######OpenITI# #META# URI: 1378CabdWahhabCazzam.MuctamidIbnCabbad.Hindawi49424259 #META# Tags: history :: literature #META# ID: 49424259 #META# Title: المعتمد بن عَبَّاد: الملك الجواد الشجاع الشاعر المرزأ #META# AuthorID: 24138681 #META# Author: عبد الوهاب عزام #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # المعتمد والأدب‏ # شعر المعتمد في دولته‏ # ملوك الطوائف ونصارى الشمال‏ # خلع ملوك الطوائف‏ # المعتمد في أغمات‏ # المعتمد في إساره والأوفياء من الشعراء وغيرهم‏ # أولاد المعتمد وأمهم‏ # وفاة المعتمد على الله وقبره‏ # مقدمة‏ # المعتمد والأدب‏ # شعر المعتمد في دولته‏ # ملوك الطوائف ونصارى الشمال‏ # خلع ملوك الطوائف‏ # المعتمد في أغمات‏ # المعتمد في إساره والأوفياء من الشعراء وغيرهم‏ # أولاد المعتمد وأمهم‏ # وفاة المعتمد على الله وقبره‏ # | المعتمد بن عباد # | المعتمد بن عباد # | الملك الجواد الشجاع الشاعر المرزأ # تأليف # عبد الوهاب عزام # الساحة التي بها قبر المعتمد بن عباد. # | مقدمة # | بسم الله الرحمن الرحيم # 1 # جاز المسلمون بحر الزقاق إلى جزيرة الأندلس سنة اثنتين وتسعين من الهجرة في خلافة ~~الوليد بن عبد الملك. # وساروا فاتحين حتى استولوا على مدينة طليطلة في السنة التالية؛ وهي مدينة حصينة ~~صعبة المنال يسر لهم الاستيلاء عليها فتح ما وراءها. # وامتد بهم الفتح حتى بلغوا جبال البرتات (جبال البرانس) الجبال الفاصلة بين إسبانيا ~~وفرنسا، اجتازوها في خلاقة عمر بن عبد العزيز (99-101ه) وفتحوا مدينة أربونة (ناربون) ~~وجعلوها مبدأ غزواتهم في فرنسا، ثم فتحوا طلاشة (طولوز) سنة اثنتين ومائتين، وامتد بهم ~~الفتح إلى سنة سبع ومائة ففتحوا جنوبي فرنسا. # وفي رمضان سنة أربع عشرة ومائة، بين مدينة تور ومدينة بواتيي، كانت موقعة بلاط ~~الشهداء، وكان قائد المسلمين عبد الرحمن الغافقي وقائد المسيحيين شارل مارتل، واضطر ~~المسلمون إلى التراجع؛ إذ رأوا أنهم لا قبل لهم بهذه الجحافل الحاشدة في تلك الأصقاع ~~النائية، وهذا كان منتهى فتح المسلمين في فرنسا، ولكنهم احتفظوا بمدينة أربونة إلى سنة ~~اثنتين وأربعين ومائة حين استولى عليها ملك فرنسا في عهد الدولة الأموية ~~الأندلسية. # 2 # زالت الدولة الأموية في المشرق سنة اثنتين وثلاثين ومائة من الهجرة، وقام بأمر ~~المسلمين بنو العباس، فأتبعوا بني أمية تقتيلا وتشريدا، وكان فيمن فر من شباب بني ~~أمية عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك الملقب صقر قريش؛ لقبه أبو جعفر ~~المنصور؛ إعجابا بهمته، وعزيمته، وسياسته. # ضرب عبد الرحمن ms01 في شمال أفريقية حتى المغرب الأقصى ثم اجتاز البحر إلى الأندلس فبايعه ~~الناس أميرا عليهم فجمع أمرهم ورد عنهم جيوش العباسيين حينما حاولوا أن يمدوا سلطانهم ~~على الأندلس كما امتد على سائر البلاد الإسلامية. # ودامت دولة بني أمية زهاء ثلاثة قرون، قويت الدولة وتمكنت وامتد سلطانها في البر ~~والبحر، وتوالى على تدبيرها عشرة أمراء من عبد الرحمن الداخل إلى هشام حفيد عبد الرحمن ~~الناصر في إحدى وستين ومائتي سنة، ثم اضطرب أمر الدولة فتوالى عليها أربعة عشر حاكما ~~في ثلاث وعشرين سنة. # وبلغت الدولة أوج مجدها وعزها، وبلغت الحضارة أزهر أعوامها وأنضر أيامها في ولاية عبد ~~الرحمن الناصر الذي دبر الملك من سنة 300 إلى 350ه فرد الأعداء في الشمال خائبين، وأرهب ~~الطامعين في المغرب، فاستتب له الملك وتمكن سلطانه، وعم الأمن دولته، وعظمت هيبته، ~~وبعد صيته، وازدهرت المدنية واستبحر العمران، فبنى الناصر مدينة الزهراء في ضواحي ~~قرطبة آية في العمران، وبرهانا على غنى الدولة وعظمتها وبلوغ الصناعات فيها ~~غايتها. # وخلف عبد الرحمن الناصر ابنه الحكم المستنصر ستة عشر عاما وأمور الدول متسقة وأمنها ~~مستتب، ومات الحكم فخلفه ابنه هشام، وهو صبي، فتطلع إلى مقاليد الأمور رجل من عباقرة ~~التاريخ، أهله للسلطان طموحه وحزمه وشجاعته وخلقه ودينه: محمد بن أبي عامر، تسلط ~~ابن أبي عامر على أمور الدولة كلها وأحكم تدبيرها ومكن هيبتها وأخاف أعداءها، وبلغت ~~مغازيه صوب الشمال أبعد ما بلغت في عصر الدولة الأموية، غزا أكثر من خمسين غزوة لم ~~يهزم في واحدة حتى مات غازيا في الشمال ونقل إلى مدينة سالم فدفن بها سنة ~~392ه. # ثبت ابن أبي عامر أركان الدولة ولكنه أضعف البيت الأموي بما استبد دونهم بالأمر، ~~وأورث السلطان بنيه، ولم يقر الناس لبني عامر بما أقروا لبني أمية، فزالت هيبة الملك ~~وتنازعه بنو أمية وبنو حمود العلويون حتى زالت الدولة كلها سنة 422ه. # 3 # ملوك الطوائف # تقسم بلاد الأندلس - بعد زوال الدولة الأموية - أمراء تنازعوا رقعتها وظفر كل واحد ~~بما قدر عليه، فقامت إمارات ms02 تولاها أمراء سموا ملوك الطوائف، واستمر عصرهم زهاء خمسين ~~عاما. # وكان للطوائف أربع عشرة دولة في أرجاء البلاد لا يتسع المجال لذكرها، ولا يحتاج هذا ~~المقال إلى تعدادها، فإنما قصدنا إلى بني عباد من بينهم. # 4 # بنو عباد # كان أعظم ملوك الطوائف وأفسحهم ملكا وأبعدهم صيتا وأكثرهم ذكرا في التاريخ والأدب ~~بني عباد ملوك إشبيلية وقرطبة. # قامت دولتهم في إشبيلية سنة 414ه، ثم اتسعت فاستولت على ملك بني حمود في الجزيرة سنة ~~450ه، وعلى ملك بني جهور في قرطبة سنة 461ه، وامتدت حتى شملت مرسية في الشرق. # ودامت دولة بني عباد سبعين سنة وتولاها منهم ثلاثة: أبو القاسم محمد، وابنه أبو عمرو ~~عباد الملقب بالمعتضد، وابن هذا أبو القاسم محمد بن عباد الملقب بالمعتمد. # استمر ملك الأول تسع عشرة سنة (414-433ه)، وملك الثاني ثمانيا وعشرين (433-461ه)، ~~واستمر ملك المعتمد ثلاثا وعشرين (461-484ه). # وكان للمعتمد في الجهاد بلاء عظيم، وفي الجود صيت ذائع، وفي الأدب منزلة عالية، ومن ~~غير الأيام ومصائب الحدثان نصيب موفور. وقصته - كما تأتي - كأنها في المآسي خيال ~~شاعر لا حقيقة واقع، وافتنان كاتب لا حادثات تاريخ. ~~••• # ينتمي بنو عباد إلى لخم، ثم إلى مناذرة الحيرة، تردد ذكر هذا النسب في أقوالهم وأقوال ~~من أرخوا لهم أو مدحوهم: # من بني المنذرين وهو انتساب # زاد في فخرهم بنو عباد # فتية لم تلد سواها المعالي # والمعالي قليلة الأولاد # وفد جدهم نعيم وابنه عطاف من العريش إلى الأندلس، واستوطنا إقليم إشبيلية، ويعلم ~~أن جدهم إسماعيل بن عباد، وهو جد المعتضد، اتصل بالمنصور بن أبي عامر فولاه القضاء فلبث ~~قاضيا إلى أن اضمحلت الدولة الأموية في أوائل القرن الرابع الهجري، ثم خلفه في القضاء ~~والرياسة ابنه محمد بن إسماعيل القاضي جد المعتمد، عظمت مكانته وهو قاض، وكان يحيى بن ~~علي بن حمود الحسني الملقب بالمستعلي، تغلب على قرطبة أيام اضطراب الدولة الأموية ~~فذهب إلى إشبيلية محاصرا، فاجتمع أهلها وبايعوا القاضي على الإمارة، وقد مكن لملكه ~~برجل ادعى أنه هشام المؤيد بن الحكم ms03 المستنصر بن عبد الرحمن الناصر - وكانت أخباره ~~انقطعت منذ نيف وعشرين سنة ثم قيل: إنه حي في قلعة من قلاع الأندلس - فدعاه القاضي وجعل ~~له اسم الملك ووطد به سلطانه، وثبت إمارته حتى توفي الرجل المدعو هشاما فاستبد ~~القاضي محمد بن إسماعيل بالملك، وكان أديبا شاعرا جوادا حسن السياسة. ~~••• # وأبدأ الكلام في بني عباد بجمل للفتح بن خاقان صاحب «مطمح الأنفس» و«قلائد العقيان». ~~وكلامه كلام كاتب متنوق لا مؤرخ محقق، والقصد في هذا المقال ذكر المعتمد بن عباد في ~~حالي نعيمه وبؤسه، وإثبات طرف من أخبار بني عباد في معرض الأدب وفي زينة الشعر والنثر ~~في غير إخلال بالتاريخ ولا تحريف للحقائق؛ ليجمع القارئ بين حوادث التاريخ الأندلسي، ~~وصور من أدب الأندلسيين في ذلك العصر. # قال الفتح بن خاقان في كتابه مطمح الأنفس وهو يذكر الوزير أبا القاسم محمد بن عباد ~~وهو أول من ملك منهم: # هذه بقية منتماها في لخم، # 1 # ومرتماها إلى مفخر ضخم، وجدهم المنذر بن ماء السماء، ومطلعهم في جو ~~تلك السماء. # وبنو عباد ملوك أنس بهم الدهر، وتنفس منهم عن أعبق الزهر، وعمروا ربع ~~الملك، وأمروا بالحياة والهلك. # ومعتضدهم أحد من أقام وأقعد، وتبوأ كاهل الإرهاب واقتعد، وافترش من ~~عريسته، وافترس من مكايد فريسته، وزاحم بعود، وهد كل طود، وأخمل كل ذي ~~زي وشارة، وقتل بوحي وإشارة. # ومعتمدهم كان أجود الأملاك، وأحد نيرات تلك الأفلاك. # إلى أن يقول: # والقاضي أبو القاسم هذا جدهم، وبه سفر مجدهم، وهو الذي اقتنص لهم الملك ~~النافر، واختصهم منه بالحظ الوافر، فإنه أخذ الرياسة من أيدي جبابر، وأضحى # 2 # من ظلالها أعيان أكابر ... وفاز من الملك بأوفر حصة، وغدت سمته به ~~صفة مختصة، فلم يمح رسم القضاء، ولم يتسم بسمة الملك مع ذلك النفوذ والمضاء، ~~وما زال يحمي حوزته، ويجلو غرته، حتى حوته الرجام، وخلت منه تلك الآجام. # وانتقل الملك إلى ابنه المعتضد، وحل منه في روض نمق له ونضد ... وتسمى ~~بالمعتضد بالله، وارتمى إلى أبعد غايات الجود بما أناله ms04 وأولاه، لولا بطش في ~~اقتضاء النفوس كدر ذلك المنهل، وعكر في أثناء ذلك صفو العل والنهل ، وما زال ~~للأرواح قابضا، وللوثوب عليها رابضا، يخطف أعداءه اختطاف الطائر من الوكر، ~~وينتصف منهم بالدهاء والمكر، إلى أن أفضى الملك إلى ابنه المعتمد فاكتحل منه ~~طرفه الرمد، وأحمد مجده، وتقلد منه أي بأس ونجدة، ونال به الحق مناه، وجدد ~~سناه، وأقام في الملك ثلاثا وعشرين سنة لم تعدم له فيها حسنة، ولا سيرة ~~مستحسنة، إلى أن غلب على سلطانه، وذهب به من أوطانه، فنقل إلى حيث اعتقل، ~~وأقام كذلك إلى أن مات، ووارته تربة أغمات. # هذه كلمات الفتح، وأثبت هنا كذلك قول ابن اللبانة الشاعر - وهو الشاعر الوفي، مدح ~~المعتمد أميرا، وأشاد به وواساه أسيرا - وسيأتي طرف من شعره في المعتمد. # قال في بني عباد: # بماذا أصفهم وأحليهم، وأي منقبة من الجلالة أوليهم، فهم القوم تجل مناقبهم ~~عن العد والإحصاء، ولا يتعرض لها بالاستيفاء والاستقصاء، ملوك بهم زينب ~~الدنيا وتحلت، وترقت حيث شاءت وحلت، إن ذكرت الحروب فعليهم يوقف منها على ~~الخبر اليقين، أو عدت المآثر فهم في ذلك في درجة السابقين، أصبح الملك بهم ~~مشرق القسام، والأيام ذات بهجة وابتسام، حتى أناخ بهم الحمام، وعطل من ~~محاسنهم الوراء والأمام، فنقل إلى العدم وجودهم، ولم يرع بأسهم وجودهم، وكل ~~ملك آدمي فمفقود، وما نؤخره إلا لأجل معدود. # فأول ناشئة ملكهم، ومحصل الأمر تحت ملكهم، عظيمهم الأكبر، وسابقة شرفهم ~~الأجل الأشهر، وزينهم الذي يعد في الفضائل بالوسطى والخنصر، محمد بن عباد ~~ويكنى أبا القاسم، ابن إسماعيل. # وقال ابن اللبانة يصف المعتضد خاصة، وهو ثاني أمرائهم: # المعتضد أبو عمرو عباد - رحمه الله تعالى - لم تخل أيامه في أعدائه من تقييد ~~قدم، ولا عطل سيفه من قبض روح وسفك دم؛ حتى لقد كانت في باب داره حديقة لا ~~تثمر إلا رءوسا، ولا تنبت إلا رئيسا ومرءوسا. # 3 # فكان نظره إليها أشهى مقترحاته، وفي التلفت إليها استعمل جل بكره ~~وروحاته، فبكى وأرق، وشتت وفرق، ولقد حكي عنه ms05 من أوصاف التجبر ما ينبغي ~~أن تصان عنه الأسماع، ولا يتعرض له بتصريح ولا إلماع. # ويقول المراكشي : # وكان قد اتخذ خشبا في حديقة قصره جللها برءوس الملوك والرؤساء عوضا عن ~~الأشجار التي تكون في القصور، وكان يقول: في مثل هذا البستان فليتنزه. ~~وجملة أمر هذا الرجل أنه كان أوحد عصره شهامة وصرامة وشجاعة قلب، وحدة نفس، ~~كانوا يشبهونه بأبي جعفر المنصور من ملوك بني العباس، وكان قد استوى في فخامته ~~ومهابته القريب والبعيد لا سيما منذ قتل ابنه وأكبر أولاده المرشح لولاية ~~عهده. # وفي كلام المراكشي تفسير قول الفتح: كانت في باب داره حديقة لا تثمر إلا ~~رءوسا! # وقال ابن بسام في «الذخيرة»: # وكان قد أوتي أيضا من جمال الصورة وتمام الخلقة، وفخامة الهيئة وسباطة ~~البنان، وثقوب الذهن، وحضور الخاطر، وصدق الحدس ما فاق على نظرائه. # ونظر مع ذلك في الأدب - قبل ميل الهوى به إلى طلب السلطان - أدنى نظر، بأزكى ~~طبع، حصل منه لثقوب ذهنه على قطعة وافرة علقها من غير تعمد لها، ولا إمعان ~~النظر في غمارها، ولا إكثار من مطالعتها، ولا منافسة في اقتناء صحائفها، أعطته ~~سجيته على ذلك ما شاء من تحبير الكلام وقرض قطع من الشعر ذات طلاوة ظاهرة في ~~معان أمدته فيها الطبيعة، وبلغ فيها الإرادة، واكتتبها الأدباء للبراعة، جمع ~~هذه الخلال الظاهرة إلى جود كف بارى السحاب بها. # وتوفي المعتضد سنة 433ه بعد أن وسع ملكه، ومكن سلطانه، وأرهب أعداءه، وخلد في ~~الأدب ذكره بلسانه ولسان شعرائه. # وأما المعتمد فالواصفوه كثيرون، وقد افتن الشعراء في مناقبه ومآثره، وأولع الكتاب ~~بأخباره وآثاره. # يقول ابن اللبانة: # 4 # ملك مجيد، وأديب على الحقيقة مجيد، وهمام تحلى به للملك لبة وللنظم جيد، ~~أفنى الطغاة بسيفه وآد؛ وأنسى بسيبه ذكر الحارث بن عباد، فأطلع أيامه في ~~الزمان حجولا وغررا، ونظم معاليه في أجيادها جواهر ودررا، وشيد في كل ~~معلوة فناءه، وعمر بكل نادرة مستغربة وبادرة مستظرفة أوقاته وآناءه، فنفقت ~~به للمحامد سوق، وبسقت ثمرات إحسانه أي بسوق، منع ms06 وقرى، وراش وبرى، ووصل ~~وفرى. # وكان له من أبنائه عدة أقمار نظمهم نظم السلك، وزين بهم سماء ذلك الملك ، ~~فكانوا معاقل بلاده وحماة طارفه وتلاده، إلى أن استدار الزمان كهيئته، وأخذ ~~البؤس في فيئته، وأثمر الخلاف وظهر، وسل الشتات سيفه وشهر، والمعتمد - رحمه ~~الله تعالى - يطلب نفسه في أثناء ذلك بالثبات بين تلك الثبات، والمقام في ~~ذلك المقام، إلى أن بدل القطب بالواقع، واتسع الخرق على الراقع. # فاستعضد بابن تاشفين؛ فورد عليه كتابه يشعر بالوفاء، فثاب إليه فكر خاطره ~~وفاء، وثبت خلال تلك المدة للنزال، ودعا من رام حربه نزال، إلى أن أصبح ~~والحروب قد نهبته، والأيام تسترجع منه ما وهبته، فثل ذلك العرش، واعتدت ~~الليالي حين أمنت من الأرش، فنقل من صهوات الخيول إلى بطون الأجفان، # 5 # وهذه الدنيا جميع ما لديها زائل، وكل من عليها فان، فما أغنت تلك ~~المملكة وما دفعت، وليتها ما ضرت؛ إذ لم تكن نفعت، وكل يلقى معجله ~~ومؤجله، ويبلغ الكتاب أجله. # ونقل المقري قول علي بن القطاع في كتابه «لمح الملح» عن المعتمد بن ~~عباد: # أندى ملوك الأندلس راحة، وأرحبهم ساحة، وأعظمهم سمادا، وأرفعهم عمادا، ~~ولذلك كانت حضرته ملقى الرحال، وموسم الشعراء، وقبلة الآمال، ومألف الفضلاء؛ ~~حتى إنه لم يجتمع بباب أحد من ملوك عصره من أعيان الشعراء وأفاضل الأدباء ما ~~كان يجتمع ببابه وتشتمل عليه حاشيتا جنابه. # وفي «نفح الطيب»: # وقال الفقيه القاضي أبو بكر بن خميس - رحمه الله تعالى - حين ذكر تاريخ بني ~~عباد: وقد ذكر الناس للمعتمد من أوصافه ما لا يبلغ مع كثرته إلى إنصافه، وأنا ~~الآن أذكر نبذة من أخباره، وأردفها بما وقفت عليه من منظومات أشعاره، فإنه - ~~رحمه الله تعالى - جم الأدب رائعه، عالي النظم فائقه. # 6 # ويقول المراكشي في كتاب المعجب: # وكان المعتمد هذا يشبه بهارون الواثق بالله من ملوك بني العباس، ذكاء نفس ~~وغزارة أدب، وكان شعره كأنه الحلل المنشرة، واجتمع له من الشعراء وأهل الأدب ~~ما لم يجتمع لملك قبله من ملوك الأندلس، وكان ms07 مقتصرا من العلوم على علم الأدب ~~وما يتعلق به وينضم إليه. # وكان فيه مع هذا من الفضائل الذاتية ما لا يحصى ؛ كالشجاعة والسخاء والحياء ~~والنزاهة، إلى ما يناسب هذه الأخلاق الشريفة، وفي الجملة فلا أعلم خصلة تحمد ~~في رجل إلا وقد وهبه الله منها أوفر قسم، وضرب له فيها بأوفى سهم، وإذا عدت ~~حسنات الأندلس من لدن فتحها إلى هذا الوقت؛ فالمعتمد هذا أحدها بل ~~أكبرها. # هذا كلام مؤلف من المغرب عاش في القرن السابع، بعد المعتمد بقرنين لا يمدح رغبة ولا ~~رهبة، ولست أوافقه في كل ما قال، ولكني أنقل قوله وقول غيره؛ إشهادا على ما اعتقده ~~أدباء الأندلس والمغرب وشعراؤها ومؤرخوها في المعتمد بن عباد، وما كان لسيرته من الأثر ~~في نفوس أهل عصره، والعصور التي تلته. # وقال مؤلف نفح الطيب بعد نقل طرف من أخبار المعتمد: # وأخبار المعتمد بن عباد، وما رآه من الملك والعز في كل حاضر وباد، وما ~~قاساه في الأسر، من الضيق والعسر وسوء العيش، أمر عجيب يتعظ به العاقل الأريب. ~~وأما ما مدحته به الشعراء، وأجوبته لهم في حالي يسره وعسره، وملكه وأسره، ~~وطيه ونشره، وتجهمه وبشره، فهو كثير، وفي كتب التاريخ منه نظيم ونثير، وقد ~~قدمنا منه في هذا الكتاب ما يبعث الاعتبار ويثير. # 7 # وقال ابن بسام في «الذخيرة»: # كان للمعتمد بن عباد شعر كما انشق الكمام عن الزهر، لو صار مثله ممن جعل ~~الشعر صناعة، واتخذه بضاعة، لكان رائعا معجبا ونادرا مستغربا ... والعجب من ~~المعتمد أنه مري سحابه في كلتا حالتيه فصاب، ودعا خاطره فأجاب، ولا تراجع ~~له طبع، في الملك ولا بعد الخلع، بل يومه في هذا الشأن دهر، وحسنته في هذا ~~الديوان عشر. # وقال الفتح بن خاقان في قلائد العقيان: # 8 # ملك قمع العدا، وجمع الباس والندى، وطلع على الدنيا بدر هدى، لم تتعطل يوما ~~كفه ولا بنانه، آونة يراعه وآونة سنانه، وكانت أيامه مواسم، وثغور بره ~~بواسم، ولياليه كلها دررا، وللزمان أحجالا وغررا، لم يغفلها من سمات ms08 عوارف، ~~ولم يضحها من ظل إيناس وارف، ولا عطلها من مأثرة بقي أثرها باديا، ولقي ~~معتفيه منها إلى الفضل هاديا، وكانت حضرته مطمحا للهمم، ومسرحا لآمال الأمم، ~~وموقفا لكل كمي، ومقذفا لذي أنف حمي، لم تخل من وفد، ولم يصح جوها من ~~انسجام رفد، فاجتمع تحت لوائه من جماهير الكماة، ومشاهير الحماة، أعداد يغص ~~بهم الفضاء، وأنجاد يزهى بهم النفوذ والمضاء، وطلع في سمائه كل نجم متقد، وكل ~~ذي فهم منتقد، فأصبحت حضرته ميدانا لرهان الأذهان، وغاية لرمي هدف البيان، ~~ومضمارا لإحراز خصل، في كل معنى وفصل، فلم يرتسم في زمامه إلا بطل نجد، ولم ~~يتسق في نظامه إلا ذكاء ومجد، فأصبح عصره أجمل عصر، وغدا مصره أكمل مصر، تسفح ~~فيه ديم الكرم، ويفصح فيه لسانا سيف وقلم، ويفضح الرضي في وصفه أيام ذي سلم. # 9 # وكان قومه وبنوه لتلك الحلبة زينا، ولتلك الجملة عينا، إن ركبوا خلت الأرض ~~فلكا يحمل نجوما، وإن وهبوا رأيت الغمام سجوما، وإن أقدموا أحجم عنترة ~~العبسي، وإن فخروا أقصر عرابة الأوسي. ثم انحرفت الأيام فألوت بإشراقه، ~~وأذوت يانع إيراقه، فلم يدفع الرمح ولا الحسام، ولم تنفع تلك المنن الجسام، ~~فتملك بعد الملك، وحط من فلكه إلى الفلك. # | المعتمد والأدب # نشأت دول الطوائف الأندلسية في القرن الخامس الهجري، وهو عصر زهر بالعلوم والآداب في ~~الأندلس، على ما كان فيها من اضطراب سياسي أطاح بدولة الخلافة الأموية وزاده سقوط الخلافة ~~شدة وانتشارا. # والقرن الخامس في الأندلس كالقرن الرابع في المشرق الإسلامي؛ اضطربت فيه دولة الخلافة ~~وتقلص ظلها ونشأت منها دول صغيرة تنافست في دعوة العلماء والأدباء، وتبارت في الاحتفاء ~~بمن يفد إليها من الشعراء، وإغداق العطاء لهم؛ رغبة في حسن السمعة، وبعد الصيت. # نشأت دول الطوائف في الأندلس في القرن الخامس كما نشأت في المشرق دول السامانيين ~~والبوبهيين والغزنويين والحمدانيين وغيرها. # وأرى أن سير العلم والأدب في الأندلس يتأخر قرنا عن سيره في المشرق، فكبار الفلاسفة ~~ونوابغ الشعراء والكتاب الأندلسيين يتأخرون في الجملة عن نظرائهم في ms09 المشرق قرنا، ولهذا ~~أسباب لا يتسع لها هذا المجال. # تنافست دول الطوائف في الأندلس في المكارم والمفاخر، وفي تشييد الأبنية، وفي الاعتزاز ~~بالعلماء والأدباء والشعراء الذين ينعمون في ظلالها ويتنافسون في تخليد مآثرها وتسيير ذكرها ~~في كتب التاريخ والعلم والأدب. ~~••• # وبنو عباد كانوا أكثر ملوك الطوائف حظا من القوة وسعة السلطان وبعد الصيت، وأوفرهم ~~نصيبا في وفود الأدباء والشعراء والعلماء إليهم؛ بما تسلطوا على إشبيلية وقرطبة وما ~~يتبعهما، وكانت قرطبة حاضرة الخلافة الأموية ومركز العلوم والآداب ثلاثة قرون، في عهد ~~الأمويين، وبلغت فيها الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس أوجها. # وبنو عباد عرب من لخم ورثوا السيادة والعزة وورثوا حب الأدب، ولا سيما نظم الشعر والإعجاب ~~به والمشاركة فيه والإثابة عليه. # يقول الأستاذ بالنثيا في كتابه «تاريخ الفكر الأندلسي»: # 1 # وكان الحال في إشبيلية شبيها بما كان عليه في المرية؛ إذ طغى الشعر فيها على ~~ما عداه من أضرب الأدب في ظل بني عباد، ولقد كان المعتضد والمعتمد من أعلام ~~الشعراء، ومن ثم لا نستغرب أن يكون بلاطهما مدرسة تخرج فيها أهل الآداب، وقد وصلت ~~الخمريات وشعر النسيب والغزل أعلى درجات الكمال في هذا البلاط المصقول؛ حيث عجز ~~شعراء مجيدون - من طبقة علي بن حصن، وابن حمديس الصقلي وأبي بكر بن زيدون وأبي بكر ~~بن اللبانة وغيرهم كثيرون - عن إدراك ما وصل إليه ابن عمار وزير المعتمد النابه ~~الذكر المنكود الحظ من تحليق في سماء الشعر، وقصروا كذلك في ملاحقة اعتماد نفسها ~~زوج المعتمد وجارية رميك التاجر الإشبيلي قبله، فضلا عن مجاراة الملك الشاعر ~~المعتمد فيما أبدعه من رائع القصيد، والحق أن المعتمد وفق أيام مجده وسعوده إلى ~~درجة من التجويد مكنت له من أن يصل بشعره في أبواب الغزل ووصف مجالس السرور ووصف ~~الحرب والنصر إلى آفاق استدرت إعجاب البدو أنفسهم. # وثبت هذا أن ينظر القارئ فيما كان بين المعتمد وكبار الشعراء من تقارض الشعر في أحوال ~~شتى، سيجد القارئ أن المعتمد لم يقصر في مجاراة ابن زيدون وابن عمار ms10 وابن حمديس وابن ~~اللبانة بل يجده مبرزا عليهم أحيانا، وسيمر بالقارئ كثير من تقارض الشعر بين المعتمد ~~وشعرائه في نعيمه ودولته وبؤسه ومحنته. # وحسبنا هنا شهادة لسان الدين بن الخطيب، وما نقله عن ابن الصيرفي، قال عن المعتمد: # كنيته أبو القاسم، وهو الجواد الشجاع البليغ، ذو الأخبار الشهيرة الذكر، والأنباء ~~الموروثة على الدهر، قال ابن الصيرفي: # المعتمد على الله محمد بن عباد نسيج وحده في الجود، وأصلب نظرائه مكسر ~~عود، فذ في البلاغة، طرف في الشعر والكتابة، بارع النظم والنثر، كثير ~~الأدب، جزل الألفاظ، كثير المعاني، حسن المآخذ، لدن معاطف الكلام، رقيق ~~الحاشية، كثيف المتن، كثير البديع، رائق الديباجة، لائق الاستعارة، حسن ~~الإشارة، جم التوليد، لم ينشده من الوزراء والشعراء أشعر منه، على كثرة ما ~~اجتلب إليه من أعلامه الثناء، ونثر عليه من در الحمد، ووضع في يديه من ~~حر القريض. # 2 # كان المعتمد شاعرا مجيدا رقيق الطبع، مرهف الحس، يعرب بالشعر عن عواطفه، ويسجل به ~~خواطره في فرحه وترحه، وجده وهزله. # كان هو شاعرا والرميكية أم أولاده شاعرة، وكان بنوه شعراء، ومنهم من ترجم له بين أدباء ~~الأندلس، وكانت بنته بثينة شاعرة ذكرت في الشواعر الأندلسيات. # وسيأتي ذكر أولاد المعتمد وزوجه وأمثلة من شعرهم في الفصول الآتية. # | شعر المعتمد في دولته # سيمر القارئ بكثير مما نظم المعتمد زفرات وحسرات في أربع السنين التي احتواه فيها الأسر ~~في المغرب. # وأثبت هنا بعض ما نظم أيام عزته وصولته في دولة أبيه المعتضد ودولته، في معاهد أنسه ~~وأندية سمره ومجالس أدبه، وفي خطاب الأدباء وملاطفة الخلطاء. # مما نظم في عهد أبيه المعتضد أبيات أرسلها إليه حين أرسله قائد جيش إلى مالقة فانهزم ~~فغضب أبوه غضبا شديدا وعنفه واتهمه أنه ضيع الحزم باللهو واللعب: # لم أوت من زمني شيئا ألذ به # فلست أعرف ما كأس ولا وتر # ولا تملكني دل ولا خفر # ولا سبا خلدي غنج ولا حور # رضاك راحة نفسي لا فجعت به # فهو العتاد الذي للدهر أدخر # وهو المدام التي أسلو ms11 بها فإذا # عدمتها وقدت في قلبي الفكر # أجل لي راحة أخرى كلفت بها # نظم الكلى في القنا والهام تنتثر # وتوجه إليه الوزير أبو الأصبغ بن أرقم رسولا من المعتصم بن صمادح ملك المرية ومعه ~~الوزير أبو عبيد البكري والقاضي أبو بكر بن صاحب الأحباس، فلما قارب إشبيلية أرسل إلى ~~المعتمد أبيات منها: # يا مالكا عظمته العرب والعجم # وواحدا وهو في أثوابه أمم # إنا وردناك والأقطار مظلمة # والبدر يرجى إذا ما التخت الظلم # فكتب المعتمد إليه: # حثوا المطي ولو ليلا بمجهلة # فلن تضلوا ومن بشري لكم علم # لأنتم القوم إن خطوا يجد قلم # وإن يقولوا يصب فصل الخطاب فم # لا عي إن رقموا كتبا ولا حصر # إذ ينتدون ولا جور إذا حكموا # أقدم أبا الأصبغ المودود تلق فتى # هش المودة لا يزري به سأم # هذا فؤادي قد طار السرور به # إن كنت تنقلك الوخادة الرسم # سأكتم الليل ما ألقاه من بعد # وأسأل الصبح عنكم حين يبتسم # وقال المعتمد في معاهد نعيمه وأنسه في إشبيلية: # ولقد شربت الراح يسطع نورها # والليل قد مد الظلام رداء # حتى تبدى البدر في جوزائه # ملكا تناهى بهجة وبهاء # لما أراد تنزها في غربه # جعل المظلة فوقه الجوزاء # وتناهضت زهر النجوم يحفه # لألاؤها فاستكمل اللألاء # وترى الكواكب كالمواكب حوله # رفعت ثرياها عليه لواء # وحكيته في الأرض بين مواكب # وكواعب جمعت سنا وسناء # إن نشرت تلك الدروع حنادسا # ملأت لنا هذي الكئوس ضياء # 1 # وإذا تغنت هذه في مزهر # لم تأل تلك على التريك غناء # وقال وقد لمع البرق فارتاعت جارية كانت تسقيه: # يروعها البرق وفي كفها # برق من القهوة لماع # يا ليت شعري وهي شمس الضحى # كيف من الأنوار ترتاع # وله مع شعرائه مساجلات تدل على أنه لا يتخلف عنهم في النظم روية وارتجالا، ولا يقع ~~دون كبار الشعراء في لفظه ومعناه، ويقول ابن حمديس في ختام قصيدة مدح بها المعتمد: # إنا لنخجل في الإنشاد بين يدي # رب القوافي التي حلين بالفقر # من ملك الله حسن القول ms12 مقوله # فلو رآه ابن حجر عاد كالحجر # ولا أطيل في الكلام على شعر المعتمد، فليرجع القارئ إلى ديوانه؛ ففيه ألوان من الشعر تدل ~~على طبع شاعر، وخيال بعيد، وتصرف في المعاني والألفاظ بارع. # 2 ~~(1) الشعراء الذين صحبوا المعتمد # نقلت آنفا قول ابن القطاع في المعتمد: # كانت حضرته ملقى الرحال، وموسم الشعراء، وقبلة الآمال ومألف الفضلاء، حتى ~~إنه لم يجتمع بباب أحد من ملوك عصره من أعيان الشعراء وأفاضل الأدباء ما كان ~~يجتمع ببابه. # وكيف لا يقصد الشعراء والأدباء - في عصر زها فيه الشعر والأدب - ملكا أديبا ~~شاعرا يأنس بهم، ويغدق عليهم العطاء، ويصادقهم ويجلهم، ويتخذ منهم وزراء ~~وندماء. # وهذا ذكر من عرفوا بصحبة المعتمد من شعراء الأندلس؛ ومن هؤلاء ثلاثة ذهبوا مثلا ~~سائرا في الوفاء، وسيأتي ذكرهم في محنة المعتمد؛ وهم: ابن اللبانة، وابن حمديس، وأبو ~~بحر بن عبد الصمد. ~~(1-1) أبو بكر الداني المعروف بابن اللبانة # أذكره هنا في جملة شعراء المعتمد. وأعظم مآثر هذا الشاعر وأكبر مفاخره وفاؤه ~~للأمير في أسره، ومواساته في محنته، وسيأتي ذكره في أيام هذه المحنة، فحسبي هنا أن ~~أقول: إنه اتصل ببني عباد منذ أيام المعتضد وأحسن مدحهم وأحسنوا جزاءه. # ومن مدائحه موشحة أولها: # 3 # كم ذا يؤرقني ذو حدق # مرضى صحاح # لا بليته بالأرق # قد باح دمعي بما أكتمه # وحن قلبي لمن يظلمه # رشأ تمرن في «لا» فمه # كم بالمنى أبدا ألثمه # يفتر عن لؤلؤ في نسق # من الأقاح # بنسيمه العبق # يقول فيها: # أبدى لنا حمرة في يقق # خد الصباح # فيه حمرة الشفق # من لي بمدح بني عباد # ومن محمدهم إحمادي # تلك الهبات بلا ميعاد # عذرت من أجلها حسادي # حكتني الورق بين الورق # راشوا جناحي # ثم طوقوا عنقي # لله ملك عليه اعتمدا # من يعرب وهو أسناهم يدا # وهم إذا عن وفد وفدا # سالوا بحارا وصالوا أسدا # إن حاربوا أو دعوا في فسق # راحوا براح # للندى والعلق # وله موشحة أخرى يقول فيها مادحا الرشيد بن المعتمد: # سطا وجاد # رشيد بني عباد فأنسى الناس ms13 # رشيد بن العباس # وقد ألف هذا الشاعر كتابا سماه «الاعتماد في أخبار بني عباد»، كما ألف كتابا في ~~أخبارهم بعد نكبتهم سماه «نظم السلوك في مواعظ الملوك». ~~(1-2) ابن حمديس # ومن الشعراء الذي أظلتهم دولة بني عباد، فنعموا في ظلالها، وغردوا في أفيائها، ~~ابن حمديس الصقلي. # فارق عبد الجبار بن أبي بكر بن محمد بن حمديس الصقلي بلده سرقوسة من جزيرة صقلية ~~حينما استولى النرمانديون على الجزيرة سنة سبعين وأربعمائة ه، وانتهى به المسير إلى ~~إشبيلية، فقربه المعتمد بن عباد، وأشاد هو بالأمير، وسير في مدحه قصائده، وصحبه ~~في سلمه وحربه، ثم واساه في أسره. # روى صاحب نفح الطيب عن ابن حمديس أنه قال: # أقمت بإشبيلية، لما قدمتها على المعتمد بن عباد، مدة لا يلتفت إلي ولا ~~يعبأ بي حتى فطنت لخيبتي مع فرط تعبي، وهممت بالنكوص على عقبي، فإني لكذلك ~~ليلة من الليالي في منزلي إذا بغلام معه شمعة ومركوب، فقال لي: أجب ~~السلطان. فركبت من فوري ودخلت عليه، فأجلسني على مرتبة فنك، وقال لي: افتح ~~الطاق التي تليك. ففتحتها فإذا بكور زجاج على بعد، والنار تلوح من بابيه، ~~وواقدة تفتحهما تارة وتسدهما أخرى، ثم دام سد أحدهما وفتح الآخر، فحين ~~تأملتهما قال لي: أجز: # انظرهما في الظلام قد نجما # فقلت: # كما رنا في الدجنة الأسد # فقال: # يفتح عينيه ثم يطبقها # فقلت: # فعل امرئ في جفونه رمد # فقال: # فابتزه الدهر نور واحدة # فقلت: # وهل نجا من صروفه أحد # فاستحسن ذلك وأمر لي بجائزة سنية وألزمني خدمته. # وللشاعر في مدح المعتمد الأمير الجواد الشاعر ووصف حروبه؛ قصائد غراء تضمنها ~~ديوانه. # ولم يقصر ابن حمديس في الوفاء لأميره حين حلت به الفاجعة، وذهب إليه في أغمات كما ~~ذهب ابن اللبانة. # وسيأتي في الحديث على محنة المعتمد طرف من أخبار الشاعر معه في هذه المحنة، ~~وبعض ما أنشأ من الشعر؛ توجعا للأمير، وتفجعا. ~~(1-3) أبو بحر بن عبد الصمد # ومن شعراء المعتمد أبو بحر بن عبد الصمد، ومن مديحه قوله: # خضعت لعزتك ms14 الملوك الصيد # وعنت لك الأبطال وهي أسود # فاطعن ولو أن الثريا ثغرة # واضرب ولو أن السماك وريد # وافتح ولو أن السماء معاقل # واهزم ولو أن النجوم جنود # وقد رثى هذا الشاعر ممدوحه ووقف على قبره وأنشد قصيدة باكية ومرغ وجهه في ~~التراب، فأبكى الحاضرين، وسيأتي ذكر هذا. ~~(1-4) ابن زيدون # اتصل ابن زيدون بالمعتضد العبادي والد المعتمد سنة 441ه فاحتفى به واستوزره، ثم ~~سماه ذا الوزارتين؛ فلبث في كنفه زهاء عشرين عاما، ومدحه؛ وفاء ما لقي في جنابه من ~~عزة ونعماء. # ولما مات المعتضد رثاه ابن زيدون، واتصل بالمعتمد؛ فكان قرة عينه وزينة دولته، ~~ولما فتح المعتمد قرطبة بلد ابن زيدون رجع إلى بلده في كنف المعتمد وعلت مكانته، ثم ~~أرسله المعتمد إلى إشبيلية لفتنة وقعت بها ومعه أحد أبناء المعتمد فمات ابن زيدون ~~هناك سنة 463ه. # وله قصائد في مدح المعتضد يسير بها الذكر، ويزهو بها الشعر، منها قصيدة هي في ~~ترتيب الديوان أول ما مدح به المعتضد ... يقول فيها: # من مبلغ عني الأحبة؛ إذ أبت # ذكراهم أن يطمئن مهاد # لا يأس. رب دنو دار جامع # للشمل قد أدى إليه بعاد # إن أغترب فمواقع الكرم الذي # في الغرب شمت بروقه أرتاد # أو أنأ عن صيد الملوك بجانبي # فهم العبيد مليكهم عباد # المجد عذر في الفراق لمن نأى # ليرى المصانع منه كيف تشاد # يا هل أتى من ظن بي فظنونه # شتى ترجع بينها الأضداد # إني رأيت المنذرين كليهما # في كون ملك لم يحله فساد # وبصرت بالبردين إرث محرق # لم يخلقا؛ إذ تخلق الأبراد # وعرفت من ذي الطوق عمرو ثأره # لجذيمة الوضاح حين يكاد # وأتى بي النعمان يوم نعيمه # نجم تلقى سعده الميلاد # قد ألفت أشتاتهم في واحد # إلا يكنهم أمة فيكاد # وقد ذكر المنذرين ومحرقا وعمرا وجذيمة والنعمان وهم من ملوك المناذرة؛ إذ كان ~~بنو عباد ينتسبون إليهم. # ويقول في قصيدة أخرى: # أليس بنو عباد القبلة التي # عليها لآمال البرية معكف # ملوك يرى أحباؤهم فخر دهرهم # ويخلف موتاهم ثناء مخلف ms15 # وأما المعتمد فلابن زيدون فيه مدائح كثيرة في إمارة أبيه وإمارته، تعرب عن إحماد ~~صحبته، وشكر نعمته، وقد أولع المعتمد بالإلغاز عن أبيات من الشعر يطلب إلى ابن ~~زيدون بيانها، وفي ديوان ابن زيدون كثير منها. # وحسب الشاعر أن يكتب إليه المعتمد قصيدة يعاتبه بها على تأخر جوابه عن شعر بعث ~~به، يقول فيها: # على ذاك أفديك من ماجد # تشبث بالظرف فيه الهدى # فحينا أزور به روضة # وحينا أحيي به مسجدا # لك العلم مهما أرد بحره # لأروى به أحمد الموردا # وفيك تجمعت المأثرات # طرا فصرت بها مفردا # شمائل تنثر شمل الهموم # نثرك بالرأي شمل العدا # فمتعني الله بالحظ منك # ولا زلت لي مؤنسا سرمدا # ودمت ودمنا على حالنا # كما يصحب الفرقد الفرقدا # فلولاك كانت ربوع السرور # مني تجاوب فيها الصدى # فأجاب ابن زيدون بقصيدة منها: # وطاعة أمرك فرض أراه # من كل مفترض أوكدا # هي الشرع أصبح دين الضمير # فلو قد عصاك لقد ألحدا # وحاشاي من أن أضل الصراط # فيعدو بي الكفر عما بدا # وأخلف بالوعد من لا أرى # لدهري إلا به موعدا # أتاني عتاب متى أوكده # في نشوات الكرى أسهدا # وفي أبيات المعتمد وابن زيدون ما يري القارئ أن المعتمد لا يقصر في النظم عن ~~الشاعر الكبير، ويطرد هذا فيما نراه في ديوان ابن زيدون من شعر له وللمعتمد في ~~مراسلاتهما ومساجلاتهما، ما عدا القصائد المطولة التي لا نجد للمعتمد ~~أمثالها. # ومما ينبغي ذكره هنا أن أحد حساد ابن زيدون أرسل إلى المعتمد شعرا يعرض فيه ~~بابن زيدون، ويغري المعتمد بقتله وقتل كل من يرتاب فيه ويتبع سنة أبيه في قتل ~~أعدائه، وأول الشعر: # يأيها الملك العلي الأعظم # اقطع وريدي كل باغ ينسم # واحسم بسيفك داء كل منافق # يبدي الجميل وضد ذلك يكتم # لا تحقرن من الكلام قليله # إن الكلام له سيوف تكلم # وهي سبعة وعشرون بيتا. # فكتب المعتمد على ظهر الورقة التي فيها الشعر: # كذبت مناكم صرحوا أو جمجموا # الدين أمتن والسجية أكرم # خنتم ورمتم أن أخون وإنما # حاولتم ms16 أن يستخف يلملم # وأردتم تضييق صدر لم يضق # والسمر في ثغر الصدور تحطم # وزحفتم بمحالكم لمجرب # ما زال يثبت للمحال فيهزم # أنى رجوتم غدر من جربتم # منه الوفاء وظلم من لا يظلم # أنا ذاكم لا البغي يثمر غرسه # عندي ولا مبنى الصنيعة يثلم # كفوا وإلا فارقبوا لي بطشة # يلقى السفيه بمثلها فيحلم # وبلغت القصة ابن زيدون فأنشأ خمسين بيتا يمدح المعتمد ويشكره على تخييب مسعاة ~~الساعين، منها: # أنى أؤدي فرض أنعمك التي # وبلت كما وبل السحاب المشجم # أمطيتني متن السماك برتبة # علياء منكب عزها لا يزحم # وتركت حسادي عليك وكلهم # شاكي حشا يذوي وأنف يرغم # نصح العدا في زعمهم فوقمتهم # والغش في بعض النصائح مدغم # وثناهم ثبت قناة أناته # خلقاء يصلب عودها؛ إذ يعجم # وزهاهم نظم الهراء فكفهم # نظم عقود السحر منه تنظم ~~(1-5) ابن عمار # اتصل الشاعر ابن عمار بالمعتضد بن عباد وبالمعتمد في أيام أبيه المعتضد، وله ~~فيهما مدائح، وكان المعتمد قاد جيشا إلى شلب ففتحها سنة 444ه ولقي هناك أبا بكر ~~بن عمار، وتمكنت بينهما المودة ومدح الشاعر أميره وصديقه بقصائد بليغة سارت بين ~~الأدباء وذاعت. # وصحب ابن عمار المعتمد إلى إشبيلية فأقام معه إلى أن أنكر المعتضد شغل ابنه بهذا ~~الشاعر فنفاه إلى سرقسطة. # ولما تولى المعتمد بعد وفاة أبيه دعا صديقه الشاعر وخيره في ولاية يولاها ~~فاختار شلب. # ثم لم يصبر المعتمد عنه فدعاه إلى حضرته واستوزره، وشارك ابن عمار في حروب ~~المعتمد التي دفع بها الإسبان عن إشبيلية كما شارك من قبل أبو الطيب في حروب سيف ~~الدولة. # وفتح ابن عمار مرسية للمعتمد فملكه العجب، وتزيا بزي الأمراء حتى ارتاب فيه ~~المعتمد. # ونظم ابن عمار قصيدة يفخر فيها ويحرض أهل بلنسية على الثورة على أميرها، وكان ~~صديق المعتمد وأول القصيدة: # بشر بلنسية وكانت جنة # أن قد تدلت في سواء النار # ويقول فيها: # كيف التفلت بالخديعة من يدي # رجل الحقيقة من بني عمار # فغضب المعتمد على ابن عمار وعارض قصيدته بشعر فيه سخرية ببني عمار. ms17 # فثار الشاعر وأنشأ شعرا هجا به المعتمد وأم أولاده الرميكية هجاء ~~مقذعا. # ووقعت نسخة من الشعر بخط ابن عمار في يد المعتمد، وانتهت الحادثات بأسر ابن عمار ~~في بعض مغامراته فأسلمه آسره إلى المعتمد فحبسه وقتله. # ومما كتب المعتمد للوزير ابن عمار أيام صداقتهما: # لما نأيت نأى الكرى عن ناظري # ورددته لما رجعت عليه # 4 # طلب البشير بشارة يجزى بها # فوهبت قلبي واعتذرت إليه # وفي نفح الطيب: # 5 # ركب المعتمد في بعض الأيام قاصدا الجامع والوزير أبو بكر بن عمار يسايره، فسمع ~~أذان المؤذن؛ فقال المعتمد: # هذا المؤذن قد بدا بأذانه # فقال ابن عمار: # يرجو بذاك العفو من رحمانه # فقال: المعتمد: # طوبى له من شاهد بحقيقة # فقال ابن عمار: # إن كان عقد ضميره كلسانه # وأدخلت على المعتمد يوما باكورة نرجس فكتب إلى ابن عمار يستدعيه: # قد زارنا النرجس الذكي # وآن من يومنا العشي # وعندنا مجلس أنيق # وقد ظمئنا وفيه ري # ولي خليل غدا سميي # يا ليته ساعد السمي # 6 # فأجابه ابن عمار: # لبيك لبيك من مناد # له الندى الرحب والندي # هأنا بالباب عبد قن # قبلته وجهك السني # شرفه والداه باسم # شرفته أنت والنبي # وكان المعتمد غضب على ابن عمار في بعض الحادثات، وعتب ابن عمار على المعتمد فكتب ~~إليه يعتب ويطلب الصفح في قصيدة أولها: # أأسلك قصدي أم أعوج عن الركب # فقد صرت من أمري على مركب صعب # وأصبحت لا أدري أفي البعد راحتي # فأجعله حظي أم الحظ في القرب # ويقول فيها: # أهابك للحق الذي لك في دمي # وأرجوك للحب الذي لك في قلبي # أيظلم في وجهي كذا قمر الدجى # وتنبو بكفي صفحة الصارم العضب # إلى أن يقول: # أما إنه لولا عوارفك التي # جرت جريان الماء في الغصن الرطب # لما سمت نفسي ما أسوم من الأذى # ولا قلت إن الذنب فيما جرى ذنبي # فأجاب ابن عباد: # تقدم إلي ما اعتدت عندي من الرحب # ورد تلقك العتبى حجابا من العتب # متى تلقني تلق الذي قد بلوته # صفوحا عن الجاني رءوفا على ms18 الصحب # سأوليك مني ما عهدت من الرضا # وأصفح عما كان إن كان من ذنب # فما أشعر الرحمن قلبي قسوة # ولا صار نسيان الأذمة من شعبي # تكلفته أبغي به لك سلوة # وكيف يعاني الشعر مشترك اللب # ولكن الشاعر أشفق من العودة إلى المعتمد، فاستمر على نفاره حتى أسلمته الحوادث ~~إلى يد المعتمد، وقصيدة ابن عمار التي هجا فيها المعتمد مطلعها: # ألا حي بالغرب حيا حلالا # أناخوا جمالا وحازوا جمالا # وعرج بيومين أم القرى # ونم فعسى أن تراها خيالا # ويومين قرية بإشبيلية كان منها أولية بني عباد. # ويقول فيها عن الرميكية أم أولاد المعتمد: # تخيرتها من بنات الهجان # رميكية ما تساوي عقالا # فجاءت بكل قصير العذار # لئيم النجارين عما وخالا # قصار القدود ولكنهم # أقاموا عليها قرونا طوالا # إلى أن يقول: # سأهتك عرضك شيئا فشيئا # وأكشف سرك حالا فحالا # ومنها: # فيا عامر الخيل يا زيدها # منعت القرى وأبحت العيالا # وهذا من ابن عمار كفران نعمة وحمق، أنشأ هذا الهجاء وظن أنه يخفى على المعتمد ~~فبلغه بخط ابن عمار كما قيل، فكان فيه حتفه. # ومما استعطف به المعتمد - وهو في سجنه - قصيدة أولها: # سجاياك إن عافيت أندى وأسمح # وعذرك إن عاقبت أجلى وأوضح # وإن كان بين الخطتين مزية # فأنت إلى الأدنى من الله أجنح # ويقول فيها: # أقلني بما بيني وبينك من رضا # له نحو روح الله باب مفتح # وعف على آثار جرم جنيته # بهبة رحمى منك تمحو وتصفح # ولا تلتفت رأي الوشاة وقولهم # فكل إناء بالذي فيه يرشح # ويختمها بقوله: # سلام عليه كيف دار به الهوى # إلي فيدنو، أو علي فينزح # ويهنيه إن مت السلو فإنني # أموت ولي شوق إليه مبرح ~~(1-6) عبد الجليل بن وهبون # يقول صاحب قلائد العقيان في ترجمة هذا الشاعر: إنه كان متصلا بالوزير الشاعر ابن ~~عمار «فأعلقه بدولته وألحقه بجملته ونفقه بعد الكساد، وطوقه من استخلاصه ما أغاظ ~~به الحساد، كان يعتقد تقدمه، ويعقد بنواصي الشعراء قدمه، إلا أنه مع تمييزه به ~~بالإحظاء، وتجويزه إياه عند الاقتضاء، لم يوصله ms19 عند المعتمد إلى حظ، ولم ينله منه ~~إلا كرة لحظ.» # ويقول أيضا في ترجمته: # ودخل المرية وقد أحرج المعتمد على الله وأضجره، حتى أبعده وهجره، فلما ~~كان يوم العيد وحضر المعتصم شعراؤه، واجتمع كتابه ووزراؤه، بعث في عبد ~~الجليل فتأخر وزرى بالحال وسخر، وقال: أبعد المعتمد أحضر منتدى؟ أو أستمطر ~~جودا أو ندى؟ وهل تروق الأعياد إلا في فنائه؟ أو تحسن الأمداح إلا في ~~سنائه؟ # دنا العيد لو تدنو لنا كعبة المنى # وركن المعالي من ذؤابة يعرب # فوا أسفا للشعر ترمى جماره # ويا بعد ما بيني وبين المحصب # أقول: المعتصم المذكور هو ابن صمادح أمير المرية. ولعل القارئ يسأل: كيف جرؤ ابن ~~وهبون على الامتناع عن حضرة المعتصم يوم عيد وهو في بلده؟ وكيف قال: إنه لا يمدح ~~إلا ابن عباد؟ والجواب: أنا لا نعلم أن ابن وهبون جهر بهذا القول في المرية، ثم ~~مدحه المعتمد ولو جهر به، يحميه من نقمة المعتصم؛ إذ كان المعتمد أميرا يهابه ~~أمراء الطوائف ويتوددون إليه. # وفي نفح الطيب # 7 # أن المعتمد جلس يوما والبزاة تعرض عليه فاستحث الشعراء في وصفها، ~~فصنع ابن وهبون بديها: # للصيد قبلك سنة مأثورة # لكنها بك أبدع الأشياء # تمضي البزاة وكلما أمضيتها # عاطيتها بخواطر الشعراء # وأنه كان في قصر المعتمد فيل من الفضة، يتدفق الماء من فمه إلى بركة، فقال عبد ~~الجليل بن وهبون قصيدة في وصفه. # وهكذا يعد ابن وهبون من الشعراء الذين اتصلوا بالمعتمد وعاشوا في كنفه. # وسيأتي في أخبار وقعة الزلاقة أنه كان ممن حضر مجلس المعتمد حين هنأه الناس، ~~وأنه أعد قصيدة في هذا؛ فلما سمع القارئ احتقر قصيدته. ~~(2) شعراء آخرون # ومن الشعراء الذين مدحوا المعتمد ابن القزاز محمد بن عبادة. # وله قصيدة يذكر فيها جرح يد المعتمد في وقعة الزلاقة - التي قدمنا ذكرها - يقول ~~فيها: # جلبت إلى الأعادي أسد غاب # براثنها الأسنة والصفاح # وقفت وموقف الهيجاء ضنك # وفيه لباعك الرحب انفساح # وألسنة الأسنة قائلات # إذا ظهر المؤيد لا براح # 8 # ومنها: # وقالوا كفه جرحت ms20 فقلنا # أعاديه توافقها الجراح # وما أثر الجراحة ما رأيتم # فتوهنها المناصل والرماح # ولكن فاض سيل الجود فيها # فأمسى في جوانبها انسياح # وقد صحت وسحت بالأماني # وفاض الجود منها والسماح # ومن شعراء المعتمد ابن مرزقان مولاه، وأبو الوليد المصيصي، وابن المرعز النصراني الإشبيلي، # 9 # وغيرهم . # وقل أن تجد شاعرا في الأندلس أو ما يقاربها من البلاد إلا اتصل بالمعتمد ومدحه ~~ونال جوائزه. # هذا إلى شعراء اتصلوا بالمعتضد ومدحوه، ولم يدركوا إمارة المعتمد، مثل علي بن حصن، ~~وقد استوزره المعتضد ثم فتك به. # 10 # ومن غريب ما يروى أن الحصري الشاعر، كان ألف للمعتمد كتاب «المستحسن من الأشعار»، ~~فلم يقدر له لقاء المعتمد إلى حين اجتاز إلى طنجة أسيرا. # يقول صاحب النفح: # فلما أخذ المعتمد الكتاب قال للحصري: ارفع ذلك البساط فخذ ما تحته، فوالله ما ~~أملك غيره! فوجد تحته جملة مال فأخذه. # 11 # | ملوك الطوائف ونصارى الشمال # ضعفت سطوة المسلمين في الأندلس، بعد عبد الرحمن الناصر والمنصور بن أبي عامر؛ إذ ضعفت ~~الدولة الأموية التي سيطرت على البلاد قوية مهيبة ما بين سنة 138 وسنة 400ه، ثم زلزلت حتى ~~زالت سنة 422ه. # وتقسم ملوك الطوائف البلاد بينهم متنافسين متنازعين، كل يهتم بنفسه وملكه، ويلقى ~~العدو وحده إذا نزلوا بساحته؛ حتى طمع فيهم العدو وفرض عليهم الجزية، فأدوها هائبين ~~مؤثرين العافية، راضين بالسلامة. # يقول الأستاذ بلنثيا في كتابه «الفكر الأندلسي»: # 1 # إن انتثار عقد الأندلس وتفرق أمره في دول الطوائف كان سبب ضياع أمره؛ لأن هذه ~~الدويلات الصغيرة كانت على حال من الضعف لم تستطع معها أن تثبت لهجمات النصارى ~~الذين انتهجوا خطة تختلف عما كان عليه المسلمون إذ ذاك، واتجهوا إلى توحيد قواهم ~~أمام المسلمين الذين لم تتوقف الخصومات بينهم قط، بل أصبح ألفونسو السادس بعد ~~استيلائه على طليطلة سنة 478ه (1085م) في مركز مكن له من أن يعين بعض ملوك ~~الطوائف على بعض ويتدخل في شئون مملكة بلنسية، وعظمت قوته واشتد خطره على المسلمين ~~حتى خافه المعتمد وزوجه إحدى بناته! ms21 # 2 # وزاد هذا الخنوع طمع الإسبان وألفافهم واجتراءهم، فاشتطوا في الجزية، وساموا المسلمين ~~الهوان، حتى أرسل ألفونسو السادس ملك الفرنج إلى المعتمد بن عباد يطلب زيادة الجزية، ويشتط ~~في مطالبه؛ فغضب المعتمد وقتل الرسل وعزم على الحرب، وهو يعلم أنه لا قبل له بالعدو؛ وإن ~~اعتضد بملوك الطوائف جميعا، ففاوض هؤلاء الملوك في الاستنجاد بيوسف بن تاشفين سلطان ~~المرابطين الذين قامت دولتهم في المغرب فتية قوية فيها قوة البادية وشظفها وخشونتها، وفيها ~~الحماسة الإسلامية لم يطفئها الترف، ولم يوهنها السكون إلى الدعة وإيثار العاقبة. # وأدع الكلام هنا لأبي عبد الله الحميري الأندلسي صاحب «الروض المعطار»؛ ليقص هذه القصة ~~مفصلة إلى موقعة الزلاقة وما بعدها، وأنا أوثر في كل هذا المقال أن أقص حوادث الأندلس بلسان ~~أهله؛ لأجمع إلى التاريخ صورا من الأدب، وأمثلة من أقوال الكتاب والمؤرخين في ذلك ~~العصر. # وهذا ما كتبه صاحب «الروض المعطار»: # وكان السبب في ذلك فساد الصلح المنعقد بين الطاغية وبين المعتمد؛ # 3 # فإن المعتمد اشتغل عن أداء الضريبة في الوقت الذي صارت عادته يؤديها ~~فيه بغزو ابن صمادح صاحب المرية واستنفاذه ما في يديه بسبب ذلك؛ فتأخر لأجل ذلك ~~أداء الإتاوة عن وقتها، فاستشاط الطاغية غضبا وتشطط فطلب بعض الحصون زيادة على ~~الضريبة، وأمعن في التجني فسأل في دخول امرأته القمطيجة إلى جامع قرطبة؛ لتلد فيه ~~من حمل كان بها؛ حيث أشار إليه بذلك القسيسون والأساقفة؛ لمكان كنيسة كانت في ~~الجانب الغربي منه معظمة عندهم، عمل المسلمون عليها الجامع الأعظم، وسأل أن تنزل ~~امرأته المذكورة بمدينة الزهراء غربي مدينة قرطبة، تنزل بها فتختلف منها إلى الجامع ~~المذكور حتى تكون تلك الولادة بين طيب نسيم الزهراء وفضيلة ذلك الموضع الموصوف من ~~الجامع، وزعم أن الأطباء أشاروا عليه بالولادة في الزهراء كما أشار عليه القسيسون ~~بالجامع، وسفر بذلك بينهما يهودي كان وزيرا لابن فرذلند فتكلم بين يد المعتمد ببعض ~~ما جاء به من عند صاحبه، فأيأسه ابن عباد من جميع ذلك؛ فأغلظ له اليهودي في القول ms22 ~~وشافهه بما لم يحتمله، فأخذ ابن عباد محبرة كانت بين يديه فأنزلها على رأس اليهودي ~~فألقى دماغه في حلقه، وأمر به فصلب منكوسا بقرطبة. # واستفتى ابن عباد الفقهاء لما سكت عنه الغضب عن حكم ما فعله باليهودي، فبادره الفقيه ~~محمد بن الطلاع بالرخصة في ذلك؛ لتعدي الرسول حدود الرسالة إلى ما يستوجب له القتل ؛ إذ ليس ~~له أن يفعل ما فعل، وقال للفقهاء حين خرجوا: إنما بادرت بالفتوى؛ خوفا أن يكسل الرجل عما ~~عزم عليه من منابذة العدو، وعسى الله أن يجعل في عزيمته للمسلمين فرجا. # وبلغ ألفنسو ما صنع ابن عباد فأقسم بآلهته ليغزونه بإشبيلية ويحصره في قصره، فجرد جيشين ~~جعل على أحدهما كلبا من مساعير كلابه، وأمره أن يسير على كورة باجة من غرب الأندلس، ويغير ~~على تلك التخوم والجهات ثم يمر على لبلة إلى إشبيلية، وجعل موعده إياه طريانة للاجتماع ~~معه، ثم زحف ابن فرذلند بنفسه في جيش آخر عرمرم، فسلك طريقا غير طريق صاحبه. وكلاهما عاث ~~في بلاد المسلمين وخرب ودمر، حتى اجتمعا لموعدهما بضفة النهر الأعظم قبالة قصر ابن عباد، ~~وفي أيام مقامه هناك كتب إلى ابن عباد زاريا عليه: «كثر بطول مقامي في مجلس الذبان، واشتد ~~علي الحر، فألقني من قصرك بمروحة أروح بها على نفسي وأطرد بها الذباب عني» فوقع له ~~ابن عباد بخط يده في ظهر الرقعة: «قرأت كتابك وفهمت خيلاءك وإعجابك، وسأنظر لك في مراوح من ~~الجلود اللمطية في أيدي الجيوش المرابطية تروح منك لا تروح عليك إن شاء الله.» فلما ~~ترجم لابن فرذلند توقيع ابن عباد في الجواب، أطرق إطراق من لم يخطر له ذلك ببال. # وفشا في بلاد الأندلس خبر توقيع ابن عباد وما أظهر من العزيمة على إجازة الصحراويين ~~والاستظهار بهم على ابن فرذلند، فاستبشر الناس وفتحت لهم أبواب الآمال، وانفرد ابن عباد ~~بتدبير ما عزم عليه من مداخلة يوسف بن تاشفين، ورأت ملوك الطوائف بالأندلس ما عزم عليه من ~~ذلك؛ فمنهم من كتب إليه، ومنهم من شافهه، ms23 كلهم يحذره سوء عاقبة ذلك وقالوا له: الملك عقيم، ~~والسيفان لا يجتمعان في غمد واحد. فأجابهم ابن عباد بكلمته السائرة مثلا: رعي الجمال خير ~~من رعي الخنازير. أي أن كونه مأكولا لابن تاشفين أسيرا يرعى جماله في الصحراء، خير من ~~كونه ممزقا لابن فرذلند أسيرا يرعى خنازيره في قشتالة، وكان مشهورا برزانة الاعتقاد، ~~وقال لعذاله ولوامه: يا قوم، أنا من أمري على حالتين: حالة يقين، وحالة شك، ولا بد لي من ~~أحدهما، أما حالة الشك فإني إن استندت إلى ابن تاشفين أو إلى ابن فرذلند ففي الممكن أن يفيا ~~لي ويبقيا علي، ويمكن ألا يفعلا فهذه حالة الشك، وأما حالة اليقين فهي أني إن استندت إلى ~~ابن تاشفين فأنا أرضي الله، وإن استندت إلى ابن فرذلند أسخطت الله، فإذا كانت حالة الشك ~~فيها عارضة فلأي شيء أدع ما يرضي الله وآتي ما يسخطه؟! وحينئذ أقصر أصحابه عن لومه. # فلما عزم خاطب جاريه: المتوكل عمر بن محمد صاحب بطليوس، وعبد الله بن حبوس بن ماكسن ~~الصنهاجي صاحب غرناطة يأمرهما أن يبعث إليه كل واحد منهما قاضي حضرته؛ ففعلا، ثم استحضر ~~قاضي الجماعة بقرطبة أبا بكر عبيد الله بن أدهم وكان أعقل أهل زمانه، فلما اجتمع القضاة ~~عنده بإشبيلية أضاف إليهم وزيره أبا بكر بن زيدون وعرفهم أربعتهم أنهم رسله إلى يوسف بن ~~تاشفين، وأسند إلى القضاة ما يليق بهم من وعظ يوسف وترغيبه في الجهاد، وأسند إلى ابن زيدون ~~ما لا بد منه في تلك السفارة من إبرام العقود السلطانية. # 4 # وكان يوسف بن تاشفين لا تزال تفد عليه وفود ثغور الأندلس مستعطفين مجهشين ~~بالبكاء، ناشدين الله والإسلام، مستنجدين بفقهاء حضرته ووزراء دولته، فيستمع إليهم ويصغي ~~لقولهم وترق نفسه لهم، فما عبرت رسل ابن عباد البحر إلا ورسل يوسف بالمرصاد وقد آذن صاحب ~~سبتة بقصده الغزو وتشوقه إلى نصرة أهل الإسلام بالأندلس، وسأله أن يخلي الجيوش تجوز في ~~المجاز، فتعذر عليه، فشكاه يوسف إلى الفقهاء فأفتوا أجمعين بما لا يسر صاحب ms24 سبتة. # ولما انتهت الرسل إلى ابن تاشفين أقبل عليهم، وأكرم مثواهم، وجددوا الفتوى في حق صاحب ~~سبتة، واتصل ذلك بابن عباد فوجه من إشبيلية أسطولا نحو صاحب سبتة فانتظمت في سلك يوسف، ثم ~~جرت بينه وبين الرسل مراوضات ثم انصرفت إلى مرسلها. # ثم عبر يوسف البحر عبورا هنيئا حتى أتى الجزيرة الخضراء ففتحوا له وخرج إليه أهلها بما ~~عندهم من الأقوات والضيافات، وجعلوا سماطا أقاموا فيه سوقا جلبوا عليه من عندهم من سائر ~~المرافق، وأذنوا للغزاة في دخول البلد والتصرف فيها، فامتلأت المساجد والرحبات بضعفاء ~~المتطوعين وتواصوا بهم خيرا. # فلما عبر يوسف وجميع الجيوش انزعج إلى إشبيلية على أحسن الهيئات جيشا بعد جيش، وأميرا ~~بعد أمير، وقبيلا بعد قبيل، وبعث المعتمد ابنه إلى لقاء يوسف، وأمر عمال البلاد بجلب ~~الأقوات والضيافات، ورأى يوسف من ذلك ما سره ونشطه، وتواردت الجيوش مع أمرائها في ~~إشبيلية، وخرج المعتمد إلى لقاء يوسف من إشبيلية في مائة فارس ووجوه أصحابه، فأتى محلة يوسف ~~فركض نحو القوم وركضوا نحوه، فبرز إليه يوسف وحده والتقيا منفردين وتصافحا وتعانقا، وأظهر ~~كل واحد منهما المودة والخلوص، فشكرا نعم الله، وتواصيا بالصبر والرحمة، وبشرا نفسهما بما ~~استقبلاه من غزو أهل الكفر، وتضرعا إلى الله تعالى في أن يجعل ذلك خالصا لوجهه مقربا ~~إليه، وافترقا، فعاد يوسف لمحلته، ورجع ابن عباد إلى جهته، ولحق بابن عباد ما كان أعده من ~~هدايا وتحف وألطاف أوسع بها محلة ابن تاشفين، وباتوا تلك الليلة. # فلما صلوا الصبح ركب الجميع، وأشار ابن عباد على يوسف بالتقدم إلى إشبيلية، ففعل، ورأى ~~الناس من عزة سلطانه ما سرهم، ولم يبق من ملوك الطوائف بالأندلس إلا من بادر وأعان وخرج ~~وأخرج، وكذلك فعل الصحراويون مع يوسف بكل صقع من أصقاعه رابطوا وصابروا. # ولما تحقق ابن فرذلند جواز يوسف، استنفر جميع أهل بلاده وما يليها وما وراءها، ورفع ~~القسيسون والرهبان والأساقفة صلبانهم، ونشروا أناجيلهم، فاجتمع له من الجلالقة والإفرنجة ~~وما يليهم ما لا يحصى عدده، وجعل يصغي على ms25 أنباء المسلمين متغيظا على ابن عباد، جافيا ذلك ~~عليه، متوعدا له، وجواسيس كل فريق مترددون بين الجميع، وبعث ابن فرذلند إلى ابن عباد: «إن ~~صاحبكم يوسف قد تعنى من بلاده، وخاض البحور، وأنا أكفيه العناء فيما بقي ولا أكلفكم تعبا، ~~أمضي إليكم وألقاكم في بلادكم رفقا بكم وتوفيرا عليكم». وقال لأهل وده ووزرائه: «إني رأيت ~~إن أمكنتهم من الدخول إلى بلادي فناجزوني بين جدرها، وربما كانت الدائرة علي، فيكتسحون ~~البلاد ويحصدون من فيها في غداة، لكن أجعل يومهم معي في حوز بلادهم، فإن كانت علي اكتفوا ~~بما نالوه ولم يجعلوا الدروب وراءهم إلا بعد أهبة أخرى، فيكون في ذلك صون لبلادي وجبر ~~لمكاسري، وإن كانت الدائرة عليهم كان مني فيهم وفي بلادهم ما خفت أنا أن يكون منهم في وفي ~~بلادي، إذا ناجزوني في وسطها.» # ثم برز بالمختار من أنجاد جموعه على باب دربه، وترك بقية جموعه خلفه، وقال حين نظر إلى ما ~~اختاره من جموعه: بهؤلاء أقاتل الجن والإنس وملائكة السماء. فالمقلل يقول: كان هؤلاء ~~المختارون من أجناده أربعين ألف دارع. ولا بد لمن هذه صفته أن يتبعه واحد أو اثنان، وأما ~~النصارى فيتعجبون ممن يزعم ذلك # 5 # ويقوله، واتفق الكل أن عدة المسلمين كانت أقل من عدة المشركين، ورأى ابن فرذلند ~~في نومه كأنه راكب على فيل فضرب نقيرة طبل فهالته رؤياه وسأل عنها القسوس والرهبان فلم يجبه ~~أحد، ودس يهوديا إلى من يعلم تأويلها من المسلمين فدل على عابر فقصها عليه ونسبها إلى ~~نفسه فقال له العابر: كذبت ما هذه الرؤيا لك، ولا بد أن تخبرني من صاحبها وإلا لم أعبرها ~~لك. فقال له: اكتم ذلك؛ هو ألفونسو بن فرذلند. فقال العابر: قد علمت أنه رؤياه ولا ينبغي أن ~~تكون لغيره، وهي تدل على بلاء عظيم ومصيبة فادحة تؤذن بصلبه عما قريب؛ أما الفيل فقد قال ~~الله تعالى: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب ~~الفيل ~~... السورة، وأما ضرب النقيرة فقد قال الله تعالى: # فإذا نقر في الناقور ms26 * فذلك يومئذ يوم ~~عسير ~~... الآية، فانصرف اليهودي إلى ابن فرذلند وجمجم له وذكر له ما وافق ~~خاطره ولم يفسرها له. # ثم خرج ابن فرذلند ووقف على الدروب، ومال بجيوشه إلى الجهة الغربية من بلاد الأندلس، ~~فتقدم يوسف فقصده، وتأخر ابن عباد لبعض الأمر ثم انزعج يقفو أثره بجيش فيه حماة الثغور ~~ورؤساء الأندلس، وجعل ابنه عبد الله على مقدمته وسار وهو يتفاءل لنفسه مكملا البيت المشهور ~~(كامل): # لا بد من فرج قريب # يأتيك بالعجب العجيب # غزو عليك مبارك # سيعود بالفتح القريب # لله سعدك إنه # نكس على دين الصليب # لا بد من يوم يكون # أخا له يوم القليب # ووافت الجيوش كلها بطليوس فأناخوا بظاهرها وخرج إليهم صاحبها المتوكل عمر بن محمد فلقيهم ~~بما يجب من الأقوات والضيافات وبذل مجهوده؛ ثم جاءهم الخبر بشخوص ابن فرذلند إليهم، ولما ~~ازدلف بعضهم إلى بعض أذكى المعتمد عيونه في محلات الصحراويين خوفا عليهم من مكايد ابن ~~فرذلند؛ إذ هم غرباء لا علم لهم بالبلاد، وجعل يتولى ذلك بنفسه حتى قيل: إن الرجل من ~~الصحراويين كان يخرج عن طرق محلاتهم لبعض شأنه أو لقضاء حاجته فيجد ابن عباد بنفسه مطيفا ~~بالمحلة بعد ترتيب الكراديس من خيل على أفواه طرق محلاتهم فلا يكاد الخارج منهم عن المحلة ~~يخطئ إذ ذاك من لقاء ابن عباد؛ لكثرة تطوافه عليهم. # ثم كتب يوسف إلى ابن فرذلند يدعوه إلى الإسلام أو الجزية أو يأذن بحربه، فامتلأ غيظا ~~وعتا وطغا بما يدل على شقائه، وقامت الأساقفة والرهبان فرفعوا صلبهم ونشروا أناجيلهم وخرجوا ~~يتبايعون على الموت، ووعظ يوسف وابن عباد أصحابهما، وقام الفقهاء والعباد يعظون الناس ~~ويحضونهم على الصبر ويحذرونهم الفرار، وجاءهم الطلائع بخبر أن العدو مشرف عليهم صبيحة يومهم ~~وهو يوم الأربعاء، فأصبح المسلمون قد أخذوا مصافهم، فكع ابن فرذلند ورجع إلى إعمال الخديعة ~~ورجع الناس إلى محلاتهم وباتوا ليلتهم، ثم أصبح يوم الخميس فأخذ ابن فرذلند في إعمال الحيلة ~~فبعث لابن عباد يقول: غدا يوم الجمعة وهو عيدكم، وبعده الأحد وهو ms27 عيدنا؛ فليكن لقاؤنا ~~بينهما وهو يوم السبت، فعرف المعتمد بذلك يوسف فقال: نعم، فقال له المعتمد: هذه خديعة من ~~ابن فرذلند؛ إنما يريد غدر المسلمين فلا تطمئن إليه، وليكن الناس على استعداد له طول يوم ~~الجمعة كل النهار. وبات الناس ليلتهم على أهبة واحتراس بجميع المحلات خائفين من كيد العدو، ~~وبعد مضي جزء من الليل انتبه الفقيه الناسك أبو العباس أحمد بن رميلة القرطبي (وكان في محلة ~~ابن عباد) فرحا مسرورا يقول: إنه رأى النبي # صلى الله عليه وسلم # فبشره بالفتح والشهادة له في صبيحة ~~غد، وتأهب ودعا ودهن رأسه وتطيب وانتهى ذلك إلى ابن عباد فبعث إلى يوسف فخبره بها؛ تحقيقا ~~لما توقعه من غدر ابن فرذلند فحذروا أجمعين ولم ينفع ابن فرذلند ما حاوله من الغدر. # ثم جاء في الليل فارسان من طلائع المعتمد يخبران أنهما أشرفا على محلة ابن فرذلند وسمعا ~~ضوضاء الجيوش واضطراب الأسلحة، ثم تلاحق بقية الطلائع محققين بتحرك ابن فرذلند، ثم جاءت ~~الجواسيس من داخل محلة ابن فرذلند يقولون: استرقنا السمع الساعة فسمعنا ابن فرذلند يقول ~~لأصحابه: ابن عباد مسعر هذه الحروب، وهؤلاء الصحراويون وإن كانوا أهل حفاظ وذوي بصائر في ~~الجهاد فهم غير عارفين بهذه البلاد وإنما قادهم ابن عباد، فاقصدوه واهجموا عليه واصبروا، ~~فإن انكشف لكم هان عليكم الصحراويون بعده، ولا أرى ابن عباد يصبر لكم إن صدقتموه الحملة. ~~وعند ذلك بعث ابن عباد كاتبه أبا بكر بن القصيرة يطوي المحلات حتى جاء يوسف بن تاشفين فعرفه ~~بجلية الأمر، فقال له: قل له إني سأقرب منك إن شاء الله تعالى. وأمر يوسف بعض قواده أن يمضي ~~بكتيبة رسمها له حتى يدخل محلة النصارى فيضرمها نارا ما دام ابن فرذلند مشتغلا مع ابن ~~عباد. # وانصرف ابن القصيرة إلى المعتمد فلم يصله إلا وقد غشيته جنود ابن فرذلند، فصدمها ابن عباد ~~صدمة قطعت أمله ولم ينكشف له، فحميت الحرب بينهما، ومال ابن فرذلند على المعتمد بجموعه ~~وأحاطوا به من كل جهة فاستحر القتل فيهم، ms28 وصبر ابن عباد صبرا لم يعهد مثله لأحد، واستبطأ ~~يوسف وهو يلاحظ طريقه، وعضته الحرب واشتد البلاء وأبطأ عليه الصحراويون وساءت ظنون أصحابه، ~~وانكشف بعضهم وفيهم ابنه عبد الله، وأثخن ابن عباد جراحات وضرب على رأسه ضربة فلقت ~~هامته حتى وصلت إلى صدغيه وجرحت يمنى يديه، وطعن في أحد جانبيه وعقرت تحته ثلاثة أفراس كلما ~~هلك واحد قدم له آخر، وهو يقاسي حياض الموت ويضرب يمينا وشمالا، وتذكر في تلك الحالة ~~ابنا له صغيرا كان مغرما به تركه بإشبيلية عليلا اسمه العلاء وكنيته أبو هاشم فقال ~~(متقارب): # أبا هاشم هشمتني الشفار # ولله صبري لذاك الأوار # ذكرت شخيصك تحت العجاج # فلم يثننى ذكره للفرار # ثم كان أول من وافى ابن عباد من قواد ابن تاشفين داود ابن عائشة، وكان بطلا شهما فنفس ~~بمجيئه عن ابن عباد، ثم أقبل يوسف بعد ذلك وطبوله تصدع الجو، فلما أبصره ابن فرذلند وجه ~~أشكولته إليه وقصده بمعظم جنوده، وقد كان على حساب ذلك من أول النهار، وأعد له هذه الأشكولة ~~وهي معظم جنوده، فبادر إليه يوسف وصدمهم بجمعه فردهم إلى مركزهم وانتظم به شمل ابن عباد ~~ووجد ريح الظفر وتباشر بالنصر، ثم صدقوا جميعا الحملة فتزلزلت الأرض بحوافر خيلهم، وأظلم ~~النهار بالعجاج والغبار، وخاضت الخيل في الدماء، وصبر الفريقان صبرا عظيما، ثم تراجع ابن ~~عباد إلى يوسف وحمل معه حملة نزل معها النصر، وتراجع المنهزمون من أصحاب ابن عباد حين علموا ~~بالتحام الفئتين، فصدقوا الحملة، فانكشف الطاغية، ومر هاربا منهزما، وقد طعن في إحدى ~~ركبتيه طعنة بقي أثرها بقية عمره، فكان يخمع منها، فلجأ إلى تل كان يلي محلته في نحو ~~الخمسمائة فارس كلهم مكلوم، وأباد القتل والأسر من عداهم من أصحابهم، وعمل المسلمون بعد ~~ذلك من رءوسهم صوامع يؤذنون عليها، وابن فرذلند ينظر إلى موضع الوقيعة ومكان الهزيمة فلا ~~يرى إلا نكالا محيطا به وبأصحابه. # وكتب ابن عباد إلى ابنه بإشبيلية: كتابي هذا من المحلة يوم الجمعة الموفي عشرين من رجب ~~وقد أعز الله ms29 الدين، ونصر المسلمين وفتح لهم الفتح المبين، وأذاق المشركين العذاب الأليم، ~~والخطب الجسيم، فالحمد لله على ما يسره وسناه من هذه الهزيمة العظيمة والمسرة الكبيرة ~~هزيمة إذفونش أصلاه الله نكال الجحيم، ولا أعدمه الوبال العظيم، بعد إتيان النهب على ~~محلاته، واستئصال القتل في جميع أبطاله وأجناده، وحماته وقواده، حتى اتخذ المسلمون من ~~هاماتهم صوامع يؤذنون عليها ، فلله الحمد على جميل صنعه، ولم يصبني بحمد الله - تعالى - إلا ~~جراحات يسيرة آلمت، لكنها قرحت بعد ذلك، وغنمت وظفرت. # ولما فرغ يوسف من وقيعة يوم الجمعة تواردت عليه أنباء من قبل السفن، فلم يجد معها بدا ~~من سرعة الكرة، فانصرف إلى إشبيلية فأراح بظاهرها ثلاثة أيام، ونهض نحو بلاده، ومشى ابن ~~عباد معه يوما وليلة، فعزم عليه يوسف في الرجوع، وكانت جراحاته تثعب، وتورم كلم ~~رأسه، فرجع وأمر ابنه بالمسير بين يديه إلى فرضة المجاز حتى يعبر البحر إلى بلده. # ولما دخل ابن عباد إشبيلية جلس الناس وهنئ بالفتح وقرأت القراء وقامت على رأسه الشعراء ~~فأنشدوه، قال عبد الجليل بن وهبون: حضرت ذلك اليوم وأعددت قصيدة أنشده إياها فقرأ ~~القارئ: # إلا تنصروه فقد نصره الله # الآية. فقلت: ~~بعدا لي ولشعري! والله ما أبقت لي هذه الآية معنى أحضره إليه وأقوم به. ~~••• # وللشعراء في وقعة الزلاقة وبلاء المعتمد فيها قول كثير. # لابن حمديس قصيدة أولها: # ليهنئ بني الإسلام أن أبت سالما # وغادرت أنف الكفر بالذل راغما # كشفت كروبا عن قلوب كأنما # وضعت عليها من هواك خواتما # صبرت لحر الطعن والضرب ذائدا # عن الدين واستصغرت فيه العظائما # رحمناك من وقع الصوارم والقنا # فكان لنا في حفظك الله راحما # وكم شجة في حر وجهك لم يزل # لك الحسن منها بالشجاعة واسما # ويقول في يوسف بن تاشفين وجنده المرابطين: # نقمت على من آسفوك بيوسف # وما زلت ممن خالف الحق ناقما # وآذنت عمار القفار بحربهم # فيا قرب ما شقوا إليك الخضارما # بنو الحرب غذتهم لبان ثديها # ولم يستطيبوا منه إلا العلاقما # يحثون للهيجاء جردا سلاهبا # وينضون في البيداء ms30 بزلا صلادما # إذا طعنوا بالسمهرية خلتهم # ضراغم تغري بالقلوب أراقما # وإن كر منهم ذو لثام مصمم # غدا لفم الهيجاء بالسيف لاثما # 6 # ويختم ابن حمديس القصيدة بهذه الأبيات: # حلمتم مراجيحا، وجدتم أكارما # وسدتم بهاليلا، وصلتم ضراغما # سكنتم قلوب العارفين محبة # كما سكن الزهر الزكي الكمائما # نذرت نذورا فاقتضاني قضاءها # إيابك من يوم العروبة سالما # 7 # ولما وجدت الوفر أعوز راحتي # سجدت لربي ثم أصبحت صائما # وللشاعر في يوم الزلاقة قصيدة أخرى مطلعها: # خلعت على بنيات الكروم # محاسن ما خلعن على الرسوم # ويقول فيها: # فيابن الصيد من لخم، ولخم # بدور مطالع الحسب الصميم # إذا جادوا فأنواء العطايا # وإن حلموا فأطواد الحلوم # وأحرم في يمينك مشرفي # أدمت ببذله صون الحريم # ومعترك تلقى الفنش فيه # غريما مهلكا نفس الغريم # 8 # تستر بالظلام وفر خوفا # كروع شق سامعتي ظليم # وضاق بيوسف ذي البأس بؤسي # فمرر عنده حلو النعيم # وقد نهشته حيات العوالي # سلوا ليل السليم عن السليم # إلى أن يقول: # ولما أن أتاك بقوم عاد # أتيت بصرصر الريح العقيم # وقد ضرمت نار الحرب حتى # حكت زفراتها قطع الجحيم # وثار بركض شزيها قتام # خلعن به الصريم على الصريم # 9 # وفيما أصاب المعتمد في موقعة الزلاقة يقول الشاعر محمد بن عبادة المعروف بابن القزاز: # 10 # جلبت إلى الأعادي أسد غاب # براثنها الأسنة والصفاح # وقفت وموقف الهيجاء ضنك # وفيه لباعك الرحب انفساح # وألسنة الأسنة قائلات # إذا ظهر المؤيد لا براح ~~••• # وقالوا كفه جرحت فقلنا # أعاديه توافقها الجراح # وما أثر الجراحة ما رأيتم # فتوهنها المناصل والرماح # ولكن فاض سيل الجود فيها # فأمسى في جوانبها انسياح # وقد صحت وسحت بالأماني # وفاض الجود منها والسماح # ويقول الفتح في قلائد العقيان وهو يذكر يوم الزلاقة: # وكان للمعتمد - رحمه الله - فيه ظهور، وغناء مشهور، جلا متكاثف عجاجه، وجلا الروم ~~من غيطانه وفجاجه، بعد ما لقي حره، وسقي مره؛ وكلم العدو يده، وثلم عدده، وتخاذل ~~فيه رؤساء الأندلس فلم يعمل لهم فيه سنان، ولم يكحل جفونهم من قتامه عثان، ~~والمعتمد يلقى أسنتهم بلبانه، ms31 وتنثني الذوابل ولا يثنى من عنانه. # 11 ~~(1) بعد موقعة الزلاقة # فرح المسلمون بالانتصار، واستبشروا به أي استبشار، وحمدوا يوسف بن تاشفين وأثنوا ~~عليه، وبالغوا في تعظيمه وتكريمه حتى عاد إلى بلاده. # واضطر المعتمد بن عباد كبير ملوك الطوائف أن يعود إلى استنجاد يوسف مرة أخرى، فعبر ~~يوسف البحر إلى الأندلس وعزم على خلع ملوك الطوائف جميعا. # وكلام صاحب الروض المعطار لا يشعر بأن يوسف عاد إلى المغرب ثم عاود الأندلس، بل ~~يوهم أن الحوادث تتابعت منذ وقعة الزلاقة حتى بلغت غايتها. # ويؤخذ من روايات عدة، ومما تقتضيه الأحوال في ذلك الحين؛ أمور أسردها على النسق ~~الآتي: ~~(1) # تطلع ابن تاشفين إلى الأندلس حين اتسع ملكه وعظم سلطانه، ويؤكد هذا ما ~~نقله صاحب نفح الطيب عن الروض المعطار أن ملوك الأندلس سمعوا بتطلع يوسف ~~إلى بلادهم قبل الاستنجاد به، فأرسلوا إليه متوددين قائلين: # أما بعد، فإنك إن أعرضت عنا نسبت إلى كرم ولم تنسب إلى عجز، ~~وإن أجبنا داعيك نسبنا إلى عقل ولم ننسب إلى وهن، وقد اخترنا ~~لأنفسنا أجمل نسبتينا، فاختر لنفسك أكرم نسبتيك، فإنك بالمحل الذي ~~لا يجب أن تسبق فيه إلى مكرمة، وإن في استبقائك ذوي البيوت ما شئت ~~من دوام لأمرك، والسلام. # فأجاب يوسف: # سلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، تحية من سالمكم وسلم ~~عليكم، وإنكم مما في أيديكم من الملك في أوسع إباحة، مخصوصون منا ~~بأكرم إيثار وسماحة، فاستديموا وفاءنا بوفائكم، واستصلحوا إخاءنا ~~بإصلاح إخائكم، والله ولي التوفيق لنا ولكم، والسلام. ~~(2) # وكره ابن تاشفين وجنده ما سمعوا من ترف ملوك الأندلس ولهوهم، وما رأوا من ~~بذخهم حين حلوا ببلادهم: # يقول المقري في نفح الطيب بعد ذكر نزول ابن تاشفين في إشبيلية بعد موقعة ~~الزلاقة وما رآه في المدينة من الأبهة والرفاهية والترف: # وكان مع ابن تاشفين أصحاب له ينبهونه على حسن تلك الحال وتأملها ~~وما هي عليه من النعمة والأتراف، ويغرونه باتخاذ مثلها ويقولون له: ~~إن فائدة الملك قطع العيش فيه بالتنعم واللذة كما هو المعتمد ~~وأصحابه، ms32 فأنكر يوسف هذا وقال: # الذي يلوح لي من أمر هذا الرجل - يعني المعتمد - أنه ~~مضيع لما في يده من الملك؛ لأن هذه الأموال الكثيرة التي ~~تصرف في هذه الأحوال لا بد أن يكون لها أرباب لا يمكن أخذ ~~هذا القدر منهم على وجه العدل أبدا، فأخذه بالظلم وإخراجه ~~في هذه الترهات من أفحش الاستهتار، ومن كانت همته في هذا ~~الحد من التصرف فيما لا يعدو الأجوفين متى يستجد همة في ~~ضبط بلاده وحفظها وصون رعيته والتوفير لمصالحها. # 12 # ويقول المقري: # ثم إن يوسف بن تاشفين سأل عن أحوال المعتمد في لذاته: هل تختلف فتنقص عما هي ~~عليه في بعض الأوقات؟ فقيل له: بل كل زمانه على هذا. فقال: أفكل أصحابه وأنصاره ~~على عدوه، ومنجديه على الملك، ينال حظا من ذلك؟ فقالوا: لا. قال: فكيف ترون ~~رضاهم عنه؟ فقالوا: لا رضا منهم عنه. فأطرق وسكت، وأقام عند المعتمد على تلك ~~الحال أياما. # وفي نفح الطيب: # 13 # ولما عزم السلطان يوسف بن تاشفين إلى بلاده ترك الأمير سير بن أبي بكر أحد ~~قواده المشاهير، وترك معه جيشا يرسم غزو الفرنج، فاستراح الأمير المذكور ~~أياما قلائل، ودخل بلاد الأذفونش، وأطلق الغارة، ونهب وسبى وفتح الحصون ~~المنيعة والمعاقل الصعبة العويصة، وتوغل في البلاد، وحصل أموالا وذخائر ~~عظيمة، ورتب رجالا وفرسانا في جميع ما أخذه، وأرسل للسلطان يوسف جميع ما ~~حصله، وكتب له يعرفه أن الجيوش بالثغور مقيمة على مكايدة العدو، وملازمة ~~الحرب والقتال، في أضيق العيش وأنكده، وملوك الأندلس في بلادهم وأهليهم في أرغد ~~عيش وأطيبه وسأله مرسومه ... # ويقول المراكشي: إن يوسف أرسل جندا للمرابطة في الثغور وأراد أن يكونوا عدة له حين ~~يعزم على أخذ الأندلس. # هذا الكلام وشبهه إعراب صادق عما تقضي به تلك الأحداث والأحوال، فهؤلاء الصحراويون ~~المسلمون الخلص قد اطبتهم تلك البلاد الخصبة النضرة وأسخطتهم عيشة المترفين من أهل ~~الأندلس، وافتراق كلمتهم، والقوارع تنتابهم والعدو بين الحين والحين يجوس خلال ديارهم، ~~ويأخذ ما يشاء من نسلهم وحرثهم. ~~••• # لهذا عزم ابن ms33 تاشفين على خلع ملوك الطوائف وتدبير أمر الأندلس وأراد أن يستوثق من حكم ~~الشرع فيما هم به، فاستفتى العلماء فأفتوه بجواز خلع هؤلاء الملوك المترفين؛ جمعا ~~لكلمة المسلمين، وتقوية لهم على الجهاد. # يقول صاحب نفح الطيب: وحكى ابن خلدون أن علماء الأندلس أفتوا ابن تاشفين بجواز خلع ~~المعتمد وغيره من ملوك الطوائف وقتالهم إن امتنعوا. # ويقول الأستاذ بلنثيا: # 14 # وكان الفقهاء يعتقدون أن سبب اضمحلال البلاد إنما هو انصراف أمراء الطوائف عن ~~الدين وحدوده، فأملوا لهذا أن تصلح الحال إذا استعانوا بالمرابطين، وعارض ~~الأمراء في الاستعانة بهم ما استطاعوا المعارضة؛ إذ إنهم توجسوا شرا من ~~مزاحمتهم لهم على السلطان في الأندلس، ولكن الغالب أن جمهور الناس ألحوا في ~~استقدام المرابطين، وتوجه بالفعل وفد مؤلف من قضاة بطليوس وغرناطة وقرطبة ووزير ~~إشبيلية أبي بكر بن زيدون إلى إفريقية وقابلوا يوسف بن تاشفين واستصرخوه لنجدة ~~الأندلس، فأجابهم إلى ما طلبوه. # وعبر يوسف إلى إسبانيا ثلاث مرات # 15 # وأخذت تنعقد حوله وهو منصرف إلى الحرب في الأندلس شباك تدبيرين ~~في وقت واحد: الأول دبره ملوك الطوائف للإيقاع به وأذاه. وعقد أطراف الثاني ~~الفقهاء ورموا من ورائه إلى إسلام الأندلس جملة إلى يوسف بن تاشفين، واجتهد ~~الفقهاء في ذلك، وسعوا بأمراء الطوائف وتكلموا مع الأمير في خلعهم، وانتهى ~~الأمر بالاقتناع برأيهم، وعقد النية على استنزال ملوك الطوائف الأندلسيين عن ~~عروشهم؛ إذ تبين عجزهم عن مقاومة النصارى، ووجد أن جمهورا كبيرا يؤيده في هذا ~~العمل، فاستصدر من الفقهاء فتوى بعدم صلاحية ملوك الطوائف للحكم وضرورة ~~عزلهم. # ولم يلبث الأندلس جميعا أن دخل في دولة المرابطين. # أقول: ليس حقا إن ملوك الطوائف دبروا للإيقاع بيوسف أول الأمر؛ فهم استنجدوه ~~واستنصروه وفرحوا بنصرته، وتمنوا أن تدوم المودة بينه وبينهم إلى أن عزم على ~~خلعهم. # | خلع ملوك الطوائف # روى ابن خلكان بعد ذكر موقعة الزلاقة أن ابن تاشفين عاد في العام الثاني إلى الأندلس وخرج ~~إليه المعتمد وحاصر بعض حصون الفرنج فلم يقدر عليه فرحل عنه، وعبر على ms34 غرناطة فخرج إليه ~~صاحبها عبد الله بن بلكين فغدر به يوسف ودخل البلد ودخل قصر عبد الله فوجد فيه من الأموال ~~والذخائر ما لا يحصى ولا يعد، وأنه عاد إلى مراكش وفي نيته أن يستولى على الأندلس، وأنه ~~جهز الجيوش وسار إلى سبتة فأرسل قائده سير بن أبي بكر ففعل ما فعل بملوك الطوائف. # وليست الروايات واضحة في عود يوسف إلى الأندلس، ولا يتفق الذين رووا أنه عاد إليها على ~~سنة هذه العودة، وليس هذا الخلاف ذا خطر فيما نحن بصدده من سيرة المعتمد بن عباد. # وفي نفح الطيب أن سير بن أبي بكر قائد المرابطين في الأندلس أرسل إلى السلطان يوسف يخبره ~~بإيثار ملوك الطوائف الدعة واللهو واحتمال المرابطين العناء في جهاد العدو، وسأله رأيه في ~~هؤلاء الملوك، فكتب إليه أن يأمرهم بالنقلة والرحيل إلى أرض العدوة، فمن فعل فذاك، ومن أبى ~~فحاصره وقاتله ولا تنفس عليه، ومما قاله: «ولتبدأ بمن والى الثغور ولا تتعرض للمعتمد بن ~~عباد إلا بعد استيلائك على البلاد، وكل بلد أخذته فول فيه أميرا من عساكرك.» # شرع قائد المرابطين ينزل الملوك من معاقلهم ويخرجهم من ديارهم طوعا أو كرها حتى أدال ~~منهم جميعا، فكتب إلى ابن تاشفين يسأله أمره في ابن عباد فأمره أن يعرض عليه النقلة إلى بر ~~العدوة في أهله وعشيرته، فإن أبى فليقاتله ويأخذه قسرا كما فعل بنظرائه. # وهذا نسق الحوادث كما روى صاحب نفح الطيب: # 1 # فأول ما ابتدأ به من ملوك الأندلس بنو هود، وكانوا بروطة - وهي قلعة منيعة من عاصمات ~~الذرى، وماؤها ينبع من أعلاها، وفيها من الأقوات والذخائر المختلفات ما لا تفنيه ~~الأزمان - فحاصرهم فلم يقدر عليها، ورحل عنها، وجند أجنادا على هيئة الفرنج وزيهم، ~~وأمرهم أن يقصدوها ويغيروا عليها، وكمن هو وأصحابه بقرب منها. # فلما رآهم أهل القلعة استضعفوهم فنزلوا إليهم، ومعهم صاحب القلعة، فخرج عليه سير المذكور # 2 # وقبضه باليد وتسلم الحصن. # ثم نازل بني طاهر بشرق الأندلس، فأسلموا له البلاد ولحقوا ببر العدوة، ثم ms35 نازل بني ~~صمادح بالمرية، ولها قلعة حصينة فحاصرهم وضيق بهم، ولما علم ابن صمادح الغلب أسف ~~ومات غما، فأخذ القلعة واستولى على المرية وجميع أعمالها. # ثم قصد بطليوس، وكان بها المتوكل عمر بن محمد بن الأفطس - المتقدم ذكره - فحاصره ~~وأخذه واستولى على جميع أعماله وماله. # ولم يبق له إلا المعتمد بن عباد فكتب للسلطان يوسف يعرفه بما فعل ويسأله مرسومه في ~~ابن عباد، فكتب إليه يأمره أن يعرض عليه النقلة لبر العدوة بجميع الأهل والعشيرة، فإن ~~رضي وإلا فحاصره وخذه وأرسل به كسائر أصحابه. # فواجهه وعرفه بما رسم به السلطان يوسف، وسأله الجواب، فلم يجب بنفي ولا إثبات. # ثم إنه نازل إشبيلية وحاصره بها وألح عليه، فأقام الحصار شهرا ودخل البلد ~~قهرا. # ويقول المراكشي في المعجب: إن الفتنة بدأت في شوال سنة 483ه، حين أخذ المرابطون جزيرة ~~طريف دون مقدمة ظاهرة، ثم زحفوا إلى قرطبة فدافع عنها المأمون بن المعتمد إلى أن قتل في ~~صفر سنة 484ه. # وسيأتي أن أخذ إشبيلية كان في رجب سنة 484ه، ويأتي كذلك في أخبار الراضي بن المعتمد أن ~~جيشا توجه إليه وهو في رندة فهزمه وقتله، وكان هذا بعد الاستيلاء على إشبيلية. # لم أجد فيما اطلعت فيه من كتب، تفصيل ما كان بين ابن عباد وابن تاشفين من مراسلة، ثم ~~قطيعة، وعداوة، وحرب. # ويتبين مما نقله صاحب نفح الطيب عن الفتح بن خاقان وابن اللبانة أن المعتمد حوصر في ~~إشبيلية وأن بعض رجال دولته مالوا مع عدوه وكادوا له وخانوه، ولم يفجأ المعتمد بجيوش ابن ~~تاشفين؛ فقد بدءوا قبله بملوك الطوائف وبلغ المعتمد ما جرى عليهم، ثم أخذوا قرطبة وقتلوا ~~ابنه المأمون، ولا نصدق ما سجع به الفتح بن خاقان في قوله: # فأزلته جيوش أمير المسلمين ومحلاته وظاهرته فساطيطه ومظلاته، بعد ما نثرت حصونه ~~وقلاعه ... وهو ساه بروض ونسيم، لاه براح ومحيا وسيم، زاه بفتاة تنادمه، ناه عن ~~هدم أنس هو هادمه. # وقوله: # حتى دخل البلد من واديه، وبدت من المكروه بواديه، وكر عليه ms36 الدهر بعواديه، وهو ~~مستمسك بعرى ملذاته، منغمس فيها بذاته، ملقى بين جواريه، مغتر بودائع ملكه وعواريه. # 3 # لا نصدق أن المعتمد أحدق به الخطر وهو في لعبه ولهوه، فإن عاقلا لا يفعل هذا، فضلا عن ~~المعتمد الهمام الحازم الشجاع بطل موقعة الزلاقة الذي أحس خطر الفرنج فألب عليهم ملوك ~~الأندلس واستنجد المرابطين من المغرب. # لا نصدق أن المعتمد بن عباد أحيط به وهو بين الخمر والنساء، ولا ريب أن الرجل دافع عن ~~ملكه وسع شجاعته وقدرته، حتى ألجئ إلى مدينته ثم إلى قصره، وقد خانه رجاله فسقط في يده، ~~وحسب أنه يستعصم في قصره إلى أن يحتال لأمره فلحقته الخيانة فيه، فخرج معجلا عن درعه ~~يلقى العدو في غلالة. # لم يكن المعتمد كما صورته أسجاع الفتح بن خاقان، بل كان كما قال فيه ابن حمديس: # جاهدت في الرحمن حق جهاده # وجرى الملوك كما أردت فقصروا # فيبيت ناجود وعود حولهم # ويبيت حولك شوذب وسنور # وتفوح غالية بهم وذريرة # وهما دم في بردتيك وعشير # وهذا يذكر بقول أبي الطيب في سيف الدولة وملوك مصر والعراق في عصره: # ما الذي عنده تدار المنايا # كالذي عنده تدار الشمول # وقوله: # ألهى الممالك عن فتح قفلت به # شرب المدامة والأوتار والنغم # وكذلك يقول ابن حمديس في المعتمد: # مقيم بأرض الروع حيث سماؤها # تمور عليه من مثار قساطله # كأن مقام الحرب أشهى ربوعه # إليه، وبيض الهند أدنى قبائله # والمعتمد يقول في أبيات أرسلها إلى ابن حمديس حين زاره في أغمات: # ولو كنت ممن يشرب الخمر كنتها # إذا نزعت نفسي إلى لذة الخمر # فما أحسب المعتمد كان من اللهو والترف بحيث يصفه الفتح بن خاقان. # وروى صاحب نفح الطيب أنه ما جهر بشرب الخمر منذ ولي الملك. # ونختار في حصار المعتمد وأسره ما كتبه شاعره ابن اللبانة في كتابه نظم السلوك في مواعظ ~~الملوك، ويدل كلامه أنه كان شاهد الوقعة، حاضر النكبة: # إن طائفة من أصحاب المعتمد خامرت عليه، فأعلم باعتقادها، وكشف له عن مرادها، ~~وحض على هتك ms37 حرمها، وأغري بسفك دمها، فأبى ذلك مجده الأثيل، ومذهبه الجميل، ~~وما خصه الله - تعالى - به من حسن اليقين، وصحة الدين إلى أن أمكنتهم الغرة ~~فانتصروا ببغاث مستنسر وقاموا بجمع غير مستبصر، فبرز من قصره متلافيا لأمره، عليه ~~غلالة ترف على جسده، وسيفه يتلظى في يده ... # يوافق ابن اللبانة غيره على أن جماعة من أصحاب المعتمد خانته وأنه فوجئ في قصره فخرج في ~~غير عدة، ولعل المعتمد لم يعرض لهذه الجماعة بشر حين نمى أمرها إليه؛ خيفة اختلاف الكلمة ~~وافتراق الجماعة في وقت الشدة. # ولا نجد في كلام ابن اللبانة ذكر لهو المعتمد وغفلته والنذر تحيط به، وهو قول باطل سجع ~~به الفتح كسجع الكهان. # ثم يقول ابن اللبانة: # فلقي على باب من أبواب المدينة فارسا مشهورا بنجدة، فرماه الفارس برمح التوى ~~على غلالته، وعصمه الله تعالى منه، وصب هو سيفه على عاتق الفارس فشقه إلى أضلاعه ~~فخر صريعا سريعا، فرأيت القائمين عندما تسنموا الأسوار تساقطوا منها، وبعدما ~~أمسكوا الأبواب تخلوا عنها، وأخذوا على غير طريق، وهوت بهم ريح الهيبة في مكان ~~سحيق، فظننا أن البلد من أقذائه قد صفا، وثوب العصمة علينا قد ضفا، إلى أن كان يوم ~~الأحد الحادي والعشرون من شهر رجب، # 4 # فعظم الخطب في الأمر الواقع، واتسع الخرق على الراقع، ودخل البلد من ~~جهة واديه، وأصيب حاضره بعادية باديه، بعد أن ظهر من دفاع المعتمد وبأسه، وتراميه ~~على الموت بنفسه، ما لا مزيد عليه، ولا انتهى خلق إليه، فشنت الغارة في البلد، ~~ولم يبق فيه على سبد ولا لبد، وخرج الناس من منازلهم يسترون عوراتهم ~~بأناملهم، وكشفت وجوه المخدرات العذارى، ورأيت الناس سكارى وما هم بسكارى، ورحل ~~بالمعتمد وآله، بعد استئصال جميع ماله، لم يصحب معه بلغة زاد، ولا بغية مراد، ~~فأمضيت عزيمتي في اتباعه فوصلت إليه بأغمات. ا.ه. # ويوافق الفتح ابن اللبانة على غدر جماعة من أصحاب المعتمد وعلى أن أعداءه فجئوه داخلين من ~~أحد أبواب القصر، فخرج إليهم على غير عدة فهزمهم وأغلق الباب ms38 واعتصم بالقصر، ويسمي الباب ~~باب الفرج ويقول: إن الداخلين كانوا من المرابطين. # وهذه طائفة من أسجاع الفتح في هذا الشأن: # وحين اشتد حصاره، وعجز عن المدافعة أنصاره، ودلس عليه ولاته، وكثرت أدواؤه ~~وعلاته، فتح باب الفرج، وقد لفح شواظ الهرج، فدخلت عليه من المرابطين زمرة، ~~واشتعلت من التغلب جمرة، تأجج اضطرامها، وسهل بها إيقاد الفتنة وإضرامها، وعندما ~~سقط الخبر عليه خرج حاسرا من مفاضته، جامحا كالمهر قبل رياضته، فلحق أوائلهم عند ~~الباب المذكور، وقد انتشروا في جنباته، وظهروا على البلد من أكثر جهاته، وسيفه في ~~يده يتلمظ للطلى والهام، ويعد بانفراج ذلك الاستبهام، فرماه أحد الداخلين برمح ~~تخطاه وجاوز مطاه، فبادره بضربة أذهبت نفسه وأغربت شمسه، ولقي ثانيا فضربه وقصمه ~~وخاض حشا ذلك الداء وحسمه، فأجلوا عنه وولوا فرارا منه، فأمر بالباب فسد وبنى ~~منه ما هد. # ثم انصرف وقد أراح نفسه وشفاها وأبعد الله عنه الملامة ونفاها، وفي ذلك يقول ~~عندما خلع، وأودع من المكروه ما أودع: # إن يسلب القوم العدى # ملكي وتسلمني الجموع # فالقلب بين ضلوعه # لم تسلم القلب الضلوع # قد رمت يوم نزالهم # ألا تحصنني الدروع # وبرزت ليس سوى القمي # ص من الحشا شيء دفوع # أجلي تأخر لم يكن # بهواي ذلي والخضوع # ما سرت قط إلى القتا # ل وكان من أملي الرجوع # شيم الألى أنا منهم # والأصل تتبعه الفروع # ويؤخذ من كلام الفتح فيما بعد أن المغيرين دخلوا البلد مرة أخرى من الوادي، أي من جهة نهر ~~إشبيلية المسمى الوادي الكبير، وأن المعتمد استبسل في الحرب حتى هزم المغيرين وألجأهم إلى ~~النهر فغرق فيه من غرق، فالبلد دخل من أحد الأبواب فحارب المعتمد حتى رد الداخلين وسد ~~الباب، ثم دخل من الوادي فرد المعتمد أعداءه كذلك، يقول الفتح بعد ذكر الوقعة الثانية: # ثم انصرف وقد أيقن بانتهاء حاله، وذهاب ملكه وارتحاله. وعاد إلى القصر واستمسك ~~فيه يومه وليلته مانعا لحوزته، دافعا للذل عن عزته، وقد عزم على أفظع أمر، ~~قائلا: بيدي لا بيد عمرو. ثم صرفه تقاه ms39 عما نواه (يعني أنه هم بالانتحار) فنزل ~~من القصر بالقسر إلى قبضة الأسر، فقيد للحين، وحان له يوم شر ما ظن أنه يحين ~~... # ثم جمع هو وأهله وحملتهم الجواري المنشآت، وضمتهم جوانحها كأنهم أموات، بعد ما ~~ضاق منهم القصر، وراق منهم العصر، والناس قد حشروا بضفتي الوادي، وبكوا بدموع ~~كالغوادي، فساروا والنوح يحدوهم، والبوح باللوعة لا يعدوهم. # ويقول المراكشي: إن دخول جماعة من الباب ودفع المعتمد إياهم كان الثلاثاء منتصف رجب. ~~ويقول : إن الجيوش دهمت المدينة عصر ذلك اليوم من البر ومن الوادي، ودام القتال أياما إلى ~~أن جاء قائد المرابطين سير بن أبي بكر بن تاشفين، بعساكر متظاهرة، وحشود من الرعية متوافرة، ~~والناس في خلال هذه الأيام قد خامرهم الجزع، وخالط قلوبهم الهلع، يقطعون السبل سباحة، ~~ويعبرون النهر سياحة، ويتولجون مجاري الأقذار، ويترامون من شرفات الأسوار؛ حرصا على ~~الحياة، والموفون بالعهد المقيمون على صريح الود ثابتون إلى أن كان يوم الأحد لإحدى وعشرين ~~ليلة خلت من رجب من السنة المذكورة، وهذا يوم الكائنة العظمى والطامة الكبرى، فيه حم ~~الأمر الواقع، واتسع الخرق على الراقع. # ويستمر المراكشي بعد وصفه ناقلا كلام الفتح الذي تقدم. # ثم يقول: # وأجبر على مخاطبة ابنه المعتد بالله والراضي بالله، وكانا بمعقلين من معاقل ~~الأندلس المشهورة لو شاءا أن يمتنعا بها لم يصل أحد إليهما، أحد الحصنين يسمى رندة ~~والآخر مارتلة، فكتب رحمه الله وكتبت السيدة الكبرى أمهما مستعطفين مسترحمين ~~معلمين أن دم الكل منهم مسترهن بثبوتهما، فأنفا من الذل، وأبيا وضع يديهما في يد ~~أحد من الناس بعد أبيهما، ثم عطفتهما عواطف الرحمة، ونظرا في حقوق أبويهما المقترنة ~~بحق الله - عز وجل - فتمسك كل منهما بدينه ونبذ دنياه، ونزلا من الحصنين بعد عهود ~~مبرمة ومواثيق محكمة، فأما المعتد بالله فإن القائد الواصل إليه قبض عند نزوله على ~~كل ما كان يملكه، وأما الراضي بالله فعند خروجه من قصره قتل غيلة وأخفي ~~جسده. # والأبيات التي رواها الفتح فيما تقدم يزيد عليها المراكشي في روايته ثلاثة أبيات ms40 ~~قبلها: # لما تماسكت الدموع # ونهنه القلب الصديع # قالوا الخضوع سياسة # فليبد منك لهم خضوع # وألذ من طعم الخضو # ع على فمي السم النقيع # ووقف الشاعر الوفي أبو بكر بن اللبانة الذي أخلص لصاحبه في محنته، كما نعم بعطاياه في ~~دولته، وقف الشاعر الوفي يرى القيامة ويشهد الحشر فقال: # تبكي السماء بمزن رائح غاد # على البهاليل من أبناء عباد # على الجبال التي هدت قواعدها # وكانت الأرض منها ذات أوتاد # عريسة دخلتها النائبات على # أساود لهم فيها وآساد # وكعبة كانت الآمال تخدمها # فاليوم لا عاكف فيها ولا باد # يا ضيف أقفر بيت المكرمات فخذ # في ضم رحلك واجمع فضلة الزاد # ويا مؤمل واديهم لتسكنه # خف القطين وجف الزرع بالواد # وأنت يا فارس الخيل التي جعلت # تختال في عدد منهم وأعداد # ألق السلاح وخل المشرفي فقد # أصبحت في لهوات الضيغم العادي # إلى أن يقول: # نسبت إلا غداة النهر كونهم # في المنشآت كأموات بألحاد # والناس قد ملئوا العبرين واعتبروا # من لؤلؤ طافيات فوق أزباد # حط القناع فلم تستر مخدرة # ومزقت أوجه تمزيق أبراد # حان الوداع فضجت كل صارخة # وصارخ من مفداة ومن فاد # سارت سفائنهم والنوح يصحبها # كأنها إبل يحدو بها الحادي # كم سال في الماء من دمع وكم حملت # تلك القطائع من قطعات أكباد # سارت السفن بالمعتمد وآله وأتباعه في نهر الوادي الكبير، ثم في بحر الظلمات؛ حتى أرست على ~~ساحل المغرب. # ولما خرج من السفين الأمير الجواد الأبي الصنديد، اجتمع إليه السوال يستجدون ~~ويلحفون، جاءه الحصري الشاعر فرفع إليه أشعارا قديمة كان قد مدحه بها، وقصيدة استجدها، ~~يقول المراكشي في كتاب المعجب: # ولم يكن عند المعتمد في ذلك اليوم ما زود به فيما بلغني أكثر من ستة وثلاثين ~~مثقالا، فطبع عليها، وكتب معها بقطعة شعر يعتذر من قلتها سقطت من حفظي، ووجه بها ~~إليه، فلم يجاوبه على القطعة على سهولة الشعر على خاطره، وخفته عليه - كان هذا ~~الرجل، أعني الحصري الأعمى، أسرع الناس في الشعر خاطرا إلا أنه كان قليل الجيد منه ms41 ~~- فحركه المعتمد على الله على الجواب بقطعة أولها: # قل لمن قد جمع العلم # وما أحصى صوابه # كان في الصرة شعر # فتنظرنا جوابه # قد أثبناك فهلا # جلب الشعر ثوابه؟ # ولما اتصل بزعانف الشعراء وملحفي أهل الكدية ما صنع المعتمد رحمه الله مع ~~الحصري تعرضوا له بكل طريق، وقصدوه من كل فج عميق، فقال في ذلك رحمه الله: # شعراء طنجة كلهم والمغرب # ذهبوا من الإغراب أبعد مذهب # سألوا العسير من الأسير وإنه # بسؤالهم لأحق منهم فأعجب # لولا الحياء وعزة لخمية # طي الحشا ساواهم في المطلب # قد كان إن سئل الندى يجزل وإن # نادى الصريخ ببابه اركب يركب # وأقام المعتمد بطنجة أياما على الحال التي تقدم ذكرها ثم انتقل إلى مدينة مكناسة ~~فأقام بها أشهرا إلى أن نفذ الأمر بتسييرهم إلى مدينة أغمات. # وفي ديوان المعتمد أنه عتب على ابنه الرشيد عتبا شديدا وهما في الطريق من مكناسة إلى ~~أغمات فكتب الرشيد إليه: # يا حليف الندى ورب السماح # وحبيب النفوس والأرواح # من تمام النعمى علي التماحي # لمحة من جبينك الوضاح # قد غنينا ببشره وسناه # عن ضياء الصباح والمصباح # فأجاب المعتمد: # كنت حلف الندى ورب السماح # وحبيب النفوس والأرواح # إذ يميني للبذل يوم العطايا # ولقبض الأرواح يوم الكفاح # وشمالي لقبض كل عنان # يقحم الخيل في مجال الرماح # وأنا اليوم رهن أسر وفقر # مستباح الحمى مهيض الجناح # لا أجيب الصريخ إن فزع الناس # ولا المعتفين يوم السماح # 5 # عاد بشري الذي عهدت عبوسا # شغلتني الأشجان عن أفراحي # فالتماحي إلى العيون كريه # ولقد كان ترفة اللماح # | المعتمد في أغمات # ومدينة أغمات كما يقول ياقوت: # مدينتان متقابلتان ... كثيرة الخير ... وليس بالمغرب فيما زعموا بلد أجمع لأصناف من ~~الخيرات ولا أكثر ناحية ولا أوفر حظا ولا خصبا منها تجمع بين فواكه الصرود والجروم # 1 ~~... # وبين مدينة أغمات ومراكش ثلاثة فراسخ وهي في سفح جبل هناك، كانت أغمات كبرى مدن الإقليم ~~قبل إنشاء مدينة مراكش، وفقدت مكانتها وقل عمرانها حينما أنشئت مراكش سنة 454ه. # وقد استولى عليها المرابطون سنة ms42 449ه، ونفوا إليها المعتمد سنة 484ه، وبها أطلال مدرسة ~~قديمة ومقابر كثيرة، وقبر المعتمد هناك. # وهي اليوم مزارع وبساتين واسعة كثيرة الثمار، عذبة المياه وارفة الظلال. # بقي البطل ابن عباد في أغمات أربع سنوات حتى أنقذته المنية من هذه البلية، وقد ضيق عليه ~~وأثقلت القيود على رجليه حين ثار ابنه عبد الجبار في الأندلس، وقد جزع المعتمد لهذا وتوقع ~~أن يؤخذ بجريرة ابنه أو يخشى فراره من معتقله. # ويقول الفتح: # وقال لي من أثقه: لما ثار ابنه حيث ثار، وأثار من حقد أمير المسلمين عليه ما ~~أثار، جزع جزعا مفرطا، وعلم أنه قد صار في أنشوطة الشر متورطا، وجعل يتشكى من ~~فعله، ويتكلم، ويتوجع منه ويتألم، ويقول: عرض بي للمحن، ورضي لي أن أمتحن، ووالله ~~ما أبكي إلا انكشاف من أتخلفه بعدي ويتحيفه بعدي. # 2 # ويقول الفتح: # وأقام بالعدوة برهة لا يروع له سرب وإن لم يكن آمنا، ولا يثور له كرب وإن كان ~~في ضلوعه كامنا، إلى أن ثار أحد بنيه بأركش. # وله في أسره وبؤسه وعض الأداهم في رجليه ومنظر بناته في الأطمار عليهن الذلة بعد العزة ~~وهن يغزلن ليحصلن القوت. له في هذه المرائي الأليمة والأحوال الحزينة، أشعار ترقق القلوب ~~القاسية، وتسيل العيون الجامدة، وإليك طرفا منها: # قال يذكر قصوره التي أشاد بناءها وافتن في تزيينها، وعمر بالسرور أرجاءها، وحمد في ظل ~~النعيم صباحها ومساءها: # غريب بأرض المغربين أسير # سيبكي عليه منبر وسرير # وتندبه البيض الصوارم والقنا # وينهل دمع بينهن غزير # مضى زمن والملك مستأنس به # وأصبح منه اليوم وهو نفور # برأي من الدهر المضلل فاسد # متى صلحت للصالحين دهور # أذل بني ماء السماء زمانهم # وذل بني ماء السماء كبير # 3 # فيا ليت شعري هل أبيتن ليلة # أمامي وخلفي روضة وغدير # بمنبتة الزيتون مورقة العلا # يغني حمام أو ترن طيور # بزاهرها السامي الذرى جاده الحيا # تشير الثريا نحونا ونشير # ويلحظنا الزاهي وسعد سعوده # غيورين والصب المحب غيور # تراه عسيرا لا يسيرا مناله # ألا كل ما شاء الإله ms43 يسير # 4 # وقال: # بكى المبارك في إثر ابن عباد # بكى على إثر غزلان وآساد # بكت ثرياه لا غمت كواكبها # بمثل نوء الثريا الرائح الغادي # بكى الوحيد، بكى الزاهي وقبته # والنهر والتاج، كل ذله بادي # ودخل عليه بناته يوم عيد وقد حالت حالهن وذوت نضرتهن - وكن قد اضطررن إلى الغزل لتحصيل ~~قوتهن، وقيل: غزلن لصاحب شرطة كان في خدمة أبيهن - عيد بأية حال عدت يا عيد. فقال ~~المعتمد: # فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا # فساءك العيد في أغمات مأسورا # ترى بناتك في الأطمار جائعة # يغزلن للناس ما يملكن قطميرا # برزن نحوك للتسليم خاشعة # أبصارهن حسيرات مكاسيرا # يطأن في الطين والأقدام حافية # كأنها لم تطأ مسكا وكافورا # لا خد إلا ويشكو الجدب ظاهره # وليس إلا مع الأنفاس ممطورا # قد كان دهرك، إن تأمره، ممتثلا # فردك الدهر منهيا ومأمورا # من بات بعدك في ملك يسر به # فإنما بات بالأحلام مغرورا # ودخل عليه ابنه أبو هاشم، هذا الصبي الذي ذكره حين احتدام القتال في موقعة الزلاقة، فقال ~~كما تقدم: # أبا هاشم هشمتني الشفار # فلله صبري لذاك الأورار # ذكرت شخيصك تحت العجاج # فلم يثنني ذكره للفرار # دخل أبو هاشم على أبيه أسيرا سجينا «والقيود قد عضت بساقيه عض الأسود، والتوت عليه ~~التواء الأساود السود» فقال: # قيدي! أما تعلمني مسلما # أبيت أن تشفق أو ترحما # دمي شراب لك واللحم قد # أكلته، لا تهشم الأعظما # يبصرني فيك أبو هاشم # فينثني والقلب قد هشما # ارحم طفيلا طائشا لبه # لم يخش أن يأتيك مسترحما # وارحم أخيات له مثله # جرعتهن السم والعلقما # منهن من يفهم شيئا فقد # خفنا عليه للبكاء العمى # والغير لا يفهم شيئا فما # يفتح إلا لرضاع فما # ومما قاله في التوجع من أسره وقيده: # غنتك أغماتية الألحان # ثقلت على الأرواح والأبدان # قد كان كالثعبان رمحك في الورى # فغدا عليك القيد كالثعبان # متمردا يحميك كل تمرد # متعطفا لا رحمة للعاني # قلبي إلى الرحمن يشكو بثه # ما خاب من يشكو إلى الرحمن # وقال: # أنباء أسرك قد طبقن آفاقا # بل قد ms44 عممن جهات الأرض إقلاقا # فأحرق الفجع أكبادا وأفئدة # وأغرق الدمع آماقا وأحداقا # أنى غلبت وكنت الدهر ذا غلب # للغالبين وللسباق سباقا # قلت: الخطوب أذاقتني طوارقها # وكان غربي إلى الأعداء طراقا # متى رأيت صروف الدهر تاركة # إذا انبرت، لذوي الأخطار أرماقا # ومر عليه سرب قطا وهو في معتقله، وأنقل هنا كلمات الفتح بن خاقان في تصوير هذه الحال: # ومر عليه في موضع اعتقاله سرب قطا لم يقلق لها جناح ولا تعلق بها من الأيام ~~جناح، ولا عاقها عن أفراخها الأشراك، ولا أعوزها البشام ولا الأراك، وهي تمرح في ~~الجو وتسرح في مواقع النو، فتنكد بما هو فيه من الوثاق وما دون أحبته من ~~الرقباء والأغلاق، وما يقاسيه من كبله، ويعانيه من وجده وخبله، وفكر في بناته ~~وافتقارهن إلى نعيم عهدنه، وحبور حضرنه وشهدنه، فقال: # بكيت إلى سرب القطا إذ مررن بي # سوارح لا سجن يعوق ولا كبل # ولم تك، والله المعيد، حسادة # ولكن حنينا أن شكلي لها شكل # فأسرح لا شملي صديع، ولا الحشا # وجيع، ولا عيناي يبكيهما ثكل # هنيئا لها؛ إذ لم يفرق جميعها # ولا ذاق عنها البعد من أهلها أهل # وإذ لم تبت مثلي تطير قلوبها # إذا اهتز باب السجن أو صلصل القفل # وما ذاك مما يعتريه وإنما # وصفت الذي في جبلة الخلق من قبل # لنفسي إلى لقيا الحمام تشوق # سواي بحب العيش في ساقه حجل # ألا عصم الله القطا في فراخها # فإن فراخي خانها الماء والظل # وسجن جماعة من أهل فاس في أغمات فرغبوا إلى السجان أن ييسر لهم لقاء المعتمد ~~وكان يتسلى بمجالستهم ويستريح إلى محادثتهم إلى أن أطلقوا من سجنهم فدخلوا عليه ~~يودعونه، فقال: # أما لانسكاب الدمع في الخد راحة # لقد آن أن يفنى ويفنى به الخد # هبوا دعوة يا آل فاس لمبتلى # بما منه قد عافاكم الصمد الفرد # تخلصتم من سجن أغمات والتوت # علي قيود لم يحن فكها بعد # من الدهم، أما خلقها فأساود # تلوى وأما الأيد والبطش فالأسد # فهنيتم النعمى ودامت لكلكم # سعادته، إن ms45 كان قد خانني سعد # خرجتم جماعات، وخلفت واحدا # ولله في أمري وأمركم الحمد # انظر كيف رقت نفسه، وتمنى لكل خلق أن يعيش حرا سعيدا، فهو يغبط القطا على حريتها ويدعو ~~لها أن يعصمها الله في فراخها، وهو يغبط من خلي سبيلهم، ويدعو لهم أن تدوم لهم السعادة ~~التي حرمها، ويسألهم الدعاء للخلاص من هذا البلاء. # وتأمل في هذه الأبيات التي أنشأها حين طلب إليه رجل أن يزوده بشيء من شعره: # يا سائل الشعر يجتاب الفلاة به # تزويدك الشعر لا يغني عن السغب # زاو من الريح لا ري ولا شبع # غدا له مؤثرا ذو اللب والأدب # أصبحت صفرا يدي مما تجود به # ما أعجب الحادث المقدور في رجب # 5 # ذل وفقر أزالا عزة وغنى # نعمى الليالي من البلوى على كثب # قد كان يستلب الجبار مهجته # بطشي ويحيا قتيل الفقر في طلبي # والملك يحرسه في ظل واهبه # غلب من العجم أو شم من العرب # فحين شاء الذي آتاه ينزعه # لم يجد شيئا قراع السمر والقضب # ويروي الفتح بن خاقان أن المعتمد لما بلغته ثورة ابنه عبد الجبار جزع وأشفق أن يؤخذ ~~بجريرة ولده، ولكن أخبار هذه الثورة فيما يبدو أعادت إلى نفسه ذكرى القوة والسلطان، وأثارت ~~فيه كوامن العزة والإقدام، ولوحت له بأمل ضئيل من خلاصه ورجوع ملكه إليه. # يروي الفتح عمن يثق به بعد أن ذكر جزع المعتمد لثورة ابنه: # ثم أطرق ورفع رأسه وقد تهللت أسرته، وظللته مسرته، ورأيته قد استجمع، وتشوف ~~إلى السماء وتطلع، فعلمت أنه رجا عودة إلى سلطانه، وأوبة إلى أوطانه، فما كان إلا ~~بمقدار ما تنداح دائرة، أو تلتفت مقلة حائرة حتى قال: # كذا يهلك السيف في جفنه # إلى هز كفي طويل الحنين # كذا يعطش الرمح لم أعتقله # ولم تروه من نجيع يميني # كذا يمنع الطرف علك الشكي # م مرتقبا غرة في كمين # كأن الفوارس فيه ليوث # تراعي فرائسها في عرين # ألا شرف يرحم المشرفي # مما به من شمات الوتين # 6 # ألا كرم ينعش السمهري # ويشفيه ms46 من كل داء دفين # ألا حنة لابن محنية # شديد الحنين ضعيف الأنين # 7 # يؤمل من صدرها ضمة # تبوئه صدر كبر معين # 8 # تأمل نفثات البطولة المصفدة، والعزة المقيدة، والهمة الحبيسة، والسيرة الماجدة، يحدها ~~السجن، ويضيق عليها الأسر. # وليس بعيدا أن يكون الرجل على شدة محنته، وعظم نكبته، قد أسر في نفسه أملا وأضمر في ~~الحادثات رجاء، كما قال: # وطن على الكره وارقب إثره فرجا # واستغفر الله تغنم منه غفرانا # وكان شعراؤه يبعثون في نفسه الأمل كما قال ابن اللبانة: # رويدك سوف توسعني سرورا # إذا عاد ارتقاؤك للسرير # وسوف تحلني رتب المعالي # غداة تحل في تلك القصور # تزيد على ابن مروان عطاء # بها، وأزيد ثم على جرير # تأهب أن تعود إلى طلوع # فليس الخسف ملتزم البدور # وقال في محبسه: # قبح الدهر فماذا صنعا # كلما أعطى نفيسا نزعا # قد هوى ظلما بمن عاداته # أن ينادي كل من يهوي: لعا # من إذا قيل الخنى صم، وإن # نطق العافون همسا سمعا # قل لمن يطمع في نائله # قد أزال اليأس ذاك الطمعا # راح لا يملك إلا دعوة # جبر الله العفاة الضيعا # وقد أجمل وصف الدنيا بعد أن عرف صروفها، وتقلبت على عينيه خطوبها في هذه الأبيات: # أرى الدنيا الدنية لا تواتي # فأجمل في التصرف والطلاب # ولا يغررك منها حسن برد # له علمان من ذهب الذهاب # فأولها رجاء من سراب # وآخرها رداء من تراب # على أن المعتمد بن عباد ملك إشبيلية وقرطبة وبطل الزلاقة وأسير أغمات، كان يلجأ في مصيبته ~~إلى الرحمن، ويجد في الإيمان به كل سلوان، ويتعزى ويتصبر، ويعلل النفس بالقضاء والقدر، ~~ويتسلى بصروف الدهر وغيره، وخطوبه وعبره ... اقرأ قوله: # اقنع بحظك في دنياك ما كانا # وعز نفسك إن فارقت أوطانا # في الله من كل مفقود مضى، عوض # فأشعر النفس سلوانا وإيمانا # أكلما سنحت ذكرى طربت لها # مجت دموعك في خديك طوفانا # أما سمعت بسلطان شبيهك قد # بزته سود خطوب الدهر سلطانا # وطن على الكره وارقب إثره فرجا # واستغفر الله تغنم منه غفرانا # ويقول: ms47 # تؤمل للنفس الشجية راحة # وتأبى الخطوب السود إلا تماديا # لياليك في زاهيك أصفى صحبتها # كذا صحبت قبلي الملوك اللياليا # نعيم وبؤس، ذا لذلك ناسخ # وبعدهما نسخ الليالي الأمانيا ~~(1) عيشة المعتمد في أغمات # مر بنا ما مر من أحوال المعتمد في شقائه وبؤسه، وما لقي من غير الأيام في نكبته ~~ومحنته، وحسب القارئ ما مر به، ولكن لعل قارئا يسأل كيف كانت عيشة المعتمد؟ لا ريب ~~أنها كانت عيشة ضنكا، ولكن ما كان مبلغها من الضيق والحرمان؟ # مر بنا أن المعتمد سأل حواء بنت تاشفين خباء فاعتذرت إليه أن ليس عندها خباء، ومر ~~بنا أن بناته غزلن للقوت، وأن ابنا له عمل في حانوت صائغ ومر به ابن اللبانة فأنشأ ~~قصيدته الباكية التي أثبت آنفا. # ويقول ابن الأثير في حوادث سنة 484: # وفعل أمير المسلمين بهم أفعالا لم يسلكها أحد ممن كان قبله، ولا يفعلها أحد ~~ممن يأتي بعده؛ إلا من رضي لنفسه بهذه الرذيلة؛ وذلك أنه سجنهم فلم يجر ~~عليهم ما يقوم بهم، حتى كان بنات المعتمد يغزلن للناس بأجرة ينفقنها على ~~أنفسهن، وذكر ذلك المعتمد في أبيات ترد عند ذكر وفاته، فأبان أمير المسلمين ~~بهذا الفعل عن صغر نفس ولؤم قدرة. # كل هذه الأخبار تدل على بؤس المعتمد وضيق عيشته، ولكنا نجد في الأخبار كذلك أنه أعطى ~~الحصري الشاعر حين قصده في طنجة وهو في طريقه إلى المنفى، وأنه أرسل إلى ابن اللبانة ~~حين أزمع السفر من أغمات هدية ذات قيمة فاعتذر ابن اللبانة وردها، ونقرأ كذلك أن ابن ~~حمديس الشاعر زاره فحجبه الخادم وأنشأ المعتمد أبياتا يعتذر فيها لابن حمديس ويذكر ~~غباوة خدمه وجهلهم بعد أن كان خدمه ما كانوا وهو في ملكه ودولته. # والجمع بين هذه الأخبار المختلفة أن الرجل عاش في شقاء وبؤس وضيق، لا ريب في هذا، ولا ~~يبعد أن بعض أقاربه أو أصهاره أو أنصاره الذين سلموا من النكبة أمدوه بما يقيم أوده، ~~ويحفظ كرامته؛ وقد قصده الشعراء ووفوا له في شدته وكربته فليس بعيدا ms48 أن يكون غيرهم ~~قصده أو أرسل إليه ما يخفف عنه شدة الأسر، وقسوة الفاقة، فصلحت حاله أحيانا، ولا أقول: ~~إن المعتمد ادخر بعض جواهره ونفائسه فأنفق منها، فلو كان عنده بقية من الأعلاق ما غزلت ~~بناته للناس ولا نفخ ابنه في كير صائغ. ~~(2) أخلاق المعتمد # أسلفنا قول المراكشي: # وكان فيه من الفضائل الذاتية ما لا يكاد يحصى؛ كالشجاعة والسخاء والحياء ~~والنزاهة، إلى ما يناسب هذه الأخلاق الشريفة، وفي الجملة فلا أعلم خصلة تحمد ~~في رجل إلا وقد وهبه الله منها أوفر قسم، وضرب له فيها بأوفى سهم. # وإذا عدت حسنات الأندلس من لدن فتحها إلى هذا الوقت فالمعتمد هذا إحداها؛ بل ~~أكبرها. # وإن يكن في هذا القول غلو فهو دليل على مكانة المعتمد عند المؤرخين في عصره والعصور ~~التالية، ويتبين من الفصول السابقة كثير من أخلاق المعتمد بن عباد، فالقارئ يرى سيرته ~~في نعيمه وبؤسه، تبين عن أخلاق كريمة وشمائل شريفة. # وفي هذا الفصل جمع ما تفرق في الفصول الأخرى، وإجمال ما فصل فيها من شمائل الرجل ~~ومناقبه: ~~(1) # لا ريب أن المعتمد كان أميرا جوادا يرتاح إلى الجود، ويلذ العطاء، ~~ويتوسل إلى مواساة أصحابه وقصاده وسائل شتى، ويفتن في الإحسان إليهم ~~كما يقول أبو الطيب في أبي شجاع فاتك: # لطفت رأيك في بري وتكرمتي # إن الكريم على العلياء يحتال # ولهذا قصده الشعراء والكتاب من كل صوب. # ولم تفارقه الأريحة للعطاء، والسماح بالمال في أيام بؤسه وفقره، وهو أحوج ~~إلى ما في يده، فقد أعطى الحصري الشاعر حين لقيه في طنجة وهو أسير يسار به ~~إلى معتقله، وأرسل إلى شاعره الوفي أبي بكر الواني هبة حين زاره في أغمات ~~فردها الشاعر. # فقد صدق المعتمد حين قال عن نفسه: # وقد حننت إلى ما اعتدت من كرم # حنين أرض إلى مستأخر المطر # وقد تناهت يدي عن كأسها غضب # ومجت الأذن أيضا نغمة الوتر # حتى أملك هذي ما تجود به # وأسمع الحمد بالأخرى على الأثر # فهاتها خلعا أرضي السماح بها # محفوفة في أكف الشرب ms49 بالبدر ~~(2) # وكان المعتمد على الله شجاعا مقداما، يخوض المعارك ويقدم على الأهوال، ~~أبيا يؤثر الموت على الهوان. # وحسبنا بلاؤه في موقعة الزلاقة، وبسالته في الدفاع عن إشبيلية، وخروجه ~~حاسرا حين فجأه العدو في بلده، وهي الحال التي وصفها في الأبيات: # إن تستلب مني الدنيا # ملكي وتسلمني الجموع # فالقلب بين ضلوعه # لم تسلم القلب الضلوع # وقد تقدمت الأبيات. ~~(3) # وكان حسن المعاشرة، لين العريكة، يكرم أصحابه، ويتواضع لهم. # وقد تقدمت سيرته مع أصحابه في مخاطبتهم مخاطبة الأصدقاء لا الرعية، ~~ومداعبتهم، والتلطف معهم. # وحسبنا قصائده في ابن زيدون، وقد أمر المعتضد أن يرفع مجلس المعتمد على ~~مجلس ابن زيدون فكتب المعتمد: # أيها المنحط عني مجلسا # وله في النفس أعلى مجلس # بفؤادي لك حب يقتضي # أن ترى تحمل فوق الأرؤس # وهكذا تجده فيما كتب لشعرائه وأصدقائه وقصاده. # وسيأتي اعتذاره لابن حمديس حينما زاره في أغمات فقال له الخادم: إن ~~المعتمد ليس في الدار. وما كان بينه وبين ابن اللبانة من شعر هناك، وإن ~~يقل: هذه حاله في أسره وبؤسه أقل بل هذا كان ديدنه وهو في سلطانه ودولته. ~~فما كذب المعتمد حين قال لابن عمار: # متى تلقني تلق الذي قد بلوته # صفوحا عن الجاني رءوفا على الصحب # سأوليك مني ما عهدت من الرضا # وأصفح عما كان، إن كان، من ذنب # فما أشعر الرحمن قلبي قسوة # ولا صار نسيان الأذمة من شعبي # وأما قتله ابن عمار فهو خلاف ما عهد أصحاب المعتمد منه، ورجوه عنده، وله ~~سبب ذكرته فيما تقدم في الكلام عن ابن عمار، ولا يقتل المعتمد صاحبه بعد ~~غلوه في محبته ومودته إلا لأمر أخرج المعتمد عن طبعه، وحمله على قتل صديقه ~~بيده. ~~(4) # وكان وفيا لأصحابه، وحسبنا ما قدمنا في حديث ابن زيدون، وقد صدق ~~المعتمد في قوله جوابا لمن أغروه بالفتك به: # أنى رجوتم غدر من جربتم # منه الوفاء وظلم من لا يظلم # أنا ذاكم لا البغي يثمر غرسه # عندي ولا مبنى الصنيعة يثلم ~~(5) # وكان المعتمد صبورا، نزل به من الكوارث ما ms50 تحدث به الناس قرونا وما ~~زالوا يتحدثون به ويرثون لمن نزلت به هذه المصائب، ونجد المعتمد على ما ~~أصابه وأصاب بنيه وبناته ذا طبع شاعر ينظم الشعر في طريقه إلى المنفى، يذكر ~~شعراء طنجة الذين ألحفوا في سؤاله، ويعاتب الحصري على أنه لم يجب عن شعره، ~~ويجيب ابن حمديس وابن اللبانة عما ينظمان له من أبيات، ويرثي بنيه، ويصف ~~بناته في الأسر والذل، ويذكر عض القيود بساقيه، ويودع السجناء من أهل فاس ~~حين أطلقوا من السجن، وهلم جرا. # ولا ينظم الشعر في هذه الأحوال ، إلا صابر على بلواه، جلد فيما دهاه، ~~يقول أبو الطيب: # ولكن حمى الشعر إلا القليل # هم حمى النوم إلا غرارا # ويقول المعري: # ولكن القريض له مغان # وأولاها به الفكر الخلي # وإن قيل: إن الحزن والجزع أنطقاه بالشعر، فبعض هذا الشعر ينطق به الحزن ~~والجزع ولكن بعضه كمحاورة الشعراء لا يدل على حزن وجزع بل على تعز ~~وتجلد. ~~(6) # وكان ابن عباد يتعرف أحوال رعيته، ويلاطفهم ويمازحهم. # اقرأ هاتين القصتين كما رواهما نفح الطيب: # مر المعتمد يوما مع وزيره ابن عمار بباب شيخ كبير كثير التندير ~~والفكاهة يمزج ذلك بإغراق يضحك الثكلى، فقال لابن عمار: تعال نضرب ~~على هذا الشيخ الساقط بابه حتى نضحك معه. فضربا عليه الباب. # فقال: من هذا؟ فقال ابن عباد: إنسان يرغب أن تصلح له الفتيلة. ~~فقال: لو ضرب ابن عباد بابي في هذا الوقت ما فتحت له. فقال: فإني ~~ابن عباد. فقال: مصفوع ألف صفعة. # فضحك ابن عباد حتى سقط على الأرض وقال لوزيره: امض بنا قبل أن ~~يتعدى الصفع من القول إلى الفعل، فهذا شيخ ركيك. # ولما كان من غد تلك الليلة وجه له ألف درهم، وقال لموصلها: قل ~~له: هذه من الألف صفعة التي كانت البارحة. # والقصة الثانية: # كان في زمان المعتمد السارق المشهور بالبازي الأشهب، وكان له في ~~السرقة كل غريبة، وكان مسلطا على أهل البادية، وبلغ من سرقته أنه ~~سرق وهو مصلوب؛ لأن ابن عباد أمر بصلبه على ممر ms51 أهل البادية ~~لينظروا إليه، فبينما هو على خشبته على تلك الحال؛ إذ جاءت إليه ~~زوجته وبناته، وجعلن يبكين حوله ويقلن: لمن تتركنا؟! نضيع بعدك. ~~وإذا ببدوي على بغل وتحته حمل ثياب وأسياب، فصاح عليه: يا سيدي، ~~انظر في أية حالة أنا، ولي عندك حاجة فيها فائدة لي ولك. قال: وما ~~هي؟ قال: انظر إلى تلك البئر، لما أرهقني الشرط رميت فيها مائة ~~دينار، فعسى تحتال في إخراجها، وهذه زوجتي وبناتي يمسكن بغلك، خلال ~~ما تخرجها، فعمد البدوي إلى حبل ودلى نفسه في البئر، بعد ما اتفق ~~معه على أن يأخذ النصف منها. # فلما حصل أسفل البئر قطعت زوجة السارق الحبل وبقي حائرا يصيح، ~~وأخذت ما كان على البغل مع بناتها وفرت به ... # ورفعت هذه القصة إلى ابن عباد فتعجب منها وأمر بإحضار البازي ~~الأشهب وقال له: كيف فعلت هذا مع أنك في قبضة الهلكة؟ فقال له: يا ~~سيدي، لو علمت قدر لذتي في السرقة خليت ملكك واشتغلت بها! فلعنه ~~وضحك منه ثم قال له: # إن سرحتك وأحسنت إليك، وأجريت عليك رزقا يقلك؛ أتتوب من هذه ~~الصنعة الذميمة؟ # فقال: يا مولاي، وكيف لا أقبل التوبة وهي تخلصني من ~~القتل؟ # فعاهده وقدمه على رجال أنجاد، وصار من جملة حراس أحواز ~~المدينة. # هاتان قصتان لهما دلالتهما على صلة الرجل برعيته، ومعرفة أحوالهم، وتفكهه ~~معهم. # | المعتمد في إساره والأوفياء من الشعراء وغيرهم # 1 # أبو بكر محمد بن عيسى الداني المعروف بابن اللبانة # وفاء ابن اللبانة للمعتمد بن عباد، مثل كريم من الوفاء للصديق في نكبته ومواساته في ~~مصيبته. # اتصل الشاعر ببني عباد ومدحهم منذ أيام المعتضد أبي المعتمد، وحمد صحبتهم، وشكر ~~نعمتهم، وكتب في تاريخهم كتاب «الاعتماد في أخبار بني عباد» وكتب بعد ما حلت بهم ~~الفاجعة: «نظم السلوك في مواعظ الملوك»؛ يبين العبرة والموعظة فيما أصاب هؤلاء الأمراء ~~الأدباء الكرماء. # وأنقل هنا كلمات للفتح بن خاقان في كتابه «قلائد العقيان» فيها إجمال حال الشاعر مع ~~المعتمد بن عباد في دولته ومحنته: # كان المعتمد ms52 على الله يميزه بالتقريب، ويستعذب ما يأتي به من النادر الغريب، ~~ويوليه إنعاما وإحسانا، ويريه الزمان كله آذارا ونيسانا، # 1 # فلما نبت صعاده، وأعوزه من دهره إسعاده، ورحل به إلى المغرب، ~~وحل فيه محل النازح المغترب، وغدرته الأيام غدر أهل خراسان بقتيبة، وفى له ~~أبو بكر بالرحلة إليه وفاء الظعينة لعتيبة، وتراسلا هناك بأشعار شفى بها ~~المعتمد نفسه، واستوفى سلوه وأنسه، وشكر له ما ناله من مسلاته، وحمد عقد ~~موالاته، وصار له بذلك حق مشهور، وفخر لا تبليه الدهور. # ولست في حاجة إلى الإطناب في وفاء هذا الرجل الكريم فهذه نبذ من أنبائه، تدل على عظيم ~~وفائه: # شهد هول الواقعة في إشبيلية ورأى رأي العين المعتمد وآله يؤسرون، وأنشأ قصيدته التي ~~قدمت: # تبكي السماء بمزن رائح غادي # على البهاليل من أبناء عباد # يقول الشاعر: «ورحل بالمعتمد وآله بعد استئصال جميع ماله، لم يصحب معه بلغة زاد، ~~ولا بغية مراد، فأمضيت عزيمتي في اتباعه، فوصلت إليه بأغمات عقب ثقاف استنفذه الله منه، # 2 # فذكرت به شعرا كان لي في صديق اتفق له مثل ذلك في الشهر بعينه من العام ~~الماضي، وهو الأمير عبد الله بن الصفار، وهو: # لم أقل في الثقاف كان ثقافا # كنت قلبا به وكان شغافا # وجرت بيني وبينه مخاطبات ألذ من غفلات الرقيب، وأشهى من رشفات الحبيب، وأدل على ~~السماح، من فجر الصباح.» # فهذا شاعر وفي يذهب في إثر صاحبه من إشبيلية في الأندلس إلى أغمات في المغرب، وهو ~~لا يرجو خيرا ولا يأمل مغنما، بل يحتمل المشقة ويركب الخطر؛ حفاظا على الذمام، ووفاء ~~بالعهد، ومواساة للصديق. # ويقول ابن اللبانة: كنت مع المعتمد بأغمات، فلما قاربت الصدر، وأزمعت السفر، صرف ~~حيله واستنفد ما قبله، وبعث إلي مع شرف الدولة ولده - وهذا من بنيه أحسن الناس ~~سمتا، وأكثرهم صمتا، تخجله اللفظة، وتجرحه اللحظة، حريص على طلب الأدب، مسارع في ~~اقتناء الكتب، مثابر على نسخ الدواوين، مفتح فيها من خطه زهر الرياحين - بعشرين ~~مثقالا مرابطية وثوبين غير مخيطين، وكتب معها ms53 أبياتا منها: # إليك النزر من كف الأسير # وإن تقنع تكن عين الشكور # تقبل ما يذوب له حياء # وإن عذرته حالات الفقير # فامتنعت من ذلك عليه وأجبته بأبيات منها: # تركت هواك وهو شقيق ديني # لئن شقت برودي عن غدور # ولا كنت الطليق من الرزايا # إذا أصبحت أجحف بالأسير # جذيمة أنت، والزباء خانت # وما أنا من يقصر عن قصير # تصرف في الندى حيل المعالي # فتسمح من قليل بالكثير # وأعجب منك أنك في ظلام # وترفع للعفاة منار نور # رويدك سوف توسعني سرورا # إذا عاد ارتقاؤك للسرير # وسوف تحلني رتب المعالي # غداة تحل في تلك القصور # تزيد على ابن مروان عطاء # بها، وأزيد ثم على جرير # تأهب أن تعود إلى طلوع # فليس الخسف ملتزم البدور # وأتبعتها أبياتا منها: # حاش لله أن أجيح كريما # يتشكى فقرا وكم سد فقرا # وكفاني كلامك الرطب نيلا # كيف ألفى درا وأطلب تبرا # لم تمت إنما المكارم ماتت # لا سقى الله بعدك الأرض قطرا # اختصر ابن اللبانة الأبيات التي أرسلها المعتمد مع الهدية والأبيات التي أجاب هو بها، ~~كما أغفل أبيات المعتمد التي أرسلها إليه حينما رد الهدية معتذرا، وكذلك اختصر الأبيات ~~التي أجاب بها هو عن أبيات المعتمد. # فرأيت أن أثبت الأبيات التي اختصرها الشاعر والتي أغفلها، على ما في هذا من إطالة؛ ~~حرصا على تعريف القارئ بما نظمه المعتمد في أيام أسره وما راسل بها الشاعر الوفي ابن ~~اللبانة خاصة. # أثبت ابن اللبانة بيتين للمعتمد أولهما: # إليك النزر من كف الأسير ~~... ... ... ... # وبعدها هذه الأبيات: # ولا تعجب لخطب غض منه # أليس الخسف ملتزم البدور؟ # ورج لجبره عقبى نداه # فكم جبرت يداه من كسير # وكم أعلت علاه من حضيض # وكم حطت ظباه من أمير # وكم من منبر حنت إليه # أعالي مرتقاه، ومن سرير # زمان تزاحفت عن جانبيه # جياد الخيل بالموت المبير # فقد نظرت إليه عيون نحس # مضت منه بمعدوم النظير # نحوس كن في عقبى سعود # كذاك تدور أقدار القدير # وكم أحظى رضاه من حظي # وكم شهرت علاه من شهير # زمان ms54 تنافست في الحظ منه # ملوك قد تجور على الدهور # بحيث يطير بالأبطال ذعر # ويلفى ثم أثبت من ثبير # فأجاب ابن اللبانة بهذه الأبيات: # سقطت من الوفاء على خبير # فذرني والذي لك في ضميري # تركت هواك وهو شقيق ديني # لئن شقت برودي عن غدور # ولا كنت الطليق من الرزايا # لئن أصبحت أجحف بالأسير # أسير ولا أصير إلى اغتنام # معاذ الله من سوء المصير # إذا ما الشكر كان، وإن تناهى، # على نعمى، فما فضل الشكور؟ # جذيمة أنت والزباء خانت # وما أنا من يقصر من قصير # أنا أدرى بفضلك منك إني # لبست الظل منه في الحرور # غني النفس أنت وإن ألحت # على كفيك حالات الفقير # تصرف في الندى حيل المعالي # فتسمح من قليل بالكثير # أحدث منك عن نبع غزير # تفتح عن جنى زهر نضير # وأعجب منك أنك في ظلام ~~... ... ... ... # إلخ. # تأتي خمسة الأبيات الأخيرة على النسق الذي في رواية ابن اللبانة. ~~••• # وهذه الأبيات التي أنشأها المعتمد حين أبى ابن اللبانة قبول الهدية: # رد بري بغيا علي وبرا # وجفا فاستحق لوما وشكرا # حاط نزري إذ خاف تأكيد ضري # فاستحق الجفاء أن حاط نزرا # فإذا ما طويت في البعض حمدا # عاد لومي في البعض سرا وجهرا # يا أبا بكر الغريب وفاء # لا عدمناك في المغارب ذخرا # أي نفع يجدي احتياط شفيق # مت ضرا فكيف أرهب ضرا # فأجاب ابن اللبانة: # أيها الماجد السميدع عذرا # صرفي البر إنما كان برا # حاش لله أن أجيح كريما # يتشكى فقرا وكم سد فقرا # لا أريد الجفاء فيه عقوقا # غدر الدهر بي لئن رمت غدرا # ليت لي قوة أو آوي لركن # فترى للوفاء مني سرا # أنت علمتني السيادة حتى # ناهضت همتي الكواكب قدرا # ربحت صفقة أزيل برودا # عن أديمي بها وألبس فخرا # 3 # وكفاني كلامك الرطب نيلا # كيف ألقى درا وأطلب تبرا # لم تمت إنما المكارم ماتت # لا سقى الله بعدك الأرض قطرا # واستمع ما يقول الفتح بن خاقان عن الشاعر وأميره حين زاره في محبسه: # وفي هذه الحالة زاره الأديب ms55 أبو بكر بن اللبانة، وكان المعتمد رحمه الله ~~يميزه بالشفوف والإحسان، ويجوزه على فرسان هذا الشأن، فلما رآه وحلقات الكبل ~~قد عضت ساقيه عض الأسود، والتوت عليه التواء الأساود السود، وهو لا يطيق إعمال ~~قدم، ولا يريق دمعا إلا ممزوجا بدم، بعد ما عهده فوق منبر وسرير، ووسط جنة ~~وحرير، تخفق عليه الألوية، وتشرق منه الأندية، وتكف الأمطار من راحته، ~~وتشرف الأقدار بحلول ساحته، ويرتاع الدهر من أوامره ونواهيه، ويقصر النسر أن ~~يقارنه أو يضاهيه، ندبه بكل مقال يلهب الأكباد، ويثير فيها لوعة الحارث بن ~~عباد، أبدع من أناشيد معبد، وأصدع للكبد من مراثي أربد # 4 # أو بكاء ذي الرمة بالمربد، سلك فيها للاحتفاء طريقا لاحبا، وغدا ~~فيها لذيول الوفاء ساحبا، فمن ذلك قوله: # انفض يديك من الدنيا وساكنها # فالأرض قد أقفرت والناس قد ماتوا # وقل لعالمها السفلي قد كتمت # سريرة العالم العلوي أغمات # طوت مظلتها، لا بل مذلتها # من لم تزل فوقه للعز رايات # من كان بين الندى والبأس أنمله # هندية، وعطاياه هنيدات # رماه من حيث لم تستره سابغة # دهر مصيباته نبل مصيبات # أنكرت إلا التواءات القيود به # وكيف تنكر في الروضات حيات # غلطت بن همايين # 5 # عقدن له # وبينها، فإذا الأنواع أشتات # وقلت هن ذؤابات فلم عكست # من رأسه نحو رجليه الذؤابات # حسبتها من قنا أو من أعنته # إذا بها لثقاف المجد آلات # دروه لينا فخافوا منه عادية # عذرتهم، فلعدو الليث عادات # لو كان يفرج عنه بعض آونة # قامت بدعوته حتى الجمادات # بحر محيط عهدناه تجيء له # كنقطة الدارة، السبع المحيطات # لهفي على آل عباد فإنهم # أهلة ما لها في الأفق هالات # راح الحيا وغدا منهم بمنزلة # كانت لنا بكر فيها وروحات # أرض كأن على أقطارها سرجا # قد أوقدتهن بالأدهان أنبات # وفوق شاطئ واديها رياض ربا # قد ظللتها من الأنشام دوحات # 6 # إلى أن يقول بعد تعديد مواطن السرور واللهو في ديار بني عباد: # معاهد ليت أني قبل فرقتها # قد مت والتاركوها ليتهم ماتوا # فجعت منها بإخوان ذوي ms56 ثقة # والأرض فيها من الإخوان آفات # وسنة ست وثمانين وأربعمائة بعد أسر المعتمد بسنتين، كان الشاعر في أغمات يواسي ~~الأمير، ويندب حظه، وينظم القصائد أوزانها وقوافيها من اللوعات والزفرات، أنشأ هناك ~~قصيدة طويلة منها: # لئن عظمت فيك الرزية إننا # وجدناك منها في البرية أعظما # قناة سعت للطعن حتى تقصفت # وسيف أطال الضرب حتى تثلما # ومنها: # بكى آل عباد ولا كمحمد # وأولاده صوب الغمامة إذ همى # حبيب إلى قلبي حبيب، لقوله: ~~«عسى طلل يدنو بهم ولعلما» # 7 # صباحهم كنا به نحمد السرى # فلما عدمناهم سرينا على عمى # وكنا رعينا العز حول حماهم # فقد أجدب المرعى وقد أقفر الحمى # ومنها: # حكيت وقد فارقت ملكك مالكا # ومن ولهي أحكي عليك متمما # 8 # مصاب هوى بالنيرات من العلا # ولم يبق في أرض المكارم معلما # تضيق علي الأرض حتى كأنما # خلقت وإياها سوارا ومعصما # ندبتك حتى لم يخل لي الأسى # دموعا بها أبكي عليك ولا دما # وإني على رسمي مقيم، فإن أمت # سأجعل للباكين رسمي موسما # بكاك الحيا، والريح شقت جيوبها # عليك، وناح الرعد باسمك معلما # ومزق ثوب البرق واكتست الضحى # حدادا وقامت أنجم الجو مأتما # وحار ابنك الإصباح وجدا فما اهتدى # وغار أخوك البحر فيضا فما طمى # وما حل بدر التم بعدك دارة # ولا أظهرت شمس الظهيرة مبسما # وكانت قيود المعتمد انفكت عنه فأشار إلى هذا في القصيدة: # قيودك ذابت فانطلقت لقد غدت # قيودك منهم بالمكارم أرحما # عجبت لأن لان الحديد وإن قسوا # لقد كان منهم بالسريرة أعلما # سينجيك من نجى من السجن يوسفا # ويؤويك من آوى المسيح ابن مريما # هذا الشاعر الوفي يشيد بممدوحه في أسره، ويلوم آسريه وهم أصحاب الدولة والسطوة، ~~ويؤمل له النجاة والعود إلى ملكه، وفي هذا مخاطرة بنفسه، وتعرض لعقاب المرابطين وهو في ~~سلطانهم، والشاعر في هذا كله لا يريد جزاء ولا شكورا، ولكنه الرثاء للصديق، والوفاء ~~لصاحب المعروف. # قال المقري في نفح الطيب: # ولأبي بكر الداني المذكور في البكاء على أيامهم وانتثار نظامهم عدة مقطعات ~~وقصائد هي قرة ms57 عين الطالب، ونجعة الرائد، وقد اشتمل عليها جزء لطيف صدر عنه في ~~هيئة تصنيف سماه «السلوك في وعظ الملوك»، # 9 # ووفد على المعتمد بأغمات عدة وفادات لم يخل في جميعها من إفادات، ~~وقال في إحداها: «هذه وفادة وفاء لا وفادة اجتداء.» # أقول: تقدم أنه أبى أن ينال شيئا من المعتمد بعد نكبته، فقول المقري أو من نقل عنه: ~~«لم يخل في جميعها من إفادات»، لا أدري ما سنده. ~~••• # وتصور هذا المرأى الفظيع: مر ابن اللبانة في أحد الأسواق؛ فإذا ابن من أبناء المعتمد، ~~كان يلقب في سلطان أبيه بفخر الدولة، اضطره نكد الدنيا وقسوة الزمان، إلى أن يخدم في ~~حانوت صائغ؛ ليحصل قوته، رآه ينفخ في الفحم ليشعل النار، فماذا يقول الصديق الشاعر حين ~~يرى ابن المعتمد - وكم رآه في ظلال النعمة والسؤدد - ينفخ النار في حانوت صائغ؟! أي ~~مرأى يهيج الأحزان، ويملي عبر الزمان ... قال: # شكاتنا لك يا فخر العلا عظمت # والرزء يعظم فيمن قدره عظما # طوقت من نائبات الدهر مخنقة # ضاقت عليك وكم طوقتنا نعما # وعاد طوقك في دكان قارعة # من بعد ما كنت في قصر حكى إرما # صرفت في آلة الصواغ أنملة # لم تدر إلا الندى والسيف والقلما # يد عهدتك للتقبيل تبسطها # فتستقل الثريا أن تكون فما # يا صائغا كانت العليا تصاغ له # حليا وكان عليه الحلي منتظما # للنفخ في الصور هول ما حكاه سوى # هول رأيتك فيه تنفخ الفحما # وددت إذ نظرت عيني إليك به # لو أن عيني تشكو قبل ذاك العمى # ما حطك الدهر، لما حط، من شرف # ولا تحيف من أخلاقك الكرما # لح في العلا كوكبا إن لم تلح قمرا # وقم بها ربوة إن لم تقم علما # واصبر فربتما أحمدت عاقبة # من يلزم الصبر يحمد غب ما لزما # والله لو أنصفتك الشهب لانكسفت # ولو وفى لك دمع الغيث لانسجما # أبكى حديثك حتى الدر حين غدا # يحكيك رهطا وألفاظا ومبتسما # وأختم حديث الشاعر الوفي والأمير التعيس، بأبيات نظمها الشاعر يذكر معاهد العز والجذل ~~من ديار ms58 بني عباد: # أستودع الله أرضا عندما وضحت # بشائر الصبح فيها بدلت حلكا # كان المؤيد بستانا بساحتها # يجنى النعيم وفي عليائها فلكا # 10 # في أمره لملوك الدهر معتبر # فليس يغتر ذو ملك بما ملكا # نبكيه من جبل خرت قواعده # فكل من كان في بطحائه هلكا # 2 # وفاء ابن حمديس # ومن الشعراء الذين وفوا للمعتمد في أسره، وواسوه في محنته الشاعر عبد الجبار بن ~~حمديس. # لما أسر المعتمد وأخذ إلى أغمات، أنشأ الشاعر قصيدة تنبض حزنا ولوعة، وتنطق بما كرب ~~الشاعر في هذه النازلة: # أباد حياتي الموت إن كنت ساليا # وأنت مقيم في قيودك عانيا # وإن لم أبار المزن قطرا بأدمع # عليك فلا سقيت منها الغواديا # تعريت من قلبي الذي كان ضاحكا # فما ألبس الأجفان إلا بواكيا # وما فرحي يوم المسرة طائعا # ولا حزني يوم المساءة عاصيا # وهل أنا إلا سائل عنك سامع # أحاديث تبكي بالنجيع المعاليا # إلى أن يقول: # وما كنت أخشى أن يقال محمد # يميل عليه صائب الدهر قاسيا # حسام كفاح بات في السجن مغمدا # وأصبح من حلي الرياسة عاريا # فيا جبلا هد الزمان هضابه # أما كنت بالتمكين في العز راسيا؟ # قصرت ولما تقض حاجتك التي # جرى الدهر فيها راجلا لك حافيا # ويقول: # أمر بأبواب القصور وأغتدي # لمن بان عنها في الضمير مناجيا # وأنشد لا ما كنت فيهن منشدا # ألا حي بالدو الرسوم الخواليا # وأدعو بنيها سيدا بعد سيد # ومن بعدهم أضحت رماما بواليا # مضيت حميدا كالغمامة أقشعت # وقد ألبست وشي الربيع المغانيا # سأدمي جفوني بالسهاد عقوبة # إذا وقفت عنك الدموع الجواريا # وأمنع نفسي من حياة هنيئة # لأنك حي تستحق المراثيا # وكتب المعتمد إلى ابن حمديس الأبيات التي أولها: # غريب بأرض المغربين أسير # سيبكي عليه منبر وسرير # وقد أثبتها فيما تقدم. # فأجاب الشاعر: # جرى بك جد بالكرام عثور # وجار زمان كنت فيه تجير # لقد أصبحت بيض الظبى في غمودها # إناثا لترك الضرب، وهي ذكور # تجيء خلافا للأمور أمور # ويعدل دهر في الورى ويجور # أتيأس من يوم يناقض أمسه # وزهر الدراري ms59 في البروج تدور # وقد تنبه الأقدار بعد خمولها # وتخرج من تحت الخسوف بدور # لئن كنت مقصورا بدار عمرتها # فقد يقصر الضرغام وهو هصور # أعز الأسارى أن يقال: محمد # غريب بأرض المغربين أسير # إلى أن يقول: # إلى اليوم لم تذعر قطا الليل قرح # يغير بها عند الصباح مغير # ولا راح من نادى المكارم بالغنى # يقلبه في الراحتين فقير # لقد صنت دين الله خير صيانة # كأنك قلب فيه وهو ضمير # ولما رحلتم بالندى في أكفكم # وقلقل رضوى منكم وثبير # رفعت لساني بالقيامة قد أتت # فهذي الجبال الراسيات تسير # وذهب الشاعر لزيارة المعتمد في أغمات فصرفه بعض خدمه بأنه لا يوجد في ذلك الوقت، فرجع ~~عبد الجبار إلى منزله، فأخبر المعتمد بمجيئه ورجوعه، فعسر ذلك عليه وعنف خدمه، وكتب ~~إليه بالغداة بهذا الشعر يعتذر إليه: # حجبت فلا والله ما ذاك عن أمري # فأصغ فدتك النفس سمعا إلى عذري # فما صار إخلال المكارم لي هوى # ولا دار إخجال لمثلك في صدري # عدمت من الخدام كل مهذب # أشير إليه بالخفي من الأمر # ولم يبق إلا كل أدكن ألكن # فلا آذن في الأذن يبري # حمار إذا يمشي، ونسر محلق # إذا طار، بعدا للحمار وللنسر # وليس بمحتاج أتانا حمارهم # ولا نسرهم ممن يحن إلى وكر # وهل كنت إلا البارد العذب، إنما # به يشتفي الظمآن من غلة الصدر # ولو كنت ممن يشرب الخمر كنتها # إذا نزعت نفسي إلى لذة الخمر # وأنت ابن حمديس الذي كنت مهديا # لنا السحر إذ لم يأت في زمن السحر # فأجابه ابن حمديس بأبيات منها: # وإني امرؤ في خجلة مستمرة # يذوب لها في الماء جامدة الصخر # 11 # أتتني قوافيك التي جل قدرها # بما نقطة منهن مغرقة بحري # لعلك إذ أغنيتي منك بالندى # أردت الغنى لي من مديحك بالفخر # لعمرك إني ما توهمت ريبة # تبرقع وجه العرف عندك بالنكر ~~••• # وكنت أمل الجود منك وأنت لا # تمل عطاء منك يأتي على الوفر # فكيف أظن الظن غير مبرأ # تواضع فيها كوكب الجو عن قدر # يخف على خدام ms60 ملك حجابتي # كما خف هدب في العيون على شفر # إلى أن يقول: # ليالي لا أشدوك إلا مطوقا # بنعماك في أفنان روضاتك الخضر # وما زال صوب من نداك يبلني # ويثقلني حتى عجزت عن الوكر # بكيت زمانا كان لي بك ضاحكا # وكسر جناحي كان عندك ذا جبر # وأطرقت لما حالت الحال حيرة # تحير منها عالم النفس في صدري # فخذها كما أدري، وإن كل خاطري # وإن لم يكن منها البديع الذي تدري # 3 # المعتمد وابن زهر في أغمات # يقول المراكشي في كتاب «المعجب في تلخيص أخبار المغرب»: # وكان الوزير أبو العلاء بن زهر بن عبد الملك بن زهر بمراكش، قد استدعاه أمير ~~المسلمين لعلاجه، فكتب إليه المعتمد راغبا في علاج السيدة ومطالعة أحوالها ~~بنفسه. # فكتب إليه الوزير مؤديا حقه، ومجيبا له عن رسالته، ومسعفا له في طلبته، ~~واتفق أن دعا له في أثناء الرسالة بطول البقاء، فقال المعتمد في ذلك: # دعا لي بالبقاء وكيف يهوى # أسير أن يطول به البقاء # أليس الموت أروح من حياة # يطول على الشقي بها الشقاء # فمن يك من هواه لقاء حب # فإن هواي من حتفي اللقاء # أأرغب أن أعيش أرى بناتي # عواري قد أضر بها الحفاء # خوادم بنت من كان قد أعلى # مراتبه - إذا أبدو - النداء # وطرد الناس بين يدي ممري # وكفهم إذا غص الفناء # وركض عن يمين أو شمال # لنظم الجيش إن رفع اللواء # يعنيه أمام أو وراء # إذا اختل الأمام أو الوراء # 12 # ولكن الدعاء إذا دعاه # ضمير خالص نفع الدعاء # جزيت أبا العلا جزاء بر # نوى برا، وصاحبك العلاء # سيسلي النفس عما فات علمي # بأن الكل يدركه الفناء # | أولاد المعتمد وأمهم # يقول الفتح بن خاقان في قلائد العقيان بعد ذكر المعتمد وشجاعته وجوده وأدبه واجتماع ~~الأنجاد والشعراء والأدباء بساحته: # وكان قومه وبنوه لتلك الحلبة زينا، ولتلك الجملة عينا، إن ركبوا خلت الأرض ~~فلكا يحمل نجوما، وإن وهبوا رأيت الغمام سجوما، وإن أقدموا أحجم عنترة العبسي، ~~وإن فخروا أفحم عرابة الأوسي. # ويقول ابن اللبانة: # 1 # وكان ms61 له من بنيه عدة أقمار نظمهم نظم السلك، وزين بهم سماء ذلك الملك، فكانوا ~~معاقل بلاده، وحماة طارفه وتلاده. # وقبل أن أثبت ما جمعته من شتات الأخبار في سيرة أولاد المعتمد أذكر طرفا من أخبار أمهم، ~~التي اقترن سعدها بسعد المعتمد، ونحسها بنحسه وقبرها بقبره، ولها في الأدب أخبار سائرة ~~وأشعار. # قال في نفح الطيب: # ومن المشهورات بالأندلس اعتماد جارية المعتمد بن عباد وأم أولاده وتشهر بالرميكية. # 2 # ثم يقص صاحب النفح من طرائفها عبارات تدل على ولوعها بالنادرة وكلفها بالجناس حتى في أيام ~~المحنة: قال: «ولما خلع المعتمد وسجن بأغمات قالت له: يا سيدي لقد هنا هنا. فقال ~~مجنسا أيضا : # قالت: لقد هنا هنا # مولاي أين جاهنا # قلت لها: إلهنا # صيرنا إلى هنا # وحكى أنها قالت له وقد مرض: يا سيدي، ما لنا قدرة على مرضاتك في مرضاتك. # ولما قال ابن عمار قصيدته اللامية الشهيرة في المعتمد والرميكية أغرت المعتمد به حتى قتله ~~وضربه بالطبرزين ففلق رأسه وترك الطبرزين في رأسه. # فقالت الرميكية: صار ابن عمار هدهدا. # وقد قدمت خبر هذه القصيدة في ترجمة ابن عمار. # ثم ينقل صاحب النفح عن ابن سعيد قوله: # كان المعتمد كثيرا ما يأنس بها ويستظرف نوادرها، ولم تكن لها معرفة بالغناء، ~~وإنما كانت مليحة الوجه، حسنة الحديث، حلوة النادرة، كثيرة الفكاهة لها في كل ذلك ~~نوادر محكية. # وكانت في عصرها ولادة بنت محمد بن عبد الرحمن، وهي أبدع منها ملحا، وأحسن ~~افتنانا وأجل منصبا، وكان أبوها أمير قرطبة ويلقب بالمستكفي بالله، وأخبار أبي ~~الوليد بن زيدون معها وأشعاره فيها مشهورة. # هذا ما نقله المقري عن ابن سعيد. # ويقول صاحب النفح: # ومن أخبار الرميكية القصة المشهورة التي قال فيها المعتمد لها: ولا يوم ~~الطين. # وخلاصة ما ذكره المقري وغيره في هذه القصة، أن الرميكية أطلت من قصرها فرأت القرويات في ~~يوم مطير، يمشين في الوحل في طرق إشبيلية، وعلى رءوسهن الجرار، فاشتهت أن تتشبه بهن، فأمر ~~المعتمد فسحقت أنواع من الطيب في ساحة القصر ms62 ثم صب عليها ماء الورد من غرابيل، وعجنت ~~بالأيدي حتى صارت كالطين، فمشت الرميكية وجواريها في هذا الوحل. # وقد غاضبت المعتمد يوما فأقسمت أنها لم تر منه خيرا قط! فقال: ولا يوم الطين؟! فاستحت ~~واعتذرت. ~~••• # أسرت الرميكية مع زوجها، وقضت أيام المحنة في صحبته، ودفنت في جواره، وتناقل المغاربة ~~أخبار المعتمد وأخبارها عصورا بعد وفاتهما، وكانت أخبارهما شائعة في المغرب حتى عصر المقري ~~مؤلف نفح الطيب المتوفى سنة 1041ه. ~~(1) أولاد المعتمد # في كتب التاريخ الأندلسي والأدب، أخبار شتى من أخبار أولاد المعتمد، وكانوا كأبيهم ~~أنجادا أجوادا شعراء. # يقول الشاعر أبو بكر الداني المعروف بابن اللبانة يمدح المعتمد وبنيه: # يغيثك في محل، يعينك في ردى # يروعك في درع، يروقك في برد # جمال وإجمال وسبق وصولة # كشمس الضحى كالمزن كالبرق كالرعد # بمهجته شاد العلا ثم زادها # بناء بأبناء جحاجحة لد # بأربعة مثل الطباع تركبوا # لتعديل جسم المجد والشرف العد # هؤلاء الأربعة هم الرشيد عبد الله والراضي يزيد والمأمون والمؤتمن كما روى ابن خلكان، ~~وأحسب أن هؤلاء كانوا الكبار من بني المعتمد، وللمعتمد أولاد آخرون نجد أسماءهم في كتب ~~التاريخ والأدب، نجد الظافر والمعتد ومالكا وعبد الجبار وأبا هاشم وبثينة وشرف الدولة ~~وفخر الدولة. # أبدأ بالحديث عن هؤلاء الأربعة الذين عدهم ابن اللبانة، ثم أثبت نتفا من أخبار ~~الآخرين. # وأبدأ من الأربعة بالراضي؛ إذ ترجم له الفتح بن خاقان بعد ترجمة أبيه، ولم يترجم ~~لإخوته؛ فدل على أنه بلغ درجة الشعراء الذين يترجم لهم الفتح. ~~(1-1) الراضي بالله أبو خالد يزيد بن المعتمد # يقول الفتح بن خاقان: # ملك تفرع من دوحة سناء، أصلها ثابت وفرعها في السماء، وتحدر من سلالة ~~أكابر، ورقاة أسرة ومنابر، وتصرف أثناء شبيبته بين دراسة معارف، ~~وإفاضة عوارف، وكلف بالعلم حتى صار ملهج لسانه، وروضة أجفانه، لا يستريح ~~منه إلا إلى فرس سائل الغرة، ميمون الأسرة، يسابق به الرياح، ويحاسن ~~بغرته البدر اللياح، عرنين في السناء، عتيق الاقتناء، سريع الوخد والإرقال، ~~من ولد أعوج أو ولد لذي العقال. # إلى ms63 أن ولاه أبوه الجزيرة الخضراء وضم إليها رندة الغراء. # فانتقل من متن الجواد إلى ذروة الأعواد، وأقلع عن الدراسة، إلى تدبير ~~السياسة، وما زال يدبرها بجوده ونهاه، ويورد الآمل فيها مناه، حتى غدت ~~عراقا، وامتلأت إشراقا، إلى أن اتفق في أمر الجزيرة ما اتفق، وخاب فيها ~~الرجاء وأخفق، واستحالت بهجتها، وأحالت عليها من الحوادث لجتها، فانتقل ~~إلى رندة معقل أشب، ومنزل إلى السماك منتسب، وأقام فيها رهين حصار، ~~ومهين حماة وأنصار، ولقيت ريحه كل إعصار، حتى رمته سهام الخطوب عن ~~قسيها، وأمكنت منه يدى مسيها، فحواه رمسه، وطواه عن غده أمسه، حسبما ~~بسطنا القول فيما مر من أخبار أبيه. ا.ه. # كان الراضي والي الجزيرة الخضراء حين عبر يوسف بن تاشفين إلى الأندلس، ومما يؤثر ~~من أخباره: أنه قبض على ابن عمار في شقورة سنة 477 كما تقدم في أخبار هذا ~~الشاعر. # كان الراضي كلفا بمطالعة الكتب والدواوين، مولعا بالشعر، ومما يؤثر من شعره، ~~ما كتب إلى أبيه حين عتب إليه قعوده عن لقاء العدو، وعكوفه على دفاتره، وكان العدو ~~قصد لورقة والراضي في رندة؛ فأمره المعتمد بالخروج إليه فتلكأ، فوجه المعتمد ابنه ~~المعتد للقاء العدو فهزم جيش المعتد، واشتد غضب المعتمد على الراضي؛ فكتب الراضي ~~إليه: # لا يكرثنك خطب الحادث الجاري # فما عليك بذاك الخطب من عار # ماذا على ضيغم أمضى عزيمته # إن خانه حد أنياب وأظفار # لئن أتوك فمن جبن ومن خور # قد ينهض العير نحو الضيغم الضاري # عليك للناس أن تبقى لنصرتهم # وما عليك لهم إسعاد أقدار # لو يعلم الناس فيما أن تدوم لهم # بكوا لأنك من ثوب الصبا عاري # ولو أطاقوا انتقاصا من حياتهم # لم يتحفوك بشيء غير أعمار # فلم يرض أبوه عنه، ولا غفر له زلته، ثم كتب إليه ساخرا به: # الملك في طي الدفاتر # فتخل عن قود العساكر # طف بالسرير مسلما # وارجع لتوديع المنابر # وازحف إلى جيش المعا # رف تقهر الحبر المغامر # واطعن بأطراف اليراع نصرت # في ثغر المحابر # واضرب بسكين الدواة # مكان ماضي الحد ms64 باتر # أولست رسطاليس إن # ذكر الفلاسفة الأكابر # وأبو حنيفة ساقط # في الرأي حين تكون حاضر # وكذاك إن ذكر الخليل # فأنت نحوي وشاعر # من هرمس من سيبويه # من ابن فورك إذ تناظر # هذي المكارم قد حويت # فكن لمن حاباك شاكر # فاقعد فإنك طاعم # كاس، وقل هل من مفاخر # لحجبت وجه رضاي عنك # وكنت قد تلقاه سافر # أولست تذكر وقت لورقة # وقلبك ثم طائر # لا يستقر مكانه # وأبوك كالضرغام خادر # هلا اقتديت بفعله # وأطعته إذ كان آمر # قد كان أبصر بالعواقب # والموارد والمصادر # فكتب إليه الراضي: # مولاي قد أصبحت كافر # بجميع ما تحوي الدفاتر # وفللت سكين الدواة # وظلت للأقلام كاسر # وعلمت أن الملك ما # بين الأسنة والبواتر # والمجد والعلياء في # ضرب العساكر بالعساكر # لا ضرب أقوال بأق # وال ضعيفات مناكر # قد كنت أحسب من سفاه # أنها أصل المفاخر # فإذا بها فرع لها # والجهل للإنسان عاذر # لا يدرك الشرف الفتى # إلا بعسال وباتر # وهجرت من سميتهم # وجحدت أنهم أكابر # لو كنت تهوى ميتتي # لوجدتني للعيش هاجر # ضحك الموالي بالعبيد، # إذا تؤمل، غير ضائر # إن كان لي فضل فمنك # وهل لذاك النور ساتر # أو كان بي نقص فمني # غير أن الفضل غامر # ذكرت عبدك ساعة # يبقى لها ما عاش ذاكر # يا ليته قد غيبته # عندها إحدى المقابر # أتريد مني أن أكو # ن كمن غدا في الدهر غادر # هيهات ذلك مطمع # يعيي الأوائل والأواخر # لا تنس - يا مولاي - قو # لة ضارع لا قول فاخر # ضبط الجزيرة حينما # نزلت بعقوتها العساكر # أيام ظلت بها فري # دا ليس غير الله ناصر # إذ كان يعشي ناظري # لمع الأسنة والبواتر # ويصم أسماعي بها # قرع الحجارة بالحوافر # وهي الحضيض سهولة # لكن ثبت بها مخاطر # هبني أسأت كما أسأ # ت، أما لهذا العتب آخر # هب زلتي لبنوتي # واغفر فإن الله غافر # يقول الفتح: # فقربه وأدناه وصفح عما كان جناه. # ويؤخذ من سيرة الراضي أن أباه كان يلومه بين الحين والحين فيعتذر ويستعتب، وأنه ~~كان يعتب على أبيه لتقديم إخوته عليه، ويظهر ms65 أن سيرة الراضي في العكوف على الكتب ~~والاشتغال بها عن أمور الدولة أحيانا، كانت منشأ خلاف بينه وبين أبيه. # يقول الفتح في ترجمة الراضي في قلائد العقيان: # وكان المعتمد رحمه الله كثيرا ما يرميه بملامه، ويصميه بسهامه، فربما ~~استلطفه بمقال أفصح من دمع المزون، وأملح من روض الحزون، فإنه كان ينظم من ~~بديع القول لآلئ وعقودا، تسل من النفوس سخائم وحقودا ... فمن ذلك قوله ~~وقد أنهض جماعة من إخوته وأقعدهم: # أعيذك أن يكون بنا خمول # ويطلع غيرنا وبنا أفول # حنانك، إن يكن جرمي قبيحا # فإن الصفح عن جرمي جميل # ألست بفرعك الزاكي وماذا # يرجي الفرع خانته الأصول # ومن شعر الراضي وقد مر به ركب فيه جماعة من ألافه في صباه بعدوا عنه ~~زمنا: # مروا بنا أصلا من غير ميعاد # فأوقدوا نار قلبي أي إيقاد # وأذكروني أياما لهوت بهم # فيها ففازوا بإيثاري وإحمادي # لا غرو أن زاد في وجدي مرورهم # فرؤية الماء تذكي غلة الصادي # وكان الراضي على الجزيرة؛ إذ طلب المرابطون أن يحتلوها حين عبورهم إلى الأندلس ~~فطير إلى أبيه الخبر فأمره بتسليمها. # وقد انتهى أمر الراضي إلى أن قتله المرابطون في القوارع التي نزلت بساحة بني عباد ~~حين دهمهم من المرابطين ما دهمهم. # كان الراضي في رندة - إحدى معاقل الأندلس المنيعة وقواعدها السامية الرفيعة - ~~فقصده جيش من جيوش المرابطين لم يطمع في حربه وهو في البلد الحصين والمعقل الأشب، ~~فلما كان في إشبيلية ما كان أمر المعتمد أن يكتب إلى ابنه الراضي ليسالم المرابطين، ~~وينزل إليهم من معقله، فنزل إليهم إشفاقا على أبيه وذويه «بعد أن عاقدهم مستوثقا ~~وأخذ عليهم عهدا من الله وموثقا، فلما وصل إليهم، وحصل في يديهم، مالوا به عن ~~الحصن وجرعوه الردى.» # وكانوا قتلوا أخاه المأمون في قرطبة، وللمعتمد مرثية فيهما. أثبتها بعد في ~~الحديث عن المأمون. ~~(1-2) الرشيد عبد الله بن المعتمد # قال صاحب نفح الطيب: # وكان الرشيد هذا أحد أولاد المعتمد النجباء، وله أخبار في الكرم يقضي ~~الناظر فيها من أمرها عجبا، وكذلك ms66 إخوته. # 3 # ومما مر به من غريب الحوادث، أن أبا بكر بن عمار الشاعر الذي وزر للمعتمد بن ~~عباد، وكان له شأن في دولته حينا. اضطر في إحدى مغامراته أن يرهن الرشيد بن ~~المعتمد عند أمير برشلونة المسيحي الملقب رأس الأسطب على أن يعينه هذا الأمير على ~~أخذ مرسية من يد ابن طاهر، إلى أن يؤدي إليه المعتمد مالا اتفقا عليه. # 4 # وهو، كأبيه وأمه وإخوته، أديب شاعر، له أخبار قليلة متفرقة في نفح الطيب والمغرب ~~والذخيرة. # منها أن أباه أنشأ مصراعا في قبته المسماة سعد السعود فوق المجلس المسمى ~~الزاهي: # سعد السعود يتيه فوق الزاهي # واستجاز الحاضرين فعجزوا فقال الرشيد: # وكلاهما في حسنه متناهي # ومتى اغتدى سكنا لمثل محمد # قد جل في العليا عن الأشباه # لا زال يبلغ فيهما ما شاءه # ودهت عداه من الخطوب دواهي # 5 # وفي أخبار المعتمد أنه أمر بصياغة غزال وهلال من ذهب فصيغا، فجاء وزنهما سبعمائة ~~مثقال فأهدى الغزال إلى السيدة ابنة مجاهد والهلال إلى ابنه الرشيد وقال: # بعثنا بالغزال إلى الغزال # وللشمس المنيرة بالهلال # إلى آخر القصة. # 6 # وحكى صاحب النفح عن ابن اللبانة: # كنت بين يدي الرشيد بن المعتمد في مجلس أنسه فورد الخبر بأخذ يوسف بن ~~تاشفين غرناطة سنة 483ه فتفجع وتلهف واسترجع وتأسف، وذكر قصر غرناطة فدعونا ~~لعزه بالدوام، ولملكه بتراخي الأيام، وأمر عند ذلك أبا بكر الإشبيلي ~~بالغناء فغنى: # إن شئت ألا ترى صبرا لمصطبر # فانظر على أي حال أصبح الطلل # فتأكد تطيره، واشتد اربداد وجهه وتغيره، وأمر مغنية أخرى بالغناء ~~فغنت: # يا لهف نفسي على مال أفرقه # على المقلين من أهل المروءات # إن اعتذاري إلى من جاء يسألني # ما لست أملك من إحدى المصيبات # قال: فتلافيت الحال بأن قلت: # محل مكرمة لا هد مبناه # وشمل مأثرة لا شتت الله # البيت كالبيت، لكن زاد ذا شرفا # أن الرشيد مع المعتد ركناه # ثاو على أنجم الجوزاء مقعده # وراحل في سبيل السعد مسراه # حتم لملكك أن يقوى وقد وصلت # بالشرق والغرب ms67 يمناه ويسراه # بأس توقد فاحمرت لواحظه # ونائل شب فاخضرت عذاراه # فلعمري لقد بسطت من نفسه، وأعدت عليه بعض أنسه، على أني وقعت فيما وقع ~~فيه الكل لقولي: البيت كالبيت. # وأمر إثر ذلك أبا بكر فغنى: # ولما قضينا من منى كل حاجة # ولم يبق إلا أن تزم الركائب # فأيقنا أن هذا التطير، يعقبه التغير. # 7 # وقد قدمت في أخبار الشاعر ابن اللبانة قوله في موشحته: # سطا وجاد # رشيد بني عباد # فأنسى الناس # رشيد بني العباس # ونقل صاحب النفح عن الذخيرة لابن بسام: # أخبرني الحكيم النديم المطرب أبو بكر بن الإشبيلي، قال: حضرت مجلس الرشيد ~~بن المعتمد بن عباد وعنده الوزير أبو بكر بن عمار، فلما دارت الكأس وتمكن ~~الأنس وغنيت أصواتا ذهب الطرب بابن عمار كل مذهب فارتجل يخاطب ~~الرشيد: # ما ضر أن قيل إسحاق وموصله # 8 # ها أنت أنت وذي حمص وإسحاق # 9 # أنت الرشيد فدع من قد سمعت به # وإن تشابه أخلاق وأعراق # لله درك داركها مشعشة # واحضر بساقيك ما دامت بنا ساق # وقد تقدمت في سيرة المعتمد أبيات الرشيد التي أولها: # يا حليف الندى ورب السماح # وحبيب النفوس والأرواح ~~(1-3) المأمون بن المعتمد # اسمه عباد ويكنى أبا الفتح وأبا نصر أيضا. # يقول المراكشي: هو أكبر أولاده، ولد له في حياة أبيه المعتضد وسماه ~~عبادا. # ولاه أبوه قرطبة حينما استولى عليها ثانية سنة 471ه ولقبه المأمون وبقي أميرا ~~عليها إلى أن دهيت الدولة العبادية بغارات الملثمين سنة 384ه فقاتل المأمون حتى ~~قتل في صفر من هذه السنة. # وقد استكتب أيام إمارته بعض كتاب الأندلس، منهم أبو الوليد المصيصي الشاعر، # 10 # ويقول الفتح بن خاقان في قلائد العقيان: # ولما بدت الفتنة وسال سيلها، وانسحب على بهجة الهدنة ذيلها، نازل ~~المرابطون قرطبة وفيها ابنه المأمون، وكان أشهر ملوك زمانه خيرا، وأيمنهم ~~طيرا، ما اشتغل بمعاطاة المدامة، ولا توغل للعصيان شعب ندامة، فأقاموا ~~عليها شهورا، وأرخوا من محاصرتها والتضييق عليها ستورا، يساورونها مساورة ~~الأراقم، ويباكرونها بداء من الحصار فاقم، والمأمون قد أوجس ms68 في نفسه خيفة، ~~وتوقع منهم داهية مطيفة، فنقل ماله وأهله إلى المدور بعد أن حصنه، وملأه ~~بالعدد وشحنه، وأقام بقصر قرطبة مضطربا، ولأول نبأة مرتقبا، إلى أن ~~صبحوه يوما لعدة كانت بينهم وبين أهلها في تسنم أسوارها، وتقحم ~~أنجادها وأغوارها ... ~~«إلى أن يقول: فلما أحس بهم المأمون خرج بعدد قليل وحد فليل ... فقطع رأسه وحيز، ~~وخيض به النهر وأجيز، ولما استقر بالمحلة رفع على سن رمح وطيف به في جوانبها، وأخيف ~~به قلب مجانبها.» # وللمعتمد في رثاء المأمون هذا وأخيه الراضي الذي ذكرناه قبلا قصيدة باكية من ~~أبلغ شعر الأحزان الذي أنشأه المعتمد في نكبته. # قال الفتح بن خاقان في القلائد: # وفي ذلك يقول المعتمد يرثيهما، وقد رأى قمرية بائحة بشجنها نائحة ~~بفننها على سكنها، وأمامها وكر فيه طائران يرددان نغما ويغردان ترحة ~~وترنما: # بكت أن رأت إلفين ضمهما وكر # مساء وقد أخنى على إلفها الدهر # وناحت فباحت واستراحت بسرها # وما نطقت حرفا يباح به سر # فما لي لا أبكي؟ أم القلب صخرة؟ # وكم صخرة في الأرض يجري بها نهر؟ # بكت واحدا لم يشجها غير فقده # وأبكي لألاف عديدهم كثر # بني صغير، أو حبيب موافق # يمزق ذا قفر، ويغرق ذا بحر # ونجمان زين للزمان احتواهما # بقرطبة النكداء أو رندة القبر # غدرت إذن، إن ضن جفني بقطرة # وإن لومت نفسي فصاحبها الصبر # 11 # فقل للنجوم الزهر تبكيهما معي # لمثلهما فلتحزن الأنجم الزهر # وللأمير المرزأ في رثاء المأمون والراضي أبيات أخرى أشار فيها إلى ابنه أبي عمرو، ~~وهو الظافر الذي يأتي ذكره، وقد تقدم أن الظافر قتل في دولة المعتمد، فشغل عن ~~رثائه بطلب ثأره، وأما المأمون والراضي فقتلهما المرابطون؛ الأول في قرطبة ثم ~~الثاني في رندة، وقد أخذوا قرطبة قبل إشبيلية ورندة بعدها. # وهذه الأبيات: # يقولون صبر، لا سبيل إلى الصبر # سأبكي وأبكي ما تطاول من عمري # ترى زهرها في مأتم كل ليلة # يخمشن لهفا وسطه صفحة البدر # ينحن على نجمين أثكلن ذا وذا # ويا صبر ما للقلب في الصبر من ms69 عذر # مدى الدهر فليبك الغمام مصابه # بصنويه يعذر في البكاء مدى الدهر # بعين سحاب واكف قطر دمعها # على كل قبر حل فيه أخو القطر # وبرق ذكي النار حتى كأنما # يسعر مما في فؤادي من الجمر # هوى الكوكبان الفتح ثم شقيقه # يزيد فهل بعد الكواكب من صبر # 12 # أفتح لقد فتحت لي باب رحمة # كما بيزيد الله قد زاد في أجري # هوى بكما المقدار عني ولم أمت # وأدعى وفيا؟ قد نكصت إلى الغدر # توليتما والسن بعد صغيرة # ولم تلبث الأيام أن صغرت قدري # فلو عدتما لاخترتما العود في الثرى # إذا أنتما أبصرتماني في الأسر # بعيد على سمعي الحديد نشيده # ثقيلا فتبكي العين بالجس والنقر # معي الأخوات الهالكات عليكما # وأمكما الثكلى المضرمة الصدر # فتبكي بدمع ليس للقطر مثله # ويزجرها التقوى فتصغي إلى الزجر # أبا خالد أورثتني البث خالدا # أبا النصر مذ ودعت ودعني نصري # 13 # وقلبكما ما أودع القلب حسرة # تجدد طول الدهر ثكل أبي عمرو # 14 # وللمعتمد في رثائهما قصيدة أخرى في الديوان أولها: # يا غيم عيني أقوى منك تهتانا # أبكي لحزني وما حملت أحزانا # ونار برقك تخبو إثر وقدتها # ونار قلبي تبقى الدهر بركانا # نار وماء صميم القلب أصلهما # متى حوى القلب نيرانا وطوفانا ~~(1-4) الظافر بن المعتمد # في كتاب المغرب ترجمة أبي الوليد محمد بن جهور: # وجاء المأمون بن ذي النون محاصرا لقرطبة من طليطلة، فاستغاثا (ابنا أبي ~~الوليد) بالمعتمد بن عباد، فوجه لهم ابنه الظافر بعسكر، فأقلع المأمون ~~عنهم، فغدرهم الظافر وأخذ قرطبة منهم، وحملهم إلى شلطيش فسجنوا هناك، ~~وأقام الظافر ملكا على قرطبة إلى أن دخل عليه بالليل حريز بن عكاشة ~~فقتله، وصارت قرطبة للمأمون بن ذي النون. # وكان عكاشة هذا من أنصار ابن ذي النون، وكان استيلاء المعتمد على قرطبة المرة ~~الأولى سنة 461ه، ثم استولى عليها مرة أخرى سنة 471ه وولى عليها ابنه الراضي كما ~~تقدم. # وإليك أسجاعا سجع بها الفتح في قلائد العقيان في تولي الظافر قرطبة وقتله: # ولما انتظمت في سلكه (انتظمت قرطبة ms70 في سلك المعتمد) واتسمت بملكه أعطى ~~ابنه الظافر زمامها، وولاه نقضها وإبرامها، فأفاض فيها نداه، وزاد على أمده ~~وقداه، وجملها بكثرة حبائه، واشتغل بأعبائها عن فنائه، # 15 # ولم يزل فيها آمرا وناهيا، غافلا عن المكر ساهيا، حسن ظن ~~بأهلها اعتقده، واغترارا بهم ما رواه ولا انتقده، وهيهات كم من ملك ~~كفنوه بدمائه، ودفنوه بذمائه، وكم من عرش ثلوه، وعزيز أذلوه، إلى أن ثار ~~فيها ابن عكاشة ليلا، وجر إليها حربا وويلا، فبرز الظافر منفردا من ~~كماته، عاريا عن حماته، وسيفه في يمينه، وهاديه في الظلماء نور جبينه، ~~فإنه كان غلاما كما بلله الشباب بأندائه، وألحفه الحسن بردائه، فدافعهم ~~أكثر ليله، وقد منع منه تلاحق رجله وخيله، حتى أمكنهم منه عثرة لم ~~يقل لها: لعا، ولا استقل منها ولا سعى. # إلى أن يقول: # ولما كان من الغد حز رأسه ورفع على سن رمح وهو يشرق كنار على علم، ~~ويرشق نفس كل ناظر بألم، فلما رمقته الأبصار وتحققته الحماة والأنصار، رموا ~~أسلحتهم، وسووا للفرار أجنحتهم، فمنهم من اختار فراره وجلاه، ومنهم من ~~أتت به إلى حينه رجلاه. # ويقول الفتح: إن المعتمد شغل عن رثاء ابنه الظافر بطلب ثأره، إلا إشارة إليه في ~~تأبين أخويه الراضي والمأمون، وتقدمت هذه المرثية. ~~(1-5) عبد الجبار بن المعتمد # وللمعتمد ابن اسمه عبد الجبار ثار على المرابطين وتمنى أن يعيد سلطان بني عباد، ~~فحالت المنية دون الأمنية. # امتنع عبد الجبار في حصن أركش، وهو حصن منيع قريب من إشبيلية، فسار إليه قائد ~~المرابطين سير بن أبي بكر، فرابطت جيوشه عند الحصن شهورا حتى أصاب عبد الجبار سهم ~~أصماه، وبقي أهله وأنصاره ممتنعين بمعقلهم حتى أجهدهم الجوع فنزلوا على حكم ~~المرابطين، يقول الفتح بن خاقان: # فوصلوا إلى قبضة الملمات، وحصلوا في غصة الممات، فوسمهم الحيف، وتقسمهم ~~السيف. # وقدمت في أخبار المعتمد أن ثورة ابنه هذا أرابت المرابطين فيه فضيقوا ~~عليه وأرهقوه بالأغلال والقيود، وبينت وقع هذه الثورة على المعتمد ألما ~~وأملا. # يقول الفتح: # ولما زأر الشبل خيفت سورة ms71 الأسد، ولم يرج صلاح الكل والبعض قد فسد، ~~فاعتقل المعتمد خلال تلك الحال وفي أثناءها، وأحل ساحة الخطوب وفناءها، ~~وحين أركبوه أساودا وأورثوه حزنا بات له معاودا، قال: # غنتك أغماتية الألحان # ثقلت على الأرواح والأبدان # وقد أثبت الأبيات في الكلام على محنة المعتمد. # وفي «المغرب» في الكلام على أركش: # من معاقل الأندلس المنيعة المستورة، وقد ثار فيها ولد المعتمد بن ~~عباد فأذاق إشبيلية شرا حتى قتل بسهم. # ولا أدري ما الشر الذي ذاقته إشبيلية من ثورة ابن المعتمد بعد انقضاء دولة بني ~~عباد، واعتقال ملكها في أغمات؟! لعل ثورة عبد الجبار أرابت المرابطين بأهل إشبيلية ~~فضيقوا عليهم، كما فعلوا بالمعتمد نفسه حين ثار ابنه. ~~(1-6) المعتد بن المعتمد # يأتي ذكر المعتد في نتف متفرقة، ذكر في أبيات نظمها أبو بكر الإشبيلي في مجلس ~~الرشيد بن المعتمد ، وقد أثبتها في الكلام على الرشيد. # وهذا البيت الذي ذكر فيه المعتد: # البيت كالبيت لكن زاد ذا شرفا # أن الرشيد مع المعتد ركناه # وذكر كذلك في أخبار أخيه الراضي أمير رندة، حينما أمره أبوه بالخروج إلى عدو ~~فتلكأ، فوجه المعتمد جيشا يقوده ابنه المعتد. # وفي كتاب المقري في الكلام على مدينة شلب: # قد تقدم أن المعتمد بن عباد نشأ فيها وولاه أبوه المعتضد مملكتها، ولما ~~استقل المعتمد بإشبيلية ولى على شلب ابنه المعتد. # وهذا يدل على أنه من كبار أبناء المعتمد؛ إذ كان أهلا لولاية شلب حين تولى أبوه ~~الملك. # وتقدم أن المعتمد حين أحيط به في إشبيلية كتب إلى ابنيه الراضي والمعتد ليستسلما ~~للمرابطين، وكان المعتد في حصن مارتلة، فلم يسعه هو وأخوه إلا النزول على حكم ~~أبويهما؛ إشفاقا عليهما وعلى أهليهما. # والمراكشي الذي ذكر كتابة المعتمد إلى ابنه المعتد أن يستسلم للمرابطين، يقول: إن ~~المرابطين أخذوا كل ماله ولم يذكر أنهم قتلوه كما قتلوا أخاه الراضي. ~~(1-7) أبو هاشم # قدمت أن المعتمد تذكر وقد اشتد البأس وحمي الوطيس يوم الزلاقة طفلا له اسمه أبو ~~هاشم فأنشد بيتين: # أبا هاشم هشمتني الشفار # فلله ms72 صبري لذاك الأورار # ذكرت شخيصك تحت العجاج # فلم يثنني ذكره للفرار # وقدمت كذلك أن ابنه أبا هاشم دخل عليه وقد ثقلت القيود برجليه فأنشأ أبيات من ~~الحسرات والزفرات: # قيدي أما تعلمني مسلما # أبيت أن تشفق أو ترحما # دمي شراب لك واللحم # قد أكلته لا تهشم الأعظما # يبصرني فيك أبو هاشم # فينثني والقلب قد تهشما # ارحم طفيلا طائشا لبه # لم يخش أن يأتيك مسترحما ~~... إلى آخر الأبيات. ~~(1-8) شرف الدولة وفخر الدولة # ذكرهما ابن اللبانة الشاعر في أحاديثه عن بؤس المعتمد وشقائه، حدث أنه زار ~~المعتمد في أغمات، فلما أزمع الرحيل أرسل إليه المعتمد هدية مع ولده شرف الدولة، ~~وقال ابن اللبانة: # وهذا من بنيه أحسن الناس سمتا، وأكثرهم صمتا، تخجله اللفظة، وتجرحه ~~اللحظة، حريص على طلب الأدب، مسارع في اقتناء الكتب، مثابر على نسخ ~~الدواوين، مفتح فيها من خطه زهر الرياحين. # وفخر الدولة الذي رآه الشاعر في دكان صائغ ينفخ في الفحم فتقطع قلبه كمدا وصعدت ~~نفسه زفرات في الأبيات التي قدمتها في فصل «المعتمد في أغمات»، ومنها: # للنفخ في الصور هول ما حكاه سوى # هول رأيتك فيه تنفخ الفحما # وددت إذ نظرت عيني إليك به # لو أن عيني تشكو قبل ذاك عمى ~~(1-9) بثينة بنت المعتمد # قال صاحب نفح الطيب وهو يذكر أديبات الأندلس: # ومنهن بثينة بنت المعتمد بن عباد، وأمها الرميكية السابقة. # وكانت بثينة هذه نحوا من أمها في الجمال والنادرة ونظم الشعر، ولما أحيط بأبيها ~~ووقع النهب في قصره كانت في جملة من سبي، ولم يزل المعتمد والرميكية عليها في وله ~~دائم لا يعلمان ما آل أمرها إلى أن كتبت إليهما بالشعر المشهور المتداول بين الناس ~~والمغرب. # وكان أحد تجار إشبيلية اشتراها على أنها جارية سرية ووهبها لابنه، فنظر من شأنها ~~وهيئت له، فلما أراد الدخول بها امتنعت وأظهرت نسبها، وقالت: لا أحل لك إلا بعقد ~~نكاح إن رضي أبي بذلك. وأشارت عليهم بتوجيه كتاب من قبلها لأبيها وانتظار جوابه، ~~فكان الذي كتبته بخطها من نظمها ما ms73 صورته: # اسمع كلامي واستمع لمقالتي # فهي السلوك بدت من الأجياد # لا تنكروا أني سبيت وأنني # بنت لملك من بني عباد # ملك عظيم قد تولى عصره # وكذا الزمان يؤول للإفساد # لما أراد الله فرقة شملنا # وأذاقنا طعم الأسى من زاد # قام النفاق على أبي في ملكه # فدنا الفراق ولم يكن بمراد # فخرجت هاربة فحازني امرؤ # لم يأت في أفعاله بسداد # إذ باعني بيع العبيد فضمني # من صانني إلا من الأنكاد # وأرادني لنكاح نجل طاهر # حسن الخلائق من بني الأنجاد # ومضى إليك يسوم رأيك في الرضا # ولأنت تنظر في طريق رشادي # فعساك يا أبتي تعرفني به # إن كان ممن يرتجى لوداد # وعسى رميكية الملوك بفضلها # تدعو لنا بالخير والإسعاد # فلما وصل شعرها لأبيها وهو بأغمات واقع في شراك الكروب والأزمات، سر هو وأمها ~~بحياتها، ورأيا أن ذلك للنفس من أحسن أمنياتها ؛ إذ علما مآل أمرها وجبر كسرها، إذ ~~ذاك أخف الضررين، وإن كان الكرب قد ستر القلب منه حجاب زين، وأشهد على نفسه بعقد ~~نكاحها من الصبي المذكور وكتب إليها في أثناء كتابه ما يدل على حسن صبره ~~المشكور: # بنيتي كوني به برة # فقد قضى الدهر بإسعاد ~~(1-10) أولاد آخرون # وقدمنا أن بنات المعتمد دخلن عليه يوم عيد في أغمات وهن في أطمار يكسوهن الشحوب ~~والاكتئاب والذل والحزن، فأنشأ أبياته التي أولها: # فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا # فساءك العيد في أغمات مأسورا # ترى بناتك في الأطمار جائعة # يغزلن للناس ما يملكن قطميرا # فقد كان له وهو في معتقله بنات كبار يغزلن للناس. # ويقول المعتمد في الأبيات التي أنشأها حين دخل عليه ابنه أبو هاشم وهو مغلول ~~مكبل، يقول لقيده: # ارحم طفيلا طائشا لبه # لم يخش أن يأتيك مسترحما # وارحم أخيات له مثله # جرعتهن السم والعلقما # منهن من يفهم شيئا فقد # خفنا عليه للبكاء العمى # والغير لا يفهم شيئا فما # يفتح إلا لرضاع فما # فهذا يدل على أنه كان له أيام المحنة أطفال ترعرعوا، وأطفال لا يزالون ~~رضعا. # | وفاة المعتمد على الله وقبره ms74 # قال الفتح بن خاقان في قلائد العقيان: # ولم تزل كبده تتوقد بالزفرات وخلده يتردد بين النكبات والعثرات ونفسه تتقسم ~~بالأشجان والحسرات إلى أن شفته منيته وجاءته بها أمنيته، فدفن بأغمات وأريح من تلك ~~الأزمات. # وعطلت المآثر من حلالها # وأفرزت المفاخر من علاها # ورفعت مكارم الأخلاق وكسدت نفائس الأعلاق، وصار أمره عبرة في عصره، وصاب أندى ~~عبرة في مصره. # وبعد أيام وافاه أبو بكر بن عبد الصمد شاعره المتصل به المتوصل إلى المنى بسببه، ~~فلما كان يوم العيد وانتشر الناس ضحى وظهر كل متوار وضحى قام على قبره عند ~~انفصالهم من مصلاهم واختيالهم بزينتهم وحلاهم، وقال بعد أن طاف بقبره والتزمه وخر ~~على تربه ولثمه: # ملك الملوك أسامع فأنادي # أم قد عدتك عن السماع عواد # لما خلت منك القصور ولم تكن # فيها كما قد كنت في الأعياد # أقبلت في هذا الثرى لك خاضعا # وجعلت قبرك موضع الإنشاد # قد كنت أحسب أن تبدد أدمعي # نيران حزن أضرمت بفؤادي # فإذا بدمعي كله أجريته # زادت علي حرارة الأكباد # فالعين في التسكاب والتهتان # والأحشاء في الإحراق والإيقاد # يأيها القمر المنير أهكذا # يمحى ضياء النير الوقاد # أفقدت عيني مذ فقدت إنارة # لحجابها في ظلمة وسواد # ما كان ظني قبل قبرك أن أرى # قبرا يضم شوامخ الأطواد # الهضبة الشماء تحت ضريحه # والبحر ذو التيار والإزباد # عهدي بملكي وهو طلق ضاحك # متهلل الصفحات للقصاد # والمال ذو شمل بداد والندى # يهمي وشمل الملك غير بداد # أيام تخفق فوقك الرايات فو # ق كتائب الرؤساء والأجناد # والأمر أمرك والزمان مبشر # بممالك قد أذعنت وبلاد # والخيل تمرح والفوارس تنحني # بين الصوارم والقنا المياد # وهي قصيدة أطال إنشادها وبنى بها اللواعج وشادها، فانحشر الناس إليه وأحفلوا وبكوا لبكائه ~~وأعولوا وأقاموا أكثر نهارهم مطيفين به طواف الحجيج، مديمين البكاء والعجيج. # ثم انصرفوا وقد نزفوا ماء عيونهم، وأقرحوا مآقيهم بفيض شئونهم، وهذه نهاية كل عيش، وغاية ~~كل ملك وجيش، والأيام لا تدع حيا، ولا تألو كل نشر طيا، تطرق رزاياها كل سمع، وتفرق ~~مناياها كل ms75 جمع، وتصمي كل ذي أمر ونهي، وترمي كل مشيد بوهي، ومن قبله طوت النعمان بن ~~الشقيقة، ولوت مجازها في تلك الحقيقة.» ~~••• # وقال مؤلف نفح الطيب: # قال غير واحد: من النادر الغريب أنه نودي على جنازته: «الصلاة على الغريب» بعد ~~عظم سلطانه وسعة أوطانه وكثرة صقالبه وحبشانه وعظم أمره وشأنه، واجتمع عند قبره ~~جماعة من الأقوام الذين لهم في الأدب حصة، ولقضية المعتمد في صدورهم غصة ... ~~إلخ. # وخاتمة هذه الحوادث الدامية وتلك القصة الباكية أبيات أوصى المعتمد أن تكتب على ~~قبره: # قبر الغريب سقاك الرائح الغادي # حقا ظفرت بأشلاء ابن عباد # بالحلم بالعلم بالنعمى إذا اتصلت # بالخصب إن أجدبوا بالري للصادي # بالطاعن الضارب الرامي إذا اقتتلوا # بالموت أحمر بالضرغامة العادي # بالدهر في نقم بالبحر في نعم # بالبدر في ظلم بالصدر في النادي # نعم هو الحق حاباني به قدر # من السماء فوافاني لميعاد # ولم أكن قبل ذاك النعش أعلمه # أن الجبال تهادى فوق أعواد # كفاك فارفق بما استودعت من كرم # رواك كل قطوب البرق رعاد # يبكي أخا الذي غيبت وابله # تحت الصفيح بدمع رائح غادي # حتى يجودك دمع الطل منهمرا # من أعين الزهر لم تبخل بإسعاد # ولا تزال صلاة الله دائمة # على دفينك لا تحصى بتعداد # قصة المعتمد مأساة لا تحتاج إلى افتنان ناثر، وقصيدة حزينة لا تفتقر إلى مبالغة ~~شاعر. # ولا ريب أنها سارت في أهل عصره وسرت إلى العصور من بعده، وبقي قبره مزار الأدباء ومقصد ~~العلماء. # ويقول المقري بعد ذكر أخبار المعتمد: # وقد جمح بنا القلم في ترجمة المعتمد بن عباد بعض جموح، وما ذلك إلا لما علمنا أن ~~نفوس الأدباء إلى أخباره رحمه الله تعالى شديدة الطموح، وقد جعل الله تعالى له كما ~~قال أمين الأبار في «الحلة السيراء» رقة في القلوب وخصوصا بالمغرب، فإن ~~أخباره وأخبار الرميكية إلى الآن متداولة بينهم، وإن فيها لأعظم عبرة، رحم الله الجميع. # 1 # فهذا لسان الدين بن الخطيب وزير الأندلس وعالمها وأديبها الذي ألف المقري كتابه الواسع ~~لتاريخ الأندلس ولسيرته فسماه ms76 «نفح الطيب، من غصن الأندلس الرطيب، وذكر وزيرها لسان الدين ~~بن الخطيب»، وناهيك بهذا نباهة شأن وعظم مكانة. # لسان الدين هذا يزور قبر المعتمد بعد 273 سنة من وفاته وينشد عنده شعرا. # قال لسان الدين بن الخطيب: # 2 # وقفت على قبر المعتمد بن عباد بمدينة أغمات في حركة راحة أعملتها إلى الجهات ~~المراكشية باعثها لقاء الصالحين ومشاهدة الآثار سنة 761ه، وهو بمقبرة أغمات في نشز ~~من الأرض وقد حفت به سدرة وإلى جانبه قبر اعتماد حظيته مولاة رميك، وعليهما هيئة ~~التغرب ومعاناة الخمول من بعد الملك، فلا تملك العين دمعها عند رؤيتهما، فأنشدت في ~~الحال: # قد زرت قبرك عن طوع بأغمات # رأيت ذلك من أولى المهمات # لم لا أزورك يا أندى الملوك يدا # ويا سراج الليالي المدلهمات # وأنت من لو تخطى الدهر مصرعه # إلى حياتي لجادت فيه أبياتي # أناف قبرك في هضب يميزه # فتنتحيه حفيات التحيات # كرمت حيا وميتا واشتهرت علا # فأنت سلطان أحياء وأموات # ما رئي مثلك في ماض، ومعتقدي # ألا يرى الدهر في حال وفي آت # ويتبع صاحب نفح الطيب هذا الخبر بقوله: # وقد زرت أنا قبر المعتمد بمدينة أغمات سنة 1010ه، ورأيت فيه مثل ما ذكره ~~لسان الدين رحمه الله تعالى، فسبحان من لا يبيد ملكه، لا إله إلا ~~هو. # فهذا عالم مؤرخ يزور قبر المعتمد بعد وفاته بأكثر من خمسة قرون، وأحسب أن زيارة قبر ~~المعتمد سارت سنة الأدباء والعلماء منذ مات في القرن الخامس الهجري إلى عصر المقري القرن ~~الحادي عشر، ولعلها استمرت من بعد عصورا أخرى. ms77