######OpenITI# #META# URI: 1378CisaIskandarMacluf.MadinatZahla.Hindawi13149739 #META# Tags: history #META# ID: 13149739 #META# Title: مدينة زحلة #META# AuthorID: 61846031 #META# Author: عيسى إسكندر المعلوف #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # تمهيد‏ # اسم زحلة وموقعها‏ # تربتها وصخورها‏ # نباتاتها وحيواناتها‏ # ماؤها وهواؤها‏ # قدمها وآثارها‏ # حوادث زحلة القديمة‏ # زحلة الحديثة ووقائعها في القرن الثامن عشر‏ # زحلة الحديثة ووقائعها في القرن التاسع عشر إلى يومنا‏ # زحلة بعد سنة 1860‏ # استدراكات‏ # كلمة الختام‏ # مقدمة‏ # تمهيد‏ # اسم زحلة وموقعها‏ # تربتها وصخورها‏ # نباتاتها وحيواناتها‏ # ماؤها وهواؤها‏ # قدمها وآثارها‏ # حوادث زحلة القديمة‏ # زحلة الحديثة ووقائعها في القرن الثامن عشر‏ # زحلة الحديثة ووقائعها في القرن التاسع عشر إلى يومنا‏ # زحلة بعد سنة 1860‏ # استدراكات‏ # كلمة الختام‏ # | مدينة زحلة # | مدينة زحلة # تأليف # عيسى إسكندر المعلوف # | مقدمة # لما كنت مولعا بإحياء آثار مسقط رأسي «زحلة» المحبوبة منذ الصغر، كنت أنتهز الفرصة لجمع ~~كل ما يتعلق بآثارها وأخبارها، حتى توفقت إلى أخذ امتياز «جريدة زحلة الفتاة» في ك1 سنة ~~1910، ولم أشأ أن ينشر العدد الأول منها إلا مزدانا «بتاريخ هذه المدينة»، فسعيت في ~~ابتياعه من حضرة مؤلفه ونشره على صفحات الجريدة، ثم جمعه بكتاب على حدة يبقى أثرا مذكورا ~~لوطني ومواطني. فأرجو بعد كل هذا أن تحوز خدمتي القبول لدى المواطنين الكرام، الذين أهدي ~~إليهم هذا التاريخ في أول السنة الحالية (سنة 1911)، وحسبي فخرا خدمة وطني بإخلاص. # إبراهيم نقولا الراعي # زحلة في 1 ك2 سنة 1911 # | تمهيد # وضع كثير من المتقدمين تواريخ عامة، وجرد الآخرون تواريخ خاصة للناس والمدن ونحوها، ~~فحفظوا بذلك ذكر من تقدمهم، إلى أن كان عصر انحطاط بلادنا منذ بضعة قرون؛ فقلت العناية ~~بهذا الفن الذي هو من أنفع الفنون وأجزلها فائدة للآتين. حتى لقد كادت معرفة التواريخ ~~تتلاشى ذكرا وتعفو أثرا من بيننا. فتنبهت منذ أميطت عني التمائم إلى ضرورة وضع تواريخ ~~لكثير من مدننا التي أوشكت أن تطمس أخبارها، ولأسرنا (عيالنا) التي قلما يوثق بأخبارها، ~~فوقفت كثيرا من أوقاتي وأرصدت ما يلزم من الأوراق القديمة والمخطوطات للبحث والتنقيب، ~~غير مدخر وسعا في هذا السبيل، ولا متوان ضجرا من سؤال الشيوخ والحفظة والمراجعة. وقلما ~~وقفت على مخطوطة أو ورقة إلا وراجعتها بتدقيق، مستنسخا كل ما له علاقة منها بموضوعي. ms001 ~~فاجتمع لدي تعاليق كثيرة في تضاعيف مجلدات وافرة، ولن أزال متحديا هذه الخطة إلى هذه ~~الساعة، فوجدت أمامي مادة غزيرة. وكثيرا ما كنت أعارض الأقوال والمخطوطات، وأمحصها على ~~قدر الطاقة تبسطا في البحث وتحقيقا في العمل. وهذه خطة من كان في عصر مثل عصرنا الحاضر، ~~قد انقطعت فيه أسباب العناية بأسلافنا وبلداننا، وانصرفت فيه أفكارنا إلى استقراء ما عند ~~الإفرنج من التواريخ والأنباء التي لا علاقة لها بموطننا ولا بقومنا، حتى إذا رأى أحدنا ~~كتابا لأحد المستشرقين من الفرنجة يبحث عنا أعرض عن مطالعته ونبذه ظهريا؛ لفشو مرض ~~استضعاف أنفسنا بيننا، واحتقار بلادنا ونحو ذلك مما يعد عيبا فينا وعارا علينا: # وماذا الذي تدريه عند أجانب # إذا كنت في أحوال دارك جاهلا # هذا ولما جئت زحلة واتخذتها لي موطنا منذ بضع عشرة سنة، شرعت أبحث عن تأريخها وشئون ~~سكانها وقدم عمرانها، فراجعت ما وصلت إليه يدي من الأوراق القديمة والسجلات والمخطوطات التي ~~أشارت إليها، مثل تاريخ القس روفائيل كرامة الحمصي، والقس حنانيا المنير الزوقي، وهما من ~~الرهبنة الحناوية الشهيرة، وتاريخهما في حوادث القرن الثامن عشر للميلاد، وتعاليق بعض ~~أساقفة مدينة زحلة في يومياتهم الخاصة، وكذلك بعض الكهنة الذين ولعوا بكتابة ما يجري أمامهم ~~من الحوادث. أخصهم الطيبو الذكر الأسقفان باسيليوس شاهيات وأغناطيوس ملوك والخوري فيلبس ~~النمير؛ فضلا عن التواريخ الأخر المطبوعة أو المخطوطة، مثل تاريخ الأمير حيدر الشهابي ~~الشملاني وطنوس الشدياق الحدثي وتشرشل بك الإنكليزي والكردينال لاڤيجري الفرنسي، وبعض كتب ~~رحالة الفرنجة في القرنين الماضيين، ونكبات الشام وملاحم جبل لبنان لإسكندر بك أبكاريوس ~~الأرمني، وتاريخ إبراهيم باشا له وحوادث سنة 1841م فصاعدا للخوري أرسانيوس الفاخوري، ونحو ~~ذلك من المراجع الكثيرة التي جمعت منها ما جمعت، إلى أن ذكر لي أحد أصدقائي «تاريخ زحلة» ~~للطيب الذكر وطنينا المطران غريغوريوس عطا الزحلي. فبادرت إلى طلبه من مؤلفه لما كان ~~حيا، فتكرم علي بنسخة مختصرة منه بخط الخوري روفائيل أبي مراد # 1 # نسيبه وكاتبه إذ ذاك. فجمعت هذه المراجع ووضعت «تاريخ زحلة» مستعينا ms002 على ~~تفصيل بعض الحوادث بأحاديث بعض الشيوخ المعروفين بصحة محفوظهم وتحقيق رواياتهم، فجاء ~~التأريخ مطولا: # أيا وطني إن فاتني بك فائت # من العيش فلينعم لساكنك البال # ولكي لا يكون هذا التاريخ ناقصا؛ قدمت الكلام على مدينة زحلة وحالتها الجغرافية ~~وموقعها ووصفها قبل أن أسترسل إلى ذكر وقائعها وشئونها، وما تقلب عليها من الحوادث الخطيرة، ~~وذكر مشاهيرها وأسرها ونحو ذلك من المباحث اللذيذة. # ولما كنت قد بدأت بنشر هذا التاريخ في السنة الأولى من جريدة المهذب، التي توليت ~~إنشاءها منذ كانت صغيرة مدرسية إلى أن صارت كبيرة عمومية، وكتبت شيئا مقتطفا من هذا ~~التاريخ في كتابي «دواني القطوف» من صفحة 116-125؛ لم أجد بدا من الإشارة إلى ذلك هنا ~~إحاطة بأطراف الموضوع، وحفظا لحقوق طبع هذا الكتاب الذي أنفقت وقتا وعناء في ترتيبه ~~وتنسيقه على أسلوب عصري. # ولما كان جناب إبراهيم أفندي نقولا الراعي صاحب امتياز «جريدة زحلة الفتاة» يحب إحياء هذا ~~الأثر الوطني قياما بالواجب؛ فاوضني بشأن طبع هذا التاريخ، فاتفقت معه على ذلك لقاء قيمة ~~معلومة بشروط مسجلة، بحيث تكون حقوق إعادة طبعه محفوظة لإدارة جريدة زحلة الفتاة ~~فقط. # فإلى كرام الزحليين مواطني أزف الآن هذا التاريخ الوطني، آملا ممن يرى فيه خللا أو ~~زللا أن يرشدني إليه لأصلحه في الطبعات الآتية، وما العصمة إلا لله الذي هو خير من ~~يعتصم به في افتتاح كل عمل لتحسن خواتمه. جعل الله افتتاح هذا العمل مدرجة لخير ~~الختام بمنه وكرمه. # عيسى إسكندر المعلوف # | هوامش # | اسم زحلة وموقعها # أرى أن اسم زحلة مأخوذ من زحل الرجل عن مكانه إذا تنحى وتباعد، ومنه المزحل اسم مكان ~~للموضع يزحل إليه، أو مصدر ميمي على حد قول الشاعر: # ويركب حد السيف من أن تضيمه # إذا لم يكن عن شفرة السيف مزحل # ومما يؤيد هذه التسمية، أن الجهة الشرقية من القسم الجنوبي من المدينة عند محلة البيادر ~~حذاء سراي الحكومة لن تزال معرضة للزحول في كل سنة؛ لعدم تماسك تربتها بشيء من الصخور أو ~~الأشجار، وكذلك ms003 بعض أنحاء المدينة معرضة لهذا الخطر. وهناك موقع سيدة الزلزلة الأرثوذكسية ~~التي أقيم معبدها تذكارا لزلزلة حدثت، فخسفت الأرض حولها، كما يظهر للرائي الآن. وفي ~~لبنان قرية عين زحلتا بهذا المعنى. # وربما سميت المدينة بهذا الاسم منسوبة إلى هيكل أقيم فيها لزحل المعبود القديم، وإذا صح ~~هذا الرأي فالأولى أن يكون هيكل هذا الإله الوثني على تلة المشيرفة الغربية الواقعة على ~~الجانب الجنوبي من المدينة مقابل قرية وادي العرايش، وهي في قضاء المتن الأعلى من لبنان، ~~وسيأتي ذكرها في آثار المدينة. # أما ادعاء العامة أن زحلة سميت باسم الملك الزحلان من بني هلال، # 1 # وأن التلة الشرقية على الجهة الجنوبية مسماة باسم ابنته شيحا، فهو من المزالق ~~التاريخية المبنية على الوهم والتخرص، وذلك كثير في بلادنا ينكره التاريخ الصحيح. # وموقع المدينة اللبنانية الحالي في حضيض جبل الكنيسة، # 2 # وهذا الجبل من لبنان الغربي من قضاء المتن، وهو دون جبل صنين الذي يقابله ~~ارتفاعا يشرف على سهلي بعلبك والبقاع والجهات الأخر، وفي سفوحه كثير من القرى. # وبناء مدينة زحلة الحالي يمتد في واد منفرج على ضفتي نهر البردوني، وموقعها بديع يأخذ ~~بمجامع القلوب حسنا، ويتخلل المدينة هذا النهر مترقرقا على الحصى، ومنه تفرعت مجار على ~~الجانبين لإدارة الطواحين المائية. # 3 # وهي على علو ألف متر ونيف عن سطح البحر في أسفلها، ونحو ألف ومائتي ~~متر # 4 # في أعلاها. وتملأ أبنية المدينة فسحة الوادي الواقع بين منعطف جبلين من سلسلة ~~لبنان الغربي، منفرجين في وسطهما وضيقين في الجانبين الشرقي والغربي. فالمضيق الغربي هو تحت ~~قرية وادي العرايش التابعة لمديرية بسكنتا من أعمال المتن في لبنان، وهناك تنحدر ذراعان من ~~سلسلة الجبلين المتقابلين، حتى تكادا تتماسان أمام نزل - لوكندة - الصحة القائم على الجانب ~~الشمالي من المدينة، ومن هناك إلى قاع الريم واد عميق جدا ينفرج مرة ويضيق أخرى، فيمثل ~~أبدع المناظر الطبيعية التي تملأ العين حسنا، وفيه كثير من أشجار الحور والصفصاف والتوت ~~والكروم وغيرها. وهناك قريتا وادي العرايش وقاع الريم (قاع فرين) ms004 التابعتان لبسكنتا في ~~العدوة الشمالية من الوادي ومقابلهما في العدوة الجنوبية قرية حزرتا، وسكانها من الشيعيين ~~(المتاولة)، وهي تابعة لمديرية المتن الأعلى من لبنان. # والمضيق الشرقي موقعه بين تلة شيحا، المار ذكرها، وتلة أخرى تقابلها على الجانب الشمالي ~~تعرف بتلة الحمار؛ لاحمرار تربتها (ومعظم تربة زحلة بيضاء)، وهي فوق قصبة المعلقة وأطراف ~~حوش الزراعنة التابع لزحلة. # ومن نظر إلى هذا المنفرج بمضيقيه، رآه أشبه بحنجرة يحدق بها مضيقا الفم والمريء ~~(الزلعوم)؛ فيجري البردوني من فم الوادي الغربي وينساب إلى الفم الشرقي، ثم يتخلل السهل إلى ~~أن يصب في نهر الليطاني. فالمدينة غورية جبلية وأبنيتها منضدة بعضها فوق بعض، كأنها سلالم ~~على سفوح وأسناد الوادي. # وذكر أحد سياح الإفرنج أن زحلة أشبه بالرمانة ~~المفلوقة، وهذا التشبيه هو اليوم أصح منه في الأمس لكثرة مسنمات الآجر (القرميد)، التي ~~تمثل حب الرمان الأحمر. وذكر المرحوم الدكتور پوست الأميركاني: إن قرية بيلان في شمالي ~~سورية هي أشبه بمدينة زحلة؛ لأنها مبنية على عدوتي واد عميق، ومنظر بيوتها أشبه بزحلة ~~وكذلك تلولها. فإن ترابها أبيض وفيها وحولها كروم كثيرة، ويشرف عليها جبال شامخة وموقعها ~~حصين. # والبردوني يقسم المدينة إلى قسمين، القسم الجنوبي منهما أكثر عمرانا من الشمالي، ولكن ~~هذا أحدث أبنية من ذاك، وعلى ضفتيه الأشجار المتمايلة بقدودها الممشوقة التي معظمها من ~~الحور، وفي غربيها متنزهات الصفة، وهي من أبدع المواقع الطبيعية يختلف إليها الناس صيفا، ~~فيروحون النفس بنسماتها البليلة، وحول هذه الحدائق النضرة والرياض الغناء طريق عربات يحدق ~~بها، ويتصل بجسور هي أشبه بالأسورة لمعاصم المجاري المائية، يمثل أشكالا هندسية تخلب ~~محاسنها القلوب وتملأ العين جمالا. وفي أعالي المدينة دوالي الكروم اللذيذة العنب، كأنها ~~أصابع تشير إلى جماله، أو تعاويذ من الزمرد ترد عنه عين حاسده منشدة بلسان ~~الشاعر: # فتح عيونك في سواي فإنما # عندي قبالة كل عين إصبع # وعلى الجملة فإن وادي البردوني الجميل جامع لمحاسن الطبيعة، من خضرة النباتات وزرقة ~~المياه وصفائها وجمال الأبنية ولطف السكان. # ومما يحسن ذكره أن المغفور له ms005 الأمير بشير الشهابي الكبير لما جاء زحلة سنة 1814م، ~~ورأى معظم أبنيتها في الجانب الجنوبي وليس في الشمالي (القاطع)، إلا ثلاثة بيوت قرب الماء؛ ~~تأسف لذلك وقال: إن البناء سيتكاثر في هذه الجهة الشمالية وترتفع أثمان الأرض. فحققت ~~الأيام صدق قوله هذا ولا سيما اليوم. # وفي أسفل المدينة على جانبي النهر طريق للعربات، كأنه المنطقة المستديرة بخصر المدينة، ~~وهو يتصل مرارا بجسور متقنة قائمة على النهر، فيمثل دوائر مختلفة الأشكال. وهناك المتنزهات ~~التي تصف فيها الكراسي والمناضد، ويختلف الناس إليها على اختلاف أجناسهم ولا سيما بعد ~~العصر، يروحون النفس بتجاذب الأحاديث وبقبقة النارجيلات، ويقتلون الهموم بطلعة الكئوس ~~المقتولة بماء البردوني كأنها الشموس، # 5 # وأوراق الأدواح تحدق بهم كأنها المراوح المتحركة تلطف حرارة الهواء، وتنعش ~~الأفئدة بنفحاتها المبردة. وخرير المياه يشنف الآذان بحسن إيقاعه. وبعض الشلالات تنحدر من ~~الأقنية المرتفعة، كأنها الأفاعي الهاربة أو البلور المتكسر على الصخور. والفوارات ~~(النوافر) تنطاد في الجو، كأنها ترشقه بمثل ما رشقها به من حب الغمام (البرد) في الشتاء. ~~والأزهار مرصعة بها بسط الخضرة الزمردية، كأنها النجوم ~~في القبة الخضراء وقد وصفت هذه المناظر سنة 1898م بقولي: # إلى متنزهات النهر بادر # وسرح في مشاهدها النواظر # فبرذوني زحلة في صفاه # تكور حول مفتر الأزاهر # ومن أعطاف «قاع الريم» يجري # لقاع ظبي الأوانس وهو حائر # فطورا مثل نصل السيف يبدو # عليه فرنده يتلو البشائر # وطورا في تحويه تراه # حكى دور المناطق بالخواصر # يصفق بالخرير على حصاه # ليرقص عطف أغصان نواضر # تدغدغه النسائم في مزاح # فيضحك عن حباب كالجواهر # تخالسه لحاظ الشمس هزءا # وتغمزه بأحداق فواتر # فيشكر فضلها طورا ويشكو # فوا عجبا لشاك وهو شاكر # مطاحنها لطحن الهم تجري # بماء والفراش عليه دائر # ويسعى الماء في فصل الأراضي # وفي وصل قد افتتنت قناطر # رعاه الله من فصل ووصل # بمنعطفاتها يسبي الخواطر # تخلل جنة تملا عيونا # محاسنها فيا نعم المناظر # فثغر الزهر يضحك طي كم # ولطف نسيمها بالذيل عاثر # وعند «الصفة» اصطفت كراسي # وكل للعشير غدا مسامر # مراكزها أحاط ms006 بها خطوط # يمثل شكلها شبه الدوائر # طريق المركبات بها أحاطت # ودارت كالخواتم بالخناصر # فبعض الناس يعلو مركبات # تسير برهطهم مثل البواخر # ومنهم راجل يسعى حثيثا # ومنهم فارس للخيل زاجر # ومنهم راكب الدراج يعدو # على عجل فينظر مثل طائر # فقبعة تمايل فوق رأس # كميل مظلة عند الهواجر # وأزياء يحسنها مشد # بضغط قلوب أهل الود جائر # بها المتفرجون قد استداروا # كما دارت بمعصمها الأساور # فيا لله من أدب وظرف # تعزز فيهما تلك المظاهر # ترى السكان في طرب ولهو # يؤلف جمعهم طيب العناصر # كذا الغرباء في أمن وصفو # وتكريم به أمنوا المعاثر # معدات السرور لهم تدانت # وكم للصحب قد كشفوا السرائر # ويا حسن المناضد إذ تجلت # عليها أنجم الراح الزواهر # تحول همهم حالا سرورا # فتحسب أنها إكسير جابر # وبعد مغيب شمس الأفق ذرت # مصابيح بها اندحرت دياجر # ولما تأخذ النفس انبساطا # يعود الجمع بالأفراح خاطر # وينثر عقد ذاك النظم حالا # فما أحلى انتظاما غير ناثر # وعلى الجملة فإن المدينة تسر النفس بحسن مرآها، وأبنيتها الجميلة، وأنزالها الفسيحة، ~~وأسواقها ومياهها، ورياضها ولطف سكانها، وتستقدم إليها المصطافين؛ للتمتع بما حباها الله به ~~من الامتيازات الطبيعية والتسهيلات النقلية. ويكفينا الآن في وصفها ما كتبه إبراهيم أفندي ~~الحوراني لما زارها سنة 1902 في الجزء 1915 من النشرة الأسبوعية الغراء، قال: «من المدن ~~التي تقدمت في سورية تقدما يذكر مدينة زحلة فكل بيوتها إلا القليل منها يضاهي أحسن بيوت ~~بيروت، وفيها كثير من المدارس والمعلمين والخطباء والشعراء والأطباء والفقهاء ...» ثم أطال في ~~وصف الكلية الشرقية. # ومن أفضل التسهيلات فيها؛ أنها في متوسط تشعبات السكة الحديدية، فمنها إلى دمشق نحو خمس ~~ساعات وكذلك إلى بيروت وحماة، وإلى حلب نهار كامل. وكانت الأسفار قبلا إلى هذه المدن شاقة ~~خطرة فأصبحت اليوم سهلة كل السهولة؛ فضلا عن أن طريق العربات يمتد منها إلى دمشق فبيروت ~~فبعلبك فكثير من المدن والقرى. # وعلى الجملة فهي أكبر مدينة لبنانية شهيرة قائمة في شرقي لبنان، متجهة إلى سهلي بعلبك ~~والبقاع؛ بل هي قضاء برأسها من ms007 الأقضية السبعة كما سترى. # | هوامش # | تربتها وصخورها # إن تربة زحلة وما يجاورها معظمها بيضاء كلسية أشبه بالطباشير ؛ ولذلك سمي البقاع الغربي ~~الذي كانت المدينة قاعدته (قبل تنظيم متصرفية لبنان) بإقليم البياض. # 1 # وهي خصيبة فيها كثير من الهوالك الحيوانية والمندثرات النباتية، وخاصتها أنها ~~تصلح لغراس الزيتون والكروم ونحوهما. وأما تربة المدينة فخفيفة لكثرة انحدارها، إلا في ~~المحلات الكثيرة الأشجار فإنها أصون لحفظ التربة، ولا سيما حيث تنبسط الأرض وتستوي طبقاتها، ~~مثل البساتين ومرج عرجموش المعروف بالفيضة ونحو ذلك. فهناك تجد التربة حمراء والأرض تصلح ~~للزرع والغرس فتثمر ثمرا طيبا. وفي المدينة ومشارفها آثار خزف وفخار كثيرة، تدل على أنها ~~ربما اتخذت من تربتها، ولا أثر لهذه الصناعة فيها اليوم. ومن خواص هذه التربة أنها لزجة إذا ~~مستها رطوبة؛ ولذلك تكثر الوحول في بعض الطرق التي لم تحصب ولم ترصف. ولقد لاحظ ذلك ~~الأقدمون، فرصفوا أكثر الطرق والشوارع بالحصى المدملك الذي يكثر في مجرى النهر؛ فحبذا لو ~~تنبه المفوض البلدي إلى ذلك في عهدنا. # أما صخورها ففيها انقلاب جيولوجي وتزحزح في طبقاتها وتشويش في تنضيدها، مما يدل على ~~المؤثرات الطبيعية كالأمطار والرياح والمجاري المائية والزلازل والبراكين، التي غيرت ~~ترتيبها وأحدثت هذا الانقلاب العجيب. وفي قمم الروابي والجبال المحدقة بالمدينة فوهات ~~البراكين التي اشتعلت في أحد الأدوار وخمدت الآن، وهناك كثير من المصهورات البركانية، ~~كالصوان والحمة (الحجارة السوداء) والألماس الكاذب «وتسميه العامة في لبنان ملح القاق»، ~~أما في أعلى جبل صنين فطبقات الصخور على القمة أفقية الوضع وعلى المحيط تنكسر نحو المنحدر ~~إلى الجهات الأربع. # وعلى الجملة فإن صخور زحلة سريعة التفتت رخوة، وذلك من تأثير امتصاص المطر للحامض الفحمي ~~«الكربوني» من الهواء، وتشرب الأرض إياه فيتخللها ويفتتها. ولقد تناوب لبنان الفاعلان ~~المهمان المائي الذي يمهد ما ارتفع من الأرض ويعلي ما انخفض منها. والفاعل الناري الذي يسعى ~~بعكس ذلك، فيجعل السطح غير مستو. فكثرت فيه الأودية والمنخفضات والروابي والمرتفعات ~~والسهول والمستويات، كما ترى في وادي البردوني. # ولما كانت صخور زحلة لا ms008 تصلح للبناء؛ اتخذ اللبن المجفف بالشمس لبناء بيوتها القديمة، وهو ~~متين يصبر على الفواعل الطبيعية، ويتماسك الجدار المبني به حتى يصير كأنه قطعة واحدة صبت ~~في قالب واحد. أما الأبنية الحديثة ولا سيما منذ بضع عشرة سنة، فمعظمها من الحجارة التي ~~تقطع من مشارف المدينة على بعد أكثر من ساعة في غربيها، وتنقل على ظهور البغال، فهي كثيرة ~~النفقات لصعوبة النقل من المقاطع (المقالع) البعيدة. وهناك حجر أشبه بالحجر السماقي، كأنه ~~مرصع بفصوص بيضاء وحمراء يقبل الصقل فيصير لماعا جميلا، تسميه العامة «شحم بلحم»، تتخذ ~~منه الأجران للمدققة (الكبة) والأحواض والبوابات ونحوها. # ومن أكبر الصخور في المدينة الذراعان الممتدتان في فم الوادي الغربي عند نزل (لوكندة) ~~الصحة من الجنوب والشمال، ولكنهما لا يستخرج منهما حجر صالح للبناء، حتى إنهم عند تشييد ذلك ~~النزل في آخر الذراع الشمالية لم يقطع منها حجر نافع؛ بل احتاج بانيها إلى تفتيت الصخور ~~وإبعادها ليفسح للبناء محلا، واستقدم الحجارة من المقاطع البعيدة. وفي كثير من سفوح ~~وأسناد وادي البردوني على ضفتي النهر طبقات صخرية حصوية مدملكة متراصة تدل على فعل المياه ~~الجارية. # وفي مشارف المدينة كثير من المستحجرات الحيوانية، ولا سيما عند عين حزير وعين السواعير ~~وغيرهما مثل الحلزون (البزاق) والتوتيا والمحار (صدف الدر) وبعض الأسماك، ومن أعجبها ~~حيوان مائي بحجم الفرنك أو أكبر مستطيل الشكل، له على ظهره نقش بديع كأنه منبت شعر أو ريش، ~~ومن ذلك حجارة صدفية مركبة من مسحوقات الصدف المتراصة، وغير ذلك مما يوجد بعضه في متحفي ~~الكليتين الأميركانية واليسوعية في بيروت. # | هوامش # | نباتاتها وحيواناتها # كانت المدينة قديما كثيرة الغابات المشتبكة والأدغال، تنبت فيها أشجار السنديان السوري ~~والعفص والبطم والسماق والدردار (بمعنى الشائك) والرمان والجوز والدلب، وغير ذلك من نباتات ~~المنطقة الجبلية. وفي أعاليها ينبت البقل الذي هو من خصائص جبال الألب في أوروبة، وكانت ~~مشارفها تظللها الأشجار الغبياء والمتعرشات الغناء، حتى لا يكاد المار يقطعها بدون أن ~~يقطع بعضها شأن لبنان وسورية في الأيام القديمة؛ أيام كانت يد الإنسان ms009 لا تتحامل على ~~الطبيعة بفئوسها، ولا تصليها نارا آكلة. فكان الداخل في هذه المدينة لا يكاد يرى للشمس ~~أثرا إلا من خلال الأوراق، ولا يعرف للماء منسابا إلا من خريرها الذي هو أشبه بأنة الجريح ~~من الحصى البلورية. وقد تصورت هذا المشهد الفتان الطبيعي، فقلت فيه مشطرا أبياتا للإمام ~~ابن الوردي الشاعر المشهور وهي: ~~«فيه دوح يحجب الشمس إذا» # نظرت فيه ويخشى من رقب # أوقف الإنسان حينا بعد ما ~~«قال للنسمة جوزي بأدب» ~~«طيره معربة عن لحنها» # إذ تربت في مغان للعرب # وقعت بالعود أنغاما بها ~~«تطرب الحي كما تحيي الطرب» ~~«مرجه مبتسم مما بكت» # عين مزن تشتكي مر الوصب # زهره قد فاح لما جررت ~~«سحب في ذيلها الطيب انسحب» ~~«فيه روضات أنا صب بها» # وهي ترنو لمناجاتي كصب # أصبح العيش لديها رغدا ~~«مثلما أصبح فيها الماء صب» ~~«نهره إن قابل الشمس ترى» # ومض برق لاح حالا وذهب # ولمن يدنو بدت صورته ~~«فضة بيضاء في نهر ذهب» # وقد أحرقت هذه الغابات مرارا، ولا سيما لما هاجم الأكراد زحلة في سنتي 1777 و1793م كما ~~سيجيئ، وفي منتصف القسم الأول من القرن التاسع عشر الماضي لم يبق لها من أثر، ولا سيما بعد ~~أن ولع الناس بغرس التوت والكروم ونحوها. # وأشجارها اليوم معظمها الحور، # 1 # وهو على جانبي النهر وفي الأماكن الرطبة، فإذا كثر والتف سمي مجموعه غيضة ~~وجمعها غياض، وخشبه يتخذ للجوائز (الجسور) والروافد (ما يوضع فوق الجسور في السقف) ونحوهما، ~~وهو ممشوق قوي على حمل الأثقال والرطوبة، ومن خواصه أنه لا ينحني ولا ينقصم بسرعة مثل ~~الصنوبر وغيره، وتجارته مهمة كما سترى. # وفيها بقايا الزيتون القديم، وكان كثيرا في بلاد البقاع وبعلبك التي سماها الأقدمون ~~أهراء (حواصل) رومية، ولا سيما بستان قرب دير القديس إلياس الطوق، وفي بعض جهات من ~~المدينة. # وفيها التوت ويكثر في البساتين فوق مرج عرجموش (الفيضة)، وعلى ورقه يربى دود الحرير، وقد ~~يكون حسن النتاج في بعض السنين، وأما ما يربى منه في المدينة ففيالجه (شرانقه) ms010 أفضل مما ~~يربى في البساتين لجودة الهواء وجفافه. # وفيها يكثر الزيزفون، وهو عطري الرائحة يتخذ زهره لمداواة السعال ونحوه. أما الفواكه ~~فكثيرة أهمها التين والخوخ والمشمش والرمان والتفاح والإجاص والجوز واللوز وأفضلها العنب، ~~وهو مشهور معروف يحمل إلى جميع الجهات وألذ أنواعه التفيفيحي، وهو أشبه بالتفاح منظرا ~~وطعما، ويكون أبيض وأحمر يدوم طول السنة إذا وقي من الثلج والجمد (الجليد)، وأكثره من ~~المتعرشات التي تغرس في الدور والفسحات. وأما النوع العبيدي فكثير لذيذ يصلح للعصر وللزبيب، ~~ومثله الصوري في الكثرة والدربلي والجبيلي والمقصاص «وهو الذي يسمى في غير زحلة ~~بالمرويح». ومن أنواعه الجيدة الزيني وعنب المير «الأمير» والقاري وقرن الوعل وبيض ~~الحمام ومخ البغل والعاصمي وخدود البنات، ومعظمه من المتعرشات. أما الأسود اللون منه فأجوده ~~المريمي والصبيغ إلى غير ذلك، وجميعه لذيذ الطعم جميل المنظر يصدق عليه قول الشيخ أحمد ~~البربير: ~~«زحلة حازت» عنبا # يضرب فيه المثل # كأنه لآليء # يصان فيها العسل # ويباع هذا العنب للأكل ويصنع منه الزبيب ولا سيما من الدربلي، ويعصر الخمر ويستقطر الكحول ~~(العرق) من الأنواع الأخر. # أما بقولها ونباتاتها فكثيرة، ومن الأولى الكرنب والملفوف والخيار والقثاء والباذنجان ~~واللفت والخس والرشاد والفجل والبنجر (الشوندر) والجزر والقرة والجرجير وغيرها. ومن ~~الثانية الزوفي والخطمية وحي العالم اللاكوني والكثروم الخطي الورق والسميرنيوبسس السوري، ~~كما في نبات سورية وفلسطين للدكتور پوست الأميركي. ومن رياحينها الورد وهو كثير عطري يستقطر ~~ماؤه والبنفسج والبابونج والنرجس والإقاح والزعفران وشقائق النعمان وغيرها، وبعد جر ~~المياه إليها كثرت الأزهار والنباتات والأشجار الإفرنجية. # ويزرع فيها من الحبوب الحنطة والشعير والرطبة (الفصفصة أي الفصة) والقطاني، وفي القديم ~~كان يزرع حب الدخن. ولن تزال عين الدخن قرب سراي الحكومة دليلا على ذلك. وكذلك كانت تزرع ~~الحشيشة (القنب الهندي) التي تستعمل في مصر للسكر والتنباك والتبغ وغيرها. وعلى الجملة ~~فإنك تجد فيها نباتات السهل والوادي والجبل، وأنت لا تشعر أنك انتقلت من منطقة إلى أخرى ~~بتغيير في الإقليم. # وكان فيها قديما أيام كانت الغابات تظللها والحراج تشتبك في واديها ms011 وسفوحه وأسناده ~~ومشارفه؛ كثير من السبع والنمر والضبع والفهد والعقاب والنسر والحدأة (الشوحة) والبازي ~~والصقر، فانقرضت بانقراضها وبقي الدب والخنزير البري والغزال. ثم قل اليوم وجودها، أما ~~الذئب وابن آوى والنمس والقنفذ والخرز (الأرنب البري) والغرير فكثيرة. # وقد اشتهرت قديما بتربية الخيول وتأصيلها وترويضها، ولكنها اليوم لا عناية لأهلها بذلك ~~إلا نفر منهم. ويكثر الجاموس والبقر الضخم الجثة في بساتينها، وكذلك البغال والجمال ~~والحمير، وهي قوية الأبدان. ويربى فيها الغنم والماعز وغيرهما من الدواجن. ومن الطيور التي ~~تقتنص في ضواحيها الحجال والسماني والزرزور واليمام (الترغل) والحمام والوروار والقطا، ~~ويكثر فيها الدوري والسنونو معششا في الطنوف (السفارات) والصفارية أو التبشر، وتسميها ~~العامة «الصفراية» والصفرد (أبو الحن) وغيرها. ويوجد فيها قليل من النحل، وأفضله عسلا ~~ما تربى في أعالي المدينة إلى جهة الجبل وكذلك دود القز. ويوجد في غياضها دجاج الأرض ~~(الشكب) والفري وبعض الطيور المائية، كالأوز والبط وغيرها مثل الغرغر (ديك الحبش) ~~والدجاج الأهلي والكركي «الرهو» والبجع «العراق»، وغير ذلك من الطيور القواطع والأوابد. وفي ~~ضواحيها القبرة والثليجي (سن المنجل) والهدهد، ومن الصوادح الحسون «الشويكي الجوي» ~~والشويكي البري والخضيري، وهي ممتازة برخامة ألحانها، وفيها حيات وضباب (حراذين) وسام ~~أبرص (أبو بريص)، ولكن العقارب لا أثر لها فيها. # | هوامش # | ماؤها وهواؤها # إن ماء زحلة هو من نهر البردوني «البارد» الذي ينفجر من مغارة إلى غربي قرية قاع الريم ~~في السفح الشرقي من جبل صنين، وتلك المغارة طبيعية بديعة المنظر تتدلى من سقوفها وجدرانها ~~حليمات من المتجمدات المائية والرواسب الكلسية، فتكون فيها مشجرات حجرية أشبه بأشجار ~~المرجان في البحر، إلا أنها بيضاء وتنضب بعد أن تذوب الثلوج، وذلك في تموز أو بعده بقليل. ~~ولا يخفى أن خزانات الماء في الجبال العالية هي من الثلوج التي تملأ النخاريب والأخاديد ~~والمغاور، وتنساب في الشقوق الصخرية متخللة الأتربة إلى أن تصادف منفذا لها، فتنفجر منه ~~أنهارا وينابيع ومترشحات. # على أن مياه البردوني ليست جميعها من تلك المغارة، ولكن في عقيق «مجرى» النهر كثيرا من ~~الينابيع والمترشحات ms012 التي تنصب فيه، فتبقى مياهه جارية بعد ذوبان الثلوج عن القمم العالية ~~في صنين. وكذلك على عدوتي النهر مثل ذلك، وجميعه يترشح إليه فيكون جدولا صيفيا لا تنضب ~~مياهه إلا نادرا في سني الجفاف الشديد وقلة الأمطار والثلوج. ولا تزال مثل هذه الينابيع ~~تمده بمائها إلى أن يصب في نهر الليطاني # 1 # قرب مرج عرجموش (الفيضة)، ومسافة ما بين مخرجه ومصبه نحو أربعة وعشرين ~~كيلومترا. والمشهور أن مياه هذا النهر كانت موزعة على المدينة القديمة «التي يترجح أنها ~~كانت في محلة البساتين»، وعلى ضواحيها مثل الكرك وتل شيحا وعلين وغيرها، لما ظهر من ~~القساطل الخزفية العظيمة المتينة والأقنية المتوزعة في أنحاء الوادي في سفوحه وأسناده ~~ومرتفعاته وليس ذلك بغريب؛ لأن الأقدمين كانوا يبنون مدنهم قرب المياه، وينتفعون بها لإنماء ~~الزروع والغراس، وهم أشد حرصا منا اليوم على الزراعة واستثمار الأرض. وقد جرت منذ القديم ~~قناتان على ضفتي النهر يسميهما العامة «السكر» وذلك للاستقاء منهما، ولإدارة الطواحين ~~المشيدة على الجانبين. وقلما دخلت مياه النهر بيتا ووزعت عليه. # ولو كانت هذه المياه في أوروبة أو أميركة، لكان دخان المعامل التي تديرها يحجب نور الشمس ~~والشلالات الطبيعية التي تتخذها الصناعة لتوليد الكهربائية ونحوها تملأ العين جمالا، ~~وتستقدم السياح # 2 # من أطراف المعمور للتمتع بجمالها الطبيعي. والحدائق التي تنبت على مجاري المياه ~~من أجمل متنزهات الدنيا، ولكن الطبيعة هي العامل في بلادنا، أما يد الصناعة فلن تزال ~~مغلولة. على أن نيل الامتياز الوطني بتوليد الكهربائية من هذا النهر للتنوير وتسيير ~~القطارات، هو من تباشير الآمال حققها الله بالأعمال. # ومما لا يجب على المؤرخ أن ينساه، هو تهافت الناس على الاستقاء من المياه الجارية، مع ~~كثرة ما يرمى فيها من القمامات (الكناسات)، ويغسل فيها من الثياب الملوثة بالأمراض العضالة ~~ونحو ذلك، اعتقادا أن المياه الجارية لا تحمل أقذارا، فتفشت الحميات وبعض الأمراض، ~~وانتقلت بالعدوى لوجود جراثيمها في مياه الشرب. ولولا ما في هواء المدينة من المناعة؛ لكانت ~~موباة يتجافى الناس عن النزول في ربوعها. # على ms013 أن هذا الخطر قد زال والحمد لله منذ أخذت شركة المياه # 3 # بجر نبع الزويتينة الواقع قرب قرية حزرته على العدوة الجنوبية، في متوسط ما ~~بين وادي العرايش وقاع الريم المقابلتين لها، وهو ينبجس من سفح الوادي على علو ثلاثين مترا ~~عن مجرى النهر. وقد قدر ذلك الينبوع الغزير بنحو أربعين ألف متر، حصر معظمها في نفق ~~(تونل) طوله أربعة أمتار ببناء متين وخزان منيع، وبدئ بعمله في صيف سنة 1907، وجرت ~~المياه من الينبوع الأصلي إلى الخزان الكبير الواقع على رابية فوق دير النبي إلياس ~~(الطوق) على بعد 1800 متر بقساطل حديدية ضخمة. وقد كان تدشين هذا الخزان في أول آب سنة ~~1907، وتم توزيع المياه على جانبي المدينة وحوش الزراعنة في شهر تشرين الأول سنة 1909م، ~~وهذه المياه ممتازة بصفائها وعذوبتها وبرودتها. ولكن لن يزال بعض الخلل في قساطلها ~~وخزانها؛ إذ تنقطع في أيام المطر الكثير ويتعكر صفاؤها. ولعل المفوض البلدي يتوفق إلى ~~تمهيد هذه العوائق. وقد بلغ ما وزع من هذه المياه على المدينة نحو ألف متر حتى الآن (أول ~~سنة 1911). # أما ينابيعها المنفردة عن النهر والتي في ضواحيها ومشارفها فأشهرها بل أنفعها للصحة عين ~~الدوق، وموقعها على تلة في غربي المدينة على العدوة الشمالية حيث مزرعة عين الدوق، وتوصف ~~مياهها للضعفاء لجودتها. وتحتها على ضفة النهر الشمالية عين الدويليبي، نسبة إلى أسرة ~~الدويليبي الموجودة إلى الآن في المدينة، وهي تجري بميزابين غزيرين متقنة البناء، فخربها ~~سيل خريف سنة 1909. ثم عين البخاش نسبة إلى أسرة موجودة فيها إلى عهدنا، وهي على ضفة النهر ~~الجنوبية فوق نزل الصحة. ثم عين القرداحي (وتسميها العامة عين القرداح)، وهي في أعلى الكروم ~~فوق دير القديس إلياس (الطوق) على طريق المتن العمومية. وتحتها عين أخرى قد جر بعضها إلى ~~الدير المذكور وإلى الكلية الشرقية. # ثم عين المزرعة في الكروم، وعين البقر، وعين علين وهي قديمة على تلة المدينة الجنوبية ~~فوق سراي الحكومة قرب أطلال علين، ثم عين الدخن فوق السراي في سفح التلة، ومن ms014 تلك الجهة ~~استنبطت عين وجرت إلى باحة السراي. وتحت البيادر فوق النهر عين القسيس، ومقابلها في حوش ~~الزراعنة عين الغصين نسبة إلى أسرة فيها، وفوقها عين مقصود نسبة إلى أسرة فيها، وموقعها في ~~منخفض تلة الحمار الغربي. وعلى تلة فوقها إلى غربيها عين الفلفلة ووراءها بئر ~~هاشم، # 4 # وهي نبع صيفي قد احتفرت قديما. ذلك عدا ينابيع أخر في أنحاء المدينة، مثل ~~فوار شبوع نسبة إلى أسرة باقية فيها الآن، وهو في خندق أبي كحيل الذي يفصل حارة الراسية ~~عن حارة المعالفة أو سيدة النجاة على الطريق العام. وعين المعراوي نسبة إلى أسرة في ~~المدينة، وقد جرت إلى دير الآباء اليسوعيين. وكلها عذبة باردة هاضمة؛ فضلا عن بعض ينابيع ~~لا تصلح للشرب، مثل عين الصنان بدار المرحوم عبد الله مسلم في الحارة السفلى (التحتا)، وهي ~~معدنية المياه فيها محلول الكبريت. وعين الفيكاني في محلة جعيران فوق الجسر القديم وغيرها، ~~ومن يحفر في المدينة إلى عمق عشرة أمتار يستخرج المياه. وفيها آثار آبار قديمة كثيرة فضلا ~~عن الحديثة. # وفي محلة البيادر قرب سراي الحكومة غدير تجمع فيه مياه المطر، فتبقى إلى منتصف الصيف أو ~~آخره، فيمثل بركة بديعة المنظر كأنها المرآة أو صفحة البلور النقية تنبسط حولها البيادر، ~~التي هي أشبه بمرج مرصع بالنبات والأزهار. وفي هذه البقعة يتنزه الزحليون في الشتاء وأول ~~الربيع، إلى أن يشتد الحر فيتحولون إلى الصفة في غربي المدينة. وفي هذه الجهة يضرب السياح ~~سرادقاتهم (صواوينهم)، ومن هنا تنجلي المدينة للناظر بأجمل مشهد طبيعي يملأ العين، فتنبسط ~~له النفس فضلا عن جمال هذه البركة التي ترى فيها المدينة وجهها، فهي لها كالمرآة أو كما ~~قال ابن تميم: # لقد قابلتنا بالعجائب بحرة # مكملة الأوصاف والطول والعرض # كأن الذي يرنو إليها بطرفه # يرى نفسه فوق السماء وهو في الأرض # ولما كان موقع لبنان بين الدرجتين 33 و35 من العرض كان أشبه بالبلاد المعتدلة ~~الحارة، # 5 # ولكن الأمكنة التي تقرب من الجبل تلطف الثلوج حرارة صيفها ويرطب سدى (ندى) ms015 ~~الليل جوها، وهكذا موقع مدينة زحلة، فإنها بين اللبنانين الشرقي والغربي منحرفة إلى هذا، ~~فلما تشتعل رءوسهما شيبا وتتعمم قممهما بياضا يتلطف جو ما يجاورهما ولا سيما هذه المدينة، ~~فيصير هواءها جافا كثيرا؛ ولذلك توجد في إقليمها (مناخها) مناعة ضد الأوبئة والأمراض ~~العضالة، ولو اعتنى الأهلون بقوانين الصحة؛ لكانت أفضل موافقة للأجسام منها الآن. # ومن المقرر أن هواء المدن النقي هو ما كان على ارتفاع 25 قدما عن أسواقها المزدحمة ~~بالسكان، وزحلة ترتفع عن النهر نحو مائة متر، ويعلو معظم بيوتها عن الأسواق نحو سبعين ~~قدما، وهي منضدة بعضها فوق بعض، بحيث تنكشف للشمس وينفسح فيها مجرى الهواء؛ فلذلك ترى ~~الصحة فيها جيدة جدا، وهي أشبه بدمشق والقاهرة بجفاف هوائها، ولكنها تفضلهما بتوسطها بين ~~جبلي صنين والكنيسة المتعميين بالثلج في أكثر أيام السنة، ومقابلتها للبنان الشرقي ~~(أنتيلبنان) المكلل ببياض المشيب. # فالخريف فيها جيد في بعض السنين، حتى يكاد يضاهي الربيع بطيب هوائه واعتدال مطره، ولكنه ~~قد يكون طورا رطبا فتكثر الحميات، وتارة جافا فتكثر النزلات الصدرية كجفافه في العام ~~الماضي سنة 1910م، ورطوبته في السنة التي قبلها سنة 1909م، حتى إن السيول خربت كثيرا ~~من المدينة على جانبي النهر فاستنهر، وقد تنقطع السيول كما جرى في خريف السنة الماضية 1910، ~~ولم يتساقط المطر والثلج إلا في منتصف كانون الثاني من السنة الحالية 1911. # وصيفها جميل، لكن الشمس في أثناء النهار ترسل أشعتها عموديا على هذا الوادي المسور ~~بالتلال إلا من شرقيه، فتنحصر حرارتها فيه كأنها في محترق عدسية (زجاجة محرقة)؛ فضلا عن ~~أن الشمس تنعكس عن مشارف المدينة البيضاء التربة (التي ليس فيها ظل يلطف الحر. أما ~~الكروم فلا ساق لها منتصبة لترمي ظلا)، فتشتد فيها حمارة القيظ حتى تصهر الأدمغة، ولما ~~تميل الشمس إلى المغيب يكون الأصيل فيها لطيفا والنسيم بليلا، فيخرج الناس زرافات ~~ووحدانا إلى المتنزهات مزدحمين في طرقها حتى بعض ساعات من الليل الذي يكون في الغالب رطبا ~~بليلا. # وشتاؤها قد يكون باردا كثير الثلوج قارص الهواء جدا، كما ms016 كان قبلا منذ سنين، وكما هو ~~في هذه السنة. وقد يكون معتدلا كما في غيرها. وقد تكتسي مشارف المدينة حلة بيضاء ترسل ~~أهدابها إلى حضيض الوادي، فتطول إقامة الثلج ولا سيما في الضفة الجنوبية، فيحفظها الجمد ~~(الجليد). وقد تمزق الشمس ذلك الرداء الأبيض، ويساعدها المطر فتتعرى المدينة وضواحيها ~~منه، ولكن يبقى مطلا عليها من بعيد كالرقيب الخائف والمحب المكروه. على أن الهواء ~~الشمالي لا يكثر هبوبه فيها، لما حصنتها به الطبيعة من التلال والآكام التي تسورها، وفي ~~هذا تلطيف لبردها الشديد في بعض السنين. ولكن كثرة الحطب والفحم الخشبي في الأيام القديمة، ~~مما كان في المدينة أو جلبه البعلبكيون والبقاعيون ليباع في أسواقها، كان يخفف قرص البرد ~~بوقيده، فلما قل في أيامنا الحاضرة استبدل بالفحم الحجري وفحم كوك واستعيض عن المواقد ~~(الكوانين) بالمصطليات (الوجاقات). # ومع كل ما ذكرنا، فقلما تصل درجة الميزان المئوي (السنتغراد) إلى ما تحت الصفر بكثير في ~~الشتاء، وقلما ترتفع إلى ما فوق 30 درجة في إبان اشتداد الحر، فمعدل درجة البرد 8 والحر ~~20 في الظل. وتعصف في المدينة أحيانا الزوابع وتثور الأعاصير منتهية إليها من السهل، ~~فتندفع عليها بقوتها وتصدم منفرجها إلى أن تنتهي إلى مآخير الوادي ومنقطعه، فتدور في ~~أنحائها وتثير الغبار، ولكنها لا تدوم طويلا. ومما تمتاز به زحلة أنه لا يتراكم فيها ~~الضباب في أثناء السنة، مثلما يحدث في مشارف لبنان الساحلية التي تطل على البحر. # ولو كانت روابيها ومشارفها مشجرة؛ لكانت ظلال أشجارها تلطف حرارة الصيف وتحسن الهواء ~~وتجمل مناظر الربيع وتعدل الأمطار والثلوج، فلا تنصب عليها السيول الجارفة ناقلة الأتربة ~~والصخور حتى تخر منها مرافض الأودية وتتخرب البيوت والعقارات؛ بل كانت التربة تتشرب ~~الأمطار شيئا فشيئا وتنفذ في جذور الأشجار، فتخزنها في حياضها الطبيعية وتتوازعها الأرض ~~مستفيدة منها خصبا وافرا. وقد عرف بالتعديل أن المطر الذي يجود الغابات لا يسيل منه ~~إلا ستة أعشاره، والأربعة الباقية تخزن إلى حين الحاجة، فضلا عن أن الأهلين يستفيدون من ~~الأشجار ماديا، فيكثر لديهم ms017 الحطب ويتوفر الوقيد وتكثر الأخشاب والألواح للنجارة ~~ونحوها. # أما الربيع فقد يكون في بعض السنين باردا لكثرة الثلوج والأمطار، ولكنه في الغالب بديع ~~لكثرة المياه والمتنزهات، مع جفاف في الهواء يبعث في الجسوم نشاطا، وهو يتميز تميزا ~~ظاهرا ويقوي الأبدان؛ فلذلك تجد الزحليين أقوياء البنية صحيحي الأجسام مفتولي العضلات، ~~تترقرق على وجوههم مياه العافية، وتشف وجناتهم عن قوة الدم في أبدانهم. # ومن غريب ما يؤثر من جودة الإقليم في زحلة صفاء الجو ليلا، حتى إنك ترى السماء عريانة ~~معظم السنة، والكواكب نيرة متوقدة وصورها ماثلة بأحسن مظاهرها الفتانة، حتى إن مذنب هلي ~~الذي ظهر في الصيف الماضي كان بديع الطلعة فيها؛ ولذلك اتخذ الآباء اليسوعيون مرصدا في سفح ~~تلة كساره الواقعة على المنقلب الجنوبي من تلة المدينة الجنوبية بإدارة الأب برلوتي ~~الفلكي الفرنسي المشهور منذ ثلاثة سنوات، وهو مبني بأمكنة متفرقة على آخر طرز حديث، مجهز ~~بالآلات اللازمة، وذلك لأن الرصد في هذه الجهة يكون على أتم وضوحه؛ لقلة الأبخرة التي ~~تعكر صفاء الجو، ولجفاف الهواء الذي لا تحول رطوبته بين المراقب (التليسكوبات) والكواكب ~~المرصودة، ولهذا وصفت هذا الجو الجميل بقولي في ليلة صافية الأديم: # يا حسنها من ليلة لما انجلت # كسي المحاسن جوها العريان # فالكائنات تنام في مهد الدجى # ورقيبها هو كوكب يقظان # ولقد حسن هواء المدينة الآن اتخاذ القنوات لفضلات أقذارها، وتجفيف غاب عميق وقلة ~~مستنقعاته، واعتناء الأهلين بالكنس والرش. ولم تكن هكذا في القديم حتى دهمها الطاعون مرارا ~~وأفنى كثيرا من سكانها، وكان آخر عهدها به سنة 1828م، ولما حدث أول هواء الأصفر في دمشق ~~هرب سكانها إلى زحلة في صيف سنة 1848م؛ فأصيب من الزحليين ثلاثة، ونقلت إليهم العدوى في 26 ~~آب ومات منهم اثنان. وفي اعتقاد سكانها ومجاوريهم أن الهواء الأصفر لا يتفشى فيها؛ ولذلك ~~كثر المختلفون إليها في كل وباء يجتاح سورية ومصر. # ومن محسناتها أن الخطاف (السنونو) يأتيها في الربيع والصيف، فيلتهم البعوض الذي يكثر في ~~جوار النهر ويكف أذاه. وعلى الجملة فالمدينة ms018 صحية طيبة الهواء لذيذة الماء، فيها مناعة ضد ~~الأمراض حتى لا يؤثر فيها أشدها فتكا تأثيره في غيرها. # | هوامش # | قدمها وآثارها # إذا لم يكن في زحلة من الآثار القديمة الضخمة مثلما يوجد في جوارها، ككرك نوح ونيحا ~~وغيرهما، فليس ذلك بناف عنها أنها مدينة قديمة عاصرت العبادات الوثنية الأولية، وشاهدت ~~الأساطير الخرافية. أما آثارها فإنها درست لأسباب، أهمها قلة الحجارة في هذا الوادي ومشارفه ~~السفلى، فاتخذت حجارة تلك الأبنية للبيوت الحديثة، وهكذا طمرت المدينة القديمة بزحل الأرض ~~عليها من الأسناد والروابي ونحو ذلك من الفواعل الطبيعية، ولا سيما الزلازل التي خربت ~~بلادنا مرارا حتى في الأيام الأخيرة، ولا يزال اسم سيدة الزلزلة في زحلة شاهدا على هذه ~~المؤثرات، وكذلك اسم «زحلة»، فضلا عن اجتياح الغزاة لهذه البقعة وتخريب هياكلها. # وإذا رجعنا إلى التواريخ القديمة واستقرينا أساطيرها وتقصينا في البحث عن العبادات، نستشف ~~من ورائها ما يدل على أن زحلة كانت من المدن التي احتفلت احتفالات وثنية، وضجت ~~للمعبودات الخرافية؛ لوقوعها في سورية المجوفة (كيلوسيري) ولوجود نهر غزير المياه فيها، ~~والهياكل كانت تبنى على ضفاف الأنهار وقرب الينابيع، كما هو الحال في معظمها إن لم نقل في ~~كلها بلا استثناء. وكثرة كرومها التي اتخذت خمورها لاحتفالات ديونيس أو باخوس كما ~~سيأتي. # ولقد اعتقد كثير من المؤرخين القدماء أن إحدى الجنان الأرضية في هذا السهل الأفيح بين ~~الجبلين لبنان الغربي والشرقي (أنتيلبنان)؛ ولذلك كثرت فيه مدافن الأجداد الأولين، مثل نوح ~~وشيت وهابيل وقايين ويوشع وإيليا وغيرهم من الأولياء والأنبياء. وتابعهم في هذا الرأي مؤرخو ~~العرب من مسلمين ومسيحيين، حتى إن الدويهي كبير مؤرخي الطائفة المارونية قال في تاريخه ~~المطبوع في بيروت صفحة 116 ما نصه: «ولما طرد من الفردوس آدم سكن جبل حرمون (الشيخ)، وسكن ~~أولاده شرقي الفردوس في البقعة، وبنوا قلعة بعلبك واستنبطوا الطبول والزمور وكانوا قوما ~~جبابرة. وتدل على ذلك مدافن هابيل وقايين وشيت التي هي بالقرب منها.» # وروى الأب بطرس مرتين اليسوعي في تاريخ لبنان، الذي عرب قسم منه ms019 وطبع في بيروت صفحة 135ما ~~يؤيد هذا الرأي، إذ قال: إن الأب بلنشه اليسوعي سمع السيد أغناطيوس العجوري مطران زحلة ~~الكاثوليكي يقول: «إن إبرشية زحلة تسمى بإبرشية الفردوس؛ لأن بعض التقليدات القديمة تعين ~~الفردوس الأرضي في هذه الأمكنة.» وذكر بعض علماء الإنكليز ما يؤيد بناء بعلبك قبل الطوفان ~~بقوله: «إن البهموت - وهو حيوان أضخم من الفيل انقرض بالطوفان - هو الذي نقل حجارتها ~~الضخمة على ظهره لما بناها قايين معقلا يتحصن به من أعدائه.» وقال آخرون: إن بردى محرف ~~الفردوس، وكذلك الفرزل # 1 # في ضواحي زحلة. ويقال: إن قبر جدنا آدم في قرية تسمى الزبداني، # 2 # وقبر قايين في قرية تسمى قطنا # 3 # قرب دمشق. وقبر هابيل فوق قرية سوق وادي بردى # 4 # المعروفة قبلا باسم آبل إلى هابيل. وقبر نمرود جبار الصيد في قرية كفر ~~حوار # 5 # في ضواحي دمشق. وقبر شيت في قرية النبي شيت # 6 # في بعلبك. وقالوا إن دمشق # 7 # معناها شارب الدم؛ لأن قايين قتل فيها أو في ضواحيها أخاه هابيل. وأن بيت ~~لهيا # 8 # كانت منزلا لحواء وآدم جدينا الأولين. وأن حرمون # 9 ~~«جبل الشيخ» معناه اللعنة. وكذلك الليطاني نهر سورية المجوفة بمعنى الحرم؛ ~~إشارة إلى لعنة قايين الذي كان أول جان في العالم، وذلك عندهم سبب قحط الجبل الشرقي، حيث ~~اقترف فيه أول قتل عمدي طمعا في الدنيا وحسدا. # ولم يقف الزاعمون عند هذا الحد؛ بل تجاوزوه إلى ما بعد ذلك العهد العريق في القدم. ~~فقالوا: إن الطوفان حدث في هذه البقعة؛ ولذلك ترى تأثيره الهائل في ما يحدق بها من ~~الأودية الغائرة والجبال الناشزة والمستحجرات الحيوانية المائية في الأسناد والمشارف والقمم ~~إلى غير ذلك. وإن نوحا بنى سفينته في الجبل الشرقي من الأرز الذي كان يظلل قمم لبنان ~~وأسناده وسفوحه. ومن زيتون هذه الجهة الكثير منذ القديم، أخذت الحمامة التي أطلقها غصنا ~~علامة غيض المياه. وأنه امتطى غارب السفينة من عين الجر # 10 ~~«عنجر»، وإن السفينة استقرت على جبل سنير أو القلمون # 11 ms020 ~~«بلاد الشرق»، واستقرارها كان قرب الزبداني. وإن قبر نوح هو في ~~الكرك # 12 # بضواحي زحلة. وقال ابن حوقل - من مؤرخي المسلمين: إن قبر حبلة ابنة نوح على ~~مقربة من قرية عرجموش # 13 ~~(قرب الفيضة). وقال الدمشقي: إنه يوجد قرب كرك نوح ينبوع يسمى «تنور الطوفان»؛ ~~لأن مياهه تخرج من الأرض صعدا، وقرب العين شجرة دلب ذات جذع وأغصان شامخة كبيرة إلى غير ~~ذلك من المزاعم التي دعم بها القائلون آراءهم. # وفوق كل ذلك تطرقوا إلى القول بأن نوحا أول ما غرس الكرمة في قرية صيدنايا؛ ولذلك كثرت ~~الكروم في سفوح الجبلين الشرقي والغربي. ومن أدلتهم على الطوفان في هذه الجهة أن البقاع ~~ومعظم بلاد بعلبك مستنقعات، عرفت قديما باسم عميق لكثرة سباخها، وسماها أبو الفداء بحيرة ~~عميق. ولن يزال هذا الاسم في بقعة خاصة جففت مؤخرا باسم عميق. # 14 # واستطرد إلى أن قلعة بعلبك هي برج بابل، وأن فيها مقام إبراهيم الخليل ودير ~~إلياس النبي، وأنه في هذه الجهة ذبح كهنة البعل. # 15 # وأن اسم الشام نسبة إلى سام بن نوح، وكذلك قرية حام # 16 # منسوبة إلى ابنه حام. وأن التلال التي في هذا السهل كانت لبناء القرى عليها ~~بعد حدوث الطوفان؛ تخلصا من أبخرة المستنقعات وغمق المياه. وأن عين البقر # 17 # فوق زحلة في الكروم تذكار البقر التي كان آدم يحرث عليها، وكانت تربى فيها إلى ~~غير ذلك من التخرصات والأوهام. # ولا خفاء أن أقدم من سكن هذه الجهات هم الآراميون المنتسبون إلى آرام بن سام بن نوح، ~~وبقيت سلائلهم ردحا طويلا مستعمرة هذه السهول الخصيبة، قاطنة سفوحها الكثيرة ورباها ~~البديعة وجبالها الظليلة، فنشروا فيها عباداتهم الوثنية التي عمت جميع أقطار سورية ومصر ~~وما يجاورهما. ويقال إن أول معبود وثني أقامه الأشوريون تمثال الجبار نمرود على الأرجح، ~~وكان اسمه الباعل أو البعل أو البعليم ومعناه الرب أو المتسلط، وعرف باسم المشتري «جوبيتر» ~~والشمس، فشاعت عبادته وأقيم له أعظم هيكل في مدينة بعلبك، لن تزال أطلاله أفخم الآثار ~~القديمة وأضخمها ms021 وأتقنها صنعة وأدقها نقشا، وكان ذلك بعد الطوفان بنحو ثلاثمائة سنة. ~~ومصغرات ذلك الهيكل هي في جوار زحلة في قرية حوشبيه # 18 # ونيحا، # 19 # فلا يبعد إذن أنه كان في زحلة أو مشارفها هيكل قديم لهذا المعبود. وكلمة ~~«علين» التي هي إحدى مشارف المدينة في جنوبيها فوق كساره، نفس كلمة «بعليم» التي رأيتها ~~في بعض الأوراق القديمة «بعلين» منذ قرن ونصف، وفيها آثار تدل على قدمها وأطلال نقلت ~~حجارتها، وهناك أطلال دير القديس موسى لا يزال المسيحيون يزورونه، وهو بلا مراء بقية دير ~~قديم محول عن معبد وثني، كما هو الحال في كثير من معابد بلادنا. ومن معبودات الأقدمين ~~«نابو» أو عطارد، وله هيكل في قرية قصر نبا # 20 # التي هي في منعطف المنقلب الشرقي من جبل لبنان الغربي، على مقربة من زحلة. ~~و«شيما» المعبودة اللبنانية في القرن الثاني والثالث للميلاد، ولها هيكل في قرية بيت ~~شاما # 21 # قرب زحلة أيضا. و«هدرناس» الإله الآرامي، وهيكله في قرية نيحا المذكورة قد ~~عبثت به الزلازل، فبعثرت حجارته الضخمة؛ فضلا عن الهياكل الكثيرة المحدقة بهذا السهل ~~الأفيح لكثير من الآلهة الوثنية، من مثل هيكل قرية ماسة # 22 # المشيد لزحل «ساترن» وهيكل عين الجر. # وفي بقايا أسماء القرى في هذه النواحي آثار المعبودات. فإن عيتنيت # 23 # إحدى قرى البقاع، مركبة من كلمتي «عنت وتنيت»، وهما اسم واحد لآلهة أشورية ~~سموها سميرام أيضا، عبدت في عسقلان وأنحاء سورية، أو أنها مركبة من كلمتي عنت الأشورية، ~~وتنيت الآلهة الفينيقية؛ لامتزاج العبادتين معا في هيكل عفت آثاره اليوم. وعيثا # 24 # الفخار ربما كانت تحريف عنت هذه. ومثلها عيناتا قرب اليمونة # 25 # مقابل بعلبك. وجب جنين # 26 # يترجح أنها مركبة من كلمتي «جب» بمعنى بئر و«جينون»، وهي اسم معبود مصري كان من ~~بنيها المريخ (مارس) إله الحرب. ويونين # 27 # من بعلبك مركبة من كلمتي «يو» الإله الكلداني، ومعناه الفينيقي نور، قيل إنها ~~أخت البعل، وكان لها هيكل على شاطئ بحيرة اليمونة. وأونين ومعناه أبو البعل أو أنها محرفة ms022 ~~عن هذه فقط، فقالوا في «أونين» يونين، إلى غير ذلك من الأدلة. وحبذا لو قام بين ظهرانينا من ~~المؤرخين المحققين الواسعي الاطلاع على اللغات القديمة، من يمحص أسماء المدن والقرى ويحلل ~~معانيها، فإنها كالطبقات الصخرية في علم الجيولوجية، ترشد إلى حقائق راهنة، وتؤيد العلم ~~الصحيح. # وإن شئت أن ترى في أصل كلمة «علين» # 28 # رأيا آخر أدل على أن المدينة سميت باسم هيكل زحل، فراجع العبادات القديمة، ~~تجد كلمة «عليون» أي أيل، والعلي من معبودات الآراميين والفينيقيين، ويسمى أيضا بعل وكرون ~~وأدونيس وتموز. وهو أبو السماء والأرض وخليفة أيون الأشوري، هلك في محاربة الوحوش الضارية، ~~وشاعت عبادته عند المصريين واليونانيين والرومانيين، ولا سيما في مدينة جبيل ومشارفها في ~~لبنان، حتى سمي نهر إبراهيم باسم «أدونيس». وتحريف عليون إلى كلمة علين جاء عن تقديم الواو ~~على الياء في لهجة العامة، فقالوا «علوين»، ثم أدغموا تخفيفا في اللفظ على عادتهم، فصارت ~~الكلمة علين. ومما يؤيد هذا الرأي أن من سلالة عليون هذا «داجون» المعبود الفلسطيني ~~(قضاة 16 : 23)، المسمى أيضا سيتون مخترع استعمال القمح، وهذا الاسم ظاهر تحريفه في عين ~~الدوق # 29 # التي هي أحد أحياء المدينة اليوم، واقعة على رابية في الضفة الشمالية إلى الجهة ~~الغربية، مشهورة بطيب هوائها وعذوبة مائها، حتى توصف سكناها للمرضى. ومن أظهر كل ذلك أن ~~الرومان يسمون عليون ساترن؛ أي زحل، فلعلهم شيدوا له معبدا في علين هذه، وسميت المدينة ~~باسمه. وقبالة زحلة إلى الشرق في مدخل وادي يحفوفه، بعد أن يترك القطار موقف (محطة) رياق ~~قرية ماسة، إلى يمين الداخل على تلة، وهناك هيكل لزحل كما مر آنفا؛ فضلا عن أن لأيل - ~~أحد أولاد عليون - بنتين عنت وتنيت، وهي عشتروت؛ أي الزهرة، ومنها أخذ اسم عيتنيت في آخر ~~منعطف البقاع كما مر، إلى غير ذلك مما يملأ تفصيله كتابا برمته. # هذا ما رأيته في تسمية المدينة وأرباضها، مما يدل على قدمها، بقي أن ما فيها من المغاور ~~في الصخور قرب نزل (لوكندة) الصحة إلى غربيها، التي ms023 يسميها العامة الطوق، وبها سمي دير ~~النبي إلياس يدل على سكن الإنسان قديما فيها، في طور الظران؛ أي الطور الحجري؛ لأن لبنان ~~كان فيها أناس يسكنون مغاوره الكثيرة الطبيعية، وذكر يشوع بن نون (13 : 4) مغاور ~~الصيدونيين، والمراد بها مغاور نيحا «من الشوف في لبنان الآن» وعدلون. وكذلك اسم الصفه ربما ~~كان عبرانيا؛ لأن «صفه» العبرانية بمعنى استشرف ونظر، فلعل هذا الاسم كان لمحل على رابية ~~عالية كثيرة الأحادير على ضفة النهر الجنوبية تسمى الآن سور المشيرفة (تصغير المشرفة)، وصفا ~~سميم وبعل شميم بمعنى عبدة السماء ورب السماء، من العبادات الفينيقية، وهو زفس عند اليونان، ~~فعرب بالمشيرفة وبقي اسمه القديم لحضيضه، وهناك قبالة نزل الصحة غرفة منقورة في الصخر ~~مربعة تدل على أنها كانت هيكلا صغيرا ونحوه. وفوقها مغاور قديمة منحوتة في الصخور، كانت ~~مدافن للموتى ذات حنايا وأضرحة منقورة في الصخر، وهي مقابل المغاور المسماة بالطوق. وفي ~~المدينة كثير منها ولا سيما في صخر، هو كالنطاق لتلة المشيرفة التي هي أكمة خرماء «لها جانب ~~لا يمكن الصعود فيه»، وقد ظهرت مؤخرا فيه مغارة قديمة شاهدتها، ووصفتها في جريدة المهذب ~~وهاك الآن ما عرفته عنها بالتفصيل: إن في ذلك النطاق الصخري في سفح المشيرفة مغاور كثيرة ~~قريبا بعضها من بعض، كما يظهر للمتأمل على علو أكثر من ألف وأربعمائة متر عن البحر، وعلى ~~بعد نصف ساعة عن المدينة، ولم يحتفر منها إلا مغارة اهتدى محتفرها إلى معرفتها بكثرة ~~الأرانب التي كانت قد اتخذتها مخزة «المخزة بيت الأرنب»، فانتبه بعد مراقبتها مرارا إلى ~~أن ثم مغارة اتخذتها الأرانب مأوى لها، فاحتفر الفتحة الصخرية التي تبلغ نحو ثلاثة ~~أمتار، وهي مدخل إلى باب المغارة الحجري وغلقه أيضا من حجر، وطوله نحو ثمانين سنتيمترا ~~بعرض سبعين، والغلق الحجري مركز على نجرانين؛ أي محورين حديديين في أعلاه وأسفله لفتحه ~~وإغلاقه بسهولة، وهو ضخم أبيض اللون قد نزع من محله، وفيه ثقب مستطيل يدل على أنه اتخذ ~~لوضع شيء فيه، إحكاما لسده وتوثيقا لإغلاقه، وفي جانب ms024 الباب المقابل لمحل المحورين ثقب ~~يقابله. وفي داخل المغارة ثمانية نواويس منقورة في أرض المغارة الصخرية، اثنان منها على ~~جانبي الداخل وخمسة في وسطها متناسبة الوضع وناووس في أقصاها. وهناك نواتئ صخرية تمثل ~~رفوفا وجدت عليها سرج من فخار منقوش، مستديرة أو بيضية الشكل مستطيلته، ولكل منها ثقبان؛ ~~أحدهما في مستدق طرفه، والثاني في وسطه. وقياس كل قبر منها نحو ثمانية أشبار طولا وأكثر من ~~اثنين عرضا ونحو شبرين عمقا. وعلو سمك (سقف) المغارة عن سطح النواويس نحو ثمانين ~~سنتيمترا فقط، بحيث لا يستطيع الداخل أن ينتصب. وطول هذه المغارة من الشرق إلى الغرب نحو ~~عشرين شبرا في عرض مثلها، وهي منحوتة في صخر أبيض رخو، يعرف بالحجر السكري، ولها حنايا ~~(قناطر) فوق القبور كلها منحوتة، ووجد في هذه النواويس عظام نخرة بعضها كبير والآخر صغير، ~~وفوق الباب وجدت كوة غير نافذة. ولو تقصى الباحثون في حفر هذا النطاق وغيره، لعثروا على ~~أشياء كثيرة ترشد المؤرخ إلى حالة المدينة القديمة. # وإذا صعدت من هذا النطاق إلى علو خمسين مترا، وعلى بعد ربع ساعة، وصلت إلى تلة ~~المشيرفة، # 30 # وهي تصغير المشرفة بمعنى المطلة على ما حولها، وفي طلع هذه الأكمة (المكان ~~الذي يشرف منها على ما حولها)، التي تعلو ألف وخمسمائة متر عن سطح البحر، ونحو خمسمائة عن ~~حضيض وادي البردوني آثار أبنية قديمة ضخمة الحجارة، كما يروي المعمرون من سكان زحلة، وكانت ~~مضفورة؛ أي مبنية بحجارة بلا كلس ولا طين، فهدمت أطلالها ودحرجت حجارتها إلى الوادي، واتخذت ~~لبعض الأبنية منذ القديم. ولعل من بقاياها تاجي عمودين منقوشين أمام دير الطوق حتى الآن. ~~وكانت هناك نواويس منفردة على شكل أجران مستطيلة، ولها أغطية مسنمة «بشكل جملون». وهناك ~~آبار مستديرة منقورة في الصخور، ولها محل منقور حول فوهاتها لوضع أغطيتها، وبالحقيقة أن ~~تسمية هذه الرابية بالمشيرفة جاءت اسما على مسمى؛ لأن الواقف على طلعها يشرف على جبل صنين ~~والكنيسة، وجبل الشوف المتصل بجبل عامل (بلاد بشارة)، وجبل الشيخ «حرمون»، والجبل الشرقي ms025 ~~«أنتيلبنان»، إلى أن يستشرف أطلال بعلبك الشهيرة، وينتقل إلى جبل المنيطرة حتى ينتهي النظر ~~في صنين حيث ابتدأ، فكأن الواقف عليها هو في مركز دائرة والأفق حوله كالحلقة المفرغة، لا ~~يدري أين طرفاها، فضلا عما يراه من القرى في سفوح هذه الجبال، وفي سهل البقاعين وبعلبك ~~ووادي التيم، وقلما يجد الرائي مثل هذه المناظر الجامعة بين السهول والجبال والأودية ~~والتلال والمنبسطات والرعان والأنهر والينابيع، والخضرة التي لا تخلو منها السهول . فهل ~~نسلم أن هذا المحل مع مناعته ووقوعه في مدخل البقاع بين جبلي صنين والكنيسة كان خلوا ~~من هيكل قديم حول معقلا حربيا قوضت أركانه؟ كلا لا يقتنع العقل بخلوه من بناء ~~عظيم لحسن موقعه وحصانته. # فما هو هذا البناء يا ترى؟ وأي متى شيد؟ ومن رفع دعائمه؟ وكيف أصبح أطلالا دارسة؟ إن ~~من راجع التاريخ بتبصر وترو علم أن الفاتحين من فراعنة مصر، والغزاة من الفرس والرومان ~~والأمم القديمة التي اجتاحت سورية من جهات مختلفة، كانوا لا يستغنون عن الدخول في المضايق ~~المحصنة المحدقة بلبنان وسهوله أو الخروج منها. وأهم هذه المضايق المطروقة هي مضيق جبل ~~المنيطرة، قرب بحيرة اليمونة مقابل بعلبك، حيث هناك آثار طرق رومانية مرصفة بالحجارة، ~~تؤدي من نهر الكلب إلى بعلبك على طريق العاقورة قرب مغارة أفقا، حيث يخرج نهر إبراهيم أو ~~أدونيس (تموز) المشهور في التأريخ، وسمي ذلك الجبل بالمنيطرة لكونه كان محرسا ومرتقبا. ~~والمدخل الثاني هو بين جبلي صنين والكنيسة. والثالث هو قرب المريجات عن طريق بيروت إلى ~~دمشق. وهناك معابر أخرى من جهة وادي التيم إلى البقاع، ومن جهة حمص إلى سهل بعلبك وغيرها، ~~مثل مضيق وادي القرن إلى دمشق، ومدخل وادي يحفوفه إليها أيضا. ولما كان كلامنا منحصرا ~~الآن في تأريخ زحلة، نخص بالذكر من هذه المضايق ما بين صنين والكنيسة، وهو الذي اجتازه ~~بومبي القائد الروماني الشهير، لما اجتاح سورية في القرن الأول للميلاد، كما ذكر اسطرابون ~~الجغرافي الشهير، وقوض في غزوته بعض المعاقل منها قلعة «سنان»، ومن رأي الأب ms026 هنري لامنس ~~اليسوعي في «تسريح الأبصار 1 : 34»، أن هذه القلعة لم تكن في مشارف صنين العليا لكثرة ~~الثلوج وقرس البرد، وإنما كانت على منعطف رباه، وإذا بحثنا في جوار صنين الذي سمي باسم هذه ~~القلعة «سنان»، لا نجد أفضل من هذا الموقع المتوسط بين السهل والجبل، لهذا المعقل فنرجح ~~إذن أن قلعة «سنان» كانت في محلة المشيرفة، فهدمها بومبي ودكها برمتها إلى الأرض، لما ~~غزا الأيطوريين (الجبليين) الذين مدوا سلطتهم من حوران إلى بطاح سورية المجوفة، وأعالي ~~لبنان الغربي، وسفوحه حتى شاطئ البحر المتوسط، ولا سيما في مدينتي طرابلس وجبيل. ثم أخنت ~~الأيام عليها، فضعضعت أركانها ونسفت أبنيتها ومحت آثار عظمتها، فنقل سكان زحلة القدماء ~~ومجاوروهم حجارتها الضخمة، وصغروها ليستعينوا بها في أبنيتهم لقلة الحجر في المشارف السفلى. ~~ولا خفاء أن هذا المعقل كان في الأصل معبدا وثنيا حول إلى حصن. # والمروي على ألسنة الشيوخ إلى عهدنا، أن تحت معقل المشيرفة نفقا (سردابا) على مسافة ~~ميل، يصل إلى مياه البردوني كان المحاصرون يستقون منه في أيام الحروب. ويسمون هذه الأطلال ~~«سور المشيرفة»؛ لأن زحلة لما جدد بناؤها كانت آثار السور باقية فنسبوها إليه. وإلى غربي ~~هذه الأكمة الشمالي على مقربة منها مغارة الراهب. وهي فتحة في صخر ناتئ، لها باب مربع يتجه ~~إلى أعلى التلة، وفي داخلها ثلاثة نواويس محفورة في الأرض الصخرية وناووس رابع في أقصاها، ~~منقورة جميعها في صخر صلد، ولها كوة نافذة من سطحها، وهي تمثل غرفة بديعة الوضع. # يقال إن أحد الرهبان تنسك فيها فنسبت إليه. ولها حنية فوق النواويس الثلاثة، وأما فوق ~~الرابع فالسمك (السقف) مسطح وارتفاعها متوسط، بحيث لا يمكن للداخل إليها أن ينتصب، وقربها ~~بعض المغاور نظيرها. وقد وجدت هناك قطع نقود قديمة رأيت بعضها، وعليها النسر الروماني الذي ~~هو شارتهم، وعلى وجه آخر صورة واسم أدريانوس أوغسطوس الذي ولد سنة 76م، وتبوأ العرش ~~الروماني من سنة 117-138م، ويقال: إنه هو الذي ابتنى قلعة نيحا وبعض هياكل في بعلبك ~~وغيرهما، فلعله جدد قلعة ms027 المشيرفة أيضا. وكذلك في بدء السنة الحالية (1911م)، كان بعض ~~الفعلة يحفرون في حضيض هذه التلة الشرقي، وراء دير النبي إلياس (الطوق)، فوجدوا آثار معاصر ~~زيت ومعصارا «مكبسا» حجريا أبيض كبيرا. وبينما أحدهم يقلب حجرا من الأرض التي كان ~~ينقبها، وجد تحته أكثر من ستمائة قطعة من النقود الشبهية (البرونزية) توازعها الفعلة، ~~فرأيت بعضها وعليها اسم قسطنطين، أول ملك مسيحي من الرومانيين، تبوأ العرش من سنة 306-337م، ~~ومن سنة 313م نادى في مملكته شرقا وغربا بحرية الديانة المسيحية، وشيد كثيرا من ~~الكنائس والمعابد، معظمها حوله من الهياكل الوثنية ولن يزال إلى يومنا، ولعله بنى في زحلة ~~معبدا باسم النبي إلياس المشهور في هذه الجهة، ومما يدل عليه بر إلياس وقب إلياس والنبي ~~إيلا (إيليا أي إلياس)، وفي نواحي المعلقة قرب بساتينها قطعة أرض باسم كروم (دير لباس)، ~~ويروي الشيوخ أنها محرف دير النبي إلياس، وروى الأب جوليان اليسوعي أن كساره تحريف ~~قيصرية، ولعلها كانت مستعمرة لأحد القياصرة الرومانيين، وقيل: إن اسم كساره آرامي بمعنى ~~الخصب والريع. أما الكتابة على هذه النقود فهي باللغة اللاتينية # Imprator ~~Constantin ~~، ومعناها الإمبراطور قسطنطين، مما يدل على أنه هو الذي صكها ~~وصورته واضحة على كل منها، ومع أن حجمها لا يتجاوز حجم المتليك من نقودنا الحاضرة، فهي ~~أسمك منه، تجد على وجهها الثاني صورة قائد قد رفع على ذراعيه ولدا بيده زهرة، هي علامة ~~الانتصار وتحته طير. وليست هذه الصورة متماثلة في ما رأيناه منها؛ لأن العادة المعروفة في ~~التاريخ إذ ذاك أن كل قائد ينتصر تنقش صورته على النقود تخليدا لذكره، فلذلك اختلفت ~~الصور باختلاف المنتصرين من قواد الجحفل أو الفيلق الذي كان عدده في ذلك العهد ستة آلاف ~~وستمائة جندي. وظهرت فيها نقود عربية فضية من صدر الإسلام، وقد رأيت مصكوكات قديمة وجدت في ~~عنجر (عين الجر أو خلقيس أو كلشيس)، عليها رسم واسم هذا الملك أيضا، وكل ذلك يدل صريحا ~~على قدم المدينة، وأنها كانت مأهولة في الأزمنة القديمة. # ومن الآثار التي ms028 ظهرت في الوادي والبساتين وتل شيحا وعلين نواويس رصاصية على أغطيتها ~~صور أشخاص بديعة ونواويس حجرية مفردة مسنمة الأغطية، على بعضها نقوش بسيطة، وفوق قصر (سراي) ~~الحكومة في محلة البيادر على مشارف التلة الجنوبية، وجد كثير منها قريب بعضه من بعض يدل ~~على أنه كان مقبرة، ولن يزال أحدها على طريق العربات تحت ميزاب «عين السراي» النافذة مياهه ~~هناك أمام قصر الحكومة. ووجد في بعض هذه النواويس رمم هياكل بشرية، وعلى بعضها رق ذهبي ~~يغطي الوجه، وشنف أي حلقة من حجر بديعة الصنع رماها أحد الفعلة فانكسرت، ومما يؤسف له أن ~~الذي ظهرت له هذه النواويس لم يحافظ عليها، بل كسرها وباعها حجارة والرصاصية أذابها، ~~فهكذا تلفت آثار المدينة القديمة، حتى كاد تأريخها يطمس ذكرا. # وإذا راجعنا أقوال الأثريين في مثل هذه المدافن، نجدهم قد قسموها إلى أربعة أشكال: أولها ~~القبور الغائرة، وهي المنقورة في الصخور كالأضرحة الحديثة والمسدودة بالحجارة، وثانيها ~~القبور النفقية (الدهليزية) وهي ذوات فتحات من خمس إلى ست أقدام طولا، ونحو قدم ونصف ~~عرضا، تكون في الغالب محفورة في الصخر أفقيا، وفيها ضريح لطمر الجثة. وثالثها القبور ~~الرفية وهي ذوات رفوف أو مقاعد لاستقبال الجثة تعلو نحو قدمين عن الأرض، وتكون في الغالب ~~مقببة، ورابعها القبور ذوات الكوة الغير النافذة وهي منحوتة غالبا في وجه الصخر. # أما غرف القبور فهي ثلاثة أنواع: أولها القبور المفتوحة ولها أضرحة غائرة في أرضها. ~~وثانيها القبور ذوات الرفوف أو المقاعد الحجرية الممتدة حول الجدران المتخذة كرفوف للقبور. ~~أو القبور ذوات الضرائح التي كالجسور المحفورة في الجدران فوقها. ومدخلها مغلق بصفيح حجري ~~أو باب حجري صغير. وثالثها مجموع غرف ذوات باب له أسكفة (العتبة العليا) تؤدي إلى مدخل فيه ~~أبواب صغيرة مفتوحة لغرف مختلفة. ونقوشها تكون في الغالب أضاميم من ورق أو زهر. على أن ~~القبور الحجرية المفردة لم يكن يستعملها إلا الأغنياء، وقد اقتبسها الفينيقيون والعبرانيون ~~عن المصريين، وربما كانت هذه القبور الحوضية زوجا ولها غطاء واحد. وكثير منها ينظر الآن ms029 في ~~سورية أجرانا للينابيع تستقي منها المواشي. # أما عادة النقش على النواويس، فكانت أقل شيوعا بين العبرانيين والفينيقيين القدماء، ~~تابعة لذوقهم وحبهم للتاريخ منها بين الأشوريين والمصريين الذين نقل الأولون عنهم. ثم أخذ ~~عنهم الرومان واليونان والمسيحيون في أول عهدهم. # فمن كل ما ذكر نستنتج أن هذه المدافن التي وجدت في مدينة زحلة ومشارفها وأرباضها، هي ~~من عهد العبرانيين أو الرومانيين إن لم تكن أقدم، لما في وضعها من المناسبة لمدافنهم. وقد ~~وجدت مدافن محفورة في الأرض مبنية بالحجارة في أنحاء المدينة، منها ضريح عليه قبرية (بلاطة ~~يكتب عليها اسم الميت وتاريخ وفاته) بتاريخ سنة 200ه/815م، وفي الضيعة؛ أي حارة دير النبي ~~إلياس للرهبنة المخلصية في وسط المدينة قرب قصر الحكومة، توجد مقابر تحت البيوت الحالية، ~~وقد ظهر على أحدها قبرية كتب عليها: «توفي في شهر ذي الحجة من شهور سنة 732ه/1331م رحمه ~~الله.» وقد وجد قرب دير النبي إلياس للرهبنة الحناوية في غربي المدينة حجارة منحوتة اتخذت ~~لبناء الدير منذ القديم. وظهرت في أنحاء المدينة آثار حرائق ومخازن في بعضها آثار صياغة، ~~وأبنية نقشت بالفسيفساء. وقنوات للمياه ذات أنابيب (قساطل) خزفية متينة ضخمة، تدل على ~~توزيع المياه في المدينة القديمة. وحنايا تحت الأرض أو أقبية، منها سرب في بيت يوسف حجي ~~متجه إلى الغرب، يستطيع الإنسان أن يدخله منتصبا ولا آخر له ولا منفذ. ووجد في القديم ~~تمثال حجري لأحد الأصنام، وربما كان لزحل. وظهر في تل شيحا تمثال خروف من خزف وآنية خزفية ~~بديعة. وفي حضيض وادي البردوني الجنوبي قرب عين البخاش، ومقابل محلة الطوق سرب يسمى مغارة ~~الرصد، يتجه إلى الشرق حتى يقابل دير النبي إلياس الطوق ولا منفذ له. وكذلك في علين وتل ~~شيحا آثار خزف قديمة وآبار وأساسات متينة الحجارة وخزف بديع، وفي المشيرفة آثار خزف منقوش ~~بديع الألوان متقن الصقل. وظهرت آثار آبار قديمة بعضها مربع والآخر مستدير، وهي من ~~القصرمل؛ أي الرمل والحصى والكلس. وكذلك خواتم من حجر المرمر عليها نقوش أشخاص ~~بديعة. ms030 # وكان فيها جسر عظيم الحجارة متين البناء، ربما كان رومانيا أو من زمن الصليبيين محل ~~الجسر الكبير الآن قرب الحارة السفلى (التحتا)، فهدمته السيول سنة 1815م، وجدد بناؤه ~~بقنطرة واطئة فهدم ثانية وتجدد سنة 1822م، وكان هذا الجسر أشبه بجسر المعلقة القديم، ~~كأنهما أخوان شق الأبلمة. وعند محلة (الصفة) في منقطع الوادي، كان جسر قديم مثله يعبر عليه ~~إلى قرية عين الدوق، فهدمته سيول عظيمة وجدد بناؤه بزمن نعوم باشا سنة 1897م. ولعله كان ~~من بناء الصليبيين أو أقدم منهم. # فكل هذه الآثار لا يصح أن تبقي تاريخ المدينة حديثا، بل هي أدلة على أنها كانت معاصرة ~~لما يجاورها من القرى التي فيها آثار لم تعبث فيها يد التخريب والتشويه إلى يومنا. # وإذا أرسلنا نظرة أخرى إلى جهة ثانية من التاريخ القديم، نجد أن عبادة ديونيس إله الخمر ~~كانت منتشرة في دمشق وضواحي سورية المجوفة، حتى كثرت الهياكل لهذا الإله الخمري، وتغالى ~~السكان بغرس الكرمة # 31 # احتفاء به، فكان لزحلة وضواحيها نصيب كبير من هذه الحفلات الشائعة بلا ريب. ~~وكان ديونيس الفينيقي قاهر أرنط الجبار الهندي أو الأثيوبي في نهر العاصي المنسوب إلى ~~أرنط، والمعروف أيضا بالمقلوب، فصار ديونيس في آخر عهد الوثنية بمنزلة زفس أو المشتري بطل ~~الأساطير في سورية المجوفة، وتمكنت عبادته في دمشق حتى سمت ملكها أنطيوخوس الثاني عشر ~~ديونيس الجديد، كما كانت تسمى بذلك سابقا ملوكها بني هدد. وانتشرت انتشارا عظيما في ~~سورية المجوفة، وأقيمت له الحفلات الخلاعية ردحا من الزمان، وشيد لديونيس في سورية المجوفة ~~قصر تحدق به جفان الكرم التي كانت شارته الخاصة فعمت زراعة الكرمة في هذه الضواحي. ولن يزال ~~عنبها وخمرها من أفخر ما يوجد منها حتى الآن، ولا سيما في زحلة وضواحيها فلا يبعد أن قصره ~~كان فيها. وإذا حللنا بعض أسماء القرى في هذه البطاح يتجلى لنا أن دورس التي فيها القبة ~~القديمة الشهيرة بجوار بعلبك، ربما كانت محرفة عن ديونيس فقالوا ديوريس ثم دورس. ومما يدل ~~بصراحة على هذا ms031 البطل الخرافي أن في أطراف البقاع على تخوم وادي التيم قرية كفردينس، وهي ~~بلا شك نفس كلمة ديونيس خففها العامة على عادتهم. ولعل اسم قرية كفردان قرب حدث بعلبك ~~بقية اسم ديونيس، فحرف إلى دان، والله أعلم. # ففي الصفة أو المشيرفة وعين الدوق وعلين وكرك نوح وعرجموش وترحين وبحوشه وقمل وبلوده ~~وكساره والتويته والرمثانية وبوارش أدلة واضحة على قدم زحلة ومعاصرتها لما يجاورها من ~~الأماكن القديمة، مثل عين الجروماسة ونيحا وقصرنبا والفرزل وجديتا وقب إلياس ومندرة ~~اليونانية الاسم وغيرها. # وحبذا لو تفرغ فريق من العلماء لدرس آثارنا، وكشف القناع عن محيا قدمها. وقد اكتشف في ~~الفرزل أثر يمثل صورة إله غريب الشكل ممتط جوادا، ولابس لبس الأسويين، وهو معبود شمسي ~~اتخذه الشرقيون، كما اتخذ اليونانيون عبادة الشمس باسم هليوس، ومنها اسم هليوبوليس لبعلبك ~~ومعناها مدينة الشمس (مجلة المشرق 8 : 270). واكتشف في تل شيحا من زحلة تمثال لهذه العبادة. ~~وفوق قصرنبا صورة المشتري منقوشة على صخر كبير. وكذلك قرب قب إلياس نقوش معبودات يونانية ~~وغيرها على صخور كبيرة، وفي مشارف صنين والكنيسة فوق زحلة نقوش وكتابات. # وبقي اسم نهر البردوني، فربما كان تصغير بردى # 32 # على القاعدة السريانية مثل اليموني تصغير اليم بمعنى البحر، ومعنى بردى البارد ~~أو الفردوس. وفي هذا الاسم دليل على قدم المدينة أيضا وشئونها التاريخية. وفي سهل بعلبك ~~مقابل المدينة قريتان؛ إحداهما تسمى حوش الذهب والثانية حوش بردى، وهما من أسماء نهر بردى ~~الدمشقي الذي يسمى مجرى الذهب. ولعل في هذه التسمية سرا يكشفه البحث أو هي من الكلمة ~~الفارسية «بردن» بمعنى الاشتداد في العدو وفيه إشارة إلى سرعة جري النهر لانحدار مجراه ~~ولا سيما قبل وصوله إلى زحلة. # | هوامش # | حوادث زحلة القديمة # لا خفاء أن زحلة موقعها في غربي البقاع متجهة إليه وشئونها القديمة متعلقة بتأريخه. ~~فلهذا أفردت هذه المقالة لسهل البقاع، مسترسلا فيها إلى سهل بعلبك عند مسيس الحاجة ~~والعلاقة، وذلك تمهيدا لوصف حوادث زحلة قبل تدميرها، ثم تجديدها في أوائل القرن الثامن عشر ~~للميلاد. ms032 # موقع سهل البقاع بين الدرجة 33 والدقيقة 20 والدرجة 54 والدقيقة 40 من العرض. سماه ~~العبرانيون باسم عميق # 1 # والمصريون باسم رتنو، ودعي آرام صوبة وبقعة آون وبقعة لبنان ومملكة رحوب ووادي ~~لبنان وفينيقية لبنان، وسماه اليونان سورية ~~المجوفة # Coele-Syria # ومرسياس أو ماسياس، # 2 # والرومان دعوه أهراء رومية؛ لأنهم ملئوا مخازنهم من غلالة الخصيبة الوافرة، ~~وذكره بعض مؤرخي العرب باسم مرج الروم وسهل نوح. وهو منفرج بين جبلي لبنان الشرقي والغربي، ~~وإلى شماليه سهل بعلبك. والمرجح أن هذا الانفراج نجم عن حادث جيولوجي قديم، فصل الجبلين ~~المذكورين الشرقي والغربي بعد أن كانا جبلا واحدا، فكون ذلك الانفصال حوضا بينهما هو ~~الغور السهلي الذي ملأته السيول أتربة مجروفة من القمم والمشارف والأسناد، فصار سهلا ~~خصيبا فسيحا. ولن تزال الأمطار تحمل إليه الأتربة. وموقعه في سورية المتوسطة التي تبتدئ ~~من مدخل حماه شمالا، وتنتهي في جنوبي مدينة صور جنوبا. ومن أمهات مدنها الداخلية، حمص ~~وتدمر ودمشق وبعلبك وخلقيس (عنجر). ومن أهم مدنها الساحلية طرابلس والبترون وجبيل وبيروت ~~وصيداء وصور. # هذا في تقسيم سورية الطبيعي. أما في التقسيم الإداري فإن هذا السهل اليوم هو من ولاية ~~سورية، يحدق به لبنان الشرقي والمنخفض السلسلة القليل العمران والسكان والخصب في غربيه؛ ~~لكثرة انحداره وأقصى علوه في طرفه الجنوبي، حيث يرتفع جبل الشيخ 2800 متر عن سطح البحر. ~~ويتصل بلبنان الغربي الذي هو أكثر ارتفاعا من الشرقي، وأوفر عمرانا وخصبا وسكانا ولا ~~سيما في غربيه، فهو يخالف شقيقه بعض المخالفة. وأعلى رءوسه المشرفة على هذا السهل جبل ~~المنيطرة فوق اليمونة، الذي يعلو 9500 قدم، وجبل الكنيسة فوق جديتا وبوارش المرتفع نحو ~~6650 قدما، وجبل الباروك فوق عميق المرتفع نحو ذلك. وفي سهل البقاع نحو سبعين قرية، منها ~~بضع عشرة مرزعة صغيرة، وسكانه نحو خمسة عشر ألف ذكر. ومجموعهم نحو ثلاثين ألفا ونيف معظمهم ~~من المسلمين، فالمسيحيين وبينهم بعض الشيعيين (المتاولة) في مشغره وضواحيها، ومساحة أرضه ~~نحو أربع مائة ألف فدان (والفدان ألف وستمائة ذراع مربعة)، وأكثره ms033 سباخ ولا سيما في السنين ~~الماطرة. # وتزرع فيه جميع أنواع الحبوب، حتى تقدر حاصلاتها السنوية بمليون مد ونصف مليون تقريبا ~~على اختلاف أجناسها، كالبقاعي الأحمر والسلموني الأحمر والدوشاني والحوراني، والقطاني ~~كالعدس والحمص والبيقة (الباقية) والكرسنة ونحوها، وأشهر عدسه ما زرع في سحمر ويحمر ~~المشهورتين أيضا بالعنب الفاخر، الذي هو من حاصلاته الوافرة بعد الحبوب. وأهم معامل النبيذ ~~في شتوره ودير كساره للآباء اليسوعيين، وفيهما العنب الجيد. أما تربية دود القز فأهمها في ~~مشغره وسغبين والخربة وقب إلياس والمعلقة، ومجموع أعشاره السنوية نحو عشرة آلاف ليرة ~~عثمانية. وقد جرب فيه القطن فلم تنجح زراعته، وكان فيه قبلا التبغ (الدخان) الجيد، ولكنه ~~اليوم قليل. # ومن سهل البقاع وبعلبك وجبليهما يخرج نهر العاصي الذي يروي سوريا الشمالية. والليطاني ~~الذي يجري إلى الجنوب، ونهر بردى الجاري إلى الشرق، ونهر إبراهيم الجاري إلى الغرب من بحيرة ~~اليمونة، ونهر الغزير الخارج من قرب عين الجر. وجدول الخريزات من قرب خربة قنافار، ونهر ~~عميق ونهر الشتا الخارج من قرب مشغره، ونهر البردوني من قاع الريم ونهر يحفوفه. # وشكله مستطيل واللبنانان له كالسور، وتشرف عليه القرى الكثيرة القائمة في سفوحهما ~~وأسنادهما، فضلا عن كثير من القرى المتفرقة في بطحائه، وهو ينخفض إلى عمق ستمائة متر ~~وينبسط إلى مسافة نحو مائة كيلومتر من الشمال إلى الجنوب، ونحو تسعة إلى ثلاثة عشر ~~كيلومترا من الشرق إلى الغرب. ومعدل ارتفاعه عن سطح البحر تسعمائة متر، وارتفاع تربته من ~~ثمانية أمتار إلى عشرة، وفيه تلال قائمة في وسطه معظمها على محاذاة الجبلين، ولكن ما في ~~البقاع الشرقي منها أكثر مما في الغربي، وعلى بعضها بنيت القرى العامرة الآن والخربة، ~~كأنها جزيرة في بحر خضرته، وبين كل منها مسافة ساعة إلى ساعتين قيل إنها كانت مواقف لحمام ~~الزاجل (الرسائل) ممتدة إلى حلب ودمشق وما إليهما، وقيل إنها اتخذت للبناء عليها تخلصا ~~من الرطوبة، لكثرة مستنقعات هذا السهل الذي يقال إنه كان مغمورا معظمه بالمياه، حتى كان ~~السكان يضطرون إلى اتخاذ القوارب للعبور من ms034 قرية إلى أخرى؛ ولذلك ذكر في بعض التواريخ باسم ~~البحيرة ولن تزال عميق وغابها شاهدا على صحة هذا. فجفف بفتح الكوة قرب سحمر وفوقها جسر ~~طبيعي من صخرين متساندين، تتسرب تحتهما مياه الليطاني على انخفاض نحو مائة قدم، يسمى إلى ~~عهدنا بجسر الكوة. # 3 # وآخر هذه التلال من الجنوب تل جب جنين، ثم تل سعد قرب مشغره وتل عريض الراس قرب ~~عتينيت، وتل دنوب وعليه قرية باسمه، وتل النبي زعور قرب قرية بر إلياس، وتل الأخضر وعليه ~~قرية باسمه، وتل السرحون بحدود أرض معلقة زحلة، وتل الدلهمية وعليه قرية باسمه، وكذلك تل ~~تربل وعليه قرية باسمه أيضا ، وتل عمارة وعليه قرية باسمه إلى غيرها مثل تل نمرا وتل رياق ~~حيث القرية وموقف السكة الحديدية الكبير، ومن هناك إلى حلب تلال كثيرة. # 4 # وفي هذه البقعة ينابيع غزيرة، أهمها مياه شتوره وقب إلياس والفالوج قرب كامد، ثم عين ~~الجر وعين زبدة، وينبوع مركبة بين قرية ميدونة وعين التينة، ونبع مشغره وهي والأنهر المار ~~ذكرها آنفا تصب جميعها في نهر الليطاني. أما بحيراتها فبحيرة عميق في الغرب وقد جففت الآن، ~~وبحيرة اليمونة في الشمال وبركة الزينية في المنحدر الشرقي للجبل الغربي، وبركة قطينة في ~~الشمال قرب حمص، وهي بحيرة قدس المشهورة في التواريخ القديمة، ومن ينابيعها الدورية مياه ~~عميق، ونبع عين الجر الذي يقال إنه هو ونبع بردى قرب الزبداني من أصل واحد، ونبع الأربعين ~~في اليمونة الذي منه تتكون بحيرتها وتجري مياهه إلى أفقا فتكون نهر إبراهيم إلى غير ذلك، ~~وفي البقاع شلال كهف الحمام فوق جسر الكوة. # ويفصل قضاء بعلبك اليوم عن البقاع خط، أوله نيحا في سفح الجبل الغربي، فأبلح أمامها في ~~السهل ممتد إلى الدلهمية فتربل فحوش حالا، وهذه القرى جميعها من البقاع، ثم يتصل بعلي ~~النهري قرب رياق وبيحفوفه التابعتين لقضاء الزبداني. فما إلى شمالي هذا الخط هو قضاء بعلبك، ~~وما إلى جنوبيه هو البقاع ما عدا القرى الواقعة وراء تربل في الأكمة الصغيرة المنفصلة عن ~~الجبل ms035 الشرقي، فإنها وإن كانت داخلة في البقاع بموقعها الطبيعي، فإنها من أعمال بعلبك. ~~ويكون حده الشرقي منقلب الماء من الجبل الشرقي، ومعظمه في قضاء الزبداني. والجنوبي وادي ~~التيم وجزين. والغربي المنقلب الشرقي للبنان الغربي من الشوف والمتن فقضاء زحلة. وفي ~~القرنين الثاني عشر والثالث عشر للميلاد، غلب على هذا السهل الغربي اسم البقاع فدعاه ياقوت ~~الحموي بقاع كلب؛ نسبة إلى قبيلة بني كلب التي كانت فيه، وعرف أيضا ببقاع العزيز نسبة إلى ~~الملك العزيز ابن السلطان صلاح الدين الأيوبي الشهير؛ لأنه اعتنى بتجفيف أرضه ~~وزراعته. # وفي القرن السابع عشر للميلاد كان يطلق اسم البقاع على معظم سهلي بعلبك والبقاع، إذ ذكر ~~المحبي في خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر (1 : 177) أن البقاع العزيزي مقر ولايته ~~كرك نوح، والبقاع البعلبكي المنسوب إلى بعلبك لقربه منها ليس له مقر ولاية، وأن هاتين ~~الولايتين منفصلتان عن بعلبك لحاكم غير حاكمهما؛ ولذلك كان يقال لمجمل السهل سهل البقاعين ~~وبعلبك، كما قرأنا ذلك في القرن الثالث عشر للميلاد. # ولقد اختلف تقسيم البقاع بحسب الحكام والزمان، فكان قسم من البقاع الغربي قديما تابعا ~~للبنان. وكانت عيتنيت في القرن السابع عشر للميلاد تابعة لشوف الحراذين. وبعض قراه اليوم ~~تابعة وادي التيم، مثل خربة روحا وغيرها. والبعض الآخر يتبع الأقضية المجاورة. وفي أثناء ~~القرن التاسع عشر كان البقاع الغربي جميعه يسمى إقليم البياض، وقاعدته مدينة زحلة (راجع ~~أخبار الأعيان لطنوس الشدياق صفحة 32)، ويسمى أيضا الشوف البياضي؛ لبياض تربته وصخوره في ~~أكثر محلاته ولا سيما في قاعدته زحلة، وبقي تابعا للبنان إلى أواخر حكم داود باشا الأرمني ~~أول متصرف عليه. # وقد قال الأب مرتين في تاريخه (1 : 66) إنه يسمى بشوف البيادر، وهو تحريف كلمة البياض ~~بالإفرنجية كما لا يخفى، وحدده بأنه المنحدر الشرقي من لبنان (أي لبنان الغربي). وهو الآن ~~قائمية مقام تابعة لولاية سورية التي مقرها دمشق، وقاعدة هذا القضاء معلقة زحلة وعدد سكانها ~~أربعة آلاف. وقد انسلخت عن لبنان هي ومعظم هذا القضاء نحو سنة 1868م، ms036 بآخر مدة داود باشا ~~متصرفه كما مر آنفا، وفيه 76 قرية ومزرعة. وسنة 1884م سلخت ست قرى عن قائمية مقام بعلبك ~~بزمن قائم مقامها مصطفى حكمت القنواتي، وألحقت بقضاء البقاع أهمها نيحا، وفي البقاع مديرية ~~جب جنين تتبعها إحدى عشرة قرية وهي: كامد اللوز والسلطان يعقوب وغزة وحمارة وعيتا ومدوخا ~~وعين عرب وكفر دينس والمحيته ورفيد وبيره، ومزرعة واحدة وهي جرن النحاس. # أما قرى البقاع التابعة لقائمية المقام رأسا فثمان وأربعون قرية، وهي: نيحا، والفرزل، ~~وأبلح وحوش حالا، ورياق، وتربل، والدلهمية، والحواش، وسعد نايل، وثعلبايا، وتعنايل، وجديتا، ~~وبوارش، ومكسة وقب إلياس، وتل الأخضر، وعميق، ودير طحنيش، والمنصورة، وخيارة، وحوش حريمة، ~~والدكوة، والإصطبل، والمرج ، وبر إلياس، وعنجر، والسويرة، ومجدل عنجر، وكفريا، والخربة، وعين ~~زبده، وسغبين، وباب مارع، وعيتنيت، ومشغره، وعين التينة، وميدون، ولوسيا، وقليا، وزلايا، ~~ويحمر، وسحمر، ولبايا، وتلثاثا، ومجدل، بلهيص، والقرعون، وبعلول، ولالا. وخمس عشرة مزرعة ~~وهي: شتوره، وزبدل، ومندرة، وتل عمارة، والناصرية، والبيضا، وعانا، وتل دنوب (تل ذي النون)، ~~والجزيرة، وحليمة الصغرى، ووقف، ودير عين الجوزة، وعين فجور، والشميسة، وبجعة. وأقربها إلى ~~المعلقة مقر قائم المقام الحواش، وهي على بعد ربع ساعة، وأبعدها لوسيا وقليا وكل منهما ~~على بعد اثنتي عشرة ساعة عنها، وأكبرها مشغره فقب إلياس فجب جنين فسغبين إلخ. # وأهم أدياره العامرة الآن دير تعنايل للآباء اليسوعيين، وفيه ميتم ودير كساره لهم أيضا، ~~ودير عين الجوزة للرهبنة المخلصية. # ومن مراقده النبي نوح في الكرك، وابنته حبلة في عرجموش، والنبي عزير (زعور) بين عنجر وبر ~~إلياس، والنبي إلياس في بعض نواحيه، والنبي الصفي في مزرعة تلثاثا، والشيخ مسافر في خربة ~~قنافار. والسلطان يعقوب في القرية المنسوبة إليه، وقد أنكر ذلك المقري في نفح ~~الطيب، # 5 # وأثبته ابن بطوطة في رحلته، # 6 # والنبي يوشع في مشغره. والشيخ إبراهيم والشيخ محمد في جب جنين، والخضر في عين ~~عرب، والشيخ الرمثاني في الرمثانية # 7 # فوق زحلة وغيرها. # وفي أسماء القرى بقايا أديار قديمة، فمنها عامر وقد ذكرناه، والآخر خرب مثل قرية ms037 دير ~~الغزال ولا دير قديم فيها اليوم، وقرية دير طحنيش ودير لباس في أرض الكرك؛ أي دير النبي ~~إلياس كما مر. وفي مشغره اسم دير صالح ودير مري (مريم)، ودير زينون وعليه جسر بين عنجر ~~وبر إلياس، ودير مار موسى علين قرب زحلة. # ومن آثاره القديمة حصن الكرك، وحصنا نيحا وقلعة المشيرفة فوق زحلة، وقصر الكنيسة على ~~قمة جبل الكنيسة أو بوارش، وقلعة الرمثانية الضخمة الأطلال المشرفة على البقاع، وآثار في ~~بلودة والتويتة منها حمامات. وهيكل جديتا الذي ظهر منذ سنوات، وهيكل الفرزل ومغاورها ~~ومسلتها المصرية. وقلعة قب إلياس وهيكل عين الجر وسورها وأقنيتها وهيكل ماسة. وتمثال عين ~~أبلج ونواويس كثيرة ومغاور بديعة الشكل، وفي جديتا نواويس على بعضها كتابات مهشمة يرجح أنها ~~يونانية، ويوجد سرب تحت الأرض من عين الجر إلى قرية الإصطبل، قرب قب إلياس ولا منفذ له. ~~وقرب قب إلياس صخور على أحدها صورة آلهة على زي المعبودات اليونانية، وعلى الثاني صورة ثور ~~على ظهره أسد وعلى جانبه عجلتان. وكذلك صورة في الفرزل تمثل إلها غريب الشكل، ممتطيا ~~جوادا ولابسا لبس الأسويين لعبادة الشمس. # ونقود كثيرة منها ما ظهر مؤخرا في تل زينة فوق الكرك، وهو قطع فضية عليها صورة خلفاء ~~الإسكندر على وجه، وعلى الآخر نسر كبير وكتابة يونانية تدل على أنها صكت في صور. وفي مشغره ~~مغاور أصلها مدافن قديمة على أبوابها نقوش زهور، وفي هذه القصبة آثار دير صالح وآثار وادي ~~الحمام وقلعة عمارة والخرائب، وفيها آثار قساطل قديمة لجر المياه وحمامات وبلاط. وقلعة ~~النمر، ومن المروي على الألسنة أنه كان لمشغره في القديم بوابتان تقفلان ليلا. وفي سحمر ~~مغاور أشبه بمغاور مشغره وآثار دير عين الجوزة ومغاوره قديمة، ومغارة زلايا وهي ذات ~~طبقتين كان يحاصر فيها المحاربون ولا سيما المعنيون، وهي في البقاع الشرقي في آخرها وبعدها ~~إليا. وزلاية قرية بين يحمر وإليا. وفي مغارتها نبع قديم له صهريج ومنفذ، فلذلك لا تزيد ~~مياهه ولا تنقص. وآثار عريض الرأس الممثلة قصرا قرب عيتنيت، ms038 وآثار عين التينة، ومغاور ~~الخربة وآثار بحوشة فوق كرك نوح، وآثار دير النبي إلياس في السهل، وهناك أطلال أبنية قديمة ~~ضخمة الحجارة وأساسات دير وقبرية على أسطوانة مستطيلة عليها كتابة بحروف رومانية، # 8 # وأجران حجرية مستديرة من جهة واحدة وحجارة منقوشة، ومغاور جب جنين وجبها القديم ~~وكامد، وآثار السلطان يعقوب، وقصر الدكوة قرب عنجر، وقصر السويرة وباب مارع وعين زبدة. ~~ومصنع قرية عرعان أو عرعار في البقاع الغربي على بعد ثلاث ساعات عن القرعون إلى الشرق ~~الشمالي، وعلى بعد نصف ساعة عن قرية البيرة إلى الجنوبي الغربي، وهي اليوم خربة ومصنعها ~~كبير معروف بالمقطع منقور في رابية من الصخر الأبيض، بطول نحو ثلاثين ذراعا وعرض 20 وعمق ~~نحو15 ذراعا ، ومدخله منقور في الصخر اتخذ خزانا لجمع مياه الشتاء ولا تنفذ مياهه، فيسقي ~~الرعاة منه ماشيتهم ويستقي منه أهل القرية لما كانت عامرة. # وللبقاع مداخل تمثل مضايق عسرة المرور، وكان مدخله العظيم الخطير درب المغيثة من قمة ~~الجبل من المديرج # 9 # إلى خان مراد، # 10 # وكان فيه خفراء يدفع المارة لهم خفارة، ليؤمنوهم في الطريق ويقوهم من عيث ~~قطاعه، وبقيت هذه الخفارة زمنا طويلا إلى سنة 1812م، فأبطلها الأمير بشير الشهابي الكبير ~~وأذن للقوافل أن تسير بأمان دون تغريم، فسهل سبل المواصلات. ومن الجنوب كانت مداخله من ~~صيدا ونيحا في الوادي بين تومات نيحا، وهناك درجة فرحات. وعلى كل من التومتين برج ومنارة ~~وكان البرجان لحماية الوادي من دخول الأعداء في أيام الحروب. ومن جهة جزين في وادي السنديان ~~قرب مشغره، ومن جهة بلاد بشارة (أو جبل عامل) في واد عميق من جسر برغز على الليطاني، ~~ومدخل عريض الرأس قرب عيتنيت في واد، ومدخل وادي القرن من الشرق. ومدخل يحفوفه والزبداني، ~~ومدخل سهل بعلبك من الشمال وكان يسمى قديما مدخل حماة، ثم مدخل جبل المنيطرة من جهة ~~العاقورة، ومدخل زحلة بين صنين والكنيسة وغيرها. وكلها كانت محصنة بقلاع قديمة ~~هدمت. # ولقد كانت الجبال المحدقة بسهل البقاع وبعلبك مكسوة بالأشجار على قممها ms039 وأسنادها وسفوحها ~~حتى السهل، فأصبحت اليوم جرداء صلعاء وذلك للنوائب التي اجتاحتها، مثل مصادرة الحكام بإحراق ~~الحراج والغابات للاقتصاص من المجرمين، واتخاذها للوقود والفحم الحطبي وتذويب الحديد وطبخ ~~الكلس الحجري. وقد اكتشفت كتابة في أحد سفوحها الشرقية تذكر أن نبوخذ ناصر ملك بابل قطع ~~الخشب من هناك لهياكله، وفي الصرود (الجرود) كتابات كثيرة تدل على حفظ الغابات وتحديدها، ~~ومن أهم الغابات الباقية الآن حراج لوسا قرب الليطاني في آخر البقاع مقابل قضاء حاصبيا، ~~وفيها النمر إلى يومنا وغاب ميدون في تلك الجهة، وبعض بقايا غابات قديمة في بعض الضواحي ~~منها غاب عميق وغيره، وحبذا لو أعيد غرس الغابات لاستفادت منها البلاد وتعدلت ~~الأمطار. # ومن المعادن القديمة فيه الحديد في وادي السنديان قرب مشغره، والحمر في سحمر بالجبل ~~الشرقي، وميدون بالجبل الغربي على حدود لوسا قرب حاصبيا، واستخرج في القديم النحاس من كلشيس ~~(عين الجر)، ومعنى اسمها اليوناني النحاس. ومن بريتان أيضا. ولن تزال مزرعة جرن النحاس ~~إلى يومنا دليل ذلك. والفرزل كلمة فينيقية أو سريانية بمعنى الحديد تدل على استخراجه منها ~~قديما. وكان للبنانيين اليد الطولى في سبك الحديد وتطريقه وصنعه أدوات مختلفة إلى نحو ~~منتصف القرن التاسع عشر الماضي، فصار الحديد السويدسي من أسوج وغيرها شائعا لرخصه، وبطلت ~~صناعة استخراجه عندنا. # ومن صناعات هذا القضاء القديمة صناعة ضفر الحصر، لكثرة الأقصاب والسعد (نوع من القش) ~~ونحوها في غاب عميق وما يجاوره؛ ولذلك اشتغل فيها معظم السكان. وقد روى أبو الفداء الحموي ~~المؤرخ وابن بطوطة الرحالة وغيرهما أن البقاعيين أتقنوا هذه الصناعة، وأن السلطان يعقوب ~~المغربي بعد أن ترك عرش الملك زهدا وجاء البقاع تزهد واشتغل بضفر الحصر، وأنكر ذلك ~~المقري، وأشهر محل فيه لهذه الصناعة الآن خيارة فالسلطان يعقوب. # ومن ذلك عمل الفخار في قرية عيتا المشهورة بعيتا الفخار، وتربتها تصلح لكل أنواع الخزف ~~المتينة ومنها تتخذ المواعين والأواني المختلفة الأشكال، كالجرار والخوابي ونحوهما. ولقد ~~عمل من تربتها الآجر (القرميد) في فرنسة، فكان أمتن ما عرف من نوعه. ومن ms040 المريجات تربة ~~صالحة لمثل ذلك. # وفيها منذ القديم صناعة الخمور والدبس والزبيب، ولن يزال اسم حمارة السريانية بمعنى ~~المخمرة يدل على ذلك. وعرفوا أيضا بناء السفن؛ لأن بلادهم بقيت بحرة مدة طويلة. # واشتهر كثير من سكان هذه البقعة بصنعة البناء، ولا سيما عمل الجسور في الأنهر الجارية، ~~وتجفيف الأرض لتعودهم ذلك، وقد اشتهر ابن بصيص البعلبكي باني جسري نهر الكلب والدامور ~~وغيرهما في القرن الرابع عشر للميلاد، ولو لم يكن في بلادهم إلا قلعة بعلبك وبعض أطلال ~~الهياكل الأخرى، لكفاهم فخرا بهذه الصناعة منذ القديم. # وعرفت فيه صناعة الغزل والنسج مثل نسج الخام وتطريزه، وكانت لالا والقرعون مشهورتين بنسج ~~البسط الصوفية (الواديات) والشعرية (البلس). # واشتهرت الفرزل بعمل الملبن المسمى بجلد الفرس وهو من خصائصها، وكذلك الزبيب ~~الجوزاني. # واشتهرت مشغره بعمل البارود، ولن تزال صناعته فيها وفي عيتنيت. # ومن بقايا صناعات البقاع الدباغة في مشغره، وهي متقنة كل الإتقان أشبه بدباغة زحلة، وصنع ~~الخمور في كساره وشتوره، وفيهما معامل مشهورة في أوروبة ومعمل الخواجة سليم بولاد في شتوره ~~أسس سنة 1878، وبعده معمل للمسيو برون الفرنسوي. وكذلك ضفر الأطباق (الصواني) وفيه مقاطع ~~حجرية من المرمر # 11 ~~(شحم بلحم) أهمها في مشارف زحلة الشمالية وفي لالا، وأما في مشارف زحلة ~~الجنوبية وجديتا فيوجد الأعبل أو الحجر السماقي، وهو أشبه بحجر كفر زبد، فلو اعتني بها لكان ~~دخلها وافرا. # وروى المسيو مسبرو الفرنسي مدير المتحف المصري: أن قوما من سودان الصعيد جاءوا سورية. ~~وكانوا يقطعون سبل المجتازين من بيروت إلى دمشق في مضايق المديرج وغربي البقاع والجهات ~~الأخرى، وهم الذين أشار إليهم أبو الطيب المتنبئ في قصيدته بقوله: # إليك فإني لست ممن إذا اتقى # عضاض الأفاعي نام فوق العقارب # أتاني وعيد الأدعياء وإنهم # أعدوا لي السودان في كفر عاقب # ولو صدقوا في جدهم لحذرتهم # فهل في وحدي قولهم غير كاذب # وكفر عاقب قرية بفلسطين. # ولا غرو أن وادي القرن ووادي بكة ووادي فعره ووادي يحفوفه كانت مكمنهم ومكمن غيرهم من ~~اللصوص، مثل الأيطوريين الذين ms041 استعمروا هذه البقعة مدة طويلة، وذكر ڤلاف يوسف واسترابون ~~وغيرهما من المؤرخين: أن عساكر برمتها كانت تختبئ في المغاور المتسعة في اللبنانين، متخذة ~~إياها كالحصون، وكان لبنان الغربي حاجزا بينهم وبين قرصان البحر الذين كانوا يهاجمون ثغور ~~سورية البحرية، ويأسرون أرباب السفن وينهبون ما فيها. # وفي أيام الصليبيين أقيمت المراقب في هذا السهل على مشارف جباله وتلال سهوله، كما كانت ~~بزمن الرومانيين وغيرهم لمنع الاعتداء. # وبعد الصليبيين كثرت المخافر في هذه الجهات مثل غيرها؛ منعا لدخول الإفرنج إلى البلاد ~~ثانية، وفي أوائل القرن الرابع عشر للميلاد كان بريد خيل من بيروت إلى خان الحصين قرب ~~بحمدون، ومنه إلى قرية زبدل فحان ميسنون فدمشق لنقل الأخبار، وكان حمام الزاجل (الرسائل) ~~يطير بين بيروت ودمشق وغيرهما للمفاوضات، فهو تلغرافهم النهاري. أما تلغرافهم الليلي ~~فالنيران موقدة على قمم الجبال، كما مر آنفا، وهو من بيروت إلى بيت مري فالكنيسة (بوارج) ~~فجبل يبوس أو جبل الشيخ بقربة فجبل قاسيون (الصالحية) فوق دمشق فقلعة دمشق، وهكذا كان هذا ~~السهل وصلة بين السواحل والمدن الداخلية. # وفيه مر كثير من التجار الأقدمين ناقلين تجاراتهم من جهة صور وصيداء وبيروت وطرابلس إلى ~~دمشق وتدمر وحمص وحماه وحلب فبغداد وما وراءها. وكان أحد فروع تجارة فينيقية الشهيرة إلى ~~بابل ونينوى يمر من صور إلى البقاع أو دمشق، وكان هذا السهل مخيم الفاتحين والغزاة في كل ~~عصر، فنزل في مشارفه وسفوحه الأشوريون والكلدان والحثيون والفرس والمصريون واليونان ~~والأيطوريون والرومان والسكيثيون والعرب والصليبيون والتتر والترك، وفيه مر عبدة الأوثان ~~لزيارة عاصمتهم بعلبك، وفيه جرت الاحتفالات الكثيرة والأساطير الوثنية والمواقع الحربية. ~~وبعض الأقاصيص القديمة ولا سيما ما تعلق منها بالآباء الأولين كما مر. # وفي هذا السهل نقلت أعمدة الحجر المانع أو الرخام المحبب أو أبي حبة # Granit # من معادنها في أصوان إلى هياكل سورية كبعلبك وتدمر، أما من طريق ~~العاقورة على اليمونة أو من مضيق البقاع الجنوبي، ومن هذه الجهة كان النقل أسهل لاستواء ~~الأرض وقلة ارتفاعها، وبعضهم يسمي هذا الحجر بالصواني ms042 وهو تحريف الأسواني. وكانت أهم مدن ~~هذه البقعة بعلبك وخلقيس (عين الجر) وأبيلية (سوق وادي بردى)، حتى إنها كانت ممالك صغيرة ~~آرامية قديمة جدا. أما بعلبك فكانت أزهر مدن البقاع؛ لوقوعها على طريق القوافل بين صور ~~وتدمر تجاريا، ولكونها عاصمة الوثنية دينيا، ففي هياكلها جميع عباداتها على اختلاف ~~أنواعها. وكانت دمشق مدة طويلة عاصمة سورية المجوفة، ولا سيما بزمن الآراميين أقدم سكان هذه ~~الجهة، وعلى الجملة فإن سورية المجوفة أو وادي البقاع أشبه في آثارها القديمة بوادي الفرات ~~في آسيا الصغرى وبوادي النيل في القطر المصري. # | هوامش # | زحلة الحديثة ووقائعها في القرن الثامن عشر # روى بعضهم أن زحلة هي أبلية ليسانيوس، وقد مر تفنيد هذا الزعم. والصحيح أن أبلية هي ~~سوق وادي بردى. وقال آخرون : إنها سلفكية (سلوقية). والصحيح أن سلوقية هي السويدية على مصب ~~العاصي. كان فيها كرسي أسقفية فلما دخل العرب الشام نقل الروم مقر هذه الأسقفية إلى قرية ~~معلولا، وبقي اسمها سلفكية # 1 # وأضافها الأرثوذكس إلى زحلة. وظن غيرهم أنها كلشيس أو خلقيس والصحيح أن هذه ~~عنجر (عين الجر)، ولهذا لا نستطيع أن نعلم اسم مدينة زحلة القديم قبل خرابها إلا إذا كانت ~~مسماة باسم هيكل زحل فيها، # 2 # وقد أشرنا إلى أنه كان مشيدا في علين. وإذا لم تصح جميع هذه الآراء، فالأولى ~~أن تكون المدينة قد اشتهرت بعد خرابها بزحل أرضها وطمر آثارها القديمة، فتغلب عليها هذا ~~الاسم وبقيت مدة لم تتجدد أبنيتها خشية أن تصاب بما أصيبت به قبلا، وفي لبنان أسماء قرى ~~بهذا المعنى مثل عين زحلتا وبزحل وغيرهما. # أما موقع المدينة القديم، فربما كان في الوادي القائمة فيه الآن، ثم زحلت الأرض من ~~الجانبين فطمرتها. أو أنها كانت في مشارفها الدنيا ممثلة مستعمرات صغيرة مثل المشيرفة ~~وعلين وعين الدوق وكساره (قيصرية) وتل زينة. أو أنها كانت في محلة البساتين مثل دمشق؛ لأن ~~فيها أطلال أبنية كثيرة تحت الأرض ولا سيما عرجموش وترحين. فكان البردوني يتخللها كما يتخلل ~~بردى تلك، ويتوزع في أحيائها. ms043 وهكذا بنى الأقدمون مدنهم المجاورة للمياه مثل طرابلس الشام ~~وجبيل وغيرهما. # وكانت أواخر القرن السابع عشر وأوائل الثامن عشر للميلاد معترك التحزب بين القيسيين ~~واليمنيين، # 3 # ففي سنة 1693م عزل علي باشا عن أيالة طرابلس الشام وصار وزير الصدارة، ولما كان ~~قد رأى في مقاطعة طرابلس عيث المشايخ الحماديين وفسادهم في البلاد؛ أرسل وهو على طريقه إلى ~~الأستانة رسولا من حلب إلى الأمير أحمد المعني، يعرض عليه ولاية مقاطعة الحماديين في جبيل ~~والبترون، والضرب على أيديهم ومنع شرهم عن مقاطعة طرابلس التي خلفه في حكمها أرسلان باشا ~~المطرجي، فلم يقبل بذلك الأمير المعني، فأوغر صدر الوزير عليه وولى واليين من غير الحمادية ~~على مقاطعاتهم، ففر الحمادية إلى الشوف، وصاروا يعيثون في البلاد ودهموا مدبر أرسلان باشا ~~حاكم طرابلس، وقتلوا كثيرا من رجاله وابن الأمير موسى علم الدين اليمني، فرفع الشكوى ~~أرسلان باشا إلى السلطان أحمد العثماني، وأخبره أن الأمير المعني هو الذي يساعد الحماديين ~~على العيث في البلاد، وقد اعتصموا بمقاطعاته فأمر السلطان في هذه السنة بكف يد الأمير أحمد ~~المعني القيسي، وإسناد الولاية إلى الأمير موسى علم الدين اليمني على مقاطعاته السبع؛ وهي ~~الشوف والجرد والمتن والغرب وكسروان وإقليم جزين وإقليم الخروب. ثم أصدر أوامره السلطانية ~~إلى الوزراء في سورية أن يجتمعوا بعساكرهم، ويقتصوا من الأمير المعني ومشايعيه لكثرة ~~عيثهم. # فاجتمع الوزراء وخيموا في مرج عرجموش # 4 # قرب زحلة في محلة الفيضة الآن، وكانوا درسن باشا التفكجي والي حلب رئيس ~~العساكر، وإسماعيل باشا والي دمشق، ومصطفى باشا والي صيداء، وأحمد باشا والي غزة، وأرسلان ~~باشا المطرجي والي طرابلس، وعسكرهم ثلاثة عشر ألفا، فانضم إليهم جماعة اليمنيين وأحزابهم ~~وبعض القيسيين مثل المشايخ النكديين، ومشايخ بني العيد والشيخ سيد أحمد أبي عذرا اليزبكي ~~والشيخ حصن الخازن وغيرهم من مشايعيهم. # 5 # ففر الأمير المعني لترك معظم أصحابه إياه، والتجأ إلى الأمير نجم الشهابي في ~~وادي التيم وبقي نحو سنة، فخربوا بلاده وصادروا قومه ولما لم يهتدوا إلى مخبأه انفض جمعهم ~~كل إلى ms044 ولايته. وثبتت الولاية للأمير موسى اليمني، واعتز به اليمنيون فحرك ذلك دفين حقد ~~القيسيين. # وسنة 1694 لما سكن الاضطراب، ظهر الأمير أحمد المعني واجتمع إليه القيسيون، فنهض بهم من ~~وادي التيم إلى الشوف ومعه الأميران نجم وبشير الشهابيان برجالهما. فلما وصل الشوف ذهب ~~الأمير موسى الحاكم من دير القمر إلى صيداء ملتجئا إلى واليها مصطفى باشا، فأعيد الحكم ~~للأمير أحمد بعد استرضاء الدولة عليه. # ولما استلم الأمير أحمد المعني الولاية، سعى بالأمير اليمني خصمه لدى والي صيداء المذكور، ~~فأرسل إليه هدية فاخرة وكتب إليه «أنه يخشى أن يخدعه الأمير اليمني، كما خدع أبوه الأمير ~~علي والي دمشق بشيرا باشا في واقعة وادي القرن.» # 6 # ولما كان الوزير قد رأى تقلب الأمير اليمني بآرائه وعدم ثباته على عهده، صدق ~~قول الأمير المعني، فطرد الأمير اليمني ومال إلى الأمير المعني وأحبه وكتب إلى السلطان ~~مصطفى الجديد يلتمس له منه العفو وتقرير الولاية، وأرسل له مائة ألف غرش، فقرر المعني على ~~الولاية وحسنت حاله، وسنة 1696 فرض المعني مال (المسعدة) على الشوف، ولكنه دهمته المنية في ~~15 أيلول سنة 1697 بلا عقب وانقطعت سلالته من الذكور. # ولما كانت أخت الأمير أحمد المعني، متزوجة بالأمير حسين الشهابي أمير راشيا، وكان لها منه ~~ولد اسمه الأمير بشير، اتفق أعيان البلاد جميعا على توليته حكم المعنيين خلفا لهم. # وسنة 1697 قدم اللبنانيون بالأمير بشير حسين الشهابي من راشيا إلى دير القمر، وبايعوه ~~فيها الولاية بحفلة حافلة فكان أول الأمراء الشهابيين حكام لبنان، فتحولت إليه مقاطعات ~~المعنيين ومتخلفاتهم ورتبت عليه الأموال لأيالة صيداء حسب العادة. واستأذنوا السلطان مصطفى ~~العثماني بذلك، فأمر بتقرير ولاية لبنان بواسطة الأمير حسين ابن الأمير فخر الدين المعني ~~نزيل الأستانة على الأمير حيدر موسى الشهابي؛ لأنه ابن بنت الأمير أحمد المعني، فهو أحق من ~~ذاك بالولاية. ولما ورد الأمر بتقرير الولاية للأمير حيدر توسط الأمير بشير الأمر مع أرسلان ~~باشا والي صيداء أن يعرض للسلطان أن الأمير حيدر قاصر؛ لأنه ابن اثنتي عشرة ms045 سنة وأن عمه ~~الأمير بشير كفء للنيابة عنه إلى أن يبلغ ذاك أشده، وهكذا كان. أما اليمنيون فاعترضوا على ~~ذلك، ولما لم يجب طلبهم فر أمراؤهم آل علم الدين إلى دمشق وسكنوا في غوطتها، فاستفحلت ~~الشحناء بين القيسيين واليمنيين على حد قول المتنبئ بهذا المعنى: # برغم شبيب فارق السيف كفه # وكانا على العلات يصطحبان # كأن رقاب الناس قالت لسيفه # رفيقك قيسي وأنت يماني # والأجدر أن يقال الآن: # إن عصرا نهجه حب الوطن # عصر نور قد محا ليل الفتن # كلنا يا صاح فيه أخوة # ليس فرق بين قيس ويمن # وما ثبتت ولاية لبنان للأمراء الشهابيين أخلاف المعنيين، حتى خرج عليهم الشيعيون ~~(المتاولة) في جبل عامل، والحرفوشيون في البقاع وبعلبك، والحماديون في بلاد جبيل، وغيرهم في ~~غيرها؛ وذلك لأن الشهابيين من القيسيين وهؤلاء من اليمنيين. # ففي سنة 1700م، خرج الشيخ مشرف بن علي الصغير # 7 # المتوالي اليمني صاحب مقاطعة بلاد بشارة عن طاعة أرسلان باشا المطرجي والي ~~صيداء، وقتل بعض غلمانه، فاستنجد الوزير الأمير بشيرا الأول الشهابي لقتاله، وأطلق له ~~ولاية صفد مع مقاطعات جبل عامل الثلاث وهي: مقاطعة بلاد بشارة وكانت لبني علي الصغير، ~~ومقاطعة إقليمي الشمار أو الشومر والتفاح وكانتا لبني منكر، ومقاطعة الشقيف وكانت لبني ~~صعب. فجمع الأمير بشير من رجاله القيسيين ثمانية آلاف مقاتل، وزحف بهم إلى قتال المتاولة، ~~فقابلهم في قرية المزيرعة من بلاد بشارة، وانتصر عليهم وقبض على مشرف بن علي المذكور وشقيقه ~~الحاج محمد ومدبرهما الحاج حسين المرجي، وأرسلهم إلى أرسلان باشا فقتل الحاج حسينا وسجن ~~مشرفا وأخاه، وامتدت ولاية الأمير من صفد إلى جسر المعاملتين. ووقعت العداوة في البلاد بين ~~المتاولة وغيرهم من سكانها. ولما مات الأمير بشير سنة 1707م وخلفه الأمير حيدر وعزل أرسلان ~~باشا وخلفه أخوه بشير باشا، عاد بنو علي الصغير إلى العيث في مقاطعاتهم، وانضم إليهم ~~المناكرة والصعبية؛ لأن بشير باشا أعاد لهم مقاطعاتهم، فجمع الأمير عسكرا وسار إليها ~~للاستيلاء عليها ولقتال المتاولة المذكورين، فبلغ قرية النبطية فالتقاه المتاولة خارجها ms046 ~~فتصادموا وكسرهم وقتل كثيرا منهم، فالتجأ بعضهم إلى القرية وتحصنوا فيها، فأغار عليهم ~~وأعمل فيهم السيف حتى مزق شملهم وقتل معظمهم، فجلا بنو علي الصغير عن بلاد بشارة واستولى ~~عليها الأمير، ووضع محمودا أبا هرموش الدرزي نائبا عنه ليجبي الأموال الأميرية، وعاد إلى ~~دير القمر وكان ذلك سنة 1708م. # أما محمود أبو هرموش فظلم الناس، وأخذ أموالا زائدة عن المرتبات المعينة، فنمى ذلك إلى ~~الأمير حيدر فاستقدمه للمحاسبة نحو سنة 1710م، ففر إلى صيداء والتجأ إلى واليها بشير ~~باشا، وكان يحبه لكثرة هداياه له فحماه مدة. وأرسل فأثار بعض الأمراء والأعيان اليمنيين في ~~الغرب والجرد بمساعدة الأمير يوسف أرسلان حاكم الغربين الأعلى والأدنى (في الشوف). وانحاز ~~أبو هرموش من الحزب القيسي إلى اليمني، وصار من زعمائه وتبعه بعض القيسيين، فصاروا يمنيين ~~فتقوى اليمنيون في الشوف واستولى كبيرهم الأمير يوسف علم الدين مع محمود أبي هرموش على ~~لبنان، فترك الأمير حيدر دير القمر بولديه الأمير ملحم والأمير أحمد وتبعه من أعيان البلاد ~~الشيخ قبلان القاضي وولده الشيخ أمين والشيخ علي النكدي والشيخ جنبلاط عبد الملك والشيخان ~~محمد تلحوق وولده شاهين. وبقي له في البلاد حزب آخر مثل الأمراء اللمعيين مقدمي المتن ~~وغيرهم من الأعيان. # فسار الأمير حيدر بمن تبعه إلى غزير وأرسل عياله إلى مقاطعة الفتوح إلى المشايخ ~~الخازنيين. فما وصل محمود أبو هرموش إلى دير القمر حتى استقدم إليه الأمراء آل علم الدين من ~~دمشق؛ إذ كانوا قد فروا إليها كما مر، وأرسل عسكرا إلى غزير لقتال الأمير حيدر الذي ~~أنجده المشايخ الحبيشيون، وانتشب بينهم القتال من الفجر إلى المساء. فاندحر عسكر أبي هرموش ~~إلى جهة البحر متقهقرا. وفر الأمير حيدر بأعوانه، واختبأ في مغارة فاطمة أو مغارة ~~عزرائيل في سفح جبل الهرمل، وفر الغزيريون إلى جهات طرابلس. # ولما خلت غزير من القيسيين أغار عليها اليمنيون سحرا، فنهبوها وأحرقوها حتى تركوها قاعا ~~صفصفا وقيل في تأريخها: «ندمت غزير 1711». # 8 # وعاد عسكر أبي هرموش إلى دير القمر، وقد كثر قتلاه وجرحاه، ms047 فتحامل على القيسيين وصادرهم ~~ورفع منزلة اليمنيين، وتزوج ابنه من أمراء آل علم الدين، وصار مدبرا لشئون حاكمي لبنان ~~منهم وهما الأمير يوسف وشقيقه الأمير منصور، فصار زمام الولاية بيده، فحصر المقاطعات ~~باليمنيين وضرب على أيدي القيسيين، ولم يبق لهم حرمة ولا حفظ لهم عهدا، فأضمر القيسيون له ~~ولأعوانه السوء وسعوا في جمع كلمتهم والتئام شملهم واستعادة سلطتهم. وهكذا حمي وطيس ~~التحزب في أنحاء لبنان وضواحيه بسبب هذه العصبية، واضطرب حبل الأمن وانتشرت القلاقل، ~~فصارت البلاد ميدانا للمشاحنات والتعصبات ومثارا لعواصف الفتنة، ومهبا لزعازع المخاصمات ~~في جميع المقاطعات. # ولما كان حكام صيداء وعكاء ودمشق وطرابلس يرون سلطة الإقطاعيين وسطوتهم واعتزازهم بالمال ~~والرجال، سعوا بخضد شوكتهم وتفريق كلمتهم، فكانوا يثيرون فيهم العصبيتين القيسية واليمنية ~~وينحازون إلى أحد الحزبين لإضعاف الآخر، فأوقظوا بذلك طرف الفتنة وكثرت الدسائس، وانتشر ~~الخداع بين القوم فأخذوا يتطاحنون ويتنابذون. وكانت قرية عين دارة إذ ذاك قد اعتصم بها ~~اليمنيون وتقووا وبنوا لهم فيها حصونا منيعة، ووقفوا في طريق المارة من القيسيين في أعلى ~~الجبل، وكان أكثر مقدمي المتن والجرد وشيوخهما يمنيين وعين دارة نقطة اجتماعهم، وهي من ~~العرقوب في الشوف. # وسنة 1711م عقد القيسيون اجتماعات كثيرة قرروا فيها الضرب على أيدي اليمنيين، فأرسلوا ~~يستقدمون إليهم زعيمهم الأمير حيدر الشهابي بواسطة المشايخ الخازنيين، وكان هذا لن يزال ~~مختبئا في الهرمل ومعه بعض أعوانه، فقدم إليهم برجاله المذكورين، وسار إلى قرية رأس المتن ~~ونزل عند المقدم حسين بن عبد الله بن قيدبيه بن محمد اللمعي زعيم أحزابه، وراسل مشايعيه ~~القيسيين في الشوف وغيرها واستقدمهم إليه، فاجتمع عنده المقدم مراد ابن المقدم محمد والمقدم ~~عبد الله اللمعيان برجال المتن، والشيخ سيد أحمد أبو عذرا والشيخ سرحال العماديان برجال ~~الباروك وما يليها، والشيخ خازن الخازن برجال كسروان، والشيخ علي أبو نكد برجال المناصف، ~~والشيخ محمد تلحوق برجال الغرب، والشيخ جنبلاط عبد الملك والشيخ قبلان القاضي ~~وغيرهم. # فلما علم محمود أبو هرموش بذلك، بعث إلى أنسبائه الأمراء السبعة من آل علم الدين ms048 ~~الفارين كما مر قبلا، فحضروا إليه من غوطة دمشق بتسعمائة من أعوانهم، وانضم إليه جميع ~~الأحزاب اليمنية من الجرد والمتن والغرب وغيرهم، فاشتد بهم أزره، وكتب إلى حليفيه بشير باشا ~~والي صيداء ونصوح باشا والي دمشق يستصرخهما، فجاء والي صيداء المذكور برجاله إلى حرش بيروت، ~~ثم إلى بيت مري في المتن، ووالي دمشق الموما إليه إلى قب إلياس في البقاع، ثم إلى المغيثة ~~فوق حمانا في الجبل حسب طلب أبي هرموش، الذي نهض بعسكره إلى عين دارة ليجتمع بأعوانه، ويزحف ~~على الأمير حيدر بيوم واحد. # أما الأمير حيدر، فلما علم بوصول محمود باشا إلى عين دارة، قصدها برجاله الذين اجتمعوا ~~عنده في عين زحلتا، وقسم عسكره إلى ثلاثة أقسام وفاجأوا عين دارة. وكان أسرع من زحف إليها ~~اللمعيون؛ لأنهم ساروا في وادي قطليج عند جسر شمليخ، فوصلوا إلى رأس القرية قبل ~~غيرهم. # فدخل إليها أولا المقدم عبد الله وولده المقدم حسين برجالهما المتنيين الأشداء، واضطرمت ~~نار الحرب وأبلوا بلاء حسنا. فدخل عسكر الأمير حيدر القرية عنوة، واشتبك القتال بين ~~الحزبين حتى كثر عدد القتلى، وكان كل من له عدو يفتك به، فقتل المقدم حسين اللمعي الأمير ~~محمدا الصواف عدوه صاحب المتن اليمني واثنين من آل علم الدين. وما تكبدت الشمس السماء ~~حتى عقد لواء النصر للقيسيين، واستظهروا على اليمنيين الذين تمزق شملهم كل ممزق. وقبضوا ~~على محمود أبي هرموش وأربعة من الأمراء اليمنيين وهم الأمراء يوسف وعلي ومنصور وأحمد من آل ~~علم الدين الذين قتلهم الأمير، فظن المؤرخون أن سلالتهم انقطعت؛ لأنهم كانوا سبعة، فقتلوا ~~منهم أربعة بعد أسرهم وفي الموقعة ثلاثة، ولكن فر أحدهم من تحت السيف إلى دمشق # 9 # فأحيا سلالتهم. # ولما فاز الأمير في هذه الموقعة، أقطع أعوانه القطائع وأعاد إلى مقدمي آل اللمع ~~إمارتهم، # 10 # وكتب إلى الباقين الأخ العزيز، فصاروا من طبقة المشايخ ولهم امتيازاتهم ~~الخاصة، # 11 # وتزوج من الأمراء اللمعيين وزوجهم، فتوثقت بين الأسرتين الشهابية واللمعية ~~علائق المودة. وأكثر الأمير حيدر قطائعهم وصفت له ms049 كأس الراحة. # فبعد موقعة عين دارة هذه، أطلق لقب الإمارة على اللمعيين، # 12 # ونالوا الحظوة عند الأمراء الشهابيين، فنفذت كلمتهم عندهم وتزوج الأمير حيدر ~~رأس الشهابيين وحاكم لبنان بالأميرة طفلا ابنة الأمير حسين اللمعي، # 13 # وزوج أخته الأميرة غضية بالأمير عبد الله اللمعي، # 14 # وأقطعه قاطع بيت شباب، وأعطى الأمير مرادا بن المقدم محمد اللمعي نصف حكم ~~المتن وبسكنتا، # 15 # وتزوج بوالدته أم محمد # 16 # التي كانت مترملة إذ ذاك وأحبه كثيرا ووسع إقطاعه مكافأة على بسالته وإكراما ~~لزوجته، وهكذا دخلت زحلة في إقطاع اللمعيين، وصارت من أملاكهم فبدءوا منذ الآن ~~يستعمرونها. # وكانت زحلة في القديم تابعة للبقاع، وبعلبك تحت حكم الشام، لاتجاهها إلى السهل واتصالها ~~به، ولا سيما أن لبنان الغربي بقي مدة يحده منقلب الماء الشرقي من الجبل. ثم قسمت ~~معاملة لبنان إلى اثنتين؛ إحداهما معاملة صيداء، والثانية معاملة طرابلس. فالأولى كانت من ~~جسر المعاملتين تحت غزير في كسروان المسمى بالمعاملتين؛ لأنه تخمهما إلى نهر الأولى عند ~~صيداء. ومعاملة صيداء هذه صارت سنة 1660 وزارة، وصار حاكمها يلقب بالباشا، وأول من استمد ~~لها ذلك أحمد باشا الكبرلي والي دمشق، فولى عليها علي باشا الدفتردار واستوزره، وتوالى ~~عليها الوزراء. وكان يتبعها من المقاطعات الشوف والجرد والمتن والغرب وكسروان وإقليم جزين ~~وإقليم الخروب. وبزمن الشهابيين سنة 1700 امتدت ولايتها من جسر المعاملتين إلى صفد. # وأما معاملة طرابلس الشام، فقد جعلتها الدولة سنة 1579 وزارة لكسر شوكة الأمير منصور ~~العسافي، الذي امتد ملكه سنة 1572 من جسر المعاملتين إلى حماة، وكان أول وزير تولاها يوسف ~~باشا سيفا الكردي، ومن مقاطعاتها بلاد جبيل والبترون وجبة بشري والكورة والزاوية والضنية ~~وعكار والحصن وصافيتا. # وكانت ولاية لبنان بزمن الأمير فخر الدين المعني الشهير قد امتدت من حدود حلب إلى تخوم ~~القدس، وسمي سلطان البر وذلك سنة 1624م، واشتهر بحروبه مع بني سيفا والحرفوشيين وغيرهم من ~~المجاورين، على أن لبنان كان يتسع ويضيق بحسب نفوذ حكامه وسطوتهم، حتى اتصل بعجلون وحوران ~~وغيرهما. # أما مدينة كرك ms050 نوح القديمة التي كانت زحلة إحدى مستعمراتها، فكان الأمراء الحرافشة قد ~~بنوا فيها وفي قب إلياس وسرعين ومشغره دورهم، واتخذوها بعد بعلبك حواضر لولايتهم البعلبكية. ~~فلما اعتدى الأمير يونس الحرفوشي على الشوفيين «نسبة إلى جبل الشوف في لبنان»، الذين كانوا ~~يزرعون في البقاع أراضي اشتروها من زمن الأمير منصور فروخ # 17 # ومنعهم من زراعتها، وضبط للأمير علي المعني تل النمورة عند قب إلياس وكان ~~مختصا به. استاء المعنيون من الحرفوشيين، وطردهم الأمير فخر الدين المعني من كرك نوح سنة ~~1621م، وسنة 1622 تحصن الأمير يونس الحرفوشي في قبر نوح بالكرك، ومعه نحو مائة من سكانه، ~~فحاصرهم الأمير فخر الدين، وقتل من الحرفوشيين نحو 40 ومن رجاله خمسة، واستولى على الكرك. ~~وأحرقها في اليوم الثاني حتى لم يبق فيها بيت، فخربت من ذلك الحين، وصارت هي وزحلة ~~وضواحيهما مغارس للكروم، ثم سكنها بعض الشيعيين هي ومشارف زحلة، ولكنها لم تكن إذ ذاك إلا ~~مزارع صغيرة لا شأن لها، وكانت زحلة غابات غبياء على ضفتي النهر تسمى بوادي النمورة؛ لكثرة ~~النمر فيها. وكثيرا ما كان يقصدها أمراء لبنان وبعلبك ووادي التيم للصيد والتنزه. # فلم يتنفس صبح العقد الأول من القرن الثامن عشر، حتى كانت زحلة بيد الأمراء اللمعيين ~~الذين مر ذكرهم. وكان اللمعيون إذ ذاك من الطائفة الدرزية كما مر، فقويت شوكة الدروز ~~فيها وفي البقاع، وكثر فيها أهل المتن من مقاطعة اللمعيين من دروز ومسيحيين. وكان في زحلة ~~لكل أمير منهم حوش # 18 # يسمى باسمه وهي ثلاثة أحواش إذ ذاك؛ حوش الأمير مراد من أمراء قرنايل، ~~وفالوغا وموقعه محل دار المرحوم يوسف حجي الآن، قرب كنيسة سيدة الزلزلة الأرثوذكسية، وحوش ~~الأمير يوسف قرب كنيسة القديس إلياس «للمخلصيين» غربي حوش الأمير مراد، وشماليه حوش ~~الحواطمة، # 19 # فكان الأرثوذكس قد بنوا كنيسة سيدة الزلزلة قرب محلة البيادر؛ لإقامة فروضهم ~~الدينية، فهذه حالة زحلة في آخر الربع الأول من القرن الثامن عشر. # وكان سكان زحلة الأولون من اللبنانيين، ومن الفرزل وأبلح ممن حدثت بينهم ms051 وبين الأمراء ~~الحرفوشيين الشيعيين موقعة قتل فيها أمير منهم، فتحاملوا عليهم، فجاء المتهمون إلى الأمراء ~~اللمعيين وسكنوا في مقاطعاتهم بزحلة، فرفعوا عنهم تعديات الحرفوشيين. وكانت أسرة الحاج ~~شاهين المعروفة بسلالة إبراهيم الحنا النصراني قد تبعت السلطان سليم العثماني فاتح سورية ~~سنة 1517م من مسقط رأسها كفربهم قرب حماه إلى سورية المجوفة (البقاع وبعلبك)، فأقطعها قرية ~~ترحين قرب عرجموش، وترك لها الأموال الأميرية ببراءة كانت في أيدي أبنائها سلموها إلى حكومة ~~دمشق، وحدث في تلك الأثناء بينها وبين السياد في بر إلياس خصام استفحل أمره، فتركوا ~~ترحين وجاءوا زحلة واستوطنوها. وكان بنو شحادة الخوري صعب من بعلبك وغيرهم من البعلبكيين قد ~~تركوا بعلبك؛ لجور الحرفوشيين وسكنوا زحلة، فاجتمع من هؤلاء مستعمرة صغيرة مسيحية في إقطاع ~~الأمراء اللمعيين مع المتنيين، فضلا عمن كان في البلدة من الدروز كالحواطمة وبني القنطار ~~وبني حسان. ومن المسلمين كبني الطرابلسي الذين سكنوا إذ ذاك في حي مارتقلا «الآن»، ثم ~~انتقلوا إلى دمشق بعد ذلك ولم يبق منهم أحد في زحلة . فهكذا بدأت زحلة الحديثة تعمر ~~وتنمو. # وكان إذا أراد أحد من المهاجرين أن يقطن زحلة يستأذن الأمير الذي يريد أن يحل في حارته أو ~~حوشه، فيعطيه محل البيت وجائزا (جسرا) من الصنوبر وروافد (ما يوضع على الجسور لسقف ~~البيت)، فيصير هو وعيلته خاصا بالأمير ومن عهدته، فيأخذ منه كل سنة أربع مصاري # 20 # مال عنقه. وكانوا يقطعون الأشجار القديمة؛ ليعمروا محلها لكثرة الأدغال ~~والحراج. # وكان الأمير يرسل من قبله وكيلا أو دهقانا (خوليا) يدير حوشه، ويقضي حاجات عهدته، ~~وكثيرا ما يزور زحلة ترويحا للنفس ومشارفة لأعمال وكلائه. ويصطاد في المدينة الكثيرة ~~الأطيار والوحوش. وقد جاء مرة الأمير مراد بن شديد اللمعي ليصطاد ويستثمر غلة زروعه؛ لأن ~~الزرع كان في السهل والجبل والدياسة على البيادر، التي هي باقية إلى اليوم بجوار السراي. ~~وكان عنده باز مولع به كثيرا يستخدمه للصيد. فوقع مرة في جداد (هيش) قرب الأنزال ~~(اللوكندات) الحديثة حذاء عين الدويليبي اليوم. ولحب الأمير إياه وحرصه ms052 عليه أمر أن تقطع ~~مشتبكات النباتات، حيث سقط ويفتش عليه، فوجد ذلك البازي في قنطرة طاحون قديمة سالما، ~~فأخرج وانتبه الأمير إلى إقامة طاحون على أنقاض القديمة، فبناها وسميت باسمه؛ أي طاحون ~~مراد وهي إلى اليوم، فكانت أول طاحون شيدت في هذا القرن بعد استعمار زحلة الأخير. # وسنة 1720 نقل المطران أفتيموس فاضل المعلولي الكاثوليكي داره الأسقفية من الفرزل إلى ~~زحلة، وابتنى له فيها دارا صغيرة. وفي هذه الأثناء بني رهبان مار يوحنا الشوير دير مار ~~إلياس بقلب البلدة، وهو الذي أعطوه للمخلصية بعد ذلك. # 21 # وسنة 1740 بنيت كنيسة للكهنة غير الرهبان قرب تلك الأحواش باسم القديس جاورجيوس، التي هي ~~الآن بيد الرهبان الحلبيين الكاثوليكيين، ووسعت سيدة الزلزلة للروم الأرثوذكس. # وسنة 1741 حدثت موقعة بين الأمير ملحم الشهابي حاكم لبنان وأسعد باشا العظم والي دمشق في ~~البقاع، فانهزم عسكر دمشق فتأثره عسكر الأمير إليها، ثم رجع فأحرق قرى البقاع، وكان في ~~عسكره بعض الزحليين. # وسنة 1743 حصل اختلاف بين الأمير ملحم والأمراء اللمعيين، ثم تصالحوا بعد أن لحق الزحليين ~~خسائر. # وسنة 1744 عصى متاولة جنوبي لبنان على حاكمه الأمير ملحم الشهابي، فجرد عسكرا من ~~مقاطعاته كان بينه بعض الزحليين وهاجم المتاولة إلى قرية أنصار، فاستظهر عليهم وعرف ~~اللبنانيون ببسالتهم من ذلك العهد. # 22 # وسنة 1747 جاء البقاع أسعد باشا العظم حاكم الشام لمحاربة الأمير ملحم حاكم لبنان، ~~فالتقاه هذا بعسكره اللبناني الباسل، وفيه الزحليون إلى بر إلياس، فظفر به وبعسكره وهزمه ~~إلى دمشق، فطار صيت اللبنانيين ببسالتهم وثباتهم في مواقف القتال. # وسنة 1748 حدث بينهما اقتتال في صحراء بر إلياس، وظفر الأمير وأحرق قرى البقاع، وسباها ~~وصار غلاء شديد. # وفي تلك الأثناء كان أمراء صليما اللمعيون قد ابتنوا حوشا في ساحة القمح ~~العتيقة، # 23 # وأمراء المتين اتخذوا حوشا وراء دير القديس أنطونيوس للرهبنة اللبنانية ~~البلدية المارونية، # 24 # وهنا كان سكن بعض بني القنطار الدروز. # وكان للأمراء اللمعيين في تلك الأيام فريضة على سكان زحلة ثلاثة غروش على كل مكلف، ms053 ومال ~~أميري حدا على الكروم. وامتدت سطوتهم في زحلة والبقاع وبعلبك، وكل أمير يحمي سكان حارته ~~الذين من عهدته ويدافع عنهم بقوته. ولم يكن لحاكم لبنان العام الشهابي مال معين على السكان؛ ~~بل كان يصادرهم (يبلصهم) بما يريد من الأموال وما يضرب من الضرائب، وهكذا كان الحال في ~~زحلة. ولما اشتهرت برواج أعمالها بعد ذلك العهد، انصبت إليها صادرات البلاد المجاورة لها، ~~فرتب الأمراء فيها حسبة على المد والقبان، واحتكروا هم بأنفسهم دخلها كما سيأتي. # وفي تلك الأثناء كان الرهبان الشويريون الذين ابتنوا كنيسة النبي إلياس في قلب البلدة، قد ~~سلموها للرهبنة المخلصية # 25 # وهي صغيرة جدا وابتنوا عوضها كنيسة القديس ميخائيل؛ لأن البناء كان قد تكاثر ~~حولها؛ لازدياد المهاجرين من لبنان وبعلبك. # وفي سنة 1750م جاء كثير من اللبنانيين زحلة والبقاع وبعلبك وتوطنوها وبينهم بنو المعلوف، ~~فابتنى هؤلاء لهم بيوتا حول الدار الأسقفية، فسميت الحارة باسمهم؛ أي حارة ~~المعالفة. # 26 # وفي هذه السنة تطاول المشايخ المناكرة على إقليم جزين وقتلوا اثنين من خدام الشيخ علي ~~جنبلاط، فشق ذلك على حاكم لبنان الأمير ملحم الشهابي، فجمع عسكرا من لبنان بينه الزحليون ~~وسار بهم إلى جباع الحلاوة، فهرب المتاولة من وجهه، فاستظهر عليهم وأحرق كثيرا من قرى جبل ~~عامل وقتل منهم نحو ثلاثمائة، وقطع أشجارهم وأحرق بلاد الشقيف وبلاد بشارة، وفر بعضهم إلى ~~مزار تحصنوا به فوجه إليهم كتيبة من الجيش بقيادة الأمير مراد اللمعي بعسكر المتن وزحلة ~~والشيخ ميلان الخازن بعسكر كسروان، فظفروا بهم وأهلكوهم جميعا. ولما عاد إلى دير القمر ~~منصورا، وزع غرامة على أهل بلاده تعويضا عما دفعه من الأموال السلطانية على كل رجل غرشا، ~~فأبى الإقطاعيون ذلك فعدل عن مطلوبه مكرها، وأخذ يلقي الدسائس والفتن بينهم، ولا سيما بين ~~الأمراء اللمعيين والمشايخ النكديين حتى تغلب عليهم لانقسام كلمتهم. # وفي تلك الأثناء ظلم الشيخ شاهين تلحوق في البقاع وقطع الطريق على المسافرين. فوجه سليمان ~~باشا حاكم دمشق نائبه بعسكر لمناصبته ورفع تعديه. فدهم الشيخ شاهين في قرية تعنايل، ms054 فهرب ~~وقتل من حاشيته ثلاثة رجال. فجمع الأمير ملحم عسكره وبينهم الزحليون ودهم النائب، فهزمه إلى ~~دمشق وقتل عددا من عسكره. فأوغر ذلك صدر سليمان باشا، وتأهب للخروج إلى بلاد الشوف بعساكره ~~اقتصاصا من الأمير ملحم، فتوسط الأمر مصطفى القواس والي صيداء، وجاء البقاع وأصلح بين ~~الحاكمين ذات البين، على شرط أن يدفع ملحم لسليمان باشا خمسة وسبعين ألف غرش بدل نفقة ~~عسكره، وأرسل الأمير ملحم أخاه الأمير عليا رهنا إلى مدينة صيداء، فوضع في خان الإفرنج ~~خمسة أشهر، فوزع الأمير ملحم المال السلطاني على بلاده مضاعفا، وفك أخاه من الرهن فلحق ~~الزحليين خسائر كثيرة. # وفيها صار ثلج عظيم كان في زحلة كثير الارتفاع، فسد طرقاتها واتصل إلى ساحل بيروت، حتى ~~كان على المراكب ثلاثة أشبار وعقبه ضيق وجوع وغلاء. # وسنة 1751 كثر الخصام بين الأمير ملحم الشهابي حاكم لبنان والمشايخ النكديين، وتوسط أمرهم ~~الأمير إسماعيل حاكم حاصبيا، فعادوا إلى المناصف بعد أن نزحوا من دير القمر إلى وادي التيم، ~~وكان في البلاد قلق شديد اتصل بزحلة وضواحيها. # وسنة 1753م قتل الأمير إسماعيل اللمعي ابن عمه الأمير أسعد، فركب الأمير منصور الشهابي ~~الحاكم إلى المتن وزحلة، وصادر القاتل وأتلف أبنيته وأغراسه، وضبط ما بقي من أملاكه، وبعد ~~ذلك رضي عنه وأخذ منه عشرين ألف غرش وزعها على مقاطعته، فلحق زحلة قسم منها. # وسنة 1754م/1168ه ابتاع الرهبان الشويريون من الأمراء فارس وأحمد ومنصور مراد اللمعيين من ~~الشبانية محلة الطوق # 27 # التابعة لحزرته، # 28 # وهي من خندق الجحش فوق القطين مقابل وادي العرايش إلى وادي أبي كحيل في حدود ~~كرم البالوع # 29 # بثمن سبعمائة وثمانية وسبعين غرشا، يدفعون لهم عنها المال الأميري في السنة ~~أربعين غرشا، ومن سكن في هذا الموضع يجب أن يدفع للأمراء ثلاثة غروش إلا ربعا، ويعفى من ~~ذلك الأجير والمكاري. والوثيقة (الحجة) كتبت باسم رهبان مار يوحنا الطبشي # 30 # الحلبيين الخوري نقولا الصائغ الرئيس العام، والقس أغناطيوس جربوع والقس يعقوب ~~الصاجاتي والقس بولس كسار والقس بوخوميوس. واستأذن هؤلاء ms055 الرهبان المطران أفتيموس فاضل ~~المعلولي مطران الفرزل وزحلة ببناء دير النبي إلياس الطوق، المسمى باسم القطعة المشتراة ~~المشتهرة باسم الطوق، فشرعوا في بناء هذا الدير سنة 1755م، وبنوا الطبقة السفلى منه وراء ~~محله الحالي الآن لجهة الغرب. # أما محلة عين الدوق على عدوة وادي البردوني الشمالية، فأخذوها باسم راهبات دير البشارة في ~~الزوق (كسروان) وبنوا كنيستها القديمة محل المأوى «الأنطوش» الآن، وبعد قسمة الرهبانية إلى ~~حلبية وبلدية خصصت بدير زرعايا # 31 # في لبنان. # ونحو سنة 1756م ضرب الأمير حسين الحرفوش ضريبة فادحة على سكان قرية راس بعلبك، فعجزوا عن ~~دفعها فحاربهم وصادرهم، فهجروا بلادهم وجاءوا زحلة ملتجئين إلى الأمراء اللمعيين. فأرسلوا ~~وفدا منهم إليهم في الشبانية يستأذنونهم في النزول بزحلة والسكنى فيها، فأذنوا لهم ~~بالإقامة فيها واستعمار جهتها الغربية، فبنوا حارة الراسية المنتسبة إليهم حتى الآن. وكانت ~~الرهبانية تتساهل مع سكان هذه الحارة، وتسهل لهم أسباب الإقامة، فتعطيهم محل البيت ~~وتساعدهم بعماره وتقطع لهم من غاباتها الخشب لسقفه، فتكاثروا فيها وصاروا شركاء الدير، ~~وبينهم المكارون فعمرت الجهة الغربية من زحلة. # وعلى الجملة فكان الذين من خاصة الأمراء اللمعيين يتبعون الرهبنة المخلصية، والذين من ~~خاصة آل قيدبيه يتبعون الرهبنة الشويرية . وكانت حارة المعالفة مختصة بأمراء صليما من بني ~~قيدبيه؛ لأنهم كانوا من عهدتهم قبل مجيئهم من كفر عقاب وكفر تيه في قضاء متن لبنان. # وسنة 1757م في شهر حزيران مات الأمير فارس اللمعي حاكم الشبانية في لبنان، فأقيم له مأتم ~~حافل حسب عادة تلك الأيام حضره اللبنانيون وبينهم الزحليون، وكانت مناحته عظيمة عند هؤلاء؛ ~~لأنه سعى بعمران زحلة وأحب سكانها، فحزنوا عليه كثيرا وخلفه ابنه الأمير سلمان الذي أحبهم ~~مثل أبيه. # وسنة 1758م ارتفعت أسعار الحنطة في زحلة، وحصل ضيق شديد على سكانها، وامتد الغلاء في جميع ~~سورية، ومات كثيرون جوعا ولا سيما في حلب. # وسنة 1759م في 19 تشرين الأول حدثت زلزلة (هزة) في الصباح، وقتل فيها كثيرون وخربت كنيسة ~~السيدة الأرثوذكسية، فسميت بعد تجديدها بسيدة الزلزلة. وأعادت الكرة في ms056 نصف تشرين الثاني من ~~تلك السنة بعد غياب الشمس، فأخربت بلاد بعلبك ونواحيها وجهات الشام، وقتل نحو ثلاث مائة ~~نفس، فأضرت بأبنية زحلة مع حقارتها إذ ذاك، وهدمت كثيرا منها وقتلت بعض سكانها. وبعد أن ~~انقطعت معاودتها رممت أبنيتها وكنائسها بمساعدة الأمراء. # وسنة 1760م تفشى طاعون جارف عم بلاد الشرق، وأفنى كثيرين في مدنها ولا سيما حلب ودمشق، ~~وامتد إلى زحلة ولبنان، فأمات كثيرين في زحلة وفر الناس إلى الأديار والجبال العالية ~~مذعورين، وبقوا مدة طويلة إلى أن تقلص ظله. # وسنة 1761م في 17 نيسان عادت الزلزلة في الساعة الثانية ليلا، وهدمت رأس بعلبك برمتها ~~ودير السيدة فيها، وقتلت خلقا كثيرا بأنقاض المهدومات منها، وبينهم أربعون امرأة كن في ~~محضن (مدخن) القز وأصاب زحلة بعض الضرر، ولجأ إليها كثير من الراسيين، فسكنوا بين مواطنيهم ~~في حارة الراسية وغيرها. # وفيها وقع الخلاف بين الأمير قاسم ملحم الشهابي وعميه الأميرين أحمد ومنصور على الحكم، ~~وذلك على أثر وفاة أبيه، فجاء الأمير قاسم زحلة والبقاع، ثم ذهب إلى عين دارة التي من ~~أقطاعه وصالح عميه، وبهذه الأثناء تنصر الأمراء الشهابيون، وأول من قبل ذلك منهم الأمير ~~عمر جد الأمير بشير الشهابي الكبير لأبيه. # وسنة 1766م جاء زحلة السيد أغناطيوس جوهر بطريرك الروم الكاثوليك، ونزل ضيفا على المطران ~~أفتيموس فاضل المعلولي في الدار الأسقفية، وكان قاصدا زيارة بعلبك بصفة بطريركية، فلم ~~يتمكن من ذلك؛ لأن الأمير حيدر الحرفوشي حاكمها كان قد أخبره المطران فيلبس أسقف بعلبك أنه ~~ليس ببطريرك فعدل عن ذلك. # وفيها توفي القس بروكوبيوس الحكيم الراهب الشويري في صليما يوم عيد ميلاد العذراء في 14 ~~أيلول، وكان كثيرا ما يطبب بزحلة وغيرها بارعا بصناعته، وكان فن الطب إذ ذاك منحصرا ~~بالرهبان وببعض الخاصة. # وسنة 1767م ضبط الأمير حيدر الحرفوشي دير السيدة في رأس بعلبك وضايق بعض رهبانه، ففروا ~~إلى دير النبي إلياس الطوق في زحلة، وأخبروا بما حدث لهم، فذهب بعض رهبان زحلة إلى الأمير ~~بشير اللمعي في برمانا وكان هذا الأمير ms057 مشهورا بسطوته ونفوذ كلمته، فأرسل معتمده إلى ~~الأمير الحرفوشي المذكور في بعلبك، فأصلح ذات البين وعادت مياه الراحة إلى مجاريها، ورجع ~~بعض الرهبان إلى دير سيدة الراس. # وفي هذه السنة توفي المطران أفتيموس المذكور، مطران الفرزل وزحلة في قرية القريعة من ~~البقاع، ودفن في دير المخلص، وهو أول أسقف سكن زحلة، ومنه ابتدأت سلسلة أساقفتها وبقي على ~~كرسيها أربعا وأربعين سنة أسقفا؛ لأنه سيم عليها سنة 1724م، وكان من كهنة البطريرك كيرللس ~~طاناس أقام أولا في الفرزل، ثم نقل إلى زحلة سنة 1727م كما مر آنفا. وهو من بني إسكندر ~~في معلولا من جبل القلمون، فحضر إليه أخوه إلى زحلة وبقيت سلالته فيها، وهم إلى الآن بقرب ~~دير الآباء اليسوعيين يلقبون ببني المطران (راجع «دواني القطوف») وحضر هذا الأسقف سنة 1736م ~~مجمع دير المخلص الذي عقده البطريرك كيرللس المشار إليه، لاتحاد الرهبانيتين ~~الشويرية # 32 # والمخلصية. # 33 # وكان عدد الأساقفة فيه عشرة مع رئيسي الرهبانيتين العامين، ولكنه لم يتوفق إلى ~~اتحادهما، وكان هذا الأسقف من حزب السيد أغناطيوس جوهر، ثم خضع في هذه السنة للسيد ~~ثاودوسيوس الدهان. # وسنة 1769 في شهر تموز جاء زحلة البطريرك ثاودوسيوس الدهان الكاثوليكي، قادما إليها من ~~بيروت، وحل في دير النبي إلياس نحو أربعة أشهر. ففض بعض مشاكل الرهبان ورتب لهم نظاما ~~جديدا. وسر بعمران زحلة وترقيها، وفيها حضر من حلب جبرائيل بن الغضبان شقيق إلياس ~~الغضبان، فمكث مدة في دير النبي أشعيا للرهبنة الحناوية، ثم جاء زحلة فقضى مدة طويلة في دير ~~النبي إلياس. # وفيها أسست الرهبنة البلدية المارونية # 34 # مأوى (أنطوش) دير القديس أنطونيوس في محله الحاضر الآن مع كنيسة ~~صغيرة، # 35 # وصار لها فيه رئيس ينوب عن أسقف صور وصيداء، # 36 # الذي كانت زحلة تابعة له إذ ذاك. # وسنة 1770م ثار متاولة جبل عامل، وناهضوا درويش ~~باشا والي صيداء، الذي سلم ولاية لبنان إلى الأمير يوسف الشهابي بدلا من حليفهم عمه ~~الأمير منصور، في شهر آب من تلك السنة. فانحازوا إلى الشيخ ظاهر ms058 العمر الزيداني، وشرعوا ~~يزرعون الفتن ويقلقون الراحة حتى اتصلوا بحاصبيا، وكان أشدهم تحمسا وعيثا الصغيرية ~~والصعبية. فأوغر تعديهم صدر الأمير يوسف ونوى التنكيل بهم، فنهض من دير القمر في أول تشرين ~~الأول بزهاء عشرين ألف مقاتل بين فرسان ومشاة، وقيل: كان عددهم ثلاثين ألفا وبينهم ~~الزحليون، فاحتدم القتال بينهم وبين المتاولة في نواحي جبل عامل، ولما كاد اللبنانيون ~~ينالون النصر ويستظهرون على الأعداء، ارتد بعض الجنبلاطيين والأمراء على أعقابهم في إبان ~~العراك، فأضعف ذلك قلوب اللبنانيين، وانهزموا فطمع بهم المتاولة، ولا سيما بعد أن وصلت نجدة ~~لهم من ظاهر العمر، فتأثروا اللبنانيون وأصلوهم نارا حامية وأعملوا السلاح في أقفيتهم، حتى ~~قتلوا منهم نحو ألف وخمسمائة قتيل من دروز ونصارى. وكان بينهم بشير بن صعب كساب كاخية ~~الأمير عساف اللمعي من أمراء صليما. والمتناقل على ألسنة الشيوخ، أنه قتل في هذه الموقعة ~~مائتا زوج أخوة من لبنان، ومن عسكر اللمعيين ستة عشر زوج أخوة معظمهم من المعلوفيين من كفر ~~عقاب وزحلة. وفي هذه الأثناء كان قد وصل عسكر الأمير إسماعيل الشهابي حاكم حاصبيا وخال ~~الأمير يوسف لنجدته، إذ كان قد استصرخه قبل زحفه وهو كثير بقيادة الأمير إسماعيل، فاشتد أزر ~~اللبنانيين ولكنهم كانوا قد بعدوا عن المتاولة، فدخلوا لبنان مدحورين، واستثأر المتاولة ~~منهم لقاء ما فعل بهم سلفه الأمير ملحم سنة 1734 كما مر. # وقد اشتهر بهذه الموقعة مخايل عيد المعلوف ببسالته وطنوس أبو عقل المعلوف، وهما من فرع ~~أبي مدلج، فهذا خلص العلم (البيرق) عند انكسار اللبنانيين ولم يقو الأعداء على أخذه. ~~ويقال: إنه لم يسلم سواه فشكره الأمير ولقبه بالكحيل، واشتهر فرعه بهذا اللقب (راجع ~~«دواني القطوف» صفحة 207). وعرفت هذه الموقعة بحادثة الجرمق أو الزهراني، حيث حدثت في بلاد ~~الشقيف في وادي الجرمق وقرب نهر الزهراني. ولم يذق اللبنانيون فشلا مثل هذا في مواقعهم؛ ~~لأن بعض المشايخ خانوا الأمير يوسف وأرادوا خذلانه انتصارا للأمير منصور، وكان الأمير يوسف ~~في بدء هذه المعركة منتصرا؛ لأنه لما وصل إلى جباع الحلاوة ms059 أول بلاد المتاولة هاجم الشيخ ~~حيدر الفارس زعيمهم المقيم هناك، فهزمه ودخل الأمير القرية وأحرقها، ثم انتقل إلى النبطية. ~~فورد إليه كتاب من الشيخ ظاهر العمر يسأله أن يكف عن القتال بثلاثة شروط؛ أولها: إنه يرسل ~~إليه شيوخ المتاولة ليقدموا له الطاعة، وثانيها: إنهم يقدمون له دراهم نفقة عساكره، ~~وثالثها: إنه يعطيه مدينة صيداء فيتولى شئونها. وكانت هذه الشروط على يد الشيخ علي جنبلاط ~~فلم يقبل الأمير يوسف بها. فتراجع عنه الجنبلاطيون بإشارة زعيمهم الشيخ علي. وكذلك مال عنه ~~كل من الشيخين عبد السلام العماد وكليب نكد خدمة للأمير منصور الذي كان يحركهما سرا ضد ~~الأمير يوسف، وهما اللذان أقنعاه بعدم قبول شروط الشيخ ظاهر الآنفة الذكر. وكانا يراسلان ~~مشايخ المتاولة سرا، وأنهما سيغدران بالأمير خدمة لهم، فتشدد المتاولة وهجم نحو مائة ~~فارس منهم على عسكر الأمير يوسف فانهزم زعماؤه من أمامهم إنجازا لوعدهم، وتمت المكيدة ~~وتمزق شمل اللبنانيين وعم العويل والنحيب في جميع لبنان وما يجاوره، حتى كانت النساء في ~~كل مكان كالأغربة حدادا على القتلى، وتمرد المتاولة كما فصل ذلك القس حنانيا المنير في ~~تاريخه الدر المرصوف، في تاريخ الشوف وغيره من المؤرخين. # وسنة 1772م طلب الأمير يوسف حاكم لبنان من عثمان باشا المصري والي الشام ولاية البقاع ~~لأخيه الأمير سيد أحمد، فألقى إليه مقاليد أمورها، فجاء الأمير سيد أحمد، وتوطن قلعة قب ~~إلياس التي كانت الزلازل قد هدمتها، ورممها وجهزها بالمدافع والرجال وصار يمخرق في البقاع، ~~فنهب قافلة لتجار دمشق كانت مارة في طريق البقاع، فكتب عثمان باشا إلى الأمير أن يردع ~~أخاه عن العيث في البلاد وأن يرد ما سلبه، فكتب الأمير إلى أخيه فلم يرعو، فاعتذر الأمير ~~يوسف للوزير فرأى اعتذاره غير واقع في محله. # وسنة 1773م خرج الوزير مع بعض الباشوات بعساكر جرارة أكثر من خمسة عشر ألفا، فنزلوا في ~~صحراء بر إلياس، وضربوا فيها خيامهم وارتجت البلاد لقدومهم، وكانوا يحبون الاقتصاص من ~~الأمير سيد أحمد الذي لم يترك المخرقة في البقاع ولا رد ms060 مال القافلة الذي سلبه. فلما بلغ ~~الأمير يوسف قدوم عساكر دمشق جمع رجاله وسار إلى المغيثة. ثم انتقل إلى زحلة فانضم إليه ~~رجالها الأشداء، فحارب عسكر دمشق مرارا، فلم يظفر بهم ولا ظفروا به، وذلك لخيانة الأمراء ~~والمشايخ الذين كان الجزار قد رشاهم بالمال الذي قبضه من مركب فرنسي جاء بيروت حاملا ~~الدراهم لتجارها، وقيمتها أربعمائة كيس في أثناء محاصرة الجزار إياها. فاستصرخ الشيخ ظاهر ~~العمر الزيداني، فأرسل إليه عسكرا وافرا بقيادة ولده الشيخ علي والشيخ ناصيف النصار زعيم ~~المتاولة، فلما وصلوا إلى القرعون في أول البقاع من جهة الجنوب علم بهم عثمان باشا وأعوانه، ~~فأركنوا إلى الفرار بعساكرهم وتركوا خيامهم وذخائرهم وعددهم ومدافعهم وساروا إلى دمشق، فغنم ~~كل ذلك عسكر الأمير وجهزوا بالمدافع قلعة قب إلياس وحصنوها، وتجددت المودة بينهم وبين ~~الشيخ ناصيف النصار ورجاله، وأذهبت الحفائظ أحقادهم القديمة. فعاد عسكر الشيخ ظاهر ظافرا ~~مشكورا من الأمير الذي عاد إلى دير القمر. وجدد المواثيق بينه وبين المشايخ آل ظاهر العمر ~~وآل علي الصغير وغيرهم. # وفي هذه السنة شيد الرهبان الشويريون كنيسة دير النبي إلياس الطوق؛ لأنهم كانوا قبل ذلك ~~قد بنوا الأقبية والممشى الشمالي فقط، وكانوا يقيمون الصلاة بغرفة صغيرة. # وسنة 1774 كان الأمير أحمد قد قويت شوكته في البقاع، وحصن قلعة قب إلياس بالمدافع كما ~~مر، فعصى على أخيه الأمير يوسف وسولت له نفسه محاربته، فانحاز إلى الذين أبعدهم أخوه من ~~اليزبكية مثل الشيخ عبد السلام العماد والشيخ حسين تلحوق وغيرهما، وكان عنده في القلعة ~~الأمير فارس يونس، فاستمال إليه الأمير منصورا صاحب راشية، وانضم إليه كثير من مناوئي ~~أخيه، فثقل على قرى الشيخ علي جنبلاط في البقاع، فحنق عليه أخوه الأمير يوسف وزحف بعساكره ~~لقتاله، وحاصر قلعة قب إلياس نحو شهر فلم يظفر منها بطائل، فانفض أكثر عسكره ضجرا بدسيسة ~~الشيخ عبد السلام المذكور. فاستقدم إليه عسكر المغاربة من دمشق، وأقامهم على حصارها حتى ~~استنفد ما فيها من الماء والزاد فضويق الأمير سيد أحمد، وكتب إلى الشيخ ms061 علي جنبلاط والشيخ ~~كليب النكدي أنه يريد التسليم لأخيه على أيديهما. فتوسط الأمر فقبل الأمير يوسف بذلك. فخرج ~~أخوه الأمير سيد أحمد من القلعة بمن معه، وسلمها لأخيه وسار إلى حارة حدث بيروت، وتوطنها مع ~~بعض مريديه الذين كانوا محاصرين معه. فاستولى الأمير يوسف على القلعة، وأراد تقويض دعائمها ~~فلم يستطع الفعلة الكثيرون إلا هدم بعض جدارها لمناعتها. # ثم كتب الأمير يوسف إلى محمد باشا العظم خلف عثمان باشا المصري في ولاية دمشق أن يسند ~~إليه إدارة ولاية البقاع، فأرسل إليه الخلعة بذلك، وطلب منه أن يعيد لتجار دمشق ما كان سلبه ~~منهم أخوه الأمير سيد أحمد من قافلتهم ففعل، وكان ذلك اقتصاصا من الأمراء اللمعيين؛ لأن ~~الأمير شديدا منهم قتل دهقانه، فنهض الأمير يوسف من غزير إلى الرمتانية لقصاصهم، فوضع يده ~~على أملاكهم ورجع إلى غزير، وأقام أخاه الأمير قاسما وكيلا عنه في ولاية البقاع، فأخذ من ~~أخيه مال التجار وأرجعه إلى أصحابه، وعوض عليه مالا من عنده. # وسنة 1775م في أواخرها سقف البطريرك ثاودوسيوس الدهان الكاثوليكي في دير القديس ~~أنطونيوس القرقفة في كفر شيما (لبنان) القس يوسف فرحات الراهب المخلصي على ضيعة الفرزل ~~باسمه، وشرع ببناء كنيسة حذاء داره الأسقفية في زحلة، وكان يلقب بأسقف الفرزل، فزاد على ~~لقبه لفظة البقاع؛ أي أسقف الفرزل والبقاع، وكان قد تكاثر مجيء سكان بعلبك إلى زحلة ~~واستعمارها تخلصا من ظلم الأمراء الحرفوشيين، فكثر البناء فيها وبنى المطران بعض غرف في ~~الدار الأسقفية، وهو أول من طاف بالقربان المقدس في زحلة، إذ كان قد أدخل عيد الجسد ~~الإلهي البطريرك مكسيموس الحكيم الكاثوليكي، فكان كثير من السكان والمجاورين يقصدون زحلة ~~للاحتفال بذلك، ولن تزال هذه العادة جارية إلى عهدنا. # وسنة 1776م في 16 نيسان صار ثلج وبرد كثير، حتى اتصل الثلج بحدود الساحل، وكان في زحلة ~~وما يجاورها كثيرا، فحصل ضيق للسكان والمواشي. # وفيها في أول تموز جاء عسكر من دمشق إلى بعلبك، فعزلوا الأمير مصطفى الحرفوشي حاكمها ~~وولوا عوضه أخاه محمدا، فهرب ms062 الأمير مصطفى إلى زحلة ودخل في حماية الأمراء اللمعيين، ~~ولبث فيها مدة وتمكنت المودة بينه وبين الزحليين، (راجع تفصيل ذلك في «دواني ~~القطوف»). # وفيها صار أحمد باشا الجزار واليا على صيداء، وعزل عنها محمد باشا الذي كان قد وضعه حسن ~~باشا القبطان فيها. ولما بلغ الأمير يوسف قدومه اضطرب، لما كان بينهما من الضغينة عند حصار ~~بيروت، ولكنه رأى من المناسب أن يتظاهر بالسرور، فأرسل يهنئه وبعث إليه هدايا من الخيول ~~المطهمة ونحوها، فأجابه الجزار شاكرا صداقته. ومالأ الأمير يوسف حسن باشا اقتصاصا من ~~الجزار منتهزا الفرصة لذلك، وأراد خدمته بتقديم المال المرتب عليه، فاستشار مريديه وأعوانه ~~فقر رأيهم على أن يضع الأمير يوسف يده على عقارات الأمراء الشهابيين أنسبائه ويدفع المال من ~~ريعها ففعل. وأغضب بذلك الأمراء، فنهضوا إلى البقاع وعاثوا فيه وكدروا مياه الأمن، ~~وأثاروا القلق وسلبوا ما لأهل البلاد هنالك. فسار الأمير بعسكره إلى قب إلياس لردعهم؛ ففروا ~~إلى إقليم البلان ومنه إلى الحولانية، فتوسط أمرهم نسيبهم الأمير إسماعيل حاكم حاصبية. فقبل ~~الأمير يوسف وساطته، وتعهد لهم بإرجاع ما تناوله من ريع عقاراتهم ورجع كل إلى وطنه، ما عدا ~~شقيقيه الأميرين سيد أحمد وأفندي، فبقيا يناوئانه بالانحياز إلى ناصيف النصار زعيم ~~المتاولة، فاسترضاهما وأعادهما إلى البلاد، وعاد هو إلى دير القمر فجمع المال الذي تعهد به ~~إلى حسن باشا ودفعه له، فأعطاه البراءة والخلعة بحكم جبل الشوف وملحقاته وبيروت وجبيل ~~والبقاع. وكتب له ميثاقا بأن والي صيداء لا يطالبه إلا بالمال الأميري، وسار إلى الأستانة ~~فانتهز الجزار الفرصة وحرك دفين حقده على الأمير يوسف، وجاء بيروت وملكها ورفع يد الأمير ~~يوسف عنها، وضبط ما فيها من عقارات وأبنية للشهابيين، وكتب إلى الأمير يوسف يطلب منه ~~الأموال السلطانية عن السنوات الثلاث الماضية وألحف في الطلب، فخشي الأمير غدره وكتب إلى ~~حسن باشا يستصرخه، فأدركه الرسول في جزيرة قبرس، فعاد ببعض السفن إلى بيروت وأخرج الجزار ~~منها، ووعد الأمير أنه سيعزل الجزار عن الولاية واستأنف السفر إلى الأستانة. وكان ms063 عسكر ~~الجزار الذي جاء به بيروت ستمائة فارس من اللاوند الشجعان، فساروا إلى صيداء برا فأرسل ~~لهم الأمير المشايخ النكدية، فكمنوا لهم في أرض السعديات قرب الدامور، وكان معهم مائتا رجل ~~والتقيا في الصباح، فاستظهر عليهم اللاوند وجندلوا زعيمهم الشيخ أبا فاعور، وأمسكوا ولده ~~الشيخ محمودا والشيخ واكدا، وجرح أخوه الشيخ بشير فساروا بالأسيرين إلى الجزار غانمين ~~الأسلاب فحبسهما في القلعة. ثم فكهما الأمير يوسف معتذرا إلى الجزار أن ذلك جرى دون ~~علمه؛ ولذلك اضطر الأمير يوسف أن يوزع فدية الأسيرين، وهي مائة ألف غرش على البلاد، فعصى ~~عليه الأمراء اللمعيون وأبوا دفع تلك الضريبة وأثاروا الخواطر ضده، فأوغر ذلك صدر الأمير ~~والجزار معا فأرسل هذا مصطفى أغا قراملا (أي القارئ الأسود) قائد عسكره بجماعة إلى بيروت، ~~ومنها إلى مقاطعة اللمعيين في المتن وزحلة والبقاع، فأحرقوا قرى المكلس والدكوانة والجديدة ~~وقتلوا جماعة من أعوانهم، وساروا إلى البقاع فاستولوا على ما للأمراء الشهابيين واللمعيين ~~فيه من العقارات والقرى. فانحاز الأمير يوسف إلى اللمعيين، وجمع عسكرا من البلاد كان بينه ~~الزحليون وزحف به إلى المغيثة. # وفي آخر شهر نيسان من سنة 1777 كان قراملا مع عسكره الأكراد قد مروا بقلعة قب إلياس، ~~فعلم محافظ القلعة بقدومهم فحصنها، حتى امتنعت عليهم وردهم عنها بقنابل المدافع، فساروا ~~إلى بعلبك وعاثوا فيها كل العيث وأمسكوا زعماء الشيعيين فيها، وصادروهم بأموال كثيرة ~~وحبسوا الأمير محمدا الحرفوشي وضبطوا أمواله، وكان في بعلبك القس أكلمينضوس الراهب الحناوي ~~بارعا في الطب فطبب ذات يوم قراملا وشفاه، فصار له عليه دالة، فاستأمنه على ~~المسيحيين فأمنهم وجمعهم في الدار الأسقفية في بعلبك، وأقام عليهم محافظين فلم يمسوا ~~بسوء. # وكان الجزار قد استصرخ حاكم الشام وولده حاكم طرابلس ليساعداه على محاربة جبل لبنان، ~~فامتنعا حفظا لعهدهم مع الأمير حاكمه. # فجاء عسكر قراملا وخيموا في البقاع، وقطعوا الطريق على المارة، ونازلوا قرية سعد نايل ~~في جوار زحلة ونهبوا مواشيها وقتلوا بعض سكانها وذلك في شهر حزيران، وأرادوا الهجوم على ~~زحلة فمنعهم المطر الكثير ms064 الذي انهمر في تلك الأثناء. # وفي 19 تموز هاجموا زحلة ودير مار إلياس الطوق في غربيها، فهرب الرهبان إلى القلعة فوق ~~الدير. فدخلوه ونهبوا ما فيه من الحرير والأمتعة، فجمع الزحليون رجالهم بقيادة بعض الأمراء ~~اللمعيين ونازلوهم قرب الدير المذكور وحمي وطيس القتال، فظفر الزحليون بهم وقتلوا منهم ~~خمسين رجلا، ولم يقتل من الزحليين سوى ستة رجال. واستعادوا جميع ما نهب من الدير سوى بعض ~~الحرير الذي لم يجدوه بين المسلوبات. وقد اشتهر بهذه الموقعة من الزحليين نجم أبو ضاهر ~~المعلوف جد المرحوم نعمان المعلوف لأبيه مع أخوته وغيرهم، وهو الذي حاصر في بيته وحماه من ~~الحريق مع ما حوله، فترك الأكراد زحلة مدحورين وعادوا إلى مخيمهم في البقاع. ولما ذاع خبر ~~مهاجمتهم لزحلة جاء بعض المشايخ والأمراء من لبنان لمعاضدة الزحليين بعساكرهم. # ولما استعاد الأكراد قوتهم وجمعوا شملهم؛ أعادوا الكرة على زحلة في السابع من شهر آب، ~~ولما بدأ القتال فر المشايخ بعسكر الدروز وبعض الأمراء اللمعيين، فتبدد شملهم وضعف عزائم ~~الزحليين لهذه الخيانة. فقتل منهم الأكراد أكثر مما قتل من عسكرهم، وأحرقوا القرية ودير مار ~~إلياس الطوق وغابات المدينة المشتبكة. ولولا معاضدة الأمير مصطفى الحرفوشي للزحليين ووقوفه ~~برجاله في وجه الأكراد، لما أبقوا أحدا من السكان الذين فروا إلى الجبال العالية في ~~لبنان، وقتلوا الشيخ سيد أحمد العماد من الباروك ونحو ثلاثين من غير الزحليين. أما رهبان ~~دير مار إلياس الطوق، فغادروه فارغا وحملوا أمتعتهم وذهبوا إلى قرية بر إلياس ونزلوها مدة، ~~واشتهرت هذه الموقعة في زحلة باسم موقعة قراملا إلى يومنا. # وفي 12 آب نزل قراملا بعسكره من زحلة إلى جهات ثعلبايا وقلعة قب إلياس، فالتقاه العسكر ~~اللبناني، فاستظهر عليهم وقتل منهم نحو مائة بينهم زين الدين مزهر مقدم حمانا، والشيخ ظاهر ~~عبد الملك من الجرد في الشوف من الدروز، ورحال بن شبلي كساب من مسيحيي صليما، وقتل من ~~الأكراد نحو أربعين شخصا، وفر عسكر لبنان. فأحرق الأكراد كثيرا من قرى البقاع وما ~~يجاورها، وهاجموا قرية سغبين ms065 مرتين؛ فعادوا عنها مدحورين لصعوبة مسالكها، وقتل منهم نحو ~~مائتين. ثم استقدمهم إليه الجزار فجأة، فرحلوا عن البقاع تاركين فيها آثارا سيئة. # وأما الأمير يوسف فأوغر صدره ما فعله هؤلاء في بلاده، فجمع عسكرا كان فيهم الأمراء ~~اللمعيون برجالهم وبينهم الزحليون، وانضم إليه الحرفوشيون حكام بعلبك برجالهم، وبينهم ~~المعلوفيون فواقعوا الجزار وهزموا عساكره وشفوا غليلهم منه. # وفي هذه السنة كثر الجراد في الجروم (السواحل) فأضر بها كثيرا، واتصل إلى الصرود ~~(الجرود) فكان فيها قليل الضرر. # وفي هذه الأثناء كان الأمير يوسف قد وزع مالا على البلاد، فدفع الشيخ علي جنبلاط ما ~~خصه هو وأعوانه، فخشي الأمير زعامته ونفوذه، فألقى زوان الفتنة بينه وبين الشيخ عبد ~~السلام العماد، فتجاذبا كلاهما أهداب الزعامة، وأراد كل منهما أن يحتكرها لنفسه. فنشأ في ~~البلاد حزب جديد خلف القيسي واليمني، وهو الحزب المعروف باليزبكي والجنبلاطي، فعم ~~الانقسام الشهابيين واللمعيين والنصارى اللبنانيين إلا المشايخ النكديين، فإنهم كانوا على ~~الحيادة؛ فصار حزب يزبك يطلق على المشايخ آل العماد وآل تلحوق وآل عبد الملك ومواليهم ~~وزعماؤه آل العماد الذين كان بينهم اسم يزبك، فنسبت العصبية إليه، والباقون من الإقطاعيين ~~والعشائر كانوا جنبلاطيين وزعماؤهم آل جنبلاط. # وسنة 1778م حدث غلاء فاحش عم جميع أنحاء سورية، فكان ثمن كيل الحنطة البيروتي اثني عشر ~~غرشا، وثمن قفة الأرز عشرين غرشا؛ ونال زحلة من ذلك ضيق شديد. # وفيها قتل الأمير شديد مراد اللمعي دهقانه (خوليه)، فلم يتمكن الأميران سيد أحمد وأفندي ~~حاكما لبنان من الاقتصاص منه. وكان أخوهما الأمير يوسف في غزير، فكتب إلى محمد باشا العظم ~~والي دمشق يطلب منه حكم البقاع، فولاه إياه فقام من غزير إلى قرية الرمتانية فوق زحلة ~~للاقتصاص من الأمراء اللمعيين، وكان قد انضم إليه بعض أعيان البلاد والأميران إسماعيل ~~وبشير الأخوان حاكما حاصبية، فتقوى بهم وضبط أملاك الأمراء اللمعيين، وألحق بالزحليين ~~الخسائر وعاد إلى غزير ثم أصلح ذات البين بينه وبين أخويه، ولم يطل العهد حتى أعيدت له ~~الولاية وصالح أخويه واستتب له الحكم. # وسنة ms066 1779م في آذار توفي الأمير حسين أبو إسماعيل جد الأمير حيدر إسماعيل الشهير حاكم ~~صليمة لأبيه، وفي 11 تشرين الثاني توفي الأمير أحمد حاكم بسكنته، فأقيم لهما مأتم حافل حضره ~~الزحليون ولا سيما المعلوفيون الذين من عهدتهما، ولبست مقاطعة المتن وزحلة عليهما ~~الحداد. # وفيها صار ثلج تعاظم جدا جدا وبقي أياما طويلة متجمدا، وضويق الناس. وفي الثامن من ~~شهر أيار أمطرت السماء مطرا خرت منه مرافض الأودية، وجرت السيول الطامية وسقط في قرية ~~رأس بعلبك ونواحي مدينة حمص برد كان حجمه يتراوح بين حجم الخوخة وبيضة الدجاجة، فسبب ~~أضرارا كثيرة وخسائر فادحة في الأشجار. وفي ذلك اليوم نزل شهاب ناري من السماء منقضا على ~~ثلاثة رءوس خيل في تلك الجهات فقتلها لساعته. وفي 13 من شهر تشرين الثاني خسف القمر خسوفا ~~كاملا طالت مدته. # وسنة 1780 في ليلة الحادي عشر من كانون الثاني بعد غياب الشمس بساعتين ونصف حدثت زلزلة ~~(هزة) خفيفة، لم ينجم عنها أضرار واشتد هبوب الرياح فاقتلع الأشجار. وفي آخر شهر نيسان سقط ~~ثلج وبرد عظيم الواحدة بقدر الجوزة وأتلفت أشجارا كثيرة. وفي أيار انهملت الأمطار العظيمة، ~~وفاضت الأنهار وتجاوزت حدودها وطغى نهر الكلب في كسروان، فحمل أخشابا ضخمة صدمت في جريها ~~الجسر فانهدم، وكان جسرا قديما عظيما من أيام الرومانيين فصاروا يقطعون النهر بالقوارب ~~إلى أن رمموا الجسر ولحق زحلة المطر والثلج وما سببا من الأضرار. وفيها ضرب الأمير يوسف ~~ضريبة على التوت، فأصاب أوقية بزر الحرير خمسة غروش، وتضايق الناس لأن هذا كان مالا ثانيا ~~على البلاد فأصاب زحلة منه قسم وافر. # وسنة 1781م جاء راهبان من دير مار يوحنا الصابغ في الخنشارة بأمر رئيسهما القس أكاكيوس ~~ابن بولس الحكيم الشابوري إلى دير النبي إلياس الطوق في زحلة، وأخذا معهما راهبا من دير ~~النبي إلياس، وقصدوا سهل البقاع ليصطادوا السمك من نهر الليطاني، وكان حاكم البقاع محمد أغا ~~العبد، فقبض عليهم ووضع الحديد في أعناقهم وتهددهم بالقتل، فبلغ الخبر رهبان دير الطوق، ~~فقدموا له خمسة ms067 أرطال قهوة وقفتي أرز فأطلق سراحهم، وكان بينهم القس حنانيا المنير المؤرخ ~~صاحب «تاريخ الرهبنات»، و«الدر المرصوف» و«مجموع الأمثال العامية» وغيرها. # وفي تلك الأثناء حدثت نزغة بين الأميرين محمد الحرفوشي وشقيقه مصطفى، فلجأ هذا إلى زحلة ~~لما كان بينه وبين سكانها من المودة، ولا سيما المعلوفيون أنسباء آل شبلي المعلوف الذين ~~كانت لهم منزلة كبيرة عند الحرفوشيين في بعلبك؛ لأنهم كانوا مستشاريهم. فرفع عليه أخوه ~~الشكوى إلى حاكم دمشق، فأرسل هذا عسكرا إلى زحلة لإلقاء القبض عليه في شهر آذار، ففر ~~منها وخشي الزحليون فتك الحاكم وغدره، فتركوا بلدتهم وساروا إلى لبنان بأمتعتهم، أما غلالهم ~~فكانت على البيادر فاستولى عليها عسكر دمشق ونهب أمتعة دير النبي إلياس الطوق وتركوه قاعا ~~صفصفا، فكان ما فقد منه يقدر بثلاثة آلاف غرش. # وإذ ذاك جاء زحلة الأمير سيد أحمد الشهابي فارا من وجه أخيه الأمير يوسف؛ لأنه كان قد ~~سعى مع أخيه الأمير أفندي بقتله فقتل الأمير أفندي، وجرح الأمير سيد أحمد وذلك بالاتفاق مع ~~المشايخ الجنبلاطيين ضد المشايخ اليزبكيين، وكان هذا الحزب في معظم شدته. فطلب الأمير سيد ~~أحمد من حاكم الشام الذي كان في دير النبي إلياس الطوق أن يوليه حكم البقاع ويسلمه قلعة قب ~~إلياس، فسلمه مقاليد حكم البقاع، واتفق مع الوزير أن يغرم أهل زحلة بعشرة أكياس ~~لحمايتهم الأمير مصطفى الحرفوشي ويرفع عنهم العسكر؛ فقبل، فاستقدمهم الأمير سيد أحمد من ~~لبنان، ودفعوا ما تعهد به وعادوا إلى بلدتهم، وعمروا ما خرب منها وجدد الرهبان الشويريون ~~بناء الدير. # وسنة 1782م أرسل الأمير يوسف الشهابي حاكم لبنان الأمير شديد بن مراد اللمعي، فنهب بر ~~إلياس وخرب قلعتها فهرب البقاعيون، وكان بين عسكره رجال من زحلة نهبوا قرية النبي إيلا ~~(إيليا) قرب أبلح والفرزل، وقتلوا أراجة حمية من طاريا، فاستاء الأمير مصطفى الخرفوشي ~~حاكم بعلبك وأرسل يتهدد الزحليين ويصادرهم بأموال كثيرة، وكان يتأهب لمقاتلتهم فرحل بعضهم ~~خوفا من مكره، وكان ذلك في شهر آذار ونقلوا أمتعتهم. وفي تلك الأثناء تصدى الأمير محمد ms068 ~~الحرفوشي لمحاربة أخيه الأمير مصطفى في بعلبك بعسكر جرار، فهرب هذا إلى نواحي حمص وجمع ~~عسكرا وهاجم بعلبك، فالتقاه أخوه محمد برجاله وبعد مناوشات كثيرة، كانت الغلبة للأمير ~~مصطفى بعد قتل عشرة من رجاله، فدخل إلى بعلبك وحكمها وهرب الأمير محمد إلى زحلة ~~برجاله. # وسنة 1782م جاء زحلة أنتيموس بطريرك أنطاكية الأرثوذكسي قادما من الأستانة بطريق طرابلس ~~الشام، وأصلح الخلاف بين المعلوفيين على كنيسة الخرائب في كفر عقاب، إذ استقدم إليه كهنتها ~~وشيوخها، وكتب بينهم وثيقة كما في «دواني القطوف». # وسنة 1784م في شهر كانون الثاني ظهر في الغرب مذنب كان ذنبه متجها للشرق، وخاف الناس ~~منه وتطيروا من منظره، وحسبوا لظهوره حسابات تدور على تفشي الأمراض والحروب والفواجع، ~~وكانوا يقرعون صدورهم ويستغيثون بالإله ليدفع عنهم شره. # وكان الزحليون خائفين من مكر الحرفوشيين الذين كانوا يتجاذبون أهداب حكم بعلبك والبقاع، ~~ويمخرقون في البلاد فتارة يوالون الزحليين وطورا يعادونهم، حتى ملوا من معاشرتهم وأحبوا ~~البعد عنهم. ففي بدء هذه السنة أرسل حاكم دمشق محمد درويش باشا عسكرا إلى بعلبك بالاتفاق ~~مع أحمد باشا الجزار حاكم عكاء، وألقوا القبض على الأمير مصطفى الحرفوشي وأخوته الستة، ~~ونقلوهم إلى دمشق، فشنقوا ثلثة منهم وحبسوا ثلثة، وتولى بعلبك رمضان آغا ورفعت يد ~~الحرفوشيين عن بعلبك وضواحيها، وصفت كأس الراحة، وأرسل محمد باشا أمرا إلى الزحليين يطيب ~~به خاطرهم ويعدهم بالخير، وأوصى بهم حاكم بعلبك. ثم انتقل حكم بعلبك إلى يد الجزار ، فأرسل ~~عليها حاكما من قبله اسمه سليم أغا، وكثرت القلاقل والفتن فصح بهذه البلاد قول ~~الشاعر: # إذا استغنيت عن داء بداء # فاقتل ما أضرك ما شفاكا # وكان أغناطيوس صروف مطران بيروت قد استفحل الخلاف بينه وبين الرهبان الحناويين، فعم ~~البلاء واشتد الخطب وساد الاضطراب، وفيها توفي الأمير مراد منصور اللمعي وحضر الزحليون ~~مأتمه ولبسوا عليه الحداد. # وسنة 1785م عم الطاعون مصر وبيروت وطرابلس وبعض أنحاء سورية ولبنان، وهرب السوريون إلى ~~الجبال العالية، وكثر الغلاء وتضايق الناس ما عدا مدينة حلب، فإنها كانت بسعة لرخص ms069 الحبوب ~~والحاجات فيها، ولحق زحلة ضيق شديد. # وسنة 1786م حكم بعلبك محمد أغا العبد الذي كان حاكم البقاع، فجاء الأمير مصطفى الحرفوشي ~~زحلة، وكان فارا عند عرب خزاعة أنسبائه في شمالي سورية، فجمع من زحلة مائة مقاتل وبينهم ~~بنو شبلي المعلوف المقربين منه، فنعل الخيول باللباد ودخل بعلبك بعسكره ليلا، وقتلوا من ~~التقوا به وأهلكوا من عسكر العبد كثيرا، وكاد هو يسقط في أيديهم ففر إلى دمشق، واستتب ~~الحكم لجهجاه وجاء زحلة كثير من سكان بعلبك وضواحيها، وعمروا كنيسة القديس ميخائيل ~~الكاثوليكية. # وفيها انتشر الطاعون في البقاع واتصل بزحلة وضواحيها، ومات كثير من بدو البقاع وبعلبك، ~~ولا سيما عرب الفضل، وامتد منها إلى حمص ونواحيها وأفنى التركمان، وكان فتكه ذريعا. وفي ~~الصيف جفت المياه والينابيع ولا سيما العاصي وكثر الغلاء. وفي 22 تشرين الأول بعد نصف الليل ~~حدثت زلزلة خفيفة. وفي تشرين الثاني من هذه السنة انفجرت ميازيب السماء، وجرت المياه على ~~الأرض وحملت المواشي والغراس وأماتت اثني عشر شخصا، وهدمت كثيرا من الأبنية، وكان ضررها ~~في زحلة عظيما حتى طاف البردوني، وحمل بعض الناس وخرب العقارات. # وسنة 1788م كان أظن إبراهيم باشا قد نال ولاية دمشق بعد قتال وخلاف، فأرسل إلى الأمير ~~جهجاه الحرفوشي يتهدده لاعتدائه على بعلبك، فأرسل حريمه إلى زحلة وخرب طواحين بعلبك التي ~~تركها أهلها وفروا إلى زحلة وغيرها، فأسند والي الشام المذكور حكم بعلبك إلى الأمير كنج بن ~~محمد الحرفوشي، وخلع عليه وأمده بعسكر دالاتية ومغاربة، فحارب هذا ابن عمه الأمير جهجاه، ~~فاستنجد هذا بالأمير يوسف الشهابي وبالأمير شديد مراد اللمعي حاكم زحلة إذ ذاك، فأرسلا له ~~عسكرا بينهم الزحليون فقصدوا قرية صنبرة فوق بعلبك، حيث كان عسكر دمشق محاصرا إياها للقبض ~~على الأمير جهجاه، ففرقوا شمل المحاصرين وارتد عسكر جهجاه على المغاربة، فقتلوا منهم أربعين ~~نفرا والباقون فروا إلى بعلبك، وكان ذلك يوم عيد الأربعين شهيدا في 9 آذار، وتوسط الأمر ~~الشيخ عباس التل حاكم الزبداني، فدفع جهجاه ثلثين كيسا غرامة (بلصة)، ونحو مائتي ms070 كيس على ~~حكم بعلبك، فأرسلت إليه الخلع مع حاكم الزبداني المذكور ليلة عيد البشارة في 25 آذار، ويوم ~~العيد وصل الخبر إلى زحلة فسر أهلها وأطلقوا البنادق واطمأنوا بعدما كانوا قد أرسلوا ~~أمتعتهم إلى الجبل، وبعدئذ حضر الأمير جهجاه إلى زحلة حيث أسرته فيها وفاوض المطران ~~بنادكتوس أسقف بعلبك ليعود إليها لاستتباب الراحة، فيرجع جميع النصارى إليها قريرين، وعاد ~~بأسرته وتبعه المطران وجميع الأهلين من نصارى ومسلمين وشيعيين. # وفيها توفي الأمير إسماعيل اللمعي أكبر أمراء المتن سنا وجاها ورأس عهدة (سمية) بني ~~قيدبيه، وكان ذا سطوة ونباهة، فأجري له مأتم حافل حضره الزحليون ولا سيما المعلوفيون؛ لأنهم ~~من عهدته، وخلف ثلاثة أولاد وهم الأمير حسن والأمير عساف والأمير حيدر الذي اشتهر بعد ~~ذلك. # وفيها سقط ثلج عظيم حتى بلغ سواحل بيروت، وتضايق الزحليون منه ومات كثير من ~~المواشي. # وفي 24 أيار انكسفت الشمس قبل الظهر بساعتين، وبقيت بضع ساعات. # وسنة 1789 حدث خلاف بين الأمير يوسف الشهابي والجزار، وانضم الأمير جهجاه الحرفوشي إلى ~~الأمير الشهابي، فزحفت عساكرهما على وادي التيم، وفي 20 تموز التقيا في وادي عباد بعسكر ~~الجزار وأمراء حاصبيا وعساكرها؛ فكان النصر للشهابي والحرفوشي وقتل من عسكر الجزار نحو ~~مائتي نفر، فأوغر ذلك صدره غيظا وأرسل عسكرا إلى البقاع، وضبط غلالها ليحمل الناس على خلع ~~الأمير يوسف واستمال الجنبلاطيين، فسعوا بتأييد آرائه فترك الأمير يوسف الحكم لابن أخيه ~~الأمير بشير قاسم الشهير، وما استتب له الحكم حتى طلب منه الجزار طرد الأمير يوسف من ~~البلاد، ففر هذا إلى صرد (جرد) كسروان، والتقى الجيشان في وادي الميحان، وهو عسر لا تسلك ~~فيه الخيل إلا بشعب ضيق في حرج (حرش) كثيف الأشجار. وكان كمين من عسكر الأمير يوسف بينه ~~رجال جبة بشراي والمشايخ الحماديون وأعوانهم في ذلك المضيق، فلما أقبل عسكر الأمير بشير ~~وبينهم الزحليون وغيرهم من رجال البلاد أوقعوا بهم وفتكوا كل الفتك، فقتلوا منهم على حين ~~غرة خلقا كثيرا، ولما رأى الأمير بشير أن عسكره كاد يندحر جرد ms071 سيفه وكر أمامهم، ~~فتبعوه وصدموا عسكر الأمير يوسف بقلوب قوية، فشتتوا شملهم ومزقوهم كل ممزق ففر الأمير ~~يوسف إلى الجبة ومنها إلى طاريا في بلاد بعلبك فالزبدانة فمنين قرب دمشق فحوران. وقتل ~~بهذه الموقعة بعض الزحليين لهجومهم مع الآراء اللمعيين، ومن الجنبلاطيين قتل أو دعيبس بن ~~علي بن بشير جنبلاط. والشيخ يوسف الدويهي من الجبة وغيره، وعرفت هذه الموقعة بموقعة الميحان ~~إلى يومنا. # وفي هذه الأثناء اشتد الخلاف بين الأمراء الحرفوشيين على حكم بعلبك، وكان الخلاف بين ~~الجزار والأمير يوسف شديدا، وهكذا الحال في وادي التيم، فعم الويل في البلاد وكثر القلق ~~واضطرب حبل الأمن، وكثرت المهاجرة إلى زحلة من جهات كثيرة، ولحقها خسائر ومخاوف ومصادرات ~~كثيرة. وكان الأمير جهجاه قد صودر بأموال وافرة كما مر، فلم يستطع دفعها فدهمه الحاج ~~إسماعيل الكردي من حمص بعساكره تلبية لطلب وزير الشام، ولما كان جهجاه خارج بعلبك سبي ~~حريمه الأربع وماله وأمتعته وذهب إلى دمشق. فاشتد غيظ جهجاه وجاء بعلبك وعاث فيها وتهدد ~~سكانها، ففروا مع كثير من سكان قرى بعلبك إلى زحلة ونواحي دمشق. # وفي شهر تشرين الثاني جاء الحاج إسماعيل المذكور واستلم زمام أحكام بعلبك، وتأثر الأمير ~~جهجاه حتى كرك نوح، ففر إلى زحلة وذهب معه بعض سكانها إلى فالوغا مستصرخا الأمراء آل مراد ~~اللمعيين، فسكنوا روعه مدة ثم عاد إلى زحلة بكثير من الرجال، فبعث نقولا الدروبي من زحلة ~~إلى الحاج إسماعيل في بعلبك يخبره بمجيئه، فقصده بست مائة فارس ومائة راجل ولما دنا من زحلة ~~أرسل چاويشا ينادي فيها بالأمان، وأن لا يتعرض لأحد من الزحليين ولكنه يبغي القبض على ~~الأمير جهجاه؛ فأجابوه أن هذا خصمك جهجاه خارج إليك فاعمل به ما تشاء. وكان جهجاه قد هجم ~~برجاله وبينهم الزحليون، فدحر حاكم بعلبك وعسكره وتأثروهم وأعملوا السلاح في أقفيتهم، ~~فقتلوا منهم نحو مائتي رجل دون أن يمسوا بسوء وبقي يطاردهم إلى قرب الزبداني، ثم عاد إلى ~~زحلة، وكان ذلك في العاشر من كانون الثاني سنة 1790م. وفعل جهجاه ms072 أشياء منكرة مع من عاد إلى ~~بعلبك، ولا سيما قطع رأس المفتي وغيره ممن حرضهم على تركها، فزاد في طين الخلاف بلة وأوغر ~~صدر الوزير حقدا ونوى الاقتصاص منه ومهاجمة زحلة وإحراقها، فمنعه سقوط الثلج الذي برد ~~نار انتقامه. فبلغ الزحليين قصده فتركوا بلدتهم، ثم توسط الأمر الشيخ عباس التل حاكم ~~الزبداني، فأطلق سراح حريم الأمير جهجاه وأصلح بينه وبين الوزير على أن يغرم بأربعين ~~كيسا، ويرهن أخاه لقاء الأموال الأميرية المتأخرة عنده وحمل إليه خلع الولاية، فطلب الأمير ~~بشير مالا من الزحليين، فجمعوا له خمسة عشر كيسا وأرسلوها فلم يكتف بهذه المصادرة؛ بل ~~أرسل من قبله من صادر أغنياءها، فأخذوا من فرنسيس ابن الحاج فرح البعلبكي نحو ثمانمائة غرش، ~~ومن طنوس حجي خمسمائة ومن غيرهم غير ذلك، ثم فرض على زحلة 15 كيسا فتضايق الناس وفر ~~بعضهم. # وفيها جاء زحلة الأمير قاسم الحرفوشي بإيعاز الأمير بشير والجزار، ومعه عسكر من الدروز ~~والنصارى من دير القمر وجمع من زحلة نحو 500 راجل، وذهب بهم لمحاربة ابن عمه الأمير جهجاه ~~الذي كان معسكرا في تمنين، فلاقاهم إلى أبلح فهرب الدروز ولحقهم جهجاه، فقتل بعضهم ونزع ~~سلاح الآخرين، وذلك في 21 حزيران فبعث الأمير عسكرا لمصادرته، فجاء زحلة ونهب بغال دير مار ~~إلياس الطوق وحرق بيادره. # وسنة 1791 اشتد الخلاف واتقدت نيران الفتن بين الأمراء الشهابيين، وشنق الجزار الشيخ ~~غندور بن سعد الخوري وغيره. وكان بعض ممالئي الأمير يوسف الشهابي ضد الأمير بشير قد حركوا ~~دفين حقده، فطلب الأمير بشير عسكرا من دمشق ومن الأمير أسعد الشهابي حاكم حاصبية وأرسلهم ~~إلى البقاع، فخيموا في بر إلياس وهاجموا زحلة مرارا، فانتصر الزحليون عليهم وقتلوا منهم 15 ~~شخصا، ثم نزل الدروز إليها وثقلوا على سكانها، ففر بعضهم والباقون حاربهم عسكر دمشق، ~~فانتصر عليهم وأحرق زحلة في 26 تموز وأحرق دير النبي إلياس الطوق، ولما عاد العسكر إلى دمشق ~~رجع الزحليون والأمراء إلى بلدتهم، وأعادوا بناء بيوتها حقيرة كبيوت القرى، ولكنها أحسن من ~~ذي قبل. ms073 # وسنة 1793 اشتد الغلاء لكثرة الفتن والنهب، فصار كيل القمح الشامي بسعر 12 غرشا ولم ~~يوجد، وقفة الأرز بثلاثين غرشا وكيل الذرة بثلاثة غروش # 37 # وتضايق الناس، فذهب بعض المكارين من زحلة إلى حلب لجلب الحنطة إذ كانت فيها ~~رخيصة وكثيرة، فقبض عليهم متسلم حمص وأخذ منهم الحنطة، فاستغاث الزحليون بالأمير سليمان ~~اللمعي في الشبانية، فأرسل أحد الأمراء وأمسك قفلا من المكارين ذاهبا إلى دمشق، وحجز عليه ~~في مجدل عنجر، فطلب وكيل الجزار من متسلم حمص إرجاع بغال الزحليين فأبى، فقبض عليه وسجنه ~~واسترجع الدمشقيون بضائعهم بتأدية قيمة مالية فكاكا. # وكثرت في هذه السنة الضرائب، فجمع حكام لبنان الشاشية من الفقير ثلاثين بارة ومن غيره ~~أكثر، فجمعوا ثلاثين ألفا ثم جمعوا مالا ونصفا أيضا، ليدفعوا للجزار تتمة مائتي كيس ~~صادرهم بها. وكان موسم الحرير غير جيد، فتضايق الناس أشد الضيق، وصار في هذه السنة ثمن ~~كيل الحنطة الشامي 27 غرشا وكيل الذرة 18 غرشا ورطل الرز ريالا (عشرين بارة) ومد الكرسنة ~~ريالا. وفشا الطاعون في البلاد. # وفي تلك الأثناء لما كثرت المهاجرة إلى زحلة بسبب الفتن التي سادت في سورية ولبنان وكثرة ~~الضرائب التي استنزفت الأموال وضايقت الناس؛ صار الأمير بشير الشهابي يناوئ الزحليين ليعيد ~~المهاجرين إلى مواطنهم، فقوى بني القنطار وحاطوم الذين كانوا في زحلة مع بني حسان، ~~وجميعهم من الطائفة الدرزية من متن لبنان، فعاثوا في البلدة فسادا واشتد أزرهم، فازدادوا ~~شرا وعتوا. وكان الأمراء الحرفوشيون قد شعروا بكثرة مهاجرة سكان بعلبك وقراها إلى زحلة، ~~فأخذوا يصادرون المسيحيين ويقوون الدروز والشيعيين ليناوئوهم ولا سيما بنو مكارم الذين ~~كانوا في ماسة من الدروز، وكثير من الإقطاعيين في البقاع. # ولكن الحواطمة الدروز سكان كفر سلوان وزحلة الذين كانوا من خاصة الأمراء اللمعيين، أوقدوا ~~نار الثورة ضد الأمير بشير لما طلب الضرائب من اللبنانيين، فحاربهم بقيادة ابن عمه الأمير ~~حيدر ملحم الشهابي الذي جاء بخمسين نفرا من العسكر ليحرق منازل بني حاطوم في كفر سلوان، ~~فثار عليه أهل القرية واجتمع إليهم ms074 المتنيون وحاصروه في القرية ودخلوها وسلبوا رجاله، ~~وقتلوا ثلثة منهم وقتل منهم هم خمسة، فامتدت الفتنة وامتنع اللبنانيون عن دفع الضرائب فأغر ~~ذلك صدر الأمير غيظا. # وفي 19 حزيران سنة 1793 توفي المطران يوسف فرحات الكاثوليكي، وبقي مطرانا على «الفرزل ~~والبقاع» كما كان يدعى إذ ذاك نحو ثماني عشرة سنة. وقد أرسل من قبله القس أنطون الجمال ~~المخلصي لينوب عنه في المجمع الذي عقده البطريرك اثناسيوس جوهر في دير المخلص في 8 تشرين ~~الثاني في سنة 1790م بعد تثبيته بطريرك على أثر وفاة البطريرك ثاودوسيوس الدهان. وكان برا ~~تقيا محبا للزحليين ساعيا في ترقية شئونهم. # وفي هذه الأثناء صارت زحلة محل تجارة الغلال التي كان الزحليون يبتاعونها من حوران وحمص ~~وجبل القلمون (بلاد الشرق)، وكثرت فيها أسواق البيع والشراء وازدحمت فيها الأقدام. وكان ~~سكانها يشترون الأغنام من حمص ومن العرب في البقاع وبعلبك وما إليهما. وشاعت فيها صناعة ~~النسج حتى اشتغل بها نحو جميع سكانها، وكانوا يحملون المنسوجات إلى نواحي حوارن ونابلس وحمص ~~وبعض الجهات ويجلبون القطن فيغزلونه وينسجونه، وأهم منسوجاتهم الخام البلدي الذي كانت ~~النساء تطرزه بالحرير أكسية للرجال والنساء. وكان عندهم خان يسمى «خان القطن» في حارة بني ~~غرة الآن، فضلا عن اتجارهم بالقطران وغيره، فلما كثرت فيها الحركة التجارية والصناعية راجت ~~سوقها، فطمع بها الدروز الذين كانوا فيها وفي البقاع فاتخذوها موطنا لهم، وكان الأمراء إذ ~~ذاك يعضدونهم؛ لأنهم لم تنتشر المسيحية بينهم انتشارا كاملا، وكان حاكم لبنان يطلب المال ~~الأميري من الأمراء والنواطير الدروز تجمعه؛ فتضايق الزحليون من هذه المصادرة والتثقيلات، ~~وكانت عمشاء القنطار وأنسباؤها يعيثون في هذه البلدة فسادا واستبدادا، ولن يزال الناس ~~يتناقلون أخبارهم الهمجية إلى الآن. # ولما كانت كثرة الضغط تحدث انفجارا أخذ الزحليون يستحثون قواهم ويجمعون كلمتهم وشتاتهم ~~للتملص من هذا الاستبداد، فكانوا يعقدون الجمعيات ويتشاورون في اتخاذ أقوم الذرائع للضرب ~~على أيدي مناوئيهم، وكان شيوخهم ذوي تدبير وسداد رأي، فرأوا من الحكمة أن يوالوا حاكم لبنان ~~وينالوا لديه الحظوة ليتمكنوا من ms075 نيل متمناهم، فانتهزوا فرصة غضبه على الحواطمة وبعض ~~الدروز. # ولما كان الخلاف مستفحلا بين الأمير بشير الشهابي الكبير وأولاد عمه أبناء الأمير يوسف ~~الشهابي، وكان الزحليون ينتمون إذ ذاك إلى هؤلاء؛ لأنهم أصدقاء الأمراء اللمعيين استاء ~~الأمير بشير من الزحليين، وهو معروف بحزمه وشدة انتقامه؛ فاجتمع وجهاء زحلة وشيوخها مرارا ~~لإعداد الذرائع التي تخلصهم من الجور المحدق بهم، فلما رأوا الخلاف بين الأمير بشير ~~والحواطمة وبعض الدروز؛ اغتنموا الفرصة وأخذوا يتحفزون للقيام على الدروز الذين أرهقوهم ولا ~~سيما بني القنطار. # وفي سنة 1795 اشتد الخلاف بين الأمير بشير الشهابي والجزار، فجاء عسكر الجزار إلى البقاع، ~~وكان يعيث فيه فسادا فنقل الزحليون أمتعتهم إلى الجبل، لكثرة ما نابهم من التحامل والضرائب ~~والانتقام الذي عم البلاد ومصادرة الأمير بشير للأمراء اللمعيين أصحاب زحلة، فبحث الأمير ~~بشير عن مستودعات أمتعة الزحليين، وضبط كثيرا منها في دير النبي إلياس شويا الأرثوذكسي قرب ~~الشوير في متن لبنان. وكذلك في دير القديس يوحنا الصابغ في الخنشارة بجواره، وفي دير سيدة ~~النياح في بقاع توته من أعمال كسروان قرب بسكنته وهما للكاثوليك، فازداد الزحليون كرها له، ~~وكذلك كان كثير من اللبنانيين يميلون مثلهم إلى أولاد الأمير يوسف. # وفي هذه السنة تولى أولاد الأمير يوسف حكم بلاد جبيل من خليل باشا والي طرابلس الشام، ~~فحاربهم عسكر الجزار بإشارة الأمير بشير. فهربوا وجاءوا زحلة وأرسل والي الشام الملا ~~إسماعيل لنجدتهم، فأرسل الأمير بشير عسكرا من لبنان مع عسكر الجزار، وشبت الحرب في أراضي ~~قب إلياس، فانهزم الملا إسماعيل وأولاد الأمير يوسف فروا من زحلة إلى بلاد بعلبك فدمشق، ~~وقتل في هذه الموقعة الشيخ نمر النكدي وغيره. # وفيها فرضت الشاشية على كل شخص ثلاثة غروش، وصار على أثرها ضريبة فادحة، وكان ثمن كيل ~~الحنطة في البيادر من ستة غروش إلى سبعة، ثم تناقص فرجع إلى الخمسة. وأتى جراد من الجنوب ~~فأتلف المزروعات ورز في الأرض، فسلط عليه السمرمر في شهر حزيران فأفناه، وتضايق الزحليون ~~واللبنانيون. # وفي أوائل سنة 1796م سام ms076 البطريرك كيرلس سياج القس باسيليوس جبلي المخلصي من يبرود أسقفا ~~على زحلة باسمه، واستقدم إليه شقيقه فسكن زحلة وعرفت سلالته ببني المطران، وسكنوا في الحارة ~~السفلى (التحتا). # 38 # وفي سنة 1797م شاع قدوم نابليون بونابرت ملك فرنسه إلى مصر، فخاف المسيحيون ولا سيما سكان ~~دمشق وجاء كثير منهم زحلة، ولبثوا فيها زمنا وعمر أحدهم مسكنا قرب الدار الأسقفية، ثم ~~عادوا إلى مدينتهم لما سكنت الخواطر. # وفيها كان الزحليون مرهقين من بني القنطار وحاطوم، وكان الأمير بشير حاقدا عليهم لا يقبل ~~لهم شكوى على مستعبديهم، فانفتح لهم مجالا؛ لأن بعض المسيحيين في زحلة وبلاد بعلبك قاموا ~~على بني مكارم الدروز في ماسة (البقاع)، واشتد الخلاف بينهم وامتد إلى لبنان حتى انتهى ~~بطرد المكارميين وغيرهم من قرى بعلبك والبقاع إلى لبنان كما فصلت ذلك في كتابي «دواني ~~القطوف». وبقي الخلاف بضع سنين اضطرب فيها حبل الأمن، وانكسرت شوكة الدروز، وجاء زحلة بعض ~~الأسر مثل بني عطا وغيرهم من جبل القلمون ولبنان ورأس بعلبك. # وكان بنو القنطار سنة 1799 قد أحرقوا دار ناصيف نصر الله الحويص في عين الصفصافة (قرب ~~الشوير في لبنان)، وكان هذا كاخية (كتخدا) الأمير منصور مراد اللمعي في المتن، فحنق عليهم ~~الأمراء اللمعيون وأثاروا الزحليين عليهم، فبدءوا يتأهبون للإيقاع بهم بعد أن نالوا من ~~حكومة لبنان التأديب الشديد. # وكان الزحليون يحملون الخمر والكحول (العرق) إلى عكاء للعسكر الفرنسي، وكانوا هم أول من ~~قطرها فاخرة، فقطع عليهم الدروز الطريق في البقاع، وأوقفوا بعض قوافلهم وقوافل أهل بكفية من ~~متن لبنان الناقلة خمرا، وكانوا من أخصاء الأمراء اللمعيين أيضا، فأرسل هؤلاء إلى مشايخ ~~الدروز العماديين والنكديين وغيرهم ليردوا القوافل لأصحابها فلم يفعلوا، فأرسل الأمراء ~~رجالا من زحلة والمتن إلى البقاع، فدهموا قرية كامد اللوز ونهبوها ثم أصلح ذات بينهم ~~الشهابيون والتلحوقيون. # وكان الخلاف يشتد بين مشايخ الدروز والأمير بشير، مما سهل للزحليين التذرع لكسر قيود الذل ~~التي أثقلتهم، ولا سيما بعدما تمكنت المبادئ المسيحية في نفوس الأمراء حكامهم فمالوا ~~إليهم. # وهكذا ms077 كان ختام القرن الثامن عشر زمن تحريك لهمم الزحليين حتى يتخلصوا من ربقة الضغط، ~~وكان يتعاقب على حكومة لبنان الأمير بشير الشهابي وأولاد عمه الأمير يوسف، فكثر الخلاف بين ~~اللبنانيين لانحياز بعضهم إلى أحد الحاكمين، وكان الشعب في الغالب ينقاد للظافر منهما؛ ~~فلذلك لم يستتب الأمر لفريق من الناس؛ بل كان الاضطراب سائدا والشقاق كثيرا والوزائع ~~والضرائب فادحة والناس في ضيق شديد ينتظرون الفرج وانحلال هذه الضائقة (الأزمة)، وهكذا كان ~~الزحليون ينشدون معهم قول الشاعر: # ضاقت فلما استحكمت حلقاتها # فرجت وكنت أظنها لا تفرج # | هوامش # | زحلة الحديثة ووقائعها في القرن التاسع عشر إلى يومنا # ما عطس أنف القرن التاسع عشر للميلاد حتى كانت المبادئ المسيحية قد تمكنت من قلوب الأمراء ~~الشهابيين ولاة لبنان واللمعيين أصحاب زحلة وحكامها، ورأوا من الدروز مناوأة شديدة ~~وعصيانا، فأكثروا بينهم النزغات واستمالوا المسيحيين، ولا سيما الزحليين الذين كانوا أشداء ~~بواسل، وتذرعوا بهم على الخضد من شوكة الدروز. وكانت الفتنة المسيحية المكارمية لن يزال ~~شرارها متقدا، وهم يعاضدون المسيحيين لإضعاف الدروز. # وكان مشايخ الدروز أصحاب مقتنيات وقرى في البقاع، وشوكتهم فيه قوية ونفوذهم كبير، فأقام ~~الأمراء مشايخ من وجهاء الزحليين ليحكموها مع بعض قرى البقاع، وكان حاكم البقاع من قبل ~~والي دمشق أحيانا، وطورا من قبل حاكم لبنان. فكثرت الحوادث بين حكام زحلة وحكام البقاع، ~~وامتد الدروز الذين كانوا في زحلة إلى البقاع ملتجئين إلى حاكمه ليساعدهم على الزحليين ~~الذين كانوا قد تنبهوا، وأخذوا في استعادة حريتهم المفقودة واستقلالهم الشخصي. # وفي مطلع هذا القرن كان الجزار لن يزال مرهقا اللبنانيين ومن يجاورهم بتحامله، إلى أن ~~توفي في 16 حزيران سنة 1804م فسكنت الاضطرابات. # وفي سنة 1805م وزع الأمير بشير الشهابي مائة وخمسين ألف غرش على لبنان؛ ليسدد ما بقي عليه ~~لسليمان باشا والي عكاء، فعصى بنو حاطوم الدروز في كفر سلوان ولم يدفعوا هذا المرتب، ~~فصادرهم ومنعهم عن التردد إلى زحلة. فشعر الزحليون بخفة وطأتهم ومالوا إلى الأمير ~~بشير. # وفي سنة 1807م توسط الأمير بشير الشهابي ms078 عند يوسف باشا كنج الكردي والي الشام أمر الأمير ~~جهجاه الحرفوشي لحكم بعلبك، وكان الحرفوشي قد علم أن الأمير بشيرا يرغب في امتلاك الكرك ~~قرب زحلة، فكتب له بها وثيقة باسم أولاده الأمراء قاسم وخليل وأمين فصارت ملكهم. ومن أسماء ~~بعضها إلى يومنا «الشهابية»، وهنأه بذلك نقولا الترك من قصيدة: # كما كرك البلاد بك استجارت # فعزت وازدهت بعد الإهانة # وقد جاءت براءتها تنادي # جهارا أنها لك مالكانه # وفيها وزع الأمير ثلاثمائة ألف غرش على ساحل بيروت وزحلة وإقليم الخروب، فدفع الزحليون ~~ما عليهم مقابلة لما صنعه معهم الأمير، فازداد بهم تعلقا ومال إلى موالاتهم بعد أن كان ~~يناصبهم العداء فنال شيوخ زحلة لديه منزلة كبيرة، ونفذت كلمتهم وتقووا على مناوئيهم، ~~وبدأت حياتهم الاستقلالية من هذا الحين تنمو فيهم، وصار وكيل الأمير بشير يصرف أوقاته في ~~زحلة لإدارة الكرك. # وسنة 1808م التجأ إلى زحلة المعلم عبود بن مخايل البحري الحمصي الخطاط الشهير فارا من ~~وجه يوسف آغا الكنج الكردي والي الشام الذي تغير عليه وكان صاحب ديوانه. فأقام عبود في زحلة ~~مكرما، ومنها كتب إلى الأمير بشير وأخبره عن هربه والتمس منه استجلاب أسرته وأخوته وختم ~~عريضته بقوله: # وكنت أطالب الدنيا بوقت # فكان الوقت وقتك والسلام # فأجاب الأمير إلى سؤله. ثم استرضى الوزير وعاد إلى خدمته كما ذكر ذلك إبراهيم العوراء في ~~تاريخ سليمان باشا المخطوط. ويروي الشيوخ أن عبودا هذا كتب مرة بخطه الجميل هذين ~~البيتين: # تعطى التيوس معاشها بسهولة # وذوو الفصاحة رزقها مسجون # إن كان من أجل الذكا أحرمتني # يا ليتني بعد التيوس أكون # وكان عبود بعد رجوعه إلى دمشق يوالي شيوخ زحلة، ويفض مشاكلهم في البقاع وبلاد بعلبك ~~ويزورهم ، ذاكرا ما لاقاه عندهم من الحفاوة، وزحلة مشهورة بتكريم ضيوفها وموالاتهم. # وفي سنة 1810م توفي في زحلة المطران يوسف سفر مطران حمص الكاثوليكي الذي سيم سنة 1760م، ~~وسكن القصير وعمر دير مار يوحنا في رأس بعلبك وسكن فيه مدة، ثم تحامل عليه الحرافشة فسار ~~إلى الهند والعجم، وعاد إلى ms079 زحلة فعمر فيها دارا بحارة الراسية، وسكن فيها إلى وفاته، ~~ودفن في دير النبي إلياس الطوق؛ لأنه كان من الرهبان الشويريين. ونقش على ضريحه قول أحد ~~الشعراء مؤرخا: # قد مات ريس كهنة الله العلي # حبر يسمى يوسفا وابن السفر # خمسين عاما ساس شعب الله في # طرق الهداية سالما دون الخطر # لما توفي قلت في تأريخه # حبر مجيد بالقداسة مشتهر # وفي هذه السنة أرسل يوسف باشا كنج والي دمشق يستنجد سليمان باشا والي عكاء لمقاتلة الأمير ~~عبد الله بن سعود الوهابي الذي زحف بجنوده الجرارة من الحجاز إلى الشام، فاستصرخ سليمان ~~باشا الأمير بشير الشهابي الكبير، فجمع هذا خمسة وعشرين ألف مقاتل من اللبنانيين البواسل، ~~وبينهم عدد غفير من زحلة وبلاد بعلبك والبقاع، فسار بهم إلى طبرية، فالتقى بعسكر سليمان ~~باشا بحفلة عظيمة، وانضم إليه ونصب له نحو أربعمائة خيمة، فتداولا بشأن يوسف باشا وسعيه في ~~أخذ الأراضي التي للأمير بشير في بقاع العزيز. ثم أراه الوزير التقليد (الفرمان) بإسناد ~~ولاية الشام إليه وعزل يوسف باشا واليها ومحاربته إذا عصى، فرغب الأمير في الحرب ليرفع تعدي ~~الوزير عن أملاكه في البقاع، فارتدا بعساكرهما إلى جهة دمشق وخيما في ضواحيها في جديدة ~~عرطوز ودارية. وكان يوسف باشا قد ذهب بعساكره إلى المزيريب في حوران لمقاتلة الوهابيين ~~الذين كسرهم وأركنوا إلى الفرار، فلما بلغه ذلك عاد إلى دمشق مسرعا. وخرج بعسكره لمحاربة ~~سليمان باشا، وحدثت موقعة في قرية قطنا والجديدة كما مرت الإشارة إلى ذلك من هذا التاريخ، ~~وبقيت نحو ثلاث ساعات اندحر فيها والي الشام ببعض رجاله إلى طرابلس ومنها إلى مصر مستنجدا ~~بمحمد علي واليها. فدخل دمشق سليمان باشا والأمير بشير برجالهما الأشداء بحفاوة وإكرام، ~~وكان عسكر الزحليين قد أبلى بلاء حسنا، فنال التفاتا من الوزير والأمير. وقد نظم المعلم ~~نقولا الترك شاعر الأمير قصيدة في هذه الموقعة، قال فيها يذكر هجوم الأمير بشير برجاله وكان ~~يكنى «أبا سعدي»: # وسار الأمير المنتخي في عساكر # غدا النصر يسري معهم أينما سروا # وصف ms080 خيام الجيش من حول جلق # وعد لخوض النقع عمر وعنتر # فأشعر والي أمرها في مصابه # وفاجاه في أرض المزيريب منذر # فقام مهما طالبا دار جلق # ومذ حل ناديها طغاه التكبر # وأغراه للعصيان عظم عناده # ومن يعص أمر الملك هيهات ينصر # فلاقته فرسان المنايا مغيرة # نواخيذ أبطال من الأسد أجسر # وثارت وغى والسيف قد قارع القنا # وغطى الفريقين الغبار المكدر # وتم لنا إذ زمرة الضد أدبرت # وفي سهل داريا الأعادي تقهقروا # وتم لهم نصر من الله مقبل # بوجه أبي سعدى وفيه تبشروا # 1 # ونال ولدا الأمير عناية سليمان باشا فولي الأمير قاسما حكم جبيل والأمير خليلا حكم ~~البقاع، كما أشار إلى ذلك نقولا الترك بهذه القصيدة: # فللقاسم المفضال قد وطد الولا # وعادت جبيل فيه تزهو وتزهر # وقطر البقاع اعتز في وجه شبله # خليل العلا ذاك الشهاب المنور # وكان للزحليين كلمة نافذة لدى الوزير والأمير التفتت إليهم أنظارهما، فأخذت بلدتهم في ~~التقدم وكان الأمير خليل يساعدهم على كف يد الاستبداد عنهم. ويصادر مناوئيهم ويصرف معظم ~~أيامه في زحلة قرب الكرك التي نالها مع شقيقيه من الحرافشة كما مر. فاغتنم الزحليون فرصة ~~هذه المجاورة واستمالوا إليهم الأمير خليلا هذا، فتمكنت محبته لهم وألفت إليهم حب ~~والده؛ فكان كل هذا باعثا لهم على كسر قيود الاستبداد عنهم. # وفي سنة 1811م مرت بزحلة أربعمائة أسرة (عيلة) درزية، استقدمهم الأمير بشير من الجبل ~~الأعلى قرب حلب حيث جرى عليهم تحامل، وكان يرافقهم فارس منصور الشدياق المسيحي والشيخ حسون ~~الدرزي، فتحمل الزحليون ثقلة كبيرة للإنفاق عليهم، ولكنهم لم تطل إقامتهم فتوزعوا في ~~مقاطعات الدروز. # وفيها استأثرت رحمة الله بالمطران باسيليوس جبلي أسقف الفرزل والبقاع ودفن في مدفن ~~الرهبان في دير مار إلياس المخلصية. وكان سنة 1806 قد حضر مجمع القرقفة (قرب كفر شيما في ~~لبنان) الذي عقده البطريرك أغابيوس مطر، وكان هذا الحبر متزهدا متقشفا يتعمم بشال ويلبس ~~عباءة سوداء ويركب حمارا في سفره، وكان وكيلا له الخوري مخايل مقصود الزحلي النساخ ~~المشهور، وتولى هو أسقفية حمص ms081 بعد ترك المطران يوسف سفر المذكور آنفا لها، وقام بأعباء ~~أعماله الحبرية، وشيد كنيسة السيدة في الفرزل ومطحنة قربها. # 2 # وفي هذه السنة؛ أي 1811م حضر مجمع عين تراز الذي انعقد لإنشاء مدرستها ~~الإكليريكية. وكان واعظا يؤثر كلامه في النفوس لتواضعه وتقواه، خدم الأسقفية خمس عشرة سنة ~~رحمه الله. # وفيها كان الزحليون مجتمعين في مأتم أحد سكانها. فتفاوض الشيوخ بإقامة أسقف خلف لأسقفهم ~~المتوفى فصاح الجمهور بفم واحد إننا نختار الخوري مكاريوس الطويل الدمشقي رئيس الرهبنة ~~المخلصية العام، فكتبوا للحال يستأذنون البطريرك أغابيوس مطر بسيامته راعيا لهم، فسامه ~~باسمه وأرسله إلى زحلة، فعمر حالا في الدار الأسقفية شبه قاعة بابها في الوسط، ولها ~~نافذتان على الجانبين وسعى بنجاح رعيته. # وفي سنة 1812م أمر الأمير بشير الشهابي الكبير بإبطال الخفارة من جميع طرق بلاده لنشر ~~الأمن وتقريب المواصلات، وأخذ في استعمار زحلة والبقاع التي ملك حاضرتها الكرك كما ~~مر. # وفيها جاء زحلة البطريرك أغناطيوس صروف الدمشقي، ونزل في الدار الأسقفية وألقى فيها عظات ~~بليغة، ثم ذهب إلى بعلبك وعاد إلى زحلة ومنها إلى دير القديس سمعان العمودي قرب كفر عقاب ~~حيث قتل على أثر ذلك في 6 ت2، وقاتله إلياس عماد المعلوف المكنى بأبي كشك وأولاده من كفر ~~تيه (لبنان)، وملخص الحادثة التي فصلتها في «دواني القطوف» أن إلياس المذكور كان له ولد ~~في سجن بيت الدين اسمه يوسف، متهم بقتل نسيب له، فجاء إلى البطريرك وتضرع إليه أن يعطيه ~~وصاة إلى الأمير بشير الشهابي ليعفو عن ولده وهو يدفع دية القتيل، فأشار البطريريك إلى كاتم ~~أسراره القس جرجس، الذي كان أخ المقتول أن يكتب له وصاة، وأخذ الكتاب إلى الأمير، وكان قد ~~عزم على قتل ولد؛ فخشية أن يغضب البطريرك من عدم قبول وصاته علقه ليلا على أثر وصول كتابه ~~إليه. فلما أصبح الصباح ذعر إلياس لتداول الناس أمر تعليق رجل على المشنقة، فذهب إلى ساحة ~~السراي وإذا بولده قد علق؛ فصار الضياء في عينيه ظلاما، وعاد إلى كفر تيه ms082 قرب دير القديس ~~سمعان العمودي وأساء الظن بالبطريرك معتقدا أن الوصاة كان سببا لشنق ولده، وأن كاتم ~~أسرار البطريرك، هو الذي فعل ذلك والبطريرك سكت عنه. فترك قريته بأولاده الأربعة زمنا ~~قصيرا، وفي أحد الأيام عادوا ليقتلوا نسيبهم كاتم الأسرار، ولعلمهم أنه ذاهب مع البطريرك ~~إلى دير سيدة النياح كمنوا له على الطريق قرب زرعايا، وهناك لما شاهدوا البطريرك وحده ~~أطلقوا عليه الرصاص، فقتلوه وفروا إلى قبرص، ثم عادوا إلى لبنان فشنقهم الأمير بعد ~~سنة. # وفي سنة 1813 عاد فارس منصور الشدياق وأخوه يوسف إلى خدمة الأمير بشير الشهابي الحاكم بعد ~~أن كان قد صادرهما وأبعدهما وتحامل على أقربائهما، فولى فارسا شئون قرية بسكنته في متن ~~لبنان وقرية شمسطار في بلاد بعلبك. وولي أخاه يوسف قرية الشوير ثم زحلة، فأخذ يجمع له منها ~~المال الذي كان قد رتبه على السكان والعقارات والمطاحن. # وفيها جاء زحلة الأمير بشير الكبير الحاكم، فاحتفل سكانها بلقائه، وبدأ بنقل الكرك إلى ~~المعلقة التي لم يكن فيها بيوت. وتأسف لأن أبنية زحلة في الجهة الجنوبية فقط وليس في ~~شماليها على عدوة الوادي وضفة النهر المقابلة المعروفة الآن بالقاطع، إلا ثلثة بيوت قرب ~~قناة الماء (السكر) في الجهة الغربية، ولكنه قال: إن الزحليين سيحتاجون إلى مد أبنيتهم ~~إلى هذه الجهة، وسيكون ثمن أرضها غاليا. وقد حققت الأيام قوله ولا سيما في عهدنا الحاضر. ~~وفي أواخرها على أثر وفاة البطريرك إثناسيوس مطر الكاثوليكي انتخب مطران زحلة مكاريوس ~~الطويل بطريرك على طائفته وأقام في دير المخلص. # وسنة 1815 تمكن الأمير بشير من الحكم في زحلة والبقاع، واستولى على قرية قب إلياس، وكانت ~~غلتها وافرة فعرضها على أهل زحلة بغرش واحد المد، وكثرت في زحلة تجارة الحبوب وتواردت إليها ~~صادرات البلاد، فسميت ميناء البقاع وبعلبك والجبل الشرقي (القلمون)، فرتبت فيها الحسبة على ~~المد والقبان وكان دخلها للأمراء اللمعيين. # أما الأمير بشير الحاكم فبعد أن كان أسلافه الحكام يصادرون السكان بما يفرضون عليهم من ~~الأموال، وقد صودرت زحلة منه مرارا رضي ms083 عن سكانها، وأحبهم ورتب عليهم كل سنة خمسة وعشرين ~~قنطارا من السمن تصل إلى داره في بيت الدين، وقد تستبدل بخمسة عشر ألف غرش تتوزع على ~~الحارات بمعرفة الدهاقين (الخولية)، وتتقدم له عن يد مشايخ زحلة الذين نصبهم لإدارة شئونها. ~~وبعد ذلك صار يطلب من زحلة قرضا نحو أربعين ألف غرش في السنة، وقد يصل عند الحاجة إلى مائة ~~ألف غرش، وكان هذا القرض عديم العوض، وكانت حركة التجارة في زحلة سريعة ونجاح البلدة ~~وتقدمها غريبا. # وفيها في 3 ك1 استأثرت رحمة الله بالبطريرك مكاريوس الطويل مطران زحلة السابق في دير ~~المخلص حيث دفن، وأقام على الكرسي البطريركي سنتين وأربعة أيام وكان برا غيورا. # وسنة 1816 كان كرسي زحلة الأسقفي الكاثوليكي فارغا منذ ثلاث سنوات لعدم اتفاق الكلمة على ~~أسقف له، فذهب بعض شيوخ الزحليين إلى الخوري يواكيم بحوت الدمشقي، وبينوا له رغبتهم في ~~انتخابه أسقفا عليهم. وكان العالم الخوري سابا الكاتب الشهير لا يريد ذلك، فأشار إلى ~~الخوري يواكيم أن يطلب من الزحليين ألفي غرش لتجهيز الدار الأسقفية فنفروا منه، وأما الخوري ~~سابا الكاتب فأقنع البطريرك أغناطيوس قطان أن الخوري أغناطيوس العجوري من الإكليروس ~~الحلبي العلماني هو جدير بالأسقفية محبوب من الكرسي الرسولي وطلب منه أن يسيمه أسقفا على ~~ديار بكر ثم ينقله إلى الفرزل والبقاع، فعرض البطريرك ذلك على الأمير بشير فرضي به وسامه في ~~دير المخلص، ثم بواسطة الأمير بشير قبله معظم الزحليين أسقفا عليهم، وخلع عليه الأمير ~~وأرسل معه بكباشي وعشرة فرسان، وكان الذين لا يريدونه من الزحليين قد أزمعوا أن يمنعوه من ~~الدخول، وقد ذهبوا بحجة أنهم من الملاقين إلى ثعلبايا، فلما رأوا رجال الأمير معه ذهب بعضهم ~~إلى جهة السهل والآخرون تظاهروا بالقبول ورافقوا جمهور الملاقين، فدخل باحتفال عظيم ولما ~~تلي منشور البطريرك ومرسوم الأمير بشير أذعن الجميع لأسقفهم، وأحبوه كثيرا فبدأ في عمار ~~بلدتهم، وكان نافذ الكلمة عند الأمير بشير الشهابي الكبير، وفي عهده امتدت تجارة الزحليين ~~إلى حلب وأوروبة وكثرت أبنيتها. # وسنة ms084 1817م كثر العمار في جهة القاطع الغربية، وكان من اصطلاح الزحليين أن الذين من ~~سكانها بعهدة الأمراء آل مراد اللمعيين يتبعون الرهبان المخلصيين، والذين بعهدة الأمراء آل ~~قيدبيه اللمعيين يتبعون الرهبنة الشويرية. وكانت الرهبنتان تبنيان الكنائس فتسمي الحارات ~~باسمها، فسعى الخوري أغناطيوس الجامد من الرهبان الشويريين بعد استئذان السيد أغناطيوس ~~ببناء كنيسة البربارة في جهة القاطع المذكورة، وأتمها فسميت تلك الجهة باسمها «حارة ~~البربارة» إلى يومنا. # وسنة 1819 بعث الأمير بشير إلى الزحليين ريالات يوزلي، وطلب استبدالها بذهب عتيق بندقي ~~فاستبدلوها وأرسلوها إليه. # وفيها قتل الأمير دياب الحرفوشي مخايل بن بولس غره وابن هلال من زحلة، إذ كانا يجلبان ~~القطران من القطارة في لبنان الغربي، فبلغ ذلك الأمير بشير فتحامل على الحرفوشيين اقتصاصا ~~منهم. وبعد بضعة أيام جاء الأمير دياب زحلة، فأهانه بولس غره وابنه شاهين ورميا به عن فرسه ~~وهربا، فبحث الأمير عنهما واستقدمهما إليه وأرسلهما إلى الحرفوشيين على أمل أن يعفوا عنهما، ~~فقتلوهما فأوغر عملهم هذا صدر الأمير بشير غيظا، فكان ينتهز الفرصة للانتقام من الحرفوشيين ~~وسعى بمعاضدة الزحليين ضد الحرفوشيين. # ويروى أيضا أن بولس غرة وابنه شاهينا التقيا بالأمير دياب الحرفوش قرب سراي الأمير ~~بشير أحمد «وهي إلى يومنا تحت ساحة القمح»، فأنزلاه عن فرسه وأهاناه فأغلظ لهما الكلام، ~~فطعنه بولس بمدية طعنة كانت القاضية، ثم رد المدية إلى قرابها وقال لها: «لا أسف عليك إذا ~~صديت (أي صدئت)». ثم أرسلهما الأمير بشير إلى مشغره في البقاع حيث كان الحرفوشيون، فقتلوا ~~شاهين أولا وأطعموا والده من لحمه، ثم ألحقوا به أباه بولس فاغتاظ الأمير منهم، وقيل إن ~~هذه الحادثة صارت سنة 1822م والله أعلم. # وسنة 1819م كان الأمير بشير قد حنق من الحزب اليزبكي، وتظاهر بمعاضدة الجنبلاطيين؛ لأسباب ~~لا محل لتفصيلها الآن، فاغتنم هذه الفرصة للتنكيل بهم وإخراجهم من البقاع، فأرسل إليهم ولده ~~الأمير أمينا ومعه فارس أبو حاتم من حمانا وعسكر من لبنان، فجاءوا زحلة وبقوا فيها أياما ~~ثم عادوا إلى بيت الدين بعد أن فر ms085 اليزبكيون من أمامهم. أما الأمراء اللمعيون فكانوا ~~أصدقاءه ولذلك كان يميل إلى الزحليين الذين كانوا من خاصتهم. # وفي أواخر كانون الثاني سنة 1820 عاد الأمير بشير من حوران إلى بيت الدين، فأرسل ولده ~~الأمير خليلا إلى البقاع، فطرد واليها حسن آغا العبد (الذي عاث في البقاع وزحلة)، ونهب بعض ~~القرى وتولى حكم البقاع، فغضب درويش باشا والي الشام ولكنه خاف من انحياز الأمير بشير إلى ~~خصمه عبد الله باشا والي عكاء، فأرسل يسأل الأمير أن يخبره عن مطاليبه فأجابه الأمير بشير ~~أنه يريد: # أولا: # رفع الحجز عن مقتنيات المشايخ الجنبلاطيين في البقاع مما ضبطه يوسف باشا ~~كنج وسلفه. # ثانيا: # أن يكون حاكم البقاع خاضعا له كما هي العادة من القديم؛ وذلك لأن ~~الحرافشة كانوا يحكمون البقاع ويعصون. # ثالثا: # أن يرفع زيادة الضرائب المستحدثة على البقاع. # رابعا: # أن يكون حاكم بعلبك ووادي التيم باختياره وإرادته وذلك لمصادرة ~~الحرفوشيين وأنسبائه الشهابيين. # فأرسل الوزير يطلب الشروط خطا من الأمير، فمنعه عبد الله باشا من ذلك لئلا ينحاز إلى ~~وزير دمشق خصمه، واستصرخه لمحاربته في راشية وأمده برجال، فجمع الأمير العسكر اللبناني ~~وبينهم الزحليون فأبلوا بلاء حسنا، وكان عسكر عكاء ولبنان نحو خمسة آلاف وعسكر دمشق ثلاثة ~~آلاف وكانت الثلوج كثيرة. وحدثت بعض مواقع خاض فيها اللبنانيون الثلج وظفروا بخصومهم وتوسط ~~الأمر بين الأمير واليزبكيين فتهادنا. ~~(1) موقعة المزة # ثم استؤنفت المعارك في الربيع عند ذوبان الثلج، فنهض الأمير بشير بعساكره إلى ~~المعظمية قرب المزة بجوار دمشق، وانحاز عنه المشايخ اليزبكيون وأحلافهم، وانضموا إلى ~~عسكر دمشق إلا الأمراء اللمعيين، واجتمعت جنود الفريقين هنالك وبينهم الزحليون وذلك سنة ~~1820. # فسار الأمير خليل ابن الأمير بشير بالأرناؤوط إلى الجبل فوق قرية المزة، فأطلق عسكر ~~دمشق المدافع عليهم منها، فقتل مقدم الأرناؤوط وعادوا إلى المعظمية بعد أن أظهروا ~~بسالة شديدة . # وفي 14 أيار (6 رمضان) صباح الأحد انتخب الأمير بشير نحو ألفين من عسكره فرسانا ~~ومشاة من أهل الشوف والمناصف والمتن وبينهم الزحليون، ومن عسكر عبد الله باشا الدالاتية ms086 ~~والهوارة، فهجم بهم على المزة هجمة واحدة وهدم أسوار البلدة، وكانت من لبن وامتلكها ~~وأحرقها، وفر عسكر دمشق منه بعد أن قتل منه نحو مائتين وخمسين وأسر خمسمائة، وغنموا ~~ذخائرهم وأسلحتهم. وكان ممن يحمل العلم اللبناني كل من يوسف الحاج شاهين وعبد النور ~~الششم من زحلة، وهو أول علم لبناني مسيحي حمل إلى خارج لبنان، وكان من الألاوز (نوع من ~~الحرير) ذا لونين أحمر وأخضر وفي أعلاه حربة في رأسها صليب. ولما هجم اللبنانيون وفي ~~مقدمتهم الزحليون قتل بعضهم في هذه الموقعة، ومنهم إلياس حنا ضاهر من زحلة، وكان شابا ~~فارسا شجاعا. ويقال إن أبا حبيب يوسف السكاف من قاطع زحلة وأبا درويش سمعان الصدي ~~تبعا عسكر دمشق المنهزم، وأخذا رايته وعادا بها إلى المعسكر، فسر الأمير كثيرا ~~بالزحليين. وتعجب لما أخبره وكيله أنهم عند مرورهم على جسر دير زينون في البقاع، لم ~~يقبلوا ذخائر منه كما قبل غيرهم من العسكر اللبناني فأثنى عليهم. وعاد إلى المعظمية ~~منصورا، وأطلق الأسرى اللبنانيين المنحازين إلى عسكر دمشق، وأرسل الباقين وكانوا 120 ~~إلى عكاء، فسر بهم عبد الله باشا وأرسل يهنئه بظفره، وكان يود الدخول إلى دمشق ولكنه ~~عاد إلى بيت الدين غانما، فهنأه شعراؤه بقصائد رنانة مثل قول المعلم بطرس كرامه الحمصي ~~من قصيدة طويلة في موقعة راشية: # ويوما أقبلت رايات قيس # يقدن الخيل تعترك الحبالا # بشبان يرون الموت عزا # وشيب طالما اقتحموا النزالا # ونصر الله صاحبها يمينا # وآي العز قارنها شمالا # أقام بسفح راشيا خميسا # تخاف الدهر سطوته منالا # فأضرم في ذراها نار حرب # تصب على العداة بها النكالا # وقول المعلم نقولا الترك في موقعة المزة من قصيدة طويلة: # سل «مزة» الشام يوما غار مقتحما # حصارها وعلى أسوارها هجما # تلك التي ضمت الأعداء داخلها # كأنها «صيرة» قد جمعت غنما # هناك أصلى لهم نيران معمعة # ما حدثت سالفا في مثلها القدما # هناك خاض سراياهم بشرذمة # من آل قيس بزاة زاحمت دلما # هناك ولت عداه من سطاه كما # ولى الضباب ولكن قل من ms087 سلما # هناك كم جثث فوق الثرى سقطت # من العداة وكم من مفرق حسما # وكم شجاع قضى في نهرها غرقا # وذو السلامة فيها فر منهزما # وكم وكم شردت خيل وكم فرغت # سروجها إذ غدت فرسانها رمما # ثم بعد عودة الزحليين من هذه الموقعة وغضب الدولة على عبد الله باشا والأمير بشير، ~~خافوا من عسكر الدولة الذي جاء إلى البقاع للاقتصاص من الأمير ورجاله الأمراء اللمعيين ~~والمشايخ الجنبلاطيين، ورحلوا إلى لبنان مدة إلى أن أمنهم درويش باشا، واستعادهم إلى ~~بلدهم فعادوا إليها مطمئنين، وكانوا يترقون يوما فيوما ذائعين شهرة ببسالتهم. # ولما شهد الأمير بشير بسالة الزحليين ازداد محبة لهم، وأقام لهم شيخين يوسف الحاج ~~شاهين وإبراهيم مسلم الملقب بأبي عبد الله. ووكل إليهما إدارة شئون البلدة، فكانت ~~زحلة إذ ذاك أشبه بجمهورية صغيرة يحكمها شيوخها بإدارة هذين الشيخين. ولما كان الزحليون ~~قد ذاقوا لذة الظفر أخذوا يناظرون الدروز الذين كانوا مستبدين فيهم من قبل، وكذلك كانوا ~~يناوئون الأمراء الحرفوشيين الذين كانوا يأخذون بيد الدروز لإذلال الزحليين. ولكن لم ~~يطل الوقت حتى ذهب الأمير بشير إلى مصر للتوسط لعبد الله باشا ليبقى والي عكاء وعاد ~~غانما، فسر الزحليون وذهبوا إلى بيت الدين وهنأوه فوعدهم بالمساعدة وسر بهم. # وفي أوائل هذه السنة لما كان محمد آغا بوظو واليا في حوران استقبل الأمير بشير ~~الشهابي الكبير عند ذهابه إليها، فأهداه الأمير سيفا وبندقية ثمينين وسعى له بحكم ~~البقاع، فجاءه ونال الزحليون لديه منزلة بإشارة الأمير، وكان بطرس نجم المعلوف والد ~~نعمان المعلوف قد ضمن منه غلال البقاع، وقسم منها الثلث وأحيانا النصف، وكان ذلك ~~بمثابة الأعشار فاحتكرها وربح أرباحا طائلة مع بعض مواطنيه، واتسعت تجارة زحلة وكثرت ~~أهراء (حواصل) القمح فيها، وصارت واردات البقاع وبعلبك وجبل القلمون (الشرقي) وغيرها ~~تباع فيها. وكانت الغلال رخيصة حتى بيع كل مد ونصف من الحنطة بغرش واحد. # وسنة 1822 كان الأمير بشير لن يزال حانقا على الأمراء الحرفوشيين، فقوى الزحليين ~~عليهم فكثر بينهم الخصام، وحدث إذ ذاك أن الأمير ms088 جوادا الحرفوشي رأى كلا من إلياس ~~أبي خاطر ومرعي شبيب من زحلة في قرية بريتال (بريتان)، فقتلهما فزاد ذلك في غيظ الأمير ~~بشير الحاكم، فصار ينتهز الفرص للاقتصاص من الحرفوشيين. # وسنة 1823م بنت الرهبنة المخلصية كنيسة القديسة تقلا، وسميت الحارة التي تجاورها ~~باسمها. # وفيها حدث سيل جارف في الشتاء حمل حجارة كبيرة وجنادل ضخمة وأشجارا عظيمة، فهدمت ~~الجسر الكبير القديم الذي يقال إنه من بناء الصليبيين، مثل جسر الكرك (أي جسر المعلقة)، ~~وكان واطئا متينا ضخم الحجارة، فرمم كما هو على حالته إلى يومنا. # وسنة 1824م نمي إلى الأمير بشير أن الأمير أمينا الحرفوشي في بدنايل «إحدى قرى ~~بعلبك»، فأمر شيخي زحلة أن يذهبا برجالهما، ويقبضا عليه فسارا وطرقا القرية ليلا ~~برجالهما، ففر الأمير هاربا وتقاتل الفريقان مدة انجلت عن قتل إبراهيم قادره الزحلي ~~برصاصة أصابته. # وفيها أسند الكرسي الرسولي وكالة كرسي حلب الكاثوليكية إلى المطران أغناطيوس العجوري ~~مطران الفرزل وزحلة والبقاع، فسار إليها وأحضر من حلب عشرة شبان درسهم وهذبهم بأوقات ~~فراغه، وسامهم لخدمة الرعية الحلبية، وبقي أحدهم الخوري بولس سنكي في زحلة من الأكليروس ~~الأسقفي ومنذ ذاك الحين بدأ تأسيس هذا الأكليروس في زحلة. # وفي سنة 1825م كسدت صناعة النسج التي كان نحو نصف الزحليين يشتغلون بها، وهي نسج ~~الخام البلدي وجلب القطن، وكان من أنواع ذلك ما يعرف بخام تسع عدات، وهو نظيف ناعم وبعد ~~صبغه يشبه الكرمسوت وأخذت في التناقض سنة فسنة. ~~(2) موقعة بني القنطار # وفيها أي سنة 1825 استفحل الخلاف بين الأمير بشير الشهابي والشيخ بشير جنبلاط ~~وأعوانه، فاقتص الأمير منه وضرب على أيدي الدروز، وخضد من شوكتهم وفت في ~~عضدهم. # فانتهز الزحليون هذه الفرصة وأخذوا يتحفزون للقيام على بني القنطار وحاطوم وحسان ~~الدروز الذين كانوا قد مكنوا سلطتهم في زحلة، وأرهقوا سكانها وساموهم الخسف وأثقلوا ~~كاهلهم بالاستبداد، وكثر تحاملهم على الزحليين إضعافا لهم إذ رأوهم يزدادون تقدما ~~يوما فيوما، فخافوا سطوتهم وخشوا نفوذ كلمة الزحليين لدى صديقهم الأمير بشير حاكم ~~لبنان، الذي بدأ منذ ms089 ذاك الحين في مصادرة الدروز وإذلالهم، ولا سيما بعد مناوأته لرأسهم ~~وكبيرهم الشيخ بشير جنبلاط (عمود الدروز) وعميدهم. # فكانت عمشاء القنطار وحسين القنطار الدميم المنظر، وغيرهما من العتاة يصادرون ~~الزحليين ويحملونهم التكاليف الكثيرة، ويرغمونهم ويفرضون عليهم حمل المؤن والحاجات إلى ~~بيوتهم بدون قبول أقل اعتراض أو أدنى مقاومة أو اعتذار، ومن خالف أوسعوه ضربا وشتما. ~~فاحتمل الزحليون ذلك بادئ ذي بدء مرغمين، ثم أخذوا يدبرون الذرائع لكسر قيود الذل وحل ~~ربقات الاستبداد. # 3 # فاستمالوا إليهم الأمير بشير الشهابي، واعتصموا بآراء شيوخهم، واستعانوا باتحاد ~~كلمتهم على ذلك حتى طفح الكيل عليهم وعيل صبرهم، فعقدوا جمعيات كثيرة دبروا فيها ما ~~يتذرعون به لنيل هذه الأمنية تخلصا من هذا العيث، ولما أجمعوا رأيا واجتمعوا كلمة، ~~ووثقوا بمساعدة الأمير بشير لهم لما لاقاه من الجنبلاطيين الذين كان هؤلاء من أتباعهم، ~~عقدوا العزم على التنكيل بهم وجمعوا لذلك قواهم. # فرأوا من الحكمة أن يتوقعوا فرصة فيها يظهر من خصومهم ما لا يطاق، فيبادئونهم العداء ~~ويضربون على أيديهم بحجة اعتدائهم وعيثهم. # وبينما كان الحاج إبراهيم الصفدي التاجر في حانوته يوم الاثنين، دخل عليه أحد ~~القنطاريين وطلب منه كوفية (كفية) وأمتعة أخرى بقيمة مائتي غرش ونيف، ولما أراد ~~الانصراف دون أن يدفع شيئا من الثمن حسب العادة، أمسكه الصفدي، وقال له: ادفع لي الثمن ~~لأن اليوم الاثنين ولا يجوز فيه الدين، فشتمه وذهب فلحقه إلى قرب خان الجبلي (في سوق ~~البلاط الآن)، فرجع إليه ورفسه ودخل حانوته وأخذ يمزق البضائع ويلقيها ويدوسها ويرميها ~~إلى الخارج، فحرك ذلك دفين غيظ الزحليين، ولكنهم حسب الاتفاق الذي دبروه صبروا على ~~خصمهم حتى أفرغ جعبة حقده وكيده وعظم جرمه. فساروا مع الحاج الصفدي إلى شيخي البلدة ~~إبراهيم مسلم ويوسف الحاج شاهين، فجمعا الزحليين حالا وأوصياهم أن يتأهبوا للقيام على ~~هؤلاء العتاة. وصاروا يكررون التحرش والتحكك بأحراج القنطاريين وغيرهم من أعوانهم ~~ليخرجوهم ويزداد عيثهم لتكثر جرائمهم، فنمى الخبر إلى الأمير بشير، فأرسل إلى زحلة ~~جندا للمحافظة بقيادة بكباشي، وأمر شيخي البلدة أن ms090 يسهرا على حفظ الراحة، ولكن أوامره ~~كانت مبهمة تدل على رضاه بإقامة الثورة ضد الدروز والتنكيل بهم، ولما عجز الشيخان ~~والجند عن قمع الفتنة ثار الزحليون ذات يوم؛ لأن أحد القنطاريين تحرش بالخوري بطرس ديب ~~مسلم الزحلي، وأهانه بمسمع ومرأى جمع غفير، فانقض عليه الكاهن وبدأ بضربه، وساعده ~~الحاضرون حتى أثخنوه جراحا وتركوه بين حي وميت. # ثم تجمهر الزحليون وحملوا أسلحتهم وهجموا على منازل القنطاريين وأعوانهم، وكانت في ~~محلات حارة مار إلياس المخلصية ومار ميخائيل ومار جرجس الكاثوليك ومار أنطونيوس ~~الموارنة الآن، وأحدقوا بها وقتلوا منهم أربعة وعشرين رجلا للحال. فهرب القنطاريون ~~وغيرهم من الدروز إلى السهول المجاورة حيث كانت عقاراتهم. فأرسل الزحليون شراذم إليهم، ~~فقتلوا بعضهم ونهبوا قراهم واستولوا على عقاراتهم، فلذلك اعتصموا بجبال الزبداني ~~وسرغاية، وقطعوا السابلة على المارة واتصلوا بوادي التيم، ولكنهم كانوا يضمرون السوء ~~للزحليين ويتوقعون الإيقاع بهم والاستثآر منهم. # وعلى أثر ذلك كان كل من ظاهر حجيج من معلقة زحلة وصليبي أسطفان حريقة من وادي العرايش ~~في جوار زحلة عائدين من دمشق، فاعتدى عليهم بعض القنطاريين وقتلوهما، فلما نمى الخبر ~~إلى المعلقة جاء أيوب حجيج ابن أخ أحد القتيلين إلى زحلة وأثار السكان، فذهب منهم نحو ~~ثلاثمائة بسلاحهم إلى بعض الجهات التي كان يعتصم بها القنطاريون وقتلوا من وقع في ~~أيديهم ونهبوا القرى وأحرقوها، فخشي الناس من الزحليين ولم يستطع أحد أن يستقبل ~~القنطاريين وأعوانهم في جميع البقاع وما يجاورها، فساروا إلى حوران ووادي التيم، ~~واستولى الزحليون على عقاراتهم ومقتنياتهم وقراهم، وكان آخر العهد بهم ولن يزال على ~~الألسنة ذكر هذه العداوة، فتقول العامة «مثل عداوة بيت القنطار» وكذلك مثل «عداوة بيت ~~مكارم» التي مر ذكرها آنفا. # ولن يزال من القنطاريين بقية في كناكر ودامت العليا (حوران) وبكا ودير العشاير في ~~وادي التيم، وفي المتين وكفر سلوان في لبنان. # أما بنو حاطوم فبقيتهم في كفر سلوان (لبنان) إلى يومنا، وفي رخلة (وادي التيم) ~~وغيرهما. # ولما كانت هذه المذبحة التي بقيت مدة قد أقلقت الراحة، ونمي ms091 خبرها إلى ولاة الأمر في ~~دمشق وعكاء اضطر الأمير بشير مكرها على أن يرسل أمرا مشددا إلى شيخي زحلة بإلقاء ~~القبض على مثيري هذه الفتنة وزعمائها وأكثر من تهديدهم ووعيدهم. فإرضاء للأمير وتلبية ~~لأوامره اجتمع شيوخ زحلة ووجهاؤها في دار أبي عبد الله إبراهيم مسلم. وارتأوا أن يجيبوا ~~على مرسوم الأمير بشير بما يدل على ثبات جأش، فكتبوا إليه عريضة معناها: # أنهم مستعدون للقتال ذودا عن حياضهم ومحافظة على أعراضهم وأموالهم، وأنهم ~~كانوا يودون العمل بقول ابن الوردي لو أمكنهم ترك بلدتهم: # دار جاء السوء بالصبر وإن # لم تجد صبرا فما أحلى النقل # ولكن القنطاريين أحرجوهم فأخرجوهم، ففعلوا ما فعلوا تملصا من استبدادهم ~~ونفوسهم غالية لا يبيعونها رخيصة في سوق الهوان. # فلما قرأ الأمير هذه العريضة غضب غضبا شديدا وتغير على الزحليين، وحسب أن ذلك ~~تطاول منهم على القانون وقلة احترام له، فسكن مدبره المعلم بطرس كرامه ثائر غيظه، وقال ~~له: إن مثل هؤلاء الشجعان لا تحسن مصادرتهم، فلعلك نسيت ما أبلوا به من المواقع في ~~قطنة والمزة وعهدهما قريب فالأولى بسيدي الأمير أن يعفو عنهم ويتخذهم أعوانا لحين ~~الحاجة وهو الآن في موقف حرج يحتاج فيه إلى أشداء الرجال. # فسري عن الأمير واستقدم إليه شيوخ زحلة، ووبخهم وأمرهم بالرجوع إلى بلدتهم والمحافظة ~~على الراحة والإخلاد إلى السكينة، وأن يبعثوا إليه بزعماء الفتنة للاقتصاص منهم. فلما ~~ساروا إليه قرعهم على عملهم وحذرهم من العودة إلى مثل ذلك، وخلع عليهم علامة رضاه ~~وأعادهم إلى بلدتهم مكرمين. وهكذا انفضت المسألة على هذا الوجه، وأخذ الزحليون في تعاطي ~~أعمالهم وترويج تجارتهم وتقدم بلدتهم. # ومما يجدر بالذكر من تفاصيل هذه الموقعة الدموية أنها حدثت في سوق البلاط، وامتدت إلى ~~المقبرة قرب دير مار يوسف الأنطوني الآن، فجندل الزحليون هناك نحو أربعة وعشرين قتيلا ~~من القنطاريين، ففروا إلى أبلح وحشمش وعلي النهري من القرى التي كانت لهم، والغريب ~~أنهم لم يدخلوا قرية حوش حالا وهي لهم، فلحقهم نحو ثلاثين من الزحليين ووراءهم كثير من ~~سكانها، ms092 فقتلوا نحو ستة من القنطاريين على عين كفر سنه قرب أبلح و24 في علي النهري ~~واثنين في مجدلون. وهكذا كانوا يتأثرونهم ويقتلونهم حتى أرهبوهم وأبعدوهم من تلك ~~الجهات، وهذه المذبحة كانت بدء استقلال الزحليين وفك قيود إذلالهم وكسر نير عبوديتهم، ~~فأبلى كثير منهم إبلاء حسنا. ولقد عرفت بعد البحث الكثير والسؤال المتواصل والإعلانات ~~المتعددة مع عدم التلبية، أن الفاتكين في القنطاريين من الزحليين كثيرون، وأن ~~الموقعة كانت عامة لم تقتصر على أقوام من الخاصة؛ بل كانت الصدور جميعها موغرة حقدا ~~عليهم ومفعمة انتقاما منهم، والسيوف كلها مرهفة للاستثآر بعد أن طفح كيل بغيهم، وسئمت ~~الأنفس عيثهم وممن يحضرنا من أسماء الذين كانوا في مقدمة المبلين والفاتكين بخصومهم ~~المذكورين كل من يوسف الحاج شاهين وإبراهيم مسلم شيخي البلدة وعبد الله أبي خاطر ~~وسابا الخوري شحادة صعب ودرويش سمعان الصدي وإلياس دموس وشاهين مبارك ومخول غرة وفارس ~~هلال وأبي فارس خليل حجي وسمعان البحنسي وموسى وضاهر الخياط وأبي سمعان جرجس الخياط ~~وعبد النور الششم وإلياس هاشم المعلوف وأنسبائه طنوس شبلي ونجم أبي ضاهر ومراد قيامه ~~وأبي يوسف فرح وجرجس طرزا، وغيرهم من لم تبلغنا أسماؤهم مع رجائنا المكرر لتسميتهم لنا، ~~فليعذرنا المواطنون؛ لأن «جهد المقل غير قليل.» # وفيها انتشر الطاعون في سورية واتصل بزحلة، وطعن اثنان من سكانها فأخرجا إلى ~~البيادر، وطاف المطران أغناطيوس العجوري بالقربان حول البلدة يوم اثنين الفصح، فانقطع ~~دابر ذلك الوباء الأسود إلى يومنا، ولن تزال تلك العادة حتى الآن ولكنها نقلت إلى خميس ~~الجسد. # وفيها صار المطران أغناطيوس المذكور يوقع (يمضي) هكذا «مطران الفرزل وزحلة ~~والبقاع»، بزيادة كلمة زحلة على توقيعه. # وفي هذه الأثناء بلغ الأمير حيدر إسماعيل اللمعي في بكفية (لبنان) أن ابن حجازي من ~~قب إلياس أطال لسانه عليه، فأرسل الأمير يتهدده فخاف المذكور وجاء زحلة ليتوسط شيخها ~~إبراهيم مسلم ليطلب له عفو الأمير عنه، فعلم الأمير بقدومه فأرسل ثلاثة من رجاله قتلوه، ~~فتكدر الزحليون لعمله هذا؛ لأنه كان في حماهم، وندم الأمير على تسرعه ms093 وخصص راتبا لابن ~~المقتول. # وسنة 1827م أحدث وزير دمشق مظلمة على سبع عشرة قرية من البقاع، فأمر الأمير برجوع ~~سكانها بمالهم إلى بلادهم، فرجعوا وخربت البقاع. وجاء بعضهم زحلة. ~~(3) موقعة سانور # وفي أواخر سنة 1829 طلب عبد الله باشا وزير عكاء الأموال الأميرية من النابلسيين، ~~فعصوا ولا سيما آل طوقان وجرار وبرقاوي وعبد العال ودحيش وأبي غوش وغيرهم، واعتصموا ~~بقلعة سانور النابلسية، وكانت حصينة الموقع منيعة الجوانب حاصرها الجزار مرارا، وكان ~~زعيم العصاة أسعد بك طوقان والشيخ قاسم الأحمد الجرار، فحاصرهم عبد الله باشا زمنا حتى ~~أوشك أن يرجع عن هذا الحصن مخذولا، فاستصرخ الأمير بشير الشهابي فجمع من مقاطعاته نحو ~~ألفي مقاتل كلهم أبطال مدربون، وذلك في اليوم الثالث من بدء سنة 1830م، وبينهم نحو ~~خمسمائة مقاتل منهم مائتان من زحلة وثلاثمائة من بسكنته وكفر عقاب في المتن، كانت ~~نفقتهم على حسابهم الخاص إذ لم يقبلوا مثل غيرهم نفقات الأمير الحاكم، فسار إلى عكاء ~~فالناصرة، ثم جاء إلى قرية جنين التي تشرف على سانور واستقبله هناك عسكره باحتفاء ~~بالموسيقى وإطلاق البنادق. فلما رأى النابلسيون الذين خارج القلعة العسكر اللبناني، ~~وكانوا يعملون باسه في المواقع الماضية جمعوا ثلاثمائة فارس من العرب، ومنعوا العسكر ~~الاستقاء من ينبوع خيموا قربه، فوثب عليهم المتنيون ولا سيما سكان زحلة وبسكنته وكفر ~~عقاب، وأعملوا فيهم السيوف حتى دحروهم إلى قريتي عرابة وعجة طولوزة، فاعتصموا هناك، ~~فحاصرهم عسكر الأمير الذين اندفق كالسيل فحمى بعض الفرسان المذكورين عين جباع، فلم ~~يستطع النابلسيون أن يستقوا منها فضويقوا، ولكنهم ثبتوا في الحصار وحمي وطيس القتال، ~~ففر النابلسيون جميعهم إلى سانور، واعتصموا بمعقلها المنيع فشدد اللبنانيون في ~~حصارها، وكان شجعانهم يحمونهم من هجوم النابلسيين، وجرت أمام القلعة مناوشات عديدة عادت ~~على النابلسيين بالخسارة والفشل، فجدد حصارها بإطلاق المدافع، فهدم أكبر أعاليها، ولما ~~خيم الغسق في ذلك اليوم العصيب كانت النابلسيات يغمسن الدثر (اللحف) بالزيت ويشعلنها ~~ويطرحنها خارج القلعة؛ لينظر رجالهن عساكر الأمير ويطلقوا عليهم الرصاص. وكان الأمير ~~بشير قد شعر ms094 بحرج الموقف وقلة العساكر، فأرسل رسلا إلى الأمير حيدر إسماعيل اللمعي ~~ليوافيه بعسكر آخر من البلاد، فجمع من فوره جيشا جرارا بقيادته، وبادر لمعاضدة ~~الأمير، فوصل إليه والقلعة قد فتحت عنوة، وتم النصر للبنانيين الذين أبدوا بسالة لا ~~مثيل لها، ولا سيما الزحليون والمتنيون، وكانت قد نفدت ذخائر الخصوم وخارت قواهم، ~~فأنفذوا حسينا عبد الهادي من زعمائهم إلى الأمير، فتم الصلح على شرط أن يهدم الثائرون ~~القلعة بأيديهم ويسلموا أسلحتهم لعبد الله باشا، فدكت أبنيتها حتى أسسها وعطلت ~~آبارها ومغاورها وأنفاقها (دهاليزها)، وغشى عبد الله باشا مدافعه بجوخ أحمر إشارة إلى ~~فتحها. وكان في داخل القلعة أكثر من ألف ومائتي نسمة منهم من مشايخ بني الجرار اثنان ~~وأربعون، فعند تسليمها لم يبق منهم سوى 367 رجلا، والباقون قتل معظمهم وفر الآخرون، ~~وقتل من عسكر الأمير بشير سبعة وثلاثون رجلا للحال، ومنهم أسعد حمادة الدرزي من ~~بعقلين، وحنا الشنتيري الماروني من بكفية، وكانا بطلين مدربين ووقع أحد عشر جريحا ~~توفوا منهم صليبي أبو طقا ويوسف الطباع، واثنان آخران وهم من زحلة، وبريء من المجاريح ~~مائة وخمسة بينهم بعض الزحليين منهم بولس أبو سابا ممن كان الأمير بشير يضمد جراحهم ~~بيده. وعاد الأمير بعسكره ظافرا ولم يدخل عكاء؛ لأن الطاعون كان متفشيا فيها، فلاقاه ~~اللبنانيون بموكب عظيم إلى صيداء وهنأوه بالظفر، وطار صيت اللبنانيين ولا سيما الزحليين ~~والمتنيين وعرفوا بشجاعتهم وإقدامهم. # ومما يرويه الشيوخ أن كلا من إلياس هاشم المعلوف وطنوس شبلي المعلوف من شليفه في ~~بعلبك حميا عين جباع، فلم يستطع النابلسيون الاستقاء منها فتضايقوا، وكذلك طنوس الطباع ~~وخليل أبو عيد حجي من زحلة دخلا قلعة سانور ليلا في أثناء الحصار، وقتلا أحمد الجرار ~~البواب وحمل أحدهما طنوس رأسه وبندقيته، وتلك البندقية بيعت منذ أمد يسير إلى أحد أفراد ~~أسرة الشميل؛ فسر بهم عبد الله باشا حتى إنه قال لمشايخ بني الجرار العاصين: «أما ~~تعلمون أن عسكر الأمير بشير اللبناني مدرب بالحرب والكفاح، وأميرهم ما سار في مهمة ~~إلا وكان النصر ms095 حليفه، أما سمعتم ما جرى بموقعة المزة وكيف اقتحم سورها بفرسانه وأحرق ~~القرية، أما علمتم بفتكه بعسكر درويش باشا»، ثم أخذ يعدد لهم المواقع التي أبلى فيها ~~اللبنانيون فوقع الرعب في قلوب المشايخ وطلبوا العفو. # ولما زار هذه القلعة كل من روبنصن وسمث الإنكليزيين على أثر هذه الموقعة، وصفاها ~~وصفا مدققا وذكرا حصانتها وموقعها كما بينت ذلك في «دواني القطوف»، بتفصيل واف راجع ~~صفحة 236 متنا وحواشي. ~~(4) إبراهيم باشا المصري في زحلة # وسنة 1830م جاء إبراهيم باشا ابن محمد علي باشا جد الأسرة الخديوية إلى سورية وفتح ~~عكاء. وكان الأمير بشير الشهابي من أنصاره، فبعث إليه أن يجمع كمية وافرة من الشعير ~~لخيول فرسانه فطلب الأمير من الزحليين ذلك، فأرسلوه وقدموا أيضا ما تحتاج إليه خيول ~~عساكره التي كانت مخيمة على بيادر الكرك وكان قوادهم نازلين في ثكنة (شونة) معلقة ~~زحلة التي عمرها بأمر الأمير بشير عيسى الخوري مخايل عيسى من بحمدون جد بني البحمدوني ~~في زحلة، وكان من خاصة الأمير وشيخ المعلقة نافذ الكلمة لدى الوزير والأمير يبلغ ~~الزحليين أوامرهما. # وسنة 1831م جاء الأمير قاسم ابن الأمير بشير الشهابي الكبير مع مهندس أفرنجي زحلة، ~~فاحتفر خندقا حولها خشية أن تفاجئهم العساكر التي اجتمعت في حماة بقيادة الوزراء ~~لمحاربتهم، وانضم إليها الأمير أمين الحرفوشي حاكم بعلبك، ولم يطل الوقت حتى بعث ~~إبراهيم باشا إلى الأمير قاسم في زحلة يخبره بالنصر في مواقع حماة ونواحيها، ويطلب منه ~~أن يرسل الذخائر الحربية (الجبخانة) إلى بعلبك؛ فأرسلها إليه وكان قد جاء بعلبك، ونزل ~~في القلعة لكثرة المطر. # ثم جاء زحلة من عكاء عباس باشا أخ الوزير بألف جندي، وكانت طريقه على جسر المجامع ~~فمرجعيون، وبقي ثمانية أيام لكثرة الأمطار، وكان يصحبه الأمير محمود ابن الأمير خليل ~~ابن الأمير بشير الشهابي، ومعهما ذخائر حربية ومدافع وقافلة من الجمال، فوصلاها في ~~أواسط شهر ذي القعدة سنة 1247ه (1831م). وفي 23 ذي القعدة وصل الأمير بشير زحلة قادما ~~من بيت الدين، وحضر إليها إبراهيم باشا من ms096 بعلبك يحف به أربعة فرسان، فرأى الخندق الذي ~~حفر حول زحلة ونظم عساكره ورتب طريقة مدافعتهم، ثم بلغه حدوث خصام بين الدروز ~~والمسيحيين في دير القمر والمتن بدسائس آل جنبلاط، فسار من فوره إلى بيت الدين بعساكره ~~وسكن الثورة، ثم نمي إليه أن عسكر حماة مخيم في بلاد بعلبك، فجاء زحلة بعسكر ~~الجهادية فتأكد كذب الخبر وأن الوزراء في حمص، فبقي هو في زحلة يرتب حركاتها ~~العسكرية، ثم لما قدمت العمارة المؤلفة من أربع عشرة سفينة من الإسكندرية إلى طرابلس ~~مثقلة بالذخائر، وفيها سريتان (ألايان) من الجهادية عددهم ثمانية آلاف أرسل، فاستقدم ~~نصفهم إلى عكاء والنصف إلى زحلة. وصارت الحركة المركزية لجنده في زحلة لتوسطها بين ~~المدن الأخرى. # ففي 12 ذي الحجة أرسل الأمير محمودا الشهابي من زحلة، ومعه يوسف بك الضابط بخمسمائة ~~جندي لملاقاة العسكر القادم من طرابلس، وللقبض على بعض الثائرين فأمسكوا بعضهم وعادوا ~~إلى زحلة. وفي هذا اليوم سار إبراهيم باشا من فيلق (أوردي) زحلة إلى فيلق عكاء، فوصلها ~~بيومين. # وفيها؛ أي سنة 1831م كادت تتلاشى صناعة النسج في زحلة، لورود الخام من أوروبة بحرا ~~في المراكب، فرخصت أثمان الخام فيها كثيرا، فترك الأهلون هذه الصناعة التي كانوا ~~جميعهم يشتغلون بها، ويربحون منها أموالا كثيرة. وكان من بواعث إماتة هذه الصناعة ~~تجنيد الزحليين وتسخيرهم مثل غيرهم من اللبنانيين، وانشغال نسائهم بخدمة الجنود المصرية ~~المخيمة عندهم. # وسنة 1832م أرسل الوزير إبراهيم باشا الذخيرة من صيداء إلى زحلة، وسخر لها جميع ~~الجمال والبغال والحمير من بلاد جبيل إلى بلاد صفد، ودام ذلك شهرين، فاجتمع نحو ثلاثين ~~ألف عسكري مصري فيها، وجمع الأمير عسكرا من لبنان واتخذ الوزير زحلة النقطة الكبرى ~~لمواقعه، وازدحمت الجيوش في ضواحيها واكتظت بالذخائر، وكان العسكر يجري التمرينات ~~الحربية والموسيقى والطبول ترتج لها تلك الضواحي، ويتجاوب صداها في وادي البردوني. ~~وفيها أرسل الأمير بشير الشهابي الذي كان مخيما بعسكره اللبناني، وبينه الزحليون في ~~مرجة دمشق إلى ولده الأمير أمين أن يجيء زحلة من بيت الدين، ويجمع ms097 أربعة آلاف غرارة ~~شعير من بلاد بعلبك والبقاع للعساكر، ويستودعها بعلبك وزحلة، فأتم الأمير أمين أمر ~~والده بمساعدة الزحليين، وأخذ كثير منهم يتجرون بالحبوب ويحتكرونها ولا سيما الشعير. ~~وقد اشتد الغلاء في هذه السنة، وصار ثمن مد القمح 12 غرشا مما لم يسبق له مثيل في زحلة ~~التي كانت إذ ذاك مستودعا لحاصلات حوران وبلاد الشرق وبعلبك والبقاع. وفيها سار ~~إبراهيم باشا الصغير وعباس باشا شقيق الوزير بفيلق زحلة إلى قرية حسيا قرب حمص. # وكان الأمير أمين الحرفوشي قد انضم إلى وزراء الدولة، الذين كانوا في حماة كما مر ~~وجاءوا حمصا، فاغتنم ابن عمه الأمير جواد الحرفوشي هذه الفرصة، وترك دمشق وجاء زحلة ~~لمقابلة إبراهيم باشا، وبواسطة أعيان زحلة ولاه حكم بعلبك وما إليها. وكانت المواقع ~~تتوالى إذ ذاك بين العساكر العثمانية والجنود المصرية، فبقيت زحلة في أثنائها مخيما ~~للعساكر المصرية ومستودعا لذخائرها وعددها ومؤنها ومباءة للوزير إبراهيم باشا والأمير ~~بشير الشهابي وقوادهما ومدبريهما، مثل سليمان باشا الفرنسي وعثمان باشا وحنا بك البحري ~~أمير اللواء وبطرس كرامة وغيرهم. # وسنة 1833م قدم زحلة القائد طيفور بك بألف عسكري مصري، وانضم إلى الفيالق التي فيها ~~تعزيزا للأمن وتسكينا للحركات التي كان الدروز والحرفوشيون يجرونها في ضواحيها، ~~لتعكير صفاء الراحة وإقلاق العساكر المصرية والأمير بشير. # وكان في هذه الأثناء إبراهيم باشا يختلف إلى زحلة هو والأمير بشير وكبار رجالهما، ~~فتمكنت المودة بينهم وبين أعيان الزحليين وأحبوهم كثيرا، واتخذ الوزير ثلاثمائة عسكري ~~من الزحليين بقيادة الأمير خليل ابن الأمير بشير الشهابي الكبير كان يرسلهم مع عسكره ~~كأدلاء إلى كثير من الأماكن التي يجهلونها، واستخدم من سكانها أطباء في جيشه ~~وصناعا وسعاة ونحو ذلك، منهم المرحوم أبو سليمان خليل الصليبي الحلبي الأصل الذي ~~كان من أطباء أحمد باشا الجزار في عكاء، وكان قد قدم زحلة نحو سنة 1797م، وهو أول طبيب ~~عامي طبب فيها؛ لأن الأطباء كان أكثرهم من الرهبان، ولن تزال سلالته فيها إلى يومنا ~~باسم بيت أبي سليمان (بو سليمان ). ومن نكات الوزير ms098 اللطيفة معه أنه استدعاه يوما إلى ~~المعلقة لتطبيب جندي يحبه، فلما رآه قال له: إنه يموت بعد ثلاث ساعات ولا فائدة من ~~علاجه، فألح عليه بتطبيبه؛ لأنه كان عزيزا عنده، فكرر له كلامه الأول أنه سيموت بعد ~~ثلاث ساعات، فقال لحاجبه: أوقفه حتى نرى إذا مات الجندي أجيزه وإلا اقطع رأسه. فمات ~~الجندي بعد مرور ثلاث ساعات إلا بضع دقائق، فأعجب به وأجازه هو وولده إبراهيم بقبضة ~~من الرباعي المجنزرة (المزنجرة) وصرفهما، وكان يعتمد عليه في تطبيب عساكره، وعند غياب ~~أطبائه الذين كان رئيسهم كلوت بك الشهير مؤسس هذا الفن في مصر، ومنهم الدكتور مخايل ~~مشاقة الشهير. # واتخذ قينا (قردحجيا) لأسلحته حنا مخايل عطا والد الطيب الذكر المطران غريغوريوس ~~وموسى ابن شقيقه إبراهيم، الذي فاق عمه بمهارته في هذه الصناعة حتى أن الوزير كان إذا ~~احتدم القتال، وأراد أن يحث (ينخي) جنده على إطلاق البنادق يقول لهم: «انزلوا بزناد ~~موسى» أي أطلقوا رصاص البنادق التي زنادها (ديكها) عمل موسى عطا. وكان من سعاته درويش ~~فرنسيس المعلوف الذي كان مشهورا بأمانته وسرعة سيره، فكان يبعث به إلى عكاء ودمشق وحمص ~~وطرابلس، فيذهب ويعود بسرعة عجيبة؛ ولذلك لقب «الفرخ» لخفته ونشاطه، وكثيرا ما كان ~~يقطع المسافة بين زحلة وعكاء بيوم واحد ولا سيما في الليل، فأجزل الوزير له العطايا ~~واستأمنه برسائله الرسمية ومهماته وله معه أحاديث غريبة. ولما احتفر المعادن في مرجبا ~~وقرنايل من متن لبنان ومشغره من البقاع، كان بنو الجريصاتي في زحلة المشهورون بصناعة ~~الحدادة في مقدمة المشتغلين بمسابك الحديد والمصلحين الآلات الحربية. وكان مهنا بالش ~~يشتغل السيوف والسكاكين ويصقلها، وقد تعلمها من رجل عجمي جاء زحلة، وكذلك أنطون وشقيقه ~~مخايل الصيقلي كانا يشتغلان بالسيوف والجوارح حتى إن مخايل صك النقود، فقطعت الحكومة ~~إبهام وسبابة يده اليمنى فلقب باسم «قريطم»، ولن تزال سلالته بهذا الاسم في زحلة وسلالة ~~أخيه باسم الصيقلي. وكان كثير من أعيان الزحليين يضمنون نفقات الجنود المصرية، ويقدمون ~~لهم حاجاتهم من مأكل ومشرب مثل بطرس أبي ظاهر ms099 المعلوف وشقيقه مخايل الملقب بأبي علي ~~وعبد الله بو خاطر ويوسف العن وجرجس الزرزور وجرجس القرعان وغيرهم. إلى غير ذلك من ~~الصناعات والأعمال التي اعتمد فيها على الزحليين. # وفي هذه السنة شيدت الرهبنة الحناوية الكاثوليكية كنيسة القديس أنطونيوس في قلب ~~المدينة فوق الجسر القديم ولن تزال هناك، وهي آخر كنيسة رهبانية شيدت في زحلة؛ لأن ~~المطران أغناطيوس العجوري أسقف المدينة اشترط على جميع الرهبنات الكاثوليكية أن لا تبني ~~كنائس بعد هذه. # وفيها قدم زحلة الطيب الذكر البطريرك مكسيموس مظلوم على أثر عودته من أوروبة سنة 1831 ~~فاستقبل استقبالا حافلا، وكان معه ثلاثة من الآباء اليسوعيين، وهم الأبوان مبارك ~~بلانشة وبولس ريكادونا والشماس ناصر وضعهم في عين تراز، فوهبهم الأمير بشير الشهابي ~~بواسطة السيد أغناطيوس أسقف زحلة، الذي كانوا يختلفون إليه في تلك الأثناء قطعة أرض في ~~ذيل الجبل في معلقة زحلة، حيث لم يكن هناك أبنية وكانت ملك الأمير، فشيدوا على نفقته ~~دير القديس يوسف، وهو أول دير لهم في سورية ولبنان في القرن التاسع عشر، وكان الأمير ~~حيدر إسماعيل اللمعي قد وهبهم أرضا في بكفيا وساعدهم ببناء دير لهم فيها. ~~(5) موقعة جسر السن # وسنة 1834م لما استتب الحكم لإبراهيم باشا المصري في سورية أخذ يجند الأهلين، فعصى ~~سكان بلاد الحصن وعكار وصافيتا ومعظمهم من النصيرية، وكان سليم بك أحد قواده الأبطال في ~~تلك الجهة بفيلقه، فطلب الوزير من الأمير بشير نجدة له، فأرسل ألفي مقاتل بقيادة ولده ~~الأمير خليل، ثم أردفها بنجدة ثانية أكثر من خمسمائة مقاتل من زحلة وبسكنته وكفر عقاب ~~بقيادة هيكل ابن إبراهيم مسلم أحد شيخي زحلة الملقب بأبي محمود، وكان حامل الراية ~~(البيرقجي) يوسف طعمة عبود، فأخذ هؤلاء لهم طريقا مختصرا فوصلوا إلى جسر نهر السن ~~مقابل تلك البلاد على بعد من طرابلس الشام، ونصبوا عليه رايتهم اللبنانية، فرآهم ~~النصيريون من أهل الطروطة وبيت ياشور والقراضة، الذين كانوا كامنين مقابلهم تحت ~~السريس # 4 # لقطع طريق الجسر على العسكر المصري، فأرسل هذا العسكر اللبناني الزحلي ~~طليعة ms100 منه تستكشف العدو بقيادة يوسف الراعي، فلم يروا أحدا؛ لأن النصيريين خفتت ~~أصواتهم وخفيت مخابئهم على الطليعة، فعادت إلى العسكر وأخبرتهم أن ليس من مقاتل هناك ~~من الخصوم، فجلسوا إذ ذاك ليستريحوا ويأكلوا وقد كلوا من المسير وخارت قواهم جوعا، ~~فاغتنم النصيريون فرصة اشتغال العسكر المتني الزحلي بالطعام، وانهالوا عليهم بالرصاص من ~~طي مكامنهم وهؤلاء لا يرونهم، فانذعروا لساعتهم، وقاموا عن طعامهم وهم يشتهونه، ~~وهجموا إلى جهة الجسر المقابلة، فكثر انهيال الرصاص عليهم وأصاب منهم المقاتل فاندحروا ~~لساعتهم؛ لأنهم كانوا يرون الرصاص كالمطر ولا يعلمون مصابه، فتأثرهم فرسان النصيريين ~~الذين كانوا يحمون الكمين، وأعملوا السلاح في أقفيتهم، فقتلوا منهم كثيرين بينهم نحو ~~عشرين من الزحليين وعشرة من بسكنته. وبينما هم هاربون والنصيريون يتأثرونهم أدرك قائدهم ~~رجلا من كفر عقاب اسمه نقولا القن المعلوف في مضيق لم يجد هذا منه مهربا، فأثنى نقولا ~~على القائد النصيري بحسامه، فقطع قوائم جواده وأوقعه على الأرض فقتله، وكان هذا قائد ~~تلك الشرذمة المدرب. ثم صاح نقولا بقومه وحثهم على الارتداد على خصومهم الذين ذعروا ~~لقتل قائدهم فانثنى اللبنانيون، وردوا النصيريين على أعقابهم، وأثخنوهم جراحا ~~وتأثروهم. وكان الأمير خليل قد أنجدهم بثلاثمائة مقاتل انضموا إليهم، فدخلوا البلاد ~~وعاثوا فيها ونهبوا نحو خمسين من قراها وأحرقوها وغنموا كثيرا. # 5 # وكان مجموع القتلى من المتنيين نحو مائة ومن النصيريين عددا وافرا. وممن ~~عرفناهم من قتلى زحلة أرميا أبو طقة وطنوس ابن أخيه ومخول الغسطاوي ويوسف حريز وإلياس ~~أبو سمعان حجي وجرجس خير، ورجلان آخران أحدهما من بني الحمصي والآخر من بني القاصوف ~~وغيرهم. أما يوسف طعمة حامل الراية فجرح على الجسر ورمى بنفسه إلى النهر، وهيكل ~~إبراهيم مسلم قائد هذه الحملة جرح أيضا. # ومن النكات اللطيفة ما يروى عن عوض بك الأسد المرعبي أحد أعيان عكار، الذين تغير ~~عليهم إبراهيم باشا أنه اجتمع مرة بأحد القواد المصريين على أثر هذه الموقعة في سوق ~~العقادين في طرابلس الشام، فكتب القائد المصري على ورقة بيت عنترة القائل: # لي النفوس ms101 وللطير اللحوم ولل # وحش العظام وللخيالة السلب # وقال له انظر ما أجمل خطي! ففطن عوض بك وكتب تحته بيتا آخر من القصيدة هو: # إن كنت تعلم يا نعمان # 6 # أن يدي # قصيرة عنك فالأيام تنقلب # وقال له: وانظر أيضا ما أجمل خطي! وهي محاضرة بديعة. # وفي هذه السنة 1834م مني المطران أغناطيوس العجوري بداء الفالج، فعانى مضضه مدة ~~ثمانية أشهر انتقل في آخرها إلى رحمة ربه وذلك في شهر آب، ودفن في دير النبي إلياس تحت ~~النافذة الشمالية، وترك للكرسي خمسمائة كيس؛ أي مائتين وخمسين ألف غرش وزعها بوصيته. ~~وكان قد خدم الكرسي ثماني عشرة سنة بغيرة واجتهاد ووعظ ناجع، وقد انضم بواسطته كثير من ~~بني الطوائف الأخرى إلى طائفته الكاثوليكية مثل بني المعلوف والحاج شاهين الأرثوذكسيين ~~وغيرهم، وزاد على ختمه كلمة «زحلة»، وأرخ ضريحه الشيخ ناصيف اليازجي بقوله وهو من ~~أقدم منظوماته المهملة: # هذا ضريح غاب فيه كوكب # قد كان متشحا بثوب النور # وعلى جوانبه المؤرخ نادبا # مطراننا أغناتيوس عجوري # ونال هذا الأسقف منزلة كبيرة لدى حكام عصره، ولا سيما إبراهيم باشا والأمير بشير ~~وبهمته انتشرت تجارة الزحليين إلى حلب والعراق وأوروبة وأسس الأكليروس الأسقفي، الذي ~~جاء بكهنته من حلب وبقي منهم الخوري بولس سنكي، فتولى الوكالة الأسقفية بعد وفاته. ~~وأنشأ أيضا أخوية القربان المقدس وأخوية العذراء، وكان لا يسام أحد من الكهنة والرهبان ~~إلا بعد أن يمتحنه الطيب الذكر البطريرك مكسيموس مظلوم أو هذا الأسقف، كما تقرر في مجمع ~~«دير البشارة» قرب زوق مكايل سنة 1831م. وفي هذه السنة على أثر ذلك جاء زحلة السيد ~~مكسيموس المظلوم لانتخاب أسقف عوض أسقفها المتوفى. فانتخب الخوري باسيليوس شاهيات ~~الحلبي من الرهبنة الشويرية الحناوية، فعارض فريق من السكان الذين يميلون إلى الرهبنة ~~المخلصية، ويودون أن يكون أسقفهم منها. فرفع البطريرك الأمر إلى الكرسي الرسولي في ~~رومية، وغادر زحلة غير راض عن بعض سكانها المعارضين. وبقي الكرسي فارغا ثلاث سنوات ~~ووكيله الخوري بولس سنكي. # وسنة 1835م كان في زحلة طيفور بك المصري ms102 مع ألف جندي، ففرغ الزحليون لهم حارة ~~الميدان فنزلوها، وكانوا يراقبون حركات الدروز، ويؤمنون الطرق المحدقة بزحلة والبقاع. ~~وفي آخر هذه السنة سقط ثلج كثير تكاثف على الأرض، فتحير العسكر المصري في جرفه؛ لأنه لا ~~يعرف ذلك، فتحمل الزحليون ثقلة جرفه لهم وإبعاده عن منازلهم؛ لأنهم لا يطيقون ~~برده. # وفي هذه السنة انتظم مخايل بن حنا عطا الزحلي في سلك كهنة البطريرك مكسيموس مظلوم - ~~وهو المطران غريغوريوس الشهير - فصار شماسا إنجيليا يرافق غبطته. # وفي صيف سنة 1836م ورد الأمر من الكرسي الرسولي أن يكون الخوري باسيليوس شاهيات ~~الحلبي من الرهبنة الحناوية الشويرية الكاثوليكية أسقفا للفرزل وزحلة والبقاع، ~~فاستقدمه إليه من عين تراز البطريرك مكسيموس مظلوم إلى دمشق مع الوكيل الأسقفي وبعض ~~الأعيان، وسامه في كنيستها الكبرى (كاتدرائيتها) يوم خميس الصعود في 7 أيار من هذه ~~السنة، وهو إذ ذاك ابن إحدى وأربعين سنة، فكان أول أسقف سيم فيها. ثم سار توا إلى بيت ~~الدين وقابل الأمير بشير الشهابي ونال لديه منزلة، وعاد إلى زحلة وبدأ يرعى خرافه بغيرة ~~وأسس الأكليروس الأسقفي الوطني الباقي إلى الآن، وأول من نعرفه منهم الخوري يوحنا ملوك ~~الذي صار أسقفا بعد ذلك والخوري بطرس القطيني المعلوف والخوري فيلبس النمير، وقد سامهم ~~في هذه الأثناء شمامسة وكان واعظا بليغا ومدبرا حكيما وراعيا ساهرا على أغنامه. ~~ولما سافر البطريرك مكسيموس إلى مصر أقامه نائبا بطريركيا عاما، فسار إلى دمشق ~~ولبث فيها ستة أشهر وعاد إلى زحلة مترددا بينها وبين دمشق، وهو أول من اتخذ سجلا ~~للحوادث والوفيات والولادات ومنه اقتبسنا كثيرا من الفوائد. # وسنة 1837م أحدث الأمير بشير الكبير بيت مكس (كمرك) في زحلة لضمان ذبحية اللحم، ورتب ~~الخرج (مال العنق) المسمى الفردة على سكانها لما شاهده فيها من رواج سوق الأعمال ~~والحركة التجارية، ووكل تحصيل ذلك إلى خمسة من سكانها سماهم «الوكلاء»، كانوا يفضون ~~مشاكل البلدة وقد ضمنوا (كمركها)، وصار الزحليون إذ ذاك يجلبون بضائعهم من بيروت بعد ما ~~كانوا يستجلبونها من دمشق، وكانت هذه السنوات ms103 التي مرت على سورية بزمن الدولة المصرية ~~أيام هناء وسلام ونجاح. ثم حدث غلاء عظيم فبيع مد الحنطة بثلاثين غرشا وذلك لم يسبق له ~~مثيل، وفي أواخرها حدثت زلزلة قوية هدمت قباب الأجراس، وكانت حركتها من جهة طبرية وصفد ~~حيث كان تأثيرها قويا وأضرارها كثيرة هنالك، أما في زحلة فلم يحدث عنها ضرر عظيم. ~~ومنذ هذا الحين ضعفت سلطة الأمراء اللمعيين على سكان زحلة ومنعت مداخلة دهاقينهم ~~(خوليتهم) بشئون سكانها فسعوا بتفريق كلمة الزحليين المجتمعة. # وسنة 1838م كان وكلاء زحلة المذكورون قد ضايقوا مواطنيهم بالرسوم التي يتقاضونها منهم ~~وكثرت أحزابهم، فشكا الأهلون أمرهم إلى الأمير بشير مرارا فلم يعرهم أذنا صاغية؛ لأنه ~~كان يحصل من زحلة بواسطة هذا الرسم أموالا طائلة، فأرسل السكان الخوري بولس سنكي ~~النائب الأسقفي إلى بيت الدين لمقابلة الأمير، فلما فاوضه بذلك قال له الأمير: «هذا ما ~~هو شغلك ولا يعنيك»، وكان هذا الأب جريئا فصيح اللسان قوي الحجة فأجابه: «يعنيني كثرة ~~الخطايا الناتجة عن ذلك وتعطيل أشغال الفقراء.» وكانت عادة الأمير إذا تكدر من إنسان ~~وأراد منعه عن الكلام يقول للواقف أمرق (انصرف)، وإذا لم ينصرف يأمر خدامه بطرده. فقال ~~له بحنق «أمرق»؟ فأجابه الأب: «أنا مارق ومنصرف ولكن يوم القيامة يصيح الفقراء متظلمين ~~أمام الله ولا تقدر أن تقول لهم امرقوا، وأنا سأشهد على ظلمهم، فأستغيث بالله وبسعادتك ~~أن ترحمهم وترفع عنهم هذه المظلمة.» فأوغر كلامه صدر الأمير غيظا، وقال له بصوت ارتجت ~~له القاعة: «قلت لك امرق»، فانصرف ملتفتا إليه وقائلا: «أنا منصرف ولكن الملاقاة عند ~~الله الديان العظيم.» # وعاد إلى زحلة بفشل متأثرا، فلما رأى السكان ازدياد ظلم الوكلاء وعدم سماع الأمير ~~شكاويهم رفعوا دعواهم إلى شريف باشا حاكم دمشق نزيل بيروت إذ ذاك، فجاء زحلة ومعه حنا ~~بك البحري، فقص عليهما الخوري بولس سنكي حادثته مع الأمير، فتذاكرا وجزما بإبطال رسم ~~الذبحية المذكور، وفاوضا الأمير بشيرا، فاقتنع بإبطاله وبعث إلى كل من الطيبي الذكر ~~أغابيوس الرياشي مطران بيروت ولبنان الكاثوليكي والخوري ms104 إبراهيم الكعدي الأرثوذكسي ~~والخوري موسى أبي كرم الماروني كاهني قصبة بسكنته في لبنان أن يحضرا إلى زحلة مع بعض ~~خاصته، ويفضا هذه المعضلة التي أقلقته، فجاءوا زحلة ونزلوا في دير النبي إلياس الطوق ~~الشويري؛ لأن السيد شاهيات كان إذ ذاك في عين تراز يدبر شئون مدرستها البطريركية. ~~فحاسبوا الوكلاء فإذا أموال طائلة باقية ضمنهم ورأوا ظلمهم للسكان، فأخبروا الأمير ~~فعزلهم وأرسل عوضهم من قبله وكيلا لفض مشاكل زحلة الشيخ وردان الخازن فنزل في ~~المعلقة. # وفيها أمر إبراهيم باشا أولاد الأمير بشير وأعيان لبنان أن يلبسوا الطرابيش عوض ~~العمائم، فعم استعمالها ولبسها بعض الزحليين مثل غيرهم، وكانت تعرف بطرابيش الدلح، ~~وهي أشبه بجراب مسترسل على قذال (قفا) الرأس. # وفي هذه السنة سيم الشماس مخايل عطا الزحلي (المطران غريغوريوس) كاهنا باسمه من يد ~~السيد باسيليوس شاهيات، وصار نائبا بطريركيا في دمشق وما يليها. ~~(6) إخراج الدولة المصرية من سورية # ولقد كانت أيام إبراهيم باشا المصري في سورية أوقات سرور وهناء تخللها حروب ومناوشات، ~~ولا سيما في عهدها الأخير، وكان لهذا الوزير محاسن وهفوات، فمن محاسنه تعميم الزراعة، ~~وتنشيط الصناعة، وترويج التجارة، وتقرير حق التملك، ومنع الرشوة والتدليس، وإنشاء ~~الدواوين، وكثيرا ما كان يرسل مأموريه إلى داخل البلاد للحض على تحسين الزراعة، وعدم ~~إهمال الأراضي الفسيحة التي كانت مواتا، وعمم زراعة التوت، وأدخل زراعة الأرز والنيل، ~~وأدخل دودة القرمز، وحفر المعادن والفحم الحجري، وأدخل المرسلين الإفرنج، وبدأت النهضة ~~العلمية منذ ذلك الحين. ومن هفواته التي يتناقلها الشيوخ أنه بقر بطن جنديه؛ # 7 # لأنه اشترى لبنا من امرأة ولم يعطها ثمنه فرفعت دعواها إليه، فقال لها: ~~إنني سأقتله فإن رأيت أثرا للبن أعطيك ثمنه وإلا أقتلك، ولما رأى اللبن في معدة ~~القتيل نقدها ثمنه، وله كثير أمثال هذه الحادثة. # ومن أهمها أنه أمر بجمع سلاح النصارى اللبنانيين، وأرسل مأمورا لذلك إلى زحلة، فضايق ~~سكانها كل المضايقة، وجمع كل الأسلحة بقساوة وتهديد لم يشاهد الأهلون نظيرهما بعد أن ~~تحرروا من الاستعباد القنطاري، وذاقوا لذة الحرية والاستقلال ms105 الشخصي، ورأوا انعطاف وزير ~~إليهم، فخسروا أموالا طائلة ليس بقيمة الأسلحة الثمينة فقط؛ بل بقيم أسورة البنادق ~~والسيوف المجوهرة (المسقطة) والخناجر المفضضة التي كانوا يتغالون باقتنائها، وكان بنو ~~عطا يبالغون بإتقان عملها والتفوق برونقها ولا سيما لمواطنيهم. # وكان الزحليون فوق كل ذلك قد جشموا النفقات الباهظة بوجود العسكر المصري في بلدتهم ~~وتجنيد الأهلين، حتى إن كثيرا منهم كانوا يستأجرون عوضهم رجالا يذهبون للقتال ~~وينفقون على الجميع، فضلا عن تسخير الناس لحفر المعادن والدواب لنقل الذخائر والمؤن، ~~فكثر الطمع بهم لسرعة نجاح بلدتهم، وحسبت في سعة كبيرة من العيش وذات أموال ~~وافرة. # ومع كل ما أبدى الزحليون للعسكر المصري من المؤانسة والخدمة، وتحملوا لأجلهم من ~~النفقات والأثقال لم يسلموا من تحاملهم عليهم حتى إنهم سنة 1840 لما عزمت الدولة باتفاق ~~الدول على إخراجهم من سورية، نووا وهم في المعلقة أن ينهبوا زحلة ويحرقوها، لولا سليمان ~~باشا القائد الفرنسي وحنا بك البحري وبطرس كرامة الذين منعوهم بإشارة إبراهيم باشا ~~وتوسط بعض الأعيان. # وما جمع إبراهيم باشا أسلحة المسيحيين الذين لم يقاوموه ولا حاربوه؛ بل قدموا له ~~أسلحتهم وتجندوا متطوعين وبينهم الزحليون حتى رأى مقاومة الدروز والعرب في حوران ووادي ~~التيم وعصيانهم عليه، فاضطر مكرها أن يعيد الأسلحة إلى المسيحيين لينجدوه على الدروز ~~الذين أرسل جنوده لمحاربتهم في حوران، فتحصنوا في اللجأ وعاثوا بوادي التيم واضطرب حبل ~~الأمن، فكان ذلك من أهم أسباب العداء بين الطائفتين المسيحية والدرزية، فتوطدت بينهم ~~الشحناء وكثرت النزغات. وكان حرب الأمير بشير الكبير وسعيد بك جنبلاط أول جذوة من هذه ~~النار التي زادت الآن ضراما. فذهب المسيحيون متجندين مع العساكر المصرية وحضروا ~~المواقع الكبيرة التي نشبت بينها وبين الدروز في حوران ووادي التيم ولا سيما وادي ~~بكة. فأبلى اللبنانيون وبينهم الزحليون وكانت الثورات تتوالى والخصام يزداد اتساعا ~~وعوامل الحقد تسكن القلوب فتحركها على جر الويل وإهراق الدماء. # ولما حارب إبراهيم باشا الدروز كما مر واعتقل بعض أعيانهم وأرسلهم إلى مصر مثل سعيد ~~بك جنبلاط وملحم بك العماد وملحم ms106 بك حمادة وغيرهم ممن التجأ إلى الأستانة؛ أجمع الدروز ~~على مقاومة إبراهيم باشا، وكان قد أرهقهم بأخذ سلاحهم وتجنيدهم مرارا وأوغرت صدرهم ~~إعادته أربعة آلاف بندقية (بارودة) للمسيحيين؛ بل للموارنة بعد أن كان جمعها منهم، ~~وحسبوا أنه بذلك سيقوي المسيحيين عليهم ويضعفهم، فيفتكون بهم فصاروا يثيرون المسيحيين ~~على المصريين. وما صدر أمر الوزير بإرجاع البنادق الأربعة آلاف إلى المسيحيين حتى جاء ~~من أبيه الأمر بجمعها منهم. فتكدر أهل دير القمر وغيرهم، وتجمهر اللبنانيون من دروز ~~ومسيحيين، وعصوا بأسلحتهم قاصدين حرب المصريين، وهي الحرب المعروف «بالعامية»، إذ ~~اشترك فيها عامة المسيحيين والدروز واتفقوا يدا واحدة على محاربة إبراهيم باشا، وكان ~~ذلك في شهر أيار سنة 1840م. فانقسموا أربع فرق (كاشات)، ونصبوا عليهم قائدا عاما (سر ~~عسكر) الشيخ فرنسيس أبا نادر الخازن. واشتهر بهذه الحرب يوسف الشنتيري وأبو سمرا غانم ~~من المسيحيين وأحمد داغر الشيعي (المتوالي) من برج البراجنة بظاهر بيروت، وكان قوادهم ~~من الأمراء الشهابيين واللمعيين والمشايخ الإقطاعيين وغيرهم، وكانت الفرقة (الكاشة) ~~الرابعة قرب زحلة بقيادة الأمير علي بن الأمير أحمد قيدبيه، وانضم إليها الأمير خنجر ~~الحرفوشي برجاله، فسلبوا ذخيرة العسكر المصري الذاهبة إلى صيداء، وجاء عثمان باشا ~~المصري بعساكره إلى المعلقة، وكان زعماء الحركة (العامية) الأمراء الشهابيون واللمعيون ~~ومشايخ الموارنة، وكانت الدولة العثمانية قد أرسلت السر ريتشرد وود الإنكليزي الشهير ~~معتمدا لطرد المصريين، فأثار ضرام هذه الحرب، وبقيت من منتصف أيار إلى أواخر تموز من ~~سنة 1840. ~~(7) موقعة شتوره # ومن المواقع التي حدثت في جوار زحلة في أثناء الحرب (العامية) اللبنانية. موقعة ~~«شتوره» التي انقض فيها نحو ستة عشر ألفا من الجنود المصرية المدربة على ألف ومائتين ~~من اللبنانيين وأصلوهم نارا حامية، وهجم الهنادي عليهم بالسيوف (الشلفات)، وأعملوا ~~فيهم شفارها الحادة. فجندلوا كثيرا من القتلى. وكان عثمان باشا قائدهم قد نصب ~~المدافع على إحدى التلال المشرفة على شتوره وأمطرهم بقنابلها. فقتل نحو مائة وعشرين ~~وثار ثائر العسكر المصري وتعقبهم وعاث في لبنان. # أما الزحليون فلم يدخلوا في الحرب (العامية)؛ ولذلك لم ms107 يحضروا موقعة شتوره؛ لأن ~~الأمير بشير الكبير كان قد أرسل إليهم الشيخ رشيد غالب الدحداح لإقناعهم، وخشوا من فتك ~~إبراهيم باشا المخيم بعساكره بين ظهرانيهم، ومع ذلك فإنهم أغضبوا اللبنانيين المسيحيين ~~والدروز والدولة المصرية. وكان فضول قرقماز من كسروان شيخا في زحلة من قبل الأمير بعد ~~الشيخ وردان الخازن المار ذكره، فنسب إليه اللبنانيون الخيانة بإقناع الزحليين لعدم ~~الدخول في الحرب (العامية) فقصدوا قتله، ففر إلى «قعفرين» فوق زحلة قرب منبع نهرها ~~البردوني فقتلوه هناك. # وهكذا اضطرب حبل الدولة المصرية في سورية، واتفقت دول إنكلترة وروسية وبروسية والنمسة ~~مع الدولة العثمانية بموجب معاهدة «لندن» بتاريخ 15 تموز سنة 1840 على طرد الحكومة ~~المصرية من سورية. وكان إبراهيم باشا المصري قد اقتصر على امتلاك ولايتي سورية وأطنة ~~وتنظيمهما، فأرسلت الدول المارة الذكر أسطولا من بوارج إنكليزية ونمسوية بقيادة روبرت ~~ستبفرد والسر شارل سمث، فحضرا وأرسلا الكومودور السرنابيه إلى بيروت، وكان محمولها نحو ~~عشرة آلاف مقاتل من العثمانيين والإنكليز، فضربوا بيروت في 11 أيلول سنة 1840م، وفر ~~سليمان باشا الفرنسي قائد العساكر المصرية إلى زحلة وضربت الأساطيل عكاء، وذهب نابيه ~~إلى مصر وعقد مع محمد علي باشا والد إبراهيم باشا اتفاقا بتاريخ 27 تشرين الثاني سنة ~~1840 يصرح له أن تكون خديوية مصر وراثية لأسرته. وكان إبراهيم باشا المصري قد قدم من ~~مرعش إلى زحلة واستقدم إليه الأمير بشيرا الكبير وتفاوضا مليا، وخيم العسكر المصري ~~في المعلقة وصار يتراجع إليها القواد بما بقي من جنودهم مدحورين، مثل عثمان باشا قائد ~~حملة كسروان الذي حارب سكانه خمسة وعشرين يوما، فاندحر في موقعة وطا الجوز واستظهر ~~عليه الكسروانيون، وسليمان باشا عاد من الحازمية مدحورا من أمام أساطيل الدول المتفقة ~~المشار إليها. وانضم إليهم عسكر طرابلس الشام والجهات الأخرى فصارت زحلة محل سكنات هذا ~~الجيش الجرار بعد أن كانت محل حركاته في أول مواقعه. # وإذ ذاك كان محمد علي قد أرسل يستقدم إليه ولده إبراهيم باشا من سورية، فبرح زحلة يوم ~~السبت في 9 تشرين ms108 الثاني سنة 1840 إلى دمشق، وسار منها على طريق غزة بعد أن هدم الحصون ~~والمعاقل. وعرض على الأمير بشير الكبير أن يسلم، فاستمهل أياما اعتذر في آخرها أنه لا ~~يستطيع أن يغضب عليه إبراهيم باشا؛ لأن أولاده وأنسباءه يحاربون مع جيشه فيفتك الوزير ~~بهم انتقاما منه إذا انحاز ضده. ولذلك استسلم إلى الأمير الإنكليزي وبعد ثلاثة أشهر ~~أخرج من سورية بأسرته ومدبريه وبعض أنسبائه فكانت نهاية حكمه في تلك السنة وإخراج ~~الدولة المصرية من سورية أيضا. # فهذه كانت أهم ذرائع التنافر والتنابذ والمناوأة بين طائفتي المسيحيين والدروز ~~المتجاورتين المتحابتين، وكأن البلاد ألفت التعصب فتوالى عليها من العصبيات القيسية ~~واليمنية، واليزبكية والجنبلاطية، والمعلوفية والمكارمية، والزحلية والقنطارية. ثم بدأت ~~العصبية المسيحية والدرزية فكانت الأخيرة أشر من الأولى وتحفز الدروز للتنكيل ~~بالمسيحيين، ولا سيما سكان زحلة ودير القمر الذين أوغروا صدورهم ببسالتهم ونفوذ كلمتهم ~~لدى إبراهيم باشا والأمير بشير ولمعاضدتهم إياهما. ~~(8) مشيخة زحلة الأولى # كان الأمراء اللمعيون أيام تسلطهم على زحلة يتولون إدارة شئون سكانها ويفضون مشاكلهم، ~~إما بذاتهم أو بواسطة دهاقينهم (خوليتهم) وخاصتهم. ثم استبد بهم القنطاريون فكانوا ~~يأتمرون بأمرهم مدة إلى أن قيض لهم الظفر في موقعة المزة، وكانوا في مقدمة جيش الأمير ~~بشير الشهابي الكبير. وفاتنا هناك أن نذكر أنهم ساروا بقيادة يوسف الحاج شاهين ~~الأرثوذكسي وابن عمه أنطون فلما وزع الأمير السلاح على عسكره جميعه، وبقي الزحليون فقط ~~أراد إعطاءهم السلاح، فمنعهم قائدهم المذكور عن أخذه وتلكأ برجاله عن القتال حتى عندما ~~ضعف عسكر الأمير، وكاد يتقهقر تقدم يوسف برجاله البواسل ودحروا العدو، وكان يوسف السكاف ~~والحاج نصر من حملة الأعلام اللبنانية فتقدما حتى القلعة، وكان فيها عسكر فوضعا سلما ~~على سطحها وصعد يوسف السكاف عليه، ونصب علمه فوقها فكان النصر للزحليين باهرا. فقال ~~الأمير ليوسف: لماذا تأخرت بهجومك برجالك الأشداء، فأجابه: إن تأخر توزيع الأسلحة ~~عليهم أخر هجومهم. فأحبه الأمير كثيرا، ورأى فيه بسالة وسداد رأي، فكان يعتمد عليه ~~منذ ذلك الحين بعد أن كان عرفه عند وجود ms109 عبود البحري الخطاط في بيته أيام فراره من وزير ~~دمشق. # فهذا كان بدء مشيخة الزحليين ففوض إليه حل المشاكل، وكان يستشيره بكثير من شئون زحلة ~~وبلاد بعلبك ويعتمد على رأيه فنفذت لديه كلمته، وكان يوسف متزوجا بشقيقة إبراهيم ~~مسلم الكاثوليكي، فنال ابن حميه منزلة لدى الأمير وقلدهما مشيخة زحلة، فاتفقا طول ~~حياتهما على رفع شأنها وحرراها من ظلم القنطاريين. # وفي حرب سانور كان أنطون الحاج شاهين ابن عم يوسف هذا قائد الحملة الزحلية والمتنية ~~مع ابنه إبراهيم، فعادا بعسكرهما ظافرين فمضت مدة على مشيخة زحلة بزمن الأمير بشير ~~الكبير، وفي عهد إبراهيم باشا المصري حتى كانت زحلة أشبه بجمهورية صغيرة يحكمها شيوخ ~~ينصبهم الحاكم بإرادة الشعب. # ولما كان أنطون الحاج شاهين مدبر (كتخدا أو كاخية) الأمير أمين الحرفوشي وشي عليه ~~مرة إلى الأمير بشير الكبير، فذهب مع ابن عمه يوسف إلى بيت الدين لمقابلته حسب أمره، ~~فامتنع الأمير عن مقابلتهما خشية أن يقنعه يوسف فيعفو عن أنطون الذي أمر بسجنه وإرساله ~~إلى عكاء، وبعد ثلاث سنوات مرض أنطون فيها فأرسل الزحليون الطبيب ترانوبي من أطباء ~~إبراهيم باشا المصري لتطبيبه وقيل: إنه سممه فتوفي نحو سنة 1836م، فاشتد حزن يوسف عليه ~~وتوفي بعده بنحو سنتين؛ أي نحو سنة 1838م، وكان داهية في رأيه قوي الحجة كريما ~~باسلا مثل أنطون. أما إبراهيم مسلم فبقي نافذ الكلمة إلى أن توفي يوم الأحد في ~~الرابع من أيار سنة 1841 قبل موقعة العريان وكان حصيفا شجاعا جوادا، ولما اختلف ~~الوكلاء في زحلة عند إنشاء بيت المكس (الكمرك)، وفشا التحزب بين سكانها أرسل الأمير ~~بشير الكبير شيخا على زحلة الشيخ وردان الخازن. ثم فضول قوقز من قرقماز في كسروان، ~~وهذا قتله الأمير بشير قاسم في أثناء الحرب العامية عند إخراج الدولة المصرية. ثم خلفه ~~مدة يوسف عدبا أحد رجال فضول المذكور فهذه حالة زحلة في سنواتها الأربعين الأولى من ~~القرن التاسع عشر. # وكان للشيوخ حق الحبس والحكم بالدعاوى على اختلافها وجمع الجنود للمحاربة والفعلة ~~لحفر المعادن ms110 والمكارين للتسخير فضلا عن جباية الخراج والضرائب، وكان تحت يدهم بكباشية ~~(بلوكباشية) من وطنيين وغيرهم ورجال للتحصيل وتبليغ الأوامر يسمون «حواليه»، كانوا ~~ينزلون على المطلوبين فلا يبرحونهم حتى ينالوا منهم مطاليبهم المأمورين بها والواحد ~~منهم يسمى «حوالي». وإلى الآن يضرب المثل بالحوالية وتثقيلهم على الناس. ~~(9) موقعة عالية وبعبدا # ولما خرج إبراهيم باشا المصري من سورية سنة 1840 وأبعد الأمير بشير الكبير إلى مالطة ~~ولقب بالمالطي، ثم إلى الأستانة نصب الأمير بشير قاسم الشهابي الملقب بأبي طحين ~~حاكما على لبنان بموجب تقليد (فرمان) سلطاني سلمه إياه أمير البحر الإنكليزي السر ~~ستبفرد. وكان الساعي بذلك السر رتشرد وود الذي جاء سورية للسعي بإخراج الدولة المصرية. ~~وفي هذه الأثناء نصب قنصلا عاما لدولته الإنكليزية في دمشق وبقي يشارف أعمال ~~لبنان. # ولما تولى الأمير بشير قاسم سار إلى بعبدا، ومنها إلى بيت الدين واتخذ مستشارا له ~~الأمير محمودا سلمان الشهابي من وادي شحرور وقرب إليه كثيرا من أنسبائه الشهابيين، ~~وخالف عادة الحكام من أيام فخر الدين المعني الشهير؛ أي منذ قرنين ونصف، إذ كانوا ~~يتخذون مدبريهم وأعوانهم من اللبنانيين، فاتخذ هو فرنسيس مسك من بيروت مدبرا وأعاد ~~الإقطاعيين من مسيحيين ودروز إلى قطائعهم، ولكنه لم يكن ليحترمهم كثيرا فرأى الدروز ~~منه تغيرا عليهم، ولا سيما بعد عودة مشايخهم من منفاهم في سنار وغيرها، وهم موغرو ~~الصدور على الأمراء الشهابيين والمسيحيين. ثم رأى الدروز أن النصارى الذين في قطائعهم ~~متغيرون عليهم، ولا سيما في عاداتهم القديمة بالانقياد التام إليهم، فأوجسوا من ذلك ~~خوفا وأضمروا لهم السوء، على أن الأمير الحاكم لم يكن ليبالي بذلك، ولا سعى برقع ~~الخرق قبل اتساعه؛ فسرت روح التحاسد والتضاغن بين المسيحيين والدروز ونمت بمساعي ~~المفسدين نمو الجراثيم (المكروبات) في المستنقعات، وتحولت الأحزاب دينية بحتة بعد أن ~~كانت سياسية مدنية منذ القديم، وجاشت صدور الفريقين بالحقد للانتقام. # وفي أول تموز سنة 1841م حدث خلاف بين بعض سكان دير القمر من بني البستاني وبين بعض ~~سكان بعقلين على صيد حجل، فدخل الديريون ms111 بعقلين ثم جاء الدروز الدير وحاصروها في أوائل ~~أيلول. وفي الثالث منه جاء زحلة رسول من دير القمر يستصرخ سكانها لمعاضدة إخوانهم ~~الديريين المحاصرين، فأرسل الزحليون من فورهم رسلا مسلحين إلى أسقفهم المطران باسيليوس ~~شاهيات المار ذكره؛ لأنه لم يكن أسقف غيره لبقية الطوائف يقيم في زحلة، وكان هذا في ~~طوافه على الرعية مع الشماس فيلبس النمير، فاستقدم من بر إلياس فوصل زحلة في الرابع من ~~أيلول، وعقد جلسة اجتمع فيها شيوخ البلدة وزعماؤها وأقروا على مفاوضة السيد يوسف حبيش ~~بطريرك الطائفة المارونية، وعاد المطران باسيليوس إلى طوافه متوقعا الجواب. ففي الثامن ~~من أيلول أرسل إليه الزحليون مخول الجبلي، فعاد مع شماسه المذكور من قب إلياس وبعد ~~المداولة جهز الزحليون نحو خمسمائة فارس وألف راجل ليسيروا إلى دير القمر، ولكنهم علموا ~~أن الدروز واقفون لهم بالمرصاد وقاطعون عن الدير كل طريق، فتغير رأيهم هذا يوم الخميس ~~في الثاني من تشرين الأول، واستبدل بإرسال نحو خمسمائة مقاتل في ذلك اليوم من نخبة ~~أعيانهم، مثل عبد الله أبي خاطر وابن عمه حنا وبطرس أبي ضاهر المعلوف ونسيبه مراد وهبه ~~قيامة وعساف مسلم وابن عمه ناصيف وأبي عساف جرجس الحاج شاهين وابن عمه إبراهيم بن ~~أنطون ومخول غره وخليل حجي وناصيف جدعون وأبي شبل ناصيف أبي عقل. وكان حملة الإعلام ~~الزحلية أبو لولو خليل الجريجيري وعبد النور الششم وأبو عيطا النمير ويوسف بشارة ~~الخياط، وكان بين هذا المعسكر بعض نصارى العرقوب الذين التجأوا إلى زحلة، فساروا على ~~طريق المريجات إلى أن وصلوا تجاه عالية في محلة (النقارات)، فالتقاهم نحو ألف من ~~الدروز بقيادة الشيخ حسن تلحوق والشيخ يوسف شبلي عبد الملك. فتقابلا وتحاربا يوم السبت ~~في الرابع من تشرين الأول. فثبت الزحليون في مواقف القتال وفرسانهم المذكورون يحمونهم ~~إلى أن تمكنوا من إبعاد الدروز عن الطريق بعد أن قتلوا منهم نحو خمسة وعشرين رجلا، ولم ~~يقتل من الزحليين إلا أربعة أحدهم إلياس الدويليبي. # فسار الزحليون إلى بعبدا؛ حيث كان العسكر اللبناني مقيما هناك، ms112 وعدده نحو عشرة آلاف ~~مقاتل مع قواده الأبطال، مثل الأمراء ملحم حيدر، وسلمان سيد أحمد، وأخيه فارس من ~~الشهابيين، وحيدر إسماعيل من بكفيا، وأسعد فارس من بسكنتا، وبشير أحمد وعلي منصور من ~~برمانا من اللمعيين، والمشايخ كنعان بان وكسروان من الخازنين وخليل حمزة من الحبشيين. ~~فانضم إليهم الزحليون واجتمع كبارهم بكبار اللبنانيين يديرون حركة عساكرهم، ويتداولون ~~بالشئون الحاضرة. فعقدوا جلسات متتابعة تباحثوا فيها في إنقاذ دير القمر من الحصار، ~~فقرروا أن ينتخب ثلاثة آلاف مقاتل وقائدهم (عقيدهم) الأميران قيس ملحم الشهابي وسلطان ~~الطرودي من آل فارس اللمعيين من بسكنتا والشيخ نقولا الخازن من كسروان وبشاره طربيه من ~~تنورين، فزحفوا من بعبدا إلى عبيه. وكان سكان الشويفات، قد تعاهدوا من مسيحيين ودروز أن ~~لا يدخلوا في هذه الحرب؛ بل يكونون على حيادة. فهاجم العسكر اللبناني الشويفات والتقاهم ~~سكانها بقوة عظيمة وثبات غريب، فأحادوهم عن الطريق ثم سار شبلي المعلوف بأنسبائه الكفر ~~عقابيين وكثير من الزحليين، يرافقهم الأمير شديد عبد الله مراد اللمعي ويوسف الشنتيري ~~من بكفيا وجميعهم نحو مائة وخمسين مقاتلا، حتى اجتازوا نهر الغدير بين بعبدا وكفر ~~شيما، فالتقوا بالدروز فحمي وطيس القتال بينهم، فثبت المسيحيون ثبوت الأبطال وأبدى شبلي ~~في ذلك اليوم من البسالة ما يتناقله الشيوخ إلى يومنا، وبقوا إلى عصر ذلك النهار ~~وأزاحوا الدروز عن مركزهم إلى بسابا. ولما كلوا أرسلوا الأمير عبد الله اللمعي إلى ~~نسيبه الأمير حيدر إسماعيل قيدبيه لينجدهم، وما بعد عنهم حتى وصل بطرس بك كرم الأهدني ~~بخمس مائة مقاتل إلى بئر الوروار حيث كان عسكر الدروز واقفا بقيادة خطار بك العماد، ~~فانضم إليهم عسكر بعبدا والتقى الصفان وتطاحنا، فكانت ساعة بيعت فيها الأرواح وزهقت ~~النفوس، وثبت المسيحيون في مواقفهم وأصلوا الدروز نارا حامية، وما آذنت الشمس بالغروب ~~حتى أشرقت شمس انتصار المسيحيين ودحروا خصومهم بعد أن قتل كثير من الفريقين. # وذهب نحو خمسين مقاتلا من زحلة ونابيه «المتن» وغزير (كسروان) بقيادة حنا أبي خطار ~~الزحلي، فوصلوا إلى برج خلدة تحت الصحراء، وكان ms113 خطار بك العماد قد أرسل ثلاثمائة مقاتل ~~من الدروز إلى صحراء الشويفات، فكمنوا بين أشجار الزيتون الغبياء، فأطلقوا الرصاص من ~~مكامنهم على هذه الشرذمة، فجندلوها قتلى على الحضيض وهي لا تعلم من أين ينصب عليها ~~الرصاص تباعا. أما قائدها حنا أبو خاطر فأبدى بسالة غريبة، ولما طارده الفرسان همز ~~جواده إلى جهة البحر في محلة الأوزاعي، وأنزل حصانه فيه فسبح إلى أن ابتعد عنه الدروز، ~~فخرج إلى البر ولحق عسكر عبيه بين الناعمة وبعورته المطلة على البحر، فأدركهم وهم ~~ينتظرونه لما قابلوه من بعيد، فرأوه مخضبا بالدم هو وجواده وقص عليهم ما جرى له، ~~فحمدوا الله على سلامته وأثنوا على بسالته. ثم وصل إلى العسكر عبد الله قادري من زحلة ~~عريانا، وقد أفلت من بين أيدي الدروز الذين خلعوا عنه ثيابه وأرادوا ذبحه، فساعده ~~أحدهم على الفرار. ثم أخبرهم أنه لم يبق أحد غيره من تلك الشرذمة التي كان يقودها حنا ~~أبو خاطر. # وبينما هذا العسكر سائر رأى طلائع الدروز في بيصور فزحف عليها وأحرقها دحر الدروز، ~~فقتل الشيخ بشارة طربيه من تنورين. ثم رجعوا جميعهم إلى عبيه فلبثوا فيها ثمانية أيام ~~لم يتمكنوا في خلالها من الوصول إلى الدير؛ لانتشار عساكر الدروز في كل المعابر ~~والمضايق والطرق، فعادوا إلى بعبدا وتفرق شمل بعضهم. # وما زالت المناوشات تتوالى والنصر يتراوح بين الفريقين حتى تغلب الدروز على المسيحيين ~~لانقسام كلمتهم، فإنهم كانوا حزبين؛ أحدهما يريد إثارة القلاقل وتكدير صفاء الأمن ~~لاستعادة الأمير بشير الكبير حاكما، وفريق يميل إلى تأييد الأمير بشير قاسم في ولايته. ~~والدروز متفقون قلبا وقالبا على عدم قبولهم بحكم الأمراء الشهابيين ومنحازون إلى ~~إسناد الولاية إلى حاكم غريب غير مسيحي، وعمت المواقع ساحل بيروت والغرب والشحار ودير ~~القمر والمتن. ثم أخمدت نيران الفتنة بإخراج الأمير بشير قاسم من بيت الدين بواسطة أيوب ~~باشا قائد العسكر العثماني والجنرال روز والسيد عبد الفتاح «فتيحه» حمادة الذي تولى ~~وكالة الحكم. # وفي تلك الأثناء نقل مقر الولاية من عكاء إلى بيروت بأمر ms114 سلطاني، فسلخت هذه عن أيالة ~~صيداء وتبعت دمشق رأسا وعزل زكريا باشا الذي خلف عزت باشا، ونصب عوضه سليم باشا وكان ~~هذا رئيس العسكر (سر عسكر). ~~(10) موقعة العريان # وعاد الزحليون إلى بلدتهم بعد أن نازلوا هم والعسكر اللبناني عسكر الدروز في موقعة ~~بعبدا الشهيرة وظفروا بهم، وقد قتل من الفريقين خلق كثير، وكان ذلك في أثناء شهر تشرين ~~الأول سنة 1841. وبينما هم يتأهبون للتفرغ من القتال إلى معاودة الأشغال، إذ بنبأ تجمع ~~الدروز للزحف على زحلة يطرق آذانهم ويقلق خواطرهم، وكان الدروز قد نووا أن يفعلوا بزحلة ~~كما فعلوا بدير القمر والبلدتان عاصمتا المسيحيين، وكان شبلي العريان # 8 # أحد سكان راشيا الوادي قد اشتهر بحربه ضد إبراهيم باشا المصري وإبلائه ~~بالمواقع الكثيرة، ولا سيما في الوعرة إلى أن دخل في خدمته، ثم أقامه نجيب باشا والي ~~دمشق رئيس الخيالة (سر سواري)، ووكل إليه تدبير شئون وادي التيم، فجمع سلاح المسيحيين ~~في تلك البلاد وأعطاه إلى قومه الدروز لتقويتهم على هؤلاء، فاغتنم فرصة تقربه من والي ~~الشام ونفوذ كلمته في وادي التيم وحوران على أثر حروبه فيهما ونيل الزعامة على أبناء ~~جنسه ومذهبه الذين انقادوا لأمره، فجمع على أثر حوادث دير القمر وبعبدا المارة الذكر ~~كثيرا من دروز وادي التيم ولبنان وحوران وفرسان الأكراد والعربان وخمسمائة من عسكر ~~الحكومة العثمانية وغيرهم من مناصريهم، وزحف بهم وهم يربون على خمسة عشر ألفا بين ~~فرسان ومشاة إلى زحلة وبينهم بعض بني القنطار الذين نكل بهم الزحليون. وكانوا قد أوغروا ~~صدر العريان على الزحليين واستثاروه لمحاربتهم، فلما علم الزحليون حرج موقفهم لبعدهم عن ~~لبنان وعدم تمكن أهليه من نجدتهم بسرعة فضلا عن وقوع بلدتهم منفردة تحدق بها الدروز ~~والعرب والشيعيون (المتاولة) واستياء اللبنانيين منهم لعدم مساعدتهم إياهم في حرب ~~العامية، عقدوا اجتماعات قرروا فيها أن يتخذوا الأمراء الحرفوشيين ظهرائهم. ففاوضوا ~~الأمراء خنجرا # 9 # وأخوته وأبناء عمه وكانوا زعماء قومهم ورؤساء عشائرهم فرضوا بالانضمام ~~إليهم ومعاضدتهم على الدروز، وكان السر ريتشرد وود قنصل دولة إنكلترة ms115 في دمشق الشهير في ~~حوادث إخراج الدولة المصرية من سورية قد حصل للحرفوشيين أمرا من نجيب باشا والي ~~الشام أن يساعدوا الزحليين أصدقاءه، وشرع الزحليون من فورهم يقيمون المتاريس ويحصنون ~~المضايق والمشارف ويوفرون ذخائرهم الحربية وحاجاتهم المعاشية خشية أن يحاصرهم الدروز، ~~فأقاموا كثيرا من المتاريس والمرامي والخنادق حول بلدتهم، وحصونها وجمعوا كثيرا من ~~الأسلحة؛ لأن المصريين أخذوا معظم أسلحتهم، وملئوا قبو دير النبي إلياس الطوق بالرصاص ~~والبارود، فراسلهم الدروز أن يجمعوا سلاحهم ويسلموه للعريان فلم يغتروا بما عرضوه عليهم ~~من التأمين، إذا سلموهم سلاحهم بل أوجسوا من خيانتهم. # ويوم الأربعاء في 22 ت1 سنة 1841 جاء زحلة الأمير خنجر الحرفوشي وأبناء عمه برجالهم، ~~وبينهم المعلوفيون والمسيحيون من بلاد بعلبك بقيادة شبلي وإلياس هاشم المعلوف المشهورين ~~ببسالتهما، والشيعيون (المتاولة) بقيادة حسن حمية من طاريا وسليمان الحاج سليمان من ~~بدنايل، فكان مجموعهم نحو ستمائة فارس، وكانت تدق أمامهم الطبول، فاستقبلهم الزحليون ~~وانضموا إلى عسكرهم وتعاهدوا على التعاضد والتحالف، فكان المقاتلون في زحلة نحو ألف ~~وخمسمائة، فجمعوا قواهم ودربوا حملة إعلامهم وفرسانهم واتفقوا قلبا وقالبا على ~~الثبات في مواقف القتال مهما كان عدد الدروز كثيرا. وكان في زحلة محمد علي حميه من ~~طاريا، الذي قتل أحد الأمراء الحرفوشيين منذ بضع سنوات، والتجأ إليها فتوسط الزحليون ~~أمره واسترضوا الأمير خنجرا عليه فقابله وقبله بين المحاربين. ولما استوثقوا بعددهم ~~وعددهم زحفوا بقيادة الأمير وبعض أعيانهم، وكان حامل علم العسكر البعلبكي فارس ~~الديراني من قصر نبا وحامل أعلام الزحليين طنوس جبور المعلوف الملقب بأبي عفيفة وأبو ~~عيطا إبراهيم النمير، وأبو لولو خليل الجريجيري، وعبد النور الششم، وخليل الطباع، ~~فتركوا حامية المدينة في المتاريس من الأبطال المدربين في الرمي وساروا بالباقين ~~لملاقاة الدروز، فانتشب القتال يوم السبت في 25 ت1 في شتوره وجلالا بظاهرة زحلة، ففر ~~الدروز إلى قمل وجرح شبلي العريان # 10 # هناك برصاصة في بلعومه، وأخوه علي برصاصة في فخذه فوقف القتال، ولم يترجح ~~النصر لفريق من الاثنين بل كان يتراوح بينهما؛ لأن عسكر الدروز ms116 كثير وبأس الزحليين شديد ~~على قلتهم، ومع ذلك قتل من عسكر الدروز أكثر من سبعين عدا المجاريح، ولم يقتل من ~~الزحليين إلا ثلاثة وهم طنوس أبو طقة وابنا عمه أسعد ويوسف وجرح أربعة وقتل من عسكر ~~بعلبك ابن قره بولاد المسيحي، بينما كانوا مطاردين الدروز إلى جسر بر إلياس عند فرارهم ~~فوصل العريان جريحا إلى بر إلياس وقطع آذان القتلى، وأرسلها مع ابن عمه خزاعي العريان، ~~وبعض الفرسان إلى لبنان ووادي التيم وحوران مستصرخا قومه ومستقدما قواتهم لنجدته، ~~فجاءته النجدة بالخيل والرجل. # ويوم الأربعاء في 29 تشرين الأول ذهبت طليعة إلى تل شيحا تستشرف الدروز، فرأى أحدها ~~محمد سويدان من بدنايل أشباحا كثيرة، فأسرع إلى الأمير خنجر مذعورا وهو يقول له: «يا ~~مولاي الدروز مثل الضباب وقد ملئوا السهل بالخيل والرجل.» فركب الأمير برجاله إلى أن ~~وصل إلى باب السوق فلاقاه أحدهم، وقال له: إن ما رآه محمد سويدان هو عجال (مواشي) ~~بر إلياس فانثنى الأمير على محمد وأطلق عليه بندقيته، فوقع مضرجا بدمه وتكدر وأراد ~~الانصراف من زحلة، فطيب أعيانها خاطره وأحضروا له النارجيلة؛ لأنه كان مولعا بها ~~فسري عنه. # ويوم السبت التالي في أول تشرين الثاني؛ أي بعد ثلاثة أيام كانت حجافل الدروز ~~الجرراة، التي تبلغ نحو خمسة وعشرين ألفا تخفق أعلامها في السهل هاجمة على زحلة، ~~وكانت الطلائع على تل شيحا، فجاء كل من أبي قبلان لحود ثابت البحمدوني وإبراهيم حيدر ~~الحاج سليمان راكضين إلى الأمير ينادون قائلين: وصل الدروز إلى قرب مرج عرجموش ~~(الفيضة)، فركب الأمير خنجر من فوره يحدق به الفرسان والمشاة، فوضعوا ثلاثمائة في ~~الخندق عند البيادر الذي أصلحوه، وكان باقيا من زمن إبراهيم باشا وحرضوهم على الثبات ~~واتخذوا للحصار بيت البردويل قرب سيدة الزلزلة وبيتي مراد المعلوف وعبد الله العزر في ~~حارة سيدة النجاة، وانقسم المهاجمون الزحليون فرقتين؛ إحداهما من ظهر تل شيحا، والثانية ~~من سفحه فالتقوا بالدروز عند بيادر حوش الأمراء، فاصطلت نيران القتال والتحم الفريقان، ~~واستحر النزال وبيعت الأرواح، وكان الأمير ms117 خنجر قد ربط في نقطة طريق المعلقة ليقطع ~~على الدروز خط الهجوم، فلما رأى اشتداد العراك وتطاحن الأبطال وكثرة الدروز تقهقر ~~برجاله إلى عين الفلفلة في منقلب ظهر الحمار فوق المعلقة إلى جهة زحلة ، فتأثرته فرقة ~~من الدروز وأعملت السلاح في أقفية رجاله، فقتلت كثيرا منهم وقتل الأمير يوسف الحرفوشي ~~عند عين الفلفلة وأصيب ابن عمه الأمير منصور برصاصة، # 11 # فصاح أحمد صفوان من قصر نبا: «أيها الأمير عار عليك أن تترك الزحليين، وقد ~~أكلت من خبزهم وملحهم.» فرماه بالقرابينه فمزقه، وسار إلى تلة بئر هاشم حيث كانت نساء ~~زحلة والأولاد في الكروم عند بئر هاشم، فلما رأين الحرفوشيين منهزمين صحن بهم: «أنتم ~~بيت الحرفوش أنتم سيوف البيض وحماة العرض اليوم نريدكم الجوعان يأكل والعطشان يشرب»، ~~وحملن إليهم الطعام والماء وبعضهن قدمن لهم الذخائر، فالتفت الأمير خنجر إلى ~~الزحليين وإذا بالنصر يحف بهم، وقد ثبتوا ثبات الأبطال. فاستعاد قوته وجمع رجاله وصاح ~~بهم اليوم أريدكم، وتقدم فارس الديراني بعلمه، وكان الزحليون قد انسحبوا إلى تل شيحا ~~وثبتوا في الخندق والمتاريس والمرامي، واندفق عليهم الدروز بجيشهم الجرار من جهة غدير ~~(بركة) البيادر، فأصلوا الدروز نارا حامية وأحسنوا الرمي، فكردسوا الأشلاء عند البيادر ~~نحو أربعمائة، ولا سيما من حامية الخندق فردوهم إلى بيادر الحوش حيث عاد الأمير خنجر ~~برجاله والتقى بهم، فكان الدروز قد دحروا وتقهقروا فاعتذر عن تخلفه. # وكانت بعض فرق الدروز قد دخلت البلد عندما انكسر الحرفوشيون وأخلوا نقطة محافظتهم قصد ~~النهب، فانسحبت بعض نقط زحلة لسد الخرق، فتفرقت قواتهم وطمع الدروز، فدخلت شراذم منهم ~~من جهة حوش الزراعنة، فحرقت حارة في بستان عبد الله أبي خاطر الباقي إلى الآن قرب الخان ~~وتقدمت نحو زحلة، فهجم أبو جرجس إلياس رابية الزحلي مع شرذمة، وقتل حامل علم الدروز قرب ~~محل الحمام الآن، وهجم الزحليون عليهم فأعادوهم على أعقابهم. وكانت شرذمة من الدروز قد ~~دخلت البلد من جهة بيت أبي راجي المعلوف، فأحرقت بيت العزر (قرب دير اليسوعيين الآن)، ~~فردها الزحليون ناكصة ms118 على الأعقاب. وهكذا فعلوا من جميع الجهات التي دخل فيها الدروز ~~البلدة، ورموا كثيرا من أشلاء القتلى. ولم يقتل في الموقعة الثانية إلا أربعة من زحلة ~~منهم خليل الحاج نقولا، وابن منصور بالش، وعبد الله بن يوسف إبراهيم، وابن الزنكي. وجرح ~~اثنان أحدهما إبراهيم أبو طقة مات بعد أيام، أما من المعلقة فقتل ثلاثة عشر نفرا؛ ~~لإخلاء الحرفوشيين نقطة المحافظة فيها كما مر. # فتأثر الزحليون الدروز الذين تفرقوا طرائق لا يلوون على شيء، فقتل منهم نحو ثلاثمائة، ~~وقيل أكثر من ذلك وجرح ثماني مائة، فبقي الزحليون يطاردونهم ويعملون الأسلحة في أقفيتهم ~~إلى قرب بر إلياس وبعضهم لحقهم إلى جديتا وغيرها. ولولا أن الزحليين أوجسوا خيفة من ~~أن متابعة مطاردتهم ربما تفضي بهم إلى حيث تكثر عليهم النجدات، وخافوا من أن يكون ذلك ~~خدعة لهم لأخرجوهم من البقاع، ففر الدروز إلى وادي التيم مذعورين ومنكلين بمن رأوه في ~~طريقهم من المسيحيين، وكانوا يسلبون من النصارى الذين حضروا معهم هذه الموقعة ما يعجبهم ~~من السلاح والخيل، وبات العريان جريحا في قرية ظهر الأحمر. # ثم عاد الزحليون ورءوس القتلى على رماح كثير من أبطالهم، ودخلوا البلدة فائزين ~~واحتفلوا بنصرهم بقصف وسرور، وكانوا يعيدون لهذا اليوم الانتصاري في كل سنة حتى سنة ~~الستين. وتناقل الناس نبأ هذه الموقعة وانتصار الزحليين فيها على قلتهم وكثرة الدروز. ~~فلما نمي خبرها إلى إبراهيم باشا المصري قال: «عفارم أولادي، سباع الوادي، لقد شهدت ~~مواقعهم في سورية، وعرفت حميتهم الحربية.» # وفي أثناء هذه الموقعة كان سليم باشا قد خلف زكريا باشا في ولاية بيروت، فلما بلغه ~~خبر محاربة الدروز للزحليين أرسل خمسمائة جندي نظامي ومدفعين بقيادة رشيد باشا لمحافظة ~~زحلة، فبقي القائد على الطريق نحو أربعة أيام متنقلا بين حمانا والمتين مع أن البعد ~~بين بيروت وزحلة ليس بأكثر من سبع ساعات، فوصلوا زحلة وقد خمدت نار القتال فارتعد عسكره ~~من رؤية جثث القتلى، ونزلوا في المعلقة وتهدد الزحليين وطلب جمع سلاحهم، وبعد أيام عاد ~~رشيد باشا إلى بيروت ms119 وأبقى العسكر مع مصطفى باشا للمحافظة؛ لأن العريان كان يريد أن ~~يهاجم زحلة ثالثة، فلم يلب أحد استصراخه لما ناله من الفشل في هذه الموقعة التي ذاع ~~فيها صيت الزحليين، وعرفوا باجتماع الكلمة والتعاضد والعمل بقول الشاعر: # كونوا جميعا يا بني إذا اعترى # خطب ولا تتفرقوا آحادا # تأبى القداح إذا اجتمعن تكسرا # وإذا افترقن تكسرت أفرادا # وكان لهم بموقعة بعبدا التي سبقت عبرة وعظة؛ لأنهم خرجوا من البلدة غير متفقي الكلمة ~~فعادوا بخسارة عظيمة من القتلى. # وممن اشتهر في موقعة العريان الأميران خنجر ويوسف ابن الأمير حمد الحرفوشيان ~~وأنسباؤهما، وإلياس هاشم، وشبلي المعلوف من شليفه، وظاهر أبو يعقوب المعلوف من سرعين، ~~وسليمان الحاج سليمان من بدنايل، والحاج علي فرحات من بيت شامة، ومحمد علي حمية نزيل ~~زحلة، وابن عمه حسن حمية من طاريا من عسكر بعلبك، وعبد الله أبو خاطر، وحنا أبو خاطر، ~~وأبو عجاج يوسف أبو خاطر، والخوري بطرس القطيني المعلوف، والخوري حنا رزق الله ~~المعلولي، وإبراهيم أنطون الحاج شاهين، ونسيبه أبو عساف جرجس، وأبو قبلان لحود ثابت ~~البحمدوني مدبر الأمير سلمان الحرفوشي، وعساف مسلم وأخوته، وأبو محمود هيكل مسلم، ~~وناصيف جرجس مسلم، وأبو العماش موسى البحنسي، ومخول غره، وفارس هلال ووالده خليل، وأبو ~~فارس خليل حجي الذي لقب بحامية سيدة الزلزلة، وأبو ناصيف إلياس دموس وأخوه عبد الله ~~وابن عمه يوسف، وخليل موسى الصدي وأخوه رحال، وأبو عبيد البريدي وأخواه إلياس، ومخول ~~ويوسف وفارس الراعي، ومتري إليان، وجرجس الخياط، ورحال المكوي، وفارس طعمة السكاف، ~~ويوسف شمعون، وعبد الله الدويليبي، ويوسف وشاهين مبارك، وإبراهيم أبو طقة، وبطرس نجم ~~أبو ظاهر المعلوف الملقب بحامي سيدة النجاة وأنسباؤه مراد وهبه قيامه، وعبد الله جبور، ~~وجرجس طرزا، وإلياس أبو هرموش، وحنا جدعون، وأبو شديد عقل، والحاج متى وولده يوسف، ~~وطنوس نقولا وأخوه زهران، وفارس الحريك وغيرهم ممن لم تتصل بنا أسماؤهم. # وقد وصف هذه الموقعة كثير من الزجالين المشهورين منهم حسين أبو الحسن # 12 # من الطائفة الإسلامية نزيل زحلة، وأبو إسحق يوسف ms120 المعلوف # 13 # من معلقة زحلة، ويوسف السكاف، # 14 # ونصر الراعي، # 15 # وموسى عيسى، # 16 # من زحلة بزجليات بليغة مفصلين فيها المواقع. # وقد وصف المرحوم طنوس الشدياق في كتابه «أخبار الأعيان» هذه الموقعة في صفحة 638، ~~وقال في صفحة 639 يذكر قدوم القائد العثماني إلى زحلة: # أما القائد فأمر أهل زحلة أن يهدموا الشون (الحصون) من حول بلدتهم، ~~فالتمسوا منه إبقاءها وقاية لهم، فأجابهم أن الدولة تقيهم لا الحصون وهدم كل ~~ما بنوه، وكان يضيق عليهم كأنه خصمهم. وأما الأمير أسعد قعدان، فنهض من بكفيا ~~إلى زحلة بأربعمائة رجل، ولما أقبل على البلدة التقته الوجوه والتمسوا منه أن ~~يدخل بجماعته سرا خوفا من مخالفة أمر الباشا قائد العسكر المقيم عندهم، ~~فأجاب الأمير سؤلهم ودخل بمن معه مساء، وبلغ الباشا ذلك، فأمر برجوع الأمير ~~أسعد وجماعته إلى أوطانهم، فأبقى الأمير أسعد جماعته في البلد سرا وأخذ ~~رجالا من زحلة عوضهم مظهرا أنهم جماعته الذين دخلوا معه وصحبته الشيخ غندور ~~(السعد)، وأبو سمرا (غانم) وظل سائرا إلى كسروان. وجاء مثل ذلك في تأريخ أبي ~~سمرا غانم صفحة 115، وأما كتاب «نكبات الشام» فإنه أخطأ في وصف هذه الموقعة في ~~صفحة 95 وفي ما وضع عليه من الاستدركات صفحة 12 والصحيح الممحص ما رويناه في ~~هذا التأريخ فليعتمد عليه الناقلون والمطالعون والله يعلم وأنتم لا ~~تعلمون. # أما تفصيل هذه الحادثة فهو أنه كان مصطفى نوري باشا قائد العسكر (سر عسكر ويسميه ~~العامة ساري عسكر). قد جاء بيروت في 24 ك1 سنة 1841 ومعه عمر باشا النمسوي مع ألف ~~وخمسمائة جندي نظامي، وفي 15 ك2 سنة 1842 استقدم إليه أعيان المسيحيين والدروز من جميع ~~الطوائف والجهات، وقرأ عليهم التقليد (الفرمان) المؤذن بتعيين عمر باشا حاكما للبنان، ~~فاجتمع في مجلسه الأمير حيدر إسماعيل اللمعي وأميران مسيحيان، فأهدى إلى كل منهم شالا ~~من الكشمير النفيس ومسعطا (علبة عطوس) مرصعة بالألماس، وخلع على كل من المشايخ ~~الخازنيين والحبيشيين والدحداحيين، وحنا الإسطنبولي وكيل وممثل بطريرك الموارنة، والسيد ~~طوبيا عون الماروني أسقف ms121 بيروت، والسيد باسيليوس شاهيات أسقف زحلة، والسيد أغابيوس ~~الرياشي أسقف بيروت ولبنان الكاثوليكيين، والسيد بنيامين أسقف بيروت الأرثوذكسي، وأعيان ~~زحلة ولبنان، وأربعة مشايخ من الدروز عباءة من الجوخ القرمزي مطرزة بالقصب وعادوا إلى ~~مواطنهم. # فلم يطل العهد على حكم عمر باشا حتى ثار الدروز عليه، فقبض على بعض شيوخهم وسجنهم في ~~بيروت، واستحر بينهم وبينه القتال فتكدر من ذلك مصطفى باشا؛ لأنه كان يميل إلى الدروز ~~بخلاف عمر باشا، فإنه كان يميل إلى المسيحيين. وكان مصطفى باشا قد أساء الظن ببعض أعيان ~~زحلة، فأرسل ترجمانه جبران العوراء إليهم يوم الخميس في 24 أيار سنة 1842، ففاوض ~~الأهلين وحرضهم على نبذ ما كان بينهم من الخلاف ثم عاد إلى الوزير. # ويوم الخميس في 4 ت1 سنة 1842 جاء مصطفى باشا إلى زحلة ببعض المدافع وألف جندي، ~~فضربوا خيامهم في حارة الميدان، ووضعوا المدافع على تلة الحمار فوق المعلقة مصوبة إلى ~~زحلة، وكان قد أوغر صدره غلبة الزحليين للدروز، فجمع سلاحهم وأعاد بعض جنوده في العاشر ~~من هذا الشهر، ويوم الجمعة في 12 منه أمسك نحو عشرين نفرا من الزحليين، فبقوا في خيامه ~~نحو ثلاثة أيام وتهدد وجوههم بقوله: إنكم قد فتحتم هذا الخندق وبنيتم هذه الشون ~~تريدون بذلك العصيان على الدولة، فلا بد أن تطمروا الخندق وتهدموا الشون، وإلا رميت ~~بلدتكم بقنابل هذه المدافع المصوبة (وأشار إليها بإصبعه). فاستأذنه عبد الله أبو خاطر ~~وقال بجرأة: إن ذلك لم يكن إلا لوقاية البلدة من هجمات الدروز وأن هذا الخندق كان ~~من أيام حملة مصطفى آغا قرملا # 17 # على زحلة في عهد الجزار، ثم جدده إبراهيم باشا المصري لما اتخذ زحلة نقطة ~~لحركات عسكره. فأجابه أن الدولة تحميكم من المعتدين فلا لزوم للخنادق والشون. وبعد ~~حديث طويل معه اشترك به بعض وجوه الزحليين لم يجدوا ندحة من هدم الشون وطمر الخندق، ~~ففعلوا وأنقذوا البلدة من التخريب والتنكيل، وأطلق سراحهم في اليوم الثالث، ويوم الجمعة ~~في 23 ت2 ترك زحلة بعساكره. # 18 # وكان موغر الصدر ms122 حتى يقال إنه فاوض الدروز سرا بإعادة الكرة على زحلة، ~~فلم يغتروا بقوله فعاد إلى بيروت ولن تزال حادثة السر عسكر متناقلة على الألسن إلى ~~يومنا. ~~(11) زحلة قاعدة إقليم الشوف البياضي # كانت زحلة في زمن الأمير حيدر إسماعيل اللمعي قاعدة إقليم الشوف البياضي، # 19 # وهو المنحدر الشرقي من لبنان وغربي البقاع وسكانه نصارى ومسلمون، فسميت ~~مدينة البقاع، # 20 # وكانت تتبعها القرى المحيطة بها مثل وادي العرايش ومعلقة زحلة وسعدنايل ~~وتعلبايا وجديتا ومكسه وقب إلياس وبمهريه # 21 # والمضيق وعميق ودير طحنيش وكفريا وخربة قنافار والحبس وسغبين وعيتنيت ~~ومشغرا وعين التينة وسحمر ويحمر وغيرها، وأمراء هذه المقاطعة هم اللمعيون وسكانها كانوا ~~إذ ذاك 11473 مسيحيا و1000 مسلم، بينهم قليل من الشيعيين وسكان زحلة وحدها لا ~~يتجاوزون عشرة آلاف نسمة ذكورا وإناثا، وكانت بلدة زحلة إذ ذاك خمس حارات كل منها ~~تابعة لبيت من الأمراء اللمعيين هكذا حارة برمانا وفالوغا والمتين وصليما وقرنايل، وكل ~~حارة تدار بدهقان (خولي) من قبل الأمراء الذين تنتسب إليهم. # وكانت مرتبات قضاء زحلة بعد تنظيمات شكيب أفندي 14350 غرشا المال الأميري و6130 ~~الإعانة الجهادية و5310 إعانة جهادية المعلقة والمجموع 25790 غرشا. # وكانت قسمة لبنان إلى قائميتي مقام مسيحية ودرزية في أول يوم من سنة 1843م؛ لأن أسعد ~~باشا والي أيالة صيداء وبيروت الذي خلف عزة باشا فصل عمر باشا النمسوي عن لبنان؛ ~~لانحيازه إلى فريق من سكانه، ورأى أن تعيين حاكم غريب يزيد في مشاكله وتحزباته، فأعاد ~~الحكم إلى المواطنين وذلك بعد المداولة والتروي، # 22 # وكانت حدود قائمية مقام النصارى من طريق الشام إلى قرية تربل # 23 # في البقاع، ومن شاطئ البحر الرومي إلى سطح الجبل، وقد دخلت نطاقها قريتا ~~الهرمل وشمسطار أيضا. # فأرسل الأمير حيدر قائم مقام النصارى ثلاثة وكلاء من قبله لإدارة شئون زحلة عوض ~~المشايخ الوطنيين، وهم حنا زلزل الكاثوليكي من بكفية وخليل قرطاس الأرثوذكسي من بسكنته ~~وجرجس الحاج نصار الماروني من بكفية أيضا، وكلهم من قضاء المتن ومقاطعة الأمراء ~~اللمعيين، فكانوا يفصلون الدعاوى ويفضون ms123 المشاكل. # ومال هذا الأمير إلى الزحليين وأحبهم وأحبوه، ومن الذين نعرفهم ممن نفذت كلمتهم عنده ~~عبد الله أبو خاطر، وجرجس العن، وإبراهيم أنطون الحاج شاهين، # 24 # وأبو نعمان بطرس المعلوف، وشقيقه مخايل الملقب بأبي علي، وحنا فرح المعلوف ~~وغيرهم. وممن كانوا من بكباشيته من زحلة روفائيل الشحروق المعلوف وأخوه بطرس # 25 # وغيرهما. # وذاعت زحلة شهرة بعد حرب العريان وفي زمن الأمير حيدر إسماعيل اللمعي؛ لأن كثيرا من ~~أسرها كانت من عهدته. فقدم إلى زحلة كثير وتديروها واتسعت أبنيتها وأسواقها، وامتدت ~~تجارتها في الأغنام والغلال والصوف، وكان يرد إليها من الأغنام نحو مائة ألف خروف مما ~~يجلبه التجار المواطنون أو الأكراد الغرباء ومعظمها يرسل إلى السواحل، واتسعت تجارتها ~~أيضا مع مدينة بيروت التي صارت إذ ذاك «ميناء سورية» ومستودع بضائع أوروبة، واقتنى ~~سكان زحلة كثيرا من القرى والأملاك في بلاد بعلبك والبقاع، فكثر عمرانها وصارت تعرف ~~بقاعدة إقليم الشوف البياضي. وكانت الراحة مستتبة بزمن أسعد باشا والأمير حيدر إسماعيل ~~لاعتدالهما في مشربيهما وموازنتهما بين الحزبين. # ويوم الثلاثاء في 15 آب سنة 1844م سار السيد باسيليوس شاهيات مع عشرين من وجوه زحلة ~~إلى بيروت، وقابلوا أسعد باشا والي صيداء وبيروت وعادوا بعد سبعة أيام نائلين ~~التفاته. ~~(12) موقعة كفر سلوان وقرنايل # انقطع الزحليون بعد موقعة العريان إلى أشغالهم وتجارتهم وإدارة أملاكهم وتوفير ~~ثروتهم، فطمع بهم الدروز الذين كانوا ينتهزون الفرصة للاستثار منهم. وما ركدت زعازع ~~الفتن الداخلية في لبنان بضع سنوات حتى كانت سنة 1845م، فعادت القلاقل والتحزبات بين ~~الدروز والمسيحيين وتحركت دفائن الضغائن وعوامل الأحقاد، فأخذ كل من الفريقين يستعد ~~للقتال، ولا سيما على أثر تولية وجيهي باشا عوض أسعد باشا في أيالة صيداء وبيروت، فصار ~~هذا يشد أزر الدروز لميله الخاص إليهم ويتحامل على النصارى، فزاد ذلك في طنبور التحزب ~~نغمة جديدة، فكثرت الاختلافات بين الفريقين في قائميتي المقام لاختلاطهما في أكثر ~~القرى، ولعدم إمكان فصل بعضهم عن بعض ليتباعدا. # ولما حمي وطيس الحرب بين الطائفتين في قضائي الشوف والمتن يوم ms124 الأربعاء في 18 نيسان ~~سنة 1845م، تأهب الزحليون لنصرة المتنيين خشية أن يتطرق الدروز إلى بلدتهم المتصلة ~~بالمتن إذا فازوا بالحرب، فنووا أن يوقفوهم عن التغلب على صرود (جرود) المتن فوق زحلة ~~فيتخلصوا من مهاجمتهم، ولسوء الحظ كانت زحلة إذ ذاك قد تشتت كلمتها وفرق الطمع وحب ~~الرئاسة بين أعيانها على حد قول الشاعر: # لقد صبرت عن لذة المال أنفس # وما صبرت عن لذة النهي والأمر # فانقسموا إلى حزبين البعلبكي نسبة إلى الأسر التي أصلها من بعلبك ، والراسي نسبة إلى ~~الأسر التي منبتها رأس بعلبك. أما بعض الأسر الأخرى فالتزمت الحياد، وكان بعضها يحب ~~التفريق وزيادة الخرق والآخر يحب الاتفاق والاتحاد؛ فلذلك أنتجت السعاية وشدة التحزب ~~والتحيز حدوث قتال يوم الاثنين في 16 نيسان في زحلة بين الفريقين المذكورين فقتل يوسف ~~بالش وجرح عبد الله مسلم، فلهذا لم يشاءوا أن يذهبوا للمدافعة عن بلدتهم إلا حزبين، ~~فالبعلبكيون ذهبوا بقيادة عساف مسلم من جهة خان مراد على طريق الشام وبيروت، والراسيون ~~بقيادة مخول البريدي إلى حمى # 26 # كفر سلوان. وكانوا جميعهم نحو ثمانمائة بين فرسان ومشاة. # ويوم السبت في 21 منه دخلت فئة من الزحليين الراسيين كفر سلوان وأحرقوها وتقدموا إلى ~~قرنايل (المسماة سكرة المتن أي مفتاحه)، فلاقاهم الدروز في الطريق وجرت بينهم موقعة ~~رجع فيها الزحليون متقهقرين وفقد منهم ستة أنفار وذلك؛ لأنهم ثملوا بخمرة النصر ~~وانصرفوا إلى اقتسام الأسلاب. والفئة الثانية من الزحليين؛ أي البعلبكية تقدمت إلى جهة ~~المتن وملكت منها جوار الحوز وبزبدين، ودخلت بتخنيه قرع السيف وأحرقوا بعض تلك القرى ~~التي استولوا عليها، فتجمع الدروز عليهم، وردوهم إلى الوراء وفقد منهم بهذه الموقعة ~~عشرة أنفار وخسر الدروز كثيرا منهم في الموقعتين، وكان الدروز قد استصرخوا بعسكر ~~الدولة، فعزم الوزير وجيهي باشا على النهوض إلى المتن لمنع الحرب وكتب إلى مناصب البلاد ~~من الطائفتين ليستقدمهم إليه إلى خان الحصين فوق بحمدون للمذاكرة بما يوقف تيار الثورة ~~ويخمد نار الفتنة، فوصل الوزير المديرج، وكان قد أرسل ثلاثمائة من عسكره ms125 إلى قرنايل ~~بقيادة خورشيد باشا، فمنعوا الزحليين وعسكر النصارى عن الهجوم على الدروز، وأرسل فئة ~~أخرى إلى عين دارة وقب إلياس للضرب على أيدي النصارى. # فاجتمع إليه كثير من أعيان البلاد بينهم وفد من زحلة في المديرج، فأشار عليهم بإيقاف ~~القتال وتفريق الرجال، فاستأذن خليل حجي وتكلم أمامه بجرأة قائلا: يا مولاي يعيش راسك ~~إن النصارى لا ينفضون حتى يفرق شمل الدروز ويعودوا إلى مواطنهم لنكون في مأمن من ~~مهاجمتهم. وصادق على قوله أعيان معظم الوفود المسيحية؛ فلذلك لم يستطع الوزير إخماد نار ~~الفتنة لعدم انقياد زعماء الطائفتين إليه. # فعاد الزحليون إلى بلدتهم وقد فشلوا في حربهم؛ لانقسام كلمتهم وتنابذهم، وكان الذين ~~فقدوا منهم بالموقعتين المذكورتين هم: يوسف حجي، وجرجس نابيه، ونقولا سماحة، وحبيب ~~السكاف، ويوسف زنبقه، وحبيب ريا، وطنوس حجي، وظاهر الخياط، وجرجس رومية، ويوسف رحال، ~~وأبو حيدر إلياس البريدي وصليبي البخاش، وأبو حسون الصائغ، وجرجس السكاف، وشاهين العتل، ~~وحنا أبو فيصل. # 27 # ويقال: إن خليل معكرون هجم على الدروز فرموه بالرصاص قتيلا. # 28 # ولما اجتمع الزحليون في بلدتهم وأوجسوا خيفة من هذا الفشل وعلموا أن سببه إنما هو ~~انقسامهم، جمعوا كلمتهم واتفقوا قلبا وقالبا وأقسموا الأيمان المغلظة أنهم يكونون ~~جميعهم في المدافعة يدا واحدة وقلبا واحدا وينبذون التضاغن والتحاسد ظهريا، ~~متواثقين متعاهدين على الدفاع عن حوزتهم بكل قواهم، وذلك بحضرة المطران باسيليوس شاهيات ~~فباركهم، فاجتمع أكثر من ألف وخمسمائة مقاتل وقيل نحو ألفين وخمسمائة، ومعهم بعض الذين ~~كانوا قد التجأوا إلى زحلة من البقاع والعرقوب في الشوف. # فزحفوا يوم الخميس في 26 نيسان المذكور وجميعهم بقيادة عبد الله أبي خاطر المشهور ~~بدربته وحنكته، فخيم عسكر الزحليين في حمى كفر سلوان والدروز اجتمعوا في قرنايل، فتربص ~~الزحليون متوقعين هجوم الدروز عليهم فلم يفعلوا. وفي صباح اليوم التالي (السبت) في 27 ~~منه اختلف عبد الله أبو خاطر وعساف مسلم على خطة الهجوم، فالأول أحب التريث والتمهل ~~والثاني مال إلى الهجوم، ولما رأى أبو خاطر أن المقاتلين يودون الهجوم أرسل أولا ms126 ~~العراقبة (سكان العرقوب) بقيادة إبراهيم الطحان من دير القمر والبكافنة (سكان بكفيه) ~~الذين كانوا قد انضموا إلى الزحليين بقيادة يوسف الشنتيري، فهجموا على قرنايل من جهتين ~~متخالفتين فدحرهم الدروز ولم يستطيعوا دخول القرية لحصانتها وكثرة الدروز. # ولما رأى القائد العام عبد الله أبو خاطر ذلك، وكان عساف مسلم قد تقدم بنحو خمسين ~~مقاتلا لنجدة النصارى اخترط هو سيفه، وسار أمام الزحليين الذين نظمهم صفوفا على خط ~~مستطيل، وأشار إليهم أن لا يطلق الواحد منهم إلا رصاصة واحدة من بندقيته، وهكذا كان ~~فاستمروا في هجومهم هذا وهو أمامهم إلى أن دخلوا قرنايل وأخرجوا الدروز منها، وقتلوا ~~نحو ثلاثمائة بينهم ضابطان من عسكر خورشيد باشا قيل قتلهم الدروز، وقيل الزحليون لأنهم ~~دخلوا بين المتقاتلين. # وكان عسكر بسكنته وكفر عقاب في السفيلة تحت بعبدات بقيادة الأمير أحمد الطرودي ~~اللمعي، فلما رأوا الزحليين هاجمين لاقوهم وكذلك بقية عسكر المتن بقيادة الشيخ غندور ~~الخوري السعد، فأطبقوا بقرنايل قبل ظهر ذلك اليوم وأحرقوها ثم ارتدوا إلى القرى ~~المجاورة، فأتموا حريقها الذي كانوا قد بدءوا به في الموقعة الماضية كما مر، ثم ~~أوقفهم عسكر خورشيد باشا عن القتال، فعادوا إلى زحلة والنصر حليفهم ولم يهرق منهم بهذه ~~الموقعة نقطة دم لا قتلا ولا جرحا، وذلك بفضل قائدهم المحنك عبد الله أبي ~~خاطر، # 29 # فأوغروا صدر الدروز غيظا وانتقاما لاستظهارهم عليهم في المرة ~~الثانية. # واشتهر من أبطال هذه الموقعة عبد الله أبو خاطر القائد العام وابن عمه حنا، ويوسف ~~الراعي، وعساف مسلم، ونسيباه مراد وأبو محمود، وأبو عبيد يوسف البريدي وأخواه مخول ~~وأنطون، ومخول وناصيف غره، وأبو عساف جرجس الحاج شاهين، وناصيف دموس وهو لا يزال حيا ~~معافى، وناصيف جدعون، وجرجس القرعان، ولحود ثابت البحمدوني، وموسى البحنسي، وإلياس ~~هاشم المعلوف الذي قصم ظهر حصانه. وقد تثاقل تحته وأبناء عمه شبلي # 30 # وأبو علي مخايل وابن شقيقه نعمان، وحنا فرح وشقيقه طنوس الذي لا يزال حيا ~~معافى، وعبد الله جبور وأخوه طنوس الملقب بأبي عفيفة وغيرهم ممن أبلوا في ms127 المواقع ~~الماضية. وكان حملة الأعلام أبو عيطا النمير، ويوسف بشارة الخياط، وأبو لولو خليل ~~الجريجيري، وعبد النور الششم، وقد ثبتوا ثبوت الأبطال أمام رصاص الدروز المتواصل. وكان ~~الاضطراب لن يزال سائدا في نواحي لبنان ووادي التيم والبقاع، فكانت زحلة ملجأ ~~للمنكوبين. # فيوم الأحد في 29 نيسان سنة 1845 جاءها كثير من البقاعيين ملتجئين إليها؛ لأن قراهم ~~التهمتها النار على أثر المواقع الدامية، ويوم الثلاثاء في أول أيار حاصر الدروز قرية ~~جزين، وحضر بعض سكانها إلى زحلة مع المطران يوسف رزق الماروني الذي سافر في اليوم ~~الثالث إلى بيروت . ويوم الأربعاء في 9 منه جاء كثير من نصارى حاصبيا مدحورين. وكان ~~الزحليون قد أكرموا وفادة من التجأ إلى بلدتهم وسكنوا روعهم بحسن معاملتهم، فجبروا ~~قلوبهم الكسيرة وأراحوا نفوسهم المضطربة. # ويوم الأحد في 13 منه حضر إسماعيل بك إلى زحلة وسار إلى حاصبية. # ويوم الاثنين في 21 منه ذهب عسكر من زحلة إلى كفر سلوان. # ويوم الأربعاء في 6 حزيران جاء زحلة الأمير بشير أحمد اللمعي، وسافر بعد يومين إلى ~~حاصبية. # ويوم الأربعاء في 27 منه جاء الخواجة برطاليس. وهكذا كانت زحلة محطا لرحال ~~المداولات في الشئون الطارئة إذ ذاك. # وفي أواخر آب سنة 1845 قدم نميق باشا رئيس العسكر (سر عسكر) بأربعة آلاف من العسكر ~~النظامي بقيادة داود باشا، فخيم في جسر دير زينون قاصدا التنكيل بزحلة، فسار شيوخها ~~لمقابلته، فاستأذنوا للدخول عليه فأبى، فتقدم عبد الله أبو خاطر بجرأة ودخل عليه ~~(والقصة مشهورة عند الزحليين)، فاستأذن لهم وقابلوه، ففاوضهم الباشا بشأن كف القتال ~~وجمع السلاح، وطلب منهم مئونة لعسكره وعلفا لخيولهم؛ لأنه زاحف بهم إلى زحلة، فامتثلوا ~~أمره، واستأذنوا بالعودة، وعند وصولهم البلدة نبهوا أن يخبز كل الطحين الموجود فيها ~~دفعة واحدة لطعام العسكر، ويجمع الشعير الموجود علفا لخيولهم. # ويوم الأحد في 26 آب دخل زحلة بعسكره الجرار، فلاقاه السكان بالطعام إلى البيادر، ~~وقدموا العلف للخيول. ثم سار بعسكره إلى الحمار فوق المعلقة، وضربوا خيامهم ~~هناك. # فأولم له المطران باسيليوس ms128 شاهيات يوم الخميس في 30 آب وليمة شائقة. # ويوم الاثنين في 10 أيلول سافر المطران إلى بيروت لمقابلة شكيب أفندي ناظر الخارجية ~~الذين أنفذته الدولة لإصلاح الشئون، وكان قد استقدمه إليه مع غيره من الرؤساء للمداولة ~~بذلك. # ولما ألح الباشا بطلب سلاح الزحليين وضايقهم، كان مشايخهم يختلفون إليه معتذرين ~~وطالبين إبقاء الأسلحة للدفاع عن بلدتهم التي كان الدروز يتهددونها بما لهم عند سكانها ~~من الثارات (ولا سيما في موقعتي العريان وقرنايل المارتي الذكر) فلم يقبل. # وفي تلك الأثناء قدموا كتابة مع رسول خاص إلى الموسيو أوجان بوجاد - قنصل دولة فرنسا ~~في بيروت - ليتوسط أمرهم مع الحكومة لتسمح لهم ببقاء السلاح، متعهدين بعدم الاعتداء ~~ومما جاء في هذه الرسالة # 31 # قولهم: # ويؤخذ من الإفادات التي تلقيناها ما يثبت أن الدروز لم يأتوا لمحاربتنا إلا ~~مكرهين من أصحاب الإقطاع، فإنهم يجبرونهم على ذلك بضرب العصي. ولا مراء أن ~~لبنان لا يتمتع بالراحة ما دام لزعمائه امتيازات ومعافيات كان يمنحهم إياها ~~أمير الجبل لقاء خدماتهم وينزعها منهم حينما شاء. # ومع سعيهم المتواصل بذلك حبطت مساعيهم، ولم تفلح اعتذاراتهم للباشا، ولا ~~نجحت تعهداتهم له بالإخلاد إلى السكينة، وكان في مقدمة المدافعين عن الزحليين والساعين ~~بإبقاء السلاح عبد الله أبو خاطر، وأبو علي المعلوف وغيرهما ممن أوتوا طلاقة اللسان ~~وسداد الرأي وقوة الحجة من شيوخ زحلة، فلم يفلحوا بمساعيهم هذه. # ويوم الخميس في 4 تشرين الأول من السنة المذكورة (1845) أحدق العسكر العثماني بزحلة ~~بين فرسان ومشاة من كل جهة، وشرعوا يجمعون السلاح من سكانها، فأبى كثير منهم التسليم، ~~وكانت المداولات بذلك لن تزال جارية مع الحكومة والقناصل. ويوم الأربعاء في 10 تشرين ~~الأول سارت بعض العساكر إلى الجبل. # ويوم الجمعة في 12 منه استقدم نميق باشا شيوخ زحلة إليه، وكانوا نحو عشرين وقال لهم: ~~كلكم في السجن حتى تقدموا سلاح البلد برمته. لأنه كان قد فهم أن كثيرا من السكان ~~أخفوا سلاحهم. فاحتج كل منهم لتبرئة ساحة البلدة، فلم يقتنع بذلك فقام أبو عساف الحاج ms129 ~~شاهين وقال له: عفوك يا مولاي كيف يمكننا تقديم سلاح البلد ونحن في السجن. قال لهم: إذن ~~ضعوا بنيكم رهنا عندي حتى تذهبوا وتجمعوا السلاح. فاستقدموا إليه كلا من عبيد يوسف ~~البريدي، ومخول الحاج شاهين، ويوسف حجي، وناصيف غرة، وهيكل أبي خاطر، وكانوا في مقتبل ~~عمرهم فأودعهم خيمة مخفورين وأطلق سراح الشيوخ، وكان ذلك يوم الاثنين في 15 منه. # وبقي العسكر محدقا بزحلة إلى أن تم جمع السلاح، فسار الباشا يوم الجمعة في 23 تشرين ~~الثاني إلى جنوبي لبنان. وقد تكبد الزحليون نفقات كثيرة ووقف دولاب أعمالهم مدة، ولكن ~~نجت بلدتهم من التنكيل والتخريب. # وفي هذه السنة كان عبد الله أبو خاطر من زحلة مستشار الكاثوليك في مجلس قائمية مقام ~~النصارى، وشديد عيسى الخوري البحمدوني مستشار الأرثوذكس في مجلس قائمية مقام الدروز ~~(راجع «المحررات السياسية» 1 : 218). # وفي أوائل سنة 1846م اشتد الغلاء في سورية، ولا سيما في زحلة التي أنفقت جميع ما كان ~~مخزونا في أهرائها (حواصلها) من الحبوب طعاما للعسكر، فبيع فيها مد الحنطة بعشرين ~~غرشا والشعير بثلاثة عشرة والذرة بخمسة عشر، وصار جوع ضايق الفقراء. # ويوم السبت في 27 نيسان سنة 1846م بدأ المطران باسيليوس شاهيات ببناء كنيسة سيدة ~~النجاة الكبرى في زحلة، وكان الراز (رئيس البنائين) خليل الخرياطي، ووكيل العمل الخوري ~~بطرس القطيني المعلوف. وفي تلك الأثناء ابتاع الآباء اليسوعيون محلا في أعلى زحلة ~~يعرف بكرم البالوع، وبنوا ديرهم الصغير وأنشئوا فيه مدارس للذكور والإناث، وذلك بمساعدة ~~الأمير حيدر الحاكم وبعض الزحليين مثل جرجس العن، وحبيب مقصود الذين انتظم في سلك ~~رهبانهم بعد ذلك، وزاد عمران زحلة فصار كرم البالوع الكبير بيوتا للسكن وهو قرب دير ~~اليسوعيين كما مر، وامتد العمار إلى فوق الطريق الموصل إلى الجبل من جهة البياضة. ~~واتسع البناء فوق الدار الأسقفية وأخذ جانب من الكروم غير ما أخذ أولا وبني فيه، ثم ~~تقدم العمار وعطلت التربة فوق حارة دير النبي إلياس المخلصي، وقطعت الكروم التي فوقها ~~على الظهر وعمرت كل تلك الناحية حتى ms130 إلى رأس التلة. ومن جهة القاطع ازداد العمار كثيرا ~~في ناحية الميدان حتى اتصل بالمعلقة، وفي حارة البربارة حتى عين الدوق. # ونهار الجمعة في 10 أيار سنة 1846م انقض برد كالرصاص فأتلف الكروم والأشجار. # وفي أوائل أيلول من تلك السنة كان السيد أغابيوس الرياشي أسقف جبيل وبيروت ~~الكاثوليكي، وبعض أعيان بيروت في زحلة للمداولة بإدخال الحساب الغريغوري. # ويوم الثلاثاء في 27 تموز سنة 1848 جاء زحلة ناصيف منعم المعلوف المؤلف المشهور في ~~الأستانة وأوروبة، ومعه بعض السياح الأوروبيين، فقوبلوا باحتفاء ولم يطيلوا المقام ~~لتفشي الهواء الأصفر في سورية، فساروا إلى بعلبك وانحدروا إلى بيروت. # ويوم الخميس في 29 تموز قدم زحلة أسر (عيال) كثيرة من دمشق لكثرة الهواء الأصفر فيها ~~ولم يمض على تقاطرهم مدة حتى اتصلت عدوى الوباء بزحلة، فأصيب ثلاثة من الزحليين يوم ~~الخميس في 26 آب، وماتوا على الأثر؛ أحدهم موسى أبو فيصل في 30 آب عن نحو خمسين سنة ~~والاثنان في 3 أيلول، وهما فروسين ابنة جرجس القبرصلي بعمر ثلاثين سنة وخليل بن مخايل ~~الجامد بعمر سنتين ونصف. # 32 # ويوم الخميس في 20 تشرين الأول سنة 1849م جاء مصطفى باشا زحلة مع عسكر لعد الأنفس ولم ~~نقف على إحصائه لزحلة. # وفي 25 كانون الثاني سنة 1850م سقط ثلج عظيم لم يسبق له مثيل من زمن طويل، وتوالى ~~سقوطه في شباط فتضايق السكان. # ويوم الاثنين في 21 آب سافر الأب فيلبس النمير الزحلي # 33 # والخوري موسى مقحط الدمشقي # 34 # من الكهنة الأسقفيين إلى بيروت ورومية فالنمسة لجمع إحسان لإتمام الكنيسة ~~الكبرى، وذلك بأمر المطران باسيليوس شاهيات الذي طاف بعض الجهات، فجمع لها منها ومن ~~زحلة مقدرا من المال لم يكف لإنجازها. # ويوم الاثنين في 25 أيلول من تلك السنة جاء أمين أفندي إلى زحلة، وأمسك بهذا اليوم ~~الأمراء الحرفوشيين في بعلبك وهم أحمد وابنه ويوسف وسلمان وخنجر والبك وشديد وذلك ~~بواسطة مصطفى باشا. # وسنة 1852 بنى الروم الأرثوذكس في زحلة كنيستهم الثانية باسم القديس نيقولاوس. وفيها ~~أنجز ms131 بناء كنيسة سيدة النجاة، فأرخها الشيخ ناصيف اليازجي بقوله وهذا مما لم يطبع في ~~ديوانه: # بناها السيد المطران من قد # دعي باسيليوس الشاهيات # فزر إن شئت بالتاريخ تنجو # مقام البكر سيدة النجاة # وسنة 1854 أضيفت زحلة إلى أسقفية سلفكية (صيدنايا ومعلولا) وسيم عليها الطيب الذكر ~~المطران متوديوس صليبا اللبناني، فجاء زحلة ولبث فيها مدة ثم طاف على الرعية وعاد بعد ~~سنة وشرع ببناء الدار الأسقفية قرب الكنيسة المذكورة. # 35 # وفي آذار سنة 1854م صار غلاء شديد فبيع مد الحنطة من 22-26 غرش، والشعير باثني عشر ~~غرشا، والذرة الصفراء من 17-18 غرشا. وفي شهر نيسان من تلك السنة فك قسم من قالب ~~عقد سيدة النجاة. وفي يوم الخميس في السادس منه كان سبعة من الفعلة يحفرون أساسا في ~~شمالي الكنيسة لجهة بيت شبيب في زاوية الحائط، فانهال عليهم التراب وأخرجوا موتى ~~والذين نعرفهم منهم هم منصور بن فرح النبكي، ونادر بن دعيبس دعيج، وإبراهيم أبو شحود. ~~وخليل بن جرجس توما. # ويوم السبت في 24 تموز من تلك السنة سار جمهور من زحلة إلى الزبداني والنبي شيت ~~وسرعين وغيرها تفتيشا على الأمير حسين الحرفوشي؛ لأنه ضرب أحد سكانها وأجرى أنسباؤه ~~الحرفوشيون بعض تعديات عليهم في زمن حكم الأمير سلمان. وعادوا يوم الاثنين إلى بلدتهم ~~بدون قتال. # ويوم الخميس في 29 تموز جاء المستر ريتشرد وود قنصل إنكلترة في دمشق، وأصلح بين ~~الزحليين، والأمير سلمان الحرفوشي وبعض أنسبائه، وذلك في قرية بدنايل قرب زحلة. # وفي 11 أيار من هذه السنة توفي الأمير حيدر إسماعيل اللمعي قائم مقام النصارى في صربا ~~(كسروان) عن 65 سنة بمرض الفالج ونقل إلى بكفيه، وأقيم له مأتم حافل حضره وجوه الزحليين ~~برجالهم، ودفن فيها وخلفه بالوكالة ابن أخيه الأمير بشير عساف اللمعي تسعة أشهر، ثم ~~أسندت قائمية المقام إلى الأمير بشير أحمد اللمعي، فهنأه الزحليون حسب العادة، وانقسم ~~المتنيون بل سكان قائمية مقام النصارى إلى حزبين عرفا بالعسافي والأحمدي، حسب انتمائهما ~~إلى أحد الأميرين كما سترى. # ويوم السبت ms132 في 19 آذار سنة 1855 قدم زحلة الأمير بشير أحمد وأبناء عمه الأمراء أمين ~~ويوسف وأسعد وخليل، فجرى لهم استقبال حافل سر به الأمير جدا، ولم يلبث أن ابتاع ~~بعض البيوت في قلب المدينة وشرع بهدمها ليبني قصرا (سرايا) للحكومة فيها. فاستوقفته ~~عمشاء أم خديجة التي لم ترض أن تبيعه بيتها، فأراد أخذه منها قهرا فرفعت دعواها إلى ~~المرجع الأعلى؛ ونجحت فأخفق الأمير سعيا ولم يتم ذلك القصر بعد أن بنى بعضه، ولن يزال ~~إلى يومنا قائم الجهة الشرقية غير كامل. # 36 # وكان الزحليون قد أقاموا عليهم بضعة شيوخ من وجهائهم يديرون شئونهم، وهم حنا فرح ~~المعلوف، وعبد الله أبو خاطر، وعساف مسلم، ويوسف البريدي، وأبو عساف جرجس الحاج شاهين، ~~وخليل حجي، ومخول غره، وناصيف جدعون، فلم يمض على مشيختهم بضعة أشهر حتى أرسل الأمير ~~بشير نقولا الأرقش البيروتي شيخا لزحلة من قبله. فسكن في بيت إلياس سيف في حارة ~~الراسية، ورفع الأمير يد مشايخها الوطنيين مستاء مما حصل له من توقيف تشييد دار ~~الحكومة كما مر. # ويوم الجمعة في 8 نيسان سنة 1855م جاء زحلة عاقب (ولي عهد) ملك بلجكة مع زوجته والأب ~~ميسلان، # 37 # فنزل ضيفا كريم المثوى في بيت أبي يوسف جرجس العن الزحلي والد حبيب العن، ~~فاستقبل بحفاوة وبات تلك الليلة، وسافر في اليوم التالي إلى دمشق مع بطانته، وقد التمس ~~لحبيب العن من الدولة العثمانية لقب بك وكافأه بوسام لما لاقاه في بيته من حسن ~~الضيافة. # وفيها سار يوسف القطيني المعلوف وإلياس الزمار من زحلة إلى مدرسة قصر العيني الطبية ~~في مصر لدرس الطب، فكانا أول من درس هذا الفن قانونيا ورجعا بعد عشر سنوات. # 38 # وفيها بنيت كنيسة عين الدوق باسم القديس يوحنا في زحلة للرهبنية الحلبية الباسيلية ~~الكاثوليكية محل المأوى (الأنطوش) الآن. # 39 ~~(13) حريق بريتان # كان سكان قرية بريتان الشيعيون (المتاولة) يعيثون في بلاد بعلبك والبقاع ويتحاملون ~~على المسيحيين، وكانت قد حدثت نزغة بين الزحليين والأمراء الحرفوشيين، فازداد عيث ~~البريتانيين وعبثهم بالراحة. وبينما ms133 كان شاهين مبارك من زحلة مارا في أرض بريتان قتله ~~سكانها، فتكدر الزحليون لذلك ورفعوا شكواهم إلى الأمير بشير أحمد قائم مقام المسيحيين ~~الذي كان يقيم في برمانه (من متن لبنان)، فأشار إليهم بالإخلاد إلى السكينة والمحافظة ~~على الراحة، فتدارك عقلاؤهم الأمر وأوقفوا الجهال عن هياجهم، وما كادت السكينة تستتب ~~أثار البريتانيون الأحقاد باعتدائهم على موسى شاهين كروك الزحلي الذي كان ناطورا ~~(شوباصيا) في بريتان، فقتلوه وهو في عنفوان شبابه، فلما نمى إلى الزحليين خبر هذا ~~الاعتداء الفظيع، وكانوا قد تكدروا من تهامل الأمير بشير بطلب دم قتيلهم الأول هاجوا ~~موغري الصدر، وتجمهروا ليلا على الجسر وسار في مقدمتهم حملة الأعلام. فأرسل شيخ البلدة ~~نقولا الأرقش يتهددهم ويتوعدهم فلم يرعووا، فاستعان بالمطران باسيليوس والشيوخ خشية أن ~~يلام من الأمير، فنزل المطران إلى المعسكر على الجسر، ولما رآهم في هياج عظيم سكن ~~روعهم ونصحهم، فازدادوا لغطا وحماسة فعمد إلى ذريعة أخرى دبرها لهم قائلا: إن ~~مطران بعلبك أرسل ينبئني أن من تظنونه قتيلا من إخوانكم هو حي يرزق في بعلبك وهو في ~~الدار الأسقفية؛ فهدأ روعهم وسكنت عوامل غيظهم. فأرسل نقولا الأرقش رسولا ليلا إلى ~~الأمير في برمانه يخبره بما جرى، وأن المطران والوجهاء ساعدوه على رد الثائرين عن ~~الهجوم فأجابه الأمير ليلا: أن يمنع الزحليين عن الهجوم، وإن ظهر منهم ما يكدر الراحة ~~يقعون تحت القصاص الصارم. # ولكن النواطير (الشوابصة) الذين كانوا في القرى المجاورة حملوا جثة القتيل، وجاءوا ~~بها إلى زحلة ومروا بها صباحا في وسط البلدة والناس متجمهرون، فساروا بأسلحتهم من ~~فورهم وهم نحو ألف بينهم نحو ثلاثمائة فارس مدججين بالأسلحة يقصدون بريتان. والأرقش ~~أعاد الرسول حالا إلى الأمير يخبره بما جرى مما جدد ثورة الأهلين، فزحفوا إلى بريتان ~~استثآرا بقتيلهم، فكتب الأمير إلى الأرقش ما معناه: «بلغ محبينا أهل زحلة وقد خرجوا ~~من بلدتهم للقتال أنهم إذا عادوا مكسورين أحرق بلدتهم.» فأرسل إليهم جواب الأمير وهم ~~زاحفون على الطريق، فقرأوه وازدادوا حماسة ونزلوا على بيادر قرية «طليه» ms134 يوم الجمعة في ~~27 أيار سنة 1855، فقدم لهم نصارى تلك الجهات حاجاتهم من أكل وعلف للخيول، وأمر الأمير ~~سلمان الحرفوشي حاكم بعلبك جميع المتاولة أن لا يعترضوا الزحليين ولا يقاتلوهم. # وكان الأمير محمد الحرفوشي مع ألف وخمسمائة مقاتل مسلحين ومحاصرين في بريتان. فقال ~~لقومه: إذا جاءكم الزحليون ثلاث فرق فلا تحاربوهم؛ بل أخلوا لهم القرية، وإن جاءوا ~~جمهورا واحدا قاتلوهم. # وكان شيوخ الزحليين قد رتبوا المقاتلين ثلاث فرق من مشاة وفرسان، ولكل فريق زعماء ~~يديرون حركاته. فظهروا صباح السبت في 28 أيار سائرين ثلاث فرق منظمة، فلما رآهم الأمير ~~محمد الحرفوشي فر بأنسبائه ورجاله إلى المغاور المجاورة واختبأوا فيها، فزحف الزحليون ~~على بريتان من ثلاث جهات من جهة سرعين جنوبا ومن ناحية بعلبك شمالا والباقون من الغرب ~~(أي من جهة زحلة)، وهؤلاء كانوا معظم فرسانهم المدربين على القتال. فدخلوا القرية من ~~الجهات الثلاث وأحرقوها وعادوا منتصرين ولم يقتل منهم أحد. # 40 # فأرسلوا قبل وصولهم إلى زحلة أحدهم فارس طعمة السكاف يحمل إلى الأمير بشير ~~بشائر انتصارهم فخلع عليه ووهبه كيسا «خمسمائة غرش» وبعث يهنئهم. # وسنة 1856م شرع المطران متوديوس صليبا الأرثوذكسي المذكور آنفا ببناء الدار الأسقفية ~~قرب كنيسة القديس نيقولاوس. وجرى بينه وبين الطائفة الكاثوليكية خلاف شديد حل بواسطة ~~عقلاء الطائفتين، ولا سيما أبو عساف الحاج شاهين، وأبو علي المعلوف. وصارت زحلة من هذا ~~الحين مقر كرسي أسقفية أرثوذكسية، واتفق أسقفها هذا مع السيد باسيليوس شاهيات ~~الكاثوليكي على ترقي أبنائها والسعي بعمرانها وتقدمها، فكانا يدا واحدة في العمل وكان ~~أبناء الطائفتين متعاهدين على الموالاة والمصافاة. # وفي تلك الأثناء كان الأمير بشير أحمد مستاء من الزحليين لما حدث له في بلدتهم، فصار ~~يصادرهم وكان شيوخ زحلة وزعماؤها يودون إدارة شئون بلدتهم بنفسهم كما اعتادوا، فعقدوا ~~مجلسا قرروا فيه طرد نقولا الأرقش الذي أرسله الأمير شيخا عليهم واستعادة المشيخة ~~لهم. وكان الأرقش قد وضع عنده نحو ثمانية محافظين (نواطير) يستخدمهم في إدارة شئون ~~البلدة وحفظ عقاراتها، فبدأ الزحليون يناوئونهم، ويصدونهم عن إنجاز ms135 ما ينتدبهم الأرقش ~~إليه حتى أغاروا على جهات عين الدوق وبحوشه، وامتلكوا أراضي الأمراء اللمعيين في زحلة ~~وجوارها، ولا سيما في الصرود (الجرود) ورفعوا يد النواطير عنها، ثم هجموا على نقولا ~~الأرقش وطروده واستعادوا المشيخة، فتكدر منهم الأمير بشير وبعض أنسبائه اللمعيون الذين ~~كان لهم السيطرة على الزحليين، ولهم في بلدتهم عقارات وأبنية كثيرة. فصار الزحليون في ~~ذلك الحين مبغوضين من الدروز والمتاولة وقنصل إنكلترة والأمراء للأسباب التي مر ~~تفصيلها، فضويقوا من ذلك، واعتمدوا على أنفسهم بجميع أعمالهم، وأقاموا قاضيا منهم وكل ~~شيخ عين رجلين من قبله سميا ضابطين، كانوا يدفعون رواتبهم من جيوبهم الخاصة، واتخذوا ~~لهم ختما مركبا من قطع على عددهم يأخذ كل منهم قطعة، فلا يختمون به إلا عند ~~اجتماعهم، وفي مكتبتي أوراق ممهورة باسم «وكلاء عموم زحلة» تتضمن وصاة. وهكذا كانت زحلة ~~في تلك الأثناء يحكمها مجلس بلدي من زعمائها، وكانت منحازة إلى الأمير بشير عساف مناظر ~~الأمير بشير أحمد في الولاية ، فسعى هذا لدى خورشيد باشا والي صيداء وبيروت بمصادرة ~~الزحليين، فأرسل يتهددهم بالاحتلال العسكري إذا بقوا مخالفين لقائم المقام. # 41 # وفي أوائل أيار سنة 1858م جاء زحلة المستر «ر. ج. ~~ددس # R. J. Dodds ~~» المرسل البروتستاني مع أسرته لتأسيس رسالة إنجيلية فيها، فقام ~~سكانها وطردوه، ولولا نعمان المعلوف الذي كان مستأجرا بيته لحدث ما لا يحمد، فغادر ~~المرسل زحلة مستاء من معاملة سكانها، وشكا أمره إلى قنصل إنكلترة فتغير هذا على ~~الزحليين. # 42 # وفي 27 أيار من هذه السنة عقد الأمراء اللمعيون جمعية في العرعار قرب بعبدات (لبنان) ~~ضمت كثيرا من أعيان الدروز والمسيحيين المتنيين للمداولة بشأن قائم المقام الأمير بشير ~~أحمد، واختلافه مع أنسبائه الأميرين علي وأمين رئيس مجلس قائمية المقام سابقا ~~ومحاصرتهما إياه في داره حتى فر من برمانه، وأعاده خورشيد باشا بقوة عسكرية تخفره ~~إليها. فاقترح هذا المجلس كتابة رسالة إلى الزحليين بهذا الشأن، فحدث اختلاف عليها بين ~~الأمير أسعد موسى وصهره والأمير سيد أحمد وابن أخيه والأمير يوسف علي؛ لكنهم ms136 وقعوا ~~أخيرا الرسالة # 43 # وذلك بشأن الأمير بشير عساف ليخلف الأمير بشير أحمد. # وفي أواخر حزيران من تلك السنة تألف وفد نحو ستمائة شخص من الزحليين # 44 # لينضم إلى الوفود اللبنانية التي ذهبت إلى بيروت للشكوى على قائم المقام ~~الأمير بشير أحمد لدى أحمد عطا بك (المندوب العثماني لفصل الخلاف بين الأميرين)، وكثر ~~التحزب للأميرين بشير عساف وبشير أحمد، فعرفت هذه العصبية بالعسافي والأحمدي كما سبق ~~آنفا وكانت زحلة من الحزب العسافي. # وفيها بدأ السيد باسيليوس شاهيات ببناء كنيسة القديس يوسف في حارة الميدان المعروفة ~~بكنيسة مار يوسف الشير وجعلها أسقفية. # ولما كان اللبنانيون بخصام مستمر مع الأمير بشير أحمد مثل كثير من الزحليين الذين هم ~~من الحزب العسافي المذكور آنفا، تضايق الزحليون من معاملته ومصادرته، ومن الاضطراب ~~الذي جرى في قائمية مقامه، وكان الأمير بشير قد وقف في 28 أيلول سنة 1858 وأقيم ~~الأمير حسن اللمعي وكيلا عنه، فألف الزحليون وفدا من أعيانهم ساروا في أواسط كانون ~~الأول سنة 1858 إلى بيروت، فقابلوا خورشيد باشا والي الأيالة إذ ذاك، وقدموا له عريضة ~~يطلبون فيها تعيين حاكم عثماني يدير شئونهم لينسلخوا عن لبنان ويتخلصوا من حاكمه الذي ~~كان يساورهم، فاستقبلهم الوزير بكل حفاوة وسكن روعهم، وعاهدهم أن لا يحتل مدينتهم ~~احتلالا عسكريا كما كان قد نمى إليهم، فأظهروا له رغبتهم في تفضيل الوالي العثماني ~~المدني على العسكري ويأسهم من التسويف بعدم قبول تظلمهم من الأمير بشير قائم المقام ~~الذي شكوا أمره إلى المراجع العليا مرارا ولم تسمع شكواهم، فوعدهم الوزير أن يجيب ~~مطاليبهم ويسعى في إسعادهم فودعوه شاكرين وضاربين موعدا لأخذ الجواب النهائي، ثم ~~ساروا لمقابلة القناصل الأجنبية في بيروت وأظهروا لهم رغباتهم المذكورة فمنهم من ~~استحسنها ومنهم من رفضها. # وفي 21 كانون الأول عقد الوزير مجلسا من أرباب الحكومة الملكية والعسكرية للمداولة ~~بشأن طلب الزحليين وإجابتهم، فأقروا بعد المفاوضات على إرسال عريضة الزحليين إلى ~~الأستانة، وأشاروا إليهم بالعودة إلى بلدتهم ومراجعتهم بشأن الجواب ليبلغوهم إياه بعد ~~وروده فعاد الزحليون ms137 إلى بلدتهم متوقعين جواب الأستانة. # 45 # وفي 20 نيسان سنة 1859م راجع الوفد الزحلي الوزير طالبا جواب الأستانة، فأخبرهم أنه ~~لم يرد جواب حتى ذلك الوقت. # وبعد مرور مدة ورد الجواب من الآستانة بإجابة مطاليب الزحليين وقبول انضمامهم إلى ~~ولاية سورية وانسلاخهم عن لبنان، وأرسل الوزير متسلما عثمانيا لزحلة اسمه صادق ~~أفندي، فسكن دار بني السرغاني، واستقلت زحلة بأحكامها عن لبنان، وأدار المتسلم الجديد ~~شئونها فاستاء من ذلك الأمراء اللمعيون، الذين كانوا متسلطين عليها منذ القديم فصارت ~~زحلة محاطة بمبغضيها من كل جهة وأصبح موقفها حرجا وألقي الخلاف بين أسرها (عيالها) ~~وتفرقت كلمتهم؛ لاختلاف منازعهم ومبادئهم فضعف شأنها وطمع بها أعداؤها وحسادها كل ~~الطمع. # وفي تلك الأثناء كانت الحكومة قد تغيرت على الأمير سلمان الحرفوشي وطاردته للقبض ~~عليه، ففزع إلى زحلة سنة 1858 على أثر موقعة الحديدية، واختبأ فيها مدة خفي فيها أمره ~~على الحكومة وكان يتنقل في أحيائها وبيوتها. # وفي أوائل سنة 1859م جاء زحلة يوزباشي مع أنفار من فرقة حسني بك رئيس فرقة الفرسان ~~الخمسمائة المنظمة المقيمة في بعلبك للبحث عن الأمير الحرفوشي، فبقي اليوزباشي في زحلة ~~متنكرا أياما يبحث عن الأمير سلمان، فأخبره أحد أعيانها ممن كانوا مستائين من الأمير ~~المذكور عن محل وجوده، وهو معصرة أبي شاهين الحلوة، فذهب اليوزباشي حالا إلى بعلبك ~~وأنبأ حسني بك بالأمر فقام من فوره وجاء معه يرافقهما تابع آخر إلى المعلقة التي كانت ~~إذ ذاك تابعة لدمشق ثم جاءا إلى زحلة التي كانت في ذلك الحين قد ألحقت بولاية بيروت ~~وصيداء، فأخذ حسني بك الجنود التي كانت مقيمة في زحلة والثلج يتساقط عليهم، وأحاط ~~بالبيت الذي فيه الأمير ليلا وأنذره بالشر إن لم يسلم، فأطلق الأمير الرصاص على الجنود ~~فأخطأهم لاعتراض الظلمة بينهما. ثم طلب أن يأتي إليه حسني بك وحده فيسلمه ذاته فلم يرض ~~حسني بك، ولكنه استدعى صاحب البيت وهو أبو عيطة النمير، وسأله عن ثمن بيته فقال: خمسة ~~آلاف غرش فقال حسني: أدفع لك ضعف هذه القيمة ms138 وأحرقه، ثم أمر الجنود بإضرام النار. ~~وبينما هم يتأهبون لذلك كان الأمير سلمان قد فضل أمر التسليم وأقر عليه، فنزع سلاحه ~~مع ثلاثة من رجاله وسلم نفسه ورجاله إلى حسني بك وعرض عليه مالا ليفر فلم يقبل؛ بل ~~أوثقه وأرسله مخفورا إلى بعلبك في ذلك الليل فبلغها قبل الفجر، وكان ذلك يوم الاثنين ~~في 12 ك 2 سنة 1859 فأودع السجن. # 46 # ومما زاد في إرهاق زحلة ما كان قد حدث منذ نحو سنتين من رغبة الطيب الذكر البطريرك ~~أكلمنضوس بحوث الكاثوليكي في إدخال الحساب الغريغوري (الغربي) بين رعيته، التي كانت حتى ~~ذلك الحين تابعة للحساب اليولي (الشرقي)، فوزع المناشير على الرعية يحثها على وجوب قبول ~~ذلك، فحدث في الطائفة انقسام شديد وكان من أشد مناوئيه في هذا القصد أربعة أساقفة ~~مقدامهم أسقف الفرزل وزحلة والبقاع السيد باسيليوس شاهيات المشهور بحزمه وإقدامه ونفوذ ~~كلمته لدى الحكومة. فكان هذا الانقسام الطائفي سببا آخر أضيف إلى ما تقدم من أسباب قلق ~~الزحليين فزاد في الطنبور نغمة. # وفي 12 آب سنة 1859م التأم المجمع الثامن والعشرون للطائفة الكاثوليكية في محلة عين ~~الدوق من أحياء زحلة، اجتمع فيه الأساقفة الثلاثة بدعوة السيد باسيليوس شاهيات؛ وهم ~~السيد أغابيوس الرياشي مطران بيروت ولبنان، وملاتيوس فندي مطران بعلبك، وتاوضوسيوس ~~القيومجي مطران صيداء ودير القمر. وتفاوضوا مليا بشأن الحساب فأقروا على رفضه بتاتا ~~فنمي الخبر إلى البطريرك، فشكاهم إلى رومية فألغى الكرسي الرسولي مجمعهم هذا، واضطروا ~~بعد مرور مدة أن يتبعوا الحساب المذكور، ولكنهم مع ذلك ضايقوا البطريرك حتى اضطر إلى ~~الاستقالة، كما هو مشهور في تاريخ الطائفة. # وفي أواخر هذه السنة كانت زحلة مهملة؛ لأن متسلمها صادق أفندي كفت الحكومة يده عن ~~العمل واستقدمته إليها، فاضطرب حبل سكانها وانقسموا أحزابا كثيرة، فمنهم من أحب ~~الانضمام إلى قائمية مقام النصارى ومنهم من أصر على طلب حاكم آخر عثماني، ومعظمهم ~~أراد البقاء في ولاية لبنان إذا أبدل قائم مقام النصارى الأمير بشير أحمد، ولكنها ~~ألحقت بأيالة صيداء. # 47 # وكثر ms139 الخلاف والتحزب فأقعد الزحليين وأقامهم وحدثت مواقع بين بعض الأسر ~~(العيال) يسوء ذكرها. وهكذا كانت الفوضى مستولية على هذه المدينة، وانقسام الكلمة ~~سائدا بين سكانها، مع معرفتهم أنهم مبغضون من جميع من يجاورهم أو يلابسهم بل مع تأكدهم ~~أن القوة في الاتحاد، فكانوا أجدر بالتناصر منهم بالتخاذل. ~~(14) مذبحة سنة 1860م # كان انقسام لبنان إلى قائميتي مقام مسيحية ودرزية واتساع الفتق بين الطائفتين، وعدم ~~رتقه بحكمة وسداد داعيا إلى نشوب حرب جديدة اضطرمت شرارتها في قرية بيت مري في المتن ~~في أواسط سنة 1859م، واتصلت بلبنان وسورية، فحدثت مذابح سنة 1860م المشئومة التي يحزننا ~~ذكرها، ولكن المؤرخ مضطر إلى سرد ما جرى ووصف الحقائق التاريخية كما حدثت. ذلك ما حدا ~~بنا إلى ذكر هذه الفاجعة التي ارتعدت لها فرائص الإنسانية جزعا، وسطرتها الأيام بمداد ~~اللوم والتقريع لمن كانوا السبب في إضرام نارها، سامحهم الله وألهمنا الشفقة والحنان ~~على بني جنسنا في مثل هذا الموقف الخطير، والصبر الجميل في مثل هذا المصاب ~~الكبير. # كان سكان مدينة زحلة قبل شبوب نار هذه الفاجعة ~~متفرقي الكلمة كثيري الخصام، لا يتجاوز عددهم اثني عشر ألف نسمة يتجرد منهم نحو ثلاثة ~~آلاف بطل مدرب على القتال. وكانوا قد بلغوا مبلغا عظيما من التجارة والثروة والسطوة ~~وموقفهم حرج. # فكانت الطائفة الدرزية تحب الاستثآر منهم لما أجروه مع بني القنطار وحاطوم، ولإبلائهم ~~في موقعة العريان، وفي المعارك الأخر التي فصلت في أثناء الكلام عن وقائعها. وكان ~~الأمراء الحرفوشيون وإخصاؤهم الشيعيون، قد تغيروا على الزحليين لحرقهم بريتان وتسليمهم ~~الأمير سلمان الحرفوشي الذي التجأ إليهم، والأمراء اللمعيون قد استاءوا من شنهم الغارة ~~على وكلائهم وعقاراتهم وعدم انقيادهم إليهم كعادتهم وشقهم عصا الطاعة، وقنصل إنكلترة ~~موغر الصدر عليهم لطردهم المرسل الإنكليزي، كما مر إلى غير ذلك مما سبق تفصيله في ~~مواقع مختلفة. فكانت الشئون الخارجية ضدهم من كل جهة، وحالتهم الداخلية مضطربة بانقسام ~~كلمتهم وتفريق مبادئهم وتظاهر أسرهم بالعداء والتحزب؛ فلذلك كانت هذه الموقعة أشد ~~المواقع التي خذلتهم وفتت في عضدهم ms140 ورمتهم بالفشل وأعادتهم بالخيبة، فخسروا كل ما كانوا ~~قد ربحوه من المجد في المواقع الماضية عملا بقول الشاعر: # وإذا نظرت إلى البلاد وجدتها # تشقى كما تشقى العباد وتسعد # ولما امتدت نيران الفتنة في أنحاء لبنان بين الدروز والمسيحيين في هذه السنة، وقرب ~~الدروز من ضواحي زحلة ونواحيها وتأهب الزحليون للدفاع عن مدينتهم، ولكنهم كانوا فرقا ~~متناوئة وجماهير متخاصمة فكانوا يسيرون بدون قائد عام؛ وقلوبهم متنافرة وكلمتهم غير ~~مجتمعة، وقد فزع إلى زحلة كثير من المسيحيين ممن نشبت عندهم أو في جوارهم الفتن، وكثرت ~~الفتوق ولا سيما من العرقوب والبقاع. # ولقد شهد الزحليون أربع مواقع قبل أن تحاصر بلدتهم وتحرق متراوحين بين النصر ~~والفشل، وهذه هي المواقع التي أصلوا نارها. # 48 # موقعة ظهر البيدر # ذهبت فرقة من مقاتلي زحلة ونزلائها فرسانا ومشاة نحو ألف، انقسمت فئتين؛ إحداهما ~~هبطت قب إلياس، وهي نحو النصف والثانية صعدت إلى ظهر البيدر لجهة المغيثة، وذلك في ~~أواخر النصف الأول من شهر أيار سنة 1860م بعد الظهر، فباتت هذه الفئة في جديتة ~~(قرب زحلة) وما تنفس صباح اليوم التالي حتى كانوا متوقلين التلال إلى ظهر البيدر، ~~فوصلوا عند ضحى ذلك اليوم إلى قرب خان مراد الكبير؛ حيث كان هناك مضارب الإفرنج ~~الذين يشتغلون بطريق العربة اليومية (الدايلي جنس) بين بيروت ودمشق. # وما كاد يستقر بهم المقام حتى أرسلوا طليعة من أربعة عشر شابا مدربين إلى ظهر ~~البيدر ليستشرفوا عسكر الدروز ويعلموا مخيمهم، فلما وصلوا إلى قرب النفق (التونل) ~~الحالي شاهدوا الدروز متأهبين للقتال فوق قرية عين دارة في الصرد (الجرد)، فلما رأى ~~أولئك طليعة الزحليين أرسلوا إليهم فارسا مغوارا يستطلع أمرهم، فهاجمته الطليعة ~~وردته على أدراجه. فلما رآه الدروز عائدا انقسموا إلى فرقتين زحفتا من جهتين ~~متباعدتين على العسكر الزحلي الذي رأوه في محلين، كما سبق أحدهما عند خان مراد ~~والثاني فوق قب إلياس. ولما شاهد معسكر الزحليين من مكانيهما زحف الدروز فئتين سار ~~كل منهما لملاقاة الفئة المتجهة إليه، فخرجت شرذمة قب إلياس إلى قرب ms141 عين الحجل في ~~أعلى الربوة وكانوا فرسانا ومشاة مدربين؛ فأصلوا نار الحرب ودحروا الدروز إلى ~~جوزات قطلش قرب عين داره، وغنموا علم (بيرق) بني عطا الله شيوخ عين دارة وعادوا به ~~منشورا، ووراءه بعض سكان العرقوب الذين كانوا في زحلة ولبسهم أشبه بلبس ~~الدروز. # أما الفرقة الزحلية الثانية فكانت قد وصلت إليها النجدات تباعا من خان مراد، ~~فعززت موقفها وهاجمت فئة الدروز المتجهة إليها فدحرتهم على أعقابهم إلى ما فوق ~~العزونية (مقابل عين دارة)، وكانوا نحو خمسمائة مقاتل. وتقدم الشيخ علي بن خطار ~~بك العماد (قائد الدروز وزعيمهم) بنحو مائتي نفر لتخليص علم عين دارة الذي غنمه ~~الزحليون، فأمطرهم الزحليون بالرصاص، فأصيب الشيخ علي برصاصة في ركبته جندلته عن ~~جواده فخر صريعا، ولولا مداركة الفرسان له وحملهم إياه لأجهز عليه الزحليون. وكانت ~~الفئة الزحلية الثانية قادمة لنجدة هذه وأمامها علم عين دارة، الذي غنموه يحف به ~~كثير من العراقبة الذين هم أشبه بالدروز في ملابسهم، فتوهمتهم فئة الزحليين هذه ~~أنهم الأعداء فأمطرتهم رصاصا مصوبا، فقتلت سبعة من العرقوبيين، ولما تقاربوا ~~عرفوا خطأهم وانضم بعضهم إلى بعض. وكان خطار بك العماد مع أربعمائة مقاتل في ظهر ~~البيدر ، فلما علم بجرح ابنه قال: «إذا كان قد أصيب بالرصاص من الأمام فلا بأس؛ لأنه ~~يدل بذلك على شجاعته، وأما إذا كان قد أصيب من الوراء فهو جبان.» فطلب خطار بك ~~المبارزة فبارزه أحد أبطال الزحليين بالرصاص والسيف، فلم يظفر أحدهما من رفيقه ~~بطائل، وقصتهما مشهورة يتناقلها الناس إلى يومنا. ثم انتهت هذه المبارزة بالمسالمة ~~وانكف الدروز عن القتال، فجمعوا شملهم وحملوا جريحهم الشيخ علي إلى عين دارة فبريح ~~مسقط رأسه حيث قضى نحبه بعد ثلاثة أيام. وقد قتل من الدروز بهذه الموقعة عدد غفير ~~بينهم نحو ستة وثلاثين من شيوخهم منهم الشيخ حمود عبد الملك وقتل من زحلة عشرة ~~أنفار منهم خليل جرجس إليان وأخوه إلياس، وإلياس صوايا، وإلياس عصفور، وطنوس واكيم، ~~ومخول أسعد أبو حسان بعد قتله اثنين من الدروز، ويوسف شكري ms142 من دير القمر بعد قتله ~~أربعة منهم، وذلك قبل أن لفظا أنفاسهما. وكانت هذه الموقعة أهمها عند قلعة ابن ~~عفان قرب خان مراد وذلك يوم السبت في 14 أيار (شرقي). ولما عاد الدروز لم يلحقهم ~~الزحليون خوفا من خدعتهم، إذ كانت قد انضمت إليهم النجدات الكثيرة من المتن والشوف ~~ووادي التيم. # موقعة كفر سلوان # وبعد عشرة أيام من ذلك التاريخ استأنف الزحليون القتال، فسار نحو ألف مقاتل إلى ~~حمى كفر سلوان. وكان يوسف بك كرم الأهدني قد أرسل إليهم كتابا يعدهم فيه أنه مستعد ~~لمعاونتهم وأن يتربصوا مطمئنين، فأرسلوا يستقدمونه من المروج قرب المتين إلى حمى ~~كفر سلوان لمفاوضته، فأرسل يعتذر لموانع أخرته، ويقال إن ذلك كان بطلب الأمراء ~~اللمعيين لاستيائهم من الزحليين كما سبق. ونشبت الحرب بين الزحليين والدروز، ~~فأحرقوا كفر سلوان وبقوا فيها أربعة أيام، وكان الدروز قد اجتمعوا في قرنايل ~~وأوقفوا القتال. فعاد الزحليون إلى بلدتهم وبقي عبد الله أبو خاطر مع نحو ثلاثمائة ~~مقاتل، فهاجمه الدروز من الصبح إلى المساء وكسروه إلى جهة حجر الأطرش أو درجة ~~الأساكفة فوق عين حزير، فأنجده الزحليون وثبتوا في ذلك الموقف إلى أن عاد الدروز ~~عنهم، فرجعوا إلى بلدتهم، وقد قتل منهم في ذلك اليوم الذي هو الأربعاء في 25 أيار ~~(شرقي) نحو عشرة منهم حنا المطران، وعيد سعادة، وجرجس البدوي (شمعون)، وخليل ~~الطباع، وقتل من الدروز نحو خمسة عشر نفرا. # موقعة السهل # ويوم الأربعاء في أول حزيران (شرقي) حدثت موقعة السهل على جسر بر إلياس بين ~~الزحليين والدروز، وكان زعماء الدروز إذ ذاك الشيخ إسماعيل الأطرش من عري (حوران)، ~~وخطار بك العماد الذي قتل الزحليون ولده كما مر والشيخ كنج العماد. أما زعماء زحلة ~~فهم الذين ذكرناهم في ما مضى من المواقع، ولكن الزحليين لم يكونوا لينقادوا إلى ~~زعمائهم في هذه المعارك، لما بينهم من المشاحنات والبغضاء والتحاسد. فسارت فرقة من ~~مقاتلي زحلة دون إرادة الزعماء والقواد إلى جسر بر إلياس يوم الأربعاء في أول ~~حزيران (شرقي)، وبعد أن ms143 أبدوا بسالة تذكر اندحروا، وقد قتل نحو ثلاثة وثلاثين من ~~زحلة والمعلقة وجرح نحو عشرين، وكان بين قتلى الزحليين مراد بن عبد الله أبي خاطر ~~جمح به جواده، فأدركه الدروز وقتلوه وخليل الجريجيري، وحبيب مرعي المعلوف، ونصر بن ~~أنطون فرح المعلوف وولده يوسف، وصعب بن داود الحاج نقولا، وعازار أبي زهر وغيرهم. ~~ومما يروى أن عبد الله أبا خاطر وأبا علي المعلوف، وهما من أكبر عقلاء الزحليين ~~كانا قد منعا المقاتلين من شهود هذه الموقعة، فلم يسمعوا كلامهما بل غرروا ~~بأنفسهم وعادوا بفشل؛ فلذلك لم يشأ عبد الله أبو خاطر مشاهدة ولده قتيلا لأنه ~~عصاه. ومما يستحق الذكر أن عبد الله شحاده الخوري صعب أنقذ نعمة بن الحاج نصر ~~الصفدي من تحت سيف الدروز الذي كاد يفتك به، وأنقذ أيضا صليبي أبا خاطر من زحلة ~~وأبا محفوظ من جديته. # وهكذا كانت نيران المواقع قد ازدادت اضطراما والخصام اشتد احتداما، فتجمع ~~الدروز والعربان والمتاولة والأكراد من أطراف البلاد السورية جماهير غفيرة، ~~وتعاونوا على تدمير زحلة والتنكيل بسكانها والاستثآر منهم متعجبين من بسالتهم ~~الشديدة التي قاوموا بها (مع قلتهم واختلافهم وعدم إنجادهم) تلك القوات العظيمة، ~~وثبتوا أمامها في معارك متعددة ثبوت الأبطال المدربين. # موقعة الفرزل وبساتين الكرك # ويوم الخميس في الثاني من حزيران (شرقي) كان بعض الزحليين والبعلبكيين مجتمعين ~~قرب الفرزل لصد هجمات الدروز الذين زحفوا على أبلح، فمنعهم أهلها عن دخولها فوصلوا ~~الفرزل، وهناك أبدى المسيحيون ولا سيما الزحليين ثباتا غريبا وردوا الدروز على ~~أعقابهم وتأثروهم إلى بساتين الكرك بعد أن قتلوا منهم ثلاثة، وأما هم فلم يقتل منهم ~~أحد. # موقعة كساره وحرق زحلة # ولما رأى حساد زحلة ثبات مقاتليها أرادوا أن يدمروها، وكان الدروز قد فرغوا من ~~مقاتلاتهم فتفرغوا لذلك فاجتمعوا في سهل البقاع من لبنان ووادي التيم وحوران وانضم ~~إليهم العربان من حوران وسورية والشيعيون من بلاد بعلبك والبقاع مع بعض النصارى، ~~الذين في حوزتهم حتى أربوا على خمسة عشر ألف مقاتل، وقيل عشرين ألفا بين فرسان ~~ومشاة مدججين ms144 بالأسلحة، فالأطرش خيم في قب إلياس، والعماد خيم في المرج، وأحدقوا ~~بزحلة من جهاتها الثلاث إلا جهة الغرب من طريق البياضة إلى صنين والمتين، فهذه بقيت ~~مفتوحة وكانت مآكل الزحليين كثيرة وحاجاتهم وافرة، ولكن ذخيرتهم الحربية غير كافية؛ ~~لأنهم فقدوا كثيرا منها بمهاجماتهم المارة الذكر فشعروا بحرج موقفهم وانفرادهم في ~~القتال واجتماع القوات كلها عليهم. فتداول الأسقفان باسيليوس شاهيات ومتوديوس ~~صليبا، وأرسلوا إلى قناصل الدول في بيروت عرائض الاستغاثة والاستنصار، فقابل ~~القناصل الوالي خورشيد باشا ثم كتب إليهم أنه أرسل أمرا إلى الدروز ليوقفوا القتال ~~وسيرسل عسكرا لخفارة زحلة، # 49 # وطلب من القناصل أن يمنعوا النصارى عن الاجتماع في زحلة ليستطيع كف ~~الدروز عن مهاجمتها إذ لا يعود لهم من حجة، فأرسل الجواب إلى الزحليين بما جرى. ~~وكان يوسف بك كرم الأهدني قد حضر بعسكره إلى المروج في صرود (جرود) المتن فوق زحلة. ~~ويوسف آغا الشنتيري من بكفيه قد جمع رجال المتن والقاطع بالقرب من مخيم الأهدنيين، ~~فكتب إليهما القناصل يستوقفونهما عن التقدم إلى زحلة، وأن يتربصا هناك لينظرا ماذا ~~يحدث. وكتب مور قنصل إنكلترة العام إلى الشيخ إسماعيل الأطرش يستوقفه عن مهاجمة ~~زحلة، فأجابه بما يفيد التربص. # 50 # وأرسل خورشيد باشا سليمان نوري بك أمير الألاي بفرقة نحو أربعمائة من ~~الجند النظامي مجهزة بالذخائر والعدد الحربية ومدفع، فبقي ثلاثة أيام من بيروت إلى ~~غربي زحلة على بعد ساعة منها، فخيم فيها في اليوم الثالث في حزيران ولم يبد ما ~~يدل على إيقاف المهاجمين # 51 # بل تهدد الزحليين، وكان قد سار ثلاثة من وجوههم إلى يوسف بك كرم، ~~وألحوا عليه بالحضور لنجدتهم فوعدهم أنه يحضر في اليوم الثاني الذي هو الأحد، ~~فخرج في غد ذلك اليوم جماعة منهم لملاقاته عند حجر الأطرش قرب عين حزير، وذبحوا ~~الذبائح وأعدوا الأطعمة متوقعين قدومه فلم يأت، فازدادوا قلقا وأرسلوا إليه من ~~استحثه للقدوم فوعد أن يأتي في اليوم الثاني، الذي هو الاثنين في 6 و18 حزيران. ~~وكان الدروز قد علموا بكل ما جرى ms145 للزحليين فرأوا من الحكمة مفاجأتهم قبل أن تأتيهم ~~النجدات. # ويوم الأحد في 5 و17 حزيران وصلت نجدة إلى زحلة من بسكنته نحو أربعمائة رجل ~~بقيادة الأمير أحمد طرودي اللمعي وفارس سبع أيوب، وكان الزحليون قد أعدوا المتاريس ~~وحصنوها وتأهبوا للدفاع ومتاريسهم كانت هكذا (1) متراس بيت القاصوف في أعلى حارة ~~الراسية من الغرب لخفارة طريق صنين والمتن من جهة البياضة (2) متراس بيت أبي عبيد ~~يوسف البريدي (محل الكلية الشرقية الآن) (3) متراس آخر فوق مقبرة المعلوفيين في ~~شمالي حارة الراسية على طريق الكروم (4) متراس فوق بيت أبي علي المعلوف (وهو الآن ~~دار مرسلي الأمركان) (5) متراس البيادر فوق تل شيحا وقرب عين الدخن (فوق دار ~~الحكومة الآن) (6) متراس بيت الهندي المسلمين بين متراس بيت أبي علي والبيادر (7) ~~متراس سيدة النجاة الكاتدرائية (8) متراس بيت حبيب بك العن (بيت يوسف بالشن الآن) ~~قرب الجسر الكبير في الحارة السفلى (التحتا) (9) متراس في كنيسة البربارة في ~~القاطع. وكانت هذه المتاريس مرتبة يخفرها الفرسان وعلى كل منهما وكلاء لتوزيع ~~المآكل والذخائر وجميع حامية المدينة نحو ألف وخمسمائة رجل بين فرسان ومشاة. # ويوم الاثنين الواقع في 6 و18 حزيران # 52 # ذهبت فرقة من الزحليين بقيادة بعض الفرسان إلى جهة كساره وحوش الأمراء ~~لصد هجمات الدروز وأبدت بسالة وثباتا، وبينما كان الزحليون ينتظرون قدوم يوسف بك ~~كرم في هذا اليوم من طريق صنين كما وعد، وهم قد تفرقوا في متاريسهم رادين هجمات ~~الخصوم من الجهات الثلاث إلا الغرب؛ لانتظارهم قدوم النجدة منه، إذا بالدروز قد ~~دبروا حيلة خدعوا بها الزحليين؛ وهي أن خطار بك العماد قائد دروز لبنان الموغر ~~الصدر على الزحليين الذين قتلوا ولده الشيخ علي في موقعة ظهر البيدر كما مر، أخذ ~~نحو ألفي مقاتل من رجاله الأشداء ونشر أمامهم أعلاما مسيحية عليها صورة الصليب ~~كانوا قد غنموها من بعض المواقع ودخلوا زحلة من جهة الغرب (محل حاووز الماء الآن)، ~~بالأهازيج المسيحية إيهاما لسكانها أنهم رجال يوسف بك كرم، فلاقاهم بعض الزحليين ~~فأطلقوا عليهم رصاصهم وخرقوا متراس بيت ms146 البريدي ودخلوا البلدة من الغرب، وأحرقوا ~~بيوت الشركاء الملاصقة دير مار إلياس الطوق، وبيت البريدي المذكور الذي أخلاه ~~محافظوه لقلتهم، وانضموا إلى متراس سيدة النجاة فخرقت محافظة البلدة من الجانبين ~~الغربيين؛ لأن متراس بيت القاصوف أخلي عند دخول الدروز البلدة وخلا الجو للدروز، ~~فدخلوا زحلة ولا سيما حارة الراسية وأضرموا النار في بيوتها، ونهبوا ما وصلت إليه ~~أيديهم ولم يكن الجند المحافظ يستطيع أن يوقف نيران الشر بل أطلق المدفع على ~~البلدة، فانذعر السكان وهرب معظمهم فاشتد العراك في المتاريس الثلاثة الباقية، التي ~~هي متراس بيت أبي علي المعلوف، ومتراس البيادر، ومتراس سيدة النجاة. فثبت محافظوه ~~ثباتا غريبا، وقتل بعضهم بعد أن قتلوا من المهاجمين خلقا كثيرا ثم قوي ~~المهاجمون لمتراس بيت أبي علي، فأخلاه محافظوه وبقي متراس البيادر وبيت العن ~~محصنين. وكان مطرانا زحلة عاقدين جلسة في سيدة النجاة، فلما علما بدخول الدروز ~~فرا مع كثير من الزحليين وعيالهم من جهة حارة البربارة على طريق صنين لا يلوون ~~على شيء، فاندفق الدروز على متراس بيت العن للفتك بمن فيه وهم كثيرون، وكان يتقدمهم ~~قائداهم الشيخ إسماعيل الأطرش وخطار العماد، فخاطبا الزحليين شفاها من خارج ~~البوابة بقولهم: «سلموا تسلموا عن يدنا»، فأجابوهم وهم يظهرون من الضعف قوة قائلين : ~~إننا لا نسلم حتى نفنى ولا تظنوا الزحليين هربوا؛ بل ذهبوا مرافقين لنسائهم ~~وأطفالهم ليبعدوهم عن مواقف القتال ويعودوا لمحاربتكم، وعندنا ذخيرة نحو نصف سنة ~~ونحن خمسمائة بندقية «بارودة» هنا. ثم قالوا لهم: «أشهروا حالكم» واشتعلت نار ~~البنادق فقتل الزحليون من الدروز على البوابة نحو عشرين كان الدروز يخفونهم ~~ويحرقونهم لئلا تخاف رجالهم وتتقهقر، وكان قتلى الدروز جميعهم نحو خمسين، فأحرق ~~الدروز الطبقة العليا من بيت العن من جهة بيت الزرزور، فهبطت ونزل المحاصرون إلى ~~الطبقة السفلى والنار تتساقط عليهم واحترق ابن أبي إلياس بالش. # أما حصار سيدة النجاة فكان هائلا؛ لأن معظم الكهنة تركوا زحلة مع مطرانيها ~~الكاثوليكي والأرثوذكسي كما مر، وبقي الخوري بطرس القطيني المعلوف، فجمع الخوري ~~أخوته وبعض أهل ms147 بلدته في دار سيدة النجاة، وكان يدافع عنهم بمعاونة ابن عمه عبد ~~الله جبور المعلوف، ولما دخل الدروز الدار دافعا دفاع الأبطال، وهاك ما ذكره الطيب ~~الذكر المطران غريغوريوس عطا الزحلي رئيس أساقفة حمص وحماة ويبرود في مصنفه «تاريخ ~~زحلة» المخطوط «أن الخوري بطرس القطيني المعلوف بقي وحده يحارب مع بعض الأهالي في ~~زحلة وحاصر في الدار الأسقفية، وأصيب برصاصتين فقتل وسقط شهيد الغيرة، وفي النهار ~~ذاته قتل في المعركة أخواه حنا وشاهين.» ومما يذكر من بسالة عبد الله جبور المعلوف ~~في ذلك اليوم أنه حمل الخوري بطرس على ظهره قتيلا والرصاص يمطره من الدروز خوفا ~~من أن تهان جثته وأدخله إلى الكنيسة. وكانت مريم والدة الخوري بطرس تقدم الذخائر ~~لأولادها ومواطنيها، فشاهدت بعينيها قتلهم ثلاثتهم، أما ولدها خليل فأبدى بسالة ~~تذكر بعد قتل أخوته، إذ شق صفوف الأعداء ونجا بوالدته. ثم جاء درزيان بالخوري يعقوب ~~المعلوف الكاهن الثاني الذي بقي في زحلة، ودخلا به الكنيسة ليدلهما على قبر ~~الأساقفة (الكمنتير) الذي ضمن الكنيسة؛ لأنه نمي إليهما أن خزائن الزحليين ~~ومصوغاتهم مودعة فيه، فما كاد يخبرهما عن محلها حتى وقعا قتيلين من المحاصرين، فنجا ~~الخوري وفر ليلا إلى كفر عقاب مع ولده وكثير من الزحليين. وكان في سيدة النجاة من ~~المحاصرين عدا من ذكرنا جرجس فصوح المعلوف، وأبو عبد الله يوسف قادره، وطنوس ~~القبرصلي، وإلياس أبو عيد، والفتى سليمان فارس الراعي. فأبدوا جميعهم ثباتا ~~وبسالة وكان كلما دخل درزي يقتل، وكان كثير من الزحليين قد التجأوا إلى دير الآباء ~~اليسوعيين في زحلة فلم يستطيعوا الدفاع، فهاجمهم الدروز، وقتلوا كثيرا منهم بينهم ~~الأب يوحنا بيليوته، والأخ بوناتشينا، والأخ حبيب مقصود الزحلي، وهم من الرهبنة ~~اليسوعية فقتلوهم # 53 # وأحرقوا الدير. ولما كانوا هاجمين من جهة الحاووز قتلوا الخوري أسطفان ~~حريقة كاهن وادي العرايش الماروني على جسر الصفة أمام نزل (لوكندة) الصحة، وكان قد ~~أبدى بسالة في مواقع زحلة. وكان عباس القلعي أحد حملة أعلام الدروز قد قتل فوق جسر ~~الوادي. # وهكذا بعد ms148 أن أحرق الدروز كثيرا من أحياء المدينة وبيوتها، ونهبوا ما وجد في ~~طريقهم ونكلوا بالسكان نادى مناديهم بلسان زعيميهم الأطرش والعماد أن لا يبيت رجل ~~منهم في زحلة، وكان ذلك عند غروب الاثنين فأخلوها قاعا صفصفا، وكان مشهد أشلاء ~~القتلى والجرحى من الفريقين يفتت الأكباد، ولا سيما حيث كان معظمها مكردسا في آخر ~~سوق البلاط وفي جعيران على الجسر الكبير، وكذلك منظر الحريق والدمار كان فاجعا ~~للعيون. وبقي المحاصرون في بيت العن وسيدة النجاة ومار ميخائيل إلى صبح اليوم ~~التالي وكان في مار ميخائيل بولس المنير وأبو أنطون السكاف وغيره وقد أبدوا بسالة ~~وثباتا، فلما تأكدوا خلو المدينة من الأعداء خرجوا إليها بعيون باكية وأفئدة ~~دامية، وكان الفارون قد ساروا في طريق صنين الوعر لا يلوون على شيء، فباتوا في ~~العراء يتضورون جوعا ويتفجعون أسفا لما حل بهم من الدمار، وبقي قليل منهم في ~~بسكنته والباقون تفرقوا في كفر عقاب وزبوغة ووادي الكرم حيث دير القديس سمعان ~~العمودي مصيف مطارنة بيروت وجبيل الكاثوليكين، وبعضهم سار إلى كفر تيه ومزرعة كفر ~~دبيان والمحيدثة والشوير وبتغرين والخنشارة وغيرها، فنزلوا في هذه الأماكن على ~~الرحب والسعة. ولما ضاقت بهم الأمكنة كانوا ينامون في الفضاء تحت أشجار التوت ~~ويستظلون بها نهارا. وفي اليوم التالي كان يوسف بك كرم يستشرف زحلة، وهي بهذه ~~الحالة المحزنة من أعالي محلة المشيرفة على طريق صنين فحزن وندم لتخلفه عن نجدتها ~~معتذرا أن الأمراء اللمعيين هم الذين أخروه. # وكان قد قتل من الدروز نحو مائة وثمانين ومن الزحليين مائة وعشرون وذلك في يوم ~~حرقها. وكان الأمير محمد الحرفوشي عدو الزحليين قد أرسله الأطرش والعماد زعيما ~~الدروز ليخفر وادي قعفرين (قاع الريم) فوق زحلة، وليمنع النجدات عنها من تلك الجهة ~~فدخل المدينة برجاله وحملوا ما تركه لهم الدروز من أسلابها. ومما يروى عن براعة ~~فرسان الزحليين في الحرب أنهم كانوا يحشون «يدكون» بنادقهم وخيولهم راكضة بينما ~~كان دروز حوران يوقفونها ليحشوا بنادقهم. ولقد تفانى الزحليون في الدفاع وأبدوا ~~بسالة وجرأة ms149 عرفا بها منذ القديم، وهكذا انتهت موقعة زحلة التي انفرد فيها سكانها، ~~ولم ينضم إليهم إلا العراقبة الملتجئون إليها ونجدة بسكنته المذكورة آنفا. ذلك مع ~~كثرة عدد خصومهم. # ومما يروى عن نية الدروز في مهاجمتها أنهم قصدوا أن يشنوا عليها الغارات ~~الجرارة من جهة الغرب بعد أن يستكملوا قواتهم؛ ليجمعوا سكانها في السهل وهناك ~~تلتف حولهم النجدات المتواصلة، فينكلون بالزحليين كل التنكيل. ولكن هجوم كل من ~~حنا أبي خاطر، ونعمان المعلوف، وغيرهما من فرسان زحلة إلى تعنايل فكساره ومقاتلتهم ~~للدروز. وإخلاء أبي عبيد يوسف البريدي المتراس الذي كان في بيته وزحفه بمن فيه إلا ~~القليل إلا القتال في كساره، وقدوم النجدة من بسكنته مساء الأحد كل ذلك رآه الدروز ~~موجبا لتعجيل هجومهم ثاني يوم الاثنين فانتهزوا هذه الفرصة. ومن تفننهم الحربي ~~والحرب خدعة أنهم عندما اجتمعوا تحت رايات الصلبان فوق أعالي المدينة، ورأوا طلائع ~~الزحليين تستشرفهم اصطفوا صفين متقابلين لأحدهما أعلام الصلبان وللآخر أعلام الدروز ~~وشرعوا يطلقون البنادق كأنهم يتحاربون ليؤكدوا للزحليين أن نجدة يوسف بك كرم ~~قادمة إليهم؛ فلذلك تمكن الدروز من الدخول إلى البلدة من جهة الحاووز لمعرفتهم أن ~~متراس بيت البربدي فارغ من الحامية، وقد اندفقوا من هناك فئتين؛ إحداهما دخلت حارة ~~الراسية والثانية جاءت بطريق عين الدوق إلى القاطع. وبعد أن أخليت أكثر المتاريس ~~كما مر اندفقت جيوشهم الجرارة من جهة عين الدخن (فوق دار الحكومة الآن)، وأحاطوا ~~بزحلة ولا سيما بمتراس بيت العن كما سبق. # وكان زعيمي الدروز الكبيرين الشيخ إسماعيل الأطرش وخطار بك العماد ومع كل منهما ~~قواد وزعماء، فمن قواد اللبنانيين من مشايخ آل العماد أسعد وكنج وملحم بك ومن غيرهم ~~الشيخ محمود العيد، ومن قواد الحوارنة المشايخ واكد حمدان، وهزيمه هنيدة، وجمود ~~الفخر وقبلان، ودعيبس عامر، وسليمان القلص، وحمد وفندي عزام، ويوسف صعرو، وكانوا ~~كلهم في مقدمة الهاجمين على زحلة يوم سقوطها والمحرضين على القتل والنهب منها، وقد ~~اتهموا بالتحقيقات التي ترأسها فؤاد باشا ومعتمدو الدول. # ومن زعماء الزحليين ومقاتليهم الأبطال الذين ms150 توفقنا إلى معرفتهم في موقعة ظهر ~~البيدر نعمان المعلوف، وحنا أبو خاطر، ولحود البحمدوني، وأبو دعيبس مخول البريدي، ~~ويوسف خليل حجي، وحبيب لوسيه بالش، وعبد النور الششم، وخليل الطباع، وطنوس القشعمي ~~الحكيم من حمانا، ونعمه صليبي من فالوغا، وهذان كانا في معسكر زحلة. # وفي موقعة حمى كفر سلوان عبد الله أبو خاطر، وعساف مسلم وأخوه خليل، ومراد وهبه ~~قيامه المعلوف، ويوسف الراعي، الذي يروى أنه ارتأى السير بالعسكر الزحلي الجرار ~~والزحف من الحمى على الدروز قبل أن يتضعضع العسكر الزحلي، وينتبه الدروز إليه فلم ~~يوافقه القواد. # وفي موقعة السهل مراد مسلم، وعساف مسلم، وحنا أبو خاطر، ومراد أبو خاطر (الذي ~~قتل)، وموسى البحنسي، وأبو لولو الجريجيري، وناصيف دموس، وناصيف غره، ولحود ~~البحمدوني، ومخول البريدي، ونعمان المعلوف، وسليمان العريس الفلفلة من المعلقة ~~(الذي قتل أيضا). # وفي موقعة كساره والبلد الذين ذكرناهم في غيرها ممن بقوا أحياء وعبد الله جبور ~~المعلوف، والخوري بطرس القطيني الذي قتل مع أخويه، كما مر. ومما يستحق الذكر ~~أن الشاب إبراهيم الصفدي لما دخل الدروز متراس بيت أبي علي المعلوف حمل العلم ~~أمام نخبة من الشبان، وصعد معهم إلى المتراس وأنجدوا من كان قربه، فأزاحوهم عنه ~~وكل من عبد الله أبي شهلا، وحبيب إلياس الأبرص تملصا من بين الدروز، واختبآ إلى ~~أن خرج هؤلاء من زحلة ولم يهتدوا إليهما. والخوري حنا رزق الله المعلولي أظهر بسالة ~~تذكر في الدفاع ومثله حبيب لوسيه بالش وغيرهم. # وقد عرفنا من قتلى هذه المذبحة على اختلاف مذاهبهم ومواقعها غير من ذكرناهم قبلا ~~ممن قتلوا يوم الحصار كلا من إبراهيم الششم، وابنه خليل وجرجس الششم، وطنوس شحاده ~~الخوري صعب، وديب طنوس لطفي، وإلياس السرغاني، وطنوس الدكاكي، وإبراهيم الصفدي الذي ~~كان طاعنا في السن، ويوسف داود وأخيه إبراهيم، وحنا نصر الله صويا واثنين من أولاد ~~أم حنا، وإلياس الخوري رزق الله المعلولي، وأنطون بالش وولده طنوس، وزامل أبي زهر، ~~وأبي عبده حميمص، وخليل الكوسي، وخليل مخول الجبلي، وخليل بالش، وهيكل بالش، ويوسف ~~حرو، ms151 ومراد العس وأخيه دعيبس، وابن هارون، ومراد غره، ومخول الدواليبي، وأبي يوسف ~~نعمة السكاف من القاطع، وأبي فارس أنطون السكاف، وأبي مخول القاعي، وجرجس وإبراهيم ~~وسمعان من بني الخياط، وفرنسيس فتوش، ودعيبس فتوش، وإلياس مسعود الفران، وأبي شحاده ~~جبور السكاف، ويوسف موسى البخاش، وصليبي البخاش، وخليل يوسف الراعي، ومراد ابن ~~الخوري يعقوب المعلوف، وأبي مراد ظاهر بن حنا فرح المعلوف وولده الشاب يوسف، ~~وإبراهيم بن يوسف فرح الزجال (القوال) وعمه بولس، وأبي جدعون حنا المعلوف وخليل بن ~~جرجس أبي خروبه المعلوف، والشماس نيقوديموس الموصلي الشويري، وسليمان قرطاس من عسكر ~~بسكنته، ويعقوب مقصود من معلقة زحلة، وإلياس يوسف بالش الذي احترق (ولم يسم ~~هناك). # وممن فاتنا ذكرهم من قتلى المواقع الأخرى موسى الدوماني، وجرجس أبو حسان من قتلى ~~موقعة كفر سلوان، وجرجس أبو عبيد، ومخول القاعي وحبيب فليفل، وعبد الله خير، وأبو ~~عيطا النمير في موقعة السهل. # ولم يبق في زحلة على أثر هذه الموقعة إلا القليلون الذين ساروا إلى بعض القرى ~~المجاورة، ويوم الأربعاء ثالث يوم الحريق بدأ الزحليون يرسلون طلائع لاستكشاف ~~بلدتهم المدمرة، فكان الحريق قد عم جميع الكنائس والأديار ومعظم البيوت ولم يبق ~~شيء من المقتنيات إلا ما خبئ في مقبرة سيدة النجاة (الكمنتير) وسيدة الزلزلة وبعض ~~الكنائس وفي بيت العن، وهكذا بقي منظر زحلة نحو شهرين يفتت الأكباد ويدمي القلوب ~~ويستنزف المدامع، ولقد نظمت زجليات كثيرة في وصف مواقع سورية في تلك السنة، وذكرت ~~فيها زحلة منها زجلية رقيقة لناصيف كامل # 54 # وغيره. # وكانت هذه الموقعة آخر العهد بالخلاف الذي استفحل بين المسيحيين والدروز، فعقبها ~~اتفاق القلوب ومحو الضغائن وإماتة الأحقاد بالتساهل والتصافي عملا بقول الشاعر ~~العربي وفيه كل الحكمة: # وإني لألقى المرء أعلم أنه # عدو وفي أحشائه الضغن كامن # فأمنحه بشرا فيرجع قلبه # سليما وقد ماتت لديه الضغائن # ولن تزال المسالمة ممدودة الظلال والاتفاق مرفوع اللواء بين الفريقين إلى يومنا ~~هذا بفضل حكومتنا العثمانية ورجالها الأمناء في خدمتها الذين يسعون في جمع القلوب، ~~واجتماع الآراء لرقي ms152 الوطن المحبوب الذي يجب أن نتفانى في تعزيزه ورفع شأنه ~~واستعادة مجده القديم الذائع الشهرة ونحن جميعنا إخوان. # وفي أواخر حزيران سنة 1860 قدمت أساطيل دولتنا العثمانية وغيرها من الدول ورست في ~~مرافئ سورية ولا سيما بيروت، فأخمدت نيران الفتن. وفي 17 تموز وصل فؤاد باشا ~~المعتمد العثماني لتسكين الاضطرابات وتوقيف عواصف الفتن. وفي 3 آب عقد مؤتمر باريس ~~الدولي الذي اجتمع فيه معتمدو دولتنا العثمانية وبريطانية وفرنسة وروسية وبروسية ~~والنمسة، فأقروا على وجوب تأمين الأهلين بقوات عسكرية كافية تتوزع بينهم وإعانة ~~المنكوبين بالإحسانات، فوصل بيروت في 16 آب سبعة آلاف جندي فرنسي بقيادة الجنرال ~~بوفور دوتبول. وفي 5 أيلول وصل بيروت معتمدو الدول الخمس المشار إليها ليتداولوا مع ~~فؤاد باشا معتمد دولتنا المومأ إليه. وبعد أن طافوا جميعهم الأماكن المنكوبة وجبروا ~~الخواطر الكسيرة وسكنوا القلوب الخافقة وجلا وحزنا عقدوا في الخامس من تشرين ~~الأول مؤتمرا دوليا في بيروت حضر خمسا وعشرين جلسة، وفض في الخامس من آذار ~~سنة 1861م، فاتفقوا فيه على إصلاح ذات البين وتعمير ما هدم وتعويض الخسائر ~~الفادحة. # وكانت الاكتتابات في جميع أنحاء أوروبة وأميركة قد بدئ بها منذ نمى إلى سكانها ~~نبأ هذه الفواجع، فأرسلت الدراهم المجموعة مع مندوبين ووزعت على المحتاجين بعد ~~تثمين الخسارة وتقدير الحاجة. # فجاء زحلة الأب شارل لافيجري (مؤسس جمعية المدارس الشرقية وهو الذي صار في ما بعد ~~أسقفا وكردينال، وسعى بمنع النخاسة (بيع العبيد)) مع الأب أغناطيوس اليسوعي، وكان ~~يطوف البيوت ويستقصي أحوال سكانها ويختبر بنفسه حاجاتهم ويوزع الإحسان عليهم حسب ~~الاقتضاء، وهاك تعريب ما ذكره عنها في كتابه «اكتتاب لإعانة مسيحي سورية»: «ثم عدنا ~~إلى زحلة فالتقينا بالعساكر الفرنسية المخيمة في المديرج وقب إلياس، أما زحلة ~~فمبنية على آخر منعطفات جبل لبنان، ومنظرها أشبه بالبلعوم (الزلعوم) وتشرف على سهل ~~البقاع الخصيب، وكان دير اليسوعيين والدار الأسقفية محروقين، فعقدنا في هذه جمعية ~~برئاسة القبطان سوفيش وقدمنا لهم مائة وعشرين ألف فرنك، ثم تركت زحلة في الأحد ~~الأول من شهر كانون ms153 الأول سنة 1860م خالعا ثوبي الرهباني ومتنكرا بزي عامة البلاد ~~متجها إلى دمشق ...» ا.ه. # وكان الزحليون قد اجتمعوا كلهم في بلدتهم بعد هجرها شهرين كاملين كانوا في ~~خلالهما يختلفون إليها، فالتجأوا إلى الأطلال التي تظللهم أو سكنوا مع جيرانهم ممن ~~بقيت بعض بيوتهم غير مقوضة، وشرعوا في ترميم المدينة وقد خصص لهم ألف وسبعمائة ~~كيس. # 55 # وكان العسكر الفرنسي مخيما في قب إلياس بجوار زحلة بقيادة المركيز دي بوفور ~~القائد الفرنسي العام، فدخلتها فرقة كبيرة منهم بقيادة الربان سوفيش، وذلك في أول ~~تشرين الأول سنة 1860م، وسكنوا في الدار الأسقفية الكاثوليكية بعد أن رمموها وبقوا ~~نحو ثمانية أشهر يساعدون السكان في الترميم ويوزعون عليهم الدراهم، وكان مخايل ~~المعلوف الملقب بأبي علي موكلا بتقديم حاجاتهم. # وفي تلك الأثناء عاج فؤاد باشا بزحلة واجتمع بأعيانها، وطاف أحياءها وخاطب السكان ~~برقة وشفقة وجبر خواطرهم ووعدهم بالتعويض، وحضهم على ترميم بيوتهم وأمنهم وأمر إذ ~~ذاك. أن تسمى زحلة «مدينة» فأطلق عليها هذا اللقب منذ ذلك الحين. # وكان إبراهيم أبو راجي المعلوف ترجمان فرقة الجنرال ديكرو من العسكر الفرنسي وكان ~~عددها ثلاثة آلاف، فسار معهم إلى دير القمر ودفنوا القتلى، وحصل كثير من الزحليين ~~على تعويضات ومسلوبات بواسطته. # فما قدم الشتاء حتى كان الزحليون قد رمموا بعض بيوتهم ملتجئين إليها من صبارة ~~البرد ، وكانت الثلوج في تلك السنة كثيرة والبرد قارصا، ومما يذكر أن أبا حسون ~~الزرزور وزوجته وأولاده الستة قتلوا تحت أنقاض بيت هدم عليهم فلم يسلم منهم ~~أحد. # ولما رمم المطران متوديوس صليبا الأرثوذكسي كنيسة القديس نيقولاوس عقدا (قبوا) ~~على جدرانها القديمة هدمت، ثم أعاد تجديدها وتوسيعها بعد بضع سنوات بمساعدات روسية ~~وإحسانات سكان الإسكندرية التي ذهب إليها بنفسه وجمعها منها. # وكان الآباء اليسوعيون قد سكنوا ديرهم الحقير في المعلقة واستأجروا أبنية صغيرة ~~قربه للمدارس وأتموا تشييد الميتم (الذي هو الآن دار حكومة البقاع) قرب موقف القطار ~~(الحديدي)، وبعد سنتين جددوا عمار ديرهم ومدارسهم في زحلة. وقد جمعوا في ميتم ~~المعلقة كثيرا من ms154 الأيتام المنكوبين واعتنوا بهم اعتناء مذكورا. # 56 # وكان نابليون الثالث ملك فرنسة قد فاوض السلطان عبد المجيد العثماني بشأن القتلى ~~من الرهبان اليسوعيين في دير زحلة كما مر، فأمر السلطان فؤاد باشا أن يعطيهم ~~تعويضات، فسلمهم أرض تعنايل وكساره في جوار زحلة، وكانت أكثر أرضها مستنقعات؛ فبنوا ~~ميتم تعنايل ونقلوا إليه الأيتام من المعلقة، وأصبحت تلك الأرض بعنايتهم جنات ~~خصيبة. ومن أهم مستنبتاتها الجفنة الأفرنجية التي يباع معظم خمرها في ألمانية ~~وغيرها والفواكه البديعة، وفي هذا الميتم الآن نحو خمسين يتعلمون اللغتين العربية ~~والفرنسية ويمارسون الأعمال اليدوية من صناعة وزراعة. # وكانت الدار الأسقفية الكاثوليكية قد احترقت وفقدت كنيستها جمالها وزينتها، التي ~~كان معظمها قد أحضر من النمسة بسعي الخوري فيلبس نمير والخوري موسى مقحط اللذين ~~ذكرنا سفرهما إليها، فرممت. ويوم الثلاثاء في 29 نيسان سنة 1861 وصلت صورة سيدة ~~النجاة من النمسة عوض التي احترقت. ويوم الأربعاء في 31 تموز سنة 1861 نقل المطران ~~باسيليوس من دير النبي إلياس الطوق، حيث كان مقيما مدة الترميم إلى داره الجديدة. ~~وكان قد أصدر منشورا بتاريخ الخميس في 27 أيلول سنة 1860 إلى رعيته ليؤرخوا ~~بالحساب الغريغوري (الغربي) فشاع منذ ذلك الحين عند جميع الروم الكاثوليك. وهكذا ~~عادت زحلة في أثناء سنة إلى سابق رونقها مستعيدة حركتها التجارية شيئا ~~فشيئا. # ويوم الجمعة في 31 أيار سنة 1861 ترك العسكر الفرنسي زحلة قاصدا بيروت ومنها عاد ~~إلى بلاده. # وفي 17 تشرين الثاني سنة 1860 كان فؤاد باشا قد نصب يوسف بك كرم قائم مقام ~~النصارى عوض الأمير بشير أحمد إلى غير ذلك. # وهذه خلاصة ما كان من أعقاب حادثة الستين المشئومة لا أعاد الله مثلها على هذه ~~الأمة العثمانية المختلفة العناصر والمذاهب المحتاجة إلى جمع الكلمة والاتحاد، وفي ~~الاتحاد قوة على حد قول الشاعر: # وإذا تألفت القلوب على الهوى # فالناس تضرب في حديد بارد # | هوامش # | زحلة بعد سنة 1860 # أفضنا في تاريخ زحلة مطولا إلى هذا العهد القريب منا، ولهذا نجتزئ الآن مقتضبين الكلام ms155 ~~في ما هي عليه الآن زحلة التي لقبها فؤاد باشا العثماني «مدينة» كما مر لأسباب كثيرة ~~أهمها حسن موقعها وعمرانها وكثرة عدد سكانها ونشاطهم، فزحلة هي مدينة لبنان الوحيدة فيه في ~~كبرها وعدد سكانها وموافقة موقعها، وهي الآن مقر قائمية مقام منتسبة إليها مشهورة بنهرها ~~البردوني (البارد)، الذي يقسمها إلى شطرين وعلى ضفتيه المدينة بأبنيتها وقصورها الفخيمة ~~والأنزال (اللوكندات) البديعة والحدائق الغناء والمتنزهات الفيحاء، التي تجمع في الصيف ~~نخبة المصطافين من القطرين المصري والسوري يتخطرون في طرقها زرافات ووحدانا، وممتازة ~~بهوائها الجاف ونسيمها المنعش وعنبها اللذيذ ومعيشتها الهنيئة إلى غير ذلك مما تقدم تفصيله ~~في أوائل هذا التاريخ. # أما سكانها فمشهورون بقوة أجسامهم، وجرأتهم وحدة أمزجتهم العصبية والدموية، وطيب قلوبهم ~~وكرمهم وفروسيتهم وبسالتهم وحبهم للأسفار، وبراعتهم في التجارة وإقدامهم على تحمل المشاق ~~والمتاعب، وشدة ذكائهم في مجاراة المعاصرين بآداب العلوم وإتقان اللغات والفنون والصناعات، ~~وقد نبغ منهم الرؤساء والصحافيون والمؤلفون والمحامون والشعراء والكتاب والتجار والصناع، ~~وكان عددهم قبل سنة 1860 لا يتجاوز الاثني عشر ألف نسمة، فصار سنة 1887 ثمانية عشر ألفا، ~~واليوم نحو خمسة وثلاثين ألفا منهم نحو النصف في المهاجر، وهم يقسمون بالنظر إلى مواطنهم ~~الأصلية إلى لبنانيين ومعظمهم من قضائي المتن والشوف، وإلى بعلبكيين ومعظمهم من بعلبك وما ~~إليها من القرى، وإلى راسيين ومعظمهم من قرية رأس بعلبك، وإلى دحامرة ومعظمهم من الظهر ~~الأحمر إحدى قرى وادي التيم «والكلمة منحوتة محرفة»، وإلى مختلفي الموطن فبعضهم من حماة ~~وحمص، والآخرون من ديار بكر وغيرهم من بعض جهات سورية الأخرى، وهم من الطوائف الكاثوليكية ~~والأرثوذكسية والمارونية والإنجيلية والمسلمية، وبعض السريان الكاثوليكيين والأرثوذكسيين ~~وعدد مكلفيهم نحو 4257 شخصا. وجميعهم يرجعون إلى أسر (عيال) معروفة بعضها كثيرة العدد ~~والأخرى قليلته، # 1 # ومساحة عقاراتهم 2147 درهما وبيوتهم نحو أربعة آلاف، ومدينتهم منظمة تحتاج إلى ~~بعض إصلاحات تزيدها جمالا وعمرانا وتوفية للبحث التاريخ حقه من الاستيعاب نشير الآن إلى ~~شئونها العامة باختصار ... ~~(1) حالتها الإدارية # لما نظمت متصرفية لبنان وأسند حكمها إلى داود باشا ms156 الأرمني أول متصرفيها، وذلك في 10 ~~حزيران سنة 1861 صارت زحلة مقرا للمدير الذي كان إذ ذاك بمثابة قائم مقام، وكان ~~يتبعها البقاع الغربي والشرقي على نحو ما كانت في عهد قائميتي المقام (قاعدة الشوف ~~البياضي). # فكان أول مدير (قائم مقام) تولى إدارة شئونها الأمير عبد الله أبو اللمع سنة 1861، ~~وسنة 1862 سارت العربة بينها وبين بيروت. ويوم الأحد في 10 ك 2 سنة 1864 توفي السيد ~~باسيليوس شاهيات أسقف الروم الكاثوليك عن نحو 67 سنة صرف معظمها في خدمة هذه المدينة ~~وعمرانها ونجاح سكانها، فدفن بعد ظهر ثاني يوم الاثنين باحتفال يليق به. # 2 # ويوم الثلاثاء في 26 ك 2 من هذه السنة جاء زحلة داود باشا متصرف لبنان، ~~فعزل مديرها الأمير المذكور، ونصب عوضه سليم الصوصه الكاثوليكي من دير القمر، ورتب فيها ~~مجلسين إدارة وجزاء «جناية»، وعين للأعضاء رواتب كما كان الحال في جميع لبنان. # وفي شهر أيار من تلك السنة صارت مساحة عقاراتها. وفي 15 أيار من تلك السنة زارها ~~أولاد ملكة الإنكليز (ڤكتورية) ونزلوا في خيامهم على البيادر واستقبلوا بحفاوة. وفي 8 ~~تموز سنة 1865 عزل الصوصه ونصب عوضه حنا زلزل من بكفيه، وسمي قائم مقام فصارت زحلة ~~قائمية مقام # 3 # إلى يومنا. وزارها جميع المتصرفين وكثير من المشاهير، وسنة 1866 كان الخوري ~~جرجس عيسى الزحلي رئيسا للمدرسة البطريركية في بيروت التي شيدها، # 4 # وسنة 1867 غرم الزحليون بمائة ليرة فرنسية لمخاصمة بعض أسرهم وعمروا جسر ~~الصلح، وسنة 1868م نصب فرنكو باشا وسلخ البقاع عن زحلة، فصارت قائمية مقام بنفسها ، ~~وأنشئ فيها تلغراف بخمسة أسلاك إلى بيروت وبعبدا وبيت الدين وبعلبك ودمشق. وسنة 1870 ~~اشتد غلاء الحبوب فيها، فبيع مد الحنطة بأربعين غرشا فأصدرت زحلة نحو أربعين ألف مد ~~معظمها إلى دمشق وحوران. وسنة 1873 من 25 كانون الأول إلى 6 نيسان سنة 1874 كان سقوط ~~الثلج متواصلا، فسدت الطرق وضويق الناس والمواشي، وبيع جوالق (يالق أو خيشة) التبن ~~بستين غرشا، ورطل الفحم بغرشين ونصف، ورطل ms157 الأرز باثني عشر غرشا، وارتفعت جميع أسعار ~~الحاجات. # وفي شهر أيار صار ثمن مد الحنطة ثلاثة وثلاثين غرشا، والذرة خمسة وعشرين، والشعير ~~خمسة عشر غرشا. وسنة 1879 نظم رستم باشا فيها المفوض البلدي (المجلس البلدي)، وخصص له ~~ثلث دخل الحسبة ودخلا آخر وافرا، ورتب الذبحية غرشا على كل ذبيح. وسنة 1880 كثر ~~الغلاء والثلج والبرد وضويق الزحليون. وسنة 1882 نشبت الحوادث العرابية في القطر ~~المصري، فجاء زحلة كثير من سكانه فلاقوا من كرم الوفادة وحسن الحفاوة ما حملهم على قصد ~~ربوعها في كل عام للاصطياف، وكان ذلك بدء قدوم المصريين إلى زحلة ولا سيما في السنة ~~التالية، إذ تفشى الهواء الأصفر في مصر وسورية. وفي شتاء هذه السنة كان صاحب الدولة ~~فوزي باشا السر عسكر العثماني مسافرا من دمشق إلى بيروت فأوقفته الثلوج الكثيرة في ~~شتوره، فأمر رستم باشا الزحليين أن يرسلوا فعلة لجرف الثلج من أمامه ويدعوه إلى زحلة ~~فنزل فيها ضيفا كريم المثوى، وحضر الامتحان الانتصافي في المدارس الأسقفية ~~الكاثوليكية، فسر جدا من نجاح الطلبة وخطب فيهم محرضا إياهم على ~~الاجتهاد. # وسنة 1883 أبدل أعضاء المفوض البلدي الشيوخ بشبان وبدئ بمد طريق العربات منها إلى ~~المعلقة متصلة بطريق بعلبك، وبنيت القنوات (السياقات) لحمل الأقذار. ترتب على كل مكلف ~~(من يدفع المال الأميري) ريال مجيدي وعلى كل ذبيح (رأس غنم) خمسة غروش أنفقت في إصلاح ~~البلدة. وسنة 1884 في شهر نيسان ذهب أول مهاجر زحلي إلى أمركة واسمه حبيب أبو جودة، ~~فانفتح لسكانها باب المهاجرة، وفيها إذن السيد أغناطيوس ملوك ببناء كنيسة القديس يوحنا ~~في عين الدوق للرهبنة الحلبية في محلها الحالي. وسنة 1885 أمر واصه باشا ببناء دار ~~الحكومة في محلة البيادر بزمن إسكندر أفندي الحداد الجزيني قائم المقام. فقدمت النفقة ~~من صندوق البلدية وأنجزت سنة 1888 ودشنها واصه باشا في 11 تشرين الأول ونقش على بابها ~~تأريخ بقلم الدكتور بشاره زلزل اللبناني # 5 # ورصفت السوق الجديدة المعروفة بسوق البلاط وأصلحت الطرق. وسنة 1889 كثرت ~~مهاجرة الزحليين إلى ms158 أمركة وأوسترالية، وفشا السفر بين سكانها فكان الفقراء يرهنون ~~بيوتهم ويسافرون. وسنة 1890 كان معرض باريس العام فربح فيه التجار الزحليون، وزال عسرهم ~~المالي لانفتاح أبواب الربح لهم، وفيها مدت طرق العربات في أكثر أحيائها وصارت العربات ~~والعجلات (الكارات) تدخل السوق. وسنة 1891 تفشت الهيضة (الهواء الأصفر) في دمشق ~~وضويقت زحلة بالنطاق الصحي الذي ضرب عليها، وهجم السكان على دار الحكومة بزمن قائم ~~مقامها الشيخ حبيب لطف الله وأبرقوا لمتصرف لبنان واصه باشا فرفع النطاق بعد شهرين من ~~وضعه. وسنة 1895 أصلحت جميع طرقها وراجت أعمالها، وشرع بمد طريق العربات حول متنزهاتها، ~~فأنجز بعد سنة بعهد الشيخ حبيب لطف الله قائم مقامها، وزرع على جانب الطريق أشجار ~~الأزدرخت (الزنزلخت) على أنه لم يعتن بها مع أنها مفيدة كثيرا للتظليل، ولحمل الغبار ~~الذي يتطاير فيعمي العيون؛ فضلا عما هنالك من موارد الحطب الذي يقطع منها، فحبذا توجيه ~~النظر إلى العناية بها. وكثرت متنزهاتها وارتاح إلى الاصطياف فيها كثير من المصريين ~~والسوريين، وعاد إليها كثير من أبنائها المهاجرين بأموال وافرة. وفي هذه السنة كانت ~~السكة الحديدية بين بيروت ودمشق وحوران قد أنجزت فراجت أعمال زحلة المجاورة لمحطة ~~المعلقة الكبرى إذ ذاك. وصباح الأربعاء في أول تشرين الأول من هذه السنة (1895) احترق ~~أربعة مخازن كبيرة من مخازن سوق البلاط فيها، فقدرت الخسارة بنحو ألفي ليرة، فأمر نعوم ~~باشا متصرف لبنان إذ ذاك باستبدال الفواصل والحواجز الخشبية أو اللبنية بين المخازن ~~بفواصل وحواجز حجرية، فلم يعمل المرممون بذلك. فتجدد الحريق في ليل الخميس في 27 أيار ~~سنة 1896 وعم معظم السوق، فكانت الخسارة نحو خمسة آلاف ليرة فبنيت الحواجز جميعها من ~~حجر ورصف السوق بالبلاط. وسنة 1897 عمر جسر الصفة (قرب لوكندة الصحة). # وسنة 1898 كثر الثلج والجمد، ووقف القطار الحديدي ثلاث مرات عن مسيره بين بيروت ~~ودمشق، وبقي الثلج إلى أواخر شباط وتضايق الزحليون. وفيها بني جسر الدباغة (قرب حارة ~~التحتا) وذلك في زمن متصرفية نعوم باشا. وسنة 1898 كان بدء نهضتها العلمية ms159 والفضل بذلك ~~للكلية الشرقية التي أنجزت تشييدها في هذه السنة الرهبنة الحناوية، وفتحت أبوابها ~~للطلبة كما سنذكر في بحثنا عن المدارس. وكانت قد أسست صحافتها في المهجر كما سترى في ~~باب الصحافة. # وسنة 1899 مر بالمعلقة جلالة غليوم الثاني إمبراطور ألمانية، فلاقاه الزحليون ~~ونالوا لديه حفاوة وأعجب بفوارسها، ولا سيما نجيب بك المعلوف (اليوزباشي اللبناني ~~الآن) وسليم أفندي جرجس مسلم، فإن جلالة الإمبراطورة أخذت بيدها رسمهما أمام خان بيت ~~شاما وهما ذاهبان إلى بعلبك. وسنة 1900 أنشأ فارس أفندي البحنسي الزحلي أحد متخرجي ~~كليات الولايات المتحدة مقرأة (غرفة للقراءة)، وعطلت بعودته إلى أميركة. وسنة 1901 ~~أنشأ يوسف أفندي المشعلاني نزيل زحلة مكتبة (التقدم) وجهزها بالكتب العربية ~~والإفرنجية والأدوات المدرسية. وسنة 1903 أنشأ مرسلو الأميركان فيها مقرأة (غرفة ~~للقراءة) مجانية وجهزوها بأهم المؤلفات والمجلات والجرائد باللغتين العربية ~~والإنكليزية. وفي أواخرها أنجزت الرهبنة الحناوية ترميم دير النبي إلياس (الطوق) ~~وسنمته (سقفته بالقرميد)، وذلك في عهد رئيسه الأب أونيسيموس صوايا (سيادة اثناسيوس ~~مطران بيروت ولبنان الحالي)، وهندسه المدبر الأرشيمندريت يعقوب الرياشي، فكانت أبنتيه ~~بغاية الإتقان، أما الكنيسة فبقيت على بنائها القديم منذ نشأتها مكتنفة بدعائم متينة، ~~وقد نقش فوق بابها الشرقي تاريخ بقلم الشيخ ناصيف اليازجي. # 6 # وفي أواخر سنة 1905 كثرت الثلوج واشتد البرد ووقف القطار الحديدي أحد عشر يوما، وقرص ~~البرد في الجروم (السواحل) حتى إن مياه نهر الكلب جمدت في صهاريجها، ومات كثيرون ~~صردا (دنقا). وفي 3 نيسان سنة 1906 تجدد سقوط الثلج، ووقف القطار ثلاثة أيام وبقي ~~البرد شديدا إلى يوم عيد الفصح في 15 نيسان، وكان في تلك السنة زلزال سان فرانسيسكو ~~وهياج البراكين. وفي 8 تشرين الأول سنة 1906 حفر أساس المستشفى الوطني في زحلة الذي ~~أنشأته جمعية المحبة (دفن الموتى) الكاثوليكية. وفي 21 منه تلك السنة وضع أول حجر في ~~أساس كنيسة السريان الكاثوليك في حوش الزراعنة. وفيها أنجزت أبنية الأنزال (اللوكندات) ~~الجديدة الكبيرة بجوار عين الدويليبي على ضفة النهر الشمالية، فكانت من أفخم الأنزال ~~وأتقنها ms160 وأجملها موقعا وشيد أمامها الجسر الحديدي الجديد. وفي أوائل سنة 1907 اشتد ~~البرد والجمد وكثر الثلج ووقف القطار الحديدي، وبقي الجو مكدرا إلى أواخر أيار. ومساء ~~السبت في 18 أيار منها وصل تمثال البطريرك بطرس الرابع الجريجيري الكامل من الشبه ~~(البرونز)، وهو هدية المهاجرين الزحليين في أميركة الشمالية والجنوبية، فنصب نهار ~~الثلاثاء في 16 حزيران سنة 1908 في باحة الدار الأسقفية على قاعدة من الرخام الجميل، ~~وأرخ ذلك مؤلف هذا التاريخ بيتين، # 7 # وهذا التمثال قد سبك في ميلانو «إيطالية» علوه نحو مترين، وارتفاع قاعدته ~~نحو متر ونصف يمثله تمثيلا بديعا بحلته الكهنوتية وعلى رأسه «اللاطية»، وهو يبارك ~~بيمناه وعصا الرعاية في يسراه. وفي صيف سنة 1907 بدئ بجر مياه الزويتيني إلى أحياء ~~زحلة، وعقدت الحكومة عهدا بشروط معلومة بتاريخ 7 نيسان سنة 1323 مع الخواجات فرنسيس ~~راهبه وولده وإسكندر أسعد جاويش، فدشن خزان (حاووز) الماء يوم الأحد في أول آب سنة 1907 ~~بحفلة حافلة. وأرخ ذلك عزتلو إلياس بك الباشا قائم مقام زحلة بأربعة أبيات نقشت على ~~صدر الصهريج. # 8 # وفي 14 تشرين الثاني من تلك السنة «1907» احترق السوق الجديد الذي بناه في ~~زحلة سعادة الأمير قبلان أبي اللمع، فالتهمت النيران ستة دكاكين، وكانت الخسارة نحو ~~خمسة آلاف ليرة، وفيها اشتد البرد وكثر الجمد. وفي أوائل سنة 1908 توالى سقوط الثلج ~~بكثرة ووقف القطار. وفيها أسس الآباء اليسوعيون مرصدا فلكيا في كساره (قرب زحلة إلى ~~جنوبيها) على علو 923 مترا عن البحر، واشتهر هذا المرصد الذي حضرت آلاته على آخر طرز ~~بدقة إرصاده وذلك لجفاف الجو وعدم التبخر وقلة الضباب، وهو بإدارة مؤسسه الأب برلوتي من ~~ليون (فرنسة) ومن مشاهير الرياضيين، وفي كل شهر يرسل تقويما بأرصاده إلى جميع مراصد ~~العالم. وفي صيف هذه السنة أسس «محفل زحلة» الاسكتلندي (نمرو 1047) الماسوني. # وفي أول آب سنة 1909 أنشأ فارس أفندي مشرق الشويري اللباني مع لجنة زحلية وطنية ~~معرضا عاما في زحلة إلى جنوبي نزل (لوكندة) عين الدوق، وقد جمع نفائس ms161 الصناعات ~~الوطنية من فلسطين وسورية ولبنان، وتقاطر الناس إلى زحلة في ذلك الصيف وأقفلت أبوابه في ~~أول تشرين الأول. وفي 20 تشرين الأول سن 1909 طاف نهر البردوني وأضر بالعقارات والأبنية ~~وهدم بعض الجسور، وعاد السيل طاميا في أواسط تشرين الثاني حتى خرت منه مرافض ~~الأودية، وكثرت الخسارة في الأراضي التي جرفتها المياه والسيول. وفي صيف سنة 1910 أسس ~~محفل «الحرية والاعتدال» العثماني الماسوني (نمرو 13)، وشاعت في زحلة المبادئ ~~الماسونية. # وفي أواخر سنة 1910 وأوائل سنة 1911 سقط ثلج كبير في أثناء أربعين يوما متواصلة ~~وتراكم على الأرض زمنا طويلا، وأوقف القطار كل تلك المدة بين بيروت ودمشق وضويقت ~~زحلة، ولكن لم يحدث فيها غلاء مثل غيرها كحلب ودمشق وبعض المدن الأخرى. وفيها أنجزت ~~الدار الأسقفية الكاثوليكية بعناية السيد كيرللس مغبغب، وفيها أنجز سيادة المطران ~~جرمانوس شحاده أسقف زحلة الأرثوذكسي بناء الدار الأسقفية على طرز جميل متقن. وفي ربيع ~~هذه السنة 1912 وصلت من نيويورك الساعة الدقاقة الكبيرة التي أهدتها السيدة نجلاء ~~المطران الزحلية عقيلة قيصر أفندي الصباغ إلى الدار الأسقفية الكاثوليكية، وستنصب فيها ~~قريبا. وفيها باع الرهبان الحناويون الأرض الواقعة بين جسر عين الدويليبي وجسر الصلح، ~~فابتاع المفوض البلدي منها محل الحديقة (المنشية)، وسيبدأ بترتيبها قريبا. وفيها ابتدأ ~~الرهبان المذكورون بتشييد نزل (لوكندة) من أفخم أنزال المدينة عظما وهندسة وإتقانا، ~~وهو على ضفة النهر الجنوبية إلى غربي جسر عين الدويليبي ومقابل الأنزال الجديدة. # وفي أواخر نيسان وأوائل أيار منها حدثت عواصف وأنواء شديدة في كثير من جهات سورية ~~وسقط ثلج وبرد؛ فأتلف الكروم والتوت، ولا سيما في زحلة والصرود و(الجرود) العالية وأضر ~~بالزروع. وغرقت الباخرة تيتانيك الإنكليزية بصدمة جبل جمدي من القطب الشمالي، وغرق من ~~ركابها نحو ألف وستمائة بينهم نقولا نصر الله من زحلة وسلم نحو ثمانيمائة بينهم السيدة ~~أدال أرملة نقولا المذكور. وتيتانيك أعظم باخرة ونكبتها أعظم نكبة. # وقد تولى إدارة قائمية مقام زحلة منذ تنظيم المتصرفية إلى الآن كل من الأمير عبد ~~الله أبي اللمع من ms162 فالوغة، وسليم الصوصه من دير القمر، وحنا زلزل من بكفيه بمدة متصرفية ~~داود باشا الأرمني، وكان قائم المقام يسمى مديرا إلى زمن ثالثهم حنا زلزل، فسمي ~~قائم مقام وبقي ذلك إلى يومنا، ثم تولى فارس زلزل من بكفيه، وخليل الجاويش من دير ~~القمر، والأمير مجيد شهاب من كفر شيمه بزمن فرنكو باشا، وحبيب العكاوي من دير القمر، ~~وملحم الشميل من كفر شيمه بزمن رستم باشا، وإسكندر الحداد من جزين، والشيخ حبيب لطف ~~الله من بطشيه، وإلياس بك الباشا من دير القمر بزمن واصه باشا، والشيخ حبيب لطف الله ~~(ثانية)، وإلياس بك الباشا (ثانية)، وسليمان أفندي الجاهل من دير القمر بزمن نعوم ~~باشا، والشيخ حبيب لطف الله (ثالثة)، وإبراهيم بك أبي خاطر من زحلة، ثم سليمان أفندي ~~الجاهل (ثانية) بزمن مظفر باشا، ثم إلياس بك الباشا (ثالثة)، وبطرس بك كرامة من دير ~~القمر، وخليل بك مراد مسلم قائم المقام الحالي من زحلة بزمن صاحب الدولة يوسف باشا ~~فرنكو المتصرف الحالي. # وكان في مديرية زحلة بمدة داود باشا مجلس مؤلف من حبيب بك العن من الروم الكاثوليك، ~~وإبراهيم البحمدوني من الأرثوذكس، وناصيف جدعون من الموارنة، وعبد الوارث من المسلمين، ~~وجميعهم من زحلة. وكان رئيس المجلس سليم الصوصه قائم المقام. ثم بعد أن صارت المديرية ~~قائمية مقام صار القاضي في محكمتها جبران مشاقة من دير القمر، ثم نخله (مخايل) زلزل من ~~بكفيه وجبران مشاقة (ثانية)، وملحم زلزل من بكفيه، ونخلة زلزل (ثانية)، وأسعد جبور ~~المعلوف من كفر عقاب، والأمير مجيد شهاب (الذي كان قائم مقام)، وأسعد بك زلزل من بكفيه، ~~وداود أفندي عيسى من دير القمر، والأمير مجيد شهاب (ثانية)، وإسكندر أفندي الجاويش من ~~دير القمر، وسليم بك أسعد المعلوف من كفر عقاب أيضا، ثم سليمان أفندي أبو خالد من زحلة ~~وهو الرئيس الحالي. # ومعلوم أن حكومة زحلة تؤلف الآن من قائم مقام ورئيس محكمة كاثوليكيين، وعضوين ~~أرثوذكسي وماروني، وكتاب من الكاثوليك، وانتخابها الإداري هو خاص بها لا يشاركها فيه ~~قضاء آخر. فقضاء ms163 زحلة ليس فيه مديرين ولا شيوخ صلح، فلهذا يكون انتخاب العضو الإداري ~~فيه بأكثرية واحد وأربعين صوتا توزع على حاراتها العشر هكذا: حارة الراسية سبعة ~~أصوات، وحارة سيدة النجاة (المعالفة) ثلاثة، وحارة مار إلياس المخلصية (الضيعة) سبعة ~~أصوات ستة منها يشترك بها معها حوش الأمراء وصوت للمسلمين، وحارتا مارانطونيوس والقديسة ~~تقلا معا ثلاثة، وحارتا مار مخايل ومارجرجس معا أربعة، وحارة سيدة البربارة صوتان، ~~وحارة الميدان صوتان، وحوش الزراعنة صوت، وجميعهم من الروم الكاثوليك، وأما الموارنة ~~فستة أصوات، والأرثوذكسيون ستة أيضا، وأصوات هاتين الطائفتين مشتركة في جميع الحارات، ~~فلا يمكن حصرها في إحداها، فتوزع كل حارة أصواتها على مكلفيها؛ فيتراوح معدل الصوت ~~غالبا بين الثلاثين والأربعين مصوتا من الحاضرين لا الغائبين، فيكون التصويت ~~إفراديا، ويترجح الانتخاب لمن ينال واحدا وعشرين صوتا فما فوق، وقد انتخب للمجلس ~~الإداري الكبير على هذه الطريقة في أثناء كل ست سنوات # 9 # كل من عبد الله أبي خاطر، فاستقال وخلفه عبد الله مسلم وسليم المطران، ~~وناصيف غره، وإبراهيم باشا نعمان المعلوف، وإبراهيم بك عساف مسلم، ونعمان المعلوف، ~~ويوسف بك البريدي العضو الحالي (ثلث)، ولهم جميعهم مشاريع مفيدة للبلدة لا تزال ناطقة ~~بفضلهم، فسليم المطران أوصل طريق العربات من شتوره إلى زحلة وبنى جسر الصلح. وناصيف غرة ~~أحال ثلث دخل قلم الحسبة إلى المفوض البلدي. وإبراهيم باشا المعلوف قرر الحدود بين ~~ولاية سورية الجليلة ومتصرفية لبنان من جهة البقاع وبناء دار الحكومة الحالية، وأوصل ~~طريق المعلقة إلى زحلة. ونعمان المعلوف أرجع لبلدية زحلة 30 ألف غرش كانت موقوفة في ~~صندوق النافعة من مال الفاعل (المكلف) لإصلاحات البلد، وبنى جسر الصفة، وسعى بجر المياه ~~إلى زحلة، ثم زادت الشركة ثمن المتر مخالفة لشروطها الأولية فأبى الزحليون، فغرمتهم ~~الحكومة بقيمة 1200 ليرة عثمانية تعويضا على الشركة وتوقف العمل. ويوسف بك البريدي ~~أحال ثلثي دخل الحسبة الباقيين في صندوق النافعة إلى المفوض البلدي، وبنى جسري عين ~~الدويليبي والدباغة، وسعى بجلب مياه نبع الزويتيني إلى البلدة ووزع في أحيائها، ونال ~~امتياز ms164 الكهربائية وسعى بإنشاء حديقتي البردوني والبيادر. ومما ينتقد في طريقة هذا ~~الانتخاب تفشي الانقسامات والتحزبات إلى وقت طويل مما قد يفضي إلى العداوات ~~الشديدة. ~~(2) شئونها الدينية # نبغ من الزحليين عدد من رؤساء الأساقفة والأساقفة ورؤساء الرهبانيات العامين ~~والمدبرين ورؤساء الأديار والمدارس والمؤلفين وغيرهم من أرباب التقوى التي عرف الزحليون ~~بها منذ القديم. فممن نبغ منهم المطوبا الذكر السيد بطرس الرابع الجريجيري بطريرك ~~أنطاكية وإسكندرية وأورشليم للروم الكاثوليك، # 10 # المشهور بتقواه وغيرته ومعارفه الواسعة، والسيد غريغوريوس عطا رئيس أساقفة ~~حمص وحماة ويبرود صاحب التآليف الكثيرة، # 11 # وسيادة الحبرين السيد أكليمنضوس المعلوف مطران بانياس وما يليها، # 12 # والسيد بولس أبي مراد مطران دمياط، والنائب البطريركي في رومية، ثم في ~~القدس الشريف لطائفة الروم الكاثوليك، والخوري مرتينوس المعلوف، # 13 # والخوري ديمتريوس الجامد، والخوري باسيليوس صوايا، وحضرة الأرشيمندريت ~~سليمان الشامي من رؤساء الرهبنية الباسيلية القانونية المعروفة بالشويرية، والخوري ~~سليمان النمير، والخوري مخايل بشاره المعلوف # 14 # اللذان تعاقبا في الرئاسة العامة على الرهبانية المخلصية منذ سنة ~~1898. # والخوري مخايل مقصود الخطاط المشهور، # 15 # والخوري بطرس القطيني وكيل المطران باسيليوس شاهيات، # 16 # والخوري فيلبس النمير، والخوري جرجس عيسى، والآباء المدبرون ورؤساء الأديار ~~أندراوس حجي، ومرقص القاصوف وبنادكتوس السرغاني، ومكاريوس الحاج نصر، ومخايل البركس، ~~وجبرايل الوف، ويوسف الشامي، وفيلبس الصيقلي، والأخ حبيب مقصود اليسوعي وغيرهم، والأب ~~لويس المعلوف # 17 # اليسوعي مدير جريدة البشير ومؤلف معجم «المنجد»، والأرشيمندريت مخايل الوف ~~صاحب المؤلفات المفيدة وجميعهم من طائفة الروم الكاثوليكيين. والإيكونوموس نقولا ظاهر ~~المشهور بتقواه وغيرته الذي تولى نيابة أسقفية سلفكية (زحلة وصيدنايه ومعلوله) ~~الأرثوذكسية نحو أربعين سنة، وتوفي في 19 آذار سنة 1882م. والإيكونوموس نقولا الصفدي ~~المعروف بإقدامه ونشاطه المتوفى منذ بضع سنوات. والقس لويس البعبداتي النائب البطريركي ~~في رومية، والقس ملاتيوس نكد رئيس مأوى (أنطوش) القديس يوسف لرهبنته، وهما من الرهبنة ~~الأنطونية المارونية وغيرهم من أدباء الكهنة. وقد أصلح كثير من مقاماتها الدينية ~~وكنائسها وأديارها لجميع الطوائف. # وأسس فيها كثير من الأخويات والجمعيات الخيرية للطوائف الثلاث، مثل جمعية «بزوغ ms165 شمس ~~الإحسان» الأرثوذكسية المؤسسة سنة 1884، وجمعية «شركة الإحسان» الكاثوليكية سنة 1885. ~~وجمعية «القديس منصور دي بول» في تلك الأثناء، وجمعية «الاتحاد الروحي» الأميركانية ~~للشبان وجمعية «الخياطة»، التي أسستها المرحومة عقيلة وليم جسب لإعداد ثياب للفقراء ~~وكلتاهما سنة 1900، وجمعية المحبة «دفن الموتى» الكاثوليكية سنة 1902، وجمعية «نصرة ~~الفقير» الأرثوذكسية سنة 1905، وجمعية «دفن الموتى» المارونية، وجمعية «بنات الشففة» ~~الأرثوذكسية سنة 1907، و«الجمعية الخيرية الإنجيلية» في تلك السنة أيضا. وجمعية «جان ~~درك» لراهبات قلبي يسوع ومريم اليسوعيات لإغاثة الفقراء منذ بضع سنوات، وقد أقامت هذه ~~الجمعيات حفلات تمثيلية وخطابية في أوقات مختلفة، فضلا عن بعض الجمعيات للنساء والذكور ~~من جميع الطوائف مما لم يطل عهدها. ~~(3) نهضتها الأدبية والعلمية # مدارسها # كانت زحلة في النصف الأول من القرن التاسع عشر الماضي تتنازع سكانها الحروب ~~الأهلية والتحزبات، فشغلهم ذلك عن الميل إلى العلوم، وكانوا يتلقون مبادئها على بعض ~~الرهبان ولا سيما الآباء اليسوعيين، ولكن لما أسس أحد أبنائها الخوري جرجس عيسى ~~السكاف الراهب الحناوي المدرسة البطريركية في بيروت، وترأسها سنة 1866، تنبه ~~الزحليون بواسطة وطنيهم هذا إلى وجوب تلقن المعارف والعلوم، ثم ترأسها من الزحليين ~~الخوري فيلبس النمير، وأدارها الخوري بطرس الجريجيري «البطريرك»، فشاع التعلم بين ~~نفر قليل من سكانها، إلى أن أنشأ الخوري بطرس الجريجيري في 2 كانون الأول سنة 1867 ~~المدرسة الفرنسية في زحلة، فتخرج على يده كثير من الشبان الذين كانوا يتمون علومهم ~~في مدارس بيروت ولا سيما البطريركية منها، فكثر المتأدبون والمتخرجون باللغتين ~~العربية والفرنسية وببعض العلوم. وسنة 1887 أنشأ القس دال المرسل الأميركي بمساعدة ~~رفيقه غرينلي مدرسة داخلية في زحلة بقيت سنة واحدة، وأهملت على أثر وفاة ~~منشئها. # وسنة 1889 أنشأ المطران جراسيموس يارد الأرثوذكسي مدرسة داخلية، ولم يطل عهدها ~~أيضا فطوي أمر المدارس الداخلية إلى أن استفزت الحمية الأدبية الرهبنية الحناوية ~~الشويرية الكريمة فشيدت «الكلية الشرقية» على رابية في غربي المدينة بعناية سيادة ~~رئيسها العام الإيكونوموس يوسف الكفوري ومدبرها، وقد هندسها ووقف على بنائها حضرة ~~الأرشيمندريت يعقوب الرياشي أحد مدبري الرهبنة إذ ذاك، فكانت ms166 أبنيتها فخيمة اتفق ~~عليها نحو عشرة آلاف ليرة وجهزت بالمعدات المتقنة وأرخها الشيخ إبراهيم اليازجي ~~بأبيات نقشت في صدر مدخلها، # 18 # وأرخها مؤلف هذا التاريخ ببيتين لينقشا فوق بوابتها الشرقية ~~الكبرى، # 19 # وفتحت أبوابها للطلبة في أوائل تشرين الأول سنة 1898، وتناوب رئاستها ~~كل من حضرة مهندسها الأرشمندريت يعقوب الرياشي، فالخوري بولس الكفوري سنة 1899، ~~والأرشمندريت ساروفيم الشميل سنة 1907، والأرشمندريت مخايل شمعة سنة 1908، والخوري ~~كرنيليوس الرياشي سنة 1909، والأرشمندريت المدبر أرشيبوس الزرزور سنة 1911، وكان ~~مؤلف هذا التاريخ منذ أول إنشائها إلى الآن مدرس آداب العربية والخطابة لحلقاتها ~~العليا، ودرس فيها مدة الرياضيات واللغة الإنكليزية، فتخرج في هذه المدرسة كثير ~~من شبان زحلة وغيرها وكانوا في مقدمة المشتغلين بالأعمال المفيدة بنشاط ~~وذكاء. # ومن مدارس زحلة مدرسة الدار الأسقفية الكاثوليكية للذكور وهي قديمة، خرجت ~~كثيرين من الأدباء ولا سيما في رئاسة الجريجيري والأرشمندريت مخايل الوف، وهي اليوم ~~راقية بعناية السيد كيرللس المغبغب الذي وسع نطاقها. ومنها مدارس الطائفة ~~المارونية، ولا سيما مدرسة مار يوسف الأنطونية التي سعى بترقيتها الأب ملاتيوس نكد ~~الزحلي المار ذكره، وقد سافر بالرخصة إلى أميركة لجمع الإحسان لتعزيزها، وكذلك ~~مدرسة الآباء اليسوعيين من أقدم المدارس التي أفادت المدينة، وقد حولت منذ أعوام ~~إلى نصف داخلية، ومدرسة الراهبات الداخلية للإناث، ومدرسة الإناث الأسقفية الخارجية ~~الكاثوليكية ومدارس الأرثوذكس للذكور والإناث، وهي الآن بإدارة جمعية فلسطين ~~الروسية، وكذلك مدارس الأميركان للذكور والإناث وأقدمها مدرسة البنات التي أسستها ~~المس بوين طمسن في بيروت سنة 1860، ونقلتها إلى زحلة سنة 1865 وجميعها راقية ~~مزهرة. # مكاتبها # كان في الدار الأسقفية الكاثوليكية وفي ديري مار إلياس (الطوق) الحناوي ومار ~~إلياس (الضيعة) المخلصي، وفي دير الآباء اليسوعيين كتب مخطوطة نفيسة أحرقت ونهبت ~~في سنة 1860، وبقاياها قليلة ليست بذات شأن، وأهم مكاتبها التي تجددت بعد ~~ذلك: ~~(1) # مكتبة الدار الأسقفية الكاثوليكية، وفيها نحو ألفي مجلد جددها السيد ~~كيرللس مغبغب، ومعظمها في التاريخ الكنسي واللاهوت والعقائد باللغات ~~اللاتينية والفرنسية والعربية وفيها بعض المخطوطات الدينية. ~~(2) # مكتبة الدار الأسقفية الأرثوذكسية، فيها نحو ألف مجلد بينها ms167 كثير ~~باللغة الروسية، والباقي بالعربية واليونانية وفيها بعض المخطوطات ~~الدينية. ~~(3) # مكتبة دير الآباء اليسوعيين، فيها نحو أربعة آلاف مجلد من المطبوعات ~~في اللغات اللاتينية والفرنسية والعربية، ومخطوطاتها نقلت إلى ديرهم ~~في بيروت. ~~(4) # مكتبة دير النبي إلياس (الطوق)، فيها نحو ستمائة مجلد بينها كثير من ~~المخطوطات الدينية، وفيها بعض شروح الأجرومية والتفتازاني ونحو ~~ذلك. ~~(5) # مكتبة دير النبي إلياس المخلصي، ليست بذات شأن الآن؛ لأنها نقلت إلى ~~ديرهم الكبير. ~~(6) # مكتبة الكلية الشرقية، فيها نحو خمسمائة مجلد باللغات العربية ~~والفرنسية والإنكليزية، بينها مخطوطات قليلة، ومن أهم مطبوعاتها ~~«مجموعة الفنون العربية» مصورة ملونة في ثلاثة مجلدات ضخمة، ولها شرح ~~إفرنسي بمجلد واحد. ~~(7) # مكتبة الموارنة في ديريهم مار أنطونيوس البلدي ومار يوسف ~~الأنطونياني، وهي مطبوعات حديثة دينية. ~~(8) # مكتبة المرسلين الأميركان، فيها أكثر من ألفي مجلد معظمها ~~بالإنكليزية والعربية، ولكن في مكتبة القس وليم جسب نزيل زحلة الآن قسم ~~ذو شأن من مكتبة المرحوم والده هنري جسب، فيه مطبوعات عربية نادرة وبعض ~~المخطوطات. ~~(9) # مكتبة الخوري فيلبس النمير الزحلي نحو خمسمائة مجلد معظمها باللغة ~~النمسوية، وبينها بعض المخطوطات الدينية ومنها رحلته إلى النمسة في ~~أربعة مجلدات، ولكنها فقدت بفقده؟ ~~(10) # مكتبة فدعا المعلوف نحو ألف مجلد معظمها كتب تاريخية عربية من نوادر ~~المطبوعات، وقد فقدت أيضا بفقده. ~~(11) # مكتبة عيسى إسكندر المعلوف مؤلف هذا التاريخ فيها نحو ألفي مجلد ~~باللغات العربية والإنكليزية والفرنسية، وبينها كثير من نفائس ~~المطبوعات. أما مخطوطاتها فنحو ثلاثمائة بينها كثير من النوادر مثل ~~كتاب «جامع الفنون وسلوة المحزون» على نمط دائرة معارف عربية لابن شبيب ~~الحراني، و«الحكم» لأبي الليث السمرقندي، و«شرح قاضي زاده على ~~الجغمين» في علم الفلك، وهي نسخة متقنة الخط والتصوير والحواشي، و«نزهة ~~المحبين» لابن قيم الجوزية، و«مقالات القديس يوحنا الدمشقي» مصورة ~~بالزيت و«ديوان ابن سنان الخفاجي» الحلبي إلى غير ذلك. # وفي زحلة بعض مكاتب خاصة قليلة العدد وحديثة المؤلفات؛ فضلا عن ~~مكتبة المقرأة (غرف القراءة) الأميركانية المجهزة بكثير من المؤلفات المطبوعة بين ~~عربية وإنكليزية. # جمعياتها العلمية ~~«جمعية طلب المعارف» أسسها وترأسها الخوري ms168 بطرس الجريجيري (البطريرك) سنة 1884 في ~~الدار الأسقفية، وبقيت بضع سنوات وكانت تلقى فيها الخطب والمحاورات في مواضيع شتى. ~~و«جمعية النهضة العلمية» أنشأها وترأسها مؤلف هذا التاريخ في «الكلية الشرقية» في 6 ~~آذار سنة 1903 ولا يزال مترئسا إياها إلى الآن، وهي تمرن الطلبة على الخطابة ~~والمحاورات والإنشاء، وتبحث في جميع المواضيع متحاشية الدينية والسياسية منها، وقد ~~ظهرت فائدتها في طلبة الكلية، ولها سجل يحتوي على قوانينها وجلساتها وجميع الخطب ~~التي تتلى فيها في كل سنة، فقد بعض أجزائه الأولى، ولهذه الجمعية فرع إفرنسي ~~أيضا. # صحافتها الأميركية # بدأت الصحافة الزحلية في المهجر، فأنشأ يوسف أفندي نعمان المعلوف جريدة «الأيام» ~~السياسية الحرة نصف أسبوعية في تموز سنة 1897م، وكان يعاونه بإنشائها ابن شقيقه ~~جميل بك المعلوف وذلك في مدينة نيويورك، واقتنى لها مطبعة باسمها أيضا، وكانت أول ~~صحيفة انتقدت أعمال رجال حكومة عبد الحميد بجرأة وبقيت ثماني سنوات وعطلت، ونشرت ~~إدارتها كتابي «خزانة الأيام في تراجم العظام»، و«العقد الثمين في أخبار أربعة ~~سلاطين»، وهو المعروف بأسرار يلدز وهما مشهوران، وفي مطبعة الأيام نشرت جريدة ~~«الإصلاح» لشبل أفندي دموس سنة 1899، وعطلت بعد سنة ونصف، وكانت خطتها أشبه ~~بالأيام. وسنة 1899 نشر قيصر بك المعلوف جريدة «البرازيل» السياسية الأسبوعية في ~~مدينة سان باولو (البرازيل)، فبقيت أربع سنوات تخدم المهاجرين والحكومة العثمانية ~~وعطلت. وسنة 1907 أنشأت «جمعية الشبان الزحليين» في لورنس ماس من أميركة الشمالية ~~جريدة «الوفاء» أسبوعية، وحررها يوسف أفندي مراد الخوري من عبيه (لبنان)، وعطلت بعد ~~نحو سنتين. # صحافتها المصرية # أنشأ نقولا أفندي شحاده الزحلي جريدة «الرائد المصري» السياسية سنة 1896، وهي نصف ~~أسبوعية خدمت المصالح العثمانية والمصرية نحو تسع سنوات وأوقفت مؤقتا. وأنشأ حضرة ~~الأرشمندريت باسيليوس الحاج نقولا الراهب الشويري مجلة «الكائنات» نحو سنة 1908، ~~وهي شهرية فلسفية. # صحافتها الوطنية ~~(1) # المهذب: # أنشأ مؤلف هذا التاريخ ~~جريدة «المهذب» لطلبة آداب العربية والبيان في الكلية «الشرقية» ~~تمرينا لهم على صناعة الإنشاء، وطبعت على الهلام (الجلاتين) فوصلت ~~أجزاؤها إلى أميركة، ورأى بعضها سليم أفندي سركيس في ms169 نيويورك، فأعجبته ~~مواضيعها واستفزته الحمية العربية ، ففتح اكتتابا لمشتري مطبعة لها، ثم ~~تبرعت السيدة نجلا المطران الزحلية عقيلة قيصر أفندي الصباغ بمطبعة ~~يدوية صغيرة أرسلت إلى الكلية الشرقية، فسعى الأب بولس الكفوري رئيسها ~~إذ ذاك بتحصيل امتياز «المهذب» سنة 1907، وتولى تحريرها منشئها مؤلف ~~هذا التاريخ، ثم استقل الأب بولس الكفوري بالجريدة والمطبعة، وحرر ~~جريدة المهذب كثير من أدبائنا، ولا تزال إلى الآن تنشر في زحلة. وقد ~~أصدر لها ملحقا مدة ونشرها مؤخرا نصف أسبوعية. ~~(2) # زحلة: # نال امتياز هذه الجريدة سعيد ~~بك حجي سنة 1907 ولم ينشرها. ~~(3) # العصر: # نال امتيازه نجيب أفندي ~~ملحم المشعلاني ولم ينشره. ~~(4) # الرأي العام: # نال امتيازه إبراهيم ~~بك أبو خاطر ولم ينشره. ~~(5) # البردوني: # لإسكندر أفندي الرياشي، ~~وهو جريدة أسبوعية نشرت في 23 حزيران سنة 1910، ثم عطلت في آخر سنة ~~1911. ~~(6) # زحلة الفتاة: # نال امتيازها إبراهيم ~~أفندي الراعي بشركة بشاره أفندي خليل قريطم المدير المسئول ومدير ~~المطبعة وشكري أفندي البخاش المحرر، فظهر أول عدد منها في 3 كانون ~~الأول سنة 1910، وهي الآن نصف أسبوعية، ولا تزال سائرة على قدم ~~النجاح. ~~(7) # مجلة الآثار: # وهي أول مجلة علمية ~~في زحلة لمنشئها عيسى إسكندر المعلوف مؤلف «تاريخ زحلة» نال امتيازها ~~مع مطبعة باسمها في شهر حزيران سنة 1910، ونشر أول جزء منها في تموز؛ ~~أي بعد شهر. ~~(8) # الخواطر الزحلية: # لصاحب امتيازها ~~إبراهيم بك أبي خاطر ظهر أول جزء أسبوعي منها في أواخر كانون الثاني ~~سنة 1912، وفي شهر نيسان الماضي صارت نصف أسبوعية. وجميعها ~~راقية. # مطابعها # في زحلة مطبعة «المهذب» ومطبعة «زحلة الفتاة» ومطبعة «الخواطر»، وجميعها مجهزة ~~بالمعدات اللازمة، تطبع جميع ما يطلب منها من المؤلفات والمجلات والجرائد والأدوات ~~التجارية. أما المطابع التي لم تفتح حتى الآن، فهي مطبعة «زحلة» ومطبعة «العصر» ~~ومطبعة «الآثار». # أطباؤها وصيدليوها # حصرت الطبابة قديما بالكهنة كما أشرنا إلى ذلك في ما مضى، وأقدم طبيب جاء زحلة ~~أبو سليمان خليل الصليبي، ثم المعلم جرجس والسنيور الإيطالي، وتخرج على هؤلاء بعض ~~الزحليين مثل أبي فرح يوسف المعلوف وأخيه عبد الله، وإبراهيم ms170 أبي سليمان، وجرجس ~~الخوري، وعبد الله قادري، وأسعد أفندي فاضل ويوسف أفندي الزمار، وعرف بيت الصفدي ~~الزحليون بمداواة الجراح والقروح. ثم كان أول من درس الطب قانونيا يوسف القطيني ~~المعلوف وإلياس الزمار في مدرسة قصر العيني بمصر، ثم سليم أفندي فرح المعلوف في ~~الكلية الأميركية في بيروت وجاء زحلة سنة 1871، ثم توالى بعده الأطباء مثل أمين بك ~~أبي خاطر من كلية الأمير كان نزيل القاهرة وحبيب أفندي جبور وأمين يوسف عطا في قصر ~~العيني، ثم مخايل مسلم ويوسف أفندي أبو سليمان وإسكندر أفندي الزين ويوسف أفندي ~~جريصاتي وعزيز أفندي شحاده من طلبة الكلية الأميركانية، وميشال بك بريدي وميشال ~~أفندي حجي ونجيب أفندي السكاف من طلبة المكتب الطبي الإفرنسي في بيروت، وهم مشهورون ~~ببراعتهم، وفي أميركة أطباء زحليون منهم إبراهيم القطيني المعلوف. # أما الصيدلية فكان قدماء الأطباء يركبون الأدوية بيدهم، وأقدم صيدلية أنشأها ~~الدكتور يوسف القطيني المعلوف، ثم موسى الجريصاتي وهي بإدارة ولده ملحم أفندي الآن ~~وجرجس أفندي الخوري المعلوف، ويوسف أفندي قادري وهذه وقفت، ومخايل أبو سليمان وهي ~~بإدارة أخيه جبران أفندي الآن، ونجيب أفندي مسلم وهي الآن بإدارة يوسف أفندي أبي ~~حاتم، وصيدلية نجيب أفندي نكد ووديع أفندي بريدي ويوسف أفندي حريز. ~~(4) عمرانها # معلوم أن أخص أسباب العمران الزراعة والصناعة والتجارة، فزراعة زحلة ضيقة النطاق ~~محصورة «بالكروم» يعصرون منها الخمر ويستقطرون الكحول (العرق)، وعنبها ممتاز وزبيبها ~~فاخر أيضا و«بالتوت» الذي يربى عليه دود الحرير، ومعظمه في البساتين قرب حوش الأمراء ~~وضواحيه. أما بعض أغنيائها فلهم عقارات واسعة في بلاد بعلبك والبقاع وهي ذات ريع ~~وافر. # وصناعتها القديمة «النسج» حتى كان جميع سكانها يشتغلون به. وقد أميتت هذه الصناعة على ~~عهد إبراهيم باشا المصري، و«الحدادة» ويتبعها سبك الحديد أيضا، وقد اشتهر بهما بنو ~~الجريصاتي، ولا سيما أحدهم عازار الذي تفوق بعمل المسنونات كالفئوس والسكك للحراثة ~~وبالأجراس الحديدية التي تنسب الأسرة إليها، واشتهر ولداه فرج وعبد الله الجريصاتي وهذا ~~مشهور الآن بأعماله الدقيقة فيها فهو يعمل أنواع القسطاس «القبان» والمضخمات «الطلمبات» ms171 ~~وجميع الأدوات والإصلاحات، وعنده آلات إفرنجية يستعين بها على عمله. ومن مشاهير ~~الحدادين غيرهم في القديم بنو أبي زيان، وهم فرع من بني الحداد وأسعد خليل الصيقلي، ~~والآن عبيد الشامي وأولاده وعبد الله طنوس التبشراني وأولاده، وبراعة كل منهم بما خص ~~به من الأعمال. # والقيانة (القردحة) واشتهر بها حنا مخايل عطا (والد الطيب الذكر المطران غريغوريوس) ~~وموسى ابن شقيقه إبراهيم وتفوق موسى بالقيانة، وقد أثنى على براعته المرحوم المستر ~~هنري جسب في كتابه الإنكليزي «خمسون سنة في سورية» 2 : 417. وذكر أنه نال جائزة في معرض ~~لندن الذي قدم له بعض مصنوعاته ولن تزال هذه الصناعة في أسرته إلى يومنا، ومن مشاهير ~~قيونهم الآن أسعد بن حبيب بن موسى المذكور، وهو منذ زمن طويل يشتغل في مدينة حلب، وله ~~براعة ذات شأن، وأمين بن سليم بن موسى، وهو في زحلة وله أعمال متقنة، وقد انحطت هذه ~~الصناعة الآن. # و«الصياغة» ومن أقدم المشتغلين بها أسطون خرينق وشقيقه عبده، ثم حنا وعبد الله مسعد، ~~وحنا إلياس الصائغ وولداه منصور (طبيب الأسنان الآن) وعازر، ويوسف خليل الجبلي وأولاده، ~~ثم تفوق في هذه الصناعة أسعد الدويليبي وولداه نجيب ومخايل وابن شقيقه عزيز غالب ~~الدويليبي، ونالوا شهرة واسعة بجميع أنواع المصوغات والمجوهرات، وأحرزوا شهادة في معرض ~~الشوير اللبناني، ومن البارعين بالصياغة سليم بالش ونايف الطباع وغيرهما. # و«الدباغة» ومن أقدم المشتغلين بها بنو الأبرص وريا وحافظ على الطريقة البسيطة، وأول ~~من أدخل إليها الدباغة الإفرنجية هو إبراهيم زيدان القاصوف الذي ذهب إلى الأستانة ~~وأثينة وعاد متفوقا فيها، فأسس معملا سنة 1879، هو الآن بإدارة شقيقه حبيب وولده ~~خليل، وهو بغاية الإتقان يدبغ فيه الساتنه وغيره، ومن أهم المعامل أيضا معمل عيد سابا ~~فرح وأولاد نقولا سابا، وسليمان الأبرص، وحبيب غنطوس وغيرهم. # و«البناء» وكان أولا باللبن وبعد سنة 1860 جاء كل من طنوس أبي نادر صوايا وحنا أبي ~~ليلى صوايا من الشوير فعمرا البيوت والكنائس بالحجر، فالثاني عاد إلى الشوير والأول بقي ~~في زحلة، واشتهر بعده ولداه أسعد ونعوم ms172 ولا سيما راجي بن أسعد. ومن مشاهير بنائي زحلة ~~القدماء والحديثين موسى البريدي وولداه عبد الله ونعمان ونقولا القرعوني وابن عمه مخول ~~وخليل الطباع وإبراهيم فرج حريز وغيرهم. # و«النجارة» لم تكن هذه الصناعة متقنة كثيرا في القديم، ومن البارعين فيها إذ ذاك أبو ~~عساف جرجس أبو زيان ويوسف المعقر، وسنة 1900 أنشئ معمل الخواجات مخايل وإبراهيم أبي عفش ~~لجميع أنواع النجارة الإفرنجية (الموبيليا)، مما تحتاج إليه البيوت على الطرز الحديث، ~~وكان الفضل في إنشائه لأحدهم المرحوم إبراهيم الذي توفي سنة 1906، وبعد وفاته اشترك ~~شقيقه مع صهره الخواجة يوسف الحمصي، وصار المعمل باسم عفش وحمصي وعملته نحو أربعين ~~وصناعته متقنة كل الإتقان. ~~«عصر الخمر واستقطار العرق» كان أبو موسى إلياس الخياط وإلياس رابيه أول من استقطرا ~~العرق وعصرا النبيذ الفاخر، وكانا ينقلان ذلك إلى العساكر الفرنسية المخيمة في عكاء، ~~ويبيعانه لهم في مطلع القرن التاسع عشر. ثم أتقن ذلك موسى بن إلياس الخياط المذكور على ~~يد الأخ بوناتشينا اليسوعي الذي قتل سنة 1860 كما مر، ولن يزال بنوه يعملون الصنفين إلى ~~يومنا، وقد ذكرت دائرة المعارف العربية جودة العرق الزحلي في الجزء العاشر صفحة 199، ~~وزحلة تصدر الآن إلى الولايات العثمانية نحو ألف قنطار عرق في السنة وهو مورد ذو شأن، ~~وأنشئت له معامل منذ القديم منها معمل حبيب أبي صيبعه وولده فارس ومراد داود ويوسف ~~المعقر وحبيب سرور وبني الخياط ويوسف الراسي وجرجس غنطوس، وبعضها يحضر المشاريب ~~الإفرنجية كالكنياك وغيره. # ومن صناعات زحلة المفيدة «نسج البسط المنقوشة والعباءات» (العبي) الصوفية بحرير مقصب، ~~وأول من عملها أبو مخول الحمصي وولده مخول ثم أبطلت. وعمل اللبد (اللباد) والسروج ~~والجلالات وغيرها مما لم نتوفق إلى معرفة شيء من تأريخها، وقد فصلنا أشياء كثيرة من هذا ~~القبيل في كتابنا «دواني القطوف» صفحة 119. # إن تجارة زحلة الوطنية أهمها جلب الأغنام والحنطة والصوف والسوس، فضلا عن الاتجار ~~بالبضائع والأصناف الأخرى، وقد امتدت علاقاتها بزمن الطيبيي الذكر المطران أغناطيوس ~~العجوري والمطران باسيليوس شاهيات إلى حلب، واتصلت إلى أرض ms173 روم وبقية البلاد السورية. ~~أما الآن فانحطت تجارتها ببعض الأصناف المذكورة لكثرة المزاحمين وللمهاجرة، وقد اشتهر ~~الزحليون بأسفارهم البعيدة وتحملهم المشاق. # أما تجارتهم في المهجر فهي راقية في هذه الأيام، وقلما يذكر التجار السوريون في عواصم ~~ومدن أميركة الشمالية والجنوبية وأوسترالية والترنسڤال ومصر، ولا يكون بين مشاهيرهم ~~الزحليون وهم كثيرون. # إلى غير ذلك مما لا محل الآن لتفصيله بعد أن امتد بنا نفس الكلام إلى هذا الحد، ~~وتقاضانا محبو المطالعة إنجاز هذا التأريخ رغبة في مطالعته وتشوفا للوقوف على ~~مباحثه مما لم ينشر بعد عن هذه المدينة المحبوبة. # | هوامش # | استدراكات # (1) # كتب إلينا «صديقنا الأب قسطنطين الباشا» من الرهبان المخلصيين الكاثوليكيين ~~مقالة طويلة في تأريخ مدينة زحلة وألحف في طلب نشرها. ولما كانت قد انتهت إلينا ~~بعد طبع الكتاب جميعه إلا صفحات قلائل، وكان لم يفتنا في هذا التأريخ ما جاء في ~~معظمها اكتفينا بالإشارة إليها شاكرين له فضله وعنايته وتدقيقه. ومن أهم ما جاء ~~فيها أن أقدم من ذكر زحلة ڤولني الرحالة الفرنسي الذي قدمها نحو سنة 1784، ~~وذكر عنها في المجلد الأول من رحلته صفحة 76 ما معربه: «وهي قرية في لحف جبل في ~~واد قريب من البقاع صارت منذ عشرين سنة مركز صلة بين بعلبك ودمشق ولبنان» ولم ~~يزد. وممن أقاموا فيها أيضا من الإفرنج بودين قنصل فرنسة في دمشق وزميله هنري ~~غيز قنصلها في بيروت اجتمعا فيها سنة 1827م، فذكرها غيز في كتابه «بيروت ~~ولبنان» المطبوع سنة 1850، وقال: إن سكان زحلة كانوا على عهده ثلاثة آلاف نفس ~~منهم خمسمائة مقاتل. «ثم قال الأب قسطنطين»: إن زحلة عمرت على أثر زلزلة سنة ~~1758، ونحن قلنا هنا إنها عمرت على أثر موقعة عين دارة سنة 1711، ونرجح قولنا ~~لأسباب كثيرة نكتفي الآن منها بقول ڤولني الذي نقله حضرته، فإنه قال: إن زحلة ~~صارت منذ عشرين سنة؛ أي سنة 1764 مركز صلة بين بعلبك ودمشق ولبنان، فكيف يتم ~~لها ذلك في أثناء ست سنوات، وهو ما لا يكون بأقل من نصف قرن إلى ms174 غير ذلك، فنثني ~~على غيرته أطيب الثناء. ~~(2) # وكتب إلينا أنطون الطباع من مونتريال كنده وهو في الثانية والثمانين من عمره ~~بعض استدراكات في موقعة بني القنطار؛ زبدتها أن الزحليين ذبحوا ستين منهم على ~~عين كفر سنة قرب أبلح و12 في كفر زبد و22 في المحيدثة، والمذبحة كانت من حزيران ~~إلى أواخر آب، وغلط بالسنة فقال: إنها كانت 1831، والصحيح ما رويناه في [ فصل ~~زحلة الحديثة ووقائعها (موقعة بني القنطار)] وأن الزحليين جمعوا نساء بني ~~القنطار وأولادهم وأخرجوهم إلى البيادر دون أقل إهانة أو أذى، وأن سركيس ~~الطباع وشقيقه إبراهيم قتلا أبا سعدي والد عمشاء العاتية مع رجاله في منزله قرب ~~الجسر الكبير واستولوا عليه وهو ملكهم إلى يومنا، وأن حملة الزحليين في موقعة ~~سانور كانت ثلاثمائة بقيادة أبي وهبه طنوس الطباع، وأن نسيبه هذا كان بطلا ~~مدربا في هذه المواقع. وكتب إلينا من القاهرة نقولا أفندي شحاده # 1 # صاحب جريدة «الرائد المصري الغراء» الموقفة مؤقتا أن هذه الحملة ~~سارت بقيادة أنطون الحاج شاهين وولده إبراهيم فنشكر لهم إفاداتهم. ~~(3) # وممن فاتنا ذكرهم بين الأطباء المرحوم غالب جريج من القصر العيني وعبد المسيح ~~المصور وإلياس مسلم، وهما في أميركة الشمالية الآن. وكانت للشيخ خليل حبيش يد ~~في مساعدة الزحليين بموقعة جسر السن. # | هوامش # | كلمة الختام # يقول مؤلف «تاريخ زحلة» عيسى إسكندر المعلوف اللبناني: هذا آخر ما استرعفت له جامد القلم، ~~وشحذت له كليل الذهن واستنجعت له رائد البحث في تاريخ هذه المدينة المحبوبة وحوادثها ~~وشئونها إلى يومنا الحاضر، وذلك بين شواغل استغرقت أوقات الراحة ومشاده بلبلت الفكر ~~ومراجعات ضل فيها العقل فضلا عن قلة ما لدي من المراجع الموثوق بها، وعدم حصولي على ~~إفادات ممن له معرفة بشئونها، مع إلحافي بالطلب شفاها وإعلانا. وكان النجاز من إفراغه في ~~هذا القالب يوم السبت في الخامس والعشرين من أيار أحد شهور سنة اثنتي عشرة وتسعمائة وألف ~~(1912)، وذلك في مدينة زحلة اللبنانية؛ آملا من إخواني الزحليين وغيرهم من محبي المطالعة ~~أن يتلقوا خدمتي هذه بغزير فضلهم، ms175 ويستروا خطأي بواسع حلمهم، ويحملوا ما يرونه من التقصير ~~على حسن القصد: # وعين الرضى عن كل عيب كليلة # كما أن عين السخط تبدي المساويا # وما الكمال إلا لله الذي يجب حمده في كل بدء وختام. ms176