######OpenITI# #META# URI: 1378YusufKaram.CaqlWaWujud.Hindawi63814928 #META# Tags: philosophy #META# ID: 63814928 #META# Title: العقل والوجود #META# AuthorID: 15207908 #META# Author: يوسف كرم #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # الباب الأول: وجود العقل‏ # 1 - التصور الساذج‏ # 2 - الحكم‏ # 3 - القياس‏ # 4 - الاستقراء‏ # الباب الثاني: نقد العقل‏ # 1 - الشك واليقين‏ # 2 - التصور والوجود‏ # 3 - العقل وإدراك الطبيعة‏ # 4 - العقل وما بعد الطبيعة‏ # الباب الثالث: المعاني والمبادئ الأولى‏ # 1 - الوجود‏ # 2 - لواحق الوجود‏ # 3 - مبادئ الوجود‏ # 4 - أقسام الوجود‏ # مقدمة‏ # الباب الأول: وجود العقل‏ # 1 - التصور الساذج‏ # 2 - الحكم‏ # 3 - القياس‏ # 4 - الاستقراء‏ # الباب الثاني: نقد العقل‏ # 1 - الشك واليقين‏ # 2 - التصور والوجود‏ # 3 - العقل وإدراك الطبيعة‏ # 4 - العقل وما بعد الطبيعة‏ # الباب الثالث: المعاني والمبادئ الأولى‏ # 1 - الوجود‏ # 2 - لواحق الوجود‏ # 3 - مبادئ الوجود‏ # 4 - أقسام الوجود‏ # | العقل والوجود # | العقل والوجود # تأليف # يوسف كرم # | مقدمة # أرخنا للفلسفة اليونانية، ثم الفلسفة الأوروبية في العصر الوسيط، وأخيرا للفلسفة الحديثة، # 1 # وكنا كلما صادفنا مذهبا كليا أو رأيا جزئيا عقبنا عليه بالتأييد أو ~~التفنيد؛ إذ إننا نعتقد أن مؤرخ الفلسفة فيلسوف أيضا، وأنه لا يليق به أن يضع نفسه موضع ~~الببغاء، فيقصر مهمته على حكاية أقوال الفلاسفة دون عناية يتدبرها والحكم فيها. بيد أن ~~تعقيبنا كان يجيء مقتضبا لأننا كنا بسبيل التأريخ أولا. ففي هذا الكتاب نعالج المسائل ~~لذاتها محاولين الكشف عن وجه الحق فيها. وعنوانه يؤذن بأننا نقدم دراسة العقل، كما يقدم ~~العامل امتحان الآلة قبل الشروع في استخدامها. ولسنا نزعم أن هذا الترتيب واجب؛ فإن الناس ~~جميعا يصدقون عقلهم وحواسهم بادئ ذي بدء، وللفيلسوف المؤمن بصدق العقل والحواس أن يجاريهم ~~فيقتحم المنطق ويثني بالفلسفة الطبيعية مرجئا نقد المعرفة إلى مكانه المنطقي الذي هو علم ~~ما بعد الطبيعة أعم العلوم والمختص من ثمة بالفحص عن أعم المسائل. # لكن كل مطلع على الفلسفة يعلم أن مسألة المعرفة هي المحور الذي تدور حوله مسائل الوجود، ~~بمعنى أن حلول هذه المسائل تتعين تبعا للحل المرتضى لمسألة المعرفة، ففي تقديم هذه المسألة ~~إظهار للأسباب الأولى التي حدت بكل فيلسوف على سائر آرائه. لما كانت المعرفة الإنسانية ~~تتألف من مدركات تمثل الأجسام، أي مظاهرها المحسوسة مكتسبة ms001 بالحواس الظاهرة ومختزلة في ~~المخيلة، ومن مدركات مجردة عن كل عرض محسوس ومكتسبة بما يسمى بالعقل، وكان الفلاسفة متفقين ~~إجمالا على أن المعرفة العقلية (على تضاربهم في طبيعتها وقيمتها) أعلى من المعرفة الحسية ~~وحاكمة عليها؛ انتهت مسألة المعرفة إلى أن تكون مسألة العقل. # فإذا أردنا أن نعرف العقل ريثما نقبل على دراسته بالتفصيل، قلنا إنه قوة في الإنسان ~~تدرك طوائف من المعارف اللامادية. يدرك العقل أولا ماهيات الماديات، أي كنهها لا ظاهرها، # 2 # ويدرك ثانيا معاني عامة: كالوجود، والجوهر والعرض، والعلية والمعلولية، ~~والغاية والوسيلة، والخير والشر، والفضيلة والرذيلة، والحق والباطل. ويدرك ثالثا علاقات أو ~~نسبا كثيرة: كالعلاقة بين أجزاء الشيء الواحد، وعلاقات الأشياء فيما بينها، وعلاقات ~~المعاني التي ذكرناها الآن، والعدد والترتيب. فهذه المدركات غير مادية، فلا ينفذ الحس إليها ~~بحال. وليست العلاقة أو النسبة موجودا واقعيا، وإنما الموجود طرفاها، فإدراكها إدراك ~~معنى غير مادي. ويدرك العقل رابعا ما بدئ عامة في كل علم علم وفي العلوم إجمالا، وليس في ~~التجربة شيء عام. ويردك خامسا وجود موجودات غير مادية، كالنفس والله وخصائصها الذاتية، ~~وذلك بالاستدلال بالمحسوس على المعقول أو بالمعلول على البادي للحواس على العلة الخفية ~~عليها. وسادسا بالاستدلال أيضا يؤلف الفنون والعلوم، مما لا مثيل له عند الحيوان الأعجم ~~مع حصوله على المعرفة الحسية. # ولقضية العقل وجهان: أحدهما وجوده، والآخر قيمة إدراكه إذا كان موجودا. والأصل في الوجه ~~الأول أن فريقا هاما من الفلاسفة يذهبون إلى أن الحواس الظاهرة والمخيلة هي وسائلنا ~~الوحيدة للمعرفة، وأن ما يسمى بالعقل إن هو إلا جملة أفعال ترجع إليها. هؤلاء يدعون ~~بالحسيين أو التجريبيين متى دار الكلام على المعرفة، وبالماديين متى دار على الوجود، ~~وذلك لقولهم: لا وجود لغير المادة، ولا معرفة دون الإحساس، ويدعون أيضا بالاسميين أو ~~اللفظيين لقولهم: ما المعاني إلا أصوات في الهواء، أي أسماء أو ألفاظ وحسب. وهم أميل إلى ~~تسمية العقل بأسماء ذات دلالة واسعة غامضة قد تمتد إلى المعرفة بأسرها، فيقولون بالفرنسية: # Entendement ~~، وبالإنجليزية: ~~“Mind, ~~spirit” Understanding ms002 # مما يقابل قولنا: «الذهن» على حد تعريفه بأنه: ~~«قوة للنفس تشمل الحواس الظاهرة والباطنة». # 3 # وطبيعي أنه لو صح مذهبهم لعاد البحث في مسائل الوجود إلى تحليلها للكشف عن ~~كيفية تكوينها من الصور الخيالية والعادات النفسية، أي عادت الفلسفة كلها إلى مسألة ~~المعرفة. وقد حدث هذا فعلا من جانبهم، وكان محتوما أن يحدث بناء على مبدئهم. لذا كان أول ~~ما عنينا به إثبات وجود العقل بإثبات أصالة أفعاله ومغايرتها لأفعال الحواس، وكان هذا موضوع ~~الباب الأول. # ما نكاد نضع هذه النتيجة حتى يبرز لنا الوجه الآخر لقضية العقل، ذلك أن العقل قد يكون ~~موجودا ثم يكون أداة غير صالحة للإدراك، فهل باستطاعته الوصول إلى اليقين، أو هو مضطر ~~لتعليق الحكم والتزام الشك؟ هذه مسألة عامة مبدئية تتخصص في ثلاث مسائل؛ الأولى: هل ~~باستطاعة العقل أن يبرر يقينه بإدراكه؟ الثانية: هل باستطاعته أن يبرر اليقين بإدراك ~~الحواس؟ الثالثة: هل باستطاعته أن يجاوز دائرة الوجود الطبيعي إلى ما بعد الطبيعة؟ في هذه ~~المسائل نلقى الحسيين بأدلتهم، ونلقى بنوع خاص طائفة من الفلاسفة نسميهم بالتصوريين؛ # 4 # لأنهم يدعون أن الإدراك أيا كان إنما يقع على التصورات الماثلة في الذهن، كما ~~يحدث في الأحلام، لا على موضوعات متمايزة من التصورات، وأن تصديقنا بوجود الأجسام بقيمة ~~المعاني والمبادئ العقلية إن هو إلا توهم، ومن باب أولى التصديق بالروحيات. # وقد اصطنع الحسيون هذا المبدأ التصوري، واتحدوا مع أصحابه، فأجابوا جميعا على المسائل ~~الثلاثة بالنفي. وهذا موقف خطير للغاية يقضي على الفلسفة كعلم للوجود. ونحن ننحاز إلى وجهة ~~الإثبات، ونبين أن قوانا العارفة آلات صالحة للإدراك صادقة بالرغم مما تقع فيه أحيانا من ~~أخطاء، وأن هناك حقائق لا يتطرق الشك إليها: منها أولية بينة بنفسها، ومنها كسبية يتبرهن ~~اليقين بها بالأولية، فتستطيع المضي في الفلسفة، ومعالجة المسائل الوجودية. # هذه المسائل منها عامة ومنها خاصة: المسائل العامة نجد مكانها في هذا الكتاب، وهي تدور ~~على معنى الوجود بالإطلاق، وعلى الأمور التي تلحقه بهذا الاعتبار، فنلحق كل موجود وتدخل ms003 في ~~تفهم حقيقته، مثل الجوهر والعرض، والقوة والفعل، والعلة الفاعلية والعلة الغائية. وتؤلف ~~المسائل الخاصة كتابا آخر: «الطبيعة وما بعد الطبيعة» ونقسمه إلى قسمين: أحدهما يضم مسائل ~~الوجود الطبيعي، فيفحص عن تركيب الكائن المادي إجمالا، ثم عن خصوصياته وهي الكائنات الحية ~~نامية وحاسة وناطقة. والقسم الآخر يرتفع إلى الله علة الوجود الطبيعي، ويحاول تعرف ذاته، ~~وفسخ الإشكالات التي أثارها الحسيون والتصوريون بشأن إمكان البرهنة على وجود الله، وإمكان ~~إضافة صفات إلى الذات الإلهية. وبعد الفلسفة النظرية تجيء الفلسفة العملية أو فلسفة ~~الأخلاق، نتناولها في كتاب ثالث نسميه: «الأخلاق الإنسانية»، للدلالة على أن للإنسان ~~أخلاقا لائقة به، مغايرة للأخلاق التي توحي بها الطبيعة الحيوانية الخاضعة للذة الجسمية ~~والمنفعة المادية. وعلى هذا الوجه نعوض مذهبا تاما يتسم باليقين والإيمان، وبدونهما لا ~~حياة للإنسان بما هو إنسان. # وإذا سئلنا عن اسم هذا المذهب وعن مصدره، قلنا: إنه المذهب العقلي # Intellenctualisme # 5 # ولكن المذهب العقلي المعتدل # Modetre # يؤمن ~~أيضا بالوجود ويقدر تعلقه عليه. ثم قلنا إن أفلاطون قد سبق إلى بعض لمحات منه، ولكن أرسطو ~~هو زعيمه الأول الذي استخلص معانيه الأساسية ومبادئه المنطقية والميتافيزيقية وصاغ ~~تعريفاتها واستخرج نتائجها، وإن الفلاسفة الإسلاميين، وبخاصة ابن سينا وابن رشد، قد أسهموا ~~فيه باللسان العربي المبين. فنحن نعود إلى هؤلاء جميعا، ونؤيد شروحهم وأدلتهم، ونبين تهافت ~~الذين حادوا عنها من الفلاسفة المحدثين. لقد تنوسيت تلك التعاليم القديمة وطال عليها ~~النسيان، أو صارت تروى لمحض التأريخ دون اعتقاد لها بقيمة فكرية وحقيقة وجودية، لا بل مع ~~اعتقاد أن الآراء الحديثة قد نسختها، كما نسخ العلم الحديث العلم القديم، ونسخ كل حديث ~~كل قديم فيما يقال، فعسى أن يقتنع قارئ هذا الكتاب بأن الحق مكنون في هذا القديم الذي ~~نبعثه. # الباب الأول # | وجود العقل # الفصل الأول # | التصور الساذج # (1) المعنى المجرد الكلي # نفتتح القول إذن بإثبات مغايرة الأفعال العقلية للأفعال الحسية. ومتى ثبتت هذه ~~المغايرة ثبتت أصالة العقل، وثبت له وجود خاص، من حيث إن كل فعل فله بالضرورة فاعل ms004 ~~معادل له. ونقصد بالأفعال العقلية على وجه التحديد الأفعال الثلاثة المعروفة في ~~المنطق بالتصور الساذج والحكم والاستدلال (بنوعيه من قياس واستقراء). ومعلوم أن ~~التصور الساذج - أي البسيط - سمي كذلك بالنسبة على الحكم والاستدلال؛ فإنه محض ~~إدراك معنى ما، كالعلم والإنسان والمثلث والفضيلة، بينما هما إدراك بإثبات أو نفي ~~يجمعهما تحت اسم التصديق. وعلى هذه الأفعال يدور هذا الباب الأول. # المعنى يمثل ماهية الشيء المدرك، أي طبيعته دون تمثيل لما تبدو فيه الماهية أو ~~الطبيعة من الأعراض. ويحصل عليه العقل بتجريد الماهية عن المادة الشخصية وعن ~~الأعراض الملازمة للمادة، كالمقدار واللون والصوت والرائحة والطعم والحرارة ~~والبرودة. ولما كانت الماهية الممثلة في المعنى مجردة هكذا عن كل ما يخصص الوجود ~~الواقعي؛ فإن العقل يتصور إمكان تحققها في ما لا نهاية له من الأفراد، ولو لم تعرض ~~عليه التجربة سوى فرد واحد لماهية واحدة. وبهذا الاعتبار يقال للمعنى المجرد إنه ~~كلي، ويقال لأفراده إنها جزئيات لأنها بمثابة أجزاء له. وواضح أن التجريد سابق على ~~تصور الكلية؛ لأن المعنى إنما يطلق على كثيرين لكونه غير متضمن لشيء مما يعين ويخصص ~~في الواقع. وهذه الملاحظة على جانب عظيم من الأهمية، وهي تقتضينا ألا نقول «المعنى ~~الكلي» إلا حيث تكون الكلية مقصودة فعلا، وأن نقول «المعنى» أو «المعنى المجرد» ~~حيث نقصد الماهية فقط، أي المفهوم دون الماصدق، فنرفع لبسا كان مثارا للخطأ عند ~~كثيرين من الفلاسفة. # والتجريد على هذا النحو أساس «العلم» الذي هو وصول العقل إلى معنى الشيء، ومتى ~~وصل العقل إلى معنى الشيء فقد عرفه بعلته، أي أدرك علة تكوينه وعلة خصائصه وعلة ~~أفعاله. ولما كانت الماهية الممثلة في المعنى المجرد ثابتة، كان العلم بها ثابتا ~~لا يلحظ تغير الأعراض ولا يتغير بتغيرها، فضرورة العلم لازمة من ضرورة الماهيات. ~~وتبعا لذلك لا يكون العلم إدراك الجزء بما هو جزئي حاصل على كذا وكذا من الأعراض ~~التي تميزه من سائر أفراد نوعه، بل يكون العلم إدراك الكلي، على حد القول المأثور ~~عن أرسطو وأتباعه، أي ms005 إدراك الماهية المجردة التي هي كلية بالقوة من جراء تجردها، ~~وتصير كلية بالفعل متى التفت العقل إلى جزئياتها الحقيقية والممكنة. # ويتفاوت التجريد على ثلاث درجات: في الدرجة الأولى يتناول العقل الشيء المادي كما ~~هو ماثل في الصورة الخيالية، فيجرده عن أعراضه المحسوسة بالفعل، كمقداره وشكله ~~ولونه وحرارته ... إلى غير ذلك مما هو خاص بشخصه لا بماهيته ونوعه، مثلما نجرد صورة ~~زيد عن أعراضه التي من هذا القبيل فنحصل على معنى الإنسان. بعد هذا التجريد يبقى ~~المعنى مشتملا على مادة مخصوصة داخلة في حقيقة الماهية؛ فإن الإنسان يوجد حتما في ~~لحم وعظم، لكنها مادة معقولة إجمالا، أي مجردة عن الأعراض. وهكذا الحال في سائر ~~الكائنات الطبيعية، نتصور كلا منها في المادة التي تخص ماهيته لكن مجردة مجملة، ~~والكائنات المتصورة على هذا النحو هي موضوعات العلم الطبيعية. # وفي الدرجة الثانية يتناول العقل هذه الموضوعات، فيجردها عن المادة المخصوصة ~~المجردة أو الإجمالية، فتبقى لديه المادة على العموم، وهي التي لما جردت على ~~المادة المحسوسة شخصية وإجمالية لم تعد محسوسة، بل أضحت معقولة فقط، تتصور أبعادا ~~وأشكالا، أي خطوطا وسطوحا وحجوما دون أي عرض من أعراض الكائنات الطبيعية، فيحصل ~~العقل بذلك على معنى الكمية المتصلة وينشأ علم الهندسة، ثم يحصل على معنى الكمية ~~المنفصلة أو العدد، وذلك بالتمييز بين كميات متصلة مختلفة والجمع بينها، أو بقسمة ~~الكمية المتصلة والجمع بين الأقسام، وينشأ علم الحساب الذي هو أكثر تجردا من ~~الهندسة لعدم تعلق الأعداد بالمكان كتعلق الأبعاد والأشكال، وأخيرا يحصل على معنى ~~الكمية إطلاقا، وينشأ علم الجبر الذي هو أكثر تجردا من الهندسة والحساب. # وفي الدرجة الثالثة يجرد العقل الشيء عن المادة المعقولة أيضا، فلا يبقى لديه ~~سوى معنى الموجود، وهو معنى غير متعلق بالمادة بالذات؛ إذ قد يكون الموجود جسما ~~وقد يكون روحا. كذلك يلحظ العقل بعض معان توجد تارة في مادة وتارة في ~~غير المادة: كالجوهر والعرض والكيفية والإضافة ~~والقوة والفعل والكلي والجزئي والعلة المعلول والغاية والوسيلة، فيعلم العقل أنها ~~تلحق الموجود من ms006 حيث هو موجود لا من حيث هو جسم طبيعي أو رياضي، ويحصل بذلك على ~~موضوعات ما بعد الطبيعة. # فالتجريد واسطة الاتصال بين العقل والوجود، وفيه ضمان موضوعية العلم وحقيقته. ~~والفلاسفة الذين ينكرون العقل ويحاولون الاكتفاء بالحس (مثال هوبس لوك وهيوم ومل ~~وسبنسر) ولا يستطيعون تسويغ العلم الذي يدور على الماهيات المجردة والقوانين ~~الكلية، بينما الحس لا ينال سوى الجزئيات. والفلاسفة الذين يؤمنون بالعقل وينكرون ~~هذا التجريد (أمثال ديكارت ومالبرانش وليبنتز وسبينوزا وكنط)، لا يستطيعون تعيين ~~العلة الحقة للمطابقة بين العقل والأشياء. ~~(2) المذهب الحسي والمعنى # ينكر الحسيون وجود معان في أذهاننا، ويبنون هذا الإنكار على اعتبارين: أحدهما ~~أنه لما كان كل موجود حسيا، كانت معارفنا إما إحساسات أو راجعة إلى إحساسات. ~~والاعتبار الآخر أن المعنى الكلي تصور متناقض يلغي عجزه صدره؛ إذ إن الكلية ~~تمنع عن المعنى التعيين، بينما كل موجود وكل تصور فهو معين حتما. هل نستطيع تصور ~~إنسان لا هو أبيض ولا أسود ولا أصفر ولا أحمر، ولا هو طويل أو قصير، ولا هو كذا أو ~~كذا مما يسمى بالأعراض؟ هل نستطيع أن نتصور حركة متمايزة من الجسم المتحرك ولا هي ~~سريعة ولا بطيئة، ولا مستقيمة ولا منحنية؟ هل نستطيع أن نتصور مثلثا لا يمثل نوعا ~~من أنواع المثلثات ويشملها جميعا؟ ويقاس على ذلك سائر المعاني التي لها التجرد ~~والكلية. # غير أنهم يجدون أنفسهم مضطرين للإقرار بما يشبه المعنى المجرد الكلي، فيحاولون ~~تفسيره ابتداء من الحسي، فيقولون إنه صورة تكتسب بالانتباه على الخصائص المشتركة ~~بين الجزئيات وفصلها عن الخصائص الذاتية لكل جزئي، وهذا هو التجريد عندهم، فنحصل ~~على صورة ناقصة تحوي بعض خصائص الشيء دون بعض. وندل على هذه الصورة بلفظ، فنخلق ~~بينهما علاقة عرفية يكون من أثرها أنه كلما سمعنا اللفظ أو قرأناه بدت في ذهننا ~~صور أشياء حاصلة على تلك الخصائص، وهذه هي الكلية عندهم، تتسع أكثر فأكثر بتناقص ~~عدد الخصائص المستبقاة في الصورة على ما تشير إليه كتب المنطق حين تعين العلاقة بين ~~المفهوم والماصدق. ومن ms007 الحسيين من يعترف للذهن بفاعلية ذاتية في المضاهاة بين ~~الخصائص والانتباه إليها، ومنهم من يرى أن الذهن منفعل وحسب، وأن تكرار الإحساس أو ~~شدته تبرز الخصائص المشتركة وتفرض الانتباه على الذهن، فتحدث الصورة حدوثا آليا . ~~والحسيون المعاصرون يؤيدون تفسيرهم للتجريد بتلك «الصور المركبة» التي حصل عليها ~~جالثون حوالي سنة 1880؛ إذ وضع في فانوس سحري بضع ميداليات تمثل كليوباترة ووجه ~~الضوء إلى موضع واحد، فظهرت صورة هي متوسط الميداليات. وكذلك صنع بميداليات تمثل ~~إسكندر الأكبر، وبصورة شمسية تمثل أفراد إحدى الأسر، فكانت هذه التجارب دليلا ~~ماديا على ترسخ المشابهات وتلاشي الفوارق. ~~(3) المعنى والصورة # نقسم ردنا على هذه الأقوال إلى قسمين: الأول مقارنة بين المعنى والصورة، ~~والثاني مقارنة بين المعنى واللفظ. ونبدأ بالكلام على الصورة المركبة، فنقول: إن ~~الحصول على صورة من هذا القبيل يقتضي أن تكون الصور الجزئية قليلة العدد شديدة ~~التشابه، فإذا حذفت إحداها أو أضيفت أخرى تعدلت الصورة الناتجة عنها. فالصورة ~~المركبة صورة متوسطة للصور الجزئية المستخدمة في إنتاجها، ولها فقط؛ وهي لا تعتبر ~~مشتركة في الحقيقة إلا بالقياس إلى الصور الجزئية الحادثة هي عنها، وبالقياس إلى ~~الذي يعرف هذه الصور الجزئية. أما إذا لم نعرفها، فالصورة المركبة تكون بالقياس ~~إلينا صورة جزئية معينة بأعراض خاصة كواحدة من تلك الصور؛ إذ إنها إنما تمثل ~~الملامح المحسوسة لطائفة من الموجودات معينة. وعلى ذلك يستحيل الحصول على صورة ~~مركبة إذا ما تباعدت المشابهات المحسوسة بين أصناف النوع الواحد، ومن باب أولى بين ~~أنواع الجنس الواحد: كيف نحصل على صورة متوسطة للإنسان باستخدام صور الأصناف ~~البشرية من أبيض وأسود وأسمر وأصفر وأحمر؟ على أي شكل يظهر فيها الرأس والعينان ~~والأنف والشفتان والقامة؟ إن كل أولئك يظهر على شكل مشوه لمميزات كل صنف. وكيف ~~نحصل على صورة متوسطة للحيوان باستخدام صور الأنواع الحيوانية، كالإنسان والقرد ~~والأسد والثور والفرس والحوت والخفاش والقط ... إلخ؟ وكيف نحصل على صورة متوسطة لمثلث ~~أو اللون أو لغير ذلك من الأجناس؟ # هذا فضلا عن أن الصورة المركبة أيا كانت ms008 هي صورة محسوسة، فلا يمكن أن تتكرر ~~بالذات في كثيرين، بينما المعنى ينطبق بالذات على عدد لا يحصى من الأفراد. قال ابن ~~سينا (في كتاب النجاة): «إن الحس لا ينال الإنسان المقول على كثيرين، وكذلك الخيال؛ ~~فإنك أي صورة أحضرتها في التخيل أو في الحس الجسماني، لم يمكنك أن تشرك فيها ~~سائر الصور الشخصية؛ لأن ما يرتسم في الحس أو الخيال يكون مع عوارض من الكم والكيف ~~والأين والوضع غير ضرورية في الإنسانية ولا مساوية لها.» وقال أيضا: «ليس يمكن في ~~الخيال البتة أن يتخيل صورة هي بحال يمكن أن يشترك فيه جميع أشخاص ذلك النوع (أي ~~الممثل بالصورة)؛ فإن الإنسان المتخيل يكون كواحد من الناس.» وهكذا نعتقد أننا قد ~~فرغنا من أمر الصورة المركبة وأبطلنا استشهاد الحسيين بها. # على أننا نسلم بوجود الصورة المشتركة في مخيلتنا ومخيلة الحيوان الأعجم، يأتي ~~اشتراكها من غموضها واقتصارها على خطوط عامة قليلة التعيين، وإنما يمكن ذلك؛ لأن ~~الخيال قوة حية لا جامدة، وأن الإدراك فعل معنوي لا مادي فيحتمل التعيين. وإذا عدنا ~~إلى التفاوت في أنفسنا، وجدنا أن المعرفة تتدرج من العام إلى الخاص: ففي دائرة ~~المعرفة الحسية نذكر أننا إذا رأينا شيئا عن بعد، فإننا ندرك كونه جسما قبل كونه ~~حيوانا، وكونه حيوانا قبل كونه إنسانا، وكونه إنسانا قبل كونه هذا الشخص ~~المعين. ويلاحظ أرسطو في مطلع كتاب السماع الطبيعي - تأييدا لهذه القضية - أن ~~الأطفال يميزون بين الإنسان واللاإنسان قبل أن يميزوا بين إنسان وآخر، ويدعون كل ~~رجل أبا وكل امرأة أما قبل أن يفردوا الأب والأم الحقيقيين عن باقي الرجال ~~والنساء. وكذلك الحال في دائرة المعرفة العقلية؛ فإن العقل يدرك الماهيات في أول ~~الأمر إدراكا إجماليا، ثم يخصص هذا الإدراك ويستكمله بتحليل الأشياء إلى عناصرها ~~أو خواصها، أي بتجريدات متتالية. # فحين نقول إن التصور الساذج إدراك الماهية، لا نقصد أن العقل ينفذ فورا إلى صميم ~~الأشياء ويبلغ دفعة إلى خصائصها الجوهرية. إننا لا نزعم للعقل الإنساني مثل هذه ~~المقدرة، بل لا ms009 نخشى أن نعلن أنه لا يصل أبدا إلى ماهيات الماديات ولا يكشف عن ~~فصولها النوعية، فلا يحدها الحد الذي يشترطه المنطق في العلم الكامل، اللهم فيما ~~سوى الماهية الإنسانية التي نعرف أن النطق فصلها النوعي . ولعجز العقل عن حد ~~الماديات فإنه يقنع برسمها أي بتعريفها تعريفا تجريبيا وصفيا بأعراض خارجة عن ~~الماهية دالة عليها مميزة لها مما عداها باجتماعها لها دون غيرها. كما نشاهد في ~~علومنا الطبيعية حيث تعرف العناصر الكيميائية بوزنها وألفتها وآثارها، وتعرف ~~النباتات والحيوانات بالهيئة الخارجية والتكوين الداخلي ونوع الغذاء وما إلى ذلك. ~~فليست المعاني سواء في كمال التصور، ولكنها تتفاوت: فمنها الغامض والواضح، ومنها ~~المختلط والمميز. # الفارق الجوهري بين المعنى والصورة المشتركة، أو بين الحد والرسم، هو أن الصورة ~~تشتمل على أعراض الشيء وأجزائه كما تبدو للحواس وحسب، وأن المعنى يتضمن علة الخصائص ~~التي يمثلها. فحين نحد الإنسان بأنه حيوان ناطق، نحن نعلم أن الحيوانية والنطق علة ~~جميع أفعاله وجميع خصائصه، كالحرية والأخلاق والدين واللغة والعلم والفن والاجتماع، ~~فإن أولئك جميعا راجعة إلى النطق لازمة عنه. وحين نعدد عناصر الصورة المشتركة ~~للإنسان، فنقول إنه جسم حي حاس غير ذي ريش ولا وبر يمشي على قدمين رأسه مرتفع ~~إلى أعلى، نجد أننا نجمع عناصر محسوسة بعضها إلى بعض، ولا نعلم علة وجود هذه ~~العناصر للإنسان. بل حين نعرفه بالخصائص المعقولة اللازمة عن النطق دون النطق ~~نفسه، فلا يكون تعريفنا إلا رسما كالرسم الجامع للعناصر المحسوسة، ولا يصير حدا ~~إلا بذكر النطق أولا باعتباره الخاصية الأساسية المقومة للماهية المعبرة عما ~~«هو» الإنسان والمفسرة لجميع خصائصه؛ لأنها هي العلة في كون الإنسان إنسانا وكون ~~هذه خصائصه. والأمر كذلك في الصورة المشتركة للساعة أو القاطرة أو الطائرة أو غيرها ~~من الآلات؛ فإن الحيوان الأعجم يتصورها، ويتصورها الإنسان الجاهل حقيقتها، ولكن ~~علة وجود أجزائها وعلة اجتماعها لا تدرك إلا في معنى الساعة وهو أنها آلة لقياس ~~الزمان، أو في معنى القاطرة أو في معنى الطائرة، وهذه المعاني معقولة غير ~~محسوسة. # فإذا ms010 كنا قد سلمنا أن الإنسان لا يتبين المعنى المعقول في الماديات، فقد كان ~~مرادنا التبين الصريح، وما نزال ندعي أن الإنسان يتبين الماهيات المادية نوعا من ~~التبين، مستشهدين بالتجربة التي ترينا الحيوان الأعجم يستظل بالشجر ، ويأكل العشب ~~والثمر، وينتفع بغير ذلك من الأشياء، ثم لا يستعيض عما يفوته منها، ولا يحدث أي أثر ~~إيجابي فيما حوله. بينما الإنسان يستنبت الشجر والعشب ويستخدم الأشياء وخصائصها على ~~وجوه شتى كثير منها لم يعرض في الطبيعة. والعجماوات هي التي تقف عند الظاهر المحسوس ~~الذي يقتصر عليه الحسيون، والإنسان ينفذ إلى ما وراء المحسوس من المعقول. # هذا فيما يختص بالماديات، أي بمعاني الدرجة الأولى من درجات التجريد. فإذا ~~ارتقينا إلى ما فوقها قلنا بدون تحفظ ولا استدراك: إن العقل يدرك الماهيات. ~~فمعاني الدرجة الثانية التي هي موضوعات الرياضيات معقولات صرفة من غير شك؛ فإنها ~~بريئة عن المادة المحسوسة التي تحجب الماهية كما بينا، وهي لا تشتمل إلا على المادة ~~المعقولة التي هي السطح والخط مجردين عن كل كيفية حسية، فيستوعب العقل خصائصها، ~~ويبرهن على هذه الخصائص بخاصية رئيسة مأخوذة من المعاني أنفسها، أي من الماهيات ~~الممثلة في المعاني. وما الأشكال المتخيلة ههنا بإزاء المعاني سوى صورة جزئية ليست ~~هي المقصودة بالحد والبرهان. # ومعاني الدرجة الثالثة المجردة عن كل مادة محسوسة أو معقولة، كمعاني ما بعد ~~الطبيعة والنفس والأخلاق والمنطق، شاهد أبلغ على إدراك العقل للماهيات؛ فإنها ~~تتأبى على كل تخيل كما هو واضح، ومنها ما يطلع على أشياء متباينة الماهية بحيث لا ~~يبقى أي وجه لدعوى الحسيين أن معانينا عناصر محسوسة مشتركة ينضم بعضها إلى بعض ~~بالتشابه: ما هي العناصر المحسوسة المشتركة بين تمثال وقصيدة وقطعة موسيقية وزهرة، ~~وغيرها كثير، حين نصفها بالجمال؟ فإن قيل إن هذا الوصف غير مستفاد منها بل من أثرها ~~فينا، أجبنا أننا نشعر تمام الشعور أن الوصف متجه إليها، وندرك بجلاء أنه إذا لم ~~يكن لها صفة الجمال لم يكن لها أي أثر. ثم ما هي العناصر المحسوسة المشتركة ms011 بين ~~الحكمة والعفة والشجاعة والعدالة والسخاء، وغيرها من الفضائل حين نجمعها تحت معنى ~~الفضيلة؟ فإن سئلنا بأي حق نجمعها هكذا، أجبنا أن هناك تشابها، ولكنه تشابه معقول ~~غير محسوس يبدو في التعريفات التي نؤلفها لهذه المعاني بأجناس وفصول معنوية، كما ~~سنبينه كلما صادفنا معنى من تلك المعاني العامة الشاملة التي هي أصول المعرفة ~~الإنسانية. # الخلاف إذن بيننا وبين الحسيين قائم في أنهم يأبون الاعتراف بالمعقول، ويجهدون ~~أنفسهم في رده إلى المحسوس. ويظهر هذا الخلط في نقدهم للمعنى المجرد؛ إذ يقولون ~~إنهم لا يستطيعون أن يتصوروه لأنه غير معين، وهم يقصدون أنهم لا يستطيعون أن ~~يتخيلوه، ونحن نقرهم على أنه لا يتخيل من حيث إن المخيلة قوة حسية عاجزة بطبعها عن ~~تمثيل ما ليس بمحسوس. أما إن أريد بالتصور التعقل فهو مستطاع؛ إذ إن المعنى المجرد ~~غير المعين من جهة الأعراض المحسوسة، معين تمام التعيين بعناصره المعقولة التي تدخل ~~في تعريفه. وإذا عد تصورا ناقصا لكونه لا يحتوي إلا على تلك العناصر، فإنه تصور ~~تام ما دامت هي المقومة للماهية. فالتعريف الصحيح للتجريد ليس قولهم إنه انتزاع ~~صورة جزئية من صورة جزئية أعقد، مثلما تفعل الحواس الظاهرة التي يدرك كل منها ~~كيفية معينة من كيفيات الشيء الواحد، فإن الصورة الجزئية لا تفسر المعنى على أي وجه ~~أخذناها، والانتباه الذي يجعلون منه وسيلة التجريد لا يعطي الصورة الواقع عليها ~~أي قسط من التجرد، بل بالعكس يقوي جزئيتها: كانتباه البصر إلى لون شيء ما، فإنه ~~يفسر انفصال اللون عن الشيء، ولكنه يدعه هذا اللون المعين في هذا الشيء ~~المعين. # وإنما التعريف الصحيح للتجريد هو الذي يذكره ابن سينا نقلا عن المدرسة ~~الأرسطوطالية، حيث يقول: «إنه انتزاع الكليات المفردة عن الجزئيات على سبيل تجريد ~~لمعانيها عن المادة وعن علائق المادة ولواحقها.» أو بكلمة واحدة: التجريد إحالة ~~المحسوس معقولا. إننا نخطئ بلا مراء إذا تصورنا اللون أو الحركة أو الماهيات ~~الجسمية مفارقة للأجسام لكونها مجردة عنها في تصورنا، أما إذا لاحظنا الحركة مثلا ~~فيما يخصها ms012 بالذات، وهو أنها الانتقال التدريجي من مكان إلى آخر، بصرف النظر عن ~~الموضوع المتحرك، وعن أعراض الحركة من اتجاه وسرعة وبطء، فليس في هذا التجريد كذب؛ ~~لأن الموضوع المتحرك ومشخصاته لا تدخل في حقيقة الحركة ، وليس فيه امتناع، وإنما هو ~~عام عادي كما يشهد الوجدان وتشهد العلوم التي إنما مدارها على أمثال هذه المجردات. ~~ومن عجب أن يغفل الحسيون شهادة الوجدان وشهادة العلوم تشبثا بمبدئهم. ~~(4) المعنى واللفظ # بل إن مبدأهم قد ساقهم إلى أشهد من هذا خلفا وأدعى للعجب؛ ذلك أنهم لم يؤمنوا ~~بالمعاني وآمنوا بالألفاظ. فقد مر بنا تفسيرهم للكلية أنها استعراض صورة جزئية عند ~~سماع الأسماء الموضوعة لها أو قراءتها. ولما جزموا بأن المعاني ألفاظ وحسب، انتهوا ~~إلى أن مدار العلوم على ألفاظ. فإنكارهم للعقل قضى عليهم بإنكار قيمة العلم. # أجل إن اللفظ أو الاسم غير متعلق بصورة جزئية معينة؛ هذا قول صادق، وأصدق منه ~~وأصرح أن نقول: إن الاسم كلي حين يتصور الذهن الكلية، وأنه يصير جزئيا بالإشارة ~~إلى عين من الأعيان، كأن نقول: هذا الإنسان وهذه الشجرة. ويعود كليا حين نستعمله ~~بصيغة الجمع فنقول: الناس والأشجار. أو بصيغة مهملة مثل: إنسان ما وشجرة ما. فما هو ~~السبب في إمكان وضع الاسم مستقلا هكذا عن الصور الجزئية، وجميع إدراكاتنا واقعة ~~على جزئيات فيما يقولون؟ أليس هذا دليلا قاطعا على أن المعنى والكلية سابقان على ~~الاسم، وأنهما السبب في وضع الاسم، وأن لا قيمة للاسم إلا إذا قرن به المعنى ~~وأدركت الكلية؟ ليس التفكير لوك ألفاظ، ولكنه إدراك الأشياء المدلول عليها ~~بالألفاظ. ونحسب أن كل هذا من البداهة بحيث لا يحتاج إلى إلحاح. # يلزم من ذلك أن العلوم تدور على أشياء لا على ألفاظ كما يدعون. وقد اعتقد باركلي ~~أنه يؤيد المذهب الحسي في هذه الدعوى باستشهاده بالحساب والجبر كعلمين اسميين ~~يدوران على علامات عرفية لا على أشياء، ولكنه كان واهما، فقد نسلم جدلا باسمية ~~هذين العلمين، فتبقى لدينا موضوعات سائر العلوم وهي تمثل أشياء واقعية، فهي تتطلب ms013 ~~تفسيرا آخر غير الاسمية. ولكننا لا نسلم بما يقول؛ فإن لكل من الحروف المستخدمة في ~~الجبر، ولكل من الأعداد المستخدمة في الحساب، دلالة خاصة تجعل المدلول في حكم ~~الشيء الواقعي، فيرجع العلمان إلى حكم سائر العلوم: ففي الجبر تدل الحروف دلالة ~~مطردة على كميات معلومة أو مجهولة، وفي الحساب تدل الأعداد على كميات معينة، وتعتبر ~~بمثابة الأنواع الواقعية، فيختلف بزيادة وحدة أو إنقاص وحدة، كما يختلف «الحي» ~~بزيادة «الحاس» أو حذفه، وكما يختلف «الحيوان» بإضافة «الناطق» أو حذفه على ما هو ~~ظاهر في شجرة فورفوريوس. ولما كان العد أو الحسبان في العلمين منهجا مستقلا عن ~~المعدودات منطبقا على أي منها، فإن العقل يصرف النظر عن المعدودات، أي عن ~~الموضوعات المدلول عليها بالعلامات، ريثما يجدها عند التطبيق. وعلى هذا الاعتبار ~~يستخدم الرياضيون الأعداد والحروف ويؤلفونها بعضها مع بعض في كل علم. أما إذا كانت ~~عاطلة عن كل دلالة فكيف نفسر العد والتأليف والتطبيق؟ # الإدراك العقلي سابق إذن على اللفظ مستقل عنه، ويتضح هذا الاستقلال أيضا ~~بالمقارنة بين طوائف الألفاظ وبين الإدراك المقابل لها في العقل: فمنها الألفاظ ~~المشككة، تلك التي تقال على كثيرين مختلفين بالماهية، فتنطبق باتفاق من جهة وافتراق ~~من جهة أخرى، مثل قولنا: «منظر جميل، وتمثال جميل، وقصيدة جميلة، وغناء جميل»، أو ~~قولنا: «إنسان طيب، وفاكهة طيبة، وقلم طيب»، فإن لفظي «الجمال والطيبة» ينطبقان ~~على الموصوفات بمعنى عام، هو وجه الاتفاق الذي يذكر في تعريفها حيث نقول: إن الجمال ~~تناسق ورونق، وإن الطيبة موافقة الشيء لماهيته أو للغاية المنشودة منه. ولكن العقل ~~يعلم أن الجمال أو الطيبة لا يتحققان في الموصوفات على نحو واحد من حيث إن لكل منها ~~ماهية خاصة، فليس جمال التمثال كجمال القصيدة، وليست طيبة القلم كطيبة الإنسان أو ~~كطيبة الفاكهة. وبهذا العلم يدخل العقل في إدراكه لكل موصوف معنى ليس في اللفظ ولا ~~يمكن أن يكون في اللفظ لتعدد الموصوفات واختلافها. # وثمة شاهد آخر على هذا التمايز بين المعنى واللفظ، هو أن لفظا موضوعا لمعنى ms014 ~~معين بالمطابقة يوحي أيضا بمعنى متضمن فيه أو لازم عنه، مثل دلالة كل من لفظ البيت ~~ولفظ السقف على الحائط. وليست هذه الدلالة راجعة إلى اللفظ، بل إلى العقل الذي يدرك ~~أن ما يدل على الكل يدل على الجزء بطريق التضمن، أو أن ما يدل على جزء ما فهو يدل ~~على جزء آخر متصل به، فيصرف العقل اللفظ الموضوع للأول بالمطابقة إلى الدلالة على ~~الآخر بطريق الالتزام أو الاستتباع. # وشاهد ثالث يؤخذ من المترادفات؛ فإنها أسماء مختلفة متواردة على مسمى واحد، وذلك ~~لأن الألفاظ عرفية وضعية لا دلالة لها بذاتها وأن العبرة بفهم العقل. # وشاهد رابع نجده في الألفاظ المشتركة التي يطلق الواحد منها على مسميات متباينة ~~كل التباين: كما يطلق لفظ العين على منبع الماء والعضو المبصر والدينار، ويطلق لفظ ~~الكلب على الحيوان المعروف وعلى الشعر، ويطلق لفظ المشتري على قابل عقد البيع وعلى ~~الكوكب الذي في السماء ... وغيرها كثير في جميع اللغات. فههنا ليس للفظ مدلول خاص، ~~ولكن العقل يخصص المدلول في كل حالة تبعا لإدراكه هو. وإذا قلنا إن هناك وجه شبه ~~هو الأصل في الاشتراك، رجعت هذه الألفاظ إلى المشكلة وبقيت النتيجة التي نريد أن ~~نبينها، وهي أن فعل العقل هو الأول وأن اللفظ أداة ليس غير. # بل إن استقلال التعقل عن اللفظ يظهر من وجود معان دون ألفاظ، وهذا ما يسميه ~~علماء النفس المعاصرون بالفكر ~~الضمني Pensee implicit ~~، ويضربون له شتى الأمثلة: منها الشعور بالذات وبالحرية ~~وبالتبعة، والمواقف العقلية الناجمة عن أمثال هذه الأقوال: انتظر، اسمع، انظر؟ ~~والشعور بالانتباه والعجب والشك وبالسهولة أو الصعوبة بإزاء مهمة ما، والانتقاد ~~الصامت لما نقرأ أو نسمع أو نرى، والشعور بالوضوح، والشعور بالاتفاق أو الاختلاف ~~بين أمور عدة معروضة علينا، والشعور بالتردد بين فكرتين أو بين عاطفتين أو ~~بالانتقال من الواحدة إلى الأخرى، واختمار الأفكار والعواطف في اللاشعور قبل أن ~~يتعين ويطلق عليها اسم، والفكرة الفجائية تخطر لشخص يجيد عدة لغات ويحب اللغة التي ~~يعبر بها عن فكرته. فكيف ms015 يزعم الزاعمون أن المعاني ألفاظ وأن التفكير تنسيق ألفاظ؟ ~~إن هذا البحث في التصور الساذج ليدل الدلالة القاطعة على بطلان المذهب الحسي وكم ~~سنصادف من أدلة قاطعة فيما يلي من بحوث! # الفصل الثاني # | الحكم # (1) تعريف الحكم # قلنا إننا لا ندرك الأشياء بجميع خصائصها وأعراضها دفعة واحدة، ولكننا ندرك ~~الأعراض والخصائص شيئا فشيئا باستخدام حواسنا وإعمال الفكر، فنحلل الشيء إلى ~~معان عدة ونحن نعلم أن هذه الكثرة متحققة فيه، فنردها إليه في قول يعلن أنها له، ~~مثل قولنا: «سقراط فاضل»، ويسمى هذا تركيبا. وقد نخطئ فنضيف إلى الشيء ما ليس له، ~~فإذا تبينا خطأنا عدنا فاستبعدنا عن الشيء تلك الإضافة في قول يعلن أنها ليست له، ~~مثل قولنا: «ليس سقراط كافرا»، ويسمى هذا فصلا أو تفصيلا باعتبار المقصود منه ~~وهو الاستبعاد، ولكنه تركيب أيضا من حيث إنه تأليف بين معينين في صيغة ~~سالبة. # هذا التركيب الموجب أو السالب مغاير للمعنى المركب المتصور دون إيجاب أو سلب، ~~فليس تصورنا «الإنسان الشجاع» كتصورنا «هذا الإنسان شجاع»: في التصور الأول معنيان ~~مؤلفان في ماهية واحدة، وفي التصور الثاني تقرير بأن المعنى المضاف موافق للشيء ~~المعبر عنه بالمعنى المضاف إليه (أو غير موافق له). فالحكم يقتضي ثلاثة أفعال تمهد ~~له: وهي تصور معنيين، والمضاهاة بينهما، وإدراك ما بينهما من نسبة توافق أو عدم ~~توافق، فيعقب الحكم هذا الفصل الثالث توا، فإن إدراك النسبة مجرد العلم بإمكان ~~إضافة معنى إلى آخر، وماهية الحكم الإضافة فعلا والتصديق بالنسبة. # أما أن الحكم تركيب بين معنيين، وأن التصور الساذج سابق عليه، فهذا ما يبدو ~~واضحا وما قيل به أزمنة متطاولة. لكن بعض علماء النفس المعاصرين ارتأوا أن الحكم ~~تصور إجمالي نحلله إلى المعاني المؤلفة له، أي إننا ندرك أولا كل موقف جملة ونعبر ~~عنه بقضية، مثل: «أمشي» و«أعطي»، ثم ندرك جزأي القضية ونحصل على معنيين، فالمعنى ~~الواحد يركب بحكم أو بجملة أحكام. هذا الرأي قائم على سوء فهم: فإنه إذا لم يكن ~~تمايز جزأي الحكم سابقا عليه امتنع الحكم ms016 وامتنع التعبير عنه في قضية لعدم توافر ~~المعاني والألفاظ التي نؤلف بينها، والتي يجب أن يكون لكل منها في ذهننا مدلول محدد ~~مستقل عن مدلول الآخر. وإدراك موقف ما جملة هو إدراكه بوساطة ما لدينا من معان، ~~فتعقل طرفين سابق على الجمع بينهما، وإلا كان الجمع عبثا. والأمر واضح للغاية في ~~الحكم السالب؛ فإن المسلوب غير موجود، فلا يمكن أن يقال إننا ندركه في تصور تركيبي ~~ثم نحلل هذا التصور إلى جزأيه، والمعنى الذي يكتسب بحكم أو بعدة أحكام مسبوق ضرورة ~~بمعان أبسط منه تركب منها هذه الأحكام. # هذا التركيب يجيء إيجابا أو سلبا. والإيجاب متقدم عموما على السلب؛ لتقدم ~~الوجود على اللاوجود، ولتقدم إدراك الوجود على إدراك اللاوجود، ولما هو بين من ~~أن السلب، لاحتوائه على أداة سالبة في العقل وفي اللفظ، فهو أعقد من الإيجاب، ~~والأعقد متأخر عن الأبسط. وإذا سلمنا أن الحكم السالب احتجاج على حكم موجب ممكن، ~~كما يقول برجسون، وأنه من ثمة متأخر عنه، كان هذا من الوجهة النفسية فقط، أي ~~باعتبار كيفية صدور الحكم السالب، لا من الوجهة المنطقية أو الميتافيزيقية، أي ~~باعتبار قيمة الحكم السالب، فلا نتابع رأيه أن الحكم الموجب منصب على الموضوع، وأن ~~الحكم السالب تعليمي واجتماعي يصدر للإنكار: إن الحكم، موجبا أو سالبا، يفترض ~~أننا قد وضعنا مسألة وضاهينا بين معينين، وهذه المضاهاة يمكن أن تحدث في بادئ الأمر ~~في قضية سالبة بحيث يقع السلب على الموضوع كما هو الشأن في الحكم الموجب. فمن هذه ~~الناحية نضع الحكم السالب والحكم الموجب على قدم المساواة، ونقول إن قسم حكم إلى ~~موجب وسالب هي قسمة جوهرية. # من قسم الحكم هذه يلزم للحال خاصية تميزه من التصور الساذج، وهي أنه يتضمن بالذات ~~الصدق أو الكذب. أجل إن الإحساس المطابق للمحسوس صادق، وإن التصور الساذج الواقع ~~على ماهيته هو صادق أيضا، ولكن هذا الصدق غير ظاهر فيهما صراحة، على حين أنه ظاهر ~~في الحكم حيث يعلن العقل أن الموضوع هو كذا فيبين عن عمله ms017 بمطابقته للموضوع. إن مثل ~~الإحساس والتصور الساذج كمثل المرآة تعكس صور الأشياء ولا تدري أنها تعكسها، على ~~حين أن العقل في الحكم يعلم أنه يقول قولا يؤدي معنى تاما يحسن السكوت عليه، إن ~~لم يقابل بالإنكار . # والنسبة الحكمية قد تبدو إما بالمضاهاة بين معنيين مستفادين من الحس، كقولنا: ~~«هذا الماء ساخن»، أو بالمضاهاة بين معنى مستفاد من الحس ومعنى آخر معقول، كأن نحكم ~~بوجود نار لا نراها بسبب الدخان الذي نراه. أو بالمضاهاة بين معنيين معقولين، كأن ~~نحكم بوجود صفة لا نراها لشيء لا نراه بسبب أثر نراه، فنقول: «النار عظيمة» بسبب ~~شدة تكاثف الدخان. وهذه هي الحال كلما انتقلنا من معلول نراه إلى علة لا نراها صفة ~~لا نراها ولكنها مقتضاه لها في نظر العقل. والأحكام التي من هذا القبيل صادقة ~~ضرورية لا ينتقص من قيمتها خفاء المعنيين على الحس، فإن العبرة هي في النسبة بينهما ~~وفي سبب إيقاعها. # وإنا لنلفت النظر إلى هذه النقطة، فقد اختلط الأمر على بعض الفلاسفة، وفي مقدمتهم ~~الحسيون: فإذا قلنا إن لأفعال الكائن الحي علة نسميها النفس، وإن للعالم علة نسميها ~~الله، قالوا إنهم لا يرون النفس ولا يرون الله، ونحن لا نطلب إليهم أن يروهما، بل ~~أن يؤمنوا بوجودهما كما يؤمنون بوجود النار ولنفس السبب الذي هو ضرورة العلة. وإذا ~~قلنا إن العلة الأولى غير متناهية، قالوا إن العقل الإنساني لا يتصور اللانهاية، ~~ونحن لا ندعي أننا نتصورها، بل إننا نتصور ضرورتها للعلة الأولى. وغير هذا كثير ~~سننبه عليه كلما صادفناه. # ومن الفلاسفة، وعلى رأسهم ديكارت وسبينوزا، من جافوا منطق أرسطو حتى تجاهلوا هذا ~~الفهم للحكم، وقرروا أن في النفس معاني، وأن الحكم هو التصديق بالمعاني. قال ~~ديكارت: إن العقل قوة انفعالية بحتة، وبالعقل وحده لا أثبت ولا أنفي، بل أقتصر على ~~تصور الأشياء التي أستطيع أن أثبتها أو أنفيها؛ والإرادة هي القوة الفاعلية، وهي ~~التي تحكم أي تثبت أو تنفي أو تمتنع من الإثبات والنفي. وقال سبينوزا: ليس المعنى ~~شيئا أخرس ms018 كالصورة المنقوشة، ولكنه قوة فاعلية؛ فإنه مصحوب بضرب من الشعور بوجود ~~موضوعه ما لم يعارضه معنى آخر، فتصديقاتنا هي التصورات الغالبة فينا، وليس يوجد في ~~النفس من إثبات أو نفي إلا من ينطوي عليه المعنى بما هو معنى. # لكنا لا نرى لهذه النظرية معنى ولا سندا: فليس من شأن الإرادة الإثبات أو النفي، ~~التصديق أو الإنكار، إلا بتسويغ من العقل. فمتى كانت النسبة الحكمية بينة أثبتها ~~العقل وصدق بها، ومتى كانت غير بينة نفاها العقل أو علق حكمه. فليس العقل منفعلا ~~وحسب كما يقولون، وإنما هو فاعل أيضا. أجل كثيرا ما تحرض الإرادة العقل على الحكم ~~لناحية أو لأخرى، تبعا لما يوحي به الاستعداد الشخصي من هوى، ولكنا هنا أيضا نرجع ~~إلى تقدير العقل؛ إذ إنا نزعم أن من المعقول أو من الخير أن نفعل كذا أو كذا. ومهما ~~يكن من أمر الإرادة، فإن الوجدان يظهرنا على أن تفكيرنا وكلامنا مؤلفان من أحكام ~~بالمعنى الذي نقصده، أي مركبة من موضوع ومحمول ورابطة بين الاثنين، فيتعين اعتبار ~~الحكم إطلاقا على هذا الغرار، ويتعين تفسيره، وهو لا يفسر إلا بالمعنى المجرد، فإن ~~المحمول صفة أو معنى مجرد دائما، والموضوع معنى مجرد في كثير من الأحيان، أعني في ~~الأحكام العلمية فإنها كلية ضرورية. # في كل ما تقدم لم نلحظ سوى الحكم البسيط أو الحملي، ولم نشر إلى الأحكام المركبة ~~التي أهمها الأحكام الشرطية، والسبب في ذلك أن الأحكام المركبة تنحل إلى حمليات، ~~وتخضع لقواعد الحمليات، فلا تثير مسائل جديدة. غير أن بعض الفلاسفة المعاصرين ~~اعتقدوا أنهم استكشفوا نوعا من الأحكام المركبة لم يذكره أرسطو ولا هو يرد إلى ~~منطقه ولكنه يؤلف منطقا على حياله، ذلك هو الحكم الإضافي أو النسبي الذي يثبت ~~إضافة أو نسبة بين شيئين، على حين أن الحكم الحملي يسند صفة إلى موصوف. ما أكثر ما ~~نقول: «أكبر من «ب»» أو «هذا المثل غير مساو لذاك» إلى سائر ما هنالك من نسب: ~~كالتشابه والتخالف والتباين والتقارن والتعاقب والتساوي والعلية ... إلخ. ms019 فأكبر ~~من «ب»، وغير مساو لذاك، قول يعبر عن نسبة لا تقوم الموضوع ولا في حد المقارنة ~~الوارد بعده، ولكنه يجمع بين النسبة وبين الحد الثاني ويكون من الاثنين محمولا ~~مثبتا للموضوع كأنه صفة له وجزء منه، وليس الحال كذلك. وقولنا: ««أ» و«ب» غير ~~متساويين» يجعل من عدم المساواة محمولا مشتركا بين الحدين، وهذا واضح البطلان؛ ~~فقد ضاهينا بين «أ» و«ب» ولم نضاه بين «أ» و«ب» من جهة وبين معنى عدم المساواة من ~~جهة أخرى. وإذا قلنا: ««ح» متقدم على «د»» أو ««ح» و«د» متعاقبان»، كان الحدان ~~الحقيقيان «ح» و«د» مع إدراك نسبة تعاقب بينهما، لا «ح» من جهة والمحمول «متقدم على ~~«د»» من جهة أخرى، ولا «ح» و«د» من جهة والمحمول «متعاقبان» من جهة أخرى. وهكذا ~~نصوغ الحكم في أمثال هذه النسب كأن الحد الثاني صفة للأول، فنرجع النسب الإضافية ~~إلى نسبة الملائمة أو عدم الملائمة بين موضوع ومحمول. # ونحن نقول: لا يوجد منطق إضافي أو نسبي مستقل عن قوانين المنطق الحملي وقواعده، ~~والقضايا الإضافية مركبة من موضوع ورابطة ومحمول كالقضايا الحملية: ««أ» (الموضوع) ~~هو (الرابطة) أكبر من «ب» (المحمول)» إلا أن الرابطة تنصب على الموضوع لا كما هو في ~~نفسه، فلا تعبر عن تقوم المحمول فيه، بل باعتبار الإضافة والنسبة بينه وبين الحد ~~الآخر، أي في تصورنا إياه وقت عقد المقارنة، وحينئذ يتضمن الموضوع المحمول؛ إذ يكون ~~معنى المقارنة أن «أ» بالنسبة إلى «ب» هو أكبر من «ب». كما نستطيع أن نجعل من ~~النسبة غير المعينة موضوعا، ومن تعيينها محمولا، فنقول: نسبة «أ» إلى «ب» (وهذا ~~هو الموضوع) هي (الرابطة) نسبة أكبر إلى أصغر (وهذا هو المحمول). وفي الحالين إسناد ~~محمول إلى موضوع كما هو الحال في الحكم الحملي. فالعقل على حق في تصور المحمول ~~كالصفة في القضايا الإضافية، والمنطق واحد لم يتعدد. ~~(2) المذهب الحسي والحكم # فيما سبق من شرح كان الغرض تحليل الحكم كما يبدو في الذهن، وتعيين شأنه في ~~المعرفة الإنسانية. لكن الحسيين ينقدون هذا الفهم ms020 للحكم، ويعرضون له تفسيرا يرده ~~إلى الحسية والاسمية. فتمحيص أقوالهم يتيح لنا إكمال هذا الشرح بدرء الشبهات عن ~~موقفنا وبيان فساد الموقف الحسي. # وأول ما نلقاه من أقوالهم مأخذان وجههما إليه السفسطائيون اليونان: أحدهما أن ~~الحكم إسناد لفظ إلى لفظ مختلف عنه، مثل «الإنسان طيب»، وليس يتضمن معنى الإنسان أو ~~معنى الطيبة شيئا من معاني الصفات التي تسند إليه. فهذا الإسناد غير سائغ، وكل ما ~~يسوغ هو قول: «الإنسان إنسان» و«الطيب طيب» وهكذا، بحيث يجتمع اللفظان على معنى ~~واحد. والمأخذ الآخر أن الحكم قد يسند إلى لفظ واحد ألفاظا عدة، كما لو قلنا: ~~«سقراط عالم فاضل شجاع»، وما فيه كثير هو كثير لا واحد، ومن ثمة لا يصح الإسناد ~~... # وفي العصر الحديث ردد الحسيون المذهب القديم، فقال هوبس: إن الحكم تركيب ألفاظ، ~~فالقضية الموجبة تعني أن الموضوع والمحمول اسمان لشيء واحد، وتعني القضية السالبة ~~أن اسمين يختلفان في الدلالة. وقال كوندياك: إن الحكم انتباه مزدوج، فمتى وجد في ~~الذهن في وقت واحد إحساسان أو صورتان أو إحساس وصورة وجد الحكم على الفور، مثل ~~«الشمس مضيئة» و«الثلج بارد». وقال ستوارت مل: إن الحكم يرجع إلى تداعي الصور، فحين ~~أقول: «الثور مجتر» فالمقصود هو فقط أنه كلما صادفت الظواهر المتضمنة في لفظ ~~«الثور» استطعت أن أتوقع الظاهرة المتضمنة في لفظ «مجتر». # ليس أبعد عن حقيقة الحكم من هذه التفسيرات، فليس الحكم إسناد لفظ إلى لفظ أو معنى ~~إلى معنى حتى يقال إن اللفظين أو المعنيين مختلفان وإن تركيبهما معا غير سائغ. إن ~~اللفظ دال على معنى، والمعنى دال على شيء هو موضوع الإسناد، كما لو قلنا: «الإنسان ~~فان» و«النفس باقية»، فلسنا نسند لفظ الفناء إلى لفظ الإنسان، ولا معنى الفناء إلى ~~معنى الإنسان بما هو معنى، ولكنا نسند الفناء إلى الإنسان بما هو موجود حقيقي أو ~~ممكن. فالحكم يوحد بين موضوع ومحمول مختلفين تعريفا موحدين وجودا لكون المحمول ~~متحققا في الموضوع. # ويقال مثل ذلك في تعدد المحمولات؛ فإن الكثرة ههنا ليست كثرة ms021 موجودات مستقلة، ~~ولكنها كثرة وجهات لموجود واحد. فالتوحيد في الحكم صورة للوحدة في الشيء، وكاد يكون ~~نقد السفسطائيين صائبا لو كان قولنا: «الثلج بارد» يعني أن الثلج هو البرودة، وكان ~~قولنا: «الإنسان طيب» يعني هو أن الإنسان هو الطيبة. ولكن المقصود أن للثلج صفة ~~البرودة، وأن للإنسان صفة الطيبة، والبرودة والطيبة وكل محمول فهو معنى مجرد. ولولا ~~التجريد لما أمكنت إضافة لأن الأشياء موجودة في نفسها والإضافة نسبة ذهنية. # والفارق الجوهري بين الحكم وتداعي الصورة هو أن في الحكم رابطة تعني إسناد ~~المحمول إلى الموضوع إسنادا صريحا موعيا مسبوقا بمضاهاة، على حين أن التداعي ~~يتم آليا دون مضاهاة ولا إسناد، فلا تدرك النسبة فيه إلا بعد حدوثه. وهو إنما ~~يحدث بسبب ما بين الصور من تشابه أو تضاد أو تقارن، على حين يحدث الحكم بسبب حقيقة ~~الموضوع والمحمول. فحين أقول: «الثور مجتر» أثبت نسبة معينة بين الثور وبين نحو ~~معين من أنحاء الهضم وأنفي عنه سائر الأنحاء المعروفة في سلم الحيوان والمتواردة ~~على ذهني بالتداعي. أجل لقد وجدت «المجتر» بالتجربة حين عرفت «الثور» وأنا أتوقع ~~الأول عند إدراك الثاني، لكن هذا التوقع يتخذ في الحكم معنى مغايرا لمعناه في ~~التداعي، وهو أن الاجترار صفة جوهرية في الثور وأن توقعي ضروري لابتنائه على هذا ~~الأساس. # ولو صدق الرأي الحسي لكانت أحكامنا كلها موجبة تسند محمولا إلى موضوع لإدراكنا ~~إياهما مجتمعين، وليس السلب موضوع إحساس. وكانت أحكامنا كلها مطابقة للظواهر ~~المحسوسة، فلم نقل إن الأرض تدور حول الشمس، وإن الشمس أكبر من الأرض، وغير ذلك مما ~~هو مكتسب بالبرهان العقلي ومعارض للتجربة المتمكنة فينا بالتداعي منذ أول نشأتنا. ~~فالحكم فعل عقلي يثبت نسبة معقولة بين محمول هو دائما معنى مجرد وبين موضوع هو ~~معنى مجرد في القضايا العلمية، وهذا يخرجه من دائرة الحس بالمرة. # الفصل الثالث # | القياس # (1) تعريف الاستدلال # التركيب والتفصيل في الأحكام يتمان دفعة في البديهية منها، فما من أحد يتردد في ~~الحكم بأن الكل أعظم من الجزء. ولكن مسائل كثيرة ms022 تعرض لنا ولا ندري أول الأمر أي ~~حكم نتخذ فيها، ونعني بالمسألة عبارة مؤلفة من موضوع ومحمول تقتضينا الإجابة بإضافة ~~المحمول إلى الموضوع أو بنفيه عنه، فنعمل على الاهتداء إلى واسطة نضاهي بينها وبين ~~الحدين، فإن وافقاها حكمنا بأنهما متوافقان، كما نحكم بأن الشيئين المساويين لثالث ~~هما متساويان، وإن وافقها أحدهما وباينها الآخر حكمنا بأنهما متباينان. ولا وجه ~~لافتراض أن الحدين جميعا قد يباينان الواسطة؛ إذ في مثل هذه الحالة تمتنع ~~المضاهاة، فيمتنع الاستدلال، كما تنبه على ذلك القاعدة القائلة: إن القضيتين ~~السالبتين لا تنتجان. فالاستدلال انتقال من معلوم هو المضاهاة إلى مجهول هو ~~نتيجتها. # وماهية هذا الانتقال هو ذلك اللزوم الذي نعبر عنه في النتيجة بقولنا: «إذن»؛ فإنه ~~يزيد على النسبة بين الحدين في كل حكم نسبة الأحكام فيما بينها. وهذه النسبة ~~الثانية تجعل من الاستدلال حركة متصلة من طرف إلى طرف، واتصالها يعطيها وحدتها، ~~فإذا قلنا مثلا: «كل إنسان حجر، وكل حجر نبات، فإذن الإنسان نبات»، كنا مخطئين من ~~حيث مادة الاستدلال. ولكنا نرى أن وضع المقدمتين يسوقنا سوقا إلى النتيجة، ~~فالاستدلال فعل واحد مع تركيبه من عدة أفعال أو أحكام، لما بينها من ترابط ~~وتبعية. # هذا التعريف للاستدلال بأنه تأليف معارف لأجل الاستنتاج، مرادف للتعريف الذي وضعه ~~أرسطو وتنوقل بعده باطراد، وهو أن الاستدلال: «قول مؤلف من أقوال إذا ضعف لزم عنها ~~بذاتها، ولا بالعرض، قول آخر غيرها اضطرارا.» وقد دعاه «سولوجسموس» أي الجامعة، ~~لجمع النتيجة بين المعنيين اللذين لم نكن نعلم إن كانا يتوافقان أم يتخالفان، ~~والتخالف كالتوافق جمع في مبنى القضية بين الموضوع والمحمول لكي نقول إنهما لا ~~يتوافقان. ومن ثم دعا أرسطو جميع أنواع الاستدلال «سولوجسمي» مع عنايته بتبيان ~~ماهية كل منها، وترجم اللفظ اليوناني إلى العربية بلفظ «قياس»، وأطلق كذلك على ~~مختلف الاستدلالات؛ لأن الاستدلال كما عرفناه يقيس معنيين إلى ثالث، فحدث في ~~العربية مثل ما حدث في اليونانية من اشتراك لفظ القياس بين الاستدلال عموما وبين ~~نوع من أنواعه هو الذي نقصده ms023 ههنا، والذي يذكر في المنطق قبل الاستقراء والتمثيل ~~وما إليهما. # غير أن كثيرين من المناطقة المحدثين يفهمون الاستدلال بمعنى أوسع من المعنى الذي ~~حددناه، فيقولون إنه مطلق استخراج قضية من أخرى سواء كان ذلك بواسطة أو بدون ~~واسطة. ويذكرون تقابل القضايا وعكسها وتعادلها تحت عنوان «الاستدلال المباشر»، أي ~~الذي لا يلجأ فيه إلى حد ثالث. ونحن نرى أن هذه الحالات لا يوجد فيها استدلال؛ فإن ~~القضية الثانية محتواة في الأولى احتواء صريحا، فليس هناك حقيقتان مختلفتان، وليس ~~هناك من ثمة استنتاج مجهول من معلوم، بل كل ما في الأمر ترجمة عن نفس القضية بصيغة ~~أخرى، كما لو قلنا: «بعض الإنسان كاذب» و«بعض الكاذب إنسان»، أو قلنا: «كل إنسان ~~فهو طيب الطبع» و«بعض الطيب بالطبع إنسان»، أو قلنا: «كل إنسان فهو أناني» و«غير ~~صحيح أن بعض الإنسان ليس أنانيا»، فكل قضيتين من هذه القضايا المتقابلة أو ~~المنعكسة تقولان نفس المعنى لا أكثر ولا أقل. ولو كنا نكتب في المنطق لاستقصينا ~~الحالات جميعا استيفاء للتمثيل، ولكنا هنا في غير حاجة إلى التكرار. فليس يوجد ~~استدلال مباشر. ~~(2) تعريف القياس # في القياس بمعناه المحدد الذي هو موضوع بحثنا الآن، يجيء الترابط بين الحدود ~~الثلاثة على هيئات مختلفة، فلكي ندرك ماهية القياس ننظر في هذه الهيئات للوقوف على ~~ما تشترك فيه وعلى ما هو خاص لكل منها، وبذا نمهد للرد على الحسيين. يقال عادة: إن ~~للقياس أربعة أشكال ناتجة من طريقة تأليف الحدين مع الثالث في المقدمتين، فإن الحد ~~الثالث أو الواسطة قد يكون إما موضوع المقدمة الكبرى ومحمول الصغرى، أو محمولا في ~~المقدمتين، أو موضوعا فيهما، أو محمول الكبرى وموضوع الصغرى. هذا صحيح من الوجهة ~~الصورية، غير صحيح في واقع الأمر. وليس الاختلاف في مكان الحد الثالث من الاثنين ~~الآخرين اختلافا عرضيا كما قد يبدو، ولكنه ينطوي على دلالة ذاتية في كل ~~شكل. # وهذه أمثلة على الأشكال الأربعة إيجابا وسلبا تعيننا في تفهم طبيعتها وطبيعة ~~القياس على العموم: # الشكل الأول ~~«كل صالح فهو كريم.» ms024 ~~«وكل عالم فهو صالح.» ~~«إذن كل عالم فهو كريم.» ~~••• ~~«لا واحد من الصالح بحسود.» ~~«وكل عالم فهو صالح.» ~~«إذن لا واحد من العالم بحسود .» # الشكل الثاني ~~«لا واحد من الصالح بحسود.» ~~«وكل طماع فهو حسود.» ~~«إذن لا واحد من الطماع بصالح.» ~~••• ~~«كل صالح فهو كريم.» ~~«ولا واحد من الطماع بكريم.» ~~«إذن لا واحد من الطماع بصالح.» # الشكل الثالث ~~«كل حكيم فهو حر.» ~~«وكل حكيم إنسان.» ~~«إذن بعض الإنسان حر.» ~~••• ~~«لا واحد من الحكيم بمستذل.» ~~«وكل حكيم إنسان.» ~~«إذن بعض الإنسان ليس بمستذل.» # الشكل الرابع ~~«كل إنسان فهو حيوان.» ~~«وكل حيوان فهو حساس.» ~~«إذن بعض الحساس إنسان.» ~~••• ~~«كل إنسان فهو حيوان.» ~~«ولا واحد من الحيوان بنبات.» ~~«إذن لا واحد من النبات إنسان.» # فمرمى الشكل الأول أو الغاية المتوخاة منه هو، في حال الإيجاب: البرهنة على ثبوت ~~محمول لموضوع لاشتمال الموضوع على حد مشتمل على المحمول. وفي حال السلب: البرهنة ~~على انتفاء المحمول عن الموضوع. ومعنى البرهنة: بيان علة النتيجة، بحيث لو سئلنا: ~~لم قلنا «كل عالم فهو كريم»؟ أجبنا: «لأن كل عالم فهو صالح، وكل صالح فهو كريم.» ~~وهكذا نجد فيه الحدود منطوية بعضها في بعض، مترابطة ترابطا محكما، ونجد النتيجة ~~مسبوقة بعلتها لازمة عنها. وبناء على هذا يمكن أن نعين له مبدأ من وجهة المفهوم، ~~ومبدأ من وجهة الماصدق: فمن وجهة المفهوم مبدؤه أن «كل ما يقال على محمول يقال ~~أيضا على الموضوع»، كما لو حكمنا على العالم بالصالح، فكل حكم يثبت للصالح ثابت ~~للعالم بالضرورة. ومن وجهة الماصدق مبدؤه أن «ما يقال على كلي فهو يقال على ~~جزئياته، وما ينفى عن كلي فهو منتف عن كل واحد من جزئياته». # ومرمى الشكل الثاني إدحاض دعوى والرد على خصم، لذا هو يتضمن دائما مقدمة سالبة ~~فتجيء النتيجة دائما سالبة، وذلك بالاهتداء إلى حد مناف لموضوع النتيجة فنستنتج ~~أنه مناف للحد الآخر. أعني أن هذا الشكل ينفي محمولا عن موضوع النتيجة بسبب أن ~~أحدهما يشتمل على حد مناف للآخر أو أنه يثبت ms025 محمولا لأحد موضوعين وينفيه عن الآخر، ~~فيلزم التباين بين الموضوعين. فمبدؤه مبدأ الشكل الأول، والمقدمة الكبرى فيه كلية ~~مثل كبرى الشكل الأول، فإنها هي التي تقرر أن محمولا ما يتضمن محمولا آخر أو ~~ينافيه، مع هذا الفارق وهو أن المبدأ المشترك لا يطبق هنا بالمشابهة، بل بالمباينة، ~~فإن الشكل الأول يستنتج ثبوت التالي من ثبوت المقدمة، بينما الشكل الثاني يستنتج ~~نفي المقدمة من نفي التالين فيسمى مبدؤه «المقول على المباين». # ومرمى الشكل الثالث معارض قضية كلية بمثال مخالف لها، أي إبطال صدقها صدقا ~~مطلقا لوجود ما يخالفها، وحصر صدقها في جزء فقط من موضوعها. والدلالة بهذه الجزئية ~~على أن وقوع المحمول للموضوع ليس ضروريا، وإنما هو اتفاقي عرضي، فتجيء النتيجة ~~دائما جزئية (موجبة أو سالبة)، كما لو قال قائل: «كل إنسان فهو حر» وأنكرنا ذلك، ~~فإنا نبحث عن حد أوسط تتحقق فيه الحرية، فنقع على الحكيم. ولما كان الحكيم جزءا ~~فقط من الإنسان فإنا نقول: «إذن بعض الإنسان حر» لا كله. لذا يسمى مبدأ هذا الشكل ~~«المقول جزئيا»، وهذا المبدأ تخصيص آخر لمبدأ «المقول على الكل» الذي هو مبدأ ~~الشكل الأول ومبدأ القياس على العموم، وصيغته هكذا: «الحدان المشتملان على جزء ~~مشترك (وهو الحد الأوسط) يتوافقان توافقا جزئيا، وإذا اشتمل أحدهما على جزء لا ~~يشتمل عليه الآخر، فهما يتخلفان تخلفا جزئيا»، ويسمى أيضا: «المقول على مثال»؛ ~~لاعتماده على المثال أو الجزء الخارج للقضية الكلية. # أما الشكل الرابع فما هو إلا الشكل الأول في هيئة مقلوبة من جراء نقل المقدمتين ~~إحداهما إلى مكان الأخرى، وهذا لا يزيد نسبة جديدة بين الحدود. إن كل شكل إنما ~~يتعين بنسبة الأوسط إلى الطرفين، فسواء جاء الأوسط موضوعا فمحمولا كما هو الشأن ~~في الشكل الأول، أم جاء محمولا فموضوعا كما هو الشأن في هذا الشكل الرابع، فالحال ~~واحد ما دام يجيء موضوعا تارة ومحمولا تارة أخرى. ثم إن قلب المقدمتين يخرج نتيجة ~~مقلوبة كذلك، غير مألوفة، بعيدة عن طبع العقل، من حيث إنها تضيف الحد ms026 الأصغر ~~للأكبر، على حين أن الترتيب الطبيعي إضافة الأكبر للأصغر، فيقال: «سقراط إنسان، ~~سقراط مائت، الإنسان حساس، لا واحد من الإنسان بنبات»، ولا يقال : «بعض الإنسان ~~سقراط، بعض المائت سقراط، بعض الحساس إنسان، لا واحد من النبات بإنسان»؛ إذ إن ~~الأصل في الإضافة أن يضاف الجنس إلى النوع، ويضاف النوع والجنس إلى الشخص. فهذا ~~الشكل الرابع لا يعد شكلا إلا من الوجهة الصورية البحتة، أو من الوجهة النحوية، لا ~~من وجهة المنطق وحقيقة التفكير، فإن موضوع النتيجة فيه (أو المبتدأ النحوي) هو عند ~~العقل محمول، ومحمولها (أو الخبر النحوي) هو عند العقل موضوع. # من هذا البيان الوجيز نرى أن القياس إطلاق مضاهاة حدين بثالث، وأن الشكل الأول ~~أظهر صورة لهذه المضاهاة من حيث إنه يعتمد على انطواء الحدود بعضها في بعض، وأنه ~~أقوى صورة لها من حيث إنه يبين ما للإنتاج أو اللزوم من سبب وجودي أي في واقع ~~الأمر، وسبب منطقي أي في علمنا من حيث إن العلم ههنا هو العلم بالعلة، فهو الشكل ~~البرهاني بمعنى الكلمة. والشكل الثاني أدنى منه، لا ينطبق فيه مبدأ المقول على ~~الكلي إلا بشيء من التعيين والتضييق، فليس أرسطو وسطا حقا، فما هو موضوع حد ~~ومحمول الآخر، ولكنه محمول مرتين، فهو أوسع ماصدقا من الحدين، فإن سمي وسطا ~~فبمعنى أنه واسطة المضاهاة، ولذا كانت نتيجته أقل ظهورا. والشكل الثالث أدنى من ~~الثاني، فإن أسماء الحدود لا تتحقق فيه هو أيضا؛ إذ إن أوسطه هو الحد الأضيق ~~ماصدقا لمجيئه موضوعا مرتين في المقدمتين، ونتيجته جزئية ولا ينتج كلية أصلا. ~~ومع هذا فالشكلان الثاني والثالث قياسيان صحيحان سليمان، تتضح صحتهما وسلامتهما ~~للعيان بردهما إلى الأول على ما هو مبسوط في كتب المنطق، دون أن يكون هذا الرد ~~ممنوعا ما دام لكل شكل مبدؤه وغايته، حتى لا يمكن في الحقيقة أن يحل واحد منها محل ~~الآخر بالنسبة إلى الغاية المطلوبة. والشكل الرابع تقضي طبيعته برده إلى الأول بنقل ~~مقدمتيه، فتجيء نتائجه مستقيمة؛ أو بإلحاقه بالأول كهيئة ms027 له غير مستقيمة أي مقلوبة. ~~والواقع أن أرسطو لم يذكره، بل اعتبر قسمة القياس إلى ثلاثة أشكال قسمة حاصرة؛ كذلك ~~أبى مناطقة العصر الوسيط أن يعدوه شكلا قياسيا، ويقال إن الطبيب الفيلسوف ~~جالينوس (المتوفى في نهاية القرن الثاني للميلاد) هو الذي جعل منه شكلا خاصا. ~~وعلى كل حال فقد بدا كذلك في عصر النهضة لدى المناطقة الاسميين، والاسميون قوم ~~يقفون عند الظاهر ولا يحاولون النفوذ إلى حقائق الأشياء، فاقتصروا على اعتبار مكان ~~الحد الأوسط من الحدين الآخرين، ولم يفطنوا إلى أن هذا المكان علامة ظاهرة فقط، وأن ~~الأشكال القياسية أشكال للتفكير أولا. # وكلية الحد الأوسط شرط ضروري يستحيل بدونه تركيب القياس. وهذا ما تقوله القاعدة ~~التي تحذر من إيراد الأوسط جزئيا في المقدمتين، وتحتم أن يجيء كليا في إحداهما ~~على الأقل. وذلك لأن الحد الجزئي يمثل جزءا غير معين من جنس ما، فقد يوافق أحد ~~الطرفين في جزء من أجزائه، ويوافق الطرف الآخر في جزء آخر، فيكون الطرفان مضاهيين ~~بحدين مختلفين لا بحد واحد بعينه، ويكون القياس مؤلفا من أربعة حدود، فلا يكن ~~استنتاج شيء مثلما إذا قلنا: «السنديان شجرة (ما)، والجميز شجرة (ما)»، أو قلنا: ~~«النبات حي (نام)، والحيوان حي (حساس)» فلا نستنتج أن الجميز سنديان ولا أن ~~الحيوان نبات. ولا يمكن الاستنتاج سلبا؛ إذ قد يتفق الجزءان في بعض الحالات، لكن ~~يمكن الاستنتاج إذا كان الأوسط كليا في إحدى المقدمتين، فما دمنا نثبت شيئا ~~للأوسط كله فلنا أن نثبته بعد ذلك لجزء من أجزائه. ومعنى هذه القاعدة أنه لا يمكن ~~الاستدلال بالأقل على الأكثر، أو استنتاج الأكثر من الأقل. وهذا أيضا مبدأ القاعدة ~~القائلة إن النتيجة تتبع أضعف المقدمتين، فالحسيون إذ ينكرون المعنى المجرد الكلي ~~يعطلون التفكير بتاتا. # وكما قد أثار بعض المناطقة المحدثين إشكالا بصدد الحكم الإضافي، فقد أثار بعضهم ~~إشكالا بصدد القياس الإضافي. قالوا: إن الاستدلال في الأقيسة المركبة من قضايا ~~إضافية يختلف بالمرة عنه في الأقيسة الحملية المعبرة عن حصول محمول لموضوع، فلا ~~يخضع لقواعد ms028 القياس، ومنها قاعدة الحدود الثلاثة، ولكن له صوره وقواعده الخاصة. ~~مثال ذلك: «فرساي أصغر من باريس، وفونتنبلو أصغر من فرساي. إذن فونتنبلو أصغر من ~~باريس.» فإذا قلنا: إن الحد الأكبر هو محمول الكبرى «أصغر من باريس»، وأن الحد ~~الأصغر هو موضوع الصغرى «فونتنبلو»، فماذا يكون الحد الأوسط؟ لا يكون «فرساي» الذي ~~هو موضوع الكبرى ولكنه في الصغرى جزء فقط من المحمول، ولا يكون «أصغر من فرساي» ~~الذي هو محمول الصغرى والذي جزء منه فقط موضوع الكبرى. وإذن فلا يكون هناك حد أوسط ~~مع كون الاستدلال صحيحا مشروعا. # والجواب أنه كما أن لكل شكل من أشكال القياس الحملي مبدأ يهيمن على الاستدلال فيه ~~ولا يدخل في صلب القياس، فكذلك الأقيسة الإضافية مبدأ يهيمن على الاستدلال فيها ولا ~~يظهر في منطوقها، مثل قولنا: «ما يتضمن شيئا فهو يتضمن ما يتضمن هذا الشيء» أو ~~«الأعلى من شيء هو أعلى من الأدنى من ذلك الشيء»، فإذا راعينا المعنى أدركنا أن ~~«أصغر من» ليس صفة للطرفين كالمحمول في القضايا الحملية، ولكنه «نسبة» بين الطرفين، ~~فينتج لنا أن القياس الإضافي مركب هو أيضا من ثلاثة حدود مترابطة فيما بينها ~~برابطة خاصة هي «نسبة». إن الحد الأوسط «فرساي» يفيد في إثبات نسبة مقدارية بين ~~فونتنبلو وباريس. فالأقيسة الإضافية منتظمة على منطق القياس الحملي وخاضعة لقواعد ~~المنطق الأرسطاطالي، ولا ضرورة لتأليف منطق جديد لأجلها. وهذا ما أشار إليه ابن سينا # 1 # بقوله: «قياس المساواة: إنه ربما عرف من أحكام المقدمات أشياء تسقط، ~~ويبنى القياس على صورة مخالفة للقياس، مثل قولهم: («ج» مساو ل «ب»، و«ب» مساو ل ~~«ل»، ف «ج» مساو ل «ل»)، فقد أسقط منه أن (مساوي المساوي مساو)، وعدل بالقياس عن ~~وجهه من وجوب الشركة في جميع الأوسط إلى وقوع الشركة في بعضه»، فما أعظم ما يفيد ~~المتأخرون من دراسة المتقدمين! ~~(3) المذهب الحسي والقياس # هذا العرض للقياس كاف وحده لتسويغه، ولكن المذهب الحسي يقضي على رجاله بإنكاره ~~لابتنائه على المعنى المجرد الكلي وشهادته بوجود العقل. وبالفعل ms029 منذ العصر القديم ~~أخذ السفسطائيون والشكاك يتندرون عليه وينظمون المغالطات للهزء منه، وقد تناقلوا ~~حجة ظنوا أنها تهدمه من أساسه، قالوا: ليكن هذا القياس : «كل الناس مائتون، وسقراط ~~إنسان، إذن سقراط مائت.» فالمقدمة الكبرى الكلية لا تصدق إلا إذا كانت النتيجة ~~معلومة من قبل، أي لا يقولها القائل إلا لعلمه أن سقراط مائت، فلا تعود هناك حاجة ~~لتركيب قياس؛ أما إذا لم يعلم فلا يسوغ له قولها، ولا يعود هناك إمكان لتركيب قياس. ~~وإذا مضى فقال: «إذن سقراط مائت»، ارتكب مصادرة على المطلوب؛ فإن المطلوب معرفة ما ~~إذا كان سقراط مائتا، ومعرفة أن «مائت» متضمنة في المقدمة الكبرى. وقد اصطنع هذه ~~الحجة الحسيون المحدثون واشتهر بها جون ستوارت مل، وصارت تذكر عنه كأنها من ~~ابتكاره. وهم يفسرون الاستدلال عموما بأنه انتقال من محسوس إلى محسوس، وأنه من ثمة ~~يرجع إلى تداعي الصور بالتشابه. ونحن نكشف عن تهافت حجتهم، ثم نبين بطلان تفسيرهم ~~للقياس بتداعي الصور. # قوام حجتهم خلط جسيم بين القضية الكلية (مثل: «كل الناس مائتون»)، والقضية ~~المجموعية المكتسبة بجمع الجزئيات (مثل: «كل ركاب الباخرة نجوا من الغرق»). وقد قال ~~مل معبرا عن رأيهم: إن القضية الكلية سجل أو مذكرة مختصرة للتجربة، والتجربة جزئية ~~محدودة كما هو معلوم، فيتصورون القياس كأن مقدمته الكبرى مجموعية، تدرج تحتها مقدمة ~~صغرى (مثل: «وزيد من ركاب الباخرة»)، فينتج أن زيدا نجا من الغرق. هذا قياس مزعوم ~~وتأليف ظاهري فقط، فليست المقدمة الكبرى فيه كلية بمعنى الكلمة؛ فإنما أسند محمولها ~~إلى موضوعها بعد التحقق من المحمول في كل واحد واحد من أفراد الموضوع، فهي تحتوي ~~على النتيجة بالفعل، وتتأخر عنها في علمنا، وليس الحد الأوسط فيها (ركاب الباخرة) ~~تعليلا للنتيجة كالحد الأوسط في القياس الصحيح. أما القضية الكلية حقا، فهي التي ~~موضوعها معنى مجرد، ومن ثم كلي يحتوي بالقوة (لا بالفعل) على جميع الأفراد الممكنة، ~~وبين حديثها نسبة ذاتية، فلا يشترط أن تتأخر في علمنا عن إحصاء الأفراد، وقد تكون ~~مستفادة من التجربة بحديها وبالنسبة ms030 بينهما، ثم تكون في ذاتها مبدأ مجردا مستقلا ~~عن الأفراد بفضل الإدراك العقلي الذي يرينا أن المحمول من ماهية الموضوع. فالقضية ~~القائلة: «كل الناس مائتون» تعني أن ماهية الإنسان هي بحيث إنه مائت، ويدلل عليها ~~بأن الإنسان مركب من عناصر متباينة، وأن كل مركب هكذا فهو منحل. فإذا قلنا بعد ذلك: ~~«وسقراط إنسان»، أي: حاصل على الماهية الإنسانية؛ خرجت لنا النتيجة من الجمع بين ~~القضيتين، أعني من الكبرى بوساطة الصغرى، دون أن تكون هذه النتيجة مفترضة في ~~الكبرى، بل بالعكس هي الكبرى التي تحدث النتيجة. والذي يكسب موقف الحسيين شيئا من ~~الوجاهة هو التعبير عن الكبرى من وجهة الماصدق «كل الناس مائتون»، فإنه يشعر كأنها ~~نتيجة تعداد، فما إن نعبر عنها من وجهة المفهوم ونقول: «كل إنسان فهو مائت» أو ~~«الإنسان مائت»، حتى يتبدد الوهم. وخير هذين التعبيرين وأصدقهما دلالة على الإدراك ~~العقلي هو الثاني الذي يستبعد لفظ «كل»، فيمحو كل أثر للماصدق ويبرز الماهية ~~مجردة. # أما تداعي الصور فإنه يحاكي الاستدلال؛ إذ يجعلنا نتوقع المستقبل ونعمل كما لو ~~كنا قد استدللنا. فالحيوان الذي ضرب بالسوط يتوقع أن يضرب متى رآه أو سمع صوته، ~~والعامي من بني الإنسان يتوقع المطر حين يدرك ظواهر جوية معينة. ولكن الاستدلال شيء ~~آخر بالمرة؛ إذ إنه يعطينا السبب في تعاقب الظواهر ويجعل التوقع صادرا عن فهم ~~لحقائق الأشياء، بينما التوقع في التداعي فعل آلي ناشئ من العادة. إن الأصل في ~~الاستدلال هو المطلوب الذي يصير نتيجة، وهو لا يصير نتيجة إلا إذا وجدنا نسبة بين ~~حديه، ولا نجد النسبة إلا بالحد الأوسط. فبالتداعي نستعيد صورة جزئية بمناسبة صورة ~~جزئية بناء على تعاقب واقعي، وبالقياس نستكشف علاقة ضرورية بواسطة قانون أي قضية ~~كلية. فإذا قلنا إن التداعي يفسر سيرة الحيوان وطفل الإنسان، فيجب أن نعتبر بأن ~~الطفل لا يلبث أن يجاوز هذه المرحلة فيدرك العلاقة الجوهرية حينما يستطيع إدراكها، ~~ويسأل ويلحف في السؤال حينما تخفى عليه. وليس يقتصر الطفل على التأدي من العلة ~~المنظورة إلى ms031 المعلول المرتقب، ولكنه يعود من المعلول المنظور إلى علته، منظورة ~~كانت أو غير منظورة، فيدل بكل ذلك على انتقاله من طور التداعي إلى طور التفكير. ~~فانظر إلى دقة هذه الأمور، ثم اعجب لقلة تدقيق الفلاسفة الحسيين. إن الإنسانية تفكر ~~تفكيرا قياسيا، وهم في جملتها وإن كانوا لا يدرون، فليسوا ينالون منه في واقع ~~الأمر، إنما هو ينال منهم كما تنال الصخرة من ناطحها! # الفصل الرابع # | الاستقراء # (1) تعريف الاستقراء # هذا النوع الآخر من الاستدلال كثير الاستعمال كثرة وافرة في الحياة العادية ~~والعلوم الطبيعية، نؤلفه أول الأمر بوحي التجربة، وبخاصة متى تكررت، ثم نحاول أن ~~نستكشف النسبة بين حديه زمنا يطول أو يقصر تبعا لدرجة وضوح هذه النسبة وتقدم ~~العلم واجتهاد العلماء، وتعريف الاستقراء أنه: «استدلال يضيف محمولا إلى موضوع كلي ~~بسبب مشاهدة هذا المحمول في جزئيات ذلك الموضوع كلها أو بعضها». # 1 # وقد تكون الجزئيات أفراد نوع، أو أنواع جنس، أو أجناسا سالفة تحت جنس عال. وقد ~~تكون استقرئت كلها؛ وهذا هو الاستقراء التام، أو لم يستقرأ سوى بعضها؛ وهذا هو ~~الاستقراء الناقص. وقد يكون الاستقراء الناقص كافيا أو غير كاف. وستتضح هذه ~~المعاني فيما يلي، ولنمثل أولا للاستقراءين التام والناقص: # استقراء تام ~~«النباتات والعجماوات والأناسي كائنات نامية.» ~~«والنباتات والعجماوات والأناسي هي كل الأجسام الحية.» ~~«إذن كل جسم حي فهو نام.» # استقراء ناقص ~~«الذهب والفضة والحديد والنحاس موصلة للكهرباء.» ~~«والذهب والفضة والحديد والناس معادن.» ~~«إذن المعدن موصل للكهرباء.» # هذا هو الاستقراء الذي نقصده، فيجب التفرقة بينه وبين ما يسمى بالمنهج الاستقرائي ~~المفصل بقواعد فرنسيس بيكون وستوارت مل المذكورة في كتب المنطق، فإن هذا المنهج ~~أولى به أن يسمى «البحث عن العلة» من حيث إنه يحاول حصر علة ظاهرة ما في ظاهرة أخرى ~~معينة. فإذا أفلحت المحاولة عرفت العلة من هذا الطريق معرفة محققة. أما ما نقصده ~~فهو الاستدلال المتأدي من جزئيات عدة إلى الكلي الذي ننسبها إليه. # يلوح لأول وهلة أن الاستقراء التام (متى تسنى تحقيقه وحصر آحاده) لا يثير إشكالا ms032 ~~من حيث إنه يحكم على الكلي بما يشاهد في الكل، وإنه إذن مستكف بنفسه لا يفتقر إلى ~~تبيان وتأييد. بيد أن هذا وهم ناشئ من الخلط بين الكلي المنطقي والكلي المجموعي، ~~أي بين الكلي والكل، وذلك الخلط المألوف عند الحسيين والذي نبهنا عليه غير مرة. ~~إننا إذا أخذنا الاستقراء التام على هذا الوجه لم نجد له سوى صورة الاستدلال لا ~~حقيقته؛ إذ إن كل ما يعنيه هو أن أفراد كل ما مشتركون فعلا في محمول ما، فلا ~~يفيد الانتقال من الصغرى إلى النتيجة معرفة جديدة، بل ننتقل من الآحاد إلى مجموعها، ~~أي من الشيء إلى الشيء نفسه. أما إذا أردنا استدلالا صحيحا فيجب أن نفهم صغرى ~~الاستقراء على أنها تذكر الجزئيات لكي تنتقل إلى الكلي الذي يمثلها، والذي هو علة ~~حصولها على المحمول، فنصل بالنتيجة إلى معرفة جديدة هي نسبة كلية ضرورية بين ~~الماهية المشتركة والمحمول المشاهد في الجزئيات، بغض النظر عن الجزئيات وعددها. # 2 # فالمسألة التي تبرز ههنا هي أن لا بد من وسيلة لإتمام الاستقراء التام ~~نفسه، وملء الفراغ بين الجزئيات كجملة وبين الكلي الذي ترجع إليه والذي بسبب ~~احتوائها عليه هي حاصلة على المحمول، وهذا هو المطلب الحق للعلم. # إذا كان هذا واجبا في الاستقراء التام فإنه في الاستقراء الناقص أوجب لما هو بين ~~من أن الانتقال من البعض إلى الكلي (في الاستقراء الناقص) أقل أمانا من الانتقال ~~من الكل إلى الكلي (في الاستقراء التام). وليس يجدي شيئا قول ابن سينا (وقد ردده ~~الغزالي وغيره): إن الاستقراء الناقص يعتمد على أكثر الجزئيات أو على كثير منها، ما ~~دام تمام الاستقراء نفسه لا يكفي، وما دام أكثر وكثير لا يقالان إلا مع اعتبار ~~الكل، والكل هنا لم يستقرأ. أحر بنا أن نقول: إن الاستقراء الناقص يعتمد على «عدد ~~كاف» من الجزئيات، تاركين للفطنة الشخصية مؤيدة بالخبرة العلمية تقدير كافية العدد ~~تبعا لما يتبدى من اتفاق المحمول للجزئيات في أمكنة عدة وأزمنة مختلفة وظروف ~~متباينة. وهذا التفاوت بين عدد ms033 الجزئيات وبين الكلي مدعاة أخطاء غير قليلة، يقع ~~فيها الناس بحيث يكون «الاستقراء الناقص غير موجب للعلم الصحيح، فإنه ربما كان ما ~~لم يستقرأ خلاف ما استقرئ، مثل التمساح». # 3 # في المثال المذكور، فإنه يحرك فكه الأعلى عند المضغ لا فكه الأسفل ~~كسائر الحيوان. ومثل طير الماء أو البجع المدعو أيضا بالقنس تعريبا للفظ اليوناني، # 4 # فقديما كان المعتقد أن البياض عرض لازم له بناء على ما كانوا ~~يشاهدون، ولما اكتشفت أستراليا وجد فيها بجع أسود بكل خصائص النوع. أما إذا تبدت ~~لنا نسبة الجزئيات المستقرأة إلى الكلي، أي علة وجود المحمول في تلك الجزئيات، أضحى ~~العدد الكافي مجرد دليل إلى تلك النسبة، غير ذي قيمة في ذات؛ إذ قد يصح الحكم على ~~الكلي بجزئي واحد إذا تأكدنا أن المحمول صادر فعلا عن ماهية هذا الجزئي. # فأساس الاستقراء أو السبب الذي يخولنا الحق في الانتقال من الجزئيات إلى الكلي ~~الشامل لها هو، في الاستقراء التام: أن المحمول الحاصل لكل الجزئيات هو محمول حاصل ~~للموضوع المعادل لها، وهذا أمر بديهي. وفي استقراء الناقص هو: أن المحمول الحاصل ~~لعدد كاف من جزئيات موضوع كلي في أحوال عدة وظروف مختلفة هو محمول حاصل لذلك ~~الموضوع الكلي؛ وهذا أمر بديهي أيضا. فإن تكرار المحمول في الجزئيات دليل على أن ~~المحمول خاصية لازمة عن الماهية المشتركة بين الجزئيات، والثابتة فيها وسط تغير ~~الأعراض، والضامنة لضرورة أفعالها وضرورة القوانين الطبيعية، وإلا كان التكرار بغير ~~علة، وهذا غير معقول. وهكذا نطوي المسافة بين الجزئيات والكلي، ويرجع الاستقراء ~~الناقص إلى الاستقراء التام، وتبطل دعوى الحسيين أن الاستقراء الناقص استدلال ~~سفسطائي يذهب اعتسافا من البعض المستقرأ إلى الكل، فيضع نتيجة كلية حيث لا يجيز ~~انحصار الجزئيات سوى نتيجة جزئية، فحقيقة الاستقراء تلتئم من جزئيات مدركة بالحس ~~ومن مبدأ يطبقه العقل. وما أدق وأبلغ ما قرره ابن سينا بهذا الصدد حيث قال (في منطق ~~النحاة): «المجربات أمور أوقع التصديق بها الحس بشركة من القياس، وذلك أنه إذا تكرر ~~في إحساسنا ms034 وجود شيء لشيء تكرر ذلك منا في الذكر (وهذا هو الوجه الحسي)، واقترن به ~~قياس هو أنه لو كان هذا الأمر اتفاقيا عرضيا لا عن مقتضى طبيعته لكان لا يكون ~~في أكثر الأمر من غير اختلاف (وهذا هو الوجه العقلي)، حتى إنه إذا لم يوجد ذلك ~~استندرت النفس الواقعة فطلبت سببا لما عرض من أنه لم يوجد.» # مما تقدم يتبين جليا تمايز الاستقراء والقياس تمايزا جوهريا، لا كذلك الخطأ ~~الشائع بأن القياس نزول من الكلي إلى الجزئي، وأن الاستقراء صعود من الجزئي إلى ~~الكلي، فهما كالسلم الواحد يقطع في اتجاهين مختلفين، أجل كثيرا ما ينتهي إلى نتيجة ~~جزئية. ولكن هناك أقيسة صحيحة صادقة نتيجتها مضارعة ما صدقا للمقدمة الكبرى، ~~كقولنا: «كل ناطق فهو ضحاك، والإنسان ناطق، فالإنسان ضحاك.» فظاهر أن «ناطق وإنسان ~~وضحاك» حدود متعادلة؛ إذ ليس يوجد ناطق وضحاك سوى الإنسان. حقيقة القياس أنه انتقال ~~من مبدأ إلى نتيجة بين لزوم النتيجة عن المبدأ بقياس حدين إلى ثالث، وماهيته هي في ~~هذا الارتباط بين الحدود الثلاثة، بغض النظر عن علاقات الكلية والجزئية، فما هذه ~~العلاقات إلا اعتبار ثانوي منطقي. # أما الاستقراء، فإنه انتقال من جزئي إلى كلي يبين ظهور النتيجة أو الكلي من ~~التجربة الحسية، وهو إذن لا يقيس، فلا يحتوي على حد أوسط بمعنى الكلمة، أي حد كلي. ~~ولما كان استدلالا فهو يحتوي على «واسطة» للربط بين المحمول والموضوع في النتيجة، ~~وهذه الواسطة هي الجزئيات المستقرأة يسردها في المقدمة الكبرى لكي يثبت لها المحمول ~~المشاهد في التجربة، ويسردها في المقدمة الصغرى لكي يعادل بينها وبين الكلي الشامل ~~لها؛ فالواسطة وموضوع النتيجة فيه واحد. # 5 # وعلى ذلك فاتجاه العقل ونوع الاستدلال الذي يقوم به يختلفان في ~~الاستقراء عنهما في القياس، ولا يمكن رد الاستقراء إلى القياس ولا رد القياس إلى ~~الاستقراء، كأن كل ما هناك طريق واحد ينعكس قطعه. ~~(2) المذهب الحسي والاستقراء # بعد هذا البيان لطبيعة الاستقراء والإيضاح لمبدئه، لم تعد هناك حاجة في واقع ~~الأمر لذكر المذهب الحسي، ms035 ولا سيما أن رجاله لا يجيئون بشيء جديد في هذه المسألة. ~~إن موقفهم فيها بسيط كل البساطة، لما كانوا ينكرون وجود المعنى المجرد في العقل، ~~والماهية الثابتة في الأشياء ، فإنهم لا يقبلون سوى الاستقراء التام، ولا يعتبرونه ~~إلا كمجموع، ولا يؤمنون بالمجموع إلا إلى وقت لاعتقادهم أن التجربة غير مضبوطة ~~بمبادئ أو قوانين، وأنها «مفتوحة دائما» قد تلد كل عجيبة. وإذن فليكن الاستقراء ~~مجرد توقع آلي أو مجرد عادة يولدها التكرار، فنعتقد أن المستقبل سيكون شبيها ~~بالماضي، ونتدرج في اعتقادنا بقيمة الاستقراءات من أضعف احتمال إلى الأشد فالأشد ~~كلما تكاثرت التجارب المؤيدة لها ولم تعارضها تجربة واحدة. وهكذا نعود إلى تداعي ~~الصور الذي ذكرناه عنهم في الفصول السابقة، فإنه ابتكارهم الأوحد وتكأتهم ~~الفذة. # أما أن تداعي الصور يولد في الحس الباطن توقعا آليا؛ فهذا أمر معلوم، وقد أشار ~~إليه ابن سينا في النص الذي اقتبسناه منه، بعد أن أشار إليه أرسطو في نهاية ~~«التحليلات الثانية». ولكن هناك توقعا عقليا أشار إليه أيضا، وهو يستند على ~~مبدأ كلي يغني عن تكرار التجارب أو لا يدع لهذا التكرار من قيمة سوى قيمة الدليل ~~الظاهري. وإنا لنسأل الفلاسفة الحسيين: أليس يتعين تفسير التكرار أو الاطراد؟ وماذا ~~عسى أن يكون تفسيره سوى أن الطبيعة خاضعة لقوانين؟ وعلام يدل تحقق توقعنا إن لم يدل ~~على أن بين العقل والطبيعة توافقا وانسجاما؟ وكيف يستسيغوا أن يمجدوا الصلة ~~الجوهرية بين المحمول والموضوع في القضية الاستقرائية وأن يردوا العلية إلى ~~مجرد علاقة تعاقب، على حين أن أساطينهم واضعي مناهج البحث العلمي - كما يدعون - ~~يعترفون بأن الغرض من هذه المناهج عزل «المقدم الضروري الكافي» من بين سائر ~~المقدمات، واعتباره علة لتال معين بسبب ما ظهر من اتفاقهما في الحضور والغياب ~~ودرجة التغير. ماذا عسى أن يكون المقدم الضروري الكافي إلا أن يكون هو العلة؟ وماذا ~~عسى أن يكون مثل هذا الاتفاق بين المقدم والتالي إلا أن يكون صلة جوهرية؟ إن ~~الفلاسفة الحسيين ليذعنون لهذه البديهيات في قرارة أنفسهم، وإنهم ms036 ليعلمون أن ~~الواحد منا ومنهم متى وقف على العلة التي يبحث عنها أيقن بها لفوره دون انتظار ~~تأييد مستقبل ودون تدرج في الاحتمال. ولكن اقتناعهم بمبدئهم يصرفهم عن الإذعان ~~الصريح المطرد ويدفع بهم إلى العناد واللجاج. # إلى هنا نقف الحديث مع الحسيين ريثما نستأنف في مواضع أخرى، فقد قصرنا غرضنا في ~~هذا الباب على تحليل أفعال العقل وبيان أصالتها، ومن ثمة على إثبات وجود العقل، ~~وبقي علينا الفحص عن مسائل كثيرة. وللحسيين في كل مسألة رأي، وإن تكن آراؤهم فطرية ~~هزيلة من الطراز الذي عرفناه للآن، وقد نجمل تهافت مذهبهم بقولنا: إنه من الجهة ~~الواحدة يزعم مشايعة التجربة ومتابعة الواقع المحسوس، ومن الجهة الأخرى ينكر كلية ~~القوانين الطبيعية وضرورتها، فيدع العلم بلا سند. # الباب الثاني # | نقد العقل # الفصل الأول # | الشك واليقين # (1) مذهب الشك # إذا كان لنا عقل فهل يعقل الوجود؟ وهل يعقله على حقيقته؟ لقد تضاربت آراء ~~الفلاسفة في الإجابة عن هذين السؤالين أشد التضارب. إن الناس في جملتهم يعلمون أنهم ~~يخطئون أحيانا في الإدراك الحسي، ويخطئون أحيانا في الاستدلال العقلي، ولكنهم ~~يصححون أخطاءهم ويظلون على الاعتقاد بأن حواسهم آلات حسنة لمعرفة الأشياء، وأن ~~عقلهم آلة صالحة للتصور والاستدلال. والفلاسفة منهم يعتقدون مثل هذا بالفعل، ويحيون ~~وفقا لهذا الاعتقاد، ولكن بعضهم حين يفلسفون ينساقون إلى نظريات تستتبع الشك في ~~قيمة المعرفة فيشكون فيها. # كانت الفلسفة اليونانية ما تزال في مهدها لما ارتأى بارمنيدس أن العالم كائن واحد ~~ساكن، فنتج لديه أن ما تظهرنا عليه الحواس من موجودات متكاثرة متغيرة إنما هو محض ~~وهم. واقتنع معاصره هرقليطس بأن الأشياء في تغير متصل، فاستنتج من ذلك أتباعه من ~~السفسطائيين أن الإحساس تغير ذاتي تابع لحالتنا البدنية ولحالة الأشياء منا، وأننا ~~من ثمة ندرك انفعالنا بالأشياء ولا ندرك الأشياء أنفسها، وكان ديموقريطس قد ذهب إلى ~~أن الموجودات مؤلفة من ذرات متجانسة غير مكيفة. ولما كانت حواسنا تصور لنا كيفيات ~~في الموجودات، فقد صارت الحواس متهمة بالخداع. وتوالت المذاهب والآراء في نقد ~~الحواس ونقد ms037 العقل، وتكونت مدرسة شكية أخذت على نفسها مهاجمة المعرفة الإنسانية ~~والتوقف عن إثبات أي شيء. # 1 # وموضوع هذا الباب الثاني تمحص تلك المذاهب والآراء في ترتيبها التاريخي ~~الذي يبين تأثر اللاحق منها بالسابق، فيساعد على فهم نشأتها وتطورها، ثم الدفاع عن ~~موضوعية الإدراك الحسي ووجود العالم الخارجي، وأخيرا الدفاع عن موضوعية الإدراك ~~العقلي للماديات، وعن كفاية العقل لتكوين ما بعد الطبيعة، بحيث نصل إلى آخر هذا ~~الباب وقد فزنا بالثقة بالعقل وبالحواس، وانفتحت أمامنا الآفاق إلى كل ~~الوجود. # ترجع الحجج التي جمعها قدماء الشكاك من اليونان وخلفوها لمن جاء بعدهم إلى ~~الأربعة التالية: # أولا: # الأخطاء التي يقع فيها الناس، ومنها أخطاء الحواس، وأخطاء ~~الوجدان في اليقظة والمنام، وأخطاء الذاكرة، وأخطاء الاستدلال، ~~وهذيان المحمومين، وتخيلات المجانين. إن البرج المربع ويبدو لنا عن ~~بعد مستديرا، والمجذاف يبدو منكسرا في الماء، ومتى سارت بنا ~~مركبة أو سفينة بدا الطريق وبدا الشاطئ كأنه يسير. ونحن جميعا ~~نعتقد بحقيقة ما يتراءى لنا من الصور في الأحلام، فلم لا تكون ~~اليقظة وهما كالحلم؟ والذي نسميه مجنونا لا يعرف أنه مجنون بل ~~يظن نفسه عاقلا، فما يدرينا أن عقلنا ليس جنونا؟ ولما كان ~~التصديق مصاحبا لتصوراتنا جميعا، فبأية علامة نميز الحق من ~~الباطل؟ وما الذي يضمن لنا أننا لا نخطئ دائما؟ # ثانيا: # اختلاف الناس في إحساساتهم وآرائهم وعقائدهم وأخلاقهم وعاداتهم، ~~حتى ليمتنع التوفيق فيما بينها على من يحاوله، والمذاهب الاعتقادية ~~متعارضة يهدم بعضها بعضا، ومع ذلك فكل مقتنع برأيه متعصب له. إن ~~هذا الاختلاف الشامل دليل ساطع على عدم وجود حقيقة بالذات، أو على ~~عدم استطاعتنا الوصول إليها إن وجدت. # ثالثا: # امتناع البرهان التام، فإن البرهنة على قضية ما تستلزم الاستناد ~~على قضية أخرى، وهذه تستلزم الاستناد على ثالثة، وهكذا إلى ما لا ~~نهاية. فنحن مسوقون إلى التسلسل دون أن نستطيع الوقوف عند حد ~~وإرساء العلم على أساس. # رابعا: # امتناع التدليل على صدق العقل، وهذا الدليل واجب؛ إذ من الخلف ~~الوثوق بالعقل قبل الاستيثاق من إمكان الوثوق ms038 به، ولا نستوثق من ~~هذا الإمكان إلا بالعقل، ولا يصح أن يكون العقل حكما في صدقه هو، ~~أو نقع في دور لا مخرج منه. # والشكاك لا ينكرون شعورهم باليقين الأولي الحاصل لجميع الناس بالإحساسات الظاهرة ~~والباطنة؛ إذ إن التصديق بها طبيعي لا يقاوم، وكان شأنهم معها كشأن جميع الناس في ~~الحياة العادية. وقد روي أن إمامهم «بيرون» اضطر ذات يوم إلى الهرب من كلب، فأخذ ~~يركض وهو يقول: «ما أصعب التخلص من الطبع!» ولكنهم يقولون: إنهم يمتحنون هذا اليقين ~~الأولي فلا يجدون له مبررا يحيله يقينيا عقليا، وإن الموقف الحكيم في هذا ~~الامتحان أو البحث النقدي اللاحق على التصديق الأولي إنما هو تعليق الحكم والقول ~~«لا أدري». فالشاك يعلم مثلا أن هذا الشيء يبدو له أبيض، وهو يصرح بذلك، أي روي ~~إحساسه، ولكنه لا يؤكد أن الشيء في ذاته أبيض، فكانت في ذهنه فجوة بين المعرفة ~~النقدية والحياة العملية، وكانت هذه الفجوة مثار اعتراض قوي على الشكاك هو وقوعهم ~~في التناقض. فابتدع أحد مشاهيرهم «قرنيادس» نظرية الرجحان لتسويغ الإرادات ~~والاختيارات؛ قال: ليست التطورات سواء، وإنما هي تتفاوت درجات: فمنها ما إذا اعتبر ~~في ذاته بدا راجحا، ومن هذا الفريق ما إذا قورن بغيره فلم ينافه ازداد رجحانا، ~~أو بدا متسقا معه مؤيدا له فازداد رجحانا على رجحان. فالشكاك كلما أقبلوا على ~~شئون الحياة أمكنهم أن يؤثروا رأيا على آخر بناء على رجحانه مع احتفاظهم ~~بارتيابهم في النظر. # هذه الأقوال ما أوهنها وما أيسر تفنيدها؛ إنها تحمل في ثناياها دلائل تهافتها، ~~وتشير بذاتها إلى أسباب فسادها. كيف يتخذ من الخطأ دليلا ضد الحقيقة، والخطأ لا ~~يدعي كذلك إلا بالنسبة إلى الحقيقة المعلومة يقينا؟ دليل على وجود الحقيقة، فليس ~~هو محتوما متصلا. وإذا كنا نخطئ فنحن لا نخطئ دائما، ونحن نصحح أخطاء الحواس ~~بمعارضة حاسة أخرى، وبالتجربة السابقة، وبالعقل والبرهان، ونصحح أخطاء العقل ~~بمعارضة معارفه بعضها ببعض، وبتقدير نتائجها. ومن ذا الذي لم تعلمه الأيام أن ~~الأشياء تختلف عند الحس باختلاف مسافاتها ms039 منه، واختلاف أوضاعها، واختلاف وقوع الضوء ~~عليها؟ ومن ذا الذي لا يميز بين إدراك السليم وإدراك المريض، وبين إدراك اليقظان ~~وإدراك الحالم، وبين إدراك العالم وإدراك الجاهل؟ فكل ما يتعين على الفيلسوف وهو ~~ينظر في مسألة الخطأ لا يعدو تعريف الخطأ وتعريف الحقيقة وتحديد الوسائل والمناهج ~~للتمييز بينهما، لا إنكار قدرتنا على إصابة الحقيقة بتاتا لكوننا نخطئها ~~أحيانا. # وليس اختلاف الآراء محتوما متصلا؛ فإن الناس متفقون على أمور كثيرة نظرية ~~وعملية، مجمعون على كثير من الحقائق الواقعية والمبادئ العقلية، ولولا ذلك لامتنع ~~التفاهم بينهم وامتنعت كل حياة اجتماعية، ولا يبدو اختلافهم إلا في الأمور المعقدة ~~والمسائل الدقيقة. وليس الاختلاف دليلا على فساد العقول؛ فقد يكون السبب فيه ~~اختلاف الظروف البيئية والتاريخية، أو اختلاف وجهة النظر: فمن المعقول أن يصطنع كل ~~شعب السيرة التي تلائم أحوال معيشته، فيكون لأهل البلد البحري من الخصائص والعادات ~~غير ما لأهل البلد البري. ومن المعقول أن ينظر كل شعب وكل فرد إلى مصلحته الخاصة، ~~فيكون حكمه حكما حقا من هذا الوجه. وفي الأخلاق نرى اتفاقا على المبادئ العامة، ~~ولا يبرز الخلاف إلا في تطبيقها بسبب الجهل أو الهوى: فمن ذا الذي يستطيع أن ينكر ~~أن الخير (أيا كان) مطلوب، وأن الشر (أيا كان) مهروب منه، وأن واجب الإنسان ~~السير بمقتضى العقل، وأن العدالة ضرورية عند العقل لابتنائها على المساواة، وأنها ~~لازمة لحياة المجتمع ... وغير ذلك من البديهيات التي إذا جحدت فإنما تجحد بالقول فقط ~~لا بالاعتقاد الباطن. فنحن لا ندعي أن الإنسان يعلم الحقيقة بالضرورة أو أن في ~~مقدوره أن يعلم كل حقيقة، وأن جميع أحكامه صادرة عن العقل السديد، بل نقول إنه كفء ~~لأن يعلم علما يقينا بأن يرجع بأحكامه إلى العقل؛ يردها أو يصححها أو ~~يقرها. # وليس البرهان التام تسلسلا إلى غير نهاية؛ هذا الزعم صادر عن تصور خاطئ هو أن ~~البرهان وحده يولد التصديق، ولكن الحق في هذه المسألة هو أن هناك قضايا بينة بذاتها ~~تتضح النسبة فيها بين المحمول والموضوع حالما ms040 نتصورها وبدون واسطة: من ذا الذي ~~يستطيع أن ينكر أن الكل أعظم من الجزء؟ أو أنه يمتنع إثبات محمول ما لموضوع ما ~~ونفيه عنه في نفس الوقت ومن نفس الجهة ؟ من ذا الذي يحس في نفسه حاجة لبرهان على ~~قضية من هذا القبيل؟ والقضايا التي من هذا القبيل حقائق حاضرة طبعا في العقل، ~~ومبادئ مطلقة تنتهي إليها البراهين ويسكن عندها العقل؛ لأن علة التصديق بها موجودة ~~فيها هي. فكما أن التمييز بين النور والظلمة لا يقتضي شيئا ثالثا، بل يكفي فيه ~~النور نفسه، فكذلك المبادئ الأولية لا يحتاج بيانها لغير نفسها. # وهذا الرد على الحجة الثالثة يفيد في إبطال الحجة الرابعة الزاعمة أن العقل لا ~~يبرهن على صدقه إلا ويفترض نفسه صادقا، وأن هذا دور أو مصادرة على المطلوب. إن ~~اقتضاء برهان على صدق العقل قبل كل تعقل لهو عبث محض. وإنما يلتمس البرهان على صدق ~~العقل في التعقل نفسه، كما يستوثق من صلاح أي آلة باستعمالها. فالعقل حين يزاول ~~فعله الأساسي الذي هو الحكم، سواء كان الحكم بديهيا أم نتيجة استدلال، يدرك ~~مطابقته للموضوع المحكوم عليه، أي يحس ضمنا أنه يدرك أن الموضوع هو كما يحكم عليه. ~~وحين يعود على هذا الإدراك ويدرك هذه المطابقة بالفعل يحس بالفعل أنه كفء لإدراك ~~الحق. فليس البرهان ههنا قياسا حتى يتسلسل من مقدمة إلى أخرى، ولكنه اقتناع بديهي ~~في مزاولة التعقل، وبخاصة، أي بشكل أيسر وأوضح، في التعقل البديهي للمبادئ ~~الأولية. # أما مذهب الرجحان فلم يفد من التقهقر في الشك سوى الإمعان في التناقض. إن الرجحان ~~ابتعاد عن الشك واقتراب من الحقيقة، فإذا لم يكن هناك حقيقة لم يكن هناك رجحان. أو ~~إذا قلنا إن رأيا أرجح من رأي، كان القصد أن للأول من خصائص الحقيقة أكثر مما ~~للثاني، وأننا نعرف خصائص الحقيقة ونستطيع البلوغ إليها. وإذا كانت قوانا الداركة ~~خادعة بالطبع، كما يعتقد الشكاك جميعا، فكيف يسوغ لنا أن نستخدمها ونصدقها في ~~الموازنة بين أسباب الرجحان؟ وهذه الأسباب إن كانت محض ms041 تصور كانت عديمة الجدوى في ~~النظر وفي العلم على السواء، وإن كانت مجدية كانت جدواها دليلا ساطعا على ~~مطابقتها لطبائع الأشياء أي على حقيقتها. لقد ظن أصحاب هذا المذهب أنهم يوفرون ~~لأنفسهم ميزة المذهب الاعتقادي دون أن يتقيدوا بمبادئه، فكانوا بهذا الخلف المتصل ~~الذي وقعوا فيه عبرة لمن يعتبر بعبث منهج التخير في الفلسفة وتهافت الحلول الوسطى ~~التي يتوهم ملفقوها أنهم قطفوا من كل شجرة ثمرة ... # الردود السالفة تدفع اعتراضات الشاك. ولكنا لا نقنع بها، ولا نقبل دعواهم أنهم ~~ناقدون معترضون وحسب، بل نريد أن نتحول نحن أيضا إلى النقد والاعتراض من زيادة في ~~جلاء المسألة وفي إيضاح المنهج القيوم الذي يتعين أن تسير عليه الفلسفة في مشكلة ~~المعرفة، فنبين امتناع الشكل المطلق امتناعا باتا، ووجوب البدء باليقين. أما ~~امتناع الشك المطلق فيبدو من ثلاثة أوجه: # الوجه الأول: # تعجيز الشاك عن الدعوة إلى مذهبه، وذلك بأن نطلب إليه أن يبرر ~~موقفه ويبرهن على صحة قوله إنه لا يستطيع أن يعلم شيئا علما ~~يقينيا، فإن رفض الاستجابة إلى هذا المطلب خشية التورط في ~~الإثبات والنفي، كان لنا أن ننكر دعواه ابتداء ونؤكد إمكان العلم ~~اليقيني تأكيدا، من حيث إن ما يثبت جزافا ينفى جزافا، وإن حاول ~~أن ينظم برهانا فمن الضرورة أن يقدم له بمقدمات يقينية فيناقض ~~دعواه بامتناع اليقين. # الوجه الثاني: # أن في منطوق الشك المطلق تناقضا أساسيا يرده غير مطلق، أي ~~يقضي بيقين واحد على الأقل، وذلك أن الشاك إما أن يعلم وجوب الشك ~~في كل شيء علما يقينيا، فيعلم علما يقينيا هذه القضية، وهي ~~أنه ينبغي الشك في كل شيء، ويعلم من ثمة علما يقينيا أنه لا ~~ينبغي الشك في كل شيء. وإما أن يعلم علما يقينيا أن مذهبه راجح ~~فقط، فلديه إذن سبب مرجح يأخذ به. وإما أن يعترف بأنه لا يعلم ~~علما يقينيا ولا راجحا، وحينئذ فهو لا يضع الشك كمذهب، ويقر ~~بالعجز. # الوجه الثالث: # أن في الشك نفسه ثلاث بديهيات يأبى كل عقل الشك فيها، ms042 بل يصدقها ~~العقل حالما يتعقلها. هذه البديهيات هي: وجود الذات المفكرة، وعدم ~~جواز التناقض، وكفاية العقل لمعرفة الحقيقة. أما وجود الذات ~~المفكرة فبين بالفكر ذاته، والذي يفكر يصدق بالفعل أنه موجود ~~فيقول: «أنا أفكر»، ولا يبرهن على وجود الذات المفكرة ولو بقياس ~~إضماري كقولنا: «أنا أفكر فأنا إذن موجود»؛ فإن الوجود المطلوب ~~البرهنة عليه مثبت في المقدمة «أنا أفكر». وأما عدم جواز التناقض، ~~فالشاك يعلمه بداهة كذلك: إنه يعلم ما الشك وما العلم وما الجهل ~~وما اليقيني وما الإنسان وما المثلث ... إلى غير ذلك من المعاني، ~~ويعلم أن كل لفظ وكل معنى فهو يختلف عن ضده أو نقيضه، فلا يجمع بين ~~الألفاظ وبين المعاني على ما يتفق؛ فيقر أن اليقين غير الشك، وأن ~~الإنسان غير المثلث، وأن من غير المستطاع الإثبات والنفي في آن ~~واحد ومن جهة واحدة. وأما كفاية العقل لمعرفة الحقيقة، فالشاك ~~يعلمها في علمه بكل بديهية؛ كما قلنا في الرد على الحجة الرابعة، ~~ويعلمها في نفس الشك. فإنه حين ينتهي إلى الشك إنما يعول على نقد ~~العقل للعقل، وطالما أقام على الشك إنما يعول على حكم العقل بوجود ~~الشك؛ فهو يذعن دائما لحكم العقل، فيقع في الدور الذي يتهم به ~~خصومه. فهذه الحقائق الثلاثة متضمنة في كل تفكير، ولا يمكن أن يشك ~~فيها شاك، ولولاها لما وجد شكه، والشك فيها وضع لها في الحقيقة. # 2 # لقد أصاب ذلك الشاك القديم الذي قال إن فلسفته ليست ~~عقيدة وإنما هي منحى أو اتجاه، والواقع أن الشاك المطلق يحمل نفسه ~~على الشك حملا، ويعاند البداهة بالإرادة، ويعلق حكمه داعيا هذا ~~التعليق حكمة على الرغم من التناقض المطبق عليه من كل صوب، ومتى ~~قلنا التناقض عنينا الإفحام والقضاء على التفكير حتى ينحدر الشاك ~~إلى درك النبات. # المنهج القويم في الفلسفة يبدأ إذن من اليقين الطبيعي بالبديهات. وفي الفلسفة ~~الإسلامية «تجربة» جديرة بالذكر في هذا المضمار، هي تجربة الغزالي: فقد حكى في ~~«المنقذ من الضلال» أنه عانى الشك في نفسه لما رأى ms043 من اختلاف الملل وكثرة الشبه، ~~وأقواها هذه الشبهة: «أن المحسوسات يحكم فيها حاكم الحس بأحكام ويكذبه حاكم العقل، ~~فلعل وراء إدراك العقل حاكما آخر إذا تجلى يكذب العقل في حكمه، وعدم تجلي ذلك ~~الإدراك لا يدل على استحالته ...» إلى أن قال: «فحاولت لذلك علاجا، فلم يتيسر؛ إذ لم ~~يمكن دفعه إلا بدليل، ولم يمكن نصب دليل إلا من تركيب المبادئ الأولية، فإذا لم تكن ~~مسلمة لم يكن تركيب دليل. فأعضل هذا الداء ودام قريبا من شهرين أنا فيهما على مذهب ~~السفسطة، حتى شفى الله تعالى ذلك المرض ورجعت الضرورات العقلية مقبولة موثقا بها؛ ~~إذ إن الأوليات غير مطلوبة وإنما هي حاضرة لا يشك فيها. ولم يكن كل ذلك بنظم دليل ~~وترتيب كلام، بل بنور قذفه الله تعالى في الصدر.» يعني نور الحدس الذي به يدرك ~~العقل الأوليات دفعة دون حاجة إلى برهان. وسواء كانت هذه الحكاية صادقة أم مركبة ~~للتشويق والتفهيم، فإن الحل الذي تنتهي إليه هو الحل الصحيح. # ومتى أذعن العقل لنور الأوليات، أو بالأحرى: متى كفت الإرادة عن الافتتان بالشك ~~وقهر العقل على الانصراف عن نور الأوليات، لم يعد أمامنا مانع من المضي في الفحص عن ~~سائر المسائل لاقتناص ما يتيسر من يقين. إن دعوى الشكاك بأن الحياة لا تعطي يقينا ~~ما لهي دعوى بينة البطلان، قادهم إليها مذهبهم الحسي الذي لا يعترف بغير المحسوسات ~~ويستبعد ما فيها وما فيهما بينها بعضها البعض من أمور معقولة. إنهم هم الحسيون ~~الأصليون الملتزمون منطق مذهبهم من مبدئه إلى منتهاه، ولكنهم كانوا واهمين. إن ~~الواحد منهم ليعلم مثلا أنه إذا أكل شبع، وإذا لم يأكل ظل جائعا؛ وهو يأكل ~~ويشرب، ويتذوق ما يأكل وما يشرب، ويتحاشى مواطن التهلكة وأسباب المرض، ويتعاطى ~~الدواء استردادا للصحة. وفي كل ذلك حكم بأن كذا حق وكذا باطل، وأن الحق خير من ~~الباطل، والأكل خير من الجوع، والصحة خير من المرض، والحياة خير من الموت، وهو يعلم ~~أن القواعد الصحية مأخوذة من طبيعة الجسد الإنساني، وأن ms044 الأدوية مأخوذة من طبائع ~~الأشياء ومما بين الأشياء وجسد الإنسان من نسبة. هذه بديهيات أخرى لا مفر من ~~التسليم بها متى أخلص المرء لوحي عقله ولم يتشبث بالعناد. وكم ذا في الحياة من ~~بديهيات لا يعتورها الخطأ لبساطتها وبيانها بذاتها، وإنما يخشى الخطأ في كل قضية أو ~~واقعة لا تبدو بمثل هذا البيان، وبخاصة حين يحتاج الأمر إلى تكريب استدلال. ويؤمن ~~الخطأ في الاستدلال بمراعاة القواعد المنطقية، والاحتراز من أسباب كثيرة خارجة عن ~~فعل العقل ومؤثرة فيه مع ذلك: كاندفاع الهوى واضطراب الخيال والسهو وقلة البضاعة ~~العلمية. ذلك هو المنهج القيوم في العلم والفلسفة، وذلك هو المنهج الذي يتبعه ~~بالفعل العلم والفلسفة. وإن في قيام العلم الرياضي والعلم الطبيعي على الأقل لأقوى ~~تفنيد للشك. ~~(2) الشك المنهجي # في الفلسفة الحديثة محاولة شهيرة لتفنيد الشك وتأسيس العلم؛ تلك هي محاولة ديكارت، # 3 # وبالنظر فيها نحدد بعض النقاط السابقة ونتم هذا البحث. يتحدث ديكارت ~~بصيغة المخاطب كأنه يروي قصة شخصية وتجربة نفسية كالغزالي، يقول: إنه بدأ كما يبدأ ~~الشكاك، فاستبعد المحسوسات والمعقولات جميعا، وزاد على أسباب الشك المعروفة افتراض ~~روح خبيث يعبث بعقله، فلا يدع له أدنى ثقة به. ثم لاحظ أن سببا من الأسباب أيا ~~كان لا يمنعه أن يصدق بأنه يفكر طالما هو يشك، وبأنه موجود طالما هو يفكر، فلمعت ~~في نفسه هذه الحقيقة الباهرة: وهي «أنا أفكر وإذن فأنا موجود»، واعتبرها أول وأشد ~~هزيمة للشك، ثم شرع يفحص عن وجود الأشياء التي تصورها له أفكاره، فيوقن بها ويهزم ~~الشك هزيمة نهائية، وكانت أول فكرة استرعت اهتمامه فكرة الله التي تمثل موجودا ~~كاملا لا متناهيا، فوجد أنها صادقة لجلائها وتميزها، وأن صفة اللانهائية تحول دون ~~الظن بأنه استنبط هذه الفكرة من نفسه وهو كائن ناقص، أو استنبطها من العالم الخارجي ~~الناقص كذلك. فهي إذن غريزية طبعها في نفسه الموجود الكامل ذاته، فيما طبع من ~~أفكار. وإذن فالله موجود، والعالم الخارجي موجود؛ إذ إن في النفس ميلا طبيعيا ~~للاعتقاد بأشياء خارجية، وإن ms045 الاعتقاد الطبيعي صادر عن موجد الطبيعية الذي هو الله، ~~وإن الله صادق، فلا بد أن يكون قد خلق أشياء مقابلة للأفكار الجليلة المتميزة التي ~~هي وحدها صادقة من بين الأفكار، فإن جلاءها وتميزها والاعتقاد الطبيعي بها دليل على ~~صدورها عن الله. وهكذا خرج ديكارت من الشك إلى اليقين: أراد أن يحل مسألة المعرفة ~~كما وصفها قدماء الشكاك، فاصطنع الشك كنقطة بداية، ثم عمل على التخلص منه، ولذا دعا ~~شكه منهجيا أو افتراضيا. فما الرأي في هذا النهج؟ # هذا المنهج غير صالح أصلا، وعيبه الأساسي أنه يبدأ بالشكل الكلي الحقيقي، ومثل ~~هذا الشك يوصد الباب مبدئيا دون أي يقين، فكيف يوضع بداية لمنهج؟ إذا كنا لا نعلم ~~شيئا فنحن لا نعلم شيئا، وقد فرغنا من كل شيء. وما اليقين بأنا أفكر سوى يقين ~~بواقعة جزئية لا تمت بصلة لحقيقة موضوعات الفكر؛ فإن الفكر قد يقع على الباطل كما ~~يقع على الحق. ولا تفيد هذه الواقعة الجزئية في تمييز الحق من الباطل من بين ~~الموضوعات، وهي تفيد حقا في هذا البحث إذا استخلصنا ما تنطوي عليه من مبدأ عقلي ~~ومن شعور العقل بكفايته لمعرفة الحقيقة وهو يتعقل هذا المبدأ، على ما بينا ~~آنفا (12، ك). وهذا جائز سائغ حتى مع افتراض ~~الروح الخبيث، فإن مثل هذا الروح لأعجز من أن يخدعنا عن الأوليات؛ إذ إنه لا يمنع ~~العقل من تصور ما يجده في ذاته من المعارف (أيا كان حظها من الحقيقة)، وأن يجرد ~~فيها المبادئ الأولية ويصدق بهذه المبادئ بداهة وضرورة لعدم افتقارها لحد أوسط. ~~فليس علمنا بوجود الفكر والمفكر بالأمر اليقيني الأوحد في المرحلة الأولى من مراحل ~~المنهج. ولئن كان الأول زمانا عند رجوع العقل على نفسه لنقد معارفه، فليس هو الأول ~~طبعا أي وجودا. قال ديكارت (في القسم الرابع من المقال في المنهج): «ليس في هذا ~~القول (أنا أفكر وإذن فأنا موجود) ما يؤكد لي أن أقول الحق سوى أني أرى بكل وضوح ~~أنه لأجل التفكير يلزم الوجود.» فديكارت نفسه يقر ms046 أن قول: «من يفكر فهو موجود» أو ~~«لأجل التفكير يلزم الوجود»، أعم من الواقعة الجزئية «أنا أفكر»، ومتقدم عليها ~~طبعا تقدم الكلي على الجزئي وتقدم الوجود على الفعل أو الحال، فهو إذن قد أخطأ ~~في استبعاد المبادئ الأولية واصطناع الشك المطلق الحقيقي حين شرع ينقد أفكاره ~~ليختار الحقائق من بينها. فورطه هذا الخطأ الأساسي في متناقضات عدة وهو يسير على ~~منهجه. # من هذه المتناقضات؛ أولا: أنه يدلل على وجود الله بواسطة الوضوح ثم يتبع الوضوح ~~لصدق الله؛ وهذا دور ظاهر. ثانيا: محاولة التدليل هذه ضرب من الطغيان والافتئات؛ ~~إذ يمتنع تبرير المعرفة والقوى العارفة بواسطة هذه القوى أنفسها، وهذه المعرفة ~~نفسها بعد أن شك فيها شكا حقيقيا. ثالثا: الوضوح عنده علامة ذاتية شعورية، فلا ~~يصلح علامة للحقيقة ما لم يكن صدى للوضوح الموضوعي الذي يتجلى للعقل في القضايا ~~البينة بذاتها والقضايا المبرهن عليها بحد أوسط. رابعا: الدليل على وجود الله ~~مستمد من فكرة الله، فهو يؤيد في الحقيقة إلى «فكرة وجود الله» وإلى «فكرة صدق ~~الله» لا إلى عين وجود الله وعين صدقه. خامسا: أنه استرد اليقين بصدق العقل بحجة ~~أن العقل من صنع الله وأن الله صادق، وظل على إنكار موضوعية الكيفيات الثانوية في ~~المادية، محتفظا بالكيفيات الأولية فقط التي هي الامتداد وتعييناته المختلفة من ~~حركة وسكون وعدد، مع أن الحواس هي أيضا من صنع الله، وكان واجبا أن تكون صادقة في ~~كل أو معظم ما تؤديه إلينا، ولو ببعض الشروط. الحق أننا لا نفهم كيف يقول ديكارت إن ~~شكه منهجي، وفي كل مرحلة من مراحله عقبة كأداء تعترض تعارض الطريق إلى المرحلة ~~التالية، ومن ثمة تفسد المنهج وصاحبه ماض على وجهه! # متى يكون الشك منهجيا؟ إن الشك إما جزئي أو كلي، وهو في الحالين إما صوري أو ~~حقيقي. وظاهر أن الشك الجزئي يمكن أن يكون منهجيا سواء أكان حقيقيا أم صوريا، ~~وذلك لأنه يدع ما يكفي من الحقائق للبرهنة على هذا الموضوع. فإذا كنت أشك شكا ~~حقيقيا في ms047 وجود نفس للإنسان مثلا، وأخذت أنظر في إمكان إثباتها له؛ كان هذا الشك ~~منهجيا، وإذا كنت أعلم أن للإنسان نفسا وأتصنع الشك، على ما يفعل المعلمون في ~~استفهاماتهم الإنكارية؛ فهذا شك منهجي من باب أولى. أما الشك الكلي، فيمتنع أن يكون ~~منهجيا إذا كان حقيقيا، كما ألححنا في بيان ذلك، ويمكن أن يكون منهجيا إذا ~~كان صوريا. ومعنى هذا أننا قد نسلم أن الفحص عن الحقيقة على العموم في بداية نقد ~~العقل يقتضي أن نشك شكا كليا، أي إن نشك في الحقيقة على العموم، فنتحاشى الموقف ~~الاعتقادي الذي يبدو كأنه يحل مسألة المعرفة بالإيمان بالعقل ابتداء واعتسافا، ~~ونتفق مع الشكاك ومع ديكارت في وجوب الفحص عن الحقيقة على العموم، فلا ندع لهم ~~مأخذا علينا. بيد أن الانفصال عن الموقف الاعتقادي يجب أن يقابله انفصال عن الشك ~~الحقيقي والتزام للوسط الذي يخولنا الحق في بحث المسألة والحكم فيها، ويجنبنا ~~التناقض الذي وقع فيه ديكارت والمحتوم أن يقع فيه كل من يحاول الخروج من الشك الكلي ~~الحقيقي. والوسط ههنا أن يتجاهل العقل اليقين الأولي المصاحب لتعلقه البينات ~~والمتبرهنات، وأن يتخيل نفسه شاكا شكا حقيقيا، وينظر في إمكان هذا الشك، ~~فتتبين له استحالته لفرط بيان المبادئ الأولية، فيصدق بها، ثم يعتمد عليها للتدليل ~~على القضايا غير البينة بذاتها. فالشك الكلي المنهجي شكل متخيل لا فعلي ولو إلى وقت ~~مهما قصر. # الفصل الثاني # | التصور والوجود # (1) المذهب التصوري # في مطلع الفصل السابق ألقينا هذين السؤالين: هل يعقل العقل الوجود؟ وهل يعقله ~~على حقيقته؟ وكان متعينا قبل الإجابة عنهما أن ندفع عن العقل شبهة العجز عن إدراك ~~الحق، وأن نثبت له إجمالا القدرة على البلوغ إلى اليقين. فنعود الآن إلى السؤالين، ~~وقد شغلت الفلسفة الحديثة كلها بالإجابة عنهما إن إيجابا أو سلبا، مع تفاوت في ~~السلب والإيجاب. وديكارت هو الأصل الذي يرجع إليه ههنا، كما يرجع إليه في كثير من ~~المسائل المستحدثة في الفلسفة. وقد رأيناه يشكل شكا كليا، وينعزل في فكره، ثم ~~يحاول أن يعلم ms048 إن كان يسوغ له التصديق بموجودات مقابلة لأفكاره. ما معنى هذا؟ معناه ~~أن الفكر لا يعرف مباشرة سوى تصوراته، وأن ليس في المعرفة وفي التصورات ما يدل على ~~الموضوعية، أي على نسبة إلى موجودات مستقلة عن التصور، وإنما تنتهي المعرفة (دائما ~~وبالذات) إلى التصورات أنفسها، على نحو انتهاء المخيلة إلى الصور في الأحلام، ~~وانتهاء الحواس إلى الإحساسات الكاذبة في اليقظة، وأن لا سبيل لنا إلى العلم بوجود ~~الأجسام وبخصائصها، ومنها جسمنا، إلا الاستنتاج العقلي المبني على مبدأ ~~العلية. فالمنهج الديكارتي يمضي من الفكر إلى الوجود، بينما كانت الفلسفة ~~السلفية تعتبر الوجود أصلا والفكر مرآة له، كما كان (ولا يزال ولن يزال) يعتبر ~~الناس أجمعون. # أجل لم يكن هذا الموقف جديدا كل الجدة، ففي الفلسفة اليونانية ما يماثله بعض ~~المماثلة أو يمهد له، فلنذكر قول بروتا غوراس إن الواحد منا مقياس الأشياء من حيث ~~إن إحساسه هو الموجود بالنسبة إليه، فللذي يرتعش بردا أن يقول إن الهواء بارد، ~~وللذي لا يحس بردا أن يقول ليس الهواء ببارد، وكل صادق في حكمه من حيث إنه يعبر عن ~~انفعاله الشخصي، وإن الانفعال نسبي شخصي بالضرورة. ولنذكر أن أفلاطون أنزل النفس ~~الإنسانية من السماء إلى الأرض حاملة المثل، كلما أدركت بالحس جزئيا ما أو طائفة ~~من الجزئيات تذكرت المثال المقابل وتعقله هو بحيث ينصب العلم على المثل لا على ~~الجزئيات. ولنذكر أن النفس عند أفلاطون جوهر تام حال في البدن حلول شيء تام في ~~شيء تام، فليس لها أن تتصل بالأشياء مباشرة، وليست الأشياء عنده سوى امتداد وحركة، ~~على ما يفصله في محاورة تيماوس، فتأثيرها في أعضاء الحواس آلي بحت، وأعضاء الحواس ~~مادية. وليست المادة دراكة، فينتج من كل ذلك أن الإحساس فعل النفس وحدها أو ~~انفعالها وحدها، غير أن أحدا من اليونان لم ينكر وجود العالم، ولم يضعه موضع ~~السؤال. وقد وصف أفلاطون الجزئيات بأنها أشباح المثل، ولم يشك في وجودها. كذلك لم ~~يشك بروتا غوراس في هذا الوجود، وغاية ما ارتآه أن ms049 الإحساس نتيجة حركتين: الواحدة ~~من الشيء، والأخرى من الحاسة تنفعل بالأولى على حساب حالها هي، فتدرك انفعالها ولا ~~تدرك حقيقة الشيء. أما المبدأ التصوري فمقتضاه أن المعرفة (إحساسا كانت أو تعقلا) ~~هي كلها من العارف، حتى لو خلص لنا بالاستنتاج أن العالم موجود، ما دمنا لا نقر ~~معرفتنا بوجود العالم على كفاية الحواس أنفسها للإدراك، بل على أمر مغاير لفعل ~~الحواس، كصدق الله مثلا أو كمبدأ العلية. وهذا هو الفارق الأساسي بين ما ذهب ~~إليه القدماء من نسبية # relativisme # أو عندية # subjectivisme # 1 # وبين ما استحدثه ديكارت من تصورية # idealisme # فضلا عن فارق آخر هام سنذكره الآن. # وديكارت أفلاطوني النزعة، بل المذهب، كان رياضيا عظيما، وكان فيلسوفا عظيما، ~~فزاول الرياضيات وفكر في ماهياتها، فوجد أنها آية من آيات العقل الخالص، سواء ~~اعتبرنا موضوعاتها أو تعريفاتها أو منهاجها، فالموضوعات مجردات، ومنها ما لا شبيه ~~له في الخارج، وإنما هو من إيداع العقل؛ والتعريفات أحرى أن تكون وصفا لتكويننا ~~للموضوعات من أن تكون تعريفات للموضوعات أنفسها؛ والمناهج عقلية مفروضة فرضا ~~ومفصلة على قدر الموضوعات والتعريفات. لذا بانت له الرياضيات المثل الأعلى للعلم، ~~وبان له منهجها المنهج العلمي المطلق. ومن جهة أخرى صحت عنده النظرية الآلية ~~كتفسير للطبيعة، تلك النظرية المنحدرة عن ديموقرايطس وأفلاطون إلى علماء القرن ~~الرابع عشر وعصر النهضة، فصارت بين أيديهم أداة خصبة للتحقيق والاستكشاف بعد أن ~~كانت محض نظرية، وزادها خصبا تطبيق الرياضيات عليها وصوغ القوانين الطبيعية في صيغ ~~رياضية، حتى بان العلم الطبيعي نفسه وكأنه علم عقلي كالرياضيات. ومن شأن النظرية ~~الآلية تجريد الأجسام من الكيفيات، فصح عند ديكارت أن الكيفيات انفعالات وحسب، وأن ~~كل ما يبدو في الفكر فهو تابع من ذات الفكر. # ولكن الفكر أشتات من تصورات جزئية يراها ديكارت غامضة مختلطة، وتصورات يراها جلية ~~متميزة مرتبطة بعضها ببعض ارتباطا ضروريا، الطائفة الأولى تضم إحساسات الحياة ~~العادية، والطائفة الثانية تضم الموضوعات العلمية. ولقد كان من الأهمية بمكان عظيم ~~عند ديكارت ومعاصريه صون العلم وتبريره، وقد نشط ms050 العلم نشاطا عديم النظير، ففرض ~~نفسه على العقول بما اكتسب في النظر من دقة وسعة، وما أتاح بتطبيقه في العمل من ~~منافع، فلم يكن يخطر لأحد ببال أن ينكر هذا العلم كما أنكر قدماء الشكاك علم عصرهم ~~الذي لم يؤت من الثمار شيئا مذكورا. وأحس الفلاسفة التصوريون حاجة ماسة إلى منهج ~~يمكنهم من الفصل بين الموضوعات العلمية والتصورات الواقعية، فرأوا وجوب التمييز ~~بين فكرين: أحدهما فكر الشخص بما هو هذا الشخص المعين؛ ومن هذه الوجهة يختلف الناس ~~ويتناقضون، والآخر فكر خالص يوحي بالموضوعات العلمية وبشروط المعرفة الكلية التي ~~يجب أن تتفق عليها العقول جميعا؛ وهذا هو الفارق الآخر بين العندية القديمة ~~والعندية الحديثة. وتكاثرت الكتب في المنهج، وكان منها كتابان شهيران لديكارت: ~~أحدهما «قواعد قيادة العقل»، والآخر «مقال في المنهج». وقاده المنهج في تفسيره ~~لموضوعات العلوم إلى أنها مؤلفة من «طبائع بسيطة»، غريزية في النفس (كغريزة المثل ~~الأفلاطونية)، جلية متميزة لبساطتها وبيانها، مدركة إدراكا حدسيا بالعقل وحده؛ ~~فلا يخطئ فيها العقل، وإنما هو يتخذ منها أصولا لاستنباط العالم أجمع، بل إنها من ~~البساطة، وإن العقل من القدرة ليستنبط عوالم كثيرة بتركيبها بعضها مع بعض على جميع ~~الأنحاء الممكنة، فلا يبقى من فائدة للحس سوى أن يميز من بينها العالم المحقق ~~بالفعل. ومضى الفلاسفة على أثر ديكارت، وجهد كل نفسه ليتبين ويبين للناس ~~المنهج الذي يكفل قيام العلم ويفسر أسس المعرفة، حتى صارت مسألة المعرفة مشكلة ~~المشاكل وطغت على الفلسفة بأسرها. واشتد المد والجزر بين تصورية كلية لا تعترف بشيء ~~غير الفكر، وتصورية جزئية تعترف بشيء غير الفكر، ولكنه الله عند البعض كعلة للأفكار ~~الحسية والعقلية، أو الامتداد البحت عن بعض آخر كأصل للأفكار الحسية، وهذه بدورها ~~كأصل للأفكار العقلية، على ما مر بنا عن الحسيين في الباب الأول. # وإذا أردنا أن نجمع حجج التصوريين في سبيل تأييدهم لمذهبهم وجدنا من بينها حجة ~~أساسية والبقية تفريعات عليها. أما الحجة الأساسية، فهي أن المعرفة ظاهرة نفسية، أي ~~فعل باطن يصدر عن العارف ms051 ويستقر فيه، بخلاف الفعل المتعدي إلى خارج المؤثر في شيء ~~آخر والمحدث معلولا خارجا عنه. ومتى كانت هذه طبيعة المعرفة، فهي لا تقع إلا على ~~موضوع باطن، فلا يسع العارف أن يعرف غير ذاته، لا يسعه أن يهرب إلى خارج لكي يعرف ~~موضوعا خارجيا، فإن من التناقض أن تكون المعرفة فعلا باطنا وتدرك شيئا ~~خارجيا. وأما التفريعات فأهمها: أن الإحساس لا يوجد إلا في الحاس، فمن التناقض ~~وضع الإحساس في شيء غير حاس هو المادة. ثم كيف يمكن أن تجيء الأشياء إلى الذهن؟ ~~وكيف يمكن أن تؤثر في النفس مع ما بينهما من تغاير؟ وإذا كانت الأشياء موجودة فهي ~~واقعة فيما وراء الفكر بحيث يمتنع عليه التحقق من المطابقة بينه وبينها، على حد ~~التعريف السائر للحقيقة؛ فإن المضاهاة بين الفكر العارف والموضوع المعروف تستلزم ~~إمكان إدراك الموضوع عن غير طريق الفكر؛ إذ إن الموضوع إن أدرك بالفكر فقد صار ~~فكرا ولم يعد الموضوع في ذاته. فعلى أي الوجوه قلبنا المسألة لم نجد إلا أن الفكر ~~يظهرنا على انفعاله لا على الأشياء، وأن الحقيقة في المعرفة مطابقة المعرفة لنفسها، ~~أي الاتساق بين التصورات في الفكر الخالص. # أول ما نأخذه على هذا المذهب معارضته الصارخة لشهادة الوجدان حتى لنقول إن لا ~~واحد من التصوريين يعتقد به في قرارة نفسه ويعمل به في حياته. إن التصديق بموضوعات ~~التصور فطري قاهر مشترك بين الناس جميعا، فحين نتصور الثلج مثلا وبرودته وبياضه ~~نقصد الشيء المسمى ثلجا، وأن هذا الشيء بارد أبيض، ولا نقصد معاني الثلج والبرودة ~~والبياض في فكرنا؛ وحين نتصور الشمس حارة مسخنة مضيئة نقصد الشيء المسمى شمسا، وأن ~~هذا الشيء حار مسخن مضيء، ولا نقصد معاني الشمس والحرارة والتسخين والإضاءة في ~~فكرنا؛ وحين نتصور المثلث وخصائصه نقصد ذات المثلث، وأن هذه الذات زواياها الثلاثة ~~مساوية لقائمتين، ولا نقصد أن تصورنا للمثلث هو الذي له هذه الخاصية. وهذا يقال في ~~سائر الموضوعات، محسوسة ومعقولة، وفي علاقاتها بعضها ببعض، مثلما إذا قلنا إن الماء ~~يصدئ ms052 الحديد، فلسنا نعتقد أننا بهذا القول نعبر عن نسبة بين معنيين من معانينا، ~~وإنما نعتقد أننا نعبر عن قانون موضوعي ونسبة حقيقية بين الماء والحديد. وليس يقتصر ~~التصوريون على التصديق بالأشياء في الحياة العادية، ولكنهم في تفكيرهم ودروسهم ~~وكتبهم لا ينفكون عن ملاحظة الأشياء ومحاولة التوفيق بين التصديق بها وبين مذهبهم، ~~وعن تلمس العلة في توزع التصورات إلى ذاتية خاضعة لتأليفات الظروف والإرادة، وإلى ~~موضوعية نصدق بها ونعمل بمقتضاها فيفلح العلم. إنهم يعتقدون بكثرة العقول، ويعلمون ~~أن هذه الكثرة شرط تكون العلم وتقدمه، ويخاطبون عقولا ويناقشون عقولا، حتى ~~ليجعلون من اتفاق العقول علامة على الحقيقة تضاف إلى اتساق التصورات فيما بينها. ~~ما هذا المذهب المخالف للواقع المشهود إلى هذا الحد، فلا يكاد يثبت حتى ينفى، أو ~~لا يكاد ينفى حتى يثبت، ويضطر أشياعه إلى التناقض المتوالي؟! وأي خير يرجى من ~~الفلسفة إذا لم تبدأ من الواقع ولم تنته إليه، أي إذا لم تكن تفسيرا للواقع؟ إنها ~~حينئذ أضغاث أحلام، لا تستحق لعاب الألسن أو مداد الأقلام. # الواقع أن المعرفة حصول الكائن العارف على شبه المعروف، أي صورته؛ هذا تعريف عام ~~يتفق عليه الجميع، ثم ينجم الخلاف عند تفسيره. وأبسط التفسيرات وأكثرها سذاجة ~~وبعدا عن الحق تفسير الماديين، قدماء ومحدثين؛ فإنهم يتوهمون أن الإحساس «حركة في ~~ذرات الجسم الحاس مسببة عن حركة في الجسم المحسوس تنتقل من أعضاء الحواس إلى الدماغ ~~بواسطة الأعصاب». وهذا يعني أن الحاس يحصل على صورة مادية للمحسوس، كانطباع صورة ~~الشيء المرئي على الشبكية. لكنا نقول: إن هذا الانطباع شرط للرؤية، وليس هو الرؤية ~~نفسها، وإنما الرؤية أو المعرفة على العموم تشبه القوة العارفة بالشيء المعروف ~~تشبها معنويا. إن القبول المادي يدع القابل والمقبول كلا في كيانه، بينما ~~المعرفة عبارة عن قول العارف لنفسه في نفسه أنه يعرف كذا. وليس الحاس العضو وحسب، ~~ولكنه بنوع خاص قوة متحدة بالعضو، فالعضو يقبل التأثير الفيزيقي الكيميائي والقوة ~~تقبل «معنى هذا التأثير»، فقد يقع التأثير المادي على العضو دون أن ms053 يحدث معرفة ~~بالفعل، كما لو انطبعت صورة على عين ميت، أو رن صوت وقوة السمع معطلة بالنوم أو ~~بالمرض أو مشغولة بشيء آخر. فالتصوريون على حق إذ يعتبرون المعرفة فعلا لا ~~ماديا. فكون الشيء معروفا معناه أنه مقبول على نحو معنوي ومن ثمة لا مادي، وكون ~~العارف عارفا معناه أنه حاصل على معنى المعروف وأنه من ثمة مشارك في اللامادية كي ~~يتسنى له قبول المعروف على هذا النحو. # والتصوريون على حق حين يقولون: ليست تحدث المعرفة في الشيء المعروف؛ إذ كيف يمكن ~~للعارف أن يخرج عن كيانه، وكيف يمكن أن يتوجه صوب الشيء وهو لم يعرفه؟ وهم على حق ~~حين يقولون: إن المعرفة تتم في العارف، ولكنهم يخطئون إذ يعتقدون أن هذه القضية ~~تقضي باستبعاد الشيء الخارجي. إن باطنية المعرفة لا تنافي التأثر بالشيء، فلئن كانت ~~المعرفة باطنة من حيث هي فعل نفسي، فإنها تستلزم الشيء. يسألون: كيف يجيء الشيء إلى ~~الذهن؟ والجواب: أنه وإن كان ماديا، وكان من هذا الوجه مغايرا للذهن، إلا أنه ~~«فكر» هو أيضا بصورته، أي بمعناه وماهيته. فتأثيره في العارف حركة مادية تحمل صورة ~~أو معنى. إن شهادة الوجدان صريحة قاطعة بأننا أول الأمر ندرك الشيء ذاته، ثم ندرك ~~هذا الإدراك بانعكاسنا على نفسنا، فنعلم أنه الفعل الذي به أدركنا، لا أنه ما ~~أدركنا. ولا حاجة لإقامة «جسر» من الذهن إلى الشيء كما يقولون، وخاصية الذهن أنه ~~نسبي إلى الشيء لا يحدث فيه تصور إلا بوجود الشيء. وماذا يفيد التصوريون من تمييزهم ~~بين فكر خالص وفكر شخصي؟ هل يعتقدون أنهم ينقذون به العلم حقا؟ إن العلم علم ~~بموجودات، ولو صحت التصورية لما دارت العلوم على موجودات، بل على معان متصورة ~~فقط. ~~(2) وجود العالم الخارجي # ننتقل من هذه الاعتبارات العامة إلى اعتبارات خاصة بوجود العالم الخارجي وقيمة ~~إدراكنا له، فنرى ضروبا من التناقض عجيبة، ومحاولات كثيرة هي أشبه بمحاولة تربيع ~~الدائرة، من حيث إن التصوريين يدعون تعليل الظاهر بالباطن، وتعليل الامتداد، ~~ويتحدثون عن «التجربة» وهم يقصدون ms054 ما يبدو في الذهن من تصورات تلوح آتية من خارج، ~~ولا يقصدون تأثرنا بأشياء مغايرة لنا. العجب كل العجب من أساطين التصورية، ليبنتز ~~ومالبرانش وباركلي، نسبة تصوراتنا إلى إلهام من لدن الله: كيف لم يفطنوا إلى أنهم ~~يعزون لله عبثا وتلبيسا منافيين لحكمته وصدقه كل المنافاة؟ هل يعقل أن يريد الله ~~أو أن يسمح أن نحيا في وهم قاهر متصل، فنصدق بوجود أشياء، ونصدر عليها أحكاما وهي ~~غير موجودة؟! ولم خلق الله لنا الحواس (أو ما يبدو كذلك) بأجهزة تدل على أنها ~~مرتبة لإدراك أشياء مادية، ثم فوت عليها غايتها هذه طبعا ودائما وحل هو محلها؟ ~~ولم كان الفاقد حاسة فاقدا المدركات التي تكتسب (أو يبدو أنها تكتسب) بتلك ~~الحاسة، فلا يحصل الأكمه مثلا على معرفة بالألوان مهما أسهبنا له في الشرح، ولا ~~الأصم الأخرس منذ ميلاده على معرفة بالأصوات؟ وقد ذهب مالبرانش إلى حد القول إننا ~~نرى الأشياء في الله، وهذا يستلزم أننا نعرف وجود الله وصفاته معرفة بديهية يقينية. ~~والواقع أننا لا نحصل على هذه المعرفة إلا بالبرهان، بل إن كثيرين لا يحصلون ~~عليها. # ومن بينهم فلاسفة مشاهير، أمثال هيوم ومل وكنط، يستعظمونها على مقدرة العقل، فلا ~~يلجئون إلى الله لتعليل اعتقادنا بوجود الأشياء، ولكنهم لا يوفقون إلى تعليل معقول: ~~فكل ما اهتدى إليه هيوم ومل هو أنه اعتقاد بإمكان حصولنا على عين الإحساسات كلما ~~شئنا ذلك. وكيف يمكن أن نحل على عين الإحساسات إذا لم يكن هناك شيء؟ ومن أين يجيء ~~الدوام للإمكان؟ إن لفظ «الإمكان الدائم» معادل للفظ «الضرورة»، وإلا لم يكن له ~~معنى على الإطلاق، فالواجب الاعتراف بضرورة أساس واقعي للإمكانيات الدائمة ~~للإحساسات. فالواجب الاعتراف بأن مجرد التساؤل عن موضوعية الإدراك الظاهر أو وجود ~~العالم الخارجي يؤذن بأن المسألة قد جلت ضد التصورية من حيث إنه لا يمكن التحدث عن ~~الوجود إلا وقد عرفناه. إننا لا نشعر بوقت أول تكون فيه التصورات باطنة، ووقت تال ~~«نقذف» فيه بها إلى خارج فتنقلب ظاهرة، كما يقولون. # وقد ms055 تضافروا على جحد الامتداد بحجة أن الإحساس فعل نفسي بسيط، فلا يكون موضوعه ~~ممتدا. وأدلى كل بدليل، وحاول كل تعليل حصولنا على هذه الفكرة. قال باركلي: إن ~~المسافة خط أفقي بالنسبة إلى العين، وإنها من ثمة تلقي بنقطة واحدة على قاع العين، ~~سواء أطالت المسافة أم قصرت، فليس الامتداد مدركا بالبصر. هذا القول كان ينهض لو ~~كنا نرى نقطة واحدة فقط، وكنا نراها بعين واحدة جامدة ساكنة. والواقع أن العين تبصر ~~دائما سطحا مهما يكن صغيرا، وأنها تطوف بحدود السطح المرئي، وتتابع اقترابه أو ~~ابتعاده، وذلك بتحريك عضلاتها وتعديل انحناء عدستها، فندرك المسافة. # وارتأى كنط أن الامتداد صورة ذهنية يضيفها الذهن إلى المحسوس، بدليل أن التجربة ~~جزئية حادثة. ونحن نتصور المكان كليا، أي لا متناهيا، ونتصوره ضروريا من ~~وجهين: أحدهما أننا لا نستطيع تصور انعدامه مع استطاعتنا تصوره خلوا من كل شيء، ~~والوجه الآخر أن القضايا الهندسية ضرورية، والهندسة علم المكان، فالمكان ضروري. ~~والرد على كنط يسير، فأولا: ليس بصحيح أننا نتصور المكان لا متناهيا؛ فالعقل ~~يحكم بتناهي المادة الموجودة بالفعل، والمخيلة هي التي تتخيل مكانا وراء مكان دون ~~أن يتم لنا تخيل اللانهاية بالفعل. ثانيا: أن العجز عن تصور انعدام المكان يرجع ~~كذلك إلى المخيلة؛ لأن وظيفتها إدراك الصور الخيالية، وأن من غير الممكن وجود صورة ~~خيالية للعدم. ولكن العقل يحكم بعدم المكان حيث لا يوجد جسم، ويحكم بعدم المكان ~~إطلاقا إذا افترضنا انعدام الطبيعة بما فيها من أجسام. ثالثا: أن ضرورة القضايا ~~الهندسية لا تحتم صدورها عن العقل الخالص بحدودها ونسبها، كما يريد كنط، بل من ~~السائغ جدا أن نقول - على مذهب أرسطو - إننا نكتسب بالحواس صور الأمكنة الجزئية ~~الحادثة، ثم نجرد منها معنى المكان البحت بأقطاره الثلاثة، والمعنى المجرد كلي ~~ضروري كما نعلم، والقضايا التي تضيف إليه محمولات ذاتية هي كذلك كلية ~~ضرورية. # وظن هربرت سبنسر أنه يرفع التعارض الذي يبدو بين فكرة الامتداد وبساطة الإحساس، ~~ويعلل فكرتي المكان البصري والمكان اللمسي فيقول عن تكوين فكرة المكان ms056 بالبصر: إن ~~انفعالات الحواس تستمر وقتا قصيرا بعد حدوثها، فحين تنفعل خلايا الشبكية على ~~التوالي وبسرعة كافية بحيث يبدأ انفعال الأخيرة منها قبل انتهاء انفعال الأولى، ~~وتظل سلسلة الخلايا وقتا قصيرا في حال انفعال لاستمرار انفعال الواحدة في انفعال ~~جارتها؛ تظهر هذه السلسلة من الانفعالات المتعاقبة السريعة كأنها سلسلة متقارنة، ~~فنشعر بالمكان. ويقول عن تكون فكرة المكان باللمس: حين نمشي اليد على قطعة من ~~الأثاث نشعر بسلسلة من الإحساسات اللمسية، وحين نمشي اليد في الاتجاه العكسي نشعر ~~بمثل تلك الإحساسات فنشعر بالمكان؛ إذ إن هذا التشابه أو التعادل بين السلسلتين ~~سببه تقارن آحادهما من جراء سرعة التعاقب. وبعبارة واحدة: إن الإحساس بالتجاور في ~~المكان يفسر بالإحساس بالتقارن في الزمان، وهذا يفسر بدوره بمراجعة سريعة لسلسلة من ~~الإحساسات (البصرية أو اللمسية) المدركة متعاقبة أول الأمر. وهذه تفسيرات واهية، ~~فأولا: إن انفعالين مختلفين نشعر بهما في نفس الوقت، كالخوف على حياة شخص عزيز ~~والأمل في شفائه، لا يحتلان نقطتين من المكان. وثانيا: إذا كنا نستطيع عكس السلسلة ~~في لمس قطعة الأثاث فذلك؛ لأن هذه القطعة ممتدة باقية بجميع أجزائها وأن التقارن ~~المكاني متحقق فيها. وثالثا: أن سبنسر يناقض نفسه مناقضة صارخة؛ إذ يتحدث عن أجزاء ~~الشبكية وأجزاء الأثاث، أي عن المكان الذي يعتبره محض تصور، ويحاول أن يفسر وجوده ~~في أذهاننا! # وهذا شأن جميع التصوريين: لا يستطيعون عرض مذهبهم إلا بافتراض وجود العالم ~~الخارجي. والواقع أن هذا الوجود مفروض علينا في النظر وفي العلم، وأننا نميز في ~~جسمنا وفي محيطنا بين يمين ويسار، وأعلى وأسفل، ونضع كل إحساس في الموضع المتأثر ~~به، ولم نكن لنفعل ذلك لو لم يكن جسمنا ممتدا ذا أجزاء، وكانت الأشياء من حولنا ~~ممتدة ومحسوسة كذلك؛ فإن العين لا ترى لونا إلا وهو منبسط على سطح مهما يكن ~~صغيرا، ولا يحس اللمس شيئا إلا ويحس الامتداد، ولا نشم رائحة إلا ونحسها منتشرة ~~في المنخرين، ولا نتذوق طعاما إلا ونحسه منتشرا على اللسان. فإذا كان الإحساس ~~فعلا بسيطا، فليس ms057 موضوعه بسيطا أيضا. # ومن الفلاسفة والعلماء من اعتقدوا بموضوعية الامتداد، وما له من مقدار وشكل وحركة ~~وسكون، وأنكروا موضوعية ما نتصور فيه من ألوان وأصوات وروائح وطعوم وحرارة وبرودة، ~~واعتبروها انفعالات ذاتية تحدث بتأثير حواسنا بالأشياء . هكذا ارتأى ديمقريطس واضع ~~المذهب الآلي، وتابعه أبيقور، ثم أساطين الفكر الحديث، أمثال هوبس وجليليو وديكارت ~~ولوك، قائلين إن العلم التجريبي لا يدرك في الأشياء سوى الامتداد والحركة، وإن سائر ~~المدركات الحسية ترجع إلى الحركة وسرعتها واتجاهها. وأذاع لوك تسمية الطائفة الأولى ~~من المدركات الأولية، والطائفة الثانية بالكيفيات الثانوية، وانتشر هذا الرأي حتى ~~صار عاما بين رجال العلم والفلسفة ومن يلف لفهم. # وأول ما نلاحظه على هذا الرأي أن أصحابه بعد أن جعلوا القاعدة الكبرى في المنهج ~~العلمي الاقتصار على ما تسجله الآلات ويقدر بأرقام، وعرفوا أن هذين الشرطين لا ~~يتحققان إلا في الحركة؛ ظنوا أن ما عدا الامتداد والحركة فهو غير موجود. وشتان بين ~~المعنيين؛ فقد يكون موجودا ولا يتناوله العلم لمغايرته لموضوع العلم ووسائله. هذا ~~غلط في الاستدلال لا يغتفر. وثمة غلط لا يقل عن السابق جسامة: نعني قسمة المدركات ~~الحسية إلى أولية موضوعية وثانوية ذاتية، مع أنها جميعا سواء في المحسوسية، وأن ~~الثانوية منها تدرك موضوعية كالأولية. وإذا كانت بعض المحسوسات ذاتية فإن المنطق ~~السليم يقضي بذاتية سائر المحسوسات، أو إذا كانت بعض المحسوسات موضوعية فإن المنطق ~~السليم يقضي بذاتية سائر المحسوسات، أو إذا كانت بعض المحسوسات موضوعية فإن المنطق ~~السليم يقضي بموضوعية سائر المحسوسات. وإذا فكرنا أن الكيفيات الأولية معلومة لنا ~~بالثانوية أيقنا أن لا سبيل إلى تبرير هذه القسمة: فالمقدار والشكل يدركهما اللمس ~~بالصلابة، ويدركهما البصر باللون، وتدرك الحركة والسكون والعدد باللمس أو بالبصر ~~أو بالسمع، كل حاسة بواسطة موضوعها الخاص الذي هو كيفية من الكيفيات الثانوية. ~~فأولى بنا أن نعتقد أن هذه الكيفيات موضوعية، وأنها تصل إلى علمنا بالتأثير الصادر ~~عن الأشياء؛ فإن الحركة إذ تصدر عن الشيء الخارجي تصدر مشبعة بكيفياته ووفقا لها، ~~وإلا فليفسروا لنا اختلاف ms058 الحركة اتجاها وسرعة وليس في الامتداد البحت اقتضاء ~~اتجاه معين مطرد وسرعة معينة مطردة. فالواجب وضع الكيفية قبل الحركة لازمة من خصائص ~~الأشياء غير منفكة عنها. # وقد حاول بعض علماء النفس من أشياع التصورية والأولية أن يعللوا الكيفيات؛ لا ~~بتكيف الأشياء، بل بتكيف الأعصاب الحاسة الممتدة من أعضائنا الظاهرة إلى المراكز ~~المخية، بحيث تكون إحساساتنا حالات خاصة بأعصابنا، لا ترجمة عن العالم الخارجي. ~~تجربتان توضحان نظريتهم المعروفة بنظرية «القوة النوعية للأعصاب»: إحداهما أن ~~الموجات الضوئية والصدمة الآلية والتيار الكهربي إذا وقعت على العصب البصري أحدثت ~~إحساسا ضوئيا. # والتجربة الأخرى أن التيار الكهربي إذا سلط على العصب البصري أحدث إحساسا ~~ضوئيا، وعلى العصب السمعي أحدث إحساسا سمعيا، وعلى العصب الذوقي أحدث إحساسا ~~ذوقيا، وعلى البشرة أحدث إحساسا لمسيا. مما يدل على أن كل حس يجاوب مجاوبة ~~واحدة، هي كيفية الخاصة أيا كان التأثير الواقع عليه. والجواب على هذا التدليل أن ~~الذين يحرمون استعمال حاسة أو أكثر منذ ميلادهم أو في طفولتهم الأولى لا يحسون ~~شيئا إذا ما هيج العصب الحسي أو المركز المخي أو وقع على العضو الظاهر تأثير آلي. ~~مما يدل على أن التجارب التي من هذا القبيل لا تتحقق إلا في الحواس المستعملة، فإن ~~التأثير الواقع عليها إذا ما بلغ إلى المركز المخي حيث تحفظ آثار الإحساسات، هاج في ~~كل مركز إحساسا من نوعه. فهذه القوة النوعية مكتسبة وليست أصيلة. ثم إن الحاسة ~~الواحدة تؤدي إلينا محسوسات مختلفة النوع لا ترد إلى محسوس واحد، كاختلاف الألوان ~~فيما بينها واختلاف الطعون واختلاف الروائح، فما هي قوتها النوعية؟ وأخيرا: لم ~~تكون الأعصاب مكيفة ولا تكون الأشياء مكيفة؟ ما الذي يمنع من يقبل الكيف في البعض ~~أن يقبله في الكل؟ اللهم إلا أن يكون هو العناد المذهبي يهون معه التناقض ~~والتهافت. # على أننا لا نقصد بالموضوعية وجود الكيفيات في الأشياء كوجودها في الإحساس، وأن ~~في الشيء الملون «إحساسا» باللون وفي الشيء الحلو «إحساسا» بالحلاوة، كما توهم ~~باركلي. فمن الواضح أن اللون لا ms059 يرى إذا لم يكن هناك عين تراه فعلا، وأنه في ~~البصر يختلف عنه في الشيء الخارجي من حيث إن وجوده في الشيء فيزيقي وفي البصر ~~معنوي. وإنما نقصد أن في الشيء كيفية لا تتعلق بإدراكنا، إذا ما أثرت في العضو ~~الحاس أحدثت إدراكا. ولا نقصد أن الحواس تمثل لنا الكيفيات دائما كما هي؛ فإن ~~الحاسة مركبة من قوة مدركة وعضو قابل للتأثير الخارجي، فلها من جانب مادة العضو ~~كيفيات خاصة تمنع من قبولها الكيفيات الخارجية قبولا خالصا. يضاف إلى ذلك أن بين ~~الشيء والحاسة وسطا، وهذا ظاهر للعيان في البصر والسمع والشم، وثابت للذوق واللمس؛ ~~فإنه هو اللحم تحت الجلد لأن عضويهما ليسا على سطح الجسم بل في الداخل. وللوسط ~~كيفياته وتغيراته تتأثر بها الحواس، فإذا اعتبرنا هذين الوجهين، وهما: مادة العضو ~~الحاس ومادة الوسط، وذكرنا أن المحسوسات المدركة مباشرة هي الوصلة إلى أطراف أعصاب ~~الحواس خلال الوسط؛ أدركنا أن الإحساس نسبي إلى حد ليس بالقليل: فعضو الشم قد يكون ~~دائما متأثرا بذرات لها رائحتها لاصقة به، فيتعدل بها إدراك الروائح المتواردة ~~عليه. والطعوم المدركة مباشرة هي المتحللة على اللسان، أي الأمزجة الناتجة من تحلل ~~المطعومات في اللعاب، وقد يكون اللسان متأثرا دائما ببعض بقايا الطعام وبأخلاط ~~الجسم، فيعتدل بها إدراك الطعم. وليست حرارة الأشياء هي المدركة في ذاتها؛ لأن ~~لجسمنا حرارته، فلا ندرك سوى الزيادة في حرارة الأشياء على حرارتنا. وعلى ذلك فنحن ~~لا نحجم عن الإقرار بأن المعرفة الحسية في مرتبة دنيا، وأن معنى المعرفة لا يتحقق ~~فيها إلا بنسبة وتفاوت من جراء المادة. ولكنا نقول أيضا إن العقل يصححها بالمضاهاة ~~وبالاستدلال، وإن مسألة المعرفة هي في الحقيقة مسألة العقل لا مسألة الحواس، كما ~~سبقت الإشارة. # فمن الشطط اتهام الحواس إطلاقا. وإذا عدنا على ما رددنا به على الشكاك زيادة ~~في الإيضاح، قلنا: إن الحواس صادقة في إدراك الكيفيات الثانوية؛ لأن هذه الكيفيات ~~هي موضوعاتها الخاصة، فلا تخطئ فيها إلا عرضا ونادرا. وذلك متى اعتل العضو فلم ~~يقبل ms060 المحسوس على ما ينبغي: فالمحموم يجد العسل مرا لفساد لسانه، والمصاب ~~باليرقان يرى الأشياء صفراء لاصفرار عينيه، والمصاب بالدلتونية # 2 # لا يميز بين الأحمر والأخضر وصحح الخطأ هنا بالرجوع إلى سابق التجربة ~~وإلى شهادة الآخرين. والحواس صادقة في إدراك الكيفيات الأولية. وإلا أن هذه ~~الكيفيات محسوسات خاصة للمس، ومحسوسات بالتبعية لسائر الحواس؛ فاللمس صادق في ~~إدراكها ما لم يعتره مرض، وسائر الحواس قد تخطئ في إدراكها. والواقع أننا كثيرا ما ~~نخطئ في إدراك أبعاد الأشياء وأحجامها وأوضاعها؛ لتعويلنا على حس منها وتصديقه في ~~غير موضوعه الخاص. والسبيل إلى تصحيح الخطأ هنا مراجعة الحس المختص أو حس آخر، ~~وبخاصة الاسترشاد بالعقل: فاللمس مثلا يصحح خطأ البصر الذي يرى العصا في الماء ~~منكسرة لانحراف الضوء وتغير الوسط. ولولا العقل والبحث العلمي لاعتقدنا أن الشمس لا ~~يزيد قطرها على قدم واحدة، وأنها هي المتحركة لا الأرض التي نراها منها؛ فإن البصر ~~يمثل الشيء كما يرد عليه خلال الوسط، ويمثل تغير موضع المرئي بالنسبة إلى العين. ~~أما أن المرئي يتحرك أو أن الرائي هو الذي يتحرك، فأمر خارج عن موضوع البصر. لذا لا ~~تعتبر هذه الأمثلة وما يشابهها أخطاء له؛ فإن فيها جميعا يسجل ما يصل إليه. وهذا ~~شأن جميع الحواس، وما يسمى أخطاء الحواس معظمه في الحقيقة أخطاء تأويل، فالحواس ~~صادقة في إدراكها الخاص بالشروط التي بيناها، وما علينا إلا أن ننتبه إلى مواطن ~~الخطأ فنتفاداه. # 3 # الفصل الثالث # | العقل وإدراك الطبيعة # (1) النظريات التصورية # إلى هنا قصرنا حديثنا عن المذهب التصوري على مبدئه العام. والآن نعرض للنظريات ~~الخاصة التي اصطنعها أركانه لتعليل علمنا بالطبيعة وتقدير قيمة هذا العلم، فإنهم، ~~مع إيمانهم بباطنية المعرفة، مؤمنون بالعلم الطبيعي الدائر على الأجسام وتغيراتها، ~~وأول اسم يذكر في هذه المسألة اسم أفلاطون. تحقق وجود معان في النفس بريئة عن ~~المادة والتغير، إلى جانب صور المحسوسات المغمورة في المادة والمتغيرة باستمرار، ~~وبحث عن أصل المعاني، فبدا له أنها غير مكتسبة من المحسوسات، وذلك بدليلين: أحدهما ~~أن المعرفة شبه ms061 المعروف، فيلزم أن تكون موضوعات المعاني على نحو معرفتنا لها، ~~والدليل الآخر أن النفس روحية مفارقة للمادة كالمعاني التي تعلقها. وليس يتأثر ~~الروحي من المادي، حتى الحس، لكونه قوة نفسية؛ فهو لا يتأثر من المحسوسات، وإنما ~~يقع تأثير المحسوسات على أعضاء الحواس فتكون النفس في ذاتها صورة المحسوس. وإذن ~~ففوق المحسوسات أصول لها أو مثل شبيهة بمعانينا، عرفتها النفس في حياة سابقة في ~~السماوات أو العالم المعقول. وكل إنسان يولد في هذه الدنيا تهبط نفسه إليه حاصلة ~~على المعاني. فإلى المثل يتجه تعقلنا، إليها ترجع التعريفات، وعليها تدور ~~العلوم. # ولما فكر القديس أوغسطين في هذه الأقوال تلقاها بالقبول، ما عدا قولا واحدا ~~هو قيام المثل بأنفسها، فقد كان أفلاطون جعل منها أصول الجزئيات بضرب من مشاركة ~~أجزاء المادة في مثال مثال، بحيث تتصور أو بحيث تصورها الأفلاطونيون كأنها خالقة، ~~والمسيحية تقصر قوة الخلق على الله. فجمع أوغسطين المثل في العلم الإلهي، وأرجع ~~علمنا إلى علم الله، قائلا: «إن عقلنا يرى كل حق في الحقائق الأزلية» أو الإلهية، ~~دون أن يقول كلاما واضحا في كيفية هذه الرؤية. ولكنه تابع الأفلاطونيين في ~~الاعتقاد بقصور المادة عن التأثير في الروح، وفي تكوين النفس لصور المحسوسات، وفي ~~إدراك المعاني بغير اشتقاقها من الصور المحسوسة المقابلة لها، وفي هذا ما فيه من ~~التصورية. # وظهر لدى الفلاسفة الإسلاميين مذهب في المعرفة يقارب المذهب السابق، ويبدو واضحا ~~في قول الفارابي: «العقل الإنساني هيئة ما في مادة معدة لأن تقبل رسوم المعقولات، ~~فهي بالقوة عقل، وسائر الأشياء التي في مادة معقولات بالقوة. والفاعل الذي ينقلها ~~من القوة إلى الفعل هو ذات ما، جوهره عقل ما بالفعل ومفارق للمادة. وإذا حصل في ~~القوة الناطقة عن العقل الفعال ذلك الشيء الذي منزلته منها منزلة الضوء من البصر، ~~حصلت المحسوسات المحفوظة في القوة المتخيلة معقولات في القوة الناطقة.» # 1 # وهذا الجوهر «مرتبته في الأشياء المفارقة (أي عقول الأفلاك في عرف ~~القدماء) التي ذكرت من دون السبب الأول (أي الله) المرتبة العاشرة»، ms062 يعني أنه عقل ~~فلك القمر. لم يخرج ابن سينا عن هذا التعليم، بل ~~يكاد يكون كلامه ترديدا لألفاظ الفارابي، فهو يقول مثلا في كتاب النجاة: «القوة ~~النظرية تخرج من القوة إلى الفعل بإنارة جوهر هذا شأنه عليها. فإذن هنا شيء يفيد ~~النفس ويطبع فيها من جوهره صورة المعقولات، ويسمى بالقياس إلى المعقول التي بالقوة، ~~وتخرج منه إلى الفعل عقلا فعالا.» ويعين فعله بقوله: «هذا العقل الفعال يفيض منه ~~قوة تسيح إلى الأشياء المتخيلة التي هي بالقوة معقولة لتجعلها معقولة بالفعل.» ~~وكذلك ارتأى ابن رشد، فإنه يقول مثلا (في كتاب تلخيص ما بعد الطبيعة): «ماهية ~~العقل الفاعل لهذا العقل منا تصوره هذه الأشياء التي ههنا.» ففي هذا المذهب ليست ~~المعقولات مرئية في الله كما قال أوغسطين أو كما عزي إليه أنه قال، ولكنها نازلة ~~من عقل مجرد في ذاته يسمونه العقل الفعال أو عقل فلك القمر، يصدر إلى العقل ~~الإنساني ضوءا يجرد به الماهيات الحالة في المادة، أو يصدر صور هذه الماهيات، وصور ~~الماهيات المجردة في أنفسها، فنعقلها. # ثم كان ديكارت أول من أظهر التصورية مذهبا واضح المعالم بين المبادئ والنتائج ~~كما ذكرنا، لم يقل كأفلاطون يسبق وجود النفس، ولكنه اعتقد مثله أنها مشتملة منذ ~~وجودها على معان غريزية أو فطرة بسيطة أولية، ومن ثمة جليلة متميزة، تؤلف منها ~~أشياء كثيرة، ومن الأشياء عوالم كثيرة، فلا تحتاج إلى التجربة إلا لتعلم أي عالم هو ~~موجود فعلا، فهي مستكفية بذاتها، مستغنية عن الطبيعة في إقامة العلم الطبيعي، ما ~~دامت واثقة أن الله ضامن صدق المعاني واتساق ترتيبها. وإلى الله اتجه أيضا ليبنتز ~~ومالبرانش وباركلي، على النحو الذي قلنا؛ لأنهم لم يجدوا وسيلة أخرى لتفسير معارفنا ~~وتأييد ثقتنا بها. ولم يفطنوا إلى أن المبدأ التصوري الذي اعتنقوه، إن لم يمنع من ~~تصور الله، فإنه يمنع من الاعتقاد بوجود الله، لأنه يمنع من الاعتقاد بأي ~~وجود. # وفطن كنط إلى وهن هذا الأساس، وأخذ على عاقته أن يشيد نظرية العلم حسب مقتضيات ~~المذهب التصوري؛ لكن ms063 لا التصورية المطلقة الجاحدة للوجود الخارجي، وإلا فاتتنا مادة ~~العلم، بل التصورية المعتدلة تعترف بحقيقة الوجود، بدليل أن الإحساس انفعال، وأن ~~المنفعل خاضع لتأثير شيء فعال، وإن كنا لا ندرك من الأشياء سوى انفعالنا بها. فمضى ~~كنط من القول المأثور: إن العلم مؤلف من قضايا كلية ضرورية، والتجربة جزئية متغيرة. ~~وساءل نفسه عن السبب في إمكان القضية العلمية، فوجد أن الكلية والضرورة إن لم تأتيا ~~من التجربة، وهذا مسلم من العقليين والحسيين على السواء، فلا يبقى إلا أنهما ~~آتيتان من العقل الذي يجحده الحسيون فيقضون على العلم؛ فمتى آمنا بالعلم آمنا ~~بالعقل حتما لأنه هو الذي يحيل التجربة الجزئية الحادثة إلى قضية كلية ضرورية، ~~وذلك بأن يضيف إلى التجربة رابطة من عنده؛ التجربة مثل قولنا: «الشمس تسطع، وهذا ~~الحجر يسخن»، والقضية العلمية مثل قولنا: «ضوء الشمس يسخن الحجر». التجربة جمع بين ~~إحساسين وإخبار بحال شعورية للحاس، والقضية العلمية تعبير عن علاقة ضرورية بينهما ~~مستقلة عن الشخص الذي يحسهما، والعلاقة هنا علاقة العلية زائدة على التجربة ~~الصرف ومعطية إياها الكلية والضرورة، بمعنى أن ضوء الشمس «علة» سخونة الحجر. وفي ~~العقل اثنتا عشرة علاقة أو «معقولة» يؤلف بها شتى القضايا، دون أن تكون هي موضوعا ~~للفكر كالمعاني الغريزية عند أفلاطون وديكارت وليبنتز؛ فإن وظيفة العقل هذا الربط ~~فقط، لا الحكم على حقائق الأشياء. ويطبق العقل هذه العلاقات على الإحساسات بواسطة ~~رسوم في المخيلة، لكن علاقة رسم هو العلامة الدالة على أنها هي التي يجب تطبيقها: ~~فرسم الجوهر تصور البقاء في الزمان، ورسم العلية تصور التعاقب المطرد في ~~الزمان. هكذا يتلاقى العقل والحس، ويتكون العلم الطبيعي، فيجيء موضوعيا من هذه ~~التجربة، وكليا ضروريا من جهة العلاقة العقلية. وهكذا اعتقد كنط أنه أصاب الحق ~~الذي يظل محجوبا عن الإنسانية إلى عهده، واهتدى إلى المذهب الوسط بين الحسية ~~العاجزة عن تسويغ الكلية والضرورية اللازمتين للعلم، وبين التصورية المطلقة العاجزة ~~عن توفير مادة العلم. ~~(2) الرد على التصوريين عامة # بعد هذا العرض لأشهر النظريات التصورية في أصل ms064 المعاني وفي الصلة بين العقل ~~والحس، نعرض النظرية التي نرى فيها الحق، فنعلن على الفور أنها نظرية التجريد ~~الأرسطوطالية التي طالما أشرنا إليها. وهي تعارض تصور النفس الإنسانية كأنها ملك ~~كريم هبط من السماء حاملا المعاني، أو على استعداد لقبولها من روح علوي. وتقرر أن ~~الحس متصل بالأشياء اتصالا مباشرا، وأن العقل لا يكتسب معرفة ما إلا إذا تلقى ~~مادتها من الحس، بحيث تكون الحياة العقلية مرتبطة بالحياة الحسية بل البدنية، مع ~~تمايزها منهما بالطبيعة والفعل. وآية ذلك أن سوء تركيب الدماغ أو توقف نموها أو ضعف ~~هذا النمو، يجعل من صاحبه إنسانا غبيا أو أبله أو مجنونا، وأن ما ينتاب البدن، ~~وبخاصة الدماغ، من تعب أو مرض أو جرح أو بتر؛ يعطل الذاكرة بل الحياة الفكرية على ~~العموم قليلا أو كثيرا، وأن إدمان التدخين أو السكر أو التخدير يؤدي إلى عواقب من ~~هذا القبيل. ولم يكن شيء من هذا ليحدث لو كانت النفس قائمة في البدن بذاتها ولذاتها ~~من كل وجه، فاعلة وحدها جميع أفعالها دون مشاركة ما من جانب البدن. # ولهذا الأصل العالم أثر حاسم في اكتساب المعرفة، حسية وعقلية؛ فإن هذا الاكتساب ~~رهين بفعل أعضاء الحواس، فمن المعلوم أن من عدم حاسة ما من أول أمره عدم معارفها، ~~كالأكمة لا يتمثل الألوان مهما توصف له. وليس يغني القول مع أفلاطون وابن سينا ~~وديكارت أن الحواس ضرورية لتنبيه العقل إلى المعاني؛ فإن النفس عند الغريزيين جوهر ~~قائم بذاته، فيكون في وسع العقل استثارة مدركات الحواس المعطلة، وذلك إما بالتأمل ~~في مدركات حاسة سليمة، أو بالاتجاه إلى العقل الفعال، أو بخطاب مخاطب، ولكنه لا ~~ينتبه بوسيلة من هذه الوسائل. بل إن تربية الصم البكم الكمه لتدل على أن تفتح ~~فكرهم وترقيه تابعان لاكتسابهم الإشارات الحسية، وهي عندهم لمسية تقوم مقام ~~الإشارات الممتنعة عليهم. لذا لا يجدي الاحتجاج على قول الحسيين «إن المعاني ~~ألفاظ» بأن الصم البكم الكمه يحصلون على معان بغير وساطة الألفاظ؛ فإنهم يحصلون ~~على معان بإشارات حسية ms065 على كل حال. # وثمة أثر آخر للارتباط بين الحياة العقلية والحياة الحسية، هو أن تعقلنا ~~مصحوب دائما بصورة خيالية، فلا يتعقل عقلنا موضوعا ما إلا وفي ذات الوقت تتمثل ~~المخيلة صورة ما، حتى ولو كان المعقول روحيا. فمتى كان المعقول ماهية شيء مادي ~~تمثلت المخيلة صورة جزئي من جزئيات تلك الماهية، حقيقي أو مركب. ومتى كان المعقول ~~مجردا أو روحيا تمثلت المخيلة صورة رمزية، أو لم تتمثل شيئا، واقتصر الأمر على ~~صورة لفظية، أي على اسم ذلك المعقول. فإن الألفاظ تسمع وتقرأ وتلفظ فتخلف في ~~المخيلة صورا سمعية وبصرية وعضلية تصاحب تعقل الموضوع الدالة على مصاحبة الظل ~~للشيء. وإليك نتائج التجارب العديدة التي أجراها علماء النفس بهذا الصدد: فقد سأل ~~بعضهم لفيفا من الأشخاص عما يخطر لخيالهم عند سماعهم لفظ «كلب» مثلا، فقال أحدهم: ~~«كلب جيراني يركض»، وقال غيره صورا خيالية أخرى. وكان من بين الأجوبة بصدد لفظ ~~«قانون»: كتاب قانوني، قضاة يرتدون الأحمر، سيدة رافعة ميزانا، خطوط متوازية، ~~تعريف القانون لمونتسكيو. ومن بين الأجوبة بصدد لفظ «لانهاية»: حفرة مظلمة، كتب ~~رياضية، العلامة الرياضية، دوائر ساطعة، شيء شبيه بالقبة، أفق يبتعد باستمرار. ~~ومن بين الأجوبة بصدد المجردات العالية «لا شيء» يعني: لا صورة خيالية أو رمزية، بل ~~مجرد اللفظ، كلفظ الله أو النفس حين نفكر في النفس أو في الله. # 2 # ولا تفسر مقارنة التخيل للتعقل على هذه الأنحاء إلا بأن عقلنا متجه ~~أولا إلى الماديات، يستخلص ماهياتها مما يغشيها من أعراض مشخصة، وأنه يتوصل إلى ~~الروحيات ابتداء من الماديات، بعكس ما يتصور التصوريون. # هذا الاستخلاص أو التجريد يبدو واضحا في كون الأعم متقدما على الأخص في ~~معرفتنا، سواء منها العقلية والحسية: فالعلم بالجسم يحصل في عقلنا قبل العلم ~~بالحيوان، والعلم بالحيوان قبل العلم بالإنسان، والعلم بالإنسان قبل العلم بشخص ~~معين. ونحن نرى الأطفال في أول أمرهم يميزون الإنسان من اللاإنسان قبل أن يميزوا ~~هذا الإنسان أو ذاك؛ فيسمون كل رجل أبا وكل امرأة أما، ثم يأخذون بتمييز ~~الأشخاص بعضهم ms066 من بعض. # 3 # والوجه الذي يتم عليه التجريد لا يدرك بالوجدان، بل يستدل عليه بالعقل، ~~وأول ما يثبته العقل أن ماهيات المحسوسات ليست موجودة مفارقة للمادة على نحو ما ~~نتعقلها؛ كما ظن أفلاطون، ولكنها موجودة في مادة المحسوسات مغطاة بأعراضها، وهي ~~بهذا الاعتبار غير معقولة، فيظل العقل محتاجا إلى موضوع يتعقله، وهو يتعقل بالفعل ~~موضوعات كثيرة، فيلزم أن في النفس قوة تجرد الماهيات عن المادة البادية في الصور ~~الخيالية وتجعلها معقولة بالفعل، فتنفعل بها قوة أخرى وتتعقلها، كما ينفعل الحس ~~بموضوعه فيحسه. # ففي النفس عقلان: أحدهما المتعقل، وهو الذي نسميه العقل اختصارا، وقد سمي بالعقل ~~المنفعل للدلالة على أنه خلو من المعقولات في الأصل ومضطر لقبولها بعد التجربة. ~~والعقل الآخر هو المجرد، وقد سمي بالعقل الفعال بالقياس إلى المنفعل؛ لأنه هو الذي ~~يجرد ماهيات المحسوسات ويعرضها على العقل المنفعل فيخرجه من القوة إلى الفعل. ولا ~~سبيل إلى الاستغناء عن هذا العقل الفعال بإضافة التجريد إلى العقل المنفعل نفسه؛ ~~لأنه ما دام منفعلا ومنتظرا القبول كي يفعل، فليس في وسعه ولا في وسع أي موجود، ~~أن يخرج بذاته من القوة على الفعل. إنما نستغني عنه لو اعتقدنا مع أفلاطون أن المثل ~~قائمة بأنفسها ومؤثرة في النفس كما تؤثر المحسوسات في الحواس؛ وهذا اعتقاد باطل. ~~على أن التسليم به تسليم بوجوده فقط وبمفعوله الذي هو الماهية المجردة، ولا ينطوي ~~على العلم بطريقة فعله، فإن هذه الطريقة خافية علينا كل الخفاء. وقد شبهه أرسطو ~~بضوء الشمس الذي هو واحد بعينه ويبرز ألوانا وأشكالا مختلفة باختلاف الأشياء ~~الواقع عليها. فنستطيع أن نقول إن العقل الفعال عبارة عن ضوء روحي، وإن فعله هو ~~«إضاءة» الصورة الخيالية وإبراز الماهية الكامنة فيها. العقل الفعال علة رئيسية، ~~والصورة الرئيسية علة مرءوسة، مثلها مثل قلم الكاتب أو ريشة المصور أو أي آلة أخرى ~~تقبل من الفاعل قوة، فتحدث معلولا أرقى منها ما دامت في يده. والماهية المجردة ~~روحية معقولة، فهي أرقى من الصورة الخيالية المحسوسة، وليست تكفي هذه لإحداث ms067 ~~المعقول. # هذه النظرية فريدة بين النظريات العارضة لتفسير أصل المعاني؛ فإنها تدع للمعاني ~~طبيعتها العقلية، وتبين كيفية الانتقال من المحسوس إلى المعقول بتجريد عقلي، فتضمن ~~موضوعية المعقول. بينما النظريات الحسية لا ترى في المعاني سوى أنها مختصرات ~~للمحسوسات مكتسبة بتجريد حسي ، أي بتفصيل المحسوس إلى أجزائه كما هي في الواقع. ~~وبينما النظريات التصورية تضع المعاني في النفس وضعا، أو في عقل مفارق يفيضها على ~~النفس، دون أن توفر للعقل أية صلة بالحس، اللهم إلا تلك الصلة التي نجدها عند ~~أفلاطون بين المعنى الغريزي وبين الإحساس، والتي تقضي في الحقيقة على الغريزية، من ~~حيث إنها تتضمن أننا نتعرف على المعنى في الإحساس نفسه، فنتذكر الإنسان مثلا عند ~~رؤية زيد من الناس، فلا يبقى وجه حاجة لقيام المثل بأنفسها ومشاهدتنا لها في حياة ~~سابقة. # كما لا يبقى وجه لدعوى التصوريين المحدثين أن المعنى محض صورة معقولة دون مقابل ~~في الخارج؛ فإن المسألة لا تعدو أحد أمرين: فإما أننا نتعقل المعنى بمناسبة الإحساس ~~دون أن نراه متحققا فيه، وحينئذ فلا يسوغ لنا أن نطلق المعنى على جزئياته وتكون ~~جميع أحكامنا باطلة؛ وإما أننا نرى المعنى متحققا في الإحساس، وحينئذ فلا تعود بنا ~~حاجة لاعتباره سابقا على التجربة أو آتيا من مصدر آخر. إن هؤلاء التصوريين اسميون ~~في الواقع مع اعترافهم بوجود المعاني في الذهن؛ فإنهم يصلون إلى نفس النتيجة، وهي ~~قطع الصلة بين العقل والأشياء. قلنا ضد الحسيين: إن الألفاظ دلالات على المعاني، ~~ونقول الآن ضدهم وضد التصوريين: إن المعاني دلالات على الأشياء نطبقها عليها بقولنا ~~مثلا: «زيد إنسان» و«عمرو إنسان». وهذا التطبيق دليل على المطابقة بين الطرفين، ~~وتقرير للعلم؛ إذ كان العلم إدراكا لحقائق الأشياء في معانيها الكلية، وكان الحكم ~~العلمي كليا ضروريا، لا بتطبيق العقل على الحدين مقولة جوفاء غريزية فيه دون ~~إدراك ضرورة الارتباط بينهما، بل لكون ذلك الحكم يضيف إلى الموضوع محمولا يخص ~~ماهية الموضوع الممثلة في الذهن بالمعنى المجرد، وهكذا تفسر نظرية التجريد أيضا ~~الأحكام المستفادة من التجربة ms068 والمرفوعة إلى مقام القوانين الثابتة التي هي أركان ~~العلم. ~~(3) الرد على كنط # أما كنط الذي حرص على التوسط بين الحسيين والعقليين، فلم يوفق إلا إلى توسط ~~ظاهري فقط، هو نتيجة جمع صناعي بين عناصر متناقضة، وما إن ينكشف تناقضها حتى ينقسم ~~المذهب على نفسه ويتبدد شذر مذر. ونحن ندل على سبعة تناقضات: التناقض الأول قائم ~~بين اعتقاده بالضرورة في الحكم العلمي وبين بقائه على التصورية؛ فإن الحكم إذا ~~دققنا فيه النظر، يفضي إلى الوجود، وذلك بأنه متجه إلى موضوع حاكم عليه في ذاته، ~~موجودا كان أو ممكن الوجود، فيقول إن الموضوع «هو» المحمول، فإن الرابطة «هو» تؤكد ~~الموضوع وتؤكد حصول المحمول له في واقع الأمر. # التناقض الثاني بين الكلية والضرورة الباديتين في الحكم العلمي، وبين تأليف هذا ~~الحكم من حدين مستفادين من التجربة الجزئية الحادثة: فما يجيء من التجربة ليس بين ~~حديه نسبة ضرورية، فكيف يسوغ إيقاع مثل هذه النسبة بين حدين بريئين منها؟ إن الحكم ~~العلمي شيء غير مفهوم في فلسفة كنط، ولا يفهم إلا بنظرية أرسطو في التجريد التي ~~ترفع الشخص والحدوث عن الموضوع والمحمول، وإلا بقي الحكم العلمي بغير تفسير لا من ~~جهة التجريد ولا من جهة العقل. # التناقض الثالث بين تصورية المقولات وموضوعيتها: فهي قوالب جوفاء لا يجوز أن تؤخذ ~~موضوعات معرفة، وهي في نفس الوقت كثيرة متباينة الآحاد يحمل كل منها اسما: أفليس ~~يلزم عن هذا أن لها تعريفات وأنها من ثمة معلومة ولو إلى حد ما؟ إن كنط يجادل في ~~مقولة العلية وفي غيرها من المقولات، وهو يقول: إننا نتصور المكان والزمان ولو ~~لم يشتملا على شيء. فكيف تكون المقولات، وكيف يكون المكان والزمان صورة ومادة في آن ~~واحد؟ لقد احتاج كنط إلى الصور العقلية لكي يوفر للعلم أساسا من الكلية والضرورة، ~~ذلك الأساس الممتنع على المذهب الحسي لإنكاره العقل، فلم يزد بها على مدركات ~~التجربة سوى مجموعة من الألفاظ لا يمكن أن تحيل الحكم التجريبي حكما ~~علميا. # التناقض الرابع بين اعتباره العلية مجرد ms069 مقولة لا يجوز تطبيقها إلا للربط ~~بين ظاهرتين محسوستين؛ كما هو شأن سائر المقولات، وبين استخدامه إياها كما لو كان ~~لها قيمة وجودية، وذلك في مواضع كثيرة جدا، أهمها اثنان: أحدهما وجوب المكان ~~والزمان والمقولات لتعليل الكلية والضرورة في المعرفة الإنسانية كما تقدم، والآخر ~~وجوب الأشياء لتعليل انفعالية الإحساسات، وفي الحالين لا وجوب إلا لعلة ~~موضوعية. # التناقض الخامس بين إثبات وجود الأشياء وبين امتناع معرفتها، فإنه يقول: إننا لا ~~نعرف سوى الظواهر، أي انفعالاتنا بالأشياء، فأية فائدة تعود إذن من الأشياء إذا كان ~~تأثيرها لا يدل عليها؟ وما الظاهرة إن لم تكن «ظهور» الشيء؟ وبينما يقول إن الأشياء ~~غير مدركة أصلا، نراه يحلل طبيعة العقل، ويزعم أنه يعرفه تمام المعرفة، وأن هذه ~~المعرفة هي التي تنتج له أننا لا نستطيع معرفة الأشياء. فإن قال إنه يصل إلى معرفة ~~طبيعة العقل بتحليل أفعال العقل، قلنا: وإذن فنحن نستطيع أن نعرف أي شيء بتحليل ما ~~ننفعل به عنه من صفات وأفعال. # التناقض السادس بين مفهومات المقولات ومفهومات الرسوم الخيالية المقول إنها دالة ~~عليها: ذلك بأن كنط يعين البقاء في الزمان علامة على الجوهر، في حين أن البقاء في ~~الزمان قد يتفق للعرض أيضا، وقد لا يتفق للجوهر إذا لم يدم الجوهر سوى لحظة. ~~وترتفع الحاجة على علامة بتعريف الجوهر بأنه الماهية المتقومة بذاتها، وتعريف العرض ~~بأنه الماهية المتقومة بالجوهر. ويعين كنط التعاقب المطرد علامة على العلية، ~~في حين أن التعاقب المدرك لا يدل دائما على العلية، بل قد يكون محض تعاقب. ~~ويعين تقارن أعراض جوهرية علامة على التفاعل، في حين أن تقارن الأعراض لا يلزم ~~حتما عن التفاعل، بل قد تكون أعراض كل جوهر لازمة عن هذا الجوهر نفسه. ويعرف ~~الإمكان بأنه الوجود في زمان ما، والضرورة بأنها الوجود في كل زمان، على حين أن ~~الممكن قد يكون أزليا أبديا، كالعالم في افتراض قدمه وعدم فنائه، مع افتقاره ~~إلى موجود باعتباره ممكنا في ذاته، ومن ثمة في كل آن. فما دام الإمكان ms070 هو الوجود ~~في زمان ما، فمن الممكن أن يتكرر هذا الوجود إلى غير نهاية ولا يقصر على قسم من ~~الزمان. أما إذا عرفنا الممكن بأنه ما وجوده مفتقر إلى غيره، وعرفنا الضروري بأنه ~~الموجود بذاته؛ ارتفع كل لبس، وبان السبب في دوام الضروري في كل زمان. وعلى ذلك ~~فليس يوجد عند كنط تفسير لتطبيق المقولات على ظواهر التجربة. # التناقض السابع بين الإقرار بالعلم وإنكار الماهيات الطبيعية. وهذه مسألة ~~الاستقراء في فلسفة كنط: فإن الأشياء مطردة الأفعال، حتى إننا نتوقع منها أفعالا ~~معينة استنادا على قانون طبيعي، فتقع هذه الأفعال. فما السبب في عودة الظواهر ~~طبقا للقانون، وكيف نستطيع الجزم بأن الظواهر تطرد بالنظام المعهود، وأن المستقبل ~~يجيء على غرار الماضي والحاضر، وفلسفة كنط ترفض الماهيات وثباتها؟ إن اعتقدنا ~~بضرورة القوانين سلمنا بالمطابقة بين العقل والوجود، وإن لم نعتقد بتلك الضرورة ~~لم يبق لدينا ضمان للعلم. فجملة القول في النظريات التصورية أنها تخفق في إقامة ~~الصلة بين الحس والعقل من جهة والطبيعة من جهة أخرى. # الفصل الرابع # | العقل وما بعد الطبيعة # (1) تعريف ما بعد الطبيعة # خلص لنا من الفصل السابق أن عقلنا يدرك الموجودات الطبيعية أولا بالذات؛ يبدأ ~~بها، ويعلمها في أنفسها كما هي ممثلة في الحواس وفي الذاكرة والمخيلة. والآن نريد ~~أن نبين أن الموجودات الطبيعية ما هي إلا موضوعه الخاص به بما هو إنساني، أي ~~باعتباره عقل نفس متحدة ببدن، وأن له موضوعا عاما باعتباره عقلا بإطلاق، يجاوز ~~الطبيعة المحسوسة إلى أصولها وشروطها غير المحسوسة، فيمتد إلى مطلق الوجود، أي إلى ~~كل موجود أيا كان، وإلى معنى الوجود الكامن في كل ما يتعقل وفي كل فعل من أفعال ~~العقل، وإن لم يكن تعقله في هذا المضمار أولا بل لاحقا على تعقل الماديات. ولم ~~يكن بالذات بل كان بالاستدلال، فيصل إلى علم ما بعد الطبيعة الذي لا بد من تعيينه ~~أدق تعيين وتمحيص الآراء فيه، كي نحيط بمجال العقل بأكمله، ونطمئن إلى صحة أفعاله ~~وصدق معقولاته. # فمن جهة امتداد العقل ms071 إلى كل موجود، لما كانت المعرفة تشبه العارف بالمعروف ~~تشبها معنويا كما قلنا؛ فإنه إذا حصل شبه المعروف في النفس محسوسا كان أم ~~مفعولا، صارت النفس هي المعروف، لأن لا ماديتها تسمح لها بقبول كل صورة، فتصير ~~مرآة الوجود بانعكاس مختلف الموجودات على صفحتها غير أننا ندرك الروحيات بعد ~~الماديات، ونلقى صعوبة في هذا الإدراك فلا نستطيع أن نكون عن الروحيات معاني ~~ذاتية أو مطابقة لها، بل ندركها بطريق غير مباشر هو طريق الاستدلال، فنستدل ~~بالمعلول على العلة، وبالعرض على الجوهر، ونتعقل الجوهر الروحي بمعان مستفادة من ~~الماديات، ونعبر عن تعقلنا إياه بألفاظ تدل أول ما تدل على الماديات. هكذا نعرف ~~وجود الله من حيث هو علة وجود العالم، ونعرف صفاته ضربا من المعرفة بمجاوزة صفات ~~المخلوقات إلى كمالها الأقصى، وتنزيهه تعالى عن حدودها ونقائصها. ولو صح المذهب ~~التصوري وكان في النفس معان غريزية أو فائضة من عقل أعلى، للزم عن ذلك أن لدينا ~~معاني ذاتية أو مطابقة عن الموجودات الروحية، وعما يفوتنا إدراكه بالحس من ~~الماديات، وقد لاحظنا أن كلتا النتيجتين باطلتان. وهذا موقف وسط بين الحسية ~~والمحجمة عن مقاربة المعقولات، وبين التصورية الزاعمة أن عقلنا كفء لإدراك ~~المعقولات والروحيات كما هي في أنفسها. # ومن جهة إدراك العقل للوجود بما هو وجود، فإن هذا المعنى أول ما يحصل في تصور ~~العقل؛ ذلك بأن الوجود هو العنصر المشترك بين الموجودات على اختلافها، وبين معلومات ~~العقل، كما أن اللون مثلا هو العنصر المشترك بين مدركات البصر. إن معنى الوجود ~~أبسط المعاني وأعمها، وهو الوجه الذي يدرك به العقل كل موجود: ففي التصور الساذج ~~يعبر العقل (تعبيرا يتفاوت وضوحا) عما هو الشيء أو ماهيته، وفي الحكم يقول العقل ~~قولا صريحا ما هو الشيء في ذاته أو بالنسبة إلى غيره، أي يثبت العقل وجود الشيء ~~وفقا لماهيته فيقول: «الأرض هي كروية» أو ينفي حكما يأبى قبوله، والحكم صادق إذا ~~وافق ما هو موجود، أو ممكن الوجود، فإن الممكن ما ليس يحول دون وجوده ms072 بالفعل حائل ~~ما ماهيته، بل تلزم له صفاته بقوة ماهيته، وفي الاستدلال إذ يقارن العقل بين ~~المقدمتين يرى فيهما علة وجود النتيجة، وأن الأمر لا يمكن أن يكون بخلاف. وكلما ~~أثبتنا شيئا لشيء، سواء بحكم واحد أو باستدلال، فنحن نعني أن الأمر هو كذلك في ~~الحقيقة ويستحيل أن يكون غير ذلك. فإثبات وجوب وجود شيء لشيء، وإثبات امتناع عدم ~~وجود شيء لشيء؛ كل أولئك إثبات مبني على ضرورة الوجود، فليتأمل في هذا من قد يجد ~~غموضا في قولنا إلى الموضوع العام للعقل هو الوجود من حيث هو كلي أو مطلق الوجود. ~~وليتأمل في اللاوجود المطلق والتناقض والامتناع، يجدها أمورا غير معقولة لا ~~يقابلها معنى ذاتي في الذهن، بل يقابل اللاوجود معنى الوجود المسلوب، ويقابل ~~التناقض معنى الاتساق المقتضي للوجود، ويقابل الامتناع معنى الضرورة أو معنى ~~الإمكان، أعني وجوب الوجود، أو وجوب عدم وجوده، أو إمكانه. # فعلم ما بعد الطبيعة هو علم مطلق الوجود ولواحقه الذاتية، أو علم الأمور العامة ~~كما قال المتكلمون، يعنون أعم الأمور في الوجود وفي العقل. وقد دعي بما بعد الطبيعة ~~لأنه في الواقع يعلم لنا بعد الطبيعيات، ولأن من شأن عقلنا أن يتأدى من المحسوس إلى ~~المعقول. لكنه الأول من حيث المرتبة، فإن أوضح العلوم وأوثقها لبساطة موضوعاته ~~وبداهتها، ولتعلق سائر العلوم به كما يتعلق المركب بالبسيط والجزئي بالكلي. ~~لهذا دعاه أرسطو بالفلسفة الأولى وتتبين ضرورة هذا العلم من وجهين: الوجه الأول أن ~~ما عداه من العلوم علوم جزئية، ينظر كل منها في وجه من وجهات الوجود: فالرياضيات ~~تنظر في الوجود الطبيعي من حيث هو كم، والطبيعيات تنظر في جوهر هذا الوجود وفي ~~تغيراته، فلا بد من علم كلي يتناول الوجود بالإطلاق مجردا من كل تعيين، أي يتناول ~~الوجود المشترك بين الموجودات ومبادئه وعلله. والوجه الثاني لضرورة هذا العلم أن ~~العلوم الجزئية تسلم مقدماتها تسليما ولا تبرهن عليها لما هو معلوم من أن البرهان ~~يستند على مقدمات أعم من النتائج، فإذا تناول صاحب علم ما مقدمات ms073 هي أعم من مقدمات ~~علمه فقد خرج عن موضوع علمه وعن منهاجه واشتغل بعلم أعلى. ولما كان لا بد من ~~البرهان فإن العقل يرتقي من مقدمات إلى أخرى أعم، حتى يصل إلى قضايا هي أعم ~~المقدمات وأبسطها لاقتصارها على معنى الوجود وعلى ما يلائم الوجود بالذات. فلا بد ~~من علم كلي يستخلص هذه المبادئ ويجلوها ويدافع عنها أو تبقى المعرفة ناقصة غير ~~قائمة على أساس. # وإذا ما ثبت لدينا مبادئ الوجود التي هي مبادئ العقل، ورددنا على اعتراضات ~~المفكرين وحللنا إشكالاتهم؛ انفسح أمامنا الوجود بأجمعه فأثبتنا النفس وأثبتنا ~~الله. حتى إذا ما أتينا إلى الأخلاق ووجدناها تفتقر إلى معرفة ماهية الإنسان وأصله ~~ومصيره، وإلى معاني الحرية والخير والفضيلة والجزاء والواجب والحق والعدل؛ فلن ~~ننكرها كما يفعل الحسيون بدعوى أن ليست هناك ماهيات، وأن ليس لنا من موضوع معرفة ~~سوى المحسوس، وأن العلم إنما يقرر ما هو كائن لا ما يجب أن يكون. ولن نضعها وضعا ~~دون تعقلها كما يفعل كنط واتباعه من التصوريين، بل نتناول مبادئها من الفلسفة ~~الأولى ونبرهن عليها بهذه المبادئ، فيبدو لنا الوجود معقولا في جميع نواحيه، وترد ~~إلى العقل الجليل المقدس (كما يصفه أفلاطون) مكانته السامية، ويبين بكل جلاء أن ما ~~بعد الطبيعية لا يعني ما وراء الوجود وما في عالم الخيال، وإنما هو علم صميم ~~الوجود، وأساس العلوم وتاجها. ~~(2) مذاهب شتى # خصوم هذا العلم إذن هم التصوريون والحسيون: فأما التصوريون فبمقتضى مبدئهم ~~القائل: إن المعرفة مقصورة على التصورات ولا تتعداها إلى الموجودات، وأما الحسيون ~~فبمقتضى مبدئهم القائل: إن المعرفة مقصورة على المحسوس، فضلا عن مشاركتهم في ~~المبدأ التصوري. غير أن ديكارت ومالبرانش وسبينوزا ولبنتز وباركلي لم يفطنوا إلى ~~مقتضى المبدأ التصوري، فظلوا على فطرة العقل، واعتقدوا بموضوعية المعاني والأحكام ~~والاستدلالات، وخرجوا من الفكر إلى الوجود بلا تحرج، متحدثين عن النفس وعن الله ~~وعن مسائل ما بعد الطبيعة عامة. فلما أنكر لوك وجود المعاني الغريزية، ومقدرتنا على ~~إدراك الماهيات والجواهر، ومنها نفسنا ذاتها، ونوع علاقتها بالبدن، ms074 ومنها الله ~~وصفاته، ولما نقد هيوم المبادئ العقلية، وبخاصة مبدأا العلية والغائية؛ تنبه ~~التصوريون حينذاك إلى المعنى العميق لمذهبهم وضرورة الاختيار بينه وبين ما بعد ~~الطبيعة. ووجد فلاسفة أرادوا الجمع بين الطرفين لما لهذا العلم من أهمية بالغة ~~لحياتنا الأخلاقية والروحية، وبترك كل منهم طريقة تحقق معناه. إن محاولاتهم لحقيقة ~~بالنظر قبل الخوض في ما بعد الطبيعة كما نراه ورد الحملات عليه في مسائله ~~المختلفة، وإن ردودنا على هذه المحاولات لكفيلة بزيادة إيضاح ماهية هذا العلم بعد ~~تعريفنا الموجز له. فنبدأ بمذهب كنط، ونمضي مع التاريخ إلى أوجست كونت، فإلى هربرت ~~سبنسر، فإلى وليم جيمس، وأخيرا إلى هنري برجسون. # رأينا أن كنط يحلل الحكم إلى مادة مستفادة من التجربة، وصورة يطبقها العقل عليها، ~~وأن الحكم لا يعد مقبولا إلا إذا اشتمل على مادة أو حدث حسي. وما بعد الطبيعة يدعي ~~إدراك النفس والحرية والله، ويخوض بصددها في مسائل كثيرة. ولكن هذه الموضوعات خارجة ~~عن نطاق التجربة، وليس لنا بها حدس عقلي، فتطبيق المقولات عليها تطبيق صور على صور ~~لا على أشياء موجودة ومعلومة. هذا حكم العقل النظري على قيمة ما بعد الطبيعة، بيد ~~أن هذه المعاني الثلاثة «حاجات» جوهرية لنا، وليست ترمي الفلسفة النقدية إلى ~~إبطالها، بل فقط إلى بيان أن ليس باستطاعة عقلنا البرهنة عليها. فالباب مفتوح ~~للإيمان بها إن وجدت واسطة لذلك. والواسطة موجودة، وهي الأخلاق. وتقوم الأخلاق على ~~معنى الواجب، وليس الواجب ممكنا إلا بالحرية؛ فإنه إذا كان على الإنسان واجب كانت ~~له القدرة على أدائه، وأداء الواجب هو السبيل إلى تحقيق سعادتنا. وليس في طاقة ~~الإنسان أن يصير قديسا، ولكنه يستطيع أن يترقى إلى غير نهاية نحو القداسة، ولكي ~~يمكن هذا الترقي اللامتناهي يلزم أن تدوم شخصيتنا: وذلك هو خلود النفس. ويلزم أن ~~يؤثر في الطبيعة فاعل تتحد فيه القداسة والسعادة اتحادا تاما، أي أن يوجد الله. ~~فالحرية والخلود والله موضوعات يؤدي إليها العقل العملي مع عجز العقل النظري عن ~~البرهنة عليها. # هكذا اعتقد كنط أنه ms075 أنقذ ما بعد الطبيعة من إنكار المنكرين، وهو لم يفعل إلا أن ~~اصطنع حجج العقليين في إثبات المعاني الثلاثة من الوجهة الأخلاقية. ولكنه بإنكاره ~~الحدس العقلي قد أشبه الحسيين وأسقط حقه في الانتقال من معنى الواجب إلى معاني ما ~~بعد الطبيعة؛ إذ من الواضح أن هذه المعاني ليست موضوع حدس حسي، فإذا لم يكن لنا حدس ~~عقلي امتنع علينا البلوغ إليها. إن الحدس على العموم إدراك موضوع ما بحضور هذا ~~الموضوع لدى القوة المدركة، # 1 # فالحدس الحسي إدراك الموضوع بسبب حضور للحس الظاهر؛ كالأشياء الخارجية، ~~أو للوجدان؛ كأفعالنا الباطنة ووجودنا الذاتي. والحدس العقلي إدراك حقيقة المعاني ~~والمبادئ البديهية: فإدراك المعنى المجرد حدس عقلي، ولو أن العقل غير متصل بالمحسوس ~~مباشرة، ولكنه متصل بالصورة الخيالية الممثلة للمحسوس والتي يجرد منها المعنى. ~~فالحدس ههنا إدراك شيء حقيقي بحضور صورة هذا الشيء لدى العقل، وكذلك إدراك الرابطة ~~في الحكم وإدراك لزوم التالي من المقدم في الاستدلال هما نوعان من الحدس العقلي. ~~فموضوعات ما بعد الطبيعة ندرك وجودها بحدس حسي لمعلولاتها، ثم ندركها هي، لا في ~~أنفسها، بل بتعيين ماهيتها وخصائصها تبعا لمفاعيلها المدركة بالحس. # فليس بصحيح أن العقل النظري عجز عن بلوغ إلى ما بعد الطبيعة والخوض في مسائله، ~~وكنط نفسه يقدم لنا الشاهد على ذلك بتدليله الذي لخصناه: فما هذا التدليل إلا نظر ~~فيما يترتب على معنى الواجب المعلوم بالوجدان من نتائج نظرية. والأدلة التي يوردها ~~كنط قد وردت من قبله بزمن طويل، إنه يمضي من الواجب إلى الحرية، ومن النفس إلى ~~الخلود، ومن الخلود إلى الله، بقوة ارتباط هذه الحدود فيما بينها. فهو إذن يستدل ~~استدلالا نظريا، ويقر بمبدأ العلية وبلزوم التالي من المقدم، وكل هذا حدس ~~عقلي، إن جاز هنا فهو جائز في سائر المسائل على نفس النهج، وصار في مقدور العقل ~~النظري أن يقيم ما بعد الطبيعة دون دوران من العقل النظري إلى العقل العملي. فكنط ~~يؤيد مذهب الحدس العقلي من حيث لا يدري، ويقدم الشاهد على قوة فطرة ms076 العقل وغلبة ~~الطبع للتطبع. # ويكاد يكون مذهب أوجست كونت مرسوما على غرار مذهب كنط؛ فإنه يبدأ بنقد العقل ~~وبيان نسبية المعرفة، لكن لا بامتحان أفعال العقل ومعانيه ومبادئه؛ فقد يكون هذا ~~لونا مما بعد الطبيعة، بل باستعراض تاريخ العقل كما يتخيله هو، فيقول إن العقل قد ~~مر بأدوار ثلاثة: دور لاهوتي أو ديني، ودور ميتافيزيقي أو فلسفي، ودور واقعي أو ~~علمي. ففي الدور اللاهوتي كان الإنسان يتوهم الظواهر حادثة بفعل كائنات عليا أو ~~آلهة، وفي الدور الميتافيزيقي استبدل بالعلل العليا عللا خفية في باطن الأشياء، ~~وما هي إلا معان مجردة جسمها له الخيال، فقال: العلة والجوهر والماهية والقوة والله ~~والنفس والحرية ... إلى غير ذلك من المجردات الجوفاء. وأخيرا وصل إلى الدور الواقعي، ~~فأدرك استحالة الحصول على معارف مطلقة من هذا القبيل، وقصر همه على تعريف الظواهر ~~واستكشاف قوانينها. هذه الطريقة هي التي أفلحت في تكوين العلم، وهي التي يجب أن تحل ~~محل الفلسفة، فكلما أمكن معالجة مسألة بالملاحظة والاختبار انتقلت هذه المسألة من ~~الفلسفة إلى العلم، وكان حلها العلمي هو الحل النهائي. فالمذهب الواقعي يتوخى ~~الواقع المحسوس، ويتجاهل النظريات الفلسفية جميعا، لا ينفدها ولا يقرها؛ لأنها ~~ميتافيزيقية خالية من كل معنى، ويستعيض عن الميتافيزيقا بفلسفة العلوم، أي بترتيب ~~النتائج العلمية والبلوغ إلى أقل عدد مستطاع من القوانين الكبرى. وبذا يفترق عن ~~المادية والإلحاد؛ فإنه لا ينكر النفس والله، ومثل هذا الإنكار ميتافيزيقا أيضا. ~~وموضوع الميتافيزيقا غير مدرك، يشبه (على حد قول «ليتري» أنبه تلاميذ كونت) بحرا ~~تضرب أمواجه شواطئنا، ولا نملك لخوضه سفينة ولا شراعا. # فدعامة المذهب نظرية الأدوار الثلاثة، لكن أحدا لا يستطيع أن يقيم الدليل على ~~أنها تاريخية. فإن قيل إن الدور اللاهوتي يوافق ما قبل التاريخ وأوائل العهد ~~التاريخي، أجبنا: إن الإنسان قد عاش في تلك العصور الطويلة وهو يحارب قوى الطبيعة ~~ويستغل ذخائرها ويخترع الصناعات للاستقواء في تلك الحرب وذلك الاستغلال، وإن كل هذا ~~لم يكن ليتسنى بغير الملاحظة الدقيقة والوقوف على طبائع الأشياء. وإن قيل: ms077 إن الدور ~~الميتافيزيقي يوافق العصر القديم، سألنا عن الأرصاد الفلكية، والصناعات المختلفة في ~~المدنيات الشرقية، وطب بقراط، وهندسة إقليدس، ومخترعات أرشميدس، وطبيعيات أرسطو ~~ومنطقياته وأسلوبه التجريبي في علوم الحياة، وفلسفة ديموقريطس وأبيقور، وكيمياء ~~العصر الوسيط: أليست هي أدخل فيما يدعوه كونت بالروح الواقعي منها في التفسير بقوى ~~خفية وحجج لفظية؟ وإن كونت ليعترف بأن الرياضيات واقعية منذ آلاف السنين، أي منذ ~~الدور اللاهوتي، بل بأنها لا يمكن أن تكون إلا واقعية، فكيف يقال إن العقل لم يعرف ~~الروح الواقعي إلا في العصر الحديث؟ وإن قيل إن الدور الواقعي يوافق العصر الحديث، ~~أحلناهم إلى ما هو باد في الفلسفة الحديثة من الاهتمام البالغ بالأخلاق والدين، ~~ولاحظنا أن كونت نفسه وضع «ديانة الإنسانية» في أواخر حياته لا في شبابه كما تقتضي ~~نظريته. # الأحق أن يقال إن اللاهوت والفلسفة والتجربة مظاهر الحقيقة الشاملة، وإنها قد ~~تقارنت في الأفراد والأمم والعصور وتكاملت مع تفاوت تبعا لمؤثرات مختلفة. وعلى فرض ~~أن الفكر يتطور في الفرد وفي الإنسانية على هذا الترتيب الثلاثي، فليس ينال هذا من ~~قيمة العقل في شيء، فما كان التطور التاريخي مرادفا للارتقاء ضرورة، وما كان الخطأ ~~نافيا وجود الحقيقة وإمكان الكشف عنها. لقد قضى الناس آلاف السنين وهم يعتقدون أن ~~الأرض ساكنة ثابتة وأن الشمس تشرق وتغرب، كما اعتقدوا أخطاء علمية لا عدد لها، فهل ~~يعتبر هذا اعتراضا على العلم الحق وسببا للتنكر له؟ فلم تعتبر أخطاء العقل ~~مطاعن في مقدرته وهو قمين بتصحيحها؟ ولم يتخذ من الأخطاء في الفلسفة والدين أسلحة ~~ضدهما، وفي مقدور العقل أن يصل فيهما إلى كثير من الحقائق؟ هذا فيما يختص بالأدوار ~~الثلاثة. # أما فيما يختص بالفلسفة؛ فإن مصدر الحملة عليها أن كونت قد أساء فهم معناها، وأنه ~~توهم أن العلم الواقعي يكفي نفسه ولا يفتقر إلى أساس فلسفي. والواقع أن العلم ~~الواقعي لا يذهب إلى المسائل القصوى الدائرة على المعرفة إطلاقا، فلا يبرر أفعال ~~العقل من تصور وتصديق، ولا المبادئ الكلية الضرورية، ولا القوانين العلمية التي ms078 هي ~~عند كونت وأضرابه أقصى ما تصل إليه المعرفة كأنها قد وضعت أنفسها وكأنه يمكن أن ~~يكون لها أصل ومحل غير ماهيات الأشياء. وليس يغني العلم الواقعي شيئا عن الفلسفة، ~~فليست «فلسفة العلوم» التي يريد الواقعيون أن يقيموها مقام الفلسفة بمغايرة للعلوم ~~الطبيعية حتى تعد علما جديدا وتعلق عليها آمال جديدة؛ فإن النتائج الكبرى للعلوم ~~هي من جنس العلوم. أما المسائل الفلسفية فمتمايزة منها موضوعا ومنهج بحث، وإذا كان ~~منها ما يحتمل أن يبحث تجريبيا، كمسائل المادة والحياة من نامية وشعورية، فإن هذه ~~المسائل أنفسها تقتضينا النظر فيها من وجهة فلسفية. وإن من مسائل الفلسفة ما لا ~~يحتمل المعالجة بالتجربة مطلقا، كمسائل النفس والله والواجب والحق والعدل؛ لأن ~~موضوعها غير محسوس ظاهرا وباطنا فلا يتناوله المنهج التجريبي؛ ولأن العلم الواقعي ~~يقرر ما كان كائنا لا ما يجب أن يكون، وهذه المسائل من الأهمية بالنسبة لحياتنا ~~العقلية والخلقية بحيث يستحيل إغفالها، فإنها إنسانية تنشأ في كل عقل وتهم كل ~~إنسان. إن المذهب الذي يأبى وضعها ومحاولة حلها لهو مذهب أبتر خاطئ، فالعلم ~~الواقعي محصور في دائرة محدودة، والفلسفة تمتد فيها وراء هذه الدوائر وتماسها في ~~جميع نقاطها. # ونجد نفس المقاصد عند هربرت سبنسر؛ فإنه يحصر موضوع المعرفة في جملة العلوم ~~الواقعية، ثم يقول إن هذه العلوم مفتقرة إلى بضعة معان كلية هي في ذاتها فوق متناول ~~العلم، كمعاني المادة والحركة والمكان والزمان والجوهر والقوة والوجدان والشخصية، ~~فالنظر في العالم المدرك يؤدي بنا إلى اللامدرك. فبين المعرفة الكاملة التي تحيط ~~بجميع خصائص الشيء وبين الجهل المطبق الذي يرجع الشيء معه إلى لفظ أجوف، يوجد وسط ~~هو معرفة وجود الشيء دون ماهيته. وعلى ذلك فلا محل لما بعد الطبيعة، والبحث فيه ~~ينتهي إلى متناقضات كثيرة. فالقوة القائمة خارج الفكر والتي تدل عليها بتلك المعاني ~~لا تشبه ما نعرفه في داخل الفكر. وليس يقابل ما بعد الطبيعة في عقلنا سوى استعداد ~~طبيعي لتوحيد المعرفة، وهذا الاستعداد يجد رضاه في الفلسفة الواقعية التي هي عبارة ms079 ~~عن توحيد العلوم توحيدا تاما بواسطة أعم قانون علمي وهو قانون التطور من ~~المتجانس إلى المتنوع. بيد أن هذه اللاأدرية ليست مرادفة للإلحاد؛ فإنها تعترف ~~بالمطلق، وتعتبره أسمى من الإنسان، وهي إذن تدع الباب مفتوحا أمام الدين. وفي ~~الإنسان أصل عميق للعاطفة الدينية، فهي إذن مشروعة، وما إن تعين حدود المعرفة على ~~ما ينبغي حتى يتفق العلم والدين على أن ماهية الوجود مجهولة، وينحصر كل في ~~دائرته. # كل ما قلنا ردا على كونت يقال في الرد على سبنسر؛ فالزعيمان الحسيان يرفضان ما ~~بعد الطبيعة كعلم معلوم، ويقبلانه كموجود مجهول، وحجتهما في الرفض أن العقل يرتطم ~~بالمتناقضات حالما يعالج مسائله. وقد جمعا هذه المتناقضات من كتب سبينوزا وبيل وكنط ~~وهملتون بعض اللاهوتيين، وما هي بمتناقضات في الظاهر (ف ح: 102، 103، 104، 166، ~~ب-ه). ونحن نرى التناقض عندهما؛ إذ يقولان: إن العلم يؤدي إلى المنطق، وإن العلم ~~مظهر المطلق، ثم يقولان: إن المطلق غير معقول، كأنما مجرد الإقرار به لا يعد ~~إدراكا ما، وكأنما مظهر الشيء يمكن أن يكون مغايرا للشيء حتى لا ينم عنه بتاتا. ~~وماذا يعنينا من المطلق إذا لم يكن شخصا، ولم يكن باستطاعتنا أن نرتب علاقة بيننا ~~وبينه؟ وما الدين الذي لا يشتمل ولا يمكن أن يشتمل على عقيدة ما؟ وحجتهما في قبول ~~ما بعد الطبيعة أن مسائله مكملة للعلم الواقعي، أو مستندة على أساس من الشعور عميق، ~~فهي إذن مسائل صحيحة، ويجب أن يكون لها حلول صحيحة، وإلا خامرنا شك متصل أن العلم ~~المجهول لنا في هذه الحياة قد يكون غير معقول في ذاته، فلا يتحقق الغرض المنشود منه ~~وهو أن يكون منبع الدين. فما بهذه الطريقة يبرر ما بعد الطبيعة. # وأقل منها تبريرا له طريقة وليم جيمس زعيم البرجماتية: فقد وجد هو أيضا أن ~~العقل النظري لم يوفق ولن يوفق إلى حسم الخلافات في المسائل الميتافيزيقية ~~والأخلاقية. وحسمها ضروري لنا كحل الضرورة لتوقف سلوكنا على ما نختار من حلول، فصح ~~عنده أن المبدأ المطلق هو العلم لا النظر، وأن ms080 المنهج الصائب هو الذي يلحظ النتائج ~~العملية المنطوية في كل رأي والمتحققة عنه فعلا، فإننا حينئذ نرى المسائل تحل ~~بغاية اليسر. وترجع المسائل إلى اثنتين رئيسيتين هما الروحانية والمادية، ~~والروحانية تتضمن الاعتقاد بالله والخلود والحرية، ومن ثمة بإمكان تحقيق كمالنا في ~~هذه الحياة وفي الحياة الأخرى، فهي منشطة حافزة إلى العمل، بينما المادية المتضمنة ~~الإلحاد والفناء والجبرية مثبطة للهمة صارفة عن العمل. فليست آراؤها قضايا نظرية، ~~قابلة للجدل والبرهان، وإنما هي مخترعات نرمي بها إلى الإفادة من الوجود، مثلها مثل ~~الآلات التي نصنعها لاستخدام القوى الطبيعية، فما بان منها نافعا كان صالحا. وإن ~~العمل الإنساني ليذهب إلى حد تكييف العالم، فقد كانت المادية في الأصل مرنة، ثم ~~تعينت شيئا فشيئا، وخاصة بفعل الإنسان إذ أحدث فيها «أشياء وحالات» تبعا لرغباته ~~ومنافعه. فالإرادة الإنسانية من أهم العوامل، إن لم تكن أهمها، في تكوين العالم. ~~فإذا اخترنا الحلول الروحية وعملنا بها حققنا عالما روحيا وقضينا على ~~المادة. # كلا، ليس يذهب العمل الإنساني إلى هذا الحد. إذا كانت مادة العالم متجانسة في ~~الأصل فكيف بدأ التطور؟ وكيف ظهر الإنسان وغاياته؟ إن المرونة الأولى يلزم عنها ~~حتما جمود العالم على حال واحدة، كما يلزم عن نظرية التطور؛ إن أمكن أن يبدأ، أن ~~الإنسان أحدث الكائنات عهدا، فلم يوجد إلا بعد أن تعين العالم، فمن التناقض أن ~~يجعل منه أهم عامل في التطور. لا سلطان لنا على طبائع الأشياء وخصائصها، وإنما نحن ~~نعرفها كما هي أولا، ثم نكيف الاختراع والعمل على حسابها، فنستخدم مواد معينة على ~~أنحاء معينة لتحقيق غايات معينة. فلا يمكن الادعاء بأن الحق في النظر وليد النجاح ~~في العمل، ويجب القول بأن النجاح مرهون بالحق أي بمطابقة أفكارنا للأشياء، وإلا كان ~~الإخفاق محتوما. وكيف يكون نجاح قضية حسابية كهذه 2 + 2 = 4؟ إن حقية هذه القضية ~~وأمثالها ذاتية لها، ولا معنى للقول بأن حقيتها في نجاحها. # وتقدم النظر على العمل لازم كل اللزوم في الحياة الخلقية والدينية، وذلك من ~~وجهين: الأول تفسير نشأة ms081 مثل هذه الحياة، والثاني: تبرير فاعلية فكرتها. فمن الوجه ~~الأول نسأل: بأي حق يميز البرجماتيون بين ميول عليا وميول سفلى، والميول جميعا ~~سواء في كونها ظواهر شعورية، وهم ينكرون أن يكون للأشياء في أنفسها حقائق وقيم ~~متفاوتة؟ فلم اخترعت الفضيلة وهي تضحية وحرمان؟ وإذا اقترنت الصحة بالعفة أحيانا ~~كثيرة، واقترن المرض بالشره، فكل ما يوحي به هذا الاقتران هو أن الاعتدال وسيلة ~~سلامة البدن، وأن حساب النفع والضر كفيل بتوفير السعادة، فنبقى في مستوى الحياة ~~النامية أو الفسيولوجيا. أما الفضيلة فلا تنبت فكرتها إلا إذا كان للإنسان نفس ~~روحية معدة لحياة روحية، وهذا ما يتعين البرهنة عليه، والبراجماتيون ينفرون من ~~البرهان النظري. # ونقول من الوجه الثاني: إن التحقق من نفع الآلات الصناعية أمر ممكن يسير، وذلك ~~بالمضاهاة بين فعلها وما نتوخاه منها. أما المعتقدات الروحية فلا سبيل إلى التحقق ~~من نفعها إلا في الحياة الأخرى، والحياة الأخرى مقبلة لا حاضرة، فلا سبيل على تطبيق ~~المنهج البراجماتي ههنا، وإلا وقعنا في دور منطقي ظاهر. بل قد لا توجد حياة أخرى، ~~فتكون فكرتها أسوأ اختراع يضيع علينا متاع الدنيا ولا يعوضنا منه شيئا. إن ما بعد ~~الطبيعة موضوع استدلال عقلي، ولا تمكن معالجته إلا بتقديم النظر على العمل. # وبرجسون أيضا ينكر كل قيمة للاستدلال العقلي، ويحاول إثبات ما بعد الطبيعة ~~بالتجربة الصرف. كان في أول أمره على المذهب المادي، ثم تبين له أن هذا المذهب مخطئ ~~كل الخطأ في تفسيره للحياة، سواء النامية منها والوجدانية؛ فإن الحياة تيار متصل من ~~الظواهر المتنوعة، على حين أن المادة حاضرة كلها في كل آن، تتكرر ظواهرها هي هي. ~~ويدل تطور الأحياء خلال العصور على أن الوجود كلمة حياة صاعدة منتشرة من أدنى ~~الأنواع إلى أرقاها، في هذا التطور يصون الأحياء وجودهم ويعملون على ترقيهم ~~باستغلال الطبيعة، كل على قدر استطاعته. هذه الاستطاعة ضئيلة في النبات، ثم تقوى ~~وتتسع في الحيوان بفضل الإدراك الحسي والنقلة في المكان، وأخيرا تبلغ حدا بعيدا ~~من التنوع والسداد بفضل الإدراك ms082 العقلي؛ ذلك بأن استغلال الطبيعة يقتضي تجزئتها ~~للتمكن منها في تطورها الجارف، والحواس والعقل آلات لهذه التجزئة: الحواس تجزئ ~~الأشياء إلى وجهات عدة هي الموضوعات التي تتمثلها، والعقل يجزئ إلى معان ومبادئ ~~ثابتة. فهي جميعا آلات لتيسير الحياة لا لتصوير الوجود، ومن العبث التعويل على ~~العقل فيما عدا العلوم الطبيعية. ولنا إلى ما بعد الطبيعة سبيل أخرى غير الاستدلال ~~العقلي، هي التجربة نفسها كما نشاهد في الصالحين من بني الإنسان، مما يدل على أن ~~القوة المستولية على العالم تستولي بنوع خاص على بعض الأشخاص وتدفعهم إلى خلق أعلى ~~يستمسكون به لذاته، ويستطيبون في سبيله الحرمان والاضطهاد والموت، وتستولي بنوع أخص ~~على المتصوفة الذين يشعرون بالألوهية شعورا، ويذوبون في محبتها لكونها هي محبة، ~~وينشرون المحبة في الإنسانية جمعاء. # هذا التصور للوجود، وهذا النقد للعقل جعل من برجسون فيلسوفا اسميا جاري الحسية ~~إلى الحد الأخير، فتورط في متناقضات شتى. التناقض الأول: اعتقاده أن الوجود تغير ~~محض دون ما شيء معين ثابت من وجه متغير، من وجه: إن التغير تغير شيء بالضرورة. ~~تناقض ثان: هو اتهامه العقل بتجزئة الوجود تجزئة مفتعلة، ودعواه أن الغاية من هذه ~~التجزئة استغلال الوجود: كيف نشأ من التغير المحض عقل مجزئ مجمد الأجزاء؟ وكيف أفلح ~~العقل بجموده على معانيه ومبادئه وسط الحركة الشاملة، فتحكم في الوجود؟ ولم تلك ~~النظريات المعقدة في العلوم، وتلك الآلات المركبة في المصانع؟ أليس كل هذا التعقيد ~~والتركيب مجاراة للأشياء أنفسها؟ وإذن فليس العقل مشوها للوجود، ولو كان متروكا ~~لنفسه فالظن الغالب أنه كان كيفه تكييفا أكثر بساطة وأيسر تناولا. ثم إن النظرية ~~العلمية كلية ضرورية، تتضمن توقع المستقبل، مما يدل على وجود أشياء وطبائع للأشياء ~~وقوانين ثابتة. تناقض ثالث: لو سلمنا أن العقل عملي بالذات، لبقي أن نفهم كيف تحول ~~التعقل النفعي إلى معرفة نزيهة يزيد اغتباطنا بها بقدر بعدها عن العمل والمنفعة، ~~وكيف شق العقل لنفسه طيفا مغايرا لطريق التجربة، فأنشأ علوما مستقلة عن التجربة ~~بمبادئها ومنهاجها، منتهية مع ذلك إلى التجربة. ms083 كما نشاهد في الرياضيات وفي ~~الطبيعيات المعالجة بالرياضة، فنبرهن مثلا على مساواة زوايا المثلث لقائمتين بذلك ~~البرهان النظري المعروف، على حين أن عقلا علميا بالذات لا يوحي بأكثر من قياس ~~الزوايا وجمع الدرجات. وعلى ذلك فلننظر قيمته الخاصة. وقد يستخدم للعمل، ولكنه ~~متمايز منه، بل إنه كلما طلب النظر لذاته كان العمل أكثر تنوعا وسدادا. ولا مناص ~~من طلب النظر لذاته؛ فإن للعقل حاجة لا ينزل عنها: هي الإدراك والتعليل. # وأما إقامة ما بعد الطبيعة على التجربة البحتة، فنقول فيها إجمالا: إن التجربة ~~البحتة ما هي إلا تسجيل الإحساس ظاهرا وباطنا، وإن التفكير، حتى في أدنى صورة ~~ترجمة عن التجربة بمعان مجردة. وإذا لاحظنا أن العقول مختلفة في فهم المعاني ~~المستفادة من التجربة، فنضطر للتحليل والتعريف والدفاع والهجوم، وكل أولئك إنما يتم ~~بمعان مجردة، اقتنعنا بأن التجربة البحتة لا تلفى إلا عند العجماوات. وما كتب ~~برجسون إلا ميتافيزيقا، فقد تحدث فيها، ليس فقط عن ديمومة شخصية ملحوظة بالوجدان، ~~بل أيضا عن ديمومة كلية وصفها بأنها جوهر خالق دائم التغير، وعرض آراء في أصل ~~المادة، وأصل العقل، والعلاقة بين العارف والمعروف في الإحساس والتعقل والحدس، ~~وحلل معاني اللاوجود، والإمكان، والتغير، والزمان، والمكان، والأخلاق، والدين، ~~وبالجملة عرض لجميع مسائل الميتافيزيقا السلفية بأسلوب الميتافيزيقيين، فكان شاهدا ~~آخر بعد شواهد لا تحصى، على صدق قول أرسطو: إن إنكار الفلسفة هو نفسه فلسفة. وهل ~~نعد من التجربة البحتة، أو من الاستدلال العقلي، الانتقال من تطور الأحياء إلى قوة ~~عليا مستولية على العالم ودائمة التغير هي أيضا؟ وهل يمكن أن تكون العلة الأولى ~~متغيرة، والمتغير متغير بغيره بالضرورة وفاقد الأولية؟ وبأي حق نعتمد على تجربة ~~المتصوفة للاعتقاد بوجود الله، ولكل متصوف تجربته الخاصة لا يشاركه فيها غيره ولا ~~يستطيع هو تبليغها تمام التبليغ إلى غيره، فهي تلزمه وحده. بل إن برجسون نفسه اندفع ~~إلى القول بأن الصوفي لا يدري إن كان شعوره شعوا بالله، ولا يعنيه أن يدري، ويكفيه شعوره! # 2 # من هذه الأمثلة ندرك أن ms084 مسائل الفلسفة هي مسائل حقا، وأنها لا تعالج ~~إلا بالعقل، وأن دعاة التجربة البحتة، أو العمل المنتج، لا ينكرون ذلك إلا باللفظ ~~فقط، ويستخدمون عقولهم في عرض ومحاولة حلها. فلنستخدم نحن عقلنا لبيان أصول ما بعد ~~الطبيعة بعد أن أثبتنا ضرورته القصوى ومكانته العليا. # الباب الثالث # | المعاني والمبادئ الأولى # الفصل الأول # | الوجود # (1) التعريف بالوجود # رأينا إذن أن للإنسان قوة دراكة متمايزة من الحواس بمدركات غير محسوسة، وهي ~~المعاني المجردة، وإن تكن المعرفة الحسية هي الأولى زمنا، وهي ضرورية، بحيث نسلم ~~للحسيين بأن ما من شيء يوجد في العقل إلا وقد سبق له وجود الحس، لكن لا بمعنى أنه ~~مدرك من الحس، بل بمعنى أنه متضمن في موضوع الحس، كتضمن معنى الإنسان في صور ~~أفراده، أو بمعنى أنه مستنبط من موضوع الحس، كاستنباط العلة غير المحسوسة من معلول ~~محسوس. # ورأينا أن المعاني تترتب فيما بينها تبعا لدرجة التجريد، فتنتظم منها العلوم ~~الطبيعية فالعلوم الرياضية، وأننا إذ نمضي في التجريد نبلغ إلى أعم المعاني ~~إطلاقا، وهو معنى الوجود مبرأ من أي تخصيص وتعيين. وهذا المعنى إذ نتأمله نجد ~~له لواحق ذاتية تشترك فيها الموجودات بمجرد كونها موجودات، ونجد له مبادئ تعم مبادئ ~~الموجودات والعلوم الباحثة فيها، فيخرج لنا أن ههنا موضوعا كليا هو الوجود بما ~~هو وجود، وأن ههنا علما كليا له الرياسة على سائر العلوم؛ ومنها أقسام الفلسفة، ~~وأنه لذلك يسمى بالفلسفة الأولى، من حيث إن الأعم متقدم في الوجود على الأخص. وإن ~~كل برهان فإنما يستمد أصله من هذا العلم، ففي هذا الباب ننظر في تلك المعاني ~~الأولى، أعني الوجود ولواحقه ومبادئه، فنشرحها وندافع عنها لكي نقيم المعرفة ~~الإنسانية على أساس متين. # قلنا في عنوان هذه الفقرة: «التعريف بالوجود»، ولم نقل: «تعريف الوجود»؛ إذ ليس ~~للوجود حد، وليس له رسم. أما الحد فيلتئم من جنس ومن فصل نوعي، والوجود أبسط ~~المعاني، ومن ثم أعمها، فلا جنس فوقه يعرف به، ولا فصل نوعي يعرض له من حيث إن كل ~~ما يعرض ms085 للوجود فهو وجود. وأما الرسم فيكون بما هو أبين من المرسوم، وما من معنى ~~أوضح وأبين من معنى الوجود حتى يرسم به، وما من شيء يدرك إلا ويدرك موجودا إما في ~~الحقيقة أو في الذهن. فالوجود أول المعاني لبساطته القصوى، وأول ما يقع في الإدراك ~~لعمومه الشامل. وكل ما يمكن صنعه هو شرح اللفظ فقط. # 1 # لفظ الوجود يقال بمعنيين، أحدهما كمصدر، كما هو ظاهر، والآخر كاسم أي «الموجود». ~~فالمصدر أو الوجود يعني على وجه الاستقامة، أي أولا وبالذات: فعل الوجود أو الوجود ~~بالفعل، ويعني على وجه الانحراف، أي ثانيا: ما يعنيه الاسم نفسه أي الموجود. ومعنى ~~الاسم - أي الموجود - هو أولا: الماهية الحاصلة على الوجود، أو التي يلائمها ~~الوجود فيمكن أن توجد، وهو ثانيا: الوجود حاصلا أو ممكنا، سواء كان الموجود ~~ذاتا أم فعلا؛ فإن الفعل وجود، أي إيجاد من جهة الفاعل، ووجود من جهة المفعول. ~~والشأن ههنا كشأن كل لفظ مجرد بالنسبة إلى اللفظ المشخص، وكل لفظ شخص بالنسبة إلى ~~اللفظ المجرد. فإننا إذا قلنا «الإنسانية» عنينا أولا صورة الإنسانية، وثانيا ~~الموضوع الحاصل عليها؛ وإذا قلنا «الإنسان» عنينا أولا الموضوع الموجود إنسانا، ~~وثانيا صورة الإنسانية التي هو بها إنسان. ومعنيا الوجود والموجود مرتبطان أوثق ~~ارتباط، فإن الوجود وجود ماهية ما، والوجود والماهية شيئان متمايزان من حيث إن ~~الماهية قد لا توجد. يضاف على ما تقدم أنه «قد يدل بلفظ الموجود على النسبة التي ~~تربط المحمول بالموضوع في الذهن، وعلى الألفاظ الدالة على هذه النسبة، سواء كان ذلك ~~الارتباط لارتباط إيجاب أو سلب صادقا وكاذبا، بالذات أو بالعرض». # 2 # فإذا قلنا: «زيد عالم» أو زيد «هو» عالم عنينا أن زيدا «موجود» ~~عالما. # وفي الفلسفة الإسلامية ألفاظ أجريت بمعنى الوجود أو الموجود مع دلالتها على معنى ~~آخر أيضا أو أكثر من معنى: فلفظ «الشيء» يقال على كل ما يقال عليه لفظ الموجود. ~~وقد يقال أيضا على ما هو أعم مما يقال عليه الموجود، وهو كل معنى متصور في النفس، ~~سواء ms086 كان خارج النفس كذلك أو لم يكن، كعنزإيل وعنقاء مغرب. وبذلك يصح قولنا: هذا ~~الشيء إما موجود وإما معدوم. وبهذا ينطلق اسم الشيء على القضية الكاذبة، ولا ينطلق ~~عليها اسم «الموجود». # 3 # وعلى ذلك يقال «شيء» لكل طبيعة أو ماهية، وهذه الماهية قد تكون مستقلة ~~بوجودها أي جوهرا، فتكون أحق باسم الموجود، كإنسان، وقد تكون موجودة في موجود أي ~~عرضا، فيكون الأولى تسميتها «شيئا» كالفكر والإرادة في الإنسان. وقد تكون ممتنعة ~~الوجود، كالعنقاء، أو قضية كاذبة، أو النسبة بين محمول وموضوع، أو غير ذلك من ~~التصورات الذهنية البحت، فتسمى «شيئا» لعدم وجودها بل امتناعه واقتصار الأمر على ~~التصور فقط. # ولفظ «الذات يقال بإطلاق على المشار إليه الذي ليس في موضوع (وهو الجوهر)، ويقال ~~أيضا على المشار إليه الذي في موضوع وهو العرض (أي إنه في الحالين يقال على الوجود ~~أو الموجود). وأما ذات الشيء إذا استعملت هكذا مضافة فإنما يعنى بها ماهيته أو جزء ~~ماهيته (فنعود إلى معاني لفظ الشيء)، وقد يقال ما بالذات في مقابل ما بالعرض». # 4 # ولفظ «الإنية في الحقيقة في الموجودات هي معنى ذهني، وهو كون الشيء خارج النفس ~~على ما هو عليه في النفس». # 5 # والإنية أيضا «شيء زائد على الماهية خارج النفس، وكأنه عرض»؛ # 6 # أو هي «عبارة عن الوجود، وهي غير الماهية». # 7 # ولفظ «الهوية يقال بالترادف على المعنى الذي ينطق عليه اسم الموجود، وهي مشتقة من ~~الهو، كما تشتق الإنسانية من الإنسان، وإنما فعل ذلك بعض المترجمين لأنهم رأوا أنها ~~أقل تغليظا من اسم الموجود؛ إذ كان شكله شكل اسم مشتق». # 8 # والهوية أيضا «الأمر المتعقل من حيث امتيازه عن الأغيار». # 9 # نعود إلى معنى الوجود نستكمل التعريف به، فنقول إنه أول المعاني إطلاقا، خلافا ~~لما ذهب إليه بعض الفلاسفة المحدثين # 10 # من أن أبسط المعاني وأولها هو معنى الإضافة أو النسبة. وتتلخص حجتهم في ~~قولهم: إن معنى الوجود يدعو معنى اللاوجود، وكلاهما بحاجة إلى الآخر، فليس هذا ولا ~~ذاك ببسيط. أما ms087 النسبة القائمة بين المعنيين، أي النسبة الخالصة الخالية من كل ~~تعيين وجودي، فهي أبسط منهما، وما من معنى إلا وهو يعرب عن نسبة إلى معنى آخر. وفي ~~معنى النسبة يتحد الاثنان، ومن هنا المراحل الثلاث التي أبان عنها هجل، وهي القضية ~~ونقيضها والمركب منهما. فالنسبة هي التي يجب أن تكون موضوع ما بعد الطبيعة. # هذه الأقوال الرامية إلى تأييد نسبية المعرفة الإنسانية ليس أيسر من الرد عليها، ~~فمن جهة واحدة نقول: إن معنى النسبة لاحق على المعنيين المتقابلين فيه، كمعنى ~~الوجود واللاوجود، أو أي معنيين آخرين، من حيث إن النسبة لا تنشأ إلا بعد تعقلهما، ~~فهي تعتمد عليهما وتتضمنهما، وإذن ليست هي المعنى الأبسط، وإنما هي أعقد منهما. ومن ~~جهة أخرى نسلم أن معنى اللاوجود يدعو معنى الوجود، أي إنه يعقل كوجوب مسلوب. ولكن ~~العكس غير صحيح، فإن معنى الوجود مستقل عن معنى اللاوجود، وهذا المعنى الثاني هو ~~الذي يستند على الأول، وهو لا يحد إلا بنفي الوجود، فنقول: «لا وجود»، بينما الوجود ~~هو ما هو، ولا يحد إلا بنفسه، فهو الذي يجب أن يكون موضوع ما بعد الطبيعة. ~~(2) دلالة اسم الوجود # بيد أن هذا الموضوع يبدو كأنه لا يشبه سائر الموضوعات التي تنطبق على جزئياتها ~~بنفس المعنى، فيوفر كل منها للعلم الدائر عليه الوحدة اللازمة لتقرير قضايا كلية ~~تستوعب الجزئيات في ماصدقها. هكذا ارتأى بعض الفلاسفة وبعض المتصوفة، قالوا: لما ~~كان الله وحده هو الوجود بالذات ومن ثمة هو الموجود بمعنى الكلمة، فما عداه لا وجود ~~له، وإنما هو مظاهر لله وتجليات. فالتغاير بين الله والمخلوقات، وبين المخلوقات ~~بعضها والبعض، يمنع من إطلاق اسم الوجود إلا باشتراك محض، كما يطلق اسم العين على ~~العين الباصرة وعين الماء والدينار والجاسوس والنابه في قومه، بحيث تكون الوحدة في ~~الاسم فقط، ويكون بين المسميات تغاير تام. وهذا التغاير يقصر علم ما بعد الطبيعة ~~على الله وحسب، أو يقضي على هذا المسمى علما بالتشتت والعبث لعدم انطباقه على ~~موضوع واحد، فإن «القضية التي ms088 موضوعها اسم مشترك ليس يلغى لها محمول ذاتي». # 11 # وجوابنا على هذا الرأي أن الوجود بالذات يستتبع فقط أن الوجود يقال على الله ~~أولا، ولا يستتبع لا وجود ما عدا الله، ولا يمنع أن ما عدا الله موجود بالله ~~وجودا حقا. إن الوجود يقال كمحمول ذاتي على كل موجود، سواء أكان بذاته كالله، أو ~~بالله، ولكن في ذاته كالجوهر الحادث، أو في غيره كالعرض في الجور، أو ذهنيا له ~~وجود في الذهن مع عدم تحققه في الخارج أو استحالة تحققه. # وليس يعني قولنا هذا أننا نذهب إلى الطرف المقابل لاشتراك اسم الوجود، فنزعم أنه ~~يطلق بالتواطؤ، أي بالتوافق والانطباق بمعنى واحد، كما ينطبق اسم الجنس على كل نوع ~~من أنواعه، واسم النوع على كل فرد من أفراده. العامة يظنون أن تجريد المعاني واحد ~~في كل حال، بل هكذا ظن بارمنيدس وسبينوزا وسائر الفلاسفة الاسميين. وقد فاتهم أنه ~~لما كان الوجود في كل موجود واقعا على الماهية والأغراض جميعا، وكانت الموجودات ~~متغايرة؛ بعضها بالماهية والأعراض، وبعضها بالأعراض فقط، فليس يمكن تجريد معنى ~~الوجود تجريدا تاما، بل يجب أن يكون المعنى المجرد ههنا مختلطا غير معين؛ ~~لضرورة اشتماله ضمنا على ماهيات وأعراض متغايرة. بينما التجريد التام للجنس ممكن ~~دون ملاحظة الأنواع؛ لتحققه هو هو في جميعها، وطروء الفصول النوعية خارج حده كطروء ~~النطق على الحيوانية في الإنسان، وبينما التجريد التام للنوع ممكن دون ملاحظة ~~الأفراد؛ لتحققه هو هو في جميعها، وطروء الأعراض الشخصية خارج حده كذلك. وكما أن ~~القول باشتراك اسم الوجود يركز الوجود في الله فيفضي إلى وحدة الوجود، كذلك يفضي ~~إليها القول بتواطؤ اسم الوجود أي تجريد الوجود معنى واحدا من كل وجه، وذلك ~~لاستلزام هذا القول اعتبار الفوارق وبين الموجودات مظاهر موجود واحد مقابل للمعنى ~~المتواطئ. ~~«فلم يبق أن يدل اسم الموجود على الموجودات إلا بضرب من ضروب التشكيك» # 12 # الذي هو اتفاق من وجه واختلاف من وجه. والضرب الذي يعنينا في هذا ~~المقام هو الدال على مشاركة حقيقية ms089 من كثيرين مختلفين بالماهية في صفة ما، ولكن ~~لاختلافهم بالماهية تجيء المشاركة في الصفة مختلفة في كل نوع منهم، من حيث إن الصفة ~~يجب أن تكون في الموجود على قدره وتبعا لماهيته، كما لو أطلقنا لفظ العارف على ~~الله وعلى الإنسان والحيوان، فلا شك أن المعرفة هي في كل على حسب ماهيته لا على ~~نحو واحد، # 13 # ويسمى هذا «تناسبا»؛ إذ إنه يعني أن المعرفة في الله هي بالنسبة إلى ~~الذات الإلهية كالمعرفة في الإنسان بالنسبة إلى الماهية الإنسانية. # 14 # والكثيرون المشاركون في صفة مترتبون بحسب درجتهم في الماهية، فتقال ~~الصفة بالذات على أولهم، وبالمشاركة على الآخرين كل تبعا لدرجته. وبناء على هذا ~~يطلق الوجود بمعنى حق على كل موجود، لكن بالتناسب، أي مع ملاحظة أن الوجود هو في كل ~~موجود على حسب هذا الموجود؛ وبالترتيب، أي مع ملاحظة أن الوجود يطلق أولا بالذات ~~على الله واجب الوجود أو الموجود بذاته، ويطلق ثانيا وبالمشاركة على المخلوقات. ~~وهكذا الحال في أسماء كثيرة، كالوحدة والحقية والخيرية والجمال والعقل والإرادة ~~والحرية وما إليها # 15 # فنتفادى وحدة الوجود. # 16 # وهناك ضرب من التشكيك نشير إليه ولو أنه لا يتعلق بالمسألة الراهنة؛ ذلك هو ~~الواقع في «أشياء تنسب إلى شيء واحد نسبة تقديم وتأخير، كقولنا في الأشياء المنسوبة ~~إلى الطب طبية، وإلى الحرب حربية» (ابن رشد: تلخيص ما بعد الطبيعة). فيقال اللفظ ~~المشكك بطريق «النسبة» لا بطريق التناسب؛ إذ إنه يدل على صفة في كثيرين، أحدهم أصيل ~~حاصل عليها بالمطابقة، والآخرون منسوبون إليها لعلاقة ما، كقولنا: هواء صحي، وغذاء ~~صحي، ومنزل صحي، ومنطقة صحية ... وما إلى ذلك مما هو علة أو وسيلة أو أثر للصحة التي ~~هي للحيوان بالمطابقة وداخلة في تعريف سائر الحدود الثانوية. وظاهر أن اسم الوجود ~~لا يقال بالنسبة على هذا الوجه، وإلا عدنا إلى القول باشتراكه، وقد أبطلنا هذا ~~القول. ~~(3) جهات الوجود # بعد هذا البحث في معنى الوجود ننظر في بعض معان متصلة به اتصالا وثيقا ومفيدة ~~في تفهمه. أولها معنى ms090 اللاوجود، وهو إما سلبي أو عدمي. واللاوجود السلبي نفي شيء ~~ليس من شأنه أن يوجد، كسلب العقل عن النبات والحيوان؛ فليس من شأنهما، أي ليس من ~~ماهية هذا أو ذاك أن يكون حاصلا على العقل. واللاوجود العدمي نفي شيء من شأنه أن ~~يوجد، كسلب الإبصار أو السمع عن إنسان ما حين نقول إنه أعمى أو أصم. ومع أن لفظ ~~العدم يجيء مرادفا للفظ اللاوجود السلبي في الفلسفة الإسلامية، إلا أنه مخصص ~~للاوجود العدمي. قال الفارابي: «العدم هو لا وجود ما من شأنه أن يوجد.» # 17 # وقال ابن سينا: «العدم هو أن لا يكون في ذات شيء من شأنه أن يقبله ~~ويكون فيه.» # 18 # واللاوجود بالمعنيين غير معقول في ذاته كما يعقل الوجود في ذاته؛ إذ ~~ليس له ماهية ولا خصائص ولا علاقات يعقل بها، فلا يتصور إلا كنفي وجود أو عدم وجود. ~~فمعنى الوجود متقدم على معنى اللاوجود تقدما ذاتيا وتقدما إدراكيا. # وقد بدا لبعض الفلاسفة أن اللاوجود المطلق؛ كتصور لاوجود العالم قبل وجوده أو بعد ~~زواله، هو معنى زائف متناقض، أو هو مجرد لفظ. قال برجسون: «لا يمكن تصور اللاوجود ~~الكلي دون أن ندرك، ولو إدراكا مختلطا، أننا نتصوره، أي إننا نعمل وأننا نفكر، ~~وأن شيئا ما من ثمة لا يزال باقيا. وإذن فليس يكون الذهن أبدا صورة بمعنى الكلمة ~~للاوجود الكلي»، «وأن ما يوجد وما نتصوره هو حضور شيء أو آخر، لا غيبة شيء ما ... ~~محال أن ننفعل بالسلب». # 19 # وظاهر بعد الذي قلناه أن برجسون يخلط بين تصور اللاوجود وبين صورة ~~اللاوجود. أجل يمتنع تصور اللاوجود الكلي بحيث يشمل هذا التصور اللاوجود الحقيقي ~~للذهن المتصور، ولكن نفي كل وجود هو نفي معنى محصل، وهذا المعنى المحصل هو الذي ~~ننفعل به أولا، ثم نتصور عدم وجوده. وقد نبهنا على أن من الفلاسفة؛ وعلى رأسهم ~~أفلاطون، من اعتقدوا أن لمعانينا جميعا مقابلات في الخارج مشابهة لها، ولكن معنى ~~اللاوجود معنى معدول يكونه الذهن بنفي الوجود، على حد قول ابن ms091 رشد: «العدم وبالجملة ~~السلب إنما يفهم بالإضافة إلى الوجود.» وقوله: «لا يوجد عدم مطلق كما يوجد وجود ~~مطلق، بل عدم مضاف؛ إذ كان العدم عدما لشيء.» # 20 # والمعاني الأخرى التي نقصدها هنا لجلاء معنى الوجود هي تلك التي تذكر في المنطق ~~باسم «الجهات» عند الكلام على القضايا الموجهة، وهي الوجوب والامتناع والإمكان ~~والحدوث؛ ذلك بأننا في كل قضية نعقل النسبة بين المحمول والموضوع ، ونعقل جهة وجود ~~المحمول للموضوع. فالوجوب ضرورة ذاتية أو اقتضاء ذاتي. وقد يكون المقتضى عين ~~الوجود، مثل اقتضاء الذات الإلهية للوجود بمحض حقيقتها، من حيث إن الله موجود بذاته ~~أو واجب الوجود، ومثل اقتضاء العلة إيجاد معلولها بعد أن تم استعدادها لإيجاده ~~وانتفى كل عائق خارجي. وقد يكون المقتضى تمام تكوين الماهية؛ مثل وجوب اجتماع ~~الحيوانية والنطقية للإنسان، أو لزوم خاصة جوهرية من الماهية؛ مثل الضحك والموت ~~للإنسان، ومساواة زوايا المثلث الثلاث لقائمتين. وقد يكون المقتضى لزوم تال معين ~~عن مقدم معين متى كان المقدم بديهيا أو مبرهنا؛ مثل: لكل متحرك محرك، ~~والعالم متحرك فللعالم محرك. في هذه الحالات يرى العقل وجوبا في موضوع ~~تعقله، ويجد لزاما عليه أن يقر بهذا الوجوب، أعني أنه يرى نفسه تابعا للوجود ~~معينا به، خلافا لما يزعم الحسيون والتصوريون الذين لا يعتقدون بثبات الماهيات ~~وثبات العلاقات فيما بينها. وعلى الوجوب وحالاته المختلفة يقاس الامتناع؛ فإن ~~الممتنع بالذات هو ما يقتضي لذاته عدم وجوده، فلا يوجد ولا يمكن أن يوجد لمنافاة ~~جوهرية، مثل المنافاة بين الحيوان الأعجم والكلام، فيمتنع أن يتكلم الحيوان الأعجم. ~~ومثل المنافاة بين أن يكون العالم ناقصا متغيرا ويكون موجودا بذاته، فيمتنع أن ~~يكون العالم موجودا بذاته. # ويفترق الإمكان عن الوجوب والامتناع معا؛ فإن الممكن ما لا يقتضي لذاته وجودا ~~ولا عدما، فمتى «فرض غير موجود أو موجودا لم يعرض منه محال» (ابن سينا، النجاة)، ~~أعني أنه كالممتنع غير موجود، لكن لا بسبب منافاة جوهرية، ومتى وجد وجد كالواجب، ~~لكن لا باقتضاء ذاتي، فيجب أن يعتبر من وجهين: وجه ms092 ذاتي ووجه خارجي، الإمكان الذاتي ~~يؤخذ من اتساق الممكن - هذا الموضوع إذا ما أوجد سمي حادثا. فمعنى الحدوث أن ~~الموضوع الموجود بالفعل وجد بعد لا وجود، فكان من الممكن ألا يوجد، وأنه وجد بلا ~~وجوب، فمن الممكن ألا يوجد بعد وقت. # هذه الجهات الأربعة ترجع إلى اثنتين: يرجع الممتنع إلى الواجب ويعمهما معنى ~~الضرورة؛ «هذا ضروري الوجود، وذاك ضروري العدم»، ويرجع الحادث إلى الممكن ويعمهما ~~معنى الإمكان أو اللاضرورة. # 21 # وهكذا نرى أن للوجود أحكامه، وأن معنى الوجود أول ما يقع في العقل ويظل ~~النبراس الذي يسترشد به العقل. ومن هذا نرى أن ابن سينا، مع تعريفه معنى الوجوب ~~والامتناع بمعنى الضرورة، كان قليل الدقة حيث يقول: «الواجب يدل على دوام الوجود، ~~والممتنع يدل على دوام العدم، والممكن يدل على لا دوام وجود ولا عدم.» هذا القول ~~أقرب إلى المذهب الحسي منه إلى المذهب العقلي الذي كان مذهبه؛ فإن الواجب إنما يدل ~~على دوام الوجود لكون الوجود ذاتيا له، في حين أن دوام وجود الممكن لا يحيله ~~واجبا، وهذا خطأ وقع فيه أرسطو لما أراد أن يستدل بقدم العالم (في عرفه) على ~~ضرورته. وقد كان ابن سينا يعتقد بقدم العالم ويثبت مع ذلك أن العالم ممكن غير ~~ضروري، فيدل على أنه كان يعلم الفرق بين وجوب الوجود ومجرد دوام الوجود. كذلك نقول ~~في تعريفه للممتنع بدوام العدم، فإن مجرد دوام العدم لا يدل على الامتناع، وكم من ~~الممكنات قد لا تكون أوجدت وقد لا توجد أبدا وهي مع ذلك ممكنات؛ إن دوام العدم ~~للممتنع هو لكونه غير قابل للوجود. وأخيرا إن الممكن إنما يدل على لا دوام وجود ~~ولا عدم؛ لأن الوجود لا هو من ماهيته ولا هو مناف لها. فالفرق واضح بين معاني ~~الجهات وبين علاماتها الظاهرة. # الفصل الثاني # | لواحق الوجود # (1) تعدادها # إذا تأملنا معنى الوجود وأمعنا التأمل، رأينا أن كل موجود فهو واحد نوعا من ~~الوحدة، أي إنه غير منقسم في ذاته، ولا في العقل من جهة ما ms093 يعتبر موجودا واحدا. ~~ورأينا أن كل موجود فهو حق نوعا من الحقيقة، أي إنه هو ما هو وليس شيئا آخر، وأنه ~~من ثمة معقول؛ إذ إن الحق نسبة إلى العقل. ورأينا أن كل موجود فهو خير نوعا من ~~الخيرية، أي إنه من الصلاحية بحيث يتعلق به ميل واشتهاء؛ إذ إن الخير نسبة إلى ~~الإرادة. ورأينا أخيرا أن كل موجود فهو جميل نوعا من الجمال ، أي إن من التناسق ~~والبهاء بحيث يروق للعقل وللميل معا. # هذه المعاني الأربعة لازمة من معنى الوجود لزوما مباشرا، تدل على خصائص للموجود ~~بما هو موجود، وليست قاصرة على كلي آخر أخص من الموجود؛ هي وجهات له لا تتمايز منه ~~تمايزا حقيقيا، ولا تزيد عليه شيئا حقيقيا، بل كل ما تزيده عليه اعتبار عقلي ~~فقط. وتقال مثله بالتشكيك أي بطريق التناسب؛ إذ إن كل موجود فهو واحد بحسبه، حق ~~بحسبه، خير بحسبه، جميل بحسبه. فهي تلائم الموجود إطلاقا، وتعلو على الأنواع ~~والأجناس التي ينقسم إليها الوجود فتقال عليها جميعا. # وقد تكونت هذه النظرية بتأملات بارمنيدس والفيثاغوريين وأفلاطون وأرسطو وأفلوطين # 1 # ومن أعقبه من رجال الأفلاطونية الجديدة وثنيين ومسيحيين، وكان لها صدى ~~واضح قوي لدى الفلاسفة الإسلاميين، وسنذكر عبارات لهم تدل على مشاركتهم ~~فيها. ~~(2) الواحد ~~«يقال واحد لما هو غير منقسم من الجهة التي قيل له إنه واحد»، # 2 # فاسم «الواحد إنما يدل على سلب وهو عدم الانقسام». # 3 # وإذن فليس يزيد الواحد على الموجود شيئا ثبوتيا، بل نفي القسمة فقط، ~~وليس النفي زيادة حقيقية. بيد أنه لما كان كل سلب إنما يستند إلى إيجاب، كان للواحد ~~معنى إيجابي هو المقصود أولا، وهو ذات الموجود؛ فإن «الوحدة هي الوجود الخاص الذي ~~به ينحاز كل موجود عما سواه». # 4 # من هذا التعريف يظهر لنا أن كل موجود فهو واحد؛ ذلك بأن الموجود إما بسيط أو ~~مركب: فالبسيط ليس منقسما ولا قابلا للقسمة؛ وإذن فهو واحد، والمركب يصير موجودا ~~واحدا حالما يتقوم بأجزائه. فوجود كل موجود قائم بعدم الانقسام، ms094 وعدم الانقسام ~~راجع إلى وحدته من الجهة التي يعتبر منها واجدا، وكل موجود لكي يحفظ وجوده يجب أن ~~يحفظ وحدته. وهذا معنى قول: إن الوجود والواحد متساوقان، أو إن الواحد مساو ~~للموجود، أي إن: «كل ما يصح عليه قولنا إنه موجود، فيصح أن يقال له واحد، حتى إن ~~الكثرة قد يقال لها كثرة واحدة» # 5 # كما سنرى. ويتلخص هذا بقول ابن رشد: «إن الواحد مرادف لاسم الوجود ~~(ولذات الموجود وماهيته)، وإنما يختلفان في الجهة فقط: وذلك أنه متى أخذت الماهية ~~من جهة ما هي غير منقسمة كانت واحدة، وإذا أخذت من جهة ما هي ماهية فقط، سميت ذاتا وموجودا!» # 6 # وبذلك يتضح أن الوحدة إما جوهرية أو عرضية: الوحدة الجوهرية هي ذات الموجود وعدم ~~انقسامها من جهة ما هي ماهية معينة، وهي تلائم الموجود البسيط أولا وبالذات؛ فإن ~~البسيط غير منقسم ولا قابل للقسمة كما أسلفنا، وتلائم المركب الطبيعي المتقوم ~~بأجزائه الخاصة به بالطبع؛ مثل الإنسان مع تركيبه من قوى وأعضاء مختلفة، فإنه غير ~~منقسم من جهة كونه إنسانا، فهو من هذه الجهة واحد بالذات. والوحدة العرضية هي ~~ارتباط كثرة من الجواهر المتمايزة فيما بينها وعدم انقسامها من جهة ~~هذا الارتباط: فههنا كثرة بالفعل، ووحدة ~~بالتركيب، مثل السفينة أو أي مركب صناعي؛ فهذا المركب ليس له وجود واحد، وإنما ~~الوجود الواحد لكل جزء من أجزائه. # ومن هذا يظهر أيضا «أن الوحدة قابلة للأشد والأضعف»، وأن الواحد من ثمة مقول على ~~ما تحت بالتشكك. فالذي لا ينقسم بوجه أصلا أولى بالواحدية مما ينقسم من بعض ~~الوجوه، والذي ينقسم انقساما عقليا أولى مما ينقسم بالحس، والذي ينقسم بالحس ~~انقساما بالقوة أولى بالواحدية مما ينقسم بالفعل وله وحدة جامعة، وهو أولى ~~بالواحدية مما ينقسم بالفعل وليس له وحدة جامعة، بل وحدته بسبب الانتساب إلى المبدأ ~~(كما في التشكيك بطريق النسبة). # 7 # وإنما تتفاوت الوحدة على هذا النحو لتفاوت الوجود بين الموجودات كما سبق القول، ~~ولتغير الكثرات التي نردها إلى الوحدة: فكثرة الأجزاء واحدة ms095 بالكل المؤلف منها، ~~وكثرة الأعراض واحدة بالجوهر الحالة فيه، وكثرة الأفراد واحدة بالنوع المشترك ~~بينها، وكثرة الأنواع واحدة بالجنس الذي يعمها، وكثرة المعلومات واحدة بالعلة ~~الصادرة عنها. فكل كثرة إذن ترجع إلى وحدة من نوعها، وهذا يستتبع قضيتين هامتين: ~~إحداهما أن «كل كثرة إنما تقدر بواحد من نوعها»، # 8 # فينشأ العدد الذي هو الكثرة المتقدمة بواحدة. والقضية الأخرى أن هناك ~~كثرات لا تقدر لعدم اشتراكها في وحدة ما. # وتتبين القضية الأولى بملاحظة أن أجزاء الكثرة لكي تتقدر بواحد منها يجب أن تكون ~~متجانسة نوعا من التجانس، من حيث إن التقدير يتم بتكرار وحدة بعينها؛ وهذا هو ~~السبب الفلسفي في رد الكسور إلى توحيد المقامات. فالعدد يحدث في العقل بتكرار ~~الوحدة، ولا تتكرر الوحدة تمام التكرار إلا في أجزاء الجسم المتصل المتجانس الماهية ~~والمنقسم إلى وحدات من نفس الماهية، كما إذا اتخذنا من المتر وحدة مقياسية وطبقناه ~~على قطعة من الخشب أو من القماش فوجدنا أن هذه القطعة تساوي سبعة أمتار طولا ~~وثلاثة عرضا. فالمتجانس أو «المتصل ليس ينقسم إلى أجزاء محدودة العدد بالطبع»، # 9 # وليست وحدته المقياسية واحدة بالطبع، ولكنه قابل لأي قسمة بأي وحدة. ~~أما غير المتجانس، كالحيوان مثلا، فإنه ينقسم إلى أجزاء محدودة العدد بالطبع هي ~~وظائفه وأعضاؤه، ولما كانت هذه الأجزاء متباينة الماهية فإنها لا تقدر ولا تؤلف ~~عددا إلا إذا أدرجت تحت أقسام أعم، كما أن ثلاث تفاحات وخمس برتقالات لا تجمع إلا ~~إذا أدرجت تحت معنى شامل لها كمعنى الثمرة أو الفاكهة. على أن غير المتجانس متحقق ~~في مادة متصلة، فمن الممكن غض النظر عن ماهيته واعتبار مادته فقط، وحينئذ يعود حكمه ~~حكم المتصل ويمكن قسمته مثله، فيقطع النبات والحيوان اتفاقا بدل أن يشرح تشريحا ~~علميا. # وتتبين القضية الثانية بالنظر في الكثرة المتباينة الآحاد العادمة وحدة شاملة ~~لها؛ فإن مثل هذه الكثرة لا تقدر ولا تجمع في عدد: وهذا شأن الأشياء المجموعة ~~بالتشكيك. فلا يقال مثلا: إن الله والإنسان اثنان، أو إن الفرس والفارس اثنان؛ ms096 إذ ~~ليس الوجود متواطئا متساويا حتى يصلح أساسا لوحدة تامة تتكرر بعينها. فالجمع ~~ههنا لا يعني إلا أنه يوجد مرتين موجود غير منقسم في ذاته منقسم من غيره، دون ~~التعبير بحال عن مساواة يرجعان إليها. وإذا عددنا آحاد مثل هذه الكثرة المتباينة ~~نتج لنا عدد زائف من حيث إن واحدا من آحادها لا يمكن أن يعتبر وحدة تقديرية ~~ومقياسا مشتركا. # والواحد الذي هو مبدأ العدد، أي الذي يتألف العدد بتكراره، ولا يطلق بدقيق ~~الإطلاق إلا على الماديات المتجانسات، فهو يزيد شيئا ثبوتيا على جوهر الموجود ~~الذي يطلق عليه، كما يزيد الأبيض على الإنسان؛ فإن وصف الشيء بأنه واحد من كثرة، أو ~~دخول الشيء في عدد، لهو أمر عارض له من جانب العقل الذي يعد. ويلوح أن ابن سينا قد ~~خلط بينهما، فاعتقد أن الواحد المساوق للموجود يزيد شيئا ثبوتيا على جوهر ~~الموجود كالواحد الذي هو مبدأ العدد. ومن أقواله بهذا المعنى أن الواحد «شرط زائد ~~على الذات» وأن «طبيعة الواحد (هي) من الأعراض اللازمة للأشياء. وليس الواحد مقوما ~~لماهية شيء من الأشياء، بل تكون الماهية شيئا، إما إنسانا وإما فرسا أو عقلا ~~(مفارقا) أو نفسا، ثم يكون ذلك موصوفا بأنه واحد وموجود»، وأن «الواحدية ليست ~~ذات شيء ولا مقومة لذاته، بل صفة لازمة لذاته»، وأن «الواحدية من اللزوم». # 10 # وقد غلطه ابن رشد في ذلك؛ قال: «ظن ابن سينا أن الواحد بالعدد (أي ~~المساوق للموجود) إنما يدل على عرض في الجوهر، وأنه ليس يمكن أن يدل على جوهر شيء»، # 11 # على حين أن «جوهر كل واحد من الأشياء هو واحد بالذات لا لأمر زائد عليه»، # 12 # وأن «الواحدة ليست تفهم في الموجود معنى زائدا على ذاته خارج النفس في ~~الوجود، مثل ما يفهم من قولنا موجود أبيض، وإنما يفهم منه حالة عدمية وهي عدم الانقسام». # 13 # وسنرى الفائدة العملية لهذه التعريفات والتدقيقات عند الكلام على ~~وحدانية الله ومساوقة الخلق للخالق في الوجود في كتاب آخر بإذن الله. ~~(3) الحق # الصفة الثانية ms097 من صفات الموجود هي الحق. «والحق هنا اسم فاعل في صيغة المصدر، ~~كالعدل (في قولنا إنسان عدل)، والمراد به ذو الحقيقة. وهو بمعنى المصدر يدل ~~بالاشتراك على معان» # 14 # ترجع إلى اثنين، أحدهما ما به الموجود هو هو. فكل موجود حق بحسب حصوله ~~على ماهيته، كما نقول: «هذا ذهب حق»، حين يكون الشيء حاصلا على خصائص الذهب، ~~والمعنى الآخر هو المطابقة بين المعرفة والشيء المعروف. قال الفارابي: «حقيقة الشيء ~~هو الوجود الذي يخصه، وأيضا فإن الحق قد يقال على المعقول الذي صادف به العقل ~~الموجود حتى يطابقه. وذلك الموجود من جهة ما هو معقول يقال له إنه حق، ومن جهة ذاته ~~من غير أن يضاف إلى ما يعقله يقال إنه موجود.» # 15 # وقال ابن سينا: «حقيقة كل شيء خصوصية وجوده الذي يثبت له. وقد يقال ~~أيضا حق لما يكون الاعتقاد بوجوده صادقا.» # 16 # وقياسا على هذا التعريف للحق في الموجود وفي المعرفة يعرف الباطل بأنه ما من ~~شأنه أن يظهر على غير حاله بسبب مشابهته لشيء آخر في الأعراض الخارجية، فيؤخذ على ~~أنه ذلك الشيء الآخر، # 17 # كما يؤخذ القصدير على أنه فضة أو تؤخذ المرارة على أنها عسل، ولكن ~~القصدير في ذاته قصدير حق، والمرارة في ذاتها مرارة حقة: فالموجود يقال له باطل أو ~~كاذب لا من حيث ما هو هو، بل من حيث ما ليس هو وما يظن أنه هو. وعلى ذلك فليس في ~~الوجود باطل، بل الباطل في معرفتنا فقط، أما الحق فهو في الوجود وفي المعرفة كما ~~تقدم. # فمن جهة الوجود ليس وصفه بالحقيقة فضولا، فقد وجد فلاسفة أنكروا هذه الحقيقة ~~التي تعني أن لكل موجود ماهية متسقة ثابتة، واستبدلوا الصيرورة المستمرة التي تعني ~~أن كل موجود فهو متلقى أضداد تصطرع فيه، وتتوافق، وتعود إلى الاصطراع، دون أن يقر ~~لها قرار، حتى قال هرقليطس: «إن كل موجود فهو موجود وغير موجود.» فيمتنع وصفه بصفات ~~ثابتة، ونضطر إلى تعليق الحكم عليه والعدول عن العلم. وبمثل هذا قال ms098 هجل، وقال ~~برجسون، وقديما كشف أرسطو عن غلط هذا المذهب، فنبه على أن الأضداد لا توجد في ~~الموجود معا أي كلها بالفعل، فلا يتفق لموجود ما أن يكون أبيض وأسود في آن واحد ~~ومن جهة واحدة، وإنما يوجد ضد بالفعل وضد بالقوة، فيكون الموجود حاصلا على الأول، ~~وقابلا للثاني، كما نبه على أن الأشياء لا تتغير من كل وجه، بل تتغير العوارض ~~ويبقى الجوهر، وإنما يتناول العلم الجوهر لا العوارض. ثم إن القول بالوجود ~~واللاوجود في آن واحد يلزم عنه في الحقيقة أن الأشياء ساكنة لا أنها متحركة؛ إذ لا ~~يبقى هناك شيء تتحول إليه ما دامت جميع المحمولات حاصلة لجميع الموضوعات. # 18 # ومن جهة المعرفة يحد الحق إجمالا بأنه المطابقة بين المعرفة والأشياء على أن هذه ~~المطابقة تختلف، فقد تكون مطابقة المعرفة للأشياء متى كانت الأشياء أصولا وأشبهتها ~~المعرفة، وقد تكون مطابقة الأشياء للمعرفة متى كانت المعرفة أصلا وأشبهتها الأشياء ~~المكونة عنها، سواء في ذلك الأشياء الطبيعية والمصنوعات الإنسانية، فإن المصنوعات ~~توصف بالحقيقة حين تجيء شبيهة بتصور العقل وصنع الفن. لكن النسبة بين عقلنا ~~والأشياء الطبيعية نسبة عرضية، على حين أن النسبة بين عقل الصانع الإنساني ~~ومصنوعاته نسبة جوهرية أو بالذات من حيث إن وجود هذه المصنوعات متعلق بالعقل. فإذا ~~قلنا إن الموجودات الطبيعية حقة من جراء حصولها على ماهياتها أو مطابقتها لمعانينا، ~~لم يعتبر هذا القول تفسيرا نهائيا لحقيقتها؛ إذ إن الأشياء لم تصنع أنفسها ~~وتتلبس بماهياتها، وليس الإنسان مقياسها، وإنما هو قابل لصورها وحسب، فلا بد أن ~~نرجعها إلى عقل أعلى هو قانونها وخالقها كما أن العقل الإنساني قانون مصنوعاته ~~وموجدها. ومن هذه الوجهة العليا نقول إن الحق موجود حقيقة في العقل فقط: موجود ~~أولا في العقل الإلهي مصدر الحق، وثانيا في العقل الإنساني صورته، وبينهما ~~الأشياء صورة علم الله ومصدر علم الإنسان، فتلحقها الحقية من الناحيتين: من ناحية ~~العلم الإلهي؛ وهذه نسبة ذاتية، ومن ناحية العلم الإنساني المكون عنها بالتجربة ~~والاستدلال؛ وهذه نسبة عرضية إن وجدت ms099 لم تزد عليها شيئا، وإن عدمت لم تنقص منها ~~شيئا. وبذا يتضح قولنا: إن كل موجود فهو حق، أو إن الحق مساوق للوجود، فإن كل ~~موجود فهو مطابق للعقل الإلهي، وكل موجود له ماهيته، وكل موجود فهو كفء لأن يولد ~~الحق في كل عقل حالما يعلم. ~~(4) الخير # الصفة الثالثة هي الخير. وقد تناقل الفلاسفة تعريفا للخير أورده أرسطو في مفتتح ~~كتاب «الأخلاق النيقوماخية»، ناسبا إياه إلى بعض القدماء دون تخصيص، قال: «الخير ~~هو المقصود من الكل». وهذه ترجمة حرية نقرؤها في «تهذيب الأخلاق» لابن مسكويه (طبعة ~~القاهرة ص90)، بينما نقرأ في «النجاة» لابن سينا: «الخير بالجملة هو ما يتشوقه كل ~~شيء ويتم به وجوده» (ص229). وليس هذا تعريفا بمعنى الكلمة، أي حدا علميا، ~~وإنما هو رسم يدل على الخير بقصد القاصد إليه، لا بخاصية جوهريته فيه. أجل ليس بعد ~~المعاني والمبادئ الأولى معان ومبادئ أبين منها تفيد في بيانها، فلا يبقى إلا أن ~~تبين بآثارها كما تبين العلة الخفية بمعلولاتها، والخير من المعاني الأولى، وأثره ~~تحريك النزوع، فيرسم بهذا التحريك. ولا معنى لدعوى منكري الماهيات من حسيين ~~وتصوريين أن ليس للأشياء خيرية بالذات مقصودة بالذات، وإنما نحن نسمي الشيء المقصود ~~خيرا لكونه مقصودا منا، أي إن النزوع الإنساني إلى شيء ما هو الذي يضفي عليه ~~الخيرية: لا معنى لهذه الدعوى من حيث إن المقصود لا يقصد إن لم تكن له خيرية، أو أن ~~القاصد لا يقصد إلا ما ترى فيه خيرا حقيقيا أو مظنونا. # وهذا الرسم يفضي بنا إلى حد إذا لاحظنا أن القاصد إنما يقصد إلى شيء بسبب كمال في ~~هذا الشيء مفقود عند القاصد ومطلوب منه «ليتم به وجوده» كما ~~يقول ابن سينا. فالخير كمال في الوجود، أو هو ~~الموجود باعتباره أساسا لنسبة ملائمة بينه وبين النزوع، وهذه النسبة ذهنية صرف لأن ~~ميل القاصد لا يغير من المقصود شيئا، بينما الكمال خاصية للموجود، فبالكمال يحد ~~الخير. وهنا يجب الاحتراز من بعض المزالق، فقد يقال: إن من الناس من ms100 يقصدون إلى ~~الشر، فلا يعرف الخير بالمقصودية. والجواب أنهم يقصدون إلى الشر لا باعتباره شرا، ~~بل باعتباره خيرا. فإراداتهم قاصدة بالذات إلى الخير، لكن قد يكون كذلك في الظن ~~فقط لا في حقيقة الشيء، فتقع الإرادة على الشر عرضا. # وقد يظن أن تعريف الخير بالمقصودية لا يتفق مع قولنا «الكل» أو «كل شيء»؛ لأن ~~القصد لا يحدث إلا بعد إدراك، فهذا التعريف يقصر الخير على الموجودات المدركة. ~~والجواب أن هذا التعريف يشمل أيضا الموجودات عادمة الإدراك؛ فإن لها هي أيضا نسبة ~~إلى أفعال معينة نراها تفعلها، وإلى أشياء معينة نراها تتوجه إليها، وفي الحالين ~~النتيجة خير لها أي كمال يتم به وجودها، وتحقيق للنظم العام، وإذا كانت لا تدركه ~~ولا تتوجه إليه بالإرادة، هذا دليل على أنها موجهة من مدرك أعلى ركب فيها هذا ~~النزوع الطبيعي، لا على أنها خارجة عن الخيرية الكلية؛ فالقصد وما يفترضه من إدراك ~~متوافران ههنا على هذا الوجه. # وقد يظن أن إطلاق التعريف على «الكل» من شأنه أن يحصر الخير في الله وحده وينفيه ~~عن سائر الموجودات؛ لأن الله وحده غاية الكل، ويلوح أن ابن مسكويه إنما ردد هذا ~~المعنى حيث قال: «الخير الذي يقصده الكل هو طبيعة تقصد ولها ذات، وهو الخير العام ~~للناس من حيث هم ناس، فهم أجمعهم مشتركون فيها.» والجواب أن هذا التأويل سائغ من ~~جهة أن الله هو الخير بالذات وعلة الخير في الموجودات، وأن النزوع إلى أي خير جزئي ~~هو من ثمة نزوع إلى الخير الأعظم، بحيث يكون هناك خير واحد ينزع إليه الكل. بيد أن ~~هذا التأويل لا يستلزم سلب الخيرية عن المخلوقات، وليس موضوع التعريف خيرا معينا، ~~بل هو الخير إجمالا أو بالجملة كما يقول ابن سينا. # ومما تقدم يتضح أن الخير والوجود متساوقان، أعني أن كل خير موجود وكل موجود خير، ~~وتزداد هذه القضية اتضاحا بملاحظة الأدلة الآتية. الدليل الأول: أن كل موجود فهو ~~كامل نوعا من الكمال؛ لأنه منظم في نفسه حاصل على ماهية متسقة ms101 العناصر قابلة ~~للوجود، لذا هو يجب أول ما يجب وجوده الخاص، فيعمل على نمائه ويحميه من كل عدوان، ~~فكل موجود بمجرد كونه موجودا هو موضوع محبة من ذاته لذاته، أي إنه خير. الدليل ~~الثاني: أن كل موجود فله إلى آخرين نسبة مطردة طبيعية بها يلتئم النظام العام، وهذه ~~النسبة غاية له وغاية للآخرين، والغاية خير، كما أن تحقيق النظام خير. الدليل ~~الثالث: أن كل موجود فهو فاعل، وهو إنما يفعل ويحقق النسبة التي يقوم عليها خيره ~~والنظام، لا اتفاقا ولا قسرا من خارج، بل بميل طبيعي باطن فيبين عن قوى فاعلية ~~يؤثر بها في غيره إلى جانب قوى انفعالية تتأثر من الغير، وهذه القوى بما يلحقها من ~~انفعالات أو يصدر عنها من أفعال هي خير من حيث إنها وسائل لتحقيق خيره وخير ~~الموجودات المتصلة به. فجملة القول: أن الخير والموجود متحدان ذاتا، غير أن الخير ~~يزيد على معنى الموجود نسبة ملائمة بين الخير والنزوع؛ تلك الملائمة التي أساسها ~~كمال الموجود. لذا يجيء ترتيب الخير بعد الحق الذي لا يزيد على الموجود ~~شيئا. # وينقسم الخير إلى مأثور لأجل ذاته، ومأثور لأجل غيره، ولذيذ: فالمأثور لأجل ذاته ~~قد يكون غاية قصوى أو يتخذ واسطة ووسيلة إلى غاية أبعد منه، وهو مأثور لأجل ذاته ~~على كل حال؛ لأنه يختم حركة النزوع. والمأثور لأجل غيره هو الذي يختم حركة النزوع ~~نسبيا، أي باعتباره نافعا ومفيدا في سبيل خير آخر. واللذة هي الرضا والاطمئنان ~~عند الحصول على خير مقصود، أو هي الشعور بالموافقة والملائمة بين قوانا وموضوعاتها. ~~ولما كان الخير مساوقا للموجود، فإنه يطلق على أقسامه كما يطلق الموجود على ~~أقسامه، أي بطريق التناسب والتقديم والتأخير، لا بطريق التواطؤ الذي يصدق بالسواء. ~~فالخير يصدق أولا على المأثور لأجل ذاته لأن له في ذاته ما لأجله يؤثر، ويصدق ~~ثانيا على اللذيذ لأن ليس له من سبب القصد إلا اللذة، وقد يكون ضارا وغير جدير ~~بالإيثار، ويصدق ثالثا على النافع أو المفيد لأن ليس له في ذاته ms102 ما لأجله يؤثر، بل ~~إنما يؤثر كوسيلة إلى خير آخر، كتعاطي الدواء الكريه لأجل الصحة. # هذه القسمة هي باعتبار مفهوم الخير، أما باعتبار اتحاده ذاتا مع الموجود فإنه ~~ينقسم إلى المقولات العشر التي تستوعب كل الموجودات، وينقسم أيضا إلى خير طبيعي ~~وخير خلقي، وأيضا إلى خيرات النفس وهي العلوم والفضائل، وخيرات البدن من صحة ~~وجمال، وخيرات خارجية وهي الأهل والمال والجاه، وإلى غير ذلك تبعا للوجهة ~~الملحوظة. ~~(5) الشر # والخير يتميز بضده الذي هو الشر. والكلام هنا على الشر الطبيعي لا الشر الخلقي، ~~كما كان الكلام على الخير الطبيعي المساوق للموجود. فنقول: إن طبيعة الشر تظهر ~~أولا بعض الظهور باستعراض أنواعه، وهي تقابل أنواع الخير. فمن الشرور ما ليس يؤثر ~~باعتباره شرا، وقد يؤثر لوجه خير فيه: كالضار المقابل للنافع أو المفيد؛ فإنه ليس ~~يطلب من جهة كونه ضارا. وقد يطلب كوسيلة إلى غاية ارتضيناها: مثل السم أو الحريق ~~أو الغرق عند الذي عقد العزم على الانتحار، وكالمؤلم المقابل للذيذ؛ فإنه هو أيضا ~~ليس يطلب من جهة كونه مؤلما. وقد يطلب في سبيل الوطن أو الدين أو غاية أخرى. ففي ~~هذه الأقسام الثلاثة يظهر الشر كأنه غير مؤثر لذاته، أي من جهة كونه شرا. وهذا ~~اسم سالب يؤذن بأن الشر نقص وحرمان كمال ما مثل الجهل والضعف وتشويه الخلقة، وأنه ~~لذلك يثير في النفس عزوفا وإباء، على حين أن الخير وجود وكمال يثير في النفس ~~الرغبة لملاءمته وموافقته للنزوع الطبيعي. # وهذا الرسم السالب يؤذن باستحالة التأدي إلى حد موجب كما تأدينا في تعريف الخير؛ ~~فإن «الشر لا ذات له»، ولكننا نخلع عليه شبه ذات بنسبته إلى الذات التي تنتقص به أو ~~تفسد: كتصورنا العمى عدم الرؤية، وتصورنا الصمم عدم السمع ... وعلى هذا النسق نتصور ~~كل شيء على أنه عدم خير. ولا عبرة بهيئة الألفاظ المستعملة في اللغات؛ إذ إن كثيرا ~~من هذه الألفاظ ما له هيئة محصلة، ومعناه معدول: كالألفاظ المذكورة الآن. «فالشر ~~بالذات هو العدم، ولا كل عدم، بل عدم ms103 مقتضى طباع الشيء من الكمالات الثابتة لنوعه ~~وطبيعته»، أو «يقال شر لنقصان كل شيء عن كمالهن وفقدانه ما من شأنه أن يكون ~~له». # وبناء على هذا التعريف يجب استبعاد ما أسماه ليبنتز بالشر الميتافيزيقي وأراد به ~~فقدان كل مخلوق كمالات كثيرة بسبب تناهي طبيعته، مثل ألا يكون للإنسان جناحان، وغير ~~ذلك مما يسهل تأليفه من الأمثلة. ولكن إذا سلمنا بهذا النوع من الشر لزم أن يحصل كل ~~مخلوق على كل الكمالات فيجمع العالم في واحد، وإلا كان العالم مجموعة شرور ~~ميتافيزيقية. والحقيقة أن هذا ليس فقدان ما من شأنه أن يوجد، وإنما هو محض نفي؛ فإن ~~لكل موجود ماهيته وطبيعته، فشره فقدانه شيئا مستحقا ومقتضى لماهيته وطبيعته. ~~وإذا لم يكن للشر ذات وقوام فإن له دائما موضوعا يحل فيه؛ إن جاز هذا التعبير، أو ~~يبتلى به، وهذا الموضوع هو موجود، وهو خير بما فيه من وجود ولو أنه منقوص بالشر، ~~بحيث نستطيع أن نقول بدقيق القول إن الشرء لا يجيء إلا في الخير. # هذه القضايا الجلية تدعونا إلى أن نطهر عقلنا من تصورات المخيلة، ووساوس الحواس ~~والمنفعة الذاتية؛ فإن المخيلة تضللنا في مثل هذه المسائل تضليلا شديدا، فهي ~~توهمنا أن ما يعبر عنه بلفظ شكله محصل هو محصل كذلك من حيث المعنى، وقد يكون معناه ~~معدولا. والمنفعة الذاتية توهمنا أن ما لا يوافقنا هو شر بذاته، كحكم القاضي ~~العادل، فإنه خير في ذاته، ويعتبره المحكوم عليه شرا، أو كالسم في الأفعى والعقرب ~~نظنه شرا بالذات، ولو كان كذلك لقتلها أولا. فقد كان أنبادوقليس واهما حين وضع ~~الكراهية مبدأ للشر في العالم إلى جانب المحبة مبدأ الخير، وكان المانوية واهمين ~~مثل وهمه في اعتقادهم بإله شرير بالذات صانع للشر إلى جانب إله الخير، وواهمون ~~أيضا أولئك الذين يؤولون انتحار المنتحرين كأنه طلب للاوجود، ويرون فيه الدلالة ~~على أن اللاوجود خير وغاية تطلب، خلافا لما قلناه من أن الوجود هو وحده غاية ~~مطلوبة. والتأويل الصحيح أن المنتحر يرى في الشر النازل به ms104 فقدان خير لا يطيق هو ~~فقدانه، فبالعرض وبسبب الخير المفقود كان اللاوجود مطلوبا. وواهمون أولئك الذين ~~يريدون أن يثبتوا الوجود للشر بثبوت الألم الناشئ عنه؛ أجل إن الألم ثبوتي في الشخص ~~الذي يتألم، ولكنه يدع الشر كما هو نقصا وعدما، الألم هو الشعور بالنقص والعدم، ~~فلا يمكن الخلط بينهما، ولا الاعتقاد بثبوت هذا الشر الذي هو الألم إلا من الوجهة ~~النفسية. وعلى ذلك فلا معنى لاقتضاء علة للشر تكون علته بذاتها وطبقا لطبيعتها؛ ~~فإن العدم غير مفتقر إلى علته، وكل ما هنالك أن الشر أصلا أو ظرفا هو فعل علة ~~وجودية، ومن ثمة خيرة، قاصدة إلى خير، ويحدث الشر عنها عرضا واتفاقا. والنتيجة ~~الأخيرة أن «الوجود خيرية، وكان الوجود خيرية الوجود». # 19 ~~(6) الجمال # الصفة الرابعة هي الجمال، وأول ما ندرك الجمال، وأكثر ما ندركه يقع في المحسوسات؛ ~~فإنها أيسر معلوماتنا اكتسابا، تملأ الأبصار والأسماع. وإنما يتحقق فيها الجمال ~~بثلاثة عناصر أو شروط، وهي: التمام والتناسب والبهاء؛ تمام الأجزاء ضروري لقوام ~~الشيء، والشيء الناقص قبيح لمجرد نقصه، وكل جزء تام من أجزائه قد يكون جميلا وغاية ~~في الجمال في بابه، مثل يد تمثال مهشم. وليس يكفي التمام المادي في شيء أو في جزء ~~منه، بل يتعين أن ينضاف إليه التمام المعنوي، وهو التناسب والتطابق بين الأجزاء؛ ~~فإن المختلط والمهوش غير معقول وغير مستساغ من الحس، على حين أن التناسب جلي متميز، ~~وإن الحس والعقل يغتبطان بالمتناسب ويسكنان إليها. ويختلف التناسب بحسب الأشياء ~~والغايات طبعا، ولكنه واجب، وواجب بحيث تشرق منه صورة معقولة في أجزاء المادة، ~~سواء الصورة الطبيعية والصورة الفنية، وسواء كانت فكرة أو عاطفة، دون إعنات العقل ~~واضطراره للتفكير والتجريد. ومتى جاء الإشراف في أشكال محكمة، أو في ألوان متسقة ~~لامعة، أو في أصوات منسجمة قوية أو عذبة، كان البهاء الذي يجذب الحس والعقل ويخرجه ~~عن طوره. # فنستطيع أن نجمل هذه العناصر الثلاثة بقولنا: «الجمال إشراق صورة في أجزاء مادية ~~متناسبة»، أو بعبارة أخصر: «الجمال بهاء التناسب»، وما علينا إلا ms105 أن نذكر موقفنا من ~~الشيء المحروم جزءا أو أكثر، أو عديم تناسب الأجزاء، أو عديم البهاء؛ فإننا نصدف ~~عنه ونصفه بالقبح، فصفات الجمال مضادة لهذه، مثيرة لشعور مضاد. وإلى هذا يرجع تعريف ~~ابن سينا حيث يقول في (النجاة): «جمال كل شيء وبهاؤه هو أن يكون على ما يجب له.» ~~وما يجب لأي شيء أجزاؤه وتناسبها فيما بينها كشرطين لوجوده، وبهاء الأجزاء في ~~تناسبها كشرط لجماله. # وإذا كان المحسوس أول ما يتفق لنا أن نرى فيه الجمال؛ فإنه هو يخرج بنا من دائرته ~~الضيقة ويسلمنا إلى المعقول المترامي الآفاق. ذلك بأن النسبة ليست شيئا محسوسا، ~~ولكنها ربط معنوي بين شيئين أو أكثر، فلا تدركها حاسة من الحواس، وإنما العقل هو ~~الذي يدركها، فالجمال المحسوس مدرك من مدركات العقل، وقد يظن أن البصر والسمع ~~يدركانه. ونحن نقول بالفعل: «مناظر جميلة، وأصوات جميلة»، ولا نقول: «طعوم جميلة أو ~~روائح جميلة»، بيد أن هذا محض ظن: فإن البصر ينفعل انفعالا فيزيقيا بزهو ~~الألوان، كما ينفعل الأطفال والحيوانات باللون الأحمر وما إليه من ألوان شديدة ~~التأثير. والانفعال الفيزيقي بوقع الأصوات أشد ظهورا؛ فإن تأثيرها يدفع بنا ~~وبالحيوان دفعا تلقائيا إلى الحماسة أو الطرب أو الحزن، ثم ينبت في العقل معنى ~~الجمال بالرجوع على الألوان والأشكال والأصوات وتأمل ما بينها من نسب. فالبصر ~~والسمع يخدمان العقل بأن يقدما إليه المادة، والعقل هو الذي ينفذ إلى ما وراء ~~المادة من نسبة ومعنى، كما أن العقل هو الذي يدبر المخيلة المبدعة في الفن، فيبتكر ~~المعنى المراد التعبير عنه بالمصنوع الفني، ثم يستدعي من بين الصور المختزنة في ~~المخيلة تلك التي تفيد في التعبير دون سائرها، ولولا هذا التدبير لذهبت المخيلة كل ~~مذهب على ما تفعل في أضغاث الأحلام وهذيان الحمى، فجمال المحسوس جمال ~~معقول. # وللمعقولات أنفسها جمالها يفوق الجمال المحسوس: فإننا إذا ارتقينا من المحسوسات ~~بما هي كذلك بلغنا إلى الرياضيات التي تسقط من اعتبارها الألوان والنسب الواقعة بين ~~الأشياء، وتقبل على نسب مطلة بين عناصر معقولة صرف ms106 فنلقى في تأملها وفي ابتكار ~~تأليفاتها متعة روحية غير متعلقة بمادة أصلا. وإذا ارتقينا من الرياضيات بلغنا إلى ~~الحكمة التي هي علم الوجود بمبادئه العليا، أي قوانينه الكبرى، وبخاصة المبدأ ~~الأعظم، والعلة الأولى والقانون الأوحد. فحينئذ يجد العقل من سمو تعقله طرازا من ~~الجمال الخالص الصافي يفعمه بهاء ونشوة، فيغتبط بالمعقول والتعقل معا، ويدرك أن ~~الترتيب الطبيعي في تعريف الجمال هو البدء بمطلق الجمال، ثم النزول إلى جمال النسب ~~المعقولة، وأخيرا إلى جمال النسب المحسوسة. فيعرف مطلق الجمال تعريفا مطلقا ~~خلوا من ذكر التمام والتناسب كالذي أوردناه عن ابن سينا، ثم يخصصه في الدرجتين ~~التاليتين بما يلاءم كلا منهما، فيذكر التمام والتناسب تارة على أنهما تمام عناصر ~~معقولة وتناسب بينها، وطورا على أنهما تمام عناصر محسوسة وتناسب بينها. # ولما كان الجمال إدراكا والتذاذا معا، كان مشاركا في معنى الحق والخير معا، ~~ولذا يجيء بعدهما في تسلسل لواحق الوجود ابتداء من الوجود عينه. فالجمال إدراك حق ~~ما، لكنه يزيد على الحق أنه معجب لاذ، وقد يصير الحق كذلك فيعتبر جميلا. والجمال ~~يصير نزوعا كالخير، ولكنه نزوع العقل الذي يدركه، أو البصر أو السمع اللذين ~~يتأثران به؛ فإن هذه القوة طالبة له، لكنها لا تطلب امتلاكه في ذاته ووجوده كما ~~يطلب الخير، بل يتجه نزوعها إلى تأمله فقط، وقد يطلب بعد ذلك في ذاته ووجوده فيصير ~~خيرا مطلوبا. فالجمال بمثابة نوع من الخير قد يصير خيرا؛ فبين الجمال من جهة، ~~والحق والخير من جهة أخرى، اتفاق، وبينه وبينهما اختلاف: لكن الاتفاق بين الجمال ~~والحق أقوى منه بين الجمال والخير، والاختلاف بين الجمال والحق أضعف منه بين الجمال ~~والخير. والمعاني الثلاثة متساوقة لا تختلف إلا بالاعتبار. وقد فطن الفلاسفة، بل ~~فطن الناس عامة إلى ما بينها من قرابة، فوصفوا الحق والخير بالجمال، نعني الخير ~~الخلقي - أو الفضيلة - الذي هو الخير الحق، مثل أفلاطون في قوله: «إن تحمل الظلم ~~أجمل من ارتكابه.» والشواهد عنده وعند سائر الفلاسفة والشعراء والكتاب ~~والمشرعين أكثر من أن تحصى، ms107 ونحن بالعربية ندعو الفضيلة أو الإحسان أو المعروف ~~بالجميل، وندعو الرذيلة بالقبيح، كأنما الأخلاق جزء من علم الجمال. # ومن هنا نرى أن الجمال من لواحق الوجود حقا، أي إن كل موجود فهو جميل. لكن هنا ~~يقوم اعتراض قوي على هذه القضية يؤيد بالقبح المنتشر في العالم. فنلاحظ أولا أن ~~معنى الجمال ليس مكتسبا بالتجريد البسيط الذي يصعد من آحاد متفقة بالماهية النوعية ~~أو الجنسية إلى الكلي الذي يشملها، كمعنى الإنسان بالنسبة إلى أفراده. ولكن الجمال ~~أحد المعاني التي تتحقق باختلاف في كثيرين مختلفين بالماهية النوعية أو الجنسية؛ ~~فهو فوق الأنواع والأجناس، يلائم الموجود من حيث هو كذلك، فيطلق على أفراده بطريق ~~التشكيك والتناسب لأنه يتحقق في كل موجود بحسبه، وإن قيل إن هذا لا يعني فقط أن ~~الجمال ممكن التحقق في موجودات مختلفة بالنوع أو بالجنس، ولا يستلزم تحققه في كل ~~موجود، قدمنا الملاحظة التالية. # إن المعقولات جميلة ضرورية؛ إذ إن ماهيتها لبساطتها تحصل لها بتمامها، فتكون على ~~ما يجب لها. أما المحسوسات فأكثرها جميل بما يتضمن من تناسب في ذاته وفي علاقاته ~~بغيره، وهذان النوعان من التناسب هما أساس النظام السائد في العالم، وإنه كما نعلم ~~لنظام عجيب يشعرنا بالجمال كلما أدركنا منه طرفا. وأما باقي المحسوسات مما لا ~~يرى فيه جمال، فلا ننسى من الجهة الواحدة. إن حكمنا على الجمال في هذا المضمار ~~متأثر بتربيتنا ودرجة تعلمنا وميولنا وأخلاقنا ومنافعنا كما هو الحال في حكمنا على ~~الخير والشر. وإذن فكثير من الأحكام بالجمال أو بالقبيح يجب أن يعد نسبيا ولا ~~يعتبر صفة للموجودات أنفسها. ويجب أن نذكر من جهة أخرى أن صور المحسوسات أو ~~ماهياتها هي كالصور المعقولة؛ بسيطة وإن لم تكن روحية، فنازعة طبعا إلى التحقق ~~بتمامها، لكنها لا تتحقق إلا في المادة. وقد لا تكون المادة ملائمة فلا تطاوع فعل ~~الصورة، فيجيء الشيء ناقصا أو مشوها. والمادة ضرورية، وهي في أدنى دركات ~~الوجود، فالنقص والتشويه ضروريان. ونقول هنا ما قلناه عن الشر من أن هذا يقع ms108 بالعرض ~~لا بالذات، وإن الأصل في الوجود الوحدة والحق والخير والجمال. هذه الصفات الأربع هي ~~صفات الخالق متحققة فيه بالذات ومن ثمة إلى أقصى حد، ومفاضة منه على خلائقه، كل ~~بحسب ماهيته وعلى قدرها. # 20 # الفصل الثالث # | مبادئ الوجود # (1) تعدادها # بعد النظر في معنى الوجود والصفات الملازمة له ننظر في نسبة العقل إليه، أو أثره ~~في العقل، فنجد هذا الأثر يتجلى في مبادئ أو قوانين تنعكس على العقل أو تتقدم فيه ~~بمجرد تأمله، ويراها معقولة، بل مثال المعقولة، ويستضيء بها في تعقله، ويرد إليها ~~كل يقين ، ويستند عليها في دفع كل إنكار. وقد مرت بنا دعوى السفسطائيين والشكاك أن ~~ليس في العقل مثل هذه الأوائل، وأن العقل مضطر للمضي من برهان إلى آخر على الدوام، ~~فكلما أردنا استخدام حد أوسط للبرهنة وجب علينا قبل ذلك أن نبرهن عليه هو بحد آخر، ~~وهكذا دون توقف. والحقيقة أن البرهان لا يتسلسل، وأن جملة الحدود الوسطى متناهية ~~بانتهائها إلى المبادئ التي هي قضايا أولية تبدو فيها ملائمة المحمول للموضوع ~~ابتداء دون حد أوسط، بحيث لا يمكن تعيين سبب (أي حد أوسط) لهذه الملائمة غير ~~الموضوع والمحمول ذاتهما والمضاهاة بينهما. # نمضي إذن من أبسط المعاني وأولها وهو معنى الوجود: فبمضاهاة الوجود بذات نرى أنه ~~مطابق لذاته، فنحصل على أول المبادئ المسمى مبدأ الذاتية، وصيغته: «أن الموجود هو ~~ذاته، أو هو ما هو»، وهذا المبدأ يهيمن على الأحكام والاستدلالات الموجبة. وشأنه أن ~~يجعلنا نحرص على ألا نخلط بين الشيء وما عداه، وألا نضيف للشيء ما ليس له. # نرى أن الموجود إن لم يكن هو هو لم يوجد، فنحصل على مبدأ آخر هو مبدأ عدم ~~التناقض، وصيغته: «يمتنع أن يوجد الشيء وأن لا يوجد في نفس الوقت ومن نفس الجهة»، ~~ويمتنع أن يكون كذا ولا كذا في نفس الوقت ومن نفس الجهة. وهذا المبدأ في هذه الصيغة ~~السالبة تعيين للمبدأ السابق ذي الصيغة الموجبة. غير أن كنط يعترض فيقول لك: لا ~~حاجة للفظ «يمتنع» أو لفظ ms109 «محال»، وأن لفظ «في آن واحد» أو لفظ «في نفس الوقت» يعني ~~الزمان والمبدأ فوق الزمان. والجواب: أن لفظ «يمتنع» أو «محال» يفيد ضرورة المبدأ، ~~وهذه إفادة ضرورية، وإن قول «في آن واحد» أو «في نفس الوقت» لا يدل على الزمان إلا ~~في الأمور العرضية الحادثة، مثل قولنا: «لا يمكن أن يكون الجالس ماشيا في نفس ~~الوقت»، وفيما عدا ذلك، فهو لا يعني الزمان فقط، بل يعني على العموم امتناع اعتبار ~~إحدى قضيتين متناقضتين صادقة وكاذبة معا. على أننا لا نرى بأسا في استبعاد ألفاظ ~~الامتناع والوقت والجهة من منطوق المبدأ، بل بالعكس نستحسن أن نكتفي بتقابل معنى ~~الوجود واللاوجود، فنقول: «ليس الوجود واللاوجود.» وبذا يبين فورا التباين بين ~~الوجود واللاوجود، وأن هذا المبدأ صيغة سالبة لازمة من الصيغة الموجبة القائلة: «ما ~~هو موجود فهو موجود»، فيخرج لنا أن «ما ليس موجودا ليس موجودا». وهذا المبدأ ~~الثاني يهيمن على الأحكام والاستدلالات السالبة: فمبدأ الذاتية يعطينا أول مطابقة، ~~ومبدأ عدم التناقض يعطينا أول مباينة. # هذه المعارضة بين الوجود واللاوجود تثير في العقل مبدأ ثالثا يسمى مبدأ الثالث ~~المرفوع أو الوسط المرفوع؛ لأنه يقول: «لا وسط بين الوجود واللاوجود»، فالموجود إما ~~موجود أو غير موجود وهو يرجع إلى مبدأ عدم التناقض في صيغة شرطية منفصلة، ونتيجة ~~تطبيقية تارة موجبة وطورا سالبة تبعا للحال. # وثمة مبدأ رابع يبرز من النظر في شرط وجود الموجود، وصيغته: أن «كل ما يوجد فله ~~ما به يوجد»، أي: «فلوجوده سبب»، وهذا مبدأ السبب الكافي يتفرع إلى فرعين: أولهما ~~السبب الذاتي، والثاني السبب الخارجي. فالذاتي هو ماهية الموجود نفسه أو تكوينه ~~الذي متى يحلل يكشف عن عناصره وائتلافها، فيكشف عن إمكانه ويجعله معقولا. والسبب ~~الخارجي هو العلة الموجودة للموجود، أو المغيرة إياه من حال إلى حال: وهذا المبدأ ~~العلية بالمعنى الدقيق، وصيغته: أن «كل ما يظهر للوجود فلوجوده علة». وهو يطبق ~~على الموجود بالفعل، بينما السبب الذاتي يتناول الممكن أيضا. # وخامسا وأخيرا حين نتأمل في العلة الموجدة هذه ms110 نرى أنها إذا أوجدت معلولها توخت ~~غاية، وإلا لما كانت خرجت عن سكونها. وهذا مبدأ الغائية، وصيغته: «كل ما يفعل فهو ~~يفعل لغاية» أو «كل فعل لازم عن غاية». ~~(2) قيمة المبادئ # هذه المبادئ بينة بذاتها: فإن موضوعها هو الوجود أول المعاني وأبينها على ~~الإطلاق، ومحمولها هو الوجود كذلك. وهي كلية: فإنها تنطبق على كل وجود سواء في ~~الذهن وفي الخارج، وهي حاصلة في العقول جميعا تطبقها صراحة أو ضمنا وتتصرح ~~المعرفة الضمنية بالإنكار والتناقض؛ فإنك إذا سألك الطفل: من أوجد هذا الشيء؟ ~~فأجبته: إن الشيء أوجد نفسه، لأثرت فيه الدهشة وعدم التصديق ونبهت فيه مبدأ ~~العلية. في صادقة ضرورية يمتنع تصور نقائضها، ويمتنع البرهان عليها برهانا ~~مستقيما لعدم وجود حد أوسط أبين منها نبرهن به، وهي لبيانها غير مفتقرة لبرهان. ~~وإذا أنكرها منكر فيقام ضده برهان الخلف أو التناقض الذي يقضي بتعطيل الفكر. فهي ~~تفرض نفسها على العقل، لا كقوة قاهرة أو كضرورة ناشئة من تركيب العقل، بل كنور ~~يسطع. ونحن نبين هنا ماهية مبدأ الذاتية، وماهية مبدأ عدم التناقض، ولما كان ما ~~يقال عن هذا المبدأ الثاني ينسحب على مبدأ الثالث المرفوع فلا نعيد القول، ونرجئ ~~الكلام على مبدأ العلية الفاعلية ومبدأ الغائية إلى مكانها من هذا الباب، ~~فنقول: # يرى البعض أن مبدأ الذاتية ليس مبدأ، وذلك لأنه عبارة عن تكرار الموضوع بالمحمول، ~~فلا يعد حكما لأن الحكم يقتضي اختلاف حديه مفهوما وإن اتحدا ذاتا، وبهذا ~~الاختلاف يزيد المحمول في علمنا بالموضوع، وبدونه يجيء مبدأ الذاتية من قبيل تفسير ~~الماء بالماء، كما يرى في قول بارمنيدس: «الوجود هو الوجود، واللاوجود هو ~~اللاوجود.» قد يبدو هذا صحيحا لأول وهلة، ولكن إذا اعتبرنا قصد العقل في صوغ ~~المبدأ وفي تطبيقه اتضح لنا أنه حكم ومبدأ حقا، وقصد بارمنيدس توكيد الوجود ووجوب ~~التمييز بينه وبين اللاوجود ضد هرقليطس الذي كان يخلط بينهما بقوله بالتغير المتصل ~~حيث تختلط الأضداد وتمحى الفوارق، ولو كان مبدأ الذاتية مجرد تكرار لما أنكره منكر، ~~وإنما هو معرفة ms111 تثبت أو تنفى. وقصد العقل في قولنا مثلا: «المادة هي المادة ~~والروح هي الروح»، أن كل موجود فهو ماهية معينة، وأن لكل من المادة والروح خصائص ~~تعينها فلا نخلط بينهما، كما يفعل الماديون إذ يردون الروح إلى المادة، أو ~~التصوريون إذ يردون المادة إلى الروح. وكذلك حين نقول: «الخير هو الخير والشر هو ~~الشر» لبيان تغايرهما ووجوب تمييز أحدهما من الآخر. أو نقول: «الله هو الله» أو «لا ~~إله إلا الله»، نريد أن الله هو ما هو وليس ما يظنه الذين يضلون في حقيقته. وغير ~~ذلك كثير جدا. وكم ذا يثور من المناقشات من جراء الخلط بين الأشياء أو بين ~~المعاني، أي لعدم مراعاة مبدأ الذاتية. ليس المحمول فيه تكرارا للموضوع إلا لفظا ~~وظاهرا، وإنما هو في الحقيقة يشير إلى تعريف الموضوع بما يخصه من خصائص ويعصم من ~~الغلط فيه. # ومبدأ عدم التناقض أثيرت ضده أيضا إشكالات: فقديما قيل إن هرقليطس زعم أن أي ~~شيء فهو موجود وغير موجود في نفس الوقت. ولعله لم يرد إنكار هذا المبدأ، وإنما أراد ~~أننا لا نكاد نثبت شيئا حتى يكون قد تغير أو زال من الوجود، بحيث إن اللحظة التي ~~نثبته فيها تحويه ولا تحويه، فيكون ولا يكون، لكن لا في آن واحد بالذات. وهذا معنى ~~مقبول، على أن هجل قصد إلى إنكار المبدأ، فقال: إن معنى الوجود أعم معنى، ولذا فهو ~~أقر معنى من حيث خلوه من كل تعيين، وما كان خلوا من كل تعيين فهو لا وجود. أو إذا ~~وضعنا هذه الحجة في شكل قياسي صارت هكذا: مطلق الوجود غير معين، وغير المعين لا ~~وجود مطلق، وإذن فمطلق الوجود لا وجود مطلق. ولكن من اليسير أن نرى أن الحد الأوسط، ~~وهو قوله: «غير معين»، مأخوذ بمعنيين: ففي المقدمة الكبرى يدل فقط على غض النظر على ~~التعيين، أي على تجريد معنى الوجود من الموجودات المعينة في الواقع، والتي لا توجد ~~إلا معينة، وفي الصغرى يدل على نفي الموجود نفسه الذي هو محل ms112 التعيين. # 1 # فلم يزعزع هجل مبدأ عدم التناقض، ولكنه هو الذي ناقض نفسه وبنى مذهبه ~~بالجملة على هذا التناقض الأول. # وقد ادعى ستوارت مل أن من ألف التحليل والتجريد لا يتعذر عليه، أن يروض ذهنه على ~~تصور نقائض المبادئ الأولى، وأن يصدق أن الأمور قد تجري في كوكب آخر صدفة وعلى غير ~~قانون. ولكنها دعوى وحسب، فنحن لا يتعذر علينا أن نتصور نقيض قانون علمي، ويمتنع أن ~~نتصور نقيض مبدأ أول، فهذا الامتناع لا يرجع إلى عادة فكرية، بل إلى الرباط الضروري ~~بين حدي كل من المبادئ الأولى، وهو رباط لازم من معنى الوجود وعائد إليه، كما بينا ~~كيف يمكن أن يقوم في الوجود ما يتنافى في الذهن. إن الذهن يأبى إباء فطريا حاسما ~~أن يصدق بإمكان التناقض؛ وذلك لأنه يرى بداهة أن الموجود يفقد في هذه الحالة ما ~~يجعله يوجد، أعني مطابقته لذاته، فلا يوجد. فالمبادئ الأولى قائمة، لا لأننا ~~نتصورها، ولكننا نتصورها؛ لأنها ماثلة في كل شيء. # هذا وقد نشب خلاف على ترتيب المبادئ الأولى: هل تعود الأولوية إلى مبدأ عدم ~~التناقض كما ارتأى أرسطو # 2 # وتابعه المشاءون جميعا، أم إلى مبدأ الذاتية كما يرتئي المحدثون ~~محتجين بأنه أبسط، وأن البسيط متقدم على المركب، وبأنه موجب وأن الموجب متقدم ~~على السالب؟ ونلاحظ أولا أن مبدأ عدم التناقض هو عين مبدأ الذاتية؛ فإننا إذا ~~قلنا: «ما هو موجود فهو موجود» عنينا أن «ما هو موجود فليس يمكن ألا يكون موجودا». ~~ونلاحظ ثانيا أن الأولوية تعود إلى مبدأ الذاتية إذا نظرنا إلى المبادئ من جهة ما ~~هي قضايا تترتب تبعا للبساطة أو التركيب وللإيجاب أو السلب، وتعود إلى مبدأ عدم ~~التناقض إذا نظرنا إلى المبادئ من جهة ما هي مبادئ: ذلك بأن المبادئ الأخرى تتبرهن ~~به وهو لا يتبرهن بغيره، فمن ينكر الذاتية يقال له: إن هذا الإنكار يعني الوجود ~~واللاوجود في آن واحد، كما ذكرنا آنفا، وإن هذا تناقض، ومن ينكر مبدأ العلية ~~يقال له: إن هذا يعني أن ms113 ما يظهر للوجود فهو يوجد ذاته، وإن هذا تناقض، ومن يشك في ~~مبدأ عدم التناقض ويفترض أنه قد يكون كاذبا، يعلم أن الكذب غير الصدق، فيسلم ~~بالمبدأ الذي يدعي أنه يشك فيه. وديكارت الذي يريدنا على أن نبدأ بالشك في المبادئ، ~~ولو إلى أجل، فاته أنه إذا كان ممكنا أن شيئا بعينه يوجد ولا يوجد في نفس الآن ~~ومن نفس الجهة، فقد صار ممكنا التفكير وعدم الوجود. يضاف إلى هذه الميزة ميزة أخرى ~~هي أنه إذا كان سالبا فهو موجب أيضا بالإيجاب الذي يلزم عن السلب: ذلك أنه يسلب ~~اللاوجود عن الوجود من حيث إنه يقول: «ليس الوجود لاوجودا.» فينفي النفي. ونفي ~~النفي إثبات، أي إن سلب قضية ما يستتبع إيجاب القضية المناقضة لها. فمبدأ عدم ~~التناقض يعطينا الصيغة الكلية لليقين سواء بالنسبة للأحكام السالبة وللأحكام ~~الموجبة؛ فهو أعم المبادئ ومن ثمة أولها. # ولكن الفلاسفة الحسيين لا يحفلون بالتناقض، وهم يفسرون المبادئ بحيث تفيد في ~~تنظيم المعرفة دون أن يقروا لها بكلية ولا ضرورة. إنها في نظرهم مجموعات تجارب يقوى ~~اعتقادنا بها كلما ازداد التكرار. فمبدأ الذاتية ينشأ من أن الطبيعة لم تعرض علينا ~~شيئا أبيض وأسود أو حارا وباردا في مكان واحد وزمان واحد. وما مبدأ العلية ~~إلا تعميم ما نشاهده من علاقات بين الجزئيات، كالعلاقة بين النار والحرق أو بين ~~اللسع والألم أو بين الغيم والمطر، فينشأ في الذهن ميل للاعتقاد بأن نفس السوابق ~~يتبعها دائما نفس اللواحق. هكذا يلخص ستوارت مل الرأي الحسي. # غير أن هربرت سبنسر، وهو حسي كذلك، يأخذ على رجال المذهب قولهم: إن المعاني ~~والمبادئ تتكون بالتجربة الفردية. ويلاحظ أنها لازمة لهذه التجربة نفسها، فيجب أن ~~تسبقها في الذهن. وأنه لو صح قولهم لكان الفرس مثلا يقبل عين التربية التي يقبلها ~~الإنسان ما دام كلاهما «لوحا مصقولا» في أول التجربة. ثم يعرض سبنسر نظرية جديدة، ~~وهي أن تأثير الطبيعة في الإنسان تأثيرا متصلا قد كيف دماغه ولاءم بين الظواهر ~~الوجدانية والظواهر الطبيعية، فتكونت المعاني ms114 والمبادئ الأولى شيئا فشيئا كما ~~تكونت بالتطور أعضاء النبات والحيوان، وتوارثها النوع الإنساني جيلا فجيلا. ولما ~~كان الناس قد عاشوا في بيئة متشابهة فقد تولدت نفس المعاني والمبادئ عندهم جميعا، ~~وهذا أصل كليتها. ولما كان الذهن قد تكيف هذا التكيف الخاص فقد صار عاجزا عن تصور ~~نقائضها؛ وهذا أصل ضررتها، فهي أولية بالنسبة لكل واحد واحد من بني الإنسان، فتنظم ~~بها التجربة الفردية، ولكنها مكتسبة بالنسبة للنوع الإنساني في جملته. # لقد وهم سبنسر كما وهم زملاؤه في الحسية، وليست نظريته بأفضل من نظريتهم، ~~والاثنتان تلتقيان: في حسبان المبادئ الأولى تتكون بالتدرج سواء في الفرد أو في ~~النوع، ولكنها ليست مركبة حتى تكتسب جزءا جزءا وتورث جزءا جزءا، بل الظاهر لأول ~~وهلة أنها بسيطة بينة بذاتها كما أوضحنا، فإما أن تدرك بداهة أي دفعة واحدة، وإما ~~أن لا تدرك أصلا، وتبعا لهذا يسقط القول بأن الاعتقاد بها يقوى بتزايد التداعي؛ ~~فإن الطفل يراعيها في تفكيره، وإذا حاولنا أن نغلطه فيها فإنه لا يغلط. ثم إن ~~المبادئ ضرورية لتنظيم التجربة، أي للربط بين ظواهرها بهذه المبادئ بإقرار الحسيين ~~جميعا، وهم يدعون أنها مستفادة من التجربة، فيقعون في دور لا مخرج لهم منه. كيف ~~يمكن للأفراد في بدء تجربتهم، وكيف أمكن لأوائل الناس أن يفكروا بدونها ثم يكتسبوها ~~للتفكير بوساطتها؟ إن الصعوبة واحدة في الحالتين، ولا يفيدنا شيئا أن نرجع القهقرى ~~إلى نشأة الإنسان. # أما التصوريون فيعترفون بضرورة المبادئ وكليتها، ولكنهم يجعلونها قوانين ذاتية ~~للفكر، طبقا لمذهبهم، فلا يصلون بينها وبين الوجود. يقول ليبنتز: «المبادئ الكلية ~~تدخل في أفكارنا، وهي روحها ورباطها، وهي ضرورية لها ضرورة العضلات والأوتار للمشي ~~ولو أننا لا نفكر فيها. مثلها في النفس مثل عروق غير مرئية في الرخام على هيئة هرقل ~~أو أبولون. وكما أنه لكي تظهر هذه الهيئة للعيان يلزم أن يسقط النحات أجزاء الرخام ~~التي تحجبها، فكذلك لكي ندرك بالفعل المبادئ الأولى يتعين أن تبرزها التجربة، ~~فالتجربة لا تعطينا بل تكشف عنها فقط.» ويوغل كنط في ms115 التصورية إلى أبعد من هذا ~~الحد؛ فإنه يعتبر معنى الوجود نفسه صورة من الصور الذاتية للفكر، فيعتبر المبادئ ~~مجرد قوانين منطقية، ويعرف مبدأ عدم التناقض مثلا هكذا: «المحمول المنافي لموضوعه ~~لا يمكن أن يوافق هذا الموضوع»، أو «ما من موضوع يمكن أن يحصل على محمول ينافيه»، ~~بدل التعريف بالوجود واللاوجود كما أوردناه. # رأي ليبنتز يكاد يكون الحق من جهة اشتراك العقل والتجربة في إدراك المبادئ لولا ~~أن المبادئ عنده غريزية في النفس وأن التجربة ذاتية، لا موضوعية. أي إنها جملة ~~الصور الجزئية التي تظهر في الذهن، لا جملة الموجودات المدركة بالحواس، وأن التطابق ~~بين قوانين الفكر وقوانين الأشياء سببه سبق التناسق من لدن الله؛ إذ لا تفاعل بين ~~المونادات، بل تقابل بين حوادثها، ويبقى الفكر محصورا في نفسه. بيد أن ليبنتز ~~يعتقد بموضوعية الأحكام بحيث يكون الحق والباطل في العقل حقا وباطلا في الوجود ~~أيضا، بينما يرى كنط أن الوجود خارج متناول الفكر فلا يجوز الحديث عنه والحكم ~~عليه، وأن كل ما يجوز للفكر هو أن يعرف نفسه وحسب، وبذلك يرد كنط الوجود العيني ~~إلى الوجود الذهني على ما بينهما من تعارض: فالوجود العيني موجود بالفعل أو ممكن ~~الوجود، والوجود الذهني موجود في الذهن فقط، غير موجود في الخارج ولا ممكن الوجود؛ ~~فإما أن العقل يعقل المبادئ إذ يطبقها، وحينئذ فلا حاجة لجعلها سابقة على التجربة، ~~وإما أنه لا يعقلها، وحينئذ فلا يسوغ له تطبيقها. وقد نقول إن المبادئ غريزية، لكن ~~بمعنى أنها تعلم بغاية السهولة والسرعة حالما تعلم حدودها، مثل علمنا بأن الكل أعظم ~~من الجزء، أو أن الجزء أصغر من الكل، تو علمنا بالطرفين. فبدقيق العبارة الغريزي ~~في العقل ليس المبادئ، بل الملكة التي يدرك بها العقل المبادئ ويطبقها على الوجود، ~~أما حدودها فمستفادة من التجربة ظاهرة أو باطنة. # الفصل الرابع # | أقسام الوجود # (1) تعدادها # بعد لواحق الوجود ومبادئه تأتي بضعة أمور عامة على أعظم جانب من الأهمية لذاتها ~~ولما يترتب عليها من أثر في سائر المسائل الفلسفية. ونحن ms116 نحصرها في خمسة أقسام، هي: ~~الفعل والقوة، الجوهر والعرض، الماهية والوجود، العلة والمعلول، الغاية والوسيلة. # 1 # ونسميها بأقسام الوجود؛ لأن منها ما يتحقق في بعض الموجودات دون بعض، أو في بعض ~~الموجدات تارة وفي بعض آخر تارة أخرى على التوالي: فمن الموجودات ما هو بالفعل من ~~وجه أو وجوه ثم يعود إلى القوة، ومنها ما هو بالقوة من وجه أو وجوه ثم يخرج إلى ~~الفعل، ومنها جواهر، ومنها أعراض. والموجودات المتحققة ماهيات مع وجود، بينما ~~الممكنات ماهيات وحسب، ثم يحصل الوجود لما يتحقق منها. والموجودات متفاعلة: فمنها ~~علل، ومنها معلولات. وهي مترتبة: فمنها غايات، ومنها وسائل. فهذه الأمور عامة في ~~عموم الوجود، وليس بعد من «لواحق الوجود بما هو موجود إلا ما كان مشتركا لجميع ~~الأجناس الموجودة». # 2 # هذا فضلا عن أن الله ينفرد عن سائر الموجودات بأنه فعل محض لا تخالطه ~~قوة، وجوهر لا تحل فيه أعراض، ووجود لا تحده ماهية، وعلة قصوى لا معلول بحال، وغاية ~~أخيرة لا وسيلة على الإطلاق، فها نحن أولاء نشرحها حتى تتضح من جميع ~~نواحيها. ~~(2) الفعل والقوة # أما الفعل فأمره ظاهر حتى ليس يمكن تعريفه لبساطته وظهوره؛ فإنه من المعاني ~~الأوائل المعلومة بداهة. وأصل اللفظ قوله عن حدث العمل أو فعل العمل. ولما كان ~~الفعل كمالا ما، فقد أطلق اللفظ أيضا على كمال الفعل أو تمامه بعد الحركة التي هي ~~فعل غير تام لا يوجد إلا بالتدريج. والقول بالتغير الدائم أو التطور الخالق، كما ~~يقول هرقليطس وهجل وبرجسون، لا ينافي الفعل: فما دام هناك تغير أو خلق فهذا يعني أن ~~هناك انتقالا من شيء إلى شيء، أو من حال لشيء إلى حال آخر، أي إن هناك فوارق، ~~والفعل لازم قبل حدوث الفارق ولأجل حدوثه. ويطلق اسم الفعل بطريق التناسب، كما يطلق ~~اسم الوجود نفسه وأسماء لواحقه؛ لأنه متباين بتباين الموجودات وأفعاله، وله مع ذلك ~~وحدة نسبية كالوحدة التي لاسم الوجود وأسماء لواحقه. # وأما القوة فأمرها خفي يقتضي إمعان النظر، وقد أنكرها بعض الفلاسفة ms117 وغلط فيها ~~آخرون. الأصل في استكشاف القوة والتمييز بينها وبين الفعل هو التغير الذي تظهرنا ~~عليه التجربة ظاهرة وباطنة؛ فإننا إذ نرى الأشياء تتغير فتوجد بعد لاوجود، أو يوجد ~~لها حال لم يكن لها، نميز بين ما حدث بالفعل وما لم يحدث ويمكن أن يحدث. فإذا رأينا ~~مثلا حبة قمح تزرع فتنبت حبوبا مثلها، خطر لنا حتما أن الحبوب النابتة إنما نبتت ~~بقوة ما في الحبوب المزروعة، وأن ليس لحبة فول قوة على إنبات قمح، ولكن لها قوة على ~~إنبات فول، وأن ليس لقطعة حديد أو خشب أو طباشير قوة على إنبات شيء. وإذا رأينا ~~إنسانا ما يقرأ ويكتب، ويترك القراءة والكتابة ويعود إليهما متى شاء؛ أدركنا أن له ~~قوة عليهما لم تكن له قبل تعلمهما، وليست لغيره ممن لا يزالون أميين. وهذه خطوة ~~أولى لتعرف القوة بما هي، أو لتعرف وجودها على الأقل. # ونستطيع أن نتقدم خطوة أخرى لنعرفها بما ليست هي، فنقول: أولا تبعا لما تقدم ~~إنها ليست مجرد الإمكان المنطقي لما لا يتضمن تناقضا، فإذا قلنا إن القوة وجود غير ~~متحقق وممكن التحقق، أردنا أنها شيء ما في طبيعة الموجود المتغير زائد على مجرد ~~الإمكان وأقرب منه إلى التحقق. ثانيا: ليست القوة هي الفعل كما يذهب إليه منكروها، ~~فقد وجد بين الفلاسفة القدماء من ادعوا أن القوة لا توجد إلا متى وجد الفعل، وأن ~~الذي لا يبني ليس له قوة البناء، ولكنها للذي يبني في الوقت الذي يبني. # 3 # ويكاد يجمع الفلاسفة المحدثون على إنكار القوة كذلك: فديكارت اعتبر ~~الأجسام امتدادا وحسب، وعلل فعلها بحركة من خارج دون حاجة إلى قوى فيها، واعتبر ~~النفس جامعة للأفعال الوجدانية وفاعلة على الدوام دون حاجة إلى قوى، وهو ينبه على ~~«أن الفكر عين الجوهر المفكر أو النفس، وأن الامتداد عين الجوهر الممتد أو الجسم»، # 4 ~~«وأن القوة العارفة ما هي إلا قوة واحدة بعينها تسمى بسبب تعدد ~~وظائفها: عقلا خالصا أو مخيلة أو ذاكرة أو بصرا أو سمعا» ... إلخ، كل ms118 ما في الأمر ~~«أسماء نلتزم التمايز بينها، # 5 # لا أشياء موجودة حقا». وهذا ما يدعيه لوك، فهو أيضا ينبه على «أن ~~القوى تجريدات، لا موجودات متمايزة». «وأننا لا نشعر بالقدرة إلا حين نفعل، وما ~~الفعل الحر إلا الفعل نفسه، فإذا لم نقدر على الفعل لم نكن أحرارا؛ إذ لا معنى ~~للاعتقاد بالقدرة دون الفعل، وما اعتقادنا بالحرية إلا اعتقاد بإمكان تكرار فعل ~~سابق لمجرد كون هذا الفعل قد سبق». # 6 # ثالثا: ليست القوة فعلا كامنا كما صوره ليبنتز فقد قال: إن من ~~الأفعال التام الظاهر، ومنها الناقص الكامن، ولا حاجة إلى القوة التي ليست بفعل، ~~إنما القوة توتر متجه إلى الفعل بذاته ومعطل أو معوق، مثله مثل مشدود إلى جسم ثقيل ~~أو قوس مشدودة، فلا يفعل بتحريك محرك مغاير كما هو حال الجسم في رأي أرسطو ~~وديكارت، بل بتوتره وتلقائيته التي تجعل منه وسطا بين القوة والفعل كما عرفهما ~~أرسطو. # والأدلة على نفينا هذه الآراء واضحة لأقل تدبر حتى لنعجب كيف غابت عن هؤلاء ~~الفلاسفة، إلا أن يكونوا قد انساقوا إليها بموجب مبدأ خاطئ قبلوه فلزمتهم نتائجه. ~~والمبدأ الخاطئ ههنا أن العقل لا يقبل إلا المعاني الجلية المتميزة كالمعاني ~~الرياضية، والقوة غامضة محجوبة عن الحس والعقل، وإذن فهي غير مقبولة، ويجب أن تفسر ~~بطريقة ما. ولكن الطرق التي ابتدعت لا تفسر شيئا، فالرأي الأول يترك الموجودات ~~وأفعالها لمطلق الإمكان، أي للفوضى والمصادفة؛ فإن مطلق الإمكان يتناول إمكانات لا ~~تحصى. والواقع أن لكل موجود إمكانات معينة محدودة، حتى إمكانات الحرية، فليس في ~~مقدور الحرية الإنسانية أن تغير طبيعة الإنسان أو طبائع الأشياء، ولا أن تفعل كل ما ~~نريده أو نتمناه، فإذا كانت إمكانات كل موجود معينة محدودة، كان هذا دليلا على أن ~~كل موجود إنما يفعل (أو ينفعل) بقوى فيه معينة محدودة. # والرأي الثاني يقبل الفعل دون شرطه فيجعل الفعل مستحيلا، وذلك بأن اكتساب فن من ~~الفنون أو علم من العلوم يقتضي قوة له، فإننا إذا رسمنا حروف الهجاء أو أرقام ms119 ~~الأعداد ونطقنا بها أمام طفل وقرد، تعلمها الطفل ولم يتعلمها القرد مهما كررنا ~~المحاولة. وإن استئناف مزاولة الفن أو العلم المكتسب يقتضي بقاء القوة عليه وبقاء ~~المكتسب منه، بينما المزاولة والاكتساب واستئناف المزاولة أمور ممتنعة على فائدة ~~القوة؛ كالقرد في المثال السابق، وعلى الحاصل على القوة دون اكتساب؛ كالأمي الذي لا ~~يقرأ ولا يكتب. ولو تأمل أصحاب هذا الرأي لوجدوا أن ما لا قوة له فهو لا يفعل، ~~اللهم إلا بتحريك خارجي، وهذا التحريك في مذهبهم المنكر للقوة والكيفية هو نقله، أي ~~تحريك مادي آلي، فكيف وأين تبدأ الحركة؟ وكيف ندرك معنى من المعاني حين يصل إلى ~~سمعنا ذبذبة مادية إلا أن نكون قد حفظنا العلاقة بين هذه الذبذبة وبين المعنى، ~~فكانت لنا قوة على هذا الحفظ وعلى استئناف الإدراك؟ وكيف يحدث الماء مثلا حدوثا ~~مطردا بتفاعل الأوكسجين والهيدروجين إذا كان هذا التفاعل حركة آلية صرفا ولم يكن ~~في كل من العنصرين قوة مرتبة إلى قوة الآخر متجهة إلى هذا التركيب، معينة بمقدار ~~بحيث لو زاد المقداران المتفاعلان على المقدار المعين بقي الزائد خارج التركيب. ~~وليست تقتضي المادة لذاتها أو الحركة لذاتها تركيبا معينا ولا مقدارا معينا؟ ~~والعلوم الطبيعية حافلة بأمثلة من هذا القبيل ومن الإسراف، بل من التناقض الصريح ~~إرجاع أفعال متباينة إلى مصدر واحد بالذات تفاديا من قبول القوة - كما صنع ديكارت، ~~والمنطق يقضي بإرجاع كل منها إلى مصدر خاص. # والرأي الثالث ابتدعه ليبنتز لكي يوفق بين التجربة التي ترينا أشياء وأفعالا ~~تكون بعد أن لم تكن، وبين مذهبه العقلي المطلق القاضي بالتصور الجلي المتميز ليس ~~غير، فاستبعد القوة كوسط بين الوجود الظاهر وبين مطلق اللاوجود، أو التي هي وجود ~~غير معين ومن ثمة غير متصور طالما لم تتعين بالفعل. واستعاض عنها بفعل ناقص يتجه ~~إلى التمام، أو وجود كامن يتجه إلى الظهور، فيكون وسطا ممكن التصور. ولكن هل ~~نستطيع أن نتصور أفعالنا جميعا كامنة فينا منذ ميلادنا وتظهر بالتوالي؟ وهل نقول ~~إن الكائن عن آخر كان فيه ms120 على هيئة مصغرة؟ وهل كانت الحبوب النابتة موجودة في الحبة ~~المزروعة بعددها ومقوماتها لكن في كمية متضائلة؟ هل كان العلم كامنا في الطفل قبل ~~أن نعلمه إياه؟ إذا سايرنا أفلاطون وأجبنا بالإيجاب، بقي أن النفس في مذهب أفلاطون ~~تعلمت في حياة سابقة بكل معنى التعلم، فكانت بالقوة إليه وإلى مزاولة العلم بعد ~~ذلك؛ إذ إن الفكر الكامن شيء ومزاولته شيء آخر. # نتقدم خطوة أخرى في تعريف القوة بالنظر في أنواعها؛ فإنها تنقسم إلى فعلية ~~وانفعالية، وإلى طبيعة ونطقية، وإلى قريبة وبعيدة. القوة الفعلية أو الفاعلية هي ~~قدرة الموجود على إحداث تغيير في موجود آخر ، أو في نفسه بما هو آخر، أي بما هو حاصل ~~على قوة انفعالية إلى جانب قوته الفعلية: كالطبيب الذي يداوي نفسه، فإنه يفعل ذلك ~~بعلمه الطبي الذي هو قوته الفعلية، فيؤثر في مرضه الذي هو آخر بالنسبة إليها ويقبل ~~الدواء. وبعبارة أخرى: إن الموجود الذي يغير ما بنفسه هو مغير ومتغير من وجهتين ~~متمايزتين لا من جهة واحدة. والقوة الانفعالية أو المنفعلة هي قدرة في الموجود على ~~قبول فعل موجود آخر، أو فعل منه هو بما هو آخر، وذلك كالداء بالنسبة إلى المداوي ~~وإلى الدواء في المثال السابق، أو كعقل الطفل بالنسبة إلى المعلوم والمتعلم. # والقوة الطبيعية هي التي في طبيعة الموجود، سواء أكان فاعلا أم منفعلا، وهي ~~محدودة نحو شيء واحد أو وظيفة واحدة: كالنار تسخن، أو العقل يعقل، أو المخيلة ~~تتخيل. والقوة النطقية أو العقلية هي التي في النفس الناطقة بما هي ناطقة، وتتناول ~~العلوم والفنون، وليست محدودة نحو طرف واحد، بل قد تفعل طرفا أو الآخر بحسب ~~الاختيار: فعلم الطب يشتمل على معرفة الصحة والمرض، فهو في النفس قوة الصحة والمرض ~~جميعا، ولو أن معرفة أحد الضدين هي المقصودة فيه بالذات، ومعرفة الضد الآخر ~~بالعرض، فهو يعلم الصحة لكي يحدثها ويصونها، ويعلم المرض ليزيله لا ليحدثه، ~~والإرادة تجرح أحد الضدين. وعلم الأخلاق يشتمل على معرفة الخير والشر، فهو في النفس ~~قوة الاثنين، إلا ms121 أن المقصود فيه فعل الخير واجتناب الشر، وقد ترجح الإرادة فعل ~~الشر. # والقوة القريبة هي المهيأة لكل التهيؤ للخروج إلى الفعل حالما تفعل علتها أو ~~يترفع المانع لها، وهي القوة في الحقيقة. أما القوة البعيدة فهي التي لا تخرج إلى ~~الفعل إلا بعد مرورها بالمراحل التي تفصل بينها وبين التهيؤ الأخير، فإذا قلنا إن ~~الكائن الحي هو بالقوة في العناصر الكيميائية، أو إن هذا الطفل فيلسوف أو شاعر ~~بالقوة؛ فإننا نقول ذلك بضرب من التجوز يعود إلى الإمكان المنطقي، وقد بينا أن ليس ~~أي شيء كان هو بالقوة أي شيء كان. # في ضوء هذه الإيضاحات نفهم تعريف ابن سينا للقوة بأنها: «ما به يجوز من الشيء فعل ~~أو انفعال.» # 7 # وتعريف ابن رشد بأنها: «الاستعداد الذي في الشيء والإمكان الذي فيه لأن ~~يوجد بالفعل.» # 8 # فالعبارتان تعرفان القوة، لا في ذاتها، وهي غير مدركة بما هي كذلك، بل ~~الفعل، وهي إنما تعترف به؛ إذ إنها نسبة إليه، أي كافية له، أو قدرة عليه واستطاعة ~~له. والعبارتان تثبتان القوة على أنها وجود حقيقي وإن لم تكن فعلا. وقول ابن سينا: ~~«ما به يجوز من الشيء فعل أو انفعال» يضارع قول ابن رشد «الاستعداد الذي في الشيء ~~والإمكان الذي فيه» لا مجرد الإمكان أو القوة البعيدة، بل الاستعداد الوجودي الذي ~~بدونه لا يجوز من الشيء فعل أو انفعال. فأصل اللفظ الدلالة على ما ليس موجودا ~~بالفعل لكنه يقدر أن يوجد أو يقوى على الوجود بالفعل. فلا ينبغي أن يصدنا خفاء ~~القوة في ذاتها عن وضعها في الوجود كقسيمة للفعل، من حيث إنها نسبة حقيقية إلى ~~الفعل لولاها لا يوجد الفعل، وإنها كالفعل تقال بطريق التناسب لتباينها بتباين ~~الموجودات وأفعالها، مع الوحدة الدال عليها اسمها والمعرفة ههنا. # ففي المسألة ثلاثة مذاهب: مذهب يقول بالقوة وحسب، كما نراه عند هرقليطس وهجل ~~وبرجسون، فيتصور الوجود غير معقول وصيرورة صرف. ومذهب يؤمن بالفعل وحسب، فيجمع الكل ~~في واحد، ويعتبر الصيرورة وهما، كما نرى عند بارمنيدس، أو ms122 شبه وهم، كما نرى عند ~~سبينوزا. قال بارمنيدس: «الوجود موجود، فلا يحدث عنه وجود»، ظانا أن الوجود هو ~~بالفعل حتما، وأنه متجانس على ما يشبه أن يبدو في ذهننا، فلا كثرة ولا صيرورة، غير ~~عارف أن الوجود قد يكون أيضا بالقوة، أو أن القوة نوع من الوجود، وأن الصيرورة ~~خروجها إلى الفعل، وغير عارف أن وحدة معنى الوجود في الذهن هي ثمرة تجريد عقلي من ~~موجودات متعددة يقال عليها بالتشكيك لتغايرها، فالكثرة ممكنة، وهي الأصل الذي ~~يواجهنا بادئ ذي بدء. أما سبينوزا فقد قبل الكثرة، لكن على أنها كثرة صفات وأحوال ~~لجوهر كلي واحد، وقبل الصيرورة ، لكن على أنها صيرورة آلية تتدافع فيها الأحوال أي ~~الجزئيات، ويفعل كل منها بما يتلقى من دفع لا بقوة مركوزة فيه. وهذا نوع من التوسط ~~بين بارمنيدس وهرقليطس، مع ميل إلى الأول أشد، من حيث إن الأصل عنده أيضا الوحدة ~~والثبات، وإنه لا يبقى معهما للكثرة والصيرورة إلا ظل من وجود مستند على الجوهر ~~الأوحد. # الوسط الحق هو المذهب الثالث: مذهب أرسطو؛ يجمع بين القوة والفعل، ويرى أن القوة، ~~وإن كانت غير معقولة في ذاتها، فهي معقولة بالقياس إلى الذي يخرج إليه؛ فإن الفعل ~~كمال القوة ومن أجله وجدت، وهو محققها، فما من متغير إلا وله مغير، أو ما من ~~متحرك إلا وله محرك، وعلى ذلك يخطئ الذين يفسرون الكون بتطور المادة، واضعين ~~في الأصل القوة والاختلاط زمنا غير متناه. ولو صح زعمهم لما أمكن أن تخرج الأشياء ~~من القوة إلى الفعل، ومن الاختلاط إلى النظام. وبفضل هذه البديهيات يتفق العقل مع ~~الوجود، ويصعد إلى فاعل أول. ~~(3) الجوهر والعرض # من الموجودات ما هو منفصل عما سواه، قائم بذات متقوم في ذاته، معين تعيينا ~~أوليا بماهية باقية ما بقي هو، مثلما نرى في زيد هذا أنه إنسان. ومنها ما هو حال ~~في المتقوم في ذاته، معين له تعيينا ثانويا يجعل منه شخصا مشارا إليه، ~~كالمقدار واللون وسائر ما ينضاف على الماهية في الأشخاص. وهذا التعيين ms123 الثانوي قد ~~يكون «مفارقا» زائلا، وهو في الغالب كذلك. وقد يكون «لازما» ثابتا، كالبياض في ~~ققنس العالم القديم، أو السواد في ققنس العالم الجديد (10ج)، دون أن يمنع لزومه ~~وثباته من اعتباره ثانويا متمايزا من الماهية جائز المفارقة. # فالموجود الذي من النوع الأول محل وموضوع للذي من النوع الثاني، وليس هو في محل ~~أو موضوع. وظاهر أن المتقوم في ذاته المقوم لغيره أشرف من هذا المتقوم به. وبهذا ~~الاعتبار اصطلح في العربية على تسمية المتقوم في ذاته «جوهرا» وعلى تسمية المتقوم ~~في غيره «عرضا». قال الغزالي: «الجوهر اسم وضعه واضع اللغة لحجر يعرفه الصيرفي، ~~ونقله المتكلم (صاحب علم الكلام) إلى معنى هو أحد أقسام الموجودات.» # 9 # وقال ابن رشد: «هذا الاسم عند ~~المتفلسفين منقول من الجهر عند الجمهور، وهي الحجارة التي يغالون في أثمانها، ووجه ~~الشبه بين هذين الاسمين أن هذه لما كانت إنما سميت جواهر بالإضافة إلى سائر ~~المقتنيات لشرفها ونفاستها عندهم، وكانت أيضا مقولة الجوهر أشرف المقولات، سميت جوهرا.» # 10 # واصطلح على اسم العرض للدلالة على ما يعرض للجوهر، أو «أنه منقول مما ~~يدل به عند الجمهور، وهو الشيء السريع الزوال». # 11 # وهكذا ندرك مبدأ الجوهرية على أنه تعيين لمبدأ الذاتية: «الموجود واحد ~~بعينه تحت أحواله المتعددة المتغيرة.» ومن هذه الوجهة لا يخرج الموجود عن هذين ~~القسمين، فإنه إما جوهر وإما عرض. # للجوهر إذن تعريفان، فهو: الموجود المتقوم في ذاته، وهو موضوع الأعراض أي محلها ~~وحاملها، الأول بمثابة الحد، والثاني بمثابة الاسم. فالأول مفضل، وقول: «المتقوم في ~~ذاته» خير من قول: «الموجود لا في موضوع»، على كثرة ورود هذا التعبير ~~عن ابن سينا وابن رشد، وبيانه بأن الجوهر «يقال ~~لكل موجود لذاته لا يحتاج في الوجود إلى ذات أخرى تقارنها حتى يقوم بالفعل». # 12 # أجل إن القولين يرجعان إلى واحد، فالمتقوم في ذاته هو الموجود لا في ~~موضوع، غير أنه يجمل صوغ التعريف في صورة موجبة كلما أمكن ذلك لما هو معلوم من أن ~~التعريف السالب يقول ما ms124 ليس الشيء هو ويدع ماهيته خافية، بينما التعريف الموجب يقول ~~ما الشيء هو ويؤدي إلى الذهن معنى ثبوتيا ربما لا يؤديه السلب إلا بشيء من ~~العناء، فالإيجاب متقدم على السلب. ثم إن قبول الأعراض ليس شرطا للجوهرية بإطلاق، ~~هو وظيفة ثانوية للجواهر الحادثة، ويخرج منه الله الذي هو جوهر محض غير قابل لعرض ~~ما، على حين أن التعريف الأول شامل ينطق على كل جوهر. # أما العرض فتعريفه مقابل للتعريف الثاني للجوهر، فإنه «ماهية موجودة في آخر ~~وجودها في موضوع أو محل»، فهو «وجود مقبول لا غير» (نجاة 204). فينبغي أن يفهم ~~حلوله في موضوع بمعنى اتحاده به وتقومه فيه، لا كحلول الجزء في الكل، أو الجسم في ~~المكان، أو المعلول في العلة! فليس للعرض من حقيقة إلا بالجوهر: كالشكل واللون ~~والحركة فإنها لا توجد إلا في موضوع، وسنزيد هذا بيانا فيما يلي. ولنزد الآن في ~~بيان معنى الجوهر بإيراد الاختلاف في استعمال اللفظ، فنقول: # كان أفلاطون يرى أن المثل هي الموجودات الحقة، وأن الأجسام الطبيعية أشباح لها، ~~فثبت عنده أن المثل هي الحقيقة باسم الجوهر، وأن الجزئيات إن أطلق عليها هذا الاسم ~~فبالتبعية وبصفة ثانوية، قال: «لا تسم الماء المحسوس ماء، وإنما قل إنه شيء شبيه ~~بالماء.» وافترق عنه أرسطو؛ إذ ثبت لديه أن المثل لما كانت كليات فيستحيل أن يحصل ~~لها وجود، وأن الموجود حقا هي الجزئيات، سواء أكانت مادية محسوسة أو روحية ~~معقولة: كالنفوس الإنسانية والعقول العلوية، فكان يسميها جميعا جواهر أول، ويسمي ~~المعاني الكلية الماثلة في عقلنا جواهر ثواني، وينبه على أن اسم الجوهر إنما يطلق ~~على الجواهر الأول والجواهر الثواني لا بالتواطؤ بل بطريق التناسب من حيث إن قوام ~~الجزئي هو بذاته لا بالكلي، وقوام الكلي هو بالجزئي، فالجزئي أولي بالجوهرية. وإذا ~~تأملنا في هذين النوعين من الجوهر وجدنا أن الجوهر الأول هو ما ليس في موضوع ولا ~~يحمل على موضوع، كزيد مثلا. بينما الجوهر الثاني وإن كان ليس في موضوع فهو يحمل ~~على موضوع، كإنسان في ms125 قولنا: «زيد إنسان.» # والفلاسفة الإسلاميون، كابن سينا وابن رشد ومن تبعهما، يعنون بلفظ الجوهر وبصفة ~~شاملة «الموجود لا في موضوع»، وثانيا وبصفة محدودة «محل الأعراض أو موضوعها». ~~والمتكلمون «يخصصونه بالجوهر الفرد المتحيز الذي لا ينقسم، ويسمون المنقسم جسما لا ~~جوهرا، وبحكم ذلك يمتنعون عن إطلاق اسم الجوهر (كما يطلقه الفلاسفة) على (الله) ~~المبدأ الأول». # 13 # وابن سينا، بعد أن عرف الجوهر بأنه الموجود لا في موضوع، وينبه على أن ~~اللفظ مشترك، يقول (في رسالة الحدود) إن هذا اللفظ: «يقال بالذات لكل شيء كان، ~~كالإنسان أو كالبياض، وإن كان موجود، وإن كان كالبياض والحرارة والحركة، فهو جوهر.» ~~كيف يكون ذلك وهذه أمثلة للعرض ؟ كيف يمكن الجمع في مدلول واحد بين الإنسان والبياض؟ ~~وقال ابن رشد مثل هذا، وفسره كما يلي: «إن هذا إنما يسمى جوهرا بالإضافة لا ~~بالإطلاق، ولم يضع واحد العرض من جهة ما هو عرض جزءا وجوهرا، بل من جهة ما ظن أنه ~~معرف ذات الجوهر المشار إليه، فمن رأى أن كليات الشيء هي التي تعرف ماهيته، أو أنها ~~الأبعاد الثلاثة، أو أنها أجزاء لا تتجزأ، أو أنهما المادة والصورة، رأوا أنها أحق ~~باسم الجوهر من الشيء المشار إليه، إذا كان من المستحيل أن يكون أوائل الجوهر ~~واسطقساؤه (أي أجزاؤه) ليس بجوهر؛ فإن الشيء الذي هو سبب لأمر ما أحرى بذلك الأمر ~~الذي هو له سبب.» # 14 # وفي العصر الحديث نجد ثلاثة تعريفات مشهورة: أولها تعريف ديكارت القائل: إن ~~الجوهر «هو الذي يوجد بحيث لا يفتقر في الوجود إلا لذاته». هذا التعريف مدعاة للبس، ~~فقد يعني: «ما لا يفترق لموضوع أو محل لكي يوجد»، وهذا معنى مقبول. وقد يعني: «ما ~~لا يفترق لشيء آخر كعلة لوجوده»، وهذا معنى يستتبع إما أن الجواهر موجودة بذاتها، ~~ومن ثمة إلهية، أي يستتبع وحدة الوجود، أو أن اسم الجوهر يجب أن يقصر على الله، ~~وحينئذ تكون الموجودات أعراضا لله، فنقع في وحدة الوجود كذلك. وفعلا استدرك ~~ديكارت قائلا: «بدقيق العبارة الله وحده هكذا.» ms126 # 15 # التعريف الثاني هو الذي يؤسس عليه سبينوزا مذهبه في وحدة الوجود، ويفتتح به كتابه ~~«الأخلاق» حيث يقول: «الجوهر هو الشيء الموجود في ذاته والمتصور بذاته، أي الشيء ~~الذي لا يفترق تصوره إلى تصور شيء آخر.» وهذا خلط بين الوجود في الذات والوجود ~~بالذات، وخلط بين الوجود في الذات وبالذات وبين المتصور بالذات؛ إذ قد يكون الشيء ~~في ذاته وبذاته ولا يتصوره بذاته بل بواسطة معنى آخر أو معان أخر كما يجري لنا في ~~حق الله. # والتعريف الثالث شائع لدى الحسيين وكنط ومن جاء بعده من التصوريين، وهو قولهم: إن ~~«الجوهر فكرة محل أو موضوع ثابت الكيفيات متغيرة». يقولون إنه فكرة أو معنى، فلا ~~يعتقدون بموضوعيته، مع فارق في تفسير أصل هذه الفكرة: الحسيون يفسرونه بأن الذهن ~~يلاحظ توزع الإحساسات في مجموعات وتلازمها فيها، فيعتاد اعتبارها شيئا واحدا يدل ~~عليه بلفظ واحد، كالإنسان والفرس والشجر، دون أن يدري لتوزيع الإحساسات وتلازمها ~~علة ما، فيقدر له أساسا ويسميه بالجوهر. فهم يكررون هنا ما يقولونه في سائر ~~المعاني. ويذهب كنط إلى أن المعاني، ومنها معنى الجوهر، أمور لا ينالها الحس، ~~ولكنها غريزية في العقل نستخدمها لتنظيم التجربة، ونستدل عليها برسوم خيالية، ~~والرسم الخيالي للجوهر: «بقاء كمية المادة»، وبتعبير آخر: تلازم الإحساسات كما يقول ~~الحسيون. وهذا يقودنا إلى الفحص عن قيمة معنى الجوهر، فنقول: # محال أن يكون الجوهر فكرة ذاتية لا غير كما يدون؛ فإن الظواهر موجودة، وشرط ~~الموجود موجود. محال عدم الإقرار بفاعل للفعل ومظهر للظاهرة. وإذا كان الجوهر مجرد ~~فكرة ناشئة عن تلازم الظواهر أو بقاء كمية المادة، أفليس هذا التلازم أو هذا البقاء ~~بحاجة إلى تعليل؟ ولكنهم لا يدرون له تعليلا، وإذا كان الجوهر عبارة عن جملة ~~ظواهر، فأين توجد الظواهر؟ هل هي موجودة بذاتها؟ إنها إذن جواهر، أم هي موجودة في ~~غيرها؟ إن هذه الأغيار إذن جواهر، وإلا تداعينا إلى ما لا نهاية. إنهم يخطئون في ~~تصور الظواهر خطأ ساذجا للغاية: فإن الحواس تدرك الكيفيات لا قائمة بذاتها، بل ms127 ~~متشخصة في موضوع؛ إذ ليس يوجد «بياض» (مجرد)، بل يوجد «أبيض» (مشخص)، أعني حصول ~~البياض للشيء الذي يصير به أبيض. ولذا كان للإحساس مقدار كما يقرره علم النفس، ~~فيبدو اللون ممتدا بالغا ما بلغ صغره، ويبدو الصوت كميا؛ بحيث إذا أردنا أن ~~نعبر عن الواقع تعبيرا صادقا، لم نقل إن الحواس تدرك اللون والشكل والصوت والطعم ~~والرائحة والحرارة، وإنما قلنا إنها تدرك المتلون والمتشكل وذا الصوت وذا الطعم وذا ~~الرائحة والحار ... وما إلى ذلك، دون أن تميز أول الأمر العرض من الجوهر، ولكن العقل ~~يميز؛ إذ يرى الشيء باقيا هو هو في طبيعته بينما الأعراض تتغير، فيعلم أن جوهر ~~الشيء متمايز من أعراضه حقا . # ويخطئ الظاهريون في تصور العرض إجمالا؛ فإنهم يتخيلونه كما يرون اللون مثلا ~~واردا على الشيء من خارج وملصوقا به، ويظنون أننا نحن الذين نفترض له موضوعا أو ~~محلا خاليا. والحقيقة أن الجوهر أو الشيء أو الموجود يتكون ويدوم معه أعراضه ~~يظهر بها وفيها، فنعرفه في نوعه وشخصه بها وفيها؛ إذ إنها «ظواهره» وليست حجبا ~~تخفيه وتخدع عنه. والحقيقة أن العرض صادر عن الجوهر ومقبول فيه صدورا وقبولا ~~ذاتيا، كما نرى الأشياء من جامدة وحية تظهر طبعا بأعراض خاصة، وحتى حين يكون ~~العرض مقبولا من خارج، كلون الذي ينتقل من مناخ إلى آخر، أو طعم النبات والحيوان ~~يتغير بتغير الاستنبات والمأكل والبيئة، أو كالعلم يلقنه المعلم، فإن الجوهر يتمثله ~~ويجعله جزءا من ذاته. فليس حدوث العرض في الجوهر كوقوع لون صناعي على سطح الشيء، ~~ولكنه فعل ذاتي للجوهر. # هذا الذي تحسه الحواس ويعقله العقل، يتأيد ويتضح إلى أبعد حد بالولوج إلى «الأنا» ~~الذي هو الجوهر المدرك بالوجدان: فليس من ينكر أننا نضيف ظواهرنا الوجدانية إلى ذات ~~ثابتة هي «الأنا» حتى في الحالات المسماة بأمراض الشخصية. فالتغيرات النفسية تبدو ~~لنا لا كأنها مطلق ظواهر بل على أنها ظواهرنا نحن تتعاقب مع بقاء شخصيتنا، فندرك ~~الأنا تارة حاسا وطورا عاقلا أو مريدا أو منفعلا أو متخيلا أو متذكرا. ~~فاعجب ms128 للظاهريين يدعون أنهم لا يقرون إلا بالتجربة ثم يكابرون في شهادة الوجدان ~~هذه: لم تكون شهادته أقل صدقا في إدراك بقاء الشخصية منها في إدراك تعاقب ~~الظواهر؟ إن الشواهد على بقاء الشخصية كثيرة واضحة كل الوضوح: فالعادة، سواء أكانت ~~جسمية أم ذهنية، تكتسب بتكرار الفعل، ولا يفيد التكرار إلا إذا حدث في ذات بعينها، ~~والذكر والتذكر يدلان على أن هناك ذاتا بعينها تستعيد الماضي وتصل بينه وبين ~~الحاضر، وإلى الذكر والتذكر يرجع تداعي الصور الذي يعولون عليه أكبر التعويل، ~~كما يرجع الشعور بالتبعية. إن الظاهرية عبارة عن إلغاء الحياة الوجدانية؛ فإن هذه ~~الحياة قائمة على الثبات والاستقرار، ولولاهما لما أمكن أن توجد ظواهر متنوعة ~~متغيرة. # ولنا على الظاهريين شاهد من أنفسهم: فقد حاروا في تفسير «الوهم والجوهر» كما ~~يقولون، فتساءل ديفيد هيوم: إذا كانت الإحساسات والأفكار منفصلة مستقلة، فكيف يمكن ~~أن يوجد بينها مبدأ ارتباط؟ ثم قال: إن هذه مسألة مستعصية على فهمه. وقال ستوارت ~~مل: إن سلسلة الظواهر الباطنة تعرف ذاتها ماضية ومستقبلة، فنضطر للاعتقاد بأن النفس ~~أو الأنا شيء آخر غير السلسلة، فنقع في تناقض. فهم ينكرون الجواهر ويجوهرون ~~الظواهر، فيجتمع لهم جواهر كثيرة لأنهم لم يريدوا أن يعتقدوا بجواهر قليلة! ~~(4) الماهية والوجود # الموجود الحادث أو المخلوق، كما أنه مركب من فعل وقوة، ومن جوهر وعرض، فهو مركب ~~من ماهية ووجود. وهذا التركيب الأخير أعمق وأدق على التصور. وله تاريخ إن تتبعناه ~~وقفنا على منشأ النظرية المقصودة به، ومراحل تكوينها، ووجوه إنكارها، فاتضحت أكثر ~~من اتضاحها بالتفسير والتدليل، أو جاء التفسير والتدليل في سياق العرض التاريخي ~~فكانا أقرب تناولا. نقول إذن: # لعل أفلاطون أول من التفت إلى النسبة بين الوجود والماهية، دون أن يبين المسألة ~~لذاتها، ودون أن يتبين ما يستتبعه. ذلك بأن الجسميات عنده «مشاركات» في المثل، ~~فوجودها ليس لها بذاتها، وإلا لكانت دائمة ثابتة كالمثل، من حيث إن الماهيات بمعزل ~~عن الزمان والتغير، والمثل أنفسها إن اعتبرناها موجودات مطلقة بناء على بعض ~~النصوص، كان وجودها لها ms129 بذاتها غير متمايز من ماهياتها تمايز وجود الجسميات من ~~المثل؛ وإن جعلناها مصنوعة من مثل الخير بناء على نصوص أخرى، رجع حكمها إلى حكم ~~الجسميات فوجد فيها ذلك التمايز لأن وجودها منحة من مثال الخير وتحقيق لماهياتها. ~~والآلهة المنوعون من الإله الصانع للكون، وجودهم متمايز من ماهيتهم كذلك؛ لأنه وجود ~~ممنوح، وفي الإله الصانع للكون الوجود ذاتي للماهية. هذه الحالات مستخلصة اجتهادا ~~من مواقف أفلاطون، وهي تعود إلى اثنتين: حالة الموجود بذاته، وليس فيه تمايز بين ~~وجوده وماهيته، وحالة المصنوع، وفيه ذلك التمايز. # بيد أن أفلاطون لم يلتفت إلى نتيجة بالغة الأهمية، وهي أنه إذا كان الثبات الدائم ~~موجودا بذاته، فيتعين أن تكون المادة المتغيرة موجودة بغيرها، وهو يعتبرها موجودة ~~بذاتها منذ الأزل، ويعتبر علامة تبعيتها للإله الصانع أنه نظمها بعد اضطراب وفوضى، ~~لا أنه خلقها أيضا. واليونان على العموم لم يعرفوا فكرة الخلق، فالإله الصانع لا ~~يمنح مطلق الوجود، بل يطبع في المادة الموجودة بذاتها أشباها أو أشباحا ~~للمثل. # وقد تقدمت المسألة مدى فسيحا بفضل أرسطو؛ إذ كان أول من وضعها وضعا صريحا، ~~وأول من ميز بين الوجود والماهية، ولكن في الذهن وفي المنهج العلمي فقط، ثم انساق ~~إلى عين النتائج لاتفاقه مع أستاذه في غيبة فكرة الخلق وفيما تستتبعه هذه الغيبة من ~~إثبات أزلية العالم. فمن الناحية التمييز بين الماهية والوجود، يجعل منهما مطلبين ~~مختلفين للعلم: مطلب ما؛ أي: ما الشيء الذي هو موضوع العلم، ومطلب هل؛ أي: هل ~~الموضوع موجود؟ ويعلن أن الوجود لا يدخل في تعريف الماهية، وأننا ندرك ما الإنسان ~~أو ما المثلث، دون حاجة إلى إدراك وجودهما بالفعل. وينبه على أن العلم بوجود ~~الموضوع يجب أن يقدم على تعريف الموضوع، أي على العلم بماهيته إذ كان الموضوع غير ~~موجود، كالغول أو العنقاء، لم يبق هناك من معنى لتعريفه، أو جاء التعريف منصبا ~~على الاسم فقط كما نعينه تعيينا عرفيا، لا على شيء موجود أو ممكن الوجود. هذا ~~إذن تمييز حاسم، # 16 # بيد أنه لا ms130 يعدد الوجهة المنطقية. # فإذا ما قبلنا على الوجهة الميتافيزيقية أو الوجودية، ألفينا أرسطو يوحد بين ~~الماهية والوجود في وجود جميع مراتب الموجودات، وهذه المراتب عنده ثلاث: المرتبة ~~العليا تشمل الآلهة محركي الأفلاك، وهؤلاء عقول مفارقة للمادة أي أرواح بسيطة بريئة ~~من كل تركيب، فهم موجودون بذواتهم أزلا أبدا، فلا تمايز فيهم بين ماهيتهم ~~ووجودهم. والمرتبة التالية تضم الأفلاك، وهذه مركبة من نفس ناطقة ومن الجرم الذي ~~نراه: النفس الناطقة روحية، وحكمها حكم المحركين، وجرم الفلك عنصر واحد هو الأثير ~~لا يكون ولا يفسد، فهو ثابت، أزلا أبدا، وإذن فالأفلاك موجودة بذاتها، فلا تمايز ~~فيها بين ماهية ووجود. # هل نجد هذا التمايز في المرتبة الأخيرة المحتوية على الأجسام الكائنة الفاسدة تحت ~~فلك القمر، وهي مركبة من صورة ومادة وأعراض، ومنحلة من هذا التركيب بعد وقت، فيبدو ~~أن الوجود فيها متمايز من الماهية؟ لكن لا، فإنها كانت موجودة بأنواعها منذ الأزل، ~~لم يخلق هذه الأنواع خالق ولم يصنعها صانع، بل يتكون أفرادها بتأثير الحركات ~~السماوية والأرضية: المادة غير متكونة ولا مندثرة، وإذن فهي موجودة بذاتها، والصورة ~~«مطوية في قوة المادة» متى ظهرت كانت منبع وجود، وكان اتحادها بالمادة اتحاد فعل ~~بقوة، وكانت هذه الأجسام كأنها موجودة بذاتها من جراء أن العنصرين المركبة منهما ~~موجودان بذاتهما، فلا تمايز فيها بين ماهية ووجود، على حين أنه يمكن إثبات هذا ~~التمايز تبعا لفلسفة أفلاطون بالرغم من قيام المادة بذاتها، وذلك لوجود الصور عن ~~المثل، أو عن صنع الإله الصانع طبقا للمثل، وقد أبطل أرسطو وجود المثل فأبطل تبعية ~~الأجسام التي تحت فلك القمر، أو هو لم يدع لها سوى تبعية للحركات السماوية والأرضية ~~تخرج بها من القوة إلى الفعل، أو تتطور بها. # هل نقول إن تمايزا بين الماهية والوجود يظهر في الصورة العرضية من حيث إنها ~~طائرة على الجوهر مفارقة له أو قابلة للمفارقة؟ كلا، فإن اتحادها بالجوهر كاتحاد ~~الصورة الجوهرية بالمادة، فيظل الجوهر واحدا تمام الوحدة، وإن تمايز العرض من ~~الجوهر ففي الذهن فقط ms131 لا في الوجود الواقعي. # ومنذ القرن الثاني للميلاد حمل المفكرون المسيحيون على مقدمات الفلاسفة اليونان ~~ونتائجها. فقد قرأوا في مفتتح سفر التكوين الذي هو مفتتح التوراة: «في بدء خلق الله ~~السماوات والأرض»، فعرفوا أن الله خالق الأشياء، أي موجدها مادة وصورة، وموجدها ~~بعد أن لم تكن موجودة. وقرأوا في سفر الخروج (الفصل الثالث، الآية 14) أن موسى ~~التمس من الله أن يفصح له عن اسمه كي يبلغه إلى بني إسرائيل فقال الله: «أنا ~~الموجود، كذا قل لبني إسرائيل: الموجود أرسلني إليكم.» وقرأوا في سفر ملاخي (الفصل ~~الثالث، الآية 6): «قال رب الجنود (السموية): أنا هو الرب ولا أتغير.» وقرأوا في ~~آيات أخرى كثيرة عن الله وصفاته، فعلموا أن الله واحد ليس غير، وأنه هو الموجود ~~الوحيد القيوم الذي وجدوه بذاته، وما عداه فوجوده به، وأنه ثابت لا يطرأ عليه تحول، ~~وما عداه هو الذي يعتريه التحول، فكان الثبات أخص صفات الله في نظرهم، وكانت ~~الصيرورة أخص صفة للمخلوقات. ولقد ألحوا في تأييد هذه المعاني وفي نقد الآراء ~~اليونانية، وكان القديس أوغسطين (354-430) أبرعهم تأييدا وأشدهم نقدا. # وجاء بويس (470-525) فتعمق المسألة لتحديد وجه التمايز بين الله والمخلوقات، فرآه ~~في بساطة الله وتركيب المخلوقات، وبين ذلك تبينا غدا معه هذا التمايز ~~مرعيا في علم اللاهوت من عبده، قال: «الجوهر الإلهي صورة من مادة، ومن ثمة هو ~~واحد (غير مركب في ذاته)، وهو ما هو أي عين ماهيته، وسائر الموجودات ليست هي ما هي ~~أي عين ماهيتها؛ لأنها مركبة، كتركيب الإنسان مثلا من نفس وجسم، فليس الإنسان أحد ~~هذين الجزأين دون الآخر، وإذن فمن وجه ليس هو ما هو.» في هذا النص الملخص لرأيه لا ~~يظهر أن الوجود مقصود كجزء من مركب، وإنما المقصود الماهية المركبة في ذاتها ~~المتمايزة (باعتبارها ماهية تامة) من أي جزء من أجزائها. فقوله: إن الجوهر المخلوق ~~ليس هو ما هو، يعني أنه لا يتوحد مع الصورة التي تجعله ما هو، وأنه معروض لأعراض ~~تزيد في تركيبه، وليس الوجود مذكورا ms132 بين هذه الأعراض. والوحدة التي يثبتها الله هي ~~توحد الجوهر الإلهي مع الصورة أو الماهية الإلهية. والتمايز الذي يضعه في المخلوق ~~تمايز بين الجوهر والصورة. # ثم كانت للمفكرين الإسلاميين جولات في هذا المضمار، فقد قرأوا أيضا أن الله خالق ~~وأنه هو القيوم. ففهم المتكلمون منهم أن العالم حادث أوجد بعد عدم، واستنتج فريق ~~منهم أن وجود المخلوق غير ماهيته»؛ قالوا: «إن وجود السواد زائد على كونه سوادا، ~~وإنه يجوز خلو تلك الماهية من صفة الوجود، وإن المعدومات الممكنة قبل دخولها في ~~الوجود ذوات وأعيان وحقائق، وإن تأثير الفاعل ليس في جعلها ذوات، بل في جعل تلك ~~الذوات موجودا.» # 17 # وفهم الفلاسفة منهم أن الخلق لا يستلزم أزلية العالم ، وأزلية العالم لا ~~تغني عن علة أزلية؛ إذ إنه ممكن، وإن الوجود الممكن علة لا محالة. فقال ابن سينا: ~~كل وجود فإما واجب وإما ممكن، ووجود كل ممكن الوجود هو من غيره، وليس لكل ممكن علة ~~ممكنة بلا نهاية، بل إن الممكنات تنتهي إلى علة واجبة الوجود؛ فوجود الممكن في ~~الأعيان أو في الأذهان معنى مضاف إلى حقيقته. # 18 # وقد غلا ابن سينا في التمييز بين الماهية والوجود حتى جعل من الوجود في ~~الموجود الممكن عرضا للماهية. # وقد عارض ابن رشد هذه النظرية معارضة شديدة. إنه لم يعن بمعالجة المسألة بأطرافها ~~دفعة واحدة، ولكنه عرض لها كلما سنحت له الفرصة، وفي كل مرة يعنف صاحبها تعنيفا ~~أليما. قال: «العدم ليس فيه إمكان أصلا.» # 19 # فاستبعد تلك الفكرة الغريبة التي خطرت لبعض المتكلمين من أن للممكن ~~والمعدوم ضربا من الوجود هو وسط بين مطلق اللاوجود ومطلق الوجود، وذلك لتفسير ~~الخلق «من العدم» على اعتبار أن حرف «من» يفيد أخذا من شيء وأن المأخوذ منه موجود ~~على نحو ما. قال: «الوجود عند ابن سينا عرض لاحق للماهية ... وقد غلط في هذا غلطا ~~كثيرا؛ إذ يسأل عن ذلك العرض، إذا قيل فيه إنه موجود، هل يدل على عرض موجود في ~~ذلك العرض، فتوجد أعراض لا ms133 نهاية لها، وذلك يستحيل.» # 20 ~~«ولكن هذا شأن هذا الرجل في كثير مما يأتي به من عند نفسه»، # 21 ~~«فإن دل (الوجود) على معنى زائد على الذات، فعلى أنه معنى ذهني ليس له ~~خارج النفس وجود إلا بالقوة»، # 22 # فإن «الوجود في البسيط هو نفس الماهية»، # 23 ~~«وإن معطي الوحدانية، التي هي شرط في وجود الشيء المركب، هو معطي وجود ~~الأجزاء التي وقع منها التركيب؛ لأن التركيب هو علة لها»، # 24 # وإن «معطي رباط الأشياء المرتبطة بعضها مع بعض هو معطي الوجود»، # 25 # وإن «التركيب ليس هو مثل الوجود، بل مثل التحريك، أعني صفة انفعالية ~~زائدة على ذات الأشياء التي قبلت التركيب، والوجود هو صفة هي الذات بعينها، ومن قال ~~غير هذا فقد أخطأ». # 26 # ولما ترجم الغربيون إلى اللاتينية كتاب الشفاء لابن سينا، في أواخر القرن الثاني ~~عشر، وشروح ابن رشد على كتب أرسطو، في أوائل القرن التالي، واطلع فيها اللاهوتيون ~~على منطوق المسألة ومختلف الآراء، راقتهم نظرية ابن سينا واتخذوها أصلا يبنون عليه ~~ويفرعون منه، مع تفاوت في التعمق والإحكام. فكان القديس توما الإكويني أبعدهم ~~غورا وأسدهم رأيا كما كان شأنه في سائر المسائل، رأى في قسمة الموجود إلى واجب ~~وممكن رجوعا إلى التعريف الوارد في التوراة، وبيانا للفارق الأول الحاسم بين الله ~~والمخلوقات؛ لقيام هذا الفارق على أول المعاني وأشملها، وهو معنى الوجود، الله هو ~~العلية الأولى، والعلة الأولى موجودة بذاتها ضرورة، فلا تغاير في الله بين ~~ماهية ووجود، بينما المخلوقات ممكنات فقط، ليس الوجود متضمنا في ماهياتها، وإذا ~~أضيف إليها فالإضافة خارجة عن الماهية لا ذاتية لها. وآية إمكانها بادية فيها: ~~فإنها متغيرة قابلة للأعراض، والتغير انتقال من القوة إلى الفعل، وما يخالطه شيء ~~بالقوة فليس يوجد بذاته؛ لأن الموجود بذاته حاصل على كل وجوده فلا يتغير، ولو كان ~~وجودها من ماهياتها لوجدت دائما وعلى حال واحدة كالماهية. وقبل الأعراض لازم من ~~التغير، ونسبة القابل إلى المقبول كنسبة القوة إلى العقل. # وعلى ذلك يقر الإكويني ابن ms134 سينا على إثبات التمايز الحقيقي بين الماهية والوجود ~~في المخلوق، ويجد أنه كان قليل التوفيق في جعله الوجود عرضا للماهية، وفي تصوره ~~الإمكان كأنه قوة فعلية كأولئك الفريق من المتكلمين. فيقر ابن رشد على نقيض هاتين ~~الدعوتين، ويلاحظ أن الإمكان لا يعتبر وسطا بين العقل والقوة، وإنما هو قابلية صرف ~~للوجود، ووجوده متعلق بالإرادة الإلهية. وقد يجوز القول بمعنى واسع إن الوجود عرض ~~للماهية من حيث إنه غير داخل في حدها، إلا أن إضافة الوجود إلى الماهية تختلف عن ~~إضافة العرض إلى الجوهر: العرض وجه معين للجوهر، بينما الوجود تحقيق الجوهر ماهيته ~~وملابساتها، وفي الموجود المتحقق بالفعل، ليس الوجود والماهية شيئين تامين ~~متجاورين؛ إذ ليست الماهية موجودة دون الوجود، وليس الوجود شيئا ما دون الماهية، ~~وإنما الوجود فعلية الماهية، أي كونها بالفعل. فنسبة الوجود إلى الماهية نسبة فعل ~~إلى قوة، فاجتماعهما في المخلوق اتحاد تام يجعل منه كائنا ذا وحدة تامة من حيث إن ~~كلا منهما ضروري للآخر متمم له. وهذا تطبيق لنظرية الفعل والقوة بين أهميتها ~~الجلية. # ذلك رأي القديس توما الإكويني في المسألة، فيه شيء من أوائل المفكرين المسيحيين، ~~وشيء من ابن سينا، وشيء منه هو. إن فكرة الخلق هي التي أثارتها ووجهت إلى هذا الحل. ~~لذا لم تخطر للفلاسفة القدماء، أو لم تخطر إلا للذين منهم اعتقدوا بالحدوث في ~~الموجودات وبالقدر الذي تصوروه منه فيها، كما رأينا أفلاطون يتبع الآلهة والماديات ~~لصنع الإله الصانع من مادة موجودة بدونه. ولذا لا يثيرها أصحاب وحدة الوجود إلا ~~قالوا: إن تمايز الوجود والماهية هو في الذهن فقط، من حيث إنهم لا يميزون بين خالق ~~ومخلوق إلا تمييزا ذهنيا، وإنهم يؤلهون الوجود أجمع فيمحون الحدوث ويحلون الوجوب ~~في كل ماهية. ولذا أيضا لا يثيرها أصحاب المذهب الحسي أو الاسمي، من حيث إن ~~التمييز الحقيق بين الماهية والوجود أعمق من أن يظهر للحواس، ولا ينفذ إليه إلا ~~العقل الذي ينكرونه. فهذه المسألة تطبيق فلسفي لعقيدة الخلق، وبيان لتركيب المخلوق ~~وتبعيته في مقابلة ms135 بساطة الخالق واستقلاله. هي إحدى المسائل العقلية التي كان العقل ~~غافلا عنها، فنزل بها الوحي، فعالجها العقل بتطبيق نظرية الفعل والقوة من جهة ~~الوجود، فحصل على تركيب في المخلوق هو أعمق وأسبق كل تركيب، ودخلت المسألة هكذا في ~~عداد المسائل العقلية، واستغنت عن شهادة الوحي في إثارتها وفي تأييدها. # هذا وقد خاض فيها بعض الفلاسفة المعاصرين من الوجوديين الملحدين الماديين، ولكن ~~مع العبث بلفظ الماهية بنقله من معناه المتعارف إلى معنى الشخصية، فخلطوا خلطا ~~غريبا. يقول «جان بور سارتر»: إن الاعتقاد بإله خالق هو الذي يوحي بفكرة الماهية ~~النوعية وفكرة سبقها على الوجود، من حيث إن الخلق تحقيق شيء معلوم أولا. أما الذي ~~لا يؤمن بالله ولا بالماهيات النوعية (مثله هو) فإنه يسلم بهذا السبق للموجودات ~~الخاضعة خضوعا تاما للإنية الطبيعية والتي نجدها معينة في كيانها وأفعالها، ولا ~~يسلم به بالنسبة للإنسان، فإن في الإنسان، وفيه وحده، عدم تعيين يتعين بفعل حريته ~~فيكون الشخصية الخاصة بكل فرد من الأفراد والتي هي ماهيته. وبهذا المعنى يكون ~~الوجود سابقا على الماهية، أي إن الإنسان يوجد ثم يصير جبانا أو جسورا، أمينا ~~أو خائنا، عالما أو جاهلا ... إلى آخر ما يتعين به كل فرد. تلك هي الماهية حتى ~~اطرحنا جانبا الماهية النوعية المشتركة بين كثيرين والمستلزمة عقلا يعلمها وإرادة ~~توجدها، وظاهر أن هذا ليس هو المقصود بمسألتنا الميتافيزيقية. ~~(5) العلة الفاعلية # القسمة السابقة إلى ماهية ووجود تقودنا رأسا إلى قسمة الوجود إلى علة ومعلول: ~~ذلك بأنه متى انقسم الوجود إلى واجب بذاته ووجوده عين ماهيته، وإلى ممكن بذاته مركب ~~من ماهية ووجود مفتقر إلى موجد؛ كان لكل موجود علة وجود إما ذاتية وإما خارجية. ~~والإيجاد أو التحقيق أشهر معنى للعلية، ولكنه ليس المعنى الأوحد، ولا المعنى الأول ~~أو الأعم. فالمعنى الأول والأعم أن العلة أو السبب (والاسمان مترادفان) «ما يلزم ~~عنه شيء ما». وبهذا المعنى الأعم تنقسم العلة إلى منطقية ووجودية. # العلة المنطقية تبدو واضحة في القياس والاستقراء حيث المقدمتان علة النتيجة: متى ~~اجتمعتا ms136 في العقل لزمت عنهما النتيجة، أي صدرت عنهما ضرورة، فكانت معلولة لهما تبدو ~~كذلك في ارتباط خصائص الموجود بماهيته وتفسير الماهية للخصائص. مثل مساواة زوايا ~~المثلث القائمتين، فإنها لازمة عن ماهية المثلث، وبهذه الماهية يبرهن عليها؛ ومثل ~~العلم والفن والدين فإنها لازمة عن وجود العقل في الإنسان وتفسر به. # والعلة الوجودية: «كل ما يشارك في إيجاد الشيء إما في ذاته أو في وجوده»، فمن حيث ~~ذاته نطلب تعليله بمادته وصورته، وهذا واضح في الصناعيات؛ إذ إننا نفسرها بالمادة ~~المركبة منها، مع الخواص الطبيعية لهذه المادة، وبالصورة أي بهيئة أجزاء المادة، ~~وتركيبها بعضها مع بعض، وتفاعلها بفضل هيئتها وتركيبها. بل هذا واضح نفس الوضوح في ~~الموجودات الطبيعية المركبة، كأجساد الأحياء تفسرها الفسيولوجيا بالمادة والصورة ~~على النحو المتقدم. فالمادة والصورة علتا طبيعة الشيء تجعلانه على ما هو عليه، ومن ~~حيث وجوده نطلب العلة التي حققته، وهذه هي العلة الفاعلية تدل عليها، بقولنا: «كل ~~ما يظهر للوجود فلظهوره علة»، وهذا أدق من قول القائلين: «لكل معلول علة»؛ فإن لفظ ~~«المعلول» يتضمن معنى العلة، وهذا دور منطقي أو مصادرة على المطلوب. ويستقيم القصد ~~إذا عنينا بلفظ «المعلول» ما ليس له بذاته علية ذاته، أي الممكن الذي شأن ~~المعلولية. وأخيرا العلة الفاعلية لا تفعل إلا إذا حملت على الفعل بغاية تحققها، ~~فالغاية علة من حيث إنه لولاها لما فعل الفاعل. # هذه أربعة أنحاء من العلية: تختلف فيما بينها اختلافا كليا، ولو أن كل ~~علة هي علة المعلول بأكمله، ولكن على وجه خاص يستحيل معه أن تقوم إحداها مقام ~~الأخرى، ويتفق في صفة مشتركة تجعل كل واحدة منها علة، وهذه الصفة هي «التأثير»، ~~ولكن على نحو خاص بكل منها: فالعلة الغائية تؤثر في العلة الفاعلية بالجذب أو ~~الإغراء، والعلة الفاعلية تؤثر بالفعل والإيجاد، والعلتان المادية والصورية تكونان ~~الماهية أو الطبيعية. وعلى ذلك فاسم العلة من الأسماء التي تقال بطريق التناسب، أي ~~باتفاق من وجه واختلاف من وجه. ولما كانت المادة والصورة متعلقتين بالماديات، كان ~~محل الكلام ms137 عنهما في الفلسفة الطبيعية التي نعرض لها في الكتاب التالي. أما الفاعل ~~والغاية فيمتدان إلى كل موجود، فيرجعان إلى هذا المحل، الذي يضم المعاني المتعلقة ~~بمطلق الوجود، ولقد كان كلاهما هدفا لحملات عنيفة التقت فيها المذاهب والأدلة في ~~العقل وفي الوجود، فالخوض فيهما تلخيص لهذا الكتاب برمته. # هذا المبدأ البديهي الذي نطبقه عفوا وبلا انقطاع، ونبني عليه جميع شئوننا من ~~مادية ومعنوية، قد حمل عليه جمع من الفلاسفة الحسيين والتصوريين، وبذلوا أقصى ما ~~يستطاع بذله من دقة التحليل وبراعة النقاش في سبيل إبطال قيمته وتفسير منشئه. وها ~~نحن أولاء نستعرض حججهم ونرد عليها، وفي هذا الرد نجلو معنى العلية الفاعلية ~~ونوطد الثقة بموضوعيته. الحجة الأولى: تاريخيا ومنطقيا، تلك التي قدمها ~~أناسيداموس، أحد أقطاب قدماء الشكاك، قال: الجسم لا يحدث جسما؛ إذ يستحيل أن يحدث ~~شيء لم يكن موجودا وأن يصير اثنين بعد أن كان واحدا. ولا يحدث اللاجسمي ~~لاجسميا؛ وذلك لنفس السبب، ولسبب آخر هو أن الفعل والانفعال يقتضيان المماسة، ~~واللاجسمي منزه عنها. ولا يحدث الجسم لاجسميا ولا اللاجسمي يحدث جسما؛ ~~لأنهما متغايران، لا الجسم يحتوي طبيعة اللاجسمي، ولا اللاجسمي يحتوي طبيعة الجسم، ~~فالعلية ممتنعة. هذه الحجة ترجع إلى قدماء الطبيعيين وبارمنيدس وبروتاغوراس ~~وسائر الذين لم يميزوا بين الفعل والقوة، فلم يفطنوا إلى إمكان إحداث جسم جسما، ~~وأن يحدث لاجسمي لاجسميا؛ لتكافؤ الطرفين ولإمكان احتواء العلة على المعلول ~~احتواء بالقوة. وإذا سلمنا أن الجسم لا يحدث لاجسميا، فلسنا نسلم أن اللاجسمي لا ~~يحدث جسميا؛ فإن الأعلى إذا لم يحتو على الأدنى بالفعل، فقد يحتوي عليه بالقوة، ~~وقد يحدثه دون حاجة إلى مماسة. وعلى كل حال تكفي كلمة واحدة لاستبعاد هذه الحجة: ~~وهي أنها تنفي التغير من الوجود، والتغير واقع ولا يفسر إلا بالعلية. # وقد جمع هيوم الحجج، كما جمعها من قبله مالبرانش؛ قال: إن مبدأ العلية لا ~~يستنبط استنباطا مستقيما من مبدأ عدم التناقض، وإذن فهو ليس أوليا. وهذه حجة ~~مقدمها حق وتاليها باطل؛ وذلك لأن مبدأ العلية يستند على ms138 مبدأ عدم التناقض ~~استنادا غير مستقيم أو بالرد إلى الخلف من جهة أن إنكاره زعم بأن شيئا يوجد دون ~~أن يكون له ما به يوجد؛ وهذا تناقض صريح. # ولكن هيوم يعتبر هذه الحجة قاطعة، فيرتب عليها حجة أخرى هي أن ربط مبدأ ~~العلية بمبدأ عدم التناقض مصادرة على المطلوب. وذلك أن أنصار العلية ~~يقولون: إن الشيء الذي يظهر للوجود إنما يظهر عن علة، وإلا كان علة نفسه؛ وهذا ~~محال، أو كان معلولا للعدم، وهذا محال أيضا. وهم لا يفطنون إلى أن هذا التدليل ~~على العلية يعتمد على العلية نفسها، أي إنه يفترض المطلوب الذي هو ضرورة ~~العلة؛ إذ يجب التدليل على هذه الضرورة قبل الاحتجاج ببطلان وضع العلية في ~~الشيء الذي يظهر للوجود أو في العدم. وجوابنا أن لا وجه للظن بأن في هذه القسمة ~~التي يعول عليها برهان الخلف مصادرة على المطلوب؛ إذ إن النظر ههنا واقع على عين ~~الوجود، أي على موجود يظهر للوجود، فهو بهذا الاعتبار لا يظهر بنفسه، ولا يفعل ~~العدم، فيبقى أنه يظهر بفعل موجود آخر هو علته. وهذه القسمة أولية إطلاقا لأولية ~~معنى الوجودي واللاوجود المركب منهما مبدأ عدم التناقض الذي هو مبدأ أول بلا ~~منازع. # وتفاديا لشبهة المصادرة هذه ندلل على مبدأ العلية على الوجه الآتي: إن ~~إنكار هذا المبدأ يعدل إثبات أن الحدث، وهو الموجود بذاته، يمكن أن يكون غير محدث، ~~وغير المحدث موجود بذاته، فيخرج لنا أن الموجود الحادث غير المحدث هو موجود بذاته ~~ولا بذاته في آن واحد، وهذا خلف. # ويرتب هيوم نتيجة أخرى على استحالة استنباط مبدأ العلية من مبدأ عدم التناقض ~~استنباطا مستقيما، فيقول: وإذن فمعنيا العلة والمعلول متغايران، ويستحيل أن نعلم ~~العلة من المعلول أو المعلول من العلة علما مبدئيا أي قياسيا، إنما هي التجربة ~~التي تعرض علينا الظواهر متعاقبة. ومتى كان معنيا العلة والمعلوم متغايرين، فمن ~~السهل علينا أن نتصور شيئا أيا كان كأنه غير موجود الآن وكأنه موجود في اللحظة ~~التالية، دون أن نرفق به ms139 معنى متميزا لعلة أو مبدأ محدث، فيكون الفصل بين معنى ~~العلة ومعنى بداية الوجود أمرا ممكنا. والجواب أن ههنا خلطا بين حالتين ~~مختلفتين: إحداهما مجرد تخيل شيء ما غير موجود ثم تخيله موجودا، والحالة الأخرى ~~مقارنة بين وجوده الآن وبين عدم وجوده في اللحظة السابقة. فما إن نعتقد هذه ~~المقارنة حتى نرى أن خروجه من اللاوجود إلى الوجود فعل علة بالضرورة. # قد تأثر كنط بنقد هيوم تأثرا قويا، فسلم بأن النسبة بين المعلول والعلة خارجة ~~عن مفهومهما، وأن التجربة هي التي تعرض علينا الحدين مرتبطين. ولما كانت التجربة ~~جزئية متغيرة، فهي لا تصلح أساسا للضرورة والكلية اللتين يدعيهما العلم. غير أن ~~كنط كان مقتنعا أشد اقتناع بقيمة العلم، مصرا كل الإصرار على إنقاذه من تشكك ~~الحسيين، وكان عارفا تمام المعرفة أن العلية دعامة القوانين العلمية، وأنه لو ~~كان منشؤها عادة متكونة بتكرار التجربة كما يقولون، لكان بالإمكان، وقد علمنا ذلك، ~~أن نرجع عن اعتقادنا بضرورتها، والواقع أن الاعتقاد بضرورتها مستمر غير منقطع. يبقى ~~أن هذه النسبة آتية من العقل، لا عقل مدرك كما تصوره أفلاطون وديكارت وليبنتز، ~~ويرفضه الحسيون بحق، بل عقل موقوف عند حده، مبرأ من دعوى إدراك الوجود، وظيفته ~~تأليف الأحكام الضرورية. # هذه الأحكام نوعان: أحكام تحليلية، وأخرى تركيبية. الأحكام التحليلية هي التي ~~محمولها مستفاد من تحليل معنى الموضوع، مثل قولنا: «قبلية»؛ لأنها تؤلف «قبل» ~~التجربة أي بدون معونتها، ولكنها أحكام تفسيرية فقط، لا يزيدنا المحمول فيها علما ~~بالموضوع، ولا تفيد في إقامة العلم، والعلم واقع على التجربة. # والأحكام التركيبية تؤلف بين حدين متغايرين مستفادين من التجربة مع نسبة بينهما ~~تبدو ضرورية، فحيث يؤدي إلينا الحس أن «الشمس تسطع وهذا الحجر يسخن»، يؤدي إلينا ~~العقل أن «ضوء الشمس يسخن الحجر»، أي إن العقل يزيد نسبة العلية على الظاهرتين ~~المحسوستين يربط بها بينهما برباط ضروري، فتسمى هذه الأحكام «بعدية»؛ لأنها تثبت ~~المحمول للموضوع أو تنفيه عنه تبعا للتجربة. # 27 # وعلى هذا الوجه يبرره الحكم العلمي، فلا إنكار للعلم كما ms140 ينكر الحسيون، ~~ولا دعوى النفاذ إلى بواطن الأشياء كما يدعي العقليون المسرفون، ولكن توسط بين ~~الفريقين، يحق شيئا عند كل منهما ويبطل شيئا، ويجمع بين ما يحق في مذهب ~~واحد. # ونحن نقول: ذاك وسط ظاهري لا حقيقي، وتلك تعريفات خاطئة وتحديدات ناقصة. فأولا ~~ليس بصحيح أن الحكم التحليلي هو الذي محموله مفهوم موضوعه وحسب، وإنما هو بنوع خاص ~~ذلك الذي يستخرج محموله بتحليل موضوعه في ذاته أو جوهره، من حيث إنه قد يكون ~~للموضوع خواص لازمة له كلزوم المحمول المذكور في مفهومه أو تعريفه، فتكون النسبة ~~بينها وبينه ضرورية أيضا. مثال ذلك ما نراه في الإنسان من علم ودين وأخلاق وفن ~~وضحك وصناعة وحضارة، فإن كل أولئك للإنسان بسبب كونه ناطقا، فتضاف إليه إضافة ~~ضرورية ولو لم تظهر في «النطق» الذي هو حد الإنسان، ولم نفكر فيها وقت تفكيرنا في ~~حد الإنسان. # ثانيا: إن الحكم التحليلي نوعان، لا نوع واحد فقط كما اعتقد كنط وسائر الفلاسفة ~~المحدثين؛ فإن هناك نوعا آخر من التحليل والأولية هو عكس النوع السابق وله عين ~~القوة، ونعني به تضمن المحمول للموضوع، كالفرد والزوج فإنهما قسما العدد ~~ويتضامنانه. وقد نبه أرسطو على النوعين، ودعاهما بالحمل الذاتي أي الإضافة الذاتية. # 28 # وقال ابن سينا: «الحمل الذاتي يقال على وجهين، فإنه إما أن يكون المحمول مأخوذا ~~في حد الموضوع، مثل الحيوان في حد الإنسان، وإما أن يكون المحمول مأخذوذا في حده ~~الموضوع أو جنسه، مثل الفطوسة التي يؤخذ في حدها الأنف، والمثلث الذي يؤخذ في حده ~~السطح.» وقال ابن رشد: «ما بالذات يكون في القضايا الحملية على وجهين؛ أحدهما أن ~~يكون المحمول مأخوذا في جوهر الموضوع، مثل النطق المأخوذ في جوهر الإنسان، والثاني ~~أن يكون الموضوع مأخوذا في جوهر المحمول، مثل وجود الزوايا المساوية لقائمتين في المثلث.» # 29 # ففي كل من النوعين يلزم التوحيد بين الحدين؛ لأن النسبة بينهما ذاتية. ~~وترجع العلية إلى النوع الثاني، ولئن لم تكن النسبة بين المعلول والعلة داخلة ~~في مفهوم العلة أو في ms141 مفهوم المعلول، كما يريد هيوم وكنط، إلا أنها لاحقة ضرورة ~~لوجود المعلول، من حيث إنه معلول لآخر ويستحيل وجوده من دون أن يكون معلولا، كما ~~يستحيل وجود إنسان غير ضحاك أو وجود مثلث لا تكون زواياه مساوية لقائمتين، فهناك ~~نسبة ضرورية بين ممكن الوجود وبين وجوده الفعلي متى وجد، وهذه النسبة تحليلية، ~~ورفضها رفض لمبدأ عدم التناقض كما تقدم. هي نسبته من المعلول إلى علته أو من ~~الخاصية إلى الماهية، بعكس النسبة من العلة إلى المعلول أو من الماهية إلى الخاصية، ~~والنسبتان ضروريتان لا فرق بينهما في الضرورة. هكذا يحل الإشكال الذي استعصى حله ~~على الكثيرين، وتثبت للعلية قيمتها المطلقة. # وكثيرون، من بينهم كنط، اعتقدوا أن مبدأ العلية، إن سلمنا به، يقضي بالرجوع ~~من علة إلى علة دون الانتهاء إلى علة أولى تكون التفسير الأخير للعلية. وفي هذا ~~الاعتقاد إيهام للمبدأ يعدل الإنكار؛ إذ إن عدم الوقوف عند حد في سلسلة العلل معناه ~~عدم الوصول إلى علة بمعنى الكلمة، أعني علة غير معلولة، وترك السلسلة معلقة. وهذا ~~مناف لمبدأ العلية؛ فإنه في الحقيقة يقتضي علة غير معلولة تكون بداية مطلقة ~~للعلية، ولا صعوبة في تصور مثل هذه العلة، بل إن كل علة فهي بهذه المثابة: أجل إن ~~العلة التي تقبل فعل علة أخرى لكي تصير فاعلة هي علة ناقصة تحدونا إلى التماس علة ~~لعليتها، لكنها من جهة ما هي علة وفاعلة لا تقبل فعل علة أخرى ولا تتغير، وإنما هي ~~تفعل بما لديها من قوة على الفعل، كالساخن حين يسخن والمعلم حين يعلم، فإن الفعل ~~تحقيق في المنفعل للقوة الفاعلية التي في الفاعل، وكل ما هنالك أن للعلة الأولى من ~~القوة وما يغنيها عن كل قوة سواها. فالتسلسل إنكار للعلية لا تطبيق لها كما يحسبون، ~~ومعنى المبدأ أن لكل ظاهرة علة، لا أن لكل علة علة. # بعد رد هذه المحاولات لتجريح مبدأ العلية، نسأل: كيف نحصل على هذا المبدأ؟ ~~إن خصومه مجمعون على أنه غير آت من التجربة، سواء الظاهرة ms142 والباطنة. وقد كان هيوم ~~أدقهم تحليلا وأكثرهم إسهابا بهذا الصدد، قال: إن التجربة تؤدي إلينا ظواهر ~~متعاقبة، ولا يشعرنا التعاقب بقوة فيما يسمى علة يحدث بها ما يسمى معلولا. ونحن ~~نعلم أن حركة أعضائنا تعقب أمر إرادتنا، ولا ندرك علاقة ضرورية بين الحركة والأمر، ~~ولا نشعر بأننا نستخدم الأعضاء المتوسطة بين أمر الإرادة والفعل، ولا نفهم كيف يمكن ~~لفعل ذهني كالأمر أن يحرك عضوا ماديا. فللتعبير عن الواقع لا ينبغي القول إن ~~هناك أحداثا، بل يجب الاقتصار على القول إن ظاهرة قد ظهرت. وأما أنها معلول أو ~~ليست معلولا، فهذه مسألة أخرى. وما معنى العلة سوى عادة ذهنية يولدها جريان ~~الظواهر، من خارجية وداخلية، وتحملنا على توقع ظاهرة معينة كلما أدركنا ظاهرة أخرى ~~معينة ارتبطت بها في تجربتنا الماضية، وما يزعم لها من ضرورة ناشئ من أن العادة ~~تجعل الفكر غير قادر على عدم تصور اللاحق وعدم توقعه إذا ما تصور السابق. بل ذهب ~~جون ستوارت مل إلى أن الإنسان المثقف المعتاد التجريد يستطيع أن يعود ذهنه تصور ~~أحداث تحدث بدون علة، وأن الذين يعتقدون بالمصادفة والقدر والمعجزة والحرية هم أناس ~~يعتقدون فعلا بعدم ضرورة العلة. # ولنا على هذه الأقوال ملاحظات: # فأولا: # أن معنى العلة يبدو أوليا في العقل سابقا على تكوين التجربة، ~~ونحن نرى الأطفال يسألون عن العلل وهم موقنون بأن هناك عللا، بحيث ~~يبدو الاعتقاد بالعلية واحدا عند جميع الناس وفي جميع ~~الأعمار، مع أن المذهب الحسي يقضي بأن تكون قوة العادة معادلة ~~لمبلغ التجربة. # ثانيا: # أننا في إبان تكوين التجربة لا نضع علاقة العلية بين كل ~~سابق وكل لاحق كيفما اتفق، ولكنا نسمي «عللا» بعض أشياء معينة، ~~ونسمي «معلولات» أشياء أخرى معينة، ولا نجد من أنفسنا القدرة على ~~عكس هاتين التسميتين: فلم هذا إلا أن يكون مفهوم العلية ~~متحققا في الطائفة الأولى، ومفهوم المعلولية متحققا في الطائفة ~~الثانية. # ثالثا: # محال أن يفلح إنسان في تصور أحداث تحدث بدون علة: فالمصادفة نفي ~~للقانون وليست نفيا للعلية؛ إذ إنها ms143 لا تعني أن الأحداث تخرج من ~~العدم، بل تعني فقط أن الأحداث تحدث بفعل علل غير مطردة ولا منسقة ~~فيما بينها. وليست المعجزة نفيا للعلية، ولكنها معلولة لإرادة ~~الخالق التي تقف فعل قانون طبيعي لغرض روحي أعلى. والحرية هي نفسها ~~علة الاختيار والتنفيذ. وأخيرا القدر إما أن يتصور قدرا إلهيا ~~فيرجع إلى العلة الإلهية، أو يتصور قوة عمياء فيكون قوة وعلة على ~~كل حال. وإذن فقد كان مل واهما حين اعتقد أن العلة غير المطردة ~~ليست علة، والحقيقة أنها رباط بين شيئين تكررا أو لم يتكررا. كما ~~أنهم جميعا كانوا واهمين حين اعتقدوا أنهم يفسرون القوانين ~~الطبيعية بالتداعي والعادة، بينما لا يفسر التداعي بغير اطراد ~~الظواهر، فهو معلول لا علة، والمسألة باقية: ما علة اطراد ~~الظواهر؟ # رابعا: # وهؤلاء الفلاسفة يعترفون بالعلية مرغمين؛ إذ يستخدمونها دون ~~أن يشعروا، فيدلون على أن الطبع يعود حتما مهما يبذل من جهد في ~~التطبع: إنهم يفسرون معنى العلة بتكرار التجربة، وهذا يعني أن ~~التكرار علة توجد فينا توقع اللاحق بعد إدراك السابق، فيفسرون ~~العلة بالعلية. وهذا كنط يقر بأننا نحس أنفسنا منفعلين في ~~الإحساس، وأنه يلزم عن ذلك أن نعتقد بأشياء خارجة، فيطبق مبدأ ~~العلية، وهو القائل الملح في القول «إن العلة مقولة جوفاء لا ~~يجوز استخدامها إلا في داخل الفكر.» وهذا مل رأى أن العلم مؤلف من ~~قوانين تجمع بين سوابق بعينها ولواحق بعينها، فاتخذ من طرائقه ~~الأربع المعروفة وسائل لفصل «السابق الضروري» كما يقول، من بين ~~سائر السوابق ووضعه موضع العلة، فأقر بوجوب التفرقة بين محضر ~~التلازم أو التقدم وبين العلية، واضطر إلى أن يصف بالضروري ~~السابق المتوقف عليه اللاحق، فوصل إلى هذه النتيجة العجيبة وهي أن ~~لا رباط ضروري بين اللواحق والسوابق، وهذا ما يريده المذهب الحسي. ~~ولكن هناك سوابق ضرورية، وهذا ما يقتضيه العلم وتشهد به التجربة، ~~فهذه السوابق غير ضرورية وضرورية في نفس الوقت! فهل من شواهد أبلغ ~~من هذه على أن المبادئ الأولية مقارنة للعقل، وأنها إن أنكرت ~~بالقول ms144 لا تنكر بالفكر، وأن منكريها مناقضون أنفسهم حتما، وأن ~~أهون الرد عليهم بيان هذا التناقض؟ # وبعد تفنيد إنكار المفكرين وتفسيراتهم المتهافتة نعود إلى سؤالنا: كيف نحصل على ~~معنى العلة؟ فنقول: إن التجربة الظاهرة في حد ذاتها لا تبين مباشرة إلا عن تعاقب ~~الظواهر، ولا تؤدي إلينا التبعية العلية، فإن هذه التبعية أمر غير محسوس محجوب ~~عن الحواس. وفي هذا نتفق مع الحسيين، ثم نفترق عنهم للفور فنقرر أن العقل هو الذي ~~يدرك معنى العلة حالما تتأدى إليه مدركات الحواس: ذلك بأنه يرى أشياء (جواهر ~~وأعراضا) تظهر للوجود بعد أن لم تكن موجودة، فيحكم بأن ما يوجد بعد أن لم يكن ~~موجودا إنما يقبل الوجود من غيره لا من نفسه. وهكذا يدرك معنى العلة في ضوء معنى ~~الوجود، من حيث إنه يدرك ابتداء أن ما يحدث فلا بد له من علة تحدثه. # وليس علمنا بالعلة مقصورا على هذا الاستدلال الجاف: فإن التجربة الباطنة تمدنا ~~بشعور قوي بها كلما أظهرتنا على أفعال تصدر عنها وتقر فينا، كالتعقل والتخيل ~~والإرادة، وأفعال أخرى تصدر عنا وتتعدى إلى غيرنا، كاللمس والتحريك والضرب والقطع، ~~وطائفة ثالثة من الأفعال تصدر عن غيرنا وتتعدى إلينا. وفي كل هذا نشعر بأنفسنا ~~فاعلين ومنفعلين، نعلم، ليس فقط أن المعلول يحدث (بعد) الفعل، بل أيضا وبخاصة أنه ~~يحدث (عن) الفعل، وأنه متصور ومطلوب قبل الفعل، بينما التوقع الناشئ التداعي يعني ~~مجرد انتظار اللاحق بعد إدراك السابق. ولذا كان الفعل والمفعول فعلنا ومفعولنا، ~~وكنا مسئولين عنهما بإقرار من ضميرنا، والحسيون في جملتنا، إلا أن يتحدوا الضمائر ~~جميعا فيدعوا أن شعر المعري أو شعر المتنبي ليس لأحد، وأن أقوالهم هم، ملفوظة ~~ومكتوبة، في العلية وغيرها من المسائل، ليست ولا لأحد! وهذه هي فعلا النتيجة ~~المحتومة لمذهبهم إن كانوا صادقين. # ولهذا المذهب وجه آخر: فقد اتخذ وسيلة لتأييد ركنين دينيين: الركن الأول أن الله ~~لما كان الموجود بذاته فهو الفاعل الأوحد، وليست المخلوقات بفاعلة. والركن الثاني: ~~إمكان المعجزات، على حين أن الترابط الضروري بين ms145 المسببات والأسباب يقضي على هذا ~~الإمكان. وقد استغل الغزالي هذين المعنيين ضد الفلاسفة؛ قال: «إن استمرار العادة ~~(بالأسباب والمسببات) مرة بعد أخرى يرسخ في أذهاننا جريانها على وفق العادة ~~الماضية، وإن «من جعل مجاري العادات لازمة لزوما ضروريا أحال جميع المعجزات.» ~~«والاقتران بين ما يعتقد في العادة سببا ما يعتقد مسببا ليس ضروريا عندنا، بل ~~كل شيئين ليس هذا ذاك ولا ذاك هذا، ولا إثبات أحدهما متضمن لإثبات الآخر، ولا من ~~ضرورة عدم أحدهما عدم الآخر: # 30 # مثل الري والشرب، والشبع والأكل، والشفاء وشرب الدواء. وإن اقترانها ~~لما سبق من تقدير الله سبحانه يخلقها على التساوق، لا لكونه ضروريا في نفسه غير ~~قابل للفرق، بل في المقدور خلق الشبع دون الأكل، وإدامة الحياة مع جز الرقبة ... ~~ونحن نجوز ملاقاة القطن للناس دون الاحتراق، ونجوز انقلاب القطن رمادا محترقا دون ~~ملاقاة النار، وهم (أي الفلاسفة) ينكرون جوازه، وليس له دليل إلا مشاهدة محصول ~~الاحتراق عند ملاقاة النار، والمشاهدة تدل على الحصول عنده لا على الحصول به ... ~~ونجوز أن يلقى نبي في النار ولا يحترق، إما بتغيير صفة النار، أو بتغيير صفة النبي ~~... فإنا نرى من يطلي نفسه بالطلق ثم يقعد في تنور موقدة ولا يتأثر به.» # 31 # هذا كلام صريح كل الصراحة، لم يقل هيوم أو غيره من المحدثين أصرح ~~منه. # كذلك أراد مالبرانش أن يقيم فلسفة دينية تثبت تبعية المخلوقات للخالق تبعية ~~مطلقة، كما يقتضي معنى المخلوق بالنسبة إلى معنى الخالق، وتناهض الفلسفات التي تضع ~~المخلوقات بإزاء الخالق متقومة بذاتها فاعلة بقوى فيها، وأهمها فلسفة أرسطو وأتباعه ~~من المدرسيين، فشايع ديكارت في إنكار الصور الجوهرية وما تنطوي عليه من القوى ~~الفاعلية في المخلوقات، فلم يبق لها عنده علية، وشايع ديكارت في استقلال كل من ~~النفس والجسد بذاته، وما ينتج عن هذا الاستقلال من استحالة التفاعل بينهما، كما ~~شايعه في الآلية الكونية التي تقصر التفاعل على مجرد صدام خارجي بين أجزاء المادة، ~~بل أربى عليه بأن سلب المادة كل قوة على ms146 مثل هذا الصدام، فعاد إلى حجة أناسيداموس ~~وقال مثله: لا علاقة علية من جسم إلى روح، ولا من روح إلى جسم، ولا من جسم إلى ~~جسم، ولا من روح إلى روح، وحشد الحجج المعروفة. # إنا لنعجب لهؤلاء المفكرين كيف لم يتنبهوا إلى الإشكالات التي يثيرها مذهبهم هذا، ~~وهي كثيرة خطيرة: أولها دور منطقي أو مصادرة على المطلوب تقطع عليهم الطريق إلى ~~الله فتقضي على المذهب من أساسه، تليها إشكالات في حق الذات الإلهية، فأخرى في حق ~~الموجودات. أجل يلزمهم الدور أو المصادرة حين يتحدثون عن الله وهم عاجزون عن ~~البرهنة على وجود الله: ذلك بأن علم الإنسان بالله يكتسب بتطبيق مبدأ العلية ~~للصعود من المخلوقات إلى الخالق، ولكن مبدأ العلية مجرح في نظرهم، غير ذي ~~موضوع في المخلوقات وغير ذي قيمة، وإذن فليس يجوز تطبيقه للبلوغ إلى الله. فإن ~~قالوا: إن الوحي وما يستند عليه من معجزات ينبئنا بوجود الله، سألناهم: ألسنا نعرف ~~الوحي من بلاغ السلف للخلف، أي من طريق العلية، فكيف نأخذ بالعلية في هذه ~~النقطة وننبذها في سائر النقاط؟ فسواء أرادوا أن يعتمدوا على العقل أو على النقل ~~فلا مخرج لهم من هذين المأزقين. # ولا مخرج لهم من الإشكالات التي في حق الذات الإلهية: فإنه إذا كان الله هو ~~الفاعل الأوحد الخالق في العباد أفعالهم، فإليه تعود الأفعال الشريرة، فلا يتصف ~~بالقداسة والكمال. وإذا كانت الأفعال الشريرة عائدة إليه، فكيف ينهانا عنها ونحن لا ~~نملك عملا؟ هذا تناقض ينتزع من الله صفة الحكمة. وكيف يتوعدنا بالعقاب عليها، ~~ويعاقب فعلا كما يؤكد الشرع؟ هذا تناقض آخر ينتزع من الله صفة الطيبة وصفة العدل. ~~كذلك نقول في الأفعال الخيرة: كيف يأمرنا بها وليس في وسعنا أن نأتيها بأنفسنا؟ ~~وكيف يعدنا بالثواب عليها، وثبت فعلا كما يؤكد الشرع، ولا فضل لنا فيها؟ فماذا ~~يبقى لله من صفات الألوهية، بل من صفة التمييز بين الحق والباطل، والخير والشر، ~~والعدل والظلم؟ # وإذا اتجهنا إلى المخلوقات وجدنا فيها شواهد أخرى على تهافتهم: إنها ms147 جميعا تبدو ~~ناقصة نازعة إلى الاستكمال، وإذا لم يكن استكمال الموجود بفعل منه فلم يوجد؟ وبخاصة ~~متى كان عاقلا مريدا مندوبا لاستكمال خلقي وديني. ثم إن لكل موجود طبيعة تبدو في ~~أفعاله المطردة، ونحن نسمي هذه الأفعال طبيعية بسبب اطرادها، فإن اطراد الفعل يدل ~~على أنه صادر عن قوة قارة في الموجود، ولكل موجود هيئة أي تركيب من أجزاء أو أعضاء، ~~ولكل جزء أو عضو هيئة وتركيب: فلم هذا التركيب العجيب المتناسق مع خصائص الأشياء ~~بحيث نرى العين مثلا تدرك الضوء واللون ولا تدرك غير ذلك. ونرى الأذن تدرك الصوت ~~ولا تدرك غير ذلك ... وهلم جرا. وإذا ما تلف عضو أو اضطرب جزء منه، انعدم الفعل أو ~~اضطرب بنفس المقدار. فكيف لا نعتبر العضو أو جزأه علة؟ وما وجه الضرورة لتركيبات ~~مختلفة تصدر عنها أفعال مختلفة؟ ولم يحد الله أي شيء من أي شيء بأي شيء أو بدون ~~شيء؟ # لقد ظنوا أن في اختصاص الله بالعلية وسلبها عن المخلوقات تمجيدا لله، ~~والأمر على العكس؛ فإن عالما فعالا لأشد إظهارا للقدرة الإلهية وأعظم تمجيدا ~~لله من عالم ساكن ميت مسرح أشباح وأوهام، أليس يقدر الصانع بقدر صنعه؟ فظنوا أن ~~علية المخلوقات قوة إلهية خالقة. والأمر ينحصر في الإخراج من القوة إلى الفعل ~~دون إيجاد من عدم. فكما أن وجود المخلوقات مشاركة في الوجود الإلهي الذي هو وجود ~~بالذات، كذلك علية المخلوقات مشاركة في العلية الإلهية التي هي علية ~~بالذات. فنحن بإزاء علية أولى مستكفية بذاتها، وعلية ثانية قابلة، منها الوجود ~~والقدرة على الفعل. وإن العقل ليقر بالعلية الثانية بداهة، كما هو مشاهد، ~~ويتأيد إقراره البديهي بالأسباب التي ذكرناها. ولابن رشد كلمتان جامعتان حاسمتان لا ~~نرى خيرا منهما لاختتام هذا البحث: «أما الأشعرية فقد أنكروا الأسباب والمسببات، ~~وهذا نظر خارج عن الإنسان بما هو إنسان.» وقال: «العقل إدراك الموجودات بأسبابها، ~~وبذا يفترق من سائر القوى المدركة، فمن رفع الأسباب فقد رفع العقل.» # 32 # ومن قبله اعتقد الفلاسفة الإسلاميون بالعقل وعلية المخلوقات، وناضل ms148 ~~عنهما المعتزلة أروع نضال. ~~(6) العلية الغائية # والعقل هو أيضا الذي يستشف العلية الغائية من وراء الظواهر المحسوسة، ويرى ~~بين الغائية والفاعلية علاقة السابق واللاحق، فإذا رفعنا الغايات رفعنا العقل، ~~وفاتنا التفسير النهائي للأشياء المستند على قضيتين كبريين: أولاهما أن كل فاعل فهو ~~يفعل لغاية، والثانية أن كل مفعول فقد كان غاية قبل أن يفعل، والاثنتان متعادلتان ~~ينظر في كل منهما إلى وجهة. وإنما قدمنا الكلام على العلية الفاعلية لظهورها ~~ولنفعها في الفحص عن العلية الغائية، التي وإن كانت أولية مثلها، إلا أنها أدق ~~على الفهم. # وخصوم الغائية هم الحسيون كافة، ينضم إليهم بعض العقليين، فالحسيون يجحدون العقل ~~ومدركاته، فلا يعتقدون بترتيب سابق، بل يدعون أن كل ما يتكون من أشياء ويحدث من ~~أفعال فهو نهاية ونتيجة لعوالم مادية آلية، ولا تحقيق لغاية. ويفسرون الطبيعة ~~بقولهم إن ذرات المادة تحركت منذ القدم بجميع الحركات الممكنة، وائتلفت بجميع ~~الهيئات، وانتهت إلى الهيئات الراهنة. وإننا نحن الذين نفترض الغايات افتراضا لما ~~نشعر به من توخينا الغاية في أفعالنا، فنتصور الطبيعة على مثالنا، ونقول مثلا: إن ~~للطير جناحين (لكي) يطير، بينما التجربة لا تدل على أكثر من أن الطير يطير؛ (لأن) ~~له جناحين، والجناحان تكونا اتفاقا. هكذا يقولون، والمحدثون منهم آخذون عن القدماء ~~بدون تغيير، أعني عن ديموقريطس، إمام المذهب المادي وتابعيه أبيقور ولوكريس. # وأشياعهم من العقليين يخضعون الطبيعة للآلية كي يفرضوا على العلم الطبيعي أن يكون ~~هندسة وميكانيكا، ومن ثمة ضروريا ومعقولا في عرفهم، فيضعون في المادة قوانين ~~ذاتية تنظمها، ولا يدعونها للمصادقة، وبينما يقف بعضهم عند هذا الحد، مثل سبينوزا، ~~يذهب بعض آخر، مثل أفلاطون وديكارت، إلى إخضاع هذه الآلية لصانع أو خالق، فينتهون ~~إلى سيطرة الغائية على الآلية في جملة الكون. فلنشرع في تعريف العلية الغائية ~~وفي إثباتها. ~~«العلة الغائية هي التي لأجلها الشيء (أو الفعل، وهي) علة بماهيتها ومعناها لعلية ~~العلة الفاعلية، ومعلولة لها في وجودها.» هذه العبارة لابن سينا # 33 # إيجاز للمذهب العقلي الصحيح الصادر عن أرسطو وعن أفلاطون ms149 من قبله، وهي ~~تشير إلى دليل أول بقولها: إن الغائية علة لعلية العلة الفاعلية: ذلك بأنه لولا ~~الغاية لاستوى الفعل وعدمه عند الفاعل، فاستحال عليه الميل إلى أحدهما، واستمر على ~~السكون، فالفعل كما كان فعلا، دليل على أن الفاعل قد ارتضى غاية ارتضيت له غاية، ~~وأن فعله كان لأجل تحقيق هذا الغاية. وبتعيين الغاية يتعين الفعل، فإن الفاعل يبذل ~~فعلا معينا ليحدث مفعولا معينا، والفعل المعين هو الذي يتجه إلى غايته، أي الذي ~~ينتهي بذاته إلى حد مناسب له. ولولا هذا الحد أو الغاية لكان أي فعل يحدث أي مفعول ~~اتفاقا ومصادفة، وهذا ممتنع لامتناع تحرك الفاعل إذا لم تعين وجهة فعله. فالفاعل، ~~كما أنه يحتوي على علة البدء بالفعل، يحتوي كذلك على علة اتجاه الفعل. فالعلة ~~الفاعلية مبدأ الحركة، والعلة الغائية مبدأ قصد الحركة، وهي نهايتها متى صدر ~~الفعل. # هذا بالنسبة إلى الفعل في كل فاعل. فإذا ما نظرنا إلى الفاعل في ذاته، كماهية أو ~~طبيعة، وجدناه كلا منظما، مطرد الاتجاه إلى تحقيق غايات معينة بوسائل معينة هي ~~الخصائص والميول والغرائز والأعضاء. وتعيين الفعل ووسائله أو شروطه، دليل على أن ~~الفعل الصادر عن قوة ما أو ميل أو غريزة أو عضو، هو من جهة أخرى علة هذه القوة، أي ~~الغاية التي وجدت القوة لأجلها، فهو صادر عنها وهي مهيأة له: فلولا الطيران مثلا ~~لما فهم تركيب الجناحين، فالطيران علة الجناحين على نحو ما، أي علتهما الغائية أو ~~ما لأجله الجناحان. وكذلك يقال في الرؤية للعين، وفي السمع للأذن، وفي كل قوة على ~~العموم، فإنها مهيأة لفعلها. # وعلاوة على ترتيب كل موجود على خياله، نشاهد ترتيبا للموجودات فيما بينها: ~~فالحركات السماوية آية في الانسجام، والألفة الكيميائية آية أخرى، فكأن العناصر ~~الطبيعية يختار كل منها أليفا، وبمقدار محدد، فتوجد عنها نفس المركبات. والأرض ~~بينها وبين الشمس مسافة تتيح للحياة الوجود والنمو، والتربة تركيبها ضامن لغذاء ~~النبات والحيوان، وتركيب الهواء يجعل بعضه صالحا للنبات وبعضا آخر صالحا ~~للحيوان، فيشهق هذا ما يزفر ms150 ذاك، بحيث لولا النبات ما عاش الحيوان. وثمة أمثلة ~~عديدة لا تحصى إلا بإحصاء العلوم، فإن كل علم عبارة عن ترتيب ما، وبين العلوم ترتيب ~~وترابط، والذين يستهينون بالترتيب محتجين بما يبدو من إخلال به، يسلمونه من حيث لا ~~يريدون؛ إذ ليس يعتبر النقص كذلك إلا بالقياس إلى غاية. # وإذا أخذنا بتمييز كنط بين غاية باطنة في الموجود وغاية ظاهرة خارجة عنه، لم نعط ~~هذا التمييز سوى قيمة اعتبارية: فالنبات والحيوان غايتهما الباطنة من الاعتداء حفظ ~~حياتهما، والأغذية غايتهما الظاهرة، فالغايتان متحدتان. ولا يوجد مثل هذا التقابل ~~إلا باعتبار النسبة من الأعلى إلى الأدنى، أما الأدنى نفسه فهو غاية ظاهرة للأعلى ~~وليس له غاية باطنة تقابله، ففي كل ترتيب الأدنى مرتب للأعلى وحسب. وقد يتعذر تعيين ~~الغاية الظاهرة لموجود ما، ولكن ترتيب هذا الموجود في ذاته دليل كاف على أنه أوجد ~~لنفع وفائدة. وكم من المنافع والفوائد ظلت خافية أزمانا متطاولة ثم بانت للباحثين. ~~فمن المعقول أن نقيس الحاضر إلى الماضي وننتظر استكمال علمنا بالوجود. # فلا محيص من الفرق بين الغائية والمصادفة فرقا حاسما: والواقع أننا نرى البذرة ~~تخرج نباتا من نوعها فندرك أن هذا طبيعي، ونرى المطر والبرد يهلكان النبات فلا ~~نحكم بأن المقصود بهما هذا الإهلاك، بل ندرك أن الأمر يحدث مصادفة. وكلما أردنا ~~نعلل فعلا ما من أفعال أي موجود كان، وجدناه يقتضي غاية بالضرورة، كما أنه يقتضي ~~فاعلا. ليس مبدأ الغاية محض تطبيق تجربتنا الباطنة على التجربة الظاهرة، ولكنه ~~مبدأ مطلق مهيمن على كل موجود وكل فعل. ولا نستثني الإنسان؛ فأفعاله البدنية تعلل ~~بتركيب بدنه، كما تعلل أفعال سائر الموجودات بتركيبها، فتؤدي أعضاؤه وظائفها، أي ~~غاياتها دون أن يريد أو يحس، كالقلب والمعدة وما إليهما. وأفعاله المعنوية وغاياته ~~المقصودة تنتهي إلى غاية أخيرة مركوزة فيه طبعا، هي طلب السعادة؛ إذ إنه يفعل كل ~~ما يفعل ابتغاء أن يصير سعيدا، ولولا هذه الغاية لما خرج من القوة إلى أي فعل، ~~بحيث تعود الغايات المباشرة في الإنسان، أي ms151 المعلومة المقصودة، إلى غاية غير ~~مباشرة، وتعود جميع الغايات غايات مباشرة لعلة تصورتها وأرادتها وأوجدتها. فإذا سأل ~~الحسيون، وهم يسألون فعلا: كيف تفعل الغاية وهي معدومة في الحال رهينة بالاستقبال؟ ~~أجبناهم أنها موجودة حالا في قوة الماهية أو الطبيعة، فعالة بها. # وشتان بين هذا التفسير الصادر عن فطرة العقل، وبين التفسير الحسي المعتمد على ~~المصادفة كل الاعتماد: فأولا يفترض الحسيون أن جميع التأليفات الممكنة بين أجزاء ~~المادة قد حدثت تارة أو طورا، وأن كل موجود فهو نتيجة لمحاولات كثيرة، بيد أننا ~~نستطيع أن نفترض أن أبسط التأليفات هي التي تكررت بلا انقطاع لبساطتها وسهولة ~~ائتلافها، وأن التأليفات المعقدة لم تحدث قط أو حدثت نادرا لتعقدها وصعوبة ~~اجتماعها، فكيف نفسر وجود الكائنات المعقدة؟ وثانيا: هم يكلون إلى البيئة غير ~~الحية غير الحاسة غير العاقلة، تكيف المادة حتى تصير حية حاسة عاقلة. والفرق هائل ~~والمسافة سحيقة بين كل درجة من هذه الدرجات والتي تليها، فلا تعبر. وثالثا: هم ~~يتصورون هذا التكييف حركة نحو الأحسن الأكمل، والحركة في ذاتها ممكنة أيضا نحو ~~الأسوأ، فلم حدثت في سبيل التقدم؟ إذا أردنا جعلها معقولة فيجب أن نفترض في السديم ~~الأول اتجاها غائبا؛ إذ إن المادة لا تنتظم من تلقاء ذاتها، وهي بذاتها لا تقتضي ~~تركيبا معينا، فكيف ائتلفت أجزاء الجناحين والأذن والعين وما إلى ذلك من أعضاء ~~عجيبة مدهشة؟ # أفليس يلزم القول بسبق الغايات من حيث إن الغاية تنطوي على وحدة نظامية تعين ~~الأجزاء وتعين ائتلافها؟ إن الغاية علة حقا، بل هي علة العلل ما دامت هي التي ~~تبعث الفاعل على الفعل، فيؤثر الفاعل في المادة أو في الصورة أو في كلتيهما. ~~فقولنا: «إن كذا هو من أجل كذا» تعليل حقيقي له مثل ما للعلة الفاعلية من قيمة ~~وجودية وعقلية. يعارض الحسيون الغاية بالنتيجة، وليس بين هذين المعنيين تعارض، بل ~~من الممكن أن تكون النتيجة غاية في نفس الوقت: إذا قيل إن الساعة تقيس الزمان (لأن) ~~أجزاءها منسقة فيما بينها، فليس للقائل أن يستنتج أن ms152 هذه الأجزاء لم تنسق (لأجل) ~~قياس الزمان، وإذا قيل إن الطير يطير (لأن) له جناحين، وأنه حي يرزق (لكونه) محكم ~~التركيب، فليس يمحو هذا القول السؤال عمن ركبه وأحكم تركيبه، ولم كان له ~~جناحان، يعترف الحسيون بأن المصنوعات الإنسانية مسبوقة بصورها في أذهان صناعها ~~وبالغاية منها. فإذا ما عرضوا للموجودات الطبيعية التي هي أيضا جميلة منسقة من ~~الوسائل والغايات، أبوا إلا أن يعتبروها نتائج علل آلية: في أي منطق يجوز تقرير ~~نوعين من العلية متضادين كل التضاد لتفسير شيئين متشابهين تمام التشابه، فتكون ~~طائراتنا غائية وأجنحة الطير آلية؟ # هذا هو المذهب العقلي السليم، نادى به إنكساغوراس حين قال: «هو العقل الذي رتب ~~الكل، وهو علة الأشياء جميعا.» وسمع سقراط قارئا يقرأ هذه العبارة، فغشيته نشوة ~~عظيمة، وراح يفكر أن جلوسه بالسجن، مثلا، لا يعلل بحركات عظامه وعضلاته، بل ~~باستصوابه أن يتحمل القصاص الذي استصوبت المحكمة فرضه عليه، وإلا لكانت عظامه ~~وعضلاته حملته إلى بلد آخر. وثبت لديه أن تسميتها عللا منتهى الضلال، وأن العلة ~~الحقة عاقلة تلحظ معلولها قبل وقوعه وترتب الوسائل إليه، فإن شيئا لا يفعل إلا إذا ~~قصد إلى غاية، أو قصد به إلى غاية بتركيب سببها في طبيعته. والغاية لا تتمثل إلا في ~~العقل. أما المادة فشرط للفعل، أو علة ثانوية خلو من العقل، يستخدمها العقل وسيلة ~~وموضوعا، فليس يعلل العالم بالعناصر كعلل أصيلة، بل بعلة عليا عاقلة تسخر العناصر ~~لغايات. واقتنع أفلاطون بهذا الرأي، وراح يبشر به في إيمان وحماسة لا مزيد عليهما، ~~واتخذ منه أساسا أقام فوقه مذهبا كان أول فلسفة عقلية تامة المعالم، واقتنع ~~بالرأي أرسطو، وأشاد بالعقل أيما إشادة: رفعه فوق سائر القوى الداركة، وقال: إنه ~~أشرف جزء في الإنسان، وإن فعله ألذ فعل لأنه تصور الأمور الجميلة الإلهية، بل هو ~~السعادة القصوى، والإنسان لا يحيا على هذا النحو بما هو إنسان، بل باعتبار أن فيه ~~شيئا إلهيا. وهذه القضية النظرية تستتبع نتيجة عملية يعبر عنها الفيلسوف بقوله: ~~«فلا ينبغي اتباع الذين يحثوننا ms153 على أن نفكر أفكارا إنسانية لكوننا أناسي، ~~وأفكارا فانية لكوننا فانين، بل يجب أن نعمل كل ما في الوسع لكي نحيا وفقا لهذا ~~الجزء الذي هو أشرف قوانا، فلئن كان صغير المقدار فإنه يعلو على سائر الأجزاء ~~علوا كبيرا قوة وكرامة.» # 34 # فما أشد الأسف لانحراف الفلاسفة عن هذا الطريق الملكي، وسلوكهم طرقا ملتوية ~~مظلمة لا منفذ لها إلا إلى الإخفاق في تفسير الوجود وفي تدبير الحياة. وهذا الكتاب ~~شاهد على أنهم كثير، وأن الفلسفة لتبدو في معظمها - إن لم نقل في كلها - مشبعة ~~بالشك والإنكار، حتى لقد يظن بنا الكثيرون لأول وهلة قسطا كبيرا من التفاؤل أو ~~السذاجة لمعارضة الشك ومناصرة اليقين، لكنا نأمل أن يقتنعوا بأدلتنا، فيستنير وجه ~~الفلسفة في نظرهم، ويحل الإيمان في قلوبهم، ويفرحوا بالعقل أعظم فرح. ms154