######OpenITI# #META# URI: 1378CabdWahhabCazzam.Awabid.Hindawi13957902 #META# Tags: literature #META# ID: 13957902 #META# Title: الأوابد #META# AuthorID: 24138681 #META# Author: عبد الوهاب عزام #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة الطبعة الأولى‏ # مقدمة الطبعة الثانية‏ # مناجاة‏ # إلى الرسول الكريم‏ # أربع صفحات متتابعات‏ # الهجرة مولد تاريخ‏ # رسول الله في عرفات‏ # في مجلس رسول الله‏ # على ذكرى المولد النبوي‏ # ذكرى الهجرة‏ # الإسلام‏ # لا غالب إلا الله!‏ # بلال يؤذن‏ # الكعبة‏ # الحج‏ # يوم عرفات‏ # من مؤتة إلى اليرموك‏ # أيام العروبة تبدأ في سورية!‏ # مكانة العرب بين الأمم‏ # وديعة مدينة سالم‏ # لا تحزنن!1‏ # في معترك الخطوب‏ # التأليف والنشر في مصر‏ # زواج أمير عربي من أميرة هندية‏ # على حافة الفجر وشاطئ النيل‏ # وديعة ميافارقين‏ # على قبر الزهاوي1‏ # أوراق1‏ # عبرة الحادثات‏ # لمعات‏ # السوقية في الأدب1‏ # المنصور بن أبي عامر‏ # محيي الدين النووي والسلطان بيبرس‏ # الفريقان المتحاربان في فلسطين‏ # ضربات معول‏ # عمر المختار وأصحابه1‏ # على بحيرة وندرمير‏ # الشاعر المتفائل المتشائم1‏ # عمر في بيت المقدس1‏ # ورد الصباح1‏ # إبرة المغناطيس1‏ # بني قومنا‏ # موقعة عين جالوت1‏ # ثورة على الأخلاق1‏ # سورية1‏ # مصطفى الصادق الرافعي1‏ # مصر والبلاد العربية1‏ # من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر‏ # عقبة على شاطئ المحيط1‏ # وحي القلم1‏ # المثنى بن حارثة1‏ # ملكة الجمال1‏ # المعتصم بن صمادح1 على فراش الموت‏ # عثمان بن أبي العلاء‏ # مدنية زائفة1‏ # الشعر والشاعر1‏ # لم لا تقول الشعر؟1‏ # أوراق مالية1 في القرن السابع الهجري‏ # قبر مفقود1‏ # جلال الدين منكبرتي1‏ # إسكندر يقتل صديقه1‏ # الغريق1‏ # مدرسة الصحراء1‏ # على شاطئ النيل1‏ # ملك وفيلسوف1‏ # النهضة1‏ # الإخوان1‏ # سعيد بن جبير1‏ # رفائيل1‏ # الربيع1‏ # رثاء ضرس1‏ # الوطن1‏ # بين التصوف والغزل‏ # يا رب رحماك1‏ # رب أعتقني‏ # الحياة1‏ # يا ليل‏ # حلم في يقظة1‏ # مقدمة الطبعة الأولى‏ # مقدمة الطبعة الثانية‏ # مناجاة‏ # إلى الرسول الكريم‏ # أربع صفحات متتابعات‏ # الهجرة مولد تاريخ‏ # رسول الله في عرفات‏ # في مجلس رسول الله‏ # على ذكرى المولد النبوي‏ # ذكرى الهجرة‏ # الإسلام‏ # لا غالب إلا الله!‏ # بلال يؤذن‏ # الكعبة‏ # الحج‏ # يوم عرفات‏ # من مؤتة إلى اليرموك‏ # أيام العروبة تبدأ في سورية!‏ # مكانة العرب بين الأمم‏ # وديعة مدينة سالم‏ # لا تحزنن!1‏ # في معترك الخطوب‏ # التأليف والنشر في مصر‏ # زواج أمير عربي من أميرة هندية‏ # على حافة الفجر وشاطئ النيل‏ # وديعة ميافارقين‏ # على قبر الزهاوي1‏ # أوراق1‏ ms001 # عبرة الحادثات‏ # لمعات‏ # السوقية في الأدب1‏ # المنصور بن أبي عامر‏ # محيي الدين النووي والسلطان بيبرس‏ # الفريقان المتحاربان في فلسطين‏ # ضربات معول‏ # عمر المختار وأصحابه1‏ # على بحيرة وندرمير‏ # الشاعر المتفائل المتشائم1‏ # عمر في بيت المقدس1‏ # ورد الصباح1‏ # إبرة المغناطيس1‏ # بني قومنا‏ # موقعة عين جالوت1‏ # ثورة على الأخلاق1‏ # سورية1‏ # مصطفى الصادق الرافعي1‏ # مصر والبلاد العربية1‏ # من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر‏ # عقبة على شاطئ المحيط1‏ # وحي القلم1‏ # المثنى بن حارثة1‏ # ملكة الجمال1‏ # المعتصم بن صمادح1 على فراش الموت‏ # عثمان بن أبي العلاء‏ # مدنية زائفة1‏ # الشعر والشاعر1‏ # لم لا تقول الشعر؟1‏ # أوراق مالية1 في القرن السابع الهجري‏ # قبر مفقود1‏ # جلال الدين منكبرتي1‏ # إسكندر يقتل صديقه1‏ # الغريق1‏ # مدرسة الصحراء1‏ # على شاطئ النيل1‏ # ملك وفيلسوف1‏ # النهضة1‏ # الإخوان1‏ # سعيد بن جبير1‏ # رفائيل1‏ # الربيع1‏ # رثاء ضرس1‏ # الوطن1‏ # بين التصوف والغزل‏ # يا رب رحماك1‏ # رب أعتقني‏ # الحياة1‏ # يا ليل‏ # حلم في يقظة1‏ # | الأوابد # | الأوابد # تأليف # عبد الوهاب عزام # | مقدمة الطبعة الأولى # هذه الكلمات أنشأتها في أوقات متباعدة، ومواطن مختلفة، وأحوال شتى، ولكنها كانت ~~كلها وحي العقيدة، واستجابة الوجدان، لم يشبها - بنعمة الله - تكلف ولا تزيد ~~ولا رياء. # وقد وفرت حظها من النزعات الروحية العالية التي تسمو بالإنسان لأهواء التي ~~تتقسمه، والمطامع التي تستعبده، ومن المقاصد الجليلة التي تجمع النفس على خطة ~~من الخير والحق، وتؤلف الناس كلهم على شرعة من الإنصاف والعدل. # وما أحوجنا في عصر سيطرت فيه الآلات والشهوات إلى تحرير النفوس من ~~سلطانها. # ويجد القارئ إلى جانب المقاصد الإنسانية الشاملة، نزعات إسلامية، وأخرى عربية، ~~فلا يحسبن هذا تناقضا في الرأي واضطرابا في الوجدان، إنما هي صور من الجمال ~~والحق والخير ومكارم الأخلاق، تتجلى في الخليقة كلها أحيانا، وتتمثل في تاريخ ~~الإسلام ومآثر العرب أحيانا، ولن ينقص الحق أن تحد زمانه من تاريخ ~~الإنسان، أو مكانه في مواطن البشر، كما لا ينقص النهر الذي يفيض على أقطار ~~شاسعة بالري والخصب أن تبين منبعه، ولا يحد الضياء الذي يغمر العالم أن تعين ~~مصدره. # وقد سميته «الأوابد» لحسباني هذه ms002 الأفانين من الكتابة غريبة في موضوعها وأسلوبها؛ ~~ولأنها لبثت حقبة مهملة شتيتة في أوراقي، فكانت في هذين الوصفين كالأوابد من ~~الحيوان التي تعزب عن البشر، وتنفر من الحضر، وتعيش متأبدة في الفيافي. ولا ~~أزعم أنها من أوابد الكلم، وهي التي لا تشاكل جودة، كما يقول الزمخشري. # وبعد، فلا أقول شيئا في طرائق هذه المقالات ومزاياها، ولكن أدع للقارئ رأيه ~~حرا، وحسبي أنها بيان صادق عن عقلي وقلبي، وأني أردت بها الحق والخير، ~~وابتغيت وجه الله، وهو حسبي وكفى. # جمادى الآخرة سنة 1361ه # تموز سنة 1942 # | مقدمة الطبعة الثانية # الله نستعين، ومنه نستمد نور العقل، وصواب الفكر، وطهارة القلب، ونسأله الهدى إلى ~~العلم، والتسديد إلى الحق، والتوفيق للخير. ~~••• # أما بعد، فهذه «أوابد» من الكلم المنثور، بينها قليل من المنظوم، نشر بعضها قبلا ~~في كتاب «الأوابد» وبعضها لم ينشر. # وكان ينبغي أن تقدم إلى القراء منذ سنين حين نفدت طبعة الأوابد الأولى، ولكن حالت ~~الأسفار والشواغل، كما حالت دون إشرافي على الطبع، ففات الضبط كلمات وددت لو ~~شكلت، فأعفي القارئ من عناء النظر فيها لضبطها. # وإني لشاكر لإخوان حملوا عني تعب المراجعة، واحتملوا عناء التصحيح، وأخص الأخ ~~الأديب الأستاذ مصطفى السقاء. # وقد حالت غيبتي كذلك دون سلك كلمات أخرى في الكتاب، لعلها توضع في الطبعة الآتية ~~مع أمثال تنشأ من بعد. # ولو استقبلت من طبع الكتاب ما استدبرت لحذفت كلمات ثلاثا لا أجدها على شرط ~~الأوابد: كلمة قصيرة ارتجلت على قبر الزهاوي شاعر العراق، وهي أقصر من أن تسلك ~~في الأوابد، والكلمة التي عنوانها «النشر في مصر»، والأخرى التي عنوانها ~~«النهضة»؛ فهما على جودتهما ليستا من جنس الأوابد في موضوعهما. # ومهما يكن فهذه كلمات صادقات أردت بها الحق والخير والصلاح، ولعل القراء يتلقونها ~~بما تلقوا به الطبعة الأولى من قبول وإقبال. # والله نسأل الإخلاص في الفكر والقول والعمل، وحسبنا الله. # عبد الوهاب عزام # أول ذي الحجة 1369ه # 13 أيلول/سبتمبر 1950 # | مناجاة # رب! سبحت لك الخلائق في الأزل، ونطقت بذكرك منذ الخلق الأول، ms003 ودارت الأفلاك ~~بحمدك، وسطعت الكواكب بنورك، وسار القمران ثناء عليك، وتعاقب الملوان ~~تقديسا لك، وهبت الرياح بنفحاتك، وتلألأ البرق من سبحاتك، وسار السحاب ~~بقدرتك، وهطل الغيث برحمتك، وتلاطمت البحار في جلالك، واطردت الأنهار من ~~نوالك، والجبال راسيات بأمرك، مائلات لحكمك، والغابات رائعة بجمالك، مورقة ~~بأفضالك، والرياض سطور نظامك الباهر، وإبداعك القادر، والطير ألسنة حمدك وشكرك، ~~ونغمات مزاهرك، وأناشيد مآثرك. # أنت لهذا النظم بيت المطلع # وأنت أنت فيه بيت المقطع # والحيوان الأعجم مسير بإلهامك، شاكر لإنعامك، سائر بهديك، ناطق بذكرك، مسبح ~~بحمدك # تسبح له السماوات السبع والأرض ~~ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح ~~بحمده ~~. # رب! والإنسان صنعك الرائع، وبرهانك القاطع، روح الخليقة المشوق إليك، وبصرها ~~الطامح نحوك. رأى نورك فسار، وبهره جلالك فحار. أنت قصده وإن ضل، وطلبته ~~حيثما حل، يبين عنك قاصدا أو معتسفا، وينطق باسمك صحيحا أو محرفا، ~~وينشد شعرك موزونا أو مضطربا، ومعجما أو معربا: # وألسنة الأكوان إن كنت واعيا # شهود بتوحيدي بحال فصيحة # وإن عبدوا غيري وإن كان قصدهم # سواي وإن لم يظهروا قصد نيتي # 1 # عبدة الأصنام عبدوك من وراء حجاب، وتوسلوا إليك بالأسباب، والساجدون للنار ~~تهافتوا على ضيائك، وهرعوا إلى ثنائك. قدسوك في إحدى آياتك، وعظموا لك إحدى ~~علاماتك، وعباد الكواكب اهتدوا بالنجوم إليك، فسبحوا لها وإنما ثناؤهم ~~عليك. أنت أنت القصد وإن جاروا، وأنت أنت المعبود وإن حاروا. وكهنة طيبة ومنف ~~أشادوا بذكرك، وجهدوا أن يقدروك حق قدرك، وبابل في زيغها لم تكن إلا بابا لك، # 2 # ونينوى في وثنيتها كانت معبدك. أقاموا من أجلك التماثيل، ولاح لهم ~~نورك من خلال الأباطيل، واليونان ألهوا آثارك، وأكثروا أسماءك. وما أثينا ~~وزوس وأبولون إلا رموز حكمتك وقدرتك وعلمك وعظمتك. ألفاظ شتى لمعنى موحد، ~~وصور شتى لجوهر فرد، كالماء نبت منه الحلو والمر، والعقيم والمثمر، ودل عليه ~~النجم والشجر، والشوك والزهر. # رب! وهل رتل البراهمة إلا فرقانك، وطلبوا في الكهوف إلا عرفانك؟ وهل انفتحت عن ~~بوذا زهرة الكنج إلا لذكرك؟ # 3 # وهل هجر العالم إلا لوجهك؟ ms004 وهل أملى كونفشيوس إلا تعليمك؟ وهل أراد ~~زردشت إلا ذكرك؟ وهل ضمن كتاب الأبستاق # 4 # إلا حمدك؟ يزدان وأهرمن رمزا نورك وظلالك، # 5 # وهدايتك وإضلالك. ~~••• # رب! وموسى إذ لاح له ضياؤك في الغلس، وخلع نعليه في الوادي المقدس، لمع له بصيص ~~في الطور فاهتدى، ودعا الناس إلى الهدى. بنورك ضرب بحر الظلمات فانفلق، ثم بهره ~~جلالك فصعق. وعيسى أمددته بروحك وبرك، وأطلعته على ذرة من مكنون سرك، ومحمد ~~خاتم أنبيائك، وصفي أصفيائك، آنسه ذكرك في الغار، فرأى في الظلمات النهار، ~~فأملى دينك وفرقانك، وأوضح محجتك وبرهانك، وترك على الدهر أثرك الأغر، ودينك ~~الأبر. رب! ومن وراء ذلك سرك المكنون، وحماك المصون. # أنقذنا من الحيرة بهديك، واهدنا إلى جنابك برحمتك. اللهم منك وإليك، أنت الأول ~~والآخر، والظاهر والباطن. # | إلى الرسول الكريم # في عيد مولده # مضت عشر وأربعمائة وألف سنة منذ ظهر في الجزيرة العربية نجم الصباح بشيرا بطلوع ~~الشمس، منذ طلع الكوكب المبشر بالغيث في الأرض المجدبة، منذ ولدت الأرض منبع ~~النهر الذي فاض على الناس بالخير والبركة ولا يزال فياضا، منذ سطرت في سجل ~~الأيام بسملة سيرة عظيمة، منذ كتبت على صفحات الزمان فاتحة كتاب دفتاه المشرق ~~والمغرب، وصفحاته تاريخ البشر في أروع وقائعه، منذ خط الله القدير على أرض ~~الجزيرة عنوان أعظم فضل في تاريخ البشر، منذ ولدت الخليقة قانونا من قوانينها ~~في صورة طفل، منذ استهل هذا الطفل الفقير في دار من دور قريش بمكة، منذ ولدت ~~آمنة بنت وهب محمد بن عبد الله. # لم تضرب البشائر لمولده، ولا سارت الأنباء، ولا تطايرت التهاني، ولا اجتمعت ~~المحافل، ولكن الله - سبحانه - كان يعلم ماذا أخرج من غيبه، وماذا وضع على ~~أرضه. كان الله وحده يعلم أن قد ولد الرجل الذي أعده ليعلي التوحيد ويضع ~~الوثنية، ويعز الحق ويذل الباطل، وينصر الخير ويخذل الشر، ويمحو العبودية ويثبت ~~الحرية، ويزلزل الجبارين، ويثبت الضعفاء والمساكين، ويبطل التمييز بين ~~الناس، ويشيع المساواة بينهم، ويحقر الأحساب والأنساب، ويعظم العمل الصالح، ~~ويحطم العصبيات ويدعو إلى ms005 الأخوة العامة. # كان الله وحده يعلم أن قد ولد الرجل الذي يخرج الحق من الصوامع والمعابد إلى ~~معارك الحياة، ويقيم البر بألسنة الملوك وأيديهم بعد أن كان تعلة الفقراء ~~والمساكين، ويقف الملوك في صفوف الصلاة بعد أن كانوا في صفوف الآلهة، ويجعل ~~الحياة جهادا دائبا للحق والخير، ولا يضعف ولا يفتر، ويري الناس كيف يجتمع ~~الحق والقوة، ويلتئم الملك والنبوة. # يا رسول الله! أين نحن اليوم من شريعتك؟ وأين مقامنا من دعوتك؟ وأين سيرتنا من ~~سنتك؟ # علمت المسلم أن يكون خليفة الله في أرضه، يقوم بالعدل بين خلقه، ويقسم الرزق ~~بين عباده، ويهيمن على قانون الله بين الناس أجمعين، يقودهم إلى الحق طوعا أو ~~كرها، ويسيرهم للخير اختيارا أو اضطرارا. # فأين هو اليوم من هذه الخلافة؟ وأين عقله من هذه السياسة؟ وأين نفسه من هذا ~~السمو؟ وأين قلبه من هذا الطموح؟ وأين عزمه من هذه الهمة؟ وأين يده من هذا ~~السلطان؟ # علمت المسلم أن يقوم بالقسط لله، ويجعل العدل بينه وبين الناس، لا يبغي ولا ~~يحتمل البغي، ولا يظلم ولا يستكين للظلم، ولا يبخس الناس أشياءهم، ولا يبخس حق ~~نفسه، ولا يأخذ ما ليس له، ولا يعطي ما ليس لغيره، وتلوت عليهم قول الله: # يا أيها الذين آمنوا كونوا ~~قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم ~~شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب ~~للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما ~~تعملون ~~، # يا أيها الذين ~~آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو ~~على أنفسكم أو الوالدين ~~والأقربين ~~. # تلك الدعوة الشاملة، والكلمة الجامعة، تلك سعادة الفرد والجماعة، وثبات القانون ~~والنظام، وقوام المعاملة العادلة والألفة العامة. تلك الدعوة إلى أن يسيطر الحق ~~والعدل، وأن يكون الإنسان لله وللناس أجمعين، لا لنفسه ومنفعته وهواه، وأن يعدل ~~الإنسان في الرضا والغضب، والمنشط والمكره، ومع القريب والبعيد، والعدو ~~والصديق؛ لأنه ينفذ قانون الله، وليس عند الله قريب ولا بعيد، ولا صديق ولا ~~عدو. # يا رسول الله، لو أن الأمم المتناحرة التي عمرت عقولها، وخربت قلوبها، وقويت ms006 ~~أيديها وضعفت سرائرها، وأضاءت ظواهرها وطفئت بواطنها، والتي حدت العدل ~~بمنافعها، وسيرت الحق طوع رضاها وغضبها، وحبها وكرهها، ونفعها وضرها، لو أن ~~هذه الأمم فقهت آيتك وعملت بها، فقام كل زعيم بقسط الله في أرض الله بين عباد ~~الله يستوي في نصفته القريب والأجنبي، والقاصي والداني، ويسكن إلى صدقه ونصحه ~~الناس كافة، لا يغش ولا يخدع، ولا يختل ولا يزور، ولا يعتدي ولا يظلم. # لو أن كل زعيم أخذ بالعدل كل فرد من أمته، وآخذ بالعدل نفسه، وجمع الأمة كلها على ~~العدل؛ لعاشت الأمم مجاهدة في الحياة على شريعة من التناصف جامعة، وخطة من ~~العدل مؤلفة، ولتعاونوا على البر بالإنسان وإسعاد الإنسان، لا على التدمير ~~والتخريب، والقتل والأسر، والغصب والنهب، والاحتكام إلى المهالك، والالتجاء إلى ~~القوة، وويل للمغلوب! ألا إن في العدل سعادة الفرد في نفسه، وسعادة الأمة في ~~جماعتها، وسعادة الإنسانية في أممها. # يا رسول الله، علمت المسلم أن يكون حرا لا يخيفه جبروت، ولا يأسره مطمع، ولا ~~تملكه الأهواء، ولا تعبده الشهوات، يسير في الأرض قانونا لا يقهر، وسنة لا ~~تتغير، يستمتع بما يمتعه به الحق، ثم الفتن والشهوات من بعد أهون من أن ~~تغريه، وأحقر من أن تفتنه. # فما بال المسلمين تتنازعهم الأهواء فيتذبذبون، وتتجاذبهم الشهوات ~~فيتهافتون؟ # علمت المسلم أن يكون مالكا قنوعا، مسيطرا مقتصدا، قادرا عفيفا يملك ~~الدنيا ولا تملكه، ويستعبدها ولا تستعبده، ويقدر عليها ولا يهلك فيها. # فما بال هؤلاء المستكلبين تملكهم الأموال، فهم عبيدها، وتفتنهم المناصب، فهم ~~صرعاها؟ قد ملك نفوسهم من الحرص والطمع، والنهم والجشع ما لا تملؤه السماوات ~~والأرض، فذلوا من حيث أرادوا العز، وافتقروا من حيث حاولوا الغنى، وشقوا من حيث ~~توهموا السعادة! # يا رسول الله، علمت المسلم أن يكون عزيزا لا يذل، وأبيا لا يخنع، وموحدا ~~لا يشرك، يعبد الله وحده لا شريك له، والناس من بعد سواسية، ليس بعضهم أرباب ~~بعض، فما بال هؤلاء الأذلاء الخانعين الذين يؤلهون كل قوي، ويخضعون لكل ~~جبار؟ # علمت المسلم أن يكون مجاهدا لا ms007 يكل، دائبا لا يمل، يمضي في الحياة قدما ~~كالنجم لا يقف دون الغاية، لا تصده مشقة ولا يرده هول، ولا يقعد بهمته عبء، ولا ~~يوهن عزيمته يأس، طماحا هماما غلابا مقداما. # فما بال المسلم يقعد ويحسب أنه يعبد، ويكل ويظن أنه متوكل، وييأس ويتوهم أنه ~~يقنع؟ حرفوا كلماتك، وجهلوا آياتك. # يا رسول الله، علمت المسلم أن يكون على الخطوب جسورا، وفي النوائب صبورا، ~~كأنه في معترك الحياة قدر لا يرتد، وقانون طبيعي لا يتخلف، على شفتيه بسمة ~~الرجاء في ظلام المحن، وفي وجهه طمأنينة الثقة في عواصف الفتن، وفي قلبه الثقة ~~بالله واليقين بالظفر، تنكشف عنه الأحداث كما يقشع السحاب عن النجم، وتنجلي ~~الغمرة عن الدرة، وينحسر الغمد عن السيف، فما بال المسلم اليوم جزوعا ~~يائسا، وخائرا مبلسا؟ # يا رسول الله، وقفت في حضرتك ساعة فلا معنى من العلاء والعظمة والحرية والحق ~~والخير والبر والفضيلة إلا نزل على قلبي، ولا شية من الإسفاف والباطل والشر ~~والرذيلة إلا طارت عن نفسي! وستبقى سيرتك نبراسا يعشو إليه الخابط في الظلمات، ~~وهديك منارا يهتدي به الضال في الفلوات، وشرعك علما ينحاز إليه الأخيار، ~~ودعوتك أذانا يصغي إليه الأبرار، ورسالتك رحمة للناس أجمعين. # إن انحرف الناس فما اعوجت سنتك، وإن ضلوا فما طمست شريعتك، وإن حاروا فما خفيت ~~سيرتك، وسيردهم إلى الطريق هديك، وتهديهم إلى الغاية سيرتك، وترشدهم على ~~الأجيال دعوتك. # ولن يزال مولدك هدى للناس وذكرى، وموعظة وعبرة، ودعوة لا تحول، ونورا لا ~~يزول. # يا رسول الله! صلى الله عليك. # | أربع صفحات متتابعات # في سيرة رسول الله # 1 # هذا يوم العشرين من رمضان سنة ثمان من الهجرة، وقد أخذت مكة صولة الجيش ~~الإسلامي، ودهمها جند التوحيد من أعلاها وأسفلها: خالد بن الوليد، قائد ~~الميمنة، يدخل من الليط أسفل مكة يقود جموعا من غفار وأسلم ومزينة ~~وغيرها، والزبير بن العوام، قائد الميسرة، يدخل من كدى أعلى مكة، ~~وأبو عبيدة بن الجراح، في صف من المسلمين، يدخل من أذاخر بين يدي رسول ~~الله. # وقريش وألفافها ms008 حائرة، منها من يعد للقتال، ومنها من يدعو إلى السلم، ~~ومنهم من ترددت به الفجاءة بين القتال والاستسلام، فناوش قليلا ثم ~~سكن. # ورسول الله على راحلته مطأطئا رأسه كأنه ساجد على الرحل تواضعا ~~وشكرا، قد غض بصره عن هذا الجيش الكثيف، وهذا الجند المطيع، وهذه ~~السطوة المحيطة؛ ليفتحه على الحق الذي يدعو إليه، والعدل الذي يقوم به، ~~والسلام الذي يبغيه، والألفة التي يريدها. # هذه هي القرية التي أخرجت الرسول وصحبه قبل ثماني سنين، القرية التي هاجر ~~منها رسول الله وصاحبه يلوذان بالغار؛ ليختفيا عن الأبصار، القرية التي ~~أبت على المسلمين الإقامة فيها والخروج منها، القرية التي آذت محمدا ~~في دينه ونفسه وصحبه عشر سنين، ثم أتبعته العداوة والحرب حيثما كان، ~~وهذه قريش التي سخرت بمحمد ودينه وآذت أصحابه، وعذبت المستضعفين منهم، ~~وألجأتهم أن يهاجروا إلى الحبشة ثم إلى يثرب، ثم حاربتهم في بدر وأحد، ~~وألبت عليهم القبائل في غزوة الأحزاب؛ فأحاطت بالمدينة تبغي استئصال ~~المسلمين، ثم ردت المسلمين عن دخول مكة معتمرين عام الحديبية. # ليس في هذه البقعة جبل ولا شعب ولا واد، ولا طريق إلا شهد بطش الباطل ~~الكثير بالحق القليل، والشرك العاتي بالتوحيد الناشئ، واستهزاء الجهلة ~~الجفاة بالحكماء البررة، وضوضاء اللغو تطغى على ترتيل القرآن، وأصوات ~~السخرية تحيط بتكبير الصلاة. # واليوم قد أخذت سورة الحق تهاويل للباطل، وزلزل الجبابرة لسطوة ~~المستضعفين، وخرت الأصنام بكلمة التوحيد. إنه ليوم جزاء وانتقام وقصاص ~~لمن يريد، وقد قال سعد بن عبادة وهو يحمل راية من رايات المسلمين ~~داخلا إلى مكة: «اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة.» # كلا! كلا! إن محمدا لا ينتقم لنفسه، ولا يقتص لأصحابه، ولكنه رسول ~~توحيد، وداعية ألفة وسلام، فقد لقي الجهل بالحلم، والذنب بالعفو، ~~والإساءة بالإحسان، والبغضاء بالمودة. # رسول الله قائم بباب الكعبة يخطب ليعلم هذه الجاهلية شرائع الدين ~~ومكارم الأخلاق، ويحطم في نفوسها أصنام الجهل والهوى والمعصية، كما ~~أنزل عن الكعبة هذه الأصنام الذليلة، يقول: # يا معشر قريش، إن الله أذهب عنكم نخوة الجاهلية ~~وتعظمها بالآباء. الناس ms009 من آدم، وآدم خلق من ~~تراب. # ويقول: يا معشر قريش، ويا أهل مكة، ما ترون أني فاعل بكم؟ ~~فيقولون: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم، فيقول: اذهبوا فأنتم ~~الطلقاء. # 2 # قبائل هوازن ترتاع لفتح مكة، وتخشى أن يمتد إليها سلطان الإسلام، فتخرج ~~بقضها وقضيضها عامدة لحرب الرسول، وتجتمع بوادي حنين بين مكة والطائف، ~~وتأتي الأنباء رسول الله فيخرج من مكة بعد دخولها بخمسة عشر يوما، ~~ويسير المسلمون للقاء العدو قبل أن يحيط بهم. عشرة آلاف أتوا مع ~~الرسول إلى مكة، وألفان من أهل مكة، يسيرون للقاء هوازن ! ها هو ذا وادي ~~حنين تنحط إليه الجيوش في الغلس مغترة بكثرتها، معتزة بقوتها، والعدو ~~كامن في أحناء الوادي وأحشاء الظلام. يفجأ هذا الحشد العظيم فيضطرب، ~~ويموج بعضه في بعضه، ويأخذ التيار من أراد الهزيمة ومن لم ~~يردها. # وظن الذين لا يعرفون ثبات الإيمان حين يطغى به الكفر، وجلد اليقين حين ~~يحيط به الشك، وعزة الحق حين يثور به الباطل، ظن هؤلاء أنها هزيمة طوت ~~فتح مكة وما قبل فتح مكة من جهاد المسلمين، وحسبوها حروبا تأكل ~~حروبا، وغفلوا عما وراء الحروب من عقائد وأخلاق. # زلزل المسلمون زلزالا شديدا، ولكن القطب لم يزل من مكانه؛ ثبت رسول ~~الله، ونادى العباس أصحاب بيعة الرضوان، فانثالوا إليه بين الجموع كما ~~ينساب الماء القليل بين الصخور والرصف. # وخلق ثبات الإيمان واليقين والحق من هذا التفرق اجتماعا، ومن هذا ~~الاضطراب قرارا، ومن هذا الفر كرا؛ فأخرج من الهزيمة نصرا ~~مؤزرا. # لم يرع رسول الله هذا الفزع، ولم تأخذه هذه الظواهر المائجة، ولكن ثبت ~~ثبات الإيمان، ورسخ رسوخ الحق. وكان في المأزق الشديد يوم حنين كما كان ~~في الموكب العظيم يوم الفتح، واثقا بالله، متوكلا عليه، تجيش النفوس ~~وهو مطمئن، وتموج الجموع وهو ساكن، توقره عظمة لا يهزمها نصر ولا ~~هزيمة، ويقين لا يغيره أمن ولا فزع، ووقار لا تستفزه رغبة ولا ~~رهبة. # 3 # واجتمع المسلمون بالجعرانة - بئر بين الطائف ومكة - ومعهم من سبي هوازن ~~وإبلها وشائها ألوف ms010 كثيرة. # وجاء وفد هوازن يسأل الرسول الكريم أن يرد عليهم أولادهم ونساءهم، وقال ~~رجل من بني سعد، قوم حليمة مرضعة الرسول: «يا رسول الله، إنما في ~~الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك.» # ولو شاء الرسول لجزى هوازن بما صنعوا، وإنهم لأهل للجزاء، ولكنه لقي ~~جهلهم بحلمه، وجرمهم بصفحه، كما فعل بأهل مكة، قال: «أما ما كان لي ~~ولبني عبد المطلب فهو لكم. فإذا أنا صليت بالناس فقولوا: إنا نستشفع ~~برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله في أبنائنا ~~ونسائنا.» # فلما اجتمع الناس للصلاة جاء الوفد فتكلموا بما علمهم الرسول، فقال: أما ~~ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وقال المهاجرون: وما كان لنا فهو ~~لرسول الله، وقال الأنصار: وما كان لنا فهو لرسول الله. وأبى الأقرع ~~بن حابس زعيم تميم، وعيينة بن حصن زعيم فزارة، والعباس بن مرداس زعيم ~~سليم أن يتركوا غنائمهم، فوعدهم الرسول أن يعوضهم عنها حتى رضوا، ~~ورجعت هوازن بأبنائها ونسائها. # 4 # وقسم الرسول الغنائم على أصحابها، وزاد فأجزل العطية لجماعة من رؤساء ~~العرب: قرشيين وغير قرشيين ليتألف قلوبهم، ولم يعط أحدا من الأنصار، ~~فعجب الأنصار وتكلموا فيما بينهم، وجاء سعد بن عبادة، سيد الخزرج، ~~فقال: يا رسول الله، إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم، ~~لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت؛ قسمت في قومك، وأعطيت عطايا عظاما ~~في قبائل العرب، ولم يكن في هذا الحي من الأنصار شيء ... ~~- فأين أنت من ذلك يا سعد؟ ~~- يا رسول الله، ما أنا إلا من قومي. ~~- فاجمع لي قومك في الحظيرة. # اجتمع الأنصار في الحظيرة وهم عماد هذا الإسلام وجنده، اجتمعوا عاتبين ~~على قائدهم العظيم، يرون أنه آثر عليهم جماعة من رؤساء العرب ليس لهم ~~في الإسلام سابقة، ولا في نصرته بلاء، فليت شعري ماذا يقول هذا القائد ~~الكريم، وكيف يرضي خلص جنوده العاتبين؟! استمع: يا معشر الأنصار، ~~ما قالة بلغتني عنكم، وموجدة وجدتموها في أنفسكم؟ ألم آتكم ضلالا ~~فهداكم الله، وعالة فأغناكم ms011 الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟ ~~- بلى، لله ولرسوله المن والفضل. ~~- ألا تجيبونني يا معشر الأنصار؟ ~~- وبماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ولرسوله المن والفضل. ~~- أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ثم لصدقتم: «أتيتنا مكذبا ~~فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فآسيناك. وجدتم ~~في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ~~ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم! أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب ~~الناس بالشاء والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفسي بيده ~~لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار ~~شعبا؛ لسلكت شعب الأنصار. اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء ~~أبناء الأنصار.» # قال الأنصار والدموع تبل لحاهم، وقد غسلت كلمات رسول الله عتبهم، وأيقظت ~~قلوبهم، وزادتهم حبا للرسول وطاعة، وأصابوا فيها ما يحقر كل ما أخذ ~~الناس من مال وما يأخذون، قالوا والدموع تبل لحاهم: رضينا برسول الله ~~قسما وحظا. # | الهجرة مولد تاريخ # تعمد الأمم إلى حدث جليل من أحداثها يبرز بين خطوبها، ويثبت على مر الزمان في ~~أنفسها، فتجعله ميقاتا تبتدئ منه حساب الأيام، وعلما تعد من لدنه الشهور ~~والأعوام، وربما يكون موت أحد كبرائها، أو مصيبة من المصائب التي لا تفصل طورا ~~عن طور، ولا تميز عصرا من عصر، ولا تكون حدا بين سيرة وسيرة، ولا برزخا بين ~~فساد وصلاح، أو رشد وغي، أو عزة وذل، أو جهالة ومعرفة، ولا ينبوعا يطرد منه في ~~حياة الأمة نهر، أو ذكرى تفيض منها المواعظ والعبر، أو مبدأ تعطف إليه في ~~الخطوب الذكر. # وخير ما أرخت به أمة حادث يلد لها تاريخا، أو يغير لها وجهة، أو يهديها إلى ~~غاية، ويبقى على مر الزمان خلاقا للعظائم، مدادا بالفضائل، فياضا ~~بالعظات، تنظر إليه الأمة كلما بعد بها المسير لتنظر أين هي من المكانة التي ~~تراد لها، وأين سيرها من الطريق المبينة؟ وأين وجهتها من الغاية ~~المرجوة؟ # وقد كان إلهاما ما رآه ثاني الخلفاء الراشدين عمر الملهم المحدث، حين أشار ~~على المسلمين أن يجعلوا ms012 الهجرة مبدأ لتاريخهم، وميقاتا لأعمالهم، فما أعرف ~~حدثا ولد تاريخا طويلا، وخلق عصرا مديدا، واطرد في تاريخ البشر فياضا ~~بالخير مترعا بالحوادث كالهجرة، وما هي إلا سفرة محسوسة قصيرة جعلها الله ~~عنوان أسفار معنوية طويلة في نفوس الأفراد والجماعات والأمم، وما هي إلا نقلة ~~بين بلدين كانت انتقالا من الوثنية إلى التوحيد، ومن الفوضى إلى النظام، ومن ~~الرذيلة إلى الفضيلة، ومن الباطل إلى الحق، ومن الجهل إلى العلم، من الجاهلية ~~إلى الإسلام. # بالهجرة عز الإسلام وانتصرت دعوته، ونفذت شريعته، وتألفت الجماعة الإسلامية ~~الأولى؛ الجماعة التي انتشرت فإذا هي أمة تجمع المشرق والمغرب، وجاهدت فإذا هي ~~ملء الزمان عزما وحزما، وإقداما وصبرا، وثباتا ودأبا، وسيطرت، فإذا دولة ~~تقوم على الأسود والأبيض بشريعة من الحق الشامل والأخوة الجامعة، ثم استقرت ~~وعملت فإذا الحضارة المؤمنة الرفيعة التي تحطم الحدود الفاصلة، وتمحق العصبيات ~~الباطلة، وتسوي بين الناس إخوة عاملين متعاونين، كلهم لآدم، لا فضل لأحد على ~~أحد إلا بالتقوى والعمل الصالح. # لقد كانت هذه الجماعة الإسلامية القليلة التي أقرتها الهجرة في المدينة كالبذر ~~الطيب يجمعه الزارع الصالح، وينقيه ثم ينثره فيملأ الأرض خصبا وبركة، وكبخار ~~البحر يجمعه السحاب ثم يتفرق به في أرجاء الأرض حياة وطهرا وخصبا ~~ونماء. # فقه هؤلاء الصحب الأجلاء عن رسولهم، ووعي هؤلاء التلاميذ الصالحون عن معلمهم، ~~ثم انتشروا في أرجاء الأرض قوادا فاتحين، وولاة راشدين، وقضاة عادلين، ~~وعلماء هادين، وعبادا خاشعين، فاجتمع السيف والكتاب، والعرش والمحراب، ~~والسلطان والعلم، والقدرة والحلم، وما زال هذا البحر يمد، وما زال هذا النور ~~يشع، وما زال هذا الخير يشيع، وما زال هذا الحق يسيطر، وما زال هذا الدين ~~ينتشر، وما زال هذا العزم يمضي، وما زال هذا الجهاد يدأب، حتى شهد العالم أول ~~مرة أمة واحدة منتشرة بين الصين وبحر الظلمات، فنيت فيها الأجناس، وامحت ~~الألوان، وصبغها لون وضاء من الأخوة والمودة، وتعاونت فيها العقول على ~~فلسفة واحدة، وفقه واحد، وأدب واحد، وتضافرت الأيدي على نسج حضارة ~~واحدة. # كم في تاريخنا من أعمال تمت ms013 إلى الهجرة بسبب! وكم فيه من أبطال يربطها بالهجرة ~~نسب! # محمد بن القاسم الثقفي، ثم محمود الغزنوي، وظهير الدين بابر، كانوا في فتح الهند ~~وإقامة الدول فيه من آثار الهجرة، وقتيبة وأسلافه وخلفاؤه في تركستان سهام رمت ~~بها الهجرة فأبعدت المكان والزمان، وعقبة بن نافع على فرسه على شاطئ بحر ~~الظلمات، وطارق بن زياد في الأندلس، وعبد الرحمن الغافقي في بلاط الشهداء، ~~كانوا يطوون الأرض والممالك، وينشرون العدل والأخوة مهاجرين على آثار الهجرة ~~النبوية. # ثم ما وعى التاريخ من سير فقهاء وعلماء، وكتاب وشعراء، ومتكلمين وفلاسفة ~~وصوفية، وما شاد الزمان من مساجد ومدارس وقصور وقناطر، كل ذلك للهجرة أثر فيه ~~وطابع عليه! # كل ذلك كتاب، الإسلام بيانه، والتاريخ برهانه، والهجرة عنوانه. # ولا تزال الهجرة على بعد العهد، وعرامة الزمان، وضراوة الفتن، وضعف المسلمين ~~وتخاذلهم وحيا يملأ النفوس آمالا، والقلوب إيمانا، والأيدي قوة، والعزائم ~~فتوة، ولا تزال نورا في نفس كل مسلم، وحديثا في ضميره، ودعوة في أذنه، وعزة ~~في جوانحه، وسؤددا في همته، لا تزال تدوي في الآذان والصدور، كما لا يزال ~~الأذان الأول يدوي في أرجاء الأرض، لا يفتر ليل نهار، ولا يقر له في ساعات ~~الزمان قرار. # 1 # ألا إن التاريخ الذي ولدته الهجرة لا يزال في ازدياد، والنهر الذي أجرته لا يزال ~~في اطراد، والروح الذي نفخته لا يزال قويا، والعزم الذي شحذته لا يزال ~~فتيا، والكتاب الذي كانت عنوانه لم تقرأ صفحاته، ولم تنفد كلماته، وإن في ~~ضمير الدهر لأحداثا كبارا، وإن في ثنايا الغيب لأسرارا وأسرارا. # قد أضاع المسلمون الزمام، ورضوا أن يكون غيرهم الإمام، وفقد كثير من المسلمين ~~عقولهم في هذه الفتن المحيرة، وأضلوا رشدهم في هذه الخطوب المظلمة، وبرقت ~~أبصارهم من هذه الأشعة، وصمت آذانهم في هذه الضوضاء، ورضوا بفضلات الأقوام ~~لعقولهم وقلوبهم وأيديهم وألسنتهم، ولكن لا يزال وحي الإسلام يسمع من وراء ~~الحجب، ونوره ينفذ في ثنايا الظلمات، ولا تزال هذه العقول تعرف غايتها، وهذه ~~الوجوه تقصد قبلتها، ولا تزال هذه الهمم ms014 تسمو إلى سمائها، وهذه الأرواح تطمح ~~إلى عليائها، ولا تزال هذه الإبر تعرف قطبها، وتتجه وجهتها. # إن التاريخ الذي ولدته الهجرة لم يمت، والمجد الذي بدأته لم ينقطع، والجذوة التي ~~أوقدتها لم تنطفئ، ولا يزال في الأرض خصب، وفي النهر ماء، وفي السحب مطر ورعد ~~وبرق. # وإن علينا أن نتذكر فنحسن التذكر، ونعتبر فنجيد الاعتبار، ونخلق من العسر يسرا، ~~ومن النقمة نعمة، ومن الضلال هدى، ومن الضعف قوة، مستبصرين بالوحي الذي لا ~~يفتر، والنور الذي لا يخبو. # من كان يظن أن الأقلام جفت، والصحف طويت، فليصغ ليسمع صرير الأقلام تخط في ~~صفحات التاريخ الإسلامي فصولا جديدة، ومن كان يحسب أن الينبوع نضب، فليمعن ~~النظر ليرى أن الينبوع فياض، وإن حجبته الأدغال، أو تراكمت حوله الرمال، ومن ~~أحس همود الحياة في نفسه، وخمود الهمة في صدره، وضعف الأمل في قلبه، ومرض ~~البيان في لسانه؛ فليرجع إلى الهجرة وآثارها، والإسلام وتاريخه؛ ليغترف من هذا ~~الينبوع، أو يقبس من هذه النار، ويقرأ في هذا الكتاب، ويستمع إلى هذا الخطاب؛ ~~ليرجع إلى نفسه حياتها، وإلى همته وقدتها، وإلى أمله قوته، وإلى لسانه بيانه، ~~وإلى عقله سلطانه. # فإن الإسلام لا يعرف الموت ولا الضعف ولا الذلة ولا اليأس، وإنما هو العيش في عزة ~~وكفاح، أو الجنة تحت ظلال الرماح، وإن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب. # | رسول الله في عرفات # أما اليوم فتاسع ذي الحجة، وأما السنة فالعاشرة من الهجرة، والحجيج يسيرون من ~~منى إلى عرفات، فما بال الناس لا يسيرون على السنن المألوف، ولا يفعلون ما ~~كانوا يفعلون؟ ما بالهم لا تفرقهم العصبيات وينحازون إلى الرايات؟ ما بال ~~القبائل لا تلبي لآلهتها ولا تهيب بأصنامها؟ عجبا، لا تذكر الآلهة حتى اللات ~~والعزى ومناة، ولا تسمى الأوثان حتى ود وهبل؟ # كلا، كلا، قد تتابع القوم في سمت وخشوع، فأين الجلبة والضوضاء، والتفاخر بالآباء؟ ~~وهذه قريش تتجاوز المزدلفة مع الناس إلى عرفات، فكيف سوت نفسها بالقبائل، ~~ورضيت أن تسير إلى هذه المنازل؟ لست أرى ما ms015 يميز قريشا من غيرهم، ولا الحمس ~~ممن عداهم، وأين النسأة من كنانة؟ لا ترى لهم شارة ولا موكبا، ولا تبصر منهم ~~أحدا، ماذا دها العرب فغير سننهم؟ بل من ذا الذي جاءهم فجمع شملهم، ووحد ~~كلمتهم، وأخلص لله دعوتهم! إن هذا لشيء عجاب! كنا قبل سنتين نسمع الضجيج ~~والضوضاء، والتصدية والمكاء، ونرى كل قبيلة تنحاز إلى علمها، وتنادي ربها، ~~فمن مشيد بالأوثان، ومن مناد: لبيك رب كنانة، أو لبيك رب همدان! فاستمع ~~اليوم: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك! # قد تغيرت الدعوة واختلف الشعار، وتبدلت السيما والسيرة، وما عهدنا هذا من ~~قبل! # والشيطان ذليل حسير، قد آوى إلى صخرة على جانب الطريق يرقب الوفود المتآخية، بل ~~الأخوة المجتمعة، ويرى الجموع بعينه خزيان، ويعض بنانه حيران، يقول: ويلي من ~~محمد، لقد أخلى بيوتي من هذه الأوثان، ومحا البغضاء والشنآن. لقد ذهب النزاع ~~والخصام، وأفلت من يدي الزمام، ويلي من محمد! ألم يكن بالأمس يغشى هذه المجامع ~~وحيدا، ويرتد عنها مخذولا؟ ألم يكن يعرض نفسه على القبائل لتجيره، فيلقى ~~الغلظة والجفاء، والهزء والسخرية؟ ويلي من محمد! لست آسى على الحجاز وحده ولا ~~على جزيرة العرب فحسب، إني لأوجس خيفة أن يجاوز هذا التوحيد الجامع، وهذه ~~الأخوة الموحدة حدود الجزيرة، فتدمر منازلي من معابد الوثنية وقصور ~~الجبارين، وتمتد إلى كل بقعة لي تزلزلها الفرقة، ويسيطر عليها الظلم، ويشيع ~~فيها الفساد، وتتغلغل فيها الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ويرفع فيها لواء ~~الباطل فوق كل لواء. ويلي! لقد جاهدت محمدا في داره ثلاثا وعشرين سنة، ~~واستنصرت شياطين الإنس والجن، وحشدت جنود الباطل، وخيل إلي مرارا أني أشرفت ~~على الظفر، فما هذه الجموع التي تسير وراء محمد، وتدعو بدعوة محمد، ويلي! إنه ~~يوم له ما بعده. # يسير رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في عشرة آلاف من الحجاج إلى عرفة، وهذه قبة ضربت له في ~~نمرة فينزل بها. # زالت الشمس فأمر رسول الله بناقته القصواء فرحلت فركب، حتى أتى بطن الوادي؛ وادي ~~عرنة، ms016 فوقف، واجتمع الناس وأصاخوا للخطبة التي لم يخطب رسول الله مثلها في مثل ~~هذا الجمع الحاشد، واستمعوا للوصية العظمى التي يوصي بها الرسول أمته في حجة ~~الوداع، والبلاغ الأكبر يوم الحج الأكبر يؤذن الناس بكمال الدين، وتمام النعمة، ~~وتمكن الإسلام، # 1 # ووقف ربيعة بن أمية بن خلف على مقربة من الرسول يبلغ الحجيج بصوته ~~الجهير مقال رسول الله. # ألهم الرسول أنه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وأن الدين قد كمل، ونعمة ~~الله قد تمت، فقال: «أيها الناس، اسمعوا قولي؛ فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم ~~بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا.» # وعلم رسول الله أن التوحيد الذي جاء به الإسلام كفيل بتوحيد الله على مر الدهور، ~~وأن الكتاب الذي بلغه ضمين أن لا تعبد الأوثان من بعد، وأن العقول التي ~~حررها تستنكف أن ترتكس في أباطيل الجاهلية، فليس يخشى على أمته الشرك، ولكن ~~يخشى أن يستجيبوا للشيطان فيما عدا التوحيد في أمور يحسبونها هينة، وهي عظيمة ~~الأثر في نظام الجماعة وأخلاقها، حرية أن توهي القوة، وتفرق الكلمة، وتحل ~~العقدة الصالحة، وتلكم كل كلمة تؤدي إلى فرقة، وكل فعلة من الظلم والعدوان، أو ~~الرذيلة والمنكر. عرف هذا خاتم النبيين فقال: «إن الشيطان قد يئس من أن يعبد ~~بأرضكم هذه، ولكنه رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرونه من أعمالكم.» # ثم وكد الرسول ما بلغه وعلمه ثلاثا وعشرين سنة من حرمة الدماء والأموال ~~والأعراض. وكد ما أبطل به الحروب المتمادية، والغزوات المستمرة، والثارات ~~المستعرة، وما هدم به جاهلية العرب هدما، وردها شرعا من السلام والوئام، ~~وسلطان القانون العام، فقال: «أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى ~~أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا، وحرمة شهركم هذا ... وإن كل دم في الجاهلية ~~موضوع، وإن أول دم أضع دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب؛ فهو أول من أبدأ به ~~من دماء الجاهلية.» # ثم عمد الرسول الذي علم البر بالفقير، وجعل له حقا في مال الغني، وعطف ~~القلوب بعضها على بعض وأشعرها البر والمواساة. ms017 عمد إلى هذا الإثم الآثم والجرم ~~المنكر الذي تتبرأ منه الأخلاق والمروءة، هذه الشرعة الدنيئة التي تحكم ~~الغني في رقبة الفقير بدراهم معدودات، وتتغلغل في الأخلاق والأموال تغلغل ~~السوس، فأعاد ما وكده الكتاب والسنة من إبطال الربا، وأعلن أنه سواء منه ما ~~تقدم وما تأخر، قد محقه الله ومحق آثاره، فقال: «وإن كل ربا موضوع، ولكم ~~رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون. قضى الله أنه لا ربا. وإن ربا العباس بن ~~عبد المطلب موضوع كله.» # ولم ينس النساء وقد أنقذهن من الوأد، وأشركهن في الإرث، وجعل لهن مثل الذي عليهن ~~بالمعروف ، وشرع لهن الشريعة الكافلة سعادتهن وسعادة الأمة. لم ينس النساء في ~~هذا الموقف العظيم الذي يوصي فيه بأصول شريعته، قال: # أما بعد، أيها الناس؛ فإن لكم على نسائكم حقا ولهن عليكم حقا ~~... واستوصوا بالنساء خيرا؛ فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن ~~شيئا، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله ... فاعقلوا أيها ~~الناس. # ليت النساء أخذن الحقوق وأدين الواجبات! ليت ثم ليت! # ثم وكد نبي التوحيد والأخوة ما بني عليه شرعه من التراحم والتآخي والمساواة ~~والمواساة، وأن الناس سواسية كأسنان المشط، سواء فيهم الأسود والأبيض، كلهم ~~لآدم، وكلهم عباد الله، وكلهم إخوة في الله، قال الرسول الأكرم: اعقلوا أيها ~~الناس واسمعوا قولي، فإني قد بلغت وتركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا ~~أبدا: كتاب الله وسنة نبيه ... أيها الناس، اسمعوا قولي، فإني قد بلغت، واعقلوا. ~~تعلمن أن كل مسلم أخو المسلم، وأن المسلمين إخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ~~ما أعطاه عن طيب نفس؛ فلا تظلموا أنفسكم. اللهم هل بلغت؟ # قال الحاضرون: نعم، قال الرسول: اللهم اشهد. # ذلكم ما أوصى به الرسول يوم الحج الأكبر في حجة وداعه، وتلكم حقوق الإنسان دوت ~~بها أرجاء العالم قبل ألف وثلاثمائة وخمسين سنة. تلكم وصايا الرسول لأمته تدوي ~~بها الأجيال، وتسمعها الآذان، فأين منها الأعمال؟ # إن ~~في هذا لبلاغا لقوم عابدين ~~. # | في مجلس رسول الله # ثقة الحر بالحر # دعوة الإسلام تخترق الآفاق، ونور ms018 الإسلام يمزق الظلمات، ورسول الله # صلى الله عليه وسلم # ماض في جهاده، دائب على إرشاده، يرى تباشير الصبح في أعقاب الليل، ويبصر بسمة ~~الحق لهزيمة الباطل، ويتلقى وفود الإسلام بعد اثنين وعشرين عاما لقي فيها هو ~~وصحبه ما لقوا من جبروت الشرك، وكبرياء القوة، وعنت الظلم، ولجاجة الباطل، ~~وهجوم الأهوال، وإحاطة المهالك. # وبنو سعد بن بكر في ديارهم شرقي الحجاز إلى الجنوب سمعوا الدعوة الإسلامية، ~~وأحاطت بهم آياتها، وتريثوا حتى لم يبق للريث موضع؛ فأجمعوا أن يتعرفوا كنه هذا ~~الأمر، وفيصل هذه القضية. # هذا رئيسهم ضمام بن ثعلبة يشد رحله إلى المدينة ليلقى صاحب الدعوة ويتبين أمره، ~~وها هو ذا يسير في المدينة يسأل عن الرسول حتى يدخل المسجد راكبا، وينيخ جمله ~~في فنائه، فانظر إليه في صراحة الرجل الحر يتقدم إلى النبي وأصحابه غير متلجلج ~~ولا متردد. # ضمام ~~: ~~«أيكم محمد؟» # الصحابة ~~: ~~«هذا الرجل الأبيض المتكئ.» # ضمام ~~: ~~«ابن عبد المطلب!» # رسول الله ~~: ~~«قد أجبتك.» ~~- إني سائلك فمشدد عليك في المسألة فلا تجد علي في نفسك. ~~- سل عما بدا لك. ~~- أسألك بربك ورب من قبلك: آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ ~~- اللهم نعم. ~~- أنشدك بالله: آلله أمرك أن تصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ ~~- اللهم نعم. ~~- أنشدك بالله: آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على ~~فقرائنا؟ ~~- اللهم نعم. ~~- آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد ~~بن بكر. # 1 # لم يطلب ضمام بن ثعلبة معجزة ولا آية ولا برهانا، ولكنه رأى المعجزة والآية ~~والبرهان في ذمة محمد وصدقه، فتقدم جريئا حرا يسأل الرجل الحر الذي وثق به ~~ويناشده الله؛ فلما أجابه آمن به غير متردد ولا مرتاب ولا متريث. سأل الرجل ~~العظيم وناشده بربه فأجابه، وهو أكبر في نفسه وأعظم في رأيه من أن يكذبه أو ~~يخدعه. هل وراء هذا للحر برهان؟ وهل بعد الثقة بيان؟ إن في هذا الحوار لعبرة ~~للأحرار! # | على ذكرى المولد النبوي # الذكر العظيمة في تاريخ ms019 الأمم نجوم يهتدى بها في ظلمات الأيام، وأعلام يستبين ~~بها الطريق في ضلالات الزمان، ودعوات إلى الحق والخير تدوي على مر السنين، ~~والزمان بالناس دائر لا يفتر، تعتورهم أحداثه، وتتداولهم غيره، فمن لم يعتصم ~~بسبب من الحق، ويستمسك بعروة من العمل الصالح، ضل وانبهمت عليه السبل، والتبس ~~عليه الحق والباطل، والهدى والضلال، ومن لم يجعل له قدوة من سير العظماء تردد ~~وتحير، والزمان لا ينتظر المترددين الحيارى، أو ضل وهلك، والدهر لا يشفق على ~~الضلال والهلكى. # وإن لنا معشر المسلمين من سيرة رسولنا خاتم النبيين نجوما نيرات، وأعلام ~~واضحات، وأسى تهدي إلى الخير والبر، وإلى التي هي أقوم من أعمال الدنيا ~~والدين. إن لنا من سيرة الرسول الكريم هدى في كل صغيرة وكبيرة من أعمال الفرد ~~والجماعة. # فقد حفظ لنا التاريخ سيرته في بيته ومسجده، وفي سياسة الجماعات، وتربية الأمم، ~~وقيادة الجيوش، وفي الإصلاح بين المتعادين، والقضاء بين المتخاصمين، وفي السفر ~~والحضر، والشدة والرخاء، والحرب والسلم، والغضب والرضا، فما تلقانا حادثة من ~~حوادث الزمان، أو عمل من أعمال الحياة خيرها وشرها، وحلوها ومرها، إلا وجدنا في ~~سيرة سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد - صلوات الله عليه وسلامه - مثلا عاليا، ~~وأسوة حسنة، ورأيا هاديا، وقضاء فصلا، يهدينا إلى ما فيه صلاح الدنيا ~~والآخرة. كل فرد منا يجد في سيرة محمد وهديه شفاء دائه، والتحرر من أهوائه، ~~وإصلاح خلقه، وكل فرد منا يجد في سيرة نبيه الجهاد في الحياة، والصبر على ~~لأوائها، والطموح إلى معاليها، والاستكبار عن دناياها، والإباء على كل ضيم، ~~والنفور من كل مذلة. # وكل أمة من أمم المسلمين تدوي فيها ليل نهار الدعوة المحمدية، تدعوها إلى أن ~~تقوم في أرض الله على عباد الله بقانون الله # كنتم ~~خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف ~~وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ~~. # وكل أمة على هذه الأرض تجد في هدي محمد ما يطب لدائها، ويقيم من عوجها. وهل ~~أودى بالجماعات إلا عصبيات باطلة، وأهواء جامحة، وشهوات مسلطة، واستكبار على ~~الحق، ونفور من العدل؟ هل كب ms020 الناس في جهنم إلا ما استعر في قلوبهم من ~~الضغينة، وثار في رءوسهم من الهوى؟ وهل يعرف التاريخ كمحمد رسولا جاء بالشرع ~~الجامع، والأخوة العامة، والعدل الشامل؟ وهل يعرف التاريخ كمحمد هاديا ألف ~~بين منازع النفس على قانون من العفة والعدل، وألف بين الإنسان والإنسان على ~~شريعة من المودة والأخوة، وألف بين الأمة والأمة على منهاج من الحق والبر ~~والعمل الصالح لخير الناس أجمعين؟ # من رفع للناس لواء الأخوة لا يفرق بين الأبيض والأسود، ولا يميز بين المشرق ~~والمغرب؟ # يا أيها الناس إنا خلقناكم من ~~ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ~~إن أكرمكم عند الله أتقاكم ~~. من دعا الناس ~~جميعا إلى التنافس في الخير على اختلاف أديانهم ونحلهم، وأنزل عليه: # ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا ~~الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن ~~الله على كل شيء قدير ~~، # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله ~~لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما ~~آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم ~~جميعا فينبئكم بما كنتم فيه ~~تختلفون ~~. # أين أنتم من هذه الأخوة الجامعة يا ضلال البشر؟ أين أنتم من دعوة الخير العامة ~~يا دعاة الشر؟ أين أنتم من هذه الرحمة يا قساة القلوب؟ أين أنتم من هذا ~~الصلاح يا فساد الشعوب؟ # المسلمون أحق باللوم، وأجدر بالتعنيف، فهم أهل هذا الدين وأولى الناس بهديه، وهم ~~هم خذلوه وهجروه، وحفظوا ظاهره وضيعوه # وقال الرسول ~~يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن ~~مهجورا ~~، فإن ترهم اليوم في فرقة وشقاق فبما ضيعوا أخوة ~~الإسلام، وإن ترهم في مذلة وهوان فبما فرطوا في عزة الإسلام، وإن ترهم أتباعا ~~فقد علمهم الإسلام شرعة السيادة فنبذوها، وأعطاهم أزمة القيادة ~~فأضاعوها. # أيها المسلمون، هذه ذكرى نبيكم، وميلاد تاريخكم، ومبدأ مجدكم، ومنشأ سعادتكم، فإن ~~شئتم لأنفسكم السيادة والسعادة؛ فكونوا أهلا لهذا الشرف، كونوا بأخلاقكم ~~وأعمالكم جديرين بأن تسموا أمة محمد، ولا تتخذوا الانتساب إلى محمد هزوا ~~ولعبا، وتحسبوا الإسلام أسماء وأقوالا، فإنما هو الأخلاق والأفعال والجهاد ~~الذي لا يفتر، فمن ms021 شاء أن ينتسب إلى محمد فهذه سنته، ومن شاء مجد محمد فهذه ~~طريقته! # يا أيها النبي إنا أرسلناك ~~شاهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إلى ~~الله بإذنه وسراجا منيرا ~~. # | ذكرى الهجرة # 1 # يدور الفلك دورانه، ويجري الزمن جريانه، وتكر الحادثات والعبر، وتسير ~~الأمور على قدر، ويطرد نهر الحياة في مجراه بين الأزل والأبد، والناس ~~قوافل مجهودة تضرب في بيداء مجهولة، قد اشتبهت عليهم الأعلام، وانبهمت ~~الغايات، لا يبلغون مدى، ولا يقيمون على منزل إلا ريثما يعدون ~~للمسير، ويتزودون للرحيل، مسير لا يفضي إلى نهاية، ومنازل لا تنتهي إلى ~~غاية. إنما الغاية هذا الدأب المستمر، وهذا الكد المستحر. # والأعوام مراحل في هذا الطريق الأبدي، ومنازل في هذا السفر السرمدي، ~~وقصارى الناس أن يقفوا كل عام وقفة لينظروا إلى الماضي فيقولوا: فعلنا ~~ولم نفعل، ويتطلعوا إلى الآتي فيقولوا: نخاف ونأمل، يحمدون الإنجاح، ~~ويأسون على الإخفاق، ويرجون الخير، ويشفقون من الشر. # وليس الناس سواء في سبيل الزمان، وتيار الحدثان: منهم الضعاف المغلوبون، ~~والعبيد الخانعون الذين تصرفهم الحادثات كما شاءت، ويجري بهم التيار ~~أنى توجه، لا يستطيعون ثباتا ولا دفعا، ولا يملكون ضرا ولا ~~نفعا، كالغثاء يسيل به الماء، إن سئلوا: لم فعلتم؟ قالوا: سلطان ~~الزمان القاهر، وإن قيل: لم لا تفعلون؟ قالوا: العصر القاسر. # ومن الناس الأباة الأحرار، أولو الألباب والعزائم الذين تثبتهم عقولهم ~~وقلوبهم وهممهم، فيقومون المقام الذي يرضون، وينهجون النهج الذين ~~يريدون، يسخرون بالزمان وسلطانه، والعصر وحكمه، يمهدون الطريق للخير، ~~ويسدون الطريق على الشر، ويقفون في مجرى الخطوب كالصخرة في مجرى السيل ~~يجيش الماء حولها ويزبد، ويصدمها فينشق عنها، ويمضي وهي مكانها راسخة، ~~ويثبتون كالسد في النهر يحبس ماءه ويصرفه عن وجهته. # هؤلاء أحرار يعبدون الزمان ولا يعبدهم، ويصرفونه ولا يصرفهم، ~~ويسيطرون على العصور ولا تسيطر عليهم، بل هم يخلقون العصور والأجيال، ~~ويذللون الزمان والمكان، لا يعتلون بسلطان الزمان وحكم العصر، ولكن ~~يحتجون بالحق والخير، شاء الزمان أو أبى، ورضي العصر أم سخط، كأنما ~~إرادتهم وعزائمهم وحي الله وسلطان القدر. لهم كل حين ms022 قول سديد، وعمل ~~جديد، وجهاد في الحق، ونصرة للخير. ورب فرد من هؤلاء قد خلق جيلا ~~وأنشأ أمة، وبدل عصرا بعصر، وزمانا بزمان. # 2 # والمسلمون ما مقامهم اليوم في حكم الزمان، وما شأنهم في مجرى الخطوب؟ ~~إنهم في ذلك فرق شتى: فريق راعته الحادثات، وبهرته النائبات، ودهمه ~~التيار الصاخب، فجرى معه راضيا به أو مقهورا عليه، أو يائسا من ~~مغالبته، أو استهوته الفتن، وسحرته الزخارف، ومال به الهوى، فأعطى ~~العصر عقله وقلبه، واندفع يمرح ويلعب، ويستمتع جهد هواه وشهوته وفتنته. ~~وإن حاججته اعترف بضعفه ويأسه، وخنوعه وذله، أو لقيك بملء هواه وفمه من ~~حجج واهية، وآراء مأفونة، تدل في جملتها وتفصيلها على أنه مغلوب على ~~أمره مسحور، لا يثبته عقل حر، ولا نفس عزيزة، ولا قلب همام. # ومن المسلمين فريق هالهم العصر الجديد، وأخافتهم فتنته، فأرادوا أن ينجوا ~~بأنفسهم ودينهم بأن يجتنبوا هذا التيار، وينتبذوا من هذه الحادثات ~~مكانا قصيا، وأولئك لم يجاهدوا، فلم ينتصروا ولم يهزموا. وإن مد ~~البحر مدة لحقهم، وإن سال السيل بهم مرة جرفهم، بأنهم لم يعدوا ~~للحياة عدتها، ولم يتخذوا للحوادث سلاحها، والأعزل في هذا المعترك ~~مغلوب، والغافل في هذا الخضم غريق. # وفريق آخر من المسلمين لم تجرفهم الحادثات، ولا فروا منها، ولم تفتنهم ~~الفتن، ولا بعدوا عنها، بل هم في مجرى الخطوب ثابتون، وفي معترك الفتن ~~سالمون، عدتهم عقول دراكة لا يشتبه عليها الحق والباطل، ونفوس ~~أبية لا تريم مكانها من العزة والكرامة، وعزائم هي كفاء الخطوب ~~المدلهمة، والجهاد المديد. أولئك وثقوا بعقولهم وهممهم ودينهم وتاريخهم ~~وسننهم، يغالبون الحادثات ويشقون فيها طريقهم إلى غايتهم، ويمكنون ~~لحضارتهم وأخلاقهم في هذه الأرض، لا يخشون قوة ولا يعرفون زمانا ~~قاهرا، ولا عصرا غالبا. قد سموا بأنفسهم فوق الجديد والقديم، ~~والماضي والحاضر، والشرقي والغربي، يأخذون ويتركون مختارين، ويأمرون ~~وينهون على هدى وبصيرة، لا استسلاما للفتنة وخنوعا للزمان، ولا عصبية ~~للقديم وغمطا للجديد. # وهؤلاء الأباة الأحرار والعقلاء الأخيار يجدون في تاريخهم ما يهون عليهم ~~الخطوب، ويذلل لهم الأهوال، ويعصمهم ms023 أن يضلوا، ويربأ بهم أن يستكينوا ~~ويذلوا؛ فما تزال تتنزل عليهم من هذا التاريخ العزة والإباء والكرامة، ~~والثبات في الحق، والجهاد في الخير، والتكبر على الأهواء، والتنزه عن ~~الدنايا. ما يزال تاريخ الإسلام يوحي إليهم العظمة بالحق، والسيطرة ~~بالصدق، والصبر لكل نازلة، والظفر بعد الصبر، والعدل بعد الظفر. # ما يزال تاريخ الإسلام يجلو العزائم كلما صدئت عليها المصائب، ويضيء ~~الآمال كلما دجت عليها الكوارث، ويحرر النفوس كلما همت الرغبة والرهبة ~~أن تستذلها. ولولا هذا الوحي المستمر من هذا التاريخ المجيد ما استطاع ~~مسلم أن يثبت في هذه الفتن، ويصبر على هذه المحن، ويرى الصبح في أعقاب ~~هذا الليل، والظفر وراء هذه النكبات. # وإن الهجرة - هجرة الرسول # صلى الله عليه وسلم # إلى المدينة - لميلاد عصر جديد عز ~~فيه الحق وغلب الخير، وسيطرت الحرية، وخلص الإنسان من سلطان الضلال، ~~وتحكم الباطل، وذل العبودية لسادته وأهوائه وشهواته. # إن الهجرة لمبدأ تاريخ عرفت فيه الإنسانية من معاني الحق والخير والحرية ~~ما لم تعرف في غير هذا التاريخ. وما يزال هذا التاريخ علما مرفوعا ~~للفضائل والخيرات تنحاز إليه في عصور الرذيلة والشر، ما يزال علما ~~مرفوعا للأخوة في أزمان يتناحر فيها البشر في كل حين، وتقتتل الأمم ~~في كل بقعة، والمذاهب في كل أمة، والفكر في كل نفس. # فيا أيها المسلمون لا يهولنكم ما يحيط بكم، واتخذوا من الهجرة عيدا يلد ~~في كل نفس معاني من العزة والحرية تثبت بها في هذا الجهاد، ومعاني من ~~الحق والصدق تعيش بها على هذه الأرض، ومعاني من الخير والبر يسعد بها ~~الناس. استوحوا الهجرة كل معنى كريم يؤهل للحياة الكريمة، وكل خلق فاضل ~~ينشئ الأمة الفاضلة، وكل خلق يجعل الإنسان إنسانا حرا، عزيزا، ~~برا، خيرا، لا عبدا ذليلا ولا وحشا مفترسا. # ألا إنكم أولى بالحق والخير، والمجد والكرامة، وأجدر بحمل أمانة الإسلام، ~~وتبليغ رسالة محمد؛ فافعلوا وإلا فلستم أهلا للانتساب إلى الإسلام دين ~~الحق، ومحمد نبي الإنسانية. # | الإسلام # بعد 1355 سنة # مضت خمسة وخمسون وثلاثمائة وألف عام منذ ms024 هاجر الرسول وأصحابه إلى المدينة. طوى ~~التاريخ خمسا وخمسين وثلاثمائة وألف مرحلة منذ خرج محمد وأصحابه يحملون دعوة ~~التوحيد والأخوة، وكلمة الحق والعدل والحرية. # ركم الزمان على عام الهجرة ثلاثة عشر قرنا ونصفا، وما زال يخرق الحجب نوره، ~~ويلوح من خلال الأجيال سناه. # مضت أربعة عشر قرنا في جزر التاريخ ومده، وغير الدهر وخطوبه، قامت دول ~~وزالت دول، وقويت أمم وضعفت أمم، وحييت مذاهب وماتت مذاهب، والأرض ترجف باعتراك ~~البشر واحتراب الأديان، وتدوي بالآراء تتصادم، والأفكار تتقاتل، ومن وراء هذا ~~خلق يغلب خلقا، وسنة تميت سنة، وآية تنسخ آية، وأثر يعفي على أثر. # فأين الإسلام اليوم من مبتدئه؟ أين بلغ المسلمون بعد أربعة عشر قرنا؟ قال كاتب ~~أوروبي منذ سنتين: إن دعوة الإسلام قد انتهت، وإن الإسلام وهن ولم تبق فيه قوة ~~تحرك الأمم وتسير الأجيال. # أحق أن الإسلام قد انتهت دعواته، ودرست آياته، ولم تبق إلا أسماء وأوهام، ورسوم ~~وأعلام؟ هل الإسلام اليوم لا تنبض به القلوب، ولا تمضي به العزائم، ولا يقيم ~~المثل العليا للعمل في هذه الحياة؟ أصار الإسلام تاريخا دابرا، وانقلب مجدا ~~ماضيا؟ هل طفئت النار، وأقوت الديار؟ # ما هي دعوة الإسلام؟ دعوات ذات شعب تنتظم العقائد والأعمال، وتهيمن على العقل ~~والقلب، وتحيط بالجماعة من أقطارها، وتشمل الأمم جميعها، ولكنها في أصولها ترجع ~~إلى أمرين: التوحيد، توحيد الله وتوحيد النفس، بتخليتها من الأوهام المتنازعة ~~والخرافات المتهافتة، وإقامتها على طريق بينة لا حيرة فيها ولا ضلال، ثم توحيد ~~الأفراد في الجماعة بالعدل الشامل والتسوية التامة، وإعطاء كل ذي حق حقه، لا ~~عبد ولا حر، ولا سائد ولا مسود، ولا رفيع ولا وضيع، ثم توحيد الجماعات فلا شرقي ~~ولا غربي، ولا عربي ولا عجمي. # والأمر الثاني: العمل الصالح: أن يسير الفرد والجماعة والأمم إلى الخير، أن ~~يجاهدوا لإقامة الحق وهدم الباطل، ونشر العدل ومحو الجور، أن تمتلئ القلوب ~~نارا تحفزها للعمل، ونورا يهديها السبيل، وأن تسمو النفوس عن الصغائر ~~والدنايا، وتطهر من الأحقاد والضغائن، وتتحرر حتى تأبى على ms025 القيود، وتتسع على ~~الحدود، وتنطلق في الكمال إلى أبعد غاية. # فهل انتهت هذه الدعوة الإسلامية؟ هل أظلم قلب المسلم؟ هل ذلت نفسه؟ هل ذهب ~~الخنوع بآماله؟ هل رده الدهر إلى الصغار، وأنزله اليأس إلى القرار؟ هي يئس ~~المسلم من السيادة، ورأى أن يسلم قياده؟ # كلا، كلا، إن في الإسلام من المثل والأخلاق والفضائل والعزة والإباء والسمو ~~والتاريخ الوضاء ما يملأ المسلمين حياة وآمالا وطموحا واعتزاما. لم تنته ~~دعوة الإسلام ولكنها اليوم تقوى وتعظم، وقد تهيأ الزمان لها، ومهدت الحادثات ~~سبلها. بدأ الإسلام دعوته منذ أربعة عشر قرنا، ولكنها لم تبلغ غايتها، وأجدر ~~بها اليوم أن تبلغها. # ما تزال النفوس الإنسانية طماحة إلى السمو، نزاعة إلى الخير، مفعمة بحب الحق ~~والعدل، تواقة إلى الأخوة والحرية، فلن تقف دعوة الإسلام. # ما يزال المسلم الحق يرى نفسه خليفة الله في الأرض، مكلفا أن يقيم العدل بين ~~الناس، موكلا بنصرة الخير ومحاربة الشر، أنى كان ومتى استطاع. كل الأرض ~~داره، وكل الزمان وقته، فلن تقف دعوة الإسلام. # ما يزال المسلم ينطوي على عزة تقهر الخطوب، وأمل يغلب الزمان، ونفس لا تسف، وقلب ~~لا يذل، وما تزال سيرة محمد في عقله وقلبه، ولا يزال مجد الإسلام ملء جوانحه، ~~ولا تزال كلمة الحق والعدل ملء ضميره، فلن تقف دعوة الإسلام. # إن دعوة الإسلام لا تقف حتى يموت الخلق العلي، والقلب الأبي في نفوس ~~البشر. # وقل للذين يزعمون أنهم حماة الإسلام: # 1 # ما أذل الإسلام إن ابتغى في غير أولاده حماة! وما أذل المسلمين إن ~~رضوا بغير حماية الله! يا حسرة على الحق إن التمس من الباطل حاميا! ويا خسران ~~العدل إن ابتغى من الظلم واليا! وويل لورثة محمد إن لم تحمهم سيرة محمد ~~وخلفائه ومن أنجبتهم العصور من أئمته وأبطاله! # إن في دين المسلم، وإن في قلب المسلم، وإن في خلق المسلم، ما يربأ به عن كل دنية، ~~ويصمد به إلى كل هول، ويثبته في كل كارثة، ويسمو به إلى مقصد جلل. # أيها الحماة الأبرار! لقد ms026 أدرتموها على المسلمين حربا طاحنة في المشرق والمغرب، ~~وغزوتموهم بالسلاح والفتنة والفرية، وكدتم لهم في السر والعلانية، واستبحتم ~~فيهم كل منكر، حتى إذا ظننتم أنهم هانوا وذلوا، ويئسوا وملوا، قلتم: هلم أيها ~~الضعفاء، فنحن الحماة الأقوياء! # أيها الحماة! شد ما قسوتم على المسلمين ثم شد ما رفقتم بهم! # أيها الحماة! لقد تعلمون أن بضعة ألوف من بني الإسلام ثبتوا لكم، وسخروا بقواكم ~~وفنونكم، وأساطيلكم وجيوشكم وطياراتكم أكثر من عشرين عاما، ولم يكن سلاحهم إلا ~~عزة الإسلام ومجد الإسلام. # 2 # سلاحهم عزيمة الجهاد # وقوتهم ما سلبوا الأعادي # يصابرون الأكبد الصوادي # ويأكلون الجوع في البوادي # قد يئسوا يأسا من الأمداد # إلا ثبات القلب في الجلاد # ونصرة الرحمن للعباد ~~••• # أبت لهم كرامة الإسلام # أبى إباء العرب الكرام # أن يسلموا الأوطان دون الهام # منيتهم مشارع الحمام # فلما تكسر في أيديهم كل سلاح، وأعوزهم كل قوت، وضاق على عزائمهم كل مجال، خرجوا ~~من ديارهم أنفة أن يروا الصغار في الديار، وإباء أن تجمعهم والمذلة أرض، وهم ~~اليوم مشردون في الأقطار، قد نالت الخطوب من أموالهم ونعيمهم ودعتهم وجسومهم، ~~ولم تنل من أنفسهم، فكل منهم علم جهاد، وصحيفة فخار، وسجل مآثر، وشهادة ~~ناطقة بما تتجاهلون من العزة الإسلامية، والأنفة العربية. # ألا إن الإسلام لم تنته دعوته ولم تضعف كلمته، وسيبقى كلمة الله في الأرض، ودعوته ~~إلى الحق، وحجته على الخلق، في أمره بالتوحيد والأخوة والحرية، والعمل في ~~الحياة على أقوم السنن، إلى أكرم الغايات. # ألا إن الإسلام دعوة إلى الحياة لا تموت، ودعوة إلى الحرية لا تستعبد، ودعوة إلى ~~العزة لا تذل، ودعوة إلى العمل لا تفتر. # ألا إن الإسلام دعوة إلى السلام والإخاء، وإلى الصدق والوفاء، فإن دارت به ~~الأكاذيب، واجتمعت عليه الأباطيل، وسيم الهوان، وقوبل بالعدوان، فهو دعوة إلى ~~العزة والإباء، والصبر على اللأواء، والموت في سبيل الحق، والخلود من وراء ~~الموت. # | لا غالب إلا الله! # ذهبت البارحة إلى مسرح الحمراء، وقد سمى الأوروبيون كثيرا من ملاهيهم باسم ~~الحمراء بعد أن حرفوه إلى الهمبرا، ms027 سألت نفسي في الطريق: كيف حرف الاسم ~~هذا التحريف؟ قالت: إن الزمان ليطمس الأعيان ثم يذهب بالآثار، فما إبقاؤه على ~~الأسماء؟ أشفقت من هذا الحديث أن أتغلغل فيما وراءه من آلام وأحزان فقلت: فيم ~~الفرار من الكد والعناء إلى الملهى إن بدأت حديثه بالمراثي والمصائب؟ # أخذت مكاني بين الجالسين، فسرحت طرفي في نسق عربي من البناء والنقش، وإذا منظر ~~يفتح لي من التاريخ فجاجا ملأى بالأهوال والعبر. # لبثت أتأمل البناء متحرزا أن أجتازه إلى ما وراءه من خطوب التاريخ، وما زلت أصوب ~~النظر وأصعده في المسرح حتى جمد البصر على دائرة في ذروته لاحت فيها أحرف ~~عربية ، فكنت وإياها غريبين في هذا الجمع «وكل غريب للغريب نسيب.» بل كنت وإياها ~~نجيين في هذا الحفل لا يفهمها غيري، ولا تأنس من الوجوه الحاشدة بغير وجهي، ~~أجهدت البصر الكليل في قراءة الأحرف فإذا هي: «لا غالب إلا الله.» # يا ويلتاه! شعار بني الأحمر الذي حلوا به قصورهم ومساجدهم، ويل لهذه الكلمة ~~الجليلة الغريبة في هذا الملهى الأعجم؟ قرأت هذا الكلمة فإذا هي عنوان لكتاب من ~~العبر قلبته صفحة صفحة ذاهلا عما حولي، فلم أنتفع بنفسي في مشهد اللهو ~~واللعب، ولم تحس أذني الموسيقى والغناء، أغمضت عيني عن الحاضر لأفتحها على ~~الماضي، وصمت الأذن عن ضوضاء المكان لتصيخ إلى حديث الزمان، وناهيك بجولان ~~الفكر طاويا الأعصار، منتظما البوادي والأمصار، واثبا من غيب التاريخ إلى ~~الحاضر، ومن الحاضر إلى غيب التاريخ. # شهدت في ساعة جيوش طارق غازية من الزقاق إلى البرتات، وشهدت مصرع عبد الرحمن ~~الغافقي في بلاط الشهداء، وشهدت جلاد الأجيال من المسلمين والأسبان، ورأيت عبد ~~الرحمن الناصر في حربه وسلمه ملء العين جلالا ورهبة، وملء القلب عدلا ~~ورحمة. # ورأيت البطل ابن أبي عامر يحالف الظفر في خمسين غزوة، ويبعد المغار حيث نكصت ~~الهمم والعزائم من قبله، ورأيت دولة الأمويين تزلزل فتتصدع فتنهار، وأبصرت ~~ملوك الطوائف يتنازعون البوار والعار، ويؤدون الجزية إلى ألفونس السادس ~~صاغرين. # ثم سمعت جلبة جيوش المرابطين يقدمها يوسف بن ms028 تاشفين، وشهدت موقعة الزلاقة ~~القاهرة، ثم رأيت راية المرابطين تلقف رايات ملوك الطوائف. # وهذه دولة الموحدين، وهذا المنصور يعقوب بن يوسف في موقعة الأرك يحطم جيوش ~~الأسبان بعد الزلاقة بمائة عام، ورأيت موقعة العقاب وقد دارت على المسلمين ~~دوائرها، والناصر بن يعقوب يفر بنفسه بعد أن اقتحمت عليه المنايا دائرة ~~الحراس. # ورأيت غرناطة وحيدة في الجزيرة يتيمة قد ذهبت أترابها، وصارت كما قال طارق يوم ~~الفتح: أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام، ولكنها، على العلات، ورثت مجد ~~المسلمين وكبرياءهم، فجالدت الدهر عن نفسها مائتين وخمسين عاما، وحمت حضارة ~~المسلمين على رغم النوائب وكلب الأعداء، ثم رأيت أشراط الساعة: رأيت أبا ~~الحسن وأخاه محمدا يتنازعان السلطان على مرأى من العدو ومسمع، ورأيت أبا عبد ~~الله ينازع أباه الحسن ذلك الملك المائل، والظل الزائل، ورأيت العراك المديد ~~بين أبي عبد الله وعمه الزغل كما تتناطح الخراف في حظيرة القصاب، وتلك جيوش ~~فرديناند وإيزابلا تنيخ على مدينة بعد أخرى، وتدك معقلا بعد آخر. # ومالقة تجاهد الكوارث جهاد المستميت، والزغل يشق الأهوال إليها لينقذها، فيقطع ~~أبو عبد لله طريقه ويرد جنده. مالقة في قبضة العدو وأهلها أسارى يباعون في ~~الأسواق ويتهاداهم الملوك والكبراء، وها هو الزغل يسلم وادي آش إلى العدو على ~~منحة من الأرض والمال، ثم يعيا بأعباء المذلة والهوان فيهاجر إلى ~~المغرب. # ثم شهدت يوم القيامة: الجيوش محيطة بغرناطة وأهلها يغيرون على العدو جهد ~~البطولة والاستبسال والصبر، ثم يغلق عليهم الضعف أبواب المدينة. وهذا شهر ربيع ~~سنة سبع وتسعين وثمانمائة، وأبو عبد الله يسير إلى فرديناند في كوكبة من ~~الفرسان لا محاربا ولا معاهدا، ولكن ليسلم إليه مفاتيح الحمراء. نظرت الصليب ~~الفضي الكبير يتلألأ على أبراج القلعة، وبكيت مع أبي عبد الله وهو يودع معاهد ~~المجد وملاعب الصبا من الحمراء وجنة العريف، وسمعت أمه عائشة تصرخ في وجهه: ~~«ابك اليوم كالنساء على ملك لم تحتفظ به احتفاظ الرجال.» فينهل دمعه، وتتصاعد ~~زفراته على الأكمة التي يسميها الأسبان اليوم «آخر زفرات العربي». # وهذا ms029 أبو عبد الله، وهو الذي باء بأوقار من العار والذل، تأبى فيه بقية من الشمم ~~العربي أن يقيم على الضيم فيهاجر إلى المغرب، ويرسل إلى سلطان فارس من بني وطاس ~~رسالته الذليلة المسهبة يدفع عن نفسه ما قرف به في عرضه ودينه، ويشكو إلى ~~السلطان حزنه وبثه ويقول: # مولى الملوك ملوك العرب والعجم # رعيا لما مثله يرعى من الذمم # بك استجرنا، ونعم الجار أنت لمن # جار الزمان عليه جور منتقم # عي رأسي وقلبي بهذه الأحداث الكاربة، والخطوب المتلاحقة، وهالتني هذه المشاهد ~~المفظعة، فخرجت من هذه الغمرة مرتاعا كما يستيقظ النائم عن حلم هائل. # نظرت أمامي فإذا المسرح ، وصعدت بصري فإذا الدائرة: «لا غالب إلا الله!» # | بلال يؤذن # كاد الليل ينسلخ عن النهار، وبشرت بالصبح أنفاس الأسحار، والدجى مهود وسنان، ~~يخشى في المشرق ذنب السرحان، # 1 # والناس هاجدون كأنهم أيقاظ، وكأن آذانهم مصيخة تلقاء المسجد، تتحين ~~دعاء المؤذن، وكأن قلوبهم إبر المغناطيس ترصد قطبها، وتتجه إلى إمامها، والإمام ~~هاجد يرعاه ربه، تنام عيناه ولا ينام قلبه، وملء الأرض والسماء السكينة ~~والسلام. # وسرى في أحشاء الليل سار كطيف الخيال في ظلمات الليال، اتخذ من الليل إهابا، ~~وطوى من الصبح قلبا وجابا «آدم شديد الأدمة، نحيف طوال أجنأ، كثير الشعر، ~~خفيف العارضين، به شمط» تحمل جمته الشمطاء تباشير الصبح الوضاء. # ويرتقي جدار المسجد مقلبا وجهه في السماء ثم ينتفض قائما، فيبعث في حواشي ~~الظلماء صوتا يجلجل في الأرجاء: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر! ~~أترى فلول الظلام مذءودة تلوذ بالباطل المنهزم، أم ترى الباطل مذعورا يلتف في ~~تلك الظلم؟ أترى ذلك النور المنبثق من الأفق الشرقي، بسمة الفجر الصادق لهذا ~~الصوت الإلهي؟ أم ترى ذلك النور الوضاء استجابة النهار لهذا النداء؟ ليت شعري ~~أيهما الصباح، وأيهما أذان بلال بن رباح؟ # ويمضي بلال يصدع قلب الظلام بشهادتي الإسلام: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن ~~محمدا رسول الله، ثم يحيعل بالصلاة والفلاح، ثم يعيد التكبير في تمديد، فيختم ~~بكلمة التوحيد: لا ms030 إله إلا الله. # ويحسب بلال أن صوته لم ينفذ إلى القلوب، فلم تتجاف عن مضاجعها الجنوب، فيثوب ~~بالقوم: الصلاة خير من النوم. # يتهلل وجه الرسول # صلى الله عليه وسلم # لصوت الحق مدويا في أعقاب الباطل، يبسم لصوت الحق ~~عاليا طليقا يملأ ما بين الأرض والسماء، والمشرق والمغرب، يبسم حين يسمع دعوة ~~الحق في قلب الجزيرة العربية على لسان عبد حبشي، وهل في شرعة الإسلام عبد وحر؟ ~~وهل في سنة محمد عربي وحبشي؟ وتنبعث في كل أذن من هذا الصوت بشرى، وفي كل ~~قلب من هذا النور إشراق، فيهب الأصحاب من مراقدهم تقشعر جلودهم وتطمئن قلوبهم، ~~فتستيقظ كل دار بأهبة الصلاة من الرجال والنساء والولدان. # وينزل بلال فيقف بباب الحجرة النبوية قائلا: «حي على الصلاة، حي على الفلاح، ~~الصلاة يا رسول الله.» # ويسفر النهار، وتنثال الجموع إلى المسجد، فانظر من ترى: يخرج نفر إلى المسجد من ~~خوخات في دورهم، فهذا الآدم الربعة عظيم العينين ذو البطن علي بن أبي طالب ~~يخرج من حجرة فاطمة، وهذا الطويل الجسيم الأصلع عمر الفاروق، وهذا الأسمر ~~الرقيق البشرة، ضخم المنكبين، كثير شعر الرأس، عظيم اللحية؛ عثمان ذو النورين، ~~والصديق كان في السنح هذه الليلة، فيقدم مسرعا، فتراه أبيض نحيفا معروق ~~الوجه، غائر العينين، خفيف العارضين أجنأ. # ويقبل من دور بني زهرة بجانب المسجد ثلاثة: أحدهم قصير دحداح ذو هامة عظيمة، شثن ~~الأصابع، كثير الشعر، يخضب بالسواد هو سعد بن مالك بن أبي وقاص، والثاني آدم ~~نحيف قصير له شعر يبلغ ترقوته، يلبس ثوبا ناصع البياض، تضوع منه ريح الطيب، ~~يمشي في وقار وسمت، هو عبد الله بن مسعود، والثالث ضخم طويل شديد الأدمة هو ~~المقداد بن الأسود. # وانظر هذين الرجلين: هذا الطويل الجسيم خالد بن الوليد، وهذا القصير الأبلج ~~الأدعج عمرو بن العاص، وفي أثرهما رجل جميل، عظيم الهامة، مكتحل، يخطر في ~~مشيته، هو معاوية بن أبي سفيان، وبجانبه رجل نحيف طوال معروق الوجه، خفيف ~~اللحية، أجنأ، أثرم الثنيتين، هو أبو عبيدة بن الجراح. # ويقبل ms031 من ناحية الحرة الشرقية رجلان: سعد بن معاذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة سيد ~~الخزرج. وهذا الرجل الطويل النحيف، كثير الشعر، الذي عليه سيما الحزن هو سلمان ~~الفارسي، ووراءه رجل ربعة أحمر شديد الحمرة، كثير شعر الرأس، يخضب بالحناء هو ~~صهيب الرومي. # وانظر بين الجمع طلحة والزبير وأبا موسى الأشعري وأبا أيوب الأنصاري. # ويأتي بنو الصحابة: فهذا الغلام الطويل الأحمر عبد الله بن عمر، وهذا الغلام ~~الطويل الأبيض المشرب بالصفرة، الجسيم الوسيم، الصبيح الوجه عبد الله بن عباس، ~~وهذا الصبي الذي يشبه أبا بكر عبد الله بن الزبير. # ويخرج رسول الله - صلوات الله عليه - فيقيم بلال الصلاة، فيسوي الرسول الصفوف، ~~ويسد الفرج فيها، ويكبر فيكبرون، ويذهب هذا التكبير نغمة متسقة بين ضوضاء ~~العالم وجلبته، ودعوة للحق بين أكاذيبه وأباطيله. يذهب هذا التكبير في الأرجاء ~~طمأنينة لقلوب، ورعدة لقلوب، ورجاء لقوم، وخوفا لآخرين، يبشر الضعفاء ~~والمظلومين بملكوت الله في الأرض، وينذر الجبارين والظالمين بالقصاص العادل. ~~إنما مزق شمل الظالمين هذه الصفوف لا صفوف القتال، وإنما زلزل عروش الجبارين ~~ذلك التكبير لا وقع النبال، ويقرأ الرسول في الركعة الأولى آيات من سورة النور ~~منها: # وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا ~~الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف ~~الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ~~ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ~~يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ~~ذلك فأولئك هم الفاسقون ~~. # ويقرأ في الركعة الثانية آيات من سورة الحج منها: # إن ~~الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب ~~كل خوان كفور * أذن للذين ~~يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم ~~لقدير * الذين أخرجوا من ديارهم ~~بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا ~~دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع ~~وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله ~~كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله ~~لقوي عزيز * الذين إن مكناهم في ~~الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا ~~بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة ~~الأمور ~~. # هذه جماعة يمحصها الله ليورثها أرضه، ms032 ويعلمها لتقوم بين الناس بعدله. هذا الصف من ~~العباد يجمع خلفاء الأرض وأمراءها وولاتها وقضاتها ومعلميها وقوادها وجندها، ~~تلك الشرذمة من الزهاد ورثة العروش والتيجان عما قليل، يقسم الله رزقه ~~بأيديهم، ويصرف حكمه في الأرض بألسنتهم. جماعة تضمهم جدر المسجد اليوم، ولا ~~يسعهم العالم غدا، جماعة تحويهم أرض ضيقة بين لابتين، ينتشرون بين المشرقين ~~والمغربين، وستجف الأرض بحملاتهم، وتقر بعدلهم، وتضيء بإيمانهم. # قضيت الصلاة وانتشر المصلون. ~~••• # لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، قد فتحت بهذه الجماعة ~~الأقطار، وعمرت بهم الأمصار. هذا عمر في الشام قد أزال عنها سلطان الروم، ثم ~~جاءها ليبرم العهود ، ويتفقد الرعية، وهذا بلال في جيش المجاهدين غازيا، ينظر ~~عمر إلى بلال يود أن يسمع أذانه، ويهاب أن يستمع لمؤذن رسول الله، ويقول الناس ~~لعمر: لو أمرت بلالا أن يؤذن! فيقترح عمر على بلال الأذان، فينهض الشيخ ابن ~~السبعين تحت أعباء السنين، فيدوي في الأرجاء: الله أكبر، الله أكبر. # لقد كان أذان الشام تصديق أذان المدينة، أجل أجل، لقد صدق الله وعده ففتحت ~~الجماعة الصغيرة الممالك، ودوى أذان المدينة في الآفاق. # ولكن انظر إلى عمر، ألا تراه ينشج؟ ألا ترى دموعه تبل لحيته؟ ألا ترى القوم ~~في بكاء ونحيب؟ فما أبكاهم؟ لقد نصرهم الله، ومكن لهم في الأرض وأغناهم ~~وأعزهم، فما دهاهم؟ وما أبكاهم؟ # يبكون إذ رأوا المؤذن ولم يروا الإمام، يبكون إذا سمعوا مؤذن رسول الله، ثم نظروا ~~فلم يجدوا رسول الله. # | الكعبة # هذه البنية المكرمة، هذا البيت المعظم، هذه الكعبة المشرفة لا يعرف لها ~~تاريخ البشر مثيلا، بيت فيه أمارة التوحيد الخالص والحنيفية السمحة، خلا من ~~الأوثان والأصنام والصور والزخارف والنقوش، وقام رمزا لتوحيد الله، ولاتحاد ~~المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. تهفو إليه أفئدة المؤمنين حيثما كانوا، ~~وتخفق له قلوبهم أينما حلوا، وتتوجه إليه قلوبهم أنى توجهوا، فلو أن بيتا ~~صور من سواد العيون أو سويداوات القلوب لكان هذا البيت الكريم. لا تمر ساعة ~~من ليل أو نهار إلا وآلاف ms033 الآلاف من الوجوه والقلوب متوجهة إلى هذا البيت، ~~مرتفعة إلى ربه قراءتهم وتسبيحهم، مرسلة إليه آمالهم وآلامهم، كذلك هو منذ ~~أوحى الله إلى نبيه دينه، ودعا النبي إلى هذا الدين، واستجاب المسلمون لهذه ~~الدعوة، فهل يعرف بيت آخر على هذه الأرض، وعلى طول التاريخ، تطمح إليه ~~الأبصار، وتوجه إليه الأفئدة بضراعتها ودعائها واستغفارها، وبرجائها وأملها ~~في كل زمان وفي كل مكان؟ # إن كل مغناطيس على الأرض يتجه إلى القطب أبدا، إن أدرته عنه دار إليه، وإن صرفته ~~جهد طاقتك لم ينصرف عنه، وإن أحطته بآلاف الحجب فهو موصول به نازع إليه، فما ~~أشبه قلوب المسلمين في توجهها إلى الكعبة بالإبر المغناطيسية التي تتجه إلى ~~قطبها ليل نهار على بعد الأقطار، واختلاف الأمصار، وشتان بين القلوب النابضة ~~والإبر الجامدة. ~~••• # وقد جعل الله هذا البيت مثابة للناس وأمنا، حرمه وحرم البلد الذي هو فيه، ~~وحرم أرضا حول هذا البلد، جعلها أمنا للإنسان والحيوان الأعجم والنبات، فزائر ~~هذا البيت في حرمات مضاعفة، وقدسية موكدة، وأمن مظاهر. وقد جعل حول الأرض ~~المحرمة مواقيت يحرم منها القاصد إليها، فيتحرر من اللباس والزينة حتى لا ~~يمتاز قوم من قوم، ولا غني من فقير؛ ليدخل الناس إلى هذا الحرم ثم إلى هذا ~~البيت أمة واحدة تعبد إلها واحدا، اتحدت ظواهرها وبواطنها، وعقائدها ~~وعواطفها، واجتمعت على البر أيديها وألسنتها وقلوبها وأعمالها، وإن في ذلك ~~لآيات. # وتؤم وفود المسلمين هذا البيت الذي اتجهوا إليه على بعد الديار، فيرون قبلتهم ~~عيانا، وبيتهم جهرة، يصلون حوله في كل جهة، قد امحت المسافات والجهات، فهم ~~عند هذا البيت كإبر المغناطيس إذا بلغت قطبها، تدور في كل جهة، لا شمال ولا ~~جنوب ولا شرق ولا غرب. ومن دخل البيت صلى في مكانه إلى كل الجهات؛ إذ بلغ ~~المركز الذي تتجه إليه وجوه المسلمين وقلوبهم في الأقطار كلها، مركز الدائرة ~~التي تجمع المسلمين على العقائد الحقة، والعمل الصالح، والخلق البر، والجهاد ~~لخير الدنيا والآخرة، والأخوة والمودة. إنها الوحدة المحسة، والأخوة المجسمة، ~~والمحبة الممثلة، لا ms034 يعرف لها حاضر البشر مثيلا، ولا يذكر لها ماضيهم ~~نظيرا. # ما أبصرت هذه الكعبة الكريمة إلا تخيلت بناء من العقيدة المحكمة، والتوحيد ~~الخالص، وإلا تمثلت أدعية الداعين في المشرق والمغرب، وآهات الضارعين بالليل ~~والنهار تهوي عليها، وتطيف بها في الغدو والآصال والبكر والأسحار، مع أنفاس ~~الطائفين، ومع أشعة الشمس والقمر ونسمات الهواء. # وما طفت حولها إلا تمثلت هذه الدائرة الإسلامية الجامعة تدور حول هذا المركز الحق ~~الذي لا يتبدل ولا يتغير. # وكم عبرة وذكرى في هذه الوجوه الطائفة، بل القلوب الخائفة، بين غني وفقير، وقوي ~~وضعيف، وقادر وعاجز! أغناهم في هذا المقام أفقرهم، وأقواهم أضعفهم، وأقدرهم ~~أعجزهم، بل لا غني ولا فقير، ولا قوي ولا ضعيف، ولا قادر ولا عاجز. إخوة ~~متساوون، وجماعة موحدون، وأفراد على الحق يجتمعون، قد امحت بينهم الفروق، وضلت ~~الأشخاص والأعداد، وبقي الخضوع لله الواحد القهار. # إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ~~ربكم فاعبدون ~~. # | الحج # وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا ~~وعلى كل ضامر يأتين من كل فج ~~عميق ~~. # ما يزال هذا الأذان مدويا في الآفاق، تصيخ إليه الآذان، وتستمع إليه القلوب، ~~فتستجيب له أقطار الأرض باعثة بأفواجها تفيض بهم السبل، ويحملهم البر والبحر ~~والهواء صوب الأرض المقدسة، شطر القطب الذي إليه تتوجه قلوب المسلمين، نحو مركز ~~الدائرة الإسلامية الذي يدور حوله المسلمون وإليه ينتهون. ~~••• # ما يزال هذا الأذان مدويا يجلجل في جوانب الأرض، فتصيخ إليه الآذان والأفئدة، ~~وتستجيب أفواج البشر ميممة أرض الحجاز، وما تزال هذه الدعوة مستجابة تهفو ~~بها أفئدة المسلمين إلى هذه البقعة المباركة من هذه الجزيرة العظيمة جزيرة ~~العرب. # هذه البواخر تمخر في اليم من أرجاء الأرض مشتاقة إلى الحرمين لا تبعد عليها غاية، ~~ولا يثني من عزائمها هول. # وهذه الطائرات في أجواز الفضاء كالطير مسخرات في جو السماء تطير بالشوق والحب إلى ~~مهوى الأفئدة ومطمح الأبصار. # وهذه السيارات تخد البراري والصحاري، تشق سهلها وحزنها، وعامرها وغامرها، ~~وجردها ووعثها، تذلل ما صعب، وتقرب ما بعد. عليها وفود البيت الحرام يجوبون ~~الفلوات، ويحتملون ms035 المشقات، ويستسهلون كل صعب إلى مقصدهم العظيم. # ثم هؤلاء المؤمنون الصابرون، أولو القوة والعزم، وأهل الجلد والصبر الذين لا ~~يجدون ما يحملهم فتحملهم عزائمهم، ويحملون أوزارهم وهمومهم # آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ~~ورضوانا ~~، غير مبالين بالشقة البعيدة، والفيافي القاحلة، ~~هازئين بالجوع والعطش، والحر والبرد، والنصب والجهد. إيمانهم وآمالهم وعزائمهم ~~أوسع من كل صحراء، وأثبت من كل هول، وأحر من كل بيداء محرقة. تراهم في السبل ~~يحملون أزوادهم راجلين بالليل والنهار لا يفكرون في شيء ولا يبالون بشيء إلا ~~المقصد العظيم، والغاية الجليلة التي خرجوا إليها. إنه الإيمان الذي لا يتزعزع، ~~والعزم الذي لا ينثني، والصبر الذي لا يقهر. ~~••• # إن البصر والخيال ليريان هذه القوافل تشق البر والبحر والهواء شهورا متوالية لا ~~تخلو ساعة من ليل أو نهار من قصاد الحجاز، حجاج البيت، وفود الأرض المقدسة ~~يحملهم الشوق على طائرة أو باخرة أو سيارة أو على الأقدام. # يؤم هؤلاء الحجيج على اختلاف أقطارهم وألوانهم الأرض التي نشأ فيها دينهم، وعاش ~~فيها نبيهم، وولد تاريخهم، ويقصدون القبلة التي يتجهون إليها على نأي الدار ~~وبعد المزار، وتخفق لها قلوبهم، وتهفو إليها أفئدتهم. # يدخلون إلى هذه البقاع وقد جمعهم توحيد الإسلام، وربطت بينهم أخوته، وأخلصوا ~~دينهم لله، وتجردوا من أزياء الأوطان وشارات الأقوام، سواء قريبهم وبعيدهم، ~~ومشرقيهم ومغربيهم، وأسودهم وأبيضهم، وغنيهم وفقيرهم، وقويهم وضعيفهم، فإنما هو ~~التوحيد الخالص، والأخوة الجامعة، والقلوب المجتمعة، والمقاصد المتفقة، لا ~~تشغلهم ديار ولا أهل، ولا تفرقهم منازع ولا عصبيات # إن ~~هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم ~~فاعبدون ~~. # هنا الإسلام الحق الذي وحد الله، وسوى بين خلقه، وآخى بين عباده. إنك لا ترى ~~أجساما، ولكن معاني يجمعها كلها توحيد الله وأخوة المؤمنين. # ولو ترى هذه الوفود طائفين بالكعبة ليل نهار، مصلين حولها صباح مساء، وتخيلت ~~الجماعات الإسلامية من ورائهم متلاحقة متوالية، وقلوبهم ووجوههم إلى هذا البيت؛ ~~لتمثلت الأمة الإسلامية كلها جماعة واحدة قائمة تصلي شطر البيت الحرام، وعرفت ~~جلال هذا الدين، وعظمة هذا الحج، وحكمة هذه القبلة، وتوحد ms036 هذه الأمة، وتبينت ~~غفلة المسلم الذي لا يبصر هذه الجماعة، ولا يدرك هذه الأخوة، ولا يقدر هذه ~~الشعيرة، بل غفلة المسلمين جميعا حين لا يبلغون بالحج مقصده، ويسيرون به إلى ~~غايته من التأليف بين المسلمين، والجمع بينهم، والائتمار فيه بما ينفعهم، ~~والتشاور فيما يحزبهم، والعمل لما يسعدهم في دينهم ودنياهم. ~~••• # وتمثلهم وقوفا في عرفات حاسرين خاشعين، ملبين داعين، تكاد تتفق خفقات قلوبهم ~~اتفاق كلماتهم ونياتهم، تتمثل المسلمين كلهم في صعيد، والإسلام جميعه في موقف. ~~قد اجتمعت أوطان المسلمين في هذه البقعة، وحشر تاريخهم في هذه الرقعة؛ أليست ~~هذه الوقفة تجمع أوطان الإسلام جميعها؟ أليس هذا الاجتماع حلقة في سلسلة من ~~التاريخ أولها وقوف رسول الله # صلى الله عليه وسلم # مع أصحابه قبل سبع وستين وثلاثمائة وألف ~~سنة اتصلت بها حلقات لا تنقطع، وعرى لا تنفصم حتى يومنا هذا. هنا الإسلام حاضره ~~وماضيه # إن في ذلك لذكرى لمن كان له ~~قلب ~~. # إن هذا الحج لجدير أن يجرد المسلم من عصيانه وأهوائه، ويصفي نفسه، ويطهر قلبه، ثم ~~يربطه صافيا طاهرا بأخواته، ويؤلف بينه وبين غيره في جماعة المسلمين ~~المؤتلفة، وأخوة المؤمنين المحكمة، ولكن هذه الجموع المحتشدة من أقطار الأرض، ~~وهذه الأفواج المجتمعة من آفاق البلاد لا ييسر لها التعارف والتعاون إلا نظام ~~محكم، وخطة جامعة يتسنى بها التزاور والتعارف والاجتماع والتشاور في أمور ~~المسلمين وأحوالهم. # فلا بد أن يعمل المسلمون لهذا، ولا بد أن يتهيأ لخاصتهم الاجتماع بعد الحج؛ ~~لينظروا في أدواء المسلمين، ويطبوا لها، ويتعرفوا الصالح والفاسد من أمورها، ~~فيتوسلوا إلى حفظ ما صلح، وإصلاح ما فسد، ويطلعوا على المسلمين كل عام بالرأي ~~السديد، والدواء الناجع فيما يحزبهم في هذا العالم المضطرب التي تمتحن فيه ~~العقائد والسنن الإسلامية بالآراء الفاتنة، والمذاهب الضالة، والفتنة الفاشية ~~التي لا يثبت لها إلا من ثبته الله بعقل حكيم، وخلق قويم. # إن المسلمين اليوم في غمرة من الفتن المحيطة، والمكايد المحدقة، والأهواء ~~المضللة، فلينظروا لأنفسهم، وليسارعوا إلى العمل لصون عقائد الإسلام وشرائعه ~~وسننه وآدابه. # إن موسم ms037 الحج لأجدر المجامع أن ينتفع به المسلمون، وأنجع الوسائل للتشاور فيما ~~يهمهم، والعمل لما ينجيهم؛ فليعملوا ثم ليعملوا، والله يهيئ لهم الرشد، ويهديهم ~~سواء السبيل. # | يوم عرفات # أترى الحجيج زرافات يهرعون إلى عرفات، بعثتهم الأرجاء البعيدة إلى ساحة القرب، ~~وأرسلتهم البلاد المختلفة إلى أرض الوحدة؟ قد خلعوا ثيابهم فخلعوا الفرقة ~~والخلاف، وطرحوا كل ما صنعوا لأنفسهم من عظمة وحقارة، وسيادة وعبودية، ونبذوا ~~ما خاط عليهم الزمان من عداوة وبغضاء، ونزعوا ما في صدورهم من غل، وما في ~~نفوسهم من شهوات، والتفوا في ثوب من المساواة واحد، وصيغوا جميعا صوغ إنسان ~~فرد، عبيدا لله وإخوة في الله. هذه الإنسانية في أبهر حقائقها وأخفى ~~أسرارها. # اتحد الفكر في رءوسهم، والشوق في ضمائرهم، تكاد تتفق خفقات قلوبهم، ويتحد تردد ~~أنفاسهم، فهم نغمات موزونة، ولحون منظومة، وقصيدة موحدة الروي، مؤتلفة ~~القري، بل هم واحد ذو أسماء متعددة، أو ظلال لحقيقة واحدة. ليس في أفئدتهم ~~وعقولهم إلا الله الواحد، وليس في نزعاتهم إلا الأخوة الشاملة. # أتسمع التلبية يسيل بها كل واد، وتنزع بها الوهاد، وتدوي بها النجاد، ترفعها ~~الأودية إلى الهضاب، وتسيلها الهضاب إلى الأودية؟ فما الهواء إلا نبرات هذه ~~القلوب، وزفرات هذه الصدور، والأرض راجفة خاشعة كأنما اختلاج الناس على جلدتها، ~~قشعريرتها ورعدتها. # أترى الناس على عرفات ألفاظا كثيرة من أحرف قليلة، أو كلمات عدة ترادفت على معنى ~~واحد، وقد تجلى هنالك الله وحده، فلست ترى هنالك إلا عبده. # لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك. اللهم هذا جنابك الذي يهفو إليه الناس، ~~فيصيح العصاة حتى أبو نواس: # إلهنا ما أعدلك # مليك كل من ملك # لبيك قد لبيت لك # 1 # لبيك إن الحمد لك # والملك لا شريك لك # ما خاب عبد سألك # أنت له حيث سلك # لولاك يا ربي هلك # لبيك إن الحمد لك # والملك لا شريك لك # كل نبي وملك # وكل عبد سألك # سبح أو لبى فلك # لبيك إن الحمد لك # والملك لا شريك لك # والليل لما أن حلك # والسابحات في الفلك ms038 # على مجاري المنسلك # لبيك إن الحمد لك # والملك لا شريك لك # يا خاطئا ما أغفلك # اعمل وبادر أجلك # واختم بخير عملك # لبيك إن الحمد لك # والملك لا شريك لك # لبيك ربنا قد تركنا الأقوام والشعوب، ونبذنا الأضغان والحقود، وطرحنا الباطل ~~وزخارفه، والزور ووساوسه، والتكالب على الحطام، والاعتراك على الشهوات والخصام، ~~وتركنا الأنيس يفترس الأنيس، والناس يقودهم إبليس، وجئنا إلى ساحتك بأبصار ~~كليلة تبغي نورها، ونفوس عليلة تطلب برءها، وقلوب صدئة تلتمس جلاءها، وعقول ~~مظلمة ترجو ضياءها، جئنا بأوقار من الذنوب، وأوزار من العيوب، فامحق الأوزار، ~~وأرجعنا من الأطهار. اللهم بصيصا من هداك ينير الظلمات، وقبسا من علمك يكشف ~~الشبهات ، وقطرة من رحمتك تحيي الموات. # اللهم وهذا مقام رسولك الأمين، وهذا صوته المبين، لا يزال يرن في الآفاق ويخترق ~~السبع الطباق: «أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم ~~كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ألا هل بلغت؟ اللهم ~~اشهد.» ~~«أيها الناس، إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنه رضي أن يطاع فيما ~~سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم.» ~~«فلا ترجعن بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض؛ فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به ~~لن تضلوا بعده: كتاب الله. ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد.» ~~«أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب. أكرمكم عند ~~الله أتقاكم، وليس لعربي فضل على عجمي إلا بالتقوى. ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد.» # 2 # اللهم هؤلاء الحجيج عطاش وردوا شرعتك، فانقع غلتهم، وسفر لوحتهم الشمس، ~~ولفحتهم السموم، فهرعوا إلى ظلك فأظلهم، وضلال انبهمت عليهم السبل، فأرهم ~~الطريق لاحبة، والصوى واضحة، وأعداء فألف بين قلوبهم، ومختلفون فوحد ~~كلمتهم، ومتناكرون فعرف بعضهم بعضا. # اللهم هذا تجليك، فماذا تغني الكلم، اللهم قد عي اللسان، ووقف القلم. # | من مؤتة إلى اليرموك # 1 # في العام الثالث بعد الستمائة من الميلاد، وذلكم قبل بعثة رسول الله بست ~~سنين، اشتعلت الحرب بين الروم والفرس. وهي حلقة من سلسلة ms039 طويلة من ~~الحروب بدئت منذ ظهور الرومان في غرب آسية، واستمرت بين الرومان ~~والأشكانيين، ثم ورثها الساسانيون والبيزنطيون حتى شغلت من التاريخ ~~سبعة قرون بين الاشتعال والخمود. وهذه الحلقة الأخيرة التي سبقت البعثة ~~واستمرت بعد الهجرة سبع سنين، وقد اهتم بها العرب ونزلت فيها آية من ~~القرآن: # غلبت الروم * في ~~أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون ~~* في بضع سنين لله الأمر ~~من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح ~~المؤمنون * بنصر الله ينصر من ~~يشاء وهو العزيز الرحيم ~~. انتصر الفرس ~~في عهد كسرى برويز على الروم زهاء عشرين سنة متوالية، فسلبوهم كل ما ~~ملكوا في آسية، وفتحوا بيت المقدس وأخذوا الصليب الكبير ، ثم غلبوهم على ~~مصر، وظهرت جيوش الفرس على أبواب القسطنطينية مرات، وظن الناس أن الروم ~~لا تقوم لهم قائمة. # ثم أجمع الروم أمرهم، وقادهم هرقل من ظفر إلى ظفر خمس سنين أتت على كل ما ~~ناله الفرس في الحروب المتمادية، وخلع كسرى برويز بعد أن أخرجته ~~الهزائم من دار ملكه، ومات ذليلا حزينا وخلفه ابنه قباذ الثاني، ~~فصالح هرقل على أن يرد على الروم كل ما سلبوه في آسية ومصر، وأن يرد ~~الصليب المقدس، وسار هرقل في أعظم مواكبه إلى بيت المقدس ليضع الصليب ~~موضعه في ديسمبر سنة 629م. وبلغ هرقل من العزة والهيبة والصيت ما ~~بلغ. # 2 # في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة، بعد غزوة خيبر بشهرين، وجه رسول ~~الله ثلاثة آلاف من أصحابه إلى الشام، وجعل القيادة لزيد بن حارثة، فإن ~~أصيب فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب فعبد الله بن رواحة. وكان هذا ~~إيذانا ببعد الشقة، وجسامة المطلب، وعظيم الخطر. # لماذا سير الرسول - صلوات الله عليه - جيشا لحرب الروم في أرض بعيدة؟ ~~يقول المؤرخون: إن الغسانيين قتلوا رسوله إلى أمير بصرى، ولكن أحسب ~~الأمر أوسع من هذا، فقد أراد المسلمون أن يرهبوا الطامعين فيهم، ~~ويعرفوا موقف القبائل العربية الضاربة في سلطان الروم: أحرب هم أم ~~سلم؟ # سار المسلمون إلى معان، فإذا هرقل الذي حالفه الظفر ms040 خمس سنين حتى رد إلى ~~سلطان الروم ما أخذه الفرس، وزلزل سلطان كسرى في ديار كسرى، قد جمع في ~~مآب جموعا حاشدة من الروم والعرب. وتشاور المسلمون وهموا بأن يكتبوا ~~إلى الرسول، ولكن ابن رواحة قال: «يا قوم، والله إن الذي تكرهون للذي ~~خرجتم له، خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا ~~كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به فانطلقوا، فإنما ~~هي إحدى الحسنيين: إما ظهور، وإما شهادة.» # التقى الجمعان عند مؤتة، وهي قرية في البلقاء التي تسمى اليوم شرق الأردن ~~إلى الشرق من الطرف الجنوبي للبحر الميت، واستعرت الحرب وقاتل زيد ~~بالراية حتى قتل، وتقدم جعفر للشهادة فقاتل حتى نالها، وتلاه ابن رواحة ~~فقتل، فاجتمع الناس على القائد المحنك المظفر خالد بن الوليد، فقاتل ~~كما يقاتل خالد حتى تراجع بالجيش الصغير، فأنقذه من الجموع المطبقة ~~عليه، فعل القائد الحازم لا يهلك جيشه في معركة خاسرة. # 3 # ثم شغل المسلمون بفتح مكة وما تلاه من الأحداث، وبعد سنة من موقعة مؤتة ~~دعا الرسول إلى غزو الروم «في زمن عسرة من الحر، وجدب من البلاد»، زمن ~~تدعو فيه إلى الحرب ضرورة لا بد منها، وعلم الناس أنهم يدعون لغزو ~~الروم، غزو بني الأصفر، وهم يعلمون من سلطانهم وقوتهم وانتصارهم على ~~الفرس ما يملؤهم هيبة، حتى قال بعض المنافقين: «أتحسبون قتال بني ~~الأصفر كقتال غيرهم؟! والله لكأني بكم غدا مقرنين في الحبال.» # سار الجيش إلى تبوك، وكانت على حدود البلاد الخاضعة لسلطان الروم في ~~الشمال، فأقام بضع عشر ليلة، وصالح الرسول - صلوات الله عليه - أهل ~~دومة الجندل وأيلة وجرباء وأذرح، ورجع المسلمون وقد صالحوا من ~~صالحوا، وأرهبوا القبائل الضاربة في الشمال، وأعلموا الروم أنهم غير ~~عاجزين عن الجمع والسير للقتال. وكانت غزوة ذات أثر في تمكين هيبة ~~المسلمين في القبائل الشمالية، ومحو ما أصاب المجاهدين في مؤتة، ~~والتمهيد لإقامة سلطان الإسلام في تلك الأرجاء. # 4 # ثم أعد الرسول جيشا للمسير إلى البلقاء حيث تراجع المسلمون في ms041 غزوة ~~مؤتة، وجعل عليه أسامة بن زيد أول قائد للمسلمين في تلك الغزوة، وتوفي ~~الرسول واشتعلت الفتنة في الجزيرة، وسأل الناس أبا بكر أن يبقى الجيش ~~ليقي المدينة غارات القبائل المرتدة، ولكن خليفة رسول الله أصر الإصرار ~~كله على أن ينفذ الجيش الذي أعده رسول الله، فسار الجيش إلى حيث أمر ~~الرسول، فغنم وسلم. وذلكم في السنة الحادية عشرة، وهو تدبير عظيم لم ~~يلقه الروم ومن والاهم من العرب بكفايته من الاهتمام والتفكير. # 5 # وبعد سنة وأشهر من رجوع جيش أسامة، وذلكم أوائل السنة الثالثة عشرة، عزم ~~المسلمون على فتح الشام، وسير أبو بكر جيوشا أربعة لهذا الفتح، ~~وتتابعت الوقائع إلى الموقعة الحاطمة موقعة اليرموك، التي جعلت هرقل ~~يودع الشام وداعا لا لقاء بعده. وقد أدار هذه الموقعة الفاصلة خالد بن ~~الوليد، القائد الذي شهد مؤتة وانحاز بجيشه فخلصه من براثن الموت. ~~ولولا ضيق المجال لفصلت القول، وسردت الحوادث، مبينا عن الصلات ~~الجامعة والقرابة الواشجة بين هذه الأحداث. # تلكم صور متفرقة في كتب التاريخ، شتيتة في رأي مطالعيه، ولكنها في الحق ~~أوجه لحقيقة واحدة، أو أمواج من بحر واحد، أو فصول متتابعة من كتاب، ~~أوجه من هذا اليقين الذي ملأ قلوب العرب المسلمين، وأمواج من هذا ~~الجهاد الذي اعتزمه العرب المسلمون، وفصول من هذا المجد الذي سطر العرب ~~المسلمون قصته؛ أولها خالد ينحاش بجيشه ليقيه غائلة الروم، وآخرها خالد ~~يقدم بجيشه ليمحو سلطان الروم، ويمد سلطان المسلمين على الشام وما وراء ~~الشام، وفي ثناياها حقائق من الأخلاق والسنن والتاريخ، هي التي تجلت ~~سريعا فجمعت في سلطان العرب المشرق والمغرب، و # إن في ذلك لذكرى لمن كان له ~~قلب ~~. # | أيام العروبة تبدأ في سورية! # سورية الكريمة العزيزة، سورية الجميلة الجليلة، سورية العربية الأبية، سورية ~~الشجاعة الجريئة المجاهدة، تغسل عنها العار، وتستقبل الكرامة، وتبسم للحرية بعد ~~أن طال عبوسها للعبودية، وتطوي صحيفة لعدوها سوداء؛ لتنشر صحيفة لنفسها بيضاء، ~~وتختم جهاد المعتدين لتبدأ جهادا في الحياة السعيدة المجيدة، وتستأنف سيرتها ~~العظيمة لتصل حاضرها ms042 الكريم وماضيها الخالد بمستقبلها الوضاء. # دمشق العتيقة الحديثة، دمشق الماضية الحاضرة، التي ثبتت للخطوب ثبات «قاسيون»، ~~وابتسمت للمحن ابتسام مروجها وجنانها: # دمشق! مجتمع الأحداث قد زخرت # فيها كما اندفقت في البحر أنهار # دمشق، قد استدار لها الزمان، ورد عليها الدهر مجدها المنشود، فهي اليوم ظافرة، ~~فرحة، تأسو جراها، وتعد للمستقبل عدتها، قد انجلت عنها الغمرات، كما ينجلي ~~النقع عن البطل المرزأ يعصب جراحه، ولواء النصر في يده: # مرزأ بتلقي الخطب منصلتا # تنشق عنه من الأهوال أجفان # ليت شعري كيف الغوطة والربوة ودمر والهامة، اليوم؟! # أترى أشجارها تتمايل طربا، وأوراقها تصفق فرحا! وكيف قاسيون ذو القمة الجرداء ~~والسفح الأخضر؟ # نسر يرى اللوح منه هامة عطلا # لكنه ذنب الطاوس جرار! # كيف هذا النسر اليوم؟! أتراه شمخ برأسه عزة بعد أن رمى عنه آثار المذلة، وحلق ~~على الرياض فرحا في هذا النهار بعد أن وقع كئيبا في ذلك الليل! # وكيف «بردى» ذو الفروع السبعة؟! أهو اليوم جذلان مطرد يصفق ماؤه بنسيم الحرية، ~~وتمحو جريته الظلال البغيضة التي تراءت على صفحته في سنى الاستعباد؟! # وليتني أرى الآن جامع بني أمية، هل نطقت جوانبه تسبيحا وتهليلا؟ # وهل تهم قبة النسر بالتحليق كما يحلق الطائر الوحشي قطع الشرك أو انفتح عنه المحبس؟! # 1 # وكيف أبطال تاريخنا في المدينة وحولها؟! كيف معاوية والوليد؟ وكيف نور الدين ~~وصلاح الدين؟! وكيف الظاهر والعادل؟! # وكيف أبطال الجلاد في عصرنا، الذين نازلوا الباطل المدجج عزلا فزلزلوه حتى ~~هدموه؟! # وليت شعري هل انبعث الأذان من قبر بلال في مقبرة الباب الصغير إيذانا بالفجر من ~~هذا العهد المبارك؟ ~~••• # وحلب الشهباء، مدينة سيف الدولة والمتنبي، حلب التي أمدت الثغور بأبنائها قرونا، ~~ودفعت الروم عن الشام عصورا، كيف جذلها اليوم وأين متنبيها، ينشد قصائد المجد ~~ليرويها الدهر؟ # وكيف قلعة حلب اليوم وقد لفظت المذلة، واعتزت بما فيها من آثار المجاهدين ~~الأولين؟ # لقد دخلتها أول مرة - قبل خمسة عشر عاما - ورأيت جنود السنغال فيها يخطرون، ~~وينهون ويأمرون، فأنشدت وفي النفس ما فيها من حسرات: # سادات كل ms043 أناس من نفوسهم # وسادة المسلمين الأعبد القزم # فقد رفع اليوم عليها لواء الحرية، ورحض عنها عار العبودية، فحالت بناء جديدا، ~~ومرأى حميدا، وكأن كل شيء فيها قد استحال! # ليت شعري هل نطقت فيها الآثار الصامتة، وضحك على بابها الأسد الباكي؟ # 2 ~~••• # وليتني اليوم في حمص أقف في روضتها، كما وقفت من قبل أستمد من ضريح خالد بن ~~الوليد كل معنى جليل! # ليتني اليوم على قبر خالد أبشره أن الزمان قد استدار، واستقلت الشام بأبنائها ~~الأحرار! # فليصفق نهر العاصي طربا، وليزهر الديماس فرحا، فقد أقبل الربيع بربيع الحرية ~~الناضر، وعهدها الزاهر: # يا دار هذا أوان السعد فاغتبطي # لا عادك النحس بعد السعد يا دار # وحماة المجاهدة، هل تبدل أنين نعيرها غناء، واستحالت دموعها في البساتين ماء؟! ما ~~أجمل غناء النواعير في حماة اليوم! # قد مضى عهد البكاء، فليدم اللهم هذا الغناء! وكيف أبو الفداء في قبره ~~اليوم؟ # يا أبا الفداء، لقد طال الهجود، فقم وأضف إلى تاريخك هذا الفصل الجديد! ~~••• # يا سوريتنا الجميلة الحبيبة، حيا الله فيك كل مدينة وقرية، ونضر كل دارة وبقعة، ~~وحباك السعد مطردا مع الزمان، دائرا مع السنين. # ورحم الله كل مجاهد أمدك بحياته، وسقى ترابك بدمه، وثوى في الأرض كلمة باقية في ~~سطور تاريخك الخالد. # ونضر الله وجوه المجاهدين الأحياء الذين صبروا وصابروا، وبسموا للخطوب السود في ~~الظلام المكفهر، حتى تبلج الصباح: # فما وهنوا لما ~~أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما ~~استكانوا ~~. # وحيا الله هذا الرئيس الأمين، الطاهر القلب، المبارك الناصية «شكري»، شكر الله ~~مساعيه، وحيا أصحابه الكرام، وحيا كل من شارك في تحرير سورية، بيده أو ~~لسانه. # وبعد: فيا سوريتنا العزيزة، قد رفع الزمان الأعباء عن كواهل الأعداء، فوضعها على ~~كواهل الأبناء، فليحملوا أعباء الواجب؛ وليؤدوا تكاليف المجد، وليبنوا مستقبلهم ~~بأيديهم لأبنائهم، وليعلموا أن حاضر العرب يؤمل فيهم، وماضي العرب ينظر إليهم، ~~ومستقبل العرب ينتظرهم، فليجمعوا القلوب والأيدي، وليحسنوا البناء. # ألا إنه قد فتحت لهم صحائف في التاريخ جديدة، فليجيدوا الكتابة في هذه الصحائف ms044 ~~التي تخلد كل شيء؟ # إنهم يبنون أجيالا، ويكتبون تاريخا، فلينظروا كيف بناء الأجيال وكتابة ~~التاريخ؟ # يا سورية الجميلة، إن أبناءك اليوم في رجعوا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد ~~الأكبر. # | مكانة العرب بين الأمم # تخلد الأمم على وجه الأرض وتحيا على مر الدهور وتثبت في صفحات التاريخ بأسباب ~~وقوانين، ويختلف حظها من الخلود ومن المجد باختلاف هذه الأسباب المواتية، ~~والقوانين السارية، قوة وضعفا، وإبطاء وإسراعا، وضيقا واتساعا، وهي أسباب ~~متصلة متشابكة، يؤدي بعضها إلى بعض، ويمسك بعضها بعضا، من هذه الأسباب صلاحية ~~الموطن، والقوة الحسية والمعنوية، والثبات للحادثات، والاحتفاظ بالخصائص، ~~والاعتداد بالنفس والثقة بها، وحضارة الأمة وأثرها في العالم، وقدرتها على ~~الأخذ والإعطاء في معترك الأمم، والمكانة بين الناس ، وعظم التاريخ على مر ~~الدهور. # فأما الوطن فقد منح الله العرب موطنا فسيحا وسطا بين المواطن، فياضا ~~بالخيرات، بعيدا من الآفات الطبيعية المدمرة. موطن العرب جزيرتهم التي ولد ~~فيها تاريخهم، ومثواهم القديم الذي عرفهم فيه التاريخ منذ تحدث عن البشر، بين ~~نجد إيران وجبال طوروس إلى البحر الأبيض، ثم متقلبهم الذي نشرهم فيه الإسلام ~~إلى بحر الظلمات وأواسط إفريقية. # وهو موطن شاسع الأرجاء، يقع معظمه في الإقليم المعتدل، وقليل منه في الإقليم ~~الحار، وتجري فيه ثلاثة من أعظم أنهار العالم: النيل ودجلة والفرات، وتتقسمه ~~السهول الخصبة والبراري والصحاري والجبال، وتمتد سواحله على بحر العرب، ~~والبحرين الأحمر والأبيض. هذا الموطن العظيم يكفل الحياة القوية، والعيشة ~~الغنية، والثبات على الخطوب، والبقاء على الزمان. # وقد جعل الله مهد العرب جزيرة ممتازة محدودة بالبحار من معظم جهاتها، فحفظت هذا ~~الجنس القوي بمعزل من تقلب الجماعات، بعيدا من طرق المهاجرات، فبقي يطبع ~~الأجسام القوية، والطباع السليمة، والفطر الخالصة، ثم يمد بها أجزاء الموطن ~~العربي الكبير، كلما نالت الخطوب من أهلها، أو أترفتهم الحضارة، وما يزال يقذف ~~بهم موجة بعد موجة كالنهر العظيم المتدفق من قنن الجبال، بعد ينبوعه من ~~الشوائب، واطرد مجراه إلى الغاية المقدورة له، ونبتت على عبريه الزورع ~~والأشجار، وحيت الأمم. # ما تزال جزيرة العرب ms045 خلاقة ولادة فياضة ممدة لأقطار العرب بالقبيل بعد القبيل، ~~فإن بليت الأمم فهذه الأمة لا تبلى، وإن أفنت الأقوام الحوادث فالعرب لا تفنى، ~~وإن نضب معين الأمم فلن يغيض الدم العربي الخالص ما دامت أنهار الله جارية في ~~أرض الله، وما دامت شموسه وهواؤه وأرضه تنمي الأجسام، وتطبع الأقوام. # وأما الثبات للحوادث الطبيعية والإنسانية، فما دام هذا الوطن العظيم يعرف بعضه ~~بعضا، ويتصل بعضه ببعض، فستجد كل ناحية في النواحي الأخرى ما يسعفها بمطالبها ~~إن قحطت، وما يدرأ عنها الأحداث إن طغت عليها، ومحال أن تعمها كلها الحوادث، ~~إلا أن يكون حادث القيامة حين يرث الله الأرض ومن عليها. # وأما احتفاظ الأمة بخصائصها، فعلى قدر ما في أجسامها وعقولها من قوة، وعلى قدر ما ~~فيها من اعتداد بالنفس وثقة بها، والعرب من أقوى الأمم أجساما وعقولا، ~~وأكثرها أنفة وإباء، وعجبا وفخرا. والعربي منذ العصور الأولى يغلو في ~~الاعتداد بنفسه، ويأبى أن يسويها بالأمم، ويربأ من مصاهرتها، وقديما أبى ~~النعمان أن يزوج كسرى، وحديثا قال أحد مجاهدي العرب في طرابلس الغرب، وقد عقد ~~صلح بين أهل طرابلس والطليان، وامتن هؤلاء على العرب بأن سووهم بأنفسهم في ~~الحقوق، قال هذا العربي المجاهد وهو ليس رئيسا ولا زعيما: «وا سوأتا! ~~أأسوى أنا بالرومي؟! إنه لذل عظيم.» بل كان من آفات العرب الغلو في هذه ~~الكبرياء، فصعب أن ينقادوا ويسلسوا القياد. فبهذا الشعور بالعلا والعظمة يعتزون ~~بأنفسهم، ويمتازون بخصائصهم، ويتمسكون بأخلاقهم، وقديما قال شاعرهم: # وإني لمن قوم كأن نفوسهم # بها أنف أن تسكن اللحم والعظما # وقديما رهن حاجب بن زرارة التميمي قوسه لملك الفرس ضمانا لما التزم من خراج، ~~وحارب بنو شيبان الفرس إباء أن يسلموا سلاح النعمان بعد أن قتله كسرى، وقال أبو ~~تمام يمدح بني شيبان: # إذا افتخرت يوما تميم بقوسها # وزادت على ما وطدت من مناقب # فأنتم بذي قار أمالت سيوفكم # عروش الذين استرهنوا قوس حاجب # والمثل أكثر من أن تذكر في هذا المقام، وأبين من أن تبين. إذا حاطت الأمة ms046 ~~القوية أنفسها وخصائصها بأخلاق قوية كفلت دفع الخطوب عن حوزتها، ولا سيما ~~الأخلاق الإنسانية العزيزة التي تأبى للأمة أن تخضع فتذل فتفنى، والعربي في ~~جاهليته وإسلامه أبي حر، يأنف أن يستعبد أو يستعبد، وقد أمده الإسلام ~~بفضائل سيرته على وجه الأرض كالنجم: لا يضل ولا يكل، وجعلته قانونا من قوانين ~~الله يسير إلى غايته مسير الشمس والقمر في حبك السماء. # وكلما أخرجت الأمة من عمل أيديها، وأظهرت من نتاج عقولها، ونشرت من ثمرات أخلاقها ~~وآدابها، زادتها صناعاتها وعلومها وآدابها رسوخا على الأرض، وثباتا على مجرى ~~الخطوب. # ولا يعرف التاريخ أمة أثرت على وجه الأرض، وشادت في الآفاق وفي الأنفس أكثر من ~~العرب. # لا يعرف التاريخ أمة حملته أكثر مما حملوا، أو جملته أحسن مما جملوا، أو سيطرت ~~عليه أعظم مما سيطروا، أو سطرت على صفحاته أجل مما سطروا. # فإذا تركنا التاريخ القديم: من معين، وسبأ، وحمير، ومن بابل، وأشور، فهل يحدثنا ~~التاريخ عن أمة طلعت على العالم بمثل ما طلع العرب؟ همة ذللت المشرق والمغرب في ~~سنين، ونية تريد الخير للناس أجمعين، وعدلا يسوي بين الجبارين والمستضعفين، ~~بل يمحو من الأرض كل جبار ومستضعف، ويقف الناس جميعا إخوة على سنن من العدل ~~المطلق، والمساواة الكاملة، والأخوة الشاملة. # هل يعرف التاريخ أمة جمعت في سلطانها ما جمع العرب من أمم وأقطار، ثم آخت بينهم ~~وحفزتهم إلى الفضائل والآداب والعلوم والصناعات، فإذا معظم العالم المتحضر ~~متعاون على نسج حضارة واحدة عظيمة، كل أمة على قدر مواهبها وقواها، فوصلت ما ~~انقطع من سير الحضارة، وقطعت ما اتصل من سير الجبروت والاستعباد، والشر ~~والفساد، وما فعلوا هذا كله إلا ابتغاء وجه الله، وقصدا إلى إصلاح الناس ~~وعمران الأرض؟ وقد ربط التاريخ ذكرى العرب وتاريخ العرب بهذه المآثر، وتلك ~~الفضائل والأخلاق والمكارم، وضمن لهم الخلود ما بقي للناس سيرة في الفضائل ~~والمعالي. # لا أقول: إن الإسلام صنع العرب، فالإسلام صنع الله، ولكن العرب كانوا أول من ~~حملوا هذه الأمانة فحملوها، ودعوا إلى هذه المعالي ففقهوها، ms047 وكلفوا نشرها ~~فنشروها، فكأنما خلقت لهم، أو خلقوا لها، وكانوا أحق بها وأهلها. وللأمم ~~الإسلامية بعد هذا فضل لا ينكر. ثم أدب العرب، هل يعرف العالم أعظم منه سعة ~~رقعة، وطول مدة وجمالا وجلالا؟ # وإذا ثبتت الأمم بنيانها على كر العصور بالسير المجيدة، والمثل العالية، ~~فعند العرب سير رجف بها الزمان، وأقر لها الحدثان! # وإن مكنت الأمم لأنفسها بالصناعات والعلوم والآداب، فعند العرب ما يكفل لهم ~~التمكن في الأرض، والخلود في سجل التاريخ. # وحسب المجادل أن يسير فكره بين هضب إيران وبحر الظلمات وجبال البرانس وغابات ~~إفريقية، ويعبر التاريخ في هذه المواطن كلها أربعة عشر قرنا؛ ليرى مجد العرب، ~~ويبصر حجة العرب. # ولا نقول: إن العرب خلقوا ولم يقلدوا، وابتدعوا ولم يتبعوا، وأعطوا ولم يأخذوا، ~~وأعاروا ولم يستعيروا، ولكنا نقول: إنهم أحسنوا الخلق والتقليد، وأجادوا ~~الابتداع والاتباع، والأخذ والعطاء، والإعارة والاستعارة. والأمم تدل على ~~فضائلها بالأخذ كما تدل عليه بالعطاء، وتثبت حياتها بالمحاكاة كما تثبتها ~~بالخلق. وإنما حياة الأحياء على قدر ما تؤثر في غيرها وتتأثر. الذي لا يأخذ ولا ~~يعطي جماد، والنبات يأخذ قليلا ويعطي قليلا، وانظر بعد هذا الحيوان الأعجم ~~والإنسان، ثم اعتبر هذا في تاريخ الأمم يصح الاعتبار، ويطرد القياس. # تخلد الأمم بأفعالها وآثارها، ويقينها في أنفسها، ويزيدها مكانة وتمكينا في ~~الخلود أن يزيد على مر العصور مجدها، وتعظم على كر الدهور بين الأمم مكانتها، ~~حتى تعلو على أحداث الزمان ومطامع الإنسان، فتقر لها الأمم بالفضل، وتخلي لها ~~سبيلها في الحياة. # وللعرب من هذا كله نصيب موفور، وسعي بين الأمم مشكور، إلا من ضل به الهوى، أو جار ~~به الحسد. وهم جديرون اليوم بتاريخهم، حقيقون بسيرتهم، ولن يكونوا إلا كما ~~كانوا من قبل دعاة حرية وأخوة، وهداة مدنية وعمران، وأئمة أخلاق وآداب، وأنصار ~~فضيلة وحق، ولن يكون نهوضهم اليوم إلا خيرا للبشر، وسلامة للناس ~~أجمعين. # ولهذه الأمة الكريمة الخالدة لغة كريمة خالدة، أنضجها الزمان المتطاول في البقاع ~~الشاسعة من الجزيرة، وأخرجتها الفطرة السليمة، والإحساس المرهف، والإدراك ~~النافذ، ms048 لغة كاملة معجبة عجيبة، تكاد تصور ألفاظها مشاهد الطبيعة، وتمثل ~~كلماتها خطرات النفوس. تكاد تتجلى معانيها في أجراس الألفاظ، وتتمثل في نبرات ~~الحروف، كأنما كلماتها خطرات الضمير، ونبضات القلوب، ونبرات الحياة، فالمعاني ~~المحسة والمعقولة مبينة في ألفاظ تدرك الفروق الدقيقة بين الأشياء المتشابهة، ~~فتضع للشبيه لفظا غير ما وضعته لشبيهه، إدراكا للفرق الدقيق بينهما. # فإذا وضعت بعض اللغات للضرب مثلا كلمة واحدة، وضعت العربية كلمات تختلف باختلاف ~~آلة الضرب وموضعه من الجسم، وإذا دلت اللغات على صفات الوجه الإنساني مثلا ~~بكلمات مركبة لكل صفة، دلت العربية على كل حلية في الإنسان، وكل صفة في عينه ~~وحاجبه وأنفه وفمه وأسنانه وغيرها بأسماء خاصة. وليس هذا مقام التمثيل ~~والتفصيل. # ثم هذا الإحساس الحاد الدقيق المتمثل في المفردات، يتجلى في التركيب مدهشا، فكل ~~كلمة لها في الجملة مكانة يحس بها المتكلم، أو تحس بها الكلمة نفسها؛ لتعطي ~~صوتا مكافئا لهذه المكانة، فالكلمة الأصيلة لها أقوى الأصوات وهو الضم، ~~والأخريات لها الفتح والجر، وما أرى هذا إلا ضربا من الحياة في الألفاظ ~~والتركيب يبين عن أدق الإحساس وألطفه. # وإذا اشتملت اللغات على كلمات هي مادتها، ففي اللغة مادة وقوالب يستعملها صاحبها ~~حين الحاجة، فيها مادة ووزن، فخذ المادة أو اخلقها أو استعرها من لغة أخرى في ~~قالب من قوالب الأسماء والأفعال، وصورها بالقوالب والأوزان ما تشاء، فلغتنا ~~تدل بالمادة والوزن، وبالصيغة والهيئة، فمن سمع فاعلا أو مفعولا أدرك أن هذا ~~الوزن في حركاته وسكناته له معنى يلازمه في المواد كلها. وبهذا حدت اللغة، ~~واستبانت خصائصها، حتى نفت عن نفسها كل كلمة أجنبية ما لم تخضع لأوزانها ~~وقوانينها. # للأسماء أوزان وللأفعال أوزان، فما لا تزنه هذه الأوزان فهو أجنبي، وبهذا بقيت ~~على الدهر المتطاول خالصة نقية، صحيحة قوية. # قيل: إن لغتنا صعبة بهذه المفردات، وبهذه التراكيب والأوزان، وإنها تكاد تأبى على ~~دارسها، وتعجز طالبها. وهذا حق لا ندفعه، وإن عد عيبا فلا ننكره، ولكنه ليس ~~من نقصان في خلقها، أو اختلال في بنيتها، أو عجز ms049 في موادها وأوزانها، ولكن ~~نتيجة التطور الكامل، والنمو التام؛ فأدنى الأشياء في هذا العالم أيسرها وأقلها ~~تركيبا، والكمال يصحبه التركيب والتفصيل، والأشكال والإعضال. اعتبر هذا في ~~النبات والحيوان، في الحيوان ذي الخلية الواحدة والإنسان، ثم انظر المراتب ~~بينهما، واعتبر هذا في البداوة والحضارة، وفي أنواع الحضارات التي تجد النقص ~~بساطة ويسرا، والكمال تركبا وصعوبة. الكمال في هذا العالم لا ينال إلا ~~بتطور تلده الأحقاب بعد الأحقاب، وتنوء به العزائم بعد العزائم، فلغتنا صعبة، ~~ولكنها كاملة حية دقيقة مؤاتية، حية حساسة، موسيقية متلائمة. # وقد امتحنت هذه اللغة الحضارة الواسعة، واختبرها التاريخ الطويل، فلم تعجز ولم ~~تعي ولم تضق بكل ما أدركه الإنسان من علم، وثقفه من صناعة، بل وسعت حضارة ~~القرون المتطاولة، والأمم المختلفة، غير كارهة ولا مكرهة. # وقد أراد الله لها أن تكون لغة كتابه، وترجمان وحيه، وبلاغ رسالته، فاشتملت على ~~العالم الحسي والعقلي مصورا كلمات وآيات، وجزيت على هذا خلودا ما خلد في ~~الإنسان عقل وقلب، وما استقام له إحساس وإدراك. وتقلب الزمن، وتوالت المحن، ~~وثارت الفتن وهي ثابتة، ناضرة، رائعة، ثبات قوانين الله، وروعة كواكبه، خمسة ~~عشر قرنا محت لغات، وخلقت لغات، وبدلت لغات، وحرفت لغات، والعربية هي العربية ~~لم تمح ولا تبدل، ولم تغير، وما آية الخلود بعد هذا؟ # ولم تبق هذه العربية لغة العرب وحدهم، بل ثقفتها الأمم الأخرى، وأولتها من ~~الحفاوة والعناية أكثر مما أولت لغاتها أحيانا، فصارت لغة العلوم والآداب ~~للعرب وغير العرب حقبا طويلة، ما بين أقصى المغرب وأقصى المشرق. # وقد حوت على مر العصور أدبا لا تحويه لغة أخرى، أدب موطنه ما بين الصين إلى بحر ~~الظلمات، وزمانه أربعة عشر قرنا، ولا نعرف في آداب العالم قديمها وحديثها ~~أدبا اتسعت به المواطن هذا الاتساع، أو امتد به الأعصار هذا الامتداد. # فالعربية بأهلها، وموطنها، وخصائصها، وآدابها، وتاريخها، والعربية بقرآنها خالدة ~~باقية على الخطوب والعصور لغة دين وعلم وأدب وحضارة وإنسانية. فهل تنصرها همم ~~أبنائها؟ وتستجيب لها عزائمهم؟ # | وديعة مدينة سالم # 1 # محمد بن ms050 أبي عامر، شاب عربي، آباؤه من معافر، وخئولته في تميم، دخل جده ~~عبد الملك بن عامر الأندلس في جند طارق بن زياد، وارتقت بأسرته الأمور، ~~حتى عدت في أسر الوزارات في الأندلس. # نشأ محمد نجيبا، طموحا، هماما، تبشر مخايله بنباهة شأنه، وتعد همته ~~بعظيم مستقبله، بل تكفل آماله سؤدده، ويضمن عزمه مجده. سهر ليله وهو ~~طالب علم يفكر فيمن يوليه القضاء إذا آل إليه أمر الأندلس. والمرء حيث ~~يضع نفسه. # صار من أعوان قاضي «قرطبة» محمد بن السليم، ثم وكيلا لولي العهد هشام بن ~~الحكم المستنصر، وتداولت كفايته وحزمه المناصب إلى أن ولي شرطة «قرطبة» ~~سنة إحدى وستين وثلاثمائة، فضبط الأمور، وقمع الأشرار، ثم دعاه الغزو ~~فلبى، فاجتمعت له الشرطة وقيادة الجيش. # فأما حزمه في الشرطة، فقد قال فيه صاحب «البيان المغرب»: # فضبط محمد المدينة ضبطا أنسى أهل الحضرة من سلف من ~~الكفاة وأولى السياسة ... ولقد كانوا قبله في بلاء ~~عظيم، يتحارسون الليل كله ويكابدون من روعات طراقه ما ~~لا يكابد أهل الثغور من العدو، فكشف الله عنهم - بمحمد ~~بن أبي عامر وكفايته وتنزهه - فسد باب الشفاعات، وقمع ~~أهل الفسق والدعارات، حتى ارتفع الباس، وأمن الناس، ~~وأمنت عادية المتجرمين من حاشية السلطان، حتى لقد عثر ~~على ابن له فاستحضره في مجلس الشرطة وجلده جلدا ~~مبرحا كان فيه حمامه، فانقطع الشر في أيامه ~~جملة. # وأما الغزو فكان قائده المظفر، وبطله المحبب. وسيأتي حديثه. # ما زال ابن أبي عامر يرقى منصبا إلى منصب، ويعلو مجدا إلى مجد كالنسر ~~يعلو مرقبا إلى مرقب حتى يوفى على القنة، فلما توفي الحكم المستنصر ~~وآل الأمر إلى طفله هشام، اجتمع له الأمر كله، وظفر بأعلى مناصب ~~الدولة؛ حجابة الخليفة، ثم وكله إلى ابنه عبد الملك، وجعل له القيادة ~~العليا وسائر مناصبه، وجعل ابنه عبد الرحمن وزيرا، وسما هو إلى ~~السلطان الأعلى وتسمى المنصور، وأمر أن يكتب عنه: «من المنصور بن ~~أبي عامر - وفقه الله»، ثم كتب إليه باسم: «الملك الكريم». # 2 # ملك ابن أبي عامر الأندلس ms051 ستة وعشرين عاما، يدبر شئونها بعدله، ويعمرها ~~ببره، ويجملها بأبنيته، ويضرب أحسن الأمثال في البأس الذي لا يخالطه ~~جور، والعدل الذي لا تشوبه هوادة، والإنصاف الذي لا يميز قريبا من ~~بعيد، والحكم الذي لا يعرف إلا النصفة والمساواة، والنفاذ على كل الناس ~~في كل الأحوال. # ولم تكن سياسته العادلة الحازمة أعظم من قيادته المظفرة، حتى لقد جاوزت ~~غزواته أقصى غزوات الناصر، وحارب حيث لم يحارب قبله أمير من أمراء ~~الأندلس. # غزا خمسين غزوة، كانت الثامنة والأربعون منها إلى «شنت ياقوب» على البحر ~~في أقصى الجزيرة إلى الشمال والغرب، ولم يحاولها قبله ملك عربي في ~~الأندلس. # قال صاحب «البيان المغرب»: # ومن أوضح الدلائل على سعده أنه لم ينكب قط في حرب شهدها، ~~وما توجهت قط عليه هزيمة، وما انصرف عن موطن إلا ~~قاهرا غالبا، على كثرة ما زاول من الحروب، ومارس من ~~الأعداء، وواجه من الأمم. وإنها لخاصة ما أحسب شركه ~~فيها أحد من الملوك الإسلامية. ومن أعظم ما أعين به ~~سعة جوده، وكثرة بذله، فقد كان في ذلك أعجوبة ~~الزمان. # 3 # هذه سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة من الهجرة، والمنصور بن أبي عامر يعزم على ~~غزو «جليقية» في أقصى الشمال والغرب وهو مريض، ولكنه كما قال أبو ~~الطيب: # وقد علمت خيله أنه # إذا هم - وهو عليل - ركب # وسار من «طليطلة» إلى «قشتيلة»، فأبعد الغارات فيها، ودوخ بلاد «شانجة» ~~زعيم الأمراء المناوئين هناك. # وازداد بالبطل مرضه «فاتخذ له سرير خشب، ودع عليه أعضاءه، وسوى مهاده، ~~متطاول الشكل، يمكنه الاضطجاع عليه متى خارت قواه، وكان يحمل سريره على ~~أعناق الرجال، وسجفه منسدل عليه، وعساكره تحف به وتطيع أمره، # 1 # وكانت تحمل سريره السودان الرقاصة؛ للين مشيهم. بذلك قطع ~~أربعة عشر يوما حتى وصل إلى مدينة سالم.» # 2 # المنصور في قصره من «مدينة سالم» قد استولى على الأمد من مجده، وأوفى على ~~الغاية من عمره، ينظر إلى الحوادث الجسام قد اتخذها درجا إلى المعالي، ~~ويتمثل الزمان رخاءه وشدته، وسلمه وحربه، ويرى الأندلس كلها وأصقاعا ms052 ~~من المغرب طوع حكمه، وتحت أمره، ويشفق من تبعات هذا التاريخ المتطاول، ~~وأعباء هذا السلطان العظيم، ويرى كل شيء وراءه، ولا يرى أمامه إلا ~~الموت، يقول: # إن زمامي يشتمل على عشرين ألف مرتزق ما فيهم أسوأ حالا ~~مني. وددت أن أقال زلتي وأنا كبعض هؤلاء السودان ~~الحاملين لسريري. # وأخذ الرجل العظيم يوصي أمراءه وجنوده، وخلا بولده عبد الملك يوصيه ~~ويودعه، ويقبض على يده، وكلما ذهب عنه استرده مستدركا بوصيته، وعبد ~~الملك يبكي، فينكر عليه ذلك ويقول: هذا أول العجز والفشل. # 3 # أوصى عبد الملك وصية الخبير المحنك الأريب المجرب، وأفرغ في أذنه وقلبه ~~تجاريب عشرات السنين، ولم يترك عظيما من أمور مملكته وأسرته إلا ~~بينه. # ثم أمره أن يستخلف أخاه عبد الرحمن على العسكر ، ويعود هو إلى «قرطبة» ~~ليتدارك أمور الملك. # 4 # ابن أبي عامر في «مدينة سالم» في أقصى الجزيرة الأندلسية، كالأسد أبعد في ~~مسراه، والنسر غالى في تحليقه، يختم مجده مجيدا، وينهي جهاده مجاهدا، ~~ويختم قصيدة ظفره ببيت رائع، وسجل مجده بسطر بليغ، قصيدة مطلعها ~~الطموح، ومقطعها الظفر، وسائر أبياتها الهمة التي لا تقهر، والعزيمة ~~التي لا تنثني، وسجل مقدمته طموح طالب علم في «قرطبة»، وخاتمته ملك ~~حازم، وقائد مظفر، ومجاهد غاز في أقصى الثغور. # ليلة الاثنين لثلاث بقين من رمضان عام ثلاثة وتسعين وثلاثمائة في «مدينة ~~سالم» مات الرجل النابغة، والعبقري الداهية، ودفن في قصره هناك، وكان ~~أوصى أن يدفن حيث يقبض، ولا ينقل تابوته. وأراد أن يجعل قبره في الثغر ~~القصي دعوة إلى الجهاد دائبة، ومثلا في المجد سائرا، وحرزا على ~~الثغور حريزا، ورباطا على الحدود مشهودا! # ليت شعري أين قبر المنصور من قصره من «مدينة سالم»؟ بل ليت شعري أين ~~تاريخ ابن أبي عامر من صدور شبابنا، وكتب مؤرخينا، وأقلام كتابنا، ~~وقصائد شعرائنا؟ # يا شعراء العربية، من ينظم القصيدة الرائعة التي عنوانها: «وديعة مدينة ~~سالم»؟! # | لا تحزنن!1 # هذه أبيات لحافظ الشيرازي الشاعر الفارسي ترجمتها نظما، وحافظت فيها على وزن ~~الأصل وقافيته، لأجعلهما مثلا لما في ms053 الشعر الفارسي من أوزان وقواف. # فأما الوزن: فهو الرمل المثمن؛ أي ذو التفعيلات الثمان، والمعروف في العربية ~~أن الرمل لا يزيد على ست تفعيلات. # وأما القافية: فهي المردوفة، والرديف - في العروض الفارسي - كلمة وكلمات تكرر في ~~أواخر الأبيات، فيلتزم قبلها روي يعتمد عليه النظم: # يوسف - المفقود في أوطانه - لا تحزنن # عائد يوما إلى كنعانه، لا تحزنن # بيت الأحزان تراه عن قريب روضة # يضحك الورد على بنيانه، لا تحزنن # رأسك الأشعث يوما سوف يلقى زينة # ويفيق القلب من أحزانه، لا تحزنن # هذه الأفلاك إن دامت على غير المنى # لا يدوم الدهر في حدثانه، لا تحزنن # أيها البلبل يأتيك ربيع ناضر # تستظل الورد في أغصانه، لا تحزنن # لست تدري الغيب في أسراره، لا تيأسن # كم وراء الستر من ألوانه، لا تحزنن # وإذا جزت إلى الكعبة يوما مهمها # فدهاك الشوك من سعدانه، لا تحزنن # ومحيل الحال يدري حالنا بين العدى # والهوى والحب في هجرانه، لا تحزنن # يا فؤادي إن يسل بالكون طوفان الفنا ~~«فلك نوح» لك في طوفانه، لا تحزنن # منزل جد مخوف ومراد شاحط # لم يدم فج على ركبانه، لا تحزنن # حافظ! ما دمت في الفقر وليل حالك # في دعاء الله أو قرآنه، لا تحزنن # | في معترك الخطوب # الحوادث في عراك دائم، والتاريخ في سيل مستمر، وإنما تبقى الأمم في معترك ~~الحوادث، وتثبت في سيل التاريخ، بعقل يرشدها، وخلق يثبتها، وعمل تدفع به عن ~~حياتها، وتؤثر به على الأرض آثارها، وتسطر به في التاريخ ذكرها. كم أمة جرفتها ~~الحادثات، وذهب بها الزمان كما يذهب السيل بالغثاء! وكم أمة ثبتت في مجرى ~~الأحداث كالصخور ينشق الماء عنها ويذهب وهي باقية راسخة! # والأرض ترجف اليوم بخطوب جسام، وتزلزل بأهوال لم يشهد التاريخ مثلها، تتصادم فيها ~~الأمم بعددها من العلم والصناعة والخلق المتين، والنظام المحكم، والجد الدائب، ~~تحترب الأمم في معارك على الأرض، وفي الماء والهواء، وتحترب في المدن والقرى، ~~وفي المصانع والدور، ووراء هذا كله تتحارب بعلمها وخلقها. وقد خرت بعض الأمم ~~على قوتها ms054 وكثرتها في هذا الجلاد، وثبتت أمم لا تزال تتناحر وتتفانى بكل ما عرف ~~العقل والعلم والصناعة، وبكل ما أدرك الشيطان من وسائل التدمير والتخريب والقتل ~~والفتك، ترسل بنيها إلى الوقائع حطبا لهذا الجحيم، ويصب عليها العذاب من ~~السماء صبا، وكم تحطمت طائرات وسفن، ومدافع ودبابات، وخرت حصون وتهدمت بيوت، ~~ولكن إرادة الإنسان، وعزيمة الإنسان، وعناد الإنسان، لم تتحطم أو تكل. # وقد دلت بعض الأمم في هذه الحرب على أن صبر الإنسان لا يهزم، وخلق الإنسان لا ~~يدمر، فهزئت بالحوادث وهي هائلة، واستخفت بالهزائم وهي ماحقة، واستنارت بالأمل ~~والظلم مطبقة، واستمسكت بالصبر والخطوب مزلزلة، واعتصمت بالعزة والإباء في ~~العواصف الهوجاء، وما زالت حتى أخرجت من الهزيمة نصرا، ومن القلة كثرة، ومن ~~الضعف قوة، وأثبتت للجاحدين أن الله مع الصابرين. # وما تزال الخطوب متصادمة، والأخلاق متلاحمة، والحوادث متلاحقة، عبرة لمن يعتبر، ~~ومثلا لمن يمتثل، وذكرى لمن كان له قلب. ما يزال الزمان يشهد أعظم وقائعه، ~~ويرى أكبر عبره، وينطق بأكبر عظاته، وفي الأمم من اتعظت بنفسها، وفيها من اتعظت ~~بغيرها، وفيها من مرت بها العظات وهي غافلة، وزلزلت الأرض تحتها وهي راقدة، ~~كأن الذي حولها أحلام هائلة. # وهذه الأمم المتناحرة المتفانية تلقي عينا على الحاضر، وأخرى على المستقبل تدبر ~~هذه الواقعات المدمرة، وتعد لما بعد الحرب الخطط المعمرة، وتقبس من هذه النار ~~الحاطمة؛ لتنير المستقبل المرجو، ولا يذهلها يومها - وهو مذهل - عن غدها، ولا ~~يشغلها حاضرها - وهو شاغل - عن مستقبلها، ولا ينسيها العالم الشقي صورة العالم ~~السعيد الذي تنشده. ~~••• # ونحن - والحمد لله - في عافية مما ابتلي به غيرنا، نسمع ضوضاء المعارك وأنباءها، ~~وتحيط بنا خططها وآثارها، ولا ندفع في مضايقها، ولا نصلى بنارها، ولا نحمل ~~مصائبها. نحمد الله على هذا، فهل نحمده كذلك على أننا في عافية من عناء التفكير ~~والتدبير والتشاور والقطع برأي في حاضرنا ومستقبلنا؟! وفي عافية من أن نشارك ~~العاملين للمستقبل برأي نشير به، أو خطة نضعها، أو مطلب نصر عليه؟! لعلنا أوفر ~~أمم العالم نصيبا من الفراغ في ms055 هذا الوقت، فلماذا لا نكون مثلهم تفكيرا في ~~المستقبل، وشغلا بالحاضر؟ لماذا لا نأتمر بيننا، وندبر الرأي فيما عسى أن نلقى ~~بعد الحرب من مشاكل ومصاعب. إننا ننتظر القضاء؛ قضاء الناس لا قضاء الله! وفي ~~الناس من يقضى عليه ولا يقضي. وقد رضينا أن نصدق قول الشاعر: # ويقضى الأمر حين تغيب كعب # ولا يستأمرون وهم شهود # أقول: نحن، وأريد الأمة العربية كلها، نحن لا نلقى الحوادث بعدتها وكفايتها من ~~التفكير والحزم وجمع الكلمة. لا يجتمع أهل المملكة الواحدة على رأي جامع، وخطة ~~عامة تلتقي عندها مطالبهم أو أمانيهم، ولا يسارع أهل الأقطار كلها إلى البت ~~برأي فاصل فيما يحزبهم من أمور الحاضر، وما يهمهم من قضايا المستقبل، وحسبي مثل ~~واحد من أمثال. # تشعر البلاد العربية بحاجتها إلى التعاون والتقارب، والسير على خطة واحدة في ~~الأمور التي تعمها، وقد أوحى إليها هذا الشعور معرفتها أنها على اختلاف الأقطار ~~أمة واحدة، يؤلف بينها ما يؤلف بين الأمم الواحدة على هذه الأرض، والحقائق ~~الماثلة تصدق هذا، والتاريخ يؤيده، والضرورات والحاجات تدعو إليه. وقد فكر قادة ~~الرأي في الأقطار العربية في أن يحققوا هذه الأماني، فيوحدوا بين العرب ~~ويجمعوهم على نظام واحد، أو نظم متقاربة في أمورهم المشتركة. # ولا ننكر أن الإنكليز نبهونا إلى هذا مرة بعد مرة، وقد مضت سنوات وأوشكت الحرب أن ~~تنتهي، فماذا فعلنا؟ لا أدري! إن الأمر فيما أرى أوضح من أن تضطرب فيه الآراء، ~~وأيسر من أن تقعد دونه الهمم، والزمان ضنين بفرصه، والحوادث لا تعرف ~~الهوادة. إننا لا نصطنع أشياء، ولا نلفق أمورا تصادم الحقائق أو تخالف ~~الرغبات، ولكنا نعالج حقائق ماثلة معترفا بها، نريد أن ننظمها وننتفع بها. ومن ~~تنصره الحقائق وتواتيه الرغبات لا يجد عسرا فيما يحاول. # لو اجتمع ممثلو البلاد العربية الرسميون، أو أتيح للقادة غير الحكوميين أن ~~يجتمعوا، ثم وضع هؤلاء أو هؤلاء خطة، وجعلوا للعرب ميثاقا لا يقبل جدلا ولا ~~ردا، لو فعل هذا للقينا الحادثات بما تطلبه، وأعطينا الفرص ما تستحقه، ~~ولأخذنا ms056 السبيل على القال والقيل، ولاسترحنا من الرجم بالظنون والأقوال. # إن لنا الثقة كل الثقة بمن تصدوا لهذا الأمر، واضطلعوا بهذا العبء، واحتملوا ~~مختارين هذه التبعة العظيمة في الوقت الحرج، ورأوا في أنفسهم الكفاية لحمل هذه ~~الأمانة التي تسألهم عنها الأجيال الحاضرة والآتية، ولكنا نسألهم سؤال الحريص ~~على طلبته، ونستعجلهم استعجال القلق على أمنيته. # إنه لا يجدر بنا أن ننام والحوادث يقظى، ونبطئ والخطوب تسرع، ولا نلقى الحادثات ~~بعدتها من التدبر والعزم، وجمع الكلمة، وإجماع الرأي، وسرعة الفصل. # | التأليف والنشر في مصر # حدثني بعض الأصدقاء أن أحد أصحاب المعالي ووزراء الدولة في الحكومة القائمة، دعا ~~إليه جماعة من الكتاب، وحدثهم في تنشيط التأليف في مصر ومكافأة المؤلفين، ووعد ~~في هذا وعودا حسنة إلخ. # وهذا رأي محمود نرجو أن يتلوه العمل، فيؤتي ثمراته بعد حين، وهذه فرصة أنتهزها ~~للتنبيه إلى أمر طالما أهم المفكرين من قراء العربية في الشرق والغرب، وطالما ~~ترددت منه الشكوى، وأخذت به مصر قبل الأقطار الأخرى، ذلكم أمر النشر، نشر الكتب ~~القديمة والحديثة التي مات مؤلفوها، فهو أمر تتحكم فيه الفوضى، يستطيع الواحد ~~من تجار الكتب أن يعمد إلى كتاب من الأمهات في الأدب أو في التاريخ أو غيرهما، ~~ويعهد به إلى من يصححه ويقدمه للطبع، وحسب هذا المصحح أن يستطيع قراءة الكتاب ~~قراءة يتصرف فيها خياله وحظه القليل من العلم، ونشاطه الذي تحده المكافأة ~~القليلة التي ينالها من الناشر، ووجدانه الذي لا يحفل بالأمانة العلمية ~~كثيرا. # وأحيانا يتصدى لنشر الكتب بعض العارفين بأساليب النشر الحديثة، فيعهد في تصحيحه ~~إلى بعض الأسماء النابهة، ويتخذ من وسائل الترويج ما يشاء له طمعه في الربح ~~والصيت، فيستبشر الأدباء ويرجون خيرا، ويتربصون على قلق حتى يظهر الكتاب، ~~فيكبوا على قراءته، فإذا الأمر لا يعدو ما ألفوه من طرق النشر التي لا تصوب ~~غلطا، ولا تزيل شكا، ولا تنال طمأنينة القارئ. لا يعوز الباحث أن يتابع ~~الأدلة من الكتب المشوهة، أو الكتب التي بذل في تصحيحها جهد قليل قصر بها دون ~~الغاية. ms057 # نشر بعض الناشرين كتابا قديما في الفرق الإسلامية، فمر على أغلاطه لم يعرض لها، ~~وحرف بعض عبارات ظنها غلطا وهي صواب، وحسبي أن أذكر من فعلاته هذه ~~الواحدة: # ذكر المؤلف رجلا فنسبه إلى قبيلة، وقال: إنه «من ثور همدان»؛ أي قبيلة ثور إحدى ~~قبائل همدان، لا قبيلة ثور الأخرى إحدى قبائل مضر، فحرف الناشر الكلمة إلى ~~«ثغور همذان»، وامتن على القراء في الحاشية بأنه أدرك الحق في هذه الجملة ~~المحرفة! # وأذكر أن ناشرا عمد إلى ترجمة كتاب «كلستان» للشيخ سعدي الشيرازي، الشاعر ~~الفارسي العظيم، فطبعه وكتب على صفحة العنوان: «كتاب جلستان، بقلم العلامة ~~جلستان الفارسي». # وليس العهد بعيدا بكتاب «معجم الأدباء» وما أهمل من غلطاته، وحرف من عباراته، ~~وزيد عليه من شرح يتجلى فيه الخطأ والفضول، وقد أخرج للناس في موكب من ~~التشهير والترويج، وهو في الحق حري أن يكون عيبا لمن أخرجه، وعارا على ~~وزارة المعارف التي احتملت التبعة فيه، فكتبت على صفحة العنوان: «راجعته ~~وزارة المعارف». # وكنت كتبت خمس مقالات في نقض الجزأين الأول والثاني، ثم وعدت القارئ أن أعود إلى ~~النقض بعد أن تطبع الأجزاء الأخرى؛ لأبين أهي خير من هذين الجزأين أم مثلهما؟! ~~ولعلي أفي للقراء بهذا الوعد بعد هذا المطال الطويل. # بل كتب الأدب التي بأيدي الطلاب في مدارس الوزارة فيها كثير من الغلط، وإذا وقع ~~الغلط والتحريف في مثل هذه الكتب، فماذا يرجى من الكتب السوقية التي يتولى ~~نشرها تجار أكبر هممهم النفقة القليلة والربح الكثير؟ # كان أسلافنا يكتبون الكتب بأيديهم، إذ لم يكن عندهم من وسائل الطبع والتصوير ما ~~عندنا، فكان عليهم أن يصححوا كل نسخة من كل كتاب، وقد اضطلعوا بهذا العمل ~~الفادح جهد طاقتهم، وبذلوا فيه من فكرهم وعافيتهم ونومهم وراحتهم ما تشهد به ~~آثارهم وأخبارهم! # كان المتأدب منهم يقرأ الكتاب على أديب ثقة، ويكتب عليه أنه قرأه على فلان، ويغلب ~~أن يكون الشيخ الذي قرئ عليه الكتاب قد قرأه على آخر، وهكذا حتى تنتهي القراءة ~~إلى المؤلف أو الشاعر أو ms058 الكاتب ويكتب هذا السند المتصل على الكتاب، فيعلم ~~قارئه أن بيده كتابا عمدة يطمئن إليه، بل فعلوا هذا في الدواوين المتواترة ~~التي يتداولها الحفظ والنسخ كل حين، كديوان المتنبي. وعندنا اليوم نسخ منه تحمل ~~سندها من أبي الطيب إلى سبعة قرون أو أكثر من بعده. # وهذا العكبري # 1 # شارح الديوان في القرن السابع لم يجز لنفسه أن يشرحه حتى قرأه على ~~شيخين من شيوخ الأدب: مكي بن ريان بالموصل، وعبد المنعم بن صباح التيمي ~~بمصر. # وقد وضع أسلافنا أصولا اصطلحوا عليها وسموها «أصول السماع»، بينوا فيها كيف ~~يتثبت راوي الخبر أو راوي الكتاب حتى يتحرز عن الغلط جهده. # ومن عجيب ما يروى في هذا ما حدثني به بعض الثقات، أن القاضي عياضا ذكر في كتابه ~~«الإلماع في أصول السماع»، أن أبا علي القالي صاحب الأمالي أعار الحكم المستنصر ~~الأموي خليفة الأندلس كتابا من كتبه، وطالت غيبة الكتاب عنه، فلما رد إليه ~~أبطل الرواية به وقال: لا آمن أن يكون قد أصابه تحريف وهو في يد غيري. # ذلكم جهد السلف ودأبهم في التثبت، على ما حملهم هذا من عناء ونصب، فكيف وقد تيسر ~~طبع الكتب بما خلقت المدنية الحاضرة من وسائل، كيف نتهاون في التصحيح والتحقيق، ~~فنخرج كتبا تنوء بأغلاطها؟ إن ناشر الكتاب اليوم يكفيه أن يصحح نسخة واحدة ~~لتصح له آلاف النسخ، فيتواتر الكتاب، ويؤمن عليه الغلط والتحريف والزيادة ~~والنقص من بعد. ليت شعري بأي عذر نعتذر، وبأي تعلة نتعلل؟ لا عذر، ولكنه ~~التهاون والكسل، أو القصور والجهل! وفيها خيار لمتخير. # فالذي نرجوه أن تؤلف الحكومة أو تكل إلى الجامعة تأليف جماعة لمراقبة النشر، ~~وبخاصة نشر الكتب القديمة، فلا يؤذن لناشر أن ينشر كتابا حتى تستوثق هذه ~~الجماعة أن القائمين على تصحيح الكتاب أهل لتصحيحه وإخراجه على حال يسكن إليها ~~أولو العلم والأدب، ولهم في لجنة التأليف والترجمة والنشر أسوة حسنة، ومثال ~~صالح. # ذلكم أقرب إلى التحقيق، وأبعد من الفوضى، وذلكم أجدر بنا وأولى بسمعتنا، وأحفظ ~~لتاريخنا وآدابنا، فإن توهم ms059 متوهم أن الخطب في هذا أمر يوكل إلى الزمن إصلاحه، ~~ولا يحتاج إلى عناية الأمة والحكومة، فليسأل الباحثين من علمائنا وأدبائنا؛ ~~ليشكوا إليه ما قاسوا من الكتب المحرفة والنصوص المضللة، وإنا لراجون أن ~~تبادر الحكومة إلى تبشير الأدباء بما تعتزم في هذا الأمر العظيم، ثم تتبع ~~البشرى العمل، والوعد الإنجاز. # | زواج أمير عربي من أميرة هندية # 1 # ماذا يخط القلم في هذا الفرح المتلألئ، والسرور المزدهر، والقلوب ~~الخافقة، والأيدي الصافقة، والزينات الساحرة، والأضواء الباهرة؟ # ماذا يخط القلم في أمة - بل أمم - خفقت قلوبها حبا، وانطلقت ألسنتها ~~دعاء، وتوجهت إلى هذا الوجه الأغر، والطلعة المباركة، إلى الملك الشاب ~~الصالح، جلالة الملك «فاروق»؟! # ماذا يخط القلم، إلا أن يشارك العيون متعتها، والنفوس بهجتها، والقلوب ~~أدعيتها، فيجول في مجال واسع من الفرح الحاضر، أو يقلب صفحات التاريخ ~~عن صفحة من الجمال والسرور لألاءة، أو يطمح في المستقبل إلى حقب من ~~المجد وضاءة، تظللها السعادة واليسر، والصفاء والبشر. # قلبت صفحات التاريخ، فعبرت من عرس إلى عرس، حتى وقفت على عرس كان في ~~الهند في القرن الثامن الهجري، ورأيت من غرابته وطرافته ما يؤهله لأن ~~يعرض على قراء «الرسالة» في هذا الأسبوع المبارك. # 2 # كان السلطان محمد بن غياث الدين تغلق شاه يملك «دهلي» وما يتصل بها، ~~وبلاد «الدكن» # 1 # في الربع الثاني من القرن الثامن الهجري «725-752ه»، وكان ~~ملكا ذكيا سخيا، عظيم البطش، جبار السطوة! # وكان يحتفي بالغرباء الوافدين عليه، ولا سيما العزب، وخاصة من انتمى منهم ~~إلى بيت النبوة، كان يبذل لهم من ماله، ويوطئ لهم من كنفه، ويبلغ من ~~إكرامهم وإجلالهم ما يملأ النفس عجبا! # 3 # وكان آل ربيعة من طيء أمراء على قبيل عظيم من العرب في أطراف الشام في ~~عهد الدولة الأيوبية ودولة المماليك ... كان ملوك مصر يستنجدونهم في ~~اللزبات، ويفوضون إليهم الرياسة على القبائل، ويبالغون في إكرامهم إذا ~~وفدوا عليهم، وقد قدم منهم: فرج بن حية على المعز «أيبك»، فأنزله بدار ~~الضيافة أياما، وأنفق على ضيافته وهداياه ستة وثلاثين ms060 ألف دينار! وكان ~~من أمرائهم في القرن السابع والثامن آل مهنى بن عيسى، «وكلهم رؤساء ~~أكابر، وسادات العرب ووجوهها، ولهم عند السلاطين حرمة كبيرة، وصيت ~~عظيم، إلى رونق في بيوتهم ومنازلهم. # من تلق منهم تقل: لاقيت سيدهم # مثل النجوم التي يسري بها الساري» # 2 # 4 # قدم الأمير سيف الدين غدا بن هبة الله بن مهنى على السلطان محمد، فأكرم ~~وفادته، وأنزله بقصر في «دهلى» يسمى «كشك لعل»؛ أي القصر الأحمر، وجزل ~~له العطايا، وأكثر الهدايا، ثم زوجه أخته الأميرة فيروز. # وكان الرحالة ابن بطوطة إذ ذاك مقيما بدهلي في كنف هذا السلطان، فشهد ~~العروس العظيم، وتولى بعض شئونه، ووصف زفاف الأمير سيف الله والأميرة ~~فيروز. فانظر كيف وصف: # ولما أمر السلطان بتزويج أخته للأمير غدا، عين للقيام ~~بشأن الوليمة ونفقاتها «الملك فتح الله »، وعينني ~~لملازمة الأمير غدا، والكون معه في تلك الأيام، فأتى ~~«الملك فتح الله» بالصيوانات، فظلل بها المشورين # 3 # بالقصر الأحمر المذكور، وضرب في كل واحد ~~منهما قبة ضخمة جدا، وفرش ذلك بالفرش الحسان. # وأتى شمس الدين التبريزي، أمير المطربين، ومعه الرجال ~~المغنون والنساء المغنيات والرواقص، وكلهن مماليك ~~السلطان. # وأحضر الطباخين والخبازين والشوائين والحلوانيين ~~والشربدارية والتنبول داران، # 4 # وذبحت الأنعام والطيور، وأقاموا يطعمون ~~الناس خمسة عشر يوما، ويحضر الأمراء الكبار والأعزة ~~ليلا ونهارا. # فلما كان قبل ليلة الزفاف بليلتين جاء الخواتين # 5 # من دار السلطان ليلا إلى هذا القصر، ~~فزينه وفرشنه بأحسن الفرش، واستحضر سيف الدين، وكان ~~عربيا غريبا لا قرابة له، فحففن به، وأجلسنه على ~~مرتبة معينة له. وكان السلطان قد أمر أن تكون أم أخيه ~~مبارك خان مقام أم الأمير غدا، وأن تكون امرأة أخرى من ~~الخواتين مقام أخته، وأخرى مقام عمته، وأخرى مقام ~~خالته، حتى يكون كأنه بين أهله، ولما أجلسنه على ~~المرتبة جعلن له الحناء في يديه ورجليه، وأقام باقيهن ~~على رأسه يغنين ويرقصن، وانصرفن إلى قصر الزفاف، وأقام ~~هو مع خواص أصحابه. # وعين السلطان جماعة من الأمراء تكون من جهته «الأمير»، ~~وجماعة يكونون ms061 من جهة الزوجة، وعادتهم أن تقف الجماعة ~~التي من جهة الزوجة على باب الموضع الذي تكون به ~~جلوتها على زوجها، ويأتي الزوج بجماعة، فلا يدخلون إلا ~~أن يغلبوا أصحاب الزوجة، أو يعطونهم آلاف الدنانير إن ~~لم يقدروا عليهم. # ولما كان بعد المغرب أتي إليه بخلعة حرير زرقاء مزركشة ~~مرصعة، قد غلبت الجواهر عليها، فلا يظهر لونها مما ~~عليها من الجواهر، وبشاشية مثل ذلك، ولم أر قط خلعة ~~أجمل من هذه الخلعة، وقد رأيت ما خلعه السلطان على ~~سائر أصهاره مثل: ابن ملك الملوك عماد الدين السمناني، ~~وابن ملك العلماء، وابن شيخ الإسلام، وابن صدرجهان ~~البخاري، فلم يكن فيها مثل هذه. # ثم ركب الأمير سيف الدين في أصحابه وعبيده، وفي يد كل ~~منهم عصا قد أعدها، وصفوا شبه إكليل من الياسمين ~~والنسرين، وله رفرف يغطي وجه المتكلل به وصدره، وأتوا ~~به الأمير ليجعله على رأسه، فأبى ذلك، وكان من عرب ~~البادية لا عهد له بأمور الملك والحضر، فحاولته وحلفت ~~عليه حتى جعله على رأسه. # وأتى باب الصرف، ويسمونه باب الحرم، وعليه جماعة الزوجة، ~~فحمل عليهم بأصحابه حملة عربية، وصرعوا كل من عارضهم ~~فغلبوهم، ولم يكن لجماعة الزوجة من ثبات - وبلغ ذلك ~~السلطان فأعجبه فعله - ودخل إلى المشور وقد جعلت ~~العروس فوق منبر عال مزين بالديباج، مرصع بالجواهر، ~~والمشور ملآن بالنساء والمطربات، وقد أحضرن أنواع ~~الآلات المطربة، وكلهن واقفات على قدم إجلالا له ~~وتعظيما، فدخل بفرسه حتى قرب من المنبر، فنزل وخدم # 6 # عند أول درجة منه، وقامت العروس حتى صعد، ~~فأعطته التانبول بيدها، فأخذه وجلس تحت التي وقفت بها. ~~ونثرت دنانير الذهب على رءوس الحاضرين من أصحابه ~~ولقطتها النساء والمغنيات يغنين حينئذ، والأطبال ~~والأبواق والأنقار تضرب خارج الباب. # ثم قام الأمير وأخذ بيد زوجته، ونزل وهي تتبعه، فركب ~~فرسه يطأ به الفرش والبسط، ونثرت الدنانير عليه وعلى ~~أصحابه، وجعلت العروس في محفة، وحملها العبيد على ~~أعناقهم إلى قصره، والخواتين بين يديها راكبات، وغيرهن ~~من النساء ماشيات، وإذا مروا بدار أمير أو ms062 كبير خرج ~~إليهم، ونثر عليهم الدنانير والدراهم على قدر همته، ~~حتى أوصلوها إلى قصره. # ولما كان من الغد بعثت العروس إلى جميع أصحاب زوجها ~~الثياب والدنانير والدراهم، وأعطى السلطان كل واحد ~~منهم فرسا مسرجا ملجما وبدرة دراهم من ألف دينار ~~إلى مائتي دينار، وأعطى الملك فتح الله للخواتين ثياب ~~الحرير المنوعة والبدر، وكذلك لأهل الطرب - وعادتهم ~~ببلاد الهند ألا يعطوا أحدا شيئا لأهل الطرب، إنما ~~يعطيهم صاحب العرس - وأطعم الناس جميعا ذلك اليوم، ~~وانفض العرس. # وأمر السلطان أن يعطى للأمير غدا بلاد المالوة والجزرات ~~وكنباية ونهر والة، وجعل فتح الله المذكور نائبا عنه ~~عليها، وعظمه تعظيما شديدا. ا.ه. # | على حافة الفجر وشاطئ النيل # الليل قد مضت ساعاته، ودارت دورتها نجومه، بين بعيد عن القطب قد غرب أو كاد، ~~وقريب منه تزاور عن الأفق الغربي شطر الشمال والشرق. هذه بنات نعش الصغرى ~~طائرات صوب الشرق، والفرقدان يتطلعان إلى أشعة اليوم الوليد وراء الأفق: # فاسأل الفرقدين عمن أحسا # من قبيل وآنسا من بلاد # كم أقاما على زوال نهار # وأنارا لمدلج في سواد # وبنات نعش الكبرى كادت تلامس الأفق، وكأنها جواد محضر على حافة الأفق يبغي مستقره ~~قبل الصبح. # وها هي الثريا جاوزت جوز السماء، نازعة إلى أفقها البعيد في المغرب، تذكر بقول ذي ~~الرمة: # وردن اعتسافا والثريا كأنها # على قمة الرأس ابن ماء محلق # 1 # ووراء الثريا الدبران يحث قلاصه؛ ليدرك خطيبته بهذا الصداق، لم ييأس منها على طول ~~إعراضها، ولم يمل على تمادي المسير. # 2 # وهناك المجرة نهر السماء الذي لا يسبر لجه، ولا يدرك غوره، بل نهر الزمان يسيل ~~بالعصور والدهور، يحسر الفكر على شاطئه، ويعيا الوهم دون منبعه وغايته، عالم ~~وراء العالم، وفلك فوق الفلك. وصور أخرى رائعة هائلة تتجلى بها السماء في هذا ~~الصفاء. # يرقى الفكر إلى هذه المشاهد العلوية، فيوغل فيها ثم يوغل حتى ينبهر، فيهوي حسيرا ~~مرتاعا كشيطان الرجم يلتمس مكانه على الأرض، يهول الفكر هذا العظم الذي لا ~~يحد، والجلال الذي لا ينتهي، والغور الذي ms063 لا يبلغ، والحجاب الذي لا يخترق، ~~ويفزعه جو تتحطم فيه الأجنحة، ومدى يعيا الطيران في أوله، فيفر من هذه السعة ~~الهائلة التي يفنى فيها المكان إلى الأرض، ثم إلى مكانه الصغير منها، ويعتصم من ~~هذا الكون الفسيح الذي يتيه فيه الزمان إلى الزمن، ثم إلى ساعة منه، يحتمي بهذه ~~الحدود، ويأنس بهذه القيود. # ثم تطمح النفس الإنسانية، بل الشعلة الإلهية إلى العلاء طموح النسر إلى متقلبه من ~~جو السماء، فتقطع قيدا بعد قيد، وتجتاز حدا بعد حد، وتخرج من دائرة بعد ~~دائرة، فإذا هذا الجسم المحدود، والعقل المكدود هاجم فيما وراء الحدود، يحاول ~~الأمر الذي لا ينتهي، والعلم الذي لا ينال. # ثم يعيا وينبهر، فيهبط إلى أرضه ومكانه، ووقته وزمانه، ولكن بصره إلى السماء، ~~وهمته إلى العلاء، وطموحه إلى الإدراك، في الأفلاك وما وراء الأفلاك، وهكذا ~~يعلو ويسفل ، ويقدم ويحجم، وينزع ويرجع، حائرا بين كونه المحدود، وطوقه ~~المجهود، وبين طموحه الذي يأبى القيود، مترددا بين عالمه الأصغر والعالم ~~الأكبر، بين نفسه الصغرى والحقيقة الكبرى، بل بين الإنسان والله. # أفزعني هذا المراد، وهالني هذا الجهاد، فأويت إلى الحد بعد الحد، والستر من وراء ~~الستر، حتى أمنت على نفسي في موقفي الضيق، على هذه البقعة الصغيرة، فوق هذه ~~الأرض المحدودة، فنزلت من الحقائق الواسعة إلى الدوائر الضيقة، من الوجود ~~المطلق إلى الوجود المقيد، وما زلت أجتاز أجناسا إلى أجناس، وأنواعا إلى ~~أنواع، فإذا أنا مطل من داري على شاطئ النيل، في ليلة من ليالي رمضان وقت ~~السحر. # وأشفقت أن ترفعني صور النجوم في الماء إلى حقائقها في السماء، وأن يسلمني نهر ~~النيل إلى نهر المجرة، وأن تردني إلى حيث فررت، هذه الصلات الوثيقات بين الصغير ~~والكبير، والمطلق والمقيد، وبين الذرة والشمس، فألححت على الفكر أن يحبس، في ~~هذا المشهد المحدود، وألزمت العقل الإخلاد إلى هذه الأرض. # ثم كدت أسير مع النيل إلى منتهاه فيصلني بالأبد، أو أرجع معه إلى منبعه، فيسلمني ~~إلى الأزل، فحبست عياني على ما أمامي، وفكري في مرآي، كما ms064 يحبس الطائر الوحشي ~~في قفص، ويلهى بالحب عن أطباق الجو. ~~••• # رأيت النيل رهوا تتراءى في صفحته مصابيح ساكنة خافتة مطلة من شاطئ الجيزة، ورأيت ~~الزرع نائما تمسحه نسمات الفجر رفيقة مشفقة، كأنها أم توقظ طفلها، وآنسني ~~الليل الساجي، والمنظر الصامت، والمشهد المصغي، والطبيعة النائمة، بل الخليقة ~~الحالمة، لا أسمع ركزا إلا صيحات متفرقة من ديكة متباعدة، كأنها قبل صيحاتها ~~للفجر نغمات متقطعة يمهد بها الموسيقي لألحانه المتصلة، وإلا نقيق ضفادع قليلة ~~مشتتة، وإلا صرير الجنادب بين الزروع موحدا متصلا خافتا، لا يقطع الفكر، بل ~~يسايره مطردا كأنه مرور الزمان. # ثم انغل الفكر في الناس، فإذا هم بين يقظان انطوت على البر جوانحه، وعمر بالخير ~~قلبه، ونطق به لسانه، يسبح الله، ويفكر لخير نفسه وخير الناس في مثواه، وآخر ~~يقظ يقظة الصل، ينساب في مجاثم الظلام إلى الآثام، وإذا هم بين نائم يستجم ~~بالرقاد؛ ليستأنف الجهاد، ونائم أنامته البطالة، وأماتته التخمة، لا يفتقده ~~نائما عمل ولا أمل، ولا تحمد يقظته حركة ولا سكون. # وإذا هم بين حالم سودت أعماله أحلامه، ينشره النهار للضر، ويطويه الليل للشر، ~~ويسلمه النهار الأثيم إلى الحلم الأثيم، وآخر أضاءت رؤياه نيته، وازدهرت بالحلم ~~الطيب طويته، فهو خير اليقظة والنوم، طاهر الحقائق والرؤى، وضروب أخرى من البشر ~~طاف بها الخيال، واسع المجال، ثم انثنى قلقا مضطربا. # وكاد يخل هذا التفكير المتنافر بهذا المشهد المتآلف، ويقطع الهم المضطرم هذا ~~النغم المنسجم، فعدت إلى النيل أطالعه، والزرع أراقبه، والخليقة آنس بها، وأسكن ~~إليها، وأتغلغل فيها وأناجيها. # ودوت الأرجاء بالصياح، من ديكة الصباح، وانبجست النواحي بالأذان، يتجاوب في ~~القلوب والآذان، وسرت في الخليقة قشعريرة هزت يقظانها وهاجعها، وأنعشت حيها ~~وهامدها، وتوهمت أشعة الفجر الخفية، تخالط هذه الأصوات الندية، بل خلت الأشعة ~~استحالت أصواتا، أو الأصوات تحولت أشعة. # استحال العالم كله معبدا، وبدا كل شيء راكعا أو ساجدا، فهذه الأضواء، وهذه ~~النسائم، وهذه المياه، وهذه الزروع، والديكة المؤذنة، والجنادب الصارة، كلها في ~~خشوع وقنوت، وتسبيح وتهليل، والنجوم الغاربة على الأفق ساجدة، ms065 والسماء ~~المحدودبة الخاشعة، لجلال الخالق راكعة، سمعت من الخليقة ومن قلبي ومن لساني ~~الآية الكريمة، تفسيرا لما أرى وأسمع وأتوهم: # تسبح ~~له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من ~~شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون ~~تسبيحهم ~~. # لم أجد غيري خاليا من الصلاة، ولم أر سواي شذوذا في هذا النغم، فرددت نظرات في ~~العالمين، ثم أسرعت لأكون من الساجدين. # | وديعة ميافارقين # 1 # سيف الدولة علي بن حمدان، أمير حلب والعواصم، يخط بسيفه مملكة في ثغور ~~الروم، ويقزها على الزلازل، ويثبتها على الأهوال، ويمكنها في مضطرب ~~الأمواج، ومدارج السيول. # لبث الرجل عشرين عاما يغزو الروم، ويدفع غزواتهم، ويجاهد وحده هذا العدو ~~الذي جاهده العرب وجاهدهم، منذ زال سلطان الروم عن الشام. لا تفتر همة ~~علي بن حمدان، ولا يكل عزمه، ولا تفل شباته، وجيوش الروم وأتباعهم تطغى ~~على البلاد العربية ، موجة بعد موجة، فتتكسر على هذه الصخور من الشجاعة ~~والعزم، والجهاد والصبر، ويسيل السيل بعد السيل، فيصده هذا السد الذي ~~مكنته شجاعة سيف الدولة وجنده القليل، وكم نكبت جيوش سيف الدولة فما ~~وهن ولا استكان، ولا ساير الزمان، ولا أخلد إلى السلامة، ولا آثر ~~العافية! ولكن الحوادث انجلت عن هذا الوجه الوضاء بساما للخطوب، وهذه ~~العزة القعساء راسية على الأهوال: # وقفت وما في الموت شك لواقف # كأنك في جفن الردى وهو نائم # تمر بك الأبطال كلمى هزيمة # ووجهك وضاح وثغرك باسم # وبنو بويه في بغداد، والإخشيديون ثم الفاطميون في مصر بمعزل عن هذه ~~الحوادث، أسلموا الأمير الحمداني لهذا الجلاد الدائب، والعراك ~~المتواصل: # أنت طول الحياة للروم غاز # فمتى الوعد أن يكون القفول # وسوى الروم خلف ظهرك روم # فعلى أي جانبيك تميل؟ # قعد الناس كلهم عن مساعي # ك وقامت بها القنا والنصول # ما الذي عنده تدار المنايا # كالذي عنده تدار الشمول # 2 # هذه سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة والسيف العربي الذي قارع الروم عشرين ~~عاما لم يفل، والعزم الذي استكبر على الغير حقبة طويلة لم يضعف، ~~ولكن سيف الدولة مريض، عرضت علة لجسده، ms066 وكبرت عن العلل روحه، وقد حاصر ~~الروم طرسوس، واستغاث أهلها الأمير العليل، فلم يقعد به مرضه، ولا بعث ~~للعدو قائدا غيره، بل ركب في الجيش المرزأ بالسيوف المفللة يجيب ~~الصريخ، ويغيث أهل الثغور: # وغر الدمستق قول العدا # ة: إن عليا ثقيل وصب # وقد علمت خيله أنه # إذا هم - وهو عليل - ركب # وخاف الروم لقاء الأمير الذي عرفوه، وقتال الجيش الذي خبروه، فتركوا ~~طرسوس وقفلوا إلى ديارهم، وانفرجت الغمة عن طرسوس وما يليها. # سبقت إليهم مناياهم # ومنفعة الغوث قبل العطب # فخروا لخالقهم سجدا # ولو لم تغث سجدوا للصلب # وكم ذدت عنهم ردى بالردى # وكشفت من كرب بالكرب # وبقي الأمير العليل يستقل بأعباء الجهاد، ويحمي وحده الثغور. # أرى المسلمين مع المشركي # ن إما لعجز وإما رهب # وأنت مع الله في جانب # قليل الرقاد كثير التعب # علي بن حمدان مريض، يحارب عدوا شديدا ، ويلقى خطوبا سودا، ولكن على ~~الأسد أن يحمي غيله، والفحل يحمي شوله معقولا. يمضي الرجل في جلاده ~~على العلات، وعلى رغم العلل والحادثات، وأمراء العرب والمسلمين من ~~خلفه كما قال أبو الطيب لهذا الأمير العظيم: # ألهى الممالك عن فخر قفلت به # شرب المدامة والأوتار والنغم # 3 # في شهر صفر سنة ست وخمسين وثلاثمائة في مدينة حلب يمرض ابن حمدان البطل ~~مرضه الأخير، وينظر وراءه إلى ثلاث وعشرين سنة من المجد والكد، ويتمثل ~~الخيل المغيرة والنقع المثار، والسيوف المتضاربة، والرماح المتطاعنة، ~~والكر والفر، والهزيمة والظفر، ويتذكر من ثبت ومن فر، ومن وفى ومن غدر، ~~كما يتمثل الشعراء أمامه يسجلون وقائعه، ويخلدون مآثره، والعلماء ~~والأدباء يأتونه من كل صوب، ينشرون العلم في كنفه، ويحتمون من الحوادث ~~في جانبه، وتمر بخياله الحوادث حلوها ومرها، والأيام خيرها وشرها، ~~فيبسم بسمة الرجل أدى واجبه، ووفى بعهده، وترك وراءه صيتا بعيدا، ~~وذكرا حميدا. # وهذه الساعة الثالثة من يوم الجمعة لخمس بقين من صفر سنة ست وخمسين ~~وثلاثمائة، والأمير العظيم على فراش الموت يود لو جمع تاريخه في كتاب، ~~وأحصيت وقائعه في سجل يأخذه بيده في ساعته ms067 الأخيرة؛ ليلقى ربه بما قدمت ~~يداه في سبيل الله! بل يود لو صورت الخطوب، ومثلت الحوادث، وطوي ~~التاريخ في صورة مجسمة ليصحبه في قبره، ويؤنسه في وحشته، ويمضي معه حجة ~~ناطقة، وشهادة ناصعة، وكيف تصور الخطوب، وتمثل الحوادث، ويطوى التاريخ ~~مجسدا؟! # يقول سيف الدولة: هاتوا اللبنة، قد نفضت دروعي بعد الوقائع، وجمعت ما ~~عليها من الغبار، وصنعت من الغبار لبنة. علي بهذه اللبنة لأراها، ~~فإذا مت فضعوها في لحدي تحت خدي. # 1 # ونقلت جثة الأمير الكبير، ولبنة الرجل المجاهد إلى ميافارقين، فدفنا في ~~التربة التي دفن فيها سيف الدولة والدته. # فيا ليت شعري أين في ميافارقين قبر سيف الدولة؟ وأين من تربتها تلك ~~اللبنة؛ تلك الهمة المجسمة، والمجد المجسد؟! # أين تلك اللبنة التي يشاد عليها صرح من المجد منيف، ويبنى بها ملك من ~~العزة شامخ، تلك الحجة التي لم يدل بمثلها بطل ، ولا ظفر بنظيرها ~~مجاهد؟! # لقد صور سيف الدولة من غبار الوقائع لبنة، فليصور كتابنا وشعراؤنا هذه ~~اللبنة جهادا وعزما، وعزة ومجدا، وليجعلوها في المفاخر مثلا ~~سائرا، وفي الأدب نثرا بليغا، وشعرا رائعا؛ # 2 # ليقرءوا فيها شعر أبي الطيب في سيف الدولة، أو فلينشدوا ~~فيها شعرا أروع من شعر أبي الطيب، فما أنفد شاعرنا مجد أميرنا وإن ~~قال: # شاعر المجد خدنه شاعر اللف # ظ كلانا رب المعاني الدقاق # | على قبر الزهاوي1 # بعد أن ووري في التراب شيخ الشعراء وفقيد العرب، وقف على قبره الدكتور عبد ~~الوهاب عزام، فنثر عليه هذه الزهرات: # اليوم يقع هذا النسر بعد طول تحليقه! # اليوم يصمت هذا البلبل بعد طول تغريده! # اليوم يظفر هذا الجواد بالجمام! # اليوم يستريح هذا الفارس من الآلام! # اليوم تسكن هذه النفس الثائرة! # اليوم يرقد الزهاوي في قبره! # كل نفس ذائقة الموت، وإنا لله وإنا إليه راجعون. # وإنما الخالد من خلدته آثاره، وسيبقى شعر الزهاوي مدويا بعد مماته، كما كان ~~مدويا في حياته؛ ليبعث العزائم الراقدة، ويشعل النفوس الخامدة. ستتلقى مصر ~~والبلاد العربية نعي الزهاوي كما تلقى العراق والعربية نعي شوقي، ms068 فتتجاوب بلاد ~~العرب بالرثاء، وتتبادل العزاء، ونسأل الله أن يعوضها في شاعر العربية ~~خيرا. # أيها الشاعر العظيم، ستذهب وذكراك بيننا خالدة! # أجميل لا تبعد فذكرك خالد # الذكر للإنسان عمر ثان! # | أوراق1 # شرعت منذ ساعتين أقلب أوراقي في خزانة كتبي وأرتبها، وأمزق ما لا أحتاج إليه. ~~وأنا وأمثالي من الأوراق في جهاد دائم، إن أغضيت قليلا تراكمت على المكتب ~~والكراسي، وكان منظرها هما، والتفكير فيها ألما، ونغصت علينا العمل، فلا بد ~~أن يتعهد الإنسان أوراقه بين الحين والحين، وإلا غلبته وتراكمت حوله تراكم ~~الهموم. # وفي طبعي إلف يدعوني إلى الاحتفاظ بأوراق لا غناء فيها، وكلما طال عليها الزمن، ~~وبعد العهد بما فيها، زادت قربا إلى نفسي، وحبا إلى قلبي، وعزت على عزة ~~الذكر القديمة، والحوادث التي تؤرخ الحياة الماضية. # وقد عثرت - وأنا ماض في نقد الأوراق وتمزيق بعضها، وقد غلبني التعب والملل، فهان ~~علي تمزيق أوراق ضننت بها زمنا طويلا - على ظرف فيه وريقات شتى، فجلست بها ~~أقلبها، وأتسلى بذكرياتها، فإذا هذه الوريقات تمثل تقلب الإنسان في هذه الدنيا ~~بين أعمال مختلفة، وشواغل شتى إن جمع بعضها إلى بعض كانت مفارقات مضحكة، أو ~~عظات مبكية. # هذه الوريقات في هذا الظرف الصغير ترجع إلى سفري في تركيا قبل تسع سنوات، فهذه ~~أثبات فيها كتب تركية في موضوعات شتى، ومعها بيان أثمانها. بين هذه الكتب نسخة ~~عربية مخطوطة من «أمثال الميداني»، ونسخة جليلة من «كتاب المثنوي» - أغلب الظن ~~أنها كانت في يد العالم الشاعر والصوفي العظيم الشيخ عبد الرحمن الجامي - ~~ذكرتني هذه الورقة بمجالس لي عند الوراقين في «حي بايزيد» من أحياء إسطنبول، ~~وهو أحب أحيائها إلى نفسي. # وورقة أخرى فيها أسماء أربع عشرة من خزائن الكتب في هذه المدينة العظيمة ~~«إسطنبول»، وقد دخلتها كلها، ونعمت بالقراءة والبحث عن الكتب القيمة ~~فيها. # وأوراق أخرى من هذا الضرب الذي شغلنا في السفر والحضر، واليقظة والنوم. # وورقة فيها قطع من الشعر التركي خطها أديب عالم تركي ظفرت بصحبته في تلك الرحلة ~~هو المرحوم «فريد بك». ms069 وكان - رحمه الله - متشائما كثير السخرية. # ومن هذه الأبيات، وأحسبها من نظمه: # كجدى دنيادن آداملق دوره سي # اعتماد إيت كل بو قول راجحه # شمدي حيوانقلده درفيض ورواج # روح إنسانيته الفاتحة # وترجمتها: مضى من الدنيا دور الإنسانية، اعتمد على هذا القول الراجح، والحيوانية ~~الآن في فيض ورواج، فلروح الإنسانية الفاتحة. # وبعدها ورقة فيها بيان بكتب مخطوطة قديمة محلاة رأيتها عند واحد من ولاة الترك ~~السابقين، ورأيت كيف يعتز بها ولسان حاله يقول: # وقد تخرج الحاجات يا أم عامر # كرائم من رب بهن ضنين! # ثم ورقة تذكر بزيارتي بيت الشعب في «أنقرة»، وما لقيت هناك من رجال وآراء، وتحف ~~وآثار. # وبطاقة فيها ذكر كتب وآثار رأيتها في «مدينة قونية»، حينما زرت ضريح جلال الدين ~~الرومي، ودار المولوية التي صيرت اليوم متحفا. وكم لي في دار المولوية من ~~وقفات وعظات! وكم لها في النفس من ذكريات! # وصورة صغيرة لرجل كريم رافقته في طريقي من «إسكيشهر» إلى «قونية»، وسايرته في ~~قونية ساعات، فحفظ الود، وأهدى إلي صورته، وعلى ظهرها كلمة تعرب عن أخوته ~~وصداقته، وتاريخها: 13 أيلول سنة 1937، وقد افترقنا ولم يعلم أحدنا عن صاحبه من ~~بعد شيئا، ورحم الله حافظا الشيرازي، يقول: # اغتنم الصحبة، فإننا حين نفترق من هذا المنزل ذي الطريقين لا ~~نستطيع أن نلتقي أبدا! # وكل منازل الحياة ذات طريقين، بل طرق، إن افترقت بالمجتمعين لم ~~يكونوا من اللقاء على يقين. # وبيدي الآن صفحة كتبت بخط نسخي جميل وباللغة التركية، وهي رسالة من أحد أدباء ~~الترك إلى آخر يعرب عن تحسره على الشاعر الكبير الصديق المرحوم محمود عاكف. ~~ولست أتذكر الآن المنشئ ولا الكاتب. # وهي صحيفة جديرة أن تترجم إلى العربية وتنشر تجديدا لذكرى شاعر الإسلام عاكف، ~~الذي سعدنا بصحبته في مصر سنين. # وهاتان ورقتان نشرتهما، فإذا أبيات لي في وصف دمشق، إحدى ذكرياتها مسطورة ~~بالرصاص، وللمداد فيها إصلاح وتغيير كالتمثال، ولا يزال يعمل في جوانبه إزميل ~~النحات، وأول الأبيات: # دمشق يا قرة العيون # وبسمة القلب والجبين # لله يوم خلست فيه ms070 # ساعا من الدهر ذي الشجون # دخلت خلف العصور دارا # عاد بها غابر السنين # رأيت تاريخنا تجلى # يفيض بالشعر والفنون ~~... إلخ. # وهي أبيات كثيرة، وصفت فيها دارا قديمة من دور دمشق ذات الحدائق والنوافير، ~~والنقوش والزخارف التي تمثل تاريخنا يوم كنا نبني بأيدينا وعقولنا لأنفسنا، قبل ~~أن نسلب الاستقلال في كل شيء، ونعني بالتقليد في كل شيء! وآخر الأبيات: # خرجت منها، يقول قلبي # للرجل: بالله أنظريني # ومن الأوراق كتاب من «النادي العربي بدمشق» يتضمن شكري على محاضرة ألقيتها فيه، ~~موضوعها: النهضة العربية. # وأوراق غير هذه، فيها حساب الفنادق، وما لي وللحساب؟! ~~••• # هذا ظرف صغير نشرت منه هذه الذكر كلها، وقد مضت عليها تسع سنين، وكأنما وقعت ~~أمس. # وكل حياتنا ملأى بالوقائع والفكر والعبر، ولكنها تمر سريعة مر الزمان، وينحى ~~عليها الزمان المحاء بالمحو والنسيان، فهل من مدكر؟! ~~••• # أثارت هذه الوريقات ذكريات في نفسي تتصل بها ذكريات، وكشف النسيان عن حوادث عفى ~~الزمان على آثارها، فسارعت بكتابة هذه الكلمة قبل أن يمحو الزمان الذكر، ~~ويفجع بعد العين بالأثر! # | عبرة الحادثات # المدنية الأوروبية - على خيراتها - وما أجدت على الناس من علمها ورفاهيتها: مدنية ~~مادية، دعائمها المعادن والأحجار، يصاغ قلبها من الذهب والحديد وأشباههما، ~~ويغذى بالفحم والنفط وأخواتهما، وتدور بها دواليب المصانع والمغازل ~~والمناسج. # قد استحكمت فيها الآلات، وأتقنت الصناعات، حتى أغنت عن الإنسان أدواتها، ونافسه ~~عتادها، فثارت العداوة بين الآلات وصانعيها، وعمالها ومالكيها، وقد أوحى ذلك ~~إلى بعض الأمريكيين فاخترعوا إنسانا آليا يخدم خدمة الإنسان، ويتحرك حركاته. ~~وهل الإنسان في المصانع إلا آلة سريعة العطب؟! # طبع إنسان هذا العصر آليا دائرا لا يألف الاستقرار، ولا يعرف السلام، ولا ~~تتمكن في قلبه المحبة، ولا تستقر في سريرته الشفقة. # واستكلبت هذه الآلات على غذائها، وتنافست في أقواتها، وأحس كل أنها القوة لا ~~العدل، والغلبة لا الإنصاف، فنفخوا في الأمم روح العصبية وغرور العنجهية، وزعم ~~كل قبيل أن أوله خير الأولين، وأنه سيد الحاضرين، وأن بنيه سادة الآتين، وأن ~~الأرض كلها له، وأن الويل لمن جادله، ms071 ثم ما شئت من أناشيد مثيرة، وتربية هائجة، ~~وإيقاظ الوحشية في النفوس، وإشعال البغضاء في الأفئدة، حتى صار الناس - على رغم ~~العلم والفلسفة، وعلى ما قربت بينهم الوسائل الحديثة - أميل إلى الحرب والجلاد، ~~وأحب للتخريب والتدمير من أناسي القرون الخالية! # فبينا تراهم في ظاهر من السلام والوئام يتغنون بحضارتهم، ويعكفون على دراستهم، ~~ويتكلمون في العدل والحرية والأخوة؛ إذ تحكهم التجارب قدح الزناد، فإذا النار ~~تحت الرماد، تغلب عليهم الطباع الحربية، وتسيطر عليهم الحياة الآلية، فإذا ~~الأمم كلها جنود ومصانع للسلاح والمدمرات، وإذا الأوروبي كالذئب الذي لبس جلد ~~الشاة ثم خلعه. # ومهما يكن حظ القوم من العدل والنصفة، ونصيبهم من المودة والألفة، فذلك فيما يشجر ~~بينهم من خلاف، فأما أهل الشرق سكان آسية وإفريقية من الأمم الملونة، فليس لهم ~~في العدل حماية، ولا في القانون نصفة # ذلك بأنهم ~~قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ~~. # وما يزال صدى الأحداث يدوي في آذاننا، وحسبك حروب طرابلس والبلقان والريف؛ فإن ~~ساغ لأوروبي أن يطمئن إلى عدل أوروبة وإنصافها وقوانينها وجماعة أممها، فليس ~~للشرقي أن يسكن إلى ذلك! فهو مال مباح، ودم مهدر. ~~••• # وتلك أمة ينفخ قادتها فيها الغرور والعجب، ويذكرونها مجد الرومان وغابر الزمان، ~~حتى انتفخت أوداجها، وورمت أنوفها، ثم صاحوا فيها قد بطشنا بطرابلس عشرين عاما ~~حتى دوخناها، وذللنا دانيها وقاصيها، ولكنها لا تفي بحاجتنا، ولا تسد ~~مطامعنا. # ونظروا فإذا في إفريقية دولة واحدة مستقلة حفظ عليها استقلالها من دون أمم ~~إفريقية. إنها دولة نصرانية، لم يستبح المغيرون أن يجعلوها كالمسلمين، ولكنها - ~~على نصرانيتها - أمة سوداء، ضعيفة، تسكن أرضا واسعة، صاح زعيمهم: هلم إلى ~~الحبشة، فانبرت العقول تخترع الأوهام والتعلات، والألسن تفتري الكذب، ~~والأقلام تخط الأباطيل، وطفقوا يعيدون قصة الذئب والحمل حينا، ويصرحون بمكنون ~~ضمائرهم حينا، وسار الشر إلى الحبشة في جيوشه ومفترياته. # ويشفق بعض الدول من هذه الغارات، ويخاف عقباها، فيستغيث الحق والعدل، وحماية ~~الضعيف، والاقتصاص من القوي، وتتوالى نذر الحرب، وتطيف بمصر مقدماتها، وتقف مصر ~~بين دولة محتلة، وأخرى مجاورة، تشقها ms072 الطريق بين الحبشة وإيطالية. # تهيب مصر بجيشها، فإذا جيش ضئيل، وسلاح كليل، وتدعو بنيها، فإذا نفوس أبية، ~~وسواعد قوية، ولكنها لم تدرب للقتال، ولم تعد للنضال، ولم تشهد الزحوف، ولم ~~تعتد التعرض للحتوف، لم تحمل السلاح، ولم تتمرس بآلات الكفاح: أنفس عزيزة، وأمة ~~ذليلة! ويقول من أبى على الأمة أن تأخذ للأيام أهبتها، وتعد للخطوب عدتها: لا ~~تراعوا، هأنذا أدفع عنكم! فاشكروني ولا تكفروني. # ولو ترك لنا من قبل، أن نعبئ جيوشنا، ونعد سلاحنا؛ لكان شكرنا أعظم وأجدى، وكنا ~~في أنفسنا أعز وأقوى، وأنى يعز من يدفع عنه في عقر داره، ولا يعول عليه في ~~حماية نفسه: # ودرى من أعزه الدفع عنه # فيهما أنه العزيز الذليل # هذا موقف الذلة والمهانة، والضعة والاستكانة، موقف من لا يملك لنفسه نفعا ولا ~~ضرا، ولا يجلب لها خيرا ولا شرا: # رب عيش أخف منه الحمام! # ذلكم درس للحادثات مبين، وعظة للخطوب بليغة، فعلى المصريين راعيهم ورعيتهم، ~~ودهمائهم وقادتهم أن يفهموا الدرس ويعوه، ويتدبروا الموعظة، وينتفعوا بها، ~~ومهما تنجل عنه السحب المكفهرة، وتنكشف عنه الحادثات المنذرة؛ فليعملوا برأي ~~واحد، ويد واحدة، ويتوسلوا بالعزم والحكمة، حتى لا يقفهم الزمان هذا الموقف ~~مرة أخرى # إن في ذلك لذكرى ~~. # | لمعات # إلى الفيلسوف الشاعر محمد إقبال # جوابا لكتابيه «أسرار خودي» و«رموزبي خودي»: # 1 # للصوفية فلسفة عالية في العالم والإنسان والخالق، ولهم آراء حكيمة في ~~الأخلاق والاجتماع، وقد صاغوا كثيرا من آرائهم في صور شعرية جميلة، ~~تجلى فيها القلب الإنساني في أرقى مداركه، وأصفى منازعه، وصور فيها ~~خفايا النفس الإنسانية. # وفي العربية كثير من الشعر الصوفي مفرق في الكتب، وفيها دواوين خصت بهذا ~~الضرب من الشعر، أسيرها ذكرا ديوان ابن الفارض، ودواوين ابن عربي، ~~وديوان النابلسي. # ولشعراء الفارسية المقام الأسمى في الشعر الصوفي، وقد حاكاهم فيه شعراء ~~التركية والأردية، وأعظم شعراء الفارسية في هذا مجد الدين سنائي، وفريد ~~الدين العطار، وجلال الدين الرومي، وهو زعيم شعراء الصوفية وفلاسفتهم ~~جميعا. # 2 # وكأن الله - سبحانه - أراد أن يبعث مولانا جلال الدين في ms073 هذا العصر، ~~مزودا فلسفته وعلومه إلى فلسفة الصوفية وصفاء نفوسهم، فبعثه في صورة ~~شاعر الإسلام وفيلسوفه: محمد إقبال الهندي. # ولإقبال منظومات كثيرة معظمها بالفارسية، وبعضها بالأردية، وقد ضمنها من ~~الفلسفة والتصوف والأخلاق والاجتماع والسياسة ونقد المدنية ما يملأ ~~القارئ إعجابا. والرجل حر يكره التقليد، ويحذر منه، فعقله وقلبه ~~ظاهران في كل ما يكتب. # ومن منظوماته كتابان سماهما: «أسرار خودي» و«رموزبي خودي»؛ أي أسرار ~~الذاتية، ورموز اللا ذاتية. ومدار البحث في الأول أن العالم قائم على ~~«الذاتية»، وأن حياة الإنسان بإبراز ما أودع فطرته من المواهب، وتقوية ~~نفسه، ومدار البحث في الكتاب الثاني بيان ائتلاف الأفراد في الجماعة، ~~وما تقوى به الجماعات. وقد شرح ذلك شرحا مبينا، وضرب الأمثال، ~~واستشهد التاريخ، وسما إلى الدرجة العليا في الشعر. # وقد ترجمت في مجلة «الرسالة» صفحات من الكتابين، ومن ديوانه «بيام مشرق» ~~الذي جعله الشاعر جوابا للشاعر الألماني جوته. # 3 # وقد بدا لي أن أنشر في الرسالة منظومة أهديها إلى إقبال، وأجعلها صدى ~~لكتابيه المذكورين آنفا. # وأريد مع هذا أن أنهج بها في العربية نهجا جديدا، وأجعلها مثلا ~~للمعاني السامية التي يتناولها الشعر إذا أطلق من عقاله، وحرر من ~~الموضوعات الضيقة التي اعتادها جمهور الشعراء، ولا سيما المعاني التي ~~تكثر في أشعار الصوفية العظام، ثم أريد أن أجعلها مثالا للقافية ~~المزدوجة التي قصرها شعراء العربية على الرجز المشطور، كما قصروا الرجز ~~على نظم العلوم كالألفية والجوهر المكنون والتاريخ، كمنظومة ابن عبد ~~ربه في أمراء بني أمية، والقصص ككتاب كليلة ودمنة، والصادح والباغم. ~~وينبغي أن يسري هذا الضرب من التقفية إلى أبحر الشعر الأخرى، حين تعالج ~~الموضوعات الواسعة، فهذا الذي سنى لشعراء الفارسية وغيرهم أن ينظموا ~~عشرات الآلاف من الأبيات في قصة واحدة أو كتاب واحد. # وقد اخترت وزن الرمل ليسره وخفته، واقتداء بجمال الدين في المثنوي، ~~ومحمد إقبال في بعض كتبه، ولا سيما «أسرار خودري» و«رموزبي ~~خودري». # 4 # ثم التفعيلة الثالثة في الرمل تأتي تامة «فاعلاتن»، ومقطوعة «فاعلات»، ~~ومحذوفة «فاعلا»، والقافية المزدوجة تجعل كل ms074 شطرين متفقين في الروي ~~منفصلين ببعض الانفصال عن غيرهما. # فينبغي أن يسوغ الجمع في المنظومة الواحدة بين أبيات على فاعلاتن، وأخرى ~~على فاعلات أو فاعلا تيسيرا للناظم، ولكن الجمع بين فاعلا وفاعلات حسن ~~لا عيب فيه؛ لأن الحرف الأخير في فاعلات لا يتأتى إلا بعد مد. وبهذا ~~المد يتم الوزن، فيأتي الحرف بعد المد نهاية للصوت، فلا يشعر المنشد ~~باختلاف النغمة بين فاعلا وفاعلات، مثال هذا: البيتان الآتيان: # رب معنى في ضمير يكتم # ليس في الناس عليه محرم # وقلوب رمسها هذي الصدور # أتراني مسمعا من في القبور؟ # البيت الأول بني على فاعلا، والثاني على فاعلات، لكن الراء في كلمتي ~~الصدور والقبور واقعتان بعد مد، فتأتيان في نهاية الصوت كأنهما لا ~~تحسبان في وزن البيت، وليس الأمر كذلك في الجمع بين فاعلاتن وغيرها؛ ~~ففي البيتين الآتيين: # كان لي الليل مدادا فنفد # وطغى قلبي بمد بعد مد # جاشت الظلماء موجا بعد موج # وغزاني الوجد فوجا بعد فوج # إذا سكنت الجيم في موج وفوج يبنى البيت على فاعلات، فتجده قريبا جدا ~~مما قبله، وإذا حركت الجيم يبنى على فاعلاتن، فيبعد عما قبله بعض ~~البعد، فينبغي أن يجتهد الناظم ألا يجمع بين فاعلا أو فاعلات وبين ~~فاعلاتن في منظومة واحدة؛ رعاية لانسجام النغمات. # وإني أدعو أدباء العربية إلى العناية بهذا المثال الذي أقدمه في المعاني ~~والقوافي ليقبلوه على بينة، أو يردوه بالحجة. والله ولي ~~التيسير. # أيها الليل، إليك المفزع # كم حنت منك علينا أضلع! # كم خفينا في غيابات الدجى # وملأنا الليل هما وشجا! # كم ألفت الليل أما حانيه # وكرهت النجم عينا رانيه! # كم ألفت الليل وحشا راقبا # في شعاع الصبح سهما صائبا! # كم بثثت الليل سرا كتما # فوعاه الليل عني ألما؟ # كانت الظلماء لوحا للألم # خطت الآهات فيه كالقلم! # كان لي الليل مدادا فنفد # وطغى قلبي بمد بعد مد # جاشت الظلماء موجا بعد موج # وغزاني الوجد فوجا بعد فوج # فنيت هذي، وهذا زاخر # وانجلت هذي، وهذا غامر # خلتني في الليل جمرا سعرا # ونجوم الليل ms075 منه شررا # إرة قد وقدت في أضلعي # 1 # وسحاب هاطل من أدمعي ~~••• # كنت سطرا لم يفسره أحد # خطه في غيبه الله الصمد # في ضميري كل معنى منبهم # حرت في الإعراب عنه بالكلم # قد ثوى العالم في قلبي وما # خط شيء فيه إلا الحرف «ما» # 2 # جل قلبي أن أراه جام جم # 3 # صور الأقطار فيه تنتظم # إنما الأقطار في قلبي العميد # أحرف أوحت إلى معنى بعيد # رب معنى في ضمير يكتم # ليس في الناس عليه محرم # 4 # وقلوب رمسها هذي الصدور # أتراني مسمعا من في القبور؟ # 5 # أنا في الناس فصيح أعجم # ناطق فيهم كأني أبكم! # صمت الآذان عن هذا البيان # ضاع في ضوضائهم هذا الأذان! # كيف يجدي القوم هذا النغم # وعلى الآذان ران الصمم؟ # كيف يجدي القدح في هذا الحجر؟ # قلبه رخو خلي من شرر # إن خفق القلب قدح مجهد # بعضه يورى، وبعض يصلد # كيف يجدي النفخ في هذا الرماد # طفئ الجمر ولم تور الزناد؟! # 5 # 6 # يخرق الليل شعاع يخفق # ثم يلتف عليه الغسق # كمنار البحر يخفى ويلوح # فيه بين الغيب والومض وضوح # أو يراع الليل يخفى وينير # فهو سطر من غياب وحضور # 7 # تارة يبدو طريقا لحبا # قامت الظلماء فيه نصبا # أو بيانا من بياض وسواد # كبياض الطرس يعلوه المداد # كل لون فيه حرف مفصح # ألفت منه سطور وضح # وأراه تارة خطأ أحم # وكأن الضوء تفصيل الظلم # فهو سطر من ظلام أرقط # أعجمت معناه تلك النقط # كل لون فيه حرف أعجم # وحوى الأحرف سطر مظلم # 8 ~~••• # يا لبينى أوقدي، طال المدى # أوقدي عل على النار هدى # 9 # أوقدي يا لبن قد حار الدليل # أوقدي النار لأبناء السبيل # ارفعي النار وأذكي جمرها # عل هذا الركب يعشو شطرها # شردي هذا الظلام الجاثما # أرشدي هذا الفراش الهائما # حبذا النار بليل توقد # حبذا المؤنس هذا الموقد # حبذا عندك هذا النزل # لو حدانا في سفار منزل # ما لذا المنزل قد سار الفريق # إنما النيران أعلام الطريق # قد ترحلنا من الفج العميق # لا ms076 نبالي بقريب أو سحيق # رن في آفاقنا هذا النداء # فأممنا البيت يحدونا الرجاء # 10 # قد غنينا عن مبيت ومقيل # وعن الأمواه والظل الظليل # وعن الرغبة والخوف سوى # خلع النعلان في وادي طوى # 11 # نحن لا نرضى بنار الغسق # نحن لا نرضى بنور الشفق # نحن لا نرضى بنجم الصبح لاح # لا ولا نرضى تباشير الصباح # نحن لا نرضى نجوما لامعه # إنما نبغي ذكاء طالعه # قد رحلنا بالجوى والحرق # وغنينا عن رسم الأينق # أين منا طائرات سبق # جمع الغرب لها والشرق # نحن ركب في جواه موضع # لم يسعه في جواه موضع # كل حر ضاق عنه الموطن # وانطوى دون مناه الزمن # كل طيار على متن الفكر # وعلى متن هيام لا يقر # طائر منه يغار الملك # طائر من تحته ذا الفلك # بارق في اللوح لا ينطفئ # كل غايات لديه مبدأ # زودينا بهيام ووجيب # زودي يا لبن من هذا اللهيب # 6 # 12 # جال في الظلماء نورا من نغم # مزقت منه دياجير الظلم # أشعاع فيه صوت صائح # أم كلام منه نور لائح؟ # أذن الركب لهذا المنشد # أطرب الناشد صوت المنشد # 13 # سال في القلب مسيل المطر # ينبت الروح بسهب مقفر # أو خرير الماء من نبع زلال # بشر الغارق في بحر الرمال # رن في نفسي رنين الجرس # صاح في أذني فقيد مبلس # طوت البيداء عنه السابله # وهداه الصوت شطر القافله # سبق القلب إليه الأذنا # كبلال لصلاة أذنا # دار قلبي شطر هذا المطرب # دورة الإبرة شطر القطب # غنني يا منيتي لحن النشور # ابركي يا ناقتي، تم السرور # عدت يا عيدي إلينا، مرحبا # نعم ما روحت يا ريح الصبا # 14 ~~••• # حبذا الصوت فمن هذا البشير؟ # ومن الهاتف بالقلب الكسير؟ # ومن المسعد في هذي الهموم؟ # ومن البارق في هذي الغيوم؟ # ومن الهابط في نور السما # هاديا في الأرض جيلا مظلما؟ # ومن الهادي إلى أرض الحبيب # يعرف النهج وقد حار اللبيب؟ # ومن السائق شطر الحرم # وإلى الأصنام سير الأمم؟ # ومن القارئ في بيت الصنم # سورة الإخلاص في هذا النغم؟ # ومن الحر ms077 الذي قد حطما # في قيود الأسر هذا الأدهما؟ # ومن الآبي على كل القيود؟ # ومن القاطع أغلال العبيد؟ # ومن الباعث في ميت الأمم # ثورة العزة من هذي الهمم؟ # لاح كالغرة في هذا السواد # بص كالجمرة في هذا الرماد # جرف الناس أتي مزبد # ضل فيه المقتدى والمرشد # وطغى اللج عليه والتطم # فرسا كالصخر في هذا الخضم # عارض الموج على أغماره # وطوى اللج على تياره # سبح اللج وبالشط استقر # داعيا والناس غرقى في النهر # يجرف التيار جسما جامدا # تقذف اللجة قلبا خامدا # إن عزم الحر بحر مزبد # جائش في الدهر لا يتئد # هذه الأقدار في تسيارها # همم الأحرار في أسفارها # 15 # ومن الشاعر يذكي القافيه # فهي نور وهي نار حاميه؟ # تقشعر الأرض من أوزانه # ويهيم النجم من ألحانه # وكأن الدهر صوت كتبا # قد حكاه الشعر صوتا مطربا # 16 # هو بالأشعار بحر فائض # وهو للأزمان قلب نابض # حدثته الأرض عن أخبارها # وحبته الزهر من أسرارها # هو بالأمس خبير بغد # وهو اليوم نجي الأبد # كشف الله عن الغيب له # فلسان الغيب يملي قوله # عرف الشرق وراد المغربا # فانجلى السر له ما كذبا # فرأى العلم سبيلا للردى # إذا رأى القلب خليا من هدى ~~••• # صوت «إقبال» على شط المزار # أسمع اليقظان في هذي الديار # | السوقية في الأدب1 # قرأت مقال الأستاذ الزيات الذي عنوانه: «دفاع عن البلاغة»، فوقع في نفسي على ~~القبول والاستحسان، وألفيته ترجمانا عن معان ترددت في نفسي، ورددها لساني، ~~وذكرني بحديث تحدثت به في دمشق في دار الأستاذ الصديق العلامة محمد كرد علي، ~~رئيس المجمع العلمي العربي. # أذكر أني جلست والأستاذ مرة، فأخذنا بأطراف الأحاديث بيننا، وأفضنا في أمور شتى، ~~حتى دفعنا في الكلام عن الأدب، وما عرض له من آفات، وما حاق به من مساوئ ~~الاتجار، ومسايرة الآلات الحديثة عجلة واندفاعا، ومن تملق الجمهور بالإسفاف ~~إليه، والتيسير عليه، وإمتاعه وتلهيته بما يلائم القراءة العجلى، والنظرة ~~السريعة. وقد أجملت هذا كله في كلمة فقلت: «قد غلبت السوقية على الأدب.» قال ~~الأستاذ: أصبت المحز بهذه الكلمة، ms078 وأحسنت التعبير عما يسميه الفرنسيون: # Mercantalisme ~~. # وبيان هذا أن الآلات الحديثة يسرت الصناعة وعممتها وزوقتها، ولبست الجيد الثمين ~~والرديء الرخيص في بعض المظاهر، فطمح كل في اقتناء الأمتعة التي كان لا يطمع ~~فيها إلا الأغنياء، وطمع الفقراء في منافسة الأثرياء بأمتعة تقارب أمتعتهم أو ~~تشبهها شكلا ولونا، وقابل الصناع والتجار هذا الطموح وذاك الطمع بما يسده من ~~بضاعة مزيفة خداعة، وكسدت الصناعات اليدوية الجيدة التي تكلف الصانع عمل ~~الأشهر أو السنين، وأعرض الناس عنها مشفقين من تكاليفها، فمن لم يملك ثمن ~~الحرير الطبيعي، أو لم تسخ يده به، عمد إلى الحرير الصناعي، ومن لم يستطع ~~اقتناء الذهب، اقتنى المذهب أو المموه، ومن لم يتسع ماله لاشتراء الماس، ~~اشترى ما يشبه الماس، وهلم جرا. # فشاع بين الناس الصناعي إلى جانب الطبيعي، والمقلد إلى جانب الأصلي، والسوقي إلى ~~جانب المستصنع، والزيوف إلى جانب الجود، والبهرج بجانب الصحيح. # والعلم على هذا القياس، فقد تولت الحكومات التعليم فيما تولت، فحددت زمانه ~~ومكانه، وموضوعه ودرجاته، وخطت الخطط لتعميمه، وجعلت له شهادات تشهد لصاحبها ~~بالعلم، وعلى من لا يحملها بالجهل، وحشر إلى دور العلم الراغب والكاره، والأهل ~~وغير الأهل، ووجه الأحداث الوجهة التي يريدها العرف أو النظام أو الضرورة، لا ~~التي تميل إليها نفسه، وتختارها مواهبه، وجرف التيار الناس، فصارت المدارس ~~مصانع تصنع التلاميذ على قوالب متماثلة أو متشابهة، أو مطابع تخرج آلاف النسخ ~~من كتاب واحد، وتقدم أصحاب الشهادات إلى الأعمال، كما تعرض السلع في ~~الأسواق. # قال بعض السامعين: أليس نشر العلم وتعميمه خيرا للناس؟ قلت: لا ريب أنه خير، ~~ولكن معه شرا هو الذي حدثتك عنه، ولست أبغي الآن أن أفيض في هذا الداء ~~وأدويته، ولكن ساقنا إليه الحديث في الأدب. # قال أحد الأصحاب: وهو الحديث الذي بدأناه ثم حدنا عنه، فلم نعد إليه. # قلت: والأدب على هذا النسق: الجرائد والمجلات والكتب شاعت وانتشرت، وصار الكاتب ~~بهذه الوسائل الحديثة السريعة يعرض على الناس ما يكتب، وكأنه ماثل أمامهم ~~يحدثهم به أو يخطب فيهم، فهو ms079 يسايرهم مسايرة المحدث أو الخطيب، ويلقاهم كل يوم ~~على صفحات الصحف، يلتمس رأيهم فيما كتب، ويتعرف موقعه من نفوسهم، وكلما أرضى ~~الكاتب جمهرة القراء سمع ثناءهم عليه، وإكبارهم إياه، فحرص على هذا الرضاء، ~~رغبة في علو المكانة وبعد الصيت، واضطر إلى أن يسف إليهم، دون أن يرفعهم إليه، ~~وأن يجاريهم، دون أن يصدهم عما يشتهون، وأن يلاينهم، دون أن يحملهم على ما ~~يكرهون، أو يكبحهم عما يهوون، وأن يلهيهم ويضحكهم، لا يشق عليهم ولا يسومهم ~~عناء، فكأن الكاتب تاجر، وكأن كتابته سلع في الأسواق أيضا، والتاجر يلتمس لكل ~~سوق ما يروج فيها، والرديء الرائج خير له من الجيد الكاسد! # ووراء هذا أصحاب الصحف والمكتبات والمطابع يبغون الربح في تجارتهم، والربح على ~~قدر إقبال الجمهور على ما يخرجون، وإقبال الجمهور على قدر هواه ومتعته ولهوه؛ ~~فالكاتب الذي يرضي الجمهور ويمتعه ويلهيه أقرب إلى أصحاب الصحف والمكتبات ~~والمطابع، يبذلون له المال، ويسارعون إلى نشر ما يريد، على حين يجفون الكاتب ~~المبدع الذي يحمل الناس على المكره، ويقودهم على الطريقة التي فيها صلاحهم، وإن ~~نفروا عنها نفور المريض من الأدوية الكريهة. # قال صاحبي الملول: وما وراء هذا؟ قلت: وراءه ما زعمته أول الحديث من غلبة السوقية ~~في الأدب؛ فقد صار بضاعة في السوق، أو تلهية في الملاهي، أروجها أقربها إلى ~~عقول الناس وطباعهم وإن تفهت وحقرت، وانتهت بهم إلى المهالك، وأكسدها ما علا عن ~~إدراك العامة وأشباه العامة، وما اقتضى فهمه عقلا وعلما، وضاق عن الجمهور، ~~ووسع الخاصة وحدهم، فمن شاء مالا ورواجا وصيتا ومكانة عند العديد الأكثر؛ ~~فليطلع على الناس كل يوم بقصة أو نادرة أو ملهاة مما يقرأ في القطار والترام ~~وحين انتظارهما، وليتجنب الموضوعات التي تحوج القارئ إلى الجد والكد، والألفاظ ~~التي تحتاج إلى علم باللغة واسع، والأساليب التي تقتضي التمهل والتأمل لإدراك ~~ما فيها من جودة وبراعة وجمال. # ومن ابتغى إصلاح الجمهور وتهذيبه وتعليمه، وشاء الخير العام للناس، ورغب في ~~الحقيقة والجمال، لا يبال أين يقعان من نفوس الدهماء، ms080 فلا يتعجلن المكانة ~~والصيت والمال، وليكتب ابتغاء مرضاة الله، وليدع إلى الخطة الرشيدة، وليسم ~~إلى مستوى الحق والخير والجمال، وليبلغ ما يوحي إليه ربه، ويهدي إليه قلبه. وإن ~~طمع في المكانة وحسن الأحدوثة؛ فليعلم أنه منته إليهما لا محالة، ولن يضيع ~~الخير والحق والإجادة والإتقان على مر الزمان، ولن يذهب العرف بين الله ~~والناس. # فإن سأل سائل: أتريد الناس كلهم على قراءة الأدب الرفيع والفلسفة العالية؟ قلت: ~~لا، لا، بل أريد ألا تتحكم السوقية في الأفكار والأقلام، وألا يطغى الرواج على ~~الجودة، أريد أن يؤدي الكاتب أمانته، ويبين عقيدته، غير حاسب حساب السوق، وليكن ~~بعد هذا في الكتابة ما يلائم العامة وما يلائم الخاصة، وما يجمع بينهما. أريد ~~أن يعلو الكاتب ما مكنه طبعه، وأن يدق ما شاء له فنه، لا يعنيه إلا أن يؤدي ~~واجبه على الوجه الأكمل. # وكذلك أريد أن ينزل الكاتب الآخر كما يريد طبعه، وأن يسهل ويدنو كما يشاء فنه، ~~لكل وجهة، ولكل مجال، ولكل قراء. وإذا صدق كل كاتب نفسه، وأخلص لعمله ، فرقت ~~الكتاب المعارف والطبائع، فعلا جماعة وهبط آخرون، وبعد كاتب وقرب آخر، وكانت ~~ضروب الكتابة معبرة عن ثقافة الأمة وأذواقها، ملاقية أصناف الناس بما يسد ~~حاجاتهم، ووجد الناس الصعب والسهل، والبعيد والداني، والغالي والرخيص كلا في ~~بيئته وفي مظانه. # لا أدعو إلى أن يصير الأدباء فنا واحدا في البيان، وأسلوبا عاليا في ~~الكتابة، ولكن أخشى أن تذهب السرعة بالإتقان، وتطغى التجارة على الإحسان، ~~ويمتحن الكتاب حتى يروا حسنا ما ليس بالحسن، ويجرفهم السيل فيتجهوا حيث يريد ~~الناس لا حيث يريدون، وينتقل الزمام من يد القائد إلى يد المقود، ويسير الإمام ~~خلف المأموم، فتنبهم الغايات، وتلتبس الطرق، وتشتبه الأعلام. وما ظنك بجماعة ~~تسير على غير سبيل إلى غير غاية؟! # | المنصور بن أبي عامر # مفخرة من مفاخر التاريخ العربي، ومثل من الهمة الطامحة، والنفس الهمامة، والعزم ~~الذي لا يفل. # 1 # ينتسب إلى قبيلة معافر إحدى قبائل اليمن. دخل جده عبد الملك بن عامر الأندلس # 1 ms081 # في جند طارق بن زياد، وأقام بعد الفتح في الجزيرة الخضراء، ~~فكان له ولبنيه شأن. واتصل أبو عامر جد المنصور بالخلفاء في قرطبة، ~~وعدت أسرة أبي عامر في أسر الوزراء. وكان أبو حفص والد المنصور ~~متألها زاهدا، شغل بالحديث عن خدمة الخلفاء، ومات قافلا من الحج، ~~فدفن بمدينة طرابلس. # وأم المنصور من أسرة تميمية؛ أسرة بني برطال. ويقول القسطلي في ~~المنصور: # تلاقت عليه من تميم ويعرب # شموس تلالا في العلا وبدور # من الحميريين الذين أكفهم # سحائب تهمى بالندى وبحور # 2 # ونشأ محمد «المنصور» نجيبا، طماحا، عظيم الهمة، كبير القلب، أثر عنه ~~أيام طلبه العلم بقرطبة نوادر تنبئ باعتداده بنفسه، واستشرافه للمعالي، ~~يقول محمد بن إسحاق التميمي: # كان محمد بن أبي عامر نازلا عندي في حجرة فوق بيتي، ~~فدخلت عليه في بعض الليالي في آخر الليل، فوجدته ~~قاعدا على الحال التي تركته عليها أول الليل حين فصلت ~~عنه، فقلت له: ما أراك نمت الليلة! قال: لا، فقلت: ما ~~أسهرك؟ قال: فكرة عجيبة، قلت: فبماذا كنت تفكر؟ قال: ~~فكرت إذا أفضي إلي الأمر ومات محمد بن بشير القاضي، ~~بمن أستبدله، ومن الذي يقوم مقامه؟ فجلت الأندلس كلها ~~بخاطري فلم أجد إلا رجلا واحدا، فقلت: لعله محمد بن ~~السليم، قال: هو والله، لشد ما اتفق خاطري ~~وخاطرك. # وكذلك رشحته للمعالي نفسه العظيمة، وآماله الكبيرة. والمرء حيث يضع ~~نفسه. # صار محمد من أعوان قاضي قرطبة محمد بن السليم، ثم تقلب في القضاء، وجعل ~~وكيلا لعبد الرحمن بن الخليفة المستنصر وأمه، ولما مات عبد الرحمن ~~جعل وكيلا لأخيه هشام، ورتب له خمسة عشر دينارا كل شهر. # وعرف الخليفة قدر الرجل، فكان يندبه فيما يعضل من الأمور، ثم ولاه الشرطة ~~الوسطى، ولم يأل ابن أبي عامر جهدا في التقرب من هشام وأمه صبح، ~~وكانت ذات مكانة عند الخليفة. # وعهد الخليفة إلى ابنه هشام، فحرص ابن أبي عامر على أن يحتفظ لهشام ~~بولاية العهد، ثم الخلافة بعد أبيه، على كثرة ما اجتهد الصقالبة في ~~تولية المغيرة بن ms082 عبد الرحمن الناصر عم هشام. # وتولى قيادة الجيش إلى غزوة نكص عنها كبراء الدولة، ورجع منها مظفرا، ~~فزاد هيبة ومكانة، ثم ولي شرطة قرطبة، فسيطرت على المدينة هيبته وعدله، ~~فأمن الأخيار، وسكن الأشرار. # يقول صاحب البيان المغرب: # فضبط محمد المدينة ضبطا أنسى أهل الحضرة من سلف من ~~أفراد الكفاة وأولي السياسة، وقد كانوا قبله في بلاء ~~عظيم، يتحارسون الليل كله، ويكابدون من روعات طراقه ما ~~لا يكابد أهل الثغور من العدو، فكشف الله عنهم بمحمد ~~بن أبي عامر وكفايته وتنزهه، فستر باب الشفاعات، وقمع ~~أهل الفسق والدعارات، حتى ارتفع البأس، وأمن الناس، ~~وأمنت عادية المتجرمين من رجال السلطان، حتى لقد عثر ~~على ابن له، فاستحضره في مجلس الشرطة وجلده جلدا ~~مبرحا كان فيه حمامه، فانقطع الشر جملة. # ولما رجع من غزاته الثالثة ظافرا، رفعه الخليفة إلى الوزارة، وجعل راتبه ~~ثمانين دينارا، وهو راتب الحجابة، ثم شارك أبا جعفر الحاجب، ثم استبد ~~بالحجابة عام سبعة وستين وثلاثمائة، فقد بلغ أرفع مناصب الدولة. # 3 # سيطر ابن أبي عامر سبعة وعشرين عاما على الأندلس كلها، فصرف أمورها في ~~الحرب والسلم كما يشاء، ولم تجتمع أمور الأندلس في يد واحدة قادرة إلا ~~في يد عبد الرحمن الناصر، ويد المنصور بن أبي عامر، فأما الناصر فقد ~~ورث ملكا ثبته رأيه وعزمه، ومضاؤه وإقدامه، وأما ابن أبي عامر فقد ~~رفعه إلى السلطان نفس طماحة، وعزيمة ماضية، وخلق مرير، ولم تكن هيبته ~~في نفس أعداء الأندلس دون هيبته في الأندلس، فقد أولع بالغزو، وانتدب ~~للجهاد، فغزا خمسين غزوة في شمال الأندلس لم تنكس له راية، ولا بعدت ~~عليه غاية، حتى بلغ شنت ياقوب في أقصى الجزيرة إلى الشمال والغرب، وما ~~طمع أحد من المسلمين قبله أن تنال همته هذا المكان القصي. # لقد صدق صاحب البيان حين قال: # ثم انفرد بنفسه، وصار ينادي صروف الدهر: هل من مبارز؟ ~~فلما لم يجده حمل الدهر على حكمه، فانقاد له وساعده، ~~فاستقام أمره منفردا بمملكة لا سلف له فيها. ومن أوضح ms083 ~~الدلائل على سعده أنه لم ينكب قط في حرب شهدها، وما ~~توجهت قط عليه هزيمة، وما انصرف عن موطن إلا قاهرا ~~غالبا، على كثرة ما زاول من الحروب، ومارس من ~~الأعداء، وواجه من الأمم. وإنها لخاصة ما أحسبه يشركه ~~فيها أحد من الملوك الإسلامية. ومن أعظم ما أعين به مع ~~قوة سعده، وتمكن جنوده: سعة جوده، وكثرة بذله؛ فقد كان ~~في ذلك أعجوبة الزمان. # 4 # وكان المنصور عادلا شديدا في الحق، لا تأخذه فيه محاباة ولا شفقة، ولا ~~يعرف في إنفاذ الحق هوادة. # جاء إلى مجلسه رجل فناداه: يا ناصر الحق، لي مظلمة عند هذا الفتى. وأشار ~~إلى أحد فتيانه، وقد دعوته إلى الحاكم فلم يأت، قال المنصور: اذكر ~~مظلمتك، ما أعظم بليتنا بهذه الحاشية! وقال للفتى: انزل صاغرا، وساو ~~خصمك في مقامه حتى يرفعك الحق أو يضعك، وقال لصاحب الشرطة: خذ بيد هذا ~~الظالم الفاسق، وقدمه مع خصمه إلى صاحب المظالم ينفذ فيه حكمه بأغلظ ما ~~يوجبه الحق. # ولما عاد الرجل المتظلم إلى المنصور يشكره، قال له: # قد انتصفت أنت، فاذهب لسبيلك، وبقي انتصافي أنا ممن ~~تهاون بمنزلتي. # وعاقب الفتى وعزله. # ما ثبت سلطان هذا الرجل الطماح المتسلط المقدام إلا بهذا العماد من العدل ~~والإنصاف، وإيثار الحق على نفسه وخاصته. # وكان له فصاد، فاحتاج له يوما، فقيل له: إنه في حبس القاضي؛ لحيف كان ~~منه على امرأته. فأمر المنصور بإخراجه مع رقيب من رقباء السجن ليفصده ~~ثم يعود إلى محبسه. وشكا الرجل إلى المنصور ما ناله من القاضي، فقال: ~~يا محمد، إنه القاضي، وهو في عدله، ولو أخذني الحق ما أطقت الامتناع ~~عنه، عد إلى محبسك أو اعترف بالحق؛ فإنه هو الذي يطلقك. # فمن يسأل عن ملك العرب والمسلمين كيف ثبت هذه الحقب الطويلة على أعاصير ~~الخطوب؟ ففي هذا وأمثاله جواب! # 5 # وكان على كثرة مشاغله ذا عناية بالأدب والعلم، يجتمع العلماء والأدباء كل ~~أسبوع ويتناظرون في حضرته، ويمدحه الشعراء. # وكان - رحمه الله - دينا متألها ورعا، كتب بيده مصحفا ms084 كان يحمله في ~~أسفاره، وجمع ما علق بثيابه من غبار الحرب وأوصى أن يجعل في حنوطه إذا ~~مات، كما فعل أمير العرب ابن حمدان من قبله: صنع من غبار الوقائع لبنة ~~لتوضع في قبره تحت رأسه، واتخذ المنصور كفنه من مال موروث من أبيه، ومن ~~غزل بناته اتقاء للشبهة، وتورعا أن يكون في أكفانه مال يرتاب ~~فيه! # 6 # توفي المنصور سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة غازيا بمدينة سالم، في أقصى ~~الثغور الأندلسية، ففرح أعداؤه بموته، وصوروا جنازته، ولا تزال صور ~~الجنازة في متاحف أوروبة. # رحم الله المنصور بن أبي عامر؛ إن في سيرته لقدوة حسنة لكل طامح يسمو إلى ~~الدرجات العلى في المنصب والدين والخلق. # رحم الله المنصور؛ إن في سيرته لحجة يوم نفاخر بتاريخ العرب ~~والإسلام. # | محيي الدين النووي والسلطان بيبرس # كان شيخ الإسلام أبو زكريا يحيى النووي، من أعلام العلماء في القرن السابع ~~الهجري، ذا مكانة عالية بين علماء الفقه والحديث، وكان له في التقوى والورع ~~والزهد سيرة محمودة، وفي نصرة الحق وتأييده مواقف مشهودة. # ولا بأس أن نثبت هنا بعض سجعات ابن السبكي: «كان يحيى - رحمه الله - سيدا ~~وحصورا، وليثا على نفسه هصورا، وزاهدا لم يبال بخراب الدنيا إذا صير ~~ربع دينه معمورا، له الزهد والقناعة، ومتابعة السالفين من أهل السنة ~~والجماعة، والمصابرة على أنواع الخير، لا يصرف ساعة في غير طاعة. هذا مع التفنن ~~في أصناف العلوم متون أحاديث، وأسماء رجال، ولغة، وتصوفا إلى غير ذلك.» # ولست أبغي هنا ترجمة النووي، ولكن أذكر وقعة كانت بينه وبين الظاهر بيبرس. وهي ~~واحدة لها أمثال في سيرة الشيخ، ولها نظائر كثيرة في تاريخ الإسلام: # كان بيبرس ملكا مجاهدا، أبلى في قتال التتار والصليبيين بلاء عظيما، وقد ~~انتظمت شجاعته وعزيمته مع شجاعة أسلافه وأخلافه من الأيوبيين والمماليك، فكانت ~~سطرا من الجهاد والجلاد وقى البلاد المصرية مصائب الغزاة، وخيب دونها آمال ~~الصليبيين مائتي سنة، وكذلك كانت همته وإقدامه هو وجنوده في مصر والشام كالطود، ~~ارتد عنه سيل التتار بعد أن جرف ms085 البلاد الإسلامية من سمرقند وخوارزم إلى حلب ~~ودمشق، فعلموا جنود هلاكو في «موقعة عين جالوت» وما بعدها، أن مصر أبعد من أن ~~يطمعوا فيها، وأن الشام أعز من أن يسيطروا عليه. # وكان بيبرس في جهاده المستمر وحربه المتمادية يتوسل إلى المال يستعين به على ~~جهاده، وكان الشيخ النووي يكتب إليه ناصحا كلما رأى في عمل السلطان شدة، أو ~~جورا، أو مخالفة للشرع، لا يني في هذا ولا يداهن، ولا تأخذه رغبة ولا ~~رهبة. # كتب مرة إلى السلطان هو وبعض العلماء يطلبون رفع بعض المكوس، ويوصون بالعدل ~~والشفقة، فكان في الجواب إنكار وتوبيخ وتهديد، فكتب الشيخ النووي يجادل فيما ~~تضمنه جواب السلطان، ويقول: # وأما تهديد الرعية بسبب نصيحتنا، وتهديد طائفة العلماء، فليس هو ~~المرجو من عدل السلطان وحلمه، وأي حيلة لضعفاء المسلمين في ~~الناصحين نصيحة للسلطان ولهم، ولا علم لهم به؟ وكيف يؤاخذون ~~به لو كان فيه ما يلام عليه؟ وأما أنا في نفسي فلا يضرني ~~التهديد ولا أكثر منه، ولا يمنعني ذلك من نصيحة السلطان؛ فإني ~~أعتقد أن هذا واجب علي وعلى غيري، وما ترتب على الواجب فهو ~~خير وزيادة عند الله تعالى: # إنما ~~هذه الحياة الدنيا متاع وإن ~~الآخرة هي دار القرار ~~، # وأفوض أمري إلى الله إن ~~الله بصير بالعباد ~~. وقد أمرنا رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # أن نقول الحق حيثما كنا، وألا نخاف في الله ~~لومة لائم. # ولما ذهب السلطان إلى الشام لمحاربة التتار، أراد أن يأخذ مالا من الرعية يستظهر ~~به على العدو، واستفتى العلماء فأفتوه، ثم سأل الشيخ النووي أن يشارك العلماء ~~في الفتوى، فلما حضر الشيخ قال السلطان: اكتب خطك مع الفقهاء، فامتنع، قال ~~السلطان: لماذا لا تكتب؟ قال الشيخ: # أنا أعرف أنك كنت في الرق للأمير بندقدار، وليس لك مال، ثم من ~~الله عليك وجعلك ملكا، وسمعت أن عندك ألف مملوك، كل مملوك له ~~حياصة من ذهب، وعندك مائتا جارية، لكل جارية حق من الحلي، فإذا ~~أنفقت ذلك كله وبقيت مماليكك بالبنود الصوف ms086 بدلا من الحوائص، ~~وبقيت الجواري بثيابهن دون الحلي، أفتيتك بأخذ المال من ~~الرعية. # قال الظاهر للشيخ: اخرج من بلدي. يعني دمشق. # قال الشيخ: السمع والطاعة. وخرج إلى نوى. # فأنكر الفقهاء أن يخرج مثل النووي من المدينة، وسألوا السلطان أن يرجعه، فأمر ~~السلطان بإرجاعه، فأبى الشيخ وقال: لا أدخلها والظاهر بها. # لست أدري أكان السلطان محقا في فرض ما فرض من المال أم لا، ولست - لذلك - أعرف ~~أكان الشيخ محقا في جبه السلطان بما جبهه به، ولكن لا ريب عندي أن السلطان ~~أحسن حين التمس فتوى العلماء قبل أن يجمع المال، وأن الشيخ أدى واجبه حين صارح ~~السلطان بما يعتقد، ولم يأخذه في الحق خوف ولا طمع، وأن محيي الدين النووي قد ~~فقه أحسن الفقه ما على العلماء من النصيحة لأولي الأمر، والجهر بالحق في غير ~~مداهنة ولا خوف. # رحم الله النووي، لقد كان من علماء المسلمين، ولله تاريخ المسلمين كم فيه من ~~أمثال محيي الدين! # | الفريقان المتحاربان في فلسطين # الحق والباطل # يحترب في فلسطين فريقان: فريق العرب يذود عن ذماره، ويدفع عن حقه، ويدعو ~~إلى النصفة والعدل، وإلى أن يعيش هو وخصمه أمة واحدة في بلد واحد، لكل ~~حقه، وعلى كل واجبه. # وفريق آخر من شذاذ الآفاق، وخبث الأقطار، يلجون على العرب ديارهم، ~~بأيديهم المال والسلاح، وما أورثهم تاريخهم والعيش الذليل في أوروبا من ~~ختل وغدر، يظنون أنهم صاروا أمة لأن باطلا يجمعهم، وعدوانا يربط ~~بينهم. وكل فرقة منهم تنمى إلى أمة، وكل جماعة تنتسب إلى بلد، وكل فرد ~~يحمل سحنة تنافر سحنة أخيه، ولا تشبهها إلا في سمات اللعنة فيها، ~~ومياسم الخزي عليها. # ويقول هؤلاء الأرذلون: لا نرضى نصفة معكم، ولا مساواة بكم، ولكنا نريد ~~وطنا ودولة، وأنف الحق راغم، ودعوة العدل صاغرة، وإن لنا قوة من ~~سلاحنا، ومالنا، وحيلنا، وغدرنا، وخيانتنا، ولنا أعوان في أوروبا ~~وأمريكة يسحرون بالمال، ويسخرون بكل الوسائل رؤساء الدول، وأئمة ~~الساسة، وأصحاب الصحف، وبيدهم المصارف ودور السنيما وكل وسائل النشر ~~والتضليل؛ فيأيها العرب المساكين، ms087 أفسحوا المجال لدولة إسرائيل! # ويقول العرب: لا لا، بل # تعالوا إلى كلمة ~~سواء ~~، نسويكم - أيها الطراء المتطفلون - بأهل ~~البلاد الذين أقرهم التاريخ فيها، لا يعرفون غيرها وطنا، ولا يتخذون ~~غيرها دارا، فهلموا إلى الدولة الواحدة، والشريعة العادلة، والتآخي ~~والتناصف! # فتقول هذه الوجوه الملعونة، وهذه الفئات الطريدة: لا لا، إن أرضكم لنا، ~~ودياركم لدولتنا، فانزلوا على حكمنا صاغرين! # ويحمى العربي، وهو سمح لا خنوع، وجواد لا جبان، وحليم لا ذليل، ويستنصر ~~حقه، ويتوكل على ربه، ويستمد سجاياه وشيمه، وأخلاقه ومكارمه، ثم يستوحي ~~تاريخه، ويحشد مآثره؛ فيستبق إليه من أحداث تاريخه ومآثر أمته ما يثبته ~~في المحنة، ويوقره في الشدة، وينثال إليه من عز ماضيه ومجد سلفه ما ~~يهون عليه كل خطب، ويقحمه كل هول. # ويصول عليه عدوان اليهود ومن ورائه مدد من قوى أوروبا وأمريكة، وتدور به ~~خدع المخادعين، وتهاويل المهولين، وهو العربي الذي يعرف نفسه ويعرفه ~~التاريخ، ويهزأ بالشدائد إذا جد الجد، ويحقر الأهوال إذا اشتد ~~البأس: # فأثبت في مستنقع الموت رجله # وقال لها: من تحت أخمصك الحشر! # إن العربي يعرف ما في أيدي أعدائه، وأعوان أعدائه من مكر، وما لديهم من ~~مال وسلاح، وما عندهم من علم وفن، ولكنه يعرف كذلك ما له من حق، وما ~~عنده من كرامة، وما فيه من إباء، وما يمده به تاريخه من ثبات في ~~الأزمات، وصبر في الخطوب، فيقدم على الأهوال ذاكرا قول سلفه: # إذا هم ألقى بين عينيه عزمه # ونكب عن ذكر العواقب جانبا # ويتقدم، فيزيده الهول مضاء والنار صفاء، منشدا: # فإن تكن الأيام فينا تبدلت # بنعمي وبؤسي والحوادث تفعل # فما لينت منا قناة صليبة # ولا ذللتنا للذي ليس يجمل # ولكن رحلناها نفوسا كريمة # تحمل ما لا تستطيع فتحمل # وقينا بحسن الصبر منا نفوسنا # فصحت لنا الأعراض والناس هزل # حسب الصهيونيون أن الأمم مال وربا، وأشكال وألوان، وهياكل وجدران، وبغي ~~وعدوان، وغفلوا عن حقيقة الإنسان. الإنسان الكريم نفس كريمة، وقلب ~~شجاع، وخلق أبي، وما وراء ذلك صور وزخارف، وخدع وأباطيل، تذوب إذا ms088 ~~وقدت النار، وتبوخ إذا حمي الوطيس. # ألا ساء فأل الأوغاد وخاب ظنهم حين زينت لهم أموالهم وزخارفهم أنهم للعرب ~~أكفاء وأنداد، فلتبطل دعواهم الوقائع، ولتكذب ظنونهم المعارك. # ألا إنه إن تحدى باطل الصهيونيين حق العرب، وجرؤ شذاذ الآفاق على خير ~~الأمم، ولم يلقوا كفاء بغيهم من ردع، وجزاء عدوانهم من خزي: # فيا موت زر إن الحياة ذميمة # ويا نفسي جدي إن دهرك هازل # أيها العرب الأباة، إنه يوم له ما بعده، فاصدعوا الأهوال بقلوب متفقة، ~~وأيد مجتمعة، وامضوا إلى الغاية التي هي بكم أجدر، وبتاريخكم أليق، ~~إنكم تقاتلون حيث قاتل آباؤكم في اليرموك وأجنادين وحطين، وقد حطموا ~~الباطل في كبريائه، وردوا البغي في غلوائه، فزلزلوا بهؤلاء البغاة ~~الديار، وردوا جند الصهيونيين بالخزي والدمار، واتركوها على التاريخ ~~مأثرة إلى مآثر آبائكم، وسجلوها على الأيام مفخرة إلى مفاخر أسلافكم # ولا تهنوا ولا تحزنوا ~~وأنتم الأعلون إن كنتم ~~مؤمنين ~~. # الكرم واللؤم # 1 # ما ينقم اليهود من العرب إلا أنهم حموهم، وأحسنوا إليهم، وفسحوا لهم في ~~ديار العرب يعيشون أحرارا، ويغشون معابدهم كما يشاءون، ويتولون أمورهم ~~الدينية دون حرج . # فتح العرب فلسطين، والروم يسيطرون عليها، والأمكنة التي يقدسها اليهود، ~~والتي يعادون العرب من أجلها اليوم مزابل عفى عليها الزمان والهوان، ~~فطهر العرب هذه الأمكنة، وجعلوها مساجد تعظيما لها، واتباعا لأمر ~~الإسلام الذي يعترف بما في الأديان السابقة من حقائق ويعظمها، ويبين ~~أنه الدين العام الجامع، الذي يجمع كل ما أوحاه الله إلى رسله في ~~العصور كلها، والأقطار جميعها، بعد أن ينفي عنها تحريف المبطلين، ~~ويخلصها مما علق بها من خرافات الجاهلين. # وعاش اليهود في كنف العرب أحرارا في فلسطين وغير فلسطين، وتبحبحوا في ~~الأقطار العربية خاصة، والإسلامية عامة، وساروا سيرتهم في عبادة المال، ~~والتوسل إليه بكل الوسائل، فوجدوا مرتعا خصبا، ومتقلبا ~~فسيحا. # وقد بلغوا في أقطار العرب مناصب علية، وكان لجماعات منهم شأن عظيم في ~~الدولة الفاطمية في مصر، والدولة الإيلخانية في العراق، ودول العرب في ~~الأندلس وغيرها. ~~••• # ثم ضرب الدهر ضربانه، ودار الفلك ms089 دورانه، وجاء اليهود إلى فلسطين يزحمون ~~أصدقاءهم في ديارهم، ويستعينون على حماتهم بالأمم التي كرهتهم وأذلتهم ~~وشردتهم، ففقدوا بأعمالهم صداقة العرب، ولم يكن لليهود صديق سواهم في ~~هذا العالم. # وينسى اليهود تاريخهم وتاريخ العرب كله، ويرمون العرب بكل ما علمتهم ~~أوروبا من عدوان، وبكل ما في سجاياهم وتاريخهم من ختل وعداوة للبشر ~~جميعا، إلا من كان يهوديا، وقالوا بزعمهم: هذه بلادنا ومواطننا، نحن ~~أولى بها، قد عشنا فيها زمنا، وسيطرنا عليها حقبة، ولسنا نبالي أن ~~يكون العرب استوطنوها بعدنا، وعاشوا فيها أكثر مما عشنا، وسيطروا عليها ~~أطول مما سيطرنا، ودافعوا عنها ونحن مشردون في أقطار الأرض، وهم اليوم ~~فيها يعمرونها، ويقلبون في أرجائها، ويحفظون فيها آثارهم ومآثرهم، وفي ~~جوانبها قبور آبائهم الذين استشهدوا فيها، ودفعوا عنها جبروت الروم، ~~وجالدوا من أجلها الصليبيين مائتي سنة! # يقول اليهود: لا نعرف التاريخ، ولا نذكر فضل العرب؛ فإنا قوم لا نزن ~~الأمور إلا بالمال والمنفعة، ولا نقدر الأشياء إلا بفائدتنا وشهوتنا، ~~وإن نال غيرنا ضر؛ فهذا الضرر هوانا وبغيتنا، وبه جذلنا وغبطتنا، ~~فإننا نعمل لأنفسنا، ونبغض البشر أجمعين، سواء منهم من أساء إلينا - ~~كأهل أوروبا - ومن أحسن إلينا كالعرب، ولكننا نستعين بجماعة على أخرى، ~~ونتمنى أن يهلكوا جميعا! ~~••• # لليهود ماض في فلسطين، وللعرب ماض وحاضر، لليهود فيها تاريخ انقطع منذ ~~عشرات القرون، وللعرب تاريخ موصول منذ عشرات القرون. # لليهود في فلسطين تاريخ ذليل مشرد، انقطع بجلائهم عنها، ويأسهم منها، ~~وللعرب تاريخ مجيد عزيز، دافع عنها في غير يأس، واستقر بها في غير ~~ذلة. # لليهود في فلسطين أحجار مهدومة يبكون عليها، هي بقايا الأحداث، وفضلات ~~العصور، وللعرب آثار قائمة مشيدة، تصل تاريخهم، وتشهد بمآثرهم، وتكذب ~~دعوى اليهود في كل بقعة. # لليهود في فلسطين صفحات في الكتب، وللعرب صفحات خالدات في أوديتها، ~~وجبالها، ومدنها، وقراها. # ولو لم يكن للعرب في فلسطين إلا أنهم دافعوا الصليبيين فيها، وحولها أكثر ~~من مائتي عام، حتى أجلوهم عنها، وأقروا مجدهم وتاريخهم فيها، لكان هذا ~~كفيلا لم بحقهم فيها أبد الدهر! ms090 ~~••• # حق العرب في فلسطين يقاتل باطل اليهود، وإحسان العرب يقاتل كفران اليهود، ~~وكرم العرب يلاقي لؤم اليهود. # يتقاتل في فلسطين الحق والباطل، والخير والشر، والمروءة والنذالة، ~~والأخلاق الإنسانية العالية، والطبائع الحيوانية الدنيئة، والتاريخ ~~العزيز القائم، والتاريخ الذليل الميت! # وإن عدل الله - سبحانه - وإن كرامة الإنسان، وإن أخلاق البشر، وسنن ~~الخليقة لتأبى أن يغلب جند الباطل جند الحق، والفئة اللئيمة الفئة ~~الكريمة، وأعوان الشر أعوان الخير، وحزب الشيطان حزب الله # بل نقذف بالحق على الباطل ~~فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما ~~تصفون ~~. # | ضربات معول # 1 # في العام الخامس من الهجرة تألب الشرك على التوحيد، وائتمر الباطل بالحق، ~~وكاد الشر للخير. تقاسم رءوس الضلالة ليغزن «المدينة»، وليقتلن ~~هذه الجماعة الناشئة، وليبطلن تلك الدعوة الجديدة. # مشى يهود «خيبر» إلى قادة قريش، وحرضوا القبائل الضاربة غربي «نجد» وشرقي ~~«خيبر»؛ قبائل غطفان، فاجتمعت كلمة هؤلاء وهؤلاء على غزو «المدينة» ~~والبطش بالمسلمين. # ورأى المسلمون أنهم لا قبل لهم بهذه الأحزاب، لا يستطيعون دفع قريش ~~وغطفان وألفافهما، لا قبل لهم بهذه الجموع الحاشدة من قيس عيلان وقريش ~~ومن انحاز إليهم. هذه الجموع التي قال فيها حيي بن أخطب، أحد زعماء ~~اليهود الذين ألبوا الناس على المسلمين، حين جاء إلى كعب بن أسد ~~القرظي، رئيس بني قريظة - وهم بقية اليهود في «المدينة» - فقال له ~~يحرضه على نقض عهد المسلمين: «ويحك يا كعب! جئتك بعز الدهر، وببحر طام، ~~جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلهم بذنب نقمى إلى جانب ~~أحد، قد عاهدوني وعاقدوني على ألا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن ~~معه.» # أهم المسلمين هؤلاء الأعداء، فأشار سلمان الفارسي بحفر خندق يصد ~~الجيوش عن المدينة، فخط رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في موضع المخافة من ~~المدينة، وذلكم في شماليها، من حيث يطمع العدو في دخولها. وأما الجوانب ~~الأخرى فكانت ممتنعة على الغزاة بجبالها ونخيلها. خط الرسول الخندق من ~~أجم الشيخين إلى المذاد، # 1 # وقطعه بين الصحابة أربعين ذراعا، لكل عشرة رجال، وجد ~~المسلمون ليفرغوا من الخندق قبل أن ms091 يدهمهم العدو، والرسول يشرف عليهم، ~~يشاركهم أحيانا في عملهم وارتجازهم. # 2 # وبينما عشرة من الصحب يحفرون قسمهم من الخندق إذ لقوا صخرة قاسية أثرت في ~~معاولهم، ولم تؤثر فيها المعاول، وكرهوا أن يعدلوا عنها فيحيدوا عما ~~خطه الرسول لهم، فقالوا لسلمان الفارسي، أحد هؤلاء العشرة: اصعد فانظر ~~ماذا يأمر رسول الله؟ فرقي سلمان فقال: # يا رسول الله، بأبينا أنت وأمنا، خرجت صخرة بيضاء عن ~~الخندق مروة فكسرت حديدنا، وشقت علينا، حتى ما نحيك ~~فيها قليلا أو كثيرا، فمرنا فيها بأمرك؛ فإنا لا ~~نحب أن نجاوز خطك. # قال راوي القصة عمرو بن عوف المزني: # فهبط رسول الله مع سلمان في الخندق، ورقينا نحن التسعة ~~على شفة الخندق، فأخذ رسول الله المعول من سلمان فضرب ~~الصخرة ضربة صدعها، وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها، # 2 # حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر ~~رسول الله تكبير فتح وكبر المسلمون. ثم ضربها رسول ~~الله الثانية، فصدعها، وبرقت منها برقة أضاءت ما بين ~~لابتيها، حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول ~~الله تكبير فتح وكبر المسلمون، ثم ضربها رسول الله ~~الثالثة فكسرها، وبرقت برقة أضاءت ما بين لابتيها، حتى ~~لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله وكبر ~~المسلمون. # ثم أخذ بيده سلمان فرقي، فقال سلمان: بأبي أنت وأمي يا ~~رسول الله، لقد رأيت شيئا ما رأيته قط! فالتفت رسول ~~الله إلى القوم فقال: هل رأيتم ما يقول سلمان؟ قالوا: ~~نعم يا رسول الله، بأبينا أنت وأمنا! قد رأيناك تضرب ~~فيخرج برق كالموج، فرأيناك تكبر فنكبر، ولا نرى ~~شيئا غير ذلك. # 3 # قال رسول الله: أما الأولى فقد أضاءت لي منها قصور ~~الحيرة ومدائن كسرى، والثانية أضاءت لي منها قصور ~~الحمر من أرض الروم، والثالثة أضاءت لي منها قصور صنعاء؛ # 4 # فأبشروا يبلغهم النصر! وأبشروا يبلغهم ~~النصر، وأبشروا يبلغهم النصر. # 3 # إن هذا لشيء عجاب: جماعة قليلة لم تستطع الدفع بأيديها وأسلحتها فاعتصمت ~~بالخندق تتقي به عدوا أكثر عددا، وأعظم ms092 عدة، جماعة قليلة جاهدة ~~يدهمها عدو حاقد محنق قد صمم على أن يستأصلها، وليس لهذه الجماعة ردء ~~على الأرض ولا مدد، وهي تكدح لحفر الخندق، وتكل أيديها، فينزل قائدها ~~يعينها ويواسيها، على حين أحاط بها الخوف # وإذ ~~زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ~~وتظنون بالله الظنونا ~~. # وفي هذه المخاوف، وعلى هذه الحال يتحدث هذا القائد بفتح المشرق والمغرب، ~~ما أعظمها دعوى! وما أعجبها أمنية! # كذلك قال الذين رأوا عددا قليلا من الناس يحفر أرضا ليتقي عدوه، ولم ~~يروا ما وراء هذه الأجسام القليلة من معان كثيرة. # قالوا: «ألا تعجبون؟ يحدثكم ويمنيكم، ويعدكم الباطل، يخبركم أنه يبصر ~~من «يثرب» قصور «الحيرة» و«مدائن كسرى»، وأنها تفتح لكم وأنتم تحفرون ~~الخندق ولا تستطيعون أن تبرزوا.» # وإذ يقول ~~المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما ~~وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ~~. # أجل، من ير هذه الجماعة القليلة تدرأ عن نفسها بهذه الحفيرة، يعجب ألا ~~يشغلها ضعفها، والهول الذي دهمها، والخوف الذي أحاط بها عن التحدث ~~بالفتح؛ فتح المشرق والمغرب # إنها لإحدى ~~الكبر ~~! # 4 # لا لا، لم تكن في المدينة جماعة قليلة، ولكن كان الحق يصاول الباطل، ~~والخير يدفع الشر ، والإيمان ينازل الكفر، والتوحيد يواثب الشرك، والعزم ~~يقاتل الخور، والاجتماع يثبت للافتراق، والصبر يصمد للجزع، واليقين ~~يتحدى الشك، كانت معان تقاتل معاني، وما ضر المعنى الظافر في سنة الله ~~قلة أنصاره على الأرض، ولا نفع المعنى المنهزم في قانون الله كثرة ~~سواده في الناس. # وما كان مسلمو الخندق يحادون قريشا وغطفان ويهود وحدهم، بل كانوا يحادون ~~الأمم كلها. لقد انقسم العالم يومئذ فريقين: أهل المدينة الذين يحفرون ~~الخندق، ومن في خارج المدينة في جزيرة العرب وفي غير الجزيرة من أقطار ~~الأرض كلها. # لقد كان هذا الخندق فاصلا بين جماعتين: جماعة قليلة تحتضن حقا وليدا، ~~وتاريخا جديدا، وتلتف حول عقيدة وشريعة وخلق، وبين سواد الأمم كلها ~~يموجون في باطلهم، ويسيرون في مواكب للجهالة والإثم، والعدوان والظلم، ~~ويحوطون أوثانا من الحجر، أو أصناما من البشر. # وما كان العرب إلا العدو ms093 الأدنى، عرف هذه الجماعة فحذرها، وكرهها فآذاها، ~~ثم أشفق منها، فائتمر بها، وعزم ليأخذن عليها الطريق، وليمنعنها أن ~~تنتشر على الأرض، وليفرقن جمعها، ويبددن نظامها، ويبطلن دعوتها. وكانت ~~أمم الأرض كلها من وراء هؤلاء العرب حربا على هذه الجماعة لو قاربوها ~~وخالطوها. # وما كان العرب المشركون في حرب العرب المسلمين وأعدائهم إلا حدا بين ~~عصر وعصر، وفاصلا بين تاريخ وتاريخ. # ولكن العرب الكثيرين من قريش وغطفان ويهود - وهم طلائع جيش الأرض كلها - ~~لم يكونوا في أنفسهم، وفيما انطوت عليه هذه الأنفس من معان أقوى ولا ~~أولى بالظفر من هذه الجماعة القليلة. دع للعدد القليل وللعدد الكثير، ~~وانظر هذه المعاني تتقاتل تجد التوحيد يحارب الوثنية، والفضيلة تقاتل ~~الرذيلة، والنظام يدافع الفوضى، تجد الخير والشر، والعدل والجور، ~~والحرية والعبودية، والحق والباطل في معترك، فانظر لأي هؤلاء ~~العاقبة! # وهل كان المعول في يد رسول الله، وضربات المعول في هذا الصخر الأصم، وهذه ~~البرقات التي ماج بها الهواء كالمصباح في بيت مظلم إلا الحق يصادم ~~الباطل، والإيمان يصاول الشرك، والنور يمزق الظلام، والحق العزيز ~~المصمم يكسر ما يعترضه، ويدمغ ما يصده. # كانت هذه الضربات رموزا لما وراءها من جهاد وجلاد، وكان هذا الضوء ~~بيانا لما يتصل به من هدى، وكانت يمين الرسول العزم المصمم، وكان كل ~~خير وحق وفضيلة في النفس التي تبطش بهذه اليد. # كانت هذه المعاني كالشرارة الصغيرة تؤجج ما شاء الله من نار ونور، ~~والآحاد في الأعداد تستوعب كل ما يدركه العد، وكالفكرة الأولى تفتح ~~للعقل طريقا مديدا، ومذهبا جديدا، وكحروف الهجاء تنتظم لغات ~~العالم، وكقرص الشمس يغمر العالمين نورا. # كذلك سخر الذين سمعوا قصة «محمد» ومعوله، وعرفوا حديث القائد المحصور ~~يبشر بفتح العالم! ولكن كثيرا من هؤلاء الساخرين عاشوا حتى سمعوا صدى ~~هذه الضربات في «اليرموك» و«القادسية»، وما تلاهما شرقا وغربا، ~~وأبصروا برقها يصعق «يزدجرد» و«هرقل» وجنودهما، وكل جند للباطل على ظهر ~~الأرض. # ورأوا المعاني التي مثلتها هذه الضربات، وقد صارت بالباطل غير رفيقة، ~~وزلزلت الظلم غير مشفقة، وانتشرت في ms094 المشرق والمغرب كالسحاب مجلجلا، ~~مضيئا، صاعقا، ممطرا منبتا. # عاش الساخرون عشر سنين، فرأوا جزيرة العرب تدين لصاحب المعول، ورأوا فارس ~~والروم تخر لضرباته، والمشرق والمغرب يستضيء بهذه البرقات، وعلموا ~~يقينا أن محمدا صدقهم حينما وعدهم فتح العالم وهو قائم في الخندق ~~يحطم بمعوله الصخرة التي أعيت على أصحابه. # | عمر المختار وأصحابه1 # في كل فج عزمهم سيار # إلى الردى تهافتوا وطاروا # في حومة الموت لهم أوطار # جماعة ليس لهم ديار # إلا ظهور الخيل والغبار # يصول فيهم بطل مغوار # شيخ المنايا عمر المختار # تأبى لهم كرامة الإسلام # يأبى إباء العرب الكرام # أن يسلموا الأوطان دون الهام # منيتهم مشارع الحمام # بين ربا برقة والوديان # وفي الدحال وعلى الرعان # وفي شعاب الأرض والمحاني # فلوا جيوش الظلم والعدوان # ومزقوا كتائب الطليان # ووسموا معاطس الزمان # وأنفوا مواطن الهوان # تأبى لهم كرامة الإسلام ~~... ... ... ... ... # سلاحهم عزيمة الجهاد # وقوتهم ما سلبوا الأعادي # يصابرون الأكبد الصوادي # ويأكلون الجوع في البوادي # قد يئسوا يأسا من الأمداد # إلا ثبات القلب في الجلاد # ونصرة الرحمن للعباد # تأبى لهم كرامة الإسلام ~~... ... ... ... ... # أولئك العرب بني الحتوف # بقية الأرزاء والسيوف # قد ثبتوا في المأزق المخوف # بكل قلب بالردى هتوف # آبى الدنايا ثائر عيوف # قد انتموا لشمم الأنوف # تأبى لهم كرامة الإسلام ~~... ... ... ... ... # نبئت أن القوم عاودوا الجلد # فقتلوا رهن الحبالة الأسد # ليهنهم ليهنهم عار الأبد # يا عمر المختار ليثا يفتقد # يا خالدا قرين خالد يعد # للموت قد حملتم هذا الكبد # لو شئتموا لكان عنه ملتحد # أبت لكم كرامة الإسلام ~~... ... ... ... ... # قد رعتهم في حومة النزال # وجئت بالممكن والمحال # حتى رأوا قتلك في الأغلال # مأثرة تليق بالرجال # فلتهنهم شجاعة الأبطال # ولتهنهم مفخرة الأجيال # بطولة تنوء بالجبال # أبت لكم كرامة الإسلام ~~... ... ... ... ... # يا قومنا وكم مضت لكم عبر # يعرف فيها أمره من اعتبر! # العربي عندهم دم هدر # إسلامه جناية لا تغتفر # شهادة الفاروق نلت يا عمر # للحر موت واحد فيه الظفر # والذل موت كل يوم مدخر # أبت لكم كرامة الإسلام ~~... ... ... ... ... # يا قومنا فاستمعوا الأمثالا # يبعثها الدهر لكم أرسالا # عدوكم لا يفهم ms095 الأقوالا # حتى يكون المدفع القوالا # فأقدموا لا ترهبوا الأهوالا # وزلزلوا السهول والجبالا # لا تحملوا من ذلهم أغلالا # أبت لكم كرامة الإسلام ~~... ... ... ... ... # عبد الكريم قد مضى وحيدا # 2 # يجر في محبسه الحديدا # والأطرش الضرغام يغشى البيدا # 3 # قد ضربت صحراؤه سدودا # وعمر مضى لكم شهيدا # فامضوا إلى المجد أباة صيدا # لا تخنعوا بين الورى عبيدا # أبت لكم كرامة الإسلام ~~... ... ... ... ... # لا تيأسوا فما يدوم الضر # ليل من الخطوب يكفهر # والصبح في أعقابه يفتر # معترك أرجاؤه تغبر # والنصر من ورائه يخضر # هيا إلى العلياء لا تفروا # العيش عبد والحمام حر # | على بحيرة وندرمير # الآن أيتها البحيرة أجلس على شاطئك وحيدا لأبعث في ثناياك خيالا مع الأخيلة ~~التي تمر عليك ليلا ونهارا، وليت ضوضاء الناس تتركني لنفسي، لأحدثك حديث ~~القلب، وأبثك ما في الضمير. أنت مائجة بين جبالك المخضرة، وضفافك النضرة، قد ~~أقام الربيع عليك أعراسه، وأمر الشباب عليك أنفاسه، فإذا أنت مرآة تطالعها كل ~~ناضرة من الزهر، ومائسة من الشجر، وكل جميلة من البشر؛ فخبريني - والشتاء يقترب ~~- كم أقام الشتاء مأتمه على ضفافك، وأمات كل حياة حولك! # كم ضربك القر فسكنت! وكم أمضك الزمهرير فجمدت! كذلك أنت أيتها البحيرة ~~الجميلة في نعمائك وبأسائك، وبين ربيعك وشتائك، منذ انبجس بك العهد المجهول، ~~إلى أن يغيض بك الزمان المظلم. # حدثيني أيتها البحيرة: كم طوت أحشاؤك أخيلة على أخيلة، كما تمحو الفكرة الفكرة في ~~رأس الفيلسوف القلق؟ أو كما خط في القرطاس سطر على السطر! كم شهدت صفحتك من ~~جذلان ومحزون، وممتع بالحياة ومغبون، كم شهدت من قلب للقاء الحبيب خفاق، ~~وآخر يمزقه الفراق! وكم رأيت إنسانا كالعصفور متزينا يملأ الهواء ~~بالأصداء، وآخر واجما يطالع فيك صورة السماء! برحت به الحقائق، فأوى إلى ~~الخيال، ورأى الحياة ضلالا في ضلال. # ليت شعري لو تفتحت صفحاتك عما حوت، ونشرت سريرتك ما طوت، أتكونين على صغرك تاريخ ~~الطبيعة والإنسان في السراء والضراء، والبؤسى والنعماء، والنضرة والذبول، ~~والمرح والكآبة؟ كذلك تمر أشباحنا سراعا على مسرح الحياة، تضطرب ظلالها على ~~الأرض، ms096 ويردد صداها الهواء، ثم يزول الخيال ويفنى الصدى. # ولكنك أيتها البحيرة أبقى على الزمن، وأثبت على المحن، فاضحكي من الإنسان أو ~~فابكي عليه، ومهما تسخري أو ترثي فاحفظي في صدرك، مع الظلال المتراكمة ~~المتزاحمة المتماحية، صورة فتى ركب الزورق على صفحتك وحيدا، وخطا على ضفافك ~~فريدا، وأطال الفكر في أرجائك، وقلب الطرف في أرضك وسمائك، ولو شاء لأطال في ~~وصفك، وأسهب في شرحك، فأضحك وأبكى، ونظم من أمواجك أنغام الموسيقى الإنسانية ~~التي لا يفتأ الزمن يعزف بها، وصور في صفحتك صورا شتى من النعم ~~والمحن. # هكذا يتحدث إليك هذا الإنسان الفرح الحزين، الناعم البائس، فليت شعري هل ترينه ~~مرة أخرى؟ سيفارقك عما قليل، فاحفظي ذكراه أو فانسي؛ فإنه لا محالة زائل عن ~~صفحات الحياة كلها، ومن مكنون صدرك. # | الشاعر المتفائل المتشائم1 # إلى بثينة # إما تجلى الظلام عن غرة الفجر، وتكشف الغسق عن وجه الظلام، فتنفس الصبح، واستيقظت ~~الحياة، وضربت الأشعة في الأرجاء، فانبعثت من مراقدها الأحياء، كما تسطع أشعة ~~الكهربا، فتخلق عالما من السيمياء. # 2 # وإما زحزح ستار المشرق عن الشمس تنازع الأفق عن نفسها، وتحاول السير إلى أوجها؛ ~~فهلم يا بنيتي العزيزة، اصحبيني إلى البرية أنسج لك حديثا من السعادة، وأقرأ ~~لك كتابا من الغبطة، وأشدو لك بقصائد الخليقة البهيجة، تضمنت ألفاظها ومعانيها ~~الفرح ظاهرا وخفيا، والنعيم مخيلا ومرئيا، ونطقت أوزانها وقوافيها ~~بموسيقى الحياة تردد الآفاق أصداءها، ويدوي الفضاء بأنغامها. # فإذا رأيتني متهللا ضاحكا مازحا فكها، فاصحبيني يا بنية واغتبطي، واستزيدي ~~واطربي، واسترسلي في حديثك وضحكك، ومرحك ولعبك، وسليني ما شئت عن الجمال والحب ~~يتجليان في كل خلق، والنضرة والنعيم ينطق بهما كل شيء، وسليني عن محاسن الناس، ~~صدقهم ووفائهم، وتعاونهم ومواساتهم، فستسمعين عن ملائكة تمشي على الأرض، وأبرار ~~تسعد بهم الحياة. # وحذار يا بنيتي ثم حذار أن تذكريني التعس والشقاء، والنضب والعناء، والشر ~~وفاعليه، والإثم ومقترفيه؛ فإني أشفق عليك أن تهب العاصفة، ويموج القلب، ويتجهم ~~الوجه، فتريني نادبا راثيا، ساخطا زاريا، يرد عليك العالم نسجا أسود ~~حاكته المصائب ms097 والآلام، وطرزته الأوجاع والأسقام. إني أخاف عليك أن يثور بي ~~الغم، فلا أحدث إلا عن مأساة مكانها الأرض والسماء، وستورها الصباح والمساء، ~~وسطورها الدموع والدماء، وأشخاصها كل من نسل آدم وحواء. # أخاف أن تريني شاعرا يجيد الأنين والشكوى، ولا يعرف الصبر والسلوى، يعرض عليك ~~قصيدة محبوكة الطرفين بالغم، باكية الأوزان حزينة النغم، تنوح قوافيها، ويولول ~~رويها، ليس في تفاعيلها إلا الأنات، ولا في مصاريعها إلا الزفرات، أشفق عليك ~~يا بنيتي ألا أريك في وميض البرق إلا سواد السحاب، ولا في تلألؤ النجوم إلا ~~رجمة الشهاب، وأن أنشد مع المعري: # إن دنياك من نهار وليل # وهي في ذاك حية عرماء # 3 # لا أرى في الورد إلا الشوك، ولا في النبات إلا الحنظل، ولا في الميلاد إلا الموت، ~~ولا في الإدراك إلا الفوت. # كذلك يا بنيتي خلق أبوك قيثارة تسر وتشجي، وتضحك وتبكي، وكذلك صب في قلبه مرارة ~~البحار، وعذوبة الأنهار، ليس بينهما برزخ. وهو الصخرة تقدح الشرر، وتنبثق عن ~~الينبوع السلسبيل. # إما رأيتني يا بنية واجما مكتئبا، فلا تعنفي علي، فتنكئي جرح الفؤاد، ويفيض ~~عليك بالحزن كل واد، ولكن اصبري للعاصفة حتى تمر، وللنار حتى تهمد، فإن أشفقت ~~على أبيك أن يملكه الحزن، ويزلزله العذاب؛ فسارعي إلى بيانك # piano ~~، واختاري أسعد الأغاني، ثم تلطفي في العزف، ~~وأرسلي صوتك خافتا كالبعيد من الصدى، وابعثي إلي النغمات كأنفاس الصبا، حتى ~~تمسح على جبيني الملتهب، وتخفف من الحزن الثائر، وترفه عن القلب المائج، حتى ~~إذا انبسطت الأسارير، وتهلل الوجه النضير، فانشطي بصوتك، واشتدي على ~~بيانك. # ثم اختلسي النظرات إلي، فإذا أيقنت أن أشعة السرور بددت ظلام الحزن، وأن قد ~~أديل من ليل اليأس لصبح الأمل، فأسمعيني ضحكك، ثم سارعي إلى أبيك فعانقيه، ~~وساقطي على جبهته قبلاتك تساقط الندى في أعقاب الظلام، ثم حدثيني أحدثك بما ~~يطربك. # وهكذا يا بنيتي الحبيبة علي أن أسعدك في ساعات عديدة، وعليك أن تفرجي عني دقائق ~~معدودة، عليك أن تزحزحي عني ظلام الهموم، وعلي أن أخط لك من السعادة ms098 هالة لا ~~يقوى عليها جون الغمام، ولا يذهب ببهائها حلك الأيام، عليك أن تفتحي للبلبل ~~قفصه، وعليك أن يملأ لك الدنيا غناء وتطريبا، وشدوا وترجيعا، عليك أن ~~تدليه على مفتاح الموسيقى، ثم تستمعي لعزفه، وأن تقدمي له طاقة من الورد، ثم ~~تنصتي إلى وصفه. # عليه أن يعرض عليك جنة عرضها الأرض والسماوات، وعليك أن تعطيه مفتاحها إذا ~~أذهلته عنه الحادثات، وأن تشيري إلى الباب إذا أضلته عنه الغير، وغشى على عينه ~~سواد الفكر. عليك أن تمكنيني من القلم، وعلي أن أسطر لك قصيدة سعيدة النغم، ~~وأنظم لك عقدا يتلألأ على صدرك، ويسطع في أيامك، عقدا مثل أبيك من ينظمه، ~~ومثلك من يحمله. # وبعد فيا بثينة، قد وقف القلم، وغام الحزن على وجه أبيك، فليتك هنا لتنقذيه مما ~~به. # | عمر في بيت المقدس1 # 1 # هذا عام ستة عشر من الهجرة، وقد انسابت جيوش المسلمين في الشام والعراق ~~وفارس، وألقت أقاليم الشام بالمقاليد إلا فلسطين، وأبو عبيدة بن الجراح ~~يحصر بيت المقدس، وقد ملأ الأسماع والقلوب بأس المسلمين وعدلهم ~~ووفاؤهم. # عزم أهل البيت المقدس أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس: في عهد المسلمين ~~وحمايتهم وعدلهم، ورغبوا أن يكون صاحب عقدهم عمر ، عمر الذي ملأت سيرته ~~الآفاق، وسكنت إلى عدله النفوس، واشتاقت إلى رؤيته العيون. # وفصل عمر عن المدينة في جمع من الصحابة ومعه مولاه أسلم، خرج يغذ السير ~~إلى الشام؛ ليتفقد أحوال المسلمين، ويصالح أهل فلسطين. # ويمضي في طريقه حتى يبلغ أيلة، # 2 # وينتظر الناس موكب أمير المؤمنين يحسبون أنه سيطلع عليهم ~~في زينته، يحيط به جنده ورجاله. والذي رأى منهم هرقل حين فتح بيت ~~المقدس قبل عشر سنين، أو شهده من بعد في حل أو ترحال، تخيل عمر قادما ~~في موكب كموكب هرقل، أو موكب دونه، ولكنه موكب ملك أو أمير. # لما دنا عمر من أيلة تنحى عن الطريق، وتبعه غلامه، فنزل فمشى قليلا، ثم ~~عاد فركب بعير غلامه، وعلى رحله فرو مقلوب، وأعطى غلامه مركبه. # وكأن عمر خاف أن يداخله ms099 الزهو وهو على مركبه في غير زينة، فآثر أن يشعر ~~نفسه أنه وخادمه سواء، فتحول إلى رحل غلامه. # فلما تلقاه أوائل الناس قالوا: أين أمير المؤمنين؟ قال: أمامكم «يعني ~~نفسه». وذهبوا أمامهم، فجازوه، حتى انتهى هو إلى أيلة فنزلها، وقيل ~~للمتلقين: قد دخل أمير المؤمنين أيلة ونزلها. فرجعوا إليه، # 3 # واجتمع الناس إلى رجل جسيم أصلع أشقر، شديد الحمرة، كثير السبلة # 4 # في أطرافها صهبة، وفي عارضيه خفة؛ رجل لا تقع العين منه ~~إلا على الوقار والتواضع، والشدة في الحق، والرأفة بالضعفاء. رأوا ~~ملكا في زي ناسك، وراعي أمة في صورة راعي ثلة، # 5 # رأوا إنسانا لا تفقد فيه الإنسانية حقيقة من حقائقها، ولا ~~يصيب فيه الجبروت باطلا من أباطيله. # اجتمع الأساقفة والرهبان يرون رجلا في يده الدنيا، ولكنها ليست في قلبه، ~~يملكها ولا تملكه، ويصرفها ولا تصرفه، ويستعبدها ولا تستعبده، وليس ~~شيئا أن تكون زاهدا في صومعة، ولكن العظمة كلها أن تكون زاهدا ~~والدنيا تحت قدميك. «ودفع عمر قميصا له كرابيس، # 6 # قد انجاب مؤخره عن قعدته من طول السير، إلى الأسقف، وقال: ~~اغسل هذا وارقعه. فانطلق الأسقف بالقميص ورقعه، وخاط له آخر، فراح به ~~إلى عمر، فقال: ما هذا؟ قال الأسقف: أما هذا فقميصك قد غسلته ورقعته، ~~وأما هذا فكسوة لك مني. فنظر إليه عمر ومسحه، ثم لبس قميصه، ورد عليه ~~ذلك القميص وقال: هذا أنشفهما للعرق.» # 2 # وسار عمر حتى نزل الجابية # 7 # في وسط الشام التي غلب عليها هرقل، ولكنه دخل الجابية كما ~~دخل أيلة: «قدم على جمل أورق، تصطفق رجلاه بين شعبتي رحله، بلا ركاب، ~~وطاؤه كساء أنبجاني # 8 # ذو صوف، هو وطاؤه إذا ركب، وفراشه إذا نزل، وحقيبة ممزقة، ~~أو شملة محشوة ليفا، هي حقيبته إذا ركب، ووسادته إذا نزل، وعليه قميص كرابيس.» # 9 # وجاءه رجل من اليهود، وكان اليهود يرقبون روح الله بأيدي العرب، ويدعون ~~الله أن يفرج كربهم، ويذهب عنهم جبروت الروم بأيدي المسلمين، قال ~~اليهودي: السلام عليك يا فاروق، أنت صاحب ms100 إيلياء، لا والله لا ترجع حتى ~~يفتح الله إيلياء. # وأقبل وفد بيت المقدس إلى الجابية، فصالحوا، وكتب لهم عهد شهد فيه خالد ~~بن الوليد وعمرو بن العاص وعبد الرحمن بن عوف ومعاوية بن أبي سفيان، ~~وأعطوا الأمان على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم، وألا يكره أحد ~~على الدين، أو يضار في شيء. # وأزمع أمير المؤمنين المسير إلى بيت المقدس، فإذا فرسه يتوجى، # 10 # فأتى ببرذون فركبه، ومشى البرذون مشيته، فأسرع وهز ~~راكبه، فرأى عمر فيها خيلاء، فنزل وضرب وجهه وقال: لا أعلم الله من ~~علمك. هذا من الخيلاء. # 3 # دخل عمر بيت المقدس لا مدمرا مخربا كما دخلها بختنصر، ولا مضطهدا ~~أهلها كما دخلها الرومان من قبل، ولا مزهوا بفتحه كما دخلها هرقل قبل ~~عشر سنين، بعد أن غلب الفرس على الشام، ولكنه دخل رافعا لواء التوحيد ~~والعدل، والأخوة العامة، والمرحمة الشاملة. # دخل المدينة فسار إلى المسجد ليلا، ومضى إلى محراب داود، فصلى فيه، وطلع ~~الفجر بعد قليل، ودوى الأذان في أرجاء المدينة المقدسة لأول مرة؛ صيحة ~~الحق في أعقاب الباطل المهزوم، ترفعها تباشير الصبح في أخريات الظلام، ~~وشهد الله لقد كانت فاتحة الخير والسلم والكرامة للبيت المقدس ومن ~~فيه. # وقرأ عمر في الركعة الأولى سورة «ص»، وسجد حين قرأ آية السجدة: # وظن داوود أنما فتناه ~~فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب ~~، ثم ~~قرأ في الركعة الثانية أول سورة الإسراء «سورة بني إسرائيل»، وفيه وصف ~~ما أصابهم على يد البابليين. # ثم تقدم إلى الكناسة؛ الكناسة التي تراكمت على البيت حين أخرب وهجر، ~~والتي عجز اليهود أنفسهم عن إزالتها حين ملكوا أمر البيت. # تقدم إلى الذلة المكدسة على الحرم، تقدم عمر ليزيلها عن البيت، كما أزال ~~عن أهله الظلم والقسوة، تقدم أمير المؤمنين وجثا، وقال: أيها الناس، ~~اصنعوا كما أصنع. وحثا في فرج من فروج قبائه. وإنما فعل عمر ما فعل ~~تكريما للبيت، وتطهيرا وإيذانا بهذا العهد؛ عهد الطهارة ~~والكرامة. # وسمع عمر التكبير فقال: ما هذا؟ فقالوا: كبر كعب وكبر الناس بتكبيره، ~~فقال: ms101 علي به، فأتي به فقال: يا أمير المؤمنين، إنه قد تنبأ على ما ~~صنعت اليوم نبي منذ خمسمائة سنة، فقال: وكيف؟ فقال: إن الروم أغاروا ~~على بني إسرائيل، فأديلوا عليهم، فدفنوه، ثم أديلوا، فلم يفرغوا له حتى ~~أغارت عليهم فارس، # 11 # فبغوا على بني إسرائيل، ثم أديلت الروم عليهم إلى أن وليت، # 12 # فبعث الله نبيا على الكناسة، فقال: أبشري أوري شلم، ~~عليك الفاروق، ينقيك مما فيك. أتاك الفاروق في جندي المطيع، ويدركون ~~لأهلك بثأرك في الروم. # لقد لبث اليهود خمسمائة سنة ينتظرون أن تطلع شمس الإسلام ويأتي الفاروق، ~~ليحثو التراب في قبائه، ويأمر الناس بتطهير البيت المقدس، وما فقدوا ~~رعاية الإسلام من بعدها إلا تسعين عاما غلب فيها أهل الصليب، فأصاب ~~البيت المقدس ما أصابه، حتى استرجعه رجل من رجال المسلمين، ملك، يتشبه ~~بعمر بن الخطاب في الإشادة بعدل الإسلام، ومرحمة الإسلام. رحم الله ~~صلاح الدين يوسف بن أيوب. # ولكن بني إسرائيل حين رأوا الزمان ينيخ على المسلمين بكلكله، لم يأتوا ~~عونا للعرب والمسلمين، ولم يذكروا فضل الإسلام، ولا حفظوا يد عمر، ولا ~~اعترفوا برعاية المسلمين وحمايتهم إياهم ثلاثة عشر قرنا، بل جاءوا ~~يجزون الحسنة بالسيئة، ويعينون الخطوب على الذين دفعوا عنهم الخطوب، ~~ويناصرون الأعداء على الذين أنقذوهم من الأعداء، ويمالئون الذين دفنوا ~~بيت المقدس على الذين رفعوا عنه التراب والرجس والهوان. # وليت شعري ماذا ينقمون من المسلمين والعرب # يا ~~أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا ~~بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من ~~قبل ~~؟ # | ورد الصباح1 # تنفس الصبح في غسق الليل، ولاحت غرته في هدوء السحر، والنور يسيل من ربا المشرق ~~قليلا قليلا، ويولد اليوم الجديد. # رب فأضئ عقلي بالهدى، ورغب نفسي في الحق والخير، واملأ قلبي بالأمل، وقو ~~يدي على العمل. اشرح صدري، واشدد أزري، واشحذ عزمي لليوم الجديد. # رب قد طويت من عمري صفحات، ونشرت اليوم صفحة، فاجعل صفحتي هذه أوعى للخير، ~~وأخلى من الشر، وزينها بالحق، وبرئها من الباطل، واجعل فاتحتها وخاتمتها ~~الإخلاص لك، ms102 والعمل لوجهك. ~~••• # رب إن عقلي يخدع بالوهم، ويقنع بالظن، ويلبس الحق بالباطل؛ اللهم فاهدني ~~وثبتني، وأرشدني وعلمني، واجعل البرهان الواضح حجتي، والحق البين عقيدتي، ~~سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت علام الغيوب. # رب إن قلبي يشوبه الهوى، ويستهويه الباطل، فخلص اللهم قلبي من الأهواء، ~~واملأه بحب الحق، إنك أنت الحق المبين! # رب وإن نفسي تنزع إلى أن تتزيد فيما لها، وتبخس ما لغيرها، وتحمد بما لم ~~تفعل، وتغمط غيرها ما فعل، اللهم فأشرب قلبي العدل فيما بيني وبين نفسي، ~~وفيما بيني وبين الناس، واجعل حق غيري أحب إلي من باطلي، ورضاك آثر عندي من ~~كل شيء! # رب إن الناس يركنون إلى الدعة، ويعذرون في الواجب، فاجعلني دائبا على العمل لا ~~أمل، قواما بالواجب لا أعتل. # رب إن الناس ينزعون إلى الظلم، ويجنحون إلى المحاباة، ويرضون أنفسهم بباطل ~~يزينونه، وحق ينكرونه، اللهم فبغض إلي الظلم والمحاباة وهوى النفس، واجعل ~~العدل والحق ملء نفسي وقلبي وقولي وعملي. # رب وإن نفسي تنزع إلى إرضاء الأقوياء، والاستهانة بالضعفاء؛ اللهم فاجعل الناس ~~سواسية عندي، واجعلني حربا على الأقوياء المبطلين، نصيرا للضعفاء المحقين، ~~لا تطبيني في حق رغبة ولا رهبة، ولا يأخذني في الصدق خوف ولا رجاء. # اللهم إن الناس استهوتهم الشهوات، وعبدتهم المطامع، تضلهم الكبرياء ، فيصدفون عن ~~الحق، وتضرعهم الذلة، فيخنعون للباطل؛ فاجعلني اللهم متواضعا لا تزهوني نخوة، ~~وقويا لا تأسرني شهوة، وحرا لا يعبدني مطمع، واملأ قلبي كبرا على الصغائر، ~~وأنفة من الدنايا. # اللهم إن القلوب قست، والنفوس أجدبت، والوجوه وقحت؛ فاملأ قلبي رحمة لكل إنسان، ~~ونفسي شفقة على كل حيوان، وأدبني بأدبك، واجعل فكري وقولي وفعلي برا ورحمة ~~وإحسانا. # اللهم واجعلني في الحق جريئا لا أخاف، ومقداما لا أحجم، ومحاربا لا أجبن، ~~عدوا للباطل جريئا عليه، محبا للحق خاضعا له. # اللهم اجعل لي من ذكرك قربا وأنسا، ورجاء وثباتا. # اللهم إني أستقبل يومي مؤمنا بك، متوكلا عليك، مخلصا لك، مجاهدا فيك، راغبا ~~إليك، مستمدا منك. # فأضئ عقلي بالهدى، واملأ قلبي ms103 بالأمل، ورغب نفسي في الحق والخير، واشرح صدري، ~~واشدد أزري، واشحذ عزمي لليوم الجديد. # سبحانك لا إله إلا أنت الحق المبين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم. # | إبرة المغناطيس1 # جلست إلى مكتبي البارحة، فوقع بصري على «بيت الإبرة»، فانفتحت أمامي سبل من ~~الفكر لا تحدها غاية، وإني حين أحاول أن أقيد هذه الفكر على القرطاس ~~لمحاول أن أسلسل بهذه الأحرف خطرات الفكر التي تطوي الأجيال في لمحات، وتجمع ~~السماء والأرض في طرفة عين. # قلت: ما أعجب هذه الإبرة! إنها هادية لا تضل، عارفة لا تخطئ، تنتحي الشمال مهما ~~أدرتها عنه، ولا تنسى عهد المغناطيس مهما أبعدتها منه، ومهما جمعت عليها من ~~الحجب والظلمات، وأضعفت لها في المسافات، فهي مولية وجهها شطره، محسة جذبه، ~~موصولة به، خبيرة بوحيه، لا تنساه، ولا تشرك في هواه، ليت شعري أأهدى من ~~الإنسان هذه الإبرة الصغيرة؟ أجل، إنها لتهدي الإنسان في البر والبحر، والسفر ~~والحضر. # أحسست حينئذ خفقان قلبي يذكرني أن في صدر الإنسان إبرة أخرى مرشدة هادية، تتوجه ~~شطر معدنها أبدا، لا يصدها عنه تطاول الأمد، وبعد المدى. # ألم تهد هذه الإبرة الأمم في ظلمات الجاهلية، وغيابات القرون، فعصمتهم على العلات ~~من الهلاك، وأخرجتهم إلى النور على تكاثف الظلمات، ولا تزال هادية بصيرة ~~بالغاية، خبيرة بالسبيل إليها؟ كم عبدت الإنسان شهواته! وأضلته عن الخير ~~مطامعه! فما زالت هذه الإبرة تضطرب في صدره حتى اهتدى سبيل النجاة، ووضع على ~~هداها منار الطريق. # كم طغت بالإنسان ضغائنه وأحقاده، فما زالت هذه الإبرة تخفق في جوانحه حتى عرف إلى ~~الحب والمودة السبيل، واستقام على النهج لا يميل! # وكم غلا الإنسان في ظلمه وعدوانه، فما زالت تتحرك في أضلاعه حتى أشعرته نفسها، ثم ~~ردته إلى خطة للعدل محمودة، وسبيل من الإنصاف رشيدة! # وكم غدر الإنسان ثم اهتدى بها إلى الوفاء، فندم على ما قدم، واغتبط بما ~~أقدم! # وكم أجرم الإنسان، فوخزته فأفاق، فكأنما صور خلقا آخر ينفر من الإجرام، ويركن ~~إلى السكينة والسلام! # وكم سفلت بالإنسان ms104 سجاياه، فعملت في صدره، حتى سمت به إلى العلياء، وطارت به من ~~الحضيض إلى عنان السماء! # وكم وقفت بالإنسان همته، فدفعته هذه الإبرة العجيبة، فمضى قدما إلى العمل، ~~وهمزته فدأب لا يعرف الكلل! # وكم أظلم على الإنسان طريقه، وعميت عليه أرجاؤه، وأطبقت عليه سحائب سوداء، وأحاطت ~~به ظلمات لا شية فيها من الضياء، فنظر إليها، فإذا هي إلى الغاية دليل، وإذا ~~هي في الظلمات قد استقامت على السبيل! # وكم جارت بالإنسان آراء مضلة، وأفكار غائلة، وأقوال ساحرة، فلما هلك أو كاد، ~~ودارت به الحيرة والإلحاد، أحس اضطرابها في نفسه فسكن، فتهافتت الآراء، وتهاترت ~~الأقوال، وثاب إليه هداه، فوجد أمامه الله! ~~••• # إيه أيتها الإبرة الهادية! ضل الإنسان في صباه وهرمه، وجهله وعلمه، وسعادته ~~وشقائه، ووحدته واجتماعه، وحله وترحاله، لولا هداية الله فيك، وبصيص من نوره في ~~نواحيك، وصلة به لا تنقطع، وشعور به لا يضل، وجذوة من حبه لا تخمد. # وأما الذين أضلتهم الأهواء، فعميت عليهم الأنباء، وتخطفتهم في الحياة المآرب، ~~فتذبذبوا بين شتى المذاهب، وشرق بهم مطمع، وغرب مطمع، وتلونت لهم غيلان من ~~الآمال والأعمال، والذين فقدوا أنفسهم وهم لا يشعرون، وضل سعيهم وهو يحسبون ~~أنهم مهتدون، والذين يلبسون كل يوم زيا، ويبدلون كل حين رأيا، ويلبسون لكل ~~دولة وجها، ولكل سلطان زيا، ويتخذون لكل ساعة لسانا، ولكل فرصة وجدانا، ~~فأولئك أغفلوا النظر إليك، فحرموا الاهتداء بك، أولئك في إبرتهم خلل قد عرض، أو ~~أولئك في قلوبهم مرض. # | بني قومنا # في أربعين الملك الشهيد غازي # 1 # أيها السادة! # أقوم بينكم مبلغا رسالة الجامعة المصرية، مديرها وأساتذتها ~~وطلابها، المصريين والعراقيين وغيرهم. هذه الجامعة التي شجاها ~~ما شجا معاهد العلم بالعراق من هذا الخطب الجلل، والرزء ~~العميم. # تشارك جامعة فؤاد الأول معاهد العلم العراقية أحزانها، وتحتمل ~~معها آلامها، وتناشدها أن تعزي معها الأمم العربية كلها، ~~وتثبتها في مصابها، فإن العلم الذي يهدي الأمم طريقها، وينير ~~لها في ظلماتها حري أن يثبتها في خطوبها، ويعصمها في ~~محنها. # يا إخوتنا، لا أبغي إثارة الشجن، ms105 فما أيسر إثارة الأشجان ~~والمصيبة فادحة، والقلوب دامية، ولا أريد استدرار الدمع، فما ~~أهون استدرار الدمع والرزء جليل، والنفوس باكية، ولكن أريد أن ~~أعرب لكم باسم الجامعة المصرية أننا معكم في السراء والضراء، ~~وشركاؤكم في الشدة والرخاء، وأننا وإياكم متعاونون على العمل ~~للمجد، وعلى احتمال النوائب. # إن هذا الخطب لم يخصكم، ولا نزل بساحتكم وحدكم، ولكنه خطب العرب ~~على اختلاف ديارهم ومذاهبهم، من شرقي دجلة إلى بحر الظلمات، ~~وخطب المسلمين على اختلاف أجناسهم وأقطارهم. إنه رزء العرب ~~وقد استقاموا على طريقتهم، وأقسموا ليبلغن غايتهم، ورفعوا ~~الراية، ومضوا إلى الغاية، رزؤهم في أحد قادتهم، في ملك عربي ~~شاب طموح، استوى على عرش المنصور، مبشرا بعهد الرشيد ~~والمأمون. # إنه رزء العرب والمسلمين في ملك هاشمي من أبناء فاطمة، قامت ~~لمصرعه القيامة في مكة والمدينة، وفي بغداد دار العباسيين، ~~ودمشق دار الأمويين، والقاهرة دار الفاطميين، وبلاد العرب ~~والمسلمين جميعا. # إنه لخطب عظيم، ولكنه ليس أعظم من عزائم هذه الأمة، ولا أكبر من ~~كبريائها، ولا أشد من أخلاقها، ونحن بنو الشدائد، ألفتنا ~~وألفناها، وعركتنا وعركناها. # يا بني قومنا، إن للأمم في معترك الحياة نعمى وبؤسى، وفرحا ~~وترحا، ورخاء وشدة، والزمان قلب، تدور غيره بالخير ~~والشر، والأمم العظيمة الحازمة تأخذ عدتها من مسراتها ~~وأحزانها، ولا تفيت فرصة من لذة أو ألم، وفرح أو غم، ولا تمر ~~بحادثة إلا تدبرت في أمرها، وأخذت لحاضرها، وتزودت لمستقبلها، ~~وتأهبت لأحداث الزمان والحدثان، بل الأمم في أحزانها أقرب إلى ~~الوقار والجد، وأدنى إلى التآخي والإيثار والتفدية، وأجدر ~~بإدراك الحقائق والاعتبار بالوقائع، وجمع الكلمة، وإرهاف ~~العزيمة، فإن الأحزان تجلو النفوس وتنبهها، وترقق الأكباد، ~~وتذهب بالأحقاد. # يا بني أبينا وأمنا، كانت وفاة الغازي - رحمة الله عليه - قدرا ~~لا حيلة فيه، ورزءا لا قدرة عليه، ولو كانت نائبة تجدي فيها ~~النجدة، وتغني الهمة، وتنفع الشجاعة والتفدية، لوجد أبو فيصل ~~منا جميعا نفوسا تفديه، وقلوبا تستميت دونه، وعزائم ترد ~~الخطب صاغرا، وجلادا يرجع الموت خزيان ناظرا، ولكنه قدر من ~~وراء الأسماع والأبصار، والجنود ms106 والأنصار. # فلتفزع الأمة العربية إلى عقلها وخلقها، وإبائها وصبرها، وثباتها ~~وجلدها. # ولتنظر إلى تاريخها تستمد منه الصبر على المصيبة، والاستكبار على ~~الجزع، والإباء على كل خطب، والثبات لكل هول. # ليكن من اجتماعنا على مصيبة الغازي اجتماع كلمتنا، واستحكام ~~أخوتنا، لتكن من هذه المصيبة الجامعة أخوة جامعة، وكلمة ~~جامعة. ~~••• # أيها الإخوان، مضى فيصل الأول بعد أن أدى أمانته، ولحق به غازي ~~وهو يسير للمجد سيرته، وقد أورث الله فيصلا الثاني جهاد جده، ~~وطموح أبيه. وإن لنا فيه لعزاء، وإن لنا فيه لخلفا، فلتحطه ~~النفوس، ولترعه الأفئدة، ولتجتمع حوله الأفكار والآمال، ~~والعزائم والأعمال، وكل ما في العراق وما في العرب من ود ~~ووفاء، وإخلاص وبر وكرم، حتى يترعرع ملكا كريما في رعاية ~~الله، وحضانة أمته ووفائها وإخلاصها، ترجو فيه العراق والعرب ~~جميعا كوكبا تأوى إليه كواكبه، وسيدا قئولا فعولا لما ~~سن السادة الكرام من آبائه. # وإن في حكمة أهل العراق ووفائهم، وإن في هممهم وعزائمهم لضمانا ~~للمستقبل الوضاء، والمجد الباسم، بعد هذه الخطوب المكفهرة، ~~والوقائع العابسة. # بني قومنا تقسو الخطوب وتربد # ويشرق في أعقابها الصبر والمجد # وإن ظلام الليل يتلوه صبحه # وبعد غروب النجم إشراقه يبدو # وبعد محاق البدر نور هلاله # وبعد طلوع النحس يرتقب السعد # وبين ظلام النقع نصر منور # لمن صابر الأهوال والبأس محتد # وعند اسوداد الغيم غيث ورحمة # يقهقه في حافاتها البرق والرعد # وبعد بكاء السحب خصب ونضرة # تضاحك من أزهارها الغور والنجد # ومن بعد غيض الماء فيض لدجلة # ومن بعد جزر الشط ينتظر المد # 2 # وفي كل خطب للفراتين دعوة # إلى المجد في أعقابها النصر والحمد # فلا تحزنوا وارموا الخطوب بعزمة # يذل لها الخطب العصي ويرتد # وسيروا إلى العلياء من حول فيصل # وأنتم له حصن وأنتم له جند # | موقعة عين جالوت1 # 1 # كان عام ثماني عشرة وستمائة فاتحة شر مستطير في بلاد المسلمين، سالت فيه ~~جيوش جنكيز من هضاب الصين، تغرق كل شيء، وتجرف كل شيء. طغت على ~~التركستان، فجرفت عرش ملوك خوارزم، ودارت بالمدن العظيمة تخريبا ~~وتدميرا، ms107 وبسكانها تقتيلا وتشريدا، وفر محمد خوارزمشاه وكان كما ~~قال مسلم بن الوليد: # وطار في إثر من طار الفرار به # خوف يعارضه في كل أخدود # وورث ابنه جلال الدين ملكا في أيدي التتار، ومجدا بين الحديد والنار، ~~فصبر وصابر، وجاهد ما بين نهر السند إلى حدود العراق، يحاول جهده أن ~~يلم الشمل، ويرأب الصدع، ويخلق من الفرقة اجتماعا، ومن الضعف قوة، ~~ومن الذعر ثباتا، ومن اليأس رجاء، حتى اغتالته المنون بعد أن أعجزتها ~~مصاولته، وختلته بعد أن أعيتها مجاهرته. # وانتشر الرعب، وعم الفزع، ولم يثبت للتتار جيش ولا حصن في شرقي البلاد ~~الإسلامية. # وما لي أكلف نفسي الوصف ولا أستمع لابن الأثير - وقد عاش على شاطئ هذا ~~الطوفان وأحس لفح هذه النار - يصف هذه الوقائع: هذا الفصل يتضمن ذكر ~~الحادثة العظمى، والمصيبة الكبرى التي عقمت الأيام والليالي عن مثلها، ~~عمت الخلائق، وخصت المسلمين، فلو قال قائل: إن العالم منذ أن خلق ~~الله - سبحانه وتعالي - آدم إلى الآن، لم يبتل بمثلها لكان صادقا، ~~فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها ... إلخ. # 2 # مات جنكيز خان سنة أربع وعشرين وستمائة، بعد أن قسم بين أولاده ما فتح من ~~الأرض وما لم يفتح، وامتد الفتح في آسيا وأوروبا، وكانت غير شتى، ~~حتى أرسل منكوقا آن، حفيد جنكيز، أخاه هلاكو سنة إحدى وخمسين ليفتح ~~حصون الإسماعيلية، ثم يفتح بغداد، فأخضع أمراء إيران والقوقاز إلى عام ~~ثلاثة وخمسين، واستولى على أكثر قلاع الإسماعيلية. # ثم جاءت الطامة الكبرى، فاستولى على بغداد، ومحا الخلافة العباسية في ~~تاسع المحرم سنة ست وخمسين وستمائة. # لقد طوى آباؤه الممالك الإسلامية إلى العراق، ثم أصاب هو المسلمين في ~~الصميم إذ أخذ بغداد التي لبثت مقر الخلافة، وقبلة المسلمين في العلم ~~والحضارة أكثر من خمسة قرون. # ماذا يصد هلاكو عما يشاء؟ من ذا يقف للجيوش التي لبثت ثلاثين سنة تسير من ~~ظفر إلى ظفر، ومن مملكة فتحها إلى مملكة قدر لها أن تفتحها؟ إن آسيا ~~ما بين قراقروم # 2 # وبغداد في ms108 قبضة أبناء جنكيز، وإن أوروبا الشرقية إلى البحر ~~الأدرياتي قد عنت لأمرهم. ليس على هلاكو إلا أن يسير الجيوش فتطوى ~~الأرض، ويثير الحروب فتخر الممالك، ويوعد الملوك فيخذلها جندها، وينزل ~~بالمدن فتسلمها أسوارها، عزمة واحدة تسخر له الشام، وأخرى تقهر له مصر، ~~ثم عزمات تبلغ به بحر الظلمات. # 3 # سار التتار إلى الشام، فلم تستطع لهم حلب دفعا، وهؤلاء المعتصمون ~~بقلعتها لن يجديهم الاعتصام، ولا مناص لهم من الاستسلام بعد شهرين، ~~وسارع أهل حماة إلى حلب، فأعطوا هلاكو مفاتيح المدينة، ثم لم تلبث ~~للقوم مدينة بين حلب وغزة. # وأما أمراء الشام من بني أيوب، فمنهم من انحاز إلى التتر مؤثرا العافية، ~~ومنهم من لجأ إلى مصر مستنجدا، والملك الناصر أكبر هؤلاء، ترددت به ~~الحيرة بين حدود مصر والشام، ثم لم يستطع إلا السير إلى هلاكو. # 4 # وأبت مصر التي تجاهد الصليبيين منذ مائة وستين عاما أن تذل للتتر، فجمعت ~~ما فيها من إيمان وقوة، وخرجت في رمضان سنة ثمان وخمسين، وصمدت للقوم، ~~فالتقى الجمعان على عين جالوت في فلسطين. # فأما التتر فلم يعرفوا في الحرب إلا الانتصار منذ سال سيلهم على البلاد ~~الإسلامية قبل ثلاثين سنة. ماذا يخشون من جيش مصر وقد مزقوا للمسلمين ~~جيشا بعد آخر، ولم تصدهم البسالة والاستقتال دون غاية؟ # وأما جيش مصر الذي جمع المصريين وعرب البادية من مصر والشام، فقد أيقن ~~أنها الموقعة الفاصلة، وأن هزيمة في عين جالوت تفتح طريق العدو إلى مصر ~~فالمغرب، فصمموا أن ينتصروا. وكثيرا ما تلد العزائم الظفر! # ولم يزلزل عزائمهم أن رأوا بعض أمراء المسلمين في صفوف العدو، ذلك الأمير ~~الشقي المتسمي الملك السعيد. # التقى الجمعان يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان عام ثمانية وخمسين ~~وستمائة، واحتدم القتال، وصبر المسلمون ثم صبروا، ولقوا من حملات ~~التتار ما يوهن العزائم، فلم يهنوا. إلى من يكلون الدفاع عن الإسلام ~~والمجد إن لم يستميتوا في عين جالوت؟ # كتبغا قائد التتر قتيل، وابنه أسير، وجنده مصرعون في حومة القتال، وبقايا ~~السيوف منهم عائذون ms109 برءوس الجبال. # يومئذ علم المسلمون أنه يستطاع هزم التتر، فلم يثبت القوم في بقعة من ~~بقاع الشام، وأسرعوا راجعين إلى الشرق. # جمع التتر شملهم، وأعدوا للحرب عددهم، ثم رجعوا فاستولوا على حلب بعد ~~شهرين من موقعة عين جالوت، ولكن عين جالوت قد فصلت في القضية من قبل، ~~وعلمت المسلمين أن الأمل والعزم والإقدام تغلب كل عدو، ولو كان التتر ~~جنود هلاكو حفيد جنكيز. # اجتمع المسلمون على حمص، وسار التتر إليهم. فليشهد القارئ قبل المعركة ~~جمعا من أنجاد العرب يسيرون إلى حومة الوغى. # يقول الشيخ شهاب الدين الحلبي: كنت في نوبة حمص في واقعة التتار جالسا ~~على سطح باب الإصطبل السلطاني بدمشق، إذ أقبل آل مرا # 3 # زهاء أربعة آلاف فارس شاكين في السلاح على الخيل المسومة، ~~والجياد المطهمة، وعليهم الكزغندات # 4 # الحمر، والأطلس المعدني، والديباج الرومي، وعلى رءوسهم ~~البيض، كأنهم صقور على صقور، وأمامهم العبيد تميل على الركائب، ويرقصون ~~بتراقص المهارى، وبين أيديهم الجنائب، ومن ورائهم الظعائن والحمول، ~~ومعهم مغنية لهم تعرف بالحضرمية، طائرة السمعة، سافرة من الهودج وهي ~~تغني: # وكنا حسبنا كل بيضاء شحمة # ليالي لاقينا جذام وحميرا # ولكن لقينا عصبة تغلبية # يقودون جردا للمنية ضمرا # فلما قرعنا النبع بالنبع بعضه # ببعض تأبى النبع أن يتكسرا # سقيناهم كأسا سقونا بمثلها # ولكنهم كانوا على الموت أصبرا # ودارت الحرب عند حمص يوم الجمعة خامس عشر المحرم سنة تسع وخمسين وستمائة، ~~فلا تسألني كيف كانت عاقبتها، فهي العاقبة التي بشرت بها موقعة عين ~~جالوت من قبل: فارق التتار الشام إلى غير رجعة. # | ثورة على الأخلاق1 # يا أخي صاحب الرسالة، أبلغ أخي محمودا الذي لا أعرفه هذه ~~الكلمة عني: ~~«قرأت في الرسالة ما نقله الأستاذ الزيات من رأيك في مزايا ~~الأخلاق والفضائل، فهالني ما قرأت، وعزمت على أن أبادر ~~بالكتابة إليك على ضيق الوقت وفتور الصيام، وكيف لا يرتاع من ~~يسمع أن رجلا من ذوي الأخلاق خاب ظنه فيها، فثار عليها ويئس ~~منها؟ فاقرأ يا أخي كلمتي، ثم أبن لي رأيك من بعد. ms110 # دخل أعرابي مسجد المدينة ورسول الله وأصحابه هناك، فصلى ثم دعا ~~فقال: «اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا.» فضحك - ~~صلوات الله عليه - وقال: «لقد حجرت واسعا يا أعرابي.» وكذلك ~~أنت يا أخي قد حجرت واسعا حين خيل إليك أن دائرة عملك - ~~التي وسعتها بمقدار ما استلزمه هذا العمل من ملابسة الشعب ~~ومراجعة الحكومة - هي الأمة كلها، وأن الأمة هي العالم كله، ~~وأن العالم الحاضر هو الزمان كله، وإن شئت أن تقول: إني لم ~~أحجر واسعا ولكني وسعت محجرا، فلك رأيك، والنتيجة في الحالين ~~واحدة. # أود قبل أن أناقشك في رأيك أن أعدك موافقي، كما وافق صديقنا ~~الزيات، على أن الخلق الفاضل سبيل إلى سعادة صاحبه، وطمأنينة، ~~ما في هذا ريب، وأن الرجل الحر الأبي الفاضل يعيش في سعة من ~~نفسه، وعزة من خلقه، ونعيم من وجدانه، لا يدركها أصحاب الجاه ~~العظيم، والثراء العريض، ممن وجدوا كل شيء وفقدوا أنفسهم، وأن ~~الحر الكريم يرى نفسه في عزتها وحريتها ورضاها فوق هذا العالم ~~الذي تباع فيه النفوس رخيصة، وتبذل فيه القلوب ذليلة، ويعد ~~نفسه أسدا قويا مهيبا قد ربض حجره من معترك الذئاب، ~~ومهترش الكلاب. # إنما خلافنا في النجاح في المعايش ونيل الجاه والثروة: أسبيله ~~الخلق القويم، أم العمل الذميم؟ وإني أعجل لك الجواب في قضية ~~نتفق عليها، لنفرغ لما بعدها، فأقول: حق أن الرجل التقي الأبي ~~لا يرى إلى الجاه والمال إلا طريقا واحدة هي التي يسنها الحق ~~والشرف والإباء والمروءة، وأن أمام الفساق والأذلاء والأدنياء ~~طرقا شتى من التلصص والكذب، والتزوير والخداع، والنفاق ~~والملق، والذلة والشره، والظلم والقسوة والأثرة وهلم جرا، ~~وحق كذلك أن من الأحرار من يخفق في عمله حين يلزم نفسه هذه ~~الطريق الواحدة، ويقسرها على هذه المحجة الواضحة، وأن من ~~العبيد عبيد المطامع والأهواء، ومرضى النفوس والأخلاق، من ~~يظفرون في هذه السبيل بما يريدون، ويبلغون الغاية التي يقصدون، ~~ولست أجحد كذلك أن الجماعة قد تعتل، فيكثر فيها المبطلون ~~الظافرون، والمحقون المحرومون. كل هذا يا أخي حق، ms111 ولكن ~~استمع: كثيرا ما يحرم الحر الصالح لعزوفه عن معترك المطامع، وصدوفه عن ~~الاتجار في أسواق الحياة، وتنكبه السبل التي جعلتها سنن ~~الجماعة وسائل إلى الثروة والجاه، فليس إخفاق هؤلاء بأخلاقهم، ~~ولكن بكبريائهم وتقصيرهم في أخذ الأهبة، وإعداد العدة، على حين ~~يتأهب الأشرار، ويجد الفجار، فلا جرم يخفق أولئك وينجح هؤلاء؛ ~~فإن للحياة قوانين، وللمعايش سننا، والقرآن الكريم يقول: # من كان يريد الحياة ~~الدنيا وزينتها نوف إليهم ~~أعمالهم فيها وهم فيها لا ~~يبخسون ~~، ويقول: # كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من ~~عطاء ربك وما كان عطاء ربك ~~محظورا ~~، ولكن إذا أخذ الرجل أهبته للعراك ~~في الحياة، وتسلح بالخلق الطيب، فلن يكون هذا الخلق سببا ~~إلى إخفاقه، وسبيلا إلى خيبته أبدا. ربما تعتل الجماعة ~~فينتصر المبطل، ويخذل المحق، ويفتن بهذا كثير من الناس، ~~ولكن هذا لا يكون شرعة في الأرض، ولا سنة من سنن الله. # ثم علة الجماعة لا تدوم، وليست الجماعات كلها عليلة، وما تزال ~~الجماعات منذ ألفها الله وعلمها، وبعث فيها الهداة المرشدين، ~~ووضع لها السنن، أيدا لأنصار الحق، وعونا لأهل الفضيلة، ~~وخذلانا لجند الباطل والرذيلة. ما زال الصانع الذي يتقن ~~صنعته، ويحسن معاملته، ويصدق وعده أنجح عملا وأكثر مالا من ~~الضائع الكذاب سيئ المعاملة، وما زال التاجر الصادق في قوله، ~~الأمين في فعله، الذي يقلب تجارته على شرائع من الصدق ~~والأمانة، والقناعة والإخلاص، ولا يلبس على الناس الجيد ~~بالردئ، والغالي بالرخيص، ما زال هذا التاجر أربح متجرا، ~~وأملأ يدا، وأحظى برضا الناس وإقبالهم من التاجر الكاذب ~~الغاش، الشره المخادع، أترى في هذا ريبا؟ إن كنت في ريب فابحث ~~كما تشاء، واسأل من تشاء، ولا يزال المزارع الذي يزرع الأرض، ~~فلا يتزيد فيما أنفق عليها، ولا يسرق من زرعها، بل يصدق مالك ~~الأرض فيما أنفق وما جنى، ومستأجر الأرض أو الدار الذي يشق على ~~نفسه؛ ليؤدي الأجرة في حينها، لا يزال هذا وذاك أحب إلى ~~المالكين، وأظفر بما يريد. # لا يزال الرجل الصادق الأمين في كل جماعة وفي كل طائفة، موضع ms112 ~~المودة والثقة، ينال بسيرته ما تقصر عنه ثروته، إن استقرض ~~أقرض، وإن استعار أعير، له من ثقة الناس رأس مال لا ينال منه ~~الخسار، وتجارة لا يدركها البوار، ربما يتجر في ألف وليس عنده ~~إلا مائة، ويزرع عشرة فدادين وليس بيده إلا أجرة فدان واحد، ~~ويستخدم في المتاجر والمصانع دون كفيل أو ضمين، سل يا أخي ~~الناس في كل قبيل، وطالع التاريخ في كل جيل. # على أن الأمم في هذا مختلفات، والتاريخ درجات: أمة تسد الطريق ~~على كل فاجر مخادع كذاب، وتؤثر بمالها وكرامتها كل بر أمين ~~صادق، وأمة يجد المخادعون فيها طريقا، ولكنها وعرة، ومذهبا ~~ولكنه ضيق، ورواجا ولكنه قليل، وأخرى يتسع فيها مجال الأشرار، ~~وتروج فيها سوق الفجار، ولكن لا تبلغ أمة من الفساد أن تسن في ~~الرذائل سننا، وتشرع في المخازي شرعا، تجعل الأشرار ~~المخادعين فائزين حيثما ساروا، وترد الأبرار الصادقين خائبين ~~أينما توجهوا، مهما تشتد العلة فالخيبة أكثرها للأولين، والنجح ~~أكثره للآخرين، فإذا أرادت الأمة أن تجعل الفساد سنة، فموتها ~~دون غايتها، وزوالها قبل استقرار سنتها. # أحسب يا أخي أن الذي لبس عليك الأمر لبسا، وملأ عليك العالم ~~حزنا، وملأك على العالم سخطا، أنك نظرت أول ما نظرت إلى ~~دواوين الحكومة، فرأيت جماعة من خفاف الأحلام، صغار النفوس، ~~شالت كفتهم فارتفعوا، وآخرين من راجحي العقول كبار النفوس ثقلت ~~موازينهم فنزلوا، فلما ملأت نفسك أسفا، وانقلب أملك في الناس ~~خيبة، نظرت إلى أنحاء الأمة ساخطا متشائما، فنفضت عليها هذا ~~السواد، ونفثت عليها هذه الغضبة، ووصمتها بهذه الوصمة. # إن دواوين الحكومة أقرب المواضع إلى ما زعمت، وأكثرها تعرضا لما ~~وصفت، ذلك بأن الرزق فيها لا ينال إلا بالسعي والكد، والجهد ~~والدأب، والاحتكام إلى سنن الاجتماع وقوانين الطبيعة، ولكن ~~الرزق فيها يقسم بأيد قليلة، ويصرف بآراء معدودة، فإذا فالت ~~هذه الآراء، وطاشت هذه الأيدي، وقع الفساد، ثم شاع وعم حتى ~~يبلغ أمده. وكثيرا ما تفيل الآراء، وتطيش الأيدي بأهواء ~~الساسة، ومنازع التحزب، على أن هذا مهما كثر لا يبلغ ms113 أن يكون ~~قاعدة العمل، وسنة الجزاء. # ولا تنس يا أخي أن هذه الدواوين حديثة عهد بأيدي الأجانب ومن ~~تربى في عبوديتهم، وكانت سنة الأجنبي أن يرفع من استسلم إليه، ~~وتوكل عليه، ولا يكون هذا الاستسلام وذلك التوكل إلا احتقارا ~~للكرامة، وازدراء بالخلق الفاضل، ونحن لا نزال في أول عهدنا ~~بالاستقلال، لم تهذبنا التجارب، ولم تتمكن أيدينا من وضع ~~القواعد الصالحة، وسن السنن القويمة، وإقامة الوزن بالقسط ~~بين الناس أجمعين. # فإن رأيت جورا في الدواوين، وظلما بين الموظفين، فهي علة ~~زائلة، فلا تنشرها على الأمة كلها، ولا تمدها على الزمان ~~جميعه، واعلم أن الظفر للحق، والخيبة للباطل، وأن النصر ~~للفضيلة، والهزيمة للرذيلة، وأنها للغمرات ثم ينجلين، والعاقبة ~~للمتقين. والسلام عليكم ورحمة الله.» # معدة قرقرت ثم استقرت # 2 # يا أخي صاحب الرسالة: ~~«أما صاحبك فقد ساءتني حربه وسلمه، وهو في سلمه أشد ~~إساءة، وأعظم جناية؛ صورته لي غاضبا للأخلاق، راثيا ~~للفضيلة، ثائرا على الناس، يقذفهم بالتهم، ويرميهم ~~بالحمم، يشتط في غضبته، ويغلو في ثورته، فقلت: حر غضب ~~فأخطأ، وكريم ثار فجار، وأبي بر أسخطته المذلة، ~~وهاجه الفجور، فانطلق لا يقف عند حد، ولا يرضى بأمد، ~~ثم صورته قنوعا مستسلما، فقلت: وا سوأتا! أهذا ~~المبطان جادلت، وهذا الجبان نازلت؟ لقد كان جهادا في ~~غير عدو، لم تكن شقشقة هدرت ثم قرت، بل معدة قرقرت ثم ~~استقرت، وما الشقاشق إلا لفحول الجمال، وأشباههم من ~~فحول الرجال. # وأما أنت يا أخي الزيات، فما أحسبك إلا شريك محمود في ~~رأيه، أو صاحب وحيه، قدمته للكلام ونطقت على لسانه، ~~وعرضته للنضال ونزعت في قوسه، ولا أقول: أقمته مقام ~~الوثن من سادنه، والصنم من كاهنه، فلما تبين أنه في ~~الخصام غير مبين، وفي المآزق غير دفاع، وفي المعارك ~~لا يثبت للمصاع، وإنه لجوع يثيره، وشبع يرضيه، أبدلت ~~به جماعة حسبتهم أقوم بحجتك، وأشد هيبة في صدور خصومك، ~~فقلت: «على أن مجلسنا كان حافلا بغير محمود، من رجال ~~العلم والدين والأدب، وكلهم كانوا له وعليك.» # وأكبر ظني أن هؤلاء ms114 «رجال العلم والدين والأدب» شركوا ~~محمودا في المائدة، وإلا فكيف جمعهم بمحمود المجلس، ~~وقد قام منذ هنيهة عن مائدة الإفطار الغنية الشهية؟ ~~والعجيب أن تذهب المائدة بثورة محمود، وتثير سخط ~~هؤلاء، ولعله كان أثبتهم على المائدة حملة، وأطيشهم ~~في الصحاف يدا، ولعلهم آثروا القناعة، واصطنعوا ~~الحياء، وتمسكوا بالأخلاق، فحرموا الطعام، فكانت ~~ثورتهم على الأخلاق. # وبعد، فموضع الخلاف بيننا في هذه القضية: هل الخلق ~~الفاضل سبيل النجاح؟ قال محمود إبان ثورته: لا، وقلت: ~~نعم نعم، وضربت مثلا الصانع المجيد، الحسن المعاملة، ~~الصادق الوعد، والتاجر الأمين المخلص، والمزارع ~~الأمين، ثم قلت: ولا يزال الرجل الصادق الأمين في كل ~~جماعة وفي كل طائفة موضع المودة والثقة، ينال بسيرته ~~ما تقصر عنه ثروته؛ إن استقرض أقرض، وإن استعار أعير ~~إلخ، فبأي هذا يرتاب أصحابك؟ يقولون: ما أهون الأخلاق ~~إن كان قصاراها هذا النجاح الحقير، ويقولون: إن ~~الذين ضربتهم مثلا من الأخيار لن يستطيعوا أن يكونوا ~~يوما من رجال المال والأعمال كفلان وفلان. وأنا يا ~~صديقي ما خصصت بقولي ضربا من النجاح دون ضرب، ولم يكن ~~ذكري التاجر والصانع والمزارع إلا مثلا # إن الله لا يستحيي أن ~~يضرب مثلا ما بعوضة فما ~~فوقها ~~، ولا أتم الآية إشفاقا على ~~أصحابك، إني أقولها كلمة عامة شاملة: الخلق الفاضل، في ~~أغلب الأحوال، سبيل إلى النجاح، في كل طرائق الحياة، ~~إن أخفق حينا نجح أحيانا ، وإن أكدى مرة أورى مرارا، ~~فالحاكم الخير، والرئيس البر، والقائد الصالح، والمؤلف ~~الصادق، والأديب النزيه، والصانع والتاجر والزارع، بل ~~الموظف، كل أولئك أقرب إلى النجح، وأظفر بالطلبة في ~~أكثر الأحوال من أندادهم من الأشرار، بعد أن يتخذوا ~~للمقاصد سبلها، ويعدوا لكل أمر عدته، فإن قصروا في ~~الأهبة، وتوانوا في اتخاذ العدة، فماذا يجديهم الخلق ~~وحده؟ # إن بعض الأخيار تجنبوا المعارك، وأشفقوا من المهالك، ~~وضيعوا الحزم، فلما أوفت بهم الأعمال على نتائجها، ~~التبس الأمر على كثير من الناس، فحسبوا إخفاقهم بما ~~استمسكوا بالحق والخلق الطيب، وخالوا نجاح أضدادهم بما ~~ركبوا إلى غاياتهم مراكب الباطل والرذيلة، ms115 فقل لهؤلاء: ~~أعيدوا النظر، وأحسنوا التفكير، ولا تقصروا النجاح على ~~المال، فيجور بكم المنطق، فهناك الكرامة والجاه ~~والرياسة والزعامة، وهناك الطاعة والمودة، وانظروا إلى ~~الزعماء الذين يسوسون الأمم؛ أهم من أصحاب ~~المال؟ # وقلت في مقالي السابق: إن للأخيار إلى مقاصدهم سبيلا ~~واحدة، وللأشرار سبلا شتى، ولكن هذه السبيل الواحدة ~~أحرى بأن تؤدي إلى الغاية، وتوفي على المطلوب، فقلت: ~~إن أصحابك يرون في قالتي هذه نزوعا إلى رأي محمود، ثم ~~قلت: «وما دام جوهر الرأي واحدا، فالسبيل القاصدة أن ~~نطلب لهذه الحال بما يوائم طموح الناس، وكرامة ~~الأخلاق، وسلامة المجتمع.» ثم قلت: «إنه لا معدى عن ~~إحدى وسيلتين: أن تحمل الناس بالدين والسلطان على سبيل ~~الحق الواحدة، وذلك خيال نبيل لا يقع في الإمكان، وإما ~~أن نعيد النظر في قانون الأخلاق. وهذا على ما يرون ~~مظنة التوفيق في الإصلاح الجديد.» # وجوابي أنه ليس في كلامي نزوع إلى رأي محمود إلا أن تقطع ~~المقدمات بعضها عن بعض، ويفصل بين أول الحجة وآخرها، ~~وأما الدعوة إلى إعادة النظر في الأخلاق، فأنا لم أعد ~~في مقالي جملة الأمر إلى تفصيله، لم أجادل عن خلق ~~بعينه، ولم أقل: إن خلقا ما صالح لهذا الزمن أو غير ~~صالح، ولكني قلت: إن الأخلاق الفاضلة التي تتفق عليها ~~أمة أو أمم، لا تكون سبلا إلى الخيبة والحرمان، وإن ~~أردت أن تعيد النظر في الأخلاق فما أنا بمنكر أن ~~الأخلاق تقبل بعض التغيير، ولكن لا إخال إعادة النظر ~~ستغير تغييرا ذا بال فيما سارت عليه الأمم منذ هداها ~~الوجدان والعقل إلى سبل الخير، ولن تحلل هذه الإعادة ~~رذائل كالكذب والسرقة والتزوير والظلم، أو تحرم فضائل ~~الصدق والأمانة والعدل. ومهما تكن النتيجة، فالأخلاق ~~القديمة أو الجديدة لا تكون قرينة الخيبة ~~والشقاء. # وقد ذكرت أيها الأخ الكريم أخلاقا تجعلها مثلا لما ~~تريد تغييره، ذكرت التواضع والقناعة والزهد والمداراة ~~والتوكل، وهذه أمور يختلف فيها النظر، وليست من قواعد ~~الأخلاق، فقل فيها ما يهديك إليه النظر الصائب، ورأيي ~~أن التواضع محمود ما لم ms116 يكن ذلة، والقناعة حميدة بقدر ~~ما تحول بين الإنسان وبين الشره والاستكلاب، فإن كانت ~~ضعفا في الهمة، وعجزا عن الإدراك، فهي رذيلة، وكذلك ~~الزهد، وأما التوكل فإن يكن استكانة للحادثات، وخضوعا ~~لكل ما هو آت، فما يرضاه إنسان، وإن كان ثقة بالنفس ~~وانطلاقا في سبل الحياة، لا ترده دون غايته المشاق ~~والأهوال، فما أحوج الناس إليه! # يا أخي: قد أساء العجز والذل تأويل هذه الأمور، وأنت ~~تعرف أن المثل الأعلى للرجل المسلم أن يكون طماحا إلى ~~أبعد غاية، واثقا بنفسه إلى غير نهاية، حرا لا يقر ~~بعبودية، أبيا لا يقيم على دنية، يرى نفسه قائما في ~~هذا العالم بالقسط، قد وكل الله إليه تصريف الأمور، ~~وتقسيم الأرزاق، والهيمنة على الأخلاق. وأين هذا مما ~~فهمه الناس من التواضع والتوكل؟! # وأما الربا فلا يتسع المقام للكلام فيه، وحسبك هذه ~~الثورات الثائرة حوله، والمعارك الهائجة فيه بين ~~البلشفية والرأسمالية. # وأما قياس الأخلاق بالنفع والضر، فقد ذهب إليه بعض علماء ~~الأخلاق، ولكن مذهبا ينتهي إلى منفعة الجماعة وضررها، ~~لا منفعة الفرد وضرره. ولن تقوم لأمة قائمة إن جعلت ~~مقياس أخلاقها نزوات كل إنسان، ونزعات كل فرد. # وبعد، فيا صديقي، أراني حدت عن الموضوع الأول استطرادا ~~معك، فأرجع إلى محمود أحمده على ثورته مخطئا، وأذمه ~~على هدوئه مصيبا، فقد تمثل لي في الأولى حرا ~~ثائرا يريد أن يقلب نظام الأخلاق في الأمة، وتمثل لي ~~في الثانية تكلة نكسا مبطانا، لم يدع على المائدة ~~فتاتا، ولم تدع فيه المائدة بقية لهمة أو عزيمة أو ~~ثورة. فرحمه الله جوعان ثائرا، وأخزاه الله شبعان ~~خائرا!» # | سورية1 # سورية الجميلة ذات الخمائل الوارفة، والجنات الناضرة، والمياه الثارة! سورية أنس ~~الفؤاد، وقرة العين. # سورية الكادحة التي يجهد أهلها في السهل والجبل، يخرجون بالماء القليل شتى ~~الثمرات، وينبتون به يانع الجنات، سورية بردى والعاصي. # سورية الصابرة التي وفرت الأيام نصيبها من النكبات والأزمات، المجاهدة التي تجادل ~~عن نفسها، وتجاهد عن شرفها، دفاع البطل الأصيد الأعزل، يمضي بجنانه ويده، يشق ~~الأهوال إلى غايته، ms117 ويحطم الخطوب إلى طلبته، مجاهدا مثابرا، مرزأ ~~صابرا. # سورية التي لم تجف فيها دماء الشهداء، ولم تنقطع سلسلة النوائب. # سورية التي تفيض بالذكر المجيدة، والسير الخالدة، وتمت بالرحم الواشجة، ~~والقربى الواصلة، والجوار والذمام. # سورية الجميلة الحبيبة، الكادحة المجاهدة الصابرة، فجأها السيل كقطع الليل، ~~ودهمها القضاء من السماء، فاستحالت جبالها أنهارا، وسهولها بحارا. طغى السيل ~~بالناس والدواب، وجرف القرى والضياع، وذهب بالزروع والثمار. # فهذه جثث الغرقى منثورة في السهول، وأنقاض الدور تسيل بها الأودية، وتحت الماء ~~والطين عتاد البائسين وذخيرة المساكين، وما أبقت الأزمات من ثياب وأقوات. فانظر ~~إلى الشمل المبدد، والأمل المخيب، والهلع والفزع، والفاقة والجزع! انظر العيون ~~الباكية، والدموع الجارية، والنظرات الجازعة، والخدود الضارعة، والعقول ~~الذاهلة، والقلوب الحائرة، واستمع زفرات الأحياء على الأموات، وبكاء الأولاد أو ~~نحيب الآباء والأمهات. استمع فكم أنة كليم، وآهة يتيم! # إن الشاعر المحزون الواله ليخيل إليه أن مجرى السيل خليق أن يكون مجرى الدمع، ~~ويذكر قولي أبي العلاء: # ليت دموعي بمنى سيلت # ليشرب الحجاج من زمزمين # لك الله يا سورية! تركتك منذ قليل تعانين ما تعانين، وارتقبت أن تتطاير الأخبار ~~بما نؤمل من انتعاشك، وما نرجو من نهوضك، فما راعنا إلا نبأ السيول الجارفة ~~المدمرة، ولكن في صبرك وجهادك عزاء، وكل غمرة إلى انجلاء، وإن وراء هذا الظلام ~~فجرا، وإن مع العسر يسرا. ~~••• # هذه سورية في نكبتها، فمن ندعو لنجدتها؟ إن ندع العرب فأهل النجدة وأولو الحمية، ~~وحفظة الجوار، ورعاة الذمار، في قلوبهم الراحمة لهؤلاء المنكوبين رجاء، وفي ~~قرابتهم العاطفة عزاء، وفي أيديهم السخية ما يخفف البلاء، وهم للبائس خير وزر، ~~وللاجئ أمنع عصر. # وإن ندع المسلمين والنصارى، فالدين يأمرهم بالتراحم، ويحفزهم إلى المؤاساة، وإن ~~لإخوانهم فيهم لنصراء رحماء، يجيبون دعوة المضطر، ويمسحون دمعة المحزون، ~~ويفرجون كربة المكروب. إن عليهم أن يمسحوا على هذه القلوب الدامية، ويرفقوا ~~بهذه الأكباد الواهية. # بل أدعو البشر أجمعين، والإنسانية كلها، دعوة عامة شاملة، وأستنجد القلوب ~~الرحيمة، لا أستثني أحدا، أن تمد الأيدي الآسية إلى هذه الألوف التي يعوزها ms118 ~~القوت واللباس والمأوى. # يا معشر الكتاب والشعراء، كيف تقسو في هذه المحنة القلوب، وتجمد في هذه الكارثة ~~الدموع، ويصمت في هذه الفاجعة البيان، ويخذل القلم واللسان؟ # إن ما بين دمشق إلى المعرة للسيل غارات، وللدمار آيات، وللشعر مقالا، وللبيان ~~مجالا. # دمشق العظيمة تستغيث، والمعرة الخالدة تستنجد، فيا أدباء العربية والإسلام، أحيوا ~~الهمم، واشحذوا العزائم، ويا أحباء أبي العلاء، هذا شيخ المعرة في بيانه، ~~يستنجدكم لجيرانه، يقول: # كيف لا يشرك المضيقين في النع # مة قوم عليهم النعماء؟! # ويقول: # من حاول الحزم في إسداء عارفة # فليلقها عند أهل الحاجة الشكر # ومن بغى الأجر محضا فليناد لها # برا فقيرا وإن لاقاه بالنكر # فالقوا بمعروفكم هؤلاء الأبرار الشاكرين تجمعوا الحزم والخير في مكرمة، ولا ~~تحقروا ما تسعفون به وإن قل، واستمعوا إليه يقول: # إذا طرق المسكين بابك فاحبه # قليلا ولو مقدار حبة خردل # ولا تحتقر شيئا تساعفه به # فرب حصاة أيدت ظهر مجدل # | مصطفى الصادق الرافعي1 # «قال قائل: مات سنائي! # إن موت هذا العظيم ليس خطبا أمما، لم يكن تبنة ذهبت بها الريح، ولا كان ماء جمد ~~في الزمهرير، ولا كان مشطا كسرته شعرة، ولا كان حبة سحقتها الأرض، إنما كان ~~كنزا من الذهب في هذا التراب، لا يزن العالمين بمثقال ذرة. # لقد رمى القالب الترابي إلى التراب، وحمل الروح والعقل إلى السماوات.» # 2 ~~••• # ذكرت هذه الأبيات، أبيات جلال الدين الرومي، حينما قرأت نعي الرافعي. وا عجبا! ~~أنضبت هذه النفس الفياضة؟ أذبل هذا الخلق النضير؟ أخمدت هذه الجذوة؟ أأطفئ هذا ~~المصباح؟ أكلت هذه العزيمة الماضية؟ أفترت هذه الهمة الدائبة؟ أأظلم هذا القلب ~~الذي يملأ الدنيا ضياء؟ أوقف هذا الفكر السيار؟ أوقع هذا الخيال الطيار؟ أسكن ~~هذا القلم المصور الذي يصبغ العالم كما يشاء، يضحكه ويبكيه، ويسخطه ويرضيه، ~~والذي إن شاء صور أحزانه مواسم، وإن شاء رد أعياده مآتم؟ # أمات الرافعي في وقدة جنانه، وشعلة بيانه، وعزة قلبه وسلطانه؟ أطوي القلب الذي ~~وسع الدنيا وما وسعته، وحقرها وأكبرته؟ # كلا، كلا، إن مولد الحر في الدنيا ms119 قليل، وإن موت الحر مستحيل. إن مولد الحر تتمخض ~~عنه الأجيال بعد عناء، ويمهد له الزمان بعد جهاد ليولد على الأرض تاريخ أو فصل ~~من تاريخ، فإذا انقضى عمله وجاء أجله، فهو تاريخ لا يمحى، وذكرى لا ~~تموت. # إن الحر ليولد على هذه الأرض كما يولد النجم في أطباق السماء، فلا يزال وضاء ~~هاديا، أو كما يولد النهر في سفح الجبل، فلا يفتأ جاريا ساقيا، أو كما تولد ~~الحقيقة في أفكار البشر، ثم لا تموت أبدا. # إن الحر الكريم فطرة صافية تستمد من الله، فلا يحول عنها نوره، ولا يتحول عنها ~~وحيه، وهي في خلق الله سنة لا تتبدل، فلا تستعبد الحر الأهواء، ولا تذله ~~المطامع، وهو يأبى على الحدود، وينفر من القيود، ويكبر على الزمان والمكان. إن ~~خلق الناس زمانهم خلق هو زمانه، وإن حد الناس مكانهم حد هو مكانه، فإذا ساق ~~الناس التقليد أو قادهم، وإذا خيل إليهم الباطل حقا والحق باطلا، وقف هو ~~هازئا أبيا يستوحي ربه، ويستفتي قلبه، وإذا جرف التيار الخاصة والدهماء، ~~فاضطربوا في موج الحادثات كالغثاء، ترمي بهم كل شط، وتمسح بهم كل أرض، ثبت الحر ~~كالطود الأشم، البحر الخضم: # يظل كالطود يجري حوله نهر # من الخطوب له بالناس طغيان # فأنت مآرب أهل الذل قمته # فما يذلله نيل وحرمان # إن الرجل الحر صفحة في التاريخ جديدة، وخطوة في سير البشرية مقدمة، على حين لا ~~يظفر التاريخ بجديد في آلاف المواليد، ولا يخطو خطوة إلى الأمام في كثير من ~~الأعوام، وهل التاريخ كما قالوا إلا إعاة وتكرار؟! ~~••• # ولقد أوتي الرافعي من الحرية الإلهية نصيبا، ومن النور الإلهي قلبا، ومن الفيض ~~الإلهي ينبوعا، فلبث دهره نسيج وحده، وظل حياته ينير للسالكين، ويسقي ~~للظامئين. ولقد أوتي من العزة الإسلامية ما تخر له الجبال، ومن الهمة القرآنية ~~ما تنشق له الأهوال، ولقد أوتي من الإيمان ما أصغر الدهر في سطواته، ومن نور ~~الإيمان ما شق على الزمان ظلماته. # كان الرافعي نورا وسلاما، ومحبة ووئاما، فإذا سيم الدنية في ms120 دينه أو في أمته، ~~وإذا تجهم الباطل لحقه، أو تطلعت المذلة إلى خلقه، ألفيت النور نارا تلظى، ~~والسلم حربا تهيج، والحب بغضا ثائرا، والرحمة شدة حاطمة. # لبثت سنين طوالا أقرأ للرافعي ولا أراه، وأحبه ولا ألقاه، وأتحدث عنه معجبا، ثم ~~أقول لمحدثي: هذا وجه ما سعدت برؤيته حتى لقيته العام في لجنة التأليف والترجمة ~~والنشر وكأنا صديقان قديمان، ثم أتاحت الفرص لقاءه مرتين أو ثلاثا، كانت ~~أخراها في دار هذه اللجنة، بعد أن كتبت مقالي عن كتابه وحي القلم، فعانقني وما ~~توهمت أنه عناق الوداع، ثم افترقنا وما علمت أنه آخر العهد، وفرقة الدهر. رحم ~~الله مصطفى الصادق، وجزاه عن لغته وقومه ودينه خير الجزاء، لا جرم سيحفظ ذكره ~~بيان القرآن، وتاريخ العرب والإسلام. # شباب أم أماني؟ # 3 # يا زهرة في ضفاف الماء ناضرة # يهتز فيها جمال جد مفتون # وللنسيم على أوراقها عبث # ينشر الحسن فيه كل مكنون # تطالع الماء تبغي فيه صورتها # تردها الريح عنه رد مغبون # وينفذ الدهر فيها حكمه فإذا # شتى الوريقات بين الماء والطين # أين الشباب الذي راقت نضارته # ورفرفت فوقه أحلام مجنون؟ # أنضرة الزهر لم تثبت لناظرها # أم صورة الماء بين الحين والحين؟ # أروع الأشياء # 4 # أتذكرين يوم جئت حيرى # سائلة: ما أروع الأشياء؟ # أتذكرين حيرتي وأني # طوفت في الأرض وفي السماء؟ # ثم انثنيت واللسان عي # يعثر بين العجز والحياء؟ ~~••• # أتذكرين بعد ذاك يوما # أسلمك الحزن إلى البكاء # ترقرقت فيه الدموع تترى # لألاءة في خدك الوضاء # هذي الدموع، لا عراك حزن # أوحت لقلبي أصدق الإيحاء: # أروع شيء في الورى دموع # في مقلة الحزينة الحسناء # | مصر والبلاد العربية1 # بين مصر والبلاد العربية كل ما يؤلف بين الأقوام من وشائج القربى والتاريخ، وكل ~~ما يحكم القرابة من عقائد وعواطف، وآلام وآمال، وكل ما يؤكد الأخوة من حقائق ~~ومنافع. والكلام في هذا تبيين ما لا يعوزه البيان. # يذهب المصري إلى أحد الأقطار العربية فكأنما برح بقعة في مصر إلى أخرى، يرى ~~وجوها يعرفها ولا تنكره، ويسمع من أحاديث ms121 الماضي والحاضر ما يسمعه في بلاده، ~~ويحدث عن الهموم والمطامح التي تنطوي عليها نفسه ويخفق بها قلبه. حيثما توجه ~~وجد أهلا بأهل، وإخوانا بإخوان، وأبصر من ذكر التاريخ، ومشاهد الحاضر، وخطط ~~المستقبل ما يوحي إليه أنه في وطنه وبين قومه، وكأنه لا يذهب إلى هذه البلاد ~~إلا ليرى بعينيه ما حدثه به التاريخ، وأحكمته في نفسه النشأة ~~والتعليم. # ذهبت مرات إلى فلسطين والشام والعراق، فكان يخيل إلي أينما سرت أني لا أخطو إلا ~~على صفحات من التاريخ المجيد، ولا أرفع بصري إلا على عنوان من عناوينه، في صورة ~~مسجد أو مدرسة، أو قبة حنت على عظيم من أسلافنا أبطال الإسلام والعربية، وطوفت ~~في العراق مدنه وقراه، وحضره وباديته، فكانت بغداد عندي القاهرة، بل أجل ~~ذكرا، وكانت الكوفة والبصرة والموصل أعظم أثرا في نفسي من طنطا والمنصورة ~~وأسيوط، وكانت مضارب شمر وبني تميم أذهب بي في التاريخ من مضارب القبائل ~~المصرية، وأما دمشق الجميلة الجليلة، فما دخلتها إلا ازدحمت علي أحداث ~~التاريخ، ودفعتني مواكبه، فسارعت إلى الجامع الأموي أنشد قول شوقي: # هذا الأديم كتاب لا كفاء له # رث الصحائف باق منه عنوان # ولست بدعا في هذا، فما أحسب مصريا ذهب إلى هذه البلاد إلا شعر بما أشعر ~~به. ~~••• # وليس الأمر بيننا تشابك أرحام واتصال أوطان فحسب، ولكنه الحب المؤكد والود الصريح ~~ينطق على ألسنة القوم، ويتجلى في أساريرهم، ويبين في أعمالهم، ويشهد به اهتمام ~~القوم بكل صغيرة وكبيرة في مصر، وتحدثهم عن علمائها وأدبائها وأحزابها وقادتها ~~حديث المحب العارف الخبير، وحرصهم على قراءة ما تخرجه مصر من كتب ومجلات ~~وجرائد. وكثيرا ما ترى في الشام والعراق من يعلم عن مصر أكثر من أبنائها، وإذا ~~تحدث هؤلاء الإخوة الكرام عن مصر أشادوا بذكرها، وأكبروا حضارتها، وأعظموا ~~مآثرها على العربية والإسلام، معترفين مغتبطين، لا جاحدين ولا كارهين، وعدوا ~~مجدها مجدهم، وعزها عزهم، وفخروا بها كما يفخرون ببلادهم. ~~••• # وتطلع البلاد العربية إلى مصر، وإنزالها هذه المنزلة أجدى الوسائل إلى التقريب ~~بينها، وتوحيد سننها في ms122 التربية والتعليم، والتأليف بين أبنائها، ولم يأل ~~إخواننا جهدا في التودد والتقرب، فماذا يجب على مصر؟ # ليست مصر أقل شعورا بإسلامها وعربيتها، ولا أضعف تقديرا للوشائج التي تحكم بهذه ~~البلاد أواصرها، والمصالح التي توثق بها علائقها، ولكن التاريخ السياسي في ~~العصر الأخير فرق بين هموم مصر وهموم أخواتها، وشغلها بغير الذي شغلوا به، ~~فلما أفاقت قليلا إلى نفسها وموقفها بين الأقطار والأمم، لم يلحقها شك فيما ~~بينها وبين أخواتها من أواصر وعرى لا تقوى الحادثات على فصمها، وكلما خف عنها ~~عبء المصائب ازدادت شعورا وبصرا بمكانتها بين أخواتها، وما يجب عليها ~~لهم. # إن على مصر أن ترعى القرابة، وتجزي الود بالود، وعليها أن تضطلع بالتبعات التي ~~تحملها إياها ثقة البلاد العربية بها، وإقامتها مصر مقام الأخ الأكبر. # أسمع أحيانا بعض المتحدثين بهذا يقولون: إن على مصر أن تستغل هذه الثقة. وحاشا ~~لله أن يكون الأمر استغلالا أو اتجارا، إنما هو أخوة ومودة، وتبعات وواجبات، ~~وتعاون على الوقوف في معترك الحياة، وتآزر على بلوغ الغاية التي تلتقي عندها ~~مقاصدها جميعا. يجب على مصر أن تصلح نفسها، وتكمل حضارتها، وتعمل على ما يوافق ~~مكانتها، وتسن السنن الصالحة لنفسها وغيرها. يجب عليها أن تشارك في السراء ~~والضراء، ولا تقف بمعزل في مصائب البلاد العربية ومسراتها، بل تشارك جهد اليد ~~واللسان والقلب، وعليها ألا تألو جهدا في إمداد من يستمدها، وبذل ما تسأل من ~~معونة في العلم والأدب وغيرهما، موحية إلى كل مصري يذهب إلى البلاد العربية، ~~أنه يذهب ليؤدي واجبا، ويعاون أخا، وأن واجبه حيثما كان من هذه البلاد كواجبه ~~في مصر، وأن مقصده الأول أن يبذل من قواه على قدر طاقته، لا يبغي جزاء ولا ~~شكورا، وإن لم يقصر إخواننا في الجزاء والشكر. # ثم على مصر ألا تتردد في الاستفادة بما في هذه البلاد من مزايا، فلا ريب أن فيها ~~من الآداب والأخلاق والصناعات ما يجدي علينا أن نتلقاه عنها، ونحتذيها ~~فيه. # بالمودة والتآخي والتعاون، وشعور كل جماعة بمكانها من الجماعات الأخرى، ms123 وإدراكها ~~ما لها وما عليها في الجماعة الكبيرة الشاملة، يتهيأ للبلاد العربية، ما بين ~~بحر الظلمات ونهر دجلة، ما تطمح إليه من مجد وسعادة، وما يكافئ تاريخها من ~~حضارة، حتى تؤدي نصيبها من الخير للجماعة البشرية كلها. وما أعظم ما ينتظر ~~المجد من العرب! وما أعظم ما تؤمل الإنسانية فيهم! # | من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر # يروي بعض الصوفية أن الرسول - صلوات الله عليه وسلامه - كان إذا قفل من غزاة قال: ~~«رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر.» ويقولون: إن الجهاد الأصغر قتال ~~الأعداء، وخوض المعامع، وقراع المنايا، والجهاد الأكبر تقويم النفس وتطهيرها، ~~وإعدادها للرقابة على أعمالها، والقيام بالعدل فيما بينها وبين الناس، ثم ~~مجاهدة الأنفس الأخرى بالحكمة والموعظة الحسنة، وبالرغبة والرهبة، واللين ~~والشدة، حتى تستقيم على السنن القويم، وتحتمل كل ما يحملها الواجب، وتأخذ كل ما ~~يعطيها الحق، وحتى يجتمع الناس على شرع لا تفرقهم الأهواء، ولا تثور بينهم ~~البغضاء، ثم النظر بعد هذا فيما يصلح الجماعة، ويسعدها في معايشها. # صدق هؤلاء القائلون، فحرب العدو جهاد بين، لا تقعد عنه الأنفس العزيزة، ولا ~~تختلف فيه الكلمة، تدعو إليه العزة والكبرياء، والذود عن الأنفس والحرمات، ~~ويصمد فيه المجاهد لعدو مرئي في معترك محدود، ولكن جهاد النفس، وإصلاح الجماعة ~~وإسعادها خفي المسالك، غامض الجوانب، تعترك به النفس الواحدة منازع مختلفة، ~~وتفترق بالجماعة أهواء متشاكسة، ويطول فيه المدى، وتمتحن العقول ~~والعزائم. # فإن تكن الأمة المصرية قد مشت في عزتها إلى غايتها، أو أشرفت على الغاية، إن تكن ~~قد بلغت بالإباء والكبرياء والدأب والصبر ما أملت، أو بعض ما أملت، إن تكن ~~فرغت من الثورة والعداء إلى السلم والمودة، فإنما قفلت من جهادها الأصغر إلى ~~جهادها الأكبر؛ الجهاد الذي يعنى بأحوال الأمة، ما ظهر منها وما بطن؛ ليربيها ~~على الخير والحق، وينشئها على الخلق القويم، ويردها جماعة صالحة متآخية تجمعها ~~المودة، ويعدل بينها الإنصاف، تلقى الخير والشر بقلوب موحدة، وعزائم مجتمعة، ~~وآراء متناصرة. # الجهاد الذي يعنى بالجهلاء فيعلمهم، وبالمرضى فيأسوهم، وبالبائسين من الزراع ms124 ~~والصناع فيأخذ بأيديهم إلى العيشة الراضية، ويقارب بين طبقات الأمة، حتى يجمع ~~شملها الخير العام، والمصلحة الشاملة، الجهاد الذي يهيئ للأمة ولاة ينشرون ~~السلام والأمان، ويقومون بين الناس بالقسط في كل كبيرة وصغيرة، حتى تعم النصفة ~~القوي والضعيف، والنصير والمخالف، والمحب والمبغض. # وتقوم للأمة حكومة يحمل كل واحد فيها قانونا في الخلق يكفل ألا يحيد قيد شعرة ~~عن القانون الذي في الورق، ويتنزل فيها المثل الصالح من الرؤساء إلى من دونهم، ~~حتى يشعر كل عامل أنه يتلقى العدل ممن فوقه، لوحيه إلى من دونه، وأنه حين يعدل ~~لا يتبرع ولا يمن على أحد، وإنما هو الحق والواجب لا محيد عنهما، ولا مفر ~~منهما، ولا يسع الأمر غيرهما. # وحتى لا يقضى في أمر إلا بما كان يقضي به عمر بن الخطاب لو عرض هذا الأمر عليه، ~~لا محاباة ولا حيف، ولا هوادة ولا ضعف، حتى يؤخذ الحق له، وحتى يكون العامل ~~الصغير في أقصى الأرض نائلا حقه، آمنا عليه، كالحاكم الكبير في دواوين ~~القاهرة، وحتى ييأس أكبر الموظفين، وأقرب المقربين من المحاباة، يأس أصغرهم ~~وأبعدهم، لكل حقه، وعلى كل واجبه، وفوق الناس جميعا قانون الأمة وعدل ~~الله. # الجهاد الأكبر الذي يذهب بهذه المساوئ البادية في أنفسنا وأجسامنا، وأزيائنا ~~وطرقنا، وأنديتنا ودواويننا ودورنا، والذي يأخذ الأمة بيد رحيمة حازمة، ويوفي ~~بها على النجاة غير مبالية بصيحات المرضى الذين يكرهون الدواء، والمفسدين الذين ~~ينفرون من الإصلاح إلخ إلخ. # لست أقول: إن أمتنا ابتليت بالشر والفساد بين الأمم، ولكنني أريد لها أن تكون # خير أمة أخرجت للناس ~~، وأن ~~تصير مضرب المثل بين الأمم في أخلاق أفرادها، ونظم جماعاتها، وسعادة ~~أولادها. # سيقول الضعفاء: هذا مطلب عسير، وأنا أقول: إنما تطمح عزائمنا إلى المطالب ~~العسيرة، وإنما يكافئ هممنا المقاصد البعيدة، وسيقول الذين في قلوبهم زيغ: هذا ~~هذيان، وينسون أن هذا الهذيان تنطق به القوانين كلها، فإن لم يكن عملنا مصدقا ~~قوانيننا، فما جدوى هذه القوانين؟ ليس في الأمر عسر، وليس في الأمر هذيان، ~~ولكنه حق يسير ms125 إذا برئت النفوس من يأسها، وخرست الألسن عن هذيانها. وحسبنا أن ~~يقوم على رأس الأمة «عمر» واحد يضرب المثل، ولا يتهاون في إنفاذه، ويقتدي به ~~الناس كلهم، رغبة ورهبة يقتدون به، ويحاول كل منهم أن يجعل نفسه عمر ~~آخر. # إن نفوس هذه الأمة معمورة بالخير، وإنما أضر بنا أن رفعت في كنف العدو رايات ~~للشر، انحاز إليها كل شرير، وأشفق منها كل خير، فازداد المسيئون إساءة، وضعفت ~~نوازع الإحسان في نفوس المحسنين. فاليوم نريد أن نرفع في هذا البلد للخير ~~رايات، ويهاب بما في الأمة من أخلاق؛ ليزداد المحسن إحسانا، ويكف المسيء عن ~~إساءته، فإذا الناس أعوان على الخير، أنصار له، فرحون به، مغتبطون ~~سعداء. # ذلكم الجهاد الأكبر، الذي تضطلع به هذه الأمة الكريمة، وتهديها إليها حكومتها ~~الرشيدة، مؤيدة موفقة مسددة، إن شاء الله. # | عقبة على شاطئ المحيط1 # 1 # من القوم أوغلوا في البيداء يجوبون سيناء، قد أغذوا السير وأقلوا المير؟ # 2 # من القوم تسبح بهم الجمال في لجج الرمال، وتغوص منهم الأشباح والظلال ~~في غمرات الآل، # 3 # ترفعهم الوهاد إلى الهضاب، وتسيل بهم الهضاب إلى الوهاد، ~~لا يألون تأويبا وإدلاجا، # 4 # ولا يشكون نصبا ولا كلالا؟ # من القوم ترمي عزائمهم الغايات، وتطوي هممهم المسافات، سيان عندهم ~~البعيد والقريب، والعسير واليسير؟ # من القوم تضيء بالإيمان قلوبهم، وتقر على اليقين نفوسهم، حداؤهم ~~القرآن، وغناؤهم الأذان، رحالهم معابد، ومنازلهم # 5 # مساجد، قد شروا لله أنفسهم، وأرخصوا في مرضاته أرواحهم، ~~ورضوا بما قسم لهم، وقد سايروا الشمس مغربين، لا تحويهم البلدان، ~~ولا تستردهم الأوطان، كأنهم نجوم في حبك الأرض، تسير بقدر إلى ~~قدر. # العرب المسلمون يقودهم عمرو، يتوجهون تلقاء مصر، رموا الباطل في جانب، ~~وساروا إليه في جانب، وصرعوه في ميدان، وهرعوا إلى ميدان. هدموا سلطان ~~الروم في الشام، وصمدوا لسلطان الروم في مصر وإفريقية. # بالأمس زحموا الصرح فانهار، ونفخوا زخرف قيصر فطار، وأشاروا إلى الصنم ~~فسجد، وخلى جبروته إلى الأبد. وضعوا سلطان هرقل، ورفعوا سلطان الله، ~~وأقاموا الحرية في مصارع العبودية، وشادوا ms126 العدل على مقاتل ~~الجور. # واليوم يتبعون الباطل المهزوم، ويشردون الزور المزءود. إنهم يؤمون مصر، ~~ومصر أكرم على الله من أن تكون مباءة الباطل، ومثوى الجبروت. إنهم ~~يسرعون إلى مصر، فعفاء على الروم وسلطانهم. ويل للباطل يدمغه الحق، ~~والظلم يزلزله العدل، والاستعباد تثور به الحرية، ويل للروم يسير إليهم ~~العرب. # 2 # أترى البحر المائج، واللج الهائج، أترى السفن على الثبج # 6 # راجفة، والجموع فوقها واجفة؟ أترى الموج يتلاطم، والسفين ~~يتصادم، والجيوش ملتحمة، والخناجر والسيوف مختصمة؟ أترى جندا يلوذون ~~من حر الضراب إلى برد الماء، ومن ذل الإسار إلى عار الفرار، وجندا ~~ثبته اليقين فثبت، وآثر الموت على الحياة فظفر؟ # وا عجبا، قد أصبح فرسان الصحراء أبطال الدأماء، وصار حداة الإبل أمراء ~~السفن، جاوزوا الكثبان البيض إلى اللجج الخضر، فاتخذوا السفين جيادا، ~~والبحر مرادا. وهل الإبل إلا سفن الصحراء، وهل السفن إلا أفراس ~~الماء؟ ما استبدل هؤلاء إلا سفينة بسفينة، وفرسا بفرس. # وإنها، على ذلك، لإحدى العبر: أبناء البادية ينازلون الروم في الأساطيل، ~~معاوية وابن أبي سرح يقاتلان قسطنطين بن هرقل وقد جاءهم في ستمائة ~~سفينة تحمل جند الروم، وتاريخ الروم، وثارات الروم! وأعجب العجب أن ~~يغلب الأسطول الرضيع الأسطول الكهل، وأن يغلب ابن أبي سفيان ابن هرقل، ~~وأن يغلب العرب الروم في بحر الروم. # 7 # 3 # ما جزيرة العرب وفارس والشام ومصر، وما الهند والصين، والمشرق والمغرب في ~~همة هذه الشمس الوهاجة، وعزيمة تلك الكواكب السيارة؟ قد استقر سلطان ~~القوم في مصر فلم يقنعوا، وها هم قد غزوا برقة ورجعوا، أتحسب الأمد ~~تطاول عليهم، والشقة بعدت بهم، فملوا أو خاروا؟ # تلبث قليلا ثم انظر جيش العبادلة # 8 # يزحف إلى إفريقية، فيظفر ثم يصالح، وما وراء الحرب والسلم ~~إلا المسير لإعلاء كلمة الله، وبلوغ الغاية مما أرادوا في سبيل ~~الله. # ويقف القوم سنين، وما هو إلا الجمام للمسير، والتحفز للوثوب، والإعداد ~~للجهاد، والتريث للتثبت، وعما قليل يطوون المغرب، لا تعوقهم الفيافي ~~المترامية، ولا تصدهم الجيوش الجرارة. تنظر الغد، فما بلغ القوم ~~الأمل ms127 الموعود، ولا قاربوا الغاية المقدورة. # 4 # عشرة آلاف تطوي الأوطان والقطان في سبيلها، وتطأ الأهوال والأبطال إلى ~~غايتها! عشرة آلاف، وفي الناس واحد كألف. # تجمعت في فؤاده همم # ملء فؤاد الزمان إحداها # عشرة آلاف قائدهم عقبة بن نافع، عزموا ألا ينثنوا، وصمموا ألا يهزموا، ~~وآلوا ألا يرجعوا ما اتسع الفتح لعزائمهم، وامتدت الأرض ~~لأقدامهم. # ها هو ذا عقبة يبني مدينة القيروان، فعل الغازي المعمر، والفاتح ~~المقيم، وسيجعلها مبدأ السير، وأول الفتح، وكأنهم ما قطعوا المهامه ~~إليها، ولا ساروا عن ديارهم قبلها. # في كل فج عزمهم سيار # إلى الوغى تهافتوا وطاروا # جماعة ليس لهم ديار # إلا ظهور الخيل والغبار # أرض الله، وعباد الله: أينما توجهوا فهي أرضهم، وحيثما حلوا فهي ~~ديارهم، لا بعد عندهم ولا قرب، ولا شرق ولا غرب # ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا ~~فثم وجه الله ~~. # ولكن عشرات الألوف من الروم والإفريقيين قد ساروا إليهم. لقد أعد الروم ~~لهم وأزمعوا أن يحطموهم، فوا رحمتاه للأنجاد القليلين، والغرباء ~~النازحين! # كلا، لا خوف ولا حزن، ولا قلة ولا كثرة، انظرهم يديرونها على عدوهم حربا ~~طاحنة، ويلجئون الروم وأعوانهم من لظى النار إلى سلاسل الإسار، انظر ~~إلى ألوف من الروم مصفدين. # أترى الكثرة أغنت، أم ترى القلة قلت؟ ذلك آخر عهد الروم بإفريقية. # 5 # أين الجنود البواسل والعباد الغزاة، والبداة الذي خرجوا ينشدون الحق، ~~ويردون الجبارين إلى العدل؟ إنهم ليسوا في برقة ولا إفريقية، ها هم ~~أولاء في أقصى المغرب، هم اليوم في طنجة، بل هم في السوس، لقد انتهوا ~~إلى الساحل، لقد انتهت الأرض! وا أسفا للجواد المتمطر لا يجد ~~مجالا، والعزم المحضر لا يجد مضطربا. قد بلغوا البحر فكيف المسير؟ ~~وفتحوا ما بين المدينة المنورة وبحر الظلمات، فأنى الفتح؟ # انظر عقبة تضيق بعزمه الأرض، وتصغر في عينه الأقطار، فيدفع جواده في ~~البحر ويصيح: # والله لو علمت وراءه أرضا لسرت غازيا في سبيل الله. # 9 # | وحي القلم1 # اقرأ وربك الأكرم * الذي ~~علم بالقلم * علم الإنسان ما لم ~~يعلم # 1 # أنا معجب ms128 بالرافعي منذ قرأت له، وأحذر أن يغطي الإعجاب على بصري، وتكل ~~عين الرضا عن العيوب، وقد اتهمت نفسي لتكافئ التهمة الإعجاب، ويعادل ~~الحب الارتياب. # الرافعي نسيج وحده، تقرأ له فتشعر أنك في اختراعه وتصويره وبيانه ~~وتفكيره، لا يذكرك بأحد، ولا يذكرك به أحد. وحسب الكاتب أن يكون ~~كونا مستقلا يستملي الضمير، ويبدع في التصوير. وكثير من الكتاب ~~قوالب تختلف أحجامها وأشكالها، ولكنها صور مستعارة لا تفتأ تستعير مادة ~~عملها. # بين شعراء الفرس شاعر تسمى «خلاق المعاني»، والرافعي في وحي القلم ~~جدير بهذا اللقب. وما أعسر الخلق هنا، وما أصعب الإبداع! يعمد إلى ~~الحدث الصغير ذي المعنى المحدود، فيحطم حدوده، ويصله بالبشرية كلها، أو ~~يشيعه في العالم كله، ويصوره صورا تلقى القارئ بجدتها وروعتها، ~~والكاتب الملهم يرى الخليقة أسبابا متصلة، ومعاني متجاوبة، وصورا ~~متجاذبة، فما يبصر ذرة إلا رأى وراءها الفلك، ولا يقابل شعاعا إلا ~~جذبه إلى الشمس، وكأن كل شيء في الوجود عين تطل على العالم غير ~~المحدود، تنثال عليه الفكر، وتتزاحم أمامه الصور؛ فيكون همه أن يشق ~~طريقه بين المعاني المتزاحمة، ويجد سبيله بين الطرق المتشعبة، وأن يطرد ~~المعاني التي لا يريدها عن المعاني التي يقصدها، فهو من الخصب في نصب؛ ~~نصب الكاتب المقلد من الإجداب والإجبال. # العالم أمام الرافعي كتاب مفتوح، يدرك فيه جمال الحروف، وحسن السطور، ثم ~~ينفذ إلى ما لا ينتهي من المعاني. وما يزال يعرض المعنى الواحد في صور ~~رائعة، حتى يدع القارئ معجبا حيران، قد اجتمعت على القراءة خفقات ~~قلبه، ونظرات عينه ، وأسارير وجهه، فلو أن الرافعي صور هذه الخفقات، ~~وبين هذه النظرات والقسمات؛ لاسترد البيان الذي أفاضه على ~~قارئه. # والرافعي يغرب أحيانا، أو يدق فينبهم معناه. وفي هذا ثورة بعض الأدباء ~~عليه، ولكن الذي آمن بقدرته فيما وضح واستبان من كلامه يؤمن أنه حين ~~يغمض يتحيل لمعنى دقيق خفي لم ترضه الألفاظ، ولم يذلله الكتاب، ~~أو يتلطف لفكر نفور آبد ليختله. وكثيرا ما يخيل إلي وأنا أقرأ آبدات ~~الرافعي، أني أتبع بصري طائرا ms129 يرتفع في اللوح، ثم يرتفع حتى تضمره ~~السحب فلا تراه العين، ولكنها تعرف أنه في جو السماء، فإن قيل: إن هذا ~~حكم الإعجاب والرضا قلت: فإني أتهم نفسي فلا أدفع عن هذه الأوابد، ولكن ~~وحي القلم بريء من الغموض والانبهام، وإنما أكتب اليوم عن وحي ~~القلم. # 2 # هذا الكاتب النابغة نزاع إلى الجمال، طماح إلى الفضيلة، مولع بكل خلق ~~كريم، فلا يعالج أمرا إلا حلق به إلى الجمال، والرأفة، والرحمة، ~~والإحسان، والحرية، والإقدام، وهلم جرا. # وقلبه فياض بالإيمان والطهر، فإذا كتب في الدين وما يتصل به ارتقى إلى ~~حيث تنقطع المطامع. اقرأ مقاله: «سمو الفقر في المصلح الاجتماعي ~~الأعظم». إنها تملأ القارئ إعجابا، وتسمو به حتى يحسب نفسه ملكا ~~محلقا يرى مآثم الناس ومصائبهم من حيث لا تتعلق به ولا تستهويه، ولا ~~يوفق لهذا البيان إلا مسلم ملهم كالرافعي، يكتب في حقيقة علوية ~~كالنفس المحمدية، ثم اقرأ في مقاله: «الله أكبر» وصف المسجد ونشيد ~~الملائكة. لقد قرأت فكانت تنبعث التكبيرة من قرارة نفسي، فأمسكها ~~مؤثرا الاستماع إلى هذا التكبير الذي يدوي به المسجد، فلما انتهى ~~المقال لم أملك أن رفعت صوتي بآخر كلمة منه: «الله أكبر». # هذه النزعات العلوية، والسمو الروحي يتجلى في مقالاته: الإشراق الإلهي، ~~فلسفة الإسلام، حقيقة المسلم، وحي الهجرة، فوق الآدمية، درس من النبوة، ~~شهر للثورة، ثبات الأخلاق. # والرافعي كاتب الإسلام والعروبة يتناول الحديث الصغير في تاريخ الإسلام ~~ومآثر العرب، فيجعله عنوان فصل بليغ من الحكمة والموعظة، يسايره فيه ~~القارئ متعجبا: كيف ولدت الواقعة الصغيرة هذه المعاني التي تحاول أن ~~تكون تاريخ جيل. اقرأ «زوجة إمام» و«السمكة»، واقرأ «يا شباب العرب»، ~~و«يأيها المسلمون». # وهذا الكاتب السماوي أبرع الناس تحليقا بالحب الطاهر، وأعظمهم ترفعا ~~به، وأبصرهم بالمهاوي والمهالك التي يحلق عنها هذا الحب العلي الأبي. ~~نظرة إلى السماء تصف العلاء والمضاء والطهر والسمو الروحي الذي لا يحد، ~~ونظرة إلى الأرض تصف السقوط الحيواني والهوى الشيطاني، فترى القارئ ~~مدعوا إلى السماء، ومطرودا عن الأرض، طائرا إلى الخير، نافرا عن ms130 ~~الشر. # وإذا وصف صاحبنا الجمال بث في العالم معانيه، ونفض عليه ألوانه، فكأنما ~~خلق العالم خلقا جديدا: يخلق من الشعاع شمسا، ومن القطرة نهرا، ومن ~~الوردة حديقة، ثم يغرد فلا يدرى: أهذا التغريد تفسير هذا الجمال، أم ~~هذا الجمال تصوير هذا التغريد، ولا يدري القارئ: أهو في ربيع باهر، أم ~~في بيان ساحر؟ وما أشبه قلمه وهو يشقق المنظر الغفل عن سرائر الجمال ~~بإبرة الحاكية تسلط على الصفحة الجامدة السوداء، فتردها كلاما ~~وأنغاما وألحانا. اقرأ «عرش الورد» تر كيف جعل ابنته على عرشها ~~مركزا يحيط بها الجمال فلكا دائرا. # 3 # ولله مصطفى حين يتغلغل في الجماعات، فيحس آلامها ويصف أسقامها، ويعرب عما ~~في ضمائر البائسين، وعما في رءوس المتكبرين! ولا يزال بالمعنى الذي ~~يراه الناس جمادا يقدحه حتى يخرج منه النار والنور. يأخذ الحادثة ~~الصغيرة ينطقها بما وراءها، ويكشفها عما انطوت عليه، حتى يقيم بها ~~للإنسانية عرسا أو مأتما. اقرأ «أحلام الشارع» تسمع أنات البشرية، ~~وتر عبراتها، وتلمس مصائبها مصورة ملونة بدم المهج، وماء العيون، ونار ~~الزفرات، وحز الحسرات، وواد الفاقة والذلة، ثم تسمع لغة الإنسانية على ~~لسان ما سنت من قوانين. # والعجب أنك كلما أسال الحزن عبراتك طبع البيان الساحر على شفتيك بسمة ~~إعجاب لا تملك نفيها. اقرأ «عربة اللقطاء» تر أنه صاغ من أساريرهم ~~حروفا للهجاء تسع كل معنى، وتتمثل الآثام التي ولدت هؤلاء، والمصائب ~~التي يحملها هؤلاء، والمفاسد التي سيلدها هؤلاء، وتقرأ «لحوم البحر» ~~فتستمع إلى الشيطان والملك كل ينشد أناشيده، ويستخرج الرافعي منها دعوة ~~إلى الفضيلة، ولعنة للرذيلة، وهو قادر على تسخير الشيطان لبيانه؛ فقد ~~أعطي في البيان ملك سليمان. # وإذا وعظ «الصادق» نفذ إلى السرائر، وصور للإنسان فضائله ورذائله تصويرا ~~لا يدع له أن يختار إلا الأولى، وأن يهجر إلا الثانية. وهو لا يعمد إلى ~~النذر يصبها على النفس صب السياط، يألم لها الجسم، ويموت القلب، بل ~~يعمد إلى الحياة يصورها على حقائقها، نافيا عنها تلبيس إبليس، وإلى ~~القلب ينفخ فيه العظمة، ويبث فيه الفضيلة ms131 والطهارة، والطموح إلى كل ~~خير، والنفور من كل شر. اقرأ له «وحي القبور». # 4 # وهذه المقاصد الجليلة، والنزعات السامية تخالطها دعابة رقيقة وسخرية ~~نافذة، ترى الكاتب يرتفع فوق العالم، ثم يسخر مما عبد الناس من أباطيل ~~وأهواء، فإذا التماثيل التي يسجدون لها تهاويل، وإذا الهول الذي يفزعون ~~منه تهويل، وإذا العظمة والكبرياء والسلطان والجاه والغنى وكل ما عده ~~الاجتماع عظمة لقوم وحقارة لآخرين أضاحيك يخلقها الجهل، ويهدمها العقل، ~~ويقدسها الإنسان حيوانا، ويحطمها الإنسان إنسانا. وأعوذ بالله من ~~الرافعي إذا انطلق ساخرا، يرسل بيانه طعنات دراكا وهو يضحك ضحك البرق ~~في السحاب الراعد، أو لمع السيف في يد الضارب. ~~••• # وبعد، فهذا وصف الروض في كلمات لو كانت أزهارا ما مثلته، ونعت البحر في ~~سطور لو كانت أمواجا ما صورته، فأما الروض في بهجة جماله، والبحر في ~~روعة جلاله، فهما ما خطه الرافعي، فإن شئت فقل: جنات في صفحات، وعباب ~~في كتاب، وإن شئت فقل: إنه العالم في سطور قد انتظم، ووحي إلهي سماه ~~الرافعي «وحي القلم». ذلك الفضل من الله. # | المثنى بن حارثة1 # على ذكر «نادي المثنى» ببغداد # 1 # كانت قبائل ربيعة ضاربة شرقي نجد، موغلة إلى الشمال حتى أعالي الفرات، ~~وكانت الوقائع تثور بينهم وبين الفرس في الحين بعد الحين، فكانوا أجرأ ~~العرب على فارس، وكان العرب يسمون فارس «الأسد»، فسموا ربيعة: ~~«ربيعة الأسد». # وكان بنو شيبان من هامات ربيعة في الجاهلية، وهم كانوا أبطال «ذي قار»، ~~وامتد بهم المجد في الإسلام، فكان منهم بيوتات لها في الحرب والمكارم ~~مآثر، يقول أبو تمام: # أولاك بنو الإفضال لولا فعالهم # درجن فلم يوجد لمكرمة عقب # لهم يوم ذي قار مضى وهو مفرد # وحيد من الأشباه ليس له صحب # به علمت صهب الأعاجم أنه # به أعربت عن ذات أنفسها العرب # هو المشهد الفرد الذي ما نجا به # لكسرى بن كسرى لا سنام ولا صلب # 2 # وقد امتدت أحقاد ذي قار بين الفرس وبني شيبان خاصة، وقبائل بكر عامة، حتى ~~كان بنو شيبان طلائع ms132 الفتح الإسلامي في العراق. # لما عم الإسلام الجزيرة وتوطد سلطانه سمع أبو بكر بوقائع سيد من ~~شيبان في سواد العراق فقال: من هذا الذي تأتينا وقائعه قبل معرفة ~~نسبه؟ # قال قيس بن عاصم المنقري: «هذا رجل غير خامل الذكر، ولا مجهول النسب، ولا ~~ذليل العماد، هذا المثنى، هذا المثنى بن حارثة الشيباني.» # ثم قدم المثنى على أبي بكر يسأله أن يؤمره على قومه، ففعل، وكان المثنى ~~من قبل على قومه أميرا، وبقي من بعد أميرا يستعينه أمراء المسلمين ~~إذا حضروا، ويستخلفونه إذا غابوا، حتى مات بين مآثر مشكورة، ومناقب ~~محمودة، وقد صدق عمر حين سماه: «مؤمر نفسه». # ولما اشتدت الحرب في العراق، بعث المثنى أخاه مسعودا إلى الخليفة ~~يستمده، فأرسل خالد بن الوليد إلى العراق، فلما نزل خالد النباج، كتب ~~إلى المثنى وهو معسكر بخفان ليأتيه، وبعث إليه بكتاب من أبي بكر يأمره ~~بطاعته، قال الطبري: «فانغض إليه جوادا حتى لحق به.» فانظر إلى ~~الرجولة كيف تسارع إلى الطاعة. # ولما توجه خالد إلى الشام، استبد المثنى بإمرة العراق، وكان بطل موقعة ~~بابل، وفيها قتل الفيل الذي أفزع خيل المسلمين. # قال الفرزدق يعدد بيوتات بكر: # وبيت المثنى قاتل الفيل عنوة # ببابل إذ في فارس ملك بابل # ثم سار المثنى إلى أبي بكر ليخبره بجلية الأمر في العراق، فوافاه مريضا ~~قد أشفى، فأوصى أبو بكر عمر، قال: «فإن أنا مت فلا تمسين حتى تندب ~~الناس مع المثنى.» # سار الناس إلى العراق وأميرهم أبو عبيد الثقفي، فلما كانت موقعة الجسر ~~التي زلزل فيها المسلمون، وقطع جسر الفرات وراءهم، فتهافتوا في الماء، ~~وقف المثنى في أنجاد من العرب ينادي: «أيها الناس، إنا دونكم، ~~فاعبروا على هينتكم، ولا تدهشوا، فإنا لن نزايل حتى نراكم في ذلك ~~الجانب.» # وحمى المثنى الناس حتى عبروا، ثم خلق المثنى من الفلول المهزومة يوم ~~الجسر نصرا باهرا في موقعة البويب، برأيه وسياسته وشجاعته، واحتسب ~~فيها أخاه مسعودا، ثم تكاثر الفرس عليه، فكتب إلى عمر، فأمره أن يتنحى ~~بالناس حتى يأتيه ms133 أمره، ثم أرسل عمر سعد بن أبي وقاص في حشد عظيم، ~~وانحاز المثنى إلى ذي قار، وقدم سعد إلى زرود ينتظر المثنى، ولكن الأسد ~~المرزأ، والمسعر المجرب، انتفضت به جراحات يوم الجسر، فبينما سعد يرجو ~~مقدمه جاءته وصيته تحملها امرأته سلمى وأخوه المعنى. # عمل سعد بوصية المثنى، وأمر أخاه المعنى مكانه، ثم تزوج سلمى، وقد شهدت ~~وقعة القادسية، فلما حمي الوطيس، واستكلب الموت على الأبطال، نظرت فلم ~~تجد المثنى يقدم الأنجاد، ويقود الجلاد، فصاحت: «وا مثناه! ولا مثنى ~~اليوم للخيل.» # مات المثنى، وشهد له التاريخ أنه «كان شهما شجاعا ميمون النقيبة، حسن ~~الرأي، أبلى في حروب العراق بلاء لم يبله أحد.» # 3 # فيا شباب بغداد الذين أنشئوا نادي المثنى ليحيوا ذكره، اذكروا فيه ~~الرجولة الكاملة، والشجاعة البالغة، والمجد والسؤدد، والعمل المخلد، ~~اذكروه قائدا مقداما، وأميرا حازما، وسيدا مطاعا، وجنديا ~~مطيعا، اذكروه حرا أبيا، ومثلا عربيا، وخلقا عليا، واستمدوا ~~من ذكراه وذكرى أمثاله أخلاقا صلبة، تقيكم رخاوة الحضارة، وعزيمة ~~ماضية ترفعكم عن ذل الرفاهية، وتقتحم بكم الأهوال إلى الغاية البعيدة ~~والأمل العظيم. # ثم اذكروا أن المثنى فتح العراق جنديا مسلما، فاذكروا الإسلام ومجده، ~~واعتصموا بأخلاقه، واستمسكوا بمعاليه، وسيروا قدما في عزة العروبة، ~~وهداية الإسلام، وأنتم الأعلون والله معكم. # | ملكة الجمال1 # للأقلام محن تقضي عليها أن تسف إلى ما لا تود الكتابة فيه، وأن تنزل إلى ما ~~تريد الترفع عنه، وقلمي مكره على الكتابة في هذه الحماقات، مرغم على أن يعنى ~~بهذه الترهات. # 1 # كنت أحادث جماعة من الأصدقاء فسارت بنا شجون الحديث إلى أن تكلمنا في ~~المدنية الحاضرة، حسنها وقبيحها، وجليها وسفسافها، قلت: أحسب أن ~~المسيطرين على أخلاق الناس في كثير من المناحي المعيشية الحاضرة جماعة ~~من التجار المفسدين، قال صديق: كيف ذلك؟ قلت: في طبع الإنسان الكلف ~~باللذات، والاستهتار بالشهوات، وقد سار العالم آلاف السنين على هدى ~~التجاريب، وتعليم الأنبياء والحكماء، يزن آلامه ولذاته، ويعدل بين ~~مصالحه وشهواته، ويضع شرائع، ويسن سننا؛ ليعيش الإنسان على شريعة تعرف ~~وتنكر، وتستحسن وتستقبح، ms134 وتقول: هذا حلال وهذا حرام، حتى استقامت ~~للإنسان خطة في سياسة نفسه ومعاملة الناس، وصار يجاهد نفسه ليمنعها ~~لذاتها، علما بأن وراء اللذة العاجلة شرا أعظم منها، ويصبر نفسه على ~~ما يكره إيثارا للعافية في العقبى، واستمساكا بالفضيلة التي سكن ~~إليها، ومكنتها من نفسه سيرة الآباء. # قال صديقي: هذا حق فما وراءه؟ قلت: أرى العصر الحاضر مفتونا كل الفتنة ~~بالأهواء، مستكلبا على الشهوات، قد فتحت له من الملاهي أبواب، ومدت له ~~إلى الغي أسباب، فشغلت من الحياة جانبا هذه الملاهي والمراقص ~~والحانات، ورأى كثير من الناس هذه الدور مجلبة ربح عظيم، ووسيلة مال ~~وفير، فأقبلوا عليها إقبالا، وافتنوا فيها افتنانا، واستعانوا على ~~تزيينها، وجلب الناس إليها بكل ما أنتجت الحضارة من علم وفن، ولم يدعوا ~~حيلة في الاستهواء إلا اتخذوها، ولا وسيلة إلى تهافت الناس عليها إلا ~~توسلوا بها، يفتن كل فيما يعرض، وتؤدي المنافسة والطمع في المال ~~إلى استباحة المحظورات، فينكر الناس أول الأمر، ثم يسكتون، ويخدعون ~~أنفسهم فيما يرون، لما تصبو إليه غرائزهم، وتغرم به شهواتهم، حتى يصير ~~هذا أمرا معروفا، وعملا مألوفا. # ثم يحدو أصحاب الملاهي حب الربح والمنافسة إلى أن يثيروا شهوات الناس ~~بأفانين أخرى، وهلم جرا، لا يصدهم وازع من فضيلة أو عرف. وعبثا ~~يحاول القانون أن يصد التيار، أو يقيم الجرف المنهار. # وهكذا تقاد الأمم بأذنابها، وتأتم بضلالها، وقس يا صاحبي أزياء ~~النساء، فتنافس التجار فيها هو الذي يطيلها ويقصرها، ويطلع كل يوم ~~ببدعة تبين عما دق من المرأة وجل، وما ظهر وما بطن. ولست أجد بدا من ~~ذكر الحقيقة «العارية»، وهي أن النساء الخليعات هن القدوة في هذه ~~السبيل، يلبسن ما يلفت النظر إليهن، ويميزهن من غيرهن، فيروق النساء ~~الأخر هذا الزي. والمرأة لا تحب أن تغلب في زينتها وتجملها، فيصير ~~هذا الخروج على السنن سنة مألوفة، وطرافة «مودة» معروفة. وكل ما ترى في ~~ألبسة البحر من تغير مستمر غايته أن تبرز المرأة العارية متزينة، فهذه ~~سبيله، تبدأ به الخليعات الجريئات، فتتهافت عليه ms135 الأخريات. # 2 # ووراء هذه جماعة من تجار الكتاب والجهلة المفسدين، يريدون أن ينالوا ~~رغائبهم بشريعة، ويفسدوا في الأرض على علم، فيكذبون على الجمال والفن ~~والحرية ما شاءت مآربهم، ويحرفون الكلم عن مواضعه، ويسمون الرذائل بغير ~~أسمائها؛ فالفسق إعجاب بالجمال، وكل خليعة فنانة، وكل خليع أستاذ، ~~ويتنافس أصحاب المجلات في كتابة ما تحبه الشهوات، وعرض الصور التي يهفو ~~إليها الشبان، لا يبالون في سبيل المال أن تصلح الأمة أو تفسد، وتقوم ~~أو تقعد، وتعمل التجارة عملها، حتى تجد الرجل الحريص على الفضيلة، ~~الداعي إليها، إذا ابتلي بمجلة أغضى عن مفاسدها، فصار له رأي في نفسه، ~~وفي غير مجلته، وعمل آخر تجاري في المجلة. # وقد عجبت لبعض الكتاب المعروفين بالغيرة على الأخلاق، والتنديد بالخلاعة ~~والمجون، وبدع العصر الحاضر، إذ رأيت المجلة التي يشرف عليها تنشر من ~~الصور والكلام ما لا يلائم آراءه، ويوافق مواعظه. # 3 # قال صديقي، والشيء بالشيء يذكر: وملكات الجمال ما ترى فيهن؟ لقد سرت ~~البدعة إلينا، قلت: استمع؛ كنت في الصيف الماضي ذاهبا إلى إيران، ~~فعرجت على لبنان أياما، وبينا أنا في «ظهور الشوير» رأيت الناس ~~يزدحمون ويستبقون إلى بعض الفنادق، وسمعت أن هذه الجموع وتلك الوفود ~~تتزاحم لتشهد اختيار ملكة الجمال في لبنان، قال رفيق لي: قد سرت العدوى ~~إلى البلاد العربية، فقلت غاضبا: كلا، قال: ألست ترى وتسمع؟ قلت: لا ~~أكذبك، لست أرى في هذه الأزياء ولا أسمع في هذه الرطانات عروبة، فلا ~~تعد هؤلاء من العرب، وأرضيت نفسي بهذا الإنكار. # وقرأت منذ أيام أن ناسا اجتمعوا في «حمانا» من لبنان لاختيار امرأة ~~يسمونها ملكة الجمال، وأن قنصل مصر ببيروت رأس هذا الجمع، فأسفت أن ~~شغل القنصل الفاضل نفسه بهذه الترهات، وشارك في هذه المخازي. # وقرأت عن انتخاب آخر في «بكفيا»، وحمدت الله إذ لم أجد في هذه كله اسما ~~يدل على عربية أو إسلام. # وقرأت من بعد في الجرائد عن حماقات كهذه في الإسكندرية، فرأيت الداعين ~~إليها بين صاحب ملهى يريد أن يجذب الناس إليه، وصاحب ms136 جريدة غير عربية ~~يبغي رواج جريدته، وأمثال هذين. وبعد قليل رأيت صورة الملكة، وقرأت ~~أحاديث عنها، فعلمت أن فتاة سماها بعض الناس ملكة الجمال في مصر، ~~ولقبوها مس إيجبت # Miss Egypt ~~، ~~ورشحوها للذهاب إلى بروكسل لتشارك في مباراة الجمال، قلت: مس إيجبت لا ~~تعرفها مصر، فما اهتمامك بجماعة من الحمقى أرادوا أن يشهروا فتاة، أو ~~يشهروا بها، أو يتملقوا إليها، أو ينالوا مالا، أو يجاروا ساداتهم ~~في أوروبا. # ثم تذكرت ما سطرت في أول هذا المقال، تذكرت أن زمام الأخلاق في هذا العصر ~~بأيدي هذه الفئات وأشباهها، وأن هذا الذي نستنكره اليوم سيصبح إذا ~~سكتنا عليه عادة تعد المجادلة فيها ضربا من الأفن، وفكرت أن مس ~~إيجبت هذه ستذهب إلى أوروبا باسم مصر، وتشارك في سوق الرقيق هناك، ~~وتبوء مصر بكل ما في ذلك من عار وحماقة، فرأيت أن الأمر جدير ~~بالاهتمام، وأنه إن سكت عنه عقلاء الأمة صار سنة، وظن المفسدون كما ~~تسول لهم مآربهم أنها سنة حسنة، ينبغي ألا تحرمها مدينة أو قرية. وقد ~~وفدت على مصر من قبل ملكة الجمال في تركيا، فلم يستح بعض الوقحين من ~~طلبة الجامعة أن يقترحوا الاحتفال بها في نادي الجامعة. # من مبلغ عنا هذه الفتاة، أنا لا نعرفها ولا نعرف جمالها ولا ملكها، وأن ~~القحة البليغة أن تذهب إلى أوروبا مدعية أن مصر أرسلتها، ومصر بريئة ~~منها وممن يرسلونها، ليت شعري أرضي المصريون - الحكومة والأمة - ~~بهذه السبة؟ هل رضوا أن تنوب عنهم على رغم أنوفهم فتاة تذهب إلى بروكسل ~~زاعمة أن مصر أرسلتها؟ # كنت أحسب أن موقف مصر الحاضر بين دولة مستعبدة ودولة مهددة، سيخرج بطلا ~~أو بطلة، تهيب بالمصريين ليغسلوا العار، ويحموا الديار، أو يرسلوا ~~وفدا يدافع عن حقوق مصر عند عصبة الأمم، فإذا السفهاء في شغل عما يحيط ~~بهم باختيار امرأة يرسلونها إلى بروكسل. # وقد أجاب أهل دمشق داعي العروبة والكرامة والفضيلة، فاجتمعوا حين سمعوا ~~أن امرأة ستذهب إلى سوق الرقيق باسم سورية، واستنكروا ذلك، وأجمعوا على ~~مطالبة الحكومة ms137 بأخذ الطريق على هذه السنة السيئة، فأجابت الحكومة ~~دعوة العقلاء، ومنعت اجتماع السفهاء لاختيار ملكة للجمال، وفي ذلك ~~للمصريين وغيرهم أسوة حسنة. # سيقول السفهاء: جماعة لا يعرفون الجمال، ولا يقدرونه، ولا يميزون الحسن ~~من القبيح، فهم ساخطون ثائرون، أو جماعة لم يفهموا حضارة أوروبا، فهم ~~جهلة متعصبون. والله يعلم أن الجمال يعبد قلوبنا، ويملك مشاعرنا، وتهفو ~~إليه أفئدتنا حيثما تجلى في السماء أو في الأرض، ولكنا لا نعرف الجمال ~~في الأسواق، يصفق حوله الفساق، ولا نعرف الجمال تسأل فيه الآراء، ~~وتعرض فيه المرأة كما تعرض العجماء! # | المعتصم بن صمادح1 على فراش الموت # الأندلس في أمر مريج، زال عنها سلطان الخلافة فاضطربت، وفقدت رواسيها من بني أمية ~~فمادت، وأصبحت كرقعة الشطرنج يتغالب الملوك على كل بيت فيها، كل قوي يحوز ما ~~وسع حوله وهمته، والعيش غلاب، «والبر أوسع والدنيا لمن غلبا.» # في هذا المعترك ملك محمد بن أحمد بن صمادح التجيبي مدينة «وشقة»، وملك عمه مدينة ~~«سرقسطة»، ثم غلبوه على مدينته. # ثم ملك ابنه معين بن محمد مدينة «المرية»، غصبها من عبد العزيز بن أبي عامر، ~~وخلفه ابنه أبو يحيى المعتصم بالله وهو في سن الرابعة عشرة. # نشأ المعتصم في ملك ضيق الرقعة، فاستعاض منه سعة الخلق، وبعد الهمة، وحلية العلم ~~والأدب، والسخاء الشامل، والجود العمم، حتى طاول المعتمد بن عباد كبير ملوك ~~الطوائف ونافسه، وحتى قال أمير المسلمين يوسف بن تاشفين حينما لقيهما بالأندلس: ~~«هذان رجلا هذه الجزيرة.» # قال ابن خلكان: # وكان رحب الفناء، جزيل العطاء، حليما عن الدماء، طافت به ~~الآمال، واتسع في مدحه المقال، وأعملت إلى حضرته الرحال ، ولزمه ~~جماعة من فحول الشعراء. # وقال الفتح بن خاقان: # ملك أقام سوق المعارف على ساقها، وأبدع في انتظام مجالسها ~~واتساقها، وأوضح رسمها، وأثبت في جبين أيامه وسمها، لم تخل ~~أيامه من مناظرة ولا عمرت إلا بمذاكرة أو محاضرة. # وكانت دولته مشرعا للكرم، ومطلعا للهمم، فلاحت بها شموس، وارتاحت فيها نفوس، ~~ونفقت فيها أقلام الأعلام، وتدفقت بحار الكلام، وكإجادة ابن عمار ms138 وإبداعه في ~~قوله معتذرا من وداعه: # أمعتصما بالله والحرب ترتمي # بأبطالها والخيل بالخيل تلتقي # دعتني المطايا للرحيل وإنني # لأفرق من ذكر النوى والتفرق # وإني إذا غربت عنك فإنما # جبينك شمسي والمرية مشرقي # وكان المعتصم كالمعتمد بن عباد شاعرا مجيدا، كتب إلى الوزير الشاعر ابن ~~عمار: # وزهدني في الناس معرفتي بهم # وطول اختباري صاحبا بعد صاحب # فلم ترني الأيام خلا تسرني # مباديه إلا ساءني في العواقب # ولا قلت أرجوه لدفع ملمة # من الدهر إلا كان إحدى المصائب # طوى الأمير أربعين عاما في إمارته، شاع فيها ذكره، ونبه اسمه، وحلب الدهر أشطره، ~~وخبر أحداثه وعبره، ثم حم القضاء. # بعث ابن تاشفين جنوده على ملوك الطوائف تثل عروشهم، وتعفي على آثارهم، ولقي «رجلا ~~الجزيرة» الصدمات الأولى، فدارت على المعتمد الدائرات، فإذا هو أسير أغمات. ~~وللمعتمد بن عباد قصة ملؤها العبرات والزفرات. # وعلم ابن صمادح بما أصاب صاحبه، فملكه الغم، وناء به الحزن. وكان أسعد من صاحبه ~~جدا؛ نجاه الموت من الإسار، وأنقذه الحمام من المذلة والعار، ورحم الله أبا ~~الطيب: «رب عيش أخف منه الحمام.» # يقول ابن بسام: وكان بين المعتصم وبين الله سريرة، أسلفت له عند الحمام يدا ~~مشكورة، فمات وليس بينه وبين حلول الفاقرة به إلا أيام يسيرة، في سلطانه وبلده، ~~وبين أهله وولده. # دع ما نمق الكتاب، وأنشد الشعراء، ودع أربعين عاما طواها الزمان كأنها أحلام، ~~وانظر المعتصم ليلة الخميس لثمان بقين من شهر ربيع الأول سنة أربع وثمانين ~~وأربعمائة؛ الليلة التي طلع عليه بالردى فجرها. # ها هو ذا على فراش الموت في قصره بالمرية، ومعسكر ابن تاشفين على مقربة من ~~المدينة ترى خيامه، ويسمع ضوضاؤه. # ويسمع المعتصم وجبة من الجيش اللجب، والجند المصطخب، فيقول كأن لم ينعم بالملك ~~والجاه أربعين عاما: # لا إله إلا الله، نغص علينا كل شيء حتى الموت. # وقالت أروى، إحدى جواريه: # فدمعت عيني، فلا أنسى طرفا إلي يرفعه، وإنشاده لي بصوت لا ~~أكاد أسمعه: # ترفق بدمعك لا تفنه # فبين يديك بكاء طويل # | عثمان بن أبي ms139 العلاء # الرجل الذي غزا الأسبان اثنتين وثلاثين وسبعمائة غزوة # 1 # ملك بني مرين يعم المغرب الأقصى، ويرث دولة الموحدين، وهذا سلطانهم ~~السادس يوسف بن يعقوب بن عبد الحق (685-706ه) يسير الجحافل لتمكين ~~ملكه، ولكن جماعة من بني مرين حسدوا بني عمومتهم على السلطان، ونفسوا ~~عليهم الرياسة، وزعموا أنهم أحق منهم بميراث عبد الحق، فثاروا على ~~السلطان يوسف، واعتصموا بجبال ورغة، فأنزلهم السلطان من صياصيهم، ~~وألحمهم السيف، فأشفق أعياص بني مرين على أنفسهم، ولحقوا ببني الأحمر ~~بالأندلس سنة ست وثمانين وستمائة. # ثم رجع إلى المغرب بعد سنين أحدهم، عثمان بن أبي العلاء إدريس بن عبد ~~الله بن عبد الحق؛ لينازع بني عمه السلطان، فثار في جبال غمارة، ~~فاشتملت عليها ناره، واستطارت منها ثورته، فعمت بلادا كثيرة، ولجأ ~~إليه كل مخالف من بني مرين وغيرهم، ومات يوسف وعثمان في ثورته، فخلفه ~~ابنه أبو ثابت (706-708ه) فسير الجحافل إلى عثمان، فهزمهم ومد على رغم ~~أبي ثابت سلطانه إلى بلاد أخرى، فنهض أبو ثابت نفسه في جنود لا قبل ~~لعثمان بها، فخلى البلاد واعتصم بسبتة وهي يومئذ في قبضة بني ~~الأحمر. # ومات أبو ثابت، فخلفه أخوه الربيع سنة ثمان وسبعمائة، واصطلح بنو مرين ~~وبنو الأحمر، فضاق المغرب على عثمان بن أبي العلاء، فولى وجهه شطر ~~الأندلس فيمن تبعه من قرابته. # 2 # لم يكن للمسلمين في الأندلس إلا مملكة غرناطة الضيقة، وقد ألح العدو ~~عليها، وصمم على محوها. واستمات في الدفاع عنها المسلمون؛ إذ كانت ~~الملجأ الأخير، والوزر الذي ليس وراءه إلا الموت أو الاستعباد. وكان ~~بنو مرين يرسلون جيوشهم مددا لبني الأحمر حينا، ويسيرون إلى الجهاد ~~بأنفسهم حينا . وكان أولو النجدة والصرامة كابن أبي العلاء يفدون على ~~الأندلس مجاهدين مرابطين غضبا لدينهم، وحمية لإخوانهم. # 3 # جاء عثمان الأندلس فتولى «مشيخة الغزاة»، وحسن بلاؤه، وعظمت مكانته، فكان ~~شجا في حلوق الأسبان، وكان غصة لبني الأحمر، شاركهم في سؤددهم، حتى ~~كاد يستأثر بالأمر دونهم، وهو من قبل خصم قومه ملوك المغرب، ثار عليهم ~~وزلزل دولتهم زمانا. ms140 # لم يكن عثمان ملكا ولكنه: # كان من نفسه الكبيرة في جيش # ومن كبرياه في سلطان # تولى زعامة الغزاة ثلاثا وعشرين سنة، فما وهن عزمه، ولا فل حده، ولا ~~أغمد سيفه، ولا حط سرجه. # وما كان إلا النار في كل موضع # تثير غبارا في مكان دخان # والنفس الكبيرة تستهين بالصعاب، وتطرق على المنايا الأبواب، وما الجيوش ~~الجرارة، والحروب المستعرة في همة الرجل العظيم إذا صمم. # فأثبت في مستنقع الموت رجله # وقال لها: من تحت أخمصك الحشر # وحسبي من الإفاضة في وصف عثمان والإشادة بذكره أن أنقل هنا ما كتبه ~~أصحابه الغزاة على قبره: # هذا قبر شيخ الغزاة، وصدر الأبطال والحماة، واحد ~~الجلالة، ليث الإقدام والبسالة، علم الأعلام، حامي ~~ذمار الإسلام، صاحب الكتائب المنصورة، والأفعال ~~المشهورة، والمغازي المسطورة، إمام الصفوف، القائم ~~بباب الجنة تحت ظلال السيوف، سيف الجهاد، قاصم ~~الأنجاد، وأسد الآساد، العالي الهمم، الثابت القدم، ~~الهمام الماجد الأرضى، البطل الباسل الأمضى، المقدس ~~المرحوم، أبي سعيد عثمان، ابن الشيخ الجليل الهمام ~~الكبير، الأصيل الشهير، المقدس المرحوم، أبي العلاء ~~إدريس بن عبد الله بن عبد الحق، كان عمره ثمانيا ~~وثمانين سنة، أنفقه ما بين روحة في سبيل الله وغدوة، ~~حتى استوفى في المشهور سبعمائة واثنتين وثلاثين غزوة، ~~وقطع عمره مجاهدا مجتهدا في طاعة الرب، محتسبا في ~~إدارة الحرب، ماضي العزائم في جهاد الكفار، مصادما ~~بين جموعهم تدفق التيار، وصنع الله تعالى له فيهم من ~~الصنائع الكبار ما سار ذكره في الأقطار، أشهر من المثل ~~السيار، حتى توفي رحمه الله وغبار الجهاد طي أثوابه، ~~وهو مراقب لطاغية الكفر وأحزابه، فمات على ما عاش ~~عليه، وفي ملحمة الجهاد قبضه الله إليه، واستأثر به ~~سعيدا مرتضى، وسيفه على رأس ملك الروم منتضى، مقدمة ~~قبول وإسعاد، ونتيجة جهاد وجلاد، ودليلا على نيته ~~الصالحة، وتجارته الرابحة، فارتجت الأندلس لبعده. ~~أتحفه الله برحمة من عنده. # توفي يوم الأحد، الثاني لذي الحجة من سنة ثلاثين ~~وسبعمائة. رحمه الله. # | مدنية زائفة1 # قال صاحبي وأنا أسايره في شارع الحافة «الكورنيش» من الإسكندرية ms141 ليلة من ليالي ~~الصيف: «ما أجمل هذه المدينة!» انظر هذه المهيع الممهد، ما بين رأس التين ~~والمنتزه، مشرفا على لجة يمعن فيها البصر والفكر إلى غير غاية، وانظر هذه ~~الأبنية الهائلة الشامخة، تزحم السحاب بذراها، وتقابل السماء بمثل نجومها، ~~وتنسج على الأمواج أشعتها، وتزيد الأضواء بهجتها. # وتأمل هذا العقد من المصابيح الكبيرة يطوق هذا الخليج الجميل، والسيارات تطوي ~~الأرض ذات اليمين وذات الشمال، فيها المصطافون قد أخذوا من الحياة متعتها، ~~واهتبلوا من الأيام فرصتها، وألحان الموسيقى تتدفق من هذه الأندية والمراقص، ~~فتموج في الهواء، حتى تختلط بأمواج الدأماء، وهذا البحر الزاخر من الناس، ~~والمحافل المزدحمة بشتى الأجناس، يحوطها النظام، ويهيمن عليها القانون ~~والسلطان، ويرقبها الشرط والعسس، كل آخذ بحقه، مأخوذ بعدوانه. # يا أخي لقد استبحر العمران، وشمل الناس الأمان، وأمكنهم العيش السعيد، وأسلس لهم ~~الزمان العصى، وأطلعت لهم المدنية من النعيم ألوانا، وأنبتت لهم من اللذات ~~أفنانا، يا أخي، إنها لمدنية. # ثم صمت صاحبي، ومال بنا المسير حتى ملنا ذات الشمال إلى محطة الرمل، فمررنا بباب ~~القنصلية الإيطالية، فرأيت بجانب الجدار شبحين ضئيلين، فاقتربت أنعم النظر ~~فيهما، فإذا طفلان نائمان، جلس أحدهما القرفصاء واعتمد بجانبه على الجدار، ~~وتمدد الآخر على الأرض، عرضة لأقدام السابلة، قلت: وا رحمتاه! طفلان شريدان ~~ألجأهما الشقاء إلى هذا الجدار. # ويعلم الله ما بهما من السغب والنصب، وما لقيا في يومهما وأمسهما، وما يلقيان في ~~غدهما، قال صاحبي: لا تعجب، فأمثال هذين كثير، يعثر بهم السائر حيثما ذهب، ~~فانقلب الأسى في نفسي غضبا على صاحبي، قلت: أرأيتك مدنيتك هذه العظيمة، وطرقها ~~المعبدة، وقصورها الشاهقة، ومصابيحها المتلألئة، وسياراتها الخاطفة، ومراقصها ~~اللاهية، وأنديتها الحافلة ، أرأيتك القانون والسلطان، والشرطة والعسس والنظام، ~~وهذا العمران المتبحر، والسعادة التي شملت الناس، وألوان النعيم التي طلعت بها ~~المدنية، والعيش الخفض، والزمان المواتي، ومدنيتك الرائعة الفاتنة، أليس في هذه ~~المدنية العظيمة لهذين الطفلين سعة؟ أليس في هذا العمران لهذين الطفلين مأوى؟ ~~أليس في هذه القوانين لهذين الطفلين حماية؟ أليس في هذا النظام لهذين الطفلين ms142 ~~موضع؟ أليس في هذه القلوب لهذين الطفلين رحمة؟ يا صاحبي، حسبك حسبك، لا تحدثني ~~عن المدنية ونعيمها، لا تخدعني بالمدنية وقوانينها؛ إنها لمدنية زائفة. # | الشعر والشاعر1 # هو وحي في شعاع القمر # يملأ القلب ضياء وسلاما # أو حديث في حفيف الشجر # أفشت الريح له سرا فهاما # أو بكاء في حنين الوتر # ملأ الأنفس وجدا وغراما # هو طل الفجر فوق الزهر # يملأ الروض دموعا وابتساما # ثم يبدو مثل قدح الشرر # بين خفق القلب والهم صداما # أو تراه كالوصايا العشر # 2 # بين ومض البرق والرعد كلاما # ذلك الشعر إذا ما ترجما # عن خفايا وحيه اللفظ المبين # رب شعر وحيه قد كتما # أبلغ الأشعار ما لا يستبين ~~••• # يخلق الشاعر خلقا آخرا # من خيال حائر فيه المدى # يجعل الليل غرابا طائرا # خاف نسر الصبح لما أن غدا # ويرى النجم شريدا حائرا # هام يبغي في الدياجي موردا # ويضيق الناس عنه ثائرا # فيرى القصة خلقا مسعدا # يبرأ الأبطال فيها ساحرا # فتراهم في البرايا خلدا # مثلا في البر يبقى سائرا # أو حليف اللعن يبقى أبدا # كم هدى الشاعر قبلا أمما # ودعا فيها إلى العز المكين! # وبنى للمجد فيهم سلما # فاستقاموا للمعالي صاعدين! ~~••• # وجه من يهواه روض ناضر # ألفت فيه من السحر معاني # ومن الطرة ليل كافر # ضللت فيه دموع وأماني # دولة الحسن، عليها ساهر # نابل من طرفه، والحاجبان # ومن الهجر جحيم ساجر # ومن الوصل فراديس الجنان # غضبة الشاعر ليل زافر # جلل الأرض بنار ودخان # ورضا الشاعر صبح سافر # ملأ الأرض بنور وأمان # يصبغ العالم ما شاء كما # لعبت باللون أيدي الراسمين # فإذا شاء أراه مأتما # وإذا شاء فعرس الفرحين ~~••• # ويلف السحب من نيرانها # في إهاب الغيظ والحقد الكمين # ويسل البرق من أجفانها # سيف ثأر مصلتا للظالمين # ويقود المزن من أرسانها # بيد الريح شمال أو يمين # ويعد الرعد من تحنانها # حين يروي الأرض بالغيث الهتون # أو يرى فيه صدى طغيانها # رددته رهبة للسامعين # ويقيم الطير في أفنانها # شاديات باكيات كل حين # ويرى النهر دموعا ودما # في عراك الدهر والقلب ms143 الحزين # أو يرى الصفحة سردا محكما # نسجته الريح بين الناسجين ~~••• # ويرى الورد ضحوكا طربا # إذ تحليه من الطل درر # فإذا الورد ذوى واكتأبا # حسب الطل هو الدمع انتثر # ويرى البانة قدا معجبا # ماس في الروض دلالا وخطر # ويرى الجدول صلا هاربا # في ظلال الأيك أعياه الوزر # ويظن الريح دارت لعبا # في ذرى الأشجار تلهو بالطرر # ويخال الطير غنى مطربا # يقرأ الحسن بصفحات الزهر # ضاق هذا العيش إلا حلما # راق في الأحزان نوم البائسين # تضحك الآمال فيه كلما # أبكت الآلام عيش الكادحين ~~••• # صاح والشاعر في نظراته # يخرق الستر إلى سر الضمير # فيرى الآمال في طياته # ودبيب الحزن فيه والسرور # يكشف المحزون عن أناته # ويراه الناس في ثوب الحبور # ويجلي الحب عن سوءاته # وجميع الناس منه في غرور # ويرى المحسن في هالاته # حين يخفي فضله كل كفور # فشعاع الشعر في ومضاته # كاشف للناس عن ذات الصدور # يقرأ الشاعر ما قد أبهما # في ضمير الدهر آلاف السنين # ويرى الغائب مشهودا كما # بصر الهدهد بالماء المعين ~~••• # يجهد الشاعر طول العمر # فيرى الآمال يأسا ومحالا # فتراه مثل باز صرصر # ملأ اللوح صياحا وصيالا # أو تراه مثل ليث هصر # عض في الأسر قيودا وحبالا # ثم يلهو بجمال الزهر # كاتما في الصدر غما ووبالا # فتراه عندليب الشجر # واصفا في الروض حسنا وجمالا # أو تراه كحمام هدر # رتل الحزن نشيدا فأطالا # صاح ما الشعر سبيلا أمما # هو صهر القلب في نار الشجون # صاح ما الشعر كلاما، إنما # هو ذوب النفس أو ماء العيون # | لم لا تقول الشعر؟1 # كتبت إلي أيها العم الكريم # 2 # تسألني لماذا صمت بعد تغريد، ونضبت بعد فيض، وسكنت بعد المرح، ~~واكتأبت بعد الفرح ؟ وما هذا الوجوم والإطراق بعد التهلل والإشراق؟ أين قلبك ~~الهدار، وقلمك المكثار؟ وأين شعرك الشاعر، ونظمك الساحر؟ ليت شعري وقد أمكنك ~~القول لم لا تقول الشعر؟ # 1 # يا سيدي، بماذا أجيبك؟ لقيت الحياة مبتسما، ونشأت مترنما، أطالع تباشير ~~الصباح مرحا كالأطيار، مترنحا مع الأشجار، تروقني ألوان الأفق، ~~وظلمات الغسق، وتشدهني طلعة ms144 ذكاء، في موكب الضياء، أراقب الأضواء، في ~~الإصباح والإمساء، وأساير الظلال، بالغدو والآصال، وأخلو إلى القمر ~~أشرب ضياءه، وأحس في نفسي صفاءه، وأقول: # البر والبحر ذوب من سنا قمر # تردد الطرف فيه فهو حيران # وأتأمل الأزهار في شعاعه، وأقبل الورد في لآلائه، وأساير النيل أجري مع ~~مائه، وأضطرب مع أمواجه، وأقف على البحر فرحا بآذيه المهتاج، معجبا ~~بسلاسل الأمواج، أرقب العراك المتواصل بين الماء والساحل. # وكم طربت لزقزقة العصافير في نور الصباح، وتنزيها على متون الرياح، ~~وضحكت لبكور الغراب، سابحا في الضباب! # وكم فتنني الوجه الجميل، والخلق النبيل، فقلت: # في كل حسن أرى سرا يجاذبني # نفسي، وما لي بهذا السر عرفان # أرى الجمال فتطبعه زجاجة العين على صفحة القلب، فإذا هو على لساني وقلمي؛ ~~فأنطلق قائلا معجبا، ومنشدا مطربا. # وكل شيء يبعث الأمل، ويحدو إلى العمل، وكأن القضاء طوع الخيال، وليس في ~~الدنيا محال، وكأن الإنسان يستطيع أن ينحت الجبال بقلمه، وينزف البحر ~~بفمه، والمستقبل وضاء، وكل ما في العالم ضياء. # 2 # ثم نفذ الفكر إلى ما وراء الظاهر، وتطلع إلى ما في السرائر، وجاوز القشر ~~إلى اللب، وخاض الضحضاح إلى العباب، وكشف المجاز عن الحقيقة، وطالع ~~ضمائر الخليقة، فانبهم العالم واستعجم، فإذا كل شيء مبهم، فالفكر فيما ~~وراء الحجب جائل، وكل سر هنالك هائل، والضوء هنالك ضباب، والبصر ~~حجاب. # امحت الأشكال، وخفيت الألوان، وعيت الريشة في يد الراسم، وحار القلم في ~~يد الشاعر، وبهت المنطق دون البيان، وجمد اللفظ على اللسان، ويبقى السر ~~المحجب، آبيا على كل مطلب، أو يبص من الحقيقة حاجب يتسع عن ضيق ~~الألحان، ويكبر على سلاسل القوافي والأوزان. # ورحم الله الشاعر سنائيا إذ يقول: «رجعت عما قلت؛ إذ ليس وراء الألفاظ ~~معان، وليس لما ندرك من المعاني ألفاظ.» # 3 # أهم بالمعنى الصغير، فإذا هو حلقة في سلسلة، وطريق إلى كل معضلة، وجزء من ~~كل حقيقة هائلة. # وأحاول الأمواج، فتنفتح عن الأعماق، فيضل الفكر، وتزيغ الأحداق، وأعالج ~~حمرة الشفق، فإذا وراءها خبيئات الأفق، وإذا الأفق صلة ms145 الأرض والسماء، ~~وملتقى الظلام والضياء، وكيف بما هناك من حقائق؟ كيف بما استسر من ~~أسرار الخالق؟ # وأهم بالكلام عن الحيوان، فإذا أنا في لجة الحياة، وهي السر العجاب، ~~سلسلة وسطها فوق الأرض وطرفاها في التراب. # وأريد أن أصف الذرة، فإذا هي والشمس سواء، باهرة الحقيقة، رائعة الضياء، ~~أنظر إلى الصغير فيكبر، وأقصد إلى الآنس فيفر، وأعمد إلى الواضح ~~فينبهم، وإلى المعرب فيستعجم. # والأمل تكسرت أمواجه على صخور الحقائق، وضل سرابه في فسيح ~~السمالق. # هأنذا على ساحل المحيط الأعظم، حائر الطرف بين اللجة والشاطئ، مقسم الفكر ~~بين الظاهر والباطن، ولست أدري أأبقى صامتا مبهوتا، أم أهجم على ~~الأهوال، وأغوص في الأعماق، مبينا عن عرفاني وجهلي، وإدراكي وعجزي، أم ~~أرجع إلى العهد القديم أصف الألوان والأشكال، والضياء والظلال؟ # | أوراق مالية1 في القرن السابع الهجري # كيخاتو بن أباقاخان بن هلاكو، خامس ملوك المغول المسمين أيلخانية، كان كما يقول ~~مؤلف «حبيب السير» أسخى بني هلاكو؛ كان يفيض جودا في موائده، ولا يقف به حد في ~~الإسراف واللهو. # وقد اختار لوزارته صدر الدين الزنجاني المعروف بصدر جهان. ولم يكن الوزير مخالفا ~~مولاه في التبذير، فخلت الخزائن، واشتدت الحاجة إلى المحال، وضاق بالملك الأمر، ~~فبدا للوزير أن يأخذ عن أهل الصين سنة كانت معروفة عندهم في ذلك العصر، هي ~~التعامل بأوراق تغني غناء الحجرين الكريمين، أو المعدنين النفيسين: الذهب ~~والفضة، وليس الفرق بين الورق والورق ذا خطر. # أمر الوزير بطبع أوراق للتعامل سميت «جاو»، وأنشأ في كل ناحية دارا لطبع الأوراق ~~سميت «جاوخانة»، وشرع قانونا يحتم على الناس الإقلال من تداول الذهب والفضة ~~جهد الطاقة. # وكانت الأوراق كما وصفها رشيد الدين الشيرازي في تاريخه المعروف بتاريخ «وصاف» ~~والمؤرخون المعاصرون على هذا الشكل: # ورقة مستطيلة، عليها كلمات صينية، وفوقها باللغة العربية كلمة الإسلام «لا إله إلا الله محمد رسول الله» اتباعا للمألوف في المسكوكات الإسلامية، وتحت هذا ~~اسم الكاتب، ودائرة كتب فيها قيمة الورقة، وكانت القيمة تختلف من نصف درهم إلى ~~عشرة دنانير، ومما كتب على هذه ms146 الأوراق هذه الكلمات الهائلة: «أصدر ملك العالم ~~هذه الجاو المباركة سنة 693ه، فمن غيرها أو محاها يقتل هو وزوجه وأولاده، ~~ويصادر ماله.» # وأرسلت إلى المدن منشورات تبين فوائد التعامل بهذه الأوراق، وتبشر الناس أن الفقر ~~والبؤس سيزولان لا محالة إن دام التعامل بها، ومما جاء في هذه المنشورات هذا ~~البيت: # چاو أكرد رجهان روان كردد # رونق ملك چاودان كردد # وترجمته: «إذا راجت في العالم الجاو دام رونق الملك أبدا.» # ومما جاء في قانون هذه الأوراق أن الورقة التي تمزق أو تبلى، ترد إلى الجاوخانة، ~~ويعطى صاحبها ورقة أخرى تنقص عنها عشر القيمة. # ثار الناس على هذه الأوراق: يروى أنه جعل موعد تداولها في مدينة تبريز شهر ذي ~~القعدة سنة 693ه، فلما جاء الموعد أقفلت الحوانيت ثلاثة أيام، ووقفت الأعمال، ~~وأبى الناس أن يقبلوا «الجاو المباركة». # وكان أعظم رجال الدولة نصيبا من سخط الناس وبغضهم: عز الدين المظفر، الذي وكل ~~إليه إخراج الأوراق والقيام عليها، ومما قيل فيه: # توعز ديني وظل جهاني # جهانرا هستيء تونيست درخور # أزان كبر ومسلمان ويهودي # بس أز توحيد حق والله أكبر # همى خوانند أزروى تضرع # بنزد حضرت دارى إداور # خدليا برمراد خويش هركز # مبادا درجهان يكدم مظفر # وترجمتها: «أنت عز الدين وظل العالم، ولكن بقاءك شر على العالم، من أجل ذلك ترى ~~المسلمين واليهود والمجوس بعد توحيد الله وتكبيره، يتضرعون إلى الحكم العدل: ~~ربنا لا تجعله ساعة واحدة مظفرا بمراده.» # انتشرت الثورة في مدن كثيرة، حتى ذهب كبراء المغول إلى السلطان «كيخاتو» فكلموه ~~في أمر هذه الأوراق البغيضة، حتى رضي بإلغائها. # | قبر مفقود1 # قال صاحبي ونحن نؤم مسجد النبي دانيال في الإسكندرية: هذا هو المسجد، فولجنا ~~إلى الفناء، فإذا جماعة من السؤال جالسين إلى الجدار كأنهم موتى أعوزتهم ~~القبور، ثم قال صاحبي: وهذا البناء مقبرة، فملنا ذات اليمين إلى رجل بالباب، ~~عرفنا من موقفه وأوامره أنه قيم المقبرة. ~~- السلام عليكم. ~~- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، هل من حاجة؟ ~~- يا سيدي، شاعر من شعراء الترك ووزير من ms147 وزرائهم اسمه عاكف باشا قدم إلى مصر ~~أيام محمد علي باشا ومات بهذه المدينة، ودفن بجوار النبي دانيال، فهل تعرف عن ~~قبره خبرا؟ ~~- أكان وزيرا في مصر؟ ~~- كلا، لكنه مر بمصر حاجا، ثم عاد إليها بعد الحج، فمات بالإسكندرية. ~~- هذه مقبرة لأسرة الأمير عمر. يا محمد، اذهب معهما إلى المقبرة القديمة، أليست ~~مفتوحة؟ ~~- لا يا سيدي، ولكن فتحها يسير، فهناك إبراهيم. # سرنا وراء الرجل يسلك بنا في فناء المسجد حتى انتهى إلى زقاق ضيق يفضي إلى باب ~~مرتفع، فنادى إبراهيم وكلمه، فجاء يحمل المفتاح وتقدم نحو الباب ففتحه، ثم ~~ألقى خشبة ضخمة على كوم من الحطب أمام الباب، فارتقى عليها، ودخل ~~فاتبعناه. # سور قصير يحيط بعرصة واسعة، فيها ارتفاع وانخفاض، وأكوام من التراب، وأكداس من ~~الأحجار، يبدو بدخلها قبران إلى اليمين، عليهما نصبان من الرخام. وإذا أنعم ~~الباحث النظر تبين قبرين دارسين أو ثلاثة في أرجاء أخرى. # قال إبراهيم: ليس هنا إلا القبران اللذان ترى. فتأملت كتابة تركية، وقرأت ما في ~~سطور الفناء من عظات وتواريخ وأسماء، فإذا اسمان آخران، ودفينان مضى عليهما ~~زهاء ثمانين عاما، وجلت في أرجاء المقبرة فرأيت قبرا عليه نصب واقع يتضمن ~~اسما آخر، ثم مررت بقبر لا نصب عليه، وبنصب لا قبر له؛ بطشت يد الزمان العسراء ~~ببقايا الفناء! # تتخلف الآثار عن أصحابها # حينا ويدركها الفناء فتتبع # لبثت حينا أسائل القبور والأحجار فلم تحر عن الشاعر جوابا، فرجعت إلى إبراهيم ~~فقال: كانت هذه الأرض كلها قبورا، فذهب بها الحفر، قلت: أي حفر؟ قال: قلبوا ~~الأرض يفتشون عن قبر الإسكندر؛ فقد أخرجوا ما ضمنته الأرض من أحجار وعظام إلى ~~عشرين ذراعا، فلم يظفروا بشيء، قلت: إنها لتعزية؛ إن فقدنا قبر شاعرنا فقد ضل ~~في ثنايا الأرض وظلمات التاريخ قبر الملك العظيم الفاتح، الإسكندر بن فيليب، ~~إنها لتعزية! # رجعنا إلى صاحبنا الذي أشار بالذهاب إلى المقبرة القديمة فقال: هل عثرتم على ~~القبر المنشود؟ ~~- لا، رأينا قبورا قليلة، وقرأنا ما وجدنا من أنصاب، فلم نجد قبر عاكف ~~باشا. ms148 ~~- هنا مقبرة سعيد باشا، أيمكن أن يكون قبره فيها؟ ~~- ليس بعيدا، فقد حدث التاريخ أن محمد علي باشا أحسن وفادته، وبالغ في الحفاوة ~~به، فليس عجيبا أن يكون قد أمر بدفنه بين قبور الأمراء. ~~- يا فلان - قيم مقبرة سعيد باشا وكان بجانبه - ادخل بهما لعلهما يجدان القبر، ~~فأحسبني رأيت هذا الاسم على بعض القبور. ~~- عندي أوراق فيها أسماء القبور كلها، فتفضلا معي. # ودخل إلى بهو به مكتب، فأخرج ورقتين فيهما أسماء معظمة لأمراء وأميرات، أسماء ~~كانت عناوين حياة حافلة بالأبهة والرفاهية، مملوءة بخطوب الزمان، ونوب الأيام، ~~وما هي الآن إلا أسماء قبور. # ما وجدت «عاكف باشا» بين الأسماء، فشكرت للرجلين وانصرفت. # قال صاحبي: لم تعثر عليه. # قلت: أجل، ولكني أعلم أنه في باطن الأرض، فإن لم يكن بد لشاعرنا من قبر، فهب ~~الأرض كلها قبره. يا أخي، إنما يخلد الناس بالآثار لا بهذه الأحجار، وقد صدق ~~جلال الدين الرومي إذ قال: # فلا تطلبن في الأرض قبري # فإنما صدور الرجال العارفين مزاري # 2 # | جلال الدين منكبرتي1 # 1 # سارت جيوش التتار تقذف بالموت والدمار # فتحت ~~يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ~~ينسلون # خرت المدائن لصولتهم، فأسروا وقتلوا، ثم ~~سلطوا الماء والنار فأخربوا ودمروا، وانطلقوا في جحافل من السيوف ~~والسهام، والنار والدخان، والدماء والماء، والهول والفزع. # وعلاء الدين ملك خوارزم قد أوقد النار ولم يستطع إطفاءها، وفتح باب الشر ~~ولم يقدر على إغلاقه، لم يغن جنده، ولم تثبت عزيمته، فما زال يهجر ~~المدينة بعد المدينة حتى اعتصم بجزيرة في بحر الخزر، فهلك بها. # 2 # ورث جلال الدين ملك أبيه، وإنما ورث الضراب والطعان، وعرشا في أشداق ~~المنون تخاض إليه الأهوال، وتقطع دونه الآمال. لقد ذهب الملك وعلاء ~~الدين معا، وورث جلال الدين دين أبيه من الكفاح والنضال، ورث القتال ~~الحاضر، والملك الغابر. # هلم جلال الدين، ادفع عن رعيتك ما لا يدفع، واختر لنفسك وليس في الشر ~~خيار. # هما خطتا إما إسار وذلة # وإما دم، والقتل بالحر أجدر # تحفز البطل تحفز الأسد، وتقهقر ليثب، ms149 ولكن المغول كانوا في إثره حيثما ~~سار، يطوون وراءه الليل والنهار، حتى خرج من ملكه، وقارب الهند، وهنالك ~~صف جلال جنده، وهم: # عصابة ليس لهم ديار # إلا ظهور الخيل والغبار # فهزم عدوه الجبار في ست معارك. # يلقى المنية في أمثال عدتها # كاليل يقذف جلمودا بجلمود # ولكن طوفان المغول أعظم من أن تثبت فيه صم الجلاميد، أو يغني فيه العزم ~~المرير والبأس الشديد. # ذلكم جلال الدين على نهر السند، وأولئكم المغول على النهر يكر عليهم ~~كالأسد المحرج، ويصدقهم القتال من الفجر إلى الظهيرة، يموت في يمينه ~~الحسام بعد الحسام، وينفق تحت عزائمه الجواد بعد الجواد، فلما سدت ~~على العزائم سبل النصر، وضاقت بالمجال حيل الأبطال، حمل على عدوه ~~فحطمه، ثم انثنى إلى النهر فاقتحمه، والموت خزيان ينظر. تلك لجة النهر ~~تموج بجلال الدين وجنوده، وفوقهم من سهام المغول وابل منهمر، وفي الهمم ~~القعساء تستوي الغبراء والدأماء. أعجب الأعداء بهؤلاء الأبطال، فوقفوا ~~معجبين ينظرون. # غرق معظم الجند، وخرج البطل ببقايا القتل والغرق ليلقى بهم عدوا آخر، ~~فهذا «جودي» أحد أمراء الهند يغير على البطل المرزأ لينفيه من أرضه، ~~وهذا جلال الدين على العلات يصمد للمغير فيهزمه. # ثم جاء مدد من جنوده فتقدم في أرض الهند، وأقام بها حيث شاء على رغم ~~«قراجة» أمير السند، وإيلتتمش أمير دهلي اللذين تحالفا وحالفا عليه ~~الدهر. # وما جهد هذا الدهر إلا هزيمة # إذا نازلت عزم الكرام كتائبه # 3 # أتحسب جلال الدين بلغ من الجهد غايته، ومن الجلد نهايته، وقد أعذر إلى ~~المجد والملك والرعية؟ أتحسبه، وقد فقد ملكه جميعه، وهزم في أرض غريبة، ~~تبلد يطلب في فجاج الأرض مفرا، أو يلتمس في زواياها مستقرا؟ كلا! ~~إنه فقد ملكه ولم يفقد رجاءه، ولا عزمه ولا إباءه. إن له ملكا وإن يكن ~~في يد العدو الجبار، وإن له عرشا وإن يكن في ذمة الزمان الغدار. إن ~~أمامه في عراك الخطوب ثماني حجج تطير فيها بين المشرق والمغرب همته، ~~وتنقله من حرب إلى حرب صرامته، ويسلمه من مصيبة إلى ms150 مصيبة حظه. # يشق بين الأهوال طريقه إلى كرمان ففارس فأصفهان فالري، ثم يصمد للخليفة ~~العباسي الناصر، فيهزم جنده، ويقتل قائده، ويسوق المنهزمين إلى أسوار ~~بغداد. # ثم يستولي على تبريز، ويجعلها عاصمة ملكه، ويغير على الكرج، فيزيد في ~~أعدائه، كأن أعداءه ليسوا أكفاء نضاله. وبينما هو في تفليس جاءه نبأ ~~هائل، وناهيك بخيانة الأعوان في حومة الطعان: أنبئ أن براقا الحاجب ~~والي كرمان قد مالأ المغول. فيبادر من تفليس إلى كرمان ليأخذه بخيانته، ~~ثم يرتد من كرمان إلى الشمال ليحارب التركمان والملاحدة، فيهزمهم ~~ويجزيهم بما اقترفوا في غيبته، ويشرق تلقاء دامغان، ليهزم جيشا من ~~المغول، ويرجع إلى الغرب حين يعلم أن الكرج تألبوا عليه، فيلتقي ~~الجمعان، وتأبى على جلال الدين شجاعته ومضاؤه إلا أن يبارز أبطال ~~الكرج، وقد قتل أربعة من صناديدهم ولاء، ثم حمل على الكرج فهزمهم ~~أجمعين. # 4 # هذه سنة سبع وعشرين وستمائة وجلال الدين يعمل ليؤلف بين أمراء ~~المسلمين، ويضرب بهم هذا العدو المدمر، فلا يمهله عدوه فيباغته ثلاثون ~~ألفا من المغول، فينهزم أمامهم، ولكن ليستولي على مدينة كنجة. # عشر سنين نازل فيها جلال الدين منكبرتي أحداث الزمان مجتمعة، وغلب فيها ~~جهد الأعداء، وخيانة الأصدقاء، وجالد عدو المسلمين، وخليفة المسلمين، ~~وحارب المغول والتركمان والملاحدة والكرج. # أرأيت جلال الدين نجما يدور به فلك من الخطوب بين المشرق والمغرب؟ أعلمت ~~أن الرجل العظيم يخلق أحداث التاريخ ولا ينقاد لها؟ إن يكن ما يروى عن ~~جلال الدين مستحيلا، فكم بين حقائق التاريخ من مستحيل! # غياث الدين أخو جلال الدين يمالئ الأعداء أيضا! فانظر إلى البطل العظيم ~~عام ثمان وعشرين وستمائة وقد اجتمع عليه الأعداء، وخانه الإخوة ~~والأصدقاء، وناء بقلبه خذلان أعوانه لا بطش أقرانه. ها هو ذا مكتئبا ~~حزينا مشردا يسير في قرى الكرد، ولعله يحاول أن يخلق من عزمه جندا ~~وحربا وانتصارا وملكا، ولكن رجلا من الكرد باغته ففتك به. # أتته المنايا في طريق خفية # على كل سمع حوله وعيان # ولو سلكت طرق السلاح لردها # بطول يمين واتساع جنان # ولكن ms151 النفس العظيمة التي ملأت العدو والصديق هيبة وإعجابا لا تموت بموت ~~الجسد، فقد أكبر الناس أن يموت البطل الذي غلب الموت في كل معترك، ~~فبقوا أكثر من عشرين عاما يتحدثون أن بطلهم حي، وأنه ظهر في هذا ~~المكان أو ذاك، بل حاول بعض الناس أن يلبسوا عظمته، ويحملوا اسمه، ~~فناءوا بالعبء، فأخذهم المغول بغير عناء. # يا شباب الشرق، قلبوا صفحات مجدكم؛ فإن أعظم المصائب أن تمحى ذكرى ~~الآباء من صدور الأبناء، وإن لكم في جلال الدين لعبرة. # | إسكندر يقتل صديقه1 # 1 # إسكندر العظيم يثبت عرشه وسلطانه وهيبته وكبرياءه في مقدونية واليونان، ~~ثم يتوجه تلقاء آسيا. # الفريقان من اليونان والفرس يلتقيان على نهر «كرانيكوس» الصغير عام أربع ~~وثلاثين وثلاثمائة، فيتاح لإسكندر أول فتح في آسيا، ثم تخضع له المدائن ~~حتى سرديس، فقد دانت له آسيا الصغرى كلها. # ثم يتقدم صوب الجنوب، فيجتاز جبال طوروس، ويسير تلقاء الشام، وإذا جيش ~~دارا، الجيش اللهام الذي لا يغلب من قلة، رابض في طريقه، وفي سهل إسوس ~~الضيق بين الجبال والبحر تزدحم مئات الألوف للحرب، ويسقط في البحار ~~مائة ألف من الفرس، ويفر دارا، وينهب معسكره، وتؤسر أمه وزوجته ~~وابنتاه. فانظر إلى الإسكندر قد قهر «الملك الأعظم» ملك الفرس، وطالما ~~فخر اليونان بأنهم احتملوا صدمتهم، وردوهم عن بلادهم أيام دارا. # ويتقدم الفاتح العظيم فيقهر مدن الشام، وتقاومه صور وتتحدى جبروته ~~وسلطانه، ثم تخر أمامه بعد حصار سبعة أشهر، فيقتل منهم ثمانية آلاف، ~~ويؤسر ثلاثون ألفا، فيباعون عبيدا، ويصلب على القلاع ألفان عبرة ~~ونكالا. ذلكم الإسكندر الفاتح القاهر، وذلكم جزاء من يقف في ~~سبيله! # ويفتح الإسكندر مصر عام اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، ويرفع نسبه إلى آمون، ~~ثم يجمع جنده ويسير إلى العدو الأكبر؛ الملك الأعظم، فيجتاز الفرات ~~ودجلة إلى حيث يعسكر دارا. # وهنالكم على مقربة من أطلال نينوى العظيمة، التي تندب مجد آشور الغابر، ~~وعلى سبعين ميلا إلى الشمال والغرب من مدينة إربل، قريبا من ملتقى ~~عبد الله بن علي العباسي ومروان بن محمد خاتمة الخلفاء الأمويين، ms152 حيث ~~سقطت دولة وقامت دولة، هنالكم تراءى الجمعان، وعسكر الإسكندر تجاه ~~دارا. ويشير «برمينيون» على الفاتح المقدوني أن يهجم على عدوه ليلا، ~~فيأبى مجد الإسكندر وكبرياؤه فيقول: «أنا لا أسرق النصر.» # ثم يلتقي الجمعان، وتدور الدائرة على دارا وجنوده، فيفر صوب المشرق، ~~ويسارع الغالب صوب الجنوب. أريتك بابل العظيمة مدينة السحر والعلم، ها ~~هي ذي تفتح أبوابها للإسكندر، ويباركه كهنتها، ويطوي الملك الشاب ~~المراحل إلى سوس واصطخر حاضرتي الفرس، لا يصمد لمدينة إلا فتحها، ولا ~~يعمد لجيش إلا مزقه. # تمتد الفتوح والآمال والنشوة والكبرياء بإسكندر إلى ما وراء النهر في ~~طريقه شطر الهند، بعد أن طرد دارا، حتى عثر به في الطريق ~~قتيلا. # إسكندر العظيم في مدينة سمرقند عام سبع وعشرين وثلاثمائة، وقد طوى ~~المراحل والممالك، ما بين مقدونية ونهر سيحون، ينعم هنالك بالشباب ~~والظفر، والملك الفسيح، والكنوز التي لا تحصى، والجند الذي لا يعد. ~~إسكندر الآن أعظم ملك في العالم كله. # 2 # ويدعو أصحابه وقواده إلى مأدبة في سمرقند، فيأكلون ثم تدور الكأس حتى ~~يثمل القوم أو يكادوا، ثم تترع للملك المظفر كئوس من الإطراء والإعجاب ~~والإجلال والإكبار، ويغلو المتملقون المعجبون، فيرفعونه فوق الأبطال ~~جميعا، ويدعون أن أعماله المعجزة لا تكون إلا عن نسب إلهي، بل يرفعونه ~~إلى مستوى الآلهة كهرقل. ويشارك الملك الشاب في إعظام مآثره، والإعجاب ~~بها، ثم لا يقنع بما فعل، فيجعل لنفسه ما نال أبوه من ظفر في آخر عهده، ~~ويغض من فيليب وإن كان أباه! # يسخط المقدونيون من الزراية ببطلهم القديم، ولكنهم لا ينبسون، و«كليتوس» ~~رابض ينظر إلى إسكندر ومادحيه ساخطا محملقا. كليتوس أحد قائدي ~~الفرسان، كليتوس الصديق القديم أخو «لانيس» حاضنة إسكندر التي قتل ~~اثنان من أبنائها تحت رايته، كليتوس الذي نجى إسكندر في معركة ~~كرانيكوس حين أبصر فارسيا يهوي بسيفه إلى الملك من خلفه، فسارع ~~كالبرق فضرب السيف فقده دون رأس الملك. كليتوس هذا لم يستطع صبرا على ~~الغض من فيليب، قال كليتوس: ما لهؤلاء المادحين يضعون أقدار الغابرين ~~ليرفعوا عليها مجد ms153 الحاضرين؟ # إن فيليب كان عظيما، ثم تأخذه الحدة فيقول: «ليست مآثره دون مآثر ابنه. ~~لا، إن مآثره لأعظم؛ فقد خلق الرجل لنفسه ملكا وجيشا، وإنما صلت ~~أيها الملك بما أورثك فيليب، من ملك ممهد، وجند مدرب. إنما ظفرت بفضل ~~هؤلاء المقدونيين الذين تحقرهم اليوم، وتقدم الفرس عليهم، ألم ~~تقتل برمينيون العظيم؟» # هاج الحاضرون وقذفوا كليتون بالجدل والتوبيخ، وثار ثائر إسكندر الفتى ~~الفاتح، الذي سخر ملك مصر وبابل وآشور وفارس، إذ قرعت أذنه لأول مرة ~~نبأة ناقد يعترض كلامه، ويرد عليه دعواه. غضب إسكندر وصاح بكليتوس ~~يزجره ويجادله. وانحاز الحاضرون للملك المعجب بنفسه، وكليتوس كالأسد ~~يزمجر ويرد الكلمة بمثلها، ثم ينتفض قائما ويصيح مادا يده إلى ~~الملك: «اذكر أن حياتك دين لهذه اليد التي نجتك يوم كرانيكوس، وأصخ ~~لصوت الحق الصراح، أو تجنب دعوة الأحرار إلى مأدبتك واختص العبيد ~~بصحبتك!» # اهتاج إسكندر لموقف كليتوس، ولذكرى كرانيكوس وبرمينيون، فنهض يتحسس ~~خنجره، فإذا الخنجر بعيد قد نحاه أحد الحاضرين، فينادي الحرس مغضبا ~~هائجا، ويأمر أن ينفخ في الصور إيذانا للجند، فما أطاع أحد أمر الملك ~~الهائج النشوان. # وتقدم نحوه بطليموس وبردكاس، القائدان الكبيران، فأحاطا به، وأمسكا يده ~~برفق يسكنان ثورته، ويكسران حدته، ويحيط آخرون بكليتوس يخرجونه من ~~البهو، فيأبى أن يخرج لئلا يعترف بأنه أساء واعتدى، ويقول إسكندر: «وا ~~أسفا! إن قوادي قد غلوني كما فعل بسوس بدارا، # 2 # وإنما لي من الملك اسمه.» # ويتقدم إسكندر تلقاء كليتوس، ولا يجرؤ القواد أن يقفوه قسرا، ثم ينقض ~~كالصاعقة فينزع حربة من أحد الجند فيغمدها في صدر كليتوس صديقه ~~القديم! # 3 # يرتاع الحاضرون ويفيق إسكندر من نشوته وثورته وعنجهيته فيفتح عينيه فإذا ~~كليتوس طريح يضطرب في دمه. # خرج إسكندر من البهو يعدو إلى فراشه، فارتمى عليه ثلاثة أيام لا يأكل ولا ~~يشرب، ويبكي بدموع عزت على الخطوب الشداد، وغلت في الحوادث السود، ~~ويتمادى به البكاء، وكلما كفكف دمعه تمثل له صديقه طعينا، فيلعن ~~نفسه نادما، ويهتف باسم كليتوس وأخته لانيس، ثم يقول: «ويلي! أنا ~~الغادر ms154 الكنود؛ لقد جزيت كليتوس ولانيس شرا بما أحسنا إلي، لست بعد ~~اليوم جديرا بالحياة.» # ويجتمع إليه صحبه يعزونه، ويسوغون ما عمل، فلا يزداد إلا حزنا ~~واكتئابا، وندما وأسفا، ويجتمع الجند المقدونيون فيجمعون على أن ~~كليتوس قتل بحقه، وأنه ينبغي ألا يدفن، فيغضب ويقول: كلا، إنه سيدفن ~~بأمري. # ويأتي الكهنة فيقولون: إن الملك لم يقتل صديقه بيده، ولكنها نقمة من ~~الإله «ديونسوس» أجراها الله على يد الملك انتقاما لنفسه بما حرم ~~القربان في هذه المأدبة، ثم يأتي الفيلسوف «أنكشر خوس» فيقول: أيها ~~الملك، إن الذي أنت فيه لعجز. إنك أيها الملك العظيم، والفاتح القاهر، ~~لجدير بأن تحل وتحرم، وتحق وتبطل بإرادتك، لا أن تخضع للقوانين ~~التي سنها الناس، ثم يأتي كلستنوس الفيلسوف فيجهد أن يهون على ~~الإسكندر ما فعل. ~~••• # فارق إسكندر مضجعه بقلب كليم إجابة لنصحائه، وإجابة لواجبه في هذه ~~البلاد النائية، ولكني أحسب الجرح قد ذهب مع إسكندر إلى قبره! # إسكندر العظيم لم يعظم عليه مطلب، ولا بعدت على همته غاية، ولا ثبتت في ~~طريقه دولة، ولا وهن قلبه في سلم ولا حرب، ولكن إسكندر الفاتح القاهر، ~~والملك المسلط، لم يحمل وخزة واحدة من وخزات الضمير؛ فخر كالطفل يبكي ~~ويتململ، وكاد يبخع نفسه فرارا من الندم! # | الغريق1 # بينما يسير بنا زورق في النيل رأينا من بعد على شاطئ قريتنا أسودة تضطرب، تتقارب ~~وتتباعد، وتفترق وتجتمع، ثم يقترب بنا الزورق فنرى رجالا يموج بعضهم في بعض، ~~وإذا ضوضاء وجلبة، وإذا الناس في أمر مريج، بين جالس قد رمى ببصره إلى النهر ~~حائرا، وواقف يشير إلى الماء صائحا، ومسرع يساير النهر يتبين الأشياء الطافية ~~على الماء، ومناد: انظروا، ما هذا الذي يضطرب به الموج؟ وآخرون أخذوا الشباك ~~واستقلوا زورقا، يرمون بشباكهم في كل مكان، وغواص يطفو ويرسب وقد أخذه الصياح ~~من كل جانب: إلى الأمام، إلى الوراء، اقترب، ابتعد، ألم تجد شيئا؟ غص مرة ~~أخرى. والناس من القرية إلى الشاطئ أفواج متتابعة، والنساء على بعد صارخات ~~معولات، والنيل متدافع اللج، مصطخب الآذي، ms155 يسير سيرته متدفقا زاخرا، لا يعي ~~ما يقولون، ولا يأبه لما يفعلون! # عرفت أنا ههنا إنسانا غرق، وتمثل لي عجز الإنسان، وانقطاع حيلته في هذه الخليقة ~~العظيمة! التهم النيل الرجاء، وطواه في جوفه، ومر في عظمته وجبروته، كدأبه في ~~الحقب المتطاولة، منذ انبثق من عالم الغيب في فجر التاريخ، وكم نفس طواها صدره ~~الواسع! وكم أمم تراءت صورها في صفحته، ثم كانت كالخيال في المرآة، لا بقاء ولا ~~خلود! والناس على كثرة زحامهم وزياطهم دهشون، لا يدرون ماذا يفعلون! كذلك ~~عظمة هذا العالم، وكذلك عجز هذا الإنسان الكبير! # دنوت من الجمع المحتشد، فقلت لأحدهم: ما خطبكم؟ قال: فلان بن فلان غرق. فتركته ~~قائلا في نفسي: وماذا عسى أن يقع في السماء والأرض إن غرق فلان بن فلان؟ إن ~~الناس والحيوان والأشجار والأنهار خلائق متصادمة في هذا العالم، يهلك أقواها ~~أضعفها، ولا تبالي الخليقة إذا اصطدم إنسان وحجر، أيهما الكاسر وأيهما المكسور! ~~وهذا رجل سقط في الماء فرسب. # ابتعدت من الناس مفكرا، فكأني أسمع في هذا الاضطراب وهذا الصخب ثلاثة أصوات تدوي ~~في أذني: صوت الإنسان الضعيف يقول: وا أسفاه! وا رحمتاه! غرق فلان بن فلان، فيا ~~حسرتاه على فلان وأهل فلان! # وصوت القضاء الرهيب يصيح: أصاب إنسانا ما قدر له. # وصوت الطبيعة القاسية يقول في غير اكتراث: جسم ثقيل سقط على الماء فرسب ...! # | مدرسة الصحراء1 # قرية ذات نخيل قامت في الصحراء كالأمن بين الخوف، والأمل بين اليأس، والحياة بين ~~الموت، تهوي إليها أفئدة سالكي الصحارى، فيجدون من الظلال والمياه ما يمسح عنهم ~~الجهد والنصب، ويطفئ فيهم العطش والصدى. # لمن هذه القرية المباركة؟ من القوم قد اجتمعوا فيها على أمر جلل، وأمل بعيد، ~~وغاية سحيقة، قد اعتزموا اقتحام الصعاب، ومجالدة الأهوال، وتحدثوا بقلب العالم ~~رأسا على عقب؟ # من هؤلاء التلاميذ الذين أنبتتهم الصحراء، وأخلصهم ماؤها وهواؤها، وشمسها ~~وهجيرها، وبردها وزمهريرها، فكانوا كروضة الحزن سقاها الحيا، وأنضرتها الشمس ~~والريح، في قنة لا عهد للأنيس بها؟ من هؤلاء العرب قد جلسوا في أسمالهم، ms156 ~~وأصغوا إلى معلمهم، يأخذون الحكمة، فتمكن من سرائرهم، فإذا هي خلق وسجية، وإذا ~~هي الأمل والعمل، وإذا هي سعادة الأولى والآخرة؟ # وعجبا لقوم ضعاف فقراء يتهيئون لما لا قبل لهم به! يريدون أن يكونوا أساتذة ~~العالم وسادته؟ ولولا كرم في نفوسهم، وحكمة في أفعالهم لقلنا: بهم الطيش ~~والغرور. # إن الإنسان ليقف في أمرهم بين الإعجاب والسخرية! دعهم في قريتهم، وتنظر ~~الحوادث تأخذ مجاريها، ثم انظر إليهم بعد أعوام تر التلاميذ الضعاف قد أخذوا ~~كتابهم وسيوفهم، واستووا على صهوات خيولهم، وتطاولوا إلى هداية العالم كله، ~~وحكم الناس أجمعين! دعهم في آمالهم البعيدة، وأمانيهم العظيمة، ثم أبصرهم بعد ~~سنوات قليلة وقد خفقت أعلامهم في مشرق الشمس ومغربها، ودان لهم كل طيع وعصي، ~~وإذا العالم ملؤه الإعجاب والخوف والمحبة والفزع، وإذا هم شرر قد انبعث فأصاب ~~الفطر الصالحة، فكان نورا، وأصاب النفوس العليلة، والأخلاق السقيمة، فكان في ~~هشيمها نارا! ثم انظر إليهم فإذا بهم على العرش قد ورثوا ملك الأرض، وأحسنوا ~~السياسة، وقادوا الناس بالحسنى، ثم دفعوهم إلى الخير، وهدوهم إلى الإحسان! وإذا ~~صفحة من الإحسان ليس للناس بها عهد من قبل، وإذا كتاب في تاريخ المدنية لم تقو ~~على فصوله من قبلهم أمم الأرض قاطبة. # أنبئني كيف وسعت القرية الصغيرة أرجاء الأرض؟! وكيف عمر العدد القليل نواحي ~~العالم؟! وكيف بلغ هؤلاء الضعفاء آمالهم؟! وكيف كان التلاميذ الفقراء، كما ~~أرادوا، أساتذة العالم؟! # فكر جهدك، فلن تجد أساطيل ولا جحافل، ولا طيارات ولا غواصات، ولا معامل ولا ~~مصانع، ولا كتبا وأسفارا يضيق بها العد، ولا أنت واجد شيئا مما يبهر من ~~جبروت الحضارة وزخرفها! # ما الذي خلق من القلة كثرة، ومن الضعف قوة، ومن الذل عزا، ومن الموت حياة، ~~وأخرج من الصحراء شرذمة كانت أعظم مثل في العظمة والعدل والإحسان والعلم ~~والحضارة ؟! # فتش ما استطعت، وفكر ما قدرت، وقلب حوادث التاريخ كما تشاء، فلن تجد إلا ~~شيئا واحدا، وأمرا فذا، لن تجد إلا سرا إليه مرجع كل ما عرفت، وعمادا ~~استقل بكل ما وصفت: ms157 الإيمان المتين، والخلق الصالح. إن في ذلك لعبرة. # | على شاطئ النيل1 # في ليلة من ليالي الصيف المقمرة، في قريتنا على ضفة النيل الشرقية، خرجت إلى ~~الشاطئ وانتبذت مكانا في زورق منعزل، وكنت أرى في الغرب أهرام دهشور وبعض ~~القرى والنخيل، مناظر بين الظهور والخفاء يتنازعها ظلام الليل وضوء القمر كأنما ~~تتراءى في لوحة مصورة، والقمر ساطع في المشرق، يرسل أشعته الهادئة كأنها رشاش ~~من ينبوع صاف، ينضح الخليقة، يطفئ عنها وهج الشمس، ويمسح عنها آثار التعب ~~والكد والعراك، أو كأنها يد رفيقة تمسح على رأس طفل محزون، والنيل مترع زاخر، ~~يسرع الجري في وقار، فلا تسمع في تدافع مياهه إلا وسوسة الأمواج، وحفيفها ~~بالشاطئ، وهمهمتها في جانب الزورق. # سكنت إلى نفسي، وشعرت لذة الخلوة، ولم يكن يشغلني إلا خوف أن يحضرني إنسان يتودد ~~بالأحاديث، وألقيت على النيل نظرة لم تسترد، والنيل كفكر الفيلسوف المطمئن، ~~صفحة واسعة مضيئة، عميقة هادئة، ترسل في النفس سلاما وأنسا واطمئنانا ~~وسكونا ورهبة. # ثم تهب ريح تجعد صفحة النهر، وتغضن أساريره، فكأن كل شيء قد تغير؛ ثارت ثائرة ~~النهر، كما تضطرب أفكار المفكر الهادئ بشبهة عاتية تزلزل نواحيه، وتهيج مستقر ~~سرائره، كذلك جاشت نفسي، وهاج فؤادي: # أيها النيل المنحدر من مجاهل الأرض، كأنك آت من وراء الغيب، ~~والمتدفق من مجاهل الزمن، كأنك منحدر من الأزل! أيها النيل ~~المصطخب بدفاعك وآذيك، الرائع في هديرك! أيها النيل ~~المنصب في البحار الواسعة العميقة التي لا يعلم قرارها، هل ~~أنت إلا سبب إلهي تسيل من المجاهل إلى المجاهل، كما يبزغ النجم ~~في الأفق ويغيب في الأفق؟ ما مبدؤك وما منتهاك؟ نعرف أنك من ~~البحر وإلى البحر. # وكذلك حياتنا، أيها النيل، نرى مجراها المائج الجائش، الصاخب ~~المضطرب، المزبد الطامي، وكأن الناس فواقعه التي لا قرار لها، ~~أين منبع هذا المجرى وأين مصبه؟ ما مبدؤه وما منتهاه؟ منبعه ~~الأرحام التي تقذف الأجنة في هذا العباب، وأما مصبه فتلك الحفر ~~السحيقة الموحشة الساكنة التي تزدرد العالم في الحقب المتطاولة ~~وتقول: هل من مزيد؟ ms158 هذه المهاوي التي لا يعلم قرارها، ولا ~~يدرى إلى أية غاية منتهاها، أجل، إنها البحر الأبدي المجهول. ~~وما هذه الصفائح والرجام والحصى والمدر إلا أمواجه وزبده، ~~ورشاشه المتطاير، ولكنها الأمواج الساكنة الجامدة؛ لأنها أمواج ~~الموت؛ ولأنه بحر الفناء. # هذه منبعه وهذا مصبه، ولكن ما المبدأ وما المنتهى؟ لا ندري، ~~ولكننا نعرف أننا من البحر وإلى البحر! # تدفق أيها النيل من الغيب إلى الغيب. أيها النيل، كم مرة طلعت ~~الشمس عليك! وكم مرة تلألأ في صفحتك القمر! وكم مرة تراءت في ~~لججك هذه الكواكب المطلة عليك كأنها تطالع صورتها فيك، وكأنها ~~تناجيك بالأسرار الغامضة، والحوادث الخافية، والوقائع التي ~~طويت في غيابات الزمن، والأمم التي سفت عليها أعاصير ~~القرون! # يا نيل، كم أمة عمرت شاطئيك، وجمعت بالجسور عبريك، وملأت صفحتك ~~بالسفائن، ثم زال بها نهر الحياة السريع، فلا جلبة ولا عراك، ~~ولا جرس ولا ركز، ولا تكبر ولا فخر، وليس إلا بقية آثار تشبه ~~الجزر والصخور المعترضة في مجرى النهر استعصت على التيار، ولا ~~بد أن يجرفها يوما. وإن أكبر هذه الأمم حظا من الخلود تلك ~~التي بقيت آثارها كصفائح القبور تدل على ما وراءها من الفناء، ~~تلك التي يقرأ تاريخها في أحجار المقابر. # أيها النيل، وإنك لأهدأ سيرا وأرفق يدا من نهر الحياة، بل نهر ~~الموت الذي لا يبقي ولا يذر! إنك تجور على القرى أحيانا، ~~وتتحيف الشاطئين أحيانا، ولكنه لا يدع قرية ولا شاطئا، ولا ~~علامة على القرية والشاطئ. إن لك لعبرين وقرارا، فأين عبرا ~~نهر النيل، وأين قراره؟ وماذا في لجاته؟ إنه القضاء الرهيب ~~يتدفق من الأزل إلى الأبد، وكأنه يجري وراء العيون والأسماع، ~~والعقول والأفكار، وإنما نبصر من فواقعه ورشاشه، ونسمع عن ~~اصطخابه وضوضائه، لا بل نرى لججه وأمواجه، ونسير في تياره ~~وعبابه، وليس لنا علم بما وراء ذلك. # أيها النيل، تدفق تدفق من الغيب إلى الغيب، كما شاء ربك، فكذلك ~~نحن في هذه الحياة: سائرون مع النهر، مستسلمون للتيار، جهدنا ~~أن ننشر الشراع، ونحرك المجداف، كما شاء ms159 ربنا، وليس لنا من ~~الأمر شيء. # | ملك وفيلسوف1 # نشأ إسكندر بن فيليب ملك مقدونيا قويا شجاعا عظيم النفس، بعيد الهمة، وتبوأ ~~العرش في سن العشرين، فأرهق الجند بأسه، وتصرفت بالجحافل همته، فلم يعجزه ~~مطلب، ولا بعدت عليه غاية، وما ظنك بملك شاب عظيم طموح، كبير الهمة، يواتيه جند ~~باسل، وجحافل جرارة؟ # سار إسكندر فسقطت الممالك لبأسه، وخرت العروش لصولته، فإذا إسكندر ملك ما بين ~~مقدونيا وليبيا والهند، وإذا إسكندر وارث اليونان والفرس وبابل وأشور ~~ومصر. # أيها الملك الشاب، لقد بلغت ما لا يبلغه ملك على الأرض، لقد أتيحت لك السعادة غير ~~منقوصة، وألقت إليك الأماني مقاليدها. # سار إسكندر الكبير يوما فقيل له: أيها الملك العظيم، إن هذه الخشبة التي نرى من ~~بعيد مسكن ديوجين الفيلسوف، يحملها على ظهره حيثما سار، ويأوي إليها. ديوجين ~~الذي هجر تكاليف الحياة وضوضاء البشر، وقنع بالهواء والماء في الفلوات، يعيش مع ~~الطير والوحش، ويقتات بما يقيم أوده مما تخرج الأرض. # أراد إسكندر تلميذ أرسطو أن يتواضع للفلاسفة، وأن يؤثر عنه أنه مشى في عزته ~~وجبروته إلى ديوجين المسكين. أراد إسكندر أن يؤاسي الفيلسوف. مشى الملك العظيم ~~حتى وقف على ديوجين الفقير. # ليت شعري ماذا يهم ديوجين من الملوك والدول؟ وماذا يعنيه من إسكندر وجيوشه؟ إن ~~ديوجين الذي تنفذ نظراته إلى بواطن الأشياء كالأشعة لم ير في إسكندر وجنده إلا ~~ظلالا تمتد تحت الشمس وتنقبض، إلا صورا ترسمها ليقة الشمس، ويخفيها ظلام ~~الليل، إلا أخيلة تتراءى ثم تغيب في تضاعيف الزمان. # رفع ديوجين رأسه إلى الإسكندر فلم ير إلا ظلا سقط عليه، فحرمه ضوء الشمس، حرمه ~~متاعا منحه الله الناس جميعا، ولم يجعل للملوك سلطانا عليه. # فلما قال إسكندر العظيم: ما حاجتك يا ديوجين؟ # قال ديوجين الذي لا يملك شيئا ولا يملكه شيء: حاجتي أن تذهب فلا تحجب عني ضوء ~~الشمس! # | النهضة1 # نهضة الأمة: انتباهها من غفلتها، وانتعاشها من كبوتها؛ للتفكير في حالها، والنظر ~~إلى مآلها، ونقد سيرتها، والبحث عن عيوبها، وتعرف نقائصها، وقياس ما بينها ms160 ~~وبين الكمال؛ لتتجه نحو الغاية المرجوة، وتعد الوسائل المؤدية إليها. # وهي طور من الأطوار التي تنتاب الأمم في سيرها مع قوانين الاجتماع، وخضوعها للسنن ~~الإلهية، لا ترى أمة تستمر بها الغفلة، ولا أمة تمتد بها اليقظة على مدى ~~الأيام: حياة وموت، وشباب وهرم، وارتقاء واستفال، وصعود وانحدار، ولكن الأسباب ~~تعجل بنهضة أمة أو تعوقها، وتواتيها أو تعاندها. # وللنهضة أسباب داخلية وأخرى خارجية تتعاون على إنتاجها، ويكمل بعضها بعضا، وقد ~~تكون إحداهما أبين أثرا، وأوضح مظهرا. # فمن الأسباب الداخلية نبوغ المصلحين الذي يريدون بعزائمهم تغيير حال الأمة، ~~وسوقها في طريق الكمال. وهذا النبوغ من علامات النهضة ومن أسبابها، فهو أثر ~~لحال جديدة خالطت نفوس الأمة، ومؤثر شديد في هذه النفوس، ومنها نظام الحكم، ~~وأسلوب التعليم، وحال الزراعة والصناعة والتجارة، وهلم جرا، وأوضح ما يكون ~~هياج الأفكار، ونزوع النفوس إلى الإصلاح حين تبلى الأمة بضلال السيرة، واختلال ~~النظام، وتمنى بمصائب تأخذ عليها طريقها، وتلفتها إلى ما تعانيه من شقاء، ~~وتشعرها بالألم على كثرة ما تحملته، وبمرارة الظلم على طول ما ألفته، وحينئذ ~~يفكر الناس: فيم هذا العيش؟ وإلى أين؟ ولماذا يحملون هذه الأعباء؟ وبأي حق ~~يساسون بهذه السيرة؟ فتبدأ في النفوس سلسلة من الأفكار تنتظم أمور الأمة ~~جميعا، فإن الفكر إذا تنبه لا يقف في طريقه شيء، وحينئذ يكون ميزان الأعمال ~~العقل لا العادة. # وقد تأتي بذور النهوض من الخارج، وذلك باختلاط الأمم ونظر بعضها إلى بعض، فيكون ~~بينها من التقليد والغيرة والتنافس ما يكون بين الأفراد، كما كانت الحرب ~~الميدية بين الفرس واليونان مقدمة لعصر أثينا الذهبي «عصر بركليس»، وكانت ~~الحروب الصليبية من أسباب مدنية أوروبا الحاضرة، وكما كان سيل الأوروبيين على ~~المشارقة في هذا العصر مثيرا لهذه الحركات التي تناولت كل أساليب الحياة في ~~الشرق، بينما تكون الأمة راضية بما عندها ، ترى عند غيرها ما يخالف عاداتها ~~وأخلاقها وعلومها وآدابها، فتبتدئ القياس والموازنة، وتشرع العقول تفضل بعض ~~المختلفات على بعض، وذلك يقتضي أن تنظر إلى غاية في الحياة، يكون بها ms161 الترجيح ~~والتفضيل، فيكون الرجوع إلى هذه الغاية، لا إلى العادات الموروثة. # ومن علامات النهوض كثرة التفكير، وشدة الخلاف، والدعوة إلى العمل مقرونة بالحجة، ~~وتمحيص البراهين المختلفة. # والحياة البشرية لا بد لها من قوانين ترشد العاملين، وعادات يتفق عليها الناس، ~~حتى لا يضطر الإنسان إلى التفكير والترجيح كلما هم بعمل صغير أو كبير فيذهب ~~وقته ضياعا. ومن أجل ذلك كان عصر النهوض الذي يهدم القواعد ولا يبالي بالعادات ~~عصرا ملؤه الحيرة والشك والملل والانقباض. وقد كان القرن الثامن عشر الميلادي ~~في أوروبا عصر هياج وتمرد وقلق، حتى أنتج الثورة الفرنسية الكبرى، وكانت الأمة ~~العثمانية قي القرن الأخير مجالا للنزاع والجدال، حتى كانت ثورة الدستور، ولا ~~تزال الأمة في تقلب؛ ومن أجل ذلك كانت الأفكار المصرية في هذا العصر كثيرة ~~التناقض والتنافر، والنزاع بين القديم والحديث، وهلم جرا. # فإن لم يكن للأمة في هذا الطور قواد مرشدون، ومصلحون قادرون، كان من وراء هذا ~~الاضطراب شر مستطير. والنهضة إن لم يهدها الحزم، ويهذبها الفكر، فقد يربو شرها ~~على خيرها. لا بد لكل نهضة من فكر يثبت خطاها حين تهيج العواطف، ويبين للأمة ~~قصد السبيل حين تركب العزائم الجامحة كل مركب خشن، وتنزع بالنفوس الثائرة هموم ~~لا تبالي بالعواقب، وحين يغلو الناس في الخروج على العادات، والنفور من النظم ~~حين يرونها قيدا لإرادتهم، ويفكرون فيما أنتجته من سيئات، فيندفع واحدهم ~~كالحصان الأرن عالج رباطه حتى قطعه، فذهب في الأرض طلق الجموح. # لا بد إذن من أن تبين الغاية، ويبصر الناس بما ينفعهم وما يضرهم، حتى ~~يخففوا من غلوائهم، فإذا دعاهم الإعجاب بالجديد إلى أن يأخذوا عن غيرهم كل شيء، ~~وإذا أرادوا الخروج من عقائدهم وعاداتهم وسائر ميراث أسلافهم كلفا بالحرية، ~~وجب أن يقال لهم: انظروا ما أنتم في حاجة إليه، وإياكم أن تحقروا آدابكم ~~وقوانينكم ؛ فإن لكل أمة نظما ألفتها البيئة والأخلاق والأحوال الخاصة، وأيدها ~~مر الزمان، فأصبحت مثالا لحياتها، لا تصلح في مكانها نظم أخرى، ولكل أمة ~~عادات تحسن عندها ولا تحسن عند ms162 غيرها. # لا تحقروا ما أيدته التجارب، وهدى إليه الوجدان، فعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير ~~لكم. لا تخلطوا المدنية الصناعية بالمدنية الأخلاقية، فتتخذوا رقي أمة في ~~صناعتها دليلا على رقي أخلاقها وآدابها، ولا تجعلوا فقركم في الصناعة والوسائل ~~المادية برهانا على فساد أخلاقكم وآدابكم، فبين الأمرين فرق عظيم. خذوا من ~~المدنية الصناعية ما استطعتم؛ فإنها نتيجة القوانين الطبيعية التي لا تختلف ~~باختلاف الزمان والمكان. أما المدنية الأخلاقية التي تستمد من التربية ~~والتعليم، ومن خواص الشعوب والأجناس، وتاريخ الآباء، وآثار البيئة، فكونوا من ~~أمرها على حذر، وأكثروا فيها النقد والتمحيص، وإياكم أن تأخذوها كما هي، ~~فتكونوا كمن لبس ثوبا لم يفصل على جسمه، أو كالغراب الذي حاول مشية ~~القطا. # يقال: إن اليابان التي نافست أوروبا حتى زاحمتها في التجارة والصناعة والعلم، ~~ووقفت أمامها بأسلحتها، لم تزل مستمسكة بأخلاقها وعاداتها اليابانية، تزدري كل ~~من يهجر عاداته إلى عادات أوروبا. وقد نرى الهند والصين على اعترافهم بفضل ~~أوروبا في علوم الطبيعة لا يسلمون لها بالسبق في الفلسفة والتربية ~~والأخلاق. # لا بد من النقد وتمييز الخبيث من الطيب، وإلا سارت الأمة في طريق محفوف بالمصاعب، ~~وكانت سيئاتها أكثر من حسناتها. # فإذا عرفت الغاية واستبانت، فلا بد من النظر في الوسائل، فقد يشرق الإنسان ~~وهو يريد أن يغرب إن لم يستوثق لنفسه. وانظر أمة أرادت تعليم أولادها مثلا، ~~فأكثرت المدارس العالية، وأهملت المكاتب الأولى، فإنها لا تصل إلى ما تريد، ~~وكذلك أمة تقصر جهدها على الشكل، ولا تهتم بتجارتها وصناعتها ونحو ذلك من شروط ~~الحياة الصحيحة. # حتى إذا عرفت الغاية، واختيرت الوسائل، جاء وقت العمل، ولا بد له من الدأب ~~والصبر، حتى ينجح السعي ويحمد الكد، وإلا ضاع الزمن بين الإقدام والإحجام، ~~وسارت كل طائفة مراحل من الطريق ثم وقفت، فتستأنف السير طائفة أخرى تقف حيث ~~وقفت الأولى أو قريبا منها، فإذا جهد كثير ضائع، وسعي غير نافع، وإذا الأمة لا ~~تزال في أول الطريق. # إذا عرفت الأمة الغاية والوسيلة، ثم عملت واستمرت، وصابرت وصبرت، ms163 فلن يقوى أحد ~~على أن يصدها في طريقها، أو يعوقها عن غايتها، ومن ذا الذي يعطل القوانين ~~الطبيعية، أو يبطل السنن الاجتماعية؟ بل من يمنع النتيجة إذا تمت المقدمات، ~~ويحول دون الغاية إذا وضح الطريق، وأزيلت العقبات؟ # سنة ~~الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا ~~. # | الإخوان1 # من لي بقوم من الإخلاص طينتهم # لدى الشدائد والسراء إخوان؟ # قد حالفوا الحق لا يخشون لائمة # في الله ثبتهم في الحق إيمان # إذا تنكر جبار لهم خشنوا # وإن تعرض مسكين لهم لانوا # قرت بهم رجفات الدهر واتسقت # للعقل والعدل والإحسان أركان # من كل أروع ملء الدهر عزمته # وهمه في ضمير الدهر أشجان # ترى الهموم به الأهوال معتزما # يفوت ظن الردى والموت خزيان # مرزأ يتلقى الرزء منصلتا # تنشق عنه من الأهوال أجفان # فذلك الطود يجري حوله نهر # من الخطوب له بالناس طغيان # يزل عن سفحه الآذي مصطخبا # وما يلين لمر الماء صوان # فاتت مآرب أهل الذل قمته # فما يذلله نيل وحرمان # كأنه إذ يناجي ربه فرحا # عما يكابده في الأرض غفلان # ومنها في جماعة غير هؤلاء صغار الهمم ضعاف النفوس: # لا يعرف الرزء في الآمال واحدهم # إن نال مضجعه والبطن ملآن # كأنما الفلك الدوار أرحية # للقوت، والشمس في الآصال أفران # | سعيد بن جبير1 # سيف الحجاج مصلت يرعد، وينذر ويتوعد، ويحكم في الرقاب فلا معقب، وقد جلس الحجاج ~~مجلس بؤسه، وأدار أفلاك نحسه، وهو من تمرس بالشدائد حتى هانت عليه، وشهد القتل ~~حتى ما يبالي به، ساعة صرح فيها الشر، وكشرت المنية، وحسبك ببطش الحجاج الذي ~~يوحي إلى كل قلب رعبه، ويقض على القريب والبعيد مضجعه. # قدمت إليه أسارى «الجماجم» # 2 # وقد أمره الخليفة فيهم أن يقتل من لا يقر على نفسه أنه كفر إذ خرج ~~على الخليفة مع ابن الأشعث. # رأى كل أسير أن في الإقرار فرجا، وفي التعريض لمن يأبى التصريح مخرجا؛ سئل ~~الشعبي فقال: أصلح الله الأمير! نبا بنا المنزل، وأحزن بنا الجناب، واستحلسنا ~~الخوف، واكتحلنا السهر، وخبطتنا فتنة ms164 لم نكن فيها بررة أنقياء، ولا فجرة ~~أقوياء، وسئل مطرف بن عبد الله فقال: أصلح الله الأمير، إن من شق العصا، وسفك ~~الدماء، ونكث البيعة، وفارق الجماعة، وأخاف المسلمين، لجدير بالكفر. # وأنت يا سعيد بن جبير! إن لك في القوم أسوة، ولك في القرآن رخصة. هذا سيف الحجاج ~~ونطعه، وذاك جبروته وبطشه. الحجاج من لا تأخذه هوادة، ولا ينثني إذا اعتزم، ~~فأبق على نفسك بكلمة؛ كلمة لا تضيرك في دين ولا دنيا. تقدم فصرح بالكفر ~~مكرها، أو فعرض؛ فإن في المعاريض متسعا. لا تتردد؛ فإن سيف الحجاج لا يمهل، ~~ولا تبطئ؛ فإن الحجاج لا يؤامر. # لا لا، سعيد يأبى، سعيد يصمم أن يقول ما يكنه فؤاده: سعيد يربأ بنفسه أن تعرض في ~~الحق، سعيد يحقر الحياة، ولا يرهب الموت، سعيد لا تأخذه في الله رهبة. # ويحك يا سعيد! إنهم ينادونك، فالله في نفسك وأولادك والعلم الذي في صدرك، إن ~~الأمر لأهون من أن تقتل فيه، فالآن فاختر: إما الحياة وإما الموت. # يتقدم سعيد مزدريا بكل شىء إلا الحق، يمثل سعيد بين يدي الحجاج، سئل: أتقر على ~~نفسك بالكفر؟ فقالها كلمة أكبر من الحجاج وأعوانه، وعبد الملك وسلطانه، وأكبر ~~من كل جبروت في الأرض، قالها ليشتري الحق ويبيع الحياة. أجاب سعيد ساخرا ~~بالجنود والأعوان، والسيف السلطان، قد ملك عليه الحق عقله وقلبه ~~ولسانه. # قال: «ما كفرت بالله مذ آمنت به.» # هوى رأس سعيد عن جسده، قذف سعيد برأسه في وجه الجبروت، وقدمه ثمنا للعقيدة ~~والإباء. # سعيد بن جبير لم يذله مطمع، ولم يملكه خوف، ولا أزرى به ملق، ولا طأطأ رأسه ~~لجبروت، ولكنه كره الحياة، ورغب في الموت؛ ليقول ما يعتقد بين السيف والنطع. ~~فاعتبروا يا أولي الأبصار. # | رفائيل1 # البارحة بعد نصف الليل أتممت قصة رفائيل قراءة، وكنت بدأت قراءتها منذ زمن بعيد، ~~فتطاول الأمد، وتثاقلت النفس تثاقل الغم على قلبي جوليا ورفائيل. # ما حسبت قط أن الحزن الذي شربته جرعات، وأشربه قلبي رشحات، وأحسسته حينا بعد ~~حين، يبلغ هذا المبلغ. ms165 بلى! أذكر أني في إحدى الليالي وقفت القراءة إشفاقا ~~على نفسي حينما بلغت برفائيل وجوليا حديقة «منسو» وحم هنالك الوداع. أذكر أني ~~حينئذ وضعت الكتاب على حافة السرير، وألقيت على الوسادة رأسا ينوء بالهموم، ~~فماج بي الليل، وطار الفكر في أرجاء السماوات، وقذف القلب بأحزانه زفرات، ودارت ~~النفس في أعماق من الظلام والفكر ما لها من قرار، ولكني ما حسبت قط أن الحزن ~~آخذ بي إلى الغاية التي بلغها البارحة. # أذكر أن في هذه القصة مواقف موجعة، ومشاهد مروعة، أذكر جوليا ورفائيل وهما في ~~نفسيهما مأساتان أحكم الله تأليفهما، وبعث بهما إلى الأرض في صفحات الحادثات، ~~أو في صفحات «لامرتين» لتقرأ على مر الأيام، وأذكر البحيرة؛ بحيرة «برجيه»، ~~يوم كان اللقاء بين حبيبين لا يعرف أحدهما الآخر، فكأنهما التقيا على موعد بعد ~~أن برح بهما الشوق، وأمضهما الانتظار، ويوم حان فراق «إكس»، ورحلت جوليا إلى ~~باريس، فتبعها رفائيل يرقبها عن كثب وهي لا تدري، وينجدها كلما عرض لها ما ~~تكره، حتى أبلغها دارها ثم رجع. # وأذكر تلاقيهما في باريس يجتمعان على هوى عذري، وفرح هو أشد ضروب العذاب، في ~~ملتقى حبيبين هو أشبه بمأتم تهيأ فيه للقضاء الذي ليس منه مفر، ويوم يبيع ~~رفائيل لؤلؤة أمه وهو يبلها بدمعه ليستطيع الإقامة على مقربة من جوليا، ويوم ~~ذهب إلى أمه فأخبرها أن الطبيب أشار عليه بالمسير إلى «سافو»، فلا تجد أمه ~~بدا من أن تقسو على أعز صديق، وأنفس ذخيرة، وأجمل ذكرى: الشجرات اللاتي يظللن ~~الدار، واللاتي حنون على هذه الأسرة دهرا طويلا، فكان في ظلالهن مسارح اللهو، ~~ومدارج الصبا لرفائيل وأمه وأبيه. فانظر كيف تضطرها الأقدار أن تسلط الفأس على ~~هذه الأشجار! كل أولئك أذكره، وإنها لذكرى ممضة، ولكن ما حسبت قط أن يبلغ الحزن ~~بي هذا المدى. # البارحة بعد نصف الليل أخذت الكتاب أقرأ الوريقات القليلة الباقية، ونفسي تضطرب ~~فزعا مما سيلقاها في ثنايا هذه الصفحات التي بدت كأنها صحف الغيب تنفتح عن ~~المقادير واحدا بعد آخر. # حتى إذا ms166 بلغ رفائيل الكوخ الذي حمل إليه جوليا، فلم ير إلا ظلاما، ولم يسمع بين ~~الظلام نأمة حي، فدار يقبل الجدار والجدار، حتى بلغ المكان الذي ركع فيه بين ~~يدي جوليا وهي في غشيتها يوم البحيرة، ثم يتحامل إلى جدول يأكل على حافته ما ~~يمسك ذماءه، على ذكرى قاتلة، وحرقة يعيا بها الوصف. # قرأت حتى جاء الملاح إلى رفائيل برسالة من صديقه لويس يبلغه رسائل جوليا، فعاد ~~رفائيل إلى حجرته يسير إلى مهلكه على شعاع ذاو من أشعة الشمس الغاربة. يفض ~~رفائيل الغلاف عن رسالة لويس، ثم عن رسائل باريس، فإذا كتاب معلم بالسواد، ~~وإذا خط «ألن» لا خط جوليا، يقرأ سطورا سوداء تنعي إليه جوليا، وينظر بصره ~~الزائغ، فإذا خط جوليا نفسها - أجل خط جوليا نفسها - ولكنها كلمة أرادت قلمها ~~عليها وهي في غمرات الموت؛ لتعزي رفائيل عن نفسها فلله ما أفظعها ~~تعزية! # تركت رفائيل يخر مغشيا عليه، وخررت على فراشي فبكيت ثم بكيت، ثم لج بي ~~البكاء. # حاولت سدى أن أسكن جأشي، أو أكفكف دمعي. ما تعمدت البكاء ولا رجوته، ولا خلت ~~أن أنتهي إليه، ولكنه كان وحيا من الحزن والدمع لا أعرف من أين هبط، بل ثورة ~~من هموم راكدة، وأحزان كامنة. كانت قصة رفائيل لها كقدحة الزند، أو كضربة مسحاة ~~على نبع يدافع الثرى لينفجر. # كذلك انتهت بي قصة رفائيل، وكذلك أبكي لامرتين بعد مائة سنة، رجلا مجهولا، يشبه ~~لامرتين؛ طبعا مكتئبا، وقلبا منقبضا، ونفسا ملتهبة. # كذلك فعلت بي قصة رفائيل، فلما أفقت لم أدر أأساء إلي لامرتين أم أحسن؟ ولم أدر ~~أأحمد صديقي الزيات أم ألحاه؟! # | الربيع1 # دار الفلك دورته، وعاد سيرته، فسرت في أعصاب الأرض هزة الحياة، وتفجرت عروقها ~~بالمياه، وسالت قمم الجبال جداول وأنهارا، واشتعلت الأرض أزهارا ~~وأشجارا. # تبرجت بعد حياء وخفر # تثني على الله بآلاء المطر # قد صرحت الأرض بمكنونها، وأبانت الحياة عن ضميرها، فنبتت معاني الحياة والجمال ~~في ألفاظ من الأوراق والنوار. # باح الربيع بأسرار البساتين # وعطر النفس أنفاس الرياحين # ونفخت أنفاس ms167 الربيع الحرى الحياة في كل ذرة، فأخرجت قواها أعشابا وأزهارا، ~~فرقتها ألوان، وألفتها معان. # لم يبق للأرض من سر تكاتمه # إلا وقد أظهرته بعد إخفاء # أبدت طرائف شتى من زواهرها # حمرا وصفرا وكل نبت غبراء # أي مسرح للفكر، وأي مجال للخيال، وأي مراد للطرف! # دنيا معاش للورى حتى إذا # جاء الربيع فإنما هي منظر # والطير مغردات كأن أصواتها ذوب هذه الألوان، وكأن ألوان الروض جمد هذه الألحان. ~~يهتز الطائر الغريد، على الغصن الأملود، فيقرأ ما تحته من صفحات الجمال، فكأنما ~~الطير إبر الحاكيات، تنطق بما تضمنت الصفحات من نغمات، # 2 # والعصفور مرح تتداوله الأغصان، وتتهاداه الأفنان، تارة في انتزاء ~~بين الأرض والسماء، وتارة تغيبه الحديقة، كأنه في هذا الجمال فكرة دقيقة، صغير ~~تملأ الهواء نغماته، ضئيل تشغل الجو خفقاته. # والفراش قلق بين النوار، هائم بين الأزهار، لا يقر له قرار، كأن كل فراشة زهرة ~~طائرة، أو قبلة بين الأزهار حائرة، أو نغمة في جمال الروض سائرة! # والشعراء ينافسون الطير على الأيك طربا وتغريدا، وفي المرج تسبيحا وتحميدا، ~~تنبجس في جوانبهم ينابيع البيان، وتتفتح سرائرهم على أزهار الشعر؛ ففي كل قلب ~~ربيع، ومن كل قصيدة روضة، وفي كل معنى زهرة، وعلى كل قافية نضرة. # هكذا تفيض الحياة على الجماد والنبات والحيوان، وينتظم الجمال الخليقة والإنسان، ~~كأنما العالم كله فكرة واحدة، أو قصيدة خالدة. # ذلكم الربيع الذي فتن الناس، فافتنوا في وصفه والإبانة عن محاسنه، والإشادة ~~بذكره، والاحتفال بمقدمه، فاتخذته الأمم على اختلاف المذاهب عيدا، ومجدته ~~بشتى الوسائل تمجيدا، وأولع به الشعراء في كل قبيل، ولم يخل من المفتونين به ~~جيل. # والناس في مصر ربيع دائم، من أرضهم وسمائهم، وزرعهم ونيلهم، فهم لا يحسون مقدم ~~الربيع إلا قليلا. ولو أنهم عرفوا كلب الشتاء، وانجماد الهواء، وقشعريرة ~~الأرض وقسوة السماء، ورأوا كيف تموت الطبيعة في زمن، وتلتف من الثلج في ~~كفن. # وقد غاب في الثلج الربيع وحسنه # كما اكتن في بيض فراخ الطواوس # ثم شهدوا كيف يأتي الربيع، فيكهرب كل ذرة، ويفيض كل ms168 عين ثرة، ويخلق كل نضرة - ~~لاحتفوا بالربيع، وعرفوه يقظة بعد هجود، واشتعالا بعد خمود، ورأوا فيه النشور ~~بعد الموت، والإدراك بعد الفوت. # على أن للربيع في مصر دقائق يسر لها الإنسان، وشيات يدركها الشعراء في كل ~~زمان. # جاء الربيع فليت في كل قلب من صفائه قطرة، وفي كل نفس من جماله زهرة، وفي كل خلق ~~من عبيره نفحة؛ لتعمر النفوس بمعاني الحياة، وتستنير بأشعة الجمال، ويسكن الناس ~~إلى السعادة حينا، وينسوا أساليب العداوة والبغضاء زمنا. وليت الناس جروا مع ~~الحياة طلقها، ولم يفسدوا على الطبيعة خلقها، فأنبت الربيع في كل قسوة رحمة، ~~وفي كل يأس أملا، وفي كل حزن سرورا، وفي كل ظلام نورا. ليتهم اجتمعوا على ~~ورد الحياة متصافين، كما ترف على جداول الربيع الرياحين. # | رثاء ضرس1 # أيها الضرس ما خلعت اختيارا # رغم أنفي فراق خل قديم # لك في في موضع ليس ينسى # وبقلبي ذكرى الوفي الكريم # ذقت في صحبتي من الحلو والمر # وعرك الصلاب غير مليم # غير أن الزمان ألبسك السق # م وأنحى عليك بالتحطيم # ما بقاء الشجاع في الصف إما # كل حدا وآض جد سقيم # غاية الجهد أن حبوتك تاجا # أي تاج يرى لعظم رميم؟ # لك في الشاه أسوة خلع الأم # س وخلاه تاج ملك قديم # لا سواء فأنت أشرف نفسا # قد تركت الميدان غير ذميم # وحملت الأعباء جهد شجاع # واهن الجسم ذي فؤاد سليم # لهف إخوانك الوفاة إذا ما # ثبتوا للوغى بقلب كليم # لهف نفسي وقد فجعت ببعضي # إن هذي مصيبة في الصميم # كل حي إلى الفناء ولا يب # قى سوى ربك العلي العظيم # | الوطن1 # تربتك وماؤك، وأرضك وسماؤك، منه نشأت، وإليه إن كنت سعيدا تعود، أول ما أحسست من ~~الحياة، وأبصرت من الضياء، ونشقت من الهواء، وسمعت من الترنيم والغناء، وعرفت ~~من الفرح والبكاء. مرحت طفولتك مع طيره، في زرعه وشجره، ورتع صباك في بره ~~وبحره، وسهله ووعره، وحره وقره، وشمسه وقمره، فهو روحك وجسمك، وحسك وعقلك، ~~وحقيقتك وخيالك، وذخائرك وآمالك. كدحت يدك في مادته، ms169 وسبح فكرك في معناه، ~~واستنزلت الوحي من سمائه، وأطرت الخيال في هوائه، ورأيت غير الحياة في ~~أرجائه، بين صباحه ومسائه، وضيائه وظلمائه، ورعيت الجمال في جناته النواضر، ~~ونجومه الزواهر، وفي زروعه وأشجاره، وجداوله وأنهاره، واستمددت من شمسه القوة ~~والعمل، ومن قمره جمال الخيال ونضرة الأمل، وعرفت معاني الحياة في مشارقه، ~~وأدركت أسرار الفناء في مغاربه. # كتاب آبائك المفتوح لك، وصحف أجدادك المنشرة أمامك، تقرأ فيها عزك وهونك، ~~وأفراحك وشجونك، وأنت فيها سطر مقروء غدا، يراه الخلف رديئا أو جيدا. حقب ~~أنت إحدى ساعاتها، وسلسلة أنت من حلقاتها. حي أنت فيها وكنت من قبل حيا، ~~وستحيا وإن كنت في رمسك مطويا، تقول: «فعلنا» وقد فعل آباؤك القدماء، ~~و«سنفعل» وإنما تريد أن يفعل الأبناء، قرآنك المتلو على الدهور، وأدبك تقرؤه ~~الأجيال بين منظوم ومنثور، وموسيقى وضعت لك ألحانها، وأناشيد تخاطبك قوافيها ~~وأوزانها، وتهيب بك أفراحها وأشجانها، ليس بأمانيك تحبه أو تقليه، ولا باختيارك ~~أن تنام عنه أو تسهر فيه، فأنت فيه قد خلقت، ولنصرته قد طبعت، وليس في قدرتك أن ~~تبدأ الخليقة، أو تنقض السليقة. # أنت فيه علم وفي سواه نكرة، ووجهك في مغانيه صورة محبوبة، وفي غيره خلقة منكرة، ~~وصوتك في منازله نغمة مألوفة، وفي غير همهمة منفرة. وأنت في سواه حرف لم يركب ~~فهو غير مقروء، ولفظ يعثر به اللسان فهو جد مشنوء، وصفر لا على يمين ولا على ~~يسار، لا يدخل في حساب المجد ولا العار، لو لم تكن منبوذا لقلت: رقعت بالية في ~~ثوب أجد، ولو لم تكن خفيا لقلت: شعرة بيضاء في ثور أسود. # ألم تر إلى أسارى يهود الأوائل كيف عطلوا مزاهرهم على نهر بابل، # 2 # وخرست ألسنتهم بالغناء وقالوا: «كيف ننشد أناشيد إسرائيل ونحن ~~غرباء!» سوقك التي إن تهجرها فأنت في الحياة بائر، وعشك الذي إن تفقده فأنت ~~طير حائر، ومعك حيثما ذهبت مجده وفخاره، أو إثمه وعاره، وسيف مجده في يمينك، أو ~~ميسم خزيه على جبينك، ليس إلا إليه الثواء، وإن ابتغيت نفقا في ms170 الأرض أو سلما ~~في السماء. ~~••• # مصر التي برزت خضراء في صحراء، وجرى نهرها بين جناتها كالمجرة في السماء، وظهرت ~~بين الرمال، كما تلوح في اليأس الآمال، أو كما ينبثق الفجر من الظلم، ويرف ~~الزهر على الصخر الأصم، ينبوع في مجاهل، وورد بين السباسب عذب المناهل. # مصر التي طلع فيها فجر التاريخ فأضاء، وكشف بها عن المعارف أول غطاء، وأنشد الدهر ~~على نيلها أنشودة الفخار الأول، وألقى المجد فيها رحله ثم لم يتحول، وانفجر ~~فيها ينبوع العلم فعم، فنهلت منه سائر الأمم، وانقدحت منها شرارة المعرفة فكانت ~~نارا، فعشت إليها الأمم الحيارى. # مصر التي أعجبت في القديم والحديث، وراقت ماضية وحاضرة، ألم تر كيف رسا هرمها على ~~الزمن، وثبتت قواعدها على الفتن، وبقيت كما كانت مدهشة السر والعلن؟ هرمها طاول ~~الدهر فطاله، وصارعه الزمن فما أماله، صرح رهبته القرون، وعي ببانيه ريب ~~المنون، فالقبور التي هي سطور الفناء، تقرأ فيها آيات الخلود والبقاء. ترى فيها ~~الحياة جامدة، وتحس فيها اليقظة هاجدة، وتتبين منها شعلة النبوغ وهي هامدة، ~~كتمتها الأرض حينا ثم لم تستطع صبرا، وضاقت بسرها العظيم صدرا، وابتلعها ~~الزمان فلم يستطع لها هضما، فلفظها رائعة كما كانت قدما، فيا لك من موت أدل ~~على الحياة، وفناء أشبه بالبقاء، وهمود أقرب إلى الخلود! # مصر التي جرى نيلها بياضا في ظلمات الأيام، وسطرا تترنم به الأعوام، مرآة ~~للتاريخ لها من جنات مصر إطار، وسيف للحق قلب الظلم منه مستطار، كم أنبتت ~~بشاطئيه أمما زاهرة، ومدنا عامرة، وجنات ناضرة! فقابل السماء بأبهى من ~~نجومها، وأنفذ من رجومها، رأت الشمس وجهها فيه فتاة وشمطاء، وشبت النجوم ترى ~~صورتها في الماء، وظهرت المجرة صورة له في السماء. سقى القرون الخوالي ولم ~~ينضب، وكتب عبر الأيام بمداده فلم ينفد، تدفق كالقدر من الأزل إلى الأبد ~~فياضا هدارا، معطاء مكثارا. # هو يا ابن مصر حياتك وعزك ، وقد كتب به مجدك وفخرك. # يا بني مصر الحديثة، لا تكن آثاركم على عبري النيل أردأ خطا ولا أقبح سطرا، ~~فإنما ms171 تلكم الحقب الموروثات، والآثار الخالدات، وديعة الأمم الخالية، وميراث ~~القرون الآتية؛ فتقدموا للعمل بقلوب ملؤها الإيمان والأمل، ورءوس ملؤها الحكمة ~~والروية، وأيد ملؤها النشاط والقوة، واحذروا غضب الله، ولعنة الخلف، وحكم ~~التاريخ. # | بين التصوف والغزل # زهرات ذابلات # أحاذر في نجواي بث شكاتي # فأكتم ما في القلب من حسرات # ويغلبني وجدي فألقاك شاكيا # ولا بد للمصدور من نفثات # لقد علمت أخت الملائك أنني # من الغم والأحزان في غمرات # وأن هواها مستبد بمسمعي # وفي كل شيء، مالئ نظراتي # وملء فؤادي والأماني كلها # يبرح بي في يقظتي وسباتي # أروم اصطبارا عن لقاك فأنثني # إليك بملء القلب من خفقات # وألتمس السلوى لديك فأنثني # بزاد من الأشواق مستعرات ~~••• # إذا ما دجا بالغم قلبي أضاءه # كواكب من ذكراك والخطرات # وإن جنحت للشر نفسي هديتها # بذكراك فارتدت إلى الحسنات # وإن أخلدت يوما إلى الأرض ردها # هواك إلى الأفلاك في لمحات # وذكرك قد يجلو عن القلب رينه # فيسطع فيه النور حين صلاتي ~~••• # على أنني يعتادني من تذكري # لواعج هم مشعل الزفرات # هي النور وهي النار والسلم والوغى # بقلبي، ومنها غبطتي وشكاتي # وأمني وخوفي وهي أنسي ووحشتي # وظلمة أيامي وضوء حياتي # فيا قمرا إن غاب عني نوره # فقلبي ليل موحش الظلمات # ويا شمس حسن إن تغب فجوانحي # بها شفق في وقدة الجمرات # ويا فلكا للحسن والحب دائرا # يبارك ربي هذه الدورات # فلو كان ما بيني وبينك فرقة # لقطع بحار أو لطي فلاة! # ولكنه الدهر المشت يقيمنا # على قربنا، في فرقة وشتات ~~••• # تمنيت أنا طائران بدوحة # تظلل نبعا ثر في الفلوات # أصوغ لك الأزمان شعرا وبهجة # وأسمع منك الخلد في نغمات # ويمسك هذا الدهر عن حركاته # فلا هو بالماضي ولا هو آت ~~••• # أناظمة الأشعار أنت قصيدة # جلتها يد الخلاق في قسمات # يطالعها قلب من الشعر مجدب # فينبت فيه الشعر أي نبات # وينشدها من قد في الصخر قلبه # فينبض منه الشعر قلب صفاة # أرى وجهك الوضاء شعرا مصورا # تسطره يمناك في كلمات # كأن يراعا في يمينك إبرة # 1 # تردد ما في ms172 الوجه من نغمات # يقولون: «شعر شاعر» هل عنوا به # بديعة حسن تنظم الشطرات؟ ~~••• # يحيى بهذا الشعر قلبي فاقبلي # وإن كنت روضا، هذه الزهرات # سقتها دموعي واصطلت حر زفرتي # فلا تعجبي إن لم تكن نضرات # | يا رب رحماك1 # سجا الليل، وخفتت الأصوات، وأوت الطير إلى أوكارها، ولجأ كل حي إلى مأواه، ~~وانبعثت بالإنسان أوصابه وهمومه، وأفراحه ومآربه، في شتى المذاهب. # أقلب الطرف بين الأرض والسماء، وأجيل الفكر في الغابر والحاضر، وأبعث إلى نفسي ~~بالسؤال بعد السؤال، فتجيب كل سؤال بمثله، وتشرح كل معضلة بأعضل منها، فإذا أنا ~~باك على الناس، راث لهم، وإذا لساني يضطرب بهذه الكلمات: # رحماك يا رب للفقير الكادح يقض عليه مضجعه ألم يومه، ووساوس غده، ~~وتسلمه هموم النهار إلى المرقد، فإذا هو شقي في مرقده، يثير ~~أشجانه مرأى أطفاله في ألوان من الفاقة، يضاحكهم وقلبه باك، ~~ويبش إليهم وفؤاده شاك. # رحماك يا رب للأغنياء البخلاء، بين تخمة أمعائهم، وشره أيديهم ~~وأفواههم، وفظاظة قلوبهم، وغفلة نفوسهم، حين يتقلبون في النعيم ~~مترفين فكهين، ضاحكين مستهزئين، لا يبالون ما على الأرض من ~~بؤس، وما بين الجدران من آلام. رب رحماك لهم فإنهم وجدوا كل ~~شيء وفقدوا أنفسهم. # رب والعابد الصاف في جوف الليل، هجر الناس ولجأ إليك، ونفر منهم ~~وأنس بك، أنزل عليه السكينة والطمأنينة، وأضئ له السبيل إلى ~~جنابك المقدس، ومهد له الطريق إلى حرمك الأمين. # رب والعاصون الغارقون في آثامهم، الجائرون في ضلالهم، وكل ذي ذنب ~~طبعت به نفسه، ودنس به قلبه، وعمي به بصره. رب هم أحوج الناس ~~إلى رحمتك، وأولاهم بهدايتك، أنقذهم من ورطاتهم، ونقهم من ~~أرجاسهم، هم أطفالك العرمة، وعبادك الغافلون، وعبيدك الآبقون، ~~وأنت أنت ولي إرشادهم، والقادر على إسعادهم. # رب والمرضى تبرح بهم الآلام، وتبريهم الأسقام، أدركهم برحمتك ~~الواسعة، وأغثهم برعايتك، إنك أنت الرحيم. # ثم المحزونون على حبيب مفقود، أو قريب مفتقد، تتقطع قلوبهم ~~زفرات ، وتذهب أنفسهم حسرات، بين الماضي وذكرياته الفاجعات، ~~والمستقبل وآماله الضائعات. # وكل ذي غم يضطرب في بحر من الآلام والأحلام، ms173 وخيالات من الموت ~~والحياة، تذهب زفراتهم مع الرياح، ودموعهم مع الأنهار، وتدور ~~بهم الهموم، فنومهم سهاد، ويقظتهم رقاد. قد انبهمت عليهم ~~أمورهم بين اليأس والأمل، والظن واليقين، كالغريق يغشاه موج من ~~فوقه موج. رب فاهدهم إلى ساحل النجاة، وأطلع عليهم نجمك الهادي ~~في الظلمات، وأرسل عليهم روحا من رحمتك، ومد عليهم ظلا من ~~عنايتك. # رب والشريف الذي تقهقرت به الأيام، وكلب عليه الزمان، تدفعه ~~الحاجة، وتمنعه العزة، وتدعه الفاقة، وتمسكه الأنفة، فهو ~~غني النفس فقير اليد، كلما نسج على نفسه سترا من التعفف ~~والتجمل مزقته يد الزمان العاتية، وكلما تجلد أنحى الدهر على ~~تجلده، يثور في قلبه الذل والكبرياء، والعز والهون، فهو بين ~~طموح نفسه وهوى الحادثات به أشقى الأشقياء، معذب اليأس ~~والرجاء. # رب والراكبون البحر على غواربه الجائشة، وثبجه الهائل، ولجه الذي ~~يلقى كل عين بهولها، وكل نفس بصورة حتفها، فإذا أظلم اليم طغى ~~الماء، وصرخت فيهم الريح الهوجاء، ففي رحمتك نور الظلماء، ~~وسكينة الماء، وهدوء العاصفة الهوجاء. # وسالك البيداء ضلت به الطريق، وانبهم عليه المذهب، لا يدري أيقف ~~على قبره، أم يسير إلى قبر أمامه؟ فإذا الصحراء كلها قبر واسع، ~~يهرع إلى الشراب من خدع السراب، ويأتيه الموت من كل مكان وما ~~هو بميت. انصب له في البيداء منارك، وابعث له من هدايتك ~~دليلك. # رب حتى النبت الذابل، والشجر المصوح، والأرض الماحلة، أسبل ~~عليها غيثك، وأنزل إليها الحيا بفضلك. # اللهم قلوب ملؤها الرجاء، ونفس تحن إلى الورد وهي ظماء، وأيد ~~مبسوطة إليك وهي من الثقة ملاء، وأعين ناظرة إليك وأنت لها ~~ضياء، فلا تردها خائبة، ولا تزدها حسرة على حسرة. رب كيف يحرم ~~شجرك الذي غرست، وزرعك الذي زرعت، من غيثك المدرار، وشمسك ~~الساطعة؟ ومن يصد دنس الخلائق أن يرد نهرك فيطهر، ويسبح في ~~حوضك الكوثر؟ # يا سامع خفقات القلوب الحزينة، وزفرات الصدور الكليمة، وعالم ~~نزعات القلوب الضالة، وجمحات الأهواء المردية، لا تدع قلبا ~~خائفا إلا أمنته، ولا صدرا زافرا إلا روحت عنه، ولا عقلا ~~ضالا إلا هديته، ms174 ولا هوى زائغا إلا رددته حكمة ~~ورشدا. # اللهم عجز الفكر، وعي اللسان، ووقف القلم، ولا تزال ساحات الرحمة ~~لا يدركها نظر، ولا يحيط بها فكر، ولا يسطرها يراع، وقد فررنا ~~من خوفك إلى رجائك، ومن عذابك إلى رحمتك، ومن جبروتك إلى لطفك، ~~ومن سخطك إلى رضاك، ومن حرمانك إلى نيلك، ومنك إليك. أنت الأول ~~والآخر، والظاهر والباطن، وأنت بكل شيء عليم. # | رب أعتقني # بين العبد الهرم وربه # 1 # رب جلل الشيب رأسي، وقيد الكبر خطوي، وفل الضعف يدي، وحنت السنون ~~متني. # رب قد حملت الأمانة جهدي، وأديتها على قدر طاقتي، وقد أنى لي أن أستريح ~~فأعتقني. # رب قد زرعت وحصدت، وغرست وجنيت، وعمرت الأرض، ومهدت السبل، وقد أنى لي ~~أن أستريح، فأعتقني. # رب وقد بررت بالفقير، ورحمت الضعيف، وآويت اليتيم، وأصلحت بين ~~المتخاصمين، وألفت بين المتباغضين، ولم آل في جمع عبادك على المودة ~~والرحمة، أنى لي أن أستريح، فأعتقني. # رب وقد ربيت الأولاد والإخوة والأحفاد، ولم آل في التأديب والتهذيب، ~~فأعتقني، قد أنى أن أستريح. # رب والحيوان أطعمته ورحمته، والطير في جو السماء غذوته وسقيته وآويته، ~~مما زرعت من الحب، وحفرت من الآبار، وشققت من الأنهار، وغرست من ~~الأشجار. أعتقني، فقد أنى لي أن أستريح. # إلهي حملت العبء غير متبرم، وأديت الأمانة غير متتعتع، وقلت الحق غير ~~متلعثم، سلكت سبيلك صابرا، وأوفيت على الغاية مجاهدا، ووجهي ويداي ~~ناطقات بما فعلت، شاهدات بما صنعت؛ فارحمني، فقد أنى لي أن أستريح، ~~وأعتقني، وأعطني براءة عتقي، كما يكرم السيد عبده الذي هرم في طاعته، ~~أو كما يسيب الحيوان بعد أن أضناه المسير والحمل. # 2 # عرفت ما صنعت، ورضيت ما فعلت، وشكرت ما قدمت، وعفوت عما هفوت، وادخرت لك ~~أكثر مما رجوت، ولكني لا أقيلك من تكليفي، ولا أسترد منك أمانتي، ولا ~~أعفيك من عبوديتي. ~~- رب لا أستقيل من عبوديتك، ولكن يدي لا تقوى على العمل، ورجلي كلت عن ~~السعي، بل كل لساني وفكري، فكيف أحمل الأمانة، وأؤدي الواجب؟ ~~- أحب أن أرى يديك ترتعدان ms175 في العمل لي، ورجليك تدبان في سبيلي، ولسانك ~~وقلبك يخفقان بذكري. لا أكلفك ما لا تطيق، بل أرضى بالقليل وأكثره، ~~وأقبل الصغير وأعظمه. أحب أن أراك عاملا ما عشت لي؛ إن في العمل ~~حياتك ورحمتي. ~~- رب أستغفرك ولا أستقيلك، ولا أبغي عتقا من عبوديتك. سأعمل ما خفق ~~قلبي، وتردد نفسي # إن صلاتي ونسكي ~~ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت ~~وأنا أول المسلمين ~~. # | الحياة1 # أيهذي الحياة فيك اعتقادي # أنك الغم صيغ من أضداد # أنفس لا تحد فيها مناها # طامحات إلى الخلود صوادي # نازعات لدرك كل معمى # قادحات بفكرها الوقاد # طائرات مع الخيالات في اللم # حة تجتاز أبعد الآماد # ركبت من شقائها في كساء # واهن النسج هذه الأجساد # وأحيطت بكل جسم شباك # من صروف جلت عن التعداد # فإذا آفة ألمت بجسم # هدمت عالما فسيح المراد # إن هذه الحياة نهر عجيب # زاخر اللج دائم الإرعاد # مده في مجاهل الغيب نبع # جائش الماء فائض الإمداد # فجر الله نبعه في حماه # من وراء الإسماع والإشهاد # غمر الأرض ماؤه وصداه # وهو معي مذاهب الرواد # فهو آت من منبع الأزل المج # هول جار لمظلم الآباد # نحن فيه فواقع تتراءى # في عراك الأمواج والإزباد # صاح أين المصب في ذلك النه # ر، وما المنتهى لذا الاطراد؟ # حفر في طريقه غائرات # في مهاو من الفناء بعاد # تشرب النهر ذا الغوارب لا تر # وى صواد أوامها في ازدياد # هي بحر الفناء: لج صموت # يتراءى لنا بموج جماد # ولتلك الأحجار في كل قبر # موجه والرشاش في كل واد # ولذاك السكوت صوت رهيب # ولذاك السكون جري النفاد # هكذا هكذا: نضوب وفيض # بين هذي القبور والميلاد # نحن في دنيانا كركب سفين # في ظلام إلى المدى قصاد # يفتح الموج كل هول عليهم # والمنايا روائح وغوادي # وتظل الرياح تعصف فيهم # عصفات الهلاك دون اتئاد # وسوى ذين كل صخر مخوف # متوار عن أعين الرصاد # كلما أنجز الهلاك وعيدا # وطوى الماء صفحة من جلاد # جزع الركب للغريق وصاحوا # وأشاروا بعاجزات الأيادي # وتنادوا للرزء: وا ms176 حسرتاه! # ليس من حيلة سوى ذا التنادي # ثم عادوا إلى المسير وحالت # صرخات الجهاد دون افتقاد # هكذا هكذا: مسير وهلك # أبد الدهر فوق هذا المهاد # قهرتنا الأهوال واليأس لولا # حكمة الله في بلوغ المراد # فقلوب جوامح في مناها # تشعل العزم في الخطوب الشداد # إبر المغنطيس # 2 # إما ضللنا # هاديات إلى طريق السداد # ثم صوت يهيب:«للواجب الحت # م هلموا، ولا تنوا في اجتهاد» # فهو ريح تجري بكل سفين # ماخرات بالعبء دون ارتداد # ساخرات بهولها سائرات # حيث يبغي المسير رب العباد # خيرنا العامل المجد على العلا # ت لا يأتلي لفعل الرشاد # ذاك من ينشر الشراع على الري # ح ويلقى الردى جريء الفؤاد # ويظل المجداف بين يديه # يقهر اللج في رهيب الجهاد # خيرنا ذو الأناة والنظر الثا # قب يمضي لقومه خير هاد # خيرنا خيرنا لإخوانه السف # ر ببحر الحياة، ذو الإنجاد # | يا ليل # يبتلع الظلام أشعة الشمس المرسلة من وراء الأفق كأنفاس المحتضر، ويغطي الرماد ~~جمرة الشفق، فلا يبقي ولا يذر، ثم أطبق الظلام، ومحت آية الليل آية النهار، ~~والأرض هاجعة تشكو اللغوب، وتعد على الناس الذنوب، والسماء من عليائها ناظرة، ~~كأنما النجوم عيونها الحائرة. # يا ليل قد استتر الناس وتقطعت قيود العادات، فظهرت كل نفس على حقيقتها، وأعلنت ~~بما في ضميرها، وظهرت الإنسانية بخيرها وشرها. # فكم في طيات الظلام لصوص مسخت ذئابا، واتخذت من السلاح مخالب وأنيابا، تروع ~~الآمن في سربه؛ لتحول بين الكاسب وكسبه؛ كل دم دون مآربهم مطلول، وكل جريمة في ~~سبيلهم هينة! وكم يا ليل من مضطغن يضطرم الحقد في قلبه، ويئز كالمرجل صدره، ~~يخرج به الانتقام في أحشاء الظلام! وكم يا ليل من فاسق دلف إلى مأربه، وأكب على ~~شهوته، وكم أيها الليل وكم قد انتشر جندك الشرير كما ينساب في الغاب وحشه ~~وحشراته! # وكم عابد صف في محرابه، لعينه سكيب، ولقلبه وجيب، وصل قلبه بربه، وعقد لسانه ~~بذكره، قد أنار له الظلام الطريق إلى مولاه، بعد أن هدأت عنه ضوضاء الحياة، ~~وأسمعه السكون صوت الحق، بعد أن ms177 فرغ من ضوضاء الخلق، وأوت إليه نفسه في أعماق ~~الظلماء، فإذا جسم في الأرض وقلب في السماء، وإذا هو وربه ثم العالم ~~هباء! # يا ليل والمضطجعون في مراقدهم طار بهم الخيال، وسرت بهم الأماني والآمال، فمنهم ~~المتمني خيرا، ومنهم المتمني شرا، وذو الفكرة الشريفة، وذو الرغبة ~~الخسيسة. # يا ليل، حتى النائمون يغمضون أجفانهم عن عالم العمل؛ ليفتحوها في عالم الأمل، ~~انبعثت بهم الأحلام الهائمة، والأفكار النائمة، فشهدوا الشقاء والنعيم، والفقر ~~والغنى، والنجاح والخيبة. ورب حلم أصدق من العيان، ونوم أقرب إلى حقيقة ~~الإنسان. # يا ليل، أنت الإنسانية خيرها وشرها، وحلوها ومرها، وأمانيها وآمالها، وحقائقها ~~وخيالها. # أنت يا ليل الإنسانية المجردة، يكسوها النهار ثوبا من الرياء، وأنت الحقيقة ~~الرائعة، يزيفها في النهار الضياء. # يا ليل أنت الحقيقة المظلمة، وما النهار إلا كذب مضيء. # | حلم في يقظة1 # ضل يومي في ظلال الشجر # بين أزهار الربيع الممرع # وعلى الأمواه ضلت فكري # نظرة حيرى وقلب لا يعي ~~••• # جالس والفكر ناب طائر # يتنزى بين أرض وسماء # فإذا سرت فإني حائر # تذهب السبل به حيث تشاء # وإذا بي في وقوف ناظر # نظرات سابحات في الهواء # ويمر الناس مرأى بصري # أتخطاهم بلحظ مسرع # ويصيحون وهمس الفكر # قد نفى ضوضاءهم عن مسمعي ~~••• # كنت يومي عالما لا يفهم # ثائر النفس قرير المنظر # وكأن القلب بحر خضرم # ماجه الهم بريح صرصر # زاخر اللج عبوس مظلم # حطمت فيه سفين الفكر # يا له قلبا عظيم الخطر # مبهم القصد غريب المطمع # ثائر الهم بعيد الوطر # كل شيء همه لم يسع ~~••• # أقبل الليل وأدجى أفقه # ويدب الشر من أوكاره # وطغى اللهو وراجت سوقه # وسعى كل إلى أوطاره # غير محزون تمادى شوقه # أطبق القلب على أسراره # ونحا للدار جم العبر # ساهم الوجه مليء الأضلع # خافق القلب حسير البصر # باكي النفس فقيد الأدمع # شرع الهم بقلبي يسكن # خففت من حره زفراته # ويح قلبي! ما أراه يأمن # هبت الريح طغت لجاته # ملك منه أثير الشجن # أذكت النار به نظراته # لم يا وجه الرجاء المسفر؟ # لم يا ذات ms178 الجمال الأروع؟ # لم يا ذات المحيا الخفر # تستخفين بقلب موجع؟ ~~••• # أنت سلم ثارت الحرب به # ونسيم فيه للنار ضرم # أنت ورد ناضر في قربه # وخزة الشوك وتبريح الألم # أنت نور ساطع من غيبه # ماج بالقلب سناه والتطم # لست بدعا فطلوع القمر # يكرب البحر بمد مترع ~~••• # لست بدعا فنضير الشجر # تقدح النار به للمزمع # حينما مال طريقي للفراق # ونزعت النفس كي أنجو بها # لم شيعت بألحاظ رقاق # زادت النفس على أوصابها؟ # أجفلت نفسي وجدت في الإباق # وسهام اللحظ في أقرابها # ثم كرت مثل لمح البصر # ترتمي من فزع في فزع # واقتفت منك فقيد الأثر # ويحها عادت بشر المرجع ~~••• # خلتها طائر نوح بشرت # بنجاة بين طوفان الغير # خلتها شمس صباح سطعت # بسناها في سحاب مكفهر # فإذا شمس غروب خلفت # شفقا في القلب منها يستعر # كل حين أرتجي أن تسفري # وأولي الوجه شطر المطلع # هي تعليل حياة البشر # ويقيني فيك أن لن تطلعي ~~••• # أنت برق في ظلام دامس # أشرق الجو به ثم خبا # أنت حلم راق نوم البائس # أنت نجم قد بدا لي غاربا # بسمة في فم دهر عابس # سمح الدهر بها ثم أبى # لك يا بلبل مهما تطر # أمن مسراك وعذب المشرع # لك حفظ الله مر الأدهر # ولي الذكرى وسح الأدمع ms179