######OpenITI# #META# URI: 1378CabbasHafiz.NahdatMisr.Hindawi69702740 #META# Tags: history #META# ID: 69702740 #META# Title: نهضة مصر #META# AuthorID: 74930641 #META# Author: عباس حافظ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء الكتاب‏ # الرجل العظيم ووطنيته‏ # الرجل العظيم والعصر الذي يعيش فيه‏ # الموازنة بين ثروت وكافور‏ # روح القيادة والجماهير في النهضات القومية‏ # لمحة من الماضي‏ # الحياة الجديدة‏ # الوزير الأول كخطيب سياسي‏ # في سبيل البرلمان‏ # الخاتمة‏ # إهداء الكتاب‏ # الرجل العظيم ووطنيته‏ # الرجل العظيم والعصر الذي يعيش فيه‏ # الموازنة بين ثروت وكافور‏ # روح القيادة والجماهير في النهضات القومية‏ # لمحة من الماضي‏ # الحياة الجديدة‏ # الوزير الأول كخطيب سياسي‏ # في سبيل البرلمان‏ # الخاتمة‏ # | نهضة مصر # | نهضة مصر # | 1341 / 1922 # تأليف # عباس حافظ # | إهداء الكتاب # بقلم عباس حافظ # إلى زعيم مصر سعد زغلول باشا # إلى العبقرية الأولى التي تلقيت عنها وحي ما كتبت عنها، إلى الشخصية النادرة المثال التي ~~نزلت روعتها إلى أعماق نفسي؛ فملأت نواحيها إكبارا لشأنها، واندفاعا مع الصفوف تحت ~~بنودها. # إلى السياسي الكبير: القائد الأروع الجليل، صاحب المعالي سعد زغلول باشا، أرفع هذا ~~الكتاب. # وما ذلك إلا لكي يتصل بما بكر من ثمار إخلاصي، وتقديري لمكانته يوم وضعت رسالتي الأولى في ~~ترجمة حياته، وتصوير عبقريته وبطولته. # وما كتابي هذا إلا صورة أخرى لشخصية من الشخصيات الخالدة التي خلعت على هذا العصر بردة ~~الحرية، وشملة الاستقلال، فالصورتان من هذه المعالم متقاربتان، والرجلان العظيمان من قطع ~~واحد، وصوغ متماثل، وإن وهم الناس، وضل ضلالهم أن حسبوا الصورتين متنافرتين، والعظيمين في ~~السياسة خصمين لدودين، وأن كلا لصاحبه منكر، ولفضله على بلده جاحد مصغر، وكيف لعمر ~~الله تنكر العظمة العظمة، وكيف يجحد الفضل فضلا. # وما سعد ورفيقه ثروت - أيها الناس - بخصمين، فلا خصومة في الوطنية. # ولكن هم القوم الذين أرادوا إلا أن يصفوهما في الحشد، وينعتوهما في الأمة بالخصمين ~~المتنافرين، وكان سعد يريد ألا ينزل إلى مفاوضة، ولا يسهم في مناقشة حتى يعده القوم فحسب ~~بإلغاء الحماية، ورفع الوصمة عن الأمة، فعمد الوزير الأول إلى تحقيق ما كان سعد مصر يريد، ~~واندفع مع جرأة الوطنية المستبسلة؛ فأنفذ جملة ما كان صاحبه يود أن ينفذه بلا مقابل، ولا ~~نزول عن حق، حتى زالت من طريق الزعيم العقبة، وتمهدت ms001 أمامه السبيل ، وما مثله في عظمته ~~ليخاصم في الوطنية زميلا جاء على غراره وقالبه. # وإذا كانت يد القدر قد أبعدت عن الوادي جدولا فضاضا من الوطنية، وحرمت البلد الأمين ~~قائدا سياسيا غير مدافع من قواده، فإن سعدا وثروت غصنان أميدان، وفرعان صنوان، على شجرة ~~فينانة أضحيانة، ستظل الدهر مورقة ... تلك مصر تجري مع النيل من منبعه إلى حيث يترامى في ~~أحضان البحر الأبيض. # ألا يا سعد لقد ظلمك قومك إذ صوروك بما أنت منه البريء، ويمين الله إنك لجذل فرح بما ~~أبلغنا إليه صاحبك، ووالله إنك لمصافحه، ومباركه، ومؤيده، ومناصره، ووالله إنا سنراك وثروت ~~في غد يوم يرد الهم غربتك، متصافحين واضعين اليد في اليد، والقلب بجانب القلب، والذهن ~~والقوى والروح، وما ملكت في سبيل واحدة، هي الدفاع عن مصر وكيانها. # يومذاك نقول للذين مشوا في الناس بالخصومة: هاهما العظيمان متعاونان، متآزران متناصران، ~~فأينت الخصومة التي زعمتم؟! # بطل مصر الكبير سعد زغلول باشا # | مقدمة الكتاب # بقلم عباس حافظ # أول سبتمبر سنة 1922 # نحن في هذه الرسالة الموجزة جئنا نكتب للحق وللتاريخ، والنية فيما سنحشد في هذا الكتاب أن ~~لا نمزج بالحق باطلا، ولا نستنصر عليه خيالا، ولا ندع التاريخ يمشي إلى حدود الكذب، ~~وينساق انسياق الخرافة، ولن يكون تاريخنا هذا على غرار ما كتب «لا مارتين»؛ فنكون قصصيين في ~~التاريخ، ومؤرخين في القصص، ولا أن نجعل من الشخصية التي اعتزمنا أن نكتب عنها معبودا، ~~ليكون الناس عبدة، أو تمثالا ننصبه فوق أكتاف الشعب، وأعناق الجماهير، ولا نريد أن نمشي ~~فيه كما مشى الفيلسوف كارلايل في «أبطاله»، فأسس بما كتب عبادة جديدة، هي عبادة الناس ~~للناس، فإن أمثال أولئك الذين تصدوا للكتابة عن النوابغ يجب أن ننزلهم عن تماثيلهم، إذ ~~خرجوا بالتاريخ عن أصوله، وبالشعر عن مناحيه، وبالخيال عن حدوده. # هذا ما لا نريد أن نتحداه، وهذا ما لا نود أن نجري ركضا فيه، وإن كنا لا نحب أن نكون ~~مدوني أحداث، أو كتبة سلاسل مستطيلة من الرواية والتواريخ، وعدة الأيام ms002 والسنين، ولا أن ~~نحشر الحقائق حشرا؛ فنأتي بها جافة مستغلظة، لا سائغة، ولا عذبة الطعم، بل نيتنا أن نحملها ~~على التحليل النفساني، ونأخذها إلى المجهر؛ فنتلمس دقائقها، ونتفحص ذراتها، ونعلم ماذا ~~نستفيد منها، وماذا نأخذ عنها، ونتبين سر اطراحها، أو باعث إكبارها، غير مزورين على الناس، ~~ولا محتالين على إقناعهم الحيل، ولا مفسدين عليهم الإيمان بما اعتقدوا، فلسنا أبواقا، وما ~~نحن بمزامير، ولكنا نمسك بقلم التاريخ، ونستمد من وحي العاطفة. ~~••• # نحن اليوم نعيش في زوبعة اجتماعية، وعصر عاصف، قد غبر فيه الشقاق، وغامت فيه سحائب ~~الخصومة، وأخذ كل بطرف من الحق، فظن الحق كله في يده، واتقدت في نفسه الحمية لوطنه، فحسب ~~أنه وطنه وحده، والناس من خلفه أوغال أدعياء في النسبة، كذبة في الموطن. # ونحن لم نسق كلماتنا هذه لنجعلها عاتية، ونردها أعصف مما هي وأكثف، فلسنا ننتمي إلى حزب، ~~ولا نشأنا في جماعة بعينها، ولا أسهمنا في عصبة بمفردها، ونفرنا عن أخوات لها، فإن الأدب لا ~~يستطيع صبرا على قوانين الأحزاب، ومبادئها، وسياستها، وروابطها، ولزوم ما لا يلزم فيها؛ إذ ~~لا يلبث أن يختنق في ذلك الجو القاتم، وتضطرب أعصابه تحت هراوة الزعامة، وفي زحمة القطيع، ~~وعلى عين الرضا، وعبسة السخط. # وليس أضر على الأمم الناشئة الفتية التي تريد أن تجد لها مكانا تحت الشمس من أن تكون ~~البلاد أحزابا متنافرة، وجموعا متعددة في مجتمع واحد، تعيش على تلك الكلمة الطائشة التي ~~فاهت بها الملكة ماري أنطوانت في أشد سعرة الثورة «والله لخير لنا أن نموت ونلفظ الأنفاس من ~~أن نرضى لأنفسنا أن ينقذنا لافابيت وصحابته». # ذلكم هو غاية الكبر السياسي، وأبعد مرمى الخيلاء الحزبية، بل هي تلك العاصفة التي تهوي ~~بسفينة الحياة إلى غور الفوضى، وكانت في مأمن من اللج المتقاذف، والمد المتصاعد، وهي ~~الزوبعة التي تغرق سفائن الفكر، وتحطم المجاديف، وتهشم الشراع والدوافع، وهي على نقيض ~~فكرة الله في الأرض؛ إذ لم يخلق الله شرا صرفا هو الشر من أي النواحي أتيته، ولم يخلق ~~خيرا صراحا ms003 لا شر فيه ، وإنما جعل بعض الشر يدخل في بعض الخير، وأوحى إلى الناس أن ~~استخرجوا بعض رواسب هذا الشر، ليكون الخير أقرب إلى الطهر منه خاما غير مصقول، ولا ~~مقطور. # إن الذين لا يريدون أن يكسبوا أذن منافسهم ليسمع لهم ركونا إلى أنهم أصابوا مادة ~~الصواب كلها، فما تركوا لأحد شيئا، إنما يعيشون في عالم من أنفسهم كالملائكة، وينظرون إلى ~~منافسيهم كأنهم من أهل الفخار والطين. # لذلك كله كرهنا أن نثير في هذا الكتاب ما يغضب له فريق، ويطرب منه فريق، فلسنا نريد أن ~~نكون حكوميين أكثر من الحكومة نفسها، ولا أن نكون سعديين أكثر من سعد وصحابته، بل انتوينا ~~في هذه الرسالة أن نظهر لهذه الأمة صورة صحيحة، غير ذات ألوان، لرجل هو من نفسه في الصفوف ~~الأولى من أمته، وهو في منصبه الرأس الأكبر في حكومته، وما أصاب مكانته لأن الناس جميعا ~~صغار، وهو وحده الكبير، وإنما شق طريقه في الصخر، ونحت سبيله إلى المجد، وما بلغ حتى دأب ~~وكد. وفي الحكومة نوابغ على مثاله؛ وفي الأمة عظماء أذهان لا يقعون في الموهبة دونه، ولكنه ~~استبقهم جميعا، فوصل هو وتخلفوا هم. # وسيرى قارئ هذه الرسالة أن الأدب فيها أكثر من التاريخ، والتاريخ فيها أكثر من السياسة، ~~والسياسة متضائلة فيها بجانب الشرح والبحث والتحليل، فمن ينكر على صاحب الترجمة نبوغه، ~~ويجحد دلائل تفوقه، وقوة شخصيته، فما هذا الكتاب له، ولا نحن جلسنا نكتب ليقرأ، إذ نحن غير ~~مستطيعين معه شيئا، ولا رادين ضالته إلى الهدى، وليس لنا في ذلك مأرب، وإنما عالجنا ~~الكتابة عن العظماء فيما مضى مما كتبنا، وكان فريضة علينا أن لا نغفل الكتابة عن هذه ~~الشخصية البارزة القوية المخلدة. # | الرجل العظيم ووطنيته # إن هذه الكلمة الجميلة التي تتردد اليوم على شفاه الجميع، هذه الكلمة الصغيرة التي نسميها ~~«الوطن»، والتي تحمل إلى الروح ذلك المعنى العظيم الجليل الذي يدل على نفسه بلا شروح ولا ~~تعليق، لا تزال كلمة من ذلك الكلم المركب، الكثير المناحي الذي يحار ms004 الإنسان في سبر ~~غوره، وإن تراءى له جليا ظاهرا لا غموض حوله. # ولو أنك سألت صبيا غفلا غريرا، لم يغادر يوما حدود قريته، ولم يعرف ما وراء حقول ~~الضيعة التي نشأ فيها: «ما وطنك؟»، لما ونى في قوله: «وطني هو أرض أبي، هو الأرض التي خرجت ~~منها وإليها سأعود!»، فإذا سمعت ذلك من وليد الحقل، وربيب المدر، وتلك الشجرة الصغيرة في ~~غيط الإنسانية الناضرة اللون، فاعلم أن ذلك الطفل قد دفع إليك، وهو لا يدري بالتعريف الدقيق ~~الصحيح لكلمة «الوطن»، فإن فؤاده الصغير قد حمل إلى شفتيه كلمة الوحي، ولفظ الغريزة، على ~~حين ترى عينيه قد دارتا فيما حوله وهو لا يشعر، تتلمسان تلك المقبرة التي انبسطت في مكان ~~قصي من القرية، حيث ثوى آباؤه أشياخ القرية وكبارها. # إن بطون أمهاتنا هي التي دفعتنا إلى ضوء الشمس، وأخرجتنا إلى نور هذه الحياة، ولكنها لا ~~تأخذنا ثانية إليها، ولا تستعيد مرة أخرى، وأما هذه الأرض فتحملنا، وتشرف على شبيبتنا، ~~وتخرج خبأها لغذائنا وشبعنا ورينا، فإذا دق ناقوس الموت، وآذنت شمس حياتنا بالمغيب؛ ~~فيومئذ تفتح صدرها للقائنا، وتنشق أخاديدها لتحوينا مرة أخرى. # فيا أيها الصدر العميق الرحيب، أيها الصدر الحنون الكريم، صدر أمنا الأولى، إنك لترأمنا ~~صغارا، وترسل الطعام ينمي جسومنا، وتطبعنا بطابعك، فإذا وجوه لنا متشابهة، وملامح متقاربة، ~~وأذهان متماثلة؛ وأخلاق متلائمة، يعرفنا بها العالم كله؛ فيتبين الأمة كلها في وجه فرد واحد ~~منها. # إن ذلك الصبي الذي أجابك بما أجاب، فيلسوف عميق الفلسفة، على جهله بالقروي وسذاجته؛ إذ ~~أملت عليه غريزته تلك الشريعة التي جعلت لكل قطعة من الأرض حدودا، وجعلت حدود الإيمان بها ~~أعز أثرا في النفس من تخومها التي صورها المصورون في خريطة الإنسانية المتعددة ~~الألوان. # إن الأرض تخرج أبناءها، كما تنتج الشجرة ثمارها، وإن الجنسية الواحدة لتخلع على الأرض ~~عبقريتها الخاصة بها، كما تهب الشجرة فواكهها تلك الرائحة المنفردة بها، وذلك الطعم الذي لا ~~تجده في فاكهة شجرة ذات ثمر غيرها. وما هذه الوطنية التي تراها في ms005 رجل منا إلا الشعور بتلك ~~الرابطة التي بين الأرض، ونتاج ما حملت الأرض، وهي العاطفة المقدسة التي بثتها القوة ~~الإلهية في النفس لتخفف روح الأنانية، وتكسر من حدة الأثرة؛ فهي ليست فضيلة؛ لأن الفضيلة ~~تتطلب ذهنا يمدها، وعلما يوسع في أركانها، ويشد بنيانها، ولكنها غريزة ووحي وإلهام، وهي ~~وثبة مادية، بل صوت الأرض يتردد في أنحاء النفس. وليست حاسة أدبية أول ما نشأت في الكتب، ~~ولقنت في حلقات الدرس، وتليت في قاعات المطالعة. # وإذا كانت الوطنية ضربا عميقا من الحب، فإن للحب طبيعة متحركة متدافعة، إن وقفت في ~~مكانها ركدت وأسنت، فهي أبدا تطلب الحركة، وتستوجب الزيادة والنماء، وهي تأبى إلا أن تتحلى ~~في مظاهر متعددة، وتتخذ ألوانا متنوعة، وتحمل على نفسها ضرائب تؤديها، وترتضي «عوائد» تنزل ~~راضية عنها. # وأول مظاهر هذا الحب الاحتفاظ بالماضي، والاستمساك بالذكرى، فإن العلائم الأولى لشيخوخة ~~الشعب، وهرم الأمة - كما يقول شاتوبريان - لا تبدو عليها إلا عندما تنسى ماضيها، وتنكر ~~تاريخها، وإن ميدان العمل المنفتح أمام الوطنية لأوسع مدى من ميدان القتال، وساحة المعركة، ~~وليس في العالم رجل غير الأوغاد أو الجبناء، يعجز يوما عن تأدية عمل من ألوان البطولة، ~~وكثيرون من أفراد الأمة لا يستطيعون أن يرتفعوا إلى عمل صالح، ووطنية صاخبة، وإنما ينساقون ~~في فعال هادئة جلية، ولكنها لا تزال خصبة مجدبة تتطلب نشاطا عظيما متواصلا، لا يخفت ~~يوما ولا يهن. # وأنت فتعلم أن في ساحة المعركة يستحيل كل شيء غير حقيقته، فالجو والوسط والروح نفسها ~~تتغير، وتتخذ شعورا جديدا، ووثبة غير وثبتها الأولى، وأن تلك الأنظمة العنيفة المتينة ~~التي تسير عليها الموقعة، وذوائب النيران المتصاعدة من فوهات القذائف، وجنة الجذب والدفع، ~~ورائحة الدماء، وهرولة الجموع، وأصوات القواد، والعلم الخفاق فوق الرؤوس، كل أولئك خليقة ~~بأن ترد الرجل ذا الروح الساكنة الميتة الهلوع، شجاعا باسلا غير ذي خوف أو جزع. # ولكن في الحياة اليومية الجارية إلى ساحل الأبدية لا تجد الروح أثرا لهذه العناصر التي ~~تلهب الحمية، وتسعر الوجدان، وترسل وقدة النار في ms006 المشاعر، بل تجد الإرادة العارية نفسها ~~وجها لوجه أمام تلك الواجبات الصغيرة، التي لا يحمل الإنسان على تأديتها غير ضميرة الحي، ~~وغير إدراكه بمكانه من المجموع، وغير استماعه إلى ذلك الصوت الذي يبلغ سمعه من جوف المجتمع ~~الذي يعيش فيه، ويهيب به. ~~«إنك حر، ولكني أنا التي حبوتك بهذه الحرية التي تنعم بها، بفضل جهادي المستمر الذي ظللت ~~أجاهده عدة الأجيال الماضية، وإن زهوك بنفسك، وبقوتك، ومالك، وذكائك، وعلمك إنما أخذته عني، ~~وعاد إليك مني؛ فقد جعلت منك مخلوقا اجتماعيا قويا، فماذا فعلت لأجلي؟ وماذا رددت ~~إلي؟ أيتها الذرة الصغيرة التي نمت في حقلي، والشجرة التي غابت أصولها في صدري، واستمدت ~~غذاءها من عصارتي ... أية أثمار أخرجت؟ وأي نتاج كان منك؟» # هذا صوت الوطن يعهد إلى كل فرد من بنيه بفريضة من فرائضه، فأين أولئك الذين رفعوا وطنهم ~~هذا مملكة محترمة، سيدة نفسها في العالم؟ وأين أولئك الذين جاهدوا وناضلوا لتكون مصرهم في ~~الصف الأول من صفوف الأمم الحرة؟ فإنني أدور بعيني فلا أرى أحدا. # ولكن كلا، إنهم موجودون، إنهم متحركون، يغدون على أعيننا ويروحون، إنهم أحياء لم ~~يموتوا، ولكنهم يعيشون عيشة الأنانية، وينعمون بحياة المسرة والغرور، ويحملون شبابهم ~~وحميتهم إلى حيث يجدون نعمة أنفسهم، ولذاذة مشاعرهم، ولا يستمعون إلى صوت هذه الأرض ~~المتألمة التي تحملهم فوق صدرها. ~~••• # في هذه النهضة العامة التي جاشت بنفوس هذه الأمة، تبطل كثيرون، وظلوا على سكونهم كأن لم ~~تكن هناك نهضة حولهم، ولا عصفت عاصفة في حيهم، ولا سمعوا أنات إخوة لهم، وما دام في ~~الدنيا حان، وفي الحان شراب، وما دام في الشارع ملهى ومغدى للحيوانية ومراح، فإنهم بالغوها، ~~وناعمون بها، وإن مشوا إليها تحت دوي القذائف، وفي غمرات من الحتوف، وفوق أشلاء من القتلى ~~والجرحى. # بجانب هؤلاء نهض قوم، وجاهد ألوف، وفي بهرة أولئك ظهرت القادة، وتجلت العظماء، حملوا في ~~ضلوعهم روح مصر، وصرخوا صرخة الحق في وجه القوة، وضربوا الخيانة بسوط الحب، وقد تشعبت ~~المسالك، وتناوحت السبل، وفي وسط تلك الجموع ms007 كان رجل يعمل في سكون، ويجاهد لأمته في صمت، ~~غير مستعجل القدر، ولا حاشد الطبول حوله، تجمع الناس إليه ليروا ما عمل، ولا متخذ صنائع له ~~يدسون في الجماهير دسيستهم، ويتمدحون فعاله، ويرسلون القصيد تلو القصيد في الثناء على عمله، ~~وإنما يستمد وسائل الجهاد من عصارة ذلك الحب المقدس، ومن روح تلك الوطنية التي تلهم النفوس ~~الإخلاص للأرض التي تغتذي كالزهر من هوائها، وما كان حب الرجل العظيم لوطنه ليبدو للناس إلا ~~في وجوه من الصدق، وثبات الخلق، وفي مظاهر فعالة عملية؛ لأن الرجل العظيم لا يحتمل أن يدخل ~~مادة الشعر في مادة العمل؛ فيجعل وطنيته «ديوانا»، ويغرق وقدة ضميره في «بحور» من الشعر ~~الوطني، بل لا يرضيه إلا أن يعمل ويضع وطنيته القوية كلها فيما يعمل، ثم لا يرضيه بعد أن ~~يعمل إلا أن يتألم ويحس، ومعنى الألم والإحساس في وطنية الرجل العظيم الشعور بويلات وطنه، ~~والآلام التي يعانيها في سبيل قضيته، وهو ذلك الحزن العميق الجياش الذي يأبى إلا أن يجد ~~سبيله إلى تضميد جراح الوطن، وإصلاح وجوه الفساد فيه، ومحاولة الانتصار على كل ما يتهدد ~~بلاده، ويرسل روح اليأس في نفوس عشيرته، ثم هو يأبى أخيرا إلا أن يبذل كل شيء من نفسه ~~لينقذ نفس أمته. # وإن أكبر ما تتجمل به وطنية الرجل الكبير الذهن، احترامه للقوانين، وطاعته للنظام، ولن ~~يكون في العالم حب حتى تكون بجانبه طاعة، وكلما تمادى الحب نمت الطاعة بجانبه، والرضى ~~بسلطانه. # ولكن لا تزال لهذه الطاعة حدود تحد بها، وإلا كانت طاعة عمياء لا تبصر، وطائشة لا تعقل، ~~ومجنونة لا تعي، وإن القوانين أو الشرائع التي لا يكون منها إلا إضعاف الروح الوطنية، وسلب ~~حق من الحقوق، وابتعاث اليأس يمشي في صفوف الجماهير، لا تصيب من وطنية الرجل العظيم إلا ~~السخط، ولا تثير إلا الغضب والألم، وإنه ليقف في رأس الخارجين عليها، ويثب إليها فيهدمها من ~~أصولها، أو ينهزم دونها، وما هو بمستنيم حتى يزيلها من الحياة، ويعفي على آثارها في الأمة. ms008 ~~••• # إذا تدبرت كل هذا فإنك ولا ريب تدرك أن صاحب هذه الترجمة هذا الرجل الذي ظل شبيبته كلها ~~يعيش على القانون، ويستن قانونا، ويهدم قانونا، لا يزال عظيما في وطنيته؛ لأنه يحترم ~~القانون ما دام القانون منزويا في حدوده، ثم هو بعد ذلك أشد الناس خروجا عليه، وتمردا ~~على بنوده، إذا تعدى القانون سننه، وتمادت به سلطته، وقد رأينا أقرب مثال لذلك، وأجل حجة ~~يوم شهدنا ما كان منه إذ انبرى تشمبرلين في مجلس النواب، واللورد في قصر الحاكم العام؛ حيث ~~النيل يلتقي أبيضه بأزرقه، فجعلا يحدثان الناس عن السودان، وأنه قطعة من الأرض ستظل متصلة ~~بلندن آخر الدهر، وأن مصر ليس لها إلا المال تأخذ منه ما تشاء، وتعطي منه ما فيه الغناء، ~~فقد خرج المترجم به من هدوئه الطبيعي، واستنفرته تلك التصريحات الكواذب، فلم يلبث أن سعى ~~سعيه، فإذا نحن مصبحون، وقد قررت لجنة الدستور أن السودان كما كان ضمن حدود مصر، وأن هذه ~~البلاد تجري مع النيل حيث جرى. # هذه وطنية جريئة، قوية الأعصاب، تمشي فاتحة صدرها للعالم، لا تخشى إذا أخطأت في عمل من ~~أعمالها أن تعود عنه إلى ما هو أصلح؛ إذا قيل أخطأت وضلت، والجرأة في الوطنية عنصر قوي ~~يشدها، ويحرك نبضها، ويسوقها إلى سبل صالحة، ويغريها بأحداث ما كانت لتعجز عنه لو أنها كانت ~~وطنية خجلة منزوية، لا تستطيع أن تواجه حرارة الشمس؛ ولذا كانت وطنية هذا الرجل العظيم هي ~~التي غيرت نظام الحكم في هذا البلد، وأحالت تاريخ هذه المملكة من صفحات سود في ظل حماية ~~أليمة مخجلة لشعب حر ناهض إلى صفحات بيض تحت ملكية ديموقراطية، وأنفذت في بضعة أشهر ما عجزت ~~كل تلك الضحايا التي سالت دماؤها نجيعا فوق أديم هذه الأرض في جنة الثورة، وسورة النهضة، ~~وما خابت تلك البعوث والوفود والبرد والمفاوضات في تحقيقه في أعوام ثلاثة، مررن طوالا ~~صاخبة مرتفعة الصوت، كثيرة الغيوم، متجهمة الطلعة، وهذه الوطنية التي أملت شروطها على أكبر ~~أمة في العالم، وكتبت رغائبها، ms009 وأصرت على مطالبها ، واستمع لها الناس حتى أعداؤها، ووضعت ~~مستقبل هذه الأمة في يدها، فوضع الله عونه في يدها الأخرى، مشت بنا من وهدة كنا لا نجرأ أن ~~نرفع فيها رؤوسنا، أو أن نذكر في العالم اسمنا وجنسيتنا، حتى يقال هذا طفل من أطفال ~~الإنسانية يعيش في أحضان دولة أجنبية ترعاه، وتقوم على حراسته وكفالته، فأصبحنا بفضل ما ~~أسدت إلينا هذه الوطنية الجسور الرابطة الجأش في وجه الزوبعة، الساكنة الأعصاب حيال العاصفة ~~الهوجاء، نمشي في الدنيا أهل كرامة لا بالأذلاء المتطامنين، ولا بالمحكومين، ولا ~~بالمحميين. # ومن أكبر مميزات وطنية العظيم صراحتها، وسعة صدرها، وقبولها كل ما يقال عنها، من نقد أو ~~شر؛ لأنها مؤمنة بنفسها، مطمئنة إلى كل عمل تؤديه، وكل حركة تتحركها، وهي إن لم تنقد أو ~~تعب تسأل الناس نقدا، وتطلب إليهم تعييبا، حتى تستريح إلى نفسها، وحتى تعلم مبلغ أثرها ~~فيما حولها، وكيف عمركم الله لا تكون كذلك، وهي مضطلعة بخطوب كبار، متحملة أعباء ثقالا، ~~وهي في الرأس والطليعة، والناس من ورائها في الساقة والمؤخرة، وقد يرى أحقر جندي في المعركة ~~ما لا يراه القائد، ولا يدركه ضابطه الأعلى، وكم جندي صغير ضئيل المرتبة أجدى على معركة ~~كبرى، وأرشد قائدا خطيرا، ودله على موضع الفوز من الحومة. # وإذا كان هذا هكذا فقد كانت وطنية صاحب الترجمة وطنية صريحة، لا تريد غشا، ولا تطلب أن ~~يحكم لها الناس بالعصمة من الخطأ، وبالبراءة من الزلل؛ لأنها ليست من القداسة في شيء، ولا ~~من النبوة، وإنما هي تستهدي بوحي وجدانها، وتنطلق مستدلة بقوة عبقريتها، ونقاء ضميرها، فهي ~~تتسع لكل نقد، وترتضي كل مناقشة، ولا تغضب من الملاحظة، وقد وقف صاحب الترجمة في خطبة له، ~~فدعا الناس إلى نقده، وسألهم أن لا يكذبوه إذا مشى في أمر يكرهونه، أو اتخذ سبيلا غير ~~سبيلهم الذي يريدونه، وذلكم دليل على وطنية مستبسلة صادقة، تهب من سمعتها، ومن كرامتها، ومن ~~نفسها ليسر الناس، ويجدوا لديها ما هم ناشدوه. # ثم أنت لا تجد وطنية العظيم ms010 بعد هذا كله طالبة الشهرة، تريد من أي عمل تقوم به أن تبلغ ~~مطمح نفسها، وما تصبو إليه، فإن ذلك من ناحية العظمة منقصة ومعاب، والعظمة لا تسقط إلى ما ~~يسف إليه الناس، ولا تطلب في الحياة ما يطلب العاديون من أهل القطيع الإنساني، والشهرة ~~ترمي نفسها عند قدمي العظيم فيركلها بقدمه؛ لأنه يأبى أن يجعلها أساس جهاده، والحجر الأول ~~في بناء مبادئه، وصرح تفكيره ودأبه لصالح الجماعة ومنفعة الكافة، ولئن فعل لركب رأسه، وساقه ~~الولوع بالشهرة إلى المجازفة بنفسه، والمقامرة بمستقبله، والعظمة لا تحب المقامرة، ولا ترضى ~~لنفسها أن تستمد قدرها من ورق اللعب، وإذا استنفر الغرام بالشهرة في فؤاد رجل، استحوذ عليه، ~~فأقدم على ما لا يجسر عليه إلا ذو الجنة، والأحمق المستهتر، وقد أغرت الشهرة قوما كانوا ~~أهل موهبة كبرى، وعقول جبارة، فصدرت عنهم فعال هي مادة الطيش والحماقة كلها، فقد جن ~~نابليون بها جنونا، ففتح نصف العالم في بضع سنين، وخسره في بضع ساعات، وهدم كل شيء في ~~طريقه حتى يبلغ مقعد الإمبراطورية، فلما وضع التاج فوق رأسه، واشتمل بذلك الثوب المزركش ~~الزاهي الألوان، رداء الإمبراطور العظيم، لم يلبث بعد انتهاء حفلة التتويج أن صاح في حجرة ~~ثيابه بوصيفه الذي كان يعينه على خلع أرديته: «هلم اخلع عني هذا الثوب الكريه المقيت.» # تلك كانت صرخة الضمير في أعماق ذلك الرجل؛ إذ أحس أنه قد طلب أمرا لم يكن له أن يطلبه، ~~لولا أن حب الفخار، وطلاب الشهرة، ساقا به إلى الجنون بالسلطان، حتى لقد قال عام 1811 لقائد ~~من قواد بافاريا: «في أعوام ثلاثة سأكون سيد الكون!». # وفي حديث له مع مدام دى ريميزا قال يوما: «لست على مثال أي رجل آخر في العالم، فإن ~~قوانين الأخلاق، ومراعاة الواجبات العامة لا تروق في عيني، ولا تحدث أثرا في نفسي.»، فلما ~~أصبح معتقلا، ضئيل النفس في جزيرة قفر نائية في بهرة الأوقيانوس، عاد يقول: «كان لا بد ~~للإنسان دائما من أن يحدث الناس عن الحرية، والمساواة والعدل، ms011 والبعد عن الغرض، ثم لا ~~يمنحهم من ذلك شيئا البتة.» # إن رجلا كهذا خدع شعبا كاملا، وجره إلى الحروب جرا، واستاقه بالهراوة والبندقية ~~لأطماع نفسه، ولكي يسود الكون كله إلها أرضيا له ذهن الجبابرة، وقدم من الطين، لم يفق ~~من نشوة ذلك المجد الزائل الذي أصابه، إلا أسيرا لا خطر له في العالم ولا شأن. # وقد كان دزرائيلي كذلك رجلا جسورا في طلب الشهرة، وكانت له ذهنية نابوليون عينها، ~~ونفسيته، فكلاهما آثر مقاصده الشخصية على مصلحة أمته، وصبغ الحياة العامة بصبغة طابعه، ولا ~~يزال في بريطانيا إلى اليوم خلق كثير يذهبون إلى أن هذا اليهودي الغريب «دزرائيلي» الذي جلس ~~مجلس الرئاسة في حكومة الإنكليز، لم يكن إلا رجلا أفاكا، مزورا على الناس لونا خداعا ~~من ألوان العظمة، وقد حدث عام 1841 أن السير روبرت بيل ألف وزارته، ولم يجعل لدزرائيلي ~~مكانا فيها، لا حقدا ولا ضغنا، ولا كراهية للرجل، بل كانت العلاقة بين الرجلين على أحب ~~ما يكون بين السياسي والسياسي، ولكن السير روبرت بيل كان رجلا ضعيف الخيال، فلم يخطر بباله ~~أن فتى كهذا حدثا يختلف عن بقية ساسة ذلك العصر في مظهره وخلقه سيكون له في الحياة العامة ~~شأن، وسيروح عاملا سياسيا من أكبر العوامل خطرا ومكانة، ومنعه كذلك من طلبه في وزارته ~~أن رجلا كاللورد دربي قال له غير خائف ولا مؤارب: «لو أن هذا الشرير دخل في الوزارة لما ~~بقيت فيها لحظة واحدة.» # ووقع اليأس من نفس دزرائيلي إذ حيل بينه وبين أن يكون في مقاعد الحكومة؛ فترامى على السير ~~روبرت بيل، وتهالك عليه، متوسلا في لهجة حقيرة ليست خليقة برجل نابغة عظيم النفس، أن يجد ~~له مكانا في الحكومة، ثم كتب إليه بعد ذلك يقول: «إنني أنادي فيك روح العدل، وتلك العظمة ~~النفسانية التي هي من أكبر مزايا شخصيتك أن أنقذني من ذلة لا أستطيع لها احتمالا.»، وأعجب ~~من هذه الضلة التي وقع فيها رجل خطير كهذا ضحية للولوع بالشهرة، والظفر بمكان في الحكومة ~~يظهر ms012 منه على أعناق الجماعات، أنه كذب وتنصل قائلا بعد ذلك ببضعة أعوام: «إن أمرا مثل هذا ~~لم يكن، وإنه لم يسأل أحدا في حياته وظيفة، ولا التمس من مخلوق ملتمسا.» # إن الوطنية الصحيحة المتدفقة من نبعة ضمير حي، نقي وثاب، لا تحتفل كل هذا الاحتفال ~~بالشهرة، ولا تستجم لها كل هذا الاستجمام؛ لأنها تعلم أن مجدها سيؤاتيها من حيث لا تبتغيه، ~~وأن الخلود سيقع من نصيبها، وإن لم تسأل عنه، أو تطلبه حيث يوجد، فهي لا تخادع نفسها، ولا ~~تكذب على ضميرها، ولا تحفر الحفر لأقدامها، وإنما هي تسير ركضا إلى مبدئها، وتندفع في ~~سننها الذي اختطته، فإن أصابت الحق أصابت معه الشهرة والمجد، وإن ضل صاحبها وغوى، فحسبه ~~عزاء عن فشله أنه كان المجاهد، ويكفيه سكونا لنفسه، ورضى عن عمله، أنه كان المستوفز الدؤوب ~~المجد. # كذلك كانت وطنية هذا الرجل العظيم الذي نكتب الآن عنه، فهو لم يصل إلى مكانه هذا، على ~~أجنحة الشهرة، وبخوافي الطمع وقوادمه، ولم يمش إلى مقعد الرئاسة من هذه الحكومة بجملة من ~~العرائض، واستمارات الاستخدام، ولم يرفع عن بلاده علم الحماية المهينة، ليصيب شهرة طويلة ~~عريضة، إذ كان منذ نشأته الأولى شابا متقد الذكاء، قوي الشخصية، فكانت الحكومة هي التي ~~تمد إليه يدها، ولم يكن هو ليمد لها من نفسه يدا، وما سأل الحكومة في كل أدوار حياته، وفي ~~كل المناصب التي تقلدها، أن تضعه في هذا المكان، وتحمله من ذاك؛ وتعينه من الوظائف في تلك؛ ~~لأن ذلك ليس من شأنه، ولا من سليقته، ولن يكون النابغة العظيم النفس من متسولة الوظائف، ~~ومتكففة المناصب؛ لأنه يحس من نفسه أنه أكبر من كل مكان يوضع فيه، وأن المناصب إنما تعرض ~~عليه، ولا يعرض نفسه هو عليها عرضا. # وقد يقول أولئك الذين غشيتهم الغاشية: كيف لعمرنا يتقبل هذا الرجل الوزارة، ويتصدى ~~للرئاسة، فهو ليس إلا رجلا طماعا، ووطنيا كاذبا؛ وحكوميا من عبدة الحكومة، فهؤلاء ~~قوم يتكلمون على هوى نفوسهم، فلو أن أعجز الناس، وأضأل القوم روحا، ms013 وأخون العشيرة ضميرا ~~سئل أن يترأس، وطلب إليه أن ينشئ طليق الإرادة حكومة جديدة لقلب هذه الأرض ظهرها لبطنها؛ ~~ليظهر من أحقر حظائر هذه الأمة قطيعا ينصبه للوزارة، وأخرج من أقبية الطابق الأرضي في ~~البلاد زمرة من المعاتبة النوكى، يضعهم على دسوت الحكم، ومقاعد الوزراء. # وما كان هذا الرجل يريد الوزارة ليأكل من راتبها، وما كان صغيرا قبل الرئاسة فكبر بها، ~~وما كان فقيرا فأثرى من ورائها، وما كان خاملا فنبه بذكرها وخطرها، ولو لم تدفع إليه على ~~كره منه، لوقعت في يد رجل ضئيل، من قعائد القصور، ولهبطت إلى «مظلوم» بها، أو أصابها من لا ~~«توفيق» له فيها، ولكن هذا الرجل كان قائدا. # وكان في طليعة نوابغ الحكوميين، فكان وحده المستطيع أن يرى الشعاب المترامية في البحر، ~~ويعرف كيف يسير سفينة السياسة في وسط تلك الصخور الشم العاتية، وكانت إرادته العنيفة ~~المستأسدة كفيلة بأن تخرج من المأزق منتصرة رابحة. # والناس في هذا العصر يسمعون صغار الأمة، وعامتها، والأقزام فيها يقولون في مصبح كل يوم ~~وممساه: «وطنى، وطني!»، ويستكثرون أن يفرط أحدهم في حق بلاده، ويرون الشناعة كلها أن يخون ~~الرجل منهم أمته، ويستهتر بأمنية قومه، ثم ضلة لهم، يرتعون في لحم الرجل الكبير فيهم، ولا ~~يستبعدون عنه أن يكون مفرطا مستهينا مستهترا، كأنما الوطنية في عصرنا هذا ليست إلا بضع ~~كلمات شعرية عذبة، يفوه بها صعلوك من صعاليك الأمة، في مشرب حان أو في ندوة من المفاليك، ~~فإذا هو الوطني الصميم المتقد الفؤاد، المستعر الجانحة بحب بلاده، وأن نابغة من نوابغ الشعب ~~أوتي إرادة فعالة ناضجة، وذهنية وثابة قوية، وضميرا نقيا، وشخصية قائدة ذات سلطان على ~~النفوس، يرضى لنفسه أن يقف في ساقة الأمة، ويتخلف عن جموع الوطنيين، ويستهتر بحق البلاد، ~~وأحقر فلاح فيها غير مستهتر! # ولكنا وا أسفاه نعيش في عصر فاسد، ذاع فيه الكذب، وتخون الناس فيه بعضهم بعضا، واتجر ~~فريق بوطنية مزجاة، واستطال فيه القول، فأجهر الناس صوتا أرهبهم في الجماعة مكانا، ~~وأدخلهم على النفوس بالأثر ms014 والخوف والإكبار، وأما الرجل الذي يعمل في صمت، ويحمل على نفسه ~~جاهدا، ويدأب لكي يجعل القضية الوطنية مسألة عملية، لا شعر حولها ولا قصيد، ولا زغردة ~~بجانبها ولا ترنم ولا تغريد، فذلكم وطني لم يجر بوطنيته مجرى «المودة» الجديدة، ولم يخلص ~~لهم في أمر، ولم يشرف عليهم من رابية، ولذلك كان أولى بأن لا يحب، ولا يكبر شأنه. # إن عصرا كهذا ينبغي أن يوسم بميسم الانحطاط؛ لأنه جيل خيالي كاذب، لا ينشد حقا، ولا ~~يطلب عملا، وإنما يريد أن يجعل من هذه الحركة شيئا أشبه «بالزفة»، تسير في مقدمتها ~~«الفتوات»، ويركب في رأسها «ملك» ذو طراطير حمراء صفراء، في ثياب مهلهلة خضراء، فإذا مضى ~~العرس، عاد إلى مكانه فوق دكة من الخشب في «حاصل» فارغ! # ولكن الوطنية الصادقة الصوت العاملة لا تأبه بما يصيح حولها من منكرة الأصوات، وإنما تسير ~~قدما في طريقها إلى غايتها المنشودة ... # | الرجل العظيم والعصر الذي يعيش فيه # ليست العظمة من النباتات التي تخرجها كل تربة، وينميها كل جو، وتزكو في كل حقل، وليست من ~~الفواكه الإنسانية التي تطلع على الناس في مواقيت محدودة، وتحمل إليهم من الفصل إلى الفصل، ~~وينادى عليها في عرض الطريق، فلو أنها كانت كذلك لكان ظهورها في العالم أمرا اعتياديا لا ~~يحتفل به، ولمضت رخيصة الثمن، مبتذلة القيمة، ولكسدت سوقها فأضحت تخزن فوق الرفوف، وترمى ~~فوق الدواليب، ولكان هناك في حوانيت الفاكهة الإنسانية جملة من العظمة العفنة الجوف من طول ~~رقادها في الحانوت، واختناق عصارتها في جو الدكاكين. # ولكن العظمة نبات غريب، لا موعد لظهوره، ولا أوان لخروجه. ولم يهتد العلم بعد إلى أصل بذرته، ولم يكتشف بعد طبائعه، وخصائصه ومزاياه، ولا يزال ~~الناس لا يسيغون ثماره إذا طعموا منها، وفي القوم عديد لا يستلذون بشرابه، ولا يجدون له ~~رائحة جميلة في مذاقه، وكأين من نباتات صغيرة منحتها الطبيعة بعض مزايا ذلك النبات النادر ~~المستغرب، فلم تجد طلابا، ولم يرج لها سوق، في وسط الخضروات الأخرى التي ألفها الناس، ~~وعاشوا عليها، ms015 ووجدوا فيها سمنهم وشبعهم، فذبلت تلك الأعواد الناضرة، وذوت تلك النجوم التي ~~كادت تخرج شطأها. # تلكم العبقريات الصغيرة، وأهل الموهبة الذكية المتقدة، من كتاب لم يتحدوا أدب الماضي، ولم ~~يأخذوا عن أساليب الكتب، وإنما خرجت أذهانهم قوية بنفسها، عظيمة من ذلك الوحي الذي يتنزل ~~على أفئدتها. # فسخرت من كل ما جاء قبلها، وطلعت على الناس بأمثلة جديدة من الفكر الإلهي، لم يكن له في ~~الماضي مثال أو غرار، فلم تستقبلهم الإنسانية كما استقبلت غيرهم ممن استطاعت أن تفهمهم، ولم ~~تجد العناء في إدراك حقائقهم، وعجزت عن أن تدرك ماذا تصنع بهم، وحارت فيما ينبغي أن تفعل من ~~أجلهم، فتركت تلك الأعواد الحلوة المعسولة الثمر في فم الخلود، تذبل على أشجارها، وتذوى دون ~~أن تقتطف شيئا من دانية قطوفها. # وكم من أولئك النوابغ الذين لم يفهمهم الدهر، ولم يحتفل بظهورهم الجميل، قضوا حياتهم في ~~غيابة سجن، أو ماتوا في مقعد حان، أو طرائح على سرر خشبية، أو هائمين على وجوههم في ~~مستشفيات المجانين، أو مرضى جياعا، وكلاب الإنسانية السعيدة المنهومة تأكل، وتجد في ~~الأسواق شبعا وريا. # لقد كانت مادة العظمة الإنسانية غنية كثيرة الظهور، دائبة النتاج، يوم كانت الدنيا خيرا ~~مما هي فيه اليوم، ويوم كان العالم لم يجن بعد جنونه بالماديات، ولم يحشد قوته كلها لاكتشاف ~~مشتهيات طريفة للذة البدن، ويوم كانت الفضيلة لا تزال لها عبدة في العالم، ولا يزال لها ~~مسمى لم يعتصر حتى يصبح كما هو اليوم ضعيفا لا عصارة له، ولا قوة، ولا ذكر، فكانت الطبيعة ~~تخرج العظمة على مستهل الجيل، ثم تلغي ما ظهر منها بقالب آخر أبدع وأمتن وأجل، إذ كانت ~~الطبيعة إذ ذاك قد جعلت من هذه الأرض، واتخذت من هذا الكوكب المنطفئ حقولا للتجارب، ~~و«مشاتل» لزراعة العظمة الإنسانية، فلم تفلح تلك التجربة، ولم تخرج تلك الحقول ما يشجع ~~الطبيعة على عملها المقدس. # لقد كان الناس يوم كانت الدنيا كما وصفنا ينظرون إلى النوابغ نظرهم إلى نوع غريب من ~~الحيوانات ظهر بينهم، وفصيلة ms016 جديدة من الناس لم تخلق على غرارهم، ولكن العظماء كانوا أقوى ~~من الناس، وكان العبقريون أعظم بأسا من الإنسانية التي نشأوا بينها؛ فثأروا لأنفسهم منها، ~~وكتبوا هذا التاريخ وحدهم، إذ ليس تاريخ الدنيا إلا تراجم حياة النوابغ الذين ظهروا على ~~مسرح العالم في مختلف العصور الغابرة، ولو أنك جمعتهم في حي واحد، وضممت غابرهم إلى حاضرهم، ~~لما زادوا في مجموعهم عن سكان حي صغير في أحد شوارع المدينة. # إن أولئك الذين يذهبون إلى أن الرجل العظيم إنما يستمد عظمته من العصر، وأن العظماء ليسوا ~~إلا مخلوقات الظروف، قد أخطأوا في فهم العظمة، وعجزوا عن إدراك أسرار الطبيعة التي أظهرتها، ~~فإن القوة الإلهية لا تسير العظماء على هوى الناس، ولا ترسلهم إلى الدنيا ليزينوا العصور ~~التي يعيشون فيها، ويجملون الأجيال التي بدوا على مستهلها، ولم ترض القوة الإلهية أن تنشئ ~~في قطعة ناضرة من هذه الدنيا كل تلك الثورة الفرنسية، ولم تسكن أمام تلك المشاهد الرائعة ~~التي تجلت في بهرة تلك الجنة الإنسانية، ولم تنظر صامتة إلى كل تلك النفوس التي طيح بها، ~~وتلك الدماء التي سفحت وغيرت لون الأرض؛ لكي تخرج بعدها ضابطا شابا في المدفعية، ولكي ~~ينبري لهذه الثورة الطائشة الحمقاء، فتى حدث فقير، لم تخرجه مقاعد الجامعة، ولم يجتز في ~~المعهد العالي، وإنما أخذ بنصيب من فنون الحرب، في مدرسة صغيرة لم تكن شيئا بجانب مدرسة ~~الثورة، وما خلقت من فنون الحرب ومدهشاتها، تحت عبقربة القتل، والسفك، والتعذيب، وإلا فماذا ~~كان يكون مصير ذلك الشاب بونابرت، لو أن الناس في فرنسا ظلوا ناسا، ولم تجعل منهم الثورة ~~مردة شياطين يعيشون على الدماء، ويغتذون من لحم الملوك، وماذا لعمري كانت ستكون سيرته ~~وحياته؛ لو أن العصر الذي جيء به فيه، والعهد الذي وثب إليه من أحشاء الكون كان عصرا ~~هادئا صامتا، لا تسمع فيه قذيفة، ولا يتردد في أنحائه صوت مدفع؛ أفكانت القوة الإلهية ~~التي خلعت عليه من المولد ذلك الوحي الذي جعل يمشي وهو في صدره، راضية أن ms017 يموت وحيها في ~~فؤاده ، وأن يفسد عليها صنعها المتقن، ويخيب غرضها الإلهي الذي أرادته من خلقه، فيمضي ~~نابوليون في العالم طفلا صغيرا من أطفال الدنيا، ويموت خاملا ضئيلا، حقير الذكر، فلا ~~يكتب له في تاريخ العالم ما كتب من تلك الصفحات التي لا يزال الناس في عجب ودهشة عند ~~قراءتها. # كلا، إن القوة الإلهية إنما تخلق العظيم أول أمرها، أو تمتهد لخلقه السبيل؛ أو تجعله في ~~طريق التهذيب والتكوين، ثم تزجي له بعد ذلك العصر الخليق به، وتنشئ له الجيل الذي يسمو فيه، ~~وإلا لو كان للعصر وحده، فضل إظهار عظمة العظيم، وكان للأجيال اليد في خلق العظماء، ~~والانتفاع بهم، لكانت الإنسانية هي التي تزهى بأنهم نتاجها، وتفخر بأن العظمة من صنائعها، ~~وثمرة مجهودها؛ على حين أن العظماء هم الذين أظهروا كلمتهم على الناس، وأنهم قادوا ~~الإنسانية إلى حيث كانت تكره أن تقاد، وأكرهوها على أن تدين بما لم تكن عن طواعية لتدين به، ~~وكم من عظيم ساق الناس بالعصا إلى الإصلاح، ورعى شؤونهم، وعني بأمرهم على كره منهم، وكم من ~~رجل خطير لقي العذاب من أيدي الناس، وعانى التشريد، وشهد ألوان الموت حيا في سبيل هدايتهم ~~إلى الحق، والنهوض بهم من وهدة الضلة والجهل، والانحطاط والفساد، حتى لقد تناهى بالناس الحب ~~للسيد المسيح، كما قال برناردشو، فصلبوه - كما زعموا أنهم فعلوا - ثم عبدوه في قطعة من ~~الخشب، ودانوا بتلك الخشبة التي سميت بعد ذلك صليبهم! # إن العظمة الإنسانية ليست من خلق عصرها، وليست وليدة جيلها، وإنما هي تستمد من العصر ~~مجالا لها تظهر فيه ما تريد القوة الإلهية منها، وهي كالصورة المتقنة الخفية التي تلتقطها ~~الأداة الشمسية، تم لا غنى لها عن الدخول في حجرة مظلمة معتمة، تستقر فيها ردحا من الزمن، ~~ثم من تلك الأحماض الكريهة الرائحة؛ لإظهار تقاطيعها، ودقائق تركيبها، وقد يكون العصر يوما ~~مفسدة لها، ومغريا إياها بجنون القوة، وقد يردها عاتية ظالمة باطشة، وقد يقتل بذور الحنان ~~الكمين فيها؛ فتكون عظمة جزارة، تحمل السكين فوق ms018 رأس الجيل، وتعلق السيف مسلولا فوق عنق ~~الإنسانية. ~~••• # وإذا كان هذا هكذا، فاعلم أن هذا العصر لم ينشئ صاحب الترجمة، ولم يخرج الرجل من جوقه، ~~ولم يكن له الفضل في ظهوره؛ لأن المترجم به كان منذ نشأته الأولى، يوم كان في مقاعد ~~المدرسة، وفي أفنية المعهد يمشي يحمل مشاعر العظمة في صدره، ويحس بوادر النبوغ متجلية في ~~كراسته، وفي أسئلته وأجوبته، وكان يخطر في الطريق والقوة الإلهية تكون فيه فتى حدثا في ~~ريع العمر، رئيس وزارة خطير على رأس الخمسين! # وإذا كان هذا العصر قد أجدى على هذه الشخصية المتينة المبتكرة التي لم تبلغ ما بلغت وراء ~~صناعة التقليد، ولم تصل إلى ما وصلت نتيجة التحوير في طبيعتها والتزوير، والمحو والإثبات، ~~فذلكم عون العصر له، ومشيه في أذياله، ورضاه بإرادته، وبما جاء به، فقد كان صاحب الترجمة من ~~العظماء الذين أتيح لهم حسن الحظ أن العصر لم يستطع أن ينكرهم، وعجز الجيل عن أن يبدو لهم ~~جاهلا شأنهم. # وكان لا بد من رجل يثب من ناحية من نواحي هذه الأمة، في وسط هذا النزاع الذي ضل فيه ~~الناس، فلم يتبينوا في أية زاوية كمن الحق، وفي هذا الجمود الساكن الذي خيل إلى الإنسانية ~~فيه أن ملك الموت قد رفرف بجناحيه على هذا الوادي. نعم، كان لا بد من روح قوية عتيدة ~~الإرادة، صادقة العزيمة، تنهض فتجعل اليوم يومها، والكلمة كلمتها، وتكسر من حدة ذلك الشجار ~~الذي ثارت ثورته حولها، وتبدد ذلك الجمود المميت؛ فتثير في مكانه نشاطا هو مادة الحياة ~~كلها، وتجعل ذلك السكون حركة مباركة، يرجى أن ترد على هذا البلد مستقبلا مجيدا مزهرا، ~~وتعيد إليها حريتها الضائعة، ومكانها القديم من المجد، وعظمة التاريخ، وكان صاحب الترجمة هو ~~ذلكم الرجل الذي أعدته الأقدار لهذا اليوم الرهيب. # | الموازنة بين ثروت وكافور # من أعجب أكاذيب العصر الذي نعيش فيه أن الوطنية لا تتجلى إلا في الشارع، ولا مظهر لها إلا ~~الطريق، وأنها احتكار لأبناء الشعب، وحق مطلق لأفراد العامة، وأن الذين ms019 يجلسون في مقاعد ~~الحكومة ، ويتربعون في دسوت السلطان؛ يخلعون أردية الوطنية عند عتبة «الديوان»، وما رأينا ~~ضلة كهذه هي السخف بعينه، والكذب بمادته، كأنما رئاسات الحكومة في بلادنا هذه لا تعطى إلا ~~للخونة، وكأنما الرجل منا لا يبلغ أول مقعد للحكم في هذه الأمة إلا بعد سلسلة مستطيلة من ~~أعمال العسف؛ وفعال الجور والبطش، وكأنما ينتخب وزراؤنا من غيابات السجون، ومن إصلاحيات ~~الرجال، وكأنما لم يكونوا يوما من شباب الأمة المهذبين، وصفوة بنائها في العلم والرقي، ~~وعظمة الذهن، وكأنما لم يكونوا قبل المنصب من النوابغ في القانون، والأعلام في القضاء، ~~والمراجيح في الفضل والحمية والذكاء، وكأنما الوطنية في بلادنا تغتذي من الجهل، وتستمد ~~قوتها من سوقية العاطفة، ومن عامية الوجدان، على حين أن الوطنية عاطفة لا تسكن في الأمعاء، ~~ولا تستقر في الأجواف، ولا تكمن في الحلوق؛ وإنما هي أبدا بحاجة إلى فؤاد كبير تتربع فيه، ~~وإلى ذهن ذكي تتقدم في ظله، وتستحثه على المضي بها إلى الطليعة، والمشي معها إلى المقدمة، ~~ونحن رأينا جمهرة العامة يعيشون في هذا البلد ببطونهم وأمعائهم، وتعيش الوطنية منهم في ~~حناجرهم وحلوقهم؛ لأنها لا تستطيع أن تقيم في ركن معتم مقرور من أفئدتهم الباردة. # والعامة - كما رأيتم - عبدة أهوائهم، وأشباح تتمشى وراء الصارخ فيهم، الناعق في بهرتهم، ~~فالوطنية لا مقياس لها عندهم إلا في رنة الصوت، وفي عمق الحنجرة، وبين الدعاء بالحياة، ~~والنداء بالسقوط؛ إذ هم لا يرون من كل حركة وطنية إلا ظاهرها، والغشاء الذي يكسوها، أما ~~اللب والباطن، وأسرار النهضة ومطالبها، ومستلزماتها الأولى، فقد عميت بصائرهم عنها، وغشيت ~~الغاشية أعينهم، فالحكومة عندهم في ناحية، والأمة على الضفة الأخرى، ولا يصل الرجل منا إلى ~~الشاطئ الثاني إلا إذا قذف بوطنيته في اليم، يقذفها اليم بالساحل؛ لكي ترتد إلى العامة ~~فتزيدهم وطنية على وطنيتهم، فوطنية كل رجل في الحكومة هاربة عادية لتتنزل على فؤاد رجل من ~~الأمة، وهذا منتهى ما بلغ بالناس سوء الظن، وقصر البصر، وطيش الرأي، والجهل بالحقائق، ~~ومغالطة التاريخ. # وما منع ms020 رجلا كالوزير الإيطالي كافور أن يكون وزيرا في الحكومة، ورأس الوطنيين في ~~الأمة، فما تخونه إذ مشى إلى مقاعد الحكومة أحد من قومه، ولا استزرى به أهل وطنه، في عصر ~~تلك النهضة الكبرى التي كانت تجاهد فيها إيطاليا المشتتة المنقسمة، المنتهبة المحكومة لتكون ~~إيطاليا الحرة الفتاة المجتمعة المتحدة، وكان أحقر رجل في صفوف العامة يستطيع أن يقف في وجه ~~أكبر وزير في الحكومة يناقشه الحساب، ويقوم اعوجاج الوزير بحد سيفه؛ فلم يفعل أحد منهم ~~شيئا من ذلك، ولم يتهموه في الوطنية بحكوميته، ولم يقرفوه بالضعف في عقيدته، ولكن أين لنا ~~بعامة كعامة الطليان؛ في وطنية عاقلة رشيدة متقدة كوطنيتهم، ونحن في ذلك نختلف عن أهل ~~الغرب، وتتباين عامتنا وعامتهم؛ لأننا لا نزال شرقيين نعيش على الخيال، رهائن الوساوس، عرضة ~~للأوهام، وليست وطنية سوادنا إلا قصيدا من الشعر، ومعلقة من المعلقات، فنحن نرد الحقائق ~~أوهاما، ونحيلها خيالا، ونجعل من الوهم حقا، ومن الباطل صدقا، فإذا نهض فينا رجل ~~بوطنية عملية، لا تعرف ثرثرة، وليست مغنية، والناس زامرون وراءها، فما هو بمصيب عند الناس ~~من الإعجاب ما يصيبه الحوذي الجالس فوق مصطبة مركبته؛ يلوح بالسوط في يده، وفي حنجرته مادة ~~الوطنية الصخابة الجوفاء. # هذا الوزير كافور تقدم إلى قومه بحب عميق في حبة فؤاده لبلاده، ورغبة صادقة في تحرير ~~أمته؛ فعمل أكثر مما تكلم، وتكلم أقل مما صرخ؛ ولم يصرخ إذ عرف أن قومه سميعون لصوته الهادئ ~~غير صم الآذان عن ساكنة كلماته، فأحبه قومه: بل رفعوه إلى مصاف البطولة النادرة المثال، ~~ونصبوا له تماثيل من نفوسهم، قبل أن يرفعوا له تمثالا من الحجر. # ونحن قد تبينا في وزيرنا الأول، صاحب هذه الترجمة؛ وجوها عدة من الشبه، وروابط متنوعة من ~~الصلة والمقارنة بينه وبين الوزير كافور، ذلكم الرجل الذي نازع أمما عديدة فغلبها في سبيل ~~حرية إيطالية الجميلة، وتقدم إلى الحكومة بقلب ثبت، وجأش رابط، فجعل في الحكومة وطنية أعلا ~~وأمتن من وطنية الصفوف. # ولد كافور عام 1810 من أسرة أرستقراطية، نبيلة ms021 المحتد، مؤثلة المجد، من بيت قديم، وأجداد ~~أمجاد في ذروة العلا شرفهم، وكذلك كان منشأ صاحب الدولة ثروت باشا، فجده لأبيه كان في عهد ~~محمد علي العظيم سر خليفة الرزقة، وكان جده لأمه قبل ذلك مستحفظان مصر. # وكان كافور في شبيبته ذكيا، ملتهب الذهن، نشيطا، مستحر الذكاء، فلم يكد يناهز الحول ~~السادس عشر حتى كان أول فرقته في المعهد، وفي رأس الطلبة في المدرسة، وكذلك كان صاحب ~~الترجمة في صباه فتى متقد الوجدان؛ سريع الخاطر، حاضر البديهة، فنال وهو في الحول السادس ~~عشر كالوزير كافور شهادة «البكالوريا»، وكان فيها أول الناجحين، وعلى رأس من فازوا من طلبة ~~المدارس الثانوية. # وكانت الصراحة أول مزايا شخصية كافور وعبقريته فلم يستطع منذ نشأته إخفاء آرائه المتحررة ~~من التقاليد العتيقة، ولم يكتم عن الذين كانوا حوله كراهيته للجمود؛ وعبثه بالقديم؛ وسخريته ~~من البالي المهدم، وفي الحق علم أهل عصر الشباب في صبا ثروت باشا ولداته في مدرسة ~~الحقوق، وأقرانه في المعهد شيئا كثيرا من هذا الخلق، فكان صاحب الترجمة فتى مهذبا، سامي ~~النفس، متخلصا من آداب الجمود، يعيش منساقا مع فطرته النقية، وذهنه الخصيب، وعاطفته ~~الحادة الفوارة الفياضة النبع، فكان صريحا في قوله، مهذبا في آرائه، جديدا في ~~خواطره. # وقد شهد كافور ما كان من تلك الثورة التي نشبت في فرنسا عام 1830، وما أحدثته من الشر ~~والضر؛ فتعلم منها فضل الملكية الديمقراطية على سائر الأنظمة؛ وبقية أساليب الحكم، وكان ~~أكبر أحلامه البديعة الجميلة أن يشهد مملكة إيطالية مستقلة ملتئمة الأطراف؛ متحررة من كل يد ~~أجنبية، متخلصة من كل سلطة واغلة، وكان كافور يؤثر أن يهب من نفسه أعز ما لديها، ويعمل ~~دؤوبا؛ فاتحا للعمل في سبيل قضية قومه طرقا وأبوابا جديدة إن عزت عليه الوسائل والطرق؛ ~~على أن يرى وطنه جامد الحركة؛ راكدا مستسلما غير عامل. # وفي عصر كافور قامت الثورات الوطنية في أنحاء العالم كله، وطغى مد الحمية الأهلية، فحمل ~~كل شيء في طريقه، في المجر، وفي ألمانيا، وفي باريس، وعاصمة النمسا، وكانت ms022 الثورات هي ~~المنتصرة الجياشة الفائزة ؛ فمنحت الدساتير، ووهبت الحريات، وسقطت البيوت المالكة، وتداعت ~~إلى الأرض أنقاضا، وأطلالا عافيات. # وهذا كله أو أكثره ما وقع للمترجم به، وما حدث في عصره هذا، فذلكم مبدأه منذ تولى العمل ~~في الوزارة، وتلكم آراؤه بعينها في إيثار الحركة على الجمود، والعمل على السكون، ونومة ~~الموت، وها هو عصره عهد المطالبة بالحرية، ونتاج هذه الحرب الطاحنة التي قام الضعفاء وراءها ~~يصرخون في وجوه سالبيهم حقوقهم، والأقوياء الذين عدوا على حريتهم، فكان هو في طليعة من ~~قاموا لأجل مصر قومتهم، ونهض للحرية مع الناهضين. # وكان كافور رجلا غير كثير الكلام، صموتا في مواطن السكوت، وأعجب ما كان من أمره أنه كان ~~لا يجيد الكلام باللغة الإيطالية، ولم يضطلع بأفانين بلاغتها، وسحر أدبها، ولم يلم بأسرارها ~~ومحسناتها على حين كان يجيد الفرنسية الإجادة كلها، ويعلم مناحيها، ومداخل البيان فيها، ~~وكان يؤذن للناس في ندوة البرلمان أن يتكلموا بالفرنسية إذا شاؤوا، ولكنه كان يؤثر الكلام ~~بلغة وطنه، ولسان أمته على ضعفه فيها، وجهله بدلائل الإعجاز من أدبها. # على أنه إذا كان كافور مقلا من الكلام بطبيعته، وسجية نفسه، فقد كان إذا استنفره موطن ~~من مواطن الوطنية إلى الكلام أكبر الخطباء، وأبلغ المحدثين، إذ خلعت عليه حميته لوطنه قوة ~~من الخطابة؛ فنهضت بلاغته به إلى أبعد أوج. # وهذا بجملته ما كان من صاحب الدولة الوزير الأول، في بلادنا لعصرنا، فقد شهدناه دؤوبا ~~على العمل، صامتا في دأبه، دائبا على صمته، فلما استفزه القوم إلى الكلام تكلم فكانت ~~خطبته في فندق «الكونتيننتال» مهارة سياسية نادرة، وحذقا بأساليب الكلام لا ينكر على ~~صاحبه. # ولم يقع اليأس في فؤاد كافور من خيبة النهضة في بادئ الأمر، ولم يستحوذ عليه، ثم تقلد ~~منصب الوزارة وزيرا عاديا، ثم ارتفع إلى منصب الرئاسة، على كثرة خصومه، وتألب أعدائه، ~~فتغلب عليهم جميعا، وبرز عليهم جملة، وكان أكبر ما كان يعمل له، ويسعى لبلوغه، أن يقنع ~~أوروبا والعالم بأسره أن أمته قديرة على أن تجمع بين منحة ms023 الحرية، ومزية النظام، وأن لا خطر ~~يخشى منه عليها؛ إذا تحررت وتخلصت من سلطان الأجنبي، ومنحت استقلالها الذي تنشده، حتى لقد ~~تمكن من فؤاده ذلك المبدأ، فوقع في خلاف وذلك الوطني الجريء الجسور جويسب مازيني؛ إذ خشي من ~~آراء هذا الزعيم الباسل الفيلسوف أن تسوء سمعة إيطاليا؛ فتخسر عطف أهل الغرب عليها، وتطيش ~~سهامها فلا تقع لها أمنيتها المعسولة؛ واستقلالها المنشود، وكان كافور يتحبب إلى نابوليون ~~الثالث، ويستميله إلى قضية إيطاليا، ويستعطفه عليها؛ فوقع في رأس رجل مجنون أعمى البصر من ~~عامة الطليان أن يغتال حياة ذلك الإمبراطور، فأقدم على فعلته المجنونة الطائشة، ولكن ~~الأقدار أبت إلا أن ينجو نابوليون من شر غيلته؛ ولكنه غضب، ولا ريب أن يكون المغتال من ~~الطليان، وكاد يترك الانتصار لقضية كافور وأمنية أمته. # وذلكم كله ما رأيناه من المترجم به، ومن مسعاه المحمود، ومن احتياله على تبرئة سمعة ~~القضية المصرية من الأذى الذي يلحقه به المذهوبو الرشد الطائشون الذين لا يدركون الوجوه ~~الصحيحة الرشيدة للعمل، ولا يحملون إخلاصا في نفوسهم لطلبتهم المقدسة، وما وجدناه من غضبته ~~الصادقة من الغيلات التي نسمع الفينة بعد الفينة بأنبائها، وهي لا ترد على وطننا مردا؛ ~~وإنما نتراءى بها في أعين أهل الحضارة قوما وحوشا أهل براثن ومخالب، ونفوسا رعاديد ~~أوغادا جبناء، تطعن الناس في الظهور، وتجيئهم لغرتهم من الأقفية، وهم أبرياء أفرادا؛ وإن ~~كانت الأمة التي هم منها علينا جانية. # وكان كافور يحتال بذكائه الحيل على صديقه ومنافسه الوطني جاريبالدي ليوقف تيار جراءته، ~~ويخفف من حدة وطنيته، وإن كان في الوقت عينه لا يريد أن يبدو في عينه ناكرا لجميله على ~~وطنه؛ جاحدا فضل إخلاصه في سبيل قومه، ولم يكن يريد أن يسيء إليه أو إلى صحابته، ولكنه مع ~~ذلك لم يكن يود أن يعرض سلامة الحرية الأهلية، والقضية العامة لخطر الطيش، والجراءة وركوب ~~الرأس، وما ذلك إلا لأن ذلك الوزير المخلص لم يكن من أهل الأحلام السياسية، ولا من غواة ~~الشعر، بل كان في كل مرحلة من ms024 مراحل الحياة يكشف أفقا جديدا من الفكر، وجوا جديدا ~~للعمل، وكان يتابع طريقه دون أن يتطلب شيئا إلا ما كان حقا وممكنا؛ إذ منحته الطبيعة ~~عبقرية سياسية لا تنكر، وكان قوي الفراسة بعيد مطارح النظر، وقد اتهم بأنه غير شيئا من ~~مبادئه، ولكن أي سياسي لعمركم لم يفعل؟ # وكان بجانب كافور زعيم آخر ظل مشردا في البلاد منفيا، وذلكم مازيني وطني إيطالي من ~~الشعب، تخرج في القانون، وبرع في البلاغة والأدب، وكان يؤمن بأن الإيطاليين وهو في مقدمتهم ~~مستطيعون - ولذلك يجب عليهم - أن يناضلوا لتحرير بلادهم، فانصرف بكليته إلى التفكير في ~~بلاده، وما منعه اعتقاله في حصن سافونا أشهرا معدودات أن يكون جريئا باسلا، مستهترا ~~بوطنيته، حتى لقد جعل شعاره هاتين اللفظتين الرهيبتين المقدستين هما: «الله، ~~والشعب!». # نعم، لقد كان مازيني «نبي» الوطنية، وكان جاريبالدي فارسها المعلم، وأما كافور فقد أصاب ~~وحده الشرف الأكبر بأن راح في إيطاليا السياسي الذي تحققت على يده حرية بلاده! # | روح القيادة والجماهير في النهضات القومية # في كل نهضة عامة، وحركة وطنية، يعيش الناس بنفوس غير نفوسهم الحقيقية، وتتبدل أذهانهم ~~أذهانا غيرها، وترمى إرادتهم بعلة النقرس، أو آفة الفالج فيختفي كيان الفرد في وسط ~~المجموع، ويسلبه الزحام والعجيج شخصيته، ورغبات نفسه، وأماني فؤاده؛ فيندمج في القطيع يمشي ~~على هديه، ويرتدي بإرادته، وينساق في الحفل كما يوحى إليه، فكل من قويت إرادته على إرادة ~~صاحبه، وغلبت شخصيته شخصيات عشرة من الناس، راح فيهم زعيما صغيرا، واتخذ سمت القائد ~~الضئيل، ولهجته، وسطوة نفوذه، وأوحى إلى العشرة أن ينفضوا عنهم مبادئهم؛ ويتخلوا عن آراء ~~كانت لهم، وأن يعيشوا بوحيه وإلهامه، ويتلقوا منه تعاليمه وأوامره، ويجندوا له جنودا على ~~غرارهم، ويحتثوا غيرهم على أن ينضووا تحت علمهم، فهو ما يفتأ يطلب أن تكون العشرة عشرين، ~~وأن تبلغ العشرون المائة، وكلما كثرت جنوده ارتفع في مقاليد القيادة؛ وارتقى مصاعد الزعامة؛ ~~حتى لا يلبث أن يكون المجتمع كله في أيدي عشرة من القواد الصغار، يعيشون في أيدي بضعة من ~~القواد الكبار، ms025 ثم لا يني هؤلاء القواد الصغار أن يدسوا على بعضهم البعض، ويرتعوا في لحمان ~~وصفائهم، وأقرانهم، ويمشون بالنميمة على إخوة لهم في الصفوف، فترى في كل يوم جنديا فارا ~~من صف إلى صف، وآخر منحرف عن شرذمة إلى شرذمة، وترى القائد الصغير منهم في صباح يوم محبوبا ~~مرحبا به، مهتوفا باسمه، ولا يأتي المساء إلا وهو المسخوط عليه، الظانين في إخلاصه، ~~المتهم في عقيدته، ولا يلبث أن ينتقل هذا الحب الذي خسره إلى قائد مثله قد ربحه، وظفر به، ~~فما ينقص من قائد يزيد قائدا مكانة وحبا عند الناس وإكبارا، وإذا كانت العامة ~~والجماهير، وطبقات الشعب مذنبة في ذلك لضعف رأيها في الحكم، ولطبيعة التقلب المكينة في ~~نفوسها، ولضؤولة أذهانها، وكلال أبصارها، فإن الذنب كله واقع على الذين يتصدون لقيادتهم، ~~ويحاولون الرئاسة عليهم، والمشي في طلائعهم، فأولئك إنما يتخذون النهضات مباراة يود فيها ~~المنافس أن يعتلي ظهر المنافس، ويمشي فوق جثته، ويتخطى الرقاب إلى سلطان عظيم يحاول أن يكون ~~له في الناس؛ فإذا عز ذلك عليه، ولم يجد سبيلا محمودة نقية راضية لا غبار عليها من العيب ~~أو الذام؛ التمس الوسائل الأخرى كلها، وإن عيب بها، وانتقص قدره. # وقد رأينا هؤلاء الزعماء الصغار يكذبون على بعضهم بعضا، ويدسون الدسائس يتقاذفونها ~~بينهم، وما أروج الكذب في عهود الثورات؛ إذ يصبح الكذب فنا من الفنون الجميلة؛ لأنه بحاجة ~~إلى رسم بديع، وتصوير متقن، وألوان زاهية، وريشة مصور صنع حتى يبدو للعين حقيقة ناصعة، تأخذ ~~بأذهان الناس أخذا، وتعمي أبصارهم عن اكتشاف عيوب تلك الصورة، والاهتداء إلى وجهة الصنعة ~~المتكلفة، الملفقة في أجزائها. # وقد شهدنا ضروبا كثيرة لهذا الكذب الذي يعمد إليه الناس في النهضات والثورات، ورأيناها ~~كيف تدخل على الأذهان، وتنطلي على الجماهير، وتمضي كأنها الحقائق، لا ظل للتلفيق فيها، ولا ~~شائبة للكذب عليها؛ وهي قمينة أن تروح كذلك، خليقة أن تجد عند القوم سوقا نافقة. # فإن الرجل الذي لم يخرج في حياته من المنطقة الحارة لا يستطيع أن يتصور ماذا تكون ms026 جبال ~~الثلج المتحركة في الأوقيانوس الشمالي، وإن تخيلها تخيلا، أو رسم مثالا لها من وحي ذهنه، ~~ومن لم ير نياجارا رأي العين فلا يتيسر له أن يعرف ما الشلالات العظيمة، وما شأنها، ووجه ~~العجب من أمرها، وكذلك تمضي الأكاذيب مطمئنة، رخية اللبب، واثقة من نفسها؛ إذ لا يستطيع ~~الجمهور أن يتحرى مواضع النية السوداء فيها، ولا يؤاتيه اكتشاف الغرض الخفي الذي يستسر ~~تحتها، ولو أن رجلا من الناس بعيد النظر، ثاقب الرأي، حديد البصر نهض في الجموع فبصرهم ~~بالكذبة، وهداهم إلى فساد تلك الأراجيف، فما كنت لترى الناس بمصدقيه، بل لشد ما يغضبون، ~~ويثورون، ويتسخطون على هذا الرجل الذي أساء إليهم؛ إذ أراد أن يقول لهم: إن الحق الذي ~~علموه، والصدق الذي سمعوا به، لم يكن إلا كذبا، ولم يكن غير البهتان بجملته؛ لأنه بذلك قد ~~حرمهم من تلك اللذة الكبرى التي كانوا يجدونها من الاعتقاد بصحة ما بلغ آذانهم، ومنعهم ذلك ~~السرور الذي كان يثلج صدورهم من أثر الإيمان العميق في أفئدتهم، فكل كذبة تبدد، وكل أرجوفة ~~تكتشف تحزن نفوسا، وتؤلم صدورا، وتغضب أذهانا كثيرة. # وأنت فقد رأيت ما كان من فعل الكذب، وسلطانه على النفوس في ثورة كالثورة الفرنسية، وقد ~~قرأت التاريخ، ووعيت منه أن الملكة ماري أنطوانت إنما سيقت إلى مواقف القضاء في إبان تلك ~~الثورة، ودفعت إلى قفص المجرمين على كره من الزعيم روبسبيير، وضد إرادته، وعلى عكس رغبته، ~~وليس ثمت حجة تدعم هذا الرأي أوثق، ولا إسناد أثبت أو أصح من بونابرت، فذلكم رجل لم يكن له ~~من باعث يبعثه على إخفاء الحق، وكان على مستشرف من الثورة إذ جاء في أذيالها متعثرا، ونهض ~~في الفصل الأخير من رؤيتها، فأسدل الستار عليها مستبسلا، وتزوج بعد ذلك بالأرشيدوقة ~~النمسوية، وبطبيعة الحال احتفل بالبحث عن مقتل الملكة ماري قرينة زوجته، وقد أثبت نابوليون ~~أن محاكمة ماري أنطوانت كانت ضد رغبات روبسبيير، وعلى كره منه، وإذا كان بريئا من ذلك ~~الإثم، نقي اليد من تلك الفعلة، فمن لعمركم ms027 يكون ذلك الرجل الذي أوحى إلى الناس في تلك ~~الثورة المجنونة أن اقتلوا تلك الملكة، وعفوا على آثار البيت المالك في فرنسا كلها. # لقد نهض إذ ذاك في المجلس، والثوريون في الندوة محتشدون خطيب من الخطباء يقول: «عجبا ~~لأعداء الجمهورية كيف يطلبون ما منعوه نجاة، ويمنون أنفسهم المنى في الفوز به ... هل لأننا ~~نسينا منذ عهد بعيد جرائم تلك المرأة النمسوية، أم لأننا أخذنا بالعرف واللين والرحمة سلالة ~~أولئك الطغاة، لقد آن الأوان لإزالة أثر الحنان من النفوس. لقد حان حين استئصال شأفة ~~الملكية من أرض الجمهورية، وإن وراء هؤلاء الأشراف الطغام امرأة مختفية كامنة في زاوية، وهي ~~أصل كل بلاء في البلاد، ومحدثة كل شر ونكبة، إن العدل القومي يريد أن ينفذ قضاءه ~~فيها.» # تلك كلمات ذلك الخطيب، فمن يكون هو وما اسمه؟ # لقد كان الرجل زعيما صغيرا، لم يكن ارتفع بعد إلى منصة النفوذ، لقد كان الرجل يدعى ... ~~برتران باربر. # ولكن ذلك الخطيب بعد عام واحد، أو بعض عام كتب ينفي أنه كان هو ولم يكن الرجل مصابا في ~~ذاكرته، مدخولا في عقله، حتى يقال: نسي ما كان منه قبل عام، أو ما يقاربه، قد يتشفع له بعض ~~الناس بأن الضحايا التي ذبحت بكلمة منه بعد ذلك، وتلك النفوس التي قتلت بإشارته تعدت الحصر، ~~وفاقت العد، فكان يخلط بينها، ولا يستطيع تمييزها، وأن الضحايا امتزجت في ذاكرته، وتضاربت ~~أسماؤها، فلا يدري من قتل ومن أبقي، ولكن زعم باطل، وحجة مردودة، فقد كانت تلك الملكة ~~المسكينة من بواكر الثمار التي اقتطفها عن شجرة الحياة، بل كانت أمجد ضحية ضحي بها، وأعز ~~قربان ذبح، وأن أقسى القتلة قلوبا، وأغلظهم أكبادا، وأبعدهم عن الرحمة جانحة، لا يزال آخر ~~حياته ذاكرا أول مرة سفح فيها دما، وسفك نفسا زكية، ولو كانت امرأة لويس زوجة طحان أخفت ~~في حجرتها أخا لها، أفلتت منه كلمة سوء في زعماء الثورة المعصومين الذين لا يأتيهم الباطل ~~من بين أيديهم، ولا من خلاف؛ أو كانت راهبة عجوزا ms028 تمتمت في المصلى بكلمات تعاويذ ، ورقى من ~~وحشية الثوريين وغائلتهم، فسيقت إلى الموت تحت السكين، لكان يحتمل أن تخون ذلكم الرجل ~~ذاكرته، وتتشابه عليه البقر، وكنا خلقاء بأن لا نطالبه بتذكر أولئك المساكين الذين ذبحهم ~~إلا إذا طالبناه بأن يذكر لنا عدد لفائف التبغ التي دخنها في سحابة ذلك العام كله، ولئن كان ~~بارير قتل مئات من خلق الله، فقد ذبح منهم ملكة واحدة؛ وهو الذي كان قبل الثورة ببضعة أعوام ~~يظن أنه أصاب الشرف بكل مادته؛ من نظرة واحدة تلقيها عليه ابنة القياصرة، وزوجة الملك سليل ~~الملوك الكبار؛ فقد راح في الندوة يدعوها بالمرأة النمسوية، ويسوقها من سجن إلى سجن؛ ~~ويسلمها بيده إلى الجلاد، ثم تزول هذه الحادثة العظيمة في حياته من الذاكرة. # وأعجب من ذلك أن الناس في عصره صدقوه؛ وارتضوا معاذيره، ولم يعنوا مرة واحدة بنقد كلماته، ~~أو تخطئة حججه، وذلكم عمركم الله أبلغ ما رأينا من رواج الكذب في عهد النهضات العامة، وأغرب ~~ما شهدنا من حماقة الجماهير، وبلاهة الجماعات. # وقد أصيبت حركتنا القومية بضرب من هذا الكذب؛ ولكنه لم يكن في قوة ذلك وعنفوانه، وقحته ~~وتبجحه، ولكنه لا يزال كذبا فنانا، محبوك الأطراف، بديع النسج، رقيق الغلالة، وقد غشى ذلك ~~الكذب بوادر النهضة، ومقدمة المفاوضات؛ وطلائع الوفود والبعثات، فسمعنا أحاديث طلية، وقرأنا ~~صحفا طيبة، وكلما عذبا رقيقا، وأبحاثا شيقة مستفيضة، لو أن بعضها صح وتحقق، لكنا منذ ~~أعوام ننعم بحريتنا الضائعة، ولما ظللنا نستطيل الأيام، ونعاني آلام القلق والحيرة، والعذاب ~~النفساني، وخشية اليأس؛ والفزع من الفشل. # وكم من أناس تجلوا لأعيننا في أول وهلة يحملون مادة البطولة في صدورهم؛ وكتاب الوطنية ~~الملهبة المسعورة تحت أذرعهم، وسلكوا أنفسهم في الزعامة، وتهالكوا على القيادة، فأفسدوا على ~~أهلها عملهم، وشوهوا جمال حركتهم، وأهل الزعامة لا يتيسر لهم وضع امتحانات في الفحص ~~والاختبار، وليست الزعامة مستطيعة أن تمشي في عملها على أسلوب من أساليب «الماسونية»؛ فتأخذ ~~الداخلين في دينها أفواجا بالتجربة، وترسل إليهم ما يخيف لتعلم هل خافوا، وتفحص ms029 رباطة ~~جأشهم لتستوثق من سكون أعصابهم؛ ومتانة نفوسهم؛ إذ لا تتسنى لها الفرصة، ولا يواتيها الزمن، ~~وقد تهيم وتضل، فلا تكون ضلتها إلا إثم رجل من رجالها، ومقرفة عضو من أعضائها، فتعرف هي ~~بالخطأ، ويشار إليها بالضلال، ويختفي الآثمون؛ وتعود الجرذان الصغيرة الخبيثة إلى الأحجار، ~~وكان من صناعة الكذب التي مهر القوم فيها، وحذقوا أساليبها في أوائل العهد بنهضتنا أن اختلف ~~الناس في الحق وهو واضح جلي، وتعارضوا في الظاهر وهم متفقون مبدأ وعقيدة؛ حتى ظن الذين ~~يشرفون علينا من وراء البحر أننا قد رحنا متطرفين ومعتدلين، ومتساهلين ومتشددين، ولا ندري ~~لمعنى الاعتدال الذي ظن الذين وسموا بالتطرف أنهم نجوا باسمهم ذاك من وصف سيئ؛ وسبة أليمة، ~~إلا أن المعتدلين إنما يطلبون الحرية، ولكنهم يريدون معها النظام، ويجمعون إليها السلام ~~والوفاق، والسكينة، ومستلزمات الحضارة الهادئة العاقلة، فهم يطلبون ملكية ديموقراطية، ~~مستقلة اليد في أمرها؛ ولكنهم لا يريدون أن يخلعوا عليها إذا قدمت لهم ألوانا من تلك ~~الفوضى التي كانت فاشية في العصر الذاهب، وكانت علما على الحماية الأليمة المقيتة، وهم ~~يستنكرون على الوطنية أن تجعل القتل والجريمة خطة من خططها، ويرونها الخيانة بعينها إذا هي ~~كسرت قوانين الأخلاق، وتعدت سياج العقل والمنطق، ومضت موحشة مفترسة، مذهوبة اللب، لا تعي ما ~~تقول، ولا ما يقال لها، أما التفريط في الحقوق، والاعتدال في الطلب، والتأدب في المفاوضة، ~~والاحتشام في السؤال، والمصانعة في المناقشة، فأولئك لم تدخل مطلقا في خطة فريق من الناس؛ ~~ولم تكن برنامجا من برامجهم، وإذا قيل: إن في هذا البلد حزبا من المعتدلين؛ وآخر من ~~المتطرفين، فلن يجسر أحد أن يقول: إن فينا «حزبا من الخونة»؛ إذ لو اجتمعت هذه المبادئ في ~~أذهان عصبة من الناس لكانوا «الحزب الخائن الأكبر». # وإذا كان هذا هكذا فنحن خلقاء بأن نسمى جميعا «معتدلين» إذا كانت هذه وجوه الاعتدال، ~~ومادته وأساليبه؛ وليس المتطرفون إلا وصفا شعريا يأبى فريق من هذه الأمة إلا أن يوسم به، ~~وإن كان ضلة وخطأ مستكملا، وما ذلك منهم ms030 إلا جريا على العادة، ومطاوعة للأنانية، ~~واستسلاما لهوى النفس، ومغالبة للعاطفة؛ إذ يريدون أن يقع لهم الفخر وحدهم إذا تغير تاريخ ~~هذه الأمة، وتبدل نظامها، ويودون أن يصيبوا هم المجد من الجهاد والشرف من السعي، فإذا أتيح ~~لغيرهم أن يبلغه قبلهم، وواتت الأقدار فريقا غير فريقهم؛ فوصلوا إلى تحقيق أمنية الأمة قبل ~~وصولهم، أنكروا ما تحقق، ورفضوا ما جاء، وعابوا ما أنفذ، وألقوا في روع الجماهير أن النية ~~فيما وقع على أيدي الآخرين البيع والمساومة، والاستهانة بحق من الحقوق، والتفريط في مطلب من ~~المطالب. # وذلكم شأن القادة في النهضات الأهلية، وذلكم ديدنهم، فروبسبيير كان يحقد على كل رجل سواه ~~أوتي وطنية كوطنيته، أو أعقل منها، وأمتن روحا، وكان يريد أن تكون زمام النهضة كلها في ~~يده، يصرفها كما يشاء، ويمشي بها كما يريد، حتى لقد تمادى به الولوع بالسلطان، والعمل ~~لاستعباد الجماهير، أن أنشأ عبادة جديدة، هي كما أسماها «عبادة المخلوق الأعلى»، ولا ريب في ~~أنه كان بجانب هذا الرجل قوم مخلصون مثله، لا ينقصون عنه حمية وعبادة لوطنهم. # وأنت فترى أهل الزعامة في النهضات القومية، والقواد الوقوف في الطليعة؛ ينادون في مبدأ ~~أمرهم بطلب حق مهضوم، ثم ينتهون بأن يستخدموا هذه المناداة لإشباع شهوة أثرتهم، وحبهم ~~للنفوذ، فقد كان أولئك الزعماء روبسبيير، ومارات، ودانتون، وشيعتهم من الجبليين # 1 ~~، إنما يريدون أن يقلبوا وطنهم رأسا على عقب، ويهدموا بناء الحكومة لكي يردوا ~~على الشعب الجائع حقه المضيع، ويستخلصوا العدل من الظالمين، فلما جن أولئك بالسلطان، ~~وأغراهم التفاف العامة حولهم، طاشت عقولهم، وضل ضلالهم، فمدح روبسبيير في صبيحة يوم وصفق له ~~في الندوة، وألقيت المدائح، وكلمات الإكبار والإعجاب بإخلاصه، والتفاني في محبته، ثم لم يجد ~~في اليوم التالي من كل هذا شيئا؛ بل رأى القوم متجهمين له متنكرين، عابسين متسخطين، وشهد ~~في المساء المقصلة معدة لاستقباله، والسكين معلقة فوق عنقه، فما أغنى عنه شيء من ذلك الحب، ~~ولم تنقذه مكانته الأولى، وهذا دليل جلي على أن الذين يتصدون للزعامة لا ينبغي ms031 أن يغريهم ~~تشبث الناس بنحورهم، واحتشاد القوم عند أبوابهم، فيستخدموا هذا الحب للذة نفوسهم، فإن ~~الجماهير متقلبة الرأي، زئبقية المزاج، تغلب عليها النفرة من جانب إلى جانب، والنقلة من ~~مضطرب إلى مضطرب، وليس أعجب في العالم من قوم يحبون الحرية، ويتغنون بها؛ ويتصايحون عليها، ~~ثم يتخذون في سبيل استخدام نفوس الشعب لمصلحتهم أشد ضروب الاستبداد، وألعن ألوان السلطة ~~المطلقة، وهي أكبر ما ينافي الحرية ويناقضها! # وكذلك لا تجد أولئك القادة في طلب الحرية إلا طلاب مآرب، وإذا لم يكونوا بادئ بدء طلاب ~~مآرب، فإن الزهو بمكانتهم سيجعلهم في منتهى أمرهم، ولا ريب كذلك. # ومن وراء أولئك القواد فريق من الطبالين، وكتيبة من الزامرين، وفرقة من ضاربي «الرباب»، ~~وهؤلاء لا يتمدحون رجلا من الصفوف الأولى إلا إذا ظل على مكانته، ولا ينتمون إلى حزب من ~~الأحزاب إلا إذا جلد على سطوته؛ لأن أفئدتهم صحراء لا تعيش فيها العاطفة، وقلوبهم قفر من ~~معاني الوطنية، خلاء من روح الإخلاص لأحد، أو الاكتراث بنهضة بلادهم، وهم ضعفاء الشخصية، ~~تجرهم كلمة؛ وتسوقهم خطبة، وتجتذبهم قصيدة، فقد وقف قوم من أولئك يمتدحون على رؤوس الشعب، ~~وفي وسط الجموع، في تلك الثورة التي نحن بسبيلها، زعيما من الزعماء، ورأسا من الرؤوس، ~~وينعتونه بأنه أكبر رمز لأمانيهم، والمحرك الأول لنهضتهم، وأنه أحق منهم بالعبادة، وأولى من ~~الجماهير بأكاليل الغار توضع فوق رأسه، وبالتماثيل تنحت لوجهه؛ وتجاب لمحياه، ثم لم يلبث أن ~~سقط في الغد معبودهم ذاك عن أوج عليائه، وانفض الناس من حوله، وجاؤوا إليهم يتلومونهم، ~~ويعيبون عليهم تمداحهم له، وحشد تلك المدائح يقذفون بها عند قدميه؛ فكان اعتذار أولئك ~~الزمارين خليقا بنفوس كنفوسهم قفر يباب، لا تجلد على مبدأ، ولا تلتزم عقيدة واحدة؛ إذ ~~قالوا: إنه كان لا بد لهم من مؤاربة ذلك القائد الزعيم، وكان لا غناء لهم عن مخادعته، ~~والتملق لغروره، وإثارة أنانيته؛ حتى يغريه المديح بالوقوع في الضلة، وحتى يدفعه الثناء إلى ~~ركوب رأسه؛ فيرتكب ما ارتكب، ويقترف ما كان منتظرا منه أن يقترف، ms032 ولقد كان ذلكم هو الباعث ~~الذي بعثنا على أن نركم أمامه كل تلك الأكوام من الأماديح التي تشكون منها، وتتسخطون علينا ~~من أجلها، ومن عمركم الله لام بروتس الروماني يوم كان يخادع «تاركوين» بالثناء عليه؟ ... # وفي كل بلد من هؤلاء كثيرون يؤلفون جمهورا كبير العدد، ولكنه ضئيل القيمة؛ إذ ليست القوة ~~في العدد كما هي في الصفة والمزية، وهؤلاء إذا التفوا حول رجل من العقلاء أفسدوا عليه لبه، ~~وشوهوا جمال وطنيته، وأضروه دون أن يجدوا على عمله، أو يردوا على عقيدته، وبمثل هؤلاء الجند ~~لا ينتصر زعيمهم في معركة، ولا يربح ميدانا، ولا يفوز بغاية من مطالب نفسه؛ لأنهم أشد ~~القوم فرارا إذا ضعف الرأس، أو ارتد القائد عن معقله، وهم خاذلوه بعد المعركة، وإن ربحها ~~إذ سيختلفون على قسمة الأسلاب، ويتنازعون يوم الغنائم، ويتهالكون على «الجائزة»، ويتقاتلون ~~على أكبر الأسامي، وأنبل الألقاب في الشعب، ثم يأتي من بعد هؤلاء جموع عظيمة من صغار ~~الأحلام، وعدد عديد من الشبان والفتيان، يحملون كراسات الدرس في يد، وفي اليد الأخرى علما ~~من الأعلام؛ ليكونوا في وسط النهضة عقيدة المستقبل تشد عقيدة الحاضر، وليتكلموا بألسنة ~~الجيل القادم، ويصرخوا بأصوات ثلاثين سنة مقدما؛ فينقلب بهم ميدان العمل في سبيل الحركة ~~ملعبا من ملاعب «كرة القدم»؛ إذ النهضة في أنظارهم ضرب من الألعاب الرياضية لا يختص بفصل ~~معين من فصول العام، ولا يروج في ميقات محدود من مواقيت السنة، بل يجري على العام كله، ويلذ ~~اللاعبين في الصباح، وفي المساء. # ونحن قد حاولنا أن نعثر في كتاب التاريخ الإنساني عن عاطفة من عواطف الأمم نزعت بها إلى ~~الخروج من نظام جائر إلى أسلوب عادل متخلص من النير، كان فيها الأحداث الصغار، وصبية ~~المدارس يمشون في رأس الثورة، ويغلقون أبواب معاهدهم بأيديهم ليتنزهوا في طرقات المدينة ~~متبطلين، وليصيحوا وهم لا يفهمون ما وراء صياحهم مع الصائحين، فلم نجد في سجل الحريات لذلك ~~أثرا، ونحن لا ننكر أن للشباب من وقدة النشاط في نفوسهم، ومن أرواحهم الملتهبة، ms033 وأذهانهم ~~الفتية، وأذرعهم القوية، وسوقهم الحديدية ما يعينهم على الإسهام في نهضة بلادهم، والدفاع عن ~~مستقبلهم، ولكن - عمركم الله - أليست أسمى ضروب الوطنية، وأجمل ألوان الحب للأرض، والإخلاص ~~للوطن، والدفاع عن المستقبل أن ينصرف الشباب إلى استظهار كراساتهم، والإخلاد إلى علومهم ~~يتوفرون عليها، والسكون إلى تلك المعاهد التي يرتفع فوقها صرح هذه الأمة. # ولكن كيف يستطيع هؤلاء الشباب أن يطمئنوا في معاهدهم، وينكمشوا إلى علومهم، وهم يسمعون ~~باسمهم يذكر في مستهل الخطبة، ويرون الناس مستقبليهم في مطالع المظاهر، ويشهدون طائفة من ~~رجال النهضة ينادونهم إلى عونهم، ويستصرخونهم لينضموا إلى صفوفهم، وينعتونهم بأبنائهم، ~~ويقولون لهم: أنتم أبناء مصر وحدكم، والكهول والشيوخ من ورائكم أعجازها الخاوية، وفصل ~~الشتاء في وثبتها، وزمهرير الوطنية المتجمدة الباردة في بهرتها، وأن خمسة آلاف عام تطل ~~عليكم من قمة الأهرام ناظرة إلى عملكم، هاتفة بأسمائكم، مرتقبة أن يكون لمصر مكانها الأول ~~تحت الشمس على أيديكم، وما لكم وللعلم اليوم، وما للعلم ولكم، فإن النهضات القومية لا تعرف ~~علما، ولا تطيق أن ترى له معهدا مفتوحا، أو دارا مستقبلة روادها، ونحن اليوم في فترة ~~الانتقال؛ ومرحلة التبديل والتغيير، فلا جدوى من السكون إلى العلوم، والاطمئنان إلى الكتب، ~~بل أنتم عما قليل عائدون إليها بأرواح أنشط، ونفوس ظمأى، و ... شهية ... أحد، فما تركتموه في ~~عام مستطيعون أن تلموا به في شهر، وسيعوض عليكم صبركم، وستجزون من الوطن بما فعلتم من أجله، ~~وما أسديتم من الصنيع الجميل إليه، وستكون الامتحانات إذ أفلج الله نهضتنا، وأنجح القدر ~~مقصدنا، لسهل كثيرا من الامتحانات التي تخرج من يد عدوكم؛ لإعجازكم والاستبداد بشبابكم، ~~وقتل البذور الصالحة في نفوسكم، وإحلال اليأس محل الأمل في قلوبكم، ويومئذ لن نرى فيكم فتى ~~يتسلق أعمدة القنطرة؛ فيقذف بنفسه إلى أحضان أبيه النيل مختفيا تحت ثديه، ولن نسمع بالشاب ~~منكم يجري إلى زجاجة من الأحماض السامة فيشتفها حتى الثمالة، فإذا استقرت في جوفه، وأحس ~~عذاب الحياة تريد أن تدع جثمانه صرخ على أهله من الحجرة، مستغيثا، طالبا النجدة والإسعاف، ms034 ~~وقد أعجزه كذلك أن يجتاز «امتحان » الموت، واختبار ألم الخلاص من الحياة، ولهذا لا نريد أن ~~نخسر منكم جندا محضرين، أو ينقص عديدكم من أثر هذه الامتحانات اللعينة المقيتة، فلديكم ~~الآن فسحة طويلة تملكون فيها أنفاسكم، وتريحون من آلام الدرس، ومتاعب إجهاد الذاكرة، ~~فتعالوا إلينا يا أبناءنا الأعزاء، وأقبلوا يا شباب العصر، و«فتوة» النهضة، وزين العهد ~~الجديد، فنحن لا مأرب لنا من تخليص أرضكم من وطأة المستبد بها، ولا مقصد لدينا من الجهاد في ~~سبيل تحرير بلادنا وبلادكم إلا أن نحمي عن مستقبل لكم سترونه يوم تتركون مقاعد المعهد؛ لكي ~~تشغلوا أماكنكم في مقاعد العمل، ومنافس النضال للحياة؛ عهدا مزهرا، وعصرا مجيدا لا ~~شائبة من الظلم تشوبه، ولا لونا من ألوان القبح الاجتماعي يفسد جماله؛ وكيف يكون لنا من ~~وراء ذلك مأرب، أو نضم بردتنا على نية سوء، ونحن غير لابثين طويلا حتى ننقل إلى ساحل ~~الأبدية، ونحمل على أعناقكم إلى الساحة المترامية وراء جدران هذه المدنية، فلن نصيب من ~~الحرية شيئا لنا، غير هدوء أنفسنا، ومسرتنا العميقة في حبات أفئدتنا، إذ ضمنا لكم الأرض، ~~وكفلنا لكم الحياة الطليقة، والعصر الذهبي. # وأنت ترى أن هذه الألفاظ العذبة، وهذه القصائد المنثورة؛ والشعر المرسل الرقيق الغلائل، ~~والنجوى المؤثرة الناعمة الأغاريد، قمينة بأن تستهوي الشباب، وتأخذ بمجامع ألبابهم، ويومئذ ~~فاللعنة على الدرس، والشناعة للمعاهد، والتسخط على المدارس، ولخير أن تغلق تلك الدور عن ~~آخرها، فلا يبقى منها ركن تدخل فيه أشعة الشمس، أو تنفذ إليه حرارة أنفاس النشء الصغار؛ من ~~أن يغلق باب الأمل في وجه أمتهم، ما دام هذا الأمل معلقا عليهم، موقوفا على ~~جهادهم. # ذلكم منطق الوطنية الشابة الشاعرة التي تريد أن تعمل؛ وتقوم بحوادث كبار، وتجعل الخطوب ~~الصغار جساما، ولكنها لا تستطيع أن ترد تلك الألفاظ فعلا، وتحقق ذلك الكلم وجوامعه عملا ~~محسوسا، فتسيء إلى نفسها؛ وتتحيف جوانبها، وتخسر لهاتها وحنجرتها من أثر الصياح والعويل في ~~أعراض الطرق، ووسط الضجيج، والعجيج المتلاطم. # ولا يحسب الناس أنا منكرون على الشباب وطنيتهم، ms035 متعيبوهم على حميتهم، فنحن إنما نريد أن ~~نرى وطنيتهم منساقة في المنحى الهادئ الطبيعي الذي أرادته الأمة لهم، وقررته أنظمة ~~الاجتماع؛ إذ لا ينبغي أن تتعدى رحب المعهد، ولا يصح أن تتخطى جدران المدرسة، فهناك جلال ~~حمية الشباب، وهناك مزرعة الأمة من تلك القطع الإنسانية الجميلة الفارعة التي ستروح بستانا ~~ناضرا، يخرج للشعب بواكر ثمار طيبة، وقرائح خصيبة مجدية نافعة؛ وهناك تلك الخلايا الرحيبة ~~التي ينمو فيها ذلك النحل الإنساني النافع الذي يجعل مستقبل هذه الأمة معسولا سائغا ~~هنيئا؛ والشباب وهم في حلقات الدرس خلقاء بأن يكونوا على مرتقب من نهضة أمتهم، وبمرصد ~~للعاملين من قومهم، فذلك واجبهم، وتلك فريضة عليهم. # وليس أبعث للزهور، وطغيان مد الأثرة، والرضى عن النفس، والسرور بالنفوذ، من أن يرى الرجل ~~منا إذا وقف على رأس الناس في صميم النهضة بيته مختنقا بأفراد الشعب وأخلاطه، وباحة ~~داره غاصة بالجموع الحاشدة من كل فج وحدب، يهتفون له ويتزاحمون لتحيته، ويقدمون آيات ~~الإخلاص لسدته، والإعجاب بعقيدته ومبدئه، وهو طالع عليهم في بزته الجميلة، طائف بطوائفهم، ~~مستفسر عن شؤونهم، موزع ابتساماته عليهم، مقسم وعوده عن أيمانهم وشمائلهم، وكذلك كان شأن ~~دانتون، وتلك عادته، فإذا انصرف الجمع من حضرته قذف بأوراقهم وعرائضهم، وكتب الثقة والمدائح ~~له في نار المرجل، وقد كان يقول في ذلك: إن تلك كانت الطريقة المثلى للتخلص من تجميع ~~متأخرات العمل على موائده ومكاتبه، وقد كان دانتون في ذلك مقلدا غير مبتكر، فقد كان من ~~عادة الكردينال ديبوا أن لا يخرج من حجرة مكتبه قبل أن ينفض عنه جميع أوراقه، فلا يدعها إلا ~~نقية نظيفة لا شية عليها. # بل لقد كان من استهتار رجل كهذا بالشعب، وحبهم إياه، وتطامنهم لكلمته أن سيدة من أهل الدل ~~والخفر، جاءت يوما متوسلة له أن يستخدم سلطانه لإبطال أسلوب جديد، ظهر لونه من أساليب عقص ~~الشعر، وطرق جدله وتجميله؛ لأنه لم يكن يوافق تركيب وجهها، ولم يلتئم مع طلعتها، ونظام ~~شعرها، وكانت لها منافسة من أهل الجمال تريد أن تجعل ms036 هذا الأسلوب شائعا في باريس كلها، فلم ~~يكن من الرجل إلا أن وقف في رأس الجموع خطيبا ثوار العاطفة غضوبا يقول: «إن الأرستقراطية ~~تريد أن تعود إلى الظهور، وتحاول أن تبدو برأسها الجميل للأحرار المتخلصين من فتنتها، وإن ~~تلك الجدائل الجديدة ليست إلا فروعا غير ثورية، وذلك الأسلوب الذي اتخذته جماعة من النساء ~~ليس إلا أسلوبا نبيلا في الزينة، وإن تلك الضفائر والذوائب إنما قطعت من شعور النبيلات ~~الشريفات اللاتي قتلن تحت سكين «الجيلوتين»! # فانطلت هذه الكذبة على الناس، وأجفلت ربات الخدور من هذا النذير المخيف، وأغلقت بيوت ~~الأزياء الجديدة أبوابها، حتى لا يظن أنها تبيع الناس ذلك «الصنف» الممنوع، وحتى لا تستهدف ~~لغضب ذلك الزعيم وموجدته، وقد خيرت النساء بين البقاء على تجميل شعورهن على تلك الطريقة؛ ~~وبين قطع رؤوسهن على الأسلوب الجديد في قطع الرؤوس تحت تلك الأداة التي ولدتها الثورة ~~المرعبة! # ولشد ما ضحك ذلك الرجل في أعماق نفسه، ولشد ما طرب لحيلته، وتصديق القوم لكلماته؛ إذ كان ~~يلذه ويروح عن خاطره أن يجمع على هذا النحو بين الدعابة والشناعة في وعاء واحد! # ونحن فقد شهدنا العامة في كل ثورة وطنية يجنحون إلى جمع كل عواطفهم في نقطة واحدة، وإقامة ~~مركز يستديرون حوله، ويحتاطون به، وإنهم ليختارون شخصا واحدا، وقد يهمون كثيرا في ~~اختياره، أو ينتخبونه عن غير حق، فيعدونه رأس كل حركة ذهنية، وممثل كل وثبة، وقائد كل كتيبة ~~من جند الوطن، ويروحون يحشدون كل حبهم أو كرههم لذلك الرجل؛ فتجتمع عليه كراهيات الناس؛ أو ~~تلقى عند قدميه كل موداتهم، وألوان عبوديتهم، فهو يوم مصيب منهم مادة الإعجاب به، وحينا ~~آخر واجد منهم مادة الاحتقار بكل قوتها، وكان أولى أن لا يستفرد هو بالحب، أو يخلص وحده ~~بذلك الكره، بل كان حقا أن تشترك معه فيه الجماعة أو الصحابة، أو الأولياء، أو الندوة، أو ~~من يعملون بوحي ذهنه، ويتحركون بإلهامه وإمرته، وكان عدلا أن يسهم فيه الجيل نفسه والشباب ~~كله، والزمن بماضيه وحاضره. # وما نظن رجلا ms037 ذهب ضحية حب الناس له أولا، وكراهيتهم له أخيرا، وعانى من هذه الجانحة ~~الاجتماعية ما عانى روبسبيير في الثورة الفرنسية، فلم ير الناس فيه إذ سقط عن تمثاله الوطني ~~الحسود، والجريء المستهتر، والشجاع البهمة، والحمى الشرير، وإنما عدوه آخر أمرهم أصل البلاء ~~برمته، والشر بكل قوته، وعصر الهول بسلطانه وويلاته، واليعقوبية مجسمة في شخصه، وفي الحق لم ~~يكن هو الذي حمل ذلك الأسلوب الشيطاني المخيف في تلك الثورة الهوجاء إلى أبعد حد، وأقصى ~~مدى، بل لقد كانت العامة نفسها التي أرادت أن يكون روبسبيير كما كان، وهي التي أوحت إليه أن ~~يفعل ما فعل، وكانت هي تصفق له، وتهتف وتحبذ وتعضد؛ فخشي أن يعيش هو في وظيفته على المنطق؛ ~~فتمله العامة، وتتجنى عليه الجماهير، وترميه بالأناة، وكانت الأناة في عصر النهضات، ووقدة ~~النفوس في بكرة الثورات، فضيلة مركونة في زاوية، ومنقصة في الرجل إن تبدى بها، وعيبا في ~~أهل القيادة، لا يقل في نظر الناس عن الخيانة شناعة وجرما، وكان أخوف ما يخاف أن يقال قد ~~أخذ الوطنية بالرفق، وتناولها بالمصانعة، والحكمة والحزم، وكانت تلك رذائل كلها في عصر تلك ~~الفضيلة الذباحة الجازرة الطاغية، فكان يتهوس في وطنيته لعامته، ويتطرف في إخلاصه مرضاة ~~لجماهيره، فلما تصنع للناس الجنون بالوطنية، وحذق تمثيل القسوة في إخلاصه، نسي على ممر ~~الأعوام أنه المتصنع، وغاب عن ذهنه أنه الحذاق الممثل المتكلف، فوقع له الجنون حقيقة في ~~نفسه، ومضت الحقيقة الظاهرة حقيقة عميقة، باطنة صادقة، وأعجبه ما رأى من صنع يديه، وراق في ~~عينه ما شهد من تطرف وطنيته، وغره بنفسه ما لقي من تصفيق الجموع الجامعة لقسوته، فارتد ~~أنانيا متغاليا في حب السلطان، وكان الناس الذين مدحوه في مبدأ أمره، وقالوا عنه: إنه ~~اكتسب تلك الشهرة الذائعة بوطنيته بفضل جهاد أعوام خمسة كان يقيم لياليها مسهدة ساهرة حتى ~~مطالع الصبح، هم بأعيانهم الذين حاولوا إسقاطه، فلما سقط اقتادوه إلى المقصلة! # ومن هذا ترى أن التفاف العامة حول رجل منهم، قصير العمر غير عميق الأثر؛ ms038 لأن عاطفة العامة ~~لا عقل لها، وعقلهم لا عاطفة فيه، فهم إما عاطفة بمفردها، وإما عقل خالص لا مزاج من العاطفة ~~فيه، ولا تكون العامة في واحدة من هاتين إلا غاشمة جزارة، ولا يستطيع رجل منا أن يصيب محك ~~العدل، أو يقسط في الحكم، إذا وقف ينظر إلى الناس بمنظار واحد من هذين، وهو مغلق عينيه ~~الأخرى، وإذا صح هذا فما هو بعجيب أن تسمع بأن تلك العامة في تلك الثورة كانوا يصفقون في ~~إبانها للخطيب، وهو يصيح بهم أن لا يأخذوا بالرحمة، أو يجعلوا الحلم شعار وطنيتهم، وأن ~~سفينة الثورة لا تستطيع أن تجد سبيلها إلى المرفأ إلا على أمواج من الدماء، وأن أرواح ~~المشفقين، وحشاشات أفئدتهم، وذماء نفوسهم ينبغي أن تكون من تلك اللجج الزبد من ذلك الجفاء، ~~وهم الذين عادوا يهتفون محبذين مؤمنين للخطيب الذي وقف في بهرتهم يقول: إنه قد آن الأوان ~~الذي نستطيع فيه أن نأخذ بالرأفة، ولا خطر علينا منها، وأن نظهر بواكر الرحمة واللين والحلم ~~غير خاشين علينا أذاة ولا ضرا. # وإذا كان هناك شيء من الغرابة في ذلك ففي الحق لم يكن أغرب من أن يكون الخطيب الذي صفق له ~~في الخطبتين رجل واحد بعينه، وأنه لم يكن مضى من الزمن بين الواحدة على فرط وحشيتها، وسورة ~~العاطفة المجنونة فيها، وبين الأخرى العاقلة التي تحمل جزءا من العقل، وجزءا من العاطفة، ~~غير خمسة عشر يوما ... فقط! # ونحن رأينا أمثلة من هذه النظريات، وألوانا من هذا التقلب الذي يعتري الجماهير في ~~نهضاتها الوطنية، وشهدنا أعراضا متنوعة لنفسية العامة في حركتنا الحاضرة، فقد وهم كثيرون ~~من المفكرين، وضل آخرون من قادة الرأي، وتركوا مبدأ، ووقعوا في مبدأ آخر يناقضه، وغادروا ~~خططا صالحة لم يستطيعوا تحقيقها، أو سلوك طريق العمل بها إلى خطط أقل رشادا، وأضأل وطنية، ~~وأقرب إلى روح اليأس منها إلى الاستبسال والاستماتة، وألفينا قوما ما كانوا بالمتغيرين ~~تغيروا، ورجالا كنا نتوسم فيهم العظمة الذهنية نزلوا عن عظمة أذهانهم فكانوا خاصة العامة، ~~ودون ms039 عامة الخاصة، فجعلت الجماهير الضئيلة الذهن تهتف لهم على الحالين، وتحشد من جموعهم ~~جموعا لتكون كواكب تمشي في حرسهم، وتصطف للقائهم وتوديعهم، ولو تصدى رجل من المخلصين، شجاع ~~أمام العاصفة، غير هياب حيال تلك الجموع، فبصر الجماهير بمنحى سديد، أو بخطة عاقلة، أو أنكر ~~على قيادتها مبدأ من المبادئ، أو نقد منها سبيلا من السبل، وكان خليقا أن يستمع له، وينظر ~~في رأيه، ويتدبر في نقده؛ لأنه لم يرسل النقد على عواهنه، ولم يشأ أن يعكر على الناس الصفاء ~~بمقاله، ولم تكن له عند القوم ترة؛ فأراد أن يشفي نفسه مما تجد، أو يروي غلة ترته، ~~نعم. # فلو أن رجلا كذلكم اضطلع بعمل مثل هذا، واحتمل مواجهة الجماهير بخطة كتلك، إذن فويل له، ~~والويح ويحه؛ والضلة ضلته، فإنه المستهدف لسخط الناس عليه، المتعرض لغضبهم وموجدتهم، وقد ~~رأينا كيف كان أمر رجل منا يرأس صحيفة من كبريات الصحف، كانت في إبان النهضة ترسل أوراقا ~~من المطبعة كالجراد المنتشر، فأوحى إليه إخلاصه أن ينقد أهل القيادة نقدا غير جوهري، لا ~~يشتف منه الخروج عن الصفوف، ولا ينم عن خيانة للفكرة المقدسة، فأصبحت تلك الصحيفة، والناس ~~غاضون عنها أنظارهم، والباعة يبيعونها للقوم حميلة على الصحف الأخرى «فوق الببعة» مع ~~الوريقات التي تظل تحت أكتاف غلمان الصحف حتى تحل النسخة التالية، ولم يكن الرجل في الوطنية ~~آثما حتى تكون هذه عقوبته، وإنما رأى الناس منه رجلا يريد أن يقطع عليهم وترا من موسيقية ~~وطنيتهم فتروح ناقصة النغم، فيصيبون منها وقرا في آذانهم، وتضعف تلك اللذة السحرية التي ~~يجدونها من العقيدة العمياء بأنهم إنما يحبون حقا، ويرون حقا، ويسمعون حقا. # على أن ذلك الرجل كان مخلصا في عمله، وظل كذلك مخلصا في صبره، فاحتمل أذاة الناس ~~وسخطهم، غير شاك ولا متململ، ومضت صحيفته في طريقها، خاسرة في المادة، راضية عن الخسار في ~~ضميرها. # ولم يلبث الجمهور بعد ذلك أن عاد إليها، ولم تعد هي إليه مصانعة متغيرة لوامة، ولا اعتقدت ~~أنها ارتكبت جرما في الوطنية، ms040 حتى تكفر عنه، أو تتشفع لأجله. # ومن هذا ندرك أن الجماهير مصابة أبدا بضعف الذاكرة، وسرعة النسيان؛ لأن أعمالها لا تصدر ~~عن ذهن حاد حتى تكون بجانبه ذاكرة قوية، وليست للعواطف حافظة، وإلا لو أن لها ذلك لمضت ~~جافة، لا تمضي في عمل حتى تراجع سجلها، وتلقي نظرة على ماضي فعالها، ولا تحدث حدثا حتى ~~تتحقق أن له سابقة من مثله، وماضية من طرازه. # وإذن لكانت قصة العاطفة الوطنية سلسلة مستطيلة من حلقات عمل واحد، وفكرة واحدة، ولم نر ~~ثورة في تاريخ العالم مشت عاما فعاما على منهاج واحد، وطبعت من كتابها صورا متعددة، لا ~~تختلف واحدة عن أختها في شيء. # وكان الناس يقولون في مضرب الأمثال: إن خدمة الملوك خطرة، والزلفى عند الأمراء ضر، والعيش ~~في قصور السلاطين لا يطول ولا يعمر، وإن رضى المليك معلق بكلمة، مرهون بلفظة، وإن الحب يدخل ~~عليهم من أذن، ولا يلبث أن يخرج من الأخرى، وإن ابتسامة اليوم قد تصبح في الغد تجهما، ~~وشرا مستطيرا، وإن وراء الضحكة هبوب العاصفة العابسة الراعدة؛ وإذا كان هذا حقا، فأقرب ~~منه إلى الحق الدخول في الجماهير، والعمل على اكتساب عاطفة الجماعات، والظهور على رأس الحشد ~~في الثورات، ولئن كان في حب الشعب للرجل منا لذة مخدرة، فإنها لا تزال مع ذلك لذة خطرة، ولا ~~يني تخديرها يصبح خمارا مؤلما، ومهما أرضيت الشعب في عام، فما أنت بمستطيع أن ترضيه حجة ~~أخرى، وإن اتبعت أهواءهم، ونزلت على أحكامهم، ومضيت تغذي عاطفتهم الغذاء الذي تسيغه، فإنك ~~لا تلبث أن ترى المؤونة التي ادخرتها لغذائهم قد نفدت، ولا تزال عاطفة الجماعات جائعة تطلب ~~مزيدا، وتريد شيئا آخر تلتهمه، فإن لم تجد لديه ما تأكله، أكلته هو والتهمته، أو اطرحته، ~~فلا يسمع أحد عنه شيئا حتى تمل الجماهير من خلفه عندها فتعود ثانية إليه. # وأنت قد رأيت أن للنهضات الوطنية لغة خاصة بها، وخطابة لازمة لها، وأساليب من الكلام تغلي ~~مراجل النفوس لسماعها، فإذا سكنت الزوبعة، وعدت تقرأها في كتاب، ms041 لم تجد لها طلاوة، ولا رأيت ~~عليها روعة، ولا ألفيت نفسك متحمسة لوقعها؛ بل تكاد ترى عليها برودة كلام الموتى، وتقطع ~~أنفاس المرضى في محضر المنون. # وهذه اللغة التي يمشي على موسيقاها جموع الناس للقاء المدفع والنار، ويثب الحشد على وقعها ~~لبذل نفوسهم مسترخصة، لا تتفق مع لغة العقل، ولا تجري عليها سنن المنطق، ولا تماشي ~~الاستنتاج الصحيح، وتتفق والتعليل السديد، فهي ليست لغة صحيحة تثقل في الميزان اللغوي، ~~وليست لغة أدب؛ إذ لا جمال للأدب عليها، وإن عيوبها اللغوية لتمر فلا تدركها الجماهير، ولا ~~تكتشفها آذان الجماعات، إذ كان العصر الذي تقال فيه عهد الهزء بالقوانين، والسخرية من ~~النظام؛ وليس أسهل على الوطني أن ينحرف عن أساليب الكتابة، والخروج عن أنظمة اللغة؛ ويكسر ~~قوانين الأدب بتلك السهولة عينها التي يخرج بها عن الآداب الاجتماعية، وأنظمة الأخلاق، ~~ويكسر القوانين المشروعة. # وليس أمام الوطني الكاتب أو الخطيب إلا الاحتيال حتى بالكذب، والمغالطة على التأثير في ~~نفوس سامعيه أو قرائه؛ كما كان ديدن أحد خطباء الثورة الفرنسية؛ إذ قال في ندوة الثوريين: ~~«إن شجرة الحرية - كما قال أحد الكتاب الأقدمين - لا تنمو ولا تفرع، ولا تطول إلا إذا رويت ~~وسقيت من دماء الطغاة الظالمين!» # وقد قلب الذين كتبوا عن تلك الثورة بطون التاريخ القديم؛ ليستدلوا على اسم ذلك الفيلسوف ~~اليوناني، أو الكاتب الروماني الذي اقتبس خطيب الثورة تلك الكلمة من كلمه، فلم يجدوا له ~~أثرا، ولا لتلك الكلمة أصلا، ولم يعثروا بشجرات للحرية ترويها «مرشات» مفعمة بالدماء؛ إذ ~~لم يكن من ديدن خطباء اليونان، ولا مذهب كتاب الرومان أن يستخدموا مثل هذا التصوير، أو ~~يعمدوا إلى وحشية ذلك التعبير. # وأكبر ظننا أن الخطيب إنما أراد بكذب هذا الإسناد أن يزيد في رهبة كلمته وقسوتها ~~وتأثيرها، ولم يكن الناس يومذاك يحفلون بالرجوع إلى الكتب حتى يتحققوا، أو يقتنعوا مما يقال ~~لهم، فمرت هذه الكلمة حلوة في آذانهم، صادقة لا ظل للريبة على حقيقة اقتباسها، وصحة الرواية ~~فيها. # وفعلت الكلمة ما أريد منها، وما ms042 كان الخطيب يقصد إليه من قولها، وهل كان لكلمة يوما ما ~~كان لتلك من التأثير، وما أدت إليه من النتائج، وأي تأثير لعمرك لكلمة كان معدل القتلى من ~~فعلها ثلاثمائة مشنوق في الأسبوع!! # وقد كان خليقا بثورتنا التي هبت ريحها منذ أعوام ثلاثة أن تحدث ثورة في الآداب، ونهضة في ~~اللغة، وتطورا في الفنون، وأن تحطم المبادئ البالية، وتهدم معاقل الجمود الاجتماعي، وتعفي ~~على أثر العقائد الفاسدة، والآراء العفنة، وأنظمة الحياة الضالة الموبوءة؛ وتترك أثرا لها ~~في الأسرة؛ والزواج، والصحافة، والبيت، والمعهد، والسوق. # ولكن وا أسفاه لم تفعل شيئا من ذلك، فقد مضينا نزيل قضبان السكك الحديدية، ونخرب الدور؛ ~~ونهدم المحطات، وتوقف القطارات؛ فحطمنا ما كان يجب أن نترك، وتركنا ما كان أولى بنا أن ~~نحطم، فظللنا كما كنا قبل النهضة أذهانا ونقوسا، وعقائد ومبادئ، بل لقد انتشرت الفوضى في ~~الأدب، فخرج إلى الناس جرذان قذرة تحمل أقلاما تسود بها أنهار الصحف، واختفى الكتاب ~~الحقيقيون أمام الأوغال الأوكال، وقبالة غلمان لم يكونوا يوما كتابا، وإنما جعلتهم الفوضى ~~كذلك، ولم نلبث أن سمعنا بأسماء لم نكن نعلم بها، وبألقاب جديدة منحوها، أو سيقت ~~لهم. # فكل من نشرت له صحيفة من الصحف أسطرا ضئيلة المعنى، خجلة في وسط بقية أنهار الصحيفة، ~~صبية لا عقل لها، ظن أنه الكاتب الذي سيفتح بقلمه مغاليق الفكر، وسيأتي بالاستقلال «غير ~~مشكوك» في «أنه التام»، ومشى بالمقالة إلى مشارب الحانات، وسقائف القهاوي، يدل عليها صحابه، ~~وأخذها صحابه إلى صحابهم، ودارت في الحي الذي يسكنه، ومن ذلك الحي إلى العطفة المقابلة، ~~والشارع الملاصق، وكذلك تكتسب منه الصحيفة، ويكسب هو من ورائها شهرة في وطنية كاذبة، وكذبا ~~في شهرة زائلة، ولقد كانت كثرة أولئك المحسوبين على الكتاب المرفوضين من الوظائف، ~~والمتبطلين والعاطلين الذين يجوبون سحابة النهار طرق المدينة متلفتين متلددين، هي التي أدت ~~إلى ذلك الخطب العظيم الذي تعاني منه البلاد، وإلى تلك الفرقة في الصفوف، والثغرة في ~~البنيان المرصوص، وأولئك هم الذين قسموا الناس في الحق الواضح الأبلج ms043 أقساما، وأشاعوها ~~شيعا، وجعلوا الأمة تركب رأسها لا تدري أي الحزبين في مبدأ الأمر أجدى لها، وأحق بالنضح ~~عنها، وهم الذين أفسدوا علينا أذهاننا، وعكروا صفاء نفسيتنا، وانتقصوا في العالم الذي ينظر ~~إلينا من كرامتنا، وأزاغوا أبصار العامة، فلا تبصر من الحق غير وجهة واحدة، ولا تريد أن ~~يزحزحها مزحزح عن عقيدة ضالة لديها، وهم الذين شوهوا حركة الأدب، وجعلوا كبار الكتاب يسكنون ~~إلى نفوسهم، فلا يخرج من أقلامهم شيء من مادة ذلك الوحي الإلهي الذي ترسله السماء ينزل على ~~أفئدتهم، وقد انصرمت هذه الأعوام خرساء لم يسمع فيها تغريد عصفور من تلك الأطيار الجميلة، ~~ولم يخرج كتاب واحد يستحق خلودا؛ واضطجعت الكتب القيمة على رفوف المكاتب، فلا تمد إليها ~~الأيدي، ولا تفتح صدورها، حتى تستنشق الهواء، وحتى ترسل في الأذهان تلك الحدة التي تنمو ~~بفضلها، فنحن اليوم راكدون آسنون، تقتلنا قتلا بطيئا تلك الأمواه العفنة التي تقدم إلينا ~~لشرابنا، وشفاء غلتنا، ولو أنك علمت بعدد الطلبات، والعرائض التي ركمت في الحكومة نائمة ~~هادئة في أماكنها، والملتمسات التي يطمع بها أصحابها أن ينالوا من أولي الشأن في البلاد ~~إجازات، ورخصا ليكونوا صحفيين، وأصحاب مجلات ونشرات وصحف، وهي تفوق العد، ولا يتناولها ~~الحصر، وتستغرق سجلا ضخما لتدوينها؛ لأدركت هذه اللوثة المختفية التي أخذت بأدمغة فريق ~~من هذه الأمة عجزوا عن سد أرماقهم من طريق العمل الجدي، والدأب على الحياة، فجعلوا الوطنية ~~مرتزقا، وأداة عيش، وأسلوبا من أساليب الشعوذة، والحيل الهندية. # وكذلك حق علينا قانون الطبيعة الذي لا يخطئ ولا يضل، فإن هذه الرجعى التي نحن اليوم فيها، ~~لا نزال نرى لها أثرا في المحسوسات، فكما يمضي «بندول» الساعة منطلقا في ناحية، تراه ~~مهتزا قدر ما اهتز في الناحية الأخرى، وكما يتلو نشوة المساء أمام مائدة الشراب، وأقداح ~~المشمولة الصهباء، خمار الصباح، ونومة الضحى، وألم الغداة. # وفي وسط هذه الزوبعة ثبت رجل واحد لم تفتنه فتون العامة، ولم ينزله عن مكانه الصخب الذي ~~يملأ الفضاء عن كثب منه، أو يغره ميدان السياسة ms044 بمخادعة نفسه، والاحتيال بلغة الثورات على ~~تضليل أذهان أمته، ولو أنه أراد أن يجمع الناس حوله بباطل تلك اللغة المنمقة، لسد على القوم ~~جميعا منافس الكتابة، فتلقاها هو باليمين، وحمل لواءها، وبز الخطباء أجمعين؛ إذ لم يكن ~~ليصعب عليه أن يعتلي ذوائب المنابر، على أعين النظارة، فيرسل فيضا من عبارات محبوبة جميلة ~~المظهر، طلية الحاشية؛ فيخلب بها الألباب، ويخفي الحق في ركام من الكلم، وعصف من الألفاظ، ~~ولكنه رجل وإن أوتي بلاغة منطق، وروعة أدب، وجلال نفسية لا يزال مخلصا فيما يقول للناس، ~~وفيا فيما يشعر به، ولقد رأيناه خطيبا في عدة مواطن، فإذا به كما يقول الفيلسوف الروسي ~~«إيفان ترجنيف» يصل إلى غرضه بضربة فأس واحدة. # ومثل هذا الرجل قد يجد الطريق إلى إقناع الجماهير الضالة الجامدة على رأي واحد، موحشا ~~شاقا، ولكنه قمين أن ينتصر ملي بأن يبلغ الغرض، ويقف على الثنية؛ إذ تزول نشوة الرؤوس، ~~وتخفت حدة الأذهان، ويجيء الناس يسمعون في هدوء ليقتنعوا في صمت ورفق، وليروا قناع الشك ~~منحسرا عن وجه الباطل، ويشهدوا الحقائق متجلية أمامهم، تصدعهم حججها، وتمشي بهم إلى ~~التفاهم والتهاون، والاتحاد والوئام. # | لمحة من الماضي # قبل أن نبسط للناس شيئا من تاريخ حضرة صاحب الدولة رأس الوزراء عبد الخالق ثروت باشا، ~~ونسرد لهم ترجمة حياته، يخلق بنا أن ندلهم على حقيقة قد غابت عن أذهان فريق منهم، ونسيتها ~~طائفة من جماعاتهم، وذلكم أنه في جميع الأدوار التي مر فيها، ومراحل الحياة التي تنقل ~~بينها، ظل يسير في طريقه بماض نقي، وسيرة ناصعة، فلم يسئ يوما إلى فرد، أو يحمل أذاة إلى ~~مجموع، أو يضرب الأمة في مقاتلها، أو يحملها على ما لا تريد، أو يكرهها فيما تحب، أو يحببها ~~إلى ما تكره، ولم يرتفع من منصب إلى منصب على أعناق الناس، ولم ينهض من وظيفة إلى أخرى أسمى ~~منها بالملق، يكيله لأهل السلطان، أو بإرضاء الحكومة لإغضاب الأمة، أو بالوساطات يتشفع بها، ~~والتوصيات يداهن ويصانع من أجلها، أو بالخمول يخلع عليه ألوانا ms045 مصطنعة من النباهة، أو ~~الغباء يزجيه إلى أولي الشأن في ثوب الذكاء الملتهب. # كلا لم يفعل الرجل شيئا من ذلك، بل مضى شريفا في عمله، عاملا لشرفه، منكمشا إلى ~~منصبه، لا يتهاون فيه، ولا يعطيه أكثر مما يستحق لتعطيه الحكومة أكثر مما يستأهل، ونحن لم ~~نر لرجل حكومي ارتفع إلى منصب الوزارة في بلدنا هذا تاريخا ماضيا هو في نقائه أنصع من ~~ماضي صاحب الترجمة، ولا يزال في تاريخ هذه الحكومة منذ ألقى الإنكليز أيديهم عليها، ~~واستبدوا بمناصبها هنات كثيرة، وسيئات لوزرائنا السابقين إذا ذكرناها، أو تحدث عنها الناس ~~على أسماعنا، فلا نلبث أن يعلو وجوهنا الخجل، ويتولانا الاشمئزاز والاستنكار، ولو كان لنا ~~وزراء في الماضي على غرار وزيرنا هذا، يحملون الإنكليز على احترام شخصياتهم، ويقفون على ~~مرصد من أعمالهم ونواياهم، ومآرب سياستهم، ولا يسهمون معهم في قتل روح الوطنية في صفوف ~~أمتهم، لما مضى نصف قرن من تاريخنا معيبا مشينا، خامد الأنفاس، مسكينا متطامنا لا يحوي ~~غير يوميات بطعام الأمة وشرابها، وسكون نأمتها، وخسة أفراد من أهلها، فقد عشنا كل تلك ~~الحقبة من الزمن بأمعائنا نملق الإنجليز لنوال ما في أيديهم، وكان أحق أن يكون في أيدينا، ~~وكان أولى بأن يتملق لنا، ولا نكون نحن المتملقين الصغار النفوس العجزة الأوكال، وقد هدأت ~~ضمائر الحكوميين منا؛ إذ خدعهم ما رأوا من ضخامة الألقاب، وهي جوفاء في غير موضعها، ومن ~~الرواتب يرضون بها، وهي لا تغني عن فقدان الضمائر شيئا. # وقد أفلت كثيرون من كبار هذه الأمة بماض سيئ، لا يخلو من عاب، ولا يتبرأ من ذام؛ فنسي ~~الناس اليوم ما كان منهم، وتشفعوا لهم بحاضرهم عن ماضيهم، ولا ننكر أن هذه فضيلة من فضائل ~~هذا الشعب، فإنه يحمل روح التسامح المكينة فيه إلى أبعد حد؛ فهو لا يني ينسى الإساءة إذا ~~كفر عنها المسيء، وأتبعها مكرمة من المكرمات، وقفاها بحسنة من الحسنات، وإن الرجل منا ~~ليحزن ويغضب إذا رأى من أحد ما يعده غضاضة عليه، وانتقاصا من كرامته؛ وتهاونا بحقه؛ ms046 ثم لا ~~يلبث أن يبتسم ، ويقبل ضاحكا مستهلا إذا وجده قد عاد من إساءته إلى التكفير والتوب، ولكن ~~لا يزال بجانب هذه الفضيلة العذبة الجميلة ما يشوه جمالها، ويردها في بعض الأحايين دميمة ~~مشنوءة، وتلك منقصة الاستخفاف. # فإذا كنا نسبل على الإساءة ستر الرحمة والصفح، فنحن بجانب ذلك قد ننسى يوما ما كان من ~~ماضي الرجل وحسناته، ونقاء سجله، وطهر تاريخه، وذلك ضرب من التناقض في العاطفة لا نعرف له ~~مثيلا في نفسيات الشعوب، ولم نشهد شيئا من أعراضه في تاريخ الاجتماع، إذ لم نر الجمود ~~والصفح والتجاوز عن الإساءة الماضية متضاربة في فؤاد واحد، مختلطة متمازجة تحت نبض صدر رجل ~~بمفرده. ~~••• # ولد صاحب الترجمة في شهر صفر الخير عام 1290 من الهجرة و1873 من مولد المسيح، فهو اليوم ~~لم يحطم بعد الخمسين، وبذلك يكون أصغر من جلس في رئاسة الوزراء سنا منذ سبعين عاما، أو ~~يزيد في بلدنا هذه، وليست الخمسون بالسن التي يجلس الرجل بها في ممالك الغرب فوق مقعد ~~الوزير الأول، ويتولى فيها منصب الرئاسة في الحكومة، بل لا تزال سنا فتية في عمر الرجل ~~السياسي، ولا يكون الحكومي في الخمسين إلا من الشباب السياسي الذي لم يرتفع معه إلى تلك ~~المرحلة التي تجيز بلوغ الغاية، والتربع في الوزارات. # ونحن نرى هذه السن قد وقفت على ثنية الشيخوخة، ونعدها في بلادنا متقدمة تمشي متخطية ~~الكهولة والرجل منا تبرد عاطفته قبل الرجل في بلاد الغرب، ولا يكون صاحب الستين لدينا إلا ~~رجلا متمهل الخطر، ثقيل الحركة، لا يجلد على عمل مجهد، ولا يطيق الاشتغال عدة ساعات مستمرة ~~بينما ترى الرجل في السبعين من الإنكليز، أو الألمان، أو الفرنسويين واثبا فوق الدراجة ~~عاديا في معلب الجولف، سباقا في حلبة السباق والربع ميل، مسرعا قافزا يحمل مضرب الكرة ~~في يده، مشمرا عن ساعديه، متحفزا للهجوم، والتدافع بالأيدي والأرجل، وعلة ذلك أننا شرقيون ~~تنمو جسومنا غير متمهلة، عاجلة غير متوانية، وأن عواطفنا حادة ملتهبة، لا تلبث أن تخفت ~~وتنطفئ؛ إذ تحترق ms047 الأعصاب، وتهين الأنسجة، وتأكلها النار المشبوبة في الجانحة، والجهاز ~~العصبي. # ولكن وزيرنا الأول لا يزال يلوح شديد الأسر ممتلئ القوة فتيا، نشيطا حاد الذهن، مصقول ~~الخاطر إلا وخطا من شيب بدا في تفاريق شعره، ولاح في فوديه؛ فجعل مظهره جليلا رائعا، ~~وما ذلك إلا لأنه حفظ بدنه من هماهم نفسه، وحي أعصابه، ولقد تقلد مناصب تستلزم عملا ~~ناصبا، ونصبا جاهدا، وكان يحمل فيها على ذهنه بالعمل والدأب، ويكد في إنفاذ واجبه غير ~~مستأن، ولا متراخي النشاط، فلم يحدث ذلك الدأب أثرا كبيرا في بدنه، وقوة ذهنه. ~~••• # وكان والده إسماعيل باشا عبد الخالق بن المرحوم عبد الخالق أفندي سر خليقة الرزقة في ~~أوائل عهد محمد علي الكبير، فكان جده عظيما على رأس القرن التاسع عشر، وجاء الحفيد عظيما ~~كذلك، ورأس حكومة مستقلة بعد العشرة الثانية من القرن العشرين. # كان جده لأمه كذلك من أشراف هذه المملكة، وهو المرحوم أغاة متسحفظان مصر في ذلك العهد، ~~وكذلك انحدر صاحب الترجمة من أعصاب قوية، وطبيعة أقوى منها، ولعل ذلك سر امتلاء بدنه، وقوة ~~شخصيته، وحدة خاطره، ومتانة طبيعته. # فلما بلغ الثامنة من عمره أدخله والده مدرسة عابدين؛ فتلقى فيها دروسه الابتدائية، وانتقل ~~منها إلى مدرسة المعلمين «النورمال» فأتم فيها علومه الثانوية، ونال شهادة البكالوريا، وكان ~~أول الناجحين في امتحانها من طلبة المدارس الثانوية. # تلك كانت أول بواكر هذا النبوغ، وذلكم مبدأ نضوج هذا الذهن القوي، ولا يني النبوغ يخرج ~~ثماره على ميعاد، وعلى غير ميعاد، وقد يبطئ في الظهور وقد يبتكر، وقد يمر الفتى بشبيبته ~~كلها صبيا عاديا لا غرابة حوله، ولا شيء يدهش من خلقه، أو من حديثه، أو من أثر ذهنه، ~~وقد تظل كذلك فإذا هو على مستهل الثلاثين، أو على ثنية الأربعين قد راح نابغة في قومه، ~~مكتمل الذهن، ناضج المواهب؛ فيعجب الناس لظهور هذه النادرة الجديدة، ويتساءل أقرانه، والذين ~~رأوه في صغره، وشهدوه في مراهقته، كيف أتيح لهذا الرجل الذي كان علما على الغباء، ومادة ~~التبلد، ووخامة الخاطر أن يبدو ms048 اليوم بمثل هذا الذكاء، ويتراءى بهذه الأعجوبة الجديدة، ومن ~~أمثال هؤلاء المتسائلين تضحك الطبيعة ساخرة؛ لأنها لا تريد أن تسير في أفعالها على ما يهوى ~~الناس، وأن تقرب نظامها من نظامهم، وتحاكي بين قوانينها وقوانينهم. # والنبوغ المبكر الوثاب من الطفولة الواضع علائمه في وجه الطفل، وهو يمشي إلى المدرسة؛ ~~التارك دلائله تبين في أخلاق الصبي ضاحكا وباكيا، وغضوبا ومارحا، وفي حركاته وفي سكونه، ~~يروح بطبيعته أقوى وأكمل من النبوغ الذي يأتي إذ تقبل الكهولة، وتتقدم السن؛ لأنه إنما يفيض ~~من نبعة مستمرة على الجريان لم تكن يوما ناضبة، ولم يكن معينها جافا لاصقا بالأرض، وهو ~~خارج من يد الطبيعة لساعته وعامه، طالع على الكون من يد الله المبدع العظيم، فلم يكن مخلوق ~~الأعوام، أو مجهود السنين والحوادث، أو نتاج الطوارئ في حياة الرجل، أو تطور العصر، أو ثورة ~~الزمن، كما يكون من النبوغ الذي يقبل متأخرا متمهلا، يمشي الهوينى إلى العالم. # ونحن فنرى أن للأصل والدم والمنشأ والأعصاب دخلا في نبوغ صاحب هذه الترجمة، فإنه ولا ريب ~~من عنصر آري لا أثر في تكوينه للدم السامي، وقد كان الآريون هم الذين فتحوا العالم، وأحدثوا ~~الحضارة، وكتبوا التاريخ بأيديهم؛ لأن ذهنيتهم أكبر وأقوى من ذهنية الساميين، وتركيب ~~أدمغتهم بخلاف تركيب أدمغة أهل العنصر السامي، وسلالتهم، كما يبدو ذلك الآن في تقاطيع وجه ~~هذا الوزير، وشكل رأسه ومزاجه وطبيعته، ومنازع نفسه؛ وأكبر ما يؤيد لدينا هذا الرأي، ويوحي ~~إلينا أننا على الحق فيما ظننا هو أن جده الأعلى حضر إلى هذا الوادي، واستوطن هذه البلاد ~~بعيد الفتح العثماني، فهو منحدر من أصلاب متينة، وسليل جندية راعت العالم كله يوم بسطت ~~سلطانها على هذا الوادي، وقد كان للهواء السجسج في هذه البلاد، والنسائم العلائل الرواحة ~~الهادئة أثر في تخفيف حدة هذه الجندية الخشنة الرائعة. # وقد شهد هذا التأثير جميع الذين انحدروا من أوطانهم للمقام في مصر؛ فقد تطورت أذهانهم؛ ~~وتغيرت أمزجتهم، ودخل عليها أثر هذا الجو الهادئ، فجعلهم يحملون دلائل أصلهم في وجوههم، ms049 ~~وتأثير المناخ الذي استوطنوه في أمزجتهم وطبائعهم ، وقد تجلى ذلك في عهد المماليك؛ إذ ضعفت ~~على مر السنين روح الجندية التي كانت مكينة في نفوسهم، ووهنت في أرواحهم صبوتهم إلى الحرب، ~~وشوقهم إلى الحومة؛ لأن جو مصر إنما يخرج كما قال العلامة الطلياني لومبروزو في كتابه ~~«الرجل العبقري» زراعا، وعملة، وحراثا أكثر مما ينتج جنودا وشجعانا، ومساعير حرب، ~~وتعليل ذلك أن البلاد السهلة التربة، الخفيفة الأرض التي لا تطول فيها الجبال، ولا تتحجر ~~الأراضي لا تتطلب من الرجل إجهادا في سبيل رزقه، ولا تسأله كدا متواصلا في سبيل البحث ~~عن قوته على حين نرى القوم في البلاد الصحرية الكثيرة الأجبال، لا يجدون العيش سهلا ~~ذلولا، ولا يقعون على طعامهم إلا من بين الصخور، وفي بطون الأرض يشقونها أحافير ومناجم، ~~وفي العمل الشاق المنهك للقوى، المتعب للأعصاب، ويوم يجد الرجل رزقه ومؤونته بلا مشقة، ويرى ~~العيش أنضر على حبل الذراع منه يصفو مزاجه، ويعتاد الراحة، ويسكن إلى الخمول، ويروح وديعا ~~مبتسما للحياة ابتسامتها له، ساخرا من الزمن؛ لأنه لا يكلفه غير طرح البذور، وترك الجدول ~~الفضفاض ينساب في حقله، فإذا هو واجده بعد أيام زرعا ناضرا أخرج شطأه، وإذا الأرض مدرة ~~عليه طعاما وخيرا، ومثل هذا الرجل لا يكون إلا وديعا مسالما ضحوكا مفراحا، لا يحمل ~~حزنا، ولا يجلد على أسى، ولا تجد للكبرياء أثرا في نفسه، ولا للخشونة عنصرا في خلقه؛ إذ ~~لا تقع الكبرياء والزهو إلا للرجل الذي يعلم أنه إنما يجد الطعام بشق النفس، ويحمل على نفسه ~~ليكون سيدا رافع الرأس، لا بالمتكفف، ولا بالسائل المحروم. # وكذلك نحن في بلدنا هذا الخصيب، فكما يجري النيل متبسما للشمس، وهي تلاعب صفحة أمواهه، ~~ضاحكا للقمر المبتدر يبسط أشعته الفضية عليه ليلتحف به غطاء حلوا فخما، يعم صدره، وكما ~~يتدفق صافيا عذبا فراتا، ويفيض لا صخابا ولا غاضبا، عاتيا طاغيا على الناس في ~~حقولهم، ترى أهل واديه كذلك صفاء نفوس، ونقاء أرواح ووداعة، ومراحا وضحكا، وابتساما، ~~ومزاجا رقيقا، وصفحا، وتهاونا، وتسامحا. ms050 # وإذا كان صاحب هذه الترجمة قد ورث عن آبائه روح الجندية، ومتانة الخلق، وصلابة الإرادة؛ ~~وذلك الشمم المتسامي، فقد أخذ عن هذا الوادي كما أخذ آباؤه كذلك منذ استوطنوا هذه الأرض ~~فضيلة الوداعة، ولين العريكة، وابتسامته الدائمة التي لا تفتر عن ثغره. # وإذا كانت تلك الجندية المتمكنة من خلقه المتأصلة في روحه لا تزال تبدو في حياته المدنية ~~في تلك البسالة التي يواجه بها أحداث هذا العصر، وتلك الإرادة الفتية التي يحمل بها على ~~أحرج المواقف، وأشد الظروف عنتا وإرهاقا وتعقدا، وتلك العظمة التي يتجلى بها في منازعته ~~على الحق أعداء بلاده، فإن ما اكتسبه من الروح المصرية لا يزال يبدو في مزاجه الصافي، وفي ~~وداعة أخلاقه، ولطف حديثه. # ونحن ما رأينا في كبار رجال الحكومة، ولا في الوزراء الذين اعتلوا منصات الحكم في بلادنا ~~هذه رجلا محدثا عذب المحضر، رفيق الحاشية، لطيف السمر، بسام المحيا كوزيرنا الأول؛ فإنه ~~ليتبسط في الحديث، رافعا الكلفة، متجاوزا عن كبرياء المنصب، ناسيا روعة المقعد في ~~الحكومة، فلا يمل المستمع له حديثا، ولا يرى على كلامه ومنطقه شيئا يتكرهه أو يغضبه، أو ~~يغريه بالنهوض من مجلسه، أو التعجل في الاستئذان من حضرته حتى لترى أبلغ الناس حديثا؛ ~~وأظرفهم فكاهة، وألطفهم في الكلام مدخلا على النفوس ليفقد نفسه في حضرة هذا المحدث الرقيق ~~البديع الحديث أكثر من متكلم، وتضؤل فكاهه بجانب فكاهة جليسه، ولا ترى لصاحب الترجمة فيما ~~قرأنا عن النوابغ، والعبقريين شبيها له من هذه الناحية قرينه من هذه الوجهة الممتعة غير ~~صمويل جونسون الكاتب الشاعر المخلد، فقد كان أبدع أهل عصره حديثا، ودعابة وسمرا، حتى إنه ~~يوم وضع القلم لا يكتب؛ مضى نشيط اللسان، فياضا بالحديث؛ يضع سلطانه على نفوس سامعيه، ~~ويجتذب أفئدة القوم برقة ندواته، وكانت مواهبه الكلامية لا تقل عن نبوغه الشعري، فكل كلمة ~~تخرج من شفتيه تحمل السامعين إلى أبعد ما يأخذهم المدح والإعجاب، ولكن لم يكن على كلامه أثر ~~من تلك «الشطحات» المترامية التي كانت في شعره، بل كانت ms051 أحاديثه آية البساطة والسهولة ~~واللطف، والمتانة في آن واحد. # وكذلك كان الخطيب والسياسي المخلد إدموند بيرك معاصر جونسون، فقد كان إذا غاب هذا عن ~~الندوة تولى هو التحدث، والتسامر مع الأعضاء، وكانوا جميعا من كبار رجال العصر بين كتاب ~~وشعراء، وساسة وأشراف وحكوميين، فلم يكن بيرك يقل في فكاهاته، ولطف أحاديثه عن صديقه ~~الغائب، ورأس المحدثين الفاكهين في عصره ذاك. # وإذا نحن تدبرنا هذه الشجاعة الأدبية التي نرى في كل يوم آثارها من صاحب الترجمة، وجمعنا ~~إليها هذه الفضيلة الكلامية الحلوة، العذبة المحضر، ذكرنا ما كان من القائد مالبرا؛ إذ قال ~~عنه الشاعر الروائي ويليام ثكرى: إنه ليقف أمام فوهة المدفع مبتسما، كما يقف في قاعة ~~الاستقبال لتحية الأضياف. ~~••• # وكان من أثر هذا النبوغ المبتكر أن دخل المترجم به مدرسة الحقوق في الربيع السادس عشر من ~~عمره، وذلك عام 1889 أي في تلك السن التي كان أقرانه في هذا العمر لا يزالون في المدارس ~~الابتدائية طلبة طوالا، قد نبت عذارهم في صفحات وجوههم، وفرعت قاماتهم، وصلبت أعوادهم، ~~ويوم كانت برامج التعليم أدق منها اليوم، وأوسعها مادة، وأكثر دروسا، وإذا عرفت ذلك، ثم ~~علمت أنه كان أول فرقته في جميع سني مدرسة الحقوق، أدركت روعة هذا النبوغ الذي بدأ منذ صباه ~~ناضجا فارعا مستفيضا، وكان خليقا بذلك الصبي الذي يمشي في باحة المدرسة أن يكون له شأن ~~يذكر في مقتبل عمره، ومستهل كهولته؛ لأن الطبيعة أعدته منذ ذلك اليوم لعمل عظيم، وأرادت به ~~حدثا خطيرا في تاريخ هذه الأمة، وقادته إلى طريق الحقوق؛ لأنه كان أبدا سبيل النوابغ إلى ~~الوزارات، ومعهد تخريج قضاة الشعب وقادته، وزعماء الرأي فيه، وقد كان له في تلك المدرسة ~~أقران ولدات، ولكن الطبيعة لم تنتخب منهم لعملها الذي انتوته لبلدنا هذا أحدا غيره، وقد ~~خمل أولئك، ونبه هو؛ لأنه من صفوة من اختارتهم الطبيعة لقضية الشعوب، وأماني الأمم. # ولا غرو إذ اهتدت الحكومة إلى مواهبه منذ صباه، وتوسمت فيه ما حدث منه في رجولته؛ إذ ~~اختارته ms052 بعد نوال إجازة الحقوق من تلك المدرسة للسفر إلى بلاد الغرب؛ لإتمام علومه، ونوال ~~إجازة الدكتوراه النهائية؛ إذ أوحي إلى ناظر المدرسة يومذاك وهو مسيو تستو أن في أثواب ذلك ~~الفتى بواكر عبقرية متجلية ساطعة النور؛ فرفع إلى أولي الشأن تقريرا يوصي بأن لا تفرط ~~الحكومة في تلك المواهب، وتتزاور عن هذا النبوغ الفتي المتقد، وأن ترسله إلى أوروبا ليأخذ ~~من فيض ذلك العلم الذي نبع نبعه في تلك البلاد، فنزلت الحكومة على رأيه، وصدقت نبوءته، ~~ورضيت بمقترحه؛ فأجازت سفره، وقررت له مرتبا استثنائيا يكفل له النفقة مدة دراسته، ولم ~~تكن تلك الفترة فترة بعثات علمية ولم يكن عصر الإرساليات، ولم تكن العادة أن ينقد الطالب في ~~جامعات الغرب راتبا ينفق منه؛ ولكن الحكومة كانت في ذلك متابعة سنة من سنن الإلهام ~~السياسي؛ إذ بينا ترى الحكومات يوما مشترعة نظاما إذ هي مبطلة مثله، وهي لا تدري لم أنفذت ~~ذاك، وأبطلت غيره، ثم لا يلبث الزمن أن يظهر فساد ما فعلت، أو صلاح ما اشترعت. # على أن القدر أبى أن تتم الفكرة، وشاءت الظروف أن تحول دون تنفيذ هذا المقترح؛ إذ اتفق أن ~~كان والد المترجم به يومذاك مريضا مرض موته، طريح الفراش على سرير منيته؛ فتضاربت في فؤاد ~~ذلك الفتى عاطفتان، كل منهما تدفع الأخرى وتجتذبها، وتريد الغلبة عليها، عاطفة الشوق إلى ~~العلم، وعاطفة الرحمة والبر بأبيه، ولكن لم تلبث الغريزة أن انتصرت على نزعات الذهن، ولا ~~تجد الغريزة مصطدمة، وأية عاطفة إلا انتصرت في النهاية فائزة. # وهكذا آثر الفتى أن يبقى بجانب أبيه المريض على أن يحمله طلاب التوسع في العلم إلى بلاد ~~قصية، وأبوه في محضر المنون، وأشفق من أن يلفظ الرجل أنفاسه التي طالما أجهدها في سبيل ~~تربية فتاه، والقيام على رعايته، وهو عنه غائب، فلا يودعه الوداع الأخير. # ولم يسافر المترجم به كما كانت النية، ولم يرتحل عن مصر كما كان مقترح الحكومة، وماذا ~~كانت تلك الإجازة التي كانت تنقصه لتجدي عليه أو تنفعه، وله ms053 من ذهنه الخصيب، وتفتح الكتب ~~أمام عينيه، والتربية الاستقلالية التي كانت عند منال يده؛ ما يذلل له سبل الاكتمال من ~~العلم، والتوسع في القانون، ويفتح أمامه مغاليق الفكر والرأي، ولعمركم متى كانت المدرسة ~~معهد النبوغ، ومتى مضت الجامعة منتجة العبقريات، وهل النوابغ يستمدون من الجامعات شيئا من ~~مواهب نبوغهم إلا أن يحرزوا المبادئ الأولية لإظهار قوة أذهانهم، وحدة ذكائهم، ثم ينطلق ~~نبوغهم بعد ذلك ركضا لا يلوي على شيء. # وقد رأينا شبابا خرجوا من المدارس فكانوا أعظم أذهانا من معلميهم، وأكبر أسماء من ~~أساتذتهم، فذاع ذكرهم، ومضى معلموهم خاملي الذكر، مغمورين، لم يصيبوا هم من الخلود شيئا، ~~وأصابه تلاميذهم، وأين الذين علموا أمثال: شكسبير، وجونسون، وديكنز، وراسين، وكورني، وبت، ~~وبسمارك، ومولتكي، وغيرهم، لقد جهلتهم الإنسانية، ولم تحفل بمعرفة أساميهم، أو البحث عن ~~حياتهم وماتوا، وكأنهم لم يكونوا، وكأن أولئك المخلدين العظماء لم يتلقوا عن معلم، ولم ~~يتخرجوا عن أستاذ، ولم يأخذوا عن أحد في حلقة درس، وفي فرقة من فرق الجامعة أو المعهد، بل ~~كأنما خرجوا من يد الطبيعة جاهزين مفصلين، يحملون العلم من المهد، ويشعرون في أعماق قلوبهم ~~بوحي الفنون كلها، وكيف يحتاج النوابغ إلى المعلم، وتعوزهم إجازات المعاهد، وهم الذين ~~يخلقون العلم، ويكشفون أقطارا جديدة منه، ويأخذونه إلى الشاطئ؛ فينظفون ما يعلق من الأوساخ ~~به؟ وما جملة علوم هذه المدينة وفنونها وآدابها إلا من عمل النوابغ والعبقريين، لا من صنع ~~حملة الشهادات، والمزهوين بالإجازات، والألقاب العلمية، والكنى الأدبية التي تجعل لأسمائهم ~~ذيولا طويلة وراءها. # ونحن قد بعثنا إلى الغرب وجامعاته عددا عديدا من شبابنا، وأطلقنا فتيانا من سجون ~~مدارسنا إلى حرية المعاهد في بلاد الحضارة والقوة والعلوم، وقد تكاثر في الأعوام الأخيرة ~~علينا أولئك الذين عادوا بإجازاتهم العالية، وباللحى المعفاة، وبالمناظير الأستاذية، ~~وبالألقاب السربونية، وغير السربونية مما لا نعرفه، ونفزع منه، وتأخذنا الهيبة عند سماع ~~نبئه. # ولكن كم من هؤلاء أحدثوا انقلابا في مادة العلم لدينا، أو غيروا وجهة الأدب عندنا، أو ~~أثاروا نهضة اجتماعية كبرى، أو خلدوا ms054 أسماءهم، وأرسلوها مع الشمس تجري فوق رؤوس الناس ؛ ~~فتبهر أنظارهم، وتدفئ أرواحهم؟ وأين الكاتب العبقري الذي أخرجته الجامعة؟ وأين قلم الوحي ~~الإلهي الذي نشأ في المعهد؟ وأين المشرع العظيم الذي وثب من كلية القانون؟ وأين المهندس ~~الصنع، الحاذق الجديد الذي جاءنا من البلد القصي على صفحة البحر الأبيض؟ وأين الكتب ~~والتآليف التي كانت نتاج الدرس في الجامعات والأسفار، والأبحاث، والمخترعات، والمبتكرات ~~التي خرجت وليدة الذاكرة والبقاء أعواما طوالا في الكليات؟ # لم نر شيئا من ذلك في صفوفنا، وإن رأينا خلقا كثيرا جاؤوا بشهادات عالية، ولم يجيئونا ~~معها بشيء من ثمرات تلك الشهادات أو دلائلها، بل هؤلاء إنما يزيدون في كل عام قوائم أسماء ~~المحامين، أو يندمجون في وظائف الحكومة، فلا يفضلون الحكوميين الذين نشأوا في مصر، وتخرجوا ~~من مدارسها، وأخذوا العلم عن معاهدها، أو يفوقونهم في كثير أو قليل، ولم تزدد نهضتنا بهم ~~شيئا، أو تمتن أصلابها فتحتمل زوبعة الحياة، وتجالد مطالب العصر. ولو أنك أحصيت عدد الذين ~~فقدتهم هذه الأمة في بلاد الغرب، ومدارسها، وخابوا في البحث عن الشهادات يزجونها إلى دوائر ~~الحكومة للظفر بالوظائف المنتخبة الرقية، والذين عادوا إلينا وقد فقدوا جنسيتهم، واستنكروا ~~أن ينتسبوا إلى بلدهم، أو يذكر أمامهم وطنهم، والذين رجعوا ولم يظفروا بإجازة أو شهادة إلا ~~إجازة زواج بفتاة دميمة، أو امرأة نصف مطلقة، أو عذراء لم تجد في بلدها فتى يتطلع إلى ~~البناء بها، ولم تر خطابا يتزاحمون عليها، فكأنما ذهبوا لهذا، وكأنما عز عليهم أن لا ~~يعودوا بشيء مما ذهبوا لأجله؛ فعادوا بخفي حنين. # نعم، إنك لو أحصيت عدد هؤلاء وأولئك، لعلمت أنه لا يشفع عدد من نجحوا في مدارس الغرب لعدد ~~الذين أخفقوا، ولا يستطيع أولئك أن يعتذروا لهؤلاء، وأن ما استفدنا به من شبابنا الذين ~~جاؤونا بالإجازات العلمية لا يقع في شيء إذا قورن بنكبتنا من وراء ذلك، والضرر الذي لحق ~~كياننا من أثر ما فعل المخفقون الراسبون الراكدون منهم، وحسبك ما كان من جراء هذه الزيجات ~~الأجنبية، وما بلتنا به، ms055 حتى أصبحنا نجد ألوفا من فتياننا في منازلنا من غير زواج عانسات، ~~لا يجدن خطابا، أو «منتظرات»، والشباب غير منتظر، والجمال متحول غير معمر، وقد أصبح كثيرون ~~من الآباء يدفعون ببناتهم، وثمرات تربيتهم إلى أول خاطب مخافة أن لا يكون وراءه خاطب آخر، ~~وفي ذلك من نذير الشقاء، وتهدم الأسرة، وفساد العيش ما فيه، وكأنما هؤلاء الشباب لا يرون في ~~بلدهم ولا فتاة واحدة تصلح لواحد منهم، وأن أولئك الفتيات المهذبات اللاتي رأينا ما فعلن في ~~وقدة هذه النهضة، وما أسهمن به في الوطنية الصادقة لا يصلحن أزواجا، ولا يرقن في أعين ~~الشباب «المستغربين»، ولا تصلح كلمة «مدام» لفتاة منهن، وكأن فتياتنا المطالبات اليوم بحق ~~الانتخاب في نظر أولئك الشباب الذين غرتهم الحضارة الغربية، وخدعهم زخرفها، ولين ملمسها، ~~ونعومة مظهرها لا يحاكين في ذهنيتهن، وآدابهن، وعلو مداركهن تلك البضاعة النسائية التي ~~وردوها لنا من حلقات الدرس في الغرب، ومن الإجار الفقيرة التي كانوا يسكنونها في ~~الجامعة. # وكذلك ترى أن كثرة الخريجين، وحملة الشهادات العالية لم ترتفع بنا، ولم تنهض بحالتنا ~~الاجتماعية من البلاء الموكل بها، وأن ما نخسره من ورائها أكبر مما نجنيه منها، ونحن رأينا ~~كثيرين أتموا دروسهم في الغرب، وعادوا بالدكتوراه، والإجازات النهائية، ولم تتح الأقدار ~~لصاحب هذه الترجمة: إن يكون في الذين ذهبوا للعودة بها؛ فتخلفوا هم، واستبق المترجم به، وما ~~شهدنا من نبوغه في القضاء، ومن عمله في المناصب القضائية التي تولاها، ثم تنقل فيها يؤيد ~~رأينا أن النبوغ إنما يسخر من الشهادات، وأن العبقرية لا تنقصها الإجازة، أو الجلوس في ~~الجامعة العالية. ~~••• # وإذا كانت الحكومة قد أخفقت في فكرتها التي أرادت تحقيقها في مبدأ أمرها من إرسال المترجم ~~به إلى جامعة أوروبية لإتمام دروسه على نفقتها؛ لأن القدر وقف في طريقها وطريقه، فقد أبت ~~إلا أن تدخره لنفسها، ولم تشأ أن ينطلق من يديها ليسلك نفسه في المحاماة، أو في عمل حر يسد ~~به ثلمة في صفوف العاملين الأحرار الخارجين عن مكاتبها؛ فدخل المترجم به ms056 أول ما دخل في ~~وظائف الحكومة في قلم قضايا الدائرة السنية، ولبث كذلك ردحا من الزمن يظهر فيه نبوغه، ~~وتتجلى فيه عبقريته القضائية حتى اهتدى إليه رجل من كبار رجال الحكومة يومذاك، وهو السير ~~جون سكوت، وكان يشغل إذ ذاك منصب المستشار في وزارة الحقانية، فراعه ما رأى من وحي ذكائه، ~~ومن أمارات التفوق تبدو على صفحة وجهه، وفي أضعاف العمل الذي بين يديه، وفي الهمة المتقدة ~~بين أضلاعه، والتوثب إلى البروز والنهوض من مكانه ذاك؛ فاختاره ليكون كاتم سر للجنة ~~المراقبة القضائية. # وقد كانت تلك الخطوة الأولى في طريقه إلى المجد، وسبيله إلى التفوق، وإظهار عظمة ذهنه على ~~الأقران واللدات، فما زال يشغل تلك الوظيفة في اللجنة، ووظيفة المفتش بها، ويترقى في ~~المناصب القضائية حتى عين بعد ذلك وكيلا لمحكمة قنا. # ومضى زمان وهو في مكانه ذاك حتى ألهم المستر برونيات (سير ويليام برونيات بعد ذلك) أن ~~يعمل على تعديل النظام الإداري لوزارة الحقانية؛ فوضع تقريرا مطولا عن ذلك، فلم يلبث ~~المترجم به أن نقل من القضاء إلى الإدارة؛ إذ عين مديرا لإدارة المحاكم الأهلية. # وكذلك انتقل المترجم به من مناصب القضاء إلى وظائف الإدارة للمرة الأولى، ويلوح لي أنه ~~كان يؤثر الأولى على الأخرى؛ لأن عبقرية الحكم في الناس، والبت في خصوماتهم، وإقامة منارة ~~العدل بينهم، كانت مكينة في نفسه، متأصلة في أعماق روحه؛ لأن في ذلك معنى النشاط، ومضطربا ~~لحدة الذهن، ومجالا لسعة الخاطر، ونفوذ البصيرة، وبعد مطارح الرأي، وليس القاضي إلا ممثل ~~الملكية، والنائب عن الإمارة، والمفوض في الحكم عن الولاية، وهو منصب يدني صاحبه إلى الناس، ~~ويدني الناس منه، ويقرب إليه فرصة فهم الناس على حقائقهم، وتعرف منازع نفوسهم، وإدراك نفسية ~~المظلومين والظالمين معا، وليست ساحة القضاء إلا حلقة درس للقاضي، ومعهد بحث، ودار فحص، ~~فإذا كان القاضي بعيد النظر، عميق الفكر، قوي الشخصية، استفاد العدل منه، واستفاد هو من ~~منصبه؛ إذ يجتمع جلاله بجلال مقعده، وتلتقي روعة شخصيته بروعة سدته، وعلى قدر قوة الشخصية ms057 ~~في القضاة، تكون قوة الإنكار في المجرمين، وليس القضاة إلا من كبار علماء النفس، وليست ~~شخصيتهم إلا أول مطلب لمناصبهم، ورب قاض اهتدى إلى المجرم من الجلسة الأولى. # وفي أثناء اشتغاله في الوزارة انتدب فوق أعماله للقيام بأعمال القضاء في محكمة أنشئت ~~للأحداث في القاهرة عام 1905، وقد وضع عنها تقريرا مستفيضا وافيا، أثبته المستشار ~~القضائي في ذلك العهد برمته في تقريره السنوي، مثنيا على كاتبه أجمل الثناء، معترفا له ~~بالقدرة، مقررا أنه من القضاة الشباب الذين برزت كفاءتهم، وعلت مقدرتهم، وتجلت عبقريتهم في ~~مناصبهم. # وفي الحق، كل من قرأ ذلك التقرير، واستوعب ما جاء بين دفتيه رأى أدلة ساطعة على التفوق ~~الذهني، والبراعة القانونية، والتحليل النفساني الدقيق، ويشهد غلالة رقيقة من الأدب، ونسجا ~~بديعا من أساليب الكتابة. # والناس في بلدنا هذا قد اعتادوا أن يظنوا أن كل رجل منا يظفر بمديح، أو اعتراف بكفاءة من ~~رجل من الإنكليز إنما يصيبه من طريق الممالأة، ولا يناله إلا كما ينال المولى الذليل كلمة ~~تشجيع، أو خير من سيده، وأن الإنكليزي لا يكون معترفا إلا إذا كان مملوقا ممن اعترف له، ~~محبوبا منه، عونا له، صنيعة معه على سياسته؛ لأننا عشنا على النفاق جيلا طويلا، وتعلمنا ~~الملق والمداهنة، إذ ظننا ذلك سبيلا إلى الحظوة، مطية إلى التفوق في المنصب، والصعود إلى ~~المقاعد العالية، فحسبنا كل ابتسامة من الإنكليزي علما على الخيانة، ودليلا على الممالأة، ~~وإشارة إلى المصانعة، وقد يصح هذا على قوم ارتفعوا بهذه الوسيلة، وبلغوا الغاية بهذه ~~السبيل، ولكن العظمة الذهنية قمينة أن تحمل عدوها على التهيب منها، والاحترام لها، ~~والاستكانة أمامها، وإذا ظفر النابغة من نوابغنا في الحكومة بشهادة من رئيسه، أو كلمة مديح ~~من الإنكليزي، فلا يكون الإنكليزي فيها إلا صادقا، ولا يكون إلا مكرها على تلك الشهادة ~~إكراها بدافع نفساني، ودهشة في أعماق نفسه؛ إذ يرى في الأمة المحكومة به عبقرية تصدعه ~~وتروعه، وتملك عليه نفسه، وتغريه بأن يظهر ما كمن في صدره من الإعجاب بها، والخشوع أمام ~~مظهرها ms058 وجلالها، وقلما ظفر منا النوابغ بهذه الشهادة، وندر من أصاب أمثال هذا الاعتراف، ~~بينا ترى ألوفا منا يظفرون بابتسامات الإنكليز وتحياتهم، ودلائل التحبب إليهم، ومساعدتهم، ~~والمشي بهم إلى المناصب السامية، ولو اطلعت إلى قلوب أولئك المادحين المزهوين المتكبرين ~~لرأيت أشد الاحتقار يكمن في إضعاف نفوسهم لهؤلاء المالقين الأذلاء، وشهدت العبث والسخرية ~~مستعرة في حنايا ضلوعهم لهم. # وأما الأذكياء منا، وأهل الضمائر الحية التي لا تصبر على ما يهين أصحابها، أو يغريهم ~~بخيانة بلادهم، والنوابغ العاملون المالئو مراكزهم بحق، فإنما إذ يصيبون مدائح الإنكليز ~~يغتصبونها اغتصابا، وينالونها منهم قسرا وانتهابا، بما يدخل على نفوس رؤسائهم من الرهبة، ~~والإعجاب بتلك الشخصيات القوية؛ والضمائر المتقدة الوثابة، والأدمغة الناضجة، ودلائل ~~النشاط، والوطنية العاملة. # ولعمري ما كان بالمديح أن يقال عن صاحب الترجمة: إنه من الأذكياء، وما كان ثناء أن ينعت ~~بالكفاءة، ويوصف بالمقدرة، ويشار إليه بالنبوغ، فتلك معالم ذلك ظاهرة في كل عمل تقلده، وفي ~~كل منصب اعتلاه، ولم يكن المادح شاعرا كاذبا، ولا مشجعا محبذا، ولو أنها جاءت من أي ~~إنسان آخر غيره، لكانت من تحصيل الحاصل، ومن الأمور التي بدهت الناس جميعا، ولا حاجة إلى ~~إعلانها؛ لأنها معلنة عن نفسها، ولكنا إنما نغتبط بها، ونقف أمامها مثلجي الصدور، لما يختفي ~~تحتها من ذلك المعنى البليغ الذي نشعر به، وهو شهادة العدو بالفضل، ومغالبته الكتمان، ~~وإنكار المقدرة، وعجزه عنها، ووثوب ما في ضميره على ما في ذهنه من مبادئ رمي المحكومين ~~بالجهالة، وتنقصهم، والتجني عليهم بالخمول، وضعف الأذهان، والإقفار من النبوغ ~~والذكاء. # وفي عام 1907 خلت وظيفة مستشار في محكمة الاستئناف الأهلية، فانتقل صاحب الترجمة إليها، ~~وكان ذلك تحقيقا لرغبته، وإنفاذا لطلبه؛ إذ كان مكانه في الإدارة، قد أغراه بالعودة إلى ~~مكانه في القضاء، وقد شاقه أن يجلس في الناس مجلس الحكم، ويرى الناس جناة ومجنيا عليهم؛ ~~ليعود إلى دراسة أخلاق الإنسانية، وطبائعها، وشهوات أنفسها، ومنازع غرائزها. # وأبى إلا أن يرجع إلى منصة القاضي، وينصب في مقعد المستشار، على الرغم من الإلحاح عليه ms059 ~~كثيرا في البقاء بوظيفته في الإدارة القضائية، والعدول عن مناصب القضاة، والسكون إلى ~~الإدارة في الوزارة؛ فلم يجد ذلك الإلحاح، وأصر على طلبته فكانت له. # ولكنه لم يلبث طويلا في ذلك المنصب، بل اتفق له في شهر نوفمبر من العام بعينه 1907 أن ~~طلبت وزارة الداخلية إليه أن يكون مديرا لأسيوط، فلم ير من حيلة له إلا قبول ذلك المنصب، ~~ولكنه اشترط لنفسه حق الرجوع إلى منصب القضاء في محكمة الاستئناف إذا قدر له يوما أن يعود ~~عن الإدارة إلى سابق مكانه، أو إذا أراد هو أن يعود بدافع رغبته، ومن تلقاء نفسه. # فلما نزلت الحكومة على رأيه، وصدقت بشرطه، واعتمدت مطالبه، وتولى منصبه الجديد في مديرية ~~أسيوط، لم يلبث أن أنعم عليه برتبة «الميرميران» الرفيعة. # ولما اعتزل المستر كوربت النائب العمومي خدمة الحكومة في عام 1908 وقع الاختيار على صاحب ~~الترجمة ليخلفه على ذلك المنصب، فعرضته عليه يومذاك؛ فلم يتقبله إلا بشروط اشترطها على ~~الحكومة صونا لأهميته، وما يجب أن يكون لمتولي ذلك المنصب من حرية العمل. # وكان المترجم به رهيبا في مكانه ذاك، قوي الشخصية في ذلك المنصب، محترم الجانب حتى أمام ~~وزيره، وقد وقع في ذلك العهد من الأحداث السياسية ما حدا بالمترجم به إلى المرافعة في ~~كبرياتها. # ولعل الناس لا يزالون يذكرون وقفته تلك في قضية الورداني، وتلك المرافعة البليغة المتدفقة ~~الفياضة التي راح يصبها في أسماع الناس في ساحة المحكمة، فقد مضت بلاغته صدرا إلى صدر ~~بجانب البراعة في القانون، والتعمق في البحث، والإيغال في صميم أسفار القضاء. # ولكن أعجب ما يروقنا منها، ويقع من نفوسنا عند قراءتها روح الفكاهة، وعبقرية اللعب ~~بالألفاظ، والسخرية والتهكم المرير، فإنك لتتبين من خلال سطورها قطعة من روح المزاح الفكه ~~السخار من الإنسانية، ومضاعفها، ومناقصها، ومعايبها، شارلز ديكنز، الذي أراد أن يبكي ~~الناس، فإذا العبرات مستهلة، والشؤون مستدرة، منهلة لقراءة كتبه، ثم عجب لهم يبكون منه ~~ويستعبرون، ثم لا يضحكون؛ فوقع في نفسه أنه لا بد مضحكهم مدخل السرور ms060 على نفوسهم، فلم يلبث ~~أن واتاه ذلك؛ فدخل على القوم من أبواب متفرقة من التهكم والعبث، والسخرية والمزاح، فكان ~~أقدر الناس على ذلك، وأبلغ الكتاب مزاحا، وفكاهة وسرورا. # والروح الفرحة لا تزال تدخل على العظيم، وتختلط بخلقه، وتستقر في قرارة نفسه، ونحن رأينا ~~كثيرين من العظماء سخارين من الدنيا جميعا، حتى من أنفسهم، هزائين بالحياة، وسخافة ما ~~اجتمعت عليه، وقامت فوق أساسه، أما العظمة المتجهمة العابسة المتكبرة التي تخشى أن تبتسم ~~للناس، فيدنون منها غير خائفين شيئا من جلالها، واكفهرار طلعتها، ويقتربون في سكون ~~أعصابهم، لا رهبة في نفوسهم، ولا جزع يتغلغل إلى إضعاف أفئدتهم، فتلك عظمة مقفلة موصدة ~~الأبواب، معتزلة تحرق نفسها في جوفها، وتتأكل بعضها، وتعيش في صحراء من نفسها، وقد تضل ~~طريقها في تلك الصحراء، ويبلغ منها الظمأ والجوع؛ فتقضي نحبها، ولم يسمع الناس عنها نبأ، ~~أو تموت منقوصة العمر، أو فاقدة حقها من تقدير الإنسانية، وإكبار الجيل، وحب العصر. # ولكن ذلك التواضع الذي يقع لطائفة من عظماء النفوس، وتلك المائية في روضة أخلاقهم، وحديقة ~~أرواحهم، وذلك الصفاء الذي يعم ذهنيتهم، ويتبدى في مزاح لبق، ونكتة طريفة، وكلمة حلوة، ~~وضحكة متفتحة ضاجة ثوارة موسوسة، وابتسامة تملأ الحياة أملا، وتشع على الدنيا رجاء، وفرحا ~~وطربا، كل أولئك سجايا طيبة لو أتيحت للعظيم ملك ناصية القلوب، واستأسر الأفئدة، وجعل ~~الجيل كله الذي يظهر فيه فرحا مشرقا بما يحبوه من التواضع الجميل، الذي يتلقى أصغر الناس ~~بأجمل ما يتلقى كبارهم، وأهل الخطر والمكانة فيهم. # ولقد اجتمعت كل تلك الشيم في صاحب هذه الترجمة، واختلطت بشخصيته، وامتزجت بخلقه، فما شئت ~~من سماحة ووداعة ولين عريكة، وتفتح صدر لأصغر الناس شأنا، وما أردت من رقة حاشية، وفرحة ~~أدب، وتظرف، وعذوبة محضر، وإنه ليفيض على المجلس من فكاهاته، وخفة روحه، ورياض أدبه، وتهكمه ~~في رفق، وعبثه في تأدب واحتشام؛ حتى ليكاد سامعوه ينسون جلال منصبه، ورهبة مكانته في ~~الحكومة، وعظمة نفوذه وسلطانه، وكأنما يجلسون إلى رجل نفض يده من شؤون الشعب، وتحلل من ms061 كثرة ~~العمل، وأقال ذهنه من التفكير في صالح الجماهير، والاهتمام بما يجدي على الأمة في حياتها، ~~ومستقبل شأنها، وكأنهم في حضرة رجل منهم، وفرد بسيط اعتيادي من صفوفهم، وقد بدا ذلك كله كما ~~قدمنا في تلك المرافعة الكبرى التي حشدها في قضية الورداني، وفي تلك الفكاهات، والعبارات ~~الرقيقة؛ والوصف الدقيق، والتهكم بالمجرم، والعبث بخلقه، وتصوير طبيعته، ورسم شخصيته، ~~ونزعاته حتى ليقرأها الإنسان اليوم فلا يني يرى عليها طلاوة الجديد، وملاحة الشيء المستطرف ~~الذي خرج لتوه وساعته من فم قائله، ويلوح لنا أن تلك الروح التهكمية المزاحة تكاد تشبه ما ~~وقع للكثيرين من الساسة العظماء، والأدباء الكبار؛ إذ كانوا يضحكون من الحوادث حتى في أحرج ~~المواقف، وأخطر المواطن، وأبعثها على الوجوم والألم، والحيرة والارتباك. # وكذلك مضى صاحب الترجمة في منصب النائب العمومي نشيطا دؤوبا، مالئا مكانه، مرسلا عليه ~~جلال شخصيته، جامعا بين خطورة المنصب وخطورة ذلك الذهن المتقد بشعلة الذكاء، ومتانة ذلك ~~الخلق القوي المكين. # حتى إذا كان شهر إبريل سنة 1914 قبل نشوب الحرب الكبرى ببضعة أشهر عهد إلى صاحب الدولة ~~الرجل الخطير المفعم بالعاطفة، الممتلئ وجدانا، السريع إحساسا، الشفاف روحا، حسين رشدي ~~باشا بتشكيل وزارة جديدة؛ فدفع إلى المترجم به وزارة الحقانية. # فكان في مسند الوزارة هو هو يوم كان في كرسي النائب دأبا وعظمة، ورهبة واتساعا لكل ما ~~يتطلبه المنصب، واضطلاعا بكل أعباء تلك الوظيفة السامية؛ فظل بجانب ذلك الرئيس الوطني ~~الجليل، وزميلا لصديقه الوفي الأمين، كما قال عنه في خطبته بفندق الكونتنتال صاحب الدولة ~~عدلي باشا يكن. # ونحن نسجل في كتاب تاريخ البسالة الوطنية إباء تلك الوزارة السكوت على حق وطنها، ونضحها ~~عن مطالب بلادها، والتشدد في المطالبة، والاستمساك بالمبدأ، فلم تتقبل في حق البلاد هوادة، ~~ولم ترتض مصانعة ولا تسويفا، وسارت على هدي وجدانها، مسترشدة بضميرها، تعمل وتناوئ، وتجد ~~وتتشدد، حتى إذا حالت حكومة البريطان بينها وبين ما تريد، ووقفت في طريقها دون ما تود أن ~~تبديه للأمة، وتعلنه لعامة الشعب، كانت تلك الاستقالة المخلدة لها ms062 العظيمة منها، النبيلة ~~الأثر في تاريخ نهضة هذه البلاد. # | الحياة الجديدة # ما كادت تخفت نار تلك الحرب التي أرسلت شعلتها في جوانب العالم كله، وهزت حضارة الإنسانية ~~من القواعد، حتى ارتفع من هذه القطعة من الدنيا صوت رهيب، يتردد في أنحاء المجتمع الإنساني ~~كافة، ونهضت هذه الأمة تريد أن يكون لها مكانها في صف الأمم التي تنعم بحريتها، وتعيش طليقة ~~اليد في حياتها بعد أن ساقت إلى سوح الحرب جموعا عظيمة من أذرعها القوية، وسوقها ~~الحديدية، وأنفسها الشابة الفتية؛ لتعين أمما على أمم، وتقاتل في جانب الحلفاء ضد ~~الإنسانية المجنونة بالعظمة العظيمة في جنونها، وبعد أن طاح الردى بالألوف من أبنائها في ~~سبيل نصرة الشعوب التي تزهى بأنها كانت تحارب في سبيل الحق، وتناضل في سبيل حرية الأمم ~~المستضعفة. # وكان على أثر ما وقع من تلك الأحداث الرهيبة في جو هذا البلد الهادئ الساكن، وما كان من ~~فعل السياسة الغاشمة من الوقوف في سبيل أمة مجيدة، احتملت نصيبها من ويلات الحرب، واضطلعت ~~بسهم من وحشة المجزرة، ونكبة الكارثة الإنسانية الكبرى؛ فأنكرت حكومة الإنكليز عليها ما ~~فعلت؛ واحتالت على تجاهل ما أحدثت، وناءت بجانبها فما استمعت، ولا احتفلت؛ وارتدت على الذين ~~أعانوها على أمرها في خلال الحرب، وانتصروا لها؛ وساقوا بفتيانهم إلى ساحاتها، فنصبت ~~المدافع للفتك بهم، وأرسلت مدمراتها لتعفية آثارهم، وخنق أصواتهم المرتفعة بتلك الكلمة ~~الحلوة العذبة، التي طالما سالت النفوس مترنمة بها؛ تلك الكلمة التي خرجت من فم الطبيعة يوم ~~خلقت الكون، ويوم أسست نظام العالم، ووضعت خطة بناء الدنيا، تلك الكلمة التي جن الناس بها ~~جنونا على محتضر القرن الثامن عشر؛ فهدموا كل شيء في طريقهم إليها ... نعم كلمة الحرية ~~المقدسة الرهيبة المعسولة الجليلة، الموسيقية في أذن السليب منها، المجاهد للوثوب إليها من ~~ذلة الإسار، ومعرة القيد، والبقاء في سجن ضيق، وحصير أليم. # وذهبت الوفود، وانطلقت البرد إلى الغرب، مجاهدة في سبيل بلوغ تلك الأمنية التي ظللنا ~~نتعلل بها في صمت، ونناجيها في سكون، ونتلهف على نوالها، ولا ms063 نجد الطريق إليها معبدا ~~ذلولا مواتيا، وراحت تحمل على نفسها، وتنشر الدعوة في بلاد الحضارة، وتستصرخ أهل القلوب ~~الكبيرة من الساسة، والحريين من الكتاب، وبدأت على أثر ذلك المفاوضات، واستمرت المجادلات ~~والمباحثات، وأخفق فيها من أخفق، وأفلح من أفلح. # وذهب وفد أهلي، ومضى وفد رسمي، واشتبك الوفدان، وتناوحت السبيل، وهي جميعا مفضية إلى ~~ثنية واحدة، ومعلم فذ، إلى ربوة عالية أسففنا دونها، وانحدرنا عنها، وسقط مكاننا عن ~~ذؤابتها. # ولسنا نحن بسبيل بسط ذلك الجهاد العظيم المستمر المستطيل، الذي جاهد الشعب وقادته في سبيل ~~قضية مصر ووادي النيل الخصيب، فذلكم لا يزال في ذاكرة كل رجل منا، ولا يني وحيه يستفيض في ~~الفؤاد، وينبعث من قرارة النفس، وإنما نحن تصدينا في هذه الرسالة الموجزة إلى تحليل تاريخ ~~عظيم مصر الذي وثب في بهرة الثورة الأهلية؛ فقاد الجموع إلى البقية التي طالما تاقت النفوس ~~إلى الدنو منها، ومشى في الطليعة جريئا مستبسلا؛ فعاجل النهضة، وهي على مستشرف من الخمود ~~والموت، فأنقذ مواتها، ورد إليها حياتها، وأجرى أمواهها إلى نبعة الأمل القوي الناضر ~~الأغن. # وقد جاهد قبله الرجل الكريم الشعور الوثاب، الباسل الأروع عدلي باشا يكن، وكافح في وفد ~~كبير سياسة الاستعمار التي أرادت أن تدمج هذا البلد مرنا لينا، مطواعا ذليلا في حلقة ~~الإمبراطورية «المطاطية» الناعمة المظهر، وأبت عليه نفسه أن يتطامن لتلك العظمة المعجبة ~~بنفسها، المؤمنة بقوتها؛ الجبارة الغاشمة من ناحية؛ الملاينة المصانعة من الأخرى، فلما رمى ~~كيرزون رميته؛ وألقى علينا نذيره وكلمته؛ وتجهم لنا، وظن أنه المنتصر علينا، الآخذ بأعنة ~~نفوسنا، وأننا سنروح خافضي الرؤوس لنذره مقبعين في جلودنا حذر الموت على يده، تجلت يومذاك ~~وطنية هذا اليكني المنحدر من تلك الأصلاب المتينة الصخرية، وبدت بسالته، وعظم في الحق ~~إباؤه، واشتدت غضبته؛ فعاد إلى مصر من المفاوضة أبيا شهما، أشد في الخيبة فخارا من ~~الزهو بالانتصار لو أنه انتصر. # وسقطت الوزارة العدلية بعد ذاك، وبقي المكان خاليا لا يدنو أحد منه، ولا تسول لأحد نفسه ~~بقبوله، وظلت الحكومة بلا وزارة ms064 أياما طوالا، وما كان الناس يخشون أن تقع الوزارة لهم، ~~ولم يكن إباء كبارنا، وأهل الأسماء الضخمة فينا عن زهد في المنصب، ورغب عن الترؤس، وإحساس ~~عميق في حبة النفس؛ ووطنية جميلة أخذت باللب؛ وامتلكت الروح، وإنما كانت جبانة من الكثيرين، ~~وضعفا في الآخرين؛ وتنصلا واستكانة، وبلادة شخصية في فريق، وعجزا عن احتمال المسؤولية في ~~فئة. # إذ ذاك نهد لها هذا الرجل لا عن رغبة فيها ومحبة في زهوها، وطلاوة مظهرها، وروعة ما ~~حولها؛ إذ كان له قبل ذاك شيء من ذلك؛ وبشمت من قبل نفسه بالمناصب، ولم يكن ليحفل بها، أو ~~تجري شهوته وراءها، ولكن جرأة الرجل العظيم دفعته، وحمية الوطني الذي يرى نفسه قديرا على ~~المسؤولية، وأكبر منها أغرته، فتقبل رئاسة الوزارة، وجاهد وكافح حتى حمل عن مصر العبء كله، ~~واضطلع بالأمر جملته، ووقف على الصخرة يستشرف البحر وصخبه، والأنواء وعصفها؛ وركب سفينة ~~الأمل تحبوه قوته، وتغريه شخصيته، وجرأته بالمضي في العباب، واختراق اللج المتقاذف المعتلج، ~~وكان فضله في الناس أن جد حتى رفع عن أهل هذا البلد تلك الحماية البغيضة التي كانت أكبر ~~معرة لهذه الأهرام، التي وقفت تنبئ الإنسانية عن مجد أربعة آلاف عام، وحضارة أدهشت الأجيال ~~الماضية جمعاء. # ونحن نمهد لعمل هذا الرجل بنشر الخطاب الذي أرسلته الحكومة البريطانية إلى صاحب عرش هذه ~~البلاد، يعرض عليه التصريح لمصر بما تريد من الجهاد، وما تبتغي من النضال. # خطاب الحكومة البريطانية إلى عظمة السلطان - تصريح لمصر # يا صاحب العظمة: ~~(1) # أتشرف بأن أعرض لمقام عظمتكم أن الناس قد ذهبوا في تأويل بعض عبارات ~~المذكرة التفسيرية التي قدمتها في الثالث من شهر ديسمبر مذاهب مختلفة، تخالف ~~أفكار الحكومة البريطانية وسياستها، وهو ما آسف له أشد الأسف. ~~(2) # ولقد يخال المرء مما نشر عن هذه المذكرة من التعليقات العديدة أن كثيرين ~~من المصريين ألقي في روعهم أن بريطانيا العظمى توشك أن ترجع في نواياها القائمة ~~على التسامح والعطف على الأماني المصرية، وأنها تنوي الانتفاع بمركزها الخاص في ~~مصر؛ لاستبقاء نظام أساسي ms065 إداري لا يتفق والحريات التي وعدت بها. ~~(3) # غير أن ليس شيء أبعد عن خاطر الحكومة البريطانية من هذه الفكرة، بل إن ~~الأساس الذي بنيت عليه المذكرة التفسيرية هو أن الغاية من الضمانات التي تطلبها ~~بريطانيا العظمى ليست إبقاء الحماية حقيقة أو حكما، وقد نصت المذكرة على أن ~~بريطانيا العظمى صادقة الرغبة في أن ترى مصر متمتعة بما تتمتع به البلاد ~~المستقلة من ميزات أهلية، ومن مركز دولي. ~~(4) # وإذا كان المصريون قد رأوا في هذه الضمانات أنها تجاوزت الحد الذي يلتئم ~~مع حالة البلاد الحرة، فقد غاب عنهم أن إنجلترا إنما ألجأها إلى ذلك حرصها على ~~سلامة نفسها تلقاء حالة تتطلب منها أشد الحذر، ولا سيما فيما يتعلق بتوزيع ~~القوات العسكرية على أن الأحوال التي يمر بها العالم الآن لن تدوم، ولن يلبث ~~كذلك أن يزول الاضطراب السائد في مصر منذ الهدنة، والأمل وطيد في أن الأحوال ~~العالمية سائرة إلى التحسن، هذا من جانب، ومن جانب آخر فكما قيل في المذكرة ~~سيجيء وقت تكون فيه حالة مصر مدعاة إلى الثقة بما تقدمه هي من الضمانات لصيانة ~~المصالح الأجنبية. # أما أن تكون إنجلترا راغبة في التداخل في إدارة مصر الداخلية؛ فذلك ما قالت ~~فيه الحكومة البريطانية، ولا تزال تقول: إن أصدق رغباتها وأخلصها هو أن تترك ~~للمصريين إدارة شؤونهم، ولم يكن يخرج مشروع الاتفاق الذي عرضته بريطانيا العظمى ~~عن هذا المعنى، وإذا كان قد ورد فيه ذكر موظفين بريطانيين لوزارتي الحقانية ~~والمالية، فإن الحكومة البريطانية لم ترم بذلك إلى استخدامهما للتداخل في شؤون ~~مصر، وكل ما قصدته هو أن تستبقي أداة اتصال تستدعيها حماية المصالح ~~الأجنبية. ~~(5) # هذا هو كل مرمى الضمانات البريطانية، ولم تصدر هذه الضمانات قط عن رغبة ~~في الحيلولة بين مصر وبين التمتع بحقوقها الكاملة في حكومة أهلية. ~~(6) # إذا كانت هذه هي نوايا إنكلترا، فلا يمكن لأحد أن ينكر أن إنكلترا يعز ~~عليها أن ترى المصريين يؤخرون بعملهم حلول الأجل الذي يبلغون فيه مطمعا ترغب ~~فيه إنجلترا كما تتوق إليه ms066 مصر، أو أن ينكر أنها تكره أن ترى نفسها مضطرة إلى ~~التداخل لرد الأمن إلى نصابه كلما أدركه اختلال يثير مخاوف الأجانب، ويجعل ~~مصالح الدول في خطر، وإنه ليكون مما يؤسف له أن يرى المصريون في التدابير ~~الاستثنائية التي اتخذت أخيرا أي مساس بمطمحهم الأسمى، أو أية دلالة على تغيير ~~القاعدة السياسية التي سبق بيانها، فإن الحكومة البريطانية لم يعد غرضها أن تضع ~~حدا لتهييج ضار قد يكون لتوجيهه إلى أهواء العامة نتائج تذهب بثمرة الجهود ~~القومية المصرية؛ ولذلك كان الذي روعي بوجه خاص فيما اتخذ من التدابير مصلحة ~~القضية المصرية التي تستفيد من أن البحث فيها يجري في جو قائم على الهدوء، ~~والمناقشة بإخلاص. ~~(7) # والآن وقد بدأت تعود السكينة إلى ما كانت عليه بفضل الحكمة التي هي قوام ~~الخلق المصري، والتي تتغلب في الساعات الحاسمة، فإنني لسعيد أن أنهي إلى عظمتكم ~~أن حكومة جلالة الملك تنوي أن تشير على البرلمان بإقرار التصريح الملحق بهذا، ~~وإنني لعلى يقين بأن هذا التصريح يوجد حالة تسود فيها الثقة المتبادلة، ويضع ~~الأساس لحل المسألة المصرية حلا نهائيا مرضيا. ~~(8) # وليس ثمت ما يمنع منذ الآن من إعادة منصب وزير الخارجية، والعمل لتحقيق ~~التمثيل السياسي والقنصلي لمصر. ~~(9) # أما إنشاء برلمان يتمتع بحق الإشراف والرقابة على السياسة والإدارة في ~~حكومة مسؤولة على الطريقة الدستورية، فالأمر فيه يرجع إلى عظمتكم، وإلى الشعب ~~المصري. # وإذا أبطأ لأي سبب من الأسباب إنفاذ قانون التضمينات (إقرار الإجراءات التي ~~اتخذت باسم السلطة العسكرية) الساري على جميع ساكني مصر، والذي أشير إليه في ~~التصريح الملحق بهذا، فإنني أود أن أحيط عظمتكم علما بأنني إلى أن يتم إلغاء ~~الإعلان الصادر في 2 نوفمبر سنة 1914 سأكون على استعداد لإيقاف تطبيق الأحكام ~~العرفية في جميع الأمور المتعلقة بحقوق المصريين في التمتع بحقوقهم ~~السياسية. ~~(10) # فالكلمة الآن لمصر، وإنه ليرجى أنها وقد عرفت مبلغ حسن استعداد الحكومة ~~البريطانية، ونواياها تسترشد في أمرها بالعقل والروية لا بعامل الأهواء. # ولي مزيد الشرف ... إلخ # الإمضاء # القاهرة في 18 فبراير ms067 سنة 1922 # تصريح لمصر # بما أن حكومة جلالة الملك عملا بنواياها التي جاهرت بها ترغب في الحال في ~~الاعتراف بمصر دولة مستقلة ذات سيادة. # وبما أن للعلاقات بين حكومة جلالة الملك وبين مصر أهمية جوهرية للإمبراطورية ~~البريطانية. # فبموجب هذا تعلن المبادئ الآتية: ~~(1) # انتهت الحماية البريطانية على مصر، وتكون مصر دولة مستقلة ذات ~~سيادة. ~~(2) # حالما تصدر حكومة عظمة السلطان قانون التضمينات نافذ الفعل على جميع ~~سكان مصر، تلغى الأحكام العرفية التي أعلنت في 2 نوفمبر سنة ~~1914. ~~(3) # إلى أن يحين الوقت الذي يتسنى فيه إبرام اتفاقات بين حكومة جلالة ~~الملك وبين الحكومة المصرية فيما يتعلق بالأمور الآتي بيانها، وذلك ~~بمفاوضات ودية غير مقيدة بين الفريقين، تحتفظ حكومة جلالة الملك بصورة ~~مطلقة قبول هذه الأمور وهي: ~~(أ) # تأمين مواصلات الإمبراطورية البريطانية في مصر. ~~(ب) # الدفاع عن مصر من كل اعتداء، أو تداخل أجنبي بالذات أو ~~بالواسطة. ~~(ج) # حماية المصالح الأجنبية في مصر، وحماية الأقليات. ~~(د) # السودان. # وحتى تبرم هذه الاتفاقات تبقى الحالة فيما يتعلق بهذه الأمور على ما هي عليه ~~الآن. # تأليف الوزارة الثروتية - أمر كريم نمرة 13 لسنة 1922 # عزيزي عبد الخالق ثروت باشا: # إن القرار الذي أبلغنا إياه حضرة صاحب المقام الجليل المندوب السامي لدولة ~~بريطانيا العظمى فيما يختص بانتهاء الحماية البريطانية على مصر، بالاعتراف بها ~~دولة مستقلة ذات سيادة، يحقق أعز أمنية لنا ولشعبنا العزيز، وهو ثمرة الجهاد ~~القومي الذي تعهدناه على الدوام بالتشجيع والتأييد، ولا ريب عندنا في أن ~~استمساك الأمة بروابط الوئام والاتحاد، والتزام جانب الحكمة في هذا الدور ~~الجديد من حياتها السياسية كفيل بتحقيق كامل أمانيها. # ونظرا لما نعرفه لكم من الجهد المشكور في خدمة القضية المصرية، ولما لنا من ~~الثقة التامة بكم، وما نعهده فيكم من الجدارة الكاملة للقيام بمهام الأمور، قد ~~اقتضت إرادتنا السلطانية توجيه مسند رئاسة مجلس وزرائنا مع رتبة الرئاسة ~~الجليلة لعهدتكم، وقد أصدرنا أمرنا هذا لدولتكم للأخذ في تأليف وزارة جديدة، ~~يكون من بينها وزير للخارجية، وعرض مشروعه لجانبنا لصدور مرسومنا العالي ms068 ~~به. # ولما كان من أجل رغباتنا أن يكون للبلاد نظام دستوري يحقق التعاون بين الأمة ~~والحكومة؛ لذلك يكون من أول ما تعنى به الوزارة إعداد مشروع ذلك النظام. # وإنا نسأل الله العلي القدير أن يجعل التوفيق رائدنا فيما يعود على بلادنا ~~ورعايانا بالخير والسعادة، وهو المستعان. # الإمضاء: فؤاد # صدر بسراي عابدين في 2 رجب سنة 1340، # الموافق أول مارس سنة 1922. # برنامج الوزارة # يا صاحب العظمة: # أتقدم إلى سدة عظمتكم بفائق الشكر على ما تفضلتم فأوليتموني من الثقة ~~السامية؛ إذ عهدتم إلي بتأليف الوزارة الجديدة، ووجهتم لي رتبة الرئاسة ~~الجليلة. # وإنني لأتشرف بأن أعرض على عظمتكم أسماء الوزراء الذين تتألف منهم هيئة ~~الوزارة، وقد قبلوا مشاركتي في العمل، وهم: # إسماعيل صدقي باشا لوزارة المالية. # إبراهيم فتحي باشا لوزارة الحربية والبحرية. # جعفر والي باشا لوزارة الأوقاف. # مصطفى ماهر باشا لوزارة المعارف العمومية. # محمد شكري باشا لوزارة الزراعة. # مصطفى فتحي باشا لوزارة الحقانية. # حسين واصف باشا لوزارة الأشغال العمومية # واصف سميكه باشا لوزارة المواصلات # وقد احتفظت بوزارتي الداخلية والخارجية. # فإذا وقع هذا الاختيار موقع الاستحسان لدى عظمتكم يصدر المرسوم العالي ~~بالتصديق عليه. # يا صاحب العظمة: # لم يكن لزملائي ولي، ونحن نشاطر الأمة أمانيها في الاستقلال إلا أن نقر الوفد ~~الرسمي الذي تولى المفاوضات لعقد اتفاق مع بريطانيا العظمى على ما فعل، فلم ~~يسعنا أن نتولى أعباء الحكم ما دامت المبادئ التي تسترشد بها الحكومة ~~البريطانية في سياستها نحو مصر هي تلك التي كانت تظهر من مشروع 10 نوفمبر ~~الماضي، ومن المذكرة التفسيرية التي تلته، فإن تولي الحكم في ظل مثل هذه ~~المبادئ قد يكون فيه معنى القبول بها. # غير أن الكتاب الذي رفعه فخامة المندوب السامي البريطاني إلى عظمتكم، وتصريح ~~الحكومة البريطانية في البرلمان، قد أحدثا في الحالة تغييرا كبيرا؛ فأصبح من ~~الممكن أن تتألف هذه الوزارة؛ إذ إنها ترى أن الشعور القومي أصاب ترضية من ~~هاتين الوثيقتين لا من ناحية الاعتراف بالاستقلال حالا، وقبيل أي اتفاق فحسب، ~~بل ولأن المفاوضات ستكون حرة غير ms069 مقيدة بأي تعهد سابق. # أما وقد جزنا هذا الدور بخير فلم يبق على مصر إلا أن تثبت لبريطانيا العظمى ~~أن ليس بها في سبيل حماية مصالحها من حاجة للتشدد في طلب ضمانات، قد يكون فيها ~~مساس باستقلالنا، وأن خير الضمانات في هذا الصدد وأجلها أثرا هي حسن نية مصر، ~~ومصلحتها في حفظ العهود. # على أن الوزارة ترى أنه لكي تكون جهود البلاد في سبيل تحقيق كامل أمانيها ~~بحيث تؤتي جميع ثمرها يجب أن يؤلف بين عمل الحكومة، وبين عمل هيئة تنوب عن ~~الأمة، وأن تسعى الهيئتان متساندتين لأغراض متحدة. # ولذلك فإن الوزارة عملا بأوامر عظمتكم ستأخذ في الحال في إعداد مشروع دستور ~~طبقا لمبادئ القانون العام الحديث، وسيقرر هذا الدستور مبدأ المسؤولية ~~الوزارية، ويكون بذلك للهيئة النيابية حق الإشراف على العمل السياسي ~~المقبل. # وغني عن البيان أن إنفاذ هذا الدستور يقتضي إلغاء الأحكام العرفية، وأنه على ~~أي حال يجب أن تجرى الانتخابات في أحوال عادية، وفي ظل نظام تمتنع معه جميع ~~التدابير الاستثنائية، وقد سلمت بهذا الوثيقتان اللتان أبلغتا أخيرا إلى ~~عظمتكم، وستتخذ الوزارة بلا إمهال ما يدعو إليه الأمر في ذلك من التدابير، كما ~~أنها ستبذل جهدها اعتمادا على حسن موقف الأمة في الحصول على الرجوع فيما اتخذ ~~من التدابير المقيدة للحرية عملا بالأحكام العرفية. # هذا وإن إعادة منصب وزير الخارجية ستعين على العمل لتحقيق التمثيل السياسي ~~والقنصلي لمصر في الخارج. # ونظرا لأن النظام الإداري الحالي لا يتفق مع النظام السياسي الجديد، ومع ~~الأنظمة الديمقراطية التي ستمنحها البلاد، فإن الوزارة قد اعتزمت أن تتولى ~~الأمر بنفسها، وبلا شريك في الحكم الذي ستتحمل كل مسؤوليته أمام الهيئة ~~النيابية المصرية، وسيكون رائدها في إدارة شؤون الأمة توجيهها إلى المصلحة ~~القومية دون غيرها. # والوزارة موقنة بأن أكبر عامل لنجاح مصر في تسوية المسائل التي بقي حلها، ~~وأقوى حجة تستعين بها في تأييد وجهة نظرها هو أن تقبل على هذا الدور الجديد ~~متحدة الكلمة، مؤتلفة القلوب، وأن تأخذ بدواعي النظام، وتلتزم جانب ~~الحكمة. ms070 # والوزارة تحيي العصر الجديد الذي كان لعظمتكم أجل أثر في طلوعه على الأمة ~~بفضل ما بذلته عظمتكم من المساعي الوطنية العالية ، ~~وهي واثقة أن ستلقى من لدن ~~عظمتكم كل تأييد في عمل الغد، وإنها لترجو أن يجيء مكللا لمجهود ~~البلاد. # الإمضاء # في يوم الأربعاء الخامس عشر من شهر مارس من هذا العام تلقى فخامة اللورد اللنبي نبأ ~~برقيا من حكومته، يحمل إليه تصديق مجلس النواب البريطاني بإلغاء الحماية، وإعلان مصر ~~مملكة مستقلة ذات سيادة، فتوجه اللورد إلى قصر عابدين، وأبلغ عظمة السلطان هذا القرار، ~~ورفع إليه ذلك التصديق. # وعلى أثر ذلك أصدر جلالة الملك هذا النطق الملكي الكريم. # إلى شعبنا الكريم # لقد من الله علينا بأن جعل استقلال البلاد على يدنا، وإنا لنبتهل إلى المولى ~~- عز وجل - بأخلص الشكر، وأجمل الحمد على ذلك، ونعلن على ملأ العالم بأن مصر ~~منذ اليوم دولة متمتعة بالسيادة والاستقلال، ونتخذ لنفسنا لقب صاحب الجلالة ملك ~~مصر؛ ليكون لبلادنا ما يتفق مع استقلالها من مظاهر الشخصية الدولية، وأسباب ~~العزة القومية. # وها نحن نشهد الله وأمتنا في هذه الساعة العظمى أننا لن نألو جهدا في السعي ~~بكل ما أوتينا من قوة، وصدق عزم لخير بلادنا المحبوبة، والعمل على إسعاد شعبنا ~~الكريم. # وإنا ندعو المولى القدير أن يجعل هذا اليوم فاتحة عصر سعيد، يعيد ذكر ماضيها ~~الجديد. # الإمضاء: فؤاد # صدر بسراي عابدين في 16 رجب سنة 1340، # الموافق 15 مارس سنة ~~1922. # أمر كريم رقم 19 لسنة 1922 # عزيزي عبد الخالق ثروت باشا: # في هذا اليوم السعيد الذي تم فيه الاعتراف باستقلال البلاد نشعر بأعظم ~~الاغتباط، وأكبر الارتياح لتوجيه الخطاب إلى أمتنا العزيزة. # وقد أصدرنا أمرنا هذا لدولتكم لتحيطوا هيئة الحكومة علما بهذا الخطاب ~~المرسلة صورته مع أمرنا، ولتعمموا نشره في أنحاء القطر، وتبلغوه بصفة رسمية لمن ~~يلزم تبليغه إليه. # فؤاد # صدر بسراي عابدين في 16 رجب سنة 1340، # الموافق 15 مارس سنة ~~1922. # فتلي هذا النطق الكريم في ذلك اليوم في المحافظات، وعواصم المديريات على ملأ العلماء ~~والتجار، وأعيان البلاد، ms071 ووجوهها، وسرانها. # وأقيم بعد ذلك استعراض عام للجيش المصري، وأقيمت التشريفات الملكية، ورفع العلم ~~المصري على دور الحكومة، وجعل ذلك اليوم عيدا وطنيا عاما. # وكذلك سقطت عن هذه البلاد تلك الحماية التي ضربها الإنكليز عليها في إبان الحرب، ~~والتي جاهدت تلك الوفود، وسعت تلك الشخصيات الكبيرة في محوها، وإزالة معرتها اللاصقة ~~بنا، وكانت تلك المنة الكبرى من صنع رجل واحد اندفع في السبيل وحده غير هياب، ولا مرتعد ~~من رؤية أهل وطنه، وقوفا عن كثب منه ينظرون ولا يمدون إليه يدا، ويشهدون الرجل ~~مستبسلا بكل قوته، متحاملا على نفسه، ويودون لو أنه خيب دونها، ووقع صريعا يائسا ~~راجعا أدراجه قبل بلوغها؛ لأنهم يرون الأشخاص قبل المبادئ، ولا يكبرون المبادئ وإن ~~صلحت وسمت، ومشت مع الحق، واطردت مع الصواب؛ حتى تكون عليها «الماركة» المسجلة التي ~~يحبونها، ولا يريدون شيئا غيرها. # ونحن لم نر شعبا من شعوب الدنيا هو أغرب أمم الله نفسية من شعبنا هذا، فلو أنك صنعت ~~في هذا البلد الصنيع الجميل، وقذفت على أعين الجماهير أكبر المحمدة، وقدمت إليهم أجمل ~~أثر من آثار ذهن خصيب، أو موهبة سامية، أو مقترح طيب، أو مبتدع حسن، ثم لم تنشر على ~~الناس اسمك، ولم يكن لهم بك علم، ولم يتردد على أفواه القوم لك ذكر، فأنت لديهم «نكرة»، ~~وإن كانت فعالك الكبيرة «معرفة»، وإن عملك العظيم، أو مقترحك الجميل سيذهب غير مأبوه ~~به، ويمضي خجلا منزويا لا أحد يمد إليه يده، ولا قوم تطاوعهم أنفسهم أن يتناولوه ~~بالبحث، ويعالجوا فحصه، واستقراء مناحيه، والغاية منه، والنتيجة التي يؤدي إليها، ~~والأثر الذي سيجديه على حياة الشعب ونهضته. # وبجانب ذلك ترى أحقر الآراء قيمة، وأسخف الفعال أثرا، وأوخم المقترحات عاقبة، لا ~~تلبث أن تنتشر وتذيع، إذا جاءت من ناس كبار الأسماء في البلد، مشهوري الألقاب، وإن ~~كانوا أبلد الناس أذهانا، وأغثهم فكرا، وأطيشهم لبا، وهي حرية بأن تجد في الجماهير ~~مزمرين لها، وعازفين، وقمينة بأن تصيب عند الناس من ينهض لها بالتحبيذ والتأييد؛ وهي ~~متساقطة، ms072 لا تستطيع الوقوف على رجليها، متماوتة تنبعث منها ريح العفونة، والبلى، ~~والفساد. # وكل شيء في هذا البلد كثير الصياح هو كبير القيمة عند الناس، وكل عمل محوط بالصنائع ~~يحبذونه من ناحية، ويوسعون في فضله الضئيل من الأخرى، هو المخلد عندهم، الظافر ~~بإعجابهم، فالكاتب الذي وثب عند الناس بأدبه التجاري يزجيه في ورق مصقول، ورسوم لطيفة، ~~وطبع أنيق، وأسلوب مخادع، وألفاظ منمقة، لا يستقر تحتها غير معان بخسة لا تساوي التعب ~~الذي يبذله القارئ في اكتشافها؛ لأنها لا تحب ظهورا للعيان؛ خشية أن تتبخر على حرارة ~~الشمس، وتتلاشى أجزاؤها الأثيرية الطائرة، الصغيرة المحتضرة، ذلكم الكاتب الذي يخرج ~~الكتاب تلو الكتاب في فترة لا يستطيع أخصب الكتاب أذهانا، وأنضجهم قرائح، وأغزرهم مادة ~~من المعاني الطريفة وليدة الخاطر السري المتين، الجبار الممتلئ قوة وشبابا وصحة، أن ~~يخرج في مدة وجيزة كتلك، ولا قطعة من كتاب واحد من تلك الأسفار «الأصفار»، وما كان ذلك ~~من أولئك المؤلفين فضل أدب، وسجاحة خاطر؛ وإنما هي عاصفة من الألفاظ اجتمعت كلها تحت ~~نوء واحد؛ فاجتمع منها كتاب طويل عريض، كله رعود وسحائب من السخف والطيش، وبلادة ~~المعاني. # وذلك الكاتب - وهذا شأنه - هو الذي قد احتكر السوق، وبرز في الميدان، وشغل المطابع، ~~وتسابق إليه الناشرون، وأغلب الناشرين في بلدنا هذه أميون، فلا يدركون مما في أيديهم ~~شيئا إلا ملازم «وبنوطا»، وثمن الطبع والورق والإعلان، وما بعد ذلك من ربح، ومتجر ~~نافق، وبضاعة تبهظ السوق، وتأتي بأجزل المكاسب. # وهكذا ترى كل صاحب عمل في هذه الأمة يشتهر ويعمل للشهرة وحدها يصل إلى النجح في عمله ~~بتلك الأساليب التي شرحها «ماكس نوردو» في مقاله عن «النجاح وأساليبه»، ويحتال بتلك ~~الطرق الغاشة الخداعة، التجارية المداهنة التي ذاعت في هذا العصر المادي اللئيم الطبع، ~~النائم الضمير، هو الذي تجده الموفق، وتراه ملء أسماع القوم، وموضوع احترام الجماهير، ~~وإعجابهم به، على حين تشهد في كل صناعة من الصناعات، ومهنة من المهن؛ وفي الأدب ~~والتأليف، والعلم والفنون قوما متخلفين لا عن عجز، مغمورين لا ms073 عن بلادة وضعف ويأس، ~~ولكنهم لم يصيبوا في الناس توفيقا؛ إذ أعوزتهم تلك الوسائل التي اشتهر بها غيرهم، وعز ~~عليهم أن يجدوا ما وجده سواهم من طرق الإعلان عن أنفسهم، والاتجار بمظاهر بضاعتهم، لا ~~بالبضاعة نفسها؛ لأنهم أشد من الأمريكان احتيالا على «الركلامات»، والإعلانات؛ فثلاثة ~~أرباع عملهم إعلان، وللبضاعة ربع ليس غير. # وقد ظهرت عوارض هذه النفسية العجيبة في السياسة، وبدت آثارها في هذه النهضة، فكنا ~~فيها عبدة أشخاص، ووثنيين في احترام الأسامي والألقاب، ولقد ماتت في هذه البلد مبادئ ~~شريفة صالحة؛ لأن أصحابها لم يجدوا لهم «مطيبين»، ولم يستطيعوا أن يجلبوا «الحاوي» ~~لإظهار مفاتن مبادئهم، وسحر آرائهم، ويخلقوا من غير شيء شيئا خياليا ذا رواء وطلاء، ~~ومظهر جميل تحته سخف وطيش. # وقد اشتهرت بجانب تلك مبادئ أخرى وخمة ركيكة، غثة غير صالحة، وأقبل عليها الناس ~~يمتدحونها، ويؤيدونها بكل ذات نفوسهم، وكان الحق بأن تحتضر في المهد، وتلفظ أنفاسها وهي ~~في «القمط»؛ لأن حياتها مفسدة وإثم كبير، ولكنها ليست «بنت موت»؛ ولذلك عاشت وطالت، ~~وأينعت وثبتت، وفي الدنيا الشيء الكثير يعيش وينمو، وهو أولى بأن يروح قصير الأجل، ~~مصابا برئتيه، محكوما عليه بالإعدام. # وليس في هذا البلد رجل أعمى القلب، حسير البصر، فائل الرأي، منخوب الفؤاد، يستطيع أن ~~ينكر أننا قد تخلصنا من ذلة الحماية، ورجعت إلينا نعمة السيادة بذلك الاعتراف الصريح ~~الذي نزل عنه الإنكليز، ونشروه في العالم كله، وخابروا دول الغرب به، ولكنا لا نزال نرى ~~قوما يودون لو استطاعوا نكران هذه المنة الكبرى التي ستروح في عنق هذا الجيل كله، ~~وستنحدر منه كذلك إلى رقاب الأجيال القادمة، ولا يزالون متسخطين لا يرضيهم ذلك ~~الاعتراف، ولا يروق في عينهم ما وقع لنا بعده من نعمة البروز في الشمس، واستنشاق أول ~~نسائم الحرية، وما ذلك منهم إلا حسرة على أنهم لم يصيبوا من كل ذلك فخارا لأنفسهم؛ ولم ~~يظفروا منه بمحمدة السعي في سبيله، ولم يأت إلينا عن طريقهم، ولم نصل نحن إليه على ~~أيديهم، ونحن نقول لهؤلاء الأنانيين ms074 حتى في الوطنية: إننا نؤمن بوطنيتهم، ولا ننكر أنهم ~~كانوا في المسعى مع المجتهدين، وإننا مدينون لهم بجهادهم، معترفون لوطنيتهم بفضل سعيها ~~وحميتها، وشدة بأسها، وثبات قدمها ، ومغالاتها في رد الحق إلى وطنها، فإن هذا الوزير لم ~~يكن منحرفا عن سبيلهم يوم زالت الحماية، وأكره الإنكليز على الاعتراف بسقوطها، ولم يكن ~~مزهوا عليهم بشيء مما عمل، ولا معجبا بنفسه لما أحدث وقدم، ولم يكن هو من الخارجين ~~على قومه يوم كانوا هم في الداخلين فيهم، ولم يكن خائنا يوم كانوا مخلصين، وليس في هذا ~~البلد رجل واحد لم يكن يود أن يرى تلك الحماية مرفوعة، مهدومة، زائلة، فلما زالت، ~~وانمحت، واندرست انبرى فريق يود لو أنها لم تزل ولم ترفع، حتى يكون هو مزيلها ورافعها، ~~ولو أنها زالت على يده، وعفت آثارها بفضل نضاله وسعيه، لما أطاق أن يرى له معارضا، ~~ولعمله منكرا، ولو وثب إليه قوم فجحدوا صنيعه، وأنكروا يده، راح أولئك القوم خونة في ~~نظره، جاحدين مارقين، عمي البصائر لا يدركون. # ونحن نعلم أن في كل أمة من أمم الحضارة أحزابا سياسية، ونرى أن تلك الأحزاب هي في ~~تلك الأمم المحرك الذي يدور عليه رحى النظام، وتتطاحن تحته الوطنيات بضروبها، فمن غلبت ~~وطنيته اكتسب الحومة، وتناول دفة الحياة، ولقد تضاربت آراء الكتاب والمفكرين، والذين ~~تصدوا للبحث في أنظمة الاجتماع، واختلفت مذاهبهم، وتباينت أحكامهم في فضل الأحزاب في ~~الأمة، أو ضررها الذي ينجم عنها؛ فأما الذين أغلظوا القول عنها، وحكموا عليها أشد ~~الحكم، فقد كرهوا منها ما رأوا تحتها من ذلك الاتفاق المتكلف المصطنع الكاذب، الذي يربط ~~أفراد الحزب الواحد ببعضهم البعض، وما يقابل ذلك من الخصومة المتكلفة، والمخالفة ~~الكاذبة المغشوشة التي يظهرون بها أمام معارضيهم وخصومهم؛ إذ يبقى كل حزب على عناده، ~~مصرا على أن لا يقتنع أو يرضى بحجة الجانب الآخر، على حين يظل الفرد متجمدا مثلج ~~الرأي، مندمجا في حزبه، لا يستطيع انفلاتا ولا تفكيرا لنفسه، ولا استقلالا برأيه عن ~~غيره، وإنما يعيش بعقلية الجميع، وقد ms075 يخلو إلى نفسه فيرى باطل ما رآه في الندوة، وفي ~~وسط حزبه، ولكنه لا يلبث أن يعود إلى الجماعة؛ فينسى نفسه وتفكيره في لجة التيار، ~~وحرارة المجلس ، وهذا الإجماع الذي يبدو به أفراد حزب من الأحزاب لا يزال في نظر أولئك ~~الاجتماعيين المدققين كاذبا، لا حقيقة له، مضرا بالمجتمع، مؤذيا، خطرا على صالح ~~الشعب، ذهابا بالفائدة المرجوة من التعاون على العمل، والتواصل، والترابط في النظر إلى ~~شؤون الأمة، ولأنه يقتل روح حرية الفكر في الفرد، ويميت روح الاستقلال في العمل، وهما ~~دعامة الديمقراطية في حكم الأمم. # وقد قال في ذلك الأستاذ بولدوين سميث: إنه كلما اشتجرت طائفتان، وتطاحن حزبان في أمة ~~من الأمم كان ذلك منهما أشبه شيء بشطر الشخصية الإنسانية شطرين، وتجزئة الطبيعة جزأين، ~~وليس في الدنيا من الوجهة الطبيعية أمر كهذا، ولا وقع في العالم شيء منه. # على أن في الكتاب فريقا يدافع عن وجود الأحزاب السياسية في الأمة، وله في ذلك آراء ~~جد مختلفة، وتلك النظريات التي أقامها المعارضون الذين لا يرون فائدة منها، بل الضرر ~~الأكبر، والشر الأعظم، فهم يقولون بأن شطر الإنسانية أجزاء أمر واقع يمشي مع الطبيعة، ~~ويتفق مع النواميس، ويعللون مبدأهم هذا بأن الإنسان أربعة رجال؛ فرجل يريد العودة إلى ~~سنن القديم، وأساليب الماضي، والاستمساك بأنظمة العصر المنصرم، وعنده أن ما كان هو ~~الحق، وأن ما سيكون الباطل الذي لا نفع منه، وذلك هو الذي تسميه أنظمة اليوم «بالرجل ~~الرجعي»، ورجل يود أن يستمسك بأنظمة الحاضر، وما يعيش في عصره من السنن، والشرائع ~~والقوانين، وذلك هو «الرجل المحافظ»، ثم رجل آخر يبتغي إصلاح الأنظمة الحاضرة، وذلكم هو ~~«الرجل الحري»، وآخر يريد أن يلغيها ويمحوها، ويأتيها من القواعد هدما ونقضا، وهو ~~«الراديكالي»، أي الهدام من الأساس في عرف لغة الاجتماع الحديث، فإذا اتفق في أمر حديث ~~من أمور الشعب الطائفتان الأوليان، واتحد الحزبان الأخيران كان من اتحادهما حزبان ~~سياسيان خطيران، يرتكز كل منهما على مبادئ أساسية يقرها العقل، ويرتضيها علم النفس، وهم ~~كذلك يؤيدون ms076 وجود الأحزاب في الأمم بقولهم أنها ليست مخالفة لروح الديمقراطية، بل هي ~~محورها، والعامل الأكبر في نمائها؛ لأنه لا يتيسر للشعب بجملته أن يتولى الزعامة في ~~شؤونه في وقت واحد، بل معنى الشعب وحكومته ورأيه «الأغلبية»، ولا يتيسر لجماعة من الناس ~~أن يصلوا إلى ذلك إلا إذا «اتفق أفرادها على أن ينفقوا»، وتلكم الرابطة على رغم ما ~~يتخللها من روح المصانعة والكذب والتكلف، هي اللازمة الأولى للنظام في الشعب، ولولاها ~~لراحت الأمة فوضى من الآراء الفردية المتباينة، المشتجرة المتعارضة. # على أنه ليست حالنا الحاضرة شبيهة بحال تلك الشعوب حتى تكون لدينا أحزاب متنافرة، ~~فأولئك إنما يتخاصمون على مصلحة وطنهم؛ لأن كلا منهم يمسك بطرف منها، ويريد أن يمشي ~~بها إلى غاية يراها السبيل القويمة الرشيدة، وليسوا أمام عدو قوي ليس من صفوفهم، يريدون ~~أن يستردوا منه حقا مضيعا، وحرية سليبة، ونحن في حرب أدبية، ونزاع ساكن على الحياة ~~أو الموت، أمام غاصب مستأسد، مستحصد العزم، داهية كثير الحيلة، ولذلك كنا خلقاء بأن نقف ~~صفا صفا حياله، ننازعه ونجالده، ونناضل في سبيل ما أردنا أو نهلك دونه، ونحشد كل ~~قوتنا لنرد قضيتنا ناجحة فائزة موفقة، أما أن ينطلق فريق منا في ناحية، ويسير فريق في ~~وجهة؛ فتتشعب المسالك، وتختلف الطرق، وتتناوح السبل؛ فتلك ضلة وجهالة وطيش، وما رأينا ~~أمة طلبت من مغتصب حقها الذي اغتصب، ثم وقفت في وجهه، وعلى عينه تشتجر أمامه، وتتصايح ~~وتتعارض، وتتفرق منها الصفوف، وليست طلبة هذا البلد غامضة؛ فتختلف في تأويلها الأذهان، ~~وليست هدية نريد أن نستهدي الإنكليز إياها؛ فينفس فريق على فريق ما نال الشعب منها على ~~يد الآخر، بل الحق فيها واضح، والغاية بلجاء صريحة ظاهرة، وليس أحد بطامع في مجد؛ لأن ~~المجد للشعب ذاته، والفخار للأمة وحدها، والخلود للضحايا والشهداء الذين سالت دماؤهم في ~~فزعة الثورة، ووطيس النهضة. # وفي الحق، لقد سقطت الحماية، وتداعى بنيانها إلى الأرض بضربة من عزمات رجل من أهل هذا ~~البلدة، وقد أصبحت بعد ذلك أمة متحررة من الوصاية، ms077 متخلصة من معرة الأبد، نقية الكرامة ~~من ذلة المحمي، فإذا كان ما سيتلو سقوط الحماية، وما سيعقب تلك الخطوة الكبرى منقوصا ~~في نظر جماعات من الناس، ضئيلا مغالطا فيه، ممنوحا في سبيل ظفر الإنكليز بأكثر منه، ~~ومخادعتنا في بقية الحقوق، وإكراهنا على النزول عن عدة من مطالب الحرية، ومستلزمات ~~الاستقلال، فليس على الشعب بجملته إلا أن يقف وراء هذا الوزير متساندين جميعا متصافين، ~~وإلا أن تأتلف القلوب كلها، وتتوحد الكلمة، وتتضامن الأيدي، وتتحاب الأرواح، وتتهادن ~~النفوس حتى يكون الجهاد في سبيل نوال الحق كاملا غير منتقص، ولا مبتور من جوانبه، ~~مستكملا تاما، وحتى نكون جميعا إلبا واحدا على عدونا، لا يرى في صفوفنا ثغرة؛ ~~فيأخذ في توسيعها، ولا يشهد منا فرجة فيزيد هذا النفار احتداما، وينفخ في نار هذا هذا ~~الشجار؛ لكي يكتسب منا الميدان على طول الفترة، وسكون نأمة الحمية، وانصرافنا إلى ما ~~يهدم بناءنا، ويذهب بريح قوميتنا. # ولم يكن صاحب هذه الترجمة رجلا محتكرا في السياسة، يريد أن يستفرد بالجهاد، وتكون ~~الوطنية شعاره وحده، ولم يكن بالمتجافي الغليظ الكبد، حتى ندعه وحيدا يناضل عنا، ونحن ~~من خلفه متحزبون متفرقون، متصايحون مختلفون، فإذا جاء ببعض الحق قلنا له: لقد بعت بهذا ~~البعض بقيته، وإذا رد إلينا قطعة من أملنا المعسول عيبناه بأنه لم يأت بها جملة، وإذا ~~وقف مستبسلا أمام مغتصبي الحق، ينازعهم عليه، ويناهضهم دونه جعلنا نظنه ممالئا لهم ~~على وطنه، وقرفناه بمصانعتهم على مغالطتنا، كأنما كان الرجل يمت إلى أولئك بقرابة، أو ~~يتصل من الاستعماريين بسبب، وكأنه وليد مستعمرة من مستعمراتهم، ومحسوب من محاسيب ~~عظمائهم، وكأنه هو ممن أنجبتهم مالطة، أو نيوزيلنده؛ فانحدر إلى مصر ليبيعها الإنكليز؛ ~~ليتسع سلطانهم، فيتسع مدى زهوه بهم، وعجبه بإمبراطوريتهم، وكأنما كل ذلك الجهاد الشريف ~~الذي حمل أعباءه، واضطلع بخطوبه؛ لكي يظل في رئاسة الوزارة، ويتمتع بسلطان منصبه، وعظمة ~~نفوذه الدهر كله، والأبد بطوله؛ لأنه اتخذ على الله عهدا أن يعمر رئيس وزارة، وينسأ في ~~أجله، وأجل وزارته؛ فتتصل إلى ختام هذا ms078 الجيل، وتبلغ الجيل الذي بعده منحدرة إلى القرن ~~الذي يتلوه. # إن أولئك الذين يدسون على هذا الرجل، ويتحيفون جوانب ما فعل في سبيل أمته، لا يريدون ~~بذلك أن يقهروه لكي يستفردوا هم بالعمل، ويخلصوا هم بالميدان، وتنفسح لهم الحومة وحدهم، ~~فلو أن تلك كانت بغيتهم، وذلك كان ما قصدوا إليه لقلنا لهذا الرجل الخطير: اترك لهم ما ~~صنعت لنرى ماذا يصنعون، ودع لهم عملك ليتموه، ويجعلوا ما فعلت بحسن جهادهم، وشرف ~~ديباجتهم، وعظمة وطنيتهم، ونزل عن مكانه لهم، ونهض عن مجلسه لجلوسهم، لما خسر شيئا، ~~ولما شعر بنقص في مكانته من التاريخ، ونصيبه من الخلود، ولكان أحب إليه أن يكون صاحب ~~الصنيع على هذا البلد، وملاقي النكران منه، والجحود من أهله، ولكنا لا نزال نهيب به أن ~~لا تفتر أمام هذا اللجاج عزيمته، ولا تهن حيال تلك الضجة الجوفاء إرادته، وأن يسترسل في ~~وجهه، ويتابع ما هو متابعه، والتاريخ باق يشهد، والحياة ناظرة إليه، والحسنات تكتب له؛ ~~والسيئات تحصى في كتاب لا يضل محصيها ولا ينسى؛ والرجل ليس بالباقي الذي لا يموت، ~~والمعمر الذي لا يفنى. # وقد أدرك هو ذلك، وما كان مثله لينسى هذه الطبيعة الآدمية الواهية التي وقعت في قالب ~~من الفخار الصلصال، ولا تستطيع أن تجلد على عواصف الدهر، ومطالع الشيب، وهجمات الحدثان، ~~وهو القائل في خطبة له: «لقد نسوا أو تناسوا أننا أشخاص زائلون، وأننا لن نبقى متربعين ~~في دست الأحكام إلا برهة من الزمان، ثم نخلي السبيل لغيرنا ...». # | الوزير الأول كخطيب سياسي # في حفلة عيد جلالة الملك وقف صاحب الترجمة في وليمة كبرى في فندق الكونتنتال أدب رجل ~~من سروات هذه الأمة، وألقى خطابة له ظلت حديث الناس زمنا ليس بالقصير. # وقد تجلت في تلك الخطبة للمرة الأولى في تأريخ حكومتنا روح الديمقراطية التي فاضت في ~~نفس رأسها، والوزير الأول الذي في يده دفة أمورها؛ إذ ظهر في وسط جمهور منا يحدثهم عن ~~مبادئ حكومته، ويشرح لهم خطط عمله، ويلقي إليهم أنظمة العهد الجديد، وأساليب ms079 التشريع ~~فيه والتنفيذ. # ونحن لم نشهد قبل هذا الوزير رئيسا من رؤساء الوزارة في العهد الماضي قد وقف هذا ~~الموقف، وطاوعته نفسه على الخطابة؛ إذ لم يقع لنا قبل هذا الرجل وزير على شيء من ~~الاطلاع بفنون الأدب، ولم نر فيمن جاءنا قبله أحدا من الكتاب المفكرين، بل كان سواد ~~رؤساء الوزارة قبله إداريين، لا أكثر ولا أقل، عاشوا طوال أعمارهم يمهرون القرارات، ~~ويذيلون المراسيم بتواقيعهم، وينفذون هذا الأمر، ويبطلون ذاك، ولئن كان فيهم يوما ~~الكاتب أو القانوني أو الخطيب، فقد كانت تعوزه أساليب الأدب فيما يكتب، وتنقصه ردعة ~~الخطابة، وبلاغة المنحى، وحسن التنسيق، وجلال المعاني، وسحرية الألفاظ فيما ~~يخطب. # ولكن الخطابة للوزراء أول لوازم النبوغ، والسلم إلى المرتبة السامية في الأمم ~~المتحضرة، والممالك الحرة المتخلصة من قيود الإسار، ومعرة الجهل، وذيوع الأمية حتى في ~~الخاصة، وكبار أهل المناصب، ولا يستطيع الرجل في بلاد الغرب أن يبلغ مكانة سامية في ~~الشعب إلا إذا ملأ أسماعهم، وفتن ألبابهم لسعة مواهبه للخطابة، واعتلاء ذوائب المنابر، ~~ولا تجدن الرجل العظيم في أمة كثيرة الكلام، شاعرية النفس، خيالية المزاج، كالأمة ~~الفرنسية، إلا متكلما أبدا، خطيبا متدفقا، كثير الأحاديث، مستفيض البيان، ولا ~~يستطيع أن يعيش حتى يظهر بين الحين والحين على أسماع أمته، فيلقي عليها شيئا من ~~خواطره، ويصدع لها بحججه، وينزل لها عن خواطره. # وإذا كان نزول الوزير الأول عن مكانه إلى الخطابة، والتحدث إلى الجماهير، شيئا ~~طريفا في هذا البلد، حديث عهد، لم يكن له سابقة من نوعه، فإن ما أدهشنا، وأخذ بمجامع ~~أفئدتنا من تلك الخطبة التي ألقاها صاحب الترجمة في ذلك الفندق، رنة الإخلاص التي تتجلى ~~في أضعافها، ومتانة الرأي الذي اجتمع فيها، وغلالة الأدب الرائق الذي احتشد في سطورها، ~~ولكنا لم نلبث أن تبينا أن لا سبيل إلى العجب، ولا حق للدهشة. وصاحب الترجمة كما يعرفه ~~صحابه، والمختلطون به كثير الدرس والقراءة لكتب الأدب، واسع الاطلاع، يلتهم كل شيء من ~~الكتب، ويسيغ كل ضرب من التواليف؛ وإنه من كتابنا الذين ms080 لا يقلون عن أكبر كتاب الغرب، ~~وأصحاب الأساليب البليغة، وأهل الترسل والبيان والتفكير، وزعامة الرأي. # وقد تناول الرئيس في تلك الخطابة جملة من الشؤون، وعالج عدة من المعاني، واستطرد في ~~طائفة من أسرار السياسة، ولم ير أن يكتم أمته شيئا مما هو بسبيله، بل تفتح للناس، ~~وتكشف وتراءى لهم على حقيقته صادقا، لا متعمدا كذبا، ولا متجانفا لمغالطة، أو ~~مستعديا الخداع والغش على سامعيه. # وذلكم لعمري هو أوسع معاني الديمقراطية، وأجل أداتها، وأروع مظاهرها، وتلك آية من ~~آيات العصر الجديد، وكانت خليقة بأن تجد عند خصومه ما يحملهم على احترامها وإكبارها، ~~ويغريهم بمعالجتها بالنقد البريء من التحامل، والتخلص من المقصد السيئ. # وقد اعترف الوزير في تلك الخطبة بفضل أولئك الذين جاهدوا قبله، وانحنى انحناءة ~~الإكبار أمام الذين ناضلوا عن حق أمته، وأبلوا أحسن البلاء في نهضة قومه، ولا تكون ~~العظمة الإنسانية معترفة إلا لما هو عظيم مثلها، ولكل جليل جلالها، ومخلص على غرارها، ~~ولم يضرب الله عظيما من عظماء هذه الدنيا بآفة الجحود، ولم يصبهم بمنقصة النكران؛ لأن ~~في نكران العظيم لما يستحق التفاته وجحود لما هو أولى منه بالثناء عليه انتقاصا من قدر ~~نفسه، وريبا من عظمة روحه، ومخافة أن ينقص منه ما يزيده بالثناء على سواه، والاعتراف ~~بالفضل فضيلة في نفسها عظيمة، وقد نقع للصغار فإذا هم كبار خلقاء بالاحترام، حريون ~~بالإكبار، وإذا كانت هي ضربا من العظمة في نفوس الذين لم يظفروا بروح العظمة ومادرتها، ~~فما أحرى بها أن تكون أول مميزات خلق الرجل العظيم، وحسنة عظمته، ومفتنة كبريائه، وما ~~كان مثل صاحب الترجمة ليغمض عينه إزاء العمل النبيل، ويشيح بوجهه عن الفعال الجسام، فإن ~~العظماء لا يشعرون بلواعج الغيرة، ولا يحسون الحسد، ولا ينظرون بالعين الخائنة إلى ما ~~أوتيه غيرهم ليجتذبوه إليهم، أو يقع لهم شيء مما أصاب سواهم؛ لأن الغيرة عاطفة تنم عن ~~العجز، والحسد آفة تنطوي على اللؤم، ودناءة الطبع، وهي نتاج خاطر مظلم معتم، يريد أن ~~يجعل الفضيلة احتكارا، ويكرهها على أن تكون ms081 في جزء واحد من الدنيا، ويجعل الجزء الآخر ~~منها معتما غير مضيء. # فإذا كان هذا هكذا فلا غرو أن نرى صاحب الترجمة في خطبته الفياضة العظيمة أبعد الناس ~~عن «الأنانية»، والأثرة، والحسد، وغمط الفضل، وإخفاء الإعجاب، والضن على أهل العمل ~~والجهاد بالثناء والإنصاف. # وقد أثنى على صديقيه عدلي ورشدي، واستفاض في التنويه بما عملا، وتمداح ما قاما به، ~~وجاهدا في سبيله. # وما كان الوزير الأول مجازفا بالثناء مسرفا في المديح؛ لأن العظمة تشفق من أن تبدو ~~أمام الناس طائشة مسرفة، فإنها إذا فعلت ذلك أنقصت من قدر من تثني عليه، وتحيفت جوانب ~~قدرها هي ومكانها، وفي قلة الكلمات التي تقول، وعبارات المديح التي تفوه بها أبلغ صورة ~~من حسن نيتها، ونقاء وجدانها، وصدق سريرتها، وليست كلمة العظيم توزن بألفاظها، وتقاس ~~بأسطرها؛ لأنها لا تفيض كما تفيض الشاعرية؛ فتكذب في سبيل أن تقول الحق، وتقول حقا في ~~صورة يخيل إلى سامعها أنها الباطل بجملته، وأصوله، ومادته، وهي ليست تتطلب من وراء ~~ثنائها على لداتها زلفى إليها، وقربى منها، وصلة بها، وعطاء من لدنها، وإلا كان أحق بها ~~أن تطوف بالرباب، وتجري على توقيعات المزمار والغاب. # وهل كان أروع ما مدح به رجل رجلا، وما أثنى به عظيم على عظيم من تلك الكلمة الفردة ~~الصغيرة التي فاه بها نابوليون بونابرت؛ إذ وقف على أكبر فلاسفة ذلك العصر وشعرائه، ذلك ~~الذي مزق ديوان الشعر قبله، وقذف إلى الخمول جميع من كتب قبله في الفلسفة والتفكير، ~~ونعني به الشاعر الألماني جوث؛ إذ نظر إليه، ثم دار بعينه في وجوه من حوله، ولم يلبث أن ~~قال يمدح ذلك الشاعر: «إنه رجل!». # أجل لقد كانت هذه الكلمة التي فاه بها ذلكم الرجل في رجل كان يمثل دولة الأدب يومذاك ~~لا دولة المدفع والسيف أبلغ من جميع التراجم التي وضعها الكتاب في ذلك الرجل بعد موته، ~~وأعمق من الدلالة على فضله وعظمته من كل ما حشد الكتاب في تحليل شخصيته، وتشريح خلقه، ~~والإسهاب في بيان فضل أدبه ms082 على الدنيا، ومتانة تفكيره، وروعة شاعريته. # إن هذا الشيخ الجليل رشدي باشا يستحق من هذه الأمة كل ثناء، ولقد كان وزيرنا الأول ~~أول من أدرك هذا الواجب ، وضرب على نفسه التزام هذا الغرض المقدس، فذكره في مستهل ~~خطابته، ووقف خاشعا أمام ذكر اسمه؛ لأنه وقف أمام عظمة نقية، ووطنية عاقلة، ونفس حر ~~عافت أن ترى نفسها في موقف ذل، وموطن مهانة، ولسنا ننسى ما كان من ذلكم الشيخ الأشيب ~~الوقور، العظيم الروح، إذ انبرى لذلك الإنكليزي الكبير برونيات يوم وصف هذه الشعلة ~~المقدسة التي اضطرمت في كل فؤاد في هذا البلد الناهض، شعلة الوطنية الرهيبة التي أنارت ~~الشرق كله، وأشعت على أهله جميعا؛ فثاروا يطلبون ما ينعم به الطائر على شجره، والوعل ~~في غابه، والوحش في كناسه وعرينه، يوم قال عن هذه الحركة الرائعة: «منها شعلة تطفيها ~~بصقة واحدة»، فيا لعنة السموات لشد ما ثارت حمية هذا الشيخ، وغضبت كرامته، ونفرت عزة ~~نفسه، ونهضت عزته بقومه، فأرسل من قلمه الحار الملتهب بحمية نفسه، وأثر الوطنية التي ~~تغلي مراجلها في حنايا أضلاعه، تلك المذكرة البليغة المستفيضة المخلصة الوفية الخالدة، ~~فراح يفند فيها دعوى الرجل، وفساد نظره، ويبين له مكان مصر في نظر أهلها، وحقها في نظر ~~الغرباء عنها، أولئك الذين نعموا فيها بخفض العيش، وخرجوا منها بالثراء العريض، وملأوا ~~جيوبهم من أموالها، وخزنوا الثروات الطائلة من ثروتها؛ فلم يبق رجل في هذا البلد لم ~~يصفق لتلك النفثة الرائعة، ولم يهتف لتلك الكلمة المتقدة، ولم يطرب لوطنية الشيخ؛ ويعجب ~~بصراحة الوزير، وجرأة الوطني الشهم الباسل. # ولقد ظلت صحيفة هذا الرجل العظيم نقية طوال ماضيه، وهي اليوم أنقى منها حاضرا، ~~وستكون غدا أشد نقاء وصفاء ونصاعة؛ إذ يتم عمله في لجنة الدستور، ويخرج ثمرات تفكيره، ~~وتنعم البلاد بالأنظمة التي نظمها، والقوانين التي اشترعها لمجلس الندوة، وندوة ~~الموالي، وستكون تلك الأنظمة كفيلة بالحرية للشعب في تشريعه، وبالاستقلال المكتمل في ~~برلمانه؛ وإن تخرص اليوم المتخرصون؛ ونقد الناقدون عمى الأبصار والبصائر، وسيرى الناس ~~منه في موقفه ms083 الوطني الحاضر، واضطلاعه بهذا العمل العظيم كيف تكون وطنية الشيخ وجرأته ~~في الحق، وسعة اطلاعه بأنظمة الحكومات في ممالك الغرب، وقوانين مجالسها النيابية، ولن ~~ينقصنا من تلك الأنظمة شيئا، ولن يضيق علينا منها مضطربا، وهو يعلم أننا قد نضجنا ~~لمعنى الحياة المهذبة، واكتملت نفوسنا للعيش في ظلال الحرية، ولن نخدع في أمر من أمور ~~حياتنا، ولن يكون هو ومكانه مكانه بخادع لنا، ولوطنيته تلك المواقف، والجولات العظيمة ~~التي لا نزال نستهدي بأعلامها الخفاقة. # ونحن قد قرأنا ذلك التقرير الضافي الذي رفعه عن السودان، ورابطته المقدسة الأبدية ~~بمصر، فإذا هو لا يزال جريئا في عمله، عاملا في وطنيته وطنيا في كل ما يمد يده ~~إليه، ويكلفه من الخطوب الكبار، وهذه المذكرة ستبقى علما على شعور فياض يلم بالنيل ~~العظيم من منبعه إلى مصبه، ويتدفق على ضفافه، وإنما ينصب من عل كالسيل، فلا يقف في ~~سبيله مانع، ولا يسد عليه الطريق حاجز أو حائل. # ونحن ننقل كلمة من تلك الكلمات البليغة المفعمة وطنية وصراحة، التي جاءت في عرض ذلك ~~التقرير المستطيل ... ليس النيل رباط الحياة الوحيد الذي يربط مصر والسودان، بل هناك ~~اعتبارات اقتصادية، فإن الجانب الأكبر من تجارة السودان سيمر دائما في مصر، ومصر هي ~~العميل الأكبر للسودان الآن، وستظل كذلك إلى الأبد، وقد أخذت مصر تغص بالسكان، وأخذت ~~أرضها تعجز عن أن تكفيهم، وليس في الأرض مكان معد بذاته لقبول زيادة السكان في مصر غير ~~السودان، فهو بلاد متاخمة لمصر زراعية بحتة، متصلة بمصر بروابط من كل نوع، ثم إن مبدأ ~~الجنسية المسلم به الآن والذي كان مرشدا وهاديا لسياسة الإنسانية بعد الحرب ينطبق على ~~مصر والسودان؛ لأن أغلبية العنصر العربي يتكلم لغة المصريين، وهو دين أغلبيتهم، وهو ~~متخلق بأخلاقهم. ~~••• # وقد عطف الوزير بعد ذلك في خطبته على صاحب الدولة عدلي يكن باشا؛ فقدره حق قدره، ~~وأبان للناس عن ذلك العمل الكبير الذي قام ذلك العظيم بأعبائه، وذلك الرفض الشريف الذي ~~تجلى من ناحيته في مفاوضات طويلة، كان الإنكليز يريدون ms084 منها أن يظفروا بالغلبة علينا. # وإليك ما قال رئيس الوزارة في هذا الصدد: سينشر يوما من الأيام ما طوي من الصحائف، ~~وما خفي من أسرار المفاوضات، وإذ ذاك يعلم بنو مصر جميعا أنه ما من رجل دافع عن بلده ~~كما دافع عدلي باشا عن مصر أثناء المفاوضات الرسمية، وأن الموقف الشريف الذي وقفه ذلك ~~الوزير الكبير، والوطني الصميم كان في ذاته أعظم تأكيد لشخصية مصر التي صممت على نوال ~~استقلالها، والتي تأبى أن توقع على صك يضعف هذه الشخصية: # إنما الوطنية الصحيحة الوطنية الصادقة؛ تعمل ولا تتكلم، وكل همها موجه إلى ~~جلب النفع للوطن، فلزم عدلي باشا الصمت، وكان خصومه يرمونه بأشنع ما يرمى به ~~إنسان من نقص في الوطنية، وضعف في العقيدة القوية، فكان جوابه الوحيد على هذه ~~التهم العمل على إثبات حق مصر، وأما ماعدا ذلك فلم يكن له عنده من شأن، فكان ~~وطنيا عظيما في صمته عظيما في حسن دفاعه. # هذا لعمري دفاع مجيد من رأس وزارة في حق رجل كان معتقدا مجلسه قبل جلوسه، وهذه هي ~~الوطنية النبيلة المؤثرة غيرها على نفسها المتواضعة في رفق النازلة للناس عن عرضها، ~~ومكانتها وكرامتها؛ لتحفظ عرض وطني عظيم، ومكانته وكرامته. # ونحن لا ندري أية مذمة يستطيع الناس في هذا البلد أن يضعوها عند باب رجل جريء مخلص ~~كالوزير عدلي، وأية جريمة تسول لهم نفوسهم أن يلصقوا عارها به، وأية منقصة يتزرون عليه ~~من ناحيتها، وهو لم يجترح في حق هذا الوطن إثما، ولم يرتكب سوءة، وانطلق إلى داره ~~كريما أبيا، رأى العار يريد أن يلتصق بقومه على يد مفاوضات أكره عليها، وسيق عن كره ~~إليها، فصرخ فيه ضميره المخلد القوي أن يفلت من عمل لا يصيب بلده منه غير الخسار، ولكن ~~كثيرين من العاملين في الثورات، والأحرار المخلصين الذين يعيشون على هدي ضمائرهم، ولا ~~يريدون أن ينزلوا عن استقلال رأيهم للشعب، والقطيع الذي وراءهم، نالهم ما نال هذا ~~الرجل، ووقع لهم ما وقع له، ولكن التاريخ يأبى إلا أن ms085 تكون له الكلمة الأبدية، والحكم ~~الفصل، وفي التاريخ يبدو اسم هذا الرجل بريئا من الإثم نقيا من العاب، شريفا ناصعا ~~لا شية فيه، وأما ما لصق به أعداؤه، وما يعيبه به خصومه فجفاء لا يصبر على نقد، وهباء ~~لا يستطيع مواجهة حرارة الشمس، وقد أدرك الناس اليوم فضل هذا الوزير، وحقيقة ما قام به، ~~ورضي هو بالحياة الساكنة الهادئة بعيدا عن العاصفة الهوجاء التي تهز أعالي الشجر، وتمر ~~بصغارها غير مؤذية ولا محطمة. ~~••• # وأجل ما كان من تلك الخطابة روح التواضع التي عمت أجزاءها، وفاضت في تضاعيفها، فلم ~~يستخدم الأساليب الفردية فيما يقول، ولم يتكلم بروح الأنانية فيما بسط من المعاني، وشرح ~~من الأغراض، ولم يستفرد بالعمل فيستفرد بالبيان، ولم يغمط حق أفراد وزارته ليكسب هو ~~الحق في إعجاب الأمة به كاملا، ولم يفرط في روح التضامن، ولم يشذ عن مبدأ التعاون، ولم ~~يجعل نفسه الطوال العظيم، وزملاءه بجانبه الأقزام الصغار، الأغمار المجاهيل، بل استمسك ~~في كل خطابته بصيغة الجمع، وبحق زملائه معه، ولم يمض في شأنه أنانيا متكبرا، ويثير ~~الغيرة منه في نفوس أصدقائه كما فعل الزعماء في الثورة الفرنسية من قبل، فاحتكروا ~~المديح لهم، وقبضوا بكلتا يديهم على المديح بمفردهم؛ فانفض عنهم الكثيرون من زملائهم، ~~وتململ الباقون من صحابتهم إذ رأوا أنفسهم حواشي وذيولا، ووجدوا أسماءهم منزوية في ركن ~~صدئة، وأسماء أولئك بريقة لامعة، مصقولة ذات طلاء ورواء. # وقد اضطلع الوزير في خطبته تلك بعبء المسؤولية، وارتضى أن يكون وحده مسؤولا عن عمل ~~الحكومة وشؤونها، ولم يتحلل من اللائمة، ولم يخلص بنفسه وبوزارته نجيا من الجزيرة، بل ~~نهض مستبسلا لا يخشى تأنيبا، وهو يدرك أنه على الحق، ولا يشفق من عتب، ولا إنكار وسخط ~~ما دام الخير فيما يفعل، والنية البيضاء وراء ما يحدث، وإنها لجرأة عظيمة لا تكون إلا ~~لعظيم يحتملها، وينهد لها، ويرضى أن تصدر عنه، وتنبعث منه، والجرأة صفة أولى في ~~العظماء، ولازمة من لوازم المتصدي لقيادة الشعب المتربع في دست الحكم، وماذا كان هذا ms086 ~~الوزير ليخشى من وقعه، أو يفرق واعدا من نتيجته، وهو لا يريد أن يدس على الأمة في ~~الظلام، ويحتال الحيل على خديعتها، وذر الرماد في عينها، وإنما اتصل بسبب من الحق، ~~وأدرك خير الأمة في ناحية، وتبين له السبيل السوي؛ فسكن إلى خطبته، واطمأن إلى عقيدته، ~~وسعى سعيه، ونشط نشاطه، وكان من كل هذا ما رأينا، وما علمنا. # ولو أن رجلا آخر منا في مكانه لما جسر أن يقول أنا المسؤول، ولما طاوعته نفسه على ~~التصدي لحمل هذا العبء؛ لأن الناس في مصرنا يرعشون خشية من هذه اللفظة الكريهة إليهم، ~~وهي «المسؤولية»، وترجف أفئدتهم من وقعها ونتائجها، ولم نر وزيرا من وزرائنا السابقين ~~في موقف من مواقفه نهض على أسماع الأمة يقول ما قال صاحب الترجمة في تلك الخطبة، بل لقد ~~اعتدنا أن نرى وزراءنا يرمون المسؤولية عن أكتافهم، ويتهربون من إسنادها إليهم، أو ~~أخذهم بكلماتها، بل ما فتئوا كلما عاتبتهم الأمة، وأنكرت عليهم عملا من أعمالهم، وسخطت ~~على شأن من شؤون وزاراتهم يتشكون من الإنكليز، ويحيلون الذنب إليهم، ويرجعون اللائمة ~~عليهم، ويقولون في عرض أحاديثهم الأسيفة برنة الألم والندامة، والحسرة واللهفة: ماذا ~~لعمركم نفعل، ونحن سليبو الإرادة، مكتوفو الأيدي، لا نستطيع شيئا، ولا نجد لدينا ~~استقلالا للعمل، وحرية في التفكير والسعي؟ إنكم أيها اللائمون إنما تتكلمون على هواكم؛ ~~لأنكم لم تقعوا تحت تلك الإرادة، ولم تجربوا ما جربنا، ولم تعانوا ما عانينا، إنما تلك ~~مقاعد نعتقدها، وكراسي ينبغي أن تملأ فحللنا في فراغها، وليس لنا من مناصبنا هذه إلا ~~المرتب؛ لأننا مثلكم أصحاب «عيال»، وإلا لقب «المعالي»، وإن «سفلنا» في نظركم، وإلا ~~الأبهة الفارغة الجوفاء ما دمنا لا نستطيع أن ننعم بالملأى الحقيقية الصادقة. # ولقد كان هذا نجاء الوزراء لصحابتهم، أو أهل سرهم، وندمائهم على الشراب، والمتمكنين ~~من ودهم وصداقتهم، وكانت تلك الكلمات نعرفها عنهم، ونتخيلها طالعة من أفواههم. # ولكن مثل هذا الوزير الذي نترجم له الآن أشد الناس ثورة على السكون والتطامن لو أنه ~~أريد على أن يجلس ms087 في كرسيه جامد الحركة، وأن يروح في يد الإنكليز أداة يحركونها هم كيف ~~شاءت لهم السياسة، واقتضت مطالب الحكم؛ لأنه يأنف أن يذل لغيره، ويخفض رأسه لسواه ، فإذا ~~أعطي عملا، فإما أن يترك له ليعمله، وإما رفضه وخرج بنفسه من معرة العجز، والتواكل، ~~والرضى باسمه، تذيل به القوانين، وتمهر به الشرائع، وتختم به المراسيم والأنظمة دون أن ~~يكون هو الذي اشترعها، ودون أن يضع يدا في وضعها، ولم يتول يوما في حياته الحكومية ~~عملا وقنع منه بالوظيفة، ورضي منه بالاسم واللقب؛ لأن في أعماق نفسه إحساسا جياشا ~~يغريه بالحركة والعمل، وعاطفة متقدة لا تربطه بالكرسي الذي يشغله، ولا تقيده إلى المنصب ~~الذي يقلده، ولو مضى عليه يوم واحد من غير عمل يتناوله، أو تفكير ينكمش إليه، أو كتاب ~~يقرأه، أو قطعة يكتبها لكان ذلك عنده أشد أنواع المرض، ولاحترق جثمانه من أثر حرارة ~~روحه، والنار المشبوبة في فؤاده، وإذا تخلى رأس الوزراء، وأول رجل في الحكومة عن ~~المسؤولية عن عمله، كان خليقا بأحقر رجل فيها، وبالشرطي الواقف في الطريق أن يتهاون في ~~عمله، ويتحلل هو أيضا من مسؤولية حراسته وواجبه، وإذا حدث هذا في حكومة من الحكومات ~~خرجت ولا ريب عن معنى الحكومة، وكان أولى بنا أن نسمها بطابع الفوضى، ونحشرها في ~~الموتى، وقد رفع هذا الوزير عن أمته علم الحماية، وذلة الوصاية، وكان مسؤولا عن مهمته ~~تلك فأداها على وجهها، ولم يكن يخشى بعد ذلك من مسؤولية إتمام ما بعدها، واستكمال ~~أساليب الحكم الدستوري التي لا غناء بعد تلك الحماية عنها، ولقد وقعت بعد ذلك أحداث ~~كبار، وحدثت غيلات لكبار البريطان وأخطار، وغضبت حكومة الإنجليز، وحق لها أن تغضب، ~~وعتبت على وزارة هذا الوزير، ولفتت أنظارها إلى هذه الدناءة التي تغتال الناس وهم ~~أبرياء، وتشوه جمال هذه الحركة، وتفسد عليها فضيلتها؛ لأننا لا نريد وطنية قاتلة، ذباحة ~~ساقطة الروح، دنيئة تقتل ثم تعدو طالبة الفرار، مختبئة في الأزقة؛ لأن الوطنية الصحيحة ~~لا تختبئ وإن قتلت، ولا تكمن في جحر ms088 مظلم، أو عش بعيد مجهول، وإن افترست لأنها وطنية لا ~~تخشى الموت، والوطني الصادق المستبسل يموت والابتسامة على شفتيه، ويلاقي المنون ضاحك ~~النواجذ، والغيلة دناءة، وإن أسماها المجانين مذهوبو الرشد جرأة، وراحت لديهم خليقة ~~بالمديح، مثيرة فيهم الإعجاب؛ لأن هؤلاء الذين ماتوا وقضوا نحبهم ماتوا ودماؤهم باردة؛ ~~لأنهم أخذوا على غرة، ولم يدافعوا عن أنفسهم، والرجل الباسل النبيل الروح يأنف أن يموت ~~عدوه بارد الدم في هدوئه الطبيعي، وغفلة خواطره، والرجل الذي يموت منهم يرتحل عن الحياة ~~مستشهدا؛ لأنه مات وهو يعمل لوطنه بالحق كان وبالباطل، والقاتل من صفوفنا خائن في حق ~~وطنه، أثيم شنيع في أمته، فنحن بآثامنا هذه إنما نمهد لرجالهم سبيلا للشهادة، ونسجل ~~على أمتنا كلها الخيانة، والجبانة بكل ألوانها. # وإذا كنا قد رأينا الإنكليز قد غضبوا لتلك الأحداث الرهيبة، وشهدنا نائب ملكهم في ~~كتابه إلى صاحب هذه الترجمة مهددا منذرا، يحمل هذه الوزارة مسؤولية هذه الحوادث، ~~وجريرتها، فقد وجدنا هذا الوزير ثابت الجأش، لا يفر في رسالته إلى نائب ذلك الملك من ~~حمل مسؤولية الأمة بأسرها، ولا يتململ، ولا يتزعزع عن مكانه، ولا ينخلع فؤاده حيال ~~التهديد، والنذر التي جاءته، بل أحسن في رده، وأخذ بالحزم والبسالة فيما كتب، وكذلك ~~ارتكب رجل ذو لوثة جرمه الشنيع، وضرب الأمة في مقاتلها، وهو يحسبه محسنا صنعا، مجديا ~~على وطنه، فلم يكن من رئيس الوزارة الجريء الباسل الثبت المقدام إلا أن حمل جرمه، ورفع ~~للأمة كرامتها، وأجمع نيته إلا أن يأخذ بأشد ألوان القصاص، وينفذ أقسى ضروب العقوبة، ~~وقد فرح الذين عمت بصائرهم عن رؤية الحق بذلك الحادث، لا في وقعه، ولا في مقدار ما أثار ~~من الغضب، وأحدث من السخط لدى الذين قتل الرجل من صفوفهم، بل حسبوها ناهزة نهزت لتبعث ~~الوزارة على الخوف من أمرها، والخشية والرعدة من عواقبها على مكانتها، وظنوها حادثا ~~مغريا بالفرقة والتنافر بين الوزير والإنكليز، الذين اقتسرهم اقتسارا على استقلال ~~البلاد، والتسليم بحريتها، وحقها الأبدي، ورفع حمايتهم المهينة المؤلمة عن أفقها، وما ~~نعلم ms089 أن في دور المخلوطين في عقولهم قوما تقع لهم أمثال هذه الفكرة الطائشة الهاذية ~~المحمومة، ولكن لهؤلاء المجانين الأحداث الأغرار جنونا مبتكرا طريفا، ليس على مثال ~~ما في سجلات المجاذيب من مدهشات، فإن هذا الوزير قد قام بفرائض منصبه غير مستأن، ولا ~~مستخف، وقد وقعت أمثال هذه الأحداث في الوزارات التي قبله، وهو لم يجلس مجلسه إرضاء ~~للإنكليز حتى يتركه ترضية لهم، ولم يكن في مكانه ذاك بوحيهم قبل أن يكون يوحي ضميره، ~~ومنبعثا وراء وجدانه، وما كان مثل هذا الوزير في نبل روحه، وفيض عاطفته ليترك مكانه؛ ~~لأن بضعة أشخاص من المعارضين، ونفر من الخصوم، قالوا له: قم عن مكانك، واترك مجلسك، ~~ولقد انهزموا أمامه، وهزمتهم الأمة حياله، فلم تسمع لهم؛ ولم تعرف لهم مكانة بينها، ~~وليسوا ممثلين لرأيها، ولا غطاريف في أهلها، ولا سادة الرأي إذا الرأي سؤل، ولا قادة ~~الأذهان إذا طلب وحي الأذهان، وكيف يصح للمنتصر أن يدع مكانه للمنهزمين، ويترك الحومة ~~للهاربين، ويعلن هزيمته وهو قد أمسك بالنصر في يده، وبعلم الفوز يلوح به فوق رأسه، ولو ~~أنه فعل فنزل على أمر هؤلاء، ورضي أن يسمع لهم، وتخلى عن المنصب لشهوة أنفسهم، وفر من ~~الواجب الذي في عنقه لراح خائنا لبلاده، مستهزئا بحقوق أمته، ضعيف الحيلة في خدمة ~~مبادئه، ولا نعرف شيئا من هذا يصح أن ينسب إلى صاحب الترجمة، أو يشتم من خلقه، ولقد ~~وقف في مواطن أشد إحراجا من هذه فسرب منها، وشق غبارها، ولم يستطع شيء أن يترك أثرا ~~في همته، وعظمة نفسه للعمل، وإخلاصه إلى رأيه، ودأبه على فكرته. # وإذا كان هذا هكذا فلا غرو أن يقول صاحب الترجمة في خطبته: «إننا لم ننتظر إنفاذ ~~النظام البرلماني حتى نأخذ المسؤولية على عاتقنا، بل نحن قد أخذناها على عاتقنا من أول ~~لحظة، وأصبحت إدارة شؤون البلاد في يدنا بتمام الحرية، فلم يبق للمستشارين هذا الأثر ~~الذي كلكم كنتم تعرفونه، وتحسون به، وأصبحت كلمتهم لا تخرج عن حد المشورة.» ~~«والخلاصة في هذا الباب: ms090 أن مصر الآن من الوجهة الداخلية أصبحت أمورها بيد أبنائها، ~~وأنها ستصبح في القريب العاجل ذات نظام دستوري على أحدث النظم العصرية». # ولا تزال كلمة الإخلاص التي قالها في تلك الخطبة في أذهاننا، تلك الكلمة الكبرى ~~المستفيضة صدقا، وعاطفة، وضؤولة أمام عظمة القدر، وفناء الفرد بجانب خلود الشعب، إذ ~~يقول: لقد نسوا أو تناسوا أيها السادة أننا أشخاص زائلون، وأننا لن نبقى متربعين في دست ~~الأحكام إلا برهة من الزمن، ثم نخلي السبيل لغيرنا، أما النظام الدستوري فهو نظام ثابت ~~دائم ...! # نعم، تلك نفثة رجل صادق يدرك أن الحياة لا تستحق أن تعاش إذا لم يكن الإنسان قوة ~~خالدة تفتدي نفسها في سبيل خير غيرها، وأن المرء وإن عمر في هذه العاجلة فما هو بمغنيه ~~في حكم التاريخ أن يعمر، ولقد راعنا من هذه الكلمة المؤثرة الجياشة الحزينة الرنين، ~~الأليمة الوقع ما انطوى تحتها من رنة الإخلاص، وروح الصدق، وبلاغة التعبير، وجلال ~~الوفاء، ولم يكن الوزير من الشعراء حتى يقال تلك أكذوبة جميلة من أكاذيب القصيد، ولم ~~يكن في موقف من مواقف الشاعرية حتى تستهويه وترسله، يتدفق في ألفاظ طلية ضئيلة المعنى، ~~وإنما كان في ذلك الموطن رجلا سياسيا، وعاملا خطيرا في بناء هذه الأمة، ورأى بعض ~~الخصوم يكذبون عليه، وعلى أمتهم، ويتقولون الأقاويل الخاسرة الواهية الظنينة في نفسها ~~المتجنية، ويرمون الوزارة بما هي منه بريئة الكف، نقية الروح، ويدسون عند الأمة عليها ~~أنها ستتعرض لحرية الانتخابات، وأن دار الندوة ستكون عند منال يدها، ولعبة في ~~كفها. # ولقد أحسن الوزير في رفع تلك الفرية؛ لأن الوزير لم يطعن بها بمثل ما طعنت الأمة، ~~وأهينت، وسخر منها، وشهر بها عند أمم الغرب. # ولقد قال الوزير حقا إذ قال في خطبته: إنهم بذلك إنما يرمون أمتهم بأشنع التهم، ~~وأنكر الشنائع؛ إذ ينسبون إليها أنها تقتاد سهلة ذلولا في يد من يسوقها، وأنها لا ~~تجتمع إلا على طغام كالنعام، يتبعون أول ناعق، وأنها تستسلم استسلام الأعمى حتى فيما ~~يعود على الأمة بالضر والذلة. ms091 # أولئك هم الذين يودون أن يتراءوا للأمة قادة مخلصين، ويبدوا مصلحين صادقين، وتتجلى ~~الغيرة المتقدة من نواحيهم، وتظهر الحمية الملتهبة من جوانبهم، على حين يسيئون إليها، ~~ويستخفون منها، ويضللون فيها الرأي، وينكرون وضح الشمس، ولكن الأمة لم تعد طفلة تغريها ~~بالنوم مناغاة أولئك المراضع، والأمة التي نهضت للثورة، وثارت للحياة الصحيحة المنتعشة ~~القوية، وصاحت فيها النسوة يطالبن بمقاعد لهن في مجلس الإنابة، لا يقع عندها الخداع، ~~ولا تستمع لأحداث الخيانة المرتدية أثواب الصدق، والغيرة، والوفاء. ~~••• # ولو أن صاحب الترجمة كان يخشى شنشنة هؤلاء الثرثارة، ويخاف خصومة أولئك الخصوم، ~~ويضطرب من تألب هؤلاء المستنفرة، ويرعد من عداوة الأفاكين، وأهل القلوب المرضى لكان ~~أولى به أن يصانعهم، وكان أخلق به أن يلاينهم، وينزل على أحكامهم، ويهرب من خصومتهم، ~~ويسعى جهده في سبيل سكوتهم، ولو أنه طلب ذلك، ووضع هذا المقصد نصب عينه لطاوعه ما أراد، ~~وضمهم إليه، وساقهم إلى جواره، ولكن أبى إلا أن يكون فردا، ويعمل فردا، ويدأب منقطعا ~~إلى نفسه، خاليا إلى عزلته، فإن انتصر له قوم أدركوا أن الحق في جانبه؛ فنعمت النصرة، ~~وإن هزمه قوم، وخذله فريق، فما كان ليخشى خذلانهم؛ لأنه يعلم من نفسه أكثر مما يعلمون، ~~وهو خليق بأن يصطبر لهم، ويتمهل عليهم، ويرتقب رجعتهم إلى الحق؛ لأن الحق عائد بأهل ~~الضلة إليه، وإن بعدت المسافة، وتراخت الشقة، ولكنه - كما قلت - لا يخشى من جانب أولئك ~~الخصوم شيئا؛ لأنه يعيش أبدا على ضميره، ويتلقى وحي الحق من وجدانه، ولقد قال في ~~خطبته: «إني أيها السادة لا أكره المعارضة، بل إن عزت علي تلك المعارضة فإنني أعمل على ~~خلقها، ذلك جلال العبقرية السياسية التي تستقبل خصومها مرحبة بهم، مؤهلة بخصومتهم، فرحة ~~بتألبهم، واجتماعهم عليها، وتضافرهم على سمعتها، عالمة أن كل ضربة لا تقتلها تفيدها، ~~كما قال نيتشه في بعض تواليفه، وما رأينا قبل هذا وزيرا مصريا صرح بكلمة مستبسلة ~~كهذه، ولا شهدنا رجلا خطيرا وقف هكذا مناديا الناس إلى مخاصمته، صائحا على أعدائه ~~أن يقبلوا على حواره ms092 ومناقشته مهيبا بهم أن يحشدوا كل ما أوتوا من قوة لمكافحته؛ لأنه ~~لا يستطيع أن يقنع الناس جميعا بنقاء وجدانه، وصفاء نفسه، وطهر ما يخرج من يده . # ولو أنه عمل عملا صالحا، ورأى الناس حوله سكوتا، لا تتحرك شفاههم بكلمة نقد، ولا ~~تجري أقلامهم بمعارضة، أو رد لتلتلج في خاطره أن الناس لم يفهموا عمله على حقيقته، ولم ~~يدركوا وجه الخير منه، فلا يفتأ يستثير القوم إلى إبداء آرائهم، والمصارحة بخواطرهم حتى ~~تهدأ نفسه على عمله، ويتلقى من الناس التشجيع على المتابعة، والتعضيد للتقدم، والمؤازرة ~~على النهوض والسعي، وأنه لأفرح بالنقد منه بالمديح، وأروح خاطرا بالمعارضة منه ~~بالمؤازرة؛ لأن المديح لا يكاد يصل إليه؛ لأنه في شغل عنه، ولأن الثناء عليه لا ينال ~~منه غير التجهم، ولا يصيب منه الرضى؛ لأنه يعلم مقدار ما في هذا الثناء من خديعة، ويدرك ~~أن التمدح لا يزيده شيئا، ولا يكمل منه نقصا، ولا يخلع عليه فضلا طريفا، ولا يزداد ~~به ثقة بنفسه، وثباتا على عقيدته، ولكن النقد يظفر منه بالابتسام، ويثير في نفسه ~~السرور، ويشع في نواحي روحه، ويفتح شهيته للعمل؛ لأنه يدرك من نفسه أنه لم يتخذ على ~~الحق عهدا أن يؤاتيه في كل يوم، ولم يكتب بينه وبين القدر وثيقة وعقدا مبرما أن لا ~~يسير إلا على هواه، ولا يأتمر إلا بأمره، بل هو يعمل متوخيا الخير جهده، متحريا الحق ~~بكل قوته، فإن لم يصبه فعلى الناس أن يصيبوه معه، ويعينوه على الظفر به، ولا يتوفر له ~~ذلك إلا بنقد الناقدين، ومعارضة المعارضين المخلصين، وهذا هو الذي بعثه على أن يقول ~~كلمته تلك؛ لأنه لا يدعي لنفسه السيادة على الأذهان، والسيطرة على الضمائر، وهو ليس ~~بالوطني الأوحد، والقوم من خلفه كذبة خونة منافقون، ونحن لم نر هذا الوزير يوما جانحا ~~إلى الاستبداد بأمته، وإملاء رأيه عليها، وإكراهها على أمر لا ترغب فيه، ولا تشاء المضي ~~في سننه. # ونحن لسنا منه حيال دكتاتورية مطلقة عنيدة الرأي، شديدة الوطأة، حديدية اليد، وإلا ~~لما ms093 جلس في مكانه أكثر من يوم أو من شهر، ولما ثبت في مجلسه، وتمكن من منصبه، ووجد ~~الأمة الحقيقية التي لا تنجلي في صحيفة، أو صحيفتين، وفي أنهار ورقة يومية أو ورقتين، ~~بل الأمة التي تجلس في الطريق، وتعيش في الشارع، وتسكن القصور، والأكواخ، والدور، ~~والعشش، ساكنة مطمئنة إلى عمله، صابرة مستأنية؛ حتى يتحقق كل مطلب من مطالبها، وتنفذ كل ~~أمنية من أمانيها، وإذا قال قائل من خصوم الوزارة: إن هذا السكوت من جانب الأمة عن عجز، ~~وصبرها عن ضعف واستسلام، وسخط مشلول، مفلوج الحركة، فنحن نقول لأولئك: إن الأمة التي لا ~~تستطيع أن تزيح رجلا عن مكانه، وتعجز عن أن تحمل وزيرا إلى بيته من فوق مجلسه، لا ~~تستحق الحياة، ولا تستأهل أن تطالب بالحرية فتنالها، ولكنا نعلم من أمر هذه الأمة، ومن ~~مزاجها، ونفسيتها ما شهدناه من تلك الثورة الرهيبة التي وقعت منذ أعوام، وعمت القطر من ~~أقصاه إلى أقصاه، والأمة التي وقفت أمام المدافع، وحملت ضحاياها إلى المقابر تحت صيب من ~~القذائف، وسقط أبناؤها وشبابها جرحى وقتلى، والابتسامات على شفاههم، والكلمة الحلوة ~~«لتحي الأمة» تتحير على ألسنتهم، لا يمكن أن تكون كاذبة على نفسها، مخدوعة في أمرها، ~~صابرة على ما لا تحب، مكرهة على ما لا تريد، وإنما هي أدركت أن الوزير لم يأثم في حقها ~~حتى تأثم هي في حقه، وتتجنى عليه، وتتململ من حكومته، ولم يقل لها لقد رفعت عنك ~~الحماية، ثم رأت الحماية لا تزال باقية، ولم يعلنها بأن سيادة الإنكليز قد راحت سيادة ~~مصر على مصر، ثم شهدت أن ذلك كان جملة من الأكاذيب، لا نصيب لها من الحق، ويوم تظن أن ~~في كل ما فعل الوزير ظلا ضعيفا من الباطل، تروح ثائرة متمردة غاضبة، ويوم تغضب الأمة ~~يغضب الوزير من نفسه؛ فيحمل محفظة أوراقه الخاصة إلى منزله، ويتخلى عن عمله، ويندمج في ~~صفوف الشعب، ويدخل في غمار الجماهير، ويدع المكان لغيره، ولو أراد القدر بهذه الأمة ~~سوءا لكان ذلك، ولوقع ما نقول، ms094 ويومذاك يرتفع إلى رئاسة الوزارة رجل قزم أعرج الإرادة، ~~دميم الرأي، ويومذاك نشهد ما سيكون بعد الذي كان، ونرى الأمة معولة ناشجة نشيج الأطفال؛ ~~إذ أسقط في يدها، وأسلمت مقادتها إلى أيد ضعيفة راعشة؛ لأنه إذا كان في هذه الأمة رجل ~~يستطيع أن يمشي بها في محرجة أمرها هذا، ويمسك بيدها فيأخذها إلى حيث تريد، وينطلق بها ~~إلى ما تبغي؛ فذلكم هذا الوزير الذي تترجم له الآن، فهو أقدر رجل تولى الرئاسة في وسط ~~هذه الزوبعة الهوجاء، وهو أمتن أهل هذا البلد شخصية، وأدهاهم رأيا، وهو جبار الذهن، ~~عظيم الروح، لا يتطامن، ولا يخفض رأسه، ولا يبيع الناس ضميره ليشتري به حقا ضئيلا من ~~حقوق هذا الشعب، ولا يستطيع الإنكليز أن يستلينوا قناته، ويجمعوا خدائعهم لاختلاب ~~فؤاده، ويكسبوه من ناحية ليخسر هو أمته من الأخرى، ويأتوه بالباطل ليدلي به إلى وطنه في ~~صورة الحق، ويوعدوه بالنذر ليعد هو بالأماني، ويقولوا له: افعل كما تؤمر به، أو دع ~~مكانك؛ فيغلب مكانه على مكانته في أمته؛ لأنه كما قال في خطابته شخص زائل، وإنسان ~~سيحتضر، وعمر سينفد، وما تنفد الأمة، وما تفنى، وحقيق به أن يفني عمره في خلود وطنه قبل ~~أن ينطلق عن هذه العاجلة، فاني الذكر، خلق الاسم، سيئ الأحدوثة. # وقد رأينا فريقا ضئيل العدد، يحاولون أن يقنعوه بترك عمله، والتخلي لهم عن منصبه؛ ~~ليضربوا القرعة فيما بينهم على من يتولاها منهم بعده، وليقتسموا بينهم أسلابها، وأبهة ~~روائها، وليجعلوا رئاسة الوزارة مأوى للضعفاء، وملاذا للملهوفين، ونزلا للطاعمين ~~الكاسين، ولتكون أشبه شيء بالتكايا للمقعدين المعوزين؛ ولو أن رئيس هذه الوزارة رضي ~~لنفسه أن يكون بجانب ذلك رئيس مطعم، أو صاحب فندق لاستطاع أن يجيء بهم إلى صفه، ~~ويستهويهم إلى جانبه؛ إذ ينزل على مطالبهم، ويعطيهم كفاف رغائبهم، ويجلسهم في دور ~~الحكومة، ويوظف عليهم الوظائف، وينثر عليهم البدر، ولكن الأمر ليس مساومة، وليست شؤون ~~الأمة تجارة نافقة؛ فيربح أولئك، والأمة بهم خاسرة. # ولقد قال الوزير - كما قدمنا - أنه يريد أن يخلق المعارضة ms095 إذا لم يجد أثرها، وكان ~~يرتقب أن يرى معارضين يمسكون بطرف من الحق، ويشادونه فيه، ويتجاذبونه بينه وبينهم، وكان ~~يتوقع أن يجد أمامه خصوما أبرياء من الأنانية ، ومجادلين بالحسنى، غير خارجين على سلطان ~~أنفسهم، وأمناء في السياسة إذا الأمانة وجبت، وأوفياء في العقيدة؛ لأن الوفاء أول لازمة ~~هذه النهضة، وكان أحق أن يشهد معارضين شرفاء الدخلة، صادقي الوطنية، مؤمنين بحق أمتهم، ~~فلا يثيرونها هوجاء حمقاء طائشة، تعمي الأبصار، وتحجب الأعين، وينطلق الحق متبددا، ~~تذروه الريح السافية، ونقف بهم أمام الإنسانية العاقلة المتحضرة ضحكة هزأة نشتجر، ~~والأمر ظاهر بين، ونتماسك بالتلابيب، ونتواثب للخصام، ونتهالك على النفار في موطن رهيب، ~~كان أولى بنا فيه أن نتساند، ونقف صفا صفا أمام عدونا؛ حتى لا يخترق الصفوف، ويتسرب ~~من الثلمة، فتذهب ريحنا، وتتفرق جموعنا، والعدو ضاحك منا، ساخر من طفوليتنا، ولكنه لم ~~يجد من كل ذلك شيئا، ولم ير قبالته أشخاصا يمثلون رأي الأمة، ويشرحون له عاطفتها، ~~ويتكلمون بلسانها، ولم يستفد من كل تلك الأبحاث التي خرجت بها الصحف كما تخرج الصبية ~~بطيارات الورق تهفو بها الريح، وكان يريد أن يستهدي بالنقد الحق، والرأي المخلص، ~~والكلمة الوفية، والمعنى الأمين؛ فلم يجد في كل أولئك المعارضين الضعاف الأحلام هاديا ~~طيب النفس، بعيد النظر، واقتصرت تلك المقالات العاثرة التي أسموها معارضة، وخلقوا منها ~~حزبا معارضا، خرج إلى نور الشمس جنينا ميتا على أهواء ومنازع كاذبة تغالط نفسها، ~~وتريد أن تغالط الأمة معها؛ فبقيت الوزارة في مكانها ثابتة كالصخرة في عرض اليم، وتحطمت ~~تلك السفن الصغيرة التي ركبها أولئك المعارضون، وغالبت الريح، والريح غالبة؛ فكسرت ~~رأسها عند قدمي تلك الصخرة المكينة، وظلت الصخرة راسخة تضحك من أطفال اليم، وزوارق ~~البحر التي جاءت في النوء تناوئها، ونحن لا نريد بهذا أن تموت في الأومة مادة المعارضة، ~~وروح النقد السياسي؛ لأن في المعارضة دليل الحياة، وفي النقد معنى النشاط والبصيرة ~~اليقظة الساهرة، وإنما أردنا أن نرى معارضة مجدية علينا، مهذبة شريفة، كما ابتغى الوزير ~~وتوقع؛ حتى نتم بها ما ms096 نقص، ونقصرها على سد ما قصرنا فيه، وننتصح بنصيحتها إذا أعوزت ~~النصيحة، ونسير على هديها في ظلمة موقفنا؛ فلم نجد من كل ذلك ولا أثارة من عقل ، ولا ~~ظلا من رشد؛ فاستحقت هذه المعارضة المخلوطة في ذهنها المتساقطة عياء وضعفا من أثر ~~النقرس الذي يفت في ساقها، وتسري برودته في جميع نواحيها؛ حتى تعيش من نفسها في المنطقة ~~المتجمدة، وأهلها تحت سماء حارة، وشمس ذات وقد. نعم، ما كانت هذه المعارضة إلا لتستحق ~~الاستخفاف بها ما دامت لا تزيدنا شيئا، ولا تنقص من أمرنا شيئا. # والحجة التي يستعد بها هؤلاء المعارضون على الوزارة، ويحرشون بعض القوم عليها قولهم: ~~إن الأحكام العرفية لا تزال باقية بقوتها وبطشها في أمة قد استقلت بنفسها، وملكت زمام ~~أمرها؛ فلم تغب عن ذهن الوزير حجتهم تلك، ولم ينس خشيتهم هذه، فألم بها في خطبته، ~~واعدا الأمة أن يجد طريقه إلى رفعها، وإراحة البلاد من أثرها، وأن الأمة خليقة بأن ~~تعينه على مطلبها باعتزامها الهدوء، وأخذها بأسباب النظام، وإخلادها إلى السكينة في ظل ~~القانون؛ حتى تقنع واضعي تلك الأحكام أن ليس بها من حاجة إلى إبقائها، ولا ضير عليهم من ~~زوالها؛ لأن أمر إلغاء تلك الأحكام في يدها، وفي القضاء على عوامل الفتنة والاضطراب، ~~ولكن منيت هذه البلاد بأنفس شريرة، وأرواح خبيثة تستتر تحت حجب الظلام، وتحاول إضرام ~~نار الفتنة، وتعمد إلى اغتيال الأبرياء، وكلما ساد السكون في ربوع هذا البلد ردحا من ~~الزمن، واستتب النظام، وعم الهدوء، حتى كادت الوزارة تتحين الفرصة السانحة لإظهار حسن ~~موقف الأمة، والاستناد إلى سكينة الشعب في العمل على تعفية آثار القوانين الاستثنائية، ~~لم نلبث أن يدهمنا حادث سيئ، وتقع غيلة جديدة، وينبري رجل مفتون فيفسد تلك الفرصة، ~~ويقضي على تلك السانحة، ويحرج موقف الأمة والوزارة معا، ويثبت عقيدة الإنكليز في وجوب ~~بقاء تلك الأحكام على حالها، والتزام العمل بها، والالتجاء إليها؛ لقمع هذه الروح ~~الفردية القاتلة المجنونة المتمردة، وقد تضعف هذه الحوادث الأليمة من حجة الوزير، ~~ودفاعه ونضحه عن ms097 واجب الأمة، وسعيه لإلغاء الأحكام، وإبطال القوانين الاستثنائية، فإذا ~~كانت الأمة تريد حقا أن تزال عنها، وتتحرر من شرها، كان أولى بها الاعتصام بالسكينة، ~~وإذا كانت الأمة لهذه الأحكام العسكرية كارهة مجتوية باغضة، فإن الوزير لها أكره، وأشد ~~اجتواء، وأبغض الناس لأثرها في أمته؛ لأنه يأبى أن تكون في البلاد سلطتان، ويمشي في ~~القطر حكمان؛ لأن عظمة نفسه لا تقنع بنصف الحكومة، وترى النصف الآخر معتديا على حقه هو ~~وسلطانه، ولا يرتضي لنفسه أن يرى عملا في الأمة لم يشترك هو في وضعه، وأحكاما لم يسأل ~~رأيه في إنفاذها؛ لأنه لم يتول رئاسة الحكومة ليقنع من الحكم بلفظة الوزير الأول، ~~وبكلمة الرئاسة الجميلة الوقع، بل إنه ليتألم الألم كله، ويثور في أعماق نفسه، كلما وقع ~~في القطر حادث يوجب إنفاذ شيء من تلك الأحكام، وهو لا يريد أن يقف في سبيل إنفاذها، ~~ويشتجر عليها مع أصحابها؛ فيفسد سمعة حكومته، ويرمي وزارته بتشجيع الفتنة، والرضى ~~بأعمال القتل والعنف. # ولقد كان الوزير قاضيا، وجلس من قبل في مساند القضاء، واشترك يوما في اشتراع ~~القوانين، واستنان الأنظمة، وكانت روح العدل التي استمدها من الجلوس في مجالس القضاء ~~تأنف من هذا الحكم العرفي الذي لا يستند على نظام، ولا يجري على سنن؛ ولا يمشي على قصد، ~~بل هو في نظر القانون خروج على القانون، واعتداء على سلطته، واستخفاف بمنصبه، والحكم ~~الذي لا يهب المتهم الواقف أمامه شيئا من الحرية للدفاع عن نفسه، ويخشى على نفسه قبل ~~خشيته على المتهم الذي حياله، لا يصيب من رجل مشترع غير الاستنكار والاشمئزاز. # وقد صدرت في خلال الحرب، وبعد سكون تلك المجزرة تشريعات هامة، استمدت سلطة القائد ~~العام لتكون سارية على الأجانب والمصريين معا، وحيل بين المحاكم الأهلية والمختلطة، ~~وبين النظر في مسائل داخلة في اختصاصها، وتولتها محاكم عسكرية؛ فأصدرت أحكاما، وأنفذت ~~قرارات بنيت على أساسها حقوق وتعهدات، وصدرت أوامر إدراية، وتدابير تتعلق بالأمن، أو ~~النظام العام، واشتركت هذه السلطة في أعمال التشريع، والقضاء، والإدارة العادية للبلاد ~~بسبب ms098 الامتيازات الأجنبية، وبسبب نشوب تلك الحرب، فضلا عن المركز الخاص الذي تهيأ بسبب ~~معاهدات الصلح؛ فأصبحت تشبه النظام العادي، بالرغم من أن الأحكام العرفية بطبيعتها أداة ~~استثنائية . # وقد قال الوزير: «إن ما بني على هذا النظام لا يلبث أن ينهار، ويتداعى بناؤه إذا زال ~~أساسه، فإذا ألغيت الأحكام العرفية سقطت كل التشريعات التي اتخذت بمقتضاها، وأصبح من ~~الممكن أن تنقض كل الحقوق المدنية التي بنيت على أحكام تلك السلطة وأوامرها، بل يصبح من ~~الممكن أيضا أن تفتح على السلطة أبواب مسؤولية واسعة، ولم يصبح أمر إلغاء الأحكام ~~العرفية مرهونا بإرادة السلطة العسكرية، بل هو اليوم بيد الحكومة المصرية من وجهة ~~المبدأ، ولكن الشروط التي لا يشك أحد في وجوبها لإلغاء تلك الأحكام لا تتحقق بين غمضة ~~عين وانتباهتها، وليس منا من لا يرغب في إلغاء الأحكام العرفية، وهذا تأخير، ولكن كل ~~منا يشعر بأننا لا يمكننا إلغاؤها دون إقرار التصرفات الماضية، ولا عبرة بما يراه غير ~~المسؤولين الذين يرون أنه يكفي أن تطلب فتجاب.» ~~«عرف الناس ذلك، وسمعوا أنه يجب إصدار قانون لإقرار التصرفات الماضية، فقال قوم: إنه ~~إنما أريد به تقرير الحماية، وتنظيم أحكامها، وهم يعلمون أن ذلك القانون لا يخرج أمره ~~عن أن يكون تصفية للماضي، ولا علاقة له بالنظام المستقبل، وتسمية هذا القانون بقانون ~~التضمينات هي التي أفسحت المجال للمضللين أن يذهبوا في التأويل ما شاءوا، وحقيقة الأمر ~~أن ذلك القانون يسمى بالإنكليزية # Bill of Indemnity ~~، ~~ومعناه الصحيح: القانون الذي يقيل من المسؤولية ويرفعها.» ~~«على أن بعض الذين يشكون من وجود الأحكام العرفية، ويطالبون بإلغائها يعملون في الوقت ~~ذاته على عرقلة مساعي الحكومة في ذلك، وقد وعدت هذه الوزارة بأنها اعتمادا على حسن ~~موقف الأمة ستسعى في الحصول على الرجوع فيما اتخذ من التدابير المقيدة للحرية طبقا ~~للأحكام العرفية، ولكن الذين لا يرعون حرمة الأمة يحرضون على الفتنة، ويشجعون على ~~الإخلال بالنظام، وأعمال التهييج والاضطراب، فهل ترون في ذلك شيئا من الخير للبلاد؟! ~~ولكن هذه الحكومة لن ms099 يمنعها مانع من القيام بواجبها، وستمضي في عملها بما تمليه عليها ~~ذمتها وضميرها، ولا تلقي بالا لهذه الحركات التي لم يقصد بها وجه الله، أو مصلحة ~~الوطن؛ حتى إذا فرغت من عملها، وتقدمت به إلى الأمة أدرك كل باغ ومعتد أن صفحتها بيضاء، ~~وأن إخلاصها عظيم.» # هذه عدة الوزير، وتلك عهوده، وما كان الرجل العظيم ليعد الناس ثم يخلفهم، ولم تصب ~~العظمة في تاريخها برجل ضعيف الذاكرة ينسى ما قال، ويمطل الناس ما يعد، ويسكتهم بالمنى ~~الكاذبة لينال منهم ما يريد، ولا يريد أن ينالوا هم منه شيئا، وليست ضعف الذاكرة تعيش ~~إلا بجانب ضعف الذهن؛ لأن الذاكرة لا تزال حجرة من حجرات العقل، فإذا كان هذا واهي ~~الأساس، متداعي البناء؛ ضعفت تلك وتساقطت، ولم تستطع تماسكا، ولم تقدر على النهوض ~~بنفسها، ولن يتحلل صاحب الترجمة من تلك الدعوة؛ لأن في ذلك التحلل إهانة لضميره، ولن ~~يرجع فيما قال؛ لأن الرجوع في القول ليس من ديدنه، وإنما هو يتمهل للفرصة، ويضع الأمة ~~تحت الاختبار، وهو منجز وعده يوم النجاز، بار بعهده يوم توفى العهود، فأما أولئك الذين ~~يريدون أن يستعجلوا القدر، وينفذ ما تريد الأمة في طرفة عين وانتباهتها كما قال الوزير ~~ووصف، فأولاء ليسوا مخلصين في استعجالهم، صادقين في احتثاثهم بيض النية في إغرائهم، ~~وإنما هم يتخذون هذه الشكاة ذريعة، ويستمدون من أناة الوزارة عجلة السخط، ومن حزم ~~الوزير طيش الطلب، على حين يدركون أن أمتهم اليوم في عصر تطور اجتماعي خطير، تغشاه ~~المخاطر، وتحف به الخطوب، وأن الحكومات في عصور كهذه لا يخلق بها العجلة، ومسارعة ~~الأمور، والجري ركضا إلى التغيير والتبديل، بل لا غنية لها عن الحزم فيما تقدم، والصبر ~~على معالجة ما بين يديها، وقد ترى الشدة واجبة في حين يرى القوم الملاينة حاسمة، ولا ~~يكون لهؤلاء القوم من مأرب في تلك الملاينة، ومقصد إلى حض الحكومة على العرف والرفق، ~~إلا لتفسح المجال لهم حتى يركبوا رؤوسهم، ولكي تخلو الطريق أمامهم لمتابعة أهوائهم؛ إذ ~~تكون الحرية ms100 الفسيحة الميدان الموسعة، الموطأة الأكناف مفسدة، ومبعثا للخطر، ومثارا ~~للفتنة والشغب، والبلاء المحقق. # | في سبيل البرلمان # عهد صاحب الجلالة الملك في أمره الكريم الذي وجه فيه رئاسة الوزارة إلى صاحب الدولة ~~ثروت باشا بإعداد مشروع النظام الدستوري لهذه البلاد، وقال له في نطقه الكريم: أن يعمل ~~على أن يكون ذلك النظام كفيلا بأن يحقق مبدأ التعاون بين الأمة والحكومة. # فكان أول ما توفر عليه الوزيران يحقق تلك الرغبة، وينفذ ذلك الأمر غير متوان، ولا ~~متمكث، ولا متمهل في الانصياع إلى أمر الملك، فلم نلبث أن شهدنا الحكومة تجد دائبة ~~جهدها لتضع للبلاد تلك الأنظمة التي تسقط الحكومة الماضية عن سيطرتها القديمة، وتدنيها ~~إلى الشعب، وتجعلها راكعة عند قدمي الأمة، نازلة على أمرها، متلقية منها إرادة الحكم، ~~وكلمة السلطان، وقد اعترف هذا الملك الدستوري الذي لم يعش في ماضي حياته يوم كان يلقب ~~بلقب الإمارة، وينعت بنعوت السمو على أرستقراطية الأمراء، ولم يخلد إلى عزلة النبلاء، ~~وينكمش إلى عيشة القصور، ويتجلى بكبرياء الملوك وأشباه الملوك، بل لقد عرفناه في ماضي ~~حياته، وفي بضع السنين التي اعتلى فيها منصب السلطنة، رجلا ديمقراطيا يحب الشعب، ~~ويعمل للشعب، وطالما ألفيناه يضع يده في خدمة الأمة، ويلقي باله وعنايته في سبيل رقي ~~الحضارة في وطنه، وإعلاء كلمة العلم في ربوع بلاده، ولقد أشرف على جامعة الشعب أميرا، ~~ورعى العلم وأهله سلطانا، ونزل إلى الأمة خادما، كما نزل فردريك العظيم، يوم نودي به ~~ملكا، وهو لا يدين بعقيدة الملوك الذين يدعون أن مناصبهم إلهية، وأنهم جاؤوا من قبل ~~ملك السماء؛ ليكونوا بالنيابة عنه ملائك الأرض، بل هو يزري بهذه العقيدة التي لم تصل ~~إلى السماء، ولم تسقط إلى الأرض؛ لأنها لا تجد هناك مكانا، ولا ترى لها في هذا الكوكب ~~عابدين قانتين، وإن رأت لها في الناس مالقين منافقين، وهو لم يكن يوما ممن يؤمنون ~~بحقوق الملوك المقدسة، بل يعلم من نفسه، ومن الروح الديمقراطية التي نشأ عليها، ومن ~~الوسط الذي تربى فيه، ومعاهد العلم، والجامعات ms101 التي درس في باحاتها، أن عقيدة الحقوق ~~المقدسة قد أصبحت اليوم عقيدة حقوق البرلمانات المقدسة، وهو يدرك أن لويس الرابع عشر، ~~الملقب بالشمس على عظمة سلطانه، ومجد مملكته، واتساع مدى حكومته، لم يكن يوم قال كلمته ~~المعروفة عنه ... «أنا الحكومة!» أروع ولا أعقل، ولا أحكم، ولا أنصف من فردريك ويليم في ~~كلمته المتواضعة الشعبية المخلصة المفعمة ديمقراطية متينة، وروحا صادقة، متفانية في ~~أمتها، وهي: «أنا خادم الأمة!» # وإذا كان مليكنا المحبوب ينزل إلى شعبه، يتقرب من أمته، ويسعى سعيه المحمود لخير ~~بلاده، فما كانت تلك كلها منه بالأمر المستغرب الذي يصيب من أهل هذا العصر دهشتهم ~~وحيرتهم، فقد عاش أكثر شبيبته في بلاد الغرب، وعرف كيف يحترم حقوق الشعب، ويقدس حرية ~~الأمة، وهو الذي نشأ في إيطاليا التي جاهدت عدة السنين في سبيل الظفر بحريتها، ~~وديمقراطية أنظمتها، ومجلس برلمانها، ثم لا يزال الإخلاص إلى الشعب، والدأب على مصالح ~~الجماهير، والسهر على رعاية شؤون الأمة في دمائه متغلغلة في صميم روحه، آخذة بكيانه، ~~متمكنة من مزاجه الطبيعي؛ لأنه سليل ذلك الأمي العظيم الذي بز العبقريين، حفيد ذلك ~~الرجل الخطير الذي أدهش أساطين العلم، بأمية غريبة؛ هي أجل وأروع من كل ما أخرجته ~~الأذهان الجبارة، وأنتجته العقول المريعة الفياضة. # ولا تزال تلك الأمية التي «كتبت» لنفسها المجد، ورفعت مصر إلى مصاف أكبر الأمم، وعمت ~~هذه البلاد نورا وعلما، وقوة وفخارا، هذه الأمية التي فتحت المدارس الكبرى، وبعثت ~~البعوث، وأرسلت الإرساليات إلى جامعات الغرب، معجزة من معجزات العبقرية القوية بنفسها، ~~التي لا تجد لها من غيرها غذاء، ولا تستمد من المواهب المكتسبة ما ينميها، ويكمل ~~جوانبها، ويجمل حواشيها، بل هي عظيمة من نفسها، جليلة بمبتكر جلالها، تستمد ريها من ~~تلك الدماء القوية الخالصة التي تجري في عروقها، ومن الروح الخشنة المستحصدة المفتولة ~~التي أشبهت التربة التي نبتت منها ... تلك الصخور الشم التي طلعت من ناحيتها، وذلك الجو ~~الجاف القاسي الذي اشتمت هواءه، وتلك التربة الصلبة التي ظهرت فيها، ولقد خرجت تلك ~~العبقرية في ms102 العصر الذي وثبت فيه على ألوف من الأميال منها عبقرية أخرى حربية مثلها، ~~ولكنها كانت جندية، لا يزال نصف عبقريتها وليد «سان سير»، ونتاج الفنون التي تعلمتها في ~~المدرسة، وتلقنتها على عديد الأساتذة، ولكن عبقرية محمد علي العظيم كانت أنبل وأمتن ~~وأغزر من العبقرية البونابرتية؛ لأن تلك لم تحطم نفسها، ولم تكسر على منزع الغرور ~~جناحها؛ ولم تنطح الصخر برأسها، بل توفرت على إصلاح أمة، وانكمشت إلى ترقية شعب، وتفانت ~~في سبيل خير مملكة، فمضت بذكرى طيبة؛ وأثر صالح، ولم تمت كالعبقرية النابوليونية عقيمة ~~جدباء، غير ذات زرع وثمر، مريضة محصورة، حبيسة في جزيرة قفر نائية. # نعم، لقد اعترف ملكنا المفدى لأمته بحقها عليه؛ ووهبها من نفسه ما كانت تصبو إليه، ~~ونزل لها عن ملكيته لديمقراطيتها؛ وأوحى إلى وزيره الأول أن يعمل لنظامها، ويغلب حقوقها ~~على حقوق وزارته، فحق على الأمة أن تلتف حول عرشه، وتؤيد ملكه، وترفع علم الإخلاص إلى ~~سدته، وحق على الوزير أن يدين له، ويستهل خطابته بالوفاء إلى العرش، وتأييد صاحب ~~الجلالة؛ فالأمة كلها اليوم صافة حول مليكها، تفتديه بأرواحها، وتؤيده بقلوبها، وترفع ~~أكف الضراعة إلى الله أن يحفظ جلالته، ويرعى عرشه، ويعلي شأن بلاده، ويمده بقوته، ويتم ~~في عهده عصر النور والحرية، والنظام، والرفاهية، والاستقلال. # ونحن نعلم أن الملك في أمره الكريم قد نزل للأمة عن مطلقية حكمه، ووهب صاحب التاج ~~شعبه دستورها، فهو صاحب الحق قد منحه، وسيد الدستور؛ ومؤسس الديمقراطية؛ وكان هو الذي ~~أحق بأن يشرف على وضع الدستور، ويعهد إلى حكومته بأن تقوم على تنسيق أساليبه، ووضع ~~خططه، ولكن لم تكد الحكومة تبدأ العمل، وتخطو الخطوة الأولى، حتى ثارت في البلاد دعوة ~~غريبة، وخرجت فكرة طائشة، ووقف وراءها قوم يؤيدونها، ويحشدون أساليب الدفاع عنها، وهي ~~تأليف جمعية وطنية، ينتخب أعضاؤها من أفراد الأمة لتضع دستور البلاد، وتهيئ أنظمة ~~التشريع والتنفيذ، حتى إذا أتمت عملها، وأكملت ما وكل إليها؛ انفرطت، وتلتها الانتخابات ~~العامة لمجلسي الشيوخ والنواب، وما أقاموا نظريتهم تلك، وما أسسوا فكرتهم ms103 التي بسطناها ~~إلا على حجة واحدة، وهي أن الأمة ينبغي أن تقيم أساس الدستور الذي تريده بنفسها؛ ولا ~~ينبغي لأحد أن يشرف عليها في عملها، ولا صاحب الحق نفسه، ولا الوزارة التي قامت بأمره، ~~ولا يجب أن يكون ثمت حدود لرغبتها، أو مرشد يرشدها، أو أمثلة عليا تقدم إليها لتحتذي ~~حذوها، ولم يكن أولئك الذين بثوا تلك الفكرة، وحاولوا ترويجها؛ قد أصابوا بها الحق، ~~وسهلوا بها مصاعب العمل، وذللوا الطريق إلى بلوغ الغاية، بل لقد أرادوا أن يفسحوا بها ~~مجالا واسعا للأنانية، ويرسلوا في البلاد ريح الفتنة، والاهتياج السياسي، والتطاحن ~~بين أفراد الشعب على نوال صوت من الأصوات في تلك الجمعية الوطنية، كأن لا حساب على ~~الوزارة من هذا الدستور نفسه يوم يعمل به، ويوم تقف أمام نواب الأمة مسؤولة عما عملت، ~~مطالبة بتبرئة نفسها، أو الدفاع عن خططها إن هي أخطأت، أو تبين للنواب أنها وهمت، ~~وجارت، وأفسدت، وكأنها ستجمع لتأليف الدستور، وتنظيم أساليب الحكم جموعا من عامة ~~الناس، وستسقط على أجهل الناس لتقول للأمة: هؤلاء أعلم القوم بأساليب الحكم، وأنظمة ~~الدول، وآخر ما اهتدى الساسة والمشرعون إليه من شرائع الدستور، وكأنها تحسب تأليف لجنة ~~لوضع قانون البلاد لا يزيد شيئا عن هيئة تكلف بتنظيم قانون لمحاكم الإخطاط! # ولكن كيد هؤلاء الناس لم يحدث في الأمة أثرا؛ لأنه ظاهر الغرض، بين القصد، ولأن ~~النفوس التي تكيد به معروفة عند الشعب بسوء الدخلة، وسواد النية، ولم تحفل الوزارة بأن ~~تقنع هؤلاء المحرشين، أو تدفع عنها كيدهم؛ لأنها تعلم أن الأمة لا تتأثر، ولا تتسخط ما ~~دام كل شيء سيبسط أمامها يوم يجتمع برلمانها، ويحتشد نوابها في صعيد واحد. # وكذلك تألفت لجنة لوضع الدستور قليلة العدد؛ لأن كثرة العدد لا تجدي في أمر كهذا، ولا ~~تفيد، ممثلة فرقا متعددة من الشعب، وطوائف مختلفة؛ لكي يدفع كل ممثل إلى إخوانه برغائب ~~فرقته، وأهل صناعته؛ والوسط الذي يعيش فيه. # ونحن نعلم أن كثيرين من أعضاء اللجنة ظفروا فيما مضى من تاريخ الجمعيات التشريعية ms104 في ~~هذه البلاد بمقاعد النيابة عن دوائر مختلفة، وطوائف متعددة، وتمثيل مصالح فرق كثيرة من ~~هذا الشعب، وطبقات عديدة من الأمة، وفيهم أصحاب العقول الناضجة، وأهل الاطلاع الواسع، ~~والمادة الغزيرة ، وفيهم العلماء والروحيون، والمحامون، والقضاة، والكتاب، والفنيون، ~~والسروات، والمزارعون، ورؤوس القبائل والعشائر، والمتكلمون عن الألوف، وقواد المئات من ~~أهل البلاد، ولكن لم تكد مذكرة الوزير تنشر على الأمة، ويعرف القوم أسماء الأعضاء، حتى ~~انبرى جمع قليل ممن نعرفهم يتصدون لكل عمل صالح ليهدموه، وينبرون لكل فكرة منتجة ~~ليعطلوا نموها؛ فتناولوا هذه الأسماء بالنقد والتجريح، وهم يعلمون أنهم بذلك يبعثون في ~~القطر صيحات الفتنة، ويكرهون طبقات الأمة في بعضها البعض، ويسعون بالبغضاء بين الفئة ~~والفئة، والنفور بين الفرقة والفرقة؛ لأن لكل عضو من هؤلاء عددا عديدا من الأمة ~~يناصرونه، ويعيشون تحت زعامته، ويفزعون إليه في ملماتهم وشؤونهم، وأحوال حياتهم، وكل ~~رجل من هؤلاء إذا غضب غضبت لغضبه ألوف من الناس، لا يدرون لم غضب، وهؤلاء أحرص الناس ~~على كرامة رأسهم، ومكانة وليهم، وكلما سمعوا عنه ما يكره كرهوا هم من نقده، واستنفرهم ~~الطعن عليه، واستفزتهم الحمية لأجله، ويوم تكون طبقات هذه البلاد أعداء بعضها البعض، ~~ومجاميع الأمة متجنية على أخواتها، ولداتها، والأمة متنافرة متطاعنة، متسابة متشاتمة، ~~وتنقلب الروح النيابية التي تريد أن تزكو في هذا الأفق، وتمتن وتنمو، وتثبت في مكانها؛ ~~فوضى هوجاء طائشة اللب، مخلوطة الذهن، عمياء صماء، لا تستمع للعقل، ولا تبصر أين مواضع ~~الرشد. # وقد جعل بعض هؤلاء القوم الذين نقدوا انتخاب الوزارة، وقدحوا في اختيار هؤلاء ~~الأعضاء، يتلومون وينبعثون قائلين: إن منهم من لا يعرف مبادئ القراءة والكتابة، كأنما ~~غاب عن الوزير علم ما علموا، ونسي إذ اختارهم شخصية من اختار، أو أملي عليه أن ينتخب من ~~لا يعرف، ويذكر في مذكرته من يجهل حقيقته، ولا يدرك شيئا من ماضي حياته، ونحن نقول ~~لهؤلاء المتعلمين الذين رموا بعض هؤلاء الأعضاء بالأمية: إن أميتهم تلك أنبل وأشرف ~~قصدا، وأعز في الوطنية مكانا، وأثبت في البلد قدما من علمكم ms105 هذا، وسعة اطلاعكم تلك، ~~فذاك علم خائن دساس، ملوث الروح، مساء الاستخدام، شرير النزعة، رمحكم يوم ركبتم ظهره، ~~وأعنتكم يوم أردتم إظهاره، وطوح بكم إلى منازع الطيش، وركض بكم في حلبة الغرور، والنفج، ~~والعزة الآثمة، ومن الأميين في هذه البلاد أذهان قوية، تستمد عظمتها من الفطرة، وتنمو ~~على الخبر والتجربة، وتعلمها الحوادث ما لا تعلمون قليلا منه من الكتب، وفي طبقات ~~الفلاحين والصناع في بلدنا، وهم سواد الأهلين، وأغلبية السكان وطنية أمية من ناحية ~~أذهانها، عبقرية من ناحية قلوبها، وللقلوب والعاطفة الإنسانية عبقرية حارة ملتهبة، لا ~~تستطيع الكتب أن توقد جزءا ضعيفا من لهيبها وحميتها، أو تخلع على قرائها شيئا يداني ~~ذكاءها ولباقتها، وسرعة إحساسها، وتنبهها لما يفيدها، ومعرفتها لما يضيرها، وفي الناس ~~عظماء أذهان تنهض على قلوب من الطين، وأرواح متأودة ضعيفة، شريرة خبيثة المنزع. # ونحن نعلم كذلك أن الرجل في بلاد الغرب لا ينبغي أن يكون متبحرا في العلم، واسع مادة ~~الاطلاع، أستاذا في فنه، عارفا بالجغرافية، والتاريخ، والبيولوجيا، والفسيولوجيا، وما ~~إليها من مختلف العلوم قبل أن يرتفع إلى مجلس الإنابة، ويظفر بمقعد له في البرلمان، بل ~~لا يزال في مجالس نواب الإنكليز، وغيرهم من أمم الغرب نواب لا يعرفون شيئا أكثر من ~~أنهم جاءوا بالنيابة عن القرية، والولاية التي ولدوا فيها، وطالت زروعهم في أرضها، ~~وامتلكوا مساحة واسعة في إقليمها؛ فهم يدافعون عن الإقليم بوحي الإقليم، ويرعون مصالح ~~أمتهم في البرلمان بألسنة الولاية التي جاؤوا منها، وقد يكون هؤلاء جميعا من القرويين؛ ~~فلم يروا غير قروية نبيلة، ذكية الفؤاد، وإن لم تؤت شيئا كثيرا من العلم؛ فآثروها على ~~غيرها، وأنابوها عنها في رعاية شؤونها. # وكذلك كانت هذه القروية البادية التي ظهرت في لجنة الدستور؛ فهي لم توضع في تلك ~~اللجنة إلا لتكون صوتا يعبر عن خواطر مئات الألوف من المزارعين، والعاملين في الأرض، ~~وهي تعرف ماذا تريد الأمة، وإن لم تقرأه أو تكتبه، وتدرك مطالب الشعب، وإن لم تتصفحها ~~في تلك العرائض، والاحتجاجات، والمقالات، والأبحاث الكاذبة المتظاهرة ms106 المتكبرة، المزهوة ~~بعلم أصحابها، ونفخة كتابها، وهي تستهدي بما يقال أمامها؛ لتدلي بما يقول لها ضميرها، ~~ويكلمها به وجدانها، وما كان صوت الضمير شريرا فيخطئ، وما كان إلهام الوجدان كاذبا ~~فيؤذي ويضر. # ومما تناولته اللجنة في جلساتها موضوع الأقليات، وهي كلمة لم نكن نعرفها، ولم نشعر ~~بوجودها يوم تناولنا عقائدنا الدينية من مكانها، وألقينا بها في زاوية من جوانحنا، ~~وقلنا: ديننا الأول وطننا، وأن مصر للجميع لا للعقيدة دون العقيدة، ولا لملة دون ملة، ~~وطائفة قبل طائفة؛ لأن جامعة الوطن أمتن من جامعة الدين؛ فتلك تستمد متانتها وصلابتها ~~وقوتها من الأرض التي نبتت منها، وارتبطت بها، وهذه لا سبب لها إلا من السماء؛ وإن ~~جامعة الوطن هي علاقة الفرد بالفرد، والأخ بأخيه، والعشير بعشيره، وإن جامعة الدين ليست ~~إلا الرابطة والعلاقة بين الله والناس، وهذه صلة خفية كمينة مستسرة في أعماق النفس، ~~تطلع إلى السماء، وتنظر إلى العالم المجهول، ولا حق لها أن تفسد ما بين أهل الأرض ~~الواحدة، وأصحاب الوطن الواحد، ويوم انضوينا تحت علم الوطنية، ومشينا جندا محضرين ~~لحرية البلاد، وتحرير أرضنا، لم يكن يخشى قليل كثيرا، ولم يتلجلج في خاطر فرد واحد منا ~~أن أخاه يوم الحرية سيروح عاسفا حقه، ظالما له منكرا فضل وطنيته، جاحدا عمله، ~~مستفردا بالتشريع، مغلبا حقه على حقه، ولكن السادة الإنكليز هم الذين خلفوا هذه ~~الكلمة النكراء اللئيمة الطبع؛ أملا أن تثير في النفوس ألما، وتوسع لهم ثغرة ينفلتون ~~منها إلى تفرقة الأمة، واستنفار بعضها على بعض؛ ليتواتى لها ما تريد، ويحق لها ما كانت ~~تبتغي، ولكن هذه الأمة التي أصبحت تدين بدين الوطنية، قبل أن تكون قبطية ومسلمة ويهودية ~~لم تعد تخدع بهذه الكلمات، أو يدق عليها مغازي السياسة، ومقاصد أساليب المستعمرين، فمرت ~~تلك الكلمة ذاهبة مع الريح؛ لم تحدث أثرا، ولم تصل إلى مكان العقيدة من النفوس، وكانت ~~هذه الأقليات نفسها التي تصدى السادة الإنكليز لحماية مصالحها، ونادوا برعاية حقوقها، ~~أول الناس خروجا على الكلمة القلقة النافرة الشريرة الدنسة، واحتجاجا ms107 على أثارتها، ~~وتفنيدا لمزاعم قائليها؟ # ونحن لا يسعنا إلا أن نشهد لهذه اللجنة بتلك الهمة العالية التي ظهرت من جانبها، ~~والتخفف للعمل، والتلبب للبحث، وادخار قوة التفكير، واستجماع الخاطر، والغيرة في ~~التدقيق، واستقصاء نقط البحث، واستيعاب المناقشة في أمهات المسائل، وإن أنكر عليها كل ~~ذلك المتعجلون المتسخطون، كأنهم حسبوا أن وضع دستور البلاد عمل هين، حسبه عدة الأيام، ~~وقلائل الأسابيع، وتكفي فيه الجلسة والجلستان، والمقنع في النظرة دون النظرتين، والرأي ~~الفطير دون الرأي المختمر، وكأننا صبرنا على الذل والخسف عدة السنوات، والجيل والجيلين، ~~وكادت الحياة تخمد فينا؛ وتعطل في كياننا روح السخط على ما كنا فيه، ثم يزعجنا أن نتمكث ~~للأناة، ونصطبر الشهر والشهرين لإعمال الروية، ومتابعة الحزم، وطول التفكير، وتوفية ~~البحث. # وقد استغرق وضع عدة أنظمة وقوانين صغيرة الأهمية بجانب وضع الدستور العام، وبعض ~~العام، ولسنا الآن حيال وضع قانون الخمسة الأفدنة، أو أجور المساكن، أو حيازة الأسلحة؛ ~~حتى يتألم قوم منا من الزمن الذي مضى على اللجنة إلى اليوم، وهي في عملها ذاك. # فلما أقبل الصيف، واشتدت وقدة القيظ، ووجبت الإراحة من العمل، وإعفاء اللجنة من ~~متابعة الجهد في الصيف القائظ، الملتهب الأفق؛ عاد أولئك الساخطون يتذمرون، ويعبثون ~~باللجنة، ويحسبونها ستنطلق من المدرسة للفسحة التي لا عقل لها، والعطلة التي لا تفكير ~~في خلالها أشبه شيء بطلبة المدارس، وأولاد «الكتاب»؛ إذ لا يلبثون بعد الفراغ من ~~السنة الدراسية، ودق ناقوس العطلة أن يعدوا إلى اللعب مارحين، هازئين بالحياة وبالدرس، ~~وبما كانوا من قبل فيه من مذاكرة ومواصلة عمل، وإخلاد إلى كتبهم وكراساتهم، ولكن ~~الأطفال يعيشون بضمير الطفولة، وأذهان السذاجة، وكراهية التفكير والملل من الرزانة ~~والجد والتعقل، وهؤلاء الأعضاء لا يستطيعون أن يتخلصوا في ساع فراغهم، وفي خلواتهم إلى ~~أنفسهم، وفي مشياتهم إلى النزهة، واستقبال نسائم الصباح، وعلائل الماء تحت الشجرة ~~الظليلة، وعلى ساحل البحر الخضم، وفي الملهى المكتظ بالناس، وفي الضجيج والعجيج، ~~والهدوء والسكون، من ذلك النداء الذي يسمعون صيحته من أعماق قلوبهم، يهيب بهم إلى ~~التفكير فيما ms108 قدموا من عمل لأمتهم، والتروي، وتقليب ألوان الرأي فيما بقي عليهم أن ~~يؤدوه، وفي الفريضة التي تحتم عليهم القيام بها، وهم يوم يعودون إلى العمل - وقد عادوا ~~اليوم - يقبلون أقوى نفوسا مما كانوا، وأخف إلى العمل مما خفوا من قبل إليه، وفي جعبة ~~تفكيرهم خواطر طريفة لم يكونوا في جلساتهم الأولى، ودورهم الماضي قد اهتدوا إلى مثلها، ~~وآراء جديدة، ومواضع للنقد غابت من قبل عن أذهانهم. # والناس الذين تسخطوا، والقوم الذين استعجلوا، يدركون ذلك كله، ويعلمون جميع هذا ~~وغيره، ولكنهم يتذرعون بكل وسيلة، وإن وهت ورثت أسبابها لنقد الوزارة، والإساءة إليها، ~~وتحريش الأمة بها، ولكن الوزارة لا يسوءها شيء مما يقولون، ولا يسوء ظن الأمة بها لما ~~يدعون؛ لأنها تعلم أنها لا تلبث أن تحمل بيدها إلى مجلس الإنابة بسطة ما قدمت وأخرت؛ إذ ~~هي ليست السلطة المطلقة آخر الحياة؛ وليست اليد المحركة طول العمر، وقد اجترأت على ~~احتمال عبء المسؤولية، وستسأل عنها، وعن الأمانة فيما أودع من حق الأمة في ذمتها، فليقل ~~هؤلاء ما تشاء أنفسهم أن يقولوا، فإن الأمة مجتمعة في ندوتها، قائلة بعد ذلك كلمتها، ~~صادعة بحكمها الفصل، وقولها الذي لا نقض له. ~~••• # وكذلك ظلت هذه اللجنة جادة في عملها، غير مستمعة لشيء غير ما تمليه عليها وطنيتها، ~~وقد ألقي إليهم عمل خطير، وقلدوا منصبا تعتوره المسؤولية من جميع جهاته، ولم يكونوا ~~بالقوم الذين يستهينون بعملهم؛ فيمضون فيه ركضا، ويوفضون فيه مغذين السير، لا يهمهم ~~غير أن ينتهوا منه على أي وجه ساروا به، وأية نتيجة ستكون منه؛ لأنهم في موقف من مواقف ~~الظفر بالخلود؛ إذ يضعون للأمة الخالدة مشروعا لدستور خالد، ويدركون أنهم إذا قصروا ~~وتهاونوا فلن يصيبوا غير سوء السمعة، واحتقار الشعب، وهم من سعة الإدراك، ونبل الوجدان، ~~وشرف العاطفة، وصدق الوطنية بحيث لا يتقبلون أن تجرح كرامتهم إذا جلسوا مجلس المذعان ~~إلى سلطان غيرهم عليهم، وما كان صاحب الترجمة وهو هو عزة نفس، وسمو وجدان، ومتانة إخلاص ~~بالرجل الذي يعمد إليهم مجتمعين أو منفردين ms109 فيهمس لهم في آذانهم أن اكتبوا في الدستور ~~هذا، وامحوا ذاك، وتشبثوا بتلك، وعارضوا سوادكم في هذه؛ لأنه لا ينزل نفسه هذه المنزلة، ~~ولا يرضى أن يكون الهامس المشاء بالخديعة ، وهو لم ينتخبهم من الطريق حتى يكونوا أداة ~~صامتة تتحرك بمشيئته، وليس لهم من وراء عملهم جعل فيغريهم أن يزيدهم عليه جعلا، وليسوا ~~يسألون جزاء فيكال لهم الجزاء كيلين، وإنما هم يتوقعون أن يرضوا الأمة، وإن أسخطوا ~~الوزارة، فهم يخشون إذا هم انحرفوا عن هذه البغية، وسلكوا غير هذه السبيل أن لا يصيبوا ~~منها غير السخط، والغضب واللعنات. # ولهذا لا غرو إذا كان الوزير وأعضاء اللجنة قد مضوا في عملهم قدما، لا يثنيهم شيء عن ~~واجبهم، فأما الوزير ففي سبيله إلى رد حقوق الأمة كاملة، وإن جشمه هذا الواجب كل مصعبة، ~~وركب له كل شامس جموح، وأما أعضاء اللجنة فمنكمشون إلى مهمتهم، مرتقبون أن يحسنوا إلى ~~أمتهم غير مسيئين إلى أنفسهم، ومكانتهم فيها، وسيرى الله أعمالهم، وستشهد الأمة غدا ما ~~فعلوا، وها هم أولاء قد أوشكوا أن يتموا العمل، ويفرغوا من سن قانون الانتخاب، فإذا ~~ابتدأت الانتخابات للمجلسين النيابيين فلن تشترى رجال من الأمة ليبيعوا الأمة كلها، ~~ولن تدس هذه الوزارة يدا خفية تحت الانتخابات؛ لتجتمع لها في مجلس الإنابة الأبواق، ~~والقيثارات، والأعواد مترنمة بها، حتى تكون الندوة مصلحة من مصالح الحكومة، للتغني بعمل ~~الحكومة بجملة مصالحها وإداراتها، فإننا لا نظن هذه الأمة التي تصرخ طالبة الحياة ~~الصحيحة المكتملة الناهضة بائعة غدا نفسها للمشتري، وإلا إذا هي فعلت فقد سجلت على ~~نفسها خجلة مناقضة، شائنة معيبة سافلة، وليس هذا الوزير بالرجل الذي تسول له نفسه أن ~~يفسد على هذه الأمة خلقها؛ لأن فساد الخلق لم يمتزج بنفسه، حتى يجعل الأمة صورة من ~~طبائعه، ومرآة تتراءى فيها نفسيته؛ بل هو لا يملك في هذه الأمة غير وجدانه، وجهده ~~ونيته، واعتزامته، وللأمة ضميرها طليق، لا حكم لأحد عليه، وهي قمينة أن تتبع ضميرها، ~~فلا تنتخب غير من تريد ليكون لها في ندوة ms110 الإنابة ما تشاء من سلطان، فلن تكون حلقات ~~الانتخاب أسواقا للمتاجرة بالأصوات، ولن تجد الحكومة دلالين يقفون على ثنيات السوق، ~~وتلعاتها؛ ليظفروا لها بالمشايعين، والممالئين في المزاد؛ وما دام هذا الوزير رجلا ~~نبيلا كما عرفناه، شريف الدخلة كما تبينا من خلقه، وما دامت الأمة حريصة على مطلبها ~~المقدس، وغرضها الأسمى، فالحرية في الانتخاب مكفولة، ومجلس الإنابة غدا مكتظ بالنواب ~~العاملين الأحرار، الصادقين في الوطنية والجهاد ... # | الخاتمة # ما كان لنا أن نكتب اليوم كلمتنا هذه عن المترجم به، وما كان لنا أن نستعجل القدر، ~~ونستقدم من عظمة هذا العظيم ما تأخر، فغدا سيسجل التاريخ، وغدا سيشهد الزمن، وفي غد ~~سيكتب الشعب، وتدون أقلام الخلود، ويفتح سجل الأبد، ولكنا قسنا بما كان ما سيكون؛ ~~وتوسمنا فيما فعل الخير فيما سيفعل؛ فإن عظائم الفعال لا تزال أمامه، وحسام الأمور على ~~مرتقب منه، وفي العمر - إن شاء الله - بقية، وفي الأجل نسيئة، ومن قوة الرجولة مدخر، ~~ومن النشاط والخفة إلى خدمة هذه الأمة مجتمع ومختزن، ولقد أدى الوزير لبلاده أعظم صنيع، ~~وأسدى إليها أكبر منة، وفي الحق لقد تجلت مقدرته السياسية في فترة قصيرة محرجة، عصيبة ~~رهيبة، بما لم تتجل به عبقريات أكبر ساسة الدنيا في بضع سنين، وعلى فترة من الزمن ~~متراخية متطاولة، حتى لقد عجز الخصوم الذين حاولوا أن يفسدوا عليه عاطفة أمته، فلم ~~يبلغوا شيئا مما أرادوا، عن إنكار مقدرته، وتجاهل قوة عارضته، وجلال بديهته، وسعة ~~حيلته، ولم يستطيعوا أن يكذبوا على مواهبه، أو يدعوا الجهل بعبقريته، وحدة تفكيره، ~~وسرعة إنفاذه، وتوقد ذكائه. # وكان خليقا بأمة كأمتنا أن لا يكون فيها فريق يختصم فريقا، وحزب يناضل حزبا، وأن ~~تصبح الأمة - كما رأينا - طرائق وشيعا، كل يقول: زعيمي بالزعامة أولى، ورأسي ~~بالولاية. # ولقد كنا أقوياء ملتئمي الصفوف، مكتملي الوحدة، مؤتلفي القلوب، متصافي الأفئدة، يوم ~~الثورة الكبرى، وعهد النهضة المتقدة الجياشة، المستعرة يوم طاح الردى بالشباب، وسكن ~~الذين اضطجعوا تحت الثرى دفاعا عن الذين فوقه، وكنا خلقاء بأن نكون اليوم أكثر اتحادا، ~~وألم ms111 شعثا، وأقل خصومة، وأجمع كلمة؛ حتى تتم لنا بقية الحقوق، وتتحقق جملة المطالب، ~~وحتى نناضل صفا واحدا الغاصب، ونقف سدا في وجه العدو، ولكنا وا ضلتاه لا نزال نقول ~~وزاريين ومعارضين، وحكوميين ومتخاصمين، والوطن واحد يطالب أهله أن يكونوا شيعة واحدة، ~~ومصر للجميع، وحقها على الجميع، وكان الجمع كله مخلصا، والشيعة بجملتها بالعقيدة ~~الوطنية مؤمنة. # وما أردنا - علم الله - بهذا الكتاب كما قلنا في مستهله أن نرفع هذا الوزير، وأنصار ~~هذا الوزير على مكانة أحد، ونهدم من هذا الوطن جانبا لنعلي بنيان جانب، فإن سعدا ~~وصحبته، وثروت وفرقته كلهم بنو أب واحد هو النيل العظيم، المستفيض الضاحك المبتسم، ~~وأولاد أم واحدة هي مصر، هذه العزيزة الحبيبة إلى كل نفس، ولم نضع كتابنا هذا ليكون ~~قصيدا جميلا خالي النزعة، كاذب الدخلة، فما كان هذا نصب عيننا يوم أمسكنا بالقلم، ولا ~~نحن بالخارجين على الأمة فننادي الجميع إلى الخروج، ولا بالذين يمشون في الصفوف بكلمة ~~الفرقة، والنفار، والاضطراب، والخصام، والاشتجار، بل رأينا الروح الحزبية الهوجاء ~~المقيتة قد سرت في النفوس، واستحوذت على المشاعر، ودين الوطنية الصادقة قد خرج عليه ~~ألوف من الملاحدة، والناكرين، والكافرين، وهذا شر ما تصاب به أمة في بهرة حركتها، وأقتل ~~ما تفجع به بيئة في مستحر نهضتها، ولكن الحق قمين بأن يبدو لهؤلاء الذين أنكروه، وخليق ~~بأن يعيد إلى الأمة من عارضوا أنصارها، ومشوا بالخصومة بين أهلها. # اللهم ما ظلمنا أمتنا، ولا أنكرنا عمل مخلص من أبنائها، ولا جحدنا فضل زعامتها، ولكنا ~~أردنا أن نقرب بين الأخوين، ونمتهد للحق طريقا معبدا، وننادي الناس إلى إكبار شخصية ~~عظيم من عظمائنا لم يأثم، ولم يقعد عن السعي في سبيل أمته، ولم يمالئ عدوا على وطني، ~~ولم يحاول قتل وطني لإحياء عدو، وقد برزت هذه الشخصية إلى الميدان قوية ناهضة منتعشة، ~~تسعى إلى الخلود؛ فكان حقا على الأدب أن يظهر للناس ما خفي من هذه العظمة المقدسة ~~الإلهية. ms112