######OpenITI# #META# URI: 1378MansurFahmi.KhataratNafs.Hindawi85853519 #META# Tags: literature #META# ID: 85853519 #META# Title: خطرات نفس #META# AuthorID: 28493539 #META# Author: منصور فهمي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # ضمير قلق‏ # مآتمنا‏ # نظرة في الطريق‏ # رغيف الشفاء‏ # الشباب المدبر والشعرة البيضاء‏ # الدعوات‏ # الكأس المرة‏ # على مسرح الإدارة‏ # واسع الرحمة‏ # ساعة عبادة‏ # شكوى إلى الله‏ # يمين رولان‏ # القهوة والبيت‏ # في ذكرى عام‏ # في نعيم الفن‏ # العيش الحقير والعيش الكبير‏ # في شم النسيم‏ # عيد آمنة‏ # قرابين الانتخاب‏ # الوطن‏ # الاكروبوليس‏ # وقفة بالحصن المقدس‏ # الله أكبر‏ # لقاء الوطن‏ # لعام 1924‏ # السماء‏ # الموت الساخر‏ # عائلة‏ # ضيق وضجر‏ # لذكرى الأديب1‏ # في الغابة‏ # دار ودار‏ # حياة حول موت‏ # طيف زائر‏ # حول ما لله‏ # رحاب العلم ورحاب الدين‏ # الغيبة والبهتان‏ # حقوق الأفراد‏ # الجمود‏ # إلى الفتيات المبعوثات‏ # حول الديمقراطية‏ # فكر سجين‏ # صورة من صور النفاق‏ # صورة من صور التقلب‏ # سعادة الباشا أو صورة من صور التصنع‏ # لعام 1926‏ # عند أطلال طيبة‏ # أيام العيد الفائتة‏ # التسامح‏ # للعام الهجري الجديد‏ # لهجة ابن الخاقان‏ # الرضا‏ # عام 27‏ # الإيثار‏ # الدس والحسد‏ # نصف شعبان‏ # العفر الطاهر‏ # التصنع والتواضع‏ # أيام العيد‏ # الإغراق في المجاملة‏ # القانون الخلقي وجلاله‏ # أنت أنت الله‏ # عام 1930‏ # ضمير قلق‏ # مآتمنا‏ # نظرة في الطريق‏ # رغيف الشفاء‏ # الشباب المدبر والشعرة البيضاء‏ # الدعوات‏ # الكأس المرة‏ # على مسرح الإدارة‏ # واسع الرحمة‏ # ساعة عبادة‏ # شكوى إلى الله‏ # يمين رولان‏ # القهوة والبيت‏ # في ذكرى عام‏ # في نعيم الفن‏ # العيش الحقير والعيش الكبير‏ # في شم النسيم‏ # عيد آمنة‏ # قرابين الانتخاب‏ # الوطن‏ # الاكروبوليس‏ # وقفة بالحصن المقدس‏ # الله أكبر‏ # لقاء الوطن‏ # لعام 1924‏ # السماء‏ # الموت الساخر‏ # عائلة‏ # ضيق وضجر‏ # لذكرى الأديب1‏ # في الغابة‏ # دار ودار‏ # حياة حول موت‏ # طيف زائر‏ # حول ما لله‏ # رحاب العلم ورحاب الدين‏ # الغيبة والبهتان‏ # حقوق الأفراد‏ # الجمود‏ # إلى الفتيات المبعوثات‏ # حول الديمقراطية‏ # فكر سجين‏ # صورة من صور النفاق‏ # صورة من صور التقلب‏ # سعادة الباشا أو صورة من صور التصنع‏ # لعام 1926‏ # عند أطلال طيبة‏ # أيام العيد الفائتة‏ # التسامح‏ # للعام الهجري الجديد‏ # لهجة ابن الخاقان‏ # الرضا‏ # عام 27‏ # الإيثار‏ # الدس والحسد‏ # نصف شعبان‏ # العفر الطاهر‏ # التصنع والتواضع‏ # أيام العيد‏ # الإغراق في المجاملة‏ # القانون الخلقي وجلاله‏ # أنت أنت الله‏ # عام 1930‏ # | خطرات نفس # | خطرات نفس # تأليف # الدكتور منصور فهمي # | ضمير قلق # القاهرة في ms01 16 من يوليه سنة 1915 # اليوم لا علما أكتب ولا منطقا. إنما هو حديث فتى مهموم في لحظة من تلك اللحظات التي ~~تبعث فيها النفس أعز مكنونها من الشعر والإحساس. حديث فيه تاريخ حال من أحوال نفس بشرية ~~يظفر منه القارئ بجزء صغير من أجزاء تلك الحقيقة الكلية العظمى، التي لو استقصيتها لوجدتها ~~مجموعة لتاريخ الكون في جزئياته. وإن أكرم قسم في ذلك التاريخ ما تضمن أحوال النفوس ~~ومنازعها. # قال الفتى: # إنك تحسبني يا سيدي من أهل السرور وأنصار الصفاء. يغريك بذلك ثغري الضحوك، وارتفاع صوتي ~~في محافل الأنس والطرب، والتماس المجون في كل إشارة وكل عبارة. # على أنك قد نسيت، أيها العزيز، تلك الأوقات التي ألبث فيها ذاهلا عن الناس وأحاديثهم. ~~فتنسدل على وجهي سحابة من الحزن، لا تترك لناظر فيه أن يتبين علامة من علائم النشاط والأمل. ~~ولا تبقي من إشراقه ونضارة الشباب فيه إلا بسمة خاصة، أوهم الناس بها أني معهم فيما يقولون، ~~وأفكر فيما يرتأون. # إنه ليخجلني البقاء يا صديقي في جمع من الجموع وعلي مسوح السواد، بينما تكون الناس ~~راغبة في المسرات واقفة عند أبوابها. ولقد أعمل جهدي على صد غارات الحزن المتتابعة على ~~نفسي، كما تتلاحق الأمواج المرهوبة على جرف حطيم. وحينئذ أعمد إلى البعد عن الناس حتى لا ~~يشذ لباسي الأسود من الأسى عن سرابيلهم النضرة من السرور. # كنت أومن بطهارة الحياة إيمانا، وكنت أحسن الظن بالناس أيما إحسان؛ لأني لم أخرج إلى ~~ساحة العيش إلا من عهد - كما علمت - قريب. وكنت عند عهدي بالشباب تلميذا مجدا كثيرا ما ~~لابست الكتب وانقطعت للدرس، وقليلا ما لابست الناس، ونظرت في شؤون الحياة. ولقد جعل القضاء ~~لطائفة من الكتاب الخياليين علي سلطانا، فكنت أصبو صغيرا للصور الجميلة والخلال الكريمة ~~والأشباح الشريفة التي كانت تخرجها أذهانهم قبل أن أتصل بحقائق الحياة المرة ~~المؤلمة. # خرجت من عالم الكتب إلى عالم الناس، وكنت أتوهم أن الناس يلقونني لأعمل معهم، وأكتب تحت ~~أعينهم صحيفة من سفر الحياة الواسع، فأملأها ms02 برسوم الحق والواجب، وآثار العمل والأمل، وأصور ~~فيها صورة الأب الصالح، والزوج الوفي، والوطني الصادق، والإنسان العادل في نفسه وفي الناس. ~~وكنت أظن أن كلمات الحرية والإخلاص والفضيلة والرحمة والكمال وأمثالها مما وسعه المعجم ~~تسعها معاملات الناس بعضهم لبعض، على أنني صدمت صدمة بالغة حين رأيت أن الناس يسيرون على ~~خلاف ما كنت أظن. وأن الحياة تكاد تكون جارية لمقادير غير ما كنت أقدر. وأن السجايا التي ~~كنت أظنها من صفات البشر إنما هي لمخلوقات خيالية تبصرنا ولا نبصرها، وترانا ولا نراها. ~~هالني وأفزعني أن أرى في الحياة مسرحا واسعا للنفاق والرياء والخداع والأباطيل، وأن هذه ~~الأشباح الشنيعة قد صرعت تلك المخلوقات الشريفة التي نسميها الفضائل، واستبدت وحدها بميدان ~~الحياة كله. تساءلت: أكانت الكتب تخدعني، وتغير صور الأشياء، فتجعل ضعفاء الحقيقة هم ~~الأقوياء، وأقوياءها هم الضعفاء؟ أم هو الوجود لم يبلغ بعد في تاريخ نشوءه طورا تنال فيه ~~الفضائل منازلها من الكرامة والإجلال، وتسير في المعاملات كأنها الكواكب تجري في داراتها ~~على سبل ممهدة، فتصبح حينذاك القوة والغلبة ميزة للسجايا وحدها، ثم تساءلت: هل فترة ~~الحياة من شأنها أن يظل فيها أشباح خيالية، تتخذ وكرها في رؤوس البشر، وتشبه الأملاك في ~~نورانية أجسامها، وتغري النفوس بالنزعات العالية، أم توجد كرام السجايا حقا عند أفراد ~~أغنياء بأنفسهم عن الناس معززين منعمين بمداعبتها، يحسبهم الجهال مهزومين، وهم يعيشون ~~كآلهة الأساطير، يسخرون من نعيم الناس، ولهم من أنفسهم أكبر نعيم. وقلت في نفسي بعد ذلك ~~كله: هل القوي في الحياة الاجتماعية هو من يخضع لنواميسها من الرياء والظلم فيخدع ويظلم؟ أم ~~هو الذي يحتقرها في قوانينها ليعيش تحت راية مبادئ أخرى تنسجها له تصوراته وخيالاته ~~السامية؟ # إن منشأ همي يا سيدي هو ذلك التنازع القائم بين ما تحن إليه نفسي ونزعاتها، وبين المبادئ ~~التي يقوم عليها المحيط الذي يضمني. # أأعيش منفردا واحدا في عالم الخيال، أم أدخل إلى ساحة البشر، وأخلع ثوبي الجميل ~~الكريم؟! # | مآتمنا # القاهرة في 30 من يوليه سنة 1915 # مآتمنا ms03 تذهب برهبة الموت ووقار الأسى، فهي ممقوتة عند الله، وهي عار علينا في ~~مظاهرها. # يزعم أهل النظر والعلم أن السرور أدعى إلى صنوف الحركات، وأن الحزن أدعى إلى السكينة. ~~وذهب ابن خلدون إلى أن «طبيعة السرور هي انتشار الروح الحيواني وتفشيه وطبيعة الحزن انقباضه ~~وتكاثفه»! # نعم. صدق في نتيجة رأيه الإمام، فالفرح والوجد أمران مقدوران على البشر من قديم يغشيان ~~الأفراد والأمم. فأما الأول، فآيته الحركة وأما الثاني فآيته السكون. وإذا كان الأول يخلع ~~على الوجوه بهجة ونضارة، فإن الثاني يلقي عليها صنفا من صنوف الحسن أبلغ معانيه الصبر على ~~احتمال المكروه، والشجاعة على احتمال الألم. # إذا صح لي الشك في قول الأمثال السائرة أن الكلام من فضة والسكوت من ذهب، فلقد آمنت أن ~~صمت الأسى أفصح من كلامه، وإشارته أوقع في النفس من عبارته. # ألا أن الموت لا يطلب إلينا إلا أمرا واحدا، هو أن نتعظ به، فإنه أفصح خطيب، ونحفظ ~~الوفاء لمن يموت في الحزن الصادق. وما مظهر الحزن الصادق إلا غمامة جميلة تعلو الوجه، ودمعة ~~حارة تروي الوجنات، وتأوه صامت ينتزع من أعماق الفؤاد. # روي أن النبي # صلى الله عليه وسلم # أتى ابنه إبراهيم، وهو في حجر أمه يجود بنفسه، فأخذه ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # فوضعه في حجره، ثم قال يا إبراهيم: «إنا لا نغني عنك من ~~الله شيئا»، ثم ذرفت عيناه، ثم قال يا إبراهيم: «لولا أنه أمر حق، ووعد صدق، وأن آخرنا ~~سيلحق أولنا لحزنا عليك حزنا هو أشد من هذا، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون، تبكي العين، ~~ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب.» ~~••• # اللهم ارحم قومنا، فإنهم لا يعلمون كيف يجلون وقار الموت، ولا ينعمون ببهجة ~~الحياة!! # | نظرة في الطريق # القاهرة في 6 من أغسطس سنة 1915 # على هذه الطريق التي تقطعها قدماك كل صباح، ومن هذه المشاهد التي تجري تحت نظرك كل يوم، ~~وفي واسع هذه الضوضاء التي يسبح فيها سمعك، أيها السائر، اتئد وانظر، واتعظ. فبين ذلك صحف ~~حية منشورة ms04 بين يديك فيها، لو تعلم، حكم بالغة. # ما أرى في الطريق، وما يجري فيه كأنه عبارة صارخة تقوم على كلمات شتى!! # وما أكثر مفردات هذه العبارة، فيها العامل المكب على عمله، والمتعطل الساكن إلى كسله، ~~والمنعم التائه في نعيمه، والبائس المصدوم في بؤسه، وهذا الطاغي وذاك الباغي. وهذا المسرور ~~وذاك المدحور، وهذا الشاكي وذاك الباكي، وهذا وذاك. # كل واحد من مفردات هذه العبارة؛؛ بل كل فرد من هذه الأفراد الذين يمرون أمامك، إنما هو ~~يمثل معنى من المعاني و«يلعب دورا» من الأدوار في مسرح هذا الوجود. # هذه كلمة للعمل، وذاك للكسل. هذا للشقاء وذاك للنعمة، هذا للخديعة، وذاك للغرور، وهذه ~~للقوة، والآخر للضعف، وهذا للحق، وهذا للباطل. وهلم جرا. # تلتئم هذه المفردات جميعا لتركب جملة واحدة؛ بل هيكلا واحدا معناه حياتنا الاجتماعية. ~~••• # إذا جاز لأهل البلاغة أن يحكموا على فصاحة الجملة بسلامة الألفاظ وحسن التركيب، فقد يجوز ~~لأهل الاجتماع أن يحكموا على رقي الجماعة بما تحمله أفرادها من تلك المعاني ~~المختلفة. # في الجماعات الوضيعة تربى المفردات السقيمة ذات المعاني الواهية، فإذا رأيت الطريق ~~تموج بأفراد، هذا يمثل دور الكسل وذاك دور اللئيم، وهذا دور المنحط، وذاك دور الخادع. وهذا ~~دور الذليل، فقل: إن هذه الجملة الاجتماعية عليلة لا ينشرح لها الصدر، ولا تجود إلا بمعنى ~~الحياة المنحطة. # وإذا رأيت في بلد ما أن الطريق تموج بأفراد تحمل النشاط قلوبهم والجمال وجوههم، والبشر ~~محياهم، والقوة أجسامهم والنظام أعمالهم، فقل: إن تلك الجملة الناطقة التي يحملها هذا ~~الطريق هي فصيحة بليغة، تدل على رقي الجماعة. # رقي الجماعة هو رقي أفرادها وعظمتها تكون في تعدد أساليب هذا الرقي تعددا يظهر في اختلاف ~~المواهب السليمة للأفراد. # | رغيف الشفاء # | بين الواقع والخيال # شرنفاش في 8 من أكتوبر سنة 1915 # في الحياة ناس ممتعون يحويهم الوجود وهو كاره. يدنون إلى النعيم من طرق يكره الله أن ~~يسير فيها البشر الصالح؛ لأنها مسالك الأدنياء والأشرار، ويقول أهل العبادة والتوكل بأن ~~الله لا يطرح البركة في عيش هؤلاء ms05 الناس وصدق السادة المتوكلون. # إن الرجل الذي آتيك بحديثه ، أيها القارئ، هو شبيهك في نوعه الحيواني، وأرجو أن تكون أعلا ~~منه في إنسانيتك، وأرقى مطمحا. # عاش هذا الرجل حينا من الدهر بين الناعمين، يطعم كما يطعمون من ألوان مختلفة، وينام كما ~~ينامون على لين الفراش، ويخلع الحرير، ويلبس الحرير. وكان يشتغل قليلا، ويظفر من عمله بأجر ~~غير قليل وجاه جزيل، وينال من هذا الجاه تحيات وافرات. # ظل على هذا الحال حتى تولاه مس سيء من حياة النعومة، التي ليست من حقه؛ فأصبح شاحب اللون، ~~شحيم الأعضاء، أجش الصوت، مرتجف القلب، مضطرب الضمير. # هال الرجل أمر مصيبته، ففزع إلى التداوي، فجيء له بصفوة الأطباء. # نصح له الطبيب بالملاهي ليستريض بأنوارها وحسناتها وحسانها، فلم يزده اللهو إلا سقما على ~~جسمه، وسعيرا في نفسه. # نصح له الطبيب أن يتعدى البلاد، ويجوز الشرق للغرب، وينعم هناك بأرض حيا الله رباها، ~~وجدد بهجتها، فلم تزده بلاد البهجة والنعيم إلا هما. # وصف له الطبيب إكسير البحار، وهواء الجبال، وعصير القلوب والأكباد. وصف له الطبيب ما وصف، ~~فلم يبق من الأدوية ولم يذر، ولكن ظل فيه الداء. # وبينما هو ذات يوم يفكر في حاله، ملقى على مقعده، إذ ساقه النوم إلى عالمه، فرأى فيما يرى ~~النائم كأن الحائط قد انشقت، وظهر له من خلفها شبح نوراني، يكاد يكون وجهه كالشمس، أو ~~كالقمر، وسمع صوتا ينادي بأن العلة لا تزول إلا بغذاء من رغيف طاهر معجون بدم الناس، بدم ~~لا ينبع من جرح، ولا يرشح من مرض. # ذعر الرجل من هذه الرؤيا، وضرب في الأرض يسأل كل عالم بتأويل الأحلام؛ حتى التقى بشيخ من ~~أهل الله صالح، قال له: أنا آتيك بتأويل رؤياك، فاتبعني وسار به بعيدا بعيدا عن المدينة، ~~وانتهيا إلى شجرة عجوز، بارك الله في ظلها لمن يلجأ إليه من عملة المزارع الواسعة القريبة ~~إليها، وجلسا يرقبان رجلا عليه ثوب خلق أزرق، يعمل بجد في الأرض. # ولما كادت الشجرة تنتقل ظلالها، وتتوسط الشمس في السماء، مال ms06 العامل عن عمله، واتجه نحو ~~الشجرة والعرق يتصبب من جبينه، وإشراق الجهد الصالح يتألق على وجهه، وانتحى ناحية في ظلها ~~الواسع، وأخرج من جعبة حقيرة رغفانا تكاد تكون سوداء ومعها نبات يؤكل، ودعا الشيخ وزميله ~~دعوة الكريم، فتقدم الشيخ إلى الطعام، وأشار على زميله العليل بإتباعه، وأكلا من طعام ~~العامل وشربا من مائه. # شعر العليل بنوع من الرغبة في الطعام، لم يكن يشعر به من قبل، وبدأ يفكر في أمر الحياة ~~واختلاف جهد الناس فيها ونصيبهم منها، وأخذت تتسرب إلى فكره طائفة من الخواطر من شأنها أن ~~تكسر حدة الطمع، وتحقر النعيم المكتسب من وراء الذلة والدناءة، وتهدي إلى حياة الرضا، ~~والبساطة، والحلال. وكان في ذلك اليوم بدء الشفاء. ~~••• # أن رغيف العامل الفلاح معجون بدمه وعرقه، وبينما هو يهيئه تنقض على كتفه غربان من ~~البشر، يختلسون من لحمه الطاهر طعاما هنيئا، فيئن وهو صابر، ولكن الله عدل شهيد يعطف على ~~الفقير المظلوم جزاء صبره، ويصيب الغربان بمرض في الجسم، ووخز في الضمير. # | الشباب المدبر والشعرة البيضاء # شرنفاش في 5 من نوفمبر سنة 1915 # أيها القارئ الصديق الشاب: # إن الفتى الذي ألقى عليك قوله كان من هؤلاء الذين أعزهم الله بآية الشباب فقضى ربيع العمر ~~بين لذة الحب ولذة الأمل، ولذة العمل، ولبث يعدو في ذلك السبيل الزاهي حتى اشتعلت في رأسه ~~شعرة بيضاء أدرك بها أنه قطع في سبيل الله ما قطع. وأنه كاد يدخل في مسلك قفر من نعمة ~~الصبا، ونعيم الغزل. # ظن الفتى أن تلك الشعرة هي نذير كاذب بفوات الشباب، وزعم أنها فوتت على نفسها غذاءها من ~~لحمه ودمه فابيضت فخاطبها قائلا: «ليس لك أن تزعجيني أيتها الشعرة، فما زلت بحمد الله ~~فتيا أحب زهرة الربيع الوليدة العطرة، وأطرب من حديث الغانيات وأصبو لذكر كل عمل ~~مجيد.» # ما زلت محبا للحياة أعانقها إجلالا لما فيها من عظمة، وحرصا على ما تظهر به من جمال، ~~فيغشاني الليل، ويجود بفترة هادئة تقبل علي فيها طوائف الرغبات، وإذا بخل الدهر ms07 برغبة جاد ~~الليل لنا عنها بجميل العزاء. # يلحق الليل النهار فيشرق وجه الوجود، وتلقي شمس الصباح في نفسي قذيفة من القوة أتعقب بها ~~كل عمل صالح. وهكذا اليوم الصالح إن أغلق في الليل عن عزاء، فإنه يفتح مع الفجر على نشاط ~~ورجاء. # هذه يميني أيتها الشعرة البيضاء، محشوة بالعافية، وهاتان قدماي تحملاني على الأرض غير ~~وجلتين ولا متخلخلتين، وهذا سمعي ليس به وقر، وهذا بصري حديدا، فإذا كنت أيتها الشعرة نذير ~~الهرم، والهرم نذير الموت، فاجعل اللهم يوم لقائي لك في أيام الشباب، فلقد نعمت به ولقد ~~أحببته ووددت لو ألقاك اللهم فتيا. # يقولون: «إن في تلك الكواكب البراقة أودية وظلالا، فأي فتاة من أهل السماء تنتظرني اليوم ~~تحت كروم هذا النجم اللامع لأقبلها وأشرب من عصير تلك الكروم وأستأنف الحب في عليين، على ~~مرأى من الملائكة والمطهرين.» ~~••• # وا أسفاه لو فلت الشباب، ولم نقض من الشباب إربته. # أن الحياة جميلة، وخير ما في الحياة ربيعها، وخير الربيع ما انقضى بين الحب والعمل ~~والأمل. # | الدعوات # | على ذكر الحرب # شرنفاش في 12 من نوفمبر سنة 1915 # لأهل القرى أصوات أجهر من أصوات المتحضرين؛ وربما كان ذلك؛ لأن صدور القرويين هي أقدر على ~~دفع الهواء وهزه بقوة، أو لأن هواء القرية غير ممزق بالحركات المختلفة التي تقوم عليها ~~المدينة، أو لأنه بليل برطوبة النبت الغض والحقول العطرة، أو من هذه الأسباب جميعا. ولقد ~~طوح النوم عني صوت علا غير بعيد من نافذة غرفتي يدعو لآخر بالبركات. وبمقدار ما آلمني أن ~~أتخلى عن راحة كنت في حاجة شديدة إليها، سرني أن استقبل الصباح على صوت امرئ من الأنس ~~يبغي الخير لأخيه. # أثار ذلك الحادث في نفسي خواطر شتى، تطوف حول الدعوات، وتجر إلى البحث في ماهية ~~الأماني، وما ينجم من الشعور بالضعف عند عدم نيلها، وما يكون من الاستنجاد بقوى عظمى تذعن ~~لها قلوب الناس يوم تظل عقولهم وقدرتهم قاصرة عن إدراك ما يطمع العلم في كشف أسبابه، وغير ~~ذلك من المسائل التي ms08 يطرحها أهل العلم للتنقيب. # وقد يكون للسادة رجال الدين آراء في تلك المطالب التي يوجهها العبد إلى رب حكيم قدير، إن ~~شاء ردها، وإن شاء لقيها بقبول. # لست اليوم أبحث في الدعوات من سبيل السادة أهل العلم، أو من وجهة السادة أهل الدين، وحسبي ~~أنها نزعات فطرية موجودة في البشر منذ علم للبشر تاريخ. يسجل القلب تلك النزعات، ثم ~~يرفعها اللسان نحو ملكوت مسير الأمور ومصرف الأحوال. # ولقد كان الناس قديما يوجهون دعواتهم عند رحاب أنصاب معظمة، أو أرباب مكرمة، ويقول ~~المتدينون: إن الله يتقبل الدعوات إذا صدرت عن قلوب طاهرة، ليس فيها غل ولا دنس. # كم في الأرض من دعوة رفعت عن لسان والد يطلب الخير لذريته، أو نبي يطلب الغفران لملته، أو ~~حاكم ينشد التوفيق لأمته، فهل من دعوة رفعت إلى الله من قلب نقي؛ ليصير السلم عاما والنار ~~سلاما. ~~••• # يقولون: إن بعد الشدة الرخاء. ولقد شهدنا شعوبا غرس الله بهم زرعا، وشاد بهم عمرانا ~~وأقام لهم مجدا فحل بهم القضاء، وجرت في أوديتهم الدماء، وكم من قلب يرجو لو وضعت الحرب ~~أوزارها فما لله لا يستجيب؟ ألأن قلوب البشر لم تزل غير نقية لا يرضيه دعواتها؟ ~~••• # تداول الدعوات بين الناس نذير بأن القلوب تتهيأ للحب، ومتى ساد الحب القلوب، ساد الأرض ~~السلام. # | الكأس المرة # القاهرة في 9 من يونيه سنة 1915 # قرأت في صحيفة من صحائفه ما يأتي: ~~«كان الحر في ذلك اليوم شديدا. والسائر في أنحاء المدينة يستر وجهه من هبوب ريح سخينة ~~محملة رمالا مصفرة يخشى الصدر أن يصيبه أذاها فيستنشق نصيبه من الهواء بتؤدة وأناة وكان ~~الناس يحاربون هذا الوجود الشاق على الأجسام باستمرار المثلجات لترطيب دمائهم ترطيبا. ولما ~~آذن النهار بالانصراف كأن ملائكة في السماء خلطت أنفاسها الطيبة في ذلك الجو فطفئ لهيبه ~~شيئا فشيئا وترك القوم مضاجعهم إلى القهوات يستقبلون ليلة حلوة من ليالي القاهرة. # خرجت إلى القهوة في بدء المساء وكنت أكاد لا أجد لنفسي مكانا لوفرة الجالسين فانتحيت ~~جانبا بين ms09 ذلك الجمع وكأنهم كانوا من الذين لم تحل بينهم هموم الأيام وصروفها وبين ساعة ~~سرور تقضى في لذة الشراب. # الجعة الصفراء، مرغية، نقية، خالصة ينم عن برودتها بخار الماء المحيط بزجاج الكأس، ونسيم ~~الليل المنعش يحمل رائحة حببها الخمرية إلى المشام ليثير رغبة الشاربين، ونور الغاز شديد ~~يظهر صفاء تلك الكؤوس المرصوصة صفا صفا والساقون يروحون سراعا بأكواب فارغة ويعودون بها ~~ملأى والبؤساء من صغار الباعة، أو السائلين ينسلون دون أن يشعر بهم أحد؛ لأن السقاة شغلوا ~~بعملهم والناعمين يلهون بنعيمهم وكأن هؤلاء البؤساء كانوا رسائل من عند الله يذكرون بتفاوت ~~حظوظ الناس. # لفت نظري رجل بائس واهن القوى. نحيل الجسم ضعيف البصر، يحمل على كتفه العانية فتاة توسدته ~~فنامت، وأسدل شعرها أصفرا هملا جميلا على كتفيها الصغيرتين. # تنام الطفلة في الساعة التي من حق الطفل فيها أن ينام على فراش لين هادئ، ولكن المنكودة ~~تنام في غير مأوى. يطوف بها والدها المجرم الجاني حيث فصلها من دمائه المعذبة لتنال نصيبها ~~من الشقاء. لا أدري لماذا يلد الناس إذا لم يكن لأولادهم سهم في النوم الهنيء، ولا في ~~الطعام المريء! # نظرت إلى الرجل فاضطرب رأسي بأفكار متناقضة وفؤادي بعاطفة ليست محدودة ولا مضبوطة، فكان ~~يدفعني عامل من الشفقة والحنان، ويهزني عامل آخر من القسوة والظلم، ولربما كان في القسوة ~~والظلم كيان هذا الوجود. # نظرت إلى الرجل نظرة متنمرة، ورفعت الكأس في يدي، وكأني كنت أتخيل نفسي جنديا مظفرا في ~~معمعة كبيرة هائلة، قد نسى من لذة النصر ما تحت بصره من هول الموقف وبشاعة المنظر. # رفعت الكأس لأشربها في صحة الظافرين أمام من لا يجد خبزا، أشربها صرفة أمام من يتجرع ~~الذل والهوان، ولكن فرائصي كادت ترتعد من بقايا شفقة كانت في نفسي، ولم يكن ما ألقى من ~~عسف العيش، وظلم الوجود، ومر الحياة لينزعها من ذلك الفؤاد. # شربت الكأس دفعة واحدة، على أن مذاقها قد كان وا أسفاه مرا ...» # | على مسرح الإدارة # القاهرة في 23 من يونيه سنة 1916 ms10 # قرأت في صحيفة من الصحف ما يأتي: # من زمن غير بعيد، وأنا أمثل دوري على مسرح أعمال الإدارة، وكنت قبل ذلك أشتغل بالزرع، ~~وأدير شؤون فئة من العمال يسعون تحت عيني في أعداد الأرض، وتهيئتها؛ لتنبت رزقنا جميعا. ~~كنت أساجلهم الحديث، وكأني بهؤلاء الفقراء لا شكاة لهم من الفقر، ولا يتذمرون منه؛ لأنهم ~~يملكون متاعا طيبا غير المال بجانب رزقهم الضئيل، يملكون الهواء الطلق، ورئتين واسعتين ~~تخرج قهقهة الضحك عالية، وتهز الهواء هزا. يملكون زهر الربيع، ودر الندى، ونور الفجر ~~المنبثق، وجمال الأصيل، وهدآت الليل الساكن، وكواكب الصيف الريفي الجميل. # كنت قرير النفس بأعمال الحقول، وكادت تنسيني الحياة الريفية الرتيبة، التي قل ما ~~يتناولها التغيير كثيرا مناظر العوز والفقر الفاشي بين سكان المدينة، على أنني لما عدت إلى ~~القاهرة، واستبقاني صحابي بينهم، وساقني القضاء المحتوم إلى عمل عام في منصب من مناصب ~~الإدارة، تبينت إذ ذاك صورة جديدة من أحوال البشر. صورة التنافس في السلطة، والمكر السيئ ~~والمكر المحمود، والخديعة، والحسد، والجبن، والتشفي، والنفاق، والرياء، وغير ذلك من صفات ~~تلصق بالجماعات التي تتعدد فيها الوظائف، وتتفاوت فيها مراتب الموظفين. # بين هذه الوجوه كنت أرى الوقت بعد الوقت وجها شاحبا خجولا وجلا، يلعب به الرجاء، ~~ويصرعه اليأس. وجه الفقير يلتمس عملا ليأكل خبزا، ويحمل ملتمسه على قرطاس جميل بخط جميل ~~واهما أن جمال الطلب وسيلة لقبوله. # كنت في بدء حياتي الإدارية كثير العناية بهذه الطلبات أقرأها، واستعيد قراءتها، وأحملها ~~مسرعا إلى رؤسائي آملا أن تصيب قبولا، فأحمل البشرى عن ارتياح وسرور. # تكررت هذه الطلبات، وتكرر رفضها من الرؤساء، وألفت شيئا فشيئا قساوة هذا الرفض، وبعد أن ~~كنت أحمله إلى أربابه متلطفا متأسفا أصبحت أحمله إليهم، كما أحمل أي نبأ لا يتحرك له ~~الفؤاد. # سافر رؤسائي إلى مصايفهم وزودوني ضمنا بنزعاتهم ووكلوا إلي بعض الأعمال، فمن أيام ~~تناولت كتاب رجل من القوم الذين يمضون نهارهم في البحث عن عمل صغير في المصالح، أو كتابة ~~خطابات لرؤسائها يسترحمون ويتظلمون إليهم من الفقر وحمل ms11 العائلة. # كان لهذا الكتاب ميزة تظهره على أمثاله، كان مرسوما على ورقة نزعت من كراسة تلميذ في ~~بدء سني دراسته، والورقة مصفرة والمداد الذي كتب به، كأنه مداد طفل طالما خلطه الطفل ~~بالماء. # واليد التي خطته هي يد عانية، لا تجيد رسم الحروف، والقلم الذي صاغه لا يحسن صوغ الجمل. ~~ليس في الخطاب أكثر من المعنى الذي تعودنا وعيه من مثل ذلك الكتاب. # الرجل فقير وذو عائلة، ويلتمس من مراحم صاحب السعادة عملا ليأكل منه الخبز، وهو يدعو ~~لصاحب السعادة عند الله بطول العمر. # كان ذلك الخطاب في مجموعه كالأمل الشاحب الضعيف وضعته أمامي، وغمست الريشة في الحبر ~~الأحمر، ورسمت عليه كلمة الإهمال التي علمنيها أصحاب السعادة الرؤساء! # رسمت الكلمة بغير رفق فتمزق من الخطاب شيء ونثرت الريشة قطيرات حمراء، كأنها دم الفقير ~~انتثر من قلب ممزق. # ناديت الكاتب ليحمل هذا الأمل الضعيف المهزوم. # ناديته ليحمله ويقبره في أضمامة الأوراق المهملة مع أشباهه، ولعله هناك يتضام إليها ~~ليشكو إلى الله حال صاحبه فإن الله رحيم، ولكنه نزع الرحمة من نظام الأعمال الاجتماعية، ~~فليست الرحمة من قواعدها. # | واسع الرحمة # القاهرة في 16 من أكتوبر سنة 1916 # سرت من نحو ثلاثة أيام في جنازة متوفاة على دين المسيح ابن مريم، وقد ألفت كما ألف غيري ~~مرأى جنازات النصارى، فليست غريبة عندي الرسوم التي يتخذونها في تشييع أمواتهم، ولكن كانت ~~تلك هي المرة الأولى التي ذهبت فيها إلى مقابرهم في تشييع راحل عن هذه الدنيا. # رأيت في قبورهم حسن النظام، وتصوير الأبدية في صورة تجمع إلى جلال الموت جمال السكون. على ~~أن ذلك لم يكن ليغرب عني، فإن الرقى المدني الذي اختلطت به حياة الفرنج، لا بد أن يكون ~~له أثر في جميع نظمهم في الحياة وعند الممات. # وصل المشيعون إلى المقبرة. وهناك خف وطؤهم، وخشعت أبصارهم، ونزلت عليهم السكينة وحيا ~~من عظمة الموت؛ بل من جلال الأبدية وعظمة الفناء. # لفت نظري، بين هذه المناظر المرهوبة قوم من السائلين المسلمين، ينتظرون عند الباب ms12 العطف ~~والرحمة. # لقد أحسن هؤلاء البائسون في اختيارهم تلك المواقف عند أبواب القبور، فإن المرء بعد زيارته ~~هاتيك المواطن المحترمة يخفض من كبريائه ويرق قلبه، ويصبح رءوفا بالضعيف، حنانا على ~~السائل المحروم. # لفت نظري ذلك؛ لأن عاطفة الرحمة تمثلت لي في هذا المكان وفي تلك الساعة في أجمل صورة يجب ~~أن تكون عليها الرحمة. عاطفة تخرج من جانب القلب في سبيل الله إلى كل عاجز ضعيف. عاطفة طاهرة لا تبصر إلا الضعف ~~والحرمان. # رأيت على باب مقبرة النصارى سائلين من المسلمين. وما أحسبني رأيت قط في مقابر المسلمين ~~مسيحيا يطلب الإحسان. # يا ليت شعري! أراجع ذلك إلى طبائع الجماعتين في فهم معنى الرحمة، وفي الجود بها، أم أحسن ~~المسلمون إذ فهموا أن الرحمة لا دين لها، فأصبحوا يلتمسونها عند مقابر من ليسوا على ~~دينهم، وأساء النصارى القيم، فزعموا أن الرحمة لا تخرج خالصة لهم من بين مقابر المسلمين، ~~فلم يطلبوها لدى أبوابها؟ # أما آن للناس أن يفهموا أن في الصدور عواطف تود لو تعيش فوق المذاهب والاختلافات، وأن ~~أحق العواطف بالرعاية في نزعاتها الحرة عاطفة الرحمة. كتبها الله على نفسه، وهو واسعها ~~لعباده جميعا. # | ساعة عبادة # الإسكندرية في 2 من أغسطس سنة 1917 # في طريق الرمل رقت سلم الترام مع أمها، وأظن أنها تسكن في «حلة قيصر». صعدت حيث يصعد ~~الناس على ظهر المركبة رغبة في الهواء الجاري وتسريحا للنظر، ينطلق في امتدادات الأفق ~~المتصل ببحر الروم. استقلت الفتاة بمجلس كان من الحق أن يشغله اثنان، واستباحت لنفسها أن ~~تستأثر بالمكان وحدها لقلة الذين كانوا في المركبة وقتئذ. # جلست بمعزل متجهة إلى الحر، متخذة سياج المركبة مسندا لظهرها، ووضعت ذراعها على متكأ ~~المقعد، ثم أسندت رأسها على ذلك المعصم الجميل النحيل. شخصت الفتاة بعينيها السوداويين ~~الطويلي الهدبين إلى الأفق المتدلي على البحر، وانفرجت شفتاها الورديتان عن ابتسامة، تكاد ~~تتفتق كما تتفتق الأكمام في أول تحولها إلى زهر نضير، وغابت بذهنها عن الناس كأنها كانت ~~تخاطب خلقا في الملكوت الأعلى. وكان ms13 النسيم يعبث بخصل شعرها الطويل المرسل الأسود، فيطوحه ~~برفق إلى صدرها، ثم ينزعه برفق عن هذا الصدر المشرق المزدان بصليب ذهبي ، وهاج متصل بسلسلة ~~ذهبية تطوق عنقا لا يعيبه طول، وقد تجاوز حد القصر. # اتجهت حيث يقع بصري على هذا الخلق الفتان. لم أختلس النظرات اختلاسا، وإنما رأيت أن ~~أشبعها حسنا غير مكترث بما قد يأخذني به الناس من تلك النظرات؛ لأني كنت حينئذ طاهر النية ~~أمام الله، فلا يخجلني أن أتمتع متاعا طاهرا بجمال فتاة لا تكاد تبلغ الرابعة عشرة. ~~الفتاة ذات سمرة تبعدها وأهلها أن يكونوا من أهل الشمال، والفتاة صغيرة السن، لم تتعلم من ~~الناس بعد أن الجمال كثيرا ما يتخذ وسيلة للخيلاء والغرور، والفتاة لم تتعلم بعد من الغزل ~~إلا ما علمتها الطبيعة من الميل إلى كل شيء جميل، فكأنها كانت تغازل البحر والنسيم، أو ~~كأنها كانت تداعب الأملاك الذين يخفون صورهم عن خيالنا المنطفئ، ويظهرونها في رؤوس الأطفال، ~~فتراهم يسرون ويبسمون لنغم مريح يسمعونه ولا نسمعه. الفتاة جميلة جميلة!! على المقعد الجنيب ~~لمقعدي كان يجلس قس شيخ بمسوحه السوداء، وبيده كتاب من تلك الكتب المنزلة، وكان القس يقطع ~~سطوره صامتا متعبدا. # ليت شعري! أي العبادات كانت إلى الله أقرب يا صاحبي القس؟ أعبادة رجل يرى الله في الكتاب! ~~أم عبادة من كان يعجب بالمصور الأكبر في صورة بديعة صورها!؟ # | شكوى إلى الله # القاهرة في 24 من أغسطس سنة 1917 # كثيرا ما تكيدني الأيام والليالي، فتحول بيني وبين كل عمل أتسلى به، وتصرف إلى نفسي ~~ضجرا وإلى رأسي طائفة من الأفكار لا أسيغ معها القراءة، ولا يلذ لي معها الحديث. عند ذلك ~~أفر من سكون الدار فرارا، وأفر من وجوه الإخوان إلى حيث تقودني قدماي في الأسواق، فأقف ~~أمام الحوانيت أتسلى بالنظر فيها إلى ما يباع ويشرى، واليوم وقفت عند حانوت وراق ~~بالأزبكية، وطلبت إلى البائع الفتى أن يعرض علي صنفا من البطاقات عليه رسم الوجوه ~~الحسان. # لبى البائع الطلب، وقدم لي منها عددا وفيرا، فرأيت ms14 على واحدة رسم جندي يقبل فتاة ~~جميلة، وكتب تحت الصورة: من وهب حياته للمجد حق له أن يسعد بقبلة من تلك الشفاه. # وعلى ثانية رسم جندي يبسم لفتاة تودعه، وكتب تحت الصورة: سأخضع العدو كما أخضعت ~~قلبك. # ورأيت على ثالثة رسم فتاة وفتى تدل سحنتهما على اختلاف بينهما في الجنس. في شمال الفتاة ~~زهرة، وفي يمينها يمين الفتى، وكتب تحت الصورة: كما اتحدت أوطاننا نتحد على الحب طول ~~الحياة. # ثم رأيت على رابعة صورة زوج تقدم لزوجها الجندي هدية عيد الفصح من حلواء وزهر وكتب تحتها: ~~هذه الحلواء وهذا الزهر الذي يباركه الله في عيده، أرجو أن يكون من شأنه أن يرفع مجدك، ~~ويبقي لي قلبك. # أخذت أقلب البطاقات واحدة بعد واحدة، وفي داخل النفس أنة تنفر من الحسرات فتمزق الفؤاد ~~تمزيقا وفي العين دمعة تترقرق من الذكرى ويمنعها الحياء من السقوط. # أخذت أقلب البطاقات واحدة بعد واحدة، وأقول في نفسي أي بطاقة يكون فيها العزاء لمن أصبح ~~لا يجد حبيبا يبثه كلمة الحب. ومن لا زوج له تشاركه بإخلاص في هموم الحياة. ومن هو من جنس ~~قد تغمطه حقه الأجناس، ومن ليس له حول يدفع عن وطنه به الأذى؟ # يا صاحب الحانوت يا صاحبي هل من بطاقة ترسم عليها السماء دليلا للعزة الإلهية، ويكتب ~~تحتها: إلى الله يرسلها من تملا نفسه الشكوى؟ # | يمين رولان # القاهرة في 3 من نوفمبر سنة 1922 # أرأيت إذ تمر في أحياء المدينة الكبرى متسعا من الأرض عليه أكوام من الرمل، وألواح من ~~الحديد والخشب، وأكداس من الحجر والجير، وعليه ما تعلم وما لا تعلم من المواد ومن آلات ~~التشييد والتعمير؟ # تلك المواد وتلك الآلات أكثر ما يستخدمها أهل المعمار من مهندسي الغريبين أمثال رولان ~~وغيره، ممن يعيشون بيننا. # أرأيت هناك آلة يحركها البخار مسلطة على ذراع من الصلب، كأنه ذراع النمرود، وهل رأيت هذا ~~الذراع العاتي الجبار يرفع من الأرض كتلة حديدية ضخمة، فإذا قطع بها إلى السماء سبيلا ~~تركها تهوي، فترتعد حينئذ فرائص ms15 البطحاء حتى إذا بلغت الكتلة مقرها اهتزت منها جوانب الأرض ~~اهتزازا، واندكت منها دكا، وكادت من هولها تمور؟ # تلك الآلات وذلك الذراع هو ما أعنى به «يمين رولان»، وإن شئت فسمه «يمين المعمار ~~الغربي». ~~••• # طالما وقفتني تلك العدد مع نفر من الضاربين في السبيل. طالما وقفت لأشهد جبروتها، وطالما أخذت الخواطر تنعطف على رأسي، وترسل معها على وجهي ~~وشفتي ابتسامة وادعة بريئة من كل ذنب. ~~••• # أغدا - أقول في نفسي - يصبح ذلك المتسع من الأرض الذي تضرب فيه أثقال الحديد، وتحفر فيه ~~فؤوس الفعلة، وتخطه بنان المعمار. أغدا يصبح ذلك الفضاء عامرا، فيرتفع فيه البيت الشامخ ~~العديد الطبقات، العديد الشرفات؟ # أغدا تطمئن في تلك الدور الآباء والأمهات والبنون والبنات والعروس وعروسه، والحبيب ~~والحبيب، لهم فيها مسكن ونعيم، وقد أمر من وراء حجراتها وأقطع طريقي في طول أسوارها، ولا ~~يصيبني إلا ما شاء الله من هناء الطرف بالقصر المنيف والدار الشامخة، وقد يفلت إلى سمعي من ~~إحدى نوافذه نغمة شادية، أو دقة عازف تطير من تحت أصبعه رنة ينشرح لها صدري، ويرتاح لها ~~قلبي، وتجري بها مهجتي؟ ~~••• # وحقا يا أخي ما هي إلا أيام معدودة حتى يستقيم البيت، ويتنفس العمار في أرض كانت بالأمس ~~خرابا، وكل ذلك يرجع أكثر الفضل فيه إلى تلك الآلات التي جهزها العلم، والتي اصطلحت بيني ~~وبينك على أن نطلق عليها اسم «يمين رولان». ~~••• # إلا أنني لا أخفي عنك أيها الصديق القارئ أنه على إعجابي بتلك العدد والأدوات، ومع ~~إكباري لكثير من مظاهر المدينة الحديثة في تخطيط المدن وتصوير المنازل، فإن حسرة تستولي على ~~نفسي عندما تضرب «يمين رولان» على وجه أرضنا من غير رحمة ولا إشفاق، فتزول من آثارها رسوم ~~مدننا، وتضمحل أشكال هندستنا، وتتحول أنظمة بيوتنا، وتتغير أساليب عيشنا وعاداتنا الخلقية، ~~وكثيرا ما تتناسب العادات والأحوال النفسية مع ظروف المكان والمحيط. # وا حسرتاه على منازلنا التي نبتت فيها طبائع الكرم، وشيم الوداعة، تستحيل إلى بيوت غريبة ~~تملأها آلاف من الناس؛ كأنها ثكنات الجنود، أو مكامن النمل ms16 العديد. # وا حسرتاه على تلك «المناظر» التي كان يغشاها أجدادنا وآباؤنا، فيصرفون فيها سمرهم، ~~وينشرون في جوها أنسهم، ويفيض في جوانبها جودهم المطبوع، وحسبهم المرفوع . # وا حسرتاه على تلك الدور ذات «الحيشان» والغرف الوسيعة، التي لا تضيق فيها الصدور، وينطلق ~~فيها المحيى بالبشر والإيناس. # وا حسرتاه على كثير من المعالم الشرقية، يطغى عليها سيل الغرب الجارف فيغرقها، وكم فيها ~~من جمال! ~~••• # إن في مظاهر عيشنا ومدنيتنا الطيب الصالح، فلنستمد له من مدينة الغرب دون أن نضيعه، ~~ولنعمل على ألا تستبد بنا المدنية الغربية في كل أمر، ولنعمل على أن تترفق بنا «يمين ~~رولان» العاتية. # | القهوة والبيت # القاهرة في 10 من نوفمبر سنة 1922 # نبهني صديق إلى قهوة في إحدى الطرق التي يكثر فيها غدوي ورواحي. لم تبلغ تلك القهوة من ~~العمر إلا أياما. عليها نضرة الشباب، وعليها بهجة الجديد، وهي مغمورة في لجج من الأنوار، ~~ويغشاها الناس فيعمرونها كما يعمر الجامعات طلاب العلم المخلصون. # تواجه القهوة حارة هادئة تجد في أقصاها مساكن لم يرفع الغنى أهليها إلى طبقات الدور ~~الشامخة، ولم ينزل بهم الفقر إلى تلك الموائل التي تجثو إلى الأرض، فتكاد تغور فيها ~~غورا. # وقفت ذات ليلة في الطريق البرزخ الموصلة بين القهوة والحارة، بحيث أشعر بالسكون الشامل ~~لتلك المنازل، وأشهد عن بعد من القهوة لآلئ الأضواء، وما يجري فيها من مظاهر الحركة ~~والمرج. # وكأن الحركة والأضواء التي كانت تفلت إلي من تلك القهوة العمرة كلمات فيها معنى اللوم، ~~والازدراء، والعتب، والتشفي، والمفاخرة. كأن القهوة في هرجها وأفراحها تناجي البيوت في ~~سكونها وأساها، وكأن البيوت كانت تتوجع من ذلك الحديث وتئن. # أيه أيتها البيوت ... # إنك خلوت من الحياة المؤنسة، التي تنشرها في رحابك الزوجة الصالحة والابن النجيب. وإنك ~~خلوت من العطف والتراحم الذي يتولد من تضام الأسرة ومودة العائلة. وإنك خلوت من روح السرور ~~الذي ينتشر من أنس الأخلاء والأصدقاء. # إنك لا تستكملين أسباب الراحة والرفاهية. أين منك ضوء درى؟ أين منك منافذ تستعطف عليك ~~الهواء العليل؟ أين منك ms17 صور وفنون تتخذين منها زينة وحلية؟ أين منك زرابي مبثوثة وطنافس ~~مفروشة؟ ... # إن جوي مشبع بالسرور، وجوك مشبع بأثقال الحزن والنكد، إني مضيئة باسمة، وأنت مظلمة ~~قاتمة . فانقضي على عروشك. أيه أيتها البيوت! ... ~~••• # كأني كنت أشعر عندئذ أن منافذ بيوتنا المسكينة الحزينة عيون مقرحة من البكاء، ناظرة إلى ~~تلك القهوات، شاكية إلى الله من مر الألم؛ وكأن البيوت تقول: تبا لك أيتها القهوات! ... إنك تجذبين إلى أحضانك الخبيثة أربابنا وفتياتنا، فيصرفون فيك ~~قطعا من الليل وجزءا من النهار، يتبادلون فيك سمرهم، وينفقون فيك أموالهم. # إنك تأخذين إليك الزوج من زوجه، والأب من بين بنيه، وتجعلين عرصاتنا خالية، وأجوافنا ~~خاوية. # على أنك أيتها القهوات إن كنت تفخرين علينا بقوم يعمرونك ويتركوننا، فكم يغشاك من خامل ~~كسلان لا يرفعه بين الناس شرف العمل، وكم يغشاك من ماجن مستهتر دنيء لا تعمر به أرض، ولا ~~تغبطك عليه دار. وكم يغشاك من وارث مضيع يأكل من عمل الغير ويشرب من دمه!! # لا فخر لك علينا. أيه أيتها القهوات ... ~~••• # يقولون من ينشئ مدرسة يغلق سجنا، وأقول من ينشئ قهوة يخرب بيوتا ... # يا قوم لا تعمروا القهوات، وتهدموا البيوت. وإن أردتم بناء مجد الوطن، فأعمروا البيت ~~ونظموا العائلة ... # | في ذكرى عام # القاهرة في 5 من يناير سنة 1923 # للمرء أن يتسمع ما يخفق به قلبه، ويقيد ما يمر من الخواطر بوجدانه. وله أن يخفي منها ما ~~شاء، وله أن يعلن منها ما شاء، ما دام الناس لا يصيبهم أذى من سره ولا مكروه من ~~جهره. # أقيد بعض ما اتصل بنفسي في الساعة التي كانت برزخا بين العام الميلادي الذي رحل وذلك ~~الآخر الذي حل. # غشيت قبل منتصف الليل داري. والتحفت حرصا على الدفء بدثاري في ساعة كان بردها على ~~شديدا. وأخذت على نفسي ألا أضجع، وألا أنام حتى يلفظ العام نفسه الأخير. فأذكر له بالخير ما أحسن به إلي، وأسامحه فيما أساء. ولكل راحل إلى الله حق في الذكرى ~~وحق في المغفرة. # جلست على مائدة كتابتي. ms18 وأخذت أعد بطاقات، أكتب عليها كلمات التهانيء والمجاملة. وأخذت ~~أحصي الأسماء على قطعة من الورق. فلما انتهيت من ذلك الإحصاء، وأعدت عليه النظر، تولاني ~~خاطر مزعج، اضطربت له النفس . وقد يزعج النفس الأليمة ما قل، كما يزعجها ما جل. # غدا أرسل لزيد تلك البطاقة. وفي غد يحمل البريد لخالد تلك الأخرى. وفي غد أغشى دار بكر ~~لأبسم في وجهه. # في غد يحصل كل ذلك، ولكن كم من هؤلاء الذين أذكرهم غدا لا يسعدني وجودهم، ولا يشقيني ~~غيابهم. ولا يسعدهم وجودي، ولا يألمون لفقدي. على أني أجامل الناس كما يجاملونني، وأخضع ~~معهم لقوانين النفاق الاجتماعي كما يخضعون ... فتبا لأساليب الحياة. تعلم الناس النفاق باسم ~~الجميل والأدب. # وفي اليوم الذي أحيى فيه من لا تسعدني بسماتهم ولا خير لي ولهم في تبادل التحيات، يحول ~~الزمان وصروف الدهر والغير بيني وبين من كانت تشرق لي بسماتهم، ومن كان الله يجعل لي من ~~دعواتهم ظفرا وسعادة ... إن الحياة تقوم حقا على معاندة الإنسان. # تركت مائدة كتابتي، وفتحت بابا لأصل بين غرفة نومي وغرفة عملي؛ حتى يتسع المكان لسيري ~~وخطواتي التي يستفزني إليها القلق، ثم جعلت أدخن بشدة بين جيئة وذهاب في مدى الغرفتين، ~~ثم استلقيت على كرسي كبير، وشرعت أتسلى برؤية ما أدفعه في جو الغرفة من دخان يذهب من صدري ~~ذرات متآلفة متقاربة، ثم ينتشر، ثم ينبسط، ثم يتلاشى في الجو كأنه لم يكن. # أخذت أتذكر في مكان الله الواسع، أراضي أحببتها ونعمت فيها حينا. وتذكرت في زمان الله ~~الواسع أياما كالعسل قد مضت وانقضت. وتذكرت من خلق الله الذي لا يحصى عددا أشباحا تلاشت ~~في ظلمات الثرى. تذكرت وتذكرت وتذكرت كثيرا. # اذكرونا مثل ذكرانا لكم # رب ذكرى قربت من نزحا # ثم أخذت أحاسب نفسي على زلاتها. وأزن أمامها آمالها. وأتبين في ذهني؛ بل في غشاء قلبي؛ بل في لحمي وعظمي ما فعله به الزمن. وما رسمته عليه ~~السنون. # وبينما أنا مستغرق في أمري، نبهتني من غرفة أخرى دقات الساعة الكبيرة إلى الأهبة ms19 لوداع ~~عام يفوت ... # كأن دقات الساعة كلمات يعدد بها العام المنصرم بعض ما يذكره لنفسه من خير وشر. كان ~~العام يقول في دقائقه الأخيرة: # تن ... سخرت من الغافلين حتى صحوا من الشدة والمحن ... # تن ... أغريت الإنسان بالذهب الوهاج، فتهافت على ناره كما يتهافت على النور الفراش ... # تن ... جعلت في الناس والأمم من يعملون لقتل الضعيف ولو كان بريئا. # تن ... آويت اللص، وسترت الخديعة. وكثيرا ما أعليت الباطل على الحق ... # تن ... نفرت بين قلوب، وأشعلت ضغائن، وأثرت فتنا ... # تن ... صرفت الناس على وجهك يا الله ليعمدوا إلى الأثرة والشهوات ... # تن ... تمخضت بآراء وقدمت عظات وعبرا. ولكن الناس لا يفقهون ... # تن ... أحرقت أفئدة، وأجريت دموعا، وشربت دماء ... # تن ... كم من صحيح أضعفت ... وكم من عزيز أذللت ... وكم من عليل داويت ... # تن ... جردت أشجارا من ورقها الأصفر الجاف ... وأبدلتها منه ورقا جديدا ... وجعلت عليها ~~زهرا نضيدا ... # تن ... صرفت العاشقين وهم في سكرات القبل عن مرارة العيش، ثم أخذتهم أخذ الجبار، فبدلت ~~هناءهم تعسا. وبدلت سعادتهم شقوة وجحيما ... # تن ... لبيك اللهم لبيك ... # وما كادت تضمحل في أذني الرنة الأخيرة التي كانت تمام الساعة الثانية عشرة من منتصف ~~الليل لآخر شهر ديسمبر من سنة 1922، حتى تصعدت من قلبي زفرة، وحارت في عيني دمعة. عندئذ وجهت وجهي شطر السماء قائلا: # أيتها الأزلية التي تجتمع فيها الأزمان المتوالية، وتستقر عندها الأحقاب المتتابعة. ~~وتتوحد في وحدتها جميع الخلائق. مغفرة لما قدمنا من ذنوبنا وما أخرنا. وصفاء لنفوسنا بما ~~تصفو به نفوس الصالحين ... اللهم آمين. # | في نعيم الفن # القاهرة في 16 من مارس سنة 1923 ~~... ثم ذهبت إلى الملهى. # وهناك عزف العازفون، وتضاءلت الأنوار. وامتلأ المكان نغما. وتشبع الجو أريجا. # ثم تطاولت الأعناق، وتوجهت الأبصار، ثم عم السكون، وحق الإنصات، فلا تسمع ~~حسيسا. # ثم انحسر الستار عنهن. وكن نسوة كثيرات ومعهن رجال، ثم انصبت الأضواء ذات الألوان ~~من الثريات والآلات على تلك الأجسام ليظهر كل جزء من أجزائها. وكل حد من حدودها ~~وتقاسيمها. وكأنهن كن يسبحن في لجج من ms20 شموس وأنوار. # ولقد ذكروا لي خيرا كثيرا عن «الجوقة» الروسية الراقصة التي وفدت إلى مصر قريبا، وكان ~~الحق فيما ذكروا. وكنت أتمادى في التردد إلى الذهاب لأشهد هذا الفن خضوعا لصوت كان يدب ~~في نفسي، وخضوعا لما يستكن في القلب من عادات وعقائد قد نشأت من آدابنا القومية وأخلاقنا. ~~فكنت أقول: أأذهب إلى مجالس الرقص، وطالما أحببت أن أكرم نفسي بمجالس الكمال. وكنت أقول: ~~أأغشى مطارح الأهواء والمجون، وطالما ألفت أن أعرض نفسي للجد والعمل. على أنني علمت بعدئذ ~~أن في اللهو ما قد يدفع للجد، وأن في مجالس المجون ما قد يستفز للكمال، وأن في المسارح ما ~~قد يرفع الإنسان من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح. وكذلك رأيت من رقص «أنابافلوفا»، وكذلك ~~ما سمعت من نغم. أحقا كانوا من نسوة ورجال يذهبون ويجيئون على مسرح التمثيل؟ أم تلك طيور ~~كانت تتهادى؟ أم غضون كانت تتمايس، أم تلك أزاهر كانت تطوح بها النسمات؟ أم تلك إشارات من ~~السحر علمتها الملائكة للبشر، فكانت توجه النفس إلى التسبيح والتقديس؟ أم تلك إشارات إلى ~~الملأ الأعلى تدل على أن في الفن الجميل معراجا إلى الله # تالله ما ألم بنفسي فحش عندما تمايلت المتمايلات، واهتزت القدود، وتوردت الخدود. # وتالله ما ألم بها فحش عند ما درج الدارجون، ووثب الواثبون. # وتالله ما ألم بها فحش عندما تخاصر المتخاصرون، والتفت الغصون بالغصون. كأن أذرعا ~~وأيديا عند إشارتها تستخرج من الفضاء حسنا كامنا، فتنثره إلى الأبصار، فتشعر به القلوب. ~~وكأن أرجلا تحجل على نغمات القيثار والأعواد تقطع في الفضاء مسلكا من الحسن، تتبينه عند ~~تلك الخطا. ذلك كان رقصهم، ولقد أصبحت أستنكر أن أطلق اسم الرقص على تلك الحركات عندما ~~أتذكر مراقصنا التي رأيتها تدعو إلى الفجور، وتناجي النفوس بالفحشاء والمنكر. # كانت الراقصة طيرا تمثل أجمل ما على الطير. وكانت الراقصة زهرا تمثل خير ما تتلون به ~~الزهور وتتشكل به الورود؛ بل كانت الراقصة خفة ورشاقة؛ بل كانت الراقصة نسيما. # أتظن أن في حركة الطير، وفي صورة ms21 الزهر، وفي هبة النسيم، وفي ملاحة الرشاقة، ما يدعو ~~إلى البغي والفحشاء؟ # كلا. وتالله ما مر بنفسي فحش، فإن في جمال الفن ما يسمو بالنفس عن وساوس السوء، وطالما ~~قيد الجمال نفوس الناظرين عند هيكله المقدس، فلا يعرفون عنده لغوا ولا كذبا، ولكنهم ~~يعبدون، وقد يعشقون. # خفي وارقصي يا راقصة الروس، وعلمينا من تلك الحركات التي تدعو للعبادة والتقى. إن الله ~~هو ذلك الفنان الأعظم. # | العيش الحقير والعيش الكبير # القاهرة في 6 من إبريل سنة 1923 # ليست الحياة ملهى نتوجه فيه بأبصارنا إلى مسرحه الواسع لنشهد أدوار الممثلين. إنما الحياة ~~تدعونا؛ لأن يمثل كل منا دوره، ويقوم بنصيبه في روايتها التي تتعدد فصولها ما تعددت ~~الذراري وما تعاقبت الأجيال. # من الناس من يتهافتون على الخير الذي يصيب عشيرتهم وأمتهم من غير أن يكون لهم في جلب ذلك ~~الخير نصيب، ومن غير أن يدفعوا في مشتراه ثمنا. وأنهم كذلك قد يتوقون الشر إذا نزل ~~بالجماعة التي يعيشون فيها؛ بل قد يبالغون في سبيل الوقاية، وما كانوا ليتنبهوا إلى الشر ~~لولا أن جاءهم بذلك نبأ من غيرهم. ومثل هؤلاء الناس مثل الرجل الخامل في القافلة يقطع معها ~~الصحراء كيفما تسير، حتى إذا بلغت القافلة ماء بعد جهد وعناء، أخذ ذلك الخامل يروى ظمأه، ~~ويسيغ الماء عذبا فراتا كما يسيغه من أرشد إليه، وأتعب النفس للحصول عليه. # إننا نعيش في حياة اجتماعية نحتمي بنظمها، ونتنعم بخيراتها، ونتكون من عناصرها، ولم تكن ~~تلك الحياة الاجتماعية من عمل فرد معين، أو من عمل ظرف معين. ولكنها من عمل الجماعة في ~~أجزائها وفي كليتها، ومن عمل كل ظرف يحيط بالجماعة في غابرها وحاضرها وسيرها. وعلى ذلك فقد ~~يكون من العدل أن نرد بمجهودنا وأعمالنا إلى تلك الجماعة ثمن ما يصيبنا من حياتها ~~ونظمها. # وفي الحق إنها لحياة حقيرة، تلك التي يظهر فيها الفرد مستفيدا من كل شيء دون أن يفيد. ~~متأثرا بكل شيء دون أن يؤثر. منفعلا بكل شيء دون أن يكون لبعض شؤون الحياة فاعلا. ms22 إنها ~~لحياة حقيرة تشبه حياة الحيوان الدنيء، أو النبات الطفيلي. # لكن للإنسان حياة أعلى من ذلك وأكبر؛ لأن للإنسان عقلا وإرادة. فيستطيع بالعقل أن يجعل ~~للحياة قصدا يسير إليه، وأن يرسم لعيشه نموذجا ومثالا حسنا. وإنه بالإرادة قد يوجه ~~جهوده إلى الوصول لقصده، ولتحقيق ما رسمه لنفسه من مثال حسن. # نعيش في بيئة مكونة من مخلفات من سبقونا. وفيها أعمال لمن عاصرونا. ولقد يكون لنا من ~~مخلفات هؤلاء وأعمال هؤلاء ما نستفيد منه ونحمدهم عليه. وقد يكون لنا كذلك من مخلفات هؤلاء ~~وأعمال هؤلاء ما فيه لنا تعس وشقوة. أفنقصر همتنا على الحمد تارة وعلى الذم أخرى! ... # يحركني لمعالجة هذا الموضوع أن أرى فئة من الناس من مواطنينا لا هم لهم إلا أن يستفيدوا ~~لأنفسهم من العيش دون أن يحاسبوا ضمائرهم، فيفكروا في مصلحة الجماعة، ويتذكروا أن ما يصيبهم ~~من خير كانت الجماعة منشأه، وما قد يصيبهم من سوء قد تكون الجماعة مصدره. إن الإنسان الرشيد ~~مكلف في كلتا الحالتين أن يعمل لتمكين الخير أو لدرء الشر. # لقد أكره الجامد الذي يحرص على ما ألفه من حياة، فينظر فيما خلفه، ويقلب النظر فيما حوله، ~~ولا يضرب ببصره فيما يمكن أن يكون أمامه في الطريق. ذلك هو أعمى النفس وأعمى الفؤاد. # ولقد لا أحب الذي يذهب به خياله الطائش، فيترك سبيل خير معروف لسبيل قد يتوهم فيه خيرا ~~كبيرا. ومثله مثل الكلب الطماع الذي عبر النهر بقطعة من اللحم، فرأى خيال اللحم فظن أن ~~الخيال حقيقة، وترك ما كان عنده لينال هذا الخيال فباء بالخسران. # أكره طريق الأول ولا أحب طريق الثاني. وإنما أبغض منهما إلى نفسي ذلك الذي لا يحب من ~~الحياة مثالا يتطاول إليه. ولا يحب منها حالة يعمل على استبقائها. ذلك هو الطفيلي الذي ~~يكسب لنفسه من وراء كد الغير. # كن ثائرا إن شئت، ولتكن الحياة في نظرك تافهة مرذولة، فلا تريدها في شيء، ولا تريد أن ~~تستبقي من شؤونها شأنا، ولا تريد إلا الهدم لما نظنه لا ms23 يصلح إلا للهدم. # وكن محافظا جامدا إن شئت. تريد أن تحيى على ما وجدت نفسك عليه؛ لأنك ترى الخير كل الخير ~~في حياتك، فتحارب كل هدام، وتقف في وجه كل جديد؛ لأنك لا ترى خيرا في الهدم، ولا ترى ~~خيرا في الجديد. ولكن حذار أن تكون طفيليا، تمر بك الحياة، فتأخذ منها دون أن تؤدي إليها. ~~واعلم أن حياة ذات قصد تعتمد على الفكر لهي شريفة لنسبتها للفكر والقصد والعمل. وأن حياة لا ~~قصد لها إلا الأنانية، ولا يوجهها فكر من الأفكار، لهي حياة منحطة حقيرة. واعلم أن خير ~~العيش أن تعرف أن الحياة حق، وأن التقدم المعقول حق، وأنه من الواجب عليك أن تشترك بشيء ~~من جهودك في هذا التقدم المعقول. بذلك تدخل في عيش الأبرار، وقد تتوصل منه إلى عيش العظماء ~~والأطهار، فاعمل لغيرك واعمل للتقدم دائما. # | في شم النسيم # القاهرة في 13 من إبريل سنة 1923 ~~... وكانت أكثر الحوانيت مغلقة في ذلك اليوم. حتى حانوت صاحبي الحلاق الإيطالي، حتى حانوت ~~الأرمني بائع الدخان الذي كنت أحسبه مفتوحا، فقصدت إليه لابتاع من بضاعته ما اعتدت أن ~~أشتري. وبينما أنا أضرب في المناهج الوسطى في المدينة كنت أجد أحيانا جماعات من نساء ~~الفرنجة ورجالهم، أو ممن تشبهوا بهم من الشرقيين يتأهبون لركوب المركبات والسيارات ومعهم ~~صناديق فيها طعام وشراب. وكانت رياح حفيفة تهب أحيانا على وجهي فترمي عليه مما كانت تحمله ~~من خلاصة الرمل والطمي. وكنت كلما تنحيت لأنجو من أثر العفر، أو كلما أخرجت من جيبي خرقتي ~~أمسح بها وجهي وعيني، كنت كثيرا ما أتذكر النيل والصحراء، وكلاهما مصدر لهذا التراب. وفي ~~هذا التراب خير مصر من تبر ونبت، ينعم به أهلها الزارعون، وينعم أهلها الحاصدون. # ولكن خاطرا قد تولد في ذهني من إجماع أهل الأديان والأجناس المختلفة على أن يحتفلوا بيوم ~~شم النسيم. # لقد رأيت مرة بينما كنت أسير خلف دار الأوبرا صبية من لمامي أعقاب السجاير يرتعون ~~ويلعبون. فوقفت في ناحية لأنظر إلى مرحهم، وأضحك من ms24 هذه السذاجة الرثة اللاعبة ... وبينما ~~كانوا في شغلهم إذ أقبل عليهم صغير من مساحي الأحذية، ووضع صندوق عدته بجانب الجدار، ونسى ~~واجبه من السعي على الرزق، وأخذ يلعب هو الآخر مع نظرائه اللاعبين. وبعد قليل أقبل عليهم ~~صغير رومي ممن يتجرون بالكعك والحلوى، فوضع بجانب صندوق المساح سلة تجارته وحيا الصغار ~~بابتسامة، فحيوه بأحسن منها، ثم أخذ يشاطرهم أصناف اللعب من جرى ووثب. عندئذ أيقنت أن ~~للطبيعة حكما أقوى من حكم الأجناس وأوضاع الحياة وشؤونها. إنهم صبية نسوا أن وراءهم ~~أعمالهم التي يكسبون منها أقواتهم، ونسوا أنهم من أجناس ولغات وديانات مختلفة. نسوا كل ذلك، ~~فجمع الصبا وشئون الصبا فيما بينهم، وعلى ذلك علا صوت الطبيعة على صوت الآراء الاجتماعية ~~التي طالما كان من أمرها أن تفرق بين الناس، وطالما كان من أمرها أن تدعوهم للتنابذ ~~والشقاق. # وكان الأمر كذلك في شم النسيم. فقد اجتمع أهل مصر على الاحتفال به، فأغلق صاحبي الحلاق ~~حانوته. وأغلق بائع الدخان الأرمني حانوته، كذلك واجتمع الفرنجة والنصارى والمسلمون واليهود ~~في مصر على أمر واحد، على تحية الربيع وتفريح النفس بمقدم الربيع. # وكم من صوت للطبيعة يدعو الناس للتقرب، ولكن الأفكار الفاسدة ووساوس القلوب المعتلة ~~طالما سمعت للتفريق. # | عيد آمنة # القاهرة في 19 من مايو سنة 1923 # إنها قطعة من النسيج الرقيق في نحو المترين، ولم تكن لتصلح لشيء مذكور، تلك القطعة التي ~~بقيت من جلباب لسيدة من سيدات الدار. اتفقت فتيات البيت على أن يجعلن من تلك القطعة رداء ~~لآمنة لتلبسه في يوم العيد. ~~••• # آمنة فتاة صغيرة في نحو الثامنة من العمر، قصيرة القامة، مليئة البدن، بسامة الوجه، ~~مشرقة الجبين. ولقد أبقتها أمها القروية عندنا لتترعرع في حضانة من في الدار، فهي أصغر ~~من في البيت سنا، وهي صديقة للبيت ولمن في البيت. وهي ابنة للجميع، وخادمة أمينة ~~للجميع. # ولما علمت الفتاة الصغيرة بمشروع سيداتها من أنهن يحتلن ليجعلن لها من قطعة النسيج ~~جلبابا تتزين به في العيد، ولما تبينت صحة الخبر إذ رأت ms25 تفصيل الثوب وخياطته، فاض على ~~وجهها السرور، وفاض في نفسها النشاط. فتطوعت لكل عمل من الأعمال التي تقدر عليها. بكرت على ~~غير عادة، فأطعمت دجاج الدار وحمامه، وملأت أوعية الماء، ونشطت كل النشاط على غير ما ألفنا ~~منها، ولم يكن لهذا من سبب إلا أنها تحققت أنها تلبس الثوب الجديد غدا، وأنها تلبس حذاءها ~~وتستقبل العيد. ~~••• # لقد كان الأمر، فجاء العيد، وارتدت الفتاة ثوبها القشيب، وزينت جيدها بعقدها الخشبي، ~~ووضعت في جيبها كل ما اقتصدت من مليمات لا تتجاوز عدد الأصابع. وأذن لها أن تلعب في الحارة ~~أمام الباب. # ولم يكن في البيت إنسان إلا آمنة والشيخ الأسود العجوز. أما نحن أهل البيت، فكنا ذهبنا ~~إلى المقابر، وكلنا قد بلغنا من العمر ما يؤهلنا لذكر أعزاء لنا قد غابوا في الثرى. فمنا من ~~يذكر زوجا، ومنا من يذكر أما، أو أخا، أو أختا، ومنا من يذكر والدا، أو جدا، ~~ومنا من يذكر إخوانا وأصدقاء. # ذهب الكل إلى القبور ليذكروا في يوم العيد موتاهم. ولقد تحمل نفسي فوق تذكار الموتى ~~أثقالا من شئون الحياة ومشاغلها. عدت من المقبرة وقضيت بعض ما اصطلح الناس عليه من واجب ~~المجاملة في العيد، ثم قصدت الدار لأستريح فيها، فوجدت على الباب آمنة تمرح وتلعب. # وجدتها إشراقا وبهجة. وجدتها غبطة وسرورا. وجدتها وكأن جميع أعضائها الصغيرة تشير إلى ~~أن أنظر إليها في جلبابها الملون الجميل. أما الشيخ الأسود فكان على مقعده أمام الباب. ~~منحنيا على مسبحته، لا يكترث بشيء إلا بدمدمة الأذكار التي قد تعود ذكرها عندما ترتاح نفسه ~~للعبادة. # لم تكن آمنة لتشعر بما أشعر به من حزن، ولم تكن آمنة ليمر بخاطرها ما يشق على نفسي من ~~المشاغل والواجبات. ولم تكن آمنة لتقدر من الحياة إلا أنها ظفرت بالثوب الجديد، وأنها نالت من بين قريناتها ~~حظوة وبهجة في هذا العيد. لم تكن آمنة لتقدر إلا ذلك. وحرام على الأيام أن تدس في تلك ~~القلوب الغضة إلا ما يلائمها، ويريد الله أن يجعله نصيبها من ms26 غبطة وفرح. ~~••• # حرام على الأيام أن تسوق الحزن إلى الصغار. وحرام على الأهل أن يشركوا أبناءهم في ~~أحزانهم، فيصحبوهم معهم إلى المقابر، وقلوب الصغار لم تهيأ إلا للسرور والأفراح. # حرام على هؤلاء الأهل أن يصدعوا تلك الأفئدة التي لا تريد إلا أن تدق ببهجة الحياة، ~~فيحولوا بينها وبين بهجة الحياة. حرام أن نشرك الصغار في آلامنا، وحسب الصغار ما تعده لهم ~~السنون والأيام من شدة ومحن. ~~••• # لقد حاولت أن أفرح بالعيد كما تفرح آمنة، ولكن هيهات هيهات! فقد حالت السن؛ بل وقد حالت ~~المشاغل بيني وبين سذاجة المسرة. لم يعد للذين جف ماء الفرح من قلوبهم إلا أن يستفيضوه من ~~نفوس الفرحين. وهل أدنى إلى الفرح من قلوب الصغار والآملين والأصحاء المعافين والمنعمين ~~الذين غفلوا عن حوادث الدهر، وغفلت عنهم عيون الأيام! إن هؤلاء هم الذين تنجذب إليهم من ~~الوجود مظاهر السرور، كما تنجذب إلى الحديد الكهرباء، فلننتفع بخصائصهم، ويجب أن ننال عنهم ~~قسطنا من السرور، ويجب أن نمهد لهم حياة الأفراح حتى يفيض علينا شيء من بهجتهم يسرى عن ~~نفوسنا سحائب الألم. # لم يبق لي ولا مثالي من أيام الأعياد إلا ابتسامة نأخذها مما يفيض من شفتي أمثال ~~آمنة. # | قرابين الانتخاب # القاهرة في 8 من يوليه سنة 1923 # كان الناس في قديم الزمان يقدمون القرابين والضحايا رغبة في رضاء آلهتهم، أو لاستغفارهم ~~من الذنوب، أو ليجعلوا مما يقدمون وسيلة لمعرفة شيء من علم الغيب، والوقوف على كل شيء من ~~أسرار الإلوهية وعزتها. # وقد كانت تقدم هذه القرابين وهذه الضحايا من خير ما تحرص عليه الناس من لحوم الحيوانات ~~الغريضة، ومن الفاكهة الطيبة، ومن خير ما تنبت الأرض من بزر وحب، ومن خير ما يحتسيه الإنسان ~~من خمر يلذ الشاربين، ومن خير ما يتطيب به الإنسان من دهن، ومن خير ما يحرقه من ~~بخور!! # كانت الناس تجود بأغلى من هذا وذاك. كانوا يجودون بضحايا من البشر عندما يحسبون تلك ~~الضحايا البشرية ترفع مقت آلهتهم، وتزيل غضبهم، وتمنع نقمتهم. وكم من ms27 حيوان أغرقه اليونان ~~في اليم إرضاء لآلهة البحار! وكم من تراب خلفته النيران من عظام ولحوم ليختلط ذلك التراب ~~بباطن الأرض زلفى لمن يسكن جوف الأرض من الآلهة!! وكم من دم غاص في التراب ليروى منه سكان ~~الأرض الأقدسون !! ولكن مرت العصور على هؤلاء الأجيال من البشر فتهذبت عقولهم شيئا فشيئا، ~~ورقت نفوسهم رويدا رويدا، وضعف سلطان الأساطير والخرافات فيهم، فقلت الضحايا، واستبدلت ~~بضحايا البشر دمى وتماثيل قد تلقى في الماء. وقد يرمى بها في النيران فداء لتلك العذارى ~~التي كانت الآلهة تشرب من دمائها وتنهش لحومها!! ~~••• # استبدلت كثير من التقاليد والطقوس الدينية بتقاليد وطقوس حديثة هي خير من الأولى. فأبطلت ~~عادات ممقوتة. ونزلت أرباب عن عروشها. وأنقذت الأذهان من سلطان آلهة موهومة. على أن ربا من ~~الأرباب لم يزل مسيطرا على أغلب نفوس البشر. لا يرتدع برادع الدين، وقد لا ينهاه زاجر ~~العقل، وقد لا تزحزحه عن عرشه زلزلة العواطف المتيقظة! # أتدري من هذا الرب القدير؟ أتدري من هذا المسيطر الجبار القهار؟؟ ... # أنه رب المصلحة الشخصية. وأنه أجشع الأرباب في طلب القرابين! # لا يقنع من اللحوم. ولا يثمل من الدماء. ولا يستمرئ الفاكهة، ولا يستطيب الشراب. ولا يرغب ~~في طيب الدهون. # أن رب المصلحة الشخصية يريد أن يتقدم له القوم في الانتخاب بقرابين من الضمائر!! ~~... # ويل له!. ويل لهم من رب الأرباب! ... # | الوطن # البحر في 28 من يونيه سنة 1923 ~~... وكنت كمن نقل إلى عالم آخر حين صعدت إلى الباخرة، للمرة الأولى، بعد عشر سنين لم أبرح ~~في أثنائها مصر، ولم أعبر في خلالها بحرا، فتذكرت أياما خلت، كابدت فيها أسفارا، وقطعت ~~فيها أمصارا. تذكرت عمرا كان الصق بالشباب، ونفسا كانت أكثر قبولا لمعاني الحياة، ~~وخيالا كان أوسع لصور الأمل. تذكرت نفسي إذ كنت أقل تجارب في العيش، وأكثر جرأة في سبيله، ~~وأقل حملا من تبعاته. تذكرت النفس في الغابر، وعرضت لها في الحاضر، ونظرت بين النفس إذ ~~كانت في ضحاها، وبينها وقد أثقلتها التكاليف فمالت بها عن سمت ms28 الشباب، ثم حسبت أن شئون ~~الحياة هي مصدر ما يألم منه الفؤاد، ثم حسبت أن ذلك المكان من الأرض الذي أبرحه مصدر ما ~~يضيق به الصدر، فكدت أقول للباخرة: اقلعي سريعا، وتوغلي على اليم، وسيري إلى حيث لا أرى من ~~شرفاتك إلا أفق الماء والسماء، فأرسل أفكاري متواصلة في عظمة الكون، فلا دارا أراها تذكرني ~~بوحوش البشر، ولا ضوضاء أسمعها، ولا بغضاء أشهد آثارها، ولا أوراقا أقرأ فيها اللغو ~~والباطل، ولا وجوها كريهة، ولا سحنا منحطة. # فإلى بحر الظلمات، أيتها الباخرة، أو إلى بحر الزمهرير، أو إلى منطقة يجهلها الإنسان، ~~فأنسى عند هذا العالم الجديد الذي تذهبين بي إليه كل ما يسوء الماضي، وكل منظر مكروه من ~~مناظر الغبراء. فلا أرى شكلا من أشكال الشقاء، ولا أرى صورة من صور الخداع والنفاق، ولا ~~أرى صورة من صور المذلة والخنوع، ولا أخضع لقانون من تلك القوانين الفاسدة التي ينوء بها ~~ظهر الأرض، ويروجها الإنسان بحماقته وظلمه. # ولكن الباخرة لم تكد تتحرك حتى ضعفت في نفسي سورة الغضب، ثم أخذت تخف قليلا قليلا مع ~~سير السفينة. ولما كاد يختفي عن ناظري مرأى الشاطئ وما عليه ومن عليه من الأهل والإخوان ~~خمدت السورة، وخبت النار، وحل محلها في القلب نسيم الحنين. # أقول للباخرة عندئذ سيري في رعاية الله، أيتها الباخرة، ثم عودي بي إلى أرض أحفظ منها ~~صورة ابتسامة مشرقة، وأعي منها صدى دعوات خالصة، وأعرف لي فيها إخوانا وأحباء، وأصيب من ~~جهود عاملها خيرا، وأرعى فيها صبية وصغارا، وأعالج فيها أملا عزيزا. # سيري أيتها الباخرة، ثم عودي بي إلى أرض الأحباء. حيا الله مصر. حيا الله ~~الوطن. # | الاكروبوليس # القاهرة في 3 من أغسطس سنة 1923 # وقفة بالحصن المقدس # من نحو ثمانية وخمسين حولا، جاء إلى هذه الهضبة العالية التي تشرف من الجنوب على ~~مدينة آثينا، رجل كان قد بلغ من العمر وقتئذ سن الرجولة، محيط بتاريخ البشر، عالم بتطور ~~المدنيات، فوقف ساعة على سطحها بين معابدها البالية التي شهدت نحو خمسة وعشرين ms29 قرنا ~~خلت وقفة أنزلت على نفسه كلاما صافيا نقيا نيرا، أشبه بكلام المأخوذين المسبحين ~~بجلال الكون وعظمة الله. # اسم هذا الرجل رينان، وكان من أكابر البشر، ولقد تضمن قوله عن معابد «الاكروبوليس» ~~نوعا من التمجيد لذوق الإغريق وفنهم وعلمهم وتاريخهم، حتى صغر عنده حيال عبقرية ~~اليونان كل أثر من آثار الشعوب الأخرى، وقل في نظره أمامها كل جليل من مجهود ~~القرائح. # جئت إلى هذه الصخرة، ولست متدرعا بما تدرع به رينان من العلم، ولا أملك قلما كقلمه ~~يسيل بالعذوبة والبيان. ولكني جئت إليها بقلب هيأته الظروف لأن يحس بما يحس به فؤاد ~~صحيح. لأن يحس المؤثرين الخالدين الجمال والألم # أسجل اليوم بعض ما مر بنفسي عند زيارة تلك المعابد، والإمعان في دقائقها، خضوعا ~~لما توحيه إلى الخاطر عبر التاريخ من غير حرص على ما يحرص عليه الواصفون، ومن غير عناية ~~خاصة بما يعني بذكره المؤرخون. وإن ما يسجله هذا القلم لضرب من التصوير لبعض حالات ~~النفس عندما يسمو بها إلى عالم آخر معنى من معاني العظمة والكمال. # الجمال المهمل # أثينا في 3 يوليه سنة 1923: ~~... وبكرت إلى «الاكروبوليس» فلما بلغت باب الجنوب، اندفعت بسرعة لست أدري لها سببا، ~~ثم أخذت أسير رويدا رويدا في طريق مصعدة، تنبت عليها أعشاب برية، أزهر بعضها، ~~وعلى جانبي الطريق شجيرات من الصنوبر والزيتون قصيرة هزيلة مصفرة، وقد يرى الناظر قطعا ~~كثيرة من أعمدة وحجارة وصفائح من المرمر، على بعضها نقوش وكتابة، وقد ألقيت هذه البقايا ~~جميعا على الطريق هملا من غير نظام. وبينما كنت أتلفت تارة يمنة، وتارة يسرة، وتارة ~~للأمام، إذ قيد البصر رأس عمود رفيع ملقى بين هذه الأحجار، نحتت عليه أوراق نوع من نبات ~~الشوك. جلست عند هذه القطعة الحجرية الصغيرة التي كنت أستطيع أن أرفعها بيدي من غير ~~جهد. وفي هذه الجلسة كنت أتصور كل ما يستطيع أن يتصوره الإنسان من معاني الحسن، ثم ~~أسلمت نفسي مسحورا بجمال هذه القطعة التي قد يمر أمامها السائر من غير أن ينتبه إليها، ~~وهكذا ms30 الحال في كل جمال مهمل. # كنت أقول في نفسي كيف لا يعني القوم بهذه القطعة، فلا يمنعون عنها مس الرياح، ولا ~~يحمونها من صيب السماء، ولا يحولون بينها وبين قيظ الصيف، ولا يضنون بها على عوادي ~~الدهر والغير؟!، ثم كنت أعود إلى نفسي وأحاورها ، فأقول: أكان إسلامي لجمال هذا الحجر ~~المنحوت ضربا من التأثر بما كان يلقي في روعي من جمال فن اليونان، أم كان فهما صحيحا ~~للحسن قذف الله به في قلبي بعد عمر، لم أعرف فيه نفسي مفتونا بالجمال؟! # وبينما كنت أتخيل صورة الأوراق على هذه القطعة أطول مما هي، وبينما كنت أتخيلها أقصر ~~مما هي، وبينما كان خيالي يمد في أنحاء هذه القطعة طولا وعرضا، ويتعرض أوراقها صغيرة ~~وكبيرة، قليلة وكثيرة، كان كل ما يهيئه الخيال حقيرا، إذا قيس بما هي عليه في الحقيقة ~~والواقع، وكأني كنت أقرأ عليها كلمتين صافيتين من كل إبهام: البساطة والجمال. ~~••• # ما الجمال؛ وماذا أقول في الجمال! # الجمال خطيب صامت، لا يرغب أن يتحدث الغير عنه، إذ في صمته كل فصاحة وفي سكوته كل ~~بيان. # الجمال نسب وأوزان قد تحسه النفس أحيانا بوساطة العين بعد خلوصه مما يعلق به من مادة ~~وأضواء. وقد تسمعه النفس أحيانا بوساطة الأذن دون أن يلبس أحرفا، أو تكون له لغة تحفظ ~~في المعجمات. # الجمال متكبر قاهر، متكبر؛ لأنه يجل عن أن يقدمه للنفوس أحد، فهو يعرف نفسه بنفسه. ~~قاهر؛ لأنه يغلب الأنفس القوية على أمرها، فيوقع في أسره من شاء، ويتخير لرقه من ~~شاء. # الجمال كالله وكالقوى الخفية من حيث أنها لا تعرف بذواتها، ولكنها تعرف ~~بآثارها. # الجمال صحراء واسعة لا حدود لها يضل فيها الساري من أي ناحية سار، ولكنه أينما سار ~~وجد فيه جنات ونعيما. # الجمال كتاب عظيم وضعه مزين السموات والأرض القادر على كل شيء. # الجمال ضرب من الأدب، فهو رواية طويلة لا تنتهي فصولها، ولا يتعب ممثلها، ولا يمل ~~شاهدها. # الجمال ضرب من المنطق والمعقول مقدماته العين، أقيسته الفؤاد، ونتائجه الوجد ~~والهيام. ms31 # الجمال عبده صالح لله، فلا يطلب إليك في حضرته إلا أن تسبح لمولاه. # الجمال معنى طلق، لا يريد أن يحد، ولا يريد أن يعرف؛ لأن الحدود والتعاريف من سفاسف ~~الأمور، والجمال لا يتصل بهذه السفاسف. # الجمال معرفة، والله أعرف المعارف، وبينما كنت مغرقا في شدة الإعجاب بهذا الفن، ~~تاركا لذاكرتي أحيانا أن تتمثل بعض أوان من المرمر، أخرجت من مصر أخيرا من مقابر ~~الملوك، وحبست في دار الآثار في قفص من زجاج، بينما أنا كذلك أنعم النفس بمقارنة ~~الجمالين، وأتخيل شيئا رأيته على ضفاف النيل، وأمعن النظر في شيء أراه على جانب صخرة ~~(الأكروبوليس). إذ أقبل الحارس الأعرج، وكان ينبغي أن أشعر بمقدمه من بعد؛ لما يحدثه ~~صوت قدمه وهو يمر بتثاقل على حصى الممشى لولا إغراقي في ضرب من الخيال. # ضحك الحارس في وجهي، ودمدم بكلمات يونانية، فهمت منها عبارة الجمال، وأشار بالانصراف. ~~تبا لك أيها الحارس، لقد قطعت علي عبادة حارة خالصة. # | وقفة بالحصن المقدس # | العرق دساس # أثينا في 4 من يوليو سنة 1923 # خرجت وقد قنعت من زيارة الأمس بالاستمتاع بدقة الرسم المنخوت على رأس العمود الملقى بين ~~الأحجار على جانب أحد طريقي «الأكروبولس». وكان لتلك الزيارة أثر رغبني في الفن والحسن، حتى ~~أخذني هيام وولوع بالجمال. آليت على نفسي بعد ذلك اليوم أن أتجمل، فقلت والله لأقصرن ~~شاربي، وأرجلن شعري، وأعطرن لباسي. ووالله لأجرؤن في سبيل التأنق، فأثبت على صدري ~~زهرة غضة، وأزين أظافري، وأضع في أصبعي خاتما يتلألأ نوره، وأرسل على صدري سلسلة من الذهب ~~البراق، وأمشي بوطء خفيف عندما يحسن الوطء الخفيف، وأسير مرحا عندما يحسن السير مرحا. # لا أريد أن يكون شفيعي بين سبيل التأنق وفرة مال، فالمال حقير. ولا أريد أن يكون شفيعي ~~في سبيله علما، ففي العلم باطل وغرور. ولا أريد أن يكون شفيعي في سبيله جاها وحسبا، ~~فالمرء ابن نفسه، وكل امرئ عن نفسه مسئول. حتى ولا أريد أن يكون شفيعي في سبيله ملكا، ~~فالملك لله جميعا. إنما رضيت أن ms32 يكون شفيعي في سبيله عبوديتي وخضوعي لرب الحسن والجمال، ~~أعبده مخلصا لوجهه العبادة، ولقد كان من عبادة آلهة الغابرين منذ القدم أن يتشبه الإنسان ~~ببعض أوصافها. # أخذتني تلك النشوة؛ بل أخذتني تلك الجذبة، وأخذت أقول في نفسي: الجمال فضيلة، ومن الخير ~~أن يعمل الإنسان الحيلة ليتصل بجميع الفضائل، ثم شرعت في الذهاب إلى حانوت لأبتاع منه بعض ~~ما أستعين به على التجمل والتأنق. # طلبت إلى صاحب الحانوت أن يعرض علي أثمن ما عنده من العصا دون أن يحسب للاتفاق حسابا، ~~وبينما هو يعرض على أرشقها وأظرفها شكلا، إذ حانت مني التفاتة إلى عصا غليظة، خلت من ~~الحسن، ولكن ملامح البأس والمتانة تبدو عليها، فلم أرد البصر عنها حتى انتزعتها من بين ~~أخواتها، ثم عجمت عودها، فهززتها بعنف، واتكأت عليها بقوة، ثم مثلت عندي فضيلة المتانة، ~~وما أطيب المتانة في الجسم، وفي الخلق، وفي العصا. ~~••• # عفوا يا ربة الحسن إذا لم أف بالعهد، فخنثت في خلفي، وعدلت عن سبيلك إلى سبيل رب ~~القوة. # عفوا يا ربة الحسن، فالعرق دساس فإني من بلد شيدت فيه الأهرام، وأكبر أهله الأقدمون ~~البأس قبل أن يكبروا الجمال. # أغريتني يا ربة الحسن، فكدت أغفل لحظة عن رب القوة فلما توجهت إلى أنظاره، واخترقت حجب ~~خمسين قرنا مضت، وناداني من خلف معبد من تلك المعابد القديمة القائمة على ضفاف النيل، أبت ~~إليه تائبا نادما، وانتزعت العصا المتينة رمزا لتقديم القوة وإجلال المتانة، ثم هرولت ~~أضرب بها في مناهج أثينا الجميلة، ذاكرا اسم الله القوى الدائم قبل اسمك الجميل. # | الله أكبر # أثينا في 7 من يولية سنة 1923 # قصدت إلى سطح الصخرة حيث بقية هياكل الآلهة. # لقيني دليل فرددته، إذ أحسبني لست أحتاج إلى دليل، فإذا بشيخ هرم، رث البزة، كريه المنظر، ~~قد اقترب مني، وخاطبني بلسان فرنسي، تنسحب عبارته السقيمة متعثرة بين فكين ارتخت عضلاتهما، ~~ووهنت أدواتهما، ففهمت منه أنه يريد إرشادي، وأنه لن يلح ولن يغلو في الأجر، وأنه يفخر ~~بنفسه، فيحسب أنه يعلم مالا يعلمون. ms33 # أخذتني رأفة بذلك الشيخ الفاني، وقلت لعل الخير عند هؤلاء الشيوخ، فأومأت إليه بالقول، ~~فتقدم متوكئا، متباطئا في صعوده، حذرا في خطاه، وكنت أحوطه بنظراتي حرصا عليه من ~~السقوط. فلما جئنا إلى مكان يشرف على هضاب أثينا ومنازلها، أشار الدليل الشيخ بعصاه إلى ~~هضبة وقال: هنا على هذه الهضبة من نحو ثلاثة وعشرين قرنا كان يقف «ذيموستينس» خطيبا بين ~~أهل أثينا، ثم نظر إلي وقال: أتدرى من «ذيموستينس»؟ فتجاهلت، فقال: كان فصيحا كبيرا، ~~فقلت: وكم في الناس اليوم يا شيخ من طلق اللسان فصيح! فقال: أجل، ولكنهم يخدمون الباطل ~~بفصاحتهم. أما «ذيموستينس» فكان يخدم الحق بفصاحته. # ثم أشار بعصاه إلى هضبة أخرى وقال: وعلى هذه الهضبة كان مجلس قضاة «أثينا» ليحكموا بين ~~الناس بالعدل تحت سماء الله، وعلى مرأى من تمثال رب العدل، ثم استطرد الشيخ من أمر ~~القضاة في «أثينا» البائدة إلى القدح في قضاة هذا الزمان وشئون هذا الزمان. وصبرت على شرحه؛ ~~بل صبرت على تشاؤمه حتى بلغنا معبد البتول «أثينا» ربة الحكمة. # لا أريد أن أتحدث بما تحدث به الدليل «ديمتري» من خطأ في التاريخ، أو صواب. ولا أريد أن ~~أذكر لك كيف استحال هيكل الربة البتول «أثينا» إلى كنيسة للبتول مريم بعد نحو اثني عشر ~~قرنا من تشييده. ولا أريد أن أذكر لك كيف استحال هذا المعبد بعد نحو التسعة عشر قرنا من ~~تشييده إلى مخزن لذخائر الترك ومعدات قتالهم. ولا أريد أن أذكر لك ما أدى إليه حصار أهل ~~البندقية من تخريب هذا الأثر البديع وتحطيمه. ولا أريد أن أحدثك بما حمله لورد الإنجليز إلى ~~بلاده من كنوز هذا المعبد في القرن التاسع عشر. على أنني أعيد خواتم الجمل التي كان يختم ~~بها «ديمتري» الدليل شرحه وحديثه: «آه لو قدر القساوسة الفن، فلم يحولوا ذلك المعبد إلى ~~كنيسة. وآه لو فهم الترك جمال الفن فلم يحولوا ذلك المعبد إلى دار لذخائرهم، أو دار لربهم! ~~وآه لو أخطأت قذائف المتحاربين هذه الآثار المقدسة، فلم يهدم منها ms34 ما تهدم! وآه لو أبقت ~~اللوردات في تلك المعابد كنوزها وآثارها! ثم آه لو احترم الناس نتائج العبقريات ومجهود ~~العقول!» جمل فيها حسرة وعبرة. # أما جمال هذا المعبد، وروعة هذه البقايا والآثار، ونظام هذه العمد، ونسق تلك النسب، فلا ~~أحدثك به مهما أطرقت إلي، ورغبت في قولي، فلا القلم قادر على ضبط تصوير هذه الدقائق، ~~ولا أذنك قادرة على وعي ذلك الضرب من الحسن، إنما هي عينك، وإنما هو فؤادك. فأقبل ~~إلي، وقف معي وقفة «بالأكروبوليس»، ثم حقق النظر يتحرك الفؤاد. # ولكن شيئا يبقى بالمعبد من أثر النصارى. ولكن شيئا يبقى بالمعبد من أثر المسلمين! آلهة ~~حلت الدار إثر آلهة. وزمان استخلف على هذه الآثار إثر زمان. وأحداث وغير تمر على تلك ~~الأحجار والأنقاض خلف أحداث وغير. ودول تأتي وأخرى تدول. فمن رب الأرباب ومن رب المكان ~~والزمان، ومن محدث الأحداث ومغير الغير ومعز الدول ومذل الملوك والقرى؟ # سبحانه سبحانه ما أكبر شأنه. # عفوا أيها الإله الأعظم وغفرانا، إذا أنا بقيت ساعة بهذا المعبد أناجي ربته الأولى، ~~وأتمثل قرونا خلت ومدنيات عظمت. # إنكم معشر الآلهة تتعالون عن التعدد، فأنتم واحد وإن تعددت أسماؤكم، ووحدة وإن تعددت ~~صفاتكم. وفي ذكر أحدكم ذكر للآخر كما يعلم الراسخون. # لقد كنتم دهورا، وكانت عروشكم قمم هذه الجبال، ومعابدكم من مرمر مسنون، وفي خدامكم عذارى ~~يشرق جمالهن حول تلك المعابد، وينتشر عطرهن حول ما يحرق من بخور. # كنتم تخاطبون الناس على قدر عقولهم أيها الآلهة يوم كانت عقول البشر أقل مرانا على فهم ~~المعاني العالية، فتصورون أنفسكم في حدود تصوراتهن، وتشكلون عظمتكم بأشكال خصالهم، فتقتتلون ~~مثلما يقتتل الإنسان، وتغضبون مثلما يغضب، وتلعبون مثلما يلعب، وتمكرون مثلما يمكر. اختلطتم ~~بأهل الأرض، وكنتم تعيشون بينهم، وتتبادلون وإياهم المشاعر، وكنتم ضيوفا عندهم، وكانوا ~~عيالا عليكم، وكانت حياة البشر حقا مقدسا. # ولكنكم قدرتم أيها الآلهة أن عقول الناس قد مرنت، وأن بصائرهم قد صفت، وأن قلوبهم قد رقت، ~~فتحولتم في الأذهان إلى آلهة ذوات معان دقيقة وصفات لطيفة لم ms35 يفهمها الناس حق فهمها فتباعدت ~~المسافة حينئذ بينكم وبين نفوس الناس، ثم تحولتم بعد ذلك إلى ربوبية واحدة ومعنى أوسع ~~وقوة أشمل. كانت بيوتكم هياكل، وكانت كنائس، وكانت مساجد، وإن تلك الهياكل التي شادتها يد ~~الإنسان ستزول. وإن تلك المساجد التي دعمتها يد الإنسان ستزول. ولكن عروشكم الأولى القائمة ~~على جلال الكون وجمال الطبيعة باقية لا تزول. # والآن أجلس في بيت من بيوتك يا ربة الحكمة، فلا هو بالهيكل، ولا هو بالكنيسة، ولا هو ~~بالمسجد، ولكنه بيت يحفظه التاريخ، ويحوطه العلم، وتحترمه الحكومات، وتحج إليه العلماء، ~~ويطوف به أهل الفن، ويذكر في عرصاته الذاكرون كيف تتغير الأحوال، وكيف تستحيل المدنيات، ~~وكيف يفهم الجمال؟! # تحولوا ما شئتم أيها الآلهة، حسبما تجدون من ظروف الأرض والزمان واستعداد العقول، ولتسعد ~~بكم أحزابكم، فلقد تبينت ربي، وعرفت إلهي. # هو رب أبي مذ كنت في صلبه، ورب أمي مذ تكونت في أحشائها، هو رب كما تعلمون واسع باسط. ~~له بيت من حجر، لا نقوش عليه كبيوتكم، ولا فن فيه. لا يضره إذا فتت بيته واستحال رمالا، ~~تذروها رياح الصحراء الملتهبة. ولا يفرحه أن سبكت له مدنيات الدنيا وفنونها؛ لأن كل شيء ما ~~خلاه باطل، فهو غني بنفسه، وهو قانع من المعابد والبيوت بكتلة من الحجر الأسود لا نسق فيها ~~ولا جمال. # ربي، يا ربة الدار، بدوي الطبع، يقنع من الأرض بالرمل الواسع، ومن السماء بكواكبها ~~وغيثها، وحسبه الشعور بوفرة العزة والكرامة. # ذلك هو ربنا، يا ربة الدار. ذلك هو رب الكعبة الذي نودي اسمه بعد عشرين قرنا مضت على ~~هيكلك بين جدرانه. فقال قائلنا حينئذ: الله أكبر، الله أكبر، حي على الفلاح. # | لقاء الوطن # القاهرة في 10 من سبتمبر سنة 1923 ~~... وحينما كانت تسير بنا السفينة في الليل، حيث لا نرى إلا نجوم السماء، والأفق مظلم من ~~جميع النواحي التي تحيط بالفلك، يممت نحو ربان الباخرة، حيث كان في غرفة عمله، فحييته وقلت: ~~أنحن الآن في منطقة مصرية أيها الربان؟ فقال: نعم. فقلت: ومتى إن ms36 شاء الله نرسى على بر مصر؟ ~~قال: في ضحى الغد. عندئذ تولاني ضرب من السرور، وسرى إلى فؤادي نوع من الاطمئنان، ولبست ~~درعا من العزة، فأشعلت غليوني، ثم أخذت أسير على ظهر الباخرة، وأخرجت من محفظة أوراقي ~~كتبا، وردت إلي وأنا في بلاد الغربة من أهل وأصدقاء، كتبا كنت هممت بتمزيقها وطرحها ~~بعد أن علمت ما بها إلا أن عاطفة حالت بيني وبين أن أقبر تلك الرسائل في أرض غريبة نائية، ~~فلما علمت أنني أتنفس من هواء مصر، وتظلني سماؤها، ويحملني ماؤها، ألقيت في اليم بتلك ~~الكتب التي قدرت أن لا فائدة من حملها، وقلت في نفسي: اليوم لا ضرار، فالآن تزول حروفها في ~~ماء الوطن وتتحلل مادتها. # ثم نزلت إلى غرفة نومي، وأوصيت الخادم أن يوقظني مبكرا، حتى أتخير مكانا على ظهر ~~السفينة أستطيع أن أعتزل فيه لأتبين منه أرض مصر من بعيد وقتما يقدر النظر على تبينها، ثم ~~ألقيت بنفسي على مضجعي، ولكن خواطر كانت تضطرب في رأسي حالت بيني وبين نعاس كنت في حاجة ~~إليه، ثم غلبني النعاس أخيرا، ثم أوقظت وقتما أردت، ثم صعدت إلى ظهر الباخرة، وشخصت ~~ببصري إلى حيث يمكن أن يلوح الشاطئ، وكان الفلك يسير. وكأن الفلك كان سيره بطيئا. ومن ~~بعيد بعيد تبينت خطا طويلا قائما يتجلى في الأفق. تبينت تلك الأرض التي طالما قدرت لها ~~جميلا. وتجاوزت لها عن ذنوب وسيئات، فنهضت واقفا، ومددت ذراعي إلى حيث أرى ذلك الشبح ~~المحبوب، وقلت سلاما، وتحية ورحمة من الله عليك مصر أمنا الرءوم. لو أن الله قضى على ~~الساعة بالموت للقيته مستريحا، وأغمضت عيني على شعاع من النور، يفيض من شمسك، ولفظت آخر ~~زفير يحمله الصدر من هوائك. ولو كان للساني أن ينطق وقتئذ بكلمة لكانت دعوة لك صالحة ختامها ~~الحمد لله رب العالمين، ثم انتقلت من مكاني إلى مكان آخر حيث أحضر لي قلم وقرطاس، فكتبت ~~هذه الكلمات «أحب مصر؛ لأن كل ما يتصل بي من خير إنما هو من فضلها وبركاتها. ms37 أحب مصر؛ لأني ~~أحب آمالا تولدت في منها؛ ولأني أحب خيرا يوحيه إلي ما فيها من شر؛ ولأني أحب صالحا ~~يوحيه إلي ما فيها من فاسد؛ ولأني أدرك فيها نقصا يحبب إلي الكمال. # أحب مصر؛ لأني أراها مزرعة واسعة ضعفت أرضها وهرم شجرها المثمر، وأساءت الحشائش المفسدة ~~إلى نبتها الطيب ، فلعلي أصلح فيها باعا من الأرض، ولعلي أعين فيها نبتة نافعة على النماء، ~~ولعلي أستمتع يوما فيها بثمرة ناضجة. أحب مصر مستودع عظام ودماء أنا جزء منها، ومستودع ~~تاريخ وأحلام لي في جميعها نصيب، ومستودع قلوب تحنو علي، وتتصل دقاتها بدقات فؤادي.» # ثم أحضر لي الخادم طعاما وبعد أن طعمت صعدت مرة أخرى على ظهر الباخرة. تبينت عن بعد دور ~~الإسكندرية العالية فقلت: «سلام عليك أيتها الدور مادام في أهليك من يتقي الله في حق هذه ~~البلاد. سلام عليك ما ظلت فيك نفوس ترعى بإخلاص صالح هذا الوطن» # ثم أفلتت دمعة من عيني من أثر الانفعال، فنزلت إلى غرفتي لأهيئ متاعي، وأنزل إلى البر ~~وألقي أرض الوطن. # | لعام 1924 # القاهرة في 12 من يناير سنة 1924 # في مقدم هذا العام، انتقلت من داري القديمة التي كنت أسكنها إلى تلك الدار التي أسكنها ~~الآن. وبينما كنت أعمل ليلا في ترتيب أمتعتي. وإخراج كتبي، والصور التي أزين بها الحوائط ~~من حقائبها وصناديقه،ا إذ أخرجت من أحد تلك الصناديق صورتين تعودت أن أحلهما في غرفتي ~~مكانا، يكثر عليه ترداد النظر. # كانت إحدى الصورتين لعزيز قضى في شرخ الشباب، فكنت أخرجها من قاع الصندوق كأني كنت أخرج ~~تذكارا ماضيا من أعماق القبور. وكانت الصورة الأخرى لعزيز بعيد مازال حيا، تشخصه مذ كان ~~في ربيع العمر باسما بهيا. # أخذت الصورتين برفق، ونظرت إليهما نظرة دعت إلى نفسي عظة وحسرة، وامتزجت ذكراهما في ~~الخاطر بانتقالي من دار إلى دار؛ بل امتزجت ذكراهما في الخاطر بانتقالي في العمر من عام إلى ~~عام، ثم تغلغلت تلك الذكريات المختلفة من حبيب مات، وعام فات، وعزيز غيرته الأحداث ~~والأوقات!! # تغلغلت ms38 في النفس تلك الذكريات، فهاجت الخيال، والعواطف والفكر. حول ذلك الدهر وحول ما ~~يسوق من عبر. ~~••• # لقد أفنى الدهر صاحب الصورة الأولى، فاستحال إلى ترابا، وستنسى يوما ما من النفوس ~~ذكراه. # ولقد حول الدهر بعد عشر سنين صاحب الصورة الأخرى من حال إلى حال. فحط على الجبين ~~خطوطا لم تكن عليها من قبل، ورسم على تلك الخدود ثنيات. وأنضب من ذلك المحيى ينبوعا من ~~ينابيع البسمات. وأبدل سلوكا من الشعر الذهبي بسلوك من الفضة. وأسكن ذلك الرأس فكرا ~~ومشاغل لم تكن لتسكن ذلك الرأس الجميل في الصبا. وأسكن ذلك الفؤاد الطيب آلاما ما أشدها ~~على ذلك الفؤاد الحساس. وأزال من ذلك القد المياس نشاطا وخفة، ما أحوج الجسوم إليها في ~~سبيل الحياة. ~~••• # تذكرت ما أحدثه الزمن في الشخصين، فكررت النظر في الصورتين، ولكنهما على ما كانتا عليه من ~~نيف وعشر سنين!. # ما زال رسم البسمات على تلك الشفاه باديا، وما زالت الأعين فيهما لا تغمض عن مرأى هذا ~~الوجود! # عندئذ تخيلت الزمن ضعيفا بنفسه، لا يقوى على سرعة تغيير الجماد، عندئذ ذكرت أن أقرب ما ~~تصل إليه يد الزمن هي الحياة والأحياء والنفس ومن بالنفس ومظاهرها يعيشون. # عندئذ حقرت الزمن لضعفه أمام المادة. # وعندئذ أكبرت الزمن لقوته وقدرته على الأرواح والنفوس. # عندئذ استقسيت الزمن لتحويله الصدح ندبا، ولتحويله البسمات دموعا وأنات، ولتحويله ~~النشاط وهنا، والوهن فناء. # عندئذ حمدت الزمن، فقد يحدث الآلام، وقد ينسى الآلام. ~~••• # أصغرت شأن الزمن، وأكبرته، واستقسيته وشكرته. وكانت تلك العواطف والأحكام المتناقضة تترع ~~نفسي، وتفور في رأسي، فتدفعني إلى نزعات ونزوات، وتطوف علي بخيالات حتى رغبت في أن أتخلص ~~من تذكر الزمن، وشرعت في أن أخرج ولو برهة صغيرة عن سلطانه الحقير الكبير، القاسي المشكور. ~~فخطر ببالي أن أرتدي ملابسي، وأخرج ليلا وأعين الناس غافلة؛ لأقصد على غير ما ألفت دارا ~~من تلك الدور، وهناك أشرب وأطرب، وألهو وألعب. فالسنون تطوى ونحن عن حياتنا غافلون، والعمر ~~يتقدم، ونحن عن أنفسنا ساهون. # هممت ولكن ... ولكن ما كدت ms39 أهم حتى عاقتني العوائق، وأقربها مني ضعف الجسم، ويقظة ~~الضمير. # فيا معشر الشباب، احرصوا على حسن استخدام الزمن، ولا تتركوه يمر دون أن تنالوا منه ما قد ~~ينيله من رقى في النفس وسرور. واعلموا أن أطيب آثار الدهر في العيش ما يتصل بنفوس الأحياء ~~من صفو وحب، وصفاء. # | السماء # القاهرة في 29 من فبراير سنة 1924 # ترسل السماء أضواء في الليل والنهار. وطالما أحيت السماء الخلائق بأنوارها وحرارتها. ~~وطالما هدت كواكب السماء سفنا ضالة إلى بر النجاة. وطالما أمدت السماء عواطف البشر بخير ~~ألوان الشعر والخيال، فأسكنوا آلهتهم أفخم ما تخيلوه في السماء من أبراج وطبقات، ثم نقلوا ~~على الأرض أمثلة مما تصوروه، فعملت الفنون إذ ذاك شئونها: فشيدت المعابد الضخمة، والبيع ~~الزاهرة، والمساجد العامرة. # إن الزهور والحقول لتنتعش انتعاشا عند ما تشرق عليها الشمس من سماواتها في الصباح. وأن ~~أرواح الأفراد والأمم لتنتعش كذلك إذا أشرقت عليها شموس المثل السامية. ~~••• # المثل الأسمى هو سماء صافية تستخرج البصيرة من كبدها كل خير؛ بل هو أفق رفيع يستنهض ~~العواطف إليه، فتتحرك النفس دائما للرقى والعروج؛ بل هو معنى إذا امتلأت به نفس الإنسان ~~استصغر أكثر ما يشغل الناس من سفاسف الأمور؛ بل هو إشراق ساطع كابتسامة الحور العين يملأ ~~لألاؤه النفس غبطة وارتياحا؛ بل هو ذلك الرقيب القوى الذي يسدد الخطى، ويوفق الفعال إلى ~~حيث يريد الخير والحق أن تكون تلك الخطى وتلك الفعال. ذلك هو المثل الأسمى. ذلك هو سماء ~~النفوس الصافية. ~~••• # في تلك السماء المعنوية - سماء المثل الأسمى - كواكب تهتدي بها النفوس الرشيدة التي تعلم ~~كيف تهتدي بها، كما يهتدي الملاح بنجوم السماء، وهو يسير في البحر الزاخر. فيها كواكب ~~للعدل، وللرحمة، وللمحبة، وللعطف، وللكرامة، وللخير، وللحق، وكم فيها من كواكب الخصال ~~الحميدة، والشيم الكريمة. # وفي تلك السماء ترسم أشباح الأنبياء والقديسين والعظماء والصالحين من الناس والأبرار ~~والصابرين والشاكرين والذاكرين. كلهم كواكب، وفي تذكرهم نور يهتدي به البشر. # فليجتهد كل إنسان في أن يصل بين حياته الأرضية المادية بتلك ms40 السماء المعنوية. وليربط بسبب ~~بين عالم الحقيقة الحاصلة وبين عالم الخيال الجميل المنتظر، وليعلم أن الحياة الدنيا لا ~~تطيب إلا إذا مزجت بحياة روحية عالية مداها المحبة بين الناس، وغرسها السلام، وأفقها ~~السماء. # | الموت الساخر # القاهرة في 25 من إبريل سنة 1924 ~~«أنجل» رجل نحيف الجسم. ممتقع اللون فقير الثياب، له عينان واسعتان، يسفلان جبهة ظاهرة ~~العظم، ويعلوان وجنتين بارزتين. له شاربان رقيقان طويلان مرتفعان، وإذا ابتسم تنفرج شفتاه ~~عن أسنان ناصعة البياض، قوية حسنة الرص والترتيب. وخلاصة القول في وصفه أنه لطوله ونحفه ~~وقلة لحمه ودهنه وابتسامته الخاصة أدنى إلى صورة تلك الهياكل العظمية التي يخلصها الموت من ~~الإنسان بعد زمن قليل. ~~••• # طالما كنت ألقى «أنجل» في حانوت الحلاق. وطالما كان يقص على سوء حاله، مع كثرة عياله وقلة ~~أشغاله. وكثيرا ما كان يثور في حديثه على نظم الحياة. وكثيرا ما كان يسب الفقر، وكثيرا ~~ما كان يسخر من الغني الشحيح. ~~••• # مر زمن طويل لم أر فيه وجه صاحبي هذا، ولم تسمع فيه أذني صخبه على الدنيا، وأنينه من ~~أهلها، وبينما كنت سائرا ذات يوم في إحدى تلك المناهج الكبرى، إذ وصل إلي صوت استوقفني، ~~فإذا بصاحب الصوت هو «أنجل» يبسم لي، ويمد إلي يده، وكنت أكاد أنكر صاحبي القديم؛ لأنه ~~أصبح على غير ما كان عليه من صورة ومسوح. ~~••• # أصبح أنيق الثياب بعد أن كان رثها. أصبح عطر الرائحة نظيفا. أصبح متختما بالذهب. أصبح ~~مترفا بالحلي. أصبح وجهه مضيئا بعد ظلمة. أصبح صوته مليئا بعد تهدج. أصبح «أنجل» غير ما ~~ألفت، وأصبح «أنجل» غير ما عرفت. حياني باسما، وصافحني وثيقا، وكلمني متلطفا رقيقا، وكل ~~ذلك وأنا أنظر إليه ما بين تحديق وترنيق، وكأني كنت مذهولا من مظهر للرغد والنعمة، ما كنت ~~أظن أن ألقى الرجل عليهما في يوم من الأيام. ~~••• # ثم مضى «أنجل» في سبيله، ومضيت أنا الآخر في سبيلي أفكر في أمر هذا الانقلاب الغريب، حتى ~~لقيت رجلا يعرفه، فحادثته في أمر ما رأيت، فقص علي الأمر، ms41 وفسر لي اللغز: # ذلك أنه كان «لأنجل» عم بخيل جمع مالا كثيرا، ولم يستمتع به في شيء، ولم يكن له وارث ~~غير «أنجل»، فمات العم، وأحيى موته ذلك الذي كان بالأمس حيا ميتا. # عندئذ مر بخاطري شيء مما يقوله الاشتراكيون في المال ومخلفي الثروات والأموال. وعندئذ ~~فهمت السر في نعمة صاحبي. وعندئذ تجلت لي معنى تلك الابتسامة التي لقيني بها في حاله ~~الجديد. ورأيت في صورتها المتصلة بهيكله النحيف، ووجهه العظمي، ابتسامة الموت الساخر ممن ~~لغيرهم يجمعون. وعندئذ قدرت معنى الأثر الإسلامي القائل: «ينادى مناد كل ليلة فيقول: اللهم ~~اجعل لمنفق خلفا، ولممسك تلفا.»، ثم ترحمت على من قال: # وإن أشد الناس في الحشر حسرة # لمورث مال غيره وهو كاسبه # | عائلة # فينا في 17 من سبتمبر سنة 1924 # الدار في فينا، في الحي العاشر، وهو حي تتعدد فيه المعامل، وفيه مدرسة للهندسة الصناعية، ~~وفيه يسكن أكثر من يعيشون بعرق الجبين. # قصدت إلى هذا الحي لألحق تلميذا من أهلي في تلك المدرسة، فسرت في بعض سبله، وطفت مع نفر ~~من شبابنا الموفق في بعض نواحيه، لأتخير مسكنا للطالب الذي أتعهد بعض شؤونه، واهتدينا ~~أخيرا إلى الدار. # الدار كبيرة ذات طبقات خمس، وفي كل طبقة سبعة أقسام، والعائلة التي رغبنا في استئجار غرفة ~~عندها تسكن الطابق الرابع. وفي ذلك القسم الذي تسكنه يجد الداخل بهوا صغيرا تشغله أدوات ~~لمعالجة الطعام. ويجد عن يساره غرفة صغيرة فيها سرير من الخشب، وخزانة ملابس ومنضدة، وبعض ~~مقاعد. ويجد عن يمينه غرفة أخرى أكبر من الأولى فيها سريران كبيران وبجانبهما سرير صغير. ~~وفي إحدى زوايا تلك الغرفة معزف (بيانو)، وفي زاوية أخرى خزانة للملابس. وحوائط الغرف مغطاة ~~بالورق المزركش، وأرضها من خشب مصقول ناعم، وفي السقف ثريات جميلة للكهرباء. تلك هي الدار ~~وأثاثها، أما ساكنوها فعامل خباز يناهز الخمسين من العمر وزوجته وولدهما الطفل (ماركس)، ~~وهو في نحو الثانية عشرة وكلبهم (وولف). # دخلنا تلك الدار قبيل الظهر، وكنا أربعة فوجدنا الرجل مشمرا مجدا في تنظيفها. وبعد ms42 ~~تبادل التحية سأله أحدنا أهنا غرفة لطالب؟ فقال: نعم، وفتح باب الغرفة الصغيرة فتفقدنا ~~أثاثها، ثم سأله سائلنا وما أجر تلك الغرفة؟ فقال الرجل علم ذلك عند ربة الدار، وهي الآن ~~في عملها، وستعود حول الساعة السابعة. فقال قائلنا: أو لست رب الدار؟ وقد يكون عندك نبأ ~~ذلك! فأجاب نعم، ولكن هذا من شأن السيدة، فتفضلوا بالعودة ريثما تعود، وبينكم وبينها يكون ~~الحساب. # نزلنا على أن نرجع، وقلت في نفسي إن هذه الطبقات الفقيرة من يذكر حكمة الإنجيل «دع ما ~~لقيصر لقيصر وما لله لله»، ثم ذهبنا إلى حيث صرفنا وقتنا، وعدنا في الموعد المضروب. طرقنا ~~الباب ففتحته لنا سيدة تماثل زوجها في العمر، ترتدي بزة بسيطة نظيفة. تنم عن فقر وصبر. ولما ~~دخلنا الدار انغمرت أسماعنا في جو من التوقيع والنغم، فنظر أحدنا وقال: إنه طفل صغير يعزف. ~~فتوجهت أنظارنا حيث الغرفة التي تتدفق منها الموسيقى تدفقا، وكان بابها مواربا قليلا، ~~ففطنت السيدة إلى دهشتنا، ودعتنا لندخل تلك الغرفة. وهناك وجدنا الشيخ الخباز يجلس على حافة ~~السرير الصغير، وفتاة وفتى من الجار الجنب يجلسان على حافة السرير الآخر، وبين يدي الفتى ~~آلة موسيقية شبيهة بالعود، أما الطفل فكان أمام البيانو يدق بأنامله الماهرة الدقيقة، ~~ويرافقه الفتى على الآلة الأخرى، والفتاة كانت تشترك معهما بصوتها إنشادا. لم يكن لنا في ~~تلك الغرفة مكان لنجلس، فوقفنا، ووقف الشيخ معنا، وضاق المكان بنا وبما فيه من أثاث. سألتني ~~ربة الدار عما إذا كان لنا رغبة في سماع شيء معين. فطلبت لحنا من تأليف الموسيقي ~~(اشتروس). فأخذ الغلام يعزف بحذق ما طلبت. وكان الشيخ أبوه ذو القميص الأزرق واللباس ~~المرقوع يرمقه، بنظر العاطف الآمل وأمه في زاوية تحيطه بحنانها وغبطتها. ولمحت لباس الصبي، ~~فوجدته ممزقا رثا. طأطأت رأسي إجلالا؛ لأني كنت أسمع من دقات الصبي أنشودة الفقر والجد ~~والشرف، ونظرت إلى من حولي من الرفاق ليستوحوا من تلك الحياة موعظة. # ولما انتهى الغلام من ~~توقيعه بين إعجابنا صفقت له مع رفاقي، وهنأت به ms43 أمه وأباه، ثم دعوت السيدة لتنتقل معنا ~~إلى الغرفة الثانية؛ لنتفاوض فيما جئنا من أجله. وهناك قدمت الحديث بكلمة في الموسيقى، وفي ~~مستقبل ذلك الموسيقي الصغير، وإذ ذاك قالت السيدة بشيء من السذاجة والألم: «لقد قال الأستاذ ~~الموسيقي «ماير» علمي صبيك، فقد يصير رجلا عظيم الشأن في الموسيقى شبيه «بموزار»، ولكن ~~عملي وعمل زوجي ودخل الغرفة التي أؤجرها لا يبقى لنا من المال ما نربي به نبوغ ~~الولد.» # تأثرت وتذكرت أن النبوغ طالما نبت في أمثال هذه العائلة التي شعرت في جوها بالفضيلة ~~والصبر والقناعة وفهم الحياة والاحتيال الشريف على التمتع بما في العيش من جمال. تذكرت من ~~رجال الغربيين «روسو» و«كنت» وتذكرت «رينان». # ثم قلت في نفسي: عائلة تطلب اليسير من المال، فلا تجده لتكوين نبوغ مرتجى، وعائلة تصرف ~~الكثير من المال على ولد فيكون من الضالين. حارت الأفهام في تقسيم الحظوظ. ألحكمة يفعل الله ~~ذلك؟! # | ضيق وضجر # القاهرة في 13 من يونيو سنة 1924 # شيء يوقر الصدور، فلا تتسع الصدور لما ينعش من هواء. شدة تقرب بين ثنايا الجبين، وتخفي ~~في غورها إشراق الجبين. نقطة سوداء في الأفق يرعاها البصر الكليل، ولا يحيد عن مرآها البصر ~~الكليل. # عروة تصل بين الحاجبين، وعقدة تضرب على الشفتين الصامتتين. # سدادة تلقى في الأذن، فلا تسمع الأذن عبارة تسلية، أو كلمة عزاء. سيال يسري في الأعصاب، ~~فيخدر الجسم عامل القوة وعامل النشاط. ~~••• # ومع ذلك فقد تكون نسمات الليل نقية باردة، ولكنها تمر إلى الصدور دون أن تحس الصدور ~~ببردها وسلامها. # ومع ذلك فقد تكون الجباه ملساء ينعكس عن لمعانها نور الله ورضاه، ولكنها تخفي النور وتبدي ~~الغضب. # ومع ذلك فقد تكون في الفضاء شموس وأقمار وأضواء متلألئة، ولكن العين لا تقع إلا على ~~النقطة السوداء. # ومع ذلك فقد تسيل البسمات، وتنتقل من شفة إلى شفة، كما ينتقل الطير من زهرة إلى زهرة، ~~ولكن البسمات لا تقع على بعض الشفاه. # ومع ذلك فقد يحمل الهواء ألحانا عذبة، ونغما شجيا، ولكنه لا يحمله إلى ms44 بعض ~~الآذان. # ومع ذلك فقد تكون مادة الأعصاب سليمة، لم تأكلها السنون، وتعاقب الأوصاب واللذات، لكنها ~~لا تقوى على الحركة، ولا تستمرئ للنشاط طعما. # تلك هي صورة الضجر. وذلك هو شأن الضجرين. ~~••• # وكم من مرة يحاور الضاجر نفسه في أمر ذلك الضيق، وفي بيته رغيف يأكله، فلا يشكو جوعا، ~~وفي حقيبته كساء يرتديه، فلا يخاف عريا، وتحت سماء الله سقف يظله، فلا يخشى قلة المأوى، ~~وعلى أرض الله فراش وثير يتقلب عليه إذا أوى، فلا يخاف خشونة وبأسا. # وكم من مرة يقول: أي سم جرى في دمي، فكان مصدرا لذلك الضجر؟ # وأي غبار يختلط بالهواء، فيصير إلى صدري، فيحبس عني الهواء رطبا بليلا؟ # وأي كثافة تختلط بالأضواء، فلا تشف عن لآلائها وبهائها؟ وأي سحرة تمسخ تلك الوجوه أمامي، ~~فتحول إلى أشكال القردة الهازلة؟ # وأي سحرة تلون تلك الوجوه بالأحقاد القاتمة؟ ~~••• # أف أف يا رباه ... أهو دم فاسد يجري في عروقي، فيفسد علي هذا الوجود؟ أم هي مواد ~~حللها الفساد فاغتذى الجسم منها، فلا أرى في الكون إلا فسادا؟ أم هي الحياة الاجتماعية ~~قد اعتلت واختلت، وأحوال النفوس قد فسدت؟ # أف أف ... لقد فسد جو الحياة الاجتماعية، فأصبحت أكثر النفوس لا تتنفس إلا ضيقا وضجرا. ~~فمتى يستحيل الضيق فرجا، ينفث عن الصدور، ويطهر الجو المسموم؟ # | لذكرى الأديب1 # ليون (فرنسا) في 18 من أغسطس سنة 1930 ~~... وفي الليل تتألق نجوم في السماء، وعلى الغصون زهور تبتسم، وعلى الصدور لآلئ تداعب ~~النور، وفي القصبة وحي ودرر بين أصابع الأديب ... ~~••• # ويسألون ما الأدب؟ ويسألون من الأديب؟ ... # الأدب عالم معنوي تتغذى منه العواطف الرقيقة، والأفهام الدقيقة؛ بل هو معراج ترقي به ~~النفس إلى السماء لتشعر بالجمال، وتعقل الكمال. # والأديب إنسان يعلم كيف يتحدث إلى النجوم المتألقة، وكيف يخاطب الغصون المياسة والزهور، ~~وكيف يجعل من صرير القلم نغما شجيا. # يكدح ويكد، وقد يسهر الليل وراء لفظ من الألفاظ؛ بل قل وراء درة ليسكن فيها المعنى ~~الظريف ...؛ بل وراء أحرف إذا هي امتزجت، فكأنما هي أوتار تسمعك ms45 صوت المعاني عاليا رنانا؛ ~~بل وراء قبس من نور يضيء حول الخفي المستور في زوايا النفوس، فتراه واضحا جليا ...؛ بل ~~عن صور من الفزع والجزع والغبطة والهناء، ليرمز بها لمعاني الفزع والجزع والغبطة والهناء ~~... ~~••• # وبينما يكون في مجالس الناس إذ يقص القصاصون، ويتحدث المتحدثون، ويتسامر المتسامرون، ~~فتنظر في وجهه، فترى حدقتيه كأنهما اتجهتا إلى عالم آخر. وكثيرا ما تطير نفسه إلى حيث ~~تناجي الملائكة، إلى حيث تتخاصر المعاني والكلم. # وبينما قوم يلهون في مآكلهم ومشاربهم، ومتاجرهم، وترهاتهم، ودسائسهم، يلهو الأديب بما ~~يهبط عليه من عالم البيان، وما يستوحيه من عالم السحر الحلال. # وبينما قوم يعيشون بجسومهم ونفوسهم على الأرض وحول المادة، يعيش الأديب بنفسه في السماء ~~وحول ما في السماء ... # وطالما تحول ذهنه المكدود وإكسير دمه وخلاصة عصبه إلى تلك السطور التي تقرءونها، وتقولون: ~~إنه يكسب منها ثناء أو مالا. ولكن كل ما يكسبه الأديب من مادة يتحول عنده معنى وأدبا، ~~تتنفسون من نسماته، وتتنسمون من شذاه. # يعيش الأديب من العمر ما شاء الله أن يعيش، ولكنه يعيش في الفن وللفن. وتصادفه في حياته ~~آلام وأوصاب، ومع ذلك تمر عليه ساعة هناء لا يعدلها عنده أي متاع وهناء. ساعة يتزوج المعنى ~~من لفظ، ساعة يحضر هذا الزفاف المحمود. ~~••• # يعيش الأديب في أدبه، ثم يأتيه الموت! ... الموت!!. حينئذ ينضب الحوض الزلال الذي كنتم ~~منه ترتشفون. حينئذ يسكت البلبل الذي كنتم بأغاريده تطربون. حينئذ لا تجد الطيور من كان ~~يداعبها في غدواتها وروحاتها. حينئذ لا تجد النجوم من كان يسامرها في داراتها وعوالمها. ~~حينئذ لا تجد الحسان من كان يعلم كيف يناجي الحسان، ويفهم قدر الحسن والغزل. # حينئذ تفقد المعاني من كان يدق لها الطبول لتتخاصر مع الألفاظ، وتسألون أين الذي كان ~~يخاطب الغصون إذا ماست، والفاتنات إذا دللن، ويحرك الأفئدة العاطفة، ويطمئن القلوب الواجفة ~~... وتسألون أين الذي كان يحرق البخور ويعطر الهواء؟ # إنه الآن في الثرى وتحت التراب ... ~~••• # يا صاحب الجبين الندي، والذهن المكدود: أنك تموت بعد الحياة، وتسكت بعد الخطاب، ms46 وأنك تجد ~~الملائكة تهيئ لك عقودا مما ثقبته من لآلئ ودرر. فإذا كان في عقد منها خرزة صغيرة من خزف، ~~فاعلم أنها دليل هذا اليوم الذي هبطت فيه من عالم الأدب الرفيع، فشاركت الناس لحظة في ~~ترهاتهم وأباطيلهم. على قبر الأديب تحية وسلام. # | في الغابة # ميدلينح هتر بربل بالنمسا في 7 من سبتمبر سنة 1924 # يوم الأحد ... وقد أشرقت الشمس، واعتدل الجو، وأمسكت السماء صيبها بعد أن عبست وأمطرت ~~مدرارا في أيام هذا الأسبوع الماضية. # خرجت من الفندق قاصدا الغابة القريبة، فانتهجت سبيلا مطروقا، ثم عرجت في سبيل آخر إذ ~~سمعت ثمت نغما موسيقيا مطربا. # ولما بلغت مفرقا للطرقات، ألفيت هناك رجلا مبتور الساق، يستند على شجرة وبين يديه آلة ~~من آلات العزف يوقع عليها ذلك النغم الشجي. في مثل هذا اليوم الصحو يحج القوم إلى الغابات ~~من أقصى المدينة والضواحي المجاورة نسوة ورجالا، وفتيانا وشيبا، وأطفالا، ورضعا. وفي ~~مثل ذلك اليوم يقضي الناس شطرا عظيما من نهارهم في حضن الطبيعة بين لفائف الأشجار، ~~ليتنفسوا من نسيمها المجدد للدماء. وفي مثل هذا اليوم يكسب ذلك المنكود ما يجود به ذوو ~~الشفقة وأهل الإحسان من هؤلاء المستريضين. # ذهبت كذلك لكي أمتع نفسي بما ليس في بلادنا من مناظر تلك الربى وتلك الغابات، ثم ~~اتخذت مكانا غير بعيد من الموسيقى وغير بعيد من الطرقات التي يمر بها الرائحون والغادون. ~~فمن أم وبنيها، ومن زوج وزوجها، ومن غادة هيفاء تتأبط ذراع فتى مليح، وكثير من هؤلاء ~~المستريضين يحملون أدوات يستخدمونها لطعامهم وشرابهم ولهوهم. وكأن هذه الطبيعة تسع في حيزها ~~تلك المظاهر المختلفة التي يظهر الناس بها: فمن مظهر للبر إذ تجد أما رءوما تمتع صغارها ~~بحاجاتهم من الرياضة واللعب، ومن شيخ وشيخة يشتركان معا بين أحضان الطبيعة في جميل ~~الذكريات وفي تحية الوداع لحياتهما الآفلة، ومن شاب وشابة يشتركان في المتاع بسكرة الحب ~~والنسيب، ومن فاجر وفاجرة يعتزلان ناحية تحت خمائل الأشجار، ويتفننان في أساليب الخلاعة ~~والفجور. # وكأن الكل لا يتناجون إلا همسا ms47 في حضن تلك الغابة، حيث خيل إلي أن صفوف الأشجار الباسقات ~~كأنها حراس شداد، وقفت خاشعة إجلالا لهذه الطبيعة الواسعة الرحمة التي تفسح بين أحضانها ~~مجالا للبر والفجور. # أن الطبيعة وسعت كثيرا، ورحمة الله وسعت كل شيء، ولكن عواطف الإنسان وعقله قيدتها ~~تقاليد وشؤون، فما أضيق صدر الإنسان إزاء السعة الطبيعية والإلهية. # فكرت مليا في معاني الحرية، وأخذت أنظر بين فهم الغربيين وفهم الشرقيين في تقدير الحياة، ~~ثم اعتراني تعب، فشعرت بحاجة الجسم إلى الراحة، فألقيت به على تلك الأرض المفروشة بالعشب ~~الأخضر، وبما تساقط عليها من أوراق الشجر اليابسة، وحسبت أن جسمي قد حن إلى أصله في ~~الثرى، فوضعت صدري على أديم الأرض، ثم بسطت ذراعي كأني أضم بهما تلك الأم الروم، وكأني ~~كنت أقول إيه يا أمنا الأرض أن دمي ولحمي وعظمي وعصبي لفي حاجة إلى نفثة من تلك النفثات ~~المنعشة التي تملئين بها ذراتك، فتستحيل قوة وحياة، ثم عدت فجلست وحدقت إلى ما كان ~~يبدو من السحب من خلال تلك الظلال الوارفة، فوجدتها تتلبد رويدا رويدا، وأخذ القوم حينئذ ~~يهيئون شؤونهم ليعودوا إلى حيث يلتجئون من غضب السماء إذا هي أمطرت، وأخذ الموسيقي المبتور ~~يردد نغمات أخيرة خافتة، خلتها أنشودة الوداع لذلك الصفاء الذي متعت الطبيعة به القوم حينا ~~قليلا ...، ثم تساقط الرذاذ ...، ثم تحول مدرارا. # ولقد كنت آخر من آب إلى مأواه في الفندق الذي أسكنه. ولما بلغته خلعت عني معطفي المبلل، ~~ودخلت بهو المكان، فوجدت القوم ما بين عازف وراقص وسامر وصادح، فأيقنت أني في قوم يعلمون ~~كيف يحيون حياة طيبة، ويستفيدون من أيام راحتهم سواء صحت الطبيعة أم غضبت. # حيا الله الحياة، وحيا الله قوما يقدرون معنى الحياة. # | دار ودار # القاهرة 20 من يونيو سنة 1925 # أعرف في بعض مناهج القاهرة، غير بعيد من إحدى دور الحكومة، منزلا صغيرا محيلا شاحب ~~اللون. ومكانته بين المنازل الفخمة التي تحيط به، وتواجهه كمكانة الرجل الهزيل الرث بين قوم ~~ذوى نضرة وبهاء، فلا يلفت النظر حالهم بمقدار ms48 ما تلفته رثاثة ذلك المسكين. ~~••• # لقد سكن هذا المنزل صديق لي كان فيما مضى متوسط الحال. ولما فتح الله عليه، وشال في جو ~~المراتب تركه إلى منزل آخر كبير، منبسط العرض منبعج البطن، واضح اللون، نقي البشرة. ~~••• # لعل صديقي لم يخالف سنة المألوف، فأوسع على نفسه إذ أفاض الله عليه الخير، وخلى المسكن ~~القديم لمن يتناسب حاله مع حاله من تواضع وإقلال. ولعل ذلك المنزل لم يطرأ عليه منذ عرفته ~~شيء يذكر، لا في صورته، ولا في شأن أهليه، ولا في أمر أصحابه، فلم يصب ببتر، أو شق، أو ~~تحويل، أو تغيير، حتى يحسن قوامه، ويجمل منظره. ولعل كل ما أصيب به هذا المنزل منذ عرفته ~~كان مرض الرطوبة، فكان يعالج باستبدال أحجار غير التي بليت. وكان لا يغادره ساكن متواضع إلا ~~ليحل محله ساكن يشبهه تواضعا. وكان لا يبيعه مالك مقل إلا ليشتريه مالك مقل. ومجمل القول ~~في تاريخ ذلك البيت أنه ذو بقاء طويل متشابه يحيط به الذكر الخامل. ~~••• # لكن على مقربة منه قصر فخم، هو الآن دار لإحدى مصالح الحكومة. وأذكر أني عرفته من نحو ربع ~~قرن، إذ أتيت لأول مرة من الريف إلى مدينة القاهرة، ودخلته مع صديق طفل يتصل بوشائج القربى ~~مع خادمة من خادمات ذلك القصر الذي كان يسكنه وقتئذ أهل الغز والإقبال. # أجلسنا في غرفة صغيرة، وكان ذلك أول عهدي بنور الكهرباء، فأخذت أعبث وألعب كما يعبث الطفل ~~الريفي، وأتسلى بإصدار ذلك النور، فأدير الزر الكهربائي، وأنظر وأدقق حتى جاءت قريبة زميلي ~~الصغير، وأخذت قسطها من مسامرته ومداعبته، ثم انصرفت عنا، وانصرفنا إلى حيث كنا ~~نبيت. ~~••• # مرت أيام وأيام، وللأيام أدوات ومعاول تعمل بها في الكون إصلاحا وإفسادا، وتشييدا ~~وهدما. فهدمت في تلك الدار مظاهر العز والإقبال، وورثها غير أهلها الأولين، ثم تقادم ~~العهد، فوصل إليها الخراب، فاغبرت وأصبحت لا تشرق بما كانت تشرق به من بهجة وسعادة، ثم ~~مرت أيام تلو أخرى، فأغلقت أبوابها وخزائنها على ما كان فيها من رياش وأثاث، ms49 ثم مرت أيام ~~تلو أخرى، ففتحت تلك الخزائن، وعرضت طنافسها وزرابيها وأنساب في غرفاتها المساومون ~~والدلالون، ثم مرت أيام تلو أخرى، فابتاعتها الحكومة، ودخل فيها المهندسون والبناءون، ~~وشقوا في جوانبها، وبدلوا في أوضاعها، ثم مرت أيام تلو أخرى، فسكنها مستخدمو الدولة من ~~العمال والكتاب والحجاب، وأصبحت موضعا تطؤه أقدام الخاصة والعامة، وكلهم يرى فيه له ~~حقا. # ومجمل القول أن هذه الدار تغيرت من حيث معالمها، وتغيرت من حيث أقوال أصحابها! وتغيرت من ~~حيث زوارها وقاصدوها، وفعلت بها الغير ما لم تفعله بالدار الضئيلة الأولى. ~~••• # سبحان من لا يتغير ... # نظرة إلى هاتين الدارين المتجاورتين تذكرك أن للمجد أجلا، وإن طال وأخال أن الرفيع الذي ~~دل ثم ذل، واشمخر، ثم اندثر، وشال به الإقبال، ثم حط به الإقلال، قد يحسد المتواضع ~~الذي يبقى على حاله طوال الأيام صابرا ولربه شاكرا. # | حياة حول موت # القاهرة في 27 من يونيو سنة 1925 # في تلك المقابر، القريبة من قرى مصر، كثيرا ما تجد قبورا خربة متهدمة الأركان، متخلخلة ~~اللبنات، مثغورة الجوانب، كأنها ترمز إلى الموت في أبشع صوره من تهدم وتخلخل وتبعثر. # وقد تجد أشجارا من النبق، أو الجميز غير مشذبة الفروع، ولا متناسبة الوضع، تظلل هناك ~~صهريجا من الماء، كأنه رمز للأسف المقيم الدامع. # وإن تلك الألوان البيضاء المغبرة، والألوان الطينية القاتمة، التي تظهر بها هذه المقابر، ~~ليست من الجمال في شيء، فلا توحي إليك بلغة الألوان والتناسب أن للموت عظة ورهبة ~~وجلالا. ~~••• # لست أريد بما أسلفت أن أرسم لك صورة لتلك المقابر الكريهة، ولا أن أمثل لك الموت في شكله ~~مزدريا مهانا، ولكني ألفتك إلى أن حول تلك القبور كثيرا ما تجد حقولا يانعة بالنبت ~~الغض، وفيها طيور مغردة فرحة، وتجوب في أنحائها حشرات مرحة، وفيها صفحة للحياة ~~واضحة. ~~••• # وهناك في حقل من هذه الحقول الحية، ترى إنسانا حيا يعمل في الأرض، فيستنبت النبت، ~~ويعين الغصن النامي في وجهته إلى النور والسماء، وينعش الزهرة للابتسام، ويتعهد ما يبدو على ~~أديم هذه الأرض من ms50 مظاهر الوجود. # وإني لأساءل نفسي عن حال هذا الإنسان؛ بل أسائلها عن قيمة تلك الحياة البشرية التي تكد ~~وتكد حتى وهي قاب قوسين من تلك المقبرة. ~~••• # ليست حياة الإنسان أن يقنع بما يشترك فيه مع آخر الكائنات من غذاء ونمو وسعى وتناسل. لكن ~~الحياة لا تكون حياة إنسانية إلا إذا تيقن الفكر البشري بمنزلته من عالم التفكير. # يقول بسكال: «خطر أن تظهر للمرء أنه شبيه بالأنغام من غير أن تظهر له عظمته، وإنه لخطر ~~كذلك أن تظهر له عظمته من غير أن تظهر له حقارته، وأخطر من هذا وذاك أن تتركه في عماء من ~~عظمته وحقارته. ولكن من المصلحة أن تظهرهما له جميعا.» فهل يعلم هذا الفلاح حقا قيمته من ~~هذا الوجود؟ وهل يعلم حقا نصيبه من عظمة، أو مهانة، وما له في هذه الأرض من مكانة؟ وهل ~~تزج حياته حقا في عداد الحيوات الطيبات؟ وهل يحشر موته حقا في زمرة الموت ~~المستطاب؟ # كما أن بعض الموت قد يصير ينبوعا لعيش رغد منير، فإن بعض العيش يكاد يكون موتا مظلما ~~كريها. ~~••• # تعس من يعيش عيشا لا خير فيه، وتعس من يموت موتا لا خير فيه!! # وما أقسى حياة تلوح كأنها الحياة تعمل وتكدح ... ولكن ... قاب قوسين من هذه المقبرة. # | طيف زائر # القاهرة في 11 من يوليو سنة 1925 # زارت دارنا منذ أيام عجوز، انقطعت بين دارنا وبينها أسباب التزاور منذ عهد بعيد يرجع إلى ~~زمن طفولتي، إذ كنا في بلد غير هذا البلد، وفي دار غير هذا الدار، وفي محيط غير هذا المحيط، ~~وكانت دنيا حينئذ في أخلاقها وفي شئونها غير دنيا هذه الأيام. # ولست أدري أي ظروف هيأها القضاء لهذه الشيخة الفانية، فجاءت إلى مدينة القاهرة، ثم علمت ~~أين نسكن، وأين نكون من غير الدهر، وأين نكون من أمور الحياة. # لم يعرف زائرتنا صغار المنزل الذين ولدوا تحت سماء غير السماء التي أظلت طوال الأيام، تلك ~~الزائرة، لكن لم ينكرها عجائز البيت رغم ما اتصل بسحنهم من توالى السنين. ms51 # ولقد توخيت أن أكون بحيث لا يعطل مجلسي ما قد ينشأ بين ممثلات الماضي من حوار، وبحيث ~~استطيع أن أسمعه أملا في أن أجد درة تكون في طيات تلك الأحاديث المتهدجة، وربما يعثر المرء ~~على موعظة بالغة، تلقيها حاملات الليالي والأعوام. # بقيت طويلا على هذا الحال، أتسمع من القول ما يتصل بعضه بذكريات حياتي الماضية، وخيل ~~إلي أن كل ذكرى كانت تنقلني بأسرع من لمح البصر، فتقطع بي شوطا بعيدا إلى حيث أحل ~~بالماضي الذي أسكن إليه، وأسعد لحظة بصورته البسامة الهادئة. # ولما حانت ساعة نزولي من الدار، ارتديت ملابسي، وخرجت وفي أذني صدى لحديث العجائز، ثم ~~اتخذت سبيلي المعتاد في حارة ضيقة من حارات الحي الذي أسكن فيه، وهناك لقيت شيخا معمما ~~بعمامة حمراء، مرتديا جلبابا أزرق، ذا لحية لم يكمل بياضها، ولم يغادرها قليل السواد، ذا ~~وجه فيه علامات الصبر والأسى، بيده أصناج يدق بها دقا موسيقيا لطيفا على السمع، وينشد ~~ضروبا من الأناشيد القديمة التي تخرج من صدره، أكثر أنغامها وأقلها يخرج من حنجرة تستبقي ~~شيئا من عنفوان الشباب ورنته. ~~••• # وقفت من الحارة في موضع أسمع فيه صوت الشيخ الشادي، وأتبع بنظري حركاته، وأوطن سمعي لما ~~يحمله الهواء من أغانيه ونبراته، التي كنت أخالها لشبح من أشباح الماضي البعيد، ثم انعطف ~~الرجل في منعطف، فتوارى عن بصري، وانقطع صوته عن سمعي، ولم يبق منه إلا الصدى ~~الضئيل. # حينئذ مضيت، ولكن تذكرت أن الفرد لا تكمل شخصيته إلا إذا اتصلت حياته بما يربطها من ~~الماضي بذكريات، وأن الأمم لا تكمل قوميتها إلا بما يذكرها بالغابر ومشخصاته البائدة، وما ~~أتعس امرأ يهون عليه ماضيه، وما أشقى أمة لا تستبقي من تاريخها طيفا يزور. # | حول ما لله # القاهرة في 18 من يوليو سنة 1925 # أن بعض بيوت الله من مساجد، ومعابد، وكنائس، بحدها فخمة البناء، عالية الأركان، فيها ~~الزرابي المبثوثة، والآنية النفيسة، والتحف الثمينة. وفيها مظاهر الفن والزخرف، وما تشتهيه ~~نفوس الطامعين. وقد يؤم تلك البيوت قوم من الناس، وهم ms52 في مظاهر وجاهتهم وأبهتهم، فتنتظرهم ~~على أبوابها السيارات الفاخرة والخيول المطهمة. # وتجد في بعض الحقول، وعلى حافة بعض النهيرات التي تجري في هذا الوادي، مسطحا صغيرا من ~~الأرض، فرشت عليه أعشاب وحشائش مجففة، وله شبه سياج من غضون الأشجار وفروعها. وهناك، في وقت ~~الأصيل قد تجد فئة من عمال الحقول يستقبلون قبلة الإسلام، ويصلون لله في بساطة، ويسجدون ~~لجلاله في خشوع، ويذكرون اسمه لا في عنت القول، ولا في تكلف البيان. # عندما أتمثل صورة تلك المعابد الضخمة، وبعض زوارها وروادها، ثم أتمثل صورة ذلك ~~المصلى الذي يهيئه الفلاحون في ناحية من حقل، أو على مقربة من غدير أتذكر بعض ما يروى من ~~آثار اليونان الأقدمين من أمر الزلفى إلى الله ونية المتزلفين. ~~••• # يذكر «فرفريوس» أن أحد سراة «تساليا» قصد إلى معابد «دلفوس» ليتقرب إلى ربه، ومما أعده ~~لذلك مائة من الثيران مذهبة القرون. # وبينما كان هذا الغني عند المعبد بمظاهر جبروته ووجاهته، إذ أتى رجل فقير من أهل ~~«هرميون»، فاقترب من المذبح، وأخرج من جعبته الحقيرة قبضة من الدقيق، وألقى بها في لهب ~~النار المتوقدة عند المعبد. عندئذ أعلنت السادنة، التي كانت ينتظر الناس قولها في أي ~~القرابين كان عند الله أكرم، أن ربها قد تقبل بقبول حسن قبضة الدقيق من فقير «هرميون»، ~~ولم يكن ذلك نصيب القرابين التي ساقها سري «تساليا». ~~••• # ولقد يتخذ أهل الأخلاق من مثل هذه القصة بعض أدلتهم في الحكم على قيمة الأعمال بما يتصل ~~بها من النيات. فذلك الذي كان يتزلف إلى ربه بمظاهر كبريائه دون أن تخلص نفسه من عوامل ~~المفاخرة، كان أبعد من الله من ذلك الذي تقدم له بالقليل مخلصا. وأحسب أن هذا العامل ~~القروي الذي يفرغ من عمله، فيذكر ربه وحيدا منفردا لهو أدني إليه من هؤلاء الذين يقصدون ~~إلى بيوته العالية؛ ليعلنوا للناس أنهم تقاة؛ وليظهروا للناس أنهم من الصالحين. وأخال أن ~~كثيرا من هؤلاء الذين يتظاهرون بغيرتهم على دين الله وعلى ما لله فيصيحون، ويهولون، ~~وينادون لنجدته، ويحفزون لنصرته، ms53 هم أبعد من الله من شيخ مخلص، يرشد في السر، ويصلح في ~~السكون. ~~••• # أن لله صدق النفوس، وأنه لفي غنى عن المساجد الفخمة والكنائس الضخمة، وأنه لفي غنى عما ~~يساق إليه من ابتهالات منمقة، وصلوات غير صادقة، وأنه لفي غنى عن ضجة تقام كأنها لوجهه، أو ~~كأنها لنصرة دينه ما لم يلابسها حسن النية وإخلاص الضمير. # | رحاب العلم ورحاب الدين # القاهرة في 1 من أغسطس سنة 1925 # منذ بضعة أيام نقلت لنا الصحف الأمريكية ، أن في إحدى ولاياتها صراعا جدليا، قد احتدم ~~بين طائفتين، إحداهما تنصر مبادئ الدين، والأخرى تدعو لمبادئ العلم، وتنصر مذهب أهل النشوء ~~والارتقاء. ومنذ أيام نقرأ في صحف بلادنا مقالات بعضها من مؤلف كتاب «الإسلام وأصول الحكم»، ~~وأنصار له يذهبون إلى أن دين الإسلام لا شأن له بمسائل الخلافة، ولا بصورة خاصة من صور ~~الحكم، والبعض الآخر يكتبها طائفة من رجال الدين، ينكرون على المؤلف ما ذهب إليه، ويدعون ~~إلى إخراجه من حظيرتهم؛ لأنه فكر على أسلوب غير أسلوبهم، ونظر في بعض المسائل على وجه غير ~~الذي ينظرون. ~~••• # ولقد بين لنا التاريخ أن كل عصر من العصور لا يخلو من جدل عنيف بين رجال طائفة ~~بعينها. فقديما تجادل رجال الدين فيما بينهم، وقديما تجادل رجال العلم فيما بينهم، ~~وقديما نزع بعض رجال الدين إلى أن يخرجوا بعضا آخر من حظيرتهم، وقديما نزع بعض رجال ~~العلم ألا يعترفوا بعلم آخرين خالفوهم في رأيهم، ونظروا إلى الأمور بغير نظرهم. # ولم يكن منشأ هذا الجدل العنيف الذي يخل منه عصر، ولم تتبرأ منه أمة إلا قصر الأنظار وضيق ~~الصدور. # كأن الجامدين من أهل العلم، أو من رجال الدين قد لا تصل أبصارهم أحيانا إلى لآلاء تلك ~~الحقيقة التي يتألق بها كل شيء في الوجود، والتي تظهر أن طرائق الإفهام تتحول. وكأن في ~~آذانهم وقرا، فلا يسمعون صدى المنطق السليم، يردد أن رحاب الدين الحق واسعة، وأن رحاب ~~العلم الحق واسعة، وكأنهم يحسبون أن القوالب التي صبوا فيها آراءهم حينا ms54 من الدهر، تظل ~~على حالها رغم كر الدهور ومر السنين. ~~••• # إن من أهل الدين من يعرف لله تعالى أسماءه الحسنى، فيصفونه بالرحمة، ويصفون رحمته بالسعة، ~~ولكنهم يحدون أفقها بمقياس أبصارهم القصيرة. وان أهل العلم ليعرفون أن حبل العلم ممدود وأن ~~مداه غير محدود، ولكنهم قد يتعنتون أحيانا، فلا يريدون أن تسمو الأنظار إلى رقبى ما هو ~~محتمل. # ولو أنصف أهل الدين وأهل العلم جميعا؛ لرأوا أن للدين الصحيح وللعلم الصحيح رحابا؛ ~~يستطيع أن يأوي إليها كل وارد، وأن يلجأ إلى ميادينها كل قاصد من غير اصطدام، أو ~~زحام. # ألا أيها الجامدون لا تضيقوا رحابا، بسط الله جنباتها للواردين، ولا تسدوا أبوابا ~~فتحها الله للقاصدين. # | الغيبة والبهتان # القاهرة في 8 من أغسطس سنة 1925 # رذيلتان فاشيتان في الناس، ترتكزان على أسوأ خلال البشر، وأكثر ما تعتمدان عليه: الجبن، ~~والحقد، والحسد. # رذيلتان إحداهما مثلها مثل الوقح، الذي لا يبالي أن يستر أمام الغير ما به من مظاهر القحة ~~والسماجة، ولا يستحي أن يبرز أمام الأنظار بما يلابسه من عيب ظاهر. والأخرى مثلها مثل اللص ~~الذي يتلمس لنفسه من الظلمات مخبأ يسكن إليه بما سلب، وهناك يلقى غنيمته، ويدور ببصره فيما ~~حوله من الخوف، وتجحظ عيناه من الحذر، وكلما ذكر أنه سارق دق فؤاده فزعا وجزعا. # أما الرذيلة الأولى فهي رذيلة الغيبة، وهي أن تقول في الناس من خلفهم ما يؤذيهم ولو كان ~~حقا. # وأما الثانية فهي رذيلة البهتان أو الاختلاق، وذلك أن تقول في الناس ما يؤذيهم، وأنت تعلم ~~أنك غير صادق فيما تقول. ~~••• # للإنسان أن يستمتع بين من يعيش فيهم من الناس بحسن السمعة، وباحترامهم له، وبعطفهم عليه؛ ~~وذلك لأن الإنسان مدني، ومن طبيعة المدنية أن يعايش الإنسان بني جنسه، ويعني بتقديرهم إياه، ~~وصلتهم به، ورعايتهم له. # لكن لهذا الإنسان نزعة الفرد، وحق الفرد، وحرية الفرد، وهو يريد أن ينعم بذلك الحق في مدى ~~واسع، لا يفقد معه حقه المتصل بنتائج مدنيته من عطف، وتقدير، وصلة، ورعاية. # على ذلك يكون من ms55 الخير وحسن التوفيق أن يحتفظ الإنسان بحقه الفردي في الحرية، وبحقه ~~المدني في حسن الصلة بالناس. # وعلى ذلك أيضا لا يكون من الخير في شيء أن تسيء إلى أحد في سمعة حسنة اكتسبها، وليس من ~~الخير في شيء أن تحول عنه شعورا عاما تألف لحبه. # وليس من الخير أن تخلق النفرة بينه وبين بيئته، أو تجعل التقاطع بينه وبين عشيرته، وليس ~~من الخير أن تحول بينه وبين إشراق وجوه تلقاه بتحية وابتسام. # إنك إن فعلت كنت مغتابا، وما كان الله ليرضى عمل المغتابين. ~~••• # رب مغتاب يلبس مسعاه مسعى الأخيار، وينتحل المعاذير ليتشبه بأهل الحق، فيقول: إني أظهر ~~للناس عيبا في أحدهم، قد خفي عليهم، وأظهر للناس صورة ما كانوا ليعرفوها على وجهها ~~الصحيح. # ولو أن هذا المغتاب يريد الخير صدقا لأتخذ الوداد، قبل المخاصمة والعناد. وأخذ بأسباب ~~الإصلاح قبل أن يشهر العداوة والسلاح، ولأسر له النصيحة فيما يرى من العيب قبل أن يفشيه ~~جهرا وعلانية، فلربما كان في إفشاء العيب رذيلتان: رذيلة الاغتياب، ورذيلة الإفشاء. ~~••• # أيها الناس، لا تتقولوا جهارا على فلان إن شذ، أو خرج لتؤذوه، ولا تتقولوا على فلان إنه ~~أساء لتضروه، فإنكم تبوءون بإثم المغتاب إن كان ما تدعون صدقا، وتبوءون بجريرة المختلق ~~الأثيم إن كان زورا وبهتانا. # | حقوق الأفراد # 15 من أغسطس سنة 1925 # لعباد الله من الله حقوق يجب أن تصان. لهم حقوق أساسية هي الأصول لكل ما يتفرع عنها من ~~حقوق، وهي التي يترتب عليها كل ما يطالب به الإنسان من واجب. # لعباد الله من الله حق الحياة، فواجب عليهم صيانتها وعدم العبث بها حتى تستخدم لما جعلت ~~له من واجبات هذا الوجود. # ولعباد الله من الله أن يكونوا أحرارا في مظاهر عيشهم ومسعاهم، وذلك؛ لأن الذي يريد أن ~~ينعم بهبة الحياة لا يستطيع أن يعمل حسبما تقتضيه شؤونها وظروفها إلا إذا كان حرا طليقا، ~~لا يعطله عن أفعاله معطل، ولا تقف عقبة في سبيل شعوره بأنه الفاعل لما يفعل ويريد، وأنه ~~المسئول عما ms56 يهم به ويفعله. # ولعباد الله من الله أن يكونوا أحرارا في إطلاق ملكاتهم المفكرة، تسير في داراتها، كما ~~تسير في الفضاء الواسع، تلك الشموس والأقمار لا تتقيد في سيرها إلا بسبلها الخاصة من أساليب ~~المنطق السليم ومناحي النظر المستقيم. ولتلك الملكات البشرية أن تتوغل ما استطاعت، وما طاب ~~لها التوغل في مسالك المنطق والنظر. وما كان العقل لابن آدم إلا ليتعقل به، ولم تكن له ~~ملكات التفكير إلا لتؤدي وظيفتها من بحث وتفكير. ~~••• # تلك هي حقوق الإنسان الأولية التي تستلزم واجباته الأولية، فحقك الذي ترعاه من الحياة ~~يدعو إلى تقديرك للواجب نحو الحياة، وحقك الذي ترعاه في أن تكون حرا في سعيك، يدعو إلى ~~واجبك في تقدير حرية المسعى والعمل. وحقك في أن تعتقد وأنت حر، وأن تفكر بحرية، يقضي ~~بواجبك في تقدير عقائد الغير وحرية الغير في التفكير. # تلك حقوق لا حد لها إلا حق الغير فيها، وأن كل تضييع، أو تفريط في تلك الحقوق، أو في ~~بعضها لهو تفريط في إنسانية الإنسان، أو في بعض ما له من معنى هذه الإنسانية. # أشد ما يؤلم امرأ يقدر حقوق الإنسان، ويرعى حقوق الفرد أن يجد من قوانين الجماعات، أو ~~نزعات الحكومات ما يتعارض وتلك الحقوق. فالقانون الذي يطول بحده القاسي فردا يستخدم حقه ~~الطبيعي في حرية الرأي، ثم يحول بينه وبين الحق المدني في العمل والسعي لهو قانون يتنافى ~~وأصول الحقوق الطبيعية. وأن النزعة التي تنزع إليها الجماعات في تضييق ميدان التجاذب، ~~والتآلف، والتسامح، بينها وبين أفرادها؛ لهي نزعة قاسية لا تتفق وتقدم الإنسانية ورقي ~~الأمم، وإن النزعة التي تنزع إليها الحكومات أحيانا في أن تبيح لنفسها ولأنصارها حرية ~~التصرف والسعي والعمل، ثم تنكرها على خصومها لهي نزعة قاسية هادمة لأقدس الأصول في حقوق ~~الأفراد ومصلحة الجماعات. # فيا أنصار الحق طالبوا بحق الإنسان حين تشعرون بخطر يهدد حق الإنسان. ويا أشياع الحرية ~~أنشدوا الحرية ما شعرتم، إن الحرية الصالحة الصحيحة في خطر. # | الجمود # القاهرة في 24 من أغسطس سنة 1925 ms57 # للجامدين أذهان ليست كالأذهان، ولهم قلوب ليست كالقلوب، ولهم نفوس ليست كالنفوس. # فأذهانهم لا تمتد إلى ما يمتد إليه النظر الواسع، ولا تنسجم حركاتها حيث تنسجم مقدماته ~~ونتائجه. # وقلوبهم لا تشعر بما تشعر به القلوب، فلا تحس ألوان الجمال المتصلة بمظاهر الخلق، ولا ~~تتأثر بضروب الأحداث التي تختلف في هذا الوجود، ولا تخفق لآيات الله في السموات، ولا تخفق ~~لآيات الله في الأرض، ولا لآياته المطوية في كر العصور وعبر الدهور. # ونفوسهم محجبة وراء سجوف من السواد، ولا يصل إليها ضوء من الأنوار المتلألئة في نواحي ~~الكمال، ولا تنبعث فيها حرارة الإيمان بالتقدم والخير، ولا يستعر منها قبس لنار الهمة ~~المتحفزة للأمام. ~~••• # إن طبيعة الذكاء أن يتطاول إلى شئون هذه الحياة ليحوزها بالفهم، وينبسط إلى الأمور ليتصل ~~بها بالمعرفة، وطبيعة الجمود أن ينقبض عن أشياء هذا الوجود وينصرف عنها. والجامدون ينكمشون ~~إلا عما ألفوه، وينقبضون إلا عما ورثوه. # إن أظهر ما يمتاز به الإنسان عقله الذي يبحث به وشخصيته الضاربة جذورها في الماضي، ~~القائمة سيقانها في الحال، الممتدة فروعها وغصونها للمآل. # فالبحث إذن هو من خواص العقل، والانسياق مما هو حاصل إلى ما هو منتظر ركن من أركان ~~الشخصية البشرية، والعقل والشخصية كلاهما ميزة ابن آدم. لكن الجامد يعطل عمل العقل، ويكبل ~~نزعات الشخصية، ويقص جناح التطلع، وأكثر أعماله وحركاته قد تتصل بالعادات، والمألوفات، ~~والغرائز. # وعندي أن أهل الجمود هم أدنى إلى معاني الموت منهم إلى معاني الحياة الصحيحة؛ وذلك لأن ~~شأن الحياة الصحيحة أن تظهر فيها الحركة متصلة غير مقطوعة، ومتشعبة غير مركزة، وتتفاعل ~~مظاهر الحياة بعضها مع بعض على مدى واسع غير محدود. لكن الجامدين لا يتصلون بالحياة إلا من ~~بعض جهاتها، ولا يفسحون نفوسهم لأطرافها المترامية. ~~••• # للجمود عصور يشتد فيها أمره، وتقوى فيها زمره. وقد تكون تلك العصور هي عصور الجهالة ~~والانحطاط، وتغلغل طبائع الاستبداد، ودنو الشعوب من الشيخوخة والهرم. # وفي هذه العصور يكون مثل الجامدين مثل الطفل الذي قد يريد به أبواه خيرا، فيسرعان ليحولا ~~بينه ms58 وبين غذاء في عناصره سوء، فيغضب الطفل ويصيح ويبكي، وكذلك أهل الجمود فإنهم يغضبون، ~~ويهلعون، ويجزعون عند ما يراد بهم الخير؛ لأنهم قد لا يعقلون التمييز بين ما يضر وما ~~ينفع. ~~••• # لكن الأطفال تساس أحيانا وتؤخذ باللين، وتقهر أحيانا وتؤخذ بالقسر. وفي عصور الانتعاش ~~يجب على المجددين أن يعلموا كيف يساس أهل الجمود. # الجمود في الأمم شر وأذى وإثم، فحاربوه إن وجدتموه. # | إلى الفتيات المبعوثات # القاهرة في 3 من أكتوبر سنة 1925 ~~... وكما أن الحاضر من الأيام يمثل لنا أحيانا صورة من صور الماضي، فتكاد تحسبه الماضي دون ~~أن يكونه، كذلك قد تمر بوجه السماء المشرقة سحابة، فتحسب أنك في فصل الغمام دون أن تكون ~~فيه، وكذلك قد تذرف العيون دموعا رطبة، وقد يتهدج الصوت بنبرات متقطعة، فتحسبك محزونا ~~دون أن تكون كذلك حقا. ~~••• # تذكرنا الماضي البعيد حين ذهبنا إلى الثغر لنودع فتياتنا المبعوثات في سبيل العلم، فمثلت ~~في خيالنا تلك الأيام إذ أرسلنا مع زملاء لنا في ذلك السبيل، وشهدنا صورة من تلك الصور التي ~~شاهدناها بالأمس من مظاهر الدعوات الخالصة، والقبلات الطاهرة، والوداع الشديد، وسمعنا من ~~الآباء مثل ما سمعنا بالأمس تلك الوصايا، يزود بها الأبناء والأبناء مطرقون احتراما، وكأن ~~رءوسهم تنخفض لما يلقى فيها من ذهب ثمين، وإن خلاصة ما شهدنا وسمعنا تنحصر في دائرة من ~~المعاني، لا تخرج عن معنى الإيمان والشرف والوطن. ~~••• # لم أنس من ذكريات الأمس البعيد، شبح ذلك الشيخ الأسمر النحيف، يقدم عند الوداع لأحد ~~أقربائه من زملائي كتاب دينه المقدس، فكأن آخر ما أوصاه به أن يذكر ربه، ولو نسى كل شيء، ~~وقد رأيت بالأمس القريب آباء فتياتنا وأمهاتهن، يقدمون لهن المصاحف ويوصونهن بذكر الله، وما ~~أجدر قلب الفتاة الطاهرة أن يعمره ذكر الله الكريم. # وقد سمعت بالأمس القريب، كما سمعت بالأمس البعيد، المودعين يذكرون فتياتنا بالخلق ~~وبالشرف، وما أجدر نغمات الشرف، بأن تعمر أذن الفتاة، وما أجدر الشرف أن يذكره الذاكرون لمن ~~نبتن في الشرق وعشن في نوره وآلامه. # وقد سمعت ms59 بالأمس القريب من الآباء كما سمعت بالأمس البعيد ذكر الوطن، وللوطن على أبنائه ~~واجبات، وللوطن على أبنائه حقوق، ومرحى لمن يؤدي للوطن حقا، وهنيئا لمن يقوم له ~~بواجب. ~~••• # إن ذكر الله، ونجوى اسمه عند السفر وحيال النازحين أمر قديم قد عرفناه وألفناه، والوصية ~~بحسن الخلق وكرم السيرة عند السفر، وحيال النازحين أمر قديم قد عرفناه وألفناه، وذكر الوطن ~~والوصية بعزته ومجده عند السفر، وحيال النازحين أمر قديم قد عرفناه وألفناه. لكنا لم تألف ~~قبل هذا الأمس القريب تلك الدموع الغالية ترسلها تلك العيون، وتلك الزفرات تفيض بها صدور ~~يملؤها الحنين، لم نألف مرأى عرائس النيل المخدرات ينزحن في سبيل العلم والوطن. # إيه يا فتياتنا، إن الوطن المتحفز للحياة يرسل أبناءه في سبيله جيلا بعد جيل، فتفنى ~~الأجيال لرفعته، وهو خالد، ويرقى على مجهودات أبنائه التي تتكدس تحت قدميه وهو صاعد. # إيه يا بنات النيل سلام عليكن ما حفظتن للنيل عهده. وأديتن الأمانة وشرفتن ~~الكنانة. # سلام كليكن ما قدرتن الشرف والوطن، وإن الوطن بمن فيه من فتيان وشيب فداء لشرف فتياته ~~وأمهاته. ~~••• # لا تنسين تلك الأوراد التي قرأها، لكن الأمهات قبل أن تبرحن أرض مصر. ولا تحقرن تلك ~~التمائم التي أوصاكن بها أمهاتكن الطيبات الصالحات، واتلون تلك الأدعية التي أوصيتن ~~بتلاوتها!! أتدرين ماذا تفيد تلك الأوراد، ولأي شيء ترمز حقا تلك التمائم؟ # إنها ستصرخ في آذانكن، بأنكن من قوم لهم ماض وتقاليد وإن للماضي عليكن إن تطورنه، ولكن ~~لا تحقرنه. ~~••• # يا فتياتنا المبعوثات من مصر ولخير مصر، إنكن ترسلن إلى بلاد طالما حاكى نساؤنا نساءها ~~فيما لا ينفع، فحاكينهن أنتن فيما ينفع، وأقدمن إلينا بما يفيد. # قد نقنع منكن بالقليل من العلم الناضج الصافي، ولكن لا نرضى أن تقدمن إلينا إلا بالكرامة ~~كلها، وبالشرف كله، فارجعن به كاملا، أو متن في سبيله. # | حول الديمقراطية # | لصغار اليوم ورجال الغد # القاهرة في 7 من نوفمبر سنة 1925 # يوم الخميس، أمس الأول، كان على أن ألقي درسا في مدرسة المعلمين، وفي ساعة يعقبها ~~انصراف ms60 الطلاب إلى دورهم. وما هو إلا أن ألقيت درسي حتى انحدرت إلى منزلي من غير إبطاء. ~~وبينما أنا في طريقي مسرعا. إذ حانت مني التفاتة عند مدرسة المنيرة الابتدائية، فوجدت ~~سربا من صغار التلاميذ يحومون حول شاب طويل القامة، رث الثياب، قاتم اللون، يتحرك بينهم ~~حركات تنم عن ضجر، دون أن تبدو على وجهه الأشعث الأغبر علامات الغضب؛ بل كان يبدو في ثنايا ~~سحنته المظلمة البائسة شيء من العطف غير يسير. وكأن هؤلاء الصبية يحومون حوله كما يحوم ~~النحل حول شجرة باسقة، ولأصواتهم أزيز يشبه أزيزه، ويرسلون أكفهم الصغيرة لشيء بين كفيه ~~الضخمتين القويتين إرسال من يريد أن يخطف شيئا عز عليه أن يناله. ~~••• # مر بنفسي خاطر من السوء نحو هذا الفتى الوضيع طبقة في عرف الناس، ودفعتني عواطف أبوية؛ ~~بل دفعتني مهنة المعلم إلى أن أقصد إلى هذا الجمع من التلاميذ لأتبين سره وغايته، وأعمل ~~عندئذ بما يوحيه إلي واجب المرشد إزاء ما يستجلي من أمر. # لما تقدمت إلى الجمع صاح الفتى «الديموقراطي» بصوت أجش: إنها مئتان!! مئتان، قد نفدتا في ~~هذا المكان. والله إنها مئتان! وأصوات الصغار تردد مقاطعة: هات واحدة؛ بل هات واحدة. إن ~~لم نأخذ منك ولا واحدة! # ولما رآني الفتى مقبلا عليه مد إلي يمينه من فوق رءوس هذا الجمع بشيء مما معه، ~~فتبينت إذ ذاك أنها كراسة بيضاء عليها إعلان لإحدى دور الصور المتحركة، وأن الصغار ~~يتهافتون ليصيبوا من هذه الكراسات التي توزع بلا ثمن، وأن الفتى المنكود المكدود يقوم بما ~~سخر له من توزيع الإعلان بذمة ونشاط. ~~••• # حينئذ بدد ضياء الحقيقة ما هجس في خاطري من سوء الظن، وفاضت نفسي بعطف سابغ حول هذا الجمع ~~البريء، وتمنيت لهؤلاء الصبية الصغار الذين هم عقول المستقبل، وضياؤه وعدته، أن يدنيهم ~~هذا المستقبل من ذوي الأذرع العاملة المنتجين، فيلتفوا حيال الديموقراطية، إيمانا بما ~~عندها من خير وثمر، كما يلتفون اليوم حول واحد من ممثليها التعساء، ويتخاطفون بغبطة ما تمده ~~إليهم يده المنتجة العاملة!! # | فكر سجين # القاهرة ms61 في 28 من نوفمبر سنة 1925 # بعد يوم كد فيه الذهن ونصب، وبعد ليل قضيت بعضه في حوار عنيف، يثير في النفس هما، ~~ويغريها بجهود. عدت إلى داري بنصيب من الحمى، لا أدري أهو عند أهل الطب ما يسمونه حمى ~~الأوصاب، أم هو ضرب من ضروب الاضطراب؟ تلقيه إلى جنبات هذا الجسم أمواج في النفس، فتظهر ما ~~في قرارها من عناصر الألم، والاشمئزاز، والثورة علي ما يغيظ ويوجع من حوادث هذا ~~الوجود. ~~••• # عملت الحمى عملها من العبث براحتي، وصدت النوم عن جفون كانت في حاجة إلى أن تنطبق عليه. ~~ولبعض أنواع الحمى نسيج من الذكريات والتفكيرات طالما تشابهت مع ألوان من الهذيان، دون أن ~~تكون عناصرها حقا من الهذيان. لكنها أمور قد تكونت من آثار الحياة الواقعة، وتسربت إلى ~~أعماق النفس، ثم توارت في هذه الأعماق، واستكنت فيها زمنا والعقل في غفلة عنها، ثم ~~طففت تحت تأثير عارض من الأعراض وكثيرا ما تعين بعض أعراض الحمى علي ظهورها، وكثيرا ما ~~يكون القلم الدقيق أداة لاقتناصها. ~~••• # كان أول ما شعرت به طافيا في النفس بعد غفوة من غفوات آخر الليل شبح الحرية، وصورة ~~الحياة الحرة، واستدعت تلك الصورة معها ما قد يعتور الحرية من عقبات، تحول بينها وبين ~~عشاقها وأنصارها، فظهرت أمامي تلك القيود التي تشد القلم وتثنيه عن الكتابة فيما يذهب إليه، ~~ومثلت أمامي تلك العقد التي تعقد اللسان وتلويه دون قصده من الحديث فيما يريد، وصورت أمامي ~~تلك الحواجز والاعتبارات التي طالما حالت بين الإنسان وبين ما ينزع إليه من أقوال وأعمال. # وما كان أفظعها من صور، وأنا في الليل وبين الوحدة والهم والألم!! # حوادث تمر علينا سراعا والحياة تمضي سريعة، فوددت لو ظفرت بالأسباب التي تهيئ لي أن أسجل ~~عن تلك الحوادث رأيا. لكن ما في النفس من رأى يحتبس كما تحتبس الزفرات في عين ~~المغيظ. ~~••• # تركت فراشي وأشعلت النور، وتحولت إلى حيث تكون الدواة والقرطاس، وجلست جلسة المتحفز ~~للكتابة، وقلت في نفسي لن تثنيني قيود الوظائف، ولن ms62 تثنيني آراء الناس عن أن أكتب، وأن ~~أتكلم، وأن أذكر ما يختلج في نفسي، وأن أظهر ما انطوى في الضمير، ثم أخذت في الكتابة، ~~وكان القلم مجدا مسرعا في كلمات تحوم حول ذلك المعنى: لم تقيدون الحرية ولا تحلونها ولا ~~تشعرون بخيرها وبركاتها، وهى تسير في الأمم سير الحياة في النبت الزاهي، فتجعل في الوجود ~~ابتساما؟ # وبعد أن مضيت في الكتابة علي هذه النغمة عدت، فتذكرت أن للجرائد قيودا، وأن للكتابة ~~قيودا، وأن ما أريد أن أكتبه قد يدخل في دائرة تلك القيود القاسية، فمزقت ما كتبت وعدت إلى ~~سريري، ثم قلت في نفسي: سأعقد اجتماعا لأتكلم، وسأسير بلساني في المجالس، فأذكر ما أريد ~~أن أذكر، وأبشر بما أريد أن أبشر به، وأدعو إلى ما أريد. # على أنني تذكرت أن في المجالس عيونا طالما سعت بالناس إلى الشر، وطالما أساءت إلى ~~البريئين من حيث لم يكونوا يحسبون لها حسابا. # رباه، ولكن في النفس آراء محتبسة تريد أن تجد لها في الخارج متنفسا، والخارج وا أسفاه ~~تملؤه الحواجز والعقبات وتحده الحدود. ~~••• # ثم أخذت أحاسب نفسي، وأقول أهو حرص على مالي، أم هو حب في منصب، أم هو اندفاع في سبيل ~~لذائد الدنيا، أم هو خضوع لحاجاتها وترهاتها، كل ذلك ألهانا عن أن نسير في الآفاق لتلمس ~~الحياة الحرة حيث تكون. # ثم قلت في نفسي: إني أصبحت قادرا على أن أباعد بيني وبين كل شيء، وأن أترك كل عزيز، ~~وأباين هذه الدنيا، لكني تذكرت أربطة ذهبية ثقيلة تربط رجلي، وتجعلني أحن إلى حياتي التي ~~عليها وفي سبيلها ألين. ~~••• # شعرت بضعفي الجسمي، وبالحرارة والاضطراب، وبالأفكار المحتبسة تضغط صدري، وكان الفجر على ~~وشك أن يحين، وفي أفق السماء نجم متلألئ كأنه يشير إلى أن لا حرية في هذه الأرض، وكأني كنت ~~أخاطبها قائلا متى يا كواكب السماء وأنت تبدين لأبصارنا منيرة، ولآمالنا رموزا لعوالم لا ~~يشوبها الفساد، متى يا نجوم الليل تطلق نفوسنا السجينة من سجونها وقيودها ونعيش في عالم ~~مرتفع حر شبيه بعالمك ms63 السماوي المنير؟ # | صورة من صور النفاق # القاهرة في 5 من ديسمبر سنة 1925 # على شفتيه ابتسامة وأسارير وجهه مشدودة، ليبدو منها لون من ألوان الإشراق، ويلوح على ~~محياه طلاء من البشر. لكن في قلبه سواد، وبين جنبيه عتمة وسحاب، وفي صدره إفراز من الخبث، ~~ينفثه في حديثه كما تنفث الأفاعي سمومها في الماء النمير. # هو في ساحة الأمير يدعو للأمير بالنصر والتأييد، ويتشدق بمظاهر الحب والولاء، وهو في حضرة ~~الوزير يقول: لقد انفرد مولاي بالإصلاح، ولم يتخذ لأعماله إلا مدارج الفلاح، فإذا هوى عن ~~ساحة الأمير، وانحدر عن حضرة الوزير، أخذ يهجو مع الهاجين، وينتقد مع الناقدين. # قد تجده أحيانا يختلف إلى القهوات والمجالس ليختلط بمن لا يحب ولا يتفق وإياهم من الناس ~~فيسايرهم، ويلاين في القول كأنه في اغتباط، وتحول أضواء ابتسامته البراقة بين فراسة محدثيه ~~وبين أن يروا ما ظل في أعماق نفسه مستورا. # تلك هي صورة المنافق الذي يبدو في الحياة بلونين، ويتشبه بشبهين، ويبدو ظاهره مغايرا ~~لباطنه. # يقطع المنافق في هذه الحياة ما شاء الله أن يقطعه من العمر، زاعما أنه عاش طوال هذه ~~السنين حقا، وينسى أنه في وقت نفاقه حين يظهر النفس على غير حقيقتها وسجيتها، يحكم على ~~نفسه بالإعدام؛ وذلك لأن شخصه الصحيح المطبوع قد يتوارى عن الوجود أثناء مظهر شخصه المعتل ~~المصنوع، الذي يبكي بينما يريد الشخص الحقيقي أن يضحك، ويمدح بينما يريد الشخص الأصيل أن ~~يقدح، ويضمر بينما يريد الشخص المطبوع أن يذيع ويظهر. ~~••• # يحسب المسكين أن نواحي الحياة الاجتماعية، لا يلتئم وإياها إلا بعض المواقف التي يظهر ~~فيها المرء على غير فطرته، وينسى أنه ومن على شاكلته هم الذين يهيئون في الحياة الاجتماعية ~~تلك النواحي التي قد يفوز فيها المنافق، ويدحر فيها الصادق. # وقد يقول لك أحيانا على نحو ما يقول بعض علماء النفس والاجتماع: إن حياة الجماعة قد ~~تقتضي في كثير من شئونها بالضرورة أن ينزل الإنسان عن بعض شخصيته ويرائي ويداجي، لكن يفوته ~~أنه ينبغي للإنسان ألا يقنع ms64 بكل ما في هذه الحياة الاجتماعية على ما هو عليه، ولكن يجب ~~على الإنسان الرفيع أن ينظر إلى الحياة على ما ينبغي أن تكون عليه. # قد يكون من أخلاق البهائم أن تسير على السبيل المطروق، وتنتحي النحو المهيأ، لكن من خلق ~~الإنسان الممتاز أن يستكشف في حياته سبلا غير التي تألفها الجماعات والأحشاد المنحطة، وأنه ~~يرى في أفق هذا السبيل كوكب الكمال متلألئا لامعا. # حياة الإنسان هي شخصيته، وشخصية الإنسان هي مجموعة ما انطوت عليه نفسه من آراء، ومشاعر، ~~ودرجات من النشاط، وحياة الإنسان هي غاية لنفسها وليست وسيلة لشيء مجمع على حقيقته في هذه ~~الحياة. # فلماذا إذن يغير الإنسان ما في نفسه من أفكار لأفكار أخرى؟ ولماذا يستبدل بعواطفه التي ~~تشبعت بها سجيته عواطف أخرى، ولماذا يزيف إرادته التي تلتئم وطبيعته وعواطفه ويتخذ إرادة ~~مغايرة لها؟ # أيها المنافقون: اعملوا على أن تظهروا على حقيقتكم، وكونوا كما أنتم، وعيشوا بوجدانكم، ~~فذلك أحرى بأن يجعل لكم من الحياة حياة، وإلا فالنفاق يجعل بعض العمر نوعا من الموت، هو ~~أحط أنواع الموت لو كنتم تعقلون. # | صورة من صور التقلب # | «مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء» # القاهرة في 12 من ديسمبر سنة 1925 # زيد من الناس قد يكون ربعة القوام، يضرب لونه إلى الطين الطفلي، وقد يكون طويلا أو ~~قصيرا، قاتم اللون أو أقرب إلى الدكنة، وقد يكون أبيض، وقد يكون على كل لون شئت، أو من أي ~~مقياس؛ لأن نوع المتقلبين عديد الأشخاص كثير الوجوه. # لكن زيدا نبيه، يفهم ما يلقى إليه سريعا، ظريف؛ لأنه متناسب الخلقة والوضع، وقلما ~~تغادر شفتيه الابتسامة الوديعة الهادئة. ليس بالمشغوف بالأدب، وهو على ذلك يحرص على حفظ ~~أبيات من الشعر وبعض أمثال، وكلها لا يعدو المعنى الذي تستطيع أن تخرجه من ذلك الشطر: «ودر ~~مع الدهر كيف دارا» فكأن الأصل في فلسفة زيد هذا وثقافته أن يعلم المرء كيف يتقلب ~~ويدور. ~~••• # كان من الذين متوا إلى الحزب الوطني بسبب يوم كان لرجال ذلك ms65 الحزب الصولة والدولة. وكان ~~مع الوفديين في وقت ما، وقد أكل خبزا وملحا مع الديموقراطيين، وتعاقد مع الدستوريين ~~والتحم بالاتحاديين. لم يتصل بحزب من هذه الأحزاب إلا ساعة ظن أن لهذا الحزب شأنا ونفوذا، ~~وقد يكون لرجاله كلمة ومقام! ما أكثر أنداد زيد في الدنيا من الذين يسيرون وراء مصلحتهم، أو ~~من الذين يستخفون بالسلوك المستقيم وسننه، أو من الأخساء الذين يتعلقون بمن يقوى، ويفرون ~~ممن ضعف. # على أن الذي يسليني من أمور زيد هو أسلوبه في محاوراته، وبعض أحاديثه ومداوراته، في وقت ~~يحسب فيه أن دولة حزب من الأحزاب كادت تدول، وأن حزبا آخر كاد حاله إلى المجد يحول، أو أن ~~عزيز قوم قد آن له أن يضمحل، وأن ينال مكانه رجل كان من الذين محيت أسماؤهم من الكتاب وآن ~~لاسمه أن فيه، ويصير من النابهين. # في ذلك الوقت يقلل زيد اختلاطه بمن كان يلابسهم كثيرا من هؤلاء الذين آن للمجد أن ينصرف ~~عنهم، وإذا جلس بالمجالس سمعته يقول: هذا بلد لا خير فيه وليس فيه الخير، وليس الخير فيه، ~~والخير لا يكون فيه، وما إلى ذلك من عبارات مكررة ومعان واحدة، تكاد تبغضك إلى كل بلد، ~~وتكاد تكرهك في كل جماعة وفئة. # وفي ذلك الوقت يشرع في أن يشد الحبل بينه وبين هؤلاء الذين كان قد ارتخى الحبل عندهم من ~~زمن مضى، ويشرع في أحاديثه بذكر بعض حسناتهم التي كانت في رحمة الله منطوية وينتهز فرصة ~~سانحة ليرافق صديقا لزيارة هؤلاء الذين سيصبحون عما قريب أولياءه ويصبح وليهم. وإنك لتعجب ~~من جرأته عند ما يسوق لمن يحسبهم أولياء المستقبل القريب مظاهر الود وآيات التبسيط، ومن ~~تحدثه معهم في شئونهم الحزبية كأنه واحد منهم ولا تدهش إذا سمعته يقول أمامهم ينبغي أن تكون ~~خطتنا إزاء خصومنا هي كذا وكذا وأن تكون أعمالنا لإصلاح شئوننا هي كذا وكذا بصوت تملؤه ~~الحماسة. # ولا تدهش من أمثال هذا يوم تراه أوتوقواطيا، ويوم تراه ديموقراطيا، ويوم تراه ~~إنكليزيا، ويوم تراه وطنيا. ويوم تراه ms66 وليا. ويوم تراه عصيا. # هو كل شيء؛ لأن حكمته البالغة «ودر مع الدهر كيف دارا»؛ ولأنه يجد من الفطنة والذكاء أن ~~يتخذ المرء لكل حالة لبوسها، إن المتقلب لا يقدر قيمة الحياة إلا بمقدار ما يكسبه الإنسان ~~فيها من وجاهة المظهر، وزيادة الثروة، والتنكب عن العقبات، ولا أنكر عليه أن الوجاهة والرزق ~~والراحة من الخيرات التي لا تهون؛ لكني أنكر عليه الجهل بأن في الوجود خيرا آخر اسمه الخير ~~الخلقي، يتلخص في حسن تقدير الناس للناس، وفي راحة الضمير، وأن لذة هذا الخير قد تربى على ~~لذة ما يطلبه من مال ووجاهة وراحة. ~~••• # أنكر على المتقلب ما أنكر، وأعجب لأصحاب المبادئ كيف يلقى المتقلبون في رحابهم سهلا، ~~وكيف يجدون في الحياة الاجتماعية أهلا. # أستغفر الله، قد تساورني الوساوس، فأقول: عندنا أما غافل يستخدمه المتقلبون، وأما ~~متقلبون بالقوة والاستعداد، فهم يأنسون بالمتقلبين بالفعل والحركة. # | سعادة الباشا أو صورة من صور التصنع # السبت في 19 من ديسمبر سنة 1925 # من الناس من يهيئ له القضاء أسبابا ليتصف بصفات النبالة والشرف. فما يبطنه مما تخفي ~~النفوس نبيل، وما يظهره مما تبديه الجوارح لطيف ظريف، وهؤلاء هم الأشراف حقا ولو لم ~~يكونوا من طبقة الأشراف عرفا واصطلاحا. # ومن الناس من ينشأ فظا فيما يعلن، مرذولا فيما يسر، فتعاف مظهره ومخبره معا. فهو ~~حقا من الطغام رغم وفرة نعمه، وكثرة خدمه، وحسن ثيابه. ومختلف ألقابه. # وذلك لأن النبالة الحقة صفة من صفات النفس، وإن مظاهرها من الحركات الخارجية لا تؤثر ~~أثرها الصالح في الناس، ولا تقع وقعها الحسن إلا إذا كانت ترجمة مطابقة لما في النفس ~~الشريفة من معاني الشرف وبواعثه. ~~••• # وإليك وصف نبيل من نبلاء العرف، لم يجعله الله ليكون نبيلا، ولكن الزمان الأعمى حشره في ~~زمرة ذوي الألقاب من أهل الشرف! # عرفت ذلك الباشا منذ كان طفلا، فكان يأكل كما تأكل الأطفال من أبناء طبقته، ويفرح كما ~~يفرحون، ويحزن كما يحزنون، فيه وداعة البساطة، فإذا حزن ظهر عليه حزنه، وإذا غضب بدا عليه ms67 ~~غضبه. # ذهب إلى المدرسة وجد واجتهد، وجاز عليه كل ما يجوز على التلاميذ من حيل، وفوز، وآمال، ~~ومثوبة، وعقوبة. وبعد أن جاز دور التلمذة ارتقى سريعا إلى درجات أرباب المناصب المميزين، ~~ثم حبي الرتب، ثم منح الألقاب. وخلاصة القول: إن صديقنا الطفل الوديع المتواضع حسبا ~~وحالا أصبح شخصا آخر. أصبح مولاي الباشا ... # ومولاي الباشا تعلم من غير حذق كيف يهتز في مشيته معجبا، وكيف يحيي أقرانه القدماء من ~~أصحاب «الحضرة» بنوع من البسمات الحائرة التي توهمك أنها تهبط عليهم من الأفق الأعلى، وكيف ~~أصبح يحيي زملاءه أصحاب «السعادة» بنوع من الابتسامات المترققة المتظرفة التي لا تطابق في ~~صناعتها صناعة الله لوجهه القاتم وشفتيه الغليظتين! # أصبح لمولاي الباشا بطن، ولقد كان رفيقي الطفل لا بطن له، وأصبح صوت سعادته يتشعب عند ~~خروجه، فبعضه يخرج من الأنف الشامخ، وبعضه يخرج من حلق مقبوض العضلات، وقد تسمع من صوته ~~المتوزع بين نبرات الغرور، والادعاء، والتعاظم، رنات تشبه نغمة التؤدة والرزانة والوقار، ~~كان مولاي يوهمك في تباطؤ أن كلماته ذهبية تتثاقل في تتابعها لما فيها من النفاسة والحكم ~~... # أين ذلك الصوت الماضي الذي لم يكن فيه تكلف ولا صناعة، وكان يخرج كأنه حديث القلب السليم؟ ~~وأين تلك المشية الخفيفة التي حلت مكانها المشية المتثاقلة؟ وأين ذلك الاطمئنان والسكون ~~الذي كان لعضلات رقبته ووجهه، فحل محله التقلص والتصعير؟ وأين ذلك الهندام البسيط، وقد ~~حل محله نوع من الأناقة والتجمل، لا يتناسبان وسحنته البغيضة. ~~••• # أشفق على مولاي الباشا أن تعتاد حنجرته وأرجله وعضلاته ونظراته ما لا يلائمها من الطبع، ~~ويصبح مثله مثل الذي يدع صنعه الذي يليق به ويشاكله، ويطلب غيره فلا يدركه؛ ولذلك أعيد عليه ~~ما قرأه وقرأناه في كتاب «كليلة ودمنة» في باب «الناسك والضيف» ~~«زعموا أن غرابا رأى حجلة تدرج وتمشي، فأعجبته مشيتها، وطمع أن يتعلمها، فراض على ذلك ~~نفسه، فلم يقدر على إحكامها، وأيس منها، وأراد أن يعود إلى مشيته التي كان عليها، فإذا هو ~~قد اختلط، وتخلع في مشيته، وصار أقبح ms68 الطيور مشيا.» ... ~~••• # مولاي: خفف عن نفسك غلواء شخصيتك الموهومة، وكن كما أراد الله أن تكون عليه مما يلتئم مع ~~شكلك، ومما يتفق مع ما راضك عليه آباؤك وأجدادك، واعلم أن من لبس ثوبا ضافيا فقد يتعثر، ~~ومن لا يحذر مخاطر التعالي فقد يتدهور. # | لعام 1926 # الأحد في 3 من يناير سنة 1926 # إيه يا عام، أقبل على الوجود كما أقبل عليه غيرك. فإنك قد تلقى في سماوات الصباح شموسا ~~نيرة، وفي سماوات الليل نجوما متلألئة. وقد تجد كما وجد غيرك زهرة تتفتح عن أريج تنشره ~~عطرا في الصبح إذا تنفس. وقد تجد كما وجد غيرك طائرا أنيقا يستقبل فجرك بالتغريد. وقد ~~تجد عبدا من عباد الله ناسكا يحييك بدعوات وصلوات. وقد تجد نواة في جوف الأرض تتمخض عن ~~حياة. وقد تجد حياة في داخل الأرحام تتحفز للوجود. وقد تجد فكرا في داخل النفوس يتوثب ~~للظهور، وعواطف في حنايا القلوب تفيض حبا وحنينا. ~~••• # ولكن ... ولكن قد تجد أيها العام مع مظاهر السعادة، والنور، والحياة، خليطا من مظاهر ~~الشقوة، والظلمة، والعدم. # إن رأيت على الأرض زهورا، فقد ترى على الأرض قبورا. وإن رأيت شفتين انفرجتا عن ~~الابتسام، فقد ترى شقين شدا من سقام وآلام. وإن تسمعت من بعض الأفئدة حنينا، فقد تسمع من ~~أفئدة أخرى أنينا. وإن وجدت في ناحية من نواحي الأرض عدلا ورحمة، فقد تجد في بعض نواحي ~~الأرض ظلما ونقمة، وإن وجدت بطونا تدفع فقد تجد أرضا تبلع. وإن وجدت في ناحية من ~~الربوات عيون النرجس يبللها الندى، فكم تجد من عيون سليمة تبللها الدموع. ~~••• # ولم أشأ يا عام أن ألقاك، كما يلقاك الشباب في المراقص والأفراح، بين قبلات طاهرة، أو ~~قبلات فاجرة، ولم أشأ أن ألقاك يا عام في مجلس الصهباء بين قرع القوارير، أو رنين الطاس ~~والكأس. ولم أشأ أن ألقاك يا عام حيث يفزع العبد لمولاه، وحيث يستغفره ويترضاه. وآثرت أن ~~ألقاك في الأمس الأول في غرفتي وحدي، وبين حيطان أربع؛ لأتحدث إليك في انفراد، وأحاسبك ms69 في ~~نفسي عن غير غل، أو عناد. # شعرات بيضاء أخذت تنبت في الرأس، وبعضها يتجه نحو الأرض، وبعضها يتوجه للسماء، رمزا إلى ~~أنك أيتها الأيام تدنين الخلائق إلى أصولها في الأرض وفى السماء!! وأعصاب تراخت! وعضل قد ~~تصلب! وعظام يبست! وفى سبيل الخير ضعف العصب والعضل والعظام. # لكنك أيتها الأيام وإن استطعت النيل من جسومنا، فقد صان لنا الله من عبثك العرض والكرامة، ~~فارحلي عنا بما ترحلين، وأقدمي علينا بما به تقدمين، فلا حقد عليك لما تسلبين، ولا خوف ~~ولا رجاء مما وفيما تحملين. # إيه يا عام، لقد تولد في مجراك نفوس بريئة غافلة عما تخفيه لها لياليك، جاهلة بما تحفظه ~~لها أيامك، وإذا بك وأنت تعمل خلف بسماتك الماكرة لتخفي لتلك النفوس البريئة في مكامن السبل ~~طوالع النحس، أو طوالع السعود. # فكم من الناس زهت لهم الأماني، وتلألأت لهم الآمال، فخدعتهم عن تلك الأماني، وأطفأت أمام ~~أعينهم نور الآمال!! وكم من الناس حولت لهم العيش المنكود نعيما، وأحلت لهم النار بردا ~~وسلاما. # فيا أيها العام: إن غرك سلطانك، وإن كبر لديك في نفسك شأنك. فاذكر حكمة سليمان «باطلة ~~الأباطيل، وكل شيء غير الله باطل». # | عند أطلال طيبة # القاهرة في 20 من مارس سنة 1926 ~~(1) # انتقلت مع فريق من طلاب مدرسة المعلمين من مدينة الأقصر إلى الشاطئ الغربي للنهر ~~المبارك؛ لأرى ما أبقى الدهر من معابد ومقابر، ولأطوف طوفة حول ما أبقى الأوائل ~~للأواخر، فقطعنا طريقا ممدودة بين حقول من العدس والحنطة، ومما ينبت النيل ~~العزيز. ~~••• # كان يحد النظر جبل «القرنة»، وهو جبل جيري غير مرتفع، تواترت عليه مؤثرات الأكوان ~~والأزمان، فاغبر لونه، ويكاد الناظر يراه أفقيا. وكنا كلما دنونا منه بدا للطرف ~~تمثالا «أمينوفيس» كالأشباح الهائلة يشقان من الفضاء إلى السماء شقا سنجابيا ~~يتقيد عنده البصر، ولقد خيل إلي أن التمثالين العظيمين إنما نصبا للإشراف على هذا ~~الفضاء الواسع؛ وليملآه رهبة وعزة، ويستوقفا كل من يمر بهما ليحييهما قائلا: # سلام عليكما أيها الشاهدان على عز غابر، وبأس حاضر، لقد ms70 تعاقبت عليكما الليالي ~~والأيام، وتخلفت عند قدميكما الحقب والأعوام، وانصبت فوق رأسيكما أضواء الشمس الضحوك ~~وعتمة الظلام. سلام عليكما، لقد هبت في وجهيكما لوافح الرياح، وتبللت عيونكما بطل ~~الصباح، وابتسم الدهر تارة حولكما في هذه الديار فعمتها العظمة، وقطب حاجبيه لها تارة ~~أخرى، فتوالت عليها المحن والنقمة. كل ذلك وأنتما صامتان لا تتحركان، تشعران بعظمة كانت ~~ثم مضت، وعزة تولت وانقضت. وماض جد عظيم، وتاريخ، ثم مقيم. # سلام عليكما من كل عابر، ومن كل ذاكر. ~~••• # ثم تذكرت في سبيلي إلى زيارة الآثار أنني منذ بضع سنين، قد قطعت طريقا في بلاد ~~اليونان لمعابد «دلفوس»، يقرب شبها من الطريق الذي قطعته في الأسبوع الماضي، وينتهي ~~ذلك الطريق الذي يتلوي ويهبط، ويصعد بين مزارع الأعناب والزيتون إلى واد سحيق، وجبل ~~صخري منعزل، كانت شيدت عنده بيوت آلهتهم ومنازل السحرة والناسكين فيما سلف. # ثم تذكرت، والذكرى تبعث الذكرى أديرة الرهبان النائية، وصوامع المنقطعين للعبادة ~~النازحين، فمر بخاطري عندئذ أن أنظر بين عهدين من عهود التاريخ. وحالتين من أحوال ~~النفس البشرية، مر بخاطري أن أنظر بين العهد الغابر، والعهد الحاضر. وبين النفس ~~المتصلة بالملأ الأعلى، والنفس المتصلة بشؤون الدنيا. # لقد كان العهد القديم يعني بالمعابد والقبور؛ لأنه كان عهد الله وعهد الأديان، فتخير ~~لآثاره ومشيداته كل مكان تكتنفه الرهبة، وقصد إلى كل ناحية تشملها السكينة والقرار ~~والهيبة. وحيث وجد المكان منسجما مع نزعته الربانية، شاد لدينه وآخرته، وأعرض عن ~~دنياه. # أما العهد الحديث فهو عهد دنيوي، فقد جعل آثاره في المصانع والمتاجر، وشادها حيث ~~تسهل المواصلات، وتقضى الحاجات، وتدر الأموال، وتكثر الأعمال، فحيث وجد المكان والزمان ~~ملائما لإبراز نزعته المادية من مصالح الحياة، شاد للأرض وعمر، ونسى ربه في السماء ~~وتكبر. # ولو جاز لنا نتنبأ بأمر المستقبل، لقلنا ستكون آيته المصنع والمتجر، وأما الماضي ~~فآيته المعبد والمقبر. # أن نفس الإنسان الذي مضى كانت تهيم بعالم البقاء، وتعاف الفناء، وأما نفس الإنسان ~~الحاضر فإنها أعلق بعالم الشهادة، وأدرى بالمنافع، وألصق بالواقع. # إنسان الماضي سماوي، وإنسان ms71 الحاضر أرضي، فهل حقا هبط آدم وأبناؤه إلى الأرض من ~~السماء؟! ~~(2) # الكرنك ~~... وذهبت في ليلة مقمرة إلى معبد الكرنك. وفى الليل تطيب التأملات، وفى ضوء البدر ~~المنتشر في السموات والأرض ما قد يأخذ بالنفس العانية إلى نوع من الارتياح والانشراح، ~~وبين الأطلال البالية حيث تصيح البوم صيحاتها، وتئن أناتها، ما قد يوحى إلى النفس خشية ~~الوحشة، ورهبة العدم، وبين الأروقة الواسعة، والعمد الضخمة المرفوعة، والتماثيل ~~الموضوعة والأفنية المنبسطة التي تسمع من خلالها دبيب هوام الأرض وخشاشها، ما قد يدعو ~~إلى سكينة في النفس، واحترام يخامره الإعجاب والدهشة. ~~••• # هناك في تلك الليلة البيضاء بين تلك الأروقة، وعند تلك الأعمدة، وفي هاتيك الأفنية، ~~شعرت نفسي بحاجة إلى التأمل وحالة من الارتياح، والهيبة وتقدير العظمة. وقد يفعل هذا ~~المزيج من الانفعالات فعل السحر أحيانا. وما السحر إلا ذهول المرء عن الحقائق، فتؤخذ ~~نفسه بغير الواقع، وتتصل بضروب الخيال، وتلابس الظنون والأوهام، فيرى ما لا ترى العيون، ~~ويسمع ما لا تسمع الآذان، ويحس ما لا تحسه المشاعر. ~~••• # كثيرا ما يشعر المرء بأثر السحر عند منظر جميل أخاذ، أو عند نغم مستطاب شجي، أو عند ~~رؤية ما يروق من مظاهر الكون، أو آيات الفن، لكن أثر السحر يختلف باختلاف علله وتباين ~~أسبابه. فتأثير الهياكل والآثار في النفس لون من السحر، يغاير في نوعه تأثير الأغاني ~~والألحان؛ وذلك لأنه يرد النفس إلى الماضي البعيد، فترى العين بعين الغابرين، ويستحيل ~~الذوق إلى ذوق البائدين؛ وذلك لأن كل أثر من آثار التاريخ قد يستبقي فيما أبقاه عبقرية ~~من شادوه، وذكرى من أقاموه، وحس من هيئوه، وإن شئت فقل خلاصة تاريخهم الناطق، وإن شئت ~~فقل أرواحهم الحائمة. وقد تجتاز هذه المعاني جميعا نفوس الزائرين، فتتأثر بها فتصيرها ~~لحظة من جوهر غير جوهر الحاضر، وتنحرف بها عن تقدير الحال فتنساه، ولذلك قد يرى الإنسان ~~عصرا غير عصره، وينظر بنظر غير نظره، ولعل السر كل السر في زيارة الآثار، أن يتعلم ~~الزائر كيف يستغرق بشعوره في شعور الماضين، ويتمثلهم زمانا ومكانا. ms72 # ولقد اختبرت في نفسي فيما مضى أثر الفن اليوناني القديم في وقفة وقفتها ب ~~«الأكروبول» في ليلة قمراء، فكنت أحسب أن الأعمدة المنحوتة من المرمر المسنون، وبقايا ~~التماثيل والأحجار التي ينساح عليها الضوء الفضي الخالص، كلها تبسم، وكأني كنت أرى ~~أشباحا من البشر الضحوك تصب الخمور، وترسل الأنغام، وتدير المراقص، وتنشد أناشيد ~~الجمال. # ومن نحو أسبوعين، قد اختبرت في نفسي أثر الفن المصري في «الكرنك»، فشعرت بالسحر في ~~ساحاتك يا آمون، فخلت أن الكهنة بمسوحهم يحملون السفن المقدسة، ويطوفون ويرتلون ~~ويتمتمون. وخلت أن عظيما من «الرمامسة» تتزلزل الأرض لجبروته، وتتلألأ السماء فوق ~~عرشه، ويصيح بالناس وهم سجد خشوع، أنا ربكم، ولي أرض مصر، ولي فيها الحصون ~~والخلود. ~~••• # إيه يا مبيد السالفين، يا رب العالمين. إيه يا حقيقة فوق الحقائق، ويا ملء الآفاق ~~ومبدع الخلائق. إن يكن الإنسان وهو ذلك المخلوق الضعيف الذي توزن كلماته، ويحد زمانه، ~~ويقاس مكانه. ليس في مقدوره إلا أن يلهج بعظمتك حقا في معبار حروفه، وقدر زمانه، ~~ومحدود مكانه، فصورك أحيانا من منحوت المحاجر، وشاد لمجدك العمائر، وصاغك من صلب ~~المعادن، وشكك من باسق الأشجار، وتطلع إلى وجهك في إشراق الشموس والأقمار، ودعاك بأسماء ~~مهما اختلفت مقاطيعها وعباراتها، فما هي إلا موجات من موجات الاهتزاز، فأنت أنت وإن ~~تباينوا في تعيين صفاتك وأسمائك أنت أنت رب الأرباب، الذي تشعر النفس ساعة صعودها ~~وصفوها بعظمته وربوبيته، وأبديته وسرمديته. ~~••• # وكان ضوء القمر الفضي مموها بشيء من زرقة «الجرانيت»، وكنت أكاد في ذهولي لا أشعر ~~إلا بمعاني العظمة والجلال. ولكنها التفاتة بدت مني إلى السماء الواسعة، إذ كانت الشعرى ~~تتلألأ في كبدها، وتتوهج، فكانت كأنها كلمة الله الأعلى تقول لمن سحرته عظمة فرعون ~~وفتنه فنه: إن عظمة الله في السماء فوق كل عظمة، وفنه فوق كل فن. # | أيام العيد الفائتة # القاهرة في 17 من إبريل سنة 1926 # هي أيام كتلك التي تأتي بها دورة الفلك، فتطلع فيها الشمس في متنفس الصباح، وتغرب فيها ~~كذلك عند مقدم الليل وحلول الدجى. ms73 # وهى أيام لا يصيب فيها الأرض إلا ما أصابها من الخضوع لسنن الوجود. # وهى أيام لا تتخلف فيها تلك القوة العظيمة التي تشد الأرض في مدارها حول الشمس، وتدفع ~~حول الأرض تابعها القمر. # وهى أيام لا يفتأ فيها الندى، يتساقط على كؤوس الزهر، وتجري فيها الجداول بين الحقول ~~النضرة، وتغرد فيها الطيور على أفنان الشجر. # وهى أيام قد تتحرك فيها الأصداف، وما فيها من لؤلؤ دفين بين طبقات اللجج، وقد تتحرك فيها ~~الدموع على عزيز طوته الغبراء في أحشائها. # فهي أيام شأنها إذن في عالم المحسوس، كشأن غيرها من الأيام. ~~••• # لكن في نظام الكون عالما معنويا يرى بعين غير التي ينظر بها إلى ذلك الوجود المحسوس، ~~عالما لا يخضع لقوانين الأفلاك إذا هي تدور، أو إذا هي تمور، ولا لقوانين الحياة والأحياء. ~~إذا هي تنمو أو تحور عالما لا يخضع إلا لقوانين القلوب، إذ تذكر وتشعر، أو تظهر وتضمر. ~~ولقوانين النفوس إذ تميل وتنفر، وتتمنى وتقدر. ~~••• # وفي تلك الأيام التي يصطلح الناس على تسميتها أيام العيد، يتجلى منظر واضح من مظاهر تلك ~~القوانين النفسية، قد ينتهي عند تحليل ما يتصل به من طقوس ورموز وأدعية وصلوات إلى صنوف من ~~الذكريات، وألوان من الآمال، وضروب من الانفعالات، تلفح ريحها الأفراد والأمم، وقد تفعل ~~فيهم فعل السحر، فتخرجهم عن طورهم المألوف، فتصبح أيام العيد كأنها غير سواها من الأيام، ~~وكأن شمسها غير الشمس ونسيمها غير النسيم. ~~••• # ولقد مرت علينا سنون - طيب الله ذكرها من سنين - كان فيها القلب باسما، والبال ناعما، ~~فكنا نشعر بقانون العيد كما يشعرون، ونلبس له الجديد كما يلبسون ... ولكن ... الفلك سيار، ~~والزمن جبار، فلا هو يبقي الغصن لينا رطيبا، ولا هو يبقي القلب للسرور خصيبا. # فأين أنت يا أيام النفوس الفتية، ويا ليالي الصبا الهنية، أين؟ أين أنت وقد كنت تجودين ~~على القلب بخصائصك من بحبوحة السرور، وعلى الذهن بسعة الخيال، ولذائذ الأحلام والآمال. وكنت ~~تجودين بجميل الذكريات. وكنت تجودين بملء الضحكات، وكثرة البسمات. وكنت تجودين بأحاديث ~~الأنس ms74 والجمال. # أين أنت يا تلك الأيام، أيام العيد، التي كانت تشرق شموسك دون أن تمر أضواؤها بسحب ~~متلبدة، وغيوم متعددة!. # وأين أنت أيها البصيص من النور الوهاج والأمل، الذي كان يحفز الهمم القوية للنشاط والعمل. ~~أين؟! # سلام على ما مضى وفات، ونظرة رجاء لما هو آت. وليبارك الله للزهرة المتفتحة في أيامها ~~وأعوامها، وللصغير الناشئ في جديد ثيابه، وفى عطف أحبابه، وليغمر بفضله محيا الناس بالسرور، ~~وقلوبهم بالنور. وليسبغ على نفوسهم أسباب الوئام، وليهيئ للأمة في سبيلها الرشاد ~~والسلام. # | التسامح # القاهرة في 19 يونيه سنة 1926 # في هذا الوقت الذي يحل فيه كدح العام وكده على الجسوم، وتقع فيه ضروب من الأوصاب على ~~العضل والأعصاب؛ بل في هذا الوقت الذي قد يشتد فيه القيظ أحيانا، فتذبل الزهور على ~~العيدان، ويشرد فيه الكرى عن الأجفان؛ بل في هذا الوقت الذي قد تعرض فيه لنوابنا الكرام ~~ألوان الآراء، ويطلب إليهم أنواع الإفتاء؛ بل في هذا الوقت الذي يذهب فيه الفحول من شيوخنا ~~مذاهب الجدال، وتظهر في مجالسهم مظاهر النضال؛ بل في هذا الوقت الذي تضجر منه النفوس، ~~وتسأم، فتهيج من الجليل، وتهيج من القليل. أقول: في هذا الوقت يطلب إلى عزيز علي أن أتحدث ~~إلى القراء في معنى التسامح - وآه لولا التسامح وبلسمه الشافي؛ لالتهبت النفوس من كل ~~مجادلة، أو من كل مبادلة، ولولاه لجرحت نفوس الناس من التشاد، وتورمت أفئدتهم من الأحقاد، ~~ولولاه لتقطعت أوصال المحبين، وتفرقت جموع المتواصلين، فهو نعمة لولاه لما ظل الخير بين ~~الناس. # ولقد يكون للتسامح غدة روحية، جعلها الله في القلوب لتفرز فيها عصيرا طاهرا، يرهمها ~~كلما قرحت من أمور الحياة الاجتماعية وشئونها القاسية، ولقد يكون التسامح أدنى الخلال ~~بجدارة ابن آدم الذي سواه ربه وسوى معه ضعفه ونقصه. # يقول أهل الأخلاق: إذا كان من حق الإنسان أن يقيد نفسه، ويربط عقيدته بما يبدو له حقا، ~~وأن يميل عما يظهر له باطلا، فمن واجبه كذلك حيال غيره أن يحترم آراء هذا الغير فيما ~~يبدو له حقا ms75 أو باطلا دون أن يلزم بالاقتناع بحقه، أو مطاوعته في باطله. ولا يقصر الأمر ~~في احترام رأي الغير على الرأي المستكن في النفس، أو الملابس اللينة، وما تخفي الصدور، لكنه ~~يتناول مظاهر هذا الرأي من قول ينطلق من النفس انطلاقا إلى الحياة الظاهرة، أو من عمل ~~يتحقق به أمر من أمور هذا الوجود على أن يكون هذا القول، أو هذا العمل غير متعارض وحق ~~الغير، أو معطل لمسعاه. # ويقول أهل الأخلاق أيضا: ينبغي ألا يتخذ الإنسان وسائل العنف، ولا يستخدم ضروب التأثير ~~القاهر ليحول شخصا عن آرائه وعقائده لعقيدة أخرى، ولو كانت تلك العقيدة صحيحة سليمة، وما ~~كان عليها ذلك الشخص معتلة سقيمة، لكن لكي يأخذ أحدنا غيره إلى رأيه ينبغي أن يسلط عليه ~~الحجة برفق، ويرسل إليه البرهان متينا لينا؛ ذلك لأن الأدلة والحجج تعمل في النفوس عملها، ~~ولو كانت مصفحة بالمكابرة؛ لأن الحق ضياء، والضوء جذاب بطبعه، والباطل ظلام، والظلام بطبعه ~~منفر ممقوت مهما دفعت إليه الأهواء التي تطمس على البصائر وتعمي الأبصار. # قد يخيل للمرء أحيانا أن الاقتناع برأي من الآراء يحمل المقتنع به على الدعاية له بنوع ~~من المغالاة، يمت إلى عدم التسامح، وقد يخيل للمرء أحيانا أن الذي يقتنع برأي ولا يبشر ~~به بشدة، هو مفرط في حق عقيدته وإيمانه، مستخف بمبدئه ورأيه، لكن لو تأمل الإنسان قليلا ~~لوجد أن الحرص على تأييد رأي صحيح لا يقتضي الشدة في وسائل ذلك التأييد؛ لأن خير مؤازر ~~للحقيقة نورها الساطع، وإن الحق لشديد بنفسه، قوي بأثره وتأثيره. # ولطالما أدى التعصب لرأي من الآراء وعدم التسامح فيما عداه إلى القطيعة بين الخلان؛ ~~وحسب الإنسان - لكي يتسامح - أن يذكر أنه مهما بلغ من الوصول إلى الحقائق، فإن جوهرها ~~المطلق ليس في حيازته، وإنما هو في حيازة الله، وحسبه أن يتذكر كذلك أن بعض الحقائق التي ~~تحكمنا ببراهينها، وتبهرنا بضيائها قد يسطع من خلفها نور يتضاءل عنده كل ما نرى من ~~ضياء. # ولطالما أدى كذلك تمسك أهل النفوذ والسلطان والحكومات ms76 برأي من الآراء مع عدم مراعاة ~~التسامح فيما يخالف هذا الرأي إلى تقسيم الأمم شيعا، وتمزيقها ألفافا، ورياضة بعض على ~~الخنوع والذلة، وبعض على النفاق، وبعض آخر على الجمود. وسر عظمة الأمم في الإباء يبت في ~~أفرادها، والصراحة تفيض بين بيئاتها، والتفكير الحر يعم رؤوس مفكريها. ~~••• # والتسامح في درجة من درجاته فد يتشكل بصورة العفو عن بعض الزلات والذنوب، وصفة التسامح من ~~الصفات التي ينسبها السادة أهل الدين والتقوى إلى الله واسع الرحمة الغفور. وقد أتخذ ~~الأنبياء والصالحون من التسامح والعفو ما جملوا به شمائلهم، فاتصف بالتسامح موسى، وقدس ~~التسامح عيسى، وعمل بالتسامح محمد حتى لقد ورد فيما يروى من الآثار الإسلامية أن رسول الله ~~العربي لما قدم مكة، وضع يديه على باب الكعبة والناس حوله وقال: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده. # ثم قال: يا معشر قريش: ما تقولون، وما تظنون؟ فقال قائلهم: نقول خيرا، ونظن خيرا. أخ كريم وابن ~~عم رحيم، وقد قدرت. فقال الرسول: أقول كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم، اليوم يغفر الله ~~لكم. # وجدير بالمرء أن يذكر قول من قال: # وخذ من الناس ما تيسر # ودع من الناس ما تعسر # فإنما الناس من زجاج # إن لم ترفق به تكسر # فتسامحوا وتصافوا، إن الله يحب المتصافين المتسامحين. # | للعام الهجري الجديد # القاهرة في 17 من يوليه سنة 1926 # في ليالي هذا الأسبوع الأول من شهر المحرم رسمت على صفحة السماء أهلة؛ كأنها شقق اللجين ~~تتزايد، ثم تتزايد حتى تصبح بدورا، كلما تقدمت ليالي الشهر إلى منتصفه، ثم تتناقص هذه ~~البدور حتى تغيب، وهكذا تنشأ الأهلة، وتنمو في كل شهر عربي، وهكذا تتضاءل البدور وتضمحل ~~وتغيب. # ولقد اعتاد الناس أن يستبشروا ببزوغ الهلال، أول كل شهر عربي، ويدعوا ربا طالما تقبل ~~دعاء المستبشرين أن يهله بالأمن والإيمان والبر والسلامة، وأن يجعل الشهر مباركا عليهم، ~~وعلى آلهم وعشرائهم ومن يحبون. ~~••• # وفى هذا الأسبوع من هذا الشهر كم ms77 من دعوة عرجت إلى السماء من قلب يملؤه الرجاء، وكم من ~~قبلة ساذجة طاهرة ألقتها أم رءوم على جبين ولدها وهى تنظر إلى الهلال باسمة مستبشرة، وكم من ~~صديق نظر إلى وجه صديقه وفاض من عيونهما البشر بعد أن لمحا القمر الناشئ في الأفق، وإن وراء ~~هذه الدعوات وإن حول هذه القبلات، وإن خلال هذه البسمات، قد يتجلى عطف الله على الناس ~~ورحمته السابغة عليهم، والله يحب الآملين، ويرأف بمن يحسن به الظن من عباده، ولا يرضى عن ~~القانطين منهم الذين لا يرجون ولا يتشوقون. ~~••• # في الأخبار أن الله أوحى إلى داود عليه السلام أن أحبني، وأحب من يحبني، وحببني إلى خلقي، ~~فقال داود: يا رب كيف أحببك إلى خلقك؟ قال: اذكرني بالحسن الجميل، واذكر آلائي وإحساني، ~~وذكرهم ذلك، فإنهم لا يعرفون مني إلا الجميل. # وقيل ليغفرن الله يوم القيامة مغفرة ما خطرت على قلب أحد، حتى أن إبليس ليتطاول لها رجاء ~~أن تصيبه. # وعلى ذلك نستقبل العام الهجري، ونحن نذكر الله ذا الآلاء والرحمة والإحسان. نذكره راجين ~~الخير متفائلين طامعين في إحسانه وغفرانه، وما الحياة القيمة إلا بشر ورجاء وطموح للخير ~~والعلاء. فأقبل أيها العام الهجري إذن على بركة الله ورحمته وحنانه، فالرحمة يا رب هي أحب ~~صفاتك إليك، وحسن الظن بك أحب ما تطلبه إلى عبادك، وأنا لنرجو رحمتك، ونحسن الظن برحمتك ~~ورأفتك، ونرجو عفوك عما سلف. ~~••• # اعتاد الناس أن يهنئ بعضهم بعضا عند دخول السنة الجديدة، وليت شعري علام يتبادل الناس ~~تلك التهانئ؟ ألأن عاما أضيف إلى العمر، فكان كأنه الحجر الجديد، يسمو به لتلك الحياة ~~هيكلها؟ أم لأن العام الجديد مجموعة من التجارب تذكي النفس، وتعينها على أن تتكمل؟ أم يهنئ ~~الناس بعضهم بعضا في مستهل الأعوام؛ لأن المرء يجتاز من سبيل العمر مفازة، فخرج من مخاوفها ~~سالما، وقطع طريقا، فلم يضل فيها، ولم يك فيها من العاثرين؟ أم يهنئ الإنسان الإنسان ~~بالزمن الذي انقضى من العمر، فأصبح ما سوف يتحمله الإنسان من سني العيش وأنصبه ms78 أقل عددا ~~وأخف أحمالا وإثقالا؟! # لو أنصف الناس لحبسوا التهانئ على ما في الحياة من قيم، وإن عاما جديدا يفتح سبيله في ~~عمر الإنسان العاقل الحكيم لهو نعمة من الله، قد يستفيد المرء من بركاتها، ويثقف بعظاتها، ~~ويرفع النفس بتجاربها وآياتها. ~~••• # إذا كان لنا أن نستقبلك أيها العام الهجري الجديد بنوع من أنواع العبادة عملا بوصية ~~أهل التقى، الذين يستحب عندهم بناء السنة على الخير؛ لكي يكون ذلك أحب وأرجى لدوام بركة ~~الله، فتقبل منا ربنا دعاء خالصا، نرفعه إلى وجهك الكريم مخلصين. # اللهم لقد قطعنا من العمر مراحل فيها كبونا، وزلت النفس، وعثرت القدم، فأعنا على أن ~~نستفيد لبقية طريقنا من كبوة كبوناها فيما مضى، وعثرة عثرناها، فيما انقضى. اللهم لقد كتبنا ~~بأعمالنا صحفا تشهد عندك علينا بما أحسنا وبما أسأنا، فأعنا على أن تكتب في صحيفتنا ~~الجديدة ما يزيد فيها الحسنات على السيئات. # اللهم تقبل منا دعوة صالحة لبلدنا الذي نعيش في ظله، ونستمتع بخيره، ولأحبابنا الذين ~~ننعم بعطفهم وودادهم، وأنا لنحمدك دائما، ونأمل في برك وخيرك. آمين. # | لهجة ابن الخاقان # القاهرة في 24 من يوليه سنة 1926 # لما مات السلطان الخليفة محمد وحيد الدين السادس، ناولني صديقي الأستاذ داود بركات جريدة ~~من جرائد الشام لأقرأ فيها ما يأتي: «تلقينا من سمو البرنس محمد سليم أفندي الكلمة الآتية: ~~يشكر البرنس محمد سليم باسم أعضاء البيت الملكي العثماني رجال المفوضية العليا والحكومة ~~المحلية والشعب البيروتي والوفود التي أتت إلى بيروت من الجهات، وجميع من تفضلوا، فشاركوا ~~آل عثمان في تشييع جنازة السلطان الخليفة وحيد الدين السادس طالبا من الله ألا يريهم ~~مكروها في عزيز. باسم العائلة الملكية العثمانية البرنس محمد سليم بن السلطان عبد الحميد ~~خان الثاني». # لم يقدم إلي الصديق تلك الجريدة لأطلع على كلمة شكر مفيدة في جريدة سيارة، لكنه أراد ~~أن التفت إلى كلمة قد لا تمر دون أن تترك في النفس أثرا غير الآثار التي تتركها في النفوس ~~كلمات الشاكرين المحزونين، كلمة شكر للناس ممن ms79 كانوا يقدرون أن من واجب الناس أن يشكروهم ~~بعد الله، وأن من حقهم حيال الناس أن يقبلوا الشكر، أو يردوه. كلمة شكر ممن كانت تنخفض لهم ~~أرفع الرؤوس، وتتضاءل عند عزهم أعز النفوس. كلمة شكر ممن كانت الجباه والأنوف تتضع عند ~~حشمهم، وترغم عند خدمهم، كلمة شكر يكتبها ابن الخاقان الأعظم في جريدة سيارة، وفى نهر من ~~أنهارها التي تتسع لأكثر ما تخطه أقلام الكاتبين، ولأكثر ما يروى من أخبار الناشرين، ولأكثر ~~كلمات الآخرين. فسبحان من يهز العروش، ولا يهتز عرشه، ويضع الأعلياء، ويرفع الأذلاء، وهو ~~باق في عظمته وملكوته، لا يداني عزته عز، ولا تهز عرشه قوة. # أن الخواطر تدعو الخواطر، وبعض الذكريات تدعو الذكريات، وبعض العبر تدعو للعبر. ولقد ~~تذكرت فيما تذكرت عندما قرأت كلمة الشكر زيارة لقصر من قصور قياصرة النمسا. عرضت فيه للزائر ~~أمتعتهم الغالية وزخارف الدنيا التي كانوا بها ينعمون. ونعيمها الذي كانوا فيه يتقلبون. وفى ~~القصر رأيت غرف نومهم ونعيمهم، وغرف أسمارهم وعظمتهم. وفي غرفة من الغرف قليلة الرياش رأيت ~~سريرا بسيطا، ومحرابا، ومنضدة، وضعت عليها كتب مقدسة. ووقف بنا الدليل، عند هذا السرير ~~الضئيل، وفي هذه الغرفة الساكنة التي تتجلى فيها آثار الزوال، ومظاهر الاضمحلال، قال: هنا ~~مات فرنسيس يوسف القيصر، وبموته مات عهد القياصرة. وفي هذه الغرفة التي وقفنا بها وقفة ~~محيت كل مخايل العزة التي كانت تتجلى فيما رأت العين من غرف تخيل لنا الذل بعد العز، ~~والإقلال بعد الإقبال، والشقاء بعد الهناء، والفناء بعد البقاء، وحول السرير الذي ذهب صاحبه ~~إلى حيث لا يعود، وفى الغرفة التي خمدت فيها أنفاس كانت قوية، وخفت فيها صوت كانت تخفت عنده ~~الأصوات، لم يبق إلا صدى يكاد يتردد حول المحراب. أن الملك ليس إلا لله، والعظمة الحقة هي ~~له دون سواه، ثم هبطنا إلى حيث رأينا مكان مراكب القياصرة، وتصورنا الخيول المطهمات ~~وجلالة الراكب، ورهبة المواكب، ولكن وقع نظرنا على المركبة التي حملت فيها الملوك إلى ~~مقابرهم على مقربة من تلك المركبات التي ms80 كانوا يذهبون فيها إلى مواكبهم، فتذكرنا كذلك أنه ~~يخلف الشقاء الهناء، وقد يخلف الفناء البقاء. فلو علم العاقلون من الملوك والأمراء والسادة ~~والعظماء أن السماء في الأفق قد تتصل بالغبراء، ولو فطنوا أن الرفيع قد يسفل، وأن نجمه قد ~~يأفل، لهونوا على أنفسهم نزعات الكبرياء، وخاطبوا الناس بلسان الناس، فإن لهم يوما تستبد ~~بهم فيه يد الحدثان، وتصير لهجتهم كما صارت لهجة ابن الخاقان. # | الرضا # القاهرة في 5 من أغسطس سنة 1926 ~~... في الأرض زهرة ناضرة، تشع من حولها هالة من الحسن والبهاء، قد تحسبها ابتسامة لماعة ~~كالأمل. وقد تحسبها مراحا تطمئن إليه العين، ويستريح إليه النظر. وقد تحسبها نورا ينبعث ~~من الأرض ليضئ بأشعة البشر ناحية من نواحي الوجود، وقد تحسبها عينا تتجه إلى السماء. ويلوح ~~من حولها الرجاء. # وفى الأرض كذلك زهرة ذابلة قد تحسبها مثالا للانقباض والكآبة. وقد تحسبها النجم الآفل، ~~والحسن الزائل، وقد تحسبها كلمة الانقطاع، أو تحية الوداع. # وربما كان السبب إلى نضرة الزهرة الباسمة ذلك الشباب الذي يتسلط على حياتها. وربما كان في ~~ماء الحياة الساري في أنسجتها، وربما كان في محيطها المندي الذي يدفع عنها أعراض الذبول، ~~ويبعد عنها زمن الأفول، ولكن أيا كان السبب، فإن الزهرة الناضرة تظل رمزا للبشر ~~والرضا. # وربما كان سبب انكماش الزهرة الذابلة مرضا أصابها، أو قيظا لفحها، أو هرما بلغ منها، ~~ومهما تعددت الأسباب فإنها تظل رمزا للانقباض والعبوس. ~~••• # مثل الإنسان الذي يفيض البشر في وجهه، وينطلق الرضا من محياه، مثل الزهرة الناضرة تبعث ~~الأنس إلى النفوس، والقرة إلى العيون، والانشراح إلى الصدور، ومثل الإنسان المكفهر الوجه، ~~المقطب الجبين، مثل الزهرة الذابلة، إذ يدعو النظر إليها إلى الأسى والسآمة. # أن الأول ليفهم لغة الإشراق، ويحن إلى السرور. أما الثاني فلا يعرف إلا الظلمة، ولا تنطلق ~~نفسه إلا إلى الديجور. الأول يطرب للغناء، ويتشوق لحنين الحداء. أما الثاني فلا يتسمع من ~~الوجود إلا صيحة الشوم، ونعقة البوم. الأول يأنس لزقزقة الأطيار، وحفيف الأشجار. أما الثاني ~~فيعبس للأقدار، وتسود ms81 في نظره أضواء الأقمار. # قد يجد العبوس لحالته تلك من الانقباض أسبابا. فتارة يحسبها من ضنك العيش، وتارة يتوهم ~~لها أسبابا من السقام، وأوهاما من الآلام، وتارة يحسبها في خيبة الرجاء، أو في شدة ~~البلاء، لكن لعل أدق الأسباب إلى سر حالته استعداده للجزع من الوجود، وخلوه من درع الرضا ~~ووقاية التسليم. # لو علم الإنسان حق العلم أن في قوة الإيمان بالأزل وقوانينه ما قد يخفف شدة شقائه، ووطأة ~~ضرائه، لما تردد في أن يأخذ طريق الفلاسفة الرواقيين، فآمن بما تنزل به إليه سنن الكون ~~بأرضه وسمائه وقبل الأمور بالرضا. ~~••• # روي أن النبي العربي سأل طائفة من أصحابه ما أنتم؟ قالوا: مؤمنون. فقال: ما آية إيمانكم؟ ~~فقالوا : نصبر على البلاء، ونشكر عند الرخاء، ونرضى بمواضع القضاء. فقال النبي: مؤمنون ورب ~~الكعبة. # وروى الغزالي فيما روى أن عابدا عبد الله دهرا، فأرى في المنام أن فلانة الراعية تكون ~~رفيقة له في الجنة، فسأل عنها العابد إلى أن وجدها، ثم استضافها لينظر إلى عملها الذي ~~تستحق عليه نصيبها من الجنة والخلود، لكن العابد كان في دهشة من أمرها عندما كان يبيت ~~قائما وتبيت نائمة، ويظل صائما وتظل مفطرة، فقال لها العابد: أما لك عمل غير ما رأيت؟ ~~فقالت الراعية: ليس لي والله إلا ما رأيت. فألح العابد عليها في أن تتذكر ما لها من سجايا ~~وخصال، فقالت المرأة: لي خصيلة واحدة، هي أني إن كنت في شدة لم أتمن أن أكون في رخاء، وإن ~~كنت في مرض لم أتمن أن أكون في صحة، وإن كنت في شمس لم أتمن أن أكون في الظل، فوضع العابد ~~يده على رأسه عندئذ وقال: هذه والله خصلة يعجز عنها أكبر العباد. ~~••• # وصفوة القول أنه إذا كان من حق الإنسان أن يضجر بما هو واقع، ويعبس ويثور مما يؤلمه من ~~الحياة ويؤذيه، وإذا كان من حقه كذلك أن يكون طموحا إلى ما ينبغي أن يكون، غير قنوع بما هو ~~كائن، فإن من واجبه أيضا أن يبتسم للعيش، ms82 ويعرف البشر والرضا، في حوادث الدنيا وأمور ~~القضاء. # | عام 27 # القاهرة في أول يناير سنة 1927 ~~... وأنت يا عام تقبل على الدنيا، ثم تنطوي عنها. وقد انطوت من قبلك أعوام، وتقدمت من ~~قبلك أيام! فماذا تراك شاهدا من الوجود؟ # شيء يحول، وشيء يزول. # زهر يتفتق، وأمل يتحقق. # عين تفيض، وأخرى تغيض. # طير يغرد ويحن، وطير ينوح ويئن. # نبت يتطلع للنماء، وشجر يرشحه الذبول للفناء. # كل ذلك، وأكثر من ذلك يا عام، سوف تشهده! ثم قد تقبض من جعبتك قبضة تلقيها في الكون ~~مصادفة، وتنثرها نثرا من غير ترتيب، فبعضهم يصب من نثرتك ابتسامات مشرقة، وبعضهم يصيب منها ~~دموعا مترقرقة. ومنهم من يصيب إقبالا، ومنهم من يصيب إقلالا. ومن يصيب السلام، ومن يصيب ~~الخصام. وقد تأتي يا عام بالعجائب، وقد تظهر فيك يا عام الغرائب، وقد تجرى في مجراك ~~المتناقضات، والمتشابهات!! ~~••• # فما أنت إذن أيها القادم، الذي يدرج إلى الوجود في منتصف ليلة السبت من آخر العام ~~المنصرم؟ # بل ما أنت أيها الجديد الذي تتسع للقائه أذرع المتفائلين بالترحيب، وتوسد له صدور الشباب ~~الوثاب للحب والأمل؟ # بل ما أنت أيها الكائن الذي يستقبله الناسكون في مناسكهم بألوان الصلوات، وأنواع ~~العبادات؟ # بل ما أنت يا هذا الذي تحتشد له أقوام من الفرنجة في بيعهم، فيهللون له تهليلا، ويرتلون ~~له بكرة وأصيلا. # بل ما أنت يا هذا الذي تحتشد لطلعته. # هواة متاع العيش في زمن الصبا # ومختلسو اللذات قبل فواتها # فيشرب شاربهم، ويطرب من يطرب. # بل ما أنت أيها المتمثل في جنح الليل، بمسوحك السوداء لثكلي مسهدة، تذكر عزيزا غاب محياه ~~في الثرى. # ما أنت، ما أنت؟ # ما أنت إلا أحدى دورات الفلك الدوار، وكم للفلك من دورة، وما أكثر ما يدور ~~الفلك! # دورة يجعلها الناس مقياسا لبرهة من زمن بعيد المدى. دورة لا قيمة لها في ذاتها، وما ~~أصغرها إذا قورنت بالدهر، والدهر ممدود غير محدود. إنك لصغير صغير! ضئيل ضئيل! ~~••• # على أنك يا عام قد يأخذك الغرور، إذ تذكر لنفسك أنك ms83 بعض الزمن الذي يعمل في تتابع ~~الحادثات، وتوالي النازلات. # ويشقق الأرض صدوعا، ويهبط الجبال خشوعا. ويزلزل الأرض زلزالها، ويخرج من الأرض أثقالها. ~~ويدك العروش العالية، ويجدد الآمال البالية. # قد يأخذك الغرور وتتولاك العظمة! ولكن لا عظمة لك حقا مهما تعاليت إلا بسرين، يخلعهما ~~عليك ابن آدم من أسرار نفسه: الاستكانة للعظمة المطلقة، وقوة الرجاء في المال. # فأما الأول فإنك تخر خاشعا عندما يهتف لك من أعماق الأبدية صوت يصيح: ما المبدأ وما ~~المصير؟ # فنقول لله الأمر جميعا. # وأما الثاني فالرجاء الذي تفيضه الإنسانية من ضميرها لتلقيه في طياتك وتوجهك في سبيل ~~الخير، في سبيل الكمال. # | الإيثار # القاهرة في 6 من فبراير سنة 1927 # في مثل هذا اليوم، من الأسبوع الفائت، أشرت على صفحة هذه الجريدة، إلى أن المنقب في ~~أطلال القديم يجد بين الترب تبرا، وفى مبعثر الحصا ذهبا. وكنت أحقق لنفسي ما أشرت إليه، ~~فأخرجت من خزانة كتبي بعض الأسفار ذات الورق الأصفر. ذات الطبع الكريه، ذات الهوامش ~~والحواشي، وكلها، أو أكثرها مما وضع المتقدمون عليهم الرحمة ولهم الفضل. وكلما فسحت لي ~~مشاغل الحاضر، تناولت هذه الأسفار لأسمع منها بعض نغمات الغابر، واليوم أحببت أن أشرك معي ~~القراء في بعض ما سمعت. ~~••• # قرأت للغزالي ما يأتي: «قال حذيفة العدوي: انطلقت يوم اليرموك، أطلب ابن عم لي، ومعي شيء ~~من ماء، وأنا أقول: إن كان به رمق سقيته، ومسحت به وجهه، فإذا أنا به، فقلت أسقيك؟ فأشار ~~إلي أن نعم، فإذا رجل يقول آه، فأشار ابن عمي أن انطلق بالماء إليه. قال: فجئته، فإذا هو ~~هشام بن العاص، فقلت: أسقيك؟ فسمع به آخر، فقال آه. فأشار هشام أن انطلق به إليه. فجئته، ~~فإذا هو قد مات، فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات، فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات. رحمة ~~الله عليهم أجمعين». # ثم قرأت ما يلي: «قيل: خرج عبد الله بن جعفر إلى ضيعة له، فنزل على نخيل قوم فيه غلام ~~أسود يعمل به، فإذا أتى الغلام ms84 بقوته دخل الحائط كلب، ودنا من الغلام، فرمى إليه الغلام ~~بقرص فأكله، ثم رمى إليه الثاني والثالث فأكلهما، وعبد الله ينظر إليه. فقال: يا غلام كم ~~قوتك كل يوم؟ قال: ما رأيت. قال: فلم آثرت به هذا الكلب؟ قال: ما هي بأرض كلاب، أنه جاء من ~~مسافة بعيدة جائعا، فكرهت أن أشبع وهو جائع». ~~••• # وإن الفكر لتسوق الفكر، كما أن الذكريات تبعث الذكريات، فرحم الله ذلك الزمن الذي يروي ~~لنا أن من أهله من كان يؤثر حياة غيره على حياة نفسه، فبمثل هؤلاء سادت الشعوب. ورحم الله ~~ذلك الزمن الذي كان يعتقد الناس فيه بالفضائل، ويؤمنون بأن الله يبوئ جنته من ينكرون ~~الأثرة، ويعملون للإيثار؛ بل رحم الله ذلك الزمن الذي فيه كان يرى بعض أهله، أن الجدير بأمر ~~من الأمور أولى به أن ينزل عليه هذا الأمر، وأن الأحق بشيء أولى به أن يصيب ذلك الشيء؛ لأنه ~~حقه. رحم الله ذلك الزمن الذي قدر فيه الإيثار قدره. # والآن نجد الأثرة تسمع صوتها، فيخفت صوت الإيثار. يزاحم عديم الكفاءة الكفء ليقصيه بمختلف ~~الحيل الدنيئة عن منصبه، وينزل بالفارس المغوار بأحط الأساليب عن مركبه. لا يقنع الغني ~~الميسور بيسره، فيتلمس بناء ثروة من مال الفقير ويزيده عسرا على عسره. وأين ذلك الزمن ~~الفائت وأين فضائله أين؟ ~~••• # بمثل أساليب الغابر الفاضلة، تعتز الدول وتسمو الأمم، وبمثل الأثرة والأنانية الحاضرة تذل ~~الحكومات، وتضمخل الشعور، ولو فشا في الناس خلق الإيثار لما تنازعوا في وزارة، ولا تنافسوا ~~في إمارة!! # | الدس والحسد # القاهرة في 17 من فبراير سنة 1927 # تفشى الناس خلق ممقوت، صورته مزعجة ومنظره دميم. يتزين هذا الخلق أحيانا بزي زاهي اللون، ~~فيخفي جمال لونه أكثر دمامته، وينتحل لنفسه أحيانا اسما غير اسمه المنكر، فيلقاه الناس ~~بالصدر الرحيب، كأنه العزيز الحبيب. لكنهم وا أسفا مخدوعون عن أمره، غافلون عن مخبره، ~~مغترون بمظهره. # ذلك الخلق هو خلق الدس والمكر السيئ. ~~••• # تشاكل أحيانا صورة هذا الخلق صورة القدرة والمهارة، فيخيل للناس أن صاحبه ماهر؛ لأنه ms85 ~~أوقع غيره في مكيدة يعسر على هذا الغير أن يخلص من شرها المستطير، أو يبدو للناس أن صاحبه ~~قادر؛ لأنه يهم الواضح وعقد المحلول، وتارة يقال لصاحبه داهية؛ لأنه يستخدم شتى الأساليب ~~وأنواع الحيل ليظفر بغرضه الباطل، وتارة يسند لصاحبه الذكاء؛ لأنه يتخذ مختلفة الوسائل، ~~ويعمل بشتى الأسباب للوصول إلى ما يريده من السوء، وتارة يوصف صاحبه بالسياسة، لأنه يسوس ~~الأمور بلباقة وكياسة ليصل إلى ما تقنع به شهوته وترضى به أنانيته. # لو أنصف الناس حقا لضنوا بهذه العبارات على غير معانيها التي رسمت لها، وحبست عليها، ~~ولا حرفوا تلك الصفات، وجعلوها لغير حقيقة موصوفها. وقصارى القول أنه لو أنصف الناس لسموا ~~الأشياء بأسمائها، واستعملوا كلمة الدس لهؤلاء الذين يتسترون بثياب مستعارة، من الدهاء ~~والحذق والمهارة، ليسيئوا إلى هؤلاء الذين لا يؤذون أحدا، وليمنعوا الخير عمن يستحقونه، ~~وليدفعوا الشر إلى الذين طابت نفوسهم، الذين لا يحذرون كيد الغادرين، والذين يستأمنون ~~الناس؛ لأنهم غير ماكرين. ومما يذكر لهذه المناسبة ما قرأته في كتاب من كتب الأدب. ~~••• ~~«قيل إن رجلا من العرب دخل على المعتصم فقربه، وأدناه، وجعله نديمه، وصار يدخل على حريمه ~~من غير استئذان. وكان له وزير كثير الحسد، فغار من البدوي وحسده، وقال في نفسه لا بد من ~~مكيدة لهذا البدوي، فإنه قد أخذ بقلب أمير المؤمنين، وأبعدني منه، فصار يتلطف بالبدوي حتى ~~أتى به إلى منزله، وصنع له طعاما وأكثر فيه من الثوم، فلما أكل البدوي قال له احذر أن تقرب ~~من الأمير فيشم منك رائحة الثوم، ثم ذهب الوزير إلى أمير المؤمنين، فخلا به وقال: إن ~~البدوي يقول عنك للناس: إن أمير المؤمنين أبخر. فلما أتى البدوي طلبه المعتصم، فلما قرب منه ~~جعل كمه على فمه مخافة أن يشم الأمير منه رائحة الثوم، فلما رآه أمير المؤمنين وهو يستر فمه ~~بكمه قال: إن الذي قاله الوزير عن البدوي صحيح، فكتب المعتصم كتابا إلى بعض عماله يقول ~~فيه: إذا وصل إليك كتابي هذا فاضرب عنق حامله، ثم دعا ms86 البدوي، ودفع إليه الكتاب، وقال له: ~~امض به إلى فلان، وجئ سريعا بالجواب، فامتثل البدوي ما رسم به المعتصم، وأخذ الكتاب، وخرج ~~به من عنده، فبينما هو بالباب إذ لقيه الوزير فقال له: أين تريد؟ قال أتوجه بكتاب أمير ~~المؤمنين إلى عامله فلان، فقال الوزير في نفسه أن هذا البدوي ينال من التقليد مالا جزيلا. ~~فقال له ما تقول فيمن يريحك من هذا التعب الذي يلحقك في سفرك ويعطيك ألفي دينار؟ فقال له: ~~أنت الكبير وأنت الحاكم، ومهما رأيته من الرأي أفعل. فقال: هات الكتاب، فدفعه إليه، وأعطاه ~~الوزير ألفي دينار، فركب الوزير، وسار بالكتاب إلى المكان الذي هو قاصده. فلما قرأ العامل ~~الكتاب أمر بضرب عنق حامله. # وبعد أيام تذكر الخليفة أمر البدوي، وسأل عن الوزير، فأخبر بأن له أياما ما ظهر، وأن ~~البدوي بالمدينة مقيم، فتعجب المعتصم من ذلك، وأمر بإحضار البدوي، وسأله عن حاله، فأخبره ~~بالقصة التي اتفقت له مع الوزير ... # فقال المعتصم: قاتل الله الحسد بدأ بصاحبه فقتله، ثم خلع على البدوي، واتخذه مكانه ~~وزيرا». ~~••• # والخلاصة أن الدس والحسد طالما أوقعا في الندامة، وأبعدا عن مواطن السلامة. فهل لأربابهما ~~من عظة إذا هم قرؤوا ما تقدم، ثم قرأوا: # ولا يحيق المكر ~~السيئ إلا بأهله # وهو حكم جاء به الكتاب الأكرم، وجرى به في شؤون ~~الخلق القانون الأعظم. # | نصف شعبان # القاهرة في 20 من فبراير سنة 1927 # في هذا الشهر، في ليلة الخميس الفائتة مثلت لفئة من الناس ليلة لها ميزة عندهم على ما ~~تقدمتها من ليال وعلى ما يعقبها من ليال، تلك ليلة النصف من شهر شعبان. # لكن شعبان قد حل على كثير من الناس دون أن يتنبهوا لمقدمه، ودون أن يحفلوا بمجيئه، وقد ~~أرخت لياليه سدولها على جهات من المدينة دون أن يظهر في هذه الليالي أثر من آثاره. وقد ~~بلل طل شعبان حدائق بعض القصور دون أن يشعر أهلها بأن هذا الطل والندى يغاير كل طل ~~وندى. وقد غمرت أضواء بدره كثيرا من المساكن ms87 دون أن يكون في ضياء البدر ما ينبئ بشيء خاص ~~عن شهر شعبان؛ وذلك لأن الحياة الاجتماعية وأحوالها أنست الناس شهورا بشهور، وبدلت ~~التواريخ بتواريخ، وأظهرت أياما ومسخت أياما. وهذا من شؤون الحياة، والحياة تظهر وتخفي، ~~وتمسح وتثبت، وللحياة الاجتماعية سلطان قادر، وحكم قاهر. # وبينما كنت أسير في ناحية من المدينة طبع عليها مظهر الحياة الغربية، إذا أقبل علي رجل ~~معمم رث البزة سقيم المنظر، وفى يد الرجل صحف فيها دعاء نصف شعبان، وألح علي أن أبتاع ~~من بضاعته. ولست أدري ما الذي حمله على أن يتوجه ببضاعته ناحيتي، دون جماعة من المطربشين، ~~كانوا على مقربة مني ومنه، لولا أن رآني أسير بجانب شيخ صديق، ينبعث من وجهه نور الإيمان، ~~وتبدو تقوى الله على محياه . ~~••• # شريت من الرجل صحيفة من صحفه وطويتها بجيبي، ثم مضيت في سبيلي، ومضى الرجل في سبيله في ~~هذا الحي الأوروبي، على أنني تذكرت عندئذ أننا الآن في شهر شعبان، وخيل إلي أن بائع ~~هذه الدعوات رسول غريب من قرية بعيدة نائية إلى هذه الجهة التي كان يسعى فيها بصحفه، ويعرض ~~على الناس بها بضاعته؛ بل خيل إلي أنه رسول الغابر إلى الحاضر؛ ليذكر أن بين الغابر ~~والحاضر رابطة لا تنقطع وحبلا موصولا؛ بل خيل إلي أن الرجل وما يحمل كأنه صورة من تلك ~~الصور التي تبعث إلى النفس التأمل، فتحرك فيها المستقر من الخواطر. ~~••• # الناس لاهون بأعمالهم في الحي الفرنجي من المدينة عن شعبان. والقهوات غاصة في ليلته بمن ~~هم في شغل عن دعواته. وأهل السمر يسمرون في نواديهم. وأهل الخلاعة يقطعون الليل، أو شطرا ~~من الليل في ملاهيهم. ومع ذلك فالرجل الذي جاء من حي وطني في بعض منازله، يقرأ القرآن ~~احتفاء بليلة شعبان، ويصلي المصلون، ويبتهل المبتهلون، كأنه يقول لهذا الحي الأوروبي من ~~المدينة ولمن من أهله لا يدرون ما شعبان وما ليلته. أن الناس جميعا يتشابهون عند الشدائد، ~~وتدق قلوبهم على وتيرة واحدة في المحن، مهما اختلفت سحنهم، وتغيرت شهورهم، وتعددت طقوسهم، ms88 ~~وأنه عند دقات قلوبهم المتشابة في الخوف والرجاء يهتفون لله بمعنى واحد، لا يخرج عما في ~~صحيفة دعاء نصف شعبان: اللهم أنك ظهر اللاجئين، وأمان الخائفين، وجار المستجيرين. # | العفر الطاهر # الأحد في 20 من مارس سنة 1927 # متجملة أكثر مما هي جميلة، متطرفة أكثر مما هي ظريفة. دون الطويلة على أنها ليست ~~بالقصيرة. كانت ترتدي جلبابا من الحرير السماوي الشفاف، وقد شمرت عن بعض ساقيها الدقيقتين، ~~إذ جوربتهما بجورب يروح لونه بين صفرة بعض المرمر وحمرة بعض الورود ... ارتفع كم جلبابها ~~ليكشف عن معصمها المبيض، وكانت مشيتها بطيئة في شيء من التثاقل والعجب والعظمة، وليس يحول ~~صدرها المرتفع دون تموج الجسم وتثني الخصر، وحيث كانت تسير تضوع منها شذى المسك والياسمين. ~~أما عيناها فكانتا مكتحلتين بالسواد المصنوع الذي تعدى بعضه باطن الجفنين، ومآقي العينين. ~~وتعلو بشرة وجهها طبقة من المسحوق الأبيض الذي يمازجه آخر أحمر، وعلى رأسها قبعة عليها طاقة ~~من الزهر المصنوع. # أما صاحبها فكان رداؤه أسود أنيقا وقبعته من النوع الرخي السخي. حليق اللحية، أزالت ~~الموسى طرفي شاربيه، وشذب المقص ما بقي منهما، ولم يذر إلا ما هو دون فتحات الأنف. منديله ~~الأبيض يطل مشرئبا على صدره بطرفين يشرفان إلى العلو، وفي فتحة من فتحات معطفه زهرات ~~باسمة، وفي يسراه عصا كأنها تعتمد على عنايته في صيانتها أكثر مما يعتمد عليها في ~~صيانته. ~~••• # السيد والسيدة كانا ينتظران القطار على إفريز إحدى محطات الضواحي ويسيران، ثم متبخترين ~~مقبلين مدبرين. # وقبل وصول القطار بدقائق قليلة أقبل من خلف الإفريز فاعل من الفعلة، كأنه نبت من الأرض ~~طفرة واحدة. وكان حافي القدمين، مفتول العضل، يرخي لحية سوداء قصيرة مغيرة، عليه سروال يظهر ~~ساقه داكنة، وفوق قامته قميص استحال بياضه إلى لون التراب، وعلى رأسه شبه عمامة، وقد أرسل ~~على كتفه جلبابا أسود يظهر فيه مزيج من الجير والرمل والحمرة. هو من هؤلاء العمال الذين ~~يعلمون في تشييد المنازل، أو حفر الجنادل. وكأنه حين رأيته كان قد فرغ من عمله لساعته؛ لأن ms89 ~~آثار الجهد تبدو عليه. ويظهر أن الرجل المكدود كان مستغرقا في فكره، أو أوصابه، فلا يلفته ~~ما أمامه ولا ما حوله. # خطا الفاعل خطوتين، أو ثلاثا أمام السيد الأنيق والسيدة المتأنقة، ثم قبل أن يرتدي ~~رداءه المسدل على كتفه أخذ ينفضه مما علق به من العفر. وما كاد يلوح به مرة، أو اثنتين في ~~الهواء حتى لحقه السيد الأنيق صائحا، متوعدا، مهددا، رافعا عصاه اللينة ليهوى بها على ~~المنكبين الصلبين الشديدين، ولكن الفاعل - وقد أخذه نوع من الذعر - لم يفه إلا بعبارة ~~واحدة: # هذا تراب طاهر. أنه لتراب طاهر! # حقا لم يكن صاحبنا الفاعل ليعلم أن وراءه المتأنقة المعفرة بالمسحوق الأبيض؛ ليتقي الشر ~~ممن أزعجه اليسير من عفر العمل. وحقا لم يكن صاحبنا السيد ليتذكر وقتئذ أن أمثال القصر ~~الأنيق الذي يسكن إلى صاحبته فيه، قد ترك تشييده في ثوب العامل ما من أجله أهين ~~وانتهر. # ألا فأرخ بربك ساعديك أيها الملوح بعصاه، المشمئز من تراب العامل. وأطرق إجلالا، فإن ~~الغبرة التي تجلل ثوب هذا المنتج الكادح، وتغمر وجهه أطهر وأكرم عند الله من تلك المساحيق ~~التي ذرتها صاحبتك على وجهها؛ لتجعل منها عليه وجها آخر. # | التصنع والتواضع # القاهرة في 27 من مارس سنة 1927 # صاحبي مفرط الشغف في أن يعد من أهل الحسب، وله ولع بأن يسند إلى أهل النسب دون أن يكون من ~~النبلاء في أرومته، ودون أن يتفضل الله عليه ببعض تلك الملامح التي قد يتميز بها أهل ~~الأنساب، ليس بذي القوام السمهري الرشيق، وليس بذي الأنف الأقنى، أو الأشم. وليس بذي ~~الراحتين الرخصتين الصغيرتين، وليس في طبيعة صوته غنة، وليس فيها صحل. ليس بذي الملامح التي ~~تنم عن وراثة في النعمة وسالف الطمأنينة، لكن صاحبي مع ذلك يتألق في لبسته، ويتعالى في ~~مشيته، كأنه يتطلع إلى أن ينطبق عليه قول ابن الأعرابي: # شبهت «مشيته» بمشية ظافر # يختال بين أسنة وسيوف # هو يشمخ بأنفه، وأنفه أدنى إلى أن يكون غليظا أفطس، وهو يجمل يده بتقليم الأظافر ~~وطلائها، ms90 مع أن أظافره تنبت في أصابع دق أسفلها، وغلظ عاليها. تتفرع من يده الرحوية الشكل. ~~وصاحبي إذا أراد أن يتكلم يبحث عن غنة الصوت، فينزل صوته إلى الخنف، ويبحث عن الصحل، ~~فينقلب صوته إلى النعير. أما إذا ذهب إلى قهوة فهو لا يذهب إلا إلى حيث يرابط أبناء الذوات، ~~ويتعفف عن أن يجلس في القهوات التي يؤمها أهل الحرف، وأهل التجارة وسادتنا من أرباب المعاش ~~وصغار الموظفين. وإذا ذهب إلى عزاء فإنه لا يهدأ باله إلا إذا استطاع أن يتخطى الصفوف ويضع ~~نفسه حيث يتقدم مع المتقدمين. كل ذلك وصاحبي ينسى أن الناس لا يجهلون منزلته، فلا يغنيه أن ~~يتقدم في الصفوف ولا يغنيه أن يحط في أكبر القهوات، وليس يضيع معالم حقيقته تشامخ الأنف ~~والتهادي في المشية وتصنيع الصوت والتجبر في معاملته مع صغار المرتزقة، وتنكر ذويه ممن لا ~~ترتفع بهم سمعته، ولا تروج بذكرهم بضاعته. ~~••• # لأمثال صاحبي الذين يعولون على التصنع والتجمل والتطرف في تغيير رأى الناس فيهم، أريد أن ~~أذكرهم بقول، وأن أروي لهم قصة. فأما القول فلابن الخطاب - رضي الله عنه - حين نظر إلى ~~صفوان مبتذلا لأصحابه فقال: هذا رجل يفر من الشرف والشرف يتبعه. وعلى هذا فالشرف كما أنه ~~يتبع الرفيع، فهو يفر عن الوضيع مهما تشارف وترافع. # وأما القصة فيروى أن عمر بن عبد العزيز أتاه ليلة ضيف، وكان يكتب، فكاد السراج يطفأ. فقال ~~الضيف: أأقوم إلى المصباح فأصلحه. فقال عمر: ليس من كرم الرجل أن يستخدم ضيفه. قال الضيف: ~~أفأنبه الغلام؟ فقال عمر: هي أول نومة نامها، ثم قام عمر، وأخذ البطة، وملأ المصباح ~~زيتا. فقال الضيف: أقمت أنت بنفسك يا أمير المؤمنين. فقال عمر: ذهبت وأنا عمر، ورجعت وأنا ~~عمر ما نقص مني شيء، وخير الناس من كان عند الله متواضعا. # | أيام العيد # القاهرة في 10 من إبريل سنة 1927 # أيام الأعياد هي دورات للفلك كغيرها من دورات الفلك. لا يتغير فيها نظام السماء في شيء، ~~ولا تتغير حركة الأرض قيد شعرة ms91 عن مجراها. الكواكب تسير في الأفق الأعلى وفق قانونها، كما ~~شاء الله أن تسير، والأرض كما كان الأمر منذ الأبد، ما برحت تستقبل الجديدين، فتعبس تارة ~~لوجه الليل، وتبتسم أخرى لوجه النهار. وما زالت الشمس كما يتصورها الناس، تبرز من خلف ستارة ~~الأفق من فجر كل يوم، ثم تسبح لتتوسط السماء، ثم تنحدر رويدا رويدا حتى تغوص وتغيب، ~~ثم تعود، فتطفو مرة أخرى؛ لتري الناس وجهها كأنه أصفر رهبة من عمق الفضاء وملكوت الله لا ~~يذرع ولا يحد. ~~••• # لكن إذا كان عالم الأفلاك لم يتخلف عن نواميسه في أيام العيد، فهناك عالم آخر ظهر فيه ~~التغير واضحا جليا. ذلك هو عالم النفوس. # توافق الناس في أيام العيد أن تهتز نفوسهم هزات شديدة، اصطلحوا على تسميتها بالسرور أو ~~الفرح. ومن شأن تلك الهزات أن تحدث في أمور الناس غير ما ألف الناس في كل يوم. تحدث في ~~المدن والقرى حركة أشد، وتحدث في لباس الكثيرين أناقة وكياسة، وتحدث في وجوههم زهاء ~~وبشرا، وتجري على ألسنتهم دعوات وشكرا. ~~••• # في مسافة من الطريق لا تزيد عن الميلين شهدت أكثر مظاهر العيد. رأيت بعض الأصدقاء يقبلون ~~على بيت صديق لهم. وجميعهم يحملون على ألسنتهم دعوة لأعزب الدار، أن يهيئ له الله ما تصبو ~~إليه نفسه من عروس صالحة، ولتلميذ الدار أن يعينه الله على أداة الامتحان ونيل الشهادة، ~~ولشيخ الدار أن يتقبل الله منه تقواه، ويمتعه بزيارة حبيبه الرسول، ولعريس الدار أن يرزقه ~~الله بخير الخلف. # الناس جميعا يعلمون أمر الدعوات في كل يوم من أيام العام؛ لكنهم قد توافقوا أن يرسلوها في ~~العيد حارة صادقة، كأن الله قد خصص ذلك اليوم لدعوات عباده ليتقبل منها ما يتقبل، وكأن ~~الناس ينتظرون في هذا اليوم أكثر منه في كل يوم رحمة الله عليهم ورأفته بهم. # ثم رأيت بعد ذلك عربة فيها صبية يصيحون ويصخبون، ويضجون، وكل دلائل السرور بادية عليهم. ~~أوردتهم بالدماء مترعة، وأنفاسهم مسرعة، وحركاتهم كثيرة ومنوعة وضحكاتهم غزيرة، ~~ووجوههم مشرقة مستديرة، وكل ذلك ms92 من آثار الفرح. والناس تعلم حقا في كل يوم من أيام ~~العام، ما السرور والفرح، لكنهم توافقوا في أيام العيد على أن يستعينوا بمظاهر الفرح على ~~خلق الفرح. # ثم رأيت بعد ذلك عائلة تتكون من أب يسير آخذا بيد طفله يجري وراءه، ووراءهما أم ~~يتقدمها ابنتان لابستان جلبابيهما الحمراوين الجديدين، وفي أيديهما بعض ما يبيع المرتزقة من ~~حلوى ولعب. وما كان أشد هذا المنظر وقعا في نفسي، إذ بدت لي عين الأم الرءوم لا ترى في هذه ~~الطرقات الهائجة المائجة إلا غبطة أبنائها في ثيابهم الجديدة فرحين مستبشرين. آه لو علم ~~الذين يخلعون كل يوم ثيابهم الغالية ليستبدلوها بغيرها من الثياب الجديدة الغالية قيمة ~~الثوب الجديد عند من يجددونه لأبنائهم مرة في كل عام!! # ثم رأيت كذلك عربة يركبها شباب من المستهترين يرقصون، ويطربون، ويشربون، ويتمايلون ~~ويترنحون، وفي القول يبتذلون، والناس حقا يعلمون في كل يوم من أيام العام رذيلة ~~الاستهتار؛ لكنهم توافقوا إكراما للعيد أن يتسامحوا في بعض مظاهر الاستهتار. ~~••• # أيام العيد إذن تتجلى في عالم النفس في نزعات مشتركة، وتوافق بين الناس على أن يبتهلوا ~~ويفرحوا ويوسعوا على أنفسهم ويتسامحوا. # والناس يهيئون أعيادهم لأنفسهم بأنفسهم دون أن تتغير الأرض والسماء بما يعملون، ففي الكون ~~تظل مواطن اللذة، وفيه تظل مواطن الألم. وأنك حيث ترى في يوم العيد الموسر يتبختر في جديد ~~كسائه مطمئنا في فرحه وغبطته، قد ترى المعسر الكادح في ثيابه البالية لا يفكر إلا في عسره ~~وشقوته! # وإنك في النهج الذي يجتمع فيه المجتمعون، ويعيد فيه المعيدون، قد تجد مكانا يفترق فيه ~~المفترقون، ويشيع فيه المشيعون!! # إن أشد الناس استفادة من الحياة من استطاع أن يجعل جلبة آمالها وأفراحها، تستر ضجيج ~~آلامها وأتراحها. # | الإغراق في المجاملة # القاهرة في 17 من إبريل سنة 1927 # من الناس من تفيض الطبيعة على نفوسهم، وتلامس فعالهم مظاهر الظرف والحياء، فيكرمون من ليس ~~بكرمهم جدير، ويتلطفون مع من ليس بلطفهم أهلا، فإذا كان من قواعد الظرف والكرم أن يتلطف ~~المرء بمن ms93 لم يجعل نفسه موضعا للكرامة والإحسان، فمن العدل أن نكافئ أهل الخير بوفرة ~~الإقبال عليهم، وأهل الشر بمظاهر الانصراف عنهم. # قال المتوكل لأبي العيناء: إلى كم تمدح الناس وتذمهم؟ فقال: ما أحسنوا وأساؤا. # ولقد يكون في الإقبال على من لا يستحق الإقبال والمجاملة تفريط في حق الجماعة وفي حق من ~~يجامل. أما في حق الجماعة فإن وضع الدنيء الوضيع في حسن المعاملة مكان الرفيع، فمن شأنه ~~أن يعمل في تقديم الأشرار وتأخير الأخيار. ومن حق الأمم أن يتقدم أخيارها، ويتوارى ~~أشرارها. # وأما في حق الشخص الذي يجامل؛ فذلك لأن صاحب العيب إذا لم يشعر بعيبه ربما زادت نفسه مع ~~الزمن سوءا. وإذا لم يذكر الكريم بمحامده ربما ضعفت في نفسه محامده. # قال خالد بن سالم: دخلت على أسامة بن زيد فأثنى علي ثناء حسنا، ثم قال لي: إنما ~~حملني على أن امتدحك في وجهك أني سمعت النبي يقول: إذا مدح الإنسان في وجهه ربا الإيمان في ~~قلبه، ولقد قيل في الحديث: اذكروا الفاسق بما فيه. ولم يكن ذلك من الاغتياب. ~~••• # ولربما كان من أجمل ما اعتمد عليه الدين المحمدي في إصلاح الجماعة، أنه جاء بقاعدة الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى كان في الإسلام بذلك نظام الحسبة، واشترط بعضهم في المحتسب ~~الذي يحق له أن يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر أن يكون مأذونا في ذلك من الحاكم، ورأى بعض ~~العلماء فساد هذا الشرط، فاثبتوا لآحاد الرعية من عقلائها حق الحسبة من تعنيف الغير في سبيل ~~المصلحة، ومن كسر الملاهي ومن إراقة الخمور وما إلى ذلك مما كان السلف الصالح يستبيحون عمله ~~للخير والمصلحة. ~~••• # روي عن حيان بن عبد الله قال: تنزه هرون الرشيد بالدوين ومعه سليمان بن أبي جعفر فقال له ~~هرون: قد كانت لك جارية تغني فتحسن، فجئنا بها. قال: فجاءت الجارية فغنت، ولكن الخليفة لم ~~يحمد غناءها. فقال الخليفة ما شأنك يا جارية؟ فقالت الجارية: ليس هذا عودي، فقال هرون: ~~للخادم جئنا بعودها. قال: فجاء الخادم بالعود، ولكنه ms94 وجد في طريقة شيخا يلقط النوى، فصاح ~~الخادم به ليفسح له الطريق، فرفع الشيخ رأسه فرأى العود، فأخذه من الخادم، فضرب به الأرض ~~فكسره. حينئذ أخذ خادم الخليفة الشيخ إلى صاحب الشرطة، وطلب إليه أن يحتفظ به؛ لأنه طلبة ~~أمير المؤمنين، ثم ذهب إلى مولاه الخليفة، وقص عليه الخبر، فاستشاط الخليفة وغضب، واحمرت ~~عيناه فقال له سليمان ابن أبي جعفر: خفف عنك الغضب يا أمير المؤمنين، وابعث إلى صاحب الشرطة ~~بضرب عنق الشيخ فقال الأمير: لا، ولكن نبعث إليه ونناظره، فلما أحضر الشيخ أمام الخليفة قال ~~له: يا شيخ، ما الذي حملك على ما صنعت؟ فقال الشيخ: إني سمعت آباءك وأجدادك يقرأون هذه ~~الآية على المنبر: # إن الله يأمر بالعدل والإحسان ~~وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر ~~والبغي # وأنا رأيت منكرا فغيرته ... فلم يكن من الخليفة الكريم بعد ذلك إلا ~~أن أمر له بجائزة. ~~••• # إذا لم نستطع وفقا لآداب عصرنا وعرفنا أن نكون في شجاعة الشيخ المحتسب لنجهر للعائب ~~بعيبه، فلا أقل من ألا نسوي في مظاهر المجاملة بين الأخيار وبين الأشرار. # | القانون الخلقي وجلاله # الأحد في 26 من يونيه سنة 1927 # كثيرا ما يقطع الغافلون من الناس أطوال الأرض وأعراضها، ويسلكون مسالكها، ويذرعون سبلها، ~~وتمر أمام أعينهم مختلف المشاهد وأجناس الناس - وكم في نفوس الناس من فصول نقرأ منها رواية ~~الحياة العظيمة - لكن دون أن يتنبهوا لأمر دقيق من دقائق هذه الحياة. ودون أن يصيبوا موعظة ~~مما يشاهدون. # وكثيرا ما تتجلى للناظر المتبصر صور من الحياة ظاهرة جلية في مجلس ضيق محدود يغشونه، ~~أو من حيث تسترق أسماعهم قولا لطيفا، أو حديثا طريفا، وقد ينزع اليقظون مما يحيط بهم ~~زبدة من زبد الحياة، أو عبرة من عبرها تخلص لهم، كما يخلص المعنى الجامع من القول الطويل ~~عند السامع اليقظ. # وإليك صورة تجلت لي، وظهر لي معها جلال القانون الخلقي: # فى عربة من عربات الترام، الذي أكاد أركبه كل يوم لأذهب إلى عملي، اجتمعت فئة من ~~الراكبين، فيهم أم ms95 مصرية وبجانبها طفلها الصغير، وفيهم بعض رجال من أعمار مختلفة، وفيهم ~~سيدة خليعة، وفيهم عامل الترامواى. # أما الأم فكانت مثلا في الاحتشام توجه إلى صبيها نظرات الحنون، وكانت تارة تصلح له من ~~ملبسه، وتارة أخرى تحدثه في وداعة ورحمة. بالاختصار كانت كأنها ترعى فيه أملها المرتجى، ~~وسعادتها النابتة، ونعمتها السابغة، فلا تكاد نفسها وحركاتها تتوجه إلا إليه وإلى ما ~~يهمه. # وأما الرجال الجالسون، فكان بعضهم مكبا على المطالعة في الصحف، وبعضهم يتحدثون فيما ~~بينهم في شؤون لهم، والبعض يرعى شيئا في نفسه من فكرة عارضة تشغل الرأس، أو أمر ذي ~~بال. # أما الخليعة المكحلة، فكانت تتلوى في حركات مصنوعة لتلفت النظر إلى نفسها، وكانت تارة ~~تشمر الأزار عن بعض ساقيها، وتارة أخرى تكشف الثوب عن بعض ذراعيها، ومرة تبدي زينتها، ومرة ~~أخرى تحاول أن تتحدث مع العامل، أو مع من حولها من غير حاجة ماسة لمثل هذا الحديث. # أما عامل الترام فكان في ثوب عمله الأصفر، مأخوذا في واجبه ذاهلا بذلك عما ~~عداه. ~~••• # سار بنا الترام شوطا، ثم أخذت الخليعة تستوقفه بصوت وعبارات وإشارات كان من شأنها أن ~~تلفت نظر الجالسين، ولكن بامتهان واحتقار. فلما شرعت في النزول التفت البعض إلى البعض، ~~ثم التفتوا إليها التفاتا يدل على امتعاضهم من تلك الصورة المخجلة، ثم قطع الترامواى ~~بعد ذلك شوطين، وقامت السيدة المحترمة أم الصبي لتتأهب للنزول، فأخذ الجالسون في عونها ~~وعون ولدها في صورة من التقدير والإجلال لاحتشامها. ~~••• # في الصورة التي مثلتها السيدة الخليعة، والصورة التي مثلتها السيدة الجليلة، وفى موقف ~~الناس حيال الصورتين ظهر لي القانون الخلقي في هيبته الصامتة، حين يعاقب من يستحقون العقاب ~~بما تحفظه صدور الناس للناس من احتقار حقيق بأهل الاحتقار، وحين يثيب من يستحقون المثوبة، ~~بما تكنه صدور الناس للناس من احترام حقيق بمن يستحقون الاحترام من أهل الكرامة. وإن عقاب ~~القانون الخلقي عند من يشعرون بعقابه لمؤلم حديد، وإن ثوابه عند من يعرفون ثوابه لقوي ~~شديد. # | أنت أنت الله # الإسكندرية في 18 من ms96 سبتمبر سنة 1927 # إذا ما اتجه الفكر في السموات حيث انتشرت النجوم في الليل، وإذا ما كل البصر فيما لا ~~نهاية له من الآفاق المظلمة، وإذا ما خشعت النفس خشعتها من رهبة السكون الشامل، فإنك تشرف ~~بوجهك الكريم من خلال هذه الآفاق، وتسمع صوتك في ذلك السكون، وتمس بعظمتك النفس الخاشعة ~~المطمئنة. حينئذ تبدو الآفاق المظلمة كأنها باسمة مشرقة، ويتحول السكون إلى نبرات مطربة، ~~تنبعث من كل صوت، وحينئذ تتغنى النفس الخاشعة لتقول أنت أنت الله. ~~••• # وإذا ما كان المتأمل على شاطئ البحر الخضم، وأرسل الطرف بعيدا بعيدا حيث تختلط زرقة ~~السماء بزرقة الماء، وحيث تنحدر شمس الأصيل رويدا رويدا كأنها الإبريز المسحور؛ لتغيب في ~~هذا المتسع الملح الأجاج، وحيث تتهادى الفلك ذات الشراع الأبيض في حدود الأفق الملون بألوان ~~الشفق، كأنها طائر يسبح في النعيم. إذ ذاك يشعر المتأمل بعظمة واسعة دونها عظمة البحر ~~الواسع، وإذ ذاك تقر العين باطمئنان الفلك الجاري على أديم الماء الممهد، وفى رعاية الله ~~الصمد حيث تكون مظهر العظمة، وحيث تطمئن النفس لرؤية ما تطمئن إليه في منظر جميل، إذ ذاك ~~يدق الفؤاد بدقات صداها في النفس: أنت أنت الله. ~~••• # وإذا ما انطلقت السفينة بعيدا بعيدا في البحر اللجي وهبت الزوابع، وتسابقت الرياح، ~~وتلبد بالسحب الفضاء، واكفهر وجه السماء، وأبرق البرق، وأرعد الرعد، وكانت ظلمات بعضها ~~فوق بعض، ولعبت بالسفينة الأمواج، وأجهد البحار جهده، وأفرغ الربان حيلته، وأشرقت السفينة ~~على الغرق، وتربص الموت من كل صوب وحدق، إذ ذاك يشق ضياؤك هذه الظلمات والمسالك، وتحوط ~~رأفتك حول هذه الأخطار والمهالك، وتصل بحبال نجدتك المكروبين البائسين، وإذ ذاك يردد القلب ~~واللسان: أنت أنت الله. ~~••• # وإذا ما اشتد السقم بمن أحاطته عناية الأطباء، وسهر الأوفياء، ونام بين آمال المخلصين ~~ودعوات المحبين، ثم ضعفت حيلة الطبيب، ولم ينفع وفاء الحبيب، واستحال الرجاء إلى بلاء، إذ ~~ذاك تظهر جالسا على عرش عظمتك، والنواصي خاشعة، والنفوس جازعة، والأيدي راجفة، والقلوب ~~واجفة لتقول: أنا قضيت، ويقول الطبيب والقريب والحبيب: لك ms97 الأمر أنت أنت الله. ~~••• # وإذا ما باين الدنيا إنسان وباينته، إذ ينظر إلى المال فيلقاه فانيا، وإلى الجاه فيلقاه ~~فانيا وإلى الأماني فيلقاها زائلة، وإلى الآمال فيجدها باطلة، وإلى الشهوات فيلقاها خادعة ~~كاذبة، وإلى المسرات فيجدها آفلة غاربة، إذ ذاك يستغنى عن الجاه والمال، ويشل في نفسه حركة ~~الآمال. وبين جاه يدول وأمل يزول، لا يملأ فراغ النفس إلا ذكرك أنت أنت الله. ~~••• # وإذا ما وقعت العين على زهرة تتفتق في الأكمام، أو تلاقت العين بعين يملأها الحسن ~~والابتسام، وإذا ما أعجب المعجبون بجمال الفجر المتنفس، وتغريد الطير المتربص، وعاود الصدر ~~انشراحه، وملأ القلب ارتياحه. إذ ذاك يشرق جبينك النوراني الجميل، فنراك أنت أنت ~~الله. ~~••• # فبينما يمس النفس من مظاهر العظمة ومظاهر الوسعة ومظاهر الرحمة ومظاهر القدرة والقضاء، ~~ومظاهر الدوام والبقاء ومظاهر الجمال، والجلال، اعتاد الناس أن يصفوك بالعظيم، والواسع، ~~والرحيم، والقادر، والدايم، والجميل، والجليل، وأوتار القلوب تردد أنت أنت الله أنت أنت ~~الله. # | عام 1930 # القاهرة في الأول من يناير سنة 1930 # اليوم! ... تنفصل عن العمر لبنة من لبنات الأعمار، ويمتد إلى النفس مجرى من مجاري الحياة ~~والأقدار، فشيء يبيد، وشيء يزيد. # ولماذا أخاطبك أيها العام، وبماذا أتحدث إليك، ولقد كان لي مع سابقيك قول وخطاب. ولقد كان ~~لي في مثل هذا اليوم مع نفسي، وبيني وبين مستهلات بعض السنين تذاكر وحساب. وهاأنذا أنتظر ~~القول فلا يدنو إلي، وأهم بالحديث فيلتوي علي، واليوم هو أحق الأيام لتحصى النفوس على ~~وضح الحقيقة ما كسبت وما اكتسبت، وما كان لها وما عليها، وما فرطت فيه، وما تطمح إليه. وإن ~~هذه الليلة لهي أولى الليالي التي يحسن فيها بالمرء أن ينفرد وقتا ما بنفسه تحت جناح ~~الهدآت والسكون، ليستعرض شخصيته الدانية، ويستبين آثار ما تدرج إليها من نتائج التجارب، وما ~~اندس فيها من معاملة الناس، حتى إذا دنت منه شخصيته الصحيحة وبرزت إليه، على ما هي عليه، ~~أخذ حينئذ في أن يوجه إليها نظرات نفسه الخفية، ونقدات بصيرته الفطرية النقية، ليحاول ~~تطهيرها ms98 من الذنب والدنس، وتخليصها مما لحق بها من سوء، وإبرائها مما أصابها من ضعف ووهن ... ~~ثم يعمل على تزويدها بالنصح، وتقويتها بالصبر والاحتمال، وإنعاشها بالإيمان والأمل. بذلك ~~كله تعد النفوس؛ لترقى مما هي عليه إلى ما ينبغي أن تصير إليه وهى شاخصة إلى ما يتألق ~~أمامها من مثل الخير النيرة. وبذلك كله نستطيع أن نقول لنفوسنا استقبلي العام الوليد، وسيرى ~~على بركة الله في المجرى الجديد. # لكن ... لكن مهما يكن الأمر من تجهيز النفس وإعدادها، فهل سنلقي في عامنا اللاحق، غير ما ~~لقينا في عامنا السابق؟ # أحسبني لا أخطئ إذا قلت كلا. وأخالني لا أتجاوز الصواب. إذ أرى الحياة تتشابه في مجاميع ~~ما تسوق، وفى كليات ما ترسل، وفى مجردات ما تنتهي إليه من الأمور. # ماذا؟؟؟ نواح مستنيرة بيضاء، وأخرى مظلمة سوداء، وأخرى تمتزج فيها الظلمة بالضياء. # ثم ماذا ؟؟ ألسنا نجد في بعض هذه النواحي اليسر والفرح والرخاء، وفى بعض آخر نجد العسر ~~والكآبة والشقاء، وفى آخر يكون العدل والجود والتفريط والإفراط والكد والرخاء؟ # ثم ماذا؟ ألسنا نجد في ناحية من النواحي الفوز، والسبق، والانتهاز والغلبة، وفى أخرى ~~الانكسار والاندحار، وفي أخرى ما هو معروف من اليقين، أو الارتياب، أو ما هو مألوف من ~~السكون، أو الاضطراب، أو ما هو معلوم من خسة، ودناءة، وخديعة ومكر؛ وغفلة وحذر؛ وإساءة ~~وإحسان، ونكران وعرفان، وغير ذلك مما تنطوي أشباحه في صور الخير والشر. وقد يصيب الناس رشاش ~~من بعض هذا، أو من كل هذا في عامهم الجديد، كما أصيبوا به في عامهم المنصرم. وقد تتصل ~~الحياة بكل هذه النواحي، أو ببعض هذه النواحي فيصيبها شيء من ظلماتها، أو أضوائها! وكذلك ~~الحال في حياة الأمم والجماعات كما هو في حياة الأفراد فقد تتحقق لها آمال، وقد تجد يسرا، ~~وقد تصادف عسرا. # مهما يكن الأمر فيما وجدنا وفيما سنجد، فخير موقف نقفه عند استقبال عام ووداع آخر يجود ~~بالنفس الأخير، أن نرفع وجوهنا إلى السماء عند دقة الساعة، وفى مفترق العامين، ونقول عندما ~~نتمثل ms99 صور الألم والمتألمين، رضاء وصبرا ... وعندما نتمثل الإساءة تقع من أنفسنا ومن غيرنا، ~~نرجو من الله ومن الناس مغفرة وعذرا ... وعندما نتمثل أمتنا في نهوضها وشبابنا في آماله، ~~نسأل الله توفيقا وخيرا ... وعندما نتمثل شؤوننا وشؤون الناس نرسل إليك اللهم حمدا وشكرا، ~~ويطيب للنفس أن تتغنى بالثناء، وللسان أن يردد: حمدا لله وشكرا ... حمدا لله وشكرا ~~... ms100