######OpenITI# #META# URI: 1378YusufKaram.TabicaWaMaBacdaTabica.Hindawi13572791 #META# Tags: philosophy #META# ID: 13572791 #META# Title: الطبيعة وما بعد الطبيعة: المادة . الحياة . الله #META# AuthorID: 15207908 #META# Author: يوسف كرم #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تصدير‏ # الباب الأول: الطبيعة‏ # 1 - تجوهر الأجسام‏ # 2 - الحياة النامية‏ # 3 - الحياة الحاسة‏ # 4 - الحياة الناطقة‏ # الباب الثاني: ما بعد الطبيعة‏ # 1 - علم الطبيعة‏ # 2 - البرهنة على وجود الله‏ # 3 - صفات الذات الإلهية‏ # 4 - صفات الفعل الإلهي‏ # 5 - بطلان الأحادية‏ # 6 - حل إشكالات في الصفات‏ # 7 - بين التشاؤم والتفاؤل‏ # خاتمة‏ # تصدير‏ # الباب الأول: الطبيعة‏ # 1 - تجوهر الأجسام‏ # 2 - الحياة النامية‏ # 3 - الحياة الحاسة‏ # 4 - الحياة الناطقة‏ # الباب الثاني: ما بعد الطبيعة‏ # 1 - علم الطبيعة‏ # 2 - البرهنة على وجود الله‏ # 3 - صفات الذات الإلهية‏ # 4 - صفات الفعل الإلهي‏ # 5 - بطلان الأحادية‏ # 6 - حل إشكالات في الصفات‏ # 7 - بين التشاؤم والتفاؤل‏ # خاتمة‏ # | الطبيعة وما بعد الطبيعة # | الطبيعة وما بعد الطبيعة # | المادة . الحياة . الله # تأليف # يوسف كرم # | تصدير # أثبتنا في كتاب «العقل والوجود» أن للإنسان قوة دراكة متمايزة من الحواس، تدعى بالعقل، ~~شأنها أن تدرك معاني المحسوسات مجردة من مادتها، ومعاني أخر مجردة بذاتها، وأن تؤلف هذه ~~المعاني في قضايا وأقيسة واستقراءات، فتنفذ في إدراك الأشياء إلى ما وراء المحسوس، محاولة ~~استكناه ماهيته، وتعيين علاقاته مع سائر الموجودات. ولما كانت موضوعات العقل مجردة، كانت ~~أفعاله التي ذكرناها مجردة كذلك، فأبطلنا المذهب الحسي الذي يقصر المعرفة الإنسانية على ~~الحواس، ويرمي إلى أن يرد إليها ويفسر بها سائر المدركات. # وبعد إثبات وجود العقل بوجود موضوعاته وأفعاله، عرضنا لقيمة الإدراك العقلي، فأدحضنا مذهب ~~الشك المنكر لجميع الحقائق، حتى الحسية منها، والهادم للعلم من أساسه؛ وأدحضنا المذهب ~~التصوري الذي وإن آمن أصحابه بوجود العقل وبمدركات عقلية، فهم يقصرون هذا الوجود على داخل ~~العقل، ويعتبرون هذه المدركات تصورات وحسب، فينكرون على الإنسان حق الخروج من التصور إلى ~~الوجود. وبعد إثبات بطلان تلك الدعاوي بينا تهافت المذاهب الميتافيزيقية المبنية ~~عليها. # ثم بينا أصول رأينا فيما بعد الطبيعة، وهو أن هذا العلم يدور على معنى الوجود بما هو ~~وجود، أي: بإطلاقه من كل تعيين وتخصيص، وعلى المعاني والمبادئ اللاحقة لمعنى الوجود، وهي ~~أبسط المعاني والمبادئ وأعمها، المؤسسة لمعرفتنا، المؤيدة لحقيقتها، ms001 المخولة العقل حق ~~الخروج إلى موضوعات التصور في أنفسها، والنفاذ إلى حقائقها، وبناء العلم. # والآن نقصد إلى النظر في طبائع هذه الموضوعات ، وأن نبدي الرأي فيها، وقد تشعبت الآراء ~~تشعبا كثيرا، وتضاربت تضاربا شديدا، حتى ولدت الحيرة وبلبلت الخواطر، فعدلت مذهب الشك ~~لمحض كثرتها وتعارضها، آملين أن نحل محلها الرأي الحق في كل مسألة، وأن نقدم صورة سليمة ~~للطبيعة بقوانينها وبموجوداتها؛ من جماد ونبات وحيوان وإنسان، على هذا الترتيب التصاعدي ~~الظاهر لأول وهلة. # ونقصد أخيرا إلى إتمام البحث الشامل، واستيفاء اليقين الكلي، بالصعود إلى العلة الأولى ~~للطبيعة، أي: لخالقها ومشرع قوانينها، المفارق لها، العالي على موجوداتها، وقد نفت وجوده ~~فرق، وضلت في فهمه فرق، فتكدست المسائل في هذه الناحية من المعرفة. وأعضلت حتى لا يهتدي ~~إلى وجه الحق فيها إلا الأقلون. # من بين الموجودات بعضها موجود بالطبع، والبعض الآخر بعلل أخرى [كالفن أو كالصادفة]: ~~الموجود بالطبع الحيوانات وأجزاؤها، والنباتات والأجسام البسيطة [التي هي العناصر]. ~~وهذه الأشياء، والتي من قبيلها، تختلف اختلافا ظاهرا عن التي ليست بالطبع، فإن كل ~~موجود طبيعي فهو حاصل في ذاته على مبدأ حركة وسكون، بعكس السرير والرداء وما إليهما، ~~أي: بقدر ما هو مفعول الفن، فهو ليس حاصلا على أي ميل طبيعي للتغير. ~~(أرسطو: كتاب السماع الطبيعي، م2 ف1) # العقل يدرك جميع الأشياء، فيلزم أن يكون مفارقا للمادة لأجل أن يدرك، فإنه إن كانت ~~له صورة خاصة [كخصوصية أعضاء الحواس] إلى جانب الصورة الغريبة (أي: المدركة) كانت تلك ~~حائلة دون تحقق هذه. ~~(أرسطو: كتاب النفس، م2 ف1) # كل متحرك فهو متحرك بغيره ... وهذا الغير إن كان متكثرا محركا ومتحركة آحاده كل ~~بغيره، فهو متناهي العدد بالضرورة، إذ يمتنع التداعي إلى غير نهاية في سلسلة العلل، ~~وإلا كان في التسلسل إنكارا لبداية الحركة، ومن ثمة إنكارا للحركة نفسها، وهي واقعة. ~~وإذن فلحركة العالم علة أولى ثابتة غير متحركة. ~~(أرسطو: كتاب السماع الطبيعي، م8 ف4) # إننا نرى كل شيء منظما في ذاته، ونرى الأشياء منظمة فيما بينها، فللعالم ms002 غاية ذاتية ~~هي نظامه، وغاية خارجية هي المحرك الأول؛ علة النظام. ~~(أرسطو: ما بعد الطبيعة م12 بداية ف10) # المحرك الأول هو الخير بالذات، فهو مبدأ الحركة، هو المبدأ المتعلقة به السماء ~~والطبيعة. ~~(أرسطو: ما بعد الطبيعة م12 ف7) # الباب الأول # | الطبيعة # الفصل الأول # | تجوهر الأجسام # (1) تعريفات تمهيدية # ننظر إذن فيما كان الفلاسفة الإسلاميون يسمون بالعلم الطبيعي أخذا عن اليونان، ~~وما نسميه بالفلسفة الطبيعية تبعا للتمييز الواجب التزامه في العصر الحديث بين ~~الفلسفة والعلم، فإن مفهوم العلم الآن أنه معرفة الأجسام بتحليلها إلى أجزائها ~~المدركة بالحواس، ووصف تركيب هذه الأجزاء بعضها مع بعض، وتعيين قوانين الظواهر كما ~~يبدو للحواس كذلك، أعني تبعا للملاحظة والاختبار، وترتيب القوانين من الأخص إلى ~~الأعم، حتى نصل إلى أعم القوانين، إن لم نصل إلى قانون واحد شامل؛ بينما دأب العقل ~~أن يتغلغل إلى أعمق ما تبلغ إليه المعرفة الحسية؛ فإذا ما عرض للطبيعة حاول أن ~~يستكشف «المبادئ الذاتية والأولية» المكونة للجسم الطبيعي. ونعني بالمبادئ الذاتية ~~تلك التي هي عين الماهية وليست زائدة عليها؛ ونعني بالمبادئ الأولية تلك التي هي ~~سابقة على حلول الأعراض ورابطة بين الأعراض والماهية، وما هي إلا مبادئ ~~الماهية. # فبحثنا يدور على ماهية الجسم الطبيعي بالإجمال، أو مطلق الجسم، حتى ليشمل الحي ~~ولا يقتصر على الجماد، فلا يعرض لماهية هذا الجسم أو ذاك بالخصوص به؛ وإذا عرضنا ~~لطائفة معينة من الأجسام، كالنبات أو الحيوان أو الإنسان، بحثنا عن أعم مقوماتها ~~المميزة لجميع أفرادها، تاركين للعلوم الطبيعية ما كان أقل خصوصا، أقل شمولا، ~~معلوما بمناهجها التي أشرنا إليها. # وقبل البحث الموضوعي التقريري، لعلنا نمهد لموضوعنا ونعبد الطريق أمامه بشرح ~~معاني لفظ «الطبيعة» اتباعا لوصية المناطقة بالابتداء بالتعريف اللفظي أو الرسم، ~~والتثنية بالتعريف الحقيقي أو الحد؛ لا سيما ولفظ «الطبيعة» لفظ مشترك يطلق على ~~مدلولات مختلفة، ويشترك مع لفظ «الكون» في أحد مدلولاته، وبذلك لا تختلط الألفاظ ~~بعضها ببعض، فلا تختلط الأفكار. # للفظ الطبيعة مدلول عام هو «جملة الموجودات المادية بقوانينها»، أي: من الأجرام ~~السابحة ms003 فوق رءوسنا، والأجسام المضطربة من حولنا. وهذه الدلالة تزيد على جميع ~~الأجسام بعضها إلى بعض معنى اتصاف الكل بالنظام والجمال، وقد كان هذا الوجه هو ~~الملحوظ في تسميته اليونان واللاتين للعالم، فقال الأولون: # kosmos # أي: الزينة أو المزدان، وقال الآخرون: # Mundus # أي: الرشاقة عديمة النظير، كما قالوا: # univers unite dans la variété # أي: اتحاد ~~الكثير المتنوع، وهذا الاتحاد صنع الفن أو العقل. # وبهذا المعنى يطلق لفظ «الكون»، ثم له مدلول أخص بالنسبة إلى كل واحد من ~~الموجودات، فإن لكل موجود ماهيته، وقد جرى الاصطلاح العربي بإطلاق لفظ الكون على ما ~~يحدث دفعة، كانقلاب الماء هواء بالتسخين، فإذا كان على التدريج فهو «الحركة». ~~وعنوان هذا الفصل «تجوهر الأجسام» وارد كعنوان للفصل الأول من كتاب النجاة، أعني ~~التكون وصيرورة الشيء جوهرا. # وقد تنطوي الماهية على «طبع» أو هيئة كالماهية، وهي ما يدعى سجية وجبلة، وهذا ~~خاص بالتركيب الفسيولوجي وبالشعور في الحيوان والإنسان من جهة بعدهما عن الجبرية، ~~وحصولهما على شيء من الاستقلال بالنسبة إلى الأحوال الخارجية، فإن هذا الاستقلال ~~يرجع حينئذ إلى تكوين الجسم، سواء كان هذا الفرد المعين، أو ممثلا لنوعه: ~~«فالأصبع الزائدة يشبه أن تكون بالطبع بحسب الطبيعة الشخصية، وليست بالطبع بحسب ~~الطبيعة الكلية.» أو قد نقول: «إنها عن الطبيعة وليست بالطبع.» # 1 # ومن هذا المعنى حدث الانتقال إلى معنى أعمق؛ هو أن طبيعة الشيء هي «المبدأ الفعلي ~~أو الانفعالي الأول الدائم لحركاته وسكوناته: ذلك أن الموجودات تتحرك أو تسكن على ~~نسق واحد، فتدل على أن فيها علة الحركة والسكون وعلة اطرادهما. فالفعل الباطن ~~واطراد الفعل أو القانون علامتان على الطبيعة، فإن الأمور الطبيعية دائمة أو ~~أكثرية، وليست باتفاقية»؛ # 2 # والذي في الأكثر هو بعينه الذي يوجب لكن له عائق، والموجب هو الذي يسلم ~~له الأمر دون عائق. # 3 # وليست الأمور الطبيعية بإرادية. فكما أننا نحتج على منكري الغائية ~~بقولنا: «وإلا فتكون الطبيعة قد فعلت باطلا.» # 4 # ونعني أنها لا تفعل خبط عشواء، بل على وتيرة واحدة أو قانون. فكذلك ms004 ~~نقول: «إن الطبيعة لا تفعل بالاختيار، بل إنما تفعل أفاعيلها بالتسخير والطبع؛ فلا ~~تتفنن حركاتها وأفاعيلها.» # 5 # وهكذا يقال: «طبيعي» في مقابل «اتفاقي»، وفي مقابل «إرادي» متى كان ~~مصنوعا باختيار الإنسان، وفي مقابل «إرادي» متى كان مصنوعا بصناعة الحيوان ~~ومطردا أو كالمطرد، بفعل الغريزة . فلا يبقى إلا أن «الطبيعة» مبدأ باطن للفعل ~~والانفعال، وأن «الطبيعي» هو الصادر عن هذا المبدأ، على ما ذكرنا. ويتأيد هذا ~~المعنى بملاحظة أن ما بالطبيعة قد يفسد، «فتكون الطبيعة علة الرد إلى الحال ~~الطبيعية»، # 6 # كاستعادة الصحة واندمال الجروح. # وهذه المعاني جميعا تعود إلى اليقين بأن الطبيعة صنع عقل حكيم، وأن لكل موجود ~~طبيعته، وأن للطبائع وأفعالها نظاما وحكمة، وأن «لا شيء معطل في الطبيعة» # 7 # بحيث لو صادفنا مذهبا فلسفيا يعتمد على الاتفاق أو المصادفة، حكمنا ~~فورا ببطلانه لمخالفته لذلك المعنى العام للطبيعة الذي يبتدي للعقل بداهة، ويتبدى ~~لكل عقل. وهذا هو الموقف الذي سنتخذه في هذا الكتاب، وندعمه بما نستطيع من ~~الشواهد. ~~(2) المذهب الآلي # لقد وجد هذا المذهب فعلا. فمنذ العهد الأول للفلسفة اليونانية، في القرن السادس ~~قبل الميلاد، قال طاليس: إن المادة الأولى التي صنعت منها مختلف الأجسام، هي الماء؛ ~~تتكاثف فيصير ترابا، ويتخلخل فيصير هواء، ويتخلخل الهواء فيصير نارا. وقال ~~انكسمانس: بل هي الهواء، يتكاثف ويتخلخل. وقال هرقليطس: بل هي النار تتخلخل فتصير ~~هواء فماء فترابا، فكل منهم عين مادة أولى، وادعى أن القوى الأخرى تحصل عنها، ~~وأن الأجسام تحصل عن هذه القوى. # ثم تقدم المذهب خطوة حاسمة بفضل ديموقريطس: فقد اعتبر تلك الأصول الأربعة فروعا ~~للمادة البحتة المجردة عن كل تعيين، الشبيهة بتلك التي نتصورها في العلم الرياضي ~~حين نفكر في النقطة والخط والجسم، أي: امتدادا وحسب؛ وارتأى أن هذا الامتداد مؤلف ~~من أجزاء غاية في الصغر حتى لا تدرك بالحواس، ولا تقسم إلى أصغر منها؛ تتحرك في ~~الفضاء وتتقابل على أنحاء لا تحصى، فتأتلف في مجاميع هي الأجسام المنظورة الملموسة، ~~وتفترق بفعل الحركة أيضا فتنحل تلك الأجسام ليتكون غيرها، ms005 وهكذا. واختلاف الأجسام ~~في خصائصها يرجع إلى اختلاف تلك الجواهر أو الذرات المؤلفة لها عددا وشكلا ~~ومقدارا وترتيبا بعضها من بعض. وبهذا الوصف صار المذهب أقرب إلى التمام، بل ~~تاما، يمضي من البسيط غير المعين إلى المركب فالأكثر تركيبا، بينما الماء أو ~~الهواء أو النار تعينات لا يدل على أصلها، فكأنها موضوعة وضعا. # وجدت هذه النظرية أشياعا بين قدماء ~~الأطباء والكيميائيين، وتأييدا أعظم قيمة في تجارب روبرت بويل (1626-1691) # Robert Boyle # الدائرة على أن ثمانين ذرة ~~تقريبا تأبى التحليل، وأن لكل منها وزنا نوعيا خاصا، وألفة إلى ذرة أخرى، ~~ورد فعل كيميائي في ائتلاف الذرتين، وقاد اكتشاف نيوتن قانون الجاذبية إلى فكرة أن ~~الذرات يجذب بعضها بعضا، أي إنها تبذل قوة جاذبية. وعضد نيوتن وآخرون هذه الفكرة ~~حتى صارت مقبولة قبولا عاما، واعتبرت دليلا قويا على وجود الذرات. غير أن هذه ~~الاعتبارات كانت هزيمة للنظرية من جهة دلالتها على تعين الذرة بماهيتها ووزنها ورد ~~فعلها الكيميائي وفاعليتها بقوة باطنة؛ وهذه قضايا ثلاث معارضة لها في إعلانها ~~تجانس الذرات من كل وجه؛ ولو أن علماء عديدين يعللون أنفسهم برد الذرات على ~~اختلافها إلى أصل واحد. # وعند الكثيرين تعد هذه النظرية الفصل الأول من فصول المذهب المادي المدعو في ~~هذا المبحث بالمذهب الآلي؛ لتصوره الجسم الطبيعي على مثال آلة من الآلات الصناعية، ~~وتصوره جملة الطبيعة آلة كبرى، أي: مركبة من أجزاء متجاورة ومتفاعلة بالحركة فقط ~~دون أية قوة ذاتية، بل وتيرة أحداثها متعينة بوتيرة سوابقها، كما هو الحال في أفعال ~~الآلة. والمادة هاهنا مستكفية بنفسها مستغنية عن خالق يوجدها ويطبعها بقوانينها، بل ~~عن «صانع» يصور مادة مستقلة عنه في الوجود سابقة على تصويره الجزئيات وتنظيمها. ~~وإذا سألناهم عن أصل المادة والحركة، أجابوا: إن المادة هي الأصل، وإن الحركة ~~ملازمة لها، فلا يسأل عن أصلها. وتلك هي المبادئ العليا التي يصدر عنها الماديون في ~~سائر المسائل؛ وهكذا فهم ديموقريطس وأبيقور ولوقريس، أئمة المذهب في العصر القديم، ~~وهكذا فهم ويفهم كثيرون. # على أن هذه ms006 النظرية لا تحتم الإلحاد، بل تحتمل الاعتقاد بخالق الطبيعة. اصطنعها ~~المتكلمون الإسلاميون ولم يجدوا فيها غضاضة على إيمانهم، واصطنعها ديكارت، فجعل محل ~~المادة في مذهبه بعد محل الله، مرجعا إلى الله وجود المادة والقوانين الطبيعية؛ ~~وميز بين المادة والنفس تمييزا دقيقا مستثنيا النفس الإنسانية من الوجهتين ~~العقلية والروحية، فوزع الطبيعة إلى مملكتين: مملكة المادة ومملكة الروح. وتابعه ~~جساندي فأضاف إلى مذهبه الآلي مذهبا روحيا يقول بالله والنفس الناطقة، اعتمادا ~~منه على أن نظام العالم يمنع من الاعتقاد بأنه وليد حركات اتفاقية، وأن الأخلاق ~~والدين تقضي بأن يوجد في الإنسان نفس روحية عاقلة حرة. وسواء أكانت الآلية الجزئية ~~تتفادى ما يستحقه إلحاد الآلية الكلية من انتقادات، فإنها تستهدف لنفس الانتقادات ~~من جراء مخالفتهما للواقع وللعقل في تفسير الجسم الطبيعي. ~~(3) تفنيد المذهب الآلي # أول ما يستلفت أنظارنا ونحن نفتحها على الطبيعة، تنوع موجوداتها بخصائص ثابتة لكل ~~منها، مطردة على مر الزمان. ومحال أن تكون الخصائص وأن يكون ثباتها لكل فرد، ~~نتيجة الذرات مجتمعة أو مفترقة، متزايدة أو متناقصة، ولا نتيجة اختلافها عددا ~~وترتيبا، سواء أكانت متشابهة أو كانت متباينة؛ إذ من البديهي أن الأجزاء ~~المتشابهة لا يحدث عنها مركبات متباينة، ومن البديهي أن الاختلافات العرضية، كتلك ~~التي يلح فيها الآليون، لا يحدث عنها اختلاف بالماهية. والتباين بالماهية باد لأول ~~وهلة، ليس فقط في الأجناس الكبرى من جماد ونبات وحيوان، بل في داخل كل جنس، وذلك ~~باختلاف الخصائص والوظائف والكيفيات الفيزيقية والكيميائية، فضلا عن الأشكال ~~الظاهرية. # والأمر واحد بالنسبة إلى الذرات المتباينة الماهية التي يضطر العلماء إلى ~~الاعتراف بها، فإنها هي أيضا حين تأتلف يحدث عن ائتلافها مركبات مباينة لها ~~بالماهية، كحدوث الماء عن ائتلاف الهيدروجين والأوكسجين، أو جسم النبات والحيوان من ~~غذائهما المختلف عنهما. ونحن عاجزون عن تعرف خصائص نبات ما من العناصر المركبة له. ~~وإذا سألنا الآليين عن أصل التباين بين العناصر؛ لم نظفر منهم بجواب أصلا. وليس ~~يلوح أن أملهم سيتحقق في تحليلها إلى ذرات متشابهة، وإن كانوا يبدون مطمئنين ms007 إلى أن ~~كل ما هنالك هو أنهم لم يوفقوا بعد إلى هذا التحليل. # ومحال أن تكون تغيرات الأجسام وظواهرها وليدة حركة الذرات، المعقول أن ينتج عن ~~الحركة اختلاف في حجم الأجسام، وفي قوة الحركة نفسها ليس غير؛ أما الاختلاف ~~بالخصائص والماهية فهو من أصل آخر؛ وإذا كان ترتيب الحركات والهيئات يفسر اختفاء ~~خصائص العناصر في ائتلافها، فإنها لا تفسر ظهور الخصائص الجديدة بتكون المركب ~~الجديد، والحركة لا تنتقل من جسم إلى آخر كما يتوهم الآليون، إذ لا حركة إلا في ~~متحرك، فإذا قلنا بالانتقال دون متحرك افترضنا الحركة شيئا أو جوهرا أثناء ~~الانتقال، وهي عرض بالطبع، مفتقرة إلى ما يحملها ويمر بها من مكان إلى آخر. ونكرر ~~القول: إن الاختلاف بالعرض لا ينتج اختلافا بالذات. # وإذا نظرنا في كل ذرة على حيالها وجدناها واحدة بوحدة حقيقية، وليست المادة سببا ~~للوحدة، ولكنها على العكس سبب للتفرق والتعدد بانقسامها أجزاء؛ فإذا كانت الذرة ~~غير منقسمة مع امتدادها فليس ذلك راجعا إلى المادة، بل إلى مبدأ آخر سنفحص عنه ~~بعد هنيهة. لكن الآليين يتصورون الجسم الطبيعي على مثال الجسم الصناعي فيسلبونه ~~وحدته؛ وهذه الوحدة بينة في المركبات الجمادية، وأبين منها في الكائنات الحية. وفي ~~الطائفتين جميعا يصدر الفعل والانفعال عن الكائن بكليته كوحدة غير منقسمة، بينما ~~الفعل والانفعال في الجسم الصناعي يصدر كل منهما عن جزء فقط. كما نشاهد في أجزاء ~~أية آلة من آلاتنا. انظر إلى المادة المتبلورة كيف تتخذ شكلا هندسيا معينا بعد ~~عدم التعيين، وكيف تجبر ما يصيبها من كسر: أليس هذا دليلا على وجود مبدأ غير ~~المادة البحتة، كما أن انتقال الجسم الحي من عدم التعيين إلى تصوير شخص من نوع معين ~~بوظائفه وأعضائه دليل على وجود مبدأ مغاير للمادة البحتة؟ # والمذهب الآلي لا يفسر اطراد الأنواع الجمادية والحية، وسيرها على قوانين معينة، ~~فإن المادة الصرف والحركة ذاتها لا تقتضيان نوعا دون آخر أو قانونا دون آخر، إلا ~~أن يكون في الجسم الطبيعي مبدأ ذاتي يعين نوعه وخصائصه، ويستخدم ms008 المادة والحركة ~~تبعا لمقتضيات ماهيته. ولكن المذهب الآلي ينكر مثل هذا المبدأ، ويريد أن يعلل ~~خصائص الموجود بنظام تركيبه، كأن نظام التركيب نفسه غير مفتقر إلى تعليل. محال أن ~~نرد إلى المصادفة اتساق الكائن الطبيعي مرة واحدة، فأمعن من ذلك في الإحالة عودة ~~الاتساق في كل مرة. # ومن الأدلة القاطعة على وحدة الذرة: وزنها النوعي، وألفتها الكيميائية، وما يتبع ~~هذه الألفة من تغير جوهري. الوزن النوعي خاص بكل ذرة، ثابت لها، والذرات متفاوتة في ~~المقدار، ومع ذلك هي غير منقسمة من جهة ما هي ماهية معينة، وإذا انقسمت مادتها ~~تغيرت هذه الماهية، فلو كانت الأجسام امتدادا وحسب لانقسمت دون أن يعتريها تغير، ~~إن ذرة الزئبق تزن مائة ضعف وزن ذرة الهيدروجين، فلم كان كلاهما غير منقسم؟ # والألفة الكيميائية آية من آيات الغائية الباطنة المركوزة في الكائن نفسه، فإن ~~لكل عنصر ميلا خاصا إلى عنصر آخر أو عناصر أخرى معينة دون غيرها. والعناصر ~~المتآلفة قابلة للامتزاج بحيث يتكون منها جسم جديد بكافة خصائصه. وهذا الامتزاج ~~لا يحدث اتفاقا كما تقدم، بل كأنه نتيجة ميل واختيار، إن جاز هذا التعبير بخصوص ~~الموجودات غير الحاسة غير المختارة، بخلاف الحال في «الخليط» حيث يجتمع من الأشياء ~~ما نشاء ويحتفظ كل منها بوجوده وطبيعته، كالماء والخمر، أو العسل والطحينة، يختلطان ~~فيؤلفان شيئا وسطا نستشعر فيه كلا منهما بالآخر، على حين أن «المزاج» متجانس لا ~~أثر فيه لأصوله الممتزجة، مثلما كل جزء من الماء هو ماء. فالخليط من باب الطبيعة، ~~والمزاج من باب الكيمياء. أليس يستحق هذا الفرق تفسيرا غير ذلك الذي يعرضه الآليون ~~باعتمادهم على ترتيب الذرات بعضها من بعض؟ لو كانت المادة امتدادا وحسب لعاد كل ~~امتزاج خلطا، ولم يكن هناك مزاج أصلا. # تلك بعض الاعتراضات التي توجه للمذهب الآلي. وسنعقبها بأخرى، خصوصا حين نبحث في ~~الكائنات الحية ووظائفها النامية والحاسة والناطقة، فما من مسألة من المسائل ~~الفلسفية إلا وله دخل فيها، وأشياعه يعدونه مذهبا عاما في الطبيعة عامة. على أنا ~~نريد أن نبدي ms009 هنا ملاحظة تنصفه وتحدد وجه معارضتنا له، فلا يتهمنا أحد بالتجني ~~عليه؛ ذلك أنه إن كان خاطئا في تكوين المادة، كما ندعي، فقد يمكن اعتباره مطابقا ~~للواقع من حيث وصف الكائنات ووصف «أعضائها» التي تفعل بها، ووصف جريان أفعالها: ~~وهذا هو نصيب الحق في رد العلوم الطبيعية إلى المادة والحركية، وعد العلم الطبيعي ~~الرياضي صورة للعالم، دون أن يعد هذا الرد تحقيقا للمذهب وبرهانا في صالحه؛ إذ إن ~~هذه الوجهة ثانوية في الحقيقة، بينما الوجهة الأولية هي التكوين الميتافيزيقي: ~~فالفسيولوجيون مثلا يبنون علمهم على تكوين الأعضاء وترتيب أفعالها، وهذا جائز، بل ~~واجب، ولكنهم يستبعدون النظر في طبيعة الحياة وغائية أفعالها، على ما سنبين فيما ~~بعد، وهذا غير جائز؛ إذ إن مهمة الفلسفة الكشف عن العلل الأخيرة والأصول الأولى. ~~وهكذا نقول في كل طائفة من العلماء تنتهج هذا المنهج؛ والوجهة الأولية هي التكوين ~~الميتافيزيقي؛ فنقدنا له هو من هذه الوجهة، أي: باعتباره المذهب المادي المنكر ~~للماهيات والمستعيض عنها بتركيب أجزاء مادية تركيبا عرضيا. إن القضية التي ندافع ~~عنها هي أن المادة تنتظم من «طابقين»: أحدهما سفلي هو الآلية، والآخر أعلى، وهو ~~الغائية. ~~(4) المذهب الهليومورفي # خلص لنا مما تقدم دعويان ضد الآلية، وهما على جانب كبير من الأهمية، ولو أن ~~التجربة تظهرنا عليهما في كل وقت، ولكن الفلاسفة الذين يرتابون في البديهيات كثير، ~~فلا نجد بدا من السعي وراءهم وتبرير البديهيات بقدر ما يسمح المقام، والبديهيات ~~لا تبرر. إحدى الدعويين وجود كائنات مختلفة بالنوع، والأخرى وجود تغيرات جوهرية. ~~الدعوى الأولى يلزم منها أن الكائنات تتشابه من وجه، هو وجه المادة والكمية، ~~وتتخالف من وجه، هو وجه الماهية. وعلى ذلك فكل جسم هو مركب. وهذه النتيجة عينها ~~تلزم من الدعوى الثانية: فإن الكائن المتغير لا يمكن أن يكون بسيطا، ومعنى التغير ~~أن شيئا منه باق، وأن شيئا منه تغير، وإلا لم يكن الحال تغيرا، بل كان إعدام ~~كائن وخلق كائن، أي: إرجاع التغير إلى القدرة الإلهية، وسلب الفعل والعلية من ~~المخلوقات، والآليون متفقون ms010 معنا في نبذ هذا الرأي وقد فندناه في كتاب «العقل ~~والوجود». فالتغير الجوهري يقتضي موضوعا باقيا، ومبدأ يتم التغير بظهوره في ~~الموضوع أو اختفائه منه. # وذلك مذهب أرسطو، فإنه يتصور الجسم الطبيعي مركبا من مادة ومن مبدأ يرد المادة ~~إلى الوحدة ويعطيها ماهية معينة، ويسمي المادة بالمادة الأولى أو الهيولي تمييزا ~~لها عن المادة الثانية الداخلية في المصنوعات، ويسمي المبدأ المعين بالصورة «مورفي» ~~باليونانية فدعي مذهبه بالفرنسية # Hylémorphisme # وبالإنجليزية # Hylomorphisme # أي: مذهب الهيولي ~~والصورة. وقد رأينا أن نصطنع هذا اللفظ المركب ولو أنه لم يرد بهذا الشكل في ~~العربية. وهذا المذهب يفسر وقائع التجربة تفسيرا وافيا: فالهيولي أو المادة أصل ~~امتداد الجسم في المكان، والصورة أصل وحدته وخصائصه الذاتية، المادة أصل تكثر ~~الأفراد في النوع الواحد واختلافهم في الأعراض، والصورة أصل اتفاقهم في الماهية، ~~فإن كثرة الأفراد في النوع الواحد تعني أنهم متفقون في شيء هو علة تشابههم، ~~ومختلفون في شيء هو علة تمايزهم، أي إن كلا منهم مركب من شيئين كما قلنا، فيظهر ~~هذا التركيب في التغيرات الجوهرية كما بينا. وتدل الملاحظة على أن ثقل الجسم ~~المائي يساوي ثقل العنصرين المركب منهما، وهذا شاهد المادة، وأن في هذا التركيب ~~شيئا جديدا غير طبيعة الهيدروجين وطبيعة الأوكسجين، يتحد بها فيوجد منهما الماء، ~~وهذا شاهد الصورة. ويقال مثل ذلك في كل تركيب جوهري، سواء أكان في الجماد أو في ~~الكائن الحي. # لأجل فهم هذه النظرية على حقيقتها يجب الاحتراز من بعض التخيلات التي تتبادر إلى ~~الذهن وتفسد فهمنا: يجب الاحتراز من تصور الصورة كأنها الشكل الخارجي بأقطاره ~~الثلاثة، كما قد يوهم هذا اللفظ حين يسمعه المبتدئ في الفلسفة: الشكل عرض، والصورة ~~المقصودة هنا تعين المادة الأولى، وتجلب لها جميع الخصائص والأعراض. والصورة هي ~~«الفعل الأول للهيولي» أي: ما يعينها أولا، تتحد بها وتكون معها جسما ~~معينا. # ويجب الاحتراز من تصور الهيولي ~~والصورة جوهرين تامين متجاورين في الجسم. إنهما جوهران ناقصان. الجوهر الناقص هو ~~الذي لا يفسر وحده جميع خصائص الجسم، ولا ms011 يحدث جميع الأفعال المعهودة منه. إنهما ~~متحدتان اتحادا جوهريا يكمل إحداهما بالأخرى، فتتقومان جوهرا تاما واحدا: ~~«الهيولي هي جوهر من حيث موضوعة للصورة، والصورة هي جوهر من حيث مقومة للموضوع، ~~والمركب منهما جوهر من قبل إنه مركب منهما.» # 8 # وقد زعم ابن سينا وألح في زعمه أن الهيولي تتحد أولا «بصورة جسمية » ~~تحقق فيها الأقطار الثلاثة، فإنها «لو كانت خلوا عن الأقطار لكانت حينئذ غير كم، ~~وكانت غير متجزئة الذات». # 9 # لكن هذا غير لازم، إذ لو كانت هناك صورة جسمية لكونت من الهيولي جوهرا ~~تاما، أي: كائنا ذا وحدة، فإذا طرأت عليه الصورة النوعية لم تتحد به اتحادا ~~جوهريا، بل كان شأنها شأن العرض، وكانت الأجسام الطبيعية مركبات عرضية عديمة ~~الوحدة، وهذه نتيجة يأباها ابن سينا نفسه. فيكفي أن نقول: إن الجسم الطبيعي مركب من ~~هيولي ومن صورة واحدة هي الصورة النوعية تعطي المركب الأقطار الثلاثة والنوع، وسائر ~~الخصائص والكيفيات. # فالهيولي والصورة النوعية جزءان متكاملان، فلا توجد إحداهما دون الأخرى. فيجب ~~النظر إليهما في المركب حيث تؤدي الهيولي مهمة الموضوع أو المحل، وتؤدي الصورة مهمة ~~الماهية المعينة كل منهما جوهر ناقص في ذاته، مفتقر للآخر في الوجود والفعل، ~~واتحادهما أولي لا يسبقه اتحاد، وهذا هو السبب في أنهما يؤلفان هيئة واحدة تامة. ~~وفعل الجسم الطبيعي ليس من الهيولي وحدها، ولا من الصورة وحدها، ولا من الاثنتين ~~متجاورتين متعاونتين، بل من المركب منهما تركيبا أوليا، ومن ثمة جوهريا. ~~ولفكرة الجوهر الناقص أهمية كبرى في تعيين نوع اتحاد النفس الإنسانية بالجسد، فإن ~~القائلين بالهيولي والصورة على الوجه المتقدم، وبروحانية النفس وبقائها بعد الموت، ~~يجدون أمامهم مسألة عسيرة هي: هل النفس الإنسانية صورة جسم فتفنى بفنائه؟ أم هي ~~جوهر روحاني لا يتحد بالمادة اتحادا حقيقيا؟ سنعود إذن إلى هذه المسألة حين نبحث ~~في ماهية نفس الإنسان، ولعل هذا المبحث المعين يزيد المسألة وضوحا. # ويجب الاحتراز من تصور العناصر المكونة للمركب الطبيعي باقية فيه بالفعل، أي على ~~حيالها كما تكون خارج المركب. ذلك ms012 وهم الآليين وتصوير الخيال، ولكنا رأينا أن ~~المركب هو من طبيعة مختلفة اختلافا جوهريا عن عناصره، فلا نستطيع أن نفهم اختلاف ~~نوع المركب مع بقاء عناصره بالفعل، كما نفهم الخليط. فالواجب أن نعتقد أن العناصر ~~«كامنة» في المركب، باقية فيه بالقوة، كوجود النبتة في البذرة، ثم تبين بالفعل، أي ~~بخصائصها وأفعالها، عند انحلال التركيب. لكن الآليين مضطرون من قبل مذهبهم الحسي ~~إلى تخيل الأشياء وجحد ما لا يتخيل، فلا يحاولون تعقل الأشياء بمبادئها؛ و«القوة» ~~لا تتخيل، فيأبون أن يجعلوا لها محلا من تفكيرهم، فيصلون إلى تلك النتائج غير ~~حافلين بمناقضتها للعقل والتجربة جميعا. ~~(5) المذهب الدينامي # هنا أيضا نصطنع اللفظ الإفرنجي # dynamisme ~~، من ~~اللفظ اليوناني «دوناميس»، أي القوة، فلا نقول: مذهب «القوة» أو مذهب «الطاقة»؛ ~~وبذلك ندل ابتداء على المعنى المقصود؛ ونتحاشى استعمال النسبة للفظ «القوة» ولفظ ~~«طاقة» لما يبدو على هذه النسبة من غرابة حين نقول: «قوي» أو «قوية» و«طاقي» أو ~~«طاقية». وما أكثر أخذ اللغات بعضها عن بعض، خصوصا في المسائل العلمية، حيث يظهر ~~ميل عام إلى توحيد الاصطلاحات. ولنا أسوة بالعلماء والفلاسفة الإسلاميين، فإن كتبهم ~~مشحونة بالألفاظ اليونانية كما هو معلوم. # للمذهب الدينامي صورتان: الأولى نشأت في العصر القديم، وهي ساذجة غير ذات خطر، ~~والثانية ابتدعها ليبنتز، وهي أدق وأعسر، وهي المقصودة عادة. فأوائل الفلاسفة ~~اليونان، أولئك الذين عينوا عنصرا من العناصر الأربعة مادة أولى للموجودات ~~الطبيعية، اعتقد كل منهم أن العنصر الذي عينه حاصل على قوة باطنة متحرك بها؛ ~~فدعوا بأصحاب المادة الحية؛ وأنبا دوقليس الذي اعتبر العناصر منفعلة وحسب، افترض ~~لتعليل الحركة قوتين كونيتين دل باسميهما، وهما المحبة والكراهية، على نوع عليتهما: ~~المحبة تجمع بين العناصر، والكراهية تفرق بينها؛ ثم جاء الرواقيون وقالوا: إن ~~العالم حيوان كبير حاصل على نفس وعلى قوة ذاتية أو حياة. فعندهم جميعا أن الحركة ~~صادرة عن الأجسام أنفسها، إما مباشرة وتبعا لطبيعتها، وإما بصفة غير مباشرة، أي: ~~بعلة متمايزة منها كالمحبة والكراهية والنفس العالمية، خلافا للآليين الذين ~~يعتبرون الحركة عرضا ظاهريا ms013 لا يقتضي منهم علة معروفة، ولا يمس ذات الأجسام، بل ~~يمر من جسم إلى جسم، إلى غير نهاية. # أما ليبنتز فقد استبان نقص الآلية من وجهين: وجه الحركة، ووجه المادة. لما كان ~~الآليون ينكرون الماهيات فقد خلص لهم أن الجسم امتداد صرف، وجعلوا منه شيئا ~~منفعلا وحسب، خلوا من القوة لاستنادها إلى الماهية في عرف القائلين بها. ولكن ~~التجربة تنبئنا أن الجسم الكبير أصعب تحريكا من الصغير، فليست مادة الكبير محض ~~امتداد، ولكنها أيضا مقاومة، والمقاومة راجعة إلى المقاومة، أي إنها نوع من القوة. ~~وتنبئنا التجربة أن الجسم المتحرك إذا حرك جسما ساكنا فقد شيئا من حركته، ولا ~~يعلل ذلك إلا بمقاومة الساكن، والمقاومة نوع من القوة كما أسلفنا، وأيضا ما الذي ~~يميز الجسم المتحرك من الجسم الساكن إذا نظرنا إلى الأول في نقطة ما من خط مسيره، ~~إذ لا يمكن اتصال الحركة إلا بوساطة قوة أو ميل في ذات المتحرك؟ ولولا ذلك لعادت ~~الحركة عبارة عن سلسلة سكونات، وإذن فماهية الجسم تقوم في القوة، وتظل القوة حتى ~~ولو وقفت الحركة. # 10 # ومن وجهة المادة تبدى لليبنتز أن الجوهر الفرد أو الذرة كما تصورها ديموقريطس ~~وسائر تابعيه، لا يمكن وحدة بمعنى الكلمة، أي: جوهرا حقا، فإن كل جسم، مهما ~~افترضناه صغيرا، فهو ممتد، وكل امتداد فهو منقسم إلى غير نهاية، أي إنه مجموع ~~جواهر، وإذن فالمادة كثرة بحتة، ولو لم يسعفنا التحليل الفعلي في استنفاد أجزائها، ~~والأجسام «وحدات قوية»، وليس من وحدة حقة إلا وحدة الموجود اللا مادي، البسيط غير ~~المنقسم، فما يبدو لنا جسما طبيعيا هو في الحقيقة وحدة لا مادية، وما يبدو ~~مكانا أو مسافة هو في الحقيقة مجرد تصور. # وواضح أن هذا المذهب الجاحد للامتداد والحركة لا يصلح تفسيرا للطبيعة الممتدة، ~~المتحركة، وإنما هو قاض على العلم الطبيعي كما قضى عليه بارمنيدس بقوله: إن العالم ~~واحد ساكن؛ وتابعوه من العلماء المعاصرين المؤلفون الأجسام من «مراكز طاقة» كما ~~يقولون، ينضمون للآليين، ويزيدون عليهم خطأ جسيما هو اعتبار الطبيعة ms014 بما فيها ~~وهما من الأوهام كما يوحي بذلك المذهب التصوري. إنهم يؤلفون المادة من الطاقة التي ~~لا امتداد لها، ومتى كانت الطاقة واحدة بالنوع، أصبحت كالحركة عند الآليين، ولم ~~تصلح لتفسير تنوع الأجسام وخصائصها وأفعالها. وفيما يلي اعتراضات خاصة فوق هذا ~~الاعتراض العام، وإتمام لتنفيذ المذهب الآلي. ~~(6) كمية الأجسام الطبيعية أو تفنيد المذهب ~~الدينامي # لكل جسم مقدار أو كمية. والكمية هي العرض المادي للجوهر الجسمي بأجزاء ممتدة ~~ومتقارنة. وهي العرض الأول في الجسم: لا الأول زمانا، فإن الجسم ممتد طبعا، بل ~~الأول رتبة، إذ بوساطته يحمل الجوهر باقي الأعراض. هي عرض، وليست جوهر الجسم كما ~~يعتقد الآليون، فإن لكل جسم ماهية تختلف عن كميته، ولا يمكن أن يكون تفاوت مقدار ~~المادة العلة الوحيدة الكافية لتنوع الأجسام تنوعا بالماهية. أجل إن في الجماد ~~اقتضاء لكمية معينة من المادة لتقوم الذرة والجزيء والبلور، كما أسلفنا، ولكن ~~هذا شرط فقط لقوام الجوهر وفعله وظهور خصائصه. ويبدو ذلك بشكل أوضح في الكائنات ~~الحية، حيث تختلف الكمية دون مساس بالماهية. الجسم الرياضي يحدث بمحض الامتداد، ~~ويعرف بالأبعاد الثلاثة؛ أما الجسم الطبيعي فهو مبدأ فعل وانفعال، وما الكمية فيه ~~سوى شرط لازم للتقوم والفعل. والآليون يخلطون بين هذين النوعين، أي إنهم يفكرون ~~بالمخيلة لا بالعقل، ويأخذون الجسم الرياضي مثالا لمطلق الجسم تفاديا للقول ~~بالماهية في الجسم الطبيعي. ولم لا ننهج هنا منهج ديكارت نفسه في تمييزه بين ~~النفس والجسد، فنقول: ما دمنا نتصور بوضوح الأبعاد دون الجوهر، فإن الشيئين ~~متمايزان؟ # عن الكمية يلزم المكان، وله شأن كبير في الفلسفة القديمة وشأن أكبر في الفلسفة ~~الحديثة، كما ذكرنا في كتاب «العقل والوجود». المكان خاص ومشترك: المكان الخاص هو ~~الحيز الذي يشغله الجسم بمقداره؛ والمكان المشترك هو الحيز الذي تشغله جملة أجسام، ~~وحيثما توجد أجسام يوجد مكان، وحيثما لا توجد أجسام لا يوجد مكان. ولكن الآليين ~~المفكرين بالمخيلة كما قلنا، يطاوعونها في تخيلها المكان شيئا عينيا ممتدا إلى ~~ما لا نهاية، كما تخيل ديموقريطس وأبيقور، وديكارت وجساندي، ونيوتن ms015 وكلارك، ~~والحقيقة أن ليس للمكان من وجود إلا بوجود جسم، فنتصور الخير المشغول بالجسم كأنه ~~شيء عيني. ولسنا نريد أن نقول: إن المكان محض تصور، ما ارتأى ليبنتز وكنط وأتباعهما ~~من التصوريين، من حيث إن الأجسام الشاغلة له هي موجودات عينية حاصلة بالطبع على ~~كمية. # فلا يبقى إلا أن نستنتج مما تقدم أن المكان موجود ذهني له أساس في الواقع، أي في ~~طبيعة الأشياء؛ مثل الإنسانية والحيوانية وما إليهما. نقول: إنه موجود ذهني، فإننا ~~لا نجد مطلقا أبعادا ثلاثة هي مطلق محل لقبول الأجسام متمايزة منها وقابلة ~~لمفارقتها، ونقول: إن له أساسا في طبيعة الأساس، فإن الأبعاد الثلاثة المتصورة ~~محلا كليا عاما هي محاكاة للأبعاد الثلاثة في الأجسام التي نراها منطوية ~~بعضها على بعض ومحلا بعضها لبعض. # وليست الأجسام مركبة من ذرات منفصلة متجاورة فقط كما يتصور الآليون، ولكنها ~~متصلة، ولا يمنع اتصالها ما فيها من مسام، فإن الذرات (أو الخلايا في الأحياء) إن ~~لم تكن متصلة اتصالا مطلقا، أي من جميع جهاتها، فإنها متصلة اتصالا نسبيا، أي ~~من بعض الجهات، فلا تفسد وحدة الموجود. الوجدان يشهد شهادة واضحة لا تقبل الشك أن ~~أعضاءنا متحدة بعضها ببعض، وأنها تكون جسما واحدا غير منقسم؛ فإن كل إحساس، في ~~كل نقطة من جسمنا، محس معلوم للفور دون واسطة أو استدلال. ويشهد العقل أن أجزاء ~~الكائن الحي تحيا كلها بالحياة الشخصية، وأن في الكائن الحي مبدءا واحدا حالا ~~فيه، ولو كانت الأجزاء والأعضاء منفصلة لاستحالت الحياة الشخصية. والأمر واحد في ~~الجماد ووحدته وفعله وانفعاله. # ووجه الاستحالة أن إنكار الاتصال يستلزم التسليم بأن كل فعل فهو يتم «عن بعد»، ~~سواء في كل جسم جسم، أي في الخلاء الفاصل بين الأجزاء، وبين الأجسام بعضها والبعض ~~في الخارج. ولكن لا فعل عن بعد، أو «لا حركة في الخلاء» كما يقول الإسلاميون، فإن ~~الذي يسلم بها مضطر للتسليم بأن المخلوق يفعل حيث لا وجود له، أو أن يزعم أنه موجود ~~عن بعد، وكلا هاتين القضيتين متناقضة معارضة ms016 للعقل، إذ من غير الممكن فصل الفعل عن ~~فاعله، ولا الفصل بين الفاعل وحيزه. ويتوهم البعض أن الفعل عن بعد إصدار أعرض من ~~الفاعل إلى المنفعل في الخلاء، وليس للأعراض وجود مستقل حتى تسير هكذا، وليس الخلاء ~~شيئا حتى يحمل العرض أو الجوهر. # يقال: إن الجسم أو الامتداد منقسم إلى غير نهاية، وهذه عبارة متداولة لا يغني ~~تداولها عن شرحها. إن الجسم ينقسم إلى ما لا نهاية من الوجهة الرياضية وفي العقل ~~فقط، أي من جهة ما هو جسم ممتد، فإن القسمة الامتداد تعطي دائما آحادا ذات ~~امتداد، لما ذكرناه من استحالة تكون المركب من بسائط ووجوب قبوله للقسمة دائما. ~~أما من الوجهة الواقعية، أي من حيث هو موجود متشخص فلا ينقسم إلى غير نهاية، فإن ~~الجسم المتشخص حاصل على صورة متحدة بالمادة، فإذا قسمنا مادته غير ماهيته، وأفضينا ~~به إلى التلاشي بصفته هذه الماهية المعينة. # فإذا ما اتجهنا صوب المذهب الدينامي المنكر لموضوعيته الامتداد، سألنا: من أين ~~جاءنا هذا الوهم وليس فينا ولا في الأشياء امتداد؟ قلنا ونكرر القول: ليس الممتد ~~مركبا من غير الممتد، ومهما أضفنا البسيط إلى البسيط فلن نؤلف مادة، كما أن إضافة ~~الأصفار إلى الأصفار لا تؤلف واحدا، وأن النقط البسيطة - إذا تماست - لا تؤلف ~~مركبا، بل تحتل كلها نقطة واحدة. وحين يقول الرياضيون، أو أشباه الرياضيين، إن ~~الخط مركب من نقط غير ممتدة، فكذلك الأجسام مركبة من مونادات، نجيب أن هذا التعبير ~~ينقصه شيء كثير من الدقة، فليس للنقطة وجود واقعي، وليس الخط إذن مركبا من نقط؛ ~~وإنما الرياضيون يفترضون خطا حادثا عن نقطة متحركة، ولا يحدث خط متصل إلا لوجود ~~مكان متصل تتصل فيه الحركة فيحصل اتصال الخط. فالامتداد أو الاتصال سابق بالطبع على ~~الحركة، وإلا لم تستطع النقطة أن تتحرك. يقول ليبنتز إن الامتداد تصور بحت ينشأ في ~~الذهن من إدراك مونادات عدة متقارنة في الوجود، فهو «نسبة» بينها. وجوابنا عين ~~الجواب السالف: أعني أن هذه النسبة تفترض المكان ولا توجده، وكذلك ms017 نقول للديناميين الذين ~~يعللون حدوث فكرة المكان بحركات جذب ودفع، أعني أنه لو لم يكن المكان موجودا ~~استحالت هذه الحركات. # الكمية والمكان إذن شرط الحركة، فمنكرهما منكر لها ضرورة. غير أن الديناميين لا ~~يلتزمون بهذه الضرورة، بل يتحدثون عن الحركة بأنها الظاهرة الكبرى في الطبيعة، وأن ~~بها تعلل سائر الظواهر، كما يتحدث الآليون ، خشية أن يمتنع عليهم العلم الطبيعي، وما ~~أقوى سحر العلم الطبيعي في العصر الحديث! وهذا افتئات صريح على المنطق، يدل على ~~بطلان مبدئهم الذي يفضي بهم إلى هذا التناقض الظاهر. والآليون من جهتهم لا يكتفون ~~بإثبات الحركة، بل يدفعون بمذهبهم فيها إلى أقصى حد، وذلك بما يسمونه مبدأ القصور ~~الذاتي القائل: «إن كل جسم فهو مستمر في حاله من سكون أو حركة مستقيمة راتبة إلا أن ~~يتأثر بجسم آخر.» ويرتبون على هذا المبدأ نتيجة خطيرة هي: إذا افترضنا جسما يقذف ~~في الخلاء فإنه يستمر في حركته إلى ما لا نهاية. ويرتبون على هذه النتيجة نتيجة ~~أخرى أعظم خطورة، وهي: أن العالم لما حركه الله مضى في الحركة دون حاجة إلى الله، ~~فإن من شأن القصور الذاتي أن يجعل الحركة آلية، ويغني عن المحرك بعد أن كان محتاجا ~~إليه فقط للانتقال من حال السكون إلى حال الحركة. # ولنا على هذه النظرية ردان؛ أحدهما خاص بالأجسام الطبيعية، والآخر خاص بالله، ~~فنقول أولا: إن هذا المبدأ لم يستخلص من الواقع، فليس في تجربتنا خلاء صرف ننظر ~~فيه إلى الحركة إن كانت غير متناهية، بل ما نشاهده بالفعل هو أن حركة الأجسام تسكن ~~في جونا بسبب مقاومة الهواء. ومن جهة ثانية أن قوة التحريك محدودة - من غير شك - ~~بقوة المحرك وبكفاية المتحرك لقبولها؛ وإذن فقوة التحريك نافذة لا محالة، ومتى نفدت ~~سكتت حركة المتحرك لانعدام فعل المحرك. ونقول ثانيا: إن الجسم الطبيعي محدود ~~الكفاية، فلا يمكن أن يقال: إن العالم يقبل من الله حركة غير متناهية تغنيه عن ~~الله؛ بل المعقول أنه يقبل تحريكا متناهيا، فتكون حاجته إلى المحرك، ليس فقط ms018 ~~لتوليد الحركة، بل أيضا إلى تجديدها واستمرارها؛ ومن غير المعقول أن يتحرك الجسم ~~إلى ما لا نهاية بقوة متناهية. # والبحث في الحركة يؤدي إلى البحث في الزمان، فإن الزمان «عدد الحركة» أو أن ~~الحركة قابلة للعد بحسب تعاقبها. وكثير من الفلاسفة - فضلا عن الجمهور - تخيلوا ~~الزمان لا متناهيا كليا ضروريا: فاليونان منهم كافة - إذ كانوا يجهلون أو ~~ينكرون فكرة الخلق - اعتقدوا أن المادة أزلية أبدية، فنتج لهم أن الزمان أزلي أبدي، ~~أي: لا أول له ولا آخر؛ بعضهم قالوا بذلك انقيادا للمخيلة، وبعضهم ادعى ثبوته ~~عقلا، مثل أرسطو الذي أجل الله عن التنزل إلى العلم بالمادة والتأثير فيها؛ ~~ومنهم ديكارت بعقليته الرياضية، ثم سبينوزا بمذهبه في وحدة الوجود، ثم نيوتن ~~وكلارك، وقد بلغ الأمر بهؤلاء الثلاثة إلى جعل الزمان والمكان صفتين من الصفات ~~الإلهية. # والحقيقة أن الزمان متناه لتناهي مدة العالم وحركته، فإن العالم حالما يوجد ~~وحالما تبدأ حركته، ينفصل عن عدم الوجود السابق بآن واحد هو آن وجوده، ثم يأخذ في ~~التحرك، فيبدأ الزمان، ولا أهمية بعد ذلك للفحص عما إذا كانت الحركة تستمر أو تنتهي ~~ما دامت النهاية قد بانت في الأول. والحقيقة من جهة ثانية أن فكرة الزمان مكونة ~~باشتراك العقل والتجربة: فأول إدراك للزمان هو إدراك «الزمان الذاتي»، أي الشعور ~~بالديمومة واتصال الوجود في شخصنا، وفيما حولنا من الناس والأشياء. اتصال الوجود ~~مدة تتعاقب فيها أفعالنا، وتبين في عاداتنا البدنية والمعنوية، وفي آفاتنا البدنية ~~الناتجة عن الوراثة والمرض والإفراط، وفي ذكرياتنا التي تساعدنا على فهم التجربة ~~الحاضرة واستكمالها. ومن المستحيل قياس هذه المدة قياسا مباشرا واقعا على ~~الحالات التي تملؤها؛ وذلك لأن شعورنا بها متقطع متفاوت، فقد لا نشعر بكثير منها، ~~وقد لا نشعر بها على حد سواء، فمنها ما يهمنا ويستغرق انتباهنا فيطغى على غيره، ~~وتبدو مدته قصيرة؛ ومنها ما يهمنا قليلا أو كثيرا، فيتفاوت شعورنا بمدته. # وأصغر جزء في الزمان الذاتي هو «الآن النفسي» أو مدة الظاهرة التي نوليها ~~انتباهنا؛ ويدوم هذا الحاضر حتى ms019 تعرض ظاهرة تستغرق الانتباه فيذهب، أي يصير ماضيا. ~~والحاضر الواقعي يمكن أن يدوم من أربعة أخماس الثانية إلى اثنتي عشرة ثانية. وهو ~~مدرك كأنه كلي لاستيعاب الانتباه أمورا عدة، ولو أنه يتضمن تعاقبا، فإن من ~~الثواني ما يتقدم فيلحق بالماضي، ومنها ما يتأخر فينتظر في المستقبل. وبين الماضي ~~والمستقبل ثانية حاضرة تصل هذا بذاك كنقطة غير متجزئة؛ وهي أيضا زمان لسيلانها ~~وعدم ثباتها. وإذن فنحن نشعر بالزمان بوساطة التعاقب، ولكنه تعاقب غير ~~منتظم. # فلجأ الإنسان إلى قياس غير مباشر باستخدام بعض الحركات الراتبة إما في جسدنا ~~كالجوع والعطش والنوم والتعب والنبض والتنفس والمشي، وإما في الخارج كحركة الشمس ~~والقمر والمزولة والساعة؛ وهذا النوع الثاني أدق بكثير، وبخاصة حركة الشمس، أو ما ~~يسمى كذلك؛ إذ المقصود هنا حركة الأرض حول الشمس كما هو معلوم، فإن فصول السنة ~~متوقفة عليها، وأيام السنة عائدة في مواعيدها من هذه الفصول؛ فحصل الإنسان بها على ~~زمان عام لنظامنا الفلكي، ولكنه زمان نسبي؛ إذ إن نظامنا الفلكي جزء صغير من الفلك ~~أجمع يكاد لا يذكر، وأهل العصر القديم والعصر الوسيط هم الذين كانوا يحسبونه جملة ~~العالم، ويظنون أن المتحرك الأول هو الفلك المحيط في نظامنا البادي للعيان. وقد ~~أبطل العلم الحديث هذا التصور باستكشافه أنظمة فلكية كثيرة، فوسع آفاقنا به، ولكنه ~~لم يتوصل بعد إلى الإلمام بأطراف الكون وتعيين مركزه، حتى نعتبر حركة هذا المركز ~~حركة أولى إطلاقا، ونتخذ منها معيارا تتقدر به سائر الحركات. فنحن لم نحصل بعد ~~على «الزمان المطلق». ولو حصلنا عليه لما كان مطلقا إلا بمعنى أنه زمان العالم ~~الواقعي، وفي مقدورنا أن نتصور عالما أكبر أو عالما أصغر تختلف فيهما النقطة ~~المركزية. # ففكرة الزمان فكرة نسبية للغاية مكونة تكوينا؛ ويخطئ كل من يتخيل الزمان شيئا ~~واحدا أو معنى واحدا أصيلا فطريا في الذهن. إن الموجود منه بالفعل في كل آن ~~هو «الآن» الميتافيزيقي، أي أدنى جزء يتجدد باستمرار طوال جريان الحركة، ويمكن ~~تصوره على غرار الآن النفسي كما شرحناه، إلا أنه ms020 ليس مثله ممتدا، وإنما هو واسطة ~~بين الماضي والمستقبل، هو الحد الأخير بالنسبة إلى الماضي، والحد الأول بالنسبة إلى ~~المستقبل. «لا يدخل في الوجود المتحرك من الزمان في الحقيقة إلا الآن.» # 11 # فإذا بدا الزمان متصلا قائما بجميع أجزائه، أو بجميع أجزاء الماضي ~~على الأقل، ففي ذهننا فقط أن الماضي قد فات، والمستقبل لما يأت بعد، وأجزاء الزمان ~~متتالية لا توجد معا كوجود أجزاء المتصل القار بها جميعها. فالزمان موجود ذهني له ~~أساس في الواقع هو الآن، ولا مقابل له، ولا يمكن أن يوجد له مقابل على ما يبدو في ~~الذهن. ولولا العقل لما كان لنا معنى الزمان، فإن العقل أو الذاكرة العقلية هو الذي ~~يستحضر الماضي مجتمعا، ويتوقع المستقبل مجتمعا، ويكون منهما متصلا واحدا ~~تتقدر به الحركات على اختلافها، # 12 # بل تتقدر به سكنات الأشياء القابلة للحركة بالذات، فإنها سكنات أشياء ~~يمكن أن تتحرك، فالزمان المتصور هكذا مقياس الحركات وعدمها. وفيما تقدم كفاية بعد ~~ما قلناه في كتاب «العقل والوجود» عن الزمان عند التصوريين، وبخاصة عند كنط. ويبقى ~~لنا أن نعجب لفلاسفة كبار ينقادون إلى الخيال ويغفلون عن حكم العقل. ~~(7) كيفيات الأجسام الطبيعية # مع الكمية ولواحقها تطرأ على الجسم الطبيعي أعراض «تكفيه»، أي تدخل عليه؛ من حيث ~~الوجود ومن حيث الفعل، تغيرات تتفاوت أهمية وعمقا، بها ندرك خصائصه ونتعرف ~~ماهيته. هذه الكيفيات مجموعة في أربعة أقسام مزدوجة: # القسم الأول: # بالنسبة إلى الشخص، ويشمل العادات؛ أو الاستعدادات والملكات، ~~كالعلم والفضيلة والرذيلة والفن، وكل عادة أو صناعة مكتسبة، طيبة ~~أو رديئة. فالموسيقي مثلا يوجد في عقله العلم بفنه وفي أصابع ~~يديه عادة خادمة لذلك العلم. وانقسام العادة إلى استعداد وملكة ~~سببه أن الاكتساب يولد أولا - في النفس وفي البدن - استعدادا ~~قلق القرار سريع الزوال، وإذا استمر صار ملكة راسخة عسيرة الزوال. ~~وليس يعني ثبات الملكة دوامها حتما، بل يعني تأصلها وصعوبة ~~تحولها. وهما للإنسان خاصة لما يقتضيه الاكتساب من عقل يتصور غاية ~~ويرتب الوسائل إليها ومن إرادة تصممم وتثابر، والإنسان وحده ms021 حاصل ~~على هاتين القوتين. ثم هما للحيوان الأعم في دائرته الضيقة، ~~وللنبات في دائرة أضيق بكثير، بدافع الظروف الطبيعية وتدخل الإنسان ~~يروض الحيوان ويربي النبات، ولا ملكة ولا استعداد للجماد، فإنهما ~~يفترضان عدم التعيين حتى يتعينا بالفعل، والمادة الصرف معينة غير ~~مطاوعة لحال جديدة. فلا استعداد ولا ملكة لغير الأحياء. والذين ~~يأبون الاعتقاد «بالقوة»؛ لأنهم لا يحسبونها، كيف يفسرون بقاء ~~الاستعداد والملكة طوال بقائهما وتزايدهما وتناقصهما إذا لم يكونا ~~في النفس بالقوة، والتجربة تشهد وجودهما في النفس شهادة بينة كل ~~بيان. # القسم الثاني: # بالنسبة إلى الفعل، ويشمل القوة والعجز، أو الكفاية وعدم ~~الكفاية. والمراد بالقوة هنا المبدأ القريب للفعل أو للممانعة ~~إطلاقا، لا القوة المقابلة للفعل التي أشرنا إليها الآن؛ ولفظ ~~«إطلاقا» يميز القوة المقابلة للعجز من الاستعداد والملكة، فإنهما ~~هما أيضا مبدأ فعل وممانعة، ولكنهما مبدأ فعل طيب أو رديء بينما ~~القوة مبدأ الفعل إطلاقا. القوة مبدأ قوى الفعل أو للممانعة، مثل ~~قوة الإبصار في الشاب السليم الجسم؛ والعجز أو اللاقوة مبدأ ضعيف ~~للفعل أو للممانعة، مثل قوة الإبصار في الشيخ الهرم. فليست اللاقوة ~~عدم القوة، وليس العدم كيفية، ولكنها نقصان غير كاف للفعل أو ~~للممانعة. # القسم الثالث: # بالنسبة إلى الانفعال، ويشمل الإحساسات الظاهرية الحادثة عن ~~تأثير الأشياء في الحواس، والإحساسات الباطنية الحادثة عن تأثير في ~~النفس، مثل حمرة الخجل وصفرة الوجل. ومنها المفاجئة العابرة وتسمى ~~انفعالات، والراسخة وتسمى انفعاليات، كالحمرة الناتجة عن مزاج ~~الجسم. ويقال الآن: «كيفيات محسوسة» للموضوعات المدركة بالحواس ~~الظاهرة، وهي على خمسة أنواع بحسب الحواس الخمس كما هو ~~معلوم. # القسم الرابع: # بالنسبة إلى الهيئة والشكل، أي إلى ترتيب أجزاء الكمية في الشيء. ~~ويفرقون بين الهيئة والشكل بقولهم: إن الهيئة تطلق على الطبيعيات، ~~مثل: هيئة الإنسان وهيئة الأسد، وإن الشكل يطلق على المصنوعات. ~~الهيئة صادرة عن الجوهر، كما نشاهد في المتبلورات وفي الأحياء؛ ~~والشكل مفروض من الإنسان على المادة، أو من الطبيعة في تغيرها ~~المستمر، وعلم الفراسة مؤسس على صدور الهيئة من الجوهر، بينما ~~الشكل ترتيب ms022 خارجي فقط. فهذا القسم الرابع يشمل الهيئات والأشكال ~~على اختلافها، فإنها تبدي الأشياء في ترتيبات معينة. # وبعد فإن للآليين رأيا في الكيفيات المحسوسة لازما من رأيهم في المادة، نذكره ~~الآن ونرد عليه، ولو أنا عرضنا له في كتاب «العقل والوجود» إلا أنا نثبت هنا جميع ~~وجوه التهافت في مذهبهم، فنرسم له صورة وافية تكشف عما يعتوره من بطلان، وخلاصة ~~ذلك الرأي قول إمامهم ديموقريطس: إنه لما كانت المادة مجرد امتداد، كان الشكل ~~والمقدار والحركة والسكون الكيفيات الوحيدة التي تصح إضافتها للأجسام؛ بينما الضوء ~~واللون والصوت والطعم والرائحة والحرارة انفعالات تثيرها في حواسنا حركات الأجسام ~~تبعا لتكوين المؤثر وخصائص الحركة وتكوين الشخص في تغيره من حال إلى حال. والطائفة ~~الأولى من الكيفيات ملازمة للأجسام، ومن ثمة موضوعية وقد دعيت بالكيفيات الأولية؛ ~~بينما الطائفة الثانية ذاتية للشخص المنفعل، عديمة الشبه لما يلوح في أذهاننا، وقد ~~دعيت بالكيفيات الثانوية. # ولما بزغ عصر النهضة الحديثة، وأراد العلماء الفلاسفة - وفي طليعتهم جليليو ~~وديكارت - تحويل العلم الطبيعي إلى علم رياضي، اصطنعوا هذا الرأي لإمكان تطبيق ~~الرياضيات على المادة الصرف، واستحالة تطبيقها على الانفعالات النفسانية، وأرجعوا ~~ما يسمى تغيرات كيفية إلى تغيرات كمية، أي حركات تقاس مباشرة فيقاس بها سائر ~~الانفعالات بصفة غير مباشرة، بل يحدث بعضها عن بعض ما دامت تتفق كلها في الحركة: ~~فكمية معينة من الحركة الميكانيكية يحدث عنها دائما كمية معينة من الحرارة. وهكذا ~~في مختلف الحالات. # والواقع أن هذه الأقوال واهية لا تثبت للامتحان: # فأولا: # ومن جهة المعرفة الإنسانية: تبدو الكيفيات الثانوية كأنها في ~~الأشياء كالكيفيات الأولية سواء بسواء، فإذا لم تكن فيها كان ~~شعورنا باليقين باطلا، ووجب الشك في كل يقين. ثم إن لنا حواس عدة، ~~ولكل حاسة جهاز خاص لإدراك موضوع خاص، فكيف نفسر تغاير الأجهزة ~~والموضوعات على هذا النحو؟ فإن قيل - كما قال فعلا ديكارت ~~ومالبرانش وبرجسون وغيرهم - إنها للفائدة العملية وتدبير الحياة ~~طبقا للعلاقة بين جسمنا وما يحيط بنا من أجسام، أجبنا: إذا كانت ~~الفائدة لا تتحقق إلا ms023 هكذا، أليس هذا دليلا على أن الكيفيات في ~~أنفسها مختلفة، وأن الإدراك يقع عليها كما هي؟ # ثانيا: # ومن جهة الكيفيات: لو كانت حركات ليس غير، لاختلفت بالدرجة فقط، ~~فأحسسناها بدرجات متفاوتة، ولم نحس ألوانا وطعوما وروائح عدة ~~مختلفة. فما السبب في هذه الفوارق بينها، مع العلم بأن التغاير ~~بالدرجة، أي بالكم لا يحدث تغايرا بالذات ، كما لاحظنا غير مرة. ~~وما السبب في اطراد الحركات وآثارها، وليست تقتضي المادة بذاتها ~~نسقا معينة أو نسبة متداولة؟ # ثالثا: # ومن جهة المضاهاة بين الطائقتين من الكيفيات: إن الثانوية منها ~~تدرك تبعا للأولية، فبالضوء واللون وباللمس والسمع ندرك أشكال ~~الأشياء ومقاديرها: فكيف تكون هذه ذاتية وتكون تلك موضوعية؟ ثم كيف ~~تكون الصلابة موضوعية ويكون باقي المحسوسات الأولية ذاتيا، وهي ~~جميعا محسوسة على السواء؟ فإما أن نقبل موضوعية الصلابة ونضم إليها ~~غيرها من المحسوسات الثانوية، وإما أن نرفض موضوعية الصلابة، ونضم ~~إليها في الرفض غيرها من المحسوسات الأولية. # أجل إن الكيفية مصحوبة بحركة؛ أما الزعم بأنها محض حركة، فليس يمكن إثباته. ~~الحركة أداة لنقل الكيفية - وقديما نبه أرسطو على لزومها للتغير الكيميائي المدعو ~~استحالة - وللزيادة والنقصان في الأحياء، وهي عرض لا ينتقل بعينه، ولا يتحول إلى ~~آخر، فإن الحركة حركة جسم، والحرارة حرارة جسم. والرأي الصواب أن لكل كيفية أثرا ~~محركا نوعيا، أي خاصا بها تابعا لنوعها، كما يظهر في الحركات المؤثرة في ~~الحواس الخمس والمحدثة الكيفيات فيها، وهذا الأثر المحرك النوعي يتنقل كيفية في ~~المنفعل، ويجاوب عليه المنفعل بكيفية من نفس النوع. فالحرارة لا تنتقل، ولكنها تحدث ~~حرارة في منطقة معينة؛ والحركة لا تنتقل، ولكنها تولد في الجسم المنفعل بها قوة على ~~التحرك، ولكن الآليين لا يفهمون توليد الحركة وانتقال «معنى الكيفية» دون الكيفية ~~نفسها، ويريدون دائما الاعتماد على المخيلة بدلا من العقل. # مسألة أخيرة خاصة بالأقسام الثلاثة الأولى للكيفيات: هل الكيفية قابلة للأكثر ~~والأقل من حيث الشدة؟ لقد وجد من أنكروا ذلك لمغايرة الكيفية للكمية. غير أن ~~التجربة تشهد أن العلم والفضيلة والقوة وما ms024 إليها تزداد أو تنقص. واعتقد أصحاب ~~علم النفس الفيزيقي # psycho-physique # أنهم ~~وجدوا نسبة أو تقابلا بين المؤثر والإحساس، وأن إحساسا ما يمكن أن يكون ضعف إحساس ~~آخر أو ثلاثة أضعافه. والحقيقة أن الشدة كمية الكيفية، ولكنها لا تقاس مباشرة على ~~نحو ما تقاس الكمية، لعدم وجود وحدة تتكرر في الزيادة والنقصان كما تتكرر وحدة ~~الكمية، لا توجد «وحدة إحساس»، أي: إحساس ذو كمية معينة ثابتة تقدر بها الإحساسات. ~~إذا كنا على يقين من شدة الكيفية، فليس باستطاعتنا تقديرها؛ وإذا لاحظنا أن ~~الكيفيات التي تزيد وتنقص تدريجيا مرتبطة بالكمية والحركة المكانية، دون أن يمكن ~~قياسها مع ذلك، فإن الكيفيات المعنوية، كالفضيلة والعلم، تزيد وتنقص بوثبات، ~~فقياسها أقل إمكانا؛ وحينما نقسم بالوهم قوة ما إلى درجات، فنحن لا نقسم القوة ~~نفسها إلى أجزاء متكثرة حقا، وإنما نعتبرها معادلة لكثير، وهذا يكفي لقياسها بصفة ~~غير مباشرة، وذلك بآثارها المحسوسة، أو بالمضاهاة بينها وبين كيفية أخرى من نوعها، ~~فيقال: «مساوية، أكبر، أصغر» أو بالمضاهاة بينها وبين نفسها في مراحل أخرى. # إلى هنا فرغنا من أعم مسألة في الفلسفة الطبيعية، وهي مسألة تكوين الأجسام على ~~العموم والعلاقة بينها وبين لواحقها. وقد رأينا أن المذهب فيها ثلاثة، ولا يمكن أن ~~تكون سوى ثلاثة: المذهب الآلي الذي يرد الطبيعة وما فيها إلى المادة البحتة والحركة؛ ~~والمذهب الدينامي المنكر للمادة والحركة والمستعيض عنهما بالقوة وتصور الإنسان؛ ~~والمذهب الهيولومور في الجامع بين المادة والحركة والقوة، كل بمقدار وتمييز دقيق ~~لما يرتبط بها. والنتائج الكبرى لنظرية الهيولي والصورة هي تفسير الشواهد العامية ~~والعلمية على ما يقتضي العلم الصحيح، ومعقولة الطبيعيات بما فيها من صور شبيهة ~~بالمثل الأفلاطونية، وصون المعرفة عن التصويرية والشك اللتين يؤدي إليهما إنكار ~~المادة من جهة وإنكار القوة من جهة أخرى. وفي البقية من هذا الكتاب شواهد عديدة ~~قوية على صوابه. # | هوامش # الفصل الثاني # | الحياة النامية # (1) تعريف الحياة # موضوعات الفصل الأول بمثابة الأمور العامة بالنسبة للطبيعة بالإجمال، أي أعم ~~المعاني المشتركة فيها جميع الأجسام، التي يجب أن ms025 تقدم على ما سواها في الفلسفة ~~الطبيعية، كما أن الموضوعات التي عالجناها في كتاب «العقل والوجود» هي الأمور ~~العامة بالنسبة للموجودات إطلاقا. فكل ما قلناه في الفصل الأول ينطبق على جميع ~~الموجودات الطبيعية، فكأننا قد استوفينا الفحص عن الجماد. وفي الواقع كان كلامنا ~~منصبا عليه في أكثره، وكانت استشهاداتنا مأخوذة منه في معظمها. # وفي الطبيعة أجسام حية عديدة مختلفة الماهية موزعة في ثلاث ممالك كما يقولون: ~~مملكة النبات، ومملكة الحيوان، ومملكة الإنسان الذي وإن كان حيوانا إلا أنه حيوان ~~عاقل، والعقل يجعل منه كائنا ممتازا للغاية، بينه وبين سائر الحيوانات مسافة ~~سحيقة تستحق له مكانة خاصة. نخطو إذن في دراسة الطبيعة إلى المملكة التالية لمملكة ~~الجماد، والتي توجد قواها وظواهرها في المملكتين الأخريين، فنعرف الحياة على ~~العموم، ثم نعرف الحياة في النبات على الخصوص. ثم ننتقل إلى الحياة الحاسة ~~المشتركة بين الحيوان والإنسان، فإلى الحياة الناطقة أو العاقلة الخاصة بالإنسان ~~وحده على سطح الأرض. # هنا أيضا نلقى المذهب الحسي، ونقرأ له تاريخا طويلا منذ فجر الفلسفة ~~اليونانية، بل قبل بزوغه، إلى عصرنا الحاضر. أشياعه القدماء يتحدثون عن النفس كمبدأ ~~للحياة وقوام للجسم، ولكنهم يعتبرونها مادية، ويجعلها كل منهم شيئا من العنصر الذي ~~رآه مبدأ الأشياء: الماء عند طاليس، أو الهواء عند انكسيمانس، أو النار عند ~~هرقليطس؛ وتصور كل منهم عنصره مدركا ومتحركا بذاته، فوعدوا هيلورفيست # Hylozoïsts # أي: أصحاب المادة الحية. وذهب ~~أنبادوقليس إلى أنها مركبة من العناصر الأربعة. وقال ديموقريطس، صاحب نظرية الجوهر ~~الفرد أو الذرة، والمؤسس الحقيقي للمذهب الحسي: إنها مركبة من أدق الذرات وأسرعها ~~حركة، وهي المستديرة المركبة للنار ألطف المركبات وأكثرها تحركا. # وفي العصر الحديث نجد ديكارت، وقد رد الطبيعة كلها إلى الامتداد والحركة، يقول: ~~إن النبات والحيوان وجسم الإنسان آلات كآلاتنا الصناعية، ولو أنها أكثر تعقيدا ~~وأعجب أفعالا، أي إن الجسم الحي مجموع أجزاء من الامتداد خاضعة لقوانين ~~الميكانيكا، وإن ترتيبها بعضها من بعض كاف لتعليل الظواهر الحيوية. وتبعه كثيرون ~~أو قالوا: إن الحياة ترجع إلى ms026 القوى الفيزيقية والكيميائية. ويمكن القول: إن غالبية ~~العلماء والفلاسفة تميل إلى الآلية؛ لأن الآلية تبدو لهم أقرب إلى فكرة العلم، ~~والعلم مجموع من القوانين الكلية الثابتة المتعالية على الفوارق الجزئية والتنوعات ~~الحادثة. وقد كدسوا الحجج آملين أن يبينوا أن ليس للأحياء تفوق على الجماد ~~بالماهية، بل فقط بالتركيب والتعقيد. # والحق أن الناس، ومن بينهم الآليون حين لا يفلسفون، متفقون بداهة على تمايز الحي ~~من غير الحي بخاصتين أساسيتين: إحداهما الحركة الذاتية في كافة الأحياء، أعني ~~التغير باطنيا وظاهريا، والخروج من القوة إلى الفعل، لا الحركة المكانية فقط، ~~بينما المادة الصرف لا حراك لها إلا بدفع من خارج أو إزالة عائق، بحيث إن الحي الذي ~~يفقد هذه الخاصية يعتبر ميتا محروما من الحياة، والخاصية الأخرى الإدراك في بعض ~~الأحياء، لا سيما والإدراك نفسه، فعل أو حركة، وأنه مبدأ باعث على الحركة الذاتية ~~طلبا أو هربا، وهم جميعا يعتقدون أن للكائن الحي قوة باطنة هي علة حياته وأفعاله ~~الحيوية، تسمى بالنفس، والحركة الذاتية مقدمة على الإدراك لوجودها في الأحياء ~~قاطبة، بل هي لهذا السبب الخاصية الأساسية للحياة الأرضية. # ينتج من هذا التعريف أن الأفعال الحيوية باطنية في الحي قارة فيه، وأن هذه ~~الباطنية تفترض فيه أجزاء أو أعضاء متنوعة الوظائف والتراكيب. فلنشرح هاتين ~~الخاصتين: أما باطنية الفعل أو استقراره في الحي، فمعناها أن الفعل الحيوي يصدر عن ~~الحي وينتهي إليه، ولكن من وجهين: أحدهما بالنسبة إلى الحي في جملته، تحرك قوة فيه ~~قوة أخرى، ولا تتعدى الحركة إلى شيء خارجي، بخلاف فعل الجماد فإنه يبدأ في الفاعل ~~ويتجه إلى شيء خارجي، فهو متعد بالذات. والوجه الآخر بالنسبة إلى كل قوة من قوى ~~الحي: يبدأ منها الفعل ويبقى فيها، كالعقل والإرادة، وهذه هي الباطنية بمعنى ~~الكلمة، على ما سنبينه عند الكلام عن النفس الناطقة، وباطنية الحياة من هذا الوجه ~~الثاني. أما ما يبدو في الجماد حركة ذاتية، كانفجار بعض المركبات الكيميائية، فناشئ ~~من اختلال التوازن بين الذرات أو الجسيمات. وتتفاوت الباطنية وتكون الحياة ms027 أشرف ~~فأشرف كلما بعد الحي عن تأثير المادة: فالنبات المستغرق كله في المادة يتحرك ~~تنفيذا لغايات مفروضة عليه بالطبع؛ والحيوان يتحرك لذلك ولأجل مدركات يكتسبها ~~بحواسه ويدبر أحواله بحسبها في حدود الإحساس والغريزة، ولغاية لا تفرضها عليه ~~طبيعته، فإن المعرفة الحسية تدع شيئا من عدم التعيين؛ فمن الحيوان ما لا يدرك سوى ~~الأشياء المماسة له، فحركاته ترجع إلى الانبساط والانقباض؛ ومنه ما يدرك أشياء ~~بعيدة منه بفضل ما له من حواس ومن قوة تؤهله للانتقال في المكان؛ والإنسان يتحرك ~~لأجل غاية يعينها بنفسه لنفسه بفضل العقل والإرادة الحرة. # وأما التنوع فباد للعيان، وهو خاص بالحي كباطنية الحركة، فإن الحي كل مركب من ~~أعضاء منسقة فيما بينها بحسب رسم معين لكل نوع، لتأدية وظائف مختلفة متجهة كلها إلى ~~بقاء الحي ونمائه، بينما الجماد متجانس، فكل جزء من الخشب خشب، وكل جزء من الذهب ~~ذهب، حتى ذو الخلية الواحدة، فإنه مركب من ألياف وبروتوبلاسما ونواة؛ فليس هو مجرد ~~كتلة زلالية، ولكنه بناء متنوع متناسب؛ تمثل فيه النواة مركزا مدبرا؛ وإذا حرمت ~~منها الخلية لم تستطع الهضم ولا التمثيل، فهلك، وهذا يكفي لدحض نظرية الحياة الكلية ~~أو المادة الحية عند قدماء اليونان من إيونيين ومن رواقيين قائلين: إن العالم حيوان ~~كبير، وفي العصر الحديث عند كل مشايع لوحدة الوجود ولتطور الموجودات. في الخليقة ~~إذن جميع ظواهر الحياة مصغرة؛ فإنها تولد وتتغذى وتنمو وتتكاثر وتموت. وفي الحي ~~التام أجهزة منها ما هو جملة أعضاء متعاونة على تحقيق غاية مشتركة، كالجهاز الهضمي؛ ~~ومنها ما هو جملة أجزاء ذات طبيعة واحدة تؤدي وظيفة واحدة في البدن بأكمله، كالجهاز ~~العصبي يضم جميع الأعصاب، والجهاز العضلي يضم جميع العضلات. ~~(2) تعريف الحياة النامية # هي المشتركة بين جميع الأحياء التي نعرفها. وقد قلنا: إن لها ثلاث وظائف هي: ~~الاغتذاء والنمو والتوليد. الاغتذاء مرتب بذاته لتحويل المادة الغذائية إلى جوهر ~~الحي، فيحفظ كيانه ويحفظ له الكمية اللائقة بنوعه وبحالته الشخصية. والنمو مرتب ~~بذاته لتحويل كمية الغذاء إلى كمية الحي، والتوليد مرتب ms028 بذاته؛ لإيجاد جوهر جديد ~~شبيه بالمولد. ثلاث وظائف متباينة، فلها في النفس النامية ثلاث قوى متباينة. فليس ~~من الصواب إرجاع النمو إلى الاغتذاء، كما قال بعضهم بحجة أن النمو ينتج عن فائض ~~الغذاء، فإن هذا لا يفسر تعيين كمية الحي أو مقداره، إذ إن من شأن الغذاء أن ينضاف ~~بعضه إلى بعض دون حد؛ ولكن القوة المنمية تستخدم فائض الغذاء كمادة يتم بها النمو ~~وهي تدبر جسم الحي وتوجه الحياة، بينما القوة الغاذية تعمل على تمثيل الغذاء وتقديم ~~مادة النمو. «الفج من الثمار له القوة الغاذية دون المولدة، والهرم من الحيوان له ~~الغاذية وليس له المنمية.» # 1 # في هذه الوظائف الثلاث تتبين فاعلية الحي بأجلى بيان: ففي التغذية يقبل مواد ~~غريبة عنه، فتفسد بالتدريج في أعضاء الجهاز الهضمي، فيتمثلها، أي يحيلها إلى ذاته ~~مادة حية بعد أن كانت خلوا من الحياة. فليست التغذية إضافة مادة إلى مادة، ولكنها ~~تمثيل؛ ويختلف التمثيل عن الهضم، ومن ثم يختلف عن التفاعلات الكيميائية. ومهما يكن ~~تنوع المواد الغذائية فإن الحي يحيلها إلى جسمه، ويستخدمها لاستبقاء كيانه، وهذا ما ~~لا يتسنى للجماد بحال. # والنمو يحدث بفعل باطن وفي جميع أجزاء الحي على السواء، اللهم إلا إذا طرأ طارئ ~~على جزء منه، وليس للشذوذ حكم الكلية. أما الجماد فيزداد ازديادا خارجيا بإضافة ~~مادة إلى مادة. فبالنمو تتكثر الخلية الأصلية وتتنوع إلى أنسجة وأعضاء مختلفة، ~~فيتكون الحي على حسب نوعه وبالحجم الملائم له، ويقاوم أعداء الداخل والخارج، ويعوض ~~ما يتحلل منه، ويصلح ما يفسد. ويستحيل تعليل الحد والنسبة بالاغتذاء وحده، أو ~~بالقوى الفيزيقية والكيميائية. بل إن الحياة تبدو قوة حقيقة تحمل في طيها «فكرة ~~موجهة»، أي: خطة مرسومة تعمل على تحقيقها وصيانتها وسط تغير الخلايا المستمر. وليس ~~في عالم الجماد نظام ينتقل بذاته من التجانس أو من تنوع أقل إلى تنوع أكثر. والحياة ~~توازن غير مستقر دائم متقلب: يستنفد الحي مادته باستمرار، ويكتسب غيرها؛ فهو في نمو ~~ونقصان لا ينقطعان، يلائم بين نفسه وبين البيئة والظروف، حتى ms029 لقد تنشأ من هنا أصناف ~~من الأحياء في النوع الواحد. وهذه الملاءمة خاصية أخرى للحي، وليس لها ولآثارها ~~نظير في الجماد. # والتوليد شأنه أن يوجد الحي من ذاته حيا آخر من نوعه، يتطور كما تطور هو: وهكذا ~~تتداول الأجيال إذ يصنع الحي من جسمه خلايا قادرة على النمو الحي حتى تصير أشخاصا ~~من ذات النوع. وليس في الجماد شيء من ذلك أيضا. وليس في ظواهر التبلور ما يصح ~~مقارنته بهذه الوظائف. وسنعرض لهذه المسألة بعد حين. # وثمة خاصية أخرى هي أن للحي عمرا، وليس للجماد عمر. يولد الحي وينمو ثم يموت؛ ~~فلوجوده مراحل معينة، وليس يمكن أن يقال: إن الجماد يتطور؛ فإن التطور الحق من ~~باطن. ولنا في الموت الظاهر شاهد قاطع على حقيقة «القوة» التي ينكرها الآليون: فإن ~~الغرقى المختنقين الذين «يردون للحياة» بالتنفس الصناعي، والمصروعين الذين يشرع في ~~دفنهم، والحشرات التي تخلد للخمود التام أثناء الشتاء، لا يظهر منهم أي علامة على ~~الحياة، والحياة باقية مع ذلك. فليس يكفي توقف الوظائف الحيوية للدلالة على الموت ~~الحقيقي، كما يكفي انحلال جسم الحي وتعفنه؛ بحيث لا نعرف الحياة التعريف الدقيق ~~بقولنا: إنها حركة باطنة، بل يجب القول: إنها «القوة على الحركة الباطنة»، ولهذه ~~القوة أن توجد بالفعل أو أن تكمن بالقوة، وللآليين أن يعجبوا لذلك ما ~~يشاءون. # يضاف إلى ما تقدم أن للأحياء خاصية أساسية لا مثيل لها في الجماد؛ وهي المجاوبة ~~بحركة نوعية، أي خاصة بكل نوع على تأثير الفاعلين الخارجيين، مثل الانقباض العضلي ~~والإفراز، ونقل التيار العصبي والفعل المنعكس وتقلص أوراق النبات. والغرض من هذه ~~المجاوبة اتقاء الخطر أو جلب النفع؛ وهي تختلف اختلافا جوهريا عن المجاوبات ~~الميكانيكية. أجل إن في الجماد أيضا مجاوبات على التأثيرات الخارجية؛ بل إن ظاهرة ~~فيزيقية بعينها، كالمجاوبة الكهربائية، توجد في مجاوبات المادة الحية وغير الحية، ~~بيد أن مجاوبات الأحياء ظواهر خاصة كالتي ذكرناها، ولا يلاحظ مثلها في سائر ~~المجاوبات. وفوق المجاوبة المشاهدة في النبات نجد الإحساس في الحيوان والإنسان، ~~فإنه مجاوبة على ms030 تأثير خارجي، ولكنه «إدراك» لا يتسنى للنبات. ~~(3) الغائية في الحياة النامية # من هذا الوصف للحياة النامية ووظائفها الكبرى يلزم أن في الحي مبدأ غائيا ~~يوجهه إلى تمام طبيعته دون علم ولا إرادة. والعلم هاهنا لا يجدي، فإن تحليل الظواهر ~~الفيزيقية والكيميائية التي تجري في البيضة لا يسمح لنا بتوقع النتيجة التي نراها ~~فيما بعد. وحالما يوجد الجنين نراه يعمل للمستقبل كأنه يعلمه؛ وهذا المستقبل غير ~~ظاهر فيه بالمرة. إن الحي يتعهد حياته، فإن عطب جزء من أجزائه أصلحه، وإن بتر جزء ~~شفي جرحه، بل قد يستعيد عضوا بتمامه في بعض الحالات. وعظام الهيكل الإنساني تجبر ~~ما ينكسر منها، والألياف العصبية المجروحة تندمل جروحها، بل قد يستعيدها الحي، ولو ~~في أطراف الجهاز العصبي. وفي جزء من الأخطبوط يظهر رأس أو ذيل. وكذلك تعود الأرجل ~~التي يفقدها السلطعون، وقد لوحظت عودة مخ الحمام وذيل الحردون، وتصنع بعض الأعضاء ~~ترياقا لمادة سامة يصنعها عضو آخر، يصنع الترياق بوفرة تفوق الحاجة الراهنة، ويكون ~~«احتياطيا» للمستقبل، أو مناعة مكتسبة. فليست هي الأعضاء التي تحدث الحياة، ~~ولكنها الحياة التي تحدث الأعضاء لتكوين الحي، وتعيدها لاستبقائه. توجد قوة حيوية ~~متقدمة على الجسم الحي، وهي مبدأ مدبر بالطبع دون تدبير مروي، وخير مثال للصورة في ~~المركب منها ومن الهيولي، فإذا كان الجسم الحي آلة، فإنه آلة تصنع نفسها: هي ~~المهندس وهي البناء، وفنها عجيب. # تلك هي الغائية الباطنة واضحة كل الوضوح في الوظائف الكبرى والصغرى. وليست ~~الغائية الظاهرة - وهي ترتيب الكائن لغاية خارجة عنه - بأقل منها وضوحا، فإن ~~الموجودات - حية كانت أو جمادا - مرتبطة بعضها ببعض أوثق ارتباط، وبذلك يتحقق ~~النظام الكلي: هل يمكن دراسة العين بدون دراسة الضوء، أو دراسة الأذن دون دراسة ~~الصوت؟ والشواهد عديدة لا تحصى، وبحسبنا ذكر تبادل الأكسجين والكربون بين عالم ~~النبات وعالم الحيوان: ينظف النبات الهواء المشبع بالحامض الكربوني الناتج عن تنفس ~~الحيوان ويحلله ويلفظ الأكسجين الضروري لحياة الحيوان، ويستنشق الكربون. هذا مع ~~ملاحظة أن الغائية الظاهرة قد لا تتحقق دائما: ففي ms031 الوقت الذي لم تكن ظهرت فيه ~~الحياة الحيوانية، لم تكن الحياة النباتية (إن كانت حينذاك) تبلغ غايتها الظاهرة؛ ~~على حين أن الغائية الباطنة متحققة ضرورة، وإلا لم يوجد الموجود. # وقد اعترض الماديون على الغائية الباطنة بالمسوخ أو الأحياء الناقصة التكوين ~~المشوهة الخلقة. والرد على هذا الاعتراض أن المسوخ ترجع، لا إلى صنع الطبيعة ~~باعتبارها مبدأ غائية وترتيب وتنظيم ، بل إلى فساد المادة التي يخرج منها الحي، ~~ذاتا أو تفريطا أو إفراطا، فتعجز عن مطاوعة الصورة. يدل على ذلك أن المسوخ قلة ~~ضئيلة لا تذكر بالقياس إلى الأحياء المستوية طبقا لطبيعتها؛ وأنها لا تحيا، أو ~~تحيا حياة ناقصة، كأن الطبيعة تنكر الإخلال بقوانينها وتنتقم له، النظام هو ~~الغالب، ولا وجه لتجريحه بشواذ لا حكم لها. # وخطر لبرجسون، وقد تبين بطلان التفسير الآلي للحياة، أن الغائيين ينهجون منهج ~~الآليين؛ إذ يتخيلون الجسم الحي مركبا من أصول معينة جاهزة كما تتركب الآلة من ~~أجزائها، مع أن الحياة فعل ذاتي موجد للأعضاء، فيجب اطراح الغائية ~~أيضا. # 2 # يريد أن الحياة فعل تلقائي وخلق فجائي، فهي تعلو على كل تفسير، وتدفع ~~بنا إلى تصور العالم «تطورا خالقا» على مثالها؛ وأن العقل هو الذي يتصور الآلية، ~~ويتصور الغائية على مثال الآلية، في حين أن التجربة باطنة وظاهرة ترينا الحياة ~~ماضية في «وثبات» لا عداد لها. فرأي برجسون في المعرفة العقلية، على ما فصلناه ~~ونقدناه في كتاب «العقل والوجود» هو الذي يتفق مع رفضه الآلية والغائية جميعا، ~~ومحاولته التسامي عليهما لاتخاذ موقف أعم. والحقيقة أن العمل الغائي في الحياة ~~يختلف كل الاختلاف عن العمل الغائي المركب للآلة بأجزاء جاهزة، فإن هذه الأجزاء ~~موجودة بالفعل وبتركيبها نحصل على كل عرضي، وأجزاء الحي لا توجد قبل تعضونها في ~~كل جوهري، حتى إن اليد المبتورة لا تدعى يدا إلا تجاوزا على حد ملاحظة أرسطو، وقد ~~فصلت عن الكل الذي يحييها وينميها. فالمبدأ الحيوي مبدأ وجود ومبدأ تعضون في آن ~~واحد؛ أما مبدأ التركيب الآلي فهو مبدأ تركيب فقط. فليس تطور ms032 الحياة الكلمة الأخيرة ~~في الوجود، ولا هو يمنع من السؤال عن أصله وعلته، بل بالعكس يحتم هذا السؤال من حيث ~~إن لكل تطور علة، وإن الغائية المسندة إلى علة عليا هي تفسير واف له. ~~(4) حجج مادية # للماديين حجج يعارضون بها القول بالنفس كمبدأ حيوي متمايز من المادة الصرف، ~~فينكرون تفوق الحي بالماهية على الجماد، ويذهبون إلى أن كل ما هنالك قاصر على تعقد ~~القوى الفيزيقية والكيميائية. من حججهم تشبيه الحياة بالتبلور، واعتبارهم البلور ~~حلقة وسطى تسد الثغرة بين الجماد والحياة. والواقع أن للبلور كما للحي شكلا ~~نوعيا معينا يبين طبيعته؛ وأنه يكتسب هذا الشكل بالتدريج، ويتعهده بالاغتذاء في ~~ماء التبلور، ويوجد بلورا مثله بانقسام مادته، ويصلحها متى انكسرت أو تلفت في ~~موضع ما. ولكن الواقع أيضا أن ليس في البلور دليل على الحياة: فالشكل هندسي، ~~والبلور الكبير يتكون من بلورات صغيرة من نفس الشكل، والبلور في حالة توازن تام من ~~حيث المادة والقوى، وهذا يعارض الحياة معارضة كلية، وليس في البلور اغتذاء بأغذية ~~غريبة عن المغتذي، ولا تمثيل، بل فقط تجمع أجزاء من طبيعة واحدة، أي: تكوين جسيمات ~~من ماء التبلور، ومن ثمة من طبيعة واحدة، تتبلور على التعاقب، وبقوة أشد في المواضع ~~غير المنتظمة، ولا نمو من باطن ابتداء من خلية واحدة تتنوع إلى أعضاء مختلفة، بل ~~فقط قبول أجزاء من خارج بمحض التجاور، وهذا النمو من خارج ليس حيويا ولكنه فيزيقي ~~بحت. ويلزم عن انتفاء الاغتذاء والنمو انتفاء التوليد بمعنى الكلمة، أي: بإيجاد ~~جرثومة تصدر عنها عين الأفعال في عين المراحل، وتنتهي إلى تكوين حي جديد. # ويتخذون حجة على مادية الحياة انقسام النبات والحيوانات الدنيا أشخاصا قائمة ~~بذاتها من عين النوع، ويقولون: إن هذا الانقسام يعني أن الأحياء المنقسمة هكذا إلى ~~أحياء تامة، ليست بسيطة ولكنها كالمادة قابلة للقسمة، خلافا لما يدعيه القائلون ~~بالنفس من أنها بسيطة غير منقسمة. وفعلا من المعلوم منذ أمد مديد أن كل غصن ينتزع ~~من نبات ويزرع أو يطعم به نبات آخر، فإنه ms033 يعطي شخصا من النبات كله، أو يحتفظ بنوعه ~~أو يعطي ثمرا من نوعه، ولا يفيد من النبات المنقول إليه سوى الحياة. وفي الحيوان ~~أيضا نجد بعضا منه، وهو البسيط التركيب، إن قسم أعطى أشخاصا تامة التكوين بعدد ~~الأقسام. ويمكن قسمة البروتوبلاسما، فكل قسم محتو على جزء من النواة يحيا منفردا ~~حياة الشخص كله. والحيوانات العليا تبدو قابلة للقسمة في المرحلة الجنينية التي هي ~~أبسط المراحل. ولكن كلما ارتقى الحيوان كان أشد إباء للقسمة حتى في المرحلة ~~الجنينية. وبعض الأجزاء المنتزعة تستطيع استطالة الحياة: فقلب الضفدع إذا انتزع ~~استمر على النبض، وقطعة من عضل تحيا بعض الوقت، وتنقبض تحت التأثير الكهربائي، هذه ~~الوقائع وأمثالها تفسر ببساطة التركيب وكفايته للحياة وللفعل: ففي النبات ~~والحيوانات الدنيا ليست الوظائف وأعضاؤها مخصصة لفعل بعينه، فكل قسم منها ذي مقدار ~~كاف فهو حاصل على ما يلزم لاستمرار حياة الكل؛ وهذا الحكم يسري على الأعضاء ~~المنتزعة. أما في الحيوانات العليا فكل وظيفة فهي مخصصة بعضو أو جهاز، فلا تتحقق ~~حياة الشخص إلا بتمامه، وما من عضو يستطيع أن يعيد بناء الحي بتمامه وأن يطيل ~~بقاءه، فإذا قسم الحي هلك؛ بل ما من عضو يستطيع استطالة فعله بذاته، وإذا استطيل ~~الفعل فليست حركته حركة حياة نامية، ولكنها حركة آلية راجعة إلى معالجة صناعية. ~~فتلك الوقائع تؤيد رأي القائلين بالنفس ولا تنقضه، وليست القسمة واقعة على النفس ~~مباشرة، ولكنها واقعة على بدن الحي ونسبته إلى الحياة. # ويقولون: بالتمثيل يحدث في داخل الخلايا الحية تحليلات شبيهة بتلك التي تحدث عن ~~الفواعل الجمادية، وتحدث مركبات كيميائية من مواد دهنية توصل الكيميائيون إلى صنع ~~مثلها خاضعة لعين القوانين، فليست الحياة مباينة للجماد. ولكنهم يغفلون عن الفوارق ~~الكبيرة بين الطرفين: فالكيميائيون لم يصنعوا جميع المركبات؛ والتي صنعوها ليست ~~مواد حية، بل الأحرى أن تسمى مواد حيوية، فلم يصنعوا ورقة نبات أو ثمرة أو عضلا أو ~~عضوا، مع أن المادة الحية لا تحتوي إلا على العناصر التي تحتوي عليها المادة البحت. ~~وصنعوا تلك المواد ms034 الحيوية بوسائل تختلف كثيرا عن وسائل الحي: ففي الهضم مثلا لا ~~يستخدم الحي الأحماض القوية ولا الحرارة العالية أو الضغط المرتفع، وإنما تتركب ~~المواد الحيوية تركيبا طبيعيا في الحي فقط، ولا توجد طبعا في عالم الجماد. وإذا ~~كانوا قد أفلحوا في تقليد الهضم، فإنهم لم يفلحوا ولن يفلحوا في تقليد التمثيل أو ~~أي فعل حي بمعنى الكلمة. ~~(5) مبدأ الحياة أو النفس # وإذا جئنا إلى تفسير الحي تفسيرا فلسفيا قلنا: إنه كائن واحد مع تعدد وظائفه ~~وأعضائه. ومحال أن تكون المادة البحتة علة هذه الوحدة، فإنها هي ذات أجزاء متخارجة ~~وقابلة للقسمة بالذات، ويستحيل أن تكون المادة البحتة علة الوظائف الحيوية لما ~~بينا من الفوارق الجوهرية بين أفعالها وأفعال الجماد. الأفعال الحيوية أرقى من ~~القوى الفيزيقية والكيميائية مسيطرة عليها. ففي الحي إذن مبدأ مغاير للمادة هو علة ~~حياته. وإذا كان الجسم الطبيعي مركبا من هيولي وصورة، كما أسلفنا، كان ذلك المبدأ ~~صورة الجسم الحي أو نفسه قبل أن يخصص ديكارت لفظ النفس، ويقصره على القوة المفكرة ~~في الإنسان، ويتبعه معظم المحدثين، ولا بد من مزيد تعليل لوجود النفس النامية، ~~ومزيد شرح لطبيعتها فنقول: # من الوجهة النسيجية نجد بين الخلايا اتصالا عجيبا يدل على الوحدة، فإن تكاثر ~~الخلايا لا يتم بمحض انفصالها ومحض تجاورها، بل يتم بحيث يتكون منها بدن واحد، ~~وبحيث يخضع بعضها لبعض، حتى إنه من جزء واحد، كالسن مثلا، يمكن معرفة طبيعة الحي ~~كله ورسم هيكله ووصف معيشته، فتنوع الأعضاء أو تبيانها لا يعطيها استقلالا الواحد ~~عن الآخر، ولكنها تتسق وتتوافق، فتبين الوحدة تمام التبيين. ومما تجب ملاحظته أن ~~العظام والعضلات والأعصاب ليست متشابهة في جميع الأحياء، فإن هناك فرقا جوهريا ~~بين عظم الإنسان وعظم الكلب مثلا. وكثيرا ما أخطأ العلماء في استدلالهم بفعل دواء ~~ما في حيوان أو حيوانات ما على فعل هذا الدواء في الإنسان، ومن باب أولى ليس يمكن ~~القول بأن الحي «مستعمرة خلايا» لكل منها حياتها الخاصة: هذه وحدة عرضية كالتي في ~~الآلات الصناعية، لا ms035 تكفي تعليلا للوحدة النامية في الوجود وفي الفعل على ما هو ~~ظاهر في الجسم الحي. فليس الحي آلة مركبة من خلايا أو من أعضاء، وإلا كان كل جزء ~~ينتج جزءا من الحي، بينما هو ينتج الحي بتمامه. وإذا سلمنا جدلا أن التركيب علة ~~الحياة - وهذا محال كما قدمنا - سألنا عن علة التركيب ذاته، إذ ليس للمادة أن تتركب ~~هكذا أجزاء معينة مؤتلفة بعضها مع بعض مطردة الظهور والفعل؛ ثم سألنا عما يحفظ ~~على الجسم الحي كيانه، وهو دائم التغير حتى تزول مادته بأكملها مرات أثناء ~~العمر. # وليس للقوى الفيزيقية والكيميائية في الحي أفعال مستقلة، ولكنها آلات لمبدأ ~~الحياة. وهذا هو السبب في أنها تحدث في الحي معلولات أشرف منها، هي الأفعال ~~الحيوية، مما هو شأن الآلة تحت توجيه المنصرف فيها، النفس ترفعها إلى مرتبة أعلى، ~~وتدبرها بقواها المنمية والمولدة. فالعناصر المركبة للخلايا موجودة فيها على نحو ~~أسمى من وجودها مستقلة. وأظهر ما يبين سيطرة المبدأ الحيوي أو النفس تقدم الوظيفة ~~على العضو، فإن الأحياء المكروسكوبية تهضم وتتنفس وتتناسل وتنقبض وتحس دون أعضاء. ~~ففائدة الأعضاء المعاونة على استكمال الوظائف، لا على توفير الحياة وبناء الحي، فإن ~~الوظائف في أسفل سلم الأحياء منبثة في كل الجسم، ثم تتمكن وتستكمل خلال هذا ~~السلم. # على أنه لا ينبغي تصور النفس النامية روحية، وجوهرا تاما متقوما بذاته، ~~ومدبرا للجسم من خارج. في هذا التصوير لا يكون الجسم حيا، بل يكون آلة صناعية ~~كما قال أفلاطون وديكارت، وقد بينا بطلان هذا القول. وفي هذا التصور خلط بين ~~البساطة والروحية: النفس النامية صورة جوهرية أو قوة بسيطة غير منقسمة بالفعل، وإن ~~كانت منقسمة بالقوة على ما فصلنا، وهكذا تتحد بالجسم اتحادا كليا، وتحفظ عليه ~~كيانه، وتؤلف وإياه موجودا واحدا هو الذي يحيا ويعمل. ليس لها مقدار لا بالذات ~~ولا بالعرض، فهي موجودة كلها في الجسم كله، وموجودة بقواها في كل جزء منه، فهي في ~~العين بقوة الإبصار، وفي الأذن بقوة السمع، وهلم جرا. فهي في الكل أولا ms036 وبالذات؛ ~~لأنها صورته الجوهرية، وهي في الأجزاء ثانيا بمختلف القوى. ولو كانت متصلة بالجسم ~~كالمحرك فقط لجاز أن يقال إنها ليست في كل جزء منه، بل في جزء واحد فقط به تحرك سائر ~~الأجزاء؛ ولكنها متصلة بالجسم كالصورة الجوهرية، فيجب أن تكون فيه كله وفي كل جزء ~~منه كما أسلفنا. وجميع أفعالها تتم بأعضاء جسمية وبوساطة كيفيات جسمية، وإذن فليست ~~هي روحية، ونستطيع أن نقول: إنها مادية، لا بمعنى أنها مادة، أو أنها مركبة من ~~هيولي وصورة؛ إذ إنها هي صورة ومبدأ وحدة، بل بمعنى أنها عاجزة عن التقوم بذاتها ~~باستقلال عن الجسم الذي توجد فيه وتحييه. # وليس في الحي سوى نفس واحدة متعددة القوى والوظائف، وإلا انفصمت وحدته. وهذا ~~التمييز بين الماهية وقواها سنصادفه عند الكلام على النفس الحاسة والنفس الناطقة ~~للغرض عينه، وهو صون الوحدة في الحيوان وفي الإنسان فنقول: إن للحيوان نفسا واحدة ~~لها قوى النفس النامية وتزيد عليها الحواس، وإن للإنسان نفسا واحدة لها قوى النفس ~~النامية والنفس الحاسة، وتزيد عليها العقل والإرادة. غير أن بعض الفلاسفة أخذ القوة ~~كأنها ماهية فوضع في الإنسان أكثر من نفس واحدة: مثلما يذكر عن الفيلسوف الصيني ~~«تسي تسشان» من أهل القرن السادس قبل الميلاد أن قال: إن للإنسان نفسين؛ واحدة سفلى ~~تقوم بوظائف الحياة النامية، وتتكون من الجسم، وأخرى عليا تتكون شيئا فشيئا بعد ~~الميلاد بتكاثف الهواء المستنشق، والنفس السفلى تتبع الجسم إلى الغير ثم تتلاشى ~~أما العليا فتخلد. وذهب أفلاطون إلى أن للإنسان ثلاث نفوس: واحدة في الرأس للأفعال ~~العقلية، وثانية في الصدر للأفعال الغضبية، وثالثة في أسفل الحجاب للأفعال الشهوية. ~~وهذان الرأيان يتضمنان تمييزا واضحا بين الحياة النامية وحياة الإدراك، وبين ما ~~يفنى من الإنسان وما يبقى، ولكنهما يقضيان على وحدته. # ويظن الكثيرون من العامة، بل بعض العلماء أيضا، أن للنبات حياة حاسة، مستشهدين ~~بانقباض بعض النبات على الذباب أو غيره من الحشرات التي تحط عليه وتماسه. لكن ~~الحساسية ينم عليها أفعال تلقائية تصدر دون سوابق ثابتة ms037 مجاوبة على الإحساسات، وهذه ~~متنوعة مفاجئة، فتتنوع تلك الأفعال تبعا لها، ويستحيل على المشاهد توقع اتجاهها ~~ومداها وتغيراتها ومدتها. وأفعال النبات آلية تتم على وتيرة واحدة ويمكن توقعها؛ ~~فانقباض النبات فعل منعكس آلي لا نتيجة إحساس. ثم ليس للنبات أعضاء حاسة، وليس ~~الإحساس مجرد تأثر الأعصاب، ولكنه الإدراك الموعي الحادث بعد تأثر الأعصاب، وما من ~~إدراك موع إلا بوساطة أعضاء مخصصة بموضوعات. ~~(6) أصل الحياة # إذا كانت طبيعة الحياة مباينة لطبيعة المادة الصرف وقواها الفيزيقية والكيميائية، ~~فما أصل الحياة؟ تلك هي المسألة الأخيرة في هذا الباب، ولا يعلم أصل الشيء إلا بعد ~~العلم بطبيعته؛ ولقد كان عدم العلم بحقيقة الحياة سببا في تعدد الآراء في أصلها ~~وبطلان هذه الآراء. فمنذ أمد بعيد كان الاعتقاد شائعا بأن بعض الحيوانات الدنيا ~~تتولد من الماء الآسن والطين والجثث المتعفنة؛ أو أن الأحياء جميعا تولدت في مياه ~~الأنهار والبحار، ثم تطورت إلى ما نشاهده الآن: وهذا ما يسمى بالتولد الذاتي، أي ~~التولد الحادث عن الجماد مباشرة، لا عن حي سابق. # ولكن وجد من الفلاسفة عدد قليل لم يمنعهم هذا الاعتقاد من الإيمان بمبدأ العلية، ~~وما يحتمه هذا المبدأ من علو العلة على المعلول، أو مساواته على الأقل، فلا تكون ~~أدنى منه؛ فعلل أرسطو نشوء الحي من غير الحي بتأثير الأجرام السماوية في المادة ~~الأرضية؛ وكانت هذه الأجرام، في نظره ونظر اليونان عموما، أجساما أثيرية تحركها ~~أرواح، فكانت لها في ظنهم فاعلية أعلى من فاعلية العناصر الأربعة. واصطنع هذا الرأي ~~الفلاسفة المسلمون والمسيحيون في العصر الوسيط، فأقروا بذلك بقصور العناصر الأرضية ~~عن توليد الحياة، ووجوب إضافته إلى فعل الشمس وغيرها من الكواكب، اعتمادا على حكم ~~العقل بأن الأكثر لا يخرج من الأقل أو أن الأكمل لا يخرج من الأنقص. وظل هذا ~~الإيمان بالفاعلية السماوية سائدا إلى أن أثبت باستور بالتجربة القاطعة أن تلك ~~الحيوانات تتولد من جراثيم حية لا ينالها البصر المجرد، وأن كل حي فهو من ~~حي. # وارتأى القديس أوغسطين أن الله في البدء أودع ms038 المادة البحت غير المعضونة بذورا ~~حية، كمنت فيها ونمت بعد ذلك في مختلف الأنواع على مر الزمان. وهذا الرأي جائز في ~~حد ذاته؛ لأنه يرجع الحياة إلى فعل الخالق، ويرجع الأنواع الحية إلى أصول خاصة بكل ~~نوع، فيحترم مبدأ العلية ونبذ الرأي القائل بالمادة الحية بما يتضمنه من التمييز ~~البات بين الحياة والمادة، وما يضع تبعا لذلك من مبدأ للحياة متمايز من المادة هو ~~الأصل البذري المودع من الله. وليس يمكن دحضه بالتجربة، فكل ما تشهد به هو أن الجسم ~~الحي يخرج دائما من الحي «الآن»، أي في عهد التاريخ، ولا تدل بذاتها على أن الله ~~لم يستخدم التولد المشكك لإيجاد الأحياء الأولى، غير أنه ليس من الطبيعي للبذرة ~~الحية أن تكمن في المادة البحت لما بينهما من منافاة تعطل البذرة عن كل عمل أزمنة ~~متطاولة إلى أن تطلق من أسرها وتشرع في نشاطها. وإذا كان الغرض من احتباسها على هذا ~~النحو تنزيه الله عن تكرار الخلق، فإن هذا التكرار متحقق فعلا بالنسبة للنفوس ~~الإنسانية على الأقل، وهي روحانية تعلو على الأسباب الطبيعية وتحتم خلقا من الله. ~~فلا موجب لهذا الرأي. # ويشبهه رأي النظام المعتزلي، وقد صدر عن الغرض السابق، وأخذ مثل أوغسطين عن ~~الرواقيين، فقال: «إن الله تعالى خلق الموجودات دفعة واحدة على ما هي عليه الآن، ~~ولم يتقدم خلق آدم خلق أولاده، غير أن الله تعالى أكمن بعضها في بعض، فالتقدم ~~والتأخر إنما يقع في ظهورها من مكامنها دون حدوثها ووجودها. وإنما أخذ هذه المقالة ~~من أصحاب الكمون والظهور من الفلاسفة.» # 3 # وليس لدينا شيء نقوله بعد الذي قلناه ما دام الرأي واحدا عند أوغسطين ~~وعند النظام. # وكان لابن سينا موقف غريب حاول به أن يجمع بين فاعلية المادة والفاعلية السماوية. ~~قال: «وقد يتكون من العناصر أكوان بسبب القوى الفلكية إذا امتزجت العناصر امتزاجا ~~أكثر اعتدالا، وأولها النبات ... فإذا حدثت مادة بدن يصلح أن يكون آلة للنفس ومملكة ~~لها، أحدثت العلل المفارقة [الأرواح المحركة للكواكب] النفس الجزئية ... فالنفس ms039 تحدث ~~كلما يحدث البدن الصالح. لاستعمالها إياه.» # 4 # ونحن ننكر جواز تكون أجسام صالحة لاستعمال النفس إياها، من العناصر، ~~سواء أكانت العناصر فاعلة وحدها أو متأثرة بالكواكب، فإن فاعليتها الخاصة، وهي ~~مادة صرف، لا تسمو إلى هذه المرتبة، وفاعلية الكواكب، خصوصا كما نعلمها الآن، لا ~~تتناول مثل هذا التكوين، ولا تخلق نفوسا، فإن الخلق لله وحده. # وبدا لبعض العلماء المعاصرين، وأشهرهم هلمولتز، أن الجراثيم الحية هبطت إلى الأرض ~~من بعض الكواكب. ولكن هذا الرأي يدع المسألة حيث هي؛ إذ إننا نفحص عن أصل الحياة ~~أرضية كانت أو فلكية، وكل ما يفعله أصحابه هو أنهم يرجعون القهقرى إلى زمن مديد ~~وعلة خارجة عن مشاهدتنا، وكان يتعين عليهم أن يفسروا أصل الحياة في تلك الكواكب، ~~وذهب غيرهم إلى أن حرارة الشمس كانت في العصور الخوالي أشد بكثير مما هي الآن، ~~فكانت أغنى بالأشعة فوق البنفسجية وأقدر على تركيب المادة الحية. ولكنهم غفلوا عن ~~نقطة جوهرية هي أن مثل هذه الحرارة كانت خليقة أن تقتل الحياة لا أن توجدها. # فيبدو لنا بعد هذا العرض وهذه المناقشة أن الحياة بدأت على الأرض بفعل الله خالق ~~المادة والحياة، وأن لا سبيل إلى تفادي هذه النتيجة. # | هوامش # الفصل الثالث # | الحياة الحاسة # (1) علم النفس قديما وحديثا # هنا يبدأ علم النفس الحديث، وقد تخفف من مبحث النفس النامية، ولكنه تضخم بوفرة ~~المسائل ووفرة الاستشهادات من سائر العلوم الطبيعية والفلسفية أو التطبيقات عليها، ~~وأهمها مسألة المعرفة التي كان هو أحد نتائجها. لقد مر بنا الكلام في آراء ~~القدماء في النفس النامية، وقد نظروا إلى النفس الحاسة كذلك كل بحسب مذهبه العام ~~في الفلسفة. وها نحن موردون الآن بعض آرائهم لتركيز تصورهم لها، فليس غرضنا ~~تاريخيا، وإنما هو مذهبي، يعرض للمشكلات الفلسفية ويبدي فيها الرأي بالأدلة ~~القاطعة. فليس هذا الفصل والفصل التالي عرضا لعلم النفس بجميع مسائله وتحليلاته، ~~ولكنهما يكونان «فلسفة علم النفس» المبينة لما يعتقد في المشكلات وما لا ~~يعتقد. # وربما كان فاتح الباب أمامهم ديموقريطس بنظريته في الجوهر ms040 الفرد أو الذرة؛ فالنفس ~~عنده مادية طبعا، مؤلفة من أدق الجواهر وأسرعها حركة، كلما تكاثرت اكتسبت الحساسية ~~والإدراك، فهي لذلك أوفر عددا في أعضاء الحواس وفي القلب والمخ. وأعقبه أنبا ~~دوقليس، وهو الذي اعتبر الماء والهواء والنار عناصر وأصولا، وزاد عليها التراب، ~~وقال: إن النفس مزاج من هذه الأركان الأربعة يغلب فيها الهواء والنار؛ ولذا كانت ~~ألطف وأدق، وكان للنبات شعور كما للحيوان، ولكنه أضعف. واصطنع أبيقور مذهب ~~ديموقريطس، وقال: إن الأحياء نشأت اتفاقا، وبقي الأصلح وثبت نوعه، والنفس مادة ~~حارة لطيفة للغاية، تتكون مع الجسم وتنحل بانحلاله. وقال الرواقيون: ليس للنبات ~~تصور ولا حركة، فليس له نفس، وإنما النفس للحيوان والإنسان، وهي نفس حار. # هذه أقاويل ساذجة لا تستحق الذكر إلا لبيان أصول المذهب المادي في هذا المضمار. ~~أما علم النفس فقد نضج واتخذ طابعا علميا ممتازا بجهود أفلاطون وأرسطو. أفلاطون ~~فيلسوف الروحانية والخلود. وأرسطو فيلسوف اتحاد النفس والجسم في جوهر واحد، وواصف ~~مختلف القوى الإنسانية من حواس ظاهرة وباطنة وعقل وإرادة، وصفا ما أدقه وأعمقه. ~~أثبت أفلاطون للإنسان نفسا روحية لسببين: أحدهما أنه يعقل المعاني الكلية أو ~~المثل، وهي غير متحققة في التجربة بما هي كلية، وغير مكتسبة بالحس، فلا بد من قوة ~~روحية مثلها تعقلها؛ والسبب الآخر أن المادة جامدة ساكنة بطبعها، فلا بد من مبدأ لا ~~مادي يحرك الجسم. ولا يمكن أن يقال: إن النفس عبارة عن توافق الأخلاط أو العناصر ~~المؤلفة للبدن، فإن التوافق نتيجة التركيب والنفس تدبر البدن وتقاومه بالإرادة، فلا ~~بد أن تكون شيئا متمايزا منه. # على أن رأي أفلاطون فيها وفي صلتها بالبدن لا يخلو من التردد والغموض: فإنه يحد ~~النفس تارة بأنها فكر خالص، وطورا بأنها مبدأ الحياة والحركة في الجسم؛ ويقول ~~تارة: إن النفس هي الإنسان، وطورا يضع بينهما وبين الجسم علاقة وثيقة إلى حد علاج ~~النفس بالجسم وعلاج الجسم بالنفس، وتارة يضع في النفس قوى ثلاثا للإدراك والغضب ~~والشهوة، وطورا يضع في الإنسان ثلاث نفوس. فهو يترنح بين مذهبه ms041 المثبت للنفس ~~وجودا مستقلا، وبين التجربة المثبتة لها علاقة جد متينة بالجسم، وهذه هي النقطة ~~الضعيفة في مذهبه: يتصور النفس جوهرا تاما حالا في الجسم حلول شيء في شيء، ~~ويضيف إلى الحياة والإحساس والانفعال والتعقل وسائر الظواهر الوجدانية، ويعتقد أن ~~الجسم مجرد آلة مادية، فلا يفسر تأثير الجسم في النفس ولا تأثير النفس في الجسم، مع ~~إقراره بتفاعلهما. # وكان هو أول من قال بروحانية النفس من بين فلاسفة اليونان، أعني بتجردها عن ~~المادة أصلا وقيامها بذاتها روحا وقوة. ودليله على وجود النفس بلا مادية كالمثل، ~~يفيده في التدليل على خلود النفس، فإنه يقول: إن النفس لا مادية كالمثل، ومن ثمة ~~بسيطة، فهي ثابتة باقية؛ لأن المركب هو الذي ينحل إلى بسائطه ويتحول. كانت في الأصل ~~في العالم المعقول أو السماوي، ثم ارتكبت خطيئة، فكان عقابها الهبوط إلى الجسم، وإن ~~لم تقض حياتها الأرضية في العمل على استعادة برارتها الأولى، عادت بعد الموت إلى ~~جسم آخر بشري أو حيواني، وهكذا، إلى أن تطهر تماما، فتعود إلى مقرها الأول ذلك ~~الجرم الفلكي السعيد بصحبة الآلهة السعداء. وهذه نظرية التناسخ تلصق بالمذهب ~~لصقا. # لم يفض أرسطو في مسألة الخلود، بل لعله لم يمسها، مع إيمانه الراسخ بروحانية ~~النفس؛ وامتاز بتأسيس علم النفس على قواعد علمية بحت، فحصر مسائله وعالجها بالمنهج ~~العلمي الصرف، دون ما تضحية به للخيال ولو كان جميلا. خصص له كتابا على حياله ~~مليئا بالعلم والبرهان، ورسائل سمي مجموعها بالطبيعيات الصغرى حافلة بالتجارب ~~التشريحية والتحليلات الوجدانية، مما لم يسبق له نظير. في مفتتح الكتاب تعريف هذا ~~العلم، وتعيين منهجه، وبيان اتحاد النفس والجسم بإلحاح شديد لأهمية المسألة في ~~نظره. فالنفس مبدأ الحياة والأفعال الحيوية في الجسم الحي من نبات وحيوان وإنسان، ~~وهي في كل على قدره، فلا تطلق إلا بضرب من التشكيك أو التناسب، أي مع الفارق، ولا ~~بأس في استعمال هذا اللفظ المشترك والقول بنفس في النبات والحيوان، ما دمنا نلحظ ~~الفارق ونميز بين النفوس. فالنفس هي الصورة الجوهرية للجسم ms042 الحي، وعلم النفس جزء من ~~الفلسفة الطبيعية؛ لأن موضوعه - وهو الجسم الحي - مركب من هيولي وصورة. ومنهج مثل ~~هذا العلم لا يمكن أن يكون إلا تجريبيا استقرائيا؛ لأن الوجدانيات ظواهر حادثة ~~تابعة للأحوال والظروف. أما اتحاد النفس والجسم اتحادا جوهريا بحيث يؤلفان ~~جوهرا واحدا، فأظهر مظاهره تجمل في ما يأتي: ليس الانفعال، كالخوف والغضب، فعل ~~النفس وحدها، وإنما هو فعل المركب من النفس والجسم، ففي الوقت الذي يحدث فيه انفعال ~~نفسي يحدث تغير في الجسم؛ بل قد ينشأ الانفعال من اختلال الجسم دون قصد ذهني ولا ~~سبب خارجي، على ما نشاهده بوضوح في العصبيين والسوداويين. والإحساس فعل النفس ~~بمشاركة العضو الحاس. والتعقل، ولو أنه خاص بالنفس، إلا أنه مفتقر للصور الخيالية ~~كي نجرد منها المعاني الكلية التي هي موضوعات العقل، ولا خيال من غير المخ والجهاز ~~العصبي؛ فمن الوجهة النفسية الانفعال صورة وجدانية، ومن الوجهة الجسمية الانفعال ~~مظهر لهذه الصورة، من غير تقدم أحد الحدين على الآخر أو تأخره عنه. فجميع الأفعال ~~الوجدانية متعلقة بالجسم ضربا من التعلق. # ظلت العقول تتناقل معاني أفلاطون وأرسطو إلى أن جاء ديكارت. كان رياضيا ~~عبقريا، وأراد أن يطبق المنهج الرياضي على المادة بمختلف صورها، فكان أكبر ~~العاملين على انقلاب العلوم إلى شكلها الحديث، فإليه يجب الرجوع في علم النفس. وقد ~~ذهب إلى أن المادة مقابلة للفكر، وأطلق لفظ الفكر على جميع الظواهر الوجدانية من ~~إحساس وشعور وتخيل وتذكر وتعقل وإرادة، ولما كانت المادة لا تفكر قال: إن النفس ~~مبدأ الفكر، وأنكر أن الحيوان يدرك ويشعر، واستنتج أن الإنسان وحده - وهو مفكر بلا ~~ريب - ذو نفس دون غيره من الأحياء، وأن مظاهر الحياة النامية في النبات والحيوان ~~والإنسان تؤديها وظائف آلية صرف، وأن مظاهر الإدراك والشعور والنزوع في الحيوان ~~تؤديها وظائف آلية كذلك لا دخل فيها للنفس، وأن النفس والجسد جوهران تامان كل ~~منهما قائم بذاته، وأن الصلة بينهما قاصرة على حلول النفس في الغدة الصنوبرية التي ~~هي جسم صغير بيضاوي واقع في مقدم المخ، ms043 فتتأثر بما يصل إلى هذه الغدة من الحركات ~~الواقعة على أعضاء الحواس، وتترجم الحركات ترجمة وجدانية من لون وصوت ورائحة وطعم ~~وحرارة وبرودة، وتدبر الجسد من تلك الغدة كما تريد بأن تبعث الحركات التي تريد أن ~~يأتيها الجسم. أما كيف تتأثر النفس - وهي روحية بسيطة - بحركات مادية، وكيف تترجمها ~~على النحو المذكور مع ما بين الحركة والوجدان من تباين، وكيف تبعث بحركة مادية وهي ~~روح، أو كيف تستطيع أن تحول الحركة الجسمية من وجهة إلى أخرى كما قال ديكارت، فتلك ~~اعتراضات وجهت إليه ولم يستطع الإجابة عنها إجابة مقنعة. # ولما أراد ديكارت أن يعرف الإنسان قال: إنه «جوهر مفكر». وهذا التعريف يمنع أن ~~يكون الإنسان حيوانا ناطقا، ويوجب أن يكون ناطقا أو مفكرا فقط، أو على الأقل ~~يمنعه أن يعتبر نفسه حيوانا حين يقول: «أنا أفكر.» جميع الظواهر الجسمية من اغتذاء ~~ومشي وانفعال بإحساسات، ضروب من الحركة تفسر بالأعضاء وتركيبها ومكانها بعضها مع ~~بعض لا أكثر، يحركها الدم، والأرواح الحيوانية تشبه غازا جد لطيف، أو لهبا في ~~غاية الصفاء يولدها القلب باستمرار، فتصعد إلى الدماغ الذي هو بمثابة خزانة لها، ثم ~~تمر في الأعصاب، وتوزعها الأعصاب في العضلات، حيث تحدث انقباضا أو انبساطا تبعا ~~لكميتها. فدراسة الإنسان دراسة لظواهره الوجدانية، وهذا هو علم النفس. أما الظواهر ~~الجسمية فراجعة إلى الفيزيقا المعنية بالمادة وأحوالها. # تلك أصول التفكير الحديث في علم النفس. وقد تشعب هذا التفكير إلى وجهتين؛ هما ~~التصورية والمادية. التصورية وجهة الذين قبلوا الوضع الديكارتي لمسألة المعرفة، وهو ~~أننا لا ندرك الأشياء أنفسها، بل ندرك تصوراتنا أو أفكارنا، فهؤلاء بدءوا بالفكر أو ~~النفس، وانتهوا به، كما صنع ديكارت، أي: استبعدوا الجسم، حسبانا منهم أنه مجموع ~~تصورات ليس غير، فاستغرقت النفس الجسم، وتبددت مسألة العلاقة بينهما. والمادية وجهة ~~الذين رفضوا أن يعترفوا للفكر بقيمة ذاتية، وأضافوا القيمة الذاتية للمادة، ~~فاستبعدوا النفس ظانين أنها مجرد فكرة طارئة على تغيرات الجسم، وتبددت كذلك مسألة ~~العلاقة بين نصفي الإنسان. ولم يلبثوا أن اصطنعوا التصورية ms044 في المعرفة بالرغم من ~~معارضتهم لوجود النفس، وتحول مذهبهم المادي إلى مذهب تجريبي # Empirisme # أو واقعية تصورية شعارها: «إننا لا نعلم إلا ما يظهر لنا ~~وعلى ما يظهر.» ورجع الفرق بين التجريبي والتصوري إلى أن الأول لا يقر بحقيقة ~~للمعاني الغريزية التي يؤمن بها الثاني، ويجعل منها أسس المعرفة والوجود. # نعد من أئمة التصوريين: مالبرانش ~~وليبنتز وسبينوزا وبركلي وكنط، اعتبروا التفاعل بين النفس والجسم أمرا غير مفهوم ~~لما بينهما من تعارض حاسم. وكانت النتيجة المنطقية لهذا الاعتبار الوقوف عند توازي ~~السلسلتين، أي ظواهر النفس وظواهر الجسم، دون محاولة التفسير والتعليل؛ ولكنهم ~~أضافوا الظواهر جميعا إلى الله، لا إلى النفس ولا إلى الجسم، فقال مالبرانش: إن ما ~~يتوهم من إرادات النفس ما هو إلا «مناسبات» لتأثير الله في النفس. فكل فاعلية ~~تبدو في المخلوقات ما هي إلا ظاهرية. وارتأى ليبنتز أن الله يودع في كل مخلوق ~~ظواهره جميعا بلا استثناء في حالة قوة وكمون، فتتحقق رويدا رويدا على الترتيب ~~الذي عينه الله. والغريب من هذين الفيلسوفين وأمثالهما أن التصورية عندهم لم تكن ~~كلية كما ينبغي، بل كانت قاصرة على الجسميات؛ إما النفس وإما الله، فقد اعتقدوا ~~بهما كحقيقتين لا يتطرق إليهما الشك. وإلى مثل هذا ذهب سبينوزا ماحيا التمايز ~~الجوهري بين الموجودات، وقائلا بجوهر واحد مفكر ممتد عنه تصدر الموجودات وأفعالها. ~~وباركلي أنكر المادة مبقيا على معانيها المتجلية في النفس أو الذهن، ومضيفا هذه ~~المعاني إلى إيحاءات من لدن الله. أما كنط فقد كان التصوري الصارم الحاسم، لم يعتقد ~~بوجود النفس ولا بوجود الجسم، بل ردهما إلى الفكر كصورتين من بين صور غريزية فيه. ~~وقد كان إمام الظاهريين Phénoménistes # أولئك ~~الذين لا يرون في الوجدان سوى سلسلة من الظواهر المتعاقبة دون ما ربط بينها أو ~~«أنا» مفكر، ولا يحيدون عن «النوازي» يمنة ولا يسرة. # ونعد من أئمة الماديين المحدثين هوبس ولوك؛ والباقون يكادون لا يأتون بشيء جديد. ~~يمضي هوبس من هذه القضية الأساسية في مذهبه، وهي: أن كل علم فهو آت ms045 من الإحساس، ~~ويعرف الإحساس بأنه حركة في ذرات الجسم الحاس، ويردد القول القديم أن المعاني ~~المجردة أسماء تقوم مقام الصور الجزئية. ولا يعلل نشوء الظاهرة الوجدانية مع الحركة ~~الجسمية: فإذا كانت هذه الظاهرة ذاتية للحاس، فكيف نعلل هذه الذاتية إن لم يكن ~~للإنسان نفس، ولم يكن للنفس فعل متغاير للحركة؟ وهو يلاحظ أن مجرى أفكارنا تابع، ~~ليس فقط لتعاقب حركات الدماغ بترتيب معين ، كما يقضي به المذهب المادي، بل أيضا ~~لتأثير الميل والاهتمام: فكيف نفسر الحياة الفكرية تفسيرا آليا؟ # أما لوك فهو حسي على هذه الطريقة: يعين لأفكارنا منبعين اثنين يرجعان إلى واحد ~~ولا يختلفان إلا بالتسمية، وهما: الإحساس بكيفيات الأجسام، والتفكير الذي يظهرنا ~~على الأفعال الباطنة. فالمعاني التي ليست آتية لا من الإحساس ولا من التفكير هي ~~مصطنعة مفتعلة، مثل المعاني المجردة؛ ولوك يحمل على المعاني الغريزية حملة نراها ~~موفقة في أغلب مفاصلها. ولكنه يتردد كثيرا في مسألة النفس. يقول: إن وجودها ~~موضوع حدس باطن، وإن الأنا شيء مفكر مدرك لأفعاله، كما يشهد التفكير، ثم لا يريد أن ~~يقول: إن «الذاتية الشخصية» تقوم في ذاتية النفس، أي بقائها هي هي، ويردها إلى ~~ذاتية الشعور بالأنا الذي يتذكر الآن فعلا ماضيا، وهذا وصف لشعورنا بالشخصية، ~~وليس تفسيرا لإمكان الذاكرة والشخصية. إن التذكر يستلزم بقاء الأنا هو هو، ويرى ~~لوك أن هذه المسألة، أي بقاء الأنا بالفعل هو هو، مجاوزة لنطاق التجربة الصرف، ولا ~~يريد أن يعرض لها. وكذلك يفعل في مسألة ما إذا كان الأنا روحيا أو ماديا، فهو ~~يطلب شهادة التجربة الخالصة، ويأبى تأويلها بالعقل. # واتخذ هوبس وهيوم وآخرون؛ من العلم الطبيعي كما وجدوه عند نيوتن، أسلوبا في ~~التصوير والتعليل يرتكز على الجذب والدفع والتجميع والتركيب، فتصوروا الظواهر ~~الوجدانية وحدات مستقلة على مثال الذرات العنصرية تتجاذب وتتدافع وتتركب تبعا ~~لقوانين التداعي من تشابه وتضاد وتقارن دون فاعلية باطنة ولا نفس يحار في كنهها، ~~فكونوا علم النفس الفيزيقي Psycho-Physique # المبني ~~على نظرية التداعي. ولكن معاصرين لهم أو خلفاء تركوا الطبيعيات ms046 شيئا فشيئا، ~~والتمسوا في علم الحياة أسلوبا أقل صلابة وأقرب إلى «النفسيات»، فاستعاضوا عن تلك ~~الوحدات بالأفعال المنعكسة، وهي أبسط الظواهر الحيوية، وأدت بهم دراسة تركيب أعضاء ~~الحواس ومزاولتها وظائفها إلى دراسة الأفعال الوجدانية المرتبطة بها، فكونوا ~~علم النفس الفسيولوجي Psycho-Physiologie # ودفعوا إلى الأمام هذا العلم الناشئ من الفحص عن وظائف الدماغ، وأثر جروحه أو ~~اضطراباته في العادات الجسمية والتذكر والتكلم، على ما سنذكره فيما بعد. وهكذا إذا ~~أراد الماديون تسويغ مذهبهم وإرجاع الظواهر الوجدانية إلى الظواهر الفيزيقية، ~~أدخلوا المادة والكمية في علم النفس. # وظنوا أنهم يجدون تأييدا في مذهب التطور، أو النشوء والارتقاء، الذي كان يحاول - ~~في جميع الميادين - تعليل الأشياء على اختلافها، بما فيها النشاط الوجداني، بتنوع ~~أصل متجانس هو الحركة المنعكسة لا غير، وذلك بالملاءمة بين الإنسان وبين الأحوال ~~المواتية في البيئة الخارجية، وتنازع البقاء، وبقاء الأصلح، وترسيخ التغير ~~بالوراثة. وبالرغم من هذه المحاولة بدا الوجدان أو الشعور مغايرا للمادة غير مشترك ~~وإياها في شيء ما. وكان هذا خليقا أن يحدوهم إلى الاعتراف بإخفاق مذهب التطور، أو ~~على الأقل إلى احتجازه في حدود معينة؛ ولكنهم أصروا على أن المادة هي الأصل الراسخ، ~~هي الأول والآخر، وأن الشعور «عرض طارئ» على الجهاز العصبي # Epiphénomène # فكأنهم لم يصنعوا شيئا. # والواقع أنهم لما وجدوا العلم التجريبي قد تقدم كثيرا، خطر لهم أن يطبقوا على ~~علم النفس المنهج الذي حاز ذلك النجاح الكبير في العلوم الفيزيقية والحيوية، وهو ~~منهج المشاهدة والاختبار، وأن يغفلوا كل مسألة لا تنال بهما، فاقتصروا على وصف ~~الظواهر الوجدانية واستخلاص قوانينها، صارفين النظر عن النفس في ذاتها وما تثيره من ~~مسائل وجودها وماهيتها وأصلها ومصيرها، تاركين هذه المسائل لما سمي علم النفس ~~النظري، ناقلين هذا العلم إلى علم ما بعد الطبيعة، وهو عندهم خزانة الفروض ~~والتخمينات. والحقيقة أن العلمين متلازمان؛ لأن النظري مكمل للتجريبي مفسر ~~لظواهره. بل إن علم النفس أكثر اتصالا بالفلسفة وأحوج إليها من سائر العلوم ~~الطبيعية، بحيث لا يمكن الخوض فيه من الوجهة التجريبية ms047 البحت. # مما تقدم يتبين أن أهم مسائل النفس، من الوجهة العلمية، مسألتان اثنتان: هما ~~وجودها أولا، وعلاقتها بالجسم ثانيا، وأن على نوع هذه العلاقة يتوقف الرأي في ~~مسألة المعرفة التي هي المسألة المركزية في الفلسفة. سيأتي الكلام عن وجود النفس في ~~مكانه المنطقي، بعد استعراض القوى أو الوظائف الوجدانية، كما ينظر في العلة بعد ~~النظر في المعلول. أما العلاقة بين النفس والجسم ففيها أربعة مواقف: إفراط وتفريط ~~ووسط زائف ووسط حق. # الإفراط في جانب الأفلاطونيين يقولون بالنفس، ولكنهم يتصورونها شبيهة بالملاك، ~~ولا يضعون بينها وبين الجسم سوى تجاور عرضي. والتفريط في جانب الماديين ينكرون ~~النفس ويردون جميع أفعال الإنسان إلى الجسم وحده. والوسط الزائف في جانب القائلين ~~بالتوازي بين أفعال النفس وأفعال الجسم، إما لسبق تدبير من الله، أو لعلة لا ~~ندركها. والوسط الحق القول بالاتحاد الجوهري بين النفس والجسم؛ وهو قول أرسطو، ~~يسترشد بالواقع ويفسره، فيتفادى الصعوبات التي اعترضت الفلاسفة، ويوفق بين الروحية ~~والمادية توفيقا بديعا، لا بأخذ شيء من هنا وشيء من هناك، على مألوف أصحاب ~~التخير، بل بالتزام الحد الذي يلتقي عنده الطرفان ويندمجان فيه. # ومن الرأي في الإنسان يلزم الرأي في المعرفة: فالإفراط في جانب الأفلاطونيين ~~يدعون أننا ندرك المجردات إدراكا معادلا لها، ويرتفعون بالمعرفة الإنسانية إلى ~~أصل علوي أو مثل غريزية لا صلة لها بالمحسوس. والتفريط في جانب الحسيين يلحون بحق ~~في تبعية المعرفة للحواس، والتفاتنا إلى الصور الخيالية، وينكرون أن يكون لنا ~~بالمجردات علم أصلا. والوسط الزائف قول كنط: إن المجردات صيغ أو قوالب فكرية لا ~~تمت إلى الوجود بسبب. والوسط الحق تصور الإنسان متوسطا بين الملاك والبهيمة، له ~~طبيعة خاصة شأنها أن تبدأ معرفتها بالحواس وتتأدى إلى اللامحسوس بالعقل المجرد ~~المستدل. ~~(2) منهج علم النفس # إذا كان هذا حال علم النفس، فبأي منهج يعالج؟ أبالمنهج القياسي الصادر عن مبدأ ~~عقلي، أم بالمنهج الاستقرائي المؤسس على التجربة؟ لقد زعم سبينوزا - وكان الوحيد في ~~هذا الزعم - أن العلم إطلاقا قياسي، يحمل معه البرهان ويولد اليقين، وأن ms048 علم ~~النفس لا يشذ عن هذه القاعدة، بل يستنبط قوى النفس وأفعالها بالطريقة الهندسية، على ~~ما هو معروض في كتابه «الأخلاق». والحقيقة أن ليس هناك استنباط بالمعنى الصحيح، ~~ولكنه افتنان في العرض يستند على مشاهدة ضمنية ويستمد منها جميع المبادئ والنتائج. ~~ولا يمكن أن يكون الحال إلا كذلك؛ لأن العالم الجسماني - بما فيه الإنسان - مجموع ~~موجودات ممكنة محققة دون غيرها من ممكنات لا تحصى، فهي إذن حادثة، ولا يقع ~~الاستنباط القياسي إلا في الضروريات. ما السبيل العقلي، قبل تحليل الماء مثلا، إلى ~~معرفة تركيبه من هيدروجين وأوكسجين بقدر معين؟ وما السبيل - قبل مشاهدتنا ذاتنا ~~وسلوك الآخرين - إلى معرفة الوجدانيات؟ هذا الفن في العرض لجأ إليه سبينوزا تبعا ~~لنظرية ميتافيزيقية هي وحدة الوجود وما يلزم عنها من ضرورة الأحداث. بل حتى لو ~~سلمنا بالوحدة والضرورة لما جاز لنا أن ندعي علما ضروريا بالأحداث، من حيث إن ~~العلاقات بينها ممكنة لا ضرورية. لقد خلط سبينوزا بين ضرورتين: ضرورة التحقق في ~~العلم الإلهي والضرورة الذاتية كتلك التي نشاهدها في الرياضيات؛ فلو سلمنا بالأولى ~~لما اضطرنا ذلك البتة للتسليم بالثانية وقلب الميتافيزيقا إلى منطق: الميتافيزيقا ~~علم الوجود الواقعي، والمنطق علم الوجود الذهني، فهما دائرتان متخارجتان مختلفتان ~~كل الاختلاف، ومعرفتنا تتبع ترتيبا عكس ترتيب الأشياء؛ إذ تذهب من المعلول إلى ~~العلة ومن العرض إلى الجوهر، مع تقدم العلة والجوهر، في الوجود على المعلول ~~والعرضي؛ ثم إن وضع المسائل توحي به التجربة لا العقل الصرف. وعلى ذلك فمنهج علم ~~النفس لا يمكن أن يكون إلا تجريبيا استقرائيا. # وقد كان كذلك بالفعل، ولا يزال ممعنا في التجربة والاستقراء، أنشئت له المعامل، ~~وأجريت التجارب على الحيوان الأعجم، وعلى الإنسان في جميع مراحل عمره، وفي حالتي ~~الصحة والمرض، وخصوصا الأمراض العصبية والعقلية، وفي العلاقة بين الإحساس والمؤثر ~~الخارجي، وفي العلاقة بين الظواهر الوجدانية والظواهر البدنية المثيرة لها أو ~~المصاحبة أو التابعة، واستنطقت اللغات والآداب والعلوم والفنون والتاريخ، بغية ~~الوقوف على كل شاردة وواردة. هذا هو المنهج الموضوعي المتمم للمنهج ms049 الذاتي أو ~~الوجداني، وهو منهج ضروري خصب، بشرط ألا يؤخذ وحده، فيؤدي إلى ما سمي «علم نفس بلا ~~نفس» لامتناعه من كل فحص عن حقيقة النفس، كما يمتنع علم الطبيعة أو علم الأحياء من ~~الخوض في ماهية المادة أو ماهية الحياة، إذا أنكرنا النفس إنكارا إيجابيا أقصينا ~~فكرة الموضوع أو الجوهر أو الأنا الذي يحدث الوجدانيات ويوحد بينها، فسلمنا ~~بإمكان وجودها من غير موضوع، وهذا خلف ، وانتزعنا عن الظواهر أنفسها طابع الشخصية، ~~ولم نفهم الذاكرة التي تعني وجود مبدأ صدرت عنه الظواهر وحفظت فيه، ولم نفهم تداعي ~~الصور أو المعاني الذي يعني وجود مبدأ حافظ لها داع لما تتطلبه الحال منها، ولم ~~نفهم العادة وهي تعني أن ستعدادا ما قد تكون بتكرار فعل معين، فنعني وجود مبدأ ~~يحدث فيه التكرار ويحفظ الاستعداد. هذه أمثلة لما يلحق علم النفس من تشويه وتناقض ~~إذا لم نقبل وجود النفس. # وهذه الاعتراضات تجرح من باب أولى مذهبا أكثر تطرفا استحدثته مدرسة معاصرة ~~وسمته بالمذهب السلوكي # Behaviourism ~~، وهو يعد أصدق ~~تعبير عن المادية؛ إذ إنه يتجاهل الوجدان بالمرة، ويكتفي بوضع الإنسان أو الحيوان ~~في موقف معين لمشاهدة تصرفه وسلوكه، واستخلاص قوانين تسمح بتوقع أنواع السلوك ~~اللازمة عن ظروف خارجية معينة دون تأويل وجداني، ودون قصد في استعمال ألفاظ العقل ~~والإرادة والمخيلة والذاكرة، وما إليها من الوظائف الوجدانية، إلى قوى متمايزة ~~وأفعال مشعور بها في الباطن، بل إلى مواقف ظاهرة أو ضروب من المجاوبة ورد الفعل. ~~ولهذا المنهج فائدته أيضا، بشرط أن يظل موقفا منهجيا وحسب، وألا يتضمن أي إنكار ~~للحالات الباطنة، فإن أنصاره - إذ يدعون أنه المنهج الوحيد - يشوهون علم النفس ~~ويجرون عليه من الاضطراب والتناقض ما لا قبل بمثله لأي علم. فأولا توجد ظواهر ~~وجدانية عديدة ليس لها وجهة خارجية، مثل تتابع أفكارنا وأسباب أفعالنا؛ وثانيا إذا ~~كنا نعبر عنها بالكلام، وهو بالفعل سلوك خارجي، فإنها مغايرة كل المغايرة لألفاظ ~~التعبير، ولا يمكن ردها إليها بحال؛ وثالثا لا يفسر السلوك بالظروف الخارجية ~~وحدها؛ إذ ms050 إنه يتنوع في نفس الظروف، وإن إشارة بعينها قد تتخذ دلالة على مقاصد ~~مختلفة، فلا مندوحة من اعتبار الميول والمقاصد والصور الباطنة التي يحققها السلوك ~~الخارجي؛ فلولا شعورنا بحالاتنا الباطنة لما فهمنا شيئا من الأفعال الظاهرة؛ إنهما ~~وجهتان غير منفصلتين: إحداهما باطنة تدرك بالشعور، والأخرى ظاهرة تدرك بالحواس؛ ~~والأولى متقدمة بالطبع، فكيف يصرف عنها النظر؟ # المنهج السليم تجميع الظواهر، ثم تصنيفها تبعا لمشابهاتها، وتعيين قوانينها، أي: ~~شرائط وجودها وفعلها، ثم الارتقاء من الأصناف إلى أسبابها المباشرة التي هي القوى ~~النفسية الصادرة عنها الظواهر، وأخيرا إلى النفس التي هي منبع القوى ومحلها، كي ~~تتحقق في علم النفس معنى العلم بالإطلاق، وهو معرفة العلل الأولى للأشياء. ولا محيص ~~من الاعتقاد بقوى نفسية، مهما يقل الحسيون والتصوريون، ولنا على ذلك دليلان؛ الأول: ~~أن الظواهر مختلفة بالماهية، ليس التذكر كالتعقل، وليس التخيل كالإحساس، وليست ~~الغريزة كالإرادة، فكيف ترد هذه الأصناف إلى أصل واحد، أو كيف يجحد لها الأصل؟ ~~الدليل الثاني: أنها غير واقعة دائما بالفعل، ولكنها واقعة أحيانا متخلفة ~~أحيانا، ففي حال الوقوع تقتضي سببا معينا يحدثها، وفي حال التخلف تقتضي ~~استعدادا لأحداثها، وإلا كانت إذا حدثت كأنها تحدث عن لا شيء، فيلزم أن أفعالنا ~~تزاول بقوى متميزة هي تارة بالقوة وطورا بالفعل، هي «كفايات فعلية» قد تظل في حال ~~الكفاية، وقد تخرج إلى الفعل فتبدو فاعليتها للعيان. # أما القوانين التي نحصل عليها في علم النفس، فلا بد من التفرقة بينها وبين قوانين ~~الطبيعة الصامتة من جماد ونبات تفرقة حاسمة: ذلك أن القوانين الطبيعية تنطبق على كل ~~فرد بتمام الدقة، بحيث يمكن اعتبار أي فرد مثالا للنوع؛ أما في علم النفس، ولا ~~سيما فيما يخص النفس الإنسانية لحصولها على الحرية والاختبار، وكثرة المؤثرات ~~الواردة عليها، وتعقد ظواهرها، واستحالة تكرار ظاهرة بعينها، فنحن مضطرون إلى ~~العدول عن طلب قوانين كلية لا شاذ لها، والقنوع بنسب عامة تقريبية قد لا تكفي ~~أحيانا كثيرة لتعليل الحالات الجزئية التي تعرض في الواقع، وهذه النسب عبارة عن ~~متوسطات لما ms051 يجري في النفس، وليست قوانين بالمعنى الفيزيقي توضع في قضايا كلية أو ~~يعبر عنها بأرقام. # فخلاصة المنهج المشاهدة الباطنة، التي هي الأصل الأول والمرجع الأخير، تؤيدها ~~وتكملها المشاهدة الظاهرة غير أن الماديين وجهوا إلى المشاهدة الباطنة اعتراضا ~~لو صح لقضي على علم النفس، نظريا على الأقل؛ إذ إنه بالفعل ناجح مزدهر لا نتصور ~~إمكان زواله من بين العلوم. قالوا: ليس من المستطاع أن نلاحظ تفكيرنا ونحن نفكر ، ~~فإن الجهد الذي نبذله في المشاهدة يبطل موضوعها أو يفسده، فإذا كنا في حالة غضب ~~مثلا وأردنا أن نتعرف تفاصيلها، فإنها تتلاشى لساعتها. وإذا عدنا إلى الحالة بعد ~~وقوعها، فإننا حينئذ لا نقع عليها في ذاتها، بل على أثرها في الذاكرة، وقد يكون هذا ~~الأثر ناقصا أو مشوها. # وجوابنا أن الاعتراض ساقط بمحض تكوين علم النفس بالفعل، وقد أمكن هذا التكوين؛ ~~لأن كل ظاهرة وجدانية فهي دائما مصحوبة بمشاهدة أولية تلقائية، فإننا لا نفعل إلا ~~ولنا دراية بالفعل والانفعال، وهذه الدراية تبقى في الذاكرة، وهي تعدل الظاهرة ~~ذاتها؛ إذ ليس من المعقول أن تخوننا الذاكرة على الدوام، فتقع المشاهدة المتأملة ~~على صورة من الظاهرة صحيحة تتأملها وتحللها، وما من دليل على سلامة هذه الطريقة ~~أبلغ من تحليلات النفسيين، علماء كانوا أو شعراء أو قصصيين، وتكوين علم النفس ~~بالفعل كما قلنا، ونحن لا نقرأ لهم إلا ونحس في أنفسنا مطابقة أوصافهم لما مررنا به ~~من حالات، ونوقن أنهم عرفوا النفس الإنسانية بدقائقها ونفذوا إلى صميمها. # لقد كان أوجست كونت شيئا شبيها بذلك الاعتراض، وأنكر إمكان انشطار الذهن شطرين؛ ~~الواحد هو الظاهرة المشاهدة، والآخر هو المشاهد، وكشف عن السبب الذي يحدو إلى ~~هذا الإنكار، وهو المادية عينها؛ إذ إنها تقر المشاهدة الباطنة حين تصدر عن عضو إلى ~~عضو أو على آثاره، ولا تقر مشاهدة عضو لنفسه؛ لأن مثل هذه المشاهدة تستلزم انعكاس ~~العضو على نفسه، بحيث يكون المشاهد والمشاهد شيئا واحدا، كما يدعي القائلون ~~بالروح، ولكن المادة لا تنعكس على ذاتها، بل ينعكس جزء منها ms052 على جزء بقدره، وعند ~~أوجست كونت والماديين أجمعين العقل هو الدماغ، فمحال عندهم دراسة الأفعال العقلية ~~بالعقل نفسه. واعتراض منصب بالأكثر على نظرية المعرفة؛ لذا يقول: إن المنطق وما بعد ~~الطبيعة ونقد العقل خيالات وأوهام؛ ولذا لم يفسح مكانا لعلم النفس في تصنيفه ~~للعلوم الأساسية، فنعود ونقول: إن هذا العالم قائم بالفعل، وإن قيامه دليل على ~~إمكان الانعكاس أو الانشطار شطرين، ودليل من ثمة على روحانية العقل . # أجل إن مشاهدة الباطنة أمر عسير؛ إذ هي تقتضي أولا قسطا وافرا من العلم يحمل ~~على توجيه الاهتمام إلى ما يجري في الوجدان وطلب تعرفه، فإن هذه الفكرة لا تخطر ~~ببال الطفل أو الرجل الجاهل أو المتوحش، وإن هي خطرت فلا يكون نصيبها إلا الإخفاق. ~~ثم إن الوجدانيات من الدقة والسرعة والتنوع والتشابك بحيث تستلزم أيضا إخلاء الذهن ~~من كل شاغل، والاستغراق في تأملها بانتباه حاد متصل، وبراعة كبيرة في التمييز ~~والتحليل، وهذه مجهودات أو مواهب لا تتفق إلا للقليل من الناس وجلهم مأخوذ ~~بالعالم الخارجي. ولكنها على كل حال ميسورة لكثيرين، وليست هي مصدر الأخطاء في علم ~~النفس، وإنما هي التفسير والتأويل، إلى الوجهة الفلسفية وما يشرف عليها من ~~مذاهب. ~~(3) أصالة الحياة الوجدانية # ولنا مع الماديين شوط آخر في محاولتهم رد الحياة الوجدانية إلى الحياة البدنية، ~~كما يردون هذه إلى القوى الفيزيقية الكيميائية. يبدءون حجتهم بما هو معلوم من أن ~~الحياة الوجدانية إنما تظهر في الأحياء الحائزين على جهاز عصبي، وإنما ترتقي وتتنوع ~~بارتقائه وتكثر مراكزه، وإذا تعطل كله أو أحد أعضائه الهامة انطفأت أو اضطربت، كما ~~ينطفئ النور أو يختلج إذا عطب المصباح. ثم يدعون أنها نتاجه، وعلى الخصوص الدماغ، ~~تصدر عنه كالهضم عن المعدة، والتنفس عن الرئتين، والدورة الدموية عن القلب سواء ~~بسواء. فإذا صحت هذه الدعوى كان الجهاز العصبي علة، وكانت الحياة الوجدانية معلولة ~~له، وكانت هي والحياة البدنية من نوع واحد تابعة لها خاضعة كل الخضوع لقوانين ~~المادة الصرف. وهم يكدسون الشواهد على تبعية الوجدان للبدن، فيذكرون تأثير ms053 الغذاء ~~والمنبهات والمخدارت، وأن الخلق يتقوم إلى حد كبير بالمزاج البدني؛ وبكيفية تأدية ~~الوظائف لأفعالها؛ وأن الذكاء يظهر بالتأثير في الغدد أو بجراحة في الدماغ؛ وأن ~~التشريح المقارن يبين أن نمو الحياة الذهنية في مختلف الأنواع الحيوانية هو بنسبة ~~عدد تجاويف الدماغ، وبنسبة ثقل الدماغ بالقياس إلى ثقل البدن؛ وأن علم الأمراض ~~الذهنية يدل على تناقص الحياة الوجدانية بالإعياء البدني وبالجروح الدماغية، مثلما ~~يبدو في أمراض الذاكرة وأمراض الإرادة؛ وإن بتر الدماغ يدع الحيوان وليس له سوى ~~الآلية. # هذه العلاقة بين الحياتين؛ الذهنية والبدنية، لا تنكر. ولكن الذي ينكر هو تأويل ~~الماديين لها، فقد يكون البدن شرطا للحياة الوجدانية لا علة مكافئة لها، وقد يكون ~~للحياة الوجدانية بدورها تأثير في الحياة البدنية. وسنذكر الشواهد على هاتين ~~القضيتين، فنبين أصالة الحياة الوجدانية، وأن تبعيتها للبدن خارجية فقط. نبدأ ~~بشواهد القضية الثانية فإنها أسهل تناولا، وتعتبر الجواب المباشر على الحجة ~~المادية، فنقول: إذا كانت الحياة الوجدانية متعلقة بالبدن، فإن تأثيرها فيه يربو ~~على تأثرها به. كيف تكون عرضا طارئا على الجهاز العصبي وكل تصور فهو يحاول أن ~~يترجم عن نفسه بالحركة ويتحقق في الخارج؟ إن حركة الصور هذه قانون عام تلزم عنه ~~نتائج كثيرة مذكورة في كتب علم النفس. ثم بالعمل العقلي يتوارد الدم إلى الدماغ، ~~ويحدث هذا التوارد تلفا فيه؛ ويتضاءل المجهود العضلي، وتسوء الصحة عامة. وأيضا ~~للانفعالات، وبخاصة المفاجئ منها، أثر بدني قوي: فالحزن يقسم ويهزل، والفرح ينشط ~~وينعش، والخوف يهز البدن كله ويورث بعض الأمراض. وأيضا معظم أفعالنا معين بالإرادة ~~إلى حد السيطرة على الغرائز والعادات، ووقف الأفعال المنعكسة. وأيضا ليست تقتصر ~~فاعلية الحالات الوجدانية على ما يغايرها من أعضاء البدن والأشياء الخارجية، بل ~~تتناول فعل حالة في حالة: كفعل الصورة في الفكر وفي العاطفة وفي الحركة، وفعل ~~الفكرة في توليد اليقين وبث العزم. وأيضا بالمعرفة نضيف إلى وجودنا الذاتي صور ~~الأشياء المعروفة، فنجاوز حدودنا الجسمانية إلى سعة الكون نغذي عقلنا بعجائبه ~~ونستمتع بجماله؛ وإذا اقتنعنا بتمايز الروح من ms054 المادة، وبعلو الروح على المادة، ~~فأخذنا بالفضائل أسباب الكمال الروحي، رأينا أنفسنا نقهر البدن على الانصياع ~~لمقتضيات ذلك الكمال، بل نضحي بحياتنا في سبيله، كما فعل ويفعل كثيرون جدا من ~~الصالحين والمتصوفين في مختلف البلاد ومختلف العصور. فأي دلائل أقوى من هذه على ~~ثبوت الحياة الوجدانية، وتواضع الحياة البدنية بإزائها، سواء من حيث الأثر الفعلي ~~ومن حيث القيمة الذاتية؟! الحق أن تعسف الماديين يبلغ هنا إلى الحد الأقصى المغني ~~بظهوره عن المناقشة والتدليل. # ولكنا نمضي في التدليل والمناقشة بغية تبديد جميع شبهاتهم والإقناع العالي على كل ~~شك، لأهمية المسألة من الوجهة النظرية إذا كنا طلاب حق، ومن الوجهة العملية أو ~~الأخلاقية إذا كنا طلاب فضيلة. فلننظر فيما للحياتين من صفات ذاتية متعارضة، بعد أن ~~نظرنا في تفاعلها، فيحتم علينا هذا التعارض الإقرار بتمايزهما وحصول وجود خاص لكل ~~منهما. إن الظواهر البدنية أو الفسيولوجية متحيزة خاضعة للمقاس، بعضها بالنسبة إلى ~~بعض يمين ويسار، فوق وأسفل، أمام وخلف. أما الظواهر الوجدانية فليست ممتدة ومتحيزة ~~لما بينها وبين المادة من تغاير ظاهر، كالذي بين الجرح أو الحرق وبين الألم الناتج ~~عنهما؛ ولا تجزأ إلى وحدات تشغل أمكنة متخارجة؛ ولا تقاس، وكل ما لها في باب المقاس ~~شدة أو قوة نقدرها تقديرا اعتباريا ولا نقيسها كالكمية، وما مقاس الحالات ~~البدنية المقارنة لها إلا وسيلة بعيدة لتعرف مبلغ الشدة، وما امتداد بعض منها ~~وتحيزه، كالجرح أو الحرق، سوى حالة عرضية لارتباطها بالجزء المصاب من البدن. ~~فالظاهرة الوجدانية التي من هذا القبيل وحدة ذات وجهين، وجه عضوي ووجه ~~وجداني. # هذا الإصرار على جمود أصالة الحياة الوجدانية، وعلى اتباعها للحياة البدنية ~~اتباعا مطلقا، نتيجة محتومة للمادية الآلية: فإنها تستند إلى مبدأ قائل: إن كل ~~حركة في العالم فهي لازمة عن قوى سابقة، وتستنتج منه أن الأفعال الإنسانية لازمة عن ~~الحركات الكونية، وأن المتنوعات صادرة عن تجانس أصلي، فيتعين القول بأن الإحساسات ~~تتركب من «صدمات عصبية» تتكرر بعينها، كالإحساس البصري أو السمعي، فإنه يقابل ~~آلافا من الذبذبات الخارجية ms055 تؤثر في العصب البصري أو السمعي وتنتج الإبصار أو ~~السماع. هذه نظرية «وحدة تركيب الذهن» - على حد تعبير سبنسر - تجعل من الحياة ~~الوجدانية معلولا للجهاز العصبي وعرضا طارئا عليه. وهي نظرية ساذجة مصطنعة ~~والاعتراضات عليها تتوارد إلى الخاطر بكل سهولة: # فأولا: # إنها تعني أن في كل إحساس موع إحساسات أولية غير موعية بعدد ~~الذبذبات الصادرة عن المؤثر. ولكن الإحساس يبدو لنا وحدة بسيطة غير ~~متجزئة، وليست تكون الظاهرة الوجدانية مركبة إلا إذا بدت كذلك ~~للوجدان؛ هذا من جهة؛ ومن جهة أخرى ليس يعقل أن تكون غير موعية ~~دائما وبالطبع؛ وإذا سلمنا بذلك جدلا يبقى أن نفهم كيف تصير ~~موعية لمحض تعددها: أليس هذا يعدل قولنا: إنا إذا جمعنا عددا ~~كافيا من الأصفار حصلنا على واحد صحيح؟ # ثانيا: # إن الإحساسات مختلفة موضوعا، فكيف تختلف وأصلها صدمات بعينها لا ~~اختلاف بينها؟ من الممكن أن تثير الظواهر البدنية ظواهر وجدانية، ~~وليس يمكن أن تخلقها من عدم. # ثالثا: # إن العالم الفسيولوجي بما هو كذلك لا يبلغ في بحثه إلى الإحساس ~~واللذة والألم والرغبة والإرادة، لما بينها وبين موضوعات علمه من ~~تباعد وتباين؛ وكل من يقتصر على مشاهدة أحواله الباطنة يجهل أن له ~~أعصابا ومخا لنفس السبب. # رابعا: # إن الجمع بين الصدمات العديدة وتركيبها في إحساس واحد يتطلب ~~تفسيرا، فأين هو؟ # خامسا: # من غير المعقول أن نعترف للدماغ بما يزعمون له من قوة سحرية ~~تحول الحركات المتواردة عليه إلى أفكار وعواطف؛ إن التغيرات ~~العصبية تؤلف سلسلة لا تتخللها حالة وجدانية، والحالات الوجدانية ~~تؤلف سلسلة لا تتخللها حالة عصبية، ولا تكشف عن وجود ~~الدماغ. # فعلى ذلك يجب الإقرار للحياة الوجدانية بالأصالة في الوجود وفي الفعل، وبانفراد ~~طبيعتها عن طبيعة الحياة البدنية، إن الردود المتقدمة على أقوال الماديين تؤلف ~~برهانا دافعا وإن يكن سلبيا. وهناك برهان إيجابي يؤيده أقوى التأييد ببيان ~~خصائص للحياة الوجدانية هي الأصل العميق للخصائص الظاهرة التي استمددناها من ~~المشاهدة، وهي: المعرفة، والنزوع أو الإرادة، والنقلة الذاتية، ونوع من المعرفة هو ~~الوجدان أو الشعور ms056 يتناول الحياة الباطنة على اختلافها. # المعرفة تمثل الذهن لموضوع، فمتى أثر الموضوع في إحدى القوى العارفة طبع فيها ~~صورته فصار معروفا. فالموضوع المعروف متحد بالقوة العارفة بصورته لا بمادته: ليس ~~الحجر المرئي هو الذي في العين، بل صورة الحجر؛ وليست الصورة هنا شبها ماديا ~~كالذي يرتسم على الشبكية وليست هي المعروفة أولا، والوجدان يشهد أن ما نعرفه ~~مباشرة ونلتفت إليه أولا هو الموضوع لا صورته، وأن الصورة تعرف بالتفكير في ~~المعرفة ومتقضياتها؛ فالحجر في البصر «معنويا» بحصول معناه فيه، أو «قصديا» ~~لاتجاه قصد العارف إلى المعروف. فالعارف يقبل صورة المعروف مجردة عن مادته، كالعين ~~مثلا لا تتلون بقبول اللون، بل يحصل فيها معنى اللون، أو كالعقل يعرف أشياء كثيرة ~~متباينة ويظل هو هو، بخلاف العين المصفرة بالمرض، فإنها ترى الأشياء صفراء. ~~فبالمعرفة يزيد العارف على صورته الخاصة صور الأشياء المعروفة، فإنها تحتفظ فيه ~~بماهياتها ومغايرتها له، خلافا لغير العارف، كالجماد والنبات، فإنه إذا قبل شيئا ~~قبله بمادته ولا يستبقي له غيريته بل يحيله إلى ذاته، كما يحدث في الاغتذاء ~~والتمثيل. فالنبات محروم من قوة المعرفة بسبب ماديته التامة المانعة لقبول الصورة، ~~بينما الحس له تلك القوة بسبب قابليته للصور؛ وللعقل قوة أعظم لكونه أكثر تجردا عن ~~المادة، وأقدر على قبول الصور المنوعة، فغير العارف محصور في حدود وجوده، والعارف ~~مجاوز لكيانه، حتى ليصير على نحو ما جميع الأشياء، على حد تعبير أرسطو. # فالمعرفة فعل باطن قار في القوة العارفة، حسا كانت أو عقلا، لا يتعداها إلى ~~شيء آخر. والباطنية هنا غير باطنية أفعالنا البدنية في داخل البدن؛ فإن هذه ~~الأفعال، وإن تكن محجوبة عادة عن الحواس الظاهرة، إلا أنها معروضة لها كلما سمحت ~~الحال؛ ومهما دقت فإن آلاتنا تكشف عنها؛ على حين أن باطنية الوجدانيات أكثر عمقا ~~من أن تتناولها الحواس، ولا تدرك إلا بالوجدان. وليست معرفة حالات الغير من الملامح ~~والتغيرات البدنية التي تنم عنها معرفة وجدانية، وإنما هي استدلال بالدال على ~~المدلول. فعلى الماديين أن يتدبروا هذا الفرق ms057 الجسيم بين هذين النوعين من الباطنية، ~~فإنهم يتصورون باطنية المعرفة على مثال الباطنية المادية، فيقول أحدهم: إن الدماغ ~~يفرز الفكر كما تفرز الكبد الصفراء، ويمثل آخر بالمعدة والهضم، وآخر بالرئتين ~~والتنفس، مما لا معنى له ولا أصل لتغاير الحدين تغيرا كليا، بحيث لو فرضا أننا ~~أحطنا علما بخلايا الدماغ وحركاتها جميعا، لما أفادنا ذلك شيئا في معرفة الحالة ~~الوجدانية المقابلة لتلك الحركات؛ قال ليبنتز: «إننا مضطرون للإقرار بأن «الإدراك» ~~وما يتعلق به لا يفسر بأسباب آلية، أعني بأشكال وحركات. وإذا افترضنا آلة تجعلنا ~~نفكر ونحس، فلن نجد فيها سوى قطع يدفع بعضها بعضا، ولا نجد قط ما يفيد في تفسير ~~الإدراك، وإنما يجب التماسه في الجوهر البسيط.» أي في النفس. # 1 # المعرفة ممتنعة إذن على المادة الصرف، والمسألة لا تحتمل الشك أو الترجيح كما ظن ~~لوك؛ لأن قبول الأشياء بصورها دون مادتها يقتضي في العارف وفي المعروف ضربا من ~~الروحانية أو الاستقلال عن المادة قليلا أو كثيرا: ففي المعروف يقتضي أن يكون له ~~صورة يطبعها في العارف طبعا معنويا أو قصديا؛ وفي العارف يقتضي أن يكون له ~~صورة تقبل الانطباع الصوري وتدركه؛ أما المادة فتقبل بحسبها هي، فلا تتحقق معرفة ~~الموضوع كما هو، وكلما كانت اللامادية أتم كانت المعرفة أوسع وأكمل. # والمعرفة تبعث في العارف ميلا إلى الشيء المعروف إذا كان خيرا أو لذيذا أو ~~نافعا، وميلا عنه إذا كان شرا أو مؤلما أو ضارا. وهذا هو النزوع أو الإرادة، ~~يتجه إلى الملائم، وينصرف عن المنافر، والوظيفة واحدة؛ إذ إن الانصراف عن المنافر ~~هو في الحقيقة طلب للملائم، أو إن طلب الملائم هو السبب في الهرب من المنافر، ~~فالنزوع إما شهوة تميل إلى الخير، أو غضب يميل إلى مدافعة ما يمنع الخير أو يجلب ~~الضرر، وقد تتجشم النفس الألم على خلاف ميل الشهوة؛ لكي تدفع الضار على مقتضى ميل ~~الغضب. فالغضب بمثابة حام للشهوة ومدافع عنها. ومبدأ آلام الغضب من آلام الشهوة ~~ومنتهاها إليها. والنزوع مشترك بين الكائنات جميعا، فهو ms058 أعم من المعرفة؛ إذ ليس كل ~~كائن بعارف. ولكن كل كائن نازع طبعا إلى الفعل وفقا لصالحه. ففي غير العارف الميل ~~فطري موجه إلى فعل واحد وموضوع خاص كما رسمت الطبيعة في صورته، فهو يتحرك إلى غايته ~~دون أن يعرفها، كالعناصر الكيميائية يأتلف كل منها بعنصر معين بمقدار معلوم، ~~وكالنبات يؤدي وظائفه الحيوية، ويتوجه إلى الضوء والحرارة؛ لأن فيه ميلا إلى النمو ~~والازدهار، وكالحيوان والإنسان حين يقومان بوظائفهما المختلفة في الحياة البدنية، ~~فهما يشتركان في هذا الميل الفطري من حيث هما مادة أو طبيعة غير عارفة، ويزيدان ~~عليه ميلا إراديا مقابلا للصور الحاصلة لهما بالمعرفة، حين ترى فيها الحواس أو ~~يحكم العقل أنها خير يطلب أو شر يجتنب. # إدراك الخير والشر يثير في النفس انفعالات أو عواطف شهوانية وغضبية مصحوبة برد ~~فعل في البدن. وهي تترتب على الوجه الآتي؛ الانفعالات الشهوانية: أولا وبالنسبة ~~إلى الخير: المحبة، وهي الميل إلى الخير في ذاته، والشوق وهو الميل إلى الخير ~~الغائب، واللذة وهي السكون في الخير الحاصل؛ ثانيا وبالنسبة إلى الشر: البغض وهو ~~الميل عن الشر في ذاته، والكراهية وهي الميل إلى الشر الغائب، والألم وهو الاضطراب ~~للشر الحاصل. والانفعالات الغضبية: أولا وبالنسبة إلى الخير الغائب: الرجاء أو ~~اليأس؛ ثانيا وبالنسبة إلى الشر الغائب: الجرأة أو الخوف؛ ثالثا وبالنسبة إلى ~~الشر الحاصل: الغضب. والانفعال ظاهرة مشتركة بين الوجداني والبدني، بحيث لو حاولنا ~~أن نجرد شعورنا من الأعراض البدنية لما تبقى لنا سوى فكرة الانفعال: هل يمكن تمثل ~~الغضب دون فوران الدم وتلون الوجه، وانفراج المنخرين وصرير الأسنان، أو تمثل ~~الحزن دون انقباض القلب، وتساقط الدموع وتصعد الزفرات، أو تمثل الخوف دون الرعشة ~~ودق القلب وعسر التنفس؟ هذا الاتحاد بين الوجداني والبدني في الانفعال مثال للاتحاد ~~بين النفس والجسم على العموم؛ ولا يمكن القول بأن الحياتين متوازيتان، وأن هناك ~~سلسلتين من الظواهر متقابلتان، فإن هذا التقابل نفسه يتطلب تفسيرا، وشهادة الوجدان ~~صريحة بأن الإنسان كائن واحد هو هو الذي يغتذي ويحس ويعقل. # وللكائن العارف ms059 حواس تدرك الأشياء البعيدة، وله إلى هذه الأشياء نسبة موافقة أو ~~مضادة؛ لذا كان له قوة محركة إما لطلبها أو للهرب منها، بخلاف الجماد الذي يتحرك من ~~خارج دون فعل ذاتي، وبخلاف النبات الذي لا نقلة له البتة. وللقوة المحركة أعضاء ~~انفعالية هي العظام، تستند عليها وتبعثها على الحركة، وأعضاء فاعلية هي العضلات ~~المنقبضة والمنبسطة المتحركة من الأعصاب. وهي تستخدم الطاقة الكيميائية المختزنة ~~بالتغذية؛ وقد لا تستطيع استخدامها في حال الشلل مع وجود انفعال باطن، أو بالأحرى ~~فكرة الانفعال، مما يدل على تمايز القوتين. وحركات القوة المحركة ترجع إلى ثلاثة ~~أنواع: الأول الحركات المنعكسة، وهي انقباضات العضلات والغدد ناشئة مباشرة، دون ~~تدخل فعل إرادي، من تأثير عصبي إما باطن أو واقع على أديم البدن، وهذه هي الآلية ~~الفسيولوجية. النوع الثاني: الحركات الناشئة من الغريزة. النوع الثالث: الحركات ~~الإرادية الناشئة عن معرفة ونزوع، ومنها حركات العادات المكتسبة تدريجا في الإنسان ~~والحيوان. # أفعال المعرفة والنزوع والنقلة معروفة بالوجدان، وهذه المعرفة أوثق اتصالا ~~بموضوعها منها بالموضوعات الخارجية والداخلية؛ لأنها عبارة عن معرفة الوجدان لنفسه، ~~فهي «علم حضوري»، أي: «حصول العلم بالشيء بدون حصول صورته في الذهن، كعلم زيد ~~لنفسه». # 2 # والمعرفة الوجدانية إما أولية تلقائية أثناء حدوث الفعل، فإن الذي يعلم ~~شيئا يعلم بالضرورة في نفس الوقت أنه يعلم؛ أو معرفة إرادية تفكيرية مروية بعد ~~حدوث الفعل، وبهذا المعنى يطلق الوجدان كأنه جملة الأفعال أو محلها، وكأنه قوة ~~مدركة للأفعال. ويقال: إنه في جريان متصل كماء النهر، يمضي من حال إلى حال ولا ~~نستطيع وقفه ما دمنا في اليقظة، بل لا يخلو النوم من صور تؤلف الأحلام؛ وإن اتصال ~~جريانه يبدو، ليس فقط فيما يجرف من معان وصور وأفعال، بل أيضا وبنوع خاص في ~~«حالات متعدية» # états substantifs # من حد إلى آخر هي ~~بمثابة «تيار الوجدان» أو روابط بين موضوعاته # états ~~substantifs # كالعطف والجر والاستدراك بلكن أو بلو، وخفض الصوت ~~أو رفعه بحيث تعبر جملة بعينها عن استفهام أو عن خبر، ونية قول ms060 شيء أو فعل فعل. ومن ~~هنا فرق في المعرفة الوجدانية الأولية بين الإنسان والحيوان، فهي في الإنسان أدق ~~وأوسع يمكن أن تصير مروية بأهون سبيل؛ وفي الحيوان هي قاصرة على شعور وقتي منحصر في ~~حالة حاضرة، غير متحول إلى الروية لعدم قدرة الحيوان على الانعكاس على نفسه لتأمل ~~الموضوع الباطن صراحة كموضوع معرفة، وهذه القدرة خاصة بالإنسان، وليست توجد الروية ~~إلا فيه. # هل يفهم من هذا أننا نشعر بالنفس وبكل ما فيها؟ هكذا زعم ديكارت، فإنه لما عرف ~~النفس بأنها جوهر مفكر ليس غير، لزمه أنها تشعر بجميع أحوالها منذ أن يخلقها الله ~~في الجنين، ما دامت ماهيتها الفكر، والماهية ثابتة لا تتغير، ولو أن هذا الشعور قد ~~يكون غامضا أحيانا، كما هو الحال في النوم، لكن ليس يوجد فكر غير مشعور به: بل زاد ~~على ذلك أنها تعرف وجودها وماهيتها معرفة مباشرة، وأن معرفتها هذه أيسر عليها. ~~وأوكد لديها من معرفتها لجسدها فضلا عن سائر الجسميات. # والمحقق - مهما يقل ديكارت وأتباعه - أن النفس لا تعرف وجودها إلا في أفعالها، ~~ولا تعرف ماهيتها إلا بالاستدلال من هذه الأفعال، وأنها لا تشعر بما فيها من ميول ~~واستعدادات وملكات، ولا بالصور المحفوظة في المخيلة والذاكرة، ولا بالمعاني ~~المحفوظة في العقل، إلا بالتي تحضر صراحة في الذهن، مع أن هذه المكنونات حالات لها ~~حقيقية. كذلك لا تشعر بالكثير من طرق أفعالنا، كطرق الإحساس والإدراك الظاهري، ~~وتداعي الصور والمعاني، وتكوين المعاني المجردة، فتلجأ في تعرفها إلى التفكير ~~والتحليل، وإذن فقوانا وقسم كبير من أفعالنا غير داخلة ابتداء في نطاق الشعور، ~~وقسم آخر لا يدخل في هذا النطاق إلا بعد أن يختمر ويتضح في اللا شعور، على ما ~~يبدو في هذا القول من تناقض: فكم من موضوع نكف عن التفكير فيه ثم يظهر معدلا ~~مزيدا، والشواهد كثيرة جدا في الحياة العادية، وعلى الخصوص في المسائل العلمية ~~والفنية؛ وكم من محبة أو كراهية لأشخاص وأشياء تتولد من أسباب لا شعورية تؤثر فينا ~~ونحن لا ندري. # والذي ms061 يهمنا من مسألة اللاشعور هذه أنها تعرض علينا فكرة القوة المقابلة للفعل ~~على أجلى ما تكون؛ فإن المكنونات الخافيات التي أشرنا إليها وأمثالها محفوظة في ~~النفس بالقوة، وما بالقوة غير مشعور به في ذاته، ولا يعرف إلا بأثره حال خروجه من ~~القوة إلى الفعل؛ وهذا حال النفس الإنسانية، فإنها كما قلنا لا تعرف وجودها إلا إن ~~عملت وأدركت ذاتها عاملة، ولا تعرف طبيعتها، أي إنها عاقلة بسيطة روحية خالدة إلا ~~بتحليل أفعالها. فليست فكرة القوة فكرة خيالية من اختراع أرسطو والمدرسيين، كما ~~يدعي ديكارت وكثير غيره؛ إنها واضحة كل الوضوح في التغيرات الطبيعية، وأوضح ما تكون ~~في تغيرات النفس؛ فما إنكارها إلا مكابرة في الواقع المعروض للمشاهدة ظاهرة وباطنة، ~~وفي حكم العقل على التغير بالإجمال. # وجملة القول: إن المعرفة والنزوع والنقلة والشعور، أربع خصائص كبرى لا نظير لها ~~في الحياة البدنية، بل لا أصل بالغا ما بلغ من الصغر والدقة، ومنها تتبين أصالة ~~الحياة الوجدانية، وتهافت المذهب المادي بمختلف صوره. ~~(4) الإحساس # هو أول عناصر الحياة الوجدانية، أعني أن أول معرفة تدخل إلى النفس هي معرفة حسية، ~~وأول انفعال تتأثر به صادر عن مثل هذه المعرفة. فالإحساس هو الفعل الذي به يدرك ~~الحس الظاهر موضوعه؛ وهو أيضا التأثر اللاذ أو المؤلم المصاحب لذلك الإدراك، ~~والناشئ من تأثير الموضوع على الحاسة. ولكن الأفضل الدلالة على كل من المعنيين بلفظ ~~خاص، فنقول: «انفعال» للمعنى الثاني. وكثير من الألفاظ يطلق هكذا على معنيين أو ~~جملة معان، فينزلق الفكر إلى أغلاط قد تجر وراءها أحيانا أغلاطا جسيمة؛ مثلما ~~يقال «الإدراك والتخيل والتذكر والعلم والمعرفة» ويراد بها فعل الشخص أو موضوع هذا ~~الفعل، ويظن التصوريون أن الفعل ما دام ظاهرة وجدانية صادرة عن الشخص ومستقرة فيه، ~~فالموضوع ظاهرة وجدانية كذلك لا حقيقة له في الواقع. # والواقع بالنسبة إلى الإحساس، أن للحواس موضوعا مشتركا هو الشيء المادي البادي ~~لها بجميع مشخصاته، وأن لكل حاسة وجها معينا من أوجه الشيء المادي، تدركه بعضو ~~مادي يصل بينها وبين الشيء، ms062 ولا تدركه حاسة أخرى بهذا الاعتبار؛ لأن العضو جهاز خاص ~~معد لقبول الموضوع يمتد منه عصب إلى مركز دماغي، قال ابن سينا: «المحسوسات كلها ~~تتأدى صورها إلى آلات الحس، فتنطبع فيها، فتدركها القوة الحاسة.» # 3 # ويسمى موضوع الحاسة بالكيفية. ولنا من الحواس بقدر ما ندرك من كيفيات ~~محسوسة متمايزة بالنوع، ومعلوم أنها اللون والصوت والرائحة والطعم والصلابة ~~والحرارة والبرودة. وللإحساس ثلاث مراحل: مرحلة فيزيقية كيميائية، وهي التأثير ~~الخارجي والتغير الناتج منه في العضو؛ ومرحلة فسيولوجية، وهي مجاوبة العضو وتأثر ~~الجهاز العصبي؛ ومرحلة وجدانية، وهي الإحساس بمعنى المعرفة والإدراك، وبين المعرفة ~~أو الإدراك، والتأثر أو الانفعال، نسبة عكسية: فإذا كان الانفعال قويا أضر ~~بالإدراك؛ فلكي يكون الإدراك تاما ينبغي أن يكون التأثير الواقع على الحاسة ~~متناسبا، وأن يكون الانفعال معتدلا. # وتثير مسألة الإحساس مسائل علمية وفلسفية تضاربت فيها الآراء. لا نستقصيها ~~جميعا، بل نقتصر على أهمها، وبخاصة من الوجهة الفلسفية. # فنعرض أولا لتشكيك التصوريين على اختلافهم في وجود موضوعاته، أي الكيفيات ~~المحسوسة، فإنهم يقولون: لا يوجد في الخارج مقابلات لها شبيهة بها، وكل ما يمكن ~~التسليم به، جدلا إن لم يكن اعتقادا، فهو أن في الخارج حركات، أو على الأكثر ~~أسبابا غير شبيهة بالكيفيات، ولكنها تترجم بها فينا. نقول: نعم إن وجود الكيفيات ~~مرتبط بالحركة، ولكن الحركة حاملة لها فقط، وليست وإياها شيئا واحدا؛ بل إن ~~الحركات المقابلة لها تختلف اتجاها وسرعة، ولا يفسر هذا الاختلاف إلا بوجود ~~الكيفيات وتمايزها فيما بينها كما تبدو في الوجدان، فالحركة مسبوقة بالكيفية معلولة ~~لها، وهم يعكسون الآية. ولنا عليهم ردود قاطعة نجملها فيما يلي: # لكل ظاهرة وجدانية مضمون لولاه ما حدثت. هذا المضمون مستفاد من شيء حقيقي مغاير ~~للوجدان وللظاهرة الوجدانية، وهو الذي يثير الوجدان إلى الفعل. إن انتباه الإنسان ~~يتجه أولا إلى الخارج ولا يتجه إلى الوجدان إلا بعد ذلك؛ وسبق الخارج شرط تأثيث ~~الذهن، وإلا فمهما انعكسنا على نفسنا فلن نجد في الذهن شيئا. فمن التعسف المحض أن ~~يراد بنا الاحتباس في ms063 الوجدان وقطع كل صلة بالواقع. فإن المعطي لنا منذ أول الأمر ~~هو الإنسان كله، لا الذهن من ناحية، والبدن وانفعالاته من ناحية أخرى؛ فتسمية الذهن ~~أو الوجدان وحده بالأنا، وتسمية البدن باللاأنا، انقياد للتصورية لا سند له. ~~واعتبار الظواهر الوجدانية وحدات قائمة بأنفسها، ثم التساؤل: كيف تركب فكرة الشيء ~~أو الموضوع، هذه مسألة زائفة، وهذه فلسفة تصورية. كيف لا يعلمون أن مذهبهم هذا يجعل ~~مدار العلوم على الصور الذهنية فقط، لا على أشياء واقعية ، فتسقط قيمة العلوم، فتصبح ~~تطبيقاتها في صوالحنا لغزا من أغمض الألغاز، وكيف لا يعلمون أن مذهبهم يستتبع أن ~~كل ما يعلم فهو حق عند الذي يعلمه، وأن المتناقضات صادقة معا، من حيث إنه إذا كان ~~الذهن لا يدرك سوى تصوراته، فهو يدركها كما يستطيع، غير عابئ برأي الغير، غير معتمد ~~على أصول يرجع إليها، فيصبح كل من الأذهان المختلفة عمدة نفسه. فلا مناص من الإقرار ~~بأن الشيء ذاته هو المعقول أولا، وأن صورته معقولة ثانيا بالانعكاس على تعقله ~~الأول. # نضيف إلى ما تقدم أن صدق الحواس من البداهة والبيان بحيث لا يفتقر إلى برهان، ولا ~~يقام عليه برهان. أما أنه لا يفتقر إلى برهان؛ فلأن إنكاره إثباته؛ إذ إننا نرى ~~الأعضاء مركبة تركيبا دقيقا عجيبا متناسبا مع التأثيرات، فندرك أنه كان يكون ~~عبثا لو لم تكن الحواس مرتبة للموضوعات الخارجية بالطبع رامية إليها بالطبع، وليس ~~من المعقول أصلا أن يذهب العبث أو تذهب المصادفة إلى هذا الحد. وأما أن لا يقام ~~عليه برهان؛ فلأن كل برهان إنما يقوم على صدق التجربة، ظاهرة وباطنة، فإذا تشككنا ~~في هاتين التجربتين استحالت علينا كل برهنة. # وأخيرا نتخذ دليلا عليهم من تناقضهم وتهافتهم، فإنهم يعللون الإحساسات إما بفعل ~~النفس أو بفعل الله: ولكن النفس تشعر أنها منفعلة في الإحساس، فليست هي صانعة ~~الإحساس، وإلا كنت تحس ما تريد، وهذا مخالف للواقع. وإذا كانت الإحساسات صادرة عن ~~الله، فالوجدان يدركها كأنها صادرة عن الأشياء ذاتها، وهذا خداع بلا شك، وخداع قاهر ms064 ~~يجعلنا نصدق بوجود الأشياء فنسعى إلى بعضها ونهرب من بعض آخر؛ ولقد كان من اللائق ~~بالله أن يوحي إلينا في نفس الوقت أنها صادرة عنه تعالى. ثم نلاحظ أن ديكارت يسلم ~~بوجود العالم بسبب الصدق الإلهي، مع أن وجود الله يستفاد من النظر في العالم، وهذا ~~دور منطقي. والناس يقعون في أخطاء كثيرة والله يسمح باغترارهم، فكيف نثق بصدقه؟ ~~ويعتقد مالبرانش بوجود العالم بناء على شهادة الكتاب المقدس، والكتاب معلوم لنا ~~بالتجربة الحسية. ويذهب باركلي إلى أن الله يلقي في أنفسنا معاني الأجسام، والمذهب ~~التصوري الذي يعتنقه يقول: إننا لا ندرك سوى تصوراتنا، فكيف لم ير أن الاعتقاد ~~بوجود الله مجاوزة للتصور كالاعتقاد بوجود العالم سواء بسواء؟ # ومن أمثلة تطبيق المذهب التصوري في علم النفس وفي مسألة الإحساس هذه، نظرية تدعى ~~الطاقة النوعية للأعصاب، ومؤداها أن الكيفيات المحسوسة آتية من الأعضاء أنفسها لا ~~من المؤثرات، وأن الإحساسات ترجع إلى الوحدة من جراء وحدة تركيب العالم من مادة ~~وحركة، أي إن الأعضاء الحاسة يجاوب كل منها دائما على نحو واحد أيا كان المؤثر ~~الخارجي؛ فسواء أقرصت الشبكية أو ضغطت أو تأثرت بموجات ضوئية أو صدمة آلية أو ضربة ~~قوية على العين أو تيار كهربائي، فإن كل سبب من هذه الأسباب يحدث في العصب البصري ~~إحساسا ضوئيا؛ والتيار الكهربائي إذا وقع على العصب السمعي أحدث إحساسا ~~سمعيا، أو على البشرة أحدث إحساسا لمسيا، أو على اللسان أحدث إحساسا ذوقيا؛ ~~واستنتجوا من هذا أن إحساساتنا المختلفة لا يقابلها شيء في الخارج. # نلاحظ أولا أن الأكمه لا يرى ضوءا إذا هيج عصبه البصري، وأن هذا حال كل فاقد ~~حاسة منذ الأصل، فإنه فاقد الإحساسات والصور المقابلة لها والتي تظهر عادة عند ~~التأثير؛ فليست المجاوبة النوعية فطرية في الأعصاب أو المراكز الدماغية، ولكنها ~~مستحدثة بفعل الأعضاء الظاهرة التي هي مخصصة ومنوعة بتركيبها الخاص وبالتأثيرات ~~المتفقة معها، أي بالكيفيات الخارجية؛ وبهذه المجاوبة تفسر المجاوبة النوعية على ~~التأثير المخالف للعضو الحاس، أي بالعادة التي اتخذتها الأعصاب والمراكز ms065 الدماغية ~~بالمجاوبة النوعية على التأثيرات المتفقة مع العضو الحاس. وعلى ذلك فحواسنا محتفظة ~~بكل قيمتها؛ وفي الحالات العادية تجاوب وفقا لطبيعتها على تأثيرات متفقة ~~معها. # وأراد بعض العلماء أن يقيسوا النسبة بين التأثير والإحساس، بل أن يقيسوا الإحساس ~~ذاته، إذ لاحظوا أن الإحساس الطبيعي الجلي يتولد عن تأثير معتدل القوة هو حد بين ~~حدين: أحدهما حد أدنى لا يحس لضعف التأثير، والآخر حد أقصى لا يحس كذلك لفرط ~~التأثير؛ وبين الحدين مجال للزيادة التدريجية . أرادوا أن يطبقوا المقاس هنا أسوة ~~بتطبيقه في علوم المادة، غير حاسبين الحساب الكافي لطروء النفس على بدن الحيوان ~~والإنسان، ولاختلاف الحدين باختلاف الحواس والأشخاص وقوة أعضائهم وحالتهم المعنوية، ~~فلم تفلح الجهود التي بذلت في هذا السبيل. من المعروف المعقول أن مصباحين يضيئان ~~أكثر من مصباح واحد، وأن صوتين يدويان أكثر من صوت واحد، وأن الجهد الذي نبذله في ~~رفع أقة أكبر من الإحساس الذي نشعر به عند رفع رطل، وقس على ذلك. ولكن من المشاهد ~~أيضا أن كل زيادة في المؤثر لا تقابلها زيادة في الإحساس؛ فمثلا إذا أضفنا نصف ~~رطل إلى نصف رطل أحسسنا به، ولا نحس بنصف الرطل إذا أضيف إلى قنطار. وإذا ضاعفنا ~~عدد المغنين في قاعة ضاعفنا الصوت ولم نضاعف قوة الإحساس به. فالواقع أن قوة ~~الإحساس لا تتبع في تزايدها تزايد كمية المؤثر، بل إنها أبطأ منها. وما يقال في ~~التزايد يطلق أيضا على التناقص. # اصطنعوا طريقتين: إحداهما سميت الطريقة النفسية الفيزيقية # psycho-physique ~~؛ لأن الغرض منها قياس المؤثرات من جهة، ~~وملاحظة الإحساسات الناجمة عنها من حيث القوة والضعف من جهة أخرى. والمشهور بهذه ~~الطريقة العالم الألماني فيبر # welber ~~(1795-1878). ~~وقد خرج من تجاربه بهذه النتيجة وهي: أن ما تجب إضافته إلى المؤثر لإحداث فرق في ~~الإحساس هو بنسبة مطرد إلى كمية المؤثر، فكلما كان المؤثر قويا وجب أن تكون ~~الزيادة كبيرة؛ وهذه النسبة هي: 100 / 1 لإحساس الضوء؛ و17 / 1 للإحساس العضلي؛ ~~و3 / 1 لإحساسات الثقل والحرارة والصوت؛ فإذا فرضنا ms066 شخصا يحمل ما زنته 170 درهما، ~~فالزيادة التي تجب إضافتها هي 10 دراهم؛ وإذا كان يحمل 1700 درهم أو 17000، كانت ~~الزيادة 100 و1000 على التوالي، من حيث إن النسبية الثابتة هي 17 / 1 - وقد سمي هذا ~~بقانون فيبر. # والطريقة الثانية سميت الطريقة النفسية ~~الفسيولوجية Psycho-physiologie ~~؛ لأن الغرض منها تعرف ما يقابل الظواهر الوجدانية من ~~تغيرات بدنية حاصلة في التنفس والدورة الدموية والإفراز وحركات العضلات في حالات ~~العمل العقلي والفراغ منه والحزن والسرور والغضب وما إلى ذلك، وتعيين عضو أو مركز ~~عصبي لكل واحدة من الوظائف الوجدانية بملاحظة ما يطرأ على الوظيفة من اضطراب بسبب ~~ما يطرأ على الجزء العصبي من جرح أو بتر في التجارب التي تعرض للإنسان، أو التي ~~تجري على الحيوان، ويمكن تطبيق نتائجها على الإنسان، لما بينهما من تشابه في الحياة ~~الحسية. والمشهور بهذه الطريقة عالم ألماني كذلك هو فخنر # Fechner ~~(1801-1887) أقام على قانون فيبر نظرية في مقاس الإحساسات ~~أنفسها. وليس فقط مقاس قوة المؤثرات، فاعتبر الفروق المقابلة للزيادات في المؤثرات ~~متساوية كأنها وحدات حسية، وصاغ قانونا بهذه العبارات الرياضية: إذا ازداد المؤثر ~~بنسبة التصاعد الهندسي، ازداد الإحساس بنسبة التصاعد الحسابي. والتصاعد الحسابي ~~سلسلة أعداد كل واحد منها يساوي العدد السابق مجموعة إليه أو مطروحة منه كمية ~~ثابتة؛ فمثلا: 1-2-3-4 إلخ تؤلف تصاعدا حسابيا الكمية الثابتة فيه هي 1. ~~والتصاعد الهندسي سلسلة أعداد بين كل منها وبين العدد السابق نسبة ثابتة، أي إن ~~كلا منها يساوي العدد الذي قبله مضروبا في كمية ثابتة؛ مثال ذلك الأعداد الآتية: ~~2-4-8-16-32-64 إلى ما لا نهاية على هذا القياس، تؤلف تصاعدا هندسيا كميته ~~الثابتة هي 2. # هذان القانونان منتقدان من وجوه: # أولا: # أن الزيادة الواجب إضافتها بحسب قانون فيبر ليست مطلقة مؤسسة ~~قانونا عاما لجميع أنواع الإحساسات، وإنما هي نسبية تابعة لكمية ~~المؤثر، غير منطبقة على الإحساسات، وليس القانون العلمي ~~نسبيا. # ثانيا: # أنها أمعن في النسبية، إذ إنها تقريبية، ولا يصح إطلاقها في جميع ~~الحالات، لاختلافها باختلاف الأشخاص، وفي الشخص الواحد باختلاف ms067 ~~ظروفه البدنية والمعنوية، من قوة وضعف ومران وانتباه. # ثالثا: # إن فخنر يزعم أنه يقيس الإحساس، ويعتبره كمية متصلة قابلة للقسمة ~~إلى أجزاء متساوية، والحقيقة أنه فعل وجداني بسيط غير منقسم وغير ~~قابل للمقاس، وأن ما يحدث عند زيادة قوة المؤثر، ليس تزايد شدة ~~الإحساس، بل إحساس بالزيادة، أي: فعل وجداني جديد، فإن الإحساسات ~~لا تحدث إلا متتالية، فلا يمكن أن تتزايد أو تتناقص؛ وإذا جاز لنا ~~أن نقول: إن إحساسا أقوى أو أضعف من إحساس آخر، فإن الناس جميعا ~~يدركون أن من العبث محاولة تقدير الفرق بينهما تقديرا ~~رياضيا. # رابعا: # أن المقارنة الكمية بين إحساسين أو أكثر أمر مستحيل، لاستحالة ~~وجود وحدة حسية تتخذ مقياسا، أي لاستحالة وجود إحساس ثابت يستخدم ~~كوحدة في المقاس والمقارنة، فإن الحواس مختلفة فيما بينها بالنوع ~~أو الكيفية، وليس يوجد شبه قريب أو بعيد بين اللون والصوت والرائحة ~~والطعم والصلابة، بل أيضا في كل حس توجد فروق كيفية بين موضوعاته، ~~كما بين الأبيض والأحمر، والحلو والحامض، والخشن والأملس؛ هذا ~~فضلا عما بين الأشخاص من تباين تبعا لتباين شدة الإحساس ~~واستعداداتهم البدنية والمعنوية المتقلبة الحائلة دون ردها إلى ~~الوحدة. # وقد كان البعض عقدوا آمالا كبارا على هاتين الطريقتين، وتوقعوا أن يصلوا بهما ~~إلى قوانين ثابتة معبر عنها بأرقام، فيصبح علم النفس علما «ماديا»، ولكنهم لم ~~يوفقوا إلا لنتائج تافهة، لمنافاة الظواهر الوجدانية لشروط الاختبار المادي، فكانت ~~هذه هزيمة أخرى للماديين. # وثمة مسألة ربما كان المذهب التصوري السبب في إثارتها، وهي: أين يتم الإحساس؟ إن ~~الناس كافة يشعرون أنه يتم في الأمكنة من البدن التي يحدث فيها التأثير. ولكن علماء ~~كثيرين يعتقدون أنه يتم في الدماغ حيث ينقل التأثير؛ وقد يكون الباعث لهم على ~~انتحال هذا الرأي قول ديكارت: إن الإحساس فكر، وإنه فعل النفس بمفردها، وإن النفس ~~في الغدة الصنوبرية. ولهم دليل علمي هو أنه إذا قطعت الصلة بين ألياف الحاسة ~~والدماغ، فلا يكون إحساس. ويؤيدون ذلك بأن المبتور له عضو يحس ألما أو لمسا ~~عضليا ms068 في الجزء المفقود، وهذا وهم طبعا. فيستنتجون أن ليست الأعضاء حاسة، بل إن ~~وظيفتها قاصرة على تأدية التأثير إلى الدماغ. # هذا الرأي ليس بأسعد حظا من الآراء السابقة. إن الإحساس يتم في مكان التأثير، ~~وأول الأدلة على ذلك ما نشعر به في غاية الوضوح في الحواس السفلى؛ الشم والذوق ~~واللمس، فنركز الإحساس بالرائحة في المنخرين، والإحساس بالطعم في اللسان والحلق، ~~والإحساس بالصلابة في الموضع من البدن الذي يقع عليه اللمس؛ ولا بد أن يكون الأمر ~~في البصر والسمع على هذا القياس. ثانيا: يثبت ذلك، من جهة واحدة، أن العضو جهاز ~~مخصوص مركب لتأدية وظيفة مخصوصة ، ولو لم يكن هو الحاس وكان مجرد واسطة لنقل ~~التأثير إلى الدماغ لما احتاج إلى هذا التركيب؛ على حين أن الدماغ غير مخصص أو هو ~~أقل تخصصا، ومن ثمة أقل كفاءة لإدراك الكيفيات المتباينة؛ ومن جهة أخرى إن المحروم ~~عضوا منذ الأصل لا يحس الإحساسات المقابلة لهذا العضو، وهو لا يحسها إذا هجنا فيه ~~عصب الحاسة أو مركزه الدماغي. ثالثا: إن انتزاع مخ الحيوان أو تعطيله لا يؤثر في ~~الحساسية، وقد دلت التجارب التي أجريت على الضفادع والعصافير على أنها تجاوب بحركات ~~على التأثيرات، فهي إذن تحس هذه التأثيرات، إن لم تكون منها صورا؛ وليس الدماغ ~~ضروريا، ويكفي النخاع الشوكي لضمان الصلة بين الأعصاب الحاسة والأعصاب المحركة؛ ~~ومن التجارب المذكورة في كتب علم النفس بتر جولتز # Goltz # مخ كلب واسبقاؤه حيا ثمانية عشر شهرا. ففقد كل مهارة في ~~تحريك رجليه الأماميتين، وفقد الحركات المركبة المكتسبة، ولم يكتسب غيرها، ولم يكن ~~يأكل من تلقاء ذاته، ولكنه كان يضطرب إن طال صومه، ولكنه كان يجاوب على الأضواء ~~القوية والأصوات الحادة، وعلى الخصوص الإحساسات اللمسية، بحركات دفاعية، ولم يكن ~~يعرف الناس ولا الحيوانات ولا الأشياء. وفي هذه التفاصيل إشارات إلى وظائف الدماغ ~~ووظائف الحواس. رابعا: لنا في الأبله التام من بني الإنسان، أو الذي في الدرجة ~~الأولى من البله، شبيه بهذا الكلب، فإن وظائفه المحركة جد مختلة، وهو ms069 من الجمود ~~بحيث لا يبين عن حاجته للغذاء، ولا بد من إبلاغ غذائه إلى مدخل البلعوم وحينئذ ~~يزدرده، والازدراد فعل منعكس لا يتطلب تفكيرا ولا إرادة؛ ومع ذلك فهو متمتع بحواسه ~~جميعا، كما يثبت من التشريح بعد الوفاة، ويجاوب على التأثيرات الخارجية، فهو إذن ~~يحسها. خامسا: إن الخطأ المأثور عن ذوي الأعضاء المبتورة يؤيد رأينا ولا ينقضه، ~~فإن هذا المدعو خطأ يظهرنا على أن اشتراك العضو في الإحساس أمر توحي به الطبيعة ~~وترسخه العادة، حتى إنه يستمر بعد فقدان العضو؛ ثم إنه متقطع وليس متصلا، إما بسبب ~~الإحساسات السابقة وتوهم أن هذه الذكرى إحساس حاضر، فتركز في العضو كما كانت تركز ~~الإحساسات السابقة، وإما في انقباض عضلات مجاورة للجزء المبتور، وإضافة الإحساس ~~بهذا الانقباض إلى العضو المفقود، إذ يندر أن يتحرك عضل دون أن تنقبض عضلات أخرى ~~قليلة أو كثيرة؛ وربما كان العصب أو طرف العضو المبتور قابلا للتحريك، فلا يكون ~~هناك وهم أو تأويل، بل إحساس صحيح، وبعد فهذه إحدى مسائل اتحاد النفس والبدن، فلها ~~إذن شأن كبير. ~~(5) التخيل والتذكر # يترك الإحساس أثرا في الذهن، فنتمثل هذا الأثر في اليقظة والمنام، ثم نحلله ~~ونركب عناصره تركيبا آخر، فنتخيل أشياء ممكنة فقط، كإنسان يطير، أو شخص واحد نصفه ~~إنسان ونصفه فرس. فالمخيلة هي القوة التي تحفظ صورة ما يرد على الحواس الظاهرة، ~~وتتمثلها في غيبة موضوعها، وتعمل فيها بالتفصيل والتركيب بإشراف العقل وتوجيهه. ~~ولئن كان اسم الصورة مأخوذا من البصر، فإنه يطلق على سائر الآثار الذهنية، إلا أن ~~الصور البصرية أقوى وأوضح وأكثر عددا، وأن الناس يترجمون عن أفكارهم وعواطفهم ~~بالأشكال والألوان، ولا يكادون يستخدمون الأصوات والطعوم والروائح إلا في ~~موضوعاتها، فيقال: صور سمعية وشمية وذوقية ولمسية. # وللصورة فينا نفس مفاعيل الإحساس البدنية والوجدانية، وإن تكن عادة أضعف منها، ~~وقد تكون أشد في الحالات المرضية. ومفاعيل الصور هذه أبرز الشواهد على تعلق المخيلة ~~بالبدن، أي بالجهاز العصبي والدماغ. إذا قويت الصور في الحلم أو في التخيل نشأت ~~عنها حالة «الروبصة»، ms070 أي التحرك والتكلم في النوم. والتخيل القوي لصورة زاهية يتعب ~~العصب البصري ويثيره مثلما يثيره الإحساس القوي من صور لاحقة إيجابية وسلبية. ~~وحينما نتخيل شكلا من ستة أضلاع مثلا أو سبعة أو ثمانية نشعر أننا نحاول القيام ~~بحركات بقدر الأضلاع. والذي يفكر في لون من الطعام مستملح يجري ريقه ويترطب لسانه؛ ~~والذي يفكر في طعام مستهجن يشمئز وينفر. ومن باب أولى تخيل الحركات يولد فينا ~~حركات من نوعها، مثلها إذا تخيلت شيئا واقعا إلى يميني، تخيلت الحركة اللازمة ~~لتناوله؛ وحدث في ذراعي تهيؤ لذلك. وكل ما نتخيله فهو يبدو في عضلاتنا وأعصابنا: من ~~هذا القبيل عدوى الضحك والتثاؤب؛ وانتقال حركات الممثلين واللاعبين في مختلف ~~المباريات إلى جسمنا. والمنومون صناعيا إذا وضعناهم في هيئة معينة بعثنا فيهم ~~الحركات المقابلة لها، فهيئة الصلاة وهيئة الغضب وهيئة السرور تبعث كل منها ما ~~تستتبعه من حركات في الحياة الحقيقية؛ وبعكس ذلك لو أوحينا إليهم بفكرة الشلل سقطت ~~الذراع على طول الجسم وانعدمت كل حركة. وكان «كمبرلند» يدعي قراءة الأفكار، وما كان ~~يصنع في الواقع إلا تتبع انقباض عضلات الشخص وانبساطها. هذا قليل من كثير أوردناه ~~لفائدته في مسألة اتحاد النفس والبدن العظيمة الأهمية في الفلسفة، وتيسيرا لمعالجة ~~بعض المسائل الفلسفية الخاصة بالصور. # قبل هذه المعالجة نقول كلمة في الذاكرة؛ كي نلم بموضوع الصور في جملته. فإلى ~~الحفظ والاستعادة ينضاف الذكر، أي الشعور بأن الشيء الذي نتمثل صورته أو نحسه قد ~~سبق إحساسه في وقت ما. وهذا الشعور عبارة عن استئناس وألفة لا يتفقان لنا أمام ~~المدركات الجديدة. وقد تعود الصورة إلى الذهن ولا يصاحبها هذا الشعور فنظنها ~~تخيلا؛ أو يصاحبها شعور ناقص فلا ندري إن كانت تذكرا أو تخيلا؛ أو ينضاف إليها ~~خطأ فنحسبها تذكرا. فالذاكرة قوة متمايزة من المخيلة تزيد عليها الذكر وتعيين ~~الزمان. والذكر إما أولي يتم عفوا في الحيوان والإنسان، أو إرادي يتم بالتفكير، ~~في الإنسان لافتراضه الانعكاس على الذات والبحث والمقارنة وفكرة الزمان، مما يعلو ~~على إدراك الحيوان وليس موضوع ms071 البحث مجهولا كل الجهل، وإلا لم يكن موضوع بحث. ~~ولكنه معلوم في صلته بحالة حاضرة، فهو عبارة عن فراغ في الذهن نشعر به شعورا ~~واضحا، ونشعر بأنه لا يمتلئ إلا بالشيء المطلوب، وقد تتردد في الذهن أشياء أخر ~~ونشعر أنها ليست هي المطلوبة. # كيف تحفظ الصور؟ فإن الماديين يزعمون أن الصور الكامنة ضرب من الطوابع أو الرسوم ~~المادية في الدماغ يبعثها من كمونها مرور التيار العصبي بها، ويطلقون عليها أسماء ~~أخرى فيقولون: تغيرات دماغية، وآثار دماغية وتألقات بمعنى أن التألق إضاءة جسم في ~~الظلمة دون اشتعال ولا حرارة. ويسرف بعضهم فيتخيل كل صورة منزلة في خلية من خلايا ~~الدماغ. وكل هذا سذاجة يمتنع وصفها. إنه لخطأ شنيع أن نتصور المخيلة خزانة لصور ~~تظهر في الشعور وتعود إلى الكمون بحسب جريان التيار العصبي. إن الصور من حيث هي صور ~~أو مثل للأشياء لا توجد إلا في اللحظة التي نتأملها فيها، وكلما تجدد التأمل تجددت ~~هي أيضا، أي خرجت من القوة إلى الفعل؛ إذ ليست الصور الكامنة موجودة إلا بالقوة، ~~أي إنها استعدادات نفسية يتركها فينا الإحساس، أو هي كفاية المخيلة للتخيل، وإن كان ~~لهذه الكفاية أساس وشرط في الدماغ ماهيته مجهولة، والأسماء التي وضعوها لها قاصرة ~~عن تبيان حقيقته. # هذه النظرية المادية لا تحسب أقل حساب لما بين الظواهر الفسيولوجية والظواهر ~~الوجدانية من تباين حاسم، ولا تكشف عن سر بقاء الصور مع تغير الخلايا العصبية ~~تغيرا متصلا، وإذا كانت الصور تتغير هي أيضا فلا نستعيدها كما قبلناها ~~بالتمام، بل تعود فاقدة بعض التفاصيل، أو بالعكس كاسبة تفاصيل أخرى، فليس ذلك من ~~أثر التيار العصبي أو مسالك انتشاره كما يقولون، بل من أثر ما نعيرها من اهتمام ~~وانتباه، أي من أثر الجانب الوجداني. وليس قولنا إن الصور تتطور، وتنتظم في مجاميع، ~~وتتداعى، وتعود وتأتلف ... إلخ إلا من قبيل إسناد فعل الفاعل إلى المفعول؛ إذ ليس ~~للصور وجود ذاتي، وإنما ترجع هذه الأفعال جميعا إلى الشخص المتخيل وأحواله ~~الخاصة. # وفي أواخر القرن التاسع ms072 عشر توصل الماديون إلى تطبيق لمذهبهم ظنوه الدليل القاطع ~~على صدقه، وذلك بإقامة نظرية دعوها «نظرية الأمكنة الدماغية»، وكان أشهر القائلين ~~بها الدكتور بروكا # Broca ~~، وقد أعلن أنه وفق ~~إلى تحديد مراكز في الدماغ لوظائف النطق والكلام، وأن من المستطاع تحديد مركز لكل ~~وظيفة وإرجاع مختلف الصور إلى مناطق معينة من الدماغ؟ فكان لهذا الإعلان حظ عظيم من ~~الاهتمام والرواج، وانتعش به «علم الفراسة» على نحو عجيب. # 4 # والحقيقة أن هذا الرأي قديم، وقد اصطنعه غير الماديين، ونحن نجتزئ بما ~~أورده ابن سينا، فإنه يعين للحس المشترك مكانه في أول التجويف المقدم من الدماغ، ~~وللخيال والمصورة في آخر هذا التجويف، وللمخيلة في التجويف الأوسط من الدماغ عند ~~الدودة، وللقوة الوهمية في نهاية التجويف الأوسط من الدماغ. وللحافظة الذاكرة في ~~التجويف المؤخر من الدماغ. # 5 # وليس يهمنا تحديد معاني هذه القوى، وقد تراوحت واختلفت عند ابن سينا نفسه؛ وإنما ~~المهم محاولة تعيين أحيازها. وظلت هذه النظرية موضع أخذ ورد إلى أن أتاحت الحرب ~~العظمى الأولى مشاهدات عديدة لجروح دماغية أثبتت فسادها. # أظهرت هذه المشاهدات؛ أولا: أن بعض الجرحى الذين فقدوا ثلث دماغهم استمروا على ~~مزاولة جميع قواهم الذهنية. ثانيا: أنه لا يوجد أي مركز أصيل للغة ملفوظة أو ~~مكتوبة، لا في أسفل التجويف الثالث لمقدم الدماغ اليساري، كما ادعى بروكا، ولا في ~~منطقة أخرى؛ وإنما توجد مراكز مستحدثة. ثالثا: أنه وجدت حالات لفقدان النطق دون ~~جرح في المركز الذي عينه بروكا، وحالات كان فيها هذا المركز مصابا دون اضطراب في ~~النطق. رابعا: أن النسيان، سواء كان نتيجة إصابة في الدماغ، أو نتيجة ضعف الدماغ ~~ضعفا عاما، يبدأ بأسماء الأعلام، وينتقل إلى أسماء النعوت أو الصفات ... إلخ تبعا ~~لطوائف الأسماء، لا على نحو مجموعي للأسماء المكتسبة في وقت واحد كما تقتضي ~~النظرية. خامسا: أنه إذا عطب المركز المستحدث فقد تقوم بوظيفته منطقة أخرى مجاورة ~~دعيت لذلك بالوظيفة «الغائبة» # fonction vicariante ~~؛ ~~مما يدل على أن ليس هناك مراكز تولد الوظائف، وأنها هي الوظائف ms073 التي تولد المراكز ~~وتنظمها، وأن لفظ المركز يجب أن يؤخذ بمعنى واسع جدا. فسقطت هذه النظرية في ميدان ~~العلم. # وللماديين نظرية في استعادة الصور، اشتهر بها خاصة الفلاسفة الإنجليز من الحسيين، ~~هيوم وجيمس مل وجون ستوارت مل وألكسندر بن وهربرت سبنسر، بنوها على المشاهد من عودة ~~الصورة إلى الذهن بمناسبة إحساس أو صورة أخرى حاضرة فيه. ومعلوم أن النسب بين الصور ~~تتوزع إلى طائفتين: جوهرية وعرضية. النسب الجوهرية قائمة على ماهيات موضوعات الصور، ~~كنسب الجوهر والعرض، والعلة والمعلول، والمبدأ والنتيجة، والغاية والوسيلة، والجنس ~~والنوع، والجزء والكل. وما إلى ذلك؛ والنسب العرضية قائمة على أعراض في الموضوعات ~~أو في الذهن، وهي ثلاث محصورة لدى أفلاطون في محاورة «فيدون» ولدى أرسطو في «رسالة ~~الذكر والتذكر»، فإن الموضوعات قد تكون متشابهة أو متضادة أو متقارنة في المكان ~~والزمان؛ وقد يكون التشابه والتضاد في ذات الشخص المدرك، كما لو آثر لونين من ~~الطعام فإنهما يتشابهان لديه من هذه الناحية، أو آثر لونا وكره آخر فإنهما يتضادان ~~لديه بهذا الاعتبار. وثمة نسبة مأثورة منهم هي الاقتران، لبعدها عن الوعي الصريح ~~وقربها من الآلية، فإن إحدى صورتين مكتسبتين في مكان واحد أو وقت واحد، غالبا ما ~~تستدعي الأخرى، لا لشبه أو تضاد بينهما، بل لمجرد الاقتران. # وبناء على هذا ردوا إليها سائر النسب: الجوهرية منها لكونها مقترنة في الإدراك؛ ~~والمتضادة لهذا السبب؛ ولأن المتضادين يجتمعان تحت جنس واحد، كالأبيض والأسود تحت ~~جنس اللون؛ والمتشابهة أخيرا فإنها هي أيضا تجتمع تحت أجناس، فإنها تتشابه بعنصر ~~معين مندمج في كل منها، فيجعلها مقترنة في الذهن. ويتصورون الإحساسات كالذرات ~~العنصرية لها خصائصها تدفعها إلى التداعي والتجمع، وبهما تفسر جميع الأفعال الذهنية ~~المركبة، بحيث تعود الحياة الوجدانية ضربا من العادة الآلية، كلما ظهر فيها حد ~~أيقظ حدا آخر. # أول ما نأخذه على هذه النظرية خلط أصحابها بين شروط قبول العودة وشروط العودة ~~الفعلية: إن النسب المذكورة تهيئ الصورة للعودة؛ ولكن الواقع أن الصورة الواحدة ~~تدعو إلى الذهن صورة أخرى دون ms074 سائر الصور المرتبطة بها. فما السبب في ذلك؟ ليست ~~الصور هي السبب، فإن النسبة موجودة بين كثير منها، وقد أوضحنا أن الصور ليست مماثلة ~~في الذهن بما هي صور، ولكن الذهن هو الذي يبعثها من كمونها ويمنحها الوجود في ~~التصور. السبب هو الشخص ذاته، فإنه يدعو من الصور ما له به حاجة وما يقابل اهتمامه، ~~وهذا الاهتمام ناشئ من استعداداته الفطرية وكفاياته المكتسبة وظروفه المعيشية ~~والمعنوية، فتختلف الصور المدعوة باختلاف الأشخاص، كما نرى مثلا منظرا طبيعيا ~~معينا يوحي بأفكار وعواطف مختلفة للمزارع والتاجر والفنان والعالم بطبقات الأرض. ~~ونأخذ عليهم أيضا ظنهم أنهم ردوا النسب إلى نسبة التقارن؛ وإذا سلمنا بصحة ما ~~قالوه بهذا الصدد، يبقى أن نسألهم: كيف يفسرون الشعور بالتقابل الذاتي بين النسب ~~الجوهرية، والشعور بالتشابه والتضاد حيث يوجدان؟ وفي هذا الكفاية للدلالة على نشاط ~~الفكر واستحالة الآلية فيه. ~~(6) حياة الحيوان # جميع القوى المذكورة آنفا، وجميع أفعالها، تؤلف الحياة الحاسة المشتركة بين ~~الإنسان والحيوان فنعود ونذكر «القوى» برغم معارضة الحسيين والتصوريين، فليست تفسر ~~الأفعال المتنوعة إلا بمبادئ متنوعة أو قوى متمايزة فيما بينها، ومتمايزة من جوهر ~~النفس؛ لأنها لا تفعل دائما، والنفس تظل بالفعل ما دام الحي موجودا. إنهم ينكرون ~~القوى ولا يزالون يتحدثون عن وظائف وكفايات واستعدادات وميول، فأين الفرق بين ~~ألفاظهم وألفاظنا؟ # ومعظمهم ينكر الحياة على الحيوان، ويجعل منه مجرد آلة. ويتخذون من الغرائز أدلة ~~على الآلية، فإن الغريزة من الجهة الواحدة استعداد فطري لصناعة معينة في جميع أفراد ~~النوع، فيأتون مفعولا معينا بوسائل معينة لا يغيرها الحيوان إلا في النادر تحت ~~ضغط الظروف، فهي استعداد تام منذ ميلاده، وهو لا يتردد في عمله الغريزي ولا يخطئ، ~~حتى إن العصفور الذي يفقس في حاضنة وينشأ في قفص، يبني عشا إذا ما حصل على المواد ~~اللازمة وهو بغير حاجة إليه، وإن من الحشرات أنواعا يهلك أفرادها قبل نقف ديدانها ~~وتعد المكان والمئونة لهذه الديدان التي لن تراها، ونشأ النسل والغريزة فيه تامة، ~~مما يدل قطعا على أن الغريزة ms075 عمياء، أي إنها آلية. ومن جهة ثانية الغريزة إدراك ~~معنى غير محسوس في المحسوسات، حيث لا يدرك الحس الظاهر سوى الهيئات والمؤثرات ~~الفعلية؛ مثل إدراك الشاة أن الذئب مهروب منه؛ وليس يتسنى للحيوان إدراك غير ~~المحسوس، فليست تصح التسمية بالإدراك، وإذن يرجع الأمر إلى عمل آلي. # إذا كانت الغريزة هكذا فكيف تعلل؟ هنا يزهو الحسيون بتعليلهم، وقد جاء في أوضح ~~صورة عند كوندياك، إذ استبعد أولا فكرة القوة الفطرية، والمذهب الحسي ينفر منها ~~خشية الاضطرار إلى التسليم بفاطر غير منظور؛ وزعم أن الحيوان يكتسب كل ما يعرف ~~ويعمل، وأن الغريزة ثمرة التجربة الفردية، أي إنها عادة مكتسبة بالتفكير على ما ~~بينه هو ابتداء من أبسط إحساس، ثم سقط عنها الشعور كما يسقط عن كل عادة. وبمثل ~~هذا قال أصحاب نظرية التطور، أي بأن الحيوان كان في الأصل خلوا من كل غريزة، ولكن ~~جهاده لحفظ بقائه دفع به إلى أن يلائم بين حاله وبين البيئة، وكان الفعل العكسي أول ~~محاولة في سبيل هذه الملاءمة، فكرره وزاد عليه، فتأصل فيه بالتكرار، وصار عادة ~~متوارثة؛ فالغريزة فعل عكسي مركب وعادة وراثية كونها النوع بتأثير القوى ~~الطبيعية، وأضحت فطرية تامة في الأفراد. # هذا الرأي منتقد من وجوه، ونقده يقودنا إلى تحديد فكرة الغريزة: # الوجه الأول: # أن الفعل العكسي حركة بسيطة فسيولوجية بحت، والغريزة الصناعية ~~مجموعة متنوعة فسيولوجية ونفسية (على ما سنبين فيما بعد) مرتبة ~~لغاية معينة، ومهما يقل أصحاب التطور فمن المحال أن يخرج المتنوع ~~من المتجانس، كما يستحيل أن يأتلف الكثير في واحد اتفاقا ~~ومصادفة. وتبعا للطبيعة الفسيولوجية للفعل العكسي، فإن سببه تأثير ~~فيزيقي كيميائي يقع على أديم الجسم؛ وتبعا للطبيعة النفسية ~~للغريزة فإنها صادرة من باطن، وإذا ما صدرت عقب تأثير خارجي فليس ~~هذا التأثير علة لها، وإنما هو فرصة ومناسبة. # الوجه الثاني: # أن الغريزة ضرورية لصيانة الحيوان وحفظ نوعه، فكيف تسنى له أن ~~يحيا قبل اكتسابها، وهذا الاكتساب يستلزم أجيالا متطاولة بإقرار ~~التطوريين أنفسهم، والأفعال التي تؤلف الغريزة الواحدة لا يفيد ms076 كل ~~منها إلا مجتمعا مع سائرها، وإذا أخذ على حدة لم تتحقق به نتيجة ~~فهو إذن غير مفيد، وليس هناك ما يدعو إلى تكراره، وهو لا يترك في ~~جسم الحيوان أثرا ينتقل بالوراثة. # الوجه الثالث: # أن الغريزة قابلة لبعض التعديل والتنوع، فهي ليست آلية، وأقرب ~~الأمثلة على ذلك العنكبوت حين تشكل نسيجه حسب المكان المتوفر له، ~~والعصفور حين ينوع المواد التي تتفق له لبناء عشه، وكلب الماء حين ~~يراعي في بنائه اتجاه التيار ومستوى الماء والمسافة من سكنى ~~الإنسان. يضاف إلى ذلك في الغريزة الصناعية أن الغريزة المسماة ~~إدراكا لمعنى غير محسوس هي في الحقيقة إدراك من حيث إنها تتناول ~~موضوعا مخصوصا بشكل مخصوص مدركا بالحس الظاهر، فإذا كان للحيوان ~~إدراك ظاهر فلم نأبى عليه الإدراك الباطن؟ لذا لا يعرف ~~بالحركة، ظاهرة في النقلة، وباطنة في الفعل العكسي، فإن النقلة ~~قاصرة على بعضه وإن منه الثابت في الأرض كالنبات؛ وإنما يعرف ~~الحيوان بالحس لاشتراكه فيه بدون استثناء، فحاسة اللمس حاصلة ~~لجميعه، فيقال للنفس الحيوانية: حاسة؛ وباقي الحواس موزع على باقي ~~الحيوان. # الوجه الرابع: # أن الغرائز تختلف باختلاف الأنواع الحيوانية وأحوال المعيشة في ~~البيئة الواحدة، فهي لم توجد بفعل العوامل الطبيعية كما يوجد ~~الآليات، ولكنها وجدت حية تغتذي وتنمو وتتناسل، وهذه أفعال مباينة ~~للآلية كل المباينة كما أوضحنا. ولها أعضاء شبيهة بأعضائنا الحاسة، ~~وجهاز عصبي شبيه بجهازنا، وهما قوام الحياة الحاسة فينا، مدركة ~~ونازعة، فإذا لم يدلا على حياة مثلها كانا عبثا غير معقول أصلا. ~~الواقع أنه يبدي علامات معرفة حسية، من إحساس وتخيل وتذكر وانفعال، ~~يحدق البصر في الأشياء ويرهف السمع ويتذوق الطعوم، وهو يشعر بحاجات ~~باطنة، ويدرك الموضوعات الكفيلة بقضائها. وعن معارفه تنشأ ~~الانفعالات، من محبة وكراهية وغضب وسرور واللذة والألم والحقد ~~والأمانة ... إلخ. # بيد أنها غير مكتسبة بالتفكير، كما ظن كوندياك؛ إذ لو صح ظنه للزم أن لبعض ~~الحيوان، كالنحل مثلا، عقلا مساويا لعقل النوابغ من بني الإنسان، لما تشهد به ~~خلاياه من معقد الهندسة ودقة الصنعة؛ وإذا ms077 لاحظنا أن أدهش الغرائز توجد لدى الحشرات ~~- أي لدى الحيوانات التي هي في أسفل دركات المعرفة - ازددنا استبعادا لهذه القضية؛ ولا ~~يمكن أن يقال: إن الحشرات تتعلم الواحدة منها بمحاكاة أبويها، فإن أنواعا منها ~~يولد أفرادها بعد هلاك الأبوين فتنشأ والغريزة فيها تامة. ثم إن الحيوان يعمل على ~~نحو واحد في كل نوع بينما أفعال الإنسان متنوعة للغاية، وما علينا إلا أن نلقي ~~النظر على حضاراته الحاضرة والماضية، فنجد أنه غير سطح الأرض بالفنون والعلوم، ~~فإن العقل مرن يمتد إلى موضوعات كثيرة، وينوع الغايات والوسائل، وينتفع بالتجارب، ~~فيترقى ويخترع، والحيوان غبي كل الغباوة فيما عدا الغريزة. ويكفي هذا الآن، ~~وسنعود إلى المسألة عند الحديث عن العقل الإنساني في الفصل التالي. أجل إن الغريزة ~~تدل على عقل؛ لأن العقل وحده يتصور الغايات ويهيئ لها الوسائل؛ ولكنه ليس عقل ~~الحيوان لما تقدم من علوها على مقدرته؛ فينبغي أنها أثر من آثار العناية الإلهية، ~~فإنها جزء من ماهية الحيوان، متسقة مع تركيبه، ضرورية لحياته. # الحيوان حاصل إذن على وظائف الحياتين، النامية والحاسة، فهل يؤدي وظائف كل حياة ~~منهما بنفس متمايزة من الأخرى، أم يؤديها جميعا بنفس واحدة؟ الجواب: يستخلص أولا ~~من نظرية تجوهر الأجسام التي تبين وحدانية الصورة الجوهرية في كل جسم طبيعي. ويعزز ~~بأدلة خاصة: فأولا تكوين البدن الحي يتم بتكاثر الخلايا، ويرجع هذا التكاثر إلى ~~الاغتذاء، أي: إلى الحياة النامية، ففي تكوين النفس النامية للحيوان بأعضائه الحاسة ~~مجاوزة لنطاق هذه النفس، فيتعين تعليله بفعل نفس نامية حاسة معا. ثانيا: الشعور ~~بالجوع والعطش عنصر ذاتي في الحياة النامية للحيوان، وهذا لا يمكن تفسيره إذا افترض ~~للحيوان نفسان. ثالثا: الاتصال الوثيق بين الحياتين، فإن الحيوان يستخدم أفعال ~~الحياة الحاسة من معرفة وانفعال ونزوع وحركة، لخير الحياة النامية، من اغتذاء ~~وتوالد ودفاع عن الذات، فالحياتان متضامنتان صادرتان عن أصل واحد. # على أن النفس الحيوانية ليست صورة قائمة بذاتها، ولكنها صورة متعلقة بالمادة، يدل ~~على ذلك أن أفعال الحيوان صادرة عن قوى عضوية متعلقة بالمادة ms078 تعلقا ذاتيا، وإذا ~~اقتصرنا على الإحساس منها قلنا: إنه فعل المركب من النفس والجسم، لا فعل النفس ~~وحدها، أو الجسم وحده؛ العضو هو الشرط المادي للإدراك الحسي، وهذا الإدراك وظيفة ~~نفسية؛ وكما أن النفس صورة الجسم، كذلك القوى الحاسة صور الأعضاء؛ حالما ينفعل ~~العضو كالعين مثلا تنفع القوة الحاسمة التي هي البصر من حيث إنهما شيء واحد، فلا ~~«جسر» بين الاثنين ولا انتقال من الظاهرة العصبية إلى الظاهرة الحسية، كما يظن ~~الماديون والتصوريون على تعددهم. يلزم عن ذلك أن النفس الحيوانية متعلقة بالمادة في ~~وجودها كما هي متعلقة بها في أفعالها، فإذا ما وجد الحيوان خرجت هي من «قوة المادة» ~~كالعناصر الجمادية؛ وإذا ما هلك الحيوان عادت هي إلى «قوة المادة»، فللحيوان حياة ~~حقة متوسطة بين النبات والإنسان: يشترك مع النبات في الحياة النامية، ويشترك مع ~~الإنسان في الحياة الحاسة؛ ولسنا نرى مبررا البتة لاعتباره مجرد آلة. # | هوامش # الفصل الرابع # | الحياة الناطقة # (1) العقل # فوق الحياة الحاسة الحياة الناطقة تزيد على قواها المذكورة آنفا قوتين اثنتين: ~~أولاهما قوة إدراكية هي العقل، والثانية قوة نزوعية هي الإرادة. وقد أثبتنا فرقا ~~جوهريا بين المعرفة العقلية والمعرفة الحسية، مع الحرص على إبقاء الصلة بين العقل ~~والحس بإبقاء الصلة بين النفس والجسم، فسلكنا طريقا وسطا بين المذهب الحسي الذي ~~يرد المعرفة العقلية إلى معرفة حسية مركبة، وبين المذهب التصوري الذي يجعل من ~~المعرفة بنوعيها مجرد تصور عديم العلاقة بالتجربة الخارجية. وبينا في كتاب «العقل ~~والوجود» قيمة أفعال العقل، من تصور ساذج وحكم وقياس واستقراء، فلن نصنع عنا إلا ~~بيان ماهية العقل بإشارات إلى أفعاله، وإشارات إلى آثاره أو مظاهره، وهي الأفعال، ~~والآثار التي يمتاز بها الإنسان على سائر أنواع الحيوان، من علم أخلاق ودين وفن ~~ولغة وضحك. # عند الحسين أن الفوارق بين الإنسان والحيوان الأعجم فوارق بالدرجة فقط لا ~~بالماهية، فيفسرون الأفعال العقلية بالصور الخيالية، ويظنون أن للحيوان عقلا؛ ولا ~~سيما أنهم يأخذون لفظ العقل بمعنى واسع يشمل مطلق المعرفة الباطنة، بل الظاهرة ~~أيضا. والواجب ms079 أن ندع له المعنى المعروف منذ أفلاطون وأرسطو المحدود إلى المعارف ~~العليا الخاصة بالإنسان، وهي أولا معرفة الكليات، أي المعاني المجردة عن المادة، ~~وخصوصا تلك التي تعود إلى الرياضيات، وإلى ما بعد الطبيعة، وهي أساس المعرفة ~~العقلية إجمالا، والشاهد الأوضح على إدراك «النسبة» ذلك الإدراك المقوم لجميع ~~أفعال العقل، على ما سوف نذكره الآن. وليست العجماوات مدركة للكليات؛ وليست مدركة ~~للنسب المجردة كالعلية والغائية؛ وجهلها للنسب نتيجة عجزها عن تكوين المعاني ~~المجردة. أجل كثيرا ما تستخدم الجزئيات بما بينها من نسب، ولكنها لا تدركها بما هي ~~مجردات كليات، بل يقتصر إدراكها على ما يبدو منها للحواس في الواقع؛ وهذا التمييز ~~لا يعلمه الحسيون؛ لأنهم لا يعلمون الفرق بين المعنى والصورة، أي: بين المجرد ~~والمشخص. # فإذا أرادوا شرح الحكم قالوا: إنه تقارن إحساسين أو صورتين، وفسروا هذا التقارن ~~بتداعي حدوده تداعيا آليا. وليس هذا بصحيح، فإن المحمول في الحكم هو دائما صفة ~~عامة أو معنى مجرد، وكذلك حال الموضوع في الأحكام العلمية حيث هو أيضا معنى مجرد ~~شامل لجميع أفراده؛ ثم إن بين حدي الحكم «نسبة» ليست هي نسبة التقارن، وليس يكشف ~~عنها التقارن ذاته، فإن محض تقارن صورتين أو لحوق إحداهما للأخرى، لا يبين عن سبب ~~ما لتركيبهما العقلي المعبر عنه بالحكم. أعني عن النسبة التي إنما إدراكها هو السبب ~~في إصدار الحكم؛ والسبب في التصديق به عند كل من يدركها. # والاستدلال في عرفهم استنتاج جزئي من جزئي بوساطة التشابه بين الاثنين، فما هو ~~إلا استدعاء صورة لأخرى استدعاء تلقائيا، كالنار المحسوسة أو المتخيلة الآن، ~~والحرق الذي حدث عن نار مثلها في السابق. هذه النظرية تغفل العنصر الرئيسي في ~~الاستدلال، وهو «لزوم» التالي من المقدم وإدراك النسبة الجوهرية القائمة بين حدود ~~الاستدلال، والنسبة العرضية القائمة بين حدود التداعي، وهاتان النسبتان واضحتان في ~~المثال المذكور الآن، فإنه يزيد على التداعي بالتقارن رباطا بين النار كعلة والحرق ~~كمعلول، والعقل يدرك هذا الرباط، ويفرق بينه وبين الآخر. # في هذه الأفعال الثلاثة تنحصر المعرفة ms080 العقلية. وإذا اعتبرنا عدد الجاحدين ~~لقيمتها المنازعين في أصالتها بالنسبة إلى الإحساس والتخيل - فقد نقول إنها دقيقة ~~على الفهم عصية على الاستساغة؛ ولكن لها آثارا واضحة غاية الوضوح متعلقة بها كل ~~التعلق، فإما أن نجد أيضا قيمة هذه الآثار وأصالتها، أو نسلم بها وبالأفعال التي ~~هي أصولها. وفي الواقع، أول ما نرتبها ترتيبا منطقيا؛ نجد فكرة العلم متقومة بها ~~غير مستغنية عنها. فقد قلنا إن المحمول في أي قضية هو معنى مجرد، وإن هذا شأن ~~الموضوع في كل قضية علمية، أي كلية ضرورية، وقديما اتفق الفلاسفة على أن العلم هو ~~بالكلي لا بالجزئي، مع الاختلاف الشديد على طبيعة الكلي وطريقة الحصول عليه؛ فإذا ~~لم يكن لدينا معان مجردة فاتنا العلم لفوات المعنى المجرد دون رجعة من حيث إن ~~التجريد أصل الكلية والضرورة، فإن المعنى كلي من جراء تجرده عن التخصص بالمادة ~~وعلائقها، وهو ضروري لعين السبب. هذا من جهة، ومن جهة أخرى نجد أن الحكم أو القانون ~~العلمي، إيقاع نسبة بين حدين، وليست النسبة محسوسة، فإذا لم تكن مفعولة لم نستطع ~~تركيب الحكم ولا الحصول على قانون علمي. ومن جهة ثالثة نجد العلم يستخدم القياس، ~~فينزل من كلي إلى آخر مساو له أو أقل منه كلية أو إلى جزئي؛ فالكلي أصله وعليه ~~اعتماده. ومن جهة رابعة نجد العلم يستخدم الاستقراء، فيصعد من الجزئي غير المفيد ~~إلى الكلي المفيد، فالاستقراء أيضا أصل القوانين وعمادها، ويبقى على الحسيين أن ~~يفسروا اكتسابنا لقانون كلي ضروري، وليست التجربة كلية ولا ضرورية ولا مبررة ~~للانتقال من البعض إلى الكل. فإذا كان العلم يوفر لنا سلطانا على الطبيعة، فنستغل ~~قوانينها في أشكال جديدة، فما ذلك إلا لأن العقل ينفذ إلى ماهيات الأشياء، ويدرك ما ~~بينها من نسب جوهرية. # وإلى المعنى المجرد الكلي ترجع الأخلاق، فإنها تختلف بالمرة عن ملاحظة المنفعة ~~والضرر الماديتين؛ وكثيرا ما يطلب باسمها من الإنسان، أو يطلب الإنسان من نفسه، تحمل ~~ضرر مادي، أو التضحية بمنفعة مادية في سبيل مثل أعلى وكمال روحي. ms081 إنها قائمة على ~~معاني الخير والحلال والواجب والمسئولية، وكلها تعني ما حقه أن يكون في مقابله ما ~~هو كائن أو ممكن من لذة وشهوة ونفع وقوة غاشمة. فإذا كان الإنسان خلقيا، فما ذلك ~~إلا لأنه عاقل. وإذا كانت الأخلاق القويمة تفلح في حياة الفرد وحياة الجماعة، مع ما ~~بينها وبين شئون البدن من تضاد، فذلك هو الدليل على أن الطبيعة الإنسانية طبيعة ~~أصيلة تستطيع التسامي على الماديات واللحاق بالعالم الروحي. # وماذا نقول عن الدين، وهو ملازم للإنسان في كل عصر وكل بيئة حتى لقد قيل: إن الحد ~~الحقيقي للإنسان أنه حيوان متدين؟ قوام الدين الاعتقاد بقوة أو قوى غير منظورة، ~~أكمل وأقدر من الإنسان، فيتوق إلى التشبه بكمالها خائفا إغضابها، مبديا نحوها ~~احتراما وثقة ومحبة وأملا في حياة مقبلة دائمة. أما أصل الدين، فالآراء فيه ~~مختلفة: يرى البعض أنه ميل إلى تأليه كبريات القوى الطبيعية، وبعض أنه ميل إلى ~~تكريم الأسلاف أو الأبطال، وبعض إلى تقديس الجماعة التي بفضلها يكتسب الفرد كل ~~قيمته المادية والمعنوية. والحقيقة أنه ناشئ مما للعقل الإنساني من يقين طبيعي بأن ~~العالم لم يصنع نفسه وأنه لا يدبر نفسه، وإنما هو صنع موجود كلي القدرة، فإذا كان ~~الإنسان متدينا؛ فما ذلك إلا لأنه ناطق، مدرك لمبدأ العلية، مجاوز للعالم الذي ~~تقع عليه الحواس إلى عالم إن لم يره فهو يؤمن به. # والفن يقوم على المعنى المجرد: فإن الصنوع الفني شيء مبتكر مؤلف من صور شتى، ~~والابتكار مجاوزة للموجود بالفعل، أي إنه معنى، والتأليف تجميع حول معنى هو القطب ~~والمحور، يختار له العقل الصور والأوضاع الملائمة، فهو «نسبة» بين الأجزاء بعضها ~~والبعض، ونسبة بين الأجزاء والكل. فالمبتكرات الفنية تختلف اختلافا جوهريا عن ~~تأليفات التداعي في اليقظة والمنام. # والنسبة هي المحور في كل فن، في العمارة والتصوير والموسيقى، وإذا رأينا الحيوان ~~يطرب للأنغام، فطربه حسي ناشئ من وقعها؛ أما إذا وضعناه أمام مبنى جميل أو صورة ~~جميلة، فإنه لا يفقه لهما معنى لخفاء المعنى والنسبة على إدراكه. # واللغة ms082 آية من آيات العقل؛ إنها مجموعة إشارات دالة على حالاتنا الوجدانية. وهي ~~على نوعين: أولهما تلك التي تصدر عفوا عن الانفعال اللاذ أو المؤلم، وتصاحبه ~~كأنها مظهره الجسماني، مثل التأوه والبكاء والصياح فرحا أو غضبا أو ألما، وهي ~~عامة للحيوان والإنسان يصدرانها دون قصد آخر. ولها ثلاث درجات: الدرجة الأولى أو ~~الدنيا هي هذه. والدرجة الثانية هي أيضا، لكن مع استخدامها بقصد الدلالة، كأصوات ~~الحيوان طلبا للقوت أو لغيره، وكإشارات الصم البكم ترجمة عن مرادهم. والدرجة ~~الثالثة دلالتها على معان بوساطة حركات رامزة لها. وأبلغ منها دلالة على المعاني ~~إشارات النوع الثاني، تلك الألفاظ أو الأصوات الوضعية العرفية المختلفة باختلاف ~~العصور والشعوب، فإنها أغزر مادة وأدق تعبيرا عن الأفكار مهما تجردت؛ نقيدها ~~بالكتابة فنكفل لها الدوام بعض الوقت ونبلغها للغير على بعد المكان والزمان. بدأت ~~الكتابة تصويرية ترسم صورا إما مشابهة أو رمزية، مفهومة للجميع؛ ثم صارت صوتية ~~ترسم الألفاظ أنفسها. وإذا كان آدم قد تلقى الأسماء والعلم من الله، فليس يبطل ~~هذا كفاية الإنسان لاكتسابهما بنفسه، فإن قوام اللغة إدراك معنى الدلالة، أي النسبة ~~بين الدال أو الإشارة، وبين المدلول أو المشار إليه. واللفظ مرآة للفكر، فهو لاحق ~~عليه طبعا، فلا لغة حيث لا فكر، كما هو الحال عند الحيوان. # والضحك، وقد طالما استشهد به المناطقة للتمثيل على الخاصة في الكلام عن الكليات ~~الخمسة، هو أيضا أثر للعقل، فهو خاص بالإنسان لا يشاركه فيه نوع من أنواع الحيوان، ~~ذلك أنا نضحك لانتفاء النسبة بين ما هو كائن وما حق أن يكون، فنضحك من السر كان ~~مثلا؛ لأن نسبته إلى الإنسانية قد انتفت بالسكر؛ ونضحك من الطفل يقلد القائد، ومن ~~المدعي ما ليس فيه، ومن المازح يأتي حركات ويؤلف كلاما على غير المألوف؛ وقد نضحك ~~من المحموم يهذي رغم ما يثيره مرضه فينا من الحزن والعطف. كل ذلك وغيره كثير للسبب ~~عينه، وهو ارتفاع النسبة المدركة بالعقل. # فهذه الآثار أخصر دليل على وجود العقل حيثما توجد، أي في الإنسان، وعلى ms083 انعدام ~~العقل حيث تنعدم، أي في الحيوان. ومهما تبلغ الجرأة بالفلاسفة الحسيين، فلسنا نظنهم ~~يزعمون للحيوان علما أو فنا، ولا أخلاقا أو دينا؛ فإنه لا يعرف سوى المحسوسات، ~~فسلوكه برمته خاضع لغرائزه ولما يعرض له من لذة وألم. فما يلائم حاجته الحاضرة هو ~~الذي يتغلب بالضرورة، فلا مثل عليا ولا واجب ولا حرية. كذلك لا نظنهم يزعمون له ~~لغة: كل معرفته بهذا الصدد قاصرة على الإشارات الطبيعية، وعلى التأليف بينها وبين ~~ما يتصل بها بالتداعي، ولا يرتقي إلى معنى الدلالة الذي هو الأصل في اختراع الكلام؛ ~~لذا لا يرتقي إلى اصطناع الألفاظ، ودلالتها وضعية عرفية، أي عقلية، مع حصوله (أو ~~حصول بعض) على الأعضاء الكفيلة بالتلفظ؛ والحاصل منه عليها يحاكي أصوات الحيوان محض ~~محاكاة؛ وهو إذ يعمل بناء على الألفاظ يسمعها من الإنسان، فليس معنى ذلك أنه يفهم ~~مدلولات الألفاظ، بل إن أصوات هذه الألفاظ مرتبطة عنده بأفعال معينة تعود إلى ~~مخيلته بالتداعي. ولا جدوى من محاولة تعليمه اللغة، والأفراد منه العائشة مع ~~الإنسان منذ آلاف السنين لم تتعلم لغة من لغاته. وإذا كان العلم والفن والأخلاق ~~والدين أمورا دقيقة تستعصي على فكره كما يقولون، فإنا نلاحظ أن القدرة لم تنشئ ~~صناعة ما، ولو ضئيلة كل الضآلة، بل لم تحاك صناعة من صناعات الإنسان، فلم تصنع ~~سلاحا ولم تبن بيتا، ولم تبتكر شيئا كفيلا بتحسين حياتها ورفع مستواها فوق ~~مستوى سائر الأنواع. ذلك هو الفرق بين العقل والحس، فكيف يدعي الحس عقلا؟ ~~(2) الإرادة # والإدراك العقلي يستتبع نزوعا أو ميلا إلى الفعل مطابقا له. وإذا كان في كل ~~موجود ميل إلى الفعل، فإن أصل الميل يختلف باختلاف الموجودات، ففي الجماد والنبات، ~~وهما عاطلان من الإدراك، يحدث الميل بتعيين الطبيعة، فيتجهان إلى الغاية منه ~~اضطرارا أو على نحو واحد. وفي الحيوان يحدث الميل مع إدراك للموضوعات المعروضة في ~~الحواس: يحدث بتعيين أساسي من الطبيعة في الأفعال الغريزية، وبدون تعيين في سائر ما ~~يسعى إليه أو ينفر منه، فإن الغايات والأفعال هاهنا متنوعة ms084 كتنوع المدركات، يقبل ~~عليها أو يهرب منها حسبما تولد فيه لذة أو ألما. فإن طبيعته مقصورة على الحس ~~وبينها وبين الموضوعات المحسوسة معادلة ومطابقة، فلا يستطيع السيطرة عليها، بل يميل ~~دون مدافعة إلى ما يلذ له أو يألم منه، فلا يعرف الاختيار بين شيئين أحدهما محسوس ~~والآخر معقول أو أحدهما حاضر والآخر غائب. # وفي الإنسان يحدث ميل كالسابق؛ لأن الإنسان حاس كالحيوان، ويحدث ميل خاص تابع ~~لإدراك للخير أوسع وأعمق: يدل عليه ما يلوح في النفس من معان وعواطف عليا تشهد بأن ~~هناك قوة أعلى من النزوع الحسي التابع للمعرفة الحسية؛ ذلك أن العقل يدرك المجرد ~~الكلي، فيدرك الخير الكلي المطلق الذي يحقق السعادة التامة، والذي نرى أثره حين ~~نلاحظ عجز الخيرات الجزئية. مهما توافرت وتعاظمت عن سد مطامعنا، وقد أفاض في ذلك ~~المفكرون وقال بسكال: «إنما يريد الإنسان أن يكون سعيدا، ولا يريد أن يكون إلا ~~سعيدا، ولا يسعه ألا يريد أن يكون سعيدا.» فالإنسان يطلب بالضرورة الخير الكلي ~~المعلوم بالعقل، ويطلب باختياره كل ما يجد له نسبة إلى الخير الكلي، بينما الحيوان ~~ينزع إلى ما يدرك بالحس، ولا يضاهي بين الجزئيات إلا من وجهة اللذة الحسية، ومن هذه ~~الوجهة توجد دائما لذة أقوى تجذبه وتعين فعله. # هذا النزوع العقلي الإنساني المغاير للنزوع الحسي يسمى إرادة، ولو أن الاصطلاح قد ~~يختلف أحيانا؛ مثال ذلك قول الفارابي: «إن كان النزوع عن إحساس أو تخيل سمي ~~الإرادة، وإن كان عن روية سمي الاختيار، وهذا يوجد في الإنسان خاصة.» # 1 # على حين يقول ابن رشد: «الإرادة قوة فيها إمكان فعل أحد المتقابلين على ~~السواء.» # 2 # ومثل هذه القوة روحية، أي لا عضوية كالعقل؛ يتضح ذلك من كون موضوعها ~~لاماديا، وهو مطلق الخير، ولا بد أن تكون القوة النازعة معادلة للقوة ~~المدركة. # وبالطبع ينكر الحسيون وجود الإرادة، وسوف تصادف أقوالا لبعضهم، ونذكر هنا أن ~~كوندياك يرجعها إلى ما للتصور من قوة التحريك كما يبدو كثيرا في الحياة العادية ~~وفي النوم الصناعي، ويعتبر المشورة ms085 صراعا بين تصورين متعارضين، والجزم إما قمع ~~التصور الذي يميل إلى التحقيق، أو تثبيت الانتباه إلى التصور الذي يريد تحقيقه، ~~فيتحقق. ويقول سنوارت مل: «إن النفس التي تشاور مثلها كمثل الميزان المتردد قبل ~~السكون؛ وإذا أحطنا علما بجميع الظروف أمكننا أن نتوقع النهاية ونتنبأ بها، فإن ~~عدم التعيين ظاهري، وإن الدواعي والبواعث يمكن تشبيهها بالقوى الآلية. كذلك يقول ~~سبنسر: إن عدم التعيين ظاهري، وإنه يفسر بما للعلل من شدة التعقيد. وهم على العموم ~~يردون جميع الأفعال الإنسانية إلى «المزاج» أي: جملة الاستعدادات البدنية التي ~~حصرها القدماء في الأربعة المعروفة وهي: الدموي والصفراوي والعصبي والبلغمي، ~~والمتكونة بالوراثة ونوع المعيشة والمناخ وسائر العوامل الخارجية، فإن الإنسان كائن ~~طبيعي خاضع حتما للتأثيرات المادية، حتى من الوجهة الأخلاقية «فما الفضيلة ~~والرذيلة سوى مركب مادي كالسكر وماء النار» على حد قول تن # Taine ~~، وما الاختيار سوى فعل منعكس موع؛ فإنه لما كان لكل شخص ~~مزاجه البدني، كان هذا المزاج قاعدة الخلق الذي هو جملة استعداداتنا النفسية ~~الدافعة إلى العمل. # ونحن نسلم بأن للاستعدادات البدنية ~~والأحوال الخارجية تأثيرا كبيرا في أفعالنا؛ ونعلم أن للقمر تأثيرا في ماء البحر ~~مدا وجزرا، وأن اضطراب السوداويين والمجانين يشتد في رءوس الأهلة؛ فمن الطبيعي ~~أن يكون للعلل الكونية أثرها في أجسام الناس يحدث فيها انفعالات وميولا تتأثر بها ~~الإرادة قليلا أو كثيرا. ولكننا نزعم أن الناس في جملتهم يستطيعون أن يضبطوا هاته ~~الانفعالات والميول، وأن يتخذوها هي موضوع مشورة، وأن يختاروا بعد ذلك ما يشاءون، ~~فلسنا نرى في جميع الأفعال الإنسانية أفعالا حرة، بل فقط أن في وسع الإنسان أن ~~يفعل بحرية متى وجه انتباهه إلى ذلك، واتخذ الوسائل الملائمة. ومن ناحية أخرى لا ~~يدفع المزاج بالإرادة إلا في جهة عامة جدا لا تحتم قط الأفعال الجزئية: مثال ذلك ~~أن الحاجة إلى العمل التي يولدها المزاج الدموي قد نرضيها بأفعال شجاعة وتضحية أو ~~بأفعال عنيفة إجرامية. هذا فضلا عن كون موضوع الإرادة المطابق لها والمضطر لها هو ~~كما قلنا الخير ms086 المجرد الكلي، فهي بطبيعتها مسيطرة على المزاج وعلى كل عامل مادي. ~~وإذا قارنا بين الأفعال الإرادية والأفعال البدنية بدا الفرق كبيرا بين الطائفتين، ~~أو بالأحرى بدا بينهما تضاد حاسم، يرجع إلى ذلك الذي فصلناه في الكلام على أصالة ~~الحياة الحاسة، وليس عند الحسيين من جواب سوى نظرية «الظاهرة الطارئة» تلك النظرية ~~البالغة أقصى حدود التهافت. ولا غرابة في ذلك، فإنهم يعتقدون بمصدر واحد للمعرفة ~~وهو الإحساس، فقضى عليهم المنطق أن يعتقدوا بنزوع واحد هو الحسي. # بل إن بعض العقليين المتطرفين أبوا هم أيضا الإقرار بوجود خاص للإرادة، وردوها ~~إلى العقل. على رأسهم أفلاطون، وقد ذهب إلى أن «الفضيلة علم والرذيلة جهل» أو خطأ؛ ~~لأن أحدا لا يريد الشر عمدا، وإنا نتبع دائما ما يدل عليه العقل أنه الأحسن. ~~وذهب سبينوزا إلى أن الفعل الإرادي فكرة جلية مائلة بذاتها إلى التحقق من جراء ~~جلائها، وأن تعليق الحكم أو إرجاءه ما هو إلا عدم إدراك الموضوع المقصود إدراكا ~~مطابقا له. # ولكن حيرة أفلاطون في تعليل اختيار الشر الخلقي نشأت من عدم ملاحظته ملاحظة كافية ~~أن كلا من الخير والشر نوعان: أحدهما طبيعي محسوس، والثاني خلقي معقول، وأن الشر ~~الخلقي خير طبيعي، يراد لخيريته الحسية، أو ينبذ لشريته الخلقية، فالمعروض على ~~العقل دائما خير من أحد النوعين: لأن أيهما خير من وجه وشر من وجه، فيظل العقل في ~~حال اتزان تام لا يدعوه فيها سبب للميل إلى الواحد دون الآخر؛ فإذا ما حكم كان حكمه ~~صادرا عن اتجاه نظره إلى واحد منهما، فيراه خيرا إما طبيعيا وإما خلقيا؛ ~~ولاتجاه النظر علة طبعا مغايرة للعقل، وهي التي تسمى الإرادة؛ فلولا الإرادة ما ~~حكم العقل وما كان فعل. فإرادة الشر الخلقي مفهومة من حيث إرادة خير طبيعي مناسب ~~للجسد لاذ له، وكما أن إرادة الخير الخلقي مفهومة لمناسبتها للنفس ولذتها لها. ~~فليست الفضيلة علما، ولكنها فعل قوة صادرة عن علم العقل موجهة له في الحصول على ~~هذا العلم. وكذلك ليست الرذيلة جهلا أو خطأ، ولكنها ms087 هي أيضا فعل تلك القوة ~~الصادرة عن علم آخر هي موجهة للعقل إليه. فالإرادة مفترقة عن العلم والجهل، قائمة ~~على حيالها، متجهة إلى الخير بمختلف أنواعه. # وللرد على سبينوزا يكفي أن نذكر أن جل الناس يعملون أشياء مقصودة بإرادة قوية دون ~~إدراكها إدراكا مطابقا، بل إن كثيرين يعملون بقوة أعظم كلما كان إدراكهم أشد ~~غموضا؛ ويعملون الشر مع علمهم بشريته، أي إنهم يفضلون الخير المحسوس على الخير ~~المعقول؛ وكل هذا خارج عن حكم العقل القويم مناف له، فهو راجع إلى قوة أخرى هي ~~التي نسميها الإرادة، ولولا تدخلها لانخفض عدد الأفعال الإنسانية إلى قليل جدا هي ~~الأفعال المطابقة للعقل المؤثرة للخير الخلقي. # وللإرادة خاصية لازمة هي الحرية. بحيث لا يمكن التحدث عن إحداهما إلا وتذكر ~~الأخرى. الحرية كفاية للعمل باستقلال عن كل ضرورة تكون علة تامة له؛ أو هي اختيار ~~الكائن العاقل فعله بنفسه دون ما إكراه خارجي أو ضرورة داخلية، بحيث حتى حين يفلح ~~الإكراه الخارجي في إصدار الفعل تظل الإرادة متأبية قبوله محتفظة بحريتها. هذا ~~الإكراه أو القسر أو الضرورة الخارجية تأتي من جانب فاعل، يجبر بالقوة على إتيان ~~الفعل أو على تركه. والضرورة الداخلية تأتي من موضوع هو خير من كل وجه، كالسعادة، ~~أو هو الوسيلة الوحيدة للبلوغ إلى غاية مرادة، كإلقاء السلع في اليم للنجاة من ~~الغرق، فتجد الإرادة نفسها مضطرة لقبوله. فليس كل فعل إرادي فعلا حرا؛ وليست ~~ضرورة الغاية (أو ضرورة الوسيلة) منافية للإرادة؛ لأنها تجيء على وفق ميل الإرادة، ~~بينما القسر مناف للإرادي إطلاقا من حيث إن الإرادي يصدر عن مبدأ باطن وفقا ~~للميل، وأن مبدأ القسري خارجي مضاد للميل. # وفيما خلا حالتي الضرورة الداخلية - وهما الغاية المضطرة والوسيلة المضطرة - ~~فالإرادة غير معينة إلى واحد، ولكنها حرة تختار ما تشاء. وهي من هذا الوجه تتحرك ~~على نحوين: أحدهما أن تفعل أو لا تفعل، وهذه حرية التناقض؛ والنحو الثاني أن تفعل ~~موضوعا معينا أو ضده، وهذه حرية التضاد أو تعيين الموضوع وتخصيصه؛ لأن الإرادة ms088 ~~هاهنا تختار بين خيرات عدة متضادة وتعين لها موضوعا، وفي حرية التناقض - أي حرية ~~مزاولة الفعل والترك - تختار بين خيرين اثنين فقط. # وعلى ذلك لا يصح تعريف الحرية بأنها الاختيار بين الخير والشر (الخلقيين)، فإن ~~الشر لا يمكن أن يكون بذاته موضوعا للإرادة، وهي لا تريده إلا من حيث يبدو لها ~~خيرا (طبيعيا)، فليس اختيار الشر (الخلقي) من لوازم الحرية، وإنما هو نقص يدل ~~على اغترار النفس؛ إذ إن العاقل الكامل يسمو بنفسه عما ليس خيرا حقيقيا أو ~~وسيلة إلى خير حقيقي. والاختيار بين الخير والشر داخل في حرية التضاد أو التعيين، ~~فحرية التناقض هي الحرية الأساسية، وهي تتضمن الأخرى، ولا ينعكس، فإني لا أستطيع ~~الاختيار بين متضادين إلا وأنا مستطيع ألا أختارهما. ~~(3) الحرية # الدليل المباشر على وجود الحرية هي شهادة الوجدان، وهذه شهادة واضحة كل الوضوح، ~~فلا تسمى في الحقيقة دليلا أو برهانا، وإنما هي تجربة ومشاهدة. فما إن نتصور غاية ~~ما حتى نقف التصور وما يحف به من رغبات، ونمنعها من التحقيق بما لها من قوة تحريك، ~~ريثما نتأملها ونصدر حكما بشأنها، فإن الحالة الوجدانية التي لا تقمع تعقبها حركة ~~تحقيقها، فتخرج من سلطان الإرادة، ويحدث هذا في حالات كثيرة، بعضها نتيجة اندفاع ~~وقتي، وبعضها نتيجة مرض عصبي، أو ضعف إرادي. والتأمل أو المشورة بحث في قيمة ما ~~يختلج في النفس من دواع، أي أسباب عقلية كالواجب والشرف، ومن بواعث أي انفعالات ~~حسية كالمحبة والكراهية والطمع والحسد وما إليها. فإذا ما تمت هذه الموازنة صدر ~~الحكم الذي هو الاختيار. وليس من طبيعة الاختيار أن يتطلب جهدا، كما يعتقد كثيرون ~~وكما اعتقد كنط، أو أن يغلب الواجب على الشهوة، أو الخير على الشر، وإنما هو اختيار ~~صرف، ومن الوجهة الوجدانية، بغض النظر عن الوجهة الأخلاقية، فإذا قدرنا قيمته من ~~هذه الوجهة، أحسسنا فضل العمل الصالح وتبعة العمل السيئ. # فالذي يقمع الدواعي والبواعث يدل في هذه المرحلة الأولى على سلطان وإرادة. والذي ~~يدخل في مشورة يعتقد ويشعر أن الأمر راجع ms089 إليه. وفي أثناء المشورة نشعر أن الخيرات ~~التي هي موضوعها تتنازعنا ولا يضطرنا واحد منها لاختياره كأن له سلطانا مطلقا. ~~وحين نضع حدا للمشورة نشعر أننا أردنا ذلك الحد، لا أننا انسقنا ضرورة لأحد تلك ~~الخيرات؛ ونشعر أننا نختار بحيث «نستطيع» أن نختار موضوعا آخر، وأن الميل الضروري ~~هو إلى الخير الكلي أو السعادة، بينما الخيرات الجزئية لا تجبر الإرادة، وأننا ~~نستطيع اختيار أحدها أو ضده. وحين نقدر مسئوليتنا عن أفعالنا المروية، نراها واقعة ~~علينا. وبالجملة نشعر بسلطاننا على الفعل في جميع مراحله، وإذا صادفنا إلحاحا من ~~أحد الدواعي أو البواعث استطعنا إرجاء الفعل بدل العدول عنه، فبان ذلك أسهل علينا، ~~ودل على إمكان العدول النهائي. # تلك شهادة الوجدان، وذلك تأويلها البديهي، تؤيدهما الإنسانية جمعاء، حتى الفلاسفة ~~المنكرون للحرية يعترفون بها عمليا، فإنهم في إنكارهم منقادون لأسباب مذهبية ~~بعيدة عن هذه المسألة بالذات، أولها الآلية الكلية في الطبيعة وضرورتها لقيام ~~العلم. ولكن الناس بلا استثناء يمدحون ويذمون، يثيبون ويعاقبون، يبذلون النصائح ~~والوعد والوعيد، يسنون القواعد والقوانين، فيدلون بكل أولئك على أنهم يعتبرون بني ~~الإنسان أحرارا. أجل قد تفيد بعض هذه الأمور في رياضة الحيوان، ولكنه لا يفقه لها ~~من معنى سوى الرغبة الحسية في لذة حسية، أو الخوف الحسي من ألم حسي، فإننا برياضته ~~نكون فيه تداعيا مجبرا، لكنا لا نثني عليه ولا نذمه. وشتان بين هذا التداعي ~~وبين المعاني الأخلاقية المتعارفة بين الناس. هذه الشهادة المجموعية ليست برهانا ~~جديدا على الحرية، وإنما هي تسجيل للواقع، وتأييد لشهادة الوجدان الفردي، يستمد ~~قوته من استحالة تكرار الخطأ لدى جميع الناس في أمر يمسهم بمثل هذا القرب. # إلى هذه الشهادة الصريحة وجهت اعتراضات، منها ما ينكرها في ذاتها، ومنها ما يزعم ~~بطلانها استتباعا لحجة عقلية أو علمية. فمن الناحية الأولى يقول جون ستوارث مل: ~~«للوجدان أن ينبئني عما أفعل» لا بما أستطيع أن أفعل دون أن أفعله، من حيث إنه غير ~~مفعول، فالوجدان لا ينبئني بالحرية. وجوابنا أن هذا حق؛ من الحق ms090 أن الوجدان لا يدرك ~~الفعل الممكن غير الموجود بعد، ولكنه يدرك القوة الحاضرة فيه المترددة بين جهة ~~وأخرى، ويدرك أن الإرادة غير معينة إلى إحداهما، وأن الاختيار موكول إلينا، وأننا ~~نستطيع أن نرجئه ونستطيل المشورة، وهذا شعور بالحرية. # ومن هذا القبيل اعتراض آخر هو اعتبار الشعور بالحرية وهما ناشئا من شعورنا ~~بحركاتنا النفسية يصحبه جهلنا بالأسباب الدافعة إلى الفعل، بحيث تكون هناك ضرورة ~~غير موعية لا حرية موعية. فيقول سبينوزا: أليس الحالم والمستهوي والسكران يتوهمون ~~أنهم يفعلون بحرية؟ ويقول بيل # Bayle # وهوبس # Hobbes ~~: لو كانت الإبرة الممغنطة أو دوارة الهواء أو ~~دوامة الماء مفكرة واعية وشعرت بدورانها وهي تجهل سببه، أليست تتوهم أنها تدور من ~~تلقاء نفسها حرة مختارة؟ ونحن نقول: إن توهم الحرية يستلزم مزاولة سابقة للحرية، ~~فإن المضطر بطبعه لا يشعر بالحرية ولا يتوهمها. كما أن الأكمه لا يتوهم الألوان، ~~والأصم الأبكم لا يتوهم الأصوات. ثم لو صح رأيهم للزم منه أن شعورنا بالحرية ~~يزداد بازدياد جهلنا بالمؤثرات، والواقع أننا لا نضيف الحرية إلا للأفعال التي ~~فكرنا فيها مليا وأتيناها ونحن على بينة من الأمر. # وثمة اعتراض منطقي مأخوذ من مبدأ العلية، فإن المنطق يعلمنا أن اختلاف قضيتين ~~إيجابا وسلبا - وهذا هو التناقض - يقتضي صدق إحداهما وكذب الأخرى، وإذن فأفعالنا ~~المستقبلة معينة في أنفسها، ولا سبيل إلى القول بالحرية. ولكنهم يخلطون من عدة ~~وجوه: فقاعدة التناقض صحيحة في الضروريات كالقضايا الرياضية، لما بين حدودها من ~~علائق لازمة؛ وصحيحة في القوانين الطبيعية لقيام هذه القوانين على ماهيات الموجودات ~~وعلائقها الثابتة بعضها مع بعض؛ وصحيحة في الممكنات الحادثات الماضية والحاضرة، كما ~~إذا قلنا: إن آدم عصى ربه وإن آدم لم يعص، أو إن المطر يسقط الآن في الهند وإن ~~المطر لا يسقط الآن في الهند، فإن إحدى القضيتين المتقابلتين صادقة والأخرى كاذبة ~~في نفسها؛ أما الممكنات المستقبلة الموجودة في عللها بالقوة البحتة دون أن تكون ~~معينة قبل تحققها، كالأفعال الحرة، فليست مستقبلة بالتعيين، وليست القضايا المعبرة ~~عنها صادقة ولا كاذبة ms091 لعدم تعين موضوعاتها في عللها، ولإمكان هذه الموضوعات جميعا ~~على السواء. # ويترجمون عن مبدأ العلية بأن نفس العلل في نفس الظروف تحدث نفس المعلولات، ~~ويستنتجون من هذه الترجمة أن لا مجال للحرية، وإلا كان الفعل الحر بلا علة. يقول ~~ليبنتز: إن الإرادة إذ تختار تميل مع أقوى الدواعي أو البواعث أثرا في النفس كما ~~يميل قب الميزان إلى جهة الثقل؛ ويقول سبينوزا: إن الفكرة الجلية تميل إلى ~~التحقق بفضل جلائها وقوتها. ولكنا لا نسلم بصحة الترجمة؛ لأنها تقصر مبدأ العلية ~~على عالم الجماد، أي على مبدأ القوانين الطبيعية أو العلل المعينة إلى معلولات ~~بعينها، على حين أن مبدأ العلية أعم، إذ إن من العلل ما يفعل بالضرورة؛ لأنه معين ~~إلى فعله، ومنها ما يعين فعله بنفسه، كالإرادة. فمن التعسف إرجاع كل علية إلى ~~العلية الآلية المشاهدة في الكائنات غير العاقلة، لا سيما وأن المشاهدة تدل على ~~أن وطأة الجبرية أو الضرورية تخف كلما ارتقينا في سلم الكائنات؛ وليس من المنطق ~~في شيء أن تنكر الحرية اعتمادا على مبدأ هو قانون الكائنات غير الحرة. # نذكر أخيرا أن خصوم الحرية كثيرا ما يستشهدون بالإحصاءات الاجتماعية، ويرتبون ~~عليها جبرية ناتجة من تأثير البيئة الطبيعية وتأثير الوراثة والتربية وما إلى ذلك، ~~فإن الإحصاءات إذا تقاربت سنة بعد أخرى - وخصوصا إذا أمكن توقعها - دلت على أن ~~أسبابا عامة تنتج الأفعال الجزئية. ولكنهم يغفلون عن أن الإحصاءات تقريبية دائما، ~~ولا تلزم بردها إلى أسباب مضطرة، بل تبين فقط أنها تدخل في اعتبار الناس، فإذا ~~قبلوها فإنما يقبلونها مختارين: مثال ذلك أن الإنسان قد يتردد في الزواج، فإذا تزوج ~~فليس يعني هذا أنه تزوج مضطرا، وإنما يعني أنه أقدم مختارا على أمر كان في قدرته ~~أن يحجم عنه. ثم إن الإحصاءات لا تتناول الأفعال الباطنة، فلا تذكر عدد الذين ~~يقاومون تلك الأسباب، فلم لا يكون هذا العدد ممثلا للحرية؟ ويشهد التاريخ على أن ~~مقاومة البيئة والتمرد على التقاليد حقيقة تكررت لدى الأفراد الممتازين، ولسنا نقصد ~~أن جميع ms092 أفعالنا حرة، بل إن بعضها حر ولو كان قليلا. # والإحصاءات لا تجيء مضبوطة إلى حد ما إلا إذا امتدت على عدد عديد من السنين، ~~فتتلاغى وتتركب ولا تبدي سوى نتائج الأسباب المطردة. وإذا سلمنا بصحتها كانت عبارة ~~عن متوسطات يدخل فيها بعض الأفعال، ويشذ عنها البعض، فتدل فقط على التأثيرات ~~العامة، ولا تعني أن هذه التأثيرات تضطر كل فاعل بمفرده، فإن «قانون المتوسطات صادق ~~على العموم كاذب على الخصوص»، كما قال كلود برنار. # تفسير الحرية يجب أن يطلب في الفرق بين الخير الجزئي المحرك للإرادة، والخير ~~الكلي المدرك من العقل: ذلك أننا لا نفعل بالضرورة إلا إذا عرض علينا موضوع معادل ~~لكفايتنا، أي خير كلي مطلق ، فإننا حينئذ نقصد إليه بلا منازع وبكل قوتنا؛ لأننا نجد ~~فيه الموضوع التام لإرادتنا الكفء لأن يرضي ميلنا تمام الرضى؛ لكنا في هذه الحياة ~~الدنيا لا نصادف سوى خيرات جزئية، أو معروضة على نحو جزئي: فالشهوة تغري الحس ~~وترضيه، فهي خير من هذا الوجه، ولكنها تجر وراءها أملا وخسارة ومهانة، وتنزل ~~بالإنسان إلى درك البهيمة، فهي شر من هذا الوجه؛ وللفضيلة علاقة لازمة بالسعادة ~~الحقة، فهي إذن خير حقيقي، ولكن الحس لا يستلذها، فهي شر من هذا الوجه؛ والله نفسه، ~~وهو الخير بالذات، غير معلوم لنا إلا بعلم استدلالي غير مطابق له، فكأنه خير جزئي، ~~بل يمكن اعتباره شرا من حيث هو ينهى عن اللذة وأن محبته لا تتفق مع محبة ~~اللذة. # لذا لا يوجد في هذه الحياة «داع أقوى» على حد تعبير ليبنتز، فإن الدواعي جميعا ~~متساوية في البعد عن الخير الكلي الذي هو الموضوع التام للإرادة؛ وما الداعي الأقوى ~~سوى ذلك الذي نرجحه فنمنحه القوة باختيارنا إياه؛ فإننا إذا نظرنا في الموضوعات ~~الجزئية أو المعروضة على نحو جزئي لم نستطع أن نصدر حكما جازما بشأنها: أتطلب لما ~~فيها من خير، أم تنبذ لما فيها من عدم خير؟ وهذا أساس التردد بين خيرين مختلفين، ~~واستبقاء حريتنا سليمة. # وبعبارة أخرى إن تعليق حكم العقل ms093 هو الأصل في الحرية، ويعلق العقل حكمه لما في ~~الخيرات من نقص يصرف الإرادة عنها، ويدع الطريق مفتوحة للاختيار. وإنما نخرج من ~~التردد ونختار بالاتجاه إلى طرف من الاثنين، وحينئذ نحكم بأن الموضوع - منظورا ~~إليه في خيريته ومنفعته - حقيق بالاشتهاء. # من هذا الموقف عينه يفسر إمكان الخطيئة، ويصحح رأي في الحرية لبعض أنصارها، ~~فيتبين مبلغ أهمية العقل في وظيفة الإرادة. الأصل في إمكان الخطيئة عدم نظر العقل ~~إلى القانون الواجب على الإرادة اتباعه؛ وعدم النظر هذا لا وجود صرف، فهو في ذاته ~~عدم خير وعدم شر؛ ثم يصير شرا أو خطيئة بالعزم على الفعل دون نظر إلى القانون. ~~إن الإرادة الحرة قابلة بالطبع للميل إلى إحدى جهتين، وإمكان الاختيار ينطوي ~~طبعا على إمكان إساءة الاختيار. فالنظر إلى القانون (الخلقي) في علوه على الشهوة ~~ضروري لاختياره دونها. # أما أنصار الحرية الذين يخطئون في تصورها، وفي مقدمتهم ديكارت؛ فرأيهم فيها أن ~~الإرادة يمكن أن تختار دون راع أو باعث، أو مع تساوي الأسباب، مثلما يخطر لي أن ~~أخرج للنزهة وألا أخرج، فأختار واحدا من هذين الطرفين بمحض الاعتساف. ولكن ليست ~~الإرادة قوة عمياء، وليست الحرية ضربا من الهوى؛ إنا نعزم أحيانا تبعا للهوى ~~والاعتساف؛ لأنا نتخذ من الهوى نفسه سببا، وأحيانا أخرى نختار بين سببين متساويين ~~ولدينا أيضا سبب هو الرغبة في الخروج من التردد وتلبية داعي العمل؛ ومن غير ~~المفهوم أصلا العزم في غيبته كل سبب. وقد دعوا هذه الحرية «حرية عدم الاكتراث # Liberté d’indifférence ~~»، أي: حرية ~~التوازن بين الدواعي والبواعث؛ وحرية التوازن هذه تلقائية عمياء لا اختيار حر، فإن ~~الاختيار يجب أن يكون مسببا واقعا على خير معلوم. هل يريد أحد الشر؟ أو هل يستهدف ~~أحد للشر؟ كلا، فإن الحرية خاصية العاقل، وهي خاصيته دون الموجودات غير ~~العاقلة. # وإذا كان العاقل حرا حين يضاهي بين الخيرات الجزئية ومطلق الخير، فإن حريته ~~أظهر وأروع حين يرجع إلى نفسه فيطالع فيها دستورا مباينا لميوله الحسية، فيؤثره ~~على هذه الميول مهما يكن هذا ms094 الإيثار مؤلما ضارا بشئون هذه الحياة. في هذا ~~الدستور أن مطلق الخير - الذي هو معنى كلي مثير في النفس ميلا عاما - هو الأصل ~~والأساس لكل ميل جزئي؛ وأنه الخير المطلق الذي يتشخص فيه ذلك المعنى، وتتحقق ~~السعادة القصوى بالإخلاص لإراداته البادية في الطبيعة، والاتحاد به اتحاد معرفة ~~ومحبة. فإذا تشككنا في الحرية لم نفهم واجب الإخلاص؛ إذ إن الواجب لا يقال إلا لمن ~~يقدر أن يضعه باختيار؛ ولم نفهم التبعة؛ لأنها لا تقع إلا على الفاعل بملء اختياره. ~~ولم نفهم وصفنا للأشياء والأفعال بالحسن أو بالسوء، وهما لا يقالان للإرادة ~~المضطرة؛ ولم نفهم أمرا من الأمور التي هي ميزة الإنسان في حياته الفردية ~~والاجتماعية. هذه الأمور معان ومثل غير محسوسة، فوجودها في النفس ووجوبها القاطع ~~يقضيان بوجود الإرادة، وبأنها قوة روحية كما قدمنا، وبأننا حين نعمل عن تصور صادق ~~لغاية الحياة، وللوسائل المؤدية إليها التي هي الفضائل، تظهر قوتنا الفاعلية بأشد ~~وضوح، إذ إننا حينئذ نصدر عن أنفسنا، أي عن دواع عالية على الحس، أخص بطبيعتنا من ~~بواعث الحس، بالرغم من معارضة هذه البواعث وإغراء الأسباب الخارجية. في حين أن ~~الشهوة وما يتصل بها من لذة جسمية تسترق النفس فتنتقص من شخصيتنا ومن حريتنا ومن ~~كرامتنا. إن رجل الشهوة يختار بين خيرات محسوسة فلا تكاد تبين حريته، ورجل الواجب ~~رب فعله، لا يفوق في ذلك سوى فعل الربوبية بالذات جل جلالها. ~~(4) الجبرية # هذه الاعتراضات على الحرية تؤلف القسم السلبي من المذهب الجبري. يبقى أن نعرض ~~للقسم الإيجابي الذي هو مبدأ المذهب، فنستكمل الرد عليه ودعم إثبات الإمكان في ~~الطبيعة. وأعم فكرة يستندون عليها فكرة «العلم» التي تجعل من الوجود مجموع علل ~~ومعلولات مترابطة ترابطا ضروريا، وينتج منها أن الإنسان آلة، إما آلة مادية ~~خاضعة لمختلف التأثيرات الخارجية والداخلية كما يقرر الماديون، وإما آلة روحية # automate spirituel # على حد قول ليبنتز، وكثيرا ~~ما يقولون: إن افتراض علل حرة يتهدد النظام الطبيعي بالاضطراب والانهيار ويقضي على ~~كيان العلم؛ إذ إنه لا ينهض ms095 إلا بتصور الطبيعة كلا متفاعل الأجزاء ثابت القوانين ~~كما يبدو لأول نظرة نلقيها عليه. # والغريب حقا في أمر الفلاسفة الحسيين أنهم يتشبثون هنا بمبدأ العلية وكأشد ما ~~يتشبث به من مبدأ، ويأبون على الإمكان أضيق مكان، بينما هم إذا عالجوا مسألة ~~الاستقراء مثلا من الوجهة المنطقية والميتافيزيقية، يأبون على نتيجته صفتي الكلية ~~والضرورة، بحجة أن ليس في التجربة ضرورة ولا كلية؛ وإذا أرادوا الكشف عن أصل ~~الأحياء يلجئون إلى الإمكان، ويستكثرون له من الاحتمالات، ويوسعون له من المدى حتى ~~ليرفعونه إلى مقام القانون والمبدأ. # ونحن نطمئنهم ونؤكد لهم أن لا خوف على العلم البتة. إن الأصل في العلم أنه إدراك ~~ماهيات الأشياء وخصائصها، وهذه حال الرياضيات والطبيعيات النظرية؛ أما حدوث ~~الظواهر على ترتيب مطرد، فلا يعرض له سوى بعض العلوم، كالفلك والآثار العلوية أو ~~الظواهر الجوية، والخطأ فيها غير قليل. وليس من شأن الإرادة والحرية تغيير الماهيات ~~والعبث بالضروريات، وإنما شأنها الأوحد اختيار فعلها الباطن، بحيث يكفي لصون نظام ~~الطبيعة ولقيام العلم النظر في الموجودات فاعلة بحسب ماهياتها، ومرتبة بعضها إلى ~~بعض على نحو واسع يدع مجالا لإمكان أفعال جزئية كثيرة. # للمذهب الجبري صورتان: إحداهما عقلية هي نفس مبدئهم المذكور الآن، والثانية علمية ~~مبنية على العلم الحديث في قوله ببقاء الطاقة. في الفريق الآخذ بالصورة الأولى نجد ~~ابن سينا ونجده قد أجاد التعبير عنها حيث قال: «لو أمكن إنسان من الناس أن يعرف ~~الحوادث التي في الأرض والسماء جميعا وطبائعها، لفهم كيفية ما يحدث في المستقبل.» ~~وأيضا: «الإرادات كلها كائنة بعدما لم تكن، فلها أسباب تتوافى فتوجبها ... والإرادات ~~تحدث بحدوث علل هي الموجبات، والدواعي تستند إلى أرضيات وسماويات، وتكون موجبة ~~ضرورة لتلك الإرادة.» وأيضا: «الإرادات التي لنا كائنة بعدما لم تكن، (وعللها) ~~أمور تعرض من خارج أرضية وسماوية، والأرضية تنتهي إلى السماوية، واجتماع ذلك كله ~~يوجب وجود الإرادة.» ولا يعترف ابن سينا للإمكان إلا بقسط ضئيل يعبر عنه بهذه ~~العبارة: «الحادثات الجزئية تنتهي إلى طبيعية وإرادية موجبة لنسب إرادية فاترة ms096 غير ~~حاتمة ولا جازمة.» وقد لا يدل هذا القول على إمكان ما من حيث إن النسب الفاترة غير ~~الحاتمة تنتهي إلى موجبة. # والرأي في هذا الموقف هو من جهة واحدة، أن الأفلاك تؤثر حقا في الأجسام ~~الأرضية، ومن جهة أخرى أن هذا التأثير غير موجب لا في المادة الصرف، كتأثير القمر ~~في البحر مدا وجزرا، وحتى في هذه الناحية ليس الوجوب محتوما، فإن الأجسام ~~الأرضية يختلف قبولها للتأثير باختلاف استعدادها، ومن هذا يتبين بطلان التنجيم. ~~وتؤثر الأفلاك بالعرض في القوى النامية والحاسة المتحدة بأعضاء، فتسبب فيها ~~انفعالات حسية. أما العقل والإرادة فهما قوتان روحانيتان راجعتان إلى النفس وحدها، ~~فليس لهما عضو، ولكنهما متصلان بالبدن، فإذا اضطربت الحالة البدنية أو المخيلة أو ~~الذاكرة، اضطرب فعل العاقل وضعفت الإرادة. فالقول بعلية الأفلاك للأفعال الإنسانية ~~قول الذين لا يفرقون بين العقل والحس. بيد أن أكثر الناس يتبعون الانفعالات الحسية، ~~وأن العقلاء الذين يستخدمون حريتهم فيقمعونها قليل عديدهم، فيبدو الأولون كأن ليس ~~لهم حرية، ويصدق إنباء المنجمين بحسب الأكثر فقط، وتتمحل الحجج في معارضة الحرية ~~على العموم. # والصورة العلمية للنظرية الجبرية هي بقاء الطاقة. فمنذ العصر القديم قال ~~الماديون: إن المادة أزلية أبدية، غير حادثة ولا مندثرة، وكذلك الطاقة أو القوة ~~الملازمة لها باقية خلال تحولاتها، بحيث تكون كل ظاهرة صورة جديدة لطاقة سابقة. وقد ~~استغلوا هذا الذي سموه «قانون بقاء الطاقة» أعظم استغلال لتأييد سيادة الضرورة على ~~الطبيعة، ورتبوا عليه محالات تلزم القول بالحرية، من جهة أن ثبات القانون يمنع ~~اقتدار الإرادة تغيير مجرى الحوادث، وأن الفعل المقول حرا وغير معين بسوابقه، ~~يفترض خلق طاقة لترجيح كفة الداعي أو الباعث المختار، وفي نفس الوقت يفترض إعدام ~~طاقة الدواعي والبواعث المستجدة وكل هذا عندهم محال. # والمحال عندنا هو هذا القانون والحجج المرتبة عليه؛ ذلك بأن كل ما أثبته العلم ~~ينحصر في أن بقاء الطاقة يتحقق فيما يدعى «نظاما مغلقا»، أي إناء معلوم الطاقة لا ~~يدخل إليه ولا يخرج منه طاقة في وقت التجربة؛ أما ms097 تطبيقه على الطبيعة جمعاء فلا ~~سبيل إلى إثباته لاستحالة تقدير طاقات الأحياء من نباتية وحيوانية، والإحاطة بجميع ~~التأثيرات الواقعة عليها، وتقدير مجاوباتها هي على هذه التأثيرات، ولاستحالة قياس ~~الظواهر الوجدانية في الحيوان والإنسان، والمعادلة بينها وبين الطاقات الخارجية، ~~وقد لا تكون الطبيعة نظاما مغلقا، ونحن لا ندري ولا الماديون يدرون إن كانت بمعزل ~~عن تدخل بعض القوى العليا؛ فبأي حق يقولون ببقاء الطاقة، ويستشهدون به على الفعل ~~الحر الشاهد به الوجدان؟ # بل قد نسلم به جدلا فلا يضيرنا ذلك في شيء. إن العلم في غير حاجة إليه، وقائم ~~فعلا مع جهلنا مجموع الطاقة، وليست مهمته مراقبة الزيادة فيها والنقصان كما لو كان ~~مكلفا بصون العالم من الدمار! ثم إن التوفيق بينه وبين الإرادة ليس بالمشكلة إلا ~~في النظرية الثنائية كما نراها عند أفلاطون وديكارت التي تجعل من النفس والجسم ~~جوهرين تامين قائم كل منهما بذاته، فيتعين على أشياعها أن يبينوا كيف توصل الإرادة ~~الروحية حركة ما إلى الأعضاء المادية، وكيف توصل الأعضاء حركة ما إلى النفس، على ~~حين لو نظرنا إلى الإنسان أولا، قبل النظر إلى جزءيه اللذين هما النفس والبدن وإلى ~~ما بينهما من اتحاد وثيق، لوجدناه كائنا واحدا لا مزدوجا، بشهادة ظواهر ~~واعتبارات لا تحصى، ولأمكننا الاعتقاد أو لوجب الاعتقاد أن كلا من النفس والبدن ~~يتأثر بالآخر ويؤثر فيه بما له به من اتحاد وشركة، وأن الإرادة تتلقى الحركات بفضل ~~هذا الاتحاد، وتجاوب عليها بالطاقة المختزنة في الأعضاء. # على أن العلم نفسه يغنينا عن مناقشة هذا القانون؛ إذ قد أظهرنا على قانون آخر ~~ينقضه نقضا، هو تضاؤل الطاقة، فإن الطاقة نوعان: أحدهما منتج عملا حراريا أو ~~كهربائيا، والآخر عاجز عن إنتاج أي عمل؛ والنوع الأول يتحول إلى النوع الثاني ~~رويدا رويدا، أي يفقد القوة على التحول إلى عمل كما يفقد الراديوم مثلا نصف ~~كتلته في زهاء 1200 سنة؛ فكأن المادة تندثر، أو كأن القوى الطبيعية تتجه باستمرار ~~إلى التوازن التام، وأن وقتا سيجيء تصبح فيه الطاقة المنتجة كلها ms098 غير منتجة أصلا، ~~ويسود العالم جمود وسكون. فإذا كانت الطاقة تتضاءل هكذا، سقطت الاعتراضات على تدخل ~~الإرادة في سلاسل الحوادث، وكان لنا أن نؤمن بتأثير الروحيات في الماديات، وبسيادة ~~الإمكان في الكون على الضرورة، ولو لم يظهر للحواس، ولم نستطع تقدير مداه. وهذا ~~دليل عملي مؤيد للدليل الوجداني وللدليل العقلي: فماذا يريدون بعد ذلك للتسليم ~~بالحرية؟ ~~(5) النفس الإنسانية: وجودها # إذا كان لكل ظاهرة جوهر، ولكل فعل فاعل، فإن في كل كائن حي نفسا هي مصدر حياته ~~وأفعاله. والنفس الإنسانية تبهمنا على الخصوص لكونها أرفع أنواع النفوس، بل لكونها ~~نفسنا، وعلى الرأي فيها تتوقف سيرتنا، وعلى طبيعتها يتوقف مصيرنا، فنختم هذا الفصل ~~بالفحص عنها والمقارنة بينها وبين النفسين النامية والحاسة، وبذا نحصل على معرفة ~~دقيقة عن النفس بالإجمال، وعن كل نوع من أنواعها بالتفصيل، ولا سيما النفس ~~الإنسانية أيضا، حيث لدينا دليل مباشر، هو الشعور الباطن، يوضح الاستدلال النظري ~~المستخدم في الفحص عن النفسين الأخريين، ويؤيده بالحدس الوجداني أو ما يشبهه. فنسأل ~~أولا: هل توجد نفس؟ فإذا ثبت وجودها نظريا في طبيعتها، فعلمنا أنها بسيطة، ~~ومتحدة بالجسد اتحاد الصورة بالمادة، وأن نفس الإنسان روحية مع ذلك، أي مستقلة ~~عن المادة في الأفعال العقلية والإرادة ومن ثمة في الوجود، وأنها لهذا السبب باقية ~~بعد موت الجسد، فنقول: # أما أن النفس بإطلاقها موجودة، فالدليل عليه أن الحياة لا تصدق على الجسم بما ~~هو جسم، وإلا كان كل جسم حيا أو مبدأ للحياة؛ فلا بد في الحي من مبدأ لا يكون ~~جسما، بل صورة لجسم تمنحه الحياة والفعل. وفي ردنا على قول ديكارت أن الحيوان آلة ~~أثبتنا للحيوان نفسا حاسة. والآن نرد على اعتراضات الحسيين بصدد النفس الإنسانية. ~~أولها - أي أبسطها - قولهم: إن النفس لا تقع تحت الحواس، وإذن فهي غير موجودة. ~~ولكنهم بهذا القول يقعون في الغلط المسمى بالدور المنطقي؛ إذ يضعون كمبدأ أن لا ~~شيء يوجد سوى المادة ويستنتجون عدم وجود النفس، مع أن النظام المنطقي يقضي - قبل ~~استنباط هذه النتيجة - بالبرهنة ms099 على أن الحواس آلاتنا الإدراكية الوحيدة، وأن الشيء ~~الروحي غير معقول مستحيل الوجود، هل التذكر والتفكر من الأمور المادية؟ وبأي حاسة ~~نعرفهما؟ فمن العبث الاحتجاج بأن الإنسان قد يكون مجرد آلة، وأن في الجهاز العصبي ~~الكفاية لتعليل الحياة الوجدانية، فلا حاجة إلى نفس لا نراها. # وهم يعولون كثيرا على ما يدعى بتعدد الشخصية، فإنه إذا كانت الشخصية مظهر النفس، ~~وكانت تختلف وتتناسخ على التعاقب، بل في وقت واحد، كان هذا دليلا جازما على أن ~~النفس محض فكرة، بل لفظة، وأنها «عرض طارئ» على حالة بدنية، وأننا نستخدم هذه ~~اللفظة اختصارا للحالات اللائحة، في الشعور، المتلاعبة به؛ الموهمة له أنه يمثل ~~شخصا أو جوهرا روحيا، وهو مستسلم لها فاقد كل شخصية. ويحتجون باستقلال الوظائف ~~الفسيولوجية عن الشعور، قبل أفعالها وفي أثنائها، فهي ماضية في شئونها، غنية عمن ~~يتوقعها، ويدير وسائلها، ويراقب أفعالها. هذا صحيح؛ ولكنه لا يدل على النتيجة ~~المستنبطة منه. أليس هذا حال الجماد والنبات؟ وقد أثبتنا غير مرة أنه لا يعفى من ~~وضع مبادئ قريبة لأفعالهما، هي القوى، ومبدأ بعيد، هو الصورة الجوهرية، أن ترجع ~~جميعا إلى الله خالقها، بعضها مع توقع وتدبير، وبعضها عاطل منهما مستكف بما رسم ~~في طبيعته ليقوم مقامهما. # لا محيص إذن عن البرهنة على وجود النفس الإنسانية. وقد اعتقد ابن سينا أنه يبرهن ~~عليه بطريقة واضحة حاسمة لا تستخدم سوى التجربة الباطنة وتمضي منها إلى المطلوب ~~رأسا. قال: «لو توهمت ذاتك قد خلقت أول خلقها، وفرض أنها على جملة من الوضع ~~والهيئة بحيث لا تنظر أجزاءها، ولا تتلامس أعضاؤها، بل هي منفرجة ومعلقة لحظة ما في ~~هواء طلق، وجدتها قد غفلت عن كل شيء إلا عن ثبوت إنيتها. والمدرك منك أهو ما يدركه ~~بصرك من إهابك؟ لا، فإنك إن انسلخت عنه وتبدل عليك كنت أنت أنت. (وكل حاسة أخرى) ~~فإن حالها ما سلف ... فمدركك شيء آخر غير هذه الأشياء التي قد لا تدركها وأنت مدرك ~~لذاتك، والتي لا تجدها ضرورية في أن تكون أنت ms100 أنت ... ولعلك تقول: إنما أثبت ذاتي ~~بوسط من فعلي ... (ولكن) فعلك لم تثبت به ذاتك، بل ذاتك جزء من مفهوم فعلك، (فالذات) ~~مثبتة في الفهم قبله، ولا أقل من أن يكون معه لا به.» # 3 # وهذا هو الدليل المعروف بدليل الإنسان الطائر. # ونحن نخالف ابن سينا في اعتقاده أننا ندرك وجود الذات بمعزل عن كل فعل. إن إدراك ~~وجود الذات يحدث في إدراك الأفعال. # وحينئذ ندرك وجود الذات إدراكا مباشرا مع وقوع الأفعال. ومن باب أولى نخالفه ~~في اعتقاده أننا ندرك ماهية النفس بمعزل عن كل فعل وكل استدلال، بإدراكها وجود ~~ذاتها. ليست النفس حاضرة الماهية لذاتها، وإلا لما أنكرها البعض، ولم يتردد في ~~وجودها البعض، ولم يختلف في ماهيتها البعض، وإنما هي حاضرة الذات في أفعالها، ~~وبتأمل الأفعال تعلم ماهيتها، أما إذا غفلت عن كل شيء فإنها تغفل ضرورة عن ثبوت ~~إنيتها. # وإلى دليل من هذا الطراز لجأ ديكارت؛ فإن قوله: «أنا أفكر» يعني أنه قد صرف ~~النظر عن موضوعات الفكر، وانعكس على ذاته، فاتخذ من فكره موضوعا لتفكيره، حتى لقد ~~نتج له من هذا الموقف الانعكاسي أن الفكر يعرف ذاته قبل أن يعرف الجسد المتحد به، ~~وقبل أن يعرف شيئا من الموجودات، وأن في هذه المعرفة الدليل الأول الدافع على وجود ~~النفس. ولكن الواقع أن مذهبه التصوري، إذا تدبرناه على حقيقته، يحول دون الانتقال ~~من «أنا أفكر» إلى «أنا موجود»؛ فإن التصورية تقضي بأننا لا نعرف شيئا في ذاته، بل ~~لا نعرف فعلا في ذاته، وإنما نعرف فقط تصورنا لشيء أو لفعل. فلا يسوغ في التصورية ~~سوى الانتقال من فكرة إلى ذاتها، فيقال: «أنا أفكر، وإذن فأنا أفكر». بل إن هذا ~~كثير، إذ ليس يسوغ قول: «أنا أفكر» من حيث إن «أنا» وجودي بالضرورة، فيتعين ~~الاكتفاء بقول: «إن هناك فكرا» دون إسناد الفكر إلى مفكر موجود. وحتى هذا غير ~~ممكن، فإن التصوريين لا يستطيعون أن يضمنوا ألا يكون الفكر واللافكر شيئا واحدا ~~بعد أن جعلوا من مبدأ عدم ms101 التناقض قانونا فكريا بحتا لا قانونا وجوديا. ~~وهكذا تنتهي التصورية، وهي مبنية على الفكر، إلى إلغاء الفكر والمفكر. وهكذا فهمها ~~كنط، فقصر النفس أو الأنا أو الشخصية على أن تكون مجرد «مقولة» إن قدمت فباللفظ ~~فقط، وهي تؤخر كثيرا بنفي مدلوها. # الحقيقة أننا في كل فعل من أفعالنا وكل حالة من حالاتنا، ندرك وجود ذاتنا إدراكا ~~مباشرا. وندرك أن الفعل فعلنا والحالة حالتنا. وكيف يتصور إحساس أو تعقل أو تداعي ~~صور ... إلخ بدون جوهر يحس ويفكر؟ فوجود الجوهر هو وحده يفسر حدوث أفعالنا وحالاتنا؛ ~~وهو وحده يفسر من باب أولى ما يستمر منها في الزمان أو يعود من آن إلى آن، ~~كالذكريات والعادات والإدراكات المكتسبة والتداعيات والأحكام والاستدلالات. وشهادة ~~الوجدان صريحة بأن عين الأنا هو الذي يحيا ويحس ويفكر، فإننا نضيف إليه جميع هذه ~~الأفعال، ويشعر كل منا أنه يظل هو طول عمره. فللإنسان وجود واحد نشعر به وباستمراره ~~تحت التغيرات، فنربط حاضرنا بماضينا، ونتطلع إلى المستقبل على أنه مستقبلنا. # ومحال أن يكون الجسد علة هذا الوجود الواحد، بما فيه من تضافر متصل ونمو متسق، ~~مما يدل على وجود مبدأ باطن يدبر ويوجه، والجسد ممتد منقسم متكثر متغير، متجدد ~~باستمرار، ومحتاج من ثمة إلى ما يرده شيئا واحدا ويستبقي له وحدته. فليس يمكن أن ~~تكون المادة مبدأ أول، وهي منفعلة وحركتها معلولة، على حين أن الفكر في مختلف صوره ~~منبثق عن فاعلية باطنة. فلم يكن للون أن يفترض أن المادة قد تفكر: إن الفكر يقتضي ~~شروطا منافية لصفات المادة، فانتفاء هذه الشروط يقضي بانتفاء الفكر. وإذا لم يكن ~~في الحياة النامية أكثر مما في الجماد، وفي الحياة الحاسة أكثر مما في النامية، وفي ~~الحياة الناطقة أكثر مما في الحاسة، لم تختلف تلك الحيوات في الوظائف والأفعال ذلك ~~الاختلاف العميق البادي في المشاهدة. # لأجل تفسير وحدة الكائن الحي واستمراره هو هو، يجب أن يكون حاصلا على نفس، وأن ~~تكون النفس بسيطة منزهة عن كل تركيب من أجزاء متمايزة. ولتفسير التفكير يجب ms102 القول ~~ببساطة النفس أيضا، فإنه لا يتسنى إلا لجوهر بسيط قادر على أن ينعكس على ذاته ~~ويجمع في فعل واحد جميع عناصر الإدراك، سواء كان الإدراك إحساسا أو فكرا مجردا ~~أو نسبة. وقد أقر بذلك اثنان من أقطاب المذهب الحسي؛ قال هيوم: «إن في علاقة ~~التداعي تناقضا صريحا: كيف يمكن أن يوجد مبدأ ارتباط إذا كانت إدراكاتنا منفصلة ~~مستقلة بعضها عن بعض؟ هذه معضلة تفوق طاقة عقلي.» وقال ستوارت مل: «إن الذهن ~~سلسلة من الحالات تعرف نفسها ماضية ومستقبلة: فكيف تتسنى هذه المعرفة لمجرد سلسلة؟ ~~لا يبقى إلا أن نقول: إن الذهن أو الأنا شيء آخر غير سلسلة الحالات.» # والحجة المأخوذة مما يسمونه ازدواج الشخصية أو تعددها، والتي يظنونها قاطعة، هي ~~في غاية الوهن، قائمة على الخلط بين الشخصية ذاتها وبين الشعور بالشخصية: فمن ~~المعلوم أن الجواهر طائفتان: إحداهما حاصلة على قوة الإدراك وقوة الشعور بالذات، ~~مع تفاوت طبعا، والأخرى خلو عن هاتين القوتين، وينطبق على كلتا الطائفتين تعريف ~~الجوهر بالتقوم بالذات، ولو أن التقوم أكثر كمالا في الطائفة الأولى منه في ~~الثانية، وأكثر كمالا في الموجود العاقل منه في غير العاقل، وكل واحد من الأفراد ~~شخص بمعنى الكلمة موجود لذاته. إن الشعور بالذت شعورا صريحا واضحا هو من شأن ~~الكائن العاقل. فإنه يستند إلى الانعكاس على الذات، وليست تنعكس المادة على ذاتها ~~ولا يتسنى الانعكاس إلا للموجود المستقل عن المادة، وحيثما يحدث يكون دليلا على ~~هذا الاستقلال. شتان إذن بين «شخص» محصور في طبيعته، و«شخص يتصرف في الأشياء لتحقيق ~~غايات وأفعال يعينها بذاته، ويطالب بحقوق، ويذعن لواجبات بعد إدراكها وإدراك ~~لزومها، كما تستند الحرية على نفس الأساس؛ لأن استقلال الإرادة عن الخيرات الجزئية، ~~سببه استقلال العقل في الحكم على الجزئيات ... وإذن فليس يحقق الإنسان شخصيته تمام ~~التحقيق، أعني قيامه بذاته، وفعله بذاته، إلا بقدر ما تسود فيه حياة العقل والحرية ~~حياة الحواس والأهواء، وإلا ظل كالحيوان «فردا» خاضعا للأحداث والغرائز. # ولا تقولن مع بعض الفلاسفة: إن الشخصية هي عين ms103 الشعور بالذات أو إنها الإرادة ~~الحرة والجهد المبذول منها، أو إنها الخلق المتكون للواحد منا والمميز له من سواه. ~~هذه علامات عليها، أو بكلمة أدق: الشخصية هي المبدأ الذي تجمع فيه هذه العلامات، ~~بالفعل أو بالقوة، فالطفل والنائم بل والمجنون لا يشعرون بذاتهم هذا الشعور الصريح ~~إلا بعد اكتمال العقل في الأول، وبعد مزاولة الثاني والثالث لفعل التعقل كما ينبغي ~~أن يزاول. فيلزم التمييز بكل دقة بين «الشخصية الميتافيزيقية»، أي وجود الشخص في ~~ذاته، وبين «الشخصية الوجدانية»، أي شعوره بها، فقد يختلف هذا الشعور وتبقى ~~الذاتية، ولاختلاف الشعور تعليل لا يمس الذاتية بحال. # الشخصية الوجدانية تشتمل على إحساسات ووجدانيات: الإحساسات هي اللمسية الناشئة من ~~تأثير الأشياء الخارجية، ومن الحالة الجوفية والعضلية ، بما في ذلك إحساسات الحرارة ~~والراحة والقلق وما إليها؛ أما سائر الإحساسات الظاهرة فلا تشعرنا بأنفسنا ~~مباشرة، بل تشعرنا أولا بالأشياء ونحن نشعر بأنفسنا فيها؛ وليس يقتصر شأن الأشياء ~~على تأثيرها فينا، فإننا بجسمنا نشغل بينها خيرا معينا وندخل معها في علاقات، ~~فنشعر بجسمنا كمبدأ فعل وانفعال. والوجدانيات - من ذكريات وأفكار وعواطف وإرادات ~~وآمال - تؤلف في كل لحظة حالة وجدانية عامة هي - مع تغيرها وتجددها - متصلة بما ~~يسبقها وما يلحقها من حالات. وفي هذه الشخصيات العامة شخصيات ثانوية خاصية معينة من ~~نواحي حياتنا الفردية والاجتماعية، كشخصية الوالد والزميل والرئيس والمرءوس والقاضي ~~والعامل ... إلخ، وكالشخصية الفنية والعلمية والدينية. وليس من السهل أن تتفق ~~الشخصيات الجزئية في الفرد الواحد، لما يقتضيه هذا الاتفاق من رأي صائب وإرادة ~~قوية؛ ولكنها تتعارض أحيانا كثيرة، فتثير في النفس صراعا بين واجبات مختلفة، أو ~~بين واجب وشهوة. فلم نعجب لازدواج الشخصية كما يقولون؟ # هذا الشعور بالشخصية في الحياة العادية كان موضع احتجاج عنيف من جانب الماديين ~~أصحاب «الظواهر العارضة»: فقد عدوا عليه «اضطرابات» ظنوها قاضية على الوثوق به. ~~اختلفوا في تصنيفها، فنقتصر على أربعة أنواع هامة؛ الأول: انفصال المجموعات الجزئية ~~عن الشخصية العامة، وتعاقب هذه المجموعات، بحيث ينتقل المريض من الكآبة والسكون إلى ~~السرور والنشاط ms104 مثلا. النوع الثاني: تقمص شخصية غريبة إلى أجل أو باستمرار، فيتوهم ~~المصاب أنه المسيح أو نابليون أو إبليس ... النوع الثالث: فقدان الشعور بالشخصية، ~~فينكر المريض جسمه وصوته، وتغيب عنه ذكرياته. النوع الرابع: ازدواج الشخصية بمعنى ~~الكلمة، فيتوهم المريض أنه مثنى، فيستعمل ضمير الغائب في كلامه عن نفسه، أو تضرب ~~يمناه يسراه لتمنعها من إتيان حركة تهم بها، أو يأمر نفسه ويعد بالطاعة، إلى غير ~~ذلك. # وتنشأ هذه الحالات في الغالب عن ضعف عصبي، تضعف معه رقابة العقل التي تستبقي فينا ~~فكرة الوحدة والذاتية، وتضعف معه الذاكرة، وإليها في النهاية ترجع جميع ~~الاضطرابات. # بل إن اختلال الذاكرة ليس عاملا مطلقا حاسما؛ فمن المرضى من يعلمون في ~~حالتهم العادية أن لهم حالة أو حالات غير عادية، مما يدل على أن الأولى هي الراسخة ~~وأن الثانية عارضة، والذين لا يعلمون قليل جدا. ومنهم من طلب إليهم العلماء ~~المختبرون إتيان أفعال مخالفة للأخلاق القويمة، أو لأخلاقهم الخاصة، فأبوا ذلك، مما ~~يدل على أنهم يحتكمون، لا إلى شخصية عارضة؛ بل إلى شخصية أعمق باقية بالرغم من تقلب ~~الحالات، وهي الشخصية الوحيدة في الحقيقة. هذا فضلا عن الذين يعالجون فيشفون ~~ويعودون إلى شخصيتهم العادية. # فليس في الإنسان سوى شخصية واحدة هي مظهر لنفس واحدة، فالإنسان مركب من جوهر روحي ~~وآخر جسمي يؤلفان منه موجودا واحدا، لا كلا مجموعيا يتجاور فيه الجوهران ~~ويتفاعلان من خارج على ما اعتقد أفلاطون وديكارت. ليس هذا الاتحاد عرضيا كالذي ~~بين جوهرين تامين، ولكنه جوهري حاصل بين جوهرين ناقصين كل منهما مفتقر للآخر متمم ~~له: من النفس يقبل الجسم تركيبه ووحدته وحياته، وسائر ما يجعل منه جسما إنسانيا؛ ~~وحالما تفارقه بالموت ينحل إلى عناصره؛ وتبقى النفس متقومة بذاته؛ ولكنها في هذه ~~الحياة جوهر ناقص، لا تستطيع دون الجسم أن تزاول أفعال قواها التي تقتضي مشاركة ~~الأعضاء مشاركة مباشرة، مثل الإحساس والتخيل والتذكر. فالنفس الإنسانية ناطقة ~~بالذات، نامية وحاسة بقوى فيها، تحدث الأفعال النامية والحاسة في الجسم ومعه؛ لذا ~~كانت القوى النامية والحاسة ms105 قوى المركب من النفس والجسم، لا قوى النفس وحدها، بينما ~~العقل والإرادة قوتان مفارقتان بذاتهما للمادة؛ فهما للنفس وحدها. وعلى ذلك فالنفس ~~الناطقة موجودة كلها في الجسم كله أولا، وبالذات من حيث إنه الموضوع المتكمل بها؛ ~~وليس لها مقدار لا بالذات ولا بالعرض، وموجودة في كل جزء من أجزاء الجسم ثانيا ~~بقوة خاصة بالجزء، كقوة الإبصار في العين مثلا. ليس الإنسان إذن جوهرا روحيا ~~محضا يستخدم الجسم من خارج، ولكنه طبيعة خاصة قوامها نفس معدة بالطبع للاتحاد بجسم ~~اتحادا جوهريا لمزاولة وظائفها، بحيث يكون الجسم تكملة ضرورية لها، لا قيدا أو ~~عائقا. ~~(6) النفس الإنسانية: روحانيتها # بينما جميع أفعال النفس النامية والنفس الحاسة تحدث في الجسم وبمشاركة الأعضاء، ~~فلا نرى وجودا خاصا ، بل نرى لكل منهما وجودا في المركب منها ومن الجسم، نرى ~~للنفس الناطقة بعض أفعال مستقلة عن الأعضاء، فنحكم بأنها مستقلة عن الجسم في ~~وجودها، تلك الأفعال هي الصادرة عن العقل والإرادة، وذلك الاستقلال هو المسمى ~~بالروحانية. فإن النفس الناطقة تدرك موضوعات مختلفة الماهية والأعراض: تدرك الخالق ~~والمخلوق؛ الروح والجسم، الجوهر والعرض، الموجود الواقعي والممكن والذهني، وهذا ~~دليل على أن العقل غير مخصص بموضوع أو بطائفة من الموضوعات، كتخصص الحواس الظاهرة ~~(العين مثلا للضوء واللون، والأذن للسمع، وهلم جرا)؛ هذا فضلا عن كون العقل ~~يدرك موضوعاته على نحو غير مادي، مجردة عن المشخصات. لو كان العقل معينا بعضو لكان ~~هذا التعيين يحول دون إدراكه أشياء مختلفة، كذوق المحموم، لمرارته بالحمى، لا يشعر ~~بالحلاوة، وكعين المصاب بالصفراء ترى جميع المرئيات صفراء، فإن لكل جسم ولكل عضو ~~جسمي طبيعة مخصوصة تمنع من إدراك أشياء مختلفة، ومن إدراكها على نحو مجرد، أعني خلو ~~من المشخصات المادية. # وجميع إدراكاتنا العقلية للماديات هي على هذا النحو، قاصرة على عناصر الماهية، ~~ونحن نشعر بأننا نستخرج المعاني المجردة الكلية من الصور الجزئية المستفادة من ~~التجربة بالحواس، وأن علومنا مطابقة للموجودات. وعلى المعاني المجردة تقوم أحكامنا ~~واستدلالاتنا، فالحكم تحليل للمعنى المجرد، وتصور للنسبة بين المحمول والموضوع، ~~وليست ms106 النسبة شيئا محسوسا، فتصورها يقتضي قوة غير محسوسة، هي العقل. كذلك ~~الاستدلال إدراك لزوم منطقي بين النتيجة والمقدمتين، وليس اللزوم المنطقي شيئا ~~محسوسا، فتصوره يقتضي قوة غير محسوسة. أما القوة الحاسة، فلارتباطها بعضو وتعينها ~~بموضوع، لا تنفعل إلا بكيفية محسوسة، ولا تدرك موضوعا مجردا. # والعقل ينعكس على أفعاله، يحللها ويتأملها، كما نصنع في هذه البرهنة التي نحن ~~ماضون فيها: ومثل هذا الانعكاس محال على قوة جسمية؛ وليست أفعال العقل محسوسة ~~كالماديات حتى يدركها الحس بعضوه، وليست الرؤية ملونة، فالعين لا ترى رؤيتها. إن ~~الانعكاس يدل على استقلال العقل عن كل عضو من حيث إن المادة لا تنعكس على ذاتها، بل ~~يتطابق أجزاء منها بعضها على بعض. وبالانعكاس على الذات والاستدلال تعقل النفس ~~اللاماديات مثل النفس والله والفضيلة والواجب والعلم وما إلى ذلك، والموجودات ~~الذهنية، وهي لا مادية، وغير موجودة إلا في الذهن، ولا يمكن أن توجد إلا فيه، ~~كالماهية أيا كانت، وكالنسب أو العلاقات الضرورية بين الأشياء، وليست النسبة أو ~~العلاقة شيئا محسوسا يدرك بحس ما. وينسحب هذا الدليل على الأفعال الإرادية كما ~~تقدم، فإن الإرادة تتجه إلى مطلق السعادة، وإلى خيرات لا مادية تفترض أفعالا ~~لا مادية وفاعلا لا ماديا، كما أن الحرية دليل على التعقل والتجرد. # وعلى ذلك ليس الدماغ عضو الفكر، ولكنه شرط ضروري لتكوين الفكر، من حيث إنه مركز ~~الصور الخيالية المفتقر إليها الفكر ليجرد منها المعاني ويركب الأحكام ~~والاستدلالات. والاستقلال عن الدماغ بهذا المعنى، استقلالا ذاتيا من حيث الوجود ~~ومن حيث الفعل، لا يمنع تبعية خارجية للدماغ. وهذا وجه حق في المذهب المادي لا نريد ~~أن نغفله، فإننا محتاجون إليه للكشف عن أصل المعاني المجردة؛ وإذا أغفلناه اضطررنا ~~إما إلى إنكارها كالحسيين فنقع في خطأ جسيم، وإما إلى وضعها في الفكر ابتداء ~~كالتصوريين دون الاعتراف لها بقيمة موضوعية، وهذا خطأ لا يقل جسامة عن ~~السابق. # وقد لخص ابن سينا هذه النظرية تلخيصا دقيقا رصينا، فقال من جهة واحدة: «لا شيء ~~من المدرك للجزئي بمجرد؛ كل ms107 إدراك جزئي فهو بآلة جسمانية؛ والخيال لا يتخيل إلا أن ~~ترتسم الصورة الخيالية فيه في جسم.» وقال من جهة أخرى: «لا شيء من المدرك للكلي ~~بمادي. إن الجوهر الذي هو محل المعقولات ليس بجسم ولا قائم بجسم على أنه قوة فيه أو ~~صورة له بوجه (وإنما هو مجرد).» و«تعقل القوة العقلية ليس بآلة جسدية، فإنه ليس ~~بينها وبين ذاتها آلة، ولا بينها وبين أنها عقلت، ولكنها تعقل ذاتها وأنها عقلت، ~~فإذن إنما تعقل بذاتها مع العلم بأن الحس لا يحس ذاته، ولا الخيال يدرك ~~آلته.» # 4 # فليست نفس الحيوان مجردة أو روحانية؛ لأنها لا تدرك المجرد، وإن إدراك ~~المشخص هو دائما بعضو جسماني متحد بالقوة المدركة؛ ونفس الإنسان تدرك المجرد، فهي ~~مجردة غير متحدة بعضو. # هذه النفس المجردة الروحانية، هل ~~هي جوهر قائم بذاته، كالملاك في تصور أفلاطون وديكارت؟ أم هي صورة الجسد تؤلف ~~وإياه موجودا واحدا هو الإنسان، كما تتألف سائر الماديات من هيولي وصورة، ثم ~~تعود الصورة إلى الكمون بانحلال التأليف؟ لقد طال الخلاف واشتد بين الأفلاطونيين ~~وفريق من الأرسطوطاليين من جهة، وبين فريق آخر من هؤلاء يقال: إنهم اتبعوا ابن رشد. ~~غير أن ما سبق لنا قوله من أن الإنسان طبيعة متوسطة بين الروح الخالص والحيوان ~~الأعجم، يعني هنا أن نفسه روح تقوم بمهمة الصورة الجسدية. فالآراء في هذه المسألة ~~ترجع إلى ثلاثة: الرأي الأفلاطوني، وهو روحانية حاسمة مسرفة؛ والرأي الرشدي، وهو ~~وإن قال بوجود نفس ناطقة، إلا أنه سائر مع المادية ومسرف من الناحية المقابلة؛ ورأي ~~الأرسطوطاليين المتوسطين المعتبرين النفس الناطقة جوهرا معطيا الجوهرية ما دامت ~~متصلة بالجسد ومكملة له حتى يصير إنسانيا. ~~«الأنفس الإنسانية متفقة في النوع والمعنى» من حيث إن الصورة مجردة والمادة هي ~~المتشخصة: فكيف تتشخص كل منها بأعراض خاصة، وتتميز بعضها من بعض بعد مفارقتها ~~للبدن؟ يحدث التشخص من جهة «نسبة النفس إلى البدن»، فإن الأنفس تنفرد باختلاف ~~أبدانها وأزمنة حدوثها وسائر هيأتها. # 5 # هذا رأي ابن سينا، وهو الذي يبدو صوابا: ms108 تتباين الأنفس في مختلف ~~أحوالها، مع اتفاقها بالماهية، وتتفاوت كمالا بتفاوت الأجسام في الكمال، تبعا ~~لأحوال الوالدين البدنية والمعنوية، وحال الجنين في تأثره بجميع العوامل، ومجاوبات ~~كل نفس على المؤثرات. # وهذه النفس الروحانية ما أصلها؟ قلنا: إن النفس النامية والنفس الحاسة تخرجان من ~~قوة المادة. ولا نستطيع أن نقول مثل هذا عن النفس الناطقة؛ فإنها أرفع من المادة، ~~ومضادة لها بالطبيعة، فلا تخرج منها ولا تعود إليها. ولا سبيل إلى إثبات رأي ~~أفلاطون من أن الأنفس الأرضية صنع أنفس الكواكب من مزاج وزعه عليها الإله الصانع؛ ~~وهذا الرأي أقرب إلى الأسطورة منه إلى الفلسفة. ولئن كان أرسطو صاحب القول بأن ~~الصور الطبيعية تخرج من قوة المادة وتعود إليها، فإنه يستثني العقل أو النفس ~~الناطقة، فيقول: إنها تأتي من خارج؛ ولئن كان لم يعين هذا الخارج فإن عبارته تنأى ~~به عن زمرة الماديين، وتحشره في زمرة الروحانيين المعتدلين، أولئك القائلين بنفس ~~روحانية هي صورة للبدن. وقال ابن سينا: «تحدث النفس كلما حدث البدن الصالح ~~لاستعمالها إياه.» # 6 # غير أن البدن يحدث - فيما يرى - بتكون العناصر الأرضية الخاضعة للحركات ~~السماوية، فكأنه اعتقد بكفاية العناصر، ولو بفضل الموجودات العلوية، أو بكفاية هذه ~~الموجودات، لإيجاد الأنفس بطريق غير مباشر، وهذا الرأي يعطي كثيرا لأنفس الكواكب، ~~بل يسند إليها خلق الأنفس الإنسانية كغيرها من الأنفس الأرضية، وسنقول الآن: إن ~~الخلق غير مقدور لمخلوق ما، فلا الحيوان يخلق بدن الحيوان بالميلاد، ولا الإنسان ~~يخلق بدن الإنسان بأي نحو كان. # هذه آراء بعض المتقدمين. وهناك رأي أقرب منها عهدا يشبه رأي ابن سينا من جهة ~~كونه يفترض تكوين العلويات للأبدان النامية، وإنزال نفس نامية في كل بدن، فتبدو فيه ~~ظواهر النمو، وتبدو ظواهر الحساسية، بتأثير تلك النفس النامية وبتأثير نفس خامسة ~~تجيء بعدها. ثم تبدو ظواهر النفس الناطقة بتأثير نفس ناطقة تجيء بعد الاثنتين وقد ~~أدتا رسالتهما. بيد أن الانتقال من النامية إلى الحاسة لا يجد له تعليلا مقبولا ~~ما دامت النامية أدنى من الحاسة، وعاجزة عن ms109 إعداد النامي للإحساس. كذلك الانتقال من ~~الحياة الحاسة إلى الناطقة لا يجد له تعليلا كافيا لعين السبب. # المعقول أن الخليتين الأوليين (الذكر والأنثى) حين تلتقيان يحدث كل منهما ~~تفاعلا يفضي إلى تكوين «الخلية» الأم وإلى خلق الله للنفس الناطقة في تلك اللحظة، ~~ما دامت هي روحانية عالية على قوة المادة، وما دام الخلق غير مقدور للمخلوق، ولكنه ~~ميزة الخالق وحده، الواجب الوجود لذاته، القدير على أن يمنح منه ما يشاء أو ما ~~يقتضيه النظام الكوني الموضوع منه، فتتحد الناطقة بالخلية الأم، فتتعاقب أفعال ~~الحيوات الثلاث المطوية في قواها كلما تهيأت لذلك الأعضاء، أي: تكوين الجنين. ومن ~~المهم للغاية أن نفهم أن هذا التدبير من جانب النفس الناطقة يصدر بصفتها علة صورية، ~~لا علة فاعلية تفكر وتقدر وتنفذ حسب التقدير والتفكير، كما فهم بعض الفلاسفة الذين ~~وجدوا في هذا النوع من العلية اعتراضا قويا على ضرورة وجود النفس، في حين ~~أن العلية الصورية لا تقتضي أكثر من العمل الآلي طبقا لرسم غائي مطوي في الصورة ~~الجوهرية فائق على مقدرة المادة على التركيب والفعل، كما يبدو بكل وضوح في الأفعال ~~الفسيولوجية، كضرب القلب والتنفس والهضم واندمال الجروح وما إلى ذلك. هكذا توجد ~~النفس الناطقة في البدن، وهكذا تفعل. ~~(7) النفس الإنسانية: خلودها # إذا كانت النفس الإنسانية مستقلة بوجودها وبفعليها الخصوصيين اللذين هما التعقل ~~والإرادة، فمن البديهي أنها لا تفنى بفناء الجسد، ولكنها تبقى متعلقة مريدة مدركة ~~ذاتها بذاتها؛ لأنها في هذه الحال بريئة عن المادة، ومن ثمة معقولة بالفعل، بعكسها ~~في حال اتحادها بالجسد حيث هي غير مدركة ذاتها بذاتها. وتلك هي مسألة الخلود ~~العظيمة الأهمية للأخلاق وللدين. وعلى أهميتها هذه فالفلاسفة كثيرون الذين ينكرون ~~إنكارا باتا بقاء النفس بعد الموت. أولئك هم أشياع وحدة الوجود، من قدماء الهنود ~~إلى أيامنا، القائلون بعودة النفس إلى «الكل المطلق» وفقدانها الشعور بذاتها فيه، ~~وأيضا الماديون المنكرون للروح إطلاقا، أو الحسيون أو الواقعيون أو التجريبيون إن ~~سميناهم من جهة المعرفة، المنكرون لما يعلو على التجربة أو ms110 إدراك الحس أو إدراك ~~الواقع؛ أو الظاهريون، إن سميناهم من جهة المعرفة كذلك، المنكرون للجوهر مادة أو ~~روحا. الخلود الحق المقصود هاهنا هو البقاء الجوهري الشخصي للنفس، سواء مع تناسخ، ~~تبعا لرأي البراهمة والفيثاغوريين، أو دون تناسخ. # نعود إلى الدليل المشار إليه في أول هذا العدد، وهو دليل ميتافيزيقي، ونضيف إليه ~~دليلا نفسانيا مأخوذا من ميل فينا طبيعي أساسي للبقاء دائما؛ ودليلا خلقيا ~~مستفادا من ضرورة الجزاء التام على أفعالنا الحرة، فنقول: أولا؛ إن النفس بسيطة ~~غير مركبة من أجزاء يمكن أن ينفصل بعضها من بعض، والنفس الإنسانية روحانية، فينطبق ~~عليها هذا السبب من باب أولى، فإن النفس الحيوانية، بل النفس النباتية بسيطة، ~~ولكنها غير باقية على حيالها، كما قد بينا، فليست تكفي البساطة لصيانة الوجود ~~المستقل، على ما اعتقد ديكارت، بل تكفي الروحانية البادية في فعلي التعقل والإرادة، ~~ما دام للنفس أفعال خاصة بها تقوم بها بدون وساطة عضو ما. # ونقول: ثانيا؛ إن في الإنسان ~~ميلا طبيعيا أساسيا للبقاء إلى غير انتهاء، والميل الطبيعي الأساسي يرجع إلى ~~طبيعة الكائن، وإذن فطبيعة الإنسان أن يظل حيا دائما. إن كل حاصل على العقل ~~يشتهي بالطبع أن يوجد دائما، ويحس أن هذا الاشتهاء لا يمكن أن يكون عبثا. هذا ~~الميل نعرفه في أنفسنا وفي سائر الناس في جميع العصور: علاماته الرغبة في تأييد ~~أفراحنا وأعمالنا واسمنا، والنفور من الموت، ذلك النفور الذي هو صورة أخرى للميل ~~للبقاء، والدال عليه تكريم الموتى عند الشعوب قاطبة، والعناية بدفنهم، وتزويدهم ~~بالمأكل والمشرب. ولا نقولن: إن فكرة الخلود آتية من عدم كفاية خيرات العالم ~~لإشباع شهوتنا، فإن النفس - لكونها تحس أنها خالدة - لا ترضى بخيرات العالم، وتطمح ~~إلى خيرات لا تزول. ثم يمكن دعم هذا الدليل، أو إعطاؤه قيمة ميتافيزيقية، باعتبار ~~أن الكائن العاقل الذي يدرك الوجود مطلقا، لا معينا محدودا زمانا ومكانا ~~كإدراك الحس، ينزع بطبعه إلى الوجود الدائم، ولا يجوز أن يذهب النزوع الطبيعي سدى. ~~بل إن هذا النزوع الطبيعي يظهر أيضا في غير ms111 فكرة مطلق الوجود، أعني في فكرات ~~الواحد والحق والخير والتجميل، أو لواحق الوجود، تلك الفكرات التي تبدو لنا كلية ~~ضرورية، أزلية أبدية كالوجود نفسه. # ونقول ثالثا: لكي يكون الواجب الخلقي مفهوما وفعالا، يجب أن يكون الإنسان ~~خالدا حقا، وإلا لم يوجد في الحياة الأرضية جزاء كاف على الأفعال الخلقية، لا ~~من جهة الطبيعة، فإنها غير خلقية، غير مميزة بين الأفعال، غير مقدرة للجزاءات؛ ولا ~~من جهة المجتمع، فهو لا يتناول سوى الأفعال الظاهرة، وهو مبني على الخداع؛ ولا من ~~جهة الضمير، فإنه لا يحكم على نفسه، بل يحاول جهده التنصل من التبعة والتملص من ~~العاقبة. ومن هذه الأوجه الثلاثة ما أكثر ما يشقى الصالح وينعم الطالح! فلا بد من ~~حياة أخرى تتحقق فيها العدالة التامة ويسود النظام، وتكون هي رادعا قويا. # هل يجوز القول: إن الله قد يعدم الأنفس بعد أن يمنحها هذه العدالة الكفاية من ~~الثواب والعقاب؟ الحقيقة أننا نطمح إلى السعادة الكاملة كما رأينا، وأن لا نهاية ~~مدتها عنصر جوهري فيها، وأن تناهي المدة منغص للسعادة، وأن الله هو الذي أودع النفس ~~ذلك الميل إلى السعادة الكاملة، فكيف يحدها ويلاشيها؟ لئن كانت القدرة الإلهية غير ~~المتناهية مستطيعة من هذا الوجه إعدام أي مخلوق، إلا أن القدرة المضبوطة بالحكمة ~~والطيبة لا تسلب الموجودات ما فطرتها عليه، والله هو الذي خلق النفس الإنسانية ~~روحية غير فاسدة. # ماذا يصير بنفس الإنسان في الخلود؟ يجب الاعتراف أولا بأن المفارقة حال قسرية؛ ~~لأن طبيعة الإنسان أنه نفس وجسد معا؛ فالمعقول أن يعد الموت حادثا قسريا، ~~ويعد البعث ضروريا لإعادة الإنسان إلى طبيعته. فإن قيل: إن من المحال «جمع جميع ~~أجزاء الإنسان التي كانت موجودة في جميع عمره» قلنا: إن استئناف خلق هذه الأجزاء ~~«إيجاد لمثل ما كان لا لعين ما كان # 7 # لا سيما ونحن نعلم أن مادة الجسد تتجدد مرات خلال العمر، ويظل الشخص هو ~~هو بنفسه. بيد أن هذا النزوع، وإن اعتبرناه طبيعيا، لا يصلح دليلا على البعث، ~~لاستحالة البعث على ms112 قوة الطبيعة، أي لاستحالة عودة الجسد عودة طبيعية إلى التركيب ~~والتنسيق؛ والبعث معلوم لنا بالوحي، ومنوط بإرادة الله وقدرته. وكل ما يصلح له هذا ~~النزوع هو التدليل على أن البعث لا ينافي طبيعة النفس، بل على العكس ~~يلائمها. # كذلك لا فائدة ترجى عقلية أو خلقية، من النظرية المعروفة بالتقمص أو التناسخ، ~~والمراد بها انتقال النفس الناطقة من بدن إلى آخر، أو إلى بدن حيواني أو نباتي، على ~~ما هو مأثور عن الهنود والفيثاغوريين وأفلاطون # 8 # بحجة التطهير من أدران الشر، فليس من دليل على أن المعاصي المرتكبة في ~~هذه الحياة يجب أن يكفر عنها في هذه الحياة؛ وليس من شهادة للوجدان بأننا قد مررنا ~~بحيوات سابقة؛ ولا ضرورة لما يستشهدون به من أن تفاوت بني الإنسان في الصفات ~~الفطرية ليس صنع الله الكلي العدالة، فهو نتيجة حسن استعمال الأنفس للحرية، أو سوء ~~استعمالها إياها من قبل، فإن لهذا التفاوت تفسيرا آخر هو الذي عرضناه حين قلنا: ~~إن النفس تتشخص باتحادها بالبدن وأعراضه، فإن البدن يتفاوت استعداده، فتتفاوت صفات ~~النفوس. والمذهبان (البعث والتناسخ) يرجعان إلى واحد، ففي كل منهما «استعمال النفس ~~بعد خلاصها من البدن بتدبير بدن آخر» # 9 # بل البعث خير من التناسخ، إذ إنه لا يقلب الإنسان حيوانا أو نباتا، ~~بل يحفظ عليه طبيعته. # يبقى أن النفس الناطقة يعود إليها الجسد استكمالا للطبيعة الإنسانية، وأنها ~~تستأنف حياتها العقلية، ولو أن إشكالا يعترضنا هاهنا، ويبدو أسهل حلا في المذهب ~~الأفلاطوني الذي طالما نقدناه، منه في المذهب الأرسطوطالي الذي كثيرا ما ناصرناه: ~~ذلك أنه من المقررات الأساسية عند أرسطو أن النفس لا تتعقل شيئا دون ملاحظة صورة ~~خيالية مصاحبة للتعقل؛ أعني دون مشاركة ما من العضو الحاس الذي كانت الصور الخيالية ~~محفوظة فيه، وليس للنفس المفارقة مثل هذه الملاحظة لزوال ذلك العضو، فالنفس لا تقدر ~~أن تتعقل شيئا في حال المفارقة، وهذا نقص خطير، على حين أنها في المذهب الأفلاطوني ~~جوهر روحي بالذات، قد تحرر من الجسد وعاد إلى طبيعته المفارقة، ms113 وإلى تعقل المجردات ~~بذاته. # لكن يمكن أن يقال من جهة أساسية: إن النفس تقدر أن تزاول التعقل بالمعاني ~~المستفادة في الحياة الراهنة والمختزنة فيها، أي أن تتذكرها وتؤلفها بعضها مع بعض. ~~ويمكن أن يقال من جهة فرعية مع اللاهوتيين: إن النفس تعقل على نحو ما بمعان تقبلها ~~من لدن الله، كما تقبل الملائكة المعاني المفاضة عليها. # | هوامش # الباب الثاني # | ما بعد الطبيعة # الفصل الأول # | علم الطبيعة # (1) موضوع هذا العلم # يرجع لفظ «ما بعد الطبيعة» إلى أحد أتباع أرسطو، وقد عني بترتيب كتبه، فوجد لواحد ~~منها ثلاثة أسماء، هي الحكمة والفلسفة الأولى والعلم الإلهي؛ لاشتماله على ثلاثة ~~مباحث كبرى؛ أولها: مبادئ المعرفة إطلاقا، والثاني: الأمور العامة للوجود، ~~والثالث: الألوهية رأس الوجود. وهي مباحث تشترك في أعلى درجة من درجات التجريد، ~~وتؤلف علما واحدا بهذا الاعتبار، يقع بعد الطبيعيات في الترتيب، فأطلق عليه ذلك ~~التابع اسما مأخوذا من مكانه، وهو اسم إن لم يجد شيئا في التعريف بالمدلول، فإنه ~~يضم أجزاءه ويوفر له وحدة الموضوع اللازمة للعلم، وقد عالجنا مسألة المعرفة، ومبحث ~~الأمور العامة في كتاب «العقل والوجود»، ونعالج هنا مسألة الألوهية. # إن الشعوب قاطبة اعتقدت دائما بموجودات أرفع من الإنسان، دعتها آلهة وأربابا، ~~ودانت لها بالخشوع والخضوع، واعترفت بإشرافها على الحوادث السفلية، ونستطيع أن ~~نقول: إن العلماء - حتى الممعنين منهم في المذهب الحسي المستمسكين بالمنهج التجريبي ~~- مجمعون على أن الدين أقدم المظاهر الإنسانية وأعمقها تغلغلا في الحياة، فردية ~~واجتماعية. وفي مقدمة الجاحدين لوجود الله أو الآلهة، الماديون والتصوريون. ~~والحزبان متفقان على رفض معاني الروح والجوهر والعلة، ~~اعتقادا منهم أن العقل قاصر عن إدراك ~~ما يجاوز نطاق التجربة. ومن الجاحدين أيضا، ومن أشهرهم في عصرنا، معظم العلماء ~~الاجتماعيين، أو كلهم، وهم فرق في مختلف البلدان الغربية، ولكل فرقة نظرية، وربما ~~كانت أشهرها نظرية دوركيم وتلاميذه، وهم يذهبون إلى أن فكرة الألوهية هي عين فكرة ~~المجتمع مجولة إلى خارج ومنصوبة ماهية عليا بما للمجتمع من سلطان قاهر وأثر بالغ، ~~يحس في الاجتماعات، وبخاصة ms114 بمناسبة الأعياد والمراسم والأحداث القومية، حيث تهزه ~~روح من العزة والشجاعة والحماسة ترفعه فوق مستواه المألوف. # فما بعد الطبيعة علم خاص موضوعه تلك المسائل الثلاث، وأهمها من غير شك موجود معين ~~بيده أمر العالم أجمع، أو موجودات معينة لكل منها بعض الأمر. وهذا العلم من هذا ~~الوجه أجدر بأن يسمى «ما قبل الطبيعة» أو «ما فوق الطبيعة» لعلو موضوعه واستناد ~~العلم الطبيعي عليه كاستناد الطبيعة نفسها على القدرة العظمى، فهو متقدم عليها. ~~والفرق جسيم بين البعدية المكانية والتبعية الوجودية. # وهو علم فلسفي يرمي إلى استكشاف العلة الأولى للأشياء وتحديد صفاتها، بالعقل ~~وحده، دون اللجوء إلى العاطفة ولو كانت العاطفة الدينية. وقليلو الثقة بالعقل ~~ومبادئه ومناهجه هم الذين يثيرون الريبة حوله، حتى المؤمنون منهم. كان بسكال مؤمنا ~~أشد إيمان، ومن جهة أخرى معتقدا أن العقل قوة استدلالية ليس غير، يستنبط النتائج ~~من المقدمات، ويصل إلى معان مجردة، لا إلى شخصيات، والمطلوب بصدد الله الحصول على ~~معرفة حدسية محسوسة بالقلب، يعني على إله الشخصي، إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، كما ~~يقول، لا الوصول إلى فكرة الله أو إله الفلاسفة والعلماء، والبراهين الفلسفية معقدة ~~صعبة بعيدة من استدلال الجمهور. ذلك موقف بسكال وموقف كثيرين قبله وبعده. والحقيقة ~~أن وجود الله مفتقر إلى البرهان، بدليل كثرة المتشككين في قوة البراهين، فضلا عن ~~المنكرين، والبراهين مبنية على بديهيات يقرها العقل الصريح، ويدركها كل من سلم عقله ~~من النظريات الزائفة، بحيث لا يغتفر الجهل بها أو التشكك فيها، ولو أن تفسيرها ~~الفلسفي يحتاج إلى إمعان نظر. ~~(2) إجمال الآراء # ولزيادة إيضاح هذا الموضوع نجمل الآراء فيه، وهي كثيرة دقيقة موجهين التفاتا ~~خاصة إلى الأحادية أو مذهب وحدة الوجود بلا تمييز بين الله والعالم، وهو أشنع ~~المذاهب في حق الله، أشنع من الإلحاد الصرف؛ لأن الإنكار البات لوجود الله أهون من ~~تشويه حقيقته، والإهانة فيه أخف. وهو أشد المذاهب خطرا على الأخلاق والدين؛ يلح ~~أنصاره في الإيمان بالله، وما الله عندهم سوى لفظ أجوف يطلقونه على جملة العالم، أو ms115 ~~على روح غير معين، وفي الحالين على شيء خلو من الشخصية، يصطنعون التصوف، وما تصوفهم ~~إلا غرور يلتمسون من سبيله لذة نفسانية. # نقول إذن: لعل الهنود أول شعب ظهر فيه هذا المذهب، أو ظهر بمثل ما نعرف له عندهم ~~من قوة وسمو. كانوا على الشرك أو تعدد الآلهة يؤلهون قوات الطبيعة، ويتصورون ~~الأشياء مريدة كالإنسان، وبخاصة الأجسام المضيئة وظواهرها الضوئية. ثم انتقل تفكير ~~كهنتهم البراهمة إلى الجمع بين الآلهة، وانتهوا إلى ثلاثة: أحدهم خالق، وآخر حافظ ~~المخلوقات، وثالث معدم ما يعدم منها، أو هم ثلاث وجهات لقوة واحدة، تنبثق الموجودات ~~من براهما كينبوع عام دون تمايز حاسم إلا في الظاهر. والإرادة في براهما عبارة عن ~~شهوة التكثر والتعدد، فولد الضوء بقوة عقله. والضوء الذي خلقه أحس الشهوة عينها، ~~فخلق المياه، وأحست المياه عين الشهوة وخلقت الأرض. # ولما نشأت الفلسفة اليونانية كان من أقطاب الطبقة الأولى أشياع لهذا المذهب. ولا ~~نستبعد أن يكونوا تأثروا بالتعاليم الهندية. فبحثوا عن أصل الأشياء وطريقة تكوينها، ~~فآثر كل منهم مادة جعل منها الأصل الذي تتكون منه الأشياء باجتماع بعضه مع بعض، أو ~~بالتكاثف، وتفسد بافتراق بعضه عن بعض، أو بالتخلخل، آثر طاليس الماء، وانكسيمانس ~~الهواء، وهرقليطس النار، واعتقد كل منهم في مادية الحياة والفكر. فبمقتضى هذا ~~التصور كان الوجود واحدا، لما هو واضح من أن المركب هو من جنس أصله وطبيعته، وكان ~~هرقليطس أعمقهم نظرا وأكثرهم صراحة، قال: إن هذا العالم لم يصنعه إله أو إنسان، ~~ولكنه كان أبدا، والنار الأثيرية هي الله. وقال: إن الأشياء جميعا في تغير متصل ~~وتطور مستمر بقوة باطنة وقانون ذاتي، وبهذه الأقوال توفرت له وحدة الوجود، وحدة ~~مادية باشتراك الأشياء أصلا وصيرورة. # ولكن التغير والتطور مزاج من وجود ولا وجود، هو وجود بما هو بالفعل، ولا وجود ~~بصيرورته من حال إلى حال. فاستكبر معاصره بارمنيدس هذا التناقض الصارخ، ورفع صوته ~~مجلجلا يقول: «يجب التسليم قطعا إما بالوجود أو باللاوجود، واللاوجود محال فلا ~~ييقى إلا الوجود. وكيف يمكن أن يوجد ms116 (بالذات) شيء غير الله، فالوجود هو الله.» ~~وتوفرت له بهذه الأقوال وحدة منطقية أو ميتافيزيقية بالمقارنة بين معنيي الوجود ~~واللاوجود، وتحقيق الأول، وتزييف الثاني. وكان أستاذه إكسانوفان قد «نظر إلى عظمة ~~السماء وقال: إن العالم واحد». # وتأثر أفلاطون بما بين أجزاء العالم من نظام وترابط، فأرجع العالم إلى نفس كلية ~~تدبره كما تدبر النفس الجزئية الجسد الحالة فيه، وأبقى عالم المثل كثرة روحية، ~~فكانت الوحدة عنده مادية جزئية. ونشر الرواقيون فكرة الوحدة المادية الكلية بالصورة ~~التي رسمها هرقليطس، وقد اصطنعوا فلسفته بتمامها. وازدادت انتشارا بجهود ~~الأفلاطونية الجديدة، ولا سيما أفلوطين، بكتبه اليونانية وترجماتها اللاتينية ~~والسريانية والعربية. # يتساءل أفلوطين: كيف تصدر كثرة عن الواحد؟ ويجيب بقوله: إنه بسيط كل البساطة، ~~واحد كل الوحدة، حتى ليجب أن ننفي عنه التعقل والفهم، تعقل ذاته وسائر الأشياء ~~لنكثر العاقل والتعقل والمعقول. فإذا جاء شيء بعده فإنما يجيء بتوجه الواحد إلى ~~ذاته أبدا. وما يأتي من الواحد يأتي من دون ميل ولا إرادة؛ إذ ليس خارجه موجود ~~يتحرك إليه ... كل موجود يصل إلى كماله يلد، فالموجود الكامل دائما يلد دائما ... إنه ~~باتجاهه إلى ذاته يرى، وهذه الرؤية هي العقل (الكلي) الذي هو كلمته وفعله وصورته. ~~ويتأمل العقل الأشياء التي في مقدور الواحد، فيلد النفس (الكلية). ومن هذه الكثرة ~~يولد العدد والكم والكيف، ثم تأتي سائر الأشياء، فإن النفس (الكلية) تنظر صوب العقل ~~(الكلي) فتحصل على معانيها، وتلد موجودات أدنى منها: هي التي خلقت الحيوانات بأن ~~نفخت فيها الحياة، وخلقت الكواكب، والسماء الرحيبة، ووضعت فيها النظام. وبسبب هذه ~~النفس كان العالم إلها في مظاهر مختلفة. # وقد عرف المفكرون الإسلاميون مواقف الفلاسفة اليونان في الألوهية، ووجد بينهم من ~~اصطنعوا المواقف المتطرفة على ما في ذلك من خطر. وجد «معطلة» لا يثبتون الله، بعضهم ~~قصروا في التوحيد بين الله وصفاته حتى وصفوا الخالق بصفات الأجسام، وبلغ بعض السلف ~~في إثبات الصفات إلى حد التشبيه بصفات المحدثات، فدعوا بالمجسمة والمشبهة، ولو ~~أنهم استدركوا بقولهم: ومع ذلك جسم لا كالأجسام، ms117 ولا يشبه شيئا من المخلوقات. وغلا ~~المعتزلة في التوحيد بين الله وصفاته حتى وصلوا إلى التعطيل بنفي الصفات، قائلين: ~~إن الله عالم قادر بمعنى أنه ليس بجاهل ولا عاجز. ووجد «دهريون» يزعمون أن «الدهر ~~دائر» لا أول له ولا آخر، فيجوزون مرور العلل إلى غير نهاية بالذات، ويدعون أن ~~العالم لم يزل موجودا كذلك بنفسه لا بصانع. ويلاحظ ابن رشد أن أحدا من الحكماء ~~ليس يجوز وجود أسباب لا نهاية لها؛ لأنه يلزم عنه وجود مسبب من غير سبب، ومتحرك من ~~غير محرك. ووجد من المشبهة من مال إلى مذهب الحلولية، وقال: يجوز أن يظهر الله ~~بصورة شخص، وقد يكون الحلول بجزء، وقد يكون بكل كما في الأحادية. والحلول مذهب ~~الغلاة من الشيعة. # 1 # أما الأحادية بالذات فقد زخرت أخبارها ووفرت كتبها، من فلسفية وتصوفية، اتبع ~~الفارابي وابن سينا أفكار أفلوطين في صدور الموجودات عن الواحد، الأول، فقالا مثله: ~~إن عن الواحد لا يصدر إلا واحد، أو كان في الله كثرة، وهذا محال. والواحد الصادر ~~صدر عن ضرورة لا عن إرادة وخلق. ثم صدرت عقول أخرى بعدد الأفلاك؛ صدرت هي وأفلاكها ~~كل عن الذي قبله. # وعلى ذلك نقول: إن الموجودات صادرة عن ذات الله، وإنها من ثمة إلهية. وهذا معنى ~~كلمة الحلاج «أنا الحق»، أي إنه مظهر من مظاهر الله. وقال محيي الدين ابن عربي: «ما ~~وصفناه بوصف إلا كنا نحن ذلك الوصف، فوجودنا وجوده، ونحن مفتقرون إليه من حيث ~~وجودنا، وهو مفتقر إلينا من حيث ظهوره لنفسه.» # ووجد في المسيحية - أثناء القرنين الثاني عشر والثالث عشر - ~~أحاديون سافرون، قال أحدهم، واسمه ~~أموري دي بين: «الله وجود الكل.» وإن معنى الخلق إعلان الموجود الأوحد عن مظاهر من ~~ذاته، وإن كل إنسان فهو عضو إلهي كالمسيح، فهو فوق الخطيئة، وكل فعل إنساني فهو ~~صادر عن الله الموجود الأوحد، فلا تغاير بين الخير والشر، ولا موجب لإباء أي شيء ~~على الطبيعة، بل تمنح كل ما تشتهيه. واصطنع دافيد دي دينان الأحادية المادية، ms118 فأنكر ~~كل فرق بين المادة والروح والله؛ وقال: إن المادة الأولى أو الهيولي هي الله، ~~والوجود واحد؛ ودليله أنه لكي يختلف شيئان يجب أن يكون فيهما عنصر مشترك وعنصر فاصل ~~أو فارق، وليس بين المادة والروح عنصر مشترك، فليس هناك شيء يفصل بينهما، فهما واحد ~~بالماهية. وقال إيكارت: «ما ليس عين الوجود فهو لا وجود.» ناسيا - كما نسي ~~بارمنيدس - أن ما ليس موجودا بذاته قد يوجد بغيره نوعا من الوجود. وكثيرون غير ~~هؤلاء لا فائدة من إيراد أقوالهم. # وأشهر القائلين بالأحادية في العصر الحديث: جيوردانو برونو، وباروخ سبينوزا، ~~وأربعة ألمان هم: فختي، وشلنج، وهجل، وشوبنهور، وصلوا إليها عن طريق مناقشة فلسفة ~~كنط. أقام برونو فلسفته على فكرتين أساسيتين: هما الوحدة واللانهاية. الوحدة ترابط ~~الأجزاء ونظامها، واللانهاية امتداد الكون إلى غير حد في المكان وفي الزمان. من حيث ~~المكان الكون مليء بعوالم لا تحصى، ما نظامنا الشمسي إلا واحد منها. ويملأ الكون ~~أثير لا متناه منطو على بذور أو عناصر الأشياء، وغاياتها، وقوانين نموها. وهي ~~مادية روحية معا، أزلية أبدية، وهذه هي اللانهاية في الزمان، تجتمع وتفترق، فتؤلف ~~الأشياء. لم يخلقها الله بالإرادة أو عن شهوة (كما قال الهنود)؛ إذ ليس الكمال ~~الأعظم بحاجة إلى شيء، بل وجدت عنه بضرورة ذاتية. وهو حاضر لدى الأشياء حضور الوجود ~~للموجود، أو حضور الجمال للجميل. هو الواحد المطلق؛ هو جميع الأشياء؛ وليس شيئا ~~منها. وهو ليس عقلا؛ إذ إن المعرفة تفترض عارفا ومعروفا؛ والواحد أرفع من هذه ~~الثنائية، وهو أرفع من الوجود، بمعنى أنه منبع كل وجود. فلا نضيف إليه أي محمول، لا ~~الوجود ولا الماهية ولا الحياة، فإنه أعلى من هذه الإضافات، وإنما نقول: إنه يلد ~~العقل (الكلي)، والعقل يلد النفس (الكلية). والنفس تلد جميع الصور المطوية ~~فيه. # وسبينوزا معدود إمام المذهب في الفلسفة الحديثة: صاغه صياغة محكمة بمبادئه ~~ونتائجها ونتائج نتائجها، مبرهنة كلها على الطريقة الهندسية، كي يتفق شكله القياسي ~~مع موضوعه النازل من المبدأ الأول إلى الصفات والأحوال. المبدأ أن الوجود ms119 أجمع جوهر ~~واحد، له صفات كثيرة جدا، لكنا لا نعرف منها سوى اثنتين، هما الفكر والامتداد، ~~والجزئيات أحوال للصفات: النفوس أحوال الفكر، والأجسام أحوال الامتداد، وهو علة ~~ذاتية أو باطنة، لا علة مفارقة؛ إذ ليس للأشياء قدرة وفعل. وإذا قلنا: إن الله ~~علة حرة، فليس ذلك بمعنى أن الأشياء كان يمكن أن تحدث على خلاف ما هي، بل بمعنى ~~أن الكل يفيض ضرورة عن طبيعته، كما يفيض عن طبيعة المثلث مساواة زواياه لقائمتين. ~~فالبرهنة على وجود الله في هذا المذهب ترجع إلى برهنة على وجود مبدأ وحدة باطن في ~~العالم ذاته. ومبدأ الوحدة أن لكل شيء قدرة ذاتية على الوجود بقدر ما له من حقيقة ~~موضوعية، والله غير متناه، فله قدرة مطلقة على الوجود، وهو موجود مطلقا ، فإن كمال ~~الشيء لا ينتزع منه الوجود، بل على العكس يثبته، وإلا كانت المتناهيات الموجودة ~~بالفعل أعظم قدرة من موجود لا متناه غير متحقق، وهذا خلف. وليس الله كائنا ~~شخصيا، فإن كل شخصية (أو أنا) تتضمن تمايزا من أي شيء آخر (أو تعارضا بلا أنا) ~~ومن ثمة ماهية ما معينة، وكل تعيين فهو حد للماهية المعينة دون سائر الماهيات، وهذا ~~متعارض مع الطبيعة الإلهية اللامتناهية، أي اللا معينة. والله والعالم واحد، وما ~~بينهما سوى فرق في وجهة النظر؛ الله هو «الطبيعة الطابعة»، أي معتبرا في كل ما ~~يلزم ضرورة عن الطبيعة الإلهية، والعالم هو «الطبيعة المطبوعة»، أي جملة الأحوال ~~المتناهية العابرة المعبرة عن الصفات. ولكن الأحوال ضرورية كالصفات، تتطور بضرورة ~~مطلقة: «لا إمكان ولا حدوث في الطبيعة.» # وكان لسبينوزا تأثير قوي في ألمانيا، فضلا عن تأثيرات أخرى، فوصل أربعة فلاسفة ~~معدودين، هم فختي وشلنج وهجل وشوبنهور، إلى وحدة الوجود عن طريق مناقشة فلسفة كنط. ~~رأى فختي فيها صعوبتين عاتيتين: إحداهما أن الموضوعات الحساسية آتية إلينا من ~~التجربة، وليست موضوعات العقل آتية منها، بل من العقل نفسه، فكيف يتفقان؟ الصعوبة ~~الثانية: إذا لم يكن لمبدأ العلية قيمة موضوعية - على ما يقرر كنط - فكيف تصدر ms120 ~~الظواهر عن الجواهر؟ لأجل حل الصعوبة الأولى يمحو فختي الجواهر، وهي على كل حال غير ~~معلومة، فلا تعود هناك حاجة لتطبيق مبدأ العلية، ويقول: إن الظواهر آتية من الذهن ~~كالمعاني العقلية، مادة وصورة؛ من الذهن يعني من الأنا، فالأنا هو المطلق، هو كل ~~شيء. إنه بإحساساته ومعانيه يثبت نفسه، وبإثباته نفسه يثبت اللا أنا. والحل عند ~~شلنج أن من الضروري رد اللا أنا أو الطبيعة إلى الوجود، كأحد وجهين للوجود. وقال ~~هجل: ليست الأشياء آتية من الأنا كما عند فختي، إنها آتية من المطلق كما عند شلنج، ~~والطلق فكر أو مثال يتطور من أبسط حال إلى مختلف المركبات، كالفن والعلم والدين ~~والفلسفة؛ فليس الله فعلا محضا، كما قال أرسطو، ليس الله متحققا بالتمام ~~والكمال، وإنما هو قوة تتطور لكي تتحقق. وآمن شوبنهور بالأنا المطلق، ولكنه جعل منه ~~إرادة تبعث التطور. هذه المذاهب هي - بعد مذهب بارمنيدس - الصيغة التصورية لوحدة ~~الوجود. # هذا؛ وقد يجد البعض أننا أسهبنا وأسرفنا فيما كان الغرض منه التلخيص، لكنا أردنا ~~أن نستعرض المسائل التي ثارت بصدد الألوهية، شرحا لموضوع هذا العلم وتمهيدا ~~لمناقشتها. # | هوامش # الفصل الثاني # | البرهنة على وجود الله # (1) ثلاثة براهين عامة # جعلوا من البرهنة على وجود الله معضلة كبرى، وهي في الحقيقة من أيسر البرهنات، ~~خلافا لما ظن بسكال وأضرابه، بل لعلها أيسرها، لدورانها على معان غاية في ~~البساطة، كمعنى الفعل والقوة، وعلى مبادئ غاية في البيان، كتقدم الفعل على القوة. ~~فما إن نتأمل معنى الفعل حتى ندرك تقدمه على القوة. # وما إن ننظر في شواهد القوة حتى ندرك بساطتها وبيانها وخضوعها لهذا المبدأ خضوعا ~~مطلقا لا يحتمل أدنى تردد، بل يقودنا رأسا إلى اليقين الناصع. # 1 # هذه الشواهد هي: التركيب، والتغير، والحدوث، والتناهي: أربعة وجوه ~~يتبين منها نقص العالم، واحتياجه إلى موجود كامل يفسره. وهذا هو الأصل في اشتغال ~~العقل بالفحص عن وجود الله وماهيته. # فالمركب تابع لأجزائه لاحق عليها، وليس التابع اللاحق مفسرا بنفسه، بل بأجزائه، ~~وبالعلة المركبة. والمتغير لا يتغير بذاته ms121 من الوجه الذي هو فيه بالقوة، فليس ~~للساكن أن يتحرك إلا بمحرك حاصل على قدرة التحريك بنفسه، أو متحرك بآخر، حتى نصل ~~إلى محرك بنفسه. والحادث، أي الموجود بعد لا وجود، لا يوجد ذاته، وإلا كان سابقا ~~على ذاته، وهذا بين البطلان في كل ما لا يوجد بنفسه. والموجود المتناهي المحدود ~~محصور في ماهية معينة، وفي مكان وزمان معينين، ~~وينقصه ما خلا ذلك من ماهيات وأمكنة ~~وأزمنة، فلا يكون مبدأ أولا مفسرا بنفسه. وغير صحيح أن فكرة اللامتناهي الكامل ~~سابقة في عقلنا على فكرة المتناهي الناقص. ولأجل أن نعلم أن موجودا ما هو ناقص، ~~فلا حاجة إلى مقارنته بالكامل، بل تكفي مقارنته بموجود أقل نقصا منه. # هذا إجمال للبراهين على وجود الله، قد يقنع به المتأمل في معانيها ومبائدها برؤية ~~بريئة من تقليد المنكرين وإغرابهم. ولكن المنكرين قد أسرفوا حقا في الاعتراض ~~والتخريج والإغراب، فلابد من استئناف النظر في تلك البراهين لزيادة جلائها، ودفع ~~الشبهات عنها، ودحض الاعتراضات عليها، كي تخرج جلية ناصعة شارحة للصدور. ولم نشأ أن ~~نجمع كل ما أسمي برهانا أو دليلا، فإن منها الضعيف الحقيق بالإبطال، وأخصر من ~~الإبطال والإغفال، والنتيجة واحدة. بل اقتصرنا على ثلاثة براهين عامة، أي شاملة ~~للموجود بما هو موجود أعني لجميع الموجودات، وخمسة منطبقة على طائفة معينة أو ناحية ~~من الوجود. ~~(2) برهان من الحركة إلى محرك ثابت # كل موجود طبيعي؛ فهو متحرك إما بالنقلة من مكان إلى آخر، أو من حال إلى غيرها، أو ~~من مقدار إلى أكثر منه، وبالعكس. فالحركة ظاهرة عامة في الطبيعة. ومبدأ البرهان أن ~~ليس يمكن أن يكون شيء بعينه محركا لنفسه، وإلا لزم وجوده قبل نفسه، وهذا محال، حتى ~~الكائن الحي الذي نقول إنه متحرك من ذاته. فإنه منتظم من قوى ومن أعضاء يحرك أحدها ~~الآخر. فكل متحرك هو في الحقيقة متحرك من غيره. وسنبين الآن أنه لا يجوز التداعي ~~إلى غير نهاية في سلسلة العلل المحركة، وأن لا بد من الانتهاء إلى محرك أول غير ms122 ~~متحرك. # وليس المقصود فقط الحركة المادية الآلية، بل كل تغير أو خروج من القوة إلى الفعل، ~~كخروج الإرادة التي هي قوة روحية، فنصل إلى محرك كلي يحرك كل موجود، مباشرة لا ~~بالواسطة، فإن العلة الأولى تفعل في كل فعل؛ لأنها علة كل وجود، والفعل وجود، لكن ~~بحيث يكون لكل موجود أيضا فعل خاص، على ما سنوضحه بعد. # وليس المقصود الرجوع إلى لحظة أولى بدأت فيها علية الله، كما يتوهم كثيرون، بل ~~الصعود في الآن الحاضر وفي كل آن إلى علة أولى. بغض النظر عن قدم العالم وحدوثه. ~~وهذا يعني أن البرهان يعتمد بالذات على علل مقتضاة بالذات للمعلول ومرتبة فيما ~~بينها، فهي متناهية العدد حتما، وإلا لم يوجد هذا المعلول. والفارق بين هذا ~~الترتيب أو التسلسل بالذات وبين التسلسل الزماني أو بالعرض أنه ليس يستحيل أن يتولد ~~الإنسان من إنسان إلى غير نهاية إذا افترضنا قدم العالم، وهذا تسلسل بالعرض، بينما ~~يمتنع التسلسل لو كان توليد إنسان متوقفا على إنسان وعلى العناصر الطبيعية وعلى ~~الشمس، وهكذا إلى ما لا يتناهى. # وامتناع التسلسل في العلل يعني عدم ~~الوصول أبدا إلى علة أولى، أو عدم وصول العلية إلى المعلول، فيظل المعلول الذي ~~نطلب علته معلقا بلا علة، ويبطل مبدأ العلية، وهو بديهي لا يمكن إبطاله. وليس ~~معناه أن لكل موجود علة، كما ظن كنط، بل إن لكل معلول علة، أي لكل ما يظهر للوجود ~~ويدل بهذا الظهور على افتقاره، وإلا لأدى مبدأ العلية إلى إنكار العلية، كما تقدم، ~~وهذا خلف. وتتضح ضرورة الوقوف عند علة أولى إذا عكسنا السير وحاولنا التأدي من ~~العلة إلى المعلول، فإننا نرى حينئذ استحالة هذه المحاولة أيضا، من حيث إننا ~~افترضنا مسافة غير متناهية بين الحدين، والمعلول مع ذلك ماثل أمامنا. فهل هناك ~~برهان أبين من هذا؟ ~~(3) برهان من النظام إلى منظم # يمضي هذا البرهان من النظام البادي في الأشياء وفي علاقاتها بعضها والبعض، حتى ~~العاطلة عن المعرفة، فإنها جميعا توجد في هيئة مخصوصة متناسقة، وتفعل دائما ms123 أو في ~~الأكثر على سياق مطرد، إذا لم يعقها عائق، كما يبين من تجربتنا اليومية ومن ~~القوانين العلمية، فتصون وجودها وتصون النظام في العالم؛ مما يقطع بأنها لا تبلغ ~~إلى غايتها مصادفة، بل قصدا، والمصادفة لا تجري على نظام، ولا ترمي إلى نظام. وإذا ~~فرضنا المستحيل وسلمنا جدلا أنها قد تؤدي إلى النظام مرة، فليس يعقل أن تكون هي ~~سبب تحقيق النظام في جميع الكائنات، وسبب استمراره واطراده، ومبدأ البرهان أن ~~الكائن الخالي عن المعرفة، لا يتجه إلى غاية ما لم يوجه إليها من عارف، وأن ~~المتباينات لا تتسق بعضها مع بعض ما لم يطبعها طابع على الاتساق. والنتيجة أن لا بد ~~من موجود عارف صنع الكائنات، ورتب لكل منها هذين النوعين من النظام، واحد له في ~~ذاته ، وآخر له مع غيره. # ومما تجب ملاحظته أن هذا البرهان، في حد ذاته، لا يقتضي إثبات نظام شامل في ~~العالم أجمع، بل حتى لو أربت جملة الاضطراب على جملة النظام - وهذا محال - يبقى من ~~المتعين الفحص على علة النظام حيثما وجد. والعلامة المميزة للمصادفة، والمفرقة ~~بينها وبين الغائية، هي عدم الاطراد وعدم النظام، بينما النظام السائد في العالم ~~ثابت كل الثبات، مطرد بلا تخلف على تعقده، تحكمه قوانين نتوقع معلولاتها توقعا ~~يقينيا: فكيف يدعى أن مثل هذا النظام المطرد ناتج مصادفة، أي من عدم النظام ~~وعدم الاطراد؟ ومع ذلك فهذا ما يدعيه منكرو الغائية. وهم يؤيدون دعواهم بقولهم: إن ~~جميع الذرات المركبة للأشياء قد تحققت تركيباتها مرة أو أخرى ضرورة في غضون أزمنة ~~متطاولة. # ونحن نرد بأن من الممكن جدا بل من الراجح جدا أن تكون أبسط المركبات هي التي ~~تحققت، وهي التي تعود إلى ما لا نهاية لقلة ذراتها وسهولة اجتماعها، ولا تكون عادت ~~المركبات المعقدة. ونسألهم: ماذا تفيد المركبات المعقدة لو عادت ملايين المرات؟ كيف ~~نسلم بأن الحياة والفكر ينتجان عن اجتماع ذرات مادية، أي عن قوى عمياء؟ إحدى ~~اثنتين: إما أن موجودا عاقلا صنع العالم المادي، أو أن العالم ms124 المادي صنع العقل ~~والعاقل، ولا وسط بين الطرفين؛ ولا ريب أن الطرف الأول أكثر رجحانا وأيسر ~~قبولا. # وعلى ما لهذا البرهان من قوة وحظوة في كل عصر، فقد عارضه كثيرون. أهم اعتراض أن ~~العالم متناه، فلا يقتضي سوى منظم متناه، وأن الانتقال من المنظم المتناهي إلى ~~منظم غير متناه، غلط منطقي هو أشبه شيء بغلط دليل القديس أنسلم حيث ينتقل من ~~الموجود الكامل المتصور في الذهن إلى موجود كامل في الحقيقة. والجواب أن هذا القول ~~كان يصح لو أن نظام العالم ترتيب أشياء جاهزة واستخدام علاقات خارجية على ما يصنع ~~صانع الساعة، أو أي آلة من آلاتنا؛ حينئذ كان يمكن أن يقال: إن هذا البرهان يؤدي ~~إلى مهندس متناهي الذات ليس غير؛ ولكن نظام العالم ناتج من تجهيز الأشياء أنفسها ~~بإيجادها على نحو معين منسجمة الأجزاء ثابتة التركيب باقية الخصائص؛ فهو صنع صانع ~~الأشياء، مادة وصورة. ثم إن هذا الصانع إما أن يكون وجوده بذاته، فلا يعود ~~للاعتراض وجه؛ إذ يكون هو الإله اللامتناهي الذي نفحص عن وجوده؛ وإما ألا يكون ~~بذاته، فيصبح هو موضوع سؤال ومطلوب برهان، حتى نصل إلى العلة الأولى اللامتناهية. ~~وأخيرا فلا جدوى من هذا الاعتراض؛ لأننا نصل على كل حال إلى علة أرفع منا، وإذا ~~سلمنا بها، أي بمهندس للكون، فما الذي يمنع من التسليم بإله خالق غير ~~متناه؟ # وقد وجه هنري برجسون إلى هذا البرهان هجوما لم يخطر لأحد من قبل، قال: إن النظام ~~على نوعين، أحدهما آلي، والآخر إرادي، والنظام ضروري دائما على إحدى هاتين ~~الصورتين، وما يسمى عدم نظام تعبير منا عن حالة لم نكن نتوقعها أو لا نريدها، كما ~~إذا قلنا عن غرفة: إنها غير منظمة، فمعنى هذا أننا كنا نتوقع أن نرى فيها نظاما ~~إراديا، وإذا بنا أمام نظام آلي، ومن هنا نرى أن فكرة عدم النظام فكرة زائفة، وأن ~~من العبث التساؤل عن سبب النظام، فهذه مسألة يجب محوها. # 2 # وجوابنا أن التسليم بهذين النظامين لا يمنع من تصور ms125 عدمهما جميعا. فمن الضروري ~~التساؤل عن سبب النظام متى وجد؛ لأن كل نظام فهو معلول، وليست الآلية مصدر نظام، ~~وعلى ذلك فليس يوجد نظام آلي إلا بافتراض منظم للعلل الفاعلية، فيرجع النظام الآلي ~~إلى الإرادي. هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن انتظام الموجودات كل في ذاته وكلها فيما ~~بينها، يوجدان في نفس الوقت، فإن النظام العام يعني أن الموجودات مختارة لهذا ~~الغرض من بين الممكنات. وأخيرا إن النظام نسبة الوسائل إلى الغاية، والنسبة أثر من ~~آثار العقل، وعدم النظام أثر عدم العقل، والعلل الفاعلية لا تشرع في العمل إلا إذا ~~كانت موجهة إلى غاية؛ لذا كانت الغاية علة العلل. فمتى وجد النظام وجدت له علة، وهي ~~علة عاقلة أو مرتبة من عاقل. # ومن الطبيعي أن يخطر اعتراض آخر ، فيقال: كيف يمكن أن تؤثر الغاية غير الموجودة ~~بعد، وأن يؤثر المستقبل في الحاضر، وما ليس موجودا فيما هو موجود؟ وجوابه: أن ~~الغاية علة حقة بما هي متصورة ومرادة، فيسبق لها وجود في فكر الفاعل، وإما بما هي ~~مرتسمة في طبيعة الفاعل، دافعة به إلى العمل، كما نشاهد في تطور الجنين، إذ تنبت ~~أعضاء مخصصة في تتال مخصص، دون أن يكون لها شأن بحاضره، وإنما هي تهيئة لمستقبله. ~~وجميع الطبائع الجمادية والنباتية والحيوانية فاعلة على هذا النسق، موجهة إلى بقاء ~~الموجود وخيره بكليته. وليس يمكن أن ينتج مثل هذا الانسجام آلي، ولكن ينتج من سبق ~~تدبير طبيعي. قد نخطئ إذا ظننا أن غاية الخراف توفير حاجتنا من الصوف، وغاية البنجر ~~توفير حاجتنا من السكر، والغاية من صياح الديك منعنا من الاسترسال في النوم، وأن ~~الشمام رسمت فيه الطبيعة قطعا كي يؤكل في الأسرة. هذه غايات ظاهرة تجيز لخصوم ~~الغائية أن يتندروا بها وبأمثالها. ولكنا لا نخطئ إذا توخينا الغايات الباطنية، ~~واعتقدنا أن الغاية من صوف الخراف إمدادها بالحرارة اللازمة لحياتها، وأن الطبيعة ~~وفرت وسائل أخرى للمحرومين من الصوف. # وعلى أي حال فليس احتجاج خصوم الغائية بحاسم، فقد تكون الغاية هدفا يقصد ms126 إليه، ~~كما ندعي نحن، وفي نفس الوقت نهاية أفعال آلية دون قصد كما يقولون. أجل إن الطير ~~يطير؛ لأن له جناحين، وإن الساعة تسجل الوقت؛ لأن أجزاءها متناسقة؛ ولكن أجزاء ~~الطير وأجزاء الساعة اتسقت للطيران ولتسجيل الوقت، لا لشيء آخر، ولولا هذا ~~الاتساق لتعطل الطير وتعطلت الساعة حتما، فإنكار وجود صانع صنع الساعة عن قصد وعقل ~~غلط ليس له أدنى مسوغ. كذلك الطيران هو العلة الغائية للجناحين، وهو الملحوظ في ~~تركيب الطير هذا التركيب المعين. وإنما يبدو القصد والعقل من النسب المتناسقة ~~والوسائل الكفيلة بإنتاج نتائج جميلة نافعة. والعالم مصنوع تسطع فيه أعجب الأنظمة ~~وأدق الوسائل للغايات المنشودة. فهو إذن صنع علة عاقلة. ثم إن للإنسان عقلا، وليس ~~هو صانع نفسه، فكيف لا يكون صانعه عاقلا؟ # وقد كان خليقا بالمتندرين أن يحذوا حذو أصحاب الغائية، ويمتحنوا شواهدها التي لا ~~تحصى كي يروا إن كانت متفقة مع المنهج العلمي، ذلك ما فعله ابن رشد في صفحة نريد أن ~~نثبتها هنا مثالا للاستدلال السليم، قال: إن الشمس لو كانت أعظم جرما وأقرب ~~مكانا لهلكت أنواع النبات والحيوان من شدة الحر. وكذلك لو كانت أصغر أو أبعد لهلكت ~~من شدة البرد. وتظهر العناية في أنه لولا فلكها المايل لما كان هنا صيف ولا شتاء ~~ولا ربيع ولا خريف. # وهذه الأزمان ضرورية في وجود أنواع النبات والحيوان. ولولا الحركة اليومية لم يكن ~~ليل ولا نهار، وكانت تكون نصف السنة نهارا، والنصف الأخير ليلا، وكانت الأشياء ~~تهلك من الحر في النهار، ومن البرد في الليل. وأما القمر فأثره بين في تكون ~~الأمطار، وإنضاج الفواكه؛ ولو كان أعظم أو أصغر أو أبعد أو أقرب، أو لم يكن نوره ~~مستفادا من الشمس، لما كان هذا الفعل، وأيضا لو لم يكن له فلك مايل، لما كان يفعل ~~أفعالا مختلفة في أزمان مختلفة؛ ولذلك تسخن به الليالي في زمن البرد، وتبرد في زمن ~~الحر: أما سخونتها في زمن البرد فلأن وضعه منا يكون كوضع الشمس في زمن الحر بأن ms127 ~~يكون أقرب إلى سمت رءوسنا إذ كان فلكه أكثر ميلا. وأما في زمان الحر فيكون الأمر ~~بالعكس إذ كان أبدا إنما يظهر في الجهة المقابلة للشمس ... وليس ينبغي أن يتوهم أن ~~ذلك لغير العناية بما هاهنا. وعلى مثال ما قلنا في الشمس والقمر ينبغي أن يعتقد ~~الأمر في سائر الكواكب. # 3 ~~(4) برهان من الممكن الوجود إلى الواجب ~~الوجود # الكائنات المختلفة تتكون وتفسد، تظهر وتزول، فهي قبل التكون والظهور ممكنة، قد ~~توجد وقد لا توجد، وليست معينة بذاتها وطبيعتها لأحد هذين الطرفين، فلا توجد إلا ~~لأمر مرجح، بعكس الممتنع لذاته وطبيعته، فإنه لا يوجد أصلا، كالدائرة المربعة؛ ~~وبعكس الواجب لذاته وطبيعته، فإنه موجود ضرورة، كالله، على ما سنذكر بعد، فلو لم ~~يكن هناك موجود واجب، وكانت جميع الكائنات ممكنة وقتا ما ، لما كان يوجد شيء الآن، ~~ولن يوجد شيء أبدا. والممكنات الموجودة كثيرة جدا، وإذن يوجد موجود واجب. # وليس يمكن أن يكون هذا الموجود مجموع الكائنات، فإنها متغيرة، والمجموع متغير ~~مثلها: إنه مزاج من فعل وقوة، ومن ثمة غير موجود بذاته، والتغير في عمومه يقتضي علة ~~منزهة عن التغير، كما بينا في برهان الحركة. # ومحال التداعي إلى غير نهاية في سلسلة الممكنات، كما أثبتنا آنفا. وحتى لو كانت ~~هذه السلسلة أزلية، فإنها عاجزة عن توفير علة كافية للوجود موجودة بذاتها. وإذن ~~يوجد موجود ضروري لذات ماهيته. # ولا نقولن مع الغزالي: # 4 # إن من التناقض إثبات صانع العالم مع الاعتقاد بقدم العالم، كما فعل ~~الفلاسفة؛ إذ ليس الصنع متعلقا بسبق العدم، وإنما هو لازم لإيجاد الممكن في أي ~~زمان كان، وسنبين في مسألة حفظ الله للمخلوقات أن المخلوق مفتقر إلى الله في كل ~~آن. # ويدعي كنط أن هذا البرهان مركب على غرار دليل القديس أنسلم المدعو بدليل ~~الأنطولوجي الذي يستنتج من فكرة الموجود الضروري فكرة وجود موجود كلي الكمال، وهذه ~~نتيجة إذا عكسناها عادت «الموجود الكلي الكمال موجود ضروري، أي يوجد ضرورة». ولكن ~~برهاننا يمضي من الوجود الواقعي لموجودات ممكنة لاستنتاج وجود ms128 واقعي تقتضيه. ~~(5) خمسة براهين خاصة # تلك هي براهين عامة، أي شاملة لكل موجود طبيعي. وهي يقينية لأول وهلة إذا خلصنا ~~اليقين من الشوائب التي غشوه بها. تستند على يقينيات كالمشاهدات التجريبية ومبدأ ~~العلة الفاعلية، ومبدأ العلة الغائية، بحيث تبدو أنها وفطرة العقل شيء واحد. وهنالك ~~براهين أخرى خاصة، أي مأخوذة من موجودات معينة أو وجهات معينة للموجودات، لا تقل ~~عن تلك إحكاما وضرورة ويقينا: # برهان أول: # من حيث العموم والشمول موضوع تضاؤل الطاقة في الطبيعة: فقد كان ~~المعتقد أن الطاقة ثابتة للمادة، لا تخلق ولا تندثر، وأن المادة ~~لا تخلق ولا تندثر، ثم تبين أن الطاقة تنتظم من قسمين، قسم عامل ~~يتحول إلى كيفية من الكيفيات الطبيعية كالحرارة مثلا، أو كالحركة، ~~وقسم ساكن عديم الأثر كأنه معدوم، وأن القسم العامل تتضاءل كميته ~~باستمرار، فدل ذلك على أمور هامة للغاية: # أمر أول: # أن الطاقة - وبخاصة الطاقة العاملة - ليست ~~للمادة بماهيتها، كما اعتقد كثيرون في مقدمتهم ~~الماديون، فهي إذن آتية من علة مغايرة لها، وأن ~~لوجود المادة نفسها علة. # أمر ثان: # أن العالم ليس أزليا؛ لأن تضاؤل الطاقة ~~العاملة يعني أنها متناهية ذاهبة إلى النفاد، فلو ~~كانت الطاقة أزلية لنفدت حتما. # أمر ثالث: # أن العالم ليس أبديا ما دامت الطاقة متروكة ~~لشأنها، وهي زائلة، فإذا بقي العالم كان بقاؤه بفضل ~~علة متمايزة منه. # برهان ثان: # مأخوذ من علم الحياة. وهو أضيق نطاقا من البرهان السابق: مؤداه ~~أنه يمتنع تفسير الحياة بالعناصر المادية وحدها، فلا بد من خالق ~~لها، على ما بينا هنا في مبحث الحياة النامية. # برهان ثالث: # مستمد من غرائز الحيوان، وهي جزء من كيانه لا يتجزأ، وهي وكيانه ~~أعجب ما يكون من بين الغائيات تنوعا ودقة. # برهان رابع: # أو براهين لا تحصى مستمدة من وجهات تبدو فيها استحالة تعليل أي ~~شيء كان بدون الله. وهي براهين خلف تعدل البراهين المستقيمة قوة ~~ودلالة. # برهان خامس: # متخذ من النفس الإنسانية، وما نشعر به من اشتهاء السعادة اشتهاء ~~ضروريا، وتجربتها أن الخيرات الجزئية ms129 لا توفر لها إلا سعادات ~~جزئية زائلة قد يكون جلها زائفا خادعا، وعلمها بأن السعادة لا ~~تتحقق إلا بالخير بالذات البريء من كل شائبة؛ وأن من المستحيل ذهاب ~~النزوع الطبيعي عبثا، إذ إنه يكون حينئذ بلا غاية ولا علة، وما ~~كان هكذا فهو متناقض معدوم، فإن للنزوع الطبيعي نسبة إلى غاية ~~وميلا إليها؛ فتحكم النفس بوجود موجود هو الخير بالذات الذي يرضي ~~ذلك الميل تمام الرضى. وما لمبدأ الغائية من قيمة مطلقة يعطي هذا ~~البرهان قيمة مطلقة. وإذا اعتبر كل إنسان هذا الميل الأساسي والتزم ~~به، اتجه إلى الفضيلة وانحلت المشكلة الخلقية، إن توقان النفس ~~إلى الخير والكمال - ولو مرة واحدة - لهو الدليل الأقوى على وجود ~~الله. # | هوامش # الفصل الثالث # | صفات الذات الإلهية # (1) الصفات الإلهية بالإجمال # البراهين المتقدمة أظهرتنا على وجود علة أولى لجميع الكائنات، بل أيضا على طرف ~~من ماهية العلة الأولى: فالله هو المحرك الثابت، والمنظم العليم، والموجود الواجب، ~~وصفات أخرى لازمة عن هذه، يجب الفحص عنها، تحقيقا لمعنى العلم القاضي باستيفاء ~~موضوعه، وإرضاء للميل الطبيعي الدافع إلى تشوف معرفة العلة حالما نعرف معلولا ما، ~~وإلا بقي العقل حائرا قلقا. كل علة فهي تفعل طبقا لماهيتها، وكل معلول فهو يحمل ~~في كيانه فعل العلة، وينم عليها بمحمولات غائبة عن المشاهدة، فتجتمع لدينا في هذا ~~العلم «صفات» سميت هكذا تفاديا من تصورها أعراضا زائدة على الذات مركبة معها، ~~وليس الحال كذلك في حق الله، كما سنرى في شواهد كثيرة. # على أن العلم هاهنا مشوب بخفاء كثيف، لكونه استدلاليا مكتسبا بواسطة، وليس ~~حدسيا واقعا على المعلول نفسه؛ وهذا شأن الإنسان بإزاء كل علة يستدل عليها ~~بمعلول لها، ويقيس غائبها على الشاهد. يضاف إلى ذلك أن المعلوم نفسه مجاوز لفهمنا ~~لعلو الألوهية على مراتب الموجودات، فليس من الحكمة في شيء الانقياد إلى اللائحات ~~الفكرية الأولى والصور الخيالية. إن الإخلاص للحق يقضي علينا بأن نوطن النفس على ~~هذا الخفاء، وأن نلطف من قلقنا وحيرتنا بالاستمساك بالقضايا الثابتة عند العقل، ~~وبالنتائج اللازمة عنها ms130 لزوما منطقيا، فنذكر تنبيهين، إذا علمنا بهما اجتنبنا ~~أخطاء عديدة: # التنبيه الأول: # أن معرفة الغائب تحصل بالحكم لا بالتصور الساذج؛ لأن التصور ~~يكتسب في الحقيقة بالمشاهدة، فإذا حكمنا بأن الله عليم مريد، كان ~~هذا الحكم صادقا لابتنائه على شواهد قاطعة، ولكن لا ينبغي أن ~~نحاول تصور العلم الإلهي أو الإرادة الإلهية في ذاتهما، أي النحو ~~الذي توجد عليه الصفة في الله، فإن مثل هذا التصور ممتنع علينا ~~لغيبة الماهية الإلهية عن عقلنا، وللفرق اللامتناهي بين عقلنا ~~وبينها. ولا ينبغي أن نتهم علمنا من أجل قصور تصورنا، كما يفعل ~~اللاأدريون الذين يدعون أننا لا نعرف عن الله شيئا. # التنبيه الآخر: # أن كل ما نحكم به ~~في حق الله يقال بالتشكيك، أي تبعا للماهية الإلهية، لا بالتواطؤ، ~~أي تبعا لماهية المخلوقات، فلا نتصور الله على مثالنا، ولما كان ~~الله غير معلوم لنا علما مباشرا، تظل الصفة المحكوم بها خافية ~~دون أن ينقص هذا الخفاء من قوة الحكم، ويتحتم علينا أن نحتاط من ~~التواطؤ وأن نرسم الحدود لإضافة الصفة لله، فإذا قلنا: إن الله ~~عليم مريد، امتنعنا من تصور العلم والإرادة في الله قوتين ~~متمايزتين من الذات، متدرجتين في الفعل، متناولتين موضوعات جزئية ~~عديدة، كما هو الحال في الإنسان، وسنرى من الأمثلة ما يزيد هذا ~~الإيجاز إيضاحا. # والصفات طائفتان: صفات الذات، وصفات الفعل. الطائفة الأولى لوازم لمعنى العلة ~~الأولى، مقتضاة لها ضرورة بهذا الاعتبار، كالبساطة المطلقة واللانهاية، والثبات أو ~~عدم التدرج والتغير، والوحدانية والسرمدية، أي البقاء أزلا أبدا، والعظم أو ~~الوجود في كل مكان، وفوق ذلك صفات الموجود بما هو موجود، المتحققة إلى أقصى حد في ~~الوجود الأعظم، وقد أسهبنا في شرحها في كتاب «العقل والوجود»، وهي أنه الحق بالذات، ~~والخير بالذات، والجمال بالذات. # والطائفة الثانية تشمل آثار العلية الإلهية، بالنسبة إلى تدبير العالم ~~والعناية بالإنسان، مثل العلم، والإرادة، والمحبة، والحرية، والقدرة، وفيما يلي ~~إثباتها بأدلتها، وبيان كيفية تصورها. ~~(2) البساطة أو عدم التركيب # أول صفة تلزم عن فكرة العلة الأولى الواجبة الوجود، هي ms131 وجودها بذاتها، لا بعلة ~~أخرى، وهذا يعني أنها بسيطة كل البساطة، غير مركبة أصلا لا من أجزاء مادية، ولا من ~~هيولي وصورة، ولا من جنس وفصل نوعي، ولا من جوهر وعرض، فإن مقتضى العلة الأولى أن ~~تكون بسيطة من كل وجه؛ إذ إن التركيب يتبع المركب لأجزائه المركبات ويؤخر وجوده عن ~~وجودها، ويقتضي علة للتأليف بينها، فلا تعود أولى تلك العلة المقولة أولى، ولما كان ~~التسلسل إلى غير نهاية في سلسلة العلل غير جائز، ولزمنا أن نتوقف، وأن نعترف بأن ~~العلة الأولى وجود محض، دون تعين بماهية خاصة، وأنها فعل محض، دون اختلاط بقوة. ~~وهذه نقطة على أعظم جانب من الأهمية، وسنعود إليها مرارا للاستدلال على الصفات ~~التالية. إنها تقفنا على أخص ما يخص الذات الإلهية، وعلى الأساس الذي تقوم عليه ~~سائر الصفات في عقلنا، ولو لم يكن في الله متقدم ولا متأخر. # هذا معنى البساطة. فليس المقصود بساطة الموجود الهزيل الناقص الذي إن ائتلف مع ~~غيره ألف وإياه شيئا أقل هزالا ونقصانا. إن المقصود بساطة من حيث الكيف لا ~~من حيث الكم، هي بساطة موجود يتكمل بها نفسها؛ لأنه غير معين للاتحاد بأي موجود ~~آخر، غير مشتمل بحال على أجزاء متمايزة. إنه الموجود المطلق المنزه عن كل تعيين ~~وكل نسبة. # هنا يستوقفنا هملتون وسبنسر وباقي أنصار نظرية نسبية المعرفة، قائلين: إن المطلق ~~غير مدرك، والفكر الذي يتصوره يحده ويحيله غير مطلق. # ونحن نقول: أجل، إن المطلق يعلو على النسبة علوا كبيرا، وإن معانينا المكونة ~~من المحسوسات لا تلائمه تمام الملاءمة، ولكن أليس يعتبر مجرد وضع المطلق ضربا من ~~الإدراك؟ والعالم صنع الله، فهل يمكن أن يكون مظهر المصنوع مغايرا للصانع إلى حد ~~أن لا ينم عليه بتاتا؟ إن لنا أن نضيف إلى المطلق صفات مستفادة من العالم، على ~~ألا نضيفها بالتواطؤ، بل بالتشكيك أو بالتناسب، كما قلنا الآن، والفكر الذي يتصور ~~المطلق لا يحده ولا يحيله غير مطلق، بل يعلم في نفس الوقت أن المطلق قائم بذاته، ~~وأنه هو ms132 معلول له متعلق به، فيرد إليه إطلاقه، ولا يتخذ من النسبة الظاهرية بين ~~الفكر والمطلق في التصور، دليلا على أن الله قد صار نسبيا. إنها نسبة من جانب ~~الفكر لا من جانب المطلق. ~~(3) اللانهاية # للاتناهي معنيان: أحدهما اللاتعيين واللاحد، مثل أي موجود بالقوة قابل لأن يصير ~~أي شيء، ومثل قبول المادة للانقسام إلى غير حد، ومثل التسلسل إلى غير حد، وهذا هو ~~اللامتناهي بالقوة، لا يتم أبدا، بل يتدرج زيادة أو نقصانا، كما تتدرج الأعداد. ~~والمعنى الآخر كمال الوجود، أو الوجود فعلا محضا. وهو معدول كالأول مستفاد بسلب ~~الحد والتناهي، ولكن بينهما فرقا عظيما: هو أن الثاني محصل ثبوتي في ذاته، فإذا ~~وصفنا الله باللانهاية، فبمعنى أن الله غير محدود، ولكنه كفيل باستيعاب كل كثرة ~~والعلو عليها. # وقد زعم ديكارت أن معنى الكامل سابق في معرفتنا على معنى الناقص، وأننا نكتسب ~~معنى الناقص بالحد من معنى الكامل. وليس هذا بصحيح، بل الصحيح هو العكس، على ما ~~نشاهد في فكرنا، فإن المتناهيات هي الحاضرة لنا واللامتناهي غير حاضر. وزعم لوك ~~أن معنى اللامتناهي مستفادان بإضافة المتناهي إلى المتناهي. هذا حق في الماديات ~~اللامتناهية بالقوة القابلة للقسمة والإضافة. أما الصفة الإلهية فهي لا نهائية ~~الكمال، لا لانهائية المادة، وليس الله جسميا أو مقبولا في جسم. فقد خلط لوك بين ~~اللامتناهي بالفعل أو الله، واللامتناهي بالقوة أو الماديات. # من هذه التعريفات يلزم أن الموجود اللامتناهي بالفعل بسيط كل البساطة، كما قلنا: ~~إن البسيط لامتناه بالفعل؛ إذ لو كان مركبا قابلا للقسمة لكان كل جزء من ~~أجزائه متناهيا، وكان هو وأجزاؤه كلا لامتناهيا، وهذا خلف. وما القول بلانهائية ~~الله سوى تعبير آخر عن الكمال؛ لأن الله وحده كامل مطلق، لا لامتناه نسبيا، كأنه ~~يفوق المخلوقات وحسب؛ لذا لا يعود هناك وجه للتساؤل إن كان العالم يزيد وجودا على ~~وجود الله. كلا؛ فإن العلة تحتوي وجود المعلول على نحو أعلى، فكيف نجمع بينهما؟ هل ~~نجمع الأضواء المنتشرة على الأشياء إلى ضوء الشمس مصدرها؟ هل نجمع ms133 العلم المخطوط في ~~كتاب إلى علم مؤلف الكتاب؟ هل يزيد الضوء المنتشر في العالم شيئا على ضوء الشمس؟ ~~أو هل يزيد العلم المدون في كتاب شيئا إلى علم المؤلف؟ # والأصل في وصف الله باللانهاية ~~التفكير المسيحي، فقد كان آباء الكنيسة أو أئمتها ينفرون من صفة المحرك الأول؛ لأن ~~الحركة ظاهرة مادية، والله روح صرف، الأليق به صفات روحية دالة على الذات الإلهية ~~نفسها، لا على فعل أيا كان من أفعالها. قال القديس ألبرت الأكبر: إن الحكم ~~بوجود ذات لامتناهية ابتداء من المعلولات المتناهية، خروج بمبدأ العلية إلى أبعد ~~مما يجوز، إذ إن هذا المبدأ لا يتطلب سوى علة متناسبة مع المعلول، والمعلول الذي هو ~~العالم متناه. وقال دنس سكوت: إن إله المسيحية لامتناه، وإن هذه هي الصفة ~~الأساسية التي تميز الخالق من المخلوق، فيجب أن يمضي البرهان على وجود الله من ~~مقدمة تؤدي رأسا إلى هذه النتيجة، وبرهان المحرك الأول، على ما له من قيمة ضرورية ~~لابتنائه على مبدأ العلية، يبلغ إلى العلة بالحركة التي هي ظاهرة مادية حادثة على ~~كل حال، فلا يعرفنا الله إلا بواسطة أدنى كمالاته، ولا ينتج بالذات أن الله ~~لامتناه؛ لأن الأول في جنس معين قد يكون متناهيا. هذا غير صحيح؛ لأن المحرك الأول ~~ليس متحركا أول كالفلك المحيط في العلم القديم، ولكنه المحرك غير المتحرك، أي ~~العلة الأولى للحركة، فهو علة خارجة عن المتحركات، وإلا كانت مفتقرة إلى علة، ~~وتسلسلنا، فلم نصل إلى علة حقة. فالعلة الأولى موجود لامتناه بالضرورة من حيث هو ~~علة أولى. ~~(4) الوحدانية # من بساطة الذات الإلهية؛ ومن لا نهائيتها، تلزم الوحدانية: وهي غير الواحدية التي ~~تعني عدم انقسام الموجود في ذاته، وانفصاله عما سواه، بينما الوحدانية تعني عدم ~~وجود نظير أو شبيه أو مثيل. والواقع أن ليس يوجد، وليس يمكن أن يوجد سوى إله واحد ~~أو وحداني. أما أن الوحدانية تلزم من البساطة فلأن الموجود بطبيعته وذاته موجود ~~بهما غير متكثر، وأما أنها لازمة من اللانهاية، فلاستحالة وجود لامتناهيات عدة، ms134 من ~~حيث إن اللامتناهي مستوعب كل شيء، وإذا تعددت الآلهة، فلا واحد منهم غير متناه، أي ~~لا واحد منهم إله، بل كل واحد عادم شيئا، وليس حاصلا على كل كمال الواجب ~~للإله. # كان آباء الكنيسة الأولون يدللون على وحدانية الله بوحدة العالم ووحدة نظامه: ~~ولكن هذا الدليل ضعيف، فإن تعدد العوالم يتفق مع وحدانية الخالق؛ إذ من الممكن أن ~~يصنع واحد مصنوعات مختلفة، كما هو ظاهر في الجزئيات المحيطة بنا. ثم إننا لا نعلم ~~كثرة العوالم حتى نحكم أن الكون أجمع واحد. # وإذا أبى العقل تعدد الآلهة، فقد لا يأبى الثنائية، ذلك المذهب القائل بمبدأين ~~يدبران العالم، أو يدبره أحدهما ويفسده الآخر. يرجع هذا المذهب إلى أوائل عهد ~~الفلسفة. قال أنكساغوراس: إن المادة كانت مختلطة مضطربة، فنظمها العقل، أي الإله ~~العاقل . وقال أفلاطون مثل ذلك. والمانويون ثنائيون، لكن الفرق عندهم بين المبدأين ~~ليس الفرق بين العقل وعدم العقل، وإنما هو الفرق بين الخير والشر، وكلهم يأبون ~~التسليم بحدوث الناقص عن الكامل، ويفضلون اشتراك مبدأين، لكل منهما معلولات من ~~جنسه. # ونحن نقول: ليس يمكن أن يحدث الكامل كاملا؛ لأن الموجود المحدث ناقص بالضرورة، ~~من جهة ماهيته التي تعينه وتحده، ومن جهة وجوده وفعله من حيث إنه محدث. فمجرد ~~كونه محدثا يحط به عن الكمال. هذه حجة عامة موجهة إليهم جميعا. فإذا التفتنا إلى ~~الفلاسفة اليونان قلنا: ليس يمكن أن توجد المادة بذاتها أزلا أبدا؛ إذ ليس فيها ~~ما يسوغ مثل هذا الوجود. وليس يمكن أن تكون المادة لامتناهية، وهي متناهية بالذات ~~لها شكل وأبعاد، سواء في مجموعها وفي أجزائها، وليس يمكن أن يوجد كائن شرير بالطبع ~~وإلى أقصى حد؛ إن الشر عدم الخير، والشر اللامتناهي عدم لامتناه، أي: لا وجود مطلق ~~وليس يمكن أن يوجد لامتناهيان متعارضان متحاربان. وأخيرا إن تصور الله منظما فقط ~~للمادة هو إتباعه لها وجعله نسبيا إليها، أي: نزول به عن مرتبة الألوهية، وهذه ~~أدلة عديدة قوية ضد الثنائية، ومن ثمة لصالح الوحدانية. # الفصل الرابع # | صفات الفعل ms135 الإلهي # (1) تقسيم الفعل الإلهي # طبيعة الإنسان تميل به إلى تصور الأشياء على مثاله، فتخيل إليه فعل الله على ~~شاكلة فعلنا، صادرا عن قوة زائدة على الذات، موزعا إلى أفعال متمايزة؛ ذلك أن ~~الجسم ليس مجرد آلة منفعلة طيعة، وإنما له خصائصه ومقتضياتها، فله قوة بجانب قوة ~~النفس، يسوقها بها إلى تغليب الحس والخيال على العقل، سواء في المعرفة وفي العمل. ~~فيجب الاحتراز في الأفعال والمعارف كيلا ننقل إلى أحد المضمارين، المحسوس والمعقول، ~~إلى المضمار الآخر، وبخاصة في العلم الألوهي، حيث الموضوع عال كل العلو، دقيق غاية ~~الدقة. وسنحاول السير خطوة خطوة، من بديهية إلى بديهية، حتى نصل إلى الحق الميسور ~~لنا في هذه المسائل الجليلة الخطيرة. # إن أقل تأمل في ذات الله وفي مقتضياتها، يقودنا إلى أن البساطة تستتبع ضرورة ألا ~~يكون في الله سوى فعل واحد، يشتمل على جميع الأفعال، ويتضمن جميع المفعولات. وترجع ~~الأفعال الإلهية في اعتبارنا إلى العلم والإرادة، تلحقهما القدرة والحرية، ويلحق ~~القدرة الخلق والعناية: كلها يتبع بعضها بعضا، وكلها فعل واحد، ومفعولاتها هي ~~المتنوعة، فبالطبع لا بد من النظر فيها على الترتيب المتقدم، ومن محاولة التوفيق ~~بين الكثرة فيها وبين الوحدة الواجبة للعلة الأولى. ~~(2) العلم الإلهي # بيد أن البساطة تستتبع نتيجة معارضة للنتيجة السابقة، أدنى كلفة، وأخصر بيانا، ~~هي التعطيل وإنكار الصفات والأفعال، فنعفي أنفسنا من تحليلها ومحاولة ردها إلى ~~الوحدة، وهذا ما نرى له مثالا في صفة العلم، فقد نزه أرسطو الله عن العلم ~~بالموجودات ظنا منه أن هذا العلم يضيف إلى الله كثرة من المعلومات، والماهية ~~الإلهية تأبى كل كثرة أشد الإباء، وإبقاء على البساطة بدقيق معناها، وصونا لعلوه ~~واستقلاله، فلا يقبل معلومات من خارج، خصوصا وأن الماهيات الخارجية أدنى من ~~ماهيته، وزاد أفلوطين أن الله لا يعلم حتى ذاته؛ لأن هذا العلم يدخل عليه ازدواج ~~العالم والمعلوم، وشأن الازدواج شأن الكثرة الخارجية بالتمام. # لكن أرسطو نفسه قال في موضوع آخر: إن سلب العلم عن الله يجعله بمثابة النائم، ومن ~~ثمة أقل الموجودات ms136 حكمة وكرامة. كذلك قال: إن أساس العلم الروحانية؛ لأنها تقبل ~~صورة المعلوم كما هي، والله روحاني، فهو عقل، ولما كان مطلق الوجود، فهو العقل ~~بالذات. فمن حيث علم الله بذاته، لا يجوز عليه كثرة ولا ازدواج؛ وذلك لأن المخلوق ~~يعلم بقوة زائدة على ذاته، كالحس أو العقل، فهو يعلم المعلومات واحدا واحدا كلما ~~خرج من القوة إلى الفعل، والله يعلم ذاته بذاته أولا ودائما لتجرده كل التجرد عن ~~المادة العائقة للعلم لعدم تجردها، وبسبب تجرد الذات الإلهية هي معلومة أولا ~~ودائما، فيتلقى العالم والمعلوم، وهذا معنى كلمة أرسطو المشهورة: «إن الله عقل ~~العقل.» والعلم بالذات لا يسبب ازدواجا؛ إذ إنه رجوع العارف على المعروف؛ والمعروف ~~هنا هو الذات الإلهية نفسها التي هي في الغاية من التجرد والبساطة. # والرد على سلب العلم بالكثرة عن الله، شبيه بالرد السابق: فإن الموجودات محاكيات ~~للذات الإلهية، والعلم بالذات علم بها في نفس الوقت وفي وحدة الذات. والذين يسلبون ~~عن الله العلم بالموجودات يظنون أن هذا العلم هو بالنسبة إلى الله كعلمنا بالنسبة ~~إلينا. وقد قلنا الآن: إن الله لا يعلم بقوة زائدة على ذاته، تخرج إلى الفعل ونعد ~~أفعالها، وإنما هو يعلم ذاته، ويعلم في ذاته بكل ما سواه بحسب وجود ما سواه فيها، ~~أي في وحدة وبساطة. # يضاف إلى ما تقدم أن علم الله بالأشياء علم العلة لمعلولاتها، لا معرفة أشياء ~~مغايرة للعارف وجودا وماهية؛ لذا نعجب لوقوف ابن سينا عند صعوبة لا محل لها إلا في ~~نظام للمعرفة سار على المخلوق لا على الخالق: هذه الصعوبة في أن معرفة الماديات هي ~~معرفة حسية، وأن ليس لله حواس ظاهرة ولا مخيلة يعلمها بها. وقد أبنا أن الله ~~يعلم الأشياء باعتباره علتها، أي علة وجودها بماهيتها وأعراضها، على حين أن علمنا ~~بها علم بموضوعات مغايرة لنا معروضة علينا من خارج. ونعجب لأفلوطين كيف يجرد الله ~~من كل علم، مع أن الله خالق الأشياء، ولا بد أن يكون لها وجود سابق في علمه، وإلا ~~كان ms137 صدورها عنه صدورا آليا بحتا؛ وفوق ذلك أن الله خالق لكائنات عاقلة، فكيف ~~يكون لها علم ولا يكون لله خالقها علم؟ # يبقى أن ننظر في كيفية العلم الإلهي، وأن نرسم الحدود التي تعينه تبعا للذات ~~وبساطتها، فنقول: يجب أن يكون الله عالما بكل شيء. ويجب أن يكون علم الله ~~بالجزئيات على الوجه المقدس العالي على الزمان، فلا يعلمها منها هي، وإلا كان لغيره ~~فيه تأثير، ولا يعلم المتغيرات مع تغيرها، فيكون متغير الذات، # 1 # بل يجب أن يكون العلم الإلهي علما بالذات الإلهية، وبكل شيء في الذات ~~الإلهية التي هي أصل الوجود ونموذجه، وأن يكون حدسيا حاصلا دفعة واحدة لحضور ~~الذات الإلهية لذاتها حضورا تاما. وعلى ذلك يعرف الله الحادثات بحسب وجود ~~معانيها فيه، وقد يكون منها مستقبلات بالنسبة إلينا ويعرف المركبات دون تفصيل ولا ~~تأليف؛ لأن ما في شيء فهو فيه بحسب حال ذلك الشيء، والله واحد كل الوحدة، بسيط كل ~~البساطة، فيجب أن يكون علمه على هذا الحال. # مر بنا أن ابن سينا ينفي عن الله العلم بالجزئيات، بحجة أن الله روح صرف، لا يدرك ~~المحسوس بما هو جزئي محسوس، بل بما هو كلي معقول، ولا يدرك المتغير مع تغيره، بل مع ~~تجرد ماهيته وثباتها، ونريد أن نلخص الردود على هذه النظرية لأهميتها، فنقول: إن ~~الله يعلم الجزئيات كما تعلم العلة معلولاتها، والمعلولات هنا هي الموجودات ~~بماهيتها وأعراضها، فيجب أن يتناولها العلم الإلهي بكليتها، وأن تتناولها القدرة ~~الإلهية بكليتها، فتخرج إلى الوجود مشخصة لا مجردة، ولعلنا قد أوضحنا مسألة العلم ~~الإلهي من جميع نواحيها، وفيما سيأتي من القول عن الإرادة الإلهية والخلق مزيد ~~بيان. ~~(3) الإرادة الإلهية # لله علم، وإذن لله إرادة، فإن العاقل مريد ضرورة، إذ إن العقل يدرك مطلق الخير، ~~وما بينه وبين الخيرات الجزئية من تفاوت، فيستطيع أن يطلبها، كما يستطيع أن ينبذها؛ ~~لأن هذا التفاوت يجعلها في مقدوره، بينما مطلق الخير يعلو على المقدور، فلا ينبذ، ~~بل يزاد حتما - على ما شرحنا في مفتتح الفصل ms138 المخصص للإرادة في الباب الأول. وتتبع ~~القدرة الإرادة، ولا معنى للإرادة بدون القدرة، فإن المريد العاجز عاجز حتى عن ~~الإرادة، ولا يقال له مريد، وتتبدى الإرادة الإلهية في خلق الكون وتدبيره، وبكلمة ~~واحدة: في إيجاد كل ممكن، «والعجز إنما هو عن المقدور لا عن المستحيل، ولا يسمى ~~عاجزا من لم يقدر على فعل الممتنع.» # 2 # ولا وجه لقول أبي الهذيل العلاف: «إن الله تعالى لا يوصف بالقدرة على ~~ما علم أنه لا يفعله.» # 3 # فثمة فرق بين القدرة في ذاتها، وبين النزول على شيء منها، والمقتضى لله ~~القدرة على جميع الممكنات، والحرية بإزائها. # يضاد الجبر الإرادة والقدرة والحرية: وهو «نفي الفعل حقيقة عن العبد، وإضافته إلى ~~الرب تعالى». # 4 # قال جهم بن صفوان: «الإنسان ليس يقدر على شيء، وإنما هو مجبور في ~~أفعاله ... وإنما يخلق الله تعالى الأفعال فيه على حسب ما يخلق في سائر الجمادات، ~~وتنسب إليه الأفعال مجازا كما يقال: أثمرت الشجرة، وطلعت الشمس وغربت. والثواب ~~والعقاب جبر.» # 5 # هذا موقف متطرف لا نعود إلى إدحاضه بعد الذي قلناه في الباب الأول، بل ~~هو يجاوز كل تطرف بالعبارة القائلة: إن الثواب والعقاب جبر كما أن الأفعال جبر، فإن ~~جبرية الثواب والعقاب ظلم محض لا يجوز بحال إضافته إلى الله. # إنما يضاف إلى الله الحرية متضمنة الإرادة والقدرة، بالرغم مما يبدو من صعوبات، ~~فما إن يقال: «الحرية الإلهية» حتى يخيل إلى الأكثرين أنها على شاكلة الحرية ~~الإنسانية تتضمن مشورة وتغيرا، فينفيها منهم العارفون بالتعارض بين التغير ~~والمشورة من جهة، وبين بساطة الذات الإلهية من جهة أخرى. لكن يجب أولا الإقرار لله ~~بالحرية؛ لأنها لازمة لزوما منطقيا عن الإرادة، والإرادة لازمة مثل هذا اللزوم ~~عن العقل؛ ولأنها في ذاتها كمال، والله كامل حائز لجميع الكمالات. ويجب ثانيا رفع ~~ذلك التعارض وتطهير معنى الحرية الإلهية مما يلحقه به من نقص التشبيه بالحرية ~~الإنسانية. وهذا هو المنهج السليم. إن التعارض ظاهري ناشئ من ذلك التشبيه. ففي ~~الإنسان الإرادة قوة من قوى النفس، ms139 يضاف إليها الفعل الحر كما يضاف العرض إلى ~~الجوهر. أما الله فلا تخالطه قوة، لكنه فعل محض، فإذا تصورنا الفعل الحر مبرأ من ~~كل نقص وكل قوة، صار حينئذ والفعل الإرادي الضروري واحدا، وفي هذا التوحيد لا يقال ~~إن الحرية انعدمت، ولكنها على العكس توجد خالصة من حيث إنها السيادة المطلقة للفعل ~~المحض بالنسبة إلى المخلوقات. # أجل، إن الله فعل محض، فلا يمكن أن يكون فعله إلا واحدا وضروريا. غير أن هذا ~~الفعل الواحد الضروري يتناول ممكنات كثيرة، يحققها دون أن يكون فيها وجه ضرورة ~~بالنسبة إلى الموجود المطلق، فمن اللازم إرجاع إيجاد الممكن إلى الحرية. فإن الفعل ~~الحر في الله هو باعتبار نسبته إلى موضوع ممكن، غير متكافئ مع الله، وغير مضطر له، ~~وهذه شروط الفعل الحر. إن العالم بأجمعه ممكن، فهو إذن حادث، والحدوث هو من جهته لا ~~من جهة علته؛ إذ ليس له ضرورة في ذاته؛ لذا يصدر صدورا لا ضروريا، هذا ولسنا ~~ندعي أننا قد نورنا المسألة كل التنوير، ولكنا نعتقد أن الأمر يجب أن يكون هكذا، ~~ولا يمكن أن يكون بخلاف. # أمام منكري الحرية الإلهية فلاسفة أشهرهم دنس سكوت وديكارت يقرون بها، بل يذهبون ~~إلى حد الاعتقاد بأن الله قد كون معاني الممكنات أو ماهيات الأشياء من تلقاء ~~إرادته، دون أن يوجد فيها أية ضرورة تجبره على مراعاة طبائع عناصرها وهيئات ~~تأليفها. كان في مقدور الله أن يخلق الأشياء على غير ما هي عليه الآن، فلا تكون ~~زوايا المثلث مساوية لقائمتين، بل تكون أكثر أو أقل؛ ولا يكون جبل بلا واد، ولا واد ~~بلا جبل. وأمعنوا في هذا الرأي حتى قالوا: إن القانون الخلقي ما هو قانون إلا بموجب ~~الأمر الإلهي، وإنه كان لله أن يفرض قواعد خلقية غير القواعد المفروضة، وكانت تكون ~~عادلة؛ كان لله أن يأمرنا بالكذب، وينهانا عن الصدق، وينهانا عن عبادته ومحبته، وما ~~كان على ذلك اعتراض. # نلاحظ على هذا الرأي ملاحظتين اثنتين: إحداهما أنه يسوق إلى الشك المطلق سوقا من ms140 ~~حيث هو يكذب العقل فيما يراه العقل حقا، بالبداهة أو بالبرهان، ويفترض تعادل ~~النقائض. والملاحظة الثانية أن القوانين، سواء الطبيعية والخلقية، تعتمد على طبائع ~~الأشياء، وأدنى تعديل فيها ينزل بها اضطرابا جسيما، إن لم نقل انعداما تاما، ~~كيف تصير زوايا المثلث غير مساوية لقائمتين، وبين هذه المساواة وطبيعة المثلث علاقة ~~ضرورية؟ وكيف يكون جبل بلا واد وليس يكون الجبل إلا بالنسبة إلى واد، وليس يكون ~~واد إلا بالنسبة إلى جبل؟ وكيف يمكن أن ينهانا الله عن عبادته ومحبته فننتهي ونحن ~~مدينون لله بكل شيء. إن بين القوانين من جهة، وبين الإنسان والأشياء من جهة أخرى، ~~علاقات ضرورية لا يراد غيرها إلا ويراد ما يخالف طبيعة الإنسان وطبائع الأشياء، ~~وليس هذا مما يجوز صدوره عن الحكمة الإلهية. # هنا تجيء مسألة علاقة إرادة الإنسان بإرادة الله، تلك المسألة التي حيرت العقول ~~وشككتها في الإرادتين. قلنا: إن العلم الإلهي بالموجودات ليس مستفادا من الموجودات ~~أنفسها، وإلا كان منفعلا بها، والله فعل محض. فالنتيجة المحتومة أن الله هو الذي ~~يعين أفعال الموجودات، ويعلمها في هذا التعيين. وبعد بيان هذه القضية نبين أن ليس ~~فيها عبث بالحرية الإنسانية. كثيرون يظنون أن الحرية تقتضي أن يصدر فعل الإرادة ~~عنها أصلا، وهذا غير صحيح، فإن الله المحرك الأول الذي يحرك كل قوة إلى فعلها، ~~وليس هذا التحريك قسرا؛ لأن المقسور هو الذي يتحرك بعكس ميله، والله يحرك الإرادة ~~بأن يؤتيها ميلها فتتحرك من تلقاء نفسها؛ لذلك لا يرتفع الثواب أو العقاب، وإنما ~~كان يلزم الارتفاع لو كانت الإرادة تتحرك من الله ولا تتحرك أصلا من تلقاء ~~نفسها. # لننظر إلى الأمر من أعلى. إن الله يفعل في كل فاعل؛ لأن الفعل وجود والله علة كل ~~وجود، ولسنا نعني به سلب الفعل عن الخليقة، هذا مستحيل لسببين: لو كانت الأشياء غير ~~فاعلة لكان عجزها راجعا إلى عجز الخالق عن منحها القدرة على الفعل؛ ولما كان ~~لوجودها فائدة، إذ إن كل شيء فهو موجود لأجل فعله. فالله يفعل في الأشياء ms141 بحيث يكون ~~للأشياء أيضا فعل خاص، وإنما يمتنع صدور فعل واحد عن فاعلين متى كانا متحدي ~~الرتبة، لكن ليس يمتنع صدور فعل واحد عن فاعل أول وفاعل ثان، والله يعامل كل مخلوق ~~بحسب الطبيعة التي فطره عليها، والمخلوقات الناطقة حاصلة بالطبع على حرية الاختيار، ~~فليس يجبرها الله، وإنما تأثيرها عليها إمالتها باطنا على مطلق الخير أو الخير ~~الكلي الذي تميل إليه ضرورة، ثم إمالتها إلى الخير الجزئي فتختاره بذاتها. فليس ~~هناك جبر وإكراه، بل فقط إمالة وميل ذاتي عن طواعية. وبذا يبطل الاعتقاد بأن سابق ~~إرادة الله وعلمه بأفعالنا هو علة الهلاك أو النجاة: فليس يعقل أن يريد الله الهلاك ~~لأحد، وإنما المعقول أن الموجود خير؛ لأن الله أراد له الخير، وأنه مهما يكن لدى ~~الإنسان مما يوجهه إلى النجاة فإنه راجع إلى الانتخاب الإلهي، حتى الاستعداد له ~~فإنه هو أيضا لا يتم إلا بمدد من الله، وهذا كلام لازم عن فكرة العلة الأولى. ~~فالحرية الإنسانية والقدرة الإلهية حقيقتان متبرهنتان، وحين تتبرهن حقيقتان بالحجج ~~التي تناسبهما، فيجب الاستمساك بهما جميعا، حتى ولو لم ندرك النسبة التي تربط ~~بينهما. ~~(4) الخلق ~~«فالق ظلمة العدم بنور ~~الوجود.» # 6 # كلمة جليلة بديعة تبين عن أخص خاصية لله بالنسبة إلى العالم، وتلك هي ~~أنه موجد لغيره، خالق لا من شيء، مبدع بدون مادة متقدمة أو آلة سابقة. وهذا معنى ~~لازم أولا عن ذات الله: فمتى كان الله هو الموجود بالذات، كان واحدا أو ~~وحدانيا، وكان كل ما سواه موجودا به، ولم يمكن اتباعه للمادة. وهذا المعنى لازم ~~ثانيا من برهان العلة الغائبة، حيث أبنا أن منظم الموجودات هو خالقها بالضرورة؛ ~~لأنها تمضي إلى غاياتها من باطن، لا بترتيبها ترتيبا ظاهريا كالطوب المرصوص. ~~وثالثا من برهان واجب الوجود، فإن الممكن الوجود إن كان مركبا من مادة سابقة كان ~~حائزا على جزء ضروري، وشارك واجب الوجود الذي لا يقبل مشاركة في الوجوب. وبذا ~~نستبعد أولا الثنائية التي تشطر الوجود شطرين ضروريين: أحدهما المادة الأزلية، ~~والآخر الصانع الأزلي، ms142 وليست المادة موجودة بذاتها. وقد أسلفنا القول عن هذه ~~النظرية. # ونستبعد ثانيا نظرية صدور الموجودات عن ذات الله، كما جاءت عند أفلوطين وابن ~~سينا: فإن ما يصدر عن الذات صدورا ضروريا، على ما يصفان، فهو مثل الذات؛ إلهي ~~بجميع الصفات الإلهية وليس كمثل الله شيء. أجل، إن من شأن الوجود البسيط كل ~~البساطة، والواحد كل الوحدة، كالله، أن يصدر عنه واحد فقط، كما يقول ابن سينا، فإن ~~صدرت عنه كثرة، كانت دليلا على تكثر ذاته. ولقد كان يصدق قول ابن سينا لو كان الله ~~فاعلا بالطبع فقط، فإن كل فعل يصدر طبعا هو فعل شبيه بالفاعل لضرورة طبيعة ~~الفاعل. ولكن الله يفعل بالإرادة أيضا، والإرادة متصلة بالعقل، والعقل يمثل معاني ~~كثيرة، فالله يفعل بما يشاء من المعاني التي يعلمها، يزاد على ذلك استحالة ما ~~يقرران من صدور الموجودات بعضها عن بعض؛ لأن المخلوق أعجز من أن يمنح الوجود، ~~ووجوده نفسه مستعار، والخلق عبور مسافة من اللاوجود إلى الوجود، وهذه مسافة ~~لامتناهية، والمخلوق متناه. وأخيرا «أي مناسبة بين كونه (أي العقل المخلوق المدعى ~~له بالخلق) ممكن الوجود وبين وجود فلك منه؟ على حد قول الغزالي». # 7 # وعلى هذا القياس نقول: أي مناسبة بين كونه واجب الوجود بالأول ووجود ~~عقل منه؟ وأي مناسبة بين كونه واجب الوجود بالعقل الذي قبله ووجود نفس فلكية منه؟ ~~على أي وجه قلبنا هذه النظرية وجدناها ملفقة لا تفسر صدور الموجودات، بل لا تفسر ~~نفسها. ~~(5) العناية # من البديهي أن الخالق معني بخلقه مدبر له، وإلا خالف الحكمة والطيبة. من البديهي ~~أن الله رسم للعالم برنامجا، وعين له بالإجمال، ولكل شخص من أشخاصه بالخصوص، ~~هدفا يسعى إليه ويؤيده هو فيه. فالملقبون بالطبيعيين، المؤمنون بالله، المنكرون ~~للعناية، يناقضون أنفسهم مناقضة ظاهرة. وأفلوطين وأتباعه يؤولون العناية طبقا ~~لمذهبهم العام. عرفها ابن سينا بقوله: إنها «إحاطة علم الأول بالكل، وبالواجب أن ~~يكون الكل على أحسن نظام، وبفيضان الخير في الكل». # 8 # إن هذا غير كاف: ليست العناية مجرد إحاطة علم الأول ms143 بالكل، ولكنها ~~توجيه فعال إلى غاية، وتوفيق فعال إلى الأفعال والغايات، ولا سيما بالنسبة إلى ~~الإنسان الكائن العاقل الحر، البادي امتيازه في أحداث التاريخ، وبنوع أخص في النظام ~~الخلقي الذي هو أعلى وأهم من الطبيعة المادية، فإنه هو الذي يخلع على العالم ~~القداسة والجمال. ما العالم الذي يفترضه الكثيرون من مادة بحتة؟ # وتشتمل العناية على حفظ الموجود في وجوده الممنوح له بالخلق؛ إذ لو كانت ~~المخلوقات تبقى موجودة بدون مدد من الله لكانت مستغنية عنه، أي لصار وجودها واجبا ~~لها، ومحال أن ينقلب الوجود الممكن وجودا واجبا، ولكنه يظل ممكنا محتاجا ~~للتثبيت في الوجود، وقد عرف ديكارت الحفظ بأنه «خلق مستمر»، ولا بأس بهذا التعريف ~~على ألا يفهم منه أن الله يدع المخلوق يعود إلى اللاوجود في كل آن ويخرجه منه في كل ~~آن، فإن هذا الفهم قد يؤذن بسلب العلية عن المخلوقات؛ بل بسلب ذاتيتها وإنيتها بحيث ~~تستأنف في كل آن وجودا جديدا، ويكون لها في كل آن شخصية جديدة تمحو الماضي ~~وعواقبه. الواجب أن نعتقد أن الحفظ والخلق فعل واحد بعينه، وأن لا فرق بين حفظ الله ~~للموجودات في الوجود الذي منحها إياه مرة، وبين منحها إياه دائما. # | هوامش # الفصل الخامس # | بطلان الأحادية # (1) ليس الوجود متناقضا ولا واحدا # باستعراض صفات الذات وصفات الفعل حاولنا أن نحدد ماهية الله بما يستطاع من دقة، ~~فعرفنا كل صفة، ورددنا طائفة من الاعتراضات والإشكالات توسمنا فيها المعونة على ~~التدقيق، مستبقين طائفة أخرى إلى الفصول التالية، ننظر فيها فنزيد الصفات شرحا ~~وجلاء. فبهذا الفصل نعرض للأحادية كنانة المعارضة ومجمع الإشكال. وبالفصل التالي ~~يستوفى الحديث عن الصفات فيما تثير من مسائل مختلفة، ثم نبين الرأي الصحيح في مسألة ~~الشر المعتبرة منذ زمان طويل أخطر اعتراض على وجود الله. # نقدم المسائل العامة على الخاصة، فنبدأ بمعنى الوجود، حيث أمعن شبهات الأحاديين ~~تطرفا، فإذا رتبناها بهذا الاعتبار، وضعنا في رأسها قول هجل أن معنى الوجود ~~متناقض؛ لأنه خلو من كل ماهية، غير معين أصلا، واللاتعيين المطلق ms144 هو لاوجود مطلق. ~~فهجل يؤول اللاتعيين كأنه استبعاد لجميع أنحاء الوجود بحيث لا توجد بأي حال، ~~وهذا المعنى غلط، بدليل أن الموجودات المعينة تتالى في تجربتنا. فالمعنى المقبول ~~للاتعيين أن معنى الوجود على تجريده، يحتوي بالفعل، احتواء ضمنيا غامضا، على ~~أنحاء الوجود، دون تخصيص واحد منها، ولا استبعاد واحد. # ومن موقفه الأول هذا، جنح هجل إلى القول بغير الله وتطوره، فتصوره كالبذرة ينمو ~~في صور أكمل فأكمل، هو نعسان في النبات، وحالم في الحيوان، ويقظان مفكر في الإنسان، ~~لكي يترقى به ومعه صوب مثل أعلى يسعى إليه دوما، ولا يبلغ إليه أبدا. ويسلم هجل ~~وأضرابه أن الجزئيات متناهية ناقصة، ولكنهم يستدركون فيقولون: إن العالم في جملته ~~حائز على قوة التطور والاستكمال، وإن جملة العالم هي الموجود الضروري. كلا، إن الله ~~ثابت كامل دائما، والموجود المتغير الصاعد من أسفل إلى أعلى لا يمكن أن يكون ~~إلها، سواء افترضناه شخصا أو جملة. # وللأحاديين شبهة تتعلق باسم الوجود وما يقال عليه من أنحاء، فقد ظنوا - وفي ~~مقدمتهم البراهمة وبارمنيدس وسبينوزا كما رأينا - أن اسم الوجود ينطبق على جميع ~~الموجودات بالتواطؤ، أي بنفس المعنى، كما ينطبق اسم الجنس على أنواعه، واسم النوع ~~على أفراده؛ واعتبروا مختلف الماهيات مظاهر موجود واحد مقابل للمعنى المتواطئ. وهذا ~~أيضا غلط؛ إنه وهم توحي به المخيلة، على حين أن العقل إذا أنعم الروية لا يلبث أن ~~يدرك أن الوجود ليس من قبيل معاني الأجناس والأنواع. # إن تحت كل جنس أنواعا مشتركة في ماهية، كاشتراك الحيوانات في الحس، فيجرد العقل ~~تلك الماهية عن الأنواع، فيقع المعنى المجرد هكذا على ماهية معينة متكررة بالذات في ~~كل نوع؛ كذلك تحت كل نوع أفراد مشتركة في ماهيته، كاشتراك بني الإنسان في الحيوانية ~~والنطق، فيجرد العقل تلك الماهية عن الأفراد، فيقع المعنى المجرد هكذا على ماهية ~~معينة متكررة بالذات في كل فرد، أما الوجود، فليس تحته مشتركات في ماهيته يجمع ~~بينها في معنى واحد، وإنما تحته متغايرات ماهية وأعراض، فيحفظ على كل منها الماهية ms145 ~~والأعراض أيضا؛ لأنها داخلة تحت الوجود، فلا يكون معينا إلا ضربا من التعيين، في ~~تضمن وغموض، لاشتماله على متغايرات، فهو واحد بالشكل ولدى المخيلة، كثير ~~بالموضوعات. وهذه الكثرة تمنع الدلالة المتواطئة وتردنا إلى التشكيك الذي يعني ~~اتفاقا من وجه واختلافا من وجه، وتردنا إلى التناسب الذي يعني أن الصفة المشتركة ~~بين متغايرين بالماهية يجب أن تكون في كل منهم على قدره وتبعا لماهيته، وتجعلنا ~~نفكر أن صفة المعرفة مثلا لا تكون في الله والملاك والإنسان والحيوان على نحو ~~واحد، بل تكون في كل منهم على حسب ماهيته، بحيث تكون المعرفة في الله بالنسبة إلى ~~الذات الإلهية كالمعرفة في الإنسان بالنسبة إلى الطبيعة الإنسانية، وعلى هذا يطلق ~~الوجود بمعنى حق على كل موجود، لكن بالتناسب، أي مع ملاحظة أن الوجود في كل موجود ~~على حسب هذا الموجود، والنتيجة الأخيرة أن ليس الوجود واحدا لا في الواقع ولا في ~~العقل، خلافا للمبدأ الأساسي الذي يصطنعه الأحاديون. ~~(2) مباينة الله والعالم # ذلك هو الجانب الميتافيزيقي للمناقشة. وهناك جانب آخر عقلي ميتافيزيقي أيضا، ~~ولكنه أقل تجريدا، وأقل اقتضاء للتعمق وإمعان النظر، وأخصر سبيلا، ولو أنه قاطع ~~مفحم؛ قوامه أن دعوى الوحدة يسقطها إظهار المباينة، وتقضي عليها بادئ ذي بدء ~~البراهين على وجود الله. إن هذه البراهين تؤدي إلى إثبات موجود أعظم مختص بصفات لا ~~مثيل لها، من بساطة وكمال ولا نهاية وثبات، بينما العالم مركب ناقص متناه متغير، ~~وإذن فليس هو حاصلا على علة وجوده، ولا يمكن أن يعتبر هو الله، ولا أن يندمج الله ~~فيه: كيف يتكون الكامل من آحاد ناقصة؟ كيف يتكون اللامتناهي من أجزاء متناهية؟ إن ~~التعارض تام حاسم بين الماهية الإلهية وبين الطبيعة. # وامتداد العالم في المكان والزمان يفصل أفعاله وانفعالاته بعضها من بعض: فأي جزء ~~منه فاعل محرك للباقي، وأي جزء منفعل متحرك؟ ولم يختص هذا بالحركة وذاك بالتحريك؟ ~~أليست هذه الاختصاصات منافية للوحدة؟ # أجل إنهم يردون إلى الله كل فعل وانفعال، ولكن الله في مذهبهم ليس مستقلا ~~مسيطرا على ms146 الطبيعة، وإنما هو متحد بها موزع إليها: فأين تقع الأفعال والانفعالات؟ ~~لقد تصور سبينوزا الله تصورا كميا، أي: جسما هو الطبيعة، وزاد عليها صفة ~~اللانهاية ليحيلها إلهية؛ وصنع مثله كثيرون. ولكن محال أن تكون المادة غير متناهية، ~~إنها متناهية محدودة بسطحها، ولكل مادة شكل كما هو ظاهر، ومحدودة بقوتها، فإن قوة ~~المتناهي متناهية مثله. إن اللانهاية إذا لم تكن لا نهاية كيف وكمال مفارقة للعالم ~~متعالية على المكان والزمان، فما هي بشيء سوى لفظ أجوف نخدع به أنفسنا؛ وإذا قلنا: ~~إن الله في كل مكان وزمان، عنينا أنه في المكان بقدرته، وأن قدرته لا تقف عند حد؛ ~~وعنينا أنه في كل زمان بثباته وبقائه فعلا محضا. # وكيف يكون الوجود واحدا وليست تظهرنا التجربة على اتحاد وجودنا بالوجود الكلي؟ ~~إنها على العكس تؤكد استقلالنا عن كل وجود سوى وجود وجداننا وشهادته بفاعليتنا: كيف ~~نفسر الفردية والشخصية؟ وكثرة الوجدانات من شأنها أن تؤيد تجربتنا وتزيد في الفصل ~~بين الموجودات. إنهم إذ يردون جميع الأفعال إلى الله، غير آبهين بالشخصية وكثرة ~~الشخصيات بحجة أن الوجود واحد والفاعل واحد، يلغون الحرية وما يترتب عليها من معان ~~خلقية، كالواجب والحق، والعدالة والظلم، وكل فضيلة ورذيلة. ويا ليتهم يضيفون إلى ~~الله الحسنات وحسب، ولكن منطق مذهبهم يضطرهم إلى إضافة السيئات أيضا، من معاص ~~وأخطاء، واعتبارها ضرورية في نظام العالم، ما دام العالم كلا وما دامت أحداثه ~~لازمة عن ذاته الضرورية، فيعفون الله من العصمة والقداسة، ويعفون الإنسان من ~~المسئولية والسعي إلى التحلي بمكارم الأخلاق. ~~(3) اعتراضات وردود # وللأحاديين اعتراضات على الأديان المخالفة لهم، نرد عليها إتماما لبيان مذهبهم ~~وإبراز مواضع ضعفه: # اعتراض أول: # أن الجوهر موجود بذاته، وأن الوجود بالذات خاصية الله، فكل جوهر ~~هو إلهي. والجواب أن في هذا الاستدلال خلطا بين الوجود في الذات، ~~الذي هو تعريف الجوهر بالإجمال وخاصية كل جوهر، تمييزا له من ~~العرض، الذي هو الوجود في الغير، وبين الوجود بالذات الذي هو خاصية ~~الله. # اعتراض ثان: # لو كان الله متمايزا من ms147 العالم لكان العالم حدا لله فلا يكون ~~الله لا متناهيا. هذه النتيجة كانت تصح لو كان التمايز راجعا إلى ~~كمال للعالم دون الله؛ أما والله متمايز من العالم بكمال ماهيته، ~~فالنتيجة باطلة. وقد سبق لنا القول: إن الضوء المنتشر عن بؤرة لا ~~يزيد شيئا على قوتها، وإن العلم المأخوذ عن أستاذ لا يزيد شيئا ~~على علمه مهما بلغ عدد الآخذين، وكل ما هنالك وجود أشياء مضاءة ~~وأشخاص متعلمون. كذلك وجود الموجودات لا يزيد على وجود الله شيئا، ~~ولا يحده ما دام وجودها هو الوجود الإلهي؛ وكل ما هنالك وجود ~~موجودات أكثر عددا، لا وجود أعظم. # اعتراض ثالث: # إن الخصب الإلهي يظهر بالخلق، والحياة الإلهية خصب دائم، فلم يكن ~~الخلق حرا. نقول: ليس العالم خصبا إلهيا، فإنه أدنى من الله ~~بما لا يقاس، ولا يعود على الله بخير ما، ولكنه محض خلق حر أو وجود ~~دافق من قبل الله لخير العالم نفسه. # اعتراض رابع: # إن العالم نظام محكم، جميع أجزائه مترابطة متضاعفة، فهو واحد، ~~كما أن الكائن الحي واحد على تعدد أجزائه وترابطها. هذا التشبيه ~~غير جائز، فإن الوحدة نوعان: جوهرية وعرضية. الوحدة الجوهرية هي ~~ذات الكائن وعدم انقسامها وتلاشيها إن قسمت. والوحدة العرضية ~~ارتباط كثرة من الجواهر المتمايزة فيما بينها وعدم انقسامها من جهة ~~هذا الارتباط؛ أي إنها كثرة بالفعل ووحدة بالتركيب، فالعالم واحد ~~بوحدة عرضية قائمة في تركيب أجزائه، وكل من أجزائه واحد بوحدة ~~جوهرية ضرورية له، بينما الوحدة العرضية طارئة على الأجزاء، ولا ~~تنعدم الأجزاء بانعدامها. # والخلاصة أن من العبث التحدث عن الله في الأحادية كما لو كان الله فيها موجودا ~~حقا، شخصا حقا. ما هذا المذهب إلا صورة علمية للإلحاد، ولا فرق بين القول بأن ~~الله هو الكل، وبين القول بأن الله غير موجود، فإن إشاعة الله في كل غير معين وغير ~~ذي شخصية ملاشاة له، والقولان متعادلان نظريا وعمليا. إنه مذهب يشوه الفكرة ~~الحقة عن الله، والفكرة الحقة عن الطبيعة، ويحل نظاما جبريا محل النظام الخلقي، ms148 ~~فينتهي إلى المادية الصريحة. # الفصل السادس # | حل إشكالات في الصفات # (1) كيف تعين الصفات؟ # عينا الصفات الإلهية تبعا لما لزم لدينا عن البراهين على وجود الله، ~~ورتبناها ترتيبا منطقيا بحسب علاقاتها بعضها ببعض، ولكن المشبهة المجسمة ~~قالوا: إن الأشياء جميعا مخلوقة من الله، فهي جميعا في الله مادة وصورة، ويجب أن ~~تؤخذ الصفات من هيئة الإنسان، فغفلوا عن ضرورة تنزيه الله عن كل تركيب، والمادة ~~مركبة من أجزاء تنقسم وينفصل بعضها عن بعض. ثم إنها في ذاتها غير قابلة للتعقل، ~~وإنما تعقل بالصورة المتحدة بها، والصفات العقلية لازمة لماهية الله ولفعله. فيجب ~~سلب المادة عن الله سلبا باتا، وليس يمكن بحال إشراك صفات الأجسام في استقراء ~~صفات الله، أجل إن الماديات في الله لكونه خالقها، لكنها ليست في الله ذاتا، بل ~~بالتضمن وعلى نحو عال يتفق والماهية الإلهية الروحية، أعني بمعانيها وبقدرة الله ~~على إيجادها. # هل نأخذ الصفات الإلهية من صفات ~~النفس. هكذا ارتأى ديكارت فقال: «لأجل أن أعرف طبيعة الله بقدر ما في وسع طبيعتي، ~~لم يبق إلا أن أعتبر في كل فكرة أجدها عن الله في نفسي إن كانت كمالا أم لا؛ إذ ~~ليس في الله نقص، وإنما فيه جميع الكمالات.» # 1 # هذا المنهج سائغ بشرط أن نبعد من صفات النفس كل حد وكل نقص، وأن نحسب ~~أكبر حساب للفارق الفاصل بين الله وباقي الموجودات، فإن الواجب الوجود مغاير كل ~~المغايرة للممكنات الحادثات، ويقتضينا أن نتصور الصفات فيه لانهائية كماهيته بريئة ~~عن التدرج والامتداد والحركة والعدد، وما إلى ذلك من علامات الحد والنقص. فالطريقة ~~التي اتبعناها أخصر وأصح وآمن، والصفات المكتسبة بها هي الأصل والأساس للصفات ~~المستقرأة. ألسنا نعرف الصفات أولا بالعقل خالصة نقية، ثم ننظر إن كانت في الله ~~حقا وعلى أي وجه هي في الله؟ ~~(2) كيف توجد الصفات في الله؟ # أما صفات الذات فأمرها هين؛ إذ «إنها الموجود نفسه، إما مع إضافة، كما لو قيل: ~~إن الله جوهر، أي مسلوب عنه الكون في موضوع، وإما مع سلب، ms149 كما لو قيل: إن الله ~~واحد، أي مسلوب عنه القسمة بالكم أو بالقول أو بالشريك، فهي اعتبارات مختلفة لا ~~توجب مغايرة ولا كثرة» على حد تعبير ابن سينا. # وأما صفات الفعل فيلوح أنها متغايرة ومن ثمة منافية للبساطة الواجبة للعلة ~~الأولى، كالعلم والإرادة والقدرة والمحبة والعناية، فإن هذه الألفاظ وما شاكلها تدل ~~عندنا على قوى وأفعال، بحيث نجد أنفسنا مضطرين إما أن نمحو البساطة بإثبات وجود ~~عيني للصفات، وإما أن نمحو الصفات بإثبات البساطة. # وقد قيل: لما كانت الصفات دالة على ذات واحدة بسيطة، فهي مترادفة لا مقابل لها في ~~الذات. كيف تكون مترادفة وهي تدل على مفهومات متباينة، ممثلة في الكائنات، فلا بد ~~من مقابل لها في الذات، ولو أنها لا توجد فيها منفصلة كما توجد المعاني في ~~عقلنا. # وقيل: إنها سالبة أحرى منها أن ~~تكون موجبة، مثلما لو قال قائل: «إن الله حي.» يكون المراد أنه ليس كالجماد خلوا من ~~المعرفة والشعور، وهكذا في سائر الأسماء. ولكن المتكلم يقصد إلى وصف الذات الإلهية، ~~فهذا التأويل مخالف لقصده. ثم إنه عديم الجدوى في تعريفنا بالله؛ إذ لو كان الله ~~حيا بمعنى أنه ليس كالجماد، وكان خيرا بمعنى أنه ليس شريرا، فما هو؟ # النتيجة المحتومة أنه يجب وضع الصفات في الذات، ويجب من جهة أخرى التوفيق بينها ~~وبين البساطة، من أمثلة التوفيق قول أبي الهذيل العلاف: «إن الباري تعالى عالم ~~بعلم وعلمه ذاته، قادر بقدرة وقدرته ذاته، حي بحياة وحياته ذاته، وإنما اقتبس هذا ~~الرأي من الفلاسفة الذين اعتقدوا أن ذاته واحدة لا كثرة فيها.» # 2 # وهذه عبارة جامعة تضع الصفات في الله بقول: إن الله عالم بعلم، قادر ~~بقدرة، حي بحياة، وتصحح هذا الوضع بقول: إن علم الله ذاته، وقدرته ذاته، وحياته ~~ذاته، بيد أن هذا التصحيح ظاهري لا يعدو الجمع بين القضيتين. # وإذن فكيف توجد الصفات في الله؟ قلنا: إن مفهوماتها متباينة كتباينها في عقلنا، ~~خلافا لرأي ابن سينا، الذي قال: «واجب الوجود ليست إرادته مغايرة الذات لعلمه.» ms150 ~~(وهذا صحيح) «ولا مغايرة المفهوم لعلمه» (وهذا غير صحيح) وتخلص من الصعوبة على أهون ~~سبيل. غير أننا لا نقول: إن التباين عيني كما هو في عقلنا، وإلا أدخلنا الكثرة على ~~الذات الإلهية، بل نقول: إنه ذهني، لكن مع هذا الفارق بينه وبين سائر الذهنيات، وهو ~~أنه يعتمد على أساس عيني هو الكمال الإلهي، فإن هذا الكمال يستوعب الوجود ويقابل ~~أحكامنا الصادقة في حق الله، وهذه هي الوجهة الموضوعية للمسألة دون افتراض تغاير ~~عيني، لبساطة الذات وكمالها، أما التمايز في العقل فمنطقي صرف ناشئ من فعل العقل لا ~~من طبائع الأشياء. إنه كالتمايز بين الوجود ولواحقه حين نقول: إن الوجود واحد حق ~~خير جميل، فإن هذه وجهات للوجود لا فارق بينه وبينها، أو كالتمايز في الإنسان بين ~~النفوس الثلاث، وليس للإنسان سوى نفس واحدة، ولكنها حائزة في وحدتها على ما للنفسين ~~الأخريين (النامية والحاسة) من قوى وأعضاء. ولما كانت الصفات الإلهية غير متناهية، ~~فإنها تتضمن بعضها بعضا وتندمج في اللانهاية. ~~(3) الصفة الرئيسة # الصفات متحققة إذن في الله تمثل كمالاته التي هي عين ماهيته، دون تمايز ولا ~~تفاوت، ولكن بعض المفكرين - قدماء ومحدثين - أرادوا أن يجعلوا بينها ترتيبا، في ~~اعتبار العقل على الأقل، وأن يعينوا الصفة الرئيسة التي تهيمن على سائرها، وتعد ~~لب الماهية والتعريف الحق لله، فمنذ أوائل الفلسفة، سمي أنكساغوراس منظم الأشياء ~~بالعقل. وهكذا قال سقراط. ومع موافقة أفلاطون على هذا القول، آثر صفتي الخير ~~والجمال؛ لأن الموجود الأول مفيض للخير بصنعه للأشياء، وجميل بروحانيته ~~وقداسته. # وعاد أرسطو إلى تقديم العقل؛ لأن العقل روحاني صرف، ومن ثمة عاقل ومعقول، يعقل ~~ذاته بذاته، فهو «عقل العقل». وأضاف أرسطو صفة ثانية هي أن الله محرك العالم، ~~المحرك الأول، المحرك غير المتحرك، فأثبت لله العلو على العالم، وأثبت له روحانيته ~~من هذا الطريق؛ لأن الجسم لا يحرك إلا إذا كان هو متحركا، مع أن تحريك الله للعالم ~~عند أرسطو ليس فاعليا، وإنما هو غائي، أي: انجذاب المتحرك صوب المحرك. # وذهب دنس سكوت وديكارت ms151 وغيرهما من بعدهما مذهبا آخر، فمالا عن العقل إلى ~~الإرادة، وقالا: إن لله حرية غير متناهية، لا يحده حد ذاتي ولا خارجي، له أن يصنع ~~ما يشاء، دون أن يتقيد بقانون، حتى القوانين التي شرعها، ودون مسئولية عما شاء ~~وفعل. # أجل إن العقل جليل مقدس كما ينعته أفلاطون، ولكنه ليس الصفة الرئيسة. إنه حال ~~للوجود، فيجب أن يتأخر عنه. قبل التعقل يجب أن يوجد المتعقل، وأن يوجد بذاته إذا ~~كان تعقله هو التعقل الأسنى. وهذه هي «القيومية» أي: قيام الموجود بذاته، وهذه هي ~~الصفة الرئيسة، من جهة مفهومها ومن جهة أنها خاصة بالله وحده لا يشاركه فيها كائن. ~~والإرادة أكثر بعدا عن مفهوم الوجود من العقل، فإنها تابعة للعقل يدلها على ~~المراد. ومحال تصورها دونه فاعلة بغير إدراك وروية. فهي لا تصلح صفة أولى. # القيومية إذن أو الوجود بالذات أو وجوب الوجود، هي الصفة الرئيسة: إليها انتهت ~~البراهين على وجود الله، ومنها استخلصنا الصفات، وهنا يجب التمييز بين علة الوجود ~~وعلة الإيجاد، فهذان معنيان أولهما مقبول وثانيهما غلط، وقد اصطنع ديكارت وسبينوزا ~~وآخرون المعنى الثاني بديلا من الأول في تفسير الوجود بالذات، ظانين أن الله أوجد ~~ذاته بذاته، وهذا خلف ظاهر. والتفسير الصادق أن ماهية الله عين وجوده، أو أن وجود ~~الله هو له بماهيته. فلسنا نعني ما عنى الغزالي من أن مقصد الفلاسفة هو أن واجب ~~الوجود ليس له إلا وجوب الوجود، وليس ثم ماهية يضاف الوجود إليها. # 3 # كلا؛ مقصدهم أن واجب الوجود لما كان منبع الماهيات ومحل الكمالات فهو ~~لا يحصر في ماهية معينة محدودة، ولا يختص بكمال مفرد تضاف إليه محمولات. ولقد كان ~~لابن سينا كبير الشرف بإبرازه هذا المعنى، وباصطناعه كبرهان ممتاز على وجود الله عن ~~بينة وبصيرة. قال: «تأمل كيف لم يحتج بياننا لثبوت الأول ووحدانيته وبراءته عن ~~الصمات، إلى تأمل لغير نفس الوجود، ولم يحتج إلى اعتبار من خلقه وفعله، وإن كان ذلك ~~دليلا عليه، لكن هذا الباب أوثق وأشرف.» # 4 # | هوامش # الفصل ms152 السابع # | بين التشاؤم والتفاؤل # (1) التشاؤم # في الأحادية نظرية تعد مثال الإلحاد القاطع الشامل، أرجأنا الكلام عنها لما تتطلب ~~من شرح وتدقيق وموازنة بغيرها: تلك هي مسألة الشر، وما أكثر المعتقدين أنها مسألة ~~المسائل في علم الألوهية، وامتحان عسير للموحدين يطوح بآرائهم في الهواء جملة ~~وتفصيلا. ليس الأحاديون كلهم متشائمين: فالهنود متبرمون بالحياة الأرضية، ولكنهم ~~مترقبون الحياة الأخروية تشرح صدورهم؛ إذ تفتح لهم باب «النرفانا» مقر السعادة، وإن ~~تكن سعادة لا شعورية لا تفترق بشيء عن العدم. بل إن جل الأحاديين متفائلون لهذا ~~الاعتبار البسيط، وهو أن العالم صنع الله، والله كامل خير جواد، فلا بد أن يكون ~~العالم مسهما في هذه الصفات. وإلى مثل هذا ذهب بالفعل جيوردانو برونا وسبينوزا. ~~أما النظرية المتشائمة فترجع إلى شوبنهور وتلميذه هارتمان. # قالا: إن العالم رديء بالذات؛ لأن كل موجود فهو فاعل، وكل فعل جهد مؤلم، ففي ~~العالم إرادة شريرة لاشعورية تتمثل في كل فعل وكل قوة كالجاذبية والألفة الكيميائية ~~وما إليهما في سلم الوجود؛ وهي تدفع إلى الحياة، والحياة ألم. وتدلنا التجربة على ~~أن اللذات موهومة، وأنها تربى على الشرور. # الألم قانون الحياة ونسيجها، يغتالنا بالمرض والشيخوخة والموت والنكبات المختلفة، ~~وتقلب الأحوال والعواطف، ولما كان أصل الألم اشتهاه الوجود، فالدواء الوحيد قهر ~~«إرادة الحياة» بالعدول عن العمل لكي نصل رويدا رويدا إلى إفناء شخصيتنا في ~~«النرفانا». # لكن ليس بصحيح أن كل عمل فهو مؤلم، الحقيقة أن ليس لنا من لذة إلا بالعمل؛ وأن ~~العمل لا يعود علينا بالألم إلا متى تجاوز قدرة الفاعل فأرهقها. أليس العمل العقلي ~~المدرك للحق والجمال، المولد للإعجاب والنشوة، هو لذة حقة، وأرفع أنواع اللذة؟ فمن ~~السهل رد حجة شوبنهور بقولنا: إن الحياة عمل، والعمل لذة، فالحياة لذة لا ينبغي قصر ~~الاستشهاد على اللذات الجسمية، فإن للإنسان من اللذات العقلية والخلقية أكثر منها ~~وأرق وأعلى. يقال: إن اللذة وقف الألم، فهي حالة سلبية، والألم حالة إيجابية، ~~والأمر على العكس، فإن اللذة تعمل على تنشيط الفرد وحفظه ونمائه، بينما الألم ms153 ~~يتلف ويفسد. ~~(2) الشر # هذه المناقشة الموجزة مفيدة في تعريف الشر؛ فنقول أولا: إن الشر «لا ذات له، بل ~~هو إما عدم جوهر، أو عدم صلاح جوهر». من هذا التعريف بالعدم نفهم أن الشر لا يؤثر ~~لذاته، لا يطلب من جهة كونه ضارا أو مؤلما، كما تنبه عليه التجربة الباطنة، بيد ~~أنه إذا لم يكن للشر ذات، فنحن نخلع عليه شبه ذات بنسبته إلى ما ينتقص به أو يفسد، ~~كتصورنا الصمم عدم السمع. فالشر في شيء ما عدم خير مقتضى لطبيعة الشيء، كاقتضاء ~~الصم للإنسان، وعدم اقتضائه للنبات والجماد. # بناء على هذا التعريف يجب استبعاد ~~ما سماه ليبنتز بالشر الميتافيزيقي وأراد به حرمان المخلوق كمالات كثيرة بسبب تناهي ~~طبيعته واقتصارها على بعض العناصر، وإذا سلمنا بهذا النوع من الشر لزم أن يحصل كل ~~مخلوق على جميع الكمالات، والحقيقة أن هذا ليس حرمانا من شأنه أن يفوت على ~~الموجود كمالا من كمالاته، وإنما هو محض نفي، أي حد أو نقص، وواضح أنه لم يكن من ~~الممكن أن يتفاداه الله إلا بعدم الخلق؛ لأن كل مخلوق فهو محدود بالضرورة. كما قلنا ~~الآن، بحيث ترجع المسألة إلى هذا السؤال: هل خير للمخلوق أن يوجد محدودا من ألا ~~يوجد أصلا؟ ومثل هذا السؤال يحمل الجواب على نفسه. فهل يريدون أن يقولوا: «كان على ~~الله أن يحبس خيرا كثيرا تحرزا من شر قليل؟ وذلك مثل خلق النار، فإن منافعها ~~جمة، وهي لا تفضل فضيلتها إلا بحيث تؤذي، أجل إن الشر كثير، ولكنه ليس أكثريا، ~~كالأمراض فإنها كثيرة، وليست أكثرية.» # 1 # أما الشر الفيزيقي أو الألم الجسماني والشعوري، فله فوائد لا يستهان بها، إنه ~~حامي الحياة البدنية، ينبهنا إلى كل خطر يتهددنا، وهو مهماز الترقي يدفع بنا إلى ~~التخلص من الألم فيفتق الحيلة ويقود إلى بحوث واختراعات لم تكن لتتسنى لنا لولاه. ~~بل إنه شرط الفضيلة إذا كان نتيجة لرذيلة تبين حينئذ أنها يجب الإقلاع عنها. فضلا ~~عن أنه إذا قبلناه وقدسناه كإرادة إلهية وامتحان رباني، كان ms154 كفارة للذنوب. فليس ~~الألم ضدا للحكمة، أما الموت فحقيقته أنه ليس نهاية الحياة. ولكنه انتقال إلى ~~حياة جديدة سعيدة إذا كنا صالحين. وأخيرا لنا أن نقول: إن عدد اللذات يربو على عدد ~~الآلام، بدليل أن كل كائن ذي شعور يؤثر الحياة على الموت. # وأخيرا الشر الخلقي، وهو أكثر ~~الشرور خطورة، وأشدها منافاة لله الطاهر القدوس. لكن ليس يمكن أن يكون الله علة هذا ~~الشر من قريب ولا من بعيد. بيد أنه منح الإنسان منحة عظمى إذ خلقه حرا، فكيف يمنع ~~الإرادة الحرة من فعل الشر إلا بتجريدها من حريتها وحطها إلى مستوى الحيوان؟ وكيف ~~يجردها من حريتها، والحرية من صميم الطبيعة العقلية. وإذا لم يكن للشر ذات، وكان ~~مجرد عدم الخير، فليست الإرادة بحاجة إلى البحث عن فاعله، وليس للعدم فاعل. هذه ~~ردودنا بكل اختصار على الاعتراض بالشر على وجود الله، تنزل به إلى درجة باقي ~~المسائل الخلافية. وعلى المعترضين أن يذكروا أن الإنسان علة مسئولة لكثير من آلامه، ~~يسببها ويزيد فيها بأهوائه، من غيرة وحسد وحب للذات وطلب للذة غير المشروعة؛ فلا ~~يطرحوا عن كواهلهم تلك المسئولية ولا يلقوا بها على الله. ~~(3) التفاؤل # المؤمنون متفائلون طبعا. إنهم واثقون بكمال الله وطيبته وعدالته، فلا يخشون ~~ظلما ولا إعراضا. إنهم واثقون أنه لا يدع للأحداث الكونية الغاشمة أصحاب الإرادة ~~الصالحة والضمير النقي. غير أنهم يختلفون في معنى التفاؤل، وينقسمون فريقين: فريق ~~يرى أن الكمال الإلهي يقضي بأن يكون العالم خير العوالم الممكنة؛ لأن الكامل لا ~~يحتمل أي نقص. قال أفلاطون (في محاورة تيماوس): إن الله خير الموجودات، فليس يمكن ~~أن يكون قد صنع إلا خير مصنوع. وقال سبينوزا: «لما كان العالم ناشئا من النمو ~~الضروري للطبيعة الإلهية، فيلزم أن يكون حاصلا على أعلى مرتبة من الكمال.» # وهذا هو التفاؤل المطلق، يلتقي فيه بعض الأحاديين وبعض المؤمنين. وهو يضيف إلى ~~العالم أعلى كمال، ويقصر حرية الخلق على هذا الكمال الأعلى. ولكنا نلاحظ أن «خير ~~عالم» فكرة لا تتصور؛ إذ ليس يوجد وليس ms155 يمكن أن يوجد حد أخير للحسن والكمال، ومهما ~~يكن حسن العالم فيمكن دائما أن تتصور حسنا أعظم بالزيادة والإصلاح، وحقيقة ~~المصنوع أنه متناه من حيث إنه محدث، فالمسألة بينه وبين الكمال مسافة لامتناهية، ~~فيستحيل أن يصنع لامتناهيا، والاستحالة آتية هنا منه لا من الله القادر على جميع ~~الممكنات. # إذا لم يكن التفاؤل المطلق جائزا، فإنه يدع مجالا لتفاؤل نسبي أساسه ما في ~~العالم من كمال وجمال ولذة. واعتمادا على حكمة الله وجوده نستطيع أن نعتقد أن ~~العالم الراهن خير عالم، مع إمكان كونه خيرا مما هو. يلوح أن أنصار التفاؤل المطلق ~~يعتقدون أن الخير الأقل هو شر، وأن الخير إما أن يكون كاملا، أو ألا يكون خيرا. ~~ولكن كل شيء يحتوي على درجة من الوجود ومن الكمال، فهو خير ويمكن أن يكون موضوعا ~~لإرادة عاقلة. # | هوامش # | خاتمة # تسبيح وتمجيد ~~(1) الدين # خلاصة الكلام في الله أن من الضروري وضع علة أولى، وأن العلة الأولى فعل محض، ~~موجودة بذاتها، فلا تغاير في الله بين ماهية ووجود، بينما الوجود ليس متضمنا في ~~ماهيات المخلوقات، ولا داخلا في تعريفها، وإلا لوجدت دائما وعلى حال واحدة ~~كالماهية، فالعلة الأولى هي الوجود القائم بذاته، وهي حاصلة على الصفات الواجبة ~~للموجود بذاته، وعلينا أن نحتفظ بالبساطة كصفة أساسية، وأن نتصور الصفات بطريق ~~التناسب من طريقي التشكيك. # ومن يفهم هذه الضرورات يستوعب علم الألوهية كله، ولا تزعجه قضية من قضاياه، ولا ~~اعتراض من الاعتراضات، مهما تبد القضية عسيرة القبول، ومهما يبد الاعتراض قويا. ~~فلعل هذا العلم أشبه العلوم بالرياضيات، متى قبلنا المبدأ خرجت منه النتائج حتما، ~~والمبدأ هنا أن الفعل متقدم على القوة، ولا ينكره إلا من ينكر العقل ~~وبديهياته. # إذا كان هذا شأن الله، وكان شأننا أننا خلائقه حبانا بالحياة الإنسانية وأسبغ ~~علينا سائر النعم، فقد تعين أن نعبد جلاله، ونحب قدسه، ونبثه عواطف العبادة ~~والمحبة، مقابلة لإحسانه بالحمد والثناء. وهذا معنى الدين: إنه علاقة المخلوق ~~بالخالق، يبدأ الله بها ونتمها نحن. وكل تضييق لهذا المعنى قضاء ms156 عليه ونزول به إلى ~~درك مهين لله وللعدالة الموحية به، وإنما يجيء التضييق من جانب المتشككين في وجود ~~الله أو في صفاته. قال كنط معبرا عن رأيه ورأيهم: «إن الواجب الديني قاصر على ~~العلم بواجباتنا الطبيعية وأدائها كأنها أوامر إلهية.» وشرح هذه العبارة فقال من ~~جهة: إن علمنا بالله غامض غير يقيني لا يلزم عنه واجب؛ وقال من جهة أخرى: إن ~~التفاوت بين المتناهي واللامتناهي عظيم للغاية لا يبقى معه على المتناهي واجبات ~~بمعنى الكلمة نحو اللامتناهي. # والجواب أن علمنا بالله كاف ليبين لنا أن الله هو المثل الأعلى للكمال، وأنه ~~خالقنا ومشرعنا وعنايتنا وغايتنا: وهذه صفات تدعو - وفقا للعادة - إلى واجبات ~~بمعنى الكلمة من احترام ومحبة. فإن السبب الأول للواجب ليس النفع المستفاد، وإنما ~~هو حكم العقل طبقا للعادة، بأن الموجود يحترم ويحب تبعا لقيمته، بصرف النظر عن ~~التناهي وعدمه، أو النفع وعدمه . وما داموا قد فتحوا هذا الباب نقول لهم: إذا كان ~~الله بغير حاجة لاحترامنا ومحبتنا، فإننا نحن بحاجة إلى أن نحترمه ونحبه «لما نفيده ~~من قيمة باطنة، بغض النظر عن المنفعة المادية، وهي خارجة عن الحساب على كل ~~حال». # الأفعال التي نؤدي بها هذه الواجبات تؤلف العبادة. ولما كان الإنسان مركبا من ~~نفس وجسد، وكان بطبيعته مدنيا عائشا في مجتمع، انقسمت العبادة إلى باطنة وظاهرة، ~~فردية وجماعية. العبادة الباطنة أرقى من الظاهرة، لعلو النفس على البدن، وإليها ~~ترجع العبادة كلها. إنها الصلاة ترتفع بها النفس نحو الله لإجلاله وحمده والتماس ~~غفرانه ومعونته. ومن الفلاسفة فريق يسلمون بالصلاة العابدة الحامدة، ويأبون الصلاة ~~المستغفرة السائلة. قال روسو: «أعبد الله، ولا أسأله شيئا، فإن السؤال يعني التشكك ~~في عناية الله وطيبته.» وقال كنط: إن الله عليم بكل شيء، طيب للغاية، ميال بذاته ~~إلى معونتنا، وهو يعلم حاجاتنا خيرا مما نعلمها، فمن الفضول الإعراب عنها بالصلاة. ~~وقال كثيرون: إن الإرادة الإلهية لا تتغير، فمن الغرور محاولة تبديلها ~~بالصلاة. # الحقيقة أن الصلاة ليست تشككا في الله، وإنما هي رجاء وطيد يدفع ms157 بالنفس إلى ~~الاستعانة على الشر بإله خير قدير. إن الضعف البشري محسوس من الجميع، ومحاولة ~~الاستقواء عليه دليل على التوبة وحسن النية. ثم ليس الإعراب لله عن حاجاتنا فضولا، ~~وإنما هو اعتراف بالقدرة الإلهية، ومشاركة منا في الانتصار بها. ثم ليست ترمي ~~الصلاة إلى تغيير أحكام الله، وإنما هي أولا: وضع الأمور في نصابها الحق، الذي هو ~~أن المخلوق قابل لا مانح، وثانيا: أنه بالصلاة يصير مستحقا نوال ما يسأل، وصلاته ~~واستجابتها داخلتان في الأحكام الإلهية، كما أن عدم الصلاة داخل في الأحكام كذلك، ~~وليس في هذه الحالة ما يدعو إلى قضاء الحاجة، سيما وأن هذا القضاء قد يبدو إغراء ~~بالصلف والكبرياء. أما العبادة الظاهرة فأقل أهمية في ذاتها من العبادة الباطنة، ~~ولا معنى لها ولا قيمة بدونها. بيد أنها إلزامية كذلك، فإن الجسد جزء جوهري من ~~الإنسان، فنحن ملزمون بإشراكه في العبادة، وهو في الواقع يشترك في كل فعل باطن لما ~~بينه وبين النفس من اتحاد جوهري. بل إن له رد فعل خاصا به: فما إن يفعل حتى يكسب ~~فعله وموضوعه رسوخا ونماء، وهذا ما كان يتوخاه بسكال بنصحه غير المؤمن بعد ~~بممارسة أفعال العبادة تقوية وتعجيلا للإيمان، كأنه يقول: اعمل كما لو كنت مؤمنا ~~فتؤمن. فالعبادة الظاهرة ترسخ وتنمي العبادة الباطنة، وهذا الترسيخ وهذا الإنماء ~~واجبان. وأما العبادة الجماعية فملزمة أيضا؛ لأن الله سيد الجماعات كما أنه سيد ~~الأفراد، فهو حقيق بالعبادة بهذا الاعتبار. والأسباب المذكورة تأييد للعبادة ~~الظاهرة تعود كلها هنا. # مما تقدم يبين بوضوح أن كل مذهب يأبى العلم على الله، كمذاهب أرسطو وأفلوطين وابن ~~سينا، هو مذهب هدام للدين. ما الإله الذي لا يعلم بخلائقه ولا يعنى بهم؟ وأي ~~معنى للصلاة، وكان أتباع الأفلاطونية الجديدة يقرونها مع ذلك، بل يجعلون منها رأس ~~الشعائر الدينية؟ فإن قالوا: إن عدم الفائدة الموضوعية لا يمنع فائدة ذاتية للمصلي ~~نفسه، كما ذكرنا منذ هنيهة، قلنا: ومتى علم المصلي بذلك عادت صلاته نفاقا، واضطربت ~~نفسه بالتناقض بين رأي مذهبي يأبى ms158 العلم على الله، وبين عاطفة ضرورية للدين. # بقي أن ننظر في المعجزات، وهي في كثير من الأديان دلائل على صدق الدعوة، وعلى مدى ~~القدرة الإلهية. المعترضون عليها هم أولئك الفلاسفة المدعوين بالعقليين لرجوعهم في ~~هذه المسألة إلى حكم العقل، كما يقولون، وادعائهم أن العقل يؤيد ثبات القوانين ~~الطبيعية، وينكر الشذوذ عنها. والغريب أنهم أشياع الحسية والتصورية المنكرتين لمبدأ ~~العلية ولكل مبدأ ضروري. لم يعترض على المعجزات؟ يقولون: لأنها غير مفهومة. هل في ~~العالم كائنات أو ظواهر مفهومة؟ فليختاروا أي كائن أو أي ظاهرة شاءوا مما عرفوه ~~وألفوه؛ فإنهم يجدونه غير مفهوم. هل تحول الأكسجين والهيدروجين، وهما عنصران ~~متباينان، إلى ماهية أخرى، أمر مفهوم؟ هل نمو حبة القمح أو أي نبات آخر، أمر مفهوم؟ ~~ونستطيع أن نذكر ما لا يحصى من الأمثلة حتى تنتهي إلى أن الطبيعة بأسرها غير مفهومة ~~على الوجه الذي يقصدون، سواء في الجماد والنبات والحيوان بما فيه الإنسان. كلما ~~صعدنا سلم الأشياء وجدنا تعقيدا أكثر وفنا أدق. ولكن ألفتنا لها هي التي تجعلنا ~~نستسيغها، وندهش للنادر الوقوع. ولا يقولن قائل: إن المعجزات تدخل جديد من جانب ~~الله، وإنكار للقوانين التي شرعها. كلا، فإن الحادثات كثيرة جدا، ولا يقدح حدوثها ~~في ثبات الطبائع وقوانينها. إن الجديد هو من جانبها لا من جانب الله. لم تكن، ثم ~~حدثت طوعا لإرادة إلهية أزلية، وهذا كل ما في الأمر. # ولا بد من كلمة أخيرة عن القوانين الطبيعية وضرورتها. إنها ضرورية في ذاتها ~~بضرورة تركيب ماهيات الأشياء، أو ضرورة خصائصها، أو ضرورة نتائجها: فمن الضروري، إن ~~وجد الإنسان أن يكون مركبا من نفس وجسد وبالهيئة المعلومة، وضحاكا، ومدنيا. ~~ولكن القوانين غير ضرورية الوجود، وإنما هي ممكنة لأن الموجودات الطبيعية أنفسها ~~ممكنة الوجود وعدمه، والقوانين خصائص لها وأغراض وقواعد لأفعالها متوقفة على شروط ~~وظروف هي ممكنة التحقق وعدم التحقق؛ وهذا باب مفتوح للمعجزات: فإذا شاء الله ألغى ~~أثر النار فلم تحرق، ولا تناقض في وقت العرض، وإذا شاء شفى المريض دفعة، والشفاء ~~حادث ms159 طبيعي، لكن الشفاء دفعة ليس طبيعيا، فهو يتطلب تدخلا من الله لا يصاحبه ولا ~~يلزم عنه تناقض أو إلغاء قانون. وبهذا المعنى جميع القوانين ممكنة، أو هي ضرورية ~~بضرورة شرطية متى توفرت لها شروطها وظروف الشروط، ونحن نرى أفعال الأشياء تتعدل ~~بتعدل كتلتها مثلا، أو مسافتها من أشياء أخرى. والمسألة دقيقة من غير شك، فلا ~~نزيدنها دقة بسوء الفهم أو سوء التأويل، مثال ذلك: مسألة البعث، فقد أريد أن يكون ~~إيجادا لعين ما كان، وأن تجمع جميع أجزاء الكائن المبعوث التي كانت موجودة في جميع ~~عمره فيه. فرد عليهم الغزالي بأن البعث إيجاد لمثل ما كان، لا لعين ما كان، وأن جمع ~~جميع الأجزاء محال # 1 # وليس ضروريا حتى يحتج باستحالته. وهكذا في مسائل جمة، والمؤمن الذي ~~يراجع الأمور بما ينبغي من فطنة وحذر، لا يجد صعوبة عاتية في حفظ إيمانه، خصوصا ~~إذا ضاهى الصعوبات بما في علم الألوهية من براهين قاطعة وشواهد دامغة، وبما في ~~الحياة الدينية من رفعة وغبطة، إذ يبين فيها الله مثال الحق والخير والجمال، وأبا ~~رحيما قديرا ناصرا للخير ناشرا للتفاؤل. ~~(2) تسبيح وتمجيد # والواقع أن عباقرة الإنسانية عبدوا وسبحوا وأنشدوا الأناشيد للعزة الإلهية. ونحن ~~نريد أن نختتم هذا البحث بنقل نشيدين أو ثلاثة اخترناها مما جادت به قرائح فلاسفة ~~نعتوا بالوثنيين وما كانوا إلا مؤمنين. قال أبكتاتوس الأخلاقي الرواقي المشهور: «لو ~~كان عقلنا قويما فماذا كان ينبغي أن نصنع كلنا معا وكل واحد على انفراد، إلا أن ~~نمجد الله، وأن ننشد له الثناء، وأن نرفع إليه الشكران؟ أليس ينبغي علينا، ونحن نشق ~~الأرض، ونطعم منها أن ننشد نشيد الله؟ ولكن ما لأجله ينبغي أن ننشد أعظم نشيد هي ~~القوة التي منحنا إياها لإدراك مواهبه، واستعمالها بطريقة منهجية. إنكم عميان، يا ~~سواد بني الإنسان! ألم يكن من اللازم أن يقوم واحد بهذه المهمة، وأن ينشد بالنيابة ~~عن الجميع، نشيد الألوهية؟ ماذا يسعني أن أفعل - أنا الشيخ المسن الأعرج - إلا أن ~~أمجد الله؟ لو كنت بلبلا لأديت ms160 مهنة البلبل، ولو كنت بجعا لأديت مهنة البجع. إني ~~كائن ناطق، فيجب أن أمجد الله. تلك مهنتي، وأن أؤديها، ولن أتخلف عنها ما استطعت ~~إلى ذلك سبيلا، وأحثكم على أن تنشدوا معي.» # وقال أفلاينتوس - أحد مؤسسي الرواقية: «سلام عليك يا أمجد الخالدين! أنت الكائن ~~المعبود تحت ألف اسم، أنت جوبتير القدير أزلا أبدا، أنت سيد الطبيعة الذي يدبر ~~الأشياء جميعا. واجب على كل فان أن يرفع إليك صلاته؛ لأننا ولدنا منك، وأنت الذي ~~وهبتنا الكلام من بين الكائنات التي تحيا وتسعى على سطح الأرض. وعلى ذلك أقدم إليك ~~ثنائي. إن هذا العالم الرحيب الدائر حول الأرض يلائم بين حركاته وبين غرضك، ويطيع ~~أوامرك دون تذمر. أنت الملك الأعظم للكون، وسلطانك يشمل جميع الأشياء، ما من شيء ~~على الأرض - أيها الإله الجواد - يتحقق بدونك، لا في الأثير السماوي الإلهي، ولا في ~~البحر، ما خلا الجرائم التي يقترفها الأشرار بحماقتهم. يا جوبتير صانع جميع ~~الخيرات، أيها الإله المحجوب وراء السحب القاتمة، يا سيد الرعد، أنقذ البشر من ~~جهالتهم المشئومة.» # وما أكثر النصوص التي من هذا الطراز، ولكنا نجتزئ بسطرين لأفلوطين - الزعيم ~~الروحاني الأشهر - قال: «حين ننظر صوب الله فتلك غايتنا وراحتنا ... إننا بقدر ما ~~نستطيع الحصول على مثل تلك الرؤية، نرى أنفسنا ساطعين نورا، مليئين نورا معقولا ~~... أو بالأحرى نصير نحن نورا خالصا وكائنا رقيقا غير ذي ثقل، نصير إلها متقدا ~~حبا. تلك حياة الآلهة والبشر الإلهيين السعداء.» # تباركت اللهم تباركت! # | هوامش ms161