديح في غاندي وإبراز فضله. # وبقي غاندي أيضا محبا لطاغور لم يتغير عليه، ولم يتنكر له، وإن اختلفا مذهبا وتباينا ~~تفكيرا، وإنك لتشعر من كلمات غاندي أنه لا يحب أن يدخل في جدل أو مهاترة مع طاغور، وكان ~~غاندي إذا رأى بعض الأصدقاء يريد أن يغير قلبه على صاحبه، بترديد أقوال فيه أو ألفاظ صدرت ~~منه، يأمره بالكف عن ذلك ويشرح ما لطاغور من فضل عليه. # ولكن كان الخلاف محتما أن تتسع شقته ويترامى ms115 مداه، فمن سنة 1920 وطاغور ينعى على غاندي ~~انصراف فيض حبه وإيمانه العظيم نحو السياسة ولتحقيق أغراضها منذ وفاة «تيلاك»؛ ولا يخفى أن ~~غاندي في الواقع، ومما أسلفنا عليك من أمره، لم يدخل ميدان السياسة متهللا متفتح ~~القلب لدخوله، راضيا مغتبطا بالاشتراك فيه؛ وإنما وجد الهند بعد رحيل «تيلاك» قد خلت من ~~زعيم سياسي، وكان لا بد من أحد يتقدم ليشغل مكانه، ففعل ذلك بالضرورة، وهو يعلم أن ~~السياسة كالحية الكبرى، من تلتف بجسمها عليه فلا فكاك له. # ولكن طاغور كان ينتقد غاندي حتى على قبوله العمل السياسي مكرها مضطرا، وقد كتب في ~~سبتمبر سنة 1920 يقول: «إننا بحاجة إلى كل القوة المعنوية التي يمثلها مهاتما غاندي، والتي ~~لا يستطيع أحد في العالم سواه تمثيلها»، وإنه لمن تعس الهند أو سوء حالها أن كنزا غاليا ~~كهذا يلقى فوق ظهر سفينة ضعيفة واهية كالسياسة لتتعرض أبدا للطمات الأمواج ومتقاذف ~~العواصف ومتدافع التيارات والشهوات؛ بل إن ذلك لنكبة خطيرة في الواقع وحادث جد مؤلم للهند ~~التي يعتقد طاغور أن رسالتها هي «إيقاظ الموتى وبعثهم إلى الحياة من جديد بجذوات النفس ~~وحماسة الروح»، فهو لذلك يأسف أشد الأسف على تبديد هذه الموارد الروحية الزاخرة في مشاكل ~~ومسائل وقضايا ليست لها قيمة إذا هي نظر إليها على ضوء الحقيقة المجردة المطلقة، وهو يرى ~~من الجريمة تحويل القوة الروحية إلى قوة مادية. # وهذا هو ما أحسه طاغور حين بدأ غاندي ينادي إلى «عدم التعاون»، وحين ثارت القلاقل أو ~~أثيرت باسم «الخلافة» وحين وقعت مذابح «البنجاب»؛ لأنه كان يخشى من نتائج هذه الحملة وفعل ~~هذه الدعوة في نفوس الجماهير السريعة البادرة القابلة للالتهاب كهشيم الحصاد والحطب اليابس، ~~وكان يريد ويود لو أن العقول انصرفت عن طلب الانتقام وحب التشفي والعيش على الأحلام ~~والأماني والآمال في خلاص من الظلم هيهات أن يتم، وإنصاف هو بعض المستحيل، إلى نسيان ~~الماضي، والإغضاء عن مظالمه ومساويه، لبذل الجهود كلها في تربية روح جديدة للهند، وإذا كان ~~طاغور قد أعجب بتعاليم ms116 غاندي وحمية روحه واستجابته لمبدأ التضحية بالذات، فقد كان ~~يكره العنصر «السلبي » الذي تنطوي عليه فكرة عدم التعاون، بل كان يتراجع وينزوي مستنكرا ~~متأففا مشمئزا من أي شيء يحمل معنى «السلب»، وينطوي على النفي من أية جهة فيه أو ظل ~~له. # وقد بعثه هذا إلى المقابلة بين المبادئ الإيجابية التي تنماز بها ديانة البراهمة التي ~~تقول بقبول مسرات الحياة ومناعمها ولكن بعد تنقيتها وتطهيرها، وبين الروح السلبية التي ~~تحويها «البوذية» التي تقول بإنكارها وقمعها وزجرها والانقطاع الكلي عنها إلى عيش التبتل ~~والتنسك. # وكان جواب غاندي أن الرفض في هذا ضروري كالقبول، والسلب فيه حيوي كالإيجاب، وأن ~~التقدم الإنساني إنما يتم ويقع باجتماعهما واشتراكهما معا، وأن الهند قد فقدت قوة المناداة ~~«بلا» فجاء هو ليرد إليها ما فقدته، وإن استئصال العشب والكلأ هو في وجوبه وضروريته كالحرث ~~والزرع. # ولكن طاغور لا يؤمن بهذا ولا يقتنع به؛ لأنه في تأملاته ونظراته الشعرية إلى الحياة إنما ~~ترضيه الأشياء كما هي، ويجد المسرة والغبطة في الإعجاب بانسجامها، ويروح يشرح وجهة نظره في ~~سطور بالغة الجمال ولكنها منفصلة بعيدة من الحياة الحقيقية وواقعية الأشياء، حتى لتشبه ~~كلماته رقص «ناتاراجا» أو ألفاظ رواية من صنع الخيال، وإن طاغور يقول ويجاهر بأنه إنما ~~يحاول أن يؤلف بين روحه وبين نزعة المرح التي تغمر العالم، ولكنه لا يستطيع ذلك؛ لأن في ~~فؤاده على الرغم منه روح المقاومة، فهو يقول: «في ظلام يأسي أرى ومضة ابتسام، وأسمع صوتا ~~يهتف بي: إن مكانك مع الأولاد لتلعب على شواطئ هذا العالم، وأنا ثم معك.» # وهكذا يلعب طاغور ويلهو بالحياة كالأطفال يتراقصون في الشمس ويضحكون وهم يختفون، إذ كل ~~الخليقة عند طاغور سعيدة هنية رغيدة، حتى الأزاهر وأوراق الشجر ليست عنده سوى ألحان وأنغام ~~لا تنقطع، بل إن الله ذاته في نظره «الحاوي» الأكبر الذي يلعب بالزمن، يرمي بالنجوم ~~والكواكب من أفلاكها، على مجرى الظواهر، ويسقط زوارق من الورق مفعمة ملأى بالأحلام في نهر ~~القرون والأحقاب، حتى ليقول: «وحين أتضرع إليه أن ms117 يدعني أتبعه وأضع بعض اللعب التي ~~اخترعتها في أحد قواربه المرحة، يبتسم فأسير خلفه متشبثا بذيل ردائه.» # كذلك يعتقد طاغور أن هذا هو موضعه، ولا يرضى أن يختلط بالناس ويمتزج بالجماهير، وإنه ~~ليقول في ذلك: «ولكن أين أنا وسط الزحام الحاشد محصورا من جميع جوانبي؟! ومن ذا في وسعه أن ~~يفهم الضوضاء التي أسمع؟! إذا أنا سمعت أغنية استطاع معزفي أن يلقط النغم واستطعت أنا أن ~~أشترك في اللحن وأساهم في النشيد؛ لأنني مغن، ولكن وسط جلبة الزحام يضيع صوتي ويتبدد ~~جرسي وأحس دوارا برأسي.» # وقد حاول طاغور في بهرة الصياح والجلبة المنادية بعدم التعاون أن يجد نغما صالحا يشترك ~~فيه فلم يفز بطائل وراح يقول: «إذا أنت لم تستطع أن تساير معاصريك في أشد أزمات تاريخهم ~~فاحذر أن تقول إنهم على خطأ وإنك أنت على حق، ولكن اترك مكانك من الصفوف، وعد إلى زاويتك ~~أيها الشاعر فانتبذ من الناس مكانا قصيا واستعد لتلقى سخرية الناس منك ~~واشمئزازهم.» # هذا صوت شاعر كجوته، ولكنه جوته الهندي، بل من ذلك الحين ونفس طاغور هي كذلك، فكأنما راح ~~الشاعر يودع العمل ليفرغ بكليته إلى الشعر والتأمل؛ لأن العمل أصبح «سلبيا» في كل ~~ما حوله، وهو لذلك يتراجع إلى نسيج السحر الذي ينسجه بنفسه، ولكنه لا ينسحب فقط ولا يتراجع ~~فحسب، وإنما قد أرادت الأقدار به - كما يقول - أن يسير بقاربه ضد التيار ذاته، وكأنما قد ~~راح يومئذ بجانب قيامه كشاعر السفير الروحي للشرق عند الغرب، فقد عاد من أوروبا يومئذ حيث ~~كان ينادي الناس إلى التعاون على تأسيس جامعة دنيوية، فإذا القدر الساخر يضحك منه إذ يأبى ~~إلا أن يدعه ينادي بالتعاون في ناحية من العالم، بينما يدفع بغاندي مناديا بعدم التعاون في ~~الناحية الأخرى منه! # لقد أفسدت هذه الفكرة «الغاندية» عليه عمله في الحياة كما أفسدت عليه نظرته إليها، فشعر ~~بأنه قد جرح منها مرتين، أو جرحا مزدوجا؛ لأنه كان يعتقد وجوب الاتحاد الحقيقي بين ~~الشرق والغرب، ويؤمن به كل الإيمان. # وكان ms118 يومئذ يقول: لقد ساد الغرب العالم في عصرنا الحالي؛ لأن له رسالة ينبغي أن ~~يؤديها، وعلينا نحن أهل الشرق أن نتعلم منه ونأخذ عنه، ومما يؤسف له بلا ريب أننا قد فقدنا ~~ملكة تقدير ثقافتنا؛ ولهذا لم نعرف كيف نضع الثقافة الغربية في المحل الواجب لها، ولكن ~~القول بأن من الخطأ التعاون مع الغرب هو تشجيع شر أنواع النزعات الإقليمية - أي الشعور ~~القومي - ولا يمكن أن ينتج هذا غير الفقر العقلي للإقليم نفسه، إن هذه المشكلة هي إحدى ~~المشاكل العالمية، إذ ليس في ميسور أمة من الأمم أن تهتدي إلى سبيل خلاصها بانتزاع نفسها من ~~الأمم الأخرى وقطع روابطها بها؛ إنما ينبغي أن ننجو جميعا، أو نفنى كلنا معا ...» # وكما رفض جوته شاعر ألمانيا الأكبر تحريم الثقافة الفرنسية والمدنية الفرنسية في سنة ~~1813، رفض طاغور في القرن العشرين نفي الحضارة الغربية وتحريمها. ولئن كانت فكرة غاندي في ~~الواقع لا تقيم حائلا ولا تبني سدا منيعا بين الشرق والغرب - كما ظن طاغور - فإن هذا ~~الشاعر جعل مع ذلك يقول إنه يخشى أن تفسر هذا التفسير إذا ما ثارت ثائرة الوطنية ~~الهندية وجاشت قدرها فوق نار الحماسة ووقودها، ويشفق من نمو روح العزلة في الهند ~~والانفصال عن بقية العالم، ويصارح بمخاوفه هذه حين جاء الناس يلتمسون نصيحته ويطلبون رأيه، ~~وهو في ذلك يقول: «إذا لم يكن ما أقول صحيحا، فما المراد من مقاطعة المدارس والمعاهد ~~والكليات؟! ألكي يقدم الطلاب تضحية، ولكن علام هذه التضحية التي يراد أن تتقدم منهم؟! هل ~~هي في سبيل تلقي تعليم أرقى من تعليمها وأكمل وأوفى؟! أم هي - كما هو الواقع - انقطاع عن ~~التعليم كلية؟!» # وقد جاءه جمع من الطلاب في سنة 1921 قائلين له إنهم على استعداد لترك مدارسهم إذا هو ~~أمرهم بذلك؛ ولكنه رفض وأبى، فغادروه غضابا هائجين، واتهموه في وطنيته. # وغضب طاغور من هذا التعصب للرأي، واتهم الحركة غير التعاونية بأنها المسئولة عن بثه في ~~النفوس؛ فكان جواب غاندي على هذا الاتهام: «لست أريد أن يكون ms119 بيتي مسورا من جميع ~~جهاته، ولا نوافذي محشوة مغلقة، أريد أن تهب ثقافة جميع البلاد وتخفق أرواحها من حول بيتي ~~طليقة المهاب فسيحة مدى الأنفاس ... ولكني لا أريد أن تكتسحني هذه الثقافات الأجنبية وتطير بي ~~في الفضاء ... إن عقيدتي ليست تعاليم السجن ولا هي عقيدة المحبس والاحتجاز، ولكن لها مدى ~~فسيحا لكل شيء حتى لأحقر مخلوقات الله، وإنما هي مع ذلك في منعة من زهو الجنسية وكبرياء ~~الدين والمذهب واللون.» # وراح غاندي في جوابه ذاك يتشكك في مزايا الثقافة الإنكليزية، ويستريب بفضل التربية ~~الإنكليزية قائلا إنها قد أحالت شباب الهند «خصيانا» ضعفاء؛ ولكنه أسف لما اتهمه به طاغور ~~من أن وجه نظره ضيق لا يتسع لحرية الرأي. # على أن طاغور لم يكن يخشى غاندي نفسه، وإنما كان يخشى الغانديين وإيمانهم الأعمى به، ويظن ~~الخطر العظيم في استيلاء غاندي على النفوس، واستبداده المطلق بالعقول؛ فكتب بيانه الخطير ~~«نداء الحق»، وقد ثار فيه على هذا النزوع الرهيب، ذاهبا خلاله إلى أن الحركة الاستقلالية ~~الهندية الأولى في سنتي 1907 و1908 كان يتولاها زعماء قد تأثروا بمبدأ كان نتاج قراءة ~~الكتب، وثمرة مؤلفات بيرك وغلادستون ومازيني وغاريبالدي، فكان يفهمها الخاصة ولا يدركها ~~العوام، ولكن جاء غاندي فحنا على الدهماء ولبس من لباسهم، وتزيا بزيهم، واندمج في ~~غمارهم، وخاطبهم بلغتهم وعلى قدر عقولهم، فلم تلبث كل القوى الكامنة في النفوس أن هبت على ~~ندائه، وبرزت على دعوته، وقد فرح طاغور لهذه الحياة الجديدة التي بدأت تظهر في بلاده، فعاد ~~إليها من الغرب ليشهدها بعينيه، ولكنه ما لبث أن أحزنه مشهدها من قرب، فتلاشى فرحه وتبددت ~~مسرته؛ لأنه رأى جوا خانقا حوله، وجمهورا يعيش تحت طاعة عمياء لسلطان زعامة تنادي ~~بتعطيل الحياة وشل حركة الوجود. # وهكذا كان نقد طاغور موجها ضد تعصب الجماهير أولا وقبل كل شيء، ولكنه كان يمس غاندي ~~أيضا باعتباره زعيمها، وصاحب السلطان على نفوسها، والمستبد بعقولها ومشاعرها؛ ليصرفها عن ~~الاشتراك في الحضارة مع الإنسانية كلها، طالبا إليهم أن «يغزلوا فقط وينسجوا» مضربين ms120 عن ~~شراء ما تخرجه الآلات وما تصطنعه ضخم الماكينات. # ولذلك يتساءل طاغور قائلا: أهذا رسول عصر إنشائي جديد؟! وإذا كانت الماكينات الضخمة ~~تنطوي على خطر بالنسبة للغرب، أفلا تنطوي الآلات الصغيرة بالنسبة لنا نحن على خطر أكبر؟! إن ~~يقظة الهند ينبغي أن ترتبط بيقظة العالم، وكل أمة تحاول أن تحتجز نفسها عن العالم، وتعيش ~~بمفردها إنما تعتدي على روح العصر الجديد. بل لقد مضى طاغور يتحدث عن العظماء الذين لقيهم ~~في حياته، أولئك الذين حرروا قلوبهم من أغلال القومية وقيود النزوع الوطني لكي يخدموا ~~الإنسانية عامة، ثم ينثني يقول: «أفقدر على الهند وحدها أن تتغنى بهذه الأنشودة ~~«السلبية» وتعنى فقط بخطايا الغير وظلمهم، وتجاهد في سبيل الحرية والاستقلال «السواراج» ~~على أساس الكراهية والمقت والعداوة والحقد والبغضاء، إن الطائر إذ يستيقظ في عشه على ~~مطلع الفجر لا يفكر فقط في الطعام والغذاء، وإنما تستجيب أجنحته إلى دعوة السماء، ونداء ~~الفضاء، وشجي التغريد، وحلو الغناء؛ فلا تني حنجرته الدقيقة أن تمتلئ بالشدو الفرح ~~والأغاريد العذاب، تحية لليوم المستهل والنهار المشرق وسطع الضياء، وها هي إنسانية ~~جديدة ترسل نداءها، فليكن جواب الهند عليه متفقا مع طبيعتها، وليكن ردها هكذا: «إن واجبنا ~~الأول في فجر هذا العهد ومطالعه أن نذكر الله الواحد الأحد الذي تتساوى عنده الطبقات ~~والأجناس والألوان، والذي بخافي حكمته ومختلف قواه يكفل لكل طبقة حاجها، ويمد الجميع ~~بعونه، فلندعه وهو الحكيم الواهب الحكمة أن يوحد قلوبنا ويؤلف بيننا، ويشد ما بيننا بفضل ~~المودة والوئام ...» # وهكذا نرى كلمات طاغور، وهي أجمل ما توجه من الكلم إلى أمة من الأمم، أشبه شيء ~~بقصيدة من خيوط الشمس، وأشعة الضياء، ومسكوب النور، محلقة فوق كافة الخلافات الإنسانية ~~ومصارع البشر، ولكن النقد الوحيد الذي يمكن أن يوجه إليها هو أنها أعلى مما ينبغي، وأرفع ~~محلقا مما يلزم، وأنها أسبق على الفكرة الأولى، فكرة التحرر أولا من الظلم والقيود ~~والأغلال، ثم التوجه بعد ذلك إلى مطلب السلام والوحدة البشرية والإخاء العام؛ أي أن «غاندي» ~~ينبغي أن يسبق ms121 طاغور، ويجب أن يأتي أولا ليؤدي رسالته، فإذا ما فرغ منها وانتصر بها وفازت ~~الهند بحريتها وسراحها، جاء دور طاغور أو دور «الزعيم الإنساني» الذي يتغنى بأنشودة ~~«البشرية» وترنيمة الإخاء والحب والوئام التام الذي يسود العالم من جميع نواحيه. # إن عيب طاغور الوحيد هو أنه الطائر الشاعر، أو «القبرة» الصداحة الشادية، كما يقول ~~«هايني» في وصف موسيقار بارع، بل الشاعر الجالس فوق أطلال الزمن يغني ويشدو ويعيش في ~~الأبدية، ولا ينظر إلى حاجة الساعة التي هو فيها والعصر الذي يحتويه، وإنما كل تطلعه إلى ~~الغد يرسمه في أغانيه جميلا ساحرا فاتنا يأخذ بالأبصار والألباب. # أما غاندي فهو الرجل الذي يفكر في حاجة الوقت الحاضر ومطالب الساعة ولوازم اليوم الذي هو ~~فيه، فهو من هذه الناحية ينقصه التحليق الشعري الذي أوتيه طاغور، ويعد هذا من صاحبه «لعب ~~أطفال» لا يستحق عليه جوابا، وإن كان متفقا معه في أن حرية الروح هي أوجب ما تكون، وأحق ~~شيء بالحرص عليه قائلا في ذلك: «لا ينبغي لنا أن نسلم عقولنا لقيادة أحد من الناس، فإن ~~الاستسلام الأعمى للحب قد يروح أحيانا أضر وأبلغ أذى من التسليم الإجباري للطمة الطاغية، ~~إذ ثم أمل في نفس المستعبد بحكم الجبروت والطغيان، ولكن هيهات أن يكون ثم أمل ~~لعبيد الحب والطاعة العمياء ...!» # إن طاغور هو «الديدبان» الأعظم، والحارس الذي ينبه إلى مقترب الأعداء، وهي التعصب ~~المذهبي، والجمود الاجتماعي، والجهل والانحطاط. ولكن غاندي لا يشعر بمثل مخاوف طاغور، وإنما ~~ينادي العقل، ويطالب قومه بالتفكير، ومن الخطأ عنده أن يقال إن الهند إنما تحركت بحكم ~~الطاعة العمياء، وإذا كانت قد اعتزمت القناعة بالمغزل، فإن هذا الاعتزام منها جاء وليد ~~تدبر طويل وأناة وتفكير. وإن طاغور ليتحدث عن الصبر، ويقنع بالشدو الجميل وعذب ~~التغريد، ولكن هناك كفاح وصراع، وجلاد وجهاد، فليس على الشاعر المغني إلا أن يضع معزفه ~~جانبا ويطرح قيثارته، وليعد إلى شدوه وغنائه إذا ما انتهى الصراع وكف الكفاح، وساعة يشب في ~~الدار حريق، يجب على جميع سكانها أن ms122 يخرجوا فيحملوا الدلاء ملأى ليطفئوا النيران. ~~«إن الهند في حريق، وأهلها في مجاعة، وبنيها في مسغبة، والجوع والفاقة والمتربة هي الحجج ~~التي تجتذب الهند إلى عجلة المغزل، أما شاعرنا هذا - أي طاغور - فيعيش في الغد، ويحيا في ~~المستقبل، ويريد منا أن نحذو حذوه ونتمثل به، ويروح يصور لنا الطير في بكرة النهار تغني ~~راضية قانعة وهي في السماء صافات، ولكن هذه الأطيار قد أصابت طعام يومها في الليلة الماضية ~~قبل أن تأوي إلى الوكنات فوق الأفنان. ولطالما شهدت - هكذا يقول غاندي - أطيارا من فرط ~~الألم والإعياء وضعف القوى لا تستطيع أن ترف بجناحيها أو تعلو قليلا بخوافيها والقوادم. ~~إن الطائر الإنساني في سماء الهند ليستيقظ في عشه أضعف مما كان لحظة مأواه إليه ورجعاه، حتى ~~لكأن الحياة في نظر هذه الملايين قد استحالت يقظة أبدية أو غيبوبة دائمة. ولقد طالما عجزت ~~عن مواساة المعذبين؛ لأن آلامهم لا تجدي فيها أية مواساة، ولا يصلح لها أي عزاء.» ~~«أعطوهم عملا ليجدوا قوتهم ويأكلوا ... وقد يسأل سائل: لماذا أغزل وأنا لست بحاجة إلى ~~العمل التماس القوت؟! والجواب عليه هو لأنك تأكل سحتا وتطعم مما ليس لك؛ ولأنك عائش على ~~استغلال بني وطنك، ألا ابحث في مصدر كل درهم يصل إلى جيبك تجد الحق فيما أقول ... يجب على كل ~~فرد في الهند أن يغزل ... بل فليغزل طاغور كما يغزل الآخرون ... وليحرق ثيابه المشتراة من ~~الخارج، هذا هو الواجب اليوم، وأما الغد فالله يكفله والسماء تتولاه.» # تلك هي كلمات غاندي، وما أرهبها من كلمات موحشة محزنة تستفيض فجيعة وأسى وبلاء! بل ها ~~نحن منها إزاء شقاء الإنسانية مرتفعا متقلبا فوق أحلام الشعر وأماني الخيال ... فمن ذا الذي ~~لا يشعر شعور غاندي، ومن ذا الذي لا يتأثر بشجوه وندائه ونجواه؟! # وينبغي ألا ننسى عند محاولة فهم غاندي وإدراك لب رسالته أنه لا يقصد من «عدم التعاون» ~~إيذاء الإنكليز خاصة، ولا هو بموجهه ضد الغرب عامة؛ وإنما هو يقيمه حيال الحضارة الحديثة، ~~الحضارة المادية، وما يلازمها من ms123 جشع وطمع واستغلال للضعيف وعدوان عليه ووطء حقوقه بالمناسم ~~والأقدام، أو بعبارة أخرى هو محاربة لخطايا أوروبا وأغلاطها، وكفاح ضد ذنوبها ونقائصها ~~وآثامها، فهو من هذه الناحية خير لأوروبا ضمنا ونفع لها وإحسان بالسواء. # تولستوي الذي تأثر به غاندي. # وهو في ذلك يقول: «إن «عدم التعاون» عندنا هو عبارة عن انزواء في أنفسنا وعزلة موقوتة لكي ~~تتمكن الهند فيها من جمع شتات قواها قبل أن تضعها في خدمة البشر؛ إذ يجب أن تتعلم الهند كيف ~~تحيا قبل أن تتطلع إلى أن تموت في سبيل الإنسانية.» # ومن هذا يبدو لك أن غاندي إنساني في تفكيره كطاغور، ولكن إلى حد ما، ومن ناحية مختلفة ~~عن صاحبه؛ فهو إنساني أو «عام» من جهة شعوره الديني، بينما ترى طاغور إنسانيا من ~~جهة عقله ووحي خاطره وجوهر تفكيره، ومن ثم كان غاندي إنسانيا على طراز القرون الوسطى، على ~~حين نرى طاغور إنسانيا على غرار العصر الحديث. # وهذا بلا شك ينتهي بنا إلى أن عيب غاندي هو أن رسالته إلى الهند جاءت دينية أكثر منها ~~وطنية أو عامة، وهذا هو الذي جعلها تخفق مرات متعددة، وتتعثر على الطريق أحيانا كثيرة، ~~وتظل تخمد وتخبو، ثم تشتعل وتستعر، ثم تعود خابية هامدة. # ولا يزال أمامها إلى اليوم شوط طويل إذا قطعته أحدثت في العالم تطورا رهيبا، وانقلابا ~~خطيرا، لا يتيسر لأحد اليوم معرفة مداه. # | الثورة المصرية في أدوارها الأولى # من بداية القرن التاسع عشر، قرن الاستعمار، وتكاثر المطامع في التوسع والزحام على ترامي ~~السلطان باسم توازن القوى بين الدول العظمى، كانت مصر مطمح بصر إنجلترا، وقبالة عينها ~~الاستعمارية، ومشروعا في برنامج سياستها الثابتة. # ولكن مصر كانت يومئذ قوية شاعرة بقوتها، طموحا هي كذلك إلى التوسع صوب الشرق واكتساب ~~السلطان في أهله، والتطلع إلى المجد برياسته، فبقيت إنجلترا مصطبرة لها، تترقب نواهز ~~الظروف، وسانحات الفرص، وغير الحوادث، وتقلبات الأيام. # ونمت هذه الطماحة في صدر إنجلترا عقب مد قناة السويس، إذ تبين أنها الطريق السلطاني إلى ~~مستعمراتها في الشرق وأملاكها ms124 التي راحت تزداد اتساعا وتترامى حدودا على ممر ~~السنين. # ولو قد ظلت مصر طيلة القرن الماضي محتفظة بقواها، عاملة على مكانتها، واجدة من فوقها ~~السلطان الحازم، واليد القوية المدبرة؛ لجعلت مفتاح قناة السويس في كفها، ويومئذ لما كان ~~في إمكان أحد أن يمسها بأذى أو يبغي بها السوء، أو يريدها بعدوان. # ولكن مصر في داخليتها عقب النصف الأول من القرن الماضي راحت تضعف، وأحوالها مضت ترتبك، ~~وماليتها جعلت تزداد سوءا على توالي الأعوام، إذ حملت على مجاراة أوروبا واحتذاء حضارتها ~~في نزوة من نزوات الفتون بزخارفها وزينتها؛ حتى لقد اشترت المدنية الأوروبية بالدين، ~~وجلبت مظاهرها نسيئة، وطفرت في ذلك كله طفرة خطرة، وتناهى بها الإسراف في الزينة ~~والتطرية حتى غرقت في الديون إلى قمتها بسرف مترفيها، واستهدفت لغائلة الاستعمار الذي ~~كان بالمرصاد لها، يترقب الظروف المواتية لينقض عليها انقضاضا. # وكان في أوروبا دولتان تتنافسان في الاستعمار وتتزاحمان، وكلتا الدولتين تود لو تصيب مصر ~~في حوزتها، ولكن إحداهما في محاولة سابقة قبل سنة 1807 استطاعت أن تسحق أساطيل الأخرى في ~~مياهنا، وتضطر جيوشها التي احتلت أرضنا إلى المآب في خيبة اليائسين، وظنت المنتصرة على ~~عدوتها أنها قد أمست قادرة على غزونا، فأرسلت إلينا حملة بحرية لاحتلال بلادنا، ولكن جيوش ~~محمد علي الكبير هزمتها وردتها عن الإسكندرية ورشيد خائبة فاشلة. # هاتان الدولتان هما فرنسا وإنجلترا، اللتان حاولتا في بداية القرن التاسع عشر امتلاك مصر ~~وسيادتها، فانقلبتا خاسرتين في زحمتهما وغيرتهما، ولكن بقيت كل منهما تنظر إلى مصر طمعا ~~وأملا. # وحين جلب إسماعيل على البلاد أفانين الحضارة بركوب الدين وضخم القروض، تحفزت ~~المتنافستان فرنسا وإنجلترا، وهما دائنتان ملحتان في طلب السداد إلى التدخل والرقابة على ~~المالية المصرية، فكان تدخلا ثنائيا، ولم يلبث أن طغى نفوذ المراقبين الفرنسي ~~والإنكليزي، فراحا يصرفان الأمور جميعا، ويشتركان في الوزارات، ويقيمان سلطانهما في كل ~~ناحية. # وكانت حالة مصر في نهاية حكم إسماعيل قد بلغت أشد السوء وتناهت إلى أعظم البلاء، فكان ~~الفلاحون - كما وصف ويلفرد بلنت حالهم قبل ms125 سنة 1882 - في أشد الضنك يومئذ وأقسى الفاقة ~~والهون، وكان المفتش إسماعيل صديق المشهور لا يزال في أوج عزه وذروة سلطانه، وحملة ~~القراطيس الأجانب يجأرون مطالبين بدفع الأقساط، والمجاعة على الأبواب. # وكان من الأمور النادرة يومئذ أن يرى الإنسان شخصا في الحقول معتما أو على جسده ~~أكثر من القميص، وقد غصت الأسواق في الريف بالنساء توافين من القرى لبيع ثيابهن وحليهن ~~الفضية للمرابين «الأروام»، إذ كان جامعو الضرائب في القرى يسيطون الناس، ويعملون في ظهورهم ~~«الكرباج» لانتزاع الضرائب، والأيدي منها صفر خالية. # كذلك كانت الحال في نهاية حكم إسماعيل، فلما خلع وتولى الأمر توفيق وكان حاكما ضعيفا ~~خائر العزيمة؛ تفاقم الخطب، واشتدت الضوائق، وتغلغلت الرقابة الأجنبية في التدخل وإقامة ~~السلطان على البلاد. # وكان المصريون مرهقين يتألمون ولكن في صمت، ويعانون البلاء ولا يرفعون الصوت، ولكن ~~الأقدار بعثت إليهم بمن يبث فيهم أول أحاسيس الثورة، ويوحي إليهم أن البلاد ليست ملكا ~~خاصا لحاكمها، ولا هي بضيعة لواليها، ولا هم بعبدان له ولا رقيق. # كان ذلك المعلم الأول هو السيد جمال الدين الأفغاني، فقد راح ذلك الفيلسوف الحكيم الأبي ~~يبذر بذور النهضة الفكرية في البلاد، ويتحدث إليها عن الحكم النيابي ومزاياه، ويجمع إليه ~~التلامذة والمريدين، ويوحي إلى توفيق بالرأي الصالح والنصيحة المسددة، ولكن القنصل ~~البريطاني المتحكم يومئذ في إرادة الوالي الجديد ما لبث أن دس على ذلك المعلم الأول، ~~وتلميذه الكبير الشيخ محمد عبده؛ فنفى المعلم من مصر جملة، وأبعد الأستاذ الإمام - أو ~~تلميذه المصري - إلى بلده في البحيرة وهي محلة نصر، وكان ذلك أول عقاب للكشافين الأولين ~~الذين أقامتهم الأقدار طلائع في الثورة المصرية للحرية والاستقلال. # وفي ناحية أخرى من الحياة ظهر رجل آخر يلائمها، وقائد كبير يناسبها، ظهر أحمد عرابي في ~~الناحية العسكرية جنديا شهما ينكر الظلم، وينفر من الجور، ويغار على قومه، ويتوجع لما ~~أصاب بلاده من العسف والإرهاق والطغيان. # وكان الجيش المصري يومئذ في أيدي رؤساء وقواد من الجركس والأتراك والأروام، يظفرون هم ~~بأكبر المراتب فيه، ولا ينال ms126 المصريون من ذلك غير يسير، وكان أحمد عرابي الذي وجد عنتا ~~واضطهادا من أول عهده بالحياة العسكرية ؛ بسبب نقمة هؤلاء عليه وكراهيتهم له لما ظهر من ~~أنفته وبغضائه للظلم، قد أصاب في زملائه والجنود المصريين من أبناء قومه محبة ومكانا ~~بارزا، فراح يمثل الجماعة في المطالبة بالمساواة والمناداة بالمعدلة والإهابة بالوالي إلى ~~الإنصاف. # فما لبث أن نشأ في البلاد روح ثائر مضطرب خليط بين حركة سياسية تريد أن يكون الأمر لحكم ~~الجماعة، وحركة عسكرية في الجيش ترمي إلى المساواة وإقرار العدالة. # وجاء اليوم الرهيب الذي يبدو فيه ذلك الروح ماثلا متجليا، جاء اليوم الذي شهدت فيه ساحة ~~عابدين كتائب الجيش وحشود الشعب من خلفه وقد ملئوا رحابها، وعلى رأسهم الزعيم عرابي على ~~صهوة جواده؛ ليعرضوا مطالب الأمة على واليها، ويستحثوه قضاءها باسم العدل والحق ~~والقانون. # كان ذلك هو اليوم التاسع من شهر سبتمبر سنة 1881، بل كان ذلك اليوم الخالد هو الذي أولد ~~الدستور وأقام الحكم النيابي، وبرز فيه انتصار الجماعة، وارتفع فيه صوت الشعب يملأ الفضاء ~~ويقتضي الاحترام، ويوجب الاستماع إليه والإذعان. # وقد تألف عقب ذلك فعلا مجلس نيابي، ووضع دستور نظم الحدود بين الحاكم والمحكوم، ~~ولو أن الأمر يومئذ ظل متروكا للنظام النيابي، لتغير تاريخ مصر في العصر الحديث. # ولكن الدسيسة بدأت تعمل نقمة من الدستور، كما نقمت منه بعد ذلك أكثر من مرة؛ لأنه سياج ~~الاستقلال وسور الحرية، والحصن المنيع لوقاية كيان الجماعة. واختارت الدسيسة الاستعمارية ~~لقضاء غاياتها فكرة خطيرة وأداة رهيبة وحيلة ماكرة، وهي أن العرش في خطر وأن الحاكم يوشك ~~أن يحاط به، وأن حياة الأجانب في البلاد يخشى عليها السوء والغوائل والعدوان. # وهكذا رأت إنجلترا التي كانت راصدة لمصر منذ فجر القرن التاسع عشر أن الفرصة قد سنحت لها ~~بعد سنين طوال وأدوار متعاقبة، حاولت في غير مرة أن تتملكها فلم تنل منها حين كان لها ~~جيش قوي يحمي الذمار، ويصون الكيان، وأن الظروف قد واتتها لتحقيق ذلك الحلم الطويل ~~والأمنية الصبور المتئدة المترقبة، فلم ms127 تتردد في الاستعانة بالدسيسة على معاودة الكرة ~~والرجوع إلى المحاولة، وهي أكبر أملا وأيقن بالنجاح. # وبدأت دسيستها بتأليب الدول على مصر وإثارة سخط الرأي العام في أوروبا عليها بتصويرها في ~~صورة الثائرة على الأجانب، الهامة بهم، الموشكة الانقضاض عليهم، ولم تكتف بذلك التأليب ~~المحرش المخيف، بل راحت تدبر في الإسكندرية مذبحة رهيبة، فكانت حوادث 11 يونيو سنة 1882 ~~التي سفكت فيها دماء عدة مئات من الأجانب والوطنيين. # وانثنت إنجلترا عقب تلك المذبحة تنادي الدول إلى وجوب التدخل لكبح جماح الثورة، والدفاع ~~عن العرش، وحماية أرواح الأجانب، وكان غرضها الخفي من هذه الدعوة أن تعود فتحتال حيلتها لكي ~~تستأثر هي بالتدخل وحدها إذا حان الحين وتواتت اللحظة المناسبة. # وتوافت الدول يومئذ إلى مؤتمر الأستانة لتقرير خطتها إزاء مسألة مصر؛ ولكن إنجلترا ~~الداعية إلى عقده كانت تخدع به لتخفي نيتها، وتحجب مقاصدها خلف هذا الستار الذي ~~أقامته. # ووضع المؤتمر قرارا، وكان القرار ألا تنفرد دولة باحتلال مصر أو جزء منها، ولا تحاول ~~الظفر بامتياز خاص لا يخول لرعايا الآخرين. # لكن إنجلترا راحت خلال ذلك تعد العدة، وتتخذ الخطط، وتضع التدابير، وتعزز أسطولها المرابط ~~في المياه المصرية، ومضت تقذف الرعب في صدور الأجانب المقيمين بالبلاد، موحية بأن حياتهم ~~في خطر إذا هم لم يبادروا بالرحيل. # فهاجر هؤلاء آحادا وجموعا، خيفة من مزعوم الخطر على حياتهم من جانب مصر نفسها التي ~~آوتهم، فعاشوا فيها في ظل ظليل. وأمرت إنجلترا رعاياها كذلك بمغادرة البلاد ليخلوا لها وجه ~~مكرها، تصنع به في مصر ما تشاء. # وما لبثت أن ذهبت تتلمس الأسباب، وتنتحل العلل، وتختلق الذرائع للعدوان على البلد الأمين؛ ~~فزعم أمير البحر «سيمور» الراسي بأسطوله في المياه المصرية أن جنودنا قد أخذت تحصن القلاع، ~~وأن في هذا التحصين تهديدا لبوارجه ونذيرا بشر وسوء، وطلب في بلاغ بعث به إلى قائد ~~موقع الإسكندرية الكف عن ذلك التحصين، وإلا أطلق النيران على الحصون فجعلها دكا وحطمها ~~شر تحطيم. # فلما أجيب بأن الأمر لم يكن ما زعم، عاد إلى ms128 الوعيد، فقال في بلاغ آخر له بأنه سوف ~~يضرب القلاع في صباح الحادي عشر من شهر يوليو إذا لم يسلم إليه رأس التين لتجريده من ~~السلاح. # وكان هذا تحرشا ظاهرا، واستنفارا بلا سبب؛ فلم يلبث أن اجتمع مجلس الوزراء برياسة ~~الخديو توفيق باشا، وبعث إليه بالجواب التالي: # لم تفعل مصر شيئا يبرر إرسال الأساطيل إلى مياهها، ولم تقدم حكومتها على أمر ~~يستوجب ما طلبه الأميرال سيمور؛ فإن الحصون باقية على حالها، ولم يحدث فيها غير ~~ترميمات تقيها التداعي وتحميها من الانهيار، فضلا عن أننا في بلادنا، ولنا الحق في ~~أن نستعد لكي نرد عادية كل من يحاول تكدير علاقات السلام، ولا يسع مصر ما دامت ~~متمتعة بحقوقها، حريصة على شرفها، أن تسلم حصنا واحدا من حصونها، ولا مدفعا من ~~مدافعها؛ إلا إذا أرغمت على التسليم، وهي تحتج على التصريحات التي أعلنتها اليوم، ~~وتلقي مسئولية جميع النتائج التي تحدث من إطلاق القنابل أو هجوم الأساطيل على الأمة ~~التي تطلق أول قذيفة في السلم على مدينة الإسكندرية الهادئة، منتهكة بذلك حرمة ~~القوانين الدولية وقواعد الحروب. # لقد كان ذلك هو صوت الحق والعدل والقانون والسلام، ولكن القوة الغاشمة لا تحفل شيئا من ~~ذلك ولا تأبه به، فلم تعبأ إنجلترا هذا التحذير الحكيم، وأصرت أساطيلها على ضرب المدينة ~~الوادعة. # ففي بكور اليوم الحادي عشر من شهر يوليو سنة 1882 بدأت أساطيل سيمور ترمي حصون الإسكندرية ~~بشواظ من نار، فأجابتها الحصون بمثلها، ولكن قذائف الأسطول كانت أفتك وأشد حصيدا. # كان ذلك اليوم بداية الاحتلال، ولكنه كان أيضا بداية التمرد عليه، والغضب منه، والدفاع ~~حياله؛ بل بداية الوطنية المصرية في صدق منزعها، وصفاء جوهرها، وجلال معانيها، وكان يوم ~~الشهادة والتضحية والثبات؛ فإن التاريخ ولا ريب سيفرد صفحات نواصع لأولئك القليل من الجند ~~المغاوير، ومساعير الحرب الشم الصلاب الذين استشهدوا في سبيل الدفاع عن الحصون، وأبوا ~~التسليم في المعاقل، وأصروا على أن يصمدوا فيها لقنابل الأسطول البريطاني وقذائفه، حتى ~~تتهدم من فوقهم، وتسقط دكا فوق أشلائهم الممزقة. ms129 # كان ذلك يوما مشئوما، ولكنه كان أيضا يوما جليلا عظيما؛ فقد استطاعت «القوة» وفي ~~جانبها الظلم والباطل والطمع والعدوان، أن تفتك «بالحق» وفي جانبه العدل والشجاعة ~~والشهامة والمروءة والإقدام، وبقدر ما كسبت «القوة» في الظاهر، ربح الحق كذلك في الباطن وإن ~~بدا خاسرا صريعا؛ إذ سجل لكرامته، وأثبت لعزته، وكتب ليومه ووقفته، بدم الشهادة الزكي، ~~ومداد الأرواح الذاهبة، وصمدة الوطنية للموت في أشرف مصارعه، وأسمى أنواعه، وأرفع ~~معانيه. # واليوم بعد أن ذهب أكثر من نصف قرن على مصرع أولئك الشهداء الأوائل، وذهاب أولئك الضحايا ~~الباكرين، وقد تم لبلادهم ما بدءوه هم وانتهوا منه في يومهم بدمائهم؛ بل اليوم وقد ظفر ~~وطنهم بحقه الذي استشهدوا غضابا له، وقدموا نفوسهم رخيصة في أعينهم بالنسبة لقيمته - ينبغي ~~أن نسجل في هذا الكتاب لجلال تلك البداية المشرفة للوطنية المصرية في أروع المواطن وأرهب ~~الأيام، ويجب أن تستشعر نفوسنا الاحترام والإكبار لذكراهم، وأرفع التقدير لميتتهم، وهم في ~~أحر مسرى الدماء لم يموتوا فاترين ولا لفظوا أنفاسهم الأخيرة باردة، ولكن سقطوا في ~~ميدان الشرف مسبغي السروج، ملتمعي اللجم، مشتعلي النفوس، متقدي الأنفاس، ~~مغسلين في دمائهم، مكفنين في لفائف من المجد، ملففين في أكفان من نسيج الملائكة. # وقد تلا ضرب الإسكندرية دخول الإنكليز القاهرة في الرابع عشر من سبتمبر سنة 1882، وبين ~~هذين اليومين التاريخين كانت حرب وجرى قتال، وبرزت فيه الوطنية المصرية صادقة، ولكنها تجاهد ~~في غير أمل، مخلصة ولكن في موقف يأس، ومن حولها عناصر جبانة ومكر وختل ودس، فكان دفاعها ~~في الواقع استماتة؛ لأن عدوها قد أصبح في أرضها، ولأن قوته وموارده وسلطانه من وراء البحر ~~أكبر وأزخر من قوتها، وكان موقفها في الحق موقف الاستبسال المؤمن بالهزيمة، ولكنه القانع ~~بشرفها، المؤثر لمواجهتها على التسليم بغير مقاومة، والإذعان بغير عناد، والامتثال المتطوع ~~الراضخ المهين. # كذلك كان موقف «عرابي» من تلك النكبة التي رأى وطنه قد أصيب بها، ولم يكن هو سببا من ~~أسبابها، ولا كان يدور في خاطره أنها سوف تطم على بلاده وتفجأ قومه ms130 وتنزل بدياره؛ فقد ~~أراد من بداية الأمر خيرا، وابتغى عدلا وحقا، ووقف موقف صدق، ولكن بريطانيا الطامعة ~~كانت على مرصد ، فرأت في هذه الثورة الداخلية فرصة لتحقيق مطامعها التي طالت عليها السنون ~~ودورة الأعوام. # وأنا لست من الذين يذهبون مذاهب الاتهام في أمر عرابي ووطنيته ويقولون بخيانة العصر وغدر ~~بنيه، ولكني أعتقد أن «عرابي» كان جنديا وطنيا وعسكريا شهما أبيا، ولكنه لم يكن ~~«سياسيا»، ولا أخا مكر وحيلة، ولا ذا لباقة ولطف مدخل ودقة علاج؛ فاندحرت جنديته، وانهزمت ~~وطنيته البريئة في موطن لم يكن منتظرا لها فيه الغلب، ولا متوقعا لمثلها النصر والكسب؛ ~~لأنه موطن التكاثر بالقوى والمغالبة بالموارد، والفوز فيه محقق للإنكليز، والخسر فيه ~~مؤكد للمصريين. # أحمد عرابي باشا. # ولكن عرابي الذي غلبت فيه الروح العسكرية على السياسة وأفانينها، رأى المغير على وطنه ~~قد نزل بأرضه؛ فدافع عنه مستبسلا في استماتة اليائسين، ويكفي للشهادة على بسالته واستيئاسه ~~ما أقامه من الاستحكامات في «كفر الدوار» لصد القوات الإنكليزية الزاحفة عقب ضربة ~~الإسكندرية بقيادة الجنرال ولسلي في شهر أغسطس من ذلك العام المشئوم. # لقد أوجد عرابي خطوطا حصينة في ذلك الموقع، وأكثر فيه من أساليب الاستحكام، مبالغة في ~~الدفاع، وحرصا على بلاده، ولئن كان من الميسور للإنكليز القضاء على خطوط دفاعه، والتغلب ~~على وسائل تحصنه واستحكامه، فلا شك في أن ذلك كان مقتضيا منهم عدة الضحايا، مستنفدا منهم ~~بالغ القوة، مؤخرا لهم طويلا عن الزحف والاقتحام؛ إذ كان عليهم إذا هم راموا التقدم من ~~هذه الناحية أن يخترقوا الدلتا، ويعبروا عدة ما فيها من الترع والأقنية والجداول ومجاري ~~الماء، وهي كما لا يخفى عائق كبير في طريق الجيوش المغيرة والقوات الزاحفة المتغلغلة في ~~البلاد. # وقد فطن الإنكليز لمناعة هذا الموقع عليهم، فلم يطيلوا المكث حياله، وإنما بادروا إلى ~~التحول عنه والتماس مدخل إلى القاهرة سواه، فراحوا يحاولون الزحف من طريق الشرقية، ومن ~~ورائهم الأسطول يقي ظهورهم من جانب قناة السويس؛ إذ كانت الخطة المرسومة من قبل لاحتلال مصر ~~هي الدخول إليها ms131 من ذلك الطريق، وجاء الابتداء «بكفر الدوار» تجربة أو خدعة لكي يصرف ~~«عرابي» كل قواه في التجمع عند موضع واحد ، وتركيز جهده في ذلك المكان بالذات، على حين ~~يغيرون هم من طريق القناة ليخلو لهم وجه الزحف بغير مقاومة ولا اعتراض. # ولو كان عرابي بعيد مطارح البصر لكان أول شيء عمد إليه يومئذ هو البدار إلى القناة ~~لردمها، ولكنه استمع إلى القائلين له إن القناة ينبغي أن تظل سليمة؛ لأنها طريق العالم، ~~وسكة الدنيا، ومنفذ الإنسانية جمعاء؛ فارتبك ولم يدر ماذا هو صانع، وقد وجد نفسه وحيدا ~~وسط غمرة مظلمة، بين عدو أجنبي مغير على الوطن، وبين دولة مصرية للأسف تناصره عليه وتحتمي ~~به منه، وتحسب نجاتها من خطره على يديه، بل ألفى نفسه مترددا بين شعوره الوطني، وبين خيفته ~~من غضب الإنسانية واستهدافه لنقمة الحضارة إذا هو سوى التراب على ذلك الطريق ~~الجديد. # ومما يستحق الذكر بسبيل هذا أن «جون نينه» الذي كان مرافقا «لعرابي» أكد في كتابه عنه ~~أنه في الوقت الذي بلغ فيه الأسطول البريطاني بورسعيد يحمل ولسلي وجنوده، تلقى عرابي من ~~فردينان دلسبس حافر القناة الرسالة التالية: # لا تحاول سد قناتي فإني هنا، ولا تخش شيئا من هذه الناحية، فإنهم لن يستطيعوا ~~إنزال جندي إنكليزي حتى يكون إلى جانبه جندي فرنسي، وأنا مسئول عن كل ~~شيء. # ويقال إن دلسبس بعد أن احتل الإنكليز القناة راح يعلن أن نزوعه إلى جانب «عرابي» كان ~~ناشئا من مجرد خشيته على القناة أن ينالها عرابي بسوء، وأنه لما رأى الإنكليز كافين ~~للدفاع عنها وحمايتها كف عن ذلك النزوع. # لقد كان عرابي كما قلنا وسط غمرة محيطة به، فلم يلبث أن جاهد بآخر قواه لينهزم شريفا، أو ~~يدافع غير منتصر، إذ لم يعمد إلى تهيئة خطوطه الدفاعية في التل الكبير إلا بعد أن كانت ~~القوات الإنكليزية قد احتلت قناة السويس، وعرت الحدود الشرقية من كل دفاع. # لقد أنقذت إنسانية «عرابي» - وقد تغلبت في ذلك الموقف الدقيق على «وطنيته» - العالم ~~الحديث من ms132 خسارة هذا الطريق السلطاني العظيم الذي ساعد الحضارة على الانتشار، ومد لها في ~~السلطان، وكان لها المخرج المأمون من أخطار الطواف بالرجاء الصالح، حتى لقد قال الجنرال ~~ولسلي يومئذ: «لو أن عرابي سد القناة كما كان ينوي لكنا الآن لا نزال في البحر محاصرين ~~مصر، ولكن عرابي تردد أربعا وعشرين ساعة، فكان تردده هذا سببا في نجاتنا.» # كان عرابي وطنيا مخلصا، يحارب وهو ضعيف قليل الأنصار، قوات رهيبة تتسلح للتغلب عليه ~~بعدة أساليب ومختلف وسائل، ولا تكتفي في ذلك بالمدفع والسيف، فإن إنجلترا ذهبت تستعين عليه ~~بما هو أشد من هذين السلاحين فتكا وأفعل أثرا، فراحت تطلب إلى سلطان تركيا أن يعلن ~~المصريين أن عرابي قد شق على خلافة المؤمنين عصا الطاعة وجنح إلى العصيان، كما جعلت ~~تسخر سلطة الخديو توفيق في حض الضباط والجنود والأعيان على خذلان عرابي والانضمام إلى ~~الإنكليز، بل عمدت إلى سلاح آخر - وهو الرشوة - للتغلب عليه، فجعلت ترشو الأعراب في ~~الصحراء، وتشتريهم بالمال حياله، وتستعينهم على ما أرادته به، حتى استطاعت رشا البدو ~~والأعراب من غزة إلى السويس، وقد قال أحد أعوانها في هذه الناحية إنه أنفق عشرين ألفا من ~~الجنيهات على القبائل الضاربة في تلك الأنحاء. # وكذلك ظل قائد القوات الإنكليزية - وهو الجنرال ولسلي - متريثا متمهلا حتى يصيب ثمرات ~~مكائده وأساليبه الخفية، ثم يقدم على المعركة الحاسمة، وقد استبطأته حكومته وقلقت لهذا ~~التمهل منه؛ فجعل يؤكد لها في رسالاته وتقاريره أنه سوف لا يضرب الضربة الأخيرة قبل الثالث ~~عشر من شهر سبتمبر، وهو تاريخ معركة «التل الكبير»، تلك المعركة التي بوغت فيها عرابي في ~~فحمة الليل وسكون الظلام ونومة الجند، فهب مجفلا هو وقواته على دوي المدافع وقصف ~~الرصاص ومحاصد الحياة بمناجل الموت. # وقد رأيت قوما يعيبون على عرابي ما يسمونه «فرارا» من الموقعة وجبانة من الموت، ولكني ~~لا أعتقد ذلك، ولا أقول قولهم، فإن تراجع عرابي إلى القاهرة لا معاب فيه، إذ لم يكن فرار ~~جبن، ولا هرب خيانة، ولا أبوق رعديد، ولكنه ms133 أوى إلى القاهرة للدفاع عنها، وإن كان دفاع ~~اليأس كما كان الروح العام في القتال من بدايته، ولو أنه أراد نجاة من الموت بالفرار لالتمس ~~سبيلا أخرى إلى غير القاهرة، ولما عاد إليها راح يستجمع القوى، ويحاول الذياد إلى ~~اللحظة الأخيرة، ولكن الروح المعنوي في البلاد كان قد تحطم بعد أن أضحى العدو المغير على ~~الأبواب، ففزع عرابي إلى سلطان الدولة، ولكنه لم يجد ثم نصيرا. # ودخلت قوات الإنكليز القاهرة في الرابع عشر من شهر سبتمبر سنة 1882، فتمت «المأساة» وحق ~~مصرع الوطنية اليائسة، وابتدأت فواجع الوطنية الحزينة، وطنية المنهزم المتألم، وطنية الحق ~~الذي غلبه الباطل ليتمكن منه إلى حين. # وكذلك فشلت الحركة القومية الأولى؛ لأن بريطانيا تدخلت فأفسدتها في ذاتها، وحرشت بعضها ~~ببعضها الآخر، فأحبطتها بحملتها، ولولا أنها تمكنت من تلك الحركة الوطنية الباكرة واستغلتها ~~لمصلحتها، لكانت مصر اليوم في صف أكبر الدول وأرقى الشعوب. ~~••• # وابتدأ المغير المنتصر يقتص من الصامدين له، ويتعقب الذين ناهضوه وقاوموه؛ فجرت محاكمات، ~~ووقعت عقوبات، واختنق الجو بأنفاس التهم والدسائس، وساد الأفق ظلام مخيم رهيب، ~~توارت فيه الوطنية المصرية تلتمس المنجاة خيفة البطش، وتلوذ بالمكامن خشية الطغيان. # ولكن الوطنية ظلت في قيد الحياة، وبقيت سارية تحت التيار، فكان أول يوم في الاحتلال هو ~~كذلك أول يوم في عذاب الوطنية الحزينة الجريح، الوطنية التي تخشى أن تذهب كلمة ماكرة ~~بحياتها، وتجد أشد ألوان العقاب على مجرد الاتهام أو محض الارتياب. # وأعقب السنين الأولى من «التصفية» التي عمد الاحتلال إليها للاطمئنان بأنه قد استأصل ~~الوطنية المصرية من الجذور، وأخمد حركتها فلم تعد ترسل ولا أنفاسا من لهب، ولا ذوائب من ~~دخان. أعقب تلك السنين عهد لورد كرومر، وهو عهد من عهود السياسة الإنكليزية في مصر لم يمر ~~على البلاد مثيل له؛ فقد جمع يومئذ بين العنف واللين، والصرامة والتسامح، واستعان الترغيب ~~والترهيب، فكان في ذلك كله عهدا أفتك أسلحة من كل العهود، وكان مرحلة من أخطر المراحل التي ~~مرت على الوطنية المصرية في مجتازها إلى الحركة القومية ms134 الثانية التي كانت تعدها العناية ~~الإلهية ويتمخض عنها الزمان. # بيد أن الوطنية المصرية لم تلبث أن وجدت معوانا جديدا، وظفرت بعامل آخر من العوامل ~~الصالحة لها، الكافلة لتغذيتها، وهو «الصحافة» وقيام الأحزاب؛ فقد ظهرت البوادر الأولى ~~للصحافة في تلك الفترة الساكنة في الظاهر، وإن كانت في الباطن فترة تجمع الأبخرة المحتبسة ~~في جوف البركان، وكان لورد كرومر من الدهاء ولطف السياسة وبراعة الوسائل والأساليب بحيث لم ~~يعمد إلى مقاومة هذا العون الجديد، وإنما رأى أن يصانعه ولا يشتد في محاربته، أو على الأقل ~~لا يتظاهر صراحة بمقاومته ومناوأته؛ فبدأت الصحافة تنمو، وراحت تشب وتترعرع وتسري رويدا، ~~وينفسح لها المضطرب، ويتسع لها الفضاء. # وكان الخديو الجديد عباس الثاني الذي تولى الأمر بعد الثورة الأولى قد اتخذ موقفا دقيقا ~~للغاية، وسلك مسلكا يدل على يقظة وحذر بالغ؛ إذ كانت دعوى الإنكليز في احتلال البلاد من ~~أنهم جاءوا لحماية العرش لا تزال الحجة التي يبررون بها بقاءهم، وكانت تلك الحجة هي أصل ~~المصاب وسر النكبة، وكان الخديو الجديد الذي ورث أعقاب ذلك المصاب وتركة ذلك البلاء، ~~يعرف مبلغ الأكذوبة التي تنطوي تلك الحجة عليها، كما رأى نفوذه الذي قيل إن الاحتلال إنما ~~أتى ليؤيده، ولم يجئ إلا ليصونه، قد وجد من مدعي حمايته وزاعم صيانته افتياتا تدريجيا ~~عليه، وقصا على مهل من أطرافه؛ فلم ين أن أخذ يقاوم أحيانا ويدع المقاومة أحيانا أخرى، ~~ويصانع في شيء ويصمد في شيء، وهو بين ذلك عجيب السياسة، غريب الأساليب. # وكان هناك عامل آخر من الخارج يحرض سرا على المقاومة، ويبث في الخفاء روح الاعتراض ~~والمغالبة إزاء سياسة الاحتلال وسلوكه وتصرفاته، وذلك العامل هو الدولة العثمانية بحكم ~~سيادتها التي اعتدى عليها ولم تستطع أن تفعل شيئا، وتريد أن تنجو تابعتها من النير الطارئ ~~الذي وضع فوق عنقها، وقد وقفت هي تشهد ذلك عاجزة. # وكذلك سارت هذه العوامل الثلاثة صدرا لصدر، تتجاوب وتتعاون على المقاومة ولكن في حذر، ~~وفي غير كبير أمل؛ لأن الأمة كانت قد خرجت من ms135 الثورة العرابية بكراهية للسياسة، ونفور من ~~السياسيين، وإشفاق من أشباح الماضي القريب وذكرياته الدامية، ولكنها مع ذلك لم ترتض ~~الاحتلال لحظة واحدة ارتضاء تسليم وقبول، وإنما خلت إلى وطنيتها الحزينة وشعورها المكتئب ~~صابرة متجلدة، ولكنه صبر لا يتاخم الذل، ولا يجاوز حدود المهانة والإذعان. # وكما كان الخديو ماضيا في سياسته اللولبية، كانت الصحافة ممثلة في «المؤيد» بادئ الأمر ~~تعمل من ناحيتها ولكن بحذر أيضا ورفق ومخاوف، وكان الصحفي الكشاف من الأزهر كذلك شيخا ~~مجاورا على جانب كبير من الذكاء، وقد أوتي حظا خارقا للمألوف من اللباقة وبراعة التناول ~~ومهارة الأداء. # ذلك هو الشيخ علي يوسف صاحب المؤيد، ذلك العصامي العجيب الذي سار بالصحافة في طريقها ~~الجديد لولبيا كروح العصر، مواربا مماذقا وفق طريقته وأسلوبه، ولكنه وطني مع ذلك كله، ~~ووطنيته متمشية مع الزمن ومراعية في مسالكها الظروف والموقف والاتجاه. # وفي ذلك الحين كان في مدرسة الحقوق شاب ذكي يطلب العلم، وقد بدأ يفهم المحيط السياسي ~~الذي يكتنف حياة بلاده، وإن كان فهمه له فهم الشباب قبل أن تصقلهم الخبرة، وتعالجهم ~~التجربة، ويفتح أعينهم على سعة أحداقها الاندماج في البيئة، والتوغل في الدرس والبحث ~~والازدكار. # وفي حمية الشباب، وبشعلة الذكاء والإحساس المستجيب للخطابة والإنشاء، بدأ ذلك الشاب ~~الجديد يبرز من المدرسة ولم يكن قد خرج بعد منها؛ إذ انثنى ينشئ - وهو طالب - صحيفة ~~مدرسية، ومضى في حشد يحشده من إخوانه ورفقائه يقف على طريق الخديو في روحاته وغدواته ليؤدي ~~تحية الوطني المخلص لولي البلاد، ويهتف بحياة حاكمها الشرعي، وينبه ذلك الحاكم المتململ ~~من السلطان المشترك مع سلطانه، بل الجائر عليه في قسمة السلطة والنفوذ، إلى أن هناك جيلا ~~جديدا يستجيب له، وشبابا يتأهب لتأييده. # ذلك هو الشاب مصطفى كامل، إذ ليس من شك في أنه كان زعيم الشباب في الحركة الوطنية الثانية ~~بعد فشل الثورة العرابية، وكان وطنيا مستحمي المشاعر، ملتهب الوجدان، غزير الغريزة، زاخر ~~الفيض بالأمل في نهضة وطنه من كبوته، ويقظته من خمود حركته، والمسير به إلى ربوة الحرية ms136 ~~وهضبة الاستقلال. # مصطفى كامل. # والتفتت العوامل الأخرى لهذا الوطني الجديد، فجعلت في الخفاء تشجعه، وراحت سرا تؤازره ~~وتدفعه؛ فما لبث بعد ترك مكانه في المعهد العلمي أن اتصل بالقصر، وأقام علاقة خفية بينه ~~وبين تركيا أو دار الخلافة، وراح هو من جانبه يضع كل قلبه في العامل الوطني البارز للناس، ~~وهو «الصحافة»، فاستطاع بفضل المساعدات التي جعلت تتوارد عليه إنشاء صحيفة «اللواء»، وهي في ~~الحق الصحيفة الوطنية الأولى في ذلك الدور الدقيق من أدوار الحركة المصرية، بل الصحيفة التي ~~راحت تغذي الشعور القومي وتنميه، وتستثيره إلى الإفاقة والنهوض. # وكذلك قامت في البلاد صحيفتان وطنيتان: المؤيد ثم اللواء، ولكن طريقهما في الواقع لم يكن ~~واحدا، ومسيرهما لم يكن مؤتلفا، واتجاههما لم يكن مشتركا ولا متفقا؛ إذ جعل «المؤيد» كل ~~وطنيته في مناوأة الإنكليز لمصلحة الخديو ليس أكثر، وإن كانت وجهة تلك المصلحة متفقة ~~أحيانا ومصلحة مصر نفسها، مصر العانية المتألمة المغلوبة على أمرها المستبد بها من جميع ~~الجهات، وجعل «اللواء» كل وطنيته منصرفة إلى استنهاض الشعب، ومحاربة السياسة الاستعمارية، ~~ومناوأة الاحتلال، وإن ظل بحكم المعونة التي كان يتلقاها من الخلافة يدافع عن السيادة ~~العثمانية، ويدعو إلى الجامعة الإسلامية، ويؤلب الشرق على الإنكليز. # على أن دعايته لتركيا لا تقدح في وطنيته، ولا يمكن أن تكون عابا في حق إخلاصه، أو ذاما ~~بالنسبة لنزاهته؛ لأنه في الحق كان يدافع عن استقلال وطنه، ويريد أن يستعيد الحرية لبلاده، ~~وإنما جعل أمر السيادة العثمانية سلاحا آخر في يده، وظهيرا إضافيا يقوي موقفه، ويشد ~~أزره، ويزيد في بيان أحقية دعوته، كما جعل من سياسته ووجوه دفاعه الوطني الالتجاء إلى ~~أوروبا، لحمل دولها على إنقاذ مصر من الاحتلال. # وكذلك كان مصطفى كامل الداعية الأول لمصر في الخارج، حتى لقد قام برحلات كثيرة إلى أوروبا ~~وطوفات بأرجائها، واتصل بكبار ساستها وأهل النفوذ فيها، وخطب في أكبر ندواتها، وأولم أعظم ~~الولائم لإنارة الرأي العام فيها بسبيل قضية مصر ومأساتها، وكان حركة دائمة ملتهبة على فرط ~~تحوله ودقة بدنه ووهن ms137 صحته. # ولكنه لم يكن ليأبه بحق بدنه أو يحفل بقواه؛ لأن روحه كانت زاخرة بالقوة، مستفيضة ~~بالعزم، مترعة أملا ويقينا وإرادة شماء. # وقد حارب كرومر في مصر محاربة دائبة، وقاوم اتفاقية السودان في سنة 1899، واستنكر أشد ~~الاستنكار الاتفاق الودي الذي انعقد بين فرنسا وإنجلترا في سنة 1904، وهو ذلك الاتفاق ~~الاستعماري الرهيب الذي تفاهم فيه المستعمران المتنافسان، وتراضيا على أن تطلق فرنسا يد ~~إنجلترا في مصر، مقابل أن تطلق إنجلترا يدها في مراكش والمغرب الأقصى، وكان مصطفى كامل يظن ~~أن فرنسا قد تعينه وتنتصر لندائه، وكان يتصورها بألوانها القديمة، نصيرة الحرية وحقوق ~~الإنسان؛ حتى لقد قدم في بداية جهاده قبل ذلك بسنين كتاب استغاثة إلى شيوخ فرنسا ونوابها، ~~وشفع الكتاب بصورة رمزية رهيبة بارعة الخيال، صورة مصر سيدة عارية الجسد مكبلة بالسلاسل ~~والأغلال، يمسك بها أسد رابض، وعن يسارها شيخ متكئ على إناء تتفجر منه أمواه النيل، وبجوار ~~الأسد رجل قابض على سيفه وواضع قدمه في الماء؛ رمز الاحتلال! # ولكن مصطفى كامل الشاب لم ييأس، وهو القائل: «لا معنى للحياة مع اليأس، ولا معنى لليأس مع ~~الحياة»، وإنما راح يواصل جهوده ناشرا في العالم ظلامة مصر مستثيرا الدنيا إلى حديث وطنه ~~المعذب الأسير. # ووقعت مأساة دنشواي، وهي قرية صغيرة ذهب إليها بعض الضباط الإنكليز لصيد الحمائم، فنشبت ~~بينهم وبين أهلها مشاجرة صغيرة على صيده، انتهت إلى فاجعة رهيبة بسوء ما صنع الإنكليز؛ فقد ~~ارتكب كرومر فيها أشنع خطأ يرتكبه سياسي في العالم، وتصرف بسبيلها تصرفا مشينا منكرا ~~يلطخ قومه بالعار، إذ أقام محكمة مخصوصة في القرية للانتقام من الذين اتهموا بالاعتداء ~~على أحد الضباط البريطانيين، وراح يرسل المشانق لتنصب في ساحة القرية على مشهد أهلها وأعين ~~نسائها وبنيها قبل أن تبتدئ المحاكمات، وانثنى ينفذ الأحكام غداة صدورها أمام أقارب المحكوم ~~عليهم وأهليهم المروعين البكاة الضعفاء، وصحب الشنق في ناحية، الجلد في ناحية، ~~ووضعت في أطراف السياط قطع من الرصاص؛ فكان المنظر وحشيا ترعش من هوله الأبدان. # وقد وثب مصطفى كامل عقب ms138 المجزرة صائحا صيحة داوية، هازا ضمير الإنسانية، كاشفا ~~الأستار عن هذه المأساة النكراء، مثيرا عاطفة العالم اشمئزازا واستحياء؛ فكانت نتيجة ~~صرخته البالغة أفول نجم كرومر وانطفاء كوكبه، وختام حياته السياسية وتحطيم مجده؛ إذ عاد إلى ~~بلاده، وعفي عن الأبرياء الذين ألقى بهم في غيابة السجون، وراحت دماء الشهداء مطلولة ~~غالية الفداء. # لقد كان موقف مصطفى كامل من تلك المأساة وقفة وطني شجاع ثابت ناضح عن بلاده بكل قواه، ~~ولو لم يكن في تاريخه السياسي غير هذه الحسنة لكانت كافية وحدها لإحاطة سيرته بهالة من شعاع ~~المجد ولمع الفخار وضياء الخلود. # وكانت صحة مصطفى كامل في ذلك الحين قد ذوت، وزيت مصباحه كاد أن ينفد، فاخترمه الموت عقب ~~ذلك الانتصار بشهر أو نحوه؛ أي في العاشر من شهر فبراير سنة 1908، فريعت مصر لمنعاه، وسرى ~~الأسى البالغ في صدرها لرحيله، فشيعت جثمانه الذاوي الذابل في أفخم مواكب الموت، وأروع ~~سفرات الأرواح إلى السماء. # كذلك مات مصطفى كامل قبل أن يتجاوز الرابعة والثلاثين، فكان موته رائعا جليلا؛ لأنه حفز ~~الحركة الوطنية وبعثها أقوى مما كانت من قبل، وجدد يقظتها فانتبهت من عنف الصدمة انتباهة ~~مستطيلة في حياة الجهاد ومسيرة القضية المصرية إلى نهايتها المؤملة وغايتها ~~المرتجاة. ~~••• # وكان مصطفى كامل قد وجد أنصارا له في البلاد وأشياعا يناصرونه، منهم الشجاع الجريء الذي ~~يتكشف بمناصرته، ومنهم المتهيب الذي يشايعه مخافتا ويخشى الظهور في زمرته. وكان بين ~~الأنصار الشجعان الكبار النفوس المخلصين حقا لوطنهم، الباذلين في سبيل قضيته عن ندى ~~وسخاء، رجل متعلم مهذب عريق المحتد، حسن الموارد، قويم الخلق، طاهر النفس، محترم الشخصية، ~~لم يتردد في مساعدة مصطفى كامل بكل جوارحه، ولم ينزو عن تغذية الحركة بماله وجهوده، ~~متفانيا في الفكرة الوطنية بكل ذاته؛ ولو رام الراحة وابتغى الوظيفة وأراد السلامة من ~~المخاطر، لكان له في كبار المناصب وفير نصيب. # كان ذلك النصير الكريم هو محمد فريد بك، فقد انضم إلى مصطفى كامل من بداية الحركة ~~ومستهلها، ثم ما لبث أن أوغل فيها وحمل حصته ms139 الكبرى من تكاليفها، واضطلع بواجبه الوطني في ~~بهرة ساحتها، واشترك مع صديقه الشاب في جهوده لبث الدعوة لها وتنظيم صفوفها ، والقيام ~~بالرحلات في الممالك الغربية وطوافها، منفقا على القضية الوطنية عن سعة، سخيا لها كأنها ~~صفوة حياته وجوهر وجوده. # محمد فريد بك. # وكان مصطفى كامل قد بدأ يفكر في تأسيس حزب يدعوه «الحزب الوطني»، وكان أول خاطر له عام ~~1906، وكان يومئذ متصلا بالخديو سرا، فاتفق معه على تنفيذ الفكرة، ولكن لم يتوات له ~~ذلك في تلك السنة، إذ سافر إلى أوروبا لبث دعوته لقضية بلاده. # وعاد في سنة 1907 مريضا ضاويا يبدو أثر السقام على محياه، ولكن فكرة تأسيس الحزب ~~كانت قد اختمرت في خاطره؛ فنشط لتحقيقها، ودعا الأنصار إليها، وألقى بالإسكندرية في أكتوبر ~~من تلك السنة خطابا جامعا أعلن فيه مبادئ الحزب الذي ينادي بتأسيسه، ثم اشتدت وطأة المرض ~~عليه، وألحت ذات الصدر على بدنه، فبادر إلى تنفيذ الفكرة في ديسمبر من العام ذاته، ولم ~~يفارق بعد ذلك سريره حتى تخطفه الموت أوجع متخطف قبل أن يشرف على حزبه الوليد. # وكان محمد فريد الشخصية الفذة بين الأنصار، والرجل البارز الخليق برياسة الحزب بعد صاحبه، ~~فكان انتخابه عقيب وفاة مصطفى كامل بالإجماع، وراح من ذلك الحين يجاهد ويغترب ويطوف، ~~ويشرف على الصحف الثلاث: «اللواء» وأخويه «لاتندار» و«الاستاندارد»، ويبذل فيها من حر ~~ماله كلما احتاجت إلى المعونة والغياث، ولكن الصحيفتين الأخيرتين استنفدتا أموالا كثيرة ~~بغير جدوى، ومتاعب جمة بغير نجاح. # وكان خلف كرومر على السياسة البريطانية في مصر يجري على أسلوب غير أسلوبه، وهو سير ~~إلدون غورست، فبدأ الضغط على الحزب الوطني يحس شيئا فشيئا، ولكن وطأة أساليبه لم تقتل ~~الحركة القومية، بل كانت عاملا جديدا على تنميتها، وظل فريد في رياسة الحزب يكافح كما ~~كافح صاحبه، وإن لم يكن قد أوتي براعته الخطابية وحماسة لغته. # وحدث في أوائل سنة 1912 أن نشر فريد بك مقالا في صحيفة الحزب عن السياسة الإنكليزية ~~وأساليبها في مصر؛ فاستدعته النيابة للتحقيق معه، وخشي هو ms140 المعتقل، فنزح إلى الأستانة ~~قبل أن ينال منه. وقد لبث في أوروبا يومئذ مجاهدا بآخر ما عنده، شريدا في الغرب، ~~محروما من الأوبة إلى بلاده، حتى نشبت الحرب العظمى وهو في ألمانيا، فقاسى خلال أعوامها ~~السود أشد درجات الألم، وقد نفدت موارده من طول إنفاق على قضية وطنه، وسخي بذل وتفان ~~وإخلاص ووفاء. # وقد شاهده بعض بني وطنه في آخر أيامه يسكن غرفة في سطح بيت، وقد أملق وأدنف وحط ~~السقام على بدنه، وهصر الشقاء عوده، وسمعنا روايات كثيرة عن حياة الشظف التي كان يعيشها ~~في تلك الأيام، وكيف كان يقاسي الخصاصة والفاقة معتزا بكرامته، حريصا على إبائه، شديد ~~الأنفة؛ ولكنا نجد الألم في تردادها، ويحزننا قص تفاصيلها؛ لأنها تدل على مبلغ قسوة العصر ~~على بطل وطني شجاع كريم، إذ كان ينبغي أن ينتشله من تلك المخالب الكاسرة التي نشبت في نفسه، ~~وكان بلا ريب غير عادم سبيلا إلى البر به سدادا لبره، والوفاء له كما كان لوطنه من أكبر ~~الأوفياء. # لقد قضى فريد شهيدا، ولسنا نعلم شخصية سياسية في ذلك الدور من الثورة المصرية كانت أنزه ~~ولا أطهر من شخصية ذلك الوطني الذي أفنى حياته في سبيل بلاده، فقد جاد لها بكل ما ملك، ~~وقضى لأجلها مملقا غريبا نازحا في نسيان مطلق من الناس، وإن ذكراه اليوم لعطرة ~~أريجة، عباقة بنفح ذلك الروح السامي الرفيع الذي ضفا على حياته السياسية في عهد كان يمكن ~~أن يسلم بنفسه، ويرتع في بحابح ثرائه، وينكمش لأثرته، ولا يستمع لوسواس إيثاره ~~دون أن يلام أو يجد عاتبا؛ إذ كذلك كان العصر، وهكذا كانت الحياة، ولكنه كان فوق مستوى ~~البيئة، وأسمى من وهدة الجيل، فما من عجب أن يروح في الشهداء والناس له شهود، والحياة ذاتها ~~متفرجة، والجيل نفسه في كنود وجحود. ~~••• # ومن بعد مصطفى وفريد لم يقم على ذلك الحزب رئيس من طراز أحدهما، ولا كفو شخصيتهما، ولا ~~نظير أو ضريب إخلاصهما، وحين يفقد حزب سياسي مهما تكن رفعة مبادئه الرأس الصالح له ms141 ~~والقائد الحريص عليه، لا شك يتحطم جملة واحدة، أو يأخذ في الضعف والخمول والانحطاط. # ولسنا ننكر أن الحزب الوطني بقي بعد فريد أعواما، واحتوى أفرادا أخيارا، وأشخاصا ~~إخوان نزاهة وسمو أحاسيس؛ ولكن هؤلاء إنما جاءوا على فترة من السنين، وظهروا على شتيت متفرق ~~وحزب مبعثر منتثر، فلم يستطيعوا أن يهدوه إلى سواء السبيل. # ومنذ أصيب هذا الحزب بنكبته في رئيسيه الأولين، جعلت الأهواء تتلقفه، والمنازع ~~الشخصية تتلاعب به، وأيدي الشر والسوء تتناوله؛ فلم يلبث أن فقد اتجاهه، وضل على الطريق، ~~وذهب أفراده ضاربين في كل ناحية. # وقد تلاشت هذه الجماعة كحزب من زمن بعيد وعهد طوال، وإن بقي ثم أشخاص يتشبثون بأنهم ~~حملة تراثه ووراث تركته؛ ولكن هؤلاء إذا صح ما يدعون، كانوا أسوأ الوارثين. # لقد أصبح هؤلاء المتشبثون ببقاء النسبة فيهم لمبادئ مصطفى وفريد في أدوار متعاقبة وظروف ~~محن طارئة، أدوات في أيدي الوزارات المتحكمة، وذيولا للطغاة والمعتدين. # ولكن يلوح لي أن ذلك الحزب الكبير الذي أسسه مصطفى كامل ومحمد فريد كان قد أتم دوره ~~برحيلهما من هذه الحياة كتمهيد لما بعده، وتوطئة للدور الذي يليه في خطة الأقدار، وسياق ~~الحوادث، ومسيرة الزمن، ومراحل الغد المجهول. # لقد أدى مصطفى كامل وصاحبه فريد الشهيد ما عهدت الطبيعة إليهما بتأديته قبل أن تدخل ~~الثورة المصرية في دور نضوجها، وليس أبلغ في هذا المعنى من كلمة قالها مصطفى كامل نفسه في ~~تفسير رسالته وهي: «إنني أريد أن أوقظ في مصر الهرمة مصر الفتاة، هم يقولون إن وطني لا ~~وجود له، وأنا أقول إنه موجود، وأشعر بوجوده بما آنس له في نفسي من الحب الشديد الذي سوف ~~يتغلب على كل حب سواه، وسأجود في سبيله بجميع قواي، وأفديه بشبابي، وأجعل حياتي وقفا ~~عليه.» # وكأنما كان مصطفى كامل يودع دوره الطبيعي في الثورة حين وقف قبل رحيله من هذا العالم ~~ببضعة شهور يقول على الملأ في خطاب سياسي له: «إننا لا نعمل لأنفسنا، بل نعمل لوطننا، وهو ~~باق ونحن زائلون، وما قيمة السنين والأيام ms142 في حياة مصر وهي التي شهدت مولد الأمم كلها، ~~وابتكرت المدنية والحضارة للنوع الإنساني بأسره؟! إن العامل الواثق من النجاح يرى النجاح ~~أمامه كأنه أمر واقع، ونحن من الآن نرى الاستقلال المصري ونبتهج به، وندعو له كأنه حقيقة ~~ثابتة، وسيكون كذلك لا محالة؛ إذ مهما تعددت الليالي وتعاقبت الأيام، وأتى بعد الشروق شروق، ~~وأعقب الغروب غروب، فإننا لا نمل ولا نقف في الطريق، ولا نقول أبدا: لقد طال الانتظار! لقد ~~وجهنا قلوبنا وقوانا وأعمارنا إلى أشرف غاية اتجهت إليها الأمم في ماضي الأمم وحاضرها، ~~وأعلى مطلب ترمي إليه في مستقبلها، ولو تخطفنا الموت من هذه الدار واحدا بعد واحد، لكانت ~~آخر كلماتنا لمن بعدنا: كونوا أسعد حظا منا، وليبارك الله فيكم، ويجعل الفوز على أيديكم، ~~ويخرج من الجماهير المئات والألوف بدل الآحاد للمطالبة بالحق الوطني والحرية الأهلية ~~والاستقلال المقدس.» # كذلك قال مصطفى كامل قبل مماته، كأن نبوءته بسعد المعد المهيأ للدور القادم ~~تطل على الغيب من خلال كلماته، وكأنما كان مصطفى كامل بشيرا بسعد ودوره القادم قبل ~~الإيذان بساعة الرحيل. # | سعد زغلول في دور التكوين # كان سعد ربيب الثورة من نشأتها وفتاها البكر وهي في شبابها وريعان قوتها، ورسولها عند ~~إيذان نضجتها، وبطلها الأوحد لتأدية أبلغ جزء في سفر رسالتها، وقائدها المدرب الخبير ~~بحاجتها حين هدأت بعد فورتها، ومنظمها يوم احتاجت إلى التنظيم، وحكيمها يوم استوجبت الحكمة، ~~وما من مطلب لها إلا وجدته فيه وافيا. # وفي الوقت الذي كانت الطبيعة تهيئ فيه البيئة لقبول الفكرة، وتعد الجماعة للنهضة والثورة، ~~وتنضج شعورهم لها على هينة، وتنمي في الخاطر عامة إيمانه بها ويقينه، وتكفل لأدوارها ~~التحضيرية الممهدين والمناسبين لها والموفين بحاجتها ولو راحوا يومئذ ضحيتها - في ذلك ~~الوقت كانت الطبيعة أو القوة المحركة لهذا العالم، والعناية المشرفة على هذا الكون، لا تزال ~~تصنع الرجل الأوحد المنتظر في حينه، المرتقب في أوانه، وقد ادخرته لأخطر مراحلها، وحرصت ~~عليه لأكبر أهوالها، وقدرت في حسابها الذي لا يخطئ أن يكون هو قائد قواتها، وبطل ~~أبطالها، ms143 وأن يروح ضمان نجاحها به مواتيا. # لقد جاءت به العناية الإلهية فلاحا من أهل القرى لتستكمل فيه لوازم المحيط، ويتناسب ~~مع أغلبية البيئة، ويشب في أقوى أفق وأصح جو وأوفق وسط؛ ولكي ينشأ صلب العود من بدايته، ~~قوي البدن من حداثته، متفتح الصدر للعواصف من طفولته، يمرح في الحقول، ويرتع في الغيطان، ~~ويسبح في الجداول والأقنية، ويجالد الأقران في الصراع غاضبا أو لاهيا. # جاءت به فلاحا قوي العصب، سليم النسب، منتظم حركة القلب، مفتول الذراع، ممشوق ~~القد، شديد الجلد، مضمور الجسد، في عينيه عمق، وفي وجهه أسد؛ لكي يخيف ويثير ~~الرهب إذا ما حان الدور ووجب، وحتى يتحمل مطال المرانة، ومراحل التدرب، إذ جعلت في ~~خطتها ألا تعجل به شابا فتيا، ولا نحيلا ضاويا، وإنما قدرت أن يتولى الأمر وهو شيخ ~~جاوز الكهولة، وعدى الشباب؛ لتكون آيته أنه الشيخ الشاب، قويا على المحنة والمصاب، ~~جلدا على الصدمات والخطوب، لا حافلا بالشدائد ولا مباليا. # وقد جاءت به كذلك «أزهريا»؛ ليدرس القرآن، ويأخذ عنه قوة البيان، ويكتسب قوة التعبير، ~~وجزالة اللفظ، ولغة الجهاد، وأسلوب الإغراء، وسحر الترغيب، وجلال الترهيب؛ بل ألقت به في ~~صحن الأزهر على حرارة اللهفة على العلم؛ لكي ينضج أكمل نضوج، وينصهر فيه أحر منصهر، ~~ويطيب كل مطاب، ويكب على الكتاب، ويتمرن على الجدل والمناظرة، والمعارضة والمحاورة، ~~والنظرية والبرهان. # لقد كان الأزهر مهد الثورة الأولى، فيه جلس المعلم الأول السيد جمال الدين الأفغاني ~~يلقي من علم الثورة مباديها، ويمهد لها ويغذيها، ويستبي بمنطقه شبابها وذويها، بل كان ~~الأزهر هو يومئذ الثكنة العلمية، وساحة الجهاد وثقافته، ومعهد الدين ورسالته، والوطن ~~وحماسته، وكان الحقل القوي التربة، العنيف الأرض، الصلب الطينة، السميك الأديم؛ فلا ~~عجب إذا كان قد أطلع على أدوار الثورة أبطالا، وأنبت على مر المراحل شخصيات جبارة ~~ورجالا، ونوابغ عظماء الأذهان. # لقد كان الأزهر مستنبت النبوغ ومزرعة التفوق إذا كانت الملكات من ذاتها صالحة، ~~والاستعدادات بالفطرة قوية مستجيبة؛ ولكنه كان مقبرة للضعفاء والعجزة وأهل الأذهان الجامدة. ~~وهو إذا كان قد ms144 أخرج نوابغ آحادا، فلكم ذوى فيه من زهر صغير صوح قبل أن تتفتح منه ~~الأكمام! ولكم ذبل فيه من عيدان قبل أن تخرج شطأها وتستوي على سوقها تعجب ~~الزراع! # في تربة الأزهر القوية العنيفة المجهدة، نبغ عبر الأجيال نوابغ عدة، كما تلاشت مصائر ~~ألوف طحنتهم حياة الأزهر تحت أنيابها الحادة، فقد خرج منه قوم صالحون على قلة، وذوت فيه ~~مئات على كثرة. ولا غرابة في أن يأتي النبوغ الأزهري إذن على هذه الصورة الخارقة للمألوف، ~~وأن يبرز النابهون «الأزهريون» فوق مستوى النبوغ المعروف، جبابرة العقول، أفذاذ الأذهان؛ ~~حتى ليغزو النابغة الذي يجود الأزهر به الحياة كلها، ويغمر الجيل الذي يظهر فيه جميعا، ~~ويستبي بسحره العقول، ويبده الأذهان بما يضفي عليه الأزهر من النفوذ والقوة والجلال، ~~ويحدث في زمنه من الأثر العظيم ما يبقى حديث الأجيال، ويظل به منفرد النظير منقطع المثال، ~~حتى تخرج من التربة ذاتها من بعده أنبات أخرى وعيدان. # من الأزهر خرج في القرن الماضي آحاد معدودون من النوابغ، وأمثلة باهرة الضياء، من مصابيح ~~الذكاء، وبرز أفذاذ من الزعماء والمصلحين، والهداة والمعلمين: محمد عبده، وعلي مبارك، ~~وعبد الله فكري، وسعد زغلول، وأمثالهم مئات لا سبيل هنا إلى حصر أسمائهم. والذين أخرجهم ~~الأزهر أقوياء من قوة ترتبه، جبابرة العقول من جبروت بيئته، هم أولئك الذين ساقوا العصر ~~أمامهم، ودفعوا في ظهر الجبل بحوافزهم، وفي خاصرة العصر بمهاميزهم، وأحدثوا نهضات مختلفة ~~الأنواع متعددة الألوان. # كذلك جاء سعد «أزهريا»، تدرب في صحن الجامع الإسلامي الأكبر من الحداثة والصغر، على كل ~~ما سوف يروح من مزاياه في الكهولة والكبر، وما سوف يرد عليه في مسيرة الزمن ودورة ~~الدهر؛ بل لكأنما انحدر من «دسوق» بعد تجويد القرآن في خطة القدر لكي يتاح له الجلوس إلى ~~أستاذ عظيم في الشرق كان قد نزح إلى مصر، ولكنه موشك على سفر، وهو السيد جمال الدين ~~الأفغاني، وكان قد جاء قبل الثورة والمنفجر، يعلم ويحاضر، ويبث جديد الفكر، ويتحدث ~~عن الديمقراطية والحكومة النيابية، والدستور والإصلاح، والدين والدنيا، ms145 والخير والشر. وكان ~~لا بد لهذا «الأزهري» الناشئ في تدابير القدر، أن يسمع هذا كله ويتفكر فيه ويتدبر؛ لأنه ~~جاء إلى هذا الجيل ليكون في غده زعيم ذلك جميعا وسائق الجيل إليه والعصر، وقائد الجماعة في ~~النهضة إليه على السنين. # وفي حلقات الأزهر، راح هذا الأزهري «النظيف» الذي قدم إلى القاهرة من صميم الريف وهو ~~في السادسة عشرة على الأكثر، يتلقى العلم الديني، وينهل من العلم الدنيوي، ويصغي إلى ~~أحاديث السياسة، ويعرف شئون البلاد من أفواه المعلمين والأساتذة، وتتوثق العلاقات بينه وبين ~~مريدي الأفغاني وطلابه، وهم يومئذ عديد من النوابغ، كمحمد عبده الذي كانت الأقدار تعده ~~كذلك لناحية من الزعامة، وضرب من الإمامة، ووجه من وجوه الإصلاح والتجديد. # وأحسب سعدا في الأزهر - وقد حدثتك عن نوع تربته وصفة بيئته - لم يحتج إلى طول زمن ورخي ~~آن لكي يبرز ويظهر، فبينما كان أكثر الذين يدخلون لطلب العلم يشيخون فيه ولما يكتملوا، ~~ويذبلون في نواحيه، قبل أن يحين قطاف ما حصلوا، إذ رأينا سعدا في ذلك الوسط الذي ~~انتقته له الأقدار انتقاء، وهيأته له خير متهيأ، ينبغ وشيكا، ولكن في أندر ما يطلع ~~النبوغ من الأزهر، وفي الوقت ذاته أقوى ما يكون مطلعا على ندرته، وأروع ما يروح مظهرا على ~~قلته، وهو ظهور الكاتب المفكر، وخروج الأديب الجديد الأسلوب؛ إذ كانت علوم الأدب ينظر ~~إليها في الأزهر كأن الطالب المعني بها غير صالح، وكأن الذي ينزع إليها أكثر من منزعه ~~إلى علوم الفقه والنحو والصرف، لا يرجى منه ولا أمل فيه، ومن ثم كان الذين ينبغون من ~~الأزهر في هذه الناحية من الدراسة وهذا الوجه من النزوع والاستعداد عددا قليلا، ولكنهم مع ~~هذه القلة يتبدون أفذاذا لا يشق لهم فيه غبار. # كان سعد إذن من النشأة «أزهريا»، ولكن على غرار جديد، ومن طراز نادر؛ فهو لم يتمكث فيه، ~~ولم يطل الاختلاف إليه، كأنما كانت مجاورته له مرورا موقوتا وسياحة قصيرة، وعارضا له ~~حكمته والغاية السريعة منه، وهو تخريج «الكاتب» الذي يلقي بذور ms146 الثورة في المحاولة الأولى ~~من محاولاتها، ولا يتعرض كثيرا لأذاها؛ لأنه موفور محتفظ به لمحاولة أخرى على دوران الزمن ~~وسيرة السنين ، يروح هو فيها الباعث الظاهر، والعلة المباشرة، والمشعل المضرم لنارها، ~~والقائد الحامل للوائها وشعارها، والكاتب العريف بأقدارها وتغذية تيارها، والخطيب المعجز ~~الساحر الذلق الزارع اليقين النافث الإيمان. # لم يمكث سعد في صحن الأزهر غير بضع سنين، لا أظنها جاوزت خمسا، وهي فترة بالغة القصر ~~لا تكاد تخرج شيئا بالنسبة لجمهرة المجاورين، والسواد الأعظم من طلابه الذين تطول بهم ~~الآماد في تلك الثكنة العلمية قبل أن يصيبوا أول أشرطة الجنود المجاهدين في الدين، ولكنها ~~في سعد كانت كافية لكي تخرج الكاتب الجديد، والمفكر المستبق جيله، وذا القلم الحامي الملتهب ~~الذي يعد النفوس للثورة، ويهيئ الأذهان. # وهكذا بدأ سعد حياته العلمية وهو في الحادية والعشرين - أي سنة 1880 - كاتبا مفكرا، بعد ~~خمس سنوات فقط في صحن الأزهر، وهي بداية نادرة ومطلع عجيب، ولكنها في حياة سعد وسياق ~~حوادثها وحلقات سلسلتها متناسبة متوائمة مع الدور الذي قدر له أن يلعبه في مصير أمته، ~~والمركز الذي أعدته الطبيعة ليشغله فيما بعد من قومه وبني وطنه، بل هي الوظيفة نفسها التي ~~قدرتها العناية الإلهية لغيره من عظماء العالم وأبطال النهضات وقواد الشعوب في الثورات ~~والحركات العامة، وهي الناحية الوحيدة التي كانت خليقة بهذا الأزهري الجديد أن يجنح إليها ~~في ذلك العصر ووسط ذلك الأفق، حيث كل شيء ينذر يومئذ بسوء، ويتمخض عن ثورة، وينم عن وشك ~~انقلاب. # في الحادية والعشرين أمسك سعد بالقلم ليكتب للناس، ولو أنه كان إنسانا من عرض المجتمع، ~~أو شابا اعتياديا يريد أن يسلك في الحياة سبيلا ذللا، لجنح إلى ممالأة النظام ~~القائم، ومشايعة السلطة الحاكمة، ولكنه كان مطبوعا على الثورة، مخلوقا لها، منتظرا ~~لأوانها، وكان عظيما وهو صغير، قوي الروح وهو شاب، مترفع النفس وهو مبتدئ؛ فكان أول ما كتب ~~للثورة وفي الثورة، وأول ما أرسل قلمه فيه محاربا مهاجما مكافحا هو الاستبداد والظلم ~~والانحطاط والجمود. # لقد راح سعد ms147 يبشر للثورة ويوطئ لها، ويجمع الوقود اللازم لنارها، فكتب كثيرا في تأييد ~~الشورى وحكم الدستور وسلطان الجماعة، ونقم كثيرا على الحكم الفردي والنظام المطلق والنزوع ~~إلى الاستعباد. # هذا هو كل ما اشترك سعد به في الثورة الأولى؛ لأنه كان يومئذ حديث السن، قريب العهد ~~بالقاهرة، بعيدا من الطبقة الكبيرة التي باشرت الثورة، غير متصل بالذين تغلغلوا فيها ~~وأعدوا عدتها، وعاشوا في صميمها وتحت حرارتها؛ حتى لقد اتهم بعد الثورة بأنه كان سرا ~~أحد المشتركين فيها، ولكن التهمة لم تلبث أن بدت كاذبة، فلم يصب منها غير مقاساة السجن في ~~بداية حياته، وتجربة شيء مما يتعرض له أبطال النهضات وزعماء الحركات العامة بسبيل ما ينادون ~~الناس إليه، ويدعون الجماعات إلى اعتناقه من الأفكار الجديدة والمبادئ الحديثة ~~والتعاليم. # كان سعد قبيل الثورة العرابية المزمار المتغني بألحانها، والمعزف الصادح بأنغامها، بل ~~كان المصور الصنع الراسم لمعانيها في أفخم ألوانها، وكان جماع الأحطاب الجزلة ~~لنيرانها، ولكنه عند هذا الحد وقف؛ لأن دوره لم يكن قد حان، وأوان ظهوره في أحسنه وأروعه ~~لم يكن آن، وإنما كان حضوره تلك الحركة الأولى في معاني الثورات لحكمة من حكم القدر، وهي ~~أن يشهد شيئا كالثورة ليشاهد أساليبها، ويختبر مزاياها وعيوبها، ويعرف حسناتها وسيئاتها، ~~ويبلو بنفسه وجوه صوابها ونواحي أغلاطها، ويعلم الصالحين لها والأوكال عليها، والخلقاء ~~بالمساهمة فيها، وغير الأحرياء بالانضمام إلى هيئتها، وحتى يكون ذلك كله بمثابة دور تمرين، ~~ومرحلة رياضية، وسياحة فرجة، وفرصة اختبار ومشاهدة؛ لأن الطبيعة كانت تمهد له دورا آخر ~~يكون هو فيه قطبه ومداره، ومظهرا أكبر من ذلك يروح هو رمزه ومصباحه ومناره، فوفرته يومئذ ~~حتى يستوفي حاجتها، وتركته حتى ينضج للظهور، ويستجمع أدوات الإعلان، ويبرز في الحين المناسب ~~والأوان، فيغمر الساحة والميدان، ويكون في القضية المصرية رسول عهد جديد. # جاء سعد مع الثورة الأولى أو التجربة الفاشلة لها، متفرجا كما قلنا من ناحيتها؛ ولكنه ~~جاء أيضا مع بداية الاحتلال ليكون حاضر أمره من مقدمته، مشاهدا لمناظر مصابه ونكبته، ~~حتى لا يتكلم عن ms148 الاحتلال إذا ما نهض محاربا للاستقلال، عن طريق السماع ورواية الأقوال، ~~فإن ذلك لا يعطي المتحدث القوة التي تهز القلوب وتضرب على الأوتار، بل لكي يتحدث عن مصاب ~~كان هو أحد شهود رؤيته، وكاد يروح بعض فريسته، بشعور الحاضر الذي تألم، وإحساس الشاهد الذي ~~ابتلي واختبر، واقتناع الذي لم يعد في نفسه أي خالجة ارتياب. # وانطفأت الشعلة التي التهبت قليلا ثم خبت، فأين يذهب سعد وفيم يصح أن يكون؟ فكان جواب ~~الأقدار أنه قد مر دور التجربة، وبدأ دور الاستعداد. وأول شيء يحتاج الرجل المخلوق للثورة ~~هو الصوت الداوي، والجرس المرنان، واستكمال أفانين الكلام، ومعاني البيان؛ ليكون ~~الخطيب المؤثر في العقول، المستحوذ على الآذان، الجياش الصوت يسمع الصفوف، ويصغي إليه ~~الزحام، ويقود الجماهير وفي يده الزمام، ويوحي إليهم اليقين ويشرب أرواحهم ~~الإيمان. # وكان سعد من الأزهر، ومع قوة الاستعداد قد تمكن في وقت قصير من اللغة وتملك ناصية ~~البيان، وقام بنصيبه من الثورة فمثل فيها دور «الكاتب»، وبقي بعد فشلها والاستعداد لغيرها ~~أن يستكمل لوازم «الخطيب»، ولم يكن استعداده الأزهري يؤهله يومئذ لأكثر من أن يكون ~~«معلما» في المدارس للصغار والناشئين، وهذا ما لم ييسر له، ولم يكن صالحا لمثله؛ أو ~~يكون «فقيها» على غرار الأزهريين والمجاورين أنفسهم، وهذا ما لم يتهيأ ليكونه؛ لأنه كان ~~في الواقع «عصريا» حتى في ذلك الدور المحافظ، والبيئة المتشددة في الجمود، بل كان كل ~~تفكيره يومئذ جديدا، وكل منزعه إلى التجديد، وكل مجانحه نحو تهيئة الأذهان لقبول النظريات ~~الحديثة في الحضارة والاجتماع. # أين كان يمكن أن يذهب سعد ليتهيأ لدوره القابل ويتجهز للغد المنتظر، ولم يعد يستطيع أن ~~يواصل شأنه «ككاتب» بعد فشل الثورة ومنزل الاحتلال بالبلاد، إلا إذا كتب في الفشل ذاته ~~وأرسل قلمه في مديح الخيبة نفسها؟ وهذا ما لم يكن شأن سعد، ولا من مثل سعد يكون، ولا هو على ~~طباعه بالجائز، ولا وجد الاحتلال في بدايته أحدا يتطوع له بمديح، أو يسخر قلمه في ~~خدمته، ولا كانت ثم صحف مهيأة ms149 كأدواته إلا قليلا، ولكن لغير المصريين. # لقد كان هناك طريق واحد يتناسب وأزهرية سعد وبيان سعد، ويصلح أن يكون مجالا لتمرنه على ~~الخطابة، وفسحة لرياضته على المنابر، وميدانا لتجربة قوة الجدل فيه، ومظهر العارضة البادهة ~~التي أوتيها، وبلاغة الأسلوب التي انماز يومئذ بها، ورصانة المنطق التي كانت بارزة فيه ... ~~وذلك أن يكون «محاميا»؛ ليخرج منها بعد ذلك «خطيبا»، ويكون له في الخطابة ذلك الشأو ~~البعيد. # كذلك كان سعد في المطالع «محاميا»، يدافع عن الحق بالنسبة للفرد، كتدريب له على الدفاع ~~عنه فيما بعد بالنسبة للجماعة، وقد دخل يومئذ على المحاماة وهي صغيرة فكبرت به، قليلة ~~الشأن فعظمت بنباغته وحسن مسلكه وطهارة تصرفه، ومنذ ذلك الحين والمحاماة مصدر النوابغ، ~~ومعين الشخصيات البارزة، ومنبت الصالحين للجهاد والدافعين إلى الثورة، وكبار المشتركين في ~~الحركة الوطنية، والطريق إلى الوزارة، والمعوان على البروز في صفوف المدافعين عن بلادهم ~~والمكافحين. # وقد مرت بسعد مرحلة من مراحل حياته كان فيها ذلك الأزهري القروي الجديد في الذروة من ~~هذه الصناعة، كما كان كثير من قواد الثورات وزعماء الحركات الفردية في التاريخ هم كذلك في ~~طليعة المحامين. # سعد زغلول. # وكان لا يزال ينقص سعدا شيء آخر من باب الاستعداد للدور الذي قدر له القيام به وإن ~~تقدمت سنه وجاوز كهولته، وهو أن يتحدث عن سوء ما صنع الاحتلال ببلاده، ومبلغ تدخله في ~~إدارة شئون الحكم في قومه، ومدى سيطرته، ونواحي الفساد الذي أحدثه في المصالح العامة، ووجوه ~~الاستغلال الجشع السيئ الذي عمد إليه بالنسبة للمرافق وسائر أجزاء الدولة، حديث الخبرة ~~والتجربة، والمباشرة الفعلية، وكان ذلك يقتضي أن يكون «موظفا» قريبا من ممثلي الاحتلال ~~ورجاله، مشاهدا عن كثب أساليبه ووسائله، مصطدما بمساويه ومفاسده، محتكا بجناياته ~~وآثامه، مختبرا لأسراره وأغراضه ومراميه؛ لكي يستعين بذلك كله في دور التمرين على جمع ~~الحقائق، وفهم الخفايا وإدراك السياسة واتجاهاتها ومجاريها وتياراتها، فوق الأديم ومن ~~المسارب الخافية. # كذلك أرادت الأقدار لسعد أن يدخل وظائف الحكومة، وأن يتقلب في مناصبها، ويتنقل في كبارها ~~وخطيرها؛ حتى بلغ ms150 مكان «الوزير» فيها، فإذا ما تحدث بعد ذلك عن سيئات الاحتلال ومناكره ~~وجرائمه وكبره، كان لكلامه قيمة، ولحديثه خطر، ولنقده أثر؛ لأنه كلام وزير جرب ~~واختبر، ومثلت له العظات والعبر، وشهد كل ذلك السوء من قريب. # وكانت مباشرة سعد للوظائف مقتضية منه كذلك أن يستكمل ما نقصه، ويستوفي ما لم يكن أصابه، ~~ويضيف إلى قوة أزهريته لوازم عصريته، وثقافة جيله وعلوم بيئته، فلما دخل القضاء الأهلي حيث ~~المرجع فيه للقوانين الفرنسية، احتاج الأزهري الذي لم يدرس غير لغة دينه أن يدرس لغة ~~قوانينه؛ فتعلم الفرنسية، وأعانه تعلمها والإكباب على دراستها والانكماش في استيعاب دقائقها ~~ومطالبها على توسيع دائرة قراءته، إذ فتح أمامه آفاقا جديدة من العلم، وكشف حياله عن أفكار ~~بكر من المعرفة وأفانين من الثقافة، وندحات مترامية للبحث والاستخلاص، والاقتباس ~~والاستقراء. # كان سعد جديدا في كل ما سلك نفسه فيه، كان جديدا كأزهري؛ لأنه نبغ كاتبا، وأندر ما ~~يكون الأزهريون كتابا. وكان جديدا كمحام؛ لأنه دخل هذه الصناعة وهي منحطة المستوى ~~يومئذ قليلة الشأن سيئة السمعة فرفع مستواها، وعظم شأنها وأحسن سمعتها، فلما عطف على ~~القضاء زانه وسما به، وصان كرامته، وحرص على استقلاله، وله فيه أحكام جديدة ومواقف مشهودة، ~~ليس هذا الكتاب مجال ذكرها، فكان ذلك كله جديدا في القضاء، فانتبه العصر له، وأحسه الجيل ~~الذي يعيش فيه، والتفتت الدولة نحوه لترى من هذا الرجل الجديد الذي برز على مسرح الحياة، ~~واستحوذ على الاحترام في وسطه والإعجاب! فلم تستطع إلا أن تعجب هي أيضا به، ولم تتمالك هي ~~كذلك من احترامه؛ فرفعت وظيفته في القضاء، ثم لم يبق أمامه إلا كرسي الوزارة فبلغه بعد بضع ~~سنين. # وكان سعد جديدا كوزير، إذ عهد إلى «الأزهري» القديم بوزارة المعارف الحديثة، فإذا هو ~~في العلم رجل عصري مجدد، ووزير مبتكر مستحدث، وإذا هو وطني جديد كذلك، وسياسي من طراز آخر ~~غير ما ألفت الدولة من قبله، فإن أزهريته القديمة لم تمنع أن ينادي بجانب جامعة الأزهر إلى ~~تأسيس جامعة حديثة للعلم ms151 الجديد، حتى يتحول بالغرض الذي رمى إليه الاحتلال من التعليم بجعله ~~أداة للوظائف، وإقامة المدارس معامل لتفريخ الموظفين، إلى غرض جديد وهو التفوق في العلم ~~للمنفعة العامة، والاستزادة من الدراسة لخير الشعب ومصلحة المجموع وخدمة البلاد. # كان سعد وزيرا مرهوبا، متكبرا كبرياء المقدرة لا كبرياء الغرور، وطنيا حريصا على ~~حقوقه كوزير، محافظا على مكانه كمصري، مستقل الإرادة كرئيس، ممسكا بكرامته لا ينزل بها ~~يوما إلى الإنكليز، فرأى في المعارف دنلوب المستشار يريد أن يسير معه كمسيرته مع الذين من ~~قبله وزراء، له هو السلطان الفعلي ولهم هم البصمة والإمضاء، وهو كل شيء وهم ليسوا شيئا ~~بجانبه، وعنده هو كل السلطان وعندهم هم الخور والتسليم والإذعان؛ فوقفه سعد حيث ينبغي أن ~~يقف، واسترد منه المزيد من سلطانه، وقصره على ما ينبغي لمثله في حدود الاختصاص، ونطاق ~~الواجب، ودائرة القانون. # وهكذا كان سعد في الوظائف جديدا، أدخل عليها في شخصه ومسلكه وتصرفه العناصر الخليقة بها، ~~والمطالب التي كانت تنقصها، فراع الإنكليز أن يروا فيه هذه الشخصية الجديدة، فقال قائلهم - ~~وهو لورد كرومر - في خطاب وداعه بدار الأوبرا في سنة 1907 كلمته المشهورة: «إني لأذكر - ~~أيها السادة - اسم رجل لم أشتغل معه إلا من عهد قريب، ولكن معاشرتي القصيرة له قد علمتني أن ~~أحترمه احتراما عظيما، وإذا أصاب ظني ولم أخطئ، فسيكون أمام ناظر المعارف الجديد سعد ~~زغلول باشا مستقبل عظيم في سبيل خدمة هذه البلاد؛ لأنه قد أوتي جميع الصفات اللازمة ~~لخدمتها، فهو رجل صادق، كفء، مستقيم، مقتدر، بل هو رجل شجاع فيما هو مقتنع به.» # لقد كانت تلك الكلمة اعترافا ونبوءة من رجل سياسي يعرف أقدار الرجال حتى في خصومه، ويزن ~~الناس بأدق الموازين حتى وإن كانوا أعداءه؛ بل تلك كلمة أكرهته شخصية سعد على النطق بها ~~إكراها، وشهادة أجبره هذا الوزير الأزهري الجديد على المصارحة بها إجبارا، والفضل ما شهدت ~~به الأعداء، فقد رأى كرومر حياله عنصرا جديدا في الوظائف العليا؛ عنصر شجاعة لم تكن للذين ~~جربهم من أيام الثورة ms152 الماضية، شجاعة الرأي إذا ما اقتنع به صاحبه، فما هو بمردود عنه، بل ~~عنصر احترام للذات وحرص على الكرامة، يأبى فيها التفريط، وينأى عن التساهل بسبيلها، وكبرياء ~~وترفع لا يعرفان الملق ويكرهان الازدلاف، ويحتفظان بمركز الوزير في بلاده، فلا ينظران ~~إلى الاحتلال إلا النظرة إلى الغاصب المستلب، لا السيد المالك صاحب السلطان. # لقد كان سعد يومئذ شجاعا جديدا، إذ كان العصر كله يومئذ في ناحية الوظائف والموظفين، ~~عصر استسلام وتهيب، وعهد مصانعة ومخافة من السلطة غير الشرعية التي يخشى الاستهداف ~~لغضبها، وتعتقد السلامة في تحامي خطرها، واجتناب التعرض لما تملك من نقمة ~~وعقاب. # وكان سعد يومئذ في الشجاعة جديدا أيضا إزاء السلطان الشرعي في البلاد، إذا اقتنع بفكرة ~~فلا يبالي في تنفيذها أحدا، حتى لقد وقفت شجاعته هذه بجانبه في ذات مرة إزاء الخديو، وكان ~~هذا قد أراد رفض مشروع من مشروعات سعد بشأن الإصلاح في جلسة من جلسات مجلس الوزراء، فلم ~~يمتثل سعد ولم يتهيب الاعتراض، ولم يطق صبرا على هذا الموقف من جانب سموه، فضرب المنضدة ~~بيده مغضبا محتجا وهو يقول: «أنا الوزير المسئول، فلا بد من إقرار مشروعي.» # وقد بهت الوزراء في المجلس، واستولت الدهشة عليهم إذ نكروا هذه الجرأة من سعد، ولكن ~~سعدا لم يألف إيلافهم، ولم يكن ليخنع خنوعهم، ولا عرف الاستسلام معرفتهم، ولم يكن ليسكن ~~إلى المواربة، أو يلقي بالا إلى المجاملة في الحق، حتى لقد وقف في جمعية الاقتصاد والتشريع ~~إزاء «سير برونيات» - وكان يتقلد منصب المستشار القضائي في ذلك الحين - موقفا رفيعا ~~جليلا، يدل على هذه الشجاعة الصادقة التي كانت أبدا مظهرا من مظاهر شخصيته الساحرة ~~البارزة، فقد قدم سير برونيات يومئذ مشروعا بتعديل قانون العقوبات، ودعا كبار الأساتذة ~~والمحامين ليقولوا رأيهم فيه، فلم يكن من سعد إلا أن بادره قائلا: «من الذي وكلكم عن ~~الأمة المصرية لتسنوا لها القوانين، ومن حقها هي وحدها سن القوانين بنفسها؟» فكانت تلك ~~مجابهة قوية تستحق الاحترام والإعجاب. # كذلك كان إعداد المقادير لسعد قبل الثورة: جاءت ms153 به من الأزهر صحن الثورة وميدانها، ثم ثنت ~~به على القضاء فكان قاضيا ثائرا على كل ما يمس استقلال القضاء ونزاهته، ثم عطفت به على ~~الوظائف فانتهى إلى مركز الوزارة ليختبر مساوي الاحتلال من قرب، ويجرب عيوبه وجناياته ~~تجربة خبير، بل ليشترك أيضا في تلك العيوب حينا والجنايات بنفسية الموظف أو الممثل ~~القائم بدوره فوق المسرح، لا بنفسية المتفرج المشاهد الذي تبدو له المعايب أوضح وأبرز مما ~~تبدو للممثلين، حتى إذا حان الوقت لمحاربة تلك المساوئ ومقاومة تلك المفاسد، تحدث عنها حديث ~~الملامس لها، البصير بها، المدرك لجميع نواحيها، النادم على ما كان قد ند منه فيها ~~وأخطأ فيه مرمى الصواب. # وبقي لاستكمال استعداده للغد القادم شيء آخر، وهو أن ينتقل من تجربة براعته الخطابية ~~كمحام بصدد قضايا الأفراد، إلى تجربتها كخطيب سياسي بصدد قضايا المجاميع. # وكان قد غادر الوزارة في سنة 1913، وهو العام الذي وضعت الحكومة فيه مجلسا تشريعيا ~~هيكليا، لا تتجاوز سلطته حد الاستشارة غير الملزمة، فوقف سعد حيال ذلك المشروع وقفة ~~المحتج المستنكر، ونظر إليه نظرة الغاضب الساخر، ولكنه مع ذلك لم يستطع التحول عنه، وفتحت ~~«الجمعية التشريعية» - كما سمي يومئذ ذلك المجلس - واشترك سعد في عضويتها منتخبا عن الأمة ~~وهو لا يزال نافرا غير راض عنها؛ لأن القانون الذي سن لها لم يكن سوى «مسخ» بالنسبة ~~للدستور، وراح سعد في البداية عند انتخاب الوكيلين وتحديد أيهما يصح له رياسة الجلسة في ~~غياب الرئيس، ينادي جهير الصوت رفيع الغضب بأن الوكيل المنتخب من جانب الأمة ينبغي أن يكون ~~المقدم عن الوكيل المعين من جانب الحكومة؛ لأن إرادة الأمة مقدمة فوق إرادة الحكومة، ~~وسلطان الأمة فوق كل سلطان. # وعلى ضآلة الجمعية التشريعية وصورية وجودها وفرط القيود المحدودة بها، كان صوت سعد يدوي ~~في جنباتها، وكان منطق سعد يقد الباطل بفأسه قدا، وكأنما هيأت الأقدار لسعد ذلك المجلس ~~الابتدائي كمجال تحضيري يجرب فيه براعته المعجزة كخطيب، ويختبر مبالغ برلمانيته كممثل ~~للأمة، ويدرب ذلاقة لسانه، وحر وجدانه، وقوة يقينه بحق ms154 الأمة وإيمانه، على مطالب الغد ~~القادم، والغيب الوشيك الظهور. # في الجمعية التشريعية استكمل سعد كل معدات البطل المنتظر، واستوفى سعد سائر لوازم القائد ~~الثائر، وإن له في جلساتها لكلمات جرت مجاري الأمثال، وآيات نواطق عن بطل الأبطال، وعبارات ~~بلغت الذروة من الحكمة السياسية وقمة البلاغة والبيان. # لقد نضجت مشاعر سعد ومزاياه العقلية وجبروت ذهنه وزئبقية إحساسه، وجياش عاطفته، فأثمرت ~~جميعا ذلك الخطيب النادر الذي يهز القلوب من الأعماق، وينزل صوته الساحر المرنان إلى أغوار ~~الشعور، ويثير في النفوس أبلغ الحماسة، وأشد لهب الحمية، ووقدة الوطنية، وأعلى حرارة ~~الإيمان. # لقد مثل أمام الناس في الجمعية التشريعية الخطيب المتمكن، النفاذ المعجز، ~~الفاتن الحركات والإشارات، المطاوع صوته لخلجات شعوره وأدائه وتعبيره، المتفق جرسه ~~صعودا وهبوطا وحنينا وترجيعا وتدوية وجلجلة وتدويما، نبضات قلبه، وجلال وقفته، وروعة ~~شخصيته، وموضوع خطبته؛ حتى لو أن أجنبيا حضر سعدا وهو يخطب ولم يكن بلغته ملما، ~~لتأثر بسماعه، كأنه المدرك لما يسمعه، وهذا هو نهاية ما تسمو إليه الخطابة وعبقريتها ~~الساحرة ونغمها الرفيع، فكأنما هي عند سعد قد استحالت مقطعات موسيقية ينشجي بها كل إنسان، ~~وترهف لها الأسماع والآذان، وتتحرك لها المشاعر الوجدان. # وكذلك انتهى يومئذ دور الأزهري الكاتب، والأزهري الوزير، والخطيب السياسي، ليبتدئ دور ~~الزعيم، قائد الثورة، وحامل لواء النهضة، ووكيل الأمة، والمتحدث باسم الشعب بعد أن تمهد ~~الأقدار له الحوادث، وتسوق له السياق، وتفسح الميدان لظهوره. # | زعامة سعد وظهور مصطفى النحاس # حين نشبت الحرب العظمى في أغسطس سنة 1914، كانت وزارة رشدي باشا قائمة بالأمر، وكان ~~الخديو غائبا في الأستانة، فارتبكت البلاد، واضطربت الحكومة، إذ حالت إنجلترا بين الخديو ~~وبين المآب إلى مصر، لصلته بتركيا المحالفة لألمانيا، ولم تلبث إنجلترا أن فرضت الحماية على ~~البلاد، وغيرت الخديوية، فأبدلت بها سلطنة، وعين الأمير حسين كامل سلطانا، وبقيت وزارة ~~رشدي تتولى الأمر في تلك الفترة العصيبة، وراحت السلطة العسكرية البريطانية تعتقل خلقا ~~كثيرا من مختلفي الطبقات اشتهروا بالحماسة لبلادهم، وعرفوا بنزعاتهم الوطنية فملأت بهم ~~المنافي والمحابس والسجون. # وفي وسط تلك ms155 الزوبعة الهوجاء كان رجل عظيم يعيش في أكناف العزلة، مخلدا إلى الوحدة، ~~وهو مع ذلك يتحرق لبلاده، ويترقب السانحة للوثوب، وإن رجلا كسعد عاش طوال عمره على الدأب ~~والجهاد لم يكن بلا ريب يستطيع أن يدع نفسه بلا عمل، أو يسكن إلى الفراغ؛ لأنه من معدن حساس ~~لا يجلد على برودة السكون، ولا يعيش في ظلال العزلة فارغا. # فلا عجب إذا رأينا ذلك الرجل العظيم الذي شهده الناس في المرحلة الرابعة من عمره يجلس إلى ~~درس اللغة الفرنسية، ويتوفر على تفهم أسرارها ودقائقها، قد عاد وهو في الخامسة والخمسين ~~يمسك بالكتاب متهجيا في لغة جديدة لم يكن له بها عهد، وهي اللغة الألمانية؛ لكي ينقذ ذهنه ~~الكبير من ألم العزلة وصدأة الفراغ، ولكي يعرف طرفا من لغة ذلك الشعب الجبار الذي راح ~~يومئذ يقذف بالعالم كله في شعلة نار عظيمة أحرقت جميع نشاط الدنيا، وهدمت الحضارات، وجاءت ~~بأفكار جديدة، ودفعت آخر مراحلها برجل عظيم يحلم بالأمثلة العليا، وهو «ويلسون»، ويحمل ~~رسالة جديدة إلى العالم، صائحا مناديا الإنسانية إلى مبادئ سامية تدعو إلى إنقاذ الشعوب ~~الصغيرة المغلوبة على أمرها من ربقة الاستعباد وتقرير مصيرها واستعادة حريتها الضائعة، وإن ~~كان قد خدع عند التنفيذ، واستغلت مبادئه أسوأ الاستغلال، وجاء التطبيق مصطنعا ~~ملفقا. # وحين وقفت رحى القتال، وخمدت نار الحرب، وتهادن الأعداء في سنة 1918؛ أدرك سعد الذي أوى ~~إلى العزلة ولبث في الوحدة طويلا، أن الفرصة قد حانت، وكان منها على مرتقب، وأن السانحة قد ~~سنحت، وكان لسنوحها بالمرصاد. # لقد أحس سعد يومئذ أن أمته التي أكرهت على دخول الحرب في صفوف الحلفاء إكراها، ~~وأجبرت على المساهمة فيها حتى ضد تركيا المسلمة إجبارا، واستمعت إلى نداء الحلفاء بأنهم ~~إنما يحاربون للحق والعدل والإنسانية وإنقاذ الحضارة ... لقد أحس سعد يومئذ أن أمته التي ~~استنزفت خيراتها، واستنفدت مواردها وأقواتها وأنعامها وبهمها وغلاتها، وسيق شبابها ~~ورجالها وعمالها إلى ميادين القتال وسوح المجزرة، واصطبرت على الألم طيلة السنين، وعانت ~~أشد البلاء متجلدة متحملة - قد حان أن تظفر ms156 بأمانيها القومية، وتشترك مع الشعوب المطالبة ~~بالاستقلال والحرية، وتستمتع بجزاء ما أبلت في الحرب وميادينها الرهيبة. # أحس سعد ذلك كله، يوم التنادي إلى الهدنة، فجعل يضع المذكرات والتقارير، ويجمع إليه ~~الأعوان والأنصار، واستقر رأي القوم بعد البحث والمشاورة على أن يتألف منهم «وفد» يحضر ~~مؤتمر السلام نائبا عن الأمة، ومكافحا لقضية مصر أمام الإنسانية المنتصرة الظافرة، وطاف ~~الجمع بالشعب في المدائن والريف يجمعون التواقيع ليعطوا الوفد قوة التوكيل عن ~~البلاد. # وفي الثالث عشر من شهر نوفمبر سنة 1918 بدأ الجهاد الوطني، وظهرت بوادر الثورة، عقب ذهاب ~~سعد مع بعض رفقائه إلى دار الوكالة البريطانية للقاء «المعتمد»، وكان يومئذ رجلا ~~عسكريا، وهو سير ونجت باشا، وطلب السماح لهم بالسفر إلى أوروبا لحضور المؤتمر، والذود عن ~~قضية مصر في الخارج؛ فرفض المعتمد طلب «الوفد» تعنتا وإصرارا. # لقد كان ذلك الرفض بداية نشوب الثورة أو سببها المباشر، إذ كانت في الواقع من حيث معانيها ~~تعبيرا عن ألم وبيانا لأمل؛ فقد احتمل المصريون فواجع الحرب وتكاليفها، وخاضوا أهوالها ~~وحتوفها مكبوتي النفوس، مكبوحي الغرائز، مسلوبي الإرادة؛ فلما انتهت ولم يجدوا تعويضا عن ~~ذلك الألم، جاءت الثورة لتكون تعبيرا بليغا في تأدية معناه، كما أتى الأمل شرحا لمبلغه ~~ومداه ومرماه. واحتاجت الأمة في أملها إلى تجسيم هذا التعبير عنها، فكان سعد هو «الرمز» ~~القومي له، والفرد الأوحد الذي يتمثل الشعور العام فيه، وتتحد كل العناصر في ظهوره، وترتسم ~~كل الأماني في بلاغة منطقه، وروعة صدقه، وجذوة وجدانه، وسحر بيانه، وتتصور في مناسبته ~~للمعنى الجليل الذي دل عليه، والغرض السامي البارز منه؛ فكانت مصر الوطنية ماثلة في سعد ~~الوطني بكل روعة الرمز، وجلال الصورة، وجمال المثال. # وهكذا تناسبت الثورة ورسالتها، والزعامة وصورتها، والبطولة وآيتها، بل هكذا تناسب سعد ~~وأمته؛ قادها فأطاعته، وسار بها فتبعته، ودعاها فلبته، وأراد توحيد كلمتها ونسيان عصبية ~~عناصرها لطوائفها ومذاهبها وملتها، فاستحال الناس مصريين، وكانوا من قبل في التعريف أقباطا ~~ومسلمين. # وقد ظن الإنكليز بعد رفضهم السماح للوفد بالسفر أنهم بنفيهم سعدا والذين ms157 معه يستطيعون أن ~~يخمدوا الجذوة، ويشلوا الحركة، ويطفئوا نور الوطنية الذي انبثق وأشع على البلاد فقبضوا ~~على سعد في داره يوم 8 مارس سنة 1919، واعتقلوا معه صحبه وأنصاره، وأرسلوهم إلى «مالطة» في ~~الخفاء. # ولم يكن سعد ورفاقه إذ حملوا من ثكنات قصر النيل إثر اعتقالهم يعرفون وجهتهم حتى ~~أركبوا الباخرة من بورسعيد، ولكن عند تمثال دلسبس جاء الضابط الموكل بحراستهم قائلا لهم: ~~إن طريقكم مالطة، فعرفوا يومئذ منفاهم. # وفي مالطة أقاموا لا يعلمون من أمر مصر شيئا حتى بدأهم حارسهم بقوله: «لقد غادرتم مصر ~~بعد أن صيرتموها شعلة من نار!» # كان نفي سعد هو «الشرارة» التي دبت في الهشيم فأوقدت منه نارا، وقد اندفعت البلاد في ~~وقدة الحماسة وضرام الحمية تبتسم للمنايا، وشبابها ورجالها بل ولدانها يلهون بالموت لهوا، ~~ولا يخافون رهبا ولا سطوة، واستحالت مصر في أيام قليلة أفقا متكهربا، ومسرح حوادث جسام ~~متعاقبة، لم تقتصر على المدائن، ولكنها غمرت الأرض كلها، ريفها وصعيدها، إذ اشترك الفلاحون ~~فيها اشتراكا رهيبا، فراحوا يدمرون المحطات، ويقتلعون القضبان، ويهدمون مراكز البوليس، ~~ويخربون كل تخريب. # ولست مع الذين يحبون أن يتفلسفوا عند الحديث عن سر الثورة المصرية وتعليل دوافعها، ~~فيذهبوا إلى أن قيامها كان يرجع في سنة 1919 إلى الطمأنينة الاقتصادية التي كنا ننعم بها ~~يومئذ بسبب ارتفاع أسعار الحاصلات، وبخاصة ثمن قنطار القطن، وتدفق المال في أيدي الزراع من ~~وفرته وكثرته؛ فإن هذا التعليل «المادي» لأمر روحي وانقلاب نفسي هو في الحق تصغير لمعناه، ~~وتهوين من مبالغه. # ولكني أومن بأن الثورة كانت وليدة الأمل بأن مصر قد حان أن تتنفس في جو حر، وتتمتع بحقها ~~المقدس في الاستقلال؛ فلم تكد الشرارة تدب في الحطب اليابس حتى نهض أهل القرى غضابا متسعري ~~النفوس، بعد احتجاز غرائزهم أربعة أعوام سويا، والحمل عليهم بأقسى ضروب القهر والإعنات ~~جميعا، حتى لم يكن منهم أحد إلا وله دم مطلول، أو ولد ضاع في خدمة السلطة، أو جمل مأخوذ من ~~حقله، أو أقوات انتزعت منه انتزاعا، وهو لبيعها ms158 كاره؛ فإن السلطة العسكرية البريطانية ~~استبدت تحت نظام الحماية بالبلاد استبدادا شديد الوطأة، خانق النكاية، متناهيا في الأذى ~~والبلاء والعدوان. # والناس ينزعون إلى الثورة إذ يجوعون وتلح عليهم المتربة، ولكنهم إذا اطمأنوا وتكاثرت ~~أموالهم، خشوا الثورة ولم يندفعوا نحوها، خيفة على ما ملكوا، وحرصا على ما جمعوا واقتنوا، ~~واستمساكا بما وقع لهم من اليسار ونضرة الحال ورغد العيش وطيب الحياة. # لقد كانت الثورة يومئذ ثورة نفوس، وهبة أرواح، وانفجارا رهيبا بعد حبسة مستطيلة ~~واختناق أليم، وغليان قدر على نار مشبوبة لا ينطفئ لها لهب، ولا ينفد لها وقود؛ بل ~~كانت ثورة الفلاح الصغير قبل الزارع الكبير، ثورة المتألم الكظيم إذ ينفجر ويغضب ويحتدم، ~~ثورة المكبوح الذي يجد نفسه في سراح بعد طيلة كبت وقهر، وفترة ضغط واستعباد ومخاض عذاب طويل ~~وآلام. # كان العنصر الروحي في الثورة بارزا على أحسنه، متجليا على أبدعه وأروعه، حتى لقد ساهم ~~الولدان والأصبية في الأزقة في الثورة على أقدارهم، وبحسب مداركهم وقواهم؛ فكانوا يجمعون ~~الأحجار لكبارهم، حتى يقيموا متاريس بأعراض الطرق في وجوه السيارات المسلحة التي تطارد ~~الثوار وتتعقب المتظاهرين. # واشترك في الثورة البنات والفتيات والنساء، فلم تلبث الحماسة الوطنية أن انتزعت من قلوبهن ~~الخوف الطبيعي فيهن؛ فرحن يبرزن جماعات في الشوارع، ويشيعن الجنازات، ويهتفن باسم ~~الشهداء، ويرسلن بحياة الحرية النداء في أثر النداء، ولا يرهبن المدافع تحصد الناس حصدا، ~~أو تمزق الجسوم أشلاء. # لقد هبت الحياة بكل أعمارها، كما وثبت مصر بكلا جنسيها للدفاع عن ذاتها، والذياد عن ~~كيانها وحاجاتها؛ فكانت الثورة نارا مندلعة في كل مكان، من الإسكندرية إلى أسوان؛ وكانت ~~كلما اشتد الإنكليز في محاولة قمعها تفاقمت، وكلما اقترفوا الفظائع في مغالبتها أو إخماد ~~جذوتها، تناهت سعيرا، وتعالت ذوائب، وتسامت فوق كل محاولة. # سعد في ابتسامته الساحرة. # يومئذ اندفعت الحياة العامة كلها نحو الثورة، فتعطلت كل مواردها، ووقفت كل مرافقها، ~~وماجت واضطربت، فلم تعد تجري على سياق منظم أو تسير على نحو معروف، وأضرب الطلاب عن الذهاب ~~إلى المعاهد، وامتنعت جميع الطبقات ms159 عن أعمالها حتى الكناسين، وتعطلت المواصلات في ~~المدائن، وأقفرت الحواضر، وبدت الشوارع مرهوبة الصور، مخوفة المشاهد، مكفهرة الأفق، وتتالت ~~الحوادث بسرعة عجيبة في غير تفكير سابق أو تدبير مبيت، ووقعت المذابح في الشوارع ~~علانية، وقتل الضباط الإنكليز في القطر، ووقف العمل في المحاكم والبريد والسكة الحديد، ~~وأصدرت السلطة العسكرية الأوامر بإحراق القرى المجاورة للمحطات التي أعمل فيها الفلاحون ~~التخريب والتدمير؛ فأحرق الإنكليز كثيرا منها، وأغاروا على قرية العزيزية وقرية الشوبك ~~والبدرشين، فأعملوا فيها الحريق، واقترفوا فيها الشنائع النكر والجرائم الرهيبة وأفظع ~~العدوان. # وانقلب أكثر الناس خطباء، حتى من لم يكونوا من قبل قد صعدوا المنابر، أو وقفوا يتحدثون ~~إلى الجماعات، ولكن أولئك كانوا خطباء البديهة المنبعثين بغرائزهم وسليقاتهم، حين يجيش ~~الإحساس، وترهف المشاعر، وتستجيب الألسنة لوحي القلوب، وكان أبرز الخطباء يومئذ هم الشباب، ~~إذ راحوا يقيمون الاجتماعات في المساجد وتتوافى ألوفهم وحشودهم إلى الأزهر، حيث ألفوا ~~البقاء طيلة النهار وزلفا من الليل، متحمسين للخطابة، مستبشري النفوس للتضحية ~~والفداء. # وكانت لغة الخطب جديدة، لغة النفوس، قبل أن تكون لغة الألسنة ملأى بأعجب العبارات، مرسلة ~~مع أروع الأخيلة، محتوية على أسمى التصوير، فكان أدب الثورة رهيبا مثلها؛ شعرا من أصدق ~~نبعاته وأغزر رويه وبحوره وأقنيته، ونثرا بليغا ينزل إلى أعماق القلوب وتتفاهم به ~~العقول، حتى التي لم تكن من قبل تفهم، وتستحمي به الأرواح، ويصور الموت حلوا بديعا خليقا ~~بالإقبال عليه إذا لم يأت طائعا، حريا بالاستباق إليه مع المستبقين. # وكان رأس خطباء الثورة في فناء الأزهر وباحاته هو المرحوم مصطفى القاياتي العضو بالوفد ~~المصري عند تأليفه؛ فإن ذلك الشيخ العالم، والثوري الجليل، والخطيب الأزهري المتقد الأسلوب، ~~الجياش الصوت، كان البارز في الحشود، المسمع الألوف، المتغني بأناشيد الحتوف، وكان ~~المزمار العميق الرنين. # وكان يشترك معه خلق كثير من طلبة المدارس العالية، وشباب الثورة الملتهبي الأرواح؛ كما ~~كانوا إذا استوفوا الخطب، انبعثوا يوزعون المنشورات على الناس، وكانت هذه هي ناحية النثر ~~الفني من لغة الثورة وآدابها، وكان نثرا خطابيا كل العناية فيه بالموسيقى ms160 والنغم ورنين ~~الألفاظ ونارية الأساليب. # وكان توزيع المنشورات السرية فنا أيضا، برع فيه الشباب وأجادوه، حتى أحاروا السلطة ~~العسكرية وعيونها المبثوثة في البلاد، فكان من أولئك الشباب من يتنكر في زي متسول خلق ~~الثياب، وينطلق حاملا فوق ظهره خرجا لا يحوي غير كسرات يابسات من الخبز، أو غير قطع من ~~قماش رث أخلاق، متوكئا على عصا، عاري الرأس، حافي القدمين، ميمما صوب الضاحيات ~~القريبة لبث الدعوة إلى الثورة بين القرويين. # جرى ذلك كله، وسعد غائب في مالطة، ولكن المثل الذي أقامه قبل معتقله كان جليلا للغاية، ~~فقد كان شيخا يسند في حدود الستين، وقد وجبت له الراحة، وحق له أن يستجم من متاعب ~~الحياة، ويطلب الدعة والسكون، فنهض يومئذ للمطالبة بحقوق بلاده، ولم يكن شك عند قيامه في ~~أنه ملاق خطرا عظيما، مستهدف لشر مستطير، وما كان يبعد أن يكون الشنق مصيره والإعدام ~~نهايته؛ ولم يكن قد دبر شيئا ولا أعد للغد المجهول عدة، ولا رتب مع أحد ترتيبا، ولا ~~بيت مع الزملاء خطة؛ ولكنه انبعث بقوة الإحساس الذي جاش في صدره، واستجاب للظرف الملائم ~~لظهوره، واعتمد على الله وحده هو معينه ونصيره؛ لأن قوة إيمانه بالحق كانت في نفسه أعظم من ~~أن يخطر بخلده معها أن يفكر في الثورة، أو يحسب لها حسابها، مع وضوح حقه واستحالة الجرأة ~~على إنكاره؛ بل لم يكن به أدنى حاجة إلى تنظيم معدات الثورة، وهي يومئذ قائمة في صدر ~~الشعب، مختلجة في نفس الأمة، فلا يحتاج الأمر إلى أكثر من إطلاق شرارة لتحيلها نارا متلظية ~~متأججة اللهيب. # لقد ظهر سعد، وكان ذلك وحده كافيا؛ ظهر البطل المنتظر، والقائد الثوري المرتقب الذي ظلت ~~الأقدار تهيئ الأسباب لظهوره، وتعد المناسبة لمتبداه ومطلعه. وكانت أول بوادر زعامته ~~الشجاعة الأدبية التي يعطي بها القدوة ويقدم بها المثل؛ إذ لم تلبث السياسة الإنكليزية أن ~~قابلت حركته الأولى بإنذار، وواجهت انبعاثه لأول وهلة بتهديد ووعيد، وكان ذلك ممكنا أن ~~يحمله على القبوع في داره، والانزواء بعد تقدمه، وحساب العواقب ms161 قبل معاودة الإقدام. # ولكن سعدا الشيخ كان ينبغي أن يظهر حتى مع الشيخوخة؛ ليكون حافزا الشباب، مستثيرا ~~الأقوياء، مستحميا قلوب الصغار والكبار على السواء، وفي ظهور البطولة على الناس مفاجأة ~~قوية تنسيهم المخاوف والحرص على الحياة، وتبعث فيهم أكبر الشجاعة، وتثير لديهم احتقار ~~السلامة والأمن والسكون. # لقد جاء يومئذ البطل الذي أحس أن رفاهية وطنه تقتضي منه ألا يمضي في دعته، ويسكن إلى صفو ~~عيشه ورغده، وتوحي إليه أنه ينبغي أن يضع حياته وكل ما أوتي في هذه الدنيا من خير في راحة ~~كفه، ويواجه بها غير هياب ولا وجل قصف الرعود، ومجهول المصائب والخطوب، غير جازع ولا ~~متردد. # إن هذه الجندية الخشنة التي تلبس النفس الإنسانية لمكاره الحياة لبوسها وتشتمل بثيابها ~~وأرديتها، هي البطولة، وأول مظاهرها احتقار الدعة والاستهانة بالراحة، وهما صفتان مستمدتان ~~من الثقة بالنفس والاعتداد بالإرادة؛ لأن الثقة بالنفس إنما تركن إلى قوتها ونشاطها ~~وكفايتها لاحتمال الأذى الذي قد يصيبها في سبيل غايتها، كما يستند الاعتداد بالإرادة إلى ~~السخرية بالحياة التي لا تساوي في نظر العظيم العناية بالحرص عليها، ولا توازي هذا التشبث ~~الذي يتشبثه سواد الناس بها، وإن البطل لينطلق في سبيله على أنغام الموسيقى التي تجيش في ~~أعماقه، وتحدوه إلى التقدم، وهي تدق وتصدح في أطواء جوانحه، فيمضي طربا مطمئنا لا يأبه ~~بمكروه، ولا يجزع من خطب، ولا يلقي بالا إلى كيد أعدائه وخصومة خصامه ومناوئيه وإن كانوا ~~عليه متكاثرين؛ لأنه يعرف أن إرادته أعلى من إرادة جميع من تخرج له الأرض من الخصوم ~~والأقران والأعداء والمنافسين. # البطولة لا تستهدي بعض الناس ولا تسترشد برأيهم، وإنما تطيع حاسة خفية في كيانها، ولا ~~يمكن أن تتراءى حكمتها للناس كما تتراءى لذات نفسها ونظرها؛ إذ كل إنسان منا أقدر على ~~الإلمام بمعالم طريقه، وأخبر بسننه وسبيله من أي مخلوق سواه لم يسلك ذلك الطريق ولم ~~ينتهج ذلك السبيل؛ ولهذا السبب نرى العقلاء والبعيدي مطارح البصر يقبلون على البطل، ~~فيجلسون تحت ظلاله، ويسكنون إلى أعماله وأفعاله، ثم لا ms162 يلبثون بعد قليل أن يجدوا تلك الفعال ~~متفقة مع آمالهم، والأماني المتغلغلة في صميم ذلك الزعيم مؤتلفة مع أمانيهم هم وعلالاتهم. ~~ولا يني الحريصون الحازمون يتبينون أن أعمال البطل مناقضة لموجبات الحرص ومطالب الحذر ~~والحزم ومقتضيات السلامة والأمان؛ لأن كل فعلة تقاس بمبلغ سخريتها من الخير الظاهر ~~والفائدة السطحية، ولكنها لا تلبث أن تبلغ ثنية الفوز آخر الأمر، فيخرج الحريصون ~~والمترددون من مكامنهم وملاجئ حرصهم ومفازع حزمهم وحذرهم لتحيتها والهتاف باسمها، ~~والانضواء تحت علمها المرفرف الخفاق. # كذلك صحب ظهور سعد البطل المنتظر إقبال كثير من الشيوخ والوزراء السابقين والموظفين ~~الكبار المتقاعدين والأعيان والسروات والأغنياء على الفكرة، والاشتراك معه في الحركة، ~~والمساهمة بالمال والرأي، ولم يكن منتظرا من أمثالهم الانضمام إليه، ولا كان مرتقبا منهم ~~المبادرة إلى تشجيعه والوقوف بجانبه؛ ولكن سعدا كان رجلا يكسب احترام الجميع ويثق الكل ~~بشخصيته وقوته وأصالة رأيه وثقته بذاته؛ فأقبلوا عليه مطمئنين، وتساندوا في غير خوف ولا ~~تردد ولا إحجام. # إن شخصية سعد، تلك الشخصية الجليلة التي تكونت في الأدوار الأولى من حياته العملية منذ ~~خرج من الأزهر إلى الميدان فبلغ مكان الوزير، ثم برز في الجمعية التشريعية ممثلا للأمة، ~~نائبا عنها، متحدثا باسمها، مدافعا عن سلطانها؛ بل تلك الشخصية التي تعهدتها الطبيعة ~~وجهزتها بكل معدات النبوغ ومظاهر الفتنة ورهبة التأثير هي التي نفثت في جميع من حولها، ~~واجتذبت كل المعارف إليها، وقربت البعيد، وآمنت الخائف، وأزالت هيبة المتردد؛ لأن صاحب ~~الشخصية الجليلة مثله كمثل المطر السح المدرار يحيي موات الأرض الجدباء، وكالعين ~~الثرة النضاحة تدع الصحراء حديقة زهراء، وإن روحه المتدفقة لتعم وطنه، وتشمل جواره، ~~وتغمر ناديه، وتملأ محيطه؛ وتبرز للنهضات، فتكون العامل الأكبر في التعجيل بنضوجها، وسرعة ~~نموها، وما خروجه يومئذ للناس إلا كتوافر الدفء المنعش، والجو الملائم، والمناخ المناسب، ~~ينضج الغراس، ويزكي الزروع، وينبت الحب، ويخرج الشطأ ويطلع الثمر، ولن يؤدي مؤداه ~~ولن يسد مسده جميع ما يخترع من الأسمدة، وكافة ما يصطنع من المخصبات؛ لأنه يبرز بسنا ~~ضيائه في الطخية الظلماء، ms163 فيرسل من قبسه على القوى البليدة المتواكلة الفاترة، فيجعلها ~~تحتدم وتتحفز، وما الناس قبل مطلع البطل المنتظر إلا كأكوام القش، أو أكداس الحطب؛ فهل ترون ~~الأكداس مشتعلة بذاتها ولو انقضت عليها وهي في موضعها ألف عام؟! أما إذا أرسل الله عليها ~~شرارة من ضيائه، وتلك الشرارة هي البطل أو الزعيم المنتظر، فإنها لا تلبث أن تشتعل وتتأجج، ~~حتى يستطير لهيبها، وتستفيض شعلتها، وتندلع ألسنتها، وكذلك ترى الرجل العظيم بمثابة الشهاب ~~يسقط من السموات، وترى الناس كأكداس الحطب في انتظار الشعلة؛ فما هو إلا أن يسقط عليها من ~~السماء حتى تشب فيها النار، فإذا هي مستعرة محتدمة تملأ الدنيا أوارا ووهجا ~~وسعيرا. # لقد كنا نحن تلك الأكداس ... وكان سعد تلك الشعلة المقدسة! # وقد نهض سعد فتحرك الناس، ونفي من الوطن فثاروا، وغاب في المعتقل فكانت تلك الأحداث ~~الرهيبة التي ندر أن يقع مثلها بين قوات عزلاء وقوات مدججة بالأسلحة، بل لقد شهدنا أكثر ~~الثورات تنهض مسلحة من جانب الثوار والشعوب المغضبة والجماعات المائجة الحانقة، لولا ~~الإيمان الذي يتسلح العزل به، والثبات الذي يدرع به الضعفاء، فيجدي عليهم أحسن ~~الإجداء حيال الرصاص والنيران. # وإزاء غضبة الشعب الصادقة، اضطر الإنكليز إلى الإفراج عن سعد ورفقائه من منفاهم، وأذن لهم ~~في السفر إلى حيث يشاءون. # وكان ذلك في 7 أبريل سنة 1919، فكان يوم فرح عام وابتهاج عظيم، قامت فيه المظاهرات ~~الهاتفة الداوية، وانتظمت جماعات وحشودا حاشدة، وساهم فيها الرجال والنساء وكافة الطبقات، ~~حتى لقد كانت العين تشهد خلال تلك المواكب المستطيلة الجرارة الحافلة عالما أزهريا يأخذ ~~بيد قسيس، وقسيسا يعتنق شيخا، ورجلا يصافح شابا، والولدان من حول المواكب حافون، ~~والبلاد كلها تموج من فرط الفرح وهجمة السرور. # ومن ذلك اليوم انتقل سعد من دور البطولة المنتظرة إلى دور العبقرية السياسية، والزعامة ~~الوطنية، وقيادة الرأي العام. # وفي هذا الدور الخطير من حياة سعد تتجلى مقدرته، وتبرز شخصيته، وتتمثل عظمته، وكأن تلك ~~الاستجابة له من الأمة والتفافها حوله وتفانيها فيه قد أنسته تقدم عمره، وضعف شيخوخته؛ ms164 بل ~~أحالته شابا متجددا قويا فياض الحس بالحماسة والحمية والنشاط، فقد ذهب يجاهد ويكافح، ~~ويتحمل من المتاعب والأذى ما لم يكن منتظرا من شيخ في مثل سنه أن يتحمله، وراح يجالد ~~ويصطبر للبلاء كشاب في ميعة الشباب، وعنفوان الأعصاب، وقوة الحياة. # لقد برز سعد بعد سنة 1919 في دور الزعيم السياسي، حيال إنجلترا التي اشتهرت بالمكر ~~والدهاء وبراعة السياسة، فاستطاع أن يحاربها بمثل سلاحها، ويكافحها بأشباه أساليبها، وكانت ~~كلما أوشكت أن تنهزم في الميدان السياسي تعمد إلى مجرد القوة، وتلجأ إلى محض الغشم؛ فتقبض ~~عليه وتنفيه، وتبعده من الأرض وتقصيه، حتى لقد ذهبت به إلى جزيرة نائية في المحيط غير ~~مراعية أي اعتبار لشيخوخته، ولا حافلة تقدم سنه، ولا آبهة بأنه رجل متزوج تنزعه من ~~أحضان زوجه وشريكته؛ فكان يسخر من هذه السياسة اليائسة، ويتهكم بهذه القوة الغاشمة، ويقول ~~باسما بسمة الازدراء: «لتفعل القوة بنا ما تشاء!» # وعادت تنقله إلى جبل طارق وهي لا تدري ماذا تصنع به؛ فقد أحارها سعد في أمرها، وأفسد ~~عليها كل سياستها ومكرها، وأحبط تجاريبها جميعا واختباراتها، فإن شخصيته كانت بعض أسلحته، ~~وقوة حب المصريين له درعه المسردة وبعض خطوط دفاعه الحصين المكين، وبالشخصية الجليلة ~~والحب الصادق العام، أوجد سعد من أشتات الناس أمة متحدة، وأقام رأيا عاما، وألف للدفاع ~~كيانا ونظاما، وكانت هذه كلها قوة معنوية استطاع سعد بعبقريته أن يجعلها في كفه يقودها ~~حيث يشاء، ويتصرف بها كيف يريد. # ومنذ كان سعد في الجمعية التشريعية وكيلا عن الأمة، وهو في دفاعه عن سلطتها، وتمثيله ~~لإرادتها، يرتكز على الشعور الذي كان يكتسبه خارج جدران الجمعية وأسوارها بترديد صوته، ~~وتأييد مواقفه؛ فكان ذلك هو النواة التي أنبتت فيما بعد وعلى مهاب الثورة، الرأي ~~العام. # وكان من فضل الثورة أنها بظهور سعد أحالت هذا الرأي قويا ملموسا واضحا بارزا، وبعد ~~أن كانت أجزاؤه مختلفة منقسمة بسبب الدين، ومخافة الأقلية من الأكثرية، راح سعد يوحد بين ~~العناصر، ويؤلف بين القلوب، وينسيها العصبية الدينية، ويجعلها تقبل العصبية الوطنية، ms165 ويتجه ~~بوحدتها الجديدة تحت ظل الهلال متفقا مع الصليب، نحو الدستور والاستقلال. # ويكفي أن يكون سعد مؤلف هذه الوحدة بعد أن كان الإنكليز يظنون أن الخلاف الديني معوان لهم ~~على نجاح سياستهم وتثبيت أقدامهم، يكفي أن يكون هذا التآلف الروحي في ظل الوطن من عمل سعد ~~وسحر شخصيته؛ ليكون شهادة بأنه كان رجلا سياسيا نادرا، وزعيما عبقريا من أروع طراز؛ ~~فقد أوجه بهذه الوحدة الروحية الوطنية صخرة النجاة، وخلع على النهضة المصرية لونا من أبهى ~~الألوان، وأبرزها في منعة وأمان من كل خطر، وترك للقضية الوطنية تراثا فخما تشعر الأجيال ~~بأن أول واجبها هو الحرص عليه؛ لأنه الحصانة الدائمة من كل شر وبلاء. # سعد في تفكيره العميق. # وقد ظهر سعد في الثورة حكيما، بعيد مطارح البصر، وقائدا وطنيا غزير الموارد، قوي ~~السلطان، ملهم الروح، سديد الرأي، صائب الفكر؛ لأنه لم يقف عند إيجاد رأي عام، بل ذهب ينظمه ~~أحكم تنظيم، فبدأ قبله معتقله في مالطة يحصل على تواقيع الأفراد على توكيله عن الأمة في ~~السعي إلى استقلالها التام، فاستطاع سعد بذلك أن يجابه كل معترض، ويواجه كل خصم مكابر، ~~ويثبت أنه وكيل الأمة المعبر عن مشيئتها، المتحدث باسمها، الناطق عن إرادتها ورغبتها ~~الصادقة. # وأنشأ بعد ذلك ينظم الوفد، فجعل له لجنة مركزية في القاهرة، ولجانا فرعية متعددة في ~~عواصم الأقاليم والمراكز والجهات، كما جعل للسيدات لجانا خاصة، وهذه اللجان جميعا بمثابة ~~برلمانات صغرى ووفد محلي ومجامع شورى صغيرة، يتمثل فيها الشعب بكل طبقاته وهيئاته، ويبرز ~~فيها الرأي العام واضحا قويا متماثلا مؤتلفا في غير تخاذل ولا اختلاف. # وهذا هو الذي جعل للوفد قوة ظاهرة في البلاد، وحمل الإنكليز على الاعتراف بأن للوفد ~~نظاما لا يجاريه في العالم نظام، وحتى قال سير فالنتين تشيرول الصحفي السياسي الكبير الذي ~~كتب طويلا في القضية المصرية، حين قارن بين الحركة الوطنية في مصر وبين مثيلتها في تركيا: ~~«إن الأولى تمتاز عن الأخرى بالتنظيم.» # وكان من فضل هذا النظام الدقيق أنه حين اعتقل سعد ورفاقه ms166 قامت في البلاد هيئة أخرى من ~~الوفد تحمل علم الجهاد، وتتولى الأمر في غيابه، وتشرف على هذا النظام المكين، وتوجه الروح ~~المعنوي في السبيل الصالحة والطريق القويم، وحين قبض على أعضاء الوفد «الثاني»، وألقي ~~بهم في غيابة السجون وحوكموا أمام المحكمة العسكرية وحكم عليهم بالإعدام، ثم عدل الحكم ~~اكتفاء بالسجن؛ لم تلبث أن نهضت هيئة أخرى حلت محلها، وتسلمت العلم منها، وأشرفت على حركة ~~الجهاد؛ وكان ذلك كله بترتيب سابق من سعد قبل معتقله، وتنظيم دقيق عين فيه الأشخاص تعيينا، ~~وحدد الأسماء أدق تحديد. # ويكفي هذا للتدليل على أن سعدا أوتي «فن القيادة»، وكان حاذقا لكل أساليب الزعامة ~~الوطنية؛ فإن قوة الرأي العام التي تعهدها سعد من مطالع الثورة ومبادئها وتوفر على تغذيتها، ~~وحشد لها أكبر العناية بها، هي التي سندته في سائر مواقفه حيال السياسة البريطانية، وإزاء ~~الوزارات المصرية التي كانت تصطنع لمحاربته، وتحرش بمقاومته؛ بل هذه القوة الإجماعية ~~البارزة هي التي حملت الإنكليز على التراجع عدة مرات إزاءه، ورده إلى وطنه بعد المنفى في ~~سيشل وجبل طارق؛ فكانت عودته يومئذ انتصارا باهرا له على خصومه واستقبلته البلاد استقبال ~~الأمم للغزاة والفاتحين. # سعد العظيم وهو يخطب ومصطفى النحاس يكتب الخطبة. # وكان من سعد السياسي الذي يعرف كيف يخرج من أحرج المواقف ويعالج أدق المشكلات، ويستعين ~~اللباقة والعبقرية السياسية وفنون القيادة على توجيه الرأي العام في أحكم الاتجاهات - كان ~~من سعد السياسي سعد الخطيب الذي بلغ القمة في خلابة المنطق وبلاغة التأثير وسحر البيان، ~~ذلك الخطيب الذي أنشأته الطبيعة من الشباب، فأقامته في الأزهر يستمكن من اللغة، ثم عطفت به ~~على ميدان المحاماة ليبرز استمكانه فيها، ويتدرب على سحر الخطابة وبواعثها وأفانينها، قد ~~عاد في قيادة الشعب وزعامة الأمة يجد في الخطابة بعض أدوات تأثيره، ومظاهر سلطانه على ~~النفوس واختلابه للألباب. # وقد عد سعد بحق من أكبر خطباء العالم في العصر الحديث، وقرنوه بلويد جورج وبريان ودي ~~فاليرا وجوزف تشمبرلين وكثير غيرهم من الطراز ذاته، ولكنا نعتقد أن سعدا يفضلهم ms167 جميعا، ~~ويجب أن يوضع على حدته؛ لأن عبقريته كخطيب لا تقف عند جلال حركاته وقوة بيانه وبلاغة ~~عباراته، ولكنها تتجاوز ذلك كله إلى سحر شخصيته، وإلى فهمه الظروف ، ونفسية الجماهير، ومواطن ~~التأثير، ومستدق الخوالج، والدبيب إلى أعماق الشعور. # لقد كانت كلمات سعد دستورا للوطنية، وخططا للجهاد، وأساليب للكفاح، ووسائل دفاع وهجوم؛ ~~إذا قال أصغت أمة بأسرها، وأنصتت بريطانيا وإمبراطوريتها، واستمع العالم بجملته. # وهو في ذلك كله ينماز عن الخطباء الآخرين من الساسة الكبار في الغرب؛ لأن هؤلاء إنما ~~يخطبون في شئون سياسية أو استعمارية، ويرمون إلى أغراض خفية أو مقاصد يحبكها الدهاء والمكر ~~السياسي، على حين يخطب سعد عن شعور ثجاج وإحساس مستفيض نباع، وخلجات نفس متقدة جياشة ~~متسعرة؛ لأنه يتوجه بالكلام إلى مشاعر الجماهير، ويدق أوتارها الحساسة، وينفذ إلى مساربها ~~الخفية، ويستمكن منها كل استمكان. # وكان سعد على قوة غير مألوفة في الجلد على الخطابة، حتى ليمكث الساعات الطوال، ولقد اعتمد ~~سعد على هذه المقدرة الخارقة للعادة في مكافحة الوفد الرسمي الذي ذهب للمفاوضات الأولى ~~برياسة المرحوم عدلي باشا. وكانت صحف سعد قد حوربت جميعا، وبات ولم يكن له صحيفة ولا لسان ~~حال، فكان يخطب الوفود تلو الوفود من الصباح إلى ساعة متأخرة من المساء في غير كلال ولا ~~تبرم ولا إعياء. # لقد كان سعد في الأدوار التي سبقت قيام الحياة النيابية وفي جلسات البرلمان وفي محاربة ~~الخصوم وكفاح المستعمرين، بل كان إلى آخر خطبة له وهو يودع الحياة، مثال البطل الخطيب، ~~والمنطيق المفوه العظيم، يحمل تحت لسانه وفي تضاعيف صوته موهبة نادرة كانت حرارتها من ~~قبل ذائبة في مداد قلمه، بل كان الخطيب الذي إذا خطب الناس قاد آراءهم وقاد مع آرائهم ~~إرادتهم، وإذا تكلم رفعهم فوق أنفسهم، وأحدث فيهم قوة جديدة لم تكن من قبل تجري في ~~شرايينهم، وإذا رام غزو أذهان سامعيه نثر فيهم روحه، فكلهم إذ ذاك قطعة منه لا تزال تنجذب ~~إليه بقوة مغناطيس منطقه، وجاذبية نفسه، وجلال سلطانه. # وإن تاريخ محاربة سعد لخصومه ms168 - وقد أبى القدر إلا أن يكون له خصمان، وأن تنفتح أمامه ~~للعداوة والمناوأة ناحيتان: ناحية الإنكليز، وناحية صنائعهم ومنفذي سياستهم - لهو تاريخ ~~مستطيل، ليس يتسع هذا الكتاب لمثله ، ولكنه - في إيجاز - تاريخ زعيم عبقري بالغ الذكاء، واسع ~~الحيلة، مرن الأساليب، معتد بقوته، مستلهم وحي خاطره، عجيب التفكير في إيجاد الوسائل ~~للخروج من المآزق، والنجاة من المحرجات، وتجنب الصدمات أو التعجيل بها إذا كانت في مصلحته، ~~وخلق الأشكال لمرمى من مراميه، وغاية خفية من غرائب غاياته، ويوم يحاط به، حتى ليظن أنه ~~قد سلم وأذعن، أو هو موشك على التسليم والمهادنة، انسرب ناجيا ليقف عن كثب يلهو بمنظر ~~الذين ظنوا أنهم قد حاصروه وقد راحوا مبهوتين من خدعته في خزي من غلبه على تلك الصورة ~~الفجائية المستغربة. # وقد كان سعد بجانب عبقريته السياسية «الزعيم» الأول للديمقراطية في بلاده، هو الذي وضع ~~نواتها، وهو الذي سقى شجرتها، ورواها وغذاها، وقام على حراستها، وكان البستاني الحاذق ~~الذي يتوخى لها أصلح العيدان، وينتقي لها أغرب وسائل اللقاح والتأبير، ويختار لها أحسن ~~حقول التجاريب. وهو الذي أعمل المهماز في خاصرة النبوغ، فجعله يستبق ويطفر، بما تعهده في ظل ~~الديمقراطية من رعاية وعناية وتشجيع، كلما وقع على كفايات فتية ومواهب مبشرة بخير، رفعها ~~إلى المستوى الخليق بها، وأخذ بها إلى ميادينها الصالحة، ومستبقها المناسب، ومضمارها الفسيح. # سعد قبيل وفاته. # ومن عجيب تصاريف القدر الرحيم الذي كان يلحظ سعدا من النشأة ويرعاه من التكوين، أن ~~البلاد أصابت الدستور وتصريح 28 فبراير سنة 1922 بثمن نفيه إلى سيشل، وأن ذلك الدستور الذي ~~ظن الإنجليز وأعوانهم أنه سوف يروح أداة انقسام ومحل خلاف وباعث تشتت وتفكك، عاد بفضل سعد ~~وقوة نفوذه في الرأي العام، وبعد ذلك المنفى الطويل الأليم في أسوأ أفق وأنأى جزيرة، هو ~~المرجح الأوحد للإجماع، ومظهر مشيئة الأمة؛ فقد نخلت الحياة النيابية الأفراد الذين تقدموا ~~ليحتلوا أماكن فيها، وغربلت الجماعات التي طمعت في التمثيل، فأبقت على الصالحين المخلصين، ~~ونفت من لا خير فيهم ولا رجاء، فانقلب ms169 بذلك ما كان الإنكليز يحسبونه وسيلة حسنة لهم، أداة ~~خطر عليهم؛ فجعلوا كلما اكتسح الوفد الانتخابات، يدسون على الدستور ويعملون على تعطيله، وقد ~~عطلوه في أيام سعد ولم يقم غير بياض يوم واحد. ولكن محاربة الدستور جعلته عند الأمة يزداد ~~قيمة ويرتفع قدرا، وينمي الحرص عليه، ويزيد الشعب تمسكا به؛ فبقي سلطان سعد قائما بارزا ~~يملأ المسرح السياسي من جميع جوانبه، إلى أن قضى نحبه في الثالث والعشرين من أغسطس سنة ~~1927. وكانت مصر من فرط حبها له وسكونها إليه وإيمانها به، لم يدر في خلدها أن رجلا ~~مثله مقدور عليه الموت ككل حي، منتظر له الرحيل من هذا العالم في يوم من الأيام، فلما ~~صدمت بنعيه كاد يذهب لبها من شدة الجزع، وكادت الأرض تميد بها من فرط الألم للكارثة وشدة ~~الأسى من الخطب العظيم. # وفي الحق لقد كان سعد أمة للوطن قانتا، وكان في الدفاع عن مصر طودا ثابتا، ولم يكن ~~إنسانا على ما ألف من خلق الناس، ولكنه كان قطعة بارزة من التاريخ الحديث، بل كان سرا ~~من الأسرار الإلهية لا ندري كيف جاءنا، وكيف ذهبنا به إلى مساكن الأبدية، وكان صورة رائعة ~~حية ماثلة من صور البطولة والعظمة وجلال الشخصية، وكان عظيما في رأس العظماء، وقديما كانت ~~الشعوب لجلال العظمة تذعن وتؤمن وتدين. # لقد طبع سعد العصر كله بطابعه، وأوحى إليه بخاطره، ولون سائر أجزائه بلونه، بل كان ~~الضمير الذي به يحس، والوجدان الذي به يشعر، والنبع الذي منه يفيض وينبجس، وقد مات تاركا ~~أمة حفيظة لتعاليمه، حريصة على مبادئه، مقدسة لذكراه، مجاهدة لاستكمال ما صنع، واستتمام ما ~~بدأ، والمسير إلى الغاية التي كان يعمل لها بقوة اليقين ذاته وروعة ذلك الإيمان. # لقد قاد سعد الثورة موفقا، وقاد السياسة بعد الثورة ناجحا، وكان أكثر نجاحه عائدا لسر ~~شخصيته، وفعل عبقريته، وتعدد مزاياه ومواهبه؛ ولكن لا ريب في أن عوامل خارجية وظروفا ~~مساعدة مواتية اجتمعت له فكانت من أسباب توفيقه وبواعث نجاحه. # ومن هذه العوامل أن الله أتاح ms170 له الزوج الموافقة، وحباه بشريكة الحياة المناسبة، وليس من ~~ريب في أن كثيرا من عظماء التاريخ لم يصيبوا الخلود، ولم يظفروا بالمجد، ولم تتم لهم ~~المقاصد، إلا كان بعض الفضل في أولئك جميعا لأزواجهم، وإن كان التاريخ يخص بأكبر الفضل ~~الرجال، وتروح أسماء النساء معلقة في أذيالهم، مجاورة لأسمائهم. وفي تاريخ البطولة عظماء ~~كانت ستعتريهم برودة الحياة، وكانوا سيخسرون الصفحة الناصعة التي أعدت لهم في سفر ~~الخالدين، لو لم تنهض لهم من جوف الغيب سيدات أو زوجات حملن معهم أعباءهم، وضمدن ~~بأيديهن جراحاتهم، وأعددن لهم الخلود مقاما عليا. # كذلك هم العظماء بحاجة إلى أزواج نوابغ كرائم على خلق عظيم، فإن الزوج الذكية للرجل ~~النابغة أو العظيم لهي اللازمة الأولى والمطلب الأكبر، وإن طائفة من العظماء لم تمنحهم ~~الطبيعة هذه المنحة، ولم تحبهم بهذه الهبة، بل رزقوا بنساء شريرات، وأزواج نساء سوء؛ ~~فكن لهم الويل العظيم، والنقمة الكبرى، فلم يلبثوا أن فسدت أذهانهم، وتكدر صفو عيشهم، ~~وخسرت الإنسانية شيئا كثيرا مما كانت به ظافرة لو أنهم نجوا من تلك النقمة الدائمة، ~~والشقوة الملحة الملازمة، والحظ العاثر الأليم. # وحسبنا أن نذكر الناس بحديث امرأة سقراط، فقد كانت اللعنة التي لازمت حياته، وكان عيشه ~~بها أسوأ العيش، وكانت مصيبته ونكبته وبلواه. # وكان سعد من صفوف العظماء الذين منحتهم القوة الإلهية الزوج الصالحة، فقد تزوج يوم كان ~~قاضيا في الاستئناف بسليلة بيت كريم، وسيدة من ربات الذكاء الراجح والعقل الخصيب والخلق ~~الرفيع، ربيت في نشأتها على خير ما يربى البنات، وأدبت أحسن التأديب، وتعلمت ~~الفرنسية والعربية والتركية من الحداثة، فلا غرو إذا هي ظلت شريكة زوجها في عاطفته، وقرينته ~~في مشاعره وإخلاصه لأمته، ومشاطرته آماله وعلالاته، وملازمته في تعاليمه ومبادئه. # وقد كان أهل الغرب يرمون المرأة الشرقية بالجهل ويتهمونها بالجمود، ويتخذون من معنى ~~«الحريم» معنى الموت في البيت، والقبر في الخدر، ويتفاخرون على نسائنا - نحن المشارقة - ~~بأن المرأة عندهم تشارك الرجل في عواطفه، وتساهم في مطالب الحرية، وتشترك في مقتضيات ~~العمران والاجتماع. # ولكن المرأة ms171 المصرية في الثورة لم تلبث أن راحت لا تقل عن نساء الغرب في مدى عاطفتها، ~~ونبالة تعاليمها، وسمو أغراضها، وجلال غاياتها، وقد نهضت تشارك الرجل في أسمى حركات العالم، ~~وأرفع مشاغل الحياة. # وقد نهضت شريكة سعد، السيدة الجليلة أم المصريين، في رأس النهضة النسوية في هذا البلد، ~~روحا عالية تجري وروح زوجها العظيم في منحى واحد، وتماشيها في سنن عال شريف، بل لقد ~~اعتقل زوجها، فظلت على ثبات عظيم ووفاء جليل، وظلت دارها معبدا تخشع عنده النفوس، ~~ومحجا للقاصدين، وبقيت هي منارة عالية ترسل خطوطها وأضواءها فتغمر الجهاد ~~والمجاهدين. # وثم عامل آخر أتاح لسعد رائد التوفيق، وهو قيام صحب مخلصين من حوله، لم يتركوه يوما ~~مع التاركين، وإنما لازموه في السراء والضراء، وكانوا له أشد الأوفياء وأخلص الخلصاء، ~~وكانوا موضع ثقته ومحل طمأنينته على الفكرة وسيرها، والحركة وتقدمها، والنظام الداخلي في ~~الوفد واستتبابه، وكان أولئك الصحب والأولياء قد تغلغلوا في نفس سعد ونفذوا إلى قرارتها، ~~واستمدوا من قواها وحرارتها، واكتسبوا من جوارها ورفقتها، وملازمتها وألفتها، فاجتمعت قواه ~~مع قواهم في تنظيم الوفد على أعجب ترتيب، وتنسيق الجهاد أروع تنسيق، والإشراف على الحركة ~~الوطنية لإحاطتها بنظام فريد في نوعه، بديع في سائر نواحيه، حتى كانت منه «أداة» مرتبة ~~منسقة صالحة، تعمل في غيابه كما تعمل في حضوره، جارية على «أوتوماتيكية» دقيقة للغاية، كسير ~~أجزاء الساعة ودقائقها. كما كان له أكبر الأثر في النجاح الذي صحب سعدا وزملاءه في ~~الانتخابات العامة، والمعارك السياسية العديدة، والمناورات المحكمة المضادة، وتنظيم الحياة ~~الدستورية، والكفايات التي برزت وتجلت في البرلمان، كأن الحياة المصرية قديمة العهد به، ~~وكأن المصريين عريقون في مجالس التشريع، وإن كانوا يومئذ فيه بادئين. # مصطفى النحاس. # وكان من بين أصحابه رجل أراد الله أن يصحبه من البداية، ويلازمه في أكتف غبار المعركة، ~~ويسايره في أشق مراحل الجهاد ليتدرب عليه، ويمزج حياته بحياته، ويأخذ عنه ما أرادت الأقدار ~~أن يأخذه ليجمع إلى الدربة مواهبه، وينمي المواهب برياضتها في جواره، فكان ذلك من توفيق ~~الله ms172 الذي اقترن بزعامة سعد ورعاها، وصحب قيادته وماشاها؛ لكي يترك التراث الفخم مطمئنا ~~عليه، ويغادر المكان واثقا من مآله، ويدع الزمام مستريحا إلى الكف التي ستتولاه في حزم ~~ومقدرة وقوة وإيمان. # وكان ذلك الرجل الذي أعدته الطبيعة لمثل ما أعدت سعدا من نشأته وتكوينه هو «مصطفى ~~النحاس»؛ فإن من توفيق الله الذي لازم سعدا طيلة زعامته أنه وجد الشخصية الصالحة التي ~~تتسلم تركته الروحية، وتتلقى تراثه الوطني العظيم، وأنه اهتدى إلى الرجل الخليق بالموضع قبل ~~أن يفرغ له بوقت طويل، قدرته العناية الإلهية كافيا للمرانة على مطالبه، والرياضة ~~على واجباته ومشاهدة تجاريبه، ومعاينة وسائل تصرفه، ولكي يقاسم صاحبه الشدائد التي تقع في ~~طريقه، والمتابع التي يقاسيها في مراحل جهاده، حتى ينضج قبل أن يتلقى مقاليد القيادة، ~~ويكتمل من جميع الجهات قبل أن يستوي في الموضع المقدور له في خطة الكون ومهيآت الظروف ~~وتدبير السماء. # وقد كان من حسن الحظ بالنسبة لسعد أنه جاء ليأخذ في يده زمام النهضة، ويتولى في الأمة أمر ~~الزعامة، ولم يكن أحد قبله عليها، ولا وقعت لإنسان من قبله، ولم يسبقه نموذج من نماذجها، ~~ولا ظهر لون من ألوانها، ولا قالب من قوالبها حتى يمكن أن يكون ثم محل لموازنة بينه وبين ~~الآخر الذي تقدمه، ولا مجال للمقارنة بينه وبين الذي استبقه. ولم تكن الأذهان متأثرة بشخصية ~~ماضية، أو عظمة ذاهبة، أو زعامة سالفة؛ فهي لا تزال تحت تأثيرها، مليئة الذاكرات بصورها، ~~مزدحمة الخاطر بما ارتسم عليها من أفاعيل نفوذها وسلطانها، وإنما أتى سعد في الزعامة منقطع ~~النظير أوحد، قائما بمفرده على جلاله، يبده العصر، وينفرد بإعجاب الجيل، ويستأثر ~~بمحبة الملايين. # ولكن كان من المشقة على الرجل الذي هيأته الأقدار ليخلفه على الموضع ويشغل المكان من بعده ~~أن زعيما كسعد تقدمه، وقائدا وطنيا عظيما كسعد ظهر قبله، وأن ذلك قد يفتح على أبواب من ~~المقابلة، ووجهات من الموازنة، قبل أن يستقر به موضعه، وتظهر فعاله، وتتجلى مزاياه، ~~وتتكشف مواهبه، ويبدي ما عنده من جديد. # لقد كانت ms173 مصر في فجيعة المصاب بذهاب سعد ومواجع الأسى لفقده، وقد كانت من قبل تحسبه حيا ~~أبدا، ولا تتصور الموت يوما مدركه، تتمثل زعيمها الراحل في كل لحظة من لحظاتها، وتتخيله ~~في غدواتها وروحاتها، وتحد عليه أبلغ الحداد، وتتصور جميع فعال بطولته وأداتها، وسائر ~~مزايا زعامته وصفاتها، ولكنها مع ذلك كله، إذ بويع بالزعامة بعده الرجل الأوحد الذي كان ~~خليقا بها، والشخص الذي اختارته الأقدار قبل اختيار الناس له، وقفت تتنفس الصعداء ~~مستريحة لهذا الاهتداء الموفق، مطمئنة إلى هذا الاختيار الحكيم، وكانت قد نسيت لحظة حملت ~~رفات سعد إلى مثواه وهي في جنة الأسى وهزة الصدمة ووقع المصاب، أن أحدا خليق ~~بمكانه حقيق بموضعه، وأن الأمر سينتقض من بعده، ومحل القيادة العامة سوف يظل شاغرا، وأن ~~الحركة الوطنية ستروح معدمة من الرأس القائد، واليد القابضة، والقوة الدافعة، والمرشد ~~الأمين. # ولكن لم تكد الصدمة تخف رويدا حتى بدأت اللهفة تخف شيئا فشيئا، ومضت الحيرة تذهب ~~قليلا قليلا، وإذا اسم «مصطفى النحاس» يتحير على الشفاه، وتجري به الألسنة، ويدور في ~~المجامع، ويطوف الندوات، فيلاقي الرضا، ويجد القبول، ويشهد الإجماع عليه والاتفاق، ويبتسم ~~الناس بمرارة عاجبين لأنفسهم، كيف كانوا لهذه الشخصية الصالحة الموافقة غير ذاكرين. # وكان مصطفى النحاس عن الديار غائبا يوم وفاة سعد، فبوغت بالنبأ العظيم وهو في أوروبا ~~أفجع المباغتة، ونزل منه الخبر الصاعق أرهب منزل؛ لأن المرض الذي أصاب سعدا لم يطل عليه، ~~والعلة التي عاجلته لم تستبق لها بوادر وسمات غير كلام سعد نفسه في ختام الدورة البرلمانية ~~التي سبقت مرضه، فقد كان من خلف ألفاظه أو في تضاعيف كلماته إيذان ببين، وإحساس سابق ~~بوداع، وكلمة نوى بعيدة وفراق؛ حتى لقد عاد الناس حين وفاته يذكرونها، ويعجبون كيف لم ~~يلتقطوا هذا المعنى الخفي فيها، وراحوا لتعزية أنفسهم يدعونها «خطبة الوداع»، وهي في الواقع ~~خطبة النبوءة، وإلهام الروح، وسبق الشعور، واختلاج الغيب في الوجدان. # لقد ذهب سعد عقب انفضاض الدورة إلى «بساتين بركات» انتجاعا للراحة، والتماس أيام صفاء مع ~~خواصه والمحببين ms174 إليه، وكان ذلك في 15 أغسطس من ذلك العام، فلم يكد ينفرط أسبوع حتى كان سعد ~~في الذاهبين. # وكان مصطفى النحاس بحاجة يومئذ إلى الراحة؛ فسافر إلى أوروبا مطمئنا على صاحبه العزيز ~~الذي ظل السنين الطوال قريبا منه، وموضع ثقته، ومحل رضاه واعتزازه، وما درى يومئذ أنه سوف ~~يروع وهو غائب بمنعاه، ويفاجأ بأن سعدا قد فارق الحياة. # ولعل كلمة الأقدار في ترتيب الحوادث على هذا السياق الأليم أن يقر الناس مصطفى النحاس على ~~خلافة سعد، وتجتمع نفوسهم على أنه بالزعامة من بعده الخليق الأوحد. وكما كان الأمر من شأن ~~سعد ذاته، فقد نودي بزعامته وهو غائب في منفاه وغربته، وتوافت له شهادة الأمة ببطولته قبل ~~أن يسألها، أو ينبعث إلى طلبها، أو يحتال بنفسه لها - كان أمر مصطفى كذلك بغير خلاف، فقد ~~التفتت الأذهان إليه وهو في سفره، وتذكرته النفوس في منزحه، وأقرته القلوب في غيبته، فلم ~~تكد قدمه تطأ أرض وطنه حتى تلقاه الناس مطمئنين إليه، معترفين بجدارته لذلك الموضع ~~العظيم. # لقد كانت بيعة هذا القائد الوطني الجديد «طبيعية» لم يشبها أدنى تكلف، ولم تجر من ~~حولها أقل محاولة، وإنما اختارت العناية الإلهية فأمن الناس على اختيارها، وتقدمت الأقدار ~~فانتخبت من أعدته لهذا اليوم وهيأته، فأقرت مصر هذا «الانتخاب الطبيعي» مستريحة إليه ~~مطمئنة، واعتمدته اعتماد الثقة واليقين. # ونحن لا ينبغي لنا أن ننسى أن مطالع زعامة سعد كانت على شرف من الثورة، وكانت الثورة قد ~~نضجت، فجاء هو فأخرجها من الأتون مستعرة متلظية، ولكن مطالع زعامة مصطفى بدت في أخطر أدوار ~~السياسة وأرهب حلقاتها، واشتداد تدافعها وتجاذبها، وحر تطاحنها وضراوة حزبيتها، وكانت ~~مقدمة ظهور سعد حيال خصم واحد وهو الإنكليز، بينما هو وسط وحدة تامة، وأمة متراصة، وشعب ~~مجتمع، وكتلة واحدة؛ بينما راحت مقدمة ظهور مصطفى على الزعامة وربوتها، وفي القيادة العامة ~~وذروتها، حيال خصوم متكاثرين، وأعداء هم ألب واحد عليه، كما كان مطالبا من البداية في ~~امتحان خطير من امتحانات الكفاية، وابتلاء من ابتلاءات المواهب؛ ليدلل على ms175 أنه الخليق ~~بالرياسة التي جاءت تسعى إليه، الحري بالزعامة التي تقدمت نحوه طائعة. # لقد كان موقف مصطفى النحاس حين بويع بخلافة سعد خطيرا مرهوبا؛ أمامه مثال سعد لا يزال ~~في الأذهان مرتسما، وحياله الخصم الطبيعي - وهو الإنكليز - لا تزال حقيقة سياستهم بالنسبة ~~للمفاوضات الجارية في لندن غير ظاهرة ولا واضحة، وقبالته خصوم الدستور يتربصون الدوائر به، ~~ومنفذو التجارب الاستعمارية يترقبون السوانح للغلبة عليه - فكان من ثم طبيعيا أن يلقي ~~مصطفى النحاس بنظره أمامه وفيما حوله؛ ليتأمل ما هو مقدم على اقتحامه، ويستشرف الساحة ~~المترامية على مدى ناظره، فيحس عظم التبعة التي ألقيت عليه، وجسامة المسئوليات التي وسدت ~~فيه، ورهبة الموضع الذي تبوأه. # فلا عجب إذا هو صارح يومئذ الناس بما في نفسه من ذلك كله؛ لأنه لم يكن بالرجل المزدهي ~~صاحب الخيلاء، ليس له من ذلك غير الفرح به والتهافت عليه، ولكنه كان من بداية حياته العملية ~~رجلا متزنا أريبا قوي الفطنة، مواجها الحقائق، لا يمس عظمته مس غرور، ولا يخدعه شيء ~~من الخارج عما في دخيلة ذاته، وإنما يأبى إلا الصراحة والقول الحق والرأي الجهير. # ولا عجب إذا هو في يوم مقدمه من سفره قد ذهب رأسا ليزور سعدا في قبره؛ لتكون التحية من ~~وراء الصفائح والجنادل، وبينهما برزخ لا يلتقيان، ولكن روحيهما على بعد النوى وطول ~~الشقة تتجاوبان. وفي وسط سكون رهيب، وموقف حزن عميق، والأعين بالدموع سحاحة، والنفوس من ~~جلال المشهد في خشوع، وقد خيم جلال الموت فوق جلال العظمة، وتماثل صمت الحياة بصمتة الأبد ~~- وقف مصطفى بين نوح يغالبه وبكاء يتغلب عليه، واصفا نكبة مصر وأساها، مشفقا من ~~التبعة ووطأتها، قائلا بين إجهاش ونحيب: # كان سعد يحمل العبء عنا جميعا، وقد ألقاه الآن علينا جميعا، إن سعدا يريد ~~منا العمل، إنه يريد من هذه الملايين أن يعملوا، فلنكن جميعا ملتفين حول روحه، ~~إن روحك يا سعد أمامنا ... أنت الإمام دائما ... # آه يا سعد! ... لقد استرحت يا سعد وتركتنا نتعب، تركت الحمل لأبنائك كلهم، كنت ~~زاهدا في ms176 الدنيا، وها أنت الآن في الزهد الأخير، لم تتم بعد مهمتك، ولكن روحك ~~ستتمها معنا. إننا جميعا على عهدك حتى الممات، وإذا متنا فإن ذرارينا سيقتفون ~~الأثر. سنعمل حتى نصل إلى ما كنت تصبو إليه لتستريح، وقد كنت تعمل ونحن مرتاحون، ~~فإن نلنا المبتغى استرحنا واسترحت، وإن لم ننله واسترحنا، جاهد أبناؤنا من ~~بعدنا ... # سنكون جميعا كتلة واحدة ويدا واحدة؛ لنعمل مجتمعين عمل سعد منفردا، وسنلتف ~~حول روح سعد ليستريح في مرقده، وسنجتمع كلنا، لا يشذ منا أحد، نجتمع حول مبادئك يا ~~سعد ونسير على طريقك القويم، أما سحر بيانك وقوة حجتك التي كانت تبهر السامعين، ~~فعزاء لنا فيها جميعا، وصبرا جميلا على فقدها. إن قلوبنا قوية ومتجهة إلى مصر ~~التي كنت تحبها وتهش لذكر استقلالها. # إن سعدا لم يكن رئيسي، بل كان أبي، ولقد عاشرته في المنفى فرأيت فيه حنو الآباء ~~على الأبناء. وما كان سعد ليهتز لخطب أبدا، لقد كانوا يأخذونه من بيننا، ~~وينقلونه من منفى إلى منفى، وكانت الكلمات التي يقولها وداعا لنا: # ستعودون أنتم إلى مصر لتتموا عملي، أما أنا فأحب أن أموت بعيدا عن ~~بلادي، حتى تتأجج الوطنية في قلوب بنيها»، ثم كان يقول: ~~«قد يجمع الله الشتيتين بعدما # يظنان كل الظن أن لا تلاقيا» # سنجتمع معك يا سعد إن شاء الله في دار الخلد بعد العمل للاستقلال، ~~وسنبذل جهدنا لتحقيق غايتك، ونعاهدك أمام قبرك الكريم على المضي في ~~الجهاد، ونرجو الله أن يثمر عملنا قريبا، حتى تستقر روحك وتهدأ في عالمها ~~الأعلى، فإننا نشعر أنها ستظل مشرفة علينا، ترقب جهودنا، وتغذي نفوسنا، حتى ~~ننال الاستقلال التام ... # وقفة مصطفى النحاس بقبر سعد. # هذه كلمات صادقة حزينة، كل لفظة منها تقطر بكاء، وهي في مجموعها تدل على قوة إيمان ~~بالفكرة، وشدة يقين بثمرة الجهاد، مع تقدير صحيح للمسئوليات التي تقع على العاتق، والتبعات ~~الجسام التي تقترن بالموضع الذي كان هو الرجل المطلوب له والحقيق به. # وقد وصف هذه التبعات ذاتها في أول خطبة له عقب القرار ms177 الذي اتخذه الوفد في السادس عشر من ~~شهر سبتمبر سنة 1927 بإجماع الآراء؛ وهو تعيين الأستاذ مصطفى النحاس باشا رئيسا للوفد ~~المصري خلفا للزعيم الخالد سعد زغلول، فقال وسط صمت رهيب، وسكون غامر، وجلال سائد، وهو ~~متأثر متهدج الصوت، يغالب فيض مشاعره: # إن فجيعتنا متعددة النواحي، متشعبة المرامي، ولكن عزاء نفوسنا الجريحة، وأكبادنا ~~المقروحة أن سعدا العظيم خالد في نفوسنا ونفوس أبنائنا، خالد في نفوس أحفادنا ~~وذرارينا، وإن أكرم ما تطيب به نفسه في فردوسها أن نقوم على الصرح الممجد ~~الذي بناه، وأن نترسم خطاه، ثم نرخص نفوسنا، ونفني أشخاصنا، حتى يتخطفنا الموت ~~واحدا بعد واحد، وراية الشرف خفاقة تتلقاها الأيدي وتفديها النفوس ... # لقد اختار وفد الأمة، وهو - كما قال رئيسنا المبرور - «تنزيل منها، ووكيل عنها، ~~ولسانها الناطق، وترجمانها الصادق»، وشاء أن يندبني لحمل العلم السعدي، والقيام ~~معكم على الميراث الوطني؛ فهالني الأمر، وأكبرت التبعات، وأحضرت نفسي على ما ~~أعلمه عنها من عجز وقصور، وحادثتها ما لهذا العاجز أن يخلف سعدا الذي أفاء الله ~~عليه مواهب مجمعة، وسجايا مؤلفة، ونعما لا تحصى؛ فكان خلاصة أجيال، وكان تاريخا ~~للإنسانية السامية. # ولكن سعدا علمني احترام إرادتكم، والنزول على حكمكم؛ وقد تسمعت ~~ساعتئذ من أعماق سريرتي نجوى سعد وصوت مصر، فأسلمت نفسي للوطن المفدى، ~~وأنا عالم أنها تنوء بهذا العبء الهائل العظيم. # ليس من اختاره وفدكم لرياسته بخيره ولا خيركم، وليس بأقدره ولا أقدركم؛ ~~وإنما أنا ضعيف في نفسي، قوي بكم، معتمد بعد الله عليكم. ولقد ظهرت أمتنا ~~الكريمة جليلة في أحزانها، رهيبة في وطنيتها، وها هي اليوم تغمرني بفضلها، ~~وتحوطني برعايتها، وتحملني أمانتها، وأرى شعوركم يبدو صريحا ساميا، وارتياحكم ~~لقرار وفدكم يتجلى بينكم، ومناصرتكم لي ظاهرة في أقوال خطبائكم، وإقراركم لها، ~~فأنطقوا مصطفاكم ببيانكم، وأوحوا إليه بأفكاركم، واملئوا قلبه بما أفاضته ~~قلوبكم. # كذلك كان شعور مصطفى النحاس حين ألقي زمام الحركة الوطنية في يده، وعهد بقضية أمته ~~إلى ضميره وذمته؛ وكذلك كانت خوالج نفسه في تلك الفترة الدقيقة التي مرت بالبلاد، ووسط ms178 تلك ~~المحنة العظيمة التي أصابتها؛ إذ لم يكن مصطفى يومئذ مبتدئا عهدا جديدا منقطعا عن ~~الماضي وما جرى فيه، قادما على أمر لم تسبق فيه سابقة، ولكنه كان مطالبا بحمل أمانة، ~~والاضطلاع بوديعة، وأمام مبادئ وتعاليم تقتضيه الحرص عليها، والتزام إملائها، والمسير على ~~حدائها، وكان ذلك كله مما يجعل بدايته - كما قلت - شاقة تكتنفها أخطار، وتحيط بها مخاوف، ~~ويترصدها الأعداء والخصوم من كل ناحية. # كان مصطفى النحاس مطالبا بأن يثبت استحقاقه لخلافة سعد أولا، وجدارته ثانيا ~~بالزعامة في ذاته، ولكن الطبيعة التي اختارته لمكانه هذا ورسالته، لم تكن لتتخلى عنه، وما ~~كانت لتخذله، ولو أنها أعانته على أن يدلل على جدارته بخلافة سعد وحدها - من ناحية سيره على ~~تعاليمه، وحرصه على مبادئه، واحتفاظه بنظامه وبنيانه - لكان ذلك كافيا، وكان به الغناء. ~~ولكن العناية الإلهية كانت تريد مصطفى للمعنى الأكبر، وتهيئه لما هو أسمى وأخطر؛ وهو ~~أن تبرزه الأحداث القادمة زعيما طبيعيا، لا رئيس ضرورة، ولا قائد ظروف، وأن تجعله يلاقي ~~في عهد زعامته من المكاره أكثر مما وقع لسعد ذاته، ويتحمل من الخطوب والكوارث وخصومة ~~الأعداء وحقد الحاقدين ومكر المكرة، ما لم يترادف مثله ويصطلح على سعد نفسه؛ ليكون ~~الزعيم الحق الحري بموضعه، الوفي لوديعة سعد إذا ما ذكر الوفاء، الباني المنشئ إذا ~~ما ذكرت محامد الزعامة الصادقة بناية وتجديدا وإنشاء. # ولقد قطع مصطفى النحاس على نفسه عهدا، وربط على نفسه أمام الأمة بميثاق في ذلك اليوم ~~التاريخي العظيم؛ يوم أقرت الأمة مبايعته بخلافة سعد ورياسة الوفد، وهو في ذلك يقول: ~~... وإني أعاهد أمامكم روح سعد في رفيع عالمها، كما عاهدتها أمام هيكلها، أن ~~أكون للوطن خادما أمينا، وأعمل مع زملائي ومعكم، مستوحين الحكمة والحزم من روح ~~سعد ما وجدنا إلى ذلك سبيلا، مستضيئين برشده كلما عميت الأمور، وأجلبت علينا ~~الخطوب؛ وأن نحرص على الدستور بكل ما فينا من قوة، محافظين على ائتلاف الأحزاب بكل ~~رغبة صادقة؛ وأن نسير في طريقنا المرسوم، حتى تنال البلاد غايتها من الاستقلال ~~التام الصحيح ms179 والحرية الكاملة التي قرن اسم الفقيد العظيم بها وبمجد ~~الوطن. ~~... لقد علمنا سعد أن الوطنية الصحيحة والحرية المقدسة لا تشوبها أحقاد ولا ~~أضغان، فما كانت وطنيتنا عدوانا، ولا حريتنا بهتانا، فنحن نعرف ما لنا من الحقوق، ~~وما علينا من الواجبات، ولا نحمل لأمة من الأمم بغضا، ولا نضمر لها غدرا، ولكنا ~~نقدس عزتنا القومية، ونحمي كرامتنا المصرية، وننادي مواطنها في قلوب الأمم ~~والشعوب. # هذا هو العهد الذي عاهد مصطفى الأمة عليه، يوم استوى في ذروة الزعامة، وهذا هو الموثق ~~الذي ارتبط أمام الشعب به، حين أرادت العناية الإلهية له الظهور لتأدية رسالته، وآذنت بأن ~~الحين قد حان لبداية مهمته، وإن الخاطر ليعود إليه بعد قرابة تسع سنين، مجتازا في كرته ~~إلى الماضي آيات روائع على كفاية مصطفى لمكانته، وحشودا من الحوادث الجسام المثبتة لمبالغ ~~شجاعته وجلده وثباته وأصالة رأيه ووفرة حكمته، فيحس أن ذلك العهد المقدس كان ميثاقا مع ~~الله، وعهدا مع القدر، وارتباطا لم يخل في أية ناحية منه، ولم ينحرف به صاحبه عن ~~قداسته، ولكنه صانه حتى وفاه، وحرص عليه حتى أداه، ووقف به اليوم على أعلى قمم الزعامة ~~الوطنية، مثلا على البطولة من أندر الأمثال. # ويوم قام مصطفى في مكان الرياسة لم تلبث النفوس أن هدأت بعد جزع، والقلوب اطمأنت بعد قلق، ~~والأذهان سكتت بعد لهفة، والأخلاد قرت بعد اضطراب؛ فقد ظهر الرجل الذي احتاجت الحياة ~~إليه، والزعيم الذي دفعت الأقدار به، ورب الشخصية ذات السلطان العظيم على كل من لم يرتفع ~~رفعتها، ولم يبلغ مستوى أفقها، بل برز القائد الوطني، أو الضمير والعنصر الحساس المتنبه ~~الذي تحيا به الأمم وتعيش عليه الجماعات. # لقد كان ظهور مصطفى النحاس دورا آخر من أدوار الثورة، ومرحلة جديدة من مراحلها؛ فإن ~~الثورات بطبيعتها لا تستطيل، ولكن إذ تبلغ مداها وتفور أشد فورتها، تعود فتعيش في نتائجها، ~~وتظل تحيا في أعقابها، ومن الخطر البالغ عليها أن تتلاشى بعد قيامها، وتتبدد عقب فورانها؛ ~~لأن ذلك ينتهي إلى ردة مؤلمة، ويعقب نكسة وخيمة. ms180 ولكن إذا هيأ الله لها في هذا الدور ~~الدقيق القائد الحكيم الذي يتعهد معانيها الكامنة في النفوس، والسياسي القوي الرصين ~~الذي يعرف كيف يغذي مواردها القائمة في أعماق الصدور وأغوار الأرواح، ويمسك بالروح المعنوي ~~العام فيوجهه أحسن توجيه، ويدفع به إلى خير مندفع، فإن البلاد كذلك تعرف كيف تستجيب له ~~وتتجه معه، وتمضي في أثره، مطمئنة النفس، هادئة الجأش، بالغة الإيمان. # وكان مصطفى النحاس هو ذلك القائد، وكان خليفة سعد هو ذلك السياسي، ولسنا ندري ماذا كانت ~~تكون صورة الحركة الوطنية، وماذا كان يمكن أن تروح نتيجتها لو لم يأت مصطفى النحاس بعد سعد ~~ليقودها، وينبر عقب سعد ليوجهها، وهو الذي جاء طبيعيا في مكانه؛ إذ كان أمام السياسي ~~الذي يتولاها - في خطة الأقدار - دور خطير، ومرحلة شاقة، وصعاب جمة. بل كانت منتظرة ~~مقدمه، مرتقبة زعامته، سلسلة مستطيلة من التجاريب الخطرة، والمحن المترادفة، والخطوب ~~المتزاحمة، ووجوه عديدة من الخصومات، وألوان غرائب من الأذى والبلاء؛ إذا لم يكن باستعداده ~~جلدا لها صرعته، أو صبورا حطمته، أو قويا أضعفته، أو مؤمنا أشد الإيمان بقوته نزعت ~~به إلى اليأس، وأسلمته إلى القنوط، وأزاحته آخر المحاولة من طريقها، متغلبة فائزة، وهو ~~المنهزم المدحور. # وقد شهد مصطفى النحاس بجانب سعد خطوبا، واشترك مع سعد في محن، وتعرض معه للمعتقل ~~والمنفى، واستهدف للآلام والحرمان. وكان مرتقبا له بعد تلك المساهمة الأليمة أن يكتوي وحده ~~بأشباهها أو أشد منها، مقدورا عليه أن يخوض أشد حوالك السنين شقوة وعظم تجربة؛ لكي يتعذب ~~مرتين، ويتحمل من الألم ضعفين، ويذوق من الخطوب مذاقين، وهو ما لم يقع للزعماء في ~~تاريخ الزعامة الوطنية مثله فيما نعرف من سير الحوادث، وقضايا الاستقلال، إذ كان كل زعيم في ~~الغالب يأتي في زمن معين، ويظهر في عصر بذاته، وكانت الزعامات تجيء على فترات انقطاع، ~~ومهلات طوال، وانتظار فسيح المدى؛ فلا تقوم الصلة بينه وبين الزعيم الذي سبقه إلا من بعيد، ~~ولا تتماثل التجاريب في عهديهما، ولا تتشابه الحوادث في دوريهما، وإنما تتفاوت في ذلك ms181 ~~كله، وتتباين في أشباهه وأمثاله؛ ليظل كل زعيم ممتحنا غير امتحان سواه، ويروح كل قائد ~~أمام ظروف خاصة به، على قدر تناوله لها، ومكافحته إياها، ومقدار صبره عليها، بروح مبلغ ~~استحقاقه لمكانه ، ومطمأنه في موضعه، ونصيبه من الفوز، وسهمه من النجاح والتوفيق. # ولكن مصطفى النحاس جاء أولا آخذا عن سعد قبل أن يتولى الأمر بنفسه، ثم آخذا ثانيا عن ~~نفسه، بعد أن وكل الشأن إليه، وهذا نادر في الزعامات؛ لأنها لا تتلاحق هكذا، أو لا يندمج ~~بعضها في بعض على هذه الصورة، ثم تتقارب في المعالم، وتتشابه في الصفات واللوازم على هذا ~~النحو الغريب، ولكن كذلك كانت تصاريف الأقدار الرحيمة الحانية على مصر، الناصرة لها، فقد ~~أبت إلا أن ينشأ الزعيم الثاني على إيمان عظيم وثقة كبيرة بصاحبه، وولاء صادق له، وحماسة ~~متقدة للغاية التي يعمل لها والقضية التي يدافع عنها، حتى لقد خشي الإنكليز حين بويع في ~~موضعه من وقوع الرياسة له خيفة مما وصفوه من أمر «تطرفه». # وقضت الأقدار كذلك أن يجعل نظره إلى الفكرة كأنها ممثلة للزعيم، وإلى الزعيم كأنه ممثل ~~للفكرة، وأن يعمل على تعزيز سلطان صاحبه وتوطيد نفوذه بكل وسيلة وسبيل، كأن يتوسط بينه وبين ~~خصومه، أو يجلب له جددا من أنصار، ومزيدا من أعوان ومشايعين، أو يتسمع الأرض ~~بأذنه؛ ليدرك الهمس المخافت، والكيد اللائذ بالخفاء، والدس المتسربل بالظلام، أو يدلي ~~إليه برأيه في أصلح الأعضاء للمهام المعينة، وأنسب الأعوان للأعمال المطلوبة، أو يشير عليه ~~بالأفكار الصالحة والمقترحات الملائمة لبعض الظروف والحالات والأزمات الطارئة. # وكذلك جعلته يوفر على زعيمه كثيرا من وقته، ويقصد من مجهوده، ويغني عنه حمل كل صغيرة ~~ودقيقة في ذاكرته، بأن ينوب عنه في عديد المناسبات والمقابلات والوفادات، ويعمل على تسهيل ~~الأعمال على قدر الإمكان، وموافاته بكل المذكرات والمدونات، والملاحظات والمحاضر التي عني ~~بقيدها، وحفل بتدوينها وإثباتها؛ لكي يكون كل شيء في كتاب مرقوم. # وكان الزعيم يرى منه ذلك فيفرح به ويرتضيه، ويبعثه على التزيد فيه وهو المطمئن إليه، ~~الملمح في أحاديثه ms182 أمام الناس إلى مبالغ ثقته به واعتماده عليه؛ لكي يشعرهم بأنه قد وجد ~~الرجل الذي يسلمه الزمام إذا حان الوقت لتسليمه، والشخصية القديرة الكافية لتتولى الأمر عنه ~~إذا آذن الرحيل. # كذلك اندمج مصطفى في سعد قبل أن يحل دوره، فكان محل ثقته وموضع سره، وقد اكتسب من هذا ~~الاندماج أكثر ما عند سعد، فأضافه إلى ما اكتسب هو بطبيعته، فاستتم فيه الزعيم المطلوب ~~للغد، واستكمل القائد الوطني المحتاج إليه في المستقبل، واستوفى سائر مطالب القيادة الصالحة ~~التي قضى الله أن تتولى الجهاد في أحرج المواطن وأسوأ السنين. # وقد انفرطت تسع سنوات اليوم، ومصطفى النحاس في مكان الزعامة وقد عبرها خواض أزمات، ~~ومواجه شدائد، وملاقي مكاره، مكافحا أكثر من خصم، مقاوما أكثر من عاصف، وهو الصبور ~~الجلد الشجاع الجريء في كل موطن وموقف، حتى عرف كيف يسير بالسفينة وسط هذه التيارات ~~الصاخبة، واللجج المتقاذفة، والأعاصير المترادفة نحو الساحل الآمن، والغاية الحسنة، وصخرة ~~النجاة. ~~••• # ولعلنا في هذا الكتاب قد أطلنا في المقدمات، وترامى بنا البحث بعيدا من موضوعه، ولكنا ~~أردنا ذلك ليجيء الكلام دراسة صالحة في باب جديد لم يعالج، وبحثا حسنا في ناحية خطيرة ~~لم تتناول، وليكون الشطر الأول منه بسطا وتقريرا، والشطر الثاني تطبيقا وتقديرا، ~~وليست النية فيه - كما أسلفنا - أن نضع تاريخا أو نسوق الكتاب مساق المديح، فإن التاريخ لا ~~يكتب بعد، والمديح لا يجدي شيئا ولا يرد، فقد أوفى مصطفى النحاس على الغاية التي ~~يستوي عنده فيها الذم والمدح؛ لأن كل الذم أعرج لا يصعد إليه، وكل المديح زيادة لا خير ~~فيها لديه، وإنما أردنا أن نسجل جهودا صالحة أثمرت، ومعارك سياسية انتهت بفوز مبين. # لقد جاء هذا الكتاب «المتواضع» تحية لذلك الفوز وتقديرا لبراعته، وقصا لظروفه وحوادثه، ~~وسردا لجملة حوافزه، فلم يكن غناء عن حديث الزعامة وأسرارها، والقيادة الوطنية وطرازها ~~وغرارها، وبيان صفاتها ومزاياها، ولم يكن بد من حديث الزعيم الذي قاد الأمة إلى هذا النصر، ~~ووجه الشعب هذا التوجيه، وسار بالسفينة وسط الأنواء هذا المسير. # | مصطفى ms183 النحاس نشأته وتكوينه # كان سعد من أهل الريف، وجاء مصطفى كذلك منه، بل من الإقليم ذاته، ولم يكن بين مولد سعد ~~ومنبت مصطفى غير مسافة قصيرة وأميال معدودة، وكلا المنبتين طيب، خصيب في الزرع، والحرث ~~والنسل معا، حتى ليعد أخصب أقاليم مصر على الجملة منابت، وأكثرها في النوابغ معدا، ~~وأغناها بالمشهورين والأذكياء ثراء. # من مديرية الغربية كان مجيء الزعيمين، كأنما أريد لهذا الإقليم أن يفخر بما ندر أن ~~يتهيأ لإقليم سواه، وإن كانت أقاليم مصر في المنابت والموالد والمساقط أجوادا طيبة ~~كرائم. ولم يكن الناس يعرفون مولد سعد على التحقيق أيام حياته؛ فقد شغلتهم عظمته عن كل شيء ~~خارج عن دائرة نفسه ونطاق بطولته، ولكنهم عرفوا حين مرتحله من هذا العالم «القرية» الصغيرة ~~التي كانت أول ما شهد فيه نور هذه الحياة، فاشتهرت من ذلك الحين، وترددت على الشفاه، وقام ~~لها في الناس ذكر كريم. # ولكن مولد مصطفى عرف من نبوغه، واشتهر معه من كثرة اختلافه إليه وبره به ومزاره في كل ~~عام، وجعل الناس إذا ذكروا المنبت الذي أنبته، أقروا له شهرته، وارتضوا له إنجابه، ولم ~~يعجبوا له أن يكون للزعامة منبتا. # وبين القرية التي ولد سعد فيها والبندر الذي جاء مصطفى منه - مع التماثل في الإقليم، ~~والتشابه في التربة، والجوار في الجو والأفق - وجه شبه آخر في التاريخ، يردهما إلى عصور ~~فيه زاهرة، وقرون فيه حفلت بالعظائم واشتهرت بأعجب الحضارة؛ وهي عصور الفراعنة وبداية مصر ~~القديمة ذات المجد العظيم. # أما إبيانه - موطن سعد - فكانت في أيام الفراعنة من جملة بحر الروم - البحر الأبيض ~~المتوسط - فلما انحسرت أمواهه عنها بسبب «طمي» النيل، ارتفع نشز من الأرض أو يفاع في ~~البحر أنشئت فوقه تلك القرية، وكانت أرضها تصل إلى بحيرة البرلس، كما كانت يومئذ تابعة ~~لمدينة «فوه» كشأنها الآن، وكانت فوه تعرف يومئذ بمدينة «متليس»، وظلت تنمو وتزدهر حتى ~~اشتهرت في القرن الخامس عشر للميلاد، وأصبحت أعظم مدينة في مصر بعد القاهرة، حتى لقد ~~اتخذت مستقرا للقناصل الإفرنج بعد الفتح ms184 العثماني. # ويرجع نسب أهل هذه النواحي إلى «المليذيين» الذين نزحوا إلى مصر في القرن السابع قبل ~~الميلاد على ظهور السفن في عهد «ابسماتيك»، وهم الذين أسسوا مدينة «فوه» - أو متليس كما ~~أسلفنا عليك - وقد دخلوا في دين المصريين وصاهروهم واندمجوا فيهم بعدما أقاموا زمنا ~~مستمسكين بديانتهم، متأبين النزول عن قوميتهم، وقد استعان فرعون بهم فأعانوا، وذلك في رواية ~~المؤرخ المشهور «استرابون»، حتى إن من يتأمل وجوه أهل هذا الإقليم وسكانه - وبخاصة شعرهم ~~ولونه - لا يشك في أنهم من سلالة أولئك النازحين النازلين. # وتقع «منية المرشد» شمال شرق «إبيانه»، وقد زارها ابن بطوطة الرحالة المشهور حين قدم إلى ~~هذه البلاد من «طنجة» في أوائل القرن الثامن من الهجرة، وتقوم إلى اليوم في الجنوب الشرقي ~~من إبيانه - مهبط سعد - تلال قديمة وآكام وربى عالية. # وكذلك كانت «سمنود» معروفة في عصور الفراعنة، وكانت تدعى قديما «جمنوت» - وهي قريبة ~~في الغنة من سمنود - كما كانت تسمى أيضا في التواريخ القديمة «سبنيت»، وقد ذكر ~~العلامة المؤرخ مارييت أن فراعنة الأسرة الثلاثين كانوا من سمنود، وكان جلوس أول ملك من ~~ملوكها على السرير قبل ميلاد المسيح بثلاثمائة وثمان وسبعين سنة، وفي أواخر زمن فراعنتها ~~استولت الفرس على مصر للمرة الثانية، فأقاموا بها بضع سنين حتى جلاهم الإسكندر الأكبر عنها، ~~وانتزع الملك من أيدي الفراعنة الأصليين. # وكانت سمنود مولد المؤرخ «مانيتون» الذي نقل عنه الرومان ما نقلوه من تاريخ قدماء ~~المصريين. # وقد روى المقريزي في خططه أن سمنود كانت في صدر الإسلام من المنازل التي ينزلها العرب ~~لربيع خيولهم، فكان إذا جاء الربيع كتب عمرو بن العاص لقبائل العرب بربيعهم حيث أحبوا، ~~فكانت القرى التي يختارها أكثرهم هي: منوف، وسمنود، وإهناس، وطحا. وكان عمرو يقول للناس إذا ~~قفلوا من غزوهم: «إنه قد حضر الربيع، فمن أحب منكم أن يخرج بفرسه يربعه فليفعل، ولا ~~أعلمن ما جاء أحدكم قد أسمن نفسه، وأهزل فرسه، فإذا حمض اللبن، وكثر الذباب، ولوى ~~العدد، فارجعوا إلى فسطاطكم.» # وروي عن عمرو بن العاص ms185 أنه خطب الناس يوما فقال: # يا معشر الناس، إياكم وخلالا أربعا، فإنها تدعو إلى النصب بعد الراحة، وإلى ~~الضيق بعد السعة، وإلى الذلة بعد العزة؛ إياكم وكثرة العيال، # 1 # وإخفاض الحال، وتضييع المال ، والقيل بعد القال، في غير درك ولا ~~نوال. ثم إنه لا بد من فراغ يئول إليه المرء في توديع جسمه، والتدبير لشأنه، ~~وتخليته بين نفسه وبين شهواتها. # 2 # ومن صار إلى ذلك فليأخذ بالقصد والنصيب الأقل، ولا يضيع المرء في ~~فراغه نصيب العلم من نفسه، فيجوز من الخير عاطلا، وعن حلال الله وحرامه غافلا. ~~يا معشر الناس، إنه قد تدلت الجوزاء، ونزلت الشعرى، وأقلعت السماء، ~~وارتفع الوباء، وقل الندى، وطاب المرعى، ووضعت الحوامل، ودرجت السخائل، وعلى ~~الراعي بحسن رعيته، حسن النظر، فحي لكم على بركة الله تعالى إلى ريفكم، تنالوا ~~من خيره ولبنه، وخرافه وصيده، وأربعوا خيلكم وأسمنوها، وصونوها وأكرموها؛ فإنها ~~جنتكم من عدوكم، وبها مغانمكم وأنفالكم، واستوصوا بمن جاورتموه من القبط خيرا. وقد ~~حدثني عمر أمير المؤمنين أنه سمع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: «إن الله سيفتح عليكم ~~بعدي مصر، فاستوصوا بقبطها خيرا، فإن لهم فيكم صهرا وذمة، فكفوا أيديكم، وعفوا ~~فروجكم، وغضوا أبصاركم، ولا أعلمن ما أتى رجل قد أسمن جسمه وأهزل فرسه، واعلموا أني ~~معترض الخيل كاعتراض الرجال، فمن أهزل فرسه من غير علة حططته من فريضته قدر ذلك، ~~واعلموا أنكم في رباط إلى يوم القيامة لكثرة الأعداء حولكم، وتشوف قلوبهم إليكم ~~وإلى داركم، معدن الزرع والمال والخير الواسع والبركة النامية، فاحمدوا الله - معشر ~~الناس - على ما أولاكم، فتمتعوا في ريفكم ما طاب لكم، فإذا يبس العود، وسخن الماء، ~~وكثر الذباب، وحمض اللبن، وصوح البقل، وانقطع الورد من الشجر، فحي إلى ~~فسطاطكم، على بركة الله، ولا يقدمن أحد منكم ذو عيال إلا ومعه تحفة ~~لعياله، على ما أطاق من سعته أو عسرته، أقول قولي هذا وأستحفظ الله عليكم. # وفي سمنود مساجد كثيرة قديمة العهد، كانت كلما تهدمت، رممت وأصلحت، وفي جهتها ~~القبلية ms186 - كما روي في الخطط التوفيقية - «وابور» لورثة البدراوي بك أنشئ لحلج القطن وسقي ~~المزروعات، ولكنه أزيل اليوم وأقيمت في موضعه المدرسة الابتدائية التي أنشأها من قبل وقف ~~البدراوي، وضمت الآن إلى وزارة المعارف عقب قيام مصطفى النحاس باشا أخيرا بالنظارة عليه. ~~وكانت في الجهة القبلية من المدينة أيضا «ورشة» قماش لورثة البدراوي، فأصبح موضعها اليوم ~~فناء للمدرسة، ومضيفة للوقف لإيواء النازلين، ومثوى للطارئين وقرى للطاعمين. وثم ~~كذلك «وابور» كان لرجل من الإنكليز يدعى مستر ماجور في الجهة البحرية، ولكنه آل بعد ذلك ~~إلى رجل فرنسي يدعى مسيو فوميه، من تجار الأقطان، واستحال أخيرا إلى أنقاض دارسة، وفي ~~تلك الجهة أيضا دار أنشأها عبد العال بك، مشرفة على البحر، ذات سياج من حديد ورصيف، وقد ~~رتب صاحبها قراءة القرآن فيها كل ليلة، وهذه الدار قائمة إلى اليوم كما كانت في عهد ~~منشئها الأول، ولكنها أصبحت وقفا، وقد أجرى عليها الواقف مالا لقراءة القرآن وإقامة ~~الأذكار، وهي اليوم مقابلة تماما لدار أسرة الرئيس، ولكن للأسف سوف تزال تلك الأبنية ~~القديمة لإقامة كوبري سمنود الحديث. # وفي سمنود من البيوت المشهورة بيت أحمد البدراوي رئيس المشيخة بحارة الشيخ سلامة، وبيت ~~أحمد الصعيدي بحارة الدوار، ومنزل الشعراوي نصير على البحر، ومنزل السيد عبد العال رئيس ~~مجلس مركزها، ومنزل مصطفى أفندي سبلة، وقد آلت هذه المنازل جميعا إلى ورثة أصحابها، وقد ~~ظلت باقية على حالها، كما بقيت الأزقة والشوارع مسماة بتلك الأسماء. # وتحوي سمنود في رواية الخطط التوفيقية معملا للدجاج، أنشأه البدراوي الكبير، وكان يستخرج ~~منه في كل سنة مائة ألف دجاجة، ولكن هذا المصنع قد أتت عليه الأيام، ثم أعيد إلى مكانه ~~بالذات من عشر سنوات، واسترد سيرته الأولى وشأنه القديم. # وكان عدد المسلمين في سمنود لذلك العهد الذي نروي عنه اثني عشر ألفا، فأصبح اليوم قرابة ~~سبعة عشر ألفا. وكان الأقباط فيها يبلغون خمسمائة، ولكنهم اليوم لا يبلغون على الأرجح أكثر ~~من مائتين، وكان عدد الإفرنج (الأجانب) نحو العشرين، ولكنه كان قد زاد فترة ms187 من الزمن، ثم ~~عاد اليوم قريبا من ذلك أو نحوه. # وكانت سمنود تحوي آثارا كثيرة، ولكن اليوم ليس فيها غير أثر يدعى «فدان الحجر»؛ لكثرة ~~الأحجار الأثرية فيه، والتماثيل القديمة والنقوش الهروغليفية التي ترجع إلى حضارة قدماء ~~المصريين. وكانت بجوار هذا الأثر هضبة مرتفعة يقال لها التل، وكان أهل سمنود يقتطعون من ذلك ~~التل الأثري ترابا لتسميد الأرض وتخصيب التربة، ولم يكن ذلك محظورا في ذلك الحين، وقد ~~اغتنى خلق كثير من اقتطاع الأتربة من ذلك التل؛ إذ كانت تحوي آثارا ونفائس من ذهب وفضة، ~~فأصابوها لأنفسهم فيما حملوا من ترابه، ولكنه اليوم قد زال، وأصبح مكانه أرضا زراعية، وإن ~~ظلت مشهورة باسم «التل» إلى الآن. # مصطفى النحاس باشا. # وكان شيخ الناحية في ذلك العهد هو المرحوم علي بك البدراوي، وكان رجلا ذا نفوذ كبير، حتى ~~لقد عهد إليه محمد علي الكبير بجباية الضرائب، وكان واسع الحيلة، شديد البطش، فاقتنى ~~أملاكا كثيرة، وأرضا مترامية الأرجاء، بقي له منها ألف وسبعمائة فدان، غير المنازل ~~والدور، فأوقفها جميعا على وجوه البر وسبل الخير، ولم يجعل لأولاده منها غير مرتبات محدودة ~~تجري عليهم، وقد عهد بهذه الأوقاف أخيرا إلى مصطفى النحاس باشا، فأحسن إدارتها، ورد ~~الحقوق إلى صاحبها، وقام عليها خير قيام. # ويعود تاريخ بناء الدار التي كان فيها مولد مصطفى النحاس وإخوته إلى عهد جده المرحوم ~~الشيخ سالم النحاس، فهو الذي شيدها وجعلها واسعة الرحاب، فسيحة الأفنية، على طراز ذلك العهد ~~وأسلوب عمارته، وهي لا تزال إلى اليوم حسنة الطلاء، مدهونة بالزيت، جميلة النقوش، وقد آلت ~~الدار إلى ولده المرحوم الشيخ محمد النحاس والد الزعيم؛ فابتنى فوقها طبقتين زوج فيهما ~~ولديه المرحوم محمد بك النحاس والأستاذ سالم النحاس، وهي إلى اليوم منزل العشيرة، ولها في ~~سمنود مقام كبير وشأو عظيم، استمدته من مكان عميدها اليوم الذي نبت منها أطيب منبت، ونشأ ~~خير تنشئة، وأرسل اسم سمنود ذاتها مع مطار الشمس، ورفع ذكرها في العالم بجملته. # وكانت سمنود إلى عهد غير بعيد مركز ms188 تجارة واسعة للأخشاب، فاشتغل المرحوم الشيخ محمد ~~النحاس والد زعيمنا بهذه التجارة، ولم يكن تاجرا كبير الثروة متسع النطاق مترامي المعاملة؛ ~~ولكنه كان مع ذلك غنيا باسمه الحسن، وشهرته النقية، وسمعته الطاهرة في الأسواق ، وهو أنه ~~التاجر المستقيم، أو «التاجر الذي لا يكذب»، فوثق الناس به، وسكنوا إلى ذمته حتى لقد كان ~~التجار الآخرون إذا جاءهم أحد يريد معاملتهم لجئوا إليه يسألونه رأيه فيه، فإذا ما شهد له ~~أخذوا بشهادته ووثقوا برأيه. ولقد كان في سمنود تجار أخشاب أكبر منه ثروة، وأوسع من ~~متجره نطاقا، ولكنهم لم يصيبوا من حسن السمعة مثل الذي ترامى له، وتسامع الناس به من ~~أمر استقامته ونقاء ذمته، فكان مآل تجارتهم من بعدهم إلى زوال وفناء. # وكانت والدته سيدة تقية، صالحة، قوامة، صوامة مزكية كما كان والده، إذ كان أفق العشيرة ~~كذلك، جوا طاهرا تسوده العبادة، ويغمره التقى، وتراعى فيه الفرائض، وترفرف عليه ~~أجنحة السكينة والدعة والسلام. # وكانت التقوى في آل النحاس مسموعة عنهم في المدينة من قديم الزمن، والتمسك بالدين أول ~~صفاتهم التي عرفوا بها في المجامع والندوات. # وكان لمصطفى أخ من أبيه وهو المرحوم أحمد النحاس، وخمسة أشقة، قضى كبيرهم - وهو محمد ~~النحاس - نحبه؛ فله اليوم من الإخوة الأستاذ سالم النحاس ومحمود النحاس التاجر، وعبد العزيز ~~النحاس بك كبير المفتشين في وزارة الداخلية، وله أخت وحيدة هي حضرة صاحبة العصمة السيدة ~~زهرة النحاس، وكانت زوجا للمرحوم إبراهيم شوقي بك، نجل المرحوم إبراهيم فوزي بك محافظ ~~القاهرة في إبان الثورة العرابية، وكان قد وكل إليه يومئذ بحماية أرواح الأجانب فلم ~~يرق في الثورة دم واحد منهم، ولم يطل قتيل، فكان ذلك حقيقا بفخار، حريا بأن ~~يسجل له صفحة ناصعة في كتاب الشهامة والوطنية ومنعة الجوار. وقد وجدت هذه السيدة الفاضلة ~~عند شقيقها مصطفى أعز الحنان، وأكبر الحب، وأعطف الرحم، وأندى القربى، كما وجد أبناؤها ~~النجباء - وحيد وإخوته - عند خالهم الأب الراعي، والعميد الحنان البر، والولي ~~الكريم. # وكانت وفاة والد مصطفى في سنة 1920، بعد أن ms189 رعى مصطفى ولزمه وحنا عليه إلى سن الأربعين، ~~فلم يغادره يوم آذن الرحيل إلا وهو على طريق المجد مصعد، وفي أول النبوغ الوطني متألق ~~النجم، وفي سبيل الوطن مجاهد يسير إلى ربوة الزعامة بخطى فساح، وقد قضت والدته بعد أبيه ~~بثماني سنين. # في سمنود إذن، ذلك البلد الطيب، ملتقى الحضارتين: حضارة مصر الفرعونية، وحضارة مصر ~~العربية، في تلك الوحدة التي أنشأها التسامح الديني، والسهولة الإسلامية، ووصى بها صاحب ~~الرسالة المحمدية قومه، كما رأيت في خطبة عمرو بن العاص فاتح مصر، بسبيل منازل الربيع فيما ~~تقدم لك في سمنود الممرعة الخصيبة، وعلى شرف من أمواه النيل، ووسط الحقول النضيرة، ~~والمروج المترامية - كان مولد مصطفى النحاس، وذلك في الخامس عشر من شهر يونيو سنة 1879، بل ~~في ذلك الأفق المنزلي الوادع الهادئ الذي ترف عليه السكينة، وتملأه أنفاس التقى ~~والفضيلة، فتح عينيه على ضياء هذه الدنيا وليد من أطيب الأعراق، كتبت له العناية ~~الإلهية أنه سوف يصبح الرجل العظيم الذي يتولى أمر أمة مجاهدة لأشرف ما جاهدت له الأمم في ~~هذا العالم، ويسير بها إلى غايتها شجاعا قويا جلدا على الأحداث حتى يدرك النجاح. # لقد اختارت الطبيعة له أحضانها الحانية ليعتنقها من الطفولة، ويمرح في جنباتها صبيا ~~يرتع في الحقول، ويقفز إلى اليم ليتعلم السباحة، ويذهب عاديا في المروج، ليس عليه خفق ~~الرياح، ولا زفيف الهواء، تحت ضياء الشمس يباكرها في مثل نشاطها، ويودعها عند ~~المغيب. # كذلك جاء مصطفى النحاس من أهل القرى مثل سعد آتيا ليكون المولد صحيا، من قلب الطبيعة ~~التي أرادت به معنى من أكبر معانيها، وهيأته لمقصد من جليل مقاصدها؛ لأن الطبيعة تؤمن ~~على مصنوعاتها، وتتخير لأخيار قوالبها، وتتكفل بإفراغها وانتخاب الظروف المساعدة لإخراجها، ~~وقد أرادت أن يكون مصطفى بالنشأة فلاحا ليناسب الأمة التي سيتولى قيادتها، وأعطته كل مزايا ~~القرويين في سراح الأفق، وسعة المحيط، وقوة التربة، وسلامة المناخ؛ ليدرك من الصفات ~~الخلقية والمنازع النفسية التي تهيئ له السبيل إلى البروز، وتفتح له الطريق إلى التفوق، ~~وتعينه على التمرس ms190 بالشدائد، والتجلد للصعاب والمشاق، واحتمال كبار الأعباء والصبر على ~~عظائم الخطوب. # نشأ مصطفى في تلك البيئة الطبيعية لكي تتناسب النشأة مع الحياة العملية التي ترتقبه، إذ ~~كان قد خلق ليكافح ويناضل ويجاهد لكبار الغايات وعليا الأمثلة؛ فاقتضى ذلك كله أن يكون ~~قويا بالفطرة، سليم البناءة من الحداثة، مكتمل الخلق من الطفولة، حتى يظل على السنين ~~شابا مدخر القوى، موفور العافية، لا يحسب عمره بالأعوام، وإنما يحسب شبابه ~~المحفوظ عليه بالجدة الظاهرة، والقوة الزاخرة، والخليقة المكتملة، وصحة البنيان. # وإذا كان قد أخذ ذلك كله عن الطبيعة التي ولد في أحضانها ليظل شبابه باقيا، فقد أخذ كذلك ~~عن البيئة المنزلية التي درج فيها الصفات والنزعات الكفيلة ببقاء شبابه، واستدامة قواه، ~~والاحتفاظ بكيانه، إذ تأثر بمحيطه «العائلي» والتقوى الغامرة للأفق الذي نبت فيه، وورث ~~الاستقامة المكينة من أهله؛ فليس أحفظ للشباب من الاستقامة، ولا أعود من التقوى على سلامة ~~الأبدان. # ولقد رأينا جمهرة الناس في بلادنا يذبلون، ويغيض ماؤهم، وتنفد قواهم، وتخبو حرارة ~~نشاطهم، قبل أن يدركوا الخمسين؛ بل يروحون مع مطالع الكهولة شيوخا مدبرين من إسرافهم على ~~أنفسهم، وحملهم على قواهم في مراكض الشباب، وميادين الشهوات، ومطاوعة إغراءات النفس ~~اللوامة، ومتابعة اللهو، وإركاض أفراس اللذة، والمتع الملحة المستبدة المحطمة ~~للأعصاب. # نشأ مصطفى في ذلك البيت الطاهر، ودرج في ذلك الأفق الساكن الوديع؛ فاكتسب الاستقامة، ~~وحرص على الصلاة من العاشرة، حتى لقد سئل فيما بعد عن سر هذا التمسك الصادق بشعائر الله، ~~فقال إنه حين انحدر به أبوه إلى القاهرة ليسلكه في المدرسة، ذهبا من ساعتهما رأسا إلى ضريح ~~سيدنا الحسين - رضي الله عنه - فلم يكد والده يقف به أمام المقام الطاهر حتى انبعث في خشوع ~~يقول: «لقد سلمت لك مصطفى!» فشعر الطفل في تلك اللحظة بوحي خفي دب إلى نفسه، واستفاض في ~~مشاعره، وغمر حواسه؛ فظل يذكر تلك الوقفة الدينية الرهيبة طيلة الحياة، ويتمثل تلك ~~الكلمات تدوي في أذنيه على الأيام، ومنذ ذلك الحين لم يترك فرضا، ولم يهمل ميقات صلاة؛ بل ms191 ~~لقد كانت هناك جوائز ومكافآت للصلاة في المدارس الابتدائية والثانوية، فأحرزها جميعا، وفي ~~سائر أعوام دراسته. # هذا هو أول أثر للمحيط العائلي في نفس مصطفى عند طفولته، وهو تأثير خلقي يتصل بالشعور، ~~ويلقي في الوجدان بذور الفضيلة، وتشيع في النفس من أفاعيله كرائم الآداب، ورفعة الأخلاق، ~~والتنزه عن الدنايا، ويضع في أعماق الخاطر قوة الإيمان والاعتماد على الله، وجلال اليقين ~~الذي لا يتطرق اليأس إليه في أشد الحلكات، وأبلغ المحن، وأرهب البلاء. # وكذلك بدت بوادر نفسه الصالحة الطاهرة قبل ظهور مخايل ذكائه ورفعة ذهنه؛ لأن النشأة ~~النفسية إنما تكون من عمل البيت، وصنع المؤثرات العائلية، وأفاعيل الوسط الأول والبيئة ~~الخاصة. وعلى مبلغ هذه النشأة من القوة والنقاء والخير والطبيعة تكون الرجولة، ويروح ~~المصير، ويتيسر النجاح، ويتواتى الفوز والتوفيق. # بفضل التربية المنزلية والتكوين النفسي الأول، ظهر مصطفى النحاس في شبابه موضع الإعجاب، ~~وتجلى في رجلته محل الإجلال والإكبار، وفي زعامته الوطنية كاسب الإيمان ومكسبه، ورابح ~~اليقين وموحيه، والمتجمل بالثبات والمنادي إليه، والرفيع النفس والنفوس ألفاف حوله، ~~والمتغلب على خصومه وإن تكاثروا عليه، بقوة تلك المزايا التي استمكنت منه بفضل النشأة ~~والتكوين. # وخارج البيت لم تلبث استعداداته الذهنية أن ظهرت بادهة مدهشة كمواهب نفسه، ولم تكن في ~~سمنود مدارس كبيرة في ذلك الحين، وإنما كانت ثم مدرسة لتعليم الفرنسية أنشأها قبطيان من ~~أهل المدينة، وهي مدرسة صغيرة متواضعة، لا تكفل تعليما كبيرا ولا حسن تنشئة، ولكن الصبي ~~مصطفى جعل يختلف إليها في طفولته ليأخذ عنها المبادئ الأولية. # وفي تلك الفترة، وقبل أن يبلغ العاشرة، ظهرت مطالع نجابته فجأة، وبوغت القوم بسرعة ~~التقاطه للعلم، وخارق ذكائه، وعجيب حافظته. وقد ذكر كثير من الناس قصة عن طفولته وما كان ~~منه في مكتب التلغراف، وهي في الحق قصة صحيحة غير مصنوعة، وإن لم يأت رواتها على ~~الدقائق الصادقة فيها وحقائق التفاصيل، ونحن موردوها هنا على وجهها الصحيح. # في ذات يوم شهد مصطفى وهو في طفولته عبد الحميد حافظ أفندي المستخدم في مكتب التلغراف ~~يحرك أنامله ms192 على جهاز آلي أمامه، فينقل الجهاز إشارات معينة، فوقف يتأمل هذا العمل مليا، ~~وقد هاج حب الاستطلاع في نفسه؛ فكاشف الموظف برغبته، وكان عبد الحميد صديقا لأبيه، فدفع ~~إلى الصبي بكشف طويل يحوي الحروف الهجائية وبجانبها مصطلحاتها التلغرافية، بين شرطة ~~ونقطتين، أو نقطة وشرطة، ونحوها. فلم يكن من الصبي إلا أن أكب من لحظته على حفظها، واضعا ~~كل ذهنه وقلبه في استظهارها، حتى لم يكد يؤذن مغرب الشمس حتى جاء الغلام إلى العامل طالبا ~~إليه أن يسمع عليه ما حوى ذلك الكشف من نقط وإشارات وشرطات. # وما كان أشد عجب الرجل ودهشته لما قال الغلام، فراح يقول له: «كيف تكون حافظتك قد وعت في ~~يوم واحد ما لا تعيه ذاكرة سواك في شهر؟!» فألح مصطفى عليه في سماعه قائلا: «إذا تلخبطت ~~فعاقبني!» فأصغى الرجل إليه وراح هو يتلو ما حوى الكشف من أوله إلى آخره تلوة المستظهر ~~الحفيظ العليم؛ فاشتدت دهشة العامل، وعجب لقوة ذاكرة الغلام الباكرة ووقدة ذكائه ~~العجيب. # وتسامع أصحاب أبيه بما جرى، فأشاروا عليه بأن يعنى بهذه المخايل الخارقة للمألوف، ~~والمواهب النادرة في الغلمة والأصبية، ناصحين له بأن يدخله إحدى مدارس القاهرة ليتلقى ~~العلم بانتظام، ويبرز ما وهبه الله من ذكاء غريب. # ولقد جرى شيء كذلك في طفولة مازيني زعيم إيطاليا العظيم، ومنشئ وحدتها الحديثة؛ فقد كان ~~في السادسة أو الخامسة من العمر وليدا ذكيا باده المخايل، واتفق أن زار البيت أحد أقرباء ~~أمه، وهو ضابط كبير في المدفعية، فوجده في المهد وقد أحاطت به الكتب؛ فعجب لمشهده على هذه ~~الصورة، وراح يبدي الأثر الذي اعتمل في نفسه من أمره في كتاب بعث به إلى والدته بعد سنتين ~~من ذلك التاريخ، وكانت السنيورة مازيني قد طلبت إليه أن ينصح لها أي أنواع الدراسات يصح أن ~~تسلك فيها وليدها العزيز، فقد قال في كتابه إليها: # ألا ثقي بما أنا قائل لك. إن هذا الغلام العزيز نجم سوف يروح كوكبا فرقدا ~~متألق الضياء، وسوف يصيب في يوم من الأيام ms193 إعجاب أوروبا المستنيرة كلها، ومن ثم ~~ينبغي للناس جميعا أن يعدوه كشيء هو ملك لهم، لا ملك أحد خاصة، ومن الخير ~~للناس مجموعا، ولمصلحة الإنسانية ذاتها، أن ينتفع بمواهبه الخارقة المألوف التي ~~حبته الطبيعة بها، وأن توجه أحسن التوجيه. وإن عليك لواجبا عظيما، وهو ~~أن تضحي بكل ما يمكن التضحية به في سبيل تربية هذا الوليد ~~وتنشئته. # وقد كانت هذه الكلمات نبوءة من الكولونيل حققتها الأيام، وقد راح في الكتاب ينصح لوالدة ~~مازيني أن تقصر دراسة الطفل على ما يكسبه المعارف الصحيحة والعلم المحض والثقافة ~~النقية من أخلاط النظريات والقضايا الجدلية، وأن تجنبه تناول الكتب الحاوية لصنوف ~~الحوار، ومختلف وجهات النظر، قائلا في ختام رسالته: «إن ذهنا عبقريا كذهنه سوف يسهل ~~عليه أن يختار لنفسه الكتب الصالحة من هذا الطراز في الأوان الموافق، والحين ~~المناسب.» # ولعل والد مصطفى قد وجد نفسه في الموقف الذي وجدت والدة مازيني نفسها فيه حيال ما ذر ~~من ذكاء وليده، وما بدر من مخايل نجابته، فاستنصح الصحب في أمره، واستشار أهل مودته ~~فيما عسى أن يسلكه بشأنه. وكان فيهم صالح باشا ثابت وعبد الحميد أفندي حافظ وغيرهما؛ فكانت ~~النصيحة أن يدخله في إحدى مدارس القاهرة، وكأنما أحس القوم يومئذ حيال هذا الغلام الذكي ~~من الحداثة، القوي الذاكرة في الطفولة، أنهم أمام ظاهرة غير مألوفة، وأن لهذا الغلام شأنا ~~في غده، وهي النبوءة التي كثيرا ما صحبت طفولة العظماء، واستبقت في الصغر مصائر النوابغ ~~والمتفوقين. # وأدى البحث في أي المدارس أصلح له إلى اختيار المدرسة الناصرية، وكانت يومئذ أكبرها ~~شأنا، يختلف إليها أبناء اليسار وأولاد أهل الجاه والعظاميين، وكان ناظرها أمين سامي باشا ~~المربي المعروف. # وكان خروج مصطفى من البلد الذي درج من المهد فيه، والوسط الناضر الذي كان يحتويه، والأفق ~~المنزلي الوادع الذي يكتنفه إلى القاهرة في تلك السن الباكرة، منظرا في البيت مؤثرا، ~~وموقفا أحسبه لا يزال إلى الساعة منطبعا على صفحة خاطره. ولا ريب في أن وداع والدته ~~الحنون الرءوم له كان أليما، ms194 ولا بد من أن يكون قد جرى مقترنا بنصائح الأم ووصاتها للطفل ~~الذي راح يغترب عن أفقه الصغير ليعيش في أفق جديد غريب عليه، وسط الحاضرة المليئة بالإغراء، ~~المزدحمة بالمفاتن، الجديدة على طفل من الريف نقي الصفحة بريء الخاطر. # لقد دعت أمه الله له بأن يتولى حراسته ويجنبه السوء ويرعاه، وهي في إشفاق ودموع. ~~وصحبه والده في سفره ليدخله المدرسة وهو مستخير الله في أن يسلك بولده مسالك ~~التوفيق. # وكان مجيء مصطفى إلى «الناصرية» في الثلاثة الأشهر الأخيرة من السنة الدراسية، فأمر ~~الناظر بامتحانه ليعلم أي الفرق هو لها الصالح المناسب؛ فظهر يومئذ أنه يليق للسنة ~~الثانية، فسلك في تلاميذها. وكان من المشقة عليه - ولا ريب - أن يجاري زملاءه وإخوانه ~~فيها، وهو لم يدخلها معهم من بداية السنة، ولكنه جاء من الريف يحمل أول بوادر النبوغ، فلم ~~يلبث أن تفوق على أقرانه جميعا في امتحان النقل إلى السنة الثالثة. # وعاد مصطفى في الإجازة الصيفية إلى سمنود ليجد أحضان أمه المشوقة إليه، وتوق أبيه ~~المتوسم الخير فيه. عاد إلى المروج النضرة، والحقوق الممرعة، وحرارة الشمس الساطعة، ومنظر ~~النهر وأمواهه المتدفقة، ورجع إلى البيت الذي غاب أشهرا عنه، وهو أبدا في خاطره، كما هو ~~في أخلاد أهله؛ ففرح بهذه المتعة النفسية، واستروح لهذه اللقاءة اللاهفة، ومضى يغشى ~~معاهد الطفولة، ويطوف ملاعب الحداثة؛ ولكن بنفسية جديدة، نفسية الصغير الذي نجح في ~~الامتحان، وتفوق على الأقران؛ فحركت هذه المشاعر في نفسه طماحة النبوغ الباكر، ونفث النجاح ~~في روحه أن يطوي وحده السنة الرابعة باستذكار دروسها، حتى إذا حل العام الدراسي الجديد، ~~انتظم في سلك الدراسة الثانوية قافزا طافرا. # مصطفى النحاس. # ولكن أمين سامي باشا لمح في مصطفى تلك البوادر السراع المتوثبة، فخشي أن تخمد تلك ~~الجذوة بإرهاقها، وتخبو حرارتها بالحمل عليها وإجهادها؛ فنصح بأن يسير الطفل في الدراسة ~~سيرة طبيعية، وأشفق والده عليه من تلك الطفرة الخطرة؛ فأشار عليه بالترفق، خيفة الإيغال، ~~وبالتؤدة؛ لأنها أعون على شقة المسير، فأطاع مصطفى ورضي النصيحة، ودخل السنة ms195 الرابعة ~~الابتدائية، فكان في نهايتها أول الناجحين. # وكان النظام المتبع يومئذ أن الناجحين في نهاية السنة الرابعة ينتقلون مباشرة إلى ~~الدراسة الثانوية، إذ لم تكن الشهادة الابتدائية قد تقررت بعد ونظمت لها الامتحانات ~~النهائية العامة. ولكن في تلك السنة التي كان مصطفى فيها موشكا أن ينتقل إلى الدراسة ~~التجهيزية، وهي سنة 1891، ولم يكن الصبي قد جاوز الثانية عشرة، تقررت فجأة إقامة امتحان ~~عام لنيل الشهادة الابتدائية، وكان ذلك مباغتة أعدتها الأقدار لتبرز ذكاء مصطفى، ونجابته ~~وبوادر نجاحه، وقوة استعداده، وغزارة ملكاته؛ إذ لم يكن بين مصطفى وتأدية ذلك الامتحان سوى ~~أسبوعين، ولكنها على قصرها لم تكن المهلة القصيرة حيال عزمه الوثيق، وصبره المكين، وجلده ~~الطويل؛ فنجح في الامتحان وبرز على رأس الفائزين فيه. # كذلك أتم مصطفى الدراسة الابتدائية غريبا في القاهرة، قادما إليها من صميم القرى، وكان ~~في الناصرية «بالقسم الداخلي»؛ أي يبيت فيها ويجد طعامه. وكانت الأقسام الداخلية في معاهد ~~العلم مواطن إغراء خطر، وفتون شديد السلطان على النفوس الساذجة، والصفحات النقية البريئة، ~~بسبب اختلاط الطلاب ومعيشتهم الاشتراكية، وكانت الناصرية كما قدمنا مدرسة أبناء الذوات، ~~وأولاد الأغنياء النازحين من الريف، وقد اشتهر طلابها بالترف والنزوع إلى المراح، ~~والاستجابة للهو والعبث، والاستماع إلى المفاتن والمغريات. # ولكن مصطفى الذي انحدر من سمنود وفي خاطره دعوات والدته ووصاة أبيه، وفي أعماق نفسه أثر ~~البيئة الصالحة التي عاش فيها، والأفق المنزلي الوادع النقي الذي كان في المولد يكتنفه، لم ~~يتأثر بما كان يجري من حوله في ذلك الوسط المدرسي الجديد عليه؛ إذ كانت نفسه الطيبة من ~~الطفولة منصرفة إلى الدرس، منكمشة في التحصيل، منشغلة بالطموح، مليئة بالتطلع والنزوع إلى ~~التفوق، وقد تمكنت منها العبادة، وتأصل فيها الوازع الديني؛ فلم يكن في ساعات فراغه ينزع ~~إلى اللهو كأثر من حوله، وإنما كان يروح إلى الصلاة في المواقيت، أو يطالع بعض الكتب ~~المدرسية يستزيد منها ويزكى بها، ويجمع إلى ما تلقنه في المدرسة ما يعالج هو بنفسه فهمه ~~بلا معلم ولا ظهير. # وفي المدرسة الابتدائية، ms196 ظل مصطفى في هذه «المناعة» الخلقية من المغريات ووساوس الغرائز، ~~وبنجوة من الجموح الذي ينزع إليه أكثر الولدان بسبب كثرة الاختلاط والاندماج؛ بل لقد اكتسب ~~فيها ما لم يكن يألفه من قبل، وهو الصبر على الحرمان، والرضوان بالشظف، وإيلاف التخشن، ~~والجلد على التقشف إذا ما اضطر إليه. # فقد حدث يوما أن كان الطعام المقدم إلى الطلبة في القسم الداخلي في الفطور حساء عدس، ~~فعافه مصطفى ولم يمدد إليه يده، وحان طعام الغداء فوجد الخضر المقدم على المائدة كراثا ~~مسلوقا فلم يذقه، وفي المساء كان العشاء فضلة ذلك الكراث في الأوعية وبقاياه، فلبث ينظر ~~مليا إليه، وكان الجوع قد اشتد به؛ فلم يلبث أن «هجم» على «الكراث» فأكل منه وأساغه ~~واستمرأه مكتفيا به. # مصطفى النحاس وهو في سلك القضاء. # ومن ذلك العهد ألف الرضا بكل الأطعمة، فليس له «صنف» مخصوص، ولا لون من الأطعمة هو أحبها ~~إليه. # وانتقل مصطفى إلى المدرسة الخديوية، فأظهر فيها التفوق ذاته، والنبوغ الباده بكل أعراضه ~~ومزاياه، وكان دخوله المدرسة في قسمها الداخلي «بمصروفات»؛ ولكن أمين باشا سامي الذي أدرك ~~نبوغه وعرف ذكاءه وتبين مواهبه أراد تشجيعه وجعله قدوة حسنة لسواه؛ فطلب أن يبقى ~~«مجانا» هو ورفيق له يدعى محمد فهمي ياقوت، فسمح له بذلك. # وفي المدرسة الخديوية، كان مصطفى في الحق قدوة مثلى، ونموذجا طيبا للطالب العاكف على ~~دراسته، المنصرف إلى العلم بكليته، العزوف عن النزق واللهو، المقبل على المطالعة ~~والمزيد من المعارف، وقد أحبه رفقاؤه لمواهب ذهنه وعاطفته، وتأثروا في رحاب المدرسة ~~بشخصيته، واعترفوا جميعا برقة حاشيته، ووفاء طبيعته، وكرم شمائله، وحبه الصادق للعدل، ~~حتى ليذهب إلى حماية أي طالب يستهدف لأذى رفقائه، أو تساء معاملته في حلقات اللدات ~~والأقران. # وكان مصطفى في الخديوية وقورا، وملامح وجهه تكسوها الرزانة والسكون، وإن أشعت عليها في ~~أكثر الأحيان ظلال ابتسامة حلوة ساجية، وإيماضة رفيقة هادئة، وكان متحدثا فصيحا؛ فإذا ما ~~تناقش والصحاب في مسألة من المسائل، نم وجهه وصوته وحركاته وإشاراته عن اتزان باكر، ~~وتمكن من موضوعه، ms197 وفهم صحيح لكلياته وجزئياته. # وكان كل همه في الدرس والمذاكرة، ولم يكن ليشترك مع الأقران في لهوهم ومراتعهم، حتى إن ~~نقاء حياته أرسل أفقا من الطهر والنقاء فيما حوله، وطهر جوه ومحيطه. # وعقب دخوله المدرسة الخديوية شاء اللورد كتشنر أن يأخذ من المدرسة عددا من طلابها ~~لإلحاقهم بالمدرسة الحربية، وكان مصطفى من بينهم؛ ولكنه كان يؤثر مواصلة دراسته ~~والانتقال منها إلى المدرسة العالية، فرفض النقلة إلى المدرسة الحربية، وعند ذلك ظن الموظف ~~الإنكليزي الذي يحاول تنفيذ مشيئة المعتمد البريطاني أنه مستطيع أن يؤثر في هذا الطالب ~~الذي اجترأ على الرفض، من ناحية ضعيفة، يحسبها مطعنا قابلا للجرح؛ فقال له إن كل تلميذ ~~يتعلم هنا «بالمجان» لا بد من أن يلتحق بالمدرسة الحربية، ولكن مصطفى - في شمم وعزة وشجاعة ~~- راح يجيب قائلا: «ما طلبت أنا المجانية عن فاقة، ولا سألتها عن عوز؛ ولكن ناظر المدرسة ~~هو الذي شاء ذلك مكافأة للمتقدمين، وجزاء للمتفوقين.» # فأسقط في يد المفتش، ولم يحر جوابا. # وظل مصطفى متفوقا على أقرانه في المدرسة الخديوية، على رأس الفرق جميعا، حتى أصاب ~~«البكالوريا»، وانتقل إلى مدرسة الحقوق، حيث المضطرب فسيح لبروز النبوغ، والمجال متسع أمام ~~الذكاء الوقاد، والشخصية القوية من النشأة، فلم يلبث مصطفى أن ظهر بأول مقدمات «الزعامة»، ~~ومطالع قيادة المجاميع، وقد ظل على تفوقه أول فرقته في جميع سني الدراسة، وهو البارز على ~~رأس إخوانه، الظاهر وسط الحلقات، حتى أحرز «الليسانس» وكان أول الناجحين. # وكانت بوادر زعامته في هذه الفترة الباكرة من حياته، بسبيل مصير طلاب الحقوق وخريجيها ~~إذا ما فرغوا من دراستهم القانونية؛ فقد وقف مصطفى النحاس يومئذ موقفا رائعا من أمر هذا ~~المصير وسبيله، وأبدى من الرزانة والرصانة والثبات على الحق ما كان مقدورا له أن يبدي في ~~مجال السياسة بعد ذلك، ومواقف الوطنية الصادقة، حتى لم يعد عن ذلك الأمر إلا وهو الناجح ~~الموفق المنتصر. # وتفصيل ذلك أن خريجي الحقوق كانوا يومئذ يعينون «كتبة» في النيابات بمرتب شهري لا ~~يتجاوز خمسة جنيهات، وكان ذلك ms198 الإجراء سوء تقدير لهم، ووضعهم في غير مواضعهم، وإنزالهم في ~~خدمة القانون دون منازلهم الخليقة بهم، فلم تكد نتائج الامتحان النهائي تظهر، وتعرف أسماء ~~الناجحين فيه، حتى دعا مصطفى أفراد فرقته الذين نالوا الليسانس معه إلى حفلة أقامها لهم في ~~القناطر الخيرية، فجاءوا متوافين إليه ملبين. # وحين اكتمل عقدهم نهض مصطفى فيهم قائلا لهم إنهم بنيلهم إجازة الليسانس قد أصبحوا ~~من رجال القانون في البلاد، وإنه من الجرم أن يقبلوا وظائف كتبة في النيابات براتب خمسة ~~جنيهات، فقال قائلهم: «وماذا نصنع إذن؟» قال: «أريد أن نقاطع الوظائف الحكومية، ونخوض معترك ~~الحياة العامة أحرارا طلقاء المشيئة غير مقيدين.» # فاستقبل فريق منهم الفكرة راضيا محبذا، على حين لزم فريق الصمت وأطالوا السكوت، فعاد ~~الزعيم الشاب يقول: «أما من جهتي فإنني أرفض الدخول في هذه الوظائف من الوجهة المالية، فإذا ~~كان فيكم من تضطرهم حالتهم المالية إلى التوظف وهم كارهون، فليعلنوا ذلك من الآن، فنحلهم من ~~الاشتراك معنا؛ فإن ذلك خير من أن ينشقوا علينا بعد أيام، فيعوقوا علينا سير حركتنا، ~~ويفسدوا علينا تضامننا.» فقال أربعة منهم إن ضيقهم المالي يكرههم على قبول هذه الوظائف ~~صاغرين، فقال الزعيم الشاب المتحمس لفكرته، الحريص على كرامته: «هذا حسن، فليتحد الباقون، ~~وليتناصروا، وليكونوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا.» # وما لبث نبأ هذه الحركة أن اتصل بولاة الشأن المصريين والإنكليز، فخشوا العاقبة وعهدوا ~~إلى ناظر مدرسة الحقوق بأن يدعو مصطفى النحاس إليه فيبحث معه الأمر في رفق، فلما دعاه ~~الناظر ذهب إليه، ولكنه لم يكد يدخل عليه حتى وجد حوله وكيل المدرسة وبعض الموظفين ~~الإنكليز، ومن بينهم مندوب من قبل دار الوكالة البريطانية. # وراح القوم يسألونه عن الباعث الذي بعثه هو وزملاءه على القيام بهذه الحركة، فبسط لهم ~~الأسباب في لهجة الجد والحزم والغضبة الصادقة للكرامة. # ولما فرغ من قوله وهم مرهفو الأسماع له، انثنوا يقولون له: «وماذا تريد أنت لكي تكف عن ~~دعوتك هذه؟» # فقاطعهم قائلا في حماسة الأبي المترفع: «لست أبغي شيئا لنفسي خاصة، ومهما ms199 عرضتم على ~~زملائي فإنني شخصيا لن أقبل التوظف في النيابات، وإنما الذي أطلبه لإخواني هو أن ~~يعينوا في وظائف «مساعدي نيابة» بمرتب خمسة عشر جنيها في الشهر.» فقالوا: «إن هذا الطلب ~~صعب التحقيق، إذ ليس يتيسر الترقي بهم إلى وظائف مساعدي النيابة دفعة واحدة.» # فجعل مصطفى يناقشهم في ذلك وهم يناقشونه طويلا حتى أقنعهم برأيه، وألزمهم وجهة نظره، ~~فارتضوا تعيين الخريجين في وظائف «معاوني» نيابة بعشرة جنيهات في الشهر. # وكذلك انتصر مصطفى ورفع من شأن إجازته، ونجح في زعامته الباكرة ومطالع قيادته، ووفق ~~في الدفاع عن حقوق الجماعات بقوة يقينه، وجاذبية شخصيته، ورفعة نفسه عن الصغار والمادية، ~~ونفاره من المساومة، ووقوفه موقف الشهامة والكرامة والإباء. # وكذلك بدرت نزعة الزعامة في نفس مصطفى وهو في العشرين أو قرابتها. وقد اقتضت منه الزعامة ~~الباكرة يومئذ الوقوف بجانب الحق، فوقف بجانبه رافع الرأس، قوي المنطق، باده الحجة، بل ~~لقد أريد على الكف عنها بالمساومة والإغراء؛ فأبى الإذعان إلى ما أريد عليه، فكانت تلك صورة ~~مصغرة من زعامته الوطنية حتى توانت له الظروف المهيأة، وحان مطلعه على رأس الأمة ليقودها ~~بتلك الزعامة الحريصة الحفيظة النزيهة ذاتها إلى ساحة الجهاد، وميدان الفوز والنجاح. # وقد رفض وهو قائم في ذلك الموقف الخليق بالإعجاب دخول الوظائف، وكان دخولها يومئذ مرمى ~~آمال الشباب، وغاية أماني الطلاب، رفض الوظيفة ولم يكن أهله أغنياء مكثرين حتى يستغني ~~عنها الاستغناء كله؛ ولكنه كان أبيا على المساومة، بعيد مطارح الأمل، قصي مسافة ~~الأماني، يحس في أعماقه أن الميدان الحر أوأم له، وأصلح لمثله، وأكثر إبرازا ~~لمواهبه. # رفض مصطفى وظائف معاوني النيابة، وأبى راتب عشرة جنيهات في الشهر، ولو أنه ارتضى ذلك ~~وقبله، لأعطي أكثر من ذلك وأكبر أمدا، ولكن بثمن زعامته الأولى في حلقة الشباب، ~~وبتضحية الفضيلة النامية في نفسه، الثجاجة من منابع إحساسه، الغزيرة المورد والمعين ~~... # لقد كانت عشرة جنيهات في الشهر يومئذ راتبا حسنا، يقر عين كل شاب، ويرضي أمانيه؛ ~~إذ لم تكن في ذلك الحين أزمات اقتصادية، ولا ضوائق ms200 متراخية الآماد، ولم تكن ثم قيود ~~مالية على العلاوات، وحد من الترقيات، كما ترادف ذلك وتكاثر في العهود الأخيرة، حين اشتد ~~الزحام على الوظائف، وكثر على الحكومة وخدمتها الزمر والحشود وجموع المتهافتين. # وهكذا استكمل مصطفى حياته الدراسية بإبراز مظهر جديد من مظاهر الإباء والرفعة، وفرغ من ~~دور النشأة أحسن ما يكون الفراغ، وانتهى من مرحلة التكوين أجل ما تروح النهاية؛ فكان ذلك ~~كله توطئة مناسبة لما كان يرتقبه في حياته العملية من مواقف عظيمة، وأحداث كبار، وفعال ~~جسام. # لقد استقبل مصطفى النحاس حياته العملية شابا مستقيما، والاستقامة في الشباب قوة لا ~~يستهان بها، ومزية ترجح على كل المزايا، وعدة لا تتخاذل أمام الطوارئ والحادثات، واستهل ~~مصطفى الدور الثاني بعد التكوين فتى قوي الإرادة. وقديما كانت قوة الإرادة أكبر معوان ~~على النجاح في الحياة، إذ بقوة الإرادة استطاع النوابغ والعظماء أن يشقوا طريقهم في ~~الصخر، ويبلغوا غاياتهم البعيدة بالدأب في غير كلال، والمثابرة في غير يأس، والإقدام دون ~~تردد أو إحجام. # مصطفى النحاس - من صورة زيتية. # وقد تجلت في مصطفى النحاس على نهاية هذا الدور غيرته الصادقة على «الكرامة»، وأنفته من ~~الصغار، والتنائي عما يخدش العزة؛ فراح يستفتح حياة العمل في الميادين الحرة عيوفا، ~~كريما، قوي النفس، لا ينزل عن كرامته، ولا يترخص فيها، ولا يقبل التساهل فيها ~~والتفريط. # لقد كانت تلك بداية صالحة موائمة لما كان ينتظر أن يكون من أمره في الغد القريب، وكانت ~~تلك نشأة قوية رفيعة تخلق بشاب أعدته العناية الربانية لكي يمسك بزمام الزعامة في أمة تصبو ~~إلى أعز غاية في هذه الحياة، وهي «الحرية»؛ وتجاهد لأشرف مطلب، وهو «الاستقلال». # فلننتقل إلى دور الحياة العملية لنرى كيف سلك مصطفى فيه، وماذا كان من أمره خلاله، قبل أن ~~يؤدي رسالته الوطنية إلى الناس ... # | مصطفى النحاس في حياته العملية # رأينا كيف أبى مصطفى النحاس عقب تخرجه في الحقوق الوظيفة التي عرضت عليه، وكيف دافع عن ~~حقوق الجماعة التي كان هو منها؛ فلما نجح في دفاعه لم يشترك فيها، ms201 وترك الزملاء - بفضل ذوده ~~عنهم - يدخلون الوظائف فرحين راضين جذلين. # وقد كان ذلك منه في الحق شيئا جديدا على العصر، مخالفا لروح الجل؛ ولكنه كان في أمر ~~مصطفى النحاس طبيعيا، متناسبا وخليقته، موائما لرفعة نفسه القوية، المستمدة سموها من ~~أعماقها، المستعينة على اقتحام الحياة الحرة بقوتها من داخلها واعتدادها بذاتها. وقد نجح ~~مصطفى في أول قضية تناولها ووقف موقف الدفاع فيها، قبل أن يجتاز باب المدرسة لآخر مرة، تلك ~~هي قضية الخريجين وظلامتهم؛ فقد كسبها لهم، ثم أبى أن يشاركهم الكسب الذي أحرزه، فكان ذلك ~~النجاح علامة على الغد المنتظر لهذا الشاب الجديد على عصره، وبشيرا بمصير هذا الفتى ~~المنفرد عن جيله. # لقد كانت هذه البداية مقدمة جليلة صالحة للكتاب الضخم الحافل الذي سوف تكتبه الحياة في ~~مسيرها لهذه الشخصية القوية من النشأة، المهذبة المجملة من الفطرة والتكوين. # وقد حفظت له الطبيعة مكان السبق من الطفولة، والموضع الأول في مجاز كل امتحان في الحداثة، ~~وجاءت به من الصغر صبيا غير اعتيادي، ولا أمره في الدراسة بمألوف، وكان انتقاله من دور ~~الإعداد والتهيئة، إلى دور الجد والعمل، منتظرا أن يجيء متناسبا والمطالع، متكافئا ~~والمقدمات، وإن كانت قد شوهدت أمثلة شذوذ في هذه الناحية؛ فقد قص التاريخ شواهد من حياة ~~نوابغ كانوا في المدرسة وسط الغمر، غير بارزين بين اللدات والأقران، ثم نضجوا بعد ذلك ~~واستبقوا، وكانت براعتهم في فنونهم خلال حياتهم نادرة عجيبة المثال؛ كما رأينا خلقا كثيرا ~~من الناس كانوا في الحياة المدرسية سابقين أوائل طلاعي القمم في مجتاز الامتحانات، ~~ولكنهم إذ انتقلوا إلى الحياة العملية لم يلبثوا أن تخلقوا واحتوتهم لجة الحياة فلم ~~يظهروا، وقضوا أعمارهم تسلمهم المعايش من فشل إلى فشل، وتهوي بهم الخطى من إخفاق إلى ~~إخفاق. # ولكن هذا الشذوذ في النبوغ، بين إبطاء تعقبه سرعة، وبين سرعة يعقبها تراخ وسوء ~~منقلب، لا يرتفع بطبيعة الحال إلى خطر النبوغ المنظم المستوي على نهجه، الذي تأتلف ~~نتائجه مع البوادر والقرائن والمقدمات. # وقد كان أمر مصطفى النحاس من البداية ms202 في النبوغ منظما مستقيما على الطريق، وقد فرغ من ~~دور المدرسة، ووجب أن تكون بداية الدور التالي بارزة بظاهرة عظيمة، وشأن كبير، وتناسب كامل ~~رفيع. # لقد آثر مصطفى العمل الحر، واليوم، ونحن ننظر إلى ذلك بعد مدار السنين، ومشاهدة ما كان ~~منه عبر الأعوام، لا نعجب لذلك الإيثار؛ لأنه جاء مطلعا ملائما لحياة الرجل الذي أعدته ~~الأقدار محاربا في سبيل الحرية، مجاهدا لها، مناديا بها، باذلا من أجلها عصارة النفس ~~وخلاصة الروح، مدافعا عنها بكل قوى الإيمان واليقين. # وكان موقف مصطفى بسبيل الدفاع عن حقوق حملة إجازة القانون والنتيجة الناجحة التي انتهى ~~إليها، قد عرفا يومئذ في الأوساط القضائية وغيرها؛ فكان ذلك مبتدأ جميلا لخبره، وفاتحة ~~طيبة لمستهل عمله، فعرض عليه المرحوم محمد بك فريد رئيس الحزب الوطني العمل بمكتبه لقاء ~~مرتب حسن؛ ولكنه أجاب بأنه على استعداد للتعاون معه، لا أن يعمل أجيرا عنده، قائلا إنه قد ~~رفض التوظف في الحكومة حتى لا يقيد نفسه، فلا معنى إذن لتقييدها بالتوظف لديه. # كذلك كان مبلغ إباء مصطفى النحاس للقيد، ونفوره من الأغلال، ونزوعه إلى سراح الإرادة، ~~وحرية العمل؛ بل هكذا بدأ الحياة العملية برفض الوظائف مرتين، والتأبي على التقيد في ~~حادثتين متعاقبتين، فأثبت هذا النزوع فيه شدة حبه للحرية، وإيثاره للاستقلال؛ كما أثبت قوة ~~الاعتداد بالذات، والاعتماد على النفس، أمام غد مجهول ومصير مسدل الحجب. # ولم يلبث مصطفى النحاس أن اقتحم ميدان المحاماة اقتحاما، يعمل فيه مستقلا، وينزله ~~منفردا، ولا يعتمد في الجولة خلاله إلا على إرادته، ولم يكن مضى على نيله شهادة الحقوق غير ~~بضعة أشهر. وكان أول ظهوره في المنصورة، وهو الشاب الصغير الذي لم يتجاوز الحادية ~~والعشرين. # ولم يبدأ مصطفى عمله محاميا ناشئا، ولكنه بدأه جديدا، بدأه محاميا قادما بخليقة ~~بادهة، وعنصر رفيع، ومبادئ سامية؛ بل بدأه محاميا كبيرا قبل أوانه ناضجا قبل إبانه، ~~مكتملا وهو في نشوئه، فقد برزت مواهبه في ذلك الدور الباكر من حياته، وانكشفت صفاته ~~ومنازعه ومزاياه التي كانت تبدو جواهر خامة غير ms203 مصقولة، وهو في الطفولة؛ واجتمعت من صفات ~~الاستقامة، والصدق، واحترام الواجب، وإكبار الحق، ونصاعة الخلق، والحرص على الكرامة، ~~والثقة بالنفس، وحدة الذكاء، وقوة الحافظة - اجتمعت من أولئك كلها، الشخصية اللازمة ~~للمحامي الجديد على جيله ، المستبق فوق سنه، القدير وهو في بدايته. # وما عتم أن ذاع اسم مصطفى النحاس في المنصورة، واشتهر بنزاهته وعرف بكفاءته، وراح موضع ~~احترام القضاة والمتقاضين، وعجب الناس لهذا الشاب المحامي وهو على غير ما ينتظر من المحامين ~~الناشئين: يقدم قضاياه إلى المحكمة مؤيدا لها بمراجع وأسانيد وموسوعات وأمهات كتب وفقه ~~قانوني يحملها غلام المكتب إلى الجلسة؛ ليبرزها بنصوصها من أسانيدها أمام القضاة إبراز ~~المتمكن من موضوعه، الواسع الدراسة لقضاياه. فكان القضاة يستمعون إليه في إعجاب، وكان أصحاب ~~القضايا يتقاطرون عليه من أقاصي الوجه البحري ومختلف نواحيه ليسلموه قضاياهم، وهم مطمئنون ~~إلى نزاهته، ساكنون إلى مقدرته، معتقدون أنه المحامي الشاب الذي ارتفع بالمحاماة من ~~اعتبارها كحرفة أو مهنة إلى فن رفيع، يشتغل به صارفا كل نفسه إليه، واضعا كل قلبه في ~~مقتضياته ومطالبه. # لقد كان مصطفى النحاس في الحادية والعشرين محاميا لا يقنع بأنه قد وجد في المحاماة ~~«مرتزقا» يكفل له العيش، ويدر عليه الكسب؛ ولكنه يأبى إلا أن يراه «فنا» وأن يكون صادقا ~~لفنه، أمينا عليه، حفيظا له، رافعا من مستواه؛ فأقام بذلك المثل الحسن للمحامي، وأبرز ~~القدوة المثلى للمشتغل بالقانون. # وكان مبدؤه من نشأته في هذا الفن الرفيع هو البحث عن الحق والعدل، مهما كان من صعوبة ~~القضايا وتعقدها، ومهما كان الحق في بعض الأحيان متعارضا مع القانون؛ فلم يكن ليتردد في ~~الدفاع عن الحق والعدل حتى يغلبهما على القانون. وإذا كان بعض القضايا من جهة القانون ~~مكسوبا، ولكنه من جهة الحق يبدو خاسرا غير رابح، ظل يكافح ويناضل حتى يرد الحق إلى نصابه؛ ~~وإذا أعوزه صدق نية المتخاصمين، تخلى عن الدعوى، وأبى السير فيها، مضحيا بما يجلبه عليه ~~قبولها من وفير الربح، وجزيل الأتعاب، وضخم الجزاء. # هذا هو المثل الرفيع للمحامي الشريف، بل المحامي ms204 الذي لا ينظر إلى المحاماة كمهنة، ولكن ~~ينظر إليها كفن، ولا يمد عينيه منها لمجرد الكسب والانتفاع، ولكن يرتفع بها عن المادية ~~إلى مستوى الواجب، وإملاء الضمير، والبحث عن الحق من أجل الحق، وإقامة العدالة؛ لأنه يجب أن ~~تقوم العدالة. # يجب أن يكون المحامي بحاثا عن الحق والعدل، فلا يترافع ضد ضميره، ولا يغلبه الطمع في ~~الكسب على التطلع إلى الفوز بإزهاق الباطل، وجعل كلمة الحق هي الغالبة. ولا يصح أن يكون ~~المحامي مداجيا، فيعمد إلى التعمية أو يلجأ إلى إخفاء الحقائق، كما أن بلاغته ولسنه ~~وقوة منطقه وكفاءته وبراعته ينبغي أن تنصرف جميعا لخدمة الحق والعدل دون أي اعتبار آخر، أو ~~تفكير في شيء سواهما بأية حال من الأحوال. # وهذا لا يتعارض - بلا ريب - مع واجب الدفاع باعتباره حقا مقدسا لكل متهم، وإنما يجب أن ~~يلبس المحامي كل حالة ثوبها الحقيقي، ويصورها في صادق صورها، ويصرف همه وعنايته إلى شرح ~~الظروف الصحية المحيطة بالقضية وملابساتها، فإن هذه قد تكون عوامل تقتضي الرحمة، أو ظروفا ~~توجب التخفيف. # على هذه المبادئ السامية جرى مصطفى النحاس في المحاماة، وهو يومئذ شاب مبتدئ يتطلع إلى ~~النجاح في الحياة، وقد نجح فعلا ذلك النجاح الوثيق المكين القائم على أمتن القواعد، الرفيع ~~كأمتن البنيان، على حين يذهب كثير من الشباب غير ذلك في فهمهم لمطالب النجاح ووسائله، إذ ~~يعتقدون أن الاستقامة على طريق الحق والصدق قلما تجدي على صاحبها في هذا المعترك الصاخب ~~المزدحم العنيف، وأن على قدر ما يكون المرء مصانعا كبير الحيلة أخا مداجاة ملتمسا الكسب ~~بكل وسيلة، يدنو من النجاح وشيكا، ويوفي على الغاية منفرج الخطوات. # نجح مصطفى النحاس في بداية حياته العملية كمحام من طراز بديع، أو محام مثال على ~~النزاهة ورفعة المبادئ؛ حتى راحت القضايا تتدفق عليه، وكان يمرض من كثرة العمل وطول الدأب ~~والانكماش في قضاياه. # وكان نجاحه في المحاماة سبيلا في خطة الطبيعة إلى البروز في ميدان آخر غيرها، وكان هذا ~~البروز مقدورا أن يأتي سريعا، فاقتضى ذلك ms205 أن يروح النجاح الأول عظيما بالغا، مترامي ~~الخبر في المجامع، متناقل الأحاديث مع الدهشة والإعجاب في مختلف الأوساط. # لقد أرادت العناية الإلهية أن يكون مصطفى النحاس قاضيا ليحكم بالحق والعدل، بعد أن كان ~~المدافع عنهما تحت المنصة وأمام السياج، ويكفي أن يكون محاميا في الرابعة والعشرين أو ~~قرابتها فيختار لوظائف القضاء، يكفي هذا ليكون دليلا على النبوغ السريع، والتفوق النادر، ~~والنجاح الباده، من المطالع، بل لقد كان انتقال مصطفى من المحاماة إلى سلك القضاء ظاهرة ~~جديدة في الوسط القضائي لم يشاهد لها مثيل ولا شبيه؛ لأنه كان أول محام، أو المحامي ~~الوحيد الذي عين قاضيا ولم يكن قد مضى على إدراج اسمه في المحاماة أكثر من ثلاث ~~سنين! # ولم يحاول مصطفى هذا التعيين، ولم يسع إليه بنفسه، ولا استعان فيه وساطة الوسطاء؛ بل ~~لقد أباه واشتد في إبائه، ورفضه معتزا بمحاماته، قانعا بحريته، معتدا بنجاحه في ~~صناعته، لا يبتغي عنها تحويلا؛ ولكن الحكومة هي التي سعت إليه، وهي التي طلبته للقضاء، ~~مكبرة ما كان في المحاماة منه، وما زالت به تحاول إقناعه بالقبول من هاهنا وهاهنا حتى رضي ~~أخيرا، احتراما لإرادة من لم يستطع لمشيئته عصيانا، وهو والده، إذ خوطب في الأمر ~~ليستعان به عليه. # كان ذلك في يناير سنة 1904، ومدير الإدارة القضائية في وزارة الحقانية يومئذ هو المغفور ~~له عبد الخالق ثروت باشا. وكانت الوزارة بحاجة إلى قاض جديد، فكتب ثروت باشا إلى محام ~~قديم في المنصورة يدعوه إلى لقائه، فلما اجتمعا قال مدير الإدارة القضائية: «إننا نريد أن ~~نعين أحد المحامين في سلك القضاء، وقد سمعت ثناء كثيرا على الأستاذ مصطفى النحاس، ولكني ~~علمت كذلك أنه رجل صلب يكره الوظائف، ويعتز بحريته، وقد دعوتك لتخاطبه في هذا الشأن، ~~فلعلك مستطيع إقناعه بالقبول.» ولكن الزميل القديم أجاب بأنه يخشى ألا ينجح إذا هو سعى وحده ~~في هذا السبيل، وأنه يرى أن يلجأ إلى والده ليحمله على الرضا؛ فاستصوب ثروت باشا الفكرة ~~وحسنت لديه. # وسافر الزميل إلى المنصورة، ثم قصد ms206 منها إلى سمنود لمقابلة الشيخ محمد النحاس، وقص عليه ~~نبأ لقائه لثروت باشا والحديث الذي دار بينهما؛ فأرسل الوالد إلى ولده يستقدمه سريعا إليه، ~~فقدم مصطفى إلى سمنود ليرى ما الخبر، وما كاد يلتقي ووالده، حتى ابتدره هذا بقوله: «إنني ~~أقسم يا مصطفى أنك لن ترفض ما سأطلبه إليك.» ثم راح ينبئه بما كان بين ثروت باشا وزميله. ~~وسمع مصطفى القصة وهو في صمت، حتى إذا فرغ والده من الحديث، راح يظهر الرفض والتأبي، ولكن ~~ما زال به والده يلح عليه حتى وعده القبول. # وجاء مصطفى إلى القاهرة وذهب لمقابلة ثروت باشا، فأراد أن يمتحن مبلغ خلقه وقوة نفسه، ~~فقال له: «لقد دعوناك لكي نتحدث في أمر تعيينك إما قاضيا، أو وكيل نيابة.» فلم يكد مصطفى ~~يسمع ذلك حتى استوى ناهضا من مجلسه وهو يقول: «إنني لم أقبل المجيء هنا إلا بإلحاح شديد، ~~وبعد أن قيل لي إن الاتفاق قد تم على دخول سلك القضاء، أما والأمر كما تقول، فإني أرفض ~~بتاتا الوظيفة التي تعرضونها، وإني راض كل الرضا بحالتي في المحاماة، وبالحياة الحرة التي ~~أدعو الله أن يديم علي نعمتها.» فأعجب به ثروت باشا أشد الإعجاب، وقال له: «أقسم لك إنني ~~إنما أردت بهذا امتحان أخلاقك.» ثم مد يده إلى درج مكتبه، فأخرج منه المرسوم القاضي ~~بتعيينه، فدفع به إليه. # فهل رأيت مبلغ الخلق الرفيع الذي صحب مصطفى من النشأة والشباب، وكيف حبب إليه الحرية ~~فغالى بها، وبغض إلى نفسه الوظائف متأبيا على قيودها، حتى ليرفض وظيفة قاض وهو لم ~~يقض في المحاماة غير ثلاثة أعوام، يرفضها متشبثا بنعمة الحرية ساكنا إليها في وقت كانت ~~فيه الوظائف غاية مطمح الشباب، وأزهر أحلام الصبا، ولم تكن الحكومة قد ازدحمت زحامها ~~اليوم بالموظفين؟! # الشيخ الجليل محمد النحاس والد مصطفى النحاس. # هل رأيت الشاب الذي يستعان بأبيه على إبائه، فلا يجد أبوه من حيلة غير القسم عليه؟ ~~والذي يظهر الكراهية للوظيفة حتى ولو كانت وظيفة قاض وهو لا يزال مبتدئا لم يقطع ms207 في ~~المحاماة شوطا طويلا، على حين نجد الذين يصيبون من المحاماة مراكز في القضاء لا يظفرون ~~بها إلا بعد مضي آماد طوال عليهم وهم في صفوف المحامين. # هذا هو مصطفى النحاس الذي كان يومئذ معدا لما هو أخطر من ذلك وأكبر شأنا، وأعظم ~~تبعة، وهو أن يكون زعيم أمة في ساحة الجهاد الوطني، وخليفة زعيم عظيم جاء من قبله فترك ~~مجالا للمقارنة رحيله، وغادر سبيلا للموازنة ذهابه من هذا العالم. وكان لا بد من أن ~~تتماثل الصورتان في بعض المعالم، وتتقاربا في بعض النواحي والأجزاء؛ لكيلا تفقد الزعامة في ~~الأمة هيبتها الجليلة، ويتناقص سلطانها الرهيب. # مصطفى النحاس قبل الزعامة. # هذا هو مصطفى النحاس من بداية الشباب، وأول السلم الاجتماعي، ومطلع الحياة العملية: نفسا ~~نقية من الشوائب، مجملة بكرائم الأخلاق، وذهنا خصيبا حديد الذكاء، مرهف الذاكرة، ومنطقا ~~رصينا قويا رائع التدليل، وقلبا رحيما حانيا غزير العاطفة يفيض على من حوله، فيملأ ~~الأفق مودة وألفة ورفقا وتفاهما ووفاء. # وإلى هذا كله في تقسيم الصفات الحسنة، والمزايا الرائعة - نزاهة ناصعة، واستقامة جامعة، ~~وقوة تصميم، ورفعة إباء، وصحة اعتزام، وحكمة اتجاه وأصالة رأي، وصفاء ذهن، وترفع عن ~~«المادية» إلى حد احتقارها إذا هي تعارضت مع الواجب والضمير. # كذلك هو مصطفى النحاس المحامي حين دخل سلك القضاء في سنة 1904، لتتجلى مواهبه النفسية ~~ومزاياه الذهنية في كرسي القاضي لأول وهلة، وتبدو في أحكامه مدللة على أنه مثال القاضي الذي ~~تطمئن العدالة في مجلسه، ويصان قدس الحق في مكانه، ويجد القانون عنده أقوى الحراس الثقات ~~الحافظين. # وما نسي الناس إلى اليوم أنه كان في ماضيه قاضيا، فإن مصطفى النحاس القاضي قد ترك أجمل ~~الصفحات في تاريخ القضاء المصري واستقلاله، وضرب للناس أحسن الأمثلة على نزاهة القاضي ~~واستقامته، وحرية ضميره، وقوة إرادته، حتى ليتنادروا إلى اليوم بأمثلة من أحكامه، ويتناقلوا ~~في المجامع روايات متعددة عن مواقفه، ويضيفوا إلى ما عرف على الصحيح من حوادثه ضروبا ~~متخيلة من الحكايات والأمثال والوقائع ليس إلى تحقيقها من سبيل، فيصدقها المتسامعون بها؛ ms208 ~~لأن الصحيح منها لا يقع دون المتخيل، والفعلي فيها ليس أقل في إثبات فضله من المنحول في ~~ذلك والمصنوع، وهي على حد سواء في النتيجة منها، والمغزى المراد بها، وهو شخصية القاضي ~~العدل، النزيه ، المستقل، الحكيم ... # لقد قضى مصطفى ثلاث سنين يدافع عن الحق والعدل خلف السياج، ووراء حرم القضاء، حتى رفعته ~~قوة دفاعه عنهما من فوق السياج إلى الحرم ذاته، والجلوس فوق منصته ليحكم بالحق والعدل، وهو ~~انتقال خطير وتحول بالغ الشأن بالنسبة لشاب في نحو الخامسة والعشرين. # ولكن مصطفى كان قبل أوانه، ناضجا قبل حينه، قوي الخليقة في جيله، فذ المثال في زمنه، ~~روحه أكبر من العهد الذي يعيش فيه، عهد الاحتلال بكل جرائمه وجناياته ومساويه، ونفسه أرفع ~~من البيئة التي ظهر فيها لكي يرسل عليها من أشعة نفسه المنيرة، ويغمرها بتيار زاخر من ~~شخصيته الصادقة، ومجموعة المزايا والمواهب النفسية العالية التي انتقتها الطبيعة لهذا الشاب ~~المهيأ لأمر عظيم. # كان مصطفى النحاس مثال القاضي العادل إذا ما ذكرت الأحكام، ومثال القاضي الجديد ~~التفكير الصائب المرمى العميق القرار إذا ما ذكرت المبادئ؛ على حين هو الشاب الحدث الذي ~~لا ينتظر من مثله مع صغر سنه وفي مقتبل عمره، أكثر من مراعاة حرفية القانون، والرجوع إلى ~~سوابق الأمثلة من مجموعة الأحكام الماضية. # ولكن مصطفى من بداية عمله في القضاء راح في كثير من أحكامه يضع مبادئ، ويسن قواعد، ويأتي ~~بتفكير رائق جديد يقوم كالسابقة الصالحة المتخذة عند الآخرين. # وقد كان من بين المبادئ التي سنها في أحد أحكامه ما يدل على تأصل الروح الدستوري في ~~نفسه من الشباب، ومبلغ احترام الفكرة النيابية عنده من البكور، قبل أن يوضع الدستور وتبتدئ ~~الحياة النيابية في البلاد بعدة السنين؛ فقد كان أول قاض يصدر حكما يقضي باعتبار مجالس ~~المديريات هيئات ذات شخصية معنوية. وكان هذا الحكم خطيرا في بابه، وجديدا لا سابقة له، ~~فضلا عن أنه ينم على اتجاه نفسه، وتيار روحه، ومنصرف ذهنه، ويضع حجرا أساسيا في بناء ~~القواعد الدستورية التي كان ms209 القدر لا يزال يهيئ لها العوامل والأسباب. # وكان مصطفى النحاس القاضي في كثير من أحكامه واضع مبادئ، ومنشئ سابقات خطيرة، ومحدث ~~حيثيات تصلح مراشد ومراجع في دور القضاء، وقد أصدر يوما وهو في دائرة ابتدائية حكما ~~في بعض القضايا عدلته محكمة الاستئناف، ولكنها أمام روعة ذلك الحكم وقوة تخريجه وعمقه لم ~~يسع رئيسها - وهو يومئذ يحيى إبراهيم باشا - إلا أن يبعث إليه بكتاب شكر وتقدير ~~وإعجاب. # ومن الأدلة البارزة على تعمقه في البحث وغوصه في الدراسة أنه أصدر حكما اعتبر فذا ~~فريدا في مسألة الوقف، وهو يقضي بأن الوقف لا يملك بمضي المدة قطعا؛ لأن الوقف نظام ~~شرعي، والشريعة لا تعرف التملك بمضي المدة، ولا يقاس هذا على ما قرره الفقهاء من عدم جواز ~~سماع الدعوى بعد مضي ثلاث وثلاثين سنة. # وكذلك لم يكن مصطفى النحاس قاضيا من عرض القضاة، ولكنه كان قاضيا من طراز نادر، ~~قاضيا غير مألوف، قاضيا في الصدر من أساطين القضاء، في كل ما يجب للقاضي من الصفات ~~والخواص، وما ينبغي أن يتجمل به من رفعة الشخصية، وجلال الخليقة، وسمو الإحساس، وقوة ~~العارضة، وشدة الحرص على الحق والعدل، والنزاهة والاستقلال بالرأي، والاستجابة لإملاء ~~الضمير، واحتقار جميع العوامل الأخرى والاعتبارات، ونصاعة الصفحة، وحسن السيرة، والإخلاد ~~إلى استيعاب القضايا وتوفيتها كل الدراسة الواجبة. # وقد بلغ من حرصه على درس القضايا أن جعل يتناول ملفاتها جميعا، فيكب على بحثها ودراستها ~~وتلخيصها في كل دائرة يجلس فيها، وكان زميلاه يتركان له ذلك اعتمادا عليه وثقة غالية به. ~~وكان المتبع من قبل أن يتقاسم القضاة الثلاثة في الدائرة القضايا بينهم درسا وتلخيصا ~~قبل الجلوس لنظرها. # وليس أروع ولا أجل من قاض يستدرك على نفسه حكمه عقب النطق به، حرصا على الحق والعدل، ~~ومخافة من إيذاء الناس فوق ما ينبغي أن يعاقبوا به، حتى وإن كانت القضية صغيرة، والمحكمة ~~ابتدائية، والمجال أمام المحكوم عليه متسعا للاستئناف والمنجاة من خطأ غير مقصود. # ولو أن قاضيا آخر في موضع مصطفى النحاس، وأدرك هذا الخطأ ms210 لحظة الفراغ من إصداره، لما فعل ~~أكثر من ترك الأمر لدور الاستئناف، حيث يتسع المجال إذا شاء للمتهم في التخلص من الحكم ~~الابتدائي الذي جاوز القانون في الحدود والعقوبات. # ولكن مصطفى النحاس القاضي أبى إلا أن يستدرك ما فاته، ويذكر ما نسيه، ويلاحظ بنفسه على ما ~~حكم هو به، إراحة لضميره، واستماعا إلى صوت نزاهته، وانبعاثا مع العدل الذي استمكن روحه ~~من شغاف شعوره ودقة إحساسه. # فقد حدث أن كان من بين القضايا المعروضة عليه وهو قاض ابتدائي «إصابة خطأ»، فأصدر في ~~الجلسة الحكم على المتهم بالحبس مدة عينها في حكمه، ولكنه لم يكد ينطق به، حتى أحس أنه قد ~~جاوز الحد المقرر للعقوبة في القانون، فلم يكن منه إلا أن دار في الحال بعينه إلى كاتب ~~الجلسة فقال: «أثبت أيها الكاتب أن هذا الحكم خطأ، وأنه يجب على النيابة أن ~~تستأنفه!» # وهذا - بلا ريب - تصرف كريم، وعمل عظيم، وموقف نادر، وانبعاث لم يسمع أحد بمثله، وهو يدل ~~على «مروءة» متناهية، فإن المروءة هي في ذاتها مجموعة كل مكارم الخلق، وموجز سائر الفضائل ~~والآداب، ويشف عن أمانة القاضي العادل النزيه الشجاع الصريح الذي لا يخشى أن يقول «أخطأت» ~~إذا هو أخطأ، ولا ينزوي من قول الحق حتى على نفسه. وقد أوجب على النيابة الاستئناف ليستوثق ~~من أن الحكم سوف ينظر من جديد؛ لأن النيابة قد تقتنع بالحكم لما فيه من تزيد أو تجاوز ~~للعقوبة الصغيرة، ومخافة من أن يقنع المحكوم عليه بذلك الحكم فيرضاه ولا يعمد إلى استئنافه. ~~ولكن مصطفى القاضي بهذه الوسيلة الكريمة وضع النيابة أمام الأمر الواقع، وأصلح ما أفسده عن ~~غير عمد بنسيانه، ورفع قضاءه بهذا المسلك النبيل فوق كل مأخذ أو لائمة. # ولم يكن مصطفى النحاس إلى تلك المرحلة من حياته قد عرف سعدا أو التقى به، ولكن القدر ~~الذي كان مهيئا لهما اللقاء عند أشرف الغايات والتعاهد على الجهاد في سبيل أعلى المطالب، ~~والكفاح لتحقيق أسمى الأمثلة - كان في ذلك الحين يمهد للتعارف بين الزعيم ms211 وخليفته، والبطل ~~وحامل رسالته، والقائد الوطني الأكبر ورافع رايته، فجعل مصطفى وهو في المحاماة يتتبع ~~الأحكام التي كانت تصدر عن المستشار سعد زغلول بك، ويعنى بقراءتها، ويتوخى الاسترشاد بها، ~~لما كان يحسه من حسن التقدير لها والإعجاب بها، وما كان يجد فيها من المبادئ الجديدة والمثل ~~العالية. # واتفق أن عين مصطفى النحاس قاضيا في ميت غمر في الوقت الذي كان فيه سعد وزيرا ~~للمعارف؛ فازداد إعجاب الأستاذ مصطفى النحاس بسعد، والإكبار له في أعماق نفسه؛ لأنه ما لبث ~~أن رأى ذلك الوزير الجديد من طراز آخر غير طراز الوزراء «الصم البكم» - كما وصفهم الإمام ~~محمد عبده في ذلك الحين. # ولم يمض على سعد في وزارة المعارف وقت طويل حتى شرع في حركته المعروفة يومئذ بنهضة ~~الكتاتيب، فراح يطوف الأقاليم داعيا الشعب إلى الإقبال على التعليم. # وشاءت الأقدار أن يزور سعد خلال طوفته مركز ميت غمر، فما كاد أهلها يعلمون بنبأ مقدمه حتى ~~أعدوا مظاهر الحفاوة به، وتأهبوا لاستقباله. واشترك مصطفى النحاس في إعداد العدة لهذه ~~المناسبة العارضة التي هيأت له لقاء ذلك الرجل الذي كان له في نفسه موضع إعجاب، ومحل تقدير ~~قبل أن يتقلد الوزارة، ثم ارتفع مكانه عنده وسما موضعه من تقديره، إذ رآه وزيرا جديدا في ~~خدمة بلاده. # وقدم سعد فاستقبله أهلها بتكريم وترحيب، وكان الأستاذ مصطفى النحاس في صدر مستقبليه؛ لأنه ~~كان قاضي المدينة، ومن ثم أكبر الشخصيات فيها مكانا، فكانت تلك هي المرة الأولى التي تلاقى ~~فيها الرجلان اللذان كانت العناية الإلهية تعدهما للقاء آخر عند عمل خطير وكفاح شريف في ~~سبيل غاية سامية. # وقد أخذت لسعد ومستقبليه يومئذ صورة شمسية، وقد جلس مصطفى بجانب سعد، ولا يزال لهذه ~~الصورة التاريخية حافظا. # ومرت الأيام، وتقلد سعد وزارة الحقانية، وكان القاضي مصطفى النحاس قد نقل إلى القاهرة، ~~حيث عين عضوا في إحدى دوائر المحكمة الأهلية؛ فحدث في ذات يوم أن اختلف مصطفى مع رئيس ~~الدائرة - وكان المرحوم علي ثاقب بك - بشأن حكم في قضية كان رئيس ms212 المحكمة يريد الحكم فيها ~~بالإدانة، ولم يكن هذا رأي مصطفى أحد عضويها، فأبى رئيس الدائرة إلا أن ينطق بالحكم في ~~الجلسة قبل أن يناقش زميله في الخلاف بين الرأيين؛ فلم يكن من مصطفى النحاس إلا أن التفت ~~إلى الكاتب في جرأة الشجاع وشجاعة الجريء النزيه، وأهاب به قائلا: «أثبت أيها الكاتب أن ~~رأيي لم يؤخذ في هذه القضية.» # وترامى نبأ هذا الخلاف إلى سعد وهو وزير للحقانية، فأمر بدعوة الأستاذ النحاس إلى لقائه، ~~فذهب مصطفى فدخل على سعد مكتبه، فسأله عن تفصيل ما جرى بينه وبين رئيس الدائرة، فقال إنه قد ~~اصطلح معه وزال ما كان من خلاف بينهما، ومن ثم لا يرى وجها لإثارة تلك المسألة من جديد، ~~فقال له سعد: «إني كوزير للحقانية من حقي أن أطلب إليك بسط التفاصيل لي.» فلم ير مصطفى غير ~~النزول على رغبته، فمضى يقص عليه ما جرى. # وحين فرغ من ذلك أخذ سعد يناقشه في المسلك الذي اختاره، ويسأله ألم يكن من سبيل أمامه غير ~~ذلك السبيل الذي سلكه في هذا الخلاف صونا لكرامة القضاء، وحرصا على جلال سلطانه وهيبته ~~بين الناس. # فراح مصطفى يشرح الموقف من جميع نواحيه، ويبين الظروف والملابسات التي أحاطت به، حتى سلم ~~سعد أخيرا بأن تلك الظروف لم تكن لتسمح بسلوك غير ذلك المسلك الذي لجأ مصطفى إليه ~~كارها. # وعند ذلك حدق سعد بصره في هذا الشاب الجديد المستوى حياله في شجاعة الرأي، وقوة الاعتداد ~~بالذات، والحرص على الكرامة، والثقة بالنفس في أرهب المواطن، وأنشأ يقول: «الآن، وقد انتهيت ~~من البحث معك كوزير للحقانية، فإن لدي نصيحة أبوية أريد أن أسديها إليك، وهذه النصيحة هي ~~ألا تكون شديدا مع زملائك.» فأجابه مصطفى غير متردد: «إنني لا أستطيع أن ألين فيما أعتقد ~~أنه حق وعدل!» فقال له سعد: «إني لا أنصح لك بأن تلين في الحق، فحاشا لله أن يكون هذا هو ~~مرادي، ولكني إنما أطلب إليك ألا تكون شديدا في معاملة زملائك، ولا تحسبن أنني أبرئ نفسي ms213 ~~بهذا القول، فأنا مثلك شديد في معاملة زملائي، ولكم بلغت مني الحدة أحيانا حتى لكدت أهم ~~بضرب زملائي المستشارين، ثم إذ أخلو إلى نفسي بعد ذلك وأفكر فيما بدر مني، لا ألبث أن أحس ~~الندم على حدتي، والأسف على شدتي في معاملة الزملاء ... فلا تكن مثلي.» # وقد ظل سعد يذكر ذلك اللقاء على كرة السنين، حافظا في خاطره استقامة مصطفى النحاس، وشدة ~~تمسكه بالحق، وحرصه على كرامة القاضي الشجاع الأبي العادل النزيه، ولسنا نرى شيئا أجمل من ~~هذا التماثل الخلقي بين هذين الرجلين اللذين اجتمعا في تلك المناسبة العجيبة: وزيرا ~~للقضاء، وقاضيا شجاعا شهما شديد الإباء؛ ليتحدثا فيما بينهما عن الحق والشدة فيه، والغضب ~~له، والحرص عليه، وهما يومئذ لا يدريان أنهما على الأيام مجتمعان للحق ذاته ولكن في أتم ~~معانيه، متلافيان عند التشدد فيه وبالغ الاستمساك به، ولكن تشدد المجاهد المكافح، واستمساك ~~المناضل عن حق أمته كاملة، بقوة الإيمان وثبات اليقين. # وما أعجب حديث سعد وهو يومئذ أكبر من مصطفى سنا! إذ ينصح له بألا يشتد هكذا مع زملائه، ~~وهو في الوقت ذاته معجب به، مكبر لموقفه، راض عن مسلكه، بل ما أروع انتقال سعد من الكلام ~~كوزير، إلى الحديث كصديق ذي نصيحة، ناسيا الفارق الكبير بين الموضعين، غير ملق بالا إلى ~~شيء غير موقف هذا القاضي المبتدئ الذي يسلك نفس مسلكه، ويعامل زملاءه في الحق عين معاملته، ~~ناصحا له بأن «لا يكون مثله»، وهو لا يعلم يومئذ أنه سوف يكون غدا مثله حتما، بل سيروح ~~أقرب شبها منه، وأدنى تماثلا إليه، وأنه سوف يحل محله، ويخلفه على تراثه الوطني ~~العظيم. # لقد تلاقى الرجلان يومئذ بالروح، واجتمعا يومئذ في أشرف معاني الفضيلة، وأجمل مكارم ~~الخلق، وأبلغ مظاهر العظمة التي كانت الطبيعة قد هيأت لها أكبر فرص الظهور عند نضجة ~~الحوادث، واكتمال الظروف، وقيام المناسبة الصالحة. # وقد اعترف سعد وهو وزير للحقانية بأنه لا يملك أن يكون «متسامحا» مع زملائه في الحق، ~~وأنه على هذه الخليقة باق، ولهذه النزعة ملازم؛ ms214 ولكنه لا يحب أن تكون في مصطفى متمكنة منه، ~~شديدة الأثر في نفسه، مقترنة بمعاملته وتصرفاته، كأنما هو لا يخشى على نفسه من نتائجها، ~~ويشفق على القاضي المبتدئ منها، ولا تكون هذه الخشية السريعة عليه إلا وليدة الإعجاب، ~~ونتيجة الغيرة والحرص وحسن التقدير. # على أنه مع سياق الحوادث، وعلى مر السنين، بقي الرجلان على تلك الشدة المتناهية في الحق، ~~هي سياج دفاعهما عن بلادهما، وموضع مناعتهما ضد كل فتون أو إغراء، وحيال كل إرهاب أو ~~وعيد. # وقد تجلى حرص مصطفى على الحق وحفاظه للعدل وهو في مركز القضاء، في كثير من الحوادث، وعديد ~~من القضايا، وكانت هناك اعتبارات كثيرة تحيط بتلك المسائل، حتى لو أن قاضيا آخر يومئذ في ~~موضعه لسلم على الأرجح بما أبى هو فيه التسليم. # ولا يزال الناس إلى اليوم كلما تذاكروا عهد مصطفى في القضاء يتناقلون حديث موقفه في قضية ~~المرحوم محمد محب باشا، مثالا على مبلغ حرص القاضي النزيه على استقلاله، والتمسك بوحي ~~ضميره، والاعتداد الرفيع بقوته وسلطانه فوق منصته، في غير إشفاق ولا خوف من أكبر ~~سلطان. # وكان مصطفى النحاس يومئذ قاضيا في محكمة عابدين، وكان من بين القضايا التي عرضت عليه ~~قضية رفعها أحد الأعيان على المرحوم محمد محب باشا مدير الغربية في ذلك الحين، بتهمة ~~الاعتداء عليه، فلم يكد أنصار محب باشا يعرفون أن القضية سوف تعرض على مصطفى النحاس حتى ~~أيقنوا أنه سوف يحكم فيها بروح العدل والإنصاف، وأنه سوف يكون شديدا في الحق لا يعرف فيه ~~أي اعتبار، ولا يبغي عنه أي حول، فأرادوا أن يزحزحوه عن موضعه، فعمدوا إلى الدسيسة عليه، ~~إذ أرجفوا بأنه من أشياع الحزب الوطني، وأنه سوف يغلب منزعه السياسي هذا ويستجيب له، ~~فيحكم على محب باشا بالإدانة. # وعند ذلك سعت بعض الجماعات سعيها، فدعا المغفور له رشدي باشا - وكان وزيرا للحقانية في ~~ذلك الحين - الأستاذ مصطفى النحاس قاضي عابدين إلى لقائه، فلما تلاقيا أفهمه الوزير في سياق ~~حديثه أن المطلوب منه في قضية محب باشا ms215 الحكم له، أو التنحي عن نظرها. # فكان جواب مصطفى: «أما من حيث الحكم فسيجيء مطابقا لما يقضي به الحق وترضاه العدالة، ~~فإذا كان محب باشا بريئا برأته، وإذا كان مدانا عاقبته. وأما من ناحية التنحي عن ~~نظر القضية فإن هذا لن يكون، ولكني مع ذلك لست أريد أن أعرضكم لخطر يهددكم؛ ولهذا سأرفع ~~إليكم استقالتي عقب إصداري الحكم في القضية مباشرة!» # فلم يكد رشدي باشا يسمع هذا القول الرائع الجليل من هذا القاضي الأبي الشهم النزيه الجريء ~~في الحق - وكان رشدي رجلا ذا عاطفة سريعة التوقد، وشيكة الاستحماء والانبعاث مع الحماسة ~~والاستجابة للجرأة في الخير - حتى ذهب يقول: «امض في القضية كما يوحي إليك ضميرك، وثق أنك ~~إذا استقلت فإنني مستقيل معك!» # وقد قيل إن رشدي باشا ذهب يومئذ إلى السلطان حسين ~~فحدثه بما علم وبسط له ما جرى؛ فغضب السلطان غضبة شديدة للحق وانثنى قائلا: «أنا أؤيدكما ~~بكل قواي ...» # وبعد أيام صدر الحكم في القضية بإدانة محب باشا وتغريمه، فأثار ذلك اهتماما كبيرا عند ~~الجمهور وراح حديث المجالس، وطافت أنباؤه الأندية والمجامع، وشغلت البلاد كلها بخبره، إذ ~~كانت تلك هي المرة الأولى التي يعامل فيها مدير إقليم بل حاكم مقاطعة، في ظل الاحتلال، هذا ~~النحو من المعاملة، كأنه بعض أفراد الناس، وشخص لا حساب له في موازين الأخطار ~~والأقدار. # وعقب صدور الحكم أنعم السلطان حسين برتبة «البكوية» على القاضي العادل النزيه مصطفى ~~النحاس، دليل تقدير وبرهان رضوان. # وليس من ريب في أن هذا الحادث الذي ظهر في حياة مصطفى النحاس وهو في سلك القضاء، قد ظل ~~معناه قائما في نفسه، متابعا أبدا مسالكه وتصرفاته، باديا على أروعه في سياسته ووطنيته ~~وزعامته، فقد فطره الله رجلا لا يعرف في الحق أشخاصا، ولا يعبأ من أجله أقدارا، ولا ~~يبالي في الحرص عليه أخطارا، ولا يصانع فيه ابتغاء رضا أو مخافة إغضاب. # هكذا برأ الله مصطفى النحاس، وذلك هو طبعه ودأبه منذ بدأ حياته العملية، وقد صدمه هذا ~~بحوادث كثيرة، وجلب عليه ms216 عداوات متعددة، وأفقده أصدقاء من أهل النفوذ وأصحاب السلطان؛ فآثر ~~الصدمة في نفسه على قبول الصدمة للحق، وترك الحق ينتصر ويتغلب ولو على حساب راحته الشخصية، ~~وأمانه من المخاوف، وسلامته من المكاره والأخطار. # مصطفى النحاس. # ولقد نشأ مصطفى على احترام الواجب، وتقديمه على كل اعتبار سواه، مهما جل خطره، وعظم ~~شأنه، وكبر حسابه، وإن له في الحرص على الواجب مثل عقيدة «مازيني» واستمساكه، فلا يتردد ~~في تأديته، ولا يؤثر عليه لوازم المجاملة، وتكاليف الآداب، وإملاءات التقاليد. # ولعل أبرز مثل على احترامه للواجب، وتقديمه على المجاملة، وعلو خلقه عن صغار الازدلاف، ~~ومهانة النزوع إلى التقرب أو التماس الحظوة - ما حدث له في أسوان قبل أن ينقل إلى ميت غمر ~~حيث تعارف بسعد كما أسلفنا عليك. فقد كان قاضيا في أسوان، ومكلفا بجانب ذلك نظر قضايا ~~محكمة الدر؛ ففيما هو عائد ذات يوم منها، وآخذ طريقه إلى محكمة أسوان، إذ نبئ أن ~~المستشار القضائي - وهو يومئذ سير أ. مكلريث - قد قدم بطريق النيل لزيارة المحكمة؛ فتلقى ~~مصطفى النبأ بكل هدوء، وتابع سبيله إلى المحكمة دون أن يعطف على الشاطئ لتحية المستشار، ~~وعقد الجلسة كعادته وكانت مدنية، وانكمش في نظر قضاياه. # وما لبث أن حضر المستشار ومعه محمد توفيق رفعت بك - الآن باشا - وكان يومئذ مفتشا ~~بالمراقبة القضائية، وكانت الجلسة منعقدة، فلم يفكر مصطفى في رفعها لاستقبال الزائرين ~~الكبيرين، ولكنه ظل ينظر القضايا في هدأة وسكون كعادته. # وجاء الرجلان فجلسا وراء القاضي بعد استئذانه، وجلس معهما وكيل النيابة وكان يترجم للسير ~~مكلريث ما يدور في الجلسة، حتى فرغ القاضي من نظر أربع قضايا أو خمس، فانسحب المستشار ومن ~~معه إلى غرفة القاضي حيث لبثوا في انتظار فراغه من عمله. # لقد فعل ذلك القاضي مصطفى النحاس في لقاء المستشار القضائي، وهو ما لم يؤلف من القضاة في ~~أمثال هذه المناسبات، إذ كان المتبع أن يرفع القاضي الجلسة في الحال، ويلحق بالمستشار أو ~~المفتش لتأدية التحية له والترحاب به، وسماع أية تعاليم يروقه أن يصدرها، ms217 أو ملاحظات يطيب ~~له أن يبديها. # ولكن القاضي مصطفى النحاس - كما رأيت - لم يفعل شيئا من ذلك، بل لم يرفع الجلسة عقب ~~انصراف المستشار، وإنما استمر على عمله حتى فرغ من القضايا المعروضة عليه جميعا. وطال ~~انتظار المستشار فانصرف إلى الباخرة التي أقلته، وكانت ملقية مراسيها بالشاطئ، وأسرع وكيل ~~النيابة إلى مصطفى يقول له معاتبا: «أهكذا تدع الرجل ينتظرك طويلا حتى مل الانتظار ~~فانصرف؟!» # ومن ثم رأى مصطفى أنه - وقد فرغ من تأدية واجبه - يصح أن يذهب لزيارة المستشار والسلام ~~عليه، فانصرف إلى داره حيث تناول الغداء واستراح بعد الطعام، وقبيل المغيب ذهب إلى حيث ينزل ~~المستشار على شاطئ النيل، فلما رآه استبق السلم للقائه، وتلطف غاية التلطف في تحيته ~~واستقباله، وقدمه إلى جليسه، وكان هذا هو الطبيب الخاص لجلالة ملك إنجلترا، وقد جاء إلى مصر ~~لزيارتها والطواف بها ومشاهدة ربوعها وآثارها، فجلس الثلاثة يتحدثون مليا، فأبدى المستشار ~~إعجابه بمصطفى النحاس في عبارات إطراء لم يقتصد فيها، وكلمات مديح كثير. # وفي اليوم التالي دعاه لتناول الشاي معه، وتقابل توفيق رفعت بك مع مصطفى النحاس، فنبأه ~~بأن المستشار كان قد قرر نقله من أسوان إلى الوجه البحري، إذ علم أنه قد قضى في أسوان عاما ~~ونصف عام، ولكنه سمع من السياح ثناء عاما على محكمة أسوان وقاضيها الشاب، وعرف أن ~~المحكمة أصبحت بين الأماكن التي يزورها السياح لمشاهدة سير القضاء المصري، وبلغه أن هيبة ~~هذا القاضي الشاب في نفوس المتقاضين قد تركت أجمل الأثر في نفوس السائحين، فقرر لهذه ~~الاعتبارات بقاءه في محكمة أسوان إلى آخر موسم السياحة؛ لأن في بقائه عنوانا حسنا للقضاء ~~المصري، ومثالا رائعا على عدالته ونزاهته ورفعة مستواه. # وقد بر المستشار بوعده، فلم يكد ينتهي شهر مارس وتخف حركة السائحين حتى نقل مصطفى إلى ~~محكمة ميت غمر - التي أسلفنا حديثها إليك - مكتسبا احترام الإنكليز بجانب احترام مواطنيه، ~~بارزا في عالم القضاء بخليقته القوية، وشخصيته النزيهة، وكرامته العالية. # لقد لزم مصطفى من نشأته الحق والعدل والواجب، واجتمع له ms218 في نفسه اتحاد العقل والقلب؛ فكان ~~ذا العزم القوي والخلق، وأخا الإرادة الثابتة التي تبلغ بصاحبها غايته فوق الأحداث ورغم ~~المخاطر والمشاق والصعاب، لا يحول دون عزمه حائل، ولا يقع جاثيا على ركبتيه أمام أكبر ~~الخطر، وإنما يواجهه غير متراجع ولا متردد. # إن احتقار الخوف هو مبدأ القوة الأدبية في النفوس العظيمة والشخصيات القوية، وإذا لم يصل ~~احترام الحق والعدل في النفس إلى هذا الحد، وكان الخوف مالكا لها مستوليا عليها، فلا أمل ~~في بلوغ العظائم، ولا رجاء في الصعود إلى قمة الحياة. # نشأ مصطفى قويا، والقوة هي الشجاعة أو عظمة النفس، وهي فضيلة اجتياز العقبات التي تحول ~~دون تحقيق الخير وتأييد النظام واحترام القانون. وليس الانحراف عن الحق والعدل، والخروج عن ~~النظام والقانون إلا سقوطا وضعفا، وإنما أدلة القوة هي العمل في دائرة القانون، وملازمة ~~الحق، واحترام الواجب، والاستماع أبدا لإملائه. # ومن استسلم لغضبه زل، ومن ملك نفسه كان قويا معتدلا، والاعتدال قوة وشجاعة، بل قوة ~~منظمة مرتبة، على حين يروح التهور ضعفا وعجزا؛ لأنه قوة غير منظمة، لا ضابط لها، ولا حسيب ~~عليها ولا رقيب. # وقد نشأ مصطفى يحس في أعماقه بقوة ضابطه لنفسه، تشتد لاجتياز العقاب والتغلب على الصعاب ~~في غير عنف؛ لأنه قوة تندفع بغير رشد، وتنطلق مجاوزة الحد، وتحتد فيدركها الوهن والضعف، وما ~~النشاط إلا القوة بمعناها الصحيح، ولكن العنف هو الذي يوهم أصحابه أنهم في أنفسهم أقوياء ~~وما هم في الحق كذلك، وإنما هم يخلطون فلا يميزون بين المبادئ لدقتها على أفهامهم، وبعدها ~~من مداركهم، فهم أناس ينقصهم ذوق الحياة ... # إن المبادئ هي التي تملأ القلب قوة فيعمل مستضيئا بنورها، سائرا على هداها. وهذا هو أمر ~~مصطفى النحاس من بدايته: نشأ أخا مبادئ، فاستضاء بمصباحها في طريقه المصعد إلى الذروة، غير ~~ضارب في بيداء مترامية، ولا مستمع لوساوس مخافتة منادية، ولا مستجيب إلى إغراء يتبعه أذى، ~~وضلال يبعده عن الحق والعدل والواجب. # مصطفى النحاس. # كان مصطفى النحاس من البداية قويا، وكانت قوته حيث لا ms219 تفريط ولا إفراط، بل حيث يقوم ~~الاعتدال زينة للنفس، وحلية معنوية تأخذ بالأبصار، وحيث العدل والحق هما المسيطران على تلك ~~القوة، وفي ذلك يقول أحد الفلاسفة: «إذا كان في يدي مطرقة مثلا وأمامي طفل نائم وسنان، ~~فلا شك في أنني مستطيع إذا نمت إرادتي أن أهشم رأس ذلك الطفل بضربة واحدة، ولكني لا أفعل ~~ذلك مهما بلغت قوتي؛ لأن أمام عيني خيالا يردني ويحبسني عن إتيان ذلك أو محاولته، ولا ~~قبل لي بدفعه؛ لأن قوته فوق قوتي، وسلطانه أعلى من سلطاني، فهو قادر على أن يجردني مما ~~أشعر به من قوة وبطش. وما هذا السلطان القاهر الذي لا يعلمه الطفل نفسه، إلا حق ذلك المخلوق ~~الذي هو من نوعي في الحياة، والعدل الذي يقر له بالوجود.» # ومن صفات الحق أن يكون عاما؛ أي أن يكون الناس جميعا حياله سواء؛ يستوي في ذلك الغني ~~والفقير، والعالم والجاهل، والرفيع والوضيع، وأن يكون مقدسا كقدس القانون نفسه؛ لأنه ضرورة ~~مفروضة مطلقة، تبقى ولو جحدها جاحد أو اعتدى عليها المعتدون. # على هذه المبادئ نشأ مصطفى النحاس، وبقوة الاستمساك بها نجح في المحاماة، وإن لم يطل ~~مكثا عليها، ولم تتراخ السنون عليه فيها، وكأن شأنه السريع في مضمارها، كشأن سعد في ~~دخولها، وهي يومئذ صناعة صغيرة فكبرت به، خاملة فأنقذها من خمولها، قبيحة السمعة فأضفى ~~عليها من جمال سمعته. # وكان هذا التناسب بين الزعيمين في بداية الحياة العملية نادرا في تاريخ الزعامات ~~المجاهدة، ولكنه وقع في هذه الناحية على ندرته ليؤدي معنى جليلا، وهو الاشتراك في التجربة ~~ذاتها لمعرفة الحقائق المتصلة بالحياة نفسها، حتى يبلو كل منهما عند صاحبه ما يجده هو في ~~ذات صدره وخاطره، فتتكون منهما وحدة فكرية يتفاهمان بها أحسن مما يتفاهم الناس وهم متماثلون ~~متشابهون في الذهنية والاتجاه العقلي ومنحى النظر والتفكير. # وبهذه المبادئ نفسها دخل مصطفى النحاس دائرة القضاء كما دخلها سعد من قبله، لتحقيق المعنى ~~ذاته، وتجربة الاستعدادات والملكات المشتركة بينهما، واستكمال التماثل الذهني بينهما قبل أن ~~يتلاقيا في ms220 الثورة؛ فيجد سعد نفسه تهوي إلى هذا الرجل أكثر من سواه، وتنجذب إليه أشد ما ~~يكون الانجذاب بين النظائر والأشباه. # ولو لم تستبق الثورة، لكان من المرجح أن يروح مصطفى وزيرا على دورة السنين ، أو يبلغ في ~~القضاء عليا مناصبه على أقل تقدير؛ ولكنه لبث في القضاء قرابة خمس عشرة سنة، ولم يتول ~~منصبا سياسيا فيها، ولم يلجئه الارتباط بتكاليف المنصب السياسي والقيام في غمرة تيار ~~الحياة الرسمية إلى الاشتراك في أغلاط الحكم يومئذ ومساويه تحت الاحتلال، وإنما لزم موضعه ~~من القضاء مستقلا فيه، فإذا ما اصطدم بسلطان خصوم الاستقلال، احتمى بجلال القضاء وضرورة ~~بقائه بمنجاة عن أي عبث أو تدخل، واعتمد على قوة خلقه وإبائه والتزامه جانب الحق والعدل ~~والواجب في تنفيذ مشيئته، واحترام كلمته، وسلوك نهجه، في حزم دون تهور، وشجاعة دون حمق، ~~واتزان بغير تسرع ولا إحجام، وثقة دائمة بالله اكتسبها من النشأة بالصلاة والعبادة والنزاهة ~~والسير على صراط مستقيم. # لقد كان بعده من الوظائف وهو محام، ثم سلوكه دائرة القضاء يوم أكره على الوظائف ~~إكراها، مزية كبيرة أنبتت في أعماق نفسه روح الاستقلال والتزامه والحرص عليه بكل شجاعته ~~ونزاهته وإقدامه؛ لأنه سوف يوكل على السنين بأكبر قضية من قضاياه؛ قضية استقلال أمة صممت ~~على كسبها، ولم يبق إلا أن يبرز لها جماعة المحامين المدافعين المخلصين المشربي النفوس ~~بروح الحق والعدل والواجب؛ ليسيروا بها رغم الصعاب والمشاق إلى معاركها الفاصلة، وأدوارها ~~الحاسمة، ونجاحها المؤكد، وفوزها الوثيق. # لبث مصطفى النحاس في وظائف القضاء زهاء خمس عشرة سنة - كما أسلفنا عليك - يعطي من قضائه ~~أروع الأمثلة على النزاهة، ومبالغ احترام الحق، والتمسك بالعدل، والتشبث بالواجب، ويعيش ~~عيشة موظف معتدل الراتب، هو كل معتمد عيشه، ومساك حياته، لا يستمتع منه بترف، ولا ينعم ~~منه بغير الرغد المكفول من الاستقامة، والهناء الموفور من الرضوان بالكفاف، ويقوم على تربية ~~أولاد أخته، وكانوا يومئذ أحداثا وأصبية في المدارس، وهو الحاني الحدب عليهم، الرقيب ~~على دراستهم؛ إذا احتاجوا إلى معلم خاص كفله لهم، وإذا ms221 أرادوا ما ينفعهم ويجدي على دراستهم ~~لم يتردد في توفير أسبابه لهم، في بلاغة الحنان القوي المشرف الرقيب، لا حنان الضعف ~~والرأفة المؤذية ومفاسد التدليل. # كان مصطفى النحاس يعيش في ذلك الدور من حياته عيشة بسيطة راضية، وكان آخر عهده بالقضاء في ~~طنطا رئيس دائرة، وقد اعتاد أن يذهب إليها كل يوم من القاهرة، ثم يعود منها بعد الفراغ من ~~عمله؛ إذ كان يسكن في منزل متواضع بحي شبرا، تنزل به السيدة الكريمة شقيقته لتقيم مع بنيها ~~إذا هي تركت سمنود إلى حين. # ولئن كان مصطفى قد أخلد في ذلك الدور إلى عمله في القضاء، فلم يكن منقطعا مع ذلك عن ~~الحياة العامة، ولا منصرفا عن متابعة سيرها، وتأمل أحوالها، ومراقبة أطوارها؛ لأن وطنيته ~~كانت تعتمل في نفسه، وحاسته القومية تختلج في صدره، وشعوره بالظلم الواقع على بلاده، الماثل ~~لعينه في كافة نواحي وطنه، كان يستنفر فيه غضبة القاضي بجانب ألمه الوطني، ويثير في نفسه ~~النفور والتأذي والتذمر، فيدور بعينه يلتمس سبيلا إلى التنفيس عن صدره، والترويح من مبالغ ~~ألمه وكظمه، والاشتراك - ولو من بعيد - في الدفاع عن بلاده. # كان هذا الدور في حياة مصطفى النحاس دور الوطني المتألم لبلاده، رأى حركة مصطفى كامل ~~وجماعته فأعجب بها، واطمأن إلى قيامها، وجعل يشجعها رويدا، ويدنو منها على كثب دون أن يسلم ~~إليها نفسه بكليتها، أو يظاهرها بصراحة مظاهرتها، وإن اتصل برجالها وعرف أفرادها، وتبادل ~~معهم الرأي، وتجاوب إحساسه مع إحساسهم، واتحدت نفسه مع نفوسهم، في وحدة شعور، وتماثل ~~عاطفة، وتقاسم ألم لوطنهم المغتصب السليب. # | مصطفى النحاس في عهد الثورة # في أواخر هذا الدور جعلت العناية الإلهية تمهد فيه للغد القادم، وتعد معدات اليوم المحتجب ~~وراء أستار الغيب، فأخذ مصطفى النحاس يظهر في الساحة العامة، ولكن على قدر، ويختلط ~~بالمشتغلين بالمسائل السياسية، ولكن في حزم واتزان، وكان لا بد من التعرف للشباب، والبروز ~~في ندواتهم، والظهور في أوساطهم؛ لأنهم في حساب الطبيعة كانوا عدة الثورة وجهازها، ومواكبهم ~~ستروح غدا مهرجان زفافها وأعراسها؛ ms222 فاتصل بطلبة المدارس العالية، وكان وكيلا لناديهم، وهو ~~يومئذ مجتمع الشباب المتحمس ومهطع الوطنية الشابة الفتية، وأتون العاطفة العامة المتقدة، ~~ومركز المجتمع الذي تحتشد لديه جميع قوات الغد القريب. # وفي الوقت الذي كان فيه سعد يتأهب للخروج من عزلته، ويتحفز للوثوب من عرينه، على دوي ~~صوت ويلسون في مؤتمر السلام عقب الهدنة، وهو الشيخ الحكيم المجرب - كان مصطفى، ممثل عنصر ~~الشباب، تحت تأثير العامل ذاته، وفي الحماسة نفسها للفكرة في مثل أهبة الشيخ وتحفزه، ~~على بعد ما بينهما، وفي غير تكاشف بما يختلج فيهما، وكأنما مهدت الطبيعة يومئذ لقيادة ~~البلاد في الثورة زعامتين: زعامة الرجولة في سعد، وزعامة الشباب في مصطفى، ثم راحت تقدم ~~زعامة الشيخ؛ لأن معها الحكمة والروية والأناة والتدبير، وأخرت زعامة الشباب حتى تكتسب ~~أولئك جميعا من المستبقة المتقدمة؛ لتكون أنفع وأفضل وأزكى وهي الخالفة الآتية من بعدها في ~~دورها الطبعي عبر السنين، وبينما كان الشيوخ يجتمعون عند سعد ليتشاوروا في أمر ~~بلادهم، كان الشباب يتلاقون في طنطا عند الشاب مصطفى النحاس القاضي، وكل جمع يفكر في أي ~~المسالك يسلك للنهوض لحق بلاده، والبروز للإهابة بوطنه، وإعلان الدنيا عن حقوق مصر الطبيعية ~~في الحرية والاستقلال. # فيا له من اتفاق غريب، ومصادفة عجيبة، كأن قلب سعد النابض الخفاق، قد لقي على بعد المزار ~~قلبا يلتقط نبضاته، ويهتز بصدى خفقاته، أو كأن الطبيعة أعدت العدة اللازمة واحتياطيها، ~~والقوة ورديفها، والزعامة وخلافتها من أول تصميم، ومن بداية التجهيز والتهيئة والاستعداد؛ ~~إذ ما كادت مبادئ ويلسون تذيع في العالم وتشتهر، حتى فكر مصطفى النحاس بك قاضي طنطا مع بعض ~~صحب له وجملة من أصدقائه في القيام بعمل يسمع العالم كله صوت مصر عاليا، وصرختها المستغيثة ~~في جنبات الأرض داوية. # وبعد أن تشاوروا فيما بينهم وعجموا عيدانهم وأجمعوا نيتهم، راحوا يفكرون في نوع العمل ~~وأحسن وسائله وأكفلها بتحقيق النتيجة المنشودة، فما لبثوا أن رأوا أن أي عمل قد يقومون به ~~هم وحدهم، قد لا يجدي نفعا، ولا يؤدي نتيجة؛ لأنهم شباب لا ms223 يعرفهم الشعب، ومحدثون غير ~~مسموعي الكلمة في الناس. # واجتمع يومئذ رأيهم على أن ليس لهذا العمل العظيم والمهمة الخطيرة غير رجال كبار، ~~ومراجيح ذوي أخطار، وشخصيات بارزة ملء الأسماع وقبلة الأبصار، فيكون لحركتهم تأثيرها ~~المطلوب في أوروبا ووقعها المرغوب في البلاد. # لقد كان ذلك أول مظاهر الإخلاص للفكرة، وصدق الإحساس للوطن، إذ كان شعورا رفيعا نقيا، ~~متجردا من الأنانية، بعيدا من حب الذات، خليا من دوافع الغرور ومغريات الزهو، لا ينظر ~~إلى العمل وحده، ولا يبالي الفكرة بمفردها، ولكن ينظر كذلك إلى موجبات نجاحها، ويتعرض وسائل ~~فوزها، ويدرس ما لها وما عليها؛ ليستوثق من قيمتها وما يحتمل من خطرها، ويتثبت من الطريق ~~قبل المسير فيه. # كان ذلك وطنية حازمة، بقدر ما هي وطنية صادقة، بل كان تفكيرا سديدا، وبحثا مدققا، ~~ووزنا للأمور صحيحا راجحا، خلص من النزق، وتجنب وساوس الأنانية وهمسات الأثرة، وخدع ~~الاعتداد غير الناضج، والثقة العجلى المتهورة. ولم يكن ذلك كله عجيبا من أولئك الشباب ~~الذين اجتمعوا لبحث الفكرة ودراستها؛ لأنهم كانوا جميعا بين قاض ومحام وموظف كبير، ممن ~~عرفوا في محيطهم بالاتزان والنضوج وحسن الرأي وسلامة التقدير. # ورأى مصطفى النحاس بك يومئذ هو وأصحابه الذين اجتمعوا على تلك الفكرة أن السلطات ~~العسكرية لن تسكت عن أولئك الذين سوف يتولون تنفيذها، ولن تخلي بينهم وبين القيام بها، بل ~~هي حتما مطاردتهم، عاملة على قمعهم وتعقب آثارهم، وقد تعمد إلى اعتقالهم في المحابس، أو ~~تنفيهم من الأرض، وتشردهم كل مشرد، ولا تتركهم حتى تدرك ثأرها منهم، وتنتقم شر انتقام. # مصطفى النحاس. # في هذا كله فكر مصطفى وأصحابه، وعرضوه على أخيلتهم، وتصوروه في أخلادهم، لا من خوف ولا من ~~رهبة، ولا تقديرا لمعاني الانزواء، وتبريرا لنية الإحجام؛ ولكن عن حزم الشجاعة، وفي أروع ~~مظهر من مظاهر الشجاعة الحازمة. # لقد فكروا في ذلك كله لتجتمع نيتهم على أمر خطير؛ هو مهمة الشباب، وبطولة الوطنية ~~الحكيمة، ومظهر الإيثار المتفاني في المجموع، وهو أن ينزلوا يومئذ إلى الحومة، فيحتلوا ~~مكان الغائبين، ويتولوا العمل ms224 عنهم، وينهجوا النهج ذاته، وينشروا الرسالة الجديدة في كل ~~مكان. # ولما اتفقت الآراء بينهم على هذه الخطة الحازمة والتصميم الحكيم، بدءوا يفكرون في الشخصية ~~البارزة ذات السمعة الذائعة التي يصح أن يكاشفوا صاحبها بما قد جاش في صدورهم، واختلج في ~~جوانحهم، وسرى في أخلادهم من أفكار وخطط وتصميمات، فاجتمعوا على أن سعد زغلول هو الرجل ~~الأوحد للفكرة، وبطل الساعة المرتقب، وصاحب تلك الشخصية الخليقة بالاعتزام والإقدام. # فكروا يومئذ في سعد، بينما كان سعد نفسه يفكر تفكيرهم، ويجيش في صدره ما كان يجيش في ~~صدورهم، وكأنما تلاقت نفس مصطفى ونفس سعد في موجة من موجات الإلهام الروحي والوحي النفسي، ~~وكأنما تجاوبا واتحدا في مسرى تيار واحد وسيال خفي عظيم الخطر، بالغ القوة، شديد الهزات، ~~وكأنما تعارفا في الوطنية الصادقة قبل أن يتعارفا ويتصلا في حقيقة الحياة. # وشرع الجمع يبحثون في الخطة المثلى للوصول إلى سعد وإقناعه حتى لا يردهم خائبين إذا هو ~~ظنهم شبابا إخوان سذاجة، وحسب أفكارهم مجرد أحلام مما يختلج في الأخلاد الصغيرة، وصور ~~وهمية من خدع الأذهان. # فقال مصطفى إنه يعرف سعدا منذ كان وزيرا للحقانية، ولكنها معرفة رسمية سطحية، لا تمكنه ~~من مفاتحته في أمر خطير كهذا الذي ائتمروا له واجتمعوا عليه، وقال أحدهم - وكان موظفا ~~كبيرا - إنه يعرف عبد العزيز فهمي بك معرفة وثيقة تبيحه الحديث إليه في الموضوع، وإنه يرجو ~~إذا تمكن من إقناعه واكتساب عطفه أن يحمله على مفاتحة سعد باشا بدوره، فوافق الجمع على ~~العمل بهذا الرأي، وعهدوا إلى زميلهم بزيارة عبد العزيز فهمي بك، والبحث معه في هذا الشأن ~~العظيم. # وفي اليوم التالي عاد إليهم الزميل، فنبأهم بأنه قد ذهب للقاء عبد العزيز فهمي بك، وخاطبه ~~في شأن المهمة التي ذهب إليه من أجلها، ولكنه ما كاد يبدأ الحديث حتى قاطعة وأبى الإصغاء ~~إليه قائلا: «إنه من العبث التفكير في هذا الموضوع، ولا فائدة من الاهتمام به؛ لأن مصر ~~ضعيفة لا حول لها ولا قوة حتى تستطيع تحرير نفسها، مهما نادت، ومهما ms225 صاحت، ومهما احتجت ~~وبذلت من تضحية ...» # سعد ومصطفى. # فلما سمع مصطفى ذلك غضب وثارت ثائرته، وجاشت حماسته، وقال لصاحبه: إنك يا عزيزي لم تعرف ~~كيف تقنعه وتثير حميته، فدعني أزره معك لعل مجهودي يعزز مجهودك فنفوز بغايتنا، ووافق ~~الجميع على هذا الرأي، واعتزم مصطفى تنفيذه من الغداة. # ولقي مصطفى عبد العزيز فهمي بك، فأعاد عليه الكرة هو وصاحبه الذي ذهب معه؛ فأبدى لهما ~~ما كان قد أبدى من قبل من التردد قائلا إنه لا يظن أن حركة كهذه يمكن أن تؤدي إلى نتيجة ~~عملية، فقال له مصطفى: «نحن نعلم أنكم بإقدامكم على هذه الحركة ستضحون تضحية غالية، وأن ~~الإنكليز حتما عامدون يومئذ إلى القبض عليكم ونفيكم، بل قد يصنعون بكم شرا من هذا وأعظم ~~بلاء، ولكن تضحيتكم هذه ستضرم نار الحماسة في قلوب أبناء الوطن وشبابه، فنخوض نحن الميدان ~~من بعدكم، ستذهبون أنتم ونقوم نحن على آثاركم.» # هذه أول صيحة من صيحات التفدية انبعثت من أعماق مصطفى النحاس قبل مشتعل الثورة، بل لقد ~~كانت هذه هي الثورة في كل جلالها قد اضطرمت في نفس رجل وقلبه، وجاشت في أعماقه وأغوار روحه ~~صيحة الوطني الصادق الذي لا يتردد في بذل كل شيء مهما عز من أجل وطنه، وأي رجل هو يومئذ ~~وليس يملك غير راتبه، ولا هو معتمد إلا على ربه، ولا مستند إلا إلى قواه ومشيئة الله فيه؟! ~~رجل محدود الموارد، مجهول الغد، أعزب، ولكنه في التبعات أكثر من متزوج؛ لأن أبناء أخته عنده ~~في معزة الابن والولد، وفي التشبيه قطع أو أفلاذ من الكبد، وله في بقية من أسرته بر ~~وتعهد، وحنان غير مقطوع أبدا ولا ممنون. # ولكن كل هذا لا شيء، وسناده فيه هو الله قبل كل سند؛ بل ليس في العالم حائل ولا راد ~~مهما عظم واشتد، كان يمكن أن يقعد بهذا الرجل يومئذ عن النهدة للبلد، والوثبة للوطن ~~الراسف في القيد، فقد جاشت بالوطنية روحه، واشتعل بنارها خاطره وصدره، وانبعثت مع دافع ~~العناية الإلهية عزمته وقوته؛ ms226 فاعتزم ثم تقدم وهو يعلم أن من ورائه الفاقة والشظف ~~والبأساء والضر والحرمان، وأن من أمامه المعتقل والمحبس والمشرد والمنفى والإعدام ~~... # وإزاء تلك الصيحة الصادقة المنبعثة من أغوار الصدر، لا عجب إذا تطلق وجه محدثه وأبرقت ~~أساريره، وأنشأ يقول لمصطفى وصاحبه: «الآن لقد اطمأننت إليكما»، فقال مصطفى في دهشة: «وماذا ~~تعني وأي اطمئنان تريد؟!»، فقال محدثهما مخافتا بصوته: «اسمعا! لقد فكرنا نحن فيما فكرتم ~~فيه أنتم، ونفذنا الفكرة»؛ فازداد عجب مصطفى وراح يقول: «نفذتم الفكرة؟! وكيف كان ذلك؟!»، ~~قال محدثهما: «إني أنا وسعد باشا، وعلي شعراوي باشا، ومحمد محمود باشا، وأحمد لطفي السيد بك ~~نوالي الاجتماعات منذ أيام لتأليف وفد يشخص إلى أوروبا لبسط قضية مصر أمام ساستها، هذا سر ~~بيني وبينكما، فاكتماه في أعماق قلبيكما، والزما أنتما وصحبكما كل هدوء الآن، ولا تكثرا ~~الترداد علينا حتى لا نلفت الأنظار وتحوم الشكوك حولنا، أستودعكما الله ...!» # وانصرف مصطفى مفعم الصدر جذلا، ممتلئ الخاطر فرحا واغتباطا؛ فإن فكرته وجدت مستجابا ~~خفيا من إلهامات النفوس وإيحاءات الأرواح قبل أن تتلاقى عندها الأذهان، ويتلقفها المنطق ~~والشرح والبيان، نعم، لقد فرح مصطفى واغتبط في موقف رهيب تسائل النفس فيه قبل كل شيء: ~~وماذا في الغد المنتظر؟ وترمي الأرواح بإحساسها عبر ظلمات الغيب لتخترق الأستار مخافة ~~المجهول وخشية المحجب. وقد تنزوي إزاء هذا الظلام المترامي من فرق ورعب، ولكن مصطفى ~~يومئذ كان قد فرغ من أمر نفسه فلم يعد يستمع إلى الخوف أو وسواسه، وأقبل على أمر عظيم ~~يقتضي إنكار ذاته، فوجب أن يكون لها أشد المنكرين. # تقدم مصطفى ليضحي فلم يتراجع، ونهض ليكافح ويجاهد فلم يتراوح ولم يتشكك ولم يتردد، ~~وحسبه أنه اعتزم، فما يبالي غدا على أي جانب مصرعه، ولا يحفل في الخطر اكتنافه ولا ~~مدفعه، ويوم تتقدم النفوس الصادقة إلى عمل عظيم كهذا، ورسالة خطيرة من رسالات الحب والواجب ~~والإيمان، ينزل الله عليها سكينة رهيبة، ويفرغ عليها صبرا جليلا، ويمدها بروح من عنده ~~فتبتسم للمخاطر، وتسخر من الأهوال، وتضحك من المكاره، وتتصور لها ms227 المخاوف والأهوال على ~~الطريق في صور صغار دقاق، فلا تنزوي حيال صورها، ولا تحس من الخشية ظلا واهنا من ~~أثرها، وإنما تدفع بها من الداخل، حافز كبير وباعث روحي عظيم، فلا تبالي ماذا هي صانعة، ولا ~~تعبأ ماذا في القدر مخبأ، ولا تحفل ماذا يحمل الغد في أطوائه؛ لأن شجاعتها هي عدتها، ~~واعتمادها على الله هو سندها العظيم. # تقدم مصطفى النحاس القاضي الشاب بالفكرة ذاتها التي اختلجت في نفس الوقت في صدر سعد زغلول ~~الشيخ ليكون للفكرة عنصرا الحياة نفسها: الشباب والشيخوخة، والقوة والحكمة، والنشاط ~~والتؤدة، والسرعة والأناة، والصياح والسكون، والجيل القادم والجيل الذاهب؛ وليكون للفكرة ~~كذلك قطباها المتلاقيان، وزعيماها المنتظران، وقائداها المتتابعان ليقود أحدهما؛ لأنه ~~المجرب، ولكي يكون للشباب المعنوي في شيخوخته عجب، ويظل الآخر بجانبه، وموضع سره، ومحل ~~إيثاره وحبه، وفي مجال مرانته وتدريبه، حتى يتولى الأمر عقب ذهابه، جامعا إلى حكمة الشيخ ~~الذي اشترك معه قوة الرجل الذي أعدته الأقدار من بداية الرسالة الوطنية ليكون زعيما ~~احتياطيا ريثما يحل أوانه، ويؤذن زمنه، ويأتي دوره المطلوب. # لقد أراد الله أن تكون الحركة المصرية موفقة من أولها، فاختار لها الترتيب الكفيل ~~بنجاحها، ووضع لها النظام المنسق الضروري لحسن مسيرها، وتعاقب أدوارها، ومختلف مراحلها، ~~وسيق بسعد لقيادتها، حتى يتحقق به معنيان، ويبرز به عاملان خطيران: وهو أن يكون في الحياة ~~محركا عظيما، وأن يروح في الممات أعظم منه حيا؛ إذ يستحيل بموته قوة غير منظورة، ~~وسلطانا روحيا خفيا، وفكرة خالدة غير فانية، وعقيدة هي في تركيبها الخطير مزاج من ~~تعاليم دنيا ودين. # فرح مصطفى النحاس يومئذ أصدق الفرح؛ لأنه متقدم إلى جهاد محفوف دون شك بأكبر الخطر، ~~وقد يكون هذا الإحساس قد اختلج يومئذ في صدر سعد الأكبر، ولكن أمر سعد لم يكن كأمره، فقد ~~كان سعد وزيرا سابقا برز خطره، وارتفع شأنه، وخشي جانبه، وعنده ما يعتمد عليه، وفي ~~ملكيته ما يستند إليه، وله جلال الشيخوخة التي يحسب حسابها، مهما كان العنف عند السلطات ~~العسكرية هو أداتها وأسلوبها، على ms228 حين لم يكن مصطفى يومئذ سوى قاض في المحاكم الابتدائية ~~لا يملك غير راتبه، ولم تسبق له في معارك السياسة سابقة، ولم تعرف الجماهير عنه شيئا خارج ~~ساحة المحكمة وما بين المتقاضين، ثم هو إلى ذلك كله شاب لم يتقدم طويلا في مراحل الحياة، ~~وليس للشباب عند بطش الباطشين كبير تقدير ولا عظيم حساب. # مصطفى النحاس. # فرح مصطفى بالفكرة، ولكنه أمسك بفرحه في صدره مخافة عليها من الخطر، قبل خيفته هو على ~~نفسه، فقد كان كل خشيته يومئذ أن ينكشف خبرها فيعاجلها الفشل، وهو يطوي الجوانح على أكبر ~~الأمل في نجاحها، وإن جاء هذا النجاح بثمن نفسه التي بين جنبيه، وعرضه للخطر أشد ~~تعريض. # وقد قدر لمصطفى وأصحابه يومئذ أن يكونوا منقذي الوفد قبيل تأليفه، وهو عمل عظيم قد يجهله ~~إلى اليوم أكثر الناس، وإن كان مصطفى نفسه قد عرض له في بداية زعامته خلال خطابه، إذ قال: ~~«في اليوم العاشر من شهر نوفمبر سنة 1918 علم أحدنا أن دار الحماية قد وصل إليها نبأ ~~اجتماعات سرية تعقد بمنزل سعد باشا، وهي تتتبعها وتتربص بها، فأسرعنا إلى إخبار ~~الجماعة، فأجمعوا أمرهم على الظهور بنياتهم، فطلبوا في اليوم التالي - وهو الحادي عشر من ~~نوفمبر، يوم عقد الهدنة - مقابلة سير ونجت المندوب السامي، فتحددت المقابلة يوم الأربعاء ~~الثالث عشر من نوفمبر.» # ولكن لهذا الحادث قصة تدل على مبلغ الحرص الذي كان يحسه مصطفى وإخوانه على الفكرة، ومقدار ~~الحذر عليها من السوء، وإحاطتهم لها بكل بلاغة اليقظة والسهر والحراسة والكتمان. # فقد ظلوا عقب معرفتهم بنبأ الاجتماعات التي كانت تعقد سرا عند سعد متكتمين للخبر، وهم ~~في فرح بالغ به، متأهبون لأول إشارة من كبارهم الذين يتوافون سرا للتفكير والتدبير، ~~متحفزون مستعدون لأية تضحية تطلبها الوطنية منهم، حتى كان ذات يوم لقي فيه أحد مندوبي ~~المقطم زميلا لمصطفى في الجماعة التي تعاهدت على الجهاد، وتقدمت بأنفسها للجماعة الأخرى ~~التي فكرت مثل تفكيرها واعتزمت عين اعتزامها، وكان ذلك الزميل جالسا في الديوان، فجاءه ~~المندوب كعادته ms229 ليلتقط الأخبار منه على ما جرى مندوبو الصحف عليه كل يوم، فتناول الحديث ~~بينهما أمر الهدنة التي عقدت في ذلك اليوم بالذات بين الحلفاء والألمان، وما سوف يكون للحرب ~~العظمى من التأثير في مصير الشرق ومستقبل أمصاره، فقال المخبر إنه قد اتصل به أن دار ~~المندوب السامي البريطاني - وكانت يومئذ تعرف بدار الحماية - قد تلقت معلومات عن اجتماعات ~~سرية تعقد في دار سعد زغلول، وأن السلطة العسكرية تراقب الدار ليل نهار لتنقض انقضاضتها في ~~الوقت المناسب. # وما كاد الموظف الكبير يسمع هذه الأنباء حتى نهض لساعته وقصد إلى مصطفى النحاس فقصها ~~عليه، وكان يكفي علم هذه الأخبار لإثارة المخاوف، وإلقاء الفرق في الروع، واختلاج ~~الوساوس في الصدور لحمل النفوس على الرجوع، ولكن مصطفى كان قد انتهى من اجتياز دور التفكير، ~~ومرحلة تقليب وجوه الرأي، إلى دور الاعتزام الصادق، وتوطين الروح على الإقدام في غير ~~تقاة ولا تردد، وتجشم الطريق وإن لقي عليه أشد المكاره، واجتمعت على قوارعه الحتوف ~~والغوائل، وأشق الصعاب وأكبر المصاب. # هنالك لم يفرغ مصطفى، ولم يسائل نفسه ماذا تريد ليقيها، ولم يطالبها بما تبغي ليكفل لها ~~السلامة والأمان، ولكنه فكر في شيء واحد لم يشرك فيه أمرا من أمور نفسه، ولا اعتبارا من ~~اعتبارات شخصه، وهو ينبغي أن تسلم الفكرة من الخطر، وتصان حتما من الأذى، فلم يلبث هو ~~وأصدقاؤه أن أجمعوا النية على أن ينقلوا الخبر إلى الجماعة الكبيرة في الحال. # وعرف سعد وصحبه النية التي بيتها الإنكليز لهم، فلم يحجموا ولم يترددوا، ولم توسوس ~~المخاوف في صدورهم، فقد كانوا هم كذلك قد فرغوا من مساورة النفس وهمس المخاوف، إلى الشجاعة ~~الصلبة الساكنة التي تنظر إلى الغد باطمئنان، وتعتزم العمل بأقوى اليقين وأعظم الإيمان، ~~فقرروا وجوب الظهور وسرعة التكشف، حتى لا تفجأهم السلطة العسكرية فتسوق بهم إلى المعاقل ~~والسجون قبل أن ينظموا الصفوف، ويمهدوا السبيل، ويبدءوا المسير. # لقد ساق القدر مصطفى يومئذ لإنقاذ الوفد قبل تكوينه، فكان المستبق إلى الفكرة أولا، ثم ~~المستبق إلى نجاتها ثانيا، ms230 وهو يومئذ قاض، أو موظف مقيد بوظيفته، ولو أن رجلا آخر في ~~مكانه، وفي مثل ظروفه الخاصة وإقلاله، وضعف سنده المادي واعتماده، ومحدود راتبه وماله - ~~لراح على الأرجح متخوفا، وانثنى عن الفكرة قانعا منها بسلامة الإياب. # ولكن مصطفى أعد لها من التكوين، وهيئ لها بالفطرة والاستعداد، وخلق من أجلها ليكون ~~زعيمها وبطلها؛ فكل حساب المخاوف ومطالب السلامة ومقتضيات الأمن والدعة ليس لمثله، ولا لرجل ~~على غراره، ولكنها للاعتياديين الذين يعيشون لأنفسهم، ويسكنون إلى ذواتهم، ويطلبون مآرب ~~عيشهم في غير خطر ولا رهبة ولا اقتحام عقاب. # وحل الموعد الذي ضربه سير ريجنالد ونجت باشا لسعد وأصحابه في دار الحماية - وهو قبل ظهر ~~الثالث عشر من نوفمبر سنة 1913، وكان يوم أربعاء - وكان ونجت باشا يحسب أنهم أرادوا لقاءه ~~للتهنئة بعيد عقد الهدنة، وكانت قد عقدت منذ يومين، ولكن ما كان أشد دهشته إذ تبين له ~~أنهم جاءوا ليعلنوا في صراحة وشمم حق مصر في استقلالها التام، طالبين إليه السماح لهم ~~بالسفر للسعي في الاعتراف بهذا الحق المقدس العظيم. # لقد كانت هذه الخطوة وثبة جريئة، وثبة الشجاعة التي تستفيض في مسارب الحس، وتستولي على ~~مكامن الشعور، فلا يعود الإنسان معها يبالي خطرا أو يعبأ بمكروه، بل هي الوثبة الأولى ~~للثورة؛ لأنها كانت في ذاتها ثورة، ثورة فرد مع صديقين له أمام أكبر دولة في العالم، خرجت ~~من أكبر حرب بأعظم انتصار عرفه التاريخ؛ فهي منتشية بخمرة الفوز، ثملة بحميا النصر ~~المبين؛ ليتقدم إليها وهي في لذة سكرتها، وحرارة جوانحها من صهباء نجاحها، وتمام عظمتها - ~~رجل أعزل، لا سلاح له في يده إلا سلاح الحق؛ ليقول لها في شجاعة وكبرياء: «الآن لقد حان أن ~~نتفاهم، واليوم وجب أن نصفي الحساب!» # لقد كبر على سير ونجت أمر هذا الرجل العجيب، ونكر منه كيف يجترئ كل هذه الجرأة وهو من ~~القوة سليب، واستعظم منه أن يقف هذا الموقف، ويدلي أمامه بذلك البيان، وأحس حيال كلماته ~~المنبعثة من أعماق إيمانه بشيء من التردد، ومسة من الارتباك؛ فاستمهله ms231 حتى يرفع الأمر إلى ~~حكومته. # كان ذلك أول عهد الدنيا بالوفد، فهو يومئذ سعد زغلول وصاحباه، وليس من ورائهم أحد؛ لأن ~~البلاد كانت لا تزال هادئة، والشعب كان لا يزال بأمر تلك الخطوة غير عليم ، ولم يكن يعرف ~~الخبر غير الذين علموا بمستبقه، وألموا بتمهيده. # واتصل بسعد وصحبه عقب تلك المقابلة أن سير ونجت تساءل عن الصفة التي تخول لهم هذا المظهر، ~~فأجيب بأن سعدا هو وكيل الجمعية التشريعية المنتخب، وأن رفيقيه نائبان فيها، وأن لهم بهذه ~~الصفة حق التكلم باسم الوفد، فرأى سعد وإخوانه أن يضيفوا إلى وكالة الأمة النيابية وكالة ~~خاصة منها للمهمة العظمى التي أخذوا على أنفسهم القيام بها، فكونوا وفدا منهم يضم أربعة ~~آخرين من إخوانهم، وأعدوا صيغة لتوقيعها من أفراد الأمة وبنيها بتوكيلهم ومن يضمونهم إليهم ~~في السعي إلى استقلال البلاد، حيثما وجدوا إلى السعي سبيلا. # وما كادت تظهر تلك التوكيلات حتى أقبل الناس عليها جماعات ووحدانا، وانتشرت في طول ~~البلاد وعرضها انتشارا أزعج السلطة العسكرية؛ فأمرت بمنع التواقيع ومصادرتها. وقد قال سعد ~~في مذكراته بسبيل ذلك الحادث التاريخي العظيم الذي يرتبط بمولد أكبر هيئة وطنية في سجل ~~قيادات الحركات الوطنية في العالم الحديث: # أقبل الناس على التواكيل يمضونها، وأخذ وفودهم يردون علينا من كل الجهات ... ثم ~~علمت بأن مستشار الداخلية المستر هينز أخذ يستحضر الأعيان ويهددهم بألا يشتركوا في ~~هذه الحركة، وأن يمتنعوا عن توقيع التوكيلات ... وكتب المستشار للمديرين يأمرهم بأن ~~يمنعوا الناس من التوقيع على التوكيلات، فباشر حكام الأقاليم هذا المنع وصادروا ما ~~وجدوه منها بأيدي الناس، وقد كتبت في هذا الخصوص خطابين متتابعين إلى وزير ~~الداخلية، فرد عليهما بأن المستشار إذا كان أصدر هذه الأوامر بالمنع والمصادرة؛ فإن ~~ذلك لأن البلاد تحت الأحكام العرفية، ولأن هذه التوكيلات اعتبرت مخلة بالنظام ~~العام. # ولست أريد أن أتحدث عن الحركات الخفية التي بدت يومئذ في ناحية أخرى لأجل تكوين وفد آخر ~~يرأسه الأمير عمر طوسن. وكان بعض الأشخاص ممن ينفسون على سعد مكانه، ويغارون من ms232 سعد أن ~~يكون ذلك في الأمة موضعه، هم الذين يغذون تلك الحركة الانقسامية، ويدسون على سعد عند الأمير ~~ليوغروا عليه صدره، لست أريد الحديث عن تلك الحركة العارضة، فقد فشلت وهي في بدايتها، وحبط ~~ما صنع فعلتها، وانفرط عقد الوفد الآخر من تلقاء ذاته، وتداعى هيكله القائم من ~~رمال. # ولكني أحب أن أقف هنا لحظة أمام عاملين كبيرين كان لهما أكبر الأثر في تكوين الوفد وشد ~~بنيانه، وإنجاح شأنه وإبراز سلطانه، ولست بواجد أبلغ في وصفهما، ولا أروع سحرا في بيانهما، ~~من كلمات مكرم عبيد سكرتير الوفد نفسه، بسبيل تكوين الوفد وسر عظمته، فهو في ذلك يقول: # أما العامل الأول فهو أن سعدا لم يكن وحده صاحب الرأي في تكوين الوفد وقيادة ~~الحركة، بل كان له شريك فيهما معا، وهذا الشريك هو الذي خلقه الله للرجل عونا ~~وإلهاما وحنانا؛ هي الزوجة التي حظيت من سعد بقربه، وتسمعت همسات قلبه، هي ~~صفية زغلول أم المصريين. # لم تكن صفية زغلول لتجهل الخطر المحدق بزوجها كزعيم لهيئة ثورية تعمل تحت سلطان ~~الأحكام العرفية، ولم يكن سعد ليخفي عنها شيئا من ذلك وهي التي اقتسمت معه ~~الحياة بما فيها من خير ومن شر، فلما بدا له أن يقود حركة الاستقلال، ويؤلف وفدا ~~للمطالبة به، فاتح زوجه في الأمر، وقال لها في صراحة قاسية دامية إنه بذلك إنما يضع ~~رأسه في يمينه، فما كان منها إلا أن قالت: «ضع إذن رأسي في شمالك.» # وإني لأذكر فيما أذكر أننا عندما كنا في السويس في طريقنا إلى المنفى وصلت إلى ~~سعد رسالة قرأها متجهم الوجه دامع العين، فلما لحظت منه ذلك هممت بالقيام حتى لا ~~أتطفل على مكنون شعوره، فاستبقاني قائلا: «هذا خطاب من صفية، وهي تقول إنها عولت ~~على البقاء في مصر حتى لا يخلو محلي في بيت الأمة، وإنها مطمئنة إلى وجود أولادي ~~معي ليعنوا بصحتي.» # قال ذلك في صوت متهدج، فلم أقدر - علم الله - على النطق بكلمة، بل لاحت أمام ~~عيني صورة هذين الزوجين ms233 الشيخين اللذين لم يبق لهما إلا حبهما لبعضهما، وقربهما ~~من بعضهما، فهي له وهو لها الوالد والولد، وهي له وهو لها الساعد والسند ...! # جالت هذه الصورة المفزعة في نفسي، وعجبت للعاطفة التي تجعل من الحب والحياة شيئا ~~يسيرا، وعجبت للوطن كيف يطغى حبه على كل حب فيرتضيه الإنسان حلوا أو مريرا، ~~ولكني عجبت وما عجبت، فقد كنت أنظر إلى الوطن بملء نفسي، فأحسبني به كبيرا، ولم ~~أكن إلا صغيرا! # مرت هذه الخواطر بفكري، فبقيت حائرا بين روعة الشعور ورحمته، وظللت صامتا لا ~~أبدي حراكا، فسألني سعد في صوت عميق لن أنساه: «ما لك ساكت يا مكرم؟! ألا تظن أنها ~~أحسنت صنعا؟!» عندئذ لم أطق صمتا، بل أجبته في صوت يرتجف: «نعم أحسنت فعلا.» ~~وقلت في نفسي إنها لعظيمة جديرة بعظيم! # بقي العامل الثاني، وهو أيضا ذو صلة حيوية بتكوين الوفد ومصيره، فقد اقترح ~~على سعد باشا أن يضم ثلاثة من الحزب الوطني إلى الوفد، فأصر سعد، وكأن الأقدار ~~الرحيمة كانت تلهمه هذا الإصرار إلهاما - أصر سعد على أن يكون أحدهم مصطفى بك ~~النحاس. ويقول سعد في مذكراته إنه تفاوض مع كل من مصطفى بك النحاس، وحافظ بك ~~عفيفي من الحزب الوطني، فقبلا الانضمام، وإنه استعمل حق الرياسة في ضمهما إلى ~~الوفد. # ومنذ ذلك الحين بقي مصطفى مع سعد، فظل الزعيم في كنف الزعامة، يأخذ عنها ويتزود ~~منها، حتى شاء الله أن نفقد سعدا، فوجدنا مصطفى. # السيدة الجليلة أم المصريين في سنة 1920. # ودخل الناس يومئذ أفواجا في عقيدة الوطن، ووجدوا في الوفد الناشئ رمزه العالي، وتجسيم ~~فكرته المقدسة. فكان الوفد من تلك النشأة الرهيبة والمولد الجليل، وسط المقاومات المخيفة، ~~والأخطار المحدقة المكتنفة، وطنية الفطرة، وكان سعد ومصطفى وزملاؤهما فيه هم أمثلتها ~~وحراسها وثقاتها، والوفد عقيدة الطبيعة، وأولئك حملة رسالتها؛ لأنه في ناحية الفطرة، ~~الغريزة المدافعة عن ذاتها، وفي ناحية الطبيعة، المكافح عن حقها بكل قوتها. ولقد خاض ~~الوفد من ذلك الحين خطوبا ومكاره، وتغلب في مدار السنين على محن وأهوال، وانطلقت ms234 به ~~الفلك في موج كالجبال، فلم يكن العجيب له أن يكافح، ولا الغريب في أمره أن ينتصر؛ لأنه ~~بقوته الروحية الغزيرة فيه منيع، وبذهاب قواعده العميقة في أغور الأرض التي قام من أجل ~~الذود عنها ، باذخ شاهق يرد الطرف وهو حسير. # لم يصطنع الوفد أحد، ولم يأت به من عند نفسه إنسان، ولكنه جاء من وحي الطبيعة، وصرخة ~~الغريزة، ومضب الحياة، فإن كان الوفد في العرف نظاما سياسيا، فهو في عمل النواميس ~~أيضا نظام طبيعي؛ وإذا كان الوفد ظاهرة طبيعية، فهو كذلك ظاهرة حيوية؛ لأنه دليل على ~~الحياة المتنبهة في هذه البلاد، وميزان حرارة إحساسها، ومقياس شعورها، المتصل بالطبيعة، ~~المدافع عن الكيان والحياة والوجود. # والوفد منيع ... لأن نواميس الحياة معه، وقوات الأمة كلها تتبعه، ومظهر إجماع الشعب ضاف ~~عليه، وما خلا الوفد شذوذ عن الطبيعة، وهيئات مصنوعة، والذين يزعمون أن «الحزبية» تجمع ~~«الكل» ومساويها شركة بين الجميع، يكذبون على الواقع، ويتجنون على الحق والاختبار؛ لأن ~~الصفة «الحزبية» وما تقتضيه من عدوان بغير حق، وظلم بلا جريرة، وبغي بلا إثم، وتحيز بلا ~~سبب، لم تلابس الوفد يوما في أمر من أموره، ولم تشتمل على حركة من حركاته، وإنما هي أبدا ~~شأن الأحزاب الموضوعة، وصفة الهيئات المصنوعة، وديدن الجماعات الصغيرة غير الطبيعية، ولم ~~يتألف الوفد على نحو ما تتألف الأحزاب، ولكنه نبت نباتا، ونشأ ولم يدر أحد كيف نشأ، وإنما ~~رآه الناس قد جاء عند الحاجة القصوى إليه، وتمخضت أكبر الحوادث عنه، وبما مع الحياة التي ~~طلبت وجوده، ولم تجتمع على أحد من الأحزاب من الخطوب ما اجتمع عليه، فما ونت الشدائد عن ~~خدمته، كشأن كل شيء طبيعي ينتفع بها، وأحسنت الخطوب إليه ككل نظام فطري تحسن إليه. ولقد نما ~~لأن ملء نفسه شباب، وسناده قوة الحياة، ولم يثبت غيره ولم يأخذ في نماء؛ لأنه يمثل شيخوخة ~~الحياة وجزءها البالي، ونفايتها الطريحة الملقاة. وكل ما يجيء زائدا عن الحاجة أو دون ~~حاجة تدعو إليه، محتوم عليه الفناء، مقدور له التلاشي على الدهر ms235 والعفاء. # الوفد فكرة طبيعية قديمة لا حدود لقدمها، كما هي كذلك فكرة شابة دائمة لا يذبل شبابها. في ~~عهد الرومان، وفي عهد الفرس، وفي عهد المماليك، وفي كل زمن كانت مصر أسيرة فيه غير مطلقة ، ~~كان «الوفد» قائما، ولكن باسم غير هذا الاسم، ومظهر مغاير لهذا المظهر، وقوة متفاوتة وهذه ~~القوة؛ لأنه التعبير الطبيعي عن حاجة الجيل ونهضة العصر، ظل متنقلا في قطار الحياة، ~~ومواكب الأجيال؛ لأن الطبيعة تكره الشيخوخة، وتنزع أبدا إلى التجديد، تحرص دائما على ~~الشباب. # وكل فكرة طبيعية كالوفد لا تلبث أن تجد أنصارها، ولما كانت مسايرة للحياة، كان من الطبيعي ~~أن تتقدم الحياة كلها إليها بكل طبقاتها ومجاميعها، وهذا هو مظهر روعتها ومقياس طبيعتها ~~وصدقها وصحتها؛ فالذين يدركون سائر كلياتها وجزئياتها يقومون حراسا عليها، وثقات حفظة ~~معلمين مرشدين إليها، والذين يدركون مغزاها الطبيعي لأنه متغلغل في طبيعتهم، متجاوب مع ~~فطرتهم، يتبعونها ويطيعون معناها، ويلبون نداءها، ويعطونها احترامها وولاءها. فالتابع فيها ~~إذن والمتبوع سواء؛ لأنها شاملتهم جميعا، وهم حولها بمختلف جموعهم وطبقاتهم؛ فعند الحراس ~~عليها إخلاص ووفاء، وعند التابعين لها طاعة وولاء، والفكرة نفسها هي فوق الجميع قادة ~~وجندا، وزعامة وحشدا؛ لأنها سائرة بهم إلى الانتصار. # هذا هو الوفد إذن قادته وجنوده، ومن أكبر فخاره ومحمدته، وأسطع دليل على طبيعيته، أن ~~يجتمع حوله المتعلمون والعامة، الذين يدعوهم الكارهون «رعاعا» تهوينا من شأنهم، ~~وتهانفا بوصفهم، فكذلك هي الفكرات الاجتماعية، بل هذا هو في الواقع مقياس صوابها، ~~وميزان صدقها وصحة النزوع إليها؛ لأن الوطنية ليست مسألة تعليمية، ولكنها مظهر عاطفة ~~إنسانية، ومجال غرائز عليا، وفي مثل هذا يتماثل الناس متعلمين و«رعاعا» وخواص وعوام، ~~وما قامت في الدنيا نهضة وطنية إلا ومن حولها «الرعاع» وغير الرعاع؛ لأن الأمم والرعاع ~~مترادفان، والشعوب والجماهير معنيان متحدان، بل الرعاع هم في الواقع الذين أنجحوا النهضات؛ ~~إذ كانوا أبدا روحها ووجدانها، وعصبها وكيانها، وهيكلها وبنيانها، ولم يتبعوها على وسواس ~~العقل، وإنما تبعوها على إيمان العاطفة، وصوت الإيمان أغلب أبدا على وساوس ~~الأذهان. # إن كل ms236 نهضة وطنية نجحت في التاريخ كان فيها عنصر الدهماء أو الرعاع أو العامة، هو الذي ~~يمثل الولاء والطاعة، وكان فيها عنصر القادة أو الخاصة هو الذي يمثل الإخلاص والوفاء، فمن ~~غادر يوما إخلاصه سقط من موضعه؛ لأن العاطفة لم تعد تتبعه، وليس في الوطنية إكراه، كما لا ~~إكراه في الدين، وقد تبين في الوطنية الرشد من الغي، ومن شأن هذا أن يصحح المقاييس ويضبط ~~الموازين. # لقد أثبت الزمن أن الوفد عقيدة تتفانى فيها الأشخاص، وتختفي فيها الفردية، ويبرز فيها ~~الإجماع، فكان ذلك كله إلى اليوم هو سر قوتها، وباعث جلالها وروعتها؛ إذ تبين بالتجربة ~~والخبر أن الوفد هو شخصية العصر، وطابع الجيل، ومظهر الحياة المصرية. وحسبه هذا برهانا ~~على صفته الطبيعية، ودليلا «ضمنيا» على شذوذ الآخرين. # الوفد هو الصخرة التي يقف من فوقها الشعب المصري بكل طبقاته ومعلميه ورعاعه، تتقاذف عليها ~~الأمواج، وتترامى حولها اللجج، وتتكسر تحت سفحها الزوارق والمراكب، وهي قائمة عالية، تهزأ ~~بالأعاصير والرياح العاتية؛ لأن كل إعصار سوف يهدأ، وكل عاتية إلى صحو وسكون. # واجتمعت للوفد يومئذ مئات الألوف من التواقيع، على رغم ما لقيت حركتها من المجاهدة ~~والمغالبة، والمنع والمصادرة؛ فبادر سعد بمطالبة السلطة العسكرية بإعطائه هو وصحبه جوازات ~~السفر إلى الخارج، وكانت السلطة تسوف وتتلكأ، وترجئ كلما ألح عليها سعد وردد طلبه، حتى ~~كان أول ديسمبر فكتب سير ونجت إلى سعد يقول إنه على استعداد لقبول ما يقدم إليه من ~~المقترحات بشأن نظام الحكم في مصر، بشرط ألا تكون غير متفقة مع نظام الحماية، فأجاب عليه ~~سعد في الثالث من ديسمبر بأنه لا يسوغ لي ولا لأحد من أعضاء الوفد أن يطلب طلبات غير مطابقة ~~لمشيئة الأمة التي عبرت عنها في توكيلها لنا. # ومن ذلك الحين بدأ الوفد يصدر الاحتجاجات، ويرفع المذكرات إلى رؤساء الحكومات وقناصل ~~الدول بمطالب البلاد إلى مؤتمر السلام، حتى كان اليوم الثالث عشر من يناير سنة 1919، فوقف ~~سعد في دار الباسل مناديا بحقوق البلاد، قائلا: «ليست فكرة الاستقلال جديدة في مصر، ms237 بل هي ~~قديمة يتأجج الشوق في قلوب المصريين إلى تحقيقها كلما بدت بارقة أمل فيه، وتخبو ناره كلما ~~استطاعت القوة أن تخمد أنفاس الحق، ولقد كان الوقت الحاضر أنسب فرصة لتحقيق هذه الفكرة؛ لأن ~~رابطة السيادة التركية أخذت تتضاءل حتى لم يبق شك في انقطاعها، وإن الاحتلال الفعلي لا يجد ~~فرصة أنسب من هذه الفرصة لتحقيق كلمة لورد سالسبوري الذي قال في الثالث من نوفمبر سنة 1886: ~~«نحن لا نبحث إلا عن الخروج من مصر بشرف!» # انقلب هذا الاحتلال الذي لم يكن له حق في البقاء إلى حماية في بادي رأي الإنكليز، ومن ~~غير اتفاق مع مصر، ولكن الحماية هي أيضا أمر باطل بطلانا أصليا أمام القانون الدولي، ~~ومخالف مخالفة صريحة للمبادئ الجديدة التي خرجت بها الإنسانية من هذه الحرب الهائلة؛ فنحن ~~أمام القانون الإنساني قد أصبحنا أحرارا من كل حكم أجنبي، فلا ينقصنا إلا أن يقر مؤتمر ~~السلام هذا الاستقلال، فتزول العوائق التي تقف بيننا وبين الاستمتاع به فعلا؛ ولهذا الغرض ~~السامي المطابق لما في نفوس المصريين جميعا ألفت أنا وأصحابي الوفد المصري لنسعى في ~~الوصول إلى الاعتراف بهذا الاستقلال، وتشرفنا بتوكيل الأمة إيانا في سبيل هذه الغاية ~~السامية.» # وكان لهذا الخطاب دوي كبير وصدى متجاوب في البلاد، فقد كانت العاطفة مكبوحة، والآمال في ~~الصدور محتجزة محتبسة، فلما ألقى سعد كلماته تلك، انبجست لها العاطفة، واستحمى الشعور، ~~واضطرمت الصدور لهيبا. # وفي السابع من شهر فبراير عاد سعد فوقف وقفة أخرى، وقفة تاريخية رهيبة خالدة في جمعية ~~الاقتصاد والإحصاء والتشريع، وسط جمع جامع من الوطنيين والأجانب، وراح يهاجم الحماية مهاجمة ~~علنية صريحة، مناديا بأنها حماية باطلة لا وجود لها قانونا، بل هي ضرورة من ضرورات الحرب ~~تنتهي بنهايتها، ولا يمكن أن تعيش بعد الحرب دقيقة واحدة! # وعلى هذا الصوت الداوي اهتزت مصر جميعا، وشاعت كلمته الخالدة في الندي والأوساط، ~~وتناقلها الأجانب مقرونة بالتقدير والإعجاب بشجاعة سعد ووطنيته الصادقة الجريئة ~~الباسلة. # وفي خلال ذلك قدمت وزارة رشدي باشا استقالتها أكثر من مرة ms238 احتجاجا على منع رئيسها وزميله ~~عدلي باشا من السفر إلى الخارج للمفاوضة فيما عسى أن يكون عليه نظام الحكم في البلاد، وعلى ~~منع وكلاء الأمة من السفر كذلك؛ فأخذت السلطات المختلفة تسوف في قبول الاستقالة، وحين ~~تقبلتها في النهاية لم تستطع أن تؤلف غيرها، فبقيت كراسي الحكم خالية. # وفي السادس من شهر مارس استدعت السلطة العسكرية سعدا وصحبه، وأنذرتهم بألا يضعوا الحماية ~~موضع البحث، أو يعوقوا تأليف الوزارة الجديدة، متوعدة إياهم بأشد العقاب العسكري، فهم سعد ~~بالكلام، فأجيب بأن لا مناقشة. # وعاد الوفد إلى مقره فأرسل احتجاجه على تلك المعاملة الشاذة التي لم تراع فيها المجاملة ~~مع وكلاء الأمة التي يتكلمون باسمها، كما أرسل احتجاجا إلى الحكومة البريطانية على تلك ~~التصرفات الجائرة. # ولم يكد يمضي على ذلك الحادث يومان حتى اعتقلت السلطة العسكرية سعد باشا وثلاثة من صحبه ~~في قصر النيل، ومن ثم نفتهم إلى مالطة، فكان ذلك هو الشرارة الكهربائية التي أوقدت نار ~~الثورة في البلاد، ونهض الناس فجأة غضابا ثائرين، مرتخصي الحياة، بذلة المهج، ملاقي ~~المنايا في بسمة الباسمين. # في تلك الأيام كان مصطفى عضوا في الوفد، وإن كان لا يزال موظفا في سلك القضاء، وقد حضر ~~الثورة من مطالعها، واندفع في قلبها شجاعا لا يعرف الخوف، شهما متجلدا لا يحس أقل تردد، ~~مضحيا بكل شيء وإن كان في عنقه أرواح صغار، ونفوس أبرياء، وعشيرة تعتمد عليه. # في تلك الأيام نسي مصطفى مطالب عيشه، وأعباء حياته، وواجبات البيت ومقتضياته، فلم يعد ~~يذكر غير مصر وحقها المقدس، وواجب الدفاع عنها بأغلى الأرواح وأعز الأنفس، تاركا مصيره ~~ومصير الولدان الذين في عنقه إلى الله وحده، هو نعم المولى ونعم النصير. # وفي وسط الثورة ذهب مصطفى النحاس القاضي يشرف مع بعض أصحابه على حركة الإضراب، ويتصل ~~بلجنة الموظفين، وكان يتناول المنشورات السرية التي تطبع يومئذ في القاهرة، فيحملها إلى ~~طنطا في أثوابه، أو خلسا من مراقبيه والموكلين به؛ ليلقي بها إلى لجنة المحامين، وفيها ~~يومئذ الأستاذان عبد السلام فهمي جمعة، ومحمد ms239 نجيب الغرابلي؛ لتوزيعها على الناس في سواد ~~الريف وصميم القرى والمدائن، حتى انقلبت طنطا يومئذ مرجلا غاليا، وأتونا صاهرا، ~~وموقدا متأجج النيران. # وفي صدر المظاهرات الرائعة التي كانت تطوف القاهرة ذهب يشترك فيها مع القضاة الأهليين، ~~مرتديا شارة القضاء، رافع الرأس، منتهيا من أمر نفسه، ملقيا بكل روحه وحياته وعاطفته فدى ~~لوطنه، وغذاء لعقيدته، ووقودا لمبادئه. # لقد ظل قلب مصطفى النحاس خلال أيام الثورة خفاقا نابضا، مستحمي الدم في الشرايين، وقد ~~راح ينظم الحركة، ويتعهد الثورة، ويغذي الحماسة بالوقود. وقد تكشف يومئذ بجهاده، ~~وتبدى بوطنيته وحماسته لبلاده، غير عابئ الوظيفة، ولا حافل الراتب، ولا مكترث بمساك الرمق ~~والقوت. # في تلك الأيام الرهيبة كان مصطفى النحاس يعيش في عالم جديد، ويجول في محيط غير مألوف، ~~ويحيا في فلسفة روحية تسخر من كل خطر، وتزدري كل مكروه، وتحتقر كل خطب أو مخافة؛ فقد رأى ~~الشهداء صرعى والوميض على شفاههم، وحياة مصر هتافا يتصعد مع أرواحهم إلى السماء؛ فلم ~~يعد للحياة عنده شأن، ولا للوجود قيمة أو اعتبار. # لقد خلص مصطفى يومئذ بكل نفسه لمصر وحقها، فلم يعد يكرثه مصيره هو وحقه، وغده هو ~~وقوته ورزقه، وإنما كل تفكيره في الثورة ولها، وحرصه على الثورة ونجاحها، وإن تخطفه ~~الموت مع من يتخطفهم من الشهداء، أو مع من فدوا بلادهم بأرواحهم أكرم الفداء. # ولم يختف مصطفى وبقية أعضاء الوفد الذين لم يحملوا إلى مالطة مع سعد والآخرين ليعملوا ~~سرارا، ويلوذوا بالمكامن ليلا، ولكنهم راحوا في أتم الشجاعة يعملون في وضح النهار، ~~ويرسلون الاحتجاجات إلى سمع العالم كله على نفي إخوانهم، والغضب من تلك المعاملة الباغية ~~التي عوملوا بها؛ فكانت تلك أيام نشاط متقد مستعر تلتهب فيها الأرواح، كما تضطرم فيها ~~الأذهان، وقد نسي الناس فيها الخوف، ومتى تلاشى الخوف من النفوس، فكل شيء هين، والمنايا ~~جميعا رخاص، والحياة مبذولة بسخاء. # وفي السادس عشر من شهر مارس سنة 1919 استدعت القيادة العامة بقية أعضاء الوفد، وكان بينهم ~~مصطفى، فحملتهم تبعة الثورة القائمة، فكان جوابهم أن ms240 سبب الهياج المحتدم أمران: أولهما ~~منع الوفد من السفر، وثانيهما القبض على سعد وزملائه. # ولكن الإنكليز لم يعالجوا الحال بعلاجها حتى قدم اللورد اللنبي وهياج الخواطر يضطرم ~~اضطراما، فأجمعت الآراء على أنه ليس ثم سبيل إلى تسكين ثائرة النفوس غير الإفراج عن ~~المعتقلين، وإباحة السفر إلى الخارج للمصريين. # وفي ليلة السابع من أبريل أذعنت القوة للحق، فأعلنت الإفراج عن سعد وصحبه، وأباحت السفر ~~إلى الخارج، فأدركت الأمة بواكير انتصارها، ولبثت يومين كاملين في أفراح قائمة، وعيد وطني ~~جليل المعالم، خالد مشهود. # وفي التاسع منه ألفت الوزارة الرشدية الثانية، وسافر الوفد بعد يومين شاخصا إلى مؤتمر ~~السلام. # وكان مصطفى بين الذين سافروا. لم يتردد في الذهاب، ولم ينثن عن الرحيل، وهو لا يزال ~~موظفا، مرتبطا بالوظيفة، لا يدري في خاصة نفسه ما مصيره، ولا يحفل من ناحية عيشه ماذا ~~غده، وهو ليس بالغني فيهدأ لغناه، ولا بالطليق من التبعات، فيسكن خاطره لخلوه منها؛ ولكنه ~~مع ذلك كله سافر تاركا أولاد أخته في حراسة الله، مغتربا عن أب شيخ في سمنود يخشى عليه، ~~ويحنو إليه، ويريد أن يبقى بجانبه، وعن والدة حنون رءوم تدعو الله له في الصلاة في السحر ~~وهدأة الليل وعند الدلوك. # وما كان أشد فرحه وجذل نفسه إذ تلاقى وسعدا في مالطة والسفر ميممين باريس! فقد كان ~~ذلك لقاء بالغ الأثر في النفوس، مترامي الفرحة في حنايا الصدور؛ ولكن ذلك الفرح مع ذلك ~~كان رهيبا جليلا، اختلط به الشعور بجسامة التبعة، ورهب المسئولية التي تتصل بذلك الأمر ~~العظيم الذي ذهبوا لمواجهته، وأقبلوا عليه بسمع الدنيا وبصرها، وتوافوا إليه كأنهم ذاهبون ~~إلى عالم مجهول، ومرتاد بعيد لم يكشفه من قبلهم الكاشفون. # سافر مصطفى إلى باريس طالبا إلى وزارة الحقانية أن تمنحه إجازة، وكانت الحكومة قد تنبهت ~~إلى اشتغاله بالسياسة، وأمرته أن يعود إلى عمله؛ ولكنه عاد يطلب مد إجازته، فرفضت سؤله ~~وأحالته على المعاش بقرار من مجلس الوزراء في شهر يوليو سنة 1919 دون أن تستصدر مرسوما ~~ملكيا بهذه الإحالة، ms241 كما يقضي القانون في عزل القضاة؛ لأنهم يعينون بمراسيم ويفصلون ~~بمثلها؛ فكان فصله من القضاء من الوجهة القانونية البحتة فصلا باطلا، وهذه الحجة ~~القانونية هي التي استند إليها فيما بعد بصدد قضية معاشه. # أحيل مصطفى النحاس بك إلى المعاش على تلك الصورة، فتدهور راتبه إلى نحو خمسة عشر جنيها ~~في الشهر، هي كل ما بقي له في هذه الحياة، وعليه تبعات كبار لعشيرته، وفرائض جسام لأهله ~~وذوي قرابته، ولكن بقي له مع ذلك عون الله ورحمته وأزره وسنده، ومن يتوكل على الله فهو ~~حسبه، ومن يعتزم مثل عزمه فهو المطمئن، ما دام له مثل شجاعته وصبره وجلده وقلبه، فلا عجب ~~إذا تلقى مصطفى هذه الصدمة، واثقا بالله، وبالقلب الذي بين جنبيه، والاعتداد بالذات الذي ~~يملأ جوانحه قوة، وينعم صدره بريق رجاء. # فصل مصطفى من خدمة الحكومة ليدخل في خدمة الأمة، وهو انتقال خطير وتحول رائع، وفي خدمة ~~الأمة تلقاه سعد فرحا به؛ لأنه وثق به من البادرة، وسكن إليه من البداية، ورأى فيه النصير ~~المعوان، والظهير الصادق، والمساعد المتفاني بكليته، فعينه سكرتيرا للوفد بجانب عضويته، ~~وجعله موضع سره، ومحل ثقته، ومورد مشورته، وقربه منه تقريبا. # وكان ذلك عند مصطفى فوق كل وظيفة، وعزاء عن كل حرمان، وأمانا من كل خيفة؛ فأقبل على ~~خدمة بلاده، يبذل لها بقية ما عنده؛ وهي نفسه، ويدفع إليها بآخر ما لديه؛ وهو حياته ودمه ~~وأعصابه، وكل ما في أعماقه من قوة وجلد وإيمان. # وقد صحت مخاوف الوفد وظنونه، إذ حين وصلوا إلى باريس، وجدوا أبواب المؤتمر موصدة في ~~وجوههم، ورأوا الصحف نفسها لا تصيخ إلى شكاتهم، وأبصروا ذلك الرجل «الرسول السياسي» الذي ~~كانوا يعتمدون على نصرته لحقهم، وهو ويلسون، قد بادر إلى الاعتراف بالحماية البريطانية ~~المفروضة ظلما وعدوانا على بلادهم، وإذا هم وسط أفق خانق محتبس، لا تشع في جوانبه ومضة ~~رجاء. # ولكنهم لم ييأسوا، وإنما راحوا يقدمون مطالبهم إلى مؤتمر السلام ورؤساء الحكومات، ثم لا ~~يجدون مع ذلك سميعا؛ إذ تبين أن تلك الأناشيد ms242 التي كان الحلفاء يتغنون بها، وهي أناشيد ~~الدفاع عن الحق والعدل والإنسانية، والحضارة والإخاء، لم تكن سوى خدع سياسية، وأكاذيب ~~ضخمة من زخارف يلهون بها المظلومين، ويخدعون بزيفها الأبصار والأخلاد، ريثما ينتهون فيما ~~بينهم من توزيع الغنائم والأسلاب، في شراهية الجياع، وشهوة الغالبين. # وفي مصر كانت الثورة قائمة في النفوس، وإن سكنت مظاهرها العنيفة، وهدأت حركتها الفائرة، ~~بعد أن بلغت آخر مداها، وانتهت إلى أقصى عنفها وشدتها؛ فإن الثورة لا تنقضي مرة واحدة، ولا ~~تخبو جملة؛ ولكنها تعيش دائما في طور جديد، وتحيا ولكن حياة عقلية عميقة متزنة بعد الهزيمة ~~المستطيلة، راجحة بعد الترنح الشديد، فلم يسع الإنكليز أمام هذه الثورة الساكنة الرهيبة في ~~سكونها، البارزة الجلال في إجماع الأمة على مطالبها والثقة بوكلائها، إلا محاولة معالجتها ~~في رفق، وتناولها ببعض الرياضة والمصانعة. # ومن ثم جاءت لجنة ملنر إلى مصر، متجاهلة وكلاء الأمة في باريس، فلم تكد تنزل بالبلاد حتى ~~واجهتها مقاطعة تامة وإعراض شديد، وارتفع حيالها صوت واحد، وهو أن الوفد وكيل الأمة المختار ~~للمطالبة بالاستقلال، فهو وحده الذي يرجع إليه. # وقد حاولت اللجنة أن تجد سبيلا إلى مشورة أو تبادل رأي، فأخفقت كل الإخفاق، واضطرت إلى ~~المآب فاشلة. # ولكن بعض الوسطاء استطاعوا يومئذ إقامة الصلة بين الوفد وبينها، فدعته إلى المفاوضة في ~~لندن، فسافر سعد إليها في السابع من شهر يونيو سنة 1920 في رفقة من أعضاء الوفد ~~ورجاله. # وقدم الوفد إلى لجنة ملنر في السابع عشر من يوليو مشروعا لمعاهدة كان يومئذ يعتبر ~~ممثلا لأقصى مطالب مصر، وإن لم يكن يحقق الاستقلال تماما. ولكن الوفد أراد يومئذ به ~~إقناع الإنكليز بالعدول عن الحماية التي اعترفت الدول بها، وأصرت إنجلترا على فرضها، وأبت ~~إلا بقاءها بعد خرجتها من الحرب ظافرة. # وجرت المفاوضات بين الوفد واللجنة، فقدمت هذه مشروعا من عندها في أغسطس سنة 1920، فاقترح ~~الوفد وقف المفاوضات ريثما يستشير الأمة فيه. # وكان مصطفى النحاس قد رجع إلى مصر قبل إخوانه الذين ندبهم سعد لعرض المشروع الأخير على ~~الأمة، ms243 وهم محمد محمود باشا، وأحمد لطفي السيد بك، و«المرحوم» عبد اللطيف المكباتي بك، وعلي ~~ماهر بك، فتولى مصطفى عرض المشروع ملتزما مجرد عرضه، في غير تحبيب إليه أو إغراء بقبوله، ~~وكان سعد قد عهد إليه بذلك ، فحرص على أن يكون العارض فقط، دون إملاء أو ترغيب فيه من ~~جانبه. # كان مصطفى أمينا في رسالته، حفيظا لحدود مهمته، حريصا على تأدية ما عهد إليه، على حين ~~راح الآخرون يعلنون الناس أن المشروع لا يخلو من مزايا صالحة، وفوائد ظاهرة واضحة، فكان ~~رأيهم نازعا إلى ترويجه. # ولم يشترك مصطفى النحاس في الترويج، ولكنه - كما قلنا - كان «عارضا» فقط؛ فكان موقفه غير ~~موقفهم، ونظره إلى ما أبدت الأمة على المشروع غير نظرهم؛ إذ بينما اعتبر هو ذلك «تحفظات»، ~~ذهبوا هم يصورونها في صور «رغبات»، وشتان بين المأخذين، وما أبعد المسافة بين ~~الرأيين. # وقد ظل هو على رأيه، كما بقوا هم على تفسيرهم، حتى ركبوا جميعا البحر عائدين إلى سعد بما ~~حملوا من نتائج سفارتهم، وفي عرض البحر أنشأ مصطفى يتحدث إليهم في أمر المهمة التي اضطلعوا ~~بها، وراح يقنعهم بوجوب تدوين محضر بما جرى بسبيل رسالتهم، وما زال بهم حتى أقنعهم بالفكرة، ~~فرأوا أن ما سموه «رغبات» لم يكن في الواقع سوى «تحفظات»؛ أي «شروط» لا سبيل إلى قبول ~~المشروع إلا بالاستجابة إليها، وإنزالها منازل القبول والرضوان. # وقد كان عمل مصطفى في هذا الشأن محل تقدير سعد وموضع إعجابه، وإن كان ذلك التشعب في ~~الرأي بداية الخلاف، بعد أن عمدت السياسة الإنكليزية إلى المطاولة، ولم تشأ مواجهة الحقائق ~~الماثلة التي اعترف بها اللورد ملنر في تقريره، مصرحا بأن الحركة المصرية هي حركة وطنية ~~جدية، وأن الوفد المصري هو الحائز وحده لثقة المصريين. # وقد حرص سعد على حدود توكيله، فلم يشأ أن ينزع منازع فريق من أصحابه، فاشتد الخلاف بينهم ~~وبينه، ولم يبق بجانبه يومئذ غير مصطفى وويصا وسينوت. # ومن ثم ابتدأ الانشقاق، وكان ذلك ظاهرة نفسية مفاجئة، ولئن كانت لا تخلو حركة الانقسام ms244 ~~يومئذ من عنصر الحسد والنفس على سعد مكانه، وانفراده بالزعامة والسلطان الروحي على ~~الشعب؛ فلم تكن في صميمها غير ردة نفسية أصابت الذين اختلفوا مع سعد ونفضوا أيديهم من ~~يده، فقد أحسوا عند أول صدمة أن الطريق وعر، والشقة متطاولة، والغاية بعيدة، والمطلب ~~عسير. # لم يكونوا يومئذ «خوارج» ولا «خونة» ولا «منشقين»، كما كانت الأمة تسميهم من غضبها، وكما ~~كانت تصفهم من ألمها وأثر موقفهم السيئ من نفسها؛ ولكنهم كانوا يحسبون الغاية يسيرة المبلغ، ~~قريبة الموضع، فأقدموا مع سعد ليبلغوها، وأقبلوا خفافا سراعا لإدراكها، وإذا هم يجدون ~~الطريق طويلا، والمصاعب كثيرة، والأخطار مخوفة، والمكاره متعددة، فاستضعفوا، وخبت ~~الجذوة التي كانت مشتعلة في نفوسهم، وتناجوا بأن الخير في الرجوع، والسلامة في الإياب، ~~والأمان في المعاد نجيا. # لقد كانوا يتوقعون أن ينجح المشروع، فتنتهي قضية مصر وشيكا، وتحمد العاقبة، ويئوبوا ~~غانمين؛ فإذا الحوادث تأتي بغير ما كانوا يظنون، وإذا البوادر تدل على أن دون الغاية ~~أهوالا جساما، ومخاوف كثيرة، وجهادا محفوفا بالمكاره والمتاعب والخطوب، فراح اليأس يدب ~~في قلوبهم، ولكنهم جعلوا يخفونه في الترائي بمظهر الحكمة، وصورة التروي، وبعد النظر ~~والكياسة في المأخذ، والترفق في التناول؛ وسموا ذلك كله «سياسة»؛ ليشتهروا بأنهم البرعة ~~فيها، الحاذقون لها، إخوان عبقرية في مجالها وأفانين. # وكان انفصالهم هذا، بتلك المظاهر والصفات، فائدة «غير مباشرة» لخصوم البلاد؛ فسمعنا لأول ~~مرة الإنكليز يتحدثون عن الجهاد قاسمين أهله إلى «متطرفين» و«معتدلين»، وهم بذلك يعنون أن ~~سعدا والذين ثبتوا بجانبه - مصطفى وزملاءه - هم المهيجون المتشددون الغلاة في مطالب ~~بلادهم، وأن سواهم ممن تراجعوا تهربا من عناء الجهاد وأخطاره، وطول الطريق ووعثائه وصعوبة ~~المسير فيه، هم أهل الاتزان والاعتدال الذين يصح أن يكون الكلام معهم؛ لأنهم «عقل» القضية ~~المصرية ومنطقها، وليس الآخرون سوى «عاطفتها» الهائجة، وحاستها المائجة، وغريزتها الموحشة ~~العنيفة، الراكبة رأسها، المتهورة لا تعرف الاتزان. # على أن سعدا لم يبال هذه النكسة التي أصابت فريقا ممن وضعوا من قبل أيديهم في يده، ~~وإنما مضى في طريقه، ومن حوله مصطفى وأصحابه، ms245 وكان مصطفى يعذر لو أنه في تلك الوقفة الرهيبة ~~قد تراجع، إذ كان دون الجماعة كلها في الرزق موارد، وفي العيش استغناء. # كان مصطفى أخا فاقة، مفصولا من وظيفته، قليل المعاش، كثير النفوس المعلقات في رقبته، ~~كبير التبعة إزاء أهله وعشيرته. وكانت تلك كلها شفائع له لو أنه التمس مآبا، وخشي ذهابا، ~~وخاف عقابا؛ ولكن مصطفى لم يكن بالذي تقدم ليرجع، وأقدم ليحجم، وسار ليلوي عنقه ~~مرتدا. # لقد جاء مصطفى لمعنى كبير، وغاية بعيدة، جاء ليشارك سعدا، ثم ليخلفه يوم يذهب، ويتقدم هو ~~يوم يغيب سعد ويحتجب؛ ليسير بالقضية في طريقها غير خائف ولا متهيب، فهو منذ اندفع كان ~~مؤمنا بأنه سوف يتعذب. فلم يباغت بالصدمة الأولى حتى يتراجع؛ لأنها كانت في حسابه، ~~واحتمالها في تقديره، وتوطين النفس على أمثالها عدته قبل الانبعاث مع سعد وإقدامه ~~ومسيره. # كان مصطفى قد انتهى من التفكير يوم اجتمع مع بعض أصحابه على هذا الأمر العظيم والشأن ~~الجلل، فلم يبق إذن أمامه شيء يحتاج إلى تجديد تفكير أو معاودة بحث أو مراجعة خاطر، فقد ~~أقدم وهو عالم بما قد يكون من إقدامه، وهو ضحى وما به استرداد لتضحيته، أو نكول عن تفديته؛ ~~وعزاؤه يومئذ أن ما قد يصيب سعدا يصيبه، وليس هو بأحسن من سعد، حتى يستريح وهو الشاب، لكي ~~يضنى ويشقى سعد وهو الشيخ، ويوم يجد المرء على الخطوب رفيقا، ويظفر في مجاز الشدائد بشريك ~~أو صديق، تخفف الرفقة من الألم، وتكسر الشركة من حدة العذاب، ويسهل الطريق الوعر على ~~المسافرين. # وفي ذلك العام، عام 1920 بالذات، فقد مصطفى والده، إذ قضى الشيخ في سمنود، ورحل عن هذه ~~الحياة الأب البار الحنون، والمرشد الهادي، والناصح الأمين، مات الرجل الذي كان أعز صلته ~~بهذه الدنيا، وأقوى آصرته بهذه الحياة، الرجل الذي كان له أكبر الفضل عليه في تكوين نفسه، ~~وتربية حسه، ورياضة وجدانه، وغرس إيمانه، وبث تقواه، مات النصير الروحي الكريم عليه، الباذل ~~النفس له، الحار الدعوات في خلواته إلى الله من أجله؛ فكان ms246 ذلك مصابا عظيما لا يجدي فيه ~~الجلد، ولا ينفع الصبر، ولا يواسي الإيمان. وكان حزن مصطفى على أبيه بالغا متناهيا لا ~~حدود له ولا مزيد عليه؛ حتى لقد قال لبعض صحبه في الجواب على تعزيته إنه مع إيمانه العظيم ~~بالله لا يجد مخففا من حزنه، ولا مسكنا من حرق أساه، لا في «المنقول» ولا في ~~«المعقول». # وكان فقدان أبيه أيضا يصلح شفيعا للرجوع مع الراجعين، والانزواء مع المنزوين؛ لأنه يزيد ~~في مسئولياته «العائلية»، وتبعات البر بذوي رحمه، وبخاصة والدته العزيزة التي فقدت زوجها ~~الشيخ الحنان الكريم. # ولكنه مع قيام هذه المسئوليات الكبار ثبت بجانب سعد ولزم مكانه، ولم يفقد في الجهاد ذرة ~~من إيمانه، ولم يزعزع طول الشقة ووعورة الطريق من جلده وقوة جنانه، وظل قائما يعمل ~~بحزم وعزم وعمق يقين. # وفي وقت فراغه من عمله في الوفد راح يعاود المحاماة، فاشتغل بها فترة من الزمن، ولكن ~~بالقدر الذي لا يحول دون مواصلة جهاده، وإلى الحد الذي لا يعوقه عن عمله الوطني، ولو أنه ~~أعطى المحاماة يومئذ كل جهده، وأكب عليها بكل نشاطه وجلده، وانكمش فيها غير فارغ لغيرها، ~~لكان كسبه منها وفيرا، وإثراؤه منها نتيجة لازمة، ولكنه سكن إلى القناعة إيثارا للواجب ~~الوطني، فلم يدع الصناعة تستنفد كل قواه، وإنما جعل الفريضة الوطنية هي الجائرة على صناعته، ~~الآخذة من مرتزقه، القائمة في المحل الأول من منازعه ومجانحه ومدار حياته؛ فظل مكتبه في ~~شارع المدابغ ينتظره كلما أسلمته شدائد الجهاد وخطوبه إلى معاودة المحاماة، فلم ينتقل منه ~~إلا من عمارة إلى عمارة، وبين رقم 21 ورقم 30، وفي ذلك المكتب ذكريات وعهود لا تمحوها ~~الأيام ولا يعدو عليها النسيان. # وعلى أثر الصدمة الأولى عاد سعد إلى مصر، ولم يكن قد رآها منذ احتمل إلى مالطة معتقلا، ~~فاستقبلته البلاد استقبالا باهرا، هزها هزا، وأوقد حماستها كل متقد «وأظهرها أمة ~~عظيمة في وطنيتها، حكيمة في أفرادها، نبيلة في مقاصدها»، رائعة الحمية، مكينة ~~البنيان. # ولكن القوة لم تلبث أن عادت تتجاهل مشيئة الأمة، وتقاوم ms247 إرادتها، وترجع إلى سابق سيرتها، ~~وأساليبها الغاشمة وأدواتها، وتلا سفر الوفد الرسمي إلى لندن برياسة عدلي باشا للمفاوضات، ~~قدوم جمع من أعضاء البرلمان البريطاني لمشاهدة الأحوال السياسية في البلاد عيانا، والوقوف ~~على حقائقها عن كثب؛ فإذا هم حيال مظهر رائع لإرادة الشعب ووطنيته المتدفقة، وحماسته ~~المشتعلة المشرقة، ولهفته الصادقة على الحرية والاستقلال؛ فرجع القوم إلى بلادهم متأثرين ~~بما شاهدوه، وقدموا تقريرا إلى الحكومة البريطانية، ونشروا خلاصته على الرأي العام؛ فكان ~~له عامل كبير في تقديره لحقيقة الحركة المصرية وميول المصريين. # وحبطت المفاوضات الرسمية مع عدلي باشا، فقدم استقالته في الثامن من شهر ديسمبر سنة ~~1921، وبدأت السياسة البريطانية تجرب مرة أخرى أساليب القمع والعدوان، وخطة الإرهاق ~~والمقاومة مع الذين جعلت تدعوهم «بالمتطرفين». وأصدرت في الثامن عشر من ديسمبر أمرا بمنع ~~اجتماع عام دعا سعد إلى عقده جميع الهيئات على اختلاف طبقاتها في الثالث والعشرين منه، ~~بنادي سيروس في القاهرة؛ ولكن الأمة لم يزدها التحكم والتعنت والمقاومة إلا ثباتا ~~ومصابرة، والتفافا حول خدامها الأمناء، وزعمائها الأوفياء. # وأثار ذلك غضب السلطة العسكرية، فبعثت بإنذار إلى سعد في الثامن والعشرين من ديسمبر تقول ~~فيه إنه يحظر على سعد زغلول باشا بموجب الحكم العرفي أن يخطب في الناس، أو أن يشهد اجتماعا ~~عموميا، أو أن يستقبل الوفود، أو أن يكتب إلى الصحف، أو يقوم بعمل من الأعمال السياسية، ~~وعليه أن يغادر القاهرة بلا إبطاء ويقيم في منزله في الريف تحت مراقبة المديرية. # لقد كان ذلك كتابا من الكتب النادرة في العالم، كتابا قلما يوجد مثله في التاريخ ~~الإنساني كله، كتابا تستحيي الإنسانية أن يحتفظ به في قيد حياتها، ومستودع ماضيها، ~~وسجلات حضارتها؛ لأنه يمنع رجلا من الاتصال مطلقا بالعالم، ويصادر فيه كل الحريات التي ~~أباحتها الطبيعة له، ولا يسمح له بغير أن يأكل ويشرب، وكتابا ينزل الإنسانية التي شرفتها ~~الطبيعة منزل «الحيوانية» الدنيا التي لا تعقل ولا تفكر، كتابا مهينا للقوة المادية التي ~~بعثت به، قبل أن يكون مؤلما للرجل الذي تلقاه منها؛ لأنه معيب ms248 شنيع في حقها، وشرف كبير له؛ ~~إذ أعلن في تضاعيفه مبلغ خوفها، وعندها الأساطيل والمدافع والأسلحة على اختلافها، من رجل ~~أعزل من هذه جميعا وضروبها وصنوفها، ليس عنده غير الكلمة المرسلة، والفكرة الماثلة، والحق ~~المبين. # وغضب سعد من هذا الكتاب، وكبر عليه أن يتلقى أمرا كهذا وهو وكيل الأمة وزعيم الشعب؛ ~~فأجاب عليه في كتاب خالد، من تلك الكتب الرائعة في تاريخ الشجاعة الإنسانية، والاستهانة ~~بالأمر الظالم مهما كان شأن مصدره، يقول فيه: «إن هذا الأمر ظالم أحتج عليه بكل قوتي، إذ ~~ليس هناك ما يبرره. وبما أنني موكل من قبل الأمة للسعي في استقلالها، فليس لغيرها سلطة ~~تحيلني من القيام بهذا الواجب المقدس؛ ولهذا سأبقى في مركزي، مخلصا لواجبي؛ وللقوة أن تفعل ~~بنا ما تشاء، أفرادا وجماعات، فإننا جميعا مستعدون للقاء ما تأتي به، بجنان ثابت، وضمير ~~هادئ، علما بأن كل عنف تستعمله ضد مساعينا، إنما يساعد البلاد على تحقيق أمانيها في ~~الاستقلال التام ...» # فهل رأيت مبلغ قوة سعد الروحية إزاء نذير القوة المادية الرهيبة؟! لقد كان هذا الرد من ~~رجل أعزل على بريطانيا ربة القوات العديدة في البر والبحر والهواء، أسمى ما تبلغ الشجاعة ~~الأدبية إليه في القلب المطمئن، والخاطر الهادئ، والضمير الساكن، والثبات العجيب. # رفض سعد الخضوع لذلك الأمر، وهو يعلم ماذا سيكون من ورائه، كما رفض مصطفى وبقية أصحابه، ~~إذ جاءتهم كتب مثله تحمل نذرا كنذيره. وقد أشفق سعد عليهم، فطلب إليهم ألا يتأسوا ~~بأسوته، مخافة على أولادهم، وحنانا على ذويهم، ورثاء لأهليهم وعشيرتهم الأقربين. وطال ~~الموقف بينه وبينهم: هو يرجو ألا يتابعوه، ويسألهم ألا يتأثروه؛ وهم متشبثون بالرفض، ~~مصرون على الإباء. بل لقد راح أخيرا يقول لهم: «أنتم شبان لا يأخذكم الضعف الذي قد يأخذ ~~الشيوخ في ملاقاة الخطوب، فالرأي لكم وأنا عند ما تتفقون عليه، ولكن اعلموا أنني لا يمسني ~~ضعف، ولا تميل نفسي إلى أن أستبقي بقية من التضحية الواجبة.» # وكان صوت مصطفى صارخا قاطعا في أن يكون الجواب رفضا محضا، وعلى اللورد ms249 اللنبي أن ~~ينفذ أمره بالقوة إذا شاء. وقد تحدث أحد الذين شاهدوا ذلك اليوم الخالد في بيت الأمة، حين ~~وصلت تلك الكتب المنذرة، عن نفسية مصطفى يومئذ فقال: «لقد أقبل باسما وعيناه تلتمعان ~~وفي يده كتب. ويعرف كل الذين عاشروه أن له ساعات هي ساعات الحوادث الجسام، تظهر فيها على ~~وجهه، وفي عينيه، وفي كل حركات جسمه، أدلة الحماسة بالغة، حتى ليظن مشاهده أن الإحساس الذي ~~يسير في صدره أقرب إلى أن يكون فرحا بمصارعة الحوادث منه توجسا منها واغتماما بها؛ لأنه ~~ألف الصراع إيلاف الشباب ركوب الأخطار. # لقد دخل في تلك اللحظة وفي يده تلك الكتب، ثم وقف وجعل يلقيها لأصحابها إلقاء وهو يقول ~~باسما: «أوامر من السلطة العسكرية»! وهو غير مكترث ولا حافل، وقد عرف من قبل ما حدث، فما ~~زاده علمه بها إلا استخفافا وسخرية واستهزاء.» # واعتقل سعد في صباح الثالث والعشرين من شهر ديسمبر سنة 1921، فكان مسلكه ساعة معتقله ~~مشهدا من مشاهد البطولة الجليلة التي يحدثنا عنها التاريخ في سير العظماء الذين ضربوا أروع ~~الأمثال على رباطة الجأش وشجاعة القلب وسكون الأعصاب في أرهب المواطن وأكبر الأخطار. # لقد جاءوه صبحا فأيقظوه من نومه، وساروا به إلى سيارة مغطاة فاحتملوه فيها وهو لا يدري ~~إلى أين المساق، وقد نزل من حجرته يمشي هادئا مشرق الجبين متزن الخطو، جليل السمت، ~~مهيب الطلعة، لا أثر في حركاته لجزع أو اضطراب، وقد دس يسراه في جيب معطفه، وفي يمناه عصاه ~~يحركها بانتظام، غير حائم النظر، ولا زائغ البصر، ولا مترنح اللمحات. # سعد وصحبه وهم في المنفى. # وفي المساء اعتقلوا مصطفى النحاس، فما جزع ولا فرق، ولا حفل بما صنعوا به، وإنما تلقى ~~الجنود برباطة جأش، وابتسام رهيب، وشجاعة عجيبة، وثبات رفيع، وسكينة بالغة، كما ألقوا القبض ~~على بقية أعضاء الوفد الآخرين فكان جلدهم حاضرا، وموقفهم محاطا بروعة وجلال. # وفي منفى سيشيل تبتدئ قصة إنسانية من أرفع مآسي التاريخ، قصة أبطال وطنيين حارت بريطانيا ~~ربة الحول والطول والسلطان في أمر مقاومتهم، ms250 فتوسلت بأصغر وسيلة للخلاص منهم، فزادتهم ~~بصغار وسائلها قوة على قوتهم، وثباتا إلى ثباتهم، وخرجت هي من المحاولة بفشل ساخر من ~~قوتها، ضاحك من سلطانها وجبروتها، وتركت تجربتها في النهاية بخزي ظاهر، وخجلة واضحة، وتراجع ~~صغير. # في منفى سيشيل، وهي إحدى جزر المحيط الهندي، تجلت مبالغ شجاعة الشجعان، وبطولة الأبطال، ~~ومصبر الصابرين؛ كما برز الإخاء الإنساني في أوضح صوره، والوفاء في أبلغ مظاهره، والتضحية ~~الوطنية متجاوزة أبعد الحدود. # وقد وصف مكرم لحظة من لحظات المسير إلى ذلك المنفى القصي المجهول، بلغة عاطفته، ~~وعاطفة لغته، فكانت كلمته في ذلك سحر البيان: # لا تقاس الأيام بمجموعها، بل بنوعها، فقد تمر عليك أيام لا تحسها؛ لأنه لا نصيب ~~لك فيها، ولا يحس بك أحد. وقد تمر أيام تبذل فيها من العمل ما يملأ وقتك، ومن ~~الشعور ما يملأ نفسك وحسك، وعندئذ يحس بك كل أحد ...! # تلك الأيام هي التي نعيش فيها للوطن، فيعيش الوطن فينا وبنا. # تلك الأيام قد تكون ساعة، أو لحظة، نتعلم فيها كيف يكون حب الوطن طاهرا ... فوالله ~~إن ساعة من طهر، لهي خير من ألف شهر ...! # دعوني أقص عليكم كيف مرت بي هذه الساعة الطاهرة، فإني لن أنساها مدى ~~العمر: ~~«في ليلة حالكة السواد، شديدة البرد، خرج ستة من المصريين يتقدمهم رجل كأن الله ~~خلق الاستقامة من قوامه، والهيبة من وقع أقدامه، رجل توجه الشيب شيخا جليلا، ~~فبلغ من العمر كثيرا، ولم يبلغ منه العمر كثيرا ولا قليلا، هذا الرجل هو سعد ~~زغلول، وكان بجوار سعد رجل مد إلى الأمام صدره، كأنه يرى في عيني فكره عدوا ~~يتحداه ولا يخشى خطره، وهذا الرجل هو مصطفى النحاس، وإلى جوارنا ثلاثة اختارهم الله ~~قبلنا إلى خير جوار، هم المغفور لهم المبكى عليهم، عاطف بركات باشا، وفتح الله ~~بركات باشا، وسينوت حنا بك. وكان حولنا نحن الستة ضباط وجنود من الإنجليز مدججين ~~بالسلاح، فسرنا وساروا معنا من معسكر الجيش الإنجليزي في السويس إلى ميناء السويس ~~في طريقنا إلى المنفى البعيد، إلى المجهول ms251 المجيد! # ولما وصلنا الميناء وجدنا زورقا أعدته السلطة العسكرية لنقلنا إلى الباخرة في ~~وسط البحر، فركبنا الزورق الصغير ولم يكن فيه إلا نحن الستة وعدد كبير من الضباط ~~والجنود الإنجليز، وبحار مصري واحد بجوار «الدفة». # وبينما نحن في الزورق في طريقنا إلى الباخرة، سمعنا في سكون الليل هامسا ~~محتبسا، فنظرنا وإذا بالبحار المصري الجالس بجوار الدفة قد وضع رأسه بين يديه وهو ~~يبكي بكاء مرا. # نظرنا إليه ونحن لا نكاد نملك حواسنا، ونظرنا فإذا بالضباط الإنجليز مطرقو الرءوس ~~خاضعون أمام هذا البكاء الطاهر المليء بالمعاني. # بكى الرجل فسرى البكاء منه إلى نفوسنا، حتى ذهبت شعاعا وانحدرت دموعا ... # فوالله لقد أحسسنا أن مصر، وقد رأت قائدها وأركان حربه مأسورين، قد بكت في هذا ~~الرجل أسرها، وتوسلت به إلى الله تطلب نصرها. # بكى الرجل فاقترب إليه أحدنا، وحاول أن ينفحه مبلغا من المال يعينه على عيشه، ~~فرمى الرجل بالمال من يده وكأنه نار تحرقه، رافضا أن يأخذ لبكائه ثمنا، وأن ~~يستعيض عن شعوره مالا أو بدلا. # لا أذكر من اسم هذا الرجل إلا أنه محمد، ولكني أعرف أنه الوطن تجسد في محمد، ~~وأني ما حييت سأذكر أن محمدا بكاني، وأن محمدا ~~آخاني!» # وفي عدن، على الطريق إلى سيشيل، أراد الإنكليز أن يعجموا عود سعد، ويمتحنوا مبلغ وطنيته ~~وجهاده، ويستطلعوا مدى رباطه وعناده وجلاده، فبعثوا إليه في الثالث عشر من شهر فبراير سنة ~~1921، وهو محتبس في حصن عدن، من يحادثه في الشئون الشاغلة، والمطالب القومية، ويمنيه ~~بأسمى المقامات في البلاد. فلم يجد أمامه إلا قناة صلبة لا تغمز، وعودا ثابتا لا يهز، ~~بل لم ير حياله غير حفاظ للأمانة كامل، ووفاء لمصر جليل، وقول صريح لا تردد فيه؛ فقد أعلن ~~سعد محدثه، في شجاعة وصدق، وجهرة وإيمان ويقين، أنه لا يبحث إلا عن شيء واحد، وهو استقلال ~~بلاده! # لقد لجئوا إلى «مساومة» حقيرة مع رجل صادق في وطنيته، فكان ذلك جوابه على مساومتهم، جواب ~~عظمة وشرف وطهارة ونزاهة وقوة إيمان. كان ذلك جواب ms252 زعيم أمة لا يعرف مساومة في حقها، ولا ~~يشتري راحة نفسه ببيعها، ولا تخيفه المخاطر المجهولة التي يساق إليها، فيسلم على أول ~~الطريق، ويذعن عند أول تلويحة، وتتمثل له المكاره، وتتخيل لديه الغوائل والآلام وألوان ~~العذاب التي تنتظره، وهو شيخ تجب له الراحة، مريض تنتابه العلل، ضعيف البنية عرضة للسقام، ~~فيشتري نفسه ببيع بلاده للمساومين. # لم يكن سعد هذا الرجل الذي يجرب هذه التجربة، ويغرى هذا الإغراء، ولكنهم كانوا ~~حائرين في الواقع حياله، فعمدوا إلى هذه المساومة وهم عارفون نتيجتها، مدركون على الأرجح ~~كيف ستروح الفاشلة المحطمة. وقديما رأينا الحيرة تذهب بأهلها أعجب المذاهب، وتسلك بهم أبعد ~~ما يكون السلوك من النجاح. # وكان منزل سعد وصحبه بعدن في الرابع من شهر يناير سنة 1922، وكان مقامهم بحصنها مقام ~~الأسرى والسجناء، وكذلك لبثوا حتى الثامن والعشرين من شهر فبراير، فساروا بهم إلى سيشل، ~~وكان ذلك هو يوم إعلان استقلال مصر، بتصريح من الإنكليز، تصريح 28 فبراير المشهور، الذي ~~ألغى الحماية، ووعد بإلغاء الأحكام العرفية ريثما تصدر الحكومة الملكية الجديدة قانون ~~التضمينات، بل التصريح السياسي العجيب الذي جاء من جانب واحد، ثم أحيط في الوقت ذاته بأربعة ~~تحفظات، كان كل تحفظ منها سخرية كافية من ذلك الاستقلال. # لقد أقاموا هذا التوفيق المصطنع بين يوم الاستقلال ويوم الأسر، فكان توفيقا في معناه، ~~ساخرا من معانيهم، وكان صغارا على هامش جدهم، وأضحوكة بجانب مرارة عملهم وشناعة ~~تصرفهم؛ ليكون في القاهرة معالم زينة، وفي عدن سفرة أليمة، ورحلة حزينة، وتشريد ~~بعيد. # وفي سيشل، الجزيرة النائية، القائمة وسط الأوقيانوس العظيم، الحارة الرطبة في آن واحد، ~~تلك الجزيرة الخاملة التي اشتهرت بسعد، كما كانت جزيرة القديسة هيلانة في المحيط الأطلسي، ~~على الجانب الآخر من أفريقيا، خاملة، فاشتهرت بنابليون؛ تبارى الحب في مبالغ الإيثار، ~~وتنافس الإخاء في إنكار الذات، وتزاحم الإخلاص على التضحية، وتدافع الوفاء عند الحاجة إلى ~~التلبية. وفي سيشل، تلك القطعة الناتئة في بهرة المحيط، اجتمعت في ستة أصدقاء إخوة أعزاء ~~أبرار، كل الأسنان ومختلف الأعمار؛ شيخوخة ms253 وكهولة وشباب، كلها في ذاتها متفانية، وكلها ~~على بعضها حانية، والجميع تسرى عنهم أشد الألم روحانية عميقة مواسية، فهم في سياحة من ~~سياحات النفوس، مهما تلق من عذاب، ومهما تصادف من محن وأهوال وخطوب، تجد عزاءها البليغ في ~~رفقتها، وسلوتها الحاضرة في شركتها، وكلما كان الخطب موزعا هان، وكلما كان الألم ~~مشتركا، راح المحتمل اليسير. # في سيشل جرت قصة من أروع القصص، قصة الحب الإنساني في أسمى مراتبه، وعليا درجاته، وأروع ~~صوره وآياته، وهو الحب الأخوي في خاصة ذاته، والحب الوطني في عمومياته، وقد تلاقى الحبان ~~في نفوس ستة أبطال شجعان؛ فعرفوا بذلك الحب المزدوج العظيم كيف يصبرون لأشد الألم، ويتجلدون ~~لأقسى العيش، ويصمدون لأعنف البلاء والامتحان. # إن ذكريات سيشل لتزخر بأعجب الأمثلة على الإنسانية الرفيعة إذ تمتحن بالألم، وعلى ~~الأخوة الوفية إذ تبتلى بالشدائد، وعلى الرفقة في العذاب إذ تبتسم للعذاب، وعلى النفوس ~~العالية كيف يزيدها تقاسم الآلام علاء. # لقد كانت أيام سيشل عهد كرب ونكد، وصبر وتجلد، وأرق وتسهد؛ ولكن كانت أيضا أيام ~~مجد لسعد وأصحاب سعد، وقد اندمج هذا المجد في معاني الخلد، بالنسبة للذين رحلوا من هذه ~~الحياة بعد سعد، وبقي هو قائما إلى اليوم لمصطفى ومكرم، هو جوازهما إلى كل قلب، ومدخلهما ~~على كل نفس، وسبيلهما إلى كل عاطفة. # وقد خدمهم في سيشل الوفاء المتقاسم، وبر بهم الولاء المتبادل، وإن راح كل منهم ناسيا ~~بره، ذاكرا بر أخيه، وحنان رفقته. فأما سعد فقد جعل يتحدث إلى الناس في المناسبات قائلا: ~~«لقد مكثنا معا في تلك القرية، وكان وجودنا معا يخفف كثيرا من الألم، إذ كان إخواني ~~يبذلون غاية جهدهم في مواساتي ومجاملتي، وقد كان مكرم بك عبيد في السفينة بجانبي، هو الذي ~~يواسيني بلطفه، وحسن مجاملته، وكان في الحقيقة لي أبر من ابن.» # ويتحدث مكرم فيقول: «كنا في ذات ليلة من ليالي يوليو سنة 1922، وكان الرئيس متعبا مريضا ~~منذ أيام، وكانت قلوبنا هالعة عليه؛ فتركنا بعد طعام العشاء على أن ينام مبكرا عسى أن ~~يختلس ms254 لنفسه ساعة من الراحة، إذ كان لا ينام أكثر من نصف ساعة طول ليله. وبينما نحن نتأهب ~~لدخول مخادعنا، إذا بالرئيس يخرج إلينا فاقد النطق، محتبس التنفس، وهو يكاد يشرف على ~~الموت. # ولا تسل كيف قضيناها ليلة سوداء نغالب الموت فيها ويغالبنا، حتى انجلى وجه الصباح، وبدأ ~~الرئيس يسترد بعض قواه، فإذا به يطمئننا على نفسه، ويؤكد لنا أنه لا يخشى الموت في سبيل ~~بلاده، وأن في موته بمنفاه حياة لأمته. ولم تكن هذه مجرد ألفاظ، إذ ما لبثنا أياما حتى ~~وزنت ألفاظه بميزان الحوادث، وامتحنت شجاعته امتحانا ما كان أقساه لولا أنه لاقى صخرة ~~لا يلين جامدها؛ فقد كان سعد لا يزال مريضا، وقد جاءه تلغراف يعرض عليه أن يتنازل عن ~~الاشتغال بالسياسة مقابل نقله إلى فيشي بأوروبا في أقرب فرصة! ... فلتصوروا لأنفسكم ما كنا ~~فيه وما كنا نعانيه، ثم تخيلوا شيخا مريضا في منفاه، يرى في هذا النبأ باب الفرج بل باب ~~الحياة، ثم تأملوا جوابه، فقد كان جوابه أخيرا، جوابه أولا، وهو الرفض بإباء ~~وكبرياء. # إن للقوة أن تفعل به ما تشاء، وقد فعلت، وللمنية أن تهدد حياته، وقد هددت، ولكن للأمة ~~كرامة، وقد حفظت، وديونا، وقد أديت ...!» # لقد تفانى الرفقاء في المنفى أعجب التفاني، وحملوا الآلام الطوال بينهم أروع المحتمل، ~~وراحوا يتناسونها في حلقات الدرس وجلسات السمر. فكان سعد بعد الفراغ من الطعام يجلس إلى ~~مكرم لدرس اللغة الإنكليزية. وينصرف المرحوم عاطف بركات إلى درس الفرنسية على مصطفى ~~النحاس. # وإذا تنفس الصبح، نهض مصطفى يؤدي بعض الألعاب والحركات الرياضية مع المرحوم فتح الله ~~بركات، والأستاذ مكرم عبيد. وكثيرا ما كان يشترك مع فتح الله في لعبة «الدومينو»، ولم يكن ~~يجيد غيرها من الألعاب. # وأجل ما بدا حنان مصطفى، وأروع ما تجلى تقديره للصداقة والحب والود والبر بالصحاب، ~~يوم أصيب صاحبه مكرم «بالملاريا»؛ فكانت تلك فترة جزع وروع ومخافة، وكان يعوده طبيب إنكليزي ~~من أطباء الجيش البريطاني برتبة «الميجور»، وكان الرفقاء لا يفارقون سريره، ولما اشتدت ~~العلة ms255 عليه، نقل إلى المستشفى، فعارض سعد وإخوانه في نقله، وقالوا إنهم لا يخشون العدوى ~~منه، بل هم على استعداد تام للعناية جميعا به، والسير على تعاليم الطبيب وأوامره، ولكن ~~الطبيب أصر على النقل، فلم يجدوا بدا من التسليم والإذعان. # ونقل مكرم إلى المستشفى فوق محفة يحملها أربعة من الجنود وعليه ملاءة بيضاء، نقل مكرم على ~~تلك الصورة بين أصوات الألم من إخوانه والنوح والأنين؛ ولكن مصطفى أبى إلا أن يتبعهم، وأصر ~~على أن يلزم أخاه مكرم في نقلته. وجرت مشادة بين الرفقاء وبين الطبيب في أمر السماح لمصطفى ~~بالمسير مع القوم إلى المستشفى لملازمة سرير صاحبه، فلم يلبث الطبيب أن أذعن لصوت الجماعة، ~~وأمام وحدة الشعور والحنان. # وظل مصطفى بجانب مكرم راعيا حانيا ممرضا مطببا، وجعل يكتب إلى أصحابه من المستشفى ~~منبئا بسير صحة المريض العزيز، حتى قيض الله له النجاة من العلة، فتماثل وعاد إلى أصحابه ~~ناجيا، وقد قص مصطفى بعد ذلك ما كان في المستشفى فترة إقامتهما؛ فقال إنهم وضعوهما في غرفة ~~يقفل عليها باب ضخم من الحديد، وكانت تلك الحجرة معدة فيما مضى للمرضى من الأسرى ~~الأتراك في الحرب الماضية الذين كان يؤتى بهم يومئذ إلى عدن. فلم يكد الصديقان ينزلان بها ~~حتى هجمت عليهما جيوش جرارة من الحشرات والبعوض والهوام وما إليها، فجعلا يدافعانها بكل ما ~~استطاعا فلم ينالا منها كثيرا ونالت هي من دمائهما، حتى اضطرا إلى الاستغاثة، ومن القسوة ~~البالغة أنهم لم يصرحوا لهما باستخدام الكلل «الناموسيات»، إلا بعد أن بح صوتهما من فرط ~~الصياح، خشية أن تبلغ أسماع المسترقين للسمع والمترصدين. # ولم يكن سعد وصحبه أحرارا في إحضار مال من القاهرة للنفقة على أنفسهم كما يشاءون، إذ ~~كانت قد صودرت حساباتهم في المصارف قبل حملهم من وطنهم إلى ذلك المنفى البعيد، فكانت ~~الحكومة الإنكليزية مقررة لسعد مصروفا شهريا قدره خمسون جنيها، ولكل واحد من رفقائه ~~ثلاثين، وكانت أجرة المنزلين اللذين يسكنونهما في سيشل، ونفقات الطعام والشراب وأجور الخدم ~~تدفع من تلك المرتبات! # إن ms256 قصة سيشل هي في الحق أسمى ما كان من مشاهد البطولة، وأرفع ما عرفت الدنيا من قيمة ~~العظمة الإنسانية، وأنبل ما أظهرته الشجاعة الوطنية في مجاز المحن والآلام؛ قصة الشيخوخة ~~المريضة وكيف تحملت أشنع المعاملة، واصطبرت لأسوأ الأذى ، وتجلدت للأسر والقيد والعنت والضيق ~~والبغي والعدوان؛ قصة الرجولة التي نسيت حق نفسها في التفاني في البر بسواها، والحدب على ~~غيرها، والإيثار لمن عداها؛ بل قصة الشباب في أروع ثباته وأرفع قوته ونبالته، وأكبر سخرية ~~من الألم والعذاب ... # وسوف تظل ذكريات سيشل في التاريخ الإنساني للوطنية كمثل لأقسى ما كابدته، وأشنع ما قاسته، ~~في سبيل قضاياها المقدسة، ومبادئها العالية، وإيمانها الوثيق، ويقينها بحقها المقرر، ~~وشهامتها السامية، وجدها الرفيع المكين. # لقد نفي نابليون إلى جزيرة هيلانة منهزما مدحورا، فمرض فيها مرض الموت، وكان ذلك ~~مطلب الذين نفوه، وأمنية الذين اعتقلوه. ونفي سعد إلى سيشل منتصرا قاهرا، في معارك نفسية، ~~ووقائع روحية، هو المسلح فيها بأغرب الأسلحة، وهو الحق الأعزل، والقوات المخاصمة له لا تدري ~~ماذا تستخدم من أسلحتها - على كثرتها - حيال هذا الجندي المسلح، ولكن على طراز غير طرازها، ~~ومن دروع ولأمات غير ما ألفت هي من دروعها وتروسها وأسلحتها ومجناتها، وهي أخشى ما ~~تكون عليه إذا مرض وإن رامت تعذيبه، وأخوف ما تكون على صحته وإن بغت إيلامه، وهي أحرص ما ~~تكون على حياته وإن قست عليه. ولقد أرادت بنفيه مجرد الدرس الأليم لتكون العبرة البالغة؛ ~~فتلقى هو الدرس وألمه، ولكن خيب الغرض منه، وفوت غايته، بل لقد انتفع هو بالدرس ~~ونتيجته، إذ عرف منه مبلغ قوته، ومدى جلده وثباته، وأدرك بالتجربة أنه أقوى من خصمه على ~~بطشه، وأجلد على آخر ما عنده من امتحان وبلاء. # وقد احتمل مصطفى النحاس بجانب سعد كل ذلك وأكثر منه؛ لأنه كان شابا محدودا، ورجلا ذا ~~مسئوليات أبوية؛ فلم تنقطع مع احتماله تلك الآلام الشداد ومرارتها، مسئولياته تلك ~~ومقتضياتها، فكانت نفسه موزعة بين سيشل النبيذة الطريحة في وسط المحيط، وبين ذلك البيت ~~الصغير الهادئ في حي ms257 شبرا، حيث تقيم تلك القطع الصغيرة من الإنسانية، أولاد أخته الذين تولى ~~تربيتهم، وأعطاهم جزءا من روحه لرعايتهم وتنشئتهم، وقد حمل من وسطهم ظلما وعدوانا إلى ~~غربة قصية ومنفى بعيد، فلم يبق لهم غير معاشه القليل، وإلا أتعاب مكسورة لا تزال في ذمم ~~المتقاضين. # ولكن مصطفى انتفع بالمنفى انتفاع سعد به؛ لأنه جرب قبل أن يصل إلى مكان القيادة العليا ~~كافة لوازمها، وامتحن بأشد تكاليف عذابها وآلامها. وقد عجمت السياسة البريطانية عوده ~~فخشيت مما عجمت. واطمأن هو إلى قوته التي اختبرت، وأدرك أن كل شيء في سبيل مصر محتمل، وكل ~~تضحية من أجل وطنه هينة، وأن المقاومة الروحية هي في معركة القوة والمادة، المنتهية أبدا ~~بالفوز المبين. # وفي مصر على أثر هذا الحادث العظيم، ظهرت قوة الوفد بأجلى مظاهرها، وبدا نظامه العجيب على ~~أكمله، وتجلى تسلسل القيادة فيه باهرا يشده الخصوم، ويكبت الأعداء؛ إذ نهض الذين بقوا ~~من أعضاء الوفد بأعباء الجهاد رافعين رايته، منظمين قيادته، وانضم إليهم آخرون، غير مشفقين ~~من شبح السجن، أو منزوين من تصور الاعتقال، وظل بيت الأمة قبلة الوطنيين تبعث منه أم ~~المصريين نداءاتها الصادقة إلى الشعب فتهز بها القلوب التي في الجنوب، وتوقد في الأرواح ~~الشعل واللهب، وتضرم الحماسة في النفوس أي إضرام. # وحين اعتقل أعضاء الوفد الثاني في سلسلة القيادة المنظمة، حل محله وفد ثالث، متلقيا علم ~~الجهاد منه، وهو عليم بالأخطار التي تحدق به، مقبل عليه بشجاعة يغذيها اليقين، ويمدها ~~الإيمان؛ فكانت تلك الشجاعة موضع إعجاب الأمة، ونبع حماستها المستفيضة بغير انقطاع. # وخلال ذلك أعلن تصريح 28 فبراير، فأزعجت الأمة تحفظاته، وتلقته بفتور غير منخدعة ~~بالمظاهر والزخارف التي أحيط بها، والتغييرات الشكلية التي أدى إليها، وظلت في موضعها من ~~الجهاد تواصل الكفاح غير مذعنة ولا قانعة ولا متوانية. # وتحت وزارة ثروت باشا ألفت يومئذ لجنة لتحضير الدستور، فكان أعضاؤها جميعا من غير ~~رجال الوفد والمنتسبين إليه، فرضوا أن يضعوا الدستور في غياب الرجل المكافح المغوار الذي ~~كان السبب فيه، وصاحب الفضل به، ms258 في غياب سعد ومصطفى وصحبهما وهم في المنفى القصي والمعتقل ~~البعيد، الذين كانوا في صدر المطالبين به والعاملين عليه والمنادين مع الاستقلال التام ~~إليه، فكان ذلك على أقل تقدير له، جحودا ونكرانا لحق الغائبين. # وترامت عند ذلك الأنباء بمرض سعد في سيشل، فقلقت الخواطر، وهاجت النفوس؛ فما زالت الأمة ~~تحتج وتطالب برد سعد ورفقائه حتى رأت السلطات إزاء هذه المطالبة الملحة نقله إلى جبل ~~طارق، دون رفقائه الذين لازموه، وصحبه الذين واسوه، ورفقائه الكرماء عليه. وفي ذلك يقول ~~سعد: «ولقد مكثنا ممنوعين من الكلام عن الصحة، وكنا نحتار حيرة شديدة حين نسأل بالتلغراف ~~من مصر عن الصحة والطقس، إلى أن كتب إلينا الحاكم العام للجزيرة بأن حكومة جلالة الملك قررت ~~أن يسافر زغلول مع خادمه سفرا يستغرق ثلاثة أسابيع سويا على سفينة قادمة في غداة اليوم ~~التالي إلى سيشل لتحمله إلى تلك الجهة؛ فغضب إخواني لهذا التقسيم وحزنوا وطلبوا أن يسافروا ~~معي، مع أن الجواب يقول إنه لصحة زغلول تقرر نقله إلى جهة أخرى، كأن صحة إخواني لم تكن ~~تقتضي ذلك، والحقيقة أنها كانت تقتضيه، ولكنهم لم يريدوا أن يقروا بهذا الاقتضاء. # أما إخواني فقد حزنوا واستاءوا واحتجوا؛ لأنهم شعروا بألم شديد لانفصالي عنهم، وكانت ~~نتيجة ذلك أن منعوهم من السفر معي، ولم يريدوا أن أنزل في السفينة نهارا خشية احتشاد سكان ~~الجزيرة، فأنزلت في زورق ومنع إخواني أن يصحبوني إلى السفينة الحربية، فسرت بهذا الزورق ~~إلى السفينة ... وقد سألت عن الجهة التي نحن متوجهون أو مسوقون إليها، فقالوا: «لا يمكننا أن ~~نقول لك ذلك»، فمكثت وحدي بين السماء والماء، لا جليس ولا أنيس لي مطلقا، وكان فكري ~~محصورا فيما هي الجهة التي أنا مسوق إليها؛ وكنت قد سمعت قبل السفر إشاعة بأنها «جبل ~~طارق»، التي سمعت عنها من بعض أصحابي أنها صخرة جرداء شديدة الحر، بها حصن، وعلى كثب منه ~~قرية صغيرة لبيع الدجاج والبيض. مكثت حائرا في أمر الجهة التي أنا مسوق إليها، وكلما تصورت ~~أنها جبل طارق، ms259 اشتد كربي ... مكثت ستة عشر يوما حائرا أتصور جبل طارق، ولم يحدث لي في ~~حياتي قبل هذه أن تألمت أكثر مما تألمت في هذه المدة ...» # وكان نقل سعد إلى جبل طارق في الحادي عشر من أغسطس سنة 1922؛ وكان أخذه من بين مصطفى ~~وصحبه أليما لنفوسهم، ممضا محزنا لهم، شديد اللوعة، يغالبونها، ويحاولون إخفاءها، حتى ~~كانت لحظات الوداع، فتلاقى بصر سعد بأبصارهم، فعرف في الحال مبالغ آلامهم، وأعماق حزنهم، ~~ففاضت من عينه عبرة ساخنة، وكان صمت ذلك الفراق أبلغ من كل قول، وأروع وأصدق من كل ~~كلام. # وقد نزل سعد ببيت أعد له في جبل طارق، ذي حديقة، ولم يكن أسيرا في مقامه بها ولا ~~سجينا، ولكنه مع ذلك كان متألما متبرما، حتى لقد قال يصف منزله يومئذ بتلك الصخرة: «لقد ~~كانت هذه أسوأ مدة مرت بي في السجن، وأما المدة التي تلتها فإني كنت متألما جدا لانفصالي ~~عن إخواني حتى اضطررت إلى رجاء حرمي أن تلحق بي، فلما حضرت خف عني الألم. ولقد أقمت في جبل ~~طارق من الثالث من سبتمبر سنة 1922 إلى 30 مارس سنة 1922، ثم أفرج عني في ذلك التاريخ ~~...» # وتعاقبت يومئذ الوزارات، ولم تنطفئ حماسة الأمة ولا هدأت ثائرتها ولا فتر جهادها، بل ~~تبين فشل الأساليب التي اتخذت حيالها لتوهين قواها وصرفها عن زعمائها؛ فأفرجت السلطات عن ~~بعض أعضاء الوفد المعتقلين، وأعلنت إطلاق سراح سعد من منفاه الأخير، وصدر الدستور في التاسع ~~عشر من أبريل سنة 1923، وأفرج عن مصطفى ورفقائه المبعدين في سيشل، فوصلوا إلى أرض الوطن ~~في السادس والعشرين من شهر يونيو من ذلك العام، كما أفرج عن سائر السجناء في ألماظة، ~~فاكتملت بخروجهم، وتوافدهم هيئة من الوفد، وراحت تتولى قيادة الأمة إلى غايتها السامية حتى ~~عاد سعد في السابع من شهر سبتمبر من تلك السنة، فخرجت مصر جميعا إلى لقائه وتحيته ~~واستقباله، فكان ذلك يوما خالدا في التاريخ. # لقد وصلت الثورة يومئذ إلى حد حاسم، ومرحلة فاصلة، وظفرت الأمة بنصر عزيز، وتمكنت من ~~التغلب ms260 على كل ما كان يعترض سبيلها، ويراد به توهين قواها، والقضاء على آمالها. وكان من ~~الخير لو أن السياسة البريطانية كفت يومئذ عن التبييت للحركة الوطنية، والتزمت مواجهة ~~الحقائق الماثلة، وانصرفت إلى التحبب إلى مصر وأهلها، والتعاهد معها على ميثاق من الحلف ~~والمودة والتعاون الوثيق، ولكن السياسة البريطانية لم تقنع بالخسر الذي أصابها، والنجاح ~~الذي ظفر به خصومها؛ فهادنتهم أو سكتت قليلا عنهم، ريثما تجد سانحة أخرى للبطش، وناهزة ~~جديدة لمواصلة التجربة. # وفي حياة سعد ومصطفى كان قد انتهى دور من أدوار الألم، واستكمل فصل من فصول الكفاح ~~العنيف؛ فما من خطب ألم بسعد إلا كان مصطفى فيه شريكا مساهما، ولا من محنة أصابت ~~سعدا إلا كان صاحبه العزيز مكتويا معه بلفحها. وقد جعلت منهما هذه الرفقة في الألم ~~والعذاب شركة نفسية غريبة، حتى لو أن أحدهما هو المطلوب بمفرده لهما، لما رضي الآخر أن ~~يحرم من نصيبه منهما؛ فإن الحب الوطني قد ألف بين قلبيهما قبل أية صلة من الفكر، أو شركة ~~في العقيدة. وقد وصف الساحر الخلاب مكرم عبيد هذا الحب في بعض سحره العجب، فقال: # منطق القلب هو الحب، والحب أس الفضائل جميعها، وهو واحد وإن تعددت أنواعه ~~وأسماؤه؛ فحب الله هو الدين، وحب الفضيلة هو الأدب، وحب الوطن هو الوطنية، وحب ~~العشيرة هو القرابة، والحب الجنسي هو الذي اصطلح الناس على تسميته حبا أو ~~عشقا، وحب الصديق هو الصداقة، وهكذا كل العواطف يجمعها شعور واحد، هو الحب؛ ~~ومصدرها واحد وهو القلب، والقلب من الله، والله محبة كما جاء في التوراة ... # إن عاطفة الحب في أساسها عبارة عن تمازج الأرواح؛ فقد يكون خاصا، ويدخل في ذلك ~~حب الأسرة وحب الصديق؛ أو عاما، وهو المحبة الوطنية أو الدينية أو غيرهما، ولا ~~تظنوا أن المحبة العامة مجرد عاطفة خيالية، كلا بل هي في بعض الأوقات - وبخاصة في ~~أوقات الحماسة - أوقع في القلب، وأكبر أثرا في النفس من المحبة الخاصة، بل إن ~~الإنسان كثيرا ما يضحي بالمحبة الخاصة في سبيل ms261 المحبة العامة، فيضحي بمصالحه ~~وأولاده ونفسه في سبيل حب بلاده، أو فكرة سامية أخذت بقياده. # ولست أحتاج إلى الذهاب بعيدا للتدليل على هذا الحب العجيب، والدرجة القصوى التي ~~قد يصل إليها؛ فإن المثل الحي قريب منا، في بلادنا ونفوسنا، وإن شاءوا دليلا ~~ماديا فليبحثوا عنه في قبورنا وسجوننا. # إن حب المصري لأخيه المصري في تلك السنوات الأخيرة ليس مجرد عاطفة وطنية، بل هو ~~حب المؤمن لأخيه المؤمن، وإنما المؤمنون إخوة؛ وحب الجندي لأخيه الجندي، فهو إذن حب ~~قوي، تجمعه فكرة واحدة، وجيش واحد، وقائد واحد. وقد ذهب هذا الحب بأبنائنا فسفكوا ~~في سبيله دماءهم، وضحوا من أجله بحريتهم. # وإن شئتم مثلا آخر يدلكم على مقدار هذا الحب العام، فهاكم ما جرى لنا في ~~«ممباسة» عند عودتنا من سيشل، فكلكم تعرفون أن الهنود على اختلاف طوائفهم، أكرمونا ~~إكراما عظيما، وأضافونا في بيوتهم، بعد أن رفض الإنجليز أن يقبلونا في فنادقهم؛ ~~لأننا شرقيون محتقرون! وعندما سافرنا من ممباسة ودعنا أولئك الإخوان، وكانوا يبكون، ~~وكنا نبكي دموعا حارة، كأنما قد تركنا ثم أعز أحبابنا. والواقع أننا أحببناهم ~~وأحبونا؛ لأنه جمعتنا بهم جامعة عامة، هي جامعة الشرق الواحد، وجامعة الظلم الواحد ... # مكرم عبيد. # إن أحسن وصف لهذا الحب العام هو ما جاء في الكتب المنزلة، من أن أصحاب الإيمان ~~الواحد، أو الفكرة الواحدة، هم إخوة وأقرباء، وكنت قبل الآن أحس بكثير من الدهشة ~~عندما كنت أقرأ في الإنجيل الشريف أنه قيل للسيد المسيح: إن أمك وإخوتك بالباب ~~يطلبونك، فأجاب بلهجة شديدة قائلا ما معناه إن أمه وإخوته وأقرباءه هم الذين ~~يتفقون معه في الرأي والعمل الصالح، نعم هم الأقرباء الحقيقيون تجمعهم صلة النفوس، ~~لا صلة الأجساد. # ولا يغرنكم قولهم إن الحب لأعمى، فلا يعمي البصائر إلا الكره والحسد، ولا يعرف ~~الصفات أو الفضائل الإنسانية في إنسان إلا من كان له صديقا صدوقا، وأمكنه أن يطلع ~~على دخائل قلبه ومكامن نفسه. أما العدو فلا يرى في عدوه إلا عكس هذه الصفات، كما أن ~~من يعرفك ms262 معرفة سطحية لا يرى فيك إلا الصفات السطحية، فالحب إذن بصير «لا تخفى عليه ~~خافية»، ولو أنه لا يهتم لدقائق السطحية التافهة. # لقد امتزج سعد ومصطفى بالروح، وتحابا أصدق الحب بالتماثل والتناسب، وأخلص كلاهما إلى ~~الآخر أسمى الإخلاص؛ لأنه الإخلاص المنزه عن المصلحة، المطهر من شوائب الغرض والمنفعة، ~~فانتهى ذلك الدور من حياتهما، وسعد زعيم الثورة ومصطفى وقادها، كلما طلبت غذاء التمسه ~~لها واحتطبه من أجلها؛ بل انتهى ذلك الدور وهما مشتركان في الألم والنفي والعذاب؛ ليتم ~~لهما النصر فيشتركا في تنظيم الفوز، واستثمار النجاح، وإقامة القواعد في الدور التالي لحياة ~~جديدة، هي حياة الديمقراطية والدستور، يقيمان لها العمد، ويرفعان الدعامات، وينهضان ~~بالصرح والبنيان. # | سعد ومصطفى يبنيان للديمقراطية والدستور # جاء تصريح 28 فبراير المشهور عملا من جانب واحد، وكان العمل على هذا النحو تنفيذا لما ~~أشار به لورد اللنبي كعلاج موقوت لصعوبة العمل يومئذ من جانبين؛ فهو مع اعترافه الرسمي ~~باستقلال مصر يحمل في ثناياه كذلك الاعتراف الضمني بأن مشيئة مصر لا تزال تنقصه، وأنه لا ~~يزال خاليا من الطابع الذي يقر إرادتها، ويجمع إلى الاعتراف البريطاني كلمتها، بل الكلمة ~~النهائية التي تضع كل شيء في موضعه، وترد الأمر إلى طبيعته. # وقبل أن تعمل الحكومة البريطانية بمشورة اللنبي كان لورد ملنر قد نبه بلاده إلى أنه لا ~~يمكن أن تكون التسوية مرضية إذا هي كانت مجرد فرض تفرضه بريطانيا على مصر، وإنما الخير ~~والحكمة في البحث عن حل يقوم على اتفاق بين الجانبين؛ أي عمل مشترك من طريق التفاهم ~~والتعاهد والوئام، ولكن الحكومة البريطانية اقتصرت بعد ذلك على العمل منفردة، فكان ذلك ~~التصريح، وكان النقص فيه بارزا في مجيئه بهذه الصفة. # وقد اعترفت بريطانيا في ذلك التصريح بحق الشعب المصري في حياة نيابية وحكم دستوري، وكان ~~هذا الإقرار الضمني فيه هو كل ما يمكن أن ينتفع به، فظلت الأمة على معارضتها وجهادها، وبقيت ~~على موقفها من ذلك التصريح ونقصه وبطلان صفته. # وابتدأ الحكم الدستوري قبل أن يبتدئ الاستقلال، ولكن ذلك ms263 لم يقنع مصر ولم يحملها على ~~الاستسلام، وإنما رأت أن تتخذ الدستور طريقا للاستقلال، فحرصت عليه، ورضيت به، وجعلته ~~معبرا عنه، ومظهرا له؛ لأنه نظام حكم الجماعة، ومرآة مشيئة الأمة، ومتجلى إرادة ~~البلاد. # ولم يكد حكم الدستور يقوم في حراسة سعد وبزعامته حتى راح يطبع حياتنا العامة بطابعه، ~~ويتغلغل فيها بكل مؤثراته ودوافعه، ويضفي عليها بكل روحه ومنازعه، فقد استحال سعد زعيم ~~الثورة زعيما للديمقراطية، ولم يكن ذلك غريبا على نفسه، ولا مختلفا وطبيعته، ولا جديدا ~~على تفكيره وخلقه وتكوينه؛ إذ نشأ من عرض الشعب، وقاد الشعب في الثورة، واتصل بروح الشعب ~~في مسرى كهرباء حسه، ولهيب نفسه، وشعلة وجدانه، ونادى الشعب إلى حقوقه، وليس من بينها ما ~~هو أكبر ولا أبرز من حق حكمه بنفسه، وتدبير شئونه بذاته، وتصرفه في أمره حرا طليقا لا ~~مرد لمشيئته. # سعد ومصطفى في البرلمان. # وبفضل سعد وديمقراطيته العميقة فيه، وابتدائه الحياة الدستورية أحسن مبتدأ، ووفرة ~~الاستعداد في كثير ممن حوله للنبوغ في الحياة النيابية، والتفوق والبروز في النظام ~~الديمقراطي، لم يطل الوقت حتى أدرك كل مصري حتى العائشين في صميم القرى وسواد الريف، أن ~~الحكم الدستوري هو وحده الذي يبرز وجوده، ويعبر عن إرادته، وأن حكومة الجماعة هي خير وأصلح ~~من حكومة الأفراد؛ لأنه في الأولى يستطيع أن يقول: حقا «إنني أنا الذي أحكم؛ لأن إرادتي ~~هي المملية، ومشيئتي هي الحاكمة، ورغبتي هي الأمر النافذ والسلطان المطاع». # لقد أصبحنا من ذلك العهد نعيش في عصر دستوري، بل نحن اليوم جيل ديمقراطي بكل روحه، ~~ومعنوية وجوده، حتى في الفترات التي احتجب الدستور فيها، وتحت حكم لا يستند إليه؛ إذ جازت ~~الحياة المصرية دور الاختبار بالنسبة لأنواع الحكم الصالحة لها، وانتقلت إلى دور اليقين بأن ~~النظام النيابي هو النظام الأمثل لها، ونوع الحكم المتمشي مع طبيعتها، المظهر لسائر وجوه ~~إرادتها؛ فهي لا تستريح، ولا تهدأ، ولا يستتب الأمر بها، إذا ما اعتدي على هذا النظام، ~~أو نزع منها إكراها وإرغاما بالقوة الغاشمة. # وقد يعرض نوع ms264 من الحكم يجيز الحريات العامة ويرد المظالم، ويسير بالعدل بين الناس، ~~ويلتزم المبادئ الدستورية؛ ولكن ذلك كله لا يجعل الحياة المصرية مستريحة إليه، ولا يغريها ~~بالسكون إلى غيبة النظام النيابي نفسه، إذ مهما تكن الحكومة حسنة، فلا تغني مزاياها عن روح ~~العصر ، وهو الدستور؛ ولا يمكن أن تكفل جميع مطالب الديمقراطية الصحيحة التي لا سناد لها ~~ولا قوام إلا بالنظام النيابي الذي يبرز مشيئة المجموع. # وقد يكون عهد مصر بالنظام الدستوري قصيرا، لم يتجاوز من الوقت الذي نحن بصدد منه إلى ~~اليوم اثني عشر عاما، تخللتها فترات حورب فيها وهو قائم، وأخرى اعتدي عليه فيها فغاب ~~واحتجب، وفترات غيرها انتهكت فيها قداسته، فوئد أو مزق تمزيقا، ولكنه على قصر عهده ~~لم يقع للبلاد غنيمة باردة، ولم يتهيأ لها محض مصادفة، ولم تذهب في بعض الطريق فعثرت عليه ~~لقى، أو التقطته على القارعة التقاطا، ولكنها جاهدت من أجله وحاربت، وناهضت حكومات عديدة ~~قبله وأسقطت، وقد وقع لها الدستور غاليا، واشترته بثمن، ولكن من الدماء؛ وأصابته، ولكن ~~بمخاض العذاب والآلام وصنوف البلاد. # وكان من الطبيعي عقب قيامه لأول عهد البلاد به في عصرها الحديث أن يحسب له حساب ~~الفترات الأولى من البداية حتى ينهض على ساقيه، ويستتب الأمر له، ويستقر على أوطد قواعده، ~~كما كان شأنه في الأمم قبلنا. تعثرت به في بداية الأمر وأخطأت، وامتحنت فيه بدروس ~~متعددة وابتليت، فكان لذلك كله قيمته في تعزيز معانيه، وغرس أصوله والتمكين لبنيانه، ~~وأثره العميق في تأصل روحه، وارتفاع شأنه عند الشعوب التي ارتضته أساسا للحكم فيها، وعملت ~~على الاحتفاظ بناموسه، مهما كلفها ذلك من تجاريب واختبارات ومغارم وتكاليف فادحة. # كان ذلك طبيعيا لو أنه جرى عندنا على ما قد جرى عند غيرنا، ولكنا حوسبنا على الخطأ من ~~أول الأمر ولم يكن خطأنا؛ بل لقد حوسبنا حتى على التجاريب المناوئة التي اصطنعت لمحاربته، ~~وعلى وسائل المقاومة والمؤامرات التي كيدت له، واتهمنا بأننا لا نصلح له، واتهم هو ~~بأنه لا يصلح لنا، مع أن الفترات ms265 التي استطاع هذا النظام - على قصرها - أن يسير فيها هادئا ~~خالي الطريق من العقبات، والتي تيسر لها خلالها أن نسكن إليه، ونطمئن إلى قيامه، كانت ~~أدل شيء على مبلغ استعدادنا الكبير لمطالبه، وأقطع برهان على صلاحيته لهذه البلاد. # لقد آمنت البلاد من مشاهدة الثمرات البواكير للحكم الدستوري وأيقنت من اختبار نتائجه ~~الأولى، أن هذا النظام هو وحده الذي ينبغي لها؛ لأنه هو المبرز لمشيئتها، والمظهر ~~لإرادتها، والممكن لها في الاستمتاع بكل ما تستمتع به حر الأمم ومستقل ~~الشعوب. # لقد ظن الإنكليز في السماح لنا بالدستور مع تصريحهم المشهور أنه سوف لا يلبث أن يفرقنا ~~طرائق وشيعا، ويقسم بعضنا على بعض جماعات وأحزابا، ويفسد علينا وحدتنا التي جمعتها الثورة ~~وهيأتها، وأننا سوف ننشغل بالاشتجار عليه فيما بيننا عن الكفاح حيالهم من أجل قضيتنا؛ ولكن ~~الدستور في الحق، وإن أدى إلى بعض هذا أو شيء منه، قد بر بنا، وحفظ وحدتنا، وأبقى على ~~إجماعنا، وأثبت قوة صفوفنا، ومبلغ إيماننا؛ لأنه كما سبق أن بينت غربل الحياة المصرية ~~غربلة، ونقى الحياة تنقية، فأبقى على الصالح الجيد المخلص النافع، ونفى من حظيرته الفاسد ~~والمدخول والغريب والضار المؤكد الأذى، ولم يلبث أن أصبح هذا الدستور الذي ظنه خصومنا ~~أداة هلاكنا السياسي، أداة نجاتنا، وسبيل إنقاذنا، ومحل مناعتنا، ومستودع قوتنا، فذهبوا من ~~ذلك الحين يضمرون السوء له، ويعملون على محاربته، ويستعدون وسطاءهم وأعوانهم على ~~تعطيله وتشويهه أو محاولة محوه محوا، وذهبنا ندافع نحن عنه قائما بكل قوانا، ونقاوم في ~~سبيل استرداده إذا هو يوما تعطل أو غاب أو بدل تبديلا. # وقد يحسب قصار الأبصار أن العراك على الدستور قد شغلنا عن الكفاح طويلا عن الاستقلال، ~~ولكنه حسبان المخطئين؛ لأن المعارك الدستورية كانت في ذاتها معارك للاستقلال؛ لأن الدستور ~~ظل أبدا طريق قضيتنا، وسبيل أمانينا وعلالتنا، والباب المفضي إلى حقنا الطبيعي في ~~الحياة. # وكان سعد زغلول الزعيم الدستوري الذي مكن لجذور هذا النظام من التأصل والتغلغل في ~~صميم حياتنا، وكان هو الباني لصرح حياتنا النيابية وهيكلها العظيم؛ ms266 فقد أظهرته الطبيعة ~~يومئذ رجلا جديدا في الواقع، وزعيما عجيبا، كأنما كان طويل العهد بالروح النيابي، ~~عريق المحتد في الدراسة البرلمانية، واسع العلم بأوضاع هذا النظام وتقاليده ومطالبه؛ إذ كان ~~أول من ألغى «الأقدمية» في تقلد المناصب، وأول من أثبت حق النبوغ في الاستباق، وأول من أقر ~~«الكفاءة» ووجوب تقديمها على كل اعتبار. # لقد أعطى سعد زغلول أمثلة جريئة، وخطا خطوات قوية في سبيل تعزيز الديمقراطية، فجعل من ~~«الأفندية» وزراء، وحطم بذلك القيم المظهرية التي كانت «للباشوات»؛ وأثبت للشعب أن المخلص ~~يجد أرفع الأمكنة، مهما كان في الأصل موضعه؛ وأن الكفء يظفر بالمحل الخليق به، مهما كانت من ~~قبل درجته، وقد كان تقرير هذه القاعدة في بداية الأمر مستغربا، حتى إن فريقا من ~~المستشارين في وزارة الحقانية نكروه وتبرموا به، وصارحوا سعدا برأيهم في شذوذه، واستنكارهم ~~لخروجه عن المألوف؛ إذ لم يكن أحد يومئذ يتصور أن محاميا من عرض المحامين يصبح وزيرا ~~للقضاء، ولكن سعدا الديمقراطي العظيم لم يعتد بغضبهم، ولم يحفل استنكارهم، ومضى في ~~التمكين للديمقراطية غير متخاذل ولا متردد. # وفي مجلس النواب لم تلبث مع هذا الحافز الجديد، وعلى شكة المهماز في الخاصرة، أن ظهرت ~~نباغات باكرة، وتجلت كفايات سريعة، وبدت استعدادات خصيبة للروح النيابي الجديد؛ حتى لقد كان ~~موضع العجب أن تنبغ الحياة الدستورية هكذا وشيكا لدينا، ويظهر التقاطنا الزئبقي لجوهرها ~~وحسن تقاليدها وعرفان أوضاعها في تلك الفترة القصيرة العاجلة من التجربة والاختبار. # وفي الوزارة الديمقراطية المحدثة تقلد مصطفى النحاس القاضي السابق منصب وزير المواصلات، ~~ومن قاض إلى وزير مسافة واسعة، وشوط لم يكن أحد ليقطعه في النظام القديم، ولكنها كانت أقصر ~~من غيرها بكثير في العهد الجديد، واستحقاقا تاما لرجل لم يكن يدري يوم غادر وظيفته ~~مضحيا بها، ماذا سيحل غدا به، وأي أخطار الجهاد على الأيام مصيبه، وأي عقاب مرهوب سوف ~~يعد له، ذلك الرجل الذي ترك كل مسئولياته الخاصة جانبا، وأقبل على الثورة الوطنية بكل ~~جوارحه، غير مبال بما قد يصيبه في سبيل بلاده، ms267 وقضية وطنه المعذب الأسير. # ولكن كذلك طلبت الديمقراطية الجديدة، وهي يومئذ في أشد حماستها وأصدق أدوارها وحميتها، ~~الخدام المخلصين لبلادهم، والمجاهدين الأبرار بوطنهم؛ فأشارت الأقدار إلى مصطفى في ~~الأكفاء المستحقين؛ لأنها كانت معدته ومحتفظة به لحراسة هذه الديمقراطية نفسها التي ~~عرفت له قيمته، وشهدت له بكفايته، فإن حياة مصطفى السياسية ظلت كلها دفاعا مستمرا عن ~~الدستور، وكفاحا مستطيلا عن النظام الديمقراطي، وذيادا لا يفتر ولا يهدأ عن الحياة ~~النيابية؛ حتى لقد تحمل مصطفى في عهد زعامته من أجل الدستور ما لم يتحمل سعد مثله، وقاوم ~~في سبيله مقاومة يدفعها الإيمان القوي العميق الذي لا يعرف تراجعا، ولا يحس يأسا ولا ~~يفكر في انزواء. # وقد أثبتت الحوادث في خمس سنوات متعاقبة خلال زعامة مصطفى للأمة ورياسته للوفد وقيادته ~~لصفوف الشعب وجموعه أن مصطفى قد وهب حياته كلها لحراسة الدستور، وحماية الحكم النيابي، غير ~~منثن أمام كل تلك القوات المعادية التي وقفت متراصة حياله لتصد تياره، ولا يائس من ~~استرداد دستور الأمة بعد إلغائه، بل لقد بنى سعد الديمقراطية في مصر، وجاء مصطفى ليتولى ~~حراستها؛ فكان الحارس الثقة الأمين. # ونجحت الديمقراطية من بدايتها، وصحب قيام البرلمان في سنة 1924 توفيق كبير، وأثمرت الحياة ~~النيابية ثمرات طيبة، كان من بينها إصدار قانون الانتخاب المباشر، وراح سعد يعد العدة ~~للمفاوضات التي ورد ذكرها في خطاب العرش؛ وإذا بمكيدة حقيرة تدبر لاغتيال حياته وهو يوشك أن ~~يركب القطار في الثاني عشر من شهر يوليو سنة 1924. وقد تلقى سعد حركة ذلك المفتون الطائش ~~الذي صوب الرصاص إلى صدره بأروع ما تكون الشجاعة مظهرا حيال الموت وخطره، ورجفت البلاد من ~~شناعة الحادث بقدر ما أعجبت برباطة جأش زعيمها العظيم، وبدا هذا الحادث يومئذ بوادر رجعية ~~شريرة قاتلة مجرمة تعمل تحت جنح الظلام. # وأخفقت المفاوضات التي جرت بين سعد وماكدونالد؛ إذ جرى هذا معه على منهج كرزون من قبله ~~وملنر، وظن أنه مستطيع أن يتغلب على سعد؛ فأبى سعد التسليم ورفض المفاوضات وفيا أبيا، ~~وعاد إلى بلاده مرفوع ms268 الرأس كريما على نفسه وبلاده. # وعلى أثر عودته كثرت الدسائس واشتدت المكائد للدستور والحكم النيابي، وكان حسن نشأت باشا ~~يومئذ وكيلا للديوان الملكي؛ ففكر سعيد مليا في الأمر ليجد له علاجا حاسما، فكانت ~~مشورة مصطفى في هذا الموقف الخطير أنه يجب أن يصان الدستور قبل كل شيء، وينبغي الحرص على ~~قدس النظام النيابي قبل كل اعتبار، وأنه إذا لم تجب المطالب التي تتقدم الوزارة الدستورية ~~بها إلى الملك، فلا ينبغي البقاء في الحكم لحظة واحدة. # وعمل سعد برأي مصطفى، فذهب إلى القصر في ذلك اليوم المشهود الذي اجتمعت فيه ألوف مؤلفة من ~~الخلق في ساحة عابدين وهم يهتفون هتافا دواما مدويا: «سعد أو الثورة»، فقدم مطالب ~~الوزارة إلى الملك مهددا بالاستقالة إذا هو لم يجب إليها. # ولكن تلك المطالب أجيبت، فخرج إلى الجموع الحاشدة في الساحة فائزا منتصرا، وارتد أعداء ~~الدستور خاسرين. # وفي هذه الوقفة الجليلة اجتمعت مشورة مصطفى وشجاعة سعد، فتناسبتا وتشابهتا روعة وجلالا. ~~وكانت تلك المشورة وليدة إخلاص متناه للفكرة، وسمو أدب في الوطنية السياسية، ووفاء عظيما ~~للدستور، لا يتردد أمام أي اعتبار شخصي، ولا يتخاذل حيال أي واجب كبير، ولا يخشى جاه ~~الحكم أن يزول عنه، أو أعنة السلطان أن تذهب من كفه؛ وهو لم يمكث في مقعد الوزارة غير بضعة ~~شهور، وما هو بالغني العريض المال حتى يتطوع للتخلي عنه، ولا يبالي تركه؛ ولكنه كان الوطني ~~المؤمن بالدستور الحريص على النظام النيابي، فلم يلبث حرصه على الدستور أن تغلب عنده على كل ~~عامل سواه، فرضي ترك الحكم ونصح باستقالة الوزارة، إيثارا للدفاع عن الدستور والذود عن ~~قداسته، على كل مغريات البقاء في الحكم والتشبث بالنفوذ والسلطان. # وكان مسلكه في وزارة المواصلات مسلك نزاهة رفيعة؛ إذ كان المعتاد قبل قيام وزارة الشعب ~~الأولى أن يتقاضى كل وزير أربعين جنيها بمثابة «بدل سيارة»، فلما جاءت الوزارة السعدية وقف ~~النحاس بين زملائه يقول: «إنني أقلكم مالا، ولكني متنازل عن مبلغ الأربعين جنيها التي ~~تدفع لنا»، فلم يكن من الوزراء ms269 إلا أن استجابوا له، واحتذوا حذوه، فألغي المبلغ من ~~الميزانية إلى أن جاءت الوزارة الزيورية فاستعادته. # وظهر من حرية رأيه يومئذ ما كان حديث الناس في المجامع، وموضع تقدير حسن عند الناخبين؛ ~~فقد وقف في أهل دائرته «سمنود» يخطبهم خلال الحركة الانتخابية، وكان منافسه فيها يومئذ علي ~~المنزلاوي بك، فقال: «من منكم يرى في انتخاب علي بك المنزلاوي مصلحة لوطنه ولا يقدم على ~~انتخابه مجاملة لشخصي، أو مراعاة لأي اعتبار آخر، فإنه يكون مجرما في حق بلاده!» # ولعل هذا أندر ما يسمعه الناس في المعارك الانتخابية، من قول المتنافسين، وحجج ~~المتزاحمين؛ فإن أكثر ما يكون خلالها تراشق بالسباب، وسلق بألسنة حداد، وكشف للستر وهتك ~~للحجاب، ورتع في لحم الخصوم، وإبراز للعيوب والسيئات. # وفي أول عهده بالمناصب الوزارية لم يكن مصطفى يصانع أو يجامل أو يخشى سطوة أحد من ~~الإنكليز، أو يسكت عن إساءة من ناحيتهم، أو خطأ يقترفه كبير فيهم؛ بل كان الوزير الحريص ~~على كرامته، الحفيظ لهيبة منصبه وسلطته؛ فقد قرأ وهو وزير المواصلات يومئذ في تلغرافات ~~الأهرام الخاصة ذات صبح مقالا أو خلاصة من مقال أو تصريحا منسوبا للمستر فرسكويل المدير ~~العام للسكك الحديد المصرية في ذلك الحين مع أحد مراسلي الصحف البريطانية، وهو أن السكك ~~الحديدية المصرية قد اختلت اختلالا شديدا منذ تربعت الوزارة النيابية دست الأحكام، فلم ~~يكد الوزير يصل إلى مكتبه حتى استدعى إليه المستر فرسكويل، فلما حضر قال له: «إني أقترح ~~عليك يا مستر فرسكويل أن تختار أحد أمرين: إما أن تكتب إلي قبل الساعة الواحدة كتابا ~~تكذب فيه تصريحك المنشور في التيمس، أو أن أحيلك في الحال إلى مجلس تأديب!» # وانصرف المستر فرسكويل حائرا لا يدري ماذا هو صانع إزاء هذا الوزير الجديد الذي لا يضع ~~إنكليزيته موضع الاستثناء، ويعامله كمرءوس من عرض المرءوسين سواء بسواء. ولكن لم يلبث أن ~~خطر له خاطر، فعمد إلى تنفيذه؛ وذلك هو أن يزور صديقا إنكليزيا مثله يشتغل بالمحاماة، ~~راجيا إليه أن يقصد النحاس باشا فيتوسط له ms270 عنده، فلما كاشف صديقه هذا بما جرى، ذهب الصديق ~~إلى النحاس باشا، فدخل عليه وبسط الأمر له، فقال له مصطفى باشا: «إني أعجب لك كيف وأنت ~~محام تجيء لتناقشني في مسألة موظف تحت إدارتي، فإن كانت لديك نصيحة للمستر فرسكويل، فانصح ~~له بأن يكتب لي الكتاب الذي طلبته منه.» # وقبل الساعة الواحدة بعد الظهر كان عند مصطفي باشا الكتاب الذي أراده ... # وفي ذلك الحين بدأت الرجعية تتحسس منافذ لتسرب منها إلى محاربة الروح النيابي في ~~البلاد، ومناوأة الدستور، وتحريش بعض الهيئات والجماعات بالوزارة الديمقراطية الأولى؛ ~~فألبت الأزهر على سعد وهاجت حفائظ طلابه وأوقعت الفتنة في صفوفه، ولكن سعدا عرف كيف ~~يلجأ إلى الحكمة، ويجنب الاستهداف لمؤامرات الرجعية وكيدها الأثيم. # ولكن بينما كانت البلاد مقبلة على شئونها، مستقبلة الدورة الثانية للبرلمان بنشاط ~~واستجمام، وبينما روح الأمل يسري في النفوس ويغمر جميع المرافق، والطمأنينة على الدستور ~~تملأ القلوب، كانت الأيدي الأثيمة تدبر في الظلام جريمة نكراء، وهي اغتيال حياة السردار. ~~وقد نفذت فعلا تلك الفكرة الإجرامية الشنيعة التي عدتها الوزارة موجهة إليها بالذات، فلم ~~تدخر وسعا في تعرف أشخاص المجرمين للضرب على تلك الأيدي الآثمة. # ولكن الحكومة الإنكليزية وجدت في ذلك الحادث المستنكر الفرصة التي كانت ترتقبها لمهاجمة ~~الحكم النيابي، والقضاء على الدستور الذي تبين لها أنه جاء على عكس ما كانت تريده أن يجيء، ~~أداة مناعة للوفد وسلطانه، لا أداة تفرقة للإجماع وتوهين بنيانه. فتقدم لورد اللنبي ~~بإنذاره المعروف، إلى سعد في مكتبه، في عديد من رماحه وحرابه؛ فتلقاه سعد بذلك التهكم ~~المرير، وذلك الجلد الرهيب الذي عرف عنه في أخطر المواقف وأعظم الخطوب. # وأردف اللنبي ذلك الإنذار بمطالب مرهقة، فلم تقبل منها الوزارة دفعا للعدوان إلا ما لم ~~يكن له مساس بحرمة البلاد وسيادتها، ولكن السلطة الغاشمة راحت تبالغ في الأعنات، وتسرف في ~~الاشتطاط والإرهاق، فلم يتردد سعد في اعتزال الحكم حرصا على مصير البلاد، إذ تبين أن ~~المراد من ذلك كله هو إقصاؤه منه، وتنحيته عنه؛ فاختار أخف الضررين ms271 ليسلم مستقبل البلاد من ~~مجهول الخطر، ومبيت الكيد، ومضمر البلاء. # وقد تبين فيما بعد أن الإنكليز كانوا قد أعدوا من قبل ذلك الإنذار لهذا الغرض بالذات، ~~وأخذوا يتحينون الفرص لاستخدامه، حتى كان مصرع السردار الناهزة المرتقبة، فاقتنصوها ~~اقتناصا. # وما فضح المصريون هذا السر وإنما فضحه محرر «التيمس» في رسالته التي وجهها إلى مجلة ~~«العالم الإسلامي» في باريس؛ بل فضحه لورد اللنبي نفسه في حديث له مع مسيو بيرو بقوله: «إن ~~الإنذار كان عند مقتل السردار معدا في مكتبي لأقدمه عند الفرصة السانحة.» # ويومئذ خلا الجو للرجعية، فساد الإرهاب، وحلت بالبلاد «نكسة» مروعة، وتولت الحكم ~~الوزارة الزيورية، فلم تقو بادي الرأي على مقاومة البرلمان فأجلت انعقاده. وحين بدأ ~~الشيوخ والنواب يفزعون إلى العرش في سبيل إنقاذ الدستور من العبث الظاهر في ذلك التأجيل، ~~عمدت الوزارة إلى حل المجلس، وشرعت تمهد لانتخابات جديدة على مزيج من قانون الانتخاب القديم ~~والقانون الجديد، ولم تحترم ذلك القانون المباشر الذي كادت تتم إجراءات تنفيذه. # وقد وصف مصطفى تلك الفترة الرجعية بقوله في بعض مراجعاته للماضي وأدواره المتعاقبة: # لقد فعلت الوزارة الزيورية ذلك أملا في أن يأتي مجلس مزيف، لا يعبر عن إرادة ~~البلاد. وقد ظهر بعد أن هذا ظن خاطئ وتعلق بالأوهام. # وفي ذلك الحين أنشئ حزب «الاتحاد» في غفلة الأيام، ونشأ في مهاد الدسائس ليكون ~~سنادا للرجعية، واتخذ من ضعف الحكومة واستسلامها وسائل بغيضة لسوق الناس إليه، ~~وابتزاز الأموال، لكي يقوم الحزب، ويظهر جريدته، ولكن عوامل فنائه كانت تتبعه وتحيط ~~به، فما كان لهذا الحزب من حقيقة إلا في أخيلة عباد المناصب وعبيد ~~الشهوات. # وبلغ الفساد يومئذ بهم مبلغا جرأهم على إجراء الانتخابات في جو من الإرهاب ~~والوعيد، واستخدموا جميع أساليب التضليل والاستهواء، ولكن جاءت النتيجة مكذبة ~~لآمالهم، مبددة لأحلامهم؛ إذ كانت الأغلبية للوفد، وانتخب سعد رئيسا لمجلس النواب، ~~فأظهر من فوق كرسي الرياسة سماحة خلق وكريم صفح، حيث شكر للمجلس انتخابه لرياسته، ~~وأعلن أنه لا يمثل في موضعه هذا حزبا ولا جماعة، ولكنه ms272 يمثل الدستور ويرعى ~~القانون. فكان جوابهم أنهم جاءوا عشية اليوم ذاته يحملون مرسوما بحل المجلس، ~~وكانت السابقة الأولى في التأجيل والحل مشجعة على الحل الثاني ضد أحكام ~~الدستور. # لقد حاولت الرجعية المختنقة أن تمد في أنفاسها الخبيثة، وتطيل في حياتها الشريرة؛ ~~فنشرت في البلاد جوا غامرا تطرق أثره إلى الأخلاق يضعفها، وإلى الروابط ~~الاجتماعية يفرقها، وإلى ثقة الناس بعضهم ببعض يزعزعها، ولكن الله غالب على أمره، ~~وفي الأمة إباء لا يبقى على الضيم، ولا يصبر على الهوان، فبدأت النفوس الوطنية ~~يقرب ما بينها، وراحت الأيدي الطاهرة تتصافح، وبدأ «الائتلاف» ينشر أروقته، حتى إذا ~~توثقت عراه، لم يبق إلا العمل على مكافحة هذه الشرور، ودفع تلك المساوئ التي آذت ~~الأمة في مظهر حياتها أبلغ الإيذاء. # وحل عيد الجهاد الوطني في سنة 1925 - الثالث عشر من نوفمبر - والرجعيون يحاولون ~~بمكرهم السيئ أن يصدوا الأمة عن الاحتفال به في النادي السعدي، ومن قبلهم لم تستطع ~~السلطات العسكرية البريطانية أن تتعرض لذلك العيد، وهي في أشد قسوتها، ولكن غرور ~~«الاتحاديين» زين لهم أن لا شيء يعجزهم في هذه البلاد، وما هم بمعجزين في الأرض ~~ولا في السماء. # عمدوا إلى بيت الأمة يحاصرونه، وإلى النادي السعدي يدفعون أعضاءه من دخوله؛ فكانت ~~مأساة، انتهت بدخول بعض الأعضاء إلى النادي والاحتفال بهذا العيد وأنف الطيش ~~راغم. # وكانت تلك عظة لهم لو انتفعوا بالعظات، ولكنهم رجعوا إلى طبيعتهم فأحالوا ~~البرلمان قلعة عسكرية، وجرحوا عزة الجنود؛ فبعد أن كانت وظيفتهم الدفاع عن شرف ~~البلاد، طلبوا إليهم أن يطعنوا البلاد في حياتها الدستورية، ويحولوا بين النواب ~~وبين دارهم، ولكن هذا التصرف لم يقابل بغير الاحتقار، فاجتمع البرلمان اجتماعه ~~الاعتيادي في فندق الكونتننتال، واتخذ قرارات حكيمة حكم فيها على الوزارة الزيورية ~~بالسقوط، وأعلن أنها ثائرة على الدستور. # وقد كتب سعد يومئذ في إحدى صحف الوفد بحثا ضافيا بسبيل الثورة الرجعية على الدستور، ~~كان له أكبر وقع في البلاد. ونحن ناشرون هنا فقرة منه: # كيف يسوغ في أمة دستورية ارتكاب كل هذه ms273 الجرائم، ثم يبنى على أساسها تشريع ~~يحلها، ويثبت أركانها، ويضاف إليه ما يعزز جانبها، ويمتد به شرها، من شروط ~~تقلل عدد الناخبين وتفتح أبوابا واسعة أمام الفاسدين من الحكم وذوي الغايات ~~والأهواء من الأفراد؟! # على أن العكس هو الذي يلزم كل حكومة مخلصة لبلادها أن تتخذه وتحرص عليه، تفاديا ~~من تلك الأضرار التي أنت وتئن البلاد منها، ولا تؤدي إذا استمرت إلا إلى البوار ~~وسوء المصير. # غير أن الوزراء لا يبالون بها لاستشعارهم بسند القوة، ولأنهم يزعمون أن الأمة من ~~الجهل والغباوة سريعة التأثر بتغرير الخادعين، سهلة الانقياد لتضليل المضللين، ~~فإرخاء العنان في الانتخاب لها يؤدي بها إلى أن تختار للنيابة عنها غير من يصلحون ~~لها من الأكفاء المفكرين! وهم يحسبون أنفسهم طبعا في مقدمة هؤلاء! وهو زعم، إن صح ~~فهمه من الأجنبي القوي ليبرر معارضته في تمتع الأمة باستقلالها، فلا يفهم صدوره من ~~بعض أبنائها فضلا عن وزرائها المسئولين؛ لأنه قضاء على أمتهم باستحقاق الذل ~~القائم، والاستعباد الدائم! # وهم لا يمكنهم أن يكونوا أعزة في بلاد ذليلة، ولا أحرارا في قوم مستعبدين، مهما ~~سمت بهم الألقاب والرتب! على أن الأمة المصرية ليست بغبية كما زعموا، ولا يتفوق ~~غيرها عليها من الأمم في الذكاء الفطري والنباهة الطبيعية، بل ربما فاق الفلاحون ~~منها أمثالهم في البلاد المتمتعة بالدستور وحسن النظام، وما الفرق إلا أن بلادنا ~~تحتلها قوة أجنبية تفسد بعض ضمائر الضعفاء فيها، وتحملهم على أن يتبجحوا بمثل هذا ~~الزعم ليتمتعوا بسند القوة على حساب الإضرار بها؟! إن جريمة الأمة عند هؤلاء هي ~~أنها ضنت عليهم بثقتها، وهم يحسبون أنهم في مقدمة أبنائها سعة فضل، وغزارة ~~علم، ومكارم أخلاق!! فهم لا يغتفرون لها هذه الجريمة، ويفرغون جميع الوسائل في ~~الانتقام منها واختلاس ثقتها! لهذا ابتكروا الشروط التي تقلل عدد الناخبين وتحصرهم ~~في كمية ضئيلة، ووسعوا أمام الإدارة أبواب التأثير فيهم حتى يضمنوا لأنفسهم ~~وأنصارهم مراكز النيابة والحكم! # ولكن الرجعية أبت إلا أن تمضي في غلوائها، وتسدر في غيها، فأصدرت في العاشر ms274 من ديسمبر ~~سنة 1925 قانون انتخاب يقسم الأمة طرائق وطبقات، ولكن ذلك القانون كان مقضيا عليه بالفشل، ~~فقد أبى العمد أن يشتركوا في تنفيذه، واجتمع الشيوخ والنواب في النادي السعدي وبعثوا ~~بقرارهم إلى الحكومة مهيبين بها أن تكف عن تنفيذ هذا القانون الذي أصدرته، وتطبق القانون ~~الدستوري الذي أقره الشعب بمحض مشيئته. # وكان ذلك العام المشئوم أيضا بجانب هذه المجاذبة العنيفة بين الوفد ممثل الأمة وقائدها ~~الأمين، وبين عصابة الرجعية التي أرادت القضاء على الدستور وهدم قواعده، عام اتهامات ~~وتحقيقات واعتقالات ومحاكمات بسبيل مصرع السردار؛ فقبض على شفيق منصور وزملائه. وقامت وراء ~~جدران السجن مأساة نكراء لحمل ذلك المخلوق الرعديد الذي ذهب الخوف من الموت بلبه، على اتهام ~~الأبرياء للإيقاع بالوفد ونسبة الإجرام إليه تلويثا لسمعته، وإرهابا له لينثني عن جهاده؛ ~~حتى لقد قالت «الديلي ميل» في ذلك الحين بوجوب إلقاء القبض على سعد وزعماء حزبه «وحبسهم ~~عشرة أيام، فإن لم يظهر الفاعلون أعدموا رميا بالرصاص»! كما بعث مراسل الديلي تلغراف ~~إلى صحيفته في يناير سنة 1925 ببرقية يقول فيها: «إن الإنكليز يريدون الرءوس الكبيرة، ولا ~~يكتفون برأسي شفيق منصور ومحمود إسماعيل ...!» # ولذلك قبضوا بادئ الأمر على نفر من الوفديين، ومن بينهم الأستاذ محمود فهمي النقراشي، ~~وكان وكيلا لوزارة الداخلية في وزارة الشعب، على أن التحقيق في جميع أدواره أظهر الوفديين ~~أبرياء من الجريمة، فأخلي سبيلهم جميعا بعد أن لبث الأستاذ النقراشي في السجن الانفرادي ~~ثلاثة أشهر سويا. # ولكن شهوة الثأر من الوفد أو حب القضاء عليه ما زال يغري شفيق منصور، مستغلا رهبته من ~~الموت وتطلعه إلى النجاة بأي ثمن من الأثمان، حتى يتهم الوفديين بالاشتراك في حوادث ~~الاغتيال الماضية؛ فأعيد القبض على النقراشي، كما قبض على الدكتور أحمد ماهر الذي كان ~~وزيرا للمعارف في وزارة الشعب. وكان القبض عليهما في الحادي والعشرين من شهر مايو سنة 1925 ~~بالتهمة الجديدة التي استخلصت من شفيق منصور لقاء وعد له بالنجاة من الإعدام؛ فقد ظهرت ~~براءتهما في قضية السردار، ولكنهما لم ms275 يعلنا بالاتهام الجديد، وإنما ألقيا في غيابة السجن ~~ثمانية أشهر دون أن يعلما شيئا عن التحقيقات التي كانت تجري سرا وفي غير مواجهتهما. ولم ~~يسمح لهما ولا للمحامين عنهما بالاطلاع على شيء منها، حتى فوجئنا بتقرير الاتهام في السابع ~~من يناير سنة 1926، وهو يقضي باتهامهما بالاشتراك في إحدى عشرة حادثة ارتكبت من عهد الثورة ~~إلى قبيل المصرع الأخير. # وكان مصطفى النحاس قد عاود المحاماة ورجع إلى مكتبه في شارع المدابغ، عقب استقالة الوزارة ~~الشعبية، وإن ظل مكانه في الوفد ثابتا بجانب سعد، عونا له على اجتياز المحنة، والدفاع عن ~~الدستور بأقصى قوى النفس، وأشد رباطة المصابرين، وإن كان بعض الذين لزموا سعدا من قبل قد ~~فزعوا لياذا هاربين من مواضعهم بجانبه خوفا وطمعا، وانقلبوا على أعقابهم إشفاقا من بطش ~~الباطشين. # ثبت مصطفى على وفائه؛ لأن الوفاء أصيل فيه، ووقف شجاعا أبيا أمام الخطب الداهم؛ لأن ~~الشجاعة من طبعه والإباء لازمة من لوازمه، أخا جلاد يأنس إليه، ومجاهدا متفتح النفس ~~للجهاد يقبل جذلان عليه، ولا تغريه مخافة مكروه بالرجوع. # ولشد ما كان غضبه، وألمه، وثورة نفسه، إذ قبض على صديقيه النقراشي وماهر، وسيقا إلى ~~المحاكمة، فتلك أيام رهيبة محزنة فاجعة قضاها مصطفى النحاس باشا يدعو الله بالعشي والآصال ~~أن يهيئ له سبيل إنقاذهما من صعدة المشنقة، ويمكن له من غسل هذه التهمة النكراء التي حاول ~~خصوم الوفد نسبتها إليه. # لقد اجتمع يومئذ في صدر مصطفى النحاس إحساس المجاهد الوطني الذي هوجم بأكذب التهم في حق ~~وطنيته، وحيكت الدسيسة لتلويث سمعته، ونسجت المكيدة للقضاء على قوته المعنوية وسلطانه ~~الروحي في أمته؛ وشعور الصديق الوفي الصافي القلب الطاهر السريرة، يرى أخوين له مهددين ~~بالموت، موشكين على وقفة الإعدام؛ وعاطفة المحامي الكبير الذي يبحث عن الحق ويرتاد له، ~~ويذود عنه بكل قواه وبراعته ومنطقه. # بهذه العوامل النفسية المجتمعة أكب مصطفى على أوراق القضية يدرسها دراسة المدقق ~~المتفحص، مشتركا في تنظيم الدفاع مع أربعة من زملائه، وهم مرقص حنا باشا، ومحمد نجيب ~~الغرابلي باشا، والأستاذ ms276 مكرم عبيد، والأستاذ أحمد بك لطفي، موغلا في قلب القضية، لا يغادر ~~صغيرة ولا دقيقة إلا فحصها أدق الفحص، وبحثها أعمق البحث، والتمس للتدليل على صحتها أو ~~كذبها كل ما في مكنته من تدليل وتبرير. # وحل موعد نظر القضية أمام قاضي الإحالة في الحادي والثلاثين من يناير سنة 1926، فتجلى ~~مصطفى بأروع نواحيه الثلاث محاميا، ووطنيا وصديقا وفيا، وراح صوت المحامي المنطيق ~~الذواد عن الحق يدوي في ساحة القضاء دويا، كما انبعث إيمان الوطني الأبي رائعا جليلا ~~يغمر أفق العدالة غمرا، ويشع على الظلام فيحيله نورا، وانطلق صوت الصديق الحاني والصاحب ~~البر، والولي الحميم، حنانا متهدجا باكيا. # لقد كانت تلك تبعة خطيرة إلى أبعد ما يكون الخطر، تبعة رهيبة تلك التي راح يحملها مصطفى ~~وزملاؤه المحامون المشتركون في هيئة الدفاع معه، فإن أخوين له على شرف من الموت، وفي ~~مقترب من المشنقة، فإذا لم ينتهيا من المحاكمة بالنجاة، وإذا لم يعن الدفاع على ~~البراءة، قضى عليهما، وتلوثت سمعة الوفد، وكسب خصومه أخطر قضية ضده، وذهب أمره فرطا، ~~وكان المصير مجهولا، والعاقبة شرا مستطيرا. # وكانت خطورة التبعة تقتضي بلا ريب آخر جهد الحق والمنطق، وأقصى براعة المحامي القوي ~~النفاذ البصر المدقق، وأبعد حد من الشجاعة والصبر والسكينة في البحث عن أدلة النفي، ~~ومكان الاصطناع من التهمة، ومواضع الضعف في القضية، ومآتي الهجوم على الخصوم، وإبراز ~~الحقائق من وسط غمرة الأكاذيب. # وفي هذا الموطن برز مصطفى النحاس المحامي الذي يرى المحاماة فنا، ويعتقد أنه رسول الحق، ~~ووسيط العدالة، تحفزه بجانب ذلك كله عاطفة الصديق، ووفاء الوفي، ووطنية الوطني، وتبعثه ~~كرامة الفكرة التي يعتنقها، وحرمة العقيدة التي يدين بها؛ فإذا هو أمام ساحة القضاء أروع ~~محام في أخطر قضية. # وقد أدلى بدفاع مجيد خليق حقا بالخلود؛ لأنه استوفى في كافة صفات المرافعة البليغة ~~الصحيحة المدققة الجريئة في أشرف ما تكون الجرأة، الجرأة للحق في غير مبالاة بعد ذلك بأي ~~اعتبار. # وما كان في الحق أروع وقفته! إذ تناول تقريرا من التقارير التي كتبها شفيق ms277 منصور، فأثبت ~~بالأدلة الملموسة أن النيابة كانت قد اطلعت عليه قبل أن يتم وضعه؛ ولكنها حين سئلت في ذلك ~~عللته بأنه كان قد جاءها خلوا من التاريخ فردته لكي يؤرخ، وأن هذا التعليل غير صحيح، فقد ~~صاح مصطفى بأعلى صوته في هذا الموضع من مرافعته مطالبا النيابة بتفسير صحيح، فأسقط في ~~يدها، وقالت: «فسروا أنتم»! وعند ذلك راح مصطفى بمنتهى ما تكون جرأة المدافع عن الحق ينادي ~~بصوته الداوي قائلا: ~~... تريد النيابة أن أفسر، إذن فلأفسر! وتفسيري أن هذه التقارير تطبخ بمعرفتكم ~~جميعا ... أفسر أكثر من ذلك، وهو أن هذه التقارير ترتب في معمل مخصوص جزءا ~~جزءا، وهذا المعمل تطلع النيابة على ما حضره جزءا جزءا، وأن النيابة في ~~يوم 15 يونيو سنة 1925 قبل أن يتم ترتيب التقرير بجميع أجزائه كانت قد اطلعت على ~~الجزء الخاص بحادثة ... والذي اتفق على أن يكتب باعتبار أنه صادر من شفيق منصور؛ ~~ولهذا أجرت تحقيقا عن هذا الجزء من التقرير في يوم 15 يونيو، قبل أن يتم وضع جميع ~~الأجزاء الخاصة به في المعمل المخصوص، وقبل أن تعطى إلى شفيق منصور لينسخها ويوقع ~~عليها، وقبل أن ترسل رسميا من الضابط الحارس إلى الحكمدار، ومنه إلى النائب ~~العام ... اكتبوا هذا عني، وانشروه على الملأ، وقولوا: إني أتهم. ~~«إني أتهم علنا، وفي مجلس القضاء، النيابة العمومية بالاشتراك مع رجال ~~السلطات في التدبير لاغتيال ماهر والنقراشي». # والدليل ثابت مادي لا يمكن النيابة أن تخرج ~~منه بأي حال من الأحوال ...! # هذا هو الصوت الرهيب الذي دوى في ساحة العدالة على الملأ من النظارة والحاضرين، فأكبرته ~~النفوس، واهتزت له الأرواح، صوت محام شجاع في الحق، شديد على الباطل، رفيع الجرأة، غير ~~هياب ولا منزو من قولة الصدق، مهما كان في قولها من خطر أو عقاب. # وقد سكتت النيابة أمام ذلك الصوت الداوي ولم تحر جوابا؛ فكان صمتها اعترافا، وسكوتها ~~قبولا لهذه التهمة الخطيرة. وظلت النيابة بعد ذلك طيلة المرافعة كلها ملتزمة الصمت، بينما ~~ذهب هو يتناول حوادث الاغتيال ms278 مفندا اتهام صديقيه بالاشتراك فيها حادثة فحادثة، مثبتا ~~أن النيابة لا تملك من دليل غير أقوال شفيق منصور التي أدلى بها بعد الحكم عليه بالإعدام؛ ~~أي بعد أن أوشك أن يكون جثة هامدة، وكان الدفاع كلما انتهى من تفنيد الاتهام في حادثة ~~حادثة، راح يتحدى النيابة بقوة وشجاعة، ويسألها الجواب على تحديه فلا تجد جوابا ولا تفوه ~~بقول؛ فكان ينظر إلى القاضي مهيبا به أنه يربأ به أن يعتد بذلك الاتهام. # وهكذا جعل مصطفى يهدم كل تهمة ثم يقول: «وهل عند النيابة شيء آخر ... لا جواب! إذن ليس ~~لديها سوى كلام شفيق منصور الذي يراد إرسال المتهمين به إلى المشنقة، ولكنا نلوذ بالله ~~وبعدل القضاء.» # ومن قوة الملاحظة التي امتازت بها تلك المرافعة الخالدة ما ختم به مصطفى النحاس باشا ~~أدلته على باطل ذلك الاتهام قبل الكلمة الأخيرة، وفي ذلك يقول: # هذا هو تفسيري للحادثة الشنيعة التي اشتركت النيابة في عملها والتستر عليها، وفي ~~يدي الآن دليل مادي جديد على هذا التدبير في خارج السجن، وهو التقرير ذاته الذي ~~تسلمته الآن من حضرة وكيل النيابة - سيد مصطفى بك يومئذ - فإن أوراق هذا التقرير ~~إلى الصحيفة الثانية والثلاثين منه لم تكن من الأوراق المستعملة في السجن، بل من ~~أوراق المحاكم. أما ورقة السجن فهي الصحيفة الثالثة والثلاثون، إذ هي وحدها من نوع ~~الورق الموجود في السجن، ومن النوع الذي أعطي لماهر والنقراشي ليكتبا عليه ~~ملاحظاتهما على أوراق التحقيق، فالتقرير إذن كتب في إحدى غرف النيابة، وعلى أوراق ~~المحاكم، عدا الصحيفة الأخيرة منه، وبهذا التدبير يؤخذ بالأبرياء إلى محكمة ~~الجنايات! # وقد اقتنع القاضي بصحة هذه الملاحظة. # والتفت النحاس باشا بعد ذلك إلى منصة القضاء فقال كلمته الأخيرة وهي: «نحمد الله تعالى أن ~~مثلنا أمامكم، فظهرت الحقائق، وانكشف المستور من عمل النيابة والسلطات في هذه ~~القضية. # هذه يا حضرة القاضي هي تدبيراتهم على اغتيال هذه الأرواح الطاهرة الغالية، وليس لنا ملجأ ~~إلا عدل القضاء النزيه الذي لا تدنسه المؤثرات، ولا تدفعه الشهوات، ونحن ms279 على يقين بأن ضميرك ~~يا حضرة القاضي، وقد تجلت الحقيقة أمامك بما لا يدع مجالا لأي لبس فيها، لن يسمح لك ضميرك ~~الذي لا يطلع عليه إلا الله العزيز المنتقم الجبار، أن تحيلنا إلى محكمة الجنايات لتكون ~~وقودا لنيران هذه المؤامرات. وأطلب إلى الله - جل وعلا - أن يثبتك في إيمانك ، وأن يبعد عنك ~~هذه المؤثرات الأثيمة، وأدعوه تعالى أن يمتعك بمتعة القناعة، فتقضي بينك وبين الله بالحق ~~الذي تراه ...» # هذا هو القاضي القديم الذي يعرف كيف يناجي قلوب القضاة، ويفهم ما يجول في نفوسهم، فيحدثهم ~~عن «متعة القناعة»؛ لأنه أخذ حياته بها، ولزمها في مجلس القضاء وأطاعها، فكانت وقاء له من ~~المؤثرات، ومناعة له من دوافع الشهوات، وسنادا له في نزاهة الأحكام. # وقد أحيلت القضية إلى محكمة الجنايات، وكان رئيس الدائرة التي نظرتها هو مستر «كرشو»، ~~فأبلى الدفاع أمامها أحسن البلاء، وحطم الاتهام كل تحطيم، وبخاصة في مناقشة شهود الإثبات، ~~ووقف في الحق مواقف مشرفة مجيدة في تاريخ المحاماة. # وقد قضت المحكمة ببراءة ماهر والنقراشي في الخامس والعشرين من مايو سنة 1926، وإن أبي ~~مستر «كرشو» إلا أن يفشي سر المداولات، فذهب يشكو إلى لورد لويد تغلب زميليه عليه في ~~هذه التبرئة التي لا يعتقد صحتها، وبالأخص من ناحية الدكتور أحمد ماهر، وكان ذلك مسلكا ~~شاذا معيبا من قاض أولى به أن يصون حرمة المكان الذي يجلس فيه. وجاء المسلك الذي ~~اتبعه لورد لويد تعقيبا على هذه الشكاة الخارجة على القانون أسوأ وأشنع؛ إذ راح يتدخل في ~~استقلال القضاء المصري تدخلا جريئا جافيا خارقا لكل حرمة أو سياج، ولكن الصديقين ~~العزيزين والمجاهدين الوفيين ماهر والنقراشي قد برئا من التهمة بقضاء محكمة عليا في ~~البلاد، فلم تكن ثم قوة في العالم تستطيع أن تحتجزهما في السجن، أو تبطل حكم براءتهما من ~~الوجود. # خرج الصديقان من المحبس وهما يعلمان أن الله تعالى قد أنقذ حياتهما على يد مصطفى النحاس ~~صاحبهما الوفي النباع العاطفة، وأخيهما في الجهاد، والمحامي المدره المنطيق الذواد ~~عن الحق، الذي ms280 سهر الليالي الطوال، وأكب على البحث المجهد والدراسة المتواصلة، وسط ملفات ~~ضخمة وأوراق ركام؛ ليستخلص من خلالها الحجج الناطقة بتلك البراءة المشرفة التي نجت ~~عنقيهما من حبل المشنقة، وأنقذت شرف الوفد من أشنع اتهام. # ومن ذلك الحين راحت صداقة هؤلاء الإخوان الثلاثة فوق كل أقيسة المودة في العالم، وأسمى من ~~كل ما تعرف الدنيا من حدود الوفاء؛ لأنه من جهتهما الحب المدين بالحياة، ومن جهته هو الوفاء ~~الذي باركته السماء. # ألا إن بين هؤلاء الأصدقاء لروابط ليس كمثلها في أواصر المودة بين الصحب والخلطاء، ~~روابط روحية، من دم حفظ، وعنق سلم من يد الجلاد، وحياة كان لها الموت بالمرصاد، ~~ويوم يقول ماهر مخاطبا مصطفى: «يا صديقي وزعيمي»! يذهب الخاطر به إلى وقفته في ساحة ~~القضاء، في خطر من الموت والفناء، وقد وقف هذا الصديق الزعيم في جرأة الحق، وبكاء الحنان، ~~وألم الوجدان، والوفاء النادر في الزمان، يضع كل قلبه ودمه وعصبه في مرافعته التاريخية، ~~ودفاعه الجليل المجيد؛ لينقذه هو وصاحبه من صعدة سلم الإعدام. # إن هذه لذكرى خالدة، يحييها أبدا عرفان الجميل، ويغذيها أبدا الإقرار بالصنيع، واليد ~~التي لا تنسى لمصطفى النحاس على الزمان ... # وكان الجو السياسي يومئذ قد تهيأ للائتلاف بين الوفد والأحزاب عقب اجتماع البرلمان ~~في فندق «الكونتننتال»، فانعقد المؤتمر الوطني في التاسع من شهر فبراير سنة 1926 بدار محمد ~~محمود باشا لبحث الموقف والتشاور في علاج صالح له، وكان مظهره يصور أروع صور الائتلاف، ~~وأرفع معاني الوحدة والتئام الصفوف، واجتماع الكتلة وتناسق البنيان. # وأمام هذا المظهر المرهوب والوحدة الرائعة، لم يكن من الوزارة الزيورية إلا أن نزلت على ~~حكم الأمة، فأعلن في الاجتماع أن قانون الانتخاب المباشر هو الذي سوف يعمل به، فأحبطت ~~كتلة الائتلاف كيد الكائدين. # وجرت الانتخابات الجديدة في ظل الائتلاف، وما كادت تظهر نتائجها الساطعة حتى تجاوبت بها ~~الأصداء، فاهتزت كراسي الوزراء من تحتهم، وتحطمت آمالهم، فأزيحوا عن الحكم، وزلزلوا زلزالا ~~شديدا. # وكان ذلك انتصارا باهرا لسعد في معركة الدستور، ومكافحة الرجعية وصنائعها ~~الآثمين. ms281 # ولكن ظهرت يومئذ أزمة سياسية خطيرة يراد منها الانحراف عن أحكام الدستور في أخص خواصه، ~~وهو أساس الحكم؛ إذ لعب الإنكليز لعبة ماكرة فطن سعد إليها، ولكنه أحب أن يتجاهلها؛ لأن ~~الاصطدام بها كان يخشى منه أن يدك صرح الائتلاف، ولم يكد البناءون يفرغون من بنائه، وكانت ~~تلك اللعبة ترمي إلى إزاحة سعد عن تولي الحكم، مع أنه حقه الدستوري بصفته زعيم الأكثرية؛ ~~فأشاروا إلى تقليده لعدلي باشا ليقوم إحراج بين الرجلين، ولكن سعدا كان أحكم من أن يقع في ~~تلك اللعبة الماكرة، فأعلن أن حالته الصحية لا تمكنه من حمل أعباء الحكم ومقاليده؛ أما عدلي ~~فقد تردد طويلا قبل القبول، وتناوبته الوساوس والمخاوف من أن يكون توليه الحكم في هذا ~~الظرف الدقيق محفوفا بالخطر، ولم تهدأ نفسه حتى جاهر سعد بتأييده، ووعده بشد أزره في ~~رياسته لمجلس النواب إذا هو تولى رياسة الوزارة؛ فتشجع عدلي باشا فقبل دعوة الملك له لتشكيل ~~الوزارة الجديدة، وانتهت الأزمة بتلك اللعبة غير الظاهرة. # ولم يدخل مصطفى النحاس باشا وزارة الائتلاف، وبقي بجانب سعد فوق منصة الرياسة في مجلس ~~النواب وكيلا له. وقد كادت تقع بسببه هو كذلك أزمة ثانية، إذ حارب الإنكليز دخوله الوزارة ~~وقاوموه مقاومة ملحة، وهم يحسبون لوطنيته الصلبة وشخصيته القوية يومئذ أكبر الحساب، ~~كأنما كانوا يتوقعون هم كذلك يومئذ أن هذا الرجل هو البطل المرتقب، والزعيم العتيد، والخصم ~~العنيف الذي تعده الأقدار لهم على الأيام. # وفي ذلك يقول لورد لويد في كتابه «مصر من عهد كرومر»: «ولكن بقيت مسألة أخرى محل نزاع، ~~وموضع خلاف، وكانت اللحظة الراهنة مناسبة للوصول إلى قرار يكفل سكون الأفق من ناحيتها في ~~المستقبل، وذلك أن سعدا طلب بإلحاح إدخال «نائبه» أو وكيله مصطفى النحاس باشا هيئة الوزارة ~~الجديدة، ولكن النحاس باشا كان قد لزم دائما خطة العداء الذي لا هوادة فيه نحو بريطانيا ~~العظمى، فكان لذلك من الجلي الواضح أن شيئا كثيرا من الخير أو النتيجة الحسنة التي ~~تمت أخيرا سيذهب أدراج الرياح إذا هو ms282 انضم إلى الوزارة؛ إذ لا ريب في أنه سيعمل ضد ~~التفاهم؛ لأنه لم يكن قد تعلم بعد أن العداء لبريطانيا لا يتفق مع تقدم مصر إلى الأمام ~~... # ولذلك حين أعلن تشكيل الوزارة في السابع من يونيو لم يكن اسمه ضمن الأعضاء الذين تألفت ~~منهم ...» # لقد كان الإنجليز يخشون مصطفى قبل الزعامة ، ويتوجسون منه خيفة، ويدركون أن وطنيته الصادقة ~~لا تعرف تهاونا، ولا تجنح إلى تفريط أو تساهل؛ فحاربوه من البداية كما رأيت، وأقاموا له ~~بالمرصاد، وجلسوا إلى المرقب يعدون عليه الحركات والسكنات، ويشفقون من نمو سلطانه، ~~وبروز مكانه، ويتخوفون من غده المنتظر. # ولم يكن دخول الوزارة عند مصطفى بالأمر الذي يكرثه، حتى يكون منعه الدخول مؤلما ~~لنفسه؛ فهو المجاهد لعقيدته أينما يذهب، وفي أي ميدان يجول، وعلى أية ربوة يكافح، فلا عجب ~~إذا لم يلق بالا إلى الاشتراك في الوزارة، ورضي بمجلسه بجانب سعد تحت القبة ~~المقدسة. # وكان العامل الذي بعث سعدا على تجاهل تلك اللعبة الماكرة التي أريدت بها زحزحته عن مقعد ~~الحكم، هو بذاته الباعث الذي سرى في نفس مصطفى إزاء العضوية في الوزارة؛ فقد كان يريد أن ~~ينجح الائتلاف ويخرج ناجيا من كل حائل؛ لأنه كان أحد السعاة فيه، والمشاة به، والعاملين ~~عليه؛ حتى لقد قيل يومئذ حين تحدث محمد محمود باشا إلى فتح الله بركات باشا في فكرة ~~الائتلاف وطرح الشقاق ووحدة الكلمة: إن المرحوم فتح الله ذهب إلى سعد فأبلغه حديث صاحبه، ~~ولكن سعدا فضل أن يستشير مصطفى أولا؛ فلما رحب مصطفى بالفكرة عمد سعد في الحال إلى ~~التنفيذ. # ولا ريب في أن ذلك الائتلاف الذي تم يومئذ أنقذ الدستور والحكم النيابي، ولكن كان نظر ~~الوفد إليه غير نظر الإنكليز؛ فقد كان الوفد يرجو من ورائه اجتذاب الأقلية إلى الرضا بمبادئ ~~الدستور ورياضة النفس على قبول قواعده بسبيل الحكم وولايته، حتى لا تعود السياسة البريطانية ~~تحاول توهين الحركة القومية من طريق الاستعانة بالقليل من الكثرة الغالبة، والمد لهم في ~~السلطان لمحاربة الكثرة، والحمل عليها بالبطش ms283 والعدوان. # ولكن الإنكليز كانوا يرون غير ذلك، وكان لورد لويد ذلك الاستعماري المسرف في ~~استعماريته، ينظر إلى الائتلاف من ناحية استعماريته النظرة التي وضعها في كتابه بقوله بعد ~~الحديث عن الخطر من ازدياد نفوذ القصر وتدخله في شئون الحكم، وهو الخطر الذي أراد الإنكليز ~~أن يتحاشوه بإسقاط الوزارة السابقة: «وكانت الفرصة سانحة في ذلك السكون الذي ساد الأفق لأول ~~مرة، عقب الأشهر العصيبة الأخيرة؛ لكي يستوي المرء في مجلسه، ويروح يراجع ما فعله، ويعود ~~بالذاكرة مستعرضا ما كان منه، ويقدر الحوادث المختلفة التي جرت في بضعة الأشهر الماضية ~~قدرها الصحيح ... # لقد لاح لي بعد هذه المراجعة أن هناك ما يدعو إلى اليقين بأن السياسة التي اتبعتها يومئذ ~~تبرر ذاتها كل التبرير، وإن لم يكن بالطبع يتيسر تجاهل الحقيقة في أمر سعد زغلول، وهي أن ~~حالته الحاضرة يحتمل أن تكون حالة عارضة لا تلبث أن تزول، فقد كانت الحكمة تقضي بأنه لا ~~يحسن الخروج لمقابلة الشر قبل ظهوره، أو استفزازه من مكامنه. # لقد سلكنا في الواقع الطريق القويم، إذ رددنا الحكم الدستوري وعقبناه بتأليف حكومة يظفر ~~نفوذ المعتدلين فيها، أو «أحباب الإنكليز»، «الأنجلوفيل» ~~(Anglophile) # بالنصيب الأوفر والحصة الكبرى، كما أن ~~الحكومة البريطانية لم تجد ثم ضرورة تدعو إلى التدخل في الإدارة المصرية، وكل ما فعلته أنا ~~هو أنني بسطت رغباتها ونبت عنها أمام خصومها، وحين جاءوا يلتمسون نصيحتي ويبغون مشورتي ~~لم أبخل بشيء منها عليهم بل أعطيتها جميعا، ولكني راعيت في إسدائها ألا أتجاوز بها الحد ~~المعين بحكم التقاليد لمنصب الممثل البريطاني في مصر.» # لقد كان مركز الوفد في هذا الائتلاف على عهد سعد دقيقا، أحوج ما يكون إلى الكياسة ~~وبراعة التناول، ولطف المسلك، حتى تنتفي وجوه انتفاع الإنكليز به، ويكون الخير منه للدستور ~~وحده ومصير النظام النيابي ومركز الأكثرية في البلاد. # ولكن العوامل الرجعية لم تلبث عقب عيد الجهاد الوطني في تلك السنة - 1926 - أن عاودت ~~محاربة الدستور في الخفاء ومقاومة سلطانه بالدس والكيد، والعمل على تعطيل أحكامه، تعلقا ~~بأمل ms284 الظفر بحكم الطغيان؛ فشرعوا في إيقاظ الفتنة بين طلاب الأزهر بتحريضهم على الإضراب ~~بمناسبة القرارات الحكيمة التي اتخذها البرلمان لإعادة مدارس القضاء الشرعي ودار العلوم ~~والمعلمين الأولية إلى وزارة المعارف وفق القوانين الصادرة بشأنها، ولكن تلك الدسيسة قضت في ~~المهد، وتغلبت الحكمة فانطفأت الفتنة وشيكا وحبط كيد الكائدين. # ولكن على أثر نقد هادئ في مجلس النواب غضب المرحوم عدلي باشا فقدم استقالته؛ فأسرع ~~الرجعيون خصوم الدستور على عادتهم إلى إيقاد الفتنة مرة أخرى، متخذين من ذلك الحادث سبيلا ~~للتجسيم والتهويل والإسراف في الطعن والافتراء، من فرط الحقد الذي يخنق الصدور، والغيظ الذي ~~يملأ القلوب. # استقالت وزارة عدلي باشا في أبريل سنة 1927، وكان أول من اتجه إليه نظر سعد هو مصطفى ~~النحاس باشا ليتقلد الحكم، فعرض الفكرة عليه، ولكن مصطفى رفض قبولها متشددا في رفضه، فقال ~~سعد مفاكها: «هل تتهرب يا مصطفى من المسئولية؟» فأجاب النحاس على الفور: «وهل دولتكم ~~تتهربون منها أيضا ...؟ لماذا لا تقبلونها يا دولة الرئيس؟! اقبلوها وأنا أدخلها معكم!» # مصطفى النحاس. # فابتسم سعد وانثنى يقول: «لك الله يا مصطفى! إنني أموت مطمئنا ...» ثم أردف بالفرنسية ~~كلمة معناها: إنني معجب بكم! # وكانت هذه هي المرة الثانية التي لم يشترك فيها مصطفى النحاس باشا في مقاليد الحكم، وآثر ~~البقاء في مجلس النواب، وهو في كل مرة منهما يقدم مصلحة وطنه على نفسه، ويغار على الائتلاف ~~خشية انهيار صرحه، ويجتنب إحداث أزمة مع الإنكليز بسببه؛ وهي وطنية رفيعة أصيلة في إنكار ~~الذات، متفانية في خير الوطن، بعيدة التفكير في مصلحة البلاد. # وما لبث أن انجلى الموقف بتكليف عبد الخالق ثروت باشا تأليف الوزارة، فأعاد جميع أعضاء ~~الوزارة السابقة دون تغيير، ولكن طرأت في أثناء الدورة البرلمانية أزمة حادة تتصل بنظام ~~الجيش المصري، ولم تكن في الواقع تستحق أن تتفاقم إلى الحد الذي وصلت إليه في ذلك الحين، ~~لولا أن لورد لويد - وهو من أشد الغلاة في النزعة الاستعمارية - راح يستغل الموقف أسوأ ~~الاستغلال، ويسترسل مع نزوعه السياسي في حركات عنيفة، ms285 ومناورات خطرة، ويرسل النذير بعد ~~النذير. # كان كل ما في الأمر أن وزير الحربية - وهو أحمد خشبة باشا يومئذ - قد فكر في مشروع ~~لزيادة الرديف، أو الاحتياطي المدرب، وزيادة قوة الجيش العامل، وإنشاء سلاح طيران حربي. ~~وكان ذلك التفكير هو مجال الحكمة يومئذ وفصل الخطاب، لو أن في قصر الدوبارة رجلا بعيد ~~مطارح البصر، معتدلا في سياسته، حكيما في مأخذه وتناوله؛ فلو أن ذلك تهيأ يومئذ وتوافر، ~~لأمكن حل القضية المصرية، فلم تتأخر عشر سنوات طوال، قبل أن يأتي الرجل النافذ البصيرة ~~الذي يعين على حلها من هذه الناحية بالذات، وهي مسألة الجيش ووسائل الدفاع وأساليبه، ولكن ~~الأقدار أبت أن يستمع الإنكليز إلى عامل الحكمة في ذلك الحين، وشاءت إلا أن يستمعوا بعد ~~عشرة أعوام منه إلى عامل الضرورة، وسياسة الظروف القاهرة؛ فكان ذلك من أغلاط السياسة ~~الإنكليزية التي جعلت إيلافها معالجة المسائل في أحيانها دون النظر إلى بعيد، ودون التفكير ~~في المستقبل والمصير. # وقد هاج لورد لويد يومئذ وثارت ثائرته، ولم يكن سياسيا حصيفا متزنا كما يجب أن يكون ~~من يقلد منصبا خطيرا كمنصبه، ولكنه كان أحمق نزاعا إلى الغطرسة، جانحا إلى إظهار ~~السطوة، سريع الهياج، مندفعا مع استعمارية مسرفة؛ فتصور الأمر خطرا جائحا، وخاله أمرا ~~فريا، وأرسل إلى بلاده يطلب البوارج ويستقدم الأساطيل ...! # وقد بلغ من تهوره يومئذ وهياج نفسه أن اتصل بوزير فرنسا المفوض وسفير إيطاليا في مصر ~~يسألهما مظاهرته على الموقف الشاذ الهائج الذي ينتوي أن يقفه؛ فأكدا له أنهما شخصيا ~~وحكومتيهما على أتم الاستعداد لتأييده! # ونحن ندعه هنا يتحدث عما فعل يومئذ إزاء مسألة تمثلت له كأنها توشك أن تعرض الأرواح ~~للخطر، وتسيل الدماء في الشوارع جارية: # ومن ثم بعثت إلى وزير الخارجية برسائل مسهبة شرحت له فيها التطورات المحتملة في ~~الموقف، وقلت له إنني من رأيي في حالة وصول جواب غير مرض أن نوجه إلى الحكومة ~~المصرية هذا السؤال البسيط الصريح: هل قبلتم تصريح 28 فبراير أو لا؟ فإذا كان ~~الجواب نفيا أو يحتمل ms286 معنيين، كانت الخطوة التالية أمامنا أن نحصل من جلالة الملك ~~على مرسوم بتعطيل البرلمان، وتأليف وزارة إدارية نعرض عليها مشروع معاهدة شاملة ~~وافية، ونحدد لها أجل القبول، ونبين لها أن استعادة الحياة النيابية تتوقف على قبول ~~تلك المعاهدة. # وفي الوقت نفسه بينت لوزير الخارجية الخطة التي في نيتي اتباعها في حالة حدوث ~~اضطرابات في خلال هذه المرحلة ... # وقد أجابه وزير الخارجية البريطانية يومئذ - وكان سير أوستن تشمبرلن - بالموافقة، ولكن ~~في شيء كثير من التحفظ، قائلا: «إن هذه المجازفات قد تكون مما لا سبيل إلى اجتنابه، ولكني ~~أود أن أتلقى آراءكم وأحتفظ بحكمي عليها ...» # وإزاء المذكرة الجافية المتهورة التي بعث بها لورد لويد إلى الحكومة المصرية في هذا ~~الشأن، أرسلت وزارة ثروت باشا في الثالث من شهر يونيو سنة 1927 ردا حكيما بارعا متزن ~~الأسلوب، ولكن لورد لويد الهائج المحنق لم ير فيه مسكنا لثائرته، ولم يجد خلاله مهدئا ~~لهياجه؛ حتى لقد هم بأن يعيد الضغط ويشدد النكير، لولا أن تلقى من رئيس الحكومة ~~البريطانية - مستر بلدوين يومئذ - برقية فجائية يأمر فيها بأن يدع تلك «المطالب» جانبا، ~~ويشرع في مفاوضة رسمية على الاتفاق مع مصر؛ فاشتد هياجه، وازداد حنقه، وفسدت عليه خططه ~~المتعسفة، وتدابيره الخرقاء. # ولكنه لم يكتف بما فعل، ولم يذعن إلى ما قد طلب إليه، بل ما زال يومئذ بثروت باشا حتى ~~حمله على تبادل مذكرات أخرى في موضوع الخلاف ذاته، وهو الإشراف على الجيش المصري، وانجلت ~~الأزمة بالتراضي بين الفريقين. # لقد كانت أزمة الجيش إذن من صنع لويد وخرقه في السياسة، ووليدة غطرسته الاستعمارية، ~~ولكنها انتهت بنجاة الدستور، وكان أبدا محور تهديد الإنكليز، ومدار وعيد السياسة الغاشمة ~~التي لزمها ذلك المندوب المفتون بالسلطان. # وانتهت الدورة البرلمانية في ذلك العام بخطبة «الوداع»، أو بآخر كلام سياسي فاه به سعد ~~العظيم. وكان المرض قد دب يومئذ إلى جسده، فراح يقول بصوت متهدج ومنطق مؤثر، ينفذ إلى ~~أعماق القلوب: «يعز علي أن أبصر منبر الخطابة ولا أستطيع له رقيا، وأن أرى ms287 منصتين ~~ولا أجد له صوتا فتيا.» # واستوفى سعد أجله خلال العطلة البرلمانية في الثالث والعشرين من شهر أغسطس سنة 1927، ~~فعظمت بموته الفاجعة، وعمت به المصيبة، وفقدت الأمة زعيمها الأكبر، وقائدها المعلم، ~~وسياسيها الواسع الحيلة، وخسر الدستور أكبر المدافعين عنه وأجرأ المناضلين. # وبويع مصطفى النحاس بالزعامة من بعده، كما أسلفنا عليك في موضعه بسبيل الحديث عن سعد ~~وعظمته، وكان غائبا يوم منعاه، فكان اسم مصطفى في الخواطر للمبايعة وعلى الشفاه، ولكنه عقب ~~قدومه من الخارج وعرض رياسة الوفد عليه، رفضها بتاتا على شدة إلحاح صحبه عليه، حتى لقد ~~جعل يقول: «هاتوا رئيسا من بينكم وأنا أخدم القضية بجانبه كما خدمت سعدا من قبل، ودعوني ~~في موضعي كما أنا، سكرتيرا للوفد!» # ولما اشتد رفضه دعته السيدة الجليلة أم المصريين، وألحت عليه هي كذلك في قبول رياسة ~~الوفد، حتى لقد جاء في سياق حديثها إليه: «هل تريد أن أرأس أنا الوفد؟!» وراحت تذكره بحب ~~فقيدها العظيم له وثقته به وركونه إليه. وغلبها الدمع فبكت، وبكى مصطفى من شدة التأثر، ولم ~~يجد سبيلا أمامه غير القبول والإذعان. # ولم يلبث مصطفى أن راع في موضعه، وجل في مكانه، وأثبت استحقاقه الطبيعي لمحله ~~الخطير، ومركزه الرهيب، حتى لقد شهده أحد مديري الأقاليم وهو يخطب عقب مبايعته بالزعامة ~~فدار بعينه إلى من حوله قائلا: «لقد خلق مصطفى باشا خلقا جديدا! أين هذه الحكمة وأين هذه ~~الرزانة وبعد النظر مما عرفناه عن النحاس رجل الثورة المتوثب الطافر حماسة، المشتعل ~~نارا؟!» # وفي الحق لقد استحال مصطفى يومئذ رجلا جديدا، في جلاله وهيبته وروعة سمته، وإن ظل مع ~~ذلك منبسط الصدر، رافع الرأس، ثابت الخطو، صورة ماثلة لمبلغ اطمئنان الضمير، والثقة ~~بالنفس، والاعتزاز بحب الشعب ورضوانه. # وكان الملك فؤاد في ذلك الحين يطوف عواصم أوروبا زائرا في رحلة مستطيلة، واقترنت رحلته ~~بمحادثات جرت بين ثروت باشا رئيس الوزراء وسير أوستن تشمبرلن بشأن المسألة المصرية في لندن؛ ~~فلما نعي إليه سعد بادر بالعودة إلى البلاد. # وقد ظل الدستور بعد غياب سعد ms288 غرضا لسهام الرجعيين، وبقي الحكم النيابي إزاءهم الخصم ~~المبين، فكان موقف مصطفى دقيقا خطيرا بالغ الخطر؛ لأنه الموطن النفس على حراسته، ~~المتجشم الأخطار جميعا في سبيل الذياد عنه، والدفاع عن حياته، والحرص على قداسته، مستمدا ~~لذلك من قوة الأمة التي أحاطته بسياج من أرواح أبنائها، وأسكنته القلوب، وارتضته أساسا ~~للحكم لا تبغي عنه حولا ... # ولقد ظن خصوم الأمة من غاصبي حريتها واستقلالها، وأعوان الغاصب وأهل مودته، أن موت سعد قد ~~هيأ السبيل أمامهم للكيد لها، والائتمار بوفدها، وتوهين إجماعها؛ فأعدت العناية الإلهية ~~لهذه الأمة ذلك الرجل الصادق، والزعيم المختار، والصفي لحمل الرسالة؛ ليجعل سعيهم في تضليل، ~~ويرد كيدهم في النحور، ويذهب بدسهم كل مذهب، وينتصر عليهم جميعا في كافة المعارك. وإن ~~حياته العامة كلها من بداية زعامته لانتصار مستطيل لجانب الأمة على جانب خصومها، وفوز مبين ~~لقضية الدستور والاستقلال. # | مصطفى النحاس # زعيم الأمة وقائد الشعب # كانت ظروف مصطفى حين استقل بدور الزعامة معاكسة له، أو شديدة الخطر بالنسبة لموضعه؛ فلم ~~يتقدم إلى مكان الزعيم على دفوف النصر، وأناشيد الفرح، وزفيف الجماهير؛ وإنما جاء إثر نكبة ~~قومية شديدة ومصاب عام جلل، وهو رحيل الزعيم الأول سعد من هذه الحياة، وعلى ظن مشاء في ~~نفوس خصوم البلاد بأن وفاته سوف تضعف الحركة الوطنية وتشلها، وتوهن الوفد وتحطم بنيانه؛ لأن ~~خليفته، في تقديرهم لم يكن على غراره، ولم يطبع في مصنع الطبيعة على نسقه، ولم يسبك مثل ~~سبكه، ووسط ائتلاف سياسي يخشى من انهياره، ويشفق من تداعيه، وخلال غمرة حزن عام تركت ~~البلاد جميعا في غمة وحداد ... # وكان على مصطفى النحاس أن يدلل على فساد ظنونهم، وكاذب تقديرهم مثبتا أن سعدا حي فيه، ~~ماثل به، قائم في صدره، متحرك في خاطره، وأن ما بناه لن يهدم، وما أقامه لن يدك، وأن الوفد ~~منيع لأنه فكرة، روحي لأنه فوق المادة، وأنه على حفظ التراث العظيم لقدير، وللقيام على ~~التركة الحسنة الكبيرة كفء، وبالتبعات الجسام حقيق، وأنه قد وضع في مكانه، واستوى في محله، ~~وساقت ms289 به الأقدار الرحيمة ليتولى هذا الأمر أهلا له، حريصا عليه، قويا متمكنا باذلا ~~حياته إذا اقتضاها، متجردا من شئون نفسه ليستأثر الوطن به، وتستحوذ القضية العامة على كل ~~شيء فيه. # وقد كان الائتلاف قبل بيعته ضرورة سياسية من أجل حماية الدستور من خصومه، والحرص عليه ~~حيال أعدائه المتربصين دوائر السوء به، ولكن الأحزاب التي رضيت به مع سعد عادت يومئذ ~~تظن أنه قد حان لها أن تفضه، وقرب أن تنزع أيديها منه؛ إذ كان اندماجها بادي الرأي فيه، ~~انتقاما من فريق استبقها إلى الحكم وغلبها على الظفر به، وأصبح تعللها من بعد سعد أن تعود ~~هي إليه، وتتولاه هي وحدها متهافتة عليه؛ لأنه إذا كان من الصعب عليها مغالبة سعد بسبيله، ~~فلعله قد صار سهلا رد مصطفى عنه، أو خذلانه في أزمة من الأزمات ليخلو لها هي وجه ~~السلطان تتبوأ مقعده، وتعيث في الأرض مفسدة. # وكانت ثم أيضا كراهية الإنكليز لمصطفى النحاس بالذات، بل كانت هناك كذلك بغضاء لورد ~~لويد له خاصة، وخشيته من وقوع الزعامة له قبل أن يصير أمرها إليه، وانتواؤه تسديد ضربة ~~قاضية في بداية رياسته للوفد وقيادته، حتى يمهل فيتمادى ويصبح القضاء على سلطانه ~~عصيا. # ولا ننسى مع هذا أن محادثات كانت تجري بين ثروت باشا وبين الإنكليز، وأن نتائجها بلا ريب ~~سوف تعرض عليه ليحكم فيها، ويوجه الوفد بسبيلها، وهو موقف خطير للغاية يقتضي منتهى الحكمة ~~والحذر والفطنة، ويوجب اليقظة الدائمة والانتباه الشديد. # ووسط هذه العوامل المجتمعة: ائتلاف يترنح، والخير في إسناده، أو الحكمة أن يترك ~~ليجيء تدهوره من ذاته، أو من صنع دسه وكيده؛ ودستور عزيز حورب له، وكوفح من أجله، وكتبت ~~مواده بالدم الزكي جعل مدادا لكلماته؛ وتربص من جانب الإنكليز دائرة السوء به للتعجيل ~~بانقلابه، وسط هذه العوامل مجتمعة، وجد مصطفى النحاس باشا نفسه مكتنفا؛ فثبت في موقفه، ~~واستعان أقصى الحكمة والسياسة والرشاد في خدمة بلاده، وراح يرتقب الحوادث هادئ النفس مليء ~~الصدر إيمانا وقوة وسكينة. # واستأنفت الدورة النيابية سيرتها في ذلك ms290 العام، فانعقد البرلمان في السابع عشر من شهر ~~نوفمبر، وكان الملك قد عاد من رحلته في أوروبا، فافتتح البرلمان؛ كما رجع ثروت باشا قبل ذلك ~~بيومين، فحضر افتتاحه، وألقى خطبة العرش، وفي الجلسة الأولى للنواب انتخب مصطفى النحاس باشا ~~رئيسا له بالإجماع، فاكتملت له رياسة الشعب مزدوجة: قيادة الجهاد، وزعامة السياسة؛ فبرز هو ~~في ردائهما جليلا حسن السمت، نظيف الثوب، وضاء باهر المطالع، تنعقد من حوله هالة بيضاء ~~من ضياء. # وأشارت خطبة العرش إلى المحادثات إشارة خفيفة، لم تتعرض فيها للتفاصيل؛ فلبثت البلاد ~~ترتقب من ثروت باشا أن يعلنها بما قد جاء به في حقيبته، ولكن طال الانتظار على غير طائل، ~~وكان عذره كلما تحدث أحد إليه أنه لا يزال ثم بينه وبين السير أوستن تشمبرلن أخذ ورد ~~في بعض المسائل؛ حتى استولى الضجر، واستحوذ التبرم، وسرى الاستياء. # وكان لورد لويد - كما ظهر فيما بعد من كتابه «مصر من عهد كرومر» - متململا من تلك ~~المباحثات، واثقا من خيبة الرجاء فيها، موقنا بعقمها وقلة نفعها، وقد زاده تبرما بها ~~وسخطا عليها أنها جرت بغير علمه، وكادت تنتهي على الاتفاق وهو فيها غير شريك؛ إذ حرص وزير ~~الخارجية البريطانية يومئذ على أن تجري المحادثات بينه وبين ثروت باشا دون وساطته. # لقد كان لويد يرى أن الأمل في نجاح هذه المحاولة كان يومئذ بعيدا، ويعتقد أن وزارة ~~الخارجية البريطانية بما صنعت في ذلك الحين «قد احتبلت ثروت باشا في فخ القدر المنصوب له، ~~وراودته عن مصيره، جريا وراء نظرية غريبة، وهي أن استئناف المفاوضات معه قد يذلل له تأليف ~~حزب يسمى «حزب المعاهدة» من أفراد «معتقلين» يتيسر لهم التغلب على نفوذ «المتطرفين»، بل ~~لعله يستطيع به الفوز في عدد الأصوات في المجلس عليهم آخر الشوط ونهاية المدى»! # وقد كان ثروت باشا من طول استمهاله، وكثرة تسويفه، يلوح كأنما هو مدرك نهايته، عليم ~~بنتيجة موقفه، وإذا كانت وزارة الخارجية البريطانية قد عميت عنها، فلم يكن هو بلا ريب عنها ~~عاميا. وفي هذا يقول لورد ms291 لويد: «ولكن كان الأمل الوحيد لديه هو في الإلحاح كل حين في ~~إجراء مناقشات ومباحثات أخرى، للظفر بتسامح جديد، وتساهل زائد، ولم تكن نجاته في النهاية ~~ممكنة إلا بأعجوبة أو معجزة، فإذا لم تظهر هذه المعجزة، ولم تبادر إليه تلك الأعجوبة، فإن ~~كل ما هو في استطاعته أن يرجئ - ما أمكنه - حلول موعد معركة الحياة أو الموت بالنسبة له، بل ~~معركة «واترلو» - التي قضت على نابليون وحطمته تحطيما - وأن يؤجل يومه المحتوم وموعد ~~هزيمته الساحقة. # يا لثروت باشا من رجل مسكين! وإن لم يكن قد حان بعد اختبار درجة «الشجاعة وحسن السياسة ~~والصراحة» التي كانت لديه، والتي وصفها سير أوستن تشمبرلن في بعض رسالاته لي وكتبه، ولكن ~~موعد ذلك كان آتيا لا ريب فيه. ولم يكن السرور الذي شعر به وزير الخارجية من توقع إمضاء ~~المعاهدة مدعاة لسرور ثروت باشا، ولا باعثا البتة عليه، وإنما كان عند ثروت حلما مزعجا، ~~وانتظارا للبلاء قبل وقوعه. # ومن تلك اللحظة كان المقدر لتلك الأماني المعسولة التي تجول في وزارة الخارجية البريطانية ~~أن تتلاشى رويدا، وأن يتبدل ذلك السرور ألما وخيبة؛ إذ راح ثروت باشا - بدافع غريزة حب ~~الذات والدفاع عن النفس - يصارع ويجاهد بكل قواه في سبيل تحاشي لقاء الخاتمة المحتمة، ~~والنهاية المنتظرة. # ولشد ما كانت دهشتي في الثامن من شهر فبراير سنة 1928 - أي بعد شهرين تقريبا من عودة ~~ثروت باشا إلى القاهرة - أن أبلغني دولته أنه قد اعتزم عرض مشروع المعاهدة على النحاس باشا ~~وعلى الوزارة في الحال. وهكذا أطلقت أخيرا قذيفة ابتداء الشوط في سباق مرهوب النتيجة، ولن ~~نلبث طويلا حتى نعرف أولا وآخرا مصير المعاهدة والقدر المحتوم الذي ينتظرها. وعلى هذا ~~النبأ اشتد القلق في نفس وزير الخارجية وساورته الهواجس سراعا، فتلقيت في الحال تعليمات ~~منه تقضي بمقابلة الملك ورئيس الوزراء والنحاس باشا بلا إبطاء، وأن أبين لهم، بالتأثير في ~~نفوسهم، خطورة القرار الذي حان أن يتخذوه في أمر هذه المعاهدة. # وكان وزير الخارجية قلقا على الأخص من ناحيتين: ms292 أولا من أن رئيس الوزارة - أي ثروت باشا ~~- كان يومئذ يحاول - وهو أمر طبيعي جدا - المناورة بحيث يمكن إلقاء المعاهدة في اليم من ~~شحنة السفينة، مخافة الغرق دون أن يؤدي ذلك إلى استقالته، وثانيا من أن الملك بدلا من أن ~~يرى في ذلك شيئا مخيف العاقبة كان يميل إلى اعتباره عملا لا بأس به.» # هذا ما كان من لورد لويد يومئذ ومبلغ شعوره من ناحية نتيجة تلك المحادثات، والمشروع الذي ~~جاء به ثروت باشا كآخر اجتهاده، وقصارى كفاحه للقضية المصرية وجلاده. فلننظر ماذا كان شعور ~~مصطفى النحاس في ذلك الحين، وكيف قابل ذلك المشروع إذ عرض عليه، وليس أبلغ في بيان ذلك من ~~كلماته هو وعباراته في وصف الموقف، وخوالج صدره من ناحيته، حيث يقول: # ولقد طال الانتظار، وكان ثروت باشا يمهلنا من وقت إلى آخر؛ لأنه كان لا يزال بينه ~~وبين سير أوستن تشمبرلن أخذ ورد في بعض المسائل حتى استولى الضجر على نفوس ~~الكثيرين، وأخصهم محمد محمود باشا، وأحمد خشية باشا الوزيران في وزارة ثروت باشا، ~~فقد كاشفاني بذلك مرارا فكنت أهدئهما، وأهون عليهما الاصطبار حتى ينتهي ثروت ~~باشا من أخذه ورده مع وزير الخارجية البريطانية، حرصا منا على إنجاح المحادثات، ~~وقد عرفتم بعد ذلك السر في هذا الإلحاح من جانب هذين الوزيرين. # وكانت مهمتي شاقة في هذه التهدئة، إلى أن كان يوم 7 فبراير سنة 1928، إذ نبأني ~~ثروت باشا أنه سيطلعني على المحادثات على شرط أن تبقى سرية بيننا، حتى نرى ما سيكون ~~بشأنها؛ فوعدته بذلك، فأرسل إلي المستندات الخاصة بهذه المحادثات في نجع حمادي، ~~اليوم العاشر من ذلك الشهر، خلال الاحتفال الرسمي بوضع الحجر الأساسي ~~لقناطرها. # اطلعت على تلك الأوراق في الأقصر، فهالني ما رأيت! لقد رأيت مشروعات معدلة، ~~انتهت بمشروع كامل صب في صيغته النهائية، وقال عنه سير أوستن تشمبرلن إنه وضع ~~باتفاق الطرفين، كما اشتملت المحادثات على رسالة منه سلمت إلى ثروت باشا في 6 ~~فبراير جاء فيها: «إن الحكومة البريطانية قد قالت كلمتها ms293 الأخيرة في هذا الشأن، ~~وإنها لا يمكنها أن تقبل أية مناقشة في نص المعاهدة نفسها، وإنه إذا رفضت الحكومة ~~المصرية هذه التسوية اضطرت الحكومة البريطانية إلى أن تشدد وتدقق فيما احتفظت به في ~~تصريح 28 فبراير من الحقوق.» وختمها برجاء دولته أن يبادر إلى عرض المعاهدة على ~~زملائه، وأن يقوم بتوقيعها في أقرب فرصة. # لقد كانت هذه الرسالة بمثابة إنذار لمصر في حالة الرفض، والظاهر أنها هي التي ~~حملت ثروت باشا على أن يخبرني في اليوم التالي لوصولها بأنه سيطلعني على المحادثات ~~على أن يبقى أمرها بيننا مكتوما. # قلت إن الأمر هالني، وفي الحق لم يكن ذلك المشروع متفقا، لا في أساسه ولا في ~~نصوصه، مع استقلال البلاد وسيادتها ... كما أنه فوق هذا قد أوجدها في حالة خطيرة بسبب ~~«الإنذار» الذي شفع به؛ ولذلك قابلت ثروت باشا في 22 فبراير بعد عودتي من الأقصر، ~~وصارحته بحضور عدلي باشا برأيي في المشروع، ورجوت إليه أن يعمل على إنقاذ البلاد من ~~شره المستطير ... واتفقنا أن نعرض الأمر بصفة سرية أيضا من جانبي على الوفد، ومن ~~جانبه هو على زملائه الوزراء. # وهنا نعود إلى لورد لويد فنراه يقول في هذا الموضع من كتابه: «وتلبية لتعليمات وزير ~~الخارجية دعوت النحاس باشا إلى لقائي، وعينت السادس والعشرين من الشهر موعدا، وفي خلال ذلك ~~تحدثت إلى الملك في هذا الشأن حديثا طويلا، فنبأني الملك أنه قد بذل كل ما في إمكانه لحمل ~~ثروت باشا على «الدخول في الشق؛ الفخ» ليلزمه عرض المعاهدة، ولكنه ظل على روغانه المألوف، ~~ولا يزال على رأيه من بقاء باب المفاوضات مفتوحا، ولم يكن ثروت باشا في الواقع قد عرض حتى ~~ذلك الحين نص المشروع على زملائه الوزراء.» # وقد جرت المقابلة بعد ذلك في موعدها المضروب بين لورد لويد ومصطفى النحاس باشا، فكانت ~~وقفة الزعيم في الحق خليقة به، موائمة له، وقفة مصر كلها بسائر ذكريات ضحاياها وشهدائها، بل ~~وقفة شجاعة وجرأة ووطنية عالية ورفيع ثبات. وقد قص مصطفى نفسه على الناس ms294 فيما بعد دقائق ما ~~جرى بينه وبين لورد لويد، كما عرض لها لويد نفسه في كتابه، وإن خرج ببعض معانيها عن نصوصها ~~الصحيحة ومراميها الحقيقية، رغبة في التجسيم، ونزوعا إلى التأويل. # يقول مصطفى في صدد ذلك اللقاء: «ولقد لقيت لورد لويد في مساء الأحد، فأخبرني أنه قد علم ~~من ثروت باشا أنني سأعرض على الوفد في جلسة الغد مشروع المعاهدة ، وأنه قد تلقى رسالة من ~~السير أوستن تشمبرلن لكي ينبهني إلى الخطورة التي تنجم عن رفض مشروع المعاهدة، والمسئولية ~~العظمى التي تقع على عاتقي باعتباري زعيما للأغلبية. قلت إني آسف لأن هذا المشروع قد ~~خيب أملي في نجاح المحادثات التي كتمها عني ثروت باشا زمنا طويلا؛ لأنه كان تحفظا ~~مرتبا - بناء على اتفاق مع السير أوستن تشمبرلن إلى حين إتمامها - على أن يعرضها علينا عند ~~نجاحها، وقد وعدته بالتأييد إذا هو حافظ فيها على حقوق البلاد في الاستقلال التام، وكانت ~~الضمانات لصيانة المصالح البريطانية لا تتعارض مع هذا الاستقلال، فلما اطلعت على المستندات ~~التي سلمت لي في نجع حمادي، وانقطعت إلى قراءتها طول إقامتي في الأقصر، رأيت أنها قد بنيت ~~على أساس لا يتفق مع الاستقلال، بل أقرت شرعية الاحتلال، ولا يتفق احتلال مع ~~استقلال. # قال: إن بقاء القوات العسكرية البريطانية في مصر لا يتعارض مع الاستقلال ما دامت مصر هي ~~التي تقبل بقاءها في أرضها بمقتضى المعاهدة. # قلت: إن المصريين الذين عارضوا الاحتلال منذ وجوده لا يقبلون بحال بقاء القوات العسكرية ~~الأجنبية في الأراضي المصرية لمنافاة ذلك لاستقلالهم الذي هو حقهم الطبيعي، قال: كأنك ~~تقول إنه لا يمكن اتفاق قبل خروج الجنود البريطانية من مصر، قلت: محال أن يكون اتفاق ~~مقبولا عند المصريين إذا لم يكن أساسه الجلاء، قال: وكيف نغادر البلاد بعد أن ثبتنا ~~دعامات ماليتها. قلت: تغادرونها طبقا لوعود الشرف المتكررة التي وعدها رجالكم الرسميون، ~~وفي الوقت ذاته نعقد معكم محالفة ود وصداقة. قال: وماذا يكون الحال إذا غادرت قواتنا ~~البلاد، فأغارت عليها دولة أخرى، قلت: إن ms295 ذلك لن يكون ما دمتم حلفاءنا، فإننا نصد بقواتنا ~~غارة الأجنبي إذا حدثته النفس بالإغارة، وتساعدوننا أنتم على ذلك بقواتكم بحكم المحالفة إذا ~~احتاج الأمر إلى المساعدة، وأساطيلكم على مقربة منا في البحر الأبيض المتوسط، وهي سيدة ~~البحار. # قال: وما فائدتنا نحن من الجلاء؟! قلت: فوائد جمة، فأولا: تكسبون صداقتنا، وثانيا: ~~توفرون على أنفسكم الرجال والأموال التي يضطركم إليها بقاء قواتكم المعسكرة في البلاد، ونحن ~~كفيلون بالمحافظة على قناة السويس، ولا تتحملون أنتم غير مساعدتنا وقت الحاجة بحكم ~~المحالفة، وثالثا: يتفرغ كل منا إلى مصالح بلاده، فلا يكون في شغل دائم بهذه الحالة الشاذة ~~القائمة الآن، والتي لا يترتب عليها إلا استدامة النفور والمشادة والحذر، ورابعا: بحكم ~~الصداقة والمحالفة يزداد تبادل المنافع المادية والأدبية بين البلدين، وخامسا: يروح ذلك ~~أكبر فخر لكم يساعدكم على تخفيف أعباء متاعبكم في الشرق ... # هذا ما قلته ولم أشأ الدخول في تفاصيل المشروع، إذ لا فائدة من ذلك ما دام الأساس الذي ~~بني عليه باطلا، وإنما قلت له إنني لم أفقد الأمل في أن يتم الاتفاق إذا ما حسنت النية ~~من الجانبين، فإن ذلك هو اعتقادي الذي لم يفارقني في وقت من الأوقات حتى في أشدها حرجا، ~~فإن مصلحة البلاد هي في إنهاء هذا الاتفاق، بشرط أن يكون اتفاقا مبنيا على العدل ~~والمساواة واحترام الحقوق، اتفاق الصديق للصديق لا السيد للمسود. أما من جانبنا فإن حسن ~~النية موفور، ولم يبق إلا توافره من جانب القائمين بالأمر في إنجلترا؛ فإن لم يتوافر الآن ~~فسيتوافر على الأيام. # قال: إنك تقود البلاد بهذا الرفض إلى أمر خطير، فإن الحكومة البريطانية التي تساهلت إلى ~~الآن في مشروعات بعض القوانين المصرية ستتشدد فيما بعد ذلك، قلت: إني إنما أعبر عن شعور ~~البلاد الحقيقي وأؤدي واجبي، وللقوة أن تفعل ما تشاء ...» # هذا هو الحوار العجيب الذي جرى بين ممثل الحق، وممثل القوة؛ أو بين خصمين خطيرين، كل ~~منهما معتد بذاته، معتز بجانبه. ولكن أولهما نازع إلى قوة الاقتناع في غير خوف، ms296 ~~والتدليل في غير تراجع، والمحاجة في غير تحايل ولا اصطناع، وثانيهما جانح إلى التهديد لأنه ~~هو وحده حجته، وإلى النذير لأنه كل سلاحه ومظهر قوته. وقد رأينا خلال هذا الحوار كيف كان ~~مبلغ اعتداد مصطفى بحقوق بلاده، وكيف أبدى من العزة الصادقة بمكانه، وإباء التفريط في حق ~~وطنه، وهو يعلم أن على الإباء عقابا، وأن مع الرفض نكبات وخطوبا، وتجاريب قاسية وأياما ~~غبرا مكفهرة المطالع، وأحداثا مروعة داهمة. # يرفض مصطفى النحاس مشروع ثروت - تشمبرلن، وهو في تلك الظروف الدقيقة للغاية، العليم بأن ~~ثلاث محاولات من قبل قد حبطت وعوقبت البلاد على حبوطها؛ فكان العجب أن يأتي العقاب جزاء ~~إباء تفريطها، وأن هذه هي المرة الرابعة التي يعتزم فيها الرفض ليتكرر الحبوط فيتكرر العقاب ~~والتعذيب، وعرض البلاد من جديد على النار لتصهر صهرة الحديد، وقد كفاها ما قاست من ~~اكتواء وبلاء. # ولكن مصطفى النحاس لم يكن يسعه غير أن يرفض في تلك الظروف الرهيبة، وسط ائتلاف لا شك في ~~أن بعض أضلاعه تختلج لثروت ومشروعه، وتميل إلى الانتهاء من القضية، على أي لون يكون ~~الانتهاء، ولكن لم يكن هذا كله في الاعتبار والميزان ليرجح عنده فوق اعتزامه الرفض؛ لأن ~~القبول في اعتقاده، خطوة مودية، وعمل أثيم. # كان الموقف جليلا رهيبا، موقف زعيم لأول عهده بالزعامة، أمام إغراء عظيم يهز أكبر ~~القلوب، ويوسوس لأقوى العزمات، ويخيف الإرادة ويزعزع الشعور؛ لأنه يتعلق بمصير أمة، ومستقبل ~~شعب، ومصالح ملايين! # وقد كان لذلك الحوار أثر بليغ في نفس لورد لويد؛ لأنه أثبت جوهره في كتابه، وإن جعل ~~يهون من مسئولية مصطفى النحاس بسبيل موقفه، قائلا إنه لم يكن على النحاس باشا أية ~~مسئولية، إذ كان واثقا من تأييد الرأي العام له، مهما كان الموقف الذي يحتمل أن يقفه ~~منافيا للحكمة والسداد! # وراح ثروت باشا يعرض وثائق المحادثات على زملائه الوزراء في جلسة رسمية، على أن يدعوهم ~~لجلسة أخرى لإبداء رأيهم فيها؛ وذهب مصطفى النحاس باشا من جانبه يعرض الأمر على الوفد في ~~عدة جلسات طويلة، ms297 فرأى الوفد بالإجماع رفض المشروع المعروض، للأسباب ذاتها التي بسطها مصطفى ~~وشرحها لهم؛ فلقيت المعاهدة الثروتية بذلك قضاءها المحتوم، وحلت عليها الخاتمة ~~القاضية. # وبقي أمر الوزارة القائمة في الحكم ومصيرها، فرأى الوفد أن يسعى بكل قواه للاحتفاظ ~~بوحدتها، والحرص على استمرارها، والسير بالسفينة في طريقها؛ فتحدث إلى ثروت باشا أحاديث ~~كثيرة يريد بها أن يجعل رفض المشروع بالإجماع لتخرج الوزارة من الأزمة سليمة ناجية لمتابعة ~~أعمالها ومواصلة حكمها، كأن المحادثات لم تغن بالأمس ولم يكن لها أدنى وجود؛ كما أن ~~الوزراء أنفسهم اتفقوا فيما بينهم على صيغة للرفض يحسبونها أقرب إلى قبول ثروت باشا من ~~غيرها، ولكنه رفض بتاتا أن يتعرض الرد لقواعد المشروع وجوهره، وأصر على أن يكون إبلاغه ~~وزارة الخارجية البريطانية منحصرا في رد الوزارة على حدتها، وأن يلحقه هو بكتاب ~~استقالته. # وتقدم رد الوزارة على المشروع إلى الحكومة البريطانية على يد ممثلها في مصر في الرابع من ~~شهر مارس، وهو اليوم ذاته الذي رفع فيه ثروت باشا إلى القصر كتاب الاستقالة، وكانت البلاد ~~يومئذ في حماسة الغضب من المشروع، وغضبة استنكاره والاحتجاج عليه. واشتد القلق بالنفوس، ~~واستولت على الأذهان أسوأ الظنون، وراح الناس يتساءلون: هل من خطر على الدستور ومصيره؟ فقد ~~ألفوا أن يروا كل تجربة فاشلة في باب المفاوضات تنتهي للدستور بسوء، وتجد شفاء حقد ~~أصحابها في النيل من الحياة النيابية أي منال. # ولم يكن ثم شيء يومئذ يحمي الدستور غير قيام الائتلاف، على ما كان يسري تحته من تيارات ~~خفية، وما كان يجري خلف جبهته من ألاعيب. ولكن الأمة كانت عن استمراره راضية، وفي قيامه ~~ومواصلته متشددة؛ فلم يجد أحد من الذين ينتسبون إليه من أشخاص الأحزاب الجرأة الكافية ليكون ~~أول المنشقين عليه، والضاربي المعاول في بنائه؛ فثبت هؤلاء في مواضعهم من الائتلاف يرقبون ~~تطورات الحوادث، ويرصدون الأفق السياسي على الأيام. # ومضت فترة قصيرة عقب تقديم الاستقالة، والجو غامض، والأفق مكفهر، والظنون مساورة، ~~وحمية الطلاب والشباب قد غلبت إرادتهم، فلم يستطيعوا لها كبحا. وكان مصطفى ms298 النحاس إزاء ~~المظاهرات التي كانت تقوم يومئذ منهم ينصح لهم بالتزام السكينة، في لغة الأبوة الناصحة، ~~وحكمة السياسة المتزنة الحصيفة؛ وكانت الوزارة قد كفت عن تصريف الأمور، فراح الإنكليز ~~المشرفون على البوليس يتناولون الأمر في أيديهم، ويحاولون الاحتكاك بمشاعر الشباب ليثيروا ~~في الأفق غبارا متعاليا، فيزداد الأمر سوءا، وتستحكم الأزمة حلقات، ويستنفر الغضب الشباب ~~كل مستنفر! # ولكن الوفد كان حكيما كدأبه، فأمسك زعيمه الشباب إلى جانبه، وباعد بينهم وبين تهور ~~الحماسة، في موقف خطير يقتضي التدبر والتأمل والسكون. # وما كاد رد الوزارة المصرية يتقدم إلى دار المندوب السامي، حتى بعثت هذه إليها بمذكرة ~~رسمية في اليوم ذاته (4 مارس)، مبدية خلالها قلقها من جهة «مشروعات قوانين معينة» تتعلق ~~بحفظ الأمن العام وحماية الأرواح والممتلكات! وهي بلا ريب إشارة إلى «قانون الاجتماعات»، ~~وهو مشروع قانون كان البرلمان يوشك أن يفرغ من إقراره في نهاية السنة السابقة (1927)، وقد ~~جاء هذا القانون تعديلا لمواد القانون رقم 14 الصادر في سنة 1923 عقب إلغاء قانون سنة ~~1914، وكان المراد منه الحد من اختصاص السلطة التنفيذية بسبيل منع الاجتماعات والمظاهرات ~~وتقييد مصادرتها كل التقييد، وقد نبه الإنكليز في 18 ديسمبر السابق إلى استيائهم من مضي ~~البرلمان في هذا التشريع وهو في المرحلة الأولى منه، ولكنهم ما لبثوا أن أمسكوا عن توجيه ~~النظر إليه لقيام مناسبة المفاوضات، وارتقابا لما تفضي إليه من النتائج. # وحين حبطت المفاوضات على تلك الصورة عادوا إليه ليجعلوا منه وعيدا جديدا، بل ليلغموا به ~~الطريق أمام الوزارة التي تتولى الحكم بعد استقالة ثروت وخروجه، وقد كشف ذلك لورد لويد نفسه ~~في كتابه فقال: «وكانت الإشاعات قد راجت يومئذ حول ما قد يحتمل أن يكون من تطورات الموقف ~~ومفاجآته؛ فقد كان للوفد - وهو الحزب المتمتع بالمركز والسلطان، المشرف الآمر الناهي في ~~البرلمان - الحق الواضح في ترشيح رئيس الوزارة الجديد من بين رجاله. ولم يكن لدينا سبب ~~يحملنا على الاعتراض على هذا الأمر، إذ كان النحاس باشا ومؤيدوه على استعداد لتحمل ~~المسئولية، ولكن كان بالطبع ms299 في مؤخرة المسرح الرجلان القديران الطموحان المنتميان إلى ~~الأحرار الدستوريين، وهما محمد محمود باشا، وإسماعيل صدقي باشا، منشغلين بشد الحبال، وجذب ~~الأستار، ولم يكن يدري أحد على التحقيق ماذا عسى أن تكون النتيجة من وراء هذه الحركات التي ~~يصطنعانها، والألاعيب التي يدبرانها في الخفاء. # وفي الخامس من مارس لقيت الملك فعلمت أنه من المرجح أن لا شيء يحول دون استدعاء النحاس ~~باشا، وكان ذلك مدعاة للنظر إلى المستقبل بعين القلق والمخاوف الشديدة؛ إذ لو تمكن الوفد في ~~مدة حكمه من تنفيذ برنامجه التشريعي، فلا تمضي بضعة أشهر حتى يستولي تماما على اختصاصات ~~السلطة التنفيذية في الأقاليم، وحتى يتم له النجاح في إنشاء نظام الإدارة العامة؛ فلا نجني ~~من ذلك غير المتاعب الكبار، والنتائج الخطيرة. # ومن ثم لم يكن أمامنا من أمل غير ذلك الإنذار الذي كلفت توجيهه إلى الحكومة المصرية، ~~إذ سيروح ذلك النذير «تحية مناسبة من جانبنا أو ترحيبا» بالرئيس الجديد في منصبه، فإذا هو ~~رفضه كان لنا العذر إذا نحن أثرنا أزمة في سبيل مسئوليتنا الواضحة عن النظام والأمن في ~~البلاد. # وفي اليوم ذاته، قبل النحاس باشا - بناء على دعوة الملك - تأليف الوزارة الجديدة، ~~وكان الظاهر أن غرضه هو ورجال حزبه التعلق بالحكم طويلا، أو قدر المستطاع، حتى يتم لهم ~~تعزيز مركزهم، وتوطيد سلطانهم؛ ولم يكن ثم محيص من تجنب المشاكل إلى حين. ~~... ولم تكن مساعيه في سبيل الحصول على معاونة الأحرار الدستوريين مضمونة النجاح، إذ لم ~~يفز الذين كانوا منهم في صف هذا التعاون في الاجتماع الذي عقدوه يومئذ بالغلبة على ~~النافرين والمعترضين إلا بمقدار بضعة أصوات، على حين ذهب صدقي باشا يجلس بجانب النافرين من ~~التعاون والرافضين ...!» # وفي السابع عشر من شهر مارس سنة 1928 تألفت الوزارة الجديدة برياسة مصطفى النحاس باشا، ~~وكانت الأغلبية فيها للوفد، ولم يدخلها من الأحرار الدستوريين غير محمد محمود باشا، وقد ~~جعل على المالية، وأحمد خشبة باشا، وجعفر ولي باشا، وقد نجا بتأليفها الدستور من الخطر ~~الذي ظن يومئذ أنه قد ms300 أحدق به، وكانت تلك أول مرة لنجاته في سلسلة التجاريب الاستعمارية ~~التي امتحنت الأمة بها عبر السنين وفي مجاز الأعوام. # لقد وقف مصطفى النحاس في تلك الأزمة موقفا رائعا للغاية، موقف رجل عظيم لا يتردد أمام ~~أكبر التبعة، ولا ينزوي من حمل المسئولية وهو أعرف الناس بخطرها وجسامتها، بل لقد تقدم ~~إليها شجاعا جلدا فاحتملها، وهو يعلم أن هذه المهادنة التي التزمها الإنكليز، إن هي إلا ~~مهادنة إلى حين، وأن من ورائها كمدا شديدا، وحقدا دفينا، وكظمة غضب مختنق، ونية سوء ~~تستوجب الحذر البالغ، والفطنة الساهرة، والخاطر اليقظ المتنبه، والتدبير الحكيم. # وقد استن مصطفى سنة طيبة على أثر تقلده رياسة الوزارة، فقد ذهب لزيارة دولة ثروت ~~باشا في داره، فلما لقيه قال باسما: «إن اختلاف وجهة النظر السياسية لا تؤثر في نظري فيما ~~بيننا من العلاقات الودية التي بيننا، بل أرجو أن توثقها الأيام وتزيدها ارتباطا، وألا ~~نحرم من خدماتك في المستقبل.» # وعند ذلك اغرورقت عينا ثروت باشا بالدموع، وقال: «هذه أول مرة أسمع فيها كلاما كهذا من ~~رجل سياسي، وأنا لذلك به مستبشر مغتبط، وسوف تجدني دائما في خدمتك!» # ولكن لم يقيض الله لثروت باشا بعد ذلك أن يتقدم إلى بلاده بعمل، أو يحاول خدمتها من طريق ~~آخر، فإن حياته السياسية كانت قد صارت إلى نهايتها بفشل مشروعه الذي كان آخر اجتهاده، ولم ~~يكن صادرا فيه عن تفريط أو خيانة لحق وطنه، ولكنه كان صادرا عن عقيدة توحي إليه أنه ليس ~~ثم سبيل إلى أكثر من ذلك، وأنه ليس في إمكان مصر أن تظفر يوما بأكثر منه أو أوفر ~~نصيبا. # وقضى ثروت نحبه بعد ذلك ببضعة أشهر فجأة وهو في باريس، فتأثرت البلاد لموته وحزن الناس ~~لمصابهم فيه؛ لأنه كان بلا شك من رجال مصر المعدودين. # وبدأت الوزارة الجديدة برياسة مصطفى النحاس باشا بداية خطرة، وكانت الأدلة والقرائن توحي ~~من أول يوم في عمرها أنها سوف لا يطول الأمد بها، لا عن عجز أصيل فيها، فقد كانت قوية جليلة ms301 ~~الشخصيات بارزة الكفاية؛ ولا عن كراهية في الشعب لها، فإن الأمة تلقتها بتأييد عظيم، وفرح ~~بالغ، واغتباط كثير؛ إذ نجا بها الدستور من الغرق، ولم يطغ بها السيل على الحياة النيابية، ~~وإنما كان يهدد حياتها اجتماع عوامل خفية عديدة عليها، وقيام مكائد منوعة ضدها، وبغضاء ~~متأججة في صدر لورد لويد من ناحيتها، وكان الائتلاف يوشك أن يهن وتوهى ساقاه يومئذ لولا ~~أن تماسك وتساند إذ وجد المختفون وراء الأستار أن الفرصة لتفكيكه غير طيعة ولا ~~مؤاتية. # وكان مصطفى يعرف ذلك ويحسه تماما، ولكنه أبى أن يتراجع؛ لأن التراجع ليس من صفته، وظل في ~~موقفه شجاعا جريئا مستعدا لملاقاة خصومه، متأهبا لمواجهة أعداء الدستور والكائدين له ~~والمحاولين التخلص منه، مهما كلفهم ذلك من جهد وثمن ووصمة العار، والخزي في الدنيا، ونقمة ~~الملايين. # بدأت الوزارة حياتها، وأمامها مذكرة «4 مارس» التي لم تجب عليها وزارة ثروت باشا التي ~~سبقتها، بحكم استقالتها حين وصولها، وقد تعهد الإنكليز توجيهها في ذلك الظرف بالذات لتكون ~~قنبلة في طريق مصطفى النحاس باشا أول ما يبدأ المسير. # وهنا يصف دولته الموقف من ناحية شعوره، فيقول: «ولكنا لم نهب خطرا، ولم ننكص على ~~الأعقاب، بل رأينا من واجبنا أن نتحمل مسئولية الحكم التي ألقاها الدستور على عاتقنا، حتى ~~نحتفظ - كما أعلنا ذلك في برنامجنا - بحقوق البلاد كاملة في مصر والسودان، احتفاظا يتفق مع ~~كرامة حقنا، وروعة نهضتنا، والعمل على تمكين الدستور وتقاليده من نفوس الأمة جميعا، حكومة ~~وشعبا، وأخذنا أنفسنا على أن تجري أعمال الحكومة في الداخل على سنن العدالة والمساواة، ~~وألا يكون للأهواء سبيل إلى النفوس، فلا يميز فريق على فريق، ولا يغلب رأي على رأي إلا ~~بالحق، في سبيل المصلحة العامة ...» # لقد كان الحرص على الدستور دائما، والدفاع عن الديمقراطية العامل البارز فوق سواه في ~~حياة مصطفى السياسية؛ فقد ظل للدستور حارسا شجاعا على الأهبة أبدا للذود عنه، مهما كانت ~~الظروف من الخطورة، ومهما كانت المواقف مرهوبة، ومهما كان الخصوم كثرا متألبين. # وكان لا بد في ms302 ذلك الموطن من تجنب التعرض لهيكل الائتلاف، وإن كان الواقع يومئذ أنه قد ~~وهن وتراخت مسانده؛ إذ كانت الحكمة تقضي بألا يكون الوفد البادئ بنفض اليد منه والتخلي ~~عنه، بل يدع غيره يروح المهاجم المبادر حتى يحمل وزر ما صنع، وإصر ما اقترف. فلا غرو إذا ~~كان مصطفى النحاس باشا - بدافع ذلك الحرص، وإملاء تلك الحكمة - قد راعى موجبات الائتلاف حين ~~تأليف وزارته، تاركا فريقا من زملائه غير مشركهم في الحكم، ليأخذ غيرهم من الأحزاب؛ ~~وإن كان فريق كبير من الأحرار الدستوريين قد أظهروا يومئذ تعففا من الاشتراك فيه، ولكنه ~~كان زهادة مصطنعة، لترقب الحوادث، وتحين الفرص، وانتظار الأزمات التي تخدم الأغراض التي ~~كانوا يرمون إليها من اتخاذ ذلك الموقف المريب. # وقد كان خطاب العرش يتضمن عبارات صريحة تقوم بمثابة الرد على تلك المذكرة البريطانية التي ~~أريد بها أن تكون عقبة في طريق الوزارة، وكانت هذه العبارات كافية بسبيلها، مغنية عن ~~الإجابة عليها، ولكن خصوم الدستور وأعداء الوفد ومتلمسة الحكم والذاهبي النفوس حسرات ~~عليه، أبوا أن يستمعوا إلى صوت الضمير، وأصروا على أن يكون رد آخر، وجواب حاسم؛ وهم يحسبون ~~أن إصرارهم هذا قد يرد مصطفى عن التقدم، ويغريه بالإحجام، ويرسل الخوف من جوانب النفوس، فلا ~~تجلد على الجواب. ولكن مصطفى بتلك الجرأة الرفيعة المعروفة عنه مضى في الثلاثين من شهر مارس ~~سنة 1928 يرسل إلى الحكومة البريطانية ردا صريحا بليغا على مذكرتها، محتجا فيها على ~~التدخل الذي تتوعد إنجلترا مصر به؛ لأنه يشل سلطة البرلمان في التشريع والرقابة على ~~الإدارة، ويجعل مهمة الحكم مستحيلة على أية حكومة جديرة بهذا الاسم، خاتما الرد بقوله: ~~«ولذلك لا يسع الحكومة المصرية أن تقبل تدخلا، ولو أنها سلمت بمبدئه، لأسلمت رايتها، ~~وأنكرت وجودها، بل إنها كحكومة دولة مستقلة ذات سيادة لتدرك حق الإدراك ما عليها من ~~واجبات، وتعتزم - بعون الله وتوفيقه - أن تنهض بأعبائها في حرص ودقة، وعلى وجه مرض ~~للجميع ...» # هذا هو الرد القوي الصريح الذي بعث به مصطفى النحاس باشا إلى ms303 الحكومة البريطانية في ذلك ~~الموقف الخطير، والظرف الدقيق؛ فتلقته الصحف الإنكليزية يومئذ بالتعليقات الهائجة المحنقة، ~~وراحت تكيل للوفد المطاعن وتنادي بأنه قد غلا غلوا كبيرا، وتصف الحرص على حقوق البلاد، ~~والصراحة في الرأي، والشجاعة في المجاهرة والمكاشفة، حماقة وإسرافا. وأسرعت الحكومة ~~البريطانية إلى إرسال مذكرة أخرى في الرابع من شهر أبريل، معلنة فيها أنها لا تستطيع قبول ~~رد الحكومة المصرية كبيان صحيح للعلاقات القائمة بين مصر وبريطانيا ، ومؤكدة تمسكها بتصريح ~~28 فبراير، واحتفاظها بالتصرف المطلق بالنسبة للتحفظات الأربعة المبينة فيه. # وأمام هذا الإصرار من جانب الحكومة البريطانية على موقفها المتحدي ووجهة نظرها المتحرشة ~~المستنفرة، لم يتراجع مصطفى النحاس ولم ينثن مجفلا، ولم يتهيب ما قد يكون من وراء هذا ~~العنت الصارخ، والتحدي المعتمد على القوة والسلطان، بل وقف في مجلس النواب في الخامس من ~~شهر أبريل سنة 1928 يخاطب المجلس كله والعالم الخارجي بجملته، مناديا بأن رده كان متفقا ~~مع البيان الوزاري الذي ألقاه في المجلس من قبل، وكان موضع رضاه وقبوله لاحتفاظه بحقوق ~~البلاد مع استبقاء صلات المودة بين مصر وبريطانيا العظمى، ولا حاجة به إلى القول بأن ~~الحكومة المصرية متمسكة بوجهة نظرها المستمدة من برنامجها، والتي تعتقد أنها خير سبيل ~~لتوثيق عرى الصداقة بين البلدين. # وقد قوبل هذا البيان في المجلس بموجة من الحماسة، وعاصفة من التصفيق؛ واشترك في الحماسة ~~له والإعجاب به المتكلمون عن الأحزاب الأخرى ممن عرفوا من قبل بالإسراف في المعارضة، ~~والغلو في النقد والانتقاص والتعييب. # وأعقبه في حفلة المحامين التكريمية لدولته في السابع والعشرين من أبريل خطاب جامع في حكمة ~~المشرع من سن قانون الاجتماعات، وبحث شامل لجميع مواده وفقراته وأغراضه ومراميه؛ فكان ذلك ~~كله بيانا صريحا بليغا في الرد على دعاوى الحكومة البريطانية ضد الفكرة، بل تلك الدعاوى ~~التي أرادت أن تستغلها، على تلك الصورة المكشوفة، لتحدي الحكم الدستوري ومقاومة الوزارة ~~القائمة بالأمر، ومحاولة التخلص منها لتجربة سواها من الصنائع و«الأحباب» ~~والمناصرين. # ولكن حملة الصحف البريطانية ظلت قائمة مشتدة مستحمية، ولم تلبث الحكومة ms304 الإنكليزية أن ~~أرسلت في 29 أبريل إنذارا آخر تطلب فيه من مصطفى النحاس باشا توكيدا كتابيا قاطعا بأن ~~البرلمان لن يواصل نظر مشروع هذا القانون، وتقول فيه إنه إذا لم تتلق دار المندوب السامي ~~هذا التوكيد قبل الساعة السابعة من مساء 2 مايو، فإنها سوف تكون حرة في اتخاذ أية تدابير ~~تراها واجبة في هذه الحالة. كما راحت في الوقت ذاته تحرك البوارج والأساطيل تأييدا لنذرها، ~~وتعزيزا لوعيدها، ملوحة بالقوة المادية لكي تحمل قوة الحق على النكوص والرجوع! # ونشطت يومئذ الدسائس في البلاد، وترامت الأراجيف، وصرح بعض كبار الإنكليز لبعض كبار ~~المصريين بأنه إذا لم يسحب قانون الاجتماعات، فسوف يعطل البرلمان سنتين أو ثلاثا، وسوف تحل ~~بمصر نكبات وكوارث وخطوب. # ولكن مصطفى لم يرع من ذلك الوعيد، ولم تذهب نفسه شعاعا من تلك النذر، بل ظل ~~ثابتا في موقفه، حافظا لأمانته، راعيا لعهده وذمته، والأمة من حوله مؤيدة له، شادة أزره؛ ~~لأنه لم يكن صادرا إلا عن عقيدتها، ولم يكن معبرا إلا عن إرادتها، ولكنه إنما رأى ذلك ~~الأفق مكهربا يستوجب التصرف فيه غاية الفطنة، وتقتضي مواجهته أكبر الكياسة وبراعة ~~المأخذ؛ فعمد من تلقاء نفسه - بعد التداول والمشورة - إلى استخدام حقه الدستوري في مطالبة ~~مجلس الشيوخ بتأجيل النظر في مشروع قانون الاجتماعات إلى الدورة التالية، حتى تهدأ العاصفة، ~~وتسكن الزوبعة العاتية، ويتسع الوقت للأخذ والرد في حلم وأناة وسكون. # وقد أقر المجلس ذلك الطلب، وكتب مصطفى النحاس باشا في أول مايو سنة 1928 رده على الإنذار ~~البريطاني مكررا فيه توكيد الحكومة المصرية وتمسكها بوجهة نظرها بالنسبة لتصريح 28 فبراير، ~~وهو أنه لا يزال تصريحا من جانب واحد، وأن الحكومة البريطانية ذاتها قصدت أن يكون له فعلا ~~هذه الصفة، وأنه على هذه الصورة لا يلزم الطرف الآخر ولا يقيده، كما صرح بذلك المستر رمزي ~~مكدونالد رئيس الحكومة البريطانية يومئذ في كتابه الذي أرسله إلى لورد اللنبي بتاريخ 9 ~~يوليو سنة 1924 إلى المغفور له سعد زغلول باشا رئيس الحكومة المصرية في ms305 ذلك الحين. # وقد حوى الرد المصري أيضا هذا التعقيب: «ولقد أوضحت الحكومة المصرية مرارا وجهة نظرها ~~هذه بكل صراحة وإخلاص للحكومة البريطانية، ولم تأل جهدا في إثبات ما انطوت عليه من حسن ~~النيات. وقد كان لي الشرف أن أوضح لفخامتكم في أوقات متعددة بصدد مشروع قانون الاجتماعات أن ~~ليس في مقدور أية حكومة دستورية أن تبعث بالمبدأ الدستوري القاضي بفصل السلطات، فتسحب ~~مشروع قانون وافق عليه المجلسان والحكومة معهما، ولم يبق منه أمام مجلس الشيوخ إلا فقرة ~~واحدة تتعلق بالشكل. # ثم سمحت لنفسي أن أبين لفخامتكم أن مشروع القانون بما تضمنه من نصوص، وما اقترن به من ~~تصريحات ... لا يعرض أمن الأجانب لخطر ما، بل كل ما نرمي به إليه هو تنظيم الحريات ~~الدستورية مع صيانة الأمن العام صيانة تامة. كما أني صرحت مرارا أنه إذا دل العمل على ~~نقص في القانون بعد إصداره، فإن الحكومة المصرية على أتم الاستعداد لاقتراح تعديله بما يتفق ~~مع مقتضيات النظام العام ... # تلقاء ما تقدم جميعه من المظاهر الجليلة لصدق النية، وحسن الاستعداد، لا يسع الحكومة ~~المصرية إلا أن تبدي أسفها الشديد على أن الحكومة البريطانية لم تقدر رغبة الحكومة المصرية ~~الأكيدة، ومجهوداتها الصادقة المتوالية في توطيد العلاقات الطيبة بين البلدين؛ ولذلك لا يسع ~~الحكومة المصرية أن تسلم بما جاء في مذكرة 29 أبريل، فتعبث بحق مصر الأزلي عبثا خطيرا، بل ~~ما كان لها أن تعتقد أن الحكومة البريطانية، بما عرف عنها من ميول حرة، تبغي إذلال أمة ~~عزلاء من كل سلاح، إلا قوة حقها، وصدق طويتها؛ ولهذا فإن الحكومة المصرية مدفوعة برغبتها ~~الصادقة في التفاهم والمسالمة التي كانت على الدوام رائدها، قد طلبت بالأمس - في حدود حقها ~~الدستوري - إلى مجلس الشيوخ أن تؤجل المناقشة في مشروع القانون إلى دورة الانعقاد القادم، ~~وقد وافقها المجلس على ذلك، وهي تأمل أن تقدر الحكومة البريطانية تلك الخطة الودية، وأن ~~يمهد بذلك السبيل إلى تذليل المصاعب الحالية على ضوء الثقة المتبادلة التي يجب أن تسود ~~العلاقات بين ms306 البلدين، وأن يعقبها عهد من التفاهم الحقيقي والمودة والعدل.» # هذا هو الرد الخالد المشرف، والجواب التاريخي الجليل، الذي لم يكن في وسع أية حكومة ~~مصرية أخرى - مهما كان شأنها - أن ترسل أكثر منه، أو تبعث بما هو أجل وأروع وأخطر شأنا، ~~وأبرز كرامة وعزة ووطنية عالية، بل لقد كان ذلك الكتاب أكبر قيمة من البوارج التي هددت ~~مصر بها، وأرفع منازل في التقدير من كل تلك الأساطيل التي اتخذت لمصر المجاهدة ~~نذيرا. # لقد سجل هذا الرد الصريح القوي الصالح الرافع الرأس إباء مصر وكبرياءها، واعتدادها ~~الذاتي، ومبلغ حرصها على الحق وكفالتها للدستور، وحمايتها للنظام الديمقراطي من كل عبث ~~يراد به، وكل مكيدة تدبر للقضاء عليه ... فلا عجب إذا استقبلته البلاد بفرح صادق، ورأت فيه ~~رفعة كلمة الحق، وجلال معنى الكرامة، وعدته فوزا مبينا لمنطق الوطنية الصحيح، وأقبلت على ~~زعيمها الوطني الجريء الصادق العاطفة الأصيل الحكمة والرأي، تقره على ما صنع، وتؤمن له على ~~ما كان منه، وتؤيده كل التأييد. # ولكن النية في الجانب الآخر كانت منصرفة إلى الشر والأذى، والرغبة في القهر والتحكم ~~والإعنات؛ إذ كان لورد لويد عدوا لمصطفى النحاس لدودا، وخصما مستنفرا حقودا، ومناجزا ~~لا ينتهي من كيد، ولا يقف عند حد، ولا تسكن له ثائرة، بل لم يكن لويد سياسيا أخا أناة ~~وحلم، ولكنه كان أحمق سريع البادرة، استعماريا مسرفا يود لو يقضي على الحركة الوطنية شر ~~قضاء لو أنه استمكن له القضاء عليها، وتيسر له التمثيل بها، والإجهاز على آخر أنفاسها ~~المتراجعة المصعدة؛ حتى لقد هم بأن يرد على ذلك الكتاب التاريخي الخالد مرة أخرى، ~~ويشعل النار التي أوقدها أيما إشعال فتكون حريقا مستطيرا مندلع الألسنة مرسل الذوائب ~~في كل مكان، لولا أن منعته حكومته مبينة له أن هذا الكتاب مقنع ينبغي الوقوف عنده والرضوان ~~به. # وبذلك يعترف لورد لويد في كتابة قائلا: «... ومن الواضح أن ذلك الرد لم يحو التعهد ~~المطلوب، بل هو في الواقع قد أعرب في وسط ألفاظه الكثيرة عن نية المضي في ms307 ذلك القانون، وكان ~~وقت التسامح في مثل هذا التهرب قد انقضى بلا ريب، إذ لم نكن أرسلنا هذا البلاغ النهائي إلى ~~الحكومة المصرية إلا بعد أن قدمنا لها كل فرصة للتراضي والمراجعة، وها هو ذا الرد قد جاء ~~متهربا مما طلبناه، بل أخطر من ذلك أنه جاء منكرا لحجتنا التي أقمنا طلبنا على أساسها. ~~فلو تركنا هذه الأساليب التي تتذرع بها مصر حتى تنجح وتتغلب على ذلك الإنذار النهائي، فإن ~~أية بلاغات أو مطالب أخف منه لهجة وأكثر اعتدالا نتقدم بها في المستقبل سوف لا يعبأ بها، ~~بينما يجد الوفد من حيث الموقف الداخلي المجال فسيحا أمامه لاكتساب الثقة والهيبة والنفوذ، ~~في حين يتأثر مركز الأحرار الدستوريين من جهة أخرى أسوأ التأثير. # وهذا ما أبنته بجملته لوزير الخارجية، مشيرا بوجوب مطالبة رئيس الوزراء في الحال بأن ~~يشفع هذا الرد بتأكيد كتابي بأن هذا المشروع لن يستأنف السير فيه طيلة مدة حكمه. # ولكن الحكومة البريطانية كانت ترى غير هذا الرأي، وقد وجدت ذلك الرد مقنعا، وآثرت ترك ~~المستقبل لظروفه. وأما النحاس باشا نفسه فقد اغتبط وتنفس الصعداء إذ وجد الأزمة قد ~~انفرجت وهو لا يزال في الحكم، وراحت الصحافة الوفدية تنوه بتلك النتيجة وتعدها انتصارا ~~شخصيا له، وتحسبها في عداد مفاخره، ووجوه فضله ... # وقد كان جليا أن مركزه قد تحسن كثيرا في أرجاء البلاد بسبب ذلك، وأننا حتما سنجد ~~أنفسنا قبل نهاية العام مصطدمين مع المتطرفين، ونرى مركزنا يضعف، ومركزهم قويا مكينا ~~...» # هذا هو ما سجله لورد لويد في كتابه، وهو دليل واضح على نفسيته، ومبلغ خصومته لمصطفى ~~وكراهيته، والإسراف في الإعنات والتضييق والإحراج للتمكن منه، والاستعلاء عليه، وإرغامه على ~~التسليم والإذعان. # ولقد بلي النحاس باشا في إبان زعامته برجل متهور معدم من أفانين السياسة، كثير ~~الهياج، نزاع إلى الشغب، شديد الغطرسة، مزهو بمركزه، معجب بسلطانه، لا يعرف في أية ~~حادثة تعرض له غير لغة البوارج، واستقدام الأساطيل، والالتجاء إلى المنطق المسلح، وتفكير ~~القوة الغاشمة. وإزاء رجل كهذا ينبغي الاعتصام بمقدار ms308 كبير من الفطنة والحذر والاحتياط، ~~ويجب التذرع بالأناة وسعة الصدر وطول البال ولطف التناول؛ وإلا تحطم كل شيء عند أول صدمة، ~~وفسد الأمر قبل إدراك أول علاج. # لقد كان لورد لويد يحسب نفسه صاحب هذه البلاد ومالكها غير منازع، ووليها الأكبر غير ~~مدفوع؛ حتى لقد بلغ من جرأته ذات مرة أن راح يتحدث إلى مصطفى النحاس بلهجة الأمر والنهي، ~~وأسلوب السلطان الشرعي ذي الجلال؛ فما كان من مصطفى إلا أن رده إلى نفسه، وأثابه إلى صوابه، ~~قائلا له إنه لا يعرف ملكا غير الملك فؤاد! فأجفل متراجعا بغير انتظام. # وقد كان يريد - كما رأيت - أن يتمادى في الإعنات، لولا أن حكومته وقفته عند الحد الذي ~~وجدت فيه الكفاية والاقتناع، وقد سمعت أن مصطفى باشا في زيارة له عقب انفراج تلك الأزمة ~~للورد لويد، لم يلبث أن وجد أمامه رجلا جديدا غير ما ألف من قبل من شأنه، وشهد حياله ~~شخصا لا عهد له به؛ فقد راح في تلك المقابلة «الودية للغاية» - وقد طال المجلس أكثر مما ~~كان منتظرا - يتفكه له ويتلطف، ويغير التقاليد المتبعة في هذه المقابلات؛ إذ لم يكد يصل ~~إلى الدار حتى وجد في استقباله مستر سمارت عند الباب، فمشي به إلى حيث كان اللورد لويد في ~~انتظاره عند باب قاعة الاستقبال. # ودار الحديث بينهما، فقال لورد لويد ما معناه أنه في مصر إنما يعمل ما يقضي به الواجب ~~عليه كموظف، وكوطني بريطاني، وأن أداء هذا الواجب لا مفر منه، مهما كان في بعض الأحيان ~~مؤلما ... ثم قال: وكذلك دولتكم، فإنكم تؤدون ما يتطلبه إليكم الواجب، كوطني مصري صادق، وإني ~~أصارحكم القول الآن أنكم تقومون بهذا الواجب تماما؛ ولهذا فأنا أحترمكم. ~~“C’est pour cela que je vous respecte!” ~~. # فانتهز مصطفى باشا هذه الفرصة، فطلب إلى لورد لويد ~~أن يكون رسول سلام، ووسيط خير بين مصر وبين بلاده، فإن سياسة التحرش والعداء لا تجدي بينهما ~~نفعا ... # وحين انتهى الحديث وهم مصطفى باشا بالانصراف صافحه لورد لويد في هزة قوية، ms309 ثم صحبه ~~إلى الباب الداخلي للدار، حيث كانت السيارة في انتظاره؛ فركبها مودعا بكل احترام ~~وإكبار. # وكانت هذه أول مرة يودع فيها المندوب السامي البريطاني زائره إلى الباب؛ فقد كانت ~~التقاليد المرعية يومئذ أن يسير اللورد مع الزائر إلى باب القاعة التي استقبله فيها، ثم ~~يدق الجرس فيحضر السكرتير، وهذا يصحب الزائر إلى حيث تنتظره المركبة. # لقد حملت الوطنية الصحيحة الصادقة خصمها على احترامها، وأكرهته على الاعتراف بها؛ فكانت ~~تلك شهادة خصم عنيد، طاغية، شديد المحال، لا يعرف في الخصومة هوادة، ولا يجنح في العداوة ~~إلى رفق. وهذا الإحساس الذي يكنه لويد هو بذاته إحساس سائر خصوم مصطفى وأعدائه؛ فإنهم ~~ليحاربونه بكل قواهم، ويقاومونه بآخر ما لديهم من الوسائل، ولكنهم مع ذلك في قرارات نفوسهم ~~لا يستطيعون أن يكنوا له سوى الاحترام والإجلال. # على أن هذا الاحترام الذي اعترف لورد لويد به لم يمنعه بعد ذلك من الاسترسال في خصومته، ~~والمضي في كيده لمصطفى ومحاربته، وإن راح يجعل الكيد المصنوع يومئذ له منبعثا من مصدر ~~آخر سواه، ونسيج يد غيره يده، وفي ذلك يقول: «ولم يلبث الموقف الذي لم يكن يومئذ حسنا ~~مطلقا بالنسبة لنا أن تطور تطورا من الأساس، بسبب حوادث كانت خارجة عن إرادتنا، ولا ريب ~~في أنه ما دمنا نبدي ثباتا في المحافظة على مركزنا، فلا أمل هناك ولا مشجع لتلك العوامل ~~الداخلية المعارضة للنظام الحالي على إظهار أثرها وإبداء سلطانها، غير أن حوادث الشهرين ~~السابقين راحت تدل على أن نفوذنا قد تراخى وسلطاننا قد ضعف، فلم يعد من المنتظر بسبب هذه ~~الأعراض الظاهرة علينا أن تظل تلك العوامل المناوئة في سكون لا تتحفز للعمل. # ولم يكن الملك يخفي كثيرا كراهيته للحكم النيابي، فلما أحبط الوفد السعي الذي سعته ~~الحكومة البريطانية في سبيل عقد معاهدة مع مصر، واستخف بالبلاغ النهائي الذي وجه إليه عقب ~~ذلك، ثم مع كل هذا وجد نفسه لا يزال ثابتا فوق صهوة جواده؛ لم يلبث جلالة الملك أن رأى من ~~ذلك كله أن ms310 الفرصة سانحة أمامه، وأنه قد وجد سببا لا يحتمل الإنكار، وداعيا يبرر تدخله ~~...» # وقد أراد لويد - بعد أن ألقى التبعة في الانقلاب التالي على القصر - أن يصور نفسه في صورة ~~الحريص على النظام النيابي في مصر، ويوهم أن بلاده هي التي طالما دافعت عن الدستور المصري ~~ووقته السوء والأذى، فانثنى يقول: # وكان قيام الحكم الدستوري في البلاد هو غرض سياستنا، وقد أيدناه وحافظنا على ~~وجوده دائبين في غير كلال ولا ملل حيال العقبات والصعاب المستمرة، بل كان أول ما ~~عنيت به في الواقع هو استعادة ذلك الحكم بعد أزمة سنة 1924، فإذا هو الآن تحت رحمة ~~القصر ... # ولحسن الحظ تقدمت إليه الوسيلة لتحقيق ذلك الغرض، فإن الوفد - كما علمنا من ~~المصادر الموثوق بها - لم يكن يعتقد لحظة أن الإنذارات والبلاغات التي وجهت إلى ~~النحاس باشا بشأن قانون الاجتماعات كانت جدية مقصودة فعلا، فلما جاء البلاغ ~~النهائي إليهم أخذهم على غرة. وفيما كانوا مسترسلين في سرورهم واغتباطهم بانفراج ~~تلك الأزمة الخاصة به، ونجاتهم من ذلك الموقف الصعب، إذ واجهتهم استقالة محمد محمود ~~باشا من الوزارة، وكان هو العضو الوحيد فيها من حزب الأحرار الدستوريين. ~~«على أن الغرض من هذه الاستقالة لم يبق طويلا خافيا، إذ لم يمض عليها يومان فقط حتى ~~أذيعت فضيحة ذات أثر خطير للغاية في سمعة رئيس الوزراء». # ولكن هذا التخلص من الاشتراك في المؤامرة على الدستور يكذبه الواقع الذي جرى يومئذ، ~~وبرزت أدلته وقرائنه، فإن الصحافة البريطانية راحت في ذلك الحين تسند الرجعية وتنفخ الأبواق ~~تشجيعا لها، وتردد مطاعن خصوم الوفد في البلاد، وتهاجم الحكومة الدستورية مع ~~المهاجمين. # وتصدى بعض النواب من الحزب الوطني في مجلس النواب لارتكاب اعتداءات صارخة على بعض وزراء ~~الشعب وحراس الدستور، والتهجم في المجلس عليهم للإمساك بتلابيبهم، ومحاولة التعدي بالإشارة ~~عليهم، لإيقاع الاضطراب في المجلس وإفساد نظام جلساته؛ فلم يسع فريقا من نواب الأغلبية إلا ~~أن يقترحوا إدخال تعديلات على اللائحة الداخلية تكفل إقرار النظام، وتمنع تكرار العدوان، ~~ولكن أولئك النواب المشاغبين الذين ms311 استخدموا يومئذ للتمهيد للمؤامرة انسحبوا من ~~الجلسة احتجاجا على ذلك التعديل، وآزرهم الأحرار الدستوريون الذين بيتوا للمكيدة تحت جنح ~~الظلام، ثم راحوا هم كذلك يهاجمون الوفد جهرة غير حافلين بموثق الائتلاف ولا آبهين. # ومشى كبراؤهم بالدسيسة على الحياة النيابية عند العرش، كما بعثوا بتقرير سري إلى ~~الإنكليز يصورون لهم فيه طريقا جديدا لحكم البلاد بأيديهم دون دستور، وبلا حاسب ولا رقيب، ~~في سبيل ما كان الإنكليز يبتغونه، وهو هدم الوفد والتخلص من الدستور، وإذلال البلاد وحملها ~~على الخنوع والتسليم والإذعان. # وكان مرادهم من بداية الأمر أن يحيطوا بمصطفى النحاس من جميع جهاته، ويصطنعوا كل الوسائل ~~لإكراهه على الاستقالة حتى يكون هو القاضي بيده على سلطة الأمة، والمسلم في حراسة الدستور، ~~والنازل عن قيادة البلاد إليهم، والمتخلي عن الأمانة التي وضعها الشعب فيه؛ لكي ينهض لهم ~~العذر بعد ذلك في هدم الدستور، وتعطيل الحياة النيابية، وهو أن الأغلبية نفسها هي التي ~~أرادت أن تتخلى عن حقها، وهي التي نفضت أيديها من الحكم طائعة. وما كان مصطفى النحاس وهو في ~~مكان الزعامة، المؤمن بقوته والتفاف الأمة حوله ومحبة الشعب له، أن يقترف هذه الخيانة في حق ~~وطنه، أو يرضى لنفسه أن يكون أداة هدم الدستور، وآلة تقويض الديمقراطية، وهو حارسها الأمين، ~~وزعيمها النزيه الساهر عليها الوفي الحفيظ. # وبقي مصطفى في مركزه مخلصا لواجبه، متمسكا بالأمانة الوديعة لديه؛ فلم يجد المشتركون ~~في المكيدة أمامهم سبيلا لتحقيق مكيدتهم، وتنفيذ ما دبروه بياتا، غير الالتجاء إلى ~~الاستقالة من هيئة الوزارة، فابتدأ الحيلة محمد محمود باشا دون سبب ظاهر أو علة معقولة، ثم ~~تراجع فاسترد استقالته، حائرا لا يدري ماذا يصنع، ثم عاد يرفعها مرة أخرى، وفي أثره استقال ~~جعفر ولي باشا، وتلاه إبراهيم فهمي كريم باشا، متسللين هكذا على صورة مخجلة، كما ذهب خشبة ~~باشا يسعى بالإفك بين الأعضاء والدسيسة والنميمة؛ فكانت مهزلة الاستقالات، وكان موقف مصطفى ~~حيالها موقف رجل شجاع قوي رصين، معتمد على أمته التي تخلص إليه، وعلى كثرة الشيوخ والنواب ~~الملتفة حوله، ms312 وعلى إبائه التخلي من تلقاء ذاته عن واجبه نحو وطنه المقدس العزيز. # وكان لا بد إذن من سهم آخر مريش يحكم الرماة تسديده، ولا غناء عن دسيسة ~~مسمومة تصطنع لتلويث سمعته، والتشهير به، وحطم الثقة الغالية التي له في نفوس الملايين ~~من أمته؛ فلم يلبث مصنع الدسائس أن أخرج فجأة، وعقب مهزلة الاستقالات، صورا لوثائق تتعلق ~~بقضية للأمير أحمد سيف الدين، يراد بنشرها الطعن في نزاهة مصطفى النحاس من جهة الصناعة التي ~~شرفها من قبل بدخولها، ورفع شأنها بالسلوك في أهلها، وهي صناعة المحاماة، ونزاهة المحامي ~~الكبير الذي لم يتخذها يوما محترفا، وإنما جعلها أبدا فنا رفيعا، وصناعة الحق، ~~شريفة مثل شرفه، نزيهة كنزاهته، طهورا كطهارته؛ فكانت سخرية القدر أن يحاربوا رجلا مثله ~~من أقوى نواحيه، وأمنع حصونه وطوابيه، وأروع صفاته ومزاياه؛ ليكون سخط الشعب عليهم عظيما، ~~حتى وإن نجحت مكيدتهم، وحكم الأمة بالبراءة مقدما قبل أن يجلس القضاة لإصدار حكمهم في مبلغ ~~شناعة هذه الدسيسة وطهارته من معناها الأثيم. # ولكنهم لم ينظروا إلى هذه الناحية حين خرجوا بتلك المكيدة، وإنما كان نظرهم يومئذ متجها ~~إلى القصر، ومرماهم منها إلى إيغار صدره وتأريث نار كارهيته، وتقديم الحجة الظاهرة للتذرع ~~بها في تحقيق الغرض المبيت، والغاية المنتواة، وهي إزالة الحكم النيابي من الطريق، ~~والعود إلى الحكم المطلق، حكم القصور والأرائك والعروش في غبرة التاريخ وظلمات ~~القرون. # وقد نجحت المكيدة من هذه الناحية، ولكن ظل مصطفى ~~النحاس في موضعه، حريصا على واجبه، متمسكا بأمانته، وكان ذلك في الحق أروع موقف من زعيم ~~تألبت جميع أفاعيل الحقد والدس والكيد والكره والبغض عليه؛ فما أبه بها، ولا تراجع أمام ~~تألبها، وثبت لتكون الرمية الأخيرة من كفهم، ولا يستسلم أو ينكص أو يتزحزح من مكانه؛ فلم ~~يجد الحقد أمام هذا الإباء الرفيع إلا أن يلقي تلك الرمية - فكانت «الإقالة»، ولم تكن ~~الاستقالة، وشتان بينهما في مقاييس الشرف والحرص والإباء وجلال الكبرياء ... # لقد كانت محاربتهم لمصطفى النحاس بهذه الوسيلة محاربة وضيعة اقترفت من أجلها السرقة ~~والتزوير ms313 والتدليس والإفك المبين؛ إذ تناولت أمرا لا بأس منه بتاتا، ولا ظل تهمة عليه، بل ~~مشرفا لصاحبه محمودا معدودا من فضله وتسامحه واستجابته لدعوة المظلوم، وشجاعته في لقاء ~~السلطان والنفوذ مهما كان له من شأن ورهب عظيم، ما دام الحق في يده، والعدل رائده، ودفع ~~الظلم مرماه ... تناولت هذا الأمر فشوهت صورته، وزيفت له تزييفا، وزعمت أنها قد وقعت منه على ~~فضيحة؛ فكانت الفضيحة لها هي أنها محاربة نذلة خسيسة، بغير وازع ولا ضمير. # تتلخص حقيقة الدعوى في أن سمو الأمير أحمد سيف الدين وهو محجور عليه كان مقيما من زمن ~~بعيد في أحد المصحات ببلاد الإنجليز، فاحتالت والدته السيدة نوجوان هانم بمساعدة آخرين، ~~واختطفوه من ذلك المصح، وأوصلوه إلى الأستانة، ثم أخذت الوالدة تفكر في رفع الحجر عن ولدها ~~أو في تقرير نفقة له، وكلفت بذلك محمد شوكت بك، فحضر إلى مصر في نوفمبر سنة 1925، وأخذ يسعى ~~في إنهاء هذا الموضوع وديا فلم يوفق، فاستصدر من الوالدة في 19 ديسمبر سنة 1926 توكيلا ~~رسميا فوضت إليه فيه الرأي في اختيار من يلزم من المحامين لأجل المطالبة بحقوق الأمير ~~والاتفاق معهم على الأتعاب التي يستحقونها بالمقدار القانوني «المعقول»، فوكل محمد شوكت بك ~~ثلاثة محامين هم الأساتذة: مصطفى النحاس باشا، وويصا واصف بك، وجعفر فخري بك. وتعاقد الجميع ~~على اتفاق مؤرخ الثاني من شهر فبراير سنة 1927، يقتضي قبولهم القيام بالمرافعة والدفاع عن ~~حقوق الأمير، توصلا إلى رفع الحجر عنه وتسلم أمواله، واحتياطيا، تقدير نفقة له تتناسب مع ~~مركزه وثروته عن المستقبل، وأيضا عن الماضي من تاريخ فراره من المصح إلى يوم تقرير ~~النفقة، مع تقدير مبلغ من المال لأجل شراء منزل له في الأستانة واقتناء أشياء أخرى مما ~~يحتاج إليه. # وقد حددت الأتعاب للثلاثة المحامين في هذا العقد بمبلغ 117000 جنيه، تدفع بعد رفع الحجر ~~وتسلمه أمواله، كما حددت الأتعاب فيما يختص بالنفقة بمبلغ 10000 جنيه إذا قضى المجلس بنفقة ~~سنوية قدرها 22000 جنيه، وأن يكون للمحامين مبلغ 5000 جنيه إذا ms314 قدر المجلس للمحجور عليه ~~مبلغ 60000 جنيه نظير المشتريات والنفقة عن المدة الماضية، واتفقوا على أن مقدار هذه ~~الأتعاب يزيد وينقص بحسب أهمية المبلغ الذي يقضي به، وقد دفع الوكيل إلى المحامين المذكورين ~~مبلغ 1500 جنيه بصفة مقدم أتعاب. # هذه هي خلاصة الوقائع كما وردت في نص دعوى الاتهام، وقد اتخذ منها الخصوم غير الشرفاء ~~مطاعن في حق مصطفى النحاس وزميليه بأنهم اشتطوا في تحديد الأتعاب، وتقاضوها فاحشة باهظة، ~~وأن الاتفاق الذي عقدوه مع وكيل الأمير غير جائز؛ لأنهم أقدموا عليه دون التثبت من ظروف ~~القضية، وقبل الاتصال بصاحب الشأن نفسه، وأنهم في ذلك الاتفاق قد أرادوا استغلال نفوذهم ~~النيابي ومراكزهم السياسية للتأثير في إجراءات الدعوى، وأنهم ألقوا في روع أصحاب الشأن في ~~القضية أن هناك اقتراحا في مجلس النواب بإلغاء مجلس البلاط، وأن لهذا أثرا كبيرا في نجاح ~~القضية وكسبها لمصلحتهم. # وقد ألقيت هذه القذيفة المحشوة بالأكاذيب في شهر يونيو سنة 1928 لذلك الغرض الذي ~~أسلفناه عليك؛ فلم يشك أحد يومئذ من أبناء الأمة وأفرادها في أكذوبتها، وإن تحقق لصانعيها ~~وملقيها الغرض الذي ابتغوه منها، وقد وصف مكرم عبيد مبلغ الخسة التي انطوت عليها، بلغته ~~الساحرة، ووصفه الرائع، بعد ظهور كلمة القضاء فيها في ذلك الحكم المشرف الخالد، حكم البراءة ~~أو وثيقة الشرف والنزاهة، فقال: # صورة مصغرة للدكتاتورية في ظلمها، في إثمها، في طغيانها، في خذلانها ... # كان المغفور له زعيمنا المبرور يقول إن الإنجليز خصوم شرفاء، وكان الذي يقول هذا ~~رجلا نفاه الإنجليز وعذبوه، ولكنه عرف معنى الخصومة وشرف النضال، فقدر خصمه كما ~~قدر نفسه، والرجال تعرف أقدار الرجال. # والخصومة الشريفة هي التي لا تتدنى إلى الدس والخسة، بل تناضل في وضح النهار، فقد ~~تنفى، وقد تسجن، وقد تنزل إلى ميدان الحرب فتقاتل، ولكنها لا تلفق التهم، ولا تعمل ~~في جنح الظلام، ولا تخاتل. # ولقد أدركت الدكتاتورية أن في الخصومة الشريفة تشريفا لخصمها، وأن النفي والسجن ~~يكبران من قدره، ويرفعانه إلى أعلى عليين، فلماذا إذن لا يلجئون إلى الخصومة ms315 غير ~~الشريفة، ومم يخافون؟ أيخشون حساب الضمير؟ كلا، فلن يكون حسابه عسيرا أو يسيرا، ~~فقد صفى حسابه وظائف معدودات، وذهبا نضيرا ...! # وعلى أثر نشر هذه التهم في صحيفة الذين طبخوها، طلب النحاس باشا إلى النيابة العامة إجراء ~~تحقيق فيها، كما طلب جعفر فخري بك إليها التحقيق لمعرفة المسئول عن سرقة الأوراق من مكتبه، ~~مبينا أن من بينها كتابا باللغة التركية تعمد فيه أصحاب الدسيسة تشويه المعاني عند ~~ترجمتها في سبيل محاولة تلويث سمعتهم والحط من كرامتهم في البلاد. # ومن العجب أن التحقيق لم ينته إلا في العشرين من شهر ديسمبر سنة 1928؛ أي استغرق نصف ~~العام، كأنما كان يزحف على بطنه زحفا، ويخطو خطو السلحفاة. وقد جاء بعد هذا التراخي ~~المستطيل، والتلكؤ الغريب، قاضيا بإحالة الأساتذة المحامين على مجلس التأديب. # ولقد تلقى مصطفى وصاحباه هذا القرار بكل هدوء وسكينة واطمئنان؛ حتى لقد قال الرئيس وهو ~~يبتسم: «لقد كنت أتمنى أن يقرروا هذا القرار، فلسوف تظهر الحقيقة بأجلى مظاهرها ناصعة ~~البياض؛ فإن العدل كفيل بتبرئة الأبرياء، وإدانة المجرمين ...!» # وقد جاء حكم مجلس التأديب الذي رأسه حسين درويش باشا مشرفا للمحامي النزيه مصطفى ~~وصاحبيه؛ إذ أصدر المجلس حكمه في فبراير سنة 1929 بالبراءة، وأقر في حيثياته أن أولئك ~~الخصوم غير الشرفاء الذين اصطنعوا تلك الدسيسة الرخيصة لم يتورعوا عن «الدس والسرقة ~~والتزوير، وشراء ذمم الشهود في سبيل خصومتهم الأثيمة النكراء». # لقد جاء ذلك الحكم التاريخي عميق الأثر، اندكت له معاقل الطغيان واستحكامات الحكم المطلق، ~~جاء مفخرة للذين اتهمهم من لا يقاسون ولا قلامة ظفر بأقدارهم، في نزاهتهم وشرف ذممهم، ونقاء ~~سمعتهم؛ فاسودت له وجوههم وباءوا بالخزي والخذلان. جاء سجلا نقيض ما اتهموا باطلا ~~به، وهو أنهم لم يشتطوا فيما طلبوا «ولكن أشفقوا»، وأن عملهم من الأول إلى الآخر «كان ~~محمودا، فلا يفهم كيف يكون محلا للمؤاخذة»، وأن سلوكهم كان قياما بالواجب المفروض ~~عليهم، وأن لا نزاع في أن الخطاب وعقد الاتفاق قد وقعا في أيدي أولئك الخصوم الأثمة بطريق ~~السرقة، وأن السارق أبقاها ms316 عنده في طي الخفاء إلى أواخر شهر يونيو حين عن له «لغرض ما» أن ~~يذيع تلك الأوراق في الصحف، فكانت هذه العبارة الأخيرة في حيثيات الحكم الخالد إشارة إلى ~~المكيدة التي بيتت لهدم الدستور بمحاولة تلويث سمعة حارسه الشريف النزيه الوفي ~~الأمين. # لقد كانت إذن النية مبيتة لأحداث ذلك الانقلاب الخطير في نظام الحكم، وكان أصحاب المؤامرة ~~يفضلون بادئ الرأي أن يحدث ذلك الانقلاب من طريق الأغلبية نفسها، بحملها على التخلي عن ~~الحكم مختارة ضيقة الذرع بما تجد من العقبات والحوائل والمكائد في طريقه، فلما ثبت مصطفى ~~النحاس في مكانه، وتشبث بحقه الدستوري وموضعه، لم يجدوا سبيلا أمامهم غير «الإقالة»؛ فكانت ~~إقالة مشرفة لمصطفى النحاس؛ لأنها إذ كانت قد أزاحته عن مقعد الحكم، فقد رفعته في قلب الأمة ~~مكانا عليا، وسمت به أي سمو، وعلت به علوا كبيرا. # ومنذ بدأ ذلك الانقلاب، كان الموقف خطيرا بالنسبة للزعامة وجد رهيب، فإن مصطفى لم يكن قد ~~قضى في الزعامة يومئذ غير بضعة أسابيع، ولم تمكث وزارته في الحكم غير شهرين وعشرة أيام ~~تقريبا؛ لأنها تولت الأمر في السابع عشر من شهر مارس سنة 1928، وأقيلت في السابع والعشرين ~~من شهر يونيو، ولم تقض هذه الفترة القصيرة إلا وسط شباك متعقدة الخيوط من الدسائس، ونسيج ~~مشتبك من الكيد المبين. # ولكن مصطفى النحاس كان الرجل القائم في محله تماما، المختار للمعركة الناشبة أحكم ~~اختيار؛ فتلقى هذا الامتحان الخطير بكل ما آتته العناية الإلهية من قوى الصبر والمرابطة ~~والكفاح واليقين والإيمان. # لقد أرادوا «هدم الوفد» فلتستمع ماذا كان يقول مصطفى النحاس نفسه إزاء ما كانوا يريدون ~~ويحاولون: «لو كان بالإنكليز حاجة إلى أشخاص أعضاء الوفد ورئيسه، لمددنا إليهم أعناقنا، ~~وأبحناهم إشباع نفوسهم من لحومنا، وإبراد غليلهم من دمائنا، إن كان ذلك ثمنا لاستقلالنا؛ ~~ولكنهم لا يستفيدون من لحومنا ولا من دمائنا، إذ لا تكون استفادتهم إلا من تغلب رأي أنصار ~~الحماية على رأينا، وهيهات ما يشتهون! # إنهم ليعلمون أن أيديهم لن تصل إلى قرارة قلوبنا لتنزع ms317 منها إيماننا بحق بلادنا، ولا ~~تصميمنا على الذود عن وطننا، ولكن جهلهم بحقيقة شعبنا يحملهم على الطمع في صرفه عنا، ~~وإغرائه بالانفضاض من حولنا، والانتقاض على مبادئنا ... وهل لنا مبادئ غير مبادئ الشعب؟ وهل ~~لنا سياسة غير سياسة الأمة؟ إننا لم نختط للبلاد سياسة جديدة، بل نادينا بسياستها، ولم نأت ~~إليها بمبادئ جديدة بل نادينا بمبادئها، فإن الوفد هو جندي الأمة، وليست الأمة جندي الوفد ~~...! # لذلك كانت باكورة عملهم أن أجلوا جلسات البرلمان شهرا لكي يسعوا جهدهم في استجلاب رضاء ~~ممثلي الأمة عنهم، وحملهم على السكوت عن فعلتهم، ومواطأتهم على الحنث بأيمانهم ، والتخلي ~~ساعة العسرة عن مناصرة وطنهم، ولقد استعانوا في سبيل ذلك بكافة وسائل الوعد والوعيد، ~~والتغرير والتضليل؛ ولكن الله خيب ظنونهم، فحرص ممثلو الأمة الشرفاء على كرامتهم، وحفظوا ~~الأمانة التي وضعها الله في أعناقهم؛ فأثبتوا للعالم أنهم جديرون بالنيابة عن هذه الأمة، ~~وكانوا أحق بها وأهلها. بل لقد كان هؤلاء الشيوخ والنواب أهلا في نظر محمد محمود لأن ~~تقوم وزارته على ثقتهم، فلما يئس منهم استحالوا في عينه «عصابة» لا تستحق احتراما ولا ~~تقديرا! وهكذا لا يتغير الحكم على الأمة بحسب أهليتها واستعدادها، بل بحسب «النظارات» ~~الإنجليزية التي يضعها أمثال هؤلاء الوزراء على أعينهم كلما بدا لهم تغييرها.» # لقد كان الغرض من ذلك الانقلاب إذن تحطيم الوفد بتحويله عن زعامته، وتغيير موقفه بجانب ~~رياسته، ومظهر إبائه ورمز قوته ... كان الغرض إسقاط مصطفى النحاس بفض الناس من حوله، ~~واستمالتهم إلى غير جانبه، وكان ذلك الغرض هو التجربة ذاتها التي جربت في سعد فحبطت وفشلت؛ ~~لأن سعدا كان معه كل مجد الثورة، وكل ذكريات النهضة ماثلة في شخصه، أما مصطفى النحاس فقد ~~ظنوا أن إسقاطه لا يحتاج إلى مثل ما احتاجت التجربة في سعد من قبله؛ لأنهم حسبوه - وهو في ~~بداية زعامته - رئيس ضرورة، وثمرة ظروف عارضة، وليست فيه عندهم العبقرية السياسية ذاتها ~~التي كانت في سعد بارزة متجلية. # ولكن مصطفى النحاس في تقدير الله الذي خلقه، واعتقاد الصحب والأولياء ms318 الذين وثقوا به، ~~وإيمان الشعب الذي أطاع في الولاء له تجربة سعد وتجربته، وثقة الزعيم الأول الخاصة وثقته هو ~~العامة؛ برز لهم يومئذ صعب المكسر، منيعا من الهدم، ثابتا في مكانه، لا تزحزحه ~~الأعاصير العاتية. # وكان أروع مظهر لقوة الوفد هو «الدستور» والنظام النيابي، وأجل ناحية من نواحي عظمة ~~مصطفى وجلال قوته هي أنه الحارس لذلك الدستور والقائم الساهر على صيانته؛ فلم يكن أمام ~~أعوان الاستبداد والحكم المطلق، وأعداء الوفد البغاة عليه، في سبيل تحقيق ذلك الغرض الذي ~~راود هواهم، وداعب أحلامهم، بعد العجز عن استمالة أنصاره واستهواء أعوانه، غير إزالة ~~الدستور من الطريق، والتخلص من الديمقراطية القائمة متراسا للزعامة وخندقا للوفد؛ فلم ~~يحفلوا أن يكونوا هم الذين طالما فخروا بأنهم الذين وضعوا الدستور، وهيئوا مواده، ~~وأقاموا ساحته، ونصبوا رايته، هم بأعيانهم الذين يتقدمون للفتك به، ويجترئون على خنقه؛ لأن ~~خصومتهم للوفد تغلبت عندهم على كل حساب، وارتفعت لديهم فوق كل اعتبار. # غير أنهم كانوا في أعماق صدورهم يحسون، بعد يأسهم من المحاولة المبدئية، وهي استمالة ~~الناس إلى الانفضاض عن الوفد والمروق من صفوفه، بأن الأمر الذي يطلبونه جد عسير، وأصعب ~~منالا مما كانوا يتصورون؛ فلم يستطيعوا الفرار من البداية من الاعتراف بأنهم حيال غرض شاق، ~~ومطلب خطير؛ فجعلوا حل المجلسين لمدة ثلاث سنين قابلة للتجديد! # ولقد ظنوا أن هذا التحديد الواسع المدى، المترامي الأجل، من شأنه أن يحدث اليأس في صدر ~~الوفد، بسبب طول الأمد، ولكنه كان في ذاته عنوانا ظاهرا على يأسهم هم مما يحاولونه، وضعف ~~ثقتهم بالنجاح فيما ائتمروا به، كما كان في ثناياه عامل أمل في الجانب الآخر، وباعث رجاء؛ ~~لأنه اعتراف بقوته، بل إقرار من ناحية الغرض نفسه باستحالته! # ولم يكن هذا وحده المظهر الكاشف لضعف نفسيتهم ووهن روحهم المعنوي من أول الأمر وبداءته، ~~ولكنهم في بيانهم بسبيل تعطيل الحياة الدستورية كشفوا عن تناقض صريح ويأس بالغ قبل ~~المحاولة؛ فسموا الوفد «بفئة قليلة»، ودعوا تأثيرها، مع هذه القلة التي زعموها، «لا ينقطع ~~في الوقت القصير»! ms319 فلم يكن شيء أبلغ من هذا اعترافا بيأس اليائسين. # وقد رأيت كيف بدءوا بمصطفى النحاس فهاجموه من سخرية القدر في نزاهته بوثائق تلك الدعوى ~~التي أسلفناها عليك، فكان ارتفاعهم إلى الحكم بها ليكون سقوطهم أيضا بفعل براءته منها، مع ~~ثباته هو طيلة الوقت حيال وسائلهم النكراء وشنائعها، ومكافحته الرائعة لأساليب دكتاتوريتهم ~~وصنائعها، كما كان بفعل يأسهم ذاته الذي لم يستطيعوا من البداية إخفاءه، فجعلوا المحاولة ~~لأعوام ثلاثة تتجدد بغير تحديد ولا تعيين! # وفي ذلك يقول مكرم عبيد، قيثارة الوطن ومزهره الصداح، في بعض مقطعاته الوطنية الساحرة: # لقد خيل إليهم أن الخسارة التي مني بها الوفد برحيل سعد ستكون مصدر قوة ~~لحزبهم، وأنه وقد زال الشبح الأكبر الذي كان يحجبهم عن أعين الناس، سيبدو للناظرين ~~ضئيل أشباحهم، ويظهر جبارا كل قزم من أقزامهم، غير أنهم أدركوا أن مصطفى النحاس ~~قد خطا خطوات الجبابرة إلى زعامة الأمة لا ينازعه فيها أحد، وأن الوالد الذي مات قد ~~أنجب خير ولد؛ فجمعوا جموعهم، واستعدوا أعوانهم، وضربوا الوفد ورئيسه ضربات خيل ~~لهم أنها القاضية؛ فاستنامت أعينهم للدهر، وحسبوا أن عينه هي الساهرة، وما علموا أن ~~الوفد وليد الاضطهاد، وربيب الجهاد، لم يزده القمع إلا نضالا، وأن الحرية قبس من ~~النور. لا يزيدها الظلام إلا اشتعالا. # لقد حقت لك يا سيدي الرئيس خلافة سعد، فهذه الخلافة ثمن من الألم والشقاء، هو ~~ثمن المجد، ولقد دفعت الثمن سخيا، وذهبت في السخاء إلى أبعد حد، فما من تضحية إلا ~~تحملتها، وما من مرارة إلا ذقتها، فهنيئا لك هنيئا بالدستور وقد افتديته، ~~وهنيئا لك بالوطن فقد أنقذته، وهنيئا لك بالألم فإن أسقمك فقد غلبته، وسيأتي وقت ~~تعرف فيه الأمة ما فعلت وفعل الوفد، فقد اتهموك واتهموه بزري التهم، وهددوك ~~وهددوه بالسجن والألم، فلم يجدهم ذلك شيئا؛ لأن الوفد لا يخشى أن يكون إلى ~~السجن مصيره وقد كان له مقرا؛ ومن لم يكن في الحرية طليقا، فأولى به أن يكون في ~~السجن حرا ...! # وقد كان جواب الأمة على هذه التهمة ms320 الباطلة يوم ألقيت على مصطفى النحاس فتدحرجت تحت ~~قدميه، أن أقامت له حفلة تكريم في «الجزيرة»، شاهدة له بالبراءة عندها، قبل أن يشهد القضاء ~~له بها عنده؛ فكان ذلك جوابا بليغا، وردا مفحما، وشهادة ناطقة، وحكما مبينا. # وكان موقف الشيوخ والنواب إزاء تأجيل البرلمان شهرا قبل الالتجاء اليائس أخيرا إلى حله ~~وتعطيل الدستور وأحكامه، أن أعرضوا عن إغراء المؤامرة واستهوائها، واحتقروا مراودتها ~~ومحاولاتها، فعمدت الوزارة الغاشمة إلى استصدار أمر ملكي بالحل؛ وتم بذلك في التاسع عشر ~~من يوليو الانقلاب الرجعي الذي كان خصوم الدستور يريدونه، بل تمت بذلك الثورة على الدستور، ~~والتآمر على الحياة النيابية التي اكتنفها حقد الحاقدين، ومقت الماقتين. # وقد كان هذا الإجراء باطلا بطلانا أصليا؛ لأنه مناقض للدستور، معطل لأحكامه التي لا ~~يمكن تعديلها، ولا المساس بها، بل كل ما ترتب عليه من الآثار كان باطلا كذلك، كما أن وجود ~~الوزارة ذاتها التي أجرته في منصة الأحكام، كان مخالفة مستمرة للدستور، وثورة قائمة عليه، ~~ولم تكن الصفة التي اكتسبها شيوخ الأمة ونوابها بمقتضى نصوص الدستور لتزول عنهم بالاعتداء ~~على حرمة هذه النصوص أيا كان هذا الاعتداء، وأيا كان المعتدي؛ فإن الدستور الذي أعلن ~~سلطة الأمة قد غدا ملكا للأمة وحدها، نصوصه مصونة، وأحكامه مقدسة، وقد أقسم الجميع على ~~احترامه. # ولذلك لم يتردد وكيل مجلس الشيوخ ورئيس مجلس النواب في مطالبة الوزارة بفتح أبوب البرلمان ~~التي أوصدتها ليعقد البرلمان في نهاية فترة التأجيل جلساته ويزاول عمله، ولكن الوزارة في ~~الموعد المعين - وهو الثامن والعشرون من شهر يوليو سنة 1928 - راحت تسد أفواه الطرق المؤدية ~~إلى البرلمان بقوة الجند المدجج، وتستعين الجيش والشرط على الوقوف في وجوه الشيوخ والنواب، ~~وهم سائرون إلى قدس الدستور وباحة الحكم النيابي، وجعلت تقتفي في ذلك اليوم المشهود خطاهم، ~~وتتعقب حركاتهم، وتملأ المدينة من جواسيسها وعيونها حولهم لتحول بينهم وبين الاجتماع في ~~مكان آخر غير دار نيابتهم، وظنت أنها قد ملكت عليهم السبيل، وأعجزتهم كل إعجاز. # ولكن ذلك كله لم يكن ليجدي نفعا إزاء ms321 العزمة القوية، والإيمان العميق، والقسم الرهيب على ~~الكتمان؛ فاستطاع الشيوخ والنواب أن يجتمعوا اجتماعهم التاريخي العظيم في ذلك اليوم الخالد ~~الجليل في دار آل الشريعي بالقاهرة، على حين راح جواسيس الوزارة وعيونها في حيرة لا يدرون ~~أين المجتمع، ولا يعلمون أين المستقر! # وفي تلك الجلسة الخالدة اتخذ البرلمان عدة قرارات ضد الحكم الباطل المسلط على البلاد، ~~وبشأن اعتبار البرلمان قائما وله حق الاجتماع بحكم الدستور ونصوصه، وأن الوزارة ثائرة على ~~الدستور، فلا ثقة له بها، ويجب أن تتخلى عن مكانها، كما قرر تأجيل اجتماعاته من تلقاء نفسه ~~إلى السبت الثالث من شهر نوفمبر سنة 1928، إلا إذا طرأ ما يدعو لانعقاده قبل هذا ~~التاريخ. # وفي وسط رهبة وجلال وسكون مهيب راح كل فرد فيهم يقسم اليمين التالية: # أقسم بالله العظيم أن أحافظ على الدستور، وأدافع عنه بكل ما أوتيت من جهد وعزم ~~إلى آخر رمق في حياتي. # كذلك سجل البرلمان المصري في تاريخ حياته يوما خالدا عظيما، ودون في سفر الوطنية ~~الصادقة حادثا مشهودا لا تمحى على الدهر ذكراه. # وكان تأثير هذا الحادث في البلاد خطيرا غمر النفوس جميعا، وشمل كافة طبقات الأمة؛ فراحت ~~تعلن تأييدها لتلك القرارات الحكيمة، وتجاهر بولائها للوفد وزعيمه؛ وفي وسط هذا التأييد ~~العام، ظل الوفد رافعا علم الجهاد في الساحة، عاملا على مكانته، والشعب حاف من حوله، ~~يوليه الطاعة والمحبة والإخلاص والوفاء. # وقد وصف ساحر الوفد وخطيبه البليغ الفاتن - مكرم عبيد - أصحاب ذلك الانقلاب أو الأعوان ~~عليه، فقال يومئذ في وصفهم: هم قوم صنعهم الهوى فأذلهم، وطوح بهم الفكر فأضلهم، ~~يشتهون أولا، ويفكرون ثانيا، مخضعين تفكيرهم لشهواتهم وأطماعهم؛ ولذلك فالرأي عندهم نزوة، ~~والعاطفة شهوة. # فهل من عجب وقد باعوا أنفسهم لشهواتهم، وسخروا ذكاءهم لنزواتهم، أن يكون لهم في كل يوم ~~فكرة، لأن لهم في كل يوم شهوة، وأن يكون الرأي عندهم سلعة تباع وتشرى، بثمن أعلى أو أدنى، ~~بحسب أسعار السوق وتقلباته. # يا لهم من قوم بائسين، لا يهمهم في سبيل أطماعهم أن يتخذوا من الطامعين ms322 ناصرا وظهيرا، ~~ولا يهولهم، وهم في رغد من العيش، أن تشرب أمتهم كأس الحياة مريرا، ولا يزعجهم أن يحرم ~~المخلصون نعمة الحرية في منافيهم وسجونهم ما داموا يمشون في الأرض مرحا ويستنشقون النسيم ~~عبيرا، ولا يخجلهم - مع كل هذا - أن يجمعوا الفتات من حول موائد الوفد ليصنعوا بها لأنفسهم ~~خبزا وفطيرا، ولا يشينهم أن يستغلوا جهد العاملين ويرفلوا في مجد مستعار، فما كانت ~~الحياة عندهم إلا مظهرا وقشورا! # لقد كان هؤلاء الذين وصفهم مكرم أصدق ما يوصفون به، هم الذين وجدوا أنفسهم بعد ذلك الحادث ~~الخطير الرهيب أمام غرض لا يتواتى لهم، فاشتدوا في القسوة اشتدادا، وتناهوا في الإساءة إلى ~~الوفد محاربة وقمعا وتشريدا، فلما أعجزتهم الإساءة إليه عن الظفر به محصورا وحيدا، امتد ~~عدوانهم إلى الأمة كلها؛ فآذوا الأبرياء، وسلطوا ألوان التعذيب وصنوف البلاء على الشعب نفسه ~~جموعا وآحادا، فصمدت لهم الأمة صمدا، وظلت ملتفة حول الوفد أبدا، غير عابئة ما تلاقي من ~~الألم والقسوة والتعذيب. # وحاولت الوزارة قطع ما وصل الحب والولاء بين مصطفى النحاس وبين أمته بجميع أساليب ~~الطغيان، ووسائل العنف والعدوان، ولكن الزعيم ظل ساخرا من كل تلك الوسائل والأساليب، يخرج ~~للقاء الشعب مهما أرصدوا على طريقه من القوات المسلحة، ويروح يتصل بالأمة مهما اتخذوا لصده ~~من تدابير مكشوفة فاضحة، وقد لقي في ذلك كله عناء كثيرا، وعنتا طويلا، ومشاق ~~وأهوالا، وهو الصبور المتجلد، المهاجم المشتد، المتقدم لا ينثني ولا يرتد، غير حافل ~~بالكتائب التي كانت تحشد لمنعه، والقوات العسكرية التي ترصد لمنع الناس من استقباله، ~~فكذلك فعلوا في طنطا ودمنهور والإسكندرية، وكذلك صنعوا في المنصور والدقهلية، إذ وضعوا ~~الجنود صافات على طوال الطريق من بنها وإليها، وفتحوا الكباري ليحولوا بين الزعيم وبين ~~الاتصال بها، وأقاموا الأشراط بالعصي والبنادق والقذائف لتفريق الجموع الجامعة، وتشتيت ~~الزمر الحاشدة المتدافعة، في غير مبالاة بضمير ولا قانون. # ولكن زعيم الأمة لم يكن لينثني عن لقاء الناس في أقاليمهم، أو ينصرف عن الاتصال الشخصي ~~بهم في ربوعهم، متقدما يلاقي الجنود بصدره، ms323 مقتحما لا يبالي العدوان الأثيم عليه، منتويا ~~سفرا في أحرج أوقاته، معتزما الانتقال في البلاد في أرهب ظروفه وساعاته، معطيا من نفسه ~~للناس القدوة البالغة، بارزا أمام الشعب بالأسوة الحسنة؛ لا يستريح هو ليجاهدوا، ولا يخاف ~~هو ليتشجعوا، وإنما يتقدم هو مخترقا طريقه مهما ازدحمت عليه أساليب المنع والحصار ~~والاحتجاز والتفريق والتشتيت، فلا يلبث الناس أن يسخروا من الأذى ملاقيه بشجاعة عجيبة، ~~ويهزءوا بالألم؛ لأن أرواحهم أقوى من الجسوم، وأصبر عليه من الأبدان. # وكان الناس في سواد الريف يجدون في الطبيعة رحمة، ولا يجدون في الجند غير القسوة الموحشة ~~الآثمة. لقد كان الناس إذا حيل بينهم وبين لقاء زعيمهم في المحطات أو قلوب المدائن أو صميم ~~المراكز والبنادر بما كان الجند يصنعون بهم من الأذى والضرب المبرح ووسائل الإعنات ~~والإحراج؛ خرجوا إلى المزارع، وتسللوا في الغيطان، ونسلوا من كل حدب وفج عميق إلى ~~الأشرطة الحديدية، يجاورنها مستبقين ليظفروا بتحية الرئيس في القطار، وهم يحملون سعف النخيل ~~شارات وإعلانا، ويلوحون بالمناديل فرحا باللقاء ونشاطا إليه وابتساما. لقد كان الناس ~~يومئذ يصلون إلى الزعيم في أسفاره للقائهم سباحة في النهر، وعوما في الترع والأقنية، ~~وركضا بجانب القطارات، وجموعا في المراكب والسيارات، بل كأنما كانت الحقول والمروج ~~المترامية تنشق يومئذ عن رءوس، وينفتح أديمها عن هام وأجسام، وتدوي في نواحيها الأصوات ~~في الفضاء بالهتاف دويا. # وكم أوذي أهل القرى والمدائن في المحطات من العصي الغلاظ والهراوات! وكم امتلأت السيارات ~~بالآحاد والزرافات، لاستياقهم إلى المخافر، والتنكيل بهم في المراكز، وإرهابهم بكل أساليب ~~التخويف والوعيد والطغيان! # فهل نسي أحد ماذا صنعت الإدارة في المنصورة أيام محمد محمود قبل أيام صدقي، إذ سمعت نبأ ~~مقدم الزعيم لزيارتها؟ وكيف بلغ بها التفكير في اصطناع الحوائل، واختراع الحواجز، أن احتفرت ~~الطرق المعبدة، واستحدثت فيها الأخاديد والشقوق غير الممهدة، تظاهرا بالحاجة إلى تعبيدها، ~~وحشدا للهراسات الثقال في أكثر نواحيها، وفرشا للقطران والأسفلت يكسوان أديمها ليمتنع على ~~القادمين والمستقبلين المسير والاتصال واللقاء. # وهل نسي أحد كيف عمدوا إلى معالم الزينات ms324 التي أقيمت لاستقبال مصطفى الزعيم في المدينة ~~فهدموها، وإلى السرادقات الرحاب فأزالوها من مواضعها، فإذا ما اشتكي الناس من ذلك ~~العدوان على تعبير نفوسهم ومظاهر فرحهم وإخلاصهم، زادوهم عسفا، وشددوا عليهم تعذيبا ~~وتنكيلا؛ فلم يجد الأبرياء البررة يومئذ سميعين لشكاتهم ولا مستجيبين؟! # ولقد أنكرت الوزارة يومئذ تلك الاعتداءات، وزعمت أن الأمة قد انفضت من حول مصطفى النحاس، ~~فلا زينات له ثم ولا حفاوات، ولكن القدر الساخر أبى إلا أن يفضحها ويكشف عن سوء عملها، ~~فقد رفع صيدلي من الأتراك في المنصورة على صيدليته علما تركيا قبيل مقدم الزعيم ~~واستقباله؛ فطلب الشرطة إليه أن ينزله عن صيدليته لأن إقامة الأعلام ممنوعة؛ فأبى الرجل ~~متذرعا بأنه إنما قد أقامه بمناسبة عيد الجمهورية التركية، ولكنهم لم يحفلوا حجته ولم ~~يأبهوا بقوله، وأنزلوا العلم عنوة وقوة، فما كان من الصيدلي إلا أن أبلغ الحادث إلى ~~سفارته، فأحتج وزير تركيا المفوض رسميا على هذا الحادث الذي عده إهانة لعلم دولته، وطلب ~~إجراء تحقيق مع المسئولين ترضية لكرامة راية بلاده، ولم يكن لرجال الإدارة من عذر عن ذلك ~~الحادث أو شفيع، غير أنهم حسبوا ذلك العلم من الأعلام التي أقامها الناس استقبالا لمصطفى ~~الزعيم، وزينة يوم لقائه. # لقد كان جرم أولئك الطغاة بغير سلطانهم عظيما، فقد قضوا يومئذ على الحريات في جميع ~~مظاهرها لكي يمنعوا الاتصال بين الأمة وزعيمها، إيهاما لمواليهم ومصطنعيهم بأن الوفد قد ~~انتهى، ومصطفى النحاس قد تلاشى، والأمة عادت شتيتا متفرقا؛ فكان ذلك كله منهم معوانا على ~~بروز كلمة الأمة، وسمو سلطان مصطفى على نفسها، ورفعة مكانه من ولائها وإخلاصها؛ لأن كل ما ~~صنع لتحطيم الوفد يومئذ وزعامته عاد وسيلة لحفظ سلطانه، وبقاء كيانه، وازدياد يقين الشعب ~~به وإيمانه، وثبات الزعامة عند ذروتها العالية. # وفي سبيل هذا الإيهام ذهب رئيس الوزارة يومئذ يطوف الأقاليم، وراح حكامها يصطنعون له ~~الحفاوات اصطناعا، ويلفقون له الاستقبالات تلفيقا، بحملهم الخفراء والمشايخ و«الأنفار» ~~العاملين في الأرض حشودا إليه في القفاطين القشب، والثياب الجدد، والمظاهر المنحولة، ~~والأزياء المستعارة، وكانوا ms325 يركبونهم القطر، ويشحنونهم في السيارات استياقا إلى حضرة ~~الوزير الذي استحال بهم «دون كيشوت» في قطعان البهم والأنعام، يحسبها كتائب وجيوشا ~~جرارة! ويمضي يشكرها على الحفاوة الباهرة ...! # وكانت هذه الوسائل كلها فضيحة ومعرة ومهزلة؛ إذ ثبت يومئذ بالأدلة القاطعة أنها كانت ~~مصنوعة مفتعلة، حتى لقد ضبطت الاستمارات التي كانت الحشود بها مرحلة، كما ضبطت ~~الإشارات التي كانت متبادلة بين المدير وعماله، يلقي إليهم تعاليمه في كيفية إتقان التمثيل ~~وإجادة المناظر، وإحسان السبك والإخراج والتحلية والتجميل والتلوين. # ولقد كانوا يحتالون على جلب الناس من صميم القرى وقلب الريف إلى خصم الوفد، بزعمهم أنهم ~~إلى الوفد ورئيسه سائقون بهم! فلقد والله أعجزهم الوفد يومئذ من نفسه، فاستعانوا به عليه. ~~وما كان الوفد ليهزم أو يتحطم بهذه السهولة، ولا بمثل تلك الوسيلة، بل ما كان مثل «الوفد» ~~لينهدم بأية أداة ولا أية حيلة؛ فقد جمع الله «الوفد» ليكون في حكمته عقيدة بلد، وفكرة شعب، ~~ورجاء شيخ وولد، وألبسها من معاني الحياة، ما اشتملت به في لغة الإنسانية، العواطف ~~الرئيسية؛ فإذا قيل أمامك «الحب» عرفته، وإذا سمعت «البغض» أدركته، وحين يطرق أذنيك ~~«الوفد» أحسست ما يراد ووعيته ... ولقد جرى الوفد أول ما جرى حادثا، ثم استحال بعد ذلك ~~محدثا، ونزل إلى الدنيا خطرة إلهام، أوحت به نفس إلى نفس، وفاض من صدر إلى صدر، ثم ما ~~لبث في خطة الأقدار أن تحول إلى فكرة عامة، قرت في روح أمة، من يؤمن بها فقد آمن بقوة ~~نفسه، ومن يكفر بها فقد خرج من الدنيا بغير إيمان! # ولقد أوقعت الأقدار في خاطر عدوها أنها ليست سوى صنع رجل بمفرده؛ فإن مضى من هذه الدنيا ~~مضت، وإن قضى انقضت. ولو أن الحكمة الإلهية كانت تجري في مشيئتها على مشيئة الناس وإرادتهم، ~~لتركت سعدا على الأعقاب المقيم المعمر لها، العائش المستطيل به الدهر في ظلالها، ~~ولكنها أبت إلا أن يكون لخيبة أمل العدو درسان: درس له، ودرس لصنائعه؛ فجعلت لعمر سعد ~~حدا، ولذكراه خلدا، ومن ورائه وفدا؛ فوارت ms326 في الثرى رفاته، وأشاعت روحه تغمر الحياة ~~كلها بعد وفاته، فكرة على الدهر باقية. # لقد كان موت سعد آية أخرى على روحانية هذه الفكرة، ولو كانت كما قال السفهاء حركة ~~«مصطنعة» تطلب عرضا، أو تريد خدعة، لكان القضاء عليها في تلك الفاجعة، ولكن سعدا ظل ~~يعيش بالروح في مصطفى وأصحاب مصطفى، وفي النفوس التي تتناجى بهم، والصدور التي تهتف ~~بأسمائهم والوادي كله الذي يحس هذه الروحانية من فوقه مرفرفة، ومن حوله محيطة ~~مكتنفة. # وقد حورب مصطفى كما رأيت أدنأ محاربة، واتهم في أشرف خلاله ومناقبه، فخرج من ذلك ~~منتصرا؛ لأن من ورائه قدرا كان له منتصرا، ولولا روحانية هذه الفكرة، لنجح الأثمة ~~الغدرة، ولما باءوا أبدا من عدوانهم بنقمة تمازجها حسرات، ويخالطها حقد دفين. # ولم يكتف خصوم الوفد بما اقترفوا لمحاولة القضاء عليه ففشلوا، ولكنهم وقفوا من تعطيل ~~الدستور بئس ما وقفوا، فزعموا أنهم عطلوه لينقذوه! فكانت تلك الحجة أضحوكة عهدهم كله، ~~ونكتة الدور بجملته، ومضوا يرددونها في غير خجل، ويوحون إلى الصحف الاستعمارية تردادها في ~~غير حياء، متهمين الأمة بأنها لا تصلح للحياة النيابية، وأن الشعب المصري لا يستحق دستوره، ~~وأن الكثرة قد أفسدت النظام النيابي وشوهته تشويها! # وكان ذلك بهتانا عظيما، فإن الحياة النيابية كانت خيرا وبركة على البلاد، وكانت بداية ~~برلماننا أروع البدايات؛ فقد تواتى لنا على فترة مستطيلة من الكفاح، فمضى فينا عزيزا، وراح ~~غاليا؛ إذ بذلنا في سبيله دما زكيا. وهو وليد الثورة، ورث عنها صلابة عودها، واكتسب ~~مواهبه من موهبتها، وأخذ حميته من حميتها؛ فطلع من نشأته قويا في مثل قوتها، فتناوله ~~شيخ جليل برعايته وتربيته، وقد شاءت الحكمة الإلهية أن يحرم ذلك الشيخ نعمة البنوة ~~الخاصة ليجدها في البنوة العامة؛ لأنها جاءت به أبا لمصر كلها، حتى لا يستحوذ ولد أو ~~ولدان قلائل على كل أبوته، ويحتكروا لأنفسهم حنانه ورعايته؛ فلم يلبث الشيخ أن اتخذ تلك ~~الأمة الشابة ابنته، وجعل الوفد حفيده، وكذلك نشأ برلمان مصر في كفالة سعد فكان خير حفيد ~~لأعظم ms327 جد. # لقد كان البرلمان شيئا جديدا على مصر، وكان المنتظر أن نكون نحن أيضا جددا عليه، ~~تبدهنا في مستهله صدمة المفاجأة، ويطغينا منه الظفر به، فنهجم على تناوله غاشمين، ونروح ~~تحت قبته أغفالا لم تصقلنا بعد التجربة، ولم تعلمنا الحوادث مطالبه، ولم تعودنا ~~تقاليده وآدابه، ولو أن شيئا من هذا وقع لنا أو فرط منا، لما كان عجبا، ولما مضى ~~مستنكرا ولا مستغربا؛ لأن أعرق الأمم الدستورية، وأقدم الشعوب عهدا بالحياة النيابية، لا ~~تزال إلى اليوم تخطئ، ولا تني تغلط وتهم، ولكن من رأوا سعدا تحت القبة، وشهدوه فوق ~~المنصة في دار الندوة، وهو الجديد على تلك الحياة، الأزهري الصميم، أطال المجلس في الصحن، ~~والقعود في بهرة الرواق؛ فقد شهدوا رجلا عجيبا، ووجدوا حيالهم شخصية ممتازة موهوبة، رجلا ~~جاء من لدن الله حاملا الروح البرلماني كله في أحناء صدره، وحذق أوضاعه بالفطرة، ~~وأدرك أسراره بقوة الإلهام، وروعة الفكرة، ولقد كنا منه حيال رجل برلماني عريق، عجم ~~الدساتير كلها، ووعى نظم البرلمانات بجملتها، ومن جاءت به الأقدار لينشئ شيئا جديدا، ~~يجيء جاهزا له، مكتملا من معانيه، مزودا بعدته ومطالبه ومراميه؛ فلا يعوزه العلم ~~والمعرفة، ولا يحتاج إلى الأستاذ ولا العريف؛ لأن الله حباه بالعبقرية، وقديما رأينا ~~العبقريين محدثين في العلم، منشئين في المعرفة؛ لأن علم العبقرية لا يأتي دائما من طريق ~~التجربة وحدها، وإنما يفيض من نبع أغنى، ومن معين ثجاج مصدره في السماء، ومصبه ~~في الأرض؛ ولأن المعرفة عند العظماء ليست اكتسابا من طول المرانة، ولا أثرا من حكم ~~العادة، وإنما هي من مفيض النفس الملهمة القوية الدفاعة، الرهيبة السيل، الجليلة ~~المنحدر. # ألا إن سر العبقرية عند الله، وقد جاءنا سعد في البرلمان بسحرها، ثم مضى إلى الله بذلك ~~السر ... # ومن فوق منصة الرياسة مضى الشيخ الجليل ينشئ الحفيد العزيز أحسن التنشئة، ويكفل له أصلح ~~التربية السياسية، ويعوده السكون إلى خير الأوضاع وأمثل النظم، ويرسل من جلاله على ~~الندوة جلالا، ويفيض عليها من كبار آماله لمصر آمالا، ويحيل الشباب رجالا. ms328 # وما لبثنا أن رأينا المجلس يفيض حياة، وشهدنا من قوة خطابة الشيخ المخلوق للمنابر خطباء ~~في الحق أشداء، وأذهانا جبارة تحل أعقد المسائل، ومداره مفوهين يصولون بمنطقهم في ~~مجال المشاكل. ومن لم يتعلم فن الكلام المختار الجميل، على مشهد سعد ومسمع صوته، وسحر ~~حميته، راح آخر الدهر أخرس محصرا لا يجيد كلاما. # ولقد نبغ في المجلس المحدث متكلمون، وقام فيه خطباء بارزون، ونهضت مع كل فرع من الفروع ~~العامة لجان من الباحثين المدققين، وفوا المشروعات درسا، وأحاطوا بالموضوعات التشريعية ~~علما وبحثا، وكانت مصر الكبيرة ممثلة حقا في مصر الصغيرة، والعالم كله ينظر إلينا، ~~ويعجب من أمرنا، كيف التقطنا الفن، وحذقنا في أقصر فترة من الزمن ما لم يحذقه سوانا إلا على ~~فترة بعيدة من الدهر. # لقد كان برلماننا عجيبا من نشأته، كأنما لم يكف مصر العجيبة أن بدهت الدنيا بغرابة ~~ماضيها، فجاء حاضرها أبدع وأغرب. # وقد رجع سعد بعد رحيله من هذه الدنيا إلى المجلس، روحا مرفرفا فوق المنصة، سائدا أرجاء ~~المجلس؛ فقد وضع الأساس، وبنى القاعدة، وحدد حدود الدفاع وحدود المعارضة، وعرف القوم ~~واجبات المجلس ومقاصده؛ بل لقد أدى الرسالة، وأتم من حياته الغاية، ثم ترك لمن بعده المسير ~~إلى النهاية. # وجاء مصطفى فجلس فوق المنصة، برلمانيا بالمنطق والحمية والحماسة، فيه من سعد كل روائحه، ~~حاشدا من الإخلاص للدستور كل دلائله، فكأنما غاب الشيخ بجثمانه ليحضر من حول مصطفى بروحه ~~ووجدانه. # لقد أثبتنا ببرلماننا الحديث أننا أقبل الطبائع البشرية للحضارة، وأكدنا للعالم بأسره ~~أننا نلابس الحياة الجديدة أجمل ملابسة، وأننا حساسو الفطرة، سليمو الذوق، مستوون على ~~سوقنا، وأن برلماننا في المرحلة الأولى من عمره قد جمع من أدلة الحياة، وأسس النجاح، وحسن ~~الاختيار له، وبراعة الأخذ بأوضاعه، ما لم يجتمع بعضه لبرلمان عريق قديم متراخي ~~الأمد. # ولو رجع المرء إلى إحصاء حسنات الحكم النيابي في الفترات القصار التي قطعها، رغم الدسائس ~~المحيطة به، والمكائد التي تنسج خيوطها في الظلام لإيذائه وتعويق سيره؛ ولو عاد إلى قوائم ~~القوانين التي أقرها، ms329 والمشروعات الحيوية التي اقترحها أو وافق عليها أو ابتكرها، ~~والمقترحات والرغبات التي ساق إلى الحكومة بها؛ لوجد أن البرلمان المصري، على حداثة نشأته، ~~قد أثمر أطيب ثمراته، وأبدى أعجب نشاطه، وأثبت فضله وكفايته، ودلل على أن المصريين قد أوتوا ~~الاستعداد الصالح له، والحذق لكل مطالبه ومقتضياته، والنزعات الطبيعية التي ترفع من مستواه ~~لو أنه خلي بينه وبين التقدم في طريقه غير محارب، ومتابعة المسير بغير عائق ولا حائل ~~ولا احتجاز. # وكان من الجرأة الغريبة أن الوزارة التي جعلت تطعن في الحياة النيابية، وتتهم البلاد ~~بأنها لا تصلح لها، هي بذاتها التي لم تستطع أن تؤدي شيئا لها في باب الإصلاح، ووجوه ~~التحسين؛ حتى لقد وصفت يومئذ بالشيء الوحيد الذي تظاهرت بالعناية به أكثر من سواه، فقيل ~~عنها يومئذ «وزارة البرك»، أو وزارة المستنقعات! لأن رئيسها جعل كل همه الهدم لما بنته ~~النهضة المصرية من مطالعها، وأقام من ردم البرك كل مفاخره! # وفي قائمة الهدم خلال ذلك الحكم المطلق غير الصالح جرائم عدة وأنواع كثيرة متقاربة ~~ومنفردة، حسبنا أن نشير من جملتها إلى ما صنعت تلك الوزارة بالصحافة، فقد عطلتها ~~بالعشرات، وضربت عليها أشد الحدود، ونكلت بأهلها أقسى نكال، ونثرت ذهب المعز على ~~الصنائع منها والمقربين نثرا. # وصادرت حرية الاجتماعات، ولم يكفها القانون القائم بصددها، وإنما ذهبت في تعديله إلى جعل ~~البوليس قاضيا يمنع ويفض الاجتماع كما يشاء، ويعاقب الداعي إليه إذا أراد؛ حتى لقد بلغ من ~~تماديهم في مصادرة الاجتماعات أنه حين عقدت الوزارة اتفاقية النيل مع الإنكليز، تلك ~~الاتفاقية الخطيرة الثابتة الضرر بمصر ومصالحها الحيوية، بل تلك الاتفاقية التي كانوا ~~يروجون لها كل ترويج، طالب الناس في الأقاليم جميعا بعقد اجتماعات لبحث هذه المسألة ~~الخطيرة والتشاور في أمرها؛ فكان المنع باتا استنادا إلى ذلك القانون الاستثنائي الشاذ ~~الجديد. # ولقد كان البوليس أيضا يستند إليه في فض اجتماعات أصحاب القضايا في مكاتب المحامين، ~~فيهاجمها ويخرج الناس منها بالقوة والإكراه. # وحرموا على الموظفين - وهم من خيرة الأمة وصفوتها - أن يعنوا بمصير ms330 بلادهم؛ إذ أدخلوا ~~تعديلا على نص المادة 144 من القانون المالي يقول: «يحظر على الموظفين والمستخدمين أن ~~يشتركوا في اجتماعات سياسية، أو أن يبدوا علانية آراء أو نزعات سياسية، وكل من يخالف ذلك ~~يكون قابلا للعزل!» # ولو أنها عممت الأخذ بهذا التعديل المصنوع لهان الأمر بعض الشيء، ولكنها أحلت لقوم ما ~~حرمت على الآخرين، وأطلقت أيدي موظفي الإدارة وغيرهم من الموظفين فأمعنوا في العمل ~~السياسي والدعوة السياسية لها في الوقت الذي اضطهدت فيه عشرات من الموظفين لمجرد الشبهة ~~والأخذ بالظن. # وما لبثت أن تفشت «المحسوبية» في الوظائف، وأغدقت العلاوات والترقيات الاستثنائية على ~~الأنصار والأقارب والمزدلفين والملقة واللاعبين بالأذناب؛ فأصبحت الوظائف بذلك وقفا على ~~قليل من الناس لا يستحقونها، ولكن يصيبونها غنائم وأسلابا، ومن لم يظفر منهم بمنصب أو موضع ~~بارز أجرت الوزارة عليه مالا وفرا من «المصروفات السرية» بغير حساب. # ولم يتورع ذلك العهد الغاشم الفاسد عن المساس بقدسية القضاء والتعريض بعدالته، غير حافل ~~بطمأنينة الناس إلى عدالة القضاء، وحسن توزيعها عليهم بالسواء، ولا آبه بوجوب قيام الثقة ~~بين القضاة والمتقاضين، بل راحت وزارة الحقانية تحاول السيطرة على ضمائر القضاة، فإذا لم ~~يصادف حكم المحكمة هوى في نفس الوزير أو تعارض وسياسته، بادر إلى حرمان تلك المحكمة من ~~سلطتها، إما بتشتيت أعضائها بطريق إداري، أو بتشريع خاص. # وفي ذلك يقول المجاهد الكبير الأستاذ مكرم عبيد (باشا) حين عرض له في بعض خطبه الفياضة ~~الساحرة: «ولما صدر حكم مجلس التأديب في قضية أتعاب سيف الدين، استصدرت الوزارة في ثورة من ~~الغضب قانونا، هو صيحة موجع لا عمل مشرع، ولم يأخذها في حكم هيئة قضائية سامية ~~مقدسة ورع، بل أعلنت صراحة أن الباعث على هذا التشريع هو صدور ذلك الحكم، ثم تهجمت عليه ~~في مذكرتها التفسيرية قائلة: «وإذا كانت مقاليد المحاماة قد خفيت على مجلس التأديب وجب على ~~الشارع إبداؤها، أو إذا التبست عليه وجب الإيضاح وإزالة اللبس.» وليتها اقتصرت على ذلك، بل ~~ذهب بها الأمر إلى حد استباحة كرامة المجلس ونقل ms331 اختصاصه إلى محكمة أخرى، فكان ذلك في الحق ~~امتهانا لكرامة القضاء لا يغتفر. ولا ريب عندي في أنه لو صدر حكم مجلس التأديب في عهد ~~دستوري لاستقالت الوزارة، أما في عهد الدكتاتورية والاستبداد، فالوزارة لا تستقيل ... ولكنها ~~تقيل المحكمة!» # وحاول ذلك العهد الغاشم أن تقوم القطيعة بين الشباب وزعيم بلادهم إمعانا في الكيد له، ~~والدأب على تجربة كل قوى السلطان الغاشم في فض الناس من حوله؛ فأخذت الوزارة الطلاب في ~~مدارسهم بأقسى المثلات، وأجرت عليهم قانونا استثنائيا يحرم عليهم التفكير في وطنهم، ~~والحب لبلادهم، والحنان والعطف على قضية دستورهم واستقلالهم، متخذة من كلمة الاشتغال ~~«بالسياسة» متكأة تستند إليها في قمعهم وفصلهم من معاهدهم، وإشاعة الإرهاب في أوساطهم ~~النقية الطاهرة. # لقد كان تحريم ما سموه يومئذ «سياسة» على شباب هذا البلد وأبنائه وورثة الحاضر وتركته، ~~هو محاربة للوطنية باسم مستعار، وخلف ستار مهلهل لا يخفي ما وراءه؛ إذ كان الاشتغال ~~بالوطن، والتفكير فيه، والخشية على مصيره، والتعلق بزعمائه، والولاء لقادته، ينبغي أن يسري ~~في الدم ويتغذى منه الجسم، وتتأثر به الروح، ويشتعل في الخاطر، ويستحوذ على الفكر والعاطفة ~~والوجدان. # لقد كان اشتغال الناس جميعا، موظفين وشبابا وطلابا وعامة وخاصة على السواء، بما سموه ~~«سياسة» تخويفا وتشويها لأكبر المعاني وأشرف الأحاسيس في تلك العهود المظلمة، والأدوار ~~الخطرة على المستقبل والمصير، هو الاشتغال فعلا بمسألة الحياة أو الموت؛ لأن سكون الشعب ~~إلى ما يراد به هو الجلوس في انتظار الفناء والرضى بالجمود والموت؛ وأما المجاهدة بكل قوى ~~النفوس، والنضال المستمر بكل أدوار العمر - شباب وكهولة ومشيب - لتخليص الوطن من ظلمته، ~~وتنجية البلاد من محاولة اغتصابها أو الاستبداد بها؛ فهو العمل للحياة، واحترام الحياة، ~~والرغبة الصادقة في الظفر بأشرف معاني الحياة! # لقد كان الاشتغال يومئذ «بالسياسة» - أو حب الوطن - هو في تلك العهود الغاشمة تلبية ~~للغرائز المتأصلة في البشرية، ومجانبة الموت الاجتماعي، وابتغاء الحياة الحقيقية الملابسة ~~للفطرة والخليقة والتكوين. # لقد أردنا أن نكون أحرارا، وأن نسترد استقلالا ودستورا، فهل كان يصح أن يكون الاشتغال ms332 ~~بالسياسة، أو بالتالي، الاشتغال بهذا المثل الأعلى، بل هذا المطلب الديني المقدس - لأنه ~~مزيج من الدين، والإيمان به جزء من اعتناقه والحرص عليه - مقصورا على فئة دون أخرى، ~~محصورا في طبقة دون طبقة؛ لكي يظل فريق من أهل البلاد مسترسلين مع أحلام خواطرهم، مدفونين ~~مغيبين في الصناعات والحرف يصيبون منها أرزاقهم، أو منشغلين بالتحصيل والتجهز ~~للمستقبل، فإذا ما انتهوا منه أقبلوا يواجهون الحياة، فلا يجدون حيالهم غير وجود كالعدم، ~~وحياة كالموت، ومستقبل مظلم مؤيس، تموت الآمال صرعى على جوانبه؟ # لقد كان الاشتغال بالسياسة يومئذ وبهذا المعنى الصادق الذي يجب له، ينبغي أن يشملنا ~~جميعا بكل مراحل الأعمار، وأدوار الحياة، بل كان يجب أن نتوجه بمجموعنا التام نحو السياسة، ~~نعنى بها عنايتنا بدرء أكبر الخطر، ومقاومة أشد الوباء، ومكافحة أدوى الداء؛ لأن الانصراف ~~عنها كان يومئذ هو التسليم لعدونا، والنزول على الضيم الذي يراد بنا، والرضى الذليل المجرم ~~باستعباد المستعبدين. # لمصلحة من كان يطلب إلى فئات من الناس ألا يشتغلوا بالسياسة في هذا البلد، إن لم يكن ~~لمصلحة الذين كانوا يريدون القضاء عليه وإبقاءه محتلا يرسف في القيد إلى الأبد؟! # كل تعليم لدينا، وكل عمل في خدمة الحكومة عندنا، وكل شأن من شئوننا؛ كان يومئذ رهن رقابة ~~عدونا، معرضا لإيحائه السام الفاتك بقصد استئصال الشعور الوطني، أو الاشتغال بالسياسة من ~~معاني وجودنا لنظل أبدا منزوعي الغرائز، نعيش في قبور الذل راسفين. # ومن - ليت شعري - كان أولى يومئذ بالدفاع عن مصيره والذود عن مستقبله، من جموع الشباب ~~قبل الشيوخ لأنهم عدة كل كفاح، والذادة عن المثل العليا في كل عصر. وها هي ذي أمم ~~الغرب تعتمد اليوم على شبابها؛ لأنهم حملة المصباح المقدس، وشعلة الحياة المتوارثة جيلا ~~بعد جيل. # بل في إنجلترا ذاتها التي اغتصبت حريتنا، ينادي الزعماء شبابها، ويهيب القادة بفتيانها أن ~~هلموا في حماستكم الصادقة لتكونوا عدتنا، وتعالوا بجمعكم مضحين في سبيل وطنكم ~~مستشهدين. # هذا هو ما كان ينبغي أن يروح موقف الشباب في عهود الظلم والطغيان، وأدوار التجاريب ~~الاستعمارية ms333 المتعاقبة لتحطيم الزعامة وتوهين الوفد وتشتيت الإجماع، وقد لزمه شبابنا أعلياء ~~النفوس، وثبتوا فيه جياشي الأرواح، وكان لهم بعض الفضل في الفوز المبين الذي اكتسبته الأمة ~~وزعامتها في معارك الدستور والاستقلال. # وقد يكون المنطق سليما اليوم، والنصيحة سديدة الآن، إذا قيل للشباب وقد اجتزنا تلك ~~الأدوار، وتخلصنا من تلك العهود، واحتوانا عهد جديد نملك فيه مطلق الحق في التصرف في ~~شئوننا، وبناء مجد وطننا: «لا عليكم اليوم أيها الشباب، قروا في معاهدكم، وانكمشوا في ~~دراساتكم، ودعوا الزعامة تعمل متوخية الخير، وتشتغل ملتمسة الإصلاح والإحسان، وإنما أبقوا ~~عدة لها متى تحتج إليها تجدها على حبل الذراع، ورصيدا طيبا موفورا متى تلتمسه تصبه في ~~مواضع الخطر ومطالب الجرأة والتضحية والشجاعة والإقدام». # ليكن الشباب اليوم في حراسة الدستور، وحماية الاستقلال، وصيانة قدس الزعامة ليكونوا بجانب ~~مصطفى النحاس في كل موقف، وعند بادرة أي خطر، وعلى إيذان بالمجيء أية ساعة تستحق المجيء، ~~ولا يستمعن أحد منهم إلى المشاءين بالوقيعة؛ فليس في البلد كله سياسي أفضل ولا أحسن ~~ولا أنزه ولا أطيب ولا أكثر إخلاصا من مصطفى النحاس لبلاده وأمته. # ولقد رأينا بولدوين يقول يوما بسبيل واجب الشباب في بلاده: «إن فريقا من الناس يريدون ~~أن يفرضوا على الوطن أسلوبا شاذا من الحكم، ينهض على الاستبداد والظلم والجبروت، ولكن في ~~وسع الشباب - بإخائه الجليل وتعاونه الوطني الرفيع - أن يصون الديمقراطية التي ظفرنا بها ~~تراث المهج والأرواح الغالية.» # فليكن هذا إذن موقف شبابنا، قوة لا تنكر بجانب زعامتنا، تصون معها الحرية، وتعزز بجانبها ~~الاستقلال. # وكان من أشنع مساوئ ذلك العهد ونكره، انتشار الجاسوسية في البلاد إلى حد يكاد يبلغ ما ~~كانت عليه في تركيا على عهد السلاطين الغابرين. وكان الجواسيس ينبثون في المجامع، ويتعقبون ~~الآمنين، ويتأثرون المخلصين والمنتمين إلى الوفد والمنتسبين من قريب أو بعيد، يتبعونهم ~~كظلهم، ويتلصصون على جهرهم وسرهم، ويفترون على ذممهم، والدكتاتورية من ورائهم تتحرش ~~بالأقوياء منهم، وتبطش بالضعفاء، وفوق هؤلاء وهؤلاء عين الله ناظرة شاهدة. # ولقد كان عدد الجواسيس الذين يحيطون بفندق ms334 سان استفانو أثناء إقامة دولة الرئيس الجليل ~~فيه يبلغ 87 من رجال البوليس السري، فإذا خرج دولته إلى النزهة في سيارته تبعته سيارة ~~البوليس، وحدث مرة أن سيارة الرئيس غابت عن أنظارهم فراح المساكين يطوفون الشوارع ويدخلون ~~البيوت، ويسألون بلهفة هذا وذاك إذا كانت سيارة الرئيس قد ذهبت من هنا أو من هناك! # وكان الجواسيس فوق ذلك يلفقون التهم على الأبرياء أعجب تلفيق. # ومن بين القوانين الشواذ التي أصدرها ذلك العهد، قانون سموه «حماية الموظفين» لإغراء ~~الموظفين، وبخاصة رجال الإدارة والموكلون بحفظ النظام والشرط الساهرون على حقوق الأفراد ~~وحرياتهم، بإهدارها، والتنكيل بخصوم العهد والمستهدفين لنقمته، في غير خشية من عقاب أو خوف ~~من جزاء أو زاجر من قانون، بل لقد كان اطمئنان الموظفين إلى قيامهم بنجوة من المؤاخذة إذا ~~هم أسرفوا في التضييق على حريات الناس وإيذائهم، بمقتضى هذا القانون الشاذ المنافي لأبسط ~~مبادئ العدالة والمساواة، باعثا لفريق كبير منهم على الغلو في إيذاء خصوم العهد وضحاياه، ~~ليكون ذلك جوازا لهم إلى الترقية، ومطمعا في الإغداق عليهم منحا وعطاء. # لقد جعل ذلك القانون الهمجي طبقة الموظفين فئة خاصة فوق الناس، ودون منال القانون؛ إذ ~~قضى بألا يجوز رفع الدعوى العمومية على موظف مباشرة - وهو حق من حقوق الإنسان تقضي به مبادئ ~~القانون - ما لم يسأل في ذلك الوزير الذي يختص بأمره، أو بعبارة أخرى، المعتدي عليه؛ ~~ليكون الخصم والحكم معا! # وبقوة هذا القانون الشاذ راح البوليس يدخل البيوت وينتهك حرماتها، ويقبض على الناس من غير ~~وجه حق، ويعتدي على الشيوخ والنواب في الساحة الملكية، ويقسو في الضرب والإيذاء إلى حد ~~إصابتهم بجروح وكسور خطيرة، فيرفعون الشكوى إلى النيابة العمومية، وهذه ترفعها إلى الوزارة، ~~وهذه تودعها سلة المهملات ... # لقد كان ذلك العهد عهد شراء الذمم، وإضاعة الأموال، عهد الإسراف والتبديد، عهد الإغراء ~~والإفساد بكل ألوانه ونواحيه؛ حتى لقد كانت المصاريف السرية تنثر على الأنصار والمأجورين ~~نثرا، إلى أن بلغ رقمها حدا مخيفا يدل على مبلغ الغلو يومئذ والاستهانة ~~والتفريط. # وفي هذا ms335 الباب من الإسراف في أموال الدولة ينبغي أن يدخل ما سمي يومئذ باتفاقيات النيل؛ ~~فقد راح وزير ذلك العهد والحاكم بأمره يرتبط مع الإنكليز باتفاقيات مائية بالغة الخطر على ~~مصير البلاد، ويقرهم على إنشاء خزان جبل أولياء؛ ليمكن لهم من قتل مصر بسلاح الماء. # وارتبط كذلك باتفاقيات أخرى قبلوا بمقتضاها: # أولا: # بأن تلتزم مصر القرض العثماني المعقود سنة 1855 بمبلغ مليون و386 ألف ~~جنيه. # ثانيا: # أن تدفع للحكومة البريطانية ستمائة ألف جنيه تعويضا عن البواخر ~~الإنجليزية، التي غرقت أثناء الحرب وكانت تحمل فحما لمصر. # ثالثا: # أن تدفع 294 ألف جنيه للحكومة البريطانية من الرسوم التي حصلتها ~~الجمارك المصرية على بعض مستوردات السلطة العسكرية البريطانية في أثناء ~~الحرب؛ فمجموع ما تدفعه الحكومة المصرية مليونان ومائتا ألف جنيه. # وتناول الاتفاق أيضا مبلغ مليون و585 ألف جنيه تعويضا لمصر من ألمانيا عن الخسائر التي ~~تحملتها من جراء الحرب، فيكون مجموع المبالغ التي تناولها الاتفاق أربعة ملايين و165 ألف ~~جنيه! # ولم ينس الوزراء أنفسهم، فرتبوا لكل منهم مرتبا خاصا سموه التمثيل؛ فللرئيس خمسمائة ~~جنيه، ولكل وزير ثلاثمائة جنيه، ما عدا وزير الخارجية الذي له من المصاريف السرية عشرة آلاف ~~جنيه، هذا بينما الوزراء في عهد البرلمان قد أنقصوا من مرتباتهم ثلاثمائة جنيه لكل ~~منهم. # وراح عمالهم في الريف يضربون على الناس إتاوات فادحة للاشتراك في حزبهم أو ناديهم؛ فكان ~~عمال السلطان الغاشم يجمعون تلك الإتاوات بالسياط وأساليب التخويف والإرهاب والبطش ~~الشديد. # وأقاموا رقابة على البريد، يفضون غلفه، ويعبثون به، وينتزعون منه ما كانوا منه موجسين؛ ~~فقد حدث أن أرسل الوفد نسخا من نداء عام له في غلف كثيرة إلى أنصاره في سواد الريف، فجعلت ~~إدارة البريد تصادر تلك الكتب غير آبهة بحرمات ولا قوانين. # وتناهوا في انتهاك الحركات إلى حد الانقضاض على الدور والمنازل يفتشونها، ويقتحمون الخدور ~~في صميمها، ويغشونها بالليل كالسطاة واللصوص، ويروعون أهلها ترويعا. # وفي اليوم الخامس عشر من شهر مارس سنة 1929، وهو يوم الدستور، قدم إلى القاهرة من جميع ~~أطراف البلاد ms336 جموع زاخرة من الناس يتقدمهم شيوخهم ونوابهم، مهرعين إلى ساحة عابدين، متوجهين ~~إلى مليكهم ليرفع عنهم هذا الظلم الذي أصابهم، ويرد إليهم الدستور الذي آمنوا به. وكانت ~~الوزارة قد أعدت لهذا اليوم عدته، وأجلبت عليها بخيلها ورجلها وقواتها المسلحة. # وفي ذلك يقول مكرم عبيد في لغته النفاثة، وأسلوبه العجيب، وبيانه الخلاب، وسحره المبين: # وفي اليوم المرتقب كانت القاهرة وكأنها في حالة حصار تموج بقوات البوليس والجيش ~~مشاة وركبانا، تسلحهم العصي الغليظة والبنادق والمسدسات، وتقيهم الدروع ~~والخوذات. # وبينما القوة تتحفز للهجوم وتتخذ العدة لاكتساح كل من يقف في سبيلها، وبينما ~~الخيول الصافنات وقد ملت الانتظار تعلن شوقها إلى حومة الوغى بصهيلها ... إذا بجيوش ~~العدو مقبلة؛ وا عجباه! فلا عصي معها تتقى، ولا سيوف يخشى من صليلها، عزلاء ~~من كل سلاح إلا أنها توكلت على الله في نضالها، تسير الهوينا في سكون وثبات، ~~وجلال الحق يمشي في رحالها، وعلى رأسها شيوخ واهنون يقودونها إلى استشهادها، ليت ~~شعري كيف دبت القوة في أوصالها! # ها هما الجيشان يتلاحمان، ها هي ذي السماء تبكي رحمة على الأبرياء، وقد انهالت ~~عليهم القوة بعصيها ونصالها، ها هم أولاء الشيوخ الوقورون يسقطون على الأرض جاثمين، ~~فتختلط دماؤهم بأوحالها، وها هي ذي النقالات تنقل الجرحى لا إلى المستشفيات يعالجون ~~فيها، بل إلى السجون يكبلون في أغلالها. # أيها الشيوخ والنواب: # لقد استحققتم ببطولتكم تقدير الوطن ... # كان ذلك موقفا تاريخيا جليلا يغمر ذلك العهد الغاشم كله بجلاله، إزاء خزيه هو وعاره ~~وسفاله؛ وقد كان هذا آخر مسمار دق في نعشه، وأشنع جرم ختم به سلسلة جرائمه وآثامه، ~~والفعلة الشنعاء التي لطخت بعارها آخر أيامه كأول أيامه. # وكان فخار العقيدة الوفدية أنها صمدت لذلك كله صمدة إيمان، واصطبرت لكل تلك الآثام ~~والآلام اصطبار قوة لا صبر ضعف، وخاضتها جميعا مخاض جلد واحتمال لا مخاض وهن ويأس؛ فتم ~~لها بفضل ذلك كله النصر، واستكمل لها الفوز، واستعادت مكانها أروع مما كان؛ إذ اكتسبت في ~~المعركة قوة الاحتمال، ومناعة الحصن، واستحكام المواقع، وحصانة البنيان. ms337 # وقد لبث ذلك العهد خمسة عشر شهرا؛ فكان مكثه واستطالته، وازدحام الجرائم خلاله، واحتشاد ~~الآثام والمحن والجهاد حياله، وتتابع الجهاد وجملة آلامه وأهواله، ثم انتهاؤه بعد ذلك ~~جميعا بخزيه وخيبته وفشله؛ دليلا قاطعا على أن الوفد لا يتحطم، والفكرة لا تنهدم، ~~والمبادئ في مكان مكين. # لقد كان النصر حليف الزعامة في كل تجاريب ذلك العهد الغاشم ونكباته؛ فقد ظل مصطفى النحاس ~~قائما - كما يقول لورد لويد في كتابه - على صهوة جواده، يشرف على الموقف، ويجول في ~~الميدان، ويوجه الجموع، وينظم الصفوف، ويحتل التلعات، ويقتحم المخاطر، ولا يتردد عن ~~المهاجمة بنفسه، ولا يتراخى عن التقدم بذاته، وهو بين ذلك جميعا مؤمن بأن النجاح له، ~~والفوز نهاية جهاده، كلما صدمته صادمة ابتسم لها، وسخر منها؛ لأنها لم تكن لتفعل في نفسه ~~غير هزة كالكهرباء، يسري في أثرها نشاط غريب وروح منعش، وحركة جديدة، وشعور قوي غالب ~~ينبعث غير لاو على شيء، ويطفر مستبقا ليسترد الموضع ويستعيد الميدان. # كل الفضل يومئذ كان للروح المعنوي في صفوف المجاهدين، وكل الأصل في هذا الروح لحكمة ~~الزعامة وسداد القيادة؛ فقد عرف مصطفى النحاس يومئذ كيف يمسك بهذا الروح الخفي اللطيف ~~الساري السارب في يمينه، يوجهه أحكم التوجيه، وينفخ فيه من روحه هو وإيمانه، ويطلقه في أحسن ~~ميادينه، فقد حورب هو بالذات حربا مجرمة نكراء، فكان يتلقى السهام غير منزو ولا منكمش ولا ~~مجفل، وكان أبدا الثابت الجلد الصبور المطمئن؛ ومن ثم راح القدوة المثلى لصفوف أعوانه، ~~والأسوة الحسنة لجموع المجاهدين تحت علمه وفي ميدانه، كلما تعبوا وجدوه حيالهم غير ~~متعب فنسوا تعبهم، وكلما أجهدتهم المعارك نظروا إليه بإعجاب وأكبروا إيمانه ومجاهدته، ~~فعادوا يرتفعون فوق أنفسهم خفافا مستجمين ناشطين. # أفلم تسمعوا ما قال مصطفى بعد ظهور براءته من تلك التهمة النكراء التي حاولوا اتهامه بها ~~في قضية سيف الدين، فإن كلمته يومئذ من أروع ما نادى به زعيم صادق أمته المحبوبة وشعبه ~~الولي الكريم. لقد نادى بني قومه يومئذ قائلا: # بني وطني: # لا أدري أي يوميكم أحق ms338 بشكري، وأمتع لفكري، وأولى بأن ينفس عن ~~صدري: أيوم حزنكم لتشهيرهم بالأمة، يوم اتهامهم خليفة سعد؟ أم يوم فرحكم بإعلان ~~البراءة، وهو حكم على خصوم الوفد؟! ... وأنا في كليهما خادم هذه الأمة الكريمة ~~المغمور بعطفها، المرموق بحبها، فلقد والله أكبرت حزنكم، كما أكبرت فرحكم. فلله ~~دركم! وهو القادر على أن يتولى عني جزاءكم، فلنتوجه جميعا بالشكر لأحكم ~~الحاكمين الذي برأ حياتنا النيابية من كيد الكائدين، وحفظها من رجوم ~~الشياطين. # أيها المواطنون الأعزاء: # لقد ناديتكم يوم الاتهام فما كذبتكم، ووعدتكم فما أخلفتكم، واليوم ها أنتم ~~الأعلون بحمد الله، فاسجدوا لله واشكروا. # كان خصومنا بالأمس يرموننا بأشنع التهم، فرحين بما دبروه للأمة من وراء ستار. فما ~~هي إلا أن طلعت العدالة في وضح النهار، فسجلت لزعمائكم في حكمها، بلفظ صريح، ~~«الشفقة، والرفق، والقيام بالواجب، والنزاهة، والصلابة في الحق»، ودمغت ~~الخصوم بميسم «السرقة، والتزوير، والتلفيق، واستخدام الأشرار»، وخرجت الحياة ~~النيابية من هذه الغمرة أصلب عودا، وأكثر جنودا، وأرفع بنودا، وأزكى شهودا، ~~وكان سعيها محمودا. # ولقد علمتم أن زعماءكم عند حسن ظنكم؛ فافخروا بقضائكم النزيه، وباهوا به الأمم، ~~واهنئوا برجال المحاماة منكم، فهم فيكم علم؛ واشكروا معي تلك الشعوب النبيلة ~~الكريمة التي تحزن لحزنكم، وتفرح لفرحكم، وتتطلع باهتمام إلى أخباركم وأحوالكم؛ لأن ~~بها من حب الحرية ما بكم، وتشفق على نفسها مما يصنعه الخصوم في سبيلكم. كما نشكر ~~الغربيين المحترمين الذين دفعهم شعورهم بالعدل وتقديس الحرية إلى مجاملتنا عند ~~اتهامنا، وتهنئتنا بكلمة القضاء فينا. وأخيرا فلنشكر كل لسان تحرك بالصدق، وكل قلم ~~انتصر للحق، وكل قلب خفق للعدل، والله ولينا ونعم النصير. # لقد جاء هذا الحكم ضربة في الصميم من ذلك العهد الغاشم وأيامه النكر، وقد اعترف لورد لويد ~~في كتابه بذلك، فقال: «وقد كان من سوء الحظ أن أحد التدابير التي اتخذت في أوائل السنة ~~الجديدة كان القرار بإحالة النحاس باشا وزميليه (ويصا واصف بك وجعفر فخري بك) على مجلس ~~التأديب بشأن سلوكهم غير اللائق بصناعتهم في قضية سيف الدين؛ إذ كان كل ms339 ما يمكن أن يرجى من ~~تصرف كهذا هو الحكم «بالتوبيخ»، وهو لا يقدم ولا يؤخر شيئا، بينما يروح حكم البراءة - كما ~~حصل فعلا - انتصارا للوفد وضربة عنيفة لهيبة الحكومة وسمعتها؛ فقد جمعت القلوب حول النحاس ~~باشا، وضمت شتات العطف نحوه، وسهلت تصوير الحكومة في صورة الطغيان ومقاومة الشعور ~~العام.» # وقد وقعت هذه الضربة الموجعة المحطمة في وقت كان الحكم المطلق فيه قد تخاذل، وبدأ يحس ~~الفشل، وينزع إلى التردد من فرط الحيرة والكمد لتصدمه حركة أخرى، أو تفسد عليه ما بقي من ~~أمره، وهي حركة واسعة النطاق كان يراد منها «غربلة» الحكام في الأقاليم بإحالة فريق كبير ~~منهم على المعاش بغير مبرر ظاهر ولا شفيع مقبول. # وبدأت سياسة القصر يومئذ - إذ أدركت انحراف التيار نحو منعطف الخيبة والفشل - تتراخى ~~وتحتجز معونتها، وتمسك تأييدها الذي كانت من قبل سخية به. # وبرز كذلك عامل خارجي فأعان على نجاة البلاد من ذلك العهد الأليم، وهو سقوط وزارة ~~المحافظين في شهر مايو من سنة 1929، وقيام حكومة العمال مكانها؛ فلم تلبث الحكومة الجديدة ~~في بريطانيا أن شعرت بأن السياسة القديمة في مصر - سياسة المحافظين من قبلها - قد حان أن ~~تتبدل؛ لأن ممثلها في مصر - وهو لورد لويد - قد أسرف في التطبيق أسوأ الإسراف، حتى لقد ذهب ~~المرحوم المستر هندرسن وزير الخارجية الإنكليزية في حكومة العمال في وصف تلك السياسة إلى ~~أنها «تيار هائج مائج، كثيرا ما يروح كدرا لا يهدأ يوما ولا تصفو صفحته ولا يروق ~~أديمه!» # وكان الملك فؤاد يومئذ في برلين في زيارة رسمية للرئيس هندنبرج، وكان مزمعا السفر من ~~ألمانيا إلى بلاد أخرى في أوروبا لزيارات رسمية أخرى، على أن يقدم إلى إنجلترا بصفة غير ~~رسمية في النصف الثاني من شهر يوليو، وكانت النية كذلك أن يكون محمد محمود باشا رئيس ~~الوزارة في إنجلترا عند وصول جلالته إليها، وأن يكون لورد لويد أيضا هناك بإجازته الصيفية ~~في ذلك الشهر بالذات. # ولم يكد لورد لويد يصل إلى لندن ويجتمع بالمستر هندرسن حتى ذاع ms340 النبأ بأن لويد قد أقيل من ~~منصبه؛ وتبين فيما بعد من كتاب لويد نفسه «مصر من عهد كرومر» أن المستر هندرسن تخلص منه ~~بذوق، وأوعز إليه من طرف خفي لطيف بتقديم استقالته. وقد حاول لويد بعد هذا أن يثير ضجة ~~حول زحزحته عن مكانه، ولكن ذلك كله لم يستمع أحد له، وأذن الله لمصر بالخلاص من ذلك ~~الاستعماري المتعجرف النزاع إلى خيلاء النفوذ وزهو السلطان. # لقد تخلصت مصر يومئذ من سياسي صغير، دفع به إلى تمثيل أمة كبيرة عند شعب عاقل رزين؛ ~~فخرج بمعاني التمثيل السياسي إلى معاني «التمثيل» المسرحي، ففشل فيهما معا؛ لأنه لم ~~يحذق أفانين السياسة وأساليبها ، وكانت تلك المظاهر التي تراءى بها هي ورق «التين» الذي راح ~~يخصف به حتى لا يبدو عاريا من البراعة، مجردا من الحذق والافتنان. # لقد كان كل ما في لورد لويد صنعة وقالبا وشكلا، وكان مقدورها في مشيئة الطبيعة الفشل؛ ~~لأن الشخصية الصادقة هي أروع مظهر في الطبيعة، ونصيبها في العالم هو الفوز المنظم؛ وأما ~~الشخصية الكاذبة، فإن نصيبها في الدنيا هو الهزيمة غير المنظمة. # لقد كان لويد في أقيسة الرجولة رجلا اعتياديا، لم تؤته الطبيعة نبوغا، وإنما أعطاه ~~حزبه شيئا يشبه النبوغ، ومن الناس كثير هم من صنع الناس، ترفعهم الكمية ولا يرفعهم ~~النوع؛ فإذا ارتفعوا على سطح الدنيا، لم يلبثوا عليها إلا كما تلبث الرغوة المزبدة على ~~صفحة الماء المتدفع، والموج المصطخب، يمضي جفاء، ذاهبا في الحال هباء. # نشأ لورد لويد في المحافظين، فرآه قومه غنيا لم يبدد جدته في سباق الخيل، ولم ~~يتلاش في أسواق المراهنات، ومجال المضاربات، والأندية ومواطن الشهوات؛ فقالوا نجربه في ~~معنى من معاني الجد؛ لكيلا يفسد أو يتبلد، وحسبوه اكتشافا جديدا في قومه، وشبابا طيبا ~~وسط شيخوختهم؛ فراحوا يدفعونه إلى المناصب دفعا، أملا منهم وطمعا، وأعطته المناصب ~~رواءها وقوتها ولكنه لم يعطها شيئا من روائه هو وقوته؛ وكذلك ارتفع عليها ليسقط بها، ~~إذ لا شيء في ذاته يسنده، ولا قوام له من نفسه يؤيده، فاستسلم ms341 للمنصب يجذبه ويشده؛ لأن ~~المنصب هو المغناطيس الذي يجذب الإبرة والمسمار، وهو محك المواهب والقيم ~~والأقدار. # لقد كان لورد لويد رجلا ماديا، سر الحياة كلها عنده في المادة الظاهرة، لا يتغلغل إلى ~~ما وراءها، ولا يعرف قوة الروح وصنعها وبناءها. ولم يكن لورد لويد يفهم سر الشرق؛ لأنه قنع ~~من عمله بالسطوح والأغشية، ولم ينفذ إلى أعماق الشرق المستترة الخفية؛ فظن مصر التي أعطت من ~~قديم الزمان ومنحت، صابرة راضية بالحرمان، من بعض ما أفادت به ووهبت؛ وحسب أن مصر في صغرها، ~~ليست كإنجلترا في كبرها، كأن شريعة الحياة تحد بحدود الأرض، وتقاس بالمتر المربع واليارد، ~~وكأن سيدة ما وراء البحار ينبغي أن تعيش، وسيدة ما وراء التاريخ ينبغي أن تموت، وكأن الحرية ~~حق يعطى بشروط، أو يسلب بغير شروط، وهو تخريج في فلسفة المستعمرين تضحك منه الحياة نفسها، ~~وتستهين به؛ لأنه مبدأ مفتون بالقوة، وجد هوى من نفس لويد ومنزعه، فاعتنقه ليختنق به، ~~ولزمه ليكون لزاما عليه، وجربه في الهند تجربة، وأحدث به في مصر نكبة، ثم خرج منه بأفضح ~~الخيبة والخذلان ... # وتلقى الناس في مصر أنباء ما صنع المستر هندرسن وزير الخارجية البريطانية في حكومة العمال ~~يومئذ باللورد لويد، إذ حمله على تقديم استقالته بفرح بالغ، وابتهاج ظاهر؛ إذ أحسوا أنهم ~~قد تخلصوا من خصم مبين، وعدو سريع البادرة، أهوج، يغلو في استعماريته؛ وبدا لهم كذلك أنه ~~علامة حسنة على قرب تغيير السياسة البريطانية في البلاد، ودنو حياة الوزارة ذات اليد ~~الحديدية التي فشلت في التجربة التي استعين بها عليها، وباءت مما حاولته بخسر ~~شديد. # وما لبث أن أعلن تعيين سياسي آخر في منصب المندوب السامي البريطاني في مصر، وهو سير برسي ~~لورين، فتساءل الناس من يكون هذا المندوب الجديد، وهل سيبتلون منه بلويد آخر، أو هو سياسي ~~من طراز مخالف له متباين معه، فقيل لهم إنه من «الموظفين» في سلك التمثيل السياسي، أو من ~~«الدبلوماسيين» الذين حذقوا الصناعة، واكتسبوا فيها - بحكم التجربة - المرانة والليونة ~~والاستعداد؛ فلم يشأ ms342 الناس أن يحكموا حتى يروا عيانا ما هو صانع، ويشهدوا بأنفسهم ما سوف ~~تحدثه على يديه الأيام. # وما كاد صيف ذلك العام ينتهي، حتى قدم المندوب الجديد إلى مصر ليتسلم مقاليد منصبه، كما ~~تسامع الناس بأن هناك مقترحات قد عرضت من المستر هندرسن بسبيل تسوية العلاقات بين مصر ~~وإنكلترا، وحملها محمد محمود باشا إلى البلاد ليعرضها على الأمة «ممثلة» في برلمان ينتخب ~~انتخابا حرا لا زيف فيه لمشيئة الشعب وإرادة البلاد. # لقد آذنت يومئذ على هذه الصورة خاتمة حياة الحكم المطلق، وحقت على الاستبداد كلمة ~~الموت، وبدت تباشير الحياة للدستور والنظام النيابي قبل أن ينتهي نصف المدة التي حددها صاحب ~~هذه المأساة في سبيل القضاء على الوفد، والإتيان بخلق جديد واستخلاف قوم آخرين. # وعاد صاحب «اليد الحديدية» إلى مصر يحمل تلك المقترحات وبوده لو لم يحملها؛ لأنها شهادة ~~وفاة عهده، ووثيقة نهاية حكمه وانقضاء أمده؛ فسمي يومئذ «ساعي البريد»، إشارة إلى أنه لم ~~يكن له في تلك المقترحات غير وزر حملها، وإن راح هو يومئذ يدعي أنه قد تفاوض فيها ~~وتناقش، وباحث واجتهد، وسجل جهده في كتاب أخضر ليكون خير شهيد. # عاد صاحب اليد الحديدية محطوم النفس، متخاذلا في أعماق روحه، وإن ظل مع ذلك في الظاهر، ~~لتغطية الوجه، يتراءى بأنه لا يزال القوي العزيز. # وما لبث عقب انحداره إلى مصر حاملا تلك المقترحات في حقيبته أن راح هو وجماعته يحاولون ~~تعديل قانون الانتخاب. وهو في ذلك يقول: «أنا وحدي» الذي أملك هذا التعديل، ولكن الإنكليز ~~كانوا في الواقع يريدون الاتفاق مع الشعب لا مع فرد مثله قليل الأسناد محدود الأعوان؛ فلم ~~يمكنوه من تعديل القانون، فمكث شهرا أو يزيد وهو يتلاعب حينا ويتذلل حينا ويتحمل سائر ~~صنوف الهوان، وتلقى إليه السخرية من الصحف مختلفة الألوان، فلا يهدر ولا يزمجر، ولا يحس ~~غضبا ولا يشعر، منتظرا كلمة القدر من شفتي خصمه مصطفى الذي تغلب عليه بقوة الحق، وكفاح ~~النفس، ونضال الروح، في معارك المبادئ والإيمان واليقين. # لقد انتصرت المبادئ في ms343 شخص مصطفى النحاس وقومه وصحبه وأنصاره؛ فقد كانت المبادئ هي ~~المسيطرة على كل شيء فيه، الموهوبة منه كل حياته ... وقد ترك مصطفى شأن عاطفته، وأخلد إلى ~~عاطفة الكثرة التي وجهها فأطاعته، والجموع الساحقة التي وكلته؛ فلم يعد يعرف له صحابا ~~ولا خصوما إلا صحابه في المبدأ، وخصومه في العقيدة، وقد يعادى في ذات نفسه، ويرتع ~~الشانئون الحاقدون في لحمه وشخصيته، ولكنه يظل أبدا المنكر لحق نفسه، المجاهر بحق الذين ~~وكلوه، وأقاموه حيث أرادوه، منصرفا عن مطالب حياته إلى مطالب مبادئه وفكرته، مقيما نفسه ~~الوسيلة المجردة من هواها إلى بلوغ غاية أمته. # لقد قال بسمارك - منشئ ألمانيا في القرن التاسع عشر وزعيمها الأوحد: «إني لأخلع عني ~~الحياة كما أخلع الثوب القذر إذا أنا وجدتني لحظة ما هاويا إلى درك الذين يعيشون لأنفسهم ~~ويحيون لذواتهم!» # ذلك صوت المبادئ المتمكنة من قلوب أهلها: تجردهم من أنفسهم وتصفي من الشوائب طباعهم، ~~لا تنزغ بهم نزغات الهوى فيخاصمون للأحقاد، أو يحاربون محاربة الأفراد للأفراد؛ لأنهم آثروا ~~مصير الأمة على مصائرهم، واستحالوا طلاب الحق يؤثرونه على ذواتهم، فإن أصابوه تركوا الباطل ~~يموت من كمده، ويختم حياته بيده. # لقد منيت حياتنا السياسية بقوم يحسبون أنفسهم في قضية البلاد «عمليين»، وهم والله كذلك في ~~هذه العملية الشخصية التي حسابها يسير في حقيقة نفسها، وحساب البلاد والشعب والوطن عسير ~~عليها. ومبادئنا عند هؤلاء خيال بعيد الأفق، وهم في ذلك الجهلة والكذبة في دعواهم؛ لأن ~~الروحانية ليست خيالا، وإن تراءت كذلك في أعينهم وموازينهم، وما السياسي الصادق إلا رجل ~~يغذي الحقيقة والخيال معا، وإن أنفع الأخيلة ما جاء عن طريق الروح، ولم يأت عن طريق ~~الخداع والضلالة، وما خواطرنا وأناشيدنا ومزامير نهضتنا إلا لغة الروح، وترجمان الخيال، ~~ولسان العاطفة؛ لأن لطلاب الحرية المسلوبة منهم لغة غير لغة الناس؛ لأنها تنبعث من أعماق ~~النفوس، وتنبع من أسمى منابع الإحساس، وأعلى مصادر الوجود، وكل ما عداها من زمان أرسطو إلى ~~أيام «بوانكاريه» من الفلسفات والنظريات محشود في بضعة كتب، قائم في مجموعة ms344 محدودة من ~~المؤلفات والأسفار. وإنما السؤال الأخطر، والمشكل الأكبر، هو أي المبادئ أحق بأن ندين ~~بها، وأي العقائد السياسية نحن باعتناقها خلقاء؟! # كل فكرة في الحياة إنما توزن بقيمة الموكل بتنفيذها، والرجل الذي يدفعها من ورائها. ~~والسياسي الصادق هو الذي يكشف أنصاره على الفكرة، وصحابته في المبدأ، ويجمع إليه أكفأ ~~القادرين على الاشتغال بها، والصالحين للذود عنها. ومن هنا يتجلى الفارق بين السياسي الذي ~~عينته الأقدار لمكانه، وجاءت به الطبيعة ليشغل في الدنيا موضعه، وفي رأس الحشد ~~مطلعه، وبين الساسة «المحترفين» ممن اتخذوها صنعة، وابتذلوها مهنة؛ فإن الأنصار ~~والصحب والأعوان يجيئون إليه هو طلقاء الإرادة، طواعين للمبدأ، مرحبين بالعقيدة ؛ ~~لأنها أصابت هوى نفوسهم، واتحدت مع رغبة صدورهم ونزعة طباعهم؛ وأما أولئك فلا يجيء أحد ~~إليهم إلا مسوقا بزخارف المادية، مدفوعا بمفاتن النفس الأثرة، وذلكم - أي السياسي ~~الصادق المخلص - بعيد مطارح الرأي في الناس، يقيسهم بمقدار مبادئهم، ومبلغ إنكارهم ~~لأنفسهم، وأولئك يقعون على الأنصار بالإغراء، ويجمعون الضعاف بالملق والإطراء، والمصانعة ~~والدهاء، وعندهم أن المرء إذا أراد أن يكون سياسيا لبقا، وداهية حاذقا، فليكن كاذبا ~~مدلسا، خوانا ممالئا ملابسا، ولا بأس من أن يناقض اليوم ما قاله أمس؛ فإن فعل ذلك ~~كله كان الناجح الموفق في سياسته، كأنما يصح في الأذهان أن يقوم بجانب الحساب المفهوم على ~~قواعده الأربع الأولية، حيث يروح الحاصل هو مجموع وحدات معينة، وأرقام ثابتة، حساب ~~رياضي آخر، يختلط فيه الجمع بالطرح، وتتشابه فيه الخسارة والربح، وتتمازج خلاله الزيادة ~~والنقصان، وهو تخريج سياسي لا يصح إلا في منطق الساسة الكذبة، وهم أشباه الحواة المهرجين، ~~واللاعبين السيمائيين، يخدعون وهم المخدوعون، ويموهون على النظر وهم على أنفسهم ~~يموهون. # أما السياسي الصادق الوفي لمبادئه، فذلكم رجل يجري قواعد العلم على عقيدته، ويعلم أن ~~كل الذرات الدقائق خاضعة لقانون الجاذبية، وأن كل الحقائق كذلك في عالم الأخلاق متصلة ~~بقانون العلة والمعلول، وفي ذلك يقول كافور الإيطالي: «إن كل المسائل السياسية أو الخلقية ~~هي أشبه الأشياء بقوس تقاس كل دقيقة من دقائقه بأدق ms345 الأقيسة وأضبط الحساب»، ومن ثم كانت ~~عناية الزعيم بتوخي الدقة المتناهية في اختيار رجاله والأمناء على فكرته، والحفاظ لمبادئه؛ ~~بل من هنا قام الإيمان الراسخ بأن الخطأ في ميزان الشخصيات قد يفسد عليه حكمه، ويلوي عليه ~~قصده، فلا صداقة عند الزعامة لغير الأكفاء لعقيدتها، ولا مودة إلا بينها وبين النفس المؤمنة ~~بغايتها أصدق الإيمان. # لقد انتصرت المبادئ في تلك التجربة التي أريد بها تحطيم الزعامة، وتوهين سلطان الوفد، إذ ~~أعجزت الأمة أصحابها بصبرها العجيب، وثباتها الجليل، كما أعجزتهم زعامة مصطفى النحاس بصبره ~~الرفيع، ومقاومته البالغة، وحكمته البارزة في قيادة الجماهير، وتغذيته للروح المعنوي في ~~الصفوف، وشجاعته الرائعة التي قدر الله لها أن تخرج من كل المعارك بانتصار بعد ~~انتصار. # قوتان لا تنهزمان: إرادة أمة، وإيمان زعيم ... # | مصطفى النحاس في الكفاح للدستور والاستقلال # ظلت وزارة اليد «الواهية» تتلكأ في المكث، ولا تحفزها العزة إلى الخروج، حتى استدعى الملك ~~زعيم البلاد لاستشارته، بموجب أحكام الدستور كرئيس للأغلبية، في أمر الوزارة التالية، ~~فتحركت يومئذ الوزارة المتباطئة ورفعت كتاب استقالتها في اليوم الثاني من شهر أكتوبر سنة ~~1929، فقبلت في اليوم ذاته. وكان قد تم التشاور بين القصر والوفد قبل تقديمها، فاستدعى ~~عدلي يكن باشا إلى لقاء الملك في الثالث منه، وصدر الأمر الملكي في الغداة إليه بتأليف ~~وزارة جديدة تتولى الحكم تمهيدا لعودة الدستور وإجراء الانتخاب. # وقد جاء في كتاب عدلي باشا يومئذ إلى الملك: «لقد تدبرت الموقف الحاضر طويلا، فرأيت أن ~~إخلاصي لسدتكم العلية، وواجبي نحو بلادي في هذا الدور الخطير من سياستها، وبعد الذي أبلته ~~من جهاد، وقطعته من مراحل في سبيل تحقيق أمانيها، يجعلان فرضا علي أن أطرح كل اعتبار ~~يحملني على التردد، وأن أحرص على تمكين البلاد من الوصول إلى قرار فيما أتيح لها في قضيتها ~~القومية. ~~... وستكون الغاية التي تترسمها الوزارة إعادة الحياة الدستورية، وإجراء الانتخابات لمجلس ~~النواب، خالصة من كل ضغط أو تأثير غير مشروع، بحيث تنقل صورة صادقة من إرادة البلاد لكي ~~يتمكن البرلمان بعد ذلك من ms346 البت في مصيرها.» # وكان المرحوم عدلي يكن باشا خير من يتولى وزارة محايدة كهذه أو وزارة انتقال، فقد كان ~~رجلا أخا نزاهة ورفعة واحترام ذات، وتسام عن الدنايا مع كياسة ومعرفة للواجب وإقدام ~~على تأديته في المحارج ومواطن الخطر ودقيق الظروف. # لقد تقبل هذا الرجل الخطير المهمة الخطيرة، وهو يعلم أنها لأشهر قليلة، فدخلها شريفا ~~ليخرج منها شريفا، ولو أن غيره قبلها على هذا الحساب، لتدلل في الدخول، أو سوف في ~~الإياب، واستلذ نعماءها واستطاب، ولمضى يمني نفسه بأمر يجيء على غير ارتقاب؛ ولكنه كان ~~رجلا عظيما، فلم يتقبل الوزارة لجاهها؛ لأنه شبع من الجاه، ولا ليتم نقصا في مجده ~~وقد بلغ من المجد أوجه ومنتهاه، وإنما رأى الشعب يرتضيه للمنصب فارتضاه، وهو عليم ~~يومئذ أن عهده القصير دورة انتقال، وهو الآخذ بالزمام، الأروع المقدام، فحمل الأمانة ~~مؤمنا بأن الشعب يعرف له مكانه، وقد أداها وفيا، وخاض بمصر المعركة الانتخابية، وكانت ~~حيدته مجدا فوق ذلك المجد، ولم يكد يتم الانتخاب حتى بادر إلى الاستقالة ورفع الكتاب، ~~فليسجل التاريخ لهذا الوزير الشريف موقفه الرائع الجليل، وليذكر الشعب له تلك الذكريات ~~العاطرات. # أقدم عدلي باشا على قبول وزارة الانتقال، فلم يتوان عن القيام بمهمتها، إذ شرع بعد أيام ~~قليلة في تحديد دوائر الانتخاب، وردها إلى ما كانت عليه من قبل غمة الحكم المطلق الذي ~~كان يريد أن يدخل عليها التغيير والتبديل، ودفع الإدارة إلى النشاط في إعداد المعدات لحركة ~~الانتخاب. # وأدرك حزب الحكم المطلق الذي باد وغبر أنهم إذا اشتركوا في المعركة الانتخابية سقطوا ~~صرعى، ولم يظفروا في الدوائر بأكثر من آحاد ضئال؛ فرأوا أن يلعبوا لعبة أخرى قد تجدي ~~عليهم في قادم الأيام، وهي أن ينسحبوا من الانتخابات، فأضربوا عن دخولها، ولم يكن ذلك ليؤثر ~~في مسيرها، وإنما كانت دليلا على تراجع مكشوف وبأس واستضعاف وفرار من الميدان. # وكان تقديم الوزارة العدلية كتاب استقالتها إلى القصر في 31 ديسمبر سنة 1929، فودعتها ~~البلاد شاكرة لها نزاهتها وعدالتها، حامدة لها بدايتها ونهايتها، مقدرة ms347 لها جهودها النزيهة ~~الطيبة الموفقة. # وبدأ العام الجديد بتأليف وزارة الشعب، فعاد مصطفى النحاس باشا إلى مكانه من الحكم، ~~بمقتضى الحق الدستوري وثقة الشعب ووكالة الأمة؛ فتلقته بفرح بالغ، واستقبلته الجماهير ~~متفائلة مغتبطة، وسرى السرور في جميع الندي والأوساط. # وانتصرت الحياة النيابية، وتغلب الدستور على مناوئيه بعد أن ظنوا أنهم قد وأدوه، وقطعوا ~~بين الأمة وبينه، وأقاموا السد المنيع دونه، فلا معاد له، أو تتجدد المهلات، على السنين ~~المتواليات. عاد الدستور ورجعت الحياة النيابية، ساخرين منهم، ضاحكين من هزيمتهم، ~~عادا بفضيلة الوفاء لهما والبر، وقوة الإيمان والثبات والصبر؛ فكان لهما الفوز والغلبة ~~والنصر؛ لأن الحياة لا تعطف على اليأس، وإنما تقبل على الرخاء، وتدفع إلى الأمل، إذا استوفى ~~الامتحان الأجل، وأقرت الحياة لنا بالجدارة بها والاستحقاق. # وافتتح البرلمان في الحادي عشر من شهر يناير، فكان يوم فرح عام في البلاد، ولكنه كان ~~أيضا يوم تفكير طويل في الدستور وسبيل الحرص عليه، ووسيلة تحصينه من معاد الكيد له والدس ~~والائتمار، وتدعيمه بالضمانات الكفيلة بوقايته من خصومه اللاعبين وراء الأستار. وقد عني ~~حارس الدستور الذي جاهد في سبيله، وحارب من أجله، بهذه الفكرة الجليلة، والخطوة الضرورية، ~~فجعلها في مقدمة خطاب العرش، على لسان صاحبه، حيث يقول: «... أفتتح هذا الدور مغتبطا بعودة ~~الحياة النيابية، مستبشرا بما أظهرته البلاد من تقدير صحيح لمزاياها، ورغبة صادقة في تعميم ~~خيرها وتثبيت خطاها، وإنه لمن أحب أمانينا أن تظل البلاد متمتعة بنعمة الدستور، معتزة بما ~~كفله لها من حقوق وحريات، وأن يظل الدستور نفسه منيع الجانب، مصون الأحكام، وأن يحاط ~~بسياج من التشريع يكفل له حياة متصلة، ونموا مطردا. وستعرض الحكومة على حضراتكم مشروعات ~~قوانين لتحقيق هذا الغرض السامي.» # كان هذا هو أول ما اتجه إليه الفكر بعد الفرحة بعودة الدستور، وذلك من فرط الحرص عليه، ~~ومزيد العناية به، وعمق الإيمان بقداسته؛ إذ كان لا بد من قطع الطريق على كل كيد يكاد له، ~~ومنع الأيدي الدنسة الأثيمة أن تنال منه؛ لكي يبقى مصونا من أي عبث، ms348 موفور القداسة من كل ~~انتهاك. # وقابل الناس هذه النية الصادقة من حكومة الشعب واعتزام مصطفى القوام على حراسة ~~الدستور، الحرص على الديمقراطية، بكل الرضوان الخليقة به، وارتفع الصوت من كل جانب بوجوب ~~المبادرة بهذا التدعيم، وتوفير هذا الضمان؛ لتطمئن الأمة على دستورها ونظامها الأساسي من ~~جرأة الجناة وجرائم المجرمين. # ولكن الوزارة انشغلت في أيامها الأولى بعمل آخر كان واجبا وجوب هذا التدعيم ذاته، وهو ~~«التطهير» واستئصال الجذور الخبيثة التي فرعت وهاشت، وأنبتت من كل نبات سام شديد الأذى ~~فاتك بالحياة، بل عملية تنظيف الأداة الحكومية من الأقذار التي علقت بها، وعطلت سيرها، ~~وأفسدت كل نظامها إفسادا. # لقد استطاع الحكم الرجعي الغابر أن يفسد أخلاق الموظفين ويشيع فيهم الملق والرياء، ~~ويغريهم بالجريمة والبطش بالأبرياء؛ ووجد من الحكام الصغار والموظفين العاملين في الأقاليم ~~صنائع له متحمسين في أذى الشعب، مفتونين بالبطش بالودعاء والأبرار؛ فجعل يمد لهم، ويشجعهم ~~بالترقيات والأجزية المراودة لهم عن آخر إحساس بشري فيهم، حتى انقلبوا وحوشا ضارية ~~ومجرمين صم القلوب موضعين في الإجرام. # وقد بادرت حكومة الشعب إلى تخليص البلاد من أذى فريق كبير من هؤلاء. ولكنها كانت رحيمة ~~فلم تتجاوز مؤاخذتها لهم حد الإحالة على المعاش؛ ولو أنها أخذتهم بالعدل في غير رحمة، لألقت ~~بهم في غياهب السجون. # ومن فرط الكمد، عمد أولياؤهم الذين أصبحوا لا يملكون لهم ضرا ولا نفعا، إلى التظاهر ~~بالتحدي، فأقاموا حفلة تكريم لصنائعهم الذين نزل هذا القصاص الرفيق بهم، فلم تحفل حكومة ~~الشعب بما صنعوا، ووقفت حيالهم ساخرة، تاركتهم في كمدهم المحترق وغيظهم الكظيم. # وانصرف الناس في هدأة النظام، واستتباب العدالة، وحنان الزعامة، ورفق القيادة، إلى ~~الحياة النيابية وعملها، وانصرفت الحياة النيابية إلى خدمة الأمة، وتوخي مصالحها وتحقيق ~~مشيئاتها. وقد تفاءل الناس واستبشروا، إلا قليلا منهم ظلوا على تشاؤم مكين فيهم، مستبد ~~بطباعهم؛ ولكن هؤلاء لا يؤثرون في الحياة؛ لأنهم يموتون في أنفسهم، ويحترقون رويدا في نار ~~تشاؤمهم، ولا يلقون على الحياة الضاحكة الباسمة المتوردة من حولهم ظلا من جهامتهم، ~~وعبسة تشاؤمهم وتطيرهم، ms349 إلا كما تتراءى الغمامات الخفاف في ناحية من السماء الزرقاء ~~الصافية، لا تلبث وقدة الشمس أن تذهب بها بددا، وترسلها متقطعة متباعدة. # كذلك هو عيش المتشائمين، هم سجناء في محابس مظلمة، راسفون في أغلال النحس والانقباض ~~والجمود والبلادة والتبرم والاستخفاف، على حين يروح المتفائلون راقصين للحياة، متوثبين مع ~~الأمل، رحاب الصدور، خفاف السوق، يبتسمون للأزمات العارضة، تعللا بما وراءها من الخير ~~المرتقب، والنفع المرتجى، والظروف الطيبة، والأيام المشمسة المشرقة الضياء. # وقد كان الشعور العام يومئذ شعور رضى وأمل وتطلع، وكان الناس يومئذ مدركين أنهم مجتازون ~~دورا خطيرا في طبيعة حياتهم العامة يشبه في حياة الفرد دور البلوغ أو المراهقة، وأن ~~زعماءهم إنما يعتمدون عليهم وعلى قواهم الكامنة في الجهاد لحل أكبر المشاكل، وتسوية أخطر ~~الشئون، لخيرهم وخير الأجيال القادمة من بعدهم، وأن الجهاد يجدي عليهم، ويزيدهم قوة على ~~قوتهم؛ لأن الأذهان تصح بالتفكير، والنفوس تقوى بالإيمان، والعزائم تستأسد بالخطوب ~~والنكبات. # لقد راح كل فرد يومئذ يفكر في مستقبل بلاده، أو يسأل غيره عن فكره، أو يجلس إلى العارفين ~~ليستمع إلى أحاديث اليوم وأخباره، ويوم تكفل الحرية الاجتماعية، وتسود الحياة النيابية، ~~يروح كل شيء في الحياة حسن الأثر، منتجا للخير، بل إن التفكير الساذج نفسه لا يخلو من ~~فائدة؛ لأنه يستثير الفكر الصالح، ويولد الرأي السديد، ويحرش الأذهان الناضجة. وليس من عجب ~~في ذلك؛ لأن وضع السلطة في يد الشعب، يقرب الأشياء إلى العقل، ويوصل ما بين الناقص ~~والمكتمل، وييسر المراقبين، ويكثر من عدد الملاحظين والمشرفين، فتستيقظ الأذهان للحقوق ~~العامة، وتتفتح الأعين بفضل الرقابة التامة، فلا تنطلي عليها الخدع الماكرة، ولا تفلت ~~الأغلاط هاربة، ومن لم يكشف الأغلاط بنفسه، كشفتها له المنابر العامة، وهدته التيارات ~~الجارية إلى مرفأ الصواب. # إن الحياة النيابية تجعل للأفراد وجودا، وتكسب الجماهير قوة، وتعطي الشعب هيبة؛ لأن ~~المتصدين للظفر بالنيابة عنه في المجلس مضطرون إلى النزول عن كبريائهم للتحبب إليه، والتماس ~~رضاه، والاجتهاد في كسب مودته، واستيضاح مشيئته. ويوم تقوم الانتخابات، يرتفع صوت الفرد، ~~وتظهر قيمة ms350 الجمهور ومكانة الحشد، ويروح الأفراد متكبرين على الكبار الذين كانوا بالأمس ~~يحسبونهم صغارا لا تقام لهم أوزان. # لقد ذهبت أصوات الناخبين بكبرياء الطبقات؛ فأضحى رب القصر يمشي إلى صاحب الكوخ، وأمسى ~~الكوخ الصغير هو الذي يدفع إلى الندوة ويفضي إلى البرلمان. ومن شاء أن يغلب منافسه في ~~ميدان النيابة، لزمه النزول إلى الشعب، والإذعان إلى مشيئته، وملاقاة الحب منه بالحب، ~~واجتماع التواضع منه بالولاء. # ولا يحسبن أحد أن الزعماء هم الذين يتحكمون في الجماهير، فإن الجماهير هي في الواقع ~~التي تتحكم في الزعماء، وتنزلهم إليها، وتدمجهم فيها. ولئن قيل إن كثيرا من الطامعين في ~~النيابة - ولم تتوافر الأداة الصالحة فيهم لنيلها - إنما يشترون أصوات الناس كما يشترون أي ~~شيء بالمال؛ فقد يصح أن يقال كذلك إن حسب الفلاح أو الفقير اليوم أن يدرك أن لديه شيئا ~~روحانيا يتنافس الأغنياء في نيله منه، ويتسابق القادرون على الظفر به عنده؛ فإن معنى ذلك ~~أن الناخب قد أصبح قوة محسة، وأضحى له نفوذ كبير يلتمس لديه، فإذا رضي مرة أن يبيعه ~~رخيصا، علمته الأيام كيف يضن به على الشراة والطالبين. # ولكي ندرك أن معاشر المتفائلين منا - وعلى رأسهم زعيمنا مصطفى النحاس - هم على حق في ~~التطلع إلى المستقبل الباهر لهذا الشعب الخصيب الاستعداد، ينبغي أن نراجع مبلغ التطور ~~السريع الذي ظهر في البلاد على قصر فترات الحياة النيابية فيها وسط الأعاصير والرياح ~~القاصفة؛ فقد تنبهنا لفضلها وشيكا، ومشى برلماننا من بكور الطفولة، وتعلم الكلام سريعا، ~~ودرج إلى الصبا واثبا، فلم يحتج إلى الأرجوحة، ولم يتساند إلى الجدران، ولم يتعلم ~~الحبو على الثرى، بل لقد نبغ في المجلس شباب متسامون إلى العلا، كأنهم أرسخ الشيوخ قدما ~~في الحياة البرلمانية، وكأنما ولدوا في عصر نيابي، واغتذوا من لبان الدستور قبل أن يكون ~~دستور، وبرزت في الحياة العامة شخصيات قوية أخاذة بالإعجاب العام، حتى لقد أصبحت أسماؤها ~~نواقيس الأمل، وأجراس النهضة، ومنارات النبوغ والوطنية الصحيحة الصادقة. # ولئن كانت لدينا في الحياة النيابية عيوب ظاهرة، فإن عللها ms351 توحي بأدويتها، وحسناتها تدل ~~على سيئاتها، وتشخص أمراضها وأسقامها؛ لأن كل غلطة تقع فيها تنبهنا إلى معالجتها، وتستفزنا ~~إلى ملافاتها، وكل خطب يصيبنا يخدمنا ويشد من قوانا ويجدد من عزماتنا، وكل عام يمضي بنا ~~في طريقنا إلى تدعيم المستقبل والبناء له يزيدنا إيمانا بالحياة النيابية التي استقرت في ~~أرضنا؛ لأن للروحانيات وحيا غريبا لا يعرف مصدره، ولا يكتنه سره، وحيا يكشف لنا عن ~~الحق، ويحفزنا إلى إصلاح العيب، وسداد النقص. وقد علمتنا الطبيعة درسا لا ننساه، وهو أن ~~تاريخ الخليقة من البداية هو تاريخ التقدم من القليل إلى الكثير، ومن «الخام» إلى المصقول، ~~وأن النمو ميسور، والتقدم مكفول، كما نفثت الطبيعة في أرواحنا الأمل في حياتنا، والرجاء ~~الحسن في مستقبلنا، وألهمتنا أن نسير بحياتنا العامة في أقوم سبيل. # لقد كان هذا هو شعور الناس حين عادت الحياة النيابية بعد انتصار مصطفى على كل التجاريب ~~الماضية، فارتفع نبض الحياة العامة، وجاشت نفسها بالآمال؛ إذ رأت الوزارة قد نشطت للعمل ~~المنتج، والإصلاح المثمر، ومعالجة مساوئ العهود الغابرة بروح العدالة وقوة الإيمان. # وكانت المظالم المتخلفة كثيرة، وشكاوى العناة والمتألمين لا يحصى لها عديد؛ فذهبت ~~الحكومة الشعبية تسعى في رد جملة منها، والنظر في طوائف متعددة من الظلامات الصارخة فيها؛ ~~فأعادت موظفين كانت الوزارة الماضية قد انتقمت منهم لوطنيتهم، وعذبتهم بذنب إخلاصهم ~~لمبادئهم، وردت طلابا كانوا قد حرموا من متابعة التعليم. # وخلال ذلك كله مهدت لإصلاح النظام الدستوري وتدعيمه بالبحث في موضوع المسئولية ~~الوزارية، والاشتراع لمحاكمة الوزراء الذين تسول لهم نفوسهم العبث بالدستور أو بالحياة ~~العامة؛ كما راحت تتأهب للمفاوضات القادمة، وكانت قد تحدثت عنها في خطاب العرش حيث وردت ~~الفقرة التالية: # إنه لمن دواعي اغتباطي أن يؤذن هذا الدور بعهد جديد من التفاهم الودي، والصداقة ~~المثمرة بين بريطانيا العظمى ومصر؛ فلقد أعربت الحكومة البريطانية عن رغبة صادقة في ~~عقد اتفاق ودي بين البلدين، وتحقيقا لهذا الغرض قدم جناب وزير الخارجية البريطانية ~~إلى الحكومة المصرية مقترحات أملتها عليه روح المودة والوفاق. ويسر حكومتي أن ms352 تعرض ~~هذه المقترحات على حضراتكم، وهي تأمل أن تسير بالمفاوضات فيها مع الحكومة ~~البريطانية مشبعة بروح الوفاق والمودة للوصول إلى اتفاق وطيد شريف بين البلدين، ~~ومتى تم الاتفاق فستعرضه حكومتي على البرلمان للتصديق عليه، وعندئذ تعمل على تنفيذه ~~بنفس الروح الطيبة التي باشرت بها عقده. # وفي الثالث من شهر فبراير سنة 1930 عرضت الوزارة على البرلمان بمجلسه المقترحات ~~البريطانية التي كان محمد محمود باشا قد حملها قبل سقوط وزارته من قبل الحكومة البريطانية ~~لعرضها على البلاد تمهيدا للبحث فيها، وعرضها على ممثلي الأمة ووكلائها الصادقين. ونهض ~~مصطفى النحاس باشا في المجلسين موطئا لعرض هذه المقترحات، فقال: # تنفيذا لما ورد في خطاب العرش بصدد المقترحات البريطانية، أتشرف باسم الحكومة ~~بأن أعرض هذه المقترحات على حضراتكم: # إن الروح الطيبة التي أملت هذه المقترحات قد قابلها الوفد المصري الذي أتشرف ~~برياسته، بروح مثلها، ولقد بدا ذلك واضحا في الأحاديث المتعاقبة التي أدليت بها ~~قبل ولايتي الحكم، وكذلك قابلتها الحكومة بمثل هذه الروح، وبدا ذلك جليا في خطاب ~~العرش، وفي التعقيب الذي ألقيته بمناسبة الرد الحكيم الذي وضعه البرلمان عليه. ولقد ~~اعتزمت الحكومة - إذا ما فوضتموها - أن تغتنم هذه الفرصة التي أتاحها وجود حكومة ~~بريطانية مشبعة بروح التفاهم والصداقة مع مصر، وتتفاوض في هذه المقترحات مع ~~الحكومة البريطانية بنفس هذه الروح الطيبة، روح الرغبة الأكيدة في الوفاق والصداقة ~~بقصد الوصول إلى اتفاق شريف وطيد بين البلدين. # والحكومة يهمها أن ينظر المجلس بوجه الاستعمال في أمر هذا التفويض المطلوب لكي ~~تتمكن من الرد على الحكومة البريطانية، ومن الاتصال بها للاتفاق معها على موعد قريب ~~للمفاوضة، والأمل قوي في الله تعالى أن تسفر هذه المفاوضات عن الاتفاق المنشود الذي ~~تكون فيه المصلحة والخير للبلدين، وبعد ذلك تعرضه الحكومة على البرلمان ليقول قوله ~~الفصل فيه، ومتى صدق عليه تقوم الحكومة بتنفيذه بكل أمانة ~~وإخلاص. # وقد أقرها المجلسان في 6 فبراير، وفوض لها - بالنظر إلى ثقته التامة بها - المفاوضة مع ~~الحكومة البريطانية في تلك المقترحات للوصول إلى اتفاق ms353 شريف وطيد يوثق عرى الصداقة بين ~~البلدين. # وتقرر أن يكون سفر الوفد الرسمي لهذا الغرض برياسة مصطفى النحاس باشا في أواخر شهر مارس ~~سنة 1930. # وقد تلقت البلاد هذه الأنباء برضى وأمل ودعوات طيبات لمصطفى وأصحابه أن يوفقهم الله فيما ~~اعتزموه، ويسدد خطاهم فيما هم مزمعون سفرا له، ويكتب لهم الفوز والنجاح. # وكان توديع الأمة لمصطفى يوم سفره على رأس الوفد الرسمي للمفاوضات يوما مشهودا في ~~البلاد، زاخر الموج بالحشود، بل هو حشد الحب وهتاف القلب، وموج متدفع مصطخب، نسي الناس فيه ~~أنفسهم فكأن كل نفس شعب، وكأن كل امرئ أضاع لبه في الحشد فذهب يبحث عن ذلك اللب. جموع ~~تملأ الرحب، وخلائق تطفر، وأمواج بشرية تثب، ودوي ذاهب في صميم الفضاء، وصوت من الأرض ~~تتجاوب به السماء. ولو أن محطة القاهرة على باب صحراء، لخرج أهلها جميعا يمشون في موكب ~~الوفاء؛ ولكنها محطة محدودة الأرجاء، وقد نسي الجمع الحاشد أنها كذلك، فتدافعوا يحسبونها ~~تتسع لمصر كلها على السواء. # لله هو يومئذ من مشهد يوم عظيم! ولله هو من شعب وفي كريم! ولله تلك الآية الكبرى، ~~والمواكب الباهرة، جاء بها الحب، وحشدتها الفطرة! أفرأيتم الزعيم مصطفى في وسط الأمواج ~~الزاخرة؟ وهل شهدتموه في الساحة والبهرة، والجموع عليه ملتفة، والحناجر بوداعه هاتفة؟ وهو ~~بينهم شاحب مضطرب، والحشد متدفع متألب، وقد أنستهم الحماسة أنه بشر مثلهم، يطلب الهواء؛ ولم ~~يذكروا أنه رئيس الوزراء، فتدافعوا ليحملوه، وتراجع هو ليمشي فإذا الألوف من ورائه، وإذا ~~الألوف حياله، وهم عليه متزاحمون، وهو مقبل ومتراجع، ليستسلم لهم لخطة، وهو باسم، ثم ينثني ~~يطلب الطريق، وهو غاضب، فلا يكاد في خطفة الخاطر يهم بعبسة الغضب، حتى يلغي الغضب ليستعيد ~~بسمة الحب ...! # أيها الشعب! ... يا فرعون في الحب! لقد أنستك الحماسة الرفق، فرحت كالموج ~~المطبق، والزعيم في وسطك كالزورق، حينا على اللج يعلو، وحينا عليه اللج يشفق. والإفريز ~~مستطيل، والمد الإنساني زاحف، والجبين الطاهر كمقدم الفلك يتلألأ من العرق، وقد سرى ~~على وجه الزعيم جلال شاحب، بين إيماضة الباسم، ms354 وبين اكفهرارة المتعب الغاضب. # وترك الزعيم ساقيه للموج، وقنع بذراعيه يدفع بهما في رفق الجمع المعتلج. واستطال الإفريز ~~كأنه الساحل المترامي، والناس من الحب بين المصفق والمشرئب والمتسامي، والفرح الدامع ~~الهامي؛ حتى أشرف مصطفى على المركبة، وكأنما قد حيل بين المحب وحبيبه، فطفق الشعب يهتف ~~باسمه، ويدعو الله له؛ حتى صفرت القاطرة، ولا يزال الهتاف راحلا في إثره، والنفوس مرافقته ~~في سفره، حتى توارى القطار بالحجاب، والخلائق الكثر في الرحاب، قد شقت الأبواب، وجاءت ~~كالسيل العرم من كل إفريز وجانب، تعدو وراء القطار وهي تحسبها ملاحقته، أو تظنه إنما غاب ~~في منعطف المآب! # ولقد علم الله ما كان مصطفى ليعظم فينا، وما كان ليظفر منا بحبنا، لو أنه كان كما فتئ ~~خصومه في البلاد يقولون «مخلوق ظروف»، وزعيما جاءت به «المصادفة»! إذ لو صح ذلك لكانت ~~الأقدار هازلة، وحكومة السماء من حكومة الأرض ساخرة، والسماء لا تهزل، والقدر لا يقيم على ~~رأس شعب مجاهد، ولا يضع على صدر أمة مكافحة رجلا ليس على شيء من مطالب الزعامة، خليا من ~~معاني العظمة، أحدثه الزمان، ورفعته طوارئ السنين وأحداث الأعوام. ومن يقل ذلك فهو الساخر ~~من النهضة كلها، من مطلعها إلى يومها هذا وعهدها، الهازئ بما سال على جوانبها من دم زكي، ~~وفاض عندها من وطنية حارة، وذهب في سبيلها من نفوس بريئة طاهرة. ومن تجيء به الظروف وتنشئه ~~المصادفة، يمض في الحياة مترنح الميزان؛ لأن الظروف التي جاءت به قد ترتد حينا عليه، ~~والمصادفة التي أنشأته متخلية يوما عنه، والنفوس التي مالت إليه عائدة مع الزمن عن حبها ~~له. ولن تعيش العظمة الطارئة إلا ريثما تمضي الظروف التي طرأت بها، ولن تثبت على الزعامة ~~وهي من معانيها الأولية خالية. # ذلك هو صوت الحقد الأعمى، كلما سمعناه أخذناه إلى قلوبنا، فعرضناه فإذا القلوب مزدادة ~~حبا، حاشدة ولاء. وكذلك تروح كل فرية تنسج حول الزعيم الذي اصطفاه القدر ولم تجئ به ~~المصادفة، هالة من ضياء يتوهج، ودائرة من سناء يلتمع؛ وكذلك تخدمه فينا ms355 أكاذيب أعدائه، ~~وتخدمنا فيه فريات خصومه؛ لأن العظمة لا تجمل بالمديح قدر ما تجمل بالهجاء، ولا يطيب ~~لديها الثناء كما يطيب عندها كلام الأعداء؛ لأنها جندية محاربة، كلما أمطروها في المعركة ~~نيرانا، زادوها ثباتا وشجاعة وسكونا. # لقد نشأ مصطفى رجلا فاضلا بالفطرة، عظيما بالسليقة، لم تجئ به الظروف المطاوعة، وإنما ~~جاء هو بها طائعة، وحملها على المشي في أثره، والركض وراءه؛ لتلاحقه وتنصاع لكلمته، وتنزل ~~على مشيئته، ومثله لن ترد عليه سلسلة الحوادث، ولن تكفل له القوة التي يتحرك بها؛ لأن كل ~~قوة فيه هي من صميمه، ومحال أن تصلح الظروف الحسنة ما فسد بالخليقة؛ وهيهات أن تزيل ~~الأحداث الطبيعية مناقص الشخصية المشوهة. ومن العار على العظمة الصادقة أن تعدو إلى ~~الحوادث، وتترامى على فواجئ الظروف، لتوكيد صدقها، وتثبيت أفضالها، واستخلاص الشهادة ~~بمواهبها، إذ لا يجري الغني المستثمر ماله في الصناعات أو ميدان المال في كل ساعة إلى ~~«البورصة»، ولا يهطع في كل وقت إلى سوق الأوراق ليستبدل ما عنده منها نقدا، ويرد ما في يده ~~منها عملة جارية؛ وإنما هو يقنع بقراءة أسعار السوق ليتوكد لديه أن أوراقه قد ارتفعت، ~~وثروته قد زادت وربت مليا. # لقد عف مصطفى من جميع جهاته، فهو اليوم في مناعة من الشهوات، ووقاية في صميم نفسه من ~~مغرياتها، وأحاديث نجواها وهمساتها؛ وقد تطهر من مطالب ذاته فأضحى كله بنفسه وخاطره وشعوره ~~للذين استأمنوه على الزعامة فيه، وأولوه التفكير عنهم في أمر وطنهم، وإن قوة الفضيلة لهي ~~سناد كل عظمة وقوام البطولة الزعيمة في الأمم والشعوب. # لقد ذهب مصطفى النحاس على رأس الوفد يفاوض! فلله هو لقد أعد لهذا اليوم الخطير، والمهمة ~~الكبرى؛ فإن انتصر فقد أدى رسالته، وإن لم ينتصر؛ لأن خدع الباطل غالبة، والسياسة واهية ~~كاذبة، فقد انتصر، ولكن بالروح؛ لأن الحق لم تتحيف جوانبه، والمفاوض أراد أن يأخذ الحق ~~وأبى أن يوهبه! # وما مصطفى إلا سعد في صورتين؛ فلئن كان سعد رب العقل الجبار، لا يخاف في الحق قوة، فإن ~~مصطفى بضعة ms356 من سعد، تخاف على الحق من كل قوة؛ ولئن كان سعد جبروتا في قوة الحق، فإن ~~مصطفى جبروت مثله في الحرص على الحق. ولقد كان سعد لا يخشى على شيء، وأما مصطفى فإنه يخشى ~~في مناهجه السياسية على ثلاث: على الحق في ذاته، وعلى سعد في مبادئه، وعلى خليفة سعد في ~~سمعته وزعامته. ومن تكن هذه مراشده فهو على الصراط، لا يضل صاحبكم ولا ينسى! # وقد بلغ من كمد خصوم الوفد الذين صرعهم الحكم المطلق بأيديهم أن راحوا يقولون في سفر ~~الوفد الرسمي إن هو إلا سفرة نزهة، وسياحة لهو، ومشوار قصف وعبث، وعودة بخسر، ومآب بفشل، ~~وكان ذلك كله لغة الحقد ، فإن من يأخذ الطريق إلى المجد لا يتنزه، وما هي يومئذ بسفرة لهو، ~~وكل مستقبل مصر معلق فيها على الخيبة أو النجاح، وحياة الملايين مرهونة بخاتمتها، وكل خطوة ~~فيها تحمد الله وتسأل السلامة من الخطوة التالية، وكل مصر متطلعة إليها مترقبة ~~راجية. # تلك رحلة في التاريخ، وانتداب أمة، وتمثيل شعب، وأمانة قوم، وذمم أجيال، تولاها جميعا ~~مصطفى النحاس قويا بها، وهي به قوية، مؤمنا بمعانيها، وهي واجدة فيه رموزها وعناوينها ~~الواضحة الجلية، ومظاهرها الرائعة البالغة. # وكان الوفد عند وصوله إلى لندن موضع حفاوة كبيرة وترحاب عظيم، وتبودلت الزيارات والمآدب ~~ومجامع التعارف ومحافل الاستقبال والتكريم. # وفي الحادي والثلاثين من شهر مارس - وقد وافق يوم اثنين - كان الاجتماع الرسمي في قاعة ~~«لوكارنو»، تلك القاعة التاريخية العظيمة التي سميت باسم المعاهدة التي عقدت فيها؛ هنالك ~~اجتمع الفريقان ... هذا قوي له في البحر الفلك المشحون، وعلى صفحة الأوقيانوس ضخم ~~السفين يجري باسمه رهيبا، وفي الأرض عز مكانه يحيي أمما ويميت شعوبا؛ وهذا قوي ~~بالروح، خال من السلاح، عدته الحق، والحق من الله، وصياله بقوة الإيمان، والإيمان ~~في الأرض عظيم، وكان مكانه في السماء عليا. # اجتمع الفريقان: هذا اغتصب حقا، وهذا يطلب حقا، وكان الأول جبارا من قبل عنيدا، ~~وكان الثاني على الدهر صبورا جليدا، وكان في مقدور الجبار أن يرسل عليه من ms357 السماء كسفا ~~وحديدا وبارودا، فيرده هشيما حصيدا، وكان في عذر الضعيف حياله أن يستنيم له أو يبغي عن ~~طلب الحق قعودا، ولكن إيمان هذا الضعيف رده قويا وعصمه من شر اليأس، فنهض متجلدا ~~بالروح أبيا؛ فإذا حرب خفية بين القوة بماديتها وبين القوة بعقيدتها، وإذا الفريقان في ~~قاعة السلام مجتمعان، جهاد وإيمان، وحذر واطمئنان، ومخافة وأمان. وعلي الزمن أمل؛ فإن صح ~~تصادق الشعبان، وإن خاب لم يخسر ممثل مصر شيئا، ما دام القوي بالحق عليه ثابتا يقظان لا ~~ينام. # وخطب وزير الخارجية البريطانية، وهو يمثل القوة فوق الحق، وخطب الزعيم مصطفى وهو يمثل ~~الحق فوق القوة؛ فإذا بالخطيبين يجتمعان عند معنى واحد : هو الحق والقوة مجتمعان. ومن قبل ~~هذا جرى لقاء فكان لقاء في الخفاء، كأنما التقى الفريقان على مساومة وشراء. وقد اجتمع ~~يومئذ في شخصي هندرسن ومصطفى النحاس، اجتماع الأنداد والنظراء. # وفي خطبة الافتتاح ذهب هندرسن يقر بعد إنكار قائلا: «ها نحن أولاء نستقبلكم، ونرحب بكم، ~~يا سيدي، كممثل للأغلبية الكبرى لشعبكم»، فكان ذلك أول بداية الحق في مفاوضة بينه وبين قوة السلطان. # مصطفى النحاس باشا في لندن أثناء مفاوضات سنة 1930. # وكانت الحكومة البريطانية قبل ابتداء المفاوضات قد أعلنت عند عرض مقترحاتها أنها لا تقبل ~~تعديلا، وأنها آخر ما يمكن عرضه أو التفاهم عليه، وكان ذلك مغريا بيأس، مثبطا للعزائم؛ ~~لأن صاحب المشروع قد أراد أن يحمي مشروعه من قوة الحق، خيفة على ما فيه من باطل أن يتداعى ~~بمجرد لمسة اليقين. # ولكن الوفد سافر ومصر في ركابه، وتاريخ خمسين سنة في الجهاد أو تزيد يؤيده ويهيب به وهو ~~القوي الرابط الجأش، لا يركن إلى سلاح، ولا يستند إلى جيش ولا إلى أسطول؛ فلم تكد تبدأ ~~المفاوضات حتى اعترف المفاوض الإنكليزي له بزعامته في أمته، وأجرى المفاوضة في وضح النهار ~~ورائعته، وقامت مصر وإنجلترا محتفلتين لها، ساهرتين عليها، متيقظتين لمسيرتها. وإذا هنالك ~~لهف وهنا انشغال بال، وقد نسي الناس في مصر هموم عيشهم ومشاغل حياتهم، وتلفتوا صوب العاصمة ~~الإنجليزية، ms358 بقوة الأمل، وجلال الروحانية، يتابعون كل صغيرة من أمر المفاوضات، كأنما هي ~~معطية كل فرد منحة إن هي نجحت، أو حرمته من متعة خاصة إذا هي مضت بغير نجاح. # وأقبل الوفد المصري على المقترحات مجاهدا، ونسي المقترح وعيده ومشيئته، فدارت معركة ~~المناقشات سجالا بين الفريقين، حتى استطاع مصطفى أن يحدث فيها جديدا، ويحذف منها بنودا، ~~ويطلب عليها مزيدا، ولم يبال صيحات المستعمرين، وقد هاجت يومئذ هائجاتهم، وثارت ثائرتهم، ~~ولا أبه بحملات الغلاة من المحافظين؛ فقد ظهر في ذلك الوقت كثير منهم يحاولون إفساد أفق ~~المفاوضات بالمكائد والمؤامرات والمطاعن والحملات، بل راح مصطفى يكافح بكل قواه، ويسهر على ~~الحوار إلى الصباح. # أفعلمتم كيف كان يومئذ ذلك الجهاد؟! لقد كنا نياما في هدأة الليل وغمرة السكون، وهناك ~~في قلب العاصمة الإنكليزية ووسط الزمهرير الجليد، جلس بعض أفراد منا يتكلمون في مصيرنا، ~~ويكافحون لحق بلادنا، ووجدهم الصبح قياما وقد نسوا حق الطبيعة البشرية في سبيل حق الوطنية ~~الأبية. # وانقضت ثلاثة أسابيع في الكفاح لمصر، إن غمض خلال الجفن فلم تغب فيها مصر عن الفكر ~~والخاطر والحلم، وإن استراح البدن فما استراح الذهن، ثلاثة أسابيع طوال، قطعها المفاوضون ~~الأبطال في بحث مستمر ومناقشة قائمة ودفع وتجاذب متواليين، وهم يتقدمون خطوة فخطوة، ~~ويستردون حقا فحقا، ويسيرون إلى النهاية بقوة الإقناع والكياسة والحذق والحذر والأناة ~~والرغبة الصادقة في الفوز والتوفيق. # ابتدأت المفاوضات بعد تبادل خطبتي الافتتاح بالبحث في المبادئ العامة وترتيب العمل، ~~وتنظيم برنامج المباحثات، ثم انعقدت الجلسة الثانية في 3 أبريل فاستغرقها المفاوض البريطاني ~~في إبداء ملاحظاته على المشروع المصري الذي قدمه مصطفى النحاس تعقيبا على المقترحات ~~المعروضة عليه، وخصت الجلسة الثالثة في اليوم التالي ببحث المواد المتعلقة بحق مصر في ~~حماية الأجانب، وقد أظهر مصطفى في هذا الجزء من المقترحات براعة مدهشة، وحضور بديهة عجيبة، ~~ومنطقا قاطعا قويا يأخذ على خصمه السبيل، ثم النص الخاص بحالة «خطر الحرب» واحتمال ~~توقعها، ووجوب تبادل الرأي حين ظهورها؛ فقد وقف المفاوض المصري الحريص الأبي النزيه في ذلك ms359 ~~موقفا رائعا حقيقا بالإعجاب والتدوين. # مصطفى النحاس. # وأعقب ذلك البحث في الجلسة الرابعة في 7 أبريل فيما يتعلق بالمسائل العسكرية، وقد اشترك ~~مع المستر هندرسن يومئذ رجال الحرب ووزيرها ومستشاروها الكبار، وهم حجج في ذلك وثقات، ولكن ~~مصطفى لم يلبث أن أبدى من المهارة والمعرفة الوثيقة بهذا الباب والعلم العجيب به فائقه ما ~~كان موضع عجب عند منافسيه؛ إذ أظهر خلال الأخذ والرد أن له على كل اعتراض جوابا حاسما، ~~وعلى كل سؤال ردا بليغا مفحما، وله بجزئيات هذه المسألة وكلياتها خبرة جندي كبير لا ~~يغيب عنه في هذا الموضوع شيء، ولا تفوته منه صغيرة ولا كبيرة، بل هو الجندي الحديث وعى علم ~~الجيوش ومطالبها في الحرب والسلام. # وتوالت الجلسات في المسائل العسكرية وبقية المواد حتى بلغت أربع عشرة، كان مصطفى النحاس ~~خلالها يصول في المناقشات ويجول، ويشد ويجذب، ويأخذ ويرد، وهو قائم على ساقيه، فوق أرض ~~صلبة، معتز بمكانه، متكلم بكل إيمانه، حريص على حقوق وطنه. وقد كانت المناقشات تستحمي، ~~والبحث يرتفع مده ويستفيض، والجدل يحتدم ويكاد الأمر يفرط ويفشل، لولا أن يعود الفريقان ~~في سكينة إلى البحث والمجاذبة أو يرجئا الأمر إلى حين. # وفي الجلسة الخامسة عشرة وقد حل السابع عشر من أبريل أعلن الفريق البريطاني المفاوض ~~المصري أنه قد حمل إلى اللجنة البريطانية آخر ما عرضه المصريون فلم تقبل إعادة فرقة إلى ~~السودان، وإنها على استعداد لبحث مسألة الامتيازات الأجنبية مع المفاوضين المصريين، وأن ~~المستر هندرسن مضطر إلى إلقاء تصريح في البرلمان بعد ساعة من الزمن، وسيضمنه أحد أمرين: ~~إما أن المفاوضات فشلت وانقطعت، أو أن الاتفاق قد تم على كل شيء إلا مسألة أو مسألتين أرجئ ~~من أجلهما إلى ما بعد عطلة عيد الفصح. # فكان جواب مصطفى النحاس أنه في حالة يستحيل عليه فيها القبول، ولكنه مضطر إلى استشارة ~~زملائه في مصر، فهو إذن محتاج إلى بعض الوقت؛ لأن المسألة على جانب كبير من الخطورة، فرد ~~المستر هندرسن بأنه لا شك أن من العدل إجابته إلى ms360 هذا الطلب، ثم عرض صيغة التصريح الذي أعده ~~ليلقيه في مجلس العموم ليكون مصطفى النحاس على علم به قبل إلقائه. # وانتهت الجلسة بالاتفاق على أن يتلاقى الفريقان بعد عشرة أيام، وفي هذه الفترة أرسل مصطفى ~~باشا إلى زملائه الوزراء في مصر رسولا يحمل إليهم كتابا منه يصف لهم ما جرى في المؤتمر، ~~ويبسط لهم وجه الخلاف، وقد ختم ذلك الكتاب بقوله: # عجبنا لذلك كل العجب، وفهمنا منه أنهم لا يريدون أن يطبقوا النص الخاص بالسودان ~~على حقيقة مفهومة؛ أي أنهم على نية مبيتة بألا تشترك مصر في إدارته، ولا أن ترسل ~~جيشا إليه، وأن كل ما يكون لها فيه هو أن ينوب الحاكم العام عنها في هذه ~~الإدارة. # لم نقبل ذلك، ثم جرت لنا عقب الوليمة التي أقمناها بالمفوضية أمس محادثات خاصة ~~تأكدنا منها هذا المعنى، وأنهم يقصدون بتسوية المسألة المصرية أن تكون التسوية ~~فعلية بالنسبة لمصر واسمية بالنسبة للسودان، بحجة أن البرلمان والشعب الإنجليزي لا ~~يقبلان الآن تغييرا في حالة السودان الراهنة، على أن الباب مفتوح لإعادة النظر في ~~هذا الأمر في المستقبل عندما تتحسن الأحوال، وتكتفي مصر الآن بما هو مذكور في ~~المادة 13 من أن حقها محتفظ به لمفاوضات مقبلة. وعلى أثر هذه المحادثات الخاصة ~~اجتمعنا مع اللجنة في المفوضية، وحاولنا تحويلها عن خطتها، ولكن بغير جدوى، وأخبرنا ~~المستر هندرسن بأنه هو واللجنة مصرون على رأيهم، وأنه سيجيب غدا صباحا (أي اليوم) ~~على سؤال في مجلس العموم خاص بنتيجة مفاوضاته معنا، وأن إجابته تتوقف على رأينا في ~~مسألة السودان. ولما كان الوقت متأخرا عرض علينا أن يكون لنا اجتماع في الساعة ~~العاشرة صباحا قبل جلسة البرلمان لنعطيه هذا الرأي حتى يستطيع أن يرتب إجابته ~~عليه. وكان المستر كامبل حاضرا مع لجنة هندرسن في اجتماع المفوضية، فعرض علينا بعد ~~انفضاضه، باعتبار أنه يسعى مسعى شخصيا للتوفيق، أننا إذا قبلنا أن نكتفي بإعادة ~~أورطة مصرية إلى السودان بمجرد سريان المعاهدة، فإنه يقنع اللجنة بقبول هذا الحل، ~~فوافقناه على ذلك، ms361 ولكنه أخبرنا قبل اجتماع الصباح بأنه حاضر من قبل اللجنة ~~ليخبرنا أنه لم ينجح في مسعاه، وأن المستر هندرسن يريد أن يعد إجابته بأحد أمرين: ~~فإما أن يعلن فشل المفاوضات إذا لم نقبل، وإما أن يعلن أنها لا تزال مستمرة وهو ~~يأمل نجاحها إذا قبلنا أو فهم أننا لا ننوي الرفض؛ فأجبناه بأن يبلغ اللجنة أننا ~~سنستشير زملاءنا في مصر، وعلى أثر ذلك حضر إلينا المستر هندرسن وأطلعنا على الرد ~~الذي أعده لمجلس العموم، ثم اتفقنا على أن نجتمع عندما يأتينا الرد منكم، وحددنا ~~لذلك اثني عشر يوما. # هذه هي حقيقة الحال، أردنا أن تمدونا برأيكم فيها، مع الاحتفاظ بسريتها، والله ~~يوفقنا جميعا لما فيه صيانة حقوق البلاد، والسلام. # وقد حمل هذا الكتاب الأستاذ محمد صلاح الدين أحد أعضاء سكرتيرية الوفد الرسمي والسكرتير ~~الخاص لزعيم البلاد، قادما به إلى مصر على متن إحدى الطائرات، فوصل في مساء الثاني ~~والعشرين من أبريل، وعلى أثره اجتمع الوزراء ولبثوا يجتمعون يومين متواليين لدراسة الرسالة ~~التي تلقوها، وتقليب وجوه الرأي فيها، ووضع قرار بما يرونه بسبيلها، ومثل الأستاذ محمود ~~فهمي النقراشي وزير المواصلات يومئذ بين يدي الملك لعرض الأمر عليه وتلقي مشورته. # وعاد الرسول بالجواب مستقلا الطائرة «سيتي أوف جلاسجو» إلى لندن، ولكن السائق ضل الطريق ~~في سفره، فلم يصل الرسول في الموعد المنتظر فقلقت الخواطر عليه. # وحل موعد استئناف المفاوضات في التاسع والعشرين من أبريل، ولم يصل الرسول إلى لندن، ~~فاجتمع الفريقان في الموعد، ولكنهما لم يواصلا البحث وإنما أجلا استئناف الجلسات إلى ما بعد ~~عودته. # وفي 5 مايو تلاقى الجمعان، وكان الرسول قد وصل بعد عناء قاساه في الطريق ومتاعب كثيرة ~~وبسبب نفاد الوقود وضلة الاتجاه. واستؤنف البحث في مسألة السودان فاحتدمت المناقشات بين ~~هندرسن والنحاس، وراح كل منهما يناضل الآخر ويجاهده ويغالبه، حتى توالت الجلسات ومصطفى ~~النحاس ثابت في مكانه، مستمسك برأيه وحجته، فلم يجد هندرسن مناصا من التراجع ومحاولة ~~التراضي والخروج من المآزق الأخيرة بسلام. # وكانت أخيرا الجلسة التاسعة عشرة ms362 في 6 مايو سنة 1930، وهي الجلسة التاريخية الرهيبة التي ~~اختلى فيها مصطفى وهندرسن ومكرم عبيد ساعتين كاملتين تحدثوا جميعا خلالها في سبيل إيجاد حل ~~لصعوبة السودان، فاقترح مصطفى باشا على المستر هندرسن في آخر الأمر صيغة تجمع بين الحلول ~~المختلفة، فوافق عليها وطلب أن تكتب بالإنكليزية، فأجاب دولته بأنه أولى أن توضع الصيغة ~~بواسطة موظفي وزارة الخارجية الإنكليزية حتى لا تكون مثارا لأي خلاف فيما بعد. # وكان النص الذي اتفق عليه الفريقان هو: # مع الاحتفاظ بحرية عقد اتفاقات جديدة في المستقبل لتعديل اتفاقيتي سنة 1899، قد ~~اتفق الطرفان المتعاقدان على أنه بغير إخلال بحقوق مصر ومصالحها المادية يكون مركز ~~السودان هو المركز الناشئ من هاتين الاتفاقيتين. وكإحدى نتائج اتفاقيتي سنة 1899، ~~يواصل الحاكم العام بالنيابة عن الطرفين المتعاقدين مباشرة السلطات المخولة له ~~بمقتضى الاتفاقيتين المشار إليهما. # وقد اتفق الطرفان المتعاقدان على أن يدخلا - إذا طلب أحدهما ذلك - في مباحثات ~~ودية بشأن تطبيق الاتفاقيتين المذكورتين في خلال اثني عشر شهرا من تنفيذ المعاهدة ~~الحالية. # وقد وافق الفريقان على هذا الحل الحسن بالإجماع، فتبادلا التهنئات الحارة، وأبديا معا ~~السرور والاغتباط بهذا التوفيق. # وانصرف الفريقان على أتم التفاهم وموعدهما الغد ... # واستطارت أنباء هذا النجاح بعد طول الشد والجذب إلى مصر في الليلة ذاتها، فعمها الفرح، ~~وأقام أهلها ساهرين من فرط السرور والجذل، وشاعت الأخبار المفرحة في المجالس والمجامع، فسرت ~~موجة ابتهاج في البلاد، وبتنا نحن في دار «الكوكب» نطفر من مراح، ونقطع الليل إلى الصباح في ~~قصف ومسرة وهناءة. # ولم يشك أحد في أن النهاية قد انتهت بفوز، وأن مصطفى النحاس قد انتصر، وهو بالنصر معتز؛ ~~فقد جاهد لحق الطبيعة وحق الأبد، وأدى ما في العنق، ووفى الذمم، وأقدم ولم يحجم؛ بل لقد ~~شرف مصر وجهادها، وصان ذكريات أمسها وجلال حاضرها، وغيب غدها، وسار في المفاوضات شهما ~~أبيا، وكان خلالها فخار مصر في سمع العالم وعين الدنيا. فكم كلفه هذا الموقف العظيم ~~من عصارة روحه، وحشاشة مهجته، وينابيع بطولته! ولا يمكن أن يتصور أحد على ms363 الحقيقة العناء ~~الذي عاناه في هذه الفترة القصيرة من الزمن، المستطيلة المضنية في تأثيرها وسلطانها على ~~النفس والذهن، فترة جهاد جبار لمستقبل أمة، ومصير شعب، والخوف على الحاضر وخشية الغيب، ~~ومن يك في ريب مما قاسى الزعيم واحتمل، فليضع نفسه في الخيال موضعه، وليتصور نفسه في ذلك ~~الموقف ويتمثل، وحياله أساطين السياسة وكبار أهلها، من كل ذكي حاذق عجيب الحيل، ثم ليعد ~~إلى نفسه مؤمنا بما كان من مصطفى في ذلك الصراع الهائل بين الحق والباطل، فإن مجرد تصوره ~~في الخاطر مخيف مذهل، فكيف بمباشرته في الواقع، وخوض تياره الغامر، وموجه الزاخر، وإعصاره ~~الرهيب؟! # وطبقا للموعد السابق اجتمعت اللجان في غداة اليوم التالي للانتهاء من المسائل التفصيلية . ~~وفيما هي تعمل بجد للفراغ من الصيغ النهائية، إذ حضر المستر هندرسن عائدا من مجلس الوزراء ~~ليفاجئ القوم بنبأ أليم، وهو أن المجلس قرر رفض المادة الخاصة بالسودان، والتي قبلها ~~الفريقان، وأن معارضته تنصب على الشطرة الثانية منها التي تنص على دخول الطرفين المتعاقدين ~~«في مباحثات ودية بشأن تطبيق اتفاقيتي السودان خلال اثني عشر شهرا من تنفيذ ~~المعاهدة». # أمام هذا النبأ المروع الأليم اجتمع مصطفى النحاس بالمستر هندرسن لمحاولة إنقاذ الموقف، ~~ولكنهما لم يصلا إلى حل موفق، فتواعدا على اللقاء في أصيل اليوم بالذات. # وتلاقيا في الموعد المضروب، وراح كل منهما يحاول من جانبه ويعرض صيغا ويبتكر نصوصا ~~ويبدئ ويعيد، متناولين مسائل الهجرة والملكية والتجارة في السودان. وانصرف المستر هندرسن ~~مع الدكتور دالتون بعد خلوة لهما في الواحدة صباحا، ثم عاد الأول حوالي الساعة الثالثة من ~~منتصف الليل، فأنبأ مصطفى ومكرم أن الفريق البريطاني يطلب تحديد الموقف في مسألة السودان ~~على أساس ما اقترحه مجلس الوزراء من حذف الشطرة الثانية التي مر ذكرها، وقبول النص القائل ~~بأن الحكومة البريطانية تنظر في المستقبل بعين العطف إلى عودة كتيبة من الجيش المصري إلى ~~السودان، وتعديل المادة الخاصة بالهجرة والملكية والتجارة فيه؛ وطلب من مصطفى النحاس رأيه ~~في ذلك جميعا، فقال دولته إنه متعب بعد عمل ms364 مضن استمر حتى الساعة الثالثة صباحا، ولا ~~يستطيع أن يتلقى منه هذا التغيير الشامل في الموقف، ولكنه على رغم تعبه يستطيع الاستمرار ~~على نظر المسائل التفصيلية؛ أما أن يتلقى ما يقلب الموقف رأسا على عقب، فذلك ما لا ~~يستطيعه؛ لأنه بحاجة إلى الراحة قبل أن يتلقى هذا التغيير الفجائي والانقلاب ~~المباغت. # فقال المستر هندرسن إن مجلس الوزراء سيجتمع في العاشرة من صباح اليوم التالي 7 مايو، ففي ~~الإمكان الاجتماع في الساعة الحادية عشرة لتبدي لنا رأيك فيما عرضته عليك الآن، فأجاب مصطفى ~~باشا قائلا: «إني أعتبر أنك لم تعرض علي شيئا الآن، ولك أن تعرض ما تشاء عند العودة إلى ~~الاجتماع، ولعل راحة الليل تهديك إلى اجتناب ما يترتب عليه انهيار هذا البناء الشامخ الذي ~~أقمناه!» # وانصرف القوم إلى المضاجع على مطالع النهار. # وترامت أنباء هذه النكسة الفجائية إلى مصر، فأحست صدمتها، وشعرت بهزة من فجأتها، ولكنها ~~عادت إلى بأسها وجلدها، فسكتت ورضيت وعرفت كيف تتجلد لهذا الخطب العظيم. # لقد أرضتها أخبار النجاح أولا كما أرضتها أنباء الخيبة آخرا، وكان رضاها بالنجاح أنها ~~ستعقد اتفاقا شريفا وطيدا بينها وبين بريطانيا يصون حقوقها، ويرد عليها استقلالها، وكان ~~باعث هذا الرضى أنها تريد أن تفرغ من الجهاد للسياسة إلى الجهاد للإصلاح؛ فقد فرطت عليها ~~سنون شهب شداد، استنفدت السياسة فيهن منها كل تفكير، واقتضى الجهاد خلالهن عندها كل بحث ~~ودأب، ومضى الحكم فيها قسمة سياسية وتناحرا وطنيا، لا يكاد يقع لفريق حتى تثور العواصف ~~العاتية، فتدفع به إلى فريق. وفي مصر مشروعات حيوية تريد الفراغ لها، وشئون داخلية خطيرة ~~تطلب التوفر عليها، فلا جرم لقد كانت أنباء النجاح أولا سارة مرضية؛ لأن معناها الفراغ من ~~القضية الخارجية لإلقاء البال كله إلى القضايا الداخلية، وهي على كثرتها وحيويتها قد تراكمت ~~حتى بات إرجاؤها مؤذيا، والرغب عن تناولها بالبحث والتنفيذ مضرة بالغة. # لقد رضيت مصر، إذ جاء البشير وأفعم النفس رضى، بأن الإنكليز قد عرفوا لها تسامحها؛ لأن ~~من عجيب أمر السياسة أنه بينما ms365 يقول أصحاب الحق: هذا حقنا، يقول الغاصبون: ولكن ما رأيكم في ~~مصالحنا. وقد خرجت المسألة من الصراع بين الحق والباطل إلى النزاع بين الحقوق و«المصالح»؛ ~~فرأى العقل وأوجبت الحكمة أن تصان الحقوق إذا لم تتحيف جوانبها المصالح، وما دمت لا ~~تستطيع أن تنفي مصلحة غيرك وهو القوي ذو السلطان، فإن العقل مقتضيك ألا تنفي حقك من أجل ~~نفي تلك المصلحة. # رضيت مصر بأنباء النجاح الباكرة؛ لأن المحالفة الشريفة هي مطلبها الأول، وصيانة استقلالها ~~هي مبدأها الأكبر وغرضها الأسمى، وقد جاهد مصطفى والذين معه لضمان ذلك أروع الجهاد، وأبدوا ~~من آيات الحكمة والنزاهة والحزم والكياسة والبراعة السياسية في أثناء المفاوضات ما كان محل ~~دهشة الساسة الإنكليز أنفسهم، حتى لقد شهد لهم بذلك أشد غلاة المستعمرين. # ولقد ظل «ممثل الأغلبية الكبرى» في أثناء المفاوضات يداورهم ويسايرهم من ها هنا وها هنا، ~~ويدانيهم من هذه الناحية، ويستشف دخيلتهم من أعجب المسالك الخفية، حتى كشف عن نياتهم ~~الحقيقية، وأثبت أن مصر لم تسئ فيما فعلت، ولم تخطئ فيما طلبت، وأن رائد وفدها الحكمة والحق ~~والسعي إلى التوفيق والرغبة الصادقة في التفاهم والتعاون والتحالف الشريف بين الأنداد ~~والنظراء. # ولكن الإنكليز اختلفوا معنا؛ لأن ما يطلبونه إلينا هو التسليم لهم بالحياة، والرضى ~~لأنفسنا بالموت، فإذا نحن رفضنا ما طلبوا، فقد أبينا الذل وعرفنا لأنفسنا معنى الكرامة، وحق ~~الحياة، وجلال العزة والإباء. # وكذلك رضيت مصر ببوادر أنباء الفشل؛ لأنه فشل في الحق رائع، فيه الكرامة، ومنه الحياة، ~~ووراءه الأمل، ومن حوله الإباء والإيمان واليقين. # وكان الراضي بالفشل هو أكبر مجاهد، وحامل لواء الزعامة، وخادم الأمة الأمين، وكانت الأمة ~~في إثره راضية. # وقد أصبنا في رفضنا، وأخطأ الإنكليز فيما حسبوه صوابهم؛ فقد شددوا في أمر السودان تشديدا ~~كشف عن سوء نياتهم، على حين تسامحنا نحن تسامحا كشف عن صدق رغبتنا، ورحنا أمام تشددهم ~~بكياسة الساسة الحاذقين نحاول أن نجد علاجا للمشكلة بعد علاج، ونصف دواء بعد دواء؛ ولكنهم ~~أبوا ذلك جميعا، ونأوا بجانبهم، بل لقد تناهى بهم العناد ms366 إلى رفض إرجاء النظر في المسألة، ~~وهو أمر يبعث على الريب، ويفتح أبواب الشك، ويرينا مبلغ الجهاد العنيف الذي اضطلع به مصطفى ~~النحاس وأصحابه الأبرار المجاهدون. # لقد رضيت مصر على كلتا الحالتين، والمجد لها في رضى الفشل أروع من المجد لها في رضى ~~النجاح؛ فإن مجد الفشل جلال وإباء وعزة شماء، والشعور بالنجاح هو الفرح والإحساس ~~بالهناءة، وشتان بين الحاستين، فإن الفرح قصير العمر، يعاجله النسيان، وهيهات أن يكون لمجد ~~الآباء نسيان. # وكانت الجلسة الختامية، وهي الثانية والعشرون، في اليوم الثامن من مايو سنة 1930 حيث ~~التقى الجمعان لآخر مرة مع آخر أمل، ولكن مجلس الوزراء البريطاني أبى إلا التمسك باعتراضاته ~~بشأن مسألة السودان، رافضا كل تعديل، حاذفا من المادة بعد إقرارها في المؤتمر كل ما يشير ~~إلى «دخول الفريقين في مناقشات ودية بعد سنة من تاريخ تنفيذ المعاهدة، وذلك بالنسبة لتطبيق ~~اتفاقيتي سنة 1899، الخاصة بالاشتراك الفعلي في إدارة السودان». # وإزاء هذا الإصرار الفجائي الغامض لم يسع مصطفى النحاس باشا إلا أن يعود إلى زملائه ليفضي ~~إليهم بهذه النتيجة؛ فقرروا بالإجماع أن يكون ردهم كما يأتي: «يتمسك الوفد المصري بالنصوص ~~التي عرضها بصدد مسألة السودان، ويأسف أشد الأسف إذ بعد أن بذل أقصى ما يستطيعه من التساهل ~~في المسألة المصرية كلها بأمل الوصول إلى اتفاق عادل في مسألة السودان، ينتهي الأمر إلى ~~حالة لا يمكن قبولها على الرغم من شدة رغبته في الوصول إلى اتفاق شريف وطيد بين البلدين؛ ~~لأن في قبول هذه الحالة مضيعة لحقوق مصر المقدسة في السودان.» # فأجاب المستر هندرسن بأنه يشارك الوفد المصري أسفه على ضياع الجهود التي بذلها الفريقان، ~~وأن المسألة المصرية ستكون باقية عند ما تم التفاهم عليه؛ فإذا عدل الفريق المصري في ~~المستقبل موقفه أمكن الوصول إلى الاتفاق، ثم أضاف أن الطرفين يفترقان وهم أصدقاء، واقترح ~~دعوة زملائه ودعوة أعضاء الوفد المصري الآخرين لتبادل السلام؛ فقال دولة النحاس باشا: «إن ~~ما كسبناه من هذه المفاوضات هو الصداقة الشخصية بيننا وبينكم، ولقد بذلنا غاية ms367 جهدنا للوصول ~~إلى حل لمسألة السودان حتى لا تفشل المفاوضات، وعرضنا تأجيل هذه المسألة إلى وقت آخر ~~يتفق عليه بيننا، فلم تقبلوا هذا الحل، ونحن نوافق على ما ذكرتموه من أن المسألة ~~المصرية باقية عند ما تم التفاهم عليه، ونأمل من جهتنا أن يعدل مجلس الوزراء البريطاني ~~موقفه في المستقبل حتى يمكن الاتفاق. أما فيما يتعلق باستدعاء زملائكم فيهمنا بكل تأكيد أن ~~نصافحهم مودعين.» فقال المستر هندرسن: «لا أظن أن مجلس الوزراء البريطاني يعدل رأيه، ~~والواقع أن الحل الذي عرضناه عليكم هو تأجيل لمسألة السودان.» وأجاب دولة النحاس باشا: ~~«نعم، ولكن بعد تسجيل الحالة القائمة الآن فيه.» # واجتمع الوفدان بعد ذلك بكامل هيأتهما، وتبادل المستر هندرسن ودولة النحاس باشا الخطابين ~~الآتيين: # المستر هندرسن ~~: ~~«مما يؤسف له حقا أن تنتهي كل هذه المجهودات الشاقة المضنية بالفشل، خصوصا ~~بعد أن وصلنا إلى الاتفاق على جميع المسائل الخاصة بمصر، ولكننا لم نستطع إزالة ~~الخلاف القائم بيننا في مسألة السودان، فنحن نجتمع الآن لنعلن انتهاء المفاوضات، ~~وانفضاض المؤتمر الذي عقد لتسوية المسألة المصرية الإنجليزية. # ويهمني في هذا المقام أن أصرح لكم باسم حكومتي بأن مشروع المعاهدة كما تم ~~الاتفاق عليه سيبقى قائما، فإذا وجدتم بعد عودتكم إلى القاهرة ومناقشة المسألة مع ~~أصدقائكم فيها أن هناك أملا في أن يصبح هذا المشروع معاهدة مقبولة من الجانبين، ~~فإني وزملائي مستعدون لمحاولة الوصول إلى اتفاق على النقط القليلة الباقية في ~~المذكرة الملحقة بالمعاهدة ليصبح التوقيع عليها ميسورا. # إنني أكرر الأسف، وأعتقد أن قسما كبيرا من الشعب البريطاني يشاركني هذا الأسف ~~على النتيجة التي وصلنا في النهاية إليها. # ولكن إذا كان قد أخطأنا النجاح، فإننا نفترق الآن بنفس الروح الودية التي سادت ~~مفاوضاتنا من يوم وصولكم إلى لندن.» # النحاس باشا ~~: ~~«يا سعادة المستر هندرسن، ويا حضرات زملائه المحترمين، لا يسعني إلا أن أسجل هنا ~~ما أبداه الجانبان من الرغبة الأكيدة في تذليل الصعوبات التي قامت في طريق حل ~~المسألة المصرية الإنجليزية بشكل مرض للطرفين، وما بذلاه من مجهود ms368 صادق في هذا ~~السبيل. ونحن نشاطركم شديد الأسف على فشل هذه المجهودات بعد أن حاولنا جهد الطاقة ~~الوصول إلى حل مرض لمسألة السودان، فلم نوفق في ذلك؛ لأن الخلاف بيننا في هذه ~~المسألة خلاف كبير الأهمية عندنا، ولأن قبول وجهة نظركم فيها يضيع حقوق مصر المقدسة ~~في السودان. # لهذا لم نستطع الوصول إلى الاتفاق المنشود. # وإذا كان قسم كبير من الشعب البريطاني يشاطركم الأسف على النتيجة، فإن الشعب ~~المصري يشاطرنا أيضا أسفنا على هذه النتيجة؛ لأن من مصلحة الشعبين أن تسوى ~~المسائل القائمة بينهما تسوية خالصة عادلة تصون الحقوق والمصالح جميعا. ومن أجل ~~ذلك بذلنا مجهودا عظيما للوصول إلى تسوية على هذا الأساس، حتى يمكن عقد المعاهدة ~~بإخلاص وأمانة تشرف الموقعين عليها. # وإذا كنا لم نوفق في بلوغ هذه الغاية، فإنني وزملائي نختتم عملنا في هذا المؤتمر ~~بنفس الروح الودية التي بدأنا بها، حاملين للمستر هندرسن وزملائه خير عواطف ~~الصداقة. # ونرجو أن ترى الحكومة البريطانية مع الزمن أن ما عرضناه عليها حل عادل يمكن أن ~~نتلاقى معها على أساسه. # وإذا كنتم قد طلبتم منا أن نفكر بعد العودة إلى بلادنا في الأمر، فإننا كذلك نرجو ~~أن تنظر الحكومة البريطانية فيه، حتى إذا رأت أن هناك أملا في تقريب مدى الخلاف، ~~عاون ذلك معاونة جدية على الوصول إلى الحل المنشود، وبهذه الطريقة يظل الباب ~~مفتوحا بيننا. # وإني في الختام أكرر شكرنا للمستر هندرسن وزملائه ومعاونيهم الفنيين على ما ~~قابلونا به من الترحيب، وما بذلوه من المعاونة في هذه المهمة الشاقة، وكل مشقة تهون ~~في سبيل صالح البلاد.» # وعلى هذه الصورة انتهى المؤتمر بفشل فجائي، وقد كاد من قبل يتم له التوفيق، فظل باعث ذلك ~~التحول السريع المباغت الذي بدا من مجلس الوزراء البريطاني، مع أن أربعة منه كانوا يساهمون ~~في المفاوضات، وقد قبلوا النصوص الأخيرة وتبادلوا التهنئات مع المفوضين المصريين؛ سرا ~~مجهولا إلى الآن، ولكن أكبر الظن أن دسائس اصطنعت في الخفاء من وراء الجانبين المتفاوضين، ~~وأن هذه الدسائس جاءت في ms369 اللحظات الدقيقة وبصدد أخطر مسألة من المسائل المعروضة، فلقيت ~~النجاح، وحطمت ذلك البناء الشاهق الذي بناه الفريقان المتفاوضان كل تحطيم. # وقد لبث مصطفى في لندن بعد حبوط المؤتمر أياما استعدادا للمآب، وفي هذه الفترة اتصل به ~~كثير من الإنكليز ليراودوا إرادته على التساهل في قبول ما عرضه مجلس الوزراء البريطاني ~~والتسامح قليلا في مسألة السودان، ملمحين له بأن النتيجة إذا هو أصر على التمسك بنصوصه سوف ~~تكون سيئة إذا هو عاد إلى وطنه، ولكنه لم يرع من كل ذلك الوعيد الخفي ولم يجزع، وقال ~~قولته الخالدة في محضر كبير من الناس، وفي لهجة العزة والكرامة والوطنية العالية: «أوثر أن ~~تشل يدي على أن أفرط في السودان!» # وقد كان هذا الموقف الجليل من مصطفى النحاس في الحرص على حقوق بلاده خليقا بأن يسجل في ~~كتاب الشرف الوطني كأعظم المحمدة، ويدون في سجل الفخار كأروع المفخرة؛ فقد بدا في غمرات ~~المفاوضة المثل الرائع للبطل الوطني الذواد عن أمته، والزعيم الأمين على حق وطنه ~~وعشيرته، والأبي العظيم العجيب في بطولته؛ فاستحق من الأجيال الغابرة الحمد في السماء، ~~ومن الجيل الحاضر الشكر والثناء، ومن الأجيال القادمة الإكبار لحقه والوفاء. # هو عمل من أعمال البطولة، وهي صفة من صفاته، فلا عجب فيه، ولا غريب فيها؛ لأنه كذلك نشأ، ~~وكذلك عاش، وكذلك تولى الرياسة، وجاءته الزعامة طائعة، وفعال البطولة كلها في المواقف ~~رائعة، وحسناتها في الناس جامعة مانعة، وقد أدى مصطفى النحاس بها تعريفه للدنيا، وساق ~~معناها إلى العالم، ثم جاءت الحوادث الجسام، فكان منها أنسب تعبير عن البطولة الوطنية، ~~وأبلغ المعاني في سجل الزعامات، وكتاب الشرف والمفاخر، وحساب العظمة البادهة النادرة. وإذا ~~صح ما عرفه الناس من معاني البطولة ومظاهرها المتعددة، فقد صح في لغة الدنيا أن يكون مصطفى ~~نوعا بديعا من البطولة في عصر تشابه فيه علينا الصغار والكبار، والدجاجلة والأبطال، ~~والهين والمحال، والكبرياء والجلال، والكاذبون والصادقون، والممثلون والمهرجون والأشخاص ~~الحقيقيون، وكثرت فيه الدعاوى الباطلة، وانزوت الأخلاق الفاضلة، واختلفت عنده أقيسة ~~العظمة، وموازين الفضيلة؛ ms370 فقيل إن أعظم الساسة أكذبهم، وأبرعهم أدهاهم، وأمهرهم أخبثهم؛ بل ~~راحت السياسة فيه عنوانا على جملة معاني الكذب والخديعة والمكر السيئ؛ فإذا نحن اليوم أمام ~~بطولة كل زينتها الصدق، وعظمة رائعة كل جلالها في جلال الكرامة والشرف والإباء، وكل فضلها ~~في الثبات والأمانة والوفاء. # هي بطولة أخلاق ظهرت بأتم جمالها، في موقف عظيم مثلها، وأمر اصطلحت عليه المغريات، وحفته ~~المكاره، وأحاطت به المخاوف والهواجس، وأحدقت به المشاكل والأخطار؛ فلم ترتبك هذه البطولة ~~الخلقية، ولم يغم عليها، بل وجدت طريقها واضحة أمامها؛ فسلكتها إلى آخرها، ولم تتساقط ~~على القارعة من الحيرة أو التردد أو الإعياء. # لقد وقفت هذه البطولة الصادقة موقف شرف وفخار، ورب هزائم وخيبات أروع وأجل من كل ~~انتصار! # لم يفرط مصطفى النحاس في السودان، وكان كل فرد في مصر حريصا عليه، وكلهم كان يوم ذهب ~~مصطفى للمفاوضة يسائل خاطره: وماذا هو صانع في مسألة السودان؟ # لقد صنع مصطفى ما كان ينبغي أن يصنع، لقد أبى أن يفرط، وآثر أن تقطع يمينه على إمضاء ~~وثيقة التسليم؛ فسجل له التاريخ هذا الشرف، وكتب له في ألواحه هذا المجد العظيم. # وتأهبت البلاد لاستقبال مصطفى عند عودته، معتزة بإبائه وحرصه على حقوق أمته؛ فإذا ~~الإسكندرية قبيل موعد أوبته قد لبست وتجملت، وتزاحمت واحتشدت، وإذا القاهرة تمسح الثياب، ~~وتختار الصحاب، وتستعرض الأردية لتشتمل بالبرد الزاهية، والآباء قائلون للبنين: يا بني ~~إنا لنخشى عليكم الزحام، ويقول البنون: نحن الزحام، أفيخشى الزحام الزحام؟! وتتعلق الزوجات ~~بأكتاف الأزواج، ويقلن: أهذا يوم الخروج؟! أفلا تقعدون مع القاعدين؟! ويجيب الرجال النساء: ~~إنا إذن لجاحدون! ... وكرائم العذارى يتنادين، وربات الخدور يتجمعن، قائلات: هلم إلى ~~الشرفات، فإن الموكب من ها آت، وتروح القاهرة، تود لو أنها اجتمعت كلها على الطريق، وكانت ~~للموكب الشارع الأوحد والمخترق، ويود أهلها لو يتسع السبيل لحشدهم أجمعين ... # وبين الثغر والحاضرة، قد خرج أهل القرى باكرين لينتظروا الساعات الطوال من أجل اللحظة ~~الخاطفة، ومرقة القاطرة المزغردة الهاتفة، وهم يصفقون وإن لم يتبينوا شيئا، ويهتفون ~~وإن لم ms371 تنكشف لهم من القطار كاشفة، والولدان الصغار يعدون على الجسور تحت وقدة الشمس ~~مصفقين مارحين، وهم لا يعلمون لم صفقوا، ولا يدرون علام المرح، وإنما رأوا الكبار في فرح، ~~فاشتركت الإنسانية الصغيرة مع الآباء بالغرائز الطاهرة، تجيب بالهتاف على القاطرة الطائرة، ~~والزروع في المروج تتمايل من الكبرياء، كأن قد أحست أن الحريص على الماء قد جاء، وقد آن ~~أن يكون للوفي وفاء. # لقد كان يوم مآب مصطفى هو يوم الشرف والفخار، يوم الشعب. والشعوب للبطولة عاشقة، والأمة ~~لزعيمها تائقة، وأجر الحب لقاء، وهو إعجاب بإباء رفع في الدنيا معنى الإباء، وتمجيد ~~لشجاعة، وإكبار لنزاهة، وشمم ووطنية صادقة. # لقد كان يوم الاستقبال يوما في التاريخ، كتب التاريخ قصته، لتروي الأجيال روايته، ~~وكان يوما من أيام الفضيلة، دونت الفضيلة حكايته، وأسمعت الدنيا أنشودته. وكان يوما ~~للبطولة، ذكرت البطولة مروءته، وشكرت الله على ما كان لها في سحابته. وكان يوم العزة ~~القومية، فخرت الأمة بجلال روعته، وأثبتت للعالم أن كبرياء الأسير لا تموت على سلسلته. وقد ~~جاء اليوم وذهب، وبقيت إلى اليوم على الحاضر صورته. # لقد نسي الناس في ذلك اليوم حب السلامة في الجرية إلى التحية والسلام، ولم يبالوا ~~التدافع والتماوج في وسط الزحام، واستحال الهيابة من الحياء فيهم الجريء المقدام، ~~والجموع تتهادى إلى الأمام وهم جميعا أمام، وليس من متسع لأقدام، والأعناق تتطاول، ~~والقامات تشرئب لرؤية البطل المدهش العجب، وكأنما تلك أول مرة يشهدون فيها الوجوه التي ~~عرفوها، والمعارف التي لم يجهلوها، والصور التي لطالما لمحوها؛ ولكن الخاطر قد راح من فرط ~~الجذل مستريبا، يحسب أنه مشاهد عجيبا، وما من عجب في الوجوه والطلعات، وإنما العجب من ~~هذه الخواطر الخاطفات، تتمثل مصطفى قد تغير مطلعا، أو لعله قد لبس للحوادث درعا، أو ~~جاء من معركة دموية يقطر نجيعا، وعلى محياه من النضال جراح، وتظن أن الصحاب قد عادوا من ~~الوغى مثخنين ...! # أيها الناس، هذا مصطفى الذي عرفتم، ها هو ذا يبتسم بسمته التي أخذتكم وسحرتكم، وإنما على ~~البسمة ظل من شحوب، ms372 وفي الوجه أثر من تعب، يخفيه ثم جلال ورهب، وعلى عارضه المتهلل خط ~~الاعتراض على ضياع نصف الحق بنصفه، والإباء الغلاب على خوفه، وخط الحرص على شرف قومه ~~وشرفه، وأسطر الفخار ثم باديات وقد حق التكريم للأوفياء الطاهرين. # شهران في غياب، ولكنهما في مقياس اللهفة كالأحقاب، والزعامة خلالهما مجاهدة، ومصر في ~~ارتقاب، وقد تعاقبت فيهما على الشعب مشاعر عارضة، على مسيرة المفاوضة، يجيء صبح بنبأ، ~~ويذهب مساء بأنباء، ويقول يوم: أنا على شرف من النجاح، فأعدوا معالم الأفراح، ~~وينثني يوم يصيح من وراء البحر مناديا: أنا نذير فلا تعجلوا بجذل، فإني على المفاوضة ~~وجل، وينبري من هدأة الأسبوع مساء ينادي: لقد عاد أمل. وكذلك جرى الشهران والنفس بين مد ~~وجزر، حتى استقر الجهاد على عدوة الصبر، ومن ورائه إيمان لن يضعف آخر الدهر، ورجعنا ~~من الأوبة أباة رابحين ... # شهران مستطيلان، كانت الحياة كلها فيهما في كفة القدر، وكان الموت فيهما راصدا لمصر، ~~ولولا زعيم أرسل من وراء الحاضر إلى المستقبل حديد البصر، ووازن بين قبول بذل الحياة ~~ورفض شريف أبر؛ لقضى الباطل على الحق، وعدنا بمعاهدة زائفة خاسرين. # وتعجل الناس في «وجبة» الطعام ليسرعوا إلى «الواجب» اللزام للبطل المقدام، والمجاهدين ~~الكرام، ولو أن كل فرد في القوم كان على مرتقب أعز أهله، وأكرم ذوي قرابته، لما لهف على ~~الموعد لهفته الحري على مشاهدة مصطفى وصحابته؛ فقد خرج الناس خفافا إلى طريق الموكب قبل ~~أن يبلغ الزعيم القطار ليركب؛ فإذا المدينة في موج من الخلق، والأفاريز جدر قائمة من لحم ~~ودم، والطرق صفوف من أناس وقوم، والناس من قائل: نخشى ألا يجيء من هنا. وقد ذهلوا عن ~~الأشراط من حولهم والزحام، وعادت القلوب تطغى من الفرح على الأفهام؛ ومن متحدث يشرح أسرار ~~السياسة كأنه كان مع الوفد، ويصف السودان كأنه مسقط رأسه والمولد؛ ومن متفلسف يتكلم في حكمة ~~الرفض، ويدلل على قوة الزعامة وصيانة العهد، وكأن على كل خطوة حلقة من ساسة أعلام، وندوة من ~~برلمان معقود، ومجمع مقام؛ والدقائق تمر ms373 بطاء، وما أبطأ الزمان، ولكن كذلك شبه للشعور ~~الفياض وبدا لسرعة الوجدان. # وجاء القطار يتهادى من شرف، وتدافع المستقبلون، ونسي الشيوخ الوقورون وقارهم، فتقدموا ~~يتزاحمون، كأنهم في العمر مقتبلون، وأطلق الشباب وجدانهم على آخر مداه، لا الحياء أمسكه، ~~ولا الزحام نهاه، والمستهترون بالحياة من فوق القطار يهتفون، والخلق من تحتهم يتجاوبون، ~~والدوي ينبثق من الفناء إلى الفناء، ويجد في الرحاب هواتف الأصداء. وأول هتفة على ~~الإفريز لحظة استقر القطار، كانت كالشرارة الكهربائية الموجبة، آخر مداها عند ساقة الزحام، ~~وقد سرت خلال أمواج الإنسانية حتى أتت على اللجة المترامية. # وبدا الزعيم ... # لقد أقبل الجلال، وظهر بطل الأبطال، والشجاع الذي صان الاستقلال ... مصطفى النحاس، أيها ~~الفاتح الغازي، فتحت لمعنى جديد في الإباء كتابا، وغزوت الباطل شمما وغلابا، وطبت ~~مذهبا وحسنت مآبا، وخسرت المعاهدة، وربحت إيمان الأفئدة، فهلم إلينا، فقد تقنا إليك ~~من أول يوم غبت عنا، ونحن اليوم أعزة بك، وأنت المنتصر بنا، وقد رفعت رأسنا، وحرصت على ~~حقنا، وحقك اليوم في الخالدين ... # وعلى أثر عودة الرئيس إلى أرض الوطن، وذلك الاستقبال الباهر الذي استقبل به عند وصوله، ~~ألقى دولته خطابا بليغا في البرلمان بسبيل المفاوضات قوبل بالرضى التام والإعجاب البالغ، ~~وقد شكر فيه زملاءه أعضاء الوفد الرسمي، كما شكر أمته التي عرفت صنيعه فكرمته ~~تكريما. # وفي الثاني والعشرين من شهر مايو سنة 1930 أصدرت وزارة الخارجية البريطانية كتابا أبيض ~~يحوي صور الوثائق والأسانيد والمذكرات التي تبودلت في أثناء المفاوضات، ووصفا شاملا ~~دقيقا لسيرها. وكان خصوم الوفد في البلاد قبل هذا ومنذ عودة الوفد ينحون باللائمة عليه، ~~ويتجنون في الحكم على تصرفه، ويمارونه في حكمة موقفه. فلما جاء ذلك الكتاب من خصمه، كان ~~صدمة قوية لهم، إذ راح شهادة ضمنية من الجانب الآخر بمبلغ الجهود العنيفة التي بذلها مصطفى ~~النحاس في سبيل استخلاص حقوق ومزايا كثيرة، لم يكن لها أثر في المقترحات السابقة؛ كما سجلت ~~له تلك الوثيقة الرسمية مواقفه الشريفة، وإباءه الوطني الرفيع. # لقد كانت تلك وقفة شريفة، يسجلها الخصم؛ لأنه ms374 لا سبيل إلى إنكارها، ولا مفر من نشرها ~~وعرضها على التاريخ ليقول فيها كلمته، ويحكم فيها حكمه الخالد العظيم. # على أن خصوم الوفد في البلاد تعاموا عن هذه الوثيقة وما سجلته من فخار له، وراحت تطالبه ~~ملحة عليه في إصدار كتاب أخضر من جانبه، ولكن الوفد لم يستطع يومئذ أن يفرغ لهذا العمل أو ~~ينكمش فيه، فقد وجد الأفق من ساعة وصوله ينذر بعاصف، وتبين له أن الجو قاتم يهدد ~~بأعاصير. # ولم يكن الوفد يجهل ما يحاك له من الكيد، ولكنه كان بصيرا عليما بحركات خصومه جميعا، ~~بعد أن استهدف لغضب الإنكليز بسبب تمسكه بالسودان، كما أغضب مندوبهم البريطاني سير برسي ~~لورين بإبائه، فقد كان هذا قد أكد لوزارة الخارجية البريطانية قبل سفر الوفد للمفاوضات أنه ~~قادم لتوقيع المقترحات في غير مناقشة ولا اعتراض؛ فلما رأى الوفد في لندن يناقش ويعترض، ~~ويظفر بمزايا جديدة، ولا يبقي اقتراحا على أصله، ولا يرتضي نصا قديما بحرفه أو معانيه، ~~أسرها في نفسه، وانكفأ حاقدا على الوفد يتربص به دائرة السوء، ويضمر له أشد ~~الانتقام. # واجتمعت إلى نقمة الإنكليز على الوفد خصومة الرجعيين للدستور، وكراهيتهم للنظام النيابي، ~~وتوقهم إلى قلب الحكم الديمقراطي ليخلو لهم وجه السلطان؛ فاستحال الأفق السياسي بعد عودة ~~الوفد قاتما مكفهرا يؤذن بريح نكباء. # وبدأ خصوم الوفد في الداخل ينسجون ويدبرون المؤامرات في الخفاء، ويؤلبون الطوائف وذوي ~~الحاجات على القائم، ويتهيئون ليصيبوا الحكم من الأكثرية الساحقة غلابا واغتصابا؛ لأنه ~~هو كل همهم، ومدار رحاهم، وقطب أملهم. وجاء تفكير الوفد في تنفيذ المشروع الذي كان قد أشار ~~إليه في خطبة العرش، وهو إصدار قانون لمحاكمة الوزراء ليزيد الموقف حرجا؛ إذ لم يكن أحد ~~يتصور أن قانونا كهذا يمكن أن يمر من القصر أو يرتضيه الإنكليز؛ لأنه يخيف الصنائع، ويرهب ~~الأعوان، وينمي الخوف في نفوس المتشيعين. # لقد كان هذا المشروع ينص على معاقبة الوزراء الذين يتهمون بتهمة الخيانة العظمى، أو ~~تهمة الغدر، بعقوبات تتراوح بين الأشغال الشاقة المؤبدة مع غرامة لا تقل عن ms375 ألف جنيه، ولا ~~تتجاوز عشرة آلاف جنيه فيما يتعلق بجناية الخيانة العظمى، وبالسجن مع الغرامة في جرائم ~~الغدر. كما أدخل المشروع في باب «الخيانة العظمى» قلب الدستور أو نظام الحكام أو نظام وراثة ~~العرش، أو تنقيح الدستور بتعديل أو حذف في بعض أحكامه، أو حكم البلاد على أساس نظام نشأ عن ~~حالة من هذه الحالات. # وقد أقر البرلمان هذا المشروع وأحيل إلى القصر لتوقيعه، فلبث فيه لا يعود منه، ولا يرد ~~إلى الحكم لتنفيذه؛ فلم تلبث أن تحرجت الأحوال، واشتدت الأزمة، ووقفت أداة الحكم، وانقطعت ~~الصلة بالقصر والوزارة، واختنق الجو بالدسائس والمكائد، واكفهر الأفق أشد اكفهرار. # وكان خصوم الوفد خلال المفاوضات يدسون عليه بالتشدد في مسألة السودان، متغالين أشد الغلاة ~~في الحرص عليه، مترائين أحر الذادة عن حقنا فيه، فلما شرف البلاد زعيمها بوقفته المجيدة ~~بسبيله، وثبت أروع الثبات على حقه، انكفأ الذين كانوا أحمياء متقدي المشاعر بتلك الغيرة ~~المتناهية يمارونه في موقفه، وينتقصون من جلال تصرفه وحكمة إبائه، ويزعمون أنه قد أساء، ولم ~~يكن ما صنع إحسانا، وأخطأ وكان أدنى شيء إليه أن يصيب. # ولم يكد مصطفى يجد أن كل حيلة في إنقاذ الموقف فاشلة، لا أمل من ورائها، قدم استقالته في ~~السابع عشر من شهر يونيو سنة 1930، وعرض الأمر على البرلمان في مجلسيه، فثارت عاصفة رهيبة ~~من الحمية والغضب للدستور والحكم الديمقراطي، وقرر البرلمان بعد مناقشات حامية ثقته الكاملة ~~بالوزارة، وتأييدها كل التأييد في موقفها للدفاع عن الدستور وحراسته. # وهكذا استهدف الدستور مرة أخرى للخطر، ونجحت مكايد خصومه في انتهاك حرمته، والعدوان على ~~قداسته؛ ولكن مصطفى النحاس الذي قضى حياته السياسية كل تلك السنين الماضية مدافعا عن ~~الدستور، ذوادا عن حياضه، حارسا بجانب سياجه، لم يلبث أن ضحى بالسلطان لكي يعاود الكفاح ~~من أجل الدستور المهدد، ويواصل النضال من أجل الديمقراطية التي عدا عليها المعتدون. # وبدأت مأساة جديدة، ولكن بممثل آخر، أخذ الدور الأول فيها، وكان أقوى بأسا في ذاته من ~~الممثل القديم في المأساة الماضية، وأشد منه ms376 جرأة على الشر، وأقل منه ترددا عن الإساءة، بل ~~في الحق لا تردد عنده مطلقا، ولا وسواس ينزع به إلى الخير إذا ما أراد أن يسيء. وكان ~~مجرد ذكر اسمه عند استقالة الوزارة الدستورية كافيا لكي يدرك الناس أنهم مصبحون من الغداة ~~أمام رجل جريء ذكي واسع الحيلة يخشى جانبه ولا يطمأن إليه. ومع إحساس الناس بذلك كله ~~اختلط يومئذ إحساس العجب من وقوع الاختيار عليه؛ فقد جاء اصطفاؤه للحكومة الجديدة - بعد ~~أن كان ممنوعا من دخول القصر بسبب حوادث ماضية لا تنسى - باعث دهشة في النفوس، ومحل ~~حيرة وعجب في الأذهان، وحافز حذر واحتياط في البادرة، ونذيرا بأبلغ السوء. # لقد ألقي الحكم لإسماعيل صدقي باشا ...! # وساعة سمع الناس بالنبأ، تحسسوا مواضع قلوبهم ليطمئنوا إلى سكونها، والتمسوا صدورهم ~~ليستوثقوا من أن الجنوب التي كانت تطوي البغضاء لا تزال في محلها، والنفور الذي كان يحل في ~~النفوس لا يزال ثم في مكانه. # وبدأت المأساة، وظهر الممثل الأول، وكان الموضوع هو نفسه محور كل مأساة سبقت، أو محاولة ~~مضت، وهو هدم الوفد، وسحق الإجماع من طريق إزالة الحصن الذي يمتنع فيه على عدوه، ودك المعقل ~~الذي يسيطر عليه، وهو الدستور الذي حماه من التلاشي، وغلبه أبدا على خصومه، وأعداه ~~دائما على مناوئيه. # لقد تشابهت المحاولات في هذا السبيل، وتماثلت التجاريب في تحقيق هذه الغاية بسبب وحدة ~~الغرض وتماثل المقصد، ولكن كان كل من يدفع به إلى محاولة منها، أو يتصدى متطوعا للقيام ~~بتجربة من تجاريبها، يروح يستعرض المحاولة التي مضت قبله ليكشف نواحي الضعف فيها، ووجوه ~~النقص والخطأ التي كانت بعض عوامل فشلها، محدثا نفسه بأنه إذا هو تلافى تلك النواحي ~~الضعيفة، وتجنب تلك الأغلاط الماضية، وعرف كيف يسير بمحاولته بعيدا من تلك العيوب التي ~~اختلطت بالتنفيذ، وبمنجاة من الأخطاء والعوامل التي عجلت فيما مضى بالخيبة، وأدت وشيكا ~~إلى الفشل والخذلان؛ فسوف يؤاتيه النجاح، ويصل بالتجربة إلى نهايتها المطلوبة، ويدرك أخيرا ~~قمة الفوز المنشود. # وكان ذلك هو ما خطر لأصحاب التجربة السابقة ms377 مباشرة، فقد كانت أمامهم تجربة أولى من عهد ~~زيور، فأدركوا عند وقوع الأمر في أيديهم، وبداية المحاولة التي وقع الاختيار عليهم لها، أن ~~المكاشفة بمحاربة الدستور جهارا كانت من ذلك العهد السابق خطأ كبيرا، وأنهم إذا ما بغوا ~~نجاحا في دورهم، وجب ألا يتظاهروا بخصومته، ويتبجحوا بكراهيته ومقاومته؛ وإن لم يكن بد من ~~ذلك ولا محيص عنه، فكان شعارهم الفكه من أول الأمر إلى آخره قول صاحبهم: «لقد عطلنا ~~الدستور لإنقاذ الدستور»! إشارة إلى أنهم في أعماقهم أحرص الناس عليه، ولكنه حرص المصلح ~~المتشدد، لا يعرف التساهل والتهاون والتدليل. # وحين جاء صاحب التجربة اللاحقة، وعرض في خاطره الماضي وحوادثه، كان أمامه أكثر من تجربة؛ ~~كانت أمامه تجربته هو بالذات ، وإن لم يكن الرئيس المباشر، بل الذراع اليمنى واليد العاملة ~~والكف المتحركة، ثم جاءت التجربة التي سبقته رأسا، فضلا عن أنه كان عضوا فيما مضى في ~~الوفد فعرف أساليبه، أو ظن أنها لن تكون على مثله خافية، فحدثته النفس بأنه ربما كان سبب ~~فشل الماضي وخيبة رجائه هو التعرض للدستور بالتعطيل، وإيصاد أبواب البرلمان، والاستغناء عن ~~الحياة النيابية جملة واحدة، وأن المجربين أنفسهم كانوا أصحاب مزاج، وأكثر الوقت مرضى ~~عاكفين في مراقدهم، وأنهم كانوا سراعا إلى الملل، غير طوال البال، مترددين في حيثما لا ~~ينبغي أن يكون تردد، ضعاف التفكير فيما يشغل الناس عن وطنيتهم، قليلي الابتكار لما ~~يلهيهم عن وفدهم، ويستحوذ على ألبابهم استحواذا. # فقال لنفسه في نجواه: «إذا أنا ظفرت من جميع النواحي التي يهمها نجاح تجربتي بترخيص كلي، ~~أو «رقعة بيضاء» (كارت بلانش) تجيز لي أن أصنع بهذه البلاد ما أشاء، وإذا أنا عرفت كيف أسهر ~~على المحاولة مهما كلفني السهر عليها، لاجتناب أغلاط الماضي وعيوب التنفيذ فيه، فمن يدري، ~~لعلي مع الصبر وطول الوقت واجتماع كل العوامل المساعدة الطيبة، مدرك في النهاية ثنية ~~النجاح؟ ويومئذ لي المجد والعلاء، وإلا فالسقوط والفناء، وليس لصاحب المطامع الكبار أن ~~يرتضي وسطا بين الطرفين ...» # بهذه النفسية ابتدأت الرواية، وعلى هذا التصميم ms378 العام شرع صاحب الدور الأول في ~~التطبيق. # وكان لا بد أولا من «برولوج» ~~“Prologue” ~~؛ أي مقدمة، قبل ~~الدخول في الموضوع؛ إذ كانت العقبة الأولى أن هناك برلمانا قائما أعطى الثقة الكاملة لخصم ~~عنيف قامت التجاريب الماضية حوله لاقتلاعه من مكانه، وهدم بنيانه، والذهاب بسلطانه؛ ففشلت ~~جميعا، وبقي هو في موضعه ساخرا لم تنل منه المحاولات منالا. وإزاء هذه الحالة القائمة ~~ينبغي الأخذ بمنتهى الرفق، واستخدام أقصى الكياسة، حتى لا يقابل الناس الانقلاب المقصود ~~بصدمة فجائية تفسد الرواية من البداية، وتنفر المشاهدين تنفيرا. # ولهذا جاء بيانه عن التأليف لطيفا ما أمكن اللطف، مغريا ما وسع الإغراء، ملهيا عن ~~أزمة السياسة بأزمة المال؛ إذ راح في ذلك البيان يقول إن الوزارة الجديدة قد جعلت من أول ~~أغراضها إقامة العدل والإنصاف بين الناس جميعا، غير مؤثرة في تصرفاتها فئة دون أخرى، بل ~~إن الجميع لديها سواء، وإنها ملتزمة «الحيدة» السياسية! فلا تنتسب إلى حزب من الأحزاب ... ~~وأنه إذا كان أهم ما يشغل بال الناس في الوقت الحاضر هو الضائقة المالية، فإن الوزارة ~~ستسعى سعيا متواصلا في استنباط كل ما يمكن من الوسائل الوقتية والدائمة «لتفريجها» ما ~~استطاعت إلى ذلك سبيلا! # هذه مقدمة بديعة متناهية في الإبداع، إذ ما للناس وللسياسة، والحكم الجديد سوف يقوم على ~~الحياد في غير انتساب إلى هيئة سياسية، والأزمة المالية هي أولى بتفكيرهم وأحق باهتمامهم، ~~وهذه سيعمل رب البراعة الاقتصادية في تفريجها ما أمكن التفريج؟! # ولكن ماذا هو صانع أمام العقبة القائمة، وهي وجود البرلمان، وليس أمامه من طريقة غير ~~الالتجاء إلى التجاريب الماضية نفسها، والأخذ بالوسيلة ذاتها، في الحالات المماثلة للحالة ~~التي تواجهه، وكان هذا أول تناقض مع البيان البديع الذي لم يكن قد جف بعد مداده، فقد كان لا ~~يريد أن يتعرض للسياسة، ولكن ظهر للأسف أن لا مفر من هذا التعرض ولا محيص؛ فأصدر مرسوما ~~بتأجيل البرلمان شهرا، وإن خالف ذلك بيانه بالأمس أخطر مخالفة. # وفي الناحية الأخرى كان مصطفى النحاس يستعرض موقف خصمه هو كذلك ms379 من التجربة، ويستحضر في ~~خاطره نقط ضعفه ونقط قوته من الاختبار والمشاهدة؛ فما لبث أن بدا له أنه في هذه المرة ~~يواجه بخصم أعنف من الخصم الذي سبقه، ومحارب أقوى وأجسر وأخطر من المحارب الذي تقدمه، خصم ~~لا يعرف التردد، ولا يبالي المكاره، ولا يتسامح، ولا يترخص، ومحارب لا يتأخر عن استخدام ~~أسوأ الأساليب في المقاومة، وأحقر الوسائل في المطاردة، وأقذر الأسلحة في المعترك، مع فرط ~~ذكاء فيه، وسعة حيلة عنده، وكثرة مصادر، وغزارة تفكير. # ولم يكن قد مضى على المعارك السابقة أكثر من خمسة أشهر أو نحوها؛ فلم يتيسر للشعب المجاهد ~~أن يستجم مما أبلى فيها، ولم يتسن له أن يريح وينعم بالطمأنينة ويسترد ما فقد خلالها، ~~وقد يكون هذا عاملا لا ينبغي نسيانه، ولا إغفال اعتباره عند التفكير في الخطة المطلوبة ~~ووضع التصميم للغد المجهول. # وكان الباب في مسألة المفاوضات لا يزال مفتوحا بتصريح المستر هندرسن، وهو أن الحكومة ~~البريطانية مستعدة في أي وقت أن تعاود المفاوضات إذا أنست الحكومة المصرية من جانبها ~~جنوحا إلى قبول عرضها الأخير؛ ففي وسع مصطفى النحاس أن يجنب نفسه وأمته التعرض لهذه ~~التجربة الجديدة إذا هو أشار بأنه على استعداد لمعاودة المفاوضة والرجوع إلى ~~الاتفاق. # كان هذا يومئذ ممكنا لو لم يكن الأمر متعلقا برجل كمصطفى النحاس؛ فقد رآه مستحيلا، ~~وأكبر كل جهاده الماضي أن يستذل أخيرا، وعاد يتحسس إيمانه في صدره فإذا هو قوي عميق، ~~وراح ينظر إلى الأمة فإذا هي حاضرة العزم أبية متجلدة. وكم ينفع الإيمان في مثل هذه الظروف! ~~وكم يجدي في هذه المحن على المؤمنين! # وتبين لمصطفى النحاس بالنسبة لخصمه الجديد مع عنفه وبطشه وذكائه وشدة مراسه، أنه لا بد من ~~العمل السريع، ولا مفر من البكور إلى المقاومة، والبدار إلى الاشتباك والمجاذبة، فلم يكد ~~يصدر المرسوم الملكي بتأجيل انعقاد البرلمان شهرا، حتى أجمع النية هو وممثلو الأمة ~~ووكلاؤها على عقد جلساتهم في البرلمان، وإن اقتضاهم ذلك أن يقتحموا داره اقتحاما، ويشتبكوا ~~مع الوزارة الجديدة أعنف اشتباك. ms380 # فكان يوم تحطيم السلسلة، وإنه ليوم عظيم خالد في التاريخ، يوم الاثنين، الثالث والعشرون ~~من شهر يونيو سنة 1930؛ فقد أراد البرلمان أن يجتمع تحت قبته، فاجتمع منفذا مشيئته، غير ~~حافل بالباطل وقوته؛ إذ بادرت الوزارة - وقد تبين لها أن الأمر جد وما هو بالهزل - بإرسال ~~كتاب إلى رئيس مجلس النواب تهدده فيه بأنها إذا لم تتلق منه توكيدا قبل الساعة الواحدة ~~من ظهر ذلك اليوم بالذات، بأنه إذا انعقد المجلس فلن يأذن لأحد بالكلام، وإنما تقتصر جلسته ~~على تلاوة مرسوم التأجيل؛ فكان رد (المغفور له) الأستاذ ويصا واصف رئيس المجلس جوابا ~~مشرفا حقيقا بأكبر الفخار، جوابا خالدا كجواب «ميرابو» في بداية الثورة الفرنسية ~~الكبرى؛ فقد كتب فيه يقول إنه ليس من حق الحكومة أن توجه إلى رئيس مجلس النواب مثل هذا ~~الخطاب لما فيه من تدخل السلطة التنفيذية في إدارة جلسات المجلس التي هي من اختصاصه دون ~~سواه! # ومن ثم راحت الوزارة تحتاط للأمر؛ فأرصدت قوات مسلحة على الطريق المؤدية إلى البرلمان ~~وعلى أبوابه وسياجه، وأقفلت الأبواب بالسلاسل الحديدية، وأحالت دار التشريع قلعة عسكرية، ~~ولكن ذلك كله لم يثن وكلاء الأمة وممثليها عن الاقتحام، فاقتحموا الطريق شيوخا وشبابا، ~~غير مبالين ما أصابهم من أذى حتى بلغوا الباب. # وجاء مصطفى النحاس فاخترق الأنطقة العسكرية وصفوف الجند بسيارته غير معترض، وفي وسط ~~الجمع الحاشد دنا دولته من الباب الحديدي الكبير، فقال: «نحن هنا في انتظار قدوم رئيس مجلس ~~النواب، حتى إذا جاء فإن له أن يأمر بوليس البرلمان بأن يفتحوا هذه المغاليق بما له عليهم ~~من حق السلطة التي لا تنازعه فيها الحكومة بحال، وذلك أمر معلوم؛ لأن بوليس البرلمان لا ~~يتلقى أوامره إلا من رئيس مجلس النواب أو الشيوخ، أما الحكومة فلا سبيل لها عليه.» # وفي تلك اللحظة حضر ويصا فتقدم نحو الباب فوجده موصدا بالسلاسل، وأمامه وخلفه قوة غير ~~قوة بوليس البرلمان، فأمر من الخارج باستدعاء الصاغ محمد عاطف بركات قائد القوة، وأمره ~~بصفته رئيس المجلس بأن يحطم السلاسل ويكسر ms381 الأقفال قائلا: «إني آمرك، كرئيس المجلس، أن ~~تزيل هذه السلاسل والأقفال، وتفتح الأبواب ليتمكن الأعضاء من الدخول.» # مصطفى النحاس أمام دار البرلمان عند تحطيم سلاسله. # فامتثل القائد، وأسرع إلى استدعاء قوة شرطة البرلمان، وأمر رجالها بكسر السلاسل، فتقدموا ~~جميعا، وأهووا عليها بالمعاول الحديدية حتى تكسرت وانفتحت الأبواب. # ولم يكد أول داخل تحتويه الساحة الداخلية لدار التشريع حتى صاح بأعلى صوته: «ليحي ~~الدستور! لتحي سلطة الأمة!» فتجاوبت الأصداء بذلك الهتاف الجليل الرهيب. # وانعقد المجلسان، وتلي في كل منهما مرسوم التأجيل، ونهض مصطفى النحاس على أثر ~~تلاوته، فألقى الكلمة الآتية: «نظرا للظروف التي تجتازها البلاد الآن، ولما بدا من بوادر ~~الاعتداء على الدستور، أطلب إليكم أن تقسموا معي وأنتم وقوف القسم الآتي ، كما أطلب من كل ~~مصري أن يقسمه بينه وبين الله: # أقسم بالله العظيم أن أكون وفيا في قسمي الذي أقسمته طبقا للدستور، وأن أدافع ~~عن الدستور بكل ما أملك من قوة ومال وتضحية. # فأقسم الجميع وسط جلال عظيم. # وكانت هذه الحادثة الرائعة ضربة سريعة عاجلة موجهة للرجعية والرجعيين فلم تلبث أن اهتزت ~~منها؛ إذ لم تكن تتوقع مطلقا أن تدابيرها المسلحة يمكن أن تفسد عليها بتلك الصورة ~~الجريئة الخطيرة. وكانت تلك الهزة الفجائية غير منتظرة، فاضطربت الوزارة من أثرها قليلا، ~~حتى إنها لم تستطع أن تمنع اجتماع المؤتمر الوطني الذي دعا إليه الرئيس الجليل مصطفى النحاس ~~باشا جميع أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب ومجالس المديريات في الساعة الخامسة من مساء اليوم ~~السادس والعشرين من يونيو سنة 1930 في النادي السعدي؛ أي بعد يومين من حادث تحطيم السلاسل ~~وكسر الأبواب، بل وقفت تشاهد عقد ذلك المؤتمر العظيم متظاهرة بأن ليس عليها منه، وهي في ~~أعماقها وجلة مضطربة هلوع؛ حتى لقد عمدت مع السماح بانعقاده مرغمة إلى تعبئة قوات حاشدة ~~حول دار النادي لتظهر أمام الجماهير بمظهر حربي يلقي الرعب في القلوب، وإلى منع أكبر عدد ~~ممكن من الذاهبين إلى المؤتمر والمهطعين إليه إذا هي استطاعت إلى منعهم سبيلا. # وفي صدر ذلك الجمع ms382 العظيم وقف مصطفى يلقي كلمته في هذه المحنة التي أصابت الدستور مرة ~~أخرى، فأهاب بهم قائلا: «لنترك الكلام والاحتجاج جانبا، ولنعمل عملا جديا كرجال ~~مسئولين نيطت بهم مسئولية مهمة الدفاع عن الدستور الذي اكتسبناه بجهادنا ودماء شهدائنا، ~~وأقسم الكل اليمين على احترامه. # لقد دعوتكم للتشاور في الأمر، فإذا ظن البعض أننا إنما اجتمعنا هنا لنتبادل الأقاويل ~~والاحتجاجات، فقد ساء ظنه وخاب فأله؛ فالأمر أخطر من أن يعالج بكلام يبذل، بل نحن في ~~حاجة إلى عمل يعمل، ولو أدى بنا ذلك إلى تضحية النفس والنفيس، فهل أنتم على استعداد ~~لتأدية تلك التضحية؟ هل أنتم مستعدون لأن تقاوموا كل اعتداء على الدستور، وأن تدافعوا عنه ~~بكل ما أوتيتم من قوة ومال؟» # وقد أصدر المؤتمر قرارات خطيرة في الدفاع عن الدستور ومقابلة العدوان عليه بأغلى ~~التضحيات. # وهكذا بدأت الأمة كفاحا عمليا لا كلام فيه، كفاحا قويا فعالا لا يعرف تراخيا. وقد ~~بلغ من غضبة مصطفى يومئذ للدستور أن راح يعتزم التضحية بكل شيء حتى بحياته الغالية على ~~وطنه، في سبيل دستور بلاده، وكرامة قومه، وحقوق أمته؛ فكانت كل كلمة منه تحمل روحا ~~مستعرا، وتنطق عن إرادة مستحصدة، وتنطوي على حماسة مضطرمة متقدة؛ فقد أدرك أن التجربة سوف ~~تروح قاضية إذا لم تقابل بعزيمة قوية، وثبات رهيب، وشجاعة متناهية، وارتخاص كل تضحية ~~غالية. # وعقب انعقاد المؤتمر الوطني تلقى الرئيس دعوة من مديرية الدقهلية إلى زيارة مدائنها، ~~فتقبلها راضيا، واعتزم السفر إليها غير متردد، وهو يعلم أن الوزارة سوف تحول دونه، وتقاوم ~~تطوافه، وتحاول بكل قواها المسلحة منعه من الانتقال والتجوال؛ لأنه قد وطن النفس على ~~ملاقاة صدقي باشا وجها لوجه، ومقاومة القوة المادية التي يستعينها عليه بالقوة الروحية ~~التي إذا نفت الخوف والتهيب والانزواء لم يقف في وجهها شيء، ولم يستطع أن يحول دونها ~~حائل. # ولقد تجلت نفسية مصطفى بأروع جلالها في كلماته التي ألقاها قبل ذلك في الحفلة الكبرى التي ~~أقامها أعضاء مجالس المديريات له في أحد فنادق القاهرة في مساء التاسع والعشرين ms383 من يونيو ~~سنة 1930، فقد ذهب بكل قوى النفس الجياشة يقول: «إني لقرير النفس، ساكن القلب لا تزعجني هذه ~~النوازل التي تنزل بالبلاد، بل نعمت هي؛ لأن الدستور لا يستقر له قرار إذا لم نقدر له ~~قدرا. كلا، بل الدستور، وهو حق الأمة ومظهر حريتها، لا يمكن أن يكون له قرار مكين ونحن عنه ~~غافلون، بل يجب أن نعمل لنستحقه، نعمل لنسترده، نعمل لنستبقيه ... أعود فأقول: إني لمطمئن ~~القلب، مستريح الضمير، ولئن أصابني سوء فإني موقن بأنكم من بعدي تتمون عملي.» # بهذه النفسية الخليقة بزعيم أمة مجاهدة لأشرف ما في الحياة، استقل مصطفى القطار في صباح ~~اليوم الأول من شهر يوليو إلى الزقازيق لزيارة شيوخ الشرقية ونوابها، وبهذه النفسية الرهيبة ~~راح في المحطات القائمة على الطريق يطل على الجماهير ملهبا مشاعرهم، موقدا عزماتهم، ~~مناشدهم التضحية - مهما عزت - في سبيل دستورهم، والناس حاشدون على الأفاريز غير مكترثين ~~بما يصيبهم من الأذى والعدوان من الأشراط والقوات المحاصرة لهم من كل مكان. # وكان استقبال مدينة الزقازيق للزعيم الوافد عليها جليلا مهيبا خرجت له الألوف المؤلفة ~~من أهلها، رغم حشود القوات المسلحة ومحاصرتها الطرق المؤدية إلى سرادق الاستقبال؛ فقد ~~استهان الزعيم بالخطر فألهم الناس الشجاعة، وألغى من نفوسهم الحرص على الحياة؛ فلم يلبثوا ~~في بلبيس على مقدم الرئيس إليها أن قابلوا عدوان البوليس عليهم بالدفاع عن أنفسهم، فسالت ~~الدماء، وسقط خلق كثير جرحى، وذهب الموت بثلاثة من الشباب لم يتجاوز أحدهم السابعة عشرة من ~~العمر؛ فهاجت المدينة وماجت، وخرج في الغداة لتشييع جنازات الشهداء أربعون ألفا في موكب ~~مرهوب خطير لا تأتي العين على آخر مداه. # لقد كان يوم بلبيس المشهود دليلا قاطعا على مبلغ محبة الشعب للوفد وولائه لزعيمه ~~وتقديره لقداسة دستوره؛ بل كان صورة صادقة لإرادة الأمة واستعدادها للبذل واستجابتها لمعاني ~~التفدية واسترواحها للجهود بالأرواح، حتى لقد قال ساحر الوفد ومزماره الغرد - مكرم عبيد - ~~في التعقيب على ما رأى يومئذ وشهد في ذلك اليوم الخالد: «وإذا كنت واثقا من شيء، فإني على ~~ثقة ms384 تامة بأن النصر حتما للأمة التي أقسمت اليمين على أن تدافع عن دستورها بكل ما تملك من ~~قوة ومال وتضحية، تحت لواء رئيسنا الجليل، وزعيمنا المقدام، مصطفى النحاس باشا، وإني أعتقد ~~أننا قد قضينا من الكلام وطرا، وقد أقبلنا على دور العمل فهو أقوى معنى وأبقى أثرا. وليكن ~~شعارنا على الدوام: إما أن يبقى الدستور فنحيا به، وإما أن يفنى الدستور فنفنى فيه. إن ~~أمة يزغرد نساؤها للشهداء، ويقسم رجالها اليمين ليحافظن على الدستور حتى الفداء، لهي أمة ~~يهون من أجلها كل عناء، ويطيب في سبيلها الموت والفناء.» # وحل يوم المنصورة، الثامن من شهر يوليو سنة 1930، ذلك اليوم المجيد من تاريخ الكفاح ~~الوطني، فأحست الوزارة جزعا منه قبل مقتربه، وأدركها الوجل من دنوه، فمنعت الاجتماع، ~~وأرسلت كتائب الجند لتحصين المدينة، كأن عدوا مغيرا يوشك أن يزحف عليها، أو كأن خطرا من ~~حرب يكاد يدهمها على غرة وهي آمنة. # ولكن مصطفى النحاس لم يكن يأبه بوعيد ولا هو بالذي يحفل يومئذ بمنع أو مصادرة؛ فقد وطن ~~نفسه على المقاومة العملية مهما يستهدف له من سوء، فأعلن تصميمه على السفر في الموعد ~~المضروب، وكتب إلى مدير الدقهلية يرد على رسالته التي أبلغه فيها نبأ المنع، قائلا في رده ~~بعد الاستناد إلى القانون في إثبات بطلان هذا الإجراء: إن عليكم وعلى كل من يشترك معكم أو ~~يلهمكم تقع تبعة كل اعتداء على الدستور، أو إخلال بالنظام أو الأمن العام بسبب هذا ~~الاعتداء. # وأمام هذا التصميم الحاسم والاعتزامة القاطعة، ذهبت الحكومة تحتال الحيل لقطع السبيل على ~~رئيس الوفد حتى لا يبلغ المدينة المتحمسة المتلهفة على لقائه، فأوحت إلى شركة الدلتا أن ~~تمنع سير القطار الخاص الذي سيقله على خطوطها، كما اتخذت التدابير العاجلة لكي تمنع السفر ~~عن طريق ميت غمر، وتحيل المنصورة من كثرة القوات المحاصرة لها أشبه شيء بقلعة عسكرية وميدان ~~حرب عوان. # وذهبت الكتائب تطوف أرجاء المدينة لتقذف الرعب في قلبها، وراح الأشراط يهدمون الزينات، ~~ويقوضون السرادقات، ويحاصرون الطرق والدور، ويمنعون أهل ms385 القرى المجاورة من مغادرة حدود ~~قراهم حتى لا يشتركوا في استقبال زعيمهم العظيم. # وجاء يوم المنصورة، فكان يوم الدماء، وعيد الشهداء، وفخار الوطنية والولاء، فقد وصل مصطفى ~~النحاس إلى المنصورة متغلبا على كل ما حشدت الحكومة في طريقه لتحول بينه وبينها، وركب ~~سيارته وسط موج مائج من الخلائق، وهتاف مدو في السماء. # وكان ذلك الحادث الشنيع الذي سيذكره التاريخ لعهود الظلم، ويسجله المؤرخ لدول الاستبداد، ~~كان ذلك الحادث النكر الفري الذي كاد يودي بحياة مصطفى لولا أن امتدت يمين طاهرة، ~~يمين صديق وفي أراد أن يفتدي زعيمه بحياته، وكان يعرف من قبل أن مؤامرة قد دبرت ~~بياتا لاغتيال الرئيس في يوم المنصورة، فكتم النبأ عن صاحبه، وأجمع النية على أن يكون هو ~~فديته، فكان ذلك أبلغ ما يكون الوفاء في الصداقة، والتفاني في الحب، والعظمة النفسية في ~~مجال الشهادة. # ذلك هو البطل سينوت حنا الذي ركب بجانب الرئيس في ذلك اليوم المشهود، فرأى طعنة موجهة إلى ~~ظهر زعيمه وصديقه فتلقاها بيمينه؛ لأنه انتوى التفدية، وارتخص أغلى التضحية، وعرف قبل ~~المسير النية الخافية؛ فاعتزم أن يكون للزعيم أول المفتدين. # لقد اجتمعت في سينوت الجرأة إذ كان أرفع مثالها، والشهامة وهو من أكبر رجالها، وأصالة ~~الرأي وهو من صفوة أهلها، وطاعة القائد لرئيسه الأعلى وهو في المعارك الوطنية من أبطالها، ~~والإيمان بإخلاص الزعيم لأمته وهو في دين الوطنية أروع المؤمنين. # ولقد ظلت ذراعه بعد يوم المنصورة جريحا يشكو الألم منها، ولبثت طويلا موجعة لا يستطيع ~~ردها إلى سابق حركتها، ثم حط السقام عليه، ولازمته العلة، وأدنفه المرض، حتى قضى في ~~الرابع والعشرين من شهر يوليو سنة 1933، فجل مصابه في الناس، وكان الحداد عليه عاما، وكان ~~موكب الآخرة فيه زاخرا مشهودا. # سينوت حنا بك. # وكما ينتهي اليوم الحافل بالعمل، المزدحم بالمشاق، المقطوع في أحر النضال، المصروف في ~~الساحة مع المحاربين والأبطال، بنوم هني مستطيل؛ تنتهي الحياة الزاخرة بالجهاد، المليئة ~~بأحداث الكفاح، بموت مجيد، ورحلة طيبة إلى السماء، وسفرة رغيدة إلى الخلود. # إن الذين ms386 يعرفون كيف يحيون هم كذلك الذين يعرفون كيف يموتون، والذين يزرعون للمجد يحصدون ~~للشرف، ومن يحسنوا إلى الناس أحياء، يعرف الناس كيف يحسنون إليهم على دقة الناقوس ~~ذاهبين. # الحديد إذا لم يعمل صدؤ، والماء إذا ركد فسد، والزمن يجري خادعا، والناس إلى السماء ~~يسرعون مخدوعين. # ولكن الحياة الطيبة طويلة وإن قصرت؛ لأن طولها في التاريخ يغني عن قصرها في السنين. # البطل سينوت في يوم المنصورة الخالد، وقد أمسك الطبيب بذراعه الجريح ~~لتضميدها، وظهر في الصورة مصطفى النحاس والدم الزكي على ثوبه. # كذلك انتهى سينوت، وغاب عن هذا العالم، والشمس تتزاور إلى المغيب، بل كذلك استبق في ~~الممات الشمس راحلا؛ لأنه في الحياة ورحلتها ظل السباق بطلا مناضلا، وغاب مبكيا ~~عليه؛ لأنه حضر مهتوفا به، جل منه المحضر كما جل في الغائبين. # مات منا سينوت، فماتت منا بعض إنسانيتنا لأنه الإنسان، وبعض وطنيتنا لأنه الوطني، وبعض ~~جرأتنا لأنه الجريء الأبي، وبعض وفائنا لأنه الولي الوفي؛ إذ كان سينوت معنى آدميا كثير ~~المترادفات، ورسالة سماوية لها في الأرض آيات بالغات، هو الإنسان بكل زواخر عواطفه ومعتلج ~~تياره ومتقاذفه، محتدم الشعور أبدا، حاضر المروءة أبدا، زين المجالس متحدثا، أطيب ~~أهل الود نفسا، باذل أغلى شيء في نفسه زهيدا وبخسا. وهو الوطني الذي حاط وطنيته بالثبات، ~~وخاض بها في أروع الجلد الشدائد والغمرات، وهو الجريء الذي جعل الجرأة له عنوانا، وأقامه ~~الشعار الوطني في الصحافة مقالات ... وهو الوفي الذي كتب لنفسه صفة الوفاء بأزكى الداء، ~~وانتقل إلى التاريخ مثلا عاليا في الأوفياء المفتدين. # لقد أظهر سينوت في يوم المنصورة أكرم الخلق وأندره؛ لأنه وقى الزعيم مؤامرة العدو ~~وغدره، وما كان أبلغ شجاعته إذ وقف ينظر إلى دمه وهو يقطر منه باسما، وقد نسي جرحه في ~~سلامة الرئيس بجانبه! # ومضى الركب في طريقه لا يلوي على هذه المؤامرة، مؤامرة الجبن والنذالة، ولكن قوات الجيش ~~لم تلبث أن اشتبكت والجماهير في معركة غير متكافئة الأسلحة، وراحت تطلق النيران على العزل ~~الأبرياء؛ فسالت الدماء وقتل ستة راحوا ms387 شهداء، وكان الجرحى يومئذ بالمئات. # كان يوم المنصورة يوما أحمر قانيا، يوما شجاعا جليلا أبيا، يوم مجد وجلال وخلود، ~~أنفذت فيه الزعامة إرادتها، وبرزت فيه مشيئة الشعب بكل عظمتها وقوتها، وغادر الرئيس ~~المنصورة وهو يقول: «لقد أرادوا أن يشفوا غليلهم من ضعيف غير مسلح، ولكنه قوي بالحق، ~~قوي بأمته ... فقد رأيتم كيف أنهم كانوا يقصدونني، ويتعطشون إلى دمي؛ لأني أدافع عنكم، ~~فاعلموا أني مضح بنفسي قبلكم، ووصيتي لكم من بعدي أن يقوم كل منكم مدافعا عن دستوره ~~واستقلال بلاده، حتى يوقن كل فرد بأن مصر هي الخالدة ...» # لقد كان مصطفى النحاس موطنا النفس يومئذ على الموت، وإن اقتحام الأنطقة المسلحة على ~~تلك الصورة كان في الواقع سخرية بالغة من الموت، واستهانة عجيبة بالحياة، وقد سرى هذا ~~الإحساس في جميع الذين وقفوا من حوله؛ فراح الشباب يترامون بصدورهم على أسنة الحراب، ~~ويريدون أن يجودوا بأرواحهم رخيصة في سبيل الحرية والدستور. # سينوت الجريح في أروع معركة. # وفي الجانب الآخر وصلت النذالة والغدر والخسة إلى أبعد حدودها في التواطؤ على مكيدة دموية ~~نكراء، دبروها في جنح الظلام، ولكن لم يلبث أن كشفها نور الحق، وما بكثير على الذين دبروا ~~من قبل جرائم أسيوط ومذابح الإسكندرية واعتادوا هذه المآثم وأمنوا عواقبها، أن يعودوا إلى ~~التفكير في جريمة تنزوي عن اقترافها نفوس شر الجناة وأكبر المجرمين. # وكان لحادث المنصورة أكبر الأثر في البلاد؛ فارتفع مد الحماسة، واصطخب تيار الوطنية، ~~وماجت المدائن، واضطربت القرى، فوقعت فواجع كثيرة، وأحداث دامية في دكرنس وطنطا وبورسعيد ~~والقاهرة، وحل يوم 15 يوليو فإذا الإسكندرية تنهض غاضبة غضبة البحر المترامي عند قدميها، ~~فخر فريق من الأبرياء صرعى، واستشهد من استشهد في يوم حافل أروع مرهوب. # لقد رأى الناس زعيمهم يلقي بنفسه في بهرة الخطر، ويستقبل المنايا رابط الجأش؛ فألهمهم ~~القدوة، وأعطاهم المثال، وأقام لهم من ذاته الأسوة؛ فلم يعد الناس يخشون على أنفسهم قدر ~~ما يخشون على دستورهم العزيز الذي اعتدي على حرماته، واجترئ على قداسته. # واقترب موعد انتهاء شهر التأجيل ms388 الذي استصدر صدقي باشا المرسوم به لإرجاء البرلمان، وكلما ~~دنا إلى حده، اشتد تصميم مصطفى النحاس على لقاء الموت فدى لبلاده، وتنفيذا لمشيئة أمته، ~~معولا على أن يقتحم صفوف الكتائب المسلحة لدخول البرلمان عنوة، وكانت الحكومة الشاذة قد ~~أرصدت لذلك اليوم الرهيب - الحادي والعشرين من يوليو - عديد القوات لمحاصرة دار البرلمان، ~~فلم يرع مصطفى مما حشدت له، وظل معتزما اختراق الصفوف وإن خر صريعا مجدلا، وجعل ~~يقول لمن حوله في لغة العزم الصادق الرهيب: «سأمضي قدما في طريقي مخترقا الحراب والأسنة ~~والسيوف، فإذا سقطت فسيروا فوق جثتي لكي تدخلوا!» # ولكن شيوخا في الجمع أشفقوا من هذه العزيمة الخطيرة، فما زالوا به حتى ثنوه عنها. ~~وجاء من يقول إن سير برسي لورين يؤكد أن الأمر موشك أن ينتهي بسلام، فليس من الخير الالتجاء ~~إلى مقاومة القوة بمثلها، ولا ضير من الأناة حتى ينتهي الأمر في سكون. # وحل اليوم الحادي والعشرون من يوليو، وقد عبأت الحكومة الصدقية قواتها العسكرية حول دار ~~الندوة؛ فقام الشعب بمظاهرات عنيفة في أرجاء المدينة كانت لها ضحاياها وشهداؤها الأعزاء. ~~وانعقد البرلمان في النادي السعدي بقطع من الليل، وانقضى النهار رهيبا في أرجاء القاهرة، ~~والدوريات العسكرية من المشاة والخيالة تجوب نواحيها في لباس الحرب وعدة القتال لتلقي الرعب ~~في القلوب، وتفرق المتظاهرين، وتعتقل الأبرياء آحادا وجموعا، وتطارد الناس في الأزقة ~~والدروب، وغلقت المتاجر، ووقفت الحركة في الأسواق؛ وكان الناس يتوقعون في ذلك اليوم ~~أحداثا جساما، فظنوا من الخير لهم أن يعدوا في اليوم السابق حاجتهم من الخبز والطعام، ~~ويبتاعوا مقدما وافرا من الأغذية. # كان الحادي والعشرون من شهر يوليو يوما فاصلا في ذاته، ويوما مرهوبا في كل ما يحيط ~~به، ولو أن مصطفى النحاس خلي بينه وبين اقتحام الطريق إلى البرلمان واختراق أنطقة الجند ~~في رفقة من صحابه وجمع من الشيوخ والنواب، لنجح تماما في التغلب على هذه القوة المادية ~~التي أخرجت للقائه، وأرصدت لصده، ولدك بناء الباطل دكا، ولانتصر الحق أروع ~~انتصار. # ولو جرى الأمر على ما ms389 كان في خطة مصطفى النحاس أن يجري، لما استطال هذا العهد الغاشم ~~استطالته، ولا تراخت على ذلك النحو مدته، وتلاحقت أعوامه؛ إذ كانت صدمة كهذه في قوتها كافية ~~لرده منهزما مدحورا. # ولكن، ما رميت إذ رميت ولكن الله رمى. ولعله لحكمة خفية تغلب صوت السياسة على ~~إملاء الشجاعة وإيحاء الجرأة، وأكبر ظني أن تلك الحكمة كانت تنظر إلى ترك القوة المادية ~~الغاشمة تستخدم كل ما يمكن أن تستخدمه إزاء الحق الأعزل إلا من إيمانه بذاته؛ لينتصر الحق ~~في النهاية وتكون كلمته هي العليا، وتخرج الأمة من امتحان أقسى الخطوب، وأفجع الفواجع، ~~وأنكر المآسي، وأعنف أساليب العدوان، في مدى مستطيل، وعلى فترة متراخية، وقد اكتسبت مناعة ~~تامة من كل تجربة، وحصانة دائمة من كل محاولة مماثلة، وأيأست المجربين كل اليأس، وأعجزت ~~المحاولين كل إعجاز. # تلك كانت المقدمة التي بدأت بها المأساة، وقد اضطر فيها المؤلف أن يستعير الأسلوب القديم ~~فيها، ويجري على الطريقة السابقة المألوفة، للتخلص من الدستور القائم، والتهرب من مواجهة ~~مظاهر الحياة النيابية؛ ولم يبق أمامه إلا أن يشرع في المأساة ذاتها، ويبرز ما عنده هو من ~~جديد. # وأحسبه قد تدبر الأمر مليا يومئذ وقلب من قبل فيه وجوه الرأي؛ فخلص له من ذلك كله ~~أن الذين سبقوه إنما قد أخطئوا في الاستغناء عن وجود الدستور بتاتا، وإلغاء الحياة ~~النيابية جملة، وإن تذرعوا في ذلك بأنهم قد أبطلوه لينقذوه، وذهبوا به ليردوه أصلح مما كان ~~قبل ذهابه، ثم أطالوا في تحديد المدة، وأسرفوا في تعيين دورة الاحتجاب، وسقطوا قبل أن ~~يجاوزوا نصفها أو قليلا؛ فرأى هو ألا يجري على طريقتهم، وأن مصلحة تجربته تقضي بألا ~~يتراءى فارغا إلى حكومة مطلقة، ففكر في شيء جديد، وذهب يستحدث في أساليب المقاومة ومحاربة ~~الوفد فكرة طريفة، وهي أن يوجد حكما نيابيا على صورة ما، ويقيم برلمانا هيكليا ~~يستتر خلفه، ويلفق إجماعا آخر غير الإجماع الذي ظل ثابتا قائما كلما جرى انتخاب في أفق ~~طليق وفضاء فسيح لا ضغط فيه ولا تزييف، ولا ms390 إغراء ولا ترهيب. # ونظر طويلا إلى الدستور وقانون الانتخاب، فوجدهما بصورتهما الحاضرة لا يكفلان له بناء ~~المسرح الجديد الذي يريده ويفكر في إقامته من الورق الملون وتشييده؛ فاعتزم أن يأتي بدستور ~~آخر من عند نفسه، ويعمل على تعديل قانون الانتخاب، بحيث يكفل له التزييف ما شاء ~~والتلفيق. # لقد كانت تلك الفكرة بديعة في ذاتها، وإن انطوت على أكبر جريمة وتبطنت أشنع جناية. ~~وكان لا بد من إيجاد معاذير ومبررات لإلغاء دستور الأمة وإقامة هذا الدستور التهريجي ~~المصنوع المنحول ليأخذ محله، فلم يتكلف المؤلف جديدا في سبيل إلقاء معاذيره؛ لأنه كان من ~~الأصل صاحب فكرة سيئة في قيمة الأمة المصرية واستعدادها، فعاد إليها ليجعلها تفسيرا لوضع ~~قانونه، وعذيرا عن اصطناع دستوره؛ فزعم أنه يتناسب أكثر من سواه مع حالة الأمة وجهلها ~~وفقرها من التربية السياسية، ويتفق مع مستواها الحالي، حتى ترقى وتبلغ مركز الأمم القوية ~~الراش؛ فكان التفسير إهانة، والدستور في نفسه سخرية! # ولم يكن مستحيلا على مثله أن يوجد إجماعا جديدا يسميه كثرة ساحقة إن شاء؛ لأنه يكفي أن ~~يأتي بالعمد والمشايخ من البنادر والقرى ممن أخطأهم شرف الظفر بالنيابة في عهد الدستور ~~الأول والحياة النيابية الماضية، فيملأ بهم برلمانا جديدا، ولو شاء لملأ برلمانات ~~متعددة! # كان هذا هو التعديل الجديد في التأدية، والزيادات المستحدثة في صلب الرواية المحزنة، وكان ~~لا بد لتحقيق ذلك من الرجوع إلى أصحاب التجربة أنفسهم الذين يشتغل لحسابهم ليستوثق من ~~موافقتهم على إطلاق يده يفعل ما يشاء، ولهم هم ما يريدون أخيرا، وهو أن يروا الوفد قد زال ~~من الوجود، وأن الأمة قد استكانت، وأن الشعب سكن إلى الذل والهون راضيا، فظهر بين المشاهد ~~الأولى للمأساة منظر لطيف للغاية، ينكشف عن تجاذب بين رئيس الحكومة البريطانية ورئيس ~~الحكومة المصرية في شكل كتابين متبادلين بينهما: الأول في صورة الغاضب الذي لا يريد أن ~~تطبخ الانتخابات، والثاني في صورة الغاضب لهذه الإهانة، المحتج على هذا التدخل، المتطاول ~~على صاحبه بسبب هذه الجرأة عليه، كأنه لا يملأ عينه، ms391 ولا يحفل شأنه. وإذا بالمستر ~~ماكدونالد «كله» يرتضي كتاب صدقي باشا «بجلالة قدره»، وتنتج هذه المشادة «غير المتكافئة»، ~~أو هذا التجاذب التمثيلي بين المعلم وصبيه، أو المجرب وظهيره، ما سمي يومئذ «حيادا ~~تاما» من جانب بريطانيا، واستقلالا مطلقا من جانب مصر تحت حكمها الجديد. # وتمت الجناية النكراء، ونفذ الاعتداء الصارخ بإلغاء دستور سنة 1923 وظهور دستور سنة ~~1930؛ فكان تأثير الجريمة في نفس الأمة خطيرا، والغضبة لدستورها صادقة، تأججت لها الأرواح، ~~وتسعرت الحماسة، واشتدت النقمة على الحكم المطلق وأربابه، وعولت الأمة على أن تنكر هذا ~~الدستور المصنوع وتحاربه جاهدة، ولا تبغي عن دستورها تحويلا. # وكان مصطفى النحاس قد نادى قومه إلى عزل الوزارة وتركها وحدها تصطنع ما تشاء، وانتباذها ~~تفعل ما تريد؛ لأن ذلك كله لن ينتهي إذا ظلت الوزارة بمعزل إلا بالفشل المحقق والخذلان ~~المبين، ولم ينثن الرئيس عن البروز للناس في المجامع، وبيوت الله، وفرص الاتصال والمخالطة، ~~بل راح يغشى تلك المجامع ويتصل بالجماهير، مناديا البلاد إلى الجهاد، مهيبا بها للكفاح ~~الصادق المستميت. # ونشأت يومئذ فكرة «المقاطعة»، وتم الاتفاق في الصفوف على التزامها إذا جاءت الانتخابات ~~على الدستور الجديد؛ فلم تكد الأمة تعلن هذه النية حتى تهدمت خطط الوزارة وتدابيرها، وحارت ~~هي في أمرها، وترنحت بين الإقدام والإحجام، وتلكأت في التنفيذ، وأطالت في التسويف. وراح ~~صدقي باشا يطوف الأقاليم الجنوبية والصعيد لكي يجرب المجال قبل أن يعتزم، ويتعرف الأحوال ~~قبل أن يقدم، ولكي يجس النبض ويكشف الطالع ويرصد النجم، وجعل الحكام يسوقون إليه الناس ~~مساقا، ويحشدون له المواكب اصطناعا وتلفيقا، وذهب هو في طوفته يطعن في الوفديين ~~وكفايتهم، ويسرف في اختراع التهم والأكاذيب عنهم، ويملأ الأفق كلاما، ويخطب بلا مناسبة، ~~ويتحدث بلا سبب؛ وما رأينا من قبله رئيس حكومة لا يمل القول، ولا يعدم المغالطة، ولا ينفد ~~لديه معين المراء والجدل في القضايا الخاسرة. # ولكنه كان بهذا القول المسرف، والمطاعن المتمادية، والخطب الحاشدة من الاتهام والكذب، ~~يروج في الواقع لخصومه، وينكشف للناس على حقائقه؛ لأن تلك الخطب اللاعنة الطاعنة ms392 راحت ~~أحسن دعاية للوفد وزعيمه، وخير وسيلة للترويج لهما؛ لأنه جعل بها يزيد الناس بالوفد ~~إيمانا، ويمكن للوفد عندهم شأوا ومكانا، ويؤكد الصدق في أمرهم باليقين. # وشاء مصطفى النحاس أن يشهد خصمه مبلغ ما له عند الأمة إزاء ما يزيف هو من الاستقبالات ~~للقائه؛ فقرر أن يزور مدينة بني سويف في شهر أبريل سنة 1931، وكان الأحرار الدستوريون قد ~~ارتبطوا قبل هذا في الحادي والثلاثين من مارس مع الوفد بميثاق وطني تعاهد كل فيه على ~~إقراره، وأشهد الله والوطن على تنفيذه؛ فاعتزم محمد محمود باشا وبعض أنصاره أن يرافقوا ~~مصطفى وصحبه في تلك الزيارة القادمة. # ولم يكد النبأ يعلن للناس حتى جزعت الوزارة، وأوحت إلى مدير ذلك الإقليم بمنع ~~الاجتماع، كما اجتمع مجلس الوزراء للبحث في الأمر، وقرر تعبئة أورطتين من الجيش المصري مشاة ~~وخيالة وقوات أخرى من بلوكات الخفر والشرطة، وعين كثيرا من القواد والضباط الكبار لحراسة ~~المدينة، ومنع هذا المغير المرهوب من الزحف، وصده عن الاقتحام. # ولكن مصطفى أبى إلا أن يسافر، وقرر تأدية الزيارة غير حافل بكل تلك القوات المسلحة التي ~~أرصدت على طريقه. وفي اليوم المحدود - وهو السادس من شهر أبريل سنة 1931 - استقل دولته ~~وزملاؤه القطار من القاهرة، فما إن بلغها حتى رأى ثم حياله قوات مسلحة تمنعه الطريق، ~~فسار بخطوات ثابتة نحو الباب الخارجي للمحطة، وكانت تلوح يومئذ أشبه شيء بقلعة عسكرية ~~محصنة، وما كاد يتقدم هو وأصحابه حتى لمست صدورهم فوهات البنادق، فصاح الزعيم برئيس القوة ~~قائلا: «نحن هنا مسلحون بسلاح الحق، ولن نأبه بالقوة الغاشمة مهما عظمت.» # ولكن الحصار ما لبث أن أطبق عليهم في المحطة، ومنعوا بالقوة من النزول إلى المدينة، وهي ~~في الداخل تغلي مراجلها من اللهفة على لقاء زعيمها الوفي الأمين، إذ أرصدت الحكومة ~~الصدقية على شوارع المدينة قوات كبيرة انتظمت أنطقة كثافا على طول الطريق. # وإزاء هذا التصرف الغاشم الشاذ الساخر من أصحابه، أجمع القوم على ألا يبرحوا المحطة حتى ~~يدخلوا المدينة، ولتفعل القوة بهم ما تشاء. # نومة بديعة ms393 تحت ظل الجهاد. # ولبثوا في فناء المحطة حتى أرخى الليل سدوله متبلغين بشيء من الطعام في غير جزع ولا ألم ~~ولا إعياء. # وعلى حر الهاجرة، وفوق متكأ خشبي خشن، رأت الدنيا رجلا عظيما في قمة المجد مكانه، ~~وعلى ربوة الفضيلة محله، رجلا هو الرمز الكمالي لأمة عظيمة، وقدس الزعامة ~~وقوامها، قد تمدد واستلقى ليغفي لحظة، كأنه قد نام على سريره في بيته، ورقد في فراشه ~~النظيف الوثير! # إن ذلك النائم فوق هذا المتكأ هو مصطفى النحاس، زعيم الأمة المصرية في جهادها الوطني ~~للحرية والاستقلال، ورئيس الحكومة من قبل، ونزيل جزيرة سيشل، وخليفة سعد الخالد. وقد ظن ~~صدقي باشا إذ ولي الحكومة من بعده أنه بحشد تلك القوات الضخمة حياله لمنعه وصده لن يلبث ~~أن يغلبه على أمره؛ فكانت استلقاءة مصطفى فوق المتكأ الخشبي الجامد الخلي من الفراش أكبر ~~سخرية من قواته، وأبلغ إهانة لحقه وكرامته؛ إذ بقي مصطفى النحاس على مكانته، حتى وإن بدا ~~على ذلك المقعد الخشن نائما، بل ازداد بهذه الضجعة المتواضعة مهابة وجلالا. # وفي القاهرة خشي صدقي باشا العاقبة المنتظرة، فأرسل في جنح الليل قطارا خاصا ليحمل ~~خصمه بقوة السلاح على الركوب فيه والمآب به قبل أن يترامى إلى البلاد الخبر، ويتنفس الصبح ~~لذي بصر، ويقضي مصطفى الليل كله في العراء، ويبيت صحبه على الطوى شجعانا صابرين. # وجاء كبير الجند في شرذمة منهم فأحاطوا بالزعيم، وقال القائد: «إن لدي أمرا من الوزارة ~~بتسفيركم ولو اقتضى الأمر استخدام القوة»، فأجابه الزعيم قائلا: «إننا هنا لا نسافر إلا ~~بالقوة»، فتقدم الجنود وأحاطوا بالجمع وأركبوهم القطار إكراها وعنوة. وتحرك القطار بهم ~~في منتصف الحادية عشرة من المساء، فبلغ القاهرة بعد موهن من الليل، والحق ساخر، والباطل ~~لا يعرف الحياء. # وكان صدقي باشا قبل ذلك قد زار بني سويف نفسها، فزعم أنها استقبلته بترحاب، وأحسنت ~~موفده كل إحسان، وأعلن أن له فيها ألوف المؤيدين والأنصار؛ فمن أي شيء بعد ذلك كان يخشى ~~وهو المدرك أن معقلا من معاقل الوفد قد سلم ms394 له؟ وكيف أخذته الريبة بعد اليقين، فأعد ~~لزيارة خصومه الكتائب المسلحة والقوات الشاكية الأسنة والحراب، وقطع على أهلها المسالك، ~~وعلى النازحين إليها السبل والدروب، وأحالها في لحظة معسكرا قائم المضارب، وميدان حرب لا ~~يسمع فيه غير النداء والصفير؟! # فإذا هذه الظاهرة قد جاءت نافية لكل ما زعم، ودليلا ماديا على فساد ما ادعى، وبرهانا ~~قاطعا على ضعف مكانه، وعجز سلطانه، ولقد منع الوفد يومئذ أن يتكلم، ثم ترك الكتائب ~~والقوات المسلحة تتكلم بأبلغ لغة وهي الصامتة، وتتحدث بأنطق لسان وهي لا تعرف ~~البيان. # لقد صال الحق يومئذ وجال، وإن لم يغادر مكانه من الأفاريز؛ وانهزم الباطل وتضاءل، وإن ~~حمل الحراب وعبأ الكتائب، وتراصت منه الصفوف، ووقف مزدهيا بالقذائف والرماح! ... ولقد ~~جل يوم بني سويف عند الملايين، وراع موقف الوفد فيه عند الأمة الكريمة؛ إذ رأى الناس فيه ~~أي الفريقين أرعى للنظام، وشهد الشعب خلاله أي الجانبين أحرص على القانون، وقد بدت الحكومة ~~مستهترة به، وهي الزاعمة أنها تصونه، وبدا الوفد حريصا عليه، وهو المتهم من خصمه بجناية ~~العبث به؛ لأن حشد الكتائب المسلحة لم يكن عملا يقتضيه النظام، ولكنه كان مسلكا يستفز إلى ~~الاستخفاف به، لولا حكمة الزعيم وأصحابه، وصبر الجماهير وسكينتها، وليس يقوم الحرص على ~~النظام بالاعتداء على أبسط مظاهر القانون؛ لأن الحرص على الشيء والاعتداء عليه لا ~~يجتمعان. # لقد كان يوم بني سويف يوما عظيما في التاريخ؛ لأن آلافا مؤلفة من الأمة استطاعوا أن ~~يملكوا جأشهم، وحرصوا على نظامهم ما دام الحق في جانبهم، والفطنة الدائمة في منازل مهجهم ~~ومسالك دمائهم؛ على حين لم تستطع الحكومة أن تملك جأشها وتحرص على نظامها، فرصدت للسلم كل ~~مظاهر الحرب، وحشدت للسكينة كل عوامل الهياج، واعتدت على القانون لتحافظ عليه، واستهانت ~~بالشعور العام وهي تخشاه، واندحرت في المعركة الصامتة وإن زعمت لنفسها النصر المبين. # لقد كان يوم بني سويف من ناحية الأمة يوم العقل والحكمة، ومن ناحية الحكومة يوم الجرأة ~~الخائفة. وقد أراد خصوم الأمة أن يراق فيه الدم على جوانبه، ms395 وأبت الأمة إلا أن تجعله على ~~أعدائها يوم الخيبة الفاضحة. ~~«لا نحمل غير سلاح الحق!» تلك كلمة الرئيس الجليل مصطفى أمام الجند المدجج بالأسلحة، فما ~~أكبرها من كلمة ذهبت في لغة الحق مثلا، وقد راح قائلها في الدنيا شجاعا بطلا؛ لأنها كانت ~~أقوى من الكتائب جميعا، وأنفذ من الأسلحة كلها قذيفة ومدفعا، وقد حفظها التاريخ؛ لأنها ~~كلمة خالدة في يوم خالد. وقد مضى يومهم أخرس أبكم لم يسمع التاريخ فيه منهم غير صليل السيوف ~~في أكف المحضرين. # كان يوم بني سويف يوما رهيبا لا يزال في الذاكرة أثره، ولن يمحى من الحافظات خبره؛ فقد ~~تسلمه التاريخ ووعاه، وتقبله الخلود فاحتواه، وذهبت ساعاته في غير ما تذهب الساعات، ومرت ~~دقائقه وليس كمر الدقائق المتواليات، وهب الناس له من المضاجع من بكرة الصباح ذاهلين؛ فقد ~~قطعوه قبل مجيئه في الأحلام خائضين، وسافروا في الكرى مع رحلته غادين ورائحين، وعرفوا ~~موقعه من الزمن، وعدده من الشهر، قبل أن يواجهوه مع أنفاس النهار مصبحين. # كان يوم بني سويف يوم الوطن، بل كان يوم الإيمان، ولو أذن الله للفلك الدوار من رهب ذلك ~~اليوم المشهود لوقف له من الإكبار الزمان؛ لأنه لم يكن يوما في الدهر، ولكنه كان عمرا آخر ~~في العمر؛ ولئن لم يتمخض عن حادث أو أحداث، فقد تمخض عن حكم وعبر، وفاض على جوانبه الحب ~~وزخر، ومشى بين منافسه اليقين وخطر، وتهادى في مناكبه الإيمان الوطني وتبختر، واعتز الحق ~~فيه بنفسه، وازدهى الباطل فيه بجنده وحرسه، ووقفت الإنسانية تشهد بين عزاء الحق وسلوة ~~اليقين، وبين خجلة الباطل وضعفه المستكين. # ويوم يحاول أحد من جحدة الفضل والمطبوعين على الكنود أن يماري في فضل مصطفى ومزاياه، ~~وإخلاصه لبلاده وتفانيه، يجب أن يذكر يوم بني سويف، وتوصف لذلك الجاحد رقدته فوق المتكأ ~~أبلغ وصف؛ فإنها والله لنومة ليس لها في التاريخ من شبيه، غير نومة الفاروق عمر بن الخطاب ~~تحت الشجرة والظل المورف، فقد عدل عمر يومئذ فنام، وقد أدى مصطفى واجبه لبلاده فالتمس ~~النوم ms396 ساكن الأوصال، مستريح الضمير، ثابت الإيمان. # وتقدم صدقي باشا يعلن عن موعد الانتخابات، فوقفت الأمة مجموعة تسخر منه ومن دستوره ~~وانتخاباته، معلنة أنها لا تشترك فيها، ولا تقر قيامها؛ فعمد هو إلى إجرائها إكراها، ~~وإقامتها عنوة وتزييفا، حتى لقد استعين بكل الجرائم المنكرة على تمثيلها، فكانت مهزلة ~~مبكية، وأعجوبة مزرية، وفاجعة دامية، اشتريت لها الذمم الرخاص شراء، وحمل ~~الضعفاء إلى صناديقها في المركبات الثقال ومحامل الدواب حمل الأنعام الخراف والشاء، ~~واصطنعت فيها كشوف الأسماء، ودست خلالها أسماء أموات لم يعودوا في الأحياء، وزورت ~~الأكاذيب على الناس يومئذ تزويرا. # لقد كانت تلك فعلة نكراء جريئة فوق كل معاني الجرأة، جرأة لا يمكن أن تبدو من مخلوق في ~~العالم أو يقدم عليها إنسان؛ ولكنها ظهرت وتقدمت ، وأمعنت وتوغلت، واستعانت أدنأ الوسائل ~~واستخدمت، وانتهت بجمع برلمان من النكرات، لم يكد يتولى آخر الأمر عن جامعه، ويعرض عن سائقه ~~ودافعه، حتى اعترف هذا بأنه في الواقع لم يكن برلمانا صالحا، وإنما كان حظيرة من بسطاء ~~وسذج ومجاهيل يسهل التأثير فيهم، وتوجيههم ومساقهم في غير مشقة ولا كبير رياضة ولا طويل ~~عناء! # وضحكت الدنيا من أرقامه يومئذ وحساب إحصائه، فقد جعل نسبة الذين اشتركوا في انتخاباته ~~رقما كبيرا، وجاء القدر الساخر بلذعة قاسية، ومزحة مدمية، إذ لم تتجاوز في بلد كبير ~~أبى حاكمه أن يزور، وربأ بنفسه عن أن يزيف ويصطنع، أربعة في المائة، فلبث الناس من هذه ~~المفارقة طويلا يضحكون فاكهين. # لقد طفح الكيل يومئذ واستفحل السوء، إذ صنع ذلك العهد الغاشم الشاذ بالبلاد ما ردها ~~عشرات من السنين إلى الوراء، وأتى أصحابه من الآثام ما رجع بها أجيالا طوالا إلى الخلف؛ ~~فقد كان ذلك الحكم نكسة خطرة بعد نقه كان بادي الظواهر واضح الأمارات، ولقد قاومنا تلك ~~النكسة بكل قوانا، وكافحنا جميع أعراضها بكل ما استطعنا من كفاح، فأثبتنا بتلك المكافحة ~~المستمرة أن الأمة تعيش في عصر غير العصر الذي تعيش الحكومة فيه، وأن مسافة الخلف بين ~~الأمة والحكومة قد جعلت في مصر ms397 جيلين متباينين في الروح والمظهر والمسلك والمبادئ ~~والنظريات، جيل الحكومة التي جمعت إليها سائر عناصر الرجعية البائدة، ولفت حولها جميع بواقي ~~النزعات المتخلفة، وربيبي عصور الاستبداد وعبدة المناصب، وطلاب المآرب والغايات، وجيل الأمة ~~التي تتعلق بأهداب أحدث المبادئ، وتؤمن بفضل أرقى الدساتير، وتريد أن تعيش مع العالم ~~المتحضر، وتجاهد الحياة الجديدة في الممالك، جيل الحرص على الحرية، والتمسك بالمثل العليا، ~~والتشبث الجاري بمطالب الاستقلال، ولعل هذه الظاهرة أعجب ما شوهد في بلد من البلاد، وأغرب ~~ما عوين في عصر من العصور، وهي أن يجتمع في وقت واحد حكم العصور الغابرة وشعور الأمم ~~الحديثة المتحضرة، وهذا هو سر الكفاح الطبيعي بين الشعب وحاكميه؛ لأنه كفاح الحاضر المتوثب ~~إزاء الماضي العائد من مقابره يجرر أذيال الأكفان . # وقد ظل صدقي باشا مع هذا يزعم أن معه إجماع الأمة، وظلت مقاطعة الأمة لانتخاباته السخرية ~~الصارخة على جوانب دعواه، إذ لم يكن يعقل أن تحتوي البلاد إجماعين، أو تكون الأكثرية ~~الساحقة من أهلها في ناحيتين مختلفتين، حتى تحطمت الأكذوبة، وبقي الحق قائما في مكانه، ~~تحيط به الثقة ويحفه اليقين والإيمان. # وقد تقدم مصطفى النحاس باشا إلى النائب العام ببلاغ عما ارتكب في الانتخابات من جنايات ~~بالغة، ولكن ذلك البلاغ كان مآله الحفظ والإهمال مع أنه اتهم فيه الحكومة باقتراف أشنع ~~الجرائم، وإتيان أعظم المخالفات، ولو أن حكومة بريئة نزيهة تلقت اتهاما جريئا صريحا كهذا ~~لما ترددت، حرصا على براءتها وكرامتها، في استياق المتهم إلى مواقف المحاكمة ليتلقى على ~~جرأته أقسى العقاب، فكان حفظ البلاغ حجة صامتة على ذلك العهد الكثير الكلام ...! # وظل مصطفى النحاس يكافح بنفسه، ويقود الأمة إلى الكفاح، لم تتأثر روحه المعنوية بأدنى ~~مؤثر، ولم يعد على قوته ورباطة جأشه عاد، وقد منع من زيارة بني سويف على تلك الصورة التي ~~وصفناها لك، لكنه أسر في نفسه ليزورنها على أية حال. # وجاء منع الوفد والأحرار الدستوريين الذين تعاهدوا معه في ميثاق وطني عظيم قبل يوم بني ~~سويف العظيم من زيارة طنطا تلبية لدعوة ms398 أهلها، حافزا قويا لمصطفى وأصحابه إلى زيارتها ~~مهما صنعت القوة الغاشمة لتردهم عنها، ومهما كلفهم الوصول إليها من مشاق وصعاب؛ فاعتزم ~~القوم السفر في أول مايو سنة 1931، وانثنت القوة الغاشمة تتأهب بقواتها المسلحة لمنعهم، ~~فأقفلت أبواب محطة القاهرة جميعا، ورصدت للقائهم الكتائب والجند حاشدين. # فلما جاء مصطفى ومحمد محمود باشا في جمع زاخر من المجاهدين وقفوا حيال الأبواب الموصدة، ~~وأقبل القائد الإنكليزي الموكل بالإشراف على الجنود، فأنذرهم أن يعودوا من حيث أتوا؛ ولكنهم ~~لم يستمعوا له ولم يأبهوا بوعيده، وتدافعوا على الأبواب فحطموها، ودخل مصطفى ومحمد محمود في ~~مقدمة المقتحمين، فأحاط الجنود بهما وتطاولوا عليهما بالعدوان؛ ولكن مصطفى رجل يحسن استخدام ~~ذراعيه القويتين، وبأسه الشديد عند الحاجة، فعرف كيف يقتحم المكان بصدره، ويهوي باللكمات ~~القوية على ملاقيه. وكاد دولة محمد محمود باشا، لضعف بنيته، يسقط صريعا من شدة الزحام، ~~وجرأة الجند عليه، وسوء أدب الكونستبلات الإنكليز في حضرته، وهو رئيس حكومة سابق، كان آمرا ~~في عهده ناهيا، وكانوا بأمره صادعين. # وسلك صحب مصطفى مسلكه، فاقتحموا الأبواب شجعانا، واحتوتهم الساحة الداخلية للمحطة، وهم ~~محيطون بالرئيس حرصا عليه وتفدية، واستخفافا بالقوة الغاشمة وسخرية، حتى ركب دولته القطار ~~وهو في أشد درجات الحماسة والعزم والإقدام، وجاء كبير الجند يأمره بمغادرة القطار، فتلقاه ~~بجواب حاسم وهو أنه لا يبارح القطار، وسيقاوم دفاعا عن حريته وحقه في الانتقال بكل ما لديه ~~من قوة، وأنه إذا كانوا عزلا من الأسلحة، فإن قوتهم هي في إيمانهم ونفوسهم، فإذا استطاعوا ~~أن ينتزعوا هذه النفوس فليفعلوا، فإنها فداء للوطن. # وأمام هذا الإصرار الرائع العظيم، عمدت القوة إلى حيلة صغيرة، ففصلت المركبات من القطار، ~~وأطلقته يسير إلى جهة غير معلومة؛ فظل الركب فيه لا يحفلون بشيء، ولا يراعون لما تريد القوة ~~الغاشمة أن تصنعه بهم؛ وإذا هم بعد لحظة يدركون أن القطار سائر بهم في الصحراء المترامية ~~فيما وراء العباسية وسط القفار والمقابر ومساكن الآخرة، وكأنما قد أنبتت الأرض القفر في تلك ~~اللحظة بشرا، وانشقت عن أناسي كثيرة؛ فإذا القوم ms399 يهرعون لتحية الزعيم، ويستبقون ~~القطار ليرسلوا في إثره أحر هتاف من أعماق القلوب، وأصدق دعوات من أغوار المهج ~~والأرواح. # وجعل القطار يجري بهم في اتجاه حلوان حتى وقف بهم قريبا من جهة تدعى «كفر العلو»، ولم ~~يكن معهم شيء من الطعام أو الشراب، فلبثوا كذلك حتى عرفت أم المصريين بنبئهم، فأرسلت الطعام ~~إليهم من بيت الأمة، كما وافتهم قبل ذلك مع أسراب من السيدات على الطريق فشجعتهم وباركتهم، ~~وألهمت قلوبهم أروع إلهام. # وخشيت الوزارة عاقبة هذا التصرف الغاشم، فأوفدت إليهم في ساعة متأخرة من الليل اللواء رسل ~~باشا، وكان مريضا فغادر فراشه، وجاء مستبكيا يرجو إليهم رجاء أن يعودا معه في السيارات ~~إلى دورهم؛ فرأوا أن يجيبوه إلى طلبه مكتفين بأن ما كان منهم قد أسقط هيبة الحكم الغاشم ~~وفضحه أشنع فضيحة. # وفي الحق لقد كان ذلك اليوم جليلا كأصحابه، رائعا كركبه ومواكبه، اهتزت لأنبائه مصر ~~بأسرها، وجعلته في سجل الجهاد من أيام فخرها، ورمز انتصارها، ولم يبق في الأجماع صغير ولا ~~كبير ولا مؤيد ولا نصير إلا تلهف على تلك الوقفة الوطنية الباسلة وخبرها، وعد الساعات ~~والدقائق من مطالع نهارها، وتذاكر أسماء أبطالها وأبرارها، وراح يقول: وهل فيهم نائبنا؟ ~~ومضى الآخر يسائل: وهل فيهم شيخنا؟ وتساءل ثالث: وهل ذهب مع القوم عضو دائرتنا، أو رئيس ~~لجاننا؟ كأنما أحس كل فرد في مصر أنه ينبغي أن يكون حاضرا مع الجمع أو ممثلا، وكأنما ~~أضحى الفخار في العشيرة أن يكون أحدها أو سوادها في جموع المسافرين. وجاء يوم السفر عظيما ~~كأهله، فخما كمعناه؛ لأنه أثبت للحق شجاعته، وللجهاد الشريف بسالته، وللشعب المتعطش للخلاص ~~صدق شعوره وقوة عاطفته، وقد ازدهى فيه الحق لأنه قد ربحه، وازدان به الجهاد لأنه ناضل ~~الباطل المدجج بالسلاح وكافحه، وتغلبت فيه الوطنية العزلاء على كل إرادة في طريقها، وأسمعت ~~العالم كله دوي كلمة الحق معلنة أن مصر المجاهدة لا تنهزم أمام الظلم الجائح ولا تستسلم، ~~وأن حقها الصريح الشجاع المستميت يأبى إلا المغالبة والحياة، وأن ملايينها لا ms400 يزالون من ~~البشر فلا يرضون أن يكونوا كما يراد بهم قطعانا من السائمة والأنعام. # ذلكم يوم عظيم جاء فيه الزعماء لا يحملون من الأسلحة غير سلاح واحد، ولكنه بكل ما عند ~~المادة من أسلحة؛ لأنه يقطع ولا يظهر، ويقد ولا يدمي، ويبتر ولا تجدي في جراحته ~~اللفائف والأربطة ... سلاح الحق، فأين أسلحتهم منه؟ وإنها لتتراجع أمامه، وتتزحزح حياله. وإن ~~جموعهم المحشودة على الأبواب لترتد وهي القوية، وتتراجع وهي المتقدمة العصية، فإذا الحق ~~الأعزل يقتحم الباب، وفي رأس الحق رجل شجاع لا يهاب، رجل فتح للأذى صدره، فهلموا إليه إن ~~استطعتم ... هيا ارفعوا العصي على شخص الوطنية الطاهر، ورأس الجهاد الرفيع، وإكليل الحق ~~الأكبر ... هيا امسكوا بتلابيب الملايين في ثوب ذلك الرجل العظيم، وقد جاء الحق وتراجع ~~الباطل وارتد الطغيان حائرا مرتبكا منزويا لا يستطيع كفاحا ولا يقدر على ~~مغالبة. # لقد تضاحك الحق في تلك اللحظات الرهيبة ساخرا، ووقف الباطل بجنوده لا يدري ماذا يفعل ~~حائرا، وإن الأسلحة لتشعر بمعناها فتختلج ولا ترتفع، وإن الأصوات الناهية الآمرة لتحس ~~خجلة موقفها فتتعالى وهي المتهدجة؛ لأن كل قوات المادة تنكمش وتنزوي أمام قوات الروح، ~~وإن كل صنائع الباطل وأعوانه ليوجسون من رهبه، وهم الجريئون المتقدمون. # واقتحم الجمع الباب، فيا ويل الوطنية من ظالميها! ويا عار الأجيال في مصر من اليد الأثيمة ~~التي ترتفع على زعمائها ومنقذيها! وإذا بأصغر الناس يمسك بأكبر الناس، وإذا أهون الأقدار ~~تتواثب على أخطر الأقدار، وإذا الزعماء يعاملون في ذلك العهد العجيب بما لم يحدث في تاريخ ~~مصر مثله، ولا جرت في عهد السلطات البريطانية أشباهه، ولا وقعت في أيام الثورة الماضية ~~نظائره، وإذا الحق لا يبالي بأشخاصه؛ لأنه لم يعد يفكر إلا في معناه، وعاد معناه لا يبغي ~~سوى غايته، وإنها لأشرف غاية، وما كان أشرف الغاية ليأبه بالأذى يصيب الجسوم ~~والأبدان. # وقد أسلفنا عليك أن دولة الرئيس أسر في نفسه ليزورن بني سويف في يوم من الأيام لشكر ~~أهلها بنفسه، وسخرية من القوة الغاشمة التي حاولت منعه؛ ms401 ففي اليوم الرابع من مايو سنة 1931، ~~وبلا علم أحد من الناس، استقل سيارته على مطالع الأصيل في رفقة من بعض صحبه، وانطلق صوب بني ~~سويف، فبلغها مع المساء، ولم يكد الناس يلمحون السيارة حتى عرفوا أن الزعيم قد جاء على غير ~~مألوف عادته، فأقبلوا جموعا مزدحمة فالتفوا حوله، ولم تلبث المدينة كلها أن تسامعت بالنبأ ~~فاستحالت شعلة من النار، وهرع شبابها وشيبها للقائه. وكان الزوار الكرام قد وصلوا إلى دار ~~الشيخ المحترم عوض بك عريان المهدي، فانطلق الفيض الزاخر من الحشود الحاشدة نحو ذلك البيت ~~الكبير وهم يهتفون أشد الهتاف. # وفي وسط مظاهر الابتهاج والناس فرحون أبت القوة الغاشمة إلا أن تظهر جبروتها وعسفها، فجاء ~~الجنود مسلحين بالبنادق، وراحوا يعتدون على الجماهير ويطلقون الرصاص على الأبرياء، فخر ~~قوم صرعي وأصيب خلق آخرون بجراح بالغة، واشتد غضب الشعب وقد رأى جثث الشهداء ملقاة على ~~الطريق، وسمع أنين الجرحى يفتت الأكباد؛ فانطلقت الجموع في موجة رهيبة تبحث عن الضابط ~~الأثيم الذي أمر بإطلاق النار على الوادعين، وكان هذا قد أصيب فنجا إلى الدار مستغيثا ~~بدولة الرئيس، فأمر دولته بإسعافه وحماية حياته، وجاءت مركبة الإسعاف لحمله، ولكن الشعب ~~الغاضب حطمها تحطيما. # وحين هم الزوار بركوب السيارة عائدين إلى القاهرة ظل الرصاص يتناثر من حولهم، وينهمر من ~~فوقهم، فبادر الناس إلى الإحاطة بها لتفدية دولته بنفوسهم، حرصا على حياته الغالية ببذل ~~حياتهم، فجعل الرصاص يؤز من فوق رءوسهم، فهوى من هوى قتيلا وسقط الجرحى مجندلين، ~~ومرقت السيارة تشيعها الأبصار والقلوب؛ فكان المشهد رهيبا، والليل بهيما، والخطر ~~عظميا، والموقف يذهل الألباب. وتسامع صدقي باشا وزملاؤه بالنبأ الرهيب، فأرصدوا على طريق ~~الرئيس في عودته بعض الشرطة ليمسكوا به؛ فلما أتت السيارة على حدود الجيزة وقفوها وتقدم ~~مدير الجيزة إلى دولة الرئيس محييا، وهو يقول: «هل هناك ما يمنع دولة الرئيس من الذهاب إلى ~~دار النيابة العامة؟» فأجابه قائلا: «إننا نريد ذلك لإثبات ما وقع للأبرياء من ~~العدوان.» # وانطلقت السيارة إلى دار النيابة حيث جرى التحقيق، وكان ms402 لحديث الرئيس أمام المحققين قوة ~~رهيبة وبلاغة رائعة انزوى المحققون أمامها ولم يستطيعوا كلاما، وغادر دولته دار النيابة مع ~~أول خيوط النهار، وقد امتلأت الساحة المترامية خارج الدار بخلائق كثر تسامعوا بالنبأ ~~فجاءوا مهطعين، وأبوا الرقاد والذهاب إلى المضاجع حتى يطمئنوا ويعلموا النبأ اليقين. # ولم يكد الرئيس يخرج إليهم في السيارة وهي منطلقة به إلى داره مع أنفاس الصبح حتى دوى ~~الهتاف بحياته في صميم السكون وهدأة السحر، وكأنما أزعجت تلك الأصوات الداوية ذلك الحاكم ~~الغاشم الذي أطال السهر في مكتبه في تلك الليلة الرهيبة، فأهوى على التليفون يطلب حكام ~~الأقاليم في سكينة الصبح لينبئهم بأن مصطفى النحاس لم يحتجز في النيابة، وإنما ذهب إلى ~~داره، خيفة أن يستبق نبأ التحقيق معه إلى الريف وصميم القرى، فيهب الناس على النبأ ~~مروعين. # لقد حارب مصطفى خصومه بنفسه حربا مستعرة الوقدة، متأججة الحماسة، قائمة الإيمان، مكينة ~~اليقين؛ فلم يكن ليقتصر في الجهاد على مجرد التوجيه، وتدبير القيادة، ووضع الخطط، ورسم ~~التصميمات - وهو أخطر وظائف الزعامة، وأكبر أعمال القادة - ولكنه لم يكن ليتردد في خوض ~~الغمرات بشخصه، والإقدام على الأخطار بذاته. وقد حاول خصمه ضرب الأنطقة حوله ومنعه من ~~الاتصال بأمته في كل بلد حل وكل موضع ذهب إليه، وجعل أشراطه يعتقلون كل هاتف بحياته، وكل ~~مصفق لرؤيته، حتى لقد انشغلت المحاكم الجزئية بقضايا الأشخاص والجماعات الذين يساقون إليها ~~بتهم الهتاف بحياة الرئيس أو الاحتشاد لتحيته، ولكن ذلك كله لم يمنع الجماهير من الاجتماع ~~على طريق الزعيم والازدحام للترحيب به والتكريم لشخصه، وهو في كل مكان - رغم الجنود ~~الحاشدين والعذاب المنتظر للهاتفين - يجد الزحام حوله، والناس متدافعين بالمناكب لمقدمه، ~~والخلائق مهرعة إلى اجتلاء مطلعه، وهو يخشى عليهم الأذى وهم لا يخشونه، ويخاف عليهم العذاب ~~وهم لا يخافون عذابا. # ولم يخاصم مصطفى في السياسة وحدها، ولكنه خوصم وعودي في كل شيء يتصل بذات نفسه أو ~~يتعلق بعقيدته أو خاصة حياته، بل لقد خوصم في كل صفة من صفاته، وحورب في كل نزعة من نزعاته، ms403 ~~وشتم بما لم يشتم أحد به، وطعن في حقه بما لو أمكن أن يجتمع بعضه في رجل ما لنكره ~~الناس وبرئوا منه، ومع ذلك ظل كل تلك السنين الحوالك محاربا في كل ساحة، منتصرا في كل ميدان. # بعد معركة الشرف - الزعيم يعود شيخا جريحا. # ولن ينسى الناس في معارك الشرف ومواقع الفخار ما كان منه في نوفمبر سنة 1932 أمام دار ~~النادي السعدي، في معركة الحرية والدستور، فقد أبت السلطة الغاشمة إلا أن تمنع اجتماع ~~الهيئة الوفدية في ذلك النادي، وأبى الكبرياء الوطني المجيد إلا أن يدخل داره، ويصل إلى ~~ناديه، مهما يكن من الأمر، ومهما أرصدت تلك السلطة الباغية في طريقه. # وما حل الموعد المضروب للاجتماع حتى توافى الشيوخ والنواب، فوجدوا الطريق سدا، والجند ~~المسلح أنطقة كثائف وحشدا، وإذا بعد لحظة يصل مصطفى فلا يتردد في اقتحام الطريق بصدره، ~~وإذا الجمع يستلهم من زعيمه هذه الحماسة البالغة الجريئة، فيندفع في أثره، وإذا معركة رهيبة ~~قد راحت تنتشب بين هؤلاء الكبار من عيون مصر ورءوسها وممثلي الشعب ووكلائه الأوفياء، وهم ~~عزل كشف لا أسلحة لهم، وبين أولئك الجنود المدججين بالأسلحة، والضباط الإنكليز ~~والكونستبلات البريطانيين، وقد استحالوا وحوشا، وفقدوا كل ما تنماز به الإنسانية عن عالم ~~الحيوان، فأقبلوا يهوون بعصيهم على الرءوس في غضبة الحاقد وغيظ المنتقم، ضاربين الشيخ ~~الوقور، ومعتدين على المسن الأشيب وملاحقين النائب المحترم، كلما لوى عن طريقهم عدوا ~~في أثره ليزيدوه إيذاء ومسيل دماء. # ومن شهدهم في ذلك اليوم التاريخي الرهيب وهم يعتدون على مصر الممثلة في أولئك الكبراء ~~الأمجاد، ويرفعون الأكف على زعيم الأمة ورئيس الحكومة السابق، ونظير ماكدونالد في حكومة ~~بلادهم، وضيف الملك في المفاوضات الماضية وعاهل إمبراطوريتهم، ومن رآهم يومئذ وهم يطيحون ~~بنوابغ ومحامين لا يقلون عن محامي بلادهم، وأفذاذ كبار محترمين لبارز شخصياتهم؛ لم يكن ~~ليعتقد لحظة أن أولئك إنكليز من أبناء بريطانيا العظمى، بل لم يكن ليتصور مطلقا أنهم ضباط ~~وأفراد في الجندية وهيئة الجيش، حيث آداب العسكرية أرفع من أن تصول ms404 وتهجم على الأعزل، ~~وتعتدي على الأكشف المجرد من كل سلاح، وحيث التعاليم توجب إعطاء الاحترام الواجب للكبار، ~~وتوقير الشيخوخة، وإجلال المراكز والأقدار، وإكبار الشيب والمسنين. # لقد كان ذلك في الحق معرة بالغة في حق الأدب الإنكليزي والخلق البريطاني، وعملا شائنا ~~في الحضارة من جانب أفراد يعتزون بها، ويعتقدون أن حضارتهم سيدة الحضارات. # وما أحسب الناس قد نسوا ما كان من مصطفى في رحلة الصعيد عام 1923، فقد فزعت لها السلطة ~~الطاغية يومئذ، ولم تدر ماذا تصنع لوقف تيارها الزاخر، وموجها الدافع، ومواكبها الجرارة في ~~إثر الزعيم كلما نزل ببلد أو زار قوما في موطنهم؛ فلم يسعها أخيرا من اليأس والشعور ~~بالفضيحة إلا أن تلجأ إلى حيلة صغيرة، وهي أن تحول القطار الذي يقله إلى القاهرة وقد ملأته ~~جندا وضباطا وأسلحة، فكان ذلك «اختطافا» لا يكون من حكومة تحترم نفسها، وإنما هو من شأن ~~قطاع الطرق وعصابات الجناة والمجرمين. # وقد حورب مصطفى أيضا في معاشه فأنقص وحبس عنه، واتهم بسبيله في نزاهته، وقذف ~~بالظنة الأثيمة في رفيع قناعته؛ فظل ساخرا من التهمة والمتهمين حتى حكم له القضاء ~~بالحق، فانتصر بالعدل على أسوأ الاتهام. وكان من أعاجيب ذلك العهد الجشع النهم الشره الطويل ~~اليد المطاط الذمة أن يكون لمثال النزاهة متهما، وأن يروح للطهر والبراءة مهاجما، ولكن ~~كان ذلك كله من سخرية الأقدار، تجعل وسائل الظلم والطغيان في ذاتها أدوات لاندحاره، وآلات ~~لقتله، وأساليب لفضيحته، وإن ظن أنه سوف يروح بها من المنتصرين. # لقد حارب مصطفى النحاس عهدا طاغيا تحالف عليه خلاله رجلان عجيبان في الجرأة والحيلة ~~والمكر والدهاء، وهما برسي لورين وإسماعيل صدقي، ولم يكن لمصطفى من حليف غير الأمة المؤمنة ~~بحقها، المجاهدة الصبور الثابتة حيال أعدائها؛ فجعل مصطفى روحه المعنوي أبدا ماثلا أمام ~~الأمة، وجعلت الأمة كلما رأته كذلك قويا صامدا ثابتا بساما للخطوب سخارا من ~~المحن، تتحمس للجهاد، وتصطبر على ما لم يكن أحد ليصبر عليه، وتستجيب لندائه إذا ما دعاها ~~إلى عمل من أعمال الجهاد وواجب من واجبات الكفاح، ms405 وتلتف بجموعها حوله وإن تخطفها ~~الأشراط، وألقوا بها في المحابس، وملئوا من آحادها رحاب السجون. # لقد صبر الشعب قرابة أربع سنوات على أشد الألم، واحتمل العذاب في أقسى صنوفه وأبشع ~~ألوانه؛ صبر على «البداري» وكانت آخر ما يكون من الوحشية والاستهانة بكرامة الإنسانية، كما ~~صبر على الأزمات المالية، وقد اتخذ منها ذلك العهد الأثيم وسيلة للمساومة على الذمم واشتراء ~~الضمائر، بما زين للمأزومين - الذين أكلت الضائقة أخضرهم، والذين جاء استخلاص الضرائب ~~بالسياط فأجهز على سوء عيشهم - من استعداده للقرض وسماحته بالتسليف؛ فكان أشنع ما في ذلك ~~الاستغلال الوحشي يومئذ أنه راح يحارب الناس بالجوع، ويراودهم عن مبادئهم بالمادة، ويستغل ~~حرج ظروفهم ليحيلهم خونة مارقين ...! # صبر الشعب الكريم على النوب والجائحات تلك السنين الشهب كلها، كلما أوجس زعيمه الساهر ~~الرقيب المتغلغل إلى الأعماق عارضا من أعراض الألم، أو تناقصا في مدخر الصبر، راح يملأ ~~مستودعها بحكمته وروعة مثاله وحسن نموذجه، ومضى ينفخ في الروح المعنوي فيرده متجددا، ويشده ~~إليه شدا، ويفعمه قوة وأيدا. وقد طبع الناس على التأثر بالمثال، والاستجابة إلى ~~القدوة، والانبعاث مع الأسوة الصالحة؛ فكان مصطفى في حصته من الجهاد أكبر حافز إلى ~~المثابرة، وكان من أكبر الخيانة وسط المعركة أن ينبري الإغراء يمشي وسط الصفوف، وتسري ~~الخدعة بين الأسمطة؛ فلم يكد يشهد مصطفى بوادر هذه الظاهرة، حتى عول على أن يستأصلها ~~استئصالا، ويطهر منها الكتلة تطهيرا. # لقد أدرك برسي لورين بعد الذي ترك صاحبه يصنعه في البلاد، وبعد أن مد له في الطغيان ~~مدا، أن التجربة محكوم عليها بالفشل أبدا؛ فأحب أن يغطي وجهه، ويواري سوأة خيبته؛ فأطلق ~~في أفق السياسة مناطيد من الورق الأحمر والأصفر، قد كتبت عليها «الوزارة القومية» أو وزارة ~~الظالم والمظلوم معا، كعرض مقترح للخلاص من الظلم والنجاة من الطغيان، فينقلب بذلك الحكم ~~قسمة بين الحكام الذين طغوا في البلاد، وبين الزعماء الذين جاهدوا معها، ويتلاشى الإجماع ~~الساحق الذي ظل صخرة النجاة، ويذهب حق الكثرة في ولاية الأمر وحدها، ويعود انتصار الأمة ~~فشلا، وجدها ms406 هزلا، وجهادها الغالي أرخص ما يكون سعرا، وضحاياها تحت الثرى نسيا منسيا. # مصطفى النحاس. # ورضي بهذه الفكرة الخادعة فريق من أصحاب مصطفى وزملائه في الوفد، زينت لهم تزيينا، ~~وساعد على ظهورها لهم كفكرة جميلة أنهم كانوا قد بدءوا يتململون من طول الشقة، ويضجرون من ~~مسافة المعركة، ويخشون على الناس من التضحية والتهلكة، ويزعمون أن الصبر العام قد أوشك أن ~~ينفد، وأن الخير في اهتبال الفرصة. وكان الحق في أمرهم أنهم هم وحدهم الذين نفد منهم الصبر ~~وتزعزع الإيمان. # جرى ذلك وسط المعركة، فكان واجب القائد العام أن يكون صارما فيقضي على هذه الفكرة ~~المزجاة الخبيثة وهي في المهد، وألا يحكم في أمرها غير الوطنية والواجب؛ فوقف مصطفى النحاس ~~يومئذ أروع موقف، وقف يسحق الصداقة سحقا ، ويمزق تذكارات المودة والحب تمزيقا، ويضحي بكل ~~الاعتبارات العاطفية من أجل نجاة بلاده من شر هذه الخدعة الماكرة؛ ففصل سبعة من أعضاء الوفد ~~مرة واحدة، وسط إعجاب الشعب ورضوانه؛ إذ كان التسليم لهم إهانة كبرى لصبره، وإزراء شنيعا ~~بقوة جلده، وضعف إيمان به، من أجل حلم كاذب وفكرة آثمة. # وكان الموحي بهذه الفكرة يحسب أن انقسام الوفد بسبيلها سوف يقضي عليه، وأن الانشقاق من ~~أجلها سوف يعجل به، فتنجح التجربة من هذه الناحية وإن فشلت من غيرها. فلما ضرب مصطفى ~~النحاس ضربته في غير تردد، وقد بالمعول قدته في غير تخاذل أو إحجام، ولقي رضوان ~~الشعب على ما صنع حاضرا، وإعجاب الأمة بالغا، واستقام الوفد على سننه بعد هذا الدور ~~الخطر، وباء المنفصلون بخسر وخذلان؛ لم يبق من شك في أن كل علالة يتعلل أصحاب التجربة بها ~~من ناحية نجاحها لا تجدي، وكل أمل منته بيأس، وكل إطالة في المدى سوف تزيد الفشل ~~افتضاحا. # وكان المنفذ الجريء على التجربة قد حط السقام به يومئذ على كثرة موارده، وسعة حيلته، ~~والمد له في سلطانه، بينما ظل خصمه الأعزل إلا من سلاح حقه وإيمانه قائما على ساقيه وسط ~~الميدان، مناجزا مناضلا في بهرة الحومة؛ فلم تلبث السياسة ms407 الإنكليزية أن أدركت أنه قد حان ~~إجراء شيء من التغيير، ولكن على قدر حتى لا تنكشف الأستار عن الفضيحة البالغة. # وسافر يومئذ صدقي باشا للاستشفاء، وخلال غيبته جاءت الأنباء بسحب برسي لورين؛ فكان النبأ ~~سارا مدخلا الفرح على النفوس؛ لأنه مصرع سياسي آخر، سياسي عجيب داهية ماكر، ظن أنه على ~~إخضاع مصر قادر، فراح يحاول ما عز من قبل على كل محاول، ومضى يشتغل ولكن على غير طريقة سلفه ~~«لويد» الشاب المفتون بالمظاهر المولع بعزة السلطان، مجتنبا الظهور على المسرح، قانعا ~~بالوقوف خلف الأستار، مستمهلا أدواته مهلة بعد أخرى، على أمل أن تخضع البلاد مع طول ~~الوقت، فيكون له في السياسة الاستعمارية فضل النجاح فيما كان خيبة سلفائه. انقلبوا جميعا ~~خاسرين! # ولكن الله أحبط كيده ، وأخزاه هو ومن معه؛ فثبتت الأمة، وثبت الزعيم، وانتصر الصبر الرفيع ~~على البطش الشديد، وخرجت البلاد من الغمرة رافعة الرأس شماء. # وظل لذلك العهد ذيل مجرر يسفي التراب من ورائه، ويثير الغبار من حوله، بما ذهب يكشفه ~~من فضائح الماضي ومساويه؛ فظهرت جنايات صارخة، وتعرت جرائم منكرة، كقضايا الاستبدالات، ~~ومخزية الكورنيش، وقضية نزاهة الحكم، والتصرف في أموال الدولة بغير حساب. # واستضعف الحكم الذي أردف بذلك العهد الغابر لعامل غير مسئول عن سلطانه، وتغلغل في ~~الحكم إلى سائر نواحيه ومكانه، وغلب الحكام على أمرهم، وأشاع نفوذه فيهم فأناخوا له وذلوا ~~لأمره، فكان الإبراشي هو الحاكم القائم خلف الستار، يحرك هذه اللعب الخشبية كيف ~~يشاء. # وكانت المأساة قد أوشكت على الختام، فوقفت الأمة تشاهد مصارع أبطالها واحدا بعد واحد، ~~وكل لصاحبه فاضح، وكل على شريكه في الجناية شهيد، حتى تواروا جميعا مندحرين. # وتم النصر لمصطفى النحاس على خصومه، فوقف يشرف على الساحة، ويتطلع بمرقبه إلى آخر ظلال ~~الفلول المندحرة، وقد استحالت ذرا صغيرا دقيقا من مكان بعيد. # لقد حارب مصطفى لوطنه حرب شرف وفخر، وتجلد للحوادث وصبر، ووجد من حوله خلقا كثيرا ~~صبروا معه وصابروا بجانبه، أولئك هم المتألمون لبلادهم، المتفانون في محبتها، المتلاشية ~~ذواتهم في ذاتها، ms408 فقد وصلوا في أدوار رحلتهم النفسية إلى دور العزاء الدائم عن الألم، عزاء ~~ينزل عليهم بردا وسلاما، ولا يبالي عذابا ولا آلاما، عزاء عميق قوي يحدث راحة نفس ~~شاملة، وينمي في الوجدان احتقارا للعروض الفانية، وسخرية من الإغراءات الدنيوية، وقلة ~~مبالاة بالشدائد وقسوة امتحان الظروف وغير الأيام. # إن هؤلاء المتألمين لبلادهم المسافرين في قافلة الحرية لينزلون كلما اشتد الألم بهم، ~~وأضنتهم مشقة الطريق، ولفحتهم الهاجرة في الصحراء. نعم، والله إنهم لينزلون من خيالهم ~~وقوة شعورهم بحق الوطن عليهم ومتانة خلقهم القومي وتفكيرهم، بواحات ظليلة متفجرة العيون ~~متدفقة الينابيع، حلوة الثمر، لذة القطوف، باسقات النخيل، عارشات الأعناب. تلك واحات وبقاع ~~نضر متجددات على الطريق، كلما أرادوها وجدوها، وكلما احتاجوا إليها استحضرها شعورهم، ~~فإذا هم منها تحت ظل ظليل. # وقد يهزأ الماديون والنفعيون وطلاب المكاسب والأجزية والمصالح واللبانات بهذا الذي ~~نصوره، ويسخرون من هذا الشعور النفسي الذي نصفه، وهم معذورون؛ لأنهم لم يشعروا يوما به، ~~إذ تحجرت قلوبهم، وانطفأت أخيلتهم ووخمت مشاعرهم، فأصبحت الحياة عندهم ولا مقياس لها غير ~~خبز نظيف يؤكل، وألوان شهية من طعام يستمتع بها، ووظيفة طيبة في الديوان يغدى إليها ~~ويراح، ورواتب حسان ينفق منها عن سعة لإشباع النفوس ومتع الأبدان. # ولكن ذلك الشعور الصادق الغلاب الفاتن الساحر قائم في نفوس المتألمين لبلادهم، والمجاهدين ~~لحرية وطنهم، وقد أورثتهم الحاسة الوطنية شعورا آخر يغذيها، وهو العناد، العناد الوطني ~~الذي تمكن من وجدانهم وقوى من إيمانهم، وعلمهم أن ساعة يستسلمون للضعف هي ساعة موت ~~معنوي لهم، وجحود لحق بلادهم عليهم، وأنهم ليفضلون أن يواجهوا أشد النكبات، على أن تحق ~~عليهم صفة الجاحدين. # انتصر مصطفى النحاس على خصومه؛ لأنه ألقى بكل نفسه وقواه وعزمه وإيمانه في سبيل النصر، ~~فكان له؛ لأنه ظل يحارب بهذه القوات غير المنظورة وهذه الجنود الروحية المستورة، قوات ~~مادية لا قبل لها بالمحاربين المتدرعين بأرواحهم، المدافعين بنفوسهم وإيمانهم القوي ~~المكين. # وقد ساعدته ظروف، ولكن خانته كذلك ظروف؛ فلم تكن الأولى هي وحدها التي نصرته، ولم تكن ~~الأخرى ms409 هي كلها التي استطاع أن يتغلب عليها أو يحيلها إلى خدمته، ولكنه إنما انتصر في ~~الجملة لأنه عول على الانتصار، وآمن من البداية بأنه بالغه فبلغه، وتلك عقبى ~~الصابرين. # وقد وصف أمير البيان في الوفد - مكرم عبيد - الوطنية المصرية التي حارب مصطفى بها خصومه، ~~فانتصر بها عليهم هذا النصر العزيز، فقال: # وطنية عزلاء، يخرج لها القوة المسلحة في جزع، وليس أبلغ من التسلح في معنى ~~الهلع! # وطنية مرحة، طروب، حساسة، بلغت عند هذا الشعب الفنان مبلغ الفن الجميل، فكنا ~~نسمعها وكأنها أنشودة حلوة مختلفة الأصوات، بين اللطافة والكثافة، وبين الخرير ~~والهدير، وبين براءة أصوات الأطفال، وحلاوة أصوات النساء، ورهبة أصوات ~~الرجال. # وطنية بريئة ولكنها جريئة، رأينا الأجنبي يخرج لها معجبا بها حانيا رأسه، ~~والمصري يهرع لها فخورا بها رافعا رأسه، بل حاملا في كفه رأسه. وطنية صافية ~~شفافة، رأينا خلالها الوطن معذبا، والعذاب محببا. # يا دولة الرئيس: # لك أن تهنأ يا سيدي الزعيم وأن يطمئن قلبك، فما دام هذا الشعب يقدر على مثل هذا ~~الحب العجيب لوطنه وزعيمه، فهو يقدر على كل شيء، ولن يقف في وجهه أو في سبيله ~~شيء. # أيها السادة: # أؤكد لكم أنني كلما رأيت هذه الوطنية تتجلى في كل مكان، نلقاها وكأنها تلقانا، ~~ونشهدها وكأنها ترعانا؛ تملكني شعور عميق عجيب، أكاد لا أفقه له أمرا، أو أسبر له ~~غورا ... ولعل ذلك لأنه شعور يجمع بين الدين والدنيا. # شعور بعضه سماوي؛ لأن فيه ابتهالا وحمدا لله تعالى، الذي أبقى على المصريين ~~نعمة الإيمان بوطنهم، والبر بنهضتهم. # وهو أيضا شعور بعضه دنيوي؛ لأن فيه زهوة الفخر ونشوة النصر، ذلك أننا بعد ~~عراك مع المستعمرين على وطنيتنا، وبعد تجاريب قاسية ضد مصريتنا، خرجنا من المعركة ~~ظافرين بوطنيتنا ومصريتنا، فلم يمسس وطنيتنا الضر، بل جملها النصر. # والواقع أن التجاريب الاستعمارية منذ سنة 1919 حتى الآن قد قصرت همها على محاربة ~~تلك الوطنية العجيبة، لا باعتبارها مجرد عاطفة، بل باعتبار أنها حركة وطنية عاملة ~~قد اتخذت من الشعب جندا، ومن زعمائه ms410 وفدا. # ولكن المستعمرين قد أخطئوا الغاية فضلوا السبيل؛ لأنهم جهلوا أن حركتنا حركة ~~روحية، فحاربوها بوسائل مادية من نار وحديد، وفاتهم أن حركات الروح قوامها جهاد، ~~وغذاؤها اضطهاد. # ثم إنهم أخطئوا الهدف فصوبوا سهامهم إلى الوفد ظنا منهم أنهم متى دمروا الوفد ~~فقد دمروا الشعب! ولكنهم أدركوا الآن بعد عدة تجاريب تعسة أن الوفد بالشعب وليس ~~العكس، وأن كل كبير خرج على الوفد أصبح خارج الوفد مذموما مدحورا، وأن كل صغير ~~بقي في الوفد أصبح بالوفد شيئا مذكورا. # إنما الوفد يمثل الشعب لأنه يمثل شعوره، ولقد أراد الله بالأمة وبالوفد خيرا أن ~~يمثل شعور الأمة في زعامتها، وأن تمثل في الزعيم وطنية الأمة، وإخلاصها، وجرأتها، ~~وصلابتها. # وجاء بعد محضر الليل فجر فاصل بين آخر أستار الظلام وأول مطالع النور، فتولى محمد توفيق ~~نسيم باشا في الخامس عشر من شهر نوفمبر سنة 1934 مقاليد الحكم، وكانت الظروف جد دقيقة، ~~والوطن في أشد الحرج، وزاد الموقف رهبا وخطرا اشتداد المرض بالملك، وإلحاح العلة على ~~صحته. وكان أمام الحاكم الجديد التمهيد لعودة دستور الأمة ونظامها النيابي، فبدأ بإلغاء ~~دستور سنة 1930، ولم يشفعه بإعادة الدستور الأصيل، وكان ذلك تصرفا لا ندري هل نحيل تبريره ~~إلى دقة الظرف ذاته، أو إلى الملابسات التي أحاطت به، أو إلى عامل التردد والحيرة، أو مخافة ~~الظرف السريع العاجل؟! ولكنه كان على التحقيق عن حسن نية، وإن جعل الدولة في خطر بعد أن ~~باتت بغير دستور بتاتا، واقتضى من نسيم باشا التسامح للإنكليز في كثير من مطالبهم لقاء ~~انصرافهم عن وضع العقبات في طريق عودة الدستور الذي ترضاه البلاد. # وفي هذه الآونة اشتدت المشكلة الحبشية الإيطالية، فرأت مصر فيها فرصة سانحة للعمل على ~~استرداد استقلالها؛ فلم يلبث الاتجاه السياسي كله أن انصرف إلى فكرة التفاهم والتعاون بين ~~مصر وبريطانيا، غير أن وزير الخارجية البريطانية في ذلك الحين - وهو سير صمويل هور - اتبع ~~سياسة خاطئة بالنسبة للموقف الدولي لم تلبث أن زعزعت مركزه في بلاده، وجاءت سياسته بالنسبة ~~لمصر واسترداد ms411 دستورها بتصريح متهور ألقاه يومئذ وهو يحسب أنه قد أحسن به، فعجلت بتركه ~~منصبه، وأحنقت الأمة المصرية عليه، فهبت البلاد تنادي برد دستورها إليها، ونهض الطلبة ~~الشباب بجانب صفوف الأمة يكافحون من أجل الدستور، فجرت حوادث خطيرة، ومظاهرات حماسية، ~~وانتشبت معارك بين الطلبة والشرطة، واستشهد من الشباب فتية أذكياء وضحايا غالية؛ فلم يلبث ~~وزير الخارجية البريطانية الجديد - وهو أنتوني إيدن - أن عدل سياسته بالنسبة لمصر، وأقر ~~فكرة التفاهم والتعاون الصحيح، وكاد نسيم باشا يومئذ يترك الحكم ولم يرد على البلاد ~~دستورها الذي عاهدها على إعادته، لولا أن أراد الله أن يكتب التاريخ له أسطرا مجيدة قبل ~~ختام عمله السياسي، فوفقه أخيرا إلى رد الدستور إلى الأمة اللهيفة عليه، فانقلبت أتراح ~~البلاد أفراحا، واستكمل النصر للمجاهدين. # وتولى بعد نسيم باشا مقاليد الحكم على ماهر باشا، وكان المفهوم أن تكون وزارته وزارة ~~انتقال تدير الانتخابات، وتمهد للمفاوضات، وتسلم المفاتيح للحكومة الدستورية التي يتولاها ~~زعماء الأكثرية في البرلمان؛ فأدار الانتخابات في سكون، إذ لم تعد تقتضي معارك ولا طلبت ~~حرارة وطيس؛ فقد أغنى مسلك الوفد فيها عن ذلك كله، بأن ترك دوائر لرؤساء الأقلية بلا ~~مزاحمين مراعاة لقيام الجبهة المتحدة التي تألفت من أجل المفاوضات، حتى لا ينشغلوا عن ~~الاشتراك في المحادثات بمطالب الانتخاب، كما تسامح في تخلية السبيل لأحزاب الأقلية في دوائر ~~معينة. وقد جاء الفوز في الدوائر الوفدية بالتزكية أو مجرد الترشيح بالغا، ومضت الانتخابات ~~في الدوائر الباقية برفق وجرت بسلام. # وكانت المحادثات السياسية بين مصر وبريطانيا قد ابتدأت قبل قيام الانتخابات، إذ جرت حفلة ~~افتتاحها في اليوم الثاني من شهر مارس سنة 1936 بقصر الزعفران، ولكن البلاد لم تلبث أن سرى ~~القلق في جوانبها من اشتداد المرض على الملك، وكان الموقف خطيرا إذ نعي إليها في الثامن ~~والعشرين من شهر أبريل؛ أي بعد ابتداء المحادثات بثمانية أسابيع، فهز المصاب الجلل البلاد ~~هزا، ورج العالم السياسي رجة عنيفة، وكان ولي العهد يومئذ في لندن يتلقى العلم؛ فلما ~~نقل النبأ الأليم إليه، ms412 حزن على أبيه أصدق الحزن، ولكن بدت عليه في الحال مع وقع المصاب ~~روعة الملك وجلاله، وجلد الملك واحتماله، وأسرع إلى العودة إلى وطنه، والوطن حزين له يغمره ~~عطفا ويحيطه بولاء. # وعلى أثر انتهاء الانتخابات وتعيين أعضاء مجلس الشيوخ الذين تتولى الحكومة تعيينهم، دعا ~~البرلمان الجديد للانعقاد في 8 مايو سنة 1936 للنظر في تأليف مجلس الوصاية الذي ينص عليه ~~الدستور حين يكون الملك صغيرا لم يبلغ سن الرشد بعد، فتم تأليف هذا المجلس الموقر من حضرة ~~صاحب السمو الملكي الأمير محمد علي توفيق وحضرتي صاحبي السعادة عزيز عزت باشا وشريف صبري ~~باشا. وحان أن تستقيل الوزارة القائمة، فقدمت إلى مجلس الوصاية كتاب استقالتها في اليوم ~~التالي، وهو التاسع من مايو، وعهد المجلس إلى زعيم الأكثرية الدستورية - وهو مصطفى النحاس ~~باشا - بتأليف وزارة جديدة، فألفها في العاشر منه وسط ارتياح عام ورضوان سائد. # مصطفى النحاس والسير مايلز لامبسون: في حفلة افتتاح المفاوضات. # وتم يومئذ انتصار الأمة وفوز الوفد، فعاد إلى مكانه الدستوري في الحكم، وتولى مصطفى ~~رياسته بجانب رياسته للأمة، وزعامته للشعب، وقيادة حركتها القومية، وخلافته لسعد مؤسس ~~النهضة للحرية والاستقلال؛ بل عاد إلى موضعه الطبيعي من سفينة الدولة، حارس العقيدة ~~والمبادئ، والحفيظ للدستور وقدسيته، والمتوخي الخير لأمته، يفكر فيه أبدا، ويعمل له ~~جاهدا، في نزاهة بعيدة الحدود، ووفاء ثابت المعالم، وأمانة اعترف بها الجميع حتى خصومه ~~السابقون، ووطنية حريصة على مصالح الوطن وحقوقه. # واجتمعت بذلك كله - بملك شاب يحب بلاده ويقدر ولاء شعبه، ووزارة شعب مخلصة للعرش وللشعب ~~معا - ظروف موافقة، وعوامل مواتية، جعلت الحاضر يلوح جميلا مشرق الديباجة، بارع ~~الاستهلال، باعثا على كبير الآمال في الغد المرموق. # وكان سير المحادثات قد وقف قليلا، ريثما تفرغ الوزارة من مطالب افتتاح عهدها الجديد؛ فلم ~~يكد يتم ذلك حتى استؤنفت بين رئيس الوفد المصري وقد أصبح رئيس الحكومة أيضا، وبذلك اجتمع ~~له في المباحثات صفة التمثيل القومي وصفة التمثيل الرسمي في آن واحد، وبين سير مايلز ~~لامبسون المندوب السامي في مصر ms413 ورئيس الوفد البريطاني، وهو سياسي معقول ينزع إلى السلام، ~~ويجنح إلى التوفيق، ويتطلع صادق النية إلى الظفر بمجد النجاح في قضية مصر التي عز حلها على ~~الذين من قبله كان لهم غير أسلوبه ونزوعه وبعد بصيرته. # وكان الفريقان المتفاوضان قد تفاهما من البداية على أن يكون البحث أولا في المسائل التي ~~ظهر في المفاوضات السابقة أنها أصعب من سواها وأشق معالجة، وكانت حجة الفريق البريطاني في ~~وجوب تقديم هذه المسائل على سواها أنه متى تيسر تذليل أشق المسائل وحل أخطر العقد، سهل ~~الوصول إلى النهاية المطلوبة، وأصبح النجاح مضمونا مكفولا. # بيد أن الذي كان يخشى منه هو أن البحوث المجزأة على هذه الصورة ربما أفقدت السياق ~~العام الذي ينبغي أن ترتبط به المسائل كافة عند بحثها، وأن علاج الأمور من أصعب جوانبها قبل ~~الشعور بالطمأنينة التي تكتسبها النفس من الإحساس بأن مراحل كثيرة قد قطعت بنجاح، يعوزه ~~الحافز الذي يعين على المواصلة، ويفتقر إلى الدفاع النفسي القوي الذي يساعد على اقتحام ~~العقبات، ومهاجمة الصعاب، وتخطي الحوائل المتعددة. # ولكن بقوة الأمل، وشدة العزم، وعمق الإيمان بالنجاح، تقدم الفريقان إلى البحث في المسائل ~~العسكرية، وهي أخطر نواحي المحادثات وموضوعاتها. وقد حوى الوفد البريطاني خبراء عسكريين من ~~أكبر القواد في الفنون الحديثة وأسلحة الجيش والبحرية والطيران، ولم يكن مع الوفد المصري ~~أحد من هؤلاء؛ إذ اعتمد مصطفى على معرفته الغزيرة في هذا الباب من المفاوضات السابقة، ~~واستظهاره لكل صغيرة وكبيرة من مسائلها وشئونها، وقد جلس في قصر الزعفران عدة جلسات مع ~~الوفد البريطاني جلسة باحث متمكن قادر يناقش ويباحث ويحاج بتلك البراعة السياسية ~~العجيبة التي تجلت في سنة 1930، وبذلك الحرص الوطني على الحقوق الذي انماز به، والمرانة ~~الطيبة التي تواتت له من قبل. # وتبودلت المذكرات واشتد الدفع والجذب، وظل مصطفى النحاس مستويا على ساقيه، معتمدا على ~~قوة حججه، راكنا إلى إيمانه وصدق وطنيته حتى أمكنه بعد جهاد عنيف وتداول مستطيل أن يقرب من ~~مسافة الخلف، ويتغلب على تفاوت مواضع النظر ووجوهه، مثبتا حسن ms414 استعداد البلاد لتوثيق عرى ~~المودة بين البلدين. # وانتقلت المباحثات في الصيف إلى قصر أنطونيادس بالإسكندرية حيث تناولت المسائل الأخرى، ~~وظلت تنتقل رويدا من دور إلى آخر وتتئد حينا وتبطئ حتى ليخشى عليها أن تقف أو تتحطم ~~سفينتها وسط الشعاب والصخرات الناتئة، ثم تعود فتسرع فرحة نشيطة تحت ريح لينة وجو ~~رخاء. # ولقد تجلت خلالها براعة المفاوض المصري السياسية على أحسنها، وبدا حرصه الجليل على حقوق ~~أمته في أنضر مظاهره، وظهر زعيم البلاد وصحابه في مشاوراتهم ومداولاتهم الخاصة بسبيل ~~الخروج من المآزق والتخلص من العقبات بمهارة شهد لها الفريق البريطاني، وكانت محل الإعجاب ~~العام. # وفي أوائل أغسطس سنة 1936 تم الاتفاق بين الفريقين على الصيغ النهائية للمعاهدة؛ ففرحت ~~البلاد بهذا النجاح الذي اقترن بها، وأقيمت البشائر ومحافل التكريم، وآذن موعد السفر إلى ~~لندن لإبرام المعاهدة رسميا، فجرى ذلك في قاعة لوكارنو التي احتوت مصطفى النحاس من قبل ~~هذا فشهدته قويا حريصا صلب العود. وأعلن إبرام المعاهدة في السادس والعشرين من شهر ~~أغسطس، فقابلت مصر هذا النبأ العظيم بأكبر الابتهاج وأشد الاغتباط وأبلغ الهناءة ~~والرضوان. # وبذلك تم على يد مصطفى النحاس وفي عهد زعامته، وبفضل حكمته وقيادته الوطنية، وحسن توجيهه ~~لحركات الجهاد ومطالبه، وثمرة نضاله الصادق، وكفاحه المستطيل، وشدة تجلده لأعظم المتاعب، ~~حتى لا نعرف أحدا قاسى في جهاده مثل مقاساته، ولا كابد في خدمة بلاده مبلغ مكابدته ... بذلك ~~تم على يديه أعظم عمل وطني خليق بالتمجيد، وأكبر حسنة قومية تستحق التخليد ويفرد لها ~~التاريخ أنصع الصفحات. # وما كان أبلغ منطق وزير المالية في عهد الاستقلال، معالي مكرم عبيد باشا، النفاث ~~السحر، المختلب الألباب، وهو يقول في تقدير المعاهدة بميزان الحق والإخلاص: «مهما تكن قيمة ~~المعاهدة، فهي لا تزيد على أنها وثيقة، أما الاستقلال نفسه فوثيقة وحقيقة، والحقيقة بين ~~أيديكم ومن صنعكم، فلو أننا توافرنا وتضافرنا على تنفيذ المعاهدة تنفيذ جد وصدق وشرف، ~~لأدت الوثيقة إلى الحقيقة التي هي النتيجة الطبيعية والمنطقية لها. # أما إذا آثرنا على الاتحاد التخاذل، وعلى العمل التفاضل، ms415 فما من وثيقة في الدنيا ~~تنفعنا! بل ما من حقيقة تبقى لنا. وها هي ذي الحبشة التعسة قد أضاعت استقلالها التام بين ~~عشية وضحاها، رغم عطف العالم وجمعية الأمم، فكانت عبرة للمعتبرين. # ذلك أنه لا يكفي أن يعترف الغير بأنك مستقل، بل يجب أن تكونه؛ ولا يكفي أن تكسب الحق، ~~بل يجب أن تصونه. # ومن أكبر مزايا المعاهدة الحالية أنها تسمح لمصر بأن تحتم عليها، إذا شاءت أن يكون ~~لتحالفها قيمة، أن تقوي جيشها، وتعزز طيرانها وجميع معداتها الحربية؛ لتكون خير عون ~~لنفسها ولحليفتها، وتحتفظ بين الأمم بمكانتها. # أيها الإخوان: # كان شعارنا قبل استقلالنا أن الحق قوة، فليكن أيضا شعارنا في استقلالنا أن القوة ~~حق. # ولا تحسبوا أيها الشباب الكريم أن أبواب الجهاد قد أوصدت دون العاملين، كلا، فلقد ~~جاهدتم للاستقلال ، فعليكم الآن أن تجاهدوا بالاستقلال، ولو أن الاستقلال كان آخر مطامعكم، ~~لما حمدنا لكم صنيعكم، بل الاستقلال بداية لا نهاية، فهو السبيل إلى التعمير والبناء، ~~فارفعوا إذن أبصاركم إلى السماء، وشقوا إلى المجد طريقا في الجوزاء ... تلك سنة ~~الطبيعة، سنة النشوء والارتقاء.» # واليوم لم يعد للمتشككين أن يتساءلوا كيف يتسنى للحق أن ينتصر إذا كان الباطل مجتمع ~~القوات عليه، فإن قوة الإيمان بالنصر تقضي على كل تردد، وتجهز على كل جحود لقوة الحق ~~ونكران؛ فإن الله في السموات هو أبدا للحق نصير؛ لأن الحق هو صفة من صفاته، وكلمة من ~~كلماته، وهو الذي يمد للباطل أو يمهله، وقد يرجئ مصرعه أو يؤجله، حتى ليحسب الباطل أن ~~دوام السلطان له، ويتوهم أهله أنهم سيظلون الأقوياء به، ولكن الله يحرس الحق؛ لأن جلاله من ~~جلاله، وينصره على الباطل يوم يشفق الناس من طول غيابه، ويحسبون أن الباطل أمسى منيعا ~~بجرأة أصحابه، ويعلم الناس ألا ييأسوا من ظهور الحق؛ لأن مع الحق الأمل، ولا ييأس من ~~روح الله إلا القوم الكافرون. # إن كل ما يقوم على الرمال ينهار، والباطل ضعيف وإن وجد الأسناد والأنصار، والحق مكفول ~~الفوز في النهاية، وفي الخاتمة حتما ms416 نجاح للحق وانتصار، وإن في السماء لقدرا يرعى ~~المجاهدين. # وقد نجح مصطفى النحاس لأنه كان على الحق، وفاز مصطفى النحاس لأنه جاهد بنفسه جهاد صدق، ~~وأحسن توجيه أمته إلى الجهاد وحومته، وعرف كيف يجتاز بالشعب الصبور المكافح أقسى مراحل ~~الكفاح الوطني وأشواطه. وقد مضت به الأعوام الرهيبة وهو على ذروة الزعامة قائم، وإن استهدفت ~~زعامته لأحقاد وإحن، وتعرضت لخطوب ومحن، واصطلحت عليها العداوات من كل جانب، وتنكر لها حتى ~~من كانوا على صلة وثيقة بها، وقلما تعمر الزعامات في عهود الانقلابات والاضطرابات، إذ ~~تتطاحن فيها الأهواء، وتجمح خلالها الشهوات، ولكن مصطفى النحاس قطعها جميعا وهو متمكن من ~~موضعه، متملك عواطف جماهيره وملايينه، ولن يزحزحه على السنين عن زعامته شيء؛ لأنها ثمرة ~~قوة إيمانه، ولأنه قد أوتي عند المصريين الحب، وتجاوبت بينه وبينهم أرفع مبالغ الإحساس ~~ومشاعر القلب، ولأنه الواضح المستقيم، الجلي المفهوم، والوضوح في الزعامة سر حب الناس لها ~~والتفافهم حولها؛ لأنهم لا يضلون عندها في شعاب مترامية، ولا يقفون حيالها متشككين ~~مترددين. # إن الذين يتصلون بمصطفى النحاس باشا، من قرب أو بعد، يفهمونه وشيكا، ويحسون له الولاء ~~سريعا، فيسكنون إليه، ويتلاقون عند محبته، إذ لا يجدون حيالهم مشكلة عصية ولا معضلة ~~متأبية، كلما حلوا طرفا منها ذهبت الأطراف الأخرى معقدة ملتوية، وكلما فكوا ~~سببا ظاهرا، تعقدت أمامهم أسباب خفية؛ وإنما يشهدون قبالتهم خلقا عذبا كالماء، ورأيا ~~مستقيما لا يعرف التواء، ووطنية صراحا يشدها الوفاء، وإيثارا يجمع إليه المخلصين. وإن ~~الزعيم ليحمل في أعماقه سر زعامته، وعلى صفحته الواضحة دلائل مكانته، ومن قلوب الناس على ~~الوفاء له أكبر البراهين. # ومن كان محله فوق منال التهم، فلن تضعه ريبة، ولن تصل إليه مسبة، بل كلما أرادوه بمكرهم، ~~زاده المكر السيئ في قومه مكانة ومحبة؛ وكلما تحركت الدسائس عليه، سكنت النفوس إليه؛ وكلما ~~حاول خصومه أن يضعوا من شأنه، راح هو الرفيع العلي بمكانه ... ولن ينتفع امرؤ بالتهم ~~والأكاذيب قدر ما ينتفع بها الرجل العظيم. # وقد أدى مصطفى النحاس رسالته للجيل الحاضر، ms417 فأنقذ مصر من معرة احتلالها، ورد إليها عناصر ~~استقلالها بعد أكثر من خمسين سنة قضتها معذبة تجرر القيد وترسف في الأغلال. وقد زرع مصطفى ~~النحاس، فليحصد الناس، وإذا كان للجيل القادم، وللشباب في هذه البلاد والناشئة، من ~~مهمة مقدسة، وغاية سامية، ورسالة عالية، فتلك هي الوقوف بجانب زعيمها، ومظاهرته على تأدية ~~الرسالة المكملة لها؛ فإن الحاضر قوي صالح يحوي كل عناصر الرجاء في الغد وفضله وإحسانه، ~~والمستقبل وإنشائه وبنيانه، بل إن واجب الجيل الناشئ هو في التمييز بين الضياء الحقيقي ~~والنور الخادع، وفي إبقاء وهجه سنيا، والعمل على جعله مديدا مشعا أبدا متراميا، ~~وتسليمه إلى الجل القادم من بعده في تسلسل الأجيال أسنى مما كان في كفه شعاعا وبريقا ~~وسناء يغمر جوانب الحياة. # إن عناصر العمر يجب أن تكون كلها في جانب مصطفى النحاس؛ لأنه ناب عن الماضي بأروع أحداثه، ~~وقام عن الحاضر بكل جهاده ورفعة إحساسه، وحرص على حقوق الغد بكل قوة الوطنية الصادقة، وعمق ~~الإيمان، وسلامة اليقين. # | مصطفى النحاس وتوافر صفات الزعامة فيه # من هذه الصورة الصادقة التي صورناها للناس في هذا الكتاب بسبيل ماضي مصطفى النحاس، ومعالم ~~شخصيته، ونقاء سيرته، والحوادث الجسام التي وقعت له في حياته وخلال زعامته، تتجلى طائفة ~~كبيرة من الصفات التي تتوافر في الزعامة، وجملة من أسرارها ومعانيها، ولولا هذه الصفات ~~والمعاني لما وجد مصطفى في الناس هذا الحب الذي يحيط به، والولاء المستمر الذي يحفه؛ بل ~~لولاها لما جلد على حمل اللواء، ولما ثبت على شأنه في كبار الحوادث، وصنوف التجربة ~~والبلاء، فقد كان كل هم إنجلترا وصنائعها في مصر أن يحاربوه ليسقطوه، فحاربهم هو قائما ~~مستويا على ساقيه، فصبر وسقطوا، ونجح وفشلوا، فكم من فريات اصطنعت عليه، وكم من وسائل ~~استعين بها على أمل النيل منه، وكم من هجمات عنيفة وجهت إليه، ورسالات جرأة وكذب وإفك ~~لا تزال تنشر في الصحف الساقطة عنه، بأقلام باعة الضمائر وخربي الذمم والحاقدين ~~والموتورين! # ولكن كل ذلك فشل وعاد بيأس، فقد حطمته هذه الزعامة الفاضلة ms418 الرفيعة المختارة من ~~السماء؛ إذ عرفت الأمة من هو مصطفى النحاس، ومن هم أعداؤه وخصومه، وأدركت أن هؤلاء كان ~~ينبغي أن يروحوا آخر من يمارونه في فضله، أو يدفعون للوقوف حياله، وآمنت أن أمثالهم ~~لا يصح أن يقارنوا بمثاله، حتى يمكن أن يختلف الناس لمن يجب الولاء، أو حتى يجوز أن ~~تتشكك الجماهير فيمن ينبغي لهم الحب والطاعة والوفاء. # ولقد أوتي مصطفى النحاس من النشأة والتكوين روح النشاط وقوة الأعصاب، فظهر في قوة جلده ~~وشدة احتماله وتصميمه وإصراره، وشجاعته في مواجهة الخطوب وثباته، وهدوئه في الحادثات ~~وسكينته واستقراره، وجرأته الرفيعة على الاضطلاع بالمسئوليات وتحمل التبعات، وسخريته من ~~الشدائد يلقاها أبدا بابتسام، وينظر إليها غير جازع ولا متراجع. # ونحسب حبه للرياضة قد نمى في نفسه روحا رياضيا يغذي هذه الصفات البارزة فيه ، ويتعهد ~~هذه الملكات الغزيرة لديه؛ لأنه من الصبا مال إلى الرياضة، وألف حتى وهو في سلك القضاء، ~~قضاء إجازته السنوية على ساحل البحر، في الإسكندرية أو رأس البر، وهو يومئذ شاب مكتمل ~~القوة، خفيف الحركة، نشيط المراح والمغدى، يحب المرح والضحك واللهو البريء، ويرسل ~~ضحكاته مجلجلة في الفضاء مستطيلة الرنين، ولا يزال إلى اليوم يحب الرياضة، فينزع إلى ~~السباحة، و«التنس» - على ما سمعت - ويدع سيارته على الطريق وينطلق ماشيا في كل يوم فترة، ~~ثم يعود فيستقلها إلى وجهه. # وقد حدثنا من شهده وهو قاض يرتع في رأس البر في إحدى السنين قبل اتصاله بالوفد، فوصف ~~لنا كيف جعل بعض الوقت يلعب «الطاولة» مع صديقه المرحوم المكباتي بك. وكان المرحوم حسين ~~رشدي باشا رئيس الوزارة يصطاف بذلك الموضع كذلك، ولو رفع حجاب الغيب يومئذ عن الأبصار ~~لقال قائل وهو يشير إلى تلك الحلقة من رجالات مصر: سوف يلي هذا الفتى القاضي رياسة الوزارة ~~في الأسبوع ذاته الذي يقضي فيه هذا الشيخ الوزير نحبه! بل من كان يومئذ يدري أن نبوءة ~~لرشدي باشا في شأن ذلك الشاب سوف تتحقق على الأيام، وسوف تصح على صورة عجيبة، حتى ليكون ~~الفتى المتنبأ له ms419 هو الذي يخلف على كرسي الحكم ومقعد السلطان ذلك الشيخ المتنبئ صاحب ~~الفراسة الصادقة فيه؟! فقد اتفق لمصطفى أن جاء دوره في امتحان المرافعات بمدرسة الحقوق في ~~إحدى السنين أمام المغفور له حسين رشدي باشا، وكان رئيس اللجنة الممتحنة، فسأله عن الكفالة؛ ~~فأجاب مصطفى إجابة طيبة مسهبة تدل على فهم وسعة اطلاع، فأعجب رشدي باشا به، ولم يكد مصطفى ~~يفرغ من الجواب حتى دار رشدي باشا بعينه إلى أعضاء اللجنة قائلا لهم بالفرنسية، وهو يشير ~~إلى الطالب الواقف في حضرتهم: «إنه لجبار» ~~(C’est un gaillard, ~~celui-ci) # فاغتبط مصطفى يومئذ بهذا التقدير من رجل القانون الكبير، ~~وسر بهذه الشهادة أبلغ السرور. # وقد أكسبه الروح الرياضي بجانب النشاط وصلابة الأعصاب وقوة الجلد وما ينفرع عنها من ~~المزايا النفسية الأخرى التي ظهرت فيما حدثناك به من سيرته ومراحل ماضيه، النزعة إلى ~~المرح، ولطف النكتة، والتفتح للحياة ورقة الحاشية، وإن له لكلاما حلوا يرسله على سجيته، ~~في وسط أحاديثه أو خلال خطبه، فيملأ الندي سرورا، ويقع من القلوب موقع الماء العذب من ~~ذي الغلة الصادي، ويجيء فجأة فتكون له لذة المباغتة البديعة. # وامتزجت الروح المرحة من النشأة فيه بالنزعة الدينية، التي تمكنت منه على الحداثة، بفضل ~~الوسط الأول الذي احتواه، والوراثة التي انتقلت إليه، فجعلت منه على الرجولة زعيما ~~متدينا، أكبر اعتماده على إيمانه بالله ويقينه، وما أعظم أن يكون الزعيم الوطني مؤمنا! ~~وما أجل أن يكون الرئيس السياسي عابدا تقيا! فإن النهضات الوطنية لا تعدو كونها ~~إحساسا قويا من القلوب؛ فإذا اتصل أكبر قلب فيها بالسماء، استمد قوة أخرى غير قوته في ~~الأرض، واكتسب من الإيمان الديني سندا عظيما لعقيدته الوطنية في الناس، فإذا هو رمز ~~الوطنية والفضيلة معا؛ لأن الدين هو مجموعة الفضائل، وصفوة الأدب العالي، وجملة الخلق ~~الكريم. # ما أجمل الزعامة الوطنية وهي في ثوب الإيمان! وما أقوى أثرها وهي البادية في أنصع أبراد ~~العبادة والتقوى! إن للعبادة الدينية صلة وثيقة بقوة الشعور ومتانة الإحساس، وقد كانت أزهى ~~العصور في التاريخ ms420 هي أيضا عصور العبادة والإيمان ... كذلك كانت الحركات الوطنية، وهكذا ~~ازدهرت الحاسة الدينية، يوم ظهرت المواهب العالية، ونبت النبوغ الجليل وبدا الشجعان ~~والعظماء والأبطال؛ إذ كانت النفوس جادة، والأرواح حاصرة كل خواطرها ومشاعرها في التماس ~~الحقائق، ومواجهة الواقع، قابضة عليها في مثل قبضة الكف على السيف، أو إمساكة اليد بالقلم، ~~وأقوى العظمة ما التمس مورده من أعلى هضبات الفضيلة، ولكل نصيب من فضل وحصة من قوة ~~وبأس، ومقدار من طهر حس، مكانه من التأثير، ومبلغه من النفوذ والسلطان. # ويوم يعتقد الناس في رجل هذا السمو في الشعور، وهذا التفوق عليهم في صلته بالسماء، لا ~~يعودون يعرفون حدودا لما يرتقبون من فضله، ويتوقعون من هداه، وينتظرون من مثله الأعلى ~~ومناه ... هو أقرب منهم إلى سر الله، وأوثق سببا منهم بقدرته وحكمته ... هو يرى ما لا يرون، ~~ويبصر غير الذي يبصرون، وهو ممتلئ وهم في فراغ، وهو الطاهر النقي وهم في الدنس أبدا ~~والرجس، وهو السميع إلى حكمة الكون وهم الصم عنها لا يسمعون. # إن للإيمان الديني قوات خفية، وللزعامات الوطنية قوات ظاهرة، فمن تجتمع له هذه بتلك كان ~~القاهر الذي لا يقهر، والمنتصر الذي لا ينهزم، والفائز الذي هيهات أن يندحر ... هو الزعيم ~~الذي لا يعرف «ربما» ولا يغامر لتقف كرته على الأحمر أو الأسود، ولكنه الواثق بنفسه، الراكن ~~إلى فاطرها، وهما قوتان لا تفشلان؛ لأن لهما جنودا تتبعهما في ثياب مستعارة، وأشكال ~~متنكرة، كالشرطة المتخفين والأرصاد في غير مألوف ثيابهم، يحفون من حوله حارسين. # إن جميع الفضائل التي تصاحب الإيمان الراسخ، وتمشي في حاشية التقوى الرفيعة، وتجري في ~~مواكب العبادة القوية الطاهرة، هي مظاهر الكل في جزئياته ... ومعاني العنصر الأول، وهو الخالق ~~في دقائقه وذراته، وهم مخلوقاته. ومن يؤمن بأنه على الحق، ومن يجاهد دائبا له، ومن يسأل ~~رضى الله عنه ومعونة السماء له، يسبغ على من حوله أثرا من نفسه، ويلهم الحافين من ~~حوله معنى من بعض معانيه؛ مثله كمثل الزهر إذا أينع انبعث شذاه الفياح فعطر أنفاس ~~محيطه، ms421 وزكى الفضاء بأرجه، وأفعم الهواء بعبقه يملأ به صدور المتنفسين. # لقد أتاح الله لنا في مصطفى النحاس زعيما به مؤمنا، ورئيسا وطنيا به دائنا، وفي ذلك ~~قوة أخرى بجانب قوات جهادنا، ومناعة من اليأس والوهن تجتمع إلى مناعتنا كأمة شابة مستبسلة ~~وحصانتنا. وبفضل إيمان زعيمنا نجونا من تجربة أعدائنا، وظللنا نكافح إلى الآن بثباتنا ~~وثقتنا بالله وقوة صبرنا ومراسنا. وما دمنا مع مصطفى النحاس، وما دام هو المستلهم السماء من ~~أجله وأجلنا، فلن يقهرنا خصومنا، ولن نغلب على أمرنا، مهما تألبت علينا جموع الأعداء ~~والمحاربين. # ولقد تقدم بنا في الجهاد على لحن إيمانه، وساق بنا إلى النصر على حداء وجدانه، ففاز في ~~كل خطوة خطاها بمعنى جديد من معانيه؛ كلما اشتدت الحلكة على طريقه لتغريه بالعدول عن مسيره ~~والرجوع عن وجهه، انبثق الضياء فبدد الظلام ودياجيه، وكشف عن جديد من فضائح خصمه ومخازيه؛ ~~وكلما وسوس الأمل في صدر أعدائه أنهم قد تمكنوا منه، أو كادوا يتغلبون عليه، دهمتهم ~~داهمة من القدر، وفاجأتهم مفاجأة جديدة من السماء، فانقلبوا من بعد الأمل يائسين. # كل قوى الشر والطمع والحقد والبغضاء والأثرة والكيد تحارب هذا الرجل الفاضل حتى الساعة ~~بشر ما تكون الأسلحة، وأشنع ما يستخدم من الأساليب، وهو الصابر المطمئن القوي بإيمان ~~الأمة به وإيمانه هو بربه؛ قوتان لا تغلبان ومعنيان لا يقهران، وسلاحان يفلان سائر ~~أسلحة الباطل وأهله الضعفاء به، وإن ظنوا أنهم قد أمسوا على حربه ودحره قادرين. # حكومة النحاس في حمى الله، وزعامة النحاس في حمى الأمة، وكفى بهذين واقيا، وحسبه ~~هذين اعتماد المعتمدين. # وقد يختلف مصطفى عن سعد في قوة الخطابة، فقد جاء سعد مفوها ساحر الكلم متدفع المنطق، ~~ولكن خليفته اكتسب البراعة الخطابية اكتسابا من صناعته الأولى، وهي المحاماة؛ ومن نزعته ~~البارزة فيه، وهي الميل إلى الأدب، وتذوق اللغة، والتجافي عن اللحن، والحرص على سلامة ~~الأسلوب وإقامة اللفظ على صحته. وقد يكتب أحيانا فيكسو ما يخرج من قلمه غلالة من سلاسة ~~المنحى وسهولة الأسلوب. ولعل أبرز ما كتبه ms422 في أحكامه ومذكراته حين اشتغل بصناعة القانون، ~~فقد جمعت هذه الأحكام والمذكرات إلى الفقه القانوني وعمق البحث، روح الأدب وحسن ~~الأداء. # ولصوته إذا خطب رنة موسيقية تحس عند المقاطع أو الكلام الهادئ؛ فإذا تحمس وحميت ~~مشاعره، استفاض وتدفع وجلجل صوته فتملك الأسماع وهز القلوب. # وقد أوتي زعيمنا حنانا على أهله، وعطفا على صحبه، واشتراكا بالعاطفة مع أنصاره وأعوانه ~~والمنتمين إلى الوفد، من صغير أو كبير؛ حتى ليتفقد شئونهم في الضراء، ويعودهم في المرض، ~~ويعزيهم في الحداد، ويفرح لفرحهم، ولا يتردد في مشاطرتهم ما بهم، وغمرهم بالرفق والتعهد ~~والحنان. # ومن يتأمل معارف وجهه يحكم من ذلك الرأس الكبير والجبين العريض بقوة ذهنه ومتانة عارضته، ~~بل إن كل خلق الزعيم باد ثم على أروعه؛ ذلكم رجل مطمئن إلى نفسه، ساكن إلى إرادته، ~~راض عن إبائه، يتأمل ما فعل، ويراجع ما وقع فيستريح خاطره إليه وضميره، ويقره عليه مبدؤه ~~وفكره. وإن في شكل الشفتين لمعنى الحزم، ودليلا على قوة الإقدام وشدة الإصرار والاعتزام، ~~كما أن في مجموع الوجه ذاته مظهر الصلاح، وسمات النزاهة وقوة الروحانية، وطابع الفضيلة، وظل ~~الاستقامة. ومن لم يعرف مصطفى على الحقيقة، فقد يعرفه من صورته على الخيال وبالإحساس ~~والاستقراء. # هذا رجل قد جرد نفسه من رغبات الذات ومشتهياتها، فأصبح لا يطمع في شيء خاص، ولا يتوخى ~~مأربا لشخصه؛ لأنه وصل إلى آخر حد يتطلع أحد إليه، وأكسبته الزعامة مناعة من المآرب ~~الذاتية ودنيا الغايات، فليس عجيبا إذن منه إذا هو أنكر ذاته؛ لأنها استكملت استقلالها، ~~وراح يهبها بجملتها لبلاده حتى تستتم بعد المعاهدة أقصى مطالب الاستقلال. ~~••• # وبعد فهذه رسالة ألهمها الحب؛ لأني لزعيمي محب، وأوحى إلي بها الإيمان؛ لأنني بقائدي ~~الوطني مؤمن. ولو تركتني على سجيتي لاستفضت أكثر مما استفضت، ولكني أقف الآن عند هذا الحد ~~معتقدا أنني - بإذن الله - عائد إلى المواصلة من حيث ~~وقفت في رسالة أخرى، يوم يتم مصطفى النحاس رسالته الثانية، وهي تدعيم الاستقلال والبناء ~~للغد، وإنه لواجد في ذلك العون من الله والتوفيق. # القاهرة ms423 في 25 من مارس سنة 1937 # عباس حافظ ms424