######OpenITI# #META# URI: 1378KhalilMardam.Jahiz.Hindawi35168479 #META# Tags: biographies #META# ID: 35168479 #META# Title: الجاحظ: أئمة الأدب (الجزء الأول) #META# AuthorID: 17180492 #META# Author: خليل مردم #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # حياته‏ # صفته‏ # مذهبه‏ # سعة علمه وجلالة قدره‏ # أسلوبه وخصائصه‏ # دعابته وفكاهته‏ # حسن محاضرته‏ # كتبه‏ # اتهامه في دينه‏ # شعره‏ # درس وتحليل‏ # نصوص من كلام الجاحظ‏ # أمثلة من رسائل الجاحظ‏ # أمثلة من جمل الجاحظ تجري مجرى الأمثال‏ # حياته‏ # صفته‏ # مذهبه‏ # سعة علمه وجلالة قدره‏ # أسلوبه وخصائصه‏ # دعابته وفكاهته‏ # حسن محاضرته‏ # كتبه‏ # اتهامه في دينه‏ # شعره‏ # درس وتحليل‏ # نصوص من كلام الجاحظ‏ # أمثلة من رسائل الجاحظ‏ # أمثلة من جمل الجاحظ تجري مجرى الأمثال‏ # | الجاحظ # | الجاحظ # | أئمة الأدب (الجزء الأول) # تأليف # خليل مردم # بسم الله الرحمن الرحيم # هذه رسالة في إمام الأدب أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، تتلوها رسائل في غيره من أئمة ~~الأدب، فنستعين الله ونستهديه. # خليل مردم بك # | حياته # في أيمن عصر من عصور المدنية الإسلامية، وفي البصرة إحدى حواضر العلم والأدب، ولد أبو ~~عثمان عمرو بن بحر الجاحظ. # كل من ترجم للجاحظ لم يعين سنة ميلاده، وإنما المعروف أنه ولد في منتصف القرن ~~الثاني، إلا أن هناك رواية انفرد بها ياقوت الحموي في معجم الأدباء، قال: «قال الجاحظ: أنا ~~أسن من أبي نواس بسنة؛ ولدت في أول سنة خمسين ومائة، وولد في آخرها.» فإذا صحت هذه ~~الرواية يكون الجاحظ قد عمر أكثر من مائة سنة؛ لأنه توفي سنة خمس وخمسين ومائتين. # أما نسبه فلا نعلم منه إلا أنه عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، كان جده محبوب أسود ~~وجمالا لأبي القلمس عمرو بن قلع الكناني ثم الفقيمي، وبذلك قال يموت بن المزرع ابن أخت ~~الجاحظ. على أن هناك من يدعي أنه كناني صريح مثل أبي القاسم البلخي، أما سبب تلقيبه ~~بالجاحظ فلجحوظ عينيه. # نشأ الجاحظ بالبصرة نشأة فقير يعمل ليعيش، قد روي عنه أنه كان يبيع الخبز والسمك ~~بسيحان (وسيحان نهر بالبصرة)، ثم انصرف إلى العلم والأدب، فطلبهما في البصرة وبغداد. ~~تلقف الفصاحة من العرب شفاها بالمربد، وسمع من أبي عبيدة والأصمعي وأبي زيد الأنصاري، وأخذ ~~النحو عن أبي الحسن الأخفش، وكان صديقه، وأخذ الكلام عن النظام، وكل من ms01 هؤلاء إمام في ~~فنه. وكان الجاحظ مشهورا بكثرة المطالعة، قيل إنه ما وقع بيده كتاب قط إلا استوفى ~~قراءته كائنا ما كان، حتى إنه كان يكتري دكاكين الوراقين ويبيت فيها للمطالعة. # وكذلك انقطع للعلم والتأليف، فأصبح فيهما علما وشاع ذكره، وأقبل الناس على تصانيفه، ~~وصار لقاؤه شرفا. قال سلام بن زيد، أحد علماء الأندلس: كان طالب العلم بالمشرق يشرف عند ~~ملوكنا بلقاء الجاحظ، فخرجت لا أعرج على شيء حتى قصدته وأقمت عليه عشرين سنة. وانفرد ~~الجاحظ بآراء في التوحيد صارت مذهبا من مذاهب المعتزلة، وأخذ بأقواله جماعة عرفوا ~~بالجاحظية. وأعجب المأمون بكتبه، وصدر في ديوان الرسائل أيام المأمون ثلاثة أيام، ثم ~~استعفى فأعفي. وكان سهل بن هارون يقول: إن ثبت الجاحظ في هذا الديوان أفل نجم ~~الكتاب. # ثم اتصل الجاحظ بمحمد بن عبد الملك الزيات، وزير المعتصم والواثق، ولازمه واختص به، ~~وقدم إليه كتاب الحيوان، فلما قبض على ابن الزيات في خلافة المتوكل هرب الجاحظ، فقيل له: ~~لم هربت؟ فقال: خفت أن أكون ثاني اثنين إذ هما في التنور؛ يريد ما صنع بابن الزيات ~~وإدخاله تنور حديد فيه مسامير كان هو صنعه ليعذب الناس فيه، فعذب هو فيه حتى ~~مات. # ولقد أصاب الجاحظ رشاش من هذه المحنة، فإنه جيء به مقيدا إلى القاضي أحمد بن أبي دواد ~~بعد قتل ابن الزيات، فلما نظر إليه قال: والله ما علمتك إلا متناسيا للنعمة كفورا، ~~للصنيعة، معدنا للمساوي. فقال له الجاحظ: خفض عليك - أيدك الله - فوالله لأن يكون ~~لك الأمر علي خير من أن يكون لي عليك، ولأن أسيء وتحسن أحسن من أن أحسن فتسيء، ~~وأن تعفو عني في حال قدرتك أجمل من الانتقام مني. فقال له ابن أبي دواد: قبحك الله، ما ~~علمتك إلا كثير تزويق الكلام. ثم قال: جيئوا بحداد. فقال: أعز الله القاضي، ليفك ~~عني أو ليزيدني؟ قال: بل ليفك عنك. فجيء بالحداد، فغمزه بعض أهل المجلس أن يعنف بساق ~~الجاحظ ويطيل أمره قليلا، فلطمه الجاحظ وقال: اعمل عمل شهر ms02 في يوم، وعمل يوم في ساعة، وعمل ~~ساعة في لحظة؛ فإن الضرر على ساقي وليس بجذع ولا ساجة. # 1 # فضحك ابن أبي دواد وأهل المجلس منه، وقال ابن أبي دواد لبعض الحاضرين: أنا أثق ~~بظرفه ولا أثق بدينه. ثم قال: يا غلام: صر به إلى الحمام، وأمط عنه الأذى، واحمل ~~إليه تخت ثياب وطويلة وخفا. فلبس ذلك ثم أتاه، فتصدر في مجلسه، ثم أقبل عليه وقال: ~~هات الآن حديثك يا أبا عثمان. واصطلحت الحال بينهما، وأهدى إليه الجاحظ كتاب البيان ~~والتبيين. # واتصل الجاحظ أيضا بالفتح بن خاقان، وسافر معه إلى دمشق ووصف مسجدها في كتابه «البلدان»، ~~كما أنه دخل معه أنطاكية، وشكا من براغيثها وبقها. # وهكذا قضى الجاحظ أيامه في العلم والأدب والتصنيف، حتى أصيب بالفالج في أعقاب عمره، ~~وكان ذلك في أواخر خلافة المتوكل. قيل إن المتوكل وجه من يحمل الجاحظ إليه من البصرة، ~~فقال لمن أراد حمله: وما يصنع أمير المؤمنين بامرئ ليس بطائل، ذي شق مائل، ولعاب سائل، ~~وفرج بائل، وعقل حائل؟! # وقال المبرد: دخلت على الجاحظ في آخر أيامه، فقلت له: كيف أنت؟ فقال: كيف يكون من ~~نصفه مفلوج لو حز بالمناشير ما شعر به، ونصفه الآخر منقرس لو طار الذباب بقربه لآلمه، ~~وأشد من ذلك ست وتسعون سنة أنا فيها؟! ثم أنشدنا: # أترجو أن تكون وأنت شيخ # كما قد كنت أيام الشباب # لقد كذبتك نفسك ليس ثوب # دريس كالجديد من الثياب # وقال لمتطبب يشكو إليه علته: اصطلحت الأضداد على جسدي، إن أكلت باردا أخذ برجلي، وإن ~~أكلت حارا أخذ برأسي. وتوفي الجاحظ بالبصرة في خلافة المعتز، في المحرم سنة خمس وخمسين ~~ومائتين. # | صفته # كان الجاحظ دميم الخلقة، مشوها، جاحظ العينين؛ ولذلك قيل له الجاحظ والحدقي، ولنا من ~~صراحته وفكاهته وحسن أخلاقه دليل على تعرف دمامته؛ فأكثر ما روي عن تشويه خلقه مروي ~~عنه. قال: ذكرت للمتوكل لتأديب بعض ولده، فلما رآني استبشع منظري، فأمر لي بعشرة آلاف ~~درهم وصرفني. وهناك أخبار في قبح صورته مروية ms03 عنه ، أغفلناها لأنها لا تختلف عما ~~ذكرناه. # ولقد قال فيه بعضهم: # لو يمسخ الخنزير مسخا ثانيا # ما كان إلا دون قبح الجاحظ # رجل ينوب عن الجحيم بنفسه # وهو القذى في كل طرف لاحظ # | مذهبه # الجاحظ شيخ من شيوخ المعتزلة، وإمام فرقة من فرقهم تدعى الجاحظية، وقبل الكلام عن هذه ~~الفرقة لا بأس بتعريف المعتزلة على سبيل الاختصار. # المعتزلة # المعتزلة - ويسمون أنفسهم أهل العدل والتوحيد - فرقة إسلامية، رئيسها أبو حذيفة ~~واصل بن عطاء الغزال، كان تلميذا للحسن البصري يقرأ عليه العلوم والأخبار ويحضر حلقته، ~~واتفق أنه انفرد عن أستاذه في مسألة فترك الحلقة واعتزل إلى أسطوانة من أسطوانات ~~المسجد، وتبعه جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزل عنا واصل. فسمي وأصحابه ~~معتزلة. # انفرد المعتزلة عن أهل السنة بآراء في الكلام لا محل للتبسط فيها، ويمكن الإشارة ~~إليها بما يأتي: # اتفق المعتزلة على القول بأن الله تعالى قديم، ونفوا الصفات القديمة ~~أصلا، واتفقوا على أن كلامه محدث مخلوق، واتفقوا على نفي رؤية الله ~~تعالى بالأبصار في الآخرة، ونفي التشبيه عنه من كل وجه، وسموا هذا ~~النمط توحيدا. # واتفقوا على أن العبد خالق لأفعاله، خيرها وشرها، مستحق على ما يفعله ~~ثوابا وعقابا في الدار الآخرة، والله تعالى منزه أن يضاف إليه شر ~~وظلم وفعل هو كفر ومعصية؛ لأنه لو خلق الظلم كان ظالما كما لو خلق ~~العدل كان عادلا، واتفقوا على أن الحكيم لا يفعل إلا الصلاح والخير، ~~وسموا هذا النمط عدلا. # واتفقوا على أن المؤمن إذا مات على طاعة استحق الثواب، وإذا مات على ~~كبيرة ارتكبها من غير توبة استحق الخلود في النار، لكن عقابه أخف من عقاب ~~الكفار، وسموا هذا النمط وعدا ووعيدا. # واتفقوا على أن أصول المعرفة وشكر النعمة واجب قبل ورود السمع، والحسن ~~والقبيح يجب معرفتهما بالعقل، واعتناق الحسن واجتناب القبيح واجب كذلك، ~~وورود التكاليف ألطاف للباري أرسلها إلى العباد بتوسط الأنبياء امتحانا ~~واختبارا. # ولا بد من الإشارة إلى أن المعتزلة من أكثر الفرق الإسلامية تحكيما للعقل ~~واطلاعا على ms04 الفلسفة ، وقد وافقوا الفلاسفة في بعض مسائل التوحيد. # الجاحظية # وافترقت المعتزلة إلى فرق عديدة تربو على العشرين، منها الجاحظية، وهم أصحاب الجاحظ. ~~قال الشهرستاني: طالع الجاحظ كثيرا من كتب الفلاسفة، وخلط وروج بعباراته البليغة ~~وحسن براعته اللطيفة، وانفرد بمسائل، منها قوله: إن المعارف كلها طباع، وليس شيء من ذلك ~~من أفعال العباد، وليس للعباد كسب سوى الإرادة. وقال بإثبات الطبائع للأجسام كما قال ~~الطبيعيون من الفلاسفة، وقال باستحالة عدم الجواهر؛ فالأعراض تتبدل والجوهر لا يجوز أن ~~يفنى. ومنها قوله في أهل النار إنهم لا يخلدون فيها عذابا، بل يصيرون إلى طبيعة النار. ~~وكان يقول النار تجذب أهلها إلى نفسها دون أن يدخل أحد فيها. # ومذهبه مذهب الفلاسفة في نفي الصفات. وفي إثبات القدر خيره وشره من العبد مذهب ~~المعتزلة. # وقال إن الخلق كلهم من العقلاء عالمون بأن الله تعالى خالقهم، وعارفون بأنهم محتاجون ~~إلى النبي، وهم محجوجون بمعرفتهم، ثم هم صنفان: عالم بالتوحيد وجاهل به؛ فالجاهل ~~معذور والعالم محجوج. # وحكى ابن الرواندي عنه أن القرآن جسد يجوز أن يقلب مرة رجلا ومرة حيوانا. # ثم قال: ومذهب الجاحظ هو بعينه مذهب الفلاسفة، إلا أن الميل منه ومن أصحابه إلى ~~الطبيعيين منهم أكثر منه إلى الإلهيين. # | سعة علمه وجلالة قدره # ما رزقت العربية كاتبا أكثر علما وأوسع مادة وأجمع لأنواع العلوم، معقولها ~~ومنقولها، من الجاحظ. ولقد مر بنا أنه أدرك طائفة من أئمة الأدب وأخذ عنهم، كما أخذ الكلام ~~عن النظام، أحد أئمة المعتزلة، وأكثر من مطالعة كتب الفلسفة. قال أبو هفان: لم أر ~~قط ولا سمعت من أحب الكتب والعلوم أكثر من الجاحظ، فإنه لم يقع بيده كتاب قط إلا ~~استوفى قراءته كائنا ما كان، حتى إنه كان يكتري دكاكين الوراقين ويبيت فيها للنظر. # وذكر ابن عساكر أن الجاحظ حدث عن حجاج بن محمد، والقاضي أبي يوسف، وثمامة بن أشرس ~~النميري؛ وروى عنه أبو سعيد الحسن بن علي العدوي، وأبو بكر عبد الله بن أبي دواد، ودعامة ~~بن الجهم، وأبو العباس ms05 محمد بن يزيد المبرد، ويموت بن المزرع، وأبو العيناء محمد ~~بن القاسم، وأبو دلف هاشم بن محمد الخزاعي. # ولقد كان شعار الجاحظ في طلب العلم قوله: إذا سمعت الرجل يقول ما ترك الأول للآخر شيئا، ~~فاعلم أنه ما يريد أن يفلح. وقوله أيضا: وكلام كثير قد جرى على ألسنة الناس وله مضرة ~~شديدة وثمرة مرة، فمن أضر ذلك قولهم لم يدع الأول للآخر شيئا، فلو أن علماء كل ~~عصر مذ جرت هذه الكلمة في أسماعهم تركوا الاستنباط لما لم ينته إليهم عمن قبلهم لرأيت ~~العلم مختلا. # على هذه الطريقة طلب الجاحظ العلم، فاطلع على علوم المتقدمين والمتأخرين لعصره، واستنبط ~~واجتهد وانتقد وزاد وألف في الأدب والعلم والدين، وكان إماما في كل منها. # قال المرزباني: قال أبو بكر أحمد بن علي: كان أبو عثمان الجاحظ من أصحاب النظام، وكان ~~واسع العلم بالكلام، كثير التبحر فيه، شديد الضبط لحدوده، ومن أعلم الناس به وبغيره من ~~علوم الدين والدنيا، وله كتب كثيرة مشهورة جليلة في نصرة الدين وفي حكاية مذهب المخالفين، ~~والآداب والأخلاق، وفي ضروب من الجد والهزل، وقد تداولها الناس وقرءوها وعرفوا فضلها، وإذا ~~تدبر العاقل المميز أمر كتبه، علم أنه ليس في تلقيح العقول وشحذ الأذهان ومعرفة ~~أصول الكلام وجواهره وإيصال خلاف الإسلام ومذاهب الاعتزال إلى القلوب كتب تشبهها. ~~والجاحظ عظيم القدر في المعتزلة وغير المعتزلة من العلماء الذين يعرفون الرجال ويميزون ~~الأمور. # وقال ثابت بن قرة: ما أحسد هذه الأمة العربية إلا على ثلاثة: أولهم عمر بن الخطاب في ~~سياسته ويقظته و... إلخ؛ والثاني الحسن البصري، فلقد كان من دراري النجوم علما وتقوى و... إلخ؛ ~~والثالث أبو عثمان الجاحظ خطيب المسلمين وشيخ المتكلمين ومدره المتقدمين والمتأخرين، إن ~~تكلم حكى سحبان البلاغة، وإن ناظر ضارع النظام في الجدل، وإن جد خرج في مسك ~~عامر بن عبد قيس، وإن هزل زاد على مزيد، حبيب القلوب ومراح الأرواح، وشيخ الأدب ولسان ~~العرب، كتبه رياض زاهرة، ورسائله أفنان مثمرة، ما نازعه منازع إلا رشاه ms06 آنفا ، ولا ~~تعرض له منقوص إلا قدم له التواضع استبقاء، الخلفاء تعرفه، والأمراء تصفه وتنادمه، ~~والعلماء تأخذ عنه، والخاصة تسلم له، والعامة تحبه، جمع بين اللسان والقلم، وبين الفطنة ~~والعلم، وبين الرأي والأدب، وبين النثر والنظم، والذكاء والفهم، طال عمره، وفشت حكمته، ~~وظهرت خلته، ووطي الرجال عقبه، وتهادوا أربه، وافتخروا بالانتساب إليه، ونجحوا بالاقتداء ~~به، لقد أوتي الحكمة وفصل الخطاب. # ومن اطلع على شيء من كتب الجاحظ سلم بما نقلناه من تقريظه، وحكم أنه المرجع في خزانة ~~أدبنا، بل هو الشارع للتأليف، ولا يزال إماما يهتدى بهديه. # قال ابن العميد: ثلاثة علوم الناس كلها عيال فيها على ثلاثة أنفس؛ أما الفقه فعلى أبي ~~حنيفة، وأما الكلام فعلى أبي الهذيل، وأما البلاغة والفصاحة واللسن والعارضة فعلى ~~أبي عثمان الجاحظ. # ولقد ألف أبو حيان التوحيدي كتابا في تقريظ الجاحظ. وقيل لأبي هفان: لم لا تهجو ~~الجاحظ وقد ندد بك وأخذ بمخنقك؟ فقال: أمثلي يخدع عن عقله؟ والله لو وضع رسالة في أرنبة ~~أنفي لما أمست إلا بالصين شهرة، ولو قلت فيه ألف بيت لما طن منها بيت في ألف سنة. # ولقد بلغ الجاحظ من جلالة القدر أن يرى نفسه في آخر أيامه أعظم من أن ينقطع إلى الخلفاء، ~~وكأن الوزراء والحجاب عرفوا منه ذلك، فلقد كتب إليه الفتح بن خاقان كتابا يقول في ~~فصل منه: # إن أمير المؤمنين يجد بك ويهش عند ذكرك، ولولا عظمتك في نفسه لعلمك ومعرفتك لحال ~~بينك وبين بعدك عن مجلسه، ولغصبك رأيك وتدبيرك فيما أنت مشغول فيه ومتوفر عليه. # وفي ابن خلكان أن بعض البرامكة مر بالبصرة والجاحظ عليل، فذهب ليراه، فلما قرع الباب ~~خرجت خادم، فقالت: من أنت؟ فقال: رجل غريب، وأحب أن أسر بالنظر إلى الشيخ. فبلغته ~~الخادم ما قال. فقال الجاحظ: هذا رجل قد اجتاز بالبصرة وسمع بعلتي، فقال أحب أن أراه ~~قبل موته، فأقول قد رأيت الجاحظ. # والأخبار في هذا الباب مستفيضة، نختمها بما رواه ابن عساكر في تاريخه، ولا ندري كنه ~~هذه ms07 الرواية ؛ أهي من جد الجاحظ أم هزله؛ قال علي بن قاسم الخوافي: حدثني بعض إخواني أنه ~~دخل على الجاحظ فقال: يا أبا عثمان، كيف حالك؟ فقال الجاحظ: سألتني عن الجلة فاسمعها مني ~~واحدا واحدا؛ حالي أن الوزير يتكلم برأيي وينفذ أمري، ويواتر الخليفة الصلات إلي، وآكل ~~من لحم الطير أسمنها، وألبس من الثياب أفخرها، وأجلس على ألين الطبري، وأتكئ على هذا ~~الريش، ثم أصبر على هذا حتى يأتي الله بالفرج. فقال له الرجل: الفرج ما أنت فيه. قال: بل ~~أحب أن تكون الخلافة لي، ويعمل محمد بن عبد الملك بأمري، ويختلف إلي، فهذا هو الفرج. # | أسلوبه وخصائصه # لا أعرف في كتاب العربية كاتبا يداني الجاحظ في قوة طبعه على الإنشاء، وانقياد الجمل ~~إليه، فهو في النثر كالبحتري في الشعر، وطبع كل منهما في فنه مضرب المثل، وما أشبه ~~الجاحظ في ترادف جمله بالبحر الزاخر، ما يرسل موجة إلا ليعقبها بأخرى. # يروعك من أسلوب الجاحظ ذلك السمو في المفردات والتراكيب الصادرة عن طبع فياض، ليس للتعمل ~~فيه أثر البتة؛ فهناك ما شئت من سلاسة وسهولة، وهناك ما شئت من بسط وإسهاب. وأعظم من هذا ~~تلك الشخصية البارزة الماثلة في كل فقرة من فقر الجاحظ، فما أذكر أنني قرأت فصلا إلا ~~تمثل لي في كل جملة عينان جاحظتان تنظران نظرات فيها من معاني الجد والهزل ما لا تترجم ~~عنه إلا العيون، فهو من هذه الجهة أكبر كتاب العربية شخصية، وكل كلمة من كلماته تكاد ~~تكون مطبوعة بطابعه الخاص. # يكثر الجاحظ من الاستطراد حتى يخرج بالقارئ عن الموضوع الذي عقد له الفصل، وما أظن ذلك ~~ناشئا إلا عن غزارة مادته وطاعة الألفاظ له وكثرة المران على الجدل. # عالج الجاحظ كل ما عرف لوقته من ضروب العلم؛ فكتب في التوحيد والقرآن ومذاهب الفرق ~~الإسلامية، وكتب في الأدب وفنونه شعرا ونثرا، وجدا وهزلا، وكتب في الأخلاق والاجتماع ~~وطبائع الناس، وكتب في الحيوان والنبات، ولم يفته أن يكتب في الطب والكيمياء؛ فكأن ~~كتبه صورة عن الكون، ms08 تبتدئ بالذر الحقير وتنتهي إلى الخالق العظيم، ولا تخطئ ما بينهما. # يعمد الجاحظ إلى الموضوع الحقير كالنملة مثلا، فلا يزال يصف طبائعها ويورد الحقائق على ~~حزمها حتى تعظم في نفسك. ويقصد إلى الموضوع العظيم كمحنة الإمام أحمد في القول بخلق القرآن، ~~فلا يزال يهون المحنة حتى تظن أن الإمام غلب بالحجة لا بالقوة. وذلك من سحر البيان، وإن ~~من البيان لسحرا، وهو بعد في دقة التصوير وحكاية الواقع ووصف الحديث آية لا تعدلها ~~آية. # أدب الجاحظ أدب واقعي، بل طبيعي، يؤثر التصريح على التلويح، ويصور الحقيقة كما هي، ويرى ~~في ذلك السبيل الأقوم فيدعو إليه، ويعيب من يرغب عنه. قال: ~~«لكل ضرب من الحديث ضرب من ~~اللفظ، ولكل نوع من المعاني نوع من الأسماء؛ فالسخيف للسخيف، والجزل للجزل، والإفصاح في ~~موضع الإفصاح، والكناية في موضع الكناية، والاسترسال في موضع الاسترسال. وإن كان موضع الحديث ~~على أنه مضحك وملهي، وداخل في باب المزاح والطيب، فاستعملت فيه الإعراب انقلب عن جهته. وإن ~~كان في لفظه سخف، وأبدلت السخافة بالجزالة، صار الحديث الذي وضع على يسر النفوس يكربها ~~ويأخذ بأكظامها. وبعض الناس إذا انتهى إلى ذكر الحر و... و... ارتدع وأظهر التعزز واستعمل باب ~~التورع، وأكثر من تجده كذلك فإنما هو رجل ليس معه من العفاف والكرم والنبل والوقار إلا ~~بقدر هذا الشكل من التصنع.» # وربما تعمد الجاحظ اللحن في نقل أحاديث الناس ليحافظ على روايتها كما نطق بها أصحابها. ~~قال في كتاب الحيوان يحكي ما قاله إبراهيم النظام في كلب: ~~«إن كنت سبع فاذهب مع السباع، ~~وعليك بالبراري والغياض، وإن كنت بهيمة فاسكت عنا سكوت البهائم.» ثم قال الجاحظ: «ولا ~~تنكر قولي وحكايتي عنه بقول ملحون من قولي «إن كنت سبع» ولم أقل إن كنت سبعا، وأنا أقول إن ~~الإعراب يفسد نوادر المولدين، كما أن اللحن يفسد كلام الأعراب؛ لأن سامع ذلك الكلام إنما ~~أعجبته تلك الصورة وذلك المخرج وتلك اللغة وتلك العادة، فإذا دخلت على هذا الأمر - الذي ~~إنما أضحك بسخفه ms09 وبعض كلام العجمية التي فيها - حروف الإعراب والتخفيف والتثقيل، وحولته إلى ~~صورة ألفاظ الأعراب الفصحاء وأهل المروءة والنجابة، انقلب المعنى مع انقلاب نظمه وتبدلت ~~صورته.» # وهو لا يقف عند هذا الحد، بل ربما نقل كلام الأعجمي بنصه، قال في كتاب البخلاء يحكي حديث ~~بخيل من أهل مرو تجاهل ضيفا زاره من أهل العراق: لو خرجت من جلدك لم أعرفك. قال الجاحظ: ~~وترجمة هذا الكلام بالفارسية: «كراز بوستت بارون ببائي نشناسيم.» # 1 # هذا من حيث الرواية والحكاية، وهو في غيرهما أيضا لا يرى بأسا باستعمال الكلمات ~~الفارسية، كقوله في كتاب البخلاء: «وكانوا يعلمون أن إحضار الجدي إنما هو شيء من آيين # 2 # الموائد الرفيعة.» وكذلك فإنه استعمل كلمة «بانوان»، وفسرها بقوله: ~~«والبانوان الذي يقف على الباب ويسل الغلق ويقول بانوا، وتفسير ذلك بالعربية: يا ~~مولاي.» # والجاحظ بعد زاهد في السجع، يؤثر السهولة على الحزونة، والوضوح على الغموض، والبسط على ~~الإيجاز. قال بديع الزمان الهمذاني: «كلام الجاحظ بعيد الإشارات، قريب العبارات، قليل ~~الاستعارات، منقاد لعريان الكلام يستعمله، نفور من معتاصه يهمله، فهل سمعتم له بكلمة غير ~~مسموعة أو لفظة غير مصنوعة؟» # ومن خصائص الجاحظ في أسلوبه الدعابة والفكاهة والتنادر والسخرية والتهكم، وتلك أمور ~~تخف على نفس القارئ وتستهويه، ولها محل رفيع في آداب الأمم الحية، ولكن أدبنا لا يزال ينقصه ~~شيء كثير منها، والجاحظ في هذا الباب فرد لا يضارعه أحد. ~~••• # أدب الجاحظ أدب حي، مستمد من الدرس والتفكير والتجارب، ولا تكاد تجد مؤلفا يعطيك من ~~هذه الثلاثة كما يعطيك الجاحظ؛ فهو يشارك الرواة في سعة حفظه وروايته، ويشارك الفلاسفة في ~~تفكيره الحر واعتماده على المعقول، ويبذ الجميع في ملابسته للناس على اختلاف طبقاتهم ~~وفهمه لروح عصره. ولو قيض لمجموعة مصنفاته البقاء لكان لدينا صورة ناطقة عن عصر الجاحظ ~~في كل مناحيه، وعما وصل إليه العلم والأدب والاجتماع. # يعتمد أدب الجاحظ على عناصر شتى، أقواها بلاغة العرب في الجاهلية والإسلام، والكتاب ~~والسنة، وما نقل إلى العربية من آداب الفرس واليونان والهنود وفلسفتهم، ms10 ولكن أظهر ما ~~يكون فيه الرأي الشخصي والتفكير الحر. # لئن كان ابن المقفع إمام الكتاب في عصر الترجمة، فالجاحظ إمامهم في عصر الوضع والتأليف ~~والإبداع وتكوين الأدب الحضري المرتكز على أسس العلم والمدنية والتفكير من غير أن يفقد ~~شيئا من فصاحة البداوة وروعتها. # وهكذا فالجاحظ شرع طريقة التأليف في الأدب، وكل من ألف بعده متأثر بطريقته شعر أم ~~لم يشعر. قال ابن النديم في الفهرست: «ابن خلاد الرامهرمزي حسن التأليف مليح التصنيف، يسلك ~~طريقة الجاحظ»، وقال أيضا: «الآمدي مليح التصنيف جيد التأليف، متعاطي مذهب الجاحظ فيما ~~يعمله من الكتب.» # ولم يقف أثره عند هذا الحد، بل تعداه إلى أن أصبحت الكتاب تترسم خطاه في الإنشاء، بل ~~تقتبس جمله ذات الجلبة في السمع والروعة في النفس. قال القاضي الفاضل: «وأما الجاحظ، ~~فما منا - معشر الكتاب - إلا من دخل داره، أو شن على كلامه الغارة، وخرج وعلى ~~كتفه منه الكارة.» # والجاحظ يكره التكلف كما يكره الإسفاف، ويعجب بالطبع السليم كما يعجب بالفكر الثاقب. ~~قال: ~~«أحسن الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره، ومعناه في ظاهر لفظه، وكأن الله - عز وجل - ~~ألبسه من الجلالة وغشاه من نور الحكمة على حسب نية صاحبه وتقوى قائله؛ فإذا كان المعنى ~~شريفا، واللفظ بليغا، وكان صحيح الطبع، بعيدا من الاستكراه، ومنزها عن الاختلال، ~~ومصونا من التكلف، صنع في القلب صنيع الغيث في التربة الكريمة، ومتى فصلت الكلمة على هذه ~~الشريطة، ونفذت من قائلها على هذه الصفة، أصحبها الله من التوفيق ومنحها من التأييد ما لا ~~يمتنع من تعظيمها به صدور الجبابرة، ولا يذهل عن فهمها عقول الجهلة.» # هذا وفي إنشاء الجاحظ كثير من أساليب الخطابة والجدل، وله جملة تدل على ذلك، قال: «ينبغي ~~للكاتب أن يكون رقيق حواشي اللسان، عذب ينابيع البيان، إذا حاور سدد سهم الصواب إلى غرض ~~المعنى، لا يكلم العامة بكلام الخاصة ولا الخاصة بكلام العامة.» # ومما يشهد بسرعة جوابه وذلاقة لسانه قوله لرجل آذاه: «أنت - والله - أحوج إلى هوان من ~~كريم إلى إكرام، ms11 ومن علم إلى عمل، ومن قدرة إلى عفو، ومن نعمة إلى شكر.» # وفي أجوبته وأحاديثه قليل من السجع والصنعة بخلاف إنشائه، قال أبو سعد داود بن الهيثم: ~~رأيت الجاحظ يكتب شيئا، فتبسم، فقلت: ما يضحكك؟ فقال: «إذا لم يكن القرطاس صافيا، والمداد ~~ناميا، والقلم مواتيا، والقلب خاليا، فلا عليك أن تكون كابيا.» # ووصف الحبارى فقال: «سلاحها سلاحها»، ووصف نبات النروج فقال: «يخرج كاسيا كاسيا»، وكان ~~يقول: «من صنف فقد استهدف، فإن أحسن فقد استعطف، وإن أساء فقد استقذف.» # وكأنه كان يستعمل ذلك في كلامه من باب التظرف والتملح. # | دعابته وفكاهته # كان في الجاحظ على جلالة قدره دعابة وفكاهة وخفة روح؛ فهو يخلط الهزل بالجد، ويجيد ~~النكتة جوابا وكتابة ورواية، ولا تجد كاتبا من الكتاب شاعت النكتة في آثاره وحرص ~~عليها مثل الجاحظ. وربما قيد إلى النكتة بالسلاسل، فكان ذهوله ونسيانه فكاهة مستملحة، قال: ~~«نسيت كنيتي ثلاثة أيام، حتى أتيت أهلي فقلت لهم: بم أكتني؟ فقالوا: بأبي عثمان.» # وطالما استعمل الجاحظ فكاهته في النقد اللاذع، فعبث بالقصاص الدجالين، وتنادر على غلاة ~~الشيعة، وسخر بالحكام ووسطائهم، وتهكم على الأدعياء، وضحك من الأغبياء، فبلغ من كل ذلك ~~مبلغا لا ينال بالجد. # سأله بعضهم أن يعطيه كتابا إلى بعض العمال يكون بمثابة وسيلة، فبعث الجاحظ بكتاب مختوم ~~فيه: «هذا الكتاب مع من لا أعرفه، وقد كلمني فيه من لا أوجب حقه، فإن قضيت حاجته لم ~~أحمدك، وإن رددته لم أذممك». فلما سئل عن ذلك قال: هذه علامة بيني وبين الرجل فيمن أعتني ~~به. فقال المكتوب لأجله: أم الجاحظ عشرة آلاف في عشرة آلاف ... وأم من يسأله حاجة. فلما ~~استنكر منه ذلك قال: هذه علامتي فيمن أشكره، فضحك الجاحظ. # قال أبو كريمة: ولعله هو الذي كتب الكتاب لأجله: # لم يظلم الله عمرا حين صيره # من كل شيء سوى آدابه عاري # بتت حبال وصالي كفه قطعت # لما استعنت به في بعض أوطاري # فكنت في طلبي من عنده فرجا # كالمستغيث من الرمضاء بالنار # إني أعيذك والمعتاذ محترس ms12 # من شؤم عمرو بعز الخالق الباري # فإن فعلت فحظ قد ظفرت به # وإن أبيت فقد أعلنت إسراري # وصار الجاحظ إلى منزل بعض إخوانه فاستأذن عليه، فخرج إليه غلام أعجمي، فقال: من أنت؟ قال: ~~الجاحظ. فدخل الغلام إلى صاحب الدار فقال: الجاحد على الباب. وسمعها الجاحظ. فقال صاحب ~~الدار للغلام: اخرج فانظر من الرجل. فخرج يستخبر عن اسمه، فقال: أنا الحدقي. فدخل الغلام، ~~فقال: الحلقي. وسمعها الجاحظ. فصاح به في الباب: ردنا إلى الأول؛ يريد أن قوله الجاحد ~~مكان الجاحظ أسهل عليه من الحلقي مكان الحدقي، فعرفه الرجل فأوصله واعتذر إليه. # وقال الجاحظ مرة بحضرة السدري: «إذا كانت المرأة عاقلة ظريفة كاملة كانت ...» فقال له ~~السدري: وكيف؟ قال: لأنها تأخذ الدراهم، وتمتع بالناس والطيب، وتختار على عينها من تريد، ~~والتوبة معروضة لها متى شاءت. فقال له السدري: فكيف عقل العجوز حفظها الله؟ قال: هي أحمق ~~الناس وأقلهم عقلا. # وأتاه يوما رجل فقال: سمعت أن لك ألف جواب مسكت، فعلمني منها. قال: نعم. فقال: إذا قال ~~لي شخص يا زوج الفاعلة، يا ثقيل الروح، أي شيء أقول له؟ قال: قل له صدقت. # وقال الجاحظ: كان رجل من أهل السواد تشيع، وكان ظريفا، فقال ابن عم له: بلغني أنك ~~تبغض عليا - عليه السلام - والله لئن فعلت لتردن عليه الحوض يوم القيامة ولا ~~يسقيك. قال: والحوض في يده يوم القيامة؟ قال: نعم. قال: وما لهذا الفاضل يقتل الناس في ~~الدنيا بالسيف وفي الآخرة بالعطش! فقيل له: أتقول هذا مع تشيعك ودينك؟ قال: والله لا ~~تركت النادرة ولو قتلتني في الدنيا، وأدخلتني النار في الآخرة. # وقال: كان يأتيني رجل فصيح من العجم، فقلت له: هذه الفصاحة وهذا البيان، لو ادعيت في ~~قبيلة من العرب لكنت لا تنازع فيها. فأجابني إلى ذلك، فجعلت أحفظه نسبا حتى حفظه وهذه ~~هذا فقلت له: الآن، لا تته علينا. فقال: سبحان الله! إن فعلت ذلك فأنا إذن دعي. # وروى ابن عساكر أن الجاحظ قال: رأيت جارية ببغداد في سوق النخاسين ms13 ينادى عليها، فدعوت بها ~~وجعلت أقلبها، فقلت لها: ما اسمك؟ قالت: مكة. قلت: الله أكبر! قد قرب الحج، أتأذنين أن أقبل ~~الحجر الأسود؟ قالت: إليك عني! أولم تسمع الله يقول: # لم تكونوا بالغيه إلا ~~بشق الأنفس ~~. # وقال الجاحظ: كنت وقفت أنا وأبو حرب على قاص، فأردت الولوع به، فقلت لمن حوله: إنه رجل ~~صالح لا يحب الشهرة فتفرقوا عنه. فتفرقوا، فقال لي: الله حسيبك إذا لم ير الصياد طيرا، ~~كيف يمد شبكته؟ # وقال أيضا: اشتريت عبدا بمائة درهم فاسترخصته، فتعشيت سمكا فنمت، فاستدعيت منه ماء، ~~فقال: اسكت، تأكل السمك وتشرب عليه الماء ليتولد منه كذا وكذا، وامتنع. فلما اشتد عطشي قمت ~~وشربت، فقال: يا مولاي، احمل معك حتى أشرب أنا أيضا. # وقال أيضا: حدثني ثمامة بن أشرس قال: شهدت رجلا يوما من الأيام وقد قدم خصما له ~~إلى بعض الولاة، فقال: أصلحك الله! ناصبي رافضي جهمي مشبه مجبر قدري، يشتم الحجاج بن الزبير ~~الذي هدم الكعبة على علي بن أبي سفيان، ويلعن معاوية بن أبي طالب. فقال له الوالي: ما أدري ~~مم أتعجب؛ من علمك بالأنساب، أو من معرفتك بالمقالات! فقال: أصلحك الله، ما خرجت من ~~الكتاب حتى تعلمت هذا كله. # وقال أيضا: كنت مجتازا في بعض الطرق، فإذا أنا برجل قصير بطين، كبير الهامة طويل ~~اللحية، متزر بمئزر، بيده مشط يشق به شقة ويمشطها بيده، فقلت في نفسي: رجل قصير بطين ~~ألحى، فاستزريته، فقلت: أيها الشيخ، قد قلت فيك شعرا، فترك المشط من يده وقال: قل. فقلت: # كأنك صعوة في أصل حش # أصاب الحش طش بعد رش # فقال لي: اسمع جواب ما قلت. فقلت: هات. فقال: # كأنك كندر في ذيل كبش # تدلدل هكذا والكبش يمشي # وكان الجاحظ يأكل مع محمد بن عبد الملك الزيات، فجاءوا بفالوذجة، فتولع محمد بالجاحظ وأمر ~~أن يجعل من جهته ما رق من الجام، فأسرع في الأكل، فتنظف ما بين يديه، فقال ابن الزيات: تقشعت ~~سماؤك قبل الناس. فقال الجاحظ: لأن غيمها كان رقيقا. # وقال ms14 الجاحظ في مغفل اسمه كيسان: كان يكتب غير ما يسمع، ويستملي غير ما يكتب، ويقرأ غير ~~ما يستملي، ويملي غير ما يقرأ. أمليت عليه يوما: # عجبت لمعشر عدلوا # بمعتمر أبا عمرو # فكتب أبا بشر، وقرأ أبا فحص، واستملى أبا زيد. # وفي تاريخ ابن عساكر، قال أبو بكر محمد بن إسحاق: قال لي إبراهيم بن محمود ونحن ببغداد: ~~ألا ندخل على عمرو بن بحر الجاحظ؟ فقلت: ما لي وله؟ قال: إنك إذا انصرفت إلى خراسان سألوك ~~عنه، فلو دخلت عليه وسمعت كلامه. ثم لم يزل بي حتى دخلت عليه يوما، فقدم إلينا طبقا ~~عليه رطب، فتناولت منه ثلاث رطبات وأمسكت، ومر إبراهيم فأشرت إليه أن يمسك، فرمقني الجاحظ ~~فقال لي: دعه يا فتى، فقد كان عندي في هذه الأيام بعض إخواني، فقدمت إليه الرطب فامتنع، ~~فحلفت عليه فأبى إلا أن يبر قسمي بثلاثمائة رطبة. # | حسن محاضرته # لم يكن الجاحظ من أولئك العلماء المتزمتين الذين زووا وجوههم عن المجتمع، وتجاهلوا ما ~~يحيط بهم من أحوال عصرهم، واقتصروا على فهم الحياة من الكتب؛ كلا، فلقد كان كثير الاختلاط، ~~يلابس طبقات الناس كلها، من الخليفة وحاشيته إلى الحراس. # 1 # فأضاف إلى واسع روايته في الأدب عظيم خبرته لأهل زمانه، فضلا عن حدة ذكائه ~~وقوة عارضته، وعما ركب في طبعه من حب الدعابة والفكاهة؛ فليس عجيبا أن يكون حلو الحديث ~~حسن المحاضرة حاضر الجواب سريع النكتة، وحسبنا أن نروي من ذلك قصة رواها ابن خلكان؛ قال: ~~قال الجاحظ: ذكرت للمتوكل لتأديب بعض ولده، فلما رآني استبشع منظري، فأمر لي بعشرة آلاف ~~درهم وصرفني، فخرجت من عنده فلقيت محمد بن إبراهيم وهو يريد الانصراف إلى مدينة السلام، ~~فعرض علي الخروج معه والانحدار في حراقته، وكنا بسر من رأى، فركبنا في الحراقة، ~~فلما انتهينا إلى فم نهر القاطول نصب ستارة وأمر بالغناء، فاندفعت عوادة فغنت: # كل يوم قطيعة وعتاب # ينقضي دهرنا ونحن غضاب # ليت شعري أنا خصصت بهذا # دون ذا الخلق أم كذا الأحباب # وسكتت، فأمر الطنبورية ms15 فغنت: # وا رحمتا للعاشقينا # ما أن أرى لهم معينا # كم يهجرون ويصرمو # ن ويقطعون فيصبرونا # قال: فقالت لها العوادة: فيصنعون ماذا؟ قالت: هكذا يصنعون! وضربت بيدها إلى الستارة ~~فهتكتها، وبرزت كأنها فلقة قمر، فألقت نفسها في الماء. وعلى رأس محمد غلام يضاهيها في ~~الجمال وبيده مذبة، فأتى الموضع ونظر إليها وهي تمر بين الماء، فأنشد: # أنت التي غرقتني # بعد القضا لو تعلمينا # وألقى نفسه في أثرها، فأدار الملاح الحراقة فإذا بهما معتنقان، ثم غاصا فلم يريا، ~~فاستعظم محمد ذلك وهاله أمرهما، ثم قال: يا عمرو، لتحدثني حديثا يسليني عن فعل هذين ~~وإلا ألحقتك بهما. قال: فحضرني حديث يزيد بن عبد الملك وقد قعد للمظالم يوما، وعرضت عليه ~~القصص، فمرت به قصة فيها: إن رأى أمير المؤمنين أن يخرج إلي جاريته فلانة حتى تغنيني ~~ثلاثة أصوات فعل، فاغتاظ يزيد من ذلك وأمر من يخرج إليه ويأتيه برأسه، ثم أتبع الرسول ~~رسولا آخر يأمره أن يدخل إليه الرجل، فأدخله، فلما وقف بين يديه قال له: ما الذي حملك على ~~ما صنعت؟ قال: الثقة بحلمك والاتكال على عفوك. فأمره بالجلوس حتى لم يبق أحد من بني أمية ~~إلا خرج، ثم أمر فأخرجت الجارية ومعها عودها، فقال لها الفتى غني: # أفاطم مهلا بعض هذا التدلل # وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي # فغنته، فقال له يزيد: قل. فقال: غني: # تألق البرق نجديا فقلت له # يا أيها البرق إني عنك مشغول # فغنته، فقال له يزيد: قل. فقال: يا مولاي، تأمر لي برطل شراب؟ فأمر له به، فما استتم ~~شربه حتى وثب وصعد على أعلى قبة ليزيد، فرمى نفسه على دماغه فمات. فقال يزيد: إنا لله ~~وإنا إليه راجعون، أتراه الأحمق الجاهل، ظن أني أخرج إليه جاريتي وأردها إلى ملكي، يا ~~غلمان خذوها بيدها واحملوها إلى أهله إن كان له أهل، وإلا فبيعوها وتصدقوا عنه بثمنها. ~~فانطلقوا بها إلى أهله، فلما توسطت الدار نظرت إلى حفيرة في وسط دار يزيد قد أعدت ~~للمطر، فجذبت نفسها من أيديهم ms16 وأنشدت: # من مات عشقا فليمت هكذا # لا خير في عشق بلا موت # فألقت نفسها في الحفيرة، فماتت. قال الجاحظ: فسري عن محمد وأجزل صلتي. # | كتبه # الجاحظ من أقدم المؤلفين وأكثرهم تصانيف في كل فن وعلم كان معروفا لزمانه، بل يمكن أن ~~يقال إنه هو الذي شرع التأليف في الأدب. وكتبه تجمع إلى العلم والفائدة البراعة في ~~التعبير وسحر البلاغة في الأسلوب، وتبعث الشوق على المطالعة لما فيها من النوادر والنكات ~~الشائعة فيها، وهي سنة المؤلفين من بعده، بها اقتدوا وعلى سبيلها نهجوا، ولولاها لفقد ~~كثير من آداب العرب، ولا تزال في غزارة المادة المرجع والأم، ولولا عدم تنسيقها لما ~~فضلها كتاب. # كان أبو محمد عبد الله بن حمود الزبيدي الأندلسي يقول: رضيت في الجنة بكتب الجاحظ ~~عوضا عن نعيمها. # وقال أبو القاسم السيرافي: حضرنا مجلس الأستاذ الرئيس أبي الفضل (ابن العميد)، فقصر رجل ~~بالجاحظ وأزرى عليه، وحلم الأستاذ عنه، فلما خرج قلت له: سكت أيها الأستاذ عن هذا الجاهل ~~في قوله مع عادتك بالرد على أمثاله. فقال: لم أجد في مقابلته أبلغ من تركه على جهله، ولو ~~واقفته وبينت له النظر في كتبه لصار إنسانا، يا أبا القاسم، كتب الجاحظ تعلم العقل ~~أولا والأدب ثانيا. # وقال أبو علي الحسن بن داود: فخر أهل البصرة بأربعة كتب: كتاب البيان والتبيين للجاحظ، ~~وكتاب الحيوان له، وكتاب سيبويه، وكتاب العين للخليل. # وقد بلغ شغف الناس بكتب الجاحظ وتهافتهم عليها أن أبا بكر بن الإخشاد أراد أن يطلع على ~~كتاب الفرق بين النبي والمتنبي فلم يظفر به، فلما دخل مكة حاجا أقام مناديا بعرفات ~~ينادي: رحم الله من دلنا على كتاب الفرق بين النبي والمتنبي على أي وجه كان. # أما مؤلفات الجاحظ فتعد بالمئات، ورد في مقدمة كتاب التاج أن الجاحظ ترك نحوا من ~~ثلاثمائة وستين مؤلفا، رآها سبط ابن الجوزي كلها تقريبا في مشهد أبي حنيفة النعمان ~~ببغداد. # أما نحن، فنتكلم الآن على ما طبع منها، وهو قليل جدا، ثم نذكر أسماء ما ms17 اتصل بنا من ~~كتبه التي لم تطبع. # كتبه المطبوعة ~~(1) # البيان والتبيين: أحد أركان كتب الأدب وأقدمها، أهداه الجاحظ إلى ابن أبي ~~داود فأعطاه خمسة آلاف دينار. والكتاب يبحث في فنون الأدب والبلاغة نثرا ~~ونظما، ويتناول النقد واللغة، ويأتي على ذكر الأدباء والخطباء والمنشئين ~~والشعراء، ويمثل بنماذج من أقوالهم. وفيه طائفة صالحة من كلام النبي والخلفاء ~~والصالحين والزهاد والنساك وفصحاء الخوارج، وما يقابل ذلك من كلام ~~اللحانين والنوكى والموسوسين والجفاة والأغبياء، إلى أحاديث ونوادر ~~مبثوثة في الكتاب. وهو من أجل وثائق الأدب العربي في الجاهلية والإسلام، وكل ~~من ألف بعده في الأدب نهج على منواله على ما فيه من نقص في ~~التنسيق. ~~(2) # كتاب الحيوان: أهداه إلى الوزير محمد بن عبد الملك الزيات، فأعطاه خمسة آلاف ~~دينار. وهو أول كتاب ألف في موضوعه يدخل في سبعة أجزاء، ويبحث عن طبائع ~~الحيوان وما ورد فيه من الأخبار والقصص والنوادر والخرافات والفكاهة والمجون، ~~وما قالته العرب فيه من الشعر، فضلا عما اختبره المؤلف بنفسه. وفي الكتاب ~~استطرادات كثيرة يسوقها المؤلف لأدنى مناسبة، فينتقل بالقارئ من موضوع إلى آخر، ~~وكثيرا ما تتسلسل المناسبات حتى يخرج عن الصدد، ولكن القارئ يقف في أثناء ذلك ~~على أخبار ممتعة وفوائد قيمة تمثل له المعارف الإسلامية وما بلغته في القرن ~~الثالث؛ فهناك أشعار الجاهليين والمخضرمين والإسلاميين والمحدثين، وهناك ~~تفسير كثير من آي القرآن والحديث، وهناك آراء المتكلمين ومذاهب الفرق ~~الإسلامية، وهناك شبه الملحدين والزنادقة والرد عليهم، أضف إلى ذلك معارف ~~الهنود واليونان والفرس مما ترجمه العرب ومما تسوق إليه المناسبة في ذلك ~~الكتاب، فضلا عن أنه يصور كثيرا من وجوه الحياة في القرن الثالث. ~~(3) # كتاب البخلاء: كتاب طريف، جمع فيه الجاحظ أخبار البخلاء ونوادر الأشحاء، ~~وصدره برسالة سهل بن هارون في البخل، وهي من أبلغ وأمتع وأنفس ما كتب في هذا ~~الموضوع. والكتاب ممتع جذاب لما فيه من الفكاهات الطلية والأماليح التي تدور ~~حول البحث، ولقد أضاف إليه الجاحظ ما انفق له من النوادر مع بعض البخلاء، ولا ~~يخلو ms18 الكتاب من آراء سديدة في الاقتصاد والتدبير، كل ذلك بأسلوب رشيق يستهوي ~~القارئ. ~~(4) # كتاب المحاسن والأضداد: كتاب حسن، جمع الجاحظ فيه نحو ثمانين موضوعا ~~متقابلة؛ فهو يعقد للموضوع فصلا يذكر فيه محاسنه، ثم يعقبه بضده، وهكذا إلى ~~آخر الكتاب. وقد بدأه بذكر محاسن الكتابة، وختمه بذكر شيء من محاسن الموت. ~~وجميع المواضيع التي عالجها ذات بال، كمحاسن الجواب والمشورة والعفو والوفاء ~~وحب الوطن وأضدادها. وقد صرح الجاحظ في المقدمة بأنه لم يسبق إلى هذا الكتاب ~~بقوله: «وهذا كتاب وسمته بالمحاسن والأضداد، لم أسبق إلى نحلته، ولم يسألني ~~أحد صنعه.» والكتاب من أكثر كتب الجاحظ تنسيقا وترتيبا، وأشدها مراعاة ~~لحسن التبويب، وضم كل معنى إلى مشاكله، وقد جرى على سننه البيهقي فألف ~~كتابا سماه المحاسن والمساوي. ~~(5) # كتاب التاج في أخلاق الملوك: يبحث عما يتعلق بأمور الملوك في السياسة ~~والتدبير، وفي حياتهم الخاصة وآداب مجالستهم ورسوم الدخول عليهم ومحادثتهم، وما ~~إلى ذلك من أحوالهم العامة والخاصة، وفيه شواهد عن ملوك الفرس وخلفاء العرب. ~~والكتاب يدل على ما بلغه العرب من العزة والسلطان، ورسوخ قدمهم في الحضارة، ~~وما أظن أن رسوم أعرق قصر بالمدنية في الوقت الحاضر تفوق ما ورد في ذلك ~~الكتاب من الرسوم والآداب. ~~(6) # الفصول المختارة من كتب الجاحظ: وهو كتاب اختاره عبيد الله بن حسان من عشرين ~~كتابا للجاحظ، وهذه أسماؤها: كتاب الحاسد والمحسود، كتاب المعلمين، كتاب ~~التربيع والتدوير، كتاب مدح النبيذ، كتاب طبقات المغنين، كتاب النساء، كتاب ~~مناقب الترك، كتاب حجج النبوة، كتاب مسائل القرآن (وفيه بحث عن خلق القرآن)، ~~كتاب الرد على النصارى، كتاب المودة والخلطة، كتاب استحقاق الإمامة، كتاب ~~استنجاز الوعد، كتاب تفضيل النطق على الصمت، كتاب صناعة الكلام، كتاب مدح ~~التجارة وذم عمل السلطان، كتاب الشارب والمشروب، كتاب الإمامة، كتاب مقالة ~~الزيدية والرافضة. ~~(7) # ثلاث رسائل للجاحظ، هي: الرد على النصارى (التي مر ذكرها مع الفصول ~~المختارة)، ذم أخلاق الكتاب، رسالة القيان. ~~(8) # الحنين إلى الأوطان. ~~(9) # إحدى عشرة رسالة طبعت في مصر، ذكر أكثرها في الفصول المختارة، وما ms19 لم ~~يذكر منها هو : فخر السودان على البيضان، كتاب الوكلاء والموكلين. ~~(10) # رسالة في بني أمية: وقد سماها بعضهم رسالة النابتة. ~~(11) # كتاب الدلائل والاعتبار على الخلق والتدبير: فيه كثير من الأدلة العقلية ~~على وجود الخالق وحكمته وتدبيره، وهو كتاب قيم وأسلوبه عال، ولكنه بأسلوب ~~الحكماء أشبه. ~~(12) # كتاب المناظرة بين الربيع والخريف: نسب للجاحظ، وأنا أشك كثيرا في كونه من ~~كلامه، بل أقطع بأنه منحول لبعده عن أسلوب الجاحظ. ~~(13) # كتاب تهذيب الأخلاق: نسب للجاحظ، وليس له. # هذه هي الكتب المطبوعة من تصانيف الجاحظ. أما كتبه المخطوطة فقليل منها محفوظ في بعض ~~دور الكتب العامة، مثل كتاب تنبيه الملوك والمكائد، وكتاب سحر البيان في مكتبة كوبرلي ~~بالقسطنطينية، وكتاب العرافة والزجر والفراسة على مذاهب الفرس في مكتبة ليدن، وكتاب ~~المختار من كلام الجاحظ في مكتبة برلين. # والقسم الأعظم من كتبه المخطوطة لا يعلم محل وجودها، وإنما نورد أسماءها نقلا عن ~~معجم الأدباء لياقوت، بعد إسقاط ما سبقت الإشارة إليه؛ وهي: كتاب الزرع والنخل، أهداه ~~الجاحظ إلى إبراهيم بن العباس الصولي فأعطاه خمسة آلاف دينار، كتاب النبي والمتنبي، ~~كتاب المعرفة، كتاب مسائل المعرفة، كتاب جوابات المعرفة، كتاب الرد على أصحاب الإلهام، ~~كتاب نظم القرآن، كتاب فضيلة المعتزلة، كتاب الرد على المشبهة، كتاب حكاية أصناف ~~الزيدية، كتاب العثمانية، كتاب الأخبار وكيف تصح، كتاب عصام المريد، كتاب الرد على ~~العثمانية، كتاب إمامة معاوية، كتاب إمامة بني العباس، كتاب الفنيان، كتاب القواد، كتاب ~~اللصوص، كتاب المخاطبات في التوحيد، كتاب تصويب علي في تحكيم الحكمين، كتاب وجوب ~~الإمامة، كتاب الأصنام، كتاب افتخار الشتاء والصيف، كتاب الجواري، كتاب نوادر الحسن، ~~كتاب الفخر ما بين عبد شمس ومخزوم، كتاب العرجان والبرصان، كتاب فخر القحطانية ~~والعدنانية، كتاب الطفيليين، كتاب الفتيا، # 1 # كتاب الرد على اليهود، كتاب الصرحاء والهجناء، كتاب المعاد والمعاش، كتاب ~~التسوية بين العرب والعجم، كتاب السلطان وأخلاق أهله، كتاب الوعيد، كتاب البلدان، كتاب ~~الأخبار، كتاب الدلالة على أن الإمامة فرض، كتاب الاستطاعة وخلق الأفعال، كتاب المقينين ~~والغناء والصنعة، كتاب الهدايا ms20 (منحول)، كتاب الإخوان، كتاب الرد على من ألحد في كتاب ~~الله عز وجل، كتاب آي القرآن، كتاب الناشي والمتلاشي، كتاب حانوت عطار، كتاب التمثيل، ~~كتاب فضل العلم، كتاب المزاح والجد، كتاب جمهرة الملوك، كتاب الصوالجة، كتاب ذم الزنا، ~~كتاب التفكر والاعتبار، # 2 # كتاب الحجر والنبوة، كتاب آل إبراهيم بن المدبر في المكاتبة، كتاب إحالة ~~القدرة على الظلم، كتاب أمهات الأولاد، كتاب الاعتزال وفضله عن الفضيلة، كتاب الأخطار ~~والمراتب والصناعات، كتاب أحدوثة العالم، كتاب الرد على من زعم أن الإنسان جزء لا ~~يتجزأ، كتاب أبي النجم وجوابه، كتاب التفاح، كتاب الأنس والسلوة، كتاب الكبر المستحسن ~~والمستقبح، كتاب نقض الطب، كتاب الحزم والعزم، كتاب عناصر الآداب، كتاب تحصين الأموال، ~~كتاب الأمثال، كتاب فضل الفرس على الهملاج، كتاب الرسالة إلى أبي الفرج بن نجاح في ~~امتحان عقول الأولياء، كتاب رسالة أبي النجم في الخراج، كتاب رسالته في القلم، كتاب ~~رسالته في فضل اتخاذ الكتب، كتاب رسالته في كتمان السر، كتاب رسالته في ذم النبيذ، كتاب ~~رسالته في العفو والصفح، كتاب رسالته في إثم السكر، كتاب رسالته في الأمل والمأمول، ~~كتاب رسالته في الحلية، كتاب رسالته في مدح الكتاب، كتاب رسالته في مدح الوراق، كتاب ~~رسالته في ذم الوراق، كتاب رسالته فيمن يسمى من الشعراء عمرا، كتاب رسالته في ~~اليتيمة، كتاب رسالته في فرط جهل يعقوب بن إسحاق الكندي، كتاب رسالته في الكرم، كتاب ~~رسالته في موت أبي حرب الصفار البصري، كتاب رسالته في الميراث، كتاب الأسد والذئب، كتاب ~~الاستبداد والمشاورة في الحرب، كتاب رسالته في القضاة والولاة، كتاب الملوك والأمم ~~السالفة والباقية، كتاب رسالته في الرد على القولية، كتاب العالم والجاهل، كتاب النرد ~~والشطرنج، كتاب غش الصناعات، كتاب خصومة الحول والعور، كتاب ذوي العاهات، كتاب ~~أخلاق الشطار. فأنت ترى أن الرجل ألف في الدين والعلم والأدب والاجتماع والاقتصاد ~~والحيوان والنبات، وعالج كل فن من الجد والهزل، وعدد تصانيفه عظيم جدا بين مختصر ~~ومطول، ولكن القسم الأعظم منها فقد أو لا يزال مجهولا. # | اتهامه ms21 في دينه # قل في النابغين من سلم من التهمة في دينه، لا سيما في عصر كعصر الجاحظ، كثرت فيه ~~الفرق والمذاهب بما دخل على العرب من الفلسفة الهندية والفارسية والإغريقية، وكثر فيه ~~الجدل في أصول الدين. وقلما تجادل شخصان ولم يرم كل منهما صاحبه بالمروق. والجاحظ، كما ~~علمت، متكلم مناظر مرن على الجدل والحجاج، وهو فوق ذلك صاحب مقالة في المعتزلة، ومذهبه في ~~الكلام أقرب إلى مذهب الفلاسفة، أضف إلى ذلك ظرفه ودعابته، وما ينشأ عن ذلك من تهكم لاذع ~~يوري نار الحفيظة في قلب الخصم. ذلك أو بعضه كاف لحمل خصماء الجاحظ على رميه بالزيغ ~~والمروق. # اتهم الجاحظ في عدالته، فرمي بالكذب في رواية الحديث. قال ابن عساكر: قال أبو العيناء: ~~«أنا والجاحظ وضعنا حديث فدك، وأدخلناه على الشيوخ ببغداد فقبلوه، إلا ابن شيبة العلوي فإنه ~~قال: لا يشبه آخر هذا الحديث أوله، فأبى أن يقبله.» قال: وكان أبو العيناء يحدث بهذا ~~بعد ما تاب. # ورمي بالتهاون بالصلاة، قال ابن عساكر: حدث ابن أبي الدنيا المحدث بسر من رأى، قال: ~~حضرت وليمة حضرها الجاحظ، وحضرت صلاة الظهر فصلينا وما صلى الجاحظ، وحضرت صلاة العصر ~~فصلينا وما صلى الجاحظ، فلما عزمنا على الانصراف قال الجاحظ لصاحب المنزل: إني ما صليت ~~لمذهب أو لسبب أخبرك به. فقال له: ما أظن أن لك مذهبا في الصلاة إلا تركها. # وحدث أبو العيناء قال: قال الجاحظ: كان الأصمعي منانيا. فقال له العباس بن رستم: لا ~~والله، ولكن تذكر حين جلست إليه تسأله فجعل يأخذ نعله بيده وهي مخصوفة بحديد ويقول: نعم ~~قناع القدري. فعلمت أنه يعنيك. # وقد مر بك أن ابن أبي دواد قال: أنا أثق بظرفه ولا أثق بدينه. # ولما عد الجاحظ بعض الزنادقة قالوا: نسي الجاحظ نفسه. # وقال الجماز فيه: # يا فتى نفسه إلى ال # كفر بالله تائقة # لك في الفضل والتزه # د والنسك سابقة # ولم يقفوا عند هذا الحد، بل رموه بالكيد للإسلام والمسلمين. قال ابن قتيبة في كتابه تأويل ~~مختلف ms22 الحديث: «قال أبو محمد: ثم نصير إلى الجاحظ، وهو آخر المتكلمين، والمعاير على ~~المتقدمين، وأحسنهم للحجة استثارة، وأشدهم تلطفا لتعظيم الصغير حتى يعظم، وتصغير العظيم ~~حتى يصغر، ويبلغ به الاقتدار إلى أن يعمل الشيء ونقيضه، ويحتج بفضل السودان على البيضان، ~~وتجده يحتج مرة للعثمانية على الرافضة ومرة للزيدية على العثمانية وأهل السنة، ومرة يفضل ~~عليا - رضي الله عنه - ومرة يؤخره. ويقول: قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ويتبعه ~~قال الجماز وقال إسماعيل بن غزوان كذا وكذا من الفواحش، ويجل رسول الله # صلى الله عليه وسلم # عن أن يذكر في كتاب ذكرا فيه، فكيف في ورقة أو بعد سطر أو سطرين. # ويعمل كتابا يذكر فيه حجج النصارى على المسلمين، فإذا صار إلى الرد عليهم تجوز في ~~الحجة كأنه إنما أراد تنبيههم على ما لا يعرفون، وتشكيك الضعفة من المسلمين. # وتجده يقصد في كتبه للمضاحيك والعبث، يريد بذلك استمالة الأحداث وشراب النبيذ، ويستهزئ من ~~الحديث استهزاء لا يخفى على أهل العلم، كذكره كبد الحوت وقرن الشيطان، وذكر الحجر الأسود ~~وأنه كان أبيض فسوده المشركون، وكان يجب أن يبيضه المسلمون حين أسلموا. ويذكر الصحيفة ~~التي كان فيها المنزل في الرضاع تحت سرير عائشة فأكلتها الشاة، وأشياء من أحاديث أهل الكتاب ~~في تنادم الديك والغراب، ودفن الهدهد أمه في رأسه، وتسبيح الضفدع، وطوق الحمامة، وأشباه هذا ~~مما سنذكره فيما بعد، إن شاء الله. وهو مع هذا من أكذب الأمة وأوضعهم لحديث وأنصرهم لباطل. ~~ومن علم، رحمك الله، أن كلامه من عمله قل إلا فيما ينفعه، ومن أيقن أنه مسئول عما ألف ~~وعما كتب لم يعمل الشيء وضده، ولم يستفرغ مجهوده في تثبيت الباطل عنده. وأنشدني الرياشي: # ولا تكتب بخطك غير شيء # يسرك في القيامة أن تراه» # وقال أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي في كتابه الفرق بين الفرق: «... فمن ضلالاته ~~(الجاحظ) المنسوبة إليه ما حكاه الكعبي عنه في مقالاته مع افتخاره به من قوله: إن المعارف ~~كلها طباع، وهي مع ذلك فعل ms23 للعباد وليس باختيار لهم. قالوا: ووافق ثمامة في أن لا فعل ~~للعباد إلا الإرادة، وأن سائر الأفعال تنسب إلى العباد على معنى أنها وقعت منهم طباعا ~~وأنها وجبت بإرادتهم. قال: وزعم أيضا أنه لا يجوز أن يبلغ أحد فلا يعرف الله تعالى. ~~والكفار عنده من معاند ومن عارف قد استغرق حبه لمذهبه، فهو لا يشكر بما عنده من المعرفة ~~بخالقه ويصدق رسله. فإن صدق الكعبي على الجاحظ في أن لا فعل للإنسان إلا الإرادة لزمه ~~ألا يكون الإنسان مصليا ولا صائما ولا حاجا ولا زانيا ولا سارقا ولا قاذفا ولا ~~قاتلا؛ لأنه لم يفعل صلاة ولا صوما ولا حجا ولا زنى ولا سرقة ولا قتلا ولا قذفا؛ ~~لأن هذه الأفعال عنده غير الإرادة، وإذا كانت هذه الأفعال التي ذكرناها عنده طباعا لا ~~كسبا لزمه ألا يكون للإنسان عليها ثواب ولا عقاب؛ لأن الإنسان لا يثاب ولا يعاقب على ~~ما لا يكون كسبا له، كما لا يثاب ولا يعاقب على لونه وتركيب بدنه إذا لم يكن من ~~كسبه.» # هذا ما استنتجه البغدادي، وما كنا لنأبه لهذا الاستنتاج لولا جملة قالها الجاحظ ~~يشتم منها رائحة الإباحية، هذا نصها نقلا عن معجم الأدباء لياقوت: «قال الجاحظ مرة ~~بحضرة السدري: إذا كانت المرأة عاقلة ظريفة كاملة كانت ... فقال له السدري: وكيف؟ قال: لأنها ~~تأخذ الدراهم، وتمتع بالناس والطيب، وتختار على عينها من تريد، والتوبة معروضة لها متى ~~شاءت. فقال له السدري: فكيف عقل العجوز حفظها الله؟ قال: هي أحمق الناس وأقلهم ~~عقلا.» # على أن ذلك قد يحمل على محمل الهزل والدعابة، ومهما يكن فالجاحظ إمام من أئمة المسلمين، ~~له آراء انفرد بها في الكلام، ومذهبه في ذلك التوفيق بين العقل والنقل، ولا يضره بعد ذلك ~~لوم المخالفين. # | شعره # نظلم الجاحظ كثيرا إذا اعتبرنا شعره ركنا من أركان عبقريته أو جزءا من أجزاء أدبه، ~~ونضل إذا عددناه دليلا من أدلة عظمته؛ لأن الجاحظ لم يخلق شاعرا، وإنما نظم الشعر كما ~~نظمه غيره من العلماء والكتاب ms24 واللغويين والفقهاء والمؤلفين، وتلك ظاهرة في الثقافة ~~العربية عمت بلواها جميع من تذوق طعم العربية. # خذ أي كتاب من كتب التراجم، وارجع إلى ترجمة أي رجل شئت، فقيها كان أو محدثا، ~~فيلسوفا أو طبيبا، فإنك واجد في أعقاب ترجمته: «ومن شعره قوله». # هذا النوع من الشعر يمكن تقسيمه إلى ثلاثة أقسام: شعر الكتاب وشعر العلماء وشعر ~~الفقهاء؛ فالأول يكنى به عن حسن الصنعة واختيار الألفاظ وانسجام النظم، كشعر ابن العميد ~~والصاحب ابن عباد، والثاني يكنى به عن جمع الأمثال ومعالجة الحقائق العلمية وما وراء ~~الطبيعة، كشعر ابن دريد وابن سينا، والثالث يكنى به عن الغثاثة والبرودة. # أما شعر الجاحظ فمن النوع الأول، وما أظن الباعث على نظمه إلا خيلاء العلم والأدب؛ يعني ~~أن سعة روايته للشعر وغزارة مادته في الأدب ورسوخ قدمه في العلم وقوة طبعه في النثر زين ~~له نظم الشعر، وإن لم يكن شاعرا، وهكذا قل في أكثر الكتاب. # فمن شعره قوله: # يطيب العيش إن تلقى حليما # غذاه العلم والرأي المصيب # ليكشف عنك حيرة كل ريب # وفضل العلم يعرفه الأريب # سقام الحرص ليس له شفاء # وداء البخل ليس له طبيب # وأنشد المبرد للجاحظ: # إن حال لون الرأس عن لونه # ففي خضاب الرأس مستمتع # هب من له شيب له حيلة # فما الذي يحتاله الأصلع # ومن شعره في ابن أبي دواد: # وعويص من الأمور بهيم # غامض الشخص مظلم مستور # قد تسنمت ما توعر منه # بلسان يزينه التحبير # مثل وشي البرود هلله النس # ج وعند الحجاج در نثير # حسن الصمت والمقاطع أما # نصت القوم والحديث يدور # ثم من بعد لحظة تورث اليس # ر وعرض مهذب موفور # وقال يهجو الجماز بأبيات منها: # نسب الجماز مقصو # ر إليه منتهاه # تنتهي الأحساب بالنا # س ولا تعدو قفاه # وقال يمدح إبراهيم بن رياح: # بدا حين أثرى بإخوانه # ففلل عنهم شباة العدم # وذكره الدهر صرف الزمان # فبادر قبل انتقال النعم # فتى خصه الله بالمكرمات # فمازج منه الحيا بالكرم # ولا ينكث الأرض عند السؤال # ليقطع زواره عن ms25 نعم # وكتب إلى أحمد بن أبي دواد: # لا تراني وإن تطاولت عمدا # بين صفيهم وأنت تسير # كلهم فاضل علي بمال # ولساني يزينه التحبير # فإذا ضمنا الحديث وبيت # وكأني على الجميع أمير # رب خصم أرق من كل روح # ولفرط الذكا يكاد يطير # فإذا رام غايتي فهو كاب # وعلى البعد كوكب مبهور # وله: # بخدي من قطر الدموع ندوب # وبالقلب مني مذ نأيت وجيب # ولي نفس حتى الدجى يصدع الحشا # ورجع حنين للفؤاد مذيب # ولي شاهد من ضر نفسي وسقمها # يخبر عني أنني لكئيب # كأني لم أفجع بفرقة صاحب # ولا غاب عن عيني سواك حبيب # وقال في إبراهيم بن رياح: # وعهدي به والله يصلح أمره # رحيب مجال الرأي منبلج الصدر # فلا جعل الله الولاية سبة # عليه فإني بالولاية ذو خبر # فقد جهدوه بالسؤال وقد أبى # به المجد إلا أن يلج ويستشري # وقال في أبي الفرج نجاح بن سلمة، يسأله إطلاق رزقه من قصيدة: # أقام بدار الخفض راض بخفضه # وذو الحزم يسرى حين لا أحد يسري # يظن الرضا شيئا يسيرا مهونا # ودون الرضا كأس أمر من الصبر # سواء على الأيام صاحب حنكة # وآخر كاب لا يريش ولا يبري # خضعت لبعض القوم أرجو نواله # وقد كنت لا أعطي الدنية بالقسر # فلما رأيت القوم يبذل بشره # ويجعل حسن البشر واقيه الوفر # ربعت على ضلعي وراجعت منزلي # فصرت حليفا للدراسة والفكر # وشاورت إخواني فقال حليمهم # عليك الفتى المري ذا الخلق الغمر # أعيذك بالرحمن من قول شامت # أبو الفرج المأمول يزهد في عمرو # ولو كان فيه راغبا لرأيته # كما كان دهرا في الرخاء وفي اليسر # أخاف عليك العين من كل حاسد # وذو الود منخوب الفؤاد من الذعر # فإن تدع ودي بالقبول فأهله # ولا يعرف الأقدار غير ذوي القدر # ومن شعره: # لئن قدمت قبلي رجال فطالما # مشيت على رسلي فكنت المقدما # ولكن هذا الدهر تأتي صروفه # فتبرم منقوضا وتنقض مبرما # | درس وتحليل # زمن الجاحظ، عوامل نبوغه، مواهبه، قيمة أدبه وأثره # ليس عجيبا أن ينبغ مثل الجاحظ في زمان الجاحظ، ms26 فإن عاش في أزهر عصر من العصور الإسلامية، ~~ودرج من البصرة عش اللغة والأدب، وقضى شطرا طويلا من حياته في بغداد عاصمة ذلك الملك ~~الكبير وأعظم مراكز العلم والأدب. # شب الجاحظ في زمن الرشيد، ذلك الخليفة العظيم الذي كان يجل العلماء ويقربهم، ويجالس ~~الشعراء ويجود عليهم، ونبغ في أيام المأمون، أعلم الخلفاء وأشدهم انتصارا للحرية الفكرية، ~~وأكثرهم تقديرا للعلم وأهله. # في ذلك العصر الذي يبتدئ بقيام الدولة العباسية سنة 132، وينتهي بوفاة الواثق سنة 232، ~~كانت الحضارة الإسلامية في أزهى عصورها، قائمة على الأسس القويمة التي جاء بها الإسلام، ~~ومحافظة على المروءة العربية مع اقتباس حكيم من حضارة الفرس واليونان. # في ذلك الزمن نبغ أئمة الدين الأربعة مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل، وفيه نبغ ~~الفيلسوف الكندي، ونبغ من أئمة اللغة والأدب الخليل بن أحمد والأصمعي وسيبويه، ومن كبار ~~الشعراء بشار بن برد وأبو نواس وأبو تمام الطائي، فلماذا لا ينبغ مثل الجاحظ في الفصاحة ~~واللسن والإنشاء في مثل ذلك الوسط الخصيب؟! # تقدم الجاحظ وعاصره كتاب أجلاء، مثل ابن المقفع وعمرو بن مسعدة وأحمد بن يوسف ~~والصولي وابن الزيات، ولكن واحدا منهم لم يتح له أن يكون كاتب ذلك العصر، ينفذ إلى كل ~~ناحية من نواحيه، ويصور أخلاق أهله أصدق تصوير، فبقي المكان فارغا حتى شغله الجاحظ. # إذا كان مقياس العبقرية في الأدب فهم الطبيعة البشرية وحسن التعبير عنها، وإذا كان مقياس ~~نبوغ الأديب شدة ملاحظته وعمق تفكيره وكثرة توليده، وإذا كان معيار الأدب تصوير الحياة ~~تصويرا فنيا؛ فالجاحظ أكبر كتاب العربية من هذه الجهات الثلاث، وصاحب الحق في أن يكون ~~كاتب عصره. # عاش الجاحظ في عصر كثرت فيه الفرق الدينية، وفشت الآراء الفلسفية، وتواثبت النعرات ~~القومية، واختلفت الأهواء السياسية، فخاض ذلك العباب، وكتب في التوحيد والقرآن والمعتزلة ~~والعثمانية والزيدية والرافضة، وكتب في التسوية بين العرب والعجم، وفي القحطانية ~~والعدنانية، وفي الترك، وفي البيضان والسودان، وكتب في بني أمية وبني العباس. # وسرت الروح العلمية في شتى المواضيع، فكتب في الحيوان والنبات ms27 والاقتصاد والطب ~~والكيمياء. # وأظل القوم في ذلك الزمن حضارة وارفة الظلال، فتأنقوا في الملبس والمركب والمأكل ~~والمشرب، ومالوا إلى الدعة واللهو، واقتنوا حسان الإماء، وولعوا بالشراب والغناء، فكتب في ~~النرد والشطرنج والجواري والقيان والغناء والمغنين والنبيذ وفضل الفرس على الهملاج. # ونتج عن ذلك ما ينتج عادة من مفاسد المدنية؛ فظهر الغش، وفشت الدعارة والعهر، وكثرت ~~اللصوص والشطار، وكثرت الخانات، فكتب في غش الصناعات وذم النبيذ وذم الزنا وإثم السكر ~~وحيل اللصوص وأخلاق الشطار. # ومن هنا رمي الجاحظ بالتناقض، واتهم بالتذبذب، وفات منتقديه أن شأنه فيما كتب شأن ~~المصور لا يلام إذا صور إنسانا كما هو، بل يلام إذا أغفل شيئا من تقاطيعه وملامحه. # نعم، إنك كثيرا ما تجد للجاحظ رأيا في قضية، ثم تجد له رأيا مناقضا للأول، ولعل ~~منشأ ذلك حكاية آراء الناس سلبا وإيجابا، أو أن الرجل تعمق في فهم حقائق الأشياء حتى ~~بلغ غاية حالت بينه وبين الجزم في الرأي، أو أنه هازئ بالآراء ساخر بالنظريات، ينقض اليوم ~~ما أبرمه بالأمس. # لا يركن الجاحظ إلى الخيال، ولا يهيم في الأحلام الشعرية؛ ولذلك ندرت في كتابته الاستعارة ~~والكناية والتشبيه والمجاز؛ فهو غني بصادق بيانه عن الاستعانة بعكاكيز البلاغة، ولكن مع ذلك ~~غير ملهم في المواضيع الشعرية، أعطي جميع مواهب الكاتب الخلقية والكسبية، وأخطأه من ~~مواهب الشاعر الخيال والأوهام والأحلام. وسرعة الملاحظة وحدة الفطنة في الكاتب - وله منهما ~~أوفر نصيب - تقومان مقام الخيال والإلهام عند الشاعر. # فسح الجاحظ للنثر العربي مجالا واسعا، فمهد سبل التأليف في كثير من العلوم والفنون، ~~ومزج خشونة العلم بنعومة الأدب، وافتن في التهكم والدعابة. # سخر الجاحظ مبني على خفة روحه أولا، واطلاعه على العقائد والمذاهب ثانيا، ودرسه ~~أخلاق الناس ثالثا. يطلب النكتة للأحماض، ويرسلها هزؤا بخرافات بعض الناس وعاداتهم ~~ومواضعاتهم ومصطلحاتهم. # ما أظن أن أديبا من العرب أدرك الغاية من الأدب كما أدركها الجاحظ؛ فالأدب الذي لا يمثل ~~لك عصر صاحبه هو ناقص، وأي أدب أدق تمثيلا وأحسن تصويرا لزمان صاحبه من أدب ~~الجاحظ؟! ms28 # لو توفر أديب عصري على دراسة البقية الباقية من كتب الجاحظ لأمكنه أن يستخلص منها تاريخا ~~مدنيا لذلك العصر المبارك، فضلا عن القصص والروايات التي تمثل حياة القوم إذ ذلك في ~~أخلاقهم ومجالسهم وملابسهم ومذاهبهم الدينية والسياسية، وجدهم وهزلهم، وما إلى ذلك من ~~وجوه حياتهم؛ وما ذلك إلا لأن الجاحظ عرف زمانه وأهله فمثلهما أصدق تمثيل، وتلك من أكبر ~~مزاياه التي تفرد بها. ~~••• # كان النقد في أدبنا لا يعدو صحة اللفظ وحسن الصياغة، وعلى هذه القاعدة انتقدت كتب الجاحظ ~~وأعطي الرجل حقه من الإكبار، وسكت عما سوى ذلك. على أنني أرى أن الجاحظ في مواضيعه التي ~~عالجها أعظم منه في سمو أسلوبه وعذوبة لغته، فإنه حاول أن يكتب عن كل شيء رآه أو وعاه أو سمع ~~به، وكان موفقا فيما حاول. # ليس في مواضيع الجاحظ عناصر خيالية، بل هي حقائق ملموسة يعمد إليها ببصيرة نافذة وفكر ~~متوقد وفهم دقيق، فيفصح عنها بأفصح لغة وأروع أسلوب، فيجعلها محببة إلى القارئ، وذلك هو ~~الأدب الحق يصدقك ويسرك. # فطر الجاحظ على دقة الملاحظة، وهي تستدعي التقصي والإسهاب والإحاطة وحسن الوصف، ورأى ~~أن كل ما في هذه الحياة يستحق العناية والبحث - جدا أو هزلا - فتناول مواضيع متناقضة، ~~وطرق أبوابا لا يطرق عادة مثلها مثله، وعالج أمورا قد تبدو لأول وهلة تافهة، ~~فوفى كل بحث حقه وزاد وتطول. # نعم، إن من بعض آرائه العلمية ما لا يقره العلم الحديث وأكثر ما تجد ذلك في كتاب ~~الحيوان، ولكن كم رأيا في العلم بقي مسلما به منذ أحد عشر قرنا؟ على أن كتاب الحيوان ~~كتاب أدبي أكثر منه علميا. ~~••• # جرت العادة في النقد العربي ألا تعالج جهة الابتكار في الأديب إلا إذا كان شاعرا؛ ~~وذلك لسهولة الاهتداء إلى المعنى المبتكر في الشعر العربي خاصة؛ إذ إن كل بيت منه وحدة ~~مستقلة ذات معنى قائم بنفسه؛ فالعين نحوه أسرع والفكر إليه أهدى، وليس الشأن كذلك في النثر؛ ~~فقد يكون الابتكار النثري في فكرة، وقد يكون في اختيار موضوع ms29 كما يكون في تبويبه أو جمعه ، ~~فأغفلوا بحث الابتكار في الكتاب، وذلك من نواقص نقدنا، والجاحظ مبتكر في الإنشاء من حيث ~~الأسلوب والمواضيع؛ فكل كتاب من كتبه حدث مبتكر بل فتح مبين في أدبنا، ورسائله في ممتع ~~البحوث معان أبكار ما افترعها أحد قبله. # لم يكن الجاحظ من أولئك العلماء الذين تنازلوا عن حقهم في التدبر والتفكير، فنظروا إلى ~~المسائل من جهة واحدة، بل كان أبعد نظرا وأرجح رأيا، يرى للقضية الواحدة عدة وجوه، ~~فيعالجها جميعها بروية وإمعان من غير أن يحرج بها صدره أو تضيق بها نفسه. # عاش الجاحظ في وسط نجم فيه قرن الشعوبية والكيد للعرب في دينهم وسلطانهم وتاريخهم، فخاض ~~هذه الغمرة وعالج أحداثها بما عرف عنه من الاستقصاء والتعمق، ولكن هواه كان مع العرب يرى ~~تفوقهم بالكرم والمروءة والأنفة والحمية ومنع الجار وإباء الضيم، لا سيما في الشعر ~~والخطابة. # يرى المثل الأعلى في البلاغة شعر العرب ويفضله على بلاغة سائر الأمم؛ لأنه جرى على ~~ألسنتهم من غير تعمل ولا تكلف. أما كلام النبي فهو جوامع الكلم، فيه عبقة من الوحي ~~الإلهي، محفوف بالعصمة والتأييد، وهو الحكمة وفصل الخطاب، وسيمر بك شواهد على كل ذلك من ~~كلام الجاحظ. ~~••• # كان الجاحظ من المعجبين بابن المقفع، وهو الذي نوه بذكره ودل على فضله، ولكنه لم يشأ ~~أن يسلك طريقته في الأدب؛ لأن الجاحظ رأى أفق الأدب أوسع من أن يقصر على حكم ومواعظ تستقيم ~~في النظر ويلتوي أكثرها في العمل، فمد بصره إلى أوسع من ذلك، ورأى أن الأدب يتناول الحماقة ~~كما يتناول الحكمة؛ لأنه مرآة الحياة نعيمها وكدها، هزلها وجدها، وحكمتها وسخافتها، إلى آخر ~~ما تشتمل عليه الحياة من المتناقضات، فكتب ما كتب من شتى المواضيع ومختلف الأبحاث. # وكذلك فإنه لم ير حاجة لاختراع الأشخاص الخيالية واصطناع الأوضاع القصصية لتقريب المعاني ~~إلى الأفهام وإساغتها في الأذواق، شأن أصحاب المقامات من بعده، بل غشاها من ساحر بيانه بما ~~جعلها فتنة القلوب والأسماع. والغريب أن أصحاب المقامات في قصصهم قصروا ms30 عن الجاحظ كثيرا في ~~الترجمة عن الطبائع وتصوير الأخلاق مع أنهم نصبوا أنفسهم لهذا الغرض. ~~••• # لم يبخس الجاحظ بقية الأمم حقها في العلم، ولكنه كان يعتقد أن العربية إذ ذاك أغنى اللغات ~~علما وأدبا، تفي بحاجة كل طالب في كل فن. قال: «قل معنى سمعناه في باب معرفة الحيوان من ~~الفلاسفة، وقرأناه في كتب الأطباء والمتكلمين، إلا ونحن قد وجدنا قريبا منه في أشعار العرب ~~وفي معرفة أهل لغتنا وملتنا.» # ويزيد على ذلك أنه كان يرى أن الحذق في غير العربية ينتقص فصاحة العربية ويتخون محاسنها؛ ~~لأن النبوغ في لغتين متعذر. قال: «ومتى وجدناه - الترجمان - قد تكلم بلسانين، علمنا أنه قد ~~أدخل الضيم عليهما؛ لأن كل واحدة من اللغتين تجذب الأخرى وتأخذ منها وتعترض عليها، فكيف ~~يكون تمكن اللسان منهما مجتمعتين فيه كتمكنه إذا انفرد بالواحدة، وإنما له قوة ~~واحدة.» # ومن هنا نعلم أنه لم يكن يرى روعة البلاغة في الآداب المترجمة، وذلك رأي جمهرة العرب ~~الذين أقبلوا على ترجمة أنواع العلوم ورضوا بالأخذ عن غيرهم إلا في الشريعة والأدب؛ فإنهم ~~كانوا مؤمنين بأن شريعتهم أكمل الشرائع وأدبهم أرفع الآداب ولغتهم أبلغ اللغات. # هذا فصل إذا أضيف إلى ما تقدمه من الفصول وأضيف إليه أمثلة وشواهد من كلام الجاحظ - ~~وستراها بعد أسطر - أمكن أن يعطيك فكرة عامة، ويمثل لك صورة مجملة عن الجاحظ وسيرته وأدبه ~~وأثره. # | نصوص من كلام الجاحظ # اللسان # هو أداة يظهر بها البيان، وشاهد يعبر عن الضمير، وحاكم يفصل الخطاب، وناطق يرد به ~~الجواب، وشافع تدرك به الحاجة، وواصف تعرف به الأشياء، وواعظ ينهى عن القبيح، ومعز ~~يبرد الأحزان، ومعتذر يرفع الضغينة، ومله يونق الأسماع، وزارع يحرث المودة، وحاصد ~~يستأصل العداوة، وشاكر يستوجب المزيد، ومادح يستحق الألفة، ومؤنس يذهب الوحشة. # العقل # ليس على ظهرها إنسان إلا معجب بعقله، لا يسره أن له بجميع ما له ما لغيره، ولولا ~~ذلك لماتوا كمدا ولذابوا حسدا، ولكن كل إنسان وإن كان يرى أنه حاسد في شيء، فهو يرى ~~أنه محسود ms31 في كل شيء. # الكلام البليغ # ومتى شاكل - أبقاك الله - اللفظ معناه، وكان لذلك الحال وفقا، ولذلك القدر لفقا، ~~وخرج من سماجة الاستكراه، وسلم من فساد التكلف؛ كان قمنا بحسن الموقع، وحقيقا بانتفاع ~~المستمع، وجديرا أن يمنع صاحبه من تأول الطاعنين، ويحمي عرضه من اعتراض العائبين، ~~ولا تزال القلوب به معمورة، والصدور به مأهولة. # ومتى كان اللفظ أيضا كريما في نفسه، متخيرا من جنسه، وكان سليما من الفضول، ~~بريئا من التعقيد، حبب إلى النفوس، واتصل بالأذهان، والتحم بالعقول، وهشت له ~~الأسماع، وارتاحت له القلوب، وخف على ألسن الرواة، وشاع في الآفاق ذكره، وعظم في الناس ~~خطره، وصار ذلك مادة للعالم الرئيس، ورياضة للمتعلم الريض. ومن أعاره من معرفته ~~نصيبا، وأفرغ عليه من محبته ذنوبا، خبت إليه المعاني، وسلس له نظام اللفظ، وكان قد ~~أغنى المستمع عن كد التكلف، وأراح قارئ الكتاب من علاج التفهم. # كلام النبي # عاب النبي # صلى الله عليه وسلم # التشديق، وجانب أصحاب التقعير، واستعمل المبسوط في ~~موضع البسط، والمقصور في موضع القصر، وهجر الغريب الوحشي، ورغب عن الهجين السوقي، فلم ~~ينطق إلا عن ميراث حكمة، ولم يتكلم إلا بكلام قد حف بالعصمة، وشيد بالتأييد، ويسر ~~بالتوفيق، وألقى الله عليه من المحبة، وغشاه بالقبول، وجمع له بين المهابة والحلاوة، ~~وبين حسن الإفهام والإيجاز. ومع استغنائه عن إعادته، وقلة حاجة السامع إلى معاودته، لم ~~تسقط له كلمة، ولا زلت به قدم، بل يبذ الخطب الطوال بالكلام القصير، ولا يلتمس ~~إسكات الخصم إلا بما يعرفه الخصم، ولا يحتج إلا بالصدق، ولا يطلب الفلج إلا بالحق، ولا ~~يستعين بالخلابة، ولا يستعمل المواربة، ولا يهمز ولا يلمز، ولا يبطئ ولا يعجل، ولا يسهب ~~ولا يحصر. # وما سمع كلام قط أعم نفعا، ولا أصدق لفظا، ولا أعدل وزنا، ولا أجمل مذهبا، ولا ~~أكرم مطلبا، ولا أحسن موقعا، ولا أسهل مخرجا من كلامه # صلى الله عليه وسلم ~~. # جوامع كلمه # يجب للرجل أن يكون سخيا لا يبلغ التبذير، شجاعا لا يبلغ الهوج، محترسا لا يبلغ ~~الجبن، ms32 ماضيا لا يبلغ القحة، قوالا لا يبلغ الهذر، صموتا لا يبلغ العي، حليما لا ~~يبلغ الذل، منتصرا لا يبلغ الظلم، وقورا لا يبلغ البلادة، ناقدا لا يبلغ الطيش. ثم ~~وجدنا رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قد جمع ذلك في كلمة واحدة، وهي قوله: «خير ~~الأمور أوساطها»، فعلمنا أنه # صلى الله عليه وسلم # قد أوتي جوامع الكلم، وعلم فصل ~~الخطاب. # سحر البيان # قال بعض الربانيين وأهل المعرفة من البلغا، ممن يكره التشادق والتعمق، ويبغض الإغراق ~~في القول والتكلف والاجتلاب، ويعرف أكثر أدواء الكلام ودوائه، وما يعتري المتكلم من ~~الفتنة بحسن ما يقول، وما يعرض للسامع من الافتتان بحسن ما يسمع: أنذركم حسن الألفاظ ~~وحلاوة مخارج الكلام، فإن المعنى إذا اكتسى لفظا حسنا، وأعاره البليغ مخرجا سهلا، ~~ومنحه المتكلم قولا متعشقا؛ صار في القلب أحلى، وللصدر أملأ. والمعاني إذا كسبت ~~الألفاظ الكريمة، وألبست الأوصاف الرفيعة؛ تحولت في العيون عن مقادير صورها، وأربت على ~~حقائق أقدارها، بقدر ما زينت، وعلى حسب ما زخرفت، والقلب ضعيف، وسلطان الهوى قوي، ~~ومدخل خدع الشيطان خفي. # عدوى الإسفاف # اعلم أن المعنى الحقير الفاسد واللفظ الساقط يعشش في القلب، ثم يبيض، ثم يفرخ، ~~ثم يستفحل الفساد؛ لأن اللفظ الهجين الرديء علق باللسان، وآلف للسمع، وأشد التحاما ~~بالقلب من اللفظ النبيه الشريف والمعنى الرفيع الكريم. ولو جالست الجهال والحمقى ~~والسفهاء شهرا فقط، لكسبت من أوضار كلامهم وخبال معانيهم ما لم تكتسبه من مجالسة أهل ~~البيان دهرا؛ لأن الفساد أسرع إلى الناس وأشد التحاما بالطبائع. والإنسان بالتعلم ~~والتكلف، وبطول الاختلاف إلى العلماء ومدارسة كتب الحكماء، يجود لفظه، ويحسن أدبه، وهو ~~لا يحتاج في الجهل إلى أكثر من ترك التعلم، وفي فساد البيان إلى أكثر من ترك التخير. # العفو # من انتقم فقد شفى غيظ نفسه، وأخذ أقصى حقه، وإذا انتقمت فقد انتقصت، وإذا عفوت تطولت. ~~ومن أخذ حقه وشفى غيظه لم يجب شكره، ولم يذكر في العالمين فضله. وكظم الغيظ حلم، ~~والحلم صبر، والتشفي طرف من العجز، ومن رضي أن ms33 لا يكون بين حاله وحال الظالم إلا ستر ~~رقيق، وحجاب ضعيف، لم يجزم في تفضيل الحلم، وفي الاستيثاق من ترك دواعي الظلم، ولم تر ~~أهل النهى والمنسوبين إلى الحجى والتقى، مدحوا الحكام بشدة العقاب، وقد ذكروهم بحسن ~~الصفح، وبكثرة الاغتفار، وشدة التغافل. # وبعد، فالمعاقب مستعد لعداوة أولياء المذنب، والمعافي مستدع لشكرهم، آمن من ~~مكافأتهم أيام قدرتهم. # ولأن يثنى عليك باتساع الصدر خير من أن يثنى عليك بضيق الصدر، على أن إقالتك ~~عثرة عباد الله موجب لإقالتك عثرتك من رب عباد الله، وعفوك عنهم موصول بعفو الله عنك، ~~وعقابك لهم موصول بعقاب الله لك، والموت الفادح خير من اليأس الفاضح. # بلاغة العرب # كل شيء للعرب فإنما هو بديهة وارتجال، وكأنه إلهام، وليست هناك معاناة ولا مكابدة ولا ~~إجالة فكر ولا استعانة، وإنما هو أن يصرف وهمه إلى الكلام وإلى رجز يوم الخصام، أو حين ~~أن يمتح على رأس بئر أو يحدو ببعير، أو عند المقارعة والمناقلة، أو عند صراع أو في ~~حرب؛ فما هو إلا أن يصرف وهمه إلى جملة المذهب وإلى العمود الذي إليه يقصد، فتأتيه ~~المعاني إرسالا وتنثال عليه الألفاظ انثيالا، ثم لا يقيده على نفسه ولا يدرسه ~~أحدا من ولده، وكانوا أميين لا يكتبون، ومطبوعين لا يتكلفون، وكان الكلام الجيد عندهم ~~أظهر وأكثر، وهم عليه أقدر وأقهر، وكل واحد في نفسه أنطق، ومكانه في البيان أرفع، ~~وخطباؤهم أوجز، والكلام عليهم أسهل، وهو عليهم أيسر من أن يفتقروا إلى تحفظ أو يحتاجوا ~~إلى تدارس، وليس هم كمن حفظ علم غيره، واحتذى على كلام من كان قبله، فلم يحفظوا إلا ما ~~علق بقلوبهم، والتحم بصدورهم، واتصل بعقولهم، من غير تكلف ولا قصد ولا تحفظ ولا طلب. ~~وإن شيئا الذي في أيدينا جزء منه، لبالمقدار الذي لا يعلمه إلا من أحاط بقطر السحاب ~~وعدد التراب، وهو الذي يحيط بما كان والعالم بما سيكون. # ونحن - أبقاك الله - إذا ادعينا للعرب أصناف البلاغة من القصيد والأرجاز، ومن ~~المنثور والأسجاع، ومن المزدوج وما لا ms34 يزدوج، فمعنا العلم على أن ذلك لهم شاهد صادق من ~~الديباجة الكريمة، والرونق العجيب، والسبك والنحت الذي لا يستطيع أشعر الناس اليوم ولا ~~أرفعهم في البيان أن يقول في مثل ذلك إلا في اليسير والنبذ القليل، ونحن لا نستطيع أن ~~نعلم أن الرسائل التي في أيدي الناس للفرس أنها صحيحة غير مصنوعة، وقديمة غير مولدة، ~~إذا كان مثل ابن المقفع وسهل بن هارون وأبي عبيد الله وعبد الحميد وغيلان وفلان وفلان ~~يستطيعون أن يولدوا مثل تلك الرسائل، ويصنعوا مثل تلك السير. # وأخرى أنك متى أخذت بيد الشعوبي، فأدخلته بلاد الأعراب الخلص، ومعدن الفصاحة التامة، ~~ووقفته على شاعر مفلق، أو خطيب مصقع، علم أن الذي قلت هو الحق، وأبصر الشاهد ~~عيانا. # فهذا فرق ما بيننا وبينهم، فتفهم عني - فهمك الله - ما أنا قائل في هذا، واعلم أنك ~~لم تر قوما قط أشقى من هؤلاء الشعوبية، ولا أعدى على دينه، ولا أشد استهلاكا لعرضه، ~~ولا أطول نصبا، ولا أقل غنما من أهل هذه النحلة. وقد شفى الصدور منهم طويل جثوم الحسد ~~على أكبادهم، وتوقد نار الشنآن في قلوبهم، وغليان تلك المراجل الفائرة، وتسعر تلك ~~النيران المضطرمة. ولو عرفوا أخلاق كل ملة، وزي كل لغة، وعللهم في اختلاف إشاراتهم ~~وآلاتهم وشمائلهم وهيئاتهم، وما علة كل شيء من ذلك، ولم اختلقوه ولم تكلفوه؛ ~~لأراحوا أنفسهم، وتخففت مؤنتهم على من خالطهم. # البكاء # البكاء صالح للطبائع، ومحمود المغبة إذا وافق الموضع، ولم يجاوز المقدار، ولم يعدل عن ~~الجهة، ودليل على الرقة، والبعد من القسوة، وربما عد من الوفاء، وشدة الوجد على ~~الأولياء، وهو من أعظم ما تقرب به العابدون، واسترحم به الخائفون. قال بعض الحكماء لرجل ~~اشتد جزعه من بكاء صبي له: لا تجزع فإنه أفتح لجرمه، وأصح لبصره. وضرب عامر بن عبد قيس ~~بيده على عينه، فقال: جامدة شاخصة لا تندى. وقيل لصفوان بن محرر عند طول بكائه وتذكر ~~أحزانه: إن طول البكاء يورث العماء، فقال: ذلك لها شهادة. فبكى حتى عمي. وقد مدح ~~بالبكاء ms35 ناس كثير منهم يحيى البكاء وهيثم البكاء، وكان صفوان بن محرر يسمى ~~البكاء. # الضحك # ما ظنك بالضحك الذي لا يزال صاحبه في غاية السرور إلى أن ينقطع عنه سببه، ولو كان ~~الضحك قبيحا من الضاحك وقبيحا من المضحك، لما قيل للزهرة والحبرة والحلي والقصر ~~المبني كأنه يضحك ضحكا. وقد قال الله جل ذكره: # وأنه هو أضحك وأبكى * ~~وأنه هو أمات وأحيا ~~، فوضع الضحك بحذاء الحياة، ووضع البكاء بحذاء الموت، ~~وأنه لا يضيف الله إلى نفسه القبيح، ولا يمن على خلقه بالنقص. # وكيف لا يكون موقعه من سرور النفس عظيما، ومن مصلحة الطباع كبيرا، وهو شيء في أصل ~~الطباع، وفي أساس التركيب؛ لأن الضحك أول خير يظهر من الصبي، وقد تطيب نفسه، وعليه ينبت ~~شحمه، ويكثر دمه الذي هو علة سروره ومادة قوته. ولفضل خصال الضحك عند العرب تسمي ~~أولادها بالضحاك وببسام وبطلق وبطليق. وقد ضحك النبي # صلى الله عليه وسلم # وفرح، وضحك الصالحون وفرحوا. وإذا مدحوا قالوا: هو ضحوك السن، وبسام العشيات، وهش إلى ~~الضيف، وذو أريحية واهتزاز. وإذا ذموا قالوا: هو عبوس، وهو كالح، وهو قطوب، وهو شتيم ~~المحيا، وهو مكفهر أبدا، وهو كريه ومقبض الوجه وحامض الوجه، وكأنما وجهه بالخل ~~منضوح. # وللضحك موضع وله مقدار، وللمزح موضع وله مقدار، متى جازهما أحد، وقصر عنهما أحد، صار ~~الفاضل خطلا والتقصير نقصا؛ فالناس لم يعيبوا الضحك إلا بقدر، ولم يعيبوا المزح إلا ~~بقدر، ومتى أريد بالمزح النفع، وبالضحك الشيء الذي جعل له الضحك، صار المزح جدا ~~والضحك وقارا. # الكتاب # 1 # الكتاب وعاء مليء علما، وظرف حشي ظرفا، وإناء شحن مزاحا وجدا، إن شئت كان ~~أبين من سحبان وائل، وإن شئت كان أعيى من باقل، وإن شئت ضحكت من نوادره، وإن شئت عجبت ~~من غرائب فرائده، وإن شئت ألهتك طرائفه، وإن شئت أشجتك مواعظه، ومن لك بواعظ مله، ~~وبزاجر مغر، وبناسك فاتك، وبناطق أخرس. # ومتى رأيت بستانا يحمل في ردن، وروضة تقلب في حجر، وناطقا ينطق عن الموتى ويترجم عن ~~الأحياء؟ ms36 ومن لك بمؤنس لا ينام إلا بنومك ، ولا ينطق إلا بما تهوى، آمن من الأرض، وأكتم ~~للسر من صاحب السر، وأحفظ للوديعة من أرباب الوديعة. # ولا أعلم جارا أبر، ولا خليطا أنصف، ولا رفيقا أطوع، ولا معلما أخضع، ولا ~~صاحبا أظهر كفاية ولا أقل إملالا وإبراما ولا أكثر أعجوبة وتصرفا ولا أقل ~~تصلفا وتكلفا ولا أبعد من مراء من كتاب. # ولا أعلم نتاجا في حداثة سنه، وقرب ميلاده، ورخص ثمنه، وإمكان وجوده، يجمع من ~~التدابير العجيبة والعلوم الغريبة، ومن آثار العقول الصحيحة ومحمود الأذهان اللطيفة، ~~ومن الحكم الرفيعة والمذاهب القديمة والتجارب الحكيمة، ومن الأخبار عن القرون الماضية ~~والبلاد المتنازحة والأمثال السائرة والأمم البائدة؛ ما يجمع لك الكتاب. # صامت ما أسكته، وبليغ ما استنطقته، ومن لك بمسامر لا يبتديك في حال شغلك ويدعوك في ~~أوقات نشاطك، ولا يحوجك إلى التجمل له والتذمم منه. # والكتاب هو الذي إن نظرت فيه أطال إمتاعك، وشحذ طباعك، وبسط لسانك، وجود بيانك، ~~وفخم ألفاظك، ونجح نفسك، وعمر صدرك، ومنحك تعظيم العوام وصداقة الملوك، وعرفت به في ~~شهر ما لا تعرفه من أفواه الرجال في دهر، مع السلامة من الغرم، ومن كد الطلب، ومن ~~الوقوف بباب المكتسب بالتعليم، ومن الجلوس بين يدي من أنت أفضل منه خلقا وأكرم عرقا، ~~ومع السلامة من مجالسة البغضاء ومقارنة الأغبياء. # قال ابن الجهم: «إذا غشيني النعاس في غير وقت نوم - وبئس الشيء النوم الفاضل عن ~~الحاجة - تناولت كتابا من كتب الحكمة، فأجد اهتزازي للفوائد، والأريحية التي تعتريني ~~عند الظفر ببعض الحاجة، والذي يغشى قلبي من سرور الاستبانة؛ أشد إيقاظا من هدة ~~الهدم. # وإذا استحسنت الكتاب واستجدته، ورجوت منه الفائدة، ورأيت ذلك فيه، فلو تراني وأنا ~~ساعة بعد ساعة أنظر كم بقي من ورقه مخافة استنفاده وانقطاع المادة من قلبه. وإن كان ~~المصحف عظيم الحجم، كثير الورق، كثير العدد، فقد تم عيشي وكمل سروري.» # فالإنسان لا يعلم حتى يكثر سماعه، ولا بد من أن تكون كتبه أكثر من سماعه، ولا يعلم ~~ولا ms37 يجمع العلم حتى يكون الإنفاق عليه من ماله ألذ عنده من الإنفاق من مال عدوه، ومن لم ~~تكن نفقته التي تخرج في الكتب ألذ عنده من عشق القيان لم يبلغ في العلم مبلغا رضيا، ~~وليس ينتفع بإنفاقه حتى يؤثر اتخاذ الكتب إيثار الأعرابي فرسه باللبن على عياله، وحتى ~~يؤمل في العلم ما يؤمل الأعرابي في فرسه. # سياسة الحزم # من لم يعمل بإقامة جزاء السيئة والحسنة، وقتل في موضع القتل، وأحيا في موضع الإحياء، ~~وعفا في موضع العفو، وعاقب في موضع العقوبة، ومنع ساعة المنع، وأعطى ساعة الإعطاء، خالف ~~الرب في تدبيره، وظن أن رحمته فوق رحمة ربه. وقد قالوا: بعض القتل إحياء للجميع، وبعض ~~العفو إغراء، كما أن بعض المنع إعطاء. ولا خير فيمن كان خيره محضا، وشر منه من كان ~~شره صرفا، ولكن اخلط الوعد بالوعيد، والبشر بالعبوس، والإعطاء بالمنع، والحلم ~~بالإيقاع، فإن الناس لا يهابون ولا يصلحون إلا على الثواب والعقاب، والإطماع والإخافة. ~~ومن أخاف ولم يقمع وعرف بذلك، كان كمن أطمع ولم ينجز وعرف بذلك، ومن عرف بذلك دخل ~~عليه بحسب ما عرف منه، فخير الخير ما كان ممزوجا وشر الشر ما كان صرفا. # ولو كان الناس يصلحون على الخير وحده لكان الله - عز وجل - أولى بذلك الحكم، وفي ~~إطباق جميع الملوك وجميع الأئمة في جميع الأقطار وفي جميع الأعصار على استعمال المكروه ~~والمحبوب دليل على أن الصواب فيه دون غيره. وإذا كان الناس إنما يصطلحون على الشدة ~~واللين، وعلى العفو والانتقام، وعلى البذل والمنع، وعلى الخير والشر، عاد ذلك الشر ~~خيرا، وذلك المنع إعطاء، وذلك المكروه محبوبا، وإنما الشأن في العواقب وفيما يدوم ~~ولا ينقطع وفيما هو أدوم ومن الانقطاع أبعد. # ألفاظ الزنادقة # الزنادقة أصحاب لفظ في كتبهم وأصحاب تهويل؛ لأنهم حين عدموا المعاني ولم يكن عندهم ~~فيها طائل مالوا إلى تكلف ما هو أخصر وأيسر وأوجز كثيرا. ولكل قوم ألفاظ حظيت عندهم، ~~وكذلك كل بليغ في الأرض وصاحب كلام منثور وصاحب كلام موزون، فلا بد ms38 من أن يكون قد لهج ~~وألف ألفاظا بأعيانها ليديرها في كلامه، وإن كان واسع العلم عزيز المعاني كثير ~~اللفظ، فصار حظ الزنادقة من الألفاظ التي سبقت إلى قلوبهم، واتصلت بطبائعهم، وجرت على ~~ألسنتهم، التناكح والنتائج والمزاج والنور والظلمة والدفاع والبقاع والساتر والغامر ~~والمنحل والبطلان والوجدان والأثير والصداق وعمود الصبح، وأشكالا من الكلام نصا، وإن ~~كان غريبا من فوضى، مهجورا عند أهل ملتنا ودعوتنا. # الصوت # أمر الصوت عجيب، وتصرفه في الوجوه عجب، فمن ذلك أن منه ما يقتل كصوت الصاعقة؛ ومنه ما ~~يسر النفوس حتى يفرط عليها السرور فتقلق حتى ترقص، وحتى ربما رمى الرجل بنفسه من ~~حالق، وذلك مثل هذه الأغاني المطربة؛ ومن ذلك ما يكمد؛ ومن ذلك ما يزيل العقل حتى يغشى ~~على صاحبه، كنحو هذه الأصوات الشجية والقراءات الملحنة. وليس يعتريهم من قبل المعاني ~~لأنهم في كثير من ذلك لا يفهمون، وقد بكا ماسرجويه من قراءة أبي الخوخ، فقيل له: كيف ~~بكيت من كتاب الله ولا تصدق به؟ قال: إنما أنكاني الشجا. # وبالأصوات ينومون الصبيان والأطفال، والدواب تصر آذانها إذا غنى المكاري، والإبل ~~تصر آذانها إذا حدا في آثارها الحادي، وتزداد نشاطا وتزيد في مشيها، ويجمع بها ~~الصيادون السمك في حظائرهم التي يتخذونها له، وذلك أنهم يضربون بعصي معهم ويعطعطون، ~~فتقبل أجناس السمك شاخصة الأبصار مصغية إلى تلك الأصوات حتى تدخل في الحظيرة. ويضرب ~~بالطساس للطير وتصاد بها. ويضرب بالطساس للأسد وقد أقبلت فتروعها تلك الأصوات. وقال ~~صاحب المنطق: الأيايل تصاد بالصفير والغناء، والصفير تسقى به الدواب، وتنفر به ~~الطير عن البذور. # العرب # لم يكونوا تجارا ولا صناعا، ولا أطباء ولا حسابا، ولا أصحاب فلاحة ~~فيكونوا مهنة، ولا أصحاب زرع لخوفهم صغار الجزية، ولم يكونوا أصحاب جمع وكسب، ولا أصحاب ~~احتكار لما في أيديهم وطلب لما عند غيرهم، ولا طلبوا المعاش من ألسنة الموازين ورءوس ~~المكاييل، ولا عرفوا الدوانيق والقراريط، ولم يفتقروا الفقر المدقع الذي يشغل عن ~~المعرفة، ولم يستغنوا الغنى الذي يورث البلادة، والثروة التي تحدث الغرة، ms39 ولم يحتملوا ~~ذلا قط فيميت قلوبهم ويصغر عندهم أنفسهم. وكانوا سكان فياف وتربية العراء، لا ~~يعرفون الغمق ولا اللثق، # 2 # ولا البخار ولا الغلط، ولا العفن ولا التخم. أذهان حديدة، ونفوس منكرة، ~~فحين حملوا حدهم ووجهوا قواهم إلى قول الشعر وبلاغة المنطق وتثقيف اللغة وتصاريف ~~الكلام، وقيافة البشر بعد قيافة الأثر، وحفظ النسب، والاهتداء بالنجوم والاستدلال ~~بالآثار وتعرف الأنواء، والبصر بالخيل والسلاح وآلة الحرب، والحفظ لكل مسموع، والاعتبار ~~بكل محسوس، وإحكام شأن المناقب والمثالب. بلغوا في ذلك الغاية، وحازوا كل أمنية، وببعض ~~هذه العلل صارت نفوسهم أكبر وهممهم أرفع، وهم من جميع الأمم أفخر ولأيامهم أذكر. # الغناء # إنا وجدنا الفلاسفة المتقدمين في الحكمة، المحيطين بالأمور معرفة، ذكروا أن أصول ~~الآداب التي منها يتفرع العلم لذوي الألباب أربعة: فمنها النجوم وبروجها وحسابها الذي ~~يعرف به الأوقات والأزمنة، وعليها مزاج الطبائع وأيام السنة؛ ومنها الهندسة وما اتصل ~~بها من المساحة والوزن والتقدير وما أشبه ذلك؛ ومنها الكيمياء والطب اللذان بهما صلاح ~~المعاش وقوام الأبدان وعلاج الأسقام وما يتشعب من ذلك؛ ومنها اللحون ومعرفة أجزائها ~~وقسمها ومقاطعها ومخارجها وأوزانها حتى تستوي على الإيقاع وتدخل في الوتر. # ولم يزل أهل كل علم فيما خلا من الأزمنة يركبون منهاجه، ويسلكون طريقه، ويعرفون ~~غامضه، ويسهلون سبيل المعرفة بدلائله، خلا الغناء، فإنهم لم يكونوا عرفوا علله وأسبابه ~~ووزنه وتصاريفه، وكان علمهم به على الهاجس، وعلى ما يسمعون من الفارسية والهندية، إلى ~~أن نظر الخليل البصري في الشعر ووزنه ومخارج ألفاظه، وميز ما قالت العرب منه، وجمعه ~~وألفه، ووضع فيه الكتاب الذي سماه العروض. فلما أحكم وبلغ منه ما بلغ، أخذ في تفسير ~~النغم واللحون، فاستدرك منه شيئا، ورسم له رسما احتذى عليه من خلفه، واستمد من ~~عني به. وكان إسحاق بن إبراهيم الموصلي أول من حذا حذوه وامتثل هديه، واجتمعت له في ذلك ~~آلات لم تجتمع للخليل بن أحمد قبله؛ منها معرفته بالغناء وكثرة استماعه إياه، وعلمه ~~بحسنه من قبيحه وصحيحه من سقيمه، ومنها حذقه بالضرب والإيقاع ms40 وعلمه بوزنهما. وألف في ~~ذلك كتبا معجبة، وسهل له فيها ما كان مستصعبا على غيره، فصنع الغناء بعلم فاضل وحذق ~~راجح ووزن صحيح، وعلى أصل مستحكم له دلائل واضحة وشواهد عادلة، ولم نر أحدا وجد ~~سبيلا إلى الطعن عليه والعيب له. وصنع كثير من أهل زمانه أغاني كثيرة بهاجس طبعهم ~~والاتباع لمن سبقهم. # ثم قال في فصل آخر: وعلى أن الغناء من الوجه الحسن والبدن الحسن أحسن، والغناء ~~الشهي من الوجه الشهي والبدن الشهي أشهى. وكذلك الصوت الناعم الرخيم من الجارية الناعمة ~~الرخيمة. وكم بين أن تفدي إذا شاع فيك الطرب مملوكك وبين أن تفدي أمتك، وكم بين أن ~~تسمع الغناء من فم تشتهي أن تقبله وبين فم تشتهي أن تصرف وجهك عنه. وعلى أن الرجال ~~دخلاء على النساء في الغناء، كما رأينا رجالا ينوحون فصاروا دخلاء على النوائح. وبعد، ~~فأيما أحسن وأملح وأشهى وأغنج؟ أن يغنيك فحل ملتف اللحية كث العارضين، أو شيخ منخلع ~~الأسنان مغضن الوجه، ثم يغنيك إذا هو تغنى بشعر ورقاء بن زهير: # رأيت زهيرا تحت كلكل خالد # فأقبلت أسعى كالعجول أبادر # أم أن تغنيك جارية كأنها طاقة نرجس أو كأنها ياسمينة، أو كأنها خرطت من ياقوتة، أو من ~~فضة مجلوة، بشعر عكاشة بن محصن: # من كف جارية كان بنانها # من فضة قد طوقت عنابا # وكان يمناها إذا نطقت به # ألقت على يدها الشمال حسابا # النبيذ # هو مستراح قلبك، ومجال عقلك، ومربع عينك، وموضع أنسك، ومستنبط لذتك، وينبوع سرورك، ~~ومصباحك في الظلام، وشعارك من جميع الأقسام. وكيف وقد جمع أبهة الجلال، ورشاقة الخلال، ~~ووقار البها، وشرف الخير، وعز المجاهدة، ولذة الاختلاس، وحلاوة الزبيب. # وسأصف لك شرف النبيذ في نفسه، وفضيلته على غيره؛ لأن النبيذ إذا تمشى في عظامك، ~~والتبس بأجزائك، ودب في جنانك؛ منحك صدق الحس وفراغ النفس، وجعلك رخي البال واسع الذرع ~~قليل الشواغل قرير العين واسع الصدر حسن الظن، ثم سد عليك أبواب التهم، وحسن دونك ~~الظن وخواطر الفهم، وكفاك مئونة الحراسة وألم الشفقة ms41 وخوف الحدثان وذل الطمع وكد الطلب، ~~وكل ما اعترض على السرور وأفسد اللذة وقاسم الشهوة وأخل بالنعمة. وهو الذي يرد ~~الشيوخ في طبائع الشبان، ويرد الشبان في نشاط الصبيان، وليس يخاف شاربه إلا مجاوزة ~~السرور إلى الأشر، ومجاوزة الأشر إلى البطر. ولو لم يكن من أياديه ومننه، ومن جميل ~~آلائه ونعمه، إلا أنك ما دمت تمزجه بروحك وتزاوج بينه وبين دمك فقد أعفاك من الجد ~~ونصبه، وحبب إليك المزاح والفكاهة، وبغض إليك الاستقصاء والمحاولة، وأزال عنك تعقد ~~الحشمة وكد المروءة، وصار يومه جمالا لأيام الفكرة وتسهيلا لمعاودة الروية؛ لكان في ~~ذلك ما يوجب الشكر ويطنب الذكر، مع أن جميع ما وصفناه وأخبرنا به عنه يقوم بأيسر الجرم ~~وأقل الثمن. ثم يعطيك في السفر ما يعطيك في الحضر، وسواء عليك البساتين والجنان، ~~ويصلح بالليل كما يصلح بالنهار، ويطيب في الصحو كما يطيب في الدجن، ويلذ في الصيف كما ~~يلذ في الشتاء، ويجري مع كل حال، وكل شيء سواه فإنما يصلح في بعض الأحوال، ويدفع مضرة ~~الخمار كما يجلب منفعة السرور. وإن كنت جذلا كان بارا بك، وإن كنت ذا هم نفاه عنك. ~~يسر النفوس ويحبب إليها الجود، ويزين لها الإحسان، ويرغبها في التوسع، ويورثها ~~الغنى، وينفي عنها الفقر، ويملؤها عزا، ويعدها خيرا، ويحسن المسارة، ويصير به النبت ~~خصبا والجناب مريعا ومأهولا معشبا. # وليس شيء من المأكول والمشروب أجمع للظرفاء ولا أشد تألفا للأدباء ولا أجلب ~~للمؤنسين ولا أدعى إلى خلاط الممتنعين ولا أجدر أن يستدام به حديثهم ويخرج مكنونهم ~~ويطول به مجلسهم منه. وإن كل شراب وإن كان حلا ورق وصفا ودق وطاب وعذب وبرد ونفح، ~~فإن استطابتك لأول جرعة منه كثير ويكون من طبائعك أوقع، ثم لا يزال في نقصان إلى أن ~~يعود مكروها وبلية، إلا النبيذ؛ فإن القدح الثاني أسهل من الأول والثالث أيسر والرابع ~~ألذ والخامس أسلس والسادس أطرب، إلى أن يسلسك إلى النوم الذي هو حياتك وأحد أقواتك. ولا ~~خير فيه إذا كان إسكاره تغلبا، وأخذه بالرأس ms42 تعسفا، حتى يميت الحس بحدته، ويصرع ~~الشارب بسورته ، ويورث البهر بكظته، ولا يسري في العروق لغلظته، ولا يجري في البدن ~~لركوده، ولا يدخل في العمق ولا يدخل في الصميم، ولا والله حتى يغازل العقل ويعارضه ~~ويدعه ويخادعه فيسره ثم يهزه، فإذا امتلأ سرورا وعاد ملكا محبورا خاتله السكر ~~وراوغه وداراه، وماكره وهازله وغانجه، وليس كما يغتصب السكر # 3 # ويعتسف الذاذي # 4 # ويفترس الزبيب، ولكن بالتقتير والغمز والحيلة وتحبيب النوم وتزيين الصمت. # ذم النبيذ # من مثالبه أن صاحبه يتكرهه قبل شربه، ويكلح وجهه عند شمه، ويستنقص الساقي من قدره ~~ويعتبر عليه مكياله ويمزجه بالماء الذي هو ضده ليخرجه عن معناه وحده، ثم يكرعه على ~~المبادرة، ويتجرعه ولا يكاد يسيغه، ليقل مكثه في فيه، ويسرع على اللهوات اجتيازه. ثم ~~لا يستوفي كليته، ويرى أن يجعل عاقبة الشراب فضلة في قدحه، ويشاح الساقي في المناظرة ~~على ما بقي منه عند رده ليصرف عن نفسه عادية شربه، ويذهب بساعته ويمنع من تهوعه. # | أمثلة من رسائل الجاحظ # كتب في الاعتذار # أما بعد، فنعم البديل من الزلة الاعتذار، وبئس العوض من التوبة الإصرار، وإن أحق من ~~عطفت عليه بحلمك من لم يستشفع إليك بغيرك، وإنني بمعرفتي بمبلغ حلمك وغاية عفوك ضمنت ~~لنفسي العفو من زلتها عندك، وقد مسني من الألم ما لم يشفه غير مواصلتك. ~~••• # قال الجاحظ: تشاغلت مع الحسن بن وهب بشرب النبيذ أياما، فطلبني محمد بن عبد الملك ~~(الزيات) لمؤانسته، فأخبر باتصال شغلي مع الحسن بن وهب، فتنكر لي وتلون علي، فكتبت ~~إليه رقعة نسختها: # أعاذك الله من سوء الغضب، وعصمك من سرف الهوى، وصرف ما أعارك من القوة إلى حب ~~الإنصاف، ورجح في قلبك إيثار الأناة، فقد خفت - أيدك الله - أن أكون عندك من ~~المنسوبين إلى نزق السفهاء، ومجانبة سبل الحكماء. وبعد، فقد قال عبد الرحمن بن حسان بن ~~ثابت: # وإن امرأ أمسى وأصبح سالما # من الناس إلا ما جنى لسعيد # وقال الآخر: # ومن دعا الناس إلى ذمه # ذموه بالحق وبالباطل # فإن كنت ms43 اجترأت عليك - أصلحك الله - فلم أجترئ إلا لأن دوام تغافلك عني شبيه بالإهمال ~~الذي يورث الإغفال، والعفو المتتابع يؤمن من المكافأة؛ ولذلك قال عيينة بن حصن بن حذيفة ~~لعثمان، رحمه الله: «عمر كان خيرا لي منك؛ أرهبني فأتقاني، وأعطاني فأغناني.» # فإن كنت لا تهب عقابي - أيدك الله - لخدمة، فهبه لأياديك عندي، فإن النعمة تشفع في ~~النقمة، وإلا تفعل ذلك لذلك، فعد إلى حسن العادة، وإلا فافعل ذلك لحسن الأحدوثة، وإلا ~~فأت ما أنت أهله من العفو دون ما أنا أهله من استحقاق العقوبة، فسبحان من جعلك تعفو عن ~~المتعمد وتتجافى عن عقاب المصر، حتى إذا صرت إلى من هفوته ذكر، وذنبه نسيان، ومن ~~لا يعرف الشكر إلا لك والإنعام إلا منك؛ هجمت عليه بالعقوبة. واعلم - أيدك الله - أن ~~شين غضبك علي كزين صفحك عني، وإن موت ذكري مع انقطاع سببي منك كحياة ذكرك مع ~~اتصال سببي بك، واعلم أن لك فطنة عليم، وغفلة كريم، والسلام. # وكتب في التشوق # ما ضاء لي نهار ولا دجا ليل مذ فارقتك إلا وجدت الشوق إليك قد حز في كبدي، والأسف ~~عليك قد أسقط في يدي، والنزاع نحوك قد خان جلدي. فأنا بين حشا خافقة ودمعة مهراقة ونفس ~~قد ذبلت بما تجاهد وجوانح قد أبليت بما تكابد، وذكرت وأنا على فراش الارتماض، ممنوع من ~~لذة الاغتماض، قول بشار: # إذا هتف القمري نازعني الهوى # بشوق فلم أملك دموعي من الوجد # أبى الله إلا أن يفرق بيننا # وكنا كماء المزن شيب مع الشهد # لقد كان ما بيني زمانا وبينها # كما كان بين المسك والعنبر الورد # فانتظم وصف ما كنا نتعاشر عليه ونجري في مودتنا إليه في شعره هذا. وذكرت أيضا ما ~~رماني به الدهر من فرقة أعزائي من إخواني الذين أنت أعزهم، ويمتحنني بمن نأى من أحبائي ~~وخلصائي الذين أنت أحبهم وأخلصهم، ويجرعنيه من مرارة نأيهم وبعد لقائهم، وسألت الله أن ~~يقرن آيات سروري بالقرب منك، ولين عيشي بسرعة أوبتك، وقلت أبياتا تقصر عن صفة وجدي ~~وكنه ms44 ما يتضمنه قلبي، وهي: # بخدي من قطر الدموع ندوب # وبالقلب مني مذ نأيت وجيب # ولي نفس حتى الدجى يصدع الحشا # ورجع حنين للفؤاد مذيب # ولي شاهد من ضر نفسي وسقمها # يخبر عني أنني لكئيب # كأني لم أفجع بفرقة صاحب # ولا غاب عن عيني سواك حبيب # وله من كتاب إلى ابن الزيات # لا والله ما عالج الناس داء قط أدوى من الغيظ، ولا رأيت شيئا هو أنفذ من شماتة ~~الأعداء، ولا أعلم بابا أجمع لخصال المكروه من الذل. ولكن المظلوم ما دام يجد من ~~يرجوه، والمبتلى ما دام يجد من يرثي له، فهو على سبب درك وإن تطاولت به الأيام. فكم من ~~كربة فادحة وضيقة مصمتة قد فتحت أقفالها وفككت أغلالها، ومهما قصرت فيه فلم أقصر في ~~المعرفة بفضلك، وفي حسن النية بيني وبينك، لا مشتت الهوى لا مقسم الأمل على تقصير قد ~~احتملته وتفريط قد اغتفرته. ولعل ذلك أن يكون من ديون الإدلال وجرائم الإغفال، ومهما ~~كان من ذلك، فلن أجمع بين الإساءة والإنكار، وإن كنت كما تصف من التقصير وكما تعرف من ~~التفريط، فإني من شاكري أهل هذا الزمان وحسن الحال متوسط المذهب، وأنا أحمد الله على أن ~~كانت مرتبتك من المنعمين فوق مرتبتي في الشاكرين. # | أمثلة من جمل الجاحظ تجري مجرى الأمثال # احذر من تأمن، فإنك حذر ممن تخاف. # قليل الموعظة مع نشاط الموعوظ خير من كثير وافق من الأسماع نبوة ومن القلوب ملالة. # عقل المنشئ مشغول وعقل المتصفح فارغ. # ليس جهد البلاء مد الأعناق وانتظار وقع السيف؛ لأن الوقت قصير والحين مغمور، ولكن جهد ~~البلاء أن تظهر الخلة وتطول المدة وتعجز الحيلة، ثم لا تعدم صديقا مؤنبا، وابن عم ~~شامتا، وجارا حاسدا، ووليا قد تحول عدوا، وزوجة مختلعة، وجارية مستبيعة، وعبدا ~~يحقرك، وولدا ينتهرك. # خمس يضنين: سراج لا يضيء، ورسول بطيء، وطعام ينتظر به، وإبريق يسيل، وبيت يكف. ms45