######OpenITI# #META# URI: 1378YusufKaram.TarikhFalsafaHaditha.Hindawi57379637 #META# Tags: philosophy #META# ID: 57379637 #META# Title: تاريخ الفلسفة الحديثة #META# AuthorID: 15207908 #META# Author: يوسف كرم #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # بين القديم والجديد‏ # 1 - أفلاطونيون‏ # 2 - رشديون‏ # 3 - علماء‏ # 4 - نقاد‏ # 5 - فلاسفة مستقلون‏ # أمهات المذاهب الحديثة‏ # تمهيد‏ # 1 - فرنسيس بيكون‏ # 2 - توماس هوبس‏ # 3 - رني ديكارت ‏ # 4 - بليز بسكال‏ # 5 - نقولا مالبرانش‏ # 6 - باروخ سبينوزا‏ # 7 - جوتفريد فيلهلم ليبنتز‏ # 8 - جون لوك‏ # تحليل ونقد‏ # تمهيد‏ # المقالة الأولى: الفلسفة في إنجلترا‏ # 1 - الفلسفة الطبيعية‏ # 2 - الفلسفة الخلقية والاجتماعية‏ # 3 - جورج باركلي‏ # 4 - ديفيد هيوم‏ # 5 - توماس ريد‏ # المقالة الثانية: الفلسفة في فرنسا‏ # 6 - كوندياك‏ # 7 - الفلسفة الطبيعية‏ # 8 - مونتسكيو‏ # 9 - جان جاك رسو‏ # المقالة الثالثة: الفلسفة في ألمانيا‏ # 10 - حياته ومصنفاته‏ # 11 - نقد العقل النظري‏ # 12 - نقد العقل العملي‏ # تركيب وبناء‏ # تمهيد‏ # المقالة الأولى: الفلسفة في ألمانيا‏ # 1 - فختي‏ # 2 - شلنج‏ # 3 - هجل‏ # 4 - شوبنهور‏ # 5 - هربارت‏ # المقالة الثانية: الفلسفة في فرنسا‏ # 6 - المذهب الروحي‏ # 7 - المذهب الفلسفي‏ # 8 - المذهب الواقعي‏ # المقالة الثالثة: الفلسفة في إنجلترا‏ # 9 - المذهب الحسي‏ # 10 - الرومانتية‏ # 11 - فلسفة النسبية‏ # مادية وروحية‏ # تمهيد‏ # المقالة الأولى: الفلسفة في إنجلترا‏ # 1 - جون ستوارت مل‏ # 2 - تشارلس دروين‏ # 3 - هربرت سبنسر‏ # 4 - الحركة الدينية‏ # المقالة الثانية: الفلسفة في فرنسا‏ # 5 - بين الواقعية والروحية‏ # 6 - فلاسفة الحرية (طبقة أولى)‏ # 7 - فلاسفة الحرية (طبقة ثانية)‏ # المقالة الثالثة: الفلسفة في ألمانيا‏ # 8 - ميتافيزيقا علم النفس‏ # 9 - مادية‏ # 10 - أخلاق‏ # تقديم العمل على النظر‏ # تمهيد‏ # 1 - الفلسفة في أمريكا‏ # 2 - الفلسفة في إنجلترا‏ # 3 - الفلسفة في فرنسا‏ # 4 - الفلسفة في ألمانيا‏ # خاتمة الكتاب‏ # مراجع‏ # قاموس الأعلام‏ # مقدمة‏ # بين القديم والجديد‏ # 1 - أفلاطونيون‏ # 2 - رشديون‏ # 3 - علماء‏ # 4 - نقاد‏ # 5 - فلاسفة مستقلون‏ # أمهات المذاهب الحديثة‏ # تمهيد‏ # 1 - فرنسيس بيكون‏ # 2 - توماس هوبس‏ # 3 - رني ديكارت ‏ # 4 - بليز بسكال‏ # 5 - نقولا مالبرانش‏ # 6 - باروخ سبينوزا‏ # 7 - جوتفريد فيلهلم ليبنتز‏ # 8 - جون لوك‏ # تحليل ونقد‏ # تمهيد‏ # المقالة الأولى: الفلسفة في إنجلترا‏ # 1 - الفلسفة الطبيعية‏ # 2 - الفلسفة الخلقية والاجتماعية‏ # 3 - جورج باركلي‏ # 4 - ديفيد هيوم‏ # 5 - توماس ريد‏ # المقالة الثانية: الفلسفة في فرنسا‏ # 6 - كوندياك‏ # 7 ms001 - الفلسفة الطبيعية‏ # 8 - مونتسكيو‏ # 9 - جان جاك رسو‏ # المقالة الثالثة: الفلسفة في ألمانيا‏ # 10 - حياته ومصنفاته‏ # 11 - نقد العقل النظري‏ # 12 - نقد العقل العملي‏ # تركيب وبناء‏ # تمهيد‏ # المقالة الأولى: الفلسفة في ألمانيا‏ # 1 - فختي‏ # 2 - شلنج‏ # 3 - هجل‏ # 4 - شوبنهور‏ # 5 - هربارت‏ # المقالة الثانية: الفلسفة في فرنسا‏ # 6 - المذهب الروحي‏ # 7 - المذهب الفلسفي‏ # 8 - المذهب الواقعي‏ # المقالة الثالثة: الفلسفة في إنجلترا‏ # 9 - المذهب الحسي‏ # 10 - الرومانتية‏ # 11 - فلسفة النسبية‏ # مادية وروحية‏ # تمهيد‏ # المقالة الأولى: الفلسفة في إنجلترا‏ # 1 - جون ستوارت مل‏ # 2 - تشارلس دروين‏ # 3 - هربرت سبنسر‏ # 4 - الحركة الدينية ‏ # المقالة الثانية: الفلسفة في فرنسا‏ # 5 - بين الواقعية والروحية‏ # 6 - فلاسفة الحرية (طبقة أولى)‏ # 7 - فلاسفة الحرية (طبقة ثانية)‏ # المقالة الثالثة: الفلسفة في ألمانيا‏ # 8 - ميتافيزيقا علم النفس‏ # 9 - مادية‏ # 10 - أخلاق‏ # تقديم العمل على النظر‏ # تمهيد‏ # 1 - الفلسفة في أمريكا‏ # 2 - الفلسفة في إنجلترا‏ # 3 - الفلسفة في فرنسا‏ # 4 - الفلسفة في ألمانيا‏ # خاتمة الكتاب‏ # مراجع‏ # قاموس الأعلام‏ # | تاريخ الفلسفة الحديثة # تاريخ الفلسفة الحديثة # تأليف # يوسف كرم # مقدمة # خصائص العصر الحديث ~~(1) تطور عميق # إذا كان المؤرخون يعتبرون فتح الترك للقسطنطينية سنة 1453، وما تبعه من انهيار ~~الامبراطورية البيزنطية وهجرة علمائها إلي إيطاليا، نقطة التحول من العصر الوسيط ~~إلي العصر الحديث، فما ذلك إلا لظهور هذه الأحداث وآثارها في جملة الأحداث التي ~~كونت نسيج التطور الجديد، إن التدرج قانون التحول الاجتماعي، تعمل علي هذا التحول ~~أسباب لطيفة عملا متصلا، حتي يجيء يوم وإذا به قد تم وبرز للعيان، وقد بينا في ~~«تاريخ الفلسفة الأوربية في العصر الوسيط» أن الانتقاض علي القديم بدأ بابتداء ~~القرن الرابع عشر، فما كاد ينصرم ذلك القرن حتى كانت الفلسفة الاسمية قد نضجت في ~~انجلترا وفرنسا، وقضت في بعض الأذهان علي جهود المدرسين في سبيل إقامة فلسفة تتفق ~~مع الدين، وحطمت العلم الطبيعي الأرسطوطالي في جامعة باريس، وظاهرت الأمراء في ~~تمردهم على السلطة البابوية. وكانت بين إيطاليا وبيزنطة علاقات ثقافية ترجع إلي ~~القرن الثالث عشر، إذ كانت إيطاليا ms002 منقسمة إلي جمهوريات، وكان امراؤها يستقدمون ~~الأدباء والعلماء من البيزنطيين، وتوثقت هذه العلاقات في القرن التالي من جراء ~~نشاط التجارة بين البلدين ومحاولات التقريب بين الكنيسة اللاتينية والكنيسة ~~اليونانية، فنشط تعلم اليونانية والنقل منها إلي اللاتينية، وتكاثر في إيطاليا عدد ~~الأدباء والعلماء البيزنطيين بعد ضياء ملكهم، حتي صار الشغف بالأدب القديم عاما ~~في القرن الخامس عشر، وكان الايطاليون كأنهم يعودون إلي أدبهم السالف، الأدب ~~اللاتيني الملقح باليونانية، ومن إيطاليا انتشر الأدبان إلي فرنسا وانجلترا ~~وألمانيا وهولندا، وأسرع انتشارهما بفضل اختراع الطباعة في منتصف القرن، فكانت ~~«نهضة» حقيقتها أنها عودة إلى الثقافة القديمة، وثورة على ما استحدث العصر الوسيط ~~من أدب وفلسفة وفن وعلم ودين، وأسباب الحياة السياسية والاقتصادية. # هذه الثقافة القديمة تنضح بالوثنية من كل جانب، فانتشرت الوثنية في الأفكار ~~والأخلاق، رأى فيها فريق كبير من الغربيين صورة إنسان الفطرة والطبيعة واعتبروا ~~دراسة القدماء كفيلة وحدها بتكوين الإنسان بمعنى الكلمة، فسميت هذه النزعة ~~بالإنسانية أي المذهب الإنساني، وسميت الآداب القديمة بالإنسانيات. # وجاءت كشوف كولومبوس وڤاسكو دي جاما وماچلان ودريك، في أواخر القرن، بمعلومات ~~كثيرة عن شعوب كانت بمعزل عن المسيحية وكان لها أديان وأخلاق، فظهرت فكرة الدين ~~الطبيعي والأخلاق الطبيعية، وهكذا تكونت في الغرب المسيحي نظرية جديدة في الإنسان ~~تقنع بما يسمى بالطبيعة وتستغني عما فوق الطبيعة، كأنها تقول لله: نشكرك اللهم ~~على نعمتك، ولكنا بغير حاجة إليها! ولسنا نرى إلا أن هذه النظرية تعتمد على إحدى ~~وجهتين للثقافة القديمة، وتغفل عن الوجهة الأخرى؛ فقد كانت المدنية اليونانية ~~والرومانية تقوم على علاقة وثيقة بين المواطنين والآلهة، وكانت العقول مشغولة ~~بالقدر والغيب، وبقيت «الأسرار» ناشطة طول عهد الفلسفة، وتأثر بها أعظم الفلاسفة، ~~حتي تحسر أفلاطون على أن وحيا إلهيا لم ينزل بخلود النفس فيقطع التردد والقلق، ~~وحتي رأى رجال الأفلاطونية الجديدة أن كمال الفلسفة في كمال الدين والتصوف، ويقال ~~مثل هذا في جميع الشعوب القديمة: كان الدين أظهر مظاهر حياتهم، يتناولها في جميع ~~نواحيها وينظمها أدق تنظيم، وإذن فقد أخطأ الإنسانيون ms003 إدراك روح اليونان والرومان ~~وغيرهم من الأمم، وخدعهم عن هذه الروح بعض الشعراء الماجنين والفلاسفة الماديين، ~~ولكن هكذا كان، فنجمت نتائج خطيرة. # كان من آثار المذهب الإنساني العمل على سلخ الفلسفة عن الدين، أو بعبارة أدق، ~~العمل على إقامة الفلسفة خصيمة للدين، والحملة على الفلسفة المدرسية بالتهكم على ~~لغتها وبحوثها وطريقة استدلالها، بل الحملة على العصر الوسيط بجميع مظاهره، ورميه ~~بالجهل والغباوة والبربرية، وكان ما هو أخطر من هذا: كان أن تسرب المذهب الإنساني ~~إلى المسيحية نفسها، وأخذ يعمل على تقويضها من الداخل، فما كانت البروتستانتية في ~~البدء إلا «احتجاجا على الغفرانات» ودعوى إصلاح في الإدارة الكنسية والعبادة، ثم ~~زعمت أن الدين يقوم على «الفحص الحر» أي الفهم الخاص للكتاب المقدس، وعلى التجربة ~~الشخصية، بغير حاجة إلى سلطة تحدد معاني الكتاب، ثم تناولت العقائد بالفحص الحر ~~فذهبت فيها كل مذهب، وبددت علم اللاهوت غير محتفظة إلا بعاطفة دينية عاطلة من كل ~~موضوع، قام لوثير (1483-1546) وزڤنجل (1484-1531) وكلفان (1509-1564) يزعزعون ~~العقيدة الفلسفية وينشئون الكنائس المستقلة وقام هنري الثامن (1509-1547) يقهر ~~الانجليز على إنكار الكثلكة، وقام غيره من الملوك والأمراء يناصرون المبتدعة قضاء ~~لمآربهم الخاصة، فكان القرن السادس عشر من أشد القرون اضطرابا وفوضى، انحلت فيه ~~الروابط الدينية والعائلية والاجتماعية وعنفت الأهواء القومية، فنشبت الحروب من أجل ~~الدين والسياسة جميعا، واستبيح فيها كل محرم بحجة سلامة الأمير أو الدولة. # وكان الأمراء الإيطاليون يطالبون أسباب القوة والترف، فشجعوا الفنون والصناعات، ~~فاندفع الأهلون إلى الابتكار والإتقان، وتنافست المدن في هذا المضمار، حتى غالت في ~~الاستئثار بالمخترعات والآلات الجديدة، وكان من استخدام القوى الطبيعية أن زاد في ~~معرفة أفاعيلها، وحفز الهمم إلى البحث عن قوانينها، فخرج العلم الآلي من ازدهار ~~الصناعات، ونبغ علماء وفنانون من الطراز الأول، ومن المعلوم أن العمل الساذج يسبق ~~النظر، أو أن الفن يسبق العلم، ثم يخرج من النظر عمل جديد، ومن العلم فن جديد أغنى ~~وأكثر إحكاما، وكان العلم بأرشميدس في القرن السادس عشر، ذلك العالم الذي طبق ~~النظر ms004 على العمل خير معوان على إقامة ميكانيكا جديدة أرضية وسماوية؛ فازداد سلطان ~~الإنسان على الأرض، واتسعت السماء أمام ناظرية بفضل اختراع التلسكوب، فأحس من ~~الكبرياء والطموح ما لم يحسه من قبل، والتقى هذا الإحساس في نفسه بما أوحى به ~~المذهب الإنساني في الأدب والدين، وبما نفخ فيه النضال السياسي من إحساس قوي ~~بالاستقلال، فتشعر كأنه رب نفسه ليس فوقه رب. # تلك خصائص عصر النهضة، وهي هي خصائص العصر الحديث إلى أيامنا، نستطيع أن نردها ~~إلى اثنتين: الفردية العنيفة في الأدب والدين والسياسة، والعناية البالغة بالعلم ~~الآلي وتطبيقاته العلمية الرامية إلى توسيع سلطان الإنسان على الطبيعة والزيادة في ~~رخائه، وسيكون لكل هذا صدى قوي في الفلسفة: ستستقل الفلسفة عن الدين، فتكون هناك ~~فلسفة إلحادية، وتكون فلسفة تتحدث عن الروحانية والمسيحية ولا تعني سوى مجرد عاطفة ~~دينية، وتكون فلسفة تشيد بالعلم الآلي وتحصر مجالها على قدر مجاله، أو تجتمع هذه ~~الوجهات المختلفة في بعض المذاهب مع تفاوت بينها، وتظل الأجيال إلى الآن حائرة ~~مترددة، تعتنق المذاهب وتخلعها الواحد بعد الآخر، وتستبدل نظاما من الحياة بنظام. ~~(2) أدوار الفلسفة الحديثة # هذه المذاهب من الكثرة والتشعب بحيث يتعذر التمهيد لها والإشارة إليها بشيء من ~~الدقة في مقدمة عامة، فتقتصر هنا على تعريف مجمل بأبواب الكتاب وهي ستة، يدور الباب ~~الأول على عصر النهضة، أي القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وهو عصر جديد، ولكن فيه ~~شيئا غير قليل من القديم: فيه أتباع لأفلاطون يستمدون منه أسباب دين طبيعي، وفيه ~~رشديون يذيعون الإلحاد تحت ستار دراسة أرسطو وابن رشد، وفيه علماء يحاولون استكناه ~~أسرار الطبيعة بالسحر والتنجيم، وآخرون يضعون أسس العلم الحديث في الرياضيات والفلك ~~والطبيعيات، وفيه نقاد يتشككون في أصول الأخلاق ومبادئ المعرفة، وفيه فلاسفة تضطرب ~~في عقولهم جميع هاته الميول، فيخرجون مذاهب غامضة مختلطة. # ولكن ما إن يجيء القرن السابع عشر، وهو موضوع الباب الثاني، حتى تهدأ الثورة، ~~ويبدو ميل إلى الإنشاء بعد الهدم، فتزدهر نهضة دينية، وبخاصة في فرنسا، وتظهر أمهات ~~المذاهب الحديثة، في ms005 مقدمتها مذهب ديكارت الذي يزعم إقامة فلسفة مسيحية ويستمد ~~عناصرها من القديس أوغسطين والقديس أنسلم ودونس سكوت، ولكنه يبث فيها روحا مغايرة ~~للدين، ويتفلسف على أثره مالبرانش وبسكال وسبينوزا وليبنتز، فيبين كل منهم على وجهة ~~ستتكرر في الأجيال التالية، بينما يضع هوبس وفرنسيس بيكون ولوك فلسفة واقعية تنكر ~~الميتافيزيقا وتستمسك بالتجربة. # فيكون لهذه الفلسفة الإنجليزية تأثير كبير على القرن الثامن عشر، موضوع الباب ~~الثالث، يلح فيها الإنجليز، وأشهرهم هيوم، ويصطنعها الفرنسيون، فيرد كوندياك ~~المعرفة بأسرها إلى الإحساس، وينقد ڤولتير وروسو وأضراب لهما كثيرون أصول الدين ~~والاجتماع ويبددون فلسفة ديكارت، ويجمع كنط بين المذهبين الحسي والعقلي في محاولة ~~قوية لتفسير العلم والوجود تجعل منه فيلسوف ألمانيا الأكبر، وتسيطر على العقول إلى ~~أيامنا. # وبينا يبدو القرن الثامن عشر عصر تحليل دقيق ونقد عنيف، إذا بالنصف الأول من ~~القرن التاسع عشر، موضوع الباب الرابع، يعمل على التركيب والبناء في ألمانيا وفرنسا ~~وإنجلترا على السواء، تظهر في ألمانيا فلسفات ضخمة صاخبة تحمل أسماء فختي وشلنج ~~وهجل وشوبنهور، ويتعمق الفرنسيون في دراسة الحياة النفسية وشرائطها بحيث يترتب على ~~هذه الدراسة حلول في سائر النواحي، كما فعل مين دي بيران، أو يستوعب أوجست كونت ~~جميع النواحي في مذهب واحد يصدر عن الواقعية، ويحاول نفر من الإنجليز، أبرزهم ~~هاملتون تصحيح المذهب الحسي بالفلسفة الألمانية. # ثم ينقلب الحال في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، موضوع الباب الخامس، فينشب ~~صراع بين المادية وقد وجدت أسلحة جديدة في نظرية تطور الأحياء، وأنصارا عديدين في ~~ألمانيا وإنجلترا، أشهرهم دروين وسبنسر، وبين الروحية يؤيدها فلاسفة ~~فرنسيون. # ويستمر هذا الصراع في النصف الأول من القرن العشرين، موضوع الباب السادس والأخير، ~~ويمكن القول إنه لن ينتهي، ولكن الروحية العصرية عرجاء ناقصة، فإن الفلسفة الحديثة ~~في جملتها لا تؤمن بالعقل ومعانيه ومبادئه، ولا تؤمن بجواهر ثابتة حتى تقول بنفس ~~خالدة وإله شخصي مفارق للطبيعة، فالروحانية مفتقرة في الواقع إلى فلسفة وجودية ~~موضوعية كفلسفة أرسطو، ولا ندري ما إذا كانت العقول العصرية تأخذ أنفسها بمثل ms006 هذه ~~الفلسفة، أو تمضي في محاولاتها العقيمة. # بين القديم والجديد # القرنان الخامس عشر والسادس عشر # الفصل الأول # أفلاطونيون ~~(1) نقولا دي-كوسا (1401-1464) # أديب كما يهواه الإنسانيون ورياضي وفيلسوف وصوفي، ولد بمدينة كوسا من أعمال ~~ألمانيا، ونشأ عند «إخوان العيشة المشتركة» وكانوا متأثرين للغاية بالتصوف الألماني ~~في العصر الوسيط، فانطبع هو بهذا الطابع، وفي الخامسة عشرة أخذ يدرس الفلسفة بجامعة ~~هيدلبرج، وكان أساتذتها أوكاميين، فحفظ شيئا من تعليمهم، وفي السنة التالية انتقل ~~إلى جامعة پادوڤا بإيطاليا، وكانت معقل الرشديين، فدرس فيها القانون والرياضيات ~~والفلسفة، دون أن يأخذ بشيء من الرشدية، ثم اشتغل بالمحاماة، ولكنه عدل عنها إلى ~~الكهنوت، فترقى في مراتبه، فصار أسقفا فكردينالا، وكان موضع إعجاب وإجلال في ~~مختلف المناصب التي تولاها، لما كان متحليا به من التقوى والعلم وحسن تصريف ~~الأمور، حتى مع البروتستانت، إذ أظهر نحوهم الشيء الكثير من التؤدة والتسامح. # كان «موسوعة» حية، له رسائل فلكية ورياضية يبدو فيها ممهدا لكوپرنك ولإصلاح ~~التقويم، وله كتاب فلسفي اسمه «الجهل الحكيم» (1440) وهذا لفظ وارد عن القديس بونا ~~ڤنتورا، وسنوضح المقصود منه فيما بعد، والكتاب مقسم إلى ثلاث مقالات: في الله، في ~~العالم والإنسان، في العودة إلى الله بالفداء، ومذهبه فيه يرجع إلى ديونيسيوس ~~وأبروقلوس وچون سكوت أريجنا ومن لف لفهم من فلاسفة العصر الوسيط؛ وذلك أن ~~الأفلاطونية بانت له الوسيلة الوحيدة لتخليص الميتافيزيقا من الدمار الذي انتهت ~~إليه على أيدي الاسميين، ولم تكن الأرسطوطالية في عهده توفر له هذا الغرض، ولكنها ~~كانت رشدية ملحدة، فعارضها وبعث الصرخة التي لن تلبث أن تدوي في أرجاء أوربا: ~~«لتسقط شيعة الأرسطوطاليين!». # يصل الكردينال دي كوسا إلى الله والتصوف بتحليل المعرفة على طريقة الأفلاطونيين، ~~المعرفة بالإجمال رد الكثرة إلى الوحدة، أو هي تركيب وتوحيد، ففي المعرفة الحسية، ~~التوحيد في غاية النقص، إذ أن الحواس تقبل الإحساسات متفرقة، وتدرك الأجسام إدراكا ~~غامضا، ثم يزيد التوحيد بتكوين معاني الأنواع والأجناس، أي برد الجزئيات إلى ~~ماهيات، ونظمها في قضايا وفقا لمبدأ عدم التناقض، وهذا عمل العقل الاستدلالي، ms007 ~~يعطينا علما محدودا نسبيا مؤلفا من احتمالات؛ لأنه ليس في العالم شيئان ~~متشابهان تمام التشابه، وإنما هناك جزئيات منفصلة مستقلة لا يقاس بعضها على بعض، ~~وهذه هي الاسمية التي أخذها عن أساتذة هيدلبرج، ثم يبلغ التوحيد أقصاه في الحدس، ~~فتبطل عنده قيمة مبدأ عدم التناقض، وتدرك النفس توافق الأضداد التي يعرضها العقل ~~الاستدلالي منفصلة متقابلة، وليس هذا الحدس معرفة، إذ أن المعرفة لا تحصل بغير كثرة ~~واختلاف، فكمال التفكير في وقوف التفكير، فالجهل الحكيم معرفة الفكرة لحدوده، ~~واعتقاده بالوحدة المطلقة وراء هذه الحدود، وبأن ليس مبدأ عدم التناقض المبدأ ~~الأعلى، وليس الجدل العلم الأعلى الذي يخضع له العقل والإيمان، على ما يريد ~~الاسميون. إن النقائض والأضداد ملازمة لعلمنا بالمتناهي ، ولكنها تمحى في اللا ~~نهاية؛ فالخط المنحني إذا صححنا انحناءه إلى ما لا نهاية، جعلناه كالخط المستقيم، ~~وإذا فرجنا الزاوية القائمة في المثلث إلى ما لا نهاية، اختلط وترها بالضلعين ~~الآخرين، ومتى اعتبرنا الحركة كأنها سكونات متتالية، اتفقت مع السكون، وهكذا في ~~جميع الأضداد. # فالله الموجود الأعظم اللا متناهي الحاوي كل وجود، حتى النقائض: «هو الأشياء ~~جميعا في حال الوحدة أو الانطواء، والعالم الأشياء جميعا في حال الكثرة أو ~~الانتشار، الله الموجود المطلق الذي بلغت فيه كل قوة إلى الفعل والعالم الموجود ~~المتشخص المركب المنتقل من القوة إلى الفعل». وجود العالم لا وجود بالقياس إلى ~~الوجود الإلهي؛ لذا يجب أن ننفي عن الله كل تعيين، فلا يبقى لنا شيء نسميه، لأن كل ~~اسم فهو ناشئ عن تفريق وتمييز، وهذا هو اللاهوت السالب كما صادفناه عند ديونيسيوس ~~وسكوت أريجنا، وإذا أطلقنا على الله أسماء فإنما ندل فقط على أنه نموذج الموجودات ~~ومصدرها، وهذا هو اللاهوت الموجب، أما العالم فيرجع كله إلى الله؛ إذ إن كل موجود ~~فهو يرمي إلى استكمال ماهيته، ويرجع الإنسان إلى الله بالمعرفة؛ فإن طبيعته العقلية ~~تسمح له باتحاد بالله أوثق، وكل هذا نعرفه عن الفلاسفة الذين ذكرناهم، وقد اتهم ~~الكردينال دي كوسا بوحدة الوجود، فأنكر التهمة، وهو يفسر ms008 معنى توافق الاضداد ~~والانطواء الإلهي بما لا يدع مجالا للشك في مقاصده، فيقول إن الله أوجد العالم «عن ~~قصد» لا ضرورة، وهذا ينفي كل اشتراك في الوجود بين الخالق والمخلوق. ~~(2) مرسيليو فتشينو (1433-1499) # في هذا الوقت الذي نؤرخه، لم يكن جميع الأفلاطونيين مؤمنين بالوحي المسيحي مثل ~~الكردينال دي كوسا، بل كانوا في معظمهم أصحاب دين طبيعي قائم على الله والنفس ~~والخلود والحرية، يستمدون الأدلة المؤيدة له من كتب أفلاطون، ويقنعون بهذه الأركان ~~الأربعة لكي يصفوا الفلسفة بأنها مسيحية، معارضين رشديي بادوڤا الذين كانوا يعتقدون ~~بالمنافاة بين الطرفين، وأول من افتتح النزاع بين الأفلاطونيين والأرسطوطاليين، ~~العالم اليوناني بليثون Plethon ~~، فقد أسس بفلورنسا ~~أكاديمية أفلاطونية كسبت عددا كبيرا من الايطاليين إلى جانب أفلاطون، ونشر سنة ~~1440 رسالة ضد أرسطو، وخلفه على المدرسة مواطنه الكردينال بساريون. # وأشهر أتباعهما مرسيليو فتشينو، نقل إلى اللاتينية تساعيات أفلوطين (1492) وشرح ~~أفلاطون في كتاب أسماه «الإلهيات الأفلاطونية في خلود النفس» وقال في مقدمته: إن ~~الحاجة ماسة إلى دين فلسفي يستمع إليه الفلاسفة بقبول، وقد يقتنعون به، على أن ~~أهمية فتشينو قائمة في تعريف الغربيين بكتب أفلاطون وأفلوطين، وقد طبعت كتبه مرارا ~~بباريس خلال القرن السادس عشر، وكانت مصدر العلم بالفيلسوفين. ~~(3) چاك پيك دي لا ميراندول (1463-1494) # وتلاقت في تلك البيئة المضطربة، الأفلاطونية والفيثاغورية والكابال اليهودية ~~والمذاهب السرية # 1 # فنشأت مذاهب غريبة تشترك في الاعتقاد بالروحانيات وفي معالجة العلم ~~الطبيعي، فتتخذ من الناحية الأولى وجه الدين، ولكنه دين غامض مريب، ومن الناحية ~~الثانية وجه الفلسفة، ولكنها فلسفة مشوبة بالسحر والتنجيم والطلسمات، فقد كان ~~أصحابها يزعمون معرفة الطبيعة بمذهب سري، وإخضاعها بفن سري، تبعا لما جاء عند ~~أفلوطين من أن العالم جملة قوى مترتبة وأن من الممكن التأثير فيما تحت فلك القمر ~~بوساطة القوى العليا. # إلى هذه النزعة ينتمي چان پيك دي لاميراندول، كان متضلعا من اليونانية والعبرية، ~~وكان يعتقد أن في الكابال حكمة لا تقل شأنا عن حكمه أفلاطون وحكمة التوراة، وهو ~~أحد الأفلاطونيين الذين حاولوا التوفيق بين أفلاطون ms009 وأرسطو، فصنف في ذلك كتابا ~~تركه غير تام، وقد شرح سفر التكوين شرحا رمزيا بعد كثيرين سبقوه، فاستخرج منه ~~بالتأويل الفلسفة الباهرة المعقدة الموجودة في الكابال. ~~(4) براسلس (1493-1541) # هو تيوفانت هوهنهيم المعروف ببراسلس، عالم وطبيب ألماني، كتب بالألمانية، يرجع ~~إلى النزعة المتقدمة، فيؤمن بنور باطن أعلى من «العقل الحيواني» ويحب الكابال ويمزج ~~بينها وبين المسيحية، فيذهب إلى أن النفس الكلية والأرواح التي تليها صدرت عن ~~المسيح، وأن من يطيع الإرادة الإلهية طاعة مطلقة يتحد بالمسيح وبالعقول المفارقة، ~~ويزعم أنه خير الأطباء، الحاصل على الدواء الكلي أو حجر الفلاسفة، ويعارض العلم ~~الطبيعي الأرسطوطالي في عدة نقط، وبالأخص نظرية العناصر الأربعة، وقسمة العالم إلى ~~منطقة عليا وأخرى سفلى، فيقول إن الموجودات الطبيعية جميعا مركبة من عين المواد، ~~خاضعة لعين القوانين، والعلم الطبيعي عنده قائم على أن كل شيء في العالم فهو رمز، ~~وأن كل شيء فهو في كل شيء، وأن العلم تعيين درجات الصلة والألفة بين الأشياء، وأننا ~~بمعرفة هذه الدرجات نعرف كيف تتفاعل الأشياء، وكيف نؤثر فيها. وكتبه كلها عبارة عن ~~تعيين مقابلات من هذا القبيل، وقد كان لها تأثير كبير في الجمعيات الصوفية ~~الألمانية، ولكن العلم الحديث اتخذ طريقا بعيدا كل البعد عن هذا الخيال. # لفظ الكابال يعني التقليد «الموروث أو المقبول» من فعل قبل يقبل، ~~والكابال جملة شروح رجال الدين من اليهود على التوراة، وهي شروح من الغرابة ~~والبعد عن الأصل بمكان. # الفصل الثاني # رشديون ~~(1) پونبوناتزي (1462-1525) # هو أشهر أساتذة پادوڤا في ذلك العصر، وكانت جامعتها أرسطوطالية رشدية تنشبث ~~بتأويل ابن رشد لأرسطو، ليس فقط في العقليات، بل أيضا في الطبيعيات، فتعارض ~~الميكانيكا الجديدة التي بدأت في جامعة باريس في القرن الرابع عشر، بنظرية أرسطو في ~~حركة المقذوفات، وتصر على قسمة العالم إلى الرشديين اللاتين في قولهم إن القضية ~~الواحدة قد تكون صادقة عند اللاهوتي دون أن تكون كذلك عند الفيلسوف، وإن باستطاعتنا ~~أن نؤمن بالإرادة بما لا نجد له مبررا في العقل، فنخضع للدين مع علمنا ببطلان ~~عقائده، ms010 ونشر كتابا في «خلود النفس» أنكر فيه الخلود، ثم أعلن خضوعه لتعليم الدين ~~بالخلود كحل نهائي للمسألة، ولكن محكمة التفتيش أمرت بإحراق الكتاب، ونجا هو من ~~الأذي بفضل حماية أحد الكرادلة. # في كتاب «خلود النفس» (1516) يذهب إلى أن الخلود ليس لازما من مبادئ أرسطو، ~~فكأنه يرد على القديس توما الإكويني الذي قال بعكس ذلك، بل كأنه يقيم الحجة على ~~الكنيسة بالفيلسوف الذي أعلنته حجتها، وفي معالجته للمسألة ينحرف عن قول ابن رشد ~~وأتباعه إن العقل المنفعل مفارق كالعقل الفعال، وإن للنفس الإنسانية بما هي مشاركة ~~في المعرفة العقلية خلودا لا شخصيا، ويتابع إسكندر الأفروديسي في أن العقل ~~المنفعل في النفس، وأنه «هيولاني» أي إنه مجرد استعداد جسماني لقبول تأثير العقل ~~الفعال المفارق، وأن النفس الإنسانية فانية كالجسم، وكان هذا الموقف الثاني يعد ~~أكثر خطرا من الأول، وكانت هناك مناقشات بين أتباع إسكندر وأتباع ابن رشد، فلا ~~نعجب أن يشجع البابا أحد الرشديين (واسمه نيفو # nifo ~~) على معارضة پونبوناتزي، فيدون كتابا «في الخلود» لهذا ~~الغرض (1518)، وبعض الشر أهون من بعض! ثم يرد پونبوناتزي على الحجة التي تستنتج ~~ضرورة الثواب والعقاب، فيقول إنها قائمة على تصور خاطئ، أو على الأقل ناقص، للفضيلة ~~والرذيلة والثواب والعقاب، إن الفضيلة التي تصنع بغية ثواب مغاير لها، ليست فضيلة، ~~يشهد بذلك أننا جميعا نعتبر الفعل النزيه أجمل من الفعل النفعي، والثواب الحق هو ~~الفضيلة نفسها وما يلحقها من اغتباط، أما الأجر المغاير للفضيلة، فثواب عرضي لا يمت ~~إلى الفضيلة بسبب، وكذلك الحال في الرذيلة، فإنها تنطوي على عقابها، حتى ولو لم ~~يلحقها ألم خارجي، إن الغاية الطبيعية للإنسان هي طبيعته الإنسانية، وإن في كرامة ~~الفضيلة وعار الرذيلة لسببا كافيا لمحبة الأولى والترفع عن الثانية، فليس يسوغ ~~للإنسان، سواء أكان فانيا أم خالدا، أن يحيد عن طريق الخير، أما أن الشعب يصنع ~~الخير ابتغاء ثواب أخروي، ويجتنب الشر خشية جهنم، فهذا يدل على أن أفكاره الأخلاقية ~~ما تزال في الطفولة، وأنه بحاجة إلى الوعد والوعيد حيث يصدر ms011 الفيلسوف عن المبادئ ~~ليس غير، المشرعون هم الذين ابتكروا الاعتقاد بالخلود، لا عناية منهم بالحقيقة، بل ~~حرصا على الخير العام، وپونبوناتزي على حق فيما يثبت من أن الطبيعة الإنسانية ~~مقياس الخير والشر، وأنه يجب إتيان الفضيلة لذات الفضيلة، واجتناب الرذيلة لذات ~~الرذيلة، ولكنه على باطل فيها يريد أن ينفي، فليست الفضيلة غاية في ذاتها، وإنما ~~غاية الإنسان وسعادته نظرية، والمسيحية تعلم أن مثل هذه السعادة تتحقق بمعاينة ~~الله، وأن عقاب الرذيلة الحرمان من الله، فإذا كان الثواب والعقاب الأخرويان ~~مغايرين للفضيلة والرذيلة بما هما كذلك، فإن الثواب الأخروي ذاتي للإنسان الفاضل ~~الذي يتوجه إلى الفضيلة لكونه إنسانا ويتخذ منها وسيلة لتغليب الإنسانية على ~~البهيمية، والعقاب الاخروي ذاتي للإنسان الرذيل الذي يتحول عن إنسانيته، ~~وپونبوناتزي بعد لا يستطيع أن يعين أساسا للواجب ومبدأ ملزما به، فيدعه لمحض ~~مشيئة الشخص، وتعد محاولته هذه نموذجا للأخلاق الطبيعية المستقلة عن الفلسفة ~~والدين. # وله كتاب «في القدر والحرية وانتخاب الله للمخلوقات» (1525) يذهب فيه إلى أن ~~الحرية الإنسانية ثابتة بالتجربة، وأن العناية الإلهية ترجع إلى الإيمان، ولا يمكن ~~التوفيق بينهما؛ لأن في وضع الواحدة رفعا للأخرى، ويعرض لمسألة الشر، فيبرره بأنه ~~داخل في نظام العالم، وأنه شرط الخير، كما يفعل أفلاطون والرواقيون وأفلوطين. وبعد ~~وفاته نشر له كتاب «في علل الظواهر الطبيعية العجيبة أو كتاب التعازيم» (1556) يقول ~~فيه إن المعجزات أحداث استثنائية تصاحب نشوء الأديان، وهي مع ذلك أحداث طبيعية، إلا ~~أن تفسيرها يتطلب تعمقا في معرفة الطبيعة لا يبلغ إليه الإنسان عادة؛ فهو يتطلب ~~مثلا معرفة ما للأعشاب والأحجار والمعادن من قوى خفية، وما بين الإنسان وسائر ~~أجزاء العالم، ومنها النجوم بنوع خاص، من علاقات مختلفة، وما للمخيلة من قوة قد ~~تحدث الشفاء بالإيحاء، وأمورا أخرى من هذا القبيل. وكان أفلوطين قد قال بمثل ذلك ~~(في الرسالة الرابعة من التساعية الرابعة، ف 36-42). فهؤلاء الرشديون أو ~~الأرسطوطاليون يستمدون أسلحتهم من كل موضع. ~~(2) جيرولامو كردانو (1501-1576) # خريج جامعة پادوڨا أيضا، اشتهر بالطب. وله اسم مذكور في ms012 الرياضيات بوضعه قاعدة ~~لحل معادلات الدرجة الثالثة في كتاب نشر سنة 1543. وهو صنو براسلس، ذهب إلى مزيج ~~غريب من السحر والتنجيم، ومن الآراء الحرة. نظر في قيام الأديان وانحطاطها، وفي ~~توزعها في مناطق الأرض، فأرجعها إلى تأثير اقتران النجوم، واستخرج طالع المسيح ~~المولود في اقتران المشتري والشمس، وأضاف الشريعة اليهودية إلى تأثير زحل وللعالم ~~عنده نس واحدة آلتها الحرارة، فجميع الموجودات الطبيعية حية ولو لم تظهر الحياة ~~فيها جميعا، ويروى أنه عد استكشاف أقمار المشترى أبى أن ينظر في التلسكوب وأصر على ~~إبائه لمخالفة هذا الكشف لمذهب أرسطو. ~~(3) تشيزارى كريمونيني (1550-1631) # من أساتذة بادوفا وآخر ممثلي مدرستها في الوقت الذي كان العالم من حولها قد تحول ~~أيما تحول، له كتاب «في السماء» يردد فيه الآراء المميزة لمدرسة قدم العالم ~~وضرورته، إنكار الخلق، اتحاد وثيق بين النفس والجسم يقضي على الروحانية، إنكار ~~الخلود، إنكار العناية الإلهية، واعتبار الله علة غنائية فحسب. # الفصل الثالث # علماء ~~(1) ليونارد داڤنتشي (1452-1519) # ثمرة من خير ثمار عصر النهضة، اشتغل بالتصوير والنحت والموسيقى فكان فنانا ~~عظيما، وتبحر في التشريع والمعمار والميكانيكا فكان عالما مبرزا، واستخلص من ~~أبحاثه أصول المنهج العلمي، ومن مشاهداته للناس عوامل سيرتهم فكان فيلسوفا ~~مذكورا، تناول علم الميكانيكا حيث تركه أرشميدس، ونهج فيه نهجه، فوصل إلى نتائج ~~تختلف عما كان وصل إليه الاسميون الباريسيون في القرن السابق، وكان مقتنعا بأن ~~العلم ابن التجربة، وأن النظريات التي لا تلقى تأييدا من التجربة نظريات باطلة، ~~فكان يرمي الكيميائيين والمنجمين بأنهم دجالون أو مجانين، وليست التجربة عنده ~~مجرد الإدراك الحسي، بل البحث عن العلاقات الضرورية بين الأشياء، ووضع هذه العلاقات ~~في صيغ رياضية تخلع على نتائج التجربة يقينا كاملا، وتسمح باستنتاج الظواهر ~~المستقبلة من الظواهر الراهنة. ~~(2) نقولا كوپرنك (1473-1543) # ولد بمدينة ثورن # Thorn # من أعمال بروسيا، ولكن ~~البولنديين يدعونه، والمرجع أنه من أسرة ألمانية استوطنت بولندا، درس الآداب ~~والرياضيات والفلك بجامعة كراكوڤيا، وقضى عشر سنين بإيطاليا (بمدن بولونيا وروما ~~وپادوڤا)، ويلوح أن أستاذه ببولونيا كان يشك في ms013 الفلك القديم، وتكونت عنده هو أصول ~~مذهبه فيما بين الثالثة والثلاثين والسادسة والثلاثين، وقضى زمنا طويلا يعالجه ~~وينقحه، ثم وضع كتابه «في الحركات السماوية» ولكنه لم ير نشره إلا في آخر حياته، ~~فجاءته نسخة مطبوعة منه وهو على فراش الموت فاقد الوعي. # أراد أن يتصور السماء على نحو أبسط من تصور أرسطو وبطليموس، ورائده أن دأب ~~الطبيعة إدراك غاياتها بأبسط الوسائل، فرأى أن بقاء أكبر الأجرام ثابتا على حين ~~تتحرك من حوله الأجرام الصغرى، أكثر تحقيقا لهذا المبدأ من دوران الأجرام جميعا ~~حول الأرض، وأضاف إلى مبدأ البساطة مبدأ النسبية حيث قال: إن الإدراك الحسي لا ~~ينبئنا بداهة، حين تحدث حركة في الفضاء، إن كان المتحرك هو الشيء المحسوس، أو الشخص ~~الحاس، أو أن الاثنين يتحركان بسرعة مختلفة، أو في اتجاه مختلف، فإذا افترضنا الأرض ~~متحركة، وهي المكان الذي نشاهد منه الحركات السماوية، حصلنا على صورة للعالم أبسط ~~من الصورة المبنية على افتراض الأجرام السماوية هي المتحركة، وينحصر جهد كوپرنك في ~~التدليل الرياضي على أن الفرض الأول يدع الظواهر كما تبدو للإدراك الحسي، فالنظرية ~~الجديدة معروضة هنا كمجرد فرض، وقد عني الناشر بالتنبيه على ذلك في المقدمة، فلم ~~يثر الكتاب اعتراضا، وهذه النظرية قال بها أرسطرخس الفيثاغوري، وذكرها شيشرون في ~~أحد كتبه، وقرأها كوپرنك، فعمل على تأييدها، أو بعبارة أصح، على بيان إمكانها. ~~(3) لويس ڤيفيس (1492-1540) # ولد في بلنسية من اعمال إسبانيا، درس في باريس، وقضى باقي حياته في بلجيكا، كان ~~من القائلين بوجوب اتخاذ التجربة أساسا للمعرفة، وقد طبق هذا القول في كتاب له «في ~~النفس والحياة» (1538) جمع فيه مواد كثيرة مستمدة من القدماء، وملاحظات شخصية ~~كثيرة، وتحليلات دقيقة للظواهر النفسية، فهو يصرح بأن صعوبات جمة تعترض الفحص عن ~~ماهية النفس، وأن العلم بما ليست النفس أيسر من العلم بما هي، وأن لا فائدة من ~~معرفة ماهيتها، بل الفائدة في معرفة وظائفها، فعلم النفس عنده فسيولوجي وصفي، وهو ~~يتصور النفس مبدأ للحياة بجميع مظاهرها، وليس فقط للحياة الفكرية، ويجعل ms014 من الدماغ ~~مركز المعرفة، خلافا للأرسطوطاليين الذين كانوا يضعونها في القلب، على أنه يضع في ~~القلب القوة الحيوية، بحجة أن القلب موضع أول مظهر وأخر مظهر للحياة، وموضع ~~الانفعالات، وهو مع ذلك روحي، يقول إن النفس الإنسانية مخلوقة من الله مباشرة، وإن ~~النفسين النامية والحاسة متولدتان بقوة المادة، ودليله على روحية نفس الإنسان أنها ~~لا تقنع بالمحسوس المتناهي، ولكنها تواقة إلى اللا نهاية، وقد كان له أثر قوي ~~للغاية على النظريات النفسية في القرنين السادس عشر والسابع عشر، وديكارت يدين له ~~بالشيء الكثير، ويذكره في غير ما موضع، وله آراء قيمة في التربية والتعليم. ~~(4) كپلر (1571-1630) # ولد في إحدى مدن ورتمبرج، درس الآداب والفلسفة واللاهوت والرياضيات والفلك في ~~المدرسة الأكليريكية بتوبنجن، ثم انصرف عن اللاهوت إلى تدريس الرياضيات، وكان يرى ~~فيها أكمل العلوم، ويرى وجوب اتباع منهجها في كل علم؛ لأن الروح الإلهي يتجلى ~~بالنظام والقانون، ولأن العقل الإنساني يدرك النسب الكمية بأوضح مما يدرك أي شيء ~~آخر، ولا يصل إلى اليقين التام إلا باعتباره الوجهة الكمية، وكان أول اتجاه كپلر ~~إلى وضع نظرية جديدة توفق بين نظرية كوپرنك ونظرية العقول المحركة للكواكب، ولكنه ~~عاد فآثر أن يفترض عللا «طبيعية» واستعاض بالقوة عن العقل المحرك، وبعد بحوث طويلة ~~استعاض بالإهليلج عن الدائرة التي كانت معتبرة أكمل الأشكال، وأيد نظرية كوپرنك بأن ~~اكتشف مدارات السيارات وقانون حركتها، وفي أول كتاب له خصص فصلا للتوفيق بين نظرية ~~كوپرنك والتوراة، وكان بروتستانتيا، فلما راجع المخلوط أساتذة اللاهوت بجامعة ~~توبنجن البروتستانتية، حذفوا منه ذلك الفصل، فلم يظهر في الكتاب المطبوع (1596)، ~~وفي سنة 1608 أراد أن ينشر في ليبزيك تقريرا مفصلا عن النجم المذنب الذي ظهر في ~~السنة السابقة، فأصر لاهوتيو المدينة البروتستانت على أن يمتنع من النشر. ~~(5) جليليو (1564-1642) # ولد بمدينة پيزا من أعمال إيطاليا، وفي السابعة عشرة دخل جامعتها لدراسة الطب ~~نزولا على رغبة والده، ولكنه كان يتلقى في الوقت نفسه الفلسفة والرياضيات والفلك، ~~مع شغف كبير باليونانية واللاتينية والشعر والموسيقى والرسم، وإيثار ms015 لأفلاطون ~~وأرشميدس على أرسطو، وبعد ثماني سنين صار أستاذا بالجامعة فمكث بها ثلاث سنين ~~(1589-1592) ثم انتقل إلى جامعة پادوڤا، فقضى بها سبع عشرة سنة (1593-1610)، وكان ~~يعرض الفلك القديم مع اعتقاده بنظرية كوپرنك، شأن غير واحد من أساتذة العصر، وفي ~~سنة 1609 صنع التلسكوب، فرأى جبال القمر ووديانه، وأقمار المشترى الأربعة، وعين ~~قانون حركتها، وفي مارس من السنة نفسها نشر كتابا بعنوان «رسول من النجوم» عرض فيه ~~كشوفه، وأعلن انحيازه لنظرية كوپرنك، فلقي هذا الكتاب نجاحا عظيما وغادر جليليو ~~پادوڤا إلى فلورنسا إجابة لدعوة الغراندوق، وفي أواخر السنة اكتشف كلف الشمس، ~~فاستنتج من حركة الكلف على قرص الشمس دروان الشمس نفسها، وفساد الرأي القديم الذي ~~يقسم العالم إلى منطقة سفلية هي محل الكون والفساد، وأخرى علوية بريئة منهما، ودعا ~~أتباع أرسطو إلى النظر بالتلسكوب، ويذكر أن ملانكتون، الزعيم البروتستاني، ~~وكريمونيني، أستاذ پادوڤا، رفضا هذه الدعوة غيرة منهما على مذهب أرسطو، وفي سنة ~~1611 ذهب جليليو إلى روما، فأحسن البابا بولس الخامس وفادته، واحتفى به فلكيو ~~المعهد الروماني، ثم عاد إلى فلورسنا. # وما كاد يستقر فيها حتى صدر كتاب لأحد علمائها «في الفلك والبصريات والطبيعيات» ~~(1611) يتهمه بمخالفة التأويل السلفي للكتب المقدسة فرد عليه جليليو في 21 ديسمبر ~~1612 برسالة موجهة إلى الراهب البندكتي كاستلي، أستاذ الرياضيات بجامعة بيزا الذي ~~كان يقول بدوران الأرض، ودفع التهمة بتأويل النصوص الكتابية المعترض عليها طبقا ~~لنظريته، ثم عاد فأسهب في هذا الموضوع في رسائل أخرى، وفي 5 فبراير 1615 أحال أحد ~~الرهبان الدومنيكان إلى ديوان الفهرست، وهو الديوان المكلف بمراقبة الكتب ووضع ~~الخطر منها في ثبت الكتب المحرفة، ورسالة جليليو إلى كاستل، فقام الديوان بالتحقيق ~~مع جليليو، ونصحه الكرادلة دلمونتي، الذي كان رشحه للأستاذية بجامعة بيزا، ~~وبلارمينو من كبار رجال الكنيسة، وباربريني الذي صار فيما بعد البابا أوربان ~~الثامن، بأن يقتصر على التدليل العلمي، ويعرض نظريته على أنها فرض أبسط من النظرية ~~القديمة، ويدع تفسير الآيات الكتابية إلى اللاهوتيين ولكنه لم يستمع إلى هذه ms016 ~~النصيحة، ونشر تفسيرا جديدا لبعض الآيات، فأعلن إليه ديوان التفتيش في 25 فبراير ~~1616 أن يمتنع من الجهر برأيه، فوعد بالامتناع، وفي 5 مارس قرر ديوان الفهرست تحريم ~~كتاب كوپرنك «ما لم يصحح» وأغفل ذكر كتاب جليليو مراعاة له، ومعنى قول الديوان «ما ~~لم يصحح» أنه يأذن بطبع الكتاب نظرا لفائدته بشرط تصحيح المواضع التي يتحدث فيها ~~المؤلف عن حركة الأرض ومكانها من العالم «لا كمجرد فرض بل كحقيقة» كما جاء في ~~تفسيره لقراره بتاريخ 15 مايو 1620. # وفي 1618 ظهر نجم مذنب، فنشر جليليو (أو أحد تلاميذه فيما يقال) «مقالا في ~~المذنبات»، فرد عليه أحد اليسوعيين من أساتذة المعهد الروماني فصنف جليليو كتابا ~~في شكل رسالة موجهة إلى أحد رجال الدين المعروفين، أسماه «المحاول» (1623) أي ~~محاولة في المنهج التجريبي، وحمل فيه حملة عنيفة على الفلك القديم، فأخلف وعده ~~مرتين، على أن البابا (أوربان الثامن) استقبله بروما في السنة التالية ست مرات، ~~وشمله بعطف كثير، وبعد ثماني سنين (1632) أذاع جليليو كتابة المشهور «حوار يناقش ~~فيه أربعة أيام متوالية أهم نظريتين في العالم» يقتصر فيه ظاهرا على سرد الحجج في ~~جانب كل نظرية، وينم أسلوبه عن الجانب الذي يميل إليه، فعهد البابا إلى لجنة بفحص ~~الكتاب، وأعلن ديوان التفتيش إلى جليليو بالمثول أمامه، فاعتذر باعتلال صحته، وبعد ~~خمسة أشهر (13 فبراير 1633) وصل إلى روما، فلم يحبس كما كان مألوفا، ولما سئل ~~أجاب أنه ما زال منذ قرار ديوان الفهرست يعتبر رأي بطليموس حقا لا يتطرق إليه ~~الشك، وكرر هذا الجواب، فكان كاذبا مرتين، فطلب إليه التوقيع على جوابه وصرف، وفي ~~اليوم التالي قرئ عليه الحكم، فإذا بالحكم يعلن أنه شبهة قوية قائمة على جليليو ~~بالخروج على الدين لقوله بمذهب كاذب مناف للكتاب المقدس، ويطلب إليه أن ينكره، وأن ~~يقسم بأن لا يقول أو يكتب شيئا يمكن أن يستنتج منه هذا المذاهب، فأنكر وأقسم وهو ~~راكع على ركبتيه، ثم وقع بإمضائه على صيغة الإنكار والقسم، ويروى أنه بعد التوقيع ~~ضرب الأرض برجله وقال: ms017 «ومع ذلك فهي تدور» ولكن هذه الرواية لم تذكر لأول مرة إلا ~~سنة 1761، وهي إن صحت كانت شاهدا ناطقا بريائه أو كذبه مرة ثالثة. # وكان الحكم يقضي عليه بالحبس، ولكن البابا عين إقامته في قصر سفير توسكانا صديق ~~جليليو، وبعد بضعة أيام تركه يذهب إلى مدينة سيين حيث نزل عند أحد الكرادلة من ~~أصدقائه أيضا، وبعد خمسة أشهر طلب الإذن بالذهاب إلى فلورسنا، فأجابه البابا إلى ~~طلبه، فعاش هناك «سجينا بالشرف» فكان يواصل بحوثه الرياضية، ويستقبل من يقصد إليه ~~من العلماء والكبراء، وفي سنة 1638 نشر كتابا بعنوان «مقالات في علمين جديدين» ~~يحوي أصول العلم الحديث في الميكانيكا والطبيعة، ولكنه طبع في هولندا هربا من ~~المراقبة قبل الطبع، وفي أوائل تلك السنة فقد جليليو بصره، وكانت وفاته بالحمى، وفي ~~أثناء مرضه أبدى عواطف تقوى حارة، وأرسل إليه البابا بركته. # والحق أن «المجمع المقدس» اخطأ في الحكم بأن مذهب كوپرنك باطل مناف للكتب ~~المقدسة، ولكن هذا لا ينال من الكنيسة بالقدر الذي يزعم الكثيرون، ذلك بأن الكنيسة ~~تعلم أن عصمتها في العقائد والأخلاق قائمة في المجمع الكنسي العام؛ أي الممثل ~~للكثلكة جمعاء، متحدا مع البابا، وفي البابا نفسه ناطقا باسم الكنيسة وفارضا ~~نطقه صراحة على جميع المؤمنين، والحكم هنا صادر عن هيئة خاصة، وهذه الهيئة إن كانت ~~أنكرت النظرية الجديدة، فهي لم تمانع في إذاعتها كمجرد فرض علمي، فلم يكن رائدها ~~التعصب ضد العلم، بل صيانة الكتب المقدسة لصيانة الدين والأخلاق، وكل ما يمكن أن ~~يقال هو أن غيرة رجالها على الدين أربت على فطنتهم، ولكن يجب أن نذكر أن النظرية ~~القديمة كان يؤيدها البروتستانت أيضا، وقد مر بنا موقف لاهوتبهم من كپلر، كما ~~كان يؤيدها جمع الأرسطوطاليين من مؤمنين وملحدين، ثم إن أدلة جليليو لم تكن ~~برهانية، وهذه نقطة جديرة بالتنويه، فكان خصوم نظريته يناقشونها وينقدونها، وقد قال ~~الكردينال بلارمينو، في رسالة ترجع إلى سنة 1615 موجهة إلى أحد الرهبان المناصرين ~~لمذهب كوپرنك: # لو كان هناك برهان حق على دوران ms018 الأرض وثبات الشمس، إذن لتعين الحذر ~~الشديد في تفسير آيات الكتاب المقدسة، ولكان أحرى بنا أن نقول إننا لا ندرك ~~معناها، من أن نكذب ما قام عليه البرهان، ولكني لن أعتقد بقيام هذا البرهان ~~قبل أن يبين لي. # وهذا ما حدث بالفعل فيما بعد، إذ لم تعد الكنيسة تحرم الاعتقاد بمذهب كوپرنك، بل ~~صارت تحمل الآيات على محمل التعبير بالظاهر، كما نقول نحن الآن: طلعت الشمس وغربت. ~~وماذا يقول الشانئون لمن يذهب من علمائنا المعاصرين إلى أن نظرية كوپرنك مجرد فرض، ~~وأن ميزتها على النظرية الأخرى تنحصر في بساطتها ليس غير؟ فيصرح أحدهم، هنري ~~بوانكاري، بأن هاتين القضيتين: «الأرض تدور» و«أفترض دوران الأرض أكثر نفعا في ~~العلم» هما معنى واحد بعينه، وليس يوجد في إحداهما أكثر مما يوجد في الأخرى. # 1 # وبعد فأهمية جليليو في تاريخ الفلسفة ترجع إلى نقطتين: إحداهما المنهج العلمي، ~~والأخرى بناء النظرية الآلية، فمن الناحية الأولى نجده يقول عن المنطق الصوري إنه ~~مفيد في تنظيم التفكير وتصحيحه، ولكنه قاصر عن استكشاف حقائق جديدة وليس يحصل ~~الاستكشاف باستقراء جميع الحالات الممكنة؛ فإن مثل هذا الاستقراء مستحيل، وإنما ~~يحصل الاستكشاف باستخلاص فرض من تجارب معدودة (وهذه مرحلة تحليلية) ومحاولة تركيب ~~قياس يبين أن ذلك الفرض مطابق لتجارب أخرى (وهذه مرحلة تركيبية) بحيث يتكامل ~~التحليل والتركيب ويتساندان، وهذا يعني أن المنهج العلمي هو الاستقراء الناقص ~~مؤيدا بالقياس، والاستقراء ممكن حتى ولو لم نستطيع أن نجد أو نوجد في الطبيعة ~~الفرض الذي نستخلصه: مثال ذلك، نفترض أن الأجسام تسقط في الخلاء بنفس السرعة، ~~ولكننا لا نستطيع تحقيق الخلاء المطلق، فنستعيض عنه بالنظر إلى ما يحدث في أوساط ~~يتفاوت هواؤها كثافة، فإذا رأينا السرعات تتقارب كلما تخلخل الهواء، حكمنا بأن ~~الدليل قد قام على صحة الفرض. # ومن ناحية النظرية الآلية: يقول جليليو إن هذه النظرية أقرب إلى مبدأ البساطة ~~الذي قال به كوپرنك؛ فالعالم مادة وحركة، أما الحركة فخاضعة لقانون القصور الذاتي، ~~وكان كپلر قال إن الجسم لا ينتقل بذاته من ms019 السكون إلى الحركة، وقال جليليو إن الجسم ~~لا يغير اتجاه حركته بذاته، أو ينتقل بذاته من الحركة إلى السكون وبين التجربة ~~أن الحركة تستمر بنفس السرعة كلما أزلنا العوائق الخارجية، فمتى وجدت الحركة استمرت ~~دون افتقار إلى علة، وأما المادة فمجرد امتداد، ويقول جليليو إنه لم يستطع قط أن ~~يفهم إمكان تحول الجواهر بعضها إلى بعض، أو طروء كيفيات عليها، كما يذهب إليه ~~أرسطو، ويرتئي أن كل تحول فهو نتيجة تغير في ترتيب أجزاء الجسم بعضها بالنسبة إلى ~~بعض، وهكذا لا يخلق شيء ولا يندثر شيء، فالتغيرات الكيفية عبارة عن تغيرات كمية أو ~~حركات، وينقلب العلم الطبيعي علما رياضيا ينزل من المبادئ إلى النتائج، ويسمح ~~بتوقع الظواهر المستقبلة؛ لذا كان مبدؤه قياس ما يقبل القياس، ومعالجة ما لا يقبله ~~مباشرة حتى يصير قابلا له بصفة غير مباشرة، ويصرح جليليو أن الأعراض التي يصح ~~إضافتها للأجسام هي: الشكل والمقدار والحركة والسكون ليس غير، ويسميها لذلك ~~بالأعراض الأولية أو العينية الملازمة للأجسام بالضرورة، أما الضوء واللون والصوت ~~والطعم والرائحة والحرارة والبرودة، فما هي إلا انفعالاتنا بتأثير الأجسام ~~الخارجية، وهي كيفيات ثانوية، وهذا يعني أن ما لا يقاس (كما هو حال الإحساسات ~~بالكيفيات الثانوية) فهو غير عيني أو موضوعي، وكان المنطق يقضي على جليليو بأن ~~يقتصر على القول بأن ما لا يقاس فهو خارج عن العلم الطبيعي الرياضي، لا أن يقول إنه ~~غير موجود، وقد كان هذا الاعتقاد بذاتية الكيفيات المحسوسة، مدعاة للشك في المعرفة، ~~ومزلقة إلى التصورية التي تدعي أننا لا ندرك سوى تصوراتنا، وبكلمة واحدة، إن ~~جليليو يبعث مذهب ديموقريطس، ويظنه صورة للوجود، وسيمضي في أثره العلماء المحدثون. # Henri poincaré la science et Phypo hèse p. ~~4 ~~. # الفصل الرابع # نقاد ~~(1) نقولا ماكياڤلي (1469-1527) # أشهر أشياع الوثنية في عصره، ولد بفلورنسا في أسرة شريفة، وفي سن مبكرة انتظم في ~~السلك السياسي، وكانت الجمهوريات الإيطالية متنابذة أشد التنابذ، تستبيح في حروبها ~~كل صنوف الدسيسة والغدر والقسوة، فشهد كل ذلك، وقرأ مثله في كتب ms020 التاريخ، فاعتقد أن ~~هذه هي الطبيعة الإنسانية، وانتهي إلى «سياسة واقعية» قوامها أن الحذر والقوة هما ~~الخصلتان الضروريتان للحاكم، كما قال سوفسطائيو اليونان، وعرض مذهبه في كتب، أشهرها ~~كتاب «الأمير» (1513) و«مقالات على المقالات العشر الأولى في تاريخ تيتو ليفيو» ~~(1513-1521) وهي خير ما كتب. # في كتبه جميعا يقارن بين الأخلاق القديمة والأخلاق المسيحية، فيرى أن القدماء ~~كانوا يحبون الجاه والصحة والقوة البدنية، وكانت دياناتهم تخلع هيبة إلهية على ~~القواد والأبطال والمشرعين، أما المسيحية فإنها على العكس ترجئ غاية الإنسان إلى ~~الآخرة، وتحث على الإعراض عن الجاه الدنيوي، وتمجد التواضع والنزاهة، وتضع الحياة ~~النظرية الباطنة فوق الحياة العملية الظاهرة، فأوهنت عزيمة الإنسان، وأسلمت الدنيا ~~لأهل الجرأة والعنف، فهي نافعة وضرورية للجمهور فقط المطلوب منه الطاعة، ويجب على ~~الحاكم أن يحميها ويؤيدها حتى ولو اعتقد بطلانها. # غاية الأمير القوة والأمن في الداخل، وبسطة السلطان في الخارج، فإذا أراد صيانة ~~سلطانه وجب عليه المران على عدم التقيد بالفضيلة، وعلى استخدام الخير والشر تبعا ~~للحاجة، أما الذي يريد أن يسير سيرة فاضلة في كل ظرف، فعليه أن يحيا حياة خاصة ولا ~~يعرض للحكم، وإلا هلك حتما وسط كثرة الأشرار، وليس الأمير مشرعا، ولكنه حربي، ~~والحرب صناعته الأولى؛ لذا هو لا يبالي أن يرمى بالقسوة حين يريد الرعية على ~~طاعته، أليست الرحمة الحقة في إعطاء بعض الأمثلة الصارمة الرادعة، بدل ترك الاضطراب ~~يتفاقم ويقلب المجتمع؟ وهكذا كان مكياڤلي نصير الاستبداد، وبقي اسمه عنوانا على ~~سياسة الختل والعذر، وحسب المسيحية منه هذا الانتقام! ~~(2) پيير دي لارامي (1515-1572) # هذا اسمه الفرنسي، ويعرف أيضا باسمه اللاتيني «بتروس راموس» هو من أوائل الذين ~~حملوا على منطق أرسطو، وقالوا بالاكتفاء بالمنطق الفطري، فعملوا على زعزعة الفلسفة ~~المدرسية، كان أول أمره خادما عند طالب موسر بباريس، وكان يحس رغبة شديدة في ~~العلم، فكان يدرس ليلا، مال أولا إلى المنطق المدرسي، ولكنه ما لبث أن رغب عنه، ~~وأقبل بشغف على محاورات أفلاطون، وفي الحادية والعشرين حصل على درجة الماجستير في ~~الفنون برسالة ms021 لاتينية عنوانها «في أن كل ما قاله أرسطو فهو وهم» (1536)، وبعد سبع ~~سنين نشر كتابا باللاتينية «في الأخطاء الأرسطوطالية» وهو نقد مفصل للمنطق ~~القديم فطلبت الجامعة إلى البرلمان إعدام الكتابين، مهتمة المؤلف بأنه عدو الدين ~~والأمن العام، وأنه يبث بين الشباب شغفا خطرا بالجديد، وعرض الأمر على الملك ~~فرنسوا الأول، فأصدر مرسوما بتحريم الكتابين، وكفه عن التعليم والنشر؛ لأنه «إذا ~~ينقد أرسطو يعلن عن جهلة هو»، على أن هنري الثاني ألغى المرسوم سنة 1551، فعلم ~~راموس عشر سنين في الكوليج دي فرانس، وهو معهد أنشأه فرنسوا الأول للعلماء ~~الإخصائيين، علم المجموعتين الثلاثية والرباعية على منهج العصر الوسيط، فصادف ~~إقبالا هائلا لم يعرف له نظير منذ تدريس أبيلار، إذ كان يحتشد لإسماعه نحو ألفي ~~شخص، وفي هذه الأثناء نشر بالفرنسية كتابا في الجدل (1555) وأخر بعنوان «تنبيهات ~~مقدمة إلى الملك على إصلاح جامعة باريس» (1562)، وفي تلك السنة اعتنق البروتستانتية ~~على مذهب كلفان، ولما نشبت الحرب الأهلية غادر باريس وفرنسا، فلقي استقبالا شائقا ~~في ألمانيا وسويسرا حيث علم من 1568 إلى 1570، ثم عاد إلى باريس، وفي 26 أغسطس 1572 ~~قتل فيمن قتلوا من البروتستانت. # فكرته الأساسية أن المنطق فن عملي يزاول بالطبع، وأن القواعد عقيمة مرهقة للعقل، ~~وهذه فكرة قديمة ترجع إلى نفر من الرواقيين والأفلاطونيين، احتجاجا منهم على ~~الإغراق في التمرينات المنطقية، وقد عرضها أفلوطين في الرسالة الثالثة من التساعية ~~الأولى، حيث يعارض المنطق بالجدل الأفلاطوني، ويستشهد راموس بمن سبق المنطق الصناعي ~~من فلاسفة وسياسيين وخطباء وشعراء ورياضيين، هؤلاء جميعا استخدموا العقل دون قصد، ~~وطبقوا القواعد دون شعور بها، فالمهارة في الجدل تكتسب، لا بترديد القواعد النظرية، ~~بل بمخالطة «الشعراء والخطباء والفلاسفة، وبالجملة خيار الناس» مخالصة متصلة، وكان ~~هو يستعين بقدماء الكتاب في دراسة المنطق وتدريسه، فيجد عندهم غذاء لذوقه الأدبي، ~~وهو يقسم المنطق إلى قسمين: أحدهما في اختراع الحجج، والآخر في تركيبها، أما اختراع ~~الحجج فهو عبارة عن كتاب أرسطو في الجدل، وأما تركيبها فقد اشتغل به راموس بنوع خاص ~~وفصل نظرية ms022 الاستدلال، والأمر الغريب أنه في الواقع لم يحد عن منطق أرسطو، وقد ~~هاجم أرسطو من ناحية أخرى، فاتهمه بإنكار العناية والخلق، وبوضع أخلاق مستقلة عن ~~الدين، فانبرى له «المفكرون والأحرار» يردون عليه، وانتشرت آراؤه في ألمانيا ~~وأسكوتلندا وسويسرا، فكان له في هذه البلدان أشياع وخصوم، وهو إن لم ينل من أرسطو ~~ولم يأت في المنطق بشيء جديد، فقد كان في طليعة الحاملين على المعلم الأول، ~~الشانئين للمنطق الصوري، وسيردد مثل أقواله جميع فلاسفة القرن السابع عشر. ~~(3) ميشيل دي مونتني (1532-1592) # من بين المذاهب القديمة كان الشك معروفا من كتب شيشرون وسكستوسن أمبيريقوس، وقد ~~وجد له أنصارا طوال القرن السادس عشر، اصطنعه بعضهم للإلحاد والاستهتار، وبعض آخر ~~لكي يخلصوا إلى أن الدين وحده يوفر لنا اليقين، ويرشدنا إلى طريق السعادة، أشهرهم ~~إطلاقا ميشيل دي مونتني، شريف من أشراف فرنسا تفقه في الأدب القديم، وبخاصة الأدب ~~اللاتيني، فعرف الشيء الكثير عن الإنسان وأحواله، ثم نظر إلى الناس في بلده وفي ~~ألمانيا وسويسرا وإيطاليا، فزاد معرفة بالإنسان، وأخيرا آوى إلى أملاكه، بعيدا عن ~~الخصومات السياسية والدينية، متوفرا على الدرس والتأليف وتعرف الإنسان في نفسه هو، ~~دون «محاولات» # Essais # أي مقالات في شتى الموضوعات، ~~ونشرها فيما بين سنتي 1580 و1588 وهو يكثر فيها من الحديث عن نفسه - وهذه إحدى ~~خصائص المحدثين - فيذكر أخباره وعاداته وأذواقه ودراساته، ويقول: «أدرس نفسي أكثر ~~من أي شيء آخر، وهذا عندي ما بعد الطبيعة والطبيعة». # نقل من اللاتينية إلى الفرنسية كتابا في «اللاهوت الطبيعي» لأحد أساتذة جامعة ~~تولوز في الثلث الأول من القرن الخامس عشر، يدعى ريمون دي سبوند، توخى فيه التدليل ~~على العقائد بقوة العقل فحسب، بما لا يخرج عن مذهب القديس توما الإكويني، فأثار ~~نقدا من جانب الملحدين، فأخذ القلم وكتب مقالا في «الدفاع عن ريمون دي سبوند» عرض ~~فيه مذهب الشك، يقول لهم: تزعمون أن سبوند لم يثبت ما قصد إلى إثباته. أجل ليست ~~أدلته حاسمة ولكن هاتوا أنتم دليلا حاسما له أو عليه، برهونوا أنتم ms023 على آرائكم، ~~لا تهتموه بالعجز بل اتهموا بالعجز العقل الإنساني نفسه، إلا أن الإنسان متكبر ~~مغرور بالطبع، إنه أكبر المتكبرين، مع أنه أضعف المخلوقات، يتعالى على الحيوان، ~~ويلقب نفسه ملك الخليقة، وليست المسافة بينه وبين الحيوان على ما يظن، إنه لا يمتاز ~~بالحس فإن الحيوان يحس، ولا بالعقل فإن الحيوان يستدل على قدر حاجاته استدلالا ~~معقدا صائبا، ولا بالاجتماع فإن من الحيوان ما يجتمع ويتعاون، ولا بالكلام فإن ~~الحيوان يتفاهم. وما من فضيلة من الفضائل التي يفخر بها الإنسان وما من رذيلة إلا ~~ولها مقابل في الحيوان: الحلم والعدالة والإحسان والحب والصداقة والغيرة والمكر ~~والادخار والشجاعة والأمانة وعرفان الجميل، وهنا يروي مونتني عن ذكاء الحيوان في ~~أفعاله ومصنوعاته حكاياته لطيفة ملفقة، أخذ معظمها من أفلوطرخس، ولم يكن يصدقها من ~~غير شك، ثم يقول: إنما يمتاز الإنسان بأنه حيوان مرن غير محدود، بينما سائر الحيوان ~~محدود في نطاق طبيعته، مقصور على حاجاته البدنية. # هل يقال أن هناك شيئا جوهريا يرفعنا فوق الحيوان هو العلم؟ ولكن ما هذا العلم؟ ~~إذا استثنينا المعارف النازلة بالوحي، لم نجد أنفسنا نعرف شيئا، ماذا نعرف عن ~~الله؟ لكل فيلسوف جواب، والأجوبة بعضها أغرب من بعض، حين نقول إن العصور الماضية ~~والمستقبلة ما هي إلا بمثابة اللحظة بالإضافة إلى الله وإن خيرية الله وعلمه وقدرته ~~غير ماهيته، نقوله باللسان ولا يتعقله العقل، وماذا نعرف عن النفس؟ إن النفس أقرب ~~الاشياء إلينا، ومع ذلك نجد آراء الفلاسفة فيها أكثر تضاربا وغرابة، وماذا نعرف عن ~~جسمنا؟ ما أعضاؤه وما أجزاؤها؟ وكيف تتصل وتتلاءم فيما بينما، وكيف ولم تفعل ~~أفعالها، وما المرض، ولم ينجع بعض الأدوية دون بعض؟ لا جواب إلا جوابا لفظيا ~~لا أكثر، وماذا نعرف عن الطبيعة؟ وهل نعرف حقيقة الأجرام السماوية، وحقيقة حركاتها؟ ~~يعارض كوپرنك بطليموس، ولكن «من يدري؟ لعل رأيا ثالثا يظهر في مدى ألف عام فيقلب ~~الرأيين». وإن جغرافيي العصر لمخطئون في توكيدهم أن كل شيء قد اكتشف، سقط العلم ~~القديم، فلم لا يسقط العلم ms024 الجديد بدوره؟ نحن نتوهم أننا نعلم حين نستخرج نتائج ~~من مبادئ، ولكن ما قيمة المبادئ؟ إن كل قضية نؤيد بها رأيا، مفتقرة هي أيضا إلى ~~تأييد، ويتسلسل الأمر إلى غير نهاية فتبقى المبادئ غير مثبتة، كثير أن نقول «لا ~~أدري» وأحرى بنا أن نقول «ما أدراني» فنعين بذلك مبلغ العلم الإنساني، وإن أكثر ~~الناس علما ليعلمون أننا لا نعلم شيئا، فإذا كان الجهل المطبق بداية العلم، كان ~~جهل العالم نهايته، لقد حدث للعلماء الحقيقيين بهذا الاسم مثل ما يحدث لسنابل القمح ~~التي تصعد في الفضاء رافعة الرأس ما دامت خاوية، حتى إذا ما امتلأت حبا أخذت تتضع ~~وتدلي القرون. # ولكن قد يقال: إذا كان علمنا على مثل هذا النقض، أفليس لنا أن نأمل علما أضبط في ~~المستقبل؟ كلا، فإن آلات العلم عاجزة عن توفير اليقين، وستظل كذلك، كيف نطمئن ~~إلى شهادة الحواس بوجود أشياء، ونحن نعتقد في المنام بوجود ما يتراءى لنا؟ من ~~يدرينا؟ لعل اليقظة ضرب من المنام، وكيف نطمئن إلى الحواس في شهادتها بكيفيات ~~الأشياء وعلاقاتها، وهي إنما تدرك انفعالاتها، لا الأشياء نفسها؟ ثم إن حواس ~~الحيوان مختلفة عن حواسنا، فالحيوان لا يدرك الأشياء كما ندركها نحن، ويقال مثل ذلك ~~عن أفراد الناس، بل إن الفرد منا يتغير باستمرار، وتتغير إحساساته، ثم إن من ~~الحيوان ما يحيا حياة كاملة وهو عاطل من البصر أو من السمع: فمن يدرينا؟ لعلنا ~~عاطلون من حاسة أو اثنتين أو ثلاث أو أكثر، أما العقل فليس يوثق به كذلك، إن صاحب ~~الرأي الخاطئ يعتقد صوابا، فمن يضمن لنا أننا لسنا على خطأ حين نعتقد أننا على ~~صواب؟ ولو كان للعقل ما يزعم له من حكم صائب، لما اختلفت العقول. ولا سبيل إلى ~~علامة لتمييز الحق من الباطل: «لكي نحكم على الظواهر الواردة من الأشياء، يلزمنا ~~أداة للحكم، ولكي نتحقق من هذه الأداة، يلزمنا برهان، ولكي نتحقق من هذا البرهان، ~~يلزمنا أداة، ويدور الدولاب»، بل نحن لا نستطيع أن نثبت أن قضية ما أرجح ms025 من أخرى؛ ~~فإن مثل هذا الإثبات يستلزم أولا معرفة الحق يقترب منه الرجحان. # ولما كانت القوانين من صنع الناس، فقد جاءت ناقصة متباينة بتباين البلدان، مختلفة ~~في البلد الواحد باختلاف الأزمان، يقول البعض إن الضمير يعلن إلينا «قوانين غير ~~مكتوبة» أزلية ثابتة ... كلا، فإن الضمير وليد البيئة والعادة، لا وليد الطبيعة؛ لذا ~~نراه يختلف باختلاف البلدان والأزمان، فالملحدون الذين يتمردون على الله، ~~والبروتستانت الذين ينازعون الكنيسة سلطانها، والثائرون الذين يريدون إبدال النظام ~~القائم بنظام أصلح في رأيهم، كل أولئك يصدرون عن الكبرياء والغرور، إن الحكمة تقضي ~~بأن نحكم على الأشياء لا بحقيقتها، وليس لنا إلى الحقيقة من سبيل، بل بفائدتها ~~للحياة، وفي هذا نجد اتفاقا عاما بين الجماعات الإنسانية، فلنستمسك بالعادات ~~والتقاليد، فمونتني يجدد حجج قدماء الشكاك بأسلوبه الحي الملون، ولا يزيد عليها ~~شيئا، ويصل إلى عين النتيجة التي وقفوا عندها، وهي الاستسلام للطبيعة والعادة كأن ~~ليست لنا عقول، ولكنه كان عاملا قويا في إذاعة الشك، وقد أثر تأثيرا كبيرا في ~~ديكارت وبسكال. # الفصل الخامس # فلاسفة مستقلون ~~(1) برنردينو تليزيو (1508-1588) # ثلاثة فلاسفة إيطاليين من أهل الجنوب يظنون أنفسهم رجال العلم الحديث والفلسفة ~~الحديثة، فيؤلفون فريقا على حدة، ويختلفون عن فلاسفة شمال إيطاليا الذين كانوا ~~أفلاطونيين أو أرسطوطاليين رشديين، وفيلسوف ألماني يحاول أن يحل مسألة صدور الكثير ~~عن الواحد، فيضع مذهبا من الغرابة بمكان. # أول الفلاسفة الإيطاليين برنردينو تليزيو، ولد بالقرب من نابولي، وتلقى العلم في ~~ميلانو، ثم قصد إلى روما فإلى پاودڤا، وبعد أن قام مدة في بلاط البابا بولس الرابع، ~~الذي كان يقدره تقديرا كبيرا حتى أراد أن يعينه رئيس أساقفة، عاد إلى نابولي، ~~وعلم فيها، وأسس أكاديمية لتقدم العلوم الطبيعية عرفت باسمه «أكاديميا تليزيانا»، ~~وفي سنة 1565 ظهر القسم الأول من كتابه «في طبيعة الأشياء» وبعد اثنتين وعشرين سنة ~~(1587) ظهر القسم الخاص بالإنسان من الوجهتين النفسية والخلقية. # كان من أشد معارضي العلم الطبيعي الأرسطوطالي، ولكن علمه هو كان ساذجا، بعث ~~النظرية الرواقية فذهب إلى أن العالم حي، وأنه ms026 عبارة عن مبدأين جسميين خلقهما الله: ~~مادة منفعلة فيها مبدأ فاعل، والمبدأ الفاعل مزدوج: قوة تخلخل أو حرارة، وقوة تكاثف ~~أو برودة. فيقسم العالم إلى مركز حرارة هو السماء، ومركز برودة هو الأرض، دون ما ~~اختلاف بين المادة السماوية والمادة الأرضية، والسماء تتحرك حركة دائرية بالطبع، لا ~~بمبادئ مغايرة لها كالعقول المحركة عند أفلاطون وأرسطو؛ وذلك لأنها مركز الحرارة ~~وأن الحرارة تحدث الحركة، والأرض ساكنة لأن طبيعتها باردة مظلمة (ولكن تليزيو يقول: ~~«إن الأرض تحدث حرارة بتأثير الشمس، فلم لا تتحرك هي أيضا؟»). # الحرارة والبرودة تؤثران في المادة، فتشكل أشكالا وتتكيف كيفيات مختلفة تبعا ~~لنسبة التخلخل أو التكاثف، أو أن الأشياء الطبيعية تولد من تماس الحرارة السماوية ~~وسطح الأرض البارد، والموجودات جميعا حاسة؛ لأن كل موجود فهو حاصل على الميل ~~لاستبقاء كيانه، فيتعين أن يحس اقتراب ضده منه لكي يقاومه، وإلا لم يستطع البقاء، ~~فالغائية التي يجعلها أرسطو طبيعية في الموجودات غير العارفة، ومعلومة مرادة في ~~الموجودات العارفة، يجعلها تليزيو كلها معلومة، فينتج له أن العالم حي عارف، وهذه ~~القضية تقضي من جهتها بأن تكون الغائية معلومة مرادة، ونفس الحي جزء من المبدأ ~~الفاعل، فهي جسمية مثله، لا صورة جوهرية للجسم كما يقول الأرسطوطاليون، وإلا لما ~~أمكن للمادة أن تؤثر فيها، ولما أدركت هي التكاثف والتخلخل، من حيث إن هذا الإدراك ~~يستلزم أن تتكاثف وتتخلخل، فالنفس حار منتشر في الأعصاب وتجاويف الدماغ، وهذا سيدعى ~~فيما بعد بالأرواح الحيوانية، على أن تليزيو يقول إن الله يضع في الإنسان، إلى جانب ~~النفس المادية، نفسا روحية خالدة هي التي لا تقنع بالحياة الأرضية وتدرك الله، وقد ~~يكون تليزيو أراد بهذا القول مجاراة الدين. # الإحساس إدراك التأثيرات الخارجية والتغييرات الداخلية، بل هو إدراك التغييرات ~~الداخلية؛ لأننا إنما نعلم التأثيرات الخارجية بوساطتها، وكل معرفة فهي إحساس، ~~والإحساس حركة مخية، ومتى تكررت في غيبة المحسوس كانت تخيلا وتذكرا، أما المعرفة ~~العقلية فإدراك علاقات التشابه والتباين بين الإحساسات، وأما الأفعال الخلقية فترجع ~~إلى غريزة حب البقاء، فيتضح ms027 مما تقدم أنه يمكن اعتبار تليزيو ممثلا للفلسفة ~~القائمة على التجربة قبل تأسيس العلم الطبيعي الحديث، وما هي إلا الفلسفة المادية ~~في جميع العصور، لا يغير فيها تقدم العلم إلا الاصطلاحات والتطبيقات. ~~(2) چيوردانو برونو (1548-1600) # هو أبرز ممثلي روح «النهضة» في الفلسفة، روح التمرد وروح النشوة بالكون الجديد ~~المتسع إلى غير حد، ولد بالقرب من نابولي، وفي السادسة عشرة دخل ديرا للدومنيكان ~~بالمدينة، ولكنه كان حاد المزاج قوي الشهوة، كثير التقلب حتى بدرت منه آراء ~~أثارت الريبة في عقيدته، ففر إلى روما، فكان فيها موضع ريبة أيضا، فخلع ثوب ~~الرهبنة في الثامنة والعشرين (1576) وشرع يطوف في شمال إيطاليا يعطي دروسا في ~~الفلك لبعض الشبان الموسرين، ثم قصد إلى جنيف (1579) وانتسب إلى جامعتها، ولم يكن ~~الانتساب إليها مباحا لغير البروتستانت إذ كانت المدينة بروتستانتية، فظن أنه من ~~أتباع الكنيسة الجديدة، وما لبث أن أعلن رأيا عدته السلطة الدينية منافيا ~~للمسيحية وأوقعت عليه حرما، فعمل على رفع الحرم عنه وأظهر الندم على ما فرط منه، ~~ثم رحل إلى جنوب فرنسا، فعلم سنتين بجامعة تولوز ولقي إقبالا شديدا، علم الفلك ~~وفلسفة أرسطو، وكانت له مشادات مع العلماء، وفي ذلك الوقت أراد أن يعود إلى حظيرة ~~الكنيسة الكاثوليكية فاشترط عليه قبل كل شيء العودة إلى ديره فأبى، وشبت في المدينة ~~حرب أهلية، فرحل إلى باريس (1581) وعلم بها، فصادف من الإقبال مثل ما صادف في ~~تولوز، وبعد سنتين ذهب إلى إنجلترا، فكتب إلى جامعة أوكسفورد يخبرها بمقدمه، ~~ويعلمها بأنه أستاذ الحكمة الخالصة، وفيلسوف مشهور في جامعات أوربا، لا يجهله إلا ~~البرابرة والأجلاف، إلى غير ذلك من الدعاوى ففتحت له الجامعة بابها، فعرض فيها ~~آراءه الفلسفية والفلكية، فأثار مناقشات عنيفة، واضطر إلى وقف دروسه، ورجع إلى ~~باريس بعد غيبة سنتين، وهناك أعاد الكرة على الكنيسة الكاثوليكية، فكان ما كان ~~في المرة الأولى من اشتراط فإباء، وفي مناقشة علنية بالجامعة هاجم مذهب أرسطو ودافع ~~عن الفلك الجديد وعن حرية الفكر، وكان دائم الحملة على أرسطو «الشتام الطماع ms028 الذي ~~أراد أن ينتقص آراء جميع الفلاسفة»، وبعد فترة قصيرة غادر باريس إلى ألمانيا، فأبت ~~عليه جامعة ماربورج التعليم بها، وأجازته له جامعة فتنبرج فمكث بها سنتين هادئتين، ~~وفي خطاب الوداع أشاد بالعلم الألماني يمثله نقولا دي كوسا وبراسلس وكوپرنك، وأكبر ~~لوثير لمناهضته الكنيسة الكاثوليكية، فذهب إلى براج، فإلى فرنكفورت حيث قضى سنة، ~~وقد يكود طرد منها، فقصد إلى زوريخ، ثم إلى البندقية (1591). # وفيما هو بهذه المدينة شكاه أحد تلاميذه إلى مجلس التفتيش، فأمر باعتقاله (1592) ~~فأنكر برونو بعض ما نسب إليه من أقوال، وصرح بأنه كان دائما حريصا على العقيدة ~~الكاثوليكية في أعماق نفسه، وركع وطلب العفو عما بدر منه من أضاليل، ونما خبر هذه ~~المحاكمة إلى ديوان التفتيش بروما، فطلبه من حكومة البندقية، فبعثت به، فظل معتقلا ~~ست سنين ونيفا، وكان من عادة مجالس التفتيش مطاولة المتهمين علهم يرعوون عن ~~غيهم، أخذ عليه الديوان ثماني قضايا، منها التهكم على تجسد المسيح وعلى القربان ~~الأقدس، فأصدر البابا أمره بأن يطلب منه إنكار القضايا المخالفة للعقائد المقررة، ~~دون القضايا المتعلقة بمذهب كوپرنك، فكان هذا التمييز من جانب البابا دليلا على ~~استعداد الكنيسة لقبول العلم الجديد، قبل تحريم كتاب كوپرنك وإنذار جليليو بثماني ~~عشرة سنة، وقبل الحكم الأخير على جليليو بخمس وثلاثين سنة، ولكن برونو رفض الطلب، ~~وقال إنه لم يخالف الإيمان، وإن رجال الدين يؤولون أقواله، فحكم عليه بالحرم، ~~وبتسليمه إلى السلطة المدنية «كي يعاقب برفق ودون سفك دم»، فأعدم حرقا بعد أسبوع ~~«17 فبراير 1600» وكان الي النفس الأخير رابط الجأش مصرا على عناده، حتى إن ~~كاهنا مد إليه صليبا فرده، ومهما يكن من أمر إحراقه - وكان منهاج العصر يحتمل ~~هذا الضرب من الإعدام - فلا شك في أنه خرج على الدين خروجا خطيرا، كما أشرنا إليه ~~وكما سيتضح من بيان مذهبه أنه كان راهبا معيبا وفيلسوفا مفتونا، جواب آفاق، ~~مشاكسا مهاترا. # وقد جاءت كتبه كثيرة بالرغم من شدة قلقه وكثرة ترحاله، وجاءت صورة لشخصيته الكدرة ~~الغامضة، أي قليلة الوضوح عديمة المنهج، ms029 طنانة رنانة أهمها: كتاب «في العلة والمبدأ ~~الواحد» (1584) وهو خيرها جميعا، وكتاب «في العالم اللا متناهي وفي العوالم» ~~(1574)، وكتاب «في المونادا والعدد والشكل» (1591)، وكتاب في «الكون اللا متناهي ~~وفي العوالم» (1591)، وكتاب «في طرد البهيمة الظافرة» في الفلسفة الخلقية، ومن هذه ~~العناوين نعلم أن مذهبه وحدة الوجود على الطريقة الرواقية. # كانت مرحلته الأولي إلى هذا المذهب الأفلاطونية الجديدة بأقانيمها الأربعة: الله، ~~والعقل الكلي، والنفس الكلية، والمادة. وبقولها إن الله فوق متناول فكرنا الذي يعمل ~~بالتمييز والاستدلال، ثم قال: ولكن الله يصير موضوع تعقل أو فلسفة من جهة كونه ~~باديا في الطبيعة أو نفسا كلية تربط بين أجزاء العالم ربطا محكما، ولما كان ~~الله لا متناهيا، كان العالم لا متناهيا كذلك؛ لأن العلة اللا متناهية تحدث ~~معلولا لا متناهيا، ولما كان من الممتنع أن يوجد لا متناهيان، كان الله والعالم ~~موجودا واحدا، فلا نهائية العالم تلزم إذن من اعتبار الله؛ فإن الله مبدأ الخير، ~~فهو يمنح كل ما في قدرته أن يمنح، دون حسد ولا بخل، فالكمال اللا متناهي يتجلى ~~بالضرورة في عدد لا متناه من الموجودات، إذ إن التقابل بين القدرة والوجود لا يصح ~~إلا بالإضافة إلى الموجود المتناهي ، لا بالإضافة إلى اللا متناهي حيث تتفق القدرة ~~والايجاد. # وتلزم لا نهائية العالم أيضا من اعتبار العالم نفسه: فنحن نلاحظ أن الأفق ينتقل ~~بانتقالنا في المكان، فالإدراك الحسي لا يدل على مركز مطلق للعالم أو على حد مطلق ~~كما اعتقد القدماء، بل بالعكس يدل على إمكان اعتبار أي مكان نوجد فيه بالفعل أو ~~بالخيال مركزا للعالم، وعلى إمكان تكبير حدود العالم إلى ما لا نهاية، ويتفق مع ~~شهادة الحس هذه ما لخيالنا وعقلنا من قوة إضافة العدد إلى العدد والمقدار إلى ~~المقدار، دون وقوف عند حد، كما يتفق معها شعورنا بعدم الرضا كلما بلغنا إلى غاية ~~توخيناها، فمن غير المعقول أن لا يكون الوجود بحيث يطابق مقدرة خيالنا وعقلنا ~~وإرادتنا على مجاوزة كل حد. # ويلزم مما تقدم نسبية المكان والحركة والزمان، أما ms030 نسبية المكان، فتتضح من كون ~~الأفق يستدير دائما حول النقطة التي نوجد فيها، فيصبح تعيين المكان نسبيا، ~~ويختلف شكل العالم في نظرنا باختلاف النقطة التي نتمثله منها، فيبدو من القمر غيره ~~من الأرض، ويبدو من الزهرة أو من الشمس غيره كذلك وتصيره نقطة واحدة بعينها مركزا ~~أو قطبا أو سمتا؛ لذا كانت ألفاظ «فوق وتحت ويمين ويسار» لا تدل في الحقيقة على ~~شيء مطلق، وأما نسبية الحركة، فتتضح من أن ليس في العالم نقطة ثابتة كما تقدم، ~~فالحركة الواحدة بعينها تتخذ شكلا خاصا حسبما تصورتها من الأرض أو من الشمس، وأي ~~نقطة أفترض نفسي موجودا فيها تبدو دائما غير متحركة، فليس يمكن الحصول على يقين ~~مطلق بالفرق بين الساكن والمتحرك، والمذهب القديم يفترض ما يلزم التدليل عليه، أعني ~~أن الأرض هي النقطة الثابتة التي تقاس إليها كل حركة، وأخيرا من نسبية الحركة ~~تلزم نسبية الزمان، ذلك بأنه لما كان الزمان مقياس الحركة، وكانت الحركة تبدو ~~مختلفة باختلاف الكواكب التي ننظر منها إليها، كان في العالم من الأزمنة بقدر ما ~~فيه من كواكب، والنتيجة أن العالم لا متناه، يشمل على نظم شمسية لا تحصى، شبيهة ~~بنظامنا الشمسي، أي إن النجوم شموس تحيط بها سيارات لها أقمار، فيجاز برونو موقف ~~كوپرنك الذي كان يتابع القدما في تصور العالم محدودا. # إذا كان الوجود واحدا لزم أن تتفق فيه جميع الأشياء: وهذا ما يذهب إليه برونر ~~ببيان أن الأشياء مرتبطة أوثق ارتباط، وأن الاضداد التي تبدو للفكر المنطقي منفصلة ~~متعارضة، هي في الحقيقة ملتصقة متدرجة بعضها إلى البعض تدرجا غير محسوس، فتم عن ~~مبدأ مشترك تتحد فيه، غير أنه يميز في هذا الواحد بين العلة والمعلول: العلة هي ~~الله أو الطبيعة الطابعة أو نفس العالم، هي المبدأ الذي يترجم عن نفس في مختلف ~~الموجودات دون أن يبلغ إلى كمال تحققه في صورة جزئية معينة، والمعلول هو العالم ~~أو الطبيعة المطبوعة، وليس التوحيد بين الله والعالم إنكارا لله، ولكنه تمجيد له، ~~إذ أنه يوسع فكرة ms031 الله إلى أبعد من الحدود التي يحصرها فيها الذين يجعلون من الله ~~موجودا قائما«بجانب» الموجودات، أي موجودا متناهيا، إن الله موجود كله في كل ~~شيء، بل هو أكثر حضورا في الاشياء منها في أنفسها، وكل شيء في الطبيعة حي، وما ~~الموت إلا تحول الحياة: إن فساد شيء كون شيء آخر، والعكس بالعكس، فكل موجود نفس ~~وجسم معا. النفس «مونادا» حية (من اللفظ اليوناني «موناس» أي الوحدة، وكان برونو ~~أول من اصطنع هذا الاصطلاح، فأخذه عنه ليبنتز)، وكل موجود صورة جزئية لله المونادا ~~العظمى، أو مونادا المونادات، أو العنصر أو الحد الأدنى؛ لأن كل شيء منتشر عنه، أو ~~الحد الأقصى لأن كل شيء قائم فيه، والجسم أثر ما للمونادا من حركة انتشار، والفكر ~~عودة المونادا إلى ذاتها، في هاتين الحركتين تقوم الحياة، فتدوم ما دامتا، وتنطفئ ~~بسكونهما، لتظهر في صورة جديدة، ونفس الإنسان أعلى مظاهر الحركة الكونية، غير أن ~~برونو عاد فأخذ بنظرية الجوهر الفرد في تفسير كون الموجودات وفسادها، فكانت هذه ~~مرحلة ثالثة وأخيرة، لا تمحو نظرية وحدة الوجود بل تدخل فيها، فهو لم يأت بشيء ~~جديد، اللهم إلا تلك المطابقة بين لا نهائية الله ولا نهائية العالم، ولو أنه رجع ~~إلى أرسطو يتعلم منه بدل أن يتهجم عليه، وحكم العقل بدل أن ينقاد إلى الخيال، لعلم ~~أن المادة لا يمكن أن توجد بالفعل إلى غير حد. ~~(3) تومازو وكمپانيلا (1568-1639) # راهب آخر من الدومنيكان أثار الريبة ضده لانتقاضه على أرسطو بحجة استحالة التوفيق ~~بين فلسفته وبين المسيحية واعتناقه آراء تليزيو الطبيعية، وميله إلى العلوم الخفية، ~~وسئل في ذلك أمام مجلس التفتيش، فاستطاع الخروج بسلام من هذا الامتحان، غير أن ~~فتنا نشبت في كلابريا (مسقط رأسه) ضد الحكم الإسباني، وكان هو قد لفت إليه الأنظار ~~بأفكاره الاشتراكية وإعلانه أنه استدل بالتنجيم عن أن ثورات ستقع سنة 1600، فاتهم ~~بالائتمار بالدولة والمروق من الدين، وعذب عذابا شديدا، وظل سجينا بنابولي ~~سبعا وعشرين سنة، ولكنه كان في سجنه يقرأ ويكتب نثرا وشعرا، وكان نفر ms032 من أصدقائه ~~يزورونه فيه فيأخذون ما يكتب ويقدمونه للطبع، ثم أفرج عنه وأرسل إلى روما، فأخذه ~~البابا تحت حمايته، ويسر له سبيل الفرار إلى فرنسا، فقضى فيها سنيه الأخيرة ~~وحكومتها تجري عليه معاشا. # عرض آراء تليزيو في كتاب أسماه «دلالة الأشياء والسحر» دون سنة 1604 ونشر سنة ~~1620، يعرف فيه السحر بأنه فن استخدام قوى النجوم وتأثير الإرادة الإنسانية في ~~الطبيعة، فهو من هذه الناحية بعيد كل البعد من العلم الحديث الذي كان يمثله معاصراه ~~ديكارت وجليليو، وفي سنة 1622 طبع له بفرانكفورت «دفاع عن جليليو» دعا فيه الكنيسة ~~إلى ترك الحرية للبحث القائم على التجربة؛ لأن كتاب الطبيعة إذا درس درسا عميقا ~~بان متفقا مع الكتاب المقدس، وكان اعتقاده أن الكنيسة ترحب بالعلم الجديد، وأن ~~برونو لم يحرق بسبب آرائه العلمية، ولكنه هو لم يكن يتصور التجربة مثل تصور ~~جليليو، ولما صدر الحكم على جليليو أذعن له نزولا على إيمانه، على أن أهم كتبه ~~اثنان: الواحد «في الفلسفة العامة أو الميتافيزيقا» حرر القسم الأكبر منه في سجنه ~~ونشره سنة 1638، وفي يلتقي مع ديكارت في المنهج إلى حد غريب، ويقيم آراءه (أو ~~آراء تليزيو) الطبيعية على أساس عقلي، والكتاب الآخر «مدينة الشمس» يعرض فيه أفكاره ~~الاجتماعية ناحيا منحى أفلاطون في «الجمهورية» وتوماس مور في «يوتوبيا». # في الفلسفة العامة يعنى أولا بمسألة المعرفة، ثم ينتقل إلى مسائل الوجود، تنقسم ~~معارفنا إلى حسية وعقلية، فلمعرفتنا مصدران هما التجربة والاستدلال، وقد ارتاب معظم ~~القدماء في صدق إدراك الحواس، وقال الشكاك إن الموضوع المدرك بالحس ما هو إلا ~~انفعال الحس، فكيف يسوغ إضافته إلى شيء خارجي، وقد تكون الذات المفكرة علة له وهي ~~لا تدري، الجواب أن الحس الباطن يظهرني على وجودي بصفة مباشرة لا تحتمل الشك، (وهنا ~~يستشهد كمپانيلا بالقديس أوغسطين، وكانت فكرة إقامة العلم على الشعور المباشر ~~موجودة عند نقولا دي كوسا ومونتني وغيرهما من رجال عصر النهضة، وأعلن عنها ديكارت ~~في كتابه «مقال في المنهج» المنشور سنة 1637، والحس الباطن يظهرني على نفسي ms033 أني ~~قادر عارف مريد، وأني محدود المعرفة والقدرة، فأستنتج أن هناك وجودا يحدني أي ~~عالما مغايرا لذاتي، ويصح عندي هكذا بالاستدلال ما يصدر عني طبعا قبل أي تفكير ~~أعني الاعتقاد بعالم خارجي هو عله إدراكي الحسي، والمطابقة بين الإدراك الحسي وذات ~~الشيء لازمة من كونهما صادرين (وكون الأشياء جميعا صادرة) عن أصل واحد. # تلك الأمور الثلاثة التي يظهرني عليها الشعور، وهي القدرة والعلم والإرادة، هي ~~المبادئ الكلية أو الشروط الأولية للوجود، ويستدل عليها بالعقل فإنه لكي يحصل ~~الموجود على الوجود، يلزم أن يكون ممكن الوجود أو أن تكون له القدرة على أن يوجد، ~~وأن يكون هناك مثال يتحقق الموجود بحسبه من حيث إنه بغير العلم لا يفعل فاعل، وأن ~~يكون هناك إرادة تحققه، فالنظر في الموجود المدرك يؤدي بنا إلى موجد هو الموجود ~~الأعظم أو الله، حاصل على غاية القدرة والعلم والإرادة، بينما سائر الموجودات، ~~الملائكة والنفس الكلية والنفوس الإنسانية والأجسام، تشارك فيها على حسب مكانها من ~~كمال الله، لأنها جميعا فاعلة، بحيث يلزم أن الوجود كله حي، أي إن في كل موجود قدرة ~~أولية هي القدرة على تحريك الذات أو الحياة، وهذه القدرة مفروضة في القدرة على ~~تحريك أي شيء، ويلزم أن في كل موجود علما أوليا هو علمه بذاته، ولكن هذا العلم ~~كامن متفاوت، ونحن مشغولون عنه بالمؤثرات الخارجية التي ترد علينا باستمرار والتي ~~لا محيص لنا من الالتفات إليها لصيانة حياتنا، فليس هذا العلم الأولي شعورا ~~بالفعل، وإنما هو إمكان شعور؛ لذا كنا لا ندرك أنفسنا إدراكا مباشرا، وإنما ~~ندركها خلال أفعالنا، على أن هذا العلم الأولي شرط العلم بالأشياء، فإن إدراكي ~~الحرارة معناه أني أشعر بنفسي حارا، فكل معرفة عبارة عن تغير وتعيين لشعوري فهي ~~تفترض الشعور قبلها، ثم يلزم أن في كل موجود إرادة أولية تظهر في حبه للبقاء، بل إن ~~النبات والحيوان يرمى بالتوليد إلى بقاء أبعد من بقاء الفرد، بل إن ما في الضوء ~~والحرارة من حاجة إلى الانتشار والفيض، يترجم عن ذلك ms034 الميل الأزلي أو المحبة ~~الأزلية الفعالة، وكما أن العلم بالذات مفروض في كل علم، فكذلك محبة الذات مفروضة ~~في محبة أي شيء، فإن الغرض من كل محبة حفظ الوجود وفيه سعادة الموجود، وأعلى مظهر ~~لحفظ الوجود المشاركة الأبدية في الوجود الإلهي فإن كل موجود، كما أنه صادر عن ~~الله، ينزع إلى أن يرجع إلى الله وان يشارك في الحياة اللا متناهية، فالموجودات ~~جميعا متدينة، لأنها جميعا تنفر من العدم، ولما كانت تحمل في أنفسها العدم إلى ~~جانب الوجود، كانت تحب الله أكثر مما تحب أنفسها، وهكذا نصل إلى الأخلاق والدين ~~من طريق محبة الذات التي تبدو في حقيقتها أنها محبة الله فعالة في كل موجود، ففي ~~الإنسان دين كامل متحد بالعلم الكامن والميل الكامن، وهذا الدين الأولي مفروض قبل ~~الأديان الوضعية، وإنما لزم الوحي لاختلاف الأديان الوضعية وأضاليلها، واللاهوت ~~أعلى من الفلسفة بقدر علو الله على الإنسان، وهكذا يؤلف كمپانيلا مذهبا شاملا ~~قائما على معان ثلاثة، وتعد محاولته هذه أولى المحاولات الحديثة التي ترتب ~~الفلسفة كلها تبعا لوجهة واحدة تعتبر بمثابة نقطة المركز. # أما السياسة فيجب أن تخضع للأخلاق والدين وتصدر عنهما، فهي ليست علما أو فنا ~~مستقلا كما يريد ماكياڤلي «ممثل مبدأ الشر» بمذهبه السمج، السياسة قائمة على محبة ~~الإنسان لنفسه بالمعنى المتقدم، ومحبته للمجتمع الذي هو شرط وجوده، ويا حبذا لو ~~ألفت الإنسانية جمعاء إمبراطورية كبرى يديرها مجلس الملوك بإرشاد البابا، بل يا ~~حبذا (كما جاء في «مدينة الشمس») لو ينظم المجتمع وفقا لاصول العلم، أي العلم ~~الطبيعي والفلسفة، فيتولى فيه الحكم خير الذين مهروا في العلم النظري والعلم العملي ~~معا، ونزول سلطة الإكليروس والإشراف، وتحظر الملكية الخاصة والمعيشة المنعزلة في ~~دائرة الأسرة؛ لأن الاختصاص والانعزال ينميان الاثرة ويوهنان الوطنية، وتنظم ~~العلاقات الجنسية بناء على الاعتبارات الفسيولوجية لكي تحصل الدولة على مواطنين ~~أصحاء موهوبين، ويكلف كل مواطن بما يناسب استعداده من عمل، وترد إلى العمل حقوقه ~~وكرامته فلا يعتبر مهينا، ويعطى المواطن من نتاج العمل على قدر حاجته ms035 وفضله، ~~فينتقي الظلم والفقر، ومتي كان العمل مفروضا على كل مواطن وموزعا تبعا للكفاية، ~~فيكاد المواطن لا يعمل أربع ساعات في اليوم، فينفق باقي وقته في تحصيل المعارف ~~والحديث والرياضة، ياحبذا! ~~(4) چاكوب بوهمي (1575-1624) # إسكاف لم يختلف إلى المدارس، ولكنه كان تقيا كثير التفكير، قرأ الكتب المقدسة، ~~وكتبا في الفلسفة والطبيعيات والفلك الجديد والتصوف، وعاشر جماعة من الأشراف ~~المثقفين ومن الأطباء الآخذين بمذهب براسلس، وشغلته مسألة وجود الشر في العالم وفي ~~الإنسان، وكيف يتفق وجود الشر مع وجود الله، وشرع يفكر وعدته تلك المصادر من الكتب ~~وآراء أهل العلم، وكان يكثر من الصلاة يستمد العون الإلهي، حتى إذا ما لاح له حل ~~المسألة اعتقد أن الله كشف له عنه على ثلاث مرات متواليات، وكان حينذاك في الخامسة ~~والعشرين، فواظب على التفكير والتدوين (بالألمانية) اثنتي عشرة سنة، ثم نشر كتابة ~~الأول «الفجر» (1612) وبعد سبع سنين نشر كتابا آخر اسمه «وصف المبادئ الثلاثة ~~للماهية الإلهية» ثم توالت كتبه. # يعرض أفكاره في أسلوب ميتولوجي رمزي «بسبب قلة فهم القارئ» فيأخذ أشياء من الكتب ~~المقدسة ومن الكيمياء والفلسفة، ويؤلف مزيجا غريبا تلتقي فيه أقانيم الثالوث ~~الأقدس والملائكة وأرواح مختلفة وكيفيات مشخصة، وما يرجع إلى الفلسفة من هذا المزيج ~~بضعة أقوال تذكر بمذهب أنبا دوقليس في محاولته تفسير خروج الكثرة بالكراهية من ~~الكرة الأصلية، وتعتبر لب الفلسفة الألمانية من إيكارت إلى شلنج وهجل وشوبنهور، تلك ~~الفلسفة التي تتصور الوجود حياة متطورة، وتؤثر الحدس على الاستدلال، أو تستخدم ~~الاستدلال في الإبانة عن الحدس. # يقول بوهمي: حيث لا يوجد شيء لا يولد شيء، فلا بد أن يكون لكل شيء، حتى للشر، أصل ~~أزلي في الله خالق الأشياء، وأن يكون الله منطويا على كثرة هي الينبوع الخفي ~~للحياة الكلية، إذ كيف يمكن تفسير الكثرة بالوحدة المطلقة، وليس في الوحدة المطلقة ~~شيء تريده ما دامت وحدة، فالله «نعم ولا، نور وظلمة» أي محبة هي أصل الخير والنعيم، ~~وغضب هو أصل الشر والجحيم، هذا الازدواج شرط كل حياة لكي تتطور ms036 ويتميز أحد الضدين ~~بالآخر، وفي جميع الموجودات بلا استثناء صراع بين مبدأين متضادين، والله في ذاته آب ~~وابن وروح قدس: الآب إرادة وقدرة، والابن موضوع قدرة الآب، فالآب بدون الابن إرادة ~~بدون موضوع، هاوية وموت ولا وجود، فالله الابن هو الإرادة الإلهية ولها موضوع سرمدي ~~لا متناه، هو النور الذي ينير الوجود الإلهي، وأخيرا الإشعاع المتصل للنور، وتعبير ~~الإرادة عن الحكمة، ذلك هو الروح القدس. # والإرادة الإلهية، إذ نتأمل كمالها، تحس شوقا شديدا إليه، فينشأ التقابل بين ~~الإرادة والكمال، بين النور والظلمة، بين الخير والشر، أي الإرادة والشوق منفصلين ~~عن الحكومة والمحبة، ثم تنقسم كل من هاتين الوجهتين من الله، ويتولد عن هذا ~~الانقسام سبع ماهيات هي الأصل المشترك للكون، وتجري المادة في الفضاء، ويتكون ~~العالم على ما نشاهده، ويوجد فيه الصراع والقلق فما الطبيعة إلا مظهر الله، أو ما ~~الله بالإضافة إلى الطبيعة إلا بمثابة النفس بالإضافة إلى الجسم، ماهيته الله ~~وقدرته تبدوان في كل شيء وفينا نحن، إنا نحيا في الله ويحيا الله فينا، ومتي كنا ~~أطهارا كنا الله، وبين الطبيعة المنظورة والله، طبيعة غير منظورة صادرة عن الله ~~مباشرة، وحاوية جميع الماهيات والكيفيات الأساسية، هي الابن موضوع قدرة الآب ، وعنها ~~تصدر الطبيعة المنظورة، فتصير الماهيات والمثل موجودات وظواهر. # وإذن فقد كان الشر قبل الإنسان، وانحدر إلى طبيعته، ولكن لله قلبا يعمل باتصال ~~على دفع الشر، وما علينا إلا أن نشق طريقنا «ونخترق الغضب» لنبلغ إلى المحبة، فإن ~~الشر فينا إرادة الانفصال من تناسق الكل، وإرادة أن نصير كلا ونحن في الحقيقة جزء، ~~وهكذا تحل المشكلة بالكشف عن أصل الوجود وبيان إمكان التغلب على الشر والاتحاد ~~بالله، وفي هذا الحل يستخدم بوهمي الاستدلال العقلي من ناحية، والتجربة الباطنة من ~~ناحية أخرى، تلك التجربة التي تظهرنا على أن الشعور لا يصير ممكنا بغير التنوع ~~والتضاد، وأنه تطور الفوارق أو نموها نموا تدريجيا، وكثيرا ما سيتخذ الفلاسفة ~~من التجربة الباطنة أصلا وأساسا، ثم يتصورون العالم كأنه نفس كبرى ويعممون ~~ملاحظاتهم. ms037 # أمهات المذاهب الحديثة # القرن السابع عشر # تمهيد # بينما الجامعات والمعاهد الدينية تستمر على مدرسة تراث العصر الوسيط تشتد من حولها ~~الحركة العلمية والفكرية التي بدأت في عصر النهضة، فنرى رجالا مستقلين يعملون على ~~تنمية العلم الجديد، الرياضي منه والطبيعي، فيؤلفون الجمعيات أو الأكاديميات، ونيشئون ~~المجلات لإذاعة بحوثهم والمناقشة فيها، ونرى رجالا آخرين يستحدثون مذاهب فلسفية كانت ~~الأصول التي نسج عليها الفكر الحديث، ففي إنجلترا يتوطد المذهب الحسي بفضل فرنسيس بيكون ~~وتوماس هوبس وچون لوك، وفرنسا يبرز ديكارت بفلسفة عقلية روحية نستطيع أن ننعتها ~~بالجديدة، ولو أن عناصرها ترجع إلى المدرسيين، فينتشر أثرها إلى جميع المفكرين، يصطنعها ~~فريق منهم، ويعارضها فريق آخر، ويعدل فيها فريق ثالث وأشهرهم جميعا بسكال ومالبرانش ~~وسبينوزا وليبنتز، وستظل الفلسفة إلى أيامنا تابعة لهؤلاء. # الفصل الأول # فرنسيس بيكون # 1561-1626 ~~(1) حياته ومصنفاته # ولد بلندن، وكان أبوه السر نقولا بيكون حامل الخاتم الأكبر في خدمة الملكة ~~إليزابث، دخل جامعة كمبردج في الثالثة عشرة (1573) وخرج منها بعد ثلاث سنين دون أن ~~يحصل على إجازة علمية، وفي نفسه ازدراء لما كان يدرس فيها من علوم على مذهب أرسطو ~~والمدرسيين، رحل إلى فرنسا واشتغل مدة في السفارة الإنجليزية بباريس، وتوفي أبوه ~~سنة 1579 فعاد إلى وطنه ، ولما لم يكن هو الابن الاكبر لم يرث إلا شيئا ضئيلا، ~~وأقبل على دراسة القانون، وانتظم في سلك المحاماة سنة 1582، وبعد سنتين انتخب عضوا ~~بمجلس النواب، فكانت خطبه فيه موضع إعجاب عام، وبعد خمس سنين أخذ يعلم بمدرسة ~~الحقوق، ثم عينته الملكة مستشارا فوق العادة للتاج، فتفانى في مرضاتها حتى لقد غدر ~~غدرا دنيئا برجل أحسن إليه ووهبه أرضا، هو الكونت إسكس، إذ تغيرت عليه الملكة ~~واتهم بالتآمر عليها، فترافع بيكون ضده طالبا توقيع الحكم الصارم عليه، ولما آل ~~العريش إلى چاك الأول، اصطنع بيكون الملق والدسيسة، ومالأ الملك في استبداده وقضاء ~~مصالحه ومصالح الاسرة المالكة، فبلغ إلى أرقى المناصب القضائية، حتى صار الوزير ~~الأول سنة 1618، وبارون أوف فيرولام، وفيكونت أوف سانت ألبان سنة 1621، وفي تلك ms038 ~~السنة اتهمه مجلس النواب بالرشوة واختلاس مال الدولة، فاعترف للحال بما عزي إليه، ~~فحكم عليه مجلس اللوردة بغرامة قدرها أربعون ألف جنيه، وبحرمانه من ولاية الوظائف ~~العامة، ومن عضوية البرلمان، ومن الإقامة بالقرب من البلاط، وبفضل رعاية الملك لم ~~يقض في السجن سوى بضعة أيام، ولم يؤد الغرامة، ولكنه حاول عبثا استرداد ~~الاعتبار. # إلى جانب شواغله الدنيوية كان يعالج فكرة عرضت له في الخامسة والعشرين، هي إصلاح ~~العلوم أو إحياؤها بالتعويل على الطريقة الاستقرائية دون الطريقة القياسية، والغريب ~~في أمره أنه كان يتصور العلوم على ما رأى بالجامعة، وظل طول حياته قليل الإلمام ~~بمكتشفات القرن الرابع عشر وعصر النهضة، جاهلا بالرياضيات وبما اتخذت من شأن في ~~تكوين العلم الطبيعي، بل إنه رمى كوپرنك بالدجل، ولم يدرك أهمية قوانين كپلر وبحوث ~~جليليو، فهو لم يشتغل بالعلم، وإن كان أجرى بعض التجارب فهي لا تذكر، وقد وثق بأمور ~~وجاء بتعليلات غاية في الغرابة، فاعتقد بالسحر الطبيعي وبالكيمياء القديمة ~~والتنجيم، فلم يكن أكثر تقدما من سميه روجر بيكون في القرن الثالث عشر، وإنما ~~كانت أفكاره في جملتها أفكار العصر الوسيط المنقولة عن الرواقية والأفلاطونية ~~الجديدة؛ لذا نراه يرمي علم عصره بالجمود والغرور، ويتنبأ له بالاضمحلال، ويعتبر ~~نفسه داعية لعلم جديد يزيد في سلطان الإنسان على الطبيعة، والحق أنه نفذ إلى ماهية ~~العلم الاستقرائي، وفطن إلى أغراضه ووسائله، ثم حاول أن يرسم بناءه، فوضع تصنيفا ~~للعلوم، وفصل القول في الطرق التجريبية حتى لم يدع مزيدا لمستزيد. # صنع ذلك أولا رسالة بالإنجليزية نشرها سنة 1605 بعنوان «في تقدم العلم» ثم وضع ~~باللاتينية كتابا أسماه «الأورغانون الجديد أو العلامات الصادقة لتأويل الطبيعة» ~~نشره سنة 1620، ثم عاد إلى الرسالة الأولى فنقلها إلى اللاتينية وفصلها بعنوان «في ~~كرامة العلوم ونموها» ونشر الكتاب سنة 1623، وهي موسوعة علمية تحتوي على طائفة ~~كبيرة من الملاحظات القيمة، ووضع كتابا في السياسة دعاه «أتلنتس الجديدة» وجعله ~~على نسق «يوتوبيا» و«مدينة الشمس» (20ب)، وله كتب أخرى في هذه الأغراض فقدت كل ~~أهمية بتقدم العلوم، ms039 وكتب أدبية وتاريخية وقانونية، ومن هذه الأخيرة كتاب «أحكام ~~القانون» # Maxims of the law # وضعه سنة 1599 تمهيدا ~~لتنظيم القوانين الإنجليزية. ~~(2) تصنيف العلوم # الغرض منه ترتيب العلوم القائمة، وبالأخص الدلالة على العلوم التي لم توجد بعد، ~~وهو يرتبها بحسب قوانا الداركة، ويحصر هذه القوى في ثلاث: الذاكرة وموضوعها ~~التاريخ، والمخيلة وموضوعها الشعر، والعقل وموضوعه الفلسفة. # التاريخ قسمان: تاريخ مدني أي خاص بالإنسان، وتاريخ طبيعي أي خاص بالطبيعة، ~~فالتاريخ المدني ينقسم إلى قسمين: تاريخ كنسي، وتاريخ مدني بمعنى الكلمة ينقسم بحسب ~~الوثائق التي نستخدمها، من مذكرات وعاديات وتراجم وتواريخ سياسية وأدبية وعلمية ~~وفنية، والتاريخ الطبيعي ينقسم إلى ثلاثة أقسام: وصف الظواهر السماوية والأرضية، ~~ووصف المسوخ فإنها تكشف عن القوى الخفية في الحالات العادية، ووصف الفنون فإنها ~~رسائل الإنسان لتغيير مجرى الطبيعة، وهي تستخدم القوى الطبيعية، ويقول بيكون إن ~~القسمين الثاني والثالث لم يوجدا بعد. # أما الشعر فقصصي ووصفي وتمثيلي ورمزي، فإنه عبارة عن تأويل القصص والأساطير، ~~واستخلاص ما تنطوي عليه صورها ورموزها من معان علمية، ومثل هذا التأويل قديم، وكان ~~شائعا في عصر النهضة. # وأما الفلسفة فتتناول ثلاثة موضوعات: الطبيعة والإنسان والله، وتنقسم الفلسفة ~~الطبيعية إلى: ما بعد الطبيعة أو علم العلل الصورية والغائية، وإلى الطبيعة أو علم ~~العلل الفاعلية والمادية ، وهي تنقسم إلى الميكانيكا والسحر، وتنقسم الفلسفة الخاصة ~~بالإنسان إلى ما يتناول الجسم، وما يتناول النفس، علم العقل أو المنطق وعلم الإرادة ~~أو الأخلاق، وما يتناول العلاقات الاجتماعية والسياسية، وأخيرا الفلسفة الإلهية أو ~~اللاهوت الطبيعي، يمهد له بعلم الفلسفة الأولى أو علم المبادئ الأولية، مثل أن ~~الكميات المتساوية إذا أضيفت إلى كميات غير متساوية نتجت كميات غير متساوية، وأن ~~الحدين المتفقين مع حد ثالث فهما متفقان، وأن كل شيء يتغير ولكن لا شيء يفنى، وما ~~إلى ذلك، وهذا العلم هو الجذع المشترك بين علوم العقل. # والتاريخ والشعر والفلسفة ثلاث مراحل متتالية يجتازها العقل في تكوين العلوم: ~~التاريخ تجميع المواد، والشعر تنظيم أول للمواد، أو هو تنظيم خيالي وقف عنده ~~القدماء، ms040 والفلسفة تركيب عقلي. # فالمبدأ العام لهذا التصنيف ذاتي أي مأخوذ من تعدد قوانا المدركة، فإن بيكون يظن ~~الواحدة من قوى المعرفة تكفي لعلم واحد، على حين أن العلم الواحد تتضافر في إقامته ~~القوى جميعا مع تفاوت، ثم إنه يضع القوى في مرتبة واحدة، على حين أن العقل أرقى من ~~الاثنتين الأخريين وأنه يستخدمها كآلتين وهو يجمع في طائفة واحدة بين التاريخ ~~الطبيعي والتاريخ المدني، وليس بينهما اشتراك إلا في اسم التاريخ، وأصل تسمية ~~التاريخ الطبيعي نقل حرفي لكلمة «إستوريا» اليونانية ومعناها «مجموعة مشاهدات» في ~~عنوان كتاب أرسطو «تاريخ الحيوان» على أن بيكون عرف التصنيف الموضوعي، فإن القسم ~~الثالث من تصنيفه يميز بين العلوم بحسب موضوعاتها. ~~(3) نقد العقل # لأجل تكوين العقل الجديد لا بد من منطق جديد يضع أصول الاستكشاف، فقد كانت الكشوف ~~العلمية وليدة الاتفاق، وكان المعول على النظر العقلي، فلم يتقدم العلم، إن العقل ~~أداة تجريد وتصنيف ومساواة ومماثلة، إذا ترك يجري على سليقته انقاد لأوهام طبيعية ~~فيه، ومضى في جدل عقيم يقوم في تمييزات لا طائل تحتها، ويتعين حصر هذا الأوهام ~~الطبيعية للاحتزاز منها، ويسميها بيكون «أصنام العقل» # idola ~~mentis # وهي أربعة أنواع: ~~(1) # النوع الأول: «أوهام القبيلة» # itribus # وهي ناشئة من طبيعة ~~الإنسان؛ لذا كانت مشتركة بين جميع أفراده: فنحن ميالون بالطبع إلى ~~تعميم بعض الحالات دون التفات إلى الحالات المعارضة لها، وإلى تحويل ~~المماثلة إلى تشابه وتواطؤ، وإلى أن نفرض في الطبيعة من النظام ~~والاطراد أكثر مما هو متحقق فيها، وإلى أن نتصور فعل الطبيعة على ~~مثال الفعل الإنساني، فتتوهم لها غايات وعللا غائية. ~~(2) # النوع الثاني: «أوهام الكهف» # sbecus # وهي ناشئة من الطبيعة الفردية لكل منا، فإن الفردية بمثابة الكهف ~~الأفلاطوني، منه ننظر إلى العالم، وعليه ينعكس نور الطبيعة فيتخذ لونا ~~خاصا، هذه الأوهام صادرة إذن عن الاستعدادات الأصلية وعن التربية ~~والعلاقات الاجتماعية والمطالعات، فمثلا من الناس من هم أكثر ميلا ~~إلى الانتباه إلى ما بين الأشياء من تنوع، بينما آخرون أكثر ميلا إلى ~~البحث عن وجوه ms041 الشبه، إلى غير ذلك من الاتجاهات. ~~(3) # النوع الثالث: «أوهام السوق» # fori # وهي الناشئة من الألفاظ، فإن الألفاظ تتكون طبقا للحاجات العملية ~~والتصورات العامية، فتسيطر على تصورنا للأشياء، فتوضع ألفاظ لأشياء ~~غير موجودة، أو الأشياء غامضة أو متناقضة، وهذا أصل كثير من المناقشات، ~~تدور كلها على مجرد ألفاظ. ~~(4) # النوع الرابع «أوهام المسرح» # theatri # وهي الآتية مما تتخذه ~~النظريات المتوارثة من مقام ونفوذ، وهنا يحمل بيكون على أرسطو وأفلاطون ~~وغيرهما من الذين يفسرون الأشياء بألفاظ مجردة كما يقول، ولكن يصعب ~~تمييز هذه الطائفة الرابعة من الطائفة الثالثة، فإن بيكون يذكر من بين ~~أسبابها تكوين الطبيعة الفردية والمطالعة والعرف والسلطة. # فليست «الأصنام» أغاليط استدلالية كالتي يذكرها أرسطو، ولكنها عيوب في تركيب ~~العقل تجعلنا نخطئ فهم الحقيقة، ويجب التحرر منها لكي يعود العقل «لوحا مصقولا» ~~تنطبع عليه الأشياء دون تشويه من جانبنا، وهذه محاولة ضعيفة من بيكون في نقد العقل ~~والتمييز بين ما له وما للأشياء، وهي تمهيد سلبي للمنطق الفطري الذي يصبح في غنى عن ~~المنطق الصناعي ما دامت أسباب الخطأ قد استبعدت، وهكذا سيصنع ديكارت ومالبرانش ~~وسبينوزا للاستغناء عن المنطق القديم. ~~(4) المنهج الاستقرائي # هذا المنهج هو القسم الإيجابي من المنطق الجديد، والحاجة إليه ماسة لأن تصور ~~العلم قد تغير، كان العلم القديم يرمي إلى ترتيب الموجودات في أنواع وأجناس، فكان ~~نظريا بحتا، أما العلم الجديد فيرمي إلى أن يتبين في الظواهر المعقدة عناصرها ~~البسيطة وقوانين تركيبها، بغية أن يوجدها بالإرادة، أي أن يؤلف فنونا عملية، وكان ~~العلم القديم يحاول استكناه «الصورة» أي ماهية الموجود مثل صورة الأسد أو السنديان ~~أو الذهب أو الماء أو الهواء، فكان مجهوده ضائعا، أما العلم الجديد فيبحث عن ~~«صورة» الكيفية أو ماهيتها، أي عن صور الطبائع المدلول عليها بهذه الألفاظ: كثيف، ~~مخلخل، حار، بارد، ثقيل، خفيف، وما أشبهها من حالات الموجود، سواء أكانت تغيرات في ~~المادة أم حركات، فبيكون يحتفظ بلفظ الصورة الواردة عند أرسطو، ولكنه يعني به شرط ~~وجود كيفية ما، أو هو يعدل عن الصورة ms042 الجوهرية إلى شروط وجود الصور العرضية، وكان ~~ذلك شأن قدماء الكيميائيين إذا كانوا يعتقدون إمكان تحويل المعادن بالتأثير في ~~كيفياتها، وبالفعل كان بيكون يأمل أن يتسع نطاق سلطاننا عن الطبيعة باستكشاف صور ~~الكيفيات، إذ أننا حينئذ نستطيع أن نولد كيفية أو أكثر في جسم غير حاصل عليها ~~فنحوله من الحرارة مثلا إلى البرودة أو بالعكس، وأن نركب الكيفيات بعضها مع بعض، ~~فنوجد الأشياء أنفسها: نوجد الذهب مثلا أو أي معدن آخر، فلا يعد بيكون مبتكرا ~~لهذا العلم الذي ينعته بالجديد. # ولا سبيل إلى استكشاف الصور سوى التجربة، أي التوجه إلى الطبيعة نفسها، إذ ليس ~~يتسني التحكم في الطبيعة واستخدامها في منافعنا إلا بالخضوع لها أولا، إن الملاحظة ~~تعرض علينا الكيفية التي نبحث عن صورتها مختلطة بكيفيات أخرى، فمهمة الاستقراء ~~استخلاصها باستبعاد أو إسقاط كل ما عداها، وآفة الاستقراء ما ذكر بين «أوهام ~~القبيلة» من الاكتفاء بالحالات التي تلاحظ فيها ظاهرة ما، والاعتقاد بأنها تكفي ~~للعلم بطبيعتها، هذا النوع من الاستقراء يسمى استقراء بمجرد التعداد، ونتفادى ~~هذه الآفة، ونصل إلى العلم بالصور، إذا اتبعنا الطرق الآتية: ~~(1) # تنويع التجربة بتغيير المواد وكمياتها وخصائصها، وتغيير العلل ~~الفاعلية. ~~(2) ~~«تكرار التجربة» مثل تقطير الكحول الناتج من تقطير أول. ~~(3) ~~«مد التجربة» أي إجراء تجربة على مثال تجربة أخرى مع تعديل في ~~المواد . ~~(4) ~~«نقل التجربة» من الطبيعة إلى الفن، كإيجاد قوس قزح في مسقط ماء، أو ~~من فن إلى آخر، أو من جزء فن إلى جزء آخر. ~~(5) ~~«قلب التجربة» مثل الفحص عما إذا كانت البرودة تنتشر من أعلى إلى ~~أسفل بعد أن نكون عرفنا أن الحرارة تنتشر من أسفل إلى أعلى. ~~(6) ~~«إلغاء التجربة» أي طرد الكيفية المراد دراستها، مثال ذلك وقد لاحظنا ~~أن المغناطيس يجذب الحديد خلال أوساط معينة، أن ننوع هذه الأوساط إلى ~~أن نقع على وسط أو أوساط تلغي الجاذبية. ~~(7) ~~«تطبيق التجربة» أي استخدام التجارب لاستكشاف خاصية نافعة، مثل تعيين ~~مبلغ نقاء الهواء وسلامته في أمكنة مختلفة أو فصول مختلفة بتفاوت سرعة ~~النفس. ~~(8) ~~«جمع التجارب» ms043 أي الزيادة في فاعلية مادة ما بالجمع بينها وبين ~~فاعلية مادة أخرى، مثل خفض درجة تجميد الماء بالجمع بين الثلج والنطرون ~~(ملح البارود). ~~(9) ~~«صدف التجربة» أي أن تجرى التجربة لا لتحقيق فكرة معينة، بل لكونها ~~لم تجر بعد، ثم ينظر في النتيجة ماذا تكون؟ مثل أن نحدث في إناء مغلق ~~الاحتراق الذي يحدث عادة في الهواء. # وبعد إجراء التجارب يجب توزيعها في جداول ثلاثة: جدول الحضور وجدول الغياب، وجدول ~~الدرجات. ~~(1) # ففي جدول الحضور تسجل التجارب التي تبدو فيها الكيفية المطلوبة، ~~فتستبعد الظواهر التي لا توجد في تجارب هذا الجدول. ~~(2) # وفي جدول الغياب تسجل التجارب التي لا تبدو فيها الكيفية، والتي تكون ~~أشبه ما يمكن بتجارب جدول الحضور، فتستبعد الظواهر الماثلة في هذا ~~الجدول. ~~(3) # وفي جدول الدرجات أو المقارنة تسجل التجارب التي تتغير فيها الكيفية، ~~فتستبعد الظواهر غير المتغيرة، فتكون الصورة المنشودة في الباقي. # هذا الوصف المفصل للمنهج الاستقرائي كان تقدما حقيقيا بالنسبة للعصر، ولكن ~~بيكون لم يفهم الاستقراء الفهم الحديث، أي على أنه منهج «القانون الطبيعي» أو تعلق ~~ظاهرة بأخرى، بل على أنه منهج يبين «صور» الكيفيات، فيفترق أيضا عن أفلاطون وأرسطو ~~والمدرسيين، ويقف في مرحلة انتقال بين الفلسفة القديمة والفلسفة الجديدة. # الفصل الثاني # توماس هوبس # 1588-1679 ~~(1) حياته ومصنفاته # هو أول الماديين المحدثين، وأكبر أنصار الحكم المطلق قبيل تقويضه، دخل جامعة ~~أكسفورد في الخامسة عشرة ومكث بها خمس سنين يتلقى المنطق المدرسي والطبيعيات دون ~~كبير اهتمام، ثم جعل يطالع الآداب القديمة، وبخاصة المؤرخين والشعراء، وعمل في خدمة ~~بيكون كاتبا لسره ومعاونا له في نقل مؤلفاته إلى اللاتينية، وفي سنة 1629 نشر ~~ترجمة لتاريخ توكيديد «حيث تبدو الديمقراطية سخيفة أشد السخف» على حد قوله، فإلى سن ~~الأربعين لم يكن كتب شيئا في الفلسفة. # وحدث أنه سافر إلى فرنسا واقام بها سنتين (1629-1631) فعرف فيها «مبادئ أقليدس» ~~ولم يكن درس الرياضيات من قبل، وأعجب بالمنهج القياسي، وعول على اصطناعه، وعاد إلى ~~القارة سنة 1634، فقوبل في الاوساط العلمية الباريسية باعتباره فيلسوفا مذكورا، ~~وكان ms044 واحدا من الذين عرضت عليهم «تأملات ديكارت» (31ج) فكتب عليها اعتراضات تتبين ~~منها فلسفته قبل أن يعرضها عرضا مرتبا، وقد رد ديكارت على هذه الاعتراضات، وقال ~~إنه لو أسهب في رده لأعطاها أكثر مما تستحق من قيمة. # وجاءت الصورة الأولي لفلسفته في كتاب «مبادئ القانون الطبيعي والسياسي» دونه ~~سنه 1640 وقسمه إلى ثلاثة أقسام: الأول «في الطبيعة الإنسانية أو المبادئ الأساسية ~~للسياسة»، والثاني «في الهيئة الاجتماعية»، والثالث «في المواطن». وبعد عشر سنين ~~نشر كتاب «لاوياثان أو في المجتمع الكنسي والمدني مادة وصورة وسلطة» ولاوياثان هو ~~التنين الهائل المذكور في سفر أيوب (فصل 3 آية 8، وفصل 40 آية 20) ويقصد به هوبس ~~الحكم المطلق، ثم نشر كتابه «في الجسم” (1655) وهو يحتوي على المنطق، والمبادئ ~~الأساسية أو الفلسفة الأولى، ونظرية الحركات والمقادير، ونظرية الظواهر الطبيعية، ~~وقد وردت في الكتاب اخطاء رياضية أخذها عليه الرياضي واليس # Wall’s ~~، وأخيرا نشر كتابه «في الإنسان» (1658) القسم الأكبر منه ~~في البصريات لتوضيح طبيعة حاسة البصر، والباقي بيان موجز في اللغة من الجهة النفسية ~~وفي الانفعالات، فتم بهذا الكتاب مذهبه. ~~(2) العلم ومنهجه # العلم معرفة العلة، أو هو معرفة المعلولات بعللها، والعلل بمعلولاتها، والعلم ~~قياسي لأن القياس برهان النتيجة، وموضوع العلم الأجسام لأن كل موجود فهو جسمي، ولما ~~كان الجسم إما طبيعيا أو صناعيا أي اجتماعيا، انقسم العلم إلى طبيعي يشتمل ~~على المنطق والمبادئ الأولى والرياضيات والطبيعيات، وإلى مدني يشتمل على الأخلاق ~~والسياسة، وكلاهما علم تجريبي موضوعة أجسام، أو أن الموضوع الإحساس الظاهر والباطن، ~~وللظواهر جميعا عله واحدة هي الحركة: هذا مبدأ عام لا يحتاج إلى برهان، فالهندسة ~~تفحص عن القوانين الرياضية للحركة، وتفحص الميكانيكا عن مفاعيل حركة جسم في آخر، ~~ويفحص علم الطبيعة عن مفاعيل الحركات الحادثة في ذرات الأجسام، ويفحص علم الإنسان ~~والسياسة عن الحركات الحادثة في نفوس الناس والباعثة على أفعالهم. # غير أن هوبس يعترف بأن الصلة القياسية منقطعة في نقطتين: الأولى نقطة الانتقال من ~~الميكانيكا إلى علم الطبيعة حيث نضطر إلى وقف القياس لنرى أي الظواهر ms045 هي الواقعة ~~بالفعل من بين الظواهر الممكنة، فنكون مبادئ علم الطبيعة بتحليل تلك الظواهر، ~~والنقطة الثانية نقطة الانتقال من علم الطبيعة إلى علم الإنسان والسياسة، فإن ~~المبادئ ههنا هي الميول والانفعالات، وهي لا تستنبط مما سبق، بل تدرك في النفس ~~وتوضع كمقدمات جديدة للقياس، وبالفعل كتب هوبس في الإنسان والسياسة قبل أن يكتب في ~~القسمين الأولين من فلسفته كما ذكرنا، ونبه على أن لا بأس في ذلك لأن القسم ~~الثالث يقوم على مبادئه الخاصة فلا يحتاج إلى القسمين الآخرين، وهذا يعني في ~~الحقيقة استحالة معالجة الظواهر جميعا بمنهج واحد يتقدم من البسيط إلى المركب، أي ~~استحالة رد الظواهر جميعا إلى الحركة وقوانينها: وفي هذا نقض للمذهب المادي. ~~(3) الإنسان # ولكن هوبس لا يعدل عن المادية، فما إن يتخذ الإحساس مبدأ حتى يحاول أن يرجع إليه ~~أفعالنا العقلية، يقول إن كل علم فهو آت من الأحساس، ويعرف الإحساس بأنه حركة في ~~ذرات الجسم الحاس صادرة عن حركة في الجسم المحسوس، تنتقل الحركة الخارجية إلى ~~الدماغ ومنه إلى القلب بوساطة أعضاء الحواس والأعصاب، فتصادف مقاومة وصدى لأن ~~الأعضاء الباطنة هي أيضا في حركة متصلة، هذا الصدى بمثابة ميل إلى الخارج يجعلنا ~~تقذف بموضوع الإحساس إلى الخارج، فهوبس يتابع العلم القديم في اعتبار القلب مركز ~~الإحساس، وكذلك الوجدان أو الروح حركة؛ فاللذة مثلا ما هي إلا حركة في القلب، ولكن ~~ما تعليل الظاهرة الشعورية الناشئة مع الحركة الجسمية؟ إنها لمعجزة بالقياس إليها، ~~وإن المذهب المادي لعاجز عن تعليلها، وهوبس يذهب إلى أن للأجسام خاصتين ليس غير، ~~هما الامتداد والحركة، وأن سائر الكيفيات المحسوسة ذاتية، حتى الزمان والمكان ~~فإنهما صورتان من نوع الصور التي يحدثها فينا الامتداد والحركة، وباستطاعتنا ~~الاحتفاظ بهما مع افتراض زوال الأجسام جميعا، وذاتية الكيفيات المحسوسة قضية لازمة ~~من قوله إن ما يحدث في العالم هو حركة فحسب، فكل ما يبدو في الشعور مغايرا للحركة، ~~يكون ذاتيا، ويؤيد هوبس هذه القضية بما هو معروف من خداع الحواس والأحلام واختلاف ~~الإحساس باللون باختلاف ms046 الأشخاص والإحساس بالضوء عند ضرب العين أو إثارة العصب ~~البصري، فكيف نفسر هذه الذاتية إذا لم تكن النفس جوهرا مغايرا للجسم، ولم يكن ~~فعلها مغايرا للحركة الجسمية؟ # وحركة الدماغ مرتبط بعضها ببعض بحيث إذا تكررت حركة لحقتها أخرى؛ لذا تتعاقب ~~الصور بنفس ترتيب الإحساسات لتعاقب حركات الدماغ بهذا الترتيب، بيد أن هوبس يلاحظ ~~أن مجرى الأفكار تابع ليس فقط لقانون اقتران الإحساسات في المكان والزمان، بل أيضا ~~لقانون الاهتمام أي لتأثير الميل والعاطفة، وهذا هو السبب في أن ترتيب الصور يتعدل ~~في الأحلام وفي خواطر اليقظة وفي الأفعال المروية، فإن إرادة الغاية تولد فكرة ~~الوسيلة الكفيلة بتحقيقها أي التي رأيناها في الماضي تحقق معلولا شبيها بالذي ~~ننشده، والعلاقات التي تسيطر على الترابط ههنا هي علاقات التشابه والعلة والمعلول ~~والمبدأ والنتيجة والغاية والوسيلة والدال والمدلول، فلا يستطيع هوبس أن يفسر ~~الحياة الفكرية تفسيرا آليا. # على أننا نجد عنده تفسيرا آليا للإرادة؛ ذلك أنه يقول إن الحركة الدماغية التي ~~هي التصور إذا ما بلغت إلى القلب نشطت الحركة الحيوية أو عاقتها، ففي حالة التنشيط ~~تكون اللذة وتسمى خيرا، وتكون محبة الشيء اللاذ، وفي حال العوق يكون الألم ~~ويسمى شرا، وتكون كراهية الشيء المؤلم، وحركة اللذة تدفع إلى اشتهاء الشيء، وحركة ~~الألم تدفع إلى خوفه؛ فالاشتهاء والخوف هما الباعثان على جميع أفعالنا، وما الرواية ~~أو المشورة إلا تردد هذين الباعثين إلى أن يحدث الفعل أو يمتنع منه، فالاشتهاء ~~الأخير والخوف الأخير يسميان إرادة، والأوامر والنواهي إنما تؤثر بالترغيب ~~والترهيب. # ولما كان المذهب المادي يستتبع الاسمية، فقد أنكر هوبس المعاني المجردة وقال إن ~~كل ما هنالك أسماء تقوم مقام الصور الجزئية، وفسر الحكم بأنه تركيب ألفاظ بحيث تعني ~~القضية الموجبة أن الموضوع والمحمول اسمان لشيء واحد، وتعني القضية السالبة أن ~~الاسمين يختلفان في الدلالة، وفسر الاستدلال بأنه تركيب قضايا، وقال إن نتائجه ليست ~~منصبة على الأشياء بل على أسمائها، أي إننا بالاستدلال نرى أن كنا نحسن أو نسيء ~~تركيب أسماء الأشياء طبقا للعرف الموضوع ms047 في تسميتها، وفي هذا يقول ديكارت في ردوده: ~~«من ذا يشك في أن الفرنسي والألماني يتصوران نفس المعاني أو الاستدلالات بصدد نفس ~~الأشياء مع تصورهما ألفاظا مختلفة كل الاختلاف؟، إذا كان هذا الفيلسوف يسلم بأن ~~الألفاظ تدل على شيء، فلم لا يريد أن تكون ألفاظنا واستدلالاتنا متجهة إلى الشيء ~~المدلول عليه لا إلى الكلام نفسه؟». # ومتي كان الإحساس المصدر الوحيد للمعرفة، كانت معرفتنا مقصورة على ما تتناوله ~~بالفعل من الماديات المحدودة، فأمتنع علينا العلم بالعالم في جملته، مقداره ومدته ~~وأصله، وامتنع علينا من باب أولى العلم باللا متناهي، وهوبس ينكر إمكان التدليل على ~~وجود الله بالوقوف عند حد في سلسلة العلل، ويزعم أن كل علة فهي متحركة بالضرورة لأن ~~شيئا لا يتحرك بفعل شيء لا يكون هو نفسه متحركا، وهكذا نتداعى إلى غير نهاية، وهو ~~لا يرى أنه بهذا القول يسقط مبدأ العلية الذي يستند إليه، إذ إنه يجعل من جميع ~~العلل معلولات فلا يصل إلى علة بمعنى الكلمة، ويخلط بين سلسلة العلل المتعاقبة ~~بالعرض، وفيها يمكن التداعي إلى غير نهاية، وبين سلسلة العلل المترتبة بالذات، ~~وفيها يجب الوقوف عند حد، وهو يقول ضد ديكارت إن اللا متناهي يجب أن يؤخذ بمعنى ~~معدول، أي بمعنى ما لا نبلغ إلى نهايته، وإن لفظ اللا متناهي لا يدل من ثمة على ~~موجود حقيقي أو خاصية محصلة لموجود ما، بل على قصور عقولنا وانحصار طبيعتنا، فيخلط ~~بين الموجود في نفسه وبين طريقة تخلينا إياه، على أنه يصرح في مؤلفاته السياسية ~~بأننا إذا ارتقينا في سلسلة العلل انتهينا إلى علة سرمدية لا علة لها؛ وذلك لأنه ~~يعترف بالدين لأسباب عملية لا نظرية كما سنرى، ويقرر أنه لا يجوز أن نطلق على الله ~~الألفاظ المقولة علينا وعلى الموجودات المتناهية، كالألم والاحتياج والعقل ~~والإرادة، وأن الألفاظ المعدولة وأسماء التفضيل مقبولة وحدها في حق الله لأنها تدل ~~على إعجابنا وخضوعنا لا على ماهية الله، بل إن لفظ اللا جسمي إذ نطلقه على الله ما ~~هو إلا صفة ms048 تشريفية ليس غير، لأن كل موجود فهو جسمي. ~~(4) الأخلاق والسياسة # إذا كان الإنسان على ما قلنا، كانت سيرته كلها قائمة على غريزة حب البقاء، وكانت ~~هذه الغريزة بالإضافة إلى الحياة الإنسانية كالحركة بالإضافة إلى الطبيعة، من الخطأ ~~الاعتقاد بغريزة اجتماعية تحمل الإنسان على الاجتماع والتعاون، وإنما الأصل أو «حال ~~الطبيعة» أن الإنسان ذئب للإنسان، وأن الكل في حرب ضد الكل، وأن الحاجة واستشعار ~~القوة يحملان الفرد على الاستئثار بأكثر ما يستطيع الظفر به من خيرات الأرض، وإن ~~أعوزته القوة لجأ إلى الحيلة، يشهد بذلك ما نعلمه عن أجدادنا البرابرة وعن ~~المتوحشين، وما نتخذه جميعا من تدابير الحيطة وأساليب العدوان، وما نراه في علاقات ~~الدول بعضها ببعض، وغاية ما تصنعه الحضارة أن تحجب العدوان بستار «الأدب» وأن ~~تستبدل بالعنف المادي النميمة والافتراء والانتقام في حدود القانون. # بيد أن الطبيعة الإنسانية تشتمل على العقل إلى جانب الهوى، والعقل المستقيم يحمل ~~الناس على التماس وسائل لحفظ بقائهم أفعل من التي يتوسل بها الفرد يجاهد وحده، هم ~~يستكشفون أن البلية عامة، وأنه يمكن ملافاتها بوسائل عامة، فتنبت أول وأهم قاعدة ~~خلقية، وهي يجب طلب السلم، فإن لم نفلح في تحقيقه وجب التوسل للحرب، وشرط السلم أن ~~ينزل كل فرد عن حقه المطلق في حال الطبيعة، فينزل الأفراد عنه صراحة أو ضمنا إلى ~~سلطة مركزية، قد تكون فردا وقد تكون هيئة تجمع بين يديها جميع الحقوق، وتعمل لخير ~~الشعب، فتحل الحياة السياسية محل حال الطبيعة. # من هذا التعاقد يلزم وجوب الصدق والأمانة وعرفان الجميل والتسامح والإنصاف، ~~والشركة فيما يتعذر اقتسامه، وفض الخلافات بالتحكيم، وبالجملة تلزم قواعد تلخص في ~~العبارة المأثورة «لا تصنع بالغير ما لا تريد ان يصنع الغير بك» لذا كان القانون ~~الخلقي الطبيعي إرادة الله الذي وهبنا العقل المستقيم، وليس يكفي طاعة القواعد ~~ظاهرا، بل يجب أيضا طاعتها لذاتها والتشبع بها، فإن القانون الخلقي يقيد الإنسان ~~إمام ضميره، وكل هذا معقول، ولكن هوبس لا يصل إليه إلا بالعدول عن الطبيعة الحسية ~~إلى العقل ms049 المستقيم، وليس العقل مما يعترف به المذهب المادي كقوة خاصة لها قيمة ~~خاصة. # ويجب أن تكون السلطة العامة مطلقة قوية إلى أبعد حد، بحيث لا يعود الفرد بإزائها ~~شيئا مذكورا، ويكون واجبة الخضوع المطلق، وإلا عدنا إلى التخاصم والتنابذ، وفي ~~الواقع يمتنع حد السلطة السياسية فإن مثل هذا الحد يعني الاعتراف بالسلطة المطلقة ~~للفرد أو الأفراد المخول إليهم حق مؤاخذة الحكومة أو خلعها، والملكية خير أشكال ~~الحكومة، من مزاياها أن واحدا فقط قد يجاوز العدل ويسيء الحكم، وأنها تغني عن ~~المنازعات الحزبية، وتصون أسرار الدولة، أما الديمقراطية فما هي إلا أرستقراطية ~~خطباء، ويذهب حق السلطة إلى حد تقرير المعتقدات الدينية والقواعد الأخلاقية، وحسم ~~الخلافات فيها لإقرار النظام، فالدين مخافة القوات غير المنظورة التي تعترف بها ~~الدولة، والخرافة مخافة القوات غير المنظورة التي لا تعترف بها الدولة، ودين الدولة ~~واجب محتوم على كل مواطن، والدين بالإجمال ظاهرة طبيعية أصلها الشعور بالضعف، وليس ~~الدين فلسفة، ولكنه شريعة، لا تتحمل المناقشة بل تقتضي الطاعة، إلى هذا الحد من ~~الاستبداد يذهب هوبس، وكأنه أراد أن يدعم الحكم المطلق بأن يجعل منه حكم القانون ~~الطبيعي، وهو لم يفعل إلا أنه أحال ما كان واقعا في بلاده نظرية فلسفية، ولكن ~~الإنجليز لن يتابعوه، ومن إنجلترا ستعبر الديمقراطية البحر إلى القارة الأوربية، ~~أما فلسفته فما هي إلا المادية بكل سذاجتها كما عرفناها من عهد ديمقريطس وأبيقور. # الفصل الثالث # رني ديكارت # 1 # 1596-1650 ~~(1) حياته ومصنفاته # ولد بلاهي من أعمال مقاطعة تورين بفرنسا، ولما بلغ الثامنة أدخل مدرسة «لافليش» ~~للآباء اليسوعيين، وكانت من أشهر المدارس في أوربا، فمكث بها ثماني سنين حتى أتم ~~برنامج الدراسة فيها، وكانت الفلسفة تحتل في هذا البرنامج مكانا فسيحا، فتمتد على ~~الثلاث سنوات الاخيرة، وكانت تدريسها عبارة عن شرح كتب أرسطو موزعة إلى مجموعات ~~ثلاث، لكل سنة مجموعة: كتب المنطق، فكتب الطبيعيات (وإلى جانبها الرياضيات)، فكتاب ~~النفس وكتاب ما بعد الطبيعة. وأعجب ديكارت بوضوح الرياضيات ودقتها وإحكام براهينها، ~~أما الفلسفة فتركت في نفسه أثرا ms050 سيئا لكثرة ما فيها من أخذ ورد، واعتقد ان اختلاف ~~الفلاسفة مدعاة للشك في الفلسفة وفي باقي العلوم التي إنما تقوم على الفلسفة وتستمد ~~منها مبادئها، هذا ما نقرأ في «المقال في المنهج» ولعل ديكارت يضيف إلى عهد الصبا ~~حكما نضج عنده فيما بعد، على أن من المحقق أنه تعلق بالرياضيات وانصرف عن الفلسفة ~~إلى زمن، ولم يكن يخصص لها سوى «ساعات في العام». # غادر إذن المدرسة في السادسة عشرة، وبعد أربع سنين (1616) تقدم لامتحان القانون ~~في بواتيني ونال الإجازة، وبعد سنتين تطوع للخدمة في جيش الأمير موريس دي ناسو ~~بهولاندا، وكانت حينذاك حليفة فرنسا على إسبانيا، وعرف هناك طبيبا شابا يدعى ~~إسحق بكمان «أيقظة من سباته» على حد قوله، إذ عرض عليه عددا وفيرا من المسائل ~~الرياضية والطبيعية وكانا يعالجانها معا، وهذه مرحلة هامة في حياة ديكارت، فإن ~~فكره تكون في الوقت الذي كان العلم الطبيعي الحديث يتكون فيه بتطبيق المنهج ~~التجريبي والاستدلال الرياضي على الظواهر الطبيعية. # وفي السنة التالية (1619) ترك جيش الأمير إلى جيش آخر فآخر من جيوش الأمراء ~~الألمان، وحل الشتاء، وخلا ديكارت إلى نفسه في حجرة دافئة في قرية مجاورة لمدينة ~~أولم، وإذا بنشوة علمية غريبة تغمره وتبلغ أقصاها في العاشر من نوفمبر، وإذا به ~~يستكشف في حلم «أسس علم عجيب» بل ثلاثة أحلام تتابعت في تلك الليلة حتى اعتقد أنها ~~آتية من عل، هذا الحلم يدلنا على شدة استغراق ديكارت في تفكيره، أما العلم العجيب ~~فقد تضاربت فيه الآراء، وأغلب الظن أن المقصود به «منهج كلي» يرد العلوم جميعا إلى ~~الوحدة، ذلك المنهج الذي سيلعنه في «المقال». # وعدل ديكارت عن المهنة العسكرية، وراح يطوف في أنحاء أوربا تسع سنين حتى هبط سنة ~~1628، تسع سنين لم ينقطع في أثنائها عن معالجة المسائل الطبيعية بالطريقة الرياضية، ~~أي بتجريدها من المبادئ الفلسفية التي كانت لاصقة بها عند أرسطو والمدرسيين، أي ~~تطبيق الجبر على الهندسة، أجل كان نفر من العلماء القدماء والمعاصرين قد سبقوه في ~~هذا المضمار فعرضوا أمثلة ms051 على تطبيق هذا المنهج، بيد أن هذه الأمثلة كان عندهم مجرد ~~طرائق عملية لا يجمعها تصور كلي، فرأي ديكارت «السبب» الذي من أجله تفلح هذه ~~الطرائق الجزئية، وهذا السبب ادي به إلى منهج كلي يطبق على جميع الحالات بغض النظر ~~عن طبائعها الخاصة، إذ أنه نظر إلى العلم بعين الفيلسوف، فبلغ إلى كلياته، ووسع مدى ~~تطبيقه، ولعل الهندسة التحليلية ذلك العلم العجيب. كانت الهندسة مقصورة على النظر ~~في الأشكال، وكان الجبر كثير الصيغ معقدها، ولم يكن بين العلمين اتصال، فبدا ليكارت ~~أن الهندسة والحساب يقومان في الترتيب والقياس وأن المطلوب من الجبر التعبير عن أعم ~~قوانين الترتيب والقياس، وأنه من الممكن وضع علم تكون صيغة أبسط من صيغ الحساب ~~وأكثر تجريدا من أشكال الهندسة، فتطبق على الأعداد والأشكال جميعا، أي على كل ما ~~هو مرتب وقابل للقياس، فرمز بأحرف لخطوط الشكل الهندسي وعلاقات الخطوط، ومثل الشكل ~~بمعادلة جبرية تعبر عن خصائصه الأساسية، حتى إذا ما وضعت هذه المعادلة، كان استخراج ~~نتائجها بالجبر كافيا لاستكشاف جميع الخصائص، وإلى هذا الدور أيضا يرجع كتابه ~~«قواعد تدبير العقل» وهو بمثابة منطق جديد مستمد من مناهج الرياضيين، ولكن ديكارت ~~لم يتمه، فبقي مطويا إلى أن طبع بعد وفاته بنصف قرن (1701). # انقضت التسع سنين ولما يشرع ديكارت في البحث عن أسس فلسفة أوكد من الفلسفة ~~الدارجة كما يقول، على أنه كان قد حصل من الآراء الجزئية قدرا يذكر، حتى جرؤ على ~~عرضها في نوفمبر 1628 في مجلس خاص كان أهم أعضائه الكردينال دي بيريل، عرض هذه ~~الآراء على أنها تؤلف فلسفة مسيحية منافية لفلسفة أرسطو (والقديس توما الأكويني ~~بالطبع)، فأعجب به الكردينال وكان أوغسطينيا، وشجعه تشجيعا حارا على مواصلة ~~بحثه وإتمام فلسفته، خدمة للدين وصدا لهجمات الزنادقة، وهذه واقعة لها خطرها، ~~ندرك منها أن العلم الطبيعي الرياضي أو الآلي صرفه عن أرسطو إلى أفلاطون، وأنه تأثر ~~(ولو بالواسطة) بالأفلاطونيين المسيحيين، فلن نعجب إذا وجدنا عنده شيئا من القديس ~~أوغسطين وشيئا من القديس أنسلم، وشيئا من ms052 دونس سكوت، وشيئا من أوكام وغيره من ~~الاسميين. # لم ترقه الحياة في باريس، وأراد أن يفرغ لوضع فلسفته، فقصد إلى هولاندا في أواخر ~~تلك السنة، وهناك دون رسالة قصيرة في «وجود الله ووجود النفس» يرمي بها إلى إقامة ~~أسس علمه الطبيعي، ثم عاد إلى الاشتغال بالطبيعات وشرع في تحرير كتابه «العالم» ~~وواصل العمل فيه إلى سنة 1633، وإذا بالمجمع المقدس يدين جليليو لقوله بدوران ~~الأرض، وكان ديكارت قد اصطنع من جهته هذا القول، فعدل عن مشروعه وطوي كتابه (وكان ~~شديد الحرص على هدوئه وعلى احترام الكنيسة) فلم تنشر أجزاء الكتاب إلا بعد وفاته ~~بسبع وعشرين سنة (1677) على أن ديكارت سيلخصه في القسم الخامس من «المقال» وفي ~~«مبادئ الفلسفة»، وقد كان صديقه الأب مرسين أجرأ منه إذا نشر سنة 1635 مؤلفات ~~جليليو ودافع عنه. # ورأى ديكارت أن يمهد الطريق لمذهبه ويجس النبض حوله، فأذاع سنة 1637 شيئا من ~~عمله الطبيعي في ثلاث رسائل قدم لها برسالة يقص فيها تطور فكره، ويجمل مذهبه في ~~الفلسفة والعلم، وكان العنوان الأصلي للكتاب برمته «مشروع علم كلي يرفع طبيعتنا إلى ~~أعلى كمالها، يليه البصريات والآثار العلوية والهندسة، حيث يفسر المؤلف أغرب ما ~~استطاع اختياره من موضوعات تفسيرا يسهل فهمه حتى على الذين لم يتعلموا»، فاستبدل ~~به هذا العنوان «مقال في المنهج لإجادة قيادة العقل والبحث عن الحقيقة في العلوم، ~~يليه البصريات والآثار العلوية والهندسة، وهي التطبيقات لهذا المنهج»، ويبين لنا من ~~هذا أن الوحدة قد تمت في فكر ديكارت بين الفلسفة والعلم الطبيعي الرياضي، والغاية ~~المرجوة منه وهي «رفع طبيعتنا إلى أعلى كمالها». # وأراد أن يعرض مذهبه على اللاهوتيين باللاتينية بعد أن أعرضه على عامة المثقفين ~~بالفرنسية «آملا أن الذين لا يستخدمون سوى عقلهم الطبيعي خالصا يقدرون آراءه ~~خيرا من الذين لا يؤمنون إلا بالكتب القديمة»، فعاد إلى ما في «المقال» من آراء ~~فلسفية، فتوسع في شرحها وتأييدها، فكان له من ذلك كتاب أسماه «تأملات في الفلسفة ~~الأولى، وفيها البرهان على وجود الله وخلود النفس»، وقبل ms053 تقديمها للطبع استطلع فيها ~~رأي نفر من الفلاسفة واللاهوتيين ليستدرك ما قد يأخذونه عليه، فيهيئ للكتاب قبولا ~~حسنا وينال رضا لاهوتيي السوربون فدونوا اعتراضات كثيرة ألحقها بالتأملات وعقب ~~عليها بردوده، ونشر الكل سنة 1641 وفي الطبيعة الثانية (1642) قال في العنوان «تمايز ~~النفس من الجسم» بدل «خلود النفس» على اعتبار أن النفس متى كانت متمايزة من الجسم ~~كانت خالدة ونشرت للكتاب ترجمة فرنسية سنة 1647 بقلم الدوق دي لوين. # وخطر لديكارت أن أنجع وسيلة لإذاعة فلسفته وعلمه الطبيعي ربما كانت تلخيصهما في ~~كتاب مدرسي سهل التناول، فنشر سنة 1644 باللاتينية (وكانت لغة العلم والتعليم في ~~أوربا) كتاب «مبادئ الفلسفة» مع إهداء إلى السوربون، وحاول أن يحمل معلميه السابقين ~~على تقريره في مدارسهم فيحل هو محل أرسطو، فلم يجيبوه إلى رغبته. ونشرت للكتاب ~~ترجمة فرنسية سنة 1647 مع إهداء إلى الأميرة إليزابث، ورسالة إلى المترجم عرض فيها ~~فلسفة عرضا عاما، وبين ما بينها وبين الفلسفة القديمة من تعارض. # ومن ذلك الحين مال إلى الأخلاق، وكتب فيها رسائل إلى الأميرة إليزابث ابنة فردريك ~~ملك بوهيميا المخلوع واللاجئ إلى هولاندا، هذه الرسائل يظهر فيها تأثير الرواقيين ~~وبخاصة سنيكا، ثم وضع «رسالة في انفعالات النفس» وهي آخر مؤلفاته، نشرت سنة 1649، ~~وتخللت إقامته الطويلة في هولاندا ثلاث رحلات قصيرة إلى فرنسا (1644، 1647، 1648) ~~ومناقشات حادة بينه وبين بعض العلماء واللاهوتيين، ونزاع عنيف بين أنصاره وخصومه ... ~~وفي سنة 1649 قصد إلى استكهولم تلبية لدعوة كريستين ملكة السويد، فتأثر بالبرد ~~وساءت صحته وقضى في 11 فبراير 1650. ~~(2) الفلسفة ومنهجها # يعرف ديكارت الفلسفة بقوله: «إن كلمة فلسفة تعني دراسة الحكمة، ولسنا نقصد ~~بالحكمة مجرد الفطنة في الأعمال، بل معرفة كاملة بكل ما في وسع الإنسان معرفته ~~بالإضافة إلى تدبير حياته وصيانة صحته واستكشاف الفنون، ولكي تكون هذه المعرفة كما ~~وصفنا، فمن الضروري أن تكون مستنبطة من العلل الأولى»، ثم يقول في تقسيمها: «إن ~~قسمها الأول الميتافيزيقا، وهي تشتمل على مبادئ المعرفة التي منها تفسير أهم صفات ~~الله وروحانية نفوسنا وجميع المعاني الواضحة ms054 المتميزة الموجودة فينا، والقسم الثاني ~~العلم الطبيعي، وفيه - بعد أن نكون وجدنا المبادئ الحقة للماديات - نفحص عن تركيب ~~العالم على العموم، ثم على الخصوص عن طبيعة عن طبيعة هذه الأرض وجميع الأجسام ... ~~وبالأخص عن طبيعة الإنسان، حتى يتسنى لنا استكشاف سائر العلوم النافعة له، وعلى ~~ذلك فالفلسفة كلها بمثابة شجرة، جذورها الميتافيزيقا، وجذعها العلم الطبيعي، ~~وأغصانها باقي العلوم، وهذه ترجع إلى ثلاثة كبرى، أعني الطب والميكانيكا والأخلاق، ~~أي أعلى وأكمل الأخلاق التي تفترض معرفة تامة بالعلوم الأخرى، والتي هي أخرت درجات ~~الحكمة ... كما أنه لا يجنى الثمر من جذور الأشجار ولا من الجذع بل من أطراف ~~الأغصان، فكذلك تتعلق المنفعة الرئيسية للفلسفة بمنافع أقسامها التي لا تتعلم إلا ~~أخيرا» (مقدمة «مبادئ الفلسفة»). # في نظر ديكارت إذن الفلسفة هي العلم الكلي كما عند القدماء، وهي كذلك لأنها علم ~~المبادئ أي أعلى ما في العلوم من حقائق، وهي نظرية وعملية كما كانت عند القدماء، ~~والنظر فيها يوفر للعمل مبادئه، غير أن العمل عند ديكارت هو المقصد الأسمى، ولو أن ~~العقل أهم جزء في الإنسان، والحكمة خيره الأعظم، والغرض من العمل ضمان رفاهية ~~الإنسان وسعادته في هذه الحياة الدنيا بمد سلطانه على الطبيعة واستخدام قواها في ~~صالحه. # ومنهج الفلسفة حدس المبادئ البسيطة، واستنباط قضايا جديدة من المبادئ لكي تكون ~~الفلسفة جملة واحدة، أما الاستقراء المعروف فلا يصل إلا إلى معارف متفرقة إن جمعت ~~بعضها إلى بعض ألفت علما مهلهلا ملفقا لا ندري من أين نلتمس له اليقين، وعلامة ~~اليقين وضوح المعاني وتسلسلها على ما نرى في الرياضيات التي تمضي من البسيط الواضح ~~إلى المركب الغامض بنظام محكم، فهذا المنهج هو المنهج الوحيد المشروع؛ لأن العقل ~~واحد، ويسير على نحو واحد في جميع الموضوعات، ويؤلف علما واحدا هو العلم الكلي، ~~فليست تتمايز العلوم فيما بينها بموضوعاتها ومناهجها، ولكنها وجهات مختلفة لعقل ~~واحد يطبق منهجا واحدا وليس الاستنباط القياس الأرسطوطالي، فلا خير يرجى من هذا ~~القياس (وديكارت يردد بهذا الصدد الانتقادات المتداولة)، ولكنه سلسلة من ms055 الحدوس ~~تتقدم من حد إلى حد بحركة متصلة، فيربط العقل بين حدود لم تكن علاقاتها واضحة أول ~~الأمر، حتى إذا ما انتهى في الاستنباط إلى غايته، رد المجهول إلى المعلوم، أو ~~المركب إلى البسيط، أو الغامض إلى الواضح، والحركة العقلية هنا ثانوية، فإن مبدأها ~~حدس ومنتهاها حدس (كتاب «قواعد تدبير العقل»). # وللمنهج أربع قواعد عملية: # القاعدة الأولى: ~~«أن لا أسلم شيئا إلا أن أعلم أنه حق»، ولهذه القاعدة معنى خبيء ~~غير المعنى الظاهر الذي يتبادر إلى الذهن لأول وهلة، فإن ديكارت ~~يريدنا على ألا نسلم شيئا إلا أن نعلم أنه حق بالعلم الذي يعنيه، ~~وهو الإدراك بالحدس المباشر وبالحدس غير المباشر أو الاستنباط، ~~وهذا يقضي بأن نقصي من دائرة العلم، ليس فقط جميع الوقائع ~~التاريخية، بل أيضا كل معنى يستلزمه تفسير الظواهر الطبيعية ولا ~~نتمثله أو نتخيله، كمعنى القوة التي ندرك ضرورتها لتفسير التغير ~~والحركة، وقد استبعد ديكارت بالفعل معنى القوة، فنتجت له نتائج ~~سنذكرها فيما بعد، وقد تذرع الكثيرون بهذه القاعدة لنبذ الدين لما ~~يعول عليه من أحداث تاريخية تتعلق بنزول الوحي، وما يتضمن من عقائد ~~تفوق إدراك العقل، وقالوا إن هذه القاعدة عبارة عن إعلان حرية ~~الفكر وإسقاط كل سلطة. # القاعدة الثانية: ~~«أن أقسم كل مشكلة تصادفني ما وسعي التقسيم وما لزم لحلها على ~~خير وجه»؛ ذلك بأننا لما كنا نطلب الوضوح فيجب علينا أن نذهب من ~~المركب إلى بسائطه، ومن الكل إلى أجزائه، أي مما هو تابع لغيره ~~ومعقول بهذا الغير إلى ما هو مستقل بنفسه ومعقول بذاته، وهذا هو ~~التحليل، والغرض منه الحدس الذي هو المعرفة الحقة. # القاعدة الثالثة: ~~«أن أسير بأفكاري بنظام، فأبدأ بأبسط الموضوعات وأسهلها معرفة، ~~وأرتقي بالتدريج إلى معرفة أكثر الموضوعات تركيبا، فارضا النظام ~~حتى بين الموضوعات التي لا تتالى بالطبع»، وهذه قاعدة التركيب بعد ~~قاعدة التحليل، ولها فرعان: الأول التدرج من المبادئ إلى النتائج، ~~وذلك بأن ننظر أولا في حد من حدود المسألة، ثم في حد آخر، ثم في ~~النسبة بينهما، ثم ms056 في حد ثالث، وهكذا حتى نأتي على جميع الحدود ~~ونسبها، والفرع الثاني هو افتراض النظام حين لا يتبين نظام الحدود، ~~ثم استخراج النتائج بالطريقة التركيبية المذكورة، والمقصود بالنظام ~~«نظام الأسباب» الذي بموجبه تلزم معرفة حد من معرفة حد سابق لزوما ~~ضروريا، وإذا لم ينتج النظام المفروض، افترضنا نظاما آخر، إلى ~~أن نصل إلى النظام الملائم: فهنا يتدخل العقل إذ لا يقوم العلم إلا ~~بالنظام. # القاعدة الرابعة: ~~«أن أقوم في كل مسألة بإحصاءات شاملة، سواء في الفحص على الحدود ~~الوسطى أو في استعراض عناصر المسألة، بحيث أتحقق أني لم أغفل ~~شيئا»، هذه القاعدة تمكن من تحقيق القاعدة السابقة، فإنها ترمي ~~إلى استيعاب كل ما يتصل بمسألة معينة، وترتيب العناصر التي يتوصل ~~إليها، وهي تفيد في التحقق من صدق النتائج التي لا تستنبط رأسا من ~~المبادئ البينية بذاتها، أو ما يبعد عن هذه المبادئ بعدا كبيرا ~~يصعب علينا معه أن نتذكر الطريق الذي سلكناه، فإذا رتبنا الحدود ~~وانتقلنا بنظام من حد إلى آخر، قام هذا الانتقال مقام حدس ~~العلاقة بين نتيجة ومبدئها، ونقترب من هذا الحدس بمحاولة تذكر ~~الحدود بأسرع ما يمكن، ويختلف هذا الإحصاء، أو الاستقراء كما يسميه ~~أيضا ديكارت، عن الاستقراء الأرسطوطالي، في أن الغرض منه ليس ~~الوصول إلى نتيجة كلية من أجل ما شوهد في الجزئيات، بل الوصول إلى ~~حدود تتصل بذاتها بعضها ببعض، وأحيانا يمكن الاكتفاء بعدد محدود ~~من الحدود، مثلما إذا أردت أن أبين أن النفس الناطقة ليست جسمية، ~~فإني أكتفي بأن أجمع الأجسام في بضع طوائف، وأدلل على أن النفس ~~الناطقة لا يمكن أن ترجع إلى واحدة منها، بعكس ما إذا أردت أن أبين ~~عدد الموجودات الجسمية، أو كيف تقع هذه الموجودات تحت الحواس، فيجب ~~أن يكون الإحصاء تاما. # فالمنهج عند ديكارت يبين القواعد العملية التي يجب اتباعها لإقامة العلم، ولا ~~يحلل أفعال العقل ولا يدل على صدقها ومواطن الخطأ فيها كما يبين المنطق، فإن هذا ~~التحليل عديم الفائدة في رأي ديكارت وبيكون وأضرابهما، وإن المنطق ms057 الطبيعي يغني عن ~~المنطق الصناعي، وبينما المنطق علم وفن معا، نجد المنهج عند هؤلاء الفلاسفة فنا ~~فحسب، وإن يكن منطويا على نظرية في العقل والعلم كما سنرى في عرض فلسفة ديكارت، ~~فإن هذه النظرية متمشية على هذا المنهج ومؤسسة له، والعلم إذن عند ديكارت استنباطي ~~يضع المبادئ البسيطة الواضحة ويتدرج منها إلى النتائج، أو هذا ما يدعيه ديكارت، ومع ~~أنه كان يجمع المعلومات ويجري التجارب بهمة لا تني، فقد كانت أهمية التجربة مقصورة ~~في منهجه ومذهبه على إثارة الفكر وتعريفنا أي نتائج الاستنباط هي المحققة بالفعل من ~~بين النتائج المختلفة التي يستطيع العقل أن يستنبطها من المبادئ. ~~(3) الشك واليقين # بعد المنهج المذهب، وهو تطبيق قواعد المنهج، لكل علم مبدأ، فأين نلتمس المبدأ ~~الذي نقيم عليه العلم؟ إن عقلنا مشحون بأحكام ألفناها في عهد الطفولة أو قبلناها من ~~المعلمين قبل تمام النضج والرشد، وإذا نظرنا في العلوم ألفيناها تكونت وتضخمت شيئا ~~فشيئا بتعاون رجال مختلفين، فجاءت كالثوب الملفق أو البناء المرمم، فإذا أردنا أن ~~نقرر شيئأ محققا في العلوم، كان من الضروري أن نشرع في العمل من جديد، فنطرح كل ~~ما دخل عقلنا من معارف، ونشك في جميع طرق العلم وأساليبه، مثلنا مثل البناء يرفع ~~الأنقاض ويحفر الأرض حتى يصل إلى الصخر الذي يقيم عليه بناءه، والأساس الذي نريد ~~الوصول إليه هو العقل مجردا خالصا، فإن العقل واحد في جميع الناس، إذ أنه الشيء ~~الوحيد الذي يجعلنا أناسي ويميزنا من العجماوات، فهو متحقق بتمامه في كل إنسان، وما ~~منشأ تباين الآراء سوى تباين الطرق في استخدام العقل. # ولسنا بحاجة إلى التدليل على كذب آرائنا السابقة ليسوغ لنا اطراحها على هذا ~~النحو، بل يكفي أن نجد فيها أي سبب للشك، إذ ليس الشك مقصودا هنا لنفسه، بل ~~لامتحان معارفنا وقوانا العارفة، ولسنا بحاجة كذلك الي استعراض تلك الآراء رأيا ~~رأيا، بل يكفي أن نستعرض المبادئ، فإن هدم الأساس يجر وراءه كل البناء. # إذن فأنا أشك في الحواس لأنها خدعتني أحيانا، ولعلها تخدعني ms058 دائما، وليس من ~~الحكمة الاطمئنان إلى من خدعنا ولو مرة واحدة، وأنا أشك في استدلال العقل؛ لأن ~~الناس يخطئون في استدلالتهم، ومنهم من يخطئ في أبسط موضوعات الهندسة، فلعلي أخطئ ~~دائما في الاستدلال، ومن دواعي الشك أيضا أن نفس الأفكار تخطر لي في النوم ~~واليقظة على السواء، وليست أجد علامة محققة للتمييز بين الحالتين، فلعل حياتي حلم ~~متصل، أي لعل اليقظة حلم منسق، ومما يزيد في ميلي إلى الشك أني أجد في نفسي فكرة ~~إله قدير يقال أنه كلي الجودة وهو مع ذلك يسمح أن أخطئ أحيانا، فإذا كان سماحه هذا ~~لا يتعارض مع جودته، فقد لا يتعارض معها أن أخطئ دائما، ولكن ما لي ولله، فقد يكون ~~هناك روح خبيث قدير يبذل قدرته ومهارته في خداعي، فأخطئ في كل شيء حتى في أبسط ~~الأمور وأبينها، مثل أن أضلاع المربع أربعة، وأن اثنين وثلاثة تساوي خمسة. # ولكني في هذه الحالة من الشك المطلق أجد شيئا يقاوم الشك، ذلك أني أشك، فأنا ~~أستطيع الشك في كل شيء ما خلا شكي، ولما كان الشك تفكيرا فأنا أفكر، ولما كان ~~التفكير وجودا فأنا موجود: «أنا أفكر وإذن فأنا موجود»، تلك حقيقة مؤكدة واضحة ~~متميزة خرجت لي من ذات الفكر، لها ميزة نادرة هي أني أدرك فيها الوجود والفكر ~~متحدين اتحادا لا ينفصم، ومهما يفعل الروح الخبيث فلن يستطيع أن يخدعني فيها، لأنه ~~لا يستطيع أن يخدعني إلا أن يدعني أفكر، وإذن فأنا أتخذ هذه الحقيقة مبدأ أول ~~للفلسفة، الفكر مبدأ لأنه وجود معلوم قبل كل وجود، وعمله أوضح من علم كل وجود، هو ~~معلوم بداهة، ومهما نعلم فنحن بفكرنا أعلم، فمثلا لو اعتقدت أن هناك أرضا بسب أني ~~ألمسها وأبصرها، فيجب أن أعتقد من باب أولى أن فكري موجود، إذ قد أفكر أني ألمس ~~الأرض دون أن يكون هناك أرض، ولكن ليس من الممكن ألا أكون في الوقت الذي أفكر ~~فيه، ثم أنا اتخذ هذه الحقيقة الأولى معيارا لكل حقيقة: فكل فكرة تعرض ms059 لي بمثل هذا ~~الوضوح أعتبرها صادقة، وتعريف الفكر بالإجمال أنه«كل ما يحدث فينا يحدث ندركه حالا ~~بأنفسنا»، فحين أقول إنى شيء مفكر، أقصد «أني يشك ويثبت وينفي، ويعلم قليلا من ~~الأشياء ويجهل الكثير، ويجب ويبغض، ويرد ويأبى، ويتخيل أيضا ويحس» والفكر صادر عن ~~النفس، أو هو النفس أو الروح خالص ثابت عندي مهما أشك فى وجود جسمي وسائر الأجسام. # على أن اطمئناني إلى الوضوح ما يزال مفتقرا إلى التثبيت، فقد يكون خالقي صنعني ~~بحيث أخطئ فى كل ما يبدو لي بينا، أو قد يكون سمح للروح الخبيث أن يخدعني عن ~~الدوام، الحق أنه بدون معرفة وجود الله وصدقه، فلست أرى أن باستطاعتي التحقق من شيء ~~ألبتة، أعود إذن إلى فكرة الله، التى كانت سببا من أسباب الشك، فأجد أنها فكرة ~~موجود كامل، والكامل صادق لا يخدع إذ أن الخداع نقص لا يتفق مع الكمال، وعلى ذلك ~~فأنا واثق بأن الله صنع عقلي كفئا لإدراك الحق، وما علي إلا أن أتبين الأفكار ~~الواضحة، وصدق الله ضامن لوضوحها. # سنعرض بعد هنيهة أدلة ديكارت على وجود الله، ونقدر قيمتها، أما الآن فنقف عند هذه ~~المراحل الثلاث الأولى من مراحل المنهج، وهى الشك المطلق، فوضوح الفكر، فالضمان ~~الإلهي، ونسأل: هل هذا المنهج سائغ؟ أما الشك فلسنا نوافق على أنه فرضي منهجي كما ~~يقول ديكارت، إذ لكي يكون الشك كذلك يجب أن يكون صوريا جزئيا، وديكارت يشك ~~حقا فى كل شيء، وهو يشك فى كل شيء فيصبح شكه حقيقيا بالضرورة، إنه يصرح بأن ~~«ليس هناك شيء إلا ويستطيع أن يشك فيه على نحو ما» فإذا ما أحس أن مثل هذا الشك ~~الكلي معارض لطبيعة العقل، استعان بالإرادة وقال: «أريد أن أعتبر كل ما في فكري ~~وهما وكذبا» وأفترض الروح الخادع وألح على فكره إلحاحا عنيفا لكي يحقق في نفسه ~~حالة الشك الصحيح، فلو أنه قصر الشك على الأمور غير البينية المفتقرة إلى برهان، ~~واستثنى المبادئ الأولية البينة بذاتها، لأمكنه الاستناد على هذه المبادئ للخروج ~~إلى ms060 اليقين، ولكنه يشك فى العقل ذاته، فشكه كلي حقيقي يمتنع الخروج منه، يذهب بعض ~~المؤلفين إلى أن الشك الديكارتي ليس كليا مثل شك الشكاك، وذلك لسببين: الأول أن ~~الفيلسوف يقصد إلى تبرير اليقين بعد المضي في الشك إلى أقصى حدوده، والثاني أنه ~~يستثني بالفعل العقائد الدينية والقواعد الأخلاقية والتقاليد الاجتماعية. # ولكن إرادة تبرير اليقين ترجع إلى نية الفيلسوف، وليست النية بمغيرة شيئا من ~~الموضوع ... واستثناء العقائد والأخلاق والتقاليد لا يعني أن الفيلسوف موقن بها ذلك ~~اليقين الذي ينشده، فإن العقائد أسرار تفوق العقل، والأخلاق والتقاليد من الضروري ~~التزامها قبل الشك وأثناءه «لأن أفعال الحياة غالبا ما لا تحتمل الإرجاء» كما يقول ~~ديكارت نفسه، وأن «ليس من الفطنة التردد فى العمل بينما يضطرنا العقل إلى التردد في الاحكام»، # 2 # كذلك يذكرون قوله: «إذا اعتبرنا المعاني في أنفسها دون نسبتها إلى شيء ~~آخر، فلا يمكن أن تكون كاذبة» (التأمل الثالث). ولكنا لسنا هنا بإزاء يقين مستثنى ~~من الشك، بل بإزاء تعليق للتصديق من حيث إن الصدق والكذب يقومان في الحكم لا في ~~تصور المعاني. # أما مبدؤه «أنا أفكر وإذن فأنا موجود» فيثير مسألتين: إحداهما تاريخية، والأخرى ~~فلسفية، مدار المسألة التاريخية على مبلغ أصالة ديكارت فى هذه المرحلة من منهجه، ~~فقد استخدم القديس أوغسطين الشعور بالفكر كشاهد من شواهد اليقين، ويوجد شبه قوي بين ~~ألفاظه وألفاظ ديكارت، لحظه العارفون من أول الأمر ونبهوا عليه، فنفى ديكارت عن ~~نفسه شبهة الأخذ عن أوغسطين وقال إنه ذهب إلى مكتبة المدينة (ليدن) في اليوم نفسه ~~وقرأ النص فوجد أن أوغسطين يستخدم الفكر للتدليل على الوجود الذاتي، وعلى أن فينا ~~صورة ما للثالوث من جهة أننا موجودون، ونعلم أننا موجودون، ونحب ما فينا من وجود ~~وعلم، بينما هو يستخدمه ليدلل على أن الأنا المفكر جوهري لا مادي، وأن الغرضين ~~مختلفان جد الاختلاف، وأن استنتاج الوجود الذاتي من الشك أمر من البساطة بحيث كان ~~يمكن أن يهتدي إليه أي كان. نقول أولا إنه كان شديد الاعتداد بنفسه، قوي ms061 الإيمان ~~بجدة مذهبه، حتى ادعى أنه لا يدين بشيء لأحد من المتقدمين، وأن الآراء المشتركة ~~بينه وبينهم مؤسسة عنده على نحو مغاير بالمرة لما عندهم، وهو يذكر أفلاطون وأرسطو ~~وأبيقور وتليزيو وكامپانيلا وبرونو، ويصرح بأنه يعرفهم ولكنه لم يتعلم منهم شيئا ~~من حيث إن مبادئه غير مبادئهم، اللهم إلا كپلر، ويصعب علينا تصديق دعوى ديكارت أنه ~~لم يكن يعرف نصوص أوغسطين، ولعله أراد أنه لم يقرأها في كتبه، ولكنه عرفها بالواسطة ~~بلا ريب، فإنها مشهورة وكانت كتب أوغسطين متداولة، وكان مذهبه شائعا، وكان أول عرض ~~قام به ديكارت لمذهبه بحضرة الكردينال دي بيريل الأوغسطيني، أما أن الغرضين ~~يختلفان، فهذا ما لا يمكن ادعاؤه إطلاقا، فإن أوغسطين هو أيضا يستخدم وجود الفكر ~~للتدليل على روحانية النفس، ولرفع الشك، ويمضي من الفكر إلى وجود الله كما يفعل ~~ديكارت، فوجود الفكر مبدأ المذهبين، وقد غلط پسكال حين قال إن أوغسطين كتب تلك ~~الكلمة عفوا دون أن يطيل التفكير فيها ودون أن يتوسع فيها، على حين أن ديكارت أدرك ~~في هذه الكلمة سلسلة بديعة من النتائج تبرهن على تمايز الطبيعتين المادية والروحية ~~وجعل منها مبدأ وطيدا مطردا لعلم طبيعي بأكمله. # 3 # وكيف يكون أوغسطين قال هذه الكلمة عفوا واتفاقا، وهو يذكرها ست مرات؟ ~~وكيف يقال أنه لم يطل فيها التفكير ولم يتوسع فيها، وقد قصد بها إلى إدحاض الشك، ~~والتدليل على وجود النفس وروحانيتها، وعلى وجود الله كما تقدم؟ بيد أنه يبقى أن ~~وجود الفكر هو عند ديكارت حالة فذة يتجلى فيها اليقين، ومبدأ للفلسفة سيخرج منه كل ~~يقين، وأنه عند أوغسطين حالة جزئية من حالات اليقين، ربما كانت أوضحها عند مناقشة ~~الشكاك، إلا أنها لا تخرج عن كونها واحدة منها، وهذا فرق في مصلحة أوغسطين إذ أنه ~~لا يستهدف للدور الذي وقع فيه ديكارت حين نظر إلى الفكر كأنه مجرد شعور فلم يسترد ~~اليقين بموضوعات الفكر إلا بالالتجاء إلى صدق الله، وفكرة الله نفسها أحد هذه ~~الموضوعات. # ومدار المسألة الفلسفية على جواز اتخاذ ms062 الفكر الخاص مبدأ أول والذهاب منه إلى ~~موضوعات مغايرة له، إن هذا لا يجوز، فقد نستوثق من فكرنا (وأي شاك شك في فكره؟) ثم ~~لا نستوثق من شيء آخر على الإطلاق. والأمر وأضح عند ديكارت كل الوضوح، فإن الروح ~~الخبيث ما يزال ظله محلقا فوق أفكارنا مهما تكن جلية متميزة، وإن فاته خداعنا في ~~وجود الفكر، بقي سلطانه كاملا على موضوعات الفكر، فيمتنع التقدم خطوة واحدة، وليس ~~صدق الله بمجد شيئا في طرد الروح الخبيث؛ لأن فرض هذا الروح سابق على معرفتنا ~~بالله، فيجب الشك في هذه المعرفة ذاتها، وديكارت لا يخرج من شكة إلا بدور ظاهر: فمن ~~جهة يجب للبرهنة على وجود الله الاعتماد على العقل والأفكار الواضحة كوسائل لا ~~تخدع، ومن جهة أخرى لأجل التحقق من أن العقل والأفكار الواضحة لا تخدع، يجب العلم ~~أولا بوجود الله وصدقه، فالواقع أن المنطق كان يقضي على ديكارت أن يظل على شكه ~~يردد طول حياته قوله «أنا أفكر وأنا موجود» مثله مثل ذلك الشاك اليوناني الذي عدل ~~عن الكلام مخافة الاضطرار إلى الإيجاب والسلب، ولكن ديكارت لم يكن ليرضى بهذا ~~الموقف، وكما «أراد» الشك كليا، فقد «أراد» الوصول إلى اليقين وضمان العلم مهما ~~يكن من أمر المنطق. ~~(4) التصور والوجود # قبل أن نتابع ديكارت في سيرة نحو اليقين والعلم، نريد أن نلفت النظر إلى أن شكه ~~المطلق ينطوي على تصورية مطلقة هي روح المذهب ونقطته المركزية، التصور عند ديكارت ~~تصور بحت لا إدراك شيء واقعي، والفكر عنده لا يدرك إدراكا مباشرا غير نفسه، وإلا ~~لما أمكن الشك في موضوعاته، فديكارت إذ يأبى في مرحلته الأولي أن يقبل شيئا من دون ~~الفكر، فيؤمن بتفكيره في السماء والأرض ويشك في وجودهما، يفصل بين ما لأفكارنا من ~~وجه ذاتي وما لها من وجه موضوعي؛ ومن ثم يفصل فصلا تاما بين الفكر والوجود، ~~ليس فقط الوجود الخارجي، بل أيضا وجود المفكر نفسه، وقد أنكر بعضهم على ديكارت ~~اتخاذه عبارة «أنا أفكر وإذن فأنا موجود» مبدأ أول ms063 وقال إن هذه العبارة قياس إضماري ~~حذفت منه المقدمة الكبرى وهي «ما يفكر فهو موجود»، وإن الأولي وضع هذه المقدمة موضع ~~المبدأ الأول، فرد ديكارت أن هذه العبارة ليست قياسا، ولكنها حدس يدرك وجود المفكر ~~في الفكر، ونحن نرى أنها كذلك إذا اعتبرنا الفكر قوة مدركة للوجود، أما إذا ~~اعتبرناه إدراك أفكار أو ظواهر، تعين علينا أن ندلل على وجود المفكر، وسنرى لوك ~~وهيوم وكنط ينازعون في صحة هذا التدليل. # أما الأشياء الخارجية، فإذا سألنا ديكارت عن علة الأفكار التي نمثلها، أجاب ~~قائلا: قد أكون أنا تلك العلة، إذ ليس من الضروري أن تصدر الأفكار عن أشياء شبيهة ~~بها، بل قد تصدر عن علة حاصلة بالذات على الكمال الممثل فيها، أو عن علة حاصلة عليه ~~على نحو أسمى، وأنا حاصل على الفكر بالذات، فأستطيع أن أؤلف فكرة الملاك، وأنا حاصل ~~على حقائق الأجسام، على نحو أسمى لأن الجسم دون الفكر، فأستطيع أن أؤلف أفكار ~~الأجسام. ومع ذلك سيطلب ديكارت أصولا خارجية لأفكار الأجسام يجعلها موضوع العلم ~~الطبيعي، وسيتخذ سبيلا إلى ذلك وجود الله وصدقه، فأمامنا إذن مسألتان، الواحدة هي: ~~هل أفكارنا صادقة؟ والأخرى هي: هل لأفكارنا موضوعات في الخارج؟ وديكارت يقدم الأولى ~~على الثانية، كما يقتضي مبدؤه التصوري، يقول: «قبل أن أفحص عما إذا كان هناك ~~أشياء خارجية، يجب أن أنظر في أفكاري من حيث هي كذلك، وأن أتبين أيها واضح وأيها ~~غامض». فالفكرة الواضحة صادقة ويقابلها موضوع، أما الفكرة الغامضة فانفعال ذاتي، ~~وهذا يعني أن العالم الخارجي لا يعلم إلا بعد أفكاري وعلى مثالها، وأن الحقيقة (أي ~~الوضوح) سابقة في علمي على الوجود، وأنها عبارة عن جسر بين الفكر المعلوم أولا ~~والأشياء المعلومة بعده وتبعا له، وهذا المذهب التصوري، (إيديالزم) # 4 # ابتدعه ديكارت وتابعه فيه الفلاسفة المحدثون، فوقعوا في إشكالات لا ~~تحصى، وظن ديكارت أن صدق الله يحل المسألتين ويرد إلى المعرفة قيمتها والواقع أنه ~~يهدمها هدما، إذ لو كان لدينا وسيلة طبيعية للمعرفة الحقة، لما افتقرنا إلى الضمان ms064 ~~الإلهي، ولو كانت قوانا العارفة تؤدي وظيفتها كالواجب، وتمضي بالطبع إلى الحقيقة، ~~لحملت في نفسها علامة صدقها، ولعلمنا ذلك قبل الالتجاء إلى الضمان الإلهي، اما ~~افتقارنا إلى ضمان خارج عن العقل والحواس، فأدعى إلى التشكك في الله وحكمته وجودته. # وللتمييز بين الصادق والكاذب من الأفكار، تمهيدا للخروج من التصور إلى الوجود، ~~يرتب ديكارت الأفكار في طوائف ثلاث: الأولى أفكار حادثة أو اتفاقية، وهي التي يلوح ~~لنا أنها آتية من خارج، أي التي تقوم في الفكر بمناسبة حركات واردة على الحواس من ~~الخارج، كاللون والصوت والطعم والرائحة والحرارة، وهي غامضة مختلطة، الطائفة ~~الثانية أفكار مصطنعة، وهي التي نركبها من أفكار الطائفة الأولى، كصورة فرس ذي ~~جناحين، أو صورة حيوان نصف إنسان ونصف فرس، وما شاكل ذلك. والطائفة الثالثة أفكار ~~غريزية أو فطرية، ليست مستفادة من الأشياء ولا مركبة بالإرادة، ولكن النفس تستنبطها ~~من ذاتها، وتمتاز هذه الأفكار بأنها واضحة جلية بسيطة أولية، وهي التي تؤلف الحياة ~~العقلية بمعناها الصحيح، كفكرة الله والنفس والامتداد وأشكاله والحركة وأنواعها ~~والعدد والزمان وغيرها. وقد سئل ديكارت في هذه الأفكار، فقال إنه يقصد بكونها غريزة ~~أن فينا قوة تحدثها، وبكونها طبيعية أنها في النفس على نحو ما نقول إن السخاء أو ~~إن مرضا ما طبيعي في بعض الأسر، وقال إنها ليست مرتسمة فى العقل كأبيات الشعر فى ~~الديوان، ولكنها فيه القوة كالأشكال في الشمع، وإنها في عقل الطفل على نحو ما هي في ~~عقل الراشد حين لا يفكر فيها، ويعود إلى علة الأفكار، فيقول إن أفكار الطائفة ~~الأولى والثانية لا تتطلب علة غير النفس، فإنها عبارة عن انفعال النفس بالمؤثرات ~~الخارجية وتركيب الانفعالات بعضها من بعض، أما الأفكار الفطرية فإنما تمثل «طبائع ~~بسيطة وحقائق موضوعية» فمن الخطأ الظن أن العقل علتها الكافية، إن العقل عله كافية ~~للفكرة من حيث هي فعل نفسي، لا من حيث موضوعها، وعلى ذلك يجب استعراض الأفكار ~~الفطرية والنظر فيما إذا كانت تفسر بالفكر وحده أو تقتضي علة خارجية، ذلك سبيلنا ~~للتخطي ms065 من التصور إلى الوجود. ~~(5) الله والحقيقة # أجل، إذا عثرت على فكرة تفوق حقيقتها الموضوعية كل ما في بحيث لا أكون علة هذه ~~الفكرة، علمت أني لست وحيدا في العالم، والواقع أني أجد بين أفكاري فكرة الله، ~~أعني فكرة موجود كامل لا متناه، وهذه الفكرة واضحة متميزة، فإنها تحوي كل ما أتصور ~~من كمال، من أين جاءتني؟ هل أقول أني استنبطتها من نفسي؟ ولكني موجود يشك ويتردد ~~كما رأينا، والشك علامة النقص إذ من البين أن العلم خير منه، فكيف أستطيع استحداث ~~فكرة الكامل وأنا ناقص؟ هل أقول إنها جاءت من الأشياء الخارجية؟ ولكنها لا تخطر لي ~~أبدا على غرة مثل أفكار المحسوسات، والعالم الخارجي ناقص مؤلف من أشياء كل منها ~~محدود، ومهما أجمع أشياء أو أفكارا ناقصة بعضها إلى بعض، فلن أبلغ إلى تأليف فكرة ~~الكامل اللا متناهي، هذا إلى أن هذه الفكرة بسيطة لا مجال فيها لتأليف وتركيب، من ~~حيث إنها تمثل موجودا واحدا حاصلا على جميع الكمالات، وإني لا أستطيع أن أنقص ~~منها أو أزيد فيها شيئا، ولا يمكن أن يقال إني لا أتصور الكامل اللا متناهي بفكرة ~~محصلة، بل بإدخال السلب على فكرة النقص والتناهي التي أجدها في نفسي، إذ ليست فكرة ~~الكامل اللا متناهي معدولة تمثل عدما وسلبا، ولكنها محصلة تمثل موجودا هي أكمل ~~موجود، بل الواجب أن يقال على العكس إني إنما أتصور النقص والتناهي بالحد من الكمال ~~واللا تناهي، ولو لم تسبق لي فكرة موجود كامل لا نقص فيه، لما استطعت أن أعتبر نفسي ~~ناقصا، وإذن فليست هذه الفكرة حادثة ولا مصطنعة، ولا يبقى إلا أنها فطرية بسيطة ~~أولية. # إذ تقرر هذا قلت: إن كل ما أتصور بوضوح حصوله لماهية ما فهو حاصل لها، أو كل ~~محمول متضمن في فكرة شيء فهو صادق على هذا الشيء، فمثلا حين أتصور المثلث، أتصور ~~ماهية ثابتة لم أخترعها وليست متعلقة بفكري، فلا أستطيع أن أعدل فيها زيادة أو ~~نقصانا، وأنا أتصور في ماهية المثلث أن زواياه الثلاث ms066 تساوي قائمتين، وهذا صحيح عن ~~المثلث، وهكذا في كل ماهية. فإذا عدت إلى فكرة الكامل وجدتها تتضمن الوجود ~~بالضرورة؛ لأن الوجود كمال ولو كان الكامل غير موجود لكان ناقصا مفتقرا لموجد، ~~وهذا خلف. فوجود الله لازم من ذات فكرة الله، أي من مجرد تعريفه، وقد يبدو هذا ~~القول مغالطة، ولكن ذلك وهم، سببه أننا نميز بين الوجود والماهية في سائر الأشياء، ~~فتحملنا العادة على اعتقاد إمكان فصل الوجود عن ماهية الله، أما إذا تدبرنا الأمر، ~~وجدنا ماهية الله تقوم في حصول جميع الكمالات، وأن فكرة الله هي الفكرة الوحيدة ~~التي تتضمن الوجود كمحمول ذاتي، فلا يمكن فصله عن الماهية، كما لا يمكن فصل فكرة ~~الوادي عن فكرة الجبل، وهذا دليل أول على وجود الله، هو دليل القديس أنسلم مهد له ~~ديكارت ودعمه ببيان أصالة فكرة الله، ويعد هذا البيان نصيبه الخاص في إقامة ~~الدليل. # إذا انتقلت من النظر في مفهوم فكرة الله إلى الفحص عن علتها، كان لي دليل ثان ~~على وجود الله، قد سبق القول أن لها من الحقيقة الموضوعية أو الكمال ما يفوقني إلى ~~غير حد، فلا يمكن إلا أن تكون صدرت إلي عن علة كفء لها، أي عن موجود حاصل بالفعل ~~على الكمال الممثل فيها، ورب قائل يقول: لعلي أعظم مما أظن، ولعلي حاصل ~~بالقوة على الكمالات التي أضيفها إلى الله، ولعل هذه القوة على اكتساب الكمالات ~~بالتدريج كافية لتوليد تصور هذه الكمالات في نفسي، ولكن لا، فمن الجهة الواحدة الله ~~موجود كله بالفعل، وفكرة موجود كامل بالفعل تفوق كل اكتساب الكمال بالتدريج، ومن ~~جهة ثانية ليس يمكن تحقيق اللا متناهي بزيادات متتالية، إذ أن كل ما هو متناه فهو ~~قابل للزيادة دائما، فالظن بأن موجودا متناهيا يستطيع الوصول بالتدريج إلى اللا ~~متناهي ظن متناقض، وأخيرا العلة التي بالقوة ليست شيئا وليست علة، والحقيقة ~~الموضوعية لفكرة ما تتطلب علة بالفعل؛ إذن فالله موجود، وهو نموذج فكرة الكامل اللا ~~متناهي وعلتها. # وإذا فحصت عن علة وجودي بصفتي حاصلا ms067 على فكرة الكامل، كان لي دليل ثالث على وجود ~~الله؛ ذلك بأنني لو كنت خالق نفسي لكنت منحت نفسي الكمال الممثل لي في هذه الفكرة، ~~من حيث إن الإرادة تتجه إلى الخير دائما، وما الكمال إلا صفة للموجود وحال له، ~~فخلقه أيسر من خلق الوجود ذاته، فلو كنت أوجدت نفسي لكنت أردت لها كمال الوجود، ~~ولكني ناقص، فذلك دليل على أني لست خالق نفسي، ولا يمكن القول إني وجدت دائما على ~~ما أنا الآن، فإن أجزاء الزمان منفصلة بعضها عن بعض بحيث لا يتعلق الزمان الحاضر ~~بالزمان الذي سبقه، فالموجود - لكي يدوم في كل آن - مفتقر لنفس الفعل اللازم ~~لخلقه، فلا استطيع الدوام زمنا ما إلا إذا كنت أخلق خلقا جديدا في كل آن، وليس ~~لدي مثل هذه القوة لحفظ نفسي في الوجود، ولو كانت لي لعلمت ذلك علما يقينا، فإن ~~قوة ما لا توجد في بما أنا موجود مفكر دون أن أعلمها، وإذن فلست خالق نفسي، ثم لا ~~يمكن أن يقال إن وجودي مستمد من توالدي أو من علة أخرى دون الله كمالا، لأنه مهما ~~تكن تلك العلة فلا بد أن تكون حاصلة على فكرة الكمال، وحينئذ فإما أن تكون أوجدت ~~نفسها، وأوجدت نفسها كاملة، فتكون الله، أو أن تكون صدرت عن علة أخرى، فتعود ~~المسألة، ويمتنع التسلسل إلى غير نهاية، لأن المطلوب هنا ليس العلة التي أوجدتني في ~~الماضي، بل التي تحفظ وجودي في الحاضر ، فلا بد من الوقوف عند علة هي الله، وهكذا ~~كما أدركت النفس دون أن أخرج من الفكر، فقد أدركت الله إدراكا مباشرا في علاقتي ~~بفكري ووجودي، وبلغت إلى موجود محقق مع بقائي مستمسكا بالفكر. إن فكرة الله محدثة ~~في منذ خلقت، وهي طابع الله في خليقته. # ونحن نتغاضى هنا عما في هذه الأدلة من مسائل فرعية تغنينا غرابتها عن الإسهاب ~~في نقدها، مثل احتمال إحداث الموجود ذاته، وتصور الدوام خلقا متكررا لا ندري كيف ~~يبقى معه الموجود هو هو، واعتقاد ديكارت أن المفكر ms068 يدرك كل ما في نفسه، مما يرجع ~~إلى إنكار القوة واللا شعور، نتغاضي عن هذا وعن غيره، ونحصر النظر في فكرة الله ~~التي يبني عليها ديكارت أدلته الثلاثة، هل صحيح أنها محصلة جلية متميزة؟ الواقع ~~أنها مكتسبة بالاستدلال، فالأصل فيها ضرورة تفسير الموجود المتغير بإسناده إلى علة، ~~وضرورة الوقوف عند علة أولى في سلسلة العلل، وإلا بقي الموجود المتغير بدون تفسير، ~~وضرورة إيجاب الوجود لهذه العلة الأولى، وإلا لم تكن أولى، فديكارت يتناول هذه ~~الفكرة كما كونها الفلاسفة واللاهوتيون المدرسيون ويعتبرها أولية، فيبدأ من حيث ~~انتهوا، ويعتبرها محصلة، ولو كانت كذلك لاستوى فيها كل الناس، ولأظهرتنا على ماهية ~~الله كما هي، والواقع يرد هاتين النتيجتين، وديكارت نفسه يقر بهذا الواقع فيقول (في ~~التأمل الثالث): «أجل إني لا أفهم اللا متناهي، وإني أجهل أمورا كثيرة فيه، ولكني ~~متى علمت أنه حاصل على جميع الكمالات التي أتصورها، وفهمت حق الفهم أن تمام الإحاطة ~~باللا متناهي ممتنع على موجود متناه مثلي، فقد حصلت على فكرة عنه جلية جدا ولو ~~أنها ناقصة جدا». نقول: إذا كانت الفكرة ناقصة إلى هذا الحد، فليست صورة حقة ~~للامتناهي تفيدنا معرفته كما هو وإنما هي فكرتنا نحن عنه، أو بعبارة أدق هي جملة ~~أحكامنا بأن الله موجود وبأن له كذا وكذا من الصفات، أي إن تلك الفكرة فعل عقل ~~متناه ناقص يتعقل الكامل اللا متناهي كما يستطيع، فديكارت إذ يقول إنها محصلة، ~~يخلط بينها وبين موضوعها، فإن هذا الموضوع، الذي هو الله موجود حق، إما فكرتنا عنه ~~فليست صورة أو معنى شبيها به، وإلا كانت تظهرنا عن حقيقة اللا متناهي إظهارا ~~كليا كما قلنا، وهذا غير صحيح، ولكن ديكارت - وقد قطع الصلة بين الفكر والوجود - ~~اضطر لوضع الأفكار موضوع الموجودات واعتبارها أشياء قائمة بأنفسها، وهو بقوله إن ~~فكرة الله محصلة، وبفصله بينها وبين الاستدلال الذي ينتجها ويسوغها، يمهد السبيل ~~لاعتبارها مجرد صورة فكرية أو وهما ضروريا كما يقول كنط، أو تشخيصا للمجتمع كما ~~يقول الاجتماعيون، أو ما إلى ms069 ذلك من أقاويل. # وما دامت هذه الفكرة دعامة الأدلة الثلاثة، فقد أنهارت هذه الأدلة بانهيارها؛ ذلك ~~بأن الوجود المتضمن في فكرة الله محمول من جنس الفكرة، أي محمول متصور فحسب، وليست ~~الفكرة صورة حقه لموضوعها، فقد زال عنها امتيازها وأوضحت فإذا بينها وبينه مثل ما ~~بين سائر الأفكار وبين موضوعاتها من مسافة، وتعين البحث فيما إذا كان يقابلها موضوع ~~حقا، أو كانت مجرد تصور، فإذا ثبت لها موضوع، قيل حينئذ إن الوجود محمول ذاتي له ~~كما قدمنا، وبعبارة أخرى: إذا ثبت وجود الله، فقد ثبت أن الوجود واجب له، إما ~~الانتقال من الوجود المتصور إلى الوجود الواقعي، فغلظ أو مغالطة، وقد نبه على ذلك ~~القديس توما الإكويني في رده على دليل القديس أنسلم، أما عن الدليل الثاني، فما ~~دامت فكرتنا عن الله ناقصة ومكتسبة بالاستدلال، فليست تتطلب عله لا متناهية، وليس ~~ما يمنع أن تصدر عن الموجود المتناهي الذي يتصورها، وهو إنما يتصورها بحكم ينفي ~~الحد ويطلق الوجود من كل قيد، وأما عن الدليل الثالث، فلا مسوغ للانتقال من وجودي ~~المتناهي إلى الموجود اللا متناهي؛ إذ أن هذا الانتقال لا يتم عند ديكارت بتطبيق ~~مبدأ العلية على وجودي، بل بواسطة حصول فكرة اللا متناهي في فكر متناه لو كان خلق ~~نفسه لكان خلقها كاملة لا متناهية، فإذا كانت فكرتي عن اللا متناهي ليست لا ~~متناهية، فقد بطل الاستدلال، ولم يبق منه إلا أني قد أكون خالق نفسي ، أي قد أكون ~~وأنا موجود متناه حاصل على أفكار متناهية، خلقت نفسي متناهيا! إلى مثل هذا ~~التناقض يرجع دليل ديكارت متى أبطلنا الواسطة المبني عليها، أي كون فكرة اللا ~~متناهي محصلة بسيطة أولية، وقد استعاض ديكارت بفكرة انقسام الزمان إلى غير نهاية، ~~عن فكرة الإمكان التي استخدامها السلف، أو أنه نقل الإمكان إلى اللحظة الآتية التي ~~لا يستطيع فيها المخلوق استبقاء وجوده، فيجدد الله خلقه، فدليله لا يرمي إلى إثبات ~~بداية للمخلوق، بل إلى تفسير دوامه وحفظه في الوجود، وهذا تصور غريب لدوام ms070 المخلوق ~~ولحفظ الله له. # وغريب كذلك تصور ديكارت لماهية الله: فإن الله عنده حر قدير حتى ليعتبر ~~«بالإضافة إلى ذاته بمثابة العلة الفاعلية بالإضافة إلى معلولها» بل حتى إنه «لو لم ~~يكن إعدام الذات نقصا، لأمكن إضافة تلك القوة إليه» وتتناول حرية الله كل شيء، ليس ~~فقط ما نراه ممكنا، بل أيضا «الحقائق الدائمة» رياضية وفلسفية، وماهيات ~~المخلوقات؛ فإن الله صانع الأشياء جميعا، وهذه الحقائق والماهيات أشياء، فهو إذن ~~صانعها، أجل إنها تبدو لنا ضرورية، ولكن الله هو الذي أراد أن تكون كذلك، وفرضها ~~على عقلنا، لقد كان الله حرا في أن يجعل الخطوط الممتدة من المركز إلى المحيط ~~متساوية، وزوايا المثلث الثلاث متساوية قائمتين، مثلما كان حرا في أن لا يخلق ~~العالم، فلما اختار، غدا اختياره حقا، ولما كان الله ثابتا، فلا خوف أن يتغير ~~الحق، والنصوص الواردة بهذا المعنى كثيرة صريحة، تدل على شدة تعلق ديكارت بنظرية ~~هذه، وهي واردة في رسائله الخاصة منذ سنة 1629، وفي ردوده على الاعتراضات، دون ~~الكتب التي أعلن فيها مذهبه كاملا منظما، وقبل نشره للكتاب الأول من هذه الكتب ~~(وهو«المقال») بثماني سنين، وفي سنة 1630 ظهر كتاب يدور على هذه المسألة لقسيس صديق ~~لديكارت من قساوسة «الأوراتوار» هو الأب # Gibicof ~~، ~~والنظرية على كل حال قديمة، نجدها بارزة في القرن الرابع عشر عند دونيس سكوت ونقولا ~~دوتركور، ونجدها تولد الشك، وديكارت نفسه يدلنا على أثرها في المعرفة حيث يقول (في ~~التأمل الثالث ): «إذا كنت حكمت أن بالاستطاعة الشك في هذه الأشياء، فما كانت ذلك ~~لسبب غير أنه كان يخطر ببالي أن إلها قد يكون أعطاني طبيعة هي بحيث أخطئ حتى فيما ~~يبدو لي أوضح ما يكون، وكلما عرض لفكري هذا الرأي المتصور آنفا في إله كلي القدرة، ~~رأيتني مرغما على الاعتراف بأن من الميسور له - إن شاء - أن يجعلني أخطئ حتى فيما ~~أعتقد أني أدركه ببيان عظيم جدا، وعلى العكس كلما توجهت صوب الأشياء التي أعتقد ~~أني أتصورها بغاية الوضوح، رأيتها تقنعني ...». # وعلى ذلك ms071 نرى أن لهذه النظرية أثرا كبيرا في تركيب المذهب، إذا كانت الحقيقة ~~خلقا حرا، فلم يعد لها قيمة بالذات، وإنما قيمتها آتية من أمر الله، وقد كان في ~~مقدور الله أن يقرر نقيضها كما يقول ديكارت ويكرر القول، وإذن فباستطاعتنا أن نشك ~~فيها مهما بدت ضرورية، لأنها ضرورية بالإضافة إلينا، ولكنها ممكنة في نفسها ~~وبالإضافة إلى الله، فالشك الكلي المؤيد بفرض الروح الخبيث يتناول ماهية الحقيقة ~~وصدق الفكر، وليس يشك ديكارت في صدق الفكر إلا لأنه يشك في الحقيقة، فكان محتوما ~~عليه ان يستبعد كل حقيقة حتى يبلغ إلى الفكر الخالص، لكي يقف نفس موقف الله وهو ~~يقرر الحقيقة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى إذا كانت الحقيقة وضعية، فليس يعتبر الوضوح ~~علامة حاسمة لتصديقها، ولكنه شعور ذاتي يميل بنا إلى التصديق، فقبل أن نميل معه ~~يتعين علينا أن نتيقن أنه غير خادع، إذ كما أن الحقيقة محدثة فإن مصاحبة الوضوح لها ~~محدثة كذلك، فالثقة بها تقتضي معرفة واضعها، وكون كاملا صادقا، وإلا امتنع لدينا ~~كل سند للحقيقة، فصدق الله ضمان الوضوح، ومعنى الاثنين جميعا أن بين العقل وبين ~~الحقيقة مناسبة وملاءمة لأنهما من صنع الله. ~~(6) العالم وقوانينه # بعد أن يطمئن ديكارت إلى وجود الله وصدقه، ينتقل إلى وجود العالم ويسأل نفسه: هل ~~الماديات موجودة؟ فيجيب بالإيجاب، ويقدم الأسباب، فأولا هذه الأشياء ممكنة، والله ~~يستطيع إحداث الممكنات، ثم إن في قوة حاسة هي قوة انفعالية تتطلب قوة فعلية تثير ~~فيها أفكار المحسوسات، وهذه القوة الفعلية ليست في، فإني جوهر مفكر، وإذن فهي ~~خارجة عني، على أنها قد تكون إما جسما حاصلا بالذات على ما أتصوره في المحسوسات، ~~أو تكون الله الحاصل عليه على نحو أسمى: فما هي؟ إني أحس في نفسي ميلا طبيعيا ~~إلى الاعتقاد بأشياء جسمية، وما دام هذا الميل طبيعيا فهو صادر على الله، والله ~~صادق فلا بد أن يكون خلق أشياء مقابلة لأفكاري. إن طبيعتي تعلمني أن لي جسما، وأن ~~أجساما أخرى تحيط بي، وأن هذه الاجسام ms072 مختلفة فيما بينها تحدث في إدراكات مختلفة ~~ولذات وآلاما، فلن أكثرت بعد الآن لأخطاء الحواس وخيالات الأحلام، فإن مراجعة ~~الحواس بعضها ببعض، ومراجعتها بالذاكرة والعقل، تبدد الخوف من الخطأ في الإدراك ~~الحسي، وكذلك تتميز اليقظة باتساق الإحساسات فيما بينها، ويتميز المنام باضطراب ~~التصورات، هذه قرائن لا يمكن أن أخطئ فيها وقد علمت أن ليس الله خادعا. # الماديات موجودة إذن، ولكن على أي نحو؟ هنا يجب أن أراجع أفكاري بكل حذر حتى ~~يقتصر تصديقي على ما أراه واضحا متميزا، فإن أفكاري إنما تصدر عن الله من حيث ما ~~فيها من وضوح، والله إنما يحدث من موضوعات الأفكار ما يتصور بوضوح ليس غير، وما ~~أتصوره واضحا في الأشياء يرجع إلى أنها امتداد فحسب، وباقي ما يبدو في الإحساس فهو ~~صادر عن فكري: الضوء واللون والصوت والرائحة والطعم والحرارة، كل هذه انفعالات ~~ذاتية، أفكار غامضة أضيفها خطأ لذلك الميل الطبيعي، وأتخذها أساسا لمعرفة ماهيات ~~الأجسام، وليس في الأجسام شيء يشابهها، وليس لها من غاية سوى إرشادي إلى النافع ~~والضار فأكيف مواقفي في الحياة تبعا لذلك، فديكارت يستبعد «الكيفيات الثانوية» ~~ويستبقي «الكيفيات الأولية» مع كونها جميعا إحساسات وانفعالات، مستندا إلى مفهوم ~~فكرة المادة وإلى صدق الله. # هذه المادة الهندسية لامتناهية المقدار من حيث إنه يستحيل وضع حد للامتداد، ~~وديكارت يعول هنا على الامتداد المتخيل لا الامتداد المعقول، فإن المخيلة لا تقف ~~عند حد في تخيلها إذ أنها لا تتخيل إلا المحسوس، أما العقل فيستطيع الحكم بوجوب ~~الحد متى علم أن المادة الموجودة بالفعل متشكلة بالضرورة ومن ثمة محدودة بالضرورة، ~~وهذه المادة الهندسية مقسمة إلى أجزاء غير متناهية، فليس هناك جواهر فردة أو أجزاء ~~لا تتجزأ من حيث إن كل امتداد مهما صغر قابل للقسمة إلى جزأين وهكذا إلى غير نهاية، ~~وهذه المادة الهندسية ملاء لا يتخلله خلاء؛ لأن الخلاء امتداد، والامتداد مادة (عند ~~المخيلة كما تقدم) بحيث تفسر كل حركة بأن الجسم المتحرك يطرد الجسم المجاور له ليحل ~~في مكانه، وهكذا إلى ما لا ms073 نهاية، فالحركة في العالم دائرية، والمادة متحركة حركة ~~متصلة: حركها الله منذ الخلق، وشرع للحركة قوانين، هذه القوانين تستنبط من فكرة ~~ثابت الله، وأولها «إن كل شيء يبقى على حاله طالما لم يعرض له ما يغيره»، ومن هذا ~~القانون يلزم قانونان: أحدهما «أن مقدار الحركة (المحدثة عند الخلق) يبقى هو هو في ~~العالم لا يزيد ولا ينقص»، والآخر «أن كل جسم متحرك فهو يميل إلى الاستمرار في ~~حركته على خط مستقيم» وهذا قانون القصور الذاتي، وديكارت أول من وضعه عن بينة، وقد ~~يكون وصل إليه بتأثير كپلر. هذه القوانين الثلاثة تنطوي على جميع قوانين الحركة، ~~وكلها ثابتة بثبات الله، # 5 # فهنا أيضا يلجأ ديكارت إلى الله لكي يقيم أركان علمه الطبيعي، ولكن هل ~~يمنع ثبات الله من حدوث التغير في الطبيعة؟ ومن يدرينا، لعل الله أراد بإرادة واحدة ~~أن توجد قوانين معينة وقتا ما، ثم أن تحل محلها قوانين أخرى؟ # وكان من فعل الحركة في المادة على مقتضى القوانين أن تكونت السماء والأرض ~~والسيارات والمذنبات والشمس والنجوم الثوابت والضوء والماء والهواء والجبال ~~والمعادن والنباتات والحيوانات والأجسام الإنسانية، تكونت كلها بمحض فاعلية الحركة ~~في الامتداد، دون أي شيء من تلك الكيفيات والقوى والصور الجوهرية التي أضافها أرسطو ~~والمدرسيون إلى المادة، ودون علل غائية، فليس لهذه العلل محل في العلم الطبيعي، ~~وأنى لنا أن نكشف عن غايات الله، والله على كل حال لم يتوخ غاية، وإنما رتب ~~الأشياء بمحض إرادته الحرة ، فالأجسام آلات ليس غير، بما فيها النبات والحيوان وجسم ~~الإنسان، أما أن الحيوان عاطل من العقل، فدليله أنه لا يتكلم ونحن نشاهد أن الكلام ~~لا يقتضي إلا قليلا من العقل، وإذا كان بعض الحيوان يفوق الإنسان مهارة في بعض ~~الأفعال، فإنه لا يبدي شيئا من تلك المهارة في أفعال أخرى كثيرة، فما يفوقنا فيه ~~لا يدل على عقل وإلا لكان حظه منه أكبر من حظنا ولأجاد سائر الأفعال، ولكنه يدل على ~~أن لا عقل لله وأن الطبيعة هي التي تعمل فيه، ms074 كذلك ليس للحيوان شعور وعاطفة؛ لأن ~~العاطفة ضرب من الفكر، وقد ظن ديكارت أن رأيه هذا تأيد باكتشاف وليم هارڤي للدورة ~~الدموية سنة 1628، أي حين بين هذا العالم أن الدم لا يجري في الجسم بقوة ذاتية، بل ~~إن انقباض القلب هو الذي يدفعه، فاعتقد ديكارت أن قوانين الحركة تنطبق أيضا على ~~الجسم الحي، وأن في الاعصاب «أرواحا حيوانية» هي أدق أجزاء الدم وأسرعها حركة، ~~بحركاتها تفسر جميع الأفعال الحيوانية الجسمية، ومثل هذه الأفعال مثل حركاتنا اللا ~~إرادية، كمد اليدين إلى أمام في حركة السقوط، فإنها حادثة عن تحرك الأرواح ~~الحيوانية بتأثيرات غير مشعور بها، فإذا كان الحمل يهرب عند رؤية الذئب، فلذلك لأن ~~الأشعة الضوئية الصادرة عن جسم الذئب إلى عين الحمل تحرك عضلاته بوساطة تيارات ~~الأرواح الحيوانية، ويمكن تفسير عودة السنونو في الربيع كما نفسر دق الساعة في ~~فترات راتبة؛ وإذن فجميع الأجسام آلات دقيقة الأجزاء كثيرة التعقيد عجيبة الصنع، ~~ولكنها آلات على كل حال تعمل بالحركة فحسب، والعالم في مجموعه آلة كبرى أو علم ~~الميكانيكا متحقق بالفعل، ولئن فاته بهاء الألوان ونغم الأصوات وشذى الروائح وكل ~~ذلك الجمال الذي تتوهمه فيه الفلسفة الناسجة على منوال أرسطو والذوق العام، فقد ~~استعاض عنه معقولية طالما نشدتها تلك الفلسفة فأعياها البلوغ إليها، إذ قد أضحت ~~الأجسام شبيهة بالأشكال الهندسية معقولة كلها دون غموض ولا خفاء # 6 # ولكنها لم تصبح كذلك إلا بإرادة الفيلسوف الذي أفرغها مما فيها من قوة ~~وحياة، وردها أشكالا جوفاء. ~~(7) النفس والجسم # بقي على ديكارت، وقد استعاد يقينه بوجود الأجسام بما فيها جسمه، أن يخطو خطوة ~~أخيرة ويفحص على طبيعته هو، إنه مؤلف من نفس وجسم، أي من جوهرين متمايزين متضادين: ~~النفس روح بسيط مفكر، والجسم امتداد قابل للقسمة، ليس في مفهوم الجسم شيء مما يخص ~~النفس، وليس في مفهوم النفس شيء مما يخص الجسم، وقد أشك في وجود جسمي وسائر ~~الأجسام دون أن يتأثر بهذا الشك وجود فكري ونفسي؛ لذا لا يأتي العلم بالجسم إلا في ~~هذا ms075 الموضع كما يقتضي المنهج، وإن كان النفس والجسم في واقع الأمر متضامنين يؤلفان ~~موجودا واحدا، فإن المنهج يقضي بأن تتسلسل الأفكار بنظام «إلى حد أن نفترض نظاما ~~بين الموضوعات التي لا تتالى بالطبع»، وإن المبدأ التصوري يقضي بأن نذهب من أفكارنا ~~إلى موضوعاتها بحيث لا يمكن أن تختلف الموضوعات عن الأفكار ولا أن يوجد في الواقع ~~نفس وجسم يختلفان عن تصورنا للنفس والجسم، ومن أين جاء ديكارت بتعريف النفس والجسم؟ ~~إنه يضع التعريف من عند نفسه، لا من ملاحظة الكائنات الحية، ولا يريد أن يعلم أن ~~الجسم، وإن كان عديم القدرة على التفكير، فقد يكون شرطا للتفكير، ومن ثمة قد يكون ~~متصلا بالنفس ضربا من الاتصال أوثق من الذي يرضى به الفيلسوف الأفلاطوني، وقد ~~اعتقد ديكارت أنه بهذا الفصل التام بين النفس والجسم أسقط المادية وأقام ~~الميتافيزيقا، ولكن هذا الفصل الذي ينكر النفس على الحيوان ويجعل من البيولوجيا ~~فرعا من الميكانيكا، قد يؤدي إلى إنكار النفس على الإنسان ورد التعقل إلى الإحساس ~~المشاهد في الحيوان، فتسقط الروحانية، وتسقط الميتافيزيقا من حيث إنها لا تقوم على ~~الحس بل على العقل، وسنرى كثيرين من الفلاسفة يستخرجون هاتين النتيجتين، ويردون على ~~ديكارت بنفس أقواله. # بيد أن ديكارت يستدرك فيقول: إن طبيعتي تعلمني أني لست حالا في جسمي حلول ~~النوتي في السفينة، ولكني متحد به اتحادا جوهريا يكون كلا واحدا، بحيث لو جرح ~~جسمي فلست أقتصر على إدراك الجرح بالعقل، ولكني أنبه إليه بالألم، فالألم والجوع ~~والعطش وسائر الانفعالات لا تنال النفس بما هي كذلك، وإنما هي ناشئة من اتحاد النفس ~~والجسم واختلاطهما، ويقال مثل هذا عن المعرفة الحسية والحركات المنعكسة والأحلام ~~والتخيل والتذكر، # 7 # عجبا! يستعير ديكارت ألفاظ أرسطو الذي ينكر على أفلاطون أن تكون النفس ~~في الجسم «كالنوتي في السفينة» والذي يؤكد اتحاد النفس والجسم «اتحادا جوهريا» ~~فكيف يفسر ديكارت هذا الاتحاد؟ الواقع أنه يذعن هنا مكرها لشهادة الوجدان وأن ~~مذهبه ثنائي لا يطيق الوحدة بحال، في مواضع كثيرة يتكلم عن النفس ms076 والجسم كأن ~~النفس حالة في الجسم مجرد حلول، وهو يعين لها فيه مكانا ممتازا هو الغدة ~~الصنوبرية «حيث تقوم النفس بوظائفها بنوع أخص منها في سائر الأجزاء، وتنتشر قوتها ~~في الجسم كله»، وإنما وضعها في هذا الجزء من الدماغ لأنه رأى فيه المكان الملائم ~~لقبول الحركة وتوجيهها، أي في وسط هذا الجزء من الدماغ وفوق القناة التي تمر منها ~~الأرواح الحيوانية من تجاويف مقدم الدماغ إلى تجاويف مؤخره، فكلما أرادت النفس ~~شيئا «حركت الغدة المتحدة بها الحركة اللازمة لإحداث الفعل المتعلق بتلك الإرادة»، ~~أما الجسم فيؤثر في النفس بأن يبلغ إليها الحركات الواقعة عليه والحادثة فيه ~~فتترجمها هي ألوانا وأصواتا وروائح وطعوما ورغبات ولذات وآلاما، ولا ندري ~~كيف تتم هذه الترجمة، ولم تحس النفس الجوع والعطش، وتحس ألما من جرح، بدل أن تدرك ~~مجرد إدراك أن بالجسم جرحا وأن به حاجة إلى الطعام والشراب، وماذا يصير بمبدأ ~~القصور الذاتي: إن النفس روح فلا تنالها الحركة، وعلى ذلك فالحركة الجسمية حركة ~~فانية، فإذا سلمنا أن النفس تحرك الغدة الصنوبرية، قلنا بحركة جديدة غير ناشئة من ~~حركة سابقة، ومبدأ القصور الذاتي يحول دون تصور الحركة تفنى أو تخلق، وقد قال ~~ديكارت ردا على اعتراض أو سؤال: إن النفس لا تخلق حركة، بل توجد الأرواح ~~الحيوانية، ولكن التوجيه أو التغيير في الاتجاه يقتضي حركة، فيخالف مبدأ القصور ~~الذاتي، على أن ديكارت يقول إنه هكذا رتبت الأمور لخير الإنسان وحفظ كيانه، أي هكذا ~~رتبها الله، فيعود ديكارت إلى الله مرة أخرى للخروج من مأزقه، كما كان التراجيديون ~~اليونان يقحمون الآلهة في المواقف الحرجة، وتلك هي الكلمة الأخيرة في المشكلة؛ إذ ~~يستحيل تصور اتحاد حقيقي بين جوهرين تامين، وتصور تفاعل حقيقي بين جوهرين متضادين. # ولديكارت كلمة أبلغ دلالة على هذه الاستحالة، ألحت عليه الأميرة إليزابث أن ~~ينجدها بالتعليل الشافي، فأفاض في القول دون أن يأتي بشيء جديد، بل إن هذه الإفاضة ~~تنم عن حيرة شديدة، وانتهى بالاعتراف بأن المسألة لا تحتمل حلا عقليا، قال: ~~«تعلم ms077 النفس بالعقل، ويعلم الجسم بالعقل كذلك، ولكنه يعلم أحسن بكثير بالعقل تعاونه ~~المخيلة، أما اتحاد النفس والجسم، فلا يعلم إلا علما غامضا بالعقل والمخيلة، ~~ويعلم علما واضحا بالحواس، وهو أمر محسوس لا يشك فيه عامة الناس، ويستطيع ~~الفلاسفة أن يدركوه إذا هم كفوا عن التعقل والتحليل وتركوا أنفسهم للحياة وللأحاديث ~~الجارية»، وأردف ذلك بقوله: «لا يلوح أن باستطاعة العقل الإنساني أن يتصور بجلاء ~~وفي نفس الوقت تمايز النفس والجسم واتحادهما؛ إذ أن ذلك يقتضي تصورهما شيئا واحدا ~~وشيئين، وهذا تناقض». وهذا إقرار صريح بالعجز والفشل؛ لذلك نرى نظرية ديكارت في ~~النفس والجسم خير نظرياته بيانا لما يميز مذهبه من تركيب صناعي، إنها ضعيفة إلى حد ~~التناقض بإقرار الفيلسوف نفسه، وعندها يتحطم المنهج الجديد في يد صاحبه، وإن في هذا ~~الإخفاق لعبرة، فهو يدلنا على عاقبة قلب نظام المعرفة الإنسانية ومحاولة إخضاع ~~الوجود لمنهج يفرض عليه فرضا، بدل إخضاع الفكر للوجود، إن الوجود أصلب من أن يلين ~~للنظريات، و هو لا يلبث أن يثأر لنفسه منها ويبين تهافتها، أليس غريبا أن نسمع ~~ديكارت «العقلي» المعتد بالعقل إلى غير حد، يدعونا إلى اطراح العقل والاسترسال ~~مع الحياة وأحاديث الناس في مسألة هي من الأهمية الفلسفية بأعظم مكان؟ وهل هناك ثأر ~~أبلغ من هذا؟ وإذا ذكرنا إن كپلر وجليليو ثم نيوتن من بعدهما اكتشفوا بالتجربة ~~قوانين مضبوطة، فكانت تسمح لهم بتوقع الظواهر وتقودهم إلى مكتشفات جديدة، بينما ~~القوانين (غير الصحيحة) التي فرضها ديكارت على الطبيعة لم تكن تفسر الأشياء إلا ~~تفسيرا إجماليا، ولا تسمح بأي توقع، إذا ذكرنا ذلك كان لنا منه مثال آخر على ثأر ~~الطبيعة من المتجبرين عليها وسخريتها منهم. ~~(8) تعقيب على المذهب # نستطيع الآن أن نرى أن العلم الطبيعي الرياضي مفتاح المذهب، كما أن الشك في ~~ضرورة الحقيقة مفتاح المنهج (35ج). تقدم لنا الرياضيات المثل الأعلى للعلم، ذلك ~~العلم «اللمي» الذي ينزل من المبادئ إلى النتائج فيبين علة النتائج في مبادئها ~~ويرضي العقل تمام الرضا، كان أفلاطون يصبو إلى هذه ms078 الغاية ويحاول تحقيقها، وكان ~~أرسطو يعتبرها كذلك الغاية القصوى، ولكنه فطن إلى أن العلم الطبيعي نوع آخر من ~~العلم، هو العلم «الأني» المكتسب بالاستقراء، يأتي في المرتبة الثانية لأنه يقتصر ~~على القول بأن الشيء كذا دون بيان العلة في أكثر الأحيان، ولكنه العلم الملائم ~~لطبيعة معرفتنا التي تبدأ بالمحسوس وتتأدى منه إلى المعقول، ولم يوفق ديكارت إلى ~~مثل اتزان أرسطو وتواضعه، فقد غلا في طلبه المعقولية وأراد أن يكون علمنا كله ~~لميا أو لا يكون أصلا، فأحال العلم الطبيعي علما رياضيا بحتا، وذهب في ذلك ~~إلى حد افتراض قوانين كان يعلم عدم مطابقتها للواقع، ولكنه افترضها «لكي يمكن أن ~~تقع الأشياء تحت الفحص الرياضي»، والرياضيات لا تنظر في غير الأعداد والأشكال، فمتى ~~رددنا العلم الطبيعي إلى الرياضي، رددنا الاجسام الطبيعية إلى أشكال هندسية، ورددنا ~~أفعالها إلى حركات آلية تقاس ويعبر عنها بأعداد، سواء في ذلك الأفعال الحيوية ~~والأفعال الجمادية على ما بين الطائفتين من تباين، فيلزم عن ذلك أن الإحساس ذاتي، ~~وأن لا شبه بينه وبين علته الخارجية. # يضاف إلى ما تقدم أن تصور الأجسام الخارجية آلات، أي مركبات صناعية خلوا من كل ~~طبيعة أو ماهية، يحملنا على استبعاد المنطق القديم القائم على أن الموجودات طبائع ~~وماهيات لها خواص وأعراض، فلا يبقى هناك مجال لتحليل الأشياء إلى أجناس أنواع، ~~وإنما تحل إلى أجزاء حقيقية كأجزاء الآلة، فلا نقول «الإنسان حيوان ناطق» بل نقول ~~«الإنسان نفس وجسم»، وديكارت يستبعد بالفعل الحكم الأرسطوطالي (وهو إسناد محمول إلى ~~موضوع، أو وصف شيء بشيء) ويستعيض عنه بمعنى آخر للحكم هو أنه اعتقاد الإرادة بوجود ~~خارجي لموضوع فكرة ما، وإن من ينعم النظر في «قواعد تدبير العقل» يرى في ديكارت ~~واحدا من الاسميين، أولئك الفلاسفة الحسيين الذين ظهروا في القرن الرابع عشر وكانوا ~~أول الخارجين عن الفلسفة الأرسطوطالية، فإن ديكارت يعتبر المعاني الكلية أسماء ~~جوفاء، ويستعيض عنها بما يسميه الطبائع البسيطة، ويستعيض عن منطق أرسطو بمنهج ~~الرياضيين، ويلزم من ذلك (كما تنبه إليه الحسيون، القدماء ms079 منهم والمحدثون) أن ليس ~~هناك حقائق ضرورية، فينشأ لدينا سبب آخر للشك في العقل شكا حقيقيا لا منهجيا، ~~ويمكن أن نقول إن الفلسفة الحديثة كلها اسمية مثل ديكارت. # بهذا المذاهب أحدث ديكارت انقلابا خطيرا في عالم الفكر، فأولا قد غير نظر ~~العقل لطبيعته، كان القدماء يعتقدون أن العقل يدرك الوجود، فأصبح العقل منعزلا في ~~نفسه، وأخذ الفلاسفة من بعده بهذه التصويرية، فأنكروا العالم الخارجي - ولم يكن ~~ديكارت قد آمن به إلا بمخالفته للمبدأ التصوري، ولم يؤمن به إلا هزيلا ضئيلا على ~~ما رأينا - وأنكروا العلية فاعلية وغائية، وأنكروا الجوهر والنفس والله، وفي الحق ~~إذا كنا لا ندرك سوى تصوراتنا، فلا سبيل إلى تجاوزها وهذا الفصل بين الكفر والوجود ~~استتبع الفصل بين العلم الواقعي والفلسفة، فعاد العلم لا يعرف له موضوعا غير ~~الامتداد والحركة، وحصرت الفلسفة دائرتها في الفكر فأصبحت تأليفا ذاتيا أو نوعا ~~من الفن، وانقسم المفكرون طائفتين: واحدة تأخذ بالعلم فترد الفكرة إلى حركة مادية، ~~وأخرى تنحاز إلى الفلسفة فترده المادة والحركة إلى الفكر، وما تزال هذه الثنائية ~~والمشكلات الناجمة عنها قائمة إلى اليوم. # وغير ديكارت معنى الوضوح والمعقولية، فأصبح العقل المنعزل في ذاته القانون الأكبر ~~والأوحد «لا يسلم شيئا إلا أن يعلم أنه حق» أي إلا أن يعقله هو، ويركبه بأفكار ~~واضحة هي في الواقع أفكار سهلة، فإن استعصى عليه شيء أنكره، وقد رأينا ديكارت يذهب ~~من الفكر إلى الوجود، ويتصور الأشياء على مثال أفكاره، ويمحو منها القوة والحياة ~~اكتفاء بالحركة الآلية، فكان ديكارت أول من حرر العقل من سلطان الوجود، وأعلن أن ~~الفكر يكفي نفسه بنفسه ولا يخضع لشيء سواه، فقلب الوضع الطبيعي بالذي يجعل العقل ~~الإنساني تابعا للوجود ومحتاجا إلى التعلم من السلف، وأقام «الفردية» على أساس ~~فلسفي بعد أن كانت مجرد عصيان وتمرد، تلك الفردية التي تحمل الشخص على أن يظن نفسه ~~أهلا للحكم على الأشياء بنفسه، كأن ليس هناك عقول غير عقله، فتورث الفوضى العقلية، ~~وعلى أن يجعل من نفسه مركزا تدور حوله الأسرة ms080 والمجتمع، فتورث الفوضى الخلقية ~~والاجتماعية، وقد كان العصر يضطرب بهذه الفردية التي تنفر من كل سلطان في العلم ~~والفلسفة والدين، وبالعلم الآلي الذي يرمي إلى السيطرة على الطبيعة وتسخيرها لتحقيق ~~سعادة الإنسان على وجه الأرض، وكان يلتمس طريقه إلى توضيح هاتين النزعتين ~~وتسويغهما، فلما جاء ديكارت أحسهما إحساسا عميقا، وساهم في العلم مساهمة خصبة، ~~ووضع فلسفة تؤيده وتحميه، وترفع الفردية من مستوى العاطفة والإرادة الغامضة إلى ~~مستوى الحق والقانون، فوضع دستور الفكر الحديث، واستحق أن يدعى أبا الفلسفة ~~الحديثة. ~~(9) ذيوع فلسفة ديكارت # في حياة ديكارت انتشرت فلسفته في أوربا بأسرها، وأضحت بعد مماته معينا يستقي منه ~~الأنصار وهدفا يرميه الخصوم، ففي فرنسا كانت الصالونات تتندر ببعض نظرياتها ~~وتعابيرها، حتى إن موليير تناولها على المسرح، بينما كان اللاهوتيون الأرسطوطاليون ~~في الجامعة وخارجها ينددون بها ويحضون السلطة المدنية على تحريمها، وكان ~~الأوغسطينيون يناصرونها ويحملون على أرسطو، وفي هولندا كان النزاع عنيفا، وقام من ~~بين الأساتذة البروتستانت نفر يعارضها ويرى فيها خطرا على الدين، وفي ألمانيا ~~وإيطاليا ظهرت كتب تعرضها وتحبذها. # من بين المذكورين من مخالفيها بيير جساندي (1592-1655) وهو قسيس فرنسي علم ~~الفلسفة والرياضيات، واشتغل بالطبيعيات والفلك، وكان معجبا بجليليو متأثرا به، ~~نشر في شبابه نقدا شديدا للفلسفة المدرسية، واصطنع مذهب أبيقور أخذا عن لوكريس، ~~وكان أحد الذين عرضت عليهم «تأملات» ديكارت، فدون عليها الاعتراضات، لما كان حسيا ~~في مسألة المعرفة، جريا مع أبيقور، فقد عارض نظرية ديكارت في المعاني الفطرية، ~~وبخاصة معنى الله، قائلا إن الله لا يعقله عقل مقصور على الصور الحسية، وعارض ~~ديكارت في إنكاره الجوهر الفرد، فقال إن القسمة إلى غير نهاية ممكنة من الوجهة ~~الرياضية، غير ممكنة من الوجهة الطبيعية، فلقسمة المادة حد معين لا تتجاوزه، ~~والجواهر يفصل بينها خلاء، وإلا استحالت الحركة، وعارض ديكارت في تفاصيل العلم ~~الطبيعي، أي في تفسيراته للظواهر، ولكنه لم يمض مع أبيقور إلى نتائجه الأخيرة بل ~~أضاف إلى مذهبه المادي مذهبا روحيا يقول بالله والنفس الناطقة، ويستثنيهما من ~~المبدأ القائل إن ms081 جميع العلل مادية: ذلك بأن نظام العالم يمنع من الاعتقاد بأنه ~~وليد حركات اتفاقية، وأن الأخلاق والدين تقضي بأن يوجد في الإنسان نفس لا جسمية ~~عاقلة حرة. # نشر هذا الفصل أولا في مجلة المقتطف (1937) بمناسبة احتفال فرنسا، واحتفال ~~المعاهد العلمية في أنحاء العالم، بانقضاء ثلاثة قرون علي نشر ديكارت كتابة ~~الشهير «مقال في المنهج» وأثبتناه هنا مع بعض تنقيح وزيادة. # مقال فى المنهج، القسم الثالث، مبادئ للفلسفة، القسم الأول، فقرة 3. # انظر طبعه برنشفيج الصغرى، ص 192-193. # قيل «مثالية» في ترجمة «إيديالزم»: وقد رأينا أن نقصر لفظ «مثالية» علي ~~النسبة إلى نظرية أفلاطون في المثل والنسبة إلى المثل الأعلى، وأن نقول ~~«تصورية» للدلالة على المذهب الذي عرفناه فوق، والإفرنج إذ يستعملون لفظا ~~واحدا هو «إيديالزم» يضطرون إلى تعيينه بقولهم # idobjectif # دلالة على النظرية ~~الأفلاطونية و # idsubjectif # دلالة على المعنى ~~الآخر. ~~«مبادئ الفلسفة» القسم الثاني: فقرات 21، 22، وما بعدها. ~~«مقال في المنهج» القسم الخامس، و«مبادئ الفلسفة». # كتاب «انفعالات النفس» فقرات 12، 13، 24، 27، 42. # الفصل الرابع # بليز بسكال # 1623-1662 ~~(1) حياته ومصنفاته # عالم عبقري ومفكر عميق وكاتب مجيد، ولئن لم يكن فيلسوفا بالمعنى الاصطلاحي فقد ~~خلف أثرا حقيقا بالذكر ترامى فعله إلى أيامنا وسيظل فعالا بلا ريب، ولد في ~~كليرمون (من أعمال فرنسا) وما إن أمكن التحدث إليه حتى بدت منه أمارات ذكاء خارق، ~~وكان والده واسع الثقافة ضليعا في الرياضيات، وأخذ على نفسه أن يكون معلمه الأوحد ~~ولم يدخله مدرسة، وكان مبدؤه في تعليمه ألا يلقنه شيئا إلا بعد أن يبين له فائدته، ~~ثم أن يلقنه ما يفوق طاقته حتى يفحص بنفسه ويدرك بنفسه، فأعكفه على الفرنسية ~~واللاتينية واليونانية، وتروي أخته المترجمة لحياته أنه فيما هما في ذلك، والصبي ما ~~يزال في الثانية عشرة، وجد من تلقاء نفسه الأشكال الهندسية، ثم وجد المبادئ، ثم ركب ~~الأدلة حتى بلغ القضية الثانية والثلاثين من الكتاب الأول لإقليدس، فذهل والده وبكى ~~فرحا وأعطاه كتاب إقليدس فقرأه وحدة، وفي رواية أخرى أقرب إلى التصديق أنه قرأ ~~إقليدس خفية في ساعات معدودات، ms082 على أن نبوغه كان قد ظهر واضحا قبل ذلك بسنة، إذ ~~لحظ ذات مرة أن طبقا من الخزف إذا ضرب بسكين خرج منه صوت عال ينقطع بوضع اليد على ~~الطبق، فما زال يكرر التجربة حتى وقف على السبب، ووضع رسالة في الأصوات كانت أول ~~مؤلفاته. # وأخذ يحضر المجالس التي كان يعقدها حينذاك علماء باريس كل أسبوع قبل إنشاء ~~أكاديمية العلوم، وكان يساهم في المناقشات ويعرض مسائل جديدة، وفي السادسة عشرة دون ~~رسالة في المخروطات جاز فيها ما كان قد وصل إليه أحدهم، فأعجبوا به، إلا ديكارت فقد ~~تصنع عدم المبالاة، وهو في الثامنة عشرة عين والده جابيا للضرائب، فرآه يعاني ~~مشقة في حسابها، فنبتت لديه فكرة صنع آلة حاسبة تغني عن القلم وعن كل قاعدة حسابية، ~~فشرع يبحث ويجرب، وطالت تجاربه عشر سنين صنع خلالها خمسين نموذجا أو تزيد، حتى سجل ~~اختراعه سنة 1649 وبعد ثلاث سنين وضع النموذج الأخير، فأثار إعجابا عاما. # وفي الثانية والعشرين اتجه صوب العلم الطبيعي إذ علم أن توريتشلي ملأ أنبوبة ~~زئبقا وغمسها في حوض مليء بالزئبق فنزل عمود الزئبق في الأنبوبة وترك جزءها الأعلى ~~خاليا، فاهتم بهذه التجربة جد الاهتمام، وأعادها فنجحت، وبدت دليلا على وجود ~~الخلاء، ولم يقنع بذلك وتخيل تجارب منوعة، فاستخدم سوائل مختلفة (الماء والزيت ~~والنبيذ) وآلات مختلفة (المواسير والرشاشات والمنافخ والسيفونات) وميولا مختلفة ~~على الأفق نوفي النهاية اعتقد أنه دلل على وجود الخلاء المطلق ضد أرسطو وديكارت، ~~واعترض معترض، فرد عليه وضمن رده أقوالا صريحة قوية في شروط المعرفة العلمية ~~وقواعد المنهج القويم، إنه يأبى أن يؤمن بغير التجربة؛ لذا هو يؤمن بالخلاء البادي ~~للحواس، ويسخر من قول القائلين إن الطبيعة تنفر من الخلاء، ويسخر من المادة اللطيفة ~~التي يملئون بها الخلاء والتي لا تبصر ولا تلمس، وكان توريتشلي قد افترض أن ضغط ~~الهواء على سطح الحوض هو الذي يستبقي الزئبق معلقا في الأنبوبة، فأجرى بسكال ~~التجارب سنة 1648 في سفح جبل وفي قمته، في برج كنيسة وفي منزل خاص، ms083 فكانت النتيجة ~~أن الزئبق ينخفض بنسبة الارتفاع لأن ضغط الهواء أخف في أعلى منه في أسفل، ثم ربط ~~قوانين توازن السوائل بمبادئ الميكانيكا العامة، فمنهجه المضي من التجربة إلى ~~النظرية، بخلاف ديكارت. # وحوالي ذلك الوقت اتجه اتجاها آخر إذ اتصل بقساوسة علماء وقرأ كتبا دينية، ~~فأدرك إدراكا قويا أن المسيحية تقتضينا أن نحيا لله وحده، أجل أنه كان قد نشأ ~~على التمسك بالفضيلة واحترام العقيدة، كان والده يقول إن العقيدة موضوع إيمان فلا ~~تبحث بالعقل، وكان هذا القول عاصما له من الشك، وفي نفس الوقت صارفا عن علم ~~اللاهوت، وهذا موقف سيكون له أثره في مذهبه، فوجه همه إلى بلوغ كمال الفضائل ~~المسيحية، حتى أثر في والده نفسه، وفي إحدى أختيه فدخلت الدير، غير أن مجهوداته ~~البالغة كانت قد نالت من صحته منذ الثامنة عشرة، وازدادت صحته سوءا فيما بعد ~~وانتابته أوجاع لأزمته طول حياته تشتد تارة وتخف أخرى، فأشار عليه الأطباء باللهو ~~وترك التفكير، فأخذ يغشى المجالس، واتصل بنفر من المتعاملين الزنادقة، وقرأ ~~أبكتاتوس، وقرأ مونتني، فكان لكل ذلك أثر في مذهبه، وفطنت أخته الراهبة إلى ما في ~~هذه الحياة الجديدة من خطر على فضيلته ودينه، وأقنعته بالإقلاع عنها واعتزال ~~العالم، وكان حينذاك في الثلاثين، وبعد سنين لجأ إلى دير «بور روايال» وعاش فيه إلى ~~مماته يعاني آلام المرض بصبر وتسليم، ويستأنف العمل العلمي كلما استطاعه، وإلى ذلك ~~العهد يرجع جمعه «لخواطره» في الدعوة إلى الدين، وهو أشهر كتبه، وهو كتاب خالد ~~حقا، وإلى ذلك العهد ترجع أبدع مكتشفاته الرياضية، فقد أسس حساب النهايات: حساب ~~التكامل وحساب الاحتمالات، ونظريات أخرى، أهمها نظرية «الروليت»، وقد دعا العلماء ~~إلى المسابقة فيها «باسم مستعار» وعين جائزة مالية للفائز، فتنافس كثيرون، ولكن ~~أحدا لم يوفق إلى الحلول المطلوبة، فأعلن هو حلوله، فكانت موضع الإعجاب العام. ~~(2) منهجه # رأيناه يؤثر التجربة على الاستدلال، فيؤمن بالخلاء البادئ للحواس وينكر على أرسطو ~~وديكارت استدلالهما على امتناعه؛ فهو إذن لا يرى أن تحل المسائل الطبيعية باستنباط ~~نتائج من ms084 مبادئ، بل بالتجربة، فلا يعتقد - خلافا لديكارت - بمنهج واحد يطبق على ~~جميع الموضوعات، بل يذهب إلى أن لكل موضوع منهجا ينبغي ابتكاره؛ وذلك لأن مقتنع ~~بتنوع الطبيعة إلى جانب خضوعها لقوانين عامة، فيسلم بوجوب «القول بالإجمال أن ~~الاشياء تعمل بالشكل والحركة لأن هذا حق، أما تعيين الأشكال والحركات، وتركيب آلة ~~العالم، فمضحك لأنه عديم الجدوى وموضع ريب وعسير» (خاطرة 79). # وحين يقول إن المبادئ حق، يعني أننا نحسها ونسلمها، لا أننا نتعقلها ونبرهن ~~عليها، إنه يرى أنه كمال الطريقة الهندسية يقوم بحد كل شيء والبرهنة على كل شيء، ~~وأن هذا عمل لا ينتهي، فنقف عند أوليات لا تحد ولا تبرهن، ولكن هذه الأوليات ليست ~~طبيعية، فإن الطبيعة تتغير باستمرار، «وليس هناك من مبدأ، مهما يكن طبيعيا ~~مألوفا منذ الطفولة، إلا ويمكن القول إنه أثر خاطئ للتعليم أو للحواس»، و«ما ~~مبادئنا الطبيعية إلا مبادئ مألوفة بالعادة تختلف باختلافها، العادة طبيعة ثانية ~~تمحو الأولى ... وإني لأخشى ألا تكون الطبيعة نفسها إلا عادة أولى»، هنا نرى قارئ ~~مونتني قد تأثر به وأذعن له غير أنه على كل حال يضيف المبادئ والمعارف التي من ~~قبيلها إلى «القلب»: «القلب يحس أن للمكان أبعادا ثلاثة، وأن الأعداد لا متناهية، ~~وسائر المبادئ الهندسية، والقلب يحس الله، فيتغلب على الشك» (خاطرة 278). # أما العقل فهو قوة استدلالية تستنبط النتائج من المقدمات الآتية من القلب ~~والإرادة؛ لذا كان العقل قابلا لأن يميل إلى كل جانب، ونحن نرى الناس كثيرا ما لا ~~يؤمنون إلا بما يحبون، فالقلب والعقل متباينان: «عبثا يحاول العقل زعزعة المبادئ ~~بالاستدلال، فإنها خارجة عن دائرته ولا شأن له فيها، من المضحك أن يطلب العقل إلى ~~القلب الأدلة على مبادئه، كما أن من المضحك أن يطلب القلب إلى العقل الشعور ~~بالقضايا التي يستنبطها» (خاطرة 282). # وهكذا يظن بسكال أنه يخرج من الشك، ولكننا نستطيع دائما أن نقول إن شعور القلب ~~وليد العادة، والعادة متغيرة، فنعود إلى الشك، بيد أن بسكال سيحاول التفريق بين ~~مقدمات القلب السليم ومقدمات القلب الفاسد، كما ms085 سنرى. # يقابل التمييز بين العقل والقلب تمييز مشهور عن بسكال بين الروح الهندسي وروح ~~الدقة، الروح الهندسي يتناول المبادئ محصورة محدودة يدركها كل عقل متنبه ويحس ~~استخدامها بمجرد تطبيق قواعد الاستدلال، أما روح الدقة فمبادئه تكاد لا تحصى ولا ~~توضع في صيغ محدودة، فإنها موضوع شعور أكثر منها موضوع علم، وتتطلب بصبرة ثاقبة، ~~ولا نوفق إلى إشعار الغير بها إلا بعد عناء شديد، ويستخدم روح الدقة الاستدلال، ~~ولكنه استدلال إضماري طبيعي لا صناعي، وأكثر ما يكون في الأمور الإنسانية والتجارب ~~الطبيعية، «ويندر أن يكون الهندسيون دقيقين، وأن يكون الدقيقون هندسيين». ~~(3) الدعوة إلى الدين # أخذ بسكال على نفسه - وهذا رأيه في المعرفة - أن يقنع الزنادقة المستهترين بضرورة ~~اعتناق الدين، وهذا موضوع كتاب «الخواطر» وهو كتاب ملفق من القصاصات التي دونها ~~بسكال تمهيدا لكتاب منظم، ثم لم يمهله الأجل للعودة إليها وتهذيبها وتأليفها، كتاب ~~غريب ممتع بالرغم من شكله المهلهل، قد نقول بسبب هذا الشكل، وكل قطعة من قطعه آية ~~من آيات النثر الفرنسي. # لا يبدأ بسكال، ورأيه في المعرفة على ما قدمنا، بالتدليل على وجود الله، بل يدع ~~جانبا «البراهين الميتافيزيقا على وجود الله»؛ لأنها ليست من نوع البراهين ~~الهندسية، وأنها «من البعد على استدلال الناس ومن التعقيد بحيث لا تؤثر إلا قليلا، ~~وإذا أقنعت بعضهم فليس يدوم اقتناعهم إلا اللحظة التي يرون فيها البرهان، وبعد ساعة ~~يداخلهم الخوف أن يكونوا أخطئوا» (خاطرة 543). # هذه العبارة تذكرنا ببعض أقوال ديكارت، ولكنه يفصل القول فيسأل: حين يقول ~~الفلاسفة للملحدين إنه ما عليهم إلا أن يعتبروا عجائب الطبيعة حتى يروا الله رؤية، ~~هل يعتقدون أنهم يقنعونهم بمثل هذه الحجة الواهية؟ وحين يقولون مثلا إن للحقائق ~~الرياضية أساسا هو الحقيقة الأولى، هل يؤثرون في الناس؟ ليس إله المسيحيين مجرد ~~صانع الحقائق الهندسية ونظام العناصر، ذلك نصيب الوثنيين والأبيقوريين، وليس هو ~~مجرد إله معني بحياة البشر وخيراتهم، ذلك نصيب اليهود. إله المسيحيين إله محبة ~~وعزاء (556). # فالغرض الذي يرمي إليه بسكال الاستغناء عن الميتافيزيقا للرجوع إلى النفس ms086 والنظر ~~في حالة الإنسان. «اعرف نفسك»، ذلك هو المبدأ هنا كما عند سقراط، ويتألف منهجه من ~~ثلاث مراحل: في المرحلة الأولى يبين أن المسيحية وحدها تفسر الإنسان وترضي جميع ~~حاجات نفسه؛ وإذن فليست هي معارضة للعقل ولكنها مطابقة له، وفي المرحلة الثانية ~~يحببها إلى النفس حتى تميل إليها بالفعل وتعتنقها، بحيث يحمل الإنسان على طلب الله ~~بدل أن يفرض الله على الإنسان، وفي المرحلة الثالثة يبين حقيقتها، لا بالتدليل على ~~العقائد، بل بما حفظه التاريخ من شواهد محسوسة هي النبوءات والمعجزات، وقد أضحت ~~النفس مستعدة لقبولها. # ما الإنسان إذن؟ الإنسان سر أو لغز، إنه مزيج غريب من حقارة وعظمة، فمن الناحية ~~الواحدة ما هو إلا قصبة وأضعف موجود في الطبيعة، حالما يحاول الإحاطة بالطبيعة يضل ~~في لا متناهيين: اللا متناهي في الكبر واللا متناهي في الصغر وهو نفسه لا متناه في ~~الصغر بجانب الفضاء اللا متناهي وسكوته المروع، ويخرج من هذه المحاولة بأن لا نسبة ~~بينه وبين الطبيعة، وأن العلم ممتنع لامتناع الوقوف على جميع العلل والمعلولات كما ~~يريد العقل الذي يطلب معرفة الأجزاء وانتظامها في الكل، معرفة البداية والنهاية، ~~فلا يفوز إلا بشيء من الوسط، فإذا تحول عن الطبيعة ليتجه إلى نفسه، وجدها ألعوبة ~~بين أيدي قوى خداعة: فالمخيلة تشوه الأشياء، تكبر الصغير وتصغر الكبير، وتملي ~~عليه رغباتها، وتغره بسعادة زائفة زائلة، تقود عقله خفية بينما يتوهم العقل أنه هو ~~الذي يقودها، والمنفعة تعميه، والعادة تكون شخصيته كما تشاء الظروف الخارجية، ~~فماذا يبقى للإنسان إلا أن ينساق مع الاضطراب العام، فيتعامى عن نفسه وعن بطلان ~~الحياة الدنيا؟ هذا موقف حقير، ولكنه أحكم موقف إذا كانت تلك حال الإنسان، بيد أن ~~الإنسان، من الناحية الأخرى، إذا كان قصبة، فإنه قصبة مفكرة، وإذا كان العالم ~~يحتويه ويبتلعه كالنقطة، فإنه بفكرة يحتوي العالم (348). # أجل، ليس بالعالم من حاجة للتسلح كي يحطمه، يكفي لقتله شيء من البخار أو نقطة ~~ماء، ولكنه أشرف مما يقتله لأنه يعلم أنه يموت ويعلم ما للعالم من ميزة ms087 عليه، ~~والعالم لا يدري من هذا شيئا (347). # وليس يوجد التناقض في طبيعة الإنسان فحسب، ولكنه يوجد أيضا في المواقف الفلسفية ~~من اليقين: الاعتقاديون والشكاك في حرب متصلة، ولكل فريق موضع خطأ، فإننا عاجزون عن ~~البرهنة عجزا لا يقوى عليه المذهب الاعتقادي، ولدينا فكرة عن الحقيقة لا يقوى ~~عليها مذهب الشك، ويوجد التناقض أيضا في أفعال الإنسان ومحدثاته، نعتقد بوجوب ~~سيادة العدالة في الدول وبقوانين طبيعية يجب أن تحتذيها القوانين المدنية (309، ~~375)، ولكن العدالة التي وضعت بالفعل تختلف باختلاف الدول، تحرم في الواحدة ما ~~تبيحه في الأخرى: «لسنا نرى عدلا أو ظلما إلا ويختلف كيفا باختلاف الإقليم: ثلاث ~~درجات ارتفاع من القطب تقلب الفقه كله، ودرجة من درجات الطول تقرر الحق ... إنها ~~لعدالة مضحكة تلك التي يحدها نهر! الحق في هذه الجهة من البرانس، والباطل فيما ~~وراءها». # جميع النقائض ترجع إلى تناقض العظمة والحقارة: إن في الإنسان قوة طبيعية للخير ~~والحق والسعادة، غير أن هذه القوة تنصرف إلى موضوعات لا تلائمها، ولم يكن الإنسان ~~ليحس نفسه شيئا مهينا لو لم يكن يعلم أنه موجود لغايات أسمى من التي تعرض له في ~~هذه الحياة، وإذن فلن يصدق مذهب في تفسير الإنسان وتدبيره إلا أن يكون محتويا على ~~ضدين وعلى العلاقة بينهما، وكل مذهب يقتصر على وجهة واحدة، وكل مذهب يدرك تضاد ~~طبيعتنا ويدع الضدين متجاورين، ليس مذهب حق وحياة، لقد عرف أبكتانوس أن الإنسان ~~عظيم بالفكر، وعرف واجبات الإنسان إذ طلب إليه أن يعتبر الله خيره الأعظم، وأن يخضع ~~للعناية الإلهية دون تذمر، ولكنه والرواقيين جميعا أضافوا إليه القدرة على توجيه ~~أفكاره بنفسه والحصول بذلك على جميع الفضائل، فجهلوا ضعف الإنسان وأعلنوا مبادئ ~~كبرياء شيطاني، وجاء مذهبهم عقيما لأنهم يخاطبون إنسانا موهوما يفترضون له ~~السيطرة التامة على نفسه، وراح مونتني يفحص عما يستطيعه العقل دون نور الإيمان، ~~فحكم على العقل بالشك، وجهل عظمة الإنسان، وبدا كأنه يحله من كل واجب، # 1 # الأول عرف عظمه الإنسان وجهل عجزه، والثاني عرف ضعف الإنسان وجهل شعوره ms088 ~~بالواجب. # وليس يعطينا الجمع بينهما مذهبا كاملا، مما قد يلوح، إن حكماء هذا العالم يضعون ~~الأضداد في موضوع واحد بعينه هو الطبيعة الإنسانية، فيراها البعض عظيمة، ويراها ~~البعض الآخر حقيرة، بينما يعلمنا الدين أن الحقارة راجعة إلى الطبيعة، وأن الفضيلة ~~راجعة إلى النعمة الإلهية، لقد فات أبكتاتوس ومونتني جميعا أن حال الإنسان الراهن ~~يختلف عن حاله وقت الخلق، ولم يعتبرا عواقب سقطة آدم وضرورة المخلص لإصلاح الحال، ~~وهكذا يحطم أحدهما الآخر ليهيئا محلا للإنجيل الذي يوفق بين الأضداد بفن إلهي لم ~~يكن ليصدر إلا عن الله، فيعلن إلينا أن عظمة الإنسان آتية من أصله الإلهي، من أنه ~~صنع الله، وأن شقاءه آت من خطيئة آدم التي أفسدت الطبيعة، هاتان الحالتان ~~المتعاقبتان، حالة الخلق وحالة الخطيئة، تفسران الوجهتين المتلازمتين اللتين كشف ~~عنهما التحليل. # وليس يمكن أن يظل الكافر عديم المبالاة بمصيره، «إن خلود النفس من الأهمية بحيث ~~لا يظل عدم المبالاة بالإضافة إليه إلا من فقد كل شعور، إن أفعالنا وأفكارنا تتخذ ~~سبلا مختلفة حسبما كان هناك خيرات أبدية ترجى أو لم يكن، فالذين يمكن تسميتهم ~~عقلاء طائفتان: طائفة يعبدون الله بكل قلبهم لأنهم يعرفونه، وطائفة يطلبونه من كل ~~قلبهم لأنهم لا يعرفونه» (خاطرة 194). فإعراض الكافر عن التفكير في شقائه وحقارته ~~لن يغير شيئا من حاله، فإن الإنسان مائت حتما، فإذا لفتنا نظره إلى الموت فإنما ~~نلفت نظره إلى نفسه وإلى منفعته الكبرى، هذا ما ينبغي أن يفهمه قبل كل شيء، وهذا ما ~~ينبغي أن نعاونه على فهمه لنوجهه من باطن نحو الدين، فيبدو له الدين حقا لأن ~~الدين يعرف شقاءه، ويبدو له مستحبا لأنه يعده بالعلاج، فلنذكر الملحد بالموت ~~وبالأبدية ماذا لديه من القول عنهما؟ هل يقول إنه لا يبالي؟ أليس منتهى الحماقة، ~~ونحن نعنى أكبر العناية بصغائر الأمور، ألا نثير المسألة الكبرى التي يتوقف عليها ~~النعيم الأبدي أو الشقاء الأبدي؟ # هل يقول إن العقل يثبت أن الدين غير مفهوم؟ فليكن ولكن كيف نستنتج من هذا أن ~~الدين ليس حقا؟ ms089 لنفرض الغموض متساويا من جهة إثبات الدين ومن جهة نفيه، يبقى أن ~~الاختيار بينهما واجب، ولنلاحظ أن عدم الاختيار هو في الحقيقة اختيار ضمني للنفي، ~~من حيث إننا حينئذ نحيا كما لو لم يكن الله موجودا ولم تكن النفس خالدة، وهو ~~اختيار الجهة الأشد خطرا، من حيث إنه استهداف للعذاب الأبدي، أما إذا راهنا على ~~حقيقة الدين فإننا نلتزم بحدوده وتكاليفه، ونفقد الحق في العيش على ما نشتهي، ~~ولكنا نربح حظ الحصول على النعيم الأبدي، فنضحي بالخيرات المتناهية في سبيل الخير ~~اللا متناهي، وحتى لو افترضنا أن الحظ ضئيل جدا في جانب وجود الله، فإن الحظ في ~~جانب صدق القول المعارض لا يمكن أن يكون إلا متناهيا، فالنتيجة واضحة: «حيثما يكن ~~اللا متناهي ولا يكون هناك حظوظ لا متناهية للخسارة في مقابل حظ الربح، فليس من ~~سبيل للتردد، يجب بذل كل شيء» (233). # وحتى لو قدرنا خيبة الأمل في الحياة الآجلة، فليس لنا أن نأسف على شيء - وهذا ما ~~يعطي حجة الرهان قوتها الظافرة - فإن المسيحي أحسن حالا من الكافر وأسعد في هذه ~~الحياة العاجلة، إنه أمين صالح متواضع عارف للجميل محسن صديق وفي، فإذا رجعنا إلى ~~منفعتنا الحقة فحسب، وجب علينا أن نتمنى أن يكون الدين حقا (233) فإذا كسبنا ~~كسبنا كل شيء، وإذا خسرنا لم نخسر شيئا. # ذلك هو المذهب، فيه شيء من منهج القديس أوغسطين، وبينه وبين منهج ديكارت شبه قوي، ~~عند ديكارت نجد مونتني من جهة والعلم من جهة أخرى، فيمضي المنهج من الشك إلى ~~اليقين، وعند بسكال نجد مونتني من جهة والدين من جهة أخرى، فيمضي المنهج من القلق ~~إلى الإيمان، ويقول اللاهوتيون إن دلائل الوحي هي الدلائل الوحيدة على العقائد ~~الدينية الفائقة للطبيعة، وأن النعمة الإلهية هي الوسيلة الوحيدة للإيمان، فمد ~~بسكال هذا القول إلى الحقائق العقلية الطبيعية، مثل وجود الله وخلود النفس، وأراد ~~أن يكون التدليل، في العلم الطبيعي وفي مصير الإنسان على السواء، بالتجربة (الظاهرة ~~والباطنة) لا بالاستدلال العقلي، فشق طريقا سيلجه كثيرون من ms090 بعده: أشهرهم كنط الذي ~~يقدم العقل العملي على العقل النظري، وأصحاب الپراجماتزم على اختلافهم الذين ~~يمتحنون القضايا الميتافيزيقية بفائدتها العملية، والسبب واحد عندهم جميعا: هو ~~الشك في العقل، وإرادة تجاوز الحس مع ذلك، وقد أعطانا بسكال نظرة المسيحية إلى ~~الوجود في هذه العبارة الجامعة التي تلخص مذهبه أحسن تلخيص حيث قال «جميع الأجسام، ~~السماء والنجوم، الأرض وكمالها، لا تساوي أدنى الأرواح، إذ أنه يعلم كل هذا ويعلم ~~ذاته، وليست تعلم الأجسام شيئا، الأجسام جميعا والأرواح جميعا وجميع محدثاتها لا ~~تساوي أدني حركة من حركات المحبة، فإن هذا يرجع إلى مرتبة أعلى بما لا نهاية» (793) ~~تلك هي «المراتب الثلاث» التي أذاعتها عبارته هذه: الجسم والروح ومحبة الله. ولأجل ~~إقناع الناس بهذه النظرة كتب «الخواطر». وبسبب اقتناعه بها زهد في الدنيا وتحمل ~~الآلام المبرحة. # إن بسكال يتجنى على مونتني ويزعم أنه انتهى إلي حال هي شر من اليأس، حال ~~عدم المبالاة بالنجاة، حال خلو من الخوف ومن الندم (خاطرة 63). والحقيقة أن ~~مونتني يوجهنا إلى الإيمان مثل بسكال (أنظر ما قلناه: 17ه). # الفصل الخامس # نقولا مالبرانش # 1638-1715 ~~(1) حياته ومصنفاته # قسيس من جمعية الأوراتوار لم يجد في فلسفة أرسطو شيئا من المسيحية مما كان يقول ~~كثيرون، ولم يتذوق اللاهوت المدرسي القائم على الأرسطوطالية، واتخذ من القديس ~~أوغسطين أستاذه الأكبر، ثم وقع له كتاب «الإنسان» لديكارت وهو في السادسة والعشرين، ~~فأعجب إعجابا شديدا بمنهج الفيلسوف، وبمذهبه القائم على وجود الله وروحانية النفس ~~وخلودها، وأفعم قلبه سرورا لاهتدائه إلى فلسفة متفقة مع الدين مثل هذا الاتفاق، ~~فشرع يعمل على إنشاء فلسفة مسيحية لا تدين للفلاسفة الوثنيين بشيء وظل في ديره ~~بباريس إلى وفاته يؤلف ويجادل. # كان أول كتبه «البحث عن الحقيقة» (1674-1675) وقد ظل أشهرها، وأعقبه «بالاحاديث ~~المسيحية» وهو ملخص مذهبه، ثم نشر على التوالي «تأملات قصيرة في التواضع والتوبة» ~~(1677) و«كتاب الطبيعة والنعمة» (1680) أنكرته السلطة الكنسية، و«كتاب الأخلاق» ~~(1683) و«التأملات المسيحية» (1683) و«أحاديث في ما بعد الطبيعة والدين» (1688) وقد ~~يعد خير كتبه، و«كتاب محبة الله» (1697) و«حديث بين فيلسوف ms091 مسيحي وفيلسوف صيني في ~~وجود الله» (1707) دونه على أثر اتصاله بأسقف من المرسلين إلى الصين وجميع هذه ~~الكتب شروح مختلفة لبضعه أفكار رئيسية في أسلوب واضح رشيق كثير الإطناب. ~~(2) الله # فلسفته كلها تلخص في هذه القضية: «ما من شيء إذا تأملناه كما ينبغي إلا ردنا إلى ~~الله»، فإذا تأملنا المعرفة لم نقل مع أرسطو والمدرسيين إن الأشياء تطبع صورها في ~~النفس، فإن الأدنى لا يؤثر في الأعلى (وهذا مبدأ متواتر عند الأفلاطونيين، بما فيهم ~~أفلوطين وأوغسطين)، «إن الموضوع المباشر لذهننا حين يرى الشمس - مثلا - ليس الشمس، ~~بل شيئا متحدا بنفسنا اتحادا وثيقا، وهذا ما أسميه فكرة # idée ~~». # 1 # وليس يمكن أن تتحد بالنفس أشياء بعيدة عنا مباينة لفكرنا، إن إدراكات ~~الحواس انفعالات، ولا تنطوي على معرفة الأشياء الخارجية، بل تقتصر على تنبيهنا إلى ~~ما بيننا وبين الأشياء من علاقات لأجل صيانة حياتنا، فمالبرانش يصطنع موقف ديكارت ~~بكل دقة، ويسهب في بيانه، وبخاصة في كتاب البحث عن الحقيقة، فيتحدث عن أخطاء ~~الحواس، وتعارضها فيما بينها، وتعارضها مع المعرفة العقلية، ويتحدث عن المخيلة ~~فيقول إنها ليست أكثر تعريفا لنا بالأشياء، وإنها تربط بين الصور برباطات غير ~~عقلية، فتسبب أخطاء كثيرة، وتقر في الذهن معتقدات باطلة يفيض في شرحها، وعلى هذا ~~يكون وجود العالم وعدمه سواء ما دامت الأشياء غير مدركة في أنفسها، وما دامت ~~الانفعالات التي تحملنا على الاعتقاد بها تغيرات ذاتية ليس غير، قد نحسها في غيبة ~~الأشياء أو عدمها، ولا يمكن أن يقال إن الأفكار غريزية في النفس ، فإنها غير متناهية ~~العدد والنفس متناهية، فلا يبقى إلا أن الله هو الذي يحدثها في النفس من حيث إن ~~الأعلى هو الذي يؤثر في الأدنى، وإننا إنما نعتقد بوجود العالم لأن الوحي ينبئنا ~~بأن الله خلق سماء وأرضا وغير ذلك، وفيما خلا الوحي فلا سبيل إلى الجزم بوجود ~~العالم. # وبعبارة أدق نحن نرى أفكارنا في الله، أفكار الماديات والحقائق الكلية الضرورية، ~~فإن الله «محل الأفكار جميعا» و«هو وحده معلوم بذاته وما من ms092 شيء نراه رؤية مباشرة ~~إلا هو»، ذلك بأن الله ليس مرئيا بفكرة تمثله كما ذهب إليه ديكارت: إن هذا شأن ~~سائر الأشياء، أما الله الموجود اللا متناهي فليس يرى في شيء متناه بل في ذاته دون ~~واسطة، لأنه حاضر لجميع المخلوقات وحاضر لفكرنا، ونحن حاصلون دائما على فكرة اللا ~~متناهي، ومتي كنا نفكر في الله وجب أن يكون الله موجودا، فالدليل الوجودي كما ~~يعرضه ديكارت دليل صحيح، ولكن له عيبا هو أنه دليل: إنه يذهب من فكرة الله إلى ~~وجود الله كأن وجود الله بالإضافة إلى الفكر مرحلة منفصلة عن فكرة الله، إن الفكرة ~~بمعناها الدقيق تمثل موجودا غير واجب الوجود، فهي تتضمن التمييز بين الماهية ~~والوجود، أما الوجود اللا متناهي فليس هناك فكرة تمثله وتسمح بالتساؤل عما إذا ~~كان موجودا أو غير موجود، إن تصوره عبارة عن رؤيته، وعلى ذلك فلا حاجة إلى ضمان ~~صدق الأفكار الجلية من حيث إننا نراها في الله ذاته، فمبدأ اليقين اتحاد العقل ~~بالله، أو حضور الله للعقل، وبهذا الصدد يستشهد مالبرانش بأوغسطين، ويقول صراحة إنه ~~تعلم منه أن النفس متحدة مباشرة بالله الحاصل على القدرة التي تمنحنا الوجود، وعلى ~~النور الذي ينير عقلنا، وعلى القانون الذي يدبر إرادتنا، ولكن مالبرانش يتجنى على ~~أوغسطين، ولما أنكرت عليه هذه النظرية، فسر رؤية الله بأننا لا نرى الذات الإلهية ~~في نفسها، بل فقط في نسبتها إلى المخلوقات ومن جهة ما هي قابلة لمشاركة المخلوقات فيها # 2 # وهذا تفسير لا طائل تحته، ونحن لا نتمثل الله كما نتمثل شيئا ماديا ~~ندركه إداركا مباشرا بل نحكم بوجود علة أولى، ولا نتمثل اللا نهاية، بل نحكم بأن ~~العلة الأولى لا متناهية، ومثل هذا الحكم ميسور لنا. # الله موجود إذن. فما الله؟ يجب أن نضيف إلى الله جميع الصفات أو الكمالات القابلة ~~لأن تطلق إلى اللا نهاية، أي التي لا تتضمن حدودا جوهرية، هذه الكمالات إذا ~~اعتبرناها في أنفسها، وجدناها معقولة أي متصورة بما يكفي من الجلاء للحكم بأنها تخص ms093 ~~الذات الإلهية، وإذا اعتبرناها مطلقة إلى اللا نهاية، وجدناها تفوق التعقل، ~~والحقيقة كمال من هذه الكمالات، فإن الله الحق بالذات، وما الحقائق السرمدية ~~والقوانين الضرورية إلا ذات الله كما قال أوغسطين، وإذا لم يكن الحق حقا ولم يكن ~~القانون ضروريا إلا بالقضاء الإلهي، كما يقول ديكارت، فمن يضمن لنا دوام الحقائق ~~والقوانين؟ والفاعلية كمال آخر من الكمالات الإلهية، فإن الله وحده هو الفعال: ينمي ~~النبات بمناسبة حرارة الشمس، ويفعل كل شيء بمناسبة شيء آخر، وليست المخلوقات عللا، ~~ولكنها هي وأفعالها «فرص» أو «مناسبات» لوجود موجودات وأفعال أخرى بفعل الخالق، ~~وإذا سلمنا مع أرسطو والمدرسيين أن في الأجسام والنفوس صورا وقوى وكيفيات قادرة ~~على إحداث معلولات بقوة طبيعتها، فقد سلمنا بألوهية ثانوية إلى جانب الله الكلي ~~القدرة، واعتنقنا رأي الوثنيين ونحن لا ندري، إن هذه الصور والقوى والكيفيات من ~~مخترعات المخيلة المتمردة على العقل، والعقل يقضي بأن العلة الحقة هي التي يدرك ~~بينها وبين معلولها علاقة ضرورية، وهو لا يدرك مثل هذه العلاقة إلا بين العلة ~~الأولى ومعلولاتها، أما التجربة فلا تظهرنا على علية الجسم الذي يقال إنه يحرك ~~جسما آخر، بل فقط على أن الجسم الآخر يتحرك، ولا تظهرنا على علية النفس عند حركة ~~الجسم بالرغم من شعورنا بالجهد الباطن، إذ ما العلاقة بين إرادتي وحركة ذراعي، بين ~~ذلك الفعل الروحي وحركة الأرواح الحيوانية التي تمر في أعصاب معينة من بين مليون من ~~الأعصاب لا علم لي بها لأجل أن تحدث الحركة التي أرجوها بما لا عداد له من الحركات ~~التي لا أرجوها، والعلة الحقة يجب أن تعلم ما تفعل وكيف تفعل، فالتعاقب المطرد بين ~~إرادتي تحريك ذراعي وحركة ذراعي، وعلى العموم بين جميع الظواهر، قائم على أساس لا ~~يتزعزع هو القضاء الإلهي، فقد ربط الله بين مخلوقاته وأخضعها بعضها لبعض بموجب ~~قوانين كلية ثابتة دون أن يمنحها فاعلية ما، فوهمنا ناشيء من أننا نحكم بالعلية حيث ~~لا يوجد سوى اقتران مطرد، وأننا لا ندرك بالحس أي شيء آخر يمكن ms094 أن يكون العلة. # 3 ~~(3) العالم والإنسان # القوانين الكلية الثابتة تمثل أبسط الوسائل التي رأها الله ممكنة لتدبير العالم، ~~إذ ليست حرية الله مطلقة مستقلة عن كل سبب كما يزعم ديكارت: إن حكمته تجعل يختار ~~أكمل الممكنات، إن الله يعلم جميع الأنحاء التي يمكن أن يصنع عليها ما يصنع، فيختار ~~النحو الذي يقتضي أقل عدد من الإرادات الجزئية فمثلا يستطيع الله أن يضيف جمالا ~~إلى جمال ما يصنع، ولكنه لا يضيف لأن الإضافة تضطره إلى مخالفة بساطة الوسائل؛ ~~ويستطيع بإرادة جزئية أن يمنع سقوط المطر في البحر سدى، وأن يرفع من العالم كل نقص ~~ونقيصة، ولكن الأليق به أن يكفي نفسه مئونة الإرادات الجزئية، فلا ينبغي الفصل بين ~~الصفات الإلهية حين ننظر في أسباب الخلق ومقتضياته، وبذا نرى أن العالم، إن لم يكن ~~الأكمل في نفسه، فإنه الأكمل بالوسائل البسيطة الكاملة التي يستخدمها الله فيه، بيد ~~أن فعل الله لا متناه والعالم متناه، فكيف يكون العالم صنع الله؟ إن دخول المسيح ~~في نظام الخليقة هو الذي يجعل من العالم صنعا لائقا بالله، فلم يخلق الله العالم ~~إلا لتجسد الكلمة، وحتى لو لم يرتكب آدم خطيئته لكان ميلاد المسيح ضروريا ~~بالإطلاق وبذا تتصل الميتافيزيقا بالدين. # 4 # والعوالم امتداد فحسب، نرى في الله الامتداد المعقول، فيصير محسوسا وجزئيا ~~باللون، فما الألوان إلا إدراكات حسية تحصل في النفس حين يؤثر فيها الامتداد، أو ~~«ما يسمى رؤية الأجسام إن هو إلا حضور فكرة الامتداد في النفس تمسها وتغيرها بألوان ~~مختلفة»، وفكرة الامتداد الكلي أو اللا متناهي فكرة ضرورية ثابتة لا يمكن محوها من ~~الذهن، كما لا يمكن أن نمحو منه فكرة الوجود؛ لذا كان العلم الطبيعي علما هندسيا ~~قائما على فكرة الامتداد وأشكاله وقوانين الحركة، فجميع الأجسام آلات، الجماد ~~والنبات والحيوان وجسم الإنسان، لا نفس لها ولا شعور، فالكلب الذي يعوي عند ضربه لا ~~يشعر بالألم، ولكن مثله مثل الآلات التي يصنعها الإنسان ويرتب فيها حركات وأصواتا ~~على حركات أخرى، غير أن الآلية - إذا كانت ms095 نظام نمو الأحياء وفعلها - كما بين ~~ديكارت، فليست نظام تكونها، ولكن الأحياء صادرة عن أصول بذرية، كما قال أوغسطين، إذ ~~أن تكون الأحياء يدل على غائية، وتدل الغائية على حكمة الله. # 5 # أما النفس الإنسانية، فنحن نعلم وجودها بعلم أوضح من علمنا بوجود جسمنا والأجسام ~~المحيطة بنا، ولكننا لا ندركها في ذاتها، ولا نكون عنها فكرة أو معنى، «إن ما لدي ~~من شعور باطن ينبئني بأني موجود، وأني أفكر وأريد وأحس وآلم ... ولكنه لا ينبئني بما ~~أنا وبطبيعة فكري وإرادتي وعواطفي، ولا بما بين هذه الأشياء من علاقات». وهذا يعني ~~أن الله حرمنا رؤية نفسنا فيه، وأن علم الأجسام أبين من علم النفس، خلافا لما يقول ~~ديكارت، أو أن علم النفس علم ناقص لأنه يستعصي على المنهج الرياضي، ولا يتناول إلا ~~بالمنهج التجريبي، # 6 # وفي هذا كان مالبرانش أكثر توفيقا من ديكارت، فإن الحق أننا لا ندرك ~~ذات النفس، وأننا لا نعلم ماهيتها إلا بالاستدلال، ولكن مالبرانش يتعثر في مسألة ~~اتصال النفس والجسم؛ فإنه يقرر أنهما متباينات وأن أفعالهما متباينة كذلك، فلا يؤثر ~~الجسم في النفس، ولا تؤثر النفس في الجسم، وأن «كل اتحادهما يقوم في تقابل طبيعي ~~بين أفكار النفس وحركات الجسم»، # 7 # مثلما نفكر في نفس الأشياء كلما قبل الدماغ نفس التأثيرات، ثم هو لا ~~يخبرنا كيف يحدث هذا التقابل الطبيعي، هل يحدث تبعا للوسائل البسيطة أو القوانين ~~الكلية؟ إذن نقع في الآلية والجبرية، أو هل يحدث تبعا لإرادات جزئية من لدن الله؟ ~~إذن نخرج على بساطة الوسائل ونخالف مقتضى الحكمة الإلهية. # ويتعثر مالبرانش كذلك في مسألة الإرادة، فهو يعرفها بأنها محبة الخير على العموم، ~~ويلاحظ أننا لا نحب شيئا إلا أن يكون خيرا حقا، أو يبدو كذلك، ويقول إن هذه ~~المحبة يطبعها الله فينا، وإنها مبدأ محبة الأشياء بالخصوص، فالإرادة هي الأثر ~~المتصل الصادر عن صانع الطبيعة والموجه لنفس نحو الخير على العموم، وإذا ما جاء إلى ~~النظر في حرية الإرادة، أثبت الحرية بشهادة الوجدان، وبما قال ms096 من أن موضوع الإرادة ~~الخير على العموم، إذ متى كان الحال هكذا كان في استطاعة الإنسان أن يمتنع من محبة ~~أي خير جزئي لقصور الخيرات الجزئية عن استنفاد كفايته للمحبة وإرضاء إرادته كل ~~الرضا، ثم يضطر إلى القول بأن الاختيار فعل صوري فحسب أو فعل باطن عاطل من ~~الفاعلية، من حيث إن الفاعلية لله وحده، والله هو الذي يحقق إرادات الإنسان، بل «إن ~~الله هو الذي يصور لنا فكرة الخير الجزئي ويدفعنا نحوه»، فلا يبقى للنفس فعل، ومهما ~~نقل إن الاختيار فعل صوري، فالمذهب ينفي كل فعل عن المخلوق، وإذا سألنا: كيف نعزو ~~الخطيئة إلى الله؟ أجاب مالبرانش بأن «الخاطئ لا يصنع شيئا من حيث إن الشر عدم، ~~وإنما هو يقف ويطمئن عند الخير الجزئي، ولا يتبع الله» أوليس وقف دفع الله وتوجيهه ~~يستلزم بذل فعل؟ # على أن مالبرانش يعتبر الاختيار فعلا كافيا نفسه بنفسه ومحققا للخليقة ~~والتبعة، ويضع مذهبا في الأخلاق، وترجع مبادئ هذا المذهب إلى ما يأتي: إن قانون ~~الإرادة العقل، وبالعقل نتصل بالله، وفي الله نوعان من النسب بين الأشياء: نسب ~~مقدار ونسب كمال، الأولى تتعلق بالعلم النظري، والثانية تتعلق بالنظام؛ «فكما أننا ~~نلاحظ فورا نسبة عدم التساوي بين مقدارين، نلاحظ أيضا أن الحيوان أعظم قيمة من ~~الحجر، وأقل قيمة من الإنسان» لتفاوت نسبة الكمال، و«نسب الكمال هي النظام الدائم ~~الذي يرجع الله إليه حين يفعل، وهذا النظام يجب أن يكون قانون العقول في تقديرها ~~للأشياء ومحبتها لها»، ومن ثمة يكون قانون الإرادات ودستور الأخلاق، فتتجه المحبة ~~إلى الله أولا وفوق كل شيء لأنه الكمال المطلق، ثم إلى المخلوقات كل بحسب نسبته ~~لله أي درجته من الكمال، فالفضيلة الوحيدة محبة النظام محبة متصلة، وكل ما نصنعه ~~لغاية أخرى فليس فضيلة ولو كان مطابقا للنظام، مثل الإحسان الصادر عن طلب المجد ~~الدنيوي أو عن مجرد الشفقة، فالعقل صوت الله فينا، من لا يصغي إليه يقع في الخطأ ~~والخطيئة، ويحكم على الأشياء بعقله الخاص لا بالعقل الكلي الموجود فينا ms097 كجزء لا ~~شخصي إلهي يستطيع استكشاف النظام بالرغم من اختلاف تكوين العقول بالتربية والعادة ~~وظروف المكان والزمان، هذا الاختلاف هو السبب في اختلاف الأخلاق، أما إذا عاد الناس ~~إلى العقل الخالص، فإنهم يهتدون إلى نفس القواعد الأخلاقية، وفي كل هذا يتابع ~~مالبرانش القديس أوغسطين ويخالف ديكارت. # لكن المذهب في جملته عبارة عن استخلاص النتائج المنطوية في مذهب ديكارت، فصل ~~ديكارت بين الفكر والوجود، فاستحال عليه تفسير المعرفة وتفسير وجود الأشياء بغير ~~الالتجاء إلى الله، وفصل بين النفس والجسم، فاستحال عليه تفسير التفاعل بينهما، ~~وجرد الماديات من كل قوة وردها امتدادا فحسب تجري الحركة فيه من جزء إلى جزء، فمحا ~~العلية من الطبيعة، فلما شرع مالبرانش يفكر على هذا الأساس، أرجع المعرفة إلى رؤية ~~في الله فجعل من الله المعقول الأوحد، وأثار مسألة العلية صراحة فقصر العلية على ~~الله وجعل من الله الفاعل الأوحد، وكاد أن يجعل من الله الموجود الأوحد بعد أن قال ~~إن الامتداد المحسوس جزء من الامتداد المعقول الذي هو فكرة في الله أو امتداد إلهي، ~~وقد جرى قلمه بكثير من العبارات التي تشعر بوحدة الوجود، منها قوله: «الامتداد عين، ~~وجميع الأعيان موجودة في اللا متناهي، فالله إذن ممتد كالأجسام من حيث إن الله حاصل ~~على جميع الأعيان المطلقة أي جميع الكمالات؛ ولكن ليس الله ممتدا على نحو امتداد ~~الأجسام لأنه بريء عن حدود مخلوقاته ونقائصها». # 8 # فبالرغم من حملته على «الشقي سبينوزا» نراه يصل إلى نفس النتيجة، وقد ~~اعتقد مثله أن الامتداد لا متناه كما يبدو للمخيلة، فظنه أحد الكمالات المطلقة ~~التي تجب إضافتها إلى الله فلم يتردد في هذه الإضافة، ولطفها باستدراك أملاه عليه ~~إيمانه المسيحي القاضي بالتفرقة بين الخالق والمخلوق، دون أن يوجد في المذهب ما ~~يسوغ هذا الاستدراك. ~~«البحث عن الحقيقة» الكتاب الثالث، القسم الثاني، الفصل الأول. ~~«البحث عن الحقيقة» الكتاب الثالث، القسم الثاني، ف 6 و7، والكتاب ~~الرابع، ف 11، والكتاب السادس، ف 3. و«أحاديث في ما بعد الطبيعة» الحديث ~~الثاني، والحديث الأخير. ~~«البحث عن ms098 الحقيقة» الكتاب السادس القسم الثاني ف2 و3، والكتاب الرابع ~~ف10، والكتاب الثالث القسم الثاني ف3. «أحاديث في ما بعد الطبيعة» الحديث ~~السابع. ~~«الأحاديث المسيحية» الحديث الثالث ف4 و5، و«أحاديث في ما بعد الطبيعة» ~~الحديث التاسع ف5-8، والحديث الرابع عشر ف6-12. ~~«البحث عن الحقيقة». ~~«أحاديث في ما بعد الطبيعة» الحديث الثالث، وكتاب الأخلاق، القسم الأول ~~ف5-16-17. ~~«البحث عن الحقيقة» الكتاب الثاني، القسم الأول، ف5. ~~«أحاديث في ما بعد الطبيعة» الحديث الثامن 7. # الفصل السادس # باروخ سبينوزا # 1632-1677 ~~(1) حياته ومصنفاته # ولد بأمستردام من أسرة يهودية، وأراد والده على أن يصير حاخاما، فتلقى اللغة ~~العبرية والتوراة والتلمود والفلسفة اليهودية للعصر الوسيط وصناعة صقل زجاج ~~النظارات لما كان مقررا من أن يتعلم الحاخام صناعة يدوية، ولكن داخله الشك في ~~الدين، فعدل عن مشروعه، وتحول إلى العلوم الإنسانية، وأخذ يتردد على الأوساط ~~البروتستانتية، فلقي فيها طبيبا تيوصوفيا من القائلين بوحدة الوجود لقنه الطبيعة ~~والهندسة والفلسفة الديكارتية، ثم قرأ جيوردانوبرونو وغيره من فلاسفة العصر بين ~~محدثين ومدرسيين، فازداد ابتعادا عن اليهودية، ورأى زعماؤها أن يستبقوه في حظيرتها ~~وعرضوا عليه مرتبا فرفضه، واعتدى عليه رجل متعصب وجرحه بخنجر، فلم ينثن، فأعلن ~~الزعماء فصله من الجماعة (1656) وحصلوا من السلطة المدنية على أمر بإقصائه عن ~~المدينة إذ كان البروتستانت أيضا يعدونه رجلا خطرا، فأقام عند صديق في إحدى ~~الضواحي، ومكث هناك خمس سنين يكسب رزقه بصقل زجاج النظارات، فكان أصدقاؤه يأتون من ~~المدينة فيحملون الزجاج ويبيعونه فيها، وفي تلك الفترة شرع يكتب، ثم أخذ يتنقل في ~~هولندا، وكان أينما يحل يلقى أصدقاء معجبين به معتنقين مذهبه، ومن المعجبين به ~~القائد الفرنسي كوندي # Condé # عرض عليه أن يقيم ~~بفرنسا ويتناول معاشا فرفض، وأمير ألماني عرض عليه في نفس السنة منصبا بجامعة ~~هيدلبرج، فرفض كذلك مخافة أن لا تتوفر له الحرية في التعليم، وكان مصدورا ~~بالوراثة، فكان مرضه من جهة، وكانت الفلسفة من جهة أخرى، يحملانه على المعيشة ~~البسيطة الهادئة الوادعة، فلقب بالقديس المدني، وكانت وفاته بمدينة لاهاي. # اتخذ اللاتينية لسانا يحرر ms099 به، وكان أول ما كتب (1660) رسالة «في مبادئ فلسفة ~~ديكارت مبرهنة على الطريقة الهندسية» كتمهيد ومدخل لفلسفته الخاصة، وهذا أمر جدير ~~بالذكر، ثم عرض فلسفته في «الرسالة الموجزة في الله والإنسان وسعادته» (1660) كتبها ~~لأصدقائه المسيحيين ولم تنشر، وقد ضاع الأصل وبقيت ترجمتان هولانديتان نشرتا سنة ~~1852، ثم وضع رسالة «في إصلاح العقل» هي بمثابة مقدمة في المنهج وفي قيمة المعرفة، ~~أو هي من طراز «المنطق الجديد» لفرنسيس بيكون، و«قواعد تدبير العقل» و«المقال في ~~المنهج» لديكارت، و«البحث عن الحقيقة» لمالبرانش، وكلها كتب تريد الاستغناء عن منطق ~~أرسطو وإقامة المنهج العلمي، غير أن سبينوزا ترك الرسالة ناقصة، فنشرت كما هي بعد ~~وفاته، وكان الجدل شديدا حول مسائل الوحي والنبوءة والمعجزات وحرية الاعتقاد، فدون ~~في ذلك «الرسالة اللاهوتية السياسية» نشرت سنة 1670 غفلا من اسم المؤلف، فعدت ~~خلاصة الكفر، وكان أثناء تلك السنين يعمل في كتابه الأكبر «الأخلاق» ويوالي تنقيحه ~~وتفصيله، ويطلع أخصاءه على ما ينجز منه، فيتدارسونه ويكتبون إليه فيما يصادفون من ~~مشكلات، وكان قد حظر عليهم إطلاع أي إنسان على ما لديهم منه قبل الاستيثاق من خلقه، ~~ورفض الإذن لأحدهم بإطلاع ليبنتز ثم أطلعه هو على الكتاب بعد أن توثقت الصلة ~~بينهما، وهم غير مرة بنشره، فكان يحجم خشية الفتنة، فلم ينشر الكتاب إلا بعد ~~وفاته، وفي أواخر حياته (1675-1677) دون «الرسالة السياسية» ولم يتمها، فنشرت كما ~~هي بعد وفاته كذلك. # يتم عرض مذهبه بتلخيص ثلاثة من كتبه وهي: إصلاح العقل، والأخلاق، والرسالة ~~اللاهوتية السياسية، وأصحها كتاب الأخلاق، فإنه جامع يلخص الكتب السابقة ويكملها، ~~وقد نهج فيه المنهج الهندسي، وهو المنهج اللائق بمذهب وحدة الوجود الذي ينزل من ~~الواحد إلى الكثير، والكتاب مقسم إلى خمس مقالات: الأولى في الله، والثانية في ~~النفس طبيعتها وأصلها، والثالثة في الانفعالات أصلها وطبيعتها، والرابعة في عبودية ~~الإنسان أو في قوة الانفعالات، والخامسة في قوة العقل أو في حرية الإنسان، فالأخلاق ~~موضوع المقالتين الأخيرتين، ولكن سبينوزا أطلق هذا الاسم على الكتاب كله لأن غاية ~~النظر عنده العمل، ms100 ولأن اتجاهه الأساسي أخلاقي كما هو الحال عند الرواقيين والطريقة ~~القياسية فيه مفتعلة، يتناول الفيلسوف الظواهر المعلومة بالملاحظة الظاهرة أو ~~الباطنة، وهي كثيرة، فيحولها إلى نتائج أقيسة تحويلا صناعيا، ويضع لذلك تعريفات ~~هي أحرى بأن تكون مطالب تقتضي البرهان من أن تكون مقدمات مسلمة للبرهان، ومن ~~المبادئ والتعريفات ما يعارض بعضه بعضا، مثال ذلك: لكي يبرهن على أن الجوهرين ~~المتغايرين لا يحدث أحدهما الآخر، يستند إلى مبدأ يقول إن شيئين ليس بينهما شيء ~~مشترك لا يكونان علة ومعلولا (المقالة الأولى، المطلب السادس) ولكي يبرهن على أن ~~العقل الإلهي لا صلة له إطلاقا بالعقل الإنساني، يستند إلى مبدأ يقول أن ليس بين ~~العلة والمعلول شيء مشترك (المقالة الأولى، نتيجة المطلب 17)، بل أحيانا يجيء ~~البرهان على نقيض المطلوب، مثال ذلك: المطلب الخامس من المقالة الأولى معناه «لا ~~يمكن أن يوجد جوهران متشابهان» وبرهانه يذهب إلى أنه «لا يمكن أن يوجد جوهران ~~متغايران»، وأحيانا يبرهن على المبادئ كأنها مطالب، فيقطع تسلسل المطالب الرئيسية، ~~وقلما يجيء البرهان برهانا بمعنى الكلمة، أي موضحا للمطلب، ومنهجه المألوف أن ~~يحيل القضية الموجبة سالبة ثم يبرهن على هذه بالخلف، كأنه يقصد قبل كل شيء إلى منع ~~الرد عليه، هذه ملاحظات شكلية، أما الملاحظات الموضوعية فسنذكر بعضها فيما يلي: ~~(2) المنهج # 1 ~~«قبل كل شيء يجب التفكير في وسيلة شفاء العقل وتطهيره لكي يجيد معرفة الأشياء»، ~~هذه الوسيلة هي التمييز بين ضروب المعرفة وتقدير قيمة كل منها لأجل الاهتداء إلى ~~المعرفة الحقة، هناك معرفة سماعية تصل إلينا بالفعل، مثل معرفتي تاريخ ميلادي ~~ووالدي وما أشبه ذلك، وهي معرفة غير علمية، فإذا صرفنا النظر عنها انحصرت المعرفة ~~في ثلاثة ضروب: الضرب الأول معرفة بالتجربة المجملة أو الاستقراء العامي، وهي إدراك ~~الجزئيات بالحواس على ما يتفق بحيث تنشأ في الذهن أفكار عامة من تقارب الحالات ~~المتشابهة مثل معرفتي أني سأموت لكوني رأيت أناسا مثلي ماتوا، وأن الزيت وقود ~~للنار، وأن الماء يطفئها. هذه المعرفة متفرقة مهلهلة، وأصل اعتقادنا بهذه الأفكار ~~وأمثالها أننا ms101 لم نصادف ظواهر معارضة لها، دون أن يكون لدينا ما يثبت لنا عدم وجود ~~مثل هذه الظواهر، الضرب الثاني معرفة عقلية استدلالية تستنتج شيئا من شيء، ~~كاستنتاج العلة من المعلول دون إدراك النحو الذي تحدث عليه العلة المعلول، أو هي ~~معرفة تطبق قاعدة كلية على حالة جزئية، كتطبيق معرفتي أن الشيء يبدو عن بعد أصغر ~~منه عن قرب، على رؤيتي للشمس، فأعلم أن الشمس أعظم مما تبدو لي، هذه المعرفة ~~يقينية، ولكنها هي أيضا متفرقة لا رابطة بين أجزائها، الضرب الثالث معرفة عقلية ~~حدسية تدرك الشيء بماهيته أو بعلته القريبة، مثل معرفتي أن النفس متحدة بالجسم ~~لمعرفتي ماهية النفس أو مثل معرفتي خصائص شكل هندسي لمعرفتي تعريفه، وأن الخطين ~~الموازيين لثالث متوازيان، هذه المعرفة الأخيرة هي الكاملة لأن موضوعاتها معان ~~واضحة متميزة يكونها العقل بذاته، ويؤلف ابتداء منها سلسلة مرتبة من الحقائق، فيخلق ~~الرياضيات والعلم الطبيعي حيث تبدو الحقيقة الجزئية نتيجة لقانون كلي، ويبين العقل ~~عن فاعليته وخصبه، واستقلاله عن الحواس والمخيلة. # يجب إذن الاستمساك بالمعاني البسيطة في بداية كل علم، فإن البساطة هي العلامة ~~التي يعرفها بها المعنى الصادق، لاستحالة أن يكون المعنى البسيط معلوما من جهة ~~مجهولا من أخرى، فالمعنى الصادق يقيني بذاته، لا يتعلق صدقه بعلامة خارجية؛ إذ أن ~~الذهن الحاصل عليه يعلم بالضرورة أنه صادق، ولا يستطيع أن يشك فيه، ولا يطلب له ~~ضمانا، فالشك الديكارتي لا يتحقق إلا بالاعتقاد بإمكان وجود إله خادع، والمعنى ~~الصادق مطابق لموضوعه، وليس يقال إن المعنى صادق لكونه مطابقا لموضوعه، فإن ~~الحقيقة تقوم في «صفة ذاتية» للمعنى نفسه، لا في المطابقة مع موضوع خارجي؛ ومن ~~ثمة فالمعنى الصادق حقيقي موضوعي، فإن المطابقة تامة بين العقل الحاصل على معان ~~واضحة متميزة وبين الوجود: فالمعاني المنفصلة يقابلها أشياء منفصلة، والمعاني ~~المتصلة يقابلها أشياء متصلة (فسبينوزا يتابع ديكارت في اعتباره الفكر محصورا في ~~نفسه، ولكنه يرى أن الفكر صادق، وأنه موضوعي، كلما تحقق فيه المعنى تحققا كليا ~~فأثبت نفسه بنفسه)، أما التخيل فيعلم ms102 أنه كذلك من عدم تعين موضوعه، إذ نستطيع أن ~~نتخيله موجودا أو غير موجود، أو أن نضيف إليه كذا أو كذا من الصفات المتضادة، ~~وكذلك الحال، في الخطأ فإنه يضيف إلى الموضوع محمولا لا يلزم من طبيعته بسبب أن ~~العقل يتصور تلك الطبيعة تصورا غامضا، وكل الفرق بين الخطأ والتخيل أن الخطأ ~~مصحوب بتصديق، وإنما يجيء هذا التصديق من عدم توفر المعرفة الحقة، مثال ذلك: حين ~~ننظر إلى الشمس فتتخيل أنها تبعد عن الأرض حوالي مائتي قدم، فهنا لا يقوم الخطأ في ~~هذا التخيل معتبرا في ذاته، بل في جهلنا عند هذا التخيل المسافة الحقيقية بيننا ~~وبين الشمس والسبب في هذا التخيل، وعلى ذلك ليس الخطأ تصور ما لا وجود له، ولكنه ~~عدم تصور الموجود كله، والواقع أننا حين نعلم فيما بعد أن الشمس بعيدة عنا بمقدار ~~قطر الأرض ستمائة مرة أو تزيد، لا نملك أنفسنا من أن نتخيل أنها قريية منا، فليس في ~~المعاني شيء ثبوتي من أجله يقال إنها كاذبة، وإنما المعاني الكاذبة هي معان غير ~~مطابقة أو ناقصة تؤخذ على أنها مطابقة أو كاملة، ويتضح من هذا الخطأ يقع في معرفة ~~الضربين الأول والثاني، وأن معرفة الضرب الثالث بريئة منه. # إذا كانت المطابقة تامة بين معاني العقل والموجودات، وكان المقصود العلم ~~بالطبيعة، تعين على العقل أن يضع أولا المعنى الذي يمثل منبع الطبيعة وأصلها، ثم ~~يستنبط منه معانيه جميعا، بحيث يكون هذا المعنى هو أيضا منبع المعاني وأصلها، ~~فنحصل بذلك على العلم الحق الذي شرطه أن يتأدى من العلة إلى معلولاتها، لكن لا ~~المعلومات الجزئية في تعاقبها، فإنه لا يستنبط من المعاني الدائمة إلا معاني دائمة، ~~والتعاقب لا متناه من جهة عدد الأشياء والأحداث وظروفها، والغرض استنباط الماهيات ~~والقوانين، وترتيبها بعضها من بعض، فإن بموجبها تقع جميع الجزئيات وتترتب فيما ~~بينها، والعقل لا يدرك الاشياء في الزمان كما تدركها المخيلة، بل في «صورة ~~الأبدية»، فلأجل استكشاف المعنى الأول الذي تلزم منه جميع المعاني، أو المبدأ الأول ~~الذي ms103 تصدر عنه جميع الأشياء، يجب أن نلاحظ أن من خصائص العقل أنه يكون المعاني ~~المحصلة قبل المعاني المعدولة، ومعنى المتناهي معدول في حقيقته إذ أننا نقول عن ~~الشيء عن شيء إنه متناه في جنسه متي إمكن حده بشيء آخر من طبيعته، فمثلا نقول عن ~~جسم إنه متناه لأننا نستطيع دائما أن نتصور جسما أعظم منه، وعلى العموم «كل تعيين ~~فهو حد أو عدول وسلب»، وعلى ذلك فالمعنى المحصل بمعنى الكلمة هو معنى اللا متناهي ~~أو الجوهر المطلق أو الله، وبه يجب الابتداء. ~~(3) الله أو الطبيعة # 2 # تعريف الجوهر أنه «ما هو في ذاته ومتصور بذاته، أي ما معناه غير مفتقر لمعنى شيء ~~آخر يكون منه»، وهكذا يريد سبينوزا لكي يخلص من التعريف إلى النتائج التي يقصدها، ~~وأولاها أن الجوهر علة ذاته، أي إن ماهيته تنطوي على وجودها، وإلا كان الجوهر ~~موجودا بغيره، فكان متصورا بهذا الغير لا بذاته ولم يكن جوهرا، (وهذا هو الدليل ~~الوجودي، وإلى جانبه اصطنع سبينوزا حجة ديكارت القائلة إنه كلما كانت طبيعة الشيء ~~حاصلة على حقيقة أعظم، كان الشيء أقدر على الوجود، وللموجود اللا متناهي - أو الله ~~- قدرة لا متناهية على الوجود، ومن ثمة فهو موجود بالضرورة). # النتيجة الثانية أن الجوهرة لا متناه؛ إذ لو كان متناهيا لكان متصلا بجواهر ~~أخرى تحده وكان تابعا لها متصورا بها لا بذاته، النتيجة الثالثة أن الجوهر واحد، ~~إذ لو كان هناك جوهران أو أكثر لكان كل جوهر يحد الآخر ولبطل أن يكون الجوهر جوهرا ~~أي متصورا بذاته، وعلى ذلك فالجوهر موجود بالضرورة أو واجب الوجود سرمدي، لا يكون ~~ولا يفسد، فإذا وجد شيء عداه، لم يكن أن يكون هذا الشيء، إلا «صفة» للجوهر الأوحد ~~أو «حالا» جزئيا يتجلى فيه الجوهر، وبعبارة أخرى: إن الجوهر هو «الطبيعة ~~الطابعة» أي الخالقة من حيث هو مصدر الصفات والأحوال أنفسها، ولما كان هو الأوحد، ~~كان مطلق الحرية بمعنى أنه هو الذي يعين ذاته، أما حريته فمرادفه للضرورة، والضرورة ~~غير القسر، فإن الفعل الضروري ms104 فعل ذاتي منبعث من باطن، فالجوهر ضروري والحقائق ~~الأزلية ضرورية لم يفرضها بإرادته (كما يذهب إليه ديكارت)، ولما كان اللا متناهي لم ~~يكن شخصا مثل إله الديانات، وإلا لكان معينا، وقد سبق القول إن كل تعيين فهو سلب، ~~فليس له عقل ولا إرادة؛ إذ أنهما يفترضان الشخصية، وإذن فالجوهر لا يفعل لغاية، ~~ولكنه يفعل كعلة ضرورية فجميع معلوماته ضرورية كذلك، وليس في الطبيعة شيء حادث أو ~~ممكن إلا بالإضافة إلى نقص في معرفتنا، أي إلى جهلنا ترتيب العلل، ولا يمكن أن يقال ~~إن الله كان يستطيع أن يريد غير ما أراد، إذ ليس يوجد في السرمدية متى وقبل وبعد ~~حتى يقال إن الله كان موجودا قبل أن يريد ومستطيعا أن يريد غير ما أراد. # ونحن نعلم ماهية الجوهر بصفاته، والصفة هي «ما يدركه العقل من الجوهر على أنه ~~مكون لماهيته» (كما قال ديكارت)، والجوهر اللا متناهي حاصل على مالا يتناهى من ~~الصفات، كل صفة منها تدل على ماهية سرمدية لا متناهية في جنسها، غير أننا لا نعلم ~~من الصفات سوى اثنتين، هما الفكر والامتداد، تجتمعان فيه مع تمايزها وعدم إمكان رد ~~إحداهما إلى الأخرى، فلا تبدو لنا ماهية الجوهر إلا في هاتين الصفتين أوالصورتين ~~(اللتين ينقسم إليهما الوجود عند ديكارت). # وتبدو كل صفة في أحوال أو ظواهر، وتعريف الحال أنه ما يتقوم بشيء آخر ويتصور ~~بهذا الشيء»، فالأجسام أحوال للامتداد نتصورها به ولا نتصوره بها كما تتوهم ~~المخيلة، أي ليس الامتداد معنى كليا مكتسبا بالتجريد من الأجسام ولكن الأجسام ~~أجزاء من الامتداد الحقيقي المعقول، أو هي حدود فيه، كما أن كل متناه فهو عدول ~~اللا متناهي ، فليس التمايز بين الأجسام تمايزا حقيقيا، إذ أنها جميعا امتداد، ~~ولكنه تمايز حالي عرضي ناشئ من أن الحركة تفصل في الامتداد أجزاء تكون منها ~~أجساما، والحركة حال للامتداد، وهي ثابتة الكمية في الطبيعة، أي إنها حال سرمدي ~~كالصفة ذاتها، لأنها تدل على ما هو ثابت في الطبيعة تحت التغيرات المختلفة، أما ~~الجسم الجزئي الذي ms105 يدوم فترة من الزمان، فليس فيه شيء يربطه بماهية الصفة السرمدية، ~~وإنما علة وجوده أجسام أخرى متناهية مثله حركته وجعلته ما هو، وعله هذه الأجسام ~~أجسام أخرى متناهية، وهكذا إلى غير نهاية، بحيث نصل إلى النظرية الآلية التي تنكر ~~كل اختلاف بالماهية بين الأجسام، وترد الاختلافات الي اختلاف الحركة والسكون. # وكذلك القول في المعاني أو الأفكار، فإنها ترجع إلى صفة الفكر، وفي هذه الصفة حال ~~يحوي النظام الشامل الثابت للطبيعة، هذا الحال هو العقل اللا متناهي أو «فكرة الله» ~~التي هو معلول مباشر للقوة الفكرية الإلهية اللا متناهية، أي القوة الروحية الباقية ~~هي هي أبدا في الامتداد، وما يصدق على أحوال الامتداد يصدق على أحوال الفكر، فإن ~~ترتيب المعاني في الفكر صورة من ترتيب الأعيان في الامتداد، وإذا كان من طبيعة ~~الموجود المفكر أن يكون معاني مطابقة، فمن المحقق أن معانينا غير المطابقة آتية من ~~كوننا جزءا من موجود مفكر وأن عقلنا مكون من معاني ذلك الموجود بعضها كامل وبعضها ~~ناقص. ~~(4) الإنسان # 3 # الإنسان مركب من حال امتدادي هو جسمه، ومن حال فكري هو نفسه، الجسم آلة مؤلفة من ~~آلات، والنفس فكر الجسم أي فكرة موضوعها الجسم الموجود بالفعل، فهي تبدأ وتنتهي مع ~~الجسم، وعلتها خارجة عنها تلتمس في أحوال أخرى من الفكر مقابلة لأحوال الامتداد ~~التي هي علة الجسم، والإحساس ظاهرة جسمية، أما الإدراك فظاهرة فكرية تقوم في تصوير ~~النفس للإحساس وقت انفعال الجسم به، من حيث إن النفس هي دائما ما الجسم إياه، أجل ~~إن انفعال الجسم معلول لفعل أجسام أخرى، ولكن هذا الفعل يتكيف بطبيعة جسمنا، فيلزم ~~من ذلك إذن الإدراك يقابل طبيعة جسمنا أولا وبالذات مع مقابلته لطبيعة الأسام ~~الخارجية، والقوانين الطبيعة للفكر هي قوانين التداعي أو الترابط، تشبه قوانين ~~الحركة في الامتداد وفكرة النفس عن ذاتها، وفكرتها عن جسمها، وفكرتها عن الجسم ~~الخارجي، فكرات غير مطابقة، لأن النفس وجسمها والجسم الخارجي أحوال متناهية عللها ~~في غيرها من الأحوال المتناهية، فمن شأن طبيعة الإنسان المتناهية ان ms106 تدعه غير معقول ~~عند نفسه، وهو إنما يعقل ذاته بردها إلى النظام الكلي السرمدي، واعتبارها جزءا من ~~الجوهر الأوحد. # وليس هناك ما يسمى بقوى النفس، فلا تمييز بين نفس وقوى؛ ومن ثمة لا تمييز بين ~~إرادة وعقل، ولكن الإرادة ترجع إلى العقل من حيث إن كل فكرة فهي تتضمن إيجابا؛ أي ~~إن الإرادة ميل العقل إلى قبول ما يروقه من المعاني واستبعاد ما لا يروقه، فما يسمى ~~بالفعل الإرادي هو فكرة تثبت نفسها أو تنفي نفسها، وما يسمى بالتوقف عن الحكم هو ~~حالة عدم إدراك الفكرة عن نحو مطابق، ولما كانت الأشياء جميعا معينة بما في ~~الطبيعة الإلهية من ضرورة الوجود والفعل، لم يكن في الطبيعة ممكنات، ولم يكن في ~~النفس إرادة حرة، ولكن النفس معينة إلى فعل كذا أو كذا بعلة هي أيضا معينة بعلة، ~~وهكذا إلى غير نهاية، ليس الإنسان ممكلة في مملكة، فالشعور بالحرية خطأ ناشئ مما في ~~غير المطابقة من نقص وغموض، وإنما يعتقد الناس أنهم أحرار لأنهم يجهلون العلل التي ~~تدفعهم إلى أفعالهم، كما يظن الطفل الخائف أنه حر في أن يهرب، ويظن السكران أنه ~~يصدر عن حرية تامة فإذا ما ثاب إلى رشده عرف خطأه، ولو كان الحجر يفكر لاعتقد أنه ~~إنما يسقط إلى الأرض بإرادة حرة، وعلى ذلك فالغضب من الأشرار سذاجة، إذ ليس الأحمق ~~ملزما أن يحيا وفق قوانين العقل، كما أن الهر ليس ملزما أن يحيا وفق قوانين طبيعة الأسد. # 4 # حياتنا العملية إذن تابعة لحياتنا العقلية، وتختلف باختلافها، ففي معرفة الضرب ~~الأول، القاصرة على الحواس والمخيلة أي على أفكار غير مطابقة، نتصور ذاتنا شخصا ~~قائما بنفسه، والأشياء المحيطة بنا خيرات أو شرورا في أنفسها، فنحس من جراء ذلك ~~شتى الانفعالات المضنية المرهقة تتوالى علينا كما يتفق حسب توارد الأحداث، في هذه ~~المرحلة نطلب الأشياء ونهرب منها لمحض الاشتهاء والكراهية، لا لحكمنا بأنها خير أو ~~شر، بل إننا ندعو الشيء خيرا أو شرا بسبب طلبنا إياه أو كراهيتنا له، فلا حياة ms107 ~~خلقية في هذا الضرب من المعرفة، وإنما كل ما هنالك عبودية للشهوات. # وفي معرفة الضرب الثاني نعلم أن الطبيعة خاضعة لقوانين كلية، وأننا جزء من هذه ~~الطبيعة، فنهتدي بأفكارنا المطابقة ونصير فاعلين بعد أن كنا منفعلين؛ ذلك أننا ~~حالما ندرك بالعقل أن أفراحنا وأحزاننا نتائج القوانين الطبيعية، نكف عن محبة ~~الأشياء وبغضها، وعن استشعار الحزن والخوف والرجاء واليأس والغضب والسخرية، فلا ~~نطلب شيئا إلا لاتصاله بميلنا الأساسي الذي هو حب البقاء، وبالقدر الذي يكفل ~~البقاء، مرجعين هذا الميل إلى ميل الطبيعة جمعاء ومعتبرين شخصنا جزءا من الطبيعة ~~لا يتجزأ، فتصدر أفعالنا عن طبيعتنا ونكون علتها الكاملة، في هذه المرحلة نحصل على ~~الفضيلة بمعنى الكلمة، أي على قدر العمل طبقا للقوانين الكلية، وتكون النفس في ~~سرور متصل يترجم عن كمالنا وقدرتنا الناتجين من العلم، أما أفعالنا الصادرة عن رجاء ~~الجنة وخوف جهنم، فليست فاضلة، والفضيلة الأساسية القوة أو الشجاعة تجعل الإنسان ~~حرا مستقلا، فإن الحرية الحقة تقوم في اتباع ضرورة طبيعتنا بما نحن جزء من ~~الكل، وفي هذه الحالة تعود الأشياء الخارجية خيرات أو شرورا، لا في أنفسها، بل ~~بالإضافة إلينا حسب ما توافق حب البقاء أو تضاده فتزيد في كمالنا أو تنتقص منه، فمن ~~الحكمة أن نستمتع بالحياة ما وسعنا الاستمتاع، فنصلح جسمنا بغذاء لذيذ، ونمتع ~~حواسنا بأريج الزهر ورونقه، بل أن نزين ثيابنا، ونستمتع بالموسيقى والألعاب ~~والمشاهد وكل ما لا يضر أحدا من الملاهي، والموت آخر ما يفكر فيه الرجل الحر، إذ ~~ليست الحكمة تأمل الموت بل تأمل الحياة. # وبالمعرفة التي من الضرب الثالث ندرك ذاتنا، ليس فقط كجزء من الطبيعة، مما يدع ~~مجالا لضرب من التمييز والتضاد بين الإنسان والطبيعة، بل ندرك ذاتنا صادرة عن ~~طبيعة الله، إذ أن الفرد في حقيقة الامر فكرة مجردة، وليس الموجود الحق هو الفرد ~~منفصلا عن الكون، ولا القانون الذي يربط الفرد بالكون، بل الكون نفسه معتبرا، لا ~~كجملة أجزاء، بل كوحدة جوهرية حاصلة في ذاتها على علة وجودها، في هذه المرحلة ms108 نرد ~~السرور الذي يملأ نفسنا إلى الله علة الحقيقة ومبدأ القوانين السرمدية، هذا السرور ~~مصحوبا بفكرة الله هو محبة الله، والإنسان هو العلة الكاملة لهذه المحبة، وهي ~~خالصة لا يقابلها محبة من جانب الله، لأن الله بريء من الانفعال، وتلك هي الحياة ~~الأبدية المستقلة عن الزمان، إذ ليست الحياة الأبدية بقاء النفس بعد فناء الجسم أو ~~الخلود في عالم مفارق، فإن النفس فكرة الجسم ولا توجد إلا بوجود الجسم، وإنما ~~الحياة الأبدية معرفتنا ذاتنا من وجهة الأبدية وتأمل النظام الكلي، وبعبارة أخرى إن ~~النفس سرمدية من حيث هي حاصلة على معرفة الحقائق السرمدية، وكلما ازدادت معرفتها ~~إزداد حظها من الخلود، فإن الخير الوحيد الذي يدركه عقلنا والخير الخلقي ما أنمى ~~العقل، والشر ما انتقصه وأفسده، وذلك هو الدين الحق الذي نجده في نفسنا. ~~(5) الدين والسياسة # 5 # أما الدين الوضعي فقد مست الحاجة إليه لقصور جمهرة الناس عن مطالعة أوامر الله ~~في نفوسهم، وإن الكتب المقدسة لتدلنا على أن الله أنزل وحيه على الأنبياء بألفاظ ~~وصور محسوسة أو متخيلة، ما خلا المسيح، فإنه عرف الله دون ألفاظ ولا رؤى، واتصل ~~بالله نفسا لنفس، كما اتصل موسى بالله وجها لوجه، فالأنبياء لم يمنحوا عقلا أكمل ~~من عامة العقول، وإنما منحوا مخيلة أقوى، فقد كان منهم الأميون، وكان من الحكماء - ~~مثل سليمان - من لم يوهبوا النبوة، واختلف الوحي عند كل نبي باختلاف مزاجة البدني ~~ومخيلته وآرائه السابقة، فإن الله لاءم بين وحيه وبين أفهام الأنبياء وآرائهم، ولما ~~كانت التخيل لا ينطوي بطبيعته على اليقين، كما ينطوي عليه المعنى الجلي، لم يكن ~~الأنبياء على يقين من وحي الله بالوحي نفسه بل بعلامة ما ، وقد نبه موسى اليهود على ~~أن يسألوا النبي علامة؛ لذا كانت النبوة أدنى من المعرفة العقلية الغنية عن كل ~~علامة، ولما كان الله رحيما بالكل كانت مهمة النبي تعليم الفضيلة الحقة لا الشرائع ~~الخاصة بكل بلد بلد، فما من شك في أن جميع الأمم حصلت على أنبياء، وإذا كانت ~~التوراة لا ms109 تذكر شيئا من هذا القبيل، فلأنها تؤرخ لليهود فحسب؛ ذلك بأن جوهر ~~الشريعة الإلهية الطبيعية معرفة الله ومحبته، وأن هذه الشريعة يدركها الإنسان في ~~نفسه، فهي مشتركة بين جميع الناس، ولا تقتضي الإيمان بقصص تاريخية أيا كان ~~موضوعها، وإن كان لنا في هذه القصص عبر عملية في تدبير حياتنا، إن مثل هذا الإيمان ~~- حتى لو كان موضوعة صادقا - لا يعطينا العلم بالله، ولا من ثمة محبة الله، ~~يجب أن يستمد العلم بالله من معان كلية يقينية، كذلك تقتضي الشريعة الإلهية ~~الطبيعية شيئا من الطقوس، إذ ليست الطقوس في ذاتها خيرا ولا شرا. وليست تزيد ~~عقلنا كمالا، والتقوى انفعال نافع للجمهور ضروري لهم، ولكنه عديم الجدوى للذي ~~يستطيع أن يعمل بالعقل ما تحمل التقوى على عمله بالانفعال، ولا يمكن أن يكون ~~الاتضاع فضيلة، لأنه يتضمن الحزن وشعور المهانة والعجز، كذلك ليس الندم فضيلة؛ لأنه ~~نتيجة الجهل الذي يجعلنا نعتقد أنه كان بإمكاننا أن نفعل غير ما فعلنا، إن فضيلة ~~العقل تقوم في أن يغتبط الإنسان بعقله ويطمئن في نفسه، # 6 # على أن الإيمان بما يرويه الكتاب المقدس من أخبار ضروري جدا للجمهور ~~العاجز عن إدراك الأمور بالعقل، لأنها تؤيد عنده التعاليم النظرية الواردة في ~~الكتاب من أنه يوجد إله صانع للأشياء، ومدبرها وحافظها، ومعني بالناس يثيب الأخيار ~~ويعاقب الأشرار، والطقوس أيضا لم ترتب إلا لتدبير حياة الناس في مختلف الظروف، ~~وأضيفت للدين كي يؤديها الشعب طواعية أو كي تكون علامة خارجية عليه، ورجال الدين ~~ضروريون للجمهور كي يلقنوه تعليما متناسبا مع فهمه، أما المعجزات فهي عند الجمهور ~~مصنوعات أو أحداث غير مألوفة مخالفة لما كون له من رأي في الطبيعة بالعادات ~~المكتسبة وهي عنده أوضح بيان لقدرة الله وعنايته، والحقيقة أن حدثا مخالفا ~~للطبيعة لا يقع أبدا؛ لأن نظامها سرمدي ثابت، وما من شك في أنه من اليسير أن نعين ~~بالمبادئ الطبيعية المعروفة علة كثير من الوقائع المدعوة بالمعجزات، وفضلا عن ذلك ~~فإن إدراك وجود الله وماهيته وعنايته، يتم بإدراك النظام ms110 الثابت للطبيعة خيرا مما ~~يتم بمعرفة المعجزات، فهي لا تفيد في الغرض المرجو منها. # والقاعدة العامة في تأويل الكتاب المقدس أن لا يضاف إليه من التعاليم إلا ما يدل ~~البحث التاريخي على أنه علمه بالفعل، فإن العلم بالكتاب يجب أن يستمد كله من الكتاب ~~وحده، هذا البحث التاريخي يجب أن يتناول أولا طبيعة اللغة العبرية وخصائصها لكي ~~يفهم المعنى المقصود تمام الفهم، بعد الفحص عن مختلف معاني النص الواحد، وثانيا ~~جميع العبارات في أقسام رئيسية وقيد العبارات المبهمة أو المتعارضة: فمثلا قول ~~موسى إن الله نار، أو إن الله غيور، هو من العبارات الواضحة طالما اعتبرنا معاني ~~الألفاظ فحسب، وإذن نضعها ضمن العبارات الواضحة ولو أنها جد غامضة بالإضافة إلى ~~العقل والحقيقة، فإنه يجب استبقاء المعنى الحرفي ولو كان معارضا للعقل ما دام لا ~~يتعارض صراحة مع مبادئ الكتاب، وعلى العكس يجب تأويل العبارات التي يعارض معناها ~~الحرفي مبادئ الكتاب تأويلا مجازيا، ولو كانت مطابقة للعقل، وثالثا إحصاء جميع ~~الظروف المتواترة، مثل سيرة النبي وأخلاقه، وغرضه، والمناسبة التي كتب لها، وزمن ~~الكتابة، ولمن كتب، وتاريخ كتابه، كيف جمع في الأصل، وفي أي الأيدي وقع، ومختلف ~~الروايات لعباراته ... إلخ. # أما الاجتماع فالرأي فيه كما يلي: في الإنسان شهوة وعقل، وليس الناس معينين ~~جميعا من قبل الطبيعة لأن يسيروا طبقا لقوانين العقل، فهم يولدون جهلاء ويقضون ~~الشطر الأكبر من الحياة قبل أن يدركوا الفضيلة ويكتسبوها فما دمنا نعتبر الناس ~~عائشين في حال الطبيعة فحسب، فلكل منهم مطلق الحق في اتباع الشهوة واصطناع القوة أو ~~اتباع العقل، إذ أن كل ما يفعله الموجود تبعا لقوانين الطبيعة فهو يفعله بحق مطلق، ~~فالسمك معين بالطبيعة للسباحة، وكبيره معين بالطبيعة لالتهام صغيره، على أن من الحق ~~أن الأنفع للناس أن يعيشوا طبقا لقوانين العقل، وليس من إنسان إلا ويريد أن يعيش ~~آمنا من الخوف، وهذا مستحيل ما دام لكل أن يعمل ما يروقه، وإذا لم يتعاون الناس ~~كانت حياتهم بائسة، لهذه الأسباب تاقوا للاتحاد، ونزل كل ms111 إلى الجماعة عما له من ~~حق طبيعي على جميع الأشياء، فصار للسلطة العليا الحق المطلق في الأمر بكل ما تريد، ~~وصارت الطاعة واجبة بحكم الميثاق المعقود وبحكم العقل الذي يرى في الطاعة أهون ~~الضررين؛ وبذا تنشأ «العدالة» أي علاقة خارجية بين السلطة والشعب يمثلها القانون ~~الذي يأمر بأفعال معينة ويحظر أفعالا معينة. على أنه لا تجب الطاعة إلا للقانون ~~النافع، إذ كان أساس الاتحاد المنفعة العامة فللشعب أن يقدر الأوامر والنواهي، وأن ~~ينقد السلطة، بل أن يثور عليها، وهذا فارق هام بين سبينوزا وبين هوبس، وثمة فارق ~~آخر هو أن هوبس يدعو للحكم الاستبدادي، ويدعو سبينوزا للحكم الديمقراطي، ويقول: ~~كلما اتسعت مشاركة الشعب في الحكم قوي التحاب والاتحاد، غير أنه يعود إلى موقف هوبس ~~في الدين فيذهب إلى أن السلطة هي الحاكمة في الدين وهي حاميته، وأن حقها في ذلك ~~مطلق، وإلا تفرق الرأي بتفرق العقول والأهواء، واختل النظام العام، ولا يكتسب ~~الدين قوة القانون إلا بإرادة السلطة، من حيث أن ليس للعقل من حق في حالة الطبيعة ~~أكثر مما للشهوة والقوة، وأن مظاهر العبادة يجب أن تعين تبعا لأمن الدولة ~~وفائدتها، والولاء للدولة أرفع صور التقوى، إذ لو زالت الدولة لما بقي خير ما، ~~ونجاة الشعب القاعدة الكبرى لجميع القوانين المدنية والدينية، ولم يكن حق السلطة ~~موضع نزاع قط عند العبرانيين، وكان ملوكهم يعلمونهم الدين، ولكن الحال اختلف عند ~~المسيحيين فقد قام بتعليم الدين فيهم أفراد، واعتادوا زمنا طويلا الاجتماع في ~~كنائسهم بالرغم من إرادة حكوماتهم، ولما أخذت المسيحية تدخل في الدولة ظل رجال ~~الدين يعلمونها كما وضعوها، حتى للأباطرة، فكسبوا الاعتراف لأئمتها بصفة وكلاء ~~الله. # على أن نفس الإنسان لا يمكن أن تكون ملكا خالصا لآخر، وما من أحد يستطيع أن ~~ينزل لآخر عن حقه الطبيعي في استخدام عقله والحكم عن الأشياء، ومن الضار جدا ~~للدولة أن تحاول استعباد العقول، كما أن من الضار جدا أن تترك للأفراد مطلق ~~الحرية في الاعتقاد والعمل، ولكن الفرد لا ينزل إلا ms112 عن حق العمل بحكمه الخاص، وإلا ~~استحال قيام الدولة، إما حق التفكير بحرية فخالص له تماما، ويجب أن يكفل له أيضا ~~حق الكلام بشرط ألا يجاوزه إلى العمل. وأن يدافع عن رأيه بالحجة لا بالحيلة أو ~~العنف، ولا رغبة في تعديل نظام الدولة بسلطته الخاصة، بل يدع للسلطة حق الحكم، ~~ويمتنع من كل فعل يعارض إرادتها، حتى لو اضطر للعمل بخلاف ما يعتقد، ولا خطر في ذلك ~~على عدالته وتقواه، بل إن ذلك واجبه من حيث إن العدالة تتعلق بإرادة السلطة ليس ~~غير. ~~(6) تعقيب # ذلك هو المذهب، وقد نعتبر الاعتقاد بوحدة الوجود حدسا شخصيا خطرا لسبينوزا ~~أو عرضه عليه ذلك الطبيب الذي علمه الفلسفة، فشرع هو يشيد هيكله بما وجد من مواد ~~عند ديكارت والرواقيين، ولكن هذا الحدس تأيد عنده بالتفكير في صعوبات الفلسفة ~~الديكارتية، وبأن في نظره علاجا لها، هذه الصعوبات ترجع إلى فكرة العلية، فقد وزع ~~ديكارت ظواهر الطبيعة إلى طائفتين، أحدهما مادية والأخرى فكرية، ثم عجز عن تفسير ~~العلاقة بين النفس والجسم في الإنسان لتباين هذين الجوهرين، فاعتقد سبينوزا أن ~~«العلة والمعلول يجب أن يكونا من نوع واحد» # 7 # بحجة أن ما يكون في المعلول دون أن يكون لذاته في العلة، يكون صادرا ~~عن العدم، مع أن ديكارت نفسه كان قد قال - أخذا عن المدرسيين - فلزم عند سبينوزا ~~أن الكل واحد ضروري، وأن الجوهر الأوحد علة باطنة لجميع الظواهر، هي في معلولاتها ~~ومعلولاتها فيها، ومحا العلة المفارقة المتعدية إلى خارج، فمحا ثنائية الله ~~والعالم، وثنائية النفس والجسم والتفاعل بينهما، تمايز العقل والإرادة، على ما ~~يقتضي المذهب الأحادي من محو كل تمييزيات، فانتهى بذلك إلى الآلية المطلقة وهي ~~المثل الأعلى الذي يرمي إليه العلم الحديث، ومحا الغائية، وقصر معنى العلية على ~~علية الدعوى أو الترابط المنطقي دون علية الوجود أو الفاعلية، وفاته أن يسوغ المبدأ ~~الذي يقوم عليه مذهبه كله وهو أن الوجود مطابق للمعاني وللعلاقات التي يكشفها العقل ~~في نفسه. # ولكنه وقع في نفس الصعوبات وفي أخرى ms113 غيرها: فهو من الجهة الواحدة لم يوفق بين ~~وحدة الجوهر وكثرة الصفات والأحوال، أي لم يبين كيف يمكن أن يصدر عن الجوهر الواحد ~~الثابت غير المعين، صفات وأحوال لا نهاية لها متغيرة إلى ما لا نهاية، تعينه ~~بالضرورة ما دامت هي صفاته وأحواله، بعد أن قال إن كل تعيين حد وسلب، ولم يبين ~~بالقياس ضرورة كون الجوهر مفكرا وممتدا، لا سيما أنه بدأ بأن نفى عنه العقل وجعل ~~منه علة ضرورية فحسب، فكيف يصدر العقل بعد ذلك عن لا عقل؟ كما أنه لم يبين أن في ~~الجوهر أو في صفتي الفكر والامتداد ضرورة منطقية للتخصص في أحوال جزئية، لقد أخذ من ~~التجربة ومن ديكارت الصفتين وأحوالهما ثم أضافهما للجوهر إضافة خارجية، فالمنهج ~~القياسي عنده مجرد دعوى، لا سيما أن القضايا التي يطلب تسليمها دون برهان تربى على ~~الأربعين، وتعريفات الجوهر والصفة والحال غير مترابطة تؤلف ثلاثة مبادئ منفصلة. # ومن جهة أخرى لم يتفاد سبينوزا التفاعل كما أراد: فإنه يقول في الواقع بنوعين ~~من علاقة العلية: علاقة داخلية بين الجوهر والصفات والأحوال، وعلاقة خارجية بين ~~الأحوال بعضها وبعض، فكيف نفسر هذه، وكيف نوفق بينها وبين تلك؟ إذا ساغ قبول العلية ~~الخارجية في الاحوال، فلم لا نقبلها في صدر الأحوال أنفسها عن الصفات، فنعود إلى ~~العلية الفاعلية المتعدية إلى خارج؟ ولا سيما أن سبينوزا لم يبين إمكان استنباط ~~الحركة من الامتداد، والحركة هي العامل في تكوين الأجسام الجزئية وتفاعلها، وكان ~~أحد مراسليه كتب إليه أن هذه المشكلة محلولة عند ديكارت بقوله إلى الله خلق المادة ~~متحركة، وسأله عن حلها عنده هو مع اعتقاده مثل ديكارت عدم تضمن فكرة الامتداد لفكرة ~~القوة، فأجاب (في 15 يوليو 1676) بأن تعريف المادة بأنها امتداد تعريف غير كاف ~~وأنه يعتزم بحث المسألة بحثا أدق وأعمق. ولكنه مرض ولم يعد إليها، ولو كان قد عاد ~~لما كان اهتدى إلى حل ... إلا أن يضع المطلوب نفسه وضعا فيقول إن المادة امتداد ~~متحرك. # ومن جهة ثالثة لما محا سبينوزا التمايز ms114 الجوهري بين الفكرة الصادقة والفكرة ~~الكاذبة، وقال إن الفكرة الكاذبة ليست كذلك بذاتها ولكنها فكرة ناقصة تعتبر كاملة، ~~وأن ليس هناك من ثمة سوى درجات في طلب الحقيقة، انساق إلى محو التمايز الجوهري بين ~~الخير والشر، وإلى القول بأن الشر فكرة ناقصة تعتبر كاملة، وأن ليس هناك سوى درجات ~~في طلب الخير، فأقام مذهبا لا أخلاقيا بالرغم من دعواه، ليس فقط من هذه الوجهة، ~~بل أيضا من وجهات أخرى، إذ أنه أنكر الحرية والغائية والتمايز بين الممكن ~~والضروري، على حين أن مفهوم الأخلاق أنها نظام معقول يتعين تحقيقه بالإرادة، وأن ~~تفضيل حياة الضربين الثاني والثالث من ضروب المعرفة يقتضي إرادة وشجاعة ولا يكفي ~~فيه مجرد العلم، وما ذلك الخلود الذي هو معرفة مؤقتة لما هو خالد؟ وما محبة الله في ~~هذا المذهب إلا أن تكون الاغتباط بالذات بمعرفة الكلي الدائم؟ وما الله في مذهبه ~~يؤله الطبيعة ولا يعترف بوجود شخصي مفارق لها؟ المذهب كله مليء بألفاظ توهم أن لها ~~مدلولات وهي لا تدل على شيء، أما آراء سبينوزا في الدين فلنا عليها ردود ليس هذا ~~مكانها، وهي تمثل أصدق تمثيل المذهب العقلي الحديث، ولم يزد عليها اللاحقون شيئا ~~جديدا، وإن كانت هي في واقع الأمر صدى لآراء سابقة. # انظر كتاب إصلاح العقل، والمقالة الثانية من كتاب الأخلاق. # المقالة الأولي من كتاب الأخلاق. # المقالة الثانية من كتاب الأخلاق وما بعدها. # انظر أيضا الرسالة اللاهوتية السياسية ف16. # الرسالة اللاهوتية السياسية. # كتاب الأخلاق، نهاية م4. # كتاب الاخلاق م1 مبدأ 4-5. # الفصل السابع # جوتفريد فيلهلم ليبنتز # 1646-1716 ~~(1) حياته ومصنفاته # ولد بليبزج لأب قانوني وأستاذ للأخلاق بجامعة المدينة، ومنذ حداثته أخذ يقرأ في ~~مكتبة أبيه، فقرأ أولا قصصا وتواريخ، ثم كتبا علمية وفلسفية، والتحق بالجامعة ~~فدرس الفلسفة القديمة بنوع خاص على أستاذ أرسطوطالي هو (توماسيوس) ودرس الفلاسفة ~~المدرسين فوجد عندهم على حد قوله “تبرا مخبوءا يأنف المحدثون أن ينقبوا عنه» ~~وأعجب بالقديس توما الإكويني، وكانت رسالته للبكالوريا (1663) في المسألة المدرسية ~~المشهورة «مبدأ للتشخيص»، ثم قصد ms115 إلى جامعة بينا فدرس بها الرياضيات على رياضي ~~فيلسوف هو (فيجل) فإلى جامعة أندورف حيث درس القانون وحصل على الدكتوراه برسالة ~~موضوعها «مشكلات القانون» فإلى نورمبرج حيث انضم إلى جمعية «روزنكريتز» نسبة إلى ~~مؤسسها «روزنكرتيز» (1378) وكانت معنية بالعلوم الخفية، فقرأ كتب الكيميائيين وعين ~~كاتبا للجمعية وظل طول حياته شغوفا بتجارب الكيمياء. # وقصد إلى ميانس، وكان قد أهدى إلى أميرها سنة 1667 رسالة يطبق فيها الفلسفة على ~~القانون ليجعله علما مضبوطا واضحا، وكان قد وضع رسائل أخرى قانونية، فعينه ~~الأمير سنة 1670 مستشارا بالمجلس الأعلى رغم حداثة سنه، فاشتغل بمشروعات لإصلاح ~~العلم القانوني ومجموعات القوانين، وبالفلسفة والعلم الطبيعي، وبدا له أن يقترح على ~~ملك فرنسا لويس الرابع عشر فتح مصر وتدمير القوة التركية بحجة القضاء على أعداء ~~الثقافة الحديثة، وهو يرمي إلى صرف ملك فرنسا عن ألمانيا التي كانت قد عانت الأهوال ~~من بطش جيوشه، فأرسله الأمير إلى باريس لتلك الغاية (1672) ولكنه لم يوفق إلى ~~تحقيقها، فذهب إلى لندن ومكث بها الثلاثة الأشهر الأولى من سنة 1673 فتعرف إلى ~~علمائها، ثم عاد إلى باريس فكان مقامه بها كثير الخصب إذ درس الرياضيات على علمائها ~~وفي مصنفات بسكال، ودرس الفلسفة الديكارتية، وقرأ الرسالة اللاهوتية السياسية ~~لسبينوزا، وصنع آلة حاسبة حاكى بها بسكال وجاوزه بأن زاد على الجمع والطرح الضرب ~~والقسمة، بل استخرج بعض الجذور، واستكشف حساب الفوارق (1676)، وكتب بهذا الكشف إلى ~~أحد علماء لندن هو (أولدنبرج) فجاءه الرد بأن نيوتن وصل إلى نظرية أعم، فعكف ليبنتز ~~على توسيع نظريته حتى أبلغها إلى ما يعادل نظرية نيوتن، فقام بين المكتشفين نقاش ~~حاد على السبق لأيهما كان، وقد كان لنيوتن إذ يرجع أكتشافه إلى سنة 1665، غير أن ~~كلا منهما اتجه في اكتشافه وجهة خاصة واتخذ سيرا خاصا، وكان اكتشاف ليبنتز ~~أكثر خصبا والاثنان مدينان لبحوث الرياضيين السابقين. # توفي أمير ميانس، وعرض على ليبنتز منصب أمين مكتبة دوق هانوفر (1676) فقبله ~~وغادر باريس إلى لندن حيث أمضى أسبوعا وتعرف إلى الرياضي كولنز صديق نيوتن، ومنها ~~قصد ms116 إلى أمستردام حيث لقي سبينوزا ودارت بينهما أحاديث فلسفية واطلع على كتاب ~~«الأخلاق»، وفي آخر ديسمبر انتهى إلى هانوفر، فأقام بها عظيم القدر متصلا بجميع ~~الأحداث الأوربية الكبرى، مؤلفا في تاريخ ألمانيا وفي الفلسفة، محاولا التوحيد ~~بين الكاثوليكية والبروتستانتية، ثم التوحيد بين الكنائس البروتستانتية المختلفة، ~~مستأنفا تحريضه على السلطنة العثمانية، ولكن عند بطرس الأكبر قيصر روسيا، وعارضا ~~عليه مشروعا واسعا لإصلاح بلاده، غير أن الحكم تغير في هانوفر، فتضاءل نفوذ ~~ليبنتز رويدا رويدا حتى انمحى، وانتابه المرض فألزمه مقعده، وكان الشعب - وكان ~~بعض رجال البلاط - يعتبرونه زنديقا؛ فإنه على تشبعه بالفكرة الدينية لم يكن يمارس ~~العبادات إلا فيما ندر، وتدلنا مساعيه للتوحيد بين الكنائس على أنه كان أكثر تعلقا ~~بالدين الطبيعي منه بالدين المنزل، فإنه كان يطلب إلى الكنائس النزول عن بعض ~~العقائد أو تعديل بعضها الآخر كأنها عديمة القيمة في ذاتها، ولما حضرته الوفاة أبى ~~أن يستدعي أحدا من رجال الدين، فلم يمش وراء نعشه سوى كاتبه، ودفن «كقاطع طريق لا ~~كرجل كان زينة وطنه»، ولم تؤبنه جمعية العلوم ببرلين، التي صارت أكاديمية برلين ~~فيما بعد، وكان هو مؤسسها ورئيسها الأول (1700)، ولم تؤبنه الجمعية الملكية ~~بلندن، وكانت ناقمة عليه مناقشته نيوتن، وانفردت بتأبينه أكاديمية العلوم بباريس ~~بلسان كاتبها الدائم فونتنل # 1 # في خطاب مشهور (1717). # لم يتم بعد إحصاء كتبه ورسائله إلى علماء عصره لوفرتها وتفرقها، والمطبوع منها ~~لا يذكر إلى جانب المخطوط، ولكن يمكن أن يقال إن الكتب المطبوعة هي الأهم لأنها ~~المتأخرة التامة، وإن الكتب السابقة عبارة عن محاولات، وكان معظم كتابته بالفرنسية ~~واللاتينية لأن الألمانية لم تكن شائعة في أوربا، وأهم ما يهم الفلسفة الكتب ~~الآتية: «تأملات في المعرفة والحقيقة والمعاني» (1684)، و«مقال في ما بعد الطبيعة» ~~(1686) عرض فيه مذهبه لأول مرة، و«مذهب جديد في الطبيعة واتصال الجواهر» (1695)، هو ~~عرض ثان للمذهب، ولما ظهر كتاب جون لوك «محاولة في الفهم الإنساني» (1690) بعث ~~إليه بملاحظات (1696) عاد إليها وألف كتابا ضخما أسماه «محاولات جديدة في الفهم ~~الإنساني» (1701-1709) وتعقب فيه ms117 بالنقد كتاب لوك فصلا فصلا، ولكن لوك كان قد ~~توفي، فرأى ليبنتز أن يحتفظ بكتابه، فلم ينشر إلا بعد وفاته بنصف قرن (1765)، وكانت ~~تلميذته ملكا بروسيا طلبت إليه أن يرد على بيل # 2 # في العلاقة بين الشر والحرية من جهة وعدالة الله وقدرته من جهة أخرى، ~~فدون كتابا آخر ضخما أسماه «محاولات في العدالة الإلهية» (1710) ودل على لفظ ~~العدالة الإلهية بلفظ مركب من اليونانية هو # Théodicée # فبقي هذا اللفظ للدلالة على الإلهيات ~~الطبيعية، وأخيرا عرض مذهبه مرة ثالثة في رسالة قصيرة لأحد الأمراء بعنوان ~~«المونادولوجيا» (1714)، وهذه الكتب هي التي يرجع إليها بنوع خاص لبيان فلسفته. ~~(2) منهجه # عرف ليبنتز منهجه ومذهبه في عبارة مأثورة تدلنا على سعة ثقافته وعمق تفكيره، ~~قال: «لقد تأثرت بمذهب جديد، ومنذ ذلك الحين أظنني أرى وجها جديدا لباطن الأشياء، ~~هذا المذهب يبدو جامعا أفلاطون إلى ديمقريطس، وأرسطو إلى ديكارت، والمدرسيين إلى ~~المحدثين، واللاهوت والأخلاق إلى العقل، ويلوح أنه يأخذ الأفضل من كل صوب، ثم يمضي ~~إلى أبعد مما مضوا للآن، وإذا التفتنا إلى آثار الحقيقة هذه عند القدماء استخرجنا ~~التبر من التراب، والماس من المنجم، والنور من الظلمات، وأقمنا فلسفة دائمة»، هذه ~~الفلسفة تضم طرفا من كل مذهب، وتوفق بين الأضداد توفيقا مبتكرا، والأضداد ~~كثيرة: الكلي والجزئي، الممكن والموجود، المنطقي والميتافيزيقي، والرياضي والطبيعي، ~~الآلية والغائية، المادة والروح، الحس والعقل، تضامن الأشياء وفاعلية كل منها، ~~ترابط العلل والحرية الإنسانية، العناية الإلهية والشر، الفلسفة والدين، لقد بانت ~~هذه الأضداد متنافرة متباعدة حتى لم ير من سبيل أمام الفكر سوى الاختيار بينها ~~والميل إلى جانب دون آخر، غير أن «كثرة الفرق على حق في كثير مما تثبت، لا في ما ~~تنفي» ويدلنا التاريخ على تعاون متصل بين الأجيال، فقد حصل الشرقيون على أفكار ~~جميلة جليلة في الإلهيات، واكتشف اليونان المنهج الاستدلالي وشكل العلم، ونبذ آباء ~~الكنيسة ما كان رديئا في الفلسفة اليونانية، وحاول المدرسيون أن يستخدموا لصالح ~~المسيحية ما كان معقولا في فلسفة الوثنيين، وجاءت فلسفة ديكارت بمثابة الرواق ms118 ~~المؤدي إلى الحقيقة. # وقد برزت هذه النزعة عند ليبنتز مذ كان يدرس الرياضيات بجامعة يينا إذ استوقفته ~~التأليفات الرياضية، فخطر له أن يبحث عن قوانين تأليفات مماثلة لأجل الفلسفة، يعني ~~أن يستخلص المعاني البسيطة الأولية ويرمز لها بإشارات تكون بمثابة ألف باء الفكر، ~~ثم يعين جميع التأليفات الممكنة لهذه الأوليات ويرمز لها بإشارات، وذلك على مثال ~~تعيين الأضرب الممكنة للقياس الاقتراني، وحينئذ يستطاع بالحساب وحده البرهنة على ~~صدق أي قضية، بل الاهتداء إلى قضايا جديدة، وتكوين «لغة كلية» من الإشارات جميعا ~~أو «علم الخصائص الكلي» يكون في آن واحد منطقا ودائرة معارف وأجرومية، وقد وضع ~~ليبنتز في ذلك «رسالة في فن التأليف» (1666) تحتوي على أصول اختراعه حساب الفوارق، ~~وشغل طول حياته بمشروع لغة فلسفية دون أن يصل إلى نتائج مفيدة. # على أنه سيظل يعتبر المعرفة الحقة البرهان اللمي كما هو باد في الرياضيات ولا ~~يتيسر هذا البرهان إلا بتحليل المركب إلى العناصر البسيطة لاتخاذها مبادئ، فما هي ~~مبادئ الفلسفة؟ لقد اقتصر سبينوزا على مبدأ عدم التناقض، ولكن هذا المبدأ يهيمن على ~~الرياضيات والممكنات المعقولة، ولا يفيد في تفسير تحقيق ممكنات معينة دون غيرها، ~~فلا بد من مبدأ آخر لتعليل الوجود الواقعي، هو مبدأ السبب الكافي، أي إن ما يوجد ~~فإنما يوجد عن سبب كاف، وهذا مبدأ خاص بالفلسفة (ولا بد أن يكون هذا الفرق بين ~~الممكن والواجب هو الذي صرف ليبنتز عن وضع أصول اللغة الفلسفية الكلية)، وإلى مبدأ ~~السبب الكافي يرجع مبدآن آخران هما صيغتان جزئيتان له: أحدهما مبدأ الاتصال، ~~ومؤاده أن الانتقال متصل في الطبيعة بلا طفرة، بحيث لا تنشأ الحركة من السكون ~~مباشرة ولا تنتهي إليه مباشرة، بل تبدأ بحركة أدق، وتنتهي إلى حركة أدق، بحيث لا ~~نفرغ من عبور أي خط قبل أن نعبر خطا أصغر، وهذا المبدأ مثال بارز لتأثير الرياضية ~~في الفلسفة، فإن ترجمة فلسفية للانهاية الرياضية، وله شأن كبير في مذهب ليبنتز كما ~~سنرى، والمبدأ الجزئي الآخر يسمى مبدأ اللا متمايزات، ومؤداه أن ms119 شيئين جزئيين لا ~~يمكن أن يتشابها تمام المشابهة وإلا لم يتمايزا، بل يجب أن يفترقا بفارق كيفي ذاتي ~~مطلق فوق افتراقهما بالعدد. # ومن شأن مبدأ اللا متمايزات أن يجعلنا نفرق بين المعنى الواضح الذي يسمح بتمييز ~~شيء من آخر، ويقابله المعنى الغامض، وبين المعنى المميز الذي هو معرفة تفاصيل ~~الشيء، وإذا كان الشيء مركبا، معرفة خصائص كل جزء من أجزائه، ويقابله المعنى ~~المختلط؛ وعلى ذلك يمكن أن يكون المعنى واضحا دون أن يكون متميزا، فمعنى اللون ~~مثلا واضح جدا، ولكني حين أتصوره لا أتبين عناصر اللون، والعلامات الجبرية ~~واضحة، ولكني لا أتصور مدلولاتها فالمعنى المتميز دون سواه يعبر عن باطن الشيء ~~ويستحق اسم المعرفة الميتافيزيقية، وكان ديكارت قد جعل من «الوضوح» علامة الحقيقة، ~~واعتبر التميز مصاحبا له بالطبع، إن لم يعتبره مرادفا له، ولكن يجب أن نضع بينهما ~~الفرق الحاسم المتقدم، وأن نضع نوعين من المعرفة لم يميز بينهما ديكارت، وهما ~~المعرفة الرمزية أو العمياء وهي واضحة ولكنها مختلطة، والمعرفة الحدسية وهي وحدها ~~المتميزة إطلاقا، وستتبين هذه المبادئ والقواعد بما في المذهب من تطبيقات لها. ~~(3) نقد المذهب الآلي # يخبرنا لبينتز أنه أخذ أول أمرة بنظرية الصور الجوهرية كما قال بها أرسطو ~~والمدرسيون، ثم بدا له أن هذه الصور لا توجد إلا في العقل، ولا تصلح مبادئ لتفسير ~~الأشياء، فانتقل إلى الآلية، فلما فحص عن أسسها وعن قوانين الحركة، وجد الآلية ~~ناقصة، فعاد إلى الصور الجوهرية، ولكن على نحو خاص به، وهو يبين نقص المذهب الآلي ~~بنقد صورتيه المعروفتين، وهما نظرية ديكارت ونظرية ديموقريطس، الأولى تعتبر المادة ~~متصلة ويمكن تسميتها بالآلية الهندسية، والأخرى تعتبر المادة منفصلة ويمكن تسميتها ~~بالآلية الحسابية. # يرى ديكارت أن الامتداد ماهية الجسم، ويجعل من الجسم شيئا منفعلا فحسب، ولكن ~~هذا الرأي لا يفسر «قصور» الجسم أي مقاومة المادة للحركة، فإن الجسم الكبير أصعب ~~تحريكا من الصغير، والجسم المتحرك لا يحرك إذا حرك آخر ساكنا إلا ويفقد بعض حركته ~~من جراء مقاومة الآخر، ثم إن هذا الراي لا ms120 يفسر بين الجسم المتحرك معتبرا في نقطة ~~من خط سيره وبين الجسم الساكن إذ لا يمكن إثبات اتصال الحركة إلا بوساطة فكرة القوة ~~أو الميل، ولولا هذه الفكرة لعادت الحركة عبارة عن سلسلة سكونات، وكيف يستطيع ~~ديكارت أن يفترض بقاء كمية الحركة هي هي في الطبيعة مع قوله بانتقال من الحركة إلى ~~السكون وبالعكس، فإن مثل هذا الانتقال عبارة عن تلاشي حركة وخلق أخرى، وعلى ذلك ~~تقوم ماهية الجسم في القوة، وهي علة الحركة، وتظل باقية حتى ولو وقفت الحركة: «إنها ~~ما في الحالة الراهنة يحمل تغيرا مستقبلا»، وفكرة القوة فكرة ميتافيزيقة تجاوز ~~نطاق العلم الطبيعي ونطاق الآلية. # أما ديموقريطس فيقول بجواهر فردة يفصل بينها خلاء، ولكن الجوهر الفرد لا يمكن أن ~~يكون وحده بمعنى الكلمة أي جوهرا حقا، فإن كل جسم مهما افترضناه صغيرا فهو ~~ممتد، وكل امتداد فهو منقسم أي إنه مجموع جواهر، وإذن فالمادة كثرة بحتة، وما ~~الجواهر الفردية المادية إلا أثر لضعف مخيلتنا التي تحب أن تسكن وتتعجل الوصول إلى ~~نهاية في التقسيم والتحليل، والكثرة كثرة وحدات بمعنى الكلمة، وليس من وحدة بمعنى ~~الكلمة إلا وحدة الموجود اللا مادي غير المنقسم، فيجب القول بأن الكثرة تقوم في ~~وحدات لا مادية، في «جواهر فردة صورية» أو «نقط ميتافيزيقية»، وهي محكمة أي غير ~~منقسمة، ووجودية في نفس الوقت، فهي وسط بين الجوهر الفرد المادي الذي هو وجودي وغير ~~محكم، وبين النقطة الرياضية التي هي محكمة وغير وجودية؛ وبذا نبلغ إلى الميتافيزيقا ~~من هذه الناحية أيضا، نبلغ إلى فكرة الوحدة الصورية فنحصل على فكرة متميزة عن وجود ~~الجسم بعد أن بلغنا إلى فكرة القوة وحصلنا على فكرة متميزة عن ماهية الجسم، فنكون ~~قد بلغنا بامتحان صورتي الآلية إلى نتيجة واحدة هي أن الموجود وحده قوة. # ولنا أن نقول إن ليبنتز على صواب في نقده للمذهب الآلي وفي ثبات القوة والوحدة ~~للجسم، وأنه على خطأ في نفي الامتداد، وإنما كانت مهمة نظرية الصورة الجوهرية عند ~~أرسطو تفسير القوة والوحدة في ms121 الجسم مع بقاء الامتداد، ولكن ليبنتز اعتقد أن قبول ~~الامتداد للقسمة إلى غير نهاية معناه أن الامتداد منقسم بالفعل إلى غير نهاية، وهذا ~~غلط وقع فيه زينون الأيلي وانخدع به كثير من الفلاسفة من بعده، وعلى هذا الأساس بنى ~~ليبنتز فلسفته، فلمنض معه إلى غايتها. ~~(4) الجوهر أو المونادا # الجوهر الواحد بوحدة تامة خليق باسم مطابق له، وهذا ما حمل ليبنتز بعد أن قال ~~«الجوهر» على أن يقول «مونادا» (1696)، واللفظ يوناني الأصل معناه الوحدة، وقد أخذه ~~عن جوردانو برونو أو أحد الكيميائيين من معاصريه، وكان قد ظهر بلندن سنة 1672 كتاب ~~لطبيب فيلسوف اسمه فرنسيس جليسون، فيه نظرية مماثلة لنظرية ليبنتز، فهل عرفه أثناء ~~إقامته بلندن وتأثر به؟ لا ندري، ومهما يكن من هذه النقطة، فإن المونادا عنده قوة ~~متجهة إلى الفعل بذاتها، حاصلة على التلقائية، فلا تفعل بتحريك محرك مغاير كما هو ~~الحال في المادة في رأي أرسطو والمدرسيين وديموقريطس وديكارت، فإن التأثير الخارجي ~~اصطدام جزء بجزء وليس للموناد أجزاء، وهذه القوة وسط بين القوة والفعل كما عرفهما ~~أرسطو، مثلها مثل حبل مشدود إلى جسم ثقيل، أو قوس مشدودة، هي فعل كامن، وجهد مستمر ~~يتجه إلى الفعل التام، فحالاتها كلها باطنة، يتولد بعضها من بعض بحيث يكون حاضرها ~~حافظا لماضيها مثقلا بمستقبلها، ويلزم من ذلك أنها حياة ونزوع - وبذا تقوم قوتها ~~- وأنها حاصلة على ضرب من الإدراك - وبذا تقوم وحدتها - وأنه يجب من ثمة تصورها على ~~مثال النفس، والنفس هي القوة الوحيدة التي ندركها في ذاتها، كما يجب القول بأن كل ~~مونادا فهي حاصلة على خصائص ذاتية تتشخص بها تبعا لمبدأ اللا متمايزات، وإلا لم ~~تتمايز فيها بينها، وهكذا نتصور من باطن، أي بالانعكاس على نفسنا، ما قادنا إليه ~~تحليل الظواهر الخارجية، ونعلم أن الآلية والميتافيزيقا على حق كل في دائرة: الآلية ~~هي الظاهر والسطح، والمونادا هي الباطن والصميم. فكل ما يحدث آليا وميتافيزيقيا ~~معا، وليس في الطبيعة جماد أو قصور، بل كل موجود فهو حي، وليس بين الموجودات من ms122 ~~تفاوت في الحياة إلا بالدرجة، تبعا لمبدأ الاتصال الذي يستبعد الانتقال الفجائي، ~~وهذا التفاوت بالدرجة هو بحسب درجة تميز الإدراك والدرجات أربع هي: مطلق الحي أي ما ~~يسمي جمادا والنبات، فالحيوان، فالإنسان، فأرواح بعضها فوق بعض إلى غير نهاية، ~~والفرق بين ما يسمى جسما وبين الموجود المقول إنه ذو نفس، أن الجهد والفعل في هذا ~~يحفظان في الشعور والذاكرة، في حين أن الشعور والذاكرة لا يواجدان في ذاك إلا حال ~~الفعل: «فكل جسم روح مؤقت، أي عادم الذاكرة». # ولما كانت المونادات بسيطة فيمتنع أن تبدأ ابتداء طبيعيا وأن تنتهي انتهاء ~~طبيعيا، فإن الكون والفساد الطبيعيين يقومان في تركيب أجزاء وانحلال أجزاء. # وعلى ذلك فبداية المونادات خلق بالضرورة، ونهايتها إعدام، غير أن الله لا يعدم ~~مخلوقا، فالمونادات خالدة، وما يبدو للحس كونا وفسادا عبارة عن نمو يجعل الحي ~~منظورا، ونقصان إلى ما لا نهاية يجعله غير منظور، وليست تصل النفس الإنسانية في ~~خلودها إلى سعادة مطلقة، ولكنها تتدرج في الكمال والسعادة إلى غير نهاية، كما يقضي ~~مبدأ الاتصال، وتبعا لهذا المبدأ أيضا يجب التسليم بأن المونادات لا متناهية ~~العدد، يدل على ذلك من الجهة الواحدة أن المادة منقسمة إلى غير نهاية وأن تركيبها ~~يستلزم من ثمة عناصر لا متناهية، ومن الجهة الأخرى أن المونادات محاكيات للذات ~~الإلهية، والذات الإلهية تحاكي على أوجه لا متناهية، فهناك عدد لا متناه من درجات ~~الوجود. # ماذا تدرك المونادات؟ إنها تدرك العالم أجمع لأنها محاكيات للذات الإلهية كما ~~تقدم، وكل منها مرآة للوجود لأنه لما كانت الأشياء متصلة فليس يمكن إدراك جزء دون ~~إدراك الكل، غير أن كل مونادا تدرك العالم من وجهة خاصة بها، فإن لها مجال إدراك ~~متميز ولا تدرك ما يجاوزه إلا إدراكا مختلطا، بحيث يقابل الإدراكات المتميزة في ~~مونادا معينة إدراكات مختلطة في المونادات الأخرى، والعكس بالعكس، والإدراك المتميز ~~في مونادا معينة هو «نشر» الإدراك المختلط المقابل له وجلاؤه، والإدارك المختلط ~~«طي» الإدراك المتميز أو إجماله، فالإدراك يحتمل درجات بحسب مبلغ تميزه، ms123 تحت ~~الإدراك المتميز والمعلوم بالشعور # aperception # يوجد ~~إدراك ضعيف غير واقع في الشعور # perception # لم يعده ~~الديكارتيون شيئا مذكورا ولكنه موجود حقا، يدل على وجوده أولا أن النفس لا ~~يمكن أن تكون غير فاعلة وقتا ما، ولما كان الإدراك فعلها كانت تدرك دائما ~~بالضرورة، ولكننا لا نشعر دائما أننا ندرك، فيلزم أن يكون فينا إدراكات غير مشعور ~~بها، ثانيا أن هناك ظواهر لا تعلل بغير التسليم بمثل هذه الإدراكات: كصوت الأمواج، ~~فإنه صوت مجموعي يتضمن الأصوات الصغيرة المؤلف منها، وكالأفعال التي تبدو غير ~~معقولة، فإنها تعلل بإحساسات ضعيفة غير مشعور بها آتية من داخل الجسم أو من الخارج، ~~وهذا يدل على أن شيئا واحدا بعينه يمكن أن يتصور على أنحاء لا متناهية من حيث إن ~~هناك درجات لا متناهية في التصور المتميز، ويدل على أن عدد المونادات لا متناه. # لما كانت المونادات مستقلة بعضها عن بعضها تتغير من الداخل فتتولد حالاتها بعضها ~~من بعض، كما سبق القول، وجب تفسير توافق حالاتها، ولا يفسر هذا التوافق إلا بافتراض ~~خالق منسق (وهذا دليل أني على وجود الله) والقول بأن الله لما خلق النفس والجسم (أي ~~ما يبدو جسما) وضع فيهما قوانيهما بحيث يتوافقان، أي إن الجسم يوجد معدا بذاته ~~للفعل في الوقت الذي تريد النفس وعلى النحو الذي تريد، وأن النفس تحصل بذاتها على ~~الإدراكات المقابلة لاستعداد جسمها، فيتلاقى الفعلان بموجب «تناسق سابق» مثلهما مثل ~~ساعتين وفق الصانع وبينهما فظلتا متوافقتين دون تفاعل، وقد يقال: إذا كان كل شيء ~~يجري في النفس كأن ليس هناك سوى النفس والله، فلم قرن الله الجسم بالنفس؟ أليس ~~الجسم عديم الفائدة؟ فيجيب ليبنتز أن هذا الاعتراض صادر من مبدأ الاقتصاد في العمل # moindre action # وهو مبدأ سليم، ولكن هناك مبدأ ~~آخر هو مبدأ الأحسن أو مبدأ العلل الغائية، وبمقتضاه وجب أن يخلق الله أكبر عدد من ~~الجواهر الممكنة، وأن يجعل تغيرات النفس مقابلة لشيء في الخارج، على أنه يمكن القول ~~إن الجواهر تتفاعل، بشرط أن يقصد ms124 بذلك تأثير معنوي باطن شبيه بالتأثير الحقيقي من ~~حيث المعلولات، فيكون معنى الفعل والانفعال أن المونادا تفعل من حيث هي حاصلة على ~~كمال، وأنها تنفعل من حيث هي ناقصة، أو أن مونادا معينة هي أكمل من أخرى متى كان ~~فيها علة ما يجري في الأخرى، أي متي كانت حاصلة على أفكار متميزة هي في الأخرى ~~مختلطة. # هكذا رأى ليبنتز أن يحل مسألة اتحاد النفس والجسم وتفاعلهما، وكانت قد شغلت ~~ديكارت فذهب إلى أن النفس تتلقى حركات الجسم فتعدل اتجاه هذه الحركات (إذ كان ~~مفهوما عنده أن كمية الحركة في العالم باقية كما هي وأن النفس من ثمة لا تخلق ~~حركة)، ولكن ليبنتز يعترض عليه بأنه إذا كان من غير المعقول أن تعطي النفس الجسم ~~حركة، فمن غير المعقول أن تستطيع التغير في اتجاه الحركة أو إنقاصها، وذهب مالبرانش ~~إلى أن الله هو الذي يحدث ما يقع للنفس والجسم من حركات بعضها بمناسبة بعض، ~~وليبنتز يتفق معه في إنكار تفاعل الجواهر، ويوجه إلى رأيه انتقادين فيقول: إنه ~~يرجع الظواهر إلى علة عامة بدل أن يعين عللها القريبة، وإنه يلجأ إلى الله لجوء ~~اليائس أي إلى معجزة متصلة، على حين أن نظرية سبق التناسق إن لجأت إلى الله، فالله ~~فيها علة مباشرة للجواهر فحسب لا للظواهر، إذ أنه يخلق جواهر فاعلة بالطبع بموجب ~~قوانين ذاتية ولا يحل هو محلها بمعجزة متصلة، وهنا نلمس أهمية مسألة اتحاد النفس ~~والجسم، وتطورها من ديكارت إلى ليبنتز بعد مالبرانش وسبينوزا، وأثرها في تفاعل ~~الموجودات إجمالا، بل في مبدأ العلية نفسه، إذ أننا لو أنكرنا تفاعل الموجودات وهو ~~ماثل للعيان لم يبق لدينا ما يختم الاعتقاد بالعلية. # كيف يفسر تصورنا لعالم خارجي في هذه الفلسفة؟ من البين أن العالم لا يمكن أن ~~يكون فيها إلا ظاهريا أي مجموعة ظواهر من حيث إن المونادات جميعا أن يكون فيها ~~إلا ظاهريا أي مجموعة ظواهر من حيث إن المونادات جميعا لا مادية، فالمادية هي ~~الموجود منظورا إليه من خارج، هي ms125 إحالة النسبة الميتافيزيقية بين وسيلة وغاية نسبة ~~كمية بين أجزاء؛ ذلك بأنه يوجد في كل مونادا إدراك مختلط إلى جانب الإدراك المتميز، ~~وهذا الإدراك المختلط لما بين الأشياء من نسب منطقية هو الذي يعطيها في نظرنا ظاهرة ~~أشياء قاتمة في المكان والزمان، والجسم مجموعة مونادات ترأسها مونادا مركزية هي ~~بالإضافة إليه كنفسنا بالإضافة إلى جسمنا، أو هو مجموعة إدراكات مختلطة، ومن من ~~إدراك متميز إلا وينطوي على إدراكات دنيا لا نهاية لها، وما الجسم الآلي آخر الأمر ~~إلا صنع الفكر يؤلف بين إدراكاته، فليس للجسم وحدة حقة، وإنما وحدته آتية من ~~إدراكنا، فهو موجود خيالي أو ظاهري، فالنفس وحدة الجسم، والجسم وجهة نظر النفس، وما ~~المكان إلا «نظام الأوضاع» ينشأ حين ندرك عدة ظواهر في وقت واحد، وما الزمان إلا ~~«نظام المواقف المتعاقبة»، فليس المكان والزمان شيئين متمايزين من المونادات ~~وسابقين عليها، كما يتوهم نيوتن وأتباعه، ولكن إذا كان العالم الخارجي ظاهريا، ~~فما الفرق بينه وبين رؤى الأحلام؟ الفرق أن الإحساس أقوى وأدق من الرؤيا، وأن ~~الأجسام التي تبدو فيها المونادات هي ظواهر لها أصل ومرتبطة بعضها ببعض بعلاقات ~~ثابتة أو قوانين كلية تسمح لنا بتوقع ظاهرة بعد أخرى فيتحقق توقعنا، بينما صور ~~الأحلام مجرد ظواهر لا أصل لها، على أن اليقين بهذه العلامات أدبي لا ~~ميتافزيقي. # التمييز بين الظواهر الحادثة والقوانين الكلية يثير مسألة أصل المعرفة وقيمتها، ~~يريد لوك أن تكون جميع معارفنا وليدة التجربة، ولكن في النفس معارف ليست آتية عن ~~طريق الحواس، هي المبادئ الضرورية والحقائق الكلية، إننا نطبق عفوا مبادئ لا ~~ندركها إدراكا صريحا إلا فيما بعد، وننكر التناقض ولو لم نسمع قط بمبدأ عدم ~~التناقض، وعلى هذا لا تكون النفس لوحا مصقولا، بل تكون حاصلة على معارف غريزية أو ~~فطرية، يعترض لوك قائلا: لا إدراك بدون شعور، فتكون المبادئ الغريزية معارف غير ~~معروفة، وهذا خلف، ولكن ليس من البين بذاته أن لا إدراك بدون شعور، إن بين القوة ~~الصرف والفعل التام حالة وسطى هي حالة ms126 الكمون تسمح لنا بالقول بأن المبادئ موجودة ~~في النفس ولو لم يصاحبها شعور، كعروق الرخام ترسم ملامح التمثال قبل تحققه، فإذا ~~قلنا مع لوك «ليس» في العقل شيء إلا وقد سبق في الحس وجب أن نستدرك فنقول «إلا ~~العقل نفسه»، على أن طبيعة المونادا تقضي بأن تكون جميع معارفنا باطنة، إذ ليس ~~للمونادا نوافذ تنفذ منها صور الأشياء، وليست المونادا كالشمع تنطبع عليها صور ~~الأشياء، إنها موجود متميز متشخص، فلا يمكن اعتبارها خالية بادئ ذي بدء، والإ لم ~~تتميز من غيرها، تبعا لمبدأ اللا متمايزات، إن وجودها المتميز يجب أن يقوم في شيء ~~باطن هو مجموع استعداداتها للفعل، فالمونادا تتدرج باطراد من إدراكات غامضة إلى ~~إدراكات واضحة فإلى إدراكات متميزة، بهذا المعنى يصح القول بأن التجربة شرط ظهور ~~الكامنات في النفس وتطبيقها، كما هو الحال عند أفلاطون، أي بمعنى أن التجربة مجموع ~~المعارف الحادثة العارضة للنفس من ذاتها، بينما نعني بالعقل مجموع المبادئ الضرورية ~~والحقائق الكلية اللازمة منها. # ومتى كانت المونادا مشتملة منذ الأصل على استعدادات للفعل، كما يقضي مبدأ اللا ~~متمايزات ويقضي سبق التناسق، لزم أن جميع أفعالها صادرة عنها، وأن هذا معنى الحرية، ~~إن وجود الإرادة في حال توازن تام تفعل بعده بحرية، وجود غير معقول وغير ممكن، أما ~~أنه غير معقول فلأن مبدأ اللا متمايزات يحول دون المساواة التامة في الطبيعة، ~~فالفوارق موجودة ولو لم نشعر بها، وفي النفس إدراكات كثيرة غير مشعور بها، وأما أن ~~التوازن التام غير ممكن، فلأن نتيجة عدم الفعل، لا الفعل من حيث إن الفاعل لا يجد ~~سببا يميل به إلى جهة دون أخرى، كما يروى عن حمار بوريدان. # 3 # فالحرية «جبرية نفسية» خاضعة لمبدأ السبب الكافي الذي يعني أن الفعل ~~المختار هو الأحسن، وهو سبب أدنى يحتل مكانا وسطا بين الحرية العمياء التي نجدها ~~عند ديكارت والجبر الذي نجده عند سبينوزا، لا مجال عند ديكارت لغير الحادث، ولا ~~مجال عند سبينوزا لغير الضروري، ولكن القضية الضرورية هي التي محمولها متضمن في ms127 ~~مفهوم موضوعها، أو التي ترد إلى مثل هذه القضية، فنقيضها يتضمن تناقضا، والقضية ~~الممكنة أو التجريبية هي التي لا يتضمن نقيضها تناقضا ولا ضرورة لها، فالفعل الحر ~~فعل ممكن من بين أفعال أخرى ممكنة، وما الشعور بالحرية الذي يعتمد عليه ديكارت إلا ~~عدم الشعور بأسباب الفعل، وكثيرا ما تكون هذه الأسباب دقيقة غير مشعور بها، مثلنا ~~في ذلك مثل الإبرة الممغنطة، لو كان لها شعور لتوهمت أنها حرة في اتجاهها صوب ~~الشمال، لعدم إدراكها الحركات غير المحسوسة في المادة المغناطيسية. # الحقيقة أن لا فرق بين الإمكان الذي يقول به ليبنتز وبين الضرورة التي يقول بها ~~سبينوزا، فإن ممكنا واحدا بعينه من بين الممكنات كان محتوما بمقتضى مبدأ اللا ~~متمايزات ومبدأ سبق التناسق، فيكون حكمه حكم الضروري، وليبنتز يقول: «من الثابت أن ~~لكل حمل بمعنى الكلمة أساسا في طبيعة الأشياء، وحين لا يكون محمول القضية متضمنا ~~صراحة في الموضوع، يجب أن يكون كامنا فيه، إذ أن طبيعة الجوهر الشخصي أو الموجود ~~التام هي أن تكون فكرته تامة بحيث تكفي لأن نفهم منها ونستنبط جميع محمولات الموضوع ~~المضافة إليه هذه الفكرة»، # 4 # فهو يضع المحمولات العرضية والمحمولات الذاتية على قدم المساواة، ولا ~~يحسب حسابا للقوة التي هي إلى الضدين، لأنه رمى إلى المعقولية الكلية وأراد أن ~~تكون كل قضية صادقة قابلة لبرهنة قياسية، وبهذا الاعتبار تتحول القضية الممكنة إلى ~~ضرورية ما دام صدقها يلزم من إدراك حديها، وما جدوى قول ليبنتز إن الحدين الأولين ~~لا يجتمعان إلا بتحليل لا نهاية له غير ميسور إلا للعقل الإلهي، ما داما يجتمعان ~~على كل حال؟ إن ليبنتز يقف نفس موقف سبينوزا؛ ففكرة الجوهر عندهما واحدة، وهي أن ~~الجوهر ينطوي على كل ما يحتم أن يقع له، مع هذا الفارق وهو أن الجوهر الأوحد عند ~~سبينوزا يتجزأ عند لبينتز إلى عدد لا متناه من الجواهر الجزئية كل منها يمثل ~~الوجود أجمع، دون أن يبرر ليبنتز خروجه من الأنا إلى جواهر أخرى، وما حاجته إليها ~~والأنا حاو ms128 لجميع التصورات؟ أجل إنه يقول إن المونادا تصادف عقبات تعوق تصورها، ~~فتضيفها إلى مونادات أخرى، ولكن المونادات لا تتفاعل، فلم لا يقول بمونادا واحدة ~~تحاول أن تستوضح جميع وجهات الوجود؟ ولو أنه التزم التصورية لكان اقتصر على جوهر ~~واحد هو الأنا المتصور، وهكذا سيفعل مواطنه فختي. ~~(5) الله # فوق المونادات المتناهية توجد المونادا العظمى اللا متناهية أو الله، ووجود الله ~~ثابت بأدلة إنية ودليل لمي، أما الأدلة الإنية فثلاثة: الأول سبق التناسق، وقد مر ~~الكلام عنه، الثاني يؤخذ من اعتبارات المونادات ماهيات، ومؤداه أن مبدأ الاتصال ~~يأبى الانتقال الفجائي، وإذن فليست تنتقل المونادات من العدم إلى الوجود انتقالا ~~فجائيا، ولكن الممكنات موجودات لا متناهية في الصغر، موجودة في ذات هي الذات ~~الإلهية، وتحاول أن تتحقق، وتتعارض في محاولاتها، فلا بد من علة ترفع العائق من ~~سبيل البعض الذي يتحقق، إذ ليس بصحيح ما زعمه سبينوزا من أن جميع الممكنات تتحقق، ~~فإنها متعارضة متنافرة لا تلتئم في نظام واحد، وحتى لو سلمنا بتحقيقها جميعا للزم ~~أنها تتصارع وأن بعضها يتغلب فيبقى الغالب فقط، والدليل يؤخذ من المتجانسات التي لا ~~يلحقا تعارض؛ ذلك بأن مبادئ الأشياء الحادثة، وهي الزمان والمكان والمادة، متجانسة ~~تحتمل كل تعيين فليست تقتضي المادة بذاتها الحركة دون السكون، ولا حركة معينة دون ~~أخرى، فلا بد من علة تختار وتحقق، وتكون موجودا ضروريا ينطوي على علة وجوده. # وأما الدليل اللمي فهو دليل القديس أنسلم على هذه الصورة: يجب التمهيد له ببيان ~~أن الله ممكن، أي إن فكرة الله لا تتضمن تناقضا، فيصير الدليل هكذا: «إن الله واجب ~~بموجب ماهيته، فإذا كان الله ممكنا، كان موجودا»، والله ممكن، فإن الموجود اللا ~~متناهي، وليس يوجد فيه ولا خارجا عنه ما يحد من ماهيته، أما فيه فصفات لا متناهية ~~مؤتلفة في بساطة تامة، ولا تناقض إلا في المركب من عناصر متنافرة، وأما خارجا عنه ~~فليس يوجد شيء مكافئ له، ففكرة الله لا تتضمن تناقضا، فالله ممكن، والممكن - كما ~~سبق القول - يقتضي الوجود أو ms129 يميل بذاته إلى الوجود بقدر ما فيه من كمال، ولما كان ~~الله غير متناه، فليس يعترض ميله إلى الوجود شيء مغاير له، كما تتعارض الماهيات ~~المتناهية؛ لذا يذهب ميله بذاته إلى الوجود، فالممكن الذي هو الله موجود بمحض كونه ~~ممكنا، والإمكان والوجود شيء واحد فيه. # الله خالق المونادات: «إن الله، إذ يدير، إن جاز هذا التعبير، على جميع الجهات ~~وجميع الأنحاء النظام الكلي للظواهر الذي يرى من الخير أن يحدثه ليعلن مجده، وإذ ~~ينظر إلى جميع وجوه العالم على جميع الأنحاء الممكنة، من حيث أن ليس هناك من علاقة ~~تغيب عن علمه الكلي، فنتيجة كل نظرة إلى العالم من جهة معينة جوهر يعبر عن العالم ~~طبقا لهذه النظرة»، والله حافظ المونادات، لقد ظن ديكارت أن ليس بين آنات الزمان ~~ارتباط ضروري، فاعتبر الحفظ خلقا متجددا، ولكن ينقل المخلوق من الإمكان إلى ~~الوجود والحفظ يحفظ عليه الوجود المستمر؛ لأن المخلوق متعلق بالعلية الإلهية على ~~الدوام، والله هو العلة الوحيدة (كما هو الحال عند مالبرانش وسبينوزا) من حيث إن ~~المونادات لا تتفاعل، وأن فعلها «نشر المطوي فيها، فالاتجاه واحد عند الفلاسفة ~~الثلاثة، وهو اتجاه إلى وحدة الوجود. # هل كان الخلق فعلا ضروريا؟ رأى سبينوزا أنه ليس يمكن أن تصدر أفعال الله ~~اعتسافا فأخضعها للضرورة، ورأى ديكارت أن ليس يمكن أن يكون الله خاضعا للضرورة ~~فأطلق له الحرية، ولكن يجب التمييز بين الحقائق الضرورية والحقائق الممكنة، أما ~~الأولى فليست تابعة للإرادة الإلهية، إذ لو كانت العدالة (مثلا) وضعت اعتسافا ومن ~~غير سبب لما بدت في ذلك طبيعة الله وحكمته، ولما كان هناك ما يلزمه بالعدالة من حيث ~~إنه يستطيع أن يغيرها، وأما القضايا الممكنة فتابعة للضرورة الأدبية التي تقوم في ~~اختيار الأحسن، وهي وسط بين الضرورة المطلقة والحرية المطلقة، نتبينها في إراداتنا ~~تميل بها ولا تضطرها، وهي الضرورة الخاصة بمبدأ السبب الكافي، والممكنات، وإن كان ~~كل منها على حدة ممكنا في ذاته، ليست ممكنة كلها بعضها مع بعض، ومن بين التأليفات ~~الممكنة التي ms130 لا تحصى، يوجد بالضرورة التأليف الذي يحقق أكبر كمية من الماهية أو ~~الإمكان، وهو هذا العالم الذي هو خير العوالم الممكنة، فخلقه الله من حيث إن الله ~~لا يفعل شيئا إلا بمقتضى حكمته الفائقة، فالتفاؤل لازم من حكمة الله وخيريته. # وماذا نقول في الشر إذن؟ يجب التمييز بين أنواع ثلاثة للشر: الشر الميتافيزيقي ~~وهو النقص بالإجمال، والشر الطبيعي وهو الألم، والشر الخلقي وهو الخطيئة، فأما الشر ~~الميتافيزيقي فلا محيص عنه، إذ أن النقص والحد والعدم ملازمة للموجود المتناهي، ~~ولكن إذا ذكرنا أن الله لم يخلق أي مخلوق إلا وقد لحظ مكانه في الكل، وأنه خلق خير ~~العوالم الممكنة، لزم أن كل مخلوق فهو حاصل في كل آن على ما يحق له من كمال ~~بالإضافة إلى الكل، وإنما تبدو لنا الأشياء أقل كمالا مما كان يمكن أن يكون، لأننا ~~لا ندركها إلا مفرقة وهذا خطأ وقع فيه بيل، وثمة خطأ آخر وقع فيه، هو اعتبار الله ~~علة الشر، وقد قلنا إن الشر الميتافيزيقي حد وعدم، وليس يقتضي العدم علة، وأما الشر ~~الطبيعي أو الألم فيفسر بأنه نتيجة للشر الميتافيزيقي أو للشر الخلقي، آتية من أن ~~لنا جسما، وهذا خير، وأن الأجسام الطبيعية مترابطة، وهذا خير أيضا، وأن الخطيئة ~~تستحق العقاب، على أن الألم قد يكون إنذارا باجتناب ضرر، أو وسيلة لاكتساب ثواب، ~~فيكون سببا للخير، وعلى كل حال ليست الشرور من الكثرة والخطورة على ما يقوله ~~المتشائمون، إنها لتعد كمية مهملة بالقياس إلى الخيرات في الحياة الإنسانية وفي ~~جملة العالم، ويمكن التغلب عليها بالعقل والمران، وأما الشر الخلقي فعلته القريبة ~~حرية الإنسان التي هي في ذاتها خير عظيم، فهو ليس محتوما، وليس يريده الله بإرادة ~~سابقة، بل إنما يسمع به كجزء من العالم الذي هو خير العوالم الممكنة، من حيث إن ~~الله لا يقرر خلق الاشياء مفردة، فما على الإنسان إلا أن يحسن استعمال الحرية، وما ~~منحنا الحرية إلا لنحسن استعمالها، هذا إلى أن الشر الخلقي نفسه قد يكون سببا لخير ms131 ~~أعظم، فلولا خيانة يهوذا لما كان المسيح صلب وخلص البشر، فالخير والتناسق والنظام ~~صفات ظاهرة في مملكة الطبيعة، وهي أظهر وأعظم في مملكة النعمة أو مدينة الله التي ~~تضم الأرواح العاقلة الأخلاقية، في مملكة النعمة الله ملك أو بالأحرى أب، وفي مملكة ~~الطبيعة الله صانع يدبر بقوانين آلية، فالتفاؤل يؤخذ بنوع خاص من اعتبار النظام ~~الخلقي ومملكة النعمة. ~~(6) الأخلاق والدين # يتبين النظام الخلقي من جملة إدراكاتنا المتميزة، فإنها هي المطابقة لطبيعتها ~~وطبيعة الوجود، فواجبنا أن نتوقف عن العمل بناء على إدراكاتنا المختلطة، فما ~~الخطيئة إلا الفعل الصادر عن إدراك ناقص، وواجبنا أن نروض النفس على العمل بناء على ~~إدراك متميز، بل إن واجبنا الأول العمل على اكتساب الإدراكات المتميزة أي القواعد ~~الكلية، فإننا بذلك نحقق كمال عقلنا الذي هو ماهيتنا ونحصل على سعادتنا الحقة التي ~~هي الغبطة العقلية، والإدراك المتميز يبعث على العمل، وكلما تعمقناه وجلوناه زاد ~~تعلقنا بالخير، في حين أن الجهل سبب انحرافنا عن الطريق القويم، وأن مجرد ترديد ~~القواعد الكلية عقيم لا يثير فينا ميلا إليها، وكلما اتسع مجال إدراكنا المتميز ~~قوي شعورنا بعلاقتنا بإخواننا في الإنسانية وبالله، ومن ثمة كلما ازددنا كمالا ~~اغتبطنا بخير الآخرين وكمالهم وأحببناهم، إذ أن المحبة هي الاغتباط بسعادة الغير، ~~وتجد المحبة موضوعها الأقصى في الله الموجود الفائق الكمال، فهو خيرنا وكمالنا، ~~وباغتباطنا بكماله نكمل نفوسنا، وهذه ماهية الدين الطبيعي. # أما الأديان الوضعية فتقليد للتقوى الحقة مفيد للجمهور، طقوسها تقليد للأفعال ~~الفاضلة، وعقائدها ظل الحقيقة، وبالرغم من هذا النقص هي ممدوحة إذا عاونت على ~~الارتفاع من الحياة الحسية إلى الحياة الروحية، ومذمومة إذا صرفت عن هذه الغاية، ~~ومن هذه الوجهة خير الديانات الوضعية هي المسيحية، وليس بصحيح أن عقائدها معارضة ~~للعقل. # بهذه الآراء يتابع ليبنتز العقلية الحديثة ولا يزيد عليها شيئا ، ولكنه يعد ~~زعيما اتصل أثره إلى اليوم في نواح أخرى؛ فهو قد بين المذهب العقلي تبيينا ~~منطقيا ومضى معه إلى نتائجه المحتومة، وأهمها نظريته في الحرية، فكان أشد ~~استمساكا من ديكارت ms132 بمبدئهما المشترك وأدق تطبيقا له، وهو أعظم مؤسسي المنطق ~~الرياضي الذي تقدم في عصرنا تقدما كبيرا، وهو مؤسس الروحية التصورية على نحو أكثر ~~جرأة ووضوحا من مالبرانش، وإلى فلسفته ترجع النظرية الفيزيقية العصرية المسماة ~~دينامزم، أي نظرية الطاقة، والتي ترد الأجسام إلى «مراكز قوة» أو كهرباء. # فونتنل (1657-1757) أشهر طائفة من المثقفين تجاهلوا ميتافيزيقا ديكارت ~~وأخذوا بعلمه الآلي وقاعدته القائلة: «لا أسلم إلا ما يبدو لي جليا»، ~~واستخدموها أداة لنقد الدين، فمهدوا لفلسفة القرن الثامن عشر، له كتاب ~~بعنوان «أحاديث في كثرة العوالم» (1686) يستدل بنظرية كوبرنك على غرور ~~الإنسان القديم الذي وضع نفسه في مركز الكون، ويذهب إلي أن علمنا نسبي، ~~وكتاب «تاريخ النبوءات» ينكرها جميعا، ويبرز وجوه شبه بين المسيحية ~~والوثنية تحمل علي تطبيق انتقاداتنا للوثنية على المسيحية، ورسالة في «أصل ~~الأساطير» تردها إلى جهل الإنسانية الأولى وتخيلها الخوارق، وترى في هذا ~~التاريخ تاريخ أخطاء العقل الإنساني. # بيير بيل (1647-1706)، أعجبه من ديكارت إعلانه الحق في التفكير بحرية ~~دون الرجوع لغير المعاني الجلية، جمع معلومات كثيرة استخدمها لبيان بطلان ~~دعوى التوفيق بالعقل بين الآراء الآنسانية، وقال بالشك ونقد المذاهب، وتشكك ~~في المعجزات وسائر العقائد، ولم ير علاقة ضرورية بين الأخلاق والدين، ~~وأنكر حرية الاختيار، وأشاد بالتسامح الذي هو في الحقيقة عدم المبالاة ~~بالدين، وحشد الاعتراضات المستمدة من وجود الشر في العالم فأنكر العناية ~~الإلهية، مؤلفه المشهور «المعجم التاريخي النقدي» (1697) يعد كنانة نقاد ~~الدين في القرن الثامن عشر والتاسع عشر. # انظر كتابنا «تاريخ الفلسفة الأوربية في العصر الوسيط» ص249. ~~«مقال في ما بعد الطبيعة» فقرة 13. # الفصل الثامن # جون لوك # 1632-1704 ~~(1) حياته ومصنفاته # هو أحد كبار ممثلي النزعة التجريبية الإنجليزية، جاء بعد هوبس وبيكون وكان أعمق ~~منهما في توضيح المذهب الحسي والدفاع عنه، فاستحق أن يدعى زعيمه في العصر الحديث، ~~ولئن كانت النزعة التجريبية الخاصة بإنجلترا ظاهرة في تفكيرها منذ العصر الوسيط، ~~فمن الحق أن يذكر أن لإنجلترا نزعة روحية أفلاطونية اتصلت منذ العصر الوسيط كذلك، ~~ووجدت لها ملجأ في منتصف ms133 القرن بجامعة كمبردج، بينما كانت جامعة أكسفورد تحافظ على ~~المدرسية الأرسطوطالية، ومن ممثلي هذه الأفلاطونية اللورد بروك الذي سقط قتيلا في ~~الخامسة والثلاثين (1643) وهو يناضل في سبيل البرلمان، وهو يذهب في كتابه «ماهية ~~الحقيقة» (1641) إلى أن التجربة لا توفر لنا المعرفة الحقة، وأن العقل حاصل منذ ~~الأصل على المعاني العليا الضرورية للعلم والأخلاق، فإن العلم يرتفع بالفعل فوق ~~الحس، كما يشهد نظام كوپرنك مثلا، وأن الأخلاق تدور على ما يجب أن يكون لا على ما ~~هو كائن، ويصطنع بروك وحدة الوجود، ويقول إن العقل لا يجد اطمئنانه النهائي إلا ~~بمعرفة العلة الأولى للموجودات، وأن كل كثرة وكل علاقة وزمانية ومكانية ما هي إلا ~~مظهر، وإن معرفتنا وحدة الموجودات في الله تبرئنا من الحسد وتعلمنا أن في سعادة ~~القريب سعادتنا، فمعارضة لوك للمذهب العقلي ولنظرية المعاني الغريزية، على ما سنرى، ~~تتجه إلى هذه المدرسة كما تتجه إلى ديكارت ومدرسته. # ولد جون لوك بالقرب من بريستول، وكان أبوه محاميا خاض غمار الحرب الأهلية ~~دفاعا عن البرلمان، فنشأ الابن على حب الحرية، وظل متعلقا بها إلى آخر حياته، دخل ~~أول أمره في مدرسة وستمنستر ومكث بها ست سنين يتلقى اللغات القديمة، إذ لم يكن ~~يشتمل البرنامج على العلوم الطبيعية إلا قليلا من الجغرافيا، ولما بلغ العشرين دخل ~~أكسفورد وقضى بها ست سنين يتابع الدراسات المؤدية إلى الكهنوت، ولكنه لم يتذوق ~~الفلسفة المدرسية، ولم يتهم بالفلسفة إلا حين قرأ ديكارت وجساندي، وبدا له أن ~~الوجهة الأخلاقية من الدين أجدر بالعناية من الوجهة الاعتقادية، فولى وجهة شطر ~~الطب ودرسه دون أن يتقدم للدكتوراه، وفي 1666 اتصل باللورد أشلي الذي صار فيما بعد ~~كونت شفتسبري ومن أعاظم السياسيين في عصره، فكان كاتبه وطبيبة مدة ثلاث سنين، في ~~ذلك الوقت نشر رسالة صغيرة «في التشريح» (1668) وانتخب عضوا بالجمعية الملكية، ثم ~~نشر رسالة أخرى «في الفن الطبي» (1669) حيث يعلن أن النظريات العامة تقف سير العلم، ~~وأن لا فائدة إلا في فرض الجزئي الموجه إلى إدراك العلل الجزئية فيبين ms134 بذلك عن ~~اتجاهه التجريبي. # واضطره النزاع بين حزب البرلمان وتشارلس الأول إلى مغادرة إنجلترا، فقصد إلى ~~فرنسا مرتين (1672، 1675-1679) حيث كان معظم إقامته بمونيلپي، ثم إلى هولاندا ~~(1683) حتى نشوب ثورة 1688، فعاد إلى وطنه في السنة التالية، فعرض عليه الملك ~~الجديد السفارة لدى ناخب براندبورج، فطلب إعفاءه منها بسبب حالته الصحية، وقبل ~~منصبا آخر هو قوميسيرية التجارة والمستعمرات، ثم اعتزل الخدمة، في هذا الشطر ~~الثاني من حياته ساهم في جميع الحركات الفكرية التي كان يضطرب بها عصره، وصنف فيها ~~كتبا، هي: رسالة «في الإكليروس» و«خواطر في الجمهورية الرومانية» و«لا ضرورة لمفسر ~~معصوم للكتب المقدسة» و«في التسامح» و«في الحكومة المدنية» و«معقولية المسيحية» ~~و«اعتبارات في نتائج تخفيض الفائدة وزيادة قيمة النقد» و«خواطر في التربية»، يحبذ ~~فيها طرائق هي التي اتبعها أبوه في تربيته. # أما الفلسفة فقد اتجه إليها فكرة في شتاء 1670-1671 على إثر مناقشات مع بعض ~~أصدقائه لم يوفقوا فيها إلى حل المسائل التي أثاروها، ففطن إلى أنه يمتنع إقامة ~~«مبادئ الأخلاق والدين المنزل إلا بعد الفحص عن كفايتنا والنظر في أي الأمور هو في ~~متناولنا وأيها يفوق إدراكنا»، وهكذا نبتت عنده فكرة البحث في المعرفة فوضع لفوره ~~رسالة «في العقل الإنساني» يرجع فيها معانينا جميعا إلى معان بسيطة مستفادة من ~~التجربة، ثم عكف على الموضوع يخصص له أوقات فراغه مدة تسع عشر سنة حتى أتم كتابة ~~الشهير «محالة في الفهم الإنساني» (1690) والكتاب مقسم إلى أربع مقالات: الأولى في ~~الرد على نظرية المعاني الغريزية، والثانية في تقسيم المعاني بسيطة ومركبة وبيان ~~أصلها التجريبي، والمقالة الثالثة في اللغة ووجوه دلالة الألفاظ على المعاني وتأثير ~~اللغة على الفكر، ومعارضه الفلسفة المدرسية باعتبارها فلسفة لفظية، وإبطال حقيقة ~~معاني الأنواع والأجناس، والمقالة الرابعة والأخيرة في المعرفة، أي في اليقين ~~الميسور لنا، فتبحث في قيمة المبادئ الأخلاقية، وفي علمنا بوجودنا، ووجود الله، ~~وبوجود الماديات، وفي العقل والدين، والمقالة الأولى هي القسم السلبي من الكتاب، ~~والمقالات الثلاث التالية هي القسم الإيجابي أي عرض المذهب التجريبي المبطل لنظرية ~~المعاني ms135 الغريزية، وقد دون لوك هذه المقالات أولا لتوقف المقالة الأولى عليها، ~~بمعنى أن القارئ يقبل هذه المقالة بسهولة أكبر إذا ما رأي كيف يستطيع العقل أن ~~يكتسب معارفه، كما يقول المؤلف نفسه (م2 ف1)، وطبع الكتاب ثانية سنة 1694 بزيادات ~~كثيرة وتعديلات، وترجم إلى الفرنسية ونشرت الترجمة سنة 1700 بعد أن راجعها المؤلف ~~وأضاف إليها وأصلح منها. # على أن بضاعته الفلسفية ضئيلة سطحية، وأسلوبه يبين عن شيء كثير من السذاجة، من ~~شواهد ذلك أنه يكثر من التمثيل، ويسهب في تفصيل الأمثلة كأنها المقصود بالذات، ~~ويسخر مما لا يعرف فتجيء سخريته ثقيلة جدا، استمع إليه يقول في حملته على ~~القياس: «لو وجب اعتبار القياس الأداة الوحيدة للعقل والوسيلة الوحيدة للوصول إلى ~~الحقيقة، للزم أنه لم يوجد أحد قبل أرسطو يعلم أو يستطيع أن يعلم شيئا ما بالعقل، ~~وأنه لا يوجد منذ اختراع القياس رجل بين عشرة آلاف يستمتع بهذه الميزة، ولكن الله ~~لم يكن ضنينا بمواهبه على البشر إلى حد أن يقنع بإيجاد مخلوقات ذوات قدمين، ويدع ~~لأسطو العناية يجعلهم مخلوقات عاقلة» (م4 ف17 فقرة 4). # ثم يردد الأقاويل المتداولة بين الشكاك والحسيين منذ عهد قديم من أن قواعد القياس ~~ليست هي التي تعلم الاستدلال، وأن القياس لا يفيد في كشف الخطأ في الحجج ولا زيادة ~~معارفنا، فلم يميز لوك بين المنطق الفطري الموفور للناس وبين المنطق العلمي الذي ~~وضعه أرسطو، ولم يميز بين العلم الناقص الصادر عن المنطق الفطري وبين العلم الكامل ~~المحقق بقواعد المنطق العلمي، ولم يدرك حقيقة القياس، وفاتته أمور أخرى كثيرة، وهو ~~مع ذلك يجزم فيها جميعا. ~~(2) أصل المعاني # أول ما يصنع لوك في كتابه «محاولة في الفهم الإنساني» هو أن ينحي المذهب الغريزي ~~من طريقه لكي يعرض المذهب الحسي أو التجريبي، وهو يظن أن الغريزية تعني وجود معان ~~صريحة وقضايا صريحة في الذهن منذ الميلاد، ولم يقل ديكارت وليبنتز شيئا مثل هذا، ~~وهو يظن كذلك أن الغريزية تدع مجالا واسعا للتقدير الشخصي ما دامت معرفة باطنة، ~~فلا ms136 يريد أن يتركها تعبث بنظرية المعرفة وتنكر وجود الله، وهما الأمران الضروريان ~~لاتفاق العقول وطمأنينتها، ومعه أن ديكارت وليبنتز كان يعلمان الفرق بين الذاتي ~~والموضوعي، وكان كلاهما يقيم مذهبه على وجود الله، غير أن لوك يصيب الحق في المعرفة ~~الإنسانية حين يقول: «لكي نحصل على معرفة صادقة يجب أن نسوق الفكر إلى الطبيعة ~~الثابتة للأشياء وعلاقاتها الدائمة، لا أن نأتي بالأشياء إلى فكرنا»، وتبعا لهذا ~~المبدأ يعتقد أن المذهب الحسي هو المذهب الوحيد الممكن، ويشرع في دحض النظرية ~~الغريزية فيقول ما خلاصته: # لو كان المذهب الغريزي صحيحا لما كان هناك حاجة للبحث عن الحقيقة بالملاحظة ~~والاختبار، إن ديكارت متفق مع مذهبه الغريزي حين «يغمض عينيه ويسد أذنيه» ويستبعد ~~كل ما يأتي عن طريق الحواس، ولكنه يخالف مذهبه حين يعكف على دراسة التشريح ووظائف ~~الأعضاء، ولو كانت المبادئ التي يذكرونها غريزة للزم أن توجد عند جميع الناس ~~دائما، ولكن الأقلين من الناس - حتى من بين المثقفين - يعرفون المبادئ النظرية، ~~مثل مبدأ الذاتية ومبدأ عدم التناقص، وما الفائدة من هذه المبادئ؟ لكي نحكم بأن ~~الحلو ليس المر، يكفي أن ندرك معنيي الحلو والمر فنرى فورا عدم الملاءمة بينهما ~~دون التجاء إلى المبدأ القائل: «يمتنع أن يكون شيء غير نفسه»، كذلك ليست المبادئ ~~العملية غريزية، إن هذه المبادئ - من أخلاقية وقانونية - تختلف من شعب إلى شعب ومن ~~دين إلى دين، وإجماع فريق كبير من الناس على مبدأ ما دليل على أن المبدأ المقابل ~~ليس غريزيا، وما الضمير إلا «رأينا فيما نفعل»، ولو كان الضمير دليلا على وجود ~~مبادئ غريزية لكانت هناك مبادئ غريزية مختلفة متعارضة من حيث إن كلا يصدر في فعله ~~عن مبدأ، أليس المتوحشون يقترفون الكبائر ولا يبكتهم ضميرهم؟ وليس يعني هذا أن ~~المبادئ الأخلاقية عرفية، كلا، إنها طبيعية، ولكنها مكتسبة، نتقبلها من بيئتنا ~~ونألفها فتبدو غريزية (م1 ف2)، ويقول أصحاب المذهب الغريزي، ردا على الاعتراض بأن ~~الأطفال والبله وجمهرة الأميين يجهلون هذه المبادئ جهلا تاما، إن من الممكن أن ~~تكون ms137 المعاني والمبادئ في النفس دون أن تكون مدركة، ولكن كيف تكون هذه المعاني ~~والمبادئ وهي غير مدركة؟ إن وجود المعنى في النفس هو إدراكه، فقولهم يرجع إلى أن ~~المعاني موجودة في النفس وغير موجودة فيها، كأنهم يقولون إن الإنسان جائع دائما ~~ولكنه لا يحس الجوع دائما ... فواضح من هذا أن لوك لا يريد أن يعترف بالوجود بالقوة ~~وباللا شعور، مع أن الذاكرة دليل ساطع عليهما. # متي بطل المذهب الغريزي وجب تفسير آخر للمعرفة، والحق عند لوك أن النفس في الأصل ~~كلوح مصقول لم ينقش فيه شيء، وأن التجربة هي التي تنقش فيها المعاني والمبادئ ~~جميعا، والتجربة نوعان: تجربة ظاهرة واقعة على الأشياء الخارجية؛ أي إحساس، وتجربة ~~باطنة واقعة على أحوالنا النفسية؛ أي تفكير (ولوك يفضل لفظ تفكير على لفظ شعور)، ~~وليس هناك مصدر آخر لمعان أخرى (م2 ف1)، ودراسة اللغة تؤيد هذا الرأي؛ فإن الألفاظ ~~في الأصل تدل على جزئيات مادية، ثم نقلت بالتدريج على ضربين، أحدهما من الجزئيات ~~إلى الكليات بملاحظة التشابه وإسقاط الأعراض الذاتية، والضرب الآخر من الماديات إلى ~~الروحيات بالتشبيه والمجاز؛ فألفاظ التخيل والإحاطة والتعلق والتصور والاضطراب ~~والهدوء وما إليها، أخذت أولا من الماديات، ولفظ النفس معناه الأصلي ... وهكذا، بحيث ~~«لا يوجد في العقل شيء إلا وقد سبق وجوده في الحس» (م2 ف2)، وإن لوك لعلى حق في ~~قوله هذا، وليس في وسع الغريزيين أن يدلونا على معنى واحد من معاني المجردات ~~والروحيات مطابق لموضوعه ومسمى رأسا من موضوعه، وإذا أضفنا إلى هذه العبارة ~~المشهورة ما أضافة لبينتز بقوله «إلا العقل نفسه» أصبنا الحقيقة الكاملة في المعرفة ~~الإنسانية، ولكن لوك لا يقبل هذه الإضافة، ويزعم أن المعرفة كلها تفسر بالحس وحده ~~على النحو الآتي: # معانينا طائفتان: معان بسيطة مكتسبة بالتجربتين الظاهرة والباطنة، ومعان مركبة ~~ترجع إلى التفكير، أما المعاني البسيطة فطوائف ثلاث: أولاها المعاني المحسوسة ~~بالحواس الظاهرة، مثل قولنا: بارد صلب أملس خشن مر امتداد شكل حركة...، والطائفة ~~الثانية المعاني المدركة باطنا، وهي التي ترجع إلى الذاكرة ms138 والانتباه والإرادة، ~~والطائفة الثالثة المعاني المحسوسة والمعاني المدركة باطنا معا، مثل معاني الوجود ~~والوحدة والدوام والعدد واللذة والألم والقدرة (م2 ف7)، اللذة والألم يصاحبان جميع ~~معانينا الظاهرة والباطنة تقريبا، والوجود والوحدة معنيان يمكن أن يثيرهما فينا كل ~~إحساس خارجي وكل فكرة نفسية، والدوام معنى ينشأ من ملاحظة الزمن الذي يقضي بين ~~معانينا في تعاقبها، وينشأ معنى العدد من تكرار الوحدة، ونشعر بالقدرة حين نفعل، ~~وما الفعل الحر إلا الفعل نفسه، فإذا لم نقدر على الفعل لم نكن أحرارا، إذ لا معنى ~~للاعتقاد بالقدرة دون الفعل، وما اعتقادنا بالحرية إلا اعتقاد بإمكان تكرار فعل ~~سابق لمجرد كون هذا الفعل قد سبق، وهكذا تفسر جميع المعاني التي من هذا القبيل، فإن ~~النفس في إدراكها منفعلة تسجل الواقع. # أما المعاني المركبة فالنفس فيها فاعلة إذ أنها هي التي تصنعها، وهذه المعاني ~~طائفتان: طائفة تؤلف فيها النفس المعاني البسيطة في معنى شيء واحد، مثل معنى الذهب ~~أو معنى الإنسان، وطائفة تؤلف فيها النفس المعاني البسيطة بحيث تمثل مع ذلك أشياء ~~متمايزة، مثل معاني الإضافة بالإجمال، كمعنى البنوة يجمع بين معنى الابن ومعنى ~~الأب، وكمعنى العلة يجمع بين معنى شيء موجد ومعنى شيء موجد منه، والأصل في هذا أن ~~تعاقب الظواهر يخلق بينها علاقات في الذهن تحملنا على اعتقاد أنه إذا وضعت ظواهر ~~معينة وقعت ظواهر معينة، ولكن هذا الاعتقاد ذاتي بحت، وليس للعلية من معنى سوى هذا ~~التوقع الذاتي، وكمعنى اللا متناهي، سواء أضيف لله أو للزمان أو للمكان، فقد ظنه ~~ديكارت بسيطا وهو مركب مكتسب بإضافة الكمية المحدودة المعلومة بالتجربة إلى مثلها، ~~وهكذا إلى غير نهاية، وكمعنى التشابه، ومعنى التغاير ... إلخ (م2 ف12)، والطائفة ~~الأولى تنقسم بدورها إلى قسمين: قسم يشمل معاني الأعراض، وهي معاني أشياء لا تتقوم ~~بأنفسها، كالمثلث أو العدد، وقسم يشمل معاني أشياء تتقوم بأنفسها كالإنسان، وتنقسم ~~الأعراض إلى أعراض بسيطة، وهي المركبة من معنى بسيط واحد مع نفسه، كالعدد المركب من ~~تكرار الوحدة، والمكان والزمان المركبين من أجزاء متجانسة، ms139 وإلى أعراض مختلطة، وهي ~~المركبة من معان بسيطة متنوعة، مثل معنى الجمال المركب من لون وشكل يحدثان سرورا ~~في الرأي، ومعاني القتل والواجب والصداقة والكذب والرياء ... # وللتركيب ثلاث طرائق: المضاهاة والجمع والتجريد، أما المضاهاة فتكون المعاني ~~المندرجة تحت اسم الإضافة، وأما الجمع فهو التأليف بين المعاني البسيطة، وأخيرا ~~التجريد وهو الانتباه إلى الخصائص المشتركة بين الجزئيات وفصلها عن الخصائص الذاتية ~~لكل جزئي، فنحصل على معان كلية ندل على كل منها بلفظ واحد يغنينا عن ألفاظ لا تحصى ~~للدلالة على كل جزئي، كما يغنينا عن حفظ صور الجزئيات وهي لا تحصى كذلك (م3 ف6 و7)، ~~فالمعنى الكلي معنى ناقص يحتوي على بعض خصائص الشيء دون بعض، وكلما كان أكثر كلية ~~كان أكثر نقصا، فمعنى الجنس جزء من معنى النوع، ومعنى النوع جزء من معنى الفرد، ~~فالمعنى الكلي من صنع الفكر لا يقابله في الخارج «صورة» ثابتة كما يظن المدرسيون ~~(م3 ف11)، أجل إن الطبيعة تحدث أشياء متشابهة، والفكر يكون معانيه الكلية بمناسبة ~~المشابهات، ولكن المعاني الكلية خلاصات لما نعرف من كيفيات الأشياء، فكلما تغيرت ~~المعرفة تغيرت الأنواع (م3 ف6) والأشياء خاضعة للتغير، فكلما تغيرت الأنواع تغيرت ~~المعرفة. ~~(3) الفكر والوجود # بعد هذا التحليل تأتي مسألة قيمة المعرفة: هل لمعانينا مقابل في الوجود؟ وهل ~~توجد جواهر مقابل للظواهر؟ يقول لوك: «من البين أن الفكر لا يدرك الأشياء مباشرة، ~~بل بوساطة ما لديه عنها من معان ... فكيف يعلم الكفر أن معانيه مطابقة للأشياء؟» (م4 ~~ف4)، ونقول: بل كيف يعلم أن هناك أشياء؟ هذا موقف ورثة لوك عن ديكارت، ولكنه لم ~~يقدر المسألة حق قدرها ولم يشك قط في وجود عالم خارجي، وبعد أن وضع الحقيقة في ~~صحة لزوم العلاقات بين المعاني بالاستدلال، عاد فجعل الحقيقة في المطابقة بين ~~المعاني والأشياء، والمراد المعاني البسيطة؛ لأن المعاني المركبة عبارة عن نماذج ~~يصنعها الفكر ويتأملها كما تقدم، وبعد أن نقد معنى الجوهر عاد فقال بوجود جواهر غير ~~مدركة في أنفسها هي النفس والله والمادة، ونقده للجوهر يرجع ms140 إلى أنه معنى مركب؛ ذلك ~~أن الفكر يلاحظ تلازم معان بسيطة مكتسبة بحواس مختلفة، فيعتاد اعتبار هذا المجموع ~~شيئا واحدا، ويطلق عليه اسما واحدا كالإنسان والفرس والشجرة، ويتوهم أن هناك ~~أصلا تقوم فيه الكيفيات؛ لأنه لا يدرك كيف يمكن لهذه المعاني البسيطة أو الكيفيات ~~أن تقوم بأنفسها (م2 ف23). وهذا يعني أن لوك يظن القائلين بالجوهر يريدون به ~~موضوعا عاطلا من الكيفيات مخفيا تحتها، والواقع أن الكيفيات عندهم كيفيات ~~الموضوع وأن التمييز بينه وبينها تمييز ذهني له أصل في حقيقة الأشياء هو أن الأشياء ~~تتقلد كيفيات مختلفة مع بقائها هي هي بالماهية، على أن لوك يعتقد بوجود الجوهر كما ~~ذكرنا، ويقول لو استطعنا إدراكها لأدركنا ائتلاف الكيفيات، ولكننا لا نستطيع لأن ~~معرفتنا مقصورة على الإحساس والتفكير. # فالنفس مجموع معان بسيطة مدركة بالتفكير، والأنا هو هذا الشيء المفكر المدرك ~~لأفعاله، ووجوده موضوع حدس باطن لا يتطرف إليه شك ولا يحتاج إلى دليل، وجهلنا بجوهر ~~النفس لا يخولنا الحق في إنكار وجودها، بيد أن لوك لا يريد أن يقول أن «الذاتية ~~الشخصية» تقوم في ذاتية النفس أي بقائها هي هي، ولكنه يردها إلى ذاتية الشعور ~~بالأنا الذي يتذكر الآن فعلا ماضيا (م2 ف27)، غير أن هذا وصف لشعورنا بالشخصية، ~~وليس تفسيرا لإمكان الذاكرة والشخصية، أليس التذكر يستلزم بقاء الأنا الذي يتذكر ~~هو هو؟ هذه مسألة يراها لوك مجاوزة لدائرة التجربة البحتة فلا يريد أن يعرض لها، ~~كذلك يفعل في مسألة ما إذا كان الأنا روحيا أو ماديا، بسيطا أو مركبا، وهذه ~~مسألة تقتضي حل مسألة أخرى هي ما إذا كانت المادة تستطيع أن تفكر أو لا تستطيع، ولا ~~سبيل إلى حلها لأننا نجهل جوهر المادة كما نجهل جوهر النفس، فليس بوسعنا أن نتأكد ~~إن كانت قوة التفكير تلائم طبيعة المادة أو لا تلائمها، وقد يكون الله كون جسما ما ~~بحيث يقدر أن يفكر ونحن لا ندري. # والله موجود، ولكن ماهيته مجهولة لا يستطيع عقلنا أن يعينها، ولسنا نؤمن بوجود ~~الله بناء على ms141 معنى غريزي، بل بناء على برهان، إن المعنى الغريزي معدوم بالمرة عند ~~الذين يقولون إنهم ملحدون، وعند بعض القبائل المتوحشة، وهو إن وجد عند العامة فإنه ~~مشبع بالتشبيه ولا يطابق حقيقة الله، فلو كان في النفس معنى غريزي عن الله لأمن ~~بالله جميع الناس وتعقلوه كما هو، وليس بصحيح أن معنى اللا نهاية سابق على معنى ~~النهاية، كما يدعي ديكارت، وإنما اللا نهاية معنى معدول، ونحن نتصور لا نهاية الله ~~عددا غير محدود من أفعال الله بالإضافة إلى العالم، ونتصور سرمدية الله زمانا غير ~~محدود، أي إن تصورنا اللا نهاية ليس تصور لا نهاية متحققة بالفعل، وإنما هو تصور ~~تدرج لا نهاية له، وإن كانت اللا نهاية الإلهية في ذاتها شيئا آخر يفوق تصورنا ~~وكفايتنا المحدودة، سرمديا كلي القدرة، وعاقلا أيضا من حيث إنه خلق في العقل، ~~وخالق المادة من حيث إنه خلق نفسي، وإن خلق المادة أيسر من خلق النفس، وهذا البرهان ~~برهان على وجود الله وعلى ماهيته في آن واحد دون حاجة إلى معنى غريزي، ولكن لوك ~~يعول على مبدأ العلية، وهو عنده مركب بفعل النفس غير موضوعي، ويتحدث عن العقل ~~والمادة والنفس والسرمدية كما لو كان يدرك كنهها، وقد قرر أن عقلنا يجهل الكنه ولا ~~يدرك سوى الظواهر، فهو يعود إلى فطرة العقل برغمه ودون أن يشعر. # والأجسام موجودة، وعلمنا بوجودها محقق عمليا وإن لم يكن في مثل يقين علمنا ~~بذاتنا وبالله، يدل على وجودها أولا أن الذهن لا يستطيع إحداث صورها من تلقاء ~~نفسه، وكل فاقد حاسة فهو عاطل من المعاني المتعلقة بتلك الحاسة، كالأكمه فإنه عاطل ~~من معاني الألوان ولا يتصورها إن إمكن وصفها له، ثانيا أننا نميز المعنى الآتي من ~~الحس والمعنى الآتي من الذاكرة، فالأول مفروض علينا والثاني تابع للإرادة تذكره أو ~~لا تذكره، وإن ما يصاحب الأول من لذة أو ألم لا يصاحب الثاني، ثالثا أن الحواس ~~يؤيد بعضها بعضا، فالذي يرى النار يستطيع أن يمسها إن شك في وجودها ، وحينئذ يحس ms142 ~~ألما لا يمكن أن يحس مثله لو كان إدراكه مجرد تصور (م4 ف11)، على أن معانينا ليست ~~صور الأشياء أو أشباهها، وإنما هي علامات دالة عليها، كما أن الألفاظ لا تشبه ~~المعاني التي تقوم في النفس حال سماعها ولكنها تدل عليها، إن جوهر الأجسام خافية ~~علينا كل الخفاء، ولكنها بقوة أو كيفية فيها تثير فينا معاني هي عبارة عن انفعالنا ~~بتأثيرها، والكيفيات: أولية وثانوية، الكيفيات الأولية هي الامتداد والشكل والصلابة ~~والحركة، وهي واقعية موضوعية ملازمة للأشياء في جميع الأحوال وإن كانت لا تمثلها حق ~~التمثيل، فإن فكرة الامتداد غامضة لا تفسر وحدة الجسم أو تماسك أجزائه، وهي متناقضة ~~لتناقض الانقسام إلى غير نهاية، والكيفيات الثانوية هي اللون والصوت والطعم ~~والرائحة والحرارة والبرودة وهي ليست للأجسام في أنفسها، وإنما هي انفعالاتها ~~بتأثير الكيفيات الأولية في الحواس بحسب حجمها وشكلها وحركتها، فعلى كل حال نحن لا ~~ندرك سوى أنفعالنا بالأشياء، والجسم عبارة عن كيفيات مؤتلفة في تجربتنا. # والخلاصة أن معرفتنا مقصورة على التجربة الظاهرة والباطنة، فيتعين على الفلسفة ~~أن تقنع بما يدرك بالملاحظة والاستقراء فحسب، وأن تعدل عن المسائل الميتافيزيقية ~~وعن المناهج العقلية، وتلك نتيجة المذهب الحسي الذي بعثه روسلان وجدده أوكام وهوبس ~~وبيكون، وسيكون لهذه النتيجة ما بعدها، فإن لوك ما يزال يعتقد بفاعلية الذهن، ولكن ~~سيأتي فلاسفة من الإنجليز بنوع خاص ينكرون هذه الفاعلية ويفسرون الفكر كله بتداعي ~~المعاني تداعيا آليا، فيضمون المذهب الحسي إلى صورته القصوى. ~~(4) السياسة # يعتبر لوك أحد مؤسسي المذهب الحري الجديد، فهو يعارض هوبس في تصويره الإنسان قوة ~~غاشمة، وتصوره حال الطبيعة حال توحش يسود فيها قانون الأقوى، ويذهب إلى أن للإنسان ~~حقوقا مطلقة لا يخلقها المجتمع، وأن حالة الطبيعة تقوم في الحرية، أي إن العلاقة ~~الطبيعية بين الناس علاقة كائن حر بكائن حر تؤدي إلى المساواة، العلاقات الطبيعية ~~باقية بغض النظر عن العرف الاجتماعي، وهي تقيم بين الناس مجتمعا طبيعيا ~~سابقا على المجتمع المدني، وقانونا طبيعيا سابقا على القانون المدني، وعلى ذلك ~~ليس للناس بالطبع ms143 حق في كل شيء كما يزعم هوبس، ولكن حقهم ينحصر في تنمية حريتهم ~~والدفاع عنها وعن كل ما يلزم منها من حقوق، مثل حق الملكية وحق الحرية الشخصية وحق ~~الدفاع عنهما. # أما حق الملكية فإنه حق طبيعي يقوم على العمل ومقدار العمل، لا على الحيازة أو ~~القانون الوضعي، وليس لأحد حق فيما يكسبه المرء بتعبه ومهارته، ولا تصير الحيازة ~~حقا إلا إذا استلزمت العمل، على أن حق الملكية خاضع لشرطين، الأول أن المالك لا ~~يدع ملكيته تتلف أو تهلك، والثاني أن يدع للآخرين ما يكفيهم فإن هذا حق لهم، فحرية ~~العمل هي المبدأ الذي يسوغ الملكية والمبدأ الذي يحدها، إذا يجب أن تبقى حرية العمل ~~مكفولة دائما للجميع. # وأما الحرية الشخصية فمعناها أن ليس هناك سيادة طبيعية لأحد على آخر، إن سلطة ~~الأب أعطيت له لكي يربي الابن ويجعل منه إنسانا أي كائنا حرا، فهي واجب طبيعي ~~أكثر منها سلطة، وهي مؤقتة ولا تشبه في شيء سلطة السيد على العبد، وتفقد بسوء ~~الاستعمال والتقصير، والسلطة السياسية تراض مشترك وعقد إرادي؛ وذلك لأن أعضاء ~~المجتمع متساوون عقلا وحرية، بخلاف الحال في علاقة الآباء والأبناء، فأساس ~~الاجتماع الحرية والغرض من العقد الاجتماعي صيانة الحقوق الطبيعية، لا محوها لمصلحة ~~الحاكم كما يزعم هوبس، فلا يستطيع الأعضاء أن ينزلوا إلا عما يتنافر من حقوقهم مع ~~حال الاجتماع، وذلك هو حق الاقتصاص، فالسلطة المدنية قضائية في جوهرها؛ لذا لم تكن ~~السلطة المطلقة الغاشمة مشروعة، خلافا لما يدعي هوبس، الحق أنها ليست شكلا من ~~أشكال الحكومة المدنية، وإنما هي محض استعباد، والملك المستبد خائن للعهد، والشعب ~~في حل من خلع نيره. # ويجب الفصل بين الدولة والكنيسة، إن هدف الدولة الحياة الأرضية، وهدف الكنيسة ~~الحياة السماوية، نحن إذ نولد ملك الوطن لا ملك الكنيسة، ولا ندخل فيها إلا طوعا، ~~ولما كان المجتمع المدني غير قائم على مصالح الكنيسة، فليس للدولة أن تراعي العقيدة ~~الدينية في التشريع، ولا محل للقول بدولة مسيحية، مبدأ الدولة أن لكل أن يستمتع ms144 ~~بجميع ما يعترف به للغير من حقوق، فيجب على الدولة أن تجيز جميع أنواع العبادة ~~الخارجية، وتدع الكنيسة تحكم نفسها بنفسها فيما يتعلق بالعقيدة والعبادة وفقا ~~للقوانين العامة، فتسود الحرية جميع نواحي المجتمع المدني. # تلك هي الآراء البارزة في كتب لوك السياسية، وسيكون لها ولآرائه في المعرفة أكبر ~~الأثر على القرن الثامن عشر في إنجلترا وفرنسا، فيشيع المذهب الحسي ويشيع المذهب ~~الحري في الدين والسياسة والتربية. # تحليل ونقد # القرن الثامن عشر # تمهيد # أظهر ما يبدو للناظر في فلاسفة القرن الثامن عشر اشتراكهم في التحليل والنقد، تحليل ~~المعرفة ونقد العقل والدين والنظم الاجتماعية والسياسية، فأما نقد العقل فيستند إلى ~~المذهب التصوري من جهة، وإلى المذهب الحسي من جهة أخرى، مبدأ المذهب التصوري أننا لا ~~ندرك سوى أفكارنا، فيبقى كل ما عدا الأفكار موضع بحث كما كان عند ديكارت والذين جاءوا ~~بعده، ومبدأ المذهب الحسي أن لا قيمة للمعاني المجردة، فينتج أن لا قيمة لما بعد ~~الطبيعة، وكان نيوتن قد عرض علما خالصا من الميتافيزيقا، فأعجب به كثيرون واتخذوا منه ~~ومن الحسية دعامتين أقاموا عليهما المادية، وصنعوا بديكارت مثل ما صنع هو بأرسطو فبددوا ~~آراءه الفلسفية والعلمية جميعا، وأمد نقد الدين فيصدر عن المواقف السابقة، وقد كثرت ~~الكتب الباحثة في الدين الطبيعي خلال القرن، وأما نقد النظم الاجتماعية والسياسية فتابع ~~للمواقف السابقة كذلك وللنزوع العام إلى الحرية. # والفلاسفة كثيرون في هذا القرن؛ لذا رأينا أن نقسم هذا الباب إلى ثلاث مقالات: ~~تتناول المقالة الأولى الفلسفة في إنجلترا، وتتناول الثانية الفلسفة في فرنسا، وتعرض ~~الثالثة مذهب كنط وهو فيلسوف ألمانيا الأكبر، وهو وحده في عصره يضارع كبار فلاسفة القرن ~~السابق، أما سائر معاصريه فنلاحظ فيهم انحطاطا فلسفيا واضحا: نلاحظ أفكارا ساذجة ~~في اسلوب سهل قليل الاصطلاحات أقرب إلى الأدب منه إلى الفلسفة. # المقالة الأولى: الفلسفة في إنجلترا # الفصل الأول # الفلسفة الطبيعية ~~(1) إيزاك نيوتن (1642-1727) # هو العالم الشهير خريج جامعة كمبردج والأستاذ بها، أهم كتبه: المبادئ ~~الرياضية للفلسفة الطبيعية (1687) والبصريات (1704)، كان لمنهجه العلمي ~~ولمكتشفاته ms145 أثر في الفلسفة، وكانت له فلسفة خاصة تركت هي أيضا أثرا، جاء ~~اكتشافه للجاذبية مؤيدا للمذهب الآلي وموطدا للثقة في المنهج الرياضي، فقد دل ~~على مبدأ يفسر تماسك أجزاء الطبيعة، ووضع قانونا كليا استخرج منه بالقياس ~~نتائج متفقة مع التجربة، على أنه إذ يقول بالجاذبية يعلن أنه لا يزعم بهذه ~~التسمية تعيين طبيعة القوة التي تقرب جسما من جسم أكبر، وهذه نقطة جديرة ~~بالملاحظة؛ فإنها تعني أن العلم الآلي يلتقي مع الظواهر ولكنه لا يدعي تفسيرها. # ومنهجه الرياضي يحدوه إلى القول بمكان مطلق وزمان مطلق كاللذين تتخيلهما ~~المخيلة وتعول عليهما الرياضيات، والإطلاق صفة من صفات الله، فالمكان المطلق هو ~~الواسطة التي يتجلى بها حضور الله في كل مكان ويعلم أحوال الموجودات، والزمان ~~المطلق هو أبدية الله، وبذا يجعل نيوتن من المكان والزمان شيئين ثابتين، وهو ~~يبرهن على وجود الله من ناحية أخرى هي الغائية البادية في نظام العالم وجماله، ~~فيلاحظ أن الطبيعة لا تفعل شيئا عبثا، وأنها تتخذ دائما أبسط الطرق، وأن ~~نظامنا الشمسي لا يفسر بقوانين آلية، بل بقوة فائقة للطبيعة رتبت لكل جرم سماوي ~~حجمه وثقله وسرعته، ورتبت المسافات بين مختلف الأجرام، وجعلت السيارات تدور بدل ~~أن تخضع للثقل وتسقط على الشمس، يضاف إلى ذلك ما يشاهد من نظام عجيب في ~~الكائنات الحية وأعضائها، وغرائز الحيوان الأعجم منها، فلم يكن نيوتن ماديا ~~ولم يستخدم الآلية إلا لربط الظواهر في نظام علمي. ~~(2) جون تولاند (1670-1721) # هو من أوائل دعاه المادية في إنجلترا في هذا القرن، ومن «أحرار الفكر» ~~المتحمسين، نشر آراءه في «رسائل إلى سرينا» (يريد الملكة صوفيا شارلوت ~~البروسية، وكان قد أقام لديها في سنتي 1701 و1702، وتعرف هناك إلى ليبنتز)، وقد ~~ألحق بهذه الرسائل «ردا على سبينوزا»، ومقالا في «الحركة باعتبارها خاصية ~~جوهرية للمادة» (1704)، ثم في كتابه «وحدة الوجود» (1710). # وهو يذهب إلى أن المادة جوهر فاعل حي، وليست جوهرا ساكنا قابلا للحركة من ~~خارج كما تصورها ديكارت، وأن السكون لا يوجد إلا بالإضافة إلى الحواس، فلا حاجة ms146 ~~لافتراض النفس، سواء أكانت كلية أم جزئية، وبذلك يسقط المذهب الثنائي، والفكر ~~وظيفة من وظائف المادة تقوم بها متى توفر لها التركيب المطلوب، مثل تركيب المخ، ~~فالفكر وظيفة المخ كما أن الذوق وظيفة اللسان، وقد خلق الله المادة فاعلة، وهو ~~يدبر حركات الطبيعية فيتحقق ما في الجمادات والأحياء من نظام، ومعنى هذه ~~العبارة الأخيرة أن تولاند كان واحدا من «الطبيعيين» المؤمنين بالله كصانع ~~للعالم، المنكرين لعنايته وللوحي وللنفس وللآخر! وكانوا كثيرين دعوا # deists ~~. # 1 ~~(3) ديفيد هارتلي (1704-1757) # طبيب وعالم طبيعي، يصرح في كتابه «ملاحظات على الإنسان» (1749) أنه متأثر ~~بنيوتن ولوك، ويذهب إلى مثل مذهب تولاند، مع فارق بسيط هو أنه يضع في الإنسان ~~«نفسا» هو جوهر جسمي متمايز من الدماغ وهي التي تفكر بوساطة الدماغ، وما أهمية ~~هذا التمييز ولم نخرج من دائرة المادة؟ ويرى هارتلي أن تأثير الدماغ في الفكر ~~هو من الوضوح بحيث يدل دلالة قاطعة على أن الفرق بين المادة والفكر فرق بالدرجة ~~لا بالطبيعة، وإنهما لو كانا متباينين، لما أمكن أن يتفاعلا، ويفسر الإحساس ~~بأنه حركة المادة العصبية، أو اهتزاز أثيري من العضو إلى المركز المخي بوساطة ~~الأعصاب الحاسة ويفسر الفكر بأنه حركة نفسية مقابلة للحركة العصبية، وإذا ما ~~تكرر الاهتزاز الاثيري ترك أثرا هو المعنى، وتقوم حياتنا الفكرية في تداعي ~~المعاني، ويقوم هذا التداعي في ترابط الحركات العصبية أو الاهتزازات الأثيرية، ~~ويرجع إلى قانوني التعاقب والتقارن فحسب، وليس التداعي بالتشابه قانونا ~~أصيلا، وتفسر العواطف العليا بتداعي العواطف الدنيا، مثال ذلك محبة الله، ~~فإنها تنشأ جزئيا من دواع أنانية، ولكن لما كان الله يعتبر علة الأشياء ~~جميعا فإن تداعيات لا تحصى تجتمع في فكرة الله فتعظمها حتى تمحى بإزائها سائر ~~الأفكار، فهذه النظرية تجعل من هارتلي أحد مؤسسي مذهب التداعي. ~~(4) جوزيف بريستلي (1733-1804) # هو مكتشف غاز الأوكسيجين، وكان لاهوتيا مؤمنا بالله وبالمسيحية، ولو أنه ~~عارض عقيدة الثالوث، ومع ذلك انحاز إلى نظرية هارتلي، ولم يكن هذا الجمع بين ~~الايمان وبين المادية شاذا عند الماديين الإنجليز، وقد ms147 حشد بريستلي في كتابه ~~«بحوث في المادة والروح » (1777) أدلة الماديين المتقدمين والمتأخرين، وأضاف ~~إليها أخرى من عنده، نذكر أهمها فيما يلي: # يقول: ~~(1) # لو كانت النفس بسيطة لما كانت في الجسم الممتد في المكان. ~~(2) # إن نمو النفس مساوق لنمو الجسم تمام المساوقة، فهي تابعة ~~له. ~~(3) # ليس لدينا معنى واحد إلا وقد جاء عن طريق الإحساس أي عن طريق ~~الجسم. ~~(4) # إن معاني الماديات، كمعنى شجرة تنحل إلى أجزاء كالماديات أنفسها، ~~فكيف يمكن أن توجد هذه المعاني في نفس غير منقسمة؟ ~~(5) # ما فائدة النفس من الجسم؟ ولم توجد فيه إذا كانت تستطيع أن تحس ~~وتعقل وتعمل مستقلة عنه؟ # ومن هذه الاعتراضات وأمثالها ندرك أن بريستلي لم يفهم معنى النفس المتحدة ~~بالجسم لكي تمنحه الوحدة وتعمل بوساطته. # على أنه يقر باستحالة تفسير شعورنا بالشخصية مع القول بالمادية، إذ أن هذا ~~الشعور يعني الشعور بجملة الأجزاء مع قيام كل جزء برأسه، ويسلم بأن هذه الحجة ~~أقوى حجج الروحيين، ولكنه يعود فيسألهم: كيف تؤلف كثرة المعاني والعواطف ~~والإرادات وحدة الشخصية؟ ويزعم أن المادية والروحية سواء في هذه النقطة، أي إن ~~كلتيهما تركب الوحدة بالكثرة، ولم يدرك الفارق العظيم بين كثرة مادية آحادها ~~متخارجة، وكثرة معنوية آحادها أعراض أو أفعال لجوهر بسيط يستطيع لبساطته أن ~~ينعكس على نفسه ويدرك وحدته. # وبريستلي يسمي مذهبه بالمادية، ولكنه يعتقد أن ماهية المادة القوة، قوة ~~جاذبة ودافعة، وأنه يجب تصور الذات بمثابة «نقط قوة» وأن الصلابة كيفية محسوسة ~~لا تعبر عن ماهية المادة بل عن فعل هذه المادة في الحس. ~~(5) إراسم دروين (1731-1802) # طبيب وعالم طبيعي وشاعر وفيلسوف، اصطنع نظرية هارتلي، وذهب في كتابه «قوانين ~~الحياة العضوية» (1794) إلى أن الغرائز تتكون بالتجربة والتداعي بتأثير غريزة ~~حب البقاء والملاءمة مع البيئة، ثم ذهب إلى أبعد من هارتلي فأكد أن الصفات ~~المكتسبة بالطريقة المذكورة تنتقل بالوراثة. # في كتاب «المنقذ من الضلال» للغزالي تعريف للطبيعيين يطابق تماما ~~المقصود بكلمة # deists # عند الإفرنج. # الفصل الثاني # الفلسفة الخلقية والاجتماعية ~~(1) لورد شفتسبري (1671-1713) # المذاهب التي نجملها في ms148 هذ الفصل تؤلف موقفا وسطا بين مذهب الإنانية الذي ~~يمثله هوبس ، وبين المذهب العقلي الذي يريد أن يرجع الأخلاق إلى قواعد ثابتة، ~~فإن أصحاب هذا الموقف الوسط يستهجنون الأنانية ويرون بينها وبين الأخلاق ~~الصحيحة مسافة كبيرة، ولكن المذهب الحسي أضعف ثقتهم بالعقل، فلجئوا إلى العاطفة ~~وطلبوا إليها أن تمدهم بأسس الأخلاق، وأولهم شفتسبري حفيد اللورد الذي عرفه ~~لوك. # يذهب شفتسبري في كتابه «بحوث في الفضيلة» إلى أن ليس بصحيح أن الميل الأساسي ~~في الإنسان هو محبة الذات، إن في الإنسان ميولا اجتماعية طبيعية، بل إن في ~~الحيوان مثل هذه الميول، وهي في كل نوع موجهة لخير النوع، وهي صنع غاية تحقق ~~بها النظام الكلي، لقد بدد هوبس معنى الأخلاق، وهدم لوك أساس الأخلاق بنقده ~~للمعاني الغريزية واستبعاده كل غريزة طبيعية، ليس يمكن الادعاء أن معنى ~~المحبة والعدالة مستمدان من التجربة وحدها أو من الدين وحده، إن هناك غريزة ~~تربط الفرد بالنوع، فلم يعش الإنسان قط ولا يستطيع أن يعيش متوحدا، ومن ~~الخطأ المعارضة بين حال الطبيعة وحال اجتماع وإذا ما عدنا إلى أنفسنا وجدنا ~~فينا عواطف لا إرادية، هي الإعجاب بالنبل والخير، واحتقار الخسة والخبث، وذلك ~~هو الحس الخلقي، لدينا حس باطن قوامه محبة النظام والجمال، وهذا الحس يدرك ~~الخير والشر في الأفعال إدراكا بديهيا مما يدرك البصر الألوان في الأشياء، ~~فإذا طاوعناه وجدنا الإيثار يحدث في النفس اغتباطا لطيفا بما نهيئه للغير من ~~سعادة، فيتفق الإيثار والأثرة ولكنها أثرة يفوق الاغتباط بها الاغتباط باللذات ~~الحسية العنيفة، ويكفل الأخذ بها النظام والتناسق في الحياة الفردية والحياة ~~الاجتماعية في الوقت نفسه. ~~(2) فرنسيس هاتشيسون (1694-1747) # نشر عدة كتب في الأخلاق، أهمها كتاب «الفحص عن أصل معنى الجمال والفضيلة» ~~(1725) وعين أستاذا بجامعة جلاسكو في سنة 1729، ويقتصر عمله على ترتيب آراء ~~شفتسبري والتوسع في شرحها والتدليل عليها، وهو يذهب إلى أن لنا حسا للخير ~~الخلقي، وأنه مع ذلك لا يغني عن العقل وعن التجربة، فالعقل يستنبط الوسائل ~~لتحقيق غايات ذلك الحس، والتجربة تظهرنا على ms149 معلولات الأفعال وتعلمنا أن خير ~~الأفعال ما عاد بأكبر سعادة على أكبر عدد من الناس، والحس الخلقي منحه من الله ~~ودليل على حكمته السامية من حيث إن هذا الحس لا يقر إلا الافعال النافعة للغير ~~أو العائدة علينا بخير شخصي يتفق مع خير الغير وهو حس أصيل لا يرجع إلى الدين ~~ولا إلى النفع الاجتماعي، أما أنه لا يرجع إلى الدين فالشاهد عليه ما نراه من ~~بعض الناس الذين لا يعرفون الله ولا ينتظرون منه ثوابا وهم حاصلون مع ذلك على ~~معنى رفيع للشرف، وإذا استبعدنا الحس الخلقي ولم نعتبر سوى الجزاء الإلهي، كانت ~~أفعالنا صادرة عن إغراء الثواب أو خوف العقاب لا عن الشعور بالواجب، وأما أن ~~الحس الخلقي لا يرجع إلى اعتبار النفع الاجتماعي، فدليله أننا لا نقدر سوى ~~الأفعال النزيهة، فنحتقر الخائن لوطنه ولو كان نافعا لوطننا، ونكبر العدو ~~الكريم، فالأخلاق قائمة بذاتها مستقلة عن الدين والتجربة. ~~(3) آدم سميث (1723-1790) # أخذ عن هاتشيسون بجامعة جلاسكو، ثم قصد إلى أكسفورد، وفي سنة 1751 صار ~~أستاذا بجامعة جلاسكو، وكان تدريسه مؤلفا من أربعة أقسام: اللاهوت الطبيعي، ~~الأخلاق، الحق الطبيعي، الاقتصاد السياسي، وله كتابان هامان: الأول «نظرية ~~العواطف الأخلاقية» (1759) والثاني «بحث في طبيعة ثروة الأمم وأسبابها» (1776) ~~كان بمثابة «شهادة ميلاد» علم الاقتصاد السياسي باعتباره علما قائما برأسه ~~مبنيا على التجربة، وعد سميث مؤسسه، وفيما يلي كلمة عن كل كتاب. # في «نظرية العواطف الأخلاقية» يرى آدم سميث هو أيضا استحالة تعيين الفضيلة ~~في كل حالة جزئية بناء على قوانين ثابتة، ويرجع هذا التعيين إلى «العطف» أو ~~التعاطف أي انفعالنا بعواطف الغير، ويستخرج قانون السيرة من قوانين العطف، ~~فيلاحظ أن انفعالات الغير تنتقل إلينا بالعدوى، فلا نراهم يألمون أو يضحكون أو ~~يغضبون إلا ونشاطرهم شعورهم، ذلك ميل طبعي غير إرادي يحسه أشد الناس أنانية، ~~وهكذا تجعلنا الطبيعة متضامنين جميعا، نسر أو نحزن لما يصيب الغير، وقد ربطت ~~الطبيعة بالعطف لذة كي يطلب لذاته، وهذا يكفي أساسا للأخلاق؛ لأن العطف يتجه ~~بالطبع إلى ms150 الخير، مثال ذلك أن غضب الرجل العنيف أقل تأثيرا فينا من حلم خصمه، ~~وأننا نتأثر بالغضب للحق والعدل أكثر من تأثرنا باستكانة المسيء، فقوانين العطف ~~وقوانين الأخلاق متطابقة، بحيث نستطيع أن نضع هذه القاعدة: «لا تفعل إلا ما ~~شأنه أن يحوز رضا إخوانك في الإنسانية ويكسبك عطفهم»؛ إذ أن خيرية الفعل تقاس ~~بما يثيره من عطف خالص شامل في الحاضر والمستقبل، ومن هذه القاعدة تنشأ جميع ~~المعاني الأخلاقية من مدح وذم وندم وواجب، فكما أننا نحكم على الآخرين، يحكم ~~الآخرون علينا، فنعتاد النظر إلى أفعالنا مما ينظرون إليها أي بدون تحيز، ~~حتى إننا قد نخالف قومنا ونخرج على بعض التقاليد المرعية بينهم فنتعرض للوم ~~والمذمة، ونحن واثقون أن الخلف ينصفنا، وأن قاعدة العطف تتحقق هنا أيضا من حيث ~~إننا شهود أفعالنا نغتبط بها أو نألم لها تمشيا مع تلك العاطفة الباطنة، وعلى ~~ذلك ليس الحس الخلقي غريزة كاملة منذ البداية، ولكنه يتكون ويترقى بالعقل ~~والتجربة، وما يسمى بالواجب صادر عن العطف وراجع إليه، بمعنى أن العمل بمقتضى ~~الواجب يقوم في أن ينصب كل منا نفسه شاهدا عدلا على نفسه فيقدر أفعاله بما ~~يشعر به من عطف نزيه كالذي يشعر به الآخرون لو علموا بها. # وفي كتاب «ثروة الأمم» يقصد إلى أن يكفي الناس شر تدخل الحكومة وتعسفها، ~~فيبين أن للثروة مصدرين هما العمل والادخار، وأنهما لا ينموان إلا حيث يترك ~~«روح الصناعة» حرا من كل قيد، وأن قانون المنفعة كفيل بتنظيم الشئون ~~الاجتماعية، بحيث إذا كفت الحكومة عن التدخل وتركت قانون تقسيم العمل بحسب ~~الكفايات وقانون العرض والطلب يفعلان فعلهما، رأينا منفعة المنتج ومنفعة ~~المستهلك تتطابقان، فيضع سميث هذه القاعدة: «كل إنسان، طالما لم يخالف قانون ~~العدالة، فهو حر كل الحرية في اتباع الطريق الذي تدله عليه منفعة»، ولكنه يعني ~~بالعدالة معنى غريبا، فيحلل المنافسة التجارية بجميع وسائلها، ولا يقر للعامل ~~بحد أدنى من الأجر بل يدعه تحت رحمة صاحب العمل، كأنه لم يشد بالعطف، وكأن ~~ليس من شأن العطف ms151 التخفيف من وطأة قانون العرض والطلب، ولا يريد سميث أن تتدخل ~~الحكومة لحماية الضعفاء أو لصيانة الأخلاق العامة، بل يقصر وظيفتها على منع ~~العنف وإقرار الأمن، وقد ظن أن ليس يوجد وسط بين ما يخافه من استبداد الحكومة ~~وبين ما يراه من إطلاق الحرية، هو تدخل الحكومة في حدود معقولة، وقد ساد العمل ~~بهذا المذهب الحري زمنا طويلا فأدى إلى استبداد أقلية من الماليين بجمهور ~~العمال، وإلى نشأة الأحزاب الاشتراكية تدافع عن العمال وتحاول تحقيق العدالة ~~الاجتماعية، ثم إلى الشيوعية التي تقيم نظام الثروة العامة على تدخل الحكومة ~~ولا تدع للأفراد شيئا من الحرية، ونحن نشهد الآن إفلاس المذهب الحري، وميل ~~الحكومات جميعا إلى تنظيم الإنتاج والاستهلاك لضمان حياة محتملة للسواد ~~الأعظم. # الفصل الثالث # جورج باركلي # 1685-1753 ~~(1) حياته ومصنفاته # هو في الفلسفة الإنجليزية بمثابة مالبرانش في الفلسفة الفرنسية، كلاهما رجل ~~دين، وكلاهما يجد في المبدأ التصوري وسيلة لإنكار المادة والرد على الماديين، ~~وكلاهما يجعل من الله محور مذهبه في مذهبه في الوجود والمعرفة واليقين، يصدر ~~باركلي عن لوك، ولكنه يعارضه ويزعم أنه يصحح موقفه في غير ما موضع، أنكر لوك ~~موضوعية الكيفيات الثانوية، وآمن بالكيفيات الأولية المترجمة عن الامتداد أو ~~المادة، فقال باركلي: وما الذي يخولنا الحق في الإيمان بوجودها، وما الفائدة في ~~استبقاء المادة مع الإقرار بأننا نجهل ماهيتها؟ ليس يوجد سوى الأرواح، فاللا ~~مادية هي الحق وأنكر لوك موضوعية الأنواع والأجناس، وآمن بالمعاني المجردة في ~~الذهن فحسب، فقال باركلي: بل ليس يوجد في الذهن معان مجردة، وجميع معارفنا ~~جزئية، وكل ما هنالك أن اسما بعينه ينطبق على جزئيات عدة، فالمذهب كله يرجع ~~إلى هاتين النقطتين: الاسمية واللا مادية. # ولد جورج باركلي في إرلندا من أسرة إنجليزية الأصل بروتستانتية المذهب، ولما ~~بلغ السادسة عشرة دخل جامعة دبلين حيث كان لمؤلفات ديكارت ولوك ونيوتن الحظ ~~الأكبر في برنامج الدراسة، وبعد سبع سنين حصل على الأستاذية في الفنون، ونشر ~~رسالتين صغيرتين، إحداهما في الحساب، والأخرى في «بحوث رياضية متفرقة»، وعين ~~مدرسا ms152 بالجامعة (1707) لليونانية والعبرية ثم للاهوت، وبعد سنتين صار ~~قسيسا، ونشر «محاولة في نظرية جديدة للرؤية » (1709) تعتبر تمهيدا لكتاب آخر ~~أخرجه في السنة التالية عنوانه «مبادئ المعرفة الإنسانية، حيث يفحص عن أهم ~~أسباب الخطأ والصعوبة في العلوم، وأسس الشك والكفر بالله والإلحاد»، وهو الكتاب ~~المشتمل على مذهبه اللا مادي، وكان باركلي قد اكتشف هذا المذهب وهو في العشرين، ~~فهو يعد من أكثر الفلاسفة تبكيرا في بناء مذهبهم، وقد سجل مراحل تفكيره في ~~«مذكرات» دونها بين سنتي 1702 و1710، وذكر فيها مشروع المقدمة والمقالة الأولى ~~(وهما ما نشر)، ومشروع مقالة ثانية في تطبيق المذهب على علمي الهندسة والطبيعة، ~~ومشروع مقالة ثالثة في الأخلاق، فأثار كتاب «المبادئ» دهشة شديدة لإنكاره وجود ~~الأجسام، حتى ظن بعضهم بالمؤلف مسا في عقله، وفي سنة 1713 قصد المؤلف إلى ~~لندن داعيا إلى مذهبه، وتعرف إلى مشاهير الكتاب، ونشر «ثلاث محاورات بين هيلاس ~~وفيلونوس» هي عرض أدبي للامادية، أما هيلاس فهو الفيلسوف المادي كما يدل عليه ~~اسمه المشتق من هيلي أي هيولي، وأما فيلونوس فهو «صديق العقل» الناطق بلسان ~~المؤلف، وينتهي الحوار بإقناع هيلاس باللا مادية طبعا! # وعرض له ما دفعه إلى السفر، فقضى عشرة أشهر في فرنسا وإيطاليا (1713-1714) ~~ثم عاد إلى إنجلترا، وبعد سنتين رحل إلى إيطاليا وأقام فيها خمس سنين كان أكثر ~~اهتمامه أثناءها بالجيولوجيا والجغرافيا والآثار، وفي عودته (1721) توقف بمدينة ~~ليون ليكتب في «علة الحركة» وهو موضوع اقترحته أكاديمية العلوم بباريس، فوضع ~~رسالة «في الحركة» هاجم فيها طبيعيات نيوتن، ونشرها بلندن حال عودته إليها ~~(1721) وهي بمثابة المقالة الثانية من كتاب المبادئ، ولكن سفرا طويلا كان ~~ينتظر باركلي؛ ذلك أن إرثا آل إليه سنة 1723 فخطر له على الفور أن ينفقه في ~~نشر المسيحية في الممتلكات الإنجليزية بأمريكا، واعتزم أن يؤسس لهذا الغرض في ~~جزر برمودا معهدا لتخريج مبشرين يضطلعون بهذه المهمة، بل يصلحون العالم أجمع! ~~ووعده رئيس الوزارة بمعونة مالية، فتزوج وأبحر سنة 1728 حاملا معه عشرين ألف ~~مجلد، ونزل في «رود أيلاند» ومكث ms153 بها سنتين ينتظر المال، وفترت حماسته للمشروع، ~~وأبلغ أن رئيس الوزارة يرى أن يعود إلى وطنه، ففعل سنة 1732، على أنه لم يضيع ~~وقته هناك، فقد درس أفلاطون وأفلوطين وأبروقلوس وبعض رجال الفيثاغورية الجديدة ~~دراسة دقيقة لأول مرة، وهناك أيضا حرر كتاب «ألسيفرون أو الفيلسوف الصغير» ~~يتابع فيه حملته على «أحرار الفكرة» ونشره حال رجوعه إلى إنجلترا، والكتاب ~~بمثابة المقالة الثالثة من كتاب المبادئ، وأعاد طبع كتبه السابقة، وبهذه ~~المناسبة رد على الانتقادات في «دفاع عن نظرية الرؤية وشرح لها» (1733) وفي ~~«التحليل» (1734) وهو خطاب موجه إلى رياضي ملحد وفيه نقد لمبادئ الرياضيات من ~~الوجهة الاسمية. # وفي 1734 عين أسقفا على كلوين بإرلندا الجنوبية حيث كانت الغالبية من ~~الكاثوليك، فأبدى نحوهم كثيرا من التسامح، بل أبدى كثيرا من العطف على ما ~~كانوا فيه من بؤس، فأنشأ جمعيات خيرية ومدارس، وفكر في «مصرف وطني إرلندي» ونشر ~~رسالة في هذا الموضوع (1737) وعني بالإصلاح الأخلاقي ودون فيه رسائل، ومنيت ~~إرلندا بمجاعة عقبها وباء سنة 1740، فجرب في علاجه دواء كان عرفه من هنود رود ~~أيلاند، هو ماء القطران، فحصل على نتائج باهرة، فظن أنه وفق إلى الدواء الكلي، ~~وشرع في وضع كتابه الأخير «سيريس» أي «سلسلة» باليونانية، وهو يفسر هذا العنوان ~~بقوله «سيريس أي سلسلة الاعتبارات والبحوث الفلسفية في مفاعيل ماء القطران، وفي ~~موضوعات أخرى متنوعة مترابطة متولد بعضها من بعض» (1744) وهذا الكتاب مرآة ~~لدراسته للأفلاطونية والفيثاغورية في رود أيلاند، وفي 1751 فقد ابنا له وجزع ~~جزعا شديدا، وكانت صحته آخذه في الاعتلال، فعول على الاعتزال بمدينة ~~أكسفورد، وبعد بضعة أشهر من حلوله بها أصيب بشلل كلي أودى به. ~~(2) الاسمية # مبدأ المذهب الحسي أن المعرفة الحقة هي المقصورة على ما يبدو للشعور بأعراض ~~محسوسة، وأن ما لا يبدو محسوسا وهم محض، ولكن الفلاسفة الحسيين تفاوتوا في ~~تطبيق هذا المبدأ، وكان باركلي أكثر دقة من لوك في هذا التطبيق، سلم لوك بأن ~~الاسم يثير في النفس معنى مؤلفا من الخصائص المشتركة بين أفراد النوع أو ~~الجنس الواحد، ms154 فقال باركلي: «لست أدري إن كان لغيري تلك القوة العجيبة، قوة ~~تجريد المعاني، أما أنا فأجد أن لي قوة تخيل معاني الجزئيات التي أدركتها، ~~وتركيبها وتفصيلها على أنحاء مختلفة ... ولكن يجب على كل حال أن يكون لها شكل ~~ولون، وكذلك معنى الإنسان عندي يجب أن يكون معنى إنسان أبيض أو أسود أو أسمر، ~~مقوم أو معوج، طويل أو قصير أو متوسط، ومهما أحاول فلست أستطيع تصور المعنى ~~المجرد، ومن الممتنع علي أيضا أن أتصور المعنى المجرد لحركة متمايزة من ~~الجسم المتحرك، لا هي بالسريعة ولا بالبطيئة، ولا بالمنحنية ولا بالمستقيمة، ~~وقس على ذلك سائر المعاني الكلية المجردة»، # 1 # والوجدان يشهد بأن «اللامعين ممتنع التصور»، وهنا خطأ باركلي ~~والحسيين جميعا، إن هذا الخطأ قائم في الظن بأن «عدم التعيين» من جهة الأعراض ~~المحسوسة المتخيلة لا يدع مجالا لتعيين من جهة العناصر المعقولة المقومة ~~للماهية، أجل لا يمكن أن تكون الصورة الخيالية غير معينة من جهة الأعراض؛ لأن ~~الأعراض موضوعات الحس والخيال! أما المعنى المجرد فغير معين من جهة الأعراض، ~~ومعين من جهة الخصائص الذاتية، وهذه الخصائص هي المدركة به وفيه، إن العقل يدرك ~~أن الشكل واللون يختلفان في أفراد الإنسان، وأن السرعة والاتجاه يختلفان في ~~الحركات، فيحكم بأن هذه الأعراض غير لازمة بالتعيين، وأنه يجب صرف النظر عنها ~~وتصور الإنسان حيوانا ناطقا، وتصور الحركة مجرد نقله من مكان إلى آخر. # غير أن باركلي يضطر إلى التلطيف من تطرف موقفه في ثلاث نقط حيث يعترف ~~بالكلية، وبالفرق بين الحد أو التعريف وبين المعنى مما يتصوره هو، وبأن لنا ~~دراية ما بالنفس وبالروحيات التي هي غير محسوسة ولا متخيلة، أما الكلية فيفسرها ~~بأن معنى جزئيا يؤخذ ليمثل سائر المعاني الجزئية التي من جنسه أو من نوعه، ~~ولكن الجنس أو النوع لا ينشأ من إدراك شيء هو هو، بل من الإحساس بالتشابه، مثال ~~ذلك أن المعنى المجرد للمثلث الذي لا يمثل نوعا من أنواع المثلثات هو معنى ~~متناقض، ولا يستطيع أحد أن يكونه، وليس ms155 في ذهن الرياضي سوى معنى جزئي، بيد أن ~~هذا المعنى يمكن أن يكون «كليا من حيث دلالته» أي يمكن أن يمثل «أي مثلث كان »، # 2 # ولولا تشبع باركلي بالاسمية لرأى غريبا أن يكون المعنى الجزئي ~~«كليا من حيث دلالته» ولساءل نفسه: أليست هذه الدلالة عين المعنى المجرد ~~الكلي؟ وإذا كانت هناك أنواع يضم كل منها أفرادا فكيف لا تقابلها معان مطابقة ~~لها؟ إن تفسيره يرجع إلى القول بأننا لا نعقل النوع، ولكننا مع ذلك نضع اسما ~~يدل على النوع، أما الحد المستعمل في العلوم فإن باركلي يقبله، ثم ينكر أن يكون ~~له معنى مقابل في الذهن، ويقول أن أصحاب المعاني المجردة يخلطون بين المعنى ~~الذي يتصور (وهو جزئي) وبين الحد الذي لا يمكن أن يتصور، والحال هنا كالحال في ~~النقطة السابقة، فلو أن باركلي ساءل نفسه: كيف يمكن أن يوجد الحد دون إدراك ~~مقابل؟ لرأى نقص المذهب الحسي، وأخيرا اضطر باركلي ابتداء من سنة 1734 إلى أن ~~يدل لفظ # notion # على معرفة الروح والروحيات ~~والعلاقات بين المعاني، وهي أمور لا تتخيل كالمحسوسات، وهذا إقرار منه بأن ~~لدينا معارف مغايرة للمعارف المتخيلة والتي يدل عليها بلفظ # ided ~~، # 3 # يضاف إلى ذلك أنه في الطبعة الثالثة لكتاب ألسيفرون المنشورة قبل ~~وفاته بسنة، حذف الفقرات الثلاث التي كان لخص فيها نقده لمذهب المعاني المجردة. # ولكنه كان قد ناقش أصول الرياضيات والعلم الطبيعي بناء على الاسمية فوصل إلى ~~أقوال نجد مثلها شائعا الآن على أقلام كثير من الفلاسفة والعلماء، # 4 # أهم هذه الأقوال أن الحساب والجبر علمان اسميان، فإننا لا نعتبر ~~فيهما الأشياء بل العلامات، ولا نعتبر هذه لذاتها بل لأنها توجهنا في استخدامنا ~~للأشياء، إن معنيي العدد والمقدار إذ أخذ بغض النظر عن المحسوسات كانا معنيين ~~مجردين ومن ثمة كاذبين، ومعنى اللا متناهي باطل، فمن المحال أن يوجد معنى مكان ~~لا متناه من حيث إن كل معنى فهو متناه، ومن المحال أن يوجد خط لا متناهي ~~الصغر من حيث إن كان خط فهو ms156 قابل للقسمة، ومن المحال قسمة المقدار إلى ما لا ~~نهاية من حيث إن المكان المدرك بالحس متناه دائما، وأن هناك حدا أدنى ~~ملموسا أو مبصرا لا يدرك وراءه شيء، ومن ثمة لا يوجد دونه شيء، وما معنى ~~الزمان إلا معنى تعاقب المعاني في الذهن، وأما المكان فإن اللا مادية تبين ~~بطلانه (على ما سنرى)، فمتي لم تكن المبادئ الرياضية معقولة لم تكن الرياضيات ~~علوما، وإنما هي فنون أو صناعات مفيدة في العمل، وأما العلم الطبيعي فموضوعه ~~قوانين الحركة وتفاعل الأجسام، ولكن اللا مادية تبين أن الطبيعة جملة معان، ~~فليس لنا أن نضيف للأجسام قوة وفاعلية، وليس يوجد رباط ذاتي بين ما يسمى علة ~~وما يسمى معلولا، وما نظام العالم إلا نتيجة الإرادة الإلهية، وإنما يريد الله ~~النظام محبة بنا لكي نستمد من التجربة توقعا مفيدا في أفعالنا المستقبلة، ~~وإذا كان هذا هكذا كانت المعجزات معقولة، وفهمنا كونها استثنائية. # هذا الشك في قيمة العلم من الوجهة النظرية مبني على الشك في قيمة المعاني ~~المجردة، أي على الخلط بين تخيلنا للشيء وتعقلنا له أو حكمنا عليه بكذا وكذا، ~~وكان هذا الشك عزيزا على باركلي، فقد أفاد منه سلاحا يطعن به الملحدين ويؤيد ~~الدين، إذا كان العلماء يقبلون المبادئ النظرية وهي غير معقولة فبأي حق يهاجمون ~~العقائد الدينية؟ وإذا كانوا يقبلون المبادئ النظرية لمرماها العملي، فلم لا ~~يقبلون العقائد الدينية التي تولد في النفس الإيمان والمحبة؟ فالاعتقاد ~~بالمعاني المجردة سبب قوي للإلحاد، وهو سبب قوي للاعتقاد بالمادة الذي هو سبب ~~آخر للإلحاد، هكذا يرى باركلي في الأسمية تأييدا للإيمان، وتجيء الاسمية على ~~يده ضربا من الفلسفة المسيحية، ولكنه يمحو اللاهوت النظري بأكمله، فيتفق مع ~~النزعة البروتستانتية التي ترمي إلى مجرد الإيمان في حين أن الاتجاه العام في ~~المسيحية كان لي التعقل بقدر المستطاع، على ما حاوله آباء الكنيسة والمدرسيون ~~من بعدهم. ~~(3) اللا مادية # إنكار المادة لازم من المبدأ التصوري القائل إن الموضوعات المباشرة للفكر هي ~~المعاني دون الأشياء، وباركلي يأخذ على ديكارت ولوك ms157 اعتقادهما بوجود المادة بعد ~~قولهما إن المعاني أحوال للنفس، ويقرر أن «وجود الموجود هو أن يدرك أو أن ~~يدرك»، وهذه عبارة مأثورة عنه، والمدرك معنى، وغير المدرك لا وجود له ، إن ~~الفلاسفة القائلين بالمادة يعترفون بأنهم لا يدركونها في ذاتها، فما الفائدة من ~~وضعها؟ وماذا عسى أن تكون؟ إنها معنى مجرد يمتنع تصوره بمعزل عن الكيفيات، ~~فهي معنى باطل، وعلى هذا المعنى الباطل تقوم وحدة الوجود عند سبينوزا وأضرابه، ~~فإنهم يجمعون فيه جملة الأشياء، وعليه تقوم المادية، فإنها ترد إليه جملة ~~الوجود، وما الأجسام في الحقيقة إلا تصورات الروح، فالاعتقاد بالمادة عديم ~~الجدوى وفيه خطر كبير. # وإلى التدليل على أننا لا ندرك المادة قصد باركلي في رسالته «نظرية جديدة ~~للرؤية»: فيبين أن البصر لا يدرك بذاته مقادير الأشياء وأوضاعها ومسافاتها، إذ ~~أن المسافة أية كانت ما هي إلا خط أفقي يقع على نقطة واحدة من الشبكية، وكل ما ~~يدركه البصر إن هو إلا علامات أو دلائل على المسافات والأوضاع والمقادير، ذلك ~~بأن إدراك الكيفيات الأولية يرجع في الأصل إلى اللمس وحده، وبتكرار التجربة ~~ينشا تقارن بين مدركات اللمس وبين بعض الإحساسات البصرية، وهي اختلافات الأضواء ~~والألوان، أو بعض الإحساسات العضلية الناجمة من حركات العينين، فتصير هذه كافية ~~لتقدير مسافات الأشياء واوضاعها ومقاديرها ولا تدعنا العادة نشعر بذلك، بل ~~نعتقد أننا نبصر الكيفيات الملموسة ونحن نستنتجها استنتاجا من الكيفيات ~~المبصرة التي هي علامات عليها، وإذا افترضنا أنفسنا خلوا منه هذه التجربة ~~أشبهنا الأكمة الذي يستعيد البصر فلا يستطيع التمييز بين مكعب وكرة بالبصر وحده ~~وقبل لمسهما؛ إذ لا «تبدو له المبصرات إلا كسلسلة جديدة من المعاني أو ~~الإحساسات كلها قريب إليه قرب إحساسات الألم أو اللذة» أي كلها ذاتي ~~داخلي. # تظن العامة أن هناك نسبة بين الامتداد المبصر والامتداد الملموس لشيء بعينه، ~~والحقيقة أن «معاني اللمس والبصر نوعان متمايزان متغايران» وليس بينهما ارتباط ~~ضروري، بل كل ما بينهما تقارن تجريبي: «إن معاني البصر، حين نعرف بها المسافة ~~والأشياء القائمة على مسافة، ms158 لا تدلنا على أشياء موجودة على تلك المسافة، وإنما ~~هي تنبهنا فقط إلى ما سوف ينطبع في ذهننا من معاني اللمس (أي الإحساسات ~~اللمسية) تبعا لأفعال معينة»، أما المعاني اللمسية فهي وسائر المعاني سواء في ~~كونها ذاتية، وقد سلم لوك بأن الكيفيات الثانوية لا توجد إلا بما هي مدركة فيجب ~~أن ينسحب هذا على الكيفيات الأولية أيضا. # على أن إنكار المادة لا يعني إنكار الأشياء: إننا ندرك المحسوسات ولا نستطيع ~~الشك في وجودها، وندركها في الأماكن التي تبدو فيها، «إن من عبث الأطفال أن ~~يعتبر الفيلسوف وجود المحسوسات موضع شك ريثما يبرهن عليه بالصدق الإلهي ... لو ~~قبلت هذه المقدمة لشككت للحال في وجودي الخاص كما أشك في وجود الأشياء التي ~~أبصرها وألمسها الآن»، إننا نرى الفرس نفسه، ونرى الكنيسة نفسها ونرى الحائط ~~أبيض، ونحس النار حارة، ونعلم أن الأشجار هي في الحديقة، وأن الكتب هي على ~~المنضدة، وهكذا «لا تقولن إن اللا مادية تحيل الأشياء معاني، وإنما هي تحيل ~~المعاني أشياء»، والواقع أننا نميز الإحساس من الصورة، والموجود من المتخيل، ~~وهناك علامتان تسمحان بهذا التمييز: الأولى قوة الإحساس وتميزه بالنسبة إلى ~~الصورة، فإن هذه تبدو أثرا ضعيفا لذاك، والعلامة الثانية أن الإحساسات أشد ~~تماسكا وأكثر انتظاما من الصور، تتسلسل بنظام فنشعر أنها ليست من صنعنا، ~~ونعتقد بالخارجية، فإن الشيء الخارجي مجموع من الإحساسات تعرضها علينا التجربة ~~مؤتلفة دائما، كما تعرض علينا علاقات بين مختلف المجموعات أو الأشياء، وبتكرار ~~إحساسنا بالعلاقات تنشأ فينا عادة توقع إحساسات معينة بعد إحساسات معينة، وينشأ ~~لدينا الاعتقاد بدوام الأشياء ولو لم ندركها دائما، وهذا يكفي لقيام العلم ~~الطبيعي، فإنه عبارة عن تفسير ظواهر تسمى معلولات بظواهر أخرى تسمى عللا. # كيف نفسر ائتلاف الإحساسات في مجاميع، واطراد العلاقات بين هذه المجاميع؟ لا ~~نلتمس التفسير في المحسوسات أنفسها باعتبارها أشياء قائمة خارج الذهن، ونحن لا ~~ندرك شيئا خارج الذهن، ولا نستطيع أن نتصور تفاعلا بين جوهر مادي هو الشيء ~~وآخر روحي هو النفس؛ إذن يجب أن تكون ms159 العلة المطلوبة روحية، ولكنها ليست روحنا، ~~فإن ذهننا لا يحتوي على جميع المعاني، ثم إنه منفعل بالإضافة إليها وقابل لها، ~~وإن جميع الأذهان تدركها في نفس الوقت ونفس الظروف فيبقى أن العلة المطلوبة روح ~~خارجية وماذا عساها أن تكون إلا الله؟ «لا أقول إني أري الأشياء بإدراك ما ~~يمثلها في الذات الإلهية المعقول، كما يقول مالبرانش، بل إن الأشياء المدركة ~~مني هي معلومة من عقل لا متناه ومحدثة بإرادته»، العقل الإلهي هو الذي يعرض ~~علينا المعاني ونظامها، ودوام الله هو الذي يؤيد اعتقادنا بدوام الأشياء، ~~والإرادة الإلهية هي التي وضعت العلاقات بينها: «فكون الغذاء يغذي والنوم يريح، ~~ووجوب أن نزرع لكي نحصد، وبالإجمال وجوب استخدام وسائل معينة للوصول إلى غاية ~~معينة، هذه أمور نعرفها، لا باستكشاف ترابط ضروري بين معانينا، بل فقط بملاحظة ~~القوانين الموضوعية في الطبيعة»؛ وعلى ذلك ليست الطبيعة ما يعتقد الفلاسفة ~~الوثنيون من أنها علة مغايرة لله، إنها اللغة التي يخاطبنا بها الله. # ذلك مذهب باركلي يدور كله على المبدأ الذي وضعه ديكارت حين قال إن الذهن لا ~~يعرف الأشياء مباشرة، بل يعرفها بوساطة ما لديه عنها من معان، فيصل إلى مثل ~~آراء الديكارتيين، وهو مذهب مسيحي أو لون من ألوان الأفلاطونية المسيحية التي ~~صادفناها في فلسفة العصر الوسيط، والتي تريد أن ترى في الله التفاعل الأوحد، ~~وفي العالم تجليا ورمزا ولغة، نقول «تريد» لأن المبدأ الديكارتي يحتمل بل ~~يحتم نتيجة أخرى هي عزل الفكر في نفسه واعتباره الكل في الكل، وباركلي لا ~~يتفادي هذه النتيجة إلا بمناقضة بعض آرائه، فإنه يعتمد على مبدأ العلية للقول ~~بوجود الله وليست تسمح التصورية الأسمية بقبول هذ المبدأ، وهو يقبل الجوهر ~~الروحي مع اعترافه بأن هذا الجوهر ليس معنى ولا مدركا بمعنى، ومع أن التصورية ~~لا تسمح بقبول الجوهر أيا كان، وسنرى هيوم يلح في إبطال مبدأ العلية، ويستبعد ~~الجوهر الروحي بنفس الدليل الذي اعتمد عليه باركلي لاستبعاد الجوهر المادي. # ولا غرابة أن نرى باركلي، قد فرغ من بيان مذهبه ms160 وتأييده على النحو المتقدم، ~~يجد في الأفلاطونية والفيثاغورية مزيدا من البيان والتأييد، فينتقل عنهما ~~نصوصا مطولة يحشو بها كتابة العجيب «سيريس» وينسج فيه على منوالهما، فقد كان ~~يرمي إلى معرفة الله وتفسير صدور الموجودات (أو المعاني) عن الله، والمعرفة ~~الحسية لا تنبئنا بشيء عن ماهية الله الروحية، فلما قرأ الكتب الأفلاطونية ~~والفيثاغورية أدرك أن المعرفة الحسية ناقصة سطحية، ورأي أن «التطهير ~~الأفلاطوني» يرتفع بنا إلى إدراك المثل التي هي الله نفسه والتي هي قوانين ~~الوجود، دون أن يتصورها «معاني مجردة»، ودون أن يعدل عن رفضه للمعاني المجردة، ~~وإنما تصورها موجودات عقلية غير مخلوقة، مع علمه بأن «أدق عقل إنساني إذ بذل ~~أقصى جهد لم يدرك من هذه المثل الإلهية إلا وميضا خاطفا، لعلوها فوق جميع ~~الجسميات محسوسة أو متخيلة»، هذه المثل يحقق الله أشباها لها تعلنها إلينا بأن ~~يجعل من العالم موجودا حيا تعمل فيه نار لطيفة للغاية هي نفسه، وهي الأداة ~~المباشرة التي يستخدمها الله في تنظيم الحركات الكونية، فإنها مشبعة بالحكمة ~~الإلهية تنفذ إلى جميع الأشياء وتكون الكيفيات المختلفة أو المعاني المحسوسة، ~~وتؤلف بينها في كل منظم متماسك، ولوفرة هذه النار في ماء القطران كان هذا الماء ~~دواء عجيبا وآلة العناية الإلهية لنشر الخير بين الناس، وينتهي باركلي بنظرية ~~الأفلاطونية الجديدة في الأقاليم الثلاثة باعتبارها وسيلة إلى تصور عقيدة ~~الثالوث، فاتجاهه لم يتغير وآراؤه الرئيسية لم تختلف. # مقدمة كتاب «مبادئ المعرفة الإنسانية». # مقدمة كتاب «مبادئ المعرفة الإنسانية» (12 و15). # الطبعة الثالثة من الكتاب السابق (142). # هذه المناقشة موضوع كتاب «علة الحركة» وكتاب «التحليل» أي الرياضي. # الفصل الرابع # ديفيد هيوم # 1711-1776 ~~(1) حياته ومصنفاته # شغف بالفلسفة منذ صباه حتى ضحى في سبيلها بدراسة القانون التي أرادته أسرته ~~عليها، ثم ضحى بالتجارة، كان يطمح إلى أن يقيم مذهبا يضارع العلوم الطبيعية ~~دقة وإحكاما بفضل تطبيق «منهج الاستدلال التجريبي» فسافر إلى فرنسا وهو في ~~الثالثة والعشرين ومكث بها ثلاث سنين يفكر ويحرر وعاد إلى إنجلترا، وبعد سنتين ~~(1739) نشر مجلدين من «كتاب في الطبيعة ms161 الإنسانية» الأول في المعرفة، والثاني ~~في الانفعالات، وفي السنة التالية نشر المجلد الثالث والأخير في الأخلاق، فأشبه ~~باركلي في التبكير العقلي، وكتابه هذا يطرق الموضوعات التي طرقها لوك، ولكنه ~~جاء معقد الأسلوب عسير الفهم، فلقي اعراضا عاما تأثر له هيوم تأثرا عميقا، ~~فتحول إلى تحرير المقالات القصيرة الواضحة ونشرها في ثلاثة مجلدات بعنوان ~~«محاولات أخلاقية وسياسية» (1741، 1742، 1748) فأصابت نجاحا، وكان قد عاد إلى ~~«كتاب الطبيعة الإنسانية» فخففه ويسره، فأخرج كتاب «محاولات فلسفية في الفهم ~~الإنساني» (1748)، وضحت فيه آراؤه عن ذي قبل، ثم عدل عنوانه هكذا: «فحص عن ~~الفهم الإنساني»، واستأنف الكتابة في الأخلاق السياسية فنشر (1751) كتابا ~~بعنوان «فحص عن مبادئ الأخلاق» هو موجز القسم الثالث من «الطبيعة الإنسانية» ~~ونشر (1752) كتابا أخر بعنوان «مقالات سياسية»، ثم توفر على تدوين «تاريخ ~~بريطانيا العظمى» فأظهره في ثلاثة مجلدات (1754، 1756، 1759) نالت إعجابا ~~كبيرا، وكان في تلك الأثناء يعالج مسألة الدين، فصنف حوالي 1749 «محاورات في ~~الدين الطبيعي» لم يشأ أن تنشر في حياته، فنشرت بعد وفاته بثلاث سنين، ولكنه ~~نشر (1757) كتابا أسماه «التاريخ الطبيعي للدين». # وبعد ذلك شغل منصب كاتب السفارة البريطانية بباريس (1763-1765) فكان موضع ~~حفاوة الأوساط الفلسفية والأدبية، وعاد إلى وطنه (1766) وبصحبته روسو الذي كان ~~يطلب ملجأ في إنجلترا، وأنزله ضيفا في بيت له، ثم عين وزيرا لأسكتلندا ~~(1768) ولكنه اعتزل الوزارة في السنة التالية، وأقام بمدينة أدنبره مسقط رأسه، ~~وتوفي بها. ~~(2) تحليل المعرفة # يدور تفكير هيوم على تحليل المعرفة كما تبدو للوجدان خالصة من كل إضافة ~~عقلية، وفقا للمبدأ الحسي، وعلى تقدير قيمة المعرفة تبعا لهذا التحليل ومن ~~جهة صلاحيتها لإدراك الوجود مع العلم «بأن شيئا لا يحضر في الذهن إلا أن يكون ~~صورة أو إدراكا» على ما يقضي به المبدأ التصوري، فمذهبه يرجع إلى نقطتين: حسية ~~وتصورية، كمذهب لوك ومذهب باركلي، إلإ أنه أدق تطبيقا للمبدأين وأكثر جرأة في ~~مواجهة نتائجهما الشكية، حتى أعلن الشك صراحة. # المعرفة في جملتها مجموع إدراكات # perceptions # أي أفكار بلغة ديكارت أو معان بلغة لوك وباركلي، ~~والإدراكات منها ms162 انفعالات # impressions # ومنها ~~أفكار أو معان # thoughts or ideas # ومنها ~~علاقات # relations # بين المعاني بعضها ~~والبعض، وبينها وبين الانفعالات، فالانعفالات هي الظواهر الوجدانية الأولية، أو ~~هي إدراكاتنا القوية البارزة، مثل انفعالات الحواس الظاهرة، واللذة والألم ~~و«انفعالات التفكير» التي تحدث تبعا للذة والألم، كالمحبة والكراهية، والرجاء ~~والخوف، والمعاني صور الانفعالات؛ لذا كانت أضعف منها، والقاعدة فيما يخصها هي ~~أن ليس من قيمة إلا أن يكون صورة انفعال أو جملة انفعالات، فإذا لم يكن كذلك ~~كان مركبا صناعيا يجب الفحص عن أصله ويجب تبديده، ومن هذا القبيل المعاني ~~المجردة، وهيوم يرفضها رفضا باتا ويصطنع الاسمية مثل باركلي، فيتحدث نفس ~~حديثه ويسوق نفس الأمثلة، يقول: «إن معانينا الكلية جميعا هي في الحقيقة معان ~~جزئية مرتبطة باسم كلي يذكر اتفاقا بمعان أخرى جزئية تشبه في بعض النقط ~~المعنى الماثل في الذهن»، فاسم فرس مثلا «يطلق عادة على أفراد مختلفة اللون ~~والشكل والمقدار، فبمناسبته تتذكر هذه المعاني (أو الأفراد) بسهولة». # والعلاقات تنشأ بفعل قوانين تداعي المعاني، أي قوانين التشابه، والتقارن في ~~المكان والزمان والعلية، هذه القوانين هي القوانين الأولية للذهن، تعمل فيه دون ~~تدخل منه، وهي بالإضافة إليه كقانون الجاذبية بالإضافة إلى الطبيعة، فهيوم يزيد ~~على لوك أن ليس للذهن فعل خاص في المضاهاة والتركيب والتجريد التي هي وسائل ~~تكوين المعاني، ويقصر وظيفة الذهن على مجرد قبول الانفعالات فتحصل منها المعاني ~~حصولا آليا بموجب قوانين التداعي، والعلاقات التي تؤلف العلوم نوعان: علاقات ~~بين انفعالات قائمة في أن بعض الانفعالات علل والبعض الآخر معلولات، كما هو ~~الحال في العلوم الطبيعية، وعلاقات بين معان، وهي التي تتألف منها الرياضيات، ~~فيتعين النظر في كل من هذين النوعين. # أما العلوم الطبيعية فقيمتها تابعة لقيمة علاقة العلية، وهذه العلاقة هي ~~التي تسمح لنا بالاستدلال بالمعلول الحاضر على العلة الماضية، وبالعلة الحاضرة ~~على المعلول المستقبل، ولكنها عديمة القيمة؛ فإنها ليست غريزية وليست مكتسبة ~~بالحس الظاهر، أو الحس الباطن، أو بالاستدلال، لقد بين لوك أن ليس في الذهن ~~شيء غريزي، والحواس تظهرنا ms163 على تعاقب الظواهر الخارجية، ولا تظهرنا على قوة ~~الشيء الذي يسمى عله يحدث بها الشيء الذي يسمى معلولا، فأنا أرى كرة البلياردو ~~تتحرك، فتصادف كرة أخرى، فتتحرك هذه، وليس في حركة الأولى ما يظهرني على ضرورة ~~تحرك الثانية، والحس الباطن يدلني على أن حركة الأعضاء في تعقب أمر الإرادة، ~~ولكني لا أدرك به إدراكا مباشرا علاقة ضرورية بين الحركة والأمر، ولا أدري ~~كيف يمكن لفعل ذهني أن يحرك عضوا ماديا، وأخيرا ليس يمكن القول بأن رابطة ~~العلية مكتسبة بالاستدلال، إن الفلاسفة الذين يدعون أن للشيء الذي يظهر للوجود ~~علة بالضرورة وإلا كان علة نفسه أو كان معلولا للعدم، يفترضون المطلوب، أعني ~~استحالة استبعاد البحث عن العلة، يجب البرهنة على ضرورة العلة قبل الاحتجاج ~~ببطلان وضع هذه العلة في الشيء الذي يظهر للوجود أو في العدم، وعلى هذا فمبدأ ~~العلية لا يلزم من مبدأ عدم التناقض، ولا تناقض في تصور بداية شيء دون رده إلى ~~علة، إن معنى العلة معنى البداية، وليس متضمنا فيه، ومن الممكن للمخيلة أن ~~تفصل بين معنى العلة ومعنى ابتداء الوجود، ثم إن معنى العلة ومعنى المعلول ~~متغايران، ويستحيل علينا أن نعلم مبدئيا معنى المعلول من معنى العلة: «إن ~~آدم، قبل الخطيئة، مهما افترضنا لعقله من كمال، ما كان يستطيع أبدا ان يستننتج ~~مبدئيا من ليونه الماء وشفافته أنه يخنقه، يستحيل على العقل مهما دقت ملاحظته ~~أن يجد المعلول في العلة المفترضة، لأن المعلول مختلف بالكلية عن العلة، فلا ~~يمكن استكشافه فيها»، بل إن الاستدلال لا يخولنا في توقع نفس المعلولات بعد نفس ~~العلل، إذ ليس في وسع العقل أن يبرهن على «أن الحالات غير الواقعة في تجربتنا ~~يجب أن تشابه الحالات التي جربناها» كما أنه ليس في وسع التجربة أن تبرهن على ~~وجوب التشابه بين المستقبل والماضي، من حيث إن التجربة نفسها قائمة على هذا ~~الافتراض، وكل ما هنالك «أن العلة شيء كثر بعده تكرار شيء آخر حتى إن حضور ~~الأول يجعلنا دائما نفكر في الثاني»، ms164 وعلى ذلك تعود علاقة العلية إلى علاقتي ~~التشابه والتقارن، فهاتان العلاقتان هما الأصليتان، وعلاقة العلية مجرد عادة ~~فكرية من نوعهما، وما يزعم لها من ضرورة، ناشئ من أن العادة تجعل الفكر غير ~~قادر على عدم تصور اللاحق وتوقعه إذا ما تصور السابق، والنتيجة أن ليس يوجد ~~حقائق ضرورية ومبادئ بمعنى الكلمة! وأن العلوم الطبيعية نسبية ترجع إلى تصديقات ~~ذاتية يولدها تكرار التجربة. # وأما العلاقات التي بين المعاني فتتجلى في الرياضيات، ويميز هيوم بين الحساب ~~والجبر من ناحية والهندسة من ناحية أخرى، فيقول إن الحساب والجبر علمان مضبوطان ~~يقينيان؛ لأنهما قائمان على معنى الوحدة وهو معنى ثابت يسمح بتأليف مقادير ~~والمعادلة بينها بما يطابق الواقع، في حين أن الوحدات المكانية في الهندسة ~~(كالخط والسطح) ليس لها في الواقع مثل ذلك الثبات، وإنما هي مقاربة له، وليس ~~يستنبط منها من نتائج سوى الاحتمال القوي. # هذا ما وصل إليه هيوم في تحليل المعرفة ونقد العلوم، وأول ما يسترعي النظر ~~قصره وظيفة الذهن على القبول، وتفسير محتوياته تفسيرا آليا بقوة الانفعالات ~~وضعفها وفعل قوانين التداعي، على أنه يعترف بأنه إذا كان التمييز بين ~~الانفعالات والمعاني ميسورا عادة، فقد يحدث أن تكون المعاني قوية والانفعالات ~~ضعيفة، كما يشاهد في حالة التخييل وبعض الأمراض النفسية وحينئذ فإما ألا يبقى ~~لنا سبيل للتمييز بين الحقيقة والخيال، أو أن يقوم الذهن بهذا التمييز بناء على ~~علامات مكتسبة من التجربة، فيبين عن فاعليته، وهيوم يعترف أيضا بأنه قد يحدث ~~أن نحصل على معنى دون انفعال مقابل، كما إذا افترضنا عدة ألوان متضائلة ~~بالتدريج، وافتقدنا لونا من بينها، فإننا نحس هذه الثغرة ونحصل على معنى هذا ~~اللون ولو لم نره قط، ثم إن طائفتي الانفعالات والمعاني تختلف ليس فقط بالقوة ~~بل بالطبيعة أيضا؛ ذلك بأن معنى لذة ماضية أو ألم ماض لا يشبه تلك اللذة أو ~~ذلك الألم كما تشبه الصورة الأصل، أو ليس المعنى من نوع اللذة أو من نوع الألم ~~في الوجدان، ولكنه تذكر أو تصور اللذة أو ms165 الألم، أي إن اللذة أو الألم موضوع ~~المعنى، فالمعنى فعل مخصوص يقتضي قوة مخصوصة، ولا بد من الاعتراف أيضا بقوة ~~مخصوصة تدرك التشابه والتقارن اللذين يجعل هيوم منهما قانوني الفكر، إذ ليس ~~هناك انفعالان يقابلانهما ويعتبران أصلا لهما، كذلك لا بد من القول بقوة ~~مخصوصة لتفسير الاسم الكلي، إذ كيف يطلق على كثيرين إذا لم يكن فينا قوة تنتقل ~~من جزئي إلى آخر؟ ولم يطلق على كثيرين إلا إذا كانوا يتفقون في النوع أو في ~~«بعض النقط» كما يقول هيوم؟ إذا كان هناك نوع ولو مؤقت على رأي لوك كانت له ~~خصائص متضامنة تؤلف ماهية معقولة، وأخيرا ليست الاعتراضات التي يوجهها هيوم ~~إلى مبدأ العلية حاسمة، فإذا سلمنا له أن الإدراك الظاهري لا يظهرنا على القوة ~~التي تفعل، وإذا سلمنا جدلا أن الإدراك الباطني لا يظهرنا على علاقة ضرورية ~~تربط حركات الأعضاء بأمر الإرادة، فإننا ندعي أن العقل يدرك هذه العلاقة ~~وضرورتها، أجل إن معنى العلة ومعنى المعلول متغايران، ولكن المعلول موجود يظهر ~~للوجود، وبهذا الاعتبار هو لا يظهر بنفسه ولا بفعل العدم، وإنما يظهر بفعل ~~موجود آخر هو علته، وإذا كان مبدأ العلية لا يلزم من مبدأ عدم التناقض، بمعنى ~~أنه لا يستنبط منه استنباطا مستقيما، فإنه يستند إليه من جهة أن منكره يقع في ~~التناقض إذ أنه يزعم أن ما يوجد ليس له ما به يوجد، وهذا خلف، والواقع أن مبدأ ~~العلية أولى في العقل، وأن الاعتقاد به واحد عند جميع الناس وفي جميع الأعمار، ~~مع أن المذهب الحسي يقضي بأن تكون قوة العادة معادلة لعدد التجارب وأن يتفاوت ~~الاعتقاد بتفاوت التجربة، فالفلسفة الحسية تنتهي إلى إلغاء العقل وإلغاء العلم ~~الطبيعي لأنها لا تعتقد بضرورة القانون وترد الشعور بالضرورة إلى أثر العادة، ~~وإذا كان هيوم اعتقد بقيمة مطلقة للحساب بحجة أنه قائم على علاقات بين معان لا ~~بين انفعالات، قد نسي أن المعاني عنده ترجع إلى انفعالات، وأن العلاقات تابعة ~~كلها للتكرار والتداعي ولقد كان الواجب عليه، حين ms166 بدا له يقين القضايا ~~الرياضية، أن يعود إلى مبدئه الحسي ويكمله بالعقل، ولكنه لم يفعل. ~~(3) الفكر والوجود # الناحية الأخرى من مذهب هيوم الفحص عما للمعرفة من قيمة موضوعية، وماذا ~~عسى أن يكون لها من هذه القيمة وإدراكنا مقصور على الظواهر ؟ «لا يمكن أن يحضر ~~في الذهن سوى إدراكات، فيلزم أنه من الممتنع علينا أن نتصور أو أن نكون معنى ~~شيء يختلف بالنوع عن المعاني والانفعالات، فلنوجه انتباهنا إلى الخارج ما ~~استطعنا، ولتثب مخيلتنا إلى السموات أو إلى أقاصي الكون، فلن نخطو أبدا خطوة ~~إلى ما بعد أنفسنا»، # 1 # وفكرة الوجود لا يقابلها أي انفعال، ولا فارق بين التفكير في شيء ~~والتفكير في نفس الشيء موجود، ونحن حين نتصوره موجودا لا نمنحه صفة جديدة، ~~وتبعا لهذا الموقف لا يبقى محل للحديث عن وجود الماديات والنفس والله، إذ أن ~~كل ما عدا الفكر مغيب عنا، ولكن هيوم ينظر في هذه الأمور ليبين تهافت الأدلة ~~التي تقدم على وجودها، ولتفسير اعتقادنا بهذا الوجود. ~~«بأي حجة ندلل على أن إدراكات الذهن يجب أن تكون حادثة عن أشياء خارجية ... ~~وأنه لا يمكن أن تحدث عن قوة الذهن نفسه؟ إن الذهن لا يجد في نفسه سوى إدراكات، ~~فلا يستطيع أن يتحقق من ارتباط هذه الادراكات بأشياء لا يبلغ إليها ... وهل هناك ~~شيء أكثر استعصاء على التفسير من النحو الذي قد يؤثر به جسم في روح بحيث يحدث ~~صورة في جوهر مفروض فيه أنه من طبيعة جد مغايرة بل معارضة؟»، # 2 # ولما كان مبدأ العلية نسبيا فلا نستطيع الاعتماد عليه للتدليل ~~على وجود علل لانفعالاتنا، وإذا كنا نعتقد أن في الخارج أشياء مستقلة عن ~~إدراكنا، وأننا في كل صباح نرى الشمس عينها التي سبق لنا رؤيتها، فهذا وهم سببه ~~افتراضنا أن الإدراكات المتشابهة هي هي بعينها، واعتقادنا بوجود الأشياء شعور ~~يصاحب الانفعال ولا يصاحب الخيال، هذا الشعور تصور للشيء أقوى وأدوم من تصور ~~الخيال! وهو لا يتعلق بإراداتنا، ولكن طبيعتنا تثيره فينا، ونحن نجهل القوى ~~التي يتعلق ms167 بها التعاقب المطرد للظواهر، ونجهل السبب الذي يجعلنا نتوقع نفس ~~اللاحق بعد نفس السابق. # 3 # كذلك ليس لدينا انفعال مقابل للنفس أو للجوهر بالإجمال، إن الاعتقاد بالجوهر ~~تابع للاعتقاد بالعلية؛ فإننا نرى جملة من الكيفيات مؤتلفة ونتعلم من التجربة ~~أن هذا المجموع يتكرر ، فتتوهم كعلة ائتلاف الكيفيات، وعلة بقاء هذا الائتلاف أو ~~تكراره في ذهننا، فما النفس إلا جملة الظواهر الباطنة وعلاقاتها، ولا يمكن ~~إثبات الأنا بالشعور، فإني «حين أنفذ إلى صميم ما أسميه أنا أقع دائما على ~~إدراك جزئي» أي على ظاهرة، بيد أن هيوم يعود فيقر # 4 # بأنه لا يدري كيف تتحد في الذهن الإدراكات المتعاقبة، أي كيف تفسر ~~الذاكرة وانفعالاتنا ظواهر منفصلة، وينتهي بالتصريح بأن هذه المسألة عسيرة ~~جدا على عقله! # وينقد هيوم الأدلة على وجود الله، فيقول إن دليل الغائية المشهور قائم على ~~تمثيل الكون بآلة صناعية وتمثيل الله بالصانع الإنساني، ولكن الصانع الإنساني ~~علة محدودة تعمل في جزء محدود، فبأي حق نمد التشبيه إلى هذا الكل العظيم الذي ~~هو الكون، ونحن لا ندري إن كان متجانسا في جميع أنحائه؟ ولو سلمنا بهذه ~~المماثلة لما انتهينا حتما إلى الإله الذي يقصده أصحاب الدليل، إذ يمكن أن ~~نستدل بما في الكون من نقص على أن الإله متناه كالصانع الإنساني، وأنه ناقص ~~يصادف مقاومة، أو أنه جسمي وأنه يعمل بيديه، أو يمكن أن نفترض أن الكون نتيجة ~~تعاون جماعة من الآلهة، وإذا شبهنا الكون بالجسم الحي، أمكن تصور الله نفسا ~~كلية، أو قوة نامية كالقوة التي تحدث النظام في النبات دون قصد ولا شعور، أما ~~دليل المحرك الأول، فليس هناك ما يحتم تسليمه ونبذ المذهب المادي، إذ قد يمكن ~~أن تبدأ الحركة بالثقل أو بالكهرباء مثلا دون فاعل مريد، وأما دليل الموجود ~~الضروري فلا يستند إلى أصل في تجربتنا من حيث إن التجربة لا تعرض علينا ~~انفعالا ضروريا، وأن المخيلة تستطيع دائما أن تسلب الوجود عن أي موجود كان، ~~إن معنى الموجود الضروري ثمرة وهم المخيلة التي تمد ms168 موضوع تجاربنا إلى غير ~~نهاية، فلم لا نمد المادة نفسها إلى غير نهاية فنعتبرها الله؟ وبأي حق نفترض ~~الكون كلا محدودا حتى نبحث له عن علة مفارقة؟ وأخيرا إن وجود الشر يعارض ~~القول بالعناية الإلهية، وليس وجود الشر محتوما كما يقولون، إذ من الميسور ~~جدا تصور عالم بريء من أسباب الشر التي نشاهدها في عالمنا. # بمثل هذه السفسطة يتذرع هيوم لإقصاء الحقائق والجواهر من الفلسفة، بعد أن ~~سلم بالمبدأ الحسي وذهب إلى نتيجته المنطقية فبلغ إلى «الظاهرية» المطلقة ~~التي ترد المعرفة إلى ظواهر لا يربط بينها سوى علاقات تجريبية، وهذه الظاهرية ~~هي الصورة التي يتخذها الشك في العصر الحديث، وقد كان هيوم معجبا بقدماء ~~الشكاك، وكان ينعت نفسه بالشاك ويرى أن الفلسفة هي هذا الشك، وأن الحياة ~~العملية يكفي فيها وحي الغريزة، فلا صلة بين الحياة والفلسفة، حتى لقد قال: «ما ~~من طريقة استدلالية أكثر شيوعا، ومع ذلك ما من طريقة أجدر باللوم، ومن إدحاض ~~فرض ما بعواقبه الخطرة على الدين والأخلاق، إن الرأي الذي يؤدي إلى خلف هو رأي ~~كاذب من غير شك، ولكن ليس من المحقق أن الرأي كاذب لكونه يستتبع عاقبة خطرة». # فإذا بحث في الأخلاق نقد المذهب العقلي وأسلم نفسه لوحي القلب والعاطفة كما ~~يقول، فعنده أن الحكم الخلفي ينشأ حين نتصور فعلا ما بجميع علاقاته فتقوم فينا ~~عاطفة إقرار أو إنكار، فنقول عن الفعل إنه خير أو شر لا لكونه كذلك في ذاته بل ~~لنوع تأثرنا به، وليس يصدر الإقرار أو الإنكار عن الأنانية، بدليل أننا نقر ~~أفعالا لا تفيدنا شخصيا، أو ننكر أفعالا مفيدة لشخصنا، الواقع أن الذي يصدر ~~أحكاما أخلاقية ينزل عن وجهته الخاصة ويتخذ وجهة مشتركة بينه وبين الآخرين، ~~فتجيء أحكامه كلية، فأساس الأخلاق التعاطف، أو عاطفة الزمالة، أو «الإنسانية» ~~التي تحملنا على محبة الخير للناس جميعا، وإذا كانت الميول الغيرية أرفع من ~~الميول الأنانية، وكانت هذه مذمومة وتلك ممدوحة، فليس يرجع ذلك إلى طبيعتها، بل ~~إلى عموم منفعتها. ولما كانت الأخلاق ms169 صادرة عن الغريزة، كانت أصولها واحدة عند ~~الجميع، ورجعت الاختلافات الي اختلاف الظروف؛ فالمحبة الأبوية مثلا غريزة ~~عامة، وقتل الأطفال مظهر من مظاهرها في بلد جد فقير. # كتاب الطبيعة الإنسانية: القسم الثاني ف6. # كتاب «فحص عن الفهم الإنساني» القسم الثاني عشر ف1. # الكتاب المذكور، القسم الخامس . # في ملحق كتاب الطبيعة الإنسانية. # الفصل الخامس # توماس ريد # 1710-1796 ~~(1) حياته ومصنفاته # نبغ في هذا القرن لفيف من المفكرين الأسكوتلنديين أخذوا على أنفسهم الدفاع عن ~~الأخلاق والدين بالرجوع إلى الضمير وعواطفه الطبيعية، فتألف منهم ما يسمى ~~الأسكوتلندية، ذكرنا بعضهم في الفصل الثاني من هذه المقالة، وتوماس ريد أهمهم ~~لأنه عرض للفلسفة في جملتها، وعالج مسألة المعرفة وهي المسألة الأساسية فيها، ~~تخرج في جامعة أبردين، وعين قسيسا، ثم عين أستاذا بتلك الجامعة، فأستاذا ~~بجامعة جلاسكو، كان على مذهب لوك وباركلي، فلما قرأ كتاب هيوم في الطبيعة ~~الإنسانية هالته النتائج التي انتهى إليها، وعول على معارضة الشك بيقين «الذوق ~~العام» # commou sense ~~، له ثلاثة كتب مذكورة: ~~الأول «بحث في الفكر الإنساني على مبادئ الذوق العام» (1763) والثاني «محاولات ~~في القوى العقلية» (1785) والثالث «محاولات في القوى الفاعلية» (1788)، وهذان ~~الكتابان تفصيل الكتاب الأول. ~~(2) مذهبه ~~«محال أن نفسر السبب الذي من أجله نوقن بمدركات حواسنا وشعورنا وسائر قوانا ~~... إن هذا اليقين قاهر، إنه صوت الطبيعة، وعبثا نحاول معارضته، وإذا أردنا أن ~~ننفذ إلى أبعد منه ونطلب إلى كل قوة من قوانا السبب الذي يبرر ثقتنا بها، وأن ~~نعلق هذه الثقة إلى أن تبديه، فيخشى أن تسوقنا هذه الحكمة المسرفة إلى الجنون، ~~وأن نعدم بالمرة ضوء الذوق العام لأننا لم نرد الخضوع للحال المشترك بين بني ~~الإنسان»، الذوق العام منحه خالصة من الله لا يكتسب بالتربية، فإنه قوة إدراك ~~البديهيات، وبه نتعلم الاستدلال وقواعده أي استنباط النتائج الصحيحة من ~~البديهيات. # يتشكك لوك وباركلي وهيوم في وجود أشياء خارجية، وما ذلك إلا لأنهم اعتقدوا ~~أننا حين نعرف إنما نعرف معنى أو صورة، فوضعوا واسطة بين العارف والمعروف، ~~ووجدوا أنفسهم مضطرين لإقامة البرهان ms170 على وجود شيء مقابل للصورة أو المعنى، ~~وهذا موقف ينطوي على جرثومه الشك، ويرد عليه أولا بنتائجه السيئة، ثم بالرجوع ~~إلى الذوق العام، فما من أحد يعتقد أنه يرى صور الأشياء ولكن يعتقدون أنهم يرون ~~الأشياء أنفسها، وفينا ميل طبيعي للاعتقاد بأن الروابط بين الظواهر المدركة ~~ستظل هي هي في المستقبل، وعلى هذا الأساس تقوم العلوم، وكل ذي عقل سليم يقبله، ~~وإن وجد من لا يقبله فهو جدير أن يدخل البيمارستان، إن تعاقب الليل والنهار ~~قديم في تجربتنا، وما من أحد يعتبر الليل معلول النهار أو النهار معلول الليل، ~~الحقائق التجريبية هي التي يحتمل يقيننا بها الزيادة والنقصان، فالطبيب مثلا ~~يزداد اقتناعا بفاعلية دوائه كلما ازداد نجاحه حتى يتحول تخمينه الأول إلى ~~يقين، أما المبادئ العقلية فاليقين بها ثابت منذ الأصل لا تزيد فيه التجربة ولا ~~تنقص منه، وعلى ذلك ليست هذه المبادئ آتية من التجربة. # وتشكك هيوم في وجود الأنا وقصر معرفتنا على الظواهر الباطنة: ولكننا ننتقل ~~من الظواهر الباطنة إلى موجود نسميه أنا بموجب مبدأ عقلي غريزي الذاكرة، تدلنا ~~على بقاء الأنا هو هو، ويدلنا الذوق العام على أن هذه الذاكرة تقتضي وجودا ~~متصلا. «ليست شكلا ولا فعلا ولا عاطفة، ولكني موجود يحس ويعمل ويفكر»، ~~«أحوالي الباطنة تتغير في كل لحظة، ولكن الأنا متصل الوجود وهو المحل المشترك ~~للأحوال المتعاقبة»، وقال هيوم أن ليس أغمض من فكرة القوة، ولكنها تدرك ضرورة ~~من شعورنا بأنفسنا، فإننا نجد في أنفسنا قدرة فاعلية هي الإرادة، وإذا كنا لا ~~نشعر بقوانا أنفسها فإننا نشعر بالأفعال التي تتم عنها، وكل فعل فهو يفترض قدرة ~~في الفاعل، وافتراض شيء يفعل دون أن يكون حاصلا على قدرة الفعل خلف ظاهر. # على أن ريد يقف عند حد النقد، ويعرض معتقداتنا على أنها بديهية طبيعية دون ~~محاولة تفسيرها، فهو يسلم بلا مناقشة جميع المبادئ المقبولة عند جميع الناس ~~(مبادئ العلم الرياضي، والعلم الطبيعي، والأخلاق، وما بعد الطبيعة) «لأنها من ~~الضرورة للسيرة بحيث لا يمكن النزول عنها إلا ms171 ونقع في أباطيل لا تحصى نظرية ~~وعملية»، ولكنه لا يصنف هذه المبادئ ولا يعقلها بمبدأ أعلى، بل إنه يقع في ~~شرك المبدأ التصوري، فما الإدراك الظاهري المباشر عنده إلا «إيحاء ضروري» أو ~~«إشارة طبيعية» إلى الشيء الخارجي، لا صورته، وهو يسائل نفسه قائلا: «كيف ~~يجعلنا الإحساس نتصور وجود شيء خارجي لا يشبه بحال، ويضطرنا للاعتقاد به؟»، ~~ويجيب بقوله: لا أزعم العلم بذلك، وحين أقول إن الإحساس يوحي بالصورة ~~وبالاعتقاد، لا أقصد إلى تفسير طبيعة ارتباط هذه الحدود، بل إلى التعبير عن ~~واقعة يستطيع الجميع شهودها في الوجدان»، وعنده أن كل الفرق بين الكيفيات ~~الأولية والثانوية هو «أن حواسنا تعطينا فكرة مباشرة متميزة عن الأولى، في حين ~~أن طبيعة الثانية غامنضة نسبية»، وعلى ذلك لا يمحو ريد الواسطة بين العارف ~~والمعروف، بل يقبلها صراحة، وهي الإحساس كإشارة، ويذهب إلى أن ماهيات الأجسام ~~وماهية النفس محجوبة عنا، فيصل إلى النتيجة التي وصل إليها لوك وهيوم وهي ~~استبعاد الميتافيزيقا، بحجة أنها تثير مسائل غير قابل للحل، فجملة القول أنه ~~نظر إلى المسائل من الوجهة النفسية دون الوجهة الميتافيزيقية، فظن أن إثبات ~~الواقع يكفي، ورد الفلسفة إلى علم النفس الوصفي، وقال إن هذا العلم في غنى عن ~~الآراء الميتافيزيقية في طبيعة الجسم والنفس أسوة بالعلوم الطبيعية وكان له ~~أتباع حذوا حذوه فجعلوا علم النفس مستقلا عن الفلسفة، وهذا أهم أثر ~~للمدرسة الأسكوتلاندية. # المقالة الثانية: الفلسفة في فرنسا # الفصل السادس # كوندياك # 1715-1780 ~~(1) حياته ومصنفاته # قسيس لم يزاول مهام الكهنوت قط، وإنما قرأ الفلاسفة المحدثين، وخالط معاصرية ~~منهم، واعتنق مذهب لوك، فكان زعيم الحسية في وطنه، عرض هذه الحسية في كتاب ~~«محاولة في أصل المعارف الإنسانية» (1746) وأتبعه بآخر عنوانه (كتاب المذاهب) ~~(1749) نقد فيه مذاهب ديكارت ومالبرانش وسبينوزا وليبنتز وغيرهم من المعتمدين ~~على العقل وحده، فلا يهتدون إلى الحق، بل لا يتفقون فيما بينهم، فالامتداد عند ~~ديكارت جوهر، وعند سبينوزا عرض، وعند لبينتز معنى متناقض، ثم نشر كتابه المعروف ~~«في الإحساسات» (1754) يفصل فيه الكتاب الأول، وألحق به ms172 كتاب «الحيوان» (1755) ~~يبين فيه نشوء قوى الحيوان والفرق بينه وبين الإنسان، وفي 1768 انتخب عضوا ~~بالأكاديمية الفرنسية خلفا لقسيس آخر، والواقع أن أسلوبه رشيق وضاح، وبعد ~~وفاته نشر له كتاب في «المنطق» لا على الطريقة المدرسية، ولكنه عبارة عن ملاحظة ~~ونصائح في تدبير الفكر، وكتاب في «لغة الحساب» لم يتمكن من إتمامه، وكان يقصد ~~به الي بيان الطريقة التي يمكن بها صوغ جميع العلوم، ومنها الأخلاق ~~والميتافيزيقا، بمثل ما للرياضيات من دقة. ~~(2) مذهبه # يذهب كوندياك في الحسية إلى أبعد من لوك، فإنه يقصر التجربة على الإحساس ~~الظاهري، ويستغني عن «التفكير» كمصدر أصيل للمعرفة، فيدعي أن أي إحساس ظاهري ~~يكفي لتوليد جميع القوى النفسية، ولبيان ذلك يفترض (في كتاب الإحساس) تمثالا ~~حيا داخل تمثال من رخام، ويقول إذا كسرنا الرخام في موضع الأنف أتحنا للتمثال ~~الحي القدرة على استخدام حاسة الشم، وهي الحاسة المعتبرة أدنى الحواس، فعند أول ~~إحساس يوجد شيء واحد في شعور التمثال، هو رائحة وردة مثلا، ويكون شعوره كله ~~هذه الرائحة، أو أية رائحة أخرى تعرض له، ومتى كان له إحساس واحد ليس غير، كان ~~هذا هو الانتباه، ولا ينقطع الإحساس بالرائحة بانقطاع التأثير، ولكنه يبقى، ~~وبقاؤه هذا مع حدوث رائحة جديدة هو الذاكرة، وإذا وجه التمثال انتباهه إلى ~~الإحساس الحاضر والإحساس الماضي جميعا، كان هذا الانتباه المزدوج المقارنة أو ~~المضاهاة، وإذا أدرك بهذه المضاهاة المشابهات والفوارق، كان الحكم الموجب ~~والحكم السالب، وإذا تكررت المضاهاة وتكرر الحكم كان الاستدلال، وإذا أحس ~~التمثال إحساسا مؤلما فتذكر إحساسا لاذا، كان لهذه الذكرى قوة أعظم وكانت ~~المخيلة، وتلك هي القوى العقلية، أما القوى الإرادية فتتولد من الإحساس باللذة ~~والألم؛ ذلك بأنه إذا تذكر التمثال رائحة لذيذة وهو منفعل بإحساس مؤلم، كان هذا ~~التذكر حاجة، ونشأ عنه ميل هو الاشتهاء، وإذا تسلط الاشتهاء كان الهوى، وهكذا ~~يتولد الحب والبغض والرجاء والخوف، ومتى حصل التمثال على موضوع شهوته كان ~~الرضا، وإذا ما ولدت فيه تجربة الرضا عادة الحكم بأنه لن يصادف عقبة في ms173 سبيل ~~شهوته تولدت الإرادة، فما الإرادة إلا شهوة مصحوبة بفكرة أن الموضوع المشتهى هو ~~في مقدورنا. # على أن التمثال، وقد حصل على جميع قواه، لا يعلم أن العالم الخارجي موجود، ~~بل لا يعلم أن جسمه موجود، من حيث إن إحساساته انفعالات ذاتية ليس غير، فكيف ~~يصل إلى إدراك المقادير والمسافات؟ وكيف يدرك أن شيئا موجودا خارجا عنه؟ ~~هاتان مسألتان يجب التمييز بينهما، والفحص عن كل واحدة على حدة، وهما موضوع ~~القسم الثاني والقسم الثالث من كتاب الإحساسات، فعن المسألة الأولى يقر كوندياك ~~رأي لوك أن الأكمه الذي يستعيد البصر لا يميز لفوره بين كرة وبين مكعب كان ~~يعرفهما باللمس، إذ أن اللمس هو الذي يدرك الأشكال أولا، ويدركها البصر بفضل ~~علاقاته باللمس، ثم لا تعود به حاجة إلى تذكر الإحساسات اللمسية التي كانت ~~مساعدة له، خلافا لما يذهب إليه باركلي، وعن المسألة الثانية قال كوندياك في ~~الطبعة الأولى لكتاب الإحساسات إن معرفة «الخارجية» ترجع إلى تقارن الإحساسات ~~اللمسية، مثل أن يحس التمثال في آن واحد حرارة في إحدى الذراعين وبرودة في ~~الأخرى وألما في الرأس، وعاد فقال - في الطبعة الثانية (1778) - إن إحساسات ~~لمسية بمثل هذا الغموض يمكن أن تتقارن دون أن تتخارج، وإن فكرة الخارجية تنشأ ~~من المقاومة التي نصادفها في حركتنا وبذلك نضيف جسمنا إلى أنفسنا ونميز بينه ~~وبين سائر الأجسام، ولما كان اللمس يدرك القرب والبعد، فإن اختلاف احساسات ~~الروائح والأصوات والألوان في القوة يوحي إلى التمثال بأن هذه الاحساسات ليست ~~مجرد أحوال باطنة، ولكنها صادرة عن أشياء خارجية، وبذلك نرجع أحكام الخارجية ~~إلى إحساسات ليس غير. # وللتمثال المقصور على الشم كما تقدم القدرة على تجريد المعاني وتعميمها، ~~فإنه إذ يميز بين الحالات التي يمر بها يحصل على معنى العدد، وإذ يعلم أنه ~~يستطيع ألا يبقي الرائحة التي هو إياها وأن يعود ما كان، يحصل على معنى ~~الممكن، وإذ يدرك تعاقب الإحساسات يحصل على معنى الزمان، وإذ يتذكر جملة ~~الإحساسات التي ينفعل بها يحصل على معنى الشخصية وأما ms174 المعنى الكلي فهو جزء من ~~المعنى الجزئي، ولا حقيقة له إلا في الذهن، وما هذه الحقيقة إلا لفظ أو اسم، ~~ليس في الطبيعة ماهيات وأنواع وأجناس، وإنما تعبر الألفاظ الكلية عن وجهات نظر ~~الذهن حين يدرك ما بين الأشياء من مشابهات وفوارق، ومتى لم يكن في الطبيعة ~~ماهيات كان الحد لغوا ووجب الاستعاضة عنه بالتحليل: «معانينا إما بسيطة أو ~~مركبة، البسيطة لا تحد ولكن التحليل يكشف لنا عن أصلها وطريقة اكتسابها، ~~والمعاني المركبة لا تعلم إلى بالتحليل؛ لأنه هو وحده الذي يبين لنا عناصرها»، ~~ومتى لم تكن المعاني المجردة إلا ألفاظا، لم يكن هناك سوى وسيلة واحدة ~~لتخيلها: تلك هي إجادة وضع اللغة؛ فإنه إذا لم يكن لدينا أسماء لم يكن لدينا ~~معان مجردة، فلم يكن لدينا معاني أجناس وأنواع، فلم نستطع الاستدلال، ففن ~~الاستدلال يرجع كله إلى أحكام الكلام، وليس الاستدلال تأديا من الكلي إلى ~~الجزئي ولكنه «حساب» يتأدآ من الشيء إلى الشيء نفسه بتغير الإشارات الدالة، ~~ومثله الأعلى استدلال الجبر الذي ترجع إليه سائر أنواع الاستدلال، (وهذا معناه ~~رد القضية إلى معادلة، وتتصل هذه المحاولة بمحاولات ريمون لول وليبنتز وأصحاب ~~المنطق الرياضي فيما بعد). # وهكذا بدل أن يفسر كوندياك الأفعال بالقوى، والانفعالات بالميول، يجعل ~~الميول تصدر عن الانفعالات، ويجعل القوى عادات الأفعال، وما يسمى غريزة ثمرة ~~التجربة الشخصية، أو عادة ولدها التفكير، أو «عادة خلت من التفكير الذي ولدها»، ~~ولما كان أفراد النوع الواحد تحس نفس الحاجة فتعمل لنفس الغاية بنفس الأعضاء، ~~كانت للنوع نفس العادات أو الغرائز، وكانت جميع المعاني وجميع قوى النفس ~~«إحساسات محولة». # بيد أن كوندياك لم يكن ماديا؛ فإنه إذ يعتبر الإحساس ظاهرة أصيلة، يرى في ~~الظواهر الجسمية التي يجعلها الماديون علة له مجرد «مناسبات» لظهوره، وهو يعارض ~~لوك معارضة صريحة في افتراضه أن مادة معينة قد تكون حاصلة على قوة التفكير، ~~فيقول إن المفكر يجب أن يكون واحدا، وليس للمادة وحدة ولكنها كثرة، ويعترف ~~للإنسان بنفس روحية عاقلة خالدة، ويضعه فوق الحيوان لأنه ms175 يميز الحق، ويحس ~~الجمال، ويخلق الفنون والعلوم، ويدرك مبادئ الأخلاق، ويصعد إلى الله، ولكن ~~كوندياك يذهب مذهب بعض مفكري العصر الوسيط ويقول: إن الحسية حال الإنسان بعد ~~خطيئة آدم، وإن آدم كان قبل خطيئته يعقل بدون وساطة الحواس لأن النفس الإنسانية ~~عاقلة بذاتها، وستعود إلى التعقل في الحياة الآجلة، وهو يدلل على خلود النفس ~~بأنها خلقية وأنها لا تلقى في الحياة العاجلة ما يناسب أفعالها من ثواب وعقاب، ~~ويدلل على وجود الله بدليل العلة الفاعلية، ودليل العلة الغائية، وسواء أكان ~~مخلصا في هذا القسم من أقواله أم لم يكن، فقد كان أثره الخاص إذاعة المذهب ~~الحسي في وقت اشتدت فيه الحملة على الدين والفلسفية، كما سنرى فيما يلي. # الفصل السابع # الفلسفة الطبيعية ~~(1) ڤولتير (1694-1778) # هو الكاتب الشهير الذي سما بالنثر الفرنسي إلى أوجه، وكأن هذا السمو أنهك ~~سائر قواه فتركه في الشعر نظاما، وفي الفلسفة، وقد عرض لها، تلميذا متواضعا ~~للوك ونيوتن، درس كتبهما في إنجلترا حيث أقام ثلاث سنين (1726-1729) وكتب فيهما ~~«رسائل فلسفية» أذاعها أحد الناشرين من غير إذنه (1734) فأنكرتها السلطة وصدر ~~الامر بإحراقها، وكتبه التي تعد فلسفية: ما بعد الطبيعة، ومبادئ فلسفة نيوتن، ~~والفيلسوف الجاهل، وكتاب النفس، ومحاورات أڤيمير، والقاموس الفلسفي وهو أشهرها. # اقتنع بالمذهب التجريبي الذي اتفق عليه بيكون ولوك ونيوتن، فكان معارضا ~~لديكارت: عارض فلسفته بفلسفة لوك، وعارض علمه بعلم نيوتن، كان بيكون أبا المنهج ~~التجريبي، ونقل لوك هذا المنهج إلى الميتافيزيقا ففسر العقل الإنساني كما ~~يفسر الفسيولوجي أعضاء الجسم، ودون «تاريخ» النفس، بينما كتب ديكارت ~~ومالبرانش «قصتها»، وكان نيوتن العالم الذي لا يثبت قولا إلا بالتجربة ~~والحساب، ولئن كان ديكارت سبقه إلى بعض المسائل فقد تفوق هو عليه وقوض ~~أركان مذهبه، هكذا يناصر ڤولتير مذهب التجربة على الميتافيزيقا. # وهو يعارض بسكال الداعي إلى المسيحية، وقد خصص له الرسالة الأخيرة من ~~«الرسائل الفلسفية» وكان يرغب «منذ زمن طويل في منازلة هذا العملاق»، يقول: حتى ~~لو سلمنا بوجود المتناقضات التي يدل عليها پسكال في الإنسان، لم ms176 يكف هذا ~~التدليل على حقيقة المسيحية، إذ أننا نجد في الديانات الوثنية أيضا أساطير تكون ~~طبيعتنا من عناصر متعارضة، ثم إن حجة پسكال ترجع إلى اعتبار المسيحية مذهبا ~~ميتافيزيقيا متفوقا على سائر المذاهب، ولا تبرهن على أن المسيحية الدين ~~الحق، وما المتناقضات في الإنسان إلا العناصر الضرورية المركبة له، من خير وشر، ~~ولذة وألم، وهوى وعقل ، وهذا يعني أن ڤولتير يريد أن يمحو من نفس الإنسان آثار ~~القلق الذي يدفع به صوب الدين، وهو يتبع في جدله منهجه المألوف فيبسط المسائل ~~ويهون من شأنها حتى يفوت جوهرها ولبها، وماذا يعنيه من اللب والجوهر وقد آمن ~~مع لوك بأن العقل محدود فكفى نفسه مئونة البحث في الميتافيزيقا بل راح يتهكم ~~عليها بكل قول ظريف؟ # بيد أنه كان يؤمن بالله: والدليل الأقوى عنده (على الأقل في وقت ما) هو ~~هذا: «إذا وجد شيء منذ الأزل، وأنا موجود، وليست موجودا بذاتي، فهناك موجود ~~بالذات هو الله»، وكثيرا ما كان يرد دليل العلل الغائية الذي «كان يعتبره ~~نيوتن أقوى الأدلة»: «حين أرى ساعة يدل عقربها عن الزمن أستنتج أن موجودا ~~عاقلا رتب لوالبها لهذه الغاية، وكذلك حين أرى لوالب الجسم الإنساني أستنتنج ~~أن موجودا عاقلا رتب هذه الأعضاء، وأن العينين أعطيتا للرؤية، واليدين للقبض ~~... إلخ» ويقول في موضع آخر شعرا: «إن الكون يحيرني، ولا يسعني أن أعتقد أن توجد ~~هذه الساعة ولا يكون لها صانع». # وهو يبين أن العلامة على العلة الغائية الحقة المميزة لها من العلة الغائية ~~المظنونة هي «أن يكون للشيء دائما نفس الأثر، وألا يكون له إلا هذا الأثر، وأن ~~لا يكون مركبا من أعضاء متعاونة على إحداث نفس المعلول»، غير أنه كان يظن أن ~~هذا الدليل لا يؤدي إلى إثبات إله لا متناه خالق، بل فقط إلى إثبات موجود أكبر ~~عقلا وأقوى من الإنسان، ثم كان إيمانه بقوة الدليل يزداد باعتبار أن القول ~~بضرورة العالم ينطوي على صعوبات ومتناقضات لا ينطوي على مثلها القول بوجود ~~الله؛ لذا كان يعارض الماديين ms177 في تفسيرهم للكون بقوانين المادة، وتفسيرهم ~~للأنواع الحية بالتولد الذاتي وبالتطور على ما تشاء الصدفة، وقد كان يعتبر ~~الكون أثرا معقولا، ويذهب في رفض التطور إلى حد التشكك في أن تكون الأجناس ~~البشرية أنفسها وليدة تطور أصل واحد. # والقول بالغائية يستتبع القول بالعناية، ولكنها عند ڤوليتر عناية كلية لا ~~تتناول الجزئيات، أي إن تدبير الكون لا يرجع إلا للقوانين العامة التي وضعها ~~الله أو «أن الله صانع الساعة لا مخلص الإنسان» على حد تعبير أحد المؤلفين، ~~وهذا هو المذهب الطبيعي يتخذ له سندا من فيزيقا نيوتن؛ لذا نرى ڤولتير يذهب ~~إلى التفاؤل أول الأمر: نقول للملحد: «إن ما هو شر بالإضافة إليك هو خير في ~~النظام العام»، ثم حدث زلزال بلشبونة أودى بكثيرين، فثارت ثائرة ڤولتير في ~~قصيدة معروفة، ورأى أن وجود الشر اعتراض هائل في أيدي الملحدين. # كذلك هو يتردد في مسألة الخلود، مع أنه كان يقول بضرورة إله يثيب ويعاقب، ~~وبضرورة الدين للشعب الذي لا يأتي الفضيلة عن عقل ونزاهة كالفلاسفة (!) ولكنه ~~مفتقر إلى حافز ورادع؛ فهو لا يرى رابطة ضرورية بين روحانية النفس وخلودها، فقد ~~تكون النفس روحية ثم لا تكون خالدة، وهو يبين أن القول بنفس متمايزة من الجسم ~~(على طريقة ديكارت) يثير إشكالات عاتية، ويعارض ما نحسه من علاقة مطردة بين ~~قوانا الفكرية وتركيبنا الجسمي، على أنه لا يعتقد أن الفكر صادر عن المادة، إلا ~~أن يكون الله قد منح المادة قدرة على التفكير كما قال لوك، وهو يتردد في مسألة ~~الحرية، فقد أعلن «أن خير المجتمع يقتضي أن يعتقد الإنسان بحريته»، ثم مال إلى ~~الجبرية بحجة أننا لا نريد دون سبب، وتابع لوك في أن الحرية ليست حرية الإرادة ~~بل حرية تنفيذ الفعل المراد، فقال: «إن حريتي تقوم في أن أمشي حين أريد أن أمشي ~~ولا أكون مصابا بالنقرس»، أما المصاب بالنقرس فلا حرية له. # وهكذا نرى ڤولتير يعالج مسائل معروفة بأساليب معروفة، ولا يفلح في إقامة ~~مذهب متسق، وهو يمثل روح عصره خير ms178 تمثيل، ذلك الروح الخفيف الهازل الذي يقنع ~~بالآراء الجزئية، ويتعمد الانتقادات ويتخذ من النكتة حجة ومن السخرية دليلا، ~~وقد كان ڤوليتر أكبر عامل على نشر هذا الروح واستطالة أثره إلى أيامنا. ~~(2) ديدرو (1713-1784) # بدأ حياته القلمية بالترجمة عن الإنجليزية، وكان مما ترجمه كتاب شفتسبري ~~«محاولة في الاستحقاق والفضيلة» (1745)، ونشر «خواطر فلسفية» أعرب فيها عن آراء ~~مخالفة للدين، فحبس بسببها ستة أشهر (1749) ونشر كتبا أخرى تدرج فيها من ~~المذهب الطبيعي القائل بوجود الله والمنكر للعناية الإلهية، إلى الأحادية ~~المادية الزاعمة أن المادة حية بذاتها، وأن الأحياء تتطور ابتداء من خلية ~~تحدثها المادة الحية بحيث «تحدث الأعضاء الحاجات، وتحدث الحاجات الأعضاء»، وهو ~~ينقل هذه النظرية القديمة نقلا، ولا يدعمها بحجج علمية جديدة. # وفي 1746 طلب إليه مدير إحدى المكتبات أن يترجم «موسوعة في الفنون والعلوم» ~~كانت ظهرت بإنجلترا سنة 1728، ولقيت إقبالا شديدا، فرأى هو أن يصدر موسوعة ~~على غرارها، وأشرك معه صديقه العالم الرياضي دالاميير (1717-1783) عضوا ~~أكاديمية العلوم، فألفا حولهما طائفة من المعاونين، أدباء وعلماء وفلاسفة، من ~~بينهم ڤولتير ورسو، وأخرجوا المجلد الأول سنة 1751 مفتتحا بمقدمة من قلم ~~دالاميير في أصل العلوم وتصنيفها، وعدم فائدة المذاهب الميتافيزيقية والدينية، ~~فكان هذا المجلد الأول مثارا لحملات عنيفة من جانب المتدينين، فآثر دالاميير ~~الراحة والسلامة وترك شريكه، فثبت ديدرو على رأس المشروع يخرج مجلداته فيتجدد ~~حول كل مجلد النقاش الشديد، حتى اكتمل عددها سبعة عشر (1772)، فكانت هذه ~~الموسوعة بؤرة الزندقة والإلحاد، نشر فيها ديدرو مقالات عديدة حملت إلى القراء ~~أفكارا كثيرة في جميع العلوم، ولكنها أفكار فطيرة خلع عليها بأسلوبه شيئا من ~~القوة الظاهرة. ~~(3) دي لامتري (1709-1751) # مادي مذكور، نشر أصول مذهبه في كتاب أسماه «التاريخ الطبيعي للنفس» (1745) ~~وتوسع في شرح هذه الأصول في كتاب عنوانه «الإنسان آلة» (1748) فكان للكتابين ~~دوي كبير، وعنوان الثاني يدل على أن صاحبه يستعين بديكارت الفيزيقي على ديكارت ~~الميتافيزيقي؛ فقد زعم ديكارت في كتاب الانفعالات أن جميع الأعضاء يمكن أن ~~تتحرك بموضوعات الحواس وبالأرواح الحيوانية بدون معونة النفس، ms179 وأن الذاكرة ~~تعتمد على آثار في المخ، وأن الحيوان آلة يمكن بل يجب أن نفسر ما نشاهده فيه من ~~ظواهر تبدو فكرية تفسيرا آليا، فقال دي لامتري: إذا كان الحيوان يحس ويدرك ~~ويذكر ويضاهي ويحكم ويزيد بفضل تركيبه المادي فحسب، فما الداعي لوضع نفس روحية ~~في الإنسان وهو يأتي عين تلك الأفعال، ولا تختلف أفعاله عن أفعال الحيوان إلا ~~بالدرجة؟ وهكذا يبدو لنا بوضوح أن فلسفة ديكارت الثنائية ثوب ملفق من رقعتين، ~~يختار منهما دي لامتري الرقعة المادية، ويستغني عن نفس متمايزة من الجسم متحيزة ~~في نقطة منه أو فيه كله فيرد الحياة النفسية إلى الحياة الجسمية بحيث يكفي ~~تركيب الأعضاء للإدراك، وتؤثر البيئة والغذاء والتربية في المزاج، ويؤثر المزاج ~~في الخلق. ~~(4) هلفسيوس (1715-1771) # داع آخر من دعاة المادية، معروف بمحاولة للانتقال من الأنانية إلى الغيرية ~~في الأخلاق، إنه يسلم بأن الأصل طلب المنفعة الخاصة، ولكنه يقول إن الإنسان ~~الحقيقي بهذا الاسم يجد لذته أي منفعته في سعادة الآخرين، فلا يطيق رؤية ~~الشقاء، فيعمل جهده على تخفيفه أو محوه تفاديا من مشهده المؤلم، بيد أن هذا ~~الصنف من الناس قليل، فواجب المصلحين أن يحملوا كل شخص على أن يرى منفعته ~~الذاتية في منفعة الغير، وذلك بترتيب مكافآت وعقوبات قانونية تجعل المنفعة في ~~رعاية الغيرية أعظم منها في رعاية الأنانية. ~~(5) دولباك (1733-1789) # ألماني عاش في باريس، اصطنع المادية المطلقة وكان له تأثير كبير، ذهب إلى أن ~~المادة متحركة بذاتها، وأن كل شيء يفسر بالمادة والحركة، وأنهما أزليتان ~~أبديتان، خاضعتان لقوانين ضرورية هي خصائصهما، فليس العالم متروكا للصدفة، ولا ~~مدبرا بإله، وكل الأدلة على وجود الله منقوضة، ولا غائية في الطبيعة، ليست ~~العين مصنوعة للرؤية، ولا القدم للمشي، ولكن المشي والرؤية نتيجتان لاجتماع ~~أجزاء المادة، ولا نفس في الإنسان، ولكن الفكر وظيفة الدماغ، والفرق بين العقول ~~نتيجة الفرق بين الأدمغة، ولا حرية، فإن القول بها إنكار للنظام الكوني. ~~(6) كابانيس (1757-1808) # طبيب مادي أرجع جميع الظواهر النفسية إلى العوامل المادية، عوامل البيئة ~~والغذاء ms180 ومزاج الجسم، وجمع شواهد كثيرة لتأييد رأيه، وله عبارة مأثورة، هي قوله ~~إن الدماغ يفكر كما تهضم المعدة وكما تفرز الكبد الصفراء، ويرى القارئ كم كانت ~~الفلفسة الفرنسية في هذا القرن هزيلة، وقد كانت مع ذلك صاخية أشد الصخب، ولعله ~~يجد شيئا من الجدة في الفلسفة الاجتماعية التي يمثلها مونتسكيو وروسو. # الفصل الثامن # مونتسكيو # 1689-1755 ~~(1) حياته ومصنفاته # هو ناقد اجتماعي ومفكر سياسي أدرك ما في بيئته من نقائص فعمل على التنبيه ~~إليها ، فكان قدوة طيبة لأهل طبقته من الأشراف، نشر «رسائل فارسية» (1721) تخيل ~~فيها اثنين من أبناء فارس يزوران أوربا وبخاصة فرنسا ويبعثان بخواطرهما إلى ~~أصدقائهما في وطنهما، وهذه الخواطر عبارة عن نقد المجتمع الفرنسي في أخلاقه ~~وعاداته وحكومته وديانته، في تهكم تارة وفي جد أخرى، ثم بدا له أن يضع كتابا ~~شاملا في «روح القوانين» فشرع يعد له العدة ويجمع مواده، أي يدرس القوانين ~~والمؤلفين في إيطاليا وسويسرا والنمسا والمجر وهولاندا وإنجلترا (وقد أقام ~~بلندن سنتين) حتى نشره بجنيف 1748، وكان قد نشر قبل ذلك قسما منه وسمه بعنوان ~~«اعتبارات في أسباب عظمة الرومان وانحطاطهم» (1734). ~~(2) تعريف القانون ~~«روح القوانين» لفظ مبهم يتحدد معناه بالملاحظات الآتية: يكاد يكون مونتسكيو ~~بين مفكري عصره الذي ينظر إلى أمور السياسة في أنفسها دون صلة برأي صريح في ~~العقل والطبيعة، وهو يقصر عنايته على القوانين الوضعية، فلا يعرض للبحث في ~~القانون الطبيعي وأصل الاجتماع، وهو يريد أن يستكشف الأسباب الطبيعية للقوانين ~~الوضعية، أو «قوانين وضع القوانين» فإنه لا يعتقد أن المشرع يصدر عن محض ~~إرادته، ولكنه يخضع لأسباب خارجة عنها، هذه الأسباب هي من الجهة الواحدة طبيعة ~~الحكومات القائمة أو التي يراد إقامتها، ومن جهة أخرى طبيعة الأرض والمناخ ~~والموقع الجغرافي ومساحة البلد ونوع العمل وطريقة المعيشة والديانة والعادات ~~ومبلغ الثروة وعدد السكان، فموضوع الكتاب الفحص عن علاقة القوانين بهذه الاسباب ~~المختلفة، «وجملة العلاقات تؤلف ما يسمى روح القوانين» أي طبيعها (م1 ف3)، وعلى ~~ذلك لم يقصد مونتكسيو إلى أن يضع فلسفة القانون، أي فلسفة ms181 ترد أسباب القوانين ~~إلى مبادئ عقلية كلية، وإنما قصد إلى تفسير القوانين بظروف طبيعية تعلم ~~بالملاحظة والتاريخ، لكن لا على مذهب «المادية التاريخية» فإنه يصرح بأن ~~للأسباب المعنوية، ومنها القوانين أنفسها، التقدم على الأسباب الطبيعية ~~والاقتصادية، وبأن المشرع يستطيع أن يناهض ما يدفع إلى المناخ والمزاج من ميول ~~وأخلاق، فيقوم اعوجاج الشعب ويوجهه إلى الصلاح. # ينتج من هذا التحديد أن «القوانين - بأوسع المعاني - هي العلاقات الضرورية ~~اللازمة من طبيعة الأشياء، وبهذا المعنى للموجودات جميعا قوانينها ... فهناك إذن ~~عقل أول، والقوانين هي العلاقات القائمة بينه وبين مختلف الموجودات، وعلاقات ~~هذه الموجودات فيما بينها»، «فالقول بأن ليس هناك من عدل أو ظلم إلا ما تأمر به ~~أو تنهى عنه القوانين الوضعية، يعدل القول بأنه قبل أن ترسم دائرة لم تكن جميع ~~الأوتار متساوية» (م1 ف1). # الداعي للقانون الوضعي هو الرغبة في أخذ الناس بما ينبغي أن يكونوا عليه وما ~~ينبغي أن يعملوا في المجتمع، إذ أنهم عرضة للخطأ وحاصلون على حرية العمل، ويعيش ~~الناس في المجتمع بناء على استعداد طبعي لا بناء على عرف وتعاقد، وأول مسألة ~~تصادف الباحث مسألة أشكال الحكم؛ إذ أن القوانين تصدر عن شكل الحكومة كما يصدر ~~الماء عن العين، وثمة مسألة أخرى هي مسألة مبادئ الحكم أو الدوافع التي تحرك ~~الحكومة، فلننظر في القوانين من هاتين الوجهتين. ~~(3) أشكال الحكم # هي ثلاث: جمهورية، وملكية، وطغيان. وتنقسم الجمهورية إلى ديمقراطية ~~وأرستقراطية بحسب ما يكون الحكم للشعب برمته، أو لفريق منه هم الأشراف، طبيعة ~~الديمقراطية أن الشعب فيها ملك ورعية في آن واحد: هو ملك باقتراعه، ورعية ~~بطاعته لولاه الأمر المعينين منه لتنفيذ قوانينه وتدبير الشئون العامة، وفي مثل ~~هذه الحكومة ينص على حق الاقتراع وطريقته في القوانين الأساسية، ويزاول الشعب ~~بنفسه حق التشريع، ولا ينزل عن هذا الحق لممثلين أو وكلاء، وإلا تغيرت طبيعة ~~الحكومة، ووظيفة الوكلاء تنفيذية وإدارية ليس غير، في هذا التصور يصدر مونتسكيو ~~عن اليونان، فلا يتمثل الديمقراطية إلا في بلد ضيق المساحة قليل السكان بحيث ms182 ~~يستطيع جميع المواطنين أن يقترعوا في نطاق مجلس واحد، وبهذا المعنى يرى أن ~~الشعب «عجيب في اختيار الذين يريد أن يعهد إليهم بقسط من سلطانه»؛ لأن أقدار ~~الرجال في مختلف الأعمال معلومة للجميع. # وطبيعة الأرستقراطية أن الشعب فيها رعية والأشراف حكام، ومتى كان الأشراف ~~قليلي العدد كانوا حكاما جميعا! ومتى كانوا كثيرين انتخبوا مجلسا من بينهم، ~~فيكون المجلس أرستقراطية، وجمهرة الاشراف ديمقراطية، والشعب كما مهملا، على ~~أن الأرستقراطية الحكيمة تعمل على انتشال الشعب من هذا العدم وتوفير مهمة له في ~~الدولة، فإن خير أرستقراطية هي التي تقترب من الديمقراطية، وشر أرستقراطية هي ~~التي تقترب من الملكية. # وطبيعة الملكية أنها حكم الفرد بموجب قوانين ثابتة أي دستور، وبوساطة هيئات ~~منظمة كالأشراف والإكليروس والمدن تقيد إرادة الملك غير الدستورية، ولكي تكون ~~الدولة ملكية حقا يجب فوق ذلك أن توجد فيها هيئة مكلفة بتسجيل القوانين ~~ومراجعتها والتذكير بها إن نسيت، بهذه الهيئة يقصد مونتسكيو البرلمان ولو أنه ~~لا يسميه صراحة. # وطبيعة الطغيان أن حكم الفرد لا يتقيد بدستور ولا يعبأ بهيئات إن وجدت، ~~فالطاغية يحكم لمصلحته الخاصة ويضحي في سبيلها بمصلحة الشعب، مثله مثل المتوحش ~~الذي يقطع الشجرة ليقطف الثمرة، وهو لجهله وكسله وميله للذة يولي الحكم وزيرا ~~يقوم عنه بجميع المهام ويتحمل التبعات، تلك طبائع الحكومات، فما مبادئها؟ ~~(4) مبادئ الحكم # مبدأ الديمقراطية الفضيلة، أي فضيلة؟ لقد عرفها مونتسكيو تعريفات مختلفة، ~~فقال في التنبيه الذي قدم به للكتاب إنها «حب الوطن، أعني حب المساواة، إنها ~~ليست فضيلة أخلاقية، ولا فضيلة مسيحية، ولكنها فضيلة سياسية»، وقال في موضع ~~آخر: «هي حب القوانين والوطن، هي الإيثار المتصل للمنفعة العامة على المنفعة ~~الخاصة» (م4 ف5)، ويقترب بها من الفضيلة الأخلاقية حيث يقول (م5 ف3)، إن حب ~~الديمقراطية هو أيضا حب العفة، إذ بدون عفة عامة تحد إلى الضروري حق استعمال ~~الثروة تنعدم المساواة، يريد أن المواطن في الديمقراطية مطالب بالخضوع للقوانين ~~من تلقاء نفسه ما دام هو الحاكم وهو الرعية في آن واحد، وما دام هذا ms183 الخضوع ~~الضروي لبقاء الديمقراطية لا يتسنى إلا برضاه. # وفي الأرستقراطية الفضيلة لازمة أيضا، ولكن بقدر أقل، أي إنها لازمة للحكام ~~يأخذون أنفسهم بالاعتدال والنظام بحيث يتساوون فيما بينهم، غير لازمة للمحكومين ~~لأنهم يخضعون للقوانين بقوة الحكومة القائمة. # وفي الملكية تقوم الحكومة بغير حاجة ماسة للفضيلة، فإن مبدأها الكرامة أو ~~الشرف أعني حرص هيئاتها على امتيازاتها، والدفاع عنها كي تحول دون انقلاب ~~الملكية إلى طغيان، وبذلك تؤدي وظيفتها، فإذا اعتبرت كل هيئة أن كرامتها تقوم ~~في صيانة حقوقها «مضى كل إلى الخير العام وهو يعتقد أنه يمضي إلى مصالحه ~~الخاصة»، فللملكية ميزة - إن جاز هذا القول - هي أنها تقوم بدون الفضيلة ~~الضرورية للديمقراطية والأرستقراطية، وهذه الفضيلة عسيرة نادرة. # ومبدأ حكومة الطغيان خوف الشعب من السلطان، وفي هذا الخوف كبح للشعب وحماية ~~له في نفس الوقت، حماية من تفاقم عبث المقربين من السلطان، وهم الذين يفرضون ~~القوانين على الشعب، فإنهم هم أيضا تابعون لهوى السلطان، فانتفاء القوانين ~~وانتقاء الطبقات، وتساوي الجميع في العبودية، تلك أظهر خصائص الحكم الاستبدادي، ~~ولا محل فيه للفضيلة والكرامة، لا عند السلطان، ولا في الطاعة التي يقتضيها. # وكل من هذه الحكومات يفسد بفساد مبدئه: فتذهب الديمقراطية إما بذهاب روح ~~المساواة فتنقلب إلى أرستقراطية أو إلى حكومة فردية، وإما بالمغالاة في هذا ~~الروح فتنقلب إلى استبداد الكل وتنتهي إلى استبداد الفرد، وتذهب الأرستقراطية ~~حين يمضي الأشراف مع الهوى في استخدام سلطتهم، ويطلبون مزايا الحكم دون متاعبه ~~ومخاطره، وتذهب الملكية حين ينزل الاشراف على كرامتهم حبا بالألقاب والمناصب ~~فيستعبدون، أو حين يتحول الملك من العدالة إلى القسوة فيعمل على محو الهيئات ~~ليستأثر بالأمر، أما الطغيان فليس له أن يفسد من حيث إنه فاسد بالطبع. # والهدف الذي يصبو إليه مونتسكيو، والذي يبين خلال تعليقاته على الحكومات، هو ~~أن تكفل الحكومة الحرية في أوسع مدى، وعلى خير وجه مستطاع، فإنه يمقت ~~الاستبداد ويؤيد الحرية الشخصية، وليست تقوم الحرية عنده في أن يعمل المرء ما ~~يريد، بل في «أن يقدر المرء أن يعمل ms184 ما ينبغي عليه أن يريد، وألا يكره على ~~عمل ما لا ينبغي أن يريد ... هي الحق في أن يعمل المرء كل ما تجيزه القوانين ~~(العادلة)، وإذا كان لمواطن أن يعمل ما ينهى عنه كان لغيره نفس هذا الحق، ~~فتلاشت الحرية» (م11 ف3)، وخير ما يكفل الحرية استقلال السلطات الثلاث: ~~التشريعية والتنفيذية والقضائية، فإن السلطة المعتدية تلقي حينئذ سلطة تقف في ~~وجهها، بينما اجتماع السلطات الثلاث في يد حاكم واحد أو هيئة واحدة من الحكام، ~~سواء أكانت ديمقراطية أم أستقراطية، يسوق إلى الطغيان (م11 ف6)، ولما كان الحكم ~~يقتضي السرعة والدقة والكتمان، كانت الملكية خير الحكومات، والملك كما سبق ~~تعريفه حاكم مقيد بدستور وبهيئات قوية محترمة ولكنه مستقل في إصدار القرارات ~~المطابقة للقانون، أما الشعب فغير كفء لأن يحكم بنفسه، ولكنه يشارك في الحياة ~~السياسية على صورتين: إحداهما أن يكون له مجلس ممثلين يتقدمون برغبات، والأخرى ~~أن ينتخب «محلفين» يساهمون في تطبيق القوانين، وأما وضع القوانين فيعهد به إلى ~~مجلسين يختلف أعضاؤهما في ميولهم فيعدل بعضهم بعضا، على مثال المجلسين ~~الإنجليزيين، ومونتسكيو يعطينا تحليلا دقيقا للدستور الإنجليزي، ويرى فيه خير ~~ضمان للحرية السياسية، بيد أنه لا يمكن أن يقال إنه كان يود لو ينقل إلى ~~فرنسا، وهو القائل في بدء كتابه: «يجب أن تكون القوانين خاصة بالشعب الموضوعة ~~له حتى ليكون من قبيل الصدفة النادرة أن تلائم قوانين أمة أمة أخرى» (م1 ف3) ~~إلا أنه يجب أن يقال إن القصد الأول الذي رمى إليه مونتسيكو هو الإصلاح السياسي ~~والاجتماعي، وإنه إنما اتخذ من التحليل العلمي وسيلة أمينة فعالة لتحقيق هذا ~~الإصلاح، ولا شك أنه كان عاملا قويا في تهيئة الجو للثورة الفرنسية، ولكن ~~فيلسوف الثورة كان في الواقع روسو. # الفصل التاسع # جان جاك رسو # 1712-1778 ~~(1) حياته ومصنفاته # ولد بجنيف من أسرة فرنسية الأصل بروتستانتية المذهب، وعهد به والده إلى أحد ~~الحفارين كي يعلمه صناعته، وكان هذا الرجل فظا قاسيا، فغادر روسو المدينة ~~هربا منه وهو في السادسة عشرة، وهام على وجهه ms185 يحترف شتى الحرف في سويسرا ~~وإيطاليا، وبعد ثماني سنوات لقي في سافوي سيدة يسرت له شيئا من الاستقرار، ~~فاستطاع أن يكون نفسه إذ تعلم الموسيقى واللاتينية وقرأ الفلاسفة، بعد خمس ~~سنين قصد إلى باريس، ثم غادرها إلى البندقية، فكان كاتبا لسفير فرنسا فيها، ~~وعاد إلى باريس وهو في الثالثة والثلاثين، وأخذ يتردد على الفلاسفة، وبخاصة ~~ديدرو، وفي صيف 1749 قرأ في إحدى الصحف أن أكاديمية ديجون للمسابقة هذه ~~المسألة: «هل عاونت الفنون والعلوم على تصفية الأخلاق؟» فاهتزت نفسه وجاشت ~~فيها الأفكار، وخطر له الجواب بالسلب، وشرع يكتب وقدم للأكاديمية ما كتب ~~وأحرز الجائزة، وهذا أصل كتابه الأول «مقال في العلوم والفنون» (1750) الذي ~~طير صيته في أرجاء أوربا، حتى لقد كتب إليه ملك بولندا، ثم أعلنت تلك ~~الأكاديمية أنها تضع للمسابقة هذا الموضوع: «ما منبع تفاوت المراتب بين الناس؟ ~~وهل يقره القانون الطبيعي؟» فعقد العزم على الكتابة وأخرج كتابه الثاني «مقال ~~في أصل التفاوت بين الناس» ولكن الأكاديمية لم تمنحه الجائزة، فنشر الكتاب ~~(1754)، ومضى يعمل على استكمال مذهبه، وبعد ثماني سنين (1762) نشر كتابين: ~~أحدهما «العقد الاجتماعي» والآخر «إميل أو في التربية». # 1 # فأنكرت السلطة الباريسية الكتاب الأخير وهمت باعتقال المؤلف، ~~ففر إلى سويسرا، ولكن السلطة بها كانت أنكرت الكتاب أيضا فطردته، فلجأ إلى ~~إنجلترا بصحبة هيوم ونزل ضيفاعليه، ولكنه لم يلبث أن خاصمه وعاد إلى باريس، ~~فسمح له بالإقامة في فرنسا، فقضى بقية أيامه في حالة مضطربة. ~~(2) الاجتماع مفسدة # كتبه التي ذكرناها (ولم نذكر كتبه الأدبية) تفصل مذهبه تفصيلا منطقيا ~~بحسب ترتيب صدورها، ففي مقاله الأول يزعم أن العلوم والآداب والفنون تكمل ظاهر ~~الإنسان فقط ولا تكمل باطنه، بل إنها كلما تقدمت أمعنت في إفساده، ويستشهد ~~على ذلك بما توفره للرذيلة من فرص، وبما كان من مصر وأثينا وبيزنطة والصين، إذ ~~مالت إلى الانحطاط أو غاصت في الرذيلة حالما ساد فيها حب العلوم والفنون، بينما ~~الشعوب التي ظلت بعيدة عن عدوى المعارف الباطلة كانت فاضلة وسعدت بفضائلها، مثل ~~الفرس الأقدمين والإسبرطيين ms186 والجرمان والسويسريين، هذا فضلا عن أن الحكماء ~~الحقيقين بهذا الاسم أبانوا سوء أثر الآداب والفنون، إنها تولد الرذيلة لأنها ~~تطيل الفراغ، وتدفع إلى الترف وتنميه، ولا يتسنى الترف بغير الثراء المفرط عند ~~بعض يقابله الفقر المدقع عند بعض، إن لدينا علماء وفنانين من كل نوع، ولم يبق ~~لدينا مواطنون، وإذا كان لا يزال منهم بقية فهم في الريف فقراء محتقرون، ~~الفضيلة ممتهنة، والمواهب الفنية معتبرة، فكان من جراء ذلك تفاوت مشئوم بين ~~الناس، «أيها الفضيلة! أنت العلم السامي للنفوس الساذجة، أهنالك حاجة لكل هذا ~~العناء وهذه الأدوات لكي نعرفك ؟ أليست مبادئك مطبوعة في جميع القلوب؟ أوليس ~~يكفي لتعلم قوانينك أن نخلو إلى أنفسنا ونستمع إلى صوت الضمير في صمت الأهواء؟ ~~تلك هي الفلسفة الحقة، فلنتعلم أن نقنع بها». # هذا المقال ينطوي في الواقع على مذهب تام في الإنسان والاجتماع، وما إن شرع ~~روسو يكتب مقاله الثاني «في أصل التفاوت بين الناس» حتى وضع شرطا لحل المسألة ~~«التمييز بين الأصيل والصناعي في الطبيعة الراهنة للإنسان، وتعرف حالة تلاشت، ~~حالة قد لا تكون وجدت، وقد لا توجد أبدا، مثلها مثل النظريات التي يفترضها ~~العلماء كل يوم لتفسير تكوين العالم»، ولئن كان روسو يعرض نظريته بمثابة فرض، ~~فكثيرا ما يعتبرها واقعة تاريخية، وهو على كل حال يبني عليها جميع آرائه، هذه ~~النظرية هي أن الأصيل في الإنسان، أو حال الطبيعة كما يقول، أن الإنسان كان ~~متوحدا في الغاب، لا يعرف أهله، ولعله لم يكن يعرف أولاده، لا لغة له ولا ~~صناعة، ولا فضيلة ولا رذيلة، من حيث إنه لم يكن له مع أفراد أنواعه أية علاقة ~~يمكن أن تصير علاقة خلقية، كان حاصلا بسهولة على وسائل إرضائه حاجاته ~~الطبيعية، ولئن لم يكن له غرائز معينة كغرائز العجماوات، فقد كانت له القدرة ~~على محاكاة الغرائز والتفوق على العجماوات في تحصيل مثل ما توفره لها غرائزها ~~المعينة، كان يعتاد الآفات الجوية وتشتد بنيته بمقاومتها، ولم يكن يصاب إلا ~~بالقليل من الأمراض، فقلما كان يحتاج إلى ms187 الأدوية، وكانت حاجته إلى الأطباء ~~أقل، وإنما تعتل الصحة بالإسراف في المعيشة، وبالميول المصطنعة وما ينتج عنها ~~من إجهاد جسمي وعقلي، «إذا كانت الطبيعة أعدتنا لنكون أصحاء، فإني أكاد أجرؤ ~~على التأكيد بأن حالة التفكير مضادة للطبيعة، وأن الإنسان الذي يتأمل هو حيوان ~~فاسد»، الحرية هي التي تميز الإنسان أكثر من الفهم (الموجود في الحيوان إلى حد ~~ما)، إن الحيوان ينقاد لدافع الطبيعة، ولكن الإنسان يرى نفسه حرا في الانقياد ~~له أو مقاومته، وإنما تبين روحانية نفسه من شعور بهذه الحرية، وكان الإنسان ~~المتوحد طيبا تأخذه الشفقة من رؤية الموجود الحاس يهلك أو يتألم، وبالأخص ~~إخوانه في الإنسانية، ولقد أخطأ هوبس في قوله إن حالة الطبيعة تتميز بالطمع ~~والكبرياء، فإن هاتين العاطفتين لا تنشآن إلا في حال الاجتماع، فالإنسان ~~المتوحد كان كاملا سعيدا؛ لأن حاجاته قليلة، وإرضاءها سريع، ولأنه كان حرا ~~مستقلا، فكان كل إنسان مساويا لكل إنسان. # كيف خرج الإنسان من هذه الحالة الأولى؟ خرج منها اتفاقا بأن عرضت له أولا ~~أسباب طبيعية، كالجدب والبرد القارس والقيظ المحرق، اضطرته إلى التعاون مع غيره ~~من أبناء نوعه تعاونا مؤقتا كان الغرض منه الصيد برا وبحرا وتربية الحيوان ~~لتوفير القوت، ثم اضطرتهم الفيضانات والزلازل إلى الاجتماع بصفة مستديمة، ~~فاخترعت اللغة، وتغير السلوك، وبرز الحسد، ونشبت الخصومة، هذا الاجتماع بنوعيه، ~~المؤقت منه والمستديم، يمثل حالة التوحش، وهي ليست بعد الحالة المدنية؛ لأنها ~~خلو من القوانين، وليس فيها من ردع سوى خوف الانتقام، وحدث اتفاقا أيضا أن ~~استكشف الإنسان استعمال الحديد، وهو شرط الزراعة، والصناعتان شرط الحالة ~~المدنية بما تقتضيان من تقسيم العمل والتعاون، إذ يستمد المزارعون الآلات ~~الحديدية من صناعها ويعطونهم قوتهم، وتستتبع الزراعة تقسيم الأراضي، فيزداد ~~التفاوت ويتفاقم الخصام، ويتفق الأقوياء الأغنياء على تدعيم مكانتهم فيضعون ~~أنظمة عامة تصون لكل ملكه وتوطد السلام، ويذعن الفقراء الضعفاء لهذه القوانين ~~كي يدفعوا الشر عن أنفسهم، هنا تبدأ الحالة المدنية المنظمة بالقوانين، وتثبت ~~الملكية، ويوطد التفاوت، وهكذا صار الإنسان الطيب بالطبع شريرا بالاجتماع وبما ms188 ~~أتاحه له الاجتماع من تقدم عقلي وصناعي، وإن قيام دولة يستتبع قيام دول أخرى، ~~فتنشب بينهما الحروب. ~~(3) إصلاح مفاسد الاجتماع # على أن الاجتماع قد أضحى ضروريا، ومن العبث محاولة فضه والعودة إلى حال ~~الطبيعة، وكل ما نستطيع صنعه هو أن نصلح مفاسده بأن نقيم الحكومة الصالحة ونهيئ ~~لها بالتربية المواطنين الصالحين، فمن الوجهة الأولى تعود المسألة إلى «إيجاد ~~ضرب من الاتحاد يحمي بقوة المجتمع شخص كل عضو وحقوقه، ويسمح لكل وهو متحد مع ~~الكل بألا يخضع إلا لنفسه وبأن تبقى له الحرية التي كان يتمتع بها من قبل»، ~~هذه المسألة هي التي يعالجها كتاب «العقد الاجتماعي» فيذهب إلى أن هذا الفرض ~~ممكن التحقيق بأن تجمع الكثرة المفككة على أن تؤلف شعبا واحدا، وأن تحل ~~القانون محل الإرادة الفردية وما تولده من أهواء وتجره من خصومات، أي أن يعدل ~~كل فرد عن أنانيته، وينزل عن نفسه وعن حقوقه للمجتمع بأكمله، وهذا هو البند ~~الوحيد للعقد الاجتماعي، ولا إجحاف فيه، إذ بمقتضاه يصبح الكل متساوين في ظل ~~القانون، والقانون إرادة الكل تقر الكلي أي المنفعة العامة، إذ أن الشعب لا ~~يريد إلا المنفعة العامة، فالإرادة الكية مستقيمة دائما، ومن يأب الخضوع لها ~~يرغمه المجتمع بأكمله، إذ أنه «حين يغلب الرأي المعارض لرأيي فهذا دليل على أني ~~كنت مخطئا وأن ما كنت أعتبره الإرادة الكلية لم يكن إياها»، والمجتمع القائم ~~على العقد يؤلف هيئة معنوية أو «شخصا عاما» تبدأ فيه الخليقة ويقوم الحق، ~~بعد أن كان كل فرد يتبع إرادته الخاصة، ولهذا المجتمع «دين مدني» (م4 ف8) لا ~~يدع للفرد ناحية من الحياة مستقلة عن الحياة المدنية، ويتعين على الدولة أن ~~تنكر دينا كالمسيحية يفصل بين الروحي والسياسي، وألا تطيق إلى جانبها سلطة ~~كنسية إذ «لا قيمة لما يفصم الوحدة الاجتماعية»، وإنما لزم الدين لأنه ما من ~~دولة قامت إلا وكان الدين أساسها، على أن يكون هذا الدين مقصورا على العقائد ~~الضرورية للحياة، تفرض كقوانين حتى لينفي أو يعدم كل من لا يؤمن ms189 بها «لا ~~باعتباره كافرا بل باعتباره غير صالح للحياة الاجتماعية»، هذه العقائد هي ~~عقائد القانون الطبيعي: وجود الله، والعناية الإلهية، والثواب والعقاب في حياة ~~آجلة، وقداسة العقد الاجتماعي والقوانين، ولكل أن يضيف إليها ما يشاء من ~~الآراء في ضميره. # كذلك الرجوع إلى الطبيعة في التربية، فيترك الطفل يربي نفسه بنفسه، وبذلك ~~ينشأ حرا جديرا بأن يكون عضوا في دولة حرة، إذ ما من وسيلة لتربية الطفل ~~لأجل الحرية إلا تربيته بالحرية، وهذا يعني أن التربية يجب أن تكون سلبية ما ~~أمكن، فتقتصر على معاونة الطفل في تربيته نفسه بنفسه، وتجتنب كل ما يضيق عليه ~~ويقيده، وإن قيل لنا إننا بهذا نعرضه لان يجرح نفسه ويتألم، كان الجواب: فليكن، ~~«إن الألم أول ما ينبغي أن يتعلمه، وهو بأكبر حاجة لأن يتعلمه»، على أن المربي ~~لا يقف متفرجا إذا رآه يعرض حياته للخطر بقلة تجربته، بل ينبهه وينهاه بقوة، ~~ولكن هذه الحالة نادرة، فبرنامج التربية يشتمل على أربع مراحل هي: حياة ~~الطبيعة، الحياة العقلية، الحياة الخلقية، الحياة الدينية، في المرحلة الأولى، ~~وهي التي تمتد من الطفولة الأولى إلى الثانية عشرة، يوجه المربي جهده إلى تكوين ~~الجسم، ولا يعرض للنفس بحال احتراما لحقوق الطبيعة الطيبة أصلا، فيحذر أن ~~يريد إصلاحها أو تكميلها بالعادات، فإن العادة الوحيدة التي ينبغي أن يتخذها ~~الطفل هي ألا يتخذ عادة ما، ويجتهد المربي في أن يقصي عن الطفل جميع المؤثرات ~~المصطنعة، مؤثرات الأسرة والمجتمع والدين، ريثما يكون نفسه ويختار له دينا حين ~~يبلغ سن الاختيار، وإلا لم تكن تربيته طبيعية، ولم يكن عمله الخاص، ومن الثانية ~~عشرة إلى الخامسة عشرة يتثقف الفتى بالمعارف الطبيعية، وذلك بأنه يتصل بالأشياء ~~مباشرة، وأن يصل بالملاحظة الشخصية إلى استكشاف الضروري له في العلم والفن ~~فيعلم أشياء من الفلك والجغرافيا والطبيعة والكيمياء، فلا يلقن دروسا شفوية، ~~ولا يسمح له بمطالعة الكتب، فإنها جميعا لا تعلمه إلا ألفاظا، اللهم إلا ~~كتابا واحدا هو قصة روبنسون كروزي حيث يتعلم كيف يمكن الاستغناء عن الكتب! ثم ms190 ~~يعلم حرفة يدوية، وابتداء من الخامسة عشرة يعلم الأخلاق، فتنمى فيه الشفقة ~~وعرفان الجميل ومحبة الإنسانية وضبط أهواء النفس، ويعلم أن له نفسا وأن الله ~~موجود، وفي الثانية والعشرين يمهد للزواج بالخطوبة، ثم بأسفار يفيد منها معرفة ~~المجتمع وعاداته ورذائله ومخاطره والحرف النافعة، وفي المرحلة الأخيرة يتخذ ~~إميل دينا يعرضه عليه قسيس يلقاه في سفره ويستشيره هو في الأمر وعقائد هذا ~~الدين هي التي ذكرناها، وهي عقائد طبيعية بحت، لا تستند إلى وحي من حيث إن في ~~الوحي افتئاتا على حقوق الشخصية. # هكذا يزعم روسو، وكأن مذهبه بأكمله عبارة عن «تمدين المسيحية» أي نقل ~~لعقائدها إلى مستوى مدني، المسيحية تقول بحالة برارة أولى، وبسقوط بالخطيئة، ~~وبنجاة من السقوط، ويقول روسو بحالة برارة أولى أفسدها الاجتماع ويمكن إصلاحها ~~بالعقد الاجتماعي والتربية الملائمة، وقد ظن أن الحالة الأولى يجب أن تكون من ~~البساطة والسذاجة بحيث تعتبر «لوحا مصقولا» غفلا من العلم والفن والأخلاق، ~~بل معارضة لها، وقدم هذه الحالة أولا على أنها مجرد فرض، ثم رآها فرضا لازما ~~لتفسير الإنسان، ثم اعتبرها واقعة تاريخية كما لاحظنا، وهذا تدرج في الإبهام أو ~~التوهم تعوزه الدقة المنطقية، وقديما نقد أفلاطون الفن، ونعته بأنه معلم وهم، ~~ولكنه عرف له قيمة إصلاحية متى كان مطابقا للأخلاق القويمة: فالمسألة تنحصر في ~~حسن استعمال الفن أو سوء استعماله، أي إنها تعود إلى الإدارة والأخلاق، لا إلى ~~الفن نفسه، كذلك يقال في العلوم، فلا شك أنها مطلب العقل الذي هو من طبيعة ~~الإنسان، وأنها في أنفسها أدوات تحت تصرف الإرادة، فكان يكفي أن يتصور حال ~~الطبيعة حال إرادة مستقيمة مستعدة لأن تحسن استعمال العلوم والفنون، أو أن تهن ~~فتسيء استعمالها، ولكن وراء نظريته مغزى مستورا هو أن العقل أناني بالطبع لأنه ~~يحسب ويرجع كل شيء للأنا، فهو أصل الشقاء، وأن العاطفة هي المرشد الأمين الكافي ~~لتحقيق السعادة، فيقول روسو: «كل ما أحسه شرا فهو شر، الضمير خير الفقهاء»، ~~ويصيح قائلا في صفحة مشهورة: «أيها الضمير! أيها الضمير! الغريزة الإلهية، ms191 ~~الصوت الخالد السماوي، الدليل المحقق المحقق لموجود جاهل محدود ...»، فكل ما يسمى ~~الآن حقوقا وأخلاقا ويستمد له سندا من العقل، هو صناعي ناشئ من الحياة ~~الاجتماعية التي هي صناعية كذلك، وليس في حال الطبيعة أخلاق وحقوق ما دام ~~الإنسان في تلك الحال مستغنيا عن الإنسان مقطوع الصلة به، وإنما وقف روسو عند ~~هذا الرأي لأنه تصور العقل آلة في خدمة الأنانية، على حين أن العقل يستكشف ~~لنفسه قيمة خاصة، ويدرك في نفسه قانونا خاصا هو القانون الخلقي الذي هو في ~~الواقع غيري لا أناني. # وأي علاج وصف روسو لأمراض الاجتماع؟ إنه علق النجاة على الديمقراطية ذات ~~الإرادة الكلية المستقيمة دائما، الحاكمة بأمرها في كل شيء حتى في المعتقد ~~الديني، أي إنه رأى علاج الاجتماع بضرب من الاجتماع فقدس العقد الاجتماعي، على ~~حين أن النتيجة المنطقية لمبدئه هي الانتفاض على الاجتماع والعمل على العودة ~~إلى حال الحرية والبرارة والسذاجة، أي المذهب الفوضوي، والواقع أن تحقيق ~~الإجماع محال، وأن الأمر يعود دائما إلى الأغلبية، وأن ليس هناك ما يضمن أن ~~تلتزم الأغلبية النفع العام والعدالة بين الجميع، وكم رأينا الأغلبية تخطئ ~~وتستبد أشنع استبداد، حتى في أقدس الأمور وهي العقيدة الدينية، فتنكر تلك ~~العقائد المتواضعة التي اعتبرها روسو أساسية، فهو إذ يستبعد من حال الطبيعة ~~الخير والشر والحق والجواب، ويقدس إرادة الأغلبية ويطالبنا بالإذعان لها كأنها ~~الإرادة الإلهية، يقيم ضربا من الاستبداد هو شر ألف مرة من استبداد الفرد الذي ~~لا يعتمد على حق، ومن المضحك، بل من المؤسف أشد الأسف، أن نرى هذا الرجل يتحدث ~~عن التربية وعن الشفقة، وهو الذي عهد بأولاده إلى أحد الملاجئ، فلم يحبهم ولم ~~يعن بهم، وأن نرى هذا العصامي يفلسف ببضعة أفكار التقطها في مطالعاته، فيذيع ~~كثيرا من الأفكار الفطيرة في حلة من البلاغة خلابة، وان لم تخل من كثير من ~~التعمل، تصرف السواد عما يعوز مقاله من دقة ويعتوره من بطلان، وما على الثورة ~~الفرنسية إلا أن تشب وقد أعلن إنجيلها ورسمت مبادئها وصيغت ms192 عبارات خطبائها! # إميل اسم الطفل الذي يرسم روسو برنامج تربيته. # المقالة الثالثة: الفلسفة في ألمانيا # إمانويل كنط (1724-1804) # الفصل العاشر # حياته ومصنفاته ~~(1) من ليبنتز إلى هيوم # قيل عن سقراط إنه يشطر الفلسفة اليونانية شطرين: ما قبله وما بعده، ودعي ~~ديكارت أبا الفلسفة الحديثة واعتبر الحد الفاصل بين القديم والجديد في تطور ~~الفكر الأوربي، كذلك نقول عن كنط إنه يشطر الفلسفة الحديثة نفسها شطرين، أجل ~~لقد أخذ الشيء الكثير عمن سبقوه، من ديكارت إلى هيوم ورسو، وجرى في تيارهم، ~~ولكن تفكيره أدى به إلى وجهة جديدة سيطرت على القرن التاسع عشر، ولم تبدأ ~~العقول في التحرر منها إلا منذ عهد قريب، وسنحاول أولا أن نبين تدرج هذا ~~التفكير، فنترجم لحياة كنط العقلية، وهي تكاد تكون كل حياته، فقد تقضت حياته ~~الخارجية في مدينة واحدة أو منطقة واحدة، وكانت منظمة تنظيما دقيقا تسير ~~كالآلة في العمل والراحة والنوم، ولا يتخللها من حوادث سوى الحوادث ~~العلمية. # ولد كنط بكونجسبرج من أبوين فقيرين على جانب عظيم من التقوى والفضيلة، ~~ينتميان إلى شيعة بروتستانتية تدعى الشيعة التقوية # piétisme # تستمسك بالعقيدة اللوثرية ~~الأساسية القائلة إن الإيمان يبرر المؤمن، وترى أن محل الدين الإرادة لا العقل، ~~وتعلي من شأن القلب والحياة الباطنة؛ ومن ثمة تقول إن الإيمان هو الذي تؤيده ~~الأعمال، وتعتبر المسيحية في جوهرها تقوى ومحبة الله، وتعتبر اللاهوت تفسيرا ~~مصطنعا أقحم عليها إقحاما، نشأ كنط على هذا المذهب وتشبع به في المنزل ~~والمدرسة والجامعة، فكان لذلك أثره في توجيه فكره حتى كون فلسفة تميز تمييزا ~~باتا بين صورة خالصة ومادة، وحتى قال في وصف هذه الفلسفة: «أردت أن أهدم ~~العلم (بما بعد الطبيعة) لأقيم الإيمان». # دخل في الثامنة إحدى المدارس التابعة للشيعة التقوية، وأتم برنامجها في ~~السادسة عشرة، وكان أظهر ما أفاده فيها شيئين: إعجابا باللغة اللاتنينة وما ~~تنطوي عليه قواعدها وتراكيبها من روح الجد والنظام، حتى كان مطمحه حين ذاك أن ~~يتوفر على فقه اللغة، وإعجابا بالرواقية الرومانية وما تتحلى به من نبل ~~وشجاعة، ms193 وسيبقى هذان الأثران في نفسه، ويدخلان في فلسفته، وبعد المدرسة اتجه ~~إلى كلية الفلسفة بجامعة مدينته يقصد إلى دراسة اللاهوت ليصير قسيسا، ولكنه ~~عدل عن هذا القصد فيما بعد، تتلمذ لأستاذ بالكلية للرياضيات والفلسفة من أتباع ~~التقوية ومن أتباع فولف # 1 # ناشر فلسفة ليبنتز الموسومة بالعقلية، فعرف بواسطته مؤلفات نيوتن، ~~فكانت عنصرا آخر هاما من عناصر فكره، ولكنه حار بين التقوية والعقلية، ~~الأولى تشيد بالإرادة والعاطفة كما ذكرنا، والثانية تشيد بالعقل والعلم القياسي ~~وتؤلف التقوى الحقة من «نور وفضيلة» وتعلن أن من الخطأ على السواء «الاعتقاد ~~بأن المرء يستطيع أن يحب أخاه الإنسان دون أن يخدمه، وبأنه يستطيع أن يحب الله ~~دون أن يعرفه»، وفي 1746 تقدم برسالة جامعية حاول فيها التوفيق بين ديكارت ~~وليبنتز في مسألة قياس قوة جسم المتحرك. # توفي والده، فرأى أن يكسب رزقه بالتعليم في أسرة غنية، وزاول هذا العمل في ~~ثلاث أسر على التوالي من أهل المنطقة، قضى في ذلك تسع سنين لم ينقطع أثناءها عن ~~التحصيل والتفكير، ونشر في نهايتها (1755) كتابا في «التاريخ العام للطبيعة ~~ونظرية السماء» غفلا من اسمه، طبق فيه على أصل العالم القوانين التي فسر بها ~~نيوتن النظام الراهن للعالم، وعرض في تفسير تكوين العالم نظرية آلية كثيرة ~~الشبه بالنظرية التي سيعرضها لاپلاس بعد أربعين سنة، وفي تلك السنة استطاع أن ~~يستقر بكونجسبرج، وحصل على درجتين جامعيتين: أولاهما برسالة «في النار» ~~والثانية برسالة «في المبادئ الأولى للمعرفة الميتافيزيقية» يقبل فيها دليل ~~العلل الغائية على وجود الله بدون تحفظ، ثم عين أستاذا خاصا بالجامعة. # إلى ذلك الوقت كان تحت تأثير فولف ونيوتن ميتافيزيقيا وعالما طبيعيا، ~~ففي رسالة نشرها سنة 1755 دافع عن تصور ليبنتز للحرية وقال إن الإرادة لا تشذ ~~عن مبدأ السبب الكافي، وفي سنة 1758 نشر رسالة أيد فيها تفاؤل ليبنتز القائل ~~إن الله لكماله خلق بالضرورة خير العوالم الممكنة، وحاول الرد على القائلين إن ~~فكرة خير العوالم الممكنة فكرة جوفاء غير ذات موضوع، ثم قرأ شفتسبري وهاتشيسون ~~وهيوم، وقرأ ms194 روسو، فتغير تفكيره تغيرا عميقا. # وجد عند الثلاثة الأول القول بحس خلقي يدرك المعاني الخلقية بداهة، ويقرر ~~الخير والشر دون حاجة إلى تدليل، وبعبارة أخرى وجد عندهم فلسفة خلقية مستقلة عن ~~العقل، ومستقلة عن الدين، ووجد عندهم أيضا منهجا قائما على التحليل النفسي، ~~وأكبر منهم منهجهم هذا في الملاحظة الباطنة، واكتشافهم أن قوة الشعور بالخير ~~غير قوة تصور الحق، وأن الشعور دون العقل هو الذي يقدم للعمل الخلقي موضوعات ~~محققة وبواعث فاعلية، وأرجع «الخلقية» في صميمها إلى الشعور بالجمال وبكرامة ~~الطبيعة الإنسانية، ورأى أن هذا الشعور غير مرتبط بموضوع جزئي، وأنه من الممكن ~~لذلك أن يصير باعثا كليا للعمل. # وكان تأثير هيوم أبعد مدى، وقال كنط فيما بعد إن هيوم أيقظه من سباته ~~الاعتقادي، وكان ذلك برأيه في مبدأ العلية بنوع خاص، إذ كان قد قال إن مبدأ ~~العلية ليس قضية تحليلية، أي إن المعلول ليس متضمنا في العلة أو مرتبطا بها ~~ارتباطا ضروريا، وإن الضرورة التي تبين له ما هي إلا وليدة عادة تتكون ~~بتكرار التجربة، سلم كنط بالملاحظة الأولى، ولكنه فطن إلى أن التجربة لا تولد ~~ضرورة بمعنى الكلمة، وأن العلم قائم على مثل هذه الضرورة، وأن قيام العلم أمر ~~واقع يمنع من قبول الشك ومن الاكتفاء بالتجربة فحسب، فيجب أن يكون مبدأ العلية ~~مبدأ أوليا في العقل، وبفضله تتحول القضية التجريبية إلى قضية أولية كلية ~~ضرورية، ويجب إذن الفحص عن سائر المبادئ المطوية في العقل وتعيين وظائفها في ~~المعرفة العلمية، وتلك هي الفكرة النقدية التي بنى عليها كنط فلسفته، ولكنها لن ~~تنضج عنده إلا بعد زمن غير قصير. # أما روسو فكان يدعو إلى الرجوع للطبيعة أي للفطرة خالصة مما غشاها به ~~المجتمع من عرف وتقليد، وقد قال كنط إنه كان يعتقد أن العلم أكبر عنوان للمجلد، ~~والغاية القصوى للإنسانية، حتى احتقر الشعب الجاهل، فرفع روسو الغشاوة عن ~~بصيرته وعلمه أن حال الطبيعة أسمى من حال المدنية، وأن التربية يجب أن تكون ~~سلبية في الأكثر، فتقتصر على ضمان ms195 حرية الميول الطبيعية، وتنبذ إكراه العرف ~~المصطنع، إن روسو عالم الأخلاق، فكما أن نيوتن وجد المبدأ الذي يربط ما بين ~~قوانين الطبيعة المادية، كذلك استكشف روسو الحقيقة البسيطة التي تضيء الطبيعة ~~الإنسانية إلى أعماقها، وهي الخلقية الصافية المستصفاة من كل إضافة زائفة. ~~(2) نقد الميتافيزيقا # نأتي الآن إلى مرحلة ثانية من 1760 إلى 1770 شرع فيها كنط ينقد الفلسفة ~~العقلية في النظريات والخلقيات قبل أن يستبين مذهبه، ففي رسالة بعنوان «الأساس ~~الممكن الوحيد للبرهنة على وجود الله» (1763) يذكر أربعة أدلة على وجود الله، ~~فينقد الدليل الوجودي الذي يستخرج الوجود كمحمول من فكرة الله كموضوع، ويقول: ~~ليس الوجود (العيني) محمولا متضمنا في فكرة، ثم ينقد الدليل الطبيعي الذي ~~ينتقل من وجود حادث إلى وجود ضرروي كامل، فيحتج بأن هذا الدليل يذهب من الضروري ~~إلى الكامل كأنهما متساوقان فيعود إلى الدليل الوجودي، وينقد دليل العلل ~~الغائية بحجة أن كمال العالم نسبي فلا يدل بذاته على موجود كلي الكمال، وأن هذا ~~الدليل أيضا يعود إلى الدليل الوجودي، يبقى دليل يذهب من الممكن إلى المطلق، ~~فيراه صحيحا لأن الممكن لا يعقل بما هو كذلك إلا بالإضافة إلى موجود عيني ضروي ~~لولاه لكان الممكن ممتنعا، وهذا خلف، ويرى كنط أن الأدلة الثلاثة السالفة إذا ~~بنيت على هذا الدليل صارت صحيحة. # وفي «دراسة في وضوح مبادئ العلم الإلهي النظري والأخلاق» (1764) يذهب إلى أن ~~العقل المنطقي لا يجد في ذاته حقائق معينة، وإنما يجد مبادئ عامة جوفاء، كمبدأ ~~الذاتية الذي لا يعطينا بنفسه موضوعا للعلم، ومن هذا القبيل فكرتا الواجب ~~والكمال، وهما في الفلسفة العقلية الفكرتان الأساسيتان للأخلاق، ففكرة الكمال ~~لا تعرفنا بالكامل الذي يجب طلبه وما فكرة الواجب إلا فكرة الضرورة القانونية ~~الخالية من كل تعيين. # وفي «أحلام واهم معبرة بأحلام الميتافيزيقا» (1766) ينطق العنوان بقصد ~~المؤلف إلى التهكم والنقد، الواهم أو الإشراقي هو الذي يدعي الاتصال بموجودات ~~روحية عليا، مثل سويدنبورج السويدي معاصر كنط، والميتافيزيقي أيضا يتحدث عن ~~مثل هذه الموجودات، ولكنه يزدري الإشراقي، فهو يعتقد إذن ms196 أن ليس لها تجربة ~~مباشرة، وهو مضطر إلى الإقرار بأنه لا يدركها في أنفسها، وأنه إنما يعرفها ~~بضرب من المعرفة السلبية، وفي هذه الحالة تكون الميتافيزيقا علم حدود العقل ~~الإنساني، ولا تستطيع مجاوزة التجربة التي هي المعرفة الحقة، ولا بأس في ذلك، ~~لأن هذا الذي يفوت عملنا ويعتبر ضروريا لتنظيم حياتنا الخلقية، وهو عالم ~~الأرواح، هو موضوع إيمان لا موضوع برهان، على أن تصور مثل هذا العالم قد تصبح ~~له قيمة لو جاءت وقائع تثبت أن ثمة وحدة أو مشاركة روحية بين الموجودات ~~العاقلة، وقد يكون الضمير الخلقي إحدى هذه الوقائع لما ينطوي عليه من الواجب، ~~أي تقرير ما يجب أن يكون بغض النظر عن التجربة، ولما تفترض صفته الكلية من ~~الارتباط بين جميع الضمائر، وقد يمكن تأويله بأنه وحي بعالم معقول تخضع فيه ~~الإرادات الجزئية لقوانين خاصة أو لإرادة كلية. # وكانت نقطة التحول إلى فلسفته رسالة باللاتينية في «صورة ومبادئ العالم ~~المحسوس والعالم المعقول» (1770) خولته الحق في اعتلاء كرسي المنطق وما بعد ~~الطبيعة، يذهب فيها إلى أن المعرفتين الحسية والعقلية تختلفان، ليس فقد بدرجة ~~التمييز كما يقول العقليون، بل كل الاختلاف، المعرفة الحسية تؤدي إلينا كيفيات، ~~وهذه الكيفيات تبدو في المكان والزمان، والمكان والزمان معنيان كليان، فهما إذن ~~من مصدر آخر غير التجربة، هما صورتان يفرضهما الفكر على الكيفيات المحسوسة، ~~فالمعرفة الحسية مجموعة ظواهر، أما المعرفة العقلية فتلوح كأنها تظهرنا على ~~الأشياء كما هي في نفسها، إذ تمدنا بمبادئ ومعان مطلقة لا تمت إلى المحسوس ~~بسبب، بل إنها تقع في التناقض إذا أرادات تطبيقها عليه: فمثلا المبدأ القائل ~~إن المركب يفترض البسيط، اعتمد عليه ليبنتز فوصل إلى أن العالم مركب من بسائط، ~~ولكننا لا نصل أبدا إلى البسيط بسبب القسمة إلى ما لا نهاية، ثم إن المعاني ~~المنطوية في ذلك المبدأ، وهي معاني الكل والبسيط والمركب، وأيضا المعاني التي ~~يستخدمها ليبنتز في المونادولوجيا، وهي معاني الإمكان والوجود والضرورة والجوهر ~~والعلة، لا تدخل كأجزاء في أي تصور حسي، وليست مستخرجة ms197 من التصور الحسي، ~~فالمحسوس والمعقول متخارجان متغايران. ~~(3) وضع الفلسفة النقدية # عكف كنط على النتائج التي بلغ إليها يعيد فيها النظر ويلائم بينها، وبعد عشر ~~سنين (1781) أخرج كتابة الأكبر«نقد العقل الخالص النظري» يبين فيه كيف وإلى أي ~~حد تتطابق معاني العقل ومدركات الحس، فقرر أن المعاني لا تستفاد من الأشياء، ~~على ما يزعم الحسيون، وأن الأشياء لا تستفاد من المعاني، على ما يزعم ~~العقليون، ولكن المعاني هي الشروط الأولية المتعلقة بها المعرفة الحسية، فمعنيا ~~المكان والزمان يطبقان على الكيفيات المحسوسة فيجعلان منها ظواهر، وليس المكان ~~والزمان شيئين محسوسين، ومعان أخرى أو مقولات اثنتا عشرة تطبق على الظواهر ~~فتجعل منها قضايا علمية أي معارف كلية ضرورية، وليس في التجربة كلية وضرورة، ~~ومعان أخرى ثلاثة، هي معاني النفس والعالم والله، ليس لها في التجربة موضوع ~~تنطبق عليه، وكل ما يدعي العقل إثباته بشأنها غلط، ففي هذا الكتاب تلقى الرسائل ~~النظرية التي لخصناها في العدد السابق، ومحصله أن الفكر حاصل بذاته على شرائط ~~المعرفة، وأن الأشياء تدور حوله لكي تصير موضوع إدراك وعلم، ولا يدور هو حولها ~~كما كان المعتقد من قبل، وهذه هي الثورة التي أحدثها كنط في عالم الفكر، وشبهها ~~بالثورة التي أحدثها كوپرنك في عالم الفلك، ولكي يقرب هذا المذهب إلى الإذهان ~~ويصحح ما جرى من الأخطاء في فهمه، وضع رسالة أسماها «مقدمة لكل ميتافيزيقا ~~مستقبلة تريد أن تعتبر علما» (1783). # ثم تحول إلى فلسفة الأخلاق، فصنف فيها كتابين: الأول «تأسيس ميتافيزيقا ~~الأخلاق» (1785) والثاني «نقد العقل العملي» (1788) يكمل به الكتاب السالف، ~~وخلاصة موقفه فيهما أنه لما كان العلم كليا ضروريا أي صادرا عن العقل، ~~فيلزم أن الفلسفة الخلقية لا تقوم على التجربة الظاهرة، ولا على حس باطن (كما ~~كان اعتقد هو تحت تأثير الفلاسفة الإنجليز وروسو)، بل على العقل وحده، فإن ~~العقل هو الذي يمدنا بمعنى الواجب الذي هو الركن الركين في الأخلاق، أما معاني ~~الله والنفس والحرية والخلود، التي كانت الفلسفة السلفية تقيم الأخلاق عليها، ~~فلا سبيل إلى اعتبارها أساسا لها ms198 بعد أن بين «نقد العقل النظري» استحالة ~~العلم بها، على أنه يمكن الإيمان بها إذا أدى بنا إليها تحليل المعاني ~~الأخلاقية أنفسها، فتنبى الميتافيزيقا على الأخلاق بدل أن تبنى الأخلاق على ~~الميتافيزيقا. # ورأى كنط ضرورة الوصل بين العقلين النظري والعملي، فدون كتابه «نقد الحكم» ~~(1790) أو فلسفة الجمال والغائية؛ ذلك أن موضوع العقل هو الحق الذي مظهره ~~الضرورة والآلية في الطبيعة، وموضوع الإرادة الخير بواسطة الحرية، ولدينا قوة ~~أخرى حاكمة بالجمال وبالغائية، أي واضعة نسبة بين ما هو كائن وما يجب أن يكون، ~~بين الضرورة الطبيعية والحرية، باعتبار الجمال والغائية معلولين للحرية تعمل في ~~مادة خاضعة لقوانين الآلية، فموضوع هذه القوة متوسط بين الحق والخير، فالقوة ~~نفسها متوسطة بين العقل والإرادة، وتسميتها بالحكم آتية من المماثلة بين ~~مظاهرها وبين الحكم المنطقي، فإنها كالحكم (عند كنط كما سنرى) توقع نسبة بين ~~شيئين متغايرين، الحكم بالجمال آني تلقائي، والحكم بالغائية وليد التجربة ~~والاستدلال، والحكمان ذاتيان، ليس لهما قيمة موضوعية، ولكنهما صادران بموجب ~~تركيب الفكر، وبخاصة حين ننظر إلى عالم الأحياء، الغائية تكمل الآلية، وهي ~~الواسطة بين العلم الآلي والإيمان بالإله الخالق الذي هدتنا إليه الأخلاق، ~~وأداة الوصل بين الطبيعة والحرية. # وكان الجدل حول الدين شديدا، فضلا عما للدين في ذاته من أهمية لدى ~~الفيلسوف، فحرر كنط كتابا بعنوان «الدين في حدود العقل الخالص» (1793) يرجع ~~فيه الدين إلى مجرد عاطفة، ويؤول العقائد تأويلا رمزيا، كما يريد المذهب ~~التقوي الذي نشأ عليه، وكان هو انقطع منذ زمن طويل عن الاختلاف إلى الكنائس وعن ~~كل عبادة خارجية، فلما ظهر الكتاب وجهت إلى المؤلف رسالة ملكية تعرب عنع عدم ~~رضا الملك لرؤيته يشوه في ذلك الكتاب وفي رسائل أخرى بعض العقائد الجوهرية في ~~المسيحية أو يحط من قدرها، وتطلب منه الكف عن نشر مثل هذه الأضاليل أو عرض ~~نفسه لإجراءات صارمة، فأجاب بأن موقفه الفلسفي يحترم المسيحية، وتعهد بعدم ~~الكتابة أو التعليم في الدين بصفته «تابعا جد أمين لجلالة الملك»، وقال فيما ~~بعد إنه تعتمد وضع هذا ms199 التحفظ لأنه أراد أن يؤقت تعهده بحياة الملك، وبالفعل ~~عاد إلى الكتابة في المسائل الدينية بعد وفاة الملك. # ورأى كنط أن يدل على كيفية تنظيم العلم والعمل، أي أن يكمل فلسفته النقدية ~~بميتافيزيقا، إذ أن النقد لا يعني إلغاء الميتافيزيقا بل التمهيد لها باعتبارها ~~علما كليا للتجربة، لا كالميتافيزيقا القديمة التي تدور على معان جوفاء ~~مقطوعة الصلة بالتجربة، ولما كان العقل مشرعا على نحوين: أحدهما بالفهم في ~~ميدان الطبيعة، والآخر بالإرادة في ميدان الحرية، كانت الميتافيزيقا على نوعين: ~~ميتافيزيقا الطبيعة أو فلسفة العلوم الطبيعية وميتافيزيقا الأخلاق العملية، فمن ~~الوجهة الأولى وضع «المبادئ الميتافيزيقية للعلم الطبيعي» أي خصائص المادة ~~وقوانين الحركة، و«الانتقال من المبادئ الميتافيزيقية للعلم الطبيعي إلى ~~الفيزيقا» أي إلى الظواهر الطبيعية، ومن الجهة الثانية نشر «رسالة في السلام ~~الدائم» (1795) ثم «ميتافيزيقا الأخلاق» (1797) في جزأين: الأول عنوانه ~~«المبادئ الميتافيزيقية الأولى لمذهب الحق» وعنوان الثاني «المبادئ ~~الميتافيزيقية الأولى لمذهب الفضيلة» وهما يتناولان تطبيق الكليات في الجزئيات ~~وليس فيهما شيء يعتبر جديدا، بل هما ينمان عن ضعف الشيخوخة. # وفي الواقع شعر كنط في السنة التي ظهر فيها كتابه الأخير بانحطاط قواه ~~العقلية، فاعتزل التعليم بالجامعة بعد أن زاوله نيفا وأربعين سنة، محاضرا ~~أثناءها في شتى العلوم، فضلا عن علوم الفلسفة، مثل القانون والتربية وعلم ~~الإنسان والجغرافيا الطبيعية والميكانيكا والرياضيات والمعادن، مؤلفا في كل ~~ذلك كتبا ومقالات، فقد كان متوفرا بكليته على العلم، لم يتزوج، ولم يكن له ~~مع أقرب أقربائه سوى علاقات متباعدة، وإن كان يحلو له الاجتماع بالأصدقاء حول ~~مائدة الطعام، وبغير الجامعيين منهم على الخصوص، والتبسط معهم في أحاديث ~~الأسفار والأدب والاقتصاد، فيفيد منهم معارف لم يكن يصادفها بنفسه، وأخذت حالته ~~الجسمية والعقلية تسوء بمر الزمن حتى فقد البصر والذاكرة، ولما حضرته الوفاة ~~كانت كلمته الأخيرة قوله: «حسنا». # كان لفولف # Christian Wolf ~~(1679-1754) تأثير كبير في ألمانيا بدروسه وكتبه الموضوعة على نسق في ~~جميع أقسام الفلسفة، فأذاع مذهب ليبنتز في الجامعات والأوساط المثقفة، ~~وظلت الفلسفة الألمانية إلى أمد بعيد تصطنع ms200 لغة كتبه وبرامجها ~~ومناهجها. # الفصل الحادي عشر # نقد العقل النظري ~~(1) المسألة النقدية # ما قيمة معارفنا؟ أو ما النسبة بين معارفنا وبين الوجود؟ تلك هي المسألة ~~المركزية في الفلسفة، والتي يتعين حلها بادئ ذي بدء، لا يرى كنط أن نقد المعرفة ~~يبدأ بالشك المطلق كما هو الحال عند ديكارت؛ فإن لدينا علمين قائمين لا تختلف ~~فيهما العقول هما: الرياضي والطبيعي، على حين أن ثالث العلوم النظرية، وهو ما ~~بعد الطبيعة، موضع خلاف متصل ولو أن في العقل استعدادا طبيعيا له يدفعه إليه ~~دفعا، وعلى ذلك يكفي أن نتبين السبب في إمكان العلم الرياضي والعلم الطبيعي، ~~أو شرائط العلم الحق، فيبين لنا في نفس الوقت سبب استحالة الحصول على معرفة ~~ميتافيزيقية، ولعنا نجد بعد ذلك تفسيرا للاستعداد الطبيعي للميتافيزيقيا في ~~غير الناحية النظرية، أي في الناحية الخلقية، ولما كانت المعرفة الحقه تقوم في ~~الحكم، وهو الفعل العقلي الذي يحتمل الصدق أو الكذب، بينما المفردات ليست معرفة ~~بمعنى الكلمة لا تحتمل صدقا أو كذبا، كان الواجب علينا أن نستعرض مختلف ~~أحكامنا لنتبين نوع الحكم الذي يعتمد عليه العلم، وننظر في خاصيته وطريقة ~~تأليفه؛ وبذا نكون قد حللنا المسألة. # الأحكام نوعان: أحكام تحليلية وأحكام تركيبية، الأحكام التحليلية هي التي ~~محمولها مستخرج من مفهوم موضوعها، كقولنا: الجسم ممتد، أو: الكل أعظم من الجزء، ~~أي إنها التي تحلل مفهوم الموضوع إلى العناصر المتضمنة فيه ثم ترد إليه هذه ~~العناصر بالإضافة؛ لذا كانت أحكاما أولية أو قبلية # apriori # مركبة بدون معونة التجربة، وكانت ~~كلية ضرورية كمبدأ الذاتية الذي تعتمد عليه، وهو المبدأ القائل إن كل ماهية فهي ~~ما هي، ولكن هذه الأحكام تفسيرية بحت، لا يزيدنا محمولها معرفة بالموضوع، فلا ~~جدوى منها، ولا فائدة لها في إقامة العلم، والأحكام التركيبية هي التي يزيد ~~محمولها شيئا جديدا على الموضوع، فتوسع معرفتنا بالموضوع، وهي نوعان: أحدهما ~~أحكام تركيبية ذاتية، أو أحكام إحساس مثل قولي: الشمس تسطع وهذا الحجز يسخن، ~~أو: السكر حلو (أعني في مذاقي)، أو: أحمل جسما وأحس ms201 ثقلا، هذه أحكام تعبر عن ~~حالة شعورية، فقيمتها ذاتية لا تضطرني إلى اصطناعها دائما، ولا تضطر غيري إلى ~~تصديقها؛ لأن الحكم هنا عبارة عن وضع نسبة بين إحساسين في الحال الراهن، والنوع ~~الآخر أحكام موضوعية أو أحكام تجربة، وهي تعبر عن علاقة ضرورية كلية بين ~~الموضوع والمحمول، فلها قيمة بالنسبة إليها معتبرين في نفسهما مستقلين عن الشخص ~~الذي يحسهما، أي إن لها قيمة موضوعية، ولفظ «موضوعي» يعني في لغة كنط ما كان له ~~قيمة كلية مستقلة عن الشخص بما هو شخص، مثل قولي: ضوء الشمس يسخن الحجر، أو: ~~الجسم ثقيل؛ فإن قصدي هنا أن ضوء الشمس علة سخونة الحجر، وأن هذا حق ولو لم أحس ~~هاتين الظاهرتين ولم أوقع النسبة بينهما، وجميع أحكامنا ذاتية أولا تترجم عن ~~شعورنا وتخضع لقانون التداعي، ثم يصير بعضها موضوعيا، والأحكام التي من هذا ~~النوع الأخير أولية كالأحكام التحليلية مع كونها تركيبية، فإنها صادقة دائما ~~بالنسبة إلي وإلى أي شخص آخر، ولا تتوقف على عدد التجارب ولا على حالة الشخص ~~الذاتية، وهذه الأحكام هي التي تتألف منها العلوم، فالمسألة النقدية تعود إلى ~~هذا: ما السبب في إمكان الأحكام التركيبية الأولية، مع العلم بأن الموضوع ~~والمحمول مستفادان من التجربة، وأن التجربة جزئية متغيرة، وأننا بالرغم من هذا ~~نعتقد بضرورة الحكم وكليته، أجل إننا حاصلون على هذا الاعتقاد، وليس يكفي ~~لتفسيره قول لوك وهيوم إن الرباط بين الظواهر ذهني فحسب، وإن العادة التي تتكون ~~بتكرار التجربة هي التي تجعلنا ننقل الضرورة الذاتية إلى ضرورة موضوعية، ليس ~~يكفي هذا القول لأن شأنه، وقد كشف لنا عن أصل هذا الرباط، أن يبدد اعتقادنا ~~بموضوعيته، وهو لا يبدده، فالمطلوب وضع نظرية جديدة في المضوعية باعتبارها ~~رباطا كليا ضروريا بين محمول وموضوع متباينين مستفادين من التجربة وكان ~~هيوم قد قال إن مثل هذا الرباط أمر غير معقول. # لنبين قبل ذلك أن العلوم تتألف من أحكام تركيبية أولية، وليكن الحكم الآتي ~~مثالا على أحكام الهندسة: «الخط المستقيم أقرب مسافة بين نقطتين»، فالمحمول ms202 ~~هنا (وهو «أقرب مسافة») ليس متضمنا في الموضوع (الذي هو «الخط المستقيم») ~~ولكنهما متخارجان، يرجع الموضوع إلى الكيفية، فإن الاستقامة صفة للخط، ويرجع ~~المحمول إلى الكمية والإضافة، ومع ذلك فالنسبة بينهما ضرورية كلية، أي إن هذا ~~الحكم تركيبي أولي، وليكن الحكم الآتي مثالا على أحكام الحساب: 7 + 5 = 12، ~~فلا فكرة 7 ولا فكرة 5 تتضمنان فكرة 12، وليكن الحكمان الآتيان مثالين على ~~أحكام العلم الطبيعي: أحدهما أنه في جميع تغيرات العالم الذي تظل كمية المادة ~~بدون تغير؛ فإن معنى المادة لا يتضمن معنى عدم تغير الكمية، والحكم الآخر أنه ~~في كل حركة الفعل والانفعال متساويان: فليس يتضمن معنى الحركة معنى المساواة ~~بين الفعل والانفعال. # كيف نحصل على مثل هذه الأحكام؟ أما الأحكام الرياضية فإن خاصيتها التركيبية ~~آتية من تصوير حدودها في المخيلة، فإنني أحصل على الخط المستقيم وعلى النقطتين ~~بفعل الخيال، وأحصل على عدد 12 بإضافة الواحد خمس مرات إلى عدد 7، وأما الاحكام ~~الطبيعية فإن خاصيتها التركيبية آتية من كون حدودها ظواهر مدركة بالحس، أما صفة ~~الأولية في هذين النوعين من الأحكام فآتية من كون الفكر حاصلا على معان رابطة ~~يطبقها على الحدود، فإذا نظرنا في الأحكام الميتافيزيقية وجدنا حدودها، وهي ~~العالم في جملته والنفس والله، غير محسوسة ولا متخيلة كما هو معلوم، ولا معقولة ~~كما سيتضح فيما بعد، فهي أحكام تركيبية أولية، ولكن التركيب فيها ظاهري فقط، هو ~~تركيب معان صرفة لا تعتمد على مادة في الحس أو في الخيال، فهي لذلك لا تتصف ~~بالموضوعية ولا تستحق أن تدعى علما. # فالمعرفة بمعنى الكلمة تتألف من عنصرين: مادة وصورة، بحيث لا توجد المادة في ~~الفكر بدون صورة، وبحيث لا يكون للصورة في نفسها أي معنى لأن وظيفتها الاتحاد ~~بالمادة، المادة موضوع الحدس الحسي، وليس لنا من حدس سواه، والصورة رابطة في ~~الفكر تسمح بتركيب حكم كلي ضروري لأنها هي أولية، هناك إذن مادة للفكر أو ~~وجود خارجي، وكنط لا يتابع التصورية المطلقة في إنكار هذا الوجود أو التشكك ~~فيه، وإن يكن ms203 مذهبه يمنع من القول به كما سنرى كان بعضهم قد عزا إليه أنه تصوري ~~مطلق بعد ظهور الطبعة الأولى لكتابه، فوضح رأيه في الطبعة الثانية وتوسع في نقد ~~التصويرية المطلقة، وهو يصرح بإن الأحساس انفعال، وأن التخيل فعل، فإذا كنت أحس ~~نفسي منفعلا فجب أن أعتبر نفسي خاضعا لتفسير شيء فعال، غير أنه يصرح أيضا ~~أننا لا ندرك من الشيء إلا انفعالنا به، فيأخذ بنصف تصورية، ويعتبر مهمة نقد ~~المعرفة منحصرة في تبين ما هو آت من خارج وما يضيفه إليه الفكر من عنده، وهذا ~~الذي يضيفه الفكر، أي الصورة في المعرفة، يسميه # Transcendental # ويعرفه بأنه معنى أو مبدأ ~~ذاتي للفكر، متقدم على التجربة تقدما منطقيا لا زمنيا، ووظيفته جعل ~~التجربة ممكنة، أي تركيب موضوعات محسوسة وأحكام كلية، واستعماله على هذا الوجه ~~مشروع، غير أنه قد يطبق اعتسافا خارج نطاق التجربة، أي على مطلق الوجود، كما ~~أن من المعاني والمبادئ الذاتية، كمعاني العالم والنفس والله، ما يجاوز بطبيعته ~~حدود التجربة، وفي هاتين الحالتين يتخذ المعنى أو المبدأ قيمة خاصة في حين أنه ~~صورة بحتة، فيسمي كنط هذا الاستعمال # Transcendant ~~؛ لذا نترجم اللفظ الأول ~~بالصوري في مقابل المادة الآتية من خارج، ونترجم اللفظ الثاني بالمفارق أو ~~الميتافيزيقي في مقابل التجريبي، # 1 # ويدعو كنط مذهبه بالتصورية الذاتية أو التصورية، ويميز بينه وبين ~~التصورية المطلقة حيث يقول: «إن قضية التصوريين الحقيقين بهذا الاسم، من ~~المدرسة الأيلية إلى الأسقف باركلي، هي أن كل معرفة حسية فهي ظاهرية، وأن ~~الحقيقة لا توجد إلا في معاني العقل؛ لأن العقل عندهم حدسي ومعانيه موضوعات ~~حقة، بينما المبدأ المهيمن على مذهبي التصوري هو أن كل معرفة آتية من العقل ~~الخالص فهي ظاهرة، وأن الحقيقة لا توجد إلا في التجربة؛ لأن العقل عندي صوري ~~ووظيفة معانيه توحيد التجربة». # وقوانا الفكرية ثلاث، أي القوى التي ترد كثرة المادة إلى الوحدة، أو بعبارة ~~أدق مجموعات الصور المتجانسة؛ لأن التصورية تنكر على العقل دعوى النفاذ إلى ~~الجوهر وقواه: القوة الأولى هي الحساسية ms204 الصورية، وهي غير الحساسية التجريبية ~~التي تقبل من خارج مادة الإحساس، فإن هذه المادة كيفية صرفة، كاللون والصلابة ~~والطعم والرائحة والحرارة والبرودة، ونحن ندركها في المكان والزمان، فيجب تبيان ~~أن المكان والزمان صورتان ذاتيتان تخلعهما الحساسية الصورية على مدركات ~~الحساسية التجريبية، فترتبها بوساطتهما في علاقات أحياز في المكان وتقارن ~~وتعاقب في الزمان، وتجعل الرياضيات الخالصة أو البحتة ممكنة بأن توفر لها ~~الصورة الفكرية اللازمة للضرورة والكلية، والقوة الثانية الفهم الصوري، وهو غير ~~الفهم المنطقي الذي لا ينظر إلا إلى النسب القائمة على مبدأي الذاتية وعدم ~~التناقض في الأحكام التحليلية، فإن هذه النسب تتناول الممكن فقط، وهناك الموجود ~~بالفعل وله نسب خاصة به، هذه النسب يضعها الفهم الصوري بين مدركات الحساسية ~~فيؤلف أحكاما كلية ضرورية، فيجعل العلم الطبيعي ممكنا (ومن هنا يتبين سبب ~~تقديم كنط العلم الرياضي على العلم الطبيعي، فإنه عنده يتضمن شرطي تصور ~~الطبيعيات، وهما المكان والزمان، على حين أن أرسطو يؤخره لأنه يرى موضوعاته، ~~وهي الأعداد والأشكال، مكتسبة بتجريدها من المحسوسات المتضمنة أصل معنيي المكان ~~والزمان)، والقوة الثالثة النطق، وهو حاصل على معان ثلاثة يرد إليها جميع ~~المعارف فيحقق الوحدة التامة في الفكر، هذه المعاني هي العالم والنفس والله: ~~العالم يشمل جميع الظواهر الخارجية، والنفس تشمل جميع الظواهر الداخلية، والله ~~علة الطائفتين من الظواهر، فنقد العقل يبين أن هذه المعاني صور بحتة وظيفتها ~~هذا التوحيد، وأنها إذا أخذت كموضوعات وجودية كانت مدعاة لأخطاء أو أغاليط لا ~~حل لها، ومن ثمة أن علم الميتافيزيقا ممتنع، وكتاب «نقد العقل النظري» يأخذ لفظ ~~العقل بمعنى واسع يعادل قولنا القوة الداركة، وينقسم إلى قسمين كبيرين: ~~الحساسية الصورية، والمنطق الصوري، وينقسم هذا القسم الثاني إلى قسمين: التحليل ~~الصوري وموضوعه استكشاف الصور الذاتية للفهم، والجدل الصوري وموضوعه أغاليط ~~النطق. ~~(2) الحساسية الصورية # المكان صورة أولية ترجع إلى قوة الحساسية الظاهرة التي تشمل حواسنا الخمس، ~~والزمان صورة أولية ترجع إلى قوة الحساسية الباطنة بصفة مباشرة، وإلى قوة ~~الحساسية الظاهرة بصفة غير مباشرة من حيث أن كل ms205 إحساس فهو حدث نفسي له موضعه من ~~الزمان، وهنا يثير كنط مسألتين: الأولى هل لهاتين الصورتين وجود في الذهن وهل ~~هما أوليتان؟ ويسمي البرهنة على هذه المسألة بالعرض الميتافيزيقي، والثانية هل ~~هاتان الصورتان موضوعيتان وصالحتان لاكتساب معارف أولية؟ ويسمي البرهنة على هذه ~~المسألة بالعرض الذاتي. # أما المسألة الأولى فيورد عليها كنط ثلاثة أدلة: الدليل الأول أننا لولا ~~هاتان الصورتان لما استطعنا إدراك المحسوسات في المكان والزمان، إذ أننا نتصور ~~الموضوعات متحيزة خارجا عنها وبعضها إلى جانب بعض، فيرتبها ترتيبا مكانيا، ~~فصورة المكان مفترضة في كل تجربة ظاهرة، ولدينا تصورات حسية متقارنة أو ~~متعاقبة، ونحن نقول إنها تقابل أشياء متقارنة أو متعاقبة، فصورة الزمان مفترضة ~~في التقارن والتعاقب، أي في كل ظاهرة باطنة، الدليل الثاني أننا نستطيع أن نطرد ~~من ذهننا الموضوعات والأحداث التي نضعها في المكان والزمان، ولا نستطيع أن نمحو ~~تصور المكان والزمان، ويعلم كنط أنه يمكن أن يقال إنهما معنيان كليان مجردان من ~~التجربة كمعاني الأجناس والأنواع، فيرد قائلا إن المعنى المجرد من التجربة ليس ~~كليا بمعنى الكلمة، وإنما هو معنى عام يختصر الجزئيات المدركة، وهو لذلك كلي ~~نسبي يحتمل استثناء لاستحالة استيعاب الجزئيات جميعا، ثم هو أفقر من المعنى ~~الجزئي لأنه يحتفظ ببعض عناصره ويغفل الباقي! ثم إن أفراده هي الموجودة أولا، ~~وهي متباينة فيما بينها، أما صورتا المكان والزمان فهما من جنس المكان والزمان ~~الجزئيين، ونحن نحصل على أجزائهما بقسمة المكان الواحد والزمان الواحد إلى ~~أجزاء متجانسة، فهما كليان حقا حاصلان على «كمية مطلقة» الدليل الثالث أننا ~~نتصور المكان والزمان غير متناهيين، وليس في التجربة سوى مقادير متناهية، وإن ~~قيل إن المعاني العامة غير متناهية هي أيضا من حيث إننا ندرج تحتها عددا لا ~~متناهيا من الأفراد، كان الجواب أن هذه المعاني ليست غير متناهية هي أنفسها، ~~ولكنها مجردة غير معينة وليست، أفرادها متضمنة فيها كتضمن أجزاء المكان والزمان ~~فيهما. # وأما المسألة الثانية فيورد عليها كنط دليلا بعتبره حاسما (وإن يكن أثبته ~~في الطبعة الأولى فقط ms206 من «نقد العقل النظري» وذكره في «مقدمة لكل ميتافيزيقيا»: ~~الرياضيات علوم أولية، والمطلوب تفسير إمكانها، الحساب علم الزمان إذ أن العدد ~~يتكون من آنات الزمان المتعاقبة، والهندسة علم المكان، فإذا لم يكن المكان ~~والزمان صورتين أوليتين موضوعيتين، كانت المقادير الرياضية تجريبية، وكانت ~~القضايا الخاصة بها ذات كلية نسبية فحسب، وانهارت الرياضيات الخالصة، ولكنها ~~قائمة، تثبت للأعداد والأشكال علاقات كلية ضرورية، فالنظرية النقدية لازمة. # هذه الأدلة واهية، فالدليل الأول لا ينهض إلا إذا سلمنا لكنط أن الأحساس ~~إحساس بكيفية صرفة لا امتداد لها في ذاتها ولا مدة، وهذا قول لازم من التصورية، ~~ساقط بسقوطها؛ فإننا إذا قلنا إن المحسوس متحيز في مكان، كان إدراك المكان ~~مقارنا لإدراك المحسوس، ولم تعد هناك ضرورة لا يكون المكان مفارقا للكيفية ~~سابقا عليها، وإذا قلنا إن التعاقب قانون الأحداث الظاهرة والباطنة، وإن هذا ~~التعاقب زمان بالقوة يصير زمانا بالفعل حالما نعده، كان التعاقب أساسا ~~للزمان، ولم يكن الزمان مفترضا للتعاقب، # 2 # والدليل الثاني يعني أن تصور المكان والزمان لازم للمخيلة لأن ~~وظيفتها تصور المحسوس الذي هو في المكان والزمان، ولا يعني أن صورتي المكان ~~والزمان غير مجردتين من التجربة. # إن كنط يفهم التجريد على طريقه الحسيين، ولكن هناك تجريدا من نوع آخر دل ~~عليه أرسطو، هو استخلاص الخصائص الجوهرية بحدس عقلي، وليس هذا التجريد اختصارا ~~للجزئيات المدركة فحسب، وإنما هو إدراك للماهية مهما يكن من عدد الجزئيات، ~~والماهية الحاصلة به مثال ونموذج لجميع الجزئيات الممكنة، وهي من ثمة كلية ~~ضرورية لتجردها عن الأعراض المخصصة لكل جزئي والمختلفة بين جزئي وآخر، فلم لا ~~نقول إننا نحصل على معنيي المكان والزمان بتجريد المكان والزمان الجزئيين عما ~~يلابسهما من موضوعات وأعراض؟ والدليل الثالث يعني فقط أن المخيلة تتخيل دائما ~~مكانا وراء مكان وزمانا وراء زمان، ولا يعني أنها تتخيل، أو أن العقل يتعقل ~~مكانا وزمانا غير متناهيين بالفعل، من حيث إن اللا متناهي في المكان والزمان ~~لا يوجد إلا بالقوة، والدليل الرابع قائم على أن كنط لم يفطن ms207 إلى أن باستطاعة ~~العقل أن يحيل المحسوس معقولا بالتجريد، ومن ثمة كليا ضروريا، وأن التجريد ~~الذي نعنيه أكثر تحقيقا لموضوعية العلم، لأنه يشتق موضوع العلم من ذات ~~المحسوس، ونظرية كنط تجعل هذا الموضوع شيئا مغايرا للمحسوس وذاتيا صرفا، ~~هذه النظرية وليدة عقل اقتبل المذهب الحسي، # 3 # ثم أخذ يعمل على تصحيحه كي يصون العلم، فلم يجد إلا ان يضيف للذات ~~العارفة ما يطلبه العلم ويأباه المذهب الحسي، وهذا التوفيق المصطنع بين العلم ~~والتجربة هو العيب الأساسي في فلسفة كنط بأكملها كما سنرى. ~~(3) التحليل الصوري: تحليل المعاني أو المقولات # قلنا إن القسم الثاني من «نقد العقل النظري» يسمى المنطق الذاتي، وإنه يقسم ~~بدوره إلى تحليل وجدل، الغرض من التحليل تفسير الأحكام العلمية ، أي التركيبية ~~الأولية، وهو ينقسم إلى قسمين: تحليل المعاني وتحليل المبادئ، أما تحليل ~~المعاني فيدور على ثلاثة أمور: الأول الفحص عن المعاني الذاتية الرابطة بين ~~الظواهر المعروضة في المكان والزمان ربطا كليا ضروريا، ويسميها كنط ~~مقولات، الأمر الثاني بيان أن لهذه المعاني قيمة أولية أو موضوعية بالنسبة إلى ~~الظواهر، ويسمي كنط هذا البيان استنباط المقولات، والأمر الثالث بيان كيف يتم ~~تطبيق المعاني على الظواهر، ويسمي كنط هذا البيان بالرسم الصوري، وأما تحليل ~~المبادئ فمعناه استكشاف قوانين العلم الطبيعي الخالص التي تسمح باستعمال هذه ~~المعاني، وسيتبين كل هذا من التلخيص الآتي. # لأجل الفحص عن المقولات يجب أن نحصي أولا أنواع الأحكام، فنجد أنها أربعة؛ ~~ذلك أننا إذا نظرنا إلى موضوع الحكم دون مفهوم لم يبق لنا إلا كميته أو ما ~~صدقه، وإذا نظرنا إلى المحمول مثل هذه النظرة لم يبق إلا أنه كيفية مضافة إلى ~~الموضوع، وإذا اعتبرنا العلاقة بين الموضوع والمحمول كان لنا معنى الإضافة، ~~وإذا اعتبرنا النحو الذي يترابط عليه الموضوع والمحمول كان لنا معنى الجهة، ~~وعلى ذلك تنقسم الأحكام بحسب الكمية والكيفية والإضافة والجهة، ولكل من هذه ~~الأقسام الأربعة ثلاثة أنواع، فنحصل على الجدول الآتي: # جدول الأحكام # جدول المقولات # من حيث الكم # كلية # وحدة # مثل: كل الناس ms208 مائتون. # جزئية # كثرة # مثل: بعض الناس فلاسفة. # شخصية # جملة # مثل: سقراط عالم. # من حيث الكيف # موجبة # وجود ~~* # مثل: الإنسان مائت. # سالبة # سلب # مثل: ليست النفس مائتة. # معدولة # حد # مثل: النفس لا مادية. # من حيث الإضافة # حملية # جوهر # مثل: الله عادل. # شرطية (متصلة) # علية # مثل: إذا كان الله عادلا فإنه يعاقب الأشرار. # شرطية منفصلة # تفاعل # مثل: اليونان أو الرومان هم أعظم شعب في العصر القديم. # من حيث الجهة # احتمالية # إمكان - استحالة # مثل: السيارات قد تكون مأهولة. # جبرية # وجود - لا وجود # الأرض كرية. # يقينية # ضرورة - حدوث # من الضروري أن يكون الله عادلا. # لا الوجود الواقعي، بل الوجود المنطقي المدلول عليه ~~بالرابطة، مثل قولنا: المنطق «هو» العلم الذي ... وبتعبير ~~آخر: الوجود المقصود هنا هو الإيجاب. # هذا الجدول يستلزم بعض الشرح: ~~(1) # في كل قسم الحد الأول يعبر عن شرط، والثاني عن مشروط، والثالث عن ~~المعنى الناتج من الجمع بين الاثنين. ~~(2) # القسمان الأول والثاني يجب أن يضما معا من جهة كونهما خاصين ~~بموضوعات الحدس، الكمية خاصة بمقدار الظواهر، والكيفية خاصة بدرجة ~~شدتها؛ فهما تؤلفان المقولات الرياضية، والقسمان الثالث والرابع ~~خاصان بوجود موضوعات الحدس، فهما يؤلفان مقولات الحركة أو التغير ~~أو العلم الطبيعي. ~~(3) # القسمة الثلاثية في كل قسم، مع أن مبدأ عدم التناقض يقتضي القسمة ~~الثنائية؛ ذلك لأن الملحوظ هنا هو الوجود، وفي الوجود لا يرتفع ~~الضدان كما يرتفعان في المنطق الصرف، إذ أنه متي تعارضت قوتان حدثت ~~ظاهرة هي صورة أخرى لكمية القوة. ~~(4) # مقولات الإضافة تعبر عن علاقة الشيء بالكيفية، وهذه العلاقة إما ~~أن تكون بين جوهر وعرض، فيكون الحكم حمليا، أو بين مبدأ ونتيجة، ~~أو علة ومعلول، فيكون الحكم شرطيا متصلا، أو بين الجنس وأنواعه، ~~فيكون الحكم شرطيا منفصلا. ~~(5) # لما كان كل حكم تعبيرا عن نسبة، كانت الإضافة المقولة الكبرى ~~الشاملة لسائر المقولات. # وقد نزيد المسألة إيضاحا بالمقارنة بين موقف كنط وموقف أرسطو: ~~(1) # يقول كنط إن القصد الأول واحد عنده وعند أرسطو، وهو وضع جدول ~~شامل للأحكام، غير أن أرسطو وضع جدول الأجناس العليا ms209 التي تندرج ~~تحتها جميع الموضوعات والمحمولات، ووضع كنط جدول الوظائف المنطقية ~~أو الروابط أو النسب بين الموضوعات والمحمولات، فأرسطو وجودي يرتب ~~الأشياء وخصائصها، وكنط ذاتي يرتب وظائف العقل. ~~(2) # يأخذ كنط على أرسطو أنه جمع مقولاته جمعا تجريبيا بتحليل ~~الكلام الإنساني، وقد يكون هذا صحيحا ولا يقدح في المقولات ~~أنفسها، ولا يمنع من إمكان ترتيبها ترتيبا منطقيا جامعا ~~مانعا، كما ذكرنا بهذا الصدد في كتابنا «تاريخ الفلسفة ~~اليونانية»، وكنط نفسه لم يستنبط مقولاته استنباطا حقا، ولكنه ~~استخرجها من جدول الأحكام كما تلقاه عن المنطق القديم. ~~(3) # ويأخذ كنط على أرسطو أيضا أن مقولاته ليست متجانسة، فمقولات ~~الزمان والمكان والوضع ترجع إلى التصور الحسي لا إلى العقل، ولكن ~~هذا لا يعد مأخذا إلا بناء على مذهب كنط الذي يفصل بين الحس ~~والعقل، أما عند أرسطو فاللفظ في الحكم معنى مجرد من المحسوس، ~~فالمقولات كلها معقولة مهما يكن من أصلها الحسي. ~~(4) # ويأخذ كنط على أرسطو أيضا أن ليس لنظريته خاصية معينة؛ فهي ~~نفسية ومنقطية لأن المقولات فيها أنحاء الحكم والتعبير، وهي ~~ميتافيزيقية لأن المقولات فيها منصبة على الوجود، ولسنا ندري ما ~~يمنع أن يكون للنظرية خصائص ثلاث من ثلاث وجهات، والفكر والوجود ~~متطابقان في فلسفة أرسطو؟ بل ليس لنظرية كنط خاصية معينة؛ فقد وضع ~~في جدوله الحكم الشخصي لأنه رأي أن هناك فرقا، من حيث الوجود، بين ~~اعتبار الفرد واعتبار البعض واعتبار الكل، مع أن الموضوع الشخصي ~~معادل للموضوع الكلي في المنطق الصوري؛ لأنه مأخوذ مثله بكل ما ~~صدقه، فهل النظرية منطقية أو ميتافيزيقية؟ كذلك وضع في جدوله الحكم ~~المعدول، مع أن هذا الحكم موجب منطقيا فلم يكن هناك داع لتخصيصه ~~بالذكر، إلا أن يكون الملحوظ فيه نوع العلاقة بين المحمول ~~والموضوع، فيكون كنط نظر هنا أيضا إلى الوجود وهو يضع جدولا ~~منطقيا صرفا، ثم إن مقولات الجهة ليست صادرة عن نفس المبدأ ~~الصادرة عن سائر المقولات؛ فإن هذه تدل (أو تريد أن تدل) على أنحاء ~~ارتباط المحمولات بالموضوعات، وتلك تريد أن تبين نوع ms210 وجود ~~المحمولات للموضوعات، فهي مأخوذة من اعتبار الوجود لا من اعتبار ~~الوظيفة المنطقية فحسب، أي إنها ثلاثة مواقف للعقل بإزاء الحكم، لا ~~ثلاث مقولات. ~~(5) # ويظهر التعمل في جدول كنط من أنه أثبت مقولات لكي تم له القسمة ~~الثلاثية ليس غير؛ فإن التفاعل نوع من الفعل وداخل في مقولة ~~العلية، والمقولة الثانية من مقولات الجهة (وجود - لا وجود) تشبه ~~المقولة الأولى من مقولات الكيفية من جهة حدها الأول، وتشبه ~~المقولة الثانية من جهة حدها الثاني، فإن الوجود يعادل الإيجاب، ~~واللا وجود يعادل السلب، بينما مقولات أرسطو متمايزة معينة. # أما استنباط المقولات أو التدليل على موضوعيتها، فيتبين على هذا النحو، ~~بالمقولات نوحد بين الظواهر، إذ نثبت بها بين الظواهر علاقات كلية ضرورية وهذه ~~العلاقات تجعل من الظواهر «موضوعات» بالإضافة إلينا، أي أشياء نعتبرها موجودة ~~وذات قيمة مستقلة عن وجودنا الشخصي، وليس يمكن هذا إلا إذا كانت الظواهر منطوية ~~في وجدان واحد بعينه، «وجدان ذاتي» يظل هو هو ويوحد بينها، على حين أن الوجدان ~~التجريبي أو الحس الباطن يتغير باستمرار، هذا التوحيد هو الفعل الجوهري للفكر، ~~وهذا الفعل مصحوب بشعور عقلي «ذاتي» خالص من كل موضوع يترجم بأنا أفكر؛ وإذن ~~ففي أصل الفكر توجد الوحدة الضرورية للإدراك، وهي الأنا الخالص، الأنا أفكر، ~~الذي هو عين الفهم، والفهم قوة تلقائية وظيفتها الحكم أي الربط بين الظواهر، ~~«الأنا أفكر» صادر عن الوجدان ومصاحب لجميع التصورات، وكيف أقول «أنا» دون أن ~~أثبت بإزائي شيئا ليس إياي؟ فالذات العارفة تفترض الموضوع المعروف، أي تفترض ~~حدوسا مرتبطة بعلاقات كلية ضرورية، فإني حينئذ أشعر بذاتي، فللمقولات قيمة ~~موضوعية لأنها أحد عاملين يخلقان موضوعات التجربة، والعامل الآخر حدوس ~~الحساسية، وليس للمقولات من قيمة أو معنى دون المادة الآتية من الحس، وليست هي ~~المعارف بالذات كالمعاني الغريزية عند أفلاطون وديكارت وليبنتز، وإنما هي مجرد ~~روابط لتوحيد التجربة، فبدون الحدوس المقولات جوفاء، وبدون المقولات الحدوس ~~عمياء، وهكذا وجد كنط في الوجدان نفسه مبدأ التوافق بين الحس والفهم، ذلك ~~المبدأ الذي وضعه ديكارت ms211 والديكارتيون في الله. # كيف تنطبق المقولات على الحدوس؟ إنها لا تنطبق مباشرة، ولكن كل مقولة تقتضي ~~علامة تدل على أنها هي التي يجب تطبيقها دون غيرها، فكل مقولة يقابلها رسم دال ~~على استعمالها المشروع، هذا الرسم تقوم به المخيلة المبدعة، وهي قوة تلقائية ~~تختلف عن المخيلة المستعيدة الخاضعة لقوانين تداعي الصور، فالمخيلة المبدعة، هي ~~الواسطة بين الحساسية والفهم، وهي متوسطة حقا إذ أنها تلقائية كالفهم وحسية ~~كالحساسية، وهي تعمل في اللا شعور فتقدم رسوما تخطيطية للمقولات هي طرائق كلية ~~لتصور المقولات على نحو حسي، ولكي تستطيع أن تخطط مثل هذه الرسوم يجب أن يكون ~~هناك صورة أولية حسية تلائم جميع الظواهر، هذه الصورة هي الزمان، وقد أسلفنا ~~أنها صورة الحساسية بنوعيها ، فلكل مقولة رسم يدل عليها على النحو الآتي: # أولا: # رسم الكمية العدد أو مقدار الزمان؛ ذلك بأن جميع الظواهر ~~تتعاقب في الزمان، وأن تصور التعاقب يتم بإضافة أجزاء زمانية ~~متساوية، وإضافة آحاد إلى آحاد هي العدد، فرسم الكلي جملة آنات ~~الزمان، ورسم البعضي عدد من الآنات، ورسم الشخص آن ~~واحد. # ثانيا: # رسم الكيفية الوجود في الزمان أو مضمون الزمان، من حيث إن كل ~~ظاهرة فهي متضمنة في زمان، وأنها في ذاتها كيفية، فرسم الوجود ~~زمان يشغله حدث متصل، ورسم السلب زمان خلو من الحدث، ورسم الحد ~~زمان فيه حدث غير تام أي فيه إحساس لا يبلغ إلى نهايته. # ثالثا: # رسم الإضافة نظام تعاقب الزمان؛ ذلك بأن الظواهر تملأ الزمان ~~على أنحاء متنوعة بعضها يبقى وبعضها يمر، بعضها يتعاقب وبعضها ~~يتقارن، فرسم الجوهر تصور البقاء في الزمان، ورسم العلية تصور ~~التعاقب الراتب في الزمان، ورسم التفاعل أو الاشتراك تصور ~~تقارن أعراض جوهرين في الزمان. # رابعا: # رسم الجهة تصور الوجود في جملة الزمان، فإن الظواهر يمكن أن ~~توجد إما في أي زمن كان، وهذا هو الإمكان، أو في زمن معين، ~~وهذا هو الوجود الواقعي، أو في كل زمن، وهذه هي الضرورة، ~~فالرسم الذاتي يعطينا فكرة عن الطريقة التي يمكن أن تطبق ms212 بها ~~المقولات على الظواهر بوساطة فعل المخيلة المبدعة في اللا ~~شعور. # هكذا يقول كنط، ولنا على أقواله ملاحظات: فأولا ليس العدد رسما للكمية، ~~ولكنه حقيقة الكمية المتصورة، فإن العدد جمع آحاد موجودة أو مفترضة، وليس يهم ~~كونه يتم في الزمان. ثانيا ليس الوجود في الزمان رسما للكيفية، ولكنه هو ~~أيضا حقيقة الموضوع المتصور، فإن الظاهرة كيفية بذاتها. ثالثا ليس نظام تعاقب ~~الزمان مقابلا لمقولات الإضافة ومحتما تطبيقها، فإن البقاء في الزمان قد يتفق ~~للعرض كما يتفق للجوهر، ونحن نستطيع تصور جوهر لا يبقى سوى لحظة واحدة، وتصور ~~التعاقب الراتب لا يدل دائما على العلية، بل قد يكون محض تعاقب، وكذلك تصور ~~تقارن أعراض جوهرين لا يدل حتما على التفاعل؛ فكيف نميز بين مختلف الحالات؟ ~~رابعا ليس تصور الوجود في جملة الزمان مقابلا لمقولات الجهة؛ فليس الإمكان ~~مجرد الوجود في أي زمن كان، وليست الضرورة مجرد الوجود في كل زمن، ولكن لكل ~~منهما تعريفا قائما على ماهية الشيء من حيث هو موجود بذاته أو مفتقر إلى ~~غيره، وكنط لا يلحظ الماهية المعقولة لأنه يجعل من العقل قوة غير مدركة، أما ~~الوجود في زمن معين، فيرجع إلى مقولة الكيفية كما سبق، وعلى ذلك فلكل مقولة في ~~واقع الأمر مفهوم يختلف عن الرسم الخيالي الذي يقال إنه يدل عليه، وهذا المفهوم ~~يدركه العقل، ولكن العقل عند كنط غير مدرك. # والآن وقد تمت نظرية الأحكام التركيبية الأولية، أي نظرية الحساسية والفهم ~~والتطابق بينهما، نستطيع أن نرى مبلغ ما فيها من عبث وتهافت، إن كنط لكي يبرر ~~موضوعية الإحساس، يضع شيئا خارجيا مؤثرا فينا، فيناقض مذهبه من حيث إن ~~العلية عنده مقولة جوفاء، إن خولتنا الحق في الربط بين الظواهر، فهي لا تخولنا ~~الحق في الخروج من الظواهر إلى أشياء بالذات هي غير معلومة في أنفسها، فلم ~~ينتقل كنط من التصورية إلى الموضوعية كما زعم، ولكي يبرر موضوعية القضايا ~~العلمية يضع المقولات، ولكنه يريدها على أن تكون جوفاء، فيدع القضايا العلمية ~~غير مفهومة، إذ لا ms213 التجربة تثبت لها الكلية والضرورة، والتجربة جزئية حادثة، ~~ولا العقل يثبتهما، والعقل يطبق المقولات من غير إدراك خاص، بناء على رسوم ~~خيالية لا تدل في حقيقة الأمر على المقولات، فالنتيجة أن القضية العلمية كاذبة ~~من حيث إن العقل يوقع فيها نسبة بين حدين هما بريئان منها، فلم ينتقل كنط من ~~المذهب الحسي إلى المذهب العقلي كما زعم؛ وذلك لأنه لم يصحح المذهب الحسي إلا ~~بمجموعة ألفاظ هي المقولات، فلم يوفق إلى تفسير المطابقة بين الحس والعقل، إن ~~هذه المطابقة لا تفسر إلا بنظرية أرسطو في التجريد، حيث تقدم التجربة مادة ~~الحكم، أي الموضوع والمحمول متحدين أو متضامنين، فيحيلهما العقل ماهيتين ~~مجردتين ومن ثم كليتين ضروريتين، ويدرك النسبة بينهما، ولما كانت فلسفة كنط ~~بأكملها قائمة على نظرية المقولات فقد انهارت بانهيار هذا الأساس، ولن نصادف ~~فيما تبقى سوى أخطاء فوق أخطاء. ~~(4) التحليل الصوري: تحليل المبادئ # يقول كنط: على أن الرسوم الخيالية لا تكفي لجعل الظواهر موضوعية، فإن فعلها ~~مقصور على بعث مقولة معينة دون أن يبرر تطبيق هذه المقولة، يبد أنها تجعل من ~~الممكن تأليف أحكام تركيبية أولية هي موضوعية، هذه الأحكام هي مبادئ الفهم ~~الخالص يؤلفها ابتداء بتعيين شروط الرسوم تطبيقا موضوعيا، ومن اليسير الآن ~~أن نستنبط مبادئ العلم الطبيعي الخالص استنباطا أوليا، فإن جدول المقولات ~~يقودنا إلى جدول المبادئ: فلمقولات الكمية مبدأ هو «جميع الحدوس مقادير متصلة» ~~إذ أنها معروضه في المكان والزمان اللذين هما مقداران متصلان، ولمقولات الكيفية ~~مبدأ هو «في كل ظاهرة، الشيء الواقعي (الذي هو موضوع الإحساس) حاصل بالضرورة ~~على كمية شدة أو على درجة»؛ إذ يجب أن يكون للأشياء درجة تأثير على حواسنا لكي ~~تحدث فينا إحساسات، وتختلف الأشياء في هذه الدرجة فتختلف الإحساسات، وهذان ~~المبدآن رياضيان يبرران تطبيق الرياضيات على العلم الطبيعي، ولكل من مقولات ~~الإضافة مبدأ: المبدأ الأول «الجوهر باق في تعاقب الظواهر، وكميته لا تزيد ولا ~~تنقص» إذ لما كان الجوهر لا يتغير من حيث وجوده، فلا يمكن أن تزيد كميته أو ms214 ~~تنقص، المبدأ الثاني «جميع التغيرات تقع تبعا لقانون العلة والمعلول» أي في ~~تعاقب منتظم؛ إذ لو كانت نسبة التعاقب بين الظواهر غير منتظمة، لما كان للنسبة ~~قيمة موضوعية، وما انتظام التعاقب إلا العلية، المبدأ الثالث «جميع الظواهر ~~المدركة معا في المكان متفاعلة» فإن الشرط الذي يجعل معرفة التقارن موضوعية هو ~~أن يكون شيئان بحيث لا يوجد أحدهما قبل الآخر ولا بعده، فتقارنهما هكذا هو ~~العلامة التي تسمح لنا بتطبيق مقولة التفاعل، ولكل من مقولات الجهة مبدأ: ~~المبدأ الأول «كل ما يتفق والشروط الصورية للتجربة (وهي المكان والزمان ~~والمقولات) فهو ممكن»، المبدأ الثاني «كل ما يتفق والشروط المادية للتجربة فهو ~~موجود في الواقع» أي إن إدراك الشيء، أو إدراك علاقته بشيء مدرك ، تبعا لمبادئ ~~الإضافة، يدل على وجوده الواقعي، المبدأ الثالث «كل ما يتفق مع الوجود الواقعي ~~تبعا للشروط العامة للتجربة فهو ضروري»، ويلزم من هذا أن ليس في الطبيعة صدفة ~~أو علية عمياء، وإنما كل شيء فيها يتوقف على شروط، ويقع بموجب ضرورة معقولة، ~~ومبادئ الإضافة والجهة تيعن الأشياء بعلاقاتها فيما بينها، أو بعلاقاتها بقوتنا ~~المدركة، فهي مبادئ قوية «دينامية» أي مبادئ الحركة والتغير تقوم عليها ~~القوانين الطبيعية. # والنتيجة التي وصلنا إليها هي أن المقولات والمبادئ تعني أن الطبيعة لكي ~~تكون معلومة لنا، يجب أن تطابق الشروط التي نستطيع أن نتصور وجودها عليها، أو ~~أن شروط الطبيعة تستنبط من شروط الفكر، وهكذا يتجلى لنا الانقلاب الذي أحدثه ~~كنط إذ جعل الأشياء تدور حول الفكر بدل أن يعتقد الناس جميعا أن الفكر يدور ~~حول الأشياء، ولكن هل هناك استنباط حقا؟ الحق أن كنط رأى العناصر الضرورية ~~للعلم، والموجودة في العلم بالفعل، والتي لا تدرك بالحواس، فاستخلصها وحاول أن ~~يستنبطها فما فعل إلا أن وضعها وضعا، وما كان الاستنباط إلا محاولة صناعية، ~~وهو يلتمس دليلا آخر على صحة مذهبه؛ فإنه ينبه على أن التحليل كما عرض للآن، ~~افتراضي ذهب فيه من الأحكام كما هي في الفكر إلى الشروط التي تفسرها، فإذا هو ms215 ~~بين أن هذه الشروط إن خولفت، أي إن طبقت المقولات والمبادئ على الأشياء بالذات ~~كما تفعل الميتافيزيقيا، بدل أن تقصر على الظواهر كما تقضي به «التصورية ~~النقدية»، لم يبق هناك معرفة بمعنى الكلمة، انقلب الفرض مذهبا مقررا، ~~وبعبارة أخرى: إنه يريد أن يقدم على صحة مذهبة برهانا بالخلف بعد أن قدم ~~البرهان المستقيم، وذلك ما يحاوله في «الجدل الذاتي» حيث ينقد معاني النطق أو ~~معاني الميتافيزيقا، وسوف نرى أن هذا النقد ما هو إلا محاولة صناعية أخرى. ~~(5) الجدل الصوري: تعريفه # المسألة الثالثة من مسائل الفلسفة النقدية هي قيمة الميتافيزيقا، ولهذا ~~اللفظ عند كنط معنيان: الواحد أن الميتافيزيقا هي «النقد» أي الفحص عن العناصر ~~الأولية في المعرفة وفي العمل، فمن الجهة الأولى هي ميتافيزيقا الظواهر كما ~~تبدو «نقد العقل النظري» الذي نلخصه في هذا الفصل التالي، والمعنى الثاني أن ~~الميتافيزيقا هي العلم الذي يدعي إدراك موضوعات خارجة عن نطاق التجربة، هذه ~~المتيافيزيقا هي التي يقصد كنط إلى إبطالها هنا؛ لأنها في اعتباره تذهب بغير حق ~~من الأشياء كما تبدو لنا خلال صورنا الفكرية، إلى الأشياء كما هي في أنفسها، ~~فهو يتابع الحسيين في هذه النقطة، ويطبق المبدأ التصوري بكل دقة، فيفترق عن ~~ديكارت ومالبرانش وليبنتز وباركلي في اعتقادهم أن العقل واقع على صور الوجود ~~وذاهب منها إلى أصولها، وكان طبيعيا أن يرفض كنط قبول الميتافيزيقا كعلم ~~بالشيء بالذات بعد النتائج التي خرج بها من تحليل الحساسية والفهم، فضلا عن ~~اعتداده بالواقع من أن الميتافيزيقا ليست مقبولة عند الجميع كالرياضيات والعلم ~~الطبيعي، فإن هذا يدل في عرفه على أنه لو كان لنا حدس عقلي لكانت الميتافيزيقا ~~كالعلمين الآخرين، وهو يرى أن الاعتقاد العام بأن العقل الإنساني يستطيع أن يضع ~~مثل هذا العلم، إنما هو نتيجة وهم قاهر يريد هو أن يبدده في هذا القسم من ~~الكتاب بالكشف عن منشئه وطبيعته. # منشأ الوهم المتيافيزيقي قوة من قوانا الفكرية وأعلاها هي النطق؛ لذا كان ~~هذا الوهم ملازما للفكر الإنساني وعسير التبديد، يختلف النطق عن ms216 الفهم في أن ~~وظيفة الفهم الحكم، أي الربط بين الظواهر بوساطه المقولات وتركيبها في قضايا، ~~ووظيفة النطق الاستدلال بالأقيسة الثلاثة المعروفة: الاقتراني، والشرطي المتصل، ~~والشرطي المنفصل، إلا أنه يستعمل هذه الوظيفة على نحوين: نحو منطقي، ونحو ~~مفارق، أما النحو المنطقي فيقوم في إدراك حدس (المقدسة الصغرى أو المشروطة) تحت ~~قاعدة (المقدمة الكبرى أو الشرط) بحيث يرد معرفة جزئية إلى معرفة كلية باعتبار ~~هذه شرط تلك، وهكذا الي غير نهاية، وأما النحو المفارق فيتجه على العكس إلى ~~اعتبار سلسلة الشروط جملة تامة، أي إنه يمضي في توحيد المعرفة حتى يبلغ إلى ~~المطلق فيدعي تقديم برهان تام عن الشروط، أو يمضي من الوجود التجريبي، لا إلى ~~وجود يمكن أن يقع في التجربة، بل إلى وجود أخير مجاوز للتجربة بالمرة، ولكن ~~المحقق تحليليا هو أن المشروط يفترض شرطا، فالمبدأ الذي يصعد المنطق بموجبه ~~من مشروط إلى لا مشروط، هو مبدأ تركيبي يجاوز مجال المنطق الصرف، وهو أولي في ~~نفس الوقت إذ أن التجربة لا تعطينا مبدأ أول، وقد مر بنا أن الحكم التركيبي ~~الأولي لا يعد مقبولا إلا إذا اشتمل على حدس حسي، فاستدلال النطق عبث لا غناء ~~فيه لأنه يركب أقيسة فاسدة مؤلفة من أربعة حدود، إذ تنتقل المعاني كما هي في ~~الفكر (أي من صور بحتة) إلى أشياء بالذات خارجة عن متناول الفكر، فيكون لكل من ~~هذه المعاني مدلولان، الواحد صوري في المقدم، والآخر مادي في التالي. # وطبيعة الوهم الميتافيزيقي أن النطق، لما كان لا يصادف المطلق في التجربة، ~~يخترع معاني يعتبرها المبادئ القصوى، هكذا فعل أفلاطون حين ترك العالم المحسوس ~~وتوغل فيما فوقه على أجنحة المثل في خلاء العقل الخالص، فأشبه حمامة تشق ~~الهواء فتحس مقاومة فيخيل إليها أنها تكون أكثر توفيقا لو طارت في خلاء مطلق، ~~وكما أن النظر في صورة الأحكام كشف لنا عن المقولات أو معاني الفهم، كذلك النظر ~~في صورة الاستدلالات يكشف لنا عن معاني النطق هذه؛ ذلك بأن القياس الاقتراني ~~(وهو يسند محمولا إلى موضوع، ms217 أي كيفية إلى جوهر) متى استخدم في الفحص عن ~~المطلق الذي تنتهي إليه ظواهرنا الوجدانية، وصل إلى موضوع لا يستعمل كمحمول فلا ~~يستند إلى شيء آخر، هذا الموضوع هو معنى الأنا أو النفس كجوهر، والقياس الشرطي ~~المتصل (وهو يعلق مشروطا على شرطه) متى استخدم في الفحص عن العلة المطلقة ~~للعلل الطبيعية، وصل إلى معنى العالم كجملة العلل أو الشروط، والقياس الشرطي ~~المنفصل (وهو يعارض بين حدين فيضع أحدهما بناء على ارتفاع الآخر) متي استخدم ~~للفحص عن الشرط المطلق لجميع موضوعات الفكر، وصل إلى معنى العلة المطلقة أو ~~الموجود الأعظم وهو الله، فبمراجعة مسائل هذه العلوم وأدلتها، يتبين لنا أن ~~الأدلة سوفسطائية، وأن المسائل وهمية نشأت من اعتقاد أننا ندرك بتلك توحيدا ~~نهائيا. # سوف يتضح الآن مقصد كنط باستخدام هذه الأقيسة الثلاثة، فيتضح مقدار ما بذل ~~من تصنع وافتعال، إننا نرى مسوغا لوضع النطق كقوة متمايزة من الفهم، فإن معاني ~~النفس والعالم والله تكتسب بتطبيق مقولي الجوهر والعلية على كل ظاهرة قبل النظر ~~إلى جملة الظواهر، وكنط نفسه يذكر بين المقولات مقولة «الجملة» ففكرة «جملة ~~الظواهر» متوفرة للفهم، وفي المقولات الثلاث المذكورة الكفاية، ولكن كنط ورث عن ~~ڤولف هذا التقسيم للميتافيزيقا، وورث فكرة النطق عن الأفلاطونيين، من فلاسفة ~~ومتصوفين، وكانوا يميزون بين قوة استدلالية تضع العلم الطبيعي، وقوة حدسية تدرك ~~الروحيات، دون أن يفطنوا إلى أن علمنا بالروحيات قائم هو أيضا على تطبيق مبدأ ~~العلية، لا على حدس مباشر، فأراد هو أن يلتمس لكل ذلك أساسا منطقيا. ~~(6) الجدل الصوري: نقد علم النفس النظري # يدعي هذا العلم أنه يبرهن على وجود النفس كجوهر قائم بذاته ابتداء من «أنا ~~أفكر»، وأنه يعين ماهية النفس بتطبيق المقولات على «أنا أفكر» فيصل إلى أن ~~النفس بسيطة، وشخصية أي باقية هي هي تحت ما يعرض لها من تغيرات، وخالدة، فهو ~~يرجع إلى أربع مسائل كبرى يركب لها أربعة أقيسة، ولكن هذة الأقيسة أغاليط يشتمل ~~كل منها على أربعة حدود؛ لأن أحد الحدود الثلاثة في الظاهر مأخوذة ms218 في الحقيقة ~~بمعنى في إحدى المقدمتين وبمعنى آخر في الأخرى؛ لذا يسمي كنط هذه الأقيسة ~~«أغاليط العقل الخالص». # المسألة الأولى: # جوهرية النفس، تدلل عليها الميتافيزيقا بهذا القياس: «ما لا ~~يتصور إلا كذات، فهو لا يوجد إلا كذات؛ وهو من ثمة جوهر، ~~والموجود المفكر لا يتصور إلا كذات، وإذن فهو لا يوجد إلا كذات ~~أي جوهر»، هذا القياس غلط لأن المقصود بالذات في المقدمة ~~الكبرى هو«الشيء» الذي يتصور كذات، أي الذات التي تدرك كذلك، ~~أو الذات التي هي في الوقت نفسه موضوع إدراك، وفي الصغرى ليس ~~المقصود «شيئا» من حيث إن قولنا الموجود المفكر أو أنا أفكر ~~لا يتضمن موضوع فكر، بل يعني الشرط الضروري لإمكان الحكم ~~وإحداث وحدة الشعور، فإن «أنا أفكر» هي الصورة التي تجمع ~~الظواهر في فكر واحد بعينه، ذلك بأن ليس لنا حدس بنفسنا كذات ~~مفكرة، وكل ما ندركه هو فكرنا متعلقا بموضوعات لا مستقلا، ~~فإذا طبقنا المقولات على «أنا أفكر» كان هذا التطبيق فعلا ~~منطقيا صرفا عاطلا من أية قيمة موضوعية، من حيث إن ~~المقولات لا تطبق تطبيقا موضوعيا إلا على الحدوس الحسية، ~~فلا يسوغ الانتقال من وحدة الفكر كشرط منطقي إلى وحدة جوهر ~~متقوم بذاته. # المسألة الثانية: # بساطة النفس، تدلل عليها المتيافيزيقا بهذا الأساس: ~~«الموجود الذي يفترض فعله ذاتا بسيطة هو جوهر بسيط، والنفس ~~موجود يفترض فعله (وهو الفكر) ذاتا بسيطة (لأن التفكير رد ~~التصورات إلى الوحدة، وهذا ما لا يستطيعه الموجود المركب)؛ ~~وإذن فالنفس جوهر بسيط»، ولكن المراد بلفظ بسيط في الكبرى ~~موجود مدرك بالحدس كموجود بسيط، وفي الصغرى المراد موجود ~~يتراءى لنفسه كأنه موجود بسيط، وبعبارة أخرى: لأجل أن نفكر ~~يكفي أن نعتبر نفسنا ذاتا بسيطة، وليس من الضروري أن نكون ~~كذلك حقا. # المسألة الثالثة: # شخصية النفس، تدلل عليها الميتافيزيقا بهذا القياس: «الحاصل ~~على الشعور بذاته في أوقات مختلفة هو جوهر شخصي، والنفس حاصلة ~~على هذا الشعور، وإذن فإلنفس جوهر شخصي»، ولكن هنا أيضا ينتقل ~~القياس من الشعور بالذات في أوقات مختلفة، وهو ms219 الشرط الصوري أو ~~المنطقي لتصوراتنا كما سبق القول، إلى بقاء الذات هي هي، مع أن ~~هذا التصور المنطقي قد يبقى وتتغير الذات إذا كانت الذوات ~~المتعاقبة تتوارث حالة نفسية واحدة بعينها. # المسألة الرابعة: # تقوم النفس بذاتها ومن ثمة استطاعتها البقاء بعد فناء ~~الجسم، تدلل عليها الميتافيزيقا بهذا القياس: «الشيء المعلوم ~~مباشرة له وجود متمايز من وجود الشيء المعلوم بالواسطة، والنفس ~~تعلم ذاتها مباشرة، في حين أن الجسم لا يعلم إلا بوساطه النفس، ~~وإذن فالنفس متمايزة من الجسم»، هذا القياس يذهب من المعرفة ~~إلى الوجود: أنا أعرف الأنا متمايزا من اللا أنا، ولكن هل ~~تعني هذه المعرفة أن الأنا مستقل حقا عن اللا أنا؟ أليس يمكن ~~أن تكون لدى هذه المعرفة وأنا مركب من نفس وجسم؟ وهذا القياس ~~مبني على تمايز النفس والجسم، مع أن الجسم تصور حاصل في ~~الحساسية بتأثير علة مجهولة، وليس التصور شيئا خارجا عن ~~الذات المتصورة حتى نقول بإدراك مباشر وإدراك غير مباشر؟ وقد ~~تكون العلة المجهولة روحا، وقد لا يكون هناك إلا جوهر مشترك ~~هو جسم في صورة المكان وروح في صورة الزمان، ما دام إدراك ~~الشيء بالذات ممتنعا علينا، فالفلسفة النقدية تخلصنا من مسألة ~~تمايز النفس والجسم وتفسير العلاقة بينهما، وهي مسألة غير ~~قابلة للحل كما يشهد مذهب ديكارت والمذاهب الصادرة عنه، ~~والفلسفة النقدية تخلصنا من المادية، فما دمنا لا نستطيع ~~البرهنة على وجود النفس وحقيقة الخلود، فإننا للسبب عينه ننكر ~~على الماديين إمكان البرهنة على عدم وجود النفس وعدم الخلود. # ذلك نقد كنط لعلم النفس النظري كما يوجد عند ديكارت والديكارتيين بما فيهم ~~ڤولف، وكنط محق في بعض هذا النقد، مبطل في الباقي، إنه محق في قوله إننا لا ~~ندرك النفس مباشرة، أي أن ليس لنا إدراك موضوعه ذات النفس، ولكن كل إدراك فهو ~~واقع على موضوع ومصحوب بالشعور بالذات، وأنه مبطل في دعواه أن هذا الشعور لا ~~يصلح أساسا للتدليل على وجود النفس وماهيتها، وأن الأدلة السالفة أغاليط، إنه ~~يميز بين الأنا الذاتي ms220 أو الصوري والأنا التجريبي، ويقول عن الأول إنه مجرد ~~موضوع منطقي أو مجرد حد في قضية، ويقول عن الثاني إنه ظاهرة خاضعة للمقولات ~~كسائر الظواهر، وأن ليس هناك ما يبرر الخروج من الفكر إلى الوجود، ولكنه هو ~~الذي يلزمنا مذهبه ويحاجنا به كأنه ثابت لا ينقض، إن الشعور بالذات فعل، والفعل ~~وجود، ولا يعقل أن يعقل أن يكون الوجود هنا مقولة الوجود أو الإيجاب، فلفظ ~~الذات مأخوذ بمعنى واحد في المقدمتين، فهذه حالة واحدة على الأقل لا تخضع ~~للشروط العامة التي يزعمها كنط للمعرفة وهي المقولات، وديكارت على حق حين يقول ~~إنه يدرك وجود الأنا المفكر إدراكا مباشرا، وإن كان قد أخطأ الحق حين ظن أن ~~الإدراك المباشر واقع على جوهر لا مادي، وقد غلا كنط في الفصل بين الفكر ~~والوجود حتى فصل بينهما في «أنا أفكر»، وفي هذه الملاحظات ما يوضح وجه الحق في ~~المسائل الأولى والثانية والثالثة، أما المسألة الرابعة فالحجة الأولية فيها ~~صائبة، إن معرفتي الأنا متمايزا من اللا أنا لا تدل بذاتها على أن الاثنين ~~متمايزان في الواقع، وعلى أن الإنسان قد لا يكون مركبا من نفس وجسم متحدين ~~اتحادا جوهريا، ولكن الحجة الثانية مبنية على مذهب كنط في المعرفة، وليس هذا ~~المذهب ملزما كما تقدم، وإذا كان إنكار جوهرية الجسم والنفس يسقط دعوى ~~الماديين، فهو يسقط أيضا دعوى الروحيين؛ فأي ربح يعود علينا من الفلسفة ~~النقدية؟ ~~(7) الجدل الصوري: نقد العلم الطبيعي النظري # يقول كنط لأجل تعيين مسائل هذا العلم ينبغي الرجوع إلى المقولات، فما معاني ~~النطق إلا بعض مقولات الفهم مطلقة من قيود التجربة، إن مبدأ الاستدلال هذا هو ~~المشروط، وهذا المشروط سلسلة، فالمقولات التي تنطبق عليه هي التي يكون التركيب ~~فيها سلسلة من الشروط مترتبة بعضها على بعض، فمن حيث الكمية، نجد أن كل حدس فهو ~~مصحوب بمقدارين هما الزمان والمكان، أما الزمان فالظواهر التي فيه تؤلف لذاتها ~~سلسلة، وأما المكان فليس سلسلة لذاته وإنما هو مركب، ولكن إذا اعتبرنا طريقة ~~إدراكنا وجدنا أن ms221 له ما نقوم به من تركيب اجزائه هو تركيب متتال؛ ومن ثمة يتم ~~في الزمان ويؤلف سلسلة، والنطق يقتضي أن يكون للعالم بداية في الزمان وحد في ~~المكان حتى يقف عند المطلق، ومن حيث الكيفية أو حقيقة العالم في المكان، نصادف ~~مسألة ما إذا كان المركب في المكان ينقسم إلى أجزاء لا تتجزأ، إذ أن مثل هذه ~~القسمة التامة أو اللا مشروطة هي التي تعتبر عن النطق التفسير الوافي للمركب، ~~ومن حيث الإضافة، نجد أن من بين مقولاتها مقولة العلية وحدها تتضمن علاقة تنال ~~بين حدود، والنطق يطلب عله أولى كشرط مطلق لسلسلة العلل في العالم، ولا تكون ~~العلة أولى، أي خارجة عن سلسلة العلل الطبيعية، إلا إذا كانت حرة، ومن حيث ~~الجهة، نجد أن من بين مقولاتها اثنتين فقط يمكن أن يؤلفا سلسلة، هما مقولتا ~~الضرورة والحدوث، والنطق يسعى إلى إقامة الحادث على الضروري باعتبار الضرورري ~~الشرط المطلق لجملة الموجودات. # فالنطق يعتبر هذه القضايا الأربع موضوعية، بدل أن يعتبرها مجرد تركيب منه، ~~ويسخر الفهم للتدليل عليها، أي لإبطال التسلسل إلى ما لا نهاية في تلك المواضع ~~الأربعة، ولكن الفهم يدلل أيضا على نقائض هذه القضايا، لأنه بذاته لا يملك إلا ~~أن يرد ظاهرة مشروطة إلى ظاهرة مشروطة، وهكذا إلى غير نهاية، بحيث تبدو القضايا ~~ونقائضها لأزمة على السواء، فنقع في تناقض كما يتبين من الجدول الآتي: # نقائض النطق الخالص # العالم بداية في الزمان، وهو محدود في المكان. # ليس العالم بداية ولا حد، ولكنه لا متناه من حيث المكان ~~والزمان. # كل جوهر مركب فهو مركب من أجزاء بسيطة، وليس يوجد في العالم شيء ~~إلا وهو بسيط أو مركب من أجزاء بسيطة. # لا شيء مركبا في العالم مركب من أجزاء بسيطة، وليس يوجد في العالم ~~شيء بسيط. # العلية الطبيعية ليست العلية الوحيدة التي ترجع إليها جميع ظواهر ~~العالم، بل من الضروري التسليم أيضا بعلية حرة لتفسير هذه ~~الظواهر. # ليس هناك حرية، ولكن كل شيء في العالم يحدث بموجب قوانين ~~طبيعية. # العالم ms222 المحسوس يتعلق بموجود ضروري سواء أكان جزءا منه أو كان علة ~~مفارقة له. # ليس يوجد موجود ضروري سواء في العالم أو خارج العالم باعتباره ~~علته. # فالفهم والنطق متعارضان، وهما مع ذلك يؤلفان عقلنا، ويبدو هذا التعارض واضحا ~~في القياس التالي: «حين يوجد المشروط توجد سلسلة شروطه بأكملها، والمشروط ~~موجود، وإذن فسلسلة شروطه موجودة»، هذا القياس غلط لأنه يحتوي على أربعة حدود: ~~ففي المقدمة الكبرى الموضوع أي «المشروط» مأخوذ باعتباره موضوعا معقولا ~~مستقلا عن شروط الحساسية أو الحدس، وهذا هو الحال في القضايا جميعا، وفي ~~المقدمة الصغرى «المشروط» مأخوذ طبعا باعتباره العالم الظاهري الماثل في ~~حسنا، وهذا هو الحال في نقائص القضايا، فبأي حق نستدل بحد أوسط ذي معنيين ~~وننتقل من الظاهرة إلى الشيء بالذات؟ # ونحن نلاحظ أولا أنه ما دام الغلط ناشئا من التردد بين معنيين، فليس يصح ~~القول إن العقل متناقض مع نفسه، إلا بمعنى للعقل واسع يشمل الفهم والنطق، وهذا ~~المعنى الذي أراده كنط بعنوان كتابه، فيبقى مبدأ عدم التناقض مصونا؛ لأن ~~التعارض ههنا واقع بين قوتين مختلفتين لكل منهما وجهة خاصة، ومن شروط التناقض ~~أن يكون الموضوع في المقدمتين واحدا بعينه، ونلاحظ ثانيا، أن كنط يلزمنا ~~مذهبه ويريدنا على أن نؤمن معه بقوتين عقليتين متعارضتين ونستدل كاستدلاله، ~~ولكننا نؤمن بعقل واحد ينظر إلى الاشياء نظرة واحدة، وإذا حكمناه في القضايا ~~ونقائضها وجدناه يحكم بأن في كل تقابل إحدى القضيتين صادقة والأخرى كاذبة، ~~فيرتفع التناقض بالفعل، وها نحن أولاء نورد استدلالات كنط ونعقب عليها بإحقاق ~~قضية وإبطال أخرى. # التناقض الأول: # القضية: «للعالم بداية في الزمان، وهو متناه أو محدد في ~~المكان»، دليل الشق الأول أنه إذا لم يكن للعالم بداية كانت كل ~~لحظة مسبوقة بزمان غير متناه، وهذا خلف لأن معنى اللا نهاية ~~في الزمان أن هناك سلسلة لا تتم أبدا، ودليل الشق الثاني انه ~~لو كان العالم لا متناهيا في المكان لاقتضت الإحاطة به جمع ~~وحداته على التوالي في زمان غير متناه، ولا يمكن عبور الزمان ~~اللا ms223 متناهي كما تقدم، نقيض القضية: «ليس للعالم بداية ولا حد، ~~ولكنه لا متناه من حيث الزمان والمكان»، دليل الشق الأول أنه ~~لو كان للعالم بداية لكان تقدمها زمان متجانس، وفي مثل هذا ~~الزمان تتساوي الآنات في عدم احتوائها ما يرجح وجود العالم على ~~عدم وجوده، فلم يكن العالم ليوجد أبدا، ودليل الشق الثاني أنه ~~لو كان للعالم حد لكان هذا الحد خلاء أي لا شيئا ولا حدا، ~~فلم يكن العالم محدودا، ونحن نسلم القضية، مع تحفظ على الشق ~~الأول وهو أنه لا يقام على هذا الشق برهان ضروري، كما بينا ~~ذلك في الرد على قول أرسطو بقدم العالم، وفي عرض موقف القديس ~~توما الأكويني من هذه المسألة، ثم مع تحفظ على الشق الثاني وهو ~~أن حد العالم لا يتعلق بإمكان إحاطتنا به، كما يذكر كنط، بل ~~بطبيعة المادة فإن للمادة الموجودة بالفعل سطحا بالضرورة ~~والسطح محدود، على ما يذكر أرسطو، أما نقيض القضية فنقول عن ~~شقه الأول إن في الاستدلال عليه خطأ، إذ أن هذا الاستدلال ~~يعتمد على فكرة أن الزمان شيء متجاس سابق على العالم مستقل ~~عنه، وهذا غير صحيح لأن الزمان وهو عدد الحركة بوجود العالم ~~المتحرك فإذا سلمنا أن العالم لم يوجد «في» الزمان، لم تكن ~~النتيجة المحتومة أنه قديم كما يريد الاستدلال، بل إنه قد يكون ~~قديما، وقد يكون حادثا وجد «مع» الزمان أو أن الزمان وجد ~~معه، ونقول عن الشق الثاني («ليس للعالم حد» إنه إذا كان ~~العالم محدودا كان حده سطحه الخارجي، كما بينه أرسطو). # التناقض الثاني: # القضية: “كل جوهر مركب (أي الجوهر المادي) فهو مركب من أجزاء ~~بسيطة، وليس يوجد في العالم شيء إلا وهو بسيط أو مركب من أجزاء ~~بسيطة»؛ ذلك بأنه لو كانت المادة مركبة إلى غير نهاية، لكان ~~تحليلها يستتبع انعدامها، فلكي تبقى يجب أن يقف التركيب عند ~~حد، أي أن تكون الجواهر المركبة من أجزاء بسيطة، نقيض القضية: ~~«لا شيء مركبا في العالم مركب من أجزاء بسيطة، وليس يوجد ms224 في ~~العالم شيء بسيط»؛ ذلك بأن التركيب لا يمكن إلا في المكان بحيث ~~يكون عدد أجزاء المركب مساويا لعدد أجزاء المكان الذي يشغله، ~~ولكن المكان لا يتألف من أجزاء بسيطة بل من أمكنة، والأجزاء ~~الأولى إطلاقا لمركب ما هي بسيطة، فيلزمنا القول إن البسيط ~~يشغل مكانا، أي إن البسيط مركب، وهذا خلف، ونحن نرفض القضية، ~~ونحيل القارئ إلى ما قلناه في حجيج زينون الأيلي وردود أرسطو ~~عليها، أما احتجاج كنط بأنه لكي لا تكون المادة مركبة إلى غير ~~نهاية يجب أن يقف التركيب عند أجزاء بسيطة، فيرد عليه بأن ~~إضافة البسيط إلى البسيط لا تنتج الامتداد فيجب وضع الامتداد ~~أصلا كما يقول الدليل على نقيض القضية، ونحن نسلم بهذا ~~النقيض. # التناقض الثالث : # القضية: «العلية الطبيعية ليست العلية الوحيدة التي ترجع ~~اليها جميع ظواهر العالم، بل من الضروري التسليم أيضا بعلية ~~حرة لتفسير هذه الظواهر»؛ ذلك بأن كل ما يحدث بموجب العلية ~~الطبيعية يحدث بعد حادث سابق يعينه، وهكذا إلى غير نهاية، فإذا ~~لم يكن هناك سوى هذه العلية لزم القول بسلسلة لا متناهية من ~~العلل لتعيين كل ظاهرة، ولكن السلسلة اللا متناهية لا تتم ~~أبدا. فيجب أن تكون سلسلة العلل تامة أي متناهية؛ ومن ثمة يجب ~~التسليم بعلية حرة قادرة على أن تبدأ سلسلة ظواهر تجري حسب ~~القوانين الطبيعية، نقيض القضية: «ليس هناك حرية، ولكن كل شيء ~~في العالم يحدث بحسب قوانين طبيعية»؛ ذلك بأن كل بداية فعل ~~تفترض في العلة حالة لا تكون فيها فاعلة، فإذا صارت إلى حالة ~~هي فيها فاعلة، كان فيها حالتان متعاقبتان لا تربط بينهما ~~علاقة علية، ولكن لكل ظاهرة علة، فالحرية معارضة لقانون ~~العلية، هذا التناقض يتناول مسألة الخلق، ونحن نسلم القضية، ~~ونلاحظ أن الدليل الذي يورده كنط عين الدليل على القضية في ~~التناقض الأول، وأن هذا الدليل يقيم العلية على تناهي سلسلة ~~العلل في الزمان، على حين أن التناهي الذي يحتمه مبدأ العلية ~~هو تناهي عدد العلل المترتبة بالذات أي المتوقف بعضها على ms225 بعض ~~آخر، كما بيناه في عرض برهنة القديس توما الأكويني على ~~وجود الله، ونحن نرفض نقيض القضية، فإنه يغلط من وجهين: أحدهما ~~أنه يفترض أن الله يشرع في الفعل في وقت ما، وهذا تشخيص للزمان ~~قبل وجوده، والوجه الآخر أنه يفترض في الله انتقالا من القوة ~~إلى الفعل، وهذا مخالف لماهية الله الذي هو فعل محض، فإن حدوث ~~العالم لا يعني أن الله فعل بعد أن لم يكن فاعلا، بل إن ~~العالم وجد بعد أن لم يكن موجودا، فالعلم هو الذي يتغير بموجب ~~إرادة إلهية قديمة، وإذا كان مبدأ العلية يقضي بأن لكل ظاهرة ~~علة، فإنه لا يقضي بأن كل علة معلولة، إذ أن التسلسل معناه عدم ~~الوصول إلى علة أبدا ومناقضة مبدأ العلية. # التناقض الرابع: # القضية: «العالم المحسوس يتعلق بموجود ضروري، سواء أكان هذا ~~الموجود جزءا من العالم أو علة مفارقة له»؛ ذلك بأن العالم ~~المحسوس سلسلة تغيرات، وكل تغير فله شرط سابق في الزمان، وكل ~~ما كان مشروطا فهو يفترض جملة شروط بأكملها بحيث يقوم على ~~الضروري، وهذا الضروري يجب أن يكون داخلا في العالم المحسوس ~~لكي يعين سلسلة التغيرات فيه، ولو كان خارج العالم وخارج ~~الزمان لما أمكن أن يكون أساسا للوجود الحادث، نقيض القضية: ~~«ليس يوجود موجود ضروري سواء في العالم أو خارج العالم ~~باعتباره علته»، الشق الأول يحتمل فرضين: أحدهما أن الموجود ~~الضروري جزء من العالم فنضع بذلك بداية مطلقة لسلسلة تغيرات ~~العالم خلافا لقانون العلية، والفرض الآخر أن الموجود الضروري ~~هو سلسلة تغيرات العالم (على ما يذهب إليه سبينوزا وغيره من ~~أصحاب وحدة الوجود) فتكون هذه السلسلة الحادثة في كل حلقة من ~~حلقاتها ضرورية في جملتها، وهذا خلف، والشق الثاني يلزمنا ~~القول بأن هذه العلة المفارقة تبدأ سلسلة على التغيرات في ~~العالم، وأنها في الزمان؛ ومن ثمة أنها جزء من العالم، وهذا ~~مخالف للمفروض، التدليل على هذا التناقض شبيه بالتدليل على ~~التناقض الثالث، وهو على كل حال أخص بالعلم الإلهي منه بالعلم ~~الطبيعي، ولكن ms226 طوائف المقولات أربع، فيجب أن يكون هناك أربعة ~~تناقضات ... ونحن نسلم أن «العالم المحسوس يتعلق بموجود ضرروي» ~~لا للزوم بداية زمنية كما يذكر كنط، بل للزوم بداية وجودية ~~ومنطقية، كما يذكر القديس توما الأكويني، ونرفض القول بأن ~~الموجود الضروي جزء من العالم، إذ لو كان كذلك لما كان علة ~~مطلقة أما نقيض القضية «ليس يوجد موجود ضروري» فنرفضه، إذ ليس ~~يدلل عليه بتنافر بداية مطلقة مع مبدأ العلية، وقد بينا على ~~العكس أن مبدأ العلية يقتضي بداية مطلقة، وليس يلزمنا مذهب ~~سبينوزا، ويعتبر رد كنط عليه ردا صحيحا، وليس يلزم أن تكون ~~العلة الأولى في الزمان جزءا من العالم لكي تبدأ سلسلة ~~الظواهر الطبيعية، إذ ليس فعلها حركة مادية. # تلك هي المتتنقاضات المشهورة عن كنط، ولسنا نعلل شهرته بها إلا بأن الناس ~~يذكرون الحديث قبل القديم، فقد وردت كلها عند زينون الأيلي، وعند أفلاطون في ~~محاورة «بارمنيدس» على الخصوص، وعند أرسطو في ردوده على حجج زينون وفي محاولة ~~محاولة التدليل على قدم العالم، وعند فيلسوف إنجليزي اسمه # Arthur Collier # نشر سنة 1713 كتابا بعنوان ~~«المفتاح الكلي» يصدر فيه عن مالبرانش ويدعي التدليل على تناقض فكرة العالم ~~الخارجي بإمكان التدليل على القضايا الآتية ونقائضها على السواء: العالم لا ~~متناهي الامتداد ومتناهيه، المادة منقسمة إلى غير نهاية وهناك أجزاء لا تتجزأ، ~~الحركة ضرورية وفي نفسه الوقت ممتنعة التصور، جمع كنط إذن هذه التناقضات جمعا ~~ووضعها هذا الوضع المسرحي ليبين عبث العقل، فاعتقد كثيرون من بعده بناء على ~~شهادته أن العقل عابث، غير أنه لم يرض أن يتركنا في حيرتنا بإزائها، فزعم أن ~~لها حلا، وحلا مرضيا جدا؛ ذلك أن القضيتين الأولى والثانية ونقيضيهما ~~كاذبة على السواء لأنها جميعا تذكر العالم كأنه شيء بالذات وهو ليس كذلك في ~~حدسنا، فلا نستطيع أن نعلم إن كان متناهيا أو غير متناه، وإن كانت المادة ~~مركبة من أجزاء بسيطة أو ليست مركبة، أما القضيتان الثالثة والرابعة ونقيضاهما ~~فيمكن أن تكون صادقة على السواء، ولكن من وجهين: ms227 فيصدق النقيضان بالإضافة إلى ~~العالم كما هو ماثل في حدسنا، وتصدق القضيتان بالإضافة إلى العالم معتبرا كشيء ~~بالذات، فقد يكون هناك أشياء بالذات، ومن الممكن تصور عالم معقول وإن لم ندرك ~~كنهه، وفي هذه الحالة نتصور إمكان علية حرة تكون العلية الطبيعية معلولها، ~~ونتصور موجودا ضروريا تكون الموجودات الحادثة متعلقة به، فما إن نجد - وسوف ~~يجد كنط - مسوغا للإيمان بعالم معقول، حتى يصبح لدينا الإيمان بهاتين القضيتين، ~~وهكذا يبقى الباب مفتوحا أمام الأخلاق والدين، ولكن بم يجيب كنط على قائل ~~كشوبنهور إن النقائض هي الصادقة لأنها مطابقة لصور إدراكنا التي تقضي بأن لكل ~~مشروط شرطا، بينما القضايا كاذبة لأنها وليدة ضعف المخيلة التي تهن دون ~~التسلسل إلى غير نهاية فتتحمل الأسباب لتضع له حدا؟ وبم يجيب إذا قلنا له ~~أن العالم المعقول إن وجد كان خاضعا لمبدأ العلية كالعالم المحسوس فلا تكون ~~فيه حرية، كما يقول الدليل على نقيض القضية الثالثة، ولا يكون فيه موجود ضروري، ~~على ما جاء في الدليل الثالث على نقيض القضية الرابعة، لقد قال كنط إن حله ~~للمتناقضات «قد يبدو دقيقا غامضا للغاية» وإنه لكذلك حقا. ~~(8) الجدل الصوري: نقد العلم الإلهي النظري # هذا العلم يدعي التدليل على وجود موجود ضروري كعلة أولى للعالم، ويمكن رد ~~أدلته إلى ثلاثة: الأول يستنبط وجود الموجود الضروري بمجر تحليل معناه، وهذا هو ~~الدليل الوجودي (والتسمية لكنط)، والدليل الثاني يذهب من التجربة بالإجمال، أي ~~من موجود حادث أيا كان، إلى علة أولى هي موجود ضروري وهذا هو الدليل الطبيعي، ~~والدليل الثالث يذهب من تجربة معينة هي تركيب العالم ونظامه إلى علة أولى لهذا ~~التركيب، وهذا هو الدليل الطبيعي الإلهي (وترجع هذه التسمية إلى الفيلسوف ~~الإنجليزي دورهام، في كتاب عنوانه «الإلهيات الطبيعية» Physico-Theology # صدر سنة 1713 وصادف ~~إقبالا كبيرا)، ويتلخص نقد كنط لهذه الأدلة في إبطال الأول، ثم بيان أن ~~الدليلين الآخرين يعتمدان عليه وأنهما إذن باطلان مثله، فيخرج بهذه النتيجة وهي ~~أنه يستحيل إقامة دليل عقلي على وجود الله، فيصدقه كثيرون ms228 ويتناقلون انتقاداته ~~على علاتها. # الدليل الوجودي يعتمد على تعريف الله بأنه الموجود الكامل، وكنط يسلم هذا ~~التعريف لأنه يعتقد أن فكرة الله أصيلة في العقل كما سبق القول، ولكنه يقول إن ~~الدليل عقيم لأن الوجود المثبت فيه وجود متصور، وإن الوجود ليس محمولا ذاتيا ~~تختلف الماهية بوجوده لها أو عدمه، وإنما تحقق الماهية، فمعنى المثلث لا يتغير، ~~سواء وجد مثلث أو لم يوجد، والماهية هي هي بالإضافة إلى مئة ريال متصورة ومئة ~~ريال عينية، فبأي حق يضاف الوجود إلى معنى الموجود الكامل؟ وهذا النقد لا يخرج ~~عن نقد الراهب جونيلون ونقد القديس توما الأكويني للقديس أنسلم، ونحن نسلم عجز ~~هذا الدليل، فلننظر في الدليلين الآخرين. # الدليل الطبيعي يذهب من حدوث العالم أو أي شيء فيه، كوجودي أنا على الأقل، ~~وينتهي إلى موجود ضروري، فيعترض كنط بأن هذا الموجود الضروري ليس حتما الموجود ~~الكامل أو الله، بل قد يكون المادة أو العالم، وأن نتيجة الدليل تعدل عند ~~أصحابه هذه القضية: الكامل ضروري، وهذا قول الدليل الوجودي الذي هو غلط، ولكن ~~كنط واهم هنا، الدليل الوجودي غلط لأنه يمضي من المعنى إلى الوجود العيني، أما ~~الدليل الطبيعي فليس غلطا لأنه يذهب من الموجود إلى الموجود، ويقول إن الضروري ~~كامل لا إن الكامل ضروري، وإنما نصل إلى موجود ضروري لأن العلة الأولى يجب أن ~~تكون موجودة بذاتها، أي أن يكون وجودها عين ماهيتها، وإلا لم تكن هي العلة ~~الأولى، وإنما نقضي بأن الضروري كامل لنفس هذا السبب فهذه القضية ليست مقدمة ~~كما هو الحال في الدليل الوجودي، ولكنها نتيجة مبرهنة، ويكرر كنط الأقوال التي ~~أيد بها نقيض القضية في التناقض الرابع، وأهمها أن مبدأ العلية يقضي بأن لكل ~~ظاهرة علة لا بأن للعلل علة أولى، ثم يقول: إن مسألة العلية هاوية يتردى فيها ~~العقل، وإن العقل ليضطرب إذا اعتبر أن الإله الذي يقول به كعلة أولى لا يستطيع ~~أن يجيب إذا ساله نفسه: «أنا الموجود منذ الأزل من أين أنا؟»، إن الكمال المطلق ms229 ~~لا يمحو مسألة العلية ولا يحلها، نقول بل إنه يحلها ويمحوها، سأل موسى قائلا: ~~«ما اسمك؟» فكان الجواب: «أنا الموجود» ولا جواب إلا هذا، وقد بينا أن فهم ~~كنط لمبدأ العلية ينتقض هذا المبدأ، إذ أن عدم الوقوف عند حد في سلسلة العلل ~~معناه عدم الوصول إلى علة بمعنى الكلمة، أي علة غير معلولة، وترك السلسلة ~~معلقة. # الدليل الطبيعي الإلهي يستنتج وجود الله من نظام العالم بحجة أن النظام لا ~~يمكن أن يكون وليد الاتفاق أو العلية المادية، يقول كنط: هذا الدليل جميل مشهور ~~لدى الجمهور، وهو جدير بأن يذكر دائما باحترام، إذ عليه اعتمد الناس دائما ~~للاعتقاد بوجود الله، غير أن له عيوبا خطيرة، فأولا هو يشبه غائية الطبيعة، ~~إن كانت حقيقية، بغائية الفن، مع أن بينهما هذا الفارق: في الفن المادة والصورة ~~متغايرتان، فالمادة بحاجة لمن يطبعها بالصورة، إما في الطبيعة فلا بد من برهان ~~خاص على أن الطبيعة عاجزة بذاتها عن إحداث النظام، ثانيا إذا سلمنا بهذا الشبه ~~كان كل ما نصل إليه هو أن صورة العالم هي الحادثة دون مادته، بحيث يؤدي بنا ~~الدليل إلى إله مصور للعالم لا إلى إله خالق لمادته، ثالثا لما كانت تجربتنا ~~محدودة، وكان في العالم نقائص، فإن هذا الدليل يؤدي بنا إلى أن هذا الإله ~~المصور حاصل على عقل كبير من غير شك لكن لا على عقل غير متناه، لضرورة التناسب ~~بين العلة والمعلول، وأصحاب الدليل يدعون مع ذلك أنهم يصلون إلى الله الموجود ~~الكامل، فهم هنا أيضا ينتقلون دون أن يشعروا من العلة الضرورية لنظام العالم، ~~على افتراضها خالقة هذا العالم، إلى الموجود الكامل، وهذا ما يفعله الدليل ~~الطبيعي الذي يستند إلى الدليل الوجودي الذي هو غلط، وكنط واهم هنا أيضا: ~~فأولا إن البرهان على أن الطبيعة عاجزة بذاتها عن إحداث النظام برهان ميسور ~~متى لاحظنا أن النظام تأليف الكثير لتحقيق غاية، وأن الغاية معقولة قبل ~~تحقيقها، وأن المادة غير عاقلة، ثانيا نسلم بأن الدليل لا يذهب بذاته إلى ms230 ~~الإله الخالق، وأن كل ما ينتجه أن لنظام العالم علة عاقلة، وإنما تعددت الأدلة ~~على وجود الله لتعدد وجهات الإمكان في الطبيعة، كل وجهة تؤدي إلى مبدأ أولي من ~~جنسها، وتؤدي الوجهات جميعا إلى المعنى التام لله، على أن الدليل يؤدي إلى إله ~~خالق إذا لاحظنا أن النظام في الطبيعة ليس نتيجة تركيب أجزاء مادية متجانسة كما ~~يريد المذهب الآلي، ولكنه صادر عن ماهيات أشياء موجودات واحدة بوحدة حقيقية، ~~بحيث إن إيجادها على صورة معينة هو في الواقع ايجاد المادة والصورة معا، ~~ثالثا إن الدليل يؤدي بنا إلى أن منظم العالم موجود غير متناه إذا فهمنا ~~النظام على النحو المتقدم ووجدناه يعدل الخلق، إذا أن الخلق أو منح الوجود لا ~~يكون إلا عن الموجود بالذات، أما إذا وقفنا عند موجود متناه عادت المسألة ~~فقلنا إن هذا الموجود معلول يقتضي علة، ويمتنع التسلسل، فتنتهي إلى علة أولي هي ~~بالضرورة موجود كامل لا متناه، وليس بصحيح أن هذا الدليل يعتمد على الدليل ~~الوجودي، فقد بينا أن الانتقال من الضروري إلى الكامل غير الانتقال من ~~الكامل إلى الضروري؛ وبذا تتبدد اعتراضات كنط. # خلاصة «الجدل الصوري» أن لا سبيل إلى إقامة ميتافيزيقا نظرية، وهذا ما كان ~~كنط قد بلغ إليه شيئا فشيئا وأعلنه في رسائل متتالية، بحيث يبدو هذا القسم من ~~«نقد العقل النظري» عرضا جديدا لتلك الرسائل، أجل إن «الحساسية والتحليل» ~~يؤلفان صلب المذهب ويظهران التغاير بين الظواهر والجوهر وامتناع تجاوزنا نطاق ~~التجربة، ولكن الجدل كان لازما لتفسير وهم الميتافيزيقا واستحالة العلم الذي ~~لا يستند إلى الحس، وفي الوقت نفسه للكشف عن «حاجات» جوهرية في الفكر الإنساني ~~لا يكشف عنها تحليل التجربة، فليس يرمي «الجدل الصوري» إلى أن موضوعات ~~الميتافيزيقا غير موجودة، بل إلى أن ليس باستطاعة عقلنا إدراك وجودها وماهيتها، ~~فإن قيل: وعلى أي شيء تقام الأخلاق؟ كان جواب كنط أنها تقوم بذاتها، وهذا عنده ~~آمن لها، إذ أن النطق الذي يدعي التدليل على النفس والحرية والله، يدعي أيضا ~~التدليل على المادية ms231 والجبرية والإلحاد فيصبح تعليق الأخلاق عليه خطرا كبيرا ~~عليها، وإذن فإنكار الميتافيزيقا بالمرة أصلح للأخلاق، ولا سيما أن الجدل يبين ~~أن فكرات الله والنفس والحرية ضرورية في العقل، وأن الأدلة عليها لازمة من ~~قوانين العقل، فالباب مفتوح للإيمان بها إن وجدت واسطة لذلك، عند كنط الواسطة ~~موجودة، وهي الأخلاق كما سنرى، فالجدل الصوري يمهد للانتقال من نقد العقل ~~النظري إلى نقد العقل العلمي. # لفظ # Transcendental # من وضع ~~المدرسيين يدلون به على بعض معان تسمو أو تعلو على مقولات أرسطو ~~وتلائم جميع الموجودات، وهي الوجود ولواحقه الواحد والحق والخير والقوة ~~والفعل وغيرها، ولكن كنط صرفه إلى المعنى المذكور فوق فجعله صفة للصور ~~أو المعاني والمبادئ التي يعتبرها خاصة بالفكر وحده والتي يدعوها باطنة ~~أو ذاتية متى طبقت في حدود التجربة؛ لذا أدينا هذا المعنى بقولنا ~~صوري، أما لفظ # Trascendant # فقد استعمله ~~المدرسيون وكثيرون غيرهم إلى أيامنا للدلالة على سمو الله على ~~المخلوقات ومفارقته لها، واستعمله كنط بمعنى المفارقة والسمو من حيث ~~الوجود ومن حيث المعرفة أيضا أي حين تطلق الصور الفكرية إلي ما بعد ~~التجربة؛ لذا أدينا هذا المعنى بقولنا مفارق ومفارقة، انظر أيضا: # A. Lalande, Vocabulaire de la ~~philosophie ~~. # انظر في كتابنا «تاريخ الفلسفة اليونانية» ما يقوله أرسطو في حقيقة ~~المكان والزمان، وفي طريقة إدراكنا لهما، وفي التجريد، وفي اللا ~~متناهي. # اقتبل كنط المذهب الحسي إلى حد من السذاجة بعيد، فإنه يقول إن علم ~~الطبيعة يمكن أن يكون علما بمعنى الكلمة لأن الثبات الضروري للعلم ~~ممكن من المكان، علي حين أن علم النفس لا يمكن أن يصير علما لعدم توفر ~~الثبات في الزمان، إنه لم ير أن ثبات العلم أت من ثبات الماهيات ~~التي ينظر مهما يكن حظها من الزمان والمكان. # الفصل الثاني عشر # نقد العقل العملي ~~(1) المادة والصورة في الأخلاق # إذا أردنا أن نقيم فلسفة الأخلاق وجب أن نلتمس مبادئها في العقل الخالص من ~~كل مادة، ليست هذه الفلسفة خليطا من تلك الأخلاط التي تضم الظواهر التجريبية ~~والمعاني العقلية، ms232 والتي يزعم أصحابها أنهم يوفقون بها بين مقتضيات النظر ~~والتجربة، إن المذاهب التي تدعي تفسير الخليقة بطبيعة الإنسان كما هي معلومة ~~بالتجربة والتاريخ، تشترك في عيب جوهري هو عجزها عن إقامة قوانين كلية للإرادة، ~~فإن مثل هذه القوانين لا يطالع إلا في العقل الصرف، ويمكن ترتيب هذه المذاهب في ~~طائفتين: واحدة تعتمد على مبادئ حسية، وأخرى تعتمد على مبادئ عقلية، وترجع ~~مذاهب الطائفة الأولى إلى فكرة السعادة، فتقيم السعادة إما على الحساسية ~~الطبيعية، كما فعل أرستيب وأبيقور وهوبس وأضرابهم، أو على العاطفة الأخلاقية، ~~كما فعل شفستبري وأشياعه، وترجع مذاهب الطائفة الثانية إلى فكرة الكمال، فتصور ~~الكمال إما حالة نفسية حادثة بالإرادة، كما نرى عند ليبنتز، أو الله نفسه ~~المشرع الأعظم، كما يقول اللاهوتيون. # من بين هذه المذاهب الأربعة، المذهب الذي يجب استبعاده أولا هو مذهب ~~السعادة الشخصية؛ إذ أن الحساسية جزئية متغيرة، فلا يمكن أن نستخرج منها ~~قانونا كليا ضروريا كالذي تفتقر إليه فلسفة الأخلاق، ثم إن هذا المذهب يرد ~~الخير إلى اللذة والمنفعة، فيمحو كل تمييز نوعي بين بواعث الفضيلة وبواعث ~~الرذيلة، أما مذهب العاطفة الأخلاقية، فهو أرفع من غير شك لأنه يعترف بالفضيلة ~~أولا وبالذات، ولكنه من نوع المذهب السابق، إذ أنه يعرض على الإرادة منفعة ~~حسية هي الرضا النفسي، وإنما لجأ أنصاره إلى العاطفة ليأسهم من العقل، ولم ~~يقدروا أن العاطفة متغيرة نسبية لا تصلح مقياسا للخير والشر. # وإذا انتقلنا إلى مذهب الكمال في صورته الأولى أو الميتافيزيقية، وجدناه ~~أفضل؛ لأنه لا يدع حق التقرير في الأخلاق للحساسية، بل يسلمه للعقل، ولكن فكرة ~~الكمال غير معينة من جهة الغاية التي ترمي إليها، وليس لدينا معيار لتعيين الحد ~~الأقصى الذي يلائمنا في واقع الأمر، وهي غير معينة في ذاتها، فإن الكمال الذي ~~يكتسبه الإنسان هو كفاية ما لتحقيق غاية، وليست هذه الغاية غاية أخلاقية ~~دائما، فلا بد من علامة غريبة عن الكمال للحكم عليه حكما أخلاقيا، فنخرج من ~~المذهب وينكشف نقصه، وإذا اعتبرنا هذا المذهب في صورته الثانية ms233 أو اللاهوتية، ~~رأينا من الجهة الواحدة أنه لما لم يكن لنا حدس بالكمال الإلهي فإننا لا نستطيع ~~تعيين الكمال إلا بمعانينا نحن فنقع في دور، أو نعود إلى الصورة السابقة، ~~ورأينا من جهة أخرى أن الإرادة الإلهية إن لم تعرف أولا بصفات أخلاقية أمكن ~~تصورها مصدر أوامر ونواه عديمة الصلة بالخلقية أو معارضة لها، وإذا تصورناها ~~مطابقة للخلقية فقد قدمنا الخلقية عليها ولم تعد هناك حاجة لتبرير الخلقية ~~نفسها والبحث لها عن دعامة غريبة عنها، فمن العبث ومن الخطأ محاولة إخضاع ~~القانون الأخلاقي لموضوع ما أو لسلطان موجود أعلى. # ما هو إذن المبدأ الأخلاقي؟ شيء واحد يعتبره الناس خيرا بغير تحفظ، هو ~~الإرادة الصالحة، أما مواهب الطبيعة، كالذكاء وسرعة الحكم وأصالته والشجاعة ~~والحزم، وأما مواهب الحظ، كالمال والجاه والسلطة، وأما لذات الحياة على ~~اختلافها، فلا يراها الضمير العام خيرات بالذات، والسبب في ذلك أنها لا تعين ~~بأنفسها طريقة استعمالها، ولكنها مجرد وسائل تستخدمها الإرادة كما تشاء، فتكون ~~أحيانا كثيرة مصدر إغراء سيئ وتسخر لأغراض مذمومة، أليست رباطة جأش المجرم ~~تثقل جرمه وتزيد في مقت الناس له؟ أما الإرادة الصالحة فهي على العكس الشرط ~~الضروري والكافي للخلقية، إذ أنها خيرة بذاتها لا بعواقبها، وتظل خيرة حين لا ~~تستطيع تنفيذ مقاصدها، ما دامت قد عملت وسعها في هذا السبيل. # وما هي الإرادة الصالحة؟ لأجل تحليلها كما تبدو في الضمير العام، يجب ~~إرجاعها إلى معنى «الواجب» وهو معنى يمثل لنا الإرادة الصالحة مفروضة علينا، إذ ~~أن طبيعتنا ناقصة، وبسبب هذا النقص لا تكون كل إرادة صالحة بالضرورة، ولا تكون ~~الإرادة الصالحة صالحة دفعة واحدة، الإرادة الصالحة إذن هي إرادة العمل بمقتضى ~~الواجب أي للواجب دون أي اعتبار آخر، بأي علامة تميز العمل الذي من هذا القبيل؟ ~~إن التمييز سهل بين الأفعال الصادرة عن الواجب والأفعال المطابقة للواجب مطابقة ~~خارجية فقط ويفعلها الفاعل ابتغاء منفعة أو اندفاعا مع رغبة، هذه الطائفة ~~الثانية من الأفعال لا تمت إلى الفضيلة بسبب إذ ليس للمنفعة ولا للرغبة ms234 صفة ~~خلقية، لكن التمييز يصبح عسيرا حين تكون الأفعال صادرة عن الواجب وعن الرغبة ~~معا، فيجد المرء نفسه ميالا إلى ما يفرضه الواجب، مثل أن يقال إن واجبي صيانة ~~حياتي وتوفير السعادة لنفسي، وأنا أحرص طبعا على الحياة وأسعي طبعا لأكون ~~سعيدا، الحق أن الإرادة الصالحة لا تبدو بوضوح إلا متى كانت في صراع مع ~~النزعات الطبيعية فاستمسكت بالواجب، وإنما يقصد الإنجيل إلى هذا المعنى حين ~~يأمرنا بمحبة أعدائنا، فإن المحبة الحسية لا يؤمر بها، أما المحبة المعقولة ~~الصادرة عن الإرادة فهي موضوع أمر، ويجب أن تتحقق بمعزل عن المحبة الحسية، بل ~~بالرغم من الكراهية الحسية. # إذا كان الواجب معنى عقليا صرفا فكيف يمكن أن يكون دافعا نفسيا إلى ~~العمل؟ يمكن ذلك بواسطة بين العقل والحس، فهناك عاطفة ليست كسائر العواطف ~~منبعثة عن مؤثرات حسية ، ولكنها متصلة اتصالا مباشرا بتصور الواجب، أي إنها ~~صادرة عنه وأنه هو موضوعها: تلك هي عاطفة الاحترام، وعلى ذلك يكون الواجب ~~«ضرورة العمل احتراما للواجب»، فالاحترام من حيث طبيعته ومصدره ومهمته عاطفة ~~أصيلة بالمرء، بينما سائر العواطف ترجع إلى الميل أو إلى الخوف، غير أن بينه ~~وبين الخوف والميل بعض المماثلة؛ فالمماثلة بينه وبين الخوف تقوم في نسبته إلى ~~قانون مفروض على حساسيتنا من حيث إنه الشعور بخضوعنا لسلطة القانون الخلقي، ~~وتقوم المماثلة بينه وبين الميل في نسبته إلى قانون صادر عن الإرادة نفسها من ~~حيث إنه الشعور بمشاركتنا فيما للقانون من قيمة لا متناهية فإذا كان من الوجهة ~~الأولى يحط من قدرنا، فإنه من الوجهة الثانية يشعرنا بكرامتنا، ولا يتجه ~~الاحترام لغير القانون، إنه لا يتجه مطلقا إلى الأشياء، وإن بدا أحيانا ~~متجها إلى الأشخاص فكونهم يبدون بفضيلتهم أمثلة للقانون، وهكذا يكون الاحترام ~~منبعثا عن العقل وحده، عن قوة أخرى، ولا لغرض آخر غير القانون. ~~(2) الواجب أو الأمر المطلق # إن التحليل السابق لا يكفي لإقامة فلسفة الأخلاق، يجب تكميله وتأييده بمنهج ~~آخر هو منهج الاستنباط الفرضي المستخدم في العلوم لاستكشاف القوانين، وهو يقوم ~~في ms235 افتراض مبدأ واستخراج نتائجه ومضاهاه هذه النتائج بالواقع، وبذا نقف على ~~خصائص القانون الخلقي ومضمونه ومبدئه العقلي، فأما أن هناك قانونا، فهذا ما ~~يحتمه المبدأ القائل إن كل شيء في الطبيعة يفعل بموجب قانون، وأما أن هناك ~~قانونا عمليا إراديا، فهذا لازم مما للموجودات العاقلة، ولهم وحدهم، من ~~عقل عملي أو إرادة أو قوة الفعل بناء على تصور قانون، ويختلف موقف الإرادة من ~~القانون؛ فقد نفترض موجودا تتطابق الإرادة فيه مع العقل دائما فلا تشتهي إلا ~~ما يعتبره العقل الخالص خيرا، وتلك حال إرادة فيه مع العقل دائما فلا تشتهي ~~إلا ما يعتبره العقل الخالص خيرا، وتلك حال إرادة قديسة كالإرادة الإلهية، ~~وليست هذه حال الإرادة الإنسانية، إذ أنها خاضعة لدوافع حسية معارضة للقانون، ~~فبالإضافة إليها تنقلب ضرورة القانون إكراها ويسمى تصورا أمرا، فإن الأمر ~~يترجم عن علاقة بين قانون وإرادة ناقصة، وهذا الأمر مطلق لأنه يقرر أن الفعل ~~ضروري في ذاته دون أية علاقة بشرط أو غاية، فيقيد الإرادة مباشرة ولا يعترف ~~بإمكان مخالفته، بعكس الأمر الشرطي الذي يرتب ما يأمر به لغاية معتبرة شرطا، ~~فلا يفترض سوى أن من يريد الغاية يريد الوسيلة إليها، ولا يقيد الإرادة لأن ~~الغاية التي هي شرطه متروكة للاختيار. # كيف نعرف الأمر المطلق؟ إن خاصية القانون هي الكلية، فالأمر المطلق لا يعرف ~~إلا بكلية القانون الواجب على حكم الإرادة أن يطابقه، فنقول في تعريفه: «اعمل ~~فقط حسب الحكم الذي تستطيع أن تريد في الوقت نفسه أن يصير قانونا كليا»، هذا ~~التعريف صوري بحت، لا يشتمل على غايات أو دواع مستمدة من التجربة، وأمثال هذه ~~الغايات والدواعي ذاتية حتما وليست كلية، غير أن هذا التعريف عام بعيد عن ~~التطبيق العملي، فيتعين علينا أن نتدرج منه إلى ما هو أخص، فإذا لاحظنا أن تصور ~~قانون كلي يصاحبه طبيعة، من حيث إن المعنى الصوري للفظ طبيعة يدل على أشياء ~~خاضعة لقوانين، استطعنا أن نصوغ الأمر المطلق في صيغة جديدة هي: «اعمل كما لو ~~كنت تريد أن ms236 تقيم الحكم الصادر عن فعلك قانونا كليا للطبيعة»، وما علينا إلا ~~أن نراجع هذه الصيغة ببعض الأمثلة لنرى كيف تطبق، مثال أول: هل يجوز للذي يضيق ~~بالحياة أن ينتحر؟ إن مثل هذا الإنسان يصدر عن حب الذات ويرتب عليه هذا الحكم، ~~وهو أنه يستطيع اختصار حياته إذا خشي أن تربى آلامها على لذاتها، ولكن الطبيعة ~~التي يكون قانونها القضاء على الحياة بموجب النزعة التي وظيفتها الدفع إلى ~~تنمية الحياة واستطالتها، تكون طبيعة مناقضة لنفسها ولا يقوم لها كيان كطبيعة، ~~فلا يمكن أن يصير مثل هذا التطبيق لحب الذات قانونا كليا للطبيعة، مثال ثان: ~~هل يجوز اقتراض المال والوعد برده مع العلم بعدم القدرة على رده؟ كلا، إذ أن ~~المفروض في الموعد هذا الصدق، فكيف يمكن أن يصير الوعد الكاذب قانونا كليا؟ ~~هذا أيضا تناقض، ونتيجته المحتومة ألا يصدق أحد مثل هذا الوعد، فيصبح الوعد ~~نفسه مستحيلا، ويستحيل نوال القرض المرجو منه، مثال ثالث: هل يجوز إيثار لذات ~~الحياة على تثقيف النفس وتنمية الشخصية؟ إن هذا الحكم يمكن أن يصير قانونا ~~كليا من وجه، لأنه لا يلاشي الطبيعة، فلا ينطوي على تناقض، ومع ذلك لا يمكن ~~في واقع الأمر أن يصير قانونا كليا، لأن الإنسان بصفته موجودا عاقلا يريد ~~بالضرورة أن تبلغ قواه تمام النماء، من حيث إنها حينئذ تسعفه في تحقيق غايات ~~مختلفة، وإنها وهبت له لهذا الغرض، مثال رابع وأخير: هل يجوز للغني أن يقول: ~~ماذا يعنيني من أمر الغير؟ إن هذا الحكم أيضا يمكن أن يتصور قانونا كليا من ~~وجه؛ لأن النوع الإنساني يمكن أن يبقى معه، ولكن الإرادة التي تأخذ به تناقض ~~نفسها، لأنها بموجبه تقطع كل أمل وتفقد كل حق في الحصول على العون عند الحاجة؛ ~~ففي المثالين الأولين الحكم مناقض لنفسه، فلا يمكن إطلاقا تصوره على نحو كلي، ~~وفي المثالين الأخيرين الإرادة هي التي تناقض نفسها في ماهيتها، فلا يمكن بهذا ~~الاعتبار تصور حكمها على نحو كلي، وقس على ذلك سائر الأحكام. # هذا من جهة ms237 أن الإرادة قوة العمل بناء على تصور قانون، ولكنها أيضا قوة ~~العمل لغاية، ومن الغايات ما هو متروك للاختيار فلا يدخل إلا في أوامر شرطية، ~~أما الامر المطلق فيجب أن يكون له غاية من نوع آخر، غاية بالذات يضعها العقل ~~وحده فتفرض على كل موجود عاقل، هذه الغاية لا نجدها إلا في الموجود العاقل ~~نفسه، فإنه في الواقع نفس العقل، فيجب عليه ألا يدع نفسه يرجع إلى شيء خارجي، ~~أسوة بالعقل الذي لا يرجع إلى شيء خارجي (في مذهب كنط)، ولما كانت الصورة التي ~~تبدو لنا فيها الطبيعة العاقلة هي الإنسانية، كانت الإنسانية غاية بالذات ~~و«مادة» الإرادة الصالحة، فتخرج لنا صيغة جديدة للأمر المطلق، هي: «اعمل بحيث ~~تعامل الإنسانية في شخصك وفي أي شخص آخر كغاية لا كوسيلة»، وإذا طبقنا هذه ~~الصيغة الجديدة على الأمثلة المذكورة آنفا، تبين لنا أن الذي ينتحر يتصرف ~~بالإنسانية في شصخه كما لو كانت وسيلة ليس غير لحياة هنيئة أو محتملة، وأن الذي ~~يبذل وعدا كاذبا يتصرف بالغير كما لو لم يكن الغير غاية بالذات بل كان مجرد ~~أداة لرغباته، وأن الذي يهمل تثقيف نفسه فلا يساهم في كمال الإنسانية يعتقد أنه ~~يستطيع استخدام الإنسانية في شخصه طبقا لذوقه الخاص، وأن الذي يمسك معونته عن ~~الغير، وإن كان لا يمنع الإنسانية من أن تكون غاية بالذات، فإنه لا يريدها كذلك ~~ولا يعمل على ذلك. # وبالجمع بين الصيغتين المتقدمتين نحصل على صيغة ثالثة هي: «اعمل كما لو كنت ~~مشرع القانون»؛ ذلك بأنه إذا كان واجب الموجود العاقل أن يعمل بمقتضى القانون، ~~وأن يعامل نفسه كغاية بالذات، فواضح أنه لا يمكن الاقتصار على اعتباره خاضعا ~~للقانون، وإلا كان مجرد أداة ووسيلة بالإضافة إلى قانون يفرض عليه من خارج أو ~~من عل، وإنما يجب أن يكون أيضا صانع القانون، وهكذا نصل إلى فكرة إرادة مشرعة ~~كلية، وهي فكرة أساسية مستخرجة من مجرد تحليل الأمر المطلق، وكافية لتوفير ~~منفعة (عقلية) للإرادة تحملها على الطاعة له، إذ كان من الحق ms238 أن ليس يمكن إرادة ~~شيء دون تصور منفعة ما، فيكون موقفنا أننا باعتبارنا موجودات عاقلة مشرعو ~~القانون الذي نحن خاضعون له باعتبارنا موجودات عاقلة وحاسة معا، فالمبدأ ~~الأساسي والمبدأ الأعلى للخليقة هو «استقلال الإرادة» لأنه مبدأ كرامة الطبيعة ~~الإنسانية وكل طبيعة عاقلة، ومتى كان القانون صادرا عن العقل كان واحدا عند ~~جميع الموجودات العاقلة، وكانت هذه الموجودات بمثابة عالم معقول أو مملكة ~~الغايات، أي اتحاد منظم خاضع لقوانين مشتركة رئيسة الموجود العاقل البريء من ~~الحساسية الكامل الإرادة، يقرر القوانين ولا ينفعل بقوتها إلا كراهية، وهكذا ~~تعينت الصيغة الأصلية للأمر المطلق بثلاث صيغ أخرى تتفق معنى ولا تتمايز إلا ~~بأن الأولى خاصة بصورة الأحكام الأخلاقية (وهي القانون الكلي للطبيعة) والثانية ~~خاصة بالمادة (وهي الموجودات العاقلة الغايات بالذات) والثالثة تعينها تمام ~~التعيين (وهي الاستقلال بالتشريع في مملكة الغايات)، وهذه الصيغ الثلاث تتدرج ~~بالأمر المطلق حتى تقربه إلى نفوسنا. ~~(3) من الواجب إلى المتيافيزيقا والدين # قلنا إن الواجب أمر مطلق صادر عن إرادة خالصة إلى إرادة منفعلة بميول حسية: ~~فكيف يمكن أن تتطابق هذه مع تلك؟ لا بد من واسطة تصل بينهما، هذه الواسطة هي ~~الحرية، نعم ليس الواجب ممكنا إلا بالحرية، ووجوده يدل على وجودها، وهما ~~معنيان متضايفان، فإنه إذا كان على الإنسان واجب، كانت له القدرة على أدائه، ~~وكان فيه - إلى جانب العلية الظاهرية - علية معقولة مفارقة للزمان تضع القانون ~~وتفرضه على نفسها، فالحرية خاصية الموجودات العاقلة بالإجمال، فإن هذه ~~الموجودات لا تعمل إلا مع فكرة الحرية، وهي إذن من الوجهة الخلقية، حرة حقا، ~~وبعبارة أخرى إن للقوانين الواجبة نفس القيمة بالإضافة إلى موجود حر وبالإضافة ~~إلى موجود لا يستطيع أن يعمل إلا مع تصور حريته، وذلك هو المعنى الذي يحق لنا ~~به إضافة إرادة حرة لكل موجود عاقل، فالحرية والقانون يؤكدان العالم المعقول، ~~والإنسان عضو فيه من حيث خضوعه لقوانين عقلية بحتة، وهذا ظاهر في نفس كل إنسان، ~~حتى المجرم، فإنه يقر بسمو الفضيلة التي يخالفها، فهو بإقراره هذا يلاحظ العالم ms239 ~~المعقول، فالقانون علة علمنا بالحرية، والحرية علة وجود القانون، القانون يبرهن ~~على الحرية، والحرية تفسر القانون، وفكرة العالم المعقول واسطة التركيب بين ~~الإرادة المنفعلة بالميول وبين الإرادة المشرعة الكلية، على أن هذا العالم ~~المعقول ليس موضوع علم أصلا، ولكنه «وجهة نظر» يجد العقل نفسه مضطرا ~~للارتفاع إليها لكي يتصور نفسه موجودا خلقيا، فليس للعقل أن يحاول تفسير ~~إمكان الحرية، فإن مثل هذه المحاولة معارضة لطبيعة العقل من حيث إن علمنا محصور ~~في نطاق العالم المحسوس وإن الشعور الباطن لا يدرك سوى ظواهر معينة بسوابقها، ~~وهذه المحاولة معارضة لطبيعة الحرية نفسها من حيث إن تفسيرها يعني ردها إلى ~~شروط وهي علية غير مشروطة، فيكفي أن يستطيع العقل استبعاد المذاهب التي تعتبر ~~الإنسان شيئا من أشياء الطبيعة فحسب، وأن يفهم وجوب استعصاء هذه المسألة عليه ~~لما يعلم من قصوره. # بعد مسألة: ماذا يجب أن أعمل؟ تأتي مسألة: ما مصيري؟ ولكي نحل هذه المسألة ~~ما علينا إلا أن نمضي مع العقل إلى هدفه الأسمى، وهو المطلق، لكن لا العقل ~~النظري الذي موضوعه العلم، ولا العقل العملي الذي موضوعه الخير الخلقي، بل ~~العقل بالذات الذي يظهر في العقلين ويجمع بينهما، ما حكمه في معنى الخير وهي ~~المعنى الذي يتعين علينا أن نتصوره هنا على وجه الإطلاق؟ إذا اتخذنا هذا الموقف ~~وجدنا أن معنى الخير مشترك بين الخير الخلقي والخير الطبيعي المحسوس، وإذن فليس ~~الخير الخلقي هو الخير الأوحد أو الكامل والتام، وإن كان هو الخير الأعلى، بل ~~هناك أيضا الخير الذي هو موضوع ميولنا الحسية، فالخير المطلق مركب من هذين ~~الخيرين، وهذا التركيب نتصوره في معنى الخير الأعظم، وهذا المعنى هو المبدأ ~~الموحد بين ميول الطبيعة والإرادة الخالصة، هو الفضيلة من جهة، والسعادة بنسبة ~~الفضيلة من جهة أخرى، الفضيلة هي الشرط من حيث إنها خير بذاتها، بينما السعادة ~~متوقفة عليها فهي خير من وجه فقط، ولا يبرها إلا السيرة الفاضلة، وبكلمة واحدة ~~الفضيلة تجعلنا أهلا لأن نكون سعداء. # ما شروط تحقيق الخير الأعظم الذي ms240 يقضي به العقل؟ أو كيف نتصور اجتماع ~~الفضيلة والسعادة؟ هذه صعوبة رأى الرواقيون والأبيقوريون أن يحلوها بوضع نسبة ~~تحليلية بين الحدين، بحيث تكون الفضيلة شرطا للسعادة، أو تكون السعادة شرطا ~~للفضيلة، ولكن هذا محال، قال الرواقيون إن الفضيلة تتضمن السعادة، وإن الإنسان ~~الفاضل سعيد بالفضيلة تمام السعادة، والتجربة تدحض هذه القضية، وما ذلك إلا لأن ~~الحدين متغايران تمام التغاير، السعادة معنى حسي والفضيلة معنى عقلي، وهما ~~يرجعان إلى قانونين متغايرين تمام التغاير: ترجع الفضيلة إلى القانون الخلقي أي ~~إلى الكلي بالذات، وتتوقف السعادة على القوانين الجزئية للطبيعة، وليست تعني ~~الطبيعة بالخلقية، وليست تراعي الصلاح والطلاح فيما تقضي به من لذات أو آلام ~~لبني الإنسان، وقال الأبيقوريون إن السعادة المعينة بالعقل تتضمن الفضيلة، فما ~~الفضيلة إلا الاسم الكلي الذي تندرج تحته الوسائل إلى السعادة، والعقل ينكر هذه ~~القضية، إذ لا فضل ولا فضيلة في طلب السعادة، بل إن طلبها يفسد الفعل الخلقي. # الحق أن النسبة بين الحدين تركيبية، إذا كان هناك عالم أعلى مطابق بذاته ~~لشروط الخلقية، وأمكن التسليم بتأثير هذا العالم الأعلى في عالمنا المادي، ~~فحينئذ يمكن قبول القضية الرواقية، ويمكن تصور الفضيلة علة السعادة بصفة غير ~~مباشرة بفضل ذلك التأثير، بحيث العالم المعقول هنا أيضا واسطة التركيب بين ~~الحدين، فلكي يمكن أن يتحقق الخير الأعظم، يجب أولا أن تكون الفضيلة الكاملة ~~أو القداسة ممكنة، ولكن الإنسان المركب من طبيعتين متباينتين قاصر كل القصور عن ~~البلوغ إلى القداسة، فإن معنى القداسة بالإضافة إليه قهر الحساسية قهرا ~~تاما، من حيث إنها أنانية في صميمها معارضة للخلقية بذاتها، على أن الإنسان - ~~إذا لم يكن في طاقته أن يصير قديسا بالإطلاق - فهو يستطيع أن يترقى إلى غير ~~نهاية نحو القداسة بإضعاف ميول الحسية إضعافا مطردا، ولكي يكون هذا الترقي ~~اللا متناهي ممكنا، يجب أن تدوم شخصيتنا، وذلك هو خلود النفس، أي إمكان تحقيق ~~شخصيتنا في سلسلة غير متناهية من الحيوانات المحسوسة تقربها من القداسة إلى غير ~~حد. # ويجب ثانيا لكي يتحقق الخير الأعظم ms241 أن يؤثر في الطبيعة فاعل تتحد فيه ~~القداسة والسعادة اتحادا تاما، هذا الفاعل هو الذي يدعى الله، ويكفي أن نعلم ~~بالضبط النسبة بين الإنسان من جهة والطبيعة والخلقية من جهة أخرى حتى ندرك ~~ضرورة الله؛ ذلك بأن السعادة حالة الشخص الذي تجري كل الأمور على ما يشتهي، فهي ~~تتضمن توافقا بين الطبيعة والغايات التي يسعى إليها الشخص، فإذا كان لا بد من ~~وجود سعادة بالفضيلة وعلى قدرها، فلا يمكن أن تحقق هذه السعادة إلا بوجود عله ~~للطبيعة مفارقة لها حاصلة على مبدأ هذا الجمع أو التركيب بين الحدين والمناسبة ~~بينهما، هذه العلة هي الخير الأعظم الأصلي الذي يجعل الخير الأعظم الإضافي ~~ممكنا، أي الذي يحقق عالما يكون خير العوالم، «إن الحالة إلى السعادة، ~~واستحقاق السعادة بالفضيلة، وعدم المشاركة فيها مع ذلك، هذاما لا يتفق أصلا مع ~~الإرادة الكاملة للموجود (الأعلى) العاقل الحاصل على القدرة الكلية، حالما ~~نحاول فقط أن نتصور مثل هذا الموجود». # فالحرية والخلود والله أمور يؤدي إليها العقل العملي وإن عجز العقل النظري ~~عن البرهنة عليها، هي «مسلمات العقل العملي» وهي عقائد، لا عقائد شخصية ذاتية، ~~بل موضوعية كلية لأن العقل نفسه هو الذي يفرضها، فهي عقائد مشروعة، وإن التسليم ~~بها إقرار بتقديم العقل العملي على العقل النظري، غير أن هذا التقدم لا يعني ~~العلم بوساطة العقل العملي بما لا يستطيع العقل النظري العلم به، بل يعني فقط ~~أننا نثبت باسم العمل ما يقتضيه العمل، فنؤمن به إيمانا خلقيا أو عمليا ~~قائما على «حاجة للعقل العملي» هي من ثمة حاجة كلية، ولا بأس في ذلك، بل على ~~العكس إن هذا الإيمان موافق لنا كل الموافقة؛ فلو كان لنا بالله وبالخلود علم ~~نظري كامل، لكان يكون من المستحيل استحالة ادبية ألا يضغط هذا العلم على ~~إرادتنا ويجبرها، ولكانت خليقتنا آلية فكنا أشبه بالدمى يحركها الخوف أو ~~الشهوة، في حين أن الإيمان يدع مجالا لحرية الإرادة وللفضل في الفضيلة. # ونتيجة هذه النظرية أن يحق لنا أن نتصور واجباتنا أوامر صادرة ms242 ليس فقط عن ~~العقل بل أيضا عن الله، فننتهي إلى الدين، لا الدين الموضوع قبل الأخلاق ~~والمعين لها، بل على العكس الدين القائم على الأخلاق القائمة على العقل. نعم إن ~~الأخلاق تنتهي إلى الدين ولا تقوم عليه، هي تنتهي إلى الدين لأن الإنسان، وهو ~~حاس عاقل معا، لا يستطيع بقوته الذاتية البقاء إلى غير حد على الإرادة ~~الصالحة ومقاومة مطالب الحساسية، وأن يحدث بأداء الواجب ما تقتضيه هذه الحساسية ~~بحق من سعادة، والاخلاق لا تقوم على الدين؛ لأن في طاعة القانون الخلقي أصل ~~الحاجة التي يرضيها الدين، ولهذا العكس أثر بالغ، فإن سلمنا به لم يبق الدين ~~عقيدة نظرية، ومثل هذه العقيدة تفترض معارف ممتنعة علينا، ولم يبق الدين ~~عبادات نرمي بممارستها إلى إحداث القداسة فينا، والعبادات أشياء حسية، ولئن كنا ~~سلمنا بتأثير من العالم المعقول على العالم المحسوس، فلا يسعنا التسليم بتأثير ~~من المحسوسات على المعقولات؛ وإذن فالدين قائم كله على الفعل الخلقي الباطن. # 1 ~~(4) تعقيب # هذا مذهب سام بلا ريب، وقد طالما أثار الإعجاب، وإن القارئ لكنط في الأخلاق ~~ليحمد له سمو روحه وشدة غيرته على الفضيلة، وهو القائل: «شيئان يملآنني ~~إعجابا: السماء ذات النجوم فوق رأسي، والقانون الخلقي في نفسي» ولكن المقصد ~~شيء وتبريره شيء آخر، وقد أخفقت محاولة كنط فيما نرى لإقامة الأخلاق على أسس ~~وطيدة، ولا بد من بيان ذلك ههنا بكلمات موجزات ليتم إلمامنا بحقيقة المذهب ... فنقول: # أولا: # إنه لا يمكن أن يكون الواجب صورة بحتة. أجل، إن مطابقة الفعل ~~للواجب قد تكون خارجية فقط ويكون القصد اللذة أو المنفعة، وإن ~~هذا يبين الفرق بين الصورة والمادة في الأخلاق، وبين الفضيلة ~~والرذيلة، ولكن هذا يبين أيضا أن الواجب هو عمل موضوع ما لذات ~~الموضوع، أي لحكم العقل بأنه هو الملائم اللائق، فمنشأ صلاح ~~الإرادة هو توجيهها إلى الخير الحق، بحيث تكون الصيغة الحقة ~~للواجب: «افعل الخير واجتنب الشر»، وماذا يفيد المرء من مجرد ~~القصد الحسن؟ إن الغرض من العمل تكميل النفس، والنفس جملة قوى ms243 ~~تتطلب التحقق بالفعل الملائم، فهل تتكمل بالباطل وإن اعتقدته ~~حقا؟ أو هل تتكمل بإرضاء شهوات الجسم بحجة أن التوجه إلى ~~الله هو المقصود وأن الجسم عديم القيمة، كما يزعم بعض ~~المتصوفين أو بالأحرى المتصاوفين؟ وليست الرغبة في الموضوع ~~الملائم مخالفة للواجب أو مغايرة له، ولكنها متضمنة فيه، من ~~حيث إن الواجب هو فعله، وأن إداركنا للخير الملائم لا بد أن ~~يثير فينا ميلا إليه، ولولا ذلك لما فعلنا شيئا، ولما فهمنا ~~أن موجودا عاقلا يفعل شيئا، فيرتفع الواجب مادة وصورة. # ثانيا: # إن الواجب كما يضعه كنط هو أمر مطلق بالإضافة إلى العقل، لكن ~~لا بالإضافة إلى الإرادة؛ ذلك بأن الواجب يعبر عن نسبة ضرورية ~~بالفعل والطبيعة الإنسانية العاقلة، وأن العقل يدرك هذه النسبة ~~وضرورتها، ولكن للإنسان طبيعة حسية، والخير عنده مشترك بين ~~الخير الحسي والخير العقلي، وقد تأبى الإرادة أن تسير سيرة ~~عقلية وتؤثر عليها اللذة والمنفعة، فتكون صيغة القانون الخلقي ~~في الحقيقة هكذا: «إذا أردت أن تسير بموجب العقل فأفعل كذا»، ~~بأي سلطة نواجه الإرادة؟ إذا كان الإنسان هو المشرع لنفسه، فلا ~~يمكن أن يلزم نفسه، ومن البديهي أن القانون الخلقي لا يلزم ~~الإرادة إلا إذا كان صادرا عن سلطة عليا، وقد زعم كنط أن ~~فلسفة الأخلاق يجب أن تقوم بذاتها، فكانت النتيجة أنه ترك ~~الواجب أمرا شرطيا غير موجب، وقد خشي أن تهدر الكرامة ~~الإنسانية، ولكن القانون الإلهي هو في الوقت نفسه قانون ~~الطبيعة الإنسانية يدركه العقل فيها، ويدركه أمرا إلهيا ~~حالما يعتبرها مخلوقة، وهل يمكن أن يكون المخلوق مستقلا كل ~~الاستقلال، أي غير مخلوق؟ # ثالثا: # إن الكلية وسيلة طيبة لتعرف الفعل السائغ من غير السائغ، ~~ولكنها ليست صيغة صورية، ولا يلبث كنط أن يضع معادلة تامة بين ~~الكلية والطبيعة حيث يقول: «إن تصور قانون كلي يصاحبه تصور ~~طبيعة»، ولا يخرج لفظ الطبيعة عن معنيين: أحدهما أن الطبيعة ~~جملة الأشياء، والآخر أنها ماهية الشيء؛ ففي الحالة الأولى ~~تكون الكلية مساوقة للطبيعة، وفي الحالة الثانية تكون لاحقة ~~على الماهية، ms244 ويأخذ كنط لفظ الطبيعة بالمعنيين المذكورين، ~~ويفرع الثاني إلى اثنين هما الطبيعة الحسية والطبيعة العقلية ~~في الإنسان، فيجتمع له ثلاثة معان مختلفة ينتقل من أحدها إلى ~~الآخر دون تحرج ولا تنبيه، كما يتضح من تحليله للأمثلة ~~الأربعة، ففي المثال الأول يقول إن الذي ينتحر يناقض طبيعته ~~التي تدفع إلى البقاء، فيأخذ لفظ الطبيعة بمعنى الماهية، وفي ~~المثال الثاني يقول إن الوعد الكاذب مناقض لمفهوم الوعد، وإن ~~النتيجة المحتومة ألا يصدق أحد وعدا، فيعتمد على معنى الماهية ~~أولا وعلى معنى الطبيعة كجملة بني الإنسان ثانيا، وفي المثال ~~الثالث يقول إن الذي يتبع اللذة لا يلاشي الطبيعة فلا تشتمل ~~سيرته على تناقض، ولكن الموجود العاقل يريد بالضرورة أن تبلغ ~~قواه تمام النماء، فيأخذ لفظ الطبيعة بمعنى الطبيعة الحسية ~~أولا ومعنى الطبيعة العقلية ثانيا، وفي المثال الرابع يقول ~~أن الغني الذي لا يعنى بالفقير لا يلاشي النوع الإنساني، ولكنه ~~يفقد كل أمل في عون الغير، فيعتمد على معنى الطبيعة كجملة بني ~~الإنسان، وكان من أثر هذا التردد ذهابه إلى أن كلا من ~~المثالين الثالث والرابع يمكن أن يصير قانونا كليا من وجه، ~~والحقيقة أن هذا غير ممكن لأن كلا الرجلين يخالف الطبيعة ~~العقلية التي هي الملحوظة في الأخلاق، فتشتمل سيرته على تناقض، ~~ثم إن اعتبار الماهية هو عين اعتبار الكمال الذي أبى كنط أن ~~يجعل منه غاية. # رابعا: # إن وجود الواجب يدل على وجود الحرية، لكن لا في مذهب كنط، إذ ~~كيف يكون «العمل مع تصور الحرية» عملا حرا والفلسفة النقدية ~~تقرر أن أفعالنا خاضعة للآلية، وأن تصور الحرية نفسه فعل من ~~هذه الأفعال؟ وأي معنى يبقى للواجب الذي هو أمر صادر للإرادة ~~المنفعلة بميول حسية، ويجب العمل به بالرغم من الميول الحسية، ~~أي بالرغم من سلسلة العلل الآلية، وهذا مستحيل في تلك الفلسفة؟ ~~يلجأ كنط إلى العالم المعقول ويقول إن كل نفس تختار فيه لنفسها ~~«خلقا معقولا» ينتشر في الحياة المحسوسة على نحو آلي بمر ~~الزمان، فيبعث قصة لأفلاطون، مع فارقين في ms245 مصلحة أفلاطون في: ~~أحدهما أنه يسوق الفكرة في قصة، في حين أن كنط يضعها موضع ~~الجد، والفارق الآخر أن أفلاطون يؤمن بحقيقة العالم المعقول ~~مجرد «وجهة نظر» وينكر على العقل القدرة على البلوغ إليه، وقد ~~نفترض وجود العالم المعقول فيستحيل علينا أن نرى فيه أي معنى ~~للحرية والواجب طبقا لمبادئ الفلسفة النقدية؛ فإنه إذا كان ~~العالم المعقول معقولا حقا، كان خاضعا لمبدأ العلية ولم ~~يتسع الحرية، وإذا كانت النفس فيه عقلا خالصا وإراده خالصة ~~كما يلزم من تعريفه، كانت مستقيمة بالطبع فلا ينطبق عليها ~~الواجب، ويبقى على كنط أن يفسر لنا كيف تسيء الاختيار، ثم كيف ~~يتفق اختيارها مع سلسلة العلل الآلية في العالم المحسوس، ثم ~~كيف يتفق اختيار النفوس جميعا من تلك العلل التي تخضع لها ~~النفوس في الحياة الأرضية، هل يذهب كنط مع أفلاطون إلى النفوس ~~تختار بين نماذج حيوات معينة تبعا لمجرى الكواكب، أو يقول مع ~~ليبنتز إن الله نسق بين العالمين؟ إن حله لمسألة الحرية حل ~~لفظي بحت، والنتيجة الثابتة من مذهبه أن يدع الإنسان حائرا ~~بين الواجب الذي يعلنه اليه العقل العملي، وبين الآلية ~~الطبيعية التي يحتمها العقل النظري. # خامسا: # إن الاستدلال بفكرة الواجب على ضرورة الخلود وضرورة الله ~~استدلال سليم، ولكن بشرط أن نعترف للعقل بقوة الإدراك ~~الموضوعي، ولمبدأ العلية بقيمة موضوعية، وهذا الشرط غير متوفر ~~في مذهب كنط، فلا يبقى للإيمان بالخلود وبالله أساس معقول، ~~ويكون تقدم العقل العملي على العقل النظري افتئاتا لا مسوغ ~~له، لقد باعد كنط بين الخير الخلقي والخير الحسي أو السعادة في ~~عرفه حتى ظننا كل الظن أنهما لن يتلاقيا، وها هو ذا يجمع ~~بينهما في فكرة «الخير الأعظم» ويقول إن هذه الفكرة يذهب إليها ~~العقل بالذات ويقودنا بوساطتها إلى الخلود وإلى الله؛ فأين كان ~~هذا العقل بالذات وقت الشروع في إقامة فلسفة الأخلاق؟ وفيم ~~كانت الإشادة بالفضيلة المجردة، وفيم كان التنديد بالسعادة؟ ~~كيف صار للفضيلة ثمن ومكافأة، ولم تعد غاية بذاتها لذاتها؟ ~~وإذا كان لا بد من ms246 السعادة، أفليست السعادة المجانسة للفضيلة - ~~كما فهمها القائلون بالكمال - أولى من الأخرى؟ وكيف نأمن ألا ~~تفسد السعادة الإرادة الصالحة بعد أن يجعل الله العالم المادي ~~متفقا مع الفضيلة بحيث يكافئنا باللذة كلما فعلنا الفضيلة؟ ~~لقد أبى كنط كل الإباء أن يسند الواجب إلى الله، فما باله يعود ~~فيقول إن لنا أن نتصور الواجب صادرا عن الله؟ وماذا يصير ~~باستقلال الإنسان وإرادته، وقد تشدد كنط في صيانهما أيما تشدد؟ ~~هل يعقل أن تبقى حياتنا الخلقية بمعزل عن هذا الإيمان ولا ~~تتأثر به؟ لقد أشفق كنط على حريتنا من العلم النظري بالخلود ~~وبالله، فكيف لا يشفق عليها من الإيمان وهو يريده قويا ~~راسخا رسوخ فكرة الواجب؟ إن حل كنط لمسألتي الخلود والله حل ~~لفظي فإنه يقيم هاتين الفكرتين على فكرة الواجب وهي صورة صرفة ~~لا تمتاز بشيء عن باقي الصور العقلية التي يأبى كنط أن يعترف ~~لها بالموضوعية، فيكون الخلود ويكون الله مجرد صورتين، فكنا ~~إذن متسامحين لما سمينا الحرية والخلود والله «مسلمات العقل ~~العلمي»: إنها في الواقع «مصادرات» لا يسمح المذهب بقبولها ~~ويضعها الفيلسوف وضعا، وماذا فعل في النهاية؟ محا ~~الميتافيزيقا أول الأمر فأخطأ فهم المعاني الأخلاقية الكبرى، ~~وقلب الوضع الطبيعي لفلسفة الاخلاق رأسا على عقب، ثم عاد ~~فأثبت الميتافيزيقا ليحتفظ للأخلاق ومعانيها بقيمة ما، فدلنا ~~على استحالة الاستغناء عن الميتافيزيقا، وبعبارة موجزة إنه هدم ~~بيده البناء الذي شاده، وتلك عاقبة المبطل مهما يؤت من مقدرة. # المرجع في هذا الفصل كتاب «تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق» وكتاب «نقد ~~العقل العملي» في الكتاب الأول يتبع كنط المنهج التحليلي أولا، فيرجع ~~من الأحكام الاخلاقية إلى المبدأ الذي تقوم عليه، وهو معنى الإرادة ~~الصالحة، وهذا موضوع القسم الأول، وفي القسم الثاني يعرف الواجب، وينقد ~~سائر المذاهب، ثم يتبع في القسم الثالث المنهج التركيبي فيبدأ مما ~~للعقل الخالص من قوة عملية يترجم عنها معنى الحرية، وينزل إلي تعيين ~~الواجبات بالتفصيل، أما الكتاب الثاني فمنهجه تركيبي، وهو مقسم إلي ~~تحليل وجدل على غرار «نقد العقل النظري»: في التحليل ms247 يعود كنط إلي ~~موضوع القسم الثالث من الكتاب السابق فيفصل القول فيه، وفي الجدل يبين ~~موقف العقل العملي من الموضوعات الميتافيزيقية ووجوب التسليم بها. # تركيب وبناء # النصف الأول من القرن التاسع عشر # تمهيد # ليس يرضي المرء حال واحد، وتاريخ الفلسفة يشهد بذلك كما يشهد به التاريخ العام ~~والملاحظة اليومية، كان العصر الوسيط عصر إيمان ويقين، ثم نجم الشك منذ القرن الرابع ~~عشر، وتفاقم في القرنين التاليين، حتى إذا ما جاء القرن السابع عشر شهدنا رد فعل ~~قويا ومذاهب كبرى كلها مثبتة مؤكدة، ثم كان القرن الثامن عشر فإذا النقد والشك يعودان ~~بشدة وينتشران بسرعة، فحاول كنط أن يقف تيار الشك ويكبح جماح النقد باسم العلم ~~والأخلاق، وقد مضى على أثره القرن التاسع عشر يعمل على التركيب والبناء، مع فوارق في ~~الدواعي وفي المذاهب سنعنى بتبيانها . # والقرن التاسع عشر من أبهي عصور الفلسفة، فهو زاخر بالأسماء حافل بالجهود، نجد ~~أنفسنا مضطرين إلى تقسيم الكلام عليه إلى بابين: باب يتناول نصفه الأول، وآخر يتناول ~~نصفه الثاني، وهما مختلفان نزعة وقوة، ونقسم الباب الأول إلى ثلاث مقالات: واحدة في ~~الفلسفة الألمانية، وأخرى في الفلسفة الفرنسية، وثالثة في الفلسفة الإنجليزية، تبعا ~~لأهمية كل منها، الفلسفة الألمانية تصدر عن كنط وتتفرع فروعا كثيرة طريفة قوية، ~~والفلسفة الفرنسية تنجب مذاهب طريفة كذلك في علم النفس والاجتماع، والفلسفة الإنجليزية ~~بعضها يستوحي الفلسفة الألمانية في نقد المعرفة والوجود، وبعضها يمضي مع العقلية ~~القومية وهي تجريبية كما هو معلوم، فيعالج على مقتضاها مسائل علم النفس والأخلاق ~~والاجتماع. # المقالة الأولى: الفلسفة في ألمانيا # تمهيد # ألح كنط في بيان أن الفكر فاعل أصيل مركب لموضوعاته، ثم اعتقد بمادة للمعرفة ~~آتية من خارج، فحد من سلطان الفكر وعلق فعله على شيء مغاير له، وهو القائل إن ~~استخدام مبدأ العلية للخروج من التصور إلى الوجود مجاوزة لقانون الفكر، فقام جيل من ~~الفلاسفة اعتنقوا مبدأ فاعلية الفكر إطلاقا، فاشتركوا في التصورية المطلقة وفي ~~وحدة الوجود، كل منهم يضع مبدأ واحدا مطلقا، ويستنبط منه مبادئ ms248 فرعية، ويفسر بها ~~جميع العالم والحياة وما تبدو فيه الحياة من تاريخ وعلم ودين وفن، وهم إذ يصححون ~~كنط في هذه النقطة، يعودون في الحقيقة إلى صميم مذهبه، ويعودون إلى النزعة ~~الإلمانية الدفينة التي صادفناها عند إيكارت وبوهمي مثلا، وهي نزعة الحياة ~~المندفقة من باطن إلى ظاهر، الصادرة عن الواحد إلى الكثير. # كانت هذه النزعة ممثلة أيضا في عقلية العصر وحاجاته، فقد كانت البروتستانتية ~~أفرغت الدين من كل عقيدة معينة وردته إلى مجال العاطفة فحسب، وأطلقت للنفس العنان ~~تذهب في الرومانتية كل مذهب معتزة بحريتها متمردة على كل سلطان أو رقيب، وكانت ~~الثورة الفرنسية محاولة جريئة لإعادة بناء المجتمع على مبادئ كلية ومعان مجردة، ~~وسرعان ما هاجت الأفكار والعواطف في أرجاء القارة الأوربية، وكان الشعر الألماني في ~~عصره الذهبي، عصر جوتي وشيلر اللذين أبدعا في الإعراب عن نوازع الحياة، فأراد ~~الفلاسفة أن يقلدوا الفنانين فيجعلوا من العلم والشعر شيئا واحدا، أعني مظهرين ~~لقوة خالقة واحدة بعينها، فجاءت مذاهبهم رومانتية، وماهية الرومانية، على ما ~~عرفها أحد أركانها نوڤاليس، تعميم أو إطلاق الموقف الفردي، في حين أن الكلاسية ~~تستوحي الكلي المطلق في الإنسان أي الماهية، فتصدر عن العقل وتخاطب العقل، وتصدر ~~الرومانتية عن الشعور الفردي وترمي إلى إثارة الشعور في أغمض صورة، ومن هنا جاء ميل ~~هؤلاء الفلاسفة إلى لا نهائية الوجود ولا نهائية التقدم في التاريخ، ولعل ~~الرومانتية الفلسفية ترجع إلى ديكارت مذ قال: «أنا أفكر وأنا موجود» واستخدم ضمير ~~المتكلم باطراد راويا عن نفسه مستشهدا بأفكاره وأحواله، فشاعت هذه الطريقة حتى ~~انتهى الأمر إلى اعتبار المذهب الفلسفي «وجهة نظر» لا ينازع فيها الفيلسوف كما لا ~~ينازع الفنان في وجهته، وإلى استدلال الفيلسوف على حقائق الأشياء بمنهج تفكيره ~~الخاص وتجربته الخاصة، يضاف إلى ما تقدم الرجوع إلى دراسة سبينوزا بعد إهمالها، ~~فبدا كتابه «الأخلاق» كأنه المثل الأعلى للفلسفة والمنهج الأكمل، سواء لأصحاب وحدة ~~الوجود ولخصومهم، والرأي في الفلاسفة الذين نؤرخ لهم في هذه المقالة، أنهم دلوا ~~على مقدرة عظيمة في التركيب ms249 والتنسيق، ولكنهم استمدوا مادتهم من تراث كبار ~~الفلاسفة، وغلوا في التجريد، وأغربوا وأمعنوا في الإغراب، وأثقلوا كتبهم بأسلوب ~~غريب معقد محشو بالاصطلاحات، فجاءت بعيدة المنال على الأكثرين، تقتضي قراءتها ~~مرانا خاصا ليس باليسير. # الفصل الأول # فختي # 1762-1814 ~~(1) حياته ومصنفاته # ابن فلاح من أهل سكسونيا، كان يستمع إلى عظات الاحد فيحفظها عن ظهر قلب، ~~فلما خبر فيه هذه المقدرة سري من سراة المنطقة تكفل بنفقات تعليمه، فترك ~~الصبي رعي البقر والإوز وأخذ يقطع مراحل التعليم، حتى بلغ إلى المرحلة الجامعية ~~وهو في الثامنة عشرة، فاجتازها بالرغم مما نزل به من ضنك شديد بوفاة كفيله، ~~درس اللاهوت وفقه اللغة والفلسفة في إيينا وليبزج، وطوف في أرجاء ألمانيا ~~ليوسع من ثقافته. # وهو في الثامنة والعشرين وقف على كتب كنط، ومن ذلك الوقت وجد وجهته العقلية، ~~وفي السنة التالية قصد إلى كونجسبرج، وتعرف إلى الفيلسوف الكبير، وعرض عليه ~~كتابا عنوانه «محاولة في نقد كل وحي» ذهب فيه إلى أن الوحي غير مقبول ما لم ~~يكن بأكمله عقليا معقولا، كان الكتاب عبارة عن تطبيق مذهب كنط على الدين قبل ~~أن يضع كنط كتابا في هذا الموضوع، فقدره، بل أن الكتاب نشر غفلا من اسم ~~المؤلف لخطأ عرض، فظنه كثيرون من قلم كنط، وبعد سنة عين أستاذا بجامعة إيينا ~~(1793). # في هذه الجامعة بسط مذهبه، ثم نشره في كتاب «المبادئ الأساسية لنظرية ~~المعرفة» (1794) الذي يعد أهم كتبه والذي كان موضع عنايته المتصلة ينقحه ~~باستمرار ليجعله أكثر كمالا وأقرب مثالا، ثم نشر كتابا في «القانون الطبيعي» ~~(1796)، و«المدخل الأول إلى نظرية المعرفة» (1797) هو خير عرض لمذهبه، ~~و«الفلسفة الخلقية» (1798)، وأذاع مقالا في «مبدأ اعتقادنا بعناية إلهية» ~~(1798)، وأذاع مقالا في «مبدأ اعتقادنا بعناية إلهية» (1798) فاتهمه كاتب ~~بالإلحاد، فكرر آراءه في رسالتين بعنف أشد، أحدهما بعنوان «نداء إلى الجمهور» ~~والأخرى «دفاع قانوني» (1799) ووجه خطابا مثيرا إلى أحد أعضاء حكومة ڤيمار، ~~فثار الأعضاء جميعا حتى جوتي، وقرروا عزله من منصبه، فغادر المدينة. # قضى بضع سنين في برلين يحرر عروضا جديدة لمذهبه، ويلقي دروسا ms250 شعبية، ونشر ~~كتاب «مصير الإنسان» (1800) ثم ثلاثة كتب هي «الخاصية الجوهرية للعالم ومظاهرها ~~في ميدان الحقيقة» و«المنهج للوصول إلى الحياة السعيدة» و«الملامح الكبرى للعصر ~~الحاضر» (1806)، وفي برلين أعد كتابه «ظواهر الشعور» الذي لم ينشر إلا بعد ~~وفاته، وهو أسهل عرض لما كونه في سنيه الأخيرة من آراء عامة في الفلسفة وعلم ~~النفس، وبعد موقعة إيينا التي انتصر فيها نابليون على الجيوش البروسية، احتل ~~الفرنسيون برلين، فرحل إلى كونجسبرج وعلم بجامعتها، ثم وقعت هذه المدينة في ~~أيدي الفرنسيين، فقصد إلى كوبنهاجن، ولما عقد الصلح عاد إلى برلين، وشرعت ~~بروسيا تنهض من كبوتها فكان هو أحد الرجال الممتازين الذين عملوا على بعث ~~ألمانيا، ففي شتاء 1807-1808، والفرنسيون يحتلون برلين، ألقى خطبته المشهورة ~~«إلى الأمة الألمانية» يقول فيها: «لقد وقفت الحرب المسلحة مؤقتا، والمطلوب ~~الآن الجهاد في ميدان الأخلاق والأفكار، يجب العمل على إيجاد جيل قوي يهدف إلى ~~عظائم الأمور ويضحي بنفسه في سبيلها، إن ألمانيا أنجبت لوثير وكنط وبستالوتزي، ~~وأنتم وحدكم أيها الألمان، من بين جميع الشعوب الحديثة، حاصلون على جرثومة ~~التقدم الإنساني بأظهر ما تكون، فإذا هلكتم هلكت معكم الإنسانية جمعاء»، وفي ~~سنة 1809 أنشئت جامعة برلين، وعين أستاذا بها، فمديرا لها، ولما نشبت حرب ~~الاستقلال تطوعت زوجته للتمريض فأصيبت بالحمى، وانتقلت العدوى إليه فتوفي. ~~(2) نظرية المعرفة # كان فختي قوي الإرادة مشغوفا بالحرية شديد الرغبة في الامتياز والتأثير في ~~معاصريه بالقلم واللسان، فنقل هذه النزعة إلى الفلسفة لاعتقاده أن المذهب ~~الفلسفي ليس آلة صماء يصطنع أو ينبذ كما نشاء، ولكنه عقيدة تنبعث من صميم ~~النفس، حتى إنه ليعلن في كتاب «المدخل الأول» أن الاختيار بين التصورية ~~والوجودية تابع لغلبة الشعور بالاستقلال والفاعلية أو لغلبة الشعور بالتبعية ~~والانفعالية، فجاءت فلسفته قائمة على أن الإرادة صميم الطبيعة الإنسانية، وأن ~~الحياة الخلقية مقدمة على العقل النظري بمعنى أدق وأعمق مما قال كنط، إن ~~العقل النظري يتصور الوجود خاضعا للضرورة، وفينا حرية تريد أن تعمل، وفينا ~~ضمير يرسم لنا نظاما مغايرا لنظام الطبيعة، ويوجب الجهاد ms251 لتحقيق الغايات ~~الكبرى التي ينزع إليها، ونحن نشعر بأننا جزء من هذا النظام المثالي كلما عملنا ~~بناء على دواع عقلية فحسب، وحاجتنا الضرورية إلى العمل أساس الأمر المطلق الذي ~~قال به كنط دون أن يفسره، فكيف نوفق بين الوجود والحرية؟ نوفق بينهما بأن نقول ~~«إن الطبيعة التي علي أن أعمل فيها ليست شيئا غريبا عني منقطع الصلة بي» ~~وإنه إذا كان باستطاعتي أن أنفذ إلى الطبيعة «فذلك لأنها مكونة بقوانين فكري، ~~وأنها عبارة عن علاقات بيني وبين نفسي»، الحرية أول، والحرية تريد أن تترقى، ~~فلكي تعمل تخلق الطبيعة وموضوعاتها، وهذه هي التصورية المطلقة التي ترد الأشياء ~~تصورات، أو هذه هي الأحادية التصورية، أو مذهب إيكارت وبوهمي في لغة منطقية سوف ~~نرى الآن شيئا منها، وهذه التصورية المطلقة هي الموقف الوحيد الممكن إذا سلمنا ~~بأن الفكر لا يدرك سوى تصوراته، فلا يعود لنا من سبيل إلى الأشياء أنفسها ~~بالحدس، ولا يعود لنا من سبيل إليها بالاستدلال اعتمادا على مبدأ العلية وهذا ~~المبدأ صورة من صور الفكر، فمهمة «نظرية المعرفة» بيان كيفية صدور صور الأشياء ~~عن فاعلية الفكر؛ إذ لا يمكن أن يوجد في الأنا إلا ما كان أثرا لفاعليته. # نحن لا نشعر بأننا نحدث اللا أنا، فلا بد أن يكون في الأنا المتناهي المدرك ~~في التجربة مبدأ أوسع منه هو الأنا الخالص أو الأنا اللا متناهي، وهو علة عالم ~~الموضوعات المائلة في الأنا التجريبي، يشبه «الأنا أفكر» الذي قال به ديكارت ~~والذي وضعه كنط وراء مبادئ الفهم، لا نشعر بفاعليته، ولا ندرك سوى آثارها أي ~~مختلف التصورات، فالمبدأ الأول في نظرية المعرفة هو هذه الفاعلية الروحية، ثم ~~تتسلسل معانيها ومبادئها متولدة بعضها من بعض وفقا لقانون التقابل والتوفيق ~~الذي أشار إليه كنط في تقسيمه الثلاثي للمقولات بالإيجاب والسلب والحد، وكان ~~كنط قد اقتصر على وضع المقولات وضعا باعتبارها لوازم منطقية للفكر، أما فختي ~~فيريد أن يستنبطها استنباطا، فيبدأ من أبسط مبادئ المنطق العادي، وهو أن = ~~ا، ويقول: إن هذا المبدأ يفترض ms252 «أنا» يعقله، وإذن فلي أن أضع بدل ا، وهو كمية ~~غير معينة، الأنا الذي لولاه لم يكن المبدأ ليوضع، فأحصل على (أنا = أنا)، ولكن ~~كمية ممكنة فحسب، والأنا كمية موضوعية ضرورة، فلي أن أقول «أنا موجود» ثم ~~أستخرج من هذا القول: أولا مبدأ منطقيا هو مبدأ الذاتية وثانيا مبدأ ~~ميتافيزيقيا هو مقولة الوجود، وهذا هو منهج الإيجاب، أي إيجاب الأنا لنفسه، ~~وكما قلت إن ا = ا، أستطيع أن أقول إن «لا ا غير مساو ل ا» ثم أن أستبدل بهذه ~~القضية قولي «إن لا أنا غير مساو لأنا» فأحصل على تقابل بين أنا ولا أنا، ~~وأستخرج من هذا التقابل: أولا مبدأ منطقيا هو مبدأ عدم التناقض، وثانيا ~~مبدأ ميتافيزيقيا هو مقولة السلب، وهذا هو منهج السلب، أي نفي الأنا بوضع اللا ~~أنا، على أن الأنا واحد ، فهو لا يطيق هذا التعارض بين أنا ولا أنا، ولكني لا ~~أجد طريقة تحليلية للتوفيق بين الحدين، فالأمر يقتضي فعلا جديدا من الفكر؛ أي ~~تركيبا، وإنما يتسنى هذا التركيب بوساطة فكرة الانقسام؛ ذلك بأنه إذا كان كل ~~من الحدين المتعارضين يحد الآخر، فهناك محل للاثنين، ويجيء التركيب على هذا ~~النحو: الأنا يعارض اللا أنا المنقسم بأنا منقسم؛ ومن هنا أستخرج أولا مبدأ ~~منطقيا هو مبدأ السببية، وثانيا مبدأ ميتافيزيقيا هو مقولة التعيين، وهذا ~~هو منهج الحد، أي وضع الأنا لنفسه باعتباره محدودا باللا أنا، ووضع الأنا للا ~~أنا باعتباره محدودا بالأنا، التركيب الأول نقطة بداية الفلسفة النظرية التي ~~تدرس الأنا باعتباره منفعلا بموضوعات تبدو أول الأمر جواهر أو أشياء بالذات، ~~والتركيب الثاني نقطة بداية الفلسفة العملية حيث يرى الأنا نفسه واضعا حدا ~~لفعل الأشياء الخارجية ومستخدما إياها لتحقيق ذاتيته، بيد أن التحليل يستكشف ~~في هذين التركيبين متناقضات مماثلة للتناقض الذي خرج من الأنا، فيرفعها الفكر. # منهج الحد يعود بنا إلى الشعور المباشر حيث نجد الموضوعات والأنا فاعلا ~~ومنفعلا بالإضافة إليها، وعندئذ نجد صورة الزمان في تعاقب ظواهر الأنا ~~المتناهي، وهذا التعاقب ضروري لأن الأنا ms253 يريد أن ينمي حريته، فالزمان أداة ~~الحرية، ونجد صورة المكان في وضع موضوعات اللا أنا كل على حدة، ونجد مبدأ ~~العلية في تفاعل الأنا واللا أنا، ثم ننقله عفوا إلى موضوعات اللا أنا إذ ~~نتصورها متوقفة بعضها على بعض، وإلى هنا ينتهي الاستنباط، فإن فختي لا يريد ~~(ولا يستطيع) أن يستنبط سوى المعاني العامة، دون الجزئيات الماثلة في الشعور، ~~ولما كان الأنا الخالص يفعل طبقا لقوانين، كانت صورة العالم في شعورنا ~~موضوعية، وكانت واحدة في جميع الأناوات المحدودة، ونظننا بغير حاجة إلى التنبيه ~~على ما في هذا الاستنباط من صناعة زائفة، وما في وقوفه عند الكليات من إقرار ~~بالعجز ودلالة على البطلان. ~~(3) الأخلاق والدين # قلنا إن في الأنا حاجة أولية للعمل، هذه الحاجة، حين تتعلق ببعض الأشياء ~~المتغيرة، تبدو ميلا طبيعيا وترمي إلى اللذة، واللذة تجعلنا تابعين للأشياء، ~~والحاجة الأولية للعمل غير متناهية في ذاتها، فهي بهذا الاعتبار تعرب عن ~~استقلال الأنا بإزاء الأشياء جميعا، وتفسح له مجال الاختيار، فيتحرر من كل ~~تبعية حسية، وهكذا نحصل على القانون الخلقي، وهو أن «كل فعل جزئي يجب أن ينتظم ~~في سلسلة تقودني إلى الحرية الروحية كاملة»، وبذا يتحقق الأنا اللا متناهي في ~~العالم المحسوس، فنشعر باحترام أنفسنا، ونشعر بغبطة مباينة بالمرة للذة الحسية ~~التي يخلق بنا ألا نسميها لذة، والتي إذا طلبت لذاتها أشعرتنا باحتقار ~~أنفسنا، فإن هذا الطلب وليد الكسل: كسل دون التفكير فيما يحقق الحرية وما لا ~~يحققها، وكسل دون الارتفاع فوق الحاضر، ثم يجر الكسل إلى الجبن والنفاق، وتفضيل ~~العبودية على الجهد. # كيف يمكن إيقاظ الميل إلى الحرية؟ قد تكون الحاجة الروحية الأولية من القوة ~~في بعض الأفراد بحيث ترفعهم فوق المحسوسات وهم لا يفهمون ولا يقهم الغير، إذ أن ~~هذه الحاجة لا تفسر بالأنا التجريبي الذي هو موضوع إدراك، فيكونون للغير مثلا ~~ونماذج، ويؤثرون فيهم، فإذا اعتبروا هم واعتبر الغير هذه القوة والأفعال ~~الصادرة عنها بمثابة الخوارق، نشأت ديانة وضعية، وكانت عاملا على إيقاظ النشاط ~~والاهتمام الغافلين في ms254 معظم النفوس؛ لذا كان من الأهمية بمكان عظيم أن يعيش ~~الفرد بين الأفراد، فما هو إنسان إلا بوجوده بين الناس، فإذا اتبع كل يقينه، ~~عمل الكل على تنمية الاستقلال الباطن، وعلى تحقيق العقل أو الأنا الخالص، فإذا ~~قيس الفرد من حيث هو كذلك إلى هذه الغاية اللا متناهية، بدا وسيلة ضئيلة ~~القيمة، فالمطلوب أن يمحو الفرد فرديته، لا بالتأمل الصوفي، بل بالعمل جهد ~~استطاعته على تحقيق الغاية الأزلية. # ماهية الدين إذن أن يؤمن الإنسان بالنظام الخلقي، ويعتبره مصدر واجباته، ~~ويعاون على نموه، ولا بأس في أن يشخص شعوره بهذا النظام في موجود معين، إذا كان ~~الغرض تقوية هذا الشعور في ضميره، أما إذا تصور الله سلطانا حاكما بأمره، ~~وانتظر من جوده لذات مقبلة، كان عابد صنم، وكان جديرا بأن يدعى ملحدا، لا ~~يوجد الشخص بدون موضوع يحده ولو كان هو ذلك الموضوع، ولا يتصور الله موجودا ~~محدودا، وما الأنا المطلق إلا معنى مجرد إلا إذا اعتبرناه بمعزل عن الأفراد ~~الذين يحققونه ... إن الله الحقيقي هو الله الإنسان، وإن الله هو النظام الخلقي، ~~والحرية التي تتحقق في العالم بالتدريج. # ولا نظننا بحاجة إلى التنبيه على ما في هذا المذهب من تناقض أساسي، فمن ~~المعلوم أن كل ما خلا الأنا فهو من خلق الأنا الخالص، وإنما يخلق الأنا الخالص ~~لكي يتحقق، فهو ينقسم إلى كثرة من الأناوات التجريبية، ويتحقق فيما يقوم بينها ~~من علاقات أخلاقية، فما هذا الأنا الذي يضع اللا أنا ليحد به ذاته، ويفرضه على ~~نفسه ليقاومه ويحاول التغلب عليه ويمحوه، فيحقق ماهيته التي هي الحرية؟ أوهام ~~في أوهام وأضغاث أحلام دونها حرب دون كيشوت لطواحين الهواء ... وسوف يتولى شلنج ~~لفت نظر أستاذه إلى هذا التناقض الصارخ. # الفصل الثاني # شلنج # 1775-1854 ~~(1) حياته ومصنفاته # في السادسة عشرة قصد إلى جامعة توبنجن فدرس فيها اللاهوت، ثم عكف على ~~الفلسفة فقرأ كنط وفختي وسبينوزا، وانتقل إلى جامعة ليبزج فدرس فيها العلوم ~~الطبيعية، على هذه الدراسات ستدور مرحلتان من مراحل ثلاث تمثل تطور فكره، ms255 بدأ ~~المرحلة الأولى مبكرا جدا إذ نشر في سنتي 1794-1795 مقالات شرح فيها نظرية ~~فختي في المعرفة، ولكنه ما لبث أن تبين أن هذه النظرية لا تحتمل الطبيعة إلا ~~بمثابة حد أو وسيلة مع أن للطبيعة وجودا أقوى، فنشر «خواطر لأجل إقامة فلسفة ~~طبيعية» (1797) وهو مع ذلك يتصور فلسفته الطبيعية بمثابة ملحق لنظرية المعرفة ~~عند فختي. # ثم عين أستاذا بجامعة إيينا بفضل جوتي وشيلر وفختي (1798) ومكث بها أربع ~~سنين نشر خلالها الكتب الآتية: «في النفس العالمية» (1798) و«رسم أول لمذهب في ~~فلسفة الطبيعة» و«مدخل» إلى الكتاب المذكور أو «في فكرة العلم الطبيعي النظري» ~~(1799) و«مذهب التصورية الذاتية» (1800) و«برونو أو في المبدأ الإلهي والطبيعي ~~للأشياء» (1802)، في هذه المرحلة الثانية فصل آراءه في الفلسفة الطبيعية ~~متأثرا بسينوزا والأفلاطونية الجديدة وعصر النهضة، وعارض فتحي وناقشه مناقشة ~~حادة. # وتستغرق المرحلة الثالثة خمسين سنة تنقل أثناءها بين جامعات ڤورزبورج ~~(1803-1806) وأرلنجن (1820) وميونيخ (1827) وبرلين (1841) وهو يحاضر ولا يكتب ~~إلا قليلا في الفلسفة الدينية بعد أن كان طبيعيا تصوريا، ونشر في ذلك كتاب ~~«الفلسفة والدين» (1804) و«بحوث فلسفية في ماهية الحرية الإنسانية» (1809) وبعد ~~وفاته نشر له «فلسفة الميثولوجيا» و«فلسفة الوحي» فله إذن فلسفتان: إحداهما ~~طبيعية، والثالثة دينية. ~~(2) الفلسفة الطبيعية # قال فختي بأنا خالص أو لا شعوري صنع اللا أنا، فيعترض شلنج بقوله: ليس اللا ~~شعوري أنا أو ذاتا، ولا لا أنا أو موضوعا، إذ ليست توجد الذات بدون موضوع ~~بعينها ويظهرها لذاتها، وليس يوجد الموضوع بدون ذات تتصوره، وعلى ذلك لا يمكن ~~القول بأنه مطلق، ولا بلا أنا مطلق، من حيث إن كلا منهما شرط الآخر، فيلزم ~~إما أن ننكر المطلق، وهذا غير مستطاع، أو أن نضعه مثالا صرفا وراء الأنا ~~واللا أنا، وراء كل تقابل، فنقول إنه ملتقى الأضداد جميعا، وإنه منبع كل وجود؛ ~~ومن ثمة لا ينبغي القول من المذهب التصوري إن الأنا يحدث اللا أنا، إذ ليس ~~التفكير إحداث موجود، ولكنه إحداث صورة الموجود، ولا القول مع المذهب الحسي إن ~~اللا أنا يحدث الأنا، فما التجربة إلا ms256 بداية العلم ثم نطبق عليها القوانين ~~العقلية فتنطبق؛ مما يدل على أن للطرفين منبعا مشتركا، وفي الواقع إن الأنا ~~واللا أنا، أو الفكر والوجود، أو الروح والطبيعة، صادران كلاهما عن مبدأ أعلى ~~ليس هو أحدهما ولا الآخر، ولكنه يصير الواحد والآخر. # نستطيع تعيين الطبيعة بإتباع المنهج الثلاثي الذي استخدمه فختي بعد كنط وهو ~~عبارة عن وضع قضية، ثم وضع نقيضها، ثم تركيبهما، إذ أن هذا منهج التفكير، ~~فالطبيعة هي أولا مادة وثقل أي جذب ودفع، وهي ثانيا صورة أي نور ومغناطيس ~~وكهربا وتركيب كيميائي، وهي ثالثا مادة معضونة أي مركب المادة والصورة يبدو ~~فيها النظام من الغايات والوسائل، على أن هذه الدرجات الثلاث لا توجد منفصلة، ~~وإنما شأنها شأن الأفعال الفكرية الأولية الثلاثة، إن الطبيعية جميعا معضونة: ~~المادة روح ناعس، والروح مادة تنتظم، الجماد نبات بالقوة، والحيوان نبات أعلى، ~~والدماغ الإنساني هاتمة التعضون، جميع الظواهر الطبيعية مظاهر متفاوتة لقوة ~~واحدة هي النفس العالمية، ويرجع التفاوت إلى اختلاف النسب الكمية بين المادة ~~والروح. # أما قوى الروح فتبدو في المعرفة والعمل والفن، المعرفة حسية وعقلية، بالحس ~~يبدأ روح الطبيعة يدرك غيره، فهو بالحس يحطم الحواجز التي تحصر المادة في ~~ذاتها، وبالعقل ينظم المعرفة الحسية، وبتمييز العقل بين نفسه وبين مفعوله يصير ~~إرادة ويصير الأنا النظري أنا عمليا، العقل يخلق معانيه ومبادئه دون أن يشعر، ~~والإرادة تشعر بأنها علة ما تحدث، وهذا الشعور هو الشعور بالحرية، فالحياة ~~الروحية تنبعث من تفاعل العقل والإرادة، العقل يثبت اللا أنا، والإرادة تتحرر ~~منه، وفي هذا التفاعل أو تعارض الروح والطبيعة، تقوم حياة النوع الإنساني أو ~~التاريخ، وللتاريخ ثلاثة عصور: الأول يتميز بغلبة العنصر القدري وهذه هي ~~القضية، أو المادة والعقل، أو العقل بغير إرادة، والعصر الثاني افتتحته روما ~~ولم يزل، وهو عبارة عن رد فعل من جانب العصر الإرادي ضد القدر، والعصر الثالث ~~وهو المستقبل سيكون مزاجا من هذين العنصرين، وهكذا سيتحقق المطلق شيئا ~~فشيئا، أي يتحقق المثال فيصير وجودا، دون أن يتحقق كله نهائيا من ms257 حيث إن ~~الزمان غير متناه، على أن باستطاعة الإنسان أن يرتفع إليه بالحدس الفني، فإن ~~الشعور بالجمال في الطبيعة والفن أرفع صور الحياة الروحية، و«الفن هو الطريقة ~~الوحيدة التي تشهد بما تعجز الفلسفة عن التعبير عنه، أي باللا شعور في العمل ~~وفي الصنعة، وبأن اللا شعور والشعور شيء واحد يظهره على اتحاد ما يبدو منفصلا ~~في الفكر وفي الطبيعة»؛ أي إن الفن هو الطريقة الوحيدة لتصوره وحدة الفكر ~~والطبيعة، وحدة العارف والمعروف، وأن عنده تمحى متناقضات الوجود، وبنوع خاص ~~التناقض بين النظر والعمل. فهذه الفلسفة الطبيعية التي تنتهي إلى تصوف فني هي ~~في الواقع بعث لمذهب المادة الحية الذي بدأت به الفلسفة اليونانية والذي اصطنعه ~~غير واحد من الأطباء والكيميائيين في عصر النهضة الحديثة دون أي تقدم فلسفي أو ~~علمي، وكل ما هنالك تكديس للمعارف وبراعة في عرضها والربط بينها. ~~(3) الفلسفة الدينية # تصدى شلنج لتصحيح فختي، فقام تلميذ له يصححه هو ويفلح في تحويله عن الجادة، ~~نشر هذا التلميذ كتيبا بعنوان «الفلسفة في انتقالها إلى اللا فلسفة» قال فيه ~~إن الفلسفة عاجزة عن تفسير خروج الكثرة المتنوعة من الواحد المطلق، وإن ~~الاعتقاد بإله خالق يحل هذا الإشكال، فالفلسفة تؤدي إلى الدين، وهو أعلى منها، ~~فعني شلنج بهذه المسألة واعترف (في كتابه «الفلسفة والدين») باستحالة استنباط ~~الكثرة والتضاد من الوحدة المطلقة، وآمن بإله شخصي أي بإله هو إرادة أولا وقبل ~~كل شيء، إرادة محض سابقة على كل تعقل وكل إرادة شعورية، إرادة نازعة إلى الوجود ~~الشخصي والشعور. ولا تنمو الشخصية إلا بمصارعة قوى معارضة فيجب التسليم بتعارض ~~أصيل في الذات الإلهية، وهو تعارض ينتهي إلى الانسجام بتطور الحياة الإلهية، ~~دون أن يعني هذا التطور تعاقبا في الزمان، إذ ليس في الله بداية ونهاية، بل ~~هناك حركة دائرية سرمدية، وهذا النزوع الإلهي إلى الوجود، أو هذه «الأنانية ~~الإلهية» علة الأشياء جميعا، ويسهب شلنج في تفصيل هذه الفكرة العامة، ويعود ~~إليها في كتابه «ماهية الحرية الإنسانية» وهو أكبر كتاب دونه في فلسفة الدين، ms258 ~~وما هذه الفكرة العامة إلا صورة مأخوذة من الإنسان؛ فإن الإنسان في البداية ~~جملة من القوى والنزاعات المتعارضة، فيختار بينها فتعيين شخصيته وشلنج صادر ~~فيها رأسا عن المتصوفين المريبين، من إيكارت إلى جاكوب بوهمي، وقد عكف على ~~قراءتهم، ولا تختلف فلسفته الدينية عن فلسفته الطبيعية إلا في تصور المطلق؛ فقد ~~كان رآه مثالا صرفا وحاول أن يستخرج الأشياء منه بجدل عقلي، ثم عاد فرآه ~~إرادة تخرج الأشياء منها بالنزوع. # وقد دعي هذا الانتقال من الجدل إلى الإرادة، انتقالا من الفلسفة السلبية إلى ~~الفلسفة الإيجابية، ووجد في هذه ميزة كبرى على تلك، هي أن الجدل لا يوصل إلا ~~إلى الممكنات والقوانين الكلية، بينما الوجود العيني يقتضي قدرة وإرادة، ولكن ~~لب فكره لم يتغير، هذا اللب هو الأحادية أو وحدة الوجود مركبة على ضرب من الجدل ~~هو أقرب إلى القصص الأسطوري منه إلى الاستدلال الفلسفي. # الفصل الثالث # هجل # 1770-1831 ~~(1) حياته ومصنفاته # زميل شلنج في دراسة اللاهوت بجامعة توبنجن، وأكبر منه بخمس سنين ولكنه تأخر ~~عنه في النشر لأنه أرجأ الكتابة إلى ما بعد الفراغ من تكوين مذهبه بجميع ~~تفاصيله، مستخدما في ذلك ثقافة واسعة دقيقة في الفلسفة والعلوم الطبيعية ~~والرياضيات واليونانية واللاتينية والتاريخ والفنون والاجتماع، فجاءت كتبه ~~عرضا منظما واضحا نهائيا لفلسفته، عين أستاذا بجامعة إيينا سنة 1801، ~~فالتقى هناك بفختي وشلنج، وعمل مع شلنج زمنا ما، ثم افترقا لتباين العقلية ~~واختلاف الرأي، وبعد معركة إيينا رحل إلى جنوب ألمانيا، ومكث في نورمبرج ثماني ~~سنين، ثم عين أستاذا بجامعة هيدلبرج (1816) فأستاذا بجامعة برلين (1818) حيث ~~بلغ ذروة الشهرة والمجد والتف حوله التلاميذ النابهون، شغل منصبه هذا إلى ~~وفاته، وكانت وفاته بالكوليرا. # كتبه الحاوية لمختلف وجهات مذهبه سبعة: أولها «فينومنولوجيا الذهن» (1807) ~~أي وصف الظواهر الذهنية وآثارها في حياة الإنسان، يصف فيه تطور الفرد وتطوع ~~النوع، أي علم النفس وتاريخ المدنية متداخلين حتى ليصعب أحيانا كثيرة التمييز ~~بينهما، والكتاب بمثابة مدخل إلى المذهب، ثم يجيء كتاب «المنطق» في ثلاثة ~~مجلدات (1812-1816) وهو عرض للمعاني الأساسية الميتافيزيقية ms259 والمنطقية، فهو حجر ~~الزاوية في بناء المذهب، والكتب الباقية تعالج أقسام المذهب: «موسوعة العلوم ~~الفلسفية» (1817) و«مبادئ فلسفة الفقه» (1821) و«دروس في فلسفة الدين» و«تاريخ ~~الفلسفة» و«فلسفة الجمال» نشرت بعد وفاته، أما أسلوبه فغايه في التجريد ~~والتعقيد حافل بالمصطلحات. ~~(2) المنطق # يأخذ هجل على فختي أن المنطق عنده هو الأنا يحدث اللا أنا لكي يتغلب عليه ~~مجهود حر؛ فالمطلق أحد طرفي التضاد، فهو ليس مطلقا، ويأخذ على شلنج أن المطلق ~~عنده هو الأصل المشترك المتجانس للأنا وللا أنا تتحد فيه الأضداد جميعا، ولكن ~~المطلق بهذا الوصف هو أصل مجرد، هو أشبه شيء بالليل تبدو فيه جميع البقر سودا، ~~لا يكشف لنا عن السبب الذي من أجله يصدر عنه العالم ولا كيف يصدر، أما هجل ~~فيتفق معهما في وحدة الوجود، ويرى أن المطلق هو الوجود الواقعي بما فيه من روح ~~لا متناه أو مثال أو عقل كلي أو مبدأ خالق منظم، وأن الطبيعة والفكر حالا له، ~~يظهر الفكر في وقت ما من أوقات تطور الطبيعة، لا أنهما وجهان له ~~متوازيان. # ويرى أنه لأجل فهم الوجود في مبدئه وتسلسل مظاهره، يجب اتباع منهج منطقي بين ~~هذا التسلسل ابتداء من أصل واحد (هو القضية) ينقلب إلى نقيضه ثم يأتلف مع هذا ~~النقيض، ويتكرر هذا التطور الثلاثي ما شاءت مظاهر الوجود، أي إنه يجب ترك العقل ~~يجري على سليقته هذه ابتداء من أول وأبسط المعاني، وهو معنى الوجود، هذا المنهج ~~هو المنطق أو الجدل الذي شأنه أن يتأدى من معنى إلى معنى ضرورة، بحيث يبدو ~~الفكر وجوديا، ويبدو الوجود الواقعي منطقيا أي ضروريا ومعقولا ضرورة، ~~هذا دون أن يعني الجدل صدورا حقيقيا يخرج به الأكثر من الأقل والمشخص من ~~المجرد، وتوازيا محكما بين مراحله ودرجات الوجود، لكنه تركيب عقلي تستمد ~~معانيه ومبادئه من الوجود، ويؤدي آخر الأمر إلى ظواهر الوجود. # المعنى الأول معنى الوجود، وهو أكثر المعاني تجريدا وخواء، وأوسعها ما ~~صدقا وأشدها واقعية، فإن جميع معانينا تعبر عن حال وجود، وما هي إلا معنى ~~الوجود باديا ms260 في صور مختلفة، الوجود مجرد الإيجاب، أو هو ما به كل موجود هو ~~موجود، فليس هو في نفسه شيئا من حيث إنه في الموجودات المتباينة المتنافرة على ~~السواء، الدائرة وجود المربع وجود، والأبيض والأسود والنبات والحجر. # ليس الوجود شيئا لأنه قابل لأن يكون كل شيء، فتعقله عبارة عن تعقل اللا وجود ~~في الوقت نفسه، وهذا هو التناقض بعينه، أما الموجود حقا فهو الماكب من ~~النقيضين. # الوجود واللا وجود، أي الموجود الذي لا يوجد على التمام، وهذه هي الصيرورة، ~~فهي صميم الوجود، وهي سر التطور، إذ أن الوجود من حيث هو كذلك ثابت عقيم، واللا ~~وجود عقيم أيضا، على حين أن الصيرورة وجود لا وجود (ما سيصار إليه): فهي التي ~~تحل هذا التناقض الأول، وبذلك يضع هجل التناقض مبدأ أول في العقل وفي الوجود، ~~ويزعم أنه بذلك يخرج من الشك ولا يسقط فيه، إذ يلاحظ أن متناقضات العقل (كما ~~صادفناها عند كنط) تبرز حتما وتقوم سببا للشك في المذاهب التي تؤمن بمبدأ عدم ~~التناقض، أي تعتبر الأشياء ماهيات ثابتة على مثال تعريفاتها في عقلنا، بينما ~~اعتبار الموجود صائرا ناميا، واعتبار التناقض ماهية تتجلى في متناقضات العقل، ~~يجعل الوجود معقولا وما ذلك إلا لأنه ظن أن الوجود إطلاقا هو الوجود المحسوس ~~الصائر المتحرك، فشك في العقل الذي يعلل الحركة بالثبات والقوة بالفعل، ومنذ ~~الآن نستطيع أن نصف فلسفته بأنها حسية واقعية تريد أن ترفع المحسوس إلى مقام ~~المطلق، والواقع إلى مقام الحق. # الوجود يصير إذن، أي يثبت ويتعين، وها هي ذي مقولة الكيف. والموجود المعين ~~يعارض ما يغايره وينافيه، فيبدو هكذا مضافا وها هي ذي مقولة الإضافة، والموجود ~~المعين هو المحدود المتناهي، ولكنه يصير إلى ما لا نهاية ويقبل كل تعيين ~~فالمتناهي لا متناه، وينحل هذا التناقض في معنى «الشيء» أي الجزئي أو الفرد ~~الذي هو اللا متناهي موجودا على حال ما، وبعبارة أخرى إن الموجود لا يوجد إلا ~~بشروط معينة وعلى حال معينة وفي حدود معينة، فاللا متناهي إذ يتحقق يتعين ms261 ~~ويتحدد ويتميز ويتوحد، هذا الموجود الواحد يعارضه الوجود المنتشر في الكثرة، ~~وها هي ذي مقولة الكم، والكثرة في جملتها «واحدة»: هي مركب يثبت الوحدة وينفيها ~~في آن واحد؛ ويبدو هذا المركب بنوع خاص في الكم المتصل الذي هو واحد بالفعل ~~كثير بالقوة لقبوله القسمة باستمرار، والقسمة تولد ضده وهو الكم المنفصل أو ~~العدد، والعدد في ذاته لا يتقضي حدا معينا، فهو في ذاته متناه وغير متناه، ~~ولما كانت كل كمية قابلة للزيادة والنقصان، وجدنا اللا متناهي في ناحيتين ~~متقابلتين: اللا متناهي في الكبر، واللا متناهي في الصغر، والعدد هو الكم ~~المبدد، يقابله الشدة وهي الكم المجموع المركز، ويتفقان في المقياس والنسبة، إذ ~~أن كل موجود فهو نسبة معينة من العناصر المكونة له؛ فالنسبة هي الموجود وقد صار ~~ماهية. # الماهية هي الموجود منشورا بحيث يكون له وجهات عدة يعكس بعضها بعضا، ~~والانعكاس هو الظاهرة، والماهية والظاهرة متلازمان، أو الماهية هي القوة أو ~~الفاعل، والظاهرة فعل القوة أو وظيفتها، أو الظاهرة ماهية الماهية، من حيث إنه ~~من الجوهري للماهية أن تظهر وللظاهرة أن تتم عن الماهية، كما أنه من الجوهري ~~للمبدأ أن يخرج نتائجه، والماهية إذا اعتبرت مبدأ فاعلا صارت جوهرا، والجوهر ~~يقابله العرض، ويصير العرض جوهرا بدوره بمعنى أن الجوهر مفتقر إليه كي يظهر، ~~والجوهر هو خصائصه فحسب؛ وبذا نستبعد فكرة إله مفارق للعالم، وفكرة نفس مستقبلة ~~عن الظواهر المكونة للأنا، وفكرة مادة مستقلة عن الكم وسائر الأعراض، على أن ~~الجوهر إذا كان مجموع أعراض، فهو ليس مجرد مجموع آلي، ولكنه مجموع حي مرتبط ~~بأعراضه ارتباطا جوهريا أي أنه علتها، والعلة والمعلول متلازمان، وهما ~~يؤلفان شيئا واحدا: المعلول هو العلة محققة، كما أن الأعراض هي الجوهر ~~منشورا، وليس في المعلول شيء إلا وهو في العلة، وليس في العلة شيء إلا ويتحقق، ~~وكل معلول فهو بدوره علة، وكل علة فهي معلول لعلة سابقة، على أن سلسلة العلل ~~والمعلولات ليست غير متناهية في خط مستقيم، ولكنها متناهية دائرية، مثل أن ~~المطر علة الرطوبة ms262 والرطوبة علة المطر، وأن خلق الشعب تابع لشكل الحكومة وشكل ~~الحكومة تابع لخلق الشعب، فليس هناك علة مفارقة لسلسلة العلل مطلقة دونها، ولكن ~~المطلق جملة العلل الجزئية النسبية. # هذا هو القسم الأول من أقسام الفلسفة الهجلية، وهو استنباط المعاني الأولية ~~بالإثبات والنفي والجمع بينهما، أما المعاني الأولية فمشهورة منذ زمن طويل، هي ~~المعروفة في فلسفة أرسطو بالوجود ولواحقه وبالمقولات، وقد أفاض المدرسيون في ~~شرحها، وأما منهج الاستنباط فقائم على غلط مؤداه أن الشيء القابل لأن يتعين ~~بأشياء أخرى هو ملتقى هذه الأشياء ومجمعها، فهو ناف لنفسه متناقض في ذاته، ~~والواقع أن لهذا الشيء مفهوما في عقلنا لا يتضمن الأشياء التي قد يتعين بها، ~~فلا تناقض فيه، ولا تناقض في العقل الذي يتصوره بالإضافة إلى التعيينات ~~الممكنة، بل بالعكس يعلم العقل أن هذه التعيينات لا تجتمع فيها من جهة واحدة ~~فيدرك مبدأ عدم التناقض، فيقول هجل: «ليس الوجود شيئا لأنه قابل لأن يكون كل ~~شيء»، يجب تصحيحه هكذا: إن الوجود قابل لأن يكون كل شيء لا معا بل كلا على ~~حدة، فالوجود شيء في كل موجود وبحسب هذا الموجود، فغير صحيح أننا نعقله وجودا ~~ولا وجودا في الوقت نفسه، وإنما الصحيح أننا نعقله وجود كذا أو كذا من ~~الماهيات، فإن ما ليس وجودا هو وجود من وجه آخر، ويقال مثل هذا تماما عن ~~العدد في قبوله التعيين بالتناهي أو اللا تناهي، وعن الكم في قبوله التعيين ~~بالمتصل أو المنفصل، وعن سائر المعاني العامة، إن لكل منها مفهوما فهو ليس ~~متناقضا في ذاته، وهو بريء من التعيينات جميعا، ولكنه متى وجد كان هذا أو ذاك ~~منها، والشيء المتغير القابل لأعراض مختلفة، هو ما هو بالفعل في كل آن، وقابل ~~لأعراض أخرى بالقوة تحل فيه متى زالت أضدادها، فليست الصيرورة اجتماع الأضداد ~~أو النقائض، بل الانتقال من ضد إلى ضد بحيث لا يجتمع ضدان، وهذا عين مبدأ عام ~~التناقض، فالمنهج الذي اصطنعه هجل عاجز عن تفسير الإيجاد بقوة باطنة كما يريد؛ ~~لأن اللامعين ms263 لا يقتضي بذاته تعيينا دون آخر. # 1 ~~(3) الطبيعة # الروح المطلق يباين نفسه فتظهر الطبيعة؛ فهي إذن مظهره الخارجي الذي يعارضه ~~وينافيه، وهي تتطور وفقا للمنهج الثلاثي، فهناك أولا لطبيعية في ذاتها ~~الممثلة في الميكانيكا أي جملة القوانين الآلية التي تعبر عن مطلق الجسمية أو ~~الوجهة الكمية في الأجسام، وثانيا الطبيعة لذاتها أي جملة القوى الفيزيقية ~~والكيميائية التي تعبر عن الوجهة الكيفية؛ وثالثا الطبيعية في ذاتها أي الجسم ~~الحي. # العقل الخالق، كالعقل المتصور في الإنسان، يبدأ بما هو أكثر تجردا وأقل ~~إدراكا، أي بالمكان والمادة، المكان موجود وغير موجود، والمادة شيء وليست ~~شيئا، مثلهما مثل الوجود الذي في رأس المنطق، هذا التناقض هو مبدأ التطور ~~الطبيعي والقوة الدافقة، وهو ينحل في «الحركة» التي تقسم المادة إلى وحدات، ~~متمايزة وتكون منها السماء، إن تكوين الأجرام السماوية بمثابة الخطوة الأولى ~~التي تخطوها الطبيعة في طريق التشخص، توزع المادة وانتظامها في السماء يمثلان ~~مقولات الكم، والنزوع المنبث في الطبيعة يبدو في الجاذبية التي تحقق فكرة ~~التناسب وتجعل من العالم جسما حيا، السماء مجتمع ابتدائي يشبه من بعيد ~~المجتمع الإنساني. # وتتنوع المادة تنوعا كيفيا، فيظهر النور، تعارضه الحرارة، فينحل هذا ~~التعارض في الكهربا، فيظهر من الكهربا الكيمياء بعناصرها المتقابلة، فتتفاعل ~~هذه العناصر ثم تأتلف في المركبات، فعلما الطبيعية والكيمياء يدرسان الاستحالة ~~الباطنة والتغير الجوهري. # ثم تظهر من القوى الفيزيقية والكيميائية والكائنات الحية التي هي مجاميع ~~مركزة، لا معنى أنها وليدة المادة والآلية فحسب، ولكنها وليدة تطور المثال أو ~~الروح بواسطة المادة، ويلقى الكائن الحي معارضة من الطبيعة الخارجية، فيثبت ~~فرديته أو يحقق مثاله بالتمثيل المتصل والتنفس والحركة الحرة، وأدنى صور الحياة ~~النبات وهو بدن ناقص، هو عبارة عن أعضاء كل منها فرد، فهو ضرب من تبديد الحياة ~~في هذه الحيوات الابتدائية المنفصلة المتجانسة إلى حد كبير الحاصل كل منها على ~~قوة الحياة على حدة، ثم تتحقق الفردية في الحيوان، فإن أجزاءه أعضاء بمعنى ~~الكلمة أي خدام الوحدة المركزية، وهي عبارة عن أنظمة منوعة، كالنظام العصبي ms264 ~~والدموي وما إليها، وهنا أيضا درجات؛ فإن الحيوانية تترقى بالتدريج على رسم ~~واحد إلى أن يصل الروح الخالق إلى جسم الإنسان، فيقف عنده من حيث المادة، ويغدق ~~عليه الكنوز الروحية، وفي كل هذا الوصف يستخدم هجل المعارف العلمية من وقت ~~أرسطو إلى وقته، ولا يصنع أكثر أن يرتبها الترتيب الثلاثي كما يقتضي منهجه، ~~ويسلسل بعضها من بعض كما يقتضي مذهبه الأحادي. ~~(4) الإنسان والمجتمع # بعد أن يعارض الروح المطلق نفسه بالطبيعة، يميل ضرورة إلى التغلب على هذا ~~التعارض بأن يستعيد نفسه بمعرفة نفسه، وهنا أيضا يبدو تطوره ثلاثيا: فأولا ~~نجد الروح في ذاته أو الروح الذاتي، أعني الفرد مقر الظواهر الشعورية التي ~~يدرسها النفس، وثانيا الروح لذاته أو الروح الموضوعي، أعني المجتمع، وثالثا ~~الروح في ذاته ولذاته، أعني الاتحاد الأعلى للروح الذاتي والروح الموضوعي، أو ~~جملة الروحية للوجود متجلية في الفن والدين والفلسفة. # ماهية الإنسان روح، أي شعور وحرية، ولكن الشعور والحرية على درجات ثلاث؛ ففي ~~الدرجة السفلى مقارن للجسم، ينمو وينضج ويشيخ معه، إحساساته غامضة يقابلها ~~انفعالات غامضة، وهذه «جسمية الروح» (التي يسميها علم النفس الآن باللا شعور)، ~~ثم يظهر الشعور الواضح فيدرك الإنسان ذاته ويدرك الأشياء وهذان إدراكان ~~متعارضان، يوفق بينهما «الفهم» الذي وظيفته إدراج الإحساس تحت قوانينه الأولية، ~~وجعل مدركات الشعور موضوعية، ووضع الحقيقة، على ما بين كنط، وفوق جسمية الروح ~~والشعور الواضح المعين بالفهم نجد العقل الذي يؤلف بينهما إذ يجعل من قوانين ~~الشعور قوانين الحياة، أعني أن النظر ينقلب عمليا حين يتخذ الروح ذاته ~~موضوعا لإرادته، كما قال كنط فيتفق النظر والعمل، فالروح الذاتي - حين يقر ~~بالحقيقة والقانون - يقر بسمو الروح الموضوعي، ويقدمه على نفسه. # للروح الموضوعي مظهر ثلاثة تقوم بإزاء المظهر الذاتية الثلاثة، هي الحق ~~والواجب والمؤسسات الاجتماعية التي هي الأسرة والمجتمع المدني والدولة. # ففي حالة الطبيعة يسيطر على الفرد الأنانية الحيوانية، وفي حال الاجتماع ~~تنتظم هذه الأنانية بالحق والقانون؛ لأن الفرد يدرك بعقله أن الآخرين نظراؤه، ~~وأن العقل والحرية والروحية (وهي مترادفات) خيرهم المشترك، ms265 فيتخذ حرية أخيه ~~الإنسان قانونا لحريته هو أي حدا لها، وهذا أصل التعاقد، ويبدو الحق في ~~التملك حيث يتناول الفرد شيئا خارجيا عاطلا من الإرادة فيجعله شيئه الخاص ~~وينفذ فيه إرادته، ولكن الحرية المضمونة بالحق بالنسبة إلى الأشياء الخارجية هي ~~حرية ناقصة إذ أنها لا تعنى بالباعث الباطن، فتدع مجالا للصراع بين الروح ~~الذاتي والروح الموضوعي، ويزول هذا الصراع بأن يصير احترام الحق إراديا، ~~فتصير المطابقة للقانون «خلقية» تنظم الحياة الباطنة، على حين أن الحق لا ينظم ~~سوى المنافع المادية، على أن الفرد ميال للأنانية وللشر، فهو عاجز بمفرده عن ~~تحقيق المثل الأعلى الأخلاقي، فيجد المعونة في المجتمع الذي يحرره من نفسه ~~ويوفر له وسائل العمل الصالح. # المؤسسة الاجتماعية الأساسية هي الأسرة تنظيم غزيرة التناسل بالزواج. ~~والزواج بواحدة يكفل حسن تربية البنين ، وعلى الأسرة يقوم المجتمع المدني وتقوم ~~الدولة، فلا تعتبر الزواج أمرا عاطفيا فحسب، ولكنه واجب مقدس، ويجب أن يصدر ~~عن الشعور بالواجب، أي أن يعقد لأجل المجتمع والدولة، وحينئذ يعد عملا ~~خلقيا؛ لذا كان الطلاق منكرا مبدئيا، ولا ينبغي أن يسمح به إلا في حالات ~~استثنائية يعينها القانون، والمجتمع المدني يتكون من الأسر، ولكنه ليس صنعها أو ~~صنع الأفراد بحيث تكون الحكومة مسئولة أمامهم، إنه مرحلة في تطور الروح المطلق ~~فهو طبيعي لا عرفي، والغرض منه صيانة الحقوق وحماية المصالح الفردية، وبهذا ~~الاعتبار يمكن أن يتكون من قوميات مختلفة، مثلما يشاهد في سويسرا، فهو ينظم ~~غريزة الانتقام إذ يضع القصاص المدني أو القانون الجنائي، وينظم الأنانية في ~~الحياة الاقتصادية، وليس القصاص المدني انتقاما أو إصلاحا خلقيا، ولكنه ~~جزاء عدل يمكن أن يذهب إلى حد الإعدام، أما غرض الدولة فيزيد على ما تقدم تحقيق ~~الروح المطلق، والتضحية بالمصالح الخاصة في سبيله، فهي قومية، لها لغتها ودينها ~~وأخلاقها وأفكارها، هي إذن تامة الوحدة، لا يقف منها الفرد موقف الخصم باسم ~~النقد الشخصي، وهي غاية، والأسرة والمجتمع المدني وسيلتان إليها، تستوعبهما في ~~وحدة عليا هي الروح المطلق محققا بتمامه، وجودها دليل ms266 «سير الله على الأرض» ~~ويجب احترامها كما يحترم إله أرضي، نظامها لازم من طبيعتها التاريخية ولا يفرض ~~عليها من خارج نظام منقطع الصلة بها ولو كان صادرا عن العقل. # ليست الجمهورية أكمل أنظمة الحكم سواء أكانت شعبية أم أرستقراطية، الجمهورية ~~تسرف في تقدير الفرد وتضحي بالمثل الأعلى في سبيله أو في سبيل الأسرة أو ~~الطبقة؛ لذا اضمحلت الجمهوريات القديمة، النظام الطبيعي هو الملكية لأنها تشخص ~~الدولة والفكرة القومية في زعيم واحد محل سلطانها ورمز تقاليدها، هو العقل اللا ~~شخصي وقد صار عقلا واعيا، هو الإرادة الكلية وقد صارت إرادة شخصية، يستنير ~~برأي مجلس تشريعي مكون من خير ممثلي القوى القومية، وبخاصة القوى العقلية، ~~ولكن هذا الرأي استشاري بحت، وسلطة الزعيم مطلقة، وحكمة الروح المطلق تؤيده ~~فتجنبه الانحراف إلى الأنانية والطغيان! # كيف تكون العلاقات بين الدول؟ كان كنط قد ارتأى كل دولة فهي شخصية أدبية ~~مستقلة في الداخل خاضعة لقواعد الحق، وأن الحالة الراهنة التي تعتبر فيها الحرب ~~الوسيلة لفض المنازعات وتنظيم العلاقات الدولية، هي حالة وحشية يجب العمل على ~~الخروج منها بإيجاد «جمعية أمم» تنضم إليها كل أمة بملء حريتها، وتشترك جميعا ~~في تسوية الخلافات طبقا لمبادئ العدالة الدولية. # وبناء على ذلك كان كنط قد وضع في 1795 «مشروعا لسلم دائم» حيث يتعين بالعقل ~~الصرف في عشر مواد الشروط الضرورية لتحقيق هذه الغاية، ولكن هجل يرى أن ليس من ~~شأن الفلسفة أن تفرض قوانينها على الوجود، وإنما شأنها أن تدرك القانون الذي ~~يجعل الوجود معقولا، من حيث إن كل وجود فهو معقول، وكل معقول فهو وجود، وليس ~~يوجد في الواقع التاريخي جمعية أمم، وإنما تبدو الدولة دائما كأنها المرحلة ~~القصوى لتطور الروح المطلق تطورا موضوعيا، فيجب أن يستمد حل الإشكال من هذا ~~التطور نفسه، إن التاريخ يظهرنا على أنه يوجد في كل عصر من عصوره دولة مهيأة ~~لأن تتزعم سائر الدول وتفرض عليها ما بلغت إليه من تقدم في الحضارة، هذه الدولة ~~واجبها الفتح، وانتصارها يبرر حروبها. # الدولة الغالبة خير ms267 من الدولة المغلوبة بدليل غلبتها نفسها التي يجب أن تعتبر ~~حكم الله، و«جدل التاريخ» يعرض علينا ثلاث مراحل كبرى: الأولى استبداد الدول ~~الآسيوية الضخمة، والثانية سيادة أثينا القائمة على الحرية والديمقراطية، ~~والثالثة التي تتفق فيها هاتان النزعتان المتعارضتان هي الحضارة المسيحية التي ~~تعد الجرمانية خير ممثل لها، وبواسطتها سيتحقق الانتصار النهائي في التاريخ! ~~وهكذا يعارض هجل الفردية الحديثة التي ترى الفرد موجودا قائما برأسه، وفي ~~الدول نتيجة تعاقد بين أنانيات مختلفة، فيرتب الفرد للأسرة والمجتمع، ويقول إن ~~الأسرة والمجتمع المدني والدولة وشروطها، إذا روعيت برزت أمام الفرد واجبات ~~ضرورية، وهذا صحيح كل الصحة، وهذا أساس النظام والرقي الخلقي في حين أن الفردية ~~مصدر فوضى وانحطاط، ولكن هجل لا يرجع بنظام إلى مبدأ أعلى يتجلى في العقل، بل ~~يقدس الواقع فيخضع الفرد للدولة إخضاعا تاما، وينكر عليه حق الانتقاد ~~والإصلاح، ويعود من حيث لا يريد إلى أدهى ضروب الاستبداد، وهو الاستبداد الذي ~~يزعم لنفسه حقا إلهيا. ~~(5) الفن والدين والفلسفة # مهما تبلغ الدولة من كمال، فهي ليست الغاية القصوى التي يتجه إليها تطور ~~الروح، وليست الحياة السياسية المظهر الأخير لنشاطه، إن ماهية الروح الحرية، ~~وأكمل دولة فهي لا تخرج عن كونها قوة خارجية؛ لذا يصعد الروح إلى أعلى من ~~الدولة، ويعمل على تحقيق ما يجده في نفسه من مثل أعلى للجمال والله والحقيقة، ~~فيولد الفن والدين، ويصير الروح المطلق بالفعل إذ يتحقق على هذا النحو في نفس ~~الإنسان. # بالفن أحرز الإنسان أول انتصار على المادة قبل أن ينتصر عليها انتصارا ~~كليا بالعلم، فإن الفن إنزال فكرة في مادة وتشكيلها على مثالها، ولكن مطاوعة ~~المادة متفاوتة، وهذا أصل تعدد الفنون الجميلة تتدرج من المادية إلى الروحية، ~~وهي تتوزع طائفتين: طائفة الفن الموضوعي تشمل العمارة والنحت والتصوير، وطائفة ~~الفن الذاتي تشمل الموسيقى والشعر، في العمارة نجد الفكرة وصورتها متمايزتين جد ~~التمايز لعصيان المادة وتمردها، فإن المادة ههنا أغلظ مواد الطبيعية؛ لذا كانت ~~العمارة فنا رمزيا بحتا يدل على الفكر ولا يعبر عنها تعبيرا ~~مباشرا. ms268 # إن الهرم والمعبد الهندي والمعبد اليوناني والكاتدرائية المسيحية رموز جميلة، ~~ولكن المسافة بينها وبين ما نرمز إليه بعيدة بعد السماء عن الأرض، تشبه العمارة ~~السماء ذات الأبعاد الهائلة والعظمة الساحقة، فإنها تترجم عن القوة الرابضة ~~واللا نهاية الدائمة، ولكنها عاجزة عن تأدية حركة الحياة، في النحت تتقارب ~~الصورة والفكرة إلى حد ما، فإن هذا الفن ينفخ روحا في المادة الغليظة، كالحجر ~~والرخام والنحاس، ويبقى عاجزا دون التعبير عن النفس ذاتها كما تبدو للناظر، ~~التصوير يحقق هذا التقدم، فإنه يستخدم مواد أكثر لطافة، ويقتصر على رسم سطح ~~الجسم، ويوحي بالعمق بوساطة السطح، لكنه لا يعبر إلا عن وقت من أوقات الحياة ~~يتنبه في المادة، وهذه خاصية مشتركة بينه وبين النحت والعمارة؛ لذا كانت هذه ~~الفنون متلائمة تأتلف على أنحاء كثيرة، بالموسيقى نبلغ إلى الفن الذاتي، فإنها ~~ترجمة عن انفعالات النفس وألوانها المختلفة إلى غير نهاية، تستخدم الصوت وهو ~~شيء لطيف، ولكن الصوت فيها رمز كالبناء في العمارة، فهو مبهم غامض كالانفعالات ~~التي يترجم عنها؛ ولهذا السبب تحتمل القطعة الموسيقية تأويلات عدة، في الشعر ~~يصل الصوت إلى درجة الكمال؛ فإن الصوت فيه قول معقول ونطق يعرب عن كل شيء، عن ~~الطبيعة والإنسان وأحداث التاريخ، يطاوع الفكر في جميع ثناياه فيبني وينحت ~~ويصور ويغني ويروي، فهو مجمع الفنون، وهو من ثمة الفن الكامل، الملحمة تمثل ~~الفنون الموضوعية الخلاقة، تصور مثلها الطبيعة وآياتها والتاريخ وأمجاده، ~~ولكنها طفولة الشعر، هي ثرثارة طويلة كالسنين الأولى من سني الحياة، وفيرة ~~الصور، زاخرة بالعجائب والغرائب كمخيلة الأطفال، والشعر الغنائي يقابل ~~الموسيقى، يأوي إلى العالم غير المنظور المدعو بالنفس الإنسانية ولا يتعداه، ~~فهو محدود ناقص، والشعر الدرامي أكمل أنواع الشعر، هو شعر الشعر، يجمع بين ~~العالمين الظاهر والباطن، فيمثل التاريخ والطبيعة والنفس، ولا يزدهر إلا في ~~أرقى الشعوب حضارة. # وللفن على العموم، ولكل فن على الخصوص تاريخ في ثلاثة عصور: فالفن الشرقي ~~رمزي يستخدم الأمثلة ويستلزم التأويل ويحتمل منها وجودا عدة، لا يقوى بعد على ~~إخضاع المادة، فيزدري الصورة ms269 الخارجية ولا يعنى بإجادتها، يحب الكبر والعظم ~~واللا نهاية، ويغلو فيها، أما الفن اليوناني فيصطنع التعبير المباشر بدل الرمز، ~~فتجيء مصنوعاته مفسرة أنفسها بأنفسها؛ لأنه ينزل الفكرة كلها في الصورة، غير أن ~~هذا الكمال يورثه نقصا، فإن تمام حلول الفكرة في المادة يفنيها فيها ويضحي بها ~~في سبيل الصورة الظاهرة والجمال المحسوس. # المسيحية تتلافى هذا النقص؛ فإنها ترفع الفن من العالم المنظور حيث ضل وضاع ~~إلى العالم المعقول موطنه الحق، وتستبدل بالجمال الحسي الجمال المعنوي، وتعبد ~~العذراء مثال الطهارة والقداسة بدل الزهرة، ولكن أنى للصورة المادية أن تطابق ~~المثل الأعلى؛ لذا كان الفنان المسيحي عديم الرضا عن آياته الفنية مهما تبلغ من ~~إتقان، إن العذراء التي يتخيلها، والمنازل الأبدية التي يرنو إليها، والألحان ~~السماوية التي يرهف لها سمع نفسه، والحياة الإلهية التي يحاول الإعراب عنها، كل ~~أولئك أرفع وأجمل من أن يوضع في المادة، فييأس من قدرته، ويعود إلى ازدراء ~~الصورة والغلو في الروحانية. # هذا الشعور بالعجز عن تصوير المثل في المادة هو أصل الدين، وموضوع الدين ~~المثل الأعلى اللا متناهي مدركا في الباطن، وموضوع الفن التعبير عنه في ~~الظاهر، فالدين بما هو كذلك منحدر عن الفن، وإن يكن الفن محاولة دينية أولى، ~~الوثنية أداة الوصل بين الفن والدين، ولها مراحل ثلاث: المرحلة الأولى السحر ~~الذي يقدس القوى الطبيعية العاطلة من الشعور، والمرحلة الثانية البوذية التي ~~تعبد إلها روحيا ولكنها تتصوره عاطلا من الشعور كذلك، والمرحلة الثالثة ~~الزرادشتية التي تقول بإله مجرد تسميه النور يحاول إثبات ذاته بإزاء الظلمة ~~التي هي نفي وسلب، هذه الأديان الشرقية تعتبر الله موجودا كليا غير ذي شخصية ~~فتعارضها أديان «الشخصية الروحية» وهي: الموسوية التي تمثل الإثبات، والديانة ~~اليونانية التي تمثل النفي، والديانة الرومانية التي تمثل المركب من النفي ~~والإثبات. # الموسوية أدركت استحالة التعبير عن اللا متناهي فحظرت تصويره بأي شكل كان ~~ونبذت الأوثان، ولكنها لم تحظر تصوره فتصورته موجودا شخصيا مفارقا للعالم ~~كلي القدرة، ففيها وفي سائر الديانات الشرقية اللا نهاية هي الغالبة، إله ms270 الشرق ~~شبيه بملوك الشرق، هو المتصرف الأوحد، يحيي ويميت، يرفع ويضع، يريد ويفعل، وما ~~على الإنسان إلا التسليم، وبقدر ما كان الشرق متدينا كان اليونان مشغوفين ~~بالطبيعة وبالأرضيات، فتصوروا الله على مثال الإنسان، أي إنهم في الواقع عبدوا ~~الإنسان بعقله وجماله وقوته، ولكنهم لم يتحرروا من العقلية القديمة تمام ~~التحرر، فقد نصبوا القدر فوق البشر وفوق الآلهة أنفسهم، وهذا القدر هو اللا ~~متناهي، يهدد البشر في كل آن وينغص حياتهم ويشعرهم بأنهم عدم، أما الرومان ~~فكانوا أهل جد وصرامة، فوضعوا الأخلاق الصارمة قانونا للحياة، وعادوا إلى ~~روحانية الألوهية معتبرين الآلهة معينيين على تحقيق الأوامر الضمير الإنساني، ~~هاتان الصورتان المتعارضتان، اللا شخصية والشخصية، تأتلفان في المسيحية القائمة ~~على أن المسيح إله وإنسان معا، فتتصور اللا متناهي ينزل من عرشه، ويدخل في ~~منطقة المتناهي ، فيحيا حياتنا ويتألم ويموت، ثم يبعث فيعود إلى مجده، ففيها ~~إثبات ونفي وتركيب، وهي تختصر الأديان وتصفيها وتكملها، كما يختصر الشعر الفنون ~~الجميلة، فهي الدين المطلق. # بيد أن المسيحية نفسها ليست القمة التي ينتهي عندها تطور الروح، فإن الفن ~~والدين يؤديان إلى الفلسفة ويأتلفان فيها، الثلاثة تقول إن كل شيء صادر عن روح ~~لا متناه، ولكن الفن والدين وليدا العاطفة والمخيلة، أما الفلسفة فتحقيق ما ~~يرمزان له، هي انتصار العقل الخالص يفهم الوجود فيتحرر منه. # كانت الطبيعة وقواها، والدولة ومؤسساتها، تبدو كأنها أشياء خارجية مفروضة على ~~الإنسان، والآن ترى الفلسفة في أفعال الطبيعة أفعال العقل أي أفعال الإنسان، ~~وفي المؤسسات الاجتماعية صورة السلطة الأخلاقية التي يحملها في نفسه، فليست ~~ترمي الفلسفة إلى محو المعاني الدينية، بل إلى إحالتها معاني عقلية، وفي ~~الفلسفة فقط يتحقق الروح المطلق أو الله تمام التحقق، لأنها فيها تصل الثقافة ~~الإنسانية إلى أقصاها، وما المذاهب الفلسفية التي يسجلها التاريخ إلا حلقات في ~~سلسلة التقدم نحو هذا النصر النهائي، أي إنها درجات متفاوتة لفلسفة واحدة، وجود ~~بارمنيدس وصيرورة هرقليطس ائتلفا في مذهب أرسطو، والأمثلة كثيرة على مثل هذا ~~الائتلاف، ومن جهة عامة كانت الفلسفة اليونانية ms271 عبارة عن دراسة المادة، فجاءت ~~فلسفة العصر الوسيط عبارة عن فلسفة الروح، فألفت الفلسفة الحديثة بينهما في ~~وحدة عليا كانت الفلسفة الهجلية آخر وأكمل صورها (طبعا!) حيث ينتهي الروح ~~المطلق إلى تمام الشعور بذاته، ويجمع في تركيب أعلى وأخير بين الأضداد التي ~~صادفها في تطوره مذ كان وجودا ولا وجودا في آن واحد، إن الفلسفة الأخيرة ~~زمانها ثمرة جميع الفلسفات السابقة، ويجب أن تضم مبادئ هذه الفلسفات جميعا، ~~فهي «الكل» حيث تبقى الأجزاء متمايزة من الله باعتبارها أوقاتا في تيار ~~التطور، وحيث تتلاشى باعتبارها مظاهر الله كما تقتضي وحدة الوجود. # ماذا نقول وسذاجة الفلاسفة لا حد لها؟ نقول مع ذلك إن هجل قد أفلح في ~~إقامة فلسفة فسيحة الأرجاء رفيعة العماد قائمة على فكرة رئيسية واحدة مطبقة ~~بمنهج واحد وإن تأثيره كان عميقا في جميع النواحي، في الفلسفة الخالصة وفي ~~الفقه والسياسة والأخلاق والدين والفن والتاريخ، غير أن منهجه صناعي وثلاثياته ~~مفتعلة، إن نفي ما لا يعطينا معنى جديدا، واستنباط المعاني الأساسية ظاهري، ~~والحقيقة أن الفيلسوف يطالعها في الواقع ويحاول الربط بينها بشيء كثير من ~~التعسف، والانتقال من المنطق إلى الفلسفة الطبيعية، لا يتم بموجب ضرورة جدلية، ~~بل لأن الفيلسوف يمحو المعنى المجرد الذي بني عليه المنطق، ويعود صراحة إلى ~~التجربة التي استمد منها المعاني المجردة؛ لذا دعيت فلسفته الطبيعية بالجزء ~~الخجلان في مذهبه، والانتقال من الفلسفة الطبيعية إلى الفلسفة الروحية يتم بمحو ~~جديد هو محو صورة الخارجية التي اتخذها الروح في الطبيعة، فيحل الشعور محل ~~المادة ونحن نطالعه في أنفسنا، والدرجات الثلاث في الطبيعة لا يجدها الفيلسوف ~~في الروح إلا لأنه وجدها في الواقع؛ فلسنا هنا بإزاء استنباط حقيقي. # ويقال مثل ذلك في كل انتقال من حد إلى آخر في مختلف الثلاثيات، فنخرج بأن ~~هجل قد أخفق في بيان إمكان معرفة الوجود معرفة أولية كما يحتم مذهب وحدة ~~الوجود، وكان لا بد أن يخفق؛ إذ أن الطبيعة إحدى الصور الممكنة للوجود، فرفعها ~~هو إلى مقام الصورة الضرورية، وأني لمنهج ms272 كائنا ما كان أن يقلب المكان ~~ضروريا؟ # انظر في كتابنا «تاريخ الفلسفة اليونانية» رد أرسطو على بارمنيدس ~~(60، ب) وعلى مليسوس (18، د) ودفاعه عن مبدأ عدم التناقض (71، ج د ه). # الفصل الرابع # شوبنهور # 1788-1860 ~~(1) حياته ومصنفاته # فيلسوف التشاؤم وباعث البوذية في الفلسفة الحديثة، أقام مذهبا على غرار ~~المذاهب الثلاثة السابقة، إلا أنه تصور المبدأ الأول «إرادة كلية» هي قوة عمياء ~~تكون الموجودات على التوالي، ولنا أن نقول إن مزاجه مال به إلى هذا التصور، فقد ~~عرفت حالات مرضى عقلي عن أسرة أبيه وأسرة أمه، وورث هو السويداء والخوف والحذر، ~~وكانت له شهوة جامحة يعجز عن ضبطها، ونزعة قوية إلى التأمل، فأحس في نفسه أن ~~الإنسان مركب من جزأين متعارضين، وقد روي أنه وهو في السابعة عشرة وقبل أن ~~يتلقى أية ثقافية فلسفية، تأثر بشقاء الحياة كما تأثر بوذا حين استكشف الألم ~~والمرض والشيخوخة والموت، ثم تلقى الفلسفة بجامعة جوتنجن (1809-1811) وبجامعة ~~برلين (1811-1813) حيث استمع إلى فختي دون أن يتذوقه كثيرا، ولكن أعجبه من ~~أفلاطون وكنط قسمة الوجود إلى محسوس ومعقول، أو عالم الظواهر وعالم الشيء ~~بالذات، وكانت هذه القسمة في نظره بمثابة ازدواج للتأمل والشهوة أو الفكرة ~~والإرادة، وقرأ الكتب الهندية الدينية في ترجمة لاتينية، وهي تدور على مسألة ~~الشر الطبيعي والخلقي كما هو معلوم، فنمت في عقله عناصر مذهبه. # بدأ وضع أساس المذهب، أي نظرية المعرفة، فدون رسالة الدكتوراه في «الأصول ~~الأربعة لمبدأ السبب الكافي» (1813) ثم عكف على تفصيل المذهب، فأخرج المجلد ~~الأول من كتابه الأكبر «العالم إرادة وتصور» (1819) ضمنه نظرية المعرفة ونظرية ~~العالم، وبعد خمس وعشرين سنة أخرج المجلد الثاني في الفن وفي الأخلاق، فتم به ~~المذهب وبأصوله وفروعه، ولكن الكتاب لم يصادف نجاحا يذكر، ولم يصب الفيلسوف أي ~~نجاح في تعليمه بجامعة برلين (1820-1831) فعزا إخفاقه إلى ائتمار أساتذة ~~الفلسفة به، وغلا في هجوهم، وزعم أنه الوريث الحقيقي لكنط وأول فيلسوف كبير ~~بعده، انقطع عن التعليم واستمر على الكتابة، فنشر كتاب «الإرادة في الطبيعة» ~~(1836) جمع فيه من ms273 العلوم الطبيعية ما ظنه شواهد على نظريته في الإرادة الكلية، ~~وكتاب «المشكلتان الأساسيتيان في فلسفة الأخلاق» (1841) فصل فيه آراءه ~~الأخلاقية، ومنذ ذلك الحين بنوع خاص أخذت كتبه تذيع وشهرته تتسع، وهدأت نفسه، ~~فنعم بشيخوخة هانئة، وكان يتمنى لو يعمر طويلا بالرغم من تشاؤمه. ~~(2) العالم # كيف ندرك العالم وما قيمة هذا الإدراك؟ إن الإحساس حالة ذاتية، ولكن الفهم ~~يضيفه فورا، بفعل لا إرادي ولا شعوري، إلى علة خارجية نتصورها فاعلة في الزمان ~~مستقلة عنا في المكان، فالعالم بالنسبة إلينا جملة تصوراتنا فحسب، غير أن هذه ~~التصورات مرتبطة بموجب مبدأ السبب الكافي، ولهذا المبدأ أربع صور هي: علاقة بين ~~مبدأ ونتيجة، وعلاقة بين علة ومعلول، وعلاقة مكان وزمان، وعلاقة بين داع وفعل، ~~الصور الثلاث الأولى تخص النظر، والرابعة تخص العمل، ولما كانت تجربتنا متوقفة ~~على استخدام صور الفهم ، كانت هذه الصور سندا لموضوعيتها، ولم يكن القول إن ~~العالم محض وهم، كذلك لمبدأ العلية الذي هو إحدى هذه الصور نتيجتان ضروريتان ~~تؤيدان الموضوعية: إحداهما قانون القصور الذاتي وهو يحتم أن تفسر كل ظاهرة ~~بظاهرة سابقة، والآخر قانون بقاء المادة وهو يقضي بأن غاية العلم ومثله الأعلى ~~المادية المطلقة، بما في ذلك المعرفة نفسها، فنقول إنها وظيفة الدماغ. # بيد أن المادة فكرة من أفكارنا، فما المادية إلا تصورنا للعالم، وما العالم ~~إلا الوجهة الخارجية للوجود، ولو كنا ذاتا عارفة فحسب لما عرفنا عن العالم سوى ~~أنه تصور، ولكننا نحس في أنفسنا غرائز وميولا، وندرك أن الإرادة جوهر الإنسان ~~وفقا للصورة الرابعة من صور الفهم، فيجب وصل التجربة الظاهرة بالتجربة ~~الباطنة، وفهم العالم بوساطة الإنسان، وحينئذ ندرك أن الإرادة جوهر العالم ~~أيضا، وأن العلية الطبيعية في مختلف درجاتها من جنس إرادتنا، فالإرادة هي ~~الشيء بالذات يتجلى في مختلف الموجودات، ولكن هذه النتيجة أوسع من مقدماتها في ~~المذهب؛ فإن حياة إرادتنا تنقضي في صورة الزمان، وأفعالنا الإرادية خاضعة ~~لقانون الداعي الذي هو إحدى صور السبب الكافي، فبالإضافة إلينا الإرادة نفسها ~~ظاهرة من ظواهر لا تدرك إدراكا ms274 مباشرا كما يدعي، فلا يمكن بحال أن تكون شيئا ~~بالذات مستقلا عن تصور الفهم، فنحن هنا بإزاء عيب أساسي في المذهب، هو ~~الانتقال من التصور إلى الوجود، والمذهب يرد كل الوجود إلى تصور، مما يدل على ~~قوة فطرة العقل التي يخالفها هؤلاء الفلاسفة بالقول ويتبعونها بالفعل. # أول مظاهر الإرادة الكلية الفعل الآلي البحث حيث العلة والمعلول من طبيعة ~~واحدة، وحيث يمكن إدراك علاقاتهما مباشرة، ثم تتنوع القوى الطبيعية إلى حرارة ~~ومغناطيس وكهربا وما إلى ذلك، فيعتذر إدراك العلاقات بسب تباين العلة والمعلول، ~~ثم تظهر الإرادة الكلية واضحة في عالم الأحياء، فإن الكائن الحي يتكون من باطن، ~~ويعمل من باطن، وهذا يعني أن الإرادة الكلية هي التي تصور أعضاءه وتلائم بينها ~~وبين البيئة، وأنها هي التي تعمل فيه أثناء اليقظة والنوم بدون انقطاع، وعلاقة ~~العلية ههنا أكثر خفاء فإن العلية تبدو ههنا كمؤثر أو دافع، ويبدو المعلول ~~محتويا على أكثر مما في العلة، وأخيرا تصير العلة داعيا في الأحياء ~~الحاصلين على شعور، وهنا نعلم أن علاقة العلية إرادة، والمعرفة نفسها ما هي في ~~الأصل إلا وسيلة للإرادة تتوخى منها صورا للحياة أرفع وأقوى قائمة في الإفادة ~~من بعض الأشياء واجتناب ضرر البعض الآخر عن دراية وتوقع، والعقل أعلى تجليات ~~الإرادة فهو آلة للحياة أكثر إحكاما وتنوعا مما للحيوان من آلات؛ ذلك أن ~~آلات الحيوان ظاهرة وغاياتها معروفة محدودة، أما العقل فباطن يخفي غاية ويستخدم ~~ما يشاء من آلات مصنوعة. # هذا التنوع في الصور الطبيعية صادر عما في الإرادة الكلية من حب البقاء ~~وميل للتحقق إلى أقصى حد، وهذا التنوع أصل تعارض الموجودات وتصارعها، يفترس ~~البشر والعجماوات بعضهم بعضا، ويفترسون جميعا النبات، ويستهلك النبات الهواء ~~والماء وغيرهما من المواد، الحياة شر، وكل ما نصادفه من خير فهو زائف، وإذا كنا ~~نتصور الحياة خيرا ونحرص عليها ونسعى إلى الاستزادة منها، فهذا راجع إلى ما ~~تبهرنا به الإرادة الكلية من خيرات مظنونة وتثيره فينا من آمال كاذبة لتستطيع ~~البقاء بوسائل جديدة هي بنو الإنسان، ms275 يعتقدون أنهم يختارون غاياتهم اختيارا ~~وهم في الحقيقة مدفوعون من حيث لا يشعرون، يصدق هذا على حفظ الفرد، وعلى حفظ ~~النوع بالتناسل، فإن «شيطان النوع» يهيج في الفرد أقوى غريزة ويدفعه إلى ~~إرضائها، وما هو إلا أداة الإرادة الكلية التي تتوق إلى البقاء في النوع. (وهنا ~~يسهب شوبنهور، ويقول في المرأة كلاما ورد مثله في جميع اللغات). # الحياة شر: تشهد بذلك التجربة كما تقدم، ويشهد به النظر في ماهية الألم ~~واللذة، الألم انفعال إيجابي، هو ترجمة عن حاجة مفيدة للحياة، واللذة إرضاء هذه ~~الحاجة وتلطيف مؤقت، فهي انفعال سلبي، وإن بدت حالة إيجابية فتلك وسيلة من ~~وسائل خداع الإرادة الكلية؛ لذا كانت انفعالات الألم أقوى في الغالب، نلحظها ~~ولا نلحظ عدم الألم، لا نلحظ الصحة والشباب والسلامة والحرية حتى تفوتنا، ~~واعتياد اللذة يفل من حدتها، وانقطاع الشيء المعتاد يخلق آلاما جديدة، وكلما ~~زكا العقل ودق الشعور اشتد الإحساس بالألم، ألم الإنسان أكثر وأشد من ألم ~~الحيوان، ويتفاوت الناس في عدد آلامهم وقوة شعورهم بها، كل هذا يدل على أن مبدأ ~~السبب الكافي المنظم للتصور لا يصدق على الإرادة الكلية التي هي شيء بالذات، ~~إنها لمشكلة من الوجهتين النظرية والعلمية، لأنها مبدأ لا عقلي، جوهر لا يفهم ~~وينبغي ألا يفهم! ~~(3) الفن والأخلاق # على أنه يتفق أحيانا للمعرفة الإنسانية أن تتحرر من خدمة الإرادة الكلية؛ ~~وذلك حين نستغرق في التأمل الفني فيزول الشعور بالفردية ويزول الألم، أو حين ~~يتملكنا الاعتقاد بزيف الفردية فنؤثر عليها الغيرية، الفن والأخلاق إذن وسيلتان ~~للتحرر من الشعور بالوجود وبالألم، الفنون من وحي الإرادة الكلية تحاول بها أن ~~تتحقق أكثر فأكثر، الدرجة الدنيا فن العمارة، وهو ييسر لنا تصور الدرجات الدنيا ~~في الطبيعة، الثقل والتماسك والمقاومة، وظهور القوة الكامنة في المادة بالصراع ~~بين الثقل والمقاومة، ثم تجيء الفنون الشكلية: النحت يظهر الصورة الإنسانية في ~~حال الحركة، أي تحقق الإرادة في الفرد وتغلبها على العقبات التي تعترضها من ~~جانب القوى الطبيعية تجلياتها السفلى، ولكنه يقتصر على إظهار الإنسان في ms276 عمومه، ~~أما التصوير فيمثل الأخلاق، أي مختلف وجهات الإنسان في مختلف الظروف، فتبرز ~~الملامح والإشارات، والنحت والتصوير يظهراننا على المعاني بوساطة علاماتها ~~الطبيعية، أما الشعر فيوحي بالمعاني بوساطة الألفاظ، وكل نوع من أنواع الشعر ~~تعبير عن وجهة من وجهات الإنسان: الشعر الغنائي يظهر الألم الإنساني الناشئ من ~~مغالبة الإرادة للعقبات، والشعر التراجيدي يظهر الألم الإنساني الناشئ من تعارض ~~الطباع والأخلاق، وأخيرا الموسيقى، وهي فن يستغني عن كل صورة مكانية ويتخذ ~~صورة الزمان، فيشبه حياتنا الباطنة في تعاقب ظواهرها، ويعبر عن الأفعال مجردا، ~~أي عن السرور بالذات أو الألم بالذات، كل منهما مجردا عن دواعيه، فليست ~~الموسيقى صورة ظاهرة، ولكنها صورة الإرادة نفسها صاعدة ونازلة في خط منحن، أي ~~في صورها البسيطة وصورها المركبة، فتظهرنا على تاريخها المكنون ومعاركها ~~وآلامها. # غير أن التحرر بالفن لا يتسنى إلا للعباقرة، ولا يتسنى لهم إلا غرارا، ~~فهناك وسيلة أخرى في متناول الجميع للتغلب على الأنانية التي تدفع بنا إليها ~~الإرادة، هي أن نذكر وحدة البشر جميعا، وأن نعتقد أنه يضطرب في كل منا موجود ~~واحد بعينه، وأن الفردية والمباينة وهم خادع، هذا منشأ الفضيلة الحقة ومحبة ~~الإنسانية، ولما كانت اللذة محو الألم، كان كل ما تستطيعه المحبة التلطيف من ~~الألم؛ لذا تبدو المحبة في صورة الشفقة، فالشفقة الظاهرة الأخلاقية الأولية، ~~وهي تدل على وحدة النوع الإنساني، ولا تفسر إلا بهذه الوحدة، أما الفضائل ~~المتعارفة فما هي إلا صور للأنانية يتوخى منها الناس تحسين حالهم، بينما الشفقة ~~ميل عن الذات إلى الغير، فلا يبلغ إلى الراحة التامة إلا الذين ينكرون «إرادة ~~الحياة» إنكارا باتا، ويستسلمون لبطش الإرادة الكلية، أولئك هم الزهاد ~~والقديسون الذين يعتبرون الزهد محو الميل إلى بقاء الذات والنوع، لا الذين ~~يعتبرون قهر الجسم وسيلة للسعادة في حياة مقبلة، إذ ما دام الوجود شرا فإن ~~إرادة الوجود شر، والذي يجرب ألم الحياة ووهم الفردية يفقد كل داع للعمل، ومتى ~~علمت إرادتنا ذلك من عقلنا وجب عليها أن تنكر نفسها وتفنى في النرڤانا. # هذه ms277 الفلسفة تعميم تجربة شخصية لجموع الأهواء وألم الحياة، وقد قال عنها ~~شوبنهور إنها استقرائية تحليلية «ككل علم جدير بهذا الاسم» أو إنها «ميتافيزيقا ~~تجريبية» بعكس الميتافيزيقا القياسية التركيبية المعروفة عن أصحاب وحدة الوجود ~~من بارمنيدس إلى سبينوزا، وكان شلنج قد وضع مثل هذه الميتافيزيقا التجريبية في ~~مرحلته الأولى الطبيعية، وسيقوم لهما أنداد لعل آخرهم برجسون، وقد أدت بشوبنهور ~~تجربته الباطنة إلى نصب إرادة كلية عمياء شريرة، في حين أن الشر بالذات ممتنع ~~الوجود، ولم يفسر لنا كيف تخرج الأشياء المنظمة من الإرادة العمياء تخبط خبط ~~عشواء، وكيف يخرج العقل من اللا عقل، ومهما يقل عن الحرب والاضطراب في الطبيعة، ~~فإن كلا من الموجودات الطبيعية منظم في ذاته له ماهية ثابتة يعمل بحسبها ~~فتأتي أعماله وأحواله مطردة، ويلتئم النظام العام وهو ظاهر لا يحتاج إلى ~~دليل، وكيف نتحرر من الإرادة الكلية؟ أليس هذا التحرر بحاجة إلى إرادة؟ فمن أين ~~تأتي إرادة إنكار إرادة الحياة؟ وهل الشفقة هي النتيجة المنطقية لمبدأ المذهب، ~~أو أن المنطق يؤدي إلى وجوب ترك الضعفاء إلى مصيرهم، أو التعجيل بالقضاء عليهم، ~~ما دام الوجود شرا بالذات؟ وفي الواقع لقد انتحر كثير من قراء شوبنهور، ~~فكانوا أكثر إخلاصا للمبدأ وللمنطق من الرجل الذي ما أبى على نفسه شيئا من ~~متاع الحياة وكان يتمنى امتداد عمره واستطالة سلامته، وتعريفه للزهد مطابق ~~للبوذية مخالف للمسيحية مهما يرد أن يجمع بين هاتين الديانتين: ترمي البوذية ~~إلى الفناء التام، وترمي المسيحية إلى كبت الغرائز الحسية لإطلاق الحرية ~~للحياة الروحية والاستزادة منها إلى أبعد حد، وشتان بين الموقفين! ولئن كان ~~القديس بولس قد رفع العزوبة المسيحية فوق الزواج، فهو قد فاضل بين خيرين، ولم ~~يقل إن الزواج شر كما توهم فيلسوفنا، وقديما رفع أفلاطون وأرسطو حياة الحكمة ~~فوق الفضائل الأخلاقية، ويقول شوبنهور إن المسيح هو المثل الأعلى للذي يفهم ~~مذهبه حق الفهم؛ لأنه ضحى بجسمه الذي هو معلول إرادته وقتل في نفسه إرادة ~~الحياة، فما قوله في أن المسيح مات ليخلص البشر وأنه ms278 قام من بين الأموات؟ إن ~~هذه الفلسفة حافلة بالاستدلالات الفطيرة والتأويلات المعتسفة. # وهذه الفلسفات الألمانية الضخمة مركبة على نمط واحد، ولا تفترق إلا في ~~المبدأ الأول وتوجيه التفسير بناء على هذا المبدأ، فمسائل الفلسفة وحلولها ~~المختلفة معروفة من تاريخها، وكل الجهد ينحصر في اختيار المبدأ والحلول، ثم ~~النزول من أعلى مراتب الطبيعة الماثلة أمامنا إلى أدناها لتبين عوامل التركيب ~~أو ما يبدو كذلك، ثم عرض هذه العوامل وتركيباتها كأنها مستنبطة استنباطا، حتى ~~ليصبح المذهب الفلسفي لونا من ألوان الأدب، وهو كذلك بالفعل عند الكثيرين، ~~وإذا أردنا أن ندل على ميزة لهذه الفلسفات، قلنا إنا صدق فهم الكائن الحي بأنه ~~وحدة متطورة بقوة باطنة هي التي سماها أرسطو بالصورة والعلية الصورية، لا أنه ~~مركب صناعي من ذرات قائمة بأنفسها كما يريد المذهب الآلي؛ لذا نجد هؤلاء ~~الفلاسفة يردون وحدة الطبيعة ووجوه الشبه بين الأحياء إلى أن هذه الأحياء ~~تجليات أو خلائق أصل واحد بعينه، ويخالفون القائلين بتحول الأنواع بعضها إلى ~~بعض بمر الزمان، وهاتان فكرتان سيكون لهما أثر بليغ فيما سيأتي من مذاهب روحية، ~~وهما ظاهرتان كل الظهور في «التطور الخالق» وما رتبه عليه برجسون من أصول ~~وفروع. # الفصل الخامس # هربارت # 1776-1841 ~~(1) حياته ومصنفاته # هو أقدم من شوپنهور، وقد أخرناه لأنه اتخذ وجهة مغايرة لوجهة الأربعة ~~المذكورين آنفا، فارتأى أن الأشياء موجودة حقا وليست مجرد تصورات، وأن مهمة ~~الفيلسوف قبولها كما هي ومحاولة تفسيرها، لا تركيب العالم تركيبا مبدئيا ~~يقلب الفلسفة قصة شعرية، وله محاولة في تطبيق الرياضيات على الظواهر النفسية ~~حتى يجعل من علم النفس علما مضبوطا كسائر العلوم الطبيعية، فكان من هذه ~~الناحية زعيما لمدرسة سنصادف فيما يلي بعض أتباعها البارزين. # كان أستاذا بجامعة جوتنجن (1805) ثم بجامعة كونجسبرج، أهم مؤلفاته: «ما بعد ~~الطبيعة» و«علم النفس مؤسسا للمرة الأولى على التجربة والميتافيزيقا والرياضة» ~~و«موجز علم النفس». ~~(2) الميتافيزيقا # الفلسفة توضيح المعاني التي يقوم عليها العلم، ولما كانت هذه المعاني لا ~~تخلو من تناقض، كانت مهمة الفيلسوف العمل على رفعه، هذا التناقض ms279 أدركه زينون ~~وظن أنه لا مخرج منه، ورأى فيه الشكاك سببا للعدول عن الميتافيزيقا وقبله هجل ~~على أنه ماهية الفكر والوجود، ولكن مبدأ عدم التناقض قانون العقل، ويجب رعايته ~~ما دام العقل، والوقوف عند الشك عجز، وإن قليلا من التفكير يقنعنا بفساد هذا ~~الموقف؛ فإنه إذا كان وجود الأشياء موضع شك، فما من شك في أنها تبدو موجودة، ~~وإذا لم يكن هناك شيء لم يبد شيء، على أن من الممكن الشك في كون الأشياء مطابقة ~~لتصورنا، وهذا الشك نقطة بداية الفلسفة، وهو ينشأ من النظر في المتناقضات. # المعاني المتناقضة هي بنوع خاص: معاني المادة والزمان والحركة والجوهر ~~والعرض والعلة، فالمادة والزمان يشتركان في كونهما «وحدة متكثرة» من حيث إنهما ~~قابلان للقسمة، وهذا أصل المتناقضات الواردة عند زينون وكنط، والحركة جمع بين ~~الوجود واللا وجود، والجوهر عبارة عن شيء واحد بعينه هو في الوقت نفسه كثير بما ~~يضاف إليه من أعراض أو قوى، والعلة إذا كانت خارجية كان معناها أن الشيء ~~المتغير بها هو كما كان من قبل (ما دام هو هو) وليس كما كان من قبل (ما دام ~~معتبرا قد تغير)، وإذا كانت داخلية كالفعل الإرادي، كان معناها أن موجودا ~~واحدا بعينه فاعل ومنفعل في آن واحد، أي إنه مزدوج وليس واحدا. # لأجل رفع التناقض يجب القول بأن ما يوجد في الخارج ليست الأشياء المحدودة ~~البادية في الحس، وهي متكثرة كما سبق القول، بل كيفيات مقابلة للكيفيات المدركة ~~بالحواس، كل منها بسيط مطلق في نوعه، وأن الأشياء البادية في الحس تأليفات من ~~صنعنا؛ ومن ثمة ذاتية نسبية، ولا تناقض في كون الكيفيات جميعا مطلقة، من حيث ~~إن الموجودات الجسمية هي التي تتنافى ويحد بعضها بعضا، وموجوداتنا غير ممتدة، ~~مثلها مثل مونادات ليبنتز، مع هذا الفارق وهو أنها ليست مركبة من أحوال وإنما ~~هي بسيطة كل البساطة، وليست متغيرة وإنما هي ثابتة لا تتغير، وما التغير إلا ~~تغير العلاقات المتبادلة بين الكيفيات، لا تغير الكيفيات أنفسها، وهكذا اعتقد ~~هربارت أنه أنقذ ms280 مبدأ عدم التناقض. ~~(3) علم النفس # الأنا أحد تلك الموجودات البسيطة، وفعله الجوهري صيانة ذاته ومدافعة ~~الآخرين، وتعدد ظواهرنا الشعورية نتيجة هذه المدافعة، فما الظاهرة الشعورية إلا ~~مجهود النفس في سبيل البقاء، وما الفكر إلا جملة علاقات الأنا بسائر الموجودات، ~~والظواهر الشعورية تروح وتجيء، وتشتد وتضعف، فلها إذن وجه كم، ويمكن دراستها ~~بتطبيق الرياضيات، لم يلج علماء النفس هذا الطريق للآن بسبب شدة تغير هذه ~~الظواهر حتى لتبدو متأبية على القياس، ولكن حساب النهايات الصغرى يطبق العدد ~~على عين الحركة أو التغير دون حاجة إلى تعيين الكميات المتغيرة؛ فمنذ استكشاف ~~هذا الحساب أصبح من الممكن دراسة تغير الشعور دراسة رياضية دون حاجة إلى وحدة ~~ثابتة تقاس بها الظواهر قياسا مباشرا، يكفي أن نعتبر هذه الظواهر بمثابة قوى ~~متعارضة، فإذا تعارضت ظاهرتان بنفس القوة، وقفت كل منهما الأخرى وانتقلتا من ~~مجال الشعور إلى مجال اللا شعور؛ وإذا ما اشتدت إحداهما عادت إلى مجال الشعور ~~وإلى الحركة، فحساب هذا الوقت أو التعادل وهذه الحركة موضوع الدراسة الرياضية ~~للنفس، فهربارت يتصور الظواهر الشعورية قوى متقابلة على مثال الكيفيات ~~الخارجية، أو يتصور العالم الخارجي على مثال عالم النفس، ولكن معادلاته فقدت كل ~~قيمة لأنه أقامها على عدد كبير من الفروض جاءت في الغالب متنافية مع الواقع، ~~وسنرى في الباب التالي محاولات أخرى لإدخال الكم على علم النفس. # المقالة الثانية: الفلسفة في فرنسا # تمهيد # كان الفكر الفرنسي في القرن الثامن عشر صدى للفكر الإنجليزي، ولكنه الآن يستعيد ~~أصالته ويستحدث مذاهب خاصة، فما إن أفاق من غمرات الثورة ورأى ما عقبها من خراب ~~مادي واضطراب معنوي وقلق اجتماعي حتى شرع في البناء وفي نفس كل عامل من عمال هذا ~~المشروع الخطير يقين لا يتطرق إليه الشك بأن علة العلل الاضطراب المعنوي أو فساد ~~العقيدة في «القيم العليا»، فعملوا جميعا - كل بطريقته الخاصة - على استرداد ~~الإيمان بهذه القيم، فظهر مذهب نفسي روحي يهزم المادية هزيمة ماحقة، وتداولته ~~الأجيال إلى أيامنا حتى ليعد طابع الفكر الفرنسي، وقام بعض الكاثوليك ms281 يحطمون مبادئ ~~القرن السالف في الاجتماع، وينادون بالعودة إلى العقيدة السلفية، وقام غيرهم ينكرون ~~هذه المبادئ من ناحيتهم، ويعلنون عداءهم للميتافيزيقا واستمساكهم بالواقع، مع ~~إعلانهم في الوقت نفسه أن ليست «الواقعية» عندهم مرادفة للمادية ومبطلة للقيم، ~~فالفصلان الأولان من هذه المقالة يتحدثان عن فريقين من رجال المذهب الروحي والفصل ~~الثالث يعرض المذهب الواقعي. # الفصل السادس # المذهب الروحي # تمهيد # زعم كوندياك أن تمثالا على شكل الإنسان حاصلا على مجرد الحياة عاطلا من كل ~~ميل أو قوة أو تعيين أيا كان، يستطيع أن يكتسب جميع الإحساسات والصور ~~والمعاني والانفعالات اكتسابا آليا بين هو طريقته بتحليل دقيق، وقد أخذ ~~بهذا التحليل أصدقاء وأتباع لكوندياك ألفوا فئة متضامنة في أكاديمية العلوم ~~الأخلاقية والسياسية تواصل إلحاد القرن الثامن عشر، وحزبا سياسيا أيد ~~بونابرت أول الأمر ثم انقلب عليه حين رآه يستبد ، من بين هذه الجماعة فريق يعتمد ~~على طريقة كوندياك ويعارض بها مبادئه ونتائجه؛ وقد تدرجت هذه المعارضة، فقال ~~أحدهم كابانيس إن مثل هذا التمثال لا ظل له من الحقيقة، وإن الإنسان يولد وفيه ~~استعدادات فسيولوجية ذات أثر قوي في الحياة النفسية؛ وقال دستو دي تراسي: وفيه ~~أيضا قوى عقلية، وقال مين دي بيران، وهو أعمقهم فكرا وأبعدهم أثرا: وفيه نفس ~~مستقلة بذاتها وميول أصيلة إلى الميتافيزيقا وإلى الدين، فكان مؤسس الفلسفة ~~الروحية الفرنسية المعاصرة، هؤلاء الثلاثة أركان الفئة، وثانيهم هو الذي اقترح ~~لفظ # Idéologue # أو«معنوية» للدلالة على فلسفتهم ~~التي تطرح جانبا النظر الميتافيزيقي وتقصر همها على دراسة «المعاني» ~~(بالمعنى العام أي الظواهر النفسية) لتبين خصائصها وقوانينها وعلاقتها ~~بالإشارات المعبرة عنها، محاولة بنوع خاص استكشاف أصلها، فدعوا # idéolagués # أي أصحاب المعاني، ولكن هذا ~~الاسم انصرف أيضا إلى معنى ينطوي على السخرية والتحقير فدل على التحليل الأجوف ~~والمناقشة العقيمة والتفكير الخيالي أو «الميتافيزيقا المظلمة» على حد تعبير ~~بونابرت نفسه، وقد ضممنا إليهم عالما طبيعيا شهيرا، هو لامارك، أبدى رأيا ~~في الكائن الحي وتطوره يتفق مع رأيهم ويفسح له مكانا في تاريخ الفلسفة. ~~(1) لامارك (1748-1829) # بدأ حياته ms282 العلمية بدراسات فلكية وجيولوجية، فدون سنة 1776 رسالة «في علل ~~أهم الوقائع الطبيعية» عارض فيها نظريات لاڤوازيي بغير توفق كبير؛ وفي السنة ~~عينها بعث إلى أكاديمية العلوم برسالة «في أهم ظواهر الجو»، ثم عكف على دراسة ~~النبات، ونشر كتابا في ثلاثة مجلدات عنوانه «النبات الفرنسي، أو وصف موجز ~~لجميع النباتات التي تنمو بفرنسا نموا طبيعيا، مرتب تبعا لمنهج تحليلي ~~جديد، مع ثبت بأصرح مزاياها في الطب وفائدتها في الفنون» (1778)، وفي 1794 عين ~~أستاذا لعلم الحيوانات اللا فقرية، فخطر له أن الطبيعة قد تكون بدأت بهذه ~~الحيوانات الدنيا «حين كونت سائر الحيوان بمعونة زمن طويل وظروف مواتية» وصرح ~~بذلك في خطبة افتتاح دروسه لسنة 1800 فكانت هذه الفكرة مبدأ فلسفته العلمية، ~~وقد قال: «كل علم يجب أن يكون له فلسفته ... فهو لا يتقدم حقا إلا بهذه ~~الواسطة»، ونشر سنة 1809 كتابا في «فلسفة الحيوان » يشرحها فيه. # على أنه لم يذهب إلى مطلق التطور في المادة إلى الخلية الحية إلى مختلف ~~الأحياء، أجل لقد سلم بالتولد الذاتي، لكن لا بمعنى أن المادة تتجه بذاتها إلى ~~الحياة، بل بمعنى أن غازات لطيفة كالحرارة والكهربا قد تنقل غير الحي إلى حي ~~بكيفية متقطعة وفي نطاق ضيق، فالحياة في الصل من خلق الله، أوجد الله أصولا ~~طبيعية أو نماذج ينتظم كل منها من عدد معين من الأعضاء المعينة مركبة تركيبا ~~معينا، فمثلا نموذج الحيوان الفقري يتضمن عينين موضوعتين الواحدة بإزاء ~~الأخرى وأسنانا وأرجلا، بيد أن في هذا النموذج أحياء كثيرة نرى الأعضاء فيها ~~موزعة توزيعا آخر أو ضامرة أو معدومة بالمرة، فهذه الاختلافات الطارئة على ~~النموذج وليدة ظروف أفسدته، أو وليدة تطور يرجع إلى أن البيئة بتربتها وغذائها ~~ومناخها تولد في الحيوان حاجات مختلفة، فيبذل مجهودا لإرضاء حاجاته، وينتهي ~~مجهوده المتصل إلى تعديل الأعضاء، بل إلى نقلها من موضع إلى أخر من جسمه فإن ~~استخدام العضو ينميه، وعدم استخدامه يهزله أو يضمره بالتدريج، والوراثة تنقل ~~العضو على حاله من النمو أو الهزل أو الضمور، وهذا ms283 يفسر لنا مثلا عدم توازي ~~عيني السمك المسطح «فقد اضطرته عاداته إلى السباحة على جانبيه المسطحين ... وهو ~~في هذا الوضع يتلقى من الضوء في أعلى أكثر مما يتلقى في أسفل، ولما كان بحاجة ~~لإدامة الانتباه إلى ما فوقه، فقد اضطرت هذه الحاجة إحدى العينين إلى الانتقال ~~والحلول في المكان الغريب المعروف»، هذه عوامل التطور في نطاق النموذج عند ~~لامارك، وقط فطن إلى تنازع البقاء والانتخاب الطبيعي فلاحظ أن القوي من الحيوان ~~والأقوى سلاحا يفترس الضعيف، ولكنه لم يتوسع في هذه الفكرة، ولم يعرها مثل ~~ما سيعيرها دروين من أهمية كبرى. ~~(2) كابانيس (1757-1808) # طبيب عني بدراسة «العلاقات بين الطبيعي والمعنوي في الإنسان» وهذا عنوان ~~كتابه وموضوعه (1802)، يأخذ فيه على كوندياك أنه لم يلتفت لغير الإحساسات ~~الخارجية، فأغفل التأثيرات المتواردة بلا انقطاع على الدماغ من جميع الأعضاء ~~الداخلية، والتي تشهد بأن الشخص يولد حاصلا على رأسمال أصيل يؤثر في كل ما يرد ~~من خارج فيلونه بلون خاص، هذا هو مزاجه الذي يميل به إلى خلق معين، أو يسبب له ~~الاضطراب العصبي والجنون دون ما تأثير خارجي، إن الأفعال الغريزية تنقض رأى ~~كوندياك، والغريزة مركب من حركات يشبه تركيب الفعل المروي، ويخرج إلى الفعل ~~بمناسبة إحساس باطن، فلا يمكن أن تفسر بتأثير خارجي، كما أن تأثيرا خارجيا ~~لا يفسر عمل المعدة مثلا أو أي عضو أخر، وقد اصطنع كابانيس المنهج المادي فرد ~~كل فعل من أفعال الإنسان إلى عضو فيه، وقال فيما قال: «إن الدماغ يفرز الفكر ~~كما تفرز الكبد الصفراء»، على أنه لم يصطنع المذهب المادي فترك الباب مفتوحا ~~للإيمان بالعلل الأولى، وإن تكن هذه العلل في رأيه «فوق دائرة بحثنا ومتناول ~~عقلنا». ~~(3) دستو دي تراسي (1754-1836) # قلنا إنه واضع لفظ # Idéalagie # وقد دون «مبادئ ~~المعنوية» في أربعة كتب: الأول في «المعنوية» (1801) والثاني في «الأجرومية ~~العامة» (1803) والثالث في «المنطق» (1805) والرابع في «الإرادة» ~~(1815). # وهو يعارض كوندياك في تخريجه القوى النفسية بعضها من بعض، ويرى وجوب القول ~~بقوى أولية متمايزة، يضع كوندياك الإحساس قبل ms284 الحكم ويخرج من الحكم النزوع؛ ~~فيقول دي تراسي: ولكن الإحساسات يمكن أن تتقارن دون أن تختلط والتقارن نسبة ~~مدركة فورا، أي حكم مقارن للإحساس، ثم إن الإحساس باللذة أو الألم يتضمن ~~الشعور بنسبة بين الإحساس والقوة الحاسة، ويمكن أن يثير نزوعا سابقا على ~~الحكم، وإذن فالإحساس والحكم والنزوع قوى أولية على السواء، كذلك ليست الغريزة ~~مكتسبة، ولكنها نتيجة مباشرة لتركيب الحيوان، مثلها مثل الهضم أو أية وظيفة ~~أخرى، وأيضا لا يكفي اللمس المنفعل لإظهارنا على «الخارجية» ولا بد لذلك من ~~قوة الحركة، فإن ما نحسه من مقاومة لفعلنا الإرادي يعلمنا أن ما يقاوم إرادتنا ~~مغاير لها، وقوة الحركة هذه بمثابة حاسة سادسة تعطينا إحساسات خاصة. ~~(4) مين دي بيران (1766-1824) # هو أحد الشباب الملتفين حول كابانيس ودستو دي تراسي، الآخذين بأقوالهما ~~وبمبادئ كوندياك، وكان ذا مزاج قلق، وكان ميالا للاستبطان قديرا عليه قدرة ~~فائقة، وجد في نفسه عواطف غامضة متناقضة مرتبطة من غير شك بحالات عضوية متأبية ~~على إرادته، فالتفت بقوة خاصة إلى الحساسية الباطنة، وفطن إلى أن المعاني ~~والإرادات الأخلاقية صادرة بلا ريب عن منابع مغايرة للإدراكات الحسية الظاهرية، ~~وحدث أن أعلن المجمع العلمي سنة 1799 موضوعا للمسابقة هو: «ما تأثير العادة ~~على قوة التفكير؟» فدون رسالة «في العادة» فازت بالجائزة، وأعقبها برسالة ~~تكميلية، وقد بين أن فينا قوة فعلية إلى جانب الانفعال الذي يعول عليه كوندياك، ~~وأن تأثير العادة يختلف في الانفعال وفي الفعل؛ فالانفعالات جميعا تضعف ~~بالتدريج حتى تنمحي إذا ما استطالت أو تكررت، كالإحساس المتصل برائحة بعينها ~~فإنه ينتهي إلى العدم؛ لأن اتصاله وتكراره يضعف قدرة العضو الحاس على مزاولة ~~الجهد أو الشعور بالمقاومة، في حين أن الأفعال أو الإدراكات تزداد وضوحا ~~بازدياد حركة العضو الحاس وتضاؤل الانفعال، كالرؤية فإنها تتميز إذا ما اعتدل ~~تأثير العضو ووهج اللون، أو ضعف الشعور بحركات عضلات العينين بتأثير العادة، ~~وعلى العكس يغمض الإدراك حتى يصير انفعالا إذا ضعفت حركة العضو الحاس أو سكنت؛ ~~وإذن فالإدراك غير الانفعال، ولكن العادة تكسب ms285 الأعضاء الحاسة سهولة وسرعة ~~وسدادا في حركتها فتضعف الشعور بالقسط الفعلي في الإدراك حتى تزيله، وفي ~~الذاكرة أيضا فعل وانفعال: فثمة فرق بين عودة الصور إلى الذهن عودة تلقائية ~~وبين استعادتها بالإدارة، والعقل من جهته لا يتكون حقا إلا بحصوله على ~~الألفاظ وهي إشارات إرادية وحركات مقابلة للمعاني دالة عليها، ومن شأن العادة ~~أن تجعل العقل يربط بين هذه الحركات وبين المعاني المقابلة لها بسرعة وسداد ~~متزايدين، وليس صحيحا ما قاله كوندياك من أن قوة التفكير قائمة كلها في ~~الإشارات أو الألفاظ، إذ كيف كان يمكن خلق الإشارات بدون فعل الفكر؟ فكل تقدم ~~فكري فهو يتوقف على الجهد الباطن الذي يوجد عادات فعلية جديدة. # وفي 1805 أعلن المجمع العلمي موضوعا آخر للمسابقة هو: «كيف يمكن تحليل قوة ~~التفكير وما هي القوى الأولية التي يجب الاعتراف بها لها؟» وضع هذا السؤال ~~«المعنويون» الذين كانوا يؤلفون أكاديمية العلوم، فدون مين دي بيران «رسالة في ~~تحليل الفكر»، كانوا يقصدون بالقوى الأولية مظاهر الإحساس في تحوله، وفهم هو أن ~~المطلوب القيام بتحليل يكشف عن «أبسط وأوكد معرفة تصير بها جميع المعارف ممكنة» ~~فقال: إن الظاهرة الأولية هي الجهد العضلي، به يعرف الأنا نفسه معرفة مباشرة ~~أنه قوة تعلو على الجسم وتحدث حركة عضلية أي توترا تستطيله بالإرادة، وليس يعرف ~~الأنا نفسه إلا باعتباره علة فاعلية في مادة تقاومه، ونحن نجد في كل شعور ~~بالأنا هذا الاتحاد الوثيق بين هذين العنصرين المتباينين: قوة لا مادية ومقاومة ~~مادية، بحيث ينعدم الشعور بانعدام المقاومة، إن التجربة الباطنة لا تظهرنا على ~~جوهر النفس ندركه بالحدس مستقلا عن الفعل في الجسم، كما اعتقد ديكارت، ولكنها ~~تقفنا فقط على قوة فاعلة شخصية متضامنة مع الطرف الذي تفعل فيه، أما تصور ~~ديكارت للعلاقة بين الأنا والحس على مثال العلاقة الخارجية بين صانع ومصنوع، ~~فإنه يؤدي - وقد أدي بالفعل - إلى إنكار فاعلية النفس في الجسم، كما رأينا عند ~~مالبرانش وليبنتز وغيرهما، وفي معرفة الأنا لنفسه في الشعور بالجهد توجد ~~بالتضمن المعاني الأولية: ms286 معاني الوجود والجوهر والوحدة والذاتية، ومعنى القوة ~~أو العلة مدركا إدراكا مباشرا لا مستنتجا بالاستدلال، ومعنى الحرية متجليا ~~في معارضة الإرادة للنزوع، هذه المعاني يقول عنها الفلاسفة إنها مجردات غريزية ~~أو مركبة، الحقيقة أنها أصيلة مستمدة من صميم الوجدان، وهي شروط الفكر وأصول ~~العلم، ولكن هذا لا يعني من جانب مين دي بيران أنه بلغ إلى ما بعد الطبيعة، فإن ~~منهجه نفسي، ولم يكن يقصد إلى مجاوزة علم النفس، ولما فكر في المسائل ~~الميتافيزيقية والدينية عالجها بالمنهج النفسي، فكان مؤسس علم النفس الديني. # وهو لم يفكر في الدين إلا بعد تفكير في الأخلاق، كان قد أغفل ما تلقاه من ~~الدين في حداثته، واعتقد في وقت ما أن الرواقية تتفق مع مذهبه لما تقول به من ~~سيطرة الإرادة على نوازع الحس، ولكن التجارب علمته أنه لا يستطيع أن يجد في ~~نفسه قوام حياته القلقة المضطربة، ومنذ ذلك الحين أخذ يطلب الله لحاجته إلى ~~نعمة ربانية يتغلب بها على الحساسية، وقد سجل هذه التجربة في «جريدته الخاصة» ~~ثم شرع يضع تأويلها الفلسفي في كتاب اسماه «محاولات في علم الإنسان» ولم يتمه، ~~إنه ينتقد أدلة ديكارت على وجود الله، فيقول إن الانتقال من النفس إلى الله ~~بموجب مبدأ العلية يثير مسألة ممتنعة الحل هي: ما علاقة العلية بين الخالق ~~والمخلوق؟ إذ أن هذه العلاقة تختلف بالمرة عما نعلمه من علاقات علية، ثم لا ~~يمكن الجزم بأن فكرة الله فكرة محصلة، فقد تكون للنفس قدرة خفية على الاستكمال ~~إلى غير نهاية؛ ومن ثمة على إبداع فكرة موجود كامل دون أن يوجد مثل هذا ~~الموجود ليكون علة الفكرة التي تصوره، ثم إن الدليل الوجودي غلط من حيث إن ~~الوجود، ولا تفاوت فيه بين الجواهر والأعراض، ما دامت جميعا مجرد أفكار، فلا ~~يبقى الرجوع إلى النفس، وحينئذ نرى النفس «تماس منبع كل حقيقة وكل نور، وتحس ~~الله واللا نهاية في إشراقات العبقرية الفجائية، وفي الوثبات الآتية نحو ~~الحقائق العليا، وفي البروق اللامعة خلال السحب المخيمة على ms287 عقولنا، وفي ~~إلهامات وعواطف مستعصية على التعبير»، فيكون للإنسان حيوات ثلاث مقابلة للأنظمة ~~الثلاثة عند پسكال: حياة حيوانية خاصيتها إحساس وتخيل، أي مجرد انفعال، وحياة ~~إنسانية هي الإدراك مع الفعل أو الجهد، وحياة إلهية هي انفعال وقبول من عل، بيد ~~أن مين دي بيران يسأل نفسه: كيف الاستياق من أن أصل هذه التجربة إلهي؟ إذا ~~سلمنا بأنها ليست من فعل النفس لكوننا لا نشعر بأننا نحدثها، فكيف التدليل على ~~أنها ليست من فعل الجسم؟ ولا سيما أنه لاحظ اندفاعا منه إلى أفكار وعواطف ~~دينية في حالات معينة من جسمه وأوقات معينة من السنة، كما لاحظ وجه الشبه بين ~~المؤمن المنفعل بالنعمة وبين النائم الذي يتلقى الإيحاء في النوم المغناطيسي، ~~ولاحظ أثر هيئة الجسم في إثارة أفكار وعواطف وحركات معينة، وقد لازمه الشك في ~~هذه المسألة طول حياته مع ميل متزايد إلى الاعتقاد بأن التجربة الدينية إلهية، ~~وبأنه يستحيل أن ننكر على المؤمن ما يحس من اطمئنان وسعادة وبهاء، ولم يكن ~~الدين عنده عقيدة محدودة وكنيسة معينة، وإنما كان مجرد عاطفة، ولو أنه كان يدرس ~~إنجيل يوحنا وكتاب التشبيه بالمسيح وكتب الأسقف فنيلون، وهكذا سيكون الحال عند ~~معظم الذين يلجئون إلى التجربة الدينية بهذا المعنى، وأشهرهم في أيامنا وليم ~~جيمس وهنري برجسون، وهذه روحانية هزيلة تدعنا مترددين في التجربة الدينية أهي ~~حقيقة أو وهم، وكل ما تصل إليه الكشف عن حاجات وأمان للإنسان تسمو به فوق ~~الحياة الأرضية، دون أن تدله على حقيقة معينة وغاية واضحة، وقد عرف مين دي ~~بيران هذا النقص في منهجه، فاعتنق المسيحية ومات عليها. ~~(5) لاروميجيير (1756-1837) # هذا المذهب الروحي أعلنه في الجامعة نفر من المفكرين اتصلوا بمين دي بيران ~~وتأثروا به، أولهم لاروميجيير ألقى «دروسا في الفلسفة» بكلية الآداب بباريس ~~(1811) ثم نشرها في كتاب (1815-1818)، يعرف الفلسفة بأنها طريقة تحليلية ترجع ~~المعاني إلى فعل قوانا المعروفة فتبطل الاعتقاد بأنها نابعة من قوى عليا خفية، ~~في هذا التعريف اصطناع لطريقة كوندياك، واحتجاج على الرومانتية الألمانية، ~~ولكنه يعتمد، ms288 ليس فقط على الحس الذي هو قوة انفعالية، بل أيضا على الانتباه ~~الذي هو قوة فعلية، فيستخرج منه المضاهاة التي تستكشف علاقات الأشياء وتمهد ~~للحكم والاستدلال. ~~(6) روايي كولار (1763-1843) # سياسي أكثر منه فيلسوف، ألقى دروسا بكلية الآداب بباريس (1811-1814) عارض ~~فيها فلسفة كوندياك بفلسفة ريد، فأدخل هذه الثانية في التعليم بفرنسا، إن ~~«فلسفة الإحساس» تقوم على التصورية التي تركب الأشياء من الانفعالات، فيلزم ~~عنها أن الأنا مجموعة إحساسات، وأن الطبيعة مجموعة كيفيات محسوسة، وأن الله ~~مجموعة معلولات: فلا جوهر، ولا بقاء متصل في الزمان، ولا قوة فاعلية، فننتهي في ~~الميتافيزيقا إلى الشك العدمية، وفي الأخلاق إلى الأنانية من حيث أن ليس لغيرنا ~~(بل ولا لنا) وجود جوهري، ولكن «فلسفة الإدراك» (وهي فلسفته) تقوم على وقائع ~~أصيلة بينة بذاتها مشتركة بين جميع بني الإنسان، هي وجود الأنا كجوهر مفكر باق ~~عارف ذاته معرفة مباشرة، وعارف بقاءه بالذاكرة، وعارف عليته في الفعل الإرادي ~~والانتباه، وبضرب من الاستقراء ننقل طبعا إلى الأشياء الطبيعية الجوهرية ~~والبقاء والعلية، لما نصادف منها من مقاومة، ونرى بينها من تفاعل، مع حذف ما في ~~فاعليتنا من تفكير وإرادة، ثم نتأدى من فاعلية الأشياء إلى فاعلية الله باعتبار ~~أن العلل الجزئية لا تتفق إلا بفعل علة واحدة كلية القدرة. ~~(7) فيكتور كوزان (1792-1867) # دخل مدرسة المعلمين العليا بباريس ليتخرج فيها أستاذا للأدب، فما أن استمع ~~فيها إلى لاروميجيير ذات يوم من سنة 1810 حتى مال إلى الفلسفة وعول على أن ~~يخصص لها حياته، وفي السنة التالية استمع إلى روايي كولار بكلية الآداب، ثم ~~اتصل بمين دي بيران، وفي 1814 عين أستاذا للفلسفة بمدرسة المعلمين، وفي 1815 ~~ندبه روايي كولار ليحل محله بكلية الآداب، فكان محاضرا بارعا وفيلسوفا ~~سطحيا، وهكذا كان شأن أستاذيه وشأن مريديه وتلاميذه، وفي هذه الفترة كان على ~~رأي أساتذته الفرنسيين يجمع إليهم ريد وأتباعه من الأسكتلانديين ورحل إلى ~~ألمانيا ثلاث مرات (1817، 1818، 1824) والتقى بشلنج وهجل وأخذ عنهما، فكان له ~~مذهب جديد، ورقي إلى مرتبه الأشراف، وعين عضوا بمجلس ms289 شورى الدولة، ومديرا ~~لمدرسة المعلمين، ومديرا للجامعة، وأخيرا وزيرا للمعارف، فهيمن على التعليم ~~وبرامجه مدة طويلة، أهم كتبه: كتاب «التاريخ العام للفلسفة» وكتاب «في الحق ~~والجمال والخير» وهو كتاب مشهور نقحه مرارا. # مذهبه الجديد يرمي إلى «استخلاص عقيدة النوع الإنساني» أي استخلاص ما في كل ~~مذهب من وجه حق؛ لذا أسماه بالتخير # eclectisme # فكان لتعليمه صبغة تاريخية ظاهرة، وهو الذي أدخل تاريخ الفلسفة في التعليم ~~الجامعي بفرنسا وأثار الاهتمام بالتأليف فيه، وهو يرد المذاهب إلى أربعة كبرى: ~~المذهب الحسي أو المادي الذي يفسر الوجود بالمادة المحسوسة تفسيرا آليا، ~~والمذهب العقلي أو الروحي الذي يفسر الوجود تفسيرا منطقيا، ومذهب الشك الذي ~~يقول بامتناع إدراك الحقيقة لما يرى من تناقض المذهبين السابقين، والمذهب ~~الصوفي الذي يحسم الشك بالإيمان الديني ويطلب الحقيقة خارج الإنسان، ويتألف ~~تاريخ الفلسفة من هذه المراحل تتعاقب على هذا الترتيب في أدوار مختلفة، ولكن ~~واحدا من هذه المذاهب ليس حقا بالإطلاق ولا باطلا بالإطلاق، والفلسفة ~~الكاملة تجمع بين عناصرها المتلائمة فتسقط عناصرها الباطلة، وهذا تعريف التخير ~~ومنهجه، فإذا طبقناه وجدنا المذهب الحسي صادقا في قوله بالمادة، مخطئا في ~~إنكار الروح والمعاني العقلية التي يشترك فيها كل الناس ويرجعون إليها دائما ~~بالطبع فيجب الجمع بين المذهبين الحسي والعقلي، وبذا يتبدد الشك، ونستغني عن ~~المذهب الصوفي، إذ لا حقيقة للوحي، وكل الحقيقة قائمة في الفلسفة التي هي غاية ~~نمو العقل الإنساني. # وقوام مذهبه الجديد وحدة الوجود حيث تتلاءم الأضداد، إن الحقائق المطلقة ~~التي نجدها في عقلنا تتطلب عقلا مطلقا؛ وبذا يقوم الدليل على وجود الله (على ~~طريقة القديس أوغسطين) وبذا يحتفظ كوزان بالمنهج الفرنسي الذي يذهب من علم ~~النفس إلى الميتافيزيقا، وينبذ قول الألمان بحدس عقلي يدرك المطلق مباشرة؛ وبذا ~~نخرج من الذاتية إلى الموضوعية، ولما كان الله غير متناه كان الموجود الأوحد، ~~ولما كان الله عقلا كان وجدانا، والوجدان يتضمن التنوع والتباين، فالله ~~يستخرج الكون من ذاته بتطور إرادي، كما يستخرج الإنسان من نفسه فعله الإرادي؛ ~~وهذا التطور الإرادي في ms290 الله هو مع ذلك ضروري لازم من كماله باعتباره العلة ~~المطلقة؛ إذ أن مثل هذه العلة لا تستطيع ألا تخلق، فحياة الكون - ومن ثمة حياة ~~البشر والشعوب - مظهر الحياة الإلهية، وكل ما هو موجود هو عقلي، فالنجاح يبرر ~~الفعل أيا كان كما قال هجل، وقد ثارت مناقشات حادة حول هذه الأقوال، كان من ~~أثرها أن كوزان تحول منذ 1833 من وحدة الوجود إلى الإله المفارق! ولا ندري إن ~~كان هذا التحول صادرا عن اقتناع أو عن حرص على سمعة الجامعة وعلى ترقيه هو في ~~مناصب الدولة، ولكنه ظل إلى النهاية على المبدأ العقلي المنكر للوحي، وبالرغم ~~من سلطانه على التعليم كان نفوذه ضئيلا على جمهرة المثقفين. # الفصل السابع # المذهب الفلسفي ~~(1) لويس دي بونالد (1754-1840) # المذهب الفلسفي معارض للمذهب الفردي؛ فهو ينكر عليه دعواه أن الفرد من بني ~~الإنسان كائن قام برأسه وأن الاجتماع وليد اتفاق بين الأفراد، ويعارض هذه ~~الدعوى بتوكيد ضرورة الاجتماع، وهو ينكر عليه دعواه أن العقل الفردي يبلغ إلى ~~الحق بقوته الذاتية، ويعارض هذه الدعوى بإرجاع العلم الإنساني إلى وحي أول نزلت ~~به من لدن الله ألفاظ اللغة والمعاني المقابلة لها فتناقلها السلف، ولويس دي ~~بونالد زعيم الناقمين على فلسفة القرن الثامن عشر الفردية، الحاملين على الثورة ~~الفرنسية وليدة هذه الفلسفة، هاجمها في كتاب نشره سنة 1796 بعنوان «نظرية ~~السلطة السياسية والدينية» ثم دأب على شرح آرائه في كتب عدة أهمها «تحليل ~~القوانين الطبيعية للنظام الاجتماعي» و«الشريعة الأولى» و«فحص فلسفي عن ~~الموضوعات الأولى للمعارف الأخلاقية». # لقد أخطأ روسو وأخطأ مشرعو الثورة من بعده، إنهم جميعا صدروا عن الخطأ الذي ~~قامت عليه البروتستانتية وهو الفردية، ليس بصحيح أن الفرد كائن على حياله، وأنه ~~طيب بالطبع رديء بالاجتماع، وأن التشريع يؤخذ من مجرد معنى الإنسان بدون نظر ~~إلى استعداداته وطباعه وماضيه وظروف المكان والزمان، الحق أننا عرضة بالطبع ~~للانقياد إلى الأهواء، وأننا إنما نستمد من المجتمع أسباب نمونا واستكمالنا ~~والقوة التي نسيطر بها على أنفسنا، فالإنسان الطبيعي إنسان اجتماعي، ms291 والاجتماع ~~ضروري لا عرفي، وإذا كانت القوانين هي «العلاقات الضرورية اللازمة من طبيعة ~~الأشياء» كما عرفها مونتسكيو - وإنها لكذلك - كانت الطبيعة لا الغالبية هي التي ~~تضع القوانين بإنشاء عادات تكتسب قوة القانون، أو بالتنبيه على عيب العادة أو ~~القانون، بما يحدث عنهما من اضطراب، فيجب القول بأن السلطة في الأصل من عند ~~الله، بمعنى أن الله وضع ضرورة السلطة في طبيعة البشر كما وضع قوانين علاقاتهم: ~~«إن الناس متشابهون إرادة وعملا، ولكنهم ليسوا متساوين إرادة وعملا، وهم من ~~جراء هذا التشابه وهذا التفاوت يؤلفون نظاما ضروريا من الإرادات والأعمال ~~يسمى المجتمع»، والمجتمع الأول هو الأسرة، يبدو فيها التشابه والتفاوت ووحدة ~~السلطة، فيجب احترام الأسرة بما هي كذلك، وإذن يجب اعتبار الزواج عقدا غير ~~قابل للفسخ، فإن الطلاق يفترض أن الزوجين فردان على حين لا توجد فردية بعد عقد ~~الزواج بل توجد الأسرة، ومهمة المجتمع تكميل الأسرة لا هدمها. # والعلم الإنساني من عند الله، إن المذهب الفردي يقيم من عقل الفرد حاكما في ~~كل موضوع، فيؤدي إلى تضارب الأحكام، وهناك حقائق كلية مشتركة بين جميع الناس ~~يجب الإيمان بها، إن الفرد حاصل على العقل، ولكنه لا يعقل المعنى إلا باللفظ ~~الدال عليه، والمجتمع هو الذي يعلمه الألفاظ فينقل إليه المعاني بوساطتها، ليست ~~اللغة من إنشاء الإنسان، والذين يدعون ذلك هم الذين يدعون أن الاجتماع اتفاق ~~عرفي، ولكننا قلنا إنه ضروري، فيجب القول إن اللغة عطية من الله حملت إلى الناس ~~قضايا نظرية وقواعد عملية، وإن الإنسان مدين بكل شيء للمجتمع، أجل قد تكفي ~~الصور الحسية لمعاني الماديات، أما المعاني الروحية، كالفضيلة والعدالة وما ~~إليهما، التي هي أساس الاجتماع والأخلاق، ومعاني الأفعال على اختلاف ضروبها، ~~مثل قولنا أفكر وسأمشي فمستحيلة بدون الألفاظ المعبرة عنها، وليس اللفظ المحسوس ~~علة الفكر الروحي، ولكن هذا الفكر كامن في العقل، واللفظ إرادة لا غنى عنها لكي ~~ندرك المعنى، ويمتنع إدراك المعنى دون النطق الباطن باللفظ الدال عليه، وليس ~~الفرد هو مبتدع اللفظ، فإن هذا الابتداع يستلزم ms292 تفكيرا وهذا التفكير نفسه ~~يفتقر إلى لفظ، والواقع أن الفرد يتلقى اللغة بالتربية، وبدون هذه التربية لا ~~يحصل على أي شعور حتى على الشعور بوجوده، فكان لا بد أن يوحي الله باللغة إلى ~~الإنسان الأول، والتجربة تؤيد هذا الدليل؛ فإننا بحاجة إلى تعلم كل حقيقة، حتى ~~الحقائق الرياضية، وبنوع خاص الحقائق الأخلاقية والاجتماعية، بحيث إذا لم تلقن ~~بالتعليم قضي على حياة المجتمع بل على حياة الفرد. ~~(2) جوزيف دي مستر (1753-1821) # سفير سافوي في بطرسبرج من 1803 إلى 1817، كان قد آمن بمبادئ الثورة في ~~شبابه، فردته مظالم الثورة إلى التفكير في تجديد النظام بالرجوع إلى الدين، ~~ولما أرسل إليه دي بونالد كتابه الأول رد عليه يقول إنه كان قد وصل إلى نفس ~~المذهب، أشهر كتبه «أسمار بطرسبرج» و«البابا» و«اعتبارات في الثورة الفرنسية» ~~و«مراجعة فلسفة بيكون». # يرى هو أيضا أن العناية الإلهية طبعت فينا الحقائق وعلمتنا الكلام، فتبلورت ~~الحقائق في الألفاظ، ويعارض لوك في دعواه بأن جميع معارفنا مستفادة من الإحساس، ~~ويعارض العلم الحديث في تفسيره للأشياء بالمادة فحسب، فيقول إن المادة لا يمكن ~~أن تكون علة، وإن لنا في شعورنا بتأثير إرادتنا دليلا على أن علة الحركة ~~إرادة، وللعلماء أن يتوفروا على علومهم، وليس لهم أن يطبقوا مناهجها ونتائجها ~~على الأمور الاجتماعية والدينية، في هذه الأمور كان الرأي الخاص وكانت حرية ~~التعبير عن الآراء الخاصة أصل الشر في العصر الحديث، بدأ الشر بالبروتستانتية، ~~واستمر بفلسفة بيكون وفلسفة لوك وفلسفة القرن الثامن عشر يمثلها فولتير «آخر ~~البشر بعد الذين يحبونه»، ودواء هذا الشر الاعتماد على عصمة البابا، فيكفل ~~للمجتمع النظام والسلام، وإن قيل إن هذه العصمة سر من الأسرار، أجاب أن الأسرار ~~تكتنفنا من كل جانب: فالعقل ينكر الحرب والحرب قائمة في الطبيعة جمعاء كوسيلة ~~خفية لاستبقاء الحياة، والجلاد ممقوت من الناس أجمعين، وهو عامل على صيانة كيان ~~المجتمع، ويمضي دي مستر في تأييد السلطة إلى حد الارتياب في العقل، وهو القائل ~~إن الله طبع فينا الحقائق وأن ليس أسخف من الزعم ms293 بأن الإنسان ترقى بالتدريج من ~~الجهل إلى العلم ومن التوحش إلى الحضارة، فيقول إن الذين يصيبون في الحكم ~~قلائل، وأن لا واحد يصيب في الحكم على جميع الأشياء، وإن كل مرتبة من مراتب ~~الموجودات قاصرة عن التي فوقها، فلعل فوقنا مرتبة لا ندرك منها شيئا فنكون ~~بالنسبة إليها كالعجماوات بالنسبة إلينا، فالخير كل الخير في التعويل على ~~السلطة، فهو لا يميز تمييزا واضحا بين ما للعقل وما للدين، وهو كاتب مجيد ~~يجري في تفكيره على نسق أقرب إلى الخطابة منه إلى البرهان. ~~(3) فليسيتي دي لامني (1782-1854) # قسيس أراد أن يعالج «عدم المبالاة بالدين» (وهذا عنوان كتاب له شهير ظهر ~~1817-1823) فأرجع عدم المبالاة إلى البروتستانية التي ابتدعت فكرة الفحص الحر ~~والثقة بالعقل الفردي فبلبلت الأفكار وزعزعت مبدأ السلطة في الدين والاجتماع، ~~فانزلقت العقول من البدع في الدين إلى المذهب الطبيعي الذي يقيم الإيمان بالله ~~وبخلود النفس والحرية والثواب والعقاب على حجج عقلية، ولما أدركت وهن هذه الحجج ~~ورأت تناقض العقل ، انتهت إلى الإلحاد في الدين والشك في العقل، فانهارت أسس ~~الأخلاق، حجة الملحد أن عقله لا يصل إلى وجود الله ولا يفهم الخلود ولا الشر ~~الطبيعي والخلقي، ولكنه مع ذلك يؤمن بأمور أخرى لا يفهمها، يؤمن بالجاذبية ~~وبانتقال الحركة وبالمادة وبالفكر وبغير ذلك كثير دون أن يفهم. «يا له من أحمق، ~~ليفسر لي حبة رمل أفسر له الله»، والطبيعيون يعتمدون على حجج شخصية تختلف ~~باختلاف العقول، وليس من بينهم من يستطيع إقامة الدليل على أن أقواله هي ~~الصحيحة دون غيرها، وأما المبتدعة في الدين فآية في التناقض، إذ أنهم يسلمون ~~بالوحي ثم يدعون لأنفسهم الحق في رفض ما يرون رفض من قضايا الوحي، كأنما الله ~~عني بإنزال وحيه ثم تركه عرضة للتغيير والتبديل، وكأنه أنشأ الكنيسة ثم عدل عن ~~تأييدها بنوره، «إن الإدعاء بجواز إنكار جزء من الوحي لهو أكثر إمعانا في ~~البطلان من إنكار الوحي جملة». # الخطأ الأكبر إذن قائم في التعويل على إدراكنا الخاص، إن الحواس خداعة، ~~والعاطفة ms294 متقلبة إلى غير حد، والاستدلال أداة طيعة لإثبات أو إبطال أية قضية ~~كانت كما بين بسكال، ولكن عقلنا حاصل على حقائق لا يقوى عليها الشك، وأساس ~~اليقين بها إجماع العقول عليها، وعدم التسليم بها هو الجنون بعينه، «فاليقين ~~يقوم في قبول حقائق العقل الكلي والحقائق التي يستنتجها منها العقل الفردي»، ~~وهناك قضية مجمع عليها في كل زمان ومكان، وهي وجود الله، بإقرار الملحدين ~~أنفسهم، وفي كل جيل يرد الناس جميعا هذه القضية إلى الجيل السالف وهذا إعلان ~~منهم بأنها موحاة من الله نفسه، ولا بد أن يكون الله أوحى بالدين الحق ولم يترك ~~هذا الأمر للعقول الفردية، فلا عجب أن نرى الكنيسة تعلن أنها مكلفة من قبل ~~الله بالمحافظة على الوحي، تعاليمها قوية سامية، وهي تستند إلى نبوءات تحققت ~~ومعجزات لا سبيل إلى الشك فيها، فهي «ليست مذهبا معروضا علينا، ولكنها شريعة ~~يجب أن تخضع لها قلوبنا». # لم ترض الكنيسة عن هذا الكتاب وهي تعلم أن للعقل القدرة على إدراك الحقائق ~~الطبيعية، وأن وجود الله حقيقة طبيعية يبرهن عليها العقل ولا يقنع بقبولها من ~~المجتمع، ومن سخريات الدهر أن لامني، بعد أن دافع عن الدين والكنيسة هذا الدفاع ~~الحار، وبعد أن نقل من اللاتينية كتاب «التشبه بالمسيح» وعلق على فصوله بفصول ~~قد تضارعها قوة وجمالا، ذهب في علاقة الكنيسة والدولة وفي السياسة إلى آراء ~~أنكرتها الكنيسة فتمرد على حكمها وآثر عقله الفردي حتى ابتدع في الدين ودون ~~«رسم فلسفة» (1841-1846) يتخذ فيها عقيدة الثالوث مبدأ لنظرية في الوجود، وينبذ ~~صراحة عقائد أخرى، كالخطيئة الأصلية والفداء والنعمة، ويصطنع ضربا من وحدة ~~الوجود في كلامه عن الخلق، ويصر على عصيانه إلى النهاية، ومن عجب أن هؤلاء ~~السلفيين فاتهم الرجوع إلى الفلسفة السلفية الحقة، تلك التي كونتها الأجيال ~~المسيحية حتى نمت على يدي القديس توما الأكويني والتي هي أصدق نظرا في الدين ~~والعقل جميعا. # الفصل الثامن # المذهب الواقعي ~~(1) سان سيمون (1760-1825) # أوجست كونت صاحب «الفلسفة الواقعية»، ولكن فكره تكون بجانب الكونت دي سان ms295 ~~سيمون، وتأثر من غير شك بشارل فوريي، وهما مصلحان اجتماعيان، فنقدم الكلام ~~عليهما، وثلاثتهم يصدرون عن نفس الدواعي التي صدر عنها السلفيون، هي أن المجتمع ~~يتدهور فيجب إعادة تنظيمه، وهو لا ينظم إلا بسلطة روحية توحد بين العقول، إلا ~~أن هذه السلطة عند الواقعيين ليست الكنيسة بل العلم الذي يضح حدا لفوضى ~~الأفكار، ويوفر أسباب التنظيم والتعمير، وينتهي إلى دين جديد. # كان سان سيمون مغامرا في الحياة وفي الفكر، تطوع لنصرة الولايات المتحدة في ~~حربها الاستقلالية، وقام بمشروعات صناعية، وفي أثناء الثورة نزل عن لقب ~~الكونتية، وسجن ثم أخلي سبيله، خرج من الثورة بأن العصر الوسيط كان عصر تنظيم ~~عقب انحلال الإمبراطورية الرومانية وحروب البرابرة، فكانت أوربا خلاله مرتبطة ~~بعقيدة مشتركة، ولم يكن القساوسة دجالين كما يزعم ڤولتير، بل كانوا أكثر أفراد ~~الشعب استنارة، ولكن النقد ثم الثورة حطما هذا النظام، فسادت فوضى أخلاقية ~~واجتماعية قوامها الإنكار والأنانية، فيتعين العمل على إقامة نظام جديد بوساطة ~~العلم الواقعي، ولم يكن تلقى ثقافة علمية، فقرب إليه بعض خريجي مدرسة الهندسة ~~ومدرسة الطلب ليتمكن من تدوين موسوعة علمية تتخذ أساسا للإصلاح، وكان كونت ~~واحدا من هؤلاء فكان كاتبا له ومعاونا مدة من الزمن، وأخذ سان سيمون عن طبيب ~~مغمور من معاصريه، هو الدكتور بوردان # Burdin # أن العلوم بدأت تخمينية ثم تدرجت إلى الحال الواقعي بحسب بساطة موضوعها، فتكونت ~~الرياضيات وتبعها الفلك فالكيمياء، وكان هذا الطبيب يقسم تاريخ العقل الإنساني ~~إلى ثلاثة عصور: الأول تخميني يذهب من تعدد الآلهة إلى إله واحد، والثاني وسط ~~بين التخمين والواقعية يذهب من تصور علة غير منظورة إلى تصور القوانين، والثالث ~~واقعي يرمي إلى تفسير العالم بقانون واحد، وقد بدأ هذا العصر منذ قليل، وإذا ما ~~تم تكوين الفسيولوجيا على النمط الذي تسير عليه حصلنا على العلم الواقعي ~~للطبيعة الإنسانية، فأمكن إقامة أخلاق وسياسة واقعية، وتكوين الفلسفة الواقعية ~~باعتبارها العلم الكلي، ووضع الدين الواقعي قوامه تصور جديد للعالم على قاعدة ~~علمية بحتة، وقساوسته العلماء، وكان سان سيمون أول ms296 من قال «فلسفة واقعية» ~~و«سياسة واقعية». # ثم بدا له أن التنظيم الجديد بغير حاجة ماسة للتمهيد العلمي، وأن أقرب السبل ~~إليه تسليم زمام الحكم إلى كبار رجال الصناعة والعلم بدل الأشراف والقانونيين، ~~ورفع مستوى الطبقة العاملة من الوجهتين العقلية والاقتصادية، موقنا أن اتفاق ~~المصالح كفيل بتحقيق الوحدة، وفي سنيه الأخيرة أراد أن يؤسس مسيحية جديدة قائمة ~~على محبة الإنسانية واعتبار الحياة الأرضية غاية لذاتها لا وسيلة لحياة مقبلة ~~غير منظورة، فكان له عدد صغير من الأتباع في حياته وبعد مماته. ~~(2) شارل فوريي (1772-1837) # هو أحد آباء الشيوعية الحديثة، وقد دل على طريقة عملية للإصلاح، قال إن ~~العناية الإلهية التي يشهد بوجودها نظام العالم فطرتنا على نزعات إذا اتبعناها ~~بلغنا إلى السعادة الفردية والاجتماعية، فعلى كل فرد أن يختار العمل الذي يوافق ~~ميله، ولا يتسنى هذا الاختيار إلا في فرق # phalanges # تمثل كل فرقة منها المهن ~~الضرورية لبقائها، أو عدد الميول الممكنة، أو عدد التأليفات الممكنة للنزعات ~~الأصيلة، ويبلغ هذا العدد 1620 (!) فيعيش أفرادها في قرية # phalanstère # وتؤلف كل مهنة جماعة، وفي كل ~~قسم من أقسام المهنة يؤلف العمال جماعة أصغر، بحيث يشعر الكل بتعاون الكل، ~~بخلاف الحال في مجتمعاتنا الكبيرة حيث تتضاءل مكانة الفرد وتغيب عنه علاقته ~~بالمجموع، وإذا كونا فرقة من هذا القبيل تكونت بالمحاكاة فرق أخرى، وتلاشى ~~المجتمع «المتحضر» شيئا فشيئا وحلت محله خلايا اجتماعية، وتبقى الأسرة في ~~كل فرقة، ولكن حرة مما يزعم من قيود وواجبات، وتلغى جميع القوانين التي تحد ~~من الحرية، سواء أكانت قوانين وضعية أم أخلاقية أم دينية، وقد انتشرت هذه ~~التعاليم في فرنسا، وألف فوريي فرقة نموذجية، ولكنها أخفقت، وحوالي منتصف القرن ~~كان لمذهبه في أمريكا مائتا ألف من الأتباع. ~~(3) أوجست كونت (1798-1857) # هو الذي حقق أماني سان سيمون، فدون موسوعة علمية، ووضع علما سياسيا، ~~ودينا إنسانيا، ولد بمونلپتي في أسرة شديدة التعلق بالكثلكة، ولكنه فقد ~~الإيمان منذ الرابعة عشرة، وكان تلميذا ممتازا في الرياضيات فالتحق بمدرسة ~~الهندسة بباريس في السادسة عشرة يحصل ms297 علومها ويستكمل ثقافته بقراءة كتب فلسفية ~~كثيرة، وبخاصة كتب هيوم ودي مستر ودي بونالد، هذه المدرسة من خلق الثورة، وكانت ~~مركز الثقافة العلمية والفكرة الجمهورية، وكان جل طلابها متشيعين لسان سيمون، ~~وهو في طلعيتهم، فاتصل به في 1817 وظل كاتبا له ومعاونا حتى 1822 لما أراد ~~سان سيمون أن يرجئ الإصلاح العلمي ليشرع في الإصلاح الاجتماعي، فخالفه لاقتناعه ~~- بعد قراءة دي مستر - أن الشرط الأول للنجاح إعادة وحدة الاعتقاد إلى العقول ~~كما كان الحال في العصر الوسيط، ولكن بوساطة العلم لا بوساطة الدين، ونشر بهذا ~~المعنى كتابا بعنوان «مشروع الأعمال العلمية الضرورية لإعادة تنظيم المجتمع» ~~(1822) ثم بعنوان «السياسة الواقعية» (1824) يعلن فيه أن فلسفة القرن الثامن ~~عشر القائمة على حرية الرأي وسلطة الشعب، فلسفة مفيدة في النقد والهدم عقيمة في ~~الإنشاء؛ لأن هذين المبدأين نقديان لا منظمان، وأن الواجب قبل كل شيء وضع مذهب ~~علمي شامل تقوم عليه سياسة واقعية تمتنع معها حرية الرأي كما تمتنع في ~~الرياضيات أو العلم الطبيعي، إذ يتبين منها أن العلاقات الإنسانية خاضعة ~~لقوانين، وأن النظام الاجتماعي متضامن مع جملة الحضارة كما تبدو في العلم والفن ~~والصناعة، فيستقر المجتمع على خير حال، وذلك هو البرنامج الذي سيعمل فيلسوفنا ~~على تحقيقه. # بدأ إذن بتحرير موسوعة العلوم الواقعية والمحاضرة فيها (1826) فأقبل على ~~الاستماع إليه جمهور من العلماء، ولكنه ما ألقى ثلاث محاضرات حتى انتابته أزمة ~~عقلية ترجع إلى مزاجه العصبي وإرهاق العمل وشواغل الحياة، فعنيت به زوجته حتى ~~أعادت إليه اتزانه، فاستأنف محاضراته في يناير 1829، وأنفق عشر سنين ~~(1832-1842) في إخراج كتابه الأكبر «دروس في الفلسفة الواقعية» في ستة مجلدات ~~يعرض فيه وقائع العلوم وقوانينها ومناهجها عرضا منظما، ثم نشر كتيبا بعنوان ~~«مقال في الروح الواقعي» (1844) هو خير مقدمة لفلسفته، ودعيت هذه المرحلة ~~الأولى في تحقيق برنامجه بالمرحلة العلمية. # ودعيت المرحلة الثانية بالصوفية، بدأت بأزمة عصبية ثانية كان من أسبابها ~~هيامه بسيدة تعرف إليها في 1844 وتوفيت بعد سنتين، فاتخذ منها مثال ~~«الإنسانية» وكان يتوجه إليها بالفكر والصلاة ms298 كل يوم، وصارت «شيطانه» الذي يوحي ~~إليه أثناء تحريره كتابه الكبير الثاني «مذهب في السياسة الواقعية، أو كتاب في ~~علم الاجتماع يضع ديانة الإنسانية» (1851-1854 في 4 مجلدات)، واختصره في كتاب ~~«التعليم الديني الواقعي» أو عرض موجز للديانة الكلية (1852). ~~(4) مذهبه: قانون الحالات الثلاث # يرى المذهب الواقعي أن الفكر الإنساني لا يدرك سوى الظواهر الواقعة المحسوسة ~~وما بينها من علاقات أو قوانين، وأن المثل الأعلى لليقين يتحقق في العلوم ~~التجريبية، وأنه يجب من ثمة العدول عن كل بحث في العلل والغايات وما يسمى ~~بالأشياء بالذات، ويدلل كونت على نسبية معرفتنا، لا بنقد أفعال العقل كما فعل ~~لوك وهيوم وكنط، بل يعرض ما ظنه تاريخ العقل كما فعل سان سيمون أخذا عن ~~الدكتور بوردان، فيقول إن العقل مر بحالات ثلاث: حالة لاهوتية، وحالة ~~ميتافيزيقية، وحالة واقعية. # ففي الحالة اللاهوتية كان دأب العقل البحث عن كنه الكائنات وأصلها ومصيرها، ~~محاولا إرجاع كل طائفة من الظواهر إلى مبدأ مشترك، وقد وتدرج في ذلك درجات ~~ثلاث: كانت الدرجة الأولى «الفيتشية» # Fétiéhismé # يضيف فيها إلى الكائنات ~~الطبيعية حياة روحية شبيهة بحياة الإنسان؛ وكانت الدرجة الثانية تعدد الآلهة، ~~وهي أكثر الدرجات الثلاث تمييزا للحالة اللاهوتية، يسلب فيها عن الكائنات ~~الطبيعية ما كان خلع عليها من حياة، ويضيف أفعالها إلى موجودات غير منظورة تؤلف ~~عالما علويا، وكانت الدرجة الثالثة التوحيد أي جمع كثرة الآلهة في إله واحد ~~مفارق، وفي هذه الحالة تتسع الشقة ويزداد التضاد بين الأشياء وبين المبدأ ~~الذي تفسر به، وقد بلغت الحالة اللاهوتية أوجها في الكثلكة التي تؤلف تأليفا ~~عجيبا التفسيرات الفائقة للطبيعة في فكرة إله واحد مدبر للكل بإرادته، فخصائص ~~الحالة اللاهوتية هي أن موضوعها مطلق، وتفسيراتها فائقة للطبيعة، ومنهجها ~~خيالي، هذا من الوجهة النظرية، أما من الوجهة العملية فقد كانت المعاني ~~اللاهوتية أساسا متينا مشتركا للحياة الخلقية والاجتماعية، وكانت هذه ~~المرحلة الأولى مرحلة السلطة، سلطة الكهنة وسلطة الملوك. # وفي الحالة الميتافيزيقية يرمي العقل كذلك إلى استكناه صميم الأشياء وأصلها ~~ومصيرها، ولكنه يستبدل بالعلل ms299 المفارقة عللا ذاتية يتوهمها في باطن الأشياء، ~~وما هي إلا معان مجردة جسمها له الخيال فقال: العلة أو القوة الفاعلية والجوهر ~~والماهية والنفس والحرية والغاية وما إليها، والميل الذي ساقه في الحالة ~~السابقة من الفيتشية إلى تعدد الآلهة فإلى التوحيد، يسوقه هنا أولا إلى ~~الاعتقاد بقوى بعدد طوائف الظواهر، مثل القوة الكيميائية والقوة الحيوية، ثم ~~إلى إرجاع مختلف القوى إلى قوة أولية هي «الطبيعة»؛ لذا تبلغ هذه الحالة أوجها ~~في مذهب وحدة الوجود الذي يجمع في «الطبيعة» جميع القوى الميتافيزيقية، وكل ~~الفرق بينها وبين الحالة السالفة أن المجرد يحل محل المشخص، ويحل الاستدلال محل ~~الخيال. # أما الملاحظة فثانوية فيها جميعا، والحالة الميتافيزيقية فترة انتقال وأداة ~~انحلال، هي فترة نقد عقيم ولكنه ضروري، إذ يتناول الاستدلال المعاني اللاهوتية ~~فيبين التناقض فيها، وإنما كان العقل في هذه الحالة يضع معاني أو قوى موضع ~~الإرادات المتقلبة، فإنه يضعف من سلطان القوى المفارقة، هذا من الوجهة النظرية، ~~أما من الوجهة العملية فيبدو الانحلال في انتشار الشك والأنانية، فيفصم الفرد ~~الرباط الذي يربطه بالمجتمع، ويثقف العقل على حساب العاطفة، ويتصور الاجتماع ~~ناشئا من تعاقد الأفراد، وتقام الدولة على مبدأ سلطة الشعب، ويحكمها ~~القانونيون. # وفي الحالة الواقعية يدرك العقل امتناع الحصول على معارف مطلقة، فيقصر همه ~~على تعرف الظواهر واستكشاف قوانينها وترتيب القوانين من الخاص إلى العام، فتحل ~~هنا الملاحظة محل الخيال والاستدلال، ويستعاض عن العلل بالقوانين أي العلاقات ~~المطردة بين الظواهر، فيكون موضوع العلم الإجابة عن سؤال «كيف» لا عن سؤال «لم» ~~وتكون الحالة الواقعية مختلفة عن الحالتين الأخريين في العناصر الثلاثة جميعا ~~التي هي الموضوع والتفسير والمنهج، هذه الطريقة هي التي أفلحت في تكوين العلم، ~~ويجب أن يحل العلم الذي تولد عنها محل الفلسفة: فكلما أمكن معالجة مسألة ~~بالملاحظة والاختبار انتقلت هذه المسألة من الفلسفة إلى العلم واعتبر حلها ~~نهائيا، أما المسائل التي لا تقع تحت الملاحظة فهي خارجة عن دائرة العلم، ~~ويدل تاريخها على أنها لم تتقدم خطوة واحدة منذ أن وضعت، فهو ms300 ينطق بأنها غير ~~قابلة للحل، كما أن نجاح العلم الواقعي يقضي بإمكانه وبأنه المجال الحقيقي ~~للعقل، هذا من الوجهة النظرية، أما من الوجهة العملية فتمتاز الحالة الواقعية ~~بقيام علم الاجتماع، وسيأتي الكلام عليه. # هذه الحالات الثلاث متنافرة، ونحن نجدها تتعاقب في كل إنسان، ففي الحداثة ~~نقنع بسهولة بالتفسيرات اللاهوتية، وفي الشباب نقتضي عللا ذاتية، وفي سن النضج ~~نعول في الأكثر على الوقائع، غير أن هذا التنافر لا يمنع من التقارن؛ فالشخص ~~الواحد قد يقبل تفسيرات لاهوتية أو ميتافيزيقية في بعض الموضوعات، مع قبوله ~~العلم الواقعي في موضوعات أخرى هي على العموم أقل تعقيدا، وأهل العصر الواحد ~~بنوع خاص نرى بعضهم على حالة وبعضا آخر على حالة أخرى، وكذلك شعوب الأرض ليسوا ~~كلهم على درجة واحدة من رقي العقل على أن القانون الكلي يبقى صادقا إذا ~~اعتبرنا الحالة الغالبة في شعب معين وعصر معين؛ فإننا حينئذ نرى اللاهوت ينجم ~~أولا، ثم نرى الميتافيزيقا تعارضه، وأخيرا يولد العلم الواقعي الذي هو وحده ~~قادر على البقاء؛ لأن الحالتين السابقتين لما كانتا قائمتين على الخيال كانتا ~~دائما مبعث ظنون جديدة ومناقشات جديدة، على حين أن العلم يستند إلى الواقع ~~فيجمع العقول على وحدة الرأي ويحل محلهما، لا يتكلف في ذلك محاربتهما بل ~~يتركهما تسقطان من تلقاء ذاتهما. # ولما كانت التجربة محدودة دائما، فسيظل دائما كثير من الظواهر خارج ~~علومنا، ولما كانت الظواهر متباينة، فيمتنع رد العلوم بعضها إلى بعض، أو رد ~~كثرة القوانين إلى قانون واحد، بل إن في كل علم فروعا مستقلة، في علم الطبيعة ~~وفي علم النبات وعلم الحيوان، ولا يمكن الأخذ بنظرية لامارك في تطور الأنواع ~~الحية بعضها إلى بعض، فلا يمكن أن تنتهي الحالة الواقعية إلى وحدة مطلقة، كالله ~~في الحالة اللاهوتية، وكالطبيعة في الحالة الميتافيزيقية، فالفلسفة الواقعية ~~جملة القوانين المكتسبة فعلا بالتجربة، لا جملة قوانين الوجود، غير أننا إذا ~~لم نستطع البلوغ إلى وحدة موضوعية، فبوسعنا أن نبلغ إلى وحدة ذاتية تقوم في ~~تطبيق منهج واحد بعينه في جميع ms301 ميادين المعرفة، فننتهي إلى تجانس النظريات ~~وتوافقها، ومن ثمة إلى علم واحد، فالمنهج الواقعي يحقق الوحدة في عقل الفرد، ~~ويحققها بين عقول الأفراد، وهكذا تصير الفلسفة الواقعية الأساس العقلي ~~للاجتماع، ومن هذه الوجهة تجد في معنى الإنسانية المقابل الوحيد الممكن لمعنى ~~الله ولمعنى الطبيعة، وفي الحالة الواقعية الاتصال بين النظر والعمل أوثق منه ~~في الحالتين الأخريين، إذ أن العلم بقوانين الظواهر يسمح بإيجاد الظواهر، بل إن ~~الرغبة في هذا الإيجاد سبب يجعلنا ننتقل إلى هذه الحالة، «العلم لأجل التوقع ~~وبقصد التدبير» ذلك شعار العلم الواقعي؛ لذا يقابل هذه الحالة الصناعة من جهة ~~لكونها عبارة عن استغلال الإنسان للطبيعة، وعلم الاجتماع من جهة أخرى لكونه ~~يكشف لنا عن وسائل التقدم، ولئن كانت الفلسفة الواقعية في غنى عن التفسيرات ~~اللاهوتية والميتافيزيقية، إلا أنها لا تعارضها معارضة مباشرة، بل إنها تعترف ~~باستحالة التدليل على عدم وجود الروحيات كما تقرر استحالة التدليل على وجودها، ~~وبذا تتميز من المذهب الحسي المعروف أو المذهب المادي الذي ينكر الروحيات ~~إنكارا. ~~(5) مذهبه: تصنيف العلوم # الفلسفة الواقعية جملة العلوم الواقعية، ويذكر كونت ستة علوم أساسية مرتبة ~~هكذا: الرياضيات، علم الفلك، علم الطبيعة، علم الكيمياء، علم الحياة، علم ~~الاجتماع، هذه العلوم مكتسبة بالاستقراء، حتى الرياضيات فإنها إنما تعتبر علما ~~عقليا بحتا؛ لأن موضوعها من البساطة بحيث نغفل عادة أصله الاستقرائي، ولكن ~~ليس هناك علم عقلي بحت، ومبدأ هذا التصنيف تزايد التركيب وتناقص الكلية، أي ~~النسبة العكسية بين المفهوم والما صدق، فكلما كان المفهوم بسيطا كان الما صدق ~~واسعا، والعكس بالعكس، وهذا التصنيف هو أيضا تصنيف تعقل متناقص وتجربة ~~متزايدة، أي كلما نزلنا درجة قل مجال العقل البحت وازداد شأن التجربة، ~~فالرياضيات في رأس الجدول لا تتبع علما أخر ويتبعها باقي العلوم لأن موضوعاتها ~~وقوانينها أكثر بساطة وكلية، وعلم الاجتماع في أخر الجدول يتبع سائر العلوم ولا ~~يسيطر على علم لأن موضوعاته وقوانينه أكثر تعقدا وتخصصا، وبالنزول من ~~الرياضيات إلى علم الاجتماع نرى التركيب يتزايد والكلية تتناقص؛ وذلك لأن ~~الرياضيات لا ms302 تنظر لغير الكم المجرد، وهو أبسط الأشياء وأقلها تعيينا، فيضيف ~~إليه علم الفلك معنى القوة فيدرس الأجسام الحاصلة على قوة جاذبة وهي الأجرام ~~السماوية، وعلم الطبيعة يضيف الكيف إلى القوة فيدرس القوى المتمايزة بالكيف، ~~كالحرارة والضوء، وتضيف الكيمياء الخصائص الملازمة لكل نوع كيميائي من الأجسام، ~~ويضيف علم الحياة إلى المادة اللا عضوية التركيب العضوي والظواهر الخاصة به، ~~ويضيف علم الاجتماع ما ينشأ بين الأحياء من روابط مستقلة عن تركيبها، ولئن كانت ~~جميع العلوم محصلة بمنهج واحد كما سبق القول، إن هذا المنهج يتعدل في كل علم ~~تبعا لموضوع هذا العلم: فالرياضيات، أو بالأحرى الحساب؛ لأنه أكثر بساطة وكلية ~~من الهندسة والميكانيكا، يتضمن شروط العلم بالإطلاق أي جميع أنواع التحليل ~~والاستدلال، بحيث تعود العلاقات الرياضية فتظهر في العلاقات المعقدة وهذا وجه ~~التجانس بين العلوم، وعلم الفلك يعلمنا فن الملاحظة؛ فإنه يراجع بالاستقراء ~~فروضا يضعها بالقياس، ويعلمنا علم الطبيعة فن التجربة، وتعلمنا الكيمياء فن ~~التصنيف، ويعلمنا علم الحياة الطريقة المقارنة، ويعلمنا علم الاجتماع الطريقة ~~التاريخية، وكلما كان موضوع العلم بسيطا كليا كانت الطريقة القياسية متقدمة ~~فيه على الطريقة الاستقرائية، وأخيرا إن هذا الترتيب المنطقي مطابق لتدرج ظهور ~~العلوم أو بعبارة أدق لتكونها تكونا واقعيا، فإن الحالات الثلاث تبدو في ~~تاريخ كل علم، فكلما كان موضوع العلم أعقد استغرق وقتا أطول في اجتياز هذه ~~المراحل؛ لذا كانت العلوم المجردة هي التي تبلغ أولا المرحلة النهائية، ولا ~~تبلغ إليها العلوم المشخصة إلا فيما بعد. # نلاحظ على هذا التصنيف أربع ملاحظات: الأولى أنه يبدأ بالكم، وهناك معان ~~أكثر منه بساطة وكلية هي المعاني المعروضة في المنطق والميتافيزيقا، ولكن كونت ~~لا يرى أن للعقل موضوعا خاصا ولا مظهرا إلا في موضوع، ويذهب في هذا السبيل ~~إلى حد إنكار استخدام الإشارات في الرياضيات بدل الكميات وإنكار حساب ~~الاحتمالات لأنه عبارة عن إنكار فكرة القانون، وإنكار كل تفسير يجاوز المشاهد، ~~مثل تفسير انتشار الضوء بالتموج أو غيره، وتفسير أصل الأنواع الحية بالتطور، ~~وكل وجود لا يقع تحت الحس، ms303 مثل وجود الأثير أو الذرات، ويدعو كل هذا ~~ميتافيزيقا، فهو يبتر من العلم مقدماته ومبادئه، ويقصي منه فروضا كثيرة نافعة، ~~الملاحظة الثانية أنه يجعل من الفلك علما أساسيا ويضعه في المحل الثاني، ~~والواقع أن علم الفلك يتقوم بالميكانيكا وعلم الطبيعة والكيمياء، فهو إذن علم ~~تطبيقي تابع لهذه العلوم، ويجب أن ينزل عن مكانه لعلم الميكانيكا الذي يتخذ من ~~الحركة موضوعا له، وهي ظاهرة لا يمكن ردها إلى سواها، وهي بادية في جميع ~~الظواهر الطبيعية، الملاحظة الثالثة أنه لا يجعل مكانا خاصا لعلم النفس، بل ~~يقسم كونت دراسة الإنسان بين علم الحياة وعلم الاجتماع حيث يدرس الإنسان في ~~آثاره الخارجية، والواقع أن علم النفس يجيء بينهما متصلا بالأول موصلا ~~للثاني، وينكر كونت إمكان ملاحظة النفس فيقول: إننا نلاحظ جميع الظواهر بالعقل، ~~فبأي شيء نلاحظ العقل نفسه؟ لا يمكن قسمة العقل إلى قسمين أحدهما يفكر والآخر ~~يلاحظ التفكير، أما الانفعالات النفسية فتمكن ملاحظتها لأن لها عضوا غير عضو ~~العقل، ومعنى هذا أن المادة لا تنعكس على نفسها، ولما كان العقل عند كونت وظيفة ~~عضوية فهو لا ينعكس على نفسه ولا يعلم أفعاله، ولكن هذا الانعكاس وهذا العلم ~~واقعان، وعلم النفس قائم، فالمنطق يقضي بأن تنكر عضوية العقل، وقديما استدل ~~أرسطو على روحانية النفس بانعكاسها على ذاتها، الملاحظة الرابعة أن كونت ينكر ~~بذلك أصالة الظواهر النفسية، وأن جدوله إذ يحتم تبعية العلم الأدنى للعلم ~~الأعلى، يحتم تبعية الظواهر النفسية والظواهر الاجتماعية للرياضيات، وهو لم ~~يبين هذه التبعية، ولم يبين الفرق بينه وبين الماديين، فما المذهب الواقعي في ~~حقيقة الأمر إلا المذهب المادي، مع استدراك متواضع بصدد الروحيات لا يبدو له أي ~~أثر عملي. ~~(6) مذهبه: علم الاجتماع # هذا العلم من إبداع أوجست كونت، وقد خصص له ثلاث مجلدات من كتابه «دروس في ~~الفلسفة الواقعية»، دعاه # Saciologie # فذاع هذا ~~الاسم وعرفه بأنه «العلم الذي يتخذ له موضوعا ملاحظة الظواهر العقلية ~~والأخلاقية التي بها تتكون الجماعات الإنسانية وتترقى»، وكثيرا ما يسميه ~~بالعلم الاجتماعي الطبيعي Physique Saciale ms304 # ليدل على منهجه الاستقرائي وليميز بينه وبين علم السياسة الذي ينهج نهجا ~~قياسيا ابتداء من فكرة الطبيعة الإنسانية أو من غاية للدولة توضع أولا، وهذا ~~لا يمنع من أن يتضمن علم الاجتماع مسائل جوهرية من علم النفس والاقتصاد السياسي ~~والأخلاق وفلسفة التاريخ، والعلم فيه لأجل العمل، فإننا - ولو أن الإنسانية ~~تنمو طبقا لقوانين ضرورية - نستطيع استعجال التقدم وتلطيف الأزمات بتوفير ~~الظروف الملائمة؛ وذلك إما بتعديل ظروف الحياة المادية كالتربة الغذاء، أو ~~بتعديل ظروف الحياة الاجتماعية بالأخذ عن حضارات مختلفة أو بتدبير حكومي، ويقسم ~~أوجست كونت علم الاجتماع إلى قسمين أحدهما الاجتماع الساكن # S. statique # يفصح عن الشروط الدائمة لوجود المجتمع أي ~~الأوضاع الملازمة له، والقسم الأخر # S.dynamique # يفحص عن قوانين نمو المجتمع أي تطور هذه الأوضاع، والفكرة الأساسية في القسم ~~الأول هي فكرة النظام، وفي القسم الثاني فكرة التقدم، والقسمان مرتبطان ~~ارتباطا وثيقا، إذ أن النظام والتقدم مترتبان الواحد على الأخر، وهذا ما تغفل ~~عنه المدرسة الرجعية والمدرسة الثورية على السواء، الأولى تتمسك بالنظام، ~~والثانية تدعو إلى التقدم، وليس هذا التقسيم خاصا بعلم الاجتماع، ولكنه مشترك ~~بين العلوم، ففي الرياضيات تنظر الهندسة إلى العالم في حالة السكون، وتنظر إليه ~~الميكانيكا في حالة الحركة، وفي عالم الجماد ينظر علم الطبيعة إلى القوى ~~الطبيعية في حالة التوازن، وتنظر إليها الكيمياء في حالة الفعل، وفي عالم ~~الحياة يدرس علم التشريح تركيب الأعضاء فيمثل السكون، ويدرس علم الفسيولوجيا ~~وظائف الأعضاء فيمثل الحركة. # من وجهة الاجتماع الساكن يجب أولا الفحص عن أصل الاجتماع، لا يمكن أن يكون ~~هذا الأصل حسبان الفرد للربح الذي يعود عليه من العيش مع أمثاله، إذ أن الربح ~~لا يبين إلا إذا حصل الاجتماع ومضى عليه وقت كاف، إنما الدافع إلى الحياة ~~المشتركة غريزة مستقلة عن حساب الفرد، ونحن نرى العاطفة تسبق المعرفة في كل ~~ميدان، على أن الأنانية أقوى في الأصل من هذه الغريزة الغيرية، ثم تخضع لها ~~بنمو العقل والتعاطف، وإنما ينمو العقل والتعاطف بالحياة الاجتماعية، وإن ~~الفلسفة الواقعية ms305 لتعاون على ذلك بتقريرها أن نمونا كله يتحقق في المجتمع ~~وبوساطته، وحالما يوسع المرء عاطفته حتى تستوعب النوع الإنساني أجمع، يحصل على ~~رضا حاجته للخلود بأن يعتبر بقاء النوع امتدادا لحياته الخاصة، ومتى وجد ~~المجتمع كان وحدة مؤلفة من أجزاء متفاعلة حتى إن أحدها لا يتغير إلا وتتغير ~~أجزاء أخرى، أجزاء المجتمع أو شروط وجوده طائفتان: مؤسسات ووظائف، أي شروط ~~موضوعية وشروط ذاتية؛ ذلك أنه لما كان المجتمع لا يصير ممكنا إلا بتغلب ~~الغيرية، فقد مست الحاجة إلى ثلاث مؤسسات لتحقيق هذه الغلبة: فأولا ومن حيث ~~الحياة المادية نجد الملكية شرطا أساسيا، إذ أن المالك ينتج أكثر مما يستهلك ~~فيدخر الفرق لفائدة الغير، وثانيا ومن حيث الحياة الأخلاقية نجد الأسرة وهي ~~الوحدة الاجتماعية وأوثق الجماعات حتى إن تسميتها اتحادا أصح من تسميتها ~~اجتماعا، فيها تظهر البذور الأولى للاستعدادات التي تعين المجتمع، وفيها يتعلم ~~الفرد أن يجاوز نفسه ويسود التعاطف على الغرائر الشخصية، فهي ضرورية كتمهيد بين ~~الفرد والمجتمع من وجهين: أحدهما أنها تلاءم ملاءمة طبيعية بين الطباع والأخلاق ~~المختلفة الناشئة من استعدادات مختلفة؛ فإن الاجتماع يقتضي تنوع الأفراد ~~واتفاقهم في آن واحد، والوجه الآخر هو أن الأسرة هي المدرسة التي تولد فيها ~~العواطف الاجتماعية متمثلة في التضامن يبدو في تعاون الوالدين على تربية ~~البنين، وفي الطاعة تبدو في انصياع البنين لأوامر الوالدين الرامية إلى قمع ~~الأنانية، وفي الاقتصاد يبدو في تدبير التراث العائلي احتياطا للمستقبل، ~~وثالثا ومن حيث الحياة العقلية نجد اللغة وسيلة الاتصال بين الأفراد، فيشتركون ~~في الأفكار والعواطف ويؤلفون رأس مال عقلي كما تجمع الملكية رأس مال مادي، ومما ~~تجب ملاحظته أن الصلة وثيقة بين الأفكار والأخلاق من جهة وبينها وبين المؤسسات ~~من جهة أخرى، بحيث لا يسع أية سلطة، رجعية كانت أو ثورية، أن تحصل على نتيجة ما ~~بفرض مؤسسات مغايرة للأفكار والأخلاق السائدة، ولئن كانت المؤسسات مصدر تأثير ~~في الأفكار والأخلاق، إن هذا التأثير يقتضي فترة من الزمن هادئة، ويبدو خاصة في ~~طفولة النوع الإنساني، وأما ms306 الوظائف فهي وجوه النشاط المقتضاة للحياة ~~الاجتماعية، ومن هذه الوجهة نجد أن الخاصية الجوهرية لكل مجتمع هي تنوع الأعمال ~~وتناسقها، ولهذه الخاصية أساس هو جملة القوى الاجتماعية من مادية وعقلية ~~وخلقية، ولها مدبر هو السلطة، ولها رباط موحد هو الدين؛ فالقوة المادية تقوم ~~على الكثرة والثروة، وتخص رجال الحرب ورجال الصناعة، والقوة العقلية ترجع إلى ~~العلماء والكهنة، والقوة الأخلاقية مزية المرأة التي هي أكبر عامل على نمو ~~العواطف الغيرية، إلا أن المرأة لا تزاول هذه القوة إلا في الأسرة بسبب ضعفها ~~الطبيعي، والسلطة ضرورية لكل مجتمع، والدين ضروري كذلك، وسنتكلم عنه فيما ~~بعد. # ومن وجهة الاجتماع المتحرك يمكن رد أقوال كونت فيه إلى أربعة قوانين: الأول ~~قانون التطور نفسه، والثلاثة الأخرى خاصة بقوانا الثلاث وهي العقلية والعملية ~~والعاطفية، فأما التطور فخاصية الإنسان لأنه من دون سائر الحيوان حاصل على قوى ~~قادرة على التقدم المتصل، لكن تقدم الإنسانية لا يتجه نحو غاية مطلقة، والفلسفة ~~الواقعية لا تعترف بالمطلق، بل نحو تكامل الحالات المكونة للحياة الاجتماعية، ~~كما يتكامل الجنين بمروره بسلسلة معينة من الحالات وهذا التقدم في تاريخ ~~الإنسانية ضروري مطرد، كما هو شأن كل قانون طبيعي، دون أن يصل أبدا إلى ~~الكمال المطلق، وأما قانون التقدم العقلي فهو قانون الحالات الثلاث المذكورة ~~آنفا، وعليه يتمشى التقدم العملي، فإن الحالة اللاهوتية تقابلها حالة عسكرية، ~~وتقوم أهمية هذه الحالة فيما تطبع عليه الناس من نظام واطراد، وهما الشرطان ~~الضروريان لكل كيان سياسي، وفيها تتركز القوى حول غايات مشتركة مسيسة الحاجة، ~~وما كان إلا لقوة خارجية أن تكون الوحدة وتصونها، فالحرب هي التي تتيح النمو ~~للمجتمع في مرحلته الأولى، وتستتبع الحرب الرق لضرورة اضطلاع الرقيق بالأعمال ~~المادية كي يتوفر المحاربون على أعمالهم الحربية، ويقابل الحالة الميتافيزيقية ~~فترة تئول فيها السلطة إلى الفقهاء فيميلون بالحكم من الملكية إلى الديمقراطية، ~~وتتحول العسكرية من هجومية إلى دفاعية، ويضعف الروح العسكري شيئا فشيئا ويقوى ~~روح الإنتاج، وتحاول الطبقة الوسطى التقدم إلى المحل الأول وتطالب بحقوق ~~سياسية، ويحاول الفقهاء ms307 إيجاد التوازن بين الدعاوى المختلفة وهذه حالتنا ~~الراهنة، وهي حالة انتقال غامضة مضطربة، ويقابل الحالة الواقعية الحالة ~~الصناعية، يرجع فيها إلى القوى المنتجة تعيين نظام المؤسسات وتوزيع السلطات، ~~فتحل المسائل الاجتماعية محل المسائل السياسية، ويسير العمال مع ميل الفلسفة ~~الواقعية إلى تقديم الواجبات على الحقوق، حتى يتركز اهتمام الجميع في حل ~~المعضلة الاجتماعية الكبرى التي هي توفير العمل والنمو الروحي للجميع، وأما ~~قانون التقدم العاطفي فيمضي من الأنانية إلى شيء من الغيرية، ثم لا تزال ~~الغيرية تتقدم حتى تسود سيادة تامة تمشيا مع القانونين الآخرين؛ فاتحاد ~~الأفراد في الأسرة، واتحاد الأسرة لأجل الحرب، وتعاون الجميع لأجل ازدهار ~~الصناعة، تلك مراحل نمو الغيرية. # هذا القانون الأخير صلب علم الأخلاق، ولم يكن كونت عالج هذا العلم إلا في ~~الفصل الأخير من علم الاجتماع، ثم اقتنع بأهميته العظمى لتعزيز العاطفة ~~الاجتماعية، واعتزم أن يجعل منه علما قائما برأسه يكون سابع العلوم الرئيسية، ~~فيصير هو من ثمة أعقد العلوم، ونصير سائر العلوم أجزاء له، وفي رأيه أن ~~المهمة التي يجب على الفلسفة الواقعية أن تعمل لها هي محو فكرة «الحق» الراجعة ~~إلى أصل لاهوتي من حيث إنها تفترض سلطة أعلى من الإنسان، وحصر الأخلاق كلها في ~~فكرة «الواجب» ذلك «الميل الطبيعي إلى إخضاع النزعات الذاتية لصالح النوع أجمع» ~~بحيث يصير شعارنا «الحياة لأجل الغير». # إن فكرة الواجب آنية من الروح الاجتماعي الذي تحققه الفلسفة الواقعية إذ تبين ~~الفرد عضوا من أعضاء النوع، وتستنبط قوانين سيرته من النظام الكلي للأشياء لا ~~من مصلحته الخاصة فحسب، وأرفع المعاني في ميدان الأخلاق معنى الإنسانية بما هي ~~كذلك، أي الإنسانية التي يتوقف تقدمها على تضافر الأفراد والجماعات، والعلم ~~الواقعي مفيد جدا لعلم الأخلاق إذ من المهم جدا تعيين مبلغ التأثير المباشر ~~وغير المباشر لكل ميل وكل فعل في الحياة الفردية والاجتماعية. ~~(7) مذهبه: ديانة الإنسانية # خطا كونت خطوة أوسع فبلغ إلى الدين، إنه ينعت دينه بالواقعي، والحقيقة أن ~~هذا الدين يكاد يكون كله ثمرة العاطفة والخيال في تكوينه والإحساس ms308 به، كان ~~فيلسوفنا قد وضع العقل في المحل الأول يستكشف قوانين الوجود ويؤثر في العاطفة ~~فيحدث أخلاقا ومؤسسات اجتماعية، وها هو ذا الآن يرى أن قيمة العقل تنحصر في ~~نتائجه العملية، وأن هذه النتائج تتوقف على الظروف الخارجية في حين أن العاطفة ~~توفر لنا رضا باطنا مباشرا، فيقدم العاطفة إلى المحل الأول ويطلب إليها ~~إنارة العقل فينتهي إلى مثل الحالة اللاهوتية التي اعتبرها طفولة النوع ~~الإنساني، حتى إنه يتبع في ذلك منهجا يخالف المنهج العلمي فينقطع عن كل جديد ~~في العلم والأدب ويتوفر على الموسيقى والشعر الإيطالي والإسباني، ويطالع كتاب ~~«التشبه بالمسيح» فيتسبدل الإنسانية بالله في كل موضع منه ويستعين به على تعمق ~~فكرة الإنسانية والإخلاص لها على مثال الصوفيين، ويلزم من ذلك تقديم الفن على ~~العلم من حيث إن مصدر الفن العاطفة وإن الفن يصور مثلا عليا تهذب أفكارنا ~~وغرائزنا، وقد حدا هذا الموقف ببعض تلاميذه الأقربين إلى اعتزاله وعده خارجا ~~على الفلسفة الواقعية الخالصة، بيد أن من الحق أن نذكر أن علم الاجتماع الساكن ~~قد عد الدين أحد الأوضاع الملازمة للمجتمع، وأنه كان من المتعين على كونت ~~الاحتفاظ به مع الملاءمة بينه وبين المذهب الواقعي، فلا يمكن أن يقال إن الدين ~~خاطر طارئ على فكره أثارته الأزمة العصبية الثانية، ولسنا ندري على أية صورة ~~كان يجيء الدين المتسق مع العقل الواقعي، أما الصورة التي رسمها كونت فنجملها ~~فيما يلي: # الدين خاصية النوع الإنساني، وتعريفه أنه المبدأ الأكبر الموحد لجميع قوى ~~الفرد ولجميع الأفراد فيما بينهم؛ وذلك بنصب غاية واحدة لجميع الأفعال، وقد سبق ~~القول أن معنى الإنسانية أرفع المعاني من الوجهة الذاتية، وأنه هو الذي يكفل ~~وحدة المعرفة إذ تحصل هذه الوحدة بالنظر إلى العالم من حيث علاقاته بالإنسانية، ~~وهذا المعنى واقعي ينطق به التاريخ، فليس يوجد الفرد إلا بفضل الماضي، وليس ~~يستمد أسباب الحياة المادية والعقلية والخلقية إلا من الإنسانية، بحيث نستطيع ~~أن نقول إن الأموات أحياء أكثر من الأحياء أنفسهم، فديانة الإنسانية عبادة ~~الإنسانية باعتبارها «الموجود ms309 الأعظم» الذي تشارك فيه الموجودات الماضية ~~والحاضرة والمستقبلة المساهمة في تقدم بني الإنسان وسعادتهم، والعبادة مشتركة ~~وفردية: تقوم المشتركة في أعياد تذكارية تكريما للمحسنين إلى الإنسانية، ~~فيملؤها السرور وعرفان الجميل، وقد وضع كونت «تقويما واقعيا» دل فيه على كل ~~يوم وكل شهر بأسماء الرجال الذين امتازوا بالعمل على تقدم الإنسانية، وفي ~~العبادة الفردية يتخذ الأشخاص الأعزاء على الفرد نماذج للمثل الأعلى، ولما كانت ~~كرامة الفرد تقوم في كونه جزءا من «الموجود الأعظم» كان واجبه أن يوجه جميع ~~أفكاره وأفعاله إلى صيانة هذا الموجود وإبلاغه حد الكمال، وهكذا تنطوي الغيرية ~~على الواجب الأعظم وعلى السعادة العظمى جميعا. # ويعهد بتدبير العبادة التربية إلى هيئة إكليريكية أعضاؤها فلاسفة شعراء ~~أطباء معا، مهمتهم استكشاف ما يكفل خير «الموجود الأعظم» وتحقيق ما حققته ~~الكنيسة في العصر الوسيط أو أرادت تحقيقه من أفكار جليلة عميقة، ولما كانت ~~«الواقعية» قد تحررت من الأوهام القديمة فلا بأس عليها أن تعود إلى التصور ~~الفيتشي للطبيعة فتضيف إلى الأشياء نفسا وحياة، وهذه الإضافة مصدر قوة للغة ~~والفن وكل ما من شأنه أن يفيد في بقاء «الموجود الأعظم» ونمائه، وتعتبر السماء ~~أو الهواء «الوسط الأعظم» الذي تكونت فيه الأرض التي هي «الفيتش الأعظم» ~~فيؤلفان مع «الموجود الأعظم» الثالوث الواقعي، وبعد الفلاسفة الذين هم بمثابة ~~الدماغ من الجسم، يأتي النساء وهن بمثابة أعضاء العاطفة، وواجبهن إثارة عواطف ~~الحنان والغيرية الكفيلة باستكمال «الموجود الأعظم»، وبعدهن يجيء رجال الصناعة ~~والمال وهم بمثابة أعضاء التغذية، وأخيرا يجيء العمال وهم بمثابة أعضاء ~~الحركة. # تلك هي ديانة الإنسانية مسخ بها كونت الديانة المسيحية، ونصب نفسه كاهنها ~~الأكبر، ووضع لها شعارا: المحبة كمبدأ، والنظام كأساس، والتقدم كغاية، فكان له ~~بعض الأشياع في فرنسا وإنجلترا والسويد وأمريكا الشمالية والجنوبية، تبعوا في ~~كل بلد كاهنا أكبر وأقاموا معابد، ولا نظننا بحاجة إلى التنبيه على غرابتها ~~وتهافتها، ولا على ضعف النظرية الأساسية في المذهب وهي نظرية الحالات الثلاث، ~~فقد أقر كونت أن الرياضيات وجدت واقعية أول ما وجدت، وقليل من التفكير ms310 يدلنا ~~على أن الإنسان ما كان بقي على سطح الأرض لو لم يتعرف خصائص الأشياء منذ أول ~~أمره فيفيد من النافع ويحتاط للضار ويصطنع الأسلحة والآلات، فالحالات الثلاث ~~أولى بها أن تكون متعاصرة متلازمة مع تفاوت فيما بينها في كل عصر وكل فرد، وأن ~~يكون لكل منها قيمته، ولكن كونت اقتنع بنسبية المعرفة ورأى أن يبررها بهذه ~~النظرية، وبهره العلم التجريبي فحصر فيه كل الحقيقة وجاءت فلسفته الواقعية هي ~~الفلسفة المادية بالرغم من تحفظه إذ أنها تؤدي إلى النتيجة نفسها وهي إنكار ~~الميتافيزيقا، ونحن نقصر فضل كونت على طائفة كبيرة من الأفكار الجزئية العميقة ~~في العلوم والاجتماع. ~~(8) جوزيف پرودون (1809-1865) # نختم هذا الفصل بذكر اثنين من الاشتراكيين أرادا أن ينظما المجتمع تنظيما ~~واقعيا، أولهما پرودون كان عامل طباعة ولكنه تثقف بالقراءة الكثيرة، ثم كتب، ~~فجاءت كتاباته مزيجا يعوزه الوضوح والانسجام من ملخصات قراءاته ومن آراء خاصة، ~~أهم كتبه: «ما الملكية؟» (1840) و«خلق النظام في الإنسانية» (1843) ~~و«المتناقضات الاقتصادية» (1846) و«العدالة في الثورة الفرنسية وفي الكنيسة» ~~(1858) و«الحرب والسلم» (1861)، وهو ينتقد فيها على السواء مذهب الحرية والمذهب ~~الشيوعي، يقول إن الحرب ضرب من حكم الله ويشيد بالسلم، يحمل على الاستبداد ولا ~~يؤمن بالاقتراع العام ... # مذهبه الخاص قائم على فكرة العدالة، وهو يعرفها بأنها «حقيقة كلية تتجلى في ~~الطبيعة بقانون التوازن، وفي المجتمع بتبادل أساسه تساوي الأشخاص»، ومن فكرة ~~العدالة هذه يستنبط نظاما اقتصاديا يسميه «التعاون» أو «التبادل» ويرجو ~~تحقيقه حين يصل العمال إلى السلطة بفضل الاقتراع العام فيديرون المشروعات ~~والمصارف وغيرها من المؤسسات الاجتماعية بحيث يجعلون لكل عمل مكافأة من جنسه أي ~~على قدره؛ فإن الواجب على كل إنسان أن يعمل لكي يعيش ويحق له أن يقتني ملكا ~~بنتاج عمله، والملكية سبب من أسباب الحرية، ولكن كل ثروة أو كل ملكية تجيء من ~~غير طريق العمل هي سرقة، كالفائدة على رأس المال، فإن المال عقيم بطبيعته فلا ~~ينبغي أن ينتج ربحا يتيح لصاحبه الحياة بلا عمل، إن هذا تناقض وإنه مناف ~~للعدالة، هكذا كان قد ms311 قال أرسطو والمدرسيون، ويوجد عند پرودون أفكار أخرى ~~محافظة، مثل أن الزواج عقد غير قابل للفسخ لأنه عبارة عن التوحيد بين ~~الزوجين، وقد كان له أثر عميق في الحركة النقابية والحركة التعاونية والحركة ~~السلمية. ~~(9) لويس بلان (1811-1886) # ثوري ساهم في ثورة 1848 وأسس «مصانع قومية» أخفقت وأدى إخفاقها إلى اضطرابات ~~دموية، هذه المصانع كانت تطبيقا لمذهب بسطه في كتيبين: أحدهما في «تنظيم ~~العمل» (1846) والآخر في «الحق في العمل»، ويرجع مذهبه إلى ما يأتي: لكل إنسان ~~حق طبيعي في أن يحيا، ولا يتحقق هذا الحق إلا بإحدى وسيلتين هما الملكية الخاصة ~~والعمل، أما الملكية الخاصة فيستغلها في المجتمع الرأسمالي نفر من الأغنياء ~~يركزون الثروات في أيديهم ولا يدعون للسواد سوى العمل بأجور دنيئة مع التعرض ~~للعطلة، فيحرمونهم فعلا حقهم في الحياة، والعلاج الوحيد لهذه الحالة هو أن ~~تتملك الدولة جميع الموارد فتوفر عملا لكل مواطن وتوزع النتاج على الجميع ~~بالقسطاس، وهذه هي الشيوعية، ولا يدري أصاحبها أنها تجر مساوئ هي شر من مساوئ ~~الرأسمالية. # المقالة الثالثة: الفلسفة في إنجلترا # تمهيد # في هذه الفترة التي نؤرخ لها لا نجد في إنجلترا سوى ممثلين اثنين للمذهب الحسي: ~~أحدهما بنتام وهو يقصر عنايته على الأخلاق والاجتماع، والآخر چيمس مل يعالج علم ~~النفس التجريبي، وإلى جانب هذا الجدب في الفلسفة القومية نجد تأثير الألمان يبعث ~~حركة روحية معارضة لها، فيصطنع بعض الأدباء، وأشهرهم كولريدج وكارليل، الرومانتية ~~ووحدة الوجود، ويؤلف السر وليم هاملتون مذهبا نقديا يشبه بعض الشبه مذهب كنط، ~~وهكذا أتاح اللقاح الألماني للفكر الإنجليزي ما لم تكن تسمح به فلسفته القديمة من ~~قوة وعمق نسبيين كما يتضح من الفصول الثلاثة الآتية. # الفصل التاسع # المذهب الحسي ~~(1) إرميا بنتام (1748-1832) # اعتنق المذهب النفعي، وطبقه في كتابه «المدخل إلى مبادئ الأخلاق والتشريع» ~~(1789)، ووضع مشروعا لسجن نموذجي (1802)، وأنشأ مجلة «وستمنستر» (1824) للدعوة ~~إلى الإصلاح الدستوري، وكون حزبا لهذا الغرض، فكان لدعوته أثر كبير في ~~السياسة الإنجليزية، وتم الإصلاح المنشود في سنة وفاته، ودون مذكرات في ~~«المكافأة» وأخرى في «المعاقبة» ms312 وأعطاها إلى صديق فرنسي هو إيتين ديمون حررها ~~بلغته ونشرها في كتابين نقلا إلى الإنجليزية ونشر الأول سنة 1825 والثاني سنة ~~1830، وترك لأحد أتباعه مذكرات نشرت بعد وفاته بسنتين بعنوان علم «الأخلاق» # deontology ~~. # مذهبه أن الناس يطلبون اللذة ويجتنبون الألم بالطبع، شأنهم في ذلك شأن ~~الحيوان، ولكنهم يمتازون على الحيوان بأنهم يتبعون مبدأ النفعية حيثما يعملوا ~~العقل، أي إنهم يحكمون بأن الفعل الخير هو الذي يعود بلذة مستمرة أو الذي تزيد ~~فيه اللذة على الألم، وأن الفعل الشرير هو الذي يعود بألم مستمر أو الذي يزيد ~~فيه الألم على اللذة، ولا يمنع من الإقرار بهذا المبدأ سوى الأحكام المتواترة ~~وبنوع خاص العقائد الدينية؛ فالمطلوب التدليل على أن الأخذ به يعود بأكبر قدر ~~من اللذة أو السعادة التي هي مقصد الكل، ولكي يحكم العقل يجب تقدير اللذات ~~بجميع ظروفها والموازنة بينها، تقاس اللذات أولا من جهة صفاتها الذاتية، وهي: ~~الشدة والمدة والثبات وقرب المنال والخصب (أي القدرة على إنتاج لذات أخرى) ~~والنقاء (أي خلوها من أسباب الألم)، وتقاس ثانيا من جهة عواقبها الاجتماعية، ~~وهي: الخوف الذي يستولي على المواطنين من جراء الجريمة، والقدوة السيئة التي ~~تنشرها بينهم، والاضطراب الاجتماعي الذي تسببه، والقصاص الذي ينزل بالمجرم، فإن ~~القصاص عنصر يدخل في حساب الآلام ويعارض لذة الفعل، فيميل بالمرء إلى اتباع ~~القوانين التي يراها المشرع نافعة لأكبر عدد، كما أن المكافأة وإقرار المواطنين ~~وثناءهم تحمل على ذلك أيضا مع ما فيه من حرمان وهذه العواقب هامة جدا يجب ~~على الفرد مراعاتها لأن منفعة المجموع شاملة للمنافع الفردية ومن ثمة مقدمة ~~عليها؛ ولذا كانت الغاية التي يتعين علينا السعي لتحقيقها هي «أكبر سعادة لأكبر ~~عدد»، وهذا هو العلم الجديد الذي يأتي به بنتام ويسميه بالحساب الخلقي لإجادة ~~الاختيار بين اللذات، ويعتقد أنه يحول به علم الأخلاق وعلم التشريع إلى علمين ~~مضبوطين كالرياضيات، ويعول في التوحيد بين النفع الذاتي والنفع العام على ~~الجزاء الطبيعي للفعل والجزاء القانوني والجزاء الاجتماعي. # وما هذا المذهب إلا مذهب أبيقور ms313 وهوبس ومن لف لفهما، وقد كان أفلاطون فطن ~~إلى حساب اللذات والآلام، ولكنه لم يعتبره حسابا كميا مثل بنتام، ولم يرد ~~الخلقية إلى النفعية مثله، إن اللذة والألم يرجعان إلى الكيف لا إلى الكم، ~~ويستحيل قياس القيمة الذاتية للذة ما باعتبار الكم، ويستحيل الموازنة بين لذتين ~~من نوع واحد كلذة التفاح ولذة الخوخ، ويستحيل من باب أولى الموازنة بين لذتين ~~مختلفتين بالنوع، ولا سيما إذا كانت إحداهما حسية والأخرى عقلية أو فنية، كذلك ~~لا يوجد قياس مشترك بين قرب المنال والنقاء، أو بين الشدة والمدة، إلى غير ذلك ~~من خصائص اللذة التي يمتنع اجتماعها للذة بعينها، وإنما يتفق بعضها للذة وبعض ~~آخر للذة أخرى، وهكذا بحيث تمتنع المضاهاة ويمتنع الاختيار. ~~(2) جيمس مل (1773-1836) # إسكتلندي أخذ عن دوجالد ستوارت بجامعة أدنبرى، ثم كان مؤدبا في أسرة اللورد ~~جون ستوارت، وفي الثلاثين صحبه إلى لندن وأخذ ينشر بعض الرسائل، ثم نشر تاريخ ~~«الهند البريطانية» (1718) نقد فيه حكومة شركة الهند نقدا عسيرا، ولما خلا ~~فيها منصب تقدم له فعين فيه للإفادة من معارفه، وترقى إلى منصب رفيع أكسبه ~~نفوذا كبيرا على حكومة الهند، وعرف بنتام وشاركه في مجلته وفي نضاله ~~الدستوري، وكان إلى جانب ذلك يواصل النظر في الفلسفة حتى نشر كتابه «تحليل ~~ظواهر الفكر الإنساني» (1829) وقد عرض فيه مذهب تداعي المعاني على صورة أوضح ~~وبمادة أغزر مما جاء عند أراسم درون وديفيد هارتلي اللذين أوحيا به ~~إليه. # في هذا الكتاب يتصور الفكر كما يتصور الآليون الطبيعة؛ فإن هؤلاء يقولون إن ~~الطبيعة مؤلفة من ذرات تأتلف فتكون الأجسام، ويقول هو إن الفكر مؤلف من عناصر ~~بسيطة «نقط شعورية» هي الإحساسات والانفعالات الأولية تأتلف تبعا لقانون ~~الترابط بالتقارن فتكون سائر الظواهر الفكرية، وقانون التقارن هو القانون ~~الوحيد للفكر، وليس الترابط بالتشابه قانونا أصيلا ولكنه يرد إلى الترابط ~~بالتقارن، فالحياة الفكرية خاضعة للآلية، وقوة الترابط تابعة بنوع خاص لقوة ما ~~تهيجه الإحساسات من انفعالات ولتواتر الترابط، وحين يتوثق الائتلاف تتكون في ~~الفكر التصديقات، ولهذه الذرية ms314 الفكرية تطبيقاتها في المنطق والأخلاق والتربية؛ ~~فبالترشيع والتربية يمكن تثبيت الروابط التي يراد أن تسيطر على الإنسان، ~~وبالنظر في الأخطاء المتواترة ندرك أنها ناشئة عن الترابط فنتحرر منها ونعمل ~~على أن نحل محلها بالترابط أيضا آراء جديدة، وهنا يبدو قصور المذهب الحسي؛ ~~فإنه يلجأ إلى الفعل الشخصي بعد استبعاده من النفس، ولا يدل على قيمة خاصة ~~للآراء الجديدة تفضل بها الآراء القديمة ما دامت كلها وليدة الترابط، فلا يبرر ~~مبادئ النظر وقواعد العمل. # الفصل العاشر # الرومانتية ~~(1) كولريدج (1772-1834) # شاعر وواعظ نشر في إنجلترا أدب الرومانتيين الألمان وفلسفتهم، فأثار في ~~الشبيبة أفكارا جديدة وحماسة جديدة، كان في شبابه على مذهب هيوم وهارتلي، ثم ~~اقتنع بوحدة الفكر وفاعليته، فنفر من محاولات الحسيين لرد الظواهر الروحية إلى ~~الوظائف الدنيا وتطبيق الآلية على الحياة الخلقية، وصرفته دراسة الفلسفة ~~الألمانية عن الفلسفة الإنجليزية، فعارض القول بالتجربة بالقول بالحدس، وعارض ~~التحليل بالتركيب، ولعله تأثر بأفلوطين أكثر مما تأثر بالألمان، فإنه يميز مع ~~الأفلاطونيين بين الفهم والعقل، ويجعل من الفهم قوة استدلالية تركب ما تتلقاه ~~من التجربة وتقف عند هذا الحد، ومن العقل قوة حدسية تقدم مبادئ التركيب وتكشف ~~عن صميم الأشياء ، وباعتبار هذه الوجهة الثانية يسمى العقل بالعملي لاعتقاده أن ~~العقل العملي عند كنط وفختي يستكنه الجواهر، وقد استخدم هذا التمييز بين الفهم ~~والعقل للدفاع عن الدين، فقال إن الاعتراضات التي كان هيوم وفولتير وأضرابهما ~~يعتبرونها قاطعة، ترجع إلى الفهم ويبددها العقل، وهو يفسر عقيدة الثالوث ~~بالقضية ونقيضها والمركب منها! بل يضع رابوعا بأن يقدم على هذه الحدود الثلاثة ~~أساسا لها هو «الله الإرادة المطلقة أو الوحدة المطلقة»! على أن الدين عنده لم ~~يكن الدين السلفي بل جملة من الصور والعواطف تولد فيه نشوة لا أكثر وكان ضعيف ~~الخلق لم يستطع السيطرة على سيرته. ~~(2) كارليل (1795-1881) # صاحب كتاب «الأبطال والبطولة»، كان مؤمنا في حداثته، ثم قرأ هيوم وغيره من ~~الشكاك فتبدد إيمانه واعتبر العالم آلة صماء، وفيما هو عاكف على دراسة ~~الرياضيات قرأ شيلر وجوتي وفخي ms315 فتغير موقفه، لم يعد العالم في نظره «دكان ~~بضائع» بل انقلب معبدا، ولم يعد العقل مصدر المعرفة الحقة بل صار القلب ذلك ~~المصدر، رأى أن الشك والنفي مرتبطان بالاستدلال العقلي، وأن المادية والإلحاد ~~والنفعية مذاهب نافية لا تتناول إلا الظاهر، وأن الموقف الطبيعي هو الإيجاب ~~والإيمان، إن محاولة البرهنة بالعقل على وجود الله بمثابة محاولة إضاءة الشمس ~~بمصباح! العالم «ثوب الله» ورمز لمعان تستعصي على المنهج العلمي، إن العلم ~~يتصور الطبيعة دون أن يحسب حسابا لمعناها، والآلية «فلسفة الثياب»، أما ~~الفلسفة الحقة فهي جهاد مستمر ضد العادة التي تجعلنا نتخذ من الظواهر جواهر ~~فتحجب عنا بها الأشياء، والإنسان هو الرمز الأكبر، لقد اعتقد لوك وأتباعه أن ~~العقل مجرد آلة تفكر وآلة تعمل بدافع اللذة والألم والمنفعة وحساب الربح ~~والخسارة، بينما الإنسان حياة خلقية تنبعث من ميل النفس إلى إرضاء مثلها ~~العليا، إن الأخلاق النفعية تغلو في أهمية التفكير الواعي، ولا تفطن إلى أن كل ~~أمر جليل إنما يولد وينمو من تلقاء نفسه، ولكل أن يجد رمزه وديانته: «لست أقصد ~~بالديانة الإيمان الكنسي، بل ما يعتقده بالفعل كل إنسان بصدد علاقاته الباطنة ~~بهذا الكون الخفي» ما دام الفاعل فينا وفي الخارج قوة إلهية، وإن هذه القوة ~~اللامتناهية تبدو بصفة خاصة في الإنسان، وبصفة أخص في الإنسان العظيم (كما يقول ~~فختي)، فيجب أن تقوم الحياة الروحية والاجتماعية على تكريم الأبطال أي عظماء ~~الرجال، وهكذا كانت قائمة في الماضي، عظماء الرجال خالقو ما يحاول سواد البشر ~~تحقيقه؛ لذا كان تاريخهم روح التاريخ العام، ونحن الآن أحوج ما يكون بنو ~~الإنسان للأبطال أي لأرستقراطية مستنيرة تقودنا، وليس هناك من معنى للحرية ~~والمراقبة الشعبية والديمقراطية، إن جمهرة الإنسانية بحاجة إلى نظام من حديد، ~~ويجب أن تكون فضيلتها الوحيدة طاعة القانون. # الفصل الحادي عشر # فلسفة النسبية ~~(1) وليم هملتون (1788-1856) # ولد بجلاسكو وتخرج في جامعتها وفي جامعة أكسفورد، عين أستاذا للقانون ~~الأسكتلندي والقانون المدني بجامعة أدنبرى، فأستاذا للفلسفة بها (1836) وشغل ~~هذا المنصب إلى وفاته، كان قد نشر ms316 في «مجلة أدنبرى» ثلاث مقالات فلسفية تشتمل ~~على لب مذهبه: الأولى «فلسفة اللا مشروط» (1829) والثانية «فلسفة الإدراك ~~الظاهري» (1830) والثالثة «المنطق» (1833) وقد جمعت فيما بعد في كتاب عنوانه ~~«مناقشات في الفلسفة»، ونشرت دروسه الفلسفية بجامعة أدنبرى في مؤلفين: «دروس ~~فيما بعد الطبيعة» في مجلدين، و«دروس في المنطق» في مجلدين، ونحن نقتصر هنا على ~~عرض رأيه في اللامشروط ورأيه في الإدراك، أما المنطق فأهم أثر له فيه نظريته في ~~تكميم المحمول وهي معروفة مبسوطة في جميع الكتب المنطقية المعاصرة، ونحن لا ~~نوافقه عليها، ويطول بنا القول إذ أردنا مناقشتها. # يرجع مذهبه إلى منبعين: المدرسة الأسكتلندية وكنط، وهو أقرب إلى الأولى منه ~~إلى الثاني، والمحور الذي يدور عليه هو أن «التفكير شرط» أي إن المعرفة نسبية، ~~وذلك من ثلاثة وجوه: فإنها تقوم في نسبة بين حدين يجمع بينهما في الحكم، ونسبة ~~بين ذات عارفة وموضوع معروف يحد أحدهما الآخر، ونسبة بين جوهر وعرض فيدرك ~~الجوهر بالعرض ويدرك العرض بالنسبة إلى الجوهر سواء أكان العرض ذاتيا للجوهر ~~أو خارجيا كالزمان والمكان، هذه النسب قوام التفكير إذا حاولنا رفعها محونا ~~كل معرفة ووقعنا في الوحدة المطلقة، فكل ما هو مدرك مشروط أي نسبي، واللا مشروط ~~أو المطلق لا مدرك سواء أكان كلا أو جزءا، فإن أي كل فهو دائما بالنسبة ~~إلينا جزء لكل أكبر، وإن أي جزء فيمكن أن يتصور قابلا للقسمة فيكون من ثمة ~~كلا، فلا أساس لزعم شلنج وكوزان أننا ندرك المطلق، وإلى الرد عليهما قصد ~~هملتون بنوع خاص. # أما المشروط أو النسبي فمدرك إدراكا موضوعيا، إذ «لا يمكن أن تكون ~~طبيعتنا كاذبة في أصلها» وإني «في أبسط إدراك أشعر بنفسي كذات مدركة وأشعر بشيء ~~خارجي كموضوع مدرك»، فنقد كنط لعلم النفس النظري غير مقبول، صحيح أن الشعور شرط ~~الظواهر الباطنة، ولكنه هو ظاهرة، فيجب أن يكون وراءه شيء ويجب أن يكون هذا ~~الشيء مختلفا عما وراء الظواهر المادية، غير أن هذا يذهب فقط إلى أن الأشياء ~~موجودة في الخارج بكيفياتها الأولية، أما ms317 الكيفيات الثانوية فتحدثها الأشياء ~~فينا بقوى لها، فنحن لا ندرك الأشياء في أنفسها من حيث إننا بعيدون عنها، وإنما ~~ندركها في تأثيرها الواقع على حواسنا، ندرك الشمس مثلا بوساطة الأشعة الواصلة ~~إلى العين، وندرك وجود العالم الخارجي على العموم بفضل مقاومته لفعلنا العضلي، ~~وعلى هذا يكون الإدراك مباشرا ولكنه إدراك آثار الأشياء في الحس، وهذا موقف ~~يختلف عن موقف ريد وعن موقف كنط وأتباعه. # متى كانت معرفتنا نسبية لزم أننا لا ندري شيئا عن المطلق، بل لعلنا لا ندري ~~إن كان موجودا أو غير موجود، بيد أن هملتون يجد بابا للولوج إليه فيقول: إن ~~أي موضوع معروف فهو جزء من حيث إنه مشروط، ومن ثمة هو مردود إلى لا مشروط، وهذه ~~النسبة تخرجنا من حدود معرفتنا وتجعلنا نثبت وجود المطلق، فإذا سألنا أنفسنا: ~~هل هو متناه أو غير متناه؟ وجدنا أنفسنا بين حدين متقابلين، ومبدأ الثالث ~~المرفوع يقضي بأن أحد الحدين المتقابلين صادق بالضرورة، خلافا لرأي كنط في ~~المتقابلات: فما سبيلنا إلى تعيين جانب الصدق ههنا؟ لا سبيل سوى الاختيار لأن ~~هذه المسألة تجاوز حدود الفكر، وليس يتم مثل هذا الاختيار إلا بناء على أسباب ~~خلقية ، فنقول إننا بحاجة إلى موجود غير متناه يستطيع أن يحفظ روحنا، ثم بوسعنا ~~أن نخطو خطوة أخرى فنتصور المطلق بالمماثلة بنا، ونتصور العلاقة بينه وبين ~~العالم على مثال العلاقة بين أنفسنا وجسمنا، وهكذا ننتقل من الفلسفة إلى ~~اللاهوت، فإن نهاية الفلسفة بداية اللاهوت. # وهكذا يخالف هملتون مبدأ فلسفته، فما كان أحراه أن يحتاط في المبدأ للنتيجة! ~~فبعد أن عرف المعرفة بالنسبية ظن أن بإمكانه القول بالمطلق ووضع علاقة بينه ~~وبين النسبي دون أن يفطن إلى أن المطلق يصير بهذه العلاقة مشروعا نسبيا ~~بموجب تعريفه! إن الرد على شلنج وأضرابه لا يحتاج إلى جعل المعرفة الإنسانية ~~نسبية إطلاقا، بل إلى بيان أن ليس لدينا في الواقع مثل الحدس الذي يزعمون، وإن ~~إثبات اللا نهاية للمطلق لا يحتاج إلى ذلك الاختيار الخلقي الذي سبق به هملتون ms318 ~~أصحاب البراجماتزم بل يتوسل إليه بالاستدلال العقلي، فلو أن هملتون ميز منذ ~~البداية بين «التصور بنسبة» وبين «الحكم على موضوع بأنه نسبي أو مطلق» إذن لرأى ~~أن بإمكاننا إثبات وجود المطلق وصفاته بالاستدلال دون أن يكون للمنهج ~~الاستدلالي أي أثر في قيمة أحكامنا؛ فإننا إن قلنا إن العالم يقتضي علة أولى، ~~وإن العلة الأولى مطلقة، وإن المطلق غير متناه، كانت هذه الأحكام صادقة ولم ~~تصر العلة الأولى المطلقة شيئا نسبيا بسبب دخولها في نسبة الحكم، وهذا غلط ~~وقع فيه غير واحد من الفلاسفة المحدثين لأنهم اتخذوا من علم النفس أساسا ~~للفلسفة فتصوروا الأشياء في أنفسها على مثال شعورنا بها أو منهجنا في ~~إدراكها. ~~(2) منسل (1820-1879) # تلميذ هملتون، وأستاذ بأكسفورد، وكبير قساوسة كنيسة سنت بول، كتابه «حدود ~~الفكر الديني» (1858) يستند إلى قول هملتون إن معرفتنا لا تبلغ إلى المطلق ~~ويرتب عليه امتناع إقامة لاهوت عقلي، ويذهب في الوقت نفسه إلى أن العلم ما دام ~~نسبيا فهو لا يملك الاعتراض على الوحي، وإن الصعوبات والمتناقضات ليست ناشئة ~~من الوحي بل من حدود العقل الذي يزعم مع ذلك الخوض في المطلق، على حين أن حدوده ~~تدل على أن شيئا قد يوجد ويكون فوق متناوله، فما لا نستطيع فهمه يجب علينا ~~الإيمان به، يجب الإيمان بشخصية الله ولو بدا لنا تناقض بين الحدين من حيث إن ~~الشخصية تفترض التعيين والحد وأن الله مطلق من كل حد وتعيين، ويجب علينا ~~الإيمان بعقيدة النعمة الإلهية وبعقيدة القصاص الأبدي ولو بدا لنا أنهما ~~متنافران وأن المحبة والعدالة فينا تأبيان القصاص إلى الأبد، إننا نرى الجزء ~~ولا نرى الكل، فلا يسوغ لنا أن نتصور الله بوساطة صفاتنا وأخلاقنا فإن هذه ~~لازمة من طبيعتنا المحدودة ولا تنقل إلى الله بأي حال، وعلى هذا يكون منسل أشد ~~استمساكا بمبدأ النسبية من أستاذه، وهو يدلنا على أن النتيجة المنطقية لهذا ~~المبدأ إنكار المطلق أو على الأقل تجاهله، إلا أن نكون متدينين من جهة أخرى ~~فنعول على الإيمان الأعمى، ويرجع الاختيار بين ms319 هذين الموقفين إلى المزاج ~~الشخصي، وما أعظم أثر المزاج الشخصي عند الفلاسفة المحدثين! # مادية وروحية # النصف الثاني من القرن التاسع عشر # تمهيد # لقد تعارضت المادية والروحية في كل عصر، ولكن لعل هذا التعارض لم يبلغ من الشدة في ~~وقت ما مبلغه في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فكان الطابع الذي يميزه، وهنا أيضا ~~الفلاسفة كثير، فنقسم الكلام عليهم إلى ثلاث مقالات، في المقالة الأولى نتكلم عن ~~الفلسفة الإنجليزية وقد استعادت قسطا كبيرا من الأهمية والنفوذ، فنرى فريقا من ~~رجالها يأخذون بالمذهب الحسي ويطبقونه على أنحاء شتى، فيضع جون ستوارت مل منطقا ~~مطابقا له، ويفصل ألكسندر بين أصوله وفروعه في علم النفس، ويقيم له دروين أساسا ~~بيولوجيا إذ يزعم التدليل على تطور الأنواع الحية من أدنى إلى أعلى، ويشيد منه سبنسر ~~فلسفة شاملة تستوعب جميع العلوم، على حين تزدهر حركة دينية قوامها الفلسفة الهجلية. # وفي المقالة الثانية نرى الفلسفة الفرنسية ماضية في الاتجاهين السابقين: الاتجاه ~~الواقعي دون ما تجديد أو ابتكار، والاتجاه الروحي يعمل أصحابه على الحد من سلطان الآلية ~~في الطبيعة لضمان الحرية الإنسانية، وفي المقالة الثالثة نرى الفلسفة الألمانية تسير في ~~التيار الكنطي من جهة ، وتناصر مذهب التطور والمادية الإلحادية من جهة، وتحاول جعل علم ~~النفس علما تجريبيا مضبوطا من جهة. # المقالة الأولى: الفلسفة في إنجلترا # الفصل الأول # جون ستوارت مل # 1806-1873 ~~(1) حياته ومصنفاته # هو ابن جيمس مل (151) وقد دعاه أبوه جون ستوارت باسم اللورد الذي كان مؤدبا ~~في أسرته، ثقفه أبوه بنفسه، فأبدأه اليونانية في الثالثة من عمره، وما بلغ ~~الثامنة حتى كان يقرأ هيرودوت ومذكرات سقراط لأكسانوفون وتراجم الفلاسفة ~~لديوچين لايرث بل بعض محاورات أفلاطون، وقد قال هو إن كل هذا كان متيسرا، ثم ~~أخذ يتعلم اللاتينية والحساب إلى جانب لغته طبعا، ثم قرأ التاريخ العام في كتب ~~مفصلة، وهذا أدعى إلى فهمه وحفظه من المختصرات التي تعلم في المدارس، وبعد ~~دراسة قسم كبير من الأدبين اليوناني واللاتيني شرع يدرس المنطق بنفسه، وكان ~~يراجع أباه فيه ms320 أثناء النزهة كما كان يفعل في سائر المواد، ثم قرأ كتبا في ~~الاقتصاد السياسي، ودرس ديموستين وأفلاطون، وفي الثامنة عشرة قرأ الكتب الأربعة ~~الأولى من منطق أرسطو ولخصها، ودرس القانون، وقرأ كتب بنتام وكوندياك ولوك ~~وهلفسيوس وهيوم والأسكتلانديين، فجمع لأبيه كثيرا من المواد لكتابه «تحليل ~~الفكر الإنساني»، وانضم إلى فريق الشباب الذين كانوا يعملون على نشر أفكار ~~بنتام وجيمس مل الفلسفية والسياسية ومذهب هارتلي في تداعي المعاني، وكان قد دخل ~~في خدمة شركة الهند الشرقية منذ السابعة عشرة، فترقى في مناصبها حتى بلغ آخر ~~منصب شغله أبوه، فكان يقوم بأعماله العقلية في أوقات فراغه، وانتخب عضوا بمجلس ~~النواب سنة 1865 وبقي فيه ثلاث سنين كان خلالها موضع تقدير كبير، ولكن خصومه ~~أخذوا عليه آراءه في الدين فلم يجدد انتخابه. # كتب كثيرا في المجلات والجرائد، ومنها مجلة «وستمنستر» التي كان يحررها ~~بنتام وچيمس مل، وقد جمع مقالاته الكبرى في عدة مجلدات بعنوان «مقالات ~~ومناقشات»، ونشر كتبا عدة نذكر أهمها: كتاب «المنطق القياسي والاستقرائي» ~~(1843) كان له صدى كبير في أوربا؛ و«مبادئ الاقتصاد السياسي» (1848) يجعل فيه ~~من هذا العلم جزءا من علم الاجتماع، ويعرف ما في الاشتراكية من وجه حق و «مقال ~~في الحرية» (1859) يدافع فيه عن الحرية الشخصية متابعا الميل العام في إنجلترا ~~ومتأثرا بفرنسا، فقد كان قضى فيها سنة (1820-1821) فأحبها وأحب أدبها، ولما ~~شبت فيها ثورة 1830 قصد إلى باريس وأعجب بما رآه من روح النهضة الاجتماعية ~~عند رجالها الإصلاحيين، وكتاب «في النفعية» (1861) يدافع فيه عن مبدأ المنفعة ~~في العمل ويعرض لتصحيح مذهب بنتام وتكميله، و«مراجعة فلسفة هاملتون» (1865) ~~ينقد فيها المذهب الحدسي، و«أوجست كونت والفلسفة الواقعية» (1865) تعقيب على ~~الفيلسوف الفرنسي يقبل آراءه في المعرفة الإنسانية ولا يتابعه في آرائه ~~السياسية والدينية بل يعتبرها إضافات مستقلة عن الأولى كل الاستقلال، و«ترجمته ~~لحياته» (1873)، ثم «محاولات في الدين» نشرت بعد وفاته (1874). # على سعة مطالعاته وكثرة كتابته جاء أسلوبه ضعيفا معقدا؛ فإن عبارته ~~متثاقلة متعثرة بل هي أحيانا غير صحيحة، حتى ليمكن القول إن ms321 مطالعاته الأدبية ~~كانت سطحية لم تؤهله لأن يصير كاتبا ولم تهذب تفكيره، فالفرق كبير بينه وبين ~~پسكال مثلا الذي تثقف هو أيضا بإرشاد والده ولكنه كان ناضج الفكر عميقه قوي ~~الأسلوب إلى حد الإعجاز، ولم تؤهله مطالعاته الفلسفية لفهم جميع المسائل، بل إن ~~دراساته المنطقية لم تجعل منه عقلا منطقيا، حتى إن ستانلي چفونز، بعد أن شرح ~~كتابه في المنطق عشر سنين بجامعة لندن عملا ببرنامجها، نقد الكتاب نقدا ~~عسيرا وقال إن تدريسه ضار بتكوين الشباب وإن «عقل مل كان متناقضا في جوهره، ~~لم يمس شيئا إلا خلط فيه»، يضاف إلى ذلك أنه لم يكن عالما طبيعيا وأن مواد ~~فصوله في المنطق الاستقرائي مستمدة من وول # Whewell # 1 # وهرشل # Hershell ~~، # 2 # ومناهجه مأخوذة عن فرنسيس بيكون، وكتابه في فلسفة هاملتون كتاب ~~مهلهل لا يدري قارئه أحيانا كثيرة أين الفاصل بين ما يورده المؤلف عن هاملتون ~~وما يعقب به عليه، وهو إلى ذلك ساذج يخلط خلطا كثيرا في جميع مسائل الفلسفة، ~~ومثل هذا يقال في كتاب النفعية وفي سائر كتبه، فلسنا ندري في الحق سببا لشهرته ~~إلا أن يكون وفرة التأليف وضخامة الدعوى، وما هو في هذا بفريد! ~~(2) المذهب الحسي # كان مل يعتقد أن المذهب العقلي هو المذهب الحدسي كما يوجد عند هاملتون، وأن ~~المذهب العقلي يعني التعويل على الرأي الخاص كيفما كان، ويحمل على التكاسل ~~والمحافظة على القديم بأن يحسم كل مشكلة بقوله إن العقل يرى كذا أو يجد في نفسه ~~كذا وكذا من المعاني والمبادئ، فعارضه بالمذهب التجريبي القائل إن الأفكار آتية ~~كلها من التجربة، وإن جميع النسب والعلاقات تفسر بقوانين التداعي، والواقع أن ~~هذا المذهب يعجز عن تفسيرها، فإنه يقضي بأننا لا ندرك سوى ما يقع تحت الحس أو ~~الباطن على ما يقع، فيدع الظواهر المدركة منفصلة متعاقبة تعاقب أفعال الآلة ~~المادية، فلا يجد مل - لكي يفسر اعتقادنا بالجواهر - إلا أن يقول إن هذا ~~الاعتقاد مبني على «إمكان مستمر للإحساس في ظروف معينة»: مثال ذلك أني «أرى ~~ورقة ms322 بيضاء على منضدة، ثم أنتقل إلى حجرة أخرى ومع أني انقطعت عن رؤية الورقة ~~فإني موقن أنها ما تزال في موضعها»؛ وذلك لأن باستطاعتي أن أعود فأراها، ~~وباستطاعتي أن أدرك ظواهر معينة متى أدركت ظاهرة لها في تجربتي، وهذا ما يسمى ~~شيئا أو جسما، كذلك «الاعتقاد بوجود نفسي حتى حين لا يكون هناك إحساس ولا ~~يكون تفكير ولا شعور بوجودها يرجع إلى الاعتقاد بإمكان مستمر للتفكير والشعور ~~في أحوال معينة»، على أن استوارت مل يعترف هنا بأنه لا يفسر تذكر الماضي وتوقع ~~المستقبل، فإنهما يفترضان بقاء الذي يتذكر ويتوقع، إذ لا يعقل أن سلسلة الظواهر ~~المدركة تدرك نفسها بما هي سلسلة أي بما هي ماض ومستقبل، وهذا عين الصواب، ~~وكان مل يعتقد بالأنا ويرى أن الشعور به أصيل لا يرد إلى قوانين الفكر، ويعتبر ~~الأنا أساس الحرية والكرامة الإنسانية، فيقول إن الموقف الأحكم هو قبول هذا ~~الأمر الواقع ولو لم نستطع تفسيره، وهو يعارض أوجست كونت في نقده للاستبطان، ~~ويقول بإمكان علم النفس بناء على الملاحظة بالذاكرة بعد الفعل مباشرة، ويستشهد ~~بتجارب علماء النفس وكتاباتهم، فهو في هذه المسألة الهامة يخرج على المذهب ~~الحسي ومع ذلك لا يخرج منه، بل إنه يعتقد أن النظر في نظام العالم يؤدي إلى ~~الاعتقاد بوجود إله خالق محسن، ويستدرك فقط بأن النقص البادي في العالم يستتبع ~~أن هذا الإله متناه (104، د). # والمذهب الحسي مضطر إلى إنكار اللا شعور من حيث إنه لا يقر بغير الظواهر ~~المدركة، فيصف مل اللا شعور بأنه «تغير في الأعصاب يصاحبه شعور» أي إنه يسقط ~~منه كل عنصر نفسي ويرده إلى حالة فسيولوجية، وهو من ثمة ينكر الحرية ويتهم ~~شهادة الوجدان فيقول: إن الوجدان يعي ما أفعل أو أحس، لا ما قد أفعل أو أستطيع ~~أن أفعل، الوجدان واقع على الموجود لا على الممكن المستقبل، هو واقع على ما ~~بالفعل لا على ما بالقوة، فليس هناك شعور باستطاعتي أن أفعل كذا وكذا، وإنما ~~هناك وهم ناشئ من أن أفعالا صدرت ms323 عني في الماضي فأصبحت أعتقد بإمكان صدور ~~أفعال من قبيلها، ومع ذلك فقد كان مل يؤمن بالحرية ويدافع عنها، وحجته في ذلك ~~أن التعاقب المضطرد للظواهر النفسية لا يعني أن السابق يعين اللاحق حتما، وإذا ~~كنا لا نشعر بالحرية «فإننا موقنون أن أفعالنا الإرادية ليست خاضعة للقسر ونحن ~~نشعر بأننا غير مجبرين» فنحن قادرون على أن نعمل استكمالنا الخلقي، ومن اليسير ~~أن نرد على مل بأن عدم الشعور بالقسر لا يدل على انتفاء القسر، فقد نكون مجبرين ~~ثم لا نشعر بأننا مجبرون، وهذا مثال آخر على تناقض مل. # 3 ~~(3) المنطق # في مثل هذا المذهب كيف يكون المنطق؟ يون تشويها للمنطق الصحيح وتبديدا له، ~~ويبين هذا من استعراض المسائل الرئيسية: وأولا موضوع المنطق، ففي هذه المسألة ~~يأخذ مل على كنط وهاملتون تعريفهما المنطق بأنه علم اللزوم (أي لزوم التالي من ~~المقدم) وأنه علم صوري يتناول شروط مطابقة الفكر لنفسه ويتجاهل صدق القضايا ~~وكذبها، فيأبى مل التسليم بمنطق صوري بحجة أن الفكر لا يكون صحيحا حقا إذا ~~هو غض النظر عن مادة المعرفة، ولكن ما الذي يمنع من اعتبار شروط مطابقة الفكر ~~لنفسه؟ لعل المانع أن هذا الاعتبار يفترض وجود الفكر مستقلا عن الموضوعات ، ~~وهذا ما لا يطيقه المذهب الحسي، وفضلا عن ذلك لو سلمنا بأن المنطق يعنى بصدق ~~القضايا وكذبها، لتبدد المنطق باعتباره علما خاصا وبقيت فقط العلوم على ~~اختلافها، على أن مل - إذا ما عالج المسألة في كتاب المنطق - اعترف بأن المنطق ~~لا يعنى بالحقائق المدركة إدراكا مباشرا في التجربة، وقال إنه «علم التدليل» ~~وإن المنطق الصوري قسم مرءوس من المنطق العام أو «منطق الحقيقة»، وهو مرءوس لأن ~~الأصل عنده إدراك المحسوس وأن إدراك المجرد لاحق، ولكن هذا اعتبار لكيفية ~~إدراكنا لا للموضوعات المدركة وتفاوتها في التجريد وترتبها من ثمة بحسب هذا ~~التفاوت من الأعم إلى الأخص، ولو أنه روى في الأمر لرأى أن «منطق الحقيقة» لا ~~يعنى بحقيقة القضايا في العلوم، بل بالشروط الصورية للمعرفة بالإجمال (وهذا ~~موضوع المنطق ms324 الصوري) ولكل علم بالتفصيل (وهذا موضوع المنطق المادي)، فالتردد ~~(أو التناقض) واضح هنا بين مقتضى المذهب الحسي وبين مقتضى المنطق كما هو قائم ~~بالفعل. # كيف يتصور مل أفعال العقل وأية قيمة يضيف إليها؟ إنه يتابع المذهب الحسي ~~فينكر وجود المعنى المجرد في الذهن ويردد أقوال الحسيين في استحالة تصور ماهية ~~خالصة، كتصور إنسان لا بالكبير ولا بالصغير، لا بالنحيف ولا بالبدين، لا ~~بالأبيض ولا بالأسود، وهو كل ذلك معا، وهو ليس شيئا من ذلك، ثم يقرر أننا ~~كلما تصورنا شيئا تصورناه صورة شخصية جزئية، وأن أصل الاعتقاد بالمعاني ~~المجردة أننا نستطيع أن نقصر انتباهنا على بعض عناصر الصورة الجزئية وأن نمضي ~~في سلسلة من الاستدلالات خاصة بهذه العناصر دون سواها كما لو كان بإمكاننا أن ~~نتصورها منفصلة عن الباقي، وإنما نستطيع ذلك باستخدام الإشارات، وبخاصة ~~الألفاظ، فنوجد رباطا صناعيا بين العناصر التي تشترك فيها طائفة من الأشياء ~~وبين صوت ملفوظ، حتى إذا ما طرق الصوت سمعنا قامت في ذهننا فكرة شيء حاصل على ~~هذه العناصر، ولم يفطن مل إلى أن هذا التفسير اعتراف بالمعنى المجرد من حيث ~~يريد أن يكون إنكارا، فإنه لكي يمكن أن يقال «عناصر مشتركة» يجب أن تكون هذه ~~العناصر مدركة بحيث لا تتعلق بواحد أي أن تكون مجردة من العلائق الشخصية، ولكي ~~يوضع اللفظ يجب أن يوجد في الذهن معنى هو الذي يحمل على وضعه، ولكن مل يظن أنه ~~قد استبعد المعنى المجرد، ويرتب على هذا الظن نتائج: منها أنه لا ينبغي التحدث ~~عن مفهوم المعاني وما صدقها، بل ينبغي الاقتصار على القول بأن اللفظ ~~يدل # denote # على أفراد الطائفة ~~ويتضمن # connote # العناصر، مثل لفظ الطير ~~فإنه يدل على النسور والعصافير والغربان والإوز وما إليها، ويتضمن الحياة ~~والجناحين وما إلى ذلك من العناصر التي نطلق بسببها اسم الطير، ونتيجة أخرى هي ~~أن الحد قضية معلنة دلالة اللفظ، لا أنه قضية معبرة عن ماهية الشيء المحدود كما ~~يقول المنطق القديم: «كل ما يوجد من حق في القول ms325 بان الإنسان لا يتصور بدون ~~النطق، هو أنه لو لم يكن له النطق لما اعتبر إنسانا، فلا استحالة في التصور ~~ولا في الشيء، وإنما تنشأ الاستحالة من اصطلاح اللغة»، كأن اصطلاح اللغة نشأ ~~وثبت عبثا! # ويظن مل أننا في غنى عن المعنى المجرد لتركيب الحكم، فيرى أن الأحكام ~~الواقعية التي من قبيل قولنا: هذا الحائط أبيض، هي عبارة عن الجمع بين إحساسين ~~لا أكثر، وأن الأحكام التي تسمى ضرورية تفسر بتداعي الأفكار أي بالتجربة أيضا؛ ~~وذلك أن التداعي يوثق الصلة بين ظاهرتين حتى لا نستطيع تصورهما منفصلتين، ~~فالضرورة ترجع إلى عجزنا عن تصور نقيض حكم ما أو ضده، وقد فاته أن المحمول في ~~الحكم الواقعي هو في حقيقة الأمر معنى مجرد، ويتضح هذا غاية الوضوح باعتبار ~~الحكم السالب مثل قولنا: ليس هذا الحائط أبيض، فإن البياض ههنا لم يدرك مع ~~إدراك الحائط، ولكنه معنى محفوظ في الذهن يوجب تارة ويسلب أخرى، كذلك فاته أن ~~الضرورة في الأحكام العلمية والفلسفية ليست كضرورة الترابط بالتشابه والتضاد ~~والاقتران، ولكنها نسبة جوهرية بين الموضوع والمحمول يدركها العقل ويقصد إليها، ~~فتفسيره للحكم تفسير المعقول بالمحسوس، فلا غرابة أن يجيء قاصرا، وسيزداد هذا ~~الأمر بيانا عند الكلام على الاستقراء. # ونقده للقياس مشهور، فهو يزعم أن القياس مصادرة على المطلوب الأول لأننا حين ~~نقول: «كل الناس مائتون، والدوق أوف ولنجتون إنسان، فالدوق أوف ولنجتون مائت» ~~نفترض النتيجة في المقدمة الكبرى الحاكمة على «كل الناس» ولا يسوغ افتراضها وهي ~~المطلوب؛ فإنها إما أن تكون معلومة قبل الكبرى وحينئذ فلا فائدة من تركيب ~~القياس وتركيبه عمل صناعي بحت، وإما أن تكون مجهولة، وحينئذ يستحيل صوغ الكبرى ~~لاستحالة التحقق من موتية كل الناس إلا بالتحقق من موتية كل فرد من الناس، فليس ~~القياس استنتاج الجزئي من الكلي، ولا الكلي من الجزئي، ولكن استنتاج الجزئي من ~~الجزئي، أي استنتاج حالة معينة من حالة أخرى شبيهة بها، فحين نريد أن ندلل على ~~أن الدوق أوف ولنجتون مائت، لا نفكر في كل الناس، ms326 وإنما نفكر فقط في الذين ~~ماتوا قبله ونتخذ منهم مقدمة جزئية، وحينئذ لا يكون الاستدلال مصادرة من حيث ~~إن الدوق غير متضمن فيها، فالقياس عبارة عن استقراء وليست النتيجة فيه ~~«مستنبطة» من الكبرى ولكنها مكتسبة «وفقا» للكبرى، ولو أن مل أنعم النظر لوجد ~~أن القياس شيء مختلف عن هذا الاستنتاج بالمشابهة والمماثلة، وقد رددنا على ~~مزاعمه في سياق عرضنا لمنطق أرسطو («تاريخ الفلسفة اليونانية» الطبعة الثانية ص ~~123). # إذا لم يكن هناك سوى الاستدلال بالجزئي على الجزئي، فما القول في الاستقراء ~~العلمي وهو استدلال بالجزئي على الكلي، أي وضع قانون بسبب ما يشاهد في بعض ~~الجزئيات؟ يجيب مل أننا نتعلم بالتجربة أن في الطبيعة نظام تعاقب لا يتغير، وأن ~~كل ظاهرة فهي مسبوقة بأخرى، فندعو السابق المطرد علة، واللاحق المطرد معلولا، ~~وبموجب قانون التداعي تميل المخيلة إلى استعادة الظواهر على النسق الذي تعاقبت ~~عليه، وهذا أصل الاعتقاد بقوانين علمية ومبادئ كلية ضرورية، بما في ذلك مبادئ ~~الرياضيات وقضاياها، بالرغم مما قال هيوم، فإنها عادات أو روابط غير منفصمة، بل ~~بما في ذلك مبدأ الذاتية فما هو إلا تعميم للتجربة قائم على هذه الظاهرة وهي ~~«أن الاعتقاد وعدم الاعتقاد حالتان عقليتان متنافيتان»، فالقضايا الكلية ~~الضرورية وليدة التجربة الجزئية، ومن يدرينا؟ لعل في الكون مناطق توجد فيها ~~معلولات بدون علل، وتكون فيها 2+2 مساوية لخمسة، وهذا في الحق منطق المذهب ~~الحسي، أي إلغاء العقل والمنطق والعلم على اختلاف أنواعه. # غير أن مل وكان يعلم أن ليس كل تعاقب مطرد يعتبر قانونا، وأن العلم يقصد ~~بالعلة شيئا أخر غير السابق المطرد، فاعترف بأن العلة هي «السابق الضروري» دون ~~أن يبين سبب الضرورة، ووضع مناهج كمناهج فرنسيس بيكون لتمييز العلة من مجرد ~~التعاقب والتلازم وتعيين الاستقراء الصحيح، هذه المناهج مشروحة في كتب المنطق، ~~فنقتصر على ذكرها، وهي: منهج الاتفاق أو التلازم في الوقوع، ومنهج الاختلاف أو ~~التلازم في التخلف، منهج التغير النسبي أي تغير المعلول بنسبة تغير العلة، ~~وأخيرا منهج البواقي يطبق على معلول مركب ms327 يقع بعد جملة ظواهر، ومثاله إذا كنت ~~أعلم باستقراءات سابقة أن بعض هذه الظواهر علة لأجزاء من المعلول، كانت الظواهر ~~الباقية علة الأجزاء الباقية، وهكذا يسلم مل راغما بأن العلة مغايرة للسابق ~~العرضي ولو كان مطردا؛ فإنها سابق ضروري أي سابق فاعلي، إذ لو لم تكن هناك ~~فاعلية لما كانت هناك ضرورة أو نسبة ضرورية. ~~(4) الأخلاق # هنا أيضا يصطنع مل المذهب الحسي ثم يخالفه وهو لا يدري، كما يبين خصوصا في ~~كتاب «النفعية»، يبدأ بأن يقول إنه لم يكن للإنسان في الأصل من سبب للعمل سوى ~~المنفعة أي توخي اللذة، وبخاصة تفادي الألم، ثم عمل ترابط الأفكار عمله فصارت ~~الأفعال التي كانت وسيلة لخير تعتبر خيرة في ذاتها كما يعتبر البخيل المال غاية ~~وخيرا وهو وسيلة إلى الخير، هذا هو المذهب الحسي المتعارف، غير أن مل يستدرك ~~فيقول: ليست اللذة راجعة كلها إلى اللذة الجسمية وكميتها، كما اعتقد بنتام، ~~وإنما هناك لذات تابعة للكيفية أي لاعتبارات معنوية، فمما لا شك فيه أن ~~وظائفنا متفاوتة رتبة وقيمة، وأن حياة الوظائف العليا أشرف من حياة الوظائف ~~الدنيا، يدل على ذلك أن ما من إنسان يرضى أن يستحيل حيوانا أعجم، اللهم إلا ~~أفرادا جد قليلين، إن الإنسان البائس لخير من خنزير شبعان، وإن سقراط معذبا ~~لخير من جاهل راض، هذا ما يراه الإنسان المهذب ويؤثره لنفسه، وهو كذلك يؤثر ~~المنفعة العامة على منفعته الخاصة، إذ أن النفعية تقتضي الفاعل الحكيم أن يعمل ~~للآخرين كما يحب أن يعملوا له، وهذا الإيثار شرط الحياة الاجتماعية التي هي شرط ~~المنفعة الشخصية. # هكذا يصحح مل مذهب المنفعة في نقطتين: الأولى أنه يجب اعتبار الكيفية في ~~اللذة لا الكمية فحسب، والثانية أنه يجب إخضاع المنفعة الذاتية للمنفعة الكلية، ~~ولكنه يخرج على مذهبه الحسي في كلتا النقطتين؛ أما في الأولى فلأن المذهب الحسي ~~لا يعترف بالكيفية، فلا يعترف بقيم موضوعية للموجودات والوظائف، ولا بمغايرة ~~الوظائف العليا للوظائف الدنيا بالماهية والطبيعية، وإنما الطائفتان عنده من ~~نوع واحد، والاختيار بين اللذات ms328 متروك لتقدير المنفعة الحسية ليس غير، والمذهب ~~الحسي يفسر الفضيلة بأنها اتخاذ الوسيلة غاية أي العمل لا لغاية وصرف النظر عن ~~المنفعة، فيجعل من الفضيلة عملا غير معقول؛ فيجيء مل ويوحد بين الكيفية العليا ~~والمنفعة العامة والفضيلة، فيجعل من الفضيلة عملا معقولا مرادا لذاته مع ~~مغايرته للمنفعة الحسية، وأما في النقطة الثانية فلأن النفع الذاتي هو الأصل ~~والمعيار في المذهب الحسي، فكيف تطالب بإخضاعه للنفع العام؟ ومهما يقل إن هذا ~~شرط ذاك فكثيرا ما يتعارضان، فباسم أي مبدأ يفرض على الفرد اختيار منفعة ~~المجموع دون منفعته هو؟ التناقض باد للعيان هنا وفي كل مسألة، وهو تناقض ~~المذهب الحسي مع الحقيقة الشاملة، وستوارت مل ملوم لإصراره على هذا المذهب بعد ~~أن لمس نقصه في نواح كثيرة، ولكنه استنشقه في بيته وبيئته، ولم يوفق إلى فهم ~~المذهب العقلي على حقيقته، فكان ما كان من الحيط الذي رأينا أمثلة منه. ~~(5) ألكسندر بين (1818-1903) # هو أبرز تلاميذ ستوارت مل وأحبهم لديه، كان أستاذا بجامعة أبردين مسقط ~~رأسه، وصنف كتبا عدة أهمها: «الحواس والعقل» (1855)، «الانفعالات والإرادة» ~~(1859)، «الروح والجسم» (1873)، «المنطق» (1875)، وكان بين قد ساهم في «منطق» ~~مل؛ و«ترجمة لحياة چون ستوارت مل». # في هذه الكتب نجد مادة غزيرة وتحليلا دقيقا، وقد رمى مؤلفها إلى إقامة علم ~~النفس على مثال العلوم الواقعية بتطبيق منهجه الوصفي الاستقرائي كما يبدو بنوع ~~خاص في التاريخ الطبيعي والفسيولوجيا، وهذه عين فكرة ستوارت مل، فنراه يجتهد ~~دائما في أن يصف بمنتهى الدقة جميع الظواهر النفسية، وخصوصا عند المرضى، ثم ~~يصنفها ويفسرها ويستخلص القوانين التي تربط بينها، ولمجهوده العلمي في هذا ~~الباب خاصيتان: إحداهما استخدام الفسيولوجيا باستمرار لأنه كان يرى أن الوجهة ~~الفسيولوجية والوجهة الوجدانية في الظواهر النفسية متحدتان، وخصوصا في الظواهر ~~الأولية، حتى تؤلفا كلا لا يتجزأ، وهذا حتى غفل عنه ديكارت وأتباعه، الخاصية ~~الأخرى اتخاذ التداعي قانونا أساسيا في تفسير حياتنا الباطنة، غير أن بين لا ~~ينكر مع ذلك تلقائيا الأنا، كما أنكرها بعض أصحاب هذا المذهب، بل يقول بأن ~~لكل ms329 إنسان عملا ذاتيا صادرا عن غرائزه ومزاجه دون قسر خارجي، على أن هذا ~~العمل الذاتي يختلف عن الفعل الحر إذا كانت الحرية «السيطرة على أفعالنا بحيث ~~متى عملنا على نحو معين كنا قادرين على أن نعمل على نحو آخر» لأن هذا القول ~~يفترض وجود النفس كجوهر متمايز من سلسلة الظواهر، وبين لا يقبل هذا الافتراض ~~ولا يقبل الحرية بهذا التعريف، وكان مل ينبذهما أيضا. # عالم معدني ثم أستاذ فلسفة بجامعة كمبردج (1795-1866)، في كتابه ~~«تاريخ العلوم الاستقرائية» (1837) وكتابه «فلسفة العلوم الاستقرائية ~~مؤسسة على تاريخها» (1840) يحاول أن يبين صواب رأي كنط أن في العقل ~~معاني أساسية سابقة على التجربة تسمع بتنظيم التجربة، فمعنيا المكان ~~والزمان أساس الرياضية، ومعنى العلة أساس العلوم الطبيعية، ومعنى ~~الغاية أساس العلوم الحيوية، ومعنى الواجب أساس الأخلاق، واستشهاده ~~بتاريخ الكشوف العلمية بين خير تبيين ماهية المنهج الاستقرائي. # عالم فلكي ألماني الأصل (1738-1822) استكشف سيارة أورانوس وأقمارها ~~ثم أقمار زحل، كتابه المفيد في منطق العلوم عنوانه «مقال في دراسة ~~الفلسفة الطبيعية» (1830). # في هذه المسائل يرجع خاصة إلي كتابه «مراجعة فلسفة هملتون» وإلي ~~المقالة السادسة من كتابه «المنطق» وهي المخصصة للعلوم الأدبية. # الفصل الثاني # تشارلس دروين # 1809-1882 ~~(1) حياته ومصنفاته # حفيد أراسم دروين (67)، عالم طبيعي وضع نظرية في تطور الأحياء أدت به إلى ~~نظرية فلسفية في الطبيعة، وعالج تبعا لهذه النظرية مسائل نفسية وأخلاقية، كان ~~عالما طبيعيا فكان عالما كبيرا، حاول أولا دراسة الطب في أدنبرى فلم ~~يتذوقه، ثم عرض لدراسة اللاهوت في كمبردج فما لبث أن انصرف عنها، ودفعه ميله ~~الفطري إلى الاشتراك في رحلة علمية حول الأرض طالت خمس سنين (1831-1836) وجمع ~~خلالها من الملاحظات ما كان الأساس الأول لنظريته، وقضى بعد ذلك زهاء ربع قرن ~~يستكمل ملاحظاته وتجاربه حتى أخرج النظرية، وقضى زهاء ربع قرن أخر يدعمها ~~ويجادل عنها ويعالج في ضوئها ما يعرض له من مسائل. # أخرج نظرية التطور في كتابه «أصل الأنواع» (1859)، ثم أيدها بكتاب عنوانه ~~«تغير الحيوان والنبات في حال الدجن» (1868)، ثم طبقها على ms330 الإنسان في كتابه ~~«تسلسل الإنسان والانتخاب الطبيعي» (1871)، وعالج على مقتضاها مسائل نفسية في ~~كتاب «التعبير عن الانفعالات في الإنسان والحيوان» (1872)، وكتب ترجمة ~~لحياته. ~~(2) أصل الأنواع # أثناء رحلته البحرية وجد أن الأنواع الحية، وبخاصة الحيوانية منها، تتشابه ~~تشابها عميقا من حيث بنية الجسم، وتتفرع أصنافا عديدة يمتاز كل صنف منها ~~بفوارق ملائمة كل الملاءمة لبيئته، فتساءل كيف نفسر القرابة من جهة والتنوع من ~~جهة أخرى؟ أو ما السبب في بقاء أنواع النبات والحيوان وفي نمو الخصائص المفيدة ~~لها؟ فخطر له فرض مؤقت هو تطور هذه الأنواع، ولما عاد إلى إنجلترا قرأ (1838) ~~كتاب ملثوس # Malthus # في مسألة السكان (1798) # 1 # ففكر أن لا بد أن يكون السبب تنازع الحيوان على القوت، وأن الحياة ~~«صراع في سبيل البقاء»، وكان قد عني بتجارب مربي الحيوان ورآهم يحصلون على ~~أصناف جديدة بالمزاوجة بين الأفراد الذين يلاحظون فيها تغيرات ضئيلة ملائمة، ~~فقدر أن الأفراد الذين يكتسبون وظيفة أو عضوا ملائما لظروف حياتهم أقدر على ~~الصراع من العاطلين من تلك الوظيفة أو ذلك العضو، فيحسن الأولون نوعهم وينقرض ~~الآخرون، فهناك إذن «انتخاب طبيعي» يشبه الانتخاب الصناعي إلا أنه خلو من القصد ~~والنظام، فلا يدل على علة التغير بل على أثره ونتيجته، ثم قدر أن القرابة بين ~~الأنواع المندثرة والأنواع الباقية تفسر بأن هذه صور عليا من تلك. # فانتهى دروين إلى أن الأنواع الحالية على اختلافها يمكن أن تفسر بأصل واحد ~~أو ببضعة أصول تمت وتكاثرت وتنوعت في زمن مديد بمقتضى قانون الانتخاب الطبيعي ~~أو بقاء الأصلح وهو القانون اللازم من تنازع البقاء، وقوانين ثلاثة ثانوية هي: ~~أولا قانون الملاءمة بين الحي والبيئة الخارجية، ثانيا قانون استعمال الأعضاء ~~أو عدم استعمالها تحت تأثير البيئة أيضا بحيث تنمو الأعضاء أو تضمر أو تظهر ~~أعضاء جديدة تبعا للحاجة، وثالثا قانون الوراثة وهو يقضي بأن الاختلافات ~~المكتسبة تنتقل إلى الذرية على ما يشاهد في الانتخاب الصناعي، فالنظرية ~~الدروينية آلية بحث تستبعد كل غائية ولا تدع للكائن الحي قسطا ما من التلقائية ~~كالذي ms331 تدعه له نظرية لامارك، بل تعتمد على محض الاتفاق أو الصدفة في حياة ~~النبات والحيوان؛ وهي لذلك لا تستتبع الترقي المطرد في جميع الأحياء كما ظن ~~البعض فاعترضوا عليها ببقاء الحيوانات الدنيا، فإن دروين كان قد قال إن الحي ~~يبقى على حاله ما لم تضطره الظروف إلى صراع قوي للبقاء، وأن لا ميزة ترجى ~~للدودة في اكتسابها أعضاء أكثر كمالا ما دامت ظروفها على حالها، وعلى ذلك فقد ~~يحدث الانتخاب الطبيعي تقهقرا إلى صورة أبسط إذا ما تبسطت البيئة لسبب من ~~الأسباب، فتضمحل بعض الأعضاء وتضمر لزيادتها عن الحاجة، وسوف نرى دروين يمعن في ~~الآلية والمادية بصدد الإنسان. ~~(3) الإنسان # في كتاب «أصل الأنواع» ترك دروين مسألة أصل الإنسان معلقة، ولكنه عاد فرأى ~~أن ليس هناك من موجب لاستثنائه من قانون التطور، وهو يصرح بذلك في كتاب «تسلسل ~~الإنسان» ويقول بأن الفرق بين الإنسان والحيوان فرق بالكم أو الدرجة فقط، وأن ~~المسألة بين القوى الفكرية لحيوان من أدنى الفقريات والقوى الفكرية لقرد من ~~القردة العليا، أكبر من المسافة بين القوى الفكرية في الفرد وبينها في الإنسان، ~~كما يقول إن الحيوان يكتسب الفطنة والحذر مما يعرض له من تجربة ويتحمل من ~~ألم، وإن له ذاكرة وذوقا فنيا وغريزة تعاطف، فلا يسوغ نفي العقل عنه، ~~ولدروين في هذا الباب ملاحظات عديدة دقيقة، ولكنه اعتقد مثل جميع الحسيين أن ~~العقل امتداد للحس من نوعه، والواقع أن الحس قد يذهب في إدراكه بعيدا جدا ~~ويستدل بالجزئي على الجزئي نوعا من الاستدلال دون أن يبلغ إلى مرتبة العقل ~~الذي هو قوة إدراك المعاني المجردة والمبادئ الكلية وقوة الحكم ~~والاستدلال. # وقد أخذ على هذه النظرية أنها مبطلة للتعاطف منافية للأخلاق، فأقر دروين بأن ~~الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يمكن أن يقال إنه أخلاقي، وأن هذا هو الفرق ~~الأكبر بينهما، ولكنه ارتأى مع ذلك أن لا تناقض بين القول بتنازع البقاء والقول ~~بأن العاطفة الأخلاقية نمت نموا طبيعيا؛ ذلك بأنه ينبغي أن نذكر دائما أن ~~الصفات والوظائف التي ms332 يتطلبها الانتخاب الطبيعي ليست هي المفيدة للفرد فحسب ~~ولكنها أيضا المفيدة للصنف أو النوع، من حيث إن الاجتماع والتعاون عامل فعال ~~في درء المخاطر عن الأفراد، ولما كان بقاء النوع يتوقف على صون الذرية، وكانت ~~الذرية في الغالب عاطلة من أسباب البقاء، فمن اليسير أن نفهم أن محبة الوالدين ~~لذريتهم يمكن أن تنمو بالانتخاب الطبيعي، وأن المشاهدة لتدلنا على أن من ~~الحيوان ما يعرض نفسه للخطر لإنقاذ غيره، وهكذا يمكن أن تنشأ وتحفظ في الفرد ~~صفات غير نافعة له بما هو هذا الفرد ونافعة للمجموع يؤيدها إقرار من جانب ~~المجموع، ولقد كان هذا بالفعل شأن الصفات التي اعتبرت فضائل في شعوب مختلفة ~~وعصور مختلفة، فالانتخاب الطبيعي يحتمل المحبة والتعاون كما يحتمل البغض ~~والقسوة، وهناك تاريخ طبيعي لعواطف الغيرية إلى جانب التاريخ الطبيعي لعواطف ~~الأنانية، ومهما تتسع الشقة بين ما يساور الحيوان حين يدل على عطف وتضحية ~~وبين الخلقية الإنسانية العليا، فإن الطرفين متصلان بدرجات لا تحصى، ولا يسوغ ~~اعتبار النمو الطبيعي منقطعا في نقطة ما، إن في النوع الإنساني نفسه فوارق ~~كبيرة جدا من الوجهة الخلقية، بل إن هناك صورا من الحياة الإنسانية هي أدنى ~~بكثير مما قد تدل عليه حياة الحيوان، ويعلن دروين أنه يفضل أن يكون منحدرا ~~من القرد الذي يخاطر بحياته لينقذ حارسه، على أن يكون منحدرا من الإنسان ~~المتوحش الذي يلذ بتعذيب عدوه ويقتل أولاده دون أن يشعر بوخز ضمير ويعامل نساءه ~~معاملة الرقيق وهو نفسه مسترق لأشنع الخرافات! وهنا أيضا يغفل دروين عن ~~طبيعة العقل فيغفل عن طبيعة الخلقية، إن النظر السليم ليدل على أن الفعل الخلقي ~~هو الصادر عن حكم العقل بناء على تصور الخير المجرد، وقديما نبه أفلاطون ~~وأرسطو على ذلك ولاحظا أن الفعل التلقائي في الحيوان والإنسان لا يعد ~~خلقيا. # وقد أخذ على دروين أن نظريته مادية إلحادية، والواقع أنه لم يشأ أن يستثني ~~الإنسان من قانون التطور العام، أو يعلق مسألة النفس الناطقة، وذهب إلى أن ~~الحياة النفسية في الإنسان كما ms333 في الحيوان مرتبطة بفعل الأعضاء، وقال بدراستها ~~من الدرجات الدنيا إلى الدرجات العليا على هذا الاعتبار، وقد كان مؤمنا بالله ~~إلى وقت ظهور كتابه «أصل الأنواع» وقال في ختامه إن الصور الحية الأولى مخلوقة، ~~ثم تطور فكره شيئا فشيئا حتى أعلن أسفه لاستعماله لفظ الخلق مجاراة للرأي ~~العام، وصرح بأن الحياة لغز من الألغاز، وأن ما في العالم من ألم يعدل بنا عن ~~القول بعناية إلهية، وأنه هو «لا أدري» لا يقول بالعناية ولا بالصدقة، # 2 # وأن الكلمة الأخيرة عنده هي «أن المسالة خارجة عن نطاق العقل، ولكن ~~بوسع الإنسان أن يؤدي واجبه». # وهل يدع مذهبه محلا لواجب؟ ما مذهبه إلا المذهب المادي المعروف، وقد خلع ~~عليه حلة علمية شائقة، ولكنها لا تخفي عيوبه عن النظر الثاقب، قلنا إن دروين ~~عجب لتشابه أفراد النوع الواحد من حيث بنية الجسم وتوزعها أصنافا تبعا للبيئة ~~وظروف المعيشة؛ فظاهر أن النوع ثابت من حيث الجوهر متغير من حيث العرض، ولكن ~~دروين اتخذ التغير العرضي معيارا وفسر الأنواع أنفسها كما تفسر الأصناف، ~~وقد نسلم بالتطور ثم نرانا مضطرين إلى اعتبار الإنسان نوعا قائما بذاته بسبب ~~ما يختص به من علم ولغة وفن وصناعة وخلق ودين، وهي مظاهر للعقل لا نظير لها ولا ~~أصل في سائر الحيوان ، وقد نسلم بالتطور ثم نرانا مضطرين إلى الإقرار بموجد ~~للمادة موجه لها، لقصور المادة عن تنظيم نفسها، ولكن من العلماء والفلاسفة من ~~يفكرون كالعامة بالمخيلة دون العقل فيسيغون المحالات، وسنصادف نفرا منهم فيما ~~يأتي من فصول، يتخذون من مذهب التطور سلاحا يهاجمون به الدين والروحيات ~~إطلاقا. # ملثوس اقتصادي إنجليزي معروف (1766-1834)، يذهب في كتابه إلي أن ~~السكان، حين لا يعوق تكاثرهم عائق، يتضاعف عددهم في كل ربع قرن، فيزيد ~~من فترة إلي أخرى بنسبة هندسية، في حين أن أسباب المعيشة لا تزيد إلا ~~بنسبة حسابية، ولكن الرذيلة والفاقة والحرب والهجرة، مظاهر قانون طبيعي ~~يرمي إلي تقليل عدد السكان للمعادلة بينهم وبين أسباب المعاش، على أن ~~هذه الآفات يبطل ms334 فعلها حالما تزداد أسباب المعاش، فتكون النتيجة أن ~~الفقر ضرورة لا يتغلب عليها قانون إعاقة الفقراء (في إنجلترا) من حيث ~~إن هذا القانون يعمل على تزايد السكان دون زيادة أسباب المعاش، فعلى ~~الأهلين أن يعملوا على الحد من النسل بالعفاف. # في موضع كتب في سنة 1876 من ترجمته لحياته. # الفصل الثالث # هربرت سبنسر # 1820-1903 ~~(1) حياته ومصنفاته # ابن معلم ابتدائي، شغف منذ حداثته بالعلوم الطبيعية والتاريخ، وبالمناقشات ~~العلمية والسياسية والدينية، كان مهندس سكك حديد بضع سنوات، وشغل بمسألة التطور ~~حين قرأ كتاب ليل # Lyell # في طبقات الأرض الذي ~~كان في طبعاته الأولى يعارض نظريات لامارك، وخرج من دراسة علم الأجنة بأن ~~التطور هو الانتقال من المتجانس إلى المتنوع، وأنه قانون الطبيعة، ونظر في ~~المذهب الحسي كما كان إلى وقته وتفسيره محتوى الوجدان من أفكار وعواطف بالتجربة ~~الفردية، فارتأى أن هذا المحتوى يفسر بتجربة النوع تتعين وتتطور بالوراثة، فدون ~~كتابا أسماه «مبادئ علم النفس» (1855) عرض فيه هذا الرأي ونظرية التطور في ~~جملتها، وأول عرض قام به لفلسفة التطور ظهر في مقال عنوانه «التقدم، قانونه ~~وعلنه» (1857) فذكره دروين في مقدمة كتابه «أصل الأنواع» بين الذين سبقوه إلى ~~نظريته، ثم رأى أن نسبية المعرفة على طريقة كنط وهاملتون ومنسل، تسمح له بإفساح ~~مجال للدين إلى جانب مجال العلم وبناء فلسفة شاملة، فشرع يدون كتبه الكبرى في ~~«الفلسفة التركيبية» حيث جمع علوم العصر كلها مؤلفة في مذهب متسق حول مبدأ ~~التطور، أي إنه وضع الفلسفة التركيبية الموضوعية التي كان أوجست كونت قد قال ~~باستحالتها لاستحالة الانتقال لتدريبي من مرتبة إلى أخرى من مراتب الوجود، هذه ~~الكتب تفصيل مقالات نشرها في مجلات مختلفة ثم جمعت في ثلاثة مجلدات بعنوان ~~«محاولات»، ولكنه تفصيل فضفاض كدس فيه كل المعارف في حين أن المقالات قصيرة ~~واضحة، وجاءت الكتب الكبرى في عشرة مجلدات تتالت من 1860 إلى 1893، وهذه ~~أسماؤها: المبادئ الأولى، مبادئ البيولوجيا في مجلدين، مبادئ علم النفس في ~~مجلدين، مبادئ علم الاجتماع في ثلاثة مجلدات، مبادئ الأخلاق في مجلدين، ms335 وله ~~أيضا كتاب في التربية (1861) وآخر في تصنيف العلوم (1864) وآخر في ترجمته ~~لحياته، أنجز هذا العمل الضخم بمثابرة حقيقة بالإعجاب تقاوم اعتلال صحته من جهة ~~وضيق ذات يده من جهة، وبمقدرة فائقة في التحليل والتركيب. ~~(2) المعلوم والمجهول # يذهب سبنسر إلى أن موضوع المعرفة ينحصر في جملة العلوم الواقعية، وقد انتقد ~~تصنيف أوجست كونت لهذه العلوم، ولكنه أخذ عنه التمييز بين العلوم المجردة ~~والعلوم المشخصة، وأضاف قسيما وسطا سماه العلوم المجردة المشخصة فوضع الجدول ~~الآتي: ~~(1) # العلوم المجردة أو علوم الصور الجوفاء، وهي المنطق والرياضيات ~~بفروعها. ~~(2) # العلوم المجردة المشخصة أو علوم الظواهر، وهي الميكانيكا وعلم ~~الطبيعة والكيمياء. ~~(3) # العلوم المشخصة أو علوم الموجودات، وهي علم الفلك وعلم طبقات ~~الأرض، وعلم الحياة (وفيه الأخلاق) وعلم النفس وعلم ~~الاجتماع. # هذا التقسيم يشبه تقسيم العلوم النظرية عند أرسطو بحسب درجات التجريد الثلاث، ~~ولكن سبنسر يظن أن المشخص بما هو كذلك موضوع علم في حين أنه موضوع وصف فحسب، ~~فما في علمي الفلك طبقات الأرض من قضايا كلية يرجع في الحقيقة إلى علوم أخرى هي ~~الرياضيات والطبيعة والكيمياء، وما يقال فيهما عن أشخاص الأفلاك ومداراتها وعن ~~الطبقات الأرضية وأحوالها أمور جزئية، ثم إنه يضع بين العلوم المشخصة علوم ~~الحياة والأخلاق والنفس والاجتماع وهي في الواقع تدرس ظواهر عامة وتتأدى إلى ~~قوانين كلية، فالتقسيم غير محكم، ومهما يكن من قيمة هذا الجدول فهو يمثل في نظر ~~سبنسر «مجال المعلوم» كما يبدو في «الفلسفة الواقعية» التي هي عبارة عن جملة ~~القوانين المشتركة بين جميع فروع المعرفة العلمية، بحيث يمكن أن يقال إن ~~المعرفة العامية عديمة الوحدة، والعلم معرفة ناقصة الوحدة، والفلسفة معرفة ~~موحدة تمام التوحيد بفضل قانون التطور الذي هو أعم القوانين. # وكل ما خرج عن العلوم والفلسفة الواقعية يؤلف «مجال المجهول» أو ما يجاوز ~~إدراكنا، وفي كتاب «المبادئ الأولى» يعرض سبنسر جملة العلوم عرضا منظما، ~~ويحاول أن يسوغ استبعاد الميتافيزيقا أو علم المطلق، ونقده صوري ومادي: من ~~الوجهة الأولى يبين الاستحالة الصورية لإدراك المطلق، وذلك استنادا إلى نسبية ms336 ~~كل معرفة، ومن الوجهة الثانية يبطل المذاهب الميتافيزيقية في المطلق، يقول من ~~الوجهة الأولى: إن العقل إذا حاول أن يتصور المطلق وضع نفسه بإزاء المطلق فحده ~~وجعله غير مطلق، وكل معرفة فهي تفترض اختلافا أو شبها، فإن فكرة ما لا تدرك ~~إلا بمعارضتها بفكرة سابقة مختلفة عنها أو شبيهة بها، وعلى ذلك فكل فكر فهو ~~نسبي، ولا يمكن أن يوجد شيء خارج المطلق حتى يختلف عنه أو يشبهه، ويقول من ~~الوجهة الثانية: سواء اعتقدنا أن العالم هو المطلق وأنه موجود بذاته، أو أن ~~المطلق موجود مفارق هو الذي أوجد العالم، انتهينا إلى هذا التناقض وهو أن شيئا ~~قد يستطيع أن يكون علة نفسه، وهناك متناقضات أخرى بين اللا نهاية من جهة ~~والشخصية من جهة، إذ أن الشخصية حد وتمييز وأن اللا نهاية شمول كل شيء، وبين ~~القدرة الإلهية من جهة والخيرية والعدالة من جهة، وبين العدالة من جهة والنعمة ~~من جهة، وما إلى ذلك من المتناقضات، وكذلك الحال في المعاني العلمية الرئيسية، ~~كالزمان والمكان والمادة والحركة والقوة والوجدان والشخصية، فإنها واضحة يجوز ~~لنا استخدامها مادمنا نقتصر على عالم التجربة المحدود، ولكنها تؤدي إلى ~~متناقضات حالما تريد استخدامها للتعبير عن ماهية موجود مطلق كأنها مظاهرة، إن ~~معرفتنا تنتقل من ظواهر إلى أخرى دون أن تدرك البداية ولا النهاية ، كل ما هنالك ~~أن النظر في العالم المعلوم يؤدي بنا إلى وضع المطلق المجهول. # وعلى ذلك فليست اللا أدرية مرادفة للإلحاد، وليست تعني أننا مضطرون إلى ~~الإيمان بالمطلق مجرد إيمان كما يقول هاملتون ومنسل لاعتقادهما أن معنى المطلق ~~أو اللا متناهي معنى معدول سلبي فحسب، إنه معنى محصل، أجل إننا لا نفهمه، ولكن ~~في هذا القول إثباتا ضمنيا لوجوده، فإن من المستحيل أصلا تصور أن لا موضوع ~~لمعرفتنا سوى الظواهر دون أن نتصور في نفس الوقت موجودا تكون هذه الظواهر ~~ممثلة له، إننا في تصورنا للمتناهي نتصور الموجود والنهاية، وفي تصورنا للا ~~متناهي ننفي النهاية ولا ننفي الموجود، إن بين أفكارنا جميعا شيئا ms337 مشتركا هو ~~ما ندل عليه بلفظ الموجود ونعني به شيئا ثابتا تحت الأعراض المتغيرة، هذا ~~العنصر الفكري الأخير هو إذن بطبيعته غير معين وغير قابل للرفع، بحيث إن قوانين ~~الفكر التي تحظر علينا تكوين تصور عن موجود مطلق، تحظر علينا أيضا استبعاد ~~تصوره، بل إننا نستطيع أن نتصوره بالمماثلة مع ما نشعر به أنه قوتنا الذاتية في ~~الجهد العضلي، وذلك بأن نمحو شيئا فشيئا الحدود التي تبدو فيها القوة ~~المجهولة في كل حالة جزئية دون أن نصل إلى تكوين معنى محصل عنها، المادة ~~والحركة مظهران لها، والزمان والمكان صورتان لمظاهرهما. # إذا تقرر هذا لزم منه أن للدين مكانا إلى جانب العلم، وإنما كان التعارض ~~بينهما لأن الدين على اختلاف صوره، يدعى تعيين ماهية العلة المطلقة ويريد أن ~~يحل مسائل لا تحل إلا بالعلم، وأن العلم يريد أن ينفذ إلى ميدان هو ميدان خاص ~~بالدين، فما إن تعين حدود المعرفة كما ينبغي حتى يتفق العلم بالدين على أن ~~ماهية الوجود مجهولة غير مدركة، وينحصر كل في دائرته وينتهي النزاع بينهما، إن ~~للعاطفة الدينية أصلا عميقا في الإنسان، فهي من ثمة مشروعة: إنها عاطفة ~~الاحترام بل الحب الذي تحسه النفس نحو ما يعلو عليها، وليس لها أن تخشى شيئا ~~من النقد المنطقي مهما اشتد، فإن القوة التي ينم عنها العالم تفوق إدراكنا، ذلك ~~هو الدين الذي يعترف به العلم، لا دين الإنسانية الذي ابتدعه أوجست كونت وزعم ~~له صفة الواقعية وأقامه على عبادة الطبيعة المنظورة وعظماء الرجال، وما سائر ~~الأديان المعروفة عن الشعوب المتوحشة والمتحضرة إلا ترجمات مختلفة عن القوة ~~العظمى التي هي علة الظواهر الطبيعية والتي كان الإنسان البدائي يحس شيئا منها ~~في فعله الإرادي. # واضح أن هذا المذهب ملفق من رقعتين؛ فإن سبنسر ينتمي إلى المدرسة الحسية ~~فيقول إن المعرفة قائمة بأكملها على التجربة، ثم يصطنع نظرية في المطلق المجهول ~~لكي يدع الباب مفتوحا للدين والأخلاق، وهذه النظرية مأخوذة كلها عن سبينوزا ~~وكنط وهاملتون ومنسل، وقد رددنا بما فيه الكفاية ms338 على ما تتضمن من قول بالنسبية ~~ومن دعوى تناقض الميتافيزيقا، فلا نعد سبنسر هنا إلا مقلدا ومنسقا لعناصر ~~معروفة في تاريخ الفلسفة، دون أن يتمكن من إقامة الدليل على أن فكرة المطلق ~~تعبر عن وجود مفارق للطبيعة ضامن للدين والأخلاق، لا عن عظمة الطبيعة المادية ~~فحسب فتفوتنا الأخلاق ويفوتنا الدين، هذا فضلا عن ضآلة الدين عنده، وعن نقص ~~فلسفته الأخلاقية كما سنرى. ~~(3) تكوين العالم # قانون التطور يقضي بأن كل شيء يبدأ ظاهرة بسيطة فتلتئم حولها بالضرورة ظواهر ~~أخرى فتركب كلا أعقد فأعقد، والطبيعة مادة وحركة، وما الحياة وما الشعور على ~~اختلاف صوره إلا تعقد المادة والحركة، أي مجرد أثر الطبيعة في أجزاء من المادة، ~~فهيئة العالم تفسر بنظرية لابلاس أو ما يشابهها، ونشوء الحياة يفسر بتفاعل ~~القوى الكيميائية، وتفسر الأنواع الحية بتطور الأصول الأولى المتجانسة بفعل ~~البيئة، وسبنسر يفيد هنا كثيرا ببحوث دروين ويستشهد بها، ويحلل الإحساس إلى ~~«صدمات» عصبية أولية يقابل كل منها اهتزازا من الاهتزازات التي يحلل إليها ~~العلم الحديث الكيفيات المحسوسة؛ وبذا يحصل على «مادة شعورية» تتكامل بتأليف ~~الصدمات بعضها مع بعض، وبتأليف هذه التأليفات بواسطة قوانين التداعي يحصل على ~~الصور الخيالية والمعاني المجردة والأحكام والاستدلالات والأخلاق والاجتماع، ~~على ما سبق لنا بيانه عن الحسيين مرارا كثيرة، بحيث يرجع ترقي الفكر إلى ترقي ~~الجهاز العصبي وملاءمة تدريجية بين الكائن الحي وبيئته، ويرجع التطور إلى ~~علاقات بين الظواهر الخارجية يقابلها علاقات بين الأجزاء العصبية يقابلها ~~علاقات بين الظواهر الوجدانية، على أن هذا لا يعني إدراكاتنا شبيهة بالأشياء، ~~بل يعني فقط أنها علامات على الأشياء وأن النسب القائمة بينها يقابلها نسب في ~~الخارج، فسبنسر يأخذ بالتصورية ثم يصححها بنوع من الوجودية، وهو يفضل الوجودية ~~على التصورية لسببين: الأول سلبي وهو أن هذه تعتمد على تلك، فنحن نؤمن عفوا ~~بوجود الأشياء ولا نحاول أن نبين أن الصوت مثلا مجرد حالة ذاتية حتى نتحدث عن ~~اهتزازات الجرس التي تنتقل إلى الأذن والتي تفعل كذا وكذا في أعضائها كأن كل ~~هذه موجودات، ms339 والسبب الثاني إيجابي وهو أن ما مر بنا من نسبية موضوعات ~~العلوم يقتضي شيئا مطلقا تكون هي مظاهره. # وتتأيد نظرية التطور إذا لاحظنا أن التجربة والعلم لا يفسران باكتساب الفرد ~~فحسب، وأن العقل في الفرد وكما نعرفه ليس قابلية صرفة تكيفها التجربة الفردية ~~على ما ارتأى لوك وهيوم ومل، إذ لو صح الرأي لكان الفرس مثلا يقبل نفس التربية ~~التي يقبلها الإنسان، وهذا باطل. الواقع أن العقل الإنساني كما نعرفه لا يقتصر ~~على قبول التجارب ولكنه ينظمها، وهو إنما ينظمها بالمبادئ، فما منشأ هذه ~~المبادئ؟ إن العقل وظيفة من وظائف الحياة، وقد خضع للتطور فتكون بتأثير البيئة ~~في الدفاع تأثيرا متصلا كيفه شيئا فشيئا حتى بلغ به إلى هذه المطابقة التي ~~نراها بينه وبين الطبيعة، ولما كان الناس قد عاشوا في بيئة متشابهة فقد تولدت ~~نفس المبادئ عندهم جميعا، وهذا أصل كليتها، ولما كان العقل قد تكيف هذا التكيف ~~فقد أصبح عاجزا عن تصور نقائض المبادئ، وهذا أصل ضرورتها، فالمبادئ التي تبدو ~~الآن غريزية أولية، والتي يفسرها الحسيون بتجربة الفرد، والتي يضعها كنط وضعا، ~~قد اكتسبها النوع الإنساني بتكرار التجربة مدى أجيال طويلة فأصبحت عادات ~~وراثية، يبقى أن يفسر لنا سبنسر كيف تتكون بالتدريج بديهيات تدرك دفعة واحدة أو ~~لا تدرك، وفي أي وقت خرجت من دور التكون وصارت مبادئ تنظم بها بعد أن لم تكن ~~تنظم. # على أن الحركة ومختلف صور الطاقة تتبدد باستمرار، فالتقدم يصاحبه انحلال، ~~وستنتهي القوة العالمية إلى حالة توازن كلي أي موت كلي وعود إلى السديم الأول، ~~ومن المستحيل علينا أن نعلم إن كانت هذه الحالة تدوم أو يعقبها دور تطور، إن ~~دوامها فرض ممكن، ولكن يمكن أيضا أن نعتقد أن وراء العوالم التي تدركها علومنا ~~الراهنة طاقة مختزلة تكاد تكون غير متناهية تؤثر حينئذ في المادة فتستأنف ~~التطور، فيتعاقب التطور والانحلال في أدوار هائلة، ولم يقل لنا سبنسر ما حظ ~~الإنسان من هذا التعاقب، وما حظ هذا الفرض من الرجحان وكأنه أبى أن يعتقد ms340 ~~بانتهاء التطور وانحلال الموجودات، وهذا الإباء صادر من غير شك عما فينا من ~~ميل طبيعي للبقاء والخلود تصدمه المادية بلا رحمة. ~~(4) الأخلاق # هذا المذهب يحتم النظر إلى الأخلاق تبعا للتطور واعتبارها ظواهر طبيعية، ~~فهو لا يحتمل إلا علما للأخلاق من طراز العلوم الواقعية يستبعد المعاني ~~والمبادئ الميتافيزيقية، ويقصر السيرة الإنسانية على أن تكون حالة خاصة من سيرة ~~الكائنات الحية لا أكثر، إن الخلقية هي هذه السيرة في المراحل الأخيرة من ~~التطور، ولما كان قانون تطور الكائن الحي الملاءمة بينه وبين بيئته، كما نشاهد ~~في سلم الأحياء، كانت السيرة الإنسانية أو الأخلاق «جملة الأفعال الخارجية ~~المتجهة مباشرة أو بالوساطة إلى صيانة الحياة وتنميتها»، ومن شأن تطور الإنسان ~~وتقدم الحضارة تقسيم العمل بين الأفراد واستفادتهم بعضهم من بعض، فالتعاون ~~الاجتماعي شرط ضروري لنمو الحياة الفردية؛ لأن به يتمكن كل فرد من تحقيق غايته ~~الخاصة، وبذا تبدو تبعية المنفعة الفردية للمنفعة الاجتماعية مشروعة كلما ~~اختلفتا، المنفعة إذن هي الحكم لا اللذة، أجل إن الخير يتفق على العموم مع ~~اللذة، واللذة هي العنصر الجوهري في كل تصور للخلقية، وهي دليل وفرة الحيوية، ~~والملامة التي تشهد للوجدان بالملاءمة الصالحة بين الأفعال ووظائف الحياة، ~~فالغرض من اللذة هو الفعل الحيوي الذي هو طلب الغاية الطبيعية، والحياة الخلقية ~~هي التي أفعالها متسقة مطابقة للإنسان ، والحياة المخالفة للخلقية هي التي لا ~~نظام بين أفعالها ولا اتساق، فتقدم الخلقية هو تقدم الملاءمة بين حياة الإنسان ~~وقوانينها الأساسية، ومبدأ الأفعال الخلقية هو اعتبار النتائج الطبيعية الذاتية ~~للأفعال دون أي شيء أخر، كالشعور بالواجب أو الخوف من جزاء عرفي. # لم تحصل الملاءمة بين الإنسان وبيئته من أول الأمر، وهي غير حاصلة الآن إلا ~~حصولا جزئيا، وقانون التطور يضمن لنا أن يتم في المستقبل، لقد تحقق التعاون ~~بالانتقال التدريجي من الحالة العسكرية إلى الحالة الصناعية: الأولى تقوم على ~~الحرب والإكراه والقانون العرفي فتتضمن تبعية الأفراد للجماعة تبعية دقيقة، ~~والثانية تقوم على العمل والتعاقد فتفسح المجال للتعاون الإرادي، ومن الوجهة ~~العاطفية مر الإنسان ms341 بحالة أولى كان فيها يطلب منفعته الذاتية، وهذه مرحلة ~~الأنانية، ثم فطن إلى أن منفعته تزداد بالتعاون مع إخوانه، فأحبهم لهذه ~~المنفعة، فكانت مرحلة الأنانية المختلطة بالغيرية، ثبت فيها بالوراثة هذا الجمع ~~بين المنفعتين حتى بدا العلم لمصلحة الغير أمرا مستحبا ولو لم يعد منه نفع ~~ذاتي بل لو تعارضت المنفعتان، وهذه المرحلة ما تزال للآن، وهي مرحلة الصراع بين ~~الأنانية والغيرية، وما الشعور بالواجب سوى مظهر سلطان التطور الماضي في ~~أنفسنا، ونحن سائرون شيئا فشيئا إلى مرحلة ثالثة وأخيرة تتحد فيها المنفعتان ~~تمام الاتحاد فتسود الغيرية وتصير الأخلاق الفاضلة طبيعية في الإنسان وتمحى ~~فكرة الواجب. # في هذا المذهب أمور مقبولة وأخرى منافية لمفهوم الأخلاق، فالمقبول قول سبنسر ~~إن الغاية الطبيعية هي الفعل المطابق لوظائف الحياة، وإن الحياة الخلقية هي ~~الحياة المطابقة للإنسان، وإن اللذة (الحقة) هي التي تنشأ من الملاءمة الصالحة ~~بين الأفعال ووظائف الحياة: في هذه الأقوال التي يتوخى منها سبنسر وضع غاية ~~ومعيار للسيرة الإنسانية، نرى معنى ميتافيزيقيا يفترضه باستمرار ولا يعترف به ~~صراحة، هو معنى الماهية أو الطبيعة الإنسانية التي إذا طابقها فعل كان خلقيا ~~وإذا خالفها فعل لم يكن خلقيا، هذا المعنى تفترضه جميع المذاهب النفعية ~~فتخالف المبدأ الحسي، ولا يتمشى مع هذا المبدأ إلا أمثال أرستيب الذين يقولون ~~باللذة كيفما كانت ، أما الأمور المنافية للأخلاق فأولها تعريف سبنسر للأخلاق ~~بأنها «جملة الأفعال الخارجية المتجهة إلى صيانة الحياة وتنميتها»: هذا التعريف ~~يلزم من المذهب الحسي، ولكنه يخالف فهم الناس جميعا، فإنهم يريدون بالأفعال ~~الأخلاقية أولا وبالذات الأفعال الباطنة، سواء خرجت إلى الفعل أم لم تخرج، ~~المتجهة إلى تنمية حياة النفس ولو اقتضى الأمر التضحية بالحياة الجسمية التي لا ~~يعرف التطور المادي حياة غيرها، وثمة أمر ثان هو أن القانون في مذهب التطور ~~قانون طبيعي لا خلقي، قانون بيولوجي هو أثر البيئة فينا، يدفعنا إلى الأمام كما ~~يدفع الطبيعة بأسرها، في حين أن القانون الخلقي قانون مثالي معروض على الإرادة ~~لكي تحققه باختيارها فتحقق فوق النظام ms342 الطبيعي نظاما إنسانيا بمعنى الكلمة، ~~وأمر ثالث نجعله الأخير هو أن الغيرية التي يعدها سبنسر مرادفة للخلقية هي في ~~مذهبه غير مقصودة بالذات ولكنها نتيجة الارتباط ين المنفعة الذاتية ومنفعة ~~الغير، فهي الأنانية بعينها، ومتى كان قانون التطور محتوما، فما الحاجة إلى ~~إقناعنا بالعمل بموجبه؟ أليس لكل أن يكفي نفسه مؤنة الغيرية ويعول على الضرورة ~~الطبيعية في تحقيق التقدم؟ ولقد عالج سبنسر مسألة الإحسان، وبخاصة الإحسان ~~المنظم من الدولة، فكان موقفه فيها موقف الأنانية القاسية: قال إن الإحسان ~~معارض للقانون الطبيعي الذي يقضي ببقاء الأصلح، ومؤد إلى انحطاط النوع ~~الإنساني بالتدريج إذ أنه يعارض على تكاثر أقل الأفراد مواهب على حساب أكثرهم ~~مواهب، وإن الفريق النشيط من الأهلين يدفع جزية ثقيلة لفريق عديم النفع هم ~~الشيوخ والمرضى والمجانين، وإن تقدم الأقوياء وسقوط الضعفاء نتيجة ضرورية ~~لقانون كل مستنير نافع، وإن الدولة إذ تحاول وقف هذا القانون الحكيم بدافع من ~~حب للإنسانية زائف، تزيد في مقدار الألم بدل أن تنقص منه، # 1 # هذا كلام قاس يتضح منه جليا أن سبنسر لا ينظر إلى الإنسان إلا ~~كما ننظر إلى الحيوان، ولا يفهم من الغيرية إلا أنها تبادل المنفعة، ويزيد في ~~قسوته أن كثيرين من «الضعفاء» هم ضحايا لفساد المجتمع فهم مظلومون يتعين على ~~المجتمع تخفيف الظلم عنهم، وما قيمة «الجزية » بالقياس إلى ازدياد الغيرية الحقة ~~التي يراها سبنسر غاية التطور الإنساني، وبالقياس إلى احترام الكرامة الإنسانية ~~في هؤلاء الضعفاء، وهذا الاحترام كسب خلقي من غير شك، ولكن المذهب المادي لا ~~يعرف الخلقية، وسبنسر ينطق عنه بأفصح بيان، وقد بذل مجهودا عظيما في شرحه ~~وتأييده، فراح مجهوده عبثا، وكان هو آخر رجال هذا المذهب في بلده. ~~(5) توماس هكسلي (1825-1895) # من أشهر القائلين بنظرية التطور وأكثرهم ضجيجا ومهاترة، طبق هذه النظرية على ~~الإنسان قبل دروين في كتابه «مكان الإنسان في الطبيعة» (1863) وله كتاب عن ~~«هيوم، حياته وفلسفته» وله «محاولات» مختلفة (1894)، هو واقعي يرى أن المادية ~~والروحية خطأ على السواء لأنهما تفترضان أننا نعلم حقيقة ms343 الأشياء ونحن لا ~~نعلمها، ويقال إنه هو الذي وضع لفظ # agnosticism ~~(لا أدرية) للدلالة على هذا الموقف فاصطنع سبنسر هذا اللفظ، وهو واضح لفظ # Bathydius ~~؛ ذلك أن بعضهم اعتقد أنه اكتشف ~~في قاع البحر مادة هلامية هي حلقة الانتقال من عالم الجماد إلى عالم الحياة، ~~ونظر فيها هكسلي فاعتقد أنها بروتوبلاسما ودعاها بذلك الاسم، ثم اتضح أنها طين ~~لا أكثر أو راسب جرف مواد عضوية! وقد اعترف بذلك في دعابة لطيفة أثناء مؤتمر ~~علمي بشفيلد في سنة 1879 وأعلن أسفه لأنه كان السبب في تضليل كثيرين اعتمدوا ~~على شهرته واستشهدوا به في تأييد التولد الذاتي.، وهذا مثال على ما للنظريات من ~~قوة إيحاء متى تسلطت على النفس، أو مثال على أن الغرض مرض. # في كتابه «فيما للإحسان من شأن خلقي». # الفصل الرابع # الحركة الدينية ~~(1) نيومان (1801-1890) # منذ أوائل القرن قامت في جامعة أكسفورد معارضة شديدة للمذهب التجريبي صادرة ~~بالأكثر عن أسباب دينية، ثم ظهرت فيها معارضة فلسفية تعتمد على الفلسفة ~~الألمانية وبخاصة على مذهب هجل، كما اعتمدت عليها المعارضة السابقة الممثلة ~~بكولريدج وكارليل وهاملتون، غير أن الفلسفة الألمانية لم تدرس دراسة جدية في ~~إنجلترا إلا في هذه الفترة الثانية أي في الربع الأخير من القرن، وكانت جامعة ~~أكسفورد هي المتقدمة في هذا المضمار، ولكن هذه الحركة الدينية الثانية تجرد ~~الدين عن العقائد السلفية ولا تحتفظ إلا بالعاطفة الدينية خالصة؛ لذا لم يرض ~~عنها المؤمنون وعدوها أشد خطرا من الإلحاد السافر. # من أبرز رجال الحركة الأولى نيومان، قرأ هيوم واعتقد مثله أن الاستدلال عاجز ~~عن توفير اليقين، ولكنه كان منذ حداثته شديد التقوى حتى كان مقتنعا اقتناعا ~~يمكن أن يسمى عمليا أو تجريبيا بوجود الله كما يظهرنا عليه الإنجيل، فرأى ~~أن الذي يبحث عن الجماعة الدينية التي احتفظت للآن بالحياة الإنجيلية، فلن ~~يجدها إلا في الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، فانضم إليها (1845) وصار قسيسا ~~فكردينالا. # لم يبق طبعا على تشككه في العقل، ولكنه ميز بين ضربين من التصديق أحدهما ~~يرجع إلى المعرفة التجريدية ms344 التي هي ثمرة استدلالات العقل النظري والتي تظل بلا ~~أثر فعال في السيرة، والضرب الأخر تصديق محسوس يخرج من صميم النفس ويقيد الحياة ~~بأكملها، ومصدر هذا التصديق الضمير الذي هو القانون الإلهي للخلقية تدركه كل ~~نفس في ذاتها، فالدين الحق هو الذي يقابل صوت الضمير ويدفع بالحياة الروحية إلى ~~قمتها، وهو في هذا يساير هيوم الذي ميز بين «المعرفة» التي هي شكية حتما ~~وبين التصديق العملي بدوافع الطبيعة الإنسانية، غير أن نيومان اتخذ من الضمير ~~أساسا موضوعيا تبنى عليه الحياة ويبنى عليه اليقين العقلي، فهو قد انتهى إلى ~~ضرب من البراجماتزم، وكتابه «أجرومية التصديق» مليء بالاعتبارات في التجربة ~~الدينية، وهذه وجهة لها حظ كبير عند كثيرين من المحدثين الذين يرون أن للضمير ~~والحياة الروحية قيمة ذاتية، وأن علامة الحق في كل رأي معروض هي ما لهذا الرأي ~~من نفع لحياتنا الأخلاقية والدينية. ~~(2) سترلنج (1820-1909) # هو زعيم الحركة الثانية، فإن كتابه «سر هجل» (1865) أول كتاب هام بالإنجليزية ~~عن هذا الفيلسوف، والكتاب غريب يصطنع في بعض فصوله أسلوب النبوة بما فيه من ~~حماسة وغموض، ويرى سترلنج أن الفلسفة الهجلية هي الفلسفة المسيحية بمعنى ~~الكلمة؛ لأنها تبين أن المسيحية هي الديانة المطلقة وتوفق بين العقل والإيمان، ~~ولما أنشأ اللورد # Gifford # المحاضرات الفلسفية ~~الدينية المعروفة باسمه، افتتحها ستلرنج (1889) بدروس في «الفلسفة ~~واللاهوت». ~~(3) توماس هل جرين (1836-1882) # أستاذ الفلسفة الخلقية بأكسفورد (1878)، كان معتبرا زعيم الحركة الهجلية ~~الإنجليزية، وقد أثر في شباب الجامعة تأثيرا بليغا يرجع بالأخص إلى سمو ~~شخصيته، أهم مؤلفاته: «المدخل إلى هيوم» (1874) ينقده فيه نقدا نافذا، ~~و«مقدمة للأخلاق» (1883) يحاول فيها أن يهتدي إلى أساس للأخلاق غير ~~تجريبي. # وجه همه منذ البداية إلى محاربة المذهب الحسي والإلحاد ومذهب اللذة، أي إلى ~~إعادة العقل في المعرفة، والله في الدين، والخلقية في السيرة، فالمعرفة لا ~~تستغني عن العقل إذ لا معرفة بدون علاقات تربط بين الظواهر فتؤلف الأشياء ~~ومبادئ العلم (كما بين كنط)، وهذا الربط يكشف لنا عن وحدة الوجدان (كما بين كنط ~~أيضا)، فلا يمكن ms345 اعتبار الوجدان نتاجا آليا للتطور البيولوجي عاطلا من ~~العقل، ليست توجد الطبيعة (في مذهب كنط) إلا بفضل الأنا الذي يكون موجوداتها ~~ويدركها، فكيف تعكس الآية ويقال إن الطبيعة تخلقه؟ # والله أو المطلق موجود بدليل أن الإحساس جزئي ناقص يفترض علاقة بمعرفة كلية ~~تندرج تحتها جميع الإحساسات، وهذه المعرفة الكلية موجودة بالعقل الكلي أو الله، ~~فالله أصل مفترض لكل معرفة، ثم إن رجوعنا إلى أنفسنا يكشف لنا عن مثل أعلى نحس ~~أننا ملزمون بتحقيقه، والله متضمن في هذا الشعور بالمثل الأعلى، بل إن هذا ~~الشعور هو أكثر من دليل على وجود الله، إن حضور الله فينا (بالمعنى الذي يريده ~~هجل، أي إن الله يتحقق في الإنسان)، أما قول هاملتون وسبنسر إن المطلق غير ~~معلوم فقول متناقض من حيث إن العلم بوجود المطلق إدراك لشيء عنه، فالعقل ينتهي ~~إلى الإيمان ويتكمل به، على أن هذا الإيمان إيمان عقلي بحقائق عقلية، فلا ينبغي ~~فهم العقائد المسيحية فهما حرفيا، بل يجب اعتبارها رموزا لتلك الحقائق (كما ~~بين كنط وهجل). # والأخلاق تصدر عن نفس المبدأ، إن الأنا الإنساني مشارك في الأنا الكلي، ~~وتقوم الحياة الخلقية في التقدم نحو التوحيديين الطرفين (أي نحو تأليه الإنسان) ~~وهذه الغاية لا تحقق بإرضاء نزعة جزئية أية كانت، بل بإرضاء طبيعتنا جمعاء، وإن ~~الفرد ليجد في المؤسسات الاجتماعية عونا في سبيل هذا التقدم نحو الكلي ، فلا ~~يسوغ له معارضة مؤسسة ما بخيره الذاتي (وبذا يقف جرين في صف المحافظة ~~الاجتماعية كما وقف هجل). # وقد كان لهذه الحركة الدينية الهجلية أشياع بين اللاهوتيين والوعاظ من ~~البروتستانت استغلوا فلسفة هجل بصور مختلفة، نذكر منهم جويت (1817-1893) ~~المعروف بترجمته لمحاورات أفلاطون وشرحه عليها، ونذكر كيرد (1820-1898) وأخاه ~~(1835-1908). # المقالة الثانية: الفلسفة في فرنسا # تمهيد # في هذه المقالة نجمع في فصل أول بين فلاسفة بعضهم على المذهب الواقعي والبعض ~~الآخر على المذهب الروحي النابع من فيكتور كوزان وطريقة التخير، ولكن هناك فلاسفة ~~كانوا أكثر أصالة وأعمق أثرا يرجعون إلى مين دي بيران وطريقته النفسية ms346 ويحاولون ~~إنقاذ الحرية الإنسانية من الآلية العلمية وهم طبقتان تستوفي الكلام عليهم في ~~فصلين. # الفصل الخامس # بين الواقعية والروحية ~~(1) إميل ليتري (1801-1881) # هو أشهر تلاميذ أوجست كونت، اعتزل أستاذه لما رآه يبتدع دين الإنسانية، وقال ~~إن الدين كان المرحلة الأولى من مراحل العقل وإن هذه المرحلة انقضت ولا ينبغي ~~أن يكون لها رجعة، فعمل على إذاعة المذهب الواقعي الأول ومعارضة الثاني، وأكمل ~~تصنيف العلوم بإدخال الاقتصاد السياسي، وعلم النفس الفلسفي الذي يفحص عن طرائق ~~المعرفة وقواعدها، وعلم الأخلاق وعلم الجمال وعلم النفس التجريبي، وله عبارة ~~مأثورة في الميتافيزيقا هي أنها «محيط يضرب شاطئا ولكنا لا نملك له سفينة ~~ولا شراعا». ~~(2) أرنست رنان (1723-1892) # كاتب شهير ومستشرق معروف، كان يعد نفسه للإكليروس، ثم تشكك في الدين عن طريق ~~النقد التاريخي، فتحول عن مشروعه، وقضى حياته يكتب في المسائل الدينية ويعقب ~~على الكتب المقدسة، أشهر تآليفه «مستقبل العلم» دونه سنة 1848 ولم ينشره إلا ~~سنة 1890، و«حياة يسوع» (1863)، و«ابن رشد والرشيدية» (1869)، و«محاورات ~~فلسفية» (1876). ~~«مستقبل العلم» أن يحل محل الدين، والعلم يعنى بنوع خاص التاريخ وفقه ~~اللغات، فهما علما الأمور الروحية، يظهران الإنسانية على ماهيتها خلال نموها، ~~ويشعرانها بالقوة التي تسوقها، كما قال هجل، # 1 # والمهمة الأولى للمؤرخ الفحص عن أصول المسيحية التي هي أرقى ديانة ~~روحية، وفي هذا الفحص يفسر لنا رنان كل شيء تفسيرا طبيعيا، فإن الدين عنده ~~خرافة، أو بتعبير ألطف هو فرض مفيد يرفع النفس، وبذا يجمع رنان بين الواقعية ~~والروحية، على أن التفسير الطبيعي ليس في رأيه رد الأحداث إلى «جدل باطن» كما ~~يفعل الهجليون بل ردها إلى تأثير عظماء الرجال، وقد كان يسوع واحدا منهم، بل ~~كان «رجلا منقطع النظير» وجد حقا (لا كما زعم شتراوس) ولكنه لم يكن على ما ~~زعم له الحواريون. # هذا الاتجاه العام في التفكير يحتمل فوارق واختلافات كثيرة تقلب بينها رنان، ~~فكان ينكر رأيا ثم يعود فيصطنعه ثم يعود فينكره وهكذا، ولا تعوزه الحجة في كل ~~مرة، وهو إذ يؤرخ لابن رشد وأشياعه ms347 من الغربيين يميل ميلا ظاهرا إلى الآراء ~~الإلحادية وأصحابها، وهو إذ يكتب المحاورات الفلسفية يجري قلمه بشك لطيف عابث ~~على طريقة ڤولتير. ~~(3) إيبوليت تين (1828-1893) # أديب مؤرخ فيلسوف تدل عناوين كتبه على تنوع كفاياته: منها «تاريخ الأدب ~~الإنجليزي» في خمسة مجلدات (1853)، و«الفلاسفة الفرنسيون الكلاسيون في القرن ~~التاسع عشر» في مجلدين (1856)، و«المثل الأعلى في الفن» (1867)، وكتابه الفلسفي ~~المشهور «في العقل» في مجلدين (1870)، و«أصول فرنسا المعاصرة» في اثني عشر ~~مجلدا صدرت تباعا بعد سنة 1870، ينصف فيها نظام الحكم القديم ضد الثورة ~~وميولها. # في كتاب «العقل» يحذو حذو كوندياك والفلاسفة الحسيين من الإنجليز، فيصف ~~الإحساس بأنه أولا وقبل كل شيء ظاهرة عصبية قد يطرأ عليها الشعور وقد لا يطرأ، ~~فالشعور ظاهرة عارضة لا أصلية، والوجدان في جملته ظواهر منفصلة تربط بينها ~~قوانين التداعي كما أن الشيء الخارجي ذرات مستقلة تجمع بينها قوانين الحركة، ~~والإدراك الظاهري واقع على صورة باطنة لا على شيء خارجي، فهو تخييل، غير أنه ~~«تخييل صادق» والصورة المتخيلة «تخييل كاذب»، والمعنى المجرد لفظ ليس غير يذكر ~~بالجزئيات، والحكم والاستدلال تركيب ألفاظ، إلى غير ذلك من الآراء التي ينقلها ~~عن الحسيين وكل نصيبه فيها براعة العرض والتمثيل، وهو يجمع إلى هذا أشياء من ~~سبينوزا وأخرى من هجل، فيتصور الله مجرد قانون، «القانون السرمدي» الذي تنتهي ~~عنده سائر القوانين الجزئية، ولا يعتقد بخير أو شر بالذات، فلا يعنى بنتائج هذا ~~الموقف في الحياة العلمية، وهو الذي عناه بول بورجي في قصته «التلميذ» يذيع ~~آراء ثم يندهش لما تؤدي إليه من فواجع. ~~(4) إميل ڤاشرو (1890-1897) # معروف بكتب ثلاثة: «التاريخ النقدي لمدرسة الإسكندرية» (1846-1851)، ~~و«الميتافيزيقا والعلم» (1858)، و«المذهب الروحي الجديد» (1884). # يعارض كوزان في طريقة التخير، ويقول بوحدة الوجود على طريقة هجل، فمن الوجهة ~~الأولى يذكر أن مصادر المعرفة ثلاثة: المخيلة والوجدان والعقل، المخيلة تتصور ~~الوجود كله على مثال المحسوسات فتؤدي إلى المادية، والوجدان يحملنا على تصور ~~الوجود قوة روحية على مثال ما نعهده في أنفسنا، والعقل يدفعنا إلى أن نرى في ~~الوجود نموا ضروريا لقوة ms348 لا متناهية بموجب مبادئ ضرورية على مثال مذهب ~~سبينوزا، فالمواقف الأصلية متعارضة لا يمكن التوفيق بينها ولا اختيار أحدها، ~~ومن الوجهة الثانية يقول إن الاختيار يتعين بين الموجود والمثل الأعلى؛ ذلك أن ~~كل موجود فهو متناه كالموجودات التي تمثلها المخيلة، أما الكمال اللا متناهي ~~فمثل أعلى غير متحقق وغير ممكن التحقيق بتمامه لتنافي اللا نهاية والوجود، ولكن ~~المثل الأعلى يضفي على الموجود معناه ويعين اتجاهه، فالله غير متحقق ولكنه ~~يتحقق شيئا فشيئا بتحقيق المثل الأعلى (كما جاء عند هجل ورنان). وقد رد ~~«كارو» (وهو من نفس المدرسة) على ڤاشرو ورنان وتين في كتاب بعنوان «فكرة الله» ~~(1864). ~~(5) جول سيمون (1814-1896) # هو روحي عقلي، صنف كتابا في «تاريخ مدرسة الإسكندرية» (1845) وكتبا فلسفية ~~أهمها: «الدين الطبيعي» (1856)، و«حرية الضمير» (1857)، و«الحرية» (1859)، ~~و«الواجب». ~~(6) بول جاني (1823-1899) # هو أقرب إلى كوزان، ولكنه لا يفهم التغير على أنه انتخاب آلي للآراء ~~المشتركة، بل على أنه تطبيق المنهج الموضوعي الذي أفلح في التوفيق بين العلوم، ~~ويبدو هذا التطبيق في كتابه «تاريخ الفلسفة» وهو كتاب متداول ومترجم إلى ~~الإنجليزية، حيث يقدم على تاريخ المدارس تاريخ المسائل فيتتبع الحلول في كل ~~مسألة من بداية الفلسفة إلى أيامنا، وكتابه «العلل الغائية» (1877) يستمد كل ~~مادته من العلوم، وكتابه «الأخلاق» (1874) يقرر أن أداء الواجب هو نمو الطبيعة ~~الإنسانية نحو كمالها، فيوفق بين كنط وأرسطو، وكتابه الأخير «علم النفس وما بعد ~~الطبيعة» (1897) يدور على النقطة الجوهرية في روحانية كوزان وهي الوصول إلى ~~الميتافيزيقا عن طريق الاستبطان. # ويعني العلم عنه آخرين من المعاصرين جملة العلوم الفيزيقية ~~والكيميائية والحيوية وقد أثملتهم روائع مكتشافتها وبدائع تطبيقاتها، ~~فرأوا في العلم التجريبي الفيصل الأوحد بين الحق والباطل، والمنبع ~~الأوحد للسعادة المنشودة إذ به ينظم المجتمع تنظيما معقولا وتتغلب ~~الإنسانية على المرض والشيخوخة والموت، بل تجد فيه القاعدة الوحيدة ~~للأخلاق، وقد سميت هذه النزعة # Scientisme # أي المذهب العلمي الذي ~~هو المذهب الواقعي الذي هو المذهب المادي. # الفصل السادس # فلاسفة الحرية (طبقة أولى) ~~(1) جول لكيي (1814-1862) # تخرج في مدرسة الهندسة بباريس، واشتغل ms349 بالفلسفة، وكان هدفه الأول التدليل على ~~الحرية، نهج في ذلك منهج ديكارت في «البحث عن حقيقة أولى» (وهذا عنوان كتابه ~~الذي لم ينشر إلا في سنة 1924)، يريد أن الحرية شرط المعرفة أو أنها الحقيقة ~~الأولى بين الحقائق التي توفق إلى اكتسابها، لكن لا باعتبارها ظاهرة وجدانية، ~~على ما يذهب إليه الروحيون، إذ أن الشعور بانتفاء القسر (أو عدم الشعور بالقسر) ~~لا يعد دليلا على حرية الفعل، وأن التجربة الباطنة لا تعد حجة إلا إذا وجدت ~~النفس في عين الظروف مرتين أو أكثر فجاء فعلها في كل مرة مختلفا، وهذا مستحيل ~~الوقوع، فالوسيلة إلى التدليل على الحرية هي أن نضع أنفسنا موضع الباحث عن ~~حقيقة أولى، «وكيف أعتزم البحث، وأحدد الغاية، وأقاطع العادة والمألوف من ~~الآراء، وأحاول وضع نفسي في حالة استقلال وإخلاص ... إذا كانت أفكاري تتعاقب في ~~نظام لا سيطرة لي عليه؟» الحرية هي إذن القدرة على التصرف بأفكاري وسلكها في ~~نظام غير محتوم، فالحرية هي الحقيقة الأولى السابقة على كل حقيقة؛ ذلك بأني لا ~~أستطيع أن أثبت أو أني أنفى إلا بواسطة الحرية أو الضرورة، وهناك أربعة فروض لا ~~خامس لها: فإما توكيد الضرورة ضرورة، أو توكيد الحرية ضرورة، أو توكيد الضرورة ~~بحرية، أو توكيد الحرية بحرية؛ فالفرض الأول لا يدع مجالا للمعرفة كما تقدم، ~~والثاني متناقض، والثالث متناقض كذلك، والرابع هو الفرض الممكن في ذاته وفاتح ~~الطريق إلى المعرفة ، فلا يقام على الحرية دليل بمعنى الكلمة، ولكنها تسلم ~~تسليما، «وإني أفضل أن أثبت الحرية، وأن أثبت أني أثبتها بوساطة الحرية، ~~وإثباتي هذا ينقذني ويحررني، وإني آبى مواصلة معرفة لا تكون معرفتي، وأعتنق ~~اليقين الذي أنا صانعه». ~~(2) شارل سكرتان (1815-1895) # سويسري الموطن فرنسي اللغة، أستاذ بجامعة لوزان، أراد أن يقيم الأخلاق على ~~تأويل فلسفي للعقيدة المسيحية، وعرض هذه المحاولة في كتابه «فلسفة الحرية» ~~(1848-1849) فقال: إن الأخلاق لا تستغني عن الحرية فينبغي الفحص عن مبدأ أعلى ~~كفيل بأني كون لها أصلا وقانونا، هذا المبدأ هو الله، إن مذهب وحدة ms350 الوجود ~~يرى في الله موجودا ضروريا بضرورة ذاتية، فيرى في فعله فعلا ضروريا كذلك ~~إذ كان من الممتنع الحصول على الممكن ابتداء من الضروري، فلن ننجو من وحدة ~~الوجود إلا بالتسليم بأن الله حرية مطلقة، حتى بإزاء حريته نفسها، وأنه هو ما ~~يريد أن يكون، فإن الموجود الذي يمنح نفسه الكمال بحرية لهو أكمل من الوجود ~~الكامل بالطبع، فالميتافيزيقا تاريخ الأفعال الممكنة للحرية المطلقة، وليس يريد ~~الله الخليقة تبعا لنزوع فيه، فإن هذا يجعل من الخلق فعلا ضروريا، فهو إذن ~~يريد الخليقة لذاتها لا لذاته، وهذه هي المحبة، ويريدها كغاية، وإذن يريدها ~~حرة، والأخلاق تحقيق الحرية، والواجب الذي ترجع إليه جميع الواجبات هو التحاب ~~لأن الناس جميعا متضامنون. ~~(3) أنطوان كورنو (1801-1877) # رياضي كبير، يمتاز بنظرتين: نظرية في نسبية المعرفة على وجه خاص به، ونظرية ~~في وجود الاتفاق أو الصدفة، والنظريتان ترميان إلى ضمان الحرية، فإنه إذا كانت ~~معرفتنا نسبية فليس يسوغ القول بالضرورة المطلقة، وإذا كان في العالم مجال ~~للاتفاق كان فيه مجال للحرية، وقد فصل هاتين النظريتين في كتبه الآتية: «عرض ~~نظرية الحظوظ والاحتمالات» (1843) و«محاولة في أسس معارفنا وفي خاصية النقد ~~الفلسفي» (1851) و«تسلسل الأفكار الأساسية في العلوم وفي التاريخ» (1861) ~~و«اعتبارات في سير الأفكار والأحداث في الأزمنة الحديثة» (1872) و«المذهب ~~المادي والمذهب الحيوي والمذهب العقلي» (1875). # نسبية المعرفة معناها أن المعرفة لا تقع إلا على نسب أو علاقات، غير أن هذه ~~العلاقات موضوعية، فالمعرفة موضوعية، لكنها لما كانت واقعة على علاقات فهي ~~تترتب في درجات من الاحتمال دون أن تبلغ إلى اليقين المطلق، فنحن من الجهة ~~الواحدة متصلون بالأشياء تابعون لها في حياتنا، فمن الطبيعي أن ندركها من ~~الناحية التي تهمنا لا في حقيقتها المطلقة، ومن جهة أخرى نحن ندرك هذه الأشياء ~~في علاقاتها بعضها ببعض: مثال ذلك أن الإدراك المباشر الذي يرى الذهب أصفر هو ~~أبعد عن الواقع من معرفة الفيزيقي الذي يعلم أن هذا اللون الأصفر مركب من لون ~~الذهب وأثر انعكاس الضوء على سطحه، ويزيد اقتراب الفيزيقي من الواقع ms351 إذا استطاع ~~ربط ما للذهب من خصائص بصرية بتركيبه الذري، ولكن علمنا صادق في هذه الحدود، ~~والدليل على صدقه نجاحه، فإن هذا النجاح يدل على أن بين الوجود والعقل مطابقة، ~~وكذلك القول في الفروض أو النظريات العلمية، فإنها تقبل متى سمحت بالربط بين ~~الظواهر ربطا معقولا، وكلما اتسع نطاق التطبيق كانت النظرية أكثر احتمالا، ~~كما هو الحال في نظرية الجاذبية العامة، فالفرق بين كورنو وبين كنط أن النسبة ~~عنده نسبة المعرفة إلى الشيء المعروف، وأنها عند كنط نسبة الشيء المعروف إلى ~~طبيعة القوة العارفة. # والاتفاق يبدو أولا في كون المعاني الأساسية في علومنا متباينة منفصلة بحيث ~~يمتنع سلكها في نظام تام الوحدة؛ فليس هناك انتقال منطقي من فكرتي الزمان ~~والمكان إلى فكرتي القوة والمادة، ومن هاتين إلى فكرة الألفة الكيميائية، ومن ~~هذه الثلاث جميعا إلى فكرتي الحياة والجسم العضوي، ومن هاتين إلى فكرتي العقل ~~والمجتمع (على ما قال أوجست كونت)، ويبدو الاتفاق ثانيا من ضرورة التمييز في ~~جميع ميادين المعرفة بين القوانين أو العلاقات المطردة التي تسمح لنا بتوقع ~~الظواهر، وبين ظروف الظواهر من زمان ومكان وغيرهما، وهي ظروف لا تتكرر، ولا ~~تفسر إلا بالرجوع إلى ظواهر سابقة ومن هذه إلى أخرى سابقة وهكذا إلى غير نهاية، ~~فسواء اعتبرنا ظواهر المادة البحتة أو الظواهر البيولوجية أو الظواهر ~~الإنسانية، قلنا إن في أصلها وقائع تاريخية أي ظواهر اتفاقية: فبإزاء العلوم ~~الفيزيقية يقوم علم تكوين العالم، وبإزاء البيولوجيا يقوم التاريخ الطبيعي ~~وبإزاء علم النفس وعلم الاجتماع يقوم التاريخ الإنساني، ولا يوجد تفسير علمي ~~لهذه الوقائع، من حيث إن العلم معرفة القانون وإن الاتفاق خارج عن القانون، ~~ولكن ما يعجز العقل الإنساني عن تفسيره قد يكون معقولا للعقل الإلهي باعتباره ~~عقلا مشخصا حيا لا مجرد عقل منطقي، على أن الله ليس موضوع علم بل موضوع ~~إيمان. ~~(4) شارل رنوفيي (1815-1903) # تخرج هو أيضا في مدرسة الهندسة بباريس، وكان كمعظم طلابها مشايعا لسان ~~سيمون مناصرا لفكرة الجمهورية، وكان أوجست كونت معيدا له بهذه المدرسة، وكان ms352 ~~جول لكيي قرينا له وصديقا، وقد قال هو عنه «إنه الرجل الذي قشع الغشاوة عن ~~عينيه، وعلمه ما الحرية وما اليقين وما العلاقة بين الحرية والإيمان» فكانت ~~الحرية الركن الأول من أركان مذهبه، وساقته إلى نقد كل مذهب يعتبر الحياة ~~الخلقية مظهرا ضروريا لقانون كلي أو لموجود مطلق أعني الآلية العلمية ~~والجبرية التاريخية والدين، وقادته دراسته الرياضية إلى العناية بفكرة اللا ~~نهاية، فرأى أن العدد اللا متناهي ممتنع وأن كل مجموع واقعي يجب أن يكون ~~متناهيا، فكان التناهي ركنا آخر من أركان مذهبه ساقه إلى نقد كل نظرية من ~~نظريات الاتصال التي تضع بين الأشياء فوارق غير متناهية فتندرج من شيء إلى آخر ~~تدرجا متصلا، وجاء هذا النقد موافقا لمواقفه من الحرية والأخلاق، ودرس ~~ديكارت وكنط وهيوم، فأخذ بالتصورية وبنسبة المعرفة، أي بأن ليس هناك سوى ظواهر ~~وأن ظاهرة ما لا تفهم إلا باعتبارها مركبة من ظواهر أخرى أو داخلة في تركيب ~~ظواهر أخرى، فكان هذا الموقف الركن الثالث من أركان مذهبه وجاء مطابقا للركنين ~~الأولين، فإن متناقضات العقل التي حصرها كنط تحتم علينا الاختيار بينها، وإنما ~~تختار القضايا التي تثبت للعالم خصائص متناهية فنعدها صادقة ونعد نقائضها ~~كاذبة، بخلاف ما ذهب إليه كنط من أن القضايا ونقائضها غير قابلة للتفنيد، وساقه ~~هذا الاعتبار إلى فلسفة نقدية سميت بالفلسفة النقدية الجديدة # néo-criticisme ~~. وتلك هي قسمات فلسفته تجدها منبثة في جميع ~~كتبه. # هذه الكتب هي: «محصل الفلسفة القديمة» (1842) «محصل الفلسفة الحديثة» (1844) ~~«محاولات في النقد العام»: المحاولة الأولى «تحليل عام للمعرفة» (1851) ~~والثانية «في الإنسان» (1858) والثالثة في «مبادئ الطبيعة» (1864) والرابعة ~~«المدخل إلى الفلسفة التحليلية للتاريخ» (1864)، وكتاب «الخيال في التاريخ» ~~(1857) و«علم الأخلاق» (1869)، وفي سنة 1872 أسس مجلة «النقد الفلسفي» نشر فيها ~~مقالات كثيرة، ثم أسس مجلة «النقد الديني» (1878) لنشر البروتستانتية، وابتداء ~~من 1891 أحل مجلة «العام الفلسفي» محل مجلة «النقد الفلسفي» ونشر الكتب الآتية: ~~«الفلسفة التحليلية للتاريخ» في أربعة مجلدات (1896-1898) «المونادولوجيا ~~الجديدة» (1896) «متناقضات الميتافيزيقا الخالصة» (1901) وبعد وفاته نشرت ~~(1910) مراسلته مع شارل سكرتان وهي ms353 تمتد من 1868 إلى 1891. # قلنا إن الحرية هي الركن الأول من أركان مذهبه، وهو يضعها وضعا كما فعل ~~لكيي مع اختلاف في الطريقة، فإنه يقول: إن العلوم لا تفحص عن مبادئها ولا عن ~~المعاني الأساسية فيها، ولكنها تقتصر على استخدام المبادئ لتسجيل العلاقات بين ~~الظواهر، وفي هذه الوظيفة تنحصر قيمة المبادئ، وهذا هو السبب في اتفاق العلماء ~~فيما بينهم، وعلى ذلك فالعلوم متمايزة بتمايز مبادئها، ولا يمكن سلكها في علم ~~كلي، وإن الخطأ الأكبر الذي يقع فيه أنصار العلم تصورهم الفلسفة على أنها العلم ~~الأعلى الذي يضم جميع الظواهر تحت مقولة الكم فحسب في حين أن هذه المقولة لا ~~تنطبق إلا على أبسط الظواهر، ليست الفلسفة مثل هذا العلم، بل إنها ليست علما، ~~إذ أنها تفحص عن مبادئها الخاصة وتضعها موضع المناقشة، فليس من مبدأ يفرض نفسه ~~على الفكر دون منازع، وليس من مبدأ إلا وقد وجد من شك فيه ويمكن الشك فيه، ~~فالفيلسوف يضع مبادئه بفعل ذاتي تتدخل فيه جميع قواه ومنها الهوى والإرادة (كما ~~ارتأى فختي)؛ فليس اليقين حالة انفعالية للعقل، ولكنه حالة فعلية، بحيث يمكن ~~القول أن ليس هناك يقين وإنما هناك أناس موقنون، فالحرية هي الحقيقة الأولى في ~~ميدان المعرفة هي مسلمة من المسلمات يستخدمها الجبري نفسه حين يختار الجبر ~~والضرورة مبدأ أول، ومع هذا الفارق وهو أنه يناقض نفسه بينما الحري يتفادى ~~التناقض. # ورنوڤيي فيما يخصه يختار الإيمان بالعقل واصطناع مبدأ عدم التناقض الذي هو ~~عماد العقل. # أما فكرة التناهي التي هي الركن الثاني من أركان مذهبه فتلزم من اعتبار أن ~~كل موجود بالفعل فهو متناه ضرورة وأن كل عدد فهو جملة معينة، وليس لفكرة اللا ~~متناهي سوى معنى واحد مقبول هو قدرة العقل على اطراد سيره دائما، وإذا ما ~~قصدنا بها موجودا عينيا كانت متناقضة، ولما كان العالم، أي مجموع تصوراتنا، ~~خاضعا لقانون العدد، كان متناهيا، ولو أن تجربتنا تعجز عن استيعابه، فليس ~~يمكن القول بجوهر مادي ينقسم إلى غير نهاية، ولا بالمكان الذي ms354 هو خاصية من ~~خصائص المادة، ولا بالزمان وهو متجانس متصل كالمكان، ولا بالحركة وهي انتقال في ~~المكان والزمان؛ ولذا نستبعد الآلية التي ترد الموجودات جميعا إلى جوهر مادي ~~واحد، وترد الأفعال والأحداث إلى سلسلة متصلة، فتجعل في العالم محلا للإمكان ~~والحرية، وهذا يعني أننا نتصور الأشياء مركبة من وحدات منفصلة أو مونادات، ~~وأننا نتصور الأفعال والأحداث متمايزة منفصلة، على أن المونادا ليست جوهرا ~~روحيا كما قال ليبنتز ولكنها متقومة بالعلاقات الباطنة والظاهرة بين التصورات ~~ليس غير، وقانون تصور الامتداد هو الذي يحدونا إلى تصورها كأنها ذرة أو جوهر ~~فرد قائم بذاته، كذلك ليس يمكن القول بجوهر روحي غير متناه: ما فكرة الله إلا ~~فكرة النظام الخلقي الضامن لخلود النفس ومطابقة السعادة والفضيلة على ما قال ~~كنط، دون حاجة إلى تصور الله خالقا للطبيعة وموفقا بينها وبين الفضيلة، الله ~~مملكة الغايات أو نظام الغائية، وإذا أردنا أن نؤمن بإله وجب أن نتصوره ~~متناهيا حتى يكون معقولا ويدع مجالا لحريتنا، ومتى سقط اللا متناهي سقط ~~أيضا إمكان الانتقال بفوارق غير متناهية بين الظواهر، ولزم أن قيمة قانون ~~العلية محدودة، وأن من الممكن أن توجد علل لا تكون معلولات، أي أن توجد «بدايات ~~مطلقة» كما يقولون، أو أن حرية الإرادة ممكنة، وهذا هام جدا للأخلاق، ويدلنا ~~التاريخ على أن ليس هناك قانون تاريخي كلي، وإنما هناك قوانين متعددة ينطبق كل ~~منها على مرحلة من مراحل التاريخ، ولكل مرحلة بداية جديدة، أي فعل حر كان يمكن ~~أن يكون غير ما كان، البدايات الجديدة هي عظماء الرجال، فإن ما يدلون عليه من ~~قدرة خالقة يشهد ببطلان القول بأن الشخصية نتيجة تطور بطيء، وإن في المنهج ~~التاريخي الذي يعتبر كل ما يحدث كأنه الممكن الوحيد، وعلى ذلك ينتهي رنوڤيي إلى ~~التصورية المطلقة، ولكنه لا يبين أساس القوانين الطبيعية، ولا كيف يتحقق نظام ~~الغائية بالقوانين الطبيعية، ولا أصل النظام الغائي؛ ولم ير أن فكرة الإله ~~المتناهي هي الفكرة المتناقضة من حيث إن المتناهي لا يمكن أن يكون ms355 مبدأ أول وأن ~~التناهي في العدد غير التناهي في الوجود. # وأما نسبية المعرفة التي هي الركن الثالث من أركان مذهبه فلازمة من كوننا لا ~~ندرك سوى تصوراتنا وعلاقاتها، والعلاقات الأساسية هي المقولات ولا تستنبط ~~المقولات استنباطا قياسيا أو بالتركيب الأول كما حاول ذلك كنط، بل تستخلص من ~~تحليل التجربة، وهذه إحدى النقط التي يفترق فيها رنوڤيي عن أستاذه الكبير، فإنه ~~يقول: «لقد طلب كنط المستحيل إذ أراد أن يبرهن على أن مقولاته هي المقولات ~~الحقة وأن ليس هناك أكثر ولا أقل من التي يوردها أما أنا فقد نهجت منهجا ~~تجريبيا، ولا أدري كيف أستطيع أن أفعل غير ذلك فليسأل القارئ نفسه إن كان هذا ~~الجدول مرضيا مستنفدا كل مضمون التصور وهذا كل ما له علي» والمقولات تؤلف ~~نظاما من المعاني مرتبة، وهذا النظام عبارة عن فلسفة، وها هو ذا: # مقولة # قضية # نقيض القضية # المركب ~~(إضافة) ~~(تمييز) ~~(توحيد) ~~(تعيين) # عدد # وحدة # كثرة # جملة # وضع # نقطة (حد) # مكان (مسافة) # امتداد # تعاقب # آن (حد) # زمان (مسافة) # ديمومة # كيفية # فرق # جنس # نوع # صيرورة # نسبة # لا نسبة # تغير # علية # فعل # قدرة # قوة # غائية # حالة # ميل # انفعال # شخصية # ذات # لا ذات # وجدان # هذه المقولات ترجع كلها إلى مقولة الإضافة للأسباب التي تحتم القول بالنسبية، ~~وإن مبدأ النسبية ناشئ من طبيعة شعورنا، فإن الشعور نفسه نسبة، ولكنه يتميز من ~~سائر النسب بأنه نسبة بين الأنا كذات والأنا كموضوع أي نسبة بين حدين هما شيء ~~واحد ، وهكذا كان الشعور أساس سائر النسب إذ أنها لا تتضح إلا بردها إلى هذه ~~النسبة الرئيسية، وإذا أريد تجاوز الظواهر فليس يمكن ذلك إلا بمسلمات دينية، ~~بشرط ألا تتعارض ومبدأ النسبية بقبول فكرة إله لا متناه، ورنوڤيي يوافق هيوم ~~على استحالة البرهنة على موضوعية علاقة العلية والخروج بوساطتها من دائرة ~~التجربة، ويفترق عنه بقوله إن مقولة العلة مرتبطة بطبيعة شعورنا كما تقدم، ~~وبقوله إن الإرادة هي أساس هذه المقولة في الشعور، أي إن معنى الإرادة هو الذي ~~يجعل معنى العلة مفهوما فلا ms356 يرد إلى معنى أسبق منه بل يجب أن يقف عنده الفكر ~~بموجب قانون النسبية، ولكننا نسأل: هل الحد الذي يحتم علينا هذا القانون الوقوف ~~عنده هو حد أول بذاته، أو هو أول بالإضافة إلينا؟ في الحالة الأولى نصل إلى ~~المطلق ويصبح قانون النسبية نسبيا مع أنه في طبيعة شعورنا، وفي الحالة ~~الثانية لا يسوغ لنا كذلك اعتباره أول والوقوف عنده؛ فلا محيص عن التناقض، إن ~~المنطق يقضي أن يقودنا قانون النسبية إلى اللا نهاية التي يأباها رنوڤيي كل ~~الإباء فيقول بحق إن التسلسل لا يوفر لنا أي تفسير. # بناء على هذه الأركان الثلاثة: ما مكان الإنسان في العالم؟ هناك نظريتان: ~~إحداهما تخضع الشخص «للشيء» أي للموضوع الذي لا شخصية له، والأخرى تتصور ~~الأشياء بالمماثلة مع الشخص، التصويرية تحسم الخلاف وتنحاز إلى النظرية ~~الثانية، إذ مهما يكن من تسلط الموضوع على العقل فإن العقل يدرك أن الموضوع ~~موضوعه هو وليس مباينا له، فالعقل متقدم على الموضوع تقدما منطقيا، ونحن لا ~~نعقل العالم إلا بتأويله تبعا لتجربتنا الباطنة وبالمماثلة معها فنعود إلى ~~الموقف الأول للإنسان حين كان يشخص قوى الطبيعة، ولكننا نستخدم الفلسفة ولا ~~نجري مع الخيال والأسطورة، فنتصور الأشياء مونادات كما ذكرنا، ولكن المونادا ~~عند رنوڤيي جملة علاقات كما سبق القول، فكيف تكون شخصيا؟ نرى ههنا التعارض ~~بين النسبية وبين النزعة الشخصية: الأولى لازمة من الفلسفة الحديثة، والثانية ~~لازمة من «الإرادة» التي يؤكدها العصر الحديث ويبالغ في توكيدها. # وإذا سلمنا أن الإنسان شخص، وأن الشخص موجود خلقي، كما يريد رنوڤيي، فكيف ~~تكون أخلاق الإنسان؟ يريد رنوڤيي أيضا أن تقوم الأخلاق علما مستقلا بذاته ~~لا يستند إلى الدين أو إلى الميتافيزيقا، والسبيل إلى ذلك في رأيه أن تبدأ ~~بفكرة الإنسان باعتباره «موجودا حاصلا على العقل ومعتقدا نفسه حرا»، هذا ~~الموجود يعلم بالتجربة أن له غايات رئيسية وأخرى ثانوية، غايات بعيدة وأخرى ~~قريبة، خيرات زائلة وأخرى دائمة، خيرات يعرضها العقل وأخرى تدفع إليها الشهوة؛ ~~فيحكم أن غايات معينة هي الأفضل على كل حال، ms357 وهذا هو الحكم التركيبي الأساسي ~~الذي يتحقق فيه معنى الواجب، أي كلما رأى العقل غاية «واجبة» التحقق بموجب ~~قوانينه، رآها في الوقت نفسه «واجبة» الطلب بالإرادة؛ وحينئذ تنشأ واجبات ~~الإنسان نحو نفسه، فإذا تصورناه في علاقة مع الطبيعة نشأ واجب احترام كل ما ~~يتصف بالنظام والعقل، وإذا تصورناه في علاقة مع الحيوان ثم مع إخوانه في ~~الإنسانية نشأ واجب العدالة، ونشأت مع العدالة معاني الكرامة والاحترام والحقوق ~~والواجبات، وهكذا يتم علم الأخلاق العقلي، ولكن رنوڤيي لا يسوغ الانتقال من ~~الوجوب العقلي إلى إلزام الإرادة، ونحن هنا بين حدين متباينين، إن هذا الانتقال ~~لا يسوغ إلا بالتدليل على أن الوجوب العقلي يريده إلزاما للإرادة مشرع هو خالق ~~العقل والإرادة، وهذا التسويغ، وتسويغ تعريف الإنسان بأنه موجود عاقل حر خلافا ~~للمذهب الحسي مثلا، يرجعان إلى الميتافيزيقا؛ فعلم الأخلاق علم تابع وليس ~~علما مستقلا، وفلسفة رنوڤيي في جملتها قائمة على التصورية وما تستتبعه من ~~نسبية أو شك وعلى خلط بين اللا نهاية التي تعني عدم التعيين، واللا نهاية التي ~~تعني كمال الوجود بالفعل، وتشخيص الأولى تناقض، وتشخيص الثانية يحتمه معنى ~~العلة الأولى الذي يحتمه النظر في الوجود، كما أوضحنا غير مرة وسنضطر إلى ~~إيضاحه غير مرة، إذ أن هذا الخلط شائع. # الفصل السابع # فلاسفة الحرية (طبقة ثانية) ~~(1) فليكس راڤيسون (1813-1900) # هو زعيم هذه الطبقة الثانية، كان في العشرين لما أعلنت أكاديمية العلوم ~~الأخلاقية والسياسية، بناء على اقتراح فيكتور كوزان، عن مسابقة في «ميتافيزيقا ~~أرسطو، عرضها ومناقشتها» فعالج الموضوع وفاز بالجائزة ، ثم عاد إلى رسالته يتوسع ~~فيها ويتعمق حتى صارت الكتاب المشهور الذي صدر جزؤه الأول سنة 1837 (وهو المخصص ~~لأرسطو) وصدر الثاني سنة 1846 (وهو مخصص للفلسفة اليونانية بعد أرسطو وتأثرها ~~به)، في هذه الدراسة وجد أن الحياة، النامية منها والحاسة والناطقة، لا ترجع ~~إلى المادة بل إلى قوة ذاتية أو نفس، وأن علة الحياة والحركة في الطبيعة نزوع ~~يدفع بها صوب «العقل الإلهي» الذي هو موجود حقا وليس مجرد مثال من المثل ms358 ~~الأفلاطونية، ووجد في الفلسفة الأرسطوطالية مدخلا إلى المسيحية؛ ذلك بأن أرسطو ~~يقول إن الخير بالذات الذي تنزع إليه الطبيعة يجهل الطبيعة، وأن المسيحية تعلم ~~أن الله محبة تتنزل إلى مخلوقات فيتصل الفعل بالقوة والمثال بالواقع. # وفي الوقت نفسه (1838) تقدم برسالة للدكتوراه «في العادة» يبين فيها أن ~~العادة تظهرنا، في داخل الوجدان، على اتصال الروح بالمادة، خلافا لما يذهب ~~إليه ديكارت وكثيرون غيره من انفصال وثنائية، أصل العادة فكر وإرادة، أي تصور ~~غاية واتخاذ الرسائل لتحقيقها، فإذا ما تحققت تناقص الفكر والإرادة والشعور ~~شيئا فشيئا حتى تنمحي وتبقى العادة حاجة حيوية وميلا يخرج إلى الفعل من ~~تلقاء ذاته، فالعادة لا تفسر إلا بتكوين تلقائية فاعلية هي بمثابة وظيفة جديدة ~~تختلف عن الفعل الآلي من جهة وعن الفعل المروي من جهة أخرى؛ لأن العادة فكرة ~~متحققة في المادة، وبها تفهم تلقائية النزوع في الكائن الحي وفي الطبيعة، كما ~~تفهم لا شخصية الطبيعة مع نزوعها الذاتي إلى غايات، فإن كلتا هاتين الحالتين ~~فكرة منطبعة في مادة؛ وإذن فليست الطبيعة قوة عمياء تعمل كآلة، وليست الآلية هي ~~الأصل، إنما الأصل الغائية تستخدم الآلية بحيث لما كانت هذه لولا تلك، وهكذا ~~ميز رافيسون الحياة من المادة البحتة وبين لمعاصريه فكرة الصورة والعلية ~~الصورية وفكرة الغاية والعلية الغائية على ما رأى أرسطو، وستظل فكرة الحياة هذه ~~إلى وقتنا محور مذاهب عدة، ولا شك أنه مدين بها لأرسطو، ولو أن مصادر أخرى ~~تضافرت على تأييدها عنده: منها مين دي بيران، وشلنج وقد كان استمع إلى دروسه في ~~مونيخ، ومدرسة الطب بمونبلي التي كانت معروفة بالمذهب الحيوي تعارض به ~~المادية. # وفي 1867 نشر له «تقرير عن الفلسفة في فرنسا في القرن التاسع عشر» يعود فيه ~~إلى هذه الآراء بالشرح والتأييد، يميز أولا بين طريقتين في الفلسفة، إحداهما ~~تحلل الأشياء إلى أجزاء جامدة وتزعم أن الأشياء مجموعات من هذه الأشياء ليس ~~غير، فتفسر الحي بالميت وترد الأعلى إلى الأسفل، وهذا دأب المادية والآلية، ~~والطريقة الأخرى تعنى بما بين الأجزاء ms359 من تركيب وانسجام بناء على وجهة مشتركة، ~~فترى الحياة في كل شيء، وتفسر الأسفل بالأعلى، وهذه طريقة الروحية، ثم يقول إن ~~الفلسفة الفرنسية تتجه هذه الوجهة الثانية؛ فقد قال أوجست كونت في المجلد الأول ~~من «دروس الفلسفة الواقعية» إن ظواهر الحياة من جنس ظواهر الجماد سواء بسواء، ~~وبعد ثماني سنين استثنى حياة الحيوان، وفي المجلد الأخير استثنى النبات أيضا، ~~وكلود برنار # 1 # أثبت أولا القانون الآلي حتى إذا ما أنعم النظر في ظواهر الحياة ~~أعرب عن اعتقاده «بفكرة موجهة» بل «خالقة» هي العلة الحقة للجسم الحي، وهذا ~~الاتجاه يلاحظ عند جميع الفلاسفة والعلماء الذين يتعمقون طبيعة الحياة، ولما ~~كانت حياتنا الباطنة أقرب وأوضح صورة للحياة، كان هذا الاتجاه مؤذنا بقيام ~~مذهب جديد هو «الواقعية الروحية» تتصور الوجود على مثال الوجدان. ~~(2) جول لاشليي (1832-1918) # هو ثاني أعلام هذه الحركة، مصنفاته قليلة العدد صغيرة الحجم، ولكنها غاية في ~~الرصانة والعمق، وهي لا تعدو رسالتين للدكتوراه (1871) إحداهما «في أساس ~~الاستقراء» والأخرى «في طبيعة القياس» ومقالات أهمها مقال «علم النفس ~~والميتافيزيقا» (1885)، يضاف إلى ذلك تدريسه بمدرسة المعلمين العليا، وكان قصير ~~الأمد، وتأثيره الشخصي في توجيه الأفواج المتتالية من الطلاب. # إنه ينتمي إلى تصويرية كنط ويتعمق بنوع خاص «نقد الحكم» (96ج) ويعمل على ~~إعادة مبدأ الغائية إلى مقامه بين المبادئ الأولى والدفاع عنه ضد الآلية ~~والجبرية، فبين أن الاستقراء العلمي يقوم على فكرة العلة الغائية لا على فكرة ~~العلة الفاعلية، إن في الطبيعة نوعين من القوانين: نوعا يشمل قوانين آلية ~~تنطبق على ظواهر جد بسيطة، ونوعا يشمل القوانين الكيميائية وبخاصة القوانين ~~البيولوجية وهي تعبر عن علاقات جد مركبة وتعمل دائما بحيث يحدث عنها دائما ~~عين النتائج أي عين الأنواع الكيميائية وعين الأنواع النباتية والأنواع ~~الحيوانية، وذلك بالرغم من تعقد التركيب وكثرة الشروط والظروف المطلوبة، فلو ~~كان العلم يقوم على الآلية فحسب لوجب الاقتصار على القول بأن المركبات ~~الكيميائية والكائنات الحية تحدث في المستقبل نفس الأنواع «إذا توفرت لها ~~الشروط المطلوبة»: ولكن العلم لا يستعمل هذه ms360 الصيغة الشرطية، ونحن نعتقد أن ~~الشروط جميعا متوافرة بالفعل، فتصور القوانين الطبيعية، ما خلا عددا يسيرا ~~من القوانين البسيطة، يقوم على مبدأين متمايزين: مبدأ بموجبه تؤلف الظواهر ~~سلاسل يتعين فيها وجود اللاحق بوجود السابق، وهذا مبدأ الآلية، ومبدأ بموجبه ~~تؤلف هذه السلاسل أنظمة يتعين فيها وجود الأجزاء بفكرة الكل، و«الكل الذي يحدث ~~أجزاءه» علة فاعلية، فيجب أن نضع إلى جانب الآلية، أو بالأحرى فوقها، «مبدأ ~~نظام يسهر - إن جاز هذا التعبير - على استبقاء الأنواع الكيميائية والأنواع ~~الحية». # مبدأ الغائية إذن هو القانون الذي يخضع له العالم، وليس يعني هذا أنه من وضع ~~الفكر الإنساني في محاولته فهم العالم؛ فإن الفكر نفسه جهد نحو غاية، نزوع إلى ~~الخير وإلى تمام الوجود، «إن المسألة العليا في الفلسفة - وقد تكون مسألة دينية ~~أكثر منها فلسفية - هي الانتقال من المطلق الصوري إلى المطلق العيني الحي، من ~~فكرة الله إلى الله، فإذا أخفق القياس في هذه المهمة فعلى الإيمان المخاطرة ~~وعلى الدليل الوجودي أن يدع مكانه للرهان» أي لرهان پسكال كما يقول في مقال عنه ~~(1901)، فهو من الذين يلجئون إلى الإيمان لمجاوزة حدود الفكر وحدود الطبيعة، ~~وقد كان كاثوليكيا مؤمنا ورعا، ولكنه لم يجد إلا هذه الطريقة للتملص من ~~مذهب كنط، والطريقة الوحيدة السائغة هي الإيمان أولا بموضوعية الفكر فتلزم ~~عنها موضوعية سائر ما يتأدى إليه الفكر. ~~(3) إميل بوترو (1845-1921) # أستاذ بالسوربون حمل هو أيضا على الآلية ودافع عن الغائية، رسالته ~~للدكتوراه «في إمكان قوانين الطبيعة» (1874) ترمي إلى الفحص عما إذا كانت ~~للضرورة العقلية هي التي تتحقق في الأشياء كما يدعي الآليون، أو أن في العالم ~~ما يظهرنا على شيء من الإمكان، وحينئذ لا تكون قوانين الطبيعة كافية أنفسها، ~~بل يكون لها أسبابها في علل أرفع منها، والواقع أن هنالك من القوانين بقدر ما ~~هنالك من درجات الوجود، وفي هذه الدرجات المترتبة من الأقل كمالا إلى الأكمل ~~فالأكمل، كل درجة فهي ممكنة بالإضافة إلى الدرجة السفلى، في حين أن الآلية تقوم ~~على وحدة مادة الوجود ms361 وتعادل القوى المادية وعلى أن الدرجات درجات تركيب هذه ~~المادة وقواها لا أكثر، والحقيقة أن لا معادلة بين الجسم وعناصره، وبخاصة إذا ~~اعتبرنا الجسم الحي من النبات إلى الحيوان إلى الإنسان؛ لذا كنا عاجزين عن أن ~~نقول مبدئيا أي جسم ينتج عن عناصر معينة، وكنا مضطرين للرجوع في ذلك إلى ~~التجربة، بل إن الإمكان يتزايد من درجة إلى أخرى، وكلما مضينا من العلوم ~~المجردة إلى المشخصة غلبت وجهة الحركة والقوة على وجهة السكون والمعادل وحلت ~~الكيفية محل الكمية؛ ففي ميدان الحياة يستحيل قياس القوة الحيوية إذ أنها ترجع ~~إلى الكيف لا إلى الكم، ولا ينحصر الفرق بين الحياة والمادة في هذا فقط، فإننا ~~نلاحظ أيضا أن الحي ينمو وينقص، يرقى وينحط، أي أنه له تاريخا وليس للعادة ~~البحتة تاريخ، ثم إنه لا سبيل إلى ملاحظة تعادل القوة في الوجدان، وإنما الواضح ~~البين أن الوجدان يستخدم القوة كأداة، وهكذا نرى أن «الواقعية» إذا فهمت على ~~وجهها جاءت مع الروحية من حيث إن سلم الموجودات يرينا الحرية تنمو شيئا فشيئا ~~على حساب الآلية حتى «إذا ما تركنا الوجهة الخارجية التي تبدو فيها الأشياء ~~كأنها موجودات جامدة محدودة، لكي نلج إلى أعمق أعماق أنفسنا وندرك ذاتنا في ~~منبعها، إن أمكن، وجدنا أن الحرية قوة لا متناهية، ونحن نشعر بهذه القوة كلما ~~عملنا حقا» (ص156) أي كلما نزعنا إلى الخير والحياة الخلقية، فإن «الله هو ~~الموجود الذي نحس فعله الخالق في أعماق النفس حين نجهد للاقتراب منه»، فعلة ~~الإمكان في العالم قوة خلق وتغيير نازلة من على، من الله نفسه، ومتغلغلة في ~~جميع درجات الوجود على قدر الجهد الذي تبعثه جاذبية المثل الأعلى، وهي جاذبية ~~فنية إلى أجمل الصور، وجاذبية خلقية إلى فعل الخير، إن الله الحي علة الإمكان ~~في العالم لأنه حياة وحرية. # هذا المذهب يكشف لنا عن سبب اختيار بوترو لموضوع رسالته الثانية «في الحقائق ~~الأزلية عند ديكارت» فقد أراد أن يفحص عن الإمكان في ذات الله، وظل يتتبع فكرة ~~الإمكان هذه ms362 حتى خصص لها كتيبا عنوانه «فكرة القانون الطبيعي في الفلسفة ~~المعاصرة» (1895) يوسع فيه مجال الإمكان حتى يجعل من القوانين الطبيعية مجرد ~~مناهج وجدناها للملاءمة بين الأشياء وعقلنا وللتصرف في الأشياء لتحقيق رغباتنا، ~~كذلك يقول في جميع المعاني التي تكونها لفهم الأشياء، بحيث لا يحق لنا أن نضيف ~~قيمة مطلقة للتمييز بين الفكر والحركة مثلا، ولسائر المعاني والتمييزات، إذ ~~أنها تعبر عن طريقتنا في النظر إلى الأشياء لا عن أحوال الأشياء أنفسها، وهذا ~~ميل إلى محو موضوعية للقانون الطبيعي، وإلى التصورية في مسألة المعرفة، وهذا ~~الميل المزدوج منتشر في أيامنا، سنصادفه عند أصحاب البراجماتزم وعند برجسون ~~وكثيرين من الفلاسفة والعلماء الذين رأوا معارضة الآلية والجبرية بهذا الإنكار ~~البات فقبلوا آية «العلميين» رأسا على عقب. # وقد كان بوترو أستاذا ممتازا لتاريخ الفلسفة، ورائده مذهبه هذا؛ ففي ~~المقدمة التي مهد بها لترجمة كتاب تزلر في الفلسفة اليونانية (1877) يؤيد هذا ~~المؤلف ضد هجل في القول بالإمكان في التقدم التاريخي الذي هو تاريخ العقل، ~~وكذلك الحال في دروسه على كنط (وقد نشرت أولا في «مجلة الدروس والمحاضرات» ثم ~~جمعت في مجلد ظهر سنة 1926) وفي مقدمته لمونادولجيا لبينتر، وفي «دراسات في ~~تاريخ الفلسفة» (1897) و«دراسات جديدة في تاريخ الفلسفة» (1927) و«دراسات في ~~تاريخ الفلسفة الألمانية» و«دراسات في الأخلاق والتربية»، وفي كتبه: «پسكال» ~~(1900) و«نفسية التصوف» (1902) و«العلم والدين في الفلسفة المعاصرة» (1908) ~~و«وليم جيمس» (1911)، وطريقته في تأريخ الفلسفة مثال يحتذى، فهي موضوعية تعرض ~~المذاهب على الصورة التي وضعها عليها أصحابها، وتعقب عليها تعقيبا مقتصدا، في ~~أسلوب ناصع رصين. ~~(4) ألفريد فويي (1838-1912) # بعد أن صنف كتابا في «فلسفة سقراط» (في مجلدين) وآخر في «فلسفة أفلاطون» ~~(في أربعة مجلدات) شرع ينشر مذهبا خاصا مؤداه أن من المستحيل اعتبار الظاهرة ~~الوجدانية عرضا طارئا على التغير العصبي، كما يقول الماديون، فإنها لو كانت ~~كذلك لكانت عديمة النفع للحياة وانقرضت وظيفة التفكير، وإن قليلا من التأمل ~~يرينا أن الفكرة (أي الظاهرة الوجدانية) هي قوة تبعث فكرات أخرى وتدفع إلى ~~العمل، أجل إن كل فكرة فهي قوة ms363 وميل إلى الحركة يتحقق من تلقاء ذاته إذا لم ~~تعارضها فكرة أخرى، فلا ينبغي التمييز بين عقل وإرادة، أو بين فكرة معلومة فحسب ~~وفعل يحققها، والفكرة التي هي قوة، وهذا اسم نظريته ~~( # Idée-force ~~) تسمح لنا بإنقاذ القيم ~~الروحية التي يتهددها المذهب المادي كما يبدو في نظرية التطور إذ يضع القوة في ~~الطبيعة الخارجية ويجعل النفس تابعة لها منفعلة بها، فمسألة الحرية مثلا تحل ~~بأن الموجود الذي يعتقد نفسه حرا تختلف سيرته عن سيرة الذي يعتقد نفسه ~~مجبرا؛ فإنه يغير من شأنه، وهذه خاصية الموجود المشارك في الحياة الروحية ~~بينما خاصية المادة الجمود ومطاوعة القوانين الآلية، فما علينا إلا أن نؤمن ~~بالحرية حتى تصير الحرية أمرا واقعا (كتاب «الحرية والجبرية» 1872). # ثم طبق فويي نظرية الفكرة التي هي قوة على الوجود بأسره، فذهب إلى أن كل ~~موجود فهو متقوم بفكرة هي قوة تبدو صورتها الأولية في النزوع الغامض إلى البقاء ~~ثم تنمو بالتطور من اللا شعور في الجماد إلى الشعور الواضح في العقل الإنساني، ~~حتى إذا ما بلغت إلى هذه الدرجة كانت كفيلة بتحقيق فكرات روحية صرف بمجرد أن ~~تؤمن بها إيمانا وطيدا، فرغبتنا في تنظيم حياتنا وتوحيدها تؤدي بنا إلى توكيد ~~الحرية والأنا الشخصي، ورغبتنا في توحيد العلم ورغبتنا في نصب مثل أعلى ~~للأخلاق، تؤديان بنا إلى توكيد وجود الله لكي نجد في فكرة الله التفسير النهائي ~~للوجود والمثل الأعلى الذي تنشده، فالفكرات الروحية من خلقنا وتتحقق موضوعاها ~~بفعلنا، طبق فويي نظريته هذه في الكتب الآتية: «تطور الأفكار التي هي قوات » ~~(1890) و«علم النفس والأفكار التي هي قوات» (1893) و«الأخلاق والأفكار التي هي ~~قوات» (1907) و«محاولة في تأويل للعالم» (نشر في العالم التالي لوفاته)، وله ~~كتب أخرى في نقد المذاهب المعاصرة من وجهته هو، وكتب في معالجة المشاكل ~~الاجتماعية القائمة، وقد كان كثير التأليف فضفاض الأسلوب قليل الجدوى. ~~(5) جان ماري جيو (1854-1888) # تلميذ فويي اهتم بالأخلاق وبالفن، عرض «أخلاق أبيقور» عرضا لطيفا، وعرض ~~«الأخلاق الإنجليزية المعاصرة» ونقدها نقدا عسيرا، وفصل مذهبه في كتابين: ~~أحدهما ms364 «الأخلاق بلا إلزام ولا جزاء» والأخر «إلحاد المستقبل»، وعالج «مسائل ~~الفن المعاصر» ونظر في «الفن من الوجهة الاجتماعية» ونظم «أشعار ~~فيلسوف». # مذهبه أن فلسفة الأخلاق يجب أن تبنى على العلم وحده، فتستمد مبدأها من ~~التجربة، ويكون «الأمر» فيها أخف مما هو في الأخلاق المرعية، بل لا يكون فيها ~~أمر، أما الشرط الأول فلا يتوفر في المذاهب التي تنصب «الخير» مثلا أعلى ~~وقاعدة، فإن فكرة الخير ميتافيزيقية، ولا في المذاهب التي تتخذ «السعادة ~~العامة» مبدأ، فإن هذه المذاهب تعرض على الفرد منذ البداية هذه الغاية التي ~~تسمو عليه، فيحين أن الأخلاق العلمية يجب أن تبدأ بغاية فردية، ولا في المذاهب ~~التي تقوم على طلب اللذة، إذ أن «طلب اللذة ما هو إلا نتيجة المجهود الغريزي ~~لصيانة الحياة وتنميتها»، فالمبدأ الحق هو «غريزة الحياة» هذه التي هي غريزة ~~كلية والتي هي «أعمق ما في الوجود والمثل الأعلى الذي لا محيص عنه»، وعلى ذلك ~~«يكون المثل الأعلى النشاط بمختلف مظاهره، أو على الأقل بالمظاهر التي لا ~~تتعارض، أو التي لا تسبب خسارة ذات بال من القوة»، وإذا تعمقنا هذا المبدأ ~~حققنا الشرط الثاني للأخلاق العلمية فبلغنا إلى أخلاق خلو من الإلزام ~~والجزاء. # ذلك بأن الحياة ليست بقاء فحسب ولكنها ميل إلى النماء والقبض واندفاع إلى ~~بذل الذات، ولنا شاهد على ذلك في الولادة التي هي جود بالذات، وفيما يبين عنه ~~ترقي الأنواع الحيوانية وتعقدها من حياة متزايدة متنوعة، «الحياة هي الخصب ~~والخصب هو الوجود الحق»، «أما الأنانية فتضييق لدائرة نشاطنا ينتهي إلى إقفار ~~هذا النشاط نفسه وإفساده»؛ فالأنانية في الواقع بتر الحياة وانتقاصها، وهكذا ~~تجاوز وجهة النظر الفردية، فإن الفرد لا يستطيع أن يحيا تمام الحياة إلا في ~~المجتمع وبالمجتمع، وهو يجد في الروابط الاجتماعية واللذات الفنية والحياة ~~الخلقية بما فيها من بذل وتضحية، مصادر عواطف رفيعة جميلة قوية لا تقاس إليها ~~عواطف الحياة الحيوانية، بدليل أن الذي يتذوقها يحس باستحالة الاستغناء عنها ~~فالإنسان القوي الحيوية يرى نفسه مدفوعا نحو هذه الحياة العالية ms365 وما تتطلبه من ~~مغامرة ومخاطرة، بغير إلزام من خارج ولا جزاء يرجى، يسقط الأمر الخلقي إذن ولا ~~يبقى إلا «معادلات له» هي: الشعور بقدرتنا الباطنة على أن نعمل أعظم فأعظم، ~~وتأثير الفكر على العمل، والتعاطف المتزايد والصفة الاجتماعية المتزايدة ~~للذاتنا وآلامنا، وحب المغامرة والخطر ولذة الجهاد، وحب الفرض الميتافيزيقي ~~الذي هو ضرب من المغامرة في الفكر، وأما الجزاء ففكرة منقودة من نواح عدة، وهي ~~لا تفهم إلا من وجهة المنفعة الاجتماعية لا من الوجهة الخلقية. # وعلى هذا النسق ينهج جيو في معالجة المسألة الدينية، فإنه يكرر الاعتراضات ~~على وجود الله الواردة في تاريخ الفلسفة، ويلح في الاعتراض المأخوذ من وجود ~~الشر في الطبيعة وفي الإنسان، ثم يقول إن العاطفة الدينية تظل قائمة بعد ~~الإلحاد، فما هي إلا الشعور بتبعيتنا ماديا وخلقيا واجتماعيا للكون ~~ولمنبع الحياة المتدفقة فيه، ولكنه في الواقع يبدد الدين والأخلاق جميعا، أين ~~الخلقية في مذهبه؟ إن صاحب اللذة يبذل من ذاته وماله بذلا عنيفا في سبيل ~~غايته، وما من أحد يعتبر سيرته خلقية؛ فإن قيل إن الحياة الرفيعة هي الجديرة ~~بأن تحيا، قلنا: وإذن فليس المثل الأعلى مطلق الحياة ومطلق البذل، بل لا بد من ~~قاعدة تتوخى لبذل الحياة، وإن القاعدة، وإن المفاضلة بين حياة رفيعة وحياة ~~دنيئة، ليستا من «العلم» في شيء ولكنهما تعتمدان على الميتافيزيقا التي لا ~~يريدها جيو، فإذا ما سلمنا بتفضيل الحياة الرفيعة فإنما نسلم لأننا نراها ~~الجديرة بالإنسان من حيث هو إنسان، وهذه الصلة بين الماهية الإنسانية وضرب من ~~الحياة يلائمها دون سواه، هي «الوجوب العقلي» الذي تحدث عنه رنوڤيي والذي هو ~~أصل الإلزام الخلقي كما قلنا في الموضع، كذلك الجزاء ما هو في الحقيقة إلا أثر ~~العمل، أما إذا كانت الأفعال صادرة عن مجرد فيض من باطن تصاحبه لذة معينة، دون ~~غاية مفضلة وقاعدة محترمة، فقد عدنا إلى مذهب اللذة وقد ساوت أفعالنا سائر ~~الأفعال التلقائية وبطلت أن تكون خلقية، وإن جيو ليحاول أن يوجد نوعا من ~~الإلزام بقوله إن الفرد ms366 لا يحيا تمام الحياة إلا بالمجتمع ولكنه يقع في نفس ~~الخطأ الذي ألحف في مؤاخذة النفعيين عليه إذ يريدون الفرد على أن يفضل المنفعة ~~العامة بعد أن يقولوا إن المنفعة الخاصة هي الأصل والمبدأ، ولم ير أن الأناني ~~المسترشد بمذهب الأنانية في حل من استغلال المجتمع والإفادة منه ما استطاع إلى ~~الإفادة سبيلا، هذا عن الأخلاق، أما عن الدين فإن الشعور بالتبعية للكون لا ~~ينقلب عاطفة دينية بمعنى الكلمة إلا إذا اعتقدنا أن وراء الكون أو فوقه إلها ~~شخصيا هو خالقه ومنبع الحياة المتدفقة فيه، وفي هذه الحالة لا بتصور الدين ~~بغير عقيدة تشتمل على صفات لازمة للإله وعلاقة بيننا وبينه، وجيو لا يريد عقيدة ~~لأنه أراد «العلم» دون العقل والميتافيزيقا، وهذا عيب مشترك بين هذه المذاهب ~~التي تصدت لإثبات الحرية والروحية بالتجربة فحسب، وليست التجربة بذاتها برهانا ~~إذا لم تستمد من العقل مبدأ البرهان. # فسيولوجي مشهور (1816-1878) معروف بكتاب عنوانه «مدخل إلي دراسة ~~الطب التجريبي» حيث يصف المنهج التجريبي بالتفصيل، وقد نقل هذا الكتاب ~~إلي العربية الدكتور يوسف مراد. # المقالة الثالثة: الفلسفة في ألمانيا # تمهيد # شغلت ألمانيا بفلسفة كنط وفلسفة هجل، فقام فيها لكل منهما أشياع شارحون مؤيدون، ~~وآخرون أحرار بعض الشيء، كما قام معارضون، ولن نقف هنا عند تاريخ الحركة الكنطية؛ ~~فإنها لا تتضمن شيئا جديدا، ولن نقف عند تاريخ الهجلية بأكثر من القول بأن فريق ~~التلاميذ الأمناء دعوا بحزب اليمين أو المحافظين لتمسكهم بالنتائج التي وصل إليها ~~هجل واعتبرها مطلقة بالرغم من قوله بالصيرورة، وهذه النتائج هي الفلسفة التصورية ~~والديانة المسيحية والفن الرومانتي والدولة البروسية البيروقراطية، وأن فريق ~~التلاميذ الأحرار وكانوا أكبر عددا وأعظم قدرا، دعوا بحزب اليسار أو التقدميين، ~~تمسكوا بالمنهج فقالوا ليس للحقائق صفة نهائية من حيث إنها صورة مختلفة للروح ~~المطلق وإن هذا الروح يتقدم باستمرار، وراحوا يعيدون النظر في الدين والاجتماع ~~وفقا لهذا المنهج، أما في الدين فقد نبتت فكرة تنافس غير واحد منهم في التدليل ~~عليها، وهي أن المسيحية نتاج الضمير الإنساني، ms367 ففسر الإنجيل على هذا الاعتبار واعظ ~~مشهور هو شلير ماخر (1768-1834) وزعم شتراوس (1808-1874) في كتابه «حياة يسوع» ~~(1835) أن حياة المسيح أسطورة صاغتها مخيلة المسيحيين الأولين مما كان يتصوره ~~السلف عن المسيح المنتظر، وأنه يجب أن نستعيض عن فكرة المسيح التاريخي بالفكرة ~~الهجلية التي ترى في المسيح مثلا أعلى هو الإنسانية مؤلهة، وشتراوس إلى ذلك يمضي ~~بالهجلية صوب المادية، وذهب فويرباخ في كتابه «ماهية المسيح» (1841) إلى أن خلاص ~~العالم يقتضي العدول عن المسيحية بل عن كل دين يؤمن بإله مفارق، فما هذا الإله سوى ~~خيال يخلع عليه الإنسان كمالاته الخاصة، ما هو إلا المثل الأعلى للإنسان أو الإنسان ~~كما يجب أن يكون وكما سيكون. # وفي هذه المقالة نستعرض ثلاث طوائف من الفلاسفة: الطائفة الأولى تشمل ثلاثة كان ~~لكل منهم مذهب ميتافيزيقي ومشاركة في علم النفس، وهم لوتزي وفخنر وڤوندت، والطائفة ~~الثانية تتألف من الماديين، وأشهرهم كارل ماركس، والطائفة الثالثة تضم اثنين عنيا ~~بالأخلاق، وهما هارتمان ونيتشي. # الفصل الثامن # ميتافيزيقا علم النفس ~~(1) لوتزي (1817-1881) # كان يجمع بين الميل إلى الفلسفة والميل إلى العلم، فحصل من جامعة ليبزج على ~~الدكتوراه في الفلسفة والدكتوراه في الطب، وعين أستاذا للفلسفة بجامعتي جوتنجن ~~وبرلين، له كتاب في «ما بعد الطبيعة» (1841) يفسر فيه العالم بثلاث ممالك ~~مترتبة: الأولى «مملكة القوانين الكلية الضرورية التي هي شرط لكل وجود ممكن»، ~~وهنا تنطبق نظرية كنط في المقولات، وبواسطتها يمكن وضع الأسس التي تقوم عليها ~~العلوم، لكن لا يمكن استنباط أية ظاهرة، والمملكة الثانية «مملكة الظواهر» وهي ~~تدرك بالحواس وليس لنا من سبيل آخر لإدراكها، والمملكة الثالثة «مملكة القيم» ~~نرى فيها الموجودات تتوجه إلى «الخير بالذات» في هذه المملكة، أي بهذا الخير ~~بالذات، يصل حدسنا للعالم إلى الوحدة، فتثبت وحدة الجوهر في العالم، ونحن ~~نثبتها أيضا باعتبار استحالة التفاعل بين الأشياء؛ فإن الفعل عرض والعرض لا ~~يتنقل بذاته، وعلى ذلك لا يؤثر الشيء المعروف في العارف، ولا يؤثر الجسم في ~~النفس أو النفس في الجسم، كل تفاعل فهو وهم، والأجسام ms368 مجرد ظواهر والنفوس ~~فيوضات من الجوهر الأوحد، والفعل الذي يبدو متعديا هو فعل حادث بين موجودين ~~متناهيين حدوثا ظاهريا فقط، والحقيقة أنه فعل المطلق في ذاته. # على أن لوتزي يعدل هذا المذهب في كتاب «علم النفس الطبي» (1852) وكتاب ~~«العالم الأصغر» أي الإنسان (في 3 مجلدات: 1856-1864) فإنه يبدأ بوحدة الأنا ~~المدرك بالحدس على أنه جوهر، ويدلل على روحانيته، ويدفع عنها اعتراضات ~~الماديين، ثم يستند إلى طموح النفس إلى الكمال فيقول بوجود روح أعظم وشخص ~~متمايز منا وهو الذي رتب الكل تبعا للخير: «إن الموجود الحق الذي هو موجود ~~والذي يجب أن يوجد، ليس المادة، وليس من باب أولى المثال الهجلي، ولكنه الله ~~الروح الحي الشخصي وعالم الأرواح الشخصية التي خلقها، وذلك هو مكان الخير ~~بالذات وسائر الخيرات»، كذلك يثبت موضوعية الظواهر باعتبارها موضوعات العلوم ~~الواقعية، ويحاول أن يفسر هذه الموضوعية دون الخروج على التصورية فيعرض نظرية ~~«العلامات المكانية». # هذه النظرية مقصورة على إدراك المكان باللمس والبصر، وهي ترمي إلى بيان أن ~~التأثيرات الواردة من خارج على العين وعلى سطح الجسم متمكنة ومختلفة بعضها من ~~بعض بأمكنتها: فكل نقطة من الشبكية أو أديم الجلد تنفعل بكيفية خاصة بها وكل ~~تأثير يعرض للشعور له طابع متميز، وهذا الطابع هو «العلامة المكانية» وهي إحساس ~~عضلي مصاحب للتأثير اللمسي أو البصري، وهي «نظام من الحركات» أو من الميول ~~للحركة يبعثها كل تأثير، وهي أيضا «موجة الإحساسات الثانوية» إذ أن كل تأثير ~~على نقطة من الجسم فهو يحدث في المنطقة المجاورة توترا أو ضغطا يعين مكان ~~التأثير في الجسم تعيينا دقيقا ، هذا هو الحل الذي رآه لوتزي وسطا بين ~~التصورية القائلة إن إدراكنا إنما ينصب أولا وبالذات على ظاهرة وجدانية، ~~وبين الوجودية التي تضع في الخارج مقابلات للظواهر، فيحاول هو تفسير الانتقال ~~من الأثر الجسماني إلى الإدراك النفسي باعتبار اختلاف الأمكنة اختلافا في ~~الطابع أو الكيفية. ~~(2) فخنر (1801-1887) # أستاذ بجامعة ليبزج، عرف أولا بمذهب ميتافيزيقي لم يكن ليذكر لولا غرابته ~~في العصر الحديث وتأثيره مع ms369 ذلك في بعض المفكرين الأميركيين ومنهم وليم جيمس؛ ~~فإنه يذهب في كتابه «زند أفستا أو أمور السماء وما بعد الموت» إلى أن ~~الميتافيزيقا علم حق يقوم على حاجة فينا للإيمان بمبدأ عدل وخير، وأن الدليل ~~الأقوى على وجود هذا المبدأ هو كوننا نبحث عنه ولا يسعنا إلا أن نبحث عنه، ثم ~~إن معيار الإيمان فائدته العلمية، ولهذا الإيمان فائدة كبرى، ومنهج ~~الميتافيزيقا تصور العالم على مثال وجداننا، فكما أن موضوع العلم الطبيعة ~~المنظورة المعلومة بالملاحظة والاستقراء، فكذلك موضوع الميتافيزيقا باطن ~~الطبيعة يدرك بالحدس الباطن، هذا الحدس يظهرنا على أن الوجدان تقدم أفعال من ~~الماضي إلى الحاضر فإن المستقبل، وأنه كثرة أفعال في وحدة غير متجزئة، فالعالم ~~من ثمة وحدة حاصلة على نفس الخصائص، إلا أنه غير محدود، العالم وجدان واحد هو ~~وجدان الله، وكل وجدان، مع تميزه من غيره في الظاهر، فهو مظهر من الوجدان ~~الكلي، والكواكب ملائكة السماء، والأرض متنفسة لأنها كل منظم بفصولها المطردة، ~~وأجزاؤها نفوس الموجودات الأرضية من نبات وحيوان وإنسان، وهذه النفوس بالإضافة ~~إليها كأفكارنا بالإضافة إلى أنفسنا. # لكن شهرة فخنر قائمة على أنه مؤسس علم النفس الفيزيقي، ولو أنه يضيف هذا ~~الشرف إلى أرنست هنريخ ڤيبر (1795-1878) أستاذ التشريح بجامعة ليبزج الذي كان ~~بدأ تجاربه في قياس الإحساسات سنة 1830 وبعد ست عشرة سنة أعلن القانون المعروف ~~باسمه وهو: «إن الزيادة في قوة المؤثر الضرورية لإحداث أقل زيادة مدركة في ~~الإحساس، هي كسر مطرد من هذه القوة»، وهذا القانون صحيح على وجه التقريب في ~~الإحساسات المتوسطة القوة، ولكنه لا يعني أن القياس واقع على الإحساسات بما هي ~~ظواهر وجدانية، فشرع فخنر يجري التجارب، وكان كتابه «مبادئ علم النفس الفيزيقي» ~~(1860) أول كتاب منظم في علم النفس مبني على الرياضيات. # وهو يعرف علم النفس الفيزيقي بأنه «مذهب مضبوط في العلاقات بين النفس ~~والجسم، وبصفة عامة بين العالم الفيزيقي والعالم النفسي»، فنحن بإزاء علم ~~تجريبي بحت يتناول الظواهر وقوانينها دون أن يعرض لجوهر النفس ولا لجوهر الجسم ~~ولما ms370 كان الفرض مشروعا في العلم الواقعي افترض فخنر أن التقابل بين النفس ~~والجسم يرجع إلى أن ما يبدو أنه النفس من الداخل يبدو أنه الجسم من الخارج، ~~وهذا ما سمى «التوازي النفسي الفيزيقي» وقد صادفناه عند ليبنتز وسبينوزا ~~وغيرهما كنتيجة لمذهب ميتافيزيقي، في حين أنه عند فخنر فرض علمي يشرف على علم ~~مستقل يتخذ من قياس الظواهر الخارجية وما تحدثه فينا من ظواهر عصبية قياسا ~~للظواهر النفسية التي لا تقاس مباشرة. # وبعد تجارب طويلة وضع فخنر هذه النتيجة وهي: لكي يزيد الإحساس أقل فرق مدرك ~~يجب أن تكون الزيادة في المؤثر # للمجهود العضلي، و # للمس والحرارة والصوت، و # للضوء، ثم عين الحد الأدنى للمؤثر في كل حس (وهو الحد الذي ~~يدعى بالعتبة) ووضع بناء على ذلك جدولين للزيادات: أحدهما للمؤثرات والآخر ~~للإحساسات، ولما كانت زيادة المؤثرات مقيسة تبعا لنسبة مطردة كما تقدم، اعتقد ~~أنه يكفي أن نفترض أن كل زيادة مدركة في الإحساس تمثل «وحدة هي دائما» فنحصل ~~على سلسلتين متزايدتين يمكن المقارنة بينهما مقارنة رياضية، ووضع هذا القانون: ~~«حين يزداد التأثير بنسبة هندسية يزداد الإحساس بنسبة حسابية فقط» أو «أن ~~الإحساس يعادل لوغارتم التأثير»، ولكن ليس بصحيح أن «جميع الزيادات المدركة ~~للإحساسات متساوية الكم» أو أن للإحساس في ذاته مقدارا يقاس مباشرة؛ فإن ~~الإحساس في ذاته فعل حيوي وكيفية نلاحظ تغيراتها ولا نستطيع تقديرها تقديرا ~~رياضيا، أجل إن السلسلتين متضامنتان، وقانون ڤيبر صحيح، ولكن القانون الرياضي ~~الذي وضعه فخنر شيء آخر ولا يمكن قبوله، وقد أثارت أبحاث فخنر اهتماما بالغا ~~ومناقشات حادة وحركة واسعة للتجارب في ميدان علم النفس. ~~(3) ڤوندت (1832-1920) # تلميذ العالم الطبيعي والفسيولوجي هلمولتز (1821-1894) الذي عني بدراسة ~~الإحساسات من الوجهة الفسيولوجية، وهو يصدر أيضا عن هربارت وفخنر فيرى أن ~~دراسة الظواهر النفسية لا تصير علمية إلا بالاختبار المصحوب بالمقاس للحصول على ~~قوانين مضبوطة، ونشر كتابا في «مبادئ علم النفس الفسيولوجي» (1874) وعين في ~~السنة التالية أستاذا بجامعة ليبزج، وأنشأ بها أول معمل للاختبارات النفسية ~~(1879) فكان هذا حدثا ms371 هاما جذب إليه طلابا كثيرين من جميع البلدان، وقد ~~دافع عن قانون فخنر واعتقد مثله أن الظواهر الشعورية تقاس حقا بوساطة آثارها، ~~ولكنه وسع مجال الاختبار، فجاوز علم النفس الفيزيقي أو قياس الإحساسات بوساطة ~~المؤثرات الخارجية، إلى علم النفس الفسيولوجي أو قياس جميع الظواهر النفسية ~~بوساطة مقابلاتها الفسيولوجية. # وقد عرض للفلسفة وفروعها ودون فيها الكتب ناهجا المنهج الوجداني الذي يحكم ~~على الأشياء تبعا للشعور، والفلسفة عنده «محاولة تفسير الظواهر التجريبية ~~وتوحيدها»، والظاهرة التجريبية هي الظاهرة الشعورية التي هي وحدة ذات وجهتين: ~~وجهة ذاتية فاعلية هي كونها فعلا حيا خاصا بالوجدان، ووجهة موضوعية ~~انفعالية هي ما تمثله، وبدراسة الوجهة الذاتية الفاعلية نحصل على علم النفس، ~~وبدراسة الوجهة الموضوعية الانفعالية أو مختلف الوجهات الموضوعية نحصل على سائر ~~العلوم، وتفسير التجربة مهمة الفهم بمعانيه، وتوحيد التجربة مهمة العقل بوساطة ~~مبدأ السبب الكافي، وليس المقصود بالفهم والعقل ههنا ما عناه كنط؛ فإن ڤوندت ~~يرفض التصورية ويقول إن كل فكرة مشروعة هي إدراك موضوعي، لكن الفهم يركب العلوم ~~الواقعية في حدود التجربة، وذلك بقوانينه أو مبادئه ومنها المثل الأعلى في الفن ~~وفي الأخلاق، فليس ڤوندت حسيا أو واقعيا ولكنه على العكس يرى أن تنظيم ~~التجربة يفتقر إلى مبدأ أعلى منها؛ ويبحث العقل عن أقصى توحيد للظواهر فيجده ~~بفضل مبدأ السبب الكافي الذي هو قانون الوحدة المهيمن على كل بحث علمي، والذي ~~يثبت أنه لكي تكون المعرفة معقولة تمام المعقولية يجب أن ترتبط أجزاؤها فيما ~~بينها بحيث تكون كلا بريئا من التناقض. # بناء على ما تقدم يكون التفسير والتوحيد كما يلي: إذا اعتبرنا الظاهرة ~~الشعورية من الوجهة الذاتية رأيناها تمتاز بالفاعلية، ولما كان خير مظهر ~~للفاعلية هو النزوع أو الإرادة، كان السبب الكافي الموحد إرادة أصيلة عميقة، ~~دون أن نفترض لها جوهرا تقوم فيه، وإذا اعتبرنا الظاهرة الشعورية من الوجهة ~~الموضوعية رأيناها تمتاز بالانفعال والتنوع، فيكون الموضوع الخارجي متكثرا، ~~ويكون السبب الكافي للموضوعات جملة وحدات مرتبطة فيما بينها، ويبدو ارتباط آحاد ~~الإنسان في مجتمعات متفاوتة هي: ms372 الأسرة والقبيلة والنقابة والأمة والإنسانية، ~~على أن الإنسانية الموحدة لم تتحقق بعد، ويجب على الأفراد أن يتخذوا منها غاية ~~وقاعدة لأفعالهم الأخلاقية، بيد أن هذه الإنسانية نفسها محدودة حتما في المكان ~~والزمان، فلا يمكن أن تكون السبب الكافي لإرادتنا التي هي نزوع غير محدود، فيجب ~~أن نجاوزها إلى فكرة إله كامل غير متناه هي لازمة عن مبدأ السبب الكافي لزوما ~~ضروريا. # وقد كانت لڤوندت مساهمة كبيرة في علم نفسية الشعوب أو تكوين الحياة النفسية، ~~فنشر فيه كتابا ذا مجلدين سنة 1904 زاده إلى عشرة مجلدات للطبعة الثالثة التي ~~صدرت بين سنتي 1911 و1920، وهو يبحث في المظاهر الكبرى لنفسية الجماعة من لغة ~~وفن وأسطورة ودين واجتماع وقانون وحضارة، ويستخلص ڤوندت من هذا العلم أصول ~~الأخلاق، فيصل إلى هذه النتيجة: إن الضمير - سواء في الشعوب وفي الفرد وفي جميع ~~أوقات نموه - يعتبر أن الفعل الخلقي هو المفيد للفاعل أو للآخرين كي يستطيع هو ~~ويستطيعوا هم أن يحيوا وفقا لطبيعتهم ويزاولوا قواهم ووظائفهم، غير أنهم ~~يتدرجون في فهم طبيعتهم وأخلاقهم؛ فقد كانت السيادة في الإنسانية الأولى تكاد ~~تكون للقوة البدنية وحسب، فكانت أخلاق الفتح هي المرعية، ثم تقدمت الحضارة ~~وتنظمت الجماعة وأصبح الخير قائما في أن يعمل الفرد لفائدة الكل، فإن الغاية ~~القصوى للاجتماع الإنساني نمو القوى الروحية، وإن الفعل يعتبر صالحا متى كان ~~معاونا على هذا النمو، ويعتبر طالحا متى كان عائقا له. # الفصل التاسع # مادية ~~(1) لفيف من الماديين # هم نفر من الأطباء وعلماء الطبيعة أيدوا المادية التطورية، وأنكروا ~~الميتافيزيقا، وحملوا على الدين حملات شعواء، فانبرى لهم خصوم فأقاموا جميعا ~~ضجة هائلة، نذكر منهم: # مولسكوت (1822-1893) فسيولوجي هولندي علم بهيدلبرج وروما، قال: لا «فكر ~~بغير فسفور». # كارل ڤوجت (1817-1898) عالم حيوان، قال: «الفكر بالإضافة إلى الدماغ ~~كالصفراء بالإضافة إلى الكبد». # بوخنر (1824- 1899) طبيب دون كتابا دعاه «القوة المادية»، حسبه الدكتور ~~شبلي شميل الكلمة الأخيرة للفلسفة ونقله إلى العربية، وقضيته الكبرى أن المادة ~~مستودع جميع القوى الطبيعية وجميع القوى التي تدعى روحية. # أرنست ms373 هكل (1834-1919) أستاذ علم الحيوان بجامعة يينا (1865)، أيد مذهب ~~التطور وأرجع الإنسان إلى الحيوان قبل دروين، وكتابه المشهور «ألغاز الكون» ~~(1899) يعرض المادية الآلية، فيقول إن الموجود الضروري الوحيد هو المادة، وإن ~~الحياة ترجع إلى أصل واحد هو «المونيرا» التي تركبت اتفاقا من الأزوت ~~والهدروجين والأكجسين والكربون، ثم تطورت على التوالي حتى تكونت جميع الكائنات ~~الحية، ويعد هكل اثنتين وعشرين حلقة بين المونيرا والإنسان، ويصفها مستعينا ~~ببقايا الأحياء في طبقات الأرض، ولكي يؤيد التدرج في التطور يعدل في بنية بعضها ~~ويسد الفراغ بتخيل كائنات حية لم توجد، ولو أن واحدا من المؤمنين أراد أن يؤيد ~~الدين بتزوير من هذا القبيل لما فرغ الملحدون من التهكم والسخط. # لنجي: هجلي مادي، له كتاب في «تاريخ المادية» (1866) يعتبر مرجعا في تاريخ ~~الفلسفة، وهو معروف بنظرية في الانفعالات قريبة من نظرية وليم جيمس ومذكورة في ~~كتب علم النفس. ~~(2) كارل ماركس (1818-1883) # هو نبي الشيوعية العصرية النافخ في نارها حتى أشعلها ثورة عالمية، ولد من ~~أبوين يهوديين كانا قد اعتنقا البروتستانتية من قبل أربع سنين، ولما درس ~~الفلسفة أعجب بجدل هجل، ولكنه أنكر إسرافه في التصورية فاعتنق المادية، علم ~~الفلسفة بجامعة بون، ثم زج بنفسه في العمل الاجتماعي والسياسي (1841) فكان ~~صحفيا وداعية للثورة، حرر في بروكسل مع صديقه فردريك إنجلز «بيان الشيوعيين» ~~وحاول أن ينظم الحزب الاشتراكي في ألمانيا ولكنه اضطر أن يلجأ إلى لندن (1848) ~~حيث دون كتبه الكبرى، وهي: «نقد الاقتصاد السياسي» (1859) و«نداء إلى الطبقات ~~العاملة في أوربا» (1864) وكتابه الأشهر «رأس المال» (1867) وفي الوقت نفسه كان ~~يواصل دعوته الثورية متخذا هذه الكلمة شعارا «أيها المعوزون في جميع البلدان ~~اتحدوا!» فأسس في 1866 «الدولة الاشتراكية» الأولى التي ظلت قائمة إلى 1870، ~~ولكن الحرب بين ألمانيا وفرنسا، وحبوط الفتنة الشيوعية بباريس، أضعفا نفوذها ~~إلى حد كبير، ثم قضت عليها الخلافات بين أعضائها، فأسس الفوضوي الروسي باكونين ~~هيئة منافسة (1874) وأسس لاسال بألمانيا حزبا لاماركسيا، ومضت الحركة ~~الاشتراكية في طريقها، ولكنها كانت تعتمد أكثر فأكثر على النقابات والجمعيات ~~المهنية، وفي ms374 المؤتمر الدولي المنعقد بباريس سنة 1889 أنشأ تلاميذ ماركس ~~«الدولية الثانية» (ومنهم الألمانيان بيل وليبنخت) وجعلوا مقرها لندن، واستمرت ~~إلى أيامنا بينما يدير السوڤييت في موسكو منذ 1917 «الدولية الثالثة ~~الشيوعية». # تعتبر الماركسية أكمل تعبير عن المذهب الاشتراكي، ولها الآن النفوذ الأكبر ~~في الحركات العمالية، وقد أراد ماركس أن يكون كتابه «رأس المال» عرضا لعلم ~~الاقتصاد، وكانت هذه الخاصية سببا قويا في رواج الكتاب والعصر عصر اعتداد ~~بالعلم ومناهجه المضبوطة، ولكن في الكتاب مذهبا فلسفيا يتألف من المادية ~~التاريخية والجدلية على طريقة هجل، ومن الشيوعية الإلحادية التي هي ~~نتيجتها. # المادية التاريخية الجدلية مبدؤها أن المادة هي كل الموجود وأن مظاهر الوجود ~~على اختلافها نتيجة تطور متصل للقوى المادية، غير أن ماركس قليل العناية بدراسة ~~المراتب العليا، وهو يوجه همه إلى دراسة التاريخ الإنساني، ومن هنا جاء وصف ~~مذهبه بالمادية التاريخية، فعنده أن نمو الحياة الإنسانية، فردية واجتماعية، ~~يتوقف كله على الظروف المادية والاقتصادية، وأن درجة الحضارة تقاس بدرجة ~~الثروة الزراعية والصناعية وأن نوع الإنتاج في الحياة المادية شرط تطور الحياة ~~الاجتماعية والسياسية والعقلية على العموم؛ فليس وجدان الناس هو الذي يعين ~~وجودهم، وإنما هو وجودهم الاجتماعي الذي يعين وجدانهم، والحياة الاقتصادية تحقق ~~قانون الصيرورة بأوقاته الثلاثة التي هي القضية ونقيضها والمركب منهما، وهذه ~~المادية الجدلية، ومظهرها الاجتماعي الراهن «تنازع الطبقات» ويعرض ماركس الدليل ~~على هذه النظرية بدراسة الحياة الاقتصادية على ما كانت في أيامه. # ويمكن تلخيص كتابه «رأس المال» في أربع قضايا: القضية الأولى أن القيمة ~~الحقة لكل سلعة تعادل كمية العمل المتحقق فيها، بحيث يعتبر العامل المصدر ~~الوحيد لهذه القيمة ومن ثمة المالك الوحيد للسلعة، وتقدر هذه القيمة بالزمن ~~المخصص للإنتاج، مع مراعاة المتوسط تفاديا للاختلاف بين عامل وآخر، أي مع ~~افتراض عامل متوسط المهارة وظروف عادية، القضية الثانية أن النظام الرأسمالي ~~يحرم العامل جزءا من قيمة عمله، وهذا الجزء هو الزيادة في قيمة السلعة وهو ربح ~~صاحب المال، وهذا الربح يتكدس فيكون رأس المال، فرأس المال «سرقة متصلة ms375 وافتئات ~~على العمل»، وهو أداة سيطرة صاحب العمل على العامل؛ فإن الأول لا يدفع إلى ~~الثاني قيمة عمله وإنما يدفع إليه ما يسد رمقه بل أقل من ذلك إذا رضي العامل ~~تبعا لقانون العرض والطلب، القضية الثالثة أن من شأن الصناعة الآلية متى ~~استخدمها الطمع المطلق من كل قيد أن تزيد التعارض عنفا بين رأس المال والعمل، ~~فإن كبار الماليين يتغلبون على الضعاف من منافسيهم ويؤلفون شركات قوية تستغل ~~المال إلى أبعد حد وينتهي الماليون المتواضعون وأهل الطبقة الوسطى إلى الانضمام ~~إلى صفوف المعوزين، فتقف الطبقتان وجها لوجه، ولكن المعوزين يحسون تضامنهم في ~~جميع البلدان، فيدركون شيئا فشيئا مصلحتهم وحقهم وقوتهم، وكارل ماركس يسهب في ~~وصف مراحل هذا التطور، القضية الرابعة أن الطبقة العاملة، وهي الحاصلة على الحق ~~والعدد والقوة، ستفوز حتما على الماليين فتنتزع الملكيات بتعويض أصحابها وتجعل ~~من الثروات والمرافق ملكية مشاعة بين الجميع، فيتناول كل قيمة عمله كاملة ~~ويجد فيها ما يكفي لإرضاء جميع حاجاته ويزيد، ولا يعالج ماركس طريقة تنظيم ~~الشيوعية، ويقتصر على القول في الختام بأن التقدم الصناعي يجعل من المستحيل ~~العود إلى الملكية الصغيرة، وأن من شأن هذه الاستحالة أن يتحقق المجتمع الشيوعي ~~حتما في مستقبل قريب أو بعيد على أنقاض المجتمع الرأسمالي، ومهمة الحزب ~~الشيوعي تكوين «عقلية الطبقة» عند العمال وتأليفهم حزبا سياسيا كفيلا ~~بانتزاع السلطة وإقامة الدكتاتورية العمالية. # هذا هو الجدل التاريخي القائم في الصراع بين الطبقات والمنتهي حتما إلى ~~المجتمع البريء من الطبقات الكامل الاشتراكية! ولكنه باطل من جميع الوجوه، إنه ~~باطل في أساسه المادي وفي محاولته استخراج الموجودات على اختلاف أنواعها من ~~المادة البحتة. وإذا كان للظروف المادية والاقتصادية أثرها في حياة الإنسان، ~~فإن هذا الأثر لا يعدو تكييف هذه الحياة وتوجيه بعض أفعال الإنسان، وتبقى القوى ~~الإنسانية ويبقى الوجدان، وهذا الجدل باطل في اعتماده على الإلحاد. قال كارل ~~ماركس إن الدين أفيون الشعب يجب منعه عنه لكي ينفض التسليم والخنوع وينهض ~~للمطالبة بحقه، ولكنه لم يفطن إلى ما ينتج ms376 عن الإلحاد من الهبوط بالإنسان إلى ~~درك البهيمة بل إلى أدنى؛ إذ أن الإنسان حينذاك يجري مع غرائزه مطلقا من القيد ~~الطبيعي الذي نشاهده في البهيمة والذي يقفها عند حد الاعتدال فلا يعرف رادعا ~~سوى الخوف من بطش الأفراد والجماعة، وإذا كان الشيوعيون يشبعون الجسم كما ~~يعتقدون، ويأملون أن يستغني الإنسان الشبعان عن الدين فإنهم واهمون؛ إن الحاجة ~~إلى الدين أصيلة في النفس لا يمكن اجتثائها، و«ليس يحيا الإنسان بالخبز وحده بل ~~بكل كلمة تخرج من فم الله»، ومن عجب أن تبنى الشيوعية على فكرة العدالة وليست ~~العدالة معروفة من الطبيعة الصماء، وليس الناس متساوين قوة ونشاطا وذكاء، ~~والنتيجة المنطقية للمادية أن يعتبر الإنسان كائنا اقتصاديا فحسب، قانونه ~~الطمع والمنفعة وتنازع البقاء بالأسلحة الطبيعية، لا عدالة إلا في مذهب يعترف ~~بماهية إنسانية مشتركة بين أفراد النوع، وبحياة إنسانية أرفع من الحياة ~~المادية، وهذان ركنان لا يعترف بهما المذهب المادي. # وهذا الجدل التاريخي باطل في تعريفه لقيمة السلعة، وفي إنكاره لحق الملكية، ~~وفي ما يترتب على التنظيم الشيوعي من استبداد شنيع، ليس بصحيح أن قيمة السلعة ~~تقاس بكمية العمل المتحقق فيها، فإن القيمة تابعة أيضا لمقدار الحاجة إلى ~~السلعة، أو لما يتجلى فيها من ذوق ودقة وصنع، وقد يبذل عمل كثير في مصنوعات غير ~~قابلة للاستهلاك، كالمصنوعات الفنية، فهل نقتل الذوق في النفوس ونحرم الفنون؟ ~~والأصل في رأس المال أنه عمل مدخر، فالملكية حق طبيعي متى استمدت أصلها من ~~العمل نفسه، وإنصاف العامل ممكن دون ظلم غيره وقلب المجتمع رأسا على عقب، وإذا ~~كان للملكية مساوئ فباستطاعة الحكومة ومن واجبها أن تصحح هذه المساوئ بتشريع ~~معقول يستبقي الملكية ومزاياها، ثم إن الشيوعيين يقدمون لنا دواء هو شر من ~~الداء ؛ فإن تحقيق مذهبهم يستلزم إخضاع الفرد للدولة في جميع الشئون وخنق كل ~~حرية فكرية، ونحن لا نصدق أن باستطاعة حكومة أيا كانت أن تعنى بجميع الأفراد ~~وتدير جميع المرافق، ولكنها فتنة العقول العامة الضعيفة وغرائزهم الجامحة، نوقن ~~أنها لن تلبث أن تخمد ms377 إلى توازن بين الطبقات. # الفصل العاشر # أخلاق ~~(1) إدوارد فون هارتمان (1842-1906) # كتب كثيرة في الأخلاق وفلسفة الدين وغير ذلك من المسائل الفلسفية والاجتماعية ~~وتاريخ الميتافيزيقا، ولكنه معروف خاصة بكتاب نشره في السابعة والعشرين بعنوان ~~«فلسفة اللا شعوري» (1869) يجمع فيها بين «إدارة» شوبنهور و«مثال» هجل في ~~«مطلق» متجانس لا شعوري، إن في الكائنات الحية وظائف وغرائز تفترض عقلا أوسع ~~من عقلنا وأمضى عزما، وهو مع ذلك لا شعوري، فالحياة تكشف لنا عن لا شعور عاقل ~~مريد يرشده المثال الهجلي، وقد يوجد شعور في الذرات أيضا إذ لا تلازم بين ~~الشعوري والنفس، على ما يشهد به الإلهام الفني وتطبيق المقولات كما بين كنط، ~~وكلاهما لا شعوري؛ فالموجودات مظاهر لا شعور مطلق أو مطلق لا شعوري أراد أن ~~يتحقق فأوجد العالم، وجاء العالم خير العوالم الممكنة يتألف من مراتب يتزايد ~~فيها الشعور من أسفل إلى أعلى، ولكن الشر فيه يربى على الخير إلى حد بالغ حتى ~~ليستحب العدم دونه، فالمثل الأعلى والغاية القصوى لتطور المطلق - طبقا لمذهب ~~التشاؤم - يجب أن يكون عدم العالم وعدم اللا شعوري نفسه، وإنما يتحقق العدم ~~بنمو الشعور في المطلق، أي في مظاهره على اختلافها وبخاصة في الإنسان، فيزداد ~~الإحساس بالشقاء الكلي فتؤثر الموجودات عدم الوجود، وهكذا يتحطم العالم الذي ~~يعتبره شوبنهور باقيا أبدا فيؤيد الشر، على أن هارتمان يستدرك قائلا أن ليس ~~هناك ما يضمن أن يبقى العالم محطما إذ من الممكن أن تعود الإرادة الكامنة ~~فتستيقظ! ~~(2) فريدريخ نيتشي (1844-1900) # أديب مطبوع حشر في زمرة الفلاسفة لأنه فكر وكتب في الإنسان ومصيره والأخلاق ~~وقيمتها، وفكر تفكير الأديب وكتب كتابة الأديب أو النبي الملهم، ثم لا نستطيع ~~أن نقول إنه مبتكر مذهبه فقد أخذ أركانه عن شوبنهور وڤاجنر، فلا يبقى له إلا ~~الأسلوب الذي عبر به عن هذا المذهب، كان ابن قسيس وحفيد قسيس وأراد أن يصير ~~قسيسا فكان في حداثته مستمسكا بالدين، ثم خرج على الدين والأخلاق بمنتهى ~~الشدة وصار علما من أعلام الفكر، توفر على الدراسات اليونانية ms378 واللاتينية في ~~المدرسة أولا ثم في جامعتي بون وليبزج (1864-1869)، وقبل الفراغ من الدراسة ~~نشر مقالات في إحدى المجلات لفتت إليه الأنظار بجامعة بال، فعرضت عليه التدريس ~~فيها، فحصل على إجازاته العلمية وقصد إليها، ولكي يعين فيها اضطر للنزول عن ~~جنسيته والتجنس بالجنسية السويسرية، فلما نشبت الحرب بين ألمانيا وفرنسا (1870) ~~كان بمعزل عنها، وكان عاطفا على فرنسا أم الثقافة مشفقا عليها وعلى الثقافة ~~من البربرية البروسية، ولكنه خجل من قعوده فطلب إلى السلطة السويسرية الترخيص ~~له بالخدمة في عداد الممرضين فأجيب إلى طلبه، ولم يكن بوسعه أن يفعل أكثر من ~~ذلك لأن سويسرا كانت محايدة، وبدلته الحرب رجلا آخر وجعلت منه ألمانيا ~~فخورا بألمانيا، يمجد الحرب لأنها تبعث القوة في الإنسان وتوجهه إلى الجمال ~~والواجب، ولكنه أصيب بالدوسنطاريا والدفتريا؛ وصادف المرض في بدنه استعدادا ~~وراثيا فأوهنه سنين عديدة حتى اضطره إلى الانقطاع عن التدريس فاعتزل منصبه في ~~1879 وبعد عشر سنين انتهى به المرض إلى الشلل الكلي، فظل على هذه الحال عشر ~~سنين حتى وافته منيته، وقد قالت أخته إن السبب الرئيسي في مرضه الأخير إدمان ~~الكلورال استجلابا للنوم. # وهو في ليبزج وقع له كتاب شوبنهور «العالم كإرادة وتصور» فأعجب به واعتنق ~~المذهب ودعا صاحبه «أباه»، ومنذ ذلك الحين أقبل على الفلسفة إذ وجد أنها تنظر ~~في الإنسان والعالم مباشرة بينما الأدب يظهرنا على العالم والإنسان خلال الكتب، ~~وما إن دب فيه المرض حتى ثار عليه وعلى تشاؤم شوبنهور واعتنق مبدأ «الحياة» ~~فكان المرض شاحذا لإرادته موحيا إليه بالشجاعة دافعا به إلى توكيد حياته ~~بالرغم مما كان ينتابه طول حياته من آلام في الرأس والعينين والمعدة، وقد قال ~~في ذلك: «لم يستطع أي ألم ولا ينبغي أن يستطيع أن يحملني على أن أشهد زورا في ~~حق الحياة كما تبدو لي!» وكان يتقبل الألم كامتحان ورياضة روحية، وينكر على ~~المريض أن يكون متشائما، وقد قال: «إن حياتي عبء ثقيل، ولقد كنت تخلصت منها ~~منذ زمن طويل لو لم أر أني وأنا ms379 في حالة الألم والحرمان هذه كنت أقوم بأكثر ~~الملاحظات والتجارب فائدة في الميدان الروحي والخلقي، إن الشره إلى العلم يرتفع ~~بي إلى أعمال أنتصر فيها على كل ألم وكل يأس» وهذه ناحية تثير العطف عليه وتقوم ~~عذرا له، ومنذ ذلك الحين انحصر تفكيره في نقطتين: إحداهما نقد القيم الأخلاقية ~~والدينية، والأخرى قلب هذه القيم أو عكسها بوضع «إرادة القوة» في المحل ~~الأول. # ومن بال قصد إلى رتشارد ڤاجنر، فإذا بهما متفقان على الإعجاب بشوبنهور، ~~وتوثقت الصلة بينهما، ثم فصمها نيتشي وقد حاول أن يثني صديقه العظيم عن تشاؤمه ~~فلم يفلح، وهو مدين له بفكرة من أهم أفكاره، وقد وجدها في كتيب مخطوط بعنوان ~~«الدولة والدين» يقول فيه ڤاجنر إنه كان اشتراكيا، لا بمعنى أنه كان يريد ~~المساواة بين جميع الناس، بل كان يريد أن يراهم محورين من الأعمال الدنيئة ~~يرتفعون إلى فهم الفن، ولكنه أدرك أنه أخطأ وأن العامة لا ترتفع إلى المستوى ~~الذي كان ينشده، وأن المسألة التي يتعين حلها هي هذه: كيف نقود العامة إلى أن ~~يخدموا ثقافة مقضيا عليهم أن يجهلوها، وإلى أن يخدموها بإخلاص ونشاط حتى ~~التضحية بالحياة؟ إن جميع الموجودات تخدم غايات الطبيعة، فكيف تحصل منهم ~~الطبيعة على الاستمساك بالحياة وخدمة غاياتها؟ إنها تحصل منهم على هذا الغرض ~~بخداعهم؛ وذلك أنها تضع فيهم الأمل في سعادة دائمة ترجأ دائما، وتضع فيهم ~~غرائز تضطر أدنى البهائم إلى أعمال شاقة وتضحيات طويلة، كذلك يجب تعهد المجتمع ~~بخدع تستبقي كيانه، أهم هذه الخدع الوطنية، فإنها تكفل بقاء الدولة والملك، ~~ولكنها لا تكفي لضمان ثقافة عالية، إنها تفسر الإنسانية وتعمل على نمو القسوة ~~والبغض وضيق العقل، فثمة خدعة أخرى تصبح ضرورية هي الخدعة الدينية؛ فإن العقائد ~~ترمز إلى الوحدة الوثيقة والمحبة العامة، ويجب على الملك أن يؤيدها في شعبه، ~~فإذا تشبع الساذج بهاتين الخدعتين استطاع أن يحيا حياة سعيدة شريفة، بيد أن ~~حياة الأمير ومشيريه أعظم شأنا وأكثر خطرا، إنهم ينشرون الخدع، فهم إذن ~~يعلمون قيمتها، ويعلمون أن الحياة ms380 في الحقيقة تراجيدية، وأن الرجل العظيم يجد ~~نفسه كل يوم تقريبا في الحالة التي ييأس فيها الرجل العادي من الحياة ويلجأ ~~إلى الانتحار، فالأمير والصفوة المحيطة به يرغبون لأنفسهم خدعة مريحة يمالئونها ~~على أنفسهم، هذه الخدعة هي الفن، والفن ينقذهم بأن يلطف من آلامهم ويزيد في ~~شجاعتهم، هذه خلاصة رسالة ڤاجنر، وقد رأى نيتشي أن روح شوبنهور ظاهر فيها، وسوف ~~ينسج على منوالها أو يؤيدها بشواهد من تاريخ الثقافة اليونانية. # فعل ذلك في أول كتاب هام له، وهو «نشأة التراجيديا»، ظهر هذا الكتاب في آخر ~~يوم من سنة 1871، ولما أعيد طبعه بعد خمس عشرة سنة أضاف نيتشي إلى العنوان ~~السابق عنوانا ثانيا هو «اليونانية والتشاؤم» لزيادة إيضاح موضوعه، وهو يذهب ~~فيه إلى أن قدماء اليونان مروا بعهدين متعارضين: كان العهد الأول في القرنين ~~السابع والسادس، فكان اليونان مليئين حياة أصيلة وقوة ساذجة، يداخلهم شعور ~~تراجيدي وتشاؤم، وتداخلهم شجاعة تدفعهم إلى قبول الحياة ومخاطرها؛ إذ كانوا ~~يعتقدون - كما يعتقد الأوربيون الآن - بالقوى الطبيعية، وبأن واجب الإنسان أن ~~يخلق لنفسه فضائله وآلهته، فازدهرت التراجيديا تدور كلها على توكيد الإنسان ~~لقوته في مغالبة القدر وتنطق بالحكمة القوية والشعر الغنائي، ولكن التراجيديا ~~سقطت فجأة بعد سوفوكليس كأن كارثة قضت عليها، بخلاف سائر الفنون التي جاء ~~انحطاطها بطيئا تدريجيا؛ ذلك بأن سقراط بدأ العهد الثاني، سقراط ابن الشعب ~~ابن أثينا، ذلك الرجل الفقير الدميم الساخر، الذي هدم بتهكمه المعتقدات الساذجة ~~التي كانت قوة الأجداد، وحمل التراجيديا، فاضطرب أوريبيدس، وعدل أفلاطون عن ~~شعره التمثيلي وفرض على الناس - جريا مع أستاذه - خدعة كانت مجهولة لدى ~~القدماء هي فكرة طبيعية معقولة يدركها العقل الإنساني ويدرك أنها مصدر النظام، ~~فالتخريج السقراطي والدعة الأفلاطونية يحملان طابع الانحطاط، وما نتحدث عنه من ~~فرح اليونان وصفائهم إنما كان ثمرة عصور الاستعباد، هذا بينما كان القدامى ~~مشغوفين بالمجد والفن، وكانوا يعلنون أن العمل اليدوي شيء مخجل وأنه يستحيل على ~~المغني بتحصيل رزقه أن يصير فنانا، فاصطنعوا الرق لكي ييسروا لأقلية من البشر ~~«الأولمبيين» ms381 أن يتوفروا على الفن، فالرق ضروري للفن والثقافة، وأصل الرق القوة ~~الحربية التي هي الحق الأول، وما من حق إلا وهو في جوهره اغتصاب وامتلاك، ~~فالحرب ضرورية للدولة كضرورة الرق للمجتمع، هذه الأفكار ستظل أركان مذهبه، ~~وسيعرب عنها في صور مختلفة، فقد كان كثير الكتابة، وأهم كتبه من الناحية ~~المذهبية: «هكذا قال زاردشت» (1883-1891) و«ما وراء الخير والشر» (1886) و«أصل ~~الأخلاق» (1887)، وكان يجد مشقة كبيرة في طبعها إذ كان قراؤه قليلين وكان ~~أصدقاؤه أنفسهم قليلي التقدير لكتاباته وكانت الجرائد والمجلات لا تذكرها، فكان ~~الناشرون يقبلون بعضها بعد إلحاح، ويرفضون بعضها الآخر فيضطر هو إلى تدبير ~~نفقات الطبع. # يتألف مذهبه من قسمين: أحدهما سلبي والآخر إيجابي، القسم السلبي نقد عنيف ~~للقيم الأخلاقية ولثقافة القرن التاسع شعر أو حضارته وهو يلخص في كلمة «العدمية ~~الأوربية»، يقول إن كل ثقافة هي تفترض «جدول قيم» أي عددا من الخيرات تعتبر ~~أعظم الخيرات ويتجه إليها المجتمع اتجاهه إلى مثل عليا، وهذا الجدول يجيء ~~دائما صورة لخلق الناس الذين يصطفونه بل صورة لمزاجهم البدني ومن هنا نشأت ~~ثقافتان كبيرتان: إحداهما ثقافة المنحطين المستضعفين، والأخرى ثقافة الأقوياء ~~السادة، وجميع القيم التي اصطنعتها حضارتنا ترجع إلى ثقافة المنحطين وتعود ~~بأصلها إلى الشعب اليهودي الذي هو شعب عبيد، وتتلخص في فوز المسيحية وانتشار ~~عقائدها؛ فإن المسيحية تؤيد حياة آجلة تنسي البشر الحياة العاجلة التي هي ~~الحياة الحقة، وتؤكد وجود إله خالق يحاسب النفس الخالدة، وهذا قول يعارضه العلم ~~ولكنه ضروري لعقيدة الحياة الأخرى، وتؤكد بنوع خاص عقيدة الخطيئة الصادرة عن ~~إرادة حرة، والحرية وهم، وتأمر بالتكفير عن الخطيئة بالصبر والتسليم والطاعة ~~والاتضاع، وكل أولئك مظاهر ضعف وانحطاط يبديها القساوسة فضائل ليحتفظوا ~~بسيادتهم على جمهور المساكين، حتى العلماء المحدثون الذين يرفضون المسيحية ~~يحترمون هذه القيم ، خذ سبنسر مثلا تجده ينكر العناية الإلهية ثم يؤمن بالتقدم ~~المحتوم وبالتوافق الضروري بين أفعال الطبيعة والنزعات الإنسانية، فيستبقي ~~الانسجامات المسيحية في عالم خلو من الله، وخذ فلاسفة وعلماء كثيرين تجدهم ~~يقنعون بأن يضعوا «العلم» موضع ms382 الله ثم يمجدون الحرية والديمقراطية ويسوغون طلب ~~الثراء والرخاء، وكل أولئك علامات انحطاط كانحطاط الإيمان الديني سواء بسواء، ~~فيجب تحطيم جدول القيم هذا إذ أنه لا يلائم سوى المساكين. # والقسم الإيجابي يبين ثقافة السادة، أي مجموعة من المعتقدات والأخلاق يسمو ~~بها الإنسان القوي، والمبدأ المهيمن على هذه المعتقدات والأخلاق هو توكيد القوة ~~والقوة موجودة وليست بحاجة إلى التسويغ، قال شوبنهور إن كل موجود يتوق إلى ~~البقاء، وإن الحياة إرادة حياة، ولكن هذا قليل: يجب أن تقول إن الحياة تتوق ~~دائما إلى الازدهار والانتشار ولو بالطغيان على الغير وبسط سلطانها عليه، ~~وأنها من ثمة مبدأ حماسة وفتح، فإرادة القوة هي الاسم الحقيقي لإرادة الحياة، ~~وكل إرادة قوة فهي تذهب إلى حدها الأقصى لأن الحياة لا تزدهر إلا بإخضاع ما ~~حولها، ومتى وضعنا هذا المبدأ انقلبت القيم المتعارفة رأسا على عقب، و«قلب ~~القيم» يلزم ضرورة؛ ذلك بأن إرادة القوة فردية، فهي تحب ذاتها وتقسو على الغير، ~~بل تقسو على نفسها إذ ترى في المخاطرة والألم ضرورة لها، يقول زاردشت: «يجب أن ~~تحب السلم كوسيلة لحرب جديدة، وتحب السلم القصير أكثر من الطويل ... لقد صنعت ~~الحرب والشجاعة من عظائم الأمور أكثر مما صنعته محبة القريب»، والبطل الذي ~~يقهر نفسه ويقهر الغير لا يطلب سعادة شخصية، وإنما هو يخدم غاية تعلو عليه هي ~~إيجاد «الإنسان الأعلى» أي صنف من الناس قوي، بينما الشفقة التي تقول بها ~~المسيحية ويقول بها شوبنهور تستبقي الإنسانية في حال الضعف والمهانة بل تزيدها ~~ضعفا ومهانة، فكما أن التطور الحيوي تقدم حتى وصل إلى الإنسان الراهن، فكذلك ~~يجب أن يذهب إلى أبعد منه، إن الإنسان الراهن حبل مشدود بين الحيوان الأعجم ~~والإنسان الأعلى، حبل مشدود فوق الهاوية، فمذهب التطور يحتم قبول الحياة ويخلع ~~عليها معنى ويعين لها غاية، هذه الغاية هي الحالة التي يبلغ إليها الإنسان حين ~~ينبذ الجدول الراهن للقيم والمثل الأعلى المسيحي والديمقراطي المرعي في أوربا ~~لعصرنا الحاضر، ويعود إلى جدول القيم الذي كان مرعيا عند الأمم الشريفة ms383 التي ~~خلقت قيمها ولم تتلق قيما من خارج، والإنسان الأعلى المنتظر سيفيد من ~~مكتشفات العلم للسيادة على الطبيعة نفسها، غير أنه يجب أن يتوقع آلاما شديدة ~~في صراعه المستمر ضد الضعفاء الذين يستخدمهم، فقد يستطيعون أحيانا بفضل عددهم ~~أو دهائهم أن يقهروه، وعلى ذلك يكون شعاره «الحياة الخطرة»، ولما كانت غايته ~~الفوز فإنه يأبى كل شفقة على المساكين، ولما كان يلخص الإنسانية في شخصه فإنه ~~يسودها وهو مطمئن الضمير، ويجد في الفوز غبطته العظمى، وأخيرا يثبت مصيره إلى ~~الأبد بقبوله أن يعود فيحيا حياة البطولة هذه إلى غير نهاية وفقا لنظرية الدور السرمدي. # 1 # فلسفته هذه صورة نفسه القلقة وثقافته الرومانتية وتجربته المؤلمة، وهو ~~يعرضها على أنها رسالة ووحي، ولا يقصد إلى إقناعنا بل إلى تعليمنا كيف نستكشف ~~أنفسنا فنجد فيها إرادة القوة، وإذا أردنا أن نلخصها قلنا إنها صيحة بالإنسان ~~أن «كن ما أنت دون ضعف وإلى النهاية»، وهذا ما دفعه إلى نقد شوبنهور نقدا ~~لاذعا وإلى فصم صلته بفاجنر حين أدرك اختلافه معهما في معنى الحياة والغاية ~~منها، والشبه كبير بين هذه النظرية وبين النظرية السوفسطائية التي يعرضها ~~أفلاطون في محاورة «غورغياس» مع هذا الفارق وهو أن «الإنسان الأعلى» يحل محل ~~«الطاغية» وأن الحيوية النفسية تحل محل الشهوة البدنية، ولو أن نيتشي أنعم ~~النظر في هذه المحاورة الخالدة لرأى بأي قوة يعرض أفلاطون هذه النظرية وبأي قوة ~~يفندها وبأي قوة يجلو مبادئ الأخلاق، # 2 # ليست القوة بذاتها غاية وليس لها بذاتها قيمة، ولكن قيمتها ترجع ~~إلى قيمة الموضوع أو الغرض الذي تخدمه، فإذا كان هذا الموضوع هو اللائق ~~بالإنسان بما هو إنسان كانت القوة المبذولة في سبيله خيرة ممدوحة، وإذا كان ~~معارضا لماهية الإنسان كانت القوة تمردا أحمق، ولو أن نيتشي دقق في تحليله ~~لأدرك جمال الحلم والوداعة، وأنهما عبارة عن المضي مع طبيعة الإنسان العاقلة ~~إلى النهاية، بل لأدرك أنهما يتطلبان من القوة أكثر مما يبذل في الغضب ~~والقسوة، فإن القسوة والغضب انقياد للغريزة الحيوانية الجامحة، على ms384 حين أن كظم ~~الغيظ أصعب من إعلانه وأن الصفح أصعب من الانتقام، وهذا هو الخلاف الدائم بين ~~الحسية والعقلية، بين مذهب لا يرى في الإنسان سوى أنه حيوان راق فيأخذ بأخلاق ~~الوثنية القائمة على اعتبار القوة والمقسمة البشر إلى قوي وضعيف، وبين مذهب ~~يلحظ روحانية الإنسان قبل حيوانيته فيرسم له أخلاق العدالة والمحبة، فلم يأت ~~نيتشي بشيء جديد من الوجهة الفلسفية، وكل الجديد عنده ذلك الضجيج الذي يقال له ~~أدب. ~~(3) حاشية في الفلسفة الإيطالية # لم نخصص للفلسفة الإيطالية مقالة أو فصلا لأنها في الحق لا تعدو أن تكون ~~صدى لفلسفات معروفة، ففي أوائل القرن ساد في إيطاليا ضرب من التخير يجمع بين ~~لوك وجساندي من جهة وبين ديكارت وكنط من جهة أخرى، ثم برزت معارضة ضعفية من ~~جانب روما تيوزي (1761-1835) الذي حاول أن يتخذ لنفسه موقفا وسطا بين الجنسية ~~والتصورية، ومن جانب جالوبي (1770-1846) الذي يتخذ من «الأنا» أساسا للموضوعية ~~ويزعم أنه يلطف تصورية كنط ويصححها. # ثم ظهرت طائفة من أتباع مالبرانش دعوا بالوجوديين # ontologistes # أشهرهم روسميني (1797-1855) يذهب إلى أن معنى ~~الوجود حاصل بالطبع في كل إنسان، وأنه يحقق على أرفع وجه خصائص المعنى المجرد ~~التي هي الكلية واللا نهاية والضرورة والدوام، وأن هذه الخصائص تمنع من ~~الاعتقاد بأن المعاني المجردة تفسر بالإحساس ليس غير، وتحمل على الصعود إلى ~~موجود حاصل بالذات على هذه الخصائص، وهو الله، فمعنى الوجود صورة الله في ~~النفس، ويذكر في هذه الطائفة أيضا جيوبرتي (1801-1852). # ثم طائفة من الهجليين تأخذ من المذهب نزعته الأحادية وتعتبره بنوع خاص مبدأ ~~تأويل التاريخ وتركيب لسياسة عملية، أشهر رجالها: سباڤنتا (1817-1883) وبنديتو ~~كروتشي (ولد سنة 1866 وكان وزيرا للمعارف في الحكومة الفاشية سنتي 1920-1921) ~~وجيوفاني جنتيلي (ولد سنة 1875 وكان وزيرا للمعارف 1922-1924). # وكذلك طائفة من الكنطيين يذكر منهم بارزلوني (1844-1917) وكانتوني ~~(1840-1906). # هذا فضلا عن «المدرسية الجديدة» التي تعرض مذهب القديس توما الأكوبني ~~وتعارض بينه وبين المذاهب الحديثة، ويمثلها بخاصة سانسفرينو (توفي 1870) ~~وليبراتوري (1810-1892). # هذه النظرية ms385 معروفة في الثقافة اليونانية، ونتيجتها استبعاد كل أمل ~~في نعيم مقيم، أرضيا كان أو سماويا، واعتبار الإنسان شبحا ضئيلا ~~في طبيعة عمياء، وكان شوبنهور يرى في العودة الدائمة وتجدد الألم إلي ~~غير نهاية سببا للتشاؤم والزهد، وكان نيتشي قد فزع من هذه الفكرة في ~~أول الأمر وحياته مفعمة بالآلام، ثم حسبها قانونا طبيعيا واعتزم ~~تأييدها بدراسات علمية، ولكنه لم يستطع تحقيق هذا العزم واكتفى بأن ~~اعتنقها على أنها الفكرة الوحيدة الخليقة بأن تقابل إرادة الحياة في ~~الإنسان الأعلى، والتي تمثل أقصى حد يقترب فيه عالم الصيرورة من عالم ~~الدوام من حيث إن الآن الذي يتحدد إلي ما لا نهاية لا يعتبر لحظة عابرة ~~بل يكتسب قيمة غير متناهية، وإذا كانت هذه النظرية تحرمنا كل أمل فقد ~~كان نيتشي يرى أنها تملؤنا شرفا وحماسة، فكان يفرضها على نفسه كما ~~يفرض الزاهد على نفسه الحرمان والموت، ولكنها في الواقع معارضة لفكرة ~~الإنسان الأعلى إذ أنها تعني تكرار الحياة كما هي، على حين أن فكرة ~~الإنسان الأعلى ترمز إلى تقدم حقيقي وإلى إمكان التحرر من الاتفاق ~~والقدر، فتجعل الحياة مستحبة والنجاة ممكنة، على أنه قد لا ينبغي أن ~~نطلب من أديب مثل نيتشي كثيرا من الدقة المنطقية. # لخصنا المحاورة في «تاريخ الفلسفة اليونانية» ص 93-95 من الطبعة ~~الثانية، القاهرة 1946. # تقديم العمل على النظر # النصف الأول من القرن العشرين # تمهيد # بدأ العصر الحديث بتمجيد العقل حتى أعلى كلمته فوق كل كلمة فجعل منه الحكم الأخير ~~فيما يوجد وما لا يوجد وفيما يصدق وما يكذب؛ ذلك كان الحال عند ديكارت ومالبرانش ~~وسبينوزا وليبنتز، ولكن الفلاسفة الحسيين لوك وباركلي وهيوم وأضرابهم، هاجموا المعاني ~~والمبادئ العقلية هجوما عنيفا، فظن كنط أنه ينقذها إذا اعتبرنا مجرد صيغ جوفاء لتنظيم ~~التجربة، وجاء مذهب التطور فرأى رجاله أنه يقتضي القول بأن الحس والعقل وظيفتان من ~~وظائف الحياة وأن المعرفة آلة للعمل وأن رأي كنط يلائمهم تمام الملاءمة، ولقد أدى هذا ~~الجمع بين نقد كنط ونظرية التطور إلى طائفة من المذاهب ms386 «الحيوية» أو العملية غلبت فكرة ~~الحياة على فكرة العلم فافترقت عن كنط وعن سبنسر جميعا، افترقت عن كنط في أن تنظيم ~~التجربة ليس الغرض منه العلم بل المنفعة، وأن المعاني والمبادئ ليست كلية ضرورية وإنما ~~هي عبارة عن حاجات الكائن الحي ومطالبه، فهو يستعمل الصيغ العقلية لحفظ وجوده ~~واستكماله، ويستطيع أن يستبدل بها غيرها دون أن يفوته النجاح العملي، كما يستبدل الصانع ~~آلة بأخرى أو جهازا بآخر ويؤدي مع ذلك نفس العمل أو يحصل على نفس النتيجة، واقترفت هذه ~~المذاهب عن سبنسر في القول بأن الكائن الحي هو الذي يكون العالم على حسب مطالبه بينما ~~سبنسر يرى أن هذه المطالب نتيجة تأثير العالم في الكائن الحي، فالعقل عندهم غائي في ~~جوهره يتجه إلى العمل لا إلى النظر، والمعاني والمبادئ فروض ومحاولات يكون بها العالم ~~لفائدته. # هذه المذاهب الحيوية لا تحفل إذن بتبرير العلم والميتافيزيقا تبريرا نظريا، ولا ~~تغار على مبادئ العلم غيرة كنط، ولكنها تستمسك مثله بالمعاني الميتافيزيقية وترمي مثله ~~إلى تحقيقها بالفعل وإقامة الإيمان بها على منفعتها العملية؛ فهي تمثل «العقل العملي» ~~محولا إلى قوة فاعلية، وأظهر ما يكون هذا الموقف في أمريكا وإنجلترا المطبوع أهلهما ~~على العمل والمغامرة الميالون بالفطرة إلى التجربة، وهذه أول مرة نذكر الفلسفة ~~الأمريكية وقد أخذ العالم الجديد يساهم في جميع فروع النشاط العقلي، وهذه الفلسفة داخلة ~~من غير شك في نطاق هذا الكتاب ورجالها أوربيو الأصل واللغة، وبعد الفراغ منها نعرض ~~للفلسفة في إنجلترا، ثم للفلسفة في فرنسا، وأخيرا للفلسفة في ألمانيا، فنرى ما انتهت ~~إليه تلك الجهود العقلية، وما انتهت إلا إلى الشك في العقل والحيرة في مصير ~~الإنسان. # الفصل الأول # الفلسفة في أمريكا ~~(1) وليم جيمس (1842-1910) # فلسفته أثر لفلسفة عصره الغالب عليها الكنطية والتطور، وصورة لمزاجه وتجربته، ~~كان والده هنري جيمس قسيسا بروتستانتيا ومن أتباع سويدنبورج الإشراقي السويدي ~~الذي تهكم عليه كنط (95ج) فتأثر هو بهذه الناحية، وتابع دراسات علمية وفلسفية في ~~معاهد وجماعات أمريكية وأوربية إلى أن حصل على الدكتوراه ms387 في الطب من جامعة هارڤارد ~~(1870) فعين بعد ذلك بقليل أستاذا للفسيولوجيا والتشريح بها، فكان أستاذا ~~ممتازا، ثم عين بها أيضا أستاذا لعلم النفس فبرز فيه أيما تبريز، ثم اتجه إلى ~~الفلسفة فألقى فيها الدروس ونشر الكتب وكان أشهر أركان «البراجماتزم» أي المذهب ~~العملي. # كان كتابه الأول «مبادئ علم النفس» (1790) فجاء كتابا كبير القدر بتحليله ~~الدقيق العميق وأسلوبه الخلاب وأكسبه شهرة واسعة وجعل منه أحد واضعي علم النفس ~~المعاصر، ثم توالت كتبه على هذا الترتيب: «موجز علم النفس» (1892)، و«إرادة ~~الاعتقاد» (1897)، و«أنحاء التجربة الدينية» (1902)، و«البراجماتزم» (1907)، و«كون ~~متكثر» (1909) يعارض فيه الأحادية أو وحدة الوجود، ونشر له بعد وفاته: «بعض مسائل ~~الفلسفة» (1911) أو «محاولات في التجريبية البحتة» (1912). # أثره في علم النفس أنه ينكر على مذهب الترابط أو التداعي تأليف الوجدان من ظواهر ~~منفصلة ويبين أن الظواهر الوجدانية تجري في تيار متصل، وأن الوجدان شيء يمتنع رده ~~إلى الظواهر الفيزيقية أو الفسيولوجية، وأن حالاته نوعان: حالات يدل عليها بأسماء ~~كقولنا تعقل وتخيل وإحساس وإرادة، وحالات متعدية كالعطف والاستدراك تؤلف التيار ~~الوجداني نفسه، وعلى ذلك يجب اعتبار الدماغ «آلة نقل» تصل بالجسم قوى وجدانية ~~مباينة للقوى الجسمية، ويجب الاعتراف بأن أعم قانون في علم النفس هو قانون المنفعة، ~~فإن أفعالنا التلقائية مرتبة بالطبع لخيرنا، وكذلك المراكز الدماغية العليا في ~~مجاوبتها على التأثيرات، ولا شك أن جيمس بهذا الموقف قلب علم النفس رأسا على عقب، ~~وشق الطريق إلى مذاهب فلسفية «حيوية» منها مذهبه هو الذي سنعرضه، على أن هذا الموقف ~~لم يمنعه من اعتبار الانفعال النفسي (كالخوف والغضب والسرور والحزن وما إليها) مجرد ~~الإحساس بالحالة الفسيولوجية الناشئة عن إدراك الموضوع، وبينما يعتقد الذوق العام ~~أننا إذ نرى الذئب نخاف فنهرب، يقول جيمس إننا إذ نرى الذئب نهرب فنخاف ويستشهد على ~~ذلك بأننا نوجد الانفعال بإيجاد الحالة الفسيولوجية، ونلطف الانفعال أو نزيله ~~بالسيطرة على الحالة الفسيولوجية، وهذا صحيح ولكنه لا يؤيد النظرية، فإن إرادة ~~الإيجاد والسيطرة فعل نفسي، وإذا كان للحالة الفسيولوجية دخل كبير في الانفعال ~~النفسي فإن ms388 هذا الانفعال ظاهرة قائمة بذاتها، ولولا ذلك لكانت الحركة الفسيولوجية ~~غير مفهومة إذ أن الانفعال النفسي هو الذي يبعثها، ولقد كان أرسطو أصدق تحليلا ~~للانفعال حين قال إنه ظاهرة واحدة نفسية وفسيولوجية معا تنبعث تارة من جانب النفس ~~وطورا من جانب الجسم المتحدين اتحادا جوهريا. # أما البراجماتزم فمذهب يضع «العمل» مبدأ مطلقا، وإن كانت هذه الكلمة قديمة ~~ومستعملة بمعان مختلفة إلا أن المعنى المعروف لها الآن ورد في مقال مشهور للفيلسوف ~~الأمريكي تشارلس ساندرر بيرس (1839-1914) # 1 # بعنوان «كيف نوضح أفكارنا» (1878) حيث يذكر القاعدة الآتية للتحقق من ~~دلالة المعاني التي نستخدمها فيقول: «إن تصورنا لموضوع ما هو تصورنا لما قد ينتج عن ~~هذا الموضوع من آثار عملية لا أكثر»، وهذا يعني أن علامة الحقيقة أو معيارها العمل ~~المنتج لا الحكم العقلي، وأن العمل مبدأ مطلق كما قلنا، بحيث يلزم من ذلك أنه حر كل ~~الحرية وأن لا شيء يعترضه، سواء العمل المادي والخلقي والعقلي أو التصور، فيلزم أن ~~العالم مرن نستطيع التأثير فيه وتشكيله، وأن تصوراتنا فروض أو وسائل لهذا التأثير ~~والتشكيل، والمذهب العملي يقوم على هذا الأساس، ويعتمد على التجربة الوجدانية ~~الخالصة ويقتصر عليها، وهذه هي التجريبية البحتة: # radical ~~empiricism # وتبدو التجربة الوجدانية متنوعة متغيرة، فهو مذهب ~~«كثري» # pluralistic # يتصور «الكون متكثرا» فيعارض ~~الأحادية والجبرية، ويدع مستقبل العالم معلقا يحتمل إمكانيات عدة يتوقف تحقيقها ~~على فعل الكائنات التي تقرر مصيره، وبناء على هذه المقدمات يعرض وليم جيمس ~~البراجماتزم على أنه نظرية في ماهية الحقيقة ومنهج لحسم الخلافات الفلسفية. # الحقيقة على نوعين؛ لأن موضوع التصور إما أن يكون شيئا خارجيا أو منهاجا ~~عمليا لإرضاء حاجة نفسية؛ ففي الحالة الأولى «الفكرة الحقة عن موضوع ما هي التي ~~تحدونا إلى إتيان أفعال تقودنا إلى ذلك الموضوع»، وفي الحالة الثانية «القضية الحقة ~~هي التي يستتبع تسليمها نتائج مرضية» أي محققة لمطالبنا؛ ففي الحالتين ليست الحقيقة ~~تصورا مطابقا لشيء كما يعتقد عامة الناس، ولكنها التصور الذي يؤدي بنا إلى ~~الإحساس بشيء أو إلى تحقيق ms389 غرض، وفي الحالتين الخطأ هو الإخفاق، وبعبارة أخرى ~~الحقيقة هي التصور الذي نسيغه ونحققه فنجعله صادقا بتصديقنا إياه، فهي ليست خاصية ~~ملازمة للتصور كما يعتقدون، ولكنها «حادث» يعرض للتصور فيجعله حقيقيا أو يكسبه ~~حقيقة بالعمل الذي يحققه، أو (على حد قول برجسون في مقدمة الترجمة الفرنسية لكتاب ~~«البراجماتزم») «الحقيقة اختراع (شيء جديد) لا اكتشاف (شيء سبق وجوده)، وليس يعني ~~هذا أنها تحكم وتعسف، بل يعني أنه كما أن الاختراع الصناعي إنما يتقدم بفضل فائدته ~~العملية فقط، كذلك القضية الصادقة هي التي تزيد في سلطاتنا على الأشياء، ونحن نخترع ~~الحقائق لنستفيد من الوجود كما تخترع الأجهزة الصناعية لتستخدم القوى الطبيعية»؛ ~~فالقضايا المنطقية والرياضية والطبيعية، والمعاني المجردة كالجوهر والعلة والجنس ~~والنوع والزمان والمكان وما إليها، مخترعات نافعة ووسائل مفيدة في تصور الأشياء ~~واستخدامها: «فمثلا دوران الأرض لا يستند على تجربة بمعنى الكلمة، ولكنه فرض مفيد ~~في تصور الظواهر، وهو أكثر فائدة من فرض دوران الشمس»، فالحقائق المقبولة الآن عند ~~عامة العقول كانت في البداية مخترعات لاستخدام التجربة، ثم تأصلت في العقل بمر ~~الزمن، وهي على كل حال «بطاقات» لا تدل على شيء في الواقع، وإنما تنحصر قيمتها في ~~إنتاجها، قال كنط إن الحقيقة تابعة لتركيب العقل، ويضيف المذهب العملي إلى هذا ~~القول (أو هو على الأقل يتضمن) أن تركيب العقل نتيجة إقدام بعض العقول الفردية» أي ~~العقول التي اخترعت المعاني والمبادئ، والمذهب العملي أوسع نطاقا من المذهب ~~الواقعي، فإنه يمتد إلى كل حقيقة، حتى إلى ما يسمونه حقيقة مطلقة، فيستوعب العلم ~~والميتافيزيقا من حيث هما موضوع عمل (برجسون في الموضع المذكور). # والبراجماتزم من حيث هو منهج يحسب المناظرات الفلسفية التي لم يفد فيها للآن ~~الجدل النظري ولا يرجى أن تحسم بغير هذا المنهج، فالجدل ما يزال قائما في هل ~~العالم وحدة أم كثرة، وهل هو يخضع للجبر أم يتسع للحرية، وهل هو مادي أم روحي، إلى ~~غير ذلك من المسائل، والمنهج العملي يؤول كل واحدة منها بحسب ما يترتب عليها من ~~نتائج ms390 في العمل ومن فرق في حياة الإنسان، أما إذا لم ينتج فرق عملي فيحكم بأن ~~القضيتين المتقابلتين ترجعان إلى واحد وأن الجدل فيهما عبث إذ لو كان بينهما فرق ~~لنشأ عنه فرق في الحياة، فالمنهج العملي اتجاه أو موقف مؤداه تحويل النظر عن ~~الأوليات والمبادئ إلى الغايات والنتائج، خذ مثلا المادية والروحية فإننا لا نرى ~~فرقا بينهما من جهة الماضي، إذ أن المؤمن يبين أن الله خلق العالم، ويبين المادي ~~أن العالم تكون بفعل القوى الطبيعية، ولما كان العالم قائما ولا يمكن استعادة ~~التجربة التي أحدثته للتحقق منها أكانت خلقا أم تكوينا طبيعيا، كانت المسألة ~~ممتنعة الحل، ولما كانت الحجج تتعادل قوة فنحن نحكم بأن لا فرق بين النظريتين، أما ~~إذا نظرنا إلى العالم من جهة أن له مستقبلا وأن لم يتم بعد، فإن الاختيار بين ~~المادية والروحية ينقلب أمرا غاية في الخطورة؛ ذلك بأن منافعنا ليست فقط حسية، ~~ولكن لنا منافع عليا ترجع إلى حاجتنا العميقة لنظام خلقي دائم، والنهاية التي يتنبأ ~~العلم بأن الأشياء ستبلغ إليها بعد تطورها الآلي هي فناء القوة وهي العدم، وليس ~~للمادية غير هذه النتيجة، فنحن نأخذ عليها أنها لا تكفل لنا منافعنا العليا، على ~~حين أن لفكرة الله أفضلية عملية كبرى إذ معناها أن العالم قد يهلك بالنار أو ~~بالجليد دون أن ينالنا أذى لثقتنا بأن الله سيرعى منافعنا العليا على كل حال ويوفر ~~لأمانينا وسائل إرضائها في عالم باق، فالمذهب الروحي صادق بهذا المعنى وبهذا ~~المقدار، كذلك نصنع في جسم الجدل القائم بين أنصار الحرية وخصومها، فنقول إن ~~الاعتقاد بالحرية مصدر قوة وإقدام لأنه يتضمن إمكان البلوغ إلى الكمال، بينما ~~المذهب الآلي يقول إن العالم خاضع للضرورة وإن فكرة الإمكان ناشئة من جهل الإنسان ~~بأسباب أفعاله، فمعاني النفس والله والحرية ملأى بالمواعيد من جهة العمل، ولكنها ~~تنقلب ألفاظا جوفاء إذا نظرنا إليها مجردة؛ وإذن فليس لها من معنى غير معناها ~~العملي. # والتجربة الدينية تؤيد المعتقدات الميتافيزيقية، يظن العلماء أن ليس هناك سوى ms391 ~~تجربة واحدة هي التجربة الظاهرة التي يعولون عليها، والواقع أن العلم بعيد عن ~~التجربة وأنه يبتعد عنها كلما تقدم، فإنه يضحي بها ويستعيض عنها بمعان تبسطها ~~وتزعم تفسيرها فيتجه إلى الآلية التي ترد الكيفيات المحسوسة إلى الحركة، بل يرد إلى ~~الحركة الفكر نفسه، إن هناك نوعين آخرين من التجربة، هما التجربة النفسية والتجربة ~~الدينية، وكلتاهما مؤكدة واجبة الاحترام، وقد رأينا أن للتجربة النفسية خصائص ذاتية ~~مباينة لخصائص الجسم المتصلة به ولخصائص سائر الأجسام، أما التجربة الدينية على ~~اختلاف صورها فلها خاصيتان مشتركتان بين هذه الصور: إحداهما قلق من الألم أو الشر، ~~والأخرى شعور بالنجاة من الألم أو الشر بفضل «قوة عليا» تشهد بفعلها في حياة النفس ~~نتائجه الحسنة، وكان جيمس قد انتابته وهو في التاسعة والعشرين أزمة حادة من ~~النورستانيا، فشفي منها بقبوله فكرتي العون الإلهي والحرية الكفيلة بتغيير مصير ~~الإنسان، وآمن بالتجربة الدينية، وقادته دراستها إلى أنها أغنى وأعمق من التجربة ~~العلمية، وأنها تفسر إذا سلمنا أننا نشارك مشاركة لا شعورية في موجود أعظم منا ~~نستطيع أن نسميه الله أو الألوهية، وأنها تدخلنا بالفعل في عالم تتصل فيه الأرواح ~~وتتفاعل، لا من خارج وبوساطة ألفاظ وإشارات، بل من داخل وبدون واسطة؛ لأنها شعور ~~قوي غير منازع بحضور إلهي يمنحنا ما لم تكن لتوفره لنا جهودنا واستدلالاتنا وعلى ~~هذه التجربة تقوم العقائد الثلاث التي ترجع إليها الحياة الدينية: عقيدة أن العالم ~~المنظور جزء من عالم غير منظور يمده بكل قيمته، وعقيدة أن غاية الإنسان الاتحاد ~~بهذا العالم غير المنظور، وعقيدة أن الصلاة أي المشاركة مع الألوهية فعل له أثره ~~بالضرورة. # ألا تكون التجربة الدينية حالة مرضية هي عبارة عن اضطراب عصبي واختلال التوازن ~~الجسمي؟ كلا، فإنما يحكم على الشجرة بثمرها، وليست تفقد الحقيقة العلمية شيئا من ~~قيمتها متى كان المكتشف لها مرهف الإحساس حاد المزاج، وليس بغض من قيمة العبقرية ~~وأثرها في تقدم الإنسانية اقترانها بحالات مرضية، وثمرة التجربة الدينية القداسة، ~~أي الفقر الإرادي والمحبة والإيثار، وهذه فضائل جد نفيسة ms392 للأفراد والجماعات، وليس ~~خصب هذه التجربة هو السبب الوحيد الذي يحملنا على اعتبارها صادقة، بل هناك أيضا ~~اتفاقها مع وقائع التجربة النفسية، فإن هذه التجربة تدلنا على أن تحت المجال الضيق ~~للشعور منطقة عميقة تستمر فيها الحياة الباطنة، وأن من هذا التيار السفلي تطفر ~~عواطف وإلهامات فجائية تبدو في الشعور، أجل يمكن تفسير ظواهر ما تحت الشعور في ~~الحالات المرضية بأحوال الجسم، ولكن هناك نوعا عاليا مما تحت الشعور يرفع النفس ~~فوق الحياة الجسمية إلى حياة روحية ممتنعة على العقل والإرادة. # إن الفنان العبقري لا يشعر أنه صاحب آياته، ولكنه يميل إلى إضافتها إلى إله ~~يستحوذ عليه ويوحي إليه، فيمكن أن نفترض أن في المنطقة اللا شعورية يتم الاتصال ~~بيننا وبين الله وبين سائر النفوس، وعلى هذا يلوح أن خصائص التجربة الصادقة تجتمع ~~للتجربة الدينية؛ فإنها تقوم على حدس أصيل، وإن لها آثارا نافعة، وإنها بما تحت ~~الشعور تتصل بطائفة من الظواهر معلومة، على أن الشك يظل ممكنا إذ أن التجربة ~~الدينية تجربة شاذة فردية غير قابلة للتحقيق بملاحظة نزيهة، وقد نستطيع رفع الشك ~~إذا استطعنا الخروج من الذاتية وإبراز حالات يكون فيها التصور هو الفعال، لا ~~الاعتقاد بالتصور، أي إذا استطعنا وصل التجربة الدينية، ليس فقط بالتجربة النفسية، ~~بل أيضا بالتجربة الفيزيقية والمضي من فكرة عالم الأرواح وتفاعلها إلى ظاهرة ~~فيزيقية محسوسة من الجميع مثل الإحساس عن بعد، والتعاطف عن بعد، وحضور الأرواح، ~~والرؤيا وقت الوفاة، وما إلى ذلك من الشواهد. # والإله الذي نقبل منه المدد والعزاء ليس إلها مفارقا ولا إلها متحدا ~~بالعالم، إن الإله المفارق الكامل الثابت لا يدخل في علاقة مع الإنسان، وإذا بدت ~~الأحادية مقربة بين الله والإنسان فليس الأمر كذلك في الحقيقة؛ إذ أنها تميز بين ~~الله بما هو لا متناه والله بما هو صانع الطبيعة، أي بين الوحدة الميتافيزيقية ~~للوجود وكثرة الموجودات المتناهية، يضاف إلى ذلك أنها تعتبر هذه الموجودات مجرد ~~ظواهر لا حقيقة لها في أنفسها بينما تدلنا التجربة على أنها حقيقة ms393 وأنها متصلة ~~بحياة عليا، إنما الإله الذي يحتاجه كل منا، فيتصوره البعض معزيا مقويا، والبعض ~~منذرا معاقبا، تبعا لحالتهم وحاجتهم، فهو إله متناه نحن أجزاء منه باطنة، وهو ~~نفسه جزء من العالم، وبين كماله الخلقي ونقصنا درجات من الكمال متمثلة في أرواح ~~أخرى، وفي القول بإله متناه تفسير يسير لإمكان الشر، وحافز لميل الحرية نحو الخير ~~كي نعاون الله على تحقيق مصائر الكون، أما صفاته فيجب أن نغفل الصفات النظرية ~~المعروفة من وجود بالذات وروحانية وبساطة وما أشبهها؛ لأنها عديمة الفائدة ومن ثمة ~~عديمة المعنى، وأن نقتصر على الصفات الخلقية بسبب فائدتها، مثل القداسة والعدالة ~~والعلم فإنها تبعث فينا الخوف، ومثل القدرة والخيرية فإنهما تبعثان فينا ~~الرجاء. # هذا المذهب يثير مشكلات كثيرة، لقد كانت نظرة جيمس إلى علم النفس نظرة صادقة ~~فأعلن أن الحياة النفسية أصيلة وأنها حياة متصلة متدفقة وأن رائدها المنفعة، لكنه ~~جعل منها ومن منافعها مركز الكون وصورته، فاعتبر الكون مرنا مثلها قابلا للتشكل ~~بحيث يصير تعريف الحقيقة أنها مطابقة الأشياء لمنفعتنا لا مطابقة الفكر للأشياء، ~~وبحيث ينعكس موقف سبنسر وجميع أصحاب التطور السابقين فيقال إن التطور نتيجة فعل ~~الكائن الحي (وبالأخص الإنسان) في الطبيعة لا نتيجة فعل الطبيعة في الكائن الحي، ~~وإن الحقائق مخترعات شكلت الأشياء وتأصلت في العقول لا أنها آثار الأشياء في ~~العقول، وقد وجد جيمس مثالا على رأيه وتأييدا له في بناء النظرية العلمية للعهد ~~الأخير إذ أنها تبدو في شكلها الرياضي وكأنها محض اختراع حتى ليفسر العلماء المسألة ~~الواحدة بنظريات مختلفة ولا يجدون في ذلك حرجا لاتفاقهم على أن كل الغرض من ~~النظرية استخدام الطبيعة ليس غير، ولكن هذا لا يصدق إلا على نظريات علم الطبيعة ~~لبساطة المادة وكثرة الإمكانات في تنوع الحركة، أما في علم الحياة وعلم النفس وعلم ~~الاجتماع حيث الموضوع أخص وأعقد، فلا بد من ملاحظة الأشياء أنفسها لأجل معرفتها، ~~وأيما كان نصيب الاختراع في النظريات الطبيعية فلا جدال في أن واضعيها يراعون ~~الظواهر ويحرصون على أن تتفق معها، ms394 والظواهر أمور حقيقة وليست اختراعا، بل إن نجاح ~~النظرية معناه امتحانها بشيء مستقل عنها، وإلا لنجحت أية نظرية وأفادت في العمل أية ~~وسيلة فالحقيقة مطابقة الفكر للوجود، أما العمل فإنه يبين الحقيقة ولا ~~يكونها. # والأمر واضح أيضا في المسائل الخلقية التي تصدر الآراء فيها عن نزعتين، إحداهما ~~النزعة الحسية والأخرى النزعة الروحية، فتحتمل عملين: أحدهما اللذة والأخر الواجب؛ ~~فأي عمل يقصدون وأية منفعة يريدون؟ إنهم يجيبون: المنفعة العليا! فنسألهم: بأي حق ~~ترتبون المنافع وتخضعون بعضها لبعض وأنتم تزدرون النظر وتنكرون أن يكون للأشياء ~~حقائق وقيم؟ وما قيمة المنافع العليا بإزاء المنافع السفلى ونحن نعيش في عالم مادي ~~والمادية مغايرة للفضيلة، فلا الطبيعة فاضلة أو مطابقة للفضيلة بالذات، ولا الفضيلة ~~موجهة بالذات للنجاح في وسط الطبيعة، والموت في أخر الأمر واقف بالمرصاد قد يبدد ~~المنافع جميعا؟ وليس بصحيح أن المادية مثبطة للعزيمة؛ فإنها خليقة أن تنفخ في صدر ~~المؤمن بها أعظم النشاط وأجرأ الإقدام لكي ينتهب من متاع الدنيا ما وسعه الانتهاب، ~~وإذا كانت صحيحا أن فكرة الله والخلود منشطة، فعلى شرط أن يكون الله موجودا وأن ~~يكون إيماننا به معقولا، أما إذا لم يكن شيء من هذا فالفكرة وهم خادع وخيبة مرة، ~~والأخذ بها وقوع في دور لعل كتب المنطق لم تذكر أبدع منه، إذ أنها تريدنا على أن ~~نعتقد بالله وبالخلود لأن هذا الاعتقاد مفيد، والفائدة المرجوة منه لا تتحقق إلا ~~بوجود الله والخلود، على أن جيمس يقول إن التجربة الدينية تدلنا على وجود الله، ~~ونحن نسلم بهذه التجربة، ونرى من المستحيل استبعاد التصوف جملة من التاريخ الإنساني ~~كما يريد كثيرون من «العقليين» غير أننا نرى من جهة أخرى وجوب التمييز بين التجارب، ~~فإن منها الصادق ومنها الكاذب، وجيمس لا يدل على محك للتمييز، بل يقبل كل تجربة، ~~ويعد استحضار الأرواح تجربة قاطعة، ثم نقول: إذا كانت المعتقدات الميتافيزيقية ~~ثابتة بالتجربة فما وجه الحاجة إلى البراجماتزم؟ إن التجربة تقطع قول كل منكر وتغني ~~عن المحاجة، فعجز المذهب ينقض صدره، ms395 أما قول جيمس إن الإله اللا متناهي الثابت ~~الكامل لا يدخل في علاقة مع الإنسان، فراجع إلى اعتقاده أن هذه العلاقة تستلزم ~~تغيرا في الله، والواقع أن الإله المتناهي ليس إلها بمعنى الكلمة لأنه ليس العلة ~~الأولى، وأنه ما دام الله لا متناهيا بالضرورة فيجب القول بأن ليس له سوى فعل واحد ~~يتضمن جميع المفعولات فلا تجري التغير فيه بل في المخلوقات. ~~(2) جوزيا رويس (1855-1916) # تلقى الفلسفة عن لوتزي وتشارلس بيرس ووليم جيمس، وعين أستاذا بجامعة هارفارد ~~سنة 1892، ونشر كتبا كثيرة أهمها: «الوجهة الدينية للفلسفة» (1885) و«روح الفلسفة ~~الحديثة» (1896) و«العالم والفرد» (1900-1902). # مذهبه يعتبر هجلية جديدة، فإنه يقبل الآحادية، ولكنه يقبل الفردية أيضا، ويحاول ~~التوفيق بينهما، فيقول من الجهة الواحدة إن طبيعة الفكر تقتضي المطلق، إذ أن الفعل ~~الأساسي للفكر هو الحكم، ولا قيمة للحكم إلا إذا افترضنا فكرا أكمل من فكرنا ~~حاصلا على موضوع الحكم ومنزها عن التساؤل والشك اللذين يستدعيان الحكم، فلا حقيقة ~~إلا إذا كان هناك أنا واحد يتضمن كل فكر وكل موضوع، ويقول من جهة أخرى عن مذهب ~~المطلق يعتمد على مقتضيات العقل هذه لكي ينكر يقين الحياة العملية، بأفعالها ~~وآلامها، على حين أن ليس للفكرة من قيمة عملية إلا إذا كانت متشخصة تمام التشخيص ~~مباينة لكل فكرة أخرى، وأن الكلية علامة النقص (على ما أبدى الحسيون وأعادوا)، ~~فالمطلق كلي ناقص يتكامل على الدوام بأن يترجم عن ذاته بأفراد يصنع كل منهم مصيره ~~بحرية، فحياة هذا الأنا المطلق قائمة في معرفة الأفراد الذين يحققونه على التوالي، ~~وهذا يعني أن رويس يؤله المجتمع، ثم يجعل منه موضوع دين يفرض على كل فرد الإخلاص ~~التام للجماعة، مع محاولته الإبقاء على الاستقلال الفردي. ~~(3) جون ديوي (1859) # أستاذ بجامعة كولومبيا، بدأ بأن كان هجليا فرأى مثل هجل أن قلق الفكر الحديث ~~ناشئ من التعارض بين المثل الأعلى والواقع، أو بين الروح والطبيعة، فأراد أن يحقق ~~الوحدة الروحية خيرا مما فعل هجل، وكان كثير التأليف، كتب في الميتافيزيقا وفلسفة ~~العلوم والمنطق وعلم النفس ms396 وعلم الجمال والدين، وأهم كتبه: «دراسات في النظرية ~~المنطقية» (1903) و«كيف تفكر» (1910) و«محاولات في المنطق التجريبي» (1916) و«العقل ~~الخالق» (1917) و«الطبيعة الإنسانية والسلوك» (1922) و«طلب اليقين» (1929). # أصل التعارض بين المثالية والمادية أو بين الروح والطبيعة أن المثالية تعتبر ~~المعرفة تأمل معان فترى في العلم الطبيعي تركيبا عقليا وترد المادة إلى الروح ~~دون أن تبين كيف ولم تجزأ الروح المطلق إلى محسوس ومعقول وإلى وجدان محدود ووجدان ~~كلي، على حين أن المادية تعتبر المعرفة مجرد ظاهرة عارضة فترد الروح إلى المادة دون ~~أن تبين كيف تنبعث هذه الظاهرة ولم يبدو في الوجدان عالم من القيم متمايز من عالم ~~الموجودات، فكل من المذهبين يقسم العالم إلى أجزاء ثم يحاول التوحيد بينها فيحاول ~~عبثا، أما إذا اعتبرنا المعرفة آلة أو وظيفة تظهر في الكائن الحي عندما يصادف ~~عقبة، وتقوم في جهده لتذليل العقبات، بدت الفكرة فرضا في سبيل العمل، وكانت الفكرة ~~الحقة هي التي ترشدنا حقا، فالقول بأن الطبيعة معقولة ليس مبدأ نظريا ولكنه ~~اعتقاد يتيح للنشاط المعقول أن يغير الطبيعة، فمذهب ديوي ضرب من البراجماتزم، وقد ~~دعي # Instrumentalism # و # Fonctionatism # لاعتباره المعرفة آلة أو وظيفة ~~في خدمة مطالب الحياة، وقد كان ديوي داعية قوي التأثير إلى الإيمان بفاعلية الفكر ~~وبالروح الديمقراطية، وهو في كل هذا ماض مع العقلية الأمريكية المتجهة إلى العمل ~~والحرية. # تخرج في جامعة هارفارد (1862-1863) وعلم فيها وقتا قصيرا، نشر «دراسات ~~في المنطق» (1883) ومقالات كثيرة جمعت ونشرت بعد وفاته، ونشر معها كتاب ~~عنوانه «المنطق الكبير» كان الكتاب الوحيد الذي أثمه، تأثر بكنط مع افتراقه ~~عنه في حلول المسائل، وتأثر بدروين وكان قد وصل من جهته إلي مثل آرائه، ~~وأخذ بقسط كبير من العلم التجريبي فاكتسب دقة في التدليل ظاهرة في جميع ~~كتاباته، وعني عناية خاصة ببيان موضوعية العلم ومنهجه، كان تأثيره عميقا ~~في الفلاسفة الأمريكيين الثلاثة المذكورين في هذا الفصل. # الفصل الثاني # الفلسفة في إنجلترا ~~(1) فرنسيس هربرت برادلي (1846-1924) # الفلسفة الإنجليزية في نصف القرن هذا موزعة بين تصورية هجلية وتصورية طبيعية ~~وتصورية منطقية ms397 رياضية وحسية وبراجماتزم، وهي تدل على مقدرة جدلية ملحوظة، ولا ~~تحتوي على ابتكار، كان برادلي أبرع وأعمق ممثل للهجلية وإن يكن نبذ مذهب هجل بما هو ~~كذلك في وقت مبكر، فقد تخرج في جامعة أكسفورد، وصار أستاذا فيها ينزع نزعتها وهو ~~متأثر بكتب جرين وهجل ولوتزي، وإنما أقبل على الفلسفة الألمانية بعد أن رأى استحالة ~~اعتبار الوجدان سلسلة ظواهر مستقلة، كما يرى المذهب التجريبي الإنجليزي، لاستحالة ~~إدراك مثل هذه السلسلة لنفسها، وهي الاستحالة التي وقف عندها لوك وهيوم ومل كما ~~رأينا، ويحكم برادلي على المذاهب الإنجليزية حكما صارما، فيأخذ عليها الحسية ~~والنفعية وضيق النظر والتعصب للرأي وبخاصة في المسألة الدينية، ويرمي إلى تطهير ~~الأذهان من هذه النزعات، فكان أول كتاب هام له «دراسات أخلاقية» (1877) فيه نقد ~~بارع لمذهب اللذة في الأخلاق، وأردفه بكتاب «مبادئ المنطق» (1883) حلل فيه مسائل ~~الاستدلال والحكم وعرض نظرية المعرفة، وبعد عشر سنين نشر كتابه الأكبر «الظاهر ~~والحقيقة» أجمل فيه مذهبه في الوجود، وله مقالات في مجلة «مايند». # في «الدراسات الأخلاقية» يعارض تصور المدرسة الحسية للوجدان، ويصف الوجدان بأنه ~~«كل مغلق غني معا» وأن فيه ميلا أخلاقيا وآخر نظريا: الميل الأخلاقي يدفع ~~بالإنسان إلى تحقيق إنيته في صورة كل منسجم مغلق أي مستقل بنفسه، والميل النظري ~~يدفع بنا إلى اعتقاد الوجود كلا مترابط الأجزاء مغلقا فإذا كنا لا نستطيع أن ~~نصير كلا بذاتنا، وجب أن نجعل من ذاتنا جزءا من كل أوسع، وإذا بدت لنا متناقضات ~~في كل صغير، وجب أن نتصور كلا أكبر، هناك إذن نوافق بين طبيعتنا العملية وطبيعتنا ~~النظرية، ولنا من طبيعتنا مقياس نعلم به ما نسميه أعلى وما نسميه أسفل، ولم يكن ~~الإنسان ليحس ألم التناقض بين نوازعه لو لم يكن هو نفسه كلا لم يعلم أنه كل، فإن ~~التناقض يجيء من عدم الانسجام الباطن من جهة، ومن عدم التوفق مع الخارج من جهة ~~أخرى. # كتاب «الظاهر والحقيقة» دراسة نقدية للتصورات التي حول بها الفلاسفة تفسير ~~الوجود، يذهب فيه برادلي إلى أن معاني ms398 المادة والمكان والزمان والطاقة وما إليها، ~~التي هي أركان العلم الطبيعي، لا مقابل لها في الخارج، ولكنها نافعة في تعيين ~~الظواهر المحدودة والتعبير عما بينها من علاقات، فإذا أريدت على أن تعبر عن ماهية ~~الأشياء أدت إلى متناقضات وجرتنا إلى التسلسل إلى غير نهاية من حيث يمكن أن نسأل ~~دائما عن علاقة الأجزاء بعلاقاتها دون أن نقف عند حد ومن حيث إن الحكم لا يصدق إلا ~~إذا تناول جميع الشروط التي يتعلق بها صدقه، فهذه المعاني «معاني عمل» # Working ideas # لا دلالة نظرية لها وإنما كل ~~دلالتها صناعية # Technical ~~؛ لذا يمتنع أن نجعل من ~~العلم الطبيعي علم ما بعد الطبيعة كما يصنع الماديون، وإنما يتعين علينا التمييز ~~بين العلمين، ومتى ميزنا بينهما لم يعد بينهما خلاف، كذلك لا يمكن إقامة ميتافيزيقا ~~على علم النفس وحده، أجل إن معنى النفس أو الذات يدلنا على ارتباط بين الظواهر ~~الباطنة أوثق من ارتباط الظواهر الطبيعية وعلاقاتها إذ أنه ارتباط باطن لا ظاهر؛ ~~لذا كانت التجربة الباطنية أعلى تجربة، غير أنها تظهرنا على الأنا كأنه جملة آنية ~~من تغيرات وعلاقات، ولا تظهرنا على ماهيته في معنى واحد مغلق، فلا تفيد في التعبير ~~عن الحقيقة المطلقة، كما أن المادية عاجزة عن مثل هذا التعبير، إن علم النفس علم ~~جزئي، وكل علم جزئي فهو يستخدم اصطلاحات ملائمة لغايته ويجد أنصاف حقائق، ومعنى ~~النفس معنى مجرد كمعنى الجسم سواء بسواء، ولا يمكن أن تكون الحقيقة جسما ولا نفسا ~~لأننا لا ندرك سوى أحداث تعرض علينا الوجهتين. # على أن هذه المناقشة تفترض أن لدينا مقياسا لما هو وجود وحقيقة، والواقع أن لنا ~~في «معنى التجربة» هذا المقياس: في هذا المعنى شيئان مرتبطان ارتباطا وثيقا، هما ~~الكثرة والعلاقة المنسجمة بين وحداتها، فالتجربة الكاملة تفترض محتوى واسعا جدا ~~مرتبطا أوثق ارتباط بحيث يؤلف كلا حقا، وهذا مقياس الحقيقة، وهو أيضا مقياس ~~القيمة في العمل؛ ذلك بأن كل ميل من ميولنا لا يجد رضاءه فهو معنى غير تام، وكل ألم ~~فهو ms399 تعبير عن عدم انسجام وهو حافز لرفع هذا العدم، فالنقص والقلق وعدم الانسجام، ~~ذلك نصيب الموجود المحدود، في حين أن مثلنا الأعلى العملي يقضي بإرضاء كل ناحية ن ~~طبيعتنا بانسجام مع سائر النواحي، ولكننا عاجزون عن تصور ما يرضي المقياس تمام ~~الرضا، وفينا تعارض مستمر بين الكثرة والانسجام، والسبب في عدم الانسجام الحد، ولا ~~يرفع الحد إلا بمحتوى أوسع يمحو تبعيتنا للعلاقات الخارجية التي هي سبب الاضطراب ~~الباطن؛ لذا كان الموجود اللامتناهي دون غيره منسجما تمام الانسجام وثابتا لا ~~يتغير لأنه كامل؛ ولذا كنا ننزع دائما إلى الصعود ونريد أن نفنى في المحبة كما يصب ~~النهر في البحر، والفلسفة والدين تعبيران عن المطلق الذي نصبو إليه، الفلسفة ترينا ~~أن العلم شيء ضئيل بالإضافة إلى غنى الوجود، ويحاول الدين تصور المطلق في ذاته ~~بمعان مستمدة من التجربة، ولكن الفلسفة علم يراجع ماهية المعاني وقيمتها، والدين ~~لا يراجع، فمن هذه الوجهة الفلسفة أرفع، والفلسفة علم نظري، والدين مجهود يتجه إلى ~~التعبير عن الحقيقة الكاملة للخير بواسطة جميع نواحي طبيعتنا، فمن هذه الوجهة الدين ~~أرفع ومن الخاصة هذه نتبين أن برادلي تصوري لا يعترف لمعاني العقل بغير قيمة ~~اصطلاحية، وأنه أحادي يقضي على وجود الفرد، فيتفق مع أصحاب البراجماتزم في النقطة ~~الأولى، ويختلف عنهم في الثانية. ~~(2) برنارد بوزنكيت (1848-1923) # تخرج هو أيضا في أكسفورد وكان أستاذا فيها، أهم كتبه: «المنطق» (1888) «قيمة ~~الفرد ومصيره» (1913) «ما الدين» (1920)، هو من رجال الهجلية الجديدة، ولكنه لا يرى ~~أن هناك فكرا خالصا ومنطقا خالصا ومعنى مجردا هو كلي فحسب، وإنما الوجود عنده ~~مركب من الكلية والتشخص، فالمنطق عنده معرفة تركيب الأشياء أو هو العلم الذي يجعل ~~الأشياء قابلة لأن تكون معقولة، فهو يعرض لتأييد مذهب برادلي بالاعتماد على ~~التجربة، فيرى أن الوجود موجود فردي مستوعب كل شيء معقول تمام المعقولية، وأنه وحده ~~«موجود» وما عداه ن الجزئيات، عقولا أو أشياء، فله فردية جزئية ووجود جزئي ، ~~والدليل على ذلك أن الإدراك الظاهري والتفكير والحياة الاجتماعية والأفعال ~~الأخلاقية والتأمل الفني ms400 والتجربة الدينية، كل أولئك يظهرنا على أن تحقيق أنفسنا ~~معناه تسليم أنفسنا لشيء أوسع من الأنا، هذا الشيء هو المطلق، والمطلق هو الذي كتب ~~الدراما العالمية وهو الذي يحققها، إنه فنان وممثل ومنطيق، فالوجود تراجيديا، وما ~~فيه من شر فهو يشارك في كمال الكل، على ما نرى في التراجيديات التي يؤلفها البشر، ~~وحين ينظر الفرد المحدود إلى الشر ويقبله بهذا الاعتبار، يراه وإذا به يفقد من ~~شريته ويفيد هو منه بأن يحاربه ويفوز عليه. ~~(3) صمويل ألكسندر (1859-1938) # أستاذ بجامعة مانشستر، مشهور بكتاب عنوانه «المكان والزمان والألوهية» (1920) ~~يؤيد فيه الموضوعية، ولكن الموضوعية تصير عنده شيئا شبيها بالمادية، فإنه يمضي في ~~إثر إنشتين وغيره من العلماء المعاصرين، فيحول المادة التي تعطينا المكان، والحركة ~~التي تعطينا الزمان، إلى شيء واحد هو «المكان الزماني» فيتصور الطبيعة في البدء ~~أصلا ذا أربعة أبعاد فيه مبدأ محرك ومنه تخرج المادة والكيفيات الثانوية والحياة ~~والفكر الذي هو عبارة عن الجهاز العصبي، وكلها تعينات مكانية زمانية، كذلك الحال في ~~المقولات التي اعتبرها كنط غريزية في العقل توجد بها تنوعات الزمان والمكان، فما هي ~~إلا تعينات موضوعية للوجود المركب من مكان وزمان معا، فمن خصائص هذا الوجود تلزم ~~جميع المقولات: فمقولة الوجود هي شغل جزء من المكان الزماني، ومقولة الجوهر تدل على ~~مكان محدود بنطاق تتعاقب فيه أحداث، ومقولة الشيء تأليف حركات، ومقولة الإضافة هي ~~الرابطة المكانية الزمانية بين شيئين، ومقولة العلية تدل على الانتقال من حادث إلى ~~آخر، وفي الطبيعة ميل إلى إيجاد صور أرقى فأرقى يعتمد كل منها على ما دونه كما ~~يعتمد الفكر على الجسم، هذا الميل هو الألوهية، وهي بالنسبة إلى كل مرتبة المرتبة ~~التي تبرز بعدها، أما بالنسبة إلى الإنسان فلم تبرز الألوهية بعد؛ فهذا المذهب يرجع ~~إلى المادية التطورية. ~~(4) ألفرد نورث هوايتهد (1861) # أستاذ بكمبردج (1911-1914) وبجامعة لندن (1914-1924) للرياضيات التطبيقية ~~والميكانيكا، وأستاذ الفلسفة بجامعة هارفارد الأمريكية، (1924-1938)، أهم كتبه: ~~«المبادئ الرياضية» في ثلاثة مجلدات (1910-1913) بالاشتراك مع برترند رسل، و«بحث في ~~مبادئ المعرفة ms401 الطبيعية» (1919)، و«معنى الطبيعة» (1920)، و«العلم والعالم الحديث» ~~(1926)، و«الدين في تكونه» (1926)، هو يرمي إلى نصرة الموضوعية كما تبدو في ~~الوجدان، فلا يقر العلماء على رد الأشياء إلى عناصر عاطلة من الكيفيات ولا يقر ~~الماديين على إنكار الجمال والأخلاق والدين، بل يرى أن للكائن أيا كان طبيعة ~~معينة، وأنه عبارة عن كل أو نظام أجزاؤه وتركيبها تابعة لطبيعة الكائن، غير أن هذه ~~الأجزاء ليست عناصر أو مركبات من عناصر، وإنما هي أحداث أو وحدات مكانية زمانية ~~وعلاقات بين الأحداث، تجري هذه وتلك بمقتضى قوانين ثابتة، وجملة هذه القوانين يمثل ~~الألوهية التي لم تتحقق ولن تتحقق أبدا تمام التحقق لأن قانون الوجود التطور ~~المتصل. ~~(5) فرديناند شيلر (1864-1937) # أستاذ بأكسفورد، صاحب «المذهب الإنساني» # Humanism # عرضه في كتابه «دراسات في المذهب الإنساني» (1907)، هذا المذهب هو البراجماتزم، ~~وجاء اسمه من أن المعرفة هي الشرط الأول للعمل المنتج، وأنها أمر إنساني تابع ~~لأغراضنا الحيوية، فإن نظرتنا إلى الأشياء تختلف باختلاف المركز الذي ننظر منه، ولا ~~ندرك منها كل ما يمكن إدراكه بل نختار من بين عناصرها تبعا لاتجاه انتباهنا، ونرتب ~~العلاقات بين الأشياء تبعا للغاية التي نتوخاها، ونؤلف تصديقاتنا في مجاميع نسميها ~~المنطق والهندسة والحساب وما إلى ذلك من العلوم، فهذه العلوم مشبعة بالإنسانية ~~لأنها من صنعنا ومرتبة لأغراضنا، فالأحادية مذهب خطر لأنها تعتبر التغير والعمل ~~وهما فتؤدي إلى القعود، وهي مذهب خاطئ لأنها تزعم أننا لا نتصور موجودا ما إلا ~~كجزء من كل بحجة أن كل حقيقة فهي متفقة مع سائر الحقائق، في حين أن المنهج الإنساني ~~لإدراك الحقيقة يدل على أن الحقيقة أمر شخصي كما سبق القول، العالم إذن متكثر يتطور ~~على الدوام ويستكمل ذاته بفعل أفراد أحرار كي ينتهي إلى ضرب من النجاة أو الانسجام ~~الكلي، مع وجود إله شخصي. ~~(6) برترند رسل (1872) # أستاذ للفلسفة بجامعة كمبردج (1910-1916) وأحد أعلام المنطق الرياضي في هذا ~~العصر، نشر كتبا كثيرة: منها كتاب قيم عن «فلسفة ليبنتز» (1900) و«مبادئ ~~الرياضيات » (1903) و«المبادئ الرياضية» بالاشتراك مع هوايتهد كما ذكرنا، و«مسائل ~~الفلسفة» (1912) و«معرفتنا ms402 بالعالم الخارجي» (1914) و«المدخل إلى الفلسفة الرياضية» ~~(1918) و«تحليل الفكر» (1921) و«تحليل المادة» (1927) و«موجز الفلسفة» (1928) ~~و«تاريخ الفلسفة الغربية» (1946) وكتب أخرى في الفلسفة والسياسة والتربية كانت ~~هدفا لنقد المحافظين لما حوت من آراء متطرفة، وهو يذهب مع هوايتهد إلى إمكان ~~استنباط الرياضيات من المنطق، ويعلن المنطق «المنقذ الأعظم» لأن الفلسفة تتطلب ~~البرهان المنطقي، وليست تأليفا تمليه المنافع الإنسانية كما يريد أصحاب ~~البراجماتزم، والمنطق يدرس جميع العلاقات الممكنة، وهذه العلاقات تأليفات حرة تحسم ~~بينها التجربة فيؤخذ بالعلاقات المطابقة للتجربة ويغفل ما عداها، والعالم الخارجي ~~متكثر، وأصوله أو مبادئه ذرات هي أحداث، والمركبات تتألف من هذه الأصول، ولكن ~~للمركب خواصه وفعله فلا يمكن تصوره كأنه مجرد مجموع. # فالفلسفة الإنجليزية كما يمثلها هؤلاء الذين ذكرناهم تنقسم إلى فرقتين: فرقة ~~هجلية ترى أن العالم يؤلف كلا واحدا وأن الأشياء مترابطة بالذات بحيث لا يدرك ~~شيء في ذاته مستقلا عن غيره، وفرقة تقبل المعرفة كما تبدو في الوجدان وتقول إن ~~الأشياء مستقلة وإن العلاقات متخارجة بما فيها علاقة المعرفة بالمعروف، وإن هذه ~~العلاقات لا تغير طبائع الأشياء، وإن موضوع المعرفة يمكن لذلك أن يكون لا ذهنيا ~~إذ أن المعرفة حضور الشيء للحدس حضورا مباشرا، وهذه الفرقة الثانية تدعى بفرقة ~~الوجودية الجديدة # Neo-realism # ترمي إلى صيانة ~~المعرفة الموضوعية وحياة الفرد وغاياته. # الفصل الثالث # الفلسفة في فرنسا ~~(1) إميل دوركيم (1858-1917) # الفلسفة الفرنسية سائرة في وجهاتها التي صادقناها أثناء القرن الماضي، فالوجهة ~~الواقعية وجدت لها أنصارا في إميل دوركيم وليڤي برول وغيرهما من الأساتذة ~~الاجتماعيين، والوجهة الروحية يمثلها علماء ورياضيون يبينون ما في العلم الحديث من ~~تركيب صناعي يدع المجال مفتوحا أمام الحرية والأخلاق، وأشهر هؤلاء هنري بوانكاري ~~وبيير دوهيم، ولكن ممثلها الأكبر هنري برجسون الذي أقام مذهبا تاما في الوجود ~~والأخلاق والدين، أما دوركيم فيعد واضع علم الاجتماع المعاصر، أهم كتبه: «تقسيم ~~العمل الاجتماعي» (1893) و«قواعد المنهج الاجتماعي» (1895) و«الانتحار» (1897) ~~و«الصور الأولية للحياة الدينية» (1912) و «التربية الخلقية» (1925)، وكان قد أصدر ~~مجلة «السنة الاجتماعية» في 1896 وظل يصدرها إلى 1913 بمعاونة ليڤي برول وموس ms403 ~~وهوبرت وفوكوني وبوجلي وبسيميان وداڤي وهلبكس وهم أركان علم الاجتماع في فرنسا ~~الآن، وقد استؤنف إصدار المجلة سنة 1925. # أخذ دوركيم على نفسه أن يقيم علما اجتماعيا واقعيا يختلف عن فلسفة التاريخ ~~وعن النظر المجرد في ماهية المجتمع بأن يقصر غرضه على استكشاف القوانين التي تربط ~~ظواهر اجتماعية معينة بظواهر أخرى معينة، كما يرتبط الانتحار مثلا أو تقسيم العمل ~~بازدياد عدد السكان، وذلك باستخدام المناهج المألوفة في العلوم الطبيعية والتي ترجع ~~إلى الملاحظة والاستقراء مع ما يقتضيه علم الاجتماع من تعديل طفيف يضيف إلى ملاحظة ~~الحاضر ملاحظة الماضي أو التاريخ المقارن، ويجعل الاستقراء إحصاء، إذ أن المذهب ~~الواقعي لا يعترف بوسيلة أخرى لدراسة الإنسان، والمقصود بالظواهر الاجتماعية أنحاء ~~الفكر والعاطفة والعمل الصادرة عن الناس بما هم أعضاء مجتمع، مثل الأخلاق والأديان ~~والأنظمة السياسية والقوانين المدنية والتقاليد القومية والبدع الفنية والنظريات ~~العلمية، وما إلى ذلك من مظاهر الحياة الإنسانية، هذه المظاهر اجتماعية بالذات ~~يجدها كل فرد قائمة في بيئته ويتأثر بها تأثرا قويا بوساطة فعل التربية وضغط ~~المجتمع، حتى ليذهب هذا الضغط أحيانا كثيرة إلى حد إكراه الفرد على اتخاذ مواقف ~~مخالفة لرأيه الخاص، فإن معنى الحياة الاجتماعية أن يقبل الفرد هذه المظاهر ويتطبع ~~بها فيتلاءم مع المجتمع ويندمج فيه، فعلامة الظاهرة الاجتماعية أنها تفرض نفسها على ~~الأفراد وتكرههم على الأخذ بها، كيف نفسرها؟ لقد تردد دوركيم بين قولين: أحدهما أن ~~الأفكار والعواطف الاجتماعية صادرة عن «وجدان اجتماعي» متمايز من الوجدانات الفردية ~~وأعلى منها: وهذا القول يجعل للظاهرة الاجتماعية وجودا ذاتيا ولعلم الاجتماع ~~موضوعا خاصا به لا يشاركه فيه علم آخر، ولكن هذا القول يشخص كلا مجموعيا، ~~ودوركيم يعترف بأن ليس في المجتمع سوى الأفراد، ويعرض القول الآخر وهو أن الوجدان ~~الاجتماعي، ولو أنه جملة الوجدانات الفردية، إلا أنه يؤلف كلا مغايرا لها كما ~~يؤلف التركيب الكيميائي شيئا مغايرا للعناصر، وهذا القول يرجع إلى أن الحياة ~~الاجتماعية تولد في الفرد ظواهر نفسية من نوع خاص، وينافي تعريف الظاهرة الاجتماعية ~~كما ذكرناه إذ ms404 يجعل منها ظاهرة نفسية فيرد علم الاجتماع إلى علم النفس. # 1 # على أن دوركيم يحرص على أصالة علم الاجتماع ويستمسك بتعريفه للظاهرة الاجتماعية، ~~ويضع مذهبا فلسفيا هو إحدى صور الفلسفة الحسية أو التجريبية أو الواقعية، فيذهب ~~في مسألة المعرفة إلى أن المعاني والمبادئ العقلية نتاج الفكر المجموعي؛ فإنها كلية ~~ثابتة إلى حد ما ضرورية لتنظيم التجربة (كما جاء عند كنط وسبنسر) بينما التصورات ~~الحسية جزئية متغيرة، فالمعاني والمبادئ تعلو على الفكر الشخصي كما يعلو المجتمع ~~على الفرد، فمعنى النوع يتضمن معنى القرابة بين الأفراد، ومعنى الجنس يتضمن معنى ~~القرابة بين الأنواع ومعنى ترتيبها بعضها من بعض، وليس في الطبيعة (كما يتصورها ~~الحسيون) قرابة ولا ترتيب، ولكنهما أمران اجتماعيان، ومعنى العلة يتضمن معنى قوة ~~موجدة ومعنى السلطة وهما معنيان اجتماعيان، ومعنى الكلي يتضمن مجموع الموجودات أو ~~المجتمع، ومعنى الواجب يتضمن ما لسلطة الجماعة من قوة إكراهية، وهكذا يزعم دوركيم - ~~كما زعم سبنسر - أنه يفض الخلاف الناشب بين الحسيين والعقليين بقوله إن المعاني ~~والمبادئ مصنوعة من المجتمع غريزية في الأفراد. # وهو يفسر الأخلاق والدين على النحو ذاته سواء من جهة الصورة أو من جهة المادة، ~~فمن الوجهة الصورية نحن نعتبر الفعل خلقيا متى كان مطابقا لقانون مفروض، وكان ~~غيريا لا أنانيا، وكان إراديا، وهذه الخصائص ترجع إلى المجتمع فإن الخاصية ~~الأولى نتيجة النظام الذي تفرضه حتما كل جماعة، والخاصية الثانية نتيجة الإخلاص ~~للجماعة الذي تفرضه الحياة فيها، والخاصية الثالثة نتيجة ما يلحظه الفرد من أن ~~استفادته من الحياة الاجتماعية تتوقف على إرادته هذه الحياة وشروطها، ومن الوجهة ~~المادية نرى الأخلاق مختلفة باختلاف الزمان والمكان وسائر الظروف، أي نراها تابعة ~~لأحوال المجتمعات التي تخترعها وتفرضها على الأعضاء، فإن لكل مجتمع أخلاقه هي مظهر ~~أحواله، ولا محل لتسويغ الأخلاق بتركيب فلسفة أخلاقية، وأما الدين فقديم كالاجتماع: ~~كان صورته الأولى وتطورا معا، بدأ الدين بأن تصور الناس قوة لا شخصية متفرقة في ~~الأشياء تمنحها ما لها من قوة، ثم تشخصت هذه القوة في الطوطم أولا ms405 وفي الإله ~~الواحد أخيرا، فكانت لنا فكرة الله كموجود شخصي مقدس؛ فإن هذه الفكرة ليست مستفادة ~~مما نشعر به من قوة باطنة، ولا مكتسبة بالاستدلال، ولكنها اجتماعية، والدين أقوى ~~مظاهر الحياة الاجتماعية وأعمها، إليه ترجع الصور التي انتظمت بها المعارف ~~الإنسانية، إذ أنه الينبوع الذي تفيض منه القوة الجسمية والقوة المعنوية في أفعال ~~الحياة المشتركة. # هذا الموقف يستهدف لنفس الانتقادات التي توجهها إلى سائر المذاهب التجريبية: إن ~~المشابهات التي توحي بالمعاني الكلية متحققة في الجماد وفي النبات وفي الحيوان وفي ~~حياتنا الاجتماعية، فلا يمكن أن يقال إن الحياة الاجتماعية مصدرها الوحيد، ثم إذا ~~كانت الحياة الاجتماعية قد انتظمت على أنحاء كلية فلا يخلو إما أن يكون ذلك بناء ~~على معان سابقة في أذهان بني الإنسان أو بناء على مشابهات وجدوها بينهم، وفي كلا ~~الحالين تكون المعاني راجعة إلى غير الحياة الاجتماعية. # وإذا كانت الأخلاق على ما يقول دوركيم من الاختلاف والتغير، فكيف نعلل ما يبدو ~~لبعضها من ضرورة عند جميع الجماعات؟ ويفسر دوركيم المؤسسات والقواعد الاجتماعية ~~طبقا لنظرية التطور، فيبدأ بأبسط الصور ويسمي الجماعات التي تلاحظ عندها هذه الصور ~~بالبدائية، في حين أن المنهج العلمي يقضي بالقول بأن الحالة المسماة بدائية هي أبسط ~~ما وصل إلى علمنا من حالات، لا أنها الحالة الأولى تاريخيا، إذ قد تكون الإنسانية ~~بدأت على حالة عقلية متقدمة، وقد تكون الجماعات التي نعتبرها الآن بدائية منحدرة من ~~جماعات متحضرة زالت عنها الحضارة، فالاجتماعيون يعدون البسيط قديما وليس هذا ~~بالضروري، ويعتقدون أنهم يؤيدون مذهب التطور وهم إنما يقبلونه مبدئيا. ~~(2) ليڤي برول (1897-1939) # كان أستاذا لتاريخ الفلسفة، وله في هذا الباب كتاب عن «أوجست كونت» ودراسات ~~أخرى، وناصر المذهب الاجتماعي بكتبه الآتية: «فلسفة الأخلاق وعلم الأخلاق» (1903) ~~و«الوظائف الفكرية في الجماعات الدنيا» (1910) و«العقلية البدائية» (1922) و«الروح ~~البدائية» (1927) و«الفائق الطبيعة والطبيعة في الفكر البدائي» (1931). # في كتابه عن الأخلاق يريد أن ينظر إلى الأفعال الإنسانية على أنها ظواهر طبيعية ~~وحسب، فينتقد فلسفة الأخلاق، ويقترح بديلا منها علما للأخلاق، ويرجع نقده إلى ms406 ~~ثلاثة أمور: الأول أن فلسفة الأخلاق تزعم أنها علم معياري يعين ما ينبغي أن تكون ~~عليه الأفعال الإنسانية، في حين أن العلم دراسة وصفية للظواهر وقوانينها، ففكرة ~~العلم المعياري تنطوي على تناقض، الأمر الثاني أن الفلاسفة مختلفون في المبادئ ~~متفقون مع ذلك في قواعد السلوك، وهذا يدل على أنه لا يوجد بين القواعد وبين المبادئ ~~التي يدعون أنهم يستنبطوها منها صلة منطقية، الأمر الثالث أن الفلاسفة يضعون قضيتين ~~لا يمكن قبولهما: الواحدة أن هناك طبيعة إنسانية فردية واجتماعية هي واحدة في كل ~~زمان ومكان ومعلومة لهم إلى حد كبير يستطيعون معه أن يعينوا لها القواعد الملائمة ~~لكل حالة من حالات الحياة، والحقيقة أن التباين شديد جدا بين الناس أفرادا ~~وجماعات، والقضية الأخرى أن الضمير شيء مطلق وأنه يمن تبرير أوامره تبريرا ~~منطقيا، مع أن علم الاجتماع يقيم الدليل على أن الضمير نتاج الأيام وأن معانيه ~~ومبادئه وليدة تجارب وعادات تختلف نشأة وقدما اختلافا شديدا جدا، أما علم ~~الأخلاق فإنه يدرس الأفعال الإنسانية وقوانينها كما تقع عليها الملاحظة المباشرة ~~ويوردها التاريخ، وينتهي إلى أن الأخلاق مظهر للجماعة تابع لماضيها وديانتها ~~وعلومها وفنونها وعلاقاتها بالجماعات المجاورة وحالتها الاقتصادية؛ وإذن فالأخلاق ~~تختلف باختلاف الجماعات وأحوالها والأخلاق جميعا طبيعية، سواء في ذلك أخلاق ~~الأقوام المنحطة وأخلاق الأمم المتمدينة، ولما كانت الجماعة لا تستقر على حال ~~واحدة، فيلزم أن أخلاقها متطورة حتما بتطور العوامل الاجتماعية، وفائدة علم ~~الأخلاق أنه يسمح لنا بتكوين «فن خلقي» أي جملة من القواعد تعالج بها أحوالنا، دون ~~أن يكون لهذه القواعد صفة الإلزام، ودون أن يكون لأفعالنا قيمة ذاتية يعبر عنها ~~بالخير أو بالشر. # وفي كتبه الأخرى يذهب إلى أن المتوحشين لا يفكرون بمعان محدودة يتضمن بعضها ~~بعضا أو يناقض بعضها بعضا، ولكنهم يفكرون بصور خيالية ولا يراعون مبدأ عدم ~~التناقض، وأن هذا لون من التفكير سابق على تفكيرنا المنطقي فتفكيرنا المنطقي صناعي، ~~وأن التفكير البدائي هو التفسير الوحيد للاعتقاد بما فوق الطبيعة، ذلك الاعتقاد بأن ~~الأشياء حاصلة على قوى ms407 خفية تستطيع إحداث السعادة أو الشقاء، وما يلزم عنه من تكريم ~~تلك القوى واحترام التقاليد والخوف الديني أن يضطرب نظام المجتمع إذا أهملت الجماعة ~~عباداتها وتقاليدها. # ولم يكن ليڤي برول مبتكرا في أقواله هذه، فإنها أقوال الحسيين من عهد بعيد ~~أيدها بشواهد مستمدة من مذكرات المبشرين والسياح وهو جالس إلى مكتبه، ولسنا بحاجة ~~إلى الرد على نقده لفلسفة الأخلاق وقد طالما رددنا على مثله في سياق هذا الكتاب، ~~أما رأيه في تفكير المتوحشين فقد خالفه فيه بعض الاجتماعيين، ورد عليه برجسون في ~~كتابه «ينبوعا الأخلاق والدين» ص 159-169 من الطبعة الأولى، وانتهى هو إلى الإقرار ~~بأن هذا التفكير يفسر بالجهل والغرض والتسرع وما إلى ذلك من أسباب الخطأ المعروفة، ~~وأن المتوحشين لا يجهلون المبادئ الأولية ولكنهم يسيئون تطبيقها كما يسيء تطبيقها ~~أطفالنا والجهلاء منا. ~~(3) هنري بوانكاري (1854-1912) # هو واحد من فريق من العلماء يتابعون نقد رنوفي وبوڤرو للمعرفة العلمية، وله في ~~هذا النقد كتب مشهورة هي: «العلم والفرض» (1902) و«قيمة العلم» (1905) و«العلم ~~والمنهج» (1909) و«خواطر أخيرة» نشرت بعد وفاته (1913). # وهو يذهب إلى أن ليس للنظريات العلمية ما يدعيه لها المذهب الواقعي من قيمة ~~مطلقة، ففي تطبيقها، ولا سيما على الظواهر المستقبلة، يوجد دائما إمكان للتغير، ~~ويوجد أحيانا كثيرة ضرب من عدم المطابقة قد يسمح بتصور تفسير أخر، فالنظرية ~~العلمية قائمة دائما على قدر من الفرض، وما النظريات التي يقال إنها «حقيقية» إلا ~~«أنفع» النظريات أي التي تبسط للعالم عمله وتعطيه أجمل صورة من الكون؛ ذلك بأن ~~النظريات رموز مجردة يركبها العقل للتعبير عن العلاقات المشاهدة بين الظواهر، حتى ~~إن نظريتين متعارضتين يمكن أن تكونا كلتاهما أداة نافعة للبحث، ويمكن أن تكون ~~إحداهما أنفع من الأخرى؛ فبالنسبة إلى إدراكنا للأشياء نجد أن المكان الأقليدي ذا ~~أبعاد الثلاثة أنفع من الأمكنة المفترضة في الهندسات اللا أقليدية وليس له غير هذه ~~الميزة، ونظرية كوبرنك مجرد فرض وهي لا تمتاز على نظرية بطليموس إلا بأنها أبسط ~~وأنفع، وقد قلنا (199 ى) إن السبب في هذا الموقف ms408 هو أن العلماء صاغوا نظرياتهم في ~~شكل رياضي، ولاحظنا أن هذه الصياغة كانت ممكنة في علم الطبيعة فقط لبساطة المادة ~~وكثرة الإمكانيات في تنوع الحركة، ولكنها غير ممكنة في علم الحياة وعلم النفس حيث ~~يعود العقل إلى تحري خصائص الأشياء وإقامة نظريات «حقيقية». ~~(4) پيير دوهيم (1861-1916) # يلتقي مع پوانكاري في القول بنسبية العلم الحديث، وقد فصل رأيه وأورد عليه ~~الأمثلة والشواهد في كتاب معروف عنوانه «النظرية الفيزيقية، موضوعها وتركيبها» ~~(1906)، وفي كتاب آخر اسمه «نظام العالم، تاريخ المذاهب الكونية من أفلاطون إلى ~~كوپرنك» (في خمسة مجلدات 1913-1917) عرض هذه المذاهب عرضا وافيا فإذا بها ترجع ~~إلى مذهبين: أحدهما أن النظرية العلمية تفسير حقيقي للظواهر، كالمذهب الآلي عند ~~قماء فلاسفة اليونان وعند ديكارت، وهذا يجعلها ميتافيزيقية أو يربطها بنظرية ~~ميتافيزيقية، والآخر أنها مجرد تصور للظواهر وقوانينها لا يدعي النفاذ إلى جواهر ~~الأشياء، وهذا يجعلها افتراضا ليس غير، كالنظريات الفلكية التي نبتت في مدرسة ~~أفلاطون وسائر النظريات الطبيعية الرياضية التي تتالت بعد ذلك، والكتاب مرجع جليل ~~في تاريخ العلوم ومنها العلم الإسلامي وقد وقف عليه المؤلف من الترجمات اللاتينية ~~في العصر الوسيط. ~~(5) هنري برجسون (1859-1941) # ولد في باريس من أسرة يهودية قدمت فرنسا من إنجلترا، كان في المدرسة الثانوية ~~تلميذا نابها أظهر استعدادا نادرا للعلوم، ولكنه اختار الفلسفة، وتخرج في مدرسة ~~المعلمين العليا على أساتذة معروفين، منهم إميل برترو، ونجح في مسابقة الأجريجاسيون ~~(1881) فعين مدرسا للفلسفة في مدارس ثانوية بالأقاليم، ثم بباريس (1889) حيث ذاع ~~صيته بعد حصوله على الدكتوراه، فعين أستاذا في الكوليج دي فرانس (1901) حيث قضى ~~خمس عشرة سنة يلقي المحاضرات أمام جمهور عديد معجب أشد الإعجاب، ولما أعلنت الحرب ~~العالمية الأولى أرسل بمهمة إلى أمريكا، ولما كونت جمعية الأمم لجنة للتعاون الفكري ~~مؤلفة من اثني عشر عضوا انتخب هو رئيسا وظل يشغل منصبه هذا إلى سنة 1925، ثم ~~أصابه مرض أقعده إلى آخر حياته دون أن يحول بينه وبين العمل العقلي. # بدأ بأن كان ماديا على مذهب سبنسر، ولكن التفكير في الحياة ms409 النفسية قاده إلى ~~إنكار قول الماديين إنها مؤلفة من ظواهر منفصلة تتصل بموجب قوانين التداعي، وإن هذه ~~الظواهر من قبيل الظواهر الخارجية قابلة للقياس والحساب وجاءت رسالته للدكتوراه ~~«محاولة في الوقائع المباشرة للوجدان» (1889) معلنة لهذا الإنكار بقوة وبراعة لفتتا ~~إليه الأنظار، فتنفس الكثيرون الصعداء من أولئك المثقفين الذين كانوا يرزحون تحت ~~كابوس الآلية والجبرية، ومنذ ذلك اليوم كان هو زعيما من زعماء الروحية، # 2 # ثم شرع يتعمق خصائص الروح والعلاقة بينها وبين الجسم فوضع في ذلك كتاب ~~«المادة والذاكرة» (1896) وهو كتاب عسير الفهم في بعض المواضع، ورأى أن خصائص ~~الحياة النفسية متحققة في الحياة التامة أيضا، وأنه يستطيع أن يطبق نظريته في ~~الروح على الكون أجمع، فكان هذا موضوع كتاب «التطور الخالق» (1907) الذي كان له وقع ~~عظيم، ثم عكف على دراسة الأخلاق والدين، وبعد ربع قرن بالتمام أخرج كتابه «ينبوعا ~~الأخلاق والدين» (1932) فكان وقعه أعظم، فإنه يقيم فيه العقائد الميتافيزيقية على ~~التجربة الروحية ويشيد بالتصوف المسيحي، وتلك هي كتب أربعة رئيسية تحوي عرضا ~~شاملا للمذهب يضاف إليها كتيب في «الضحك» أو «محاولة في دلالة المضحك» (1900) ~~وكتاب «في الديمومة والتقارن» (1922) وضعه بمناسبة نظرية إنشتين في النسبية، ~~ومقالات ومحاضرات نشر بعضها بعنوان «الطاقة الروحية» (1919) والبعض الآخر بعنوان ~~«الفكر والمتحرك» (1933) وفي هذا المجلد الثاني مقالات هامة ضرورية لتمام الوقوف ~~على مذهبه، وهي: «الحدس الفلسفي» (ف 4) و«إدراك الغير» (ف 5) و«مدخل إلى ~~الميتافيزيقا» (ف 6). ~~«الوقائع المباشرة للوجدان» تشهد بأن الحياة النفسية تيار غير منقطع من الظواهر ~~المتنوعة، أي تقدم متصل من الكيفيات المتداخلة، بخلاف الظواهر المادية التي هي كثرة ~~من الأحداث المتمايزة المتعاقبة، والحياة النفسية تلقائية فإنها انبعاث من باطن ~~وخلق مستمر أو «ديمومة» # durée # لا تحتمل رجوعا إلى ~~الماضي وعودة ظروف بعينها، ولا توقعا للمستقبل ضروريا، كما تحتمل الظواهر ~~المادية، فعلم النفس المادي الذي يزعم تطبيق القياس على الظواهر النفسية وجعلها ~~«علمية» يخلط خلطا شنيعا بين الإحساس الذي هو فعل غير منقسم وبين المؤثر الفيزيقي ~~وزيادته ونقصانه، والواقع أن لا نسبة ألبتة بين الحدين، ms410 فالحياة النفسية كيف بحت ~~مباين للكم، على حين أن المادة متجانسة في جميع أجزائها، موجودة بجميع أجزائها ~~معا، باقية هي هي، حاضرها ومستقبلها كماضيها بغير تغيير، وإذا كنا نضيف الكم أو ~~الشدة إلى الظواهر النفسية فذلك لأننا نقرنها بالظواهر الجسمية التي تصاحبها أو ~~تترجم عنها، وهذه الظواهر الجسمية هي المقيسة في الواقع، فنقيس السرور أو الغضب ~~مثلا بالمساحة المنفعلة من جسمنا، وهما في الحقيقة كيفيتان خالصتان، ولا ينطبق ~~القياس إلا على المكان المتجانس من حيث إن القياس انطباق مكان على مكان، وإذا كان ~~العلم يعتمد على القياس ويطلب الدقة الرياضية فذلك لأن عقلنا قوة تقيس وأن مجاله ~~المستحب المكان والمادة، فيحاول أن يدخل على حياتنا النفسية تجانسا يسمح بقياسها، ~~وطريقته في ذلك أنه يسمي حالاتنا الباطنة فيتخيلها منفصلة بعضها عن بعض كالأسماء ~~الدالة عليها ومرتبة بعضها تلو بعض كأنها على طول خط، وينقل الألفاظ المنطبقة على ~~الماديات إلى المعنويات فيصف ظواهرنا الوجدانية بالشدة أو بالضعف ويقارن بينها على ~~هذا الاعتبار، ومن هنا تنجم الصعوبات في مسألة الحرية؛ فإننا نتصور دواعي العمل ~~كأنها وقائع متمايزة تتظاهر على أحداث الفعل أو تتعارض، فتفرض أن الحرية قوة أخرى ~~ناشئة من لا شيء هي التي تحدث الفعل أو تمنعه، والحقيقة أن ليس في عالم النفس آلية ~~وجبرية إذ أن الديمومة كيف محض وليست مركبة من أجزاء متجانسة قابلة لأن تتطابق، كما ~~أنه ليس في عالم النفس خلق من لا شيء مقطوع الصلة بالماضي، ولكن الحرية عين صيرورة ~~الأنا، والفعل الحر تقدم متصل يبدأ بضرب من العزم ثم ينمو هذا العزم وينضج مع النفس ~~كلها إلى أن يصدر عنها كما تسقط الثمرة الناضجة من الشجرة، فالخطأ الأكبر قائم في ~~الترجمة عن الزماني بالمكاني وعن المتعاقب بالمتقارن. # ولكننا لا نرى أن برجسون أفلح في إثبات الروح والحرية، أجل إن إباء الظاهرة ~~النفسية للقياس يدل على أنها صادرة عن مبدأ مغاير للمادة، ولا يدل على أن هذا ~~المبدأ مفارق للمادة: إن الإحساس والانفعال والتخيل والتذكر ظواهر نفسية ms411 وفسيولوجية ~~معا تتم في الأعضاء وبالأعضاء، فمحال أن تصدر من غير مشاركة الجسم، وقد غلا برجسون ~~في رفضه إضافة الشدة إلى الظاهر النفسية ظنا منه أن الشدة لقبولها التفاوت قابلة ~~للقياس كالكمية، والواقع أن الكيفية تختلف شدة، يشهد بذلك الفضيلة والملكة العلمية ~~أو الفنية، فإنها تتفاوت درجة وتمكنا دون أن يمكن تقدير هذا التفاوت تقديرا ~~عدديا، أما أن العقل قوة تقيس وأن مجاله المكان وحسب، فنظرية سيفصل برجسون القول ~~فيها ويبين دلائلها عنده، وسنعود إليها، وأما أن الحرية هي التلقائية فهذه خلط بين ~~الاثنتين: إن التلقائية مشتركة بين جميع الأحياء بل بين جميع الأجسام، فلئن كان ~~الجماد لا يتحرك إلا بفعل خارجي فإنه متى تحرك كانت حركته بفعل باطن ذاتي، إذ يمتنع ~~أن تكون الحركة شيئا ينتقل من المحرك إلى المتحرك ويعمل فيه، وعلى ذلك ليس القول ~~بأن الفعل الحر فعل تلقائي بمميز له من الفعل الآلي، ولا بمفيد معنى الحرية الذي هو ~~الاختيار المروي لفعل مع استطاعة عدم اختياره أو استطاعة اختيار ضده، ولكن مثل هذا ~~الاختيار يقتضي جوهرا ثابتا مغايرا للظواهر متحكما فيها، وقد ارتضى برجسون ~~نظرية في العقل تبطل الاعتقاد بالجوهر كما سنرى. # لما عاد إلى مسألة الروح في كتابه «المادة والذاكرة» عرف الروح بأنها ديمومة ~~وذاكرة، وميز بين نوعين من الذاكرة: ذاكرة هي عادة مكتسبة بالتكرار ولها جهاز ~~محرك في الجهاز العصبي، مثل الذاكرة التي تعي شعرا أو نثرا محفوظا عن ظهر قلب، ~~وذاكرة بحتة هي تصور حادثة انطبعت في الذهن دفعة واحدة واحتفظت بخصائصها وتاريخها، ~~مثل تذكري أني حفظت قصيدة، الذاكرة الأولى تردد الماضي والثانية تتصوره، وهي ~~الذاكرة الحقة، وهي لا تحفظ في الجسم، ونحن نحفظ جميع الصور ونحمل ماضينا بأكمله في ~~أدق تفاصيله، فالذاكرة هي الروح نفسها بما هي حياة وديمومة، ولكن الذكريات محفوظة ~~في حالة أشباح غير منظورة إذ أن الشعور خاصية الحالات النفسية الماثلة الآن الفاعلة ~~الآن فحسب، وما ليس بفعل فلا يخص الشعور وإن كان لا ينقطع عن الوجود على نحو ms412 ما، ~~وحياتنا الشعورية موجهة إلى العمل، ويبقى ماضينا وراءها في حالة ذكريات بحتة غير ~~مشعور بها، عديمة الصلة بالحاضر عديمة الفائدة العملية، ويتضح هذا بالنظر في ~~الأحلام، فإنها تتناول ماضينا كله ولا تقتصر على حالة حاضرة معينة يحدها الانتباه ~~والاهتمام كما يحدث في اليقظة، وتظهر الصور في مجال الشعور كلما أحوجنا إليها ~~العمل، ومهمة الجسم هي أن يجيء بها إلى هذا المجال فيحول الصور التي بالقوة إلى صور ~~بالفعل، فإن الجسم «مركز عمل» هو «ممر الحركات الصادرة والواردة، وأداة الوصل بين ~~الأشياء المؤثرة فينا وما نؤثر فيه من أشياء»: ليس بوسعه أن يحفظ صورا ولا أن يبعث ~~صورا، ولكنه يوفر للصور الوسيلة كي تصير مادية وتعود إلى الشعور، وفي حالة فقدان ~~الذاكرة ليست الروح هي المعتلة بل الدماغ، وليس هناك محو للذكريات بل اضطراب في ~~الأجهزة المحركة، وتبعا لذلك يقلب رأي الماديين رأسا على عقب؛ فإنهم يعتبرون ~~الجسم هو الموجود حقا ويعتبرون الشعور ظاهرة عارضة ويعتبرون الطرفين متوازيين، ~~والحقيقة أن الشعور في المحل الأول وأن الجسم آلته، تلك أهم قضايا الكتاب، وهي تدل ~~على أن برجسون ثنائي كديكارت يضع الروح والجسم الواحد بإزاء الآخر ولا يفطن إلى جسم ~~الحي يحيا ويشترك في الإحساس والانفعال والتخيل والتذكر كما أسلفنا، وأن تمايز ~~الروح والجسم لا يستتبع انفصالهما واستقلال الواحد عن الآخر في الوجود ~~والفعل. # خصائص الحياة النفسية متحققة في الحياة النامية أيضا، وكتاب «التطور الخالق» ~~يحوي دفاعا متينا عن هذا الرأي وتفسيرا للآراء الواردة في الكتابين السالفين، ~~يقول برجسون: ليس الكائن الحي مجرد مركب من عناصر سابقة كما يرى الآليون ولكن ~~الحياة شيء غير العناصر وشيء أكثر من العناصر، إن الكائن الحي «يدوم» ديمومة حقة، ~~فإنه يولد وينمو ويهرم ويموت، وهذه ظواهر خاصة به لا تبدو بأي حال في المادة ~~البحتة، وليست الأنواع الحية ناشئة من أصول متجانسة نمت وتحولت بتأثير القوى ~~الفيزيقية والكيميائية على ما شاءت الصدفة العمياء: هذا وهم من الآليين، فإنهم ~~ينظرون إلى الكائنات الحية فيحللونها بالفكر إلى بسائط ms413 ويجعلون من هذه البسائط ~~المعقولة أصولا تاريخية، على حين أن العضو في الكائن الحي «وحدة مركبة من آلاف ~~الخلايا المختلفة مرتبة ترتيبا معينا»: فكيف انضمت هذه الخلايا العديدة بالترتيب ~~المطلوب؟ ثم إن الكائن الحي، من جهته، وحدة مركبة من أعضاء تتكون بالنمو من الداخل ~~فكيف يمكن الادعاء بأن الكائن الحي تكون بالإضافة من الخارج على ترتيب معين في ~~أزمنة متطاولة؟ ثم إننا نلاحظ في سلاسل مختلفة من الأحياء منفصلة منذ عهد بعيد وحدة ~~تركيب في أعضاء معقدة غاية التعقيد، كالشبكية مثلا: فكيف اتفق لمثل هذه السلاسل أن ~~تنتهي إلى نتائج متشابهة في نقط مختلفة من المكان والزمان؟ بيد أن هذا النقد موجه ~~إلى التطور الآلي كما تصوره دروين وسبنسر لا إلى التطور إطلاقا ونحن نشاهد الأحياء ~~مراتب بعضها فوق بعض: فكيف نفسر ظهورها إلى الوجود؟ إن في بعض النبات تطورا ~~فجائيا يسمح لنا أن نتصور أن كل نوع من الأنواع الحية قد صدر دفعة واحدة عن «نزوة ~~حية» من وجدان شبيه بوجداننا وأعلى منه: «في وقت ما وفي نقط ما من المكان نبع تيار ~~حي واجتاز أجساما كونها على التوالي وانتقل من جيل إلى جيل وانقسم بين الأنواع ~~الحية وتشتت بين الأفراد دون أن يفقد شيئا من قوته بل إنه يزداد قوة كلما تقدم»، ~~ويزداد شعورا؛ فهو في النبات سبات وخمود، وفي الحيوان غريزة، وفي الإنسان عقل، ~~وهذه طبقات مختلفة بالطبيعة لا بالدرجة فقط، أما المادة فقد نشأت من وهن التيار ~~الحيوي أو توقفه، فما هي إلا شيء نفسي تجمد وتمدد، كما نشاهد في أنفسنا حين ندع ~~فكرنا يجري اتفاقا فيتبدد في آلاف من الذكريات تتخارج وتنتشر فتتراخى شخصيتنا ~~وتتنزل في اتجاه المكان، أو كما نشاهد الماء يندفع من النافورة ويرتفع خطا كثيفا ~~دقيقا ثم يهبط على شكل مروحة وقد انفصلت نقطه المتراصة وتباعدت وتساقطت في مساحة ~~أوسع، فالمادة شيء نفسي متراخ صار متجانسا وقابلا محضا وحدا أدنى من الوجود ~~والفعل، والعالم أجمع ديمومة أي اختراع وتجديد وخلق وتقدم متصل. ms414 # الآن نستطيع أن نفهم حقيقة المعرفة الإنسانية؛ فمتى كانت الصيرورة عين الوجود ~~وعين نسيج الأنا، كان الثبات ظاهريا أو نسبيا، ولم يعد هناك أشياء أو جواهر بل ~~عاد الوجود أفعالا وحسب، وعادت الأشياء والأحوال مشاهد يجتزئ بها عقلنا من ~~الصيرورة، وكانت معانينا ناشئة من هذه التجزئة، ونحن نميل طبعا إلى تجميد مشاعرنا ~~لنعبر عنها باللغة، وما المعنى الكلي إلا اسم يطلق على ذكريات تؤلف موقفا معينا ~~بإزاء طائفة من الأشياء هي التي يطلق عليها الاسم، إن العقل عاجز عن تصور الحركة ~~وعن تفسيرها، وهو لا يفهم حق الفهم إلا الجامد القابل للقياس، وحالما يتناول الزمان ~~والكيف يترجم عنهما بلغة المكان والكم، وهو يستخدم معاني محدودة ثابتة لا تصيب ~~شيئا من إنية الموضوع أو فرديته ولا تساوق الموضوع في ديمومته، هو قوة التفكير ~~المجرد المستدل، هو منبع حجج زينون المنكرة للحركة والكثرة، وقلما يعجز عن ~~التدليل على قضيتين متناقضتين، فالمعرفة الحقة حدس يدرك الموضوع في ذاته، ولكننا لا ~~نزاول هذا الحدس إلا نادرا بسبب ما يقتضيه من توتر النفس في مجهود شاق مؤلم ~~للنفاذ إلى باطن الموضوع ومتابعته في صيرورته، أما العقل فقد خلقه التيار الحيوي ~~للعمل لا للنظر كما خلق الغريزة في الحيوان، الغريزة قوة استخدام آلات عضوية بل قوة ~~تكوينها، والعقل قوة صناعة آلات غير عضوية، الغريزة إحساس لا استدلال، وهي تعمل دون ~~تردد ولا تربية، وتعمل على نحو معين، والعقل بحاجة إلى التربية والتروية، ولكن ~~مجاله أوسع بكثير، من هذه الأقوال نتبين أن برجسون يتصور العقل على طريقة ديكارت ~~فيظن وظيفته مقصورة على إدراك معان واضحة متميزة على مثال المعاني الرياضية وأنه ~~لا يدرك القوة والحركة والحياة فيرد النبات والحيوان وجسم الإنسان مجرد آلات، فإذا ~~ما رأى برجسون بطلان هذه النتيجة اتهم العقل ذاته واصطنع مذهبا لا عقليا والتمس ~~المعرفة الحقة في حدس لا ندري ماذا يحدس والوجود صيرورة محضة خلو من ماهيات ~~تدرك. # التيار الحي الخالق للروح والمادة هي يكون الله؟ إنه لشبيه بالله، وكثير من ~~عبارات ms415 برجسون يؤدي هذا المعنى إلى ذهن القارئ، منها قوله: «إن فكرة الخلق تغمض ~~بالكلية إذ فكرنا في «أشياء» مخلوقة و«شيء» يخلق؛ أما أن يتضخم الفعل كلما تقدم وأن ~~يخلق كلما تقدم، فهذا ما يشاهده كل منا حين ينظر إلى نفسه وهو يفعل» وقولوه: «إذا ~~كان الفعل الذي يتم في كل مكان من نوع واحد فإني أعبر تعبيرا مختصرا عن هذا الشبه ~~الغالب حين أتحدث عن مركز تنبع منه العوالم كما تنبع الصواريخ من باقة عظيمة، على ~~أن لا أقصد بهذا المركز «شيئا» معينا بل أقصد به نبعا متصلا، فالله على هذا ~~التعريف، ليس حاصلا على شيء تام، ولكنه حياة غير منطقعة وفعل وحرية، وخلقه، على ~~هذا التصور، لا خفاء فيه، فإننا نحسه في أنفسنا حالما نعمل بحرية»، وعلى هذا يكون ~~برجسون من أصحاب وحدة الوجود، ولكنه أعلن إلى أحد النقاد أنه في العبارات المذكورة ~~وأمثالها «يتحدث عن الله باعتباره الينبوع الذي تخرج منه على التوالي - بفعل حر - ~~التيارات التي يكون كل منها عالما، وأن الله من ثمة متمايز منها»، هذا الإعلان ~~ينسخ قول أن ليس هناك شيء خالق وشيء مخلوق، ولا يتفادى وحدة الوجود من حيث إن الخلق ~~عنده نبع وصدور عن ذات الله فيكون المخلوق من عين ماهية الله، ولكن برجسون - منذ ~~ذلك التاريخ - يذكر الله كأنه موجود مفارق للتيارات والعوالم، ونحن مضطرون أن نسلم ~~بهذا القصد مع ما نجد من صعوبة الملاءمة بينه وبين المذهب. # ولكن مسألة تقوم حينئذ وهي هذه: كيف نعلم أن الله موجود وأنه متمايز من العالم؟ ~~لا مجال للتدليل العقلي على وجود الله في فلسفة تنكر على العقل قيمة النظرية في ~~معانيه ومبادئه، والواقع أن برجسون ينتقد الأدلة السلفية ويرفضها رفضا باتا، ~~فدليل المحرك الأول مستبعد من جراء مبدأ المذهب أن ليس يوجد سوى حركة بغير محرك ولا ~~متحرك، ودليل العلل الغائية يتنافى مع المذهب كذلك، فأولا الغائية تعين صورة ~~المستقبل ونحن نعلم أن الديمومة خلق متجدد، ثانيا الغائية تشبه عمل الطبيعة بعمل ~~الصانع ms416 الإنساني يركب قطعا وأجزاء ليحقق نموذجا، بينما الطبيعة تكون أو تعضون ~~وتخرج الكائن الحي بأكمله من خلية تتكثر، والدليل المستمد من نظام العالم ساقط هو ~~أيضا: أين النظام؟ إذا دققنا النظر في العالم «بدا الفشل كأنه القاعدة، وبدا ~~النجاح كأنه الاستثناء وكان دائما ناقصا»، «إن النوع والفرد لا يفكران إلا في ~~ذاتهما فينشأ من هنا خلاف مع سائر صور الحياة، فليس يوجد التناسق في الواقع»، ثم إن ~~النظام ليس شيئا حادثا ممكنا مجرد الإمكان حتى يطلب تفسيره، بل من الضروري أن ~~يوجد نظام ما، والاضطراب المطلق غير معقول. # هذا النقد للأدلة على وجود الله ليس بأقوم من النقود الكثيرة التي سبقته، إن دليل ~~المحرك الأول لا يستبعد إلا في مذهب ينطوي على التناقض إذ يقول بحركة صرفة دون شيء ~~يحرك ولا شيء يتحرك ولا شيء إليه يتحرك، ودليل الغائية قائم إذ لولا الغاية لما ~~كانت الحركة أو وقعنا في التناقض المذكور الآن، لذا دعا أرسطو الغاية علة العلل، ~~والشيء المنظم مفتقر إلى منظم سواء أحدث بتركيب أجزاء أو بتعضون، ففي الحالتين ~~الأجزاء (أو الأعضاء) تابعة لنظام الكل والكل مع ذلك لا يوجد إلا بها فلا بد من سبق ~~وجود فكرة الكل في عقل ما، أو ليس يستخدم برجسون مبدأ الغائية في مناقشة التطور ~~الآلي؟ وأي التصورين أمعن في البطلان: تصور الموجود يركب من أجزاء تضاف شيئا ~~فشيئا، أو تصوره يخرج كله دفعة واحدة دون غرض سابق، وكيف يرد دليل النظام بعد ما ~~تقدم؟ إن انتظام الكائنات كل على حدة أمر لا شك فيه، وانتظامها فيما بينها هو ~~الغالب، وليس ينهض الاضطراب أو ما يبدو كذلك حجة على النظم حيثما يوجد النظام، وكيف ~~ينكر فيلسوفنا وجود النظام ثم يقول إن النظام ضروري؟ إما هذا وإما ذاك. # إذا كانت الأدلة على وجود الله غير ناهضة فكيف نعرف الله؟ لا يبقى لدينا سوى ~~التجربة، والواقع أن برجسون يدعي إقامة ميتافيزيقا تجريبية مبدؤها أن كل موجود فهو ~~بالضرورة موضوع تجربة حاصلة أو ممكنة، ويرى ms417 أن لدينا تجربة إلهية فيقول: «إن حدس ~~ديمومتنا يصلنا بديمومة تتوتر وتتركز وتزداد اشتدادا حتى تكون الأبدية في الحد ~~الأقصى»، وأبدية الله ديمومة كذلك، وهنا يفترق برجسون عن الفلاسفة الذين يرون أن ~~الله ثابت مستكف بنفسه فيقول: «ولكن الموجود الكافي نفسه ليس غريبا عن الديمومة ~~بالضرورة» و«إن في الحركة لشيئا أكثر مما في الثبات»، إن إله الفلاسفة وليد ~~العقل ونتاج فعله المجرد المجمد! وهكذا يطبق بجرسون فلسفة الصيرورة إلى النهاية، ~~ويستعيض عن الإله الثابت بإله متغير، أي إن الله عنده موجود نسبي مركب من فعل وقوة، ~~موجود ناقص «يتضخم كلما تقدم» ويكتسب شيئا جديدا بلا انقطاع، وليس هذا شأن الله ~~أو العلة الأولى، كما ذكرنا غير مرة، يظن برجسون أن الثبات معناه الجمود، والواقع ~~أن الفلاسفة يثبتون أن الله حي بل الحياة بالذات ويريدون بثباته أن حياته هي هي ~~دائما، كما يجب للعلة الأولى. # بعد ظهور كتاب «التطور الخالق» الذي لخصنا نقطه الأساسية، كان الاعتقاد العام أن ~~هذه النظرية لا تسمح بإقامة فلسفة أخلاقية، على اعتبار أن هذه الفلسفة تستلزم معاني ~~ومبادئ ثابتة تدبر السيرة الإنسانية وأن الصيرورة لا تحتمل شيئا ثابتا، بيد أنه ~~لم يكن من الممكن أن تظل فلسفة تدعي أنها روحية بغير أن تعرض للأخلاق وللدين، ففكر ~~الفيلسوف وقدر ربع قرن وأخرج لنا «ينبوعا الأخلاق والدين» فأتم بهذا الكتاب مذهبه ~~دون أن ينبذ أو يغير شيئا من المعاني والمبادئ التي سبق له عرضها، «الينبوعان» هما ~~الغريزة والحدس، وقد صادفناهما، وكل من هاتين الوظيفتين يوجد أخلاقا معينة ودينا ~~معينا، فيكون هناك نوعان من الأخلاق ونوعان من الدين، أحد نوعي الأخلاق أخلاق ~~ساكنة مغلقة، والآخر أخلاق متحركة مفتوحة، يتقوم النوع الأول في جملته من عادات ~~تفرضها الجماعة ابتغاء صيانة كيانها بحيث يعتبر خيرا ما يكفل هذه الصيانة ويعتبر ~~شرا ما ينال منها فيبدو الواجب «رباطا من قبيل الرباط الذي يجمع بين نمل القرية ~~الواحدة أو خلايا البدن الواحد» «ومن هذه الوجهة يفقد الواجب خاصيته النوعية (أي ~~الخلقية) ويتصل بأعم ms418 الظواهر الحيوية» غير أن هناك فارقا، وهو أن الإنسان حاصل على ~~عقل وحرية، وحينئذ «يبدو لنا الواجب بمثابة الصورة التي تتخذها الضرورة في مجال ~~الحياة حين تقتضي في سبيل تحقيق غايات معينة العقل والاختيار ومن ثمة الحرية»، فهذا ~~النوع من الأخلاق صادر عن الغريزة وعن الضرورة الاجتماعية؛ والأخلاق هنا في مستوى ~~أدنى من مستوى العقل، هي أخلاق الجماعات المغلقة على أنفسها. # أخلاق النوع الأخر تجاوز حدود الجماعة وترمي إلى محبة الإنسانية قاطبة بل الخليقة ~~بأسرها، تظهر في بعض الأفراد الممتازين يسمعون في أنفسهم نداء الحياة الصاعدة ~~فيتملكهم انفعال خالص غير ذي موضوع فائق لمستوى العقل شبيه بالانفعال الموسيقي الذي ~~«لا يتصل بشيء» هؤلاء هم «الأبطال» أمثال أنبياء بني إسرائيل أو سقراط، يجذبون ~~الناس بالقدوة لا بالاستدلال، ومجرد وجودهم نداء، وأخلاقهم هي الأخلاق الكاملة ~~المطلقة، لا تعرض قانونا ينفذ بل مثلا يحتذى، «إن الفعل الذي تنفتح به النفس يوسع ~~ويرفع إلى الروحانية الخالصة أخلاقا سجينة مشخصة في عبارات»، وذلك هو المعنى ~~العميق لما في «العظة على الجبل» من معارضات، حيث يقول المسيح: «قيل لكم ... وأقول ~~لكم»، أخلاق الإنجيل أخلاق النفس المتفتحة، غير أنه يجب أن نذكر دائما «أن الضغط ~~الاجتماعي وفورة المحبة مظهران للحياة متكاملان» أي إن نوعي الأخلاق مظهران طبيعيان ~~للتطور الحيوي ومرحلتان في تقدمه، الأخلاق المتحركة انفعال بحت عند «البطل» ومثال ~~يحتذى عند الجمهور، وليست قانونا خلقيا ملزما في صميم الضمير، فالإلزام الخلقي ~~مفقود في الأخلاق بنوعيها. # كذلك الحال في الدين، فهناك دين ساكن وآخر متحرك، نشأ الأول من إرادة اتقاء ما قد ~~يكون العقل من أثر مرهق للفرد ومفكك للجماعة إذا ما فكر العقل في الموت وفي مخاطرات ~~المستقبل وفي أسس الحياة الاجتماعية، هذه الإرادة تبعث في الإنسان «الوظيفة ~~الأسطورية» فتنهض هذه تصور حياة آجلة، وتخترع قوات فائقة للطبيعة خيرة أو شريرة، ~~وتروي «قصصا كالتي تروى للأطفال» فتضع عقيدة وتثبت سنة، هذا الدين شأنه شأن ~~الغريزة في الجماعات الحيوانية «يحمل الإنسان على التشبث بالحياة ومن ثمة على ~~التشبث ms419 بالجماعة» أما الدين المتحرك فهو امتداد القوة الحيوانية، وهو انفعال صرف ~~«مستقل عن السنة وعن اللاهوت وعن الكنائس» يظهر في بعض الأفراد الممتازين الذين هم ~~المتصوفون. ~~«إن الله محبة، وهو موضوع محبة: هذا ما يجيء به التصوف» و«نهاية التصوف اتصال ~~جزئي بالجهد الخالق تنكشف عنه الحياة، هذا الجهد هو في الله إن لم يكن نفسه»، لقد ~~حاول الفكر اليوناني أن يرتفع إلى هذه القمة فلم يبلغ إليها، وذلك لأن التصوف التام ~~فعل وقد اتبع فلاسفة اليونان طريقا عقلية صرفة واعتقدوا أن العمل أدنى من النظر، ~~أو أنه «تضاؤل النظر»، وقد كان للهند تصوفها، ولكن التشاؤم منع هذا التصوف من المضي ~~إلى غاية شوطه، وقد أعوزت البوذية الحرارة وأعوزها الإيمان بفاعلية العمل الإنساني ~~والثقة به، والثقة هي التي تستطيع أن تصير قوة تنقل الجبال، التصوف التام هو تصوف ~~كبار المتصوفين المسيحيين، ومحال أن يشبهوا بالمرضى فإنهم ذوو صحة عقلية متينة ~~نادرة، من علاماتها ميلهم إلى العمل وقدرتهم على التكيف مع الظروف، إنهم أشباه ~~أصيلون، ولكن ناقصون، لما كانه على وجه التمام مسيح الأناجيل؛ وعلى ذلك فالتصوف ~~«يوفر لنا الوسيلة لتناول مسألة وجود الله وطبيعته على نحو تجريبي». # هذه النظرية تجمع بين النظرية الاجتماعية والنظرية الروحانية بأن تجعل للدين ~~صورتين طبيعيتين على السواء إحداهما سفلى متأصلة في الحياة البيولوجية والأخرى عليا ~~راجعة إلى ما في التيار الحيوي العام من قوة انتشار وصعود، بيد أننا نرى أن الدين ~~أيا كان يقوم في علاقة يدركها الإنسان بينه وبين الله، وهذا هو الدين الطبيعي أي ~~العقلي الذي يمكن استخلاصه من القصص والخرافات وتسويغه بالعقل، وأن لا حاجة إلى ~~افتراض وظيفة أسطورية وهبتنا الطبيعة إياها خصيصا لتحقيق غايات حيوية، فما هي إلا ~~المخيلة تكسو الأفكار ثوبا من الصور المحسوسة، ونرى أن التيار الحيوي قاصر عن أن ~~يصلنا بالله لعلو الله عن كل مخلوق علوا كبيرا، وأن «تجربة الله» شعور بالحضور ~~الإلهي سببه تنزل من قبل الله وإشعار لنا من لدنه، ومن الغريب أن برجسون بعد أن ms420 ~~أعلن أن التصوف وسيلتنا لمعرفة الله معرفة تجريبية، عاد فقال إن النفس إذا ما وصلت ~~إلى حال التصوف «لا تسأل نفسها إذا كان المبدأ الذي تتصل به هو العلة المفارقة ~~للأشياء أو وكيلا أرضيا عنها، ولكنها تكتفي بأن تحس أن موجودا أقدر منها بكثير ~~يتغلغل فيها دون أن تفني فيها شخصيتها»، وإذن فالتصوف لا يعطينا الله، بل إن برجسون ~~يقول إن التصوف لا يعنى بالأمر. كيف إذن قرأ برجسون المتصوفين المسيحيين؟ لقد قرأهم ~~خلال آرائه ومقاصده تحدوه رغبة خفية في استخدامهم لا في الأخذ عنهم، إنه يضعهم في ~~رأس المتصوفة، ولكن لأي سبب؟ لميلهم إلى العمل، ونجاحهم في العمل، والعمل جوهر ~~الوجود عند فيلسوفنا، أما عقيدتهم فلا يحفل بها، وهو يقول أن لا أهمية للعلم إن كان ~~المسيح إلها أو إنسانا، على أن تصفح كتبهم يبين لنا بوضوح أنهم أصحاب عقيدة معينة ~~يؤمنون بها ويحيون بها ولها، وأن العمل - عند الذين زاولوه منهم - امتداد للنظر ~~غايته نشر ملكوت الله، وأنهم إنما يطلبون الله ويدعونه، وأنهم يجدون الله، لا ~~وكيلا عن الله أيا كان هذا الوكيل، والمتصوف المسيحي الذي يتصوره دينه على ~~الطريقة البرجسونية يخرج على المسيحية، أي الذي يبتر العقائد من الدين ويبتر ~~«القصص» القائمة عليها هذه العقائد ليقنع بطلب انفعال صرف يجهل مصدره، لقد كان على ~~الفيلسوف أن يأخذ التجربة كاملة، ولو اقتضته مراجعة فلسفته، تلك الفلسفة التي تنتهي ~~في الواقع إلى نفس النتائج التي انتهى إليها المذهب «العقلي» الآلي الذي يعارضه ~~برجسون، إذ أن مذهب الصيرورة لا يسمح بإثبات نفس دائمة، ويتصور الحرية مجرد ~~تلقائية، والفعل الخلقي إما فعلا ضروريا أو انفعالا بحتا بغير اختيار ولا ~~إلزام، والدين مجرد انفعال أيضا خلوا من الإله الحق. # وقد نقول إن آراء برجسون معروفة يما سبق من الفلسفة؛ فالصيرورة وردت عند هرقليط ~~وهجل، وتلقائية الحياة وردت عند شلنج ومين دي بيران وراڤيسون، وصدور الموجودات عن ~~النزوة الحيوية شبيه بصدورها عن النفس الكلية عند أفلوطين، والاسمية ونقد العقل ~~ركنان أساسيان في المذهب ms421 الحسي، والآراء في الأخلاق والدين ورد مثلها كثيرا في ~~العصر الحديث، ولكننا نقول إنه بالرغم من هذا يعد أكبر فيلسوف ظهر في فرنسا من عهد ~~بعيد لما بذله من براعة في الجمع بين هذه الآراء والتجديد في عرضها، ولعله أكبر ~~فيلسوف على الإطلاق في هذا النصف الأول من القرن العشرين، وقد كان نفوذه واسعا ~~عميقا، فقد أذاع لونا من التفكير وأسلوبا من التعبير طغيا على سائر فروع ~~المعرفة العلمي وتجاوزها إلى الأدب، وكانت دلالاته التاريخية أنه قصد إلى إنقاذ ~~القيم التي أطاحها المذهب المادي؛ فهو يبدو من هذه الوجهة وكأنه واحد من أولئك ~~«الأبطال» الذين أشاد بهم، أولئك الذين يقومون في الإنسانية ليعلنوا إيمانهم بالروح ~~وينبهوا إخوانهم على أن الكون المادي ليس وطنا لهم وإنما «الكون آلة لصنع آلهة»، # 3 # وقد مضى هو بكل إخلاص في طموحه وتفكيره حتى بلغ إلى المسيحية ~~الكاثوليكية، ولولا الاضطهاد المعروف الذي شن على اليهود لاعتنقها ولكنه أراد أن ~~يظل بين المضطهدين، وتمنى لو أن قسيسا كاثوليكيا يسير في جنازته ويصلي على جثمانه، # 4 # كيف اجتمعت في عقله عقائد المسيحية وفلسفة الصيرورة والاسمية؟ لا ندري، ~~ولكن الذي ندريه هو أن الفلسفة شيء لا يذكر بالقياس إلى هذا التوجه إلى الله في ~~الوقت الرهيب الذي يسبق الخروج من هذا العالم. ~~(6) أندري لالاند (1867) # أستاذ المنطق بالسوربون، ولما أنشئت الجامعة المصرية طلبت إليه أن يدرس بها ~~فتخرج على يديه الفوج الأول من طلاب قسم الفلسفة، ثم عادت فاستقدمته مرتين فتخرج ~~على يديه فوجان آخران، وجميع الذين عرفوه، من أساتذة وطلاب، يحفظون له أجمل الذكرى ~~لسجاياه العالية، وعنايته الأبوية بالطلاب بالقاهرة وبباريس، ومشاركته الفعالة في ~~إقرار التقاليد الجامعية في الجامعة الناشئة على العموم وفي كلية الآداب على ~~الخصوص. # آمن بالأخلاق منذ أن شرع يفكر لنفسه، وكان مذهب التطور هو السائد حينذاك في ~~العلم والفلسفة، وكان هربرت سبنسر حامل لوائه في الميدانين، إذا كانت كتبه عبارة عن ~~تلخيص العلوم تبعا لقانون التطور، وقد بلغ ضجيج الأشياع والخصوم أقصى حد، فأراد ms422 ~~الأستاذ لالاند أن يدير الرسالة التي يتقدم بها للدكتوراه على «الأخلاق والتطور» ~~وهو يشعر شعورا قويا بتعارض أساسي بين مدلول هذين اللفظين، وأخذ ينعم النظر في ~~المسألة، فإذا هي تتشعب إلى مسائل متصلة بها، وإذا هو يلاحق هذه المسائل، حتى انتهى ~~بعد سنين سبع (1892-1899) إلى كتاب ضخم جعل عنوانه هكذا: «في الفكرة الموجهة ~~للانحلال ومعارضتها للفكرة الموجهة للتطور في منهج العلوم الطبيعية والأخلاقية»، ~~لكل من لفظي الانحلال والتطور معنى جرى به استعمال سبنسر: التطور # Evolution # ترقي الكائن من التجانس إلى التنوع ~~وتكامله على هذا النحو، وإن يكن اللفظ في حد ذاته لا يدل على غير التحول أو ~~الانقلاب من حال إلى حال أيا كانت، والانحلال # Dissolution # عكس التطور، أي تفرق العناصر المؤتلفة، بل عودة العناصر ~~المتنوعة إلى التجانس، غير أن الأستاذ لالاند وجه لفظ الانحلال إلى معنى إيجابي ~~مختلف عن هذا المعنى السلبي، فدل به على ارتداد المتنوعات المتنازعات إلى وحدة عليا ~~هي ترق وتقدم، على ما سيتبين بعد حين، ولكن الناس كانوا قد ألفوا المعنى السلبي ~~وحده كمدلول للفظ الانحلال، فمكان هذا اللفظ مدعاة لشيء كثير من التردد وسوء الفهم ~~لدى قارئي الرسالة، ثم إن الرسالة كانت مثقلة بشواهد مستمدة من علوم الطبيعة ~~والحياة والاجتماع، وكان تقدم هذه العلوم يبطل كثيرا من هذه الشواهد، وكان الأستاذ ~~لالاند دائب التفكير في كل ذلك بالطبع، فلما آن الأوان عاد إلى رسالته بالتنقيح ~~والحذف والإيجاز، مع محافظته على الفكرة الأساسية، وأخرج طبعة ثانية بعنوان ~~«الأوهام التطورية» # Les illusions évolutionistes ~~(1930 في 460 ص) وهو عنوان أضيق من محتوى الرسالة، إذ أنها لا تقتصر على تبديد بعض ~~أخطاء وقعت فيها فلسفة التطور، ولكنها تشتمل على قسم تركيبي هو مذهب المؤلف وهو إذن ~~القسم الأهم، في هذه الطبعة الثانية أبدل كلمة # Dissolution # التي تعني الانحلال بكلمة # Assimilation # أي التمثيل أو التحول من الاختلاف ~~إلى التشابه، كتمثيل الكائن الحي غذاءه، وبكلمة # Involution # وهي تستعمل بالإنجليزية منذ منتصف ~~القرن التاسع عشر بمعنى مضاد لمعنى # Evolution ms423 # وبنوع ~~خاص بمعنى اضمحلال الكائنات المنوعة وانحطاطها، ولكن الأستاذ لالاند يريد بها ~~المعنى الذي أراده في الأصل وهو ارتداد المتنوعات إلى ضرب من التجانس العالي أو ~~تراجعها إلى وحدة عليا، وقد أضاف هوامش عديدة تناول فيها نتائج مؤلفات أحدث عهدا، ~~وبين موقفه الخاص، وتعد رسالته من أهم المصنفات في الفلسفة الفرنسية المعاصرة لما ~~امتازت به من سمو المقصد ودقة التحليل وقوة الحجة وبعد المرمى في نصر الروحية على ~~المادية. # يعتبر الأستاذ لالاند مذهب التطور مجرد فرض، ثم يسلم بأنه الآن أقرب الفروض إلى ~~الحقيقة، وأن تاريخ الحياة على وجه الأرض يتلخص في أنها قوة تعمل على إيجاد كائنات ~~أكثر فأكثر تركزا وملاءمة مع البيئة، وأنها منذ أدنى صورها وأبسطها توكيد للفردية ~~واجتهاد في تنميتها على حساب المادة البحتة وحساب سائر الأحياء؛ ومن ثمة تنازع ~~مستمر للبقاء، بيد أن هذا المذهب الواسع تعوزه الدقة ويشوبه التناقض، وهو مع ذلك، ~~أو من أجل ذلك، رائج لدى الجمهور لأنه يخاطب المخيلة، إذا كان التطور أمرا ~~مشاهدا، فمشاهد أيضا أن الكائن الحي يبذل مجهودا هائلا في دفع العدوان عليه، ~~وأنه بذلك يحافظ على كيانه فيصون نوعه من التغير، على أن هنالك ما هو أعظم خطورة: ~~إذا كان التنوع قانون الحياة، فإن لعالم الجماد قانونا آخر لم يعره أصحاب التطور ~~ما يستحقه من عناية، إن الطبيعة بأسرها تتقدم في اتجاه محتوم هو تناقض الاختلاف ~~وبوجه خاص تناقص التفاوت بين الطاقة والكتلة، أي إنها تتقدم ببطء صوب ما يسميه ~~العلماء موتها الطبيعي، صوب حال يتلاشى فيها الاختلاف، وتتلاشى الطاقة، ويتحقق ~~توازن تام لا يختل من تلقاء نفسه بعد ذلك، والحياة مسوقة إلى هذه النهاية، فالقانون ~~الأعم قانون تساو وتوازن، وسير الطبيعة في جملتها تراجع لا تتطور، والذي ينحاز إلى ~~جانب الحياة، ويصطنع لنفسه مذهبا ما تنم عليه من روح انتشار وفتح، ينحاز إذن إلى ~~قضية خاسرة. # هذا التراجع تنفر منه الغريزة الحيوية وتفزع من نهايته المحتومة التي هي القضاء ~~على الحياة، ولكن العقل يرضى عنه كل ms424 الرضا، والعقل لا يدرك إلا الماهية الثابتة، ~~ولا يقدر أنه فسر الأشياء إلا إذا ردها إلى ضرب من الوحدة والمساواة، «من الوجهة ~~المنطقية، كل فارق فهو أمر حادث يدعو للعجب ويتطلب تفسيرا بل تصحيحا، إذا رأيت ~~برجين غير متساويين فوق بناء بعينه، وسطحين مختلفين في بقعة من الماء بعينها، ~~وميلين متعارضين في شعب بعينه، فإن عقلي يبحث حتما عن سبب هذا التباين»؛ وعلى ذلك ~~فبين العقل والجماد الثابت المتساوي اشتراك ومماثلة، وبينه وبين الحياة المتغيرة ~~المتنوعة تقابل ومخالفة، فإن النمو - وهو الخاصية الأساسية للحياة - شيء غامض قليل ~~المعقولية، إن العقل وظيفة تمثيل، إنه يعمل على تمثيل الأشياء لذاته بأن يطبق عليها ~~معانيه ومبادئه فيجعلها معقولة، وعلى تمثيل الأشياء بعضها لبعض وبذلك يفسرها ~~التفسير العلمي، وعلى تمثيل العقول بعضها لبعض وبذلك يحقق موضوعية العلم، فالعمل ~~العقلي تراجع؛ لأن للكائن العاقل خاصية لا توجد إلا له وحده وهي أنه لا يعمل بما هو ~~عاقل إلا إذا تصور العمل وقدر له قيمة، فهو في جميع أفعاله المروية يصدر عن «أحكام ~~تقويمية» تقدر قيم الأشياء وتقرر «الأفضل» أو «ما يجب أن يكون» وتبدو في ثلاث صور: ~~«الحقيقة» في مجال النظر، و«الخير» في مجال العمل، و«الجمال» في مجال الإحساس، فأما ~~الحقيقة فتبدو في التمثيل الذي ذكرناه، وأما الخير فهو تمثيل كذلك إذ أن القاعدة ~~الخلقية حكم يصدره العقل بالعدول عن الغريزة وعن العاطفة الخاصة إلى أمر رفيع مشترك ~~بين الناس، وجميع المذاهب الأخلاقية تقويمية بالضرورة، وأما الجمال أخيرا فهو ~~تمثيل وتقويم أيضا مهما يظن بأن قوامه الذوق الشخصي والأصالة الحرة؛ إذ أن الفن ~~يرمي دائما إلى التعبير عن فكرة كلية أو عاطفة مشتركة. # ويظهرنا التاريخ على أن العقل قد عمل على توجيه التقدم الإنساني، في الفرد ~~والمجتمع، وجهة معارضة تمام المعارضة للغريزة والتطور المتنوع، أجل لقد كان هذا ~~العمل ضعيفا بطيئا متفاوت الحظ من النجاح، ولكنه كان مستقيما متصلا في تصميم ~~وعناد، إن مذهب التطور يثير الغريزة ويبرر جموحها من حيث إنها مظهر القوة الحيوية ms425 ، ~~ويحاول أن يرد إليها استعداداتنا العقلية والخلقية على أن هذه الاستعدادات نماء ~~الغريزة وازدهارها، فيخلط بين دائرتين لا اشتراك بينهما، ويتجاهل ثنائية الإنسان ~~بالرغم من إلحاح الأخلاقيين فيها، ولما كان لا يميز بين الأخلاق والبيولوجيا فإنه ~~ينظر إلى الفتح والاستعمار كأنهما مظهران سائغان من مظاهر الحيوية، ويقدس الأنانية ~~القومية، ويعد تقدما ورقيا تنظيم المجتمع على غرار التنظيم البيوولجي وما ينطوي ~~عليه من تفاوت الأجزاء وإخضاع بعضها لبعض، فلا يرى سبنسر من غاية قصوى سوى ازدياد ~~الحياة، ولا يرى دروين من وسيلة لتحسين الإنسان سوى مصلحة الفرد وانتخاب الأصلح كما ~~في الحيوان، ومن هنا نشأت أخطاء أو أوهام هي أبلغ أخطاء عصرنا ضررا، أما العقل فقد ~~اتجه دائما إلى التقريب بين الناس، وإلى تكوين مجموعة من الحقائق تؤلف تراثا ~~مشتركا بين الجميع وإلى الاستعاضة عن العلاقات القائمة على القوة بعلاقات صادرة عن ~~العدالة، وإلى سن قوانين تستطيع الإدارات جميعا قبولها وتنفيذها طوعا، وإلى إعلاء ~~قدر الخيرات العقلية والروحية، وهي التي تحتمل المشاركة فيها دون نقصان أو زوال، بل ~~إن حظ كل فرد منها يتعاظم كلما تكاثر عدد المشاركين فيها، وإلى تحويل ما في الحياة ~~من شهوة عمياء ونزوع نهم للفتح والتملك إلى محبة مستنيرة لإخواننا في الإنسانية، ~~بتأثير العقل انتشرت فكرة المساواة بين الأفراد في الحقوق والواجبات القانونية ~~والسياسية، فدب الوهن في الطبقات الاجتماعية وتحللت رويدا رويدا في الهند ومصر ~~وروما، في العصر القديم والعصر الوسيط، وبتأثير العقل استحال نظام الأسرة من السلطة ~~إلى الحرية، وتدرجت حال المرأة من الانزواء والخنوع إلى المساواة بالرجل، وشاعت ~~فكرة السلام العام والاتحاد بين الدول من المثقفين إلى الجمهور، فليست الأفكار ~~الأخلاقية مجرد أفكار، ولكنها قوى تعمل في الواقع وتكيف الطبيعة الإنسانية والمجتمع ~~الإنساني بالرغم من مقاومة الأنانية البيولوجية، وهكذا يوجد الفكر المروي في هذا ~~الميدان نوعا جديدا من التراجع، أو هو يدفع بالتراجع إلى الأمام على نحو خاص به ~~هو وبوسائل جديدة، فإذا بالتراجع هو في حقيقة الأمر القانون العام للطبيعة، وإذا ~~بمذهب التطور ms426 ، وقد ظن أنه يجد في دائرة الحياة خير ميدان لتأييد مبادئه، يفوت أهم ~~ما في الدائرة الإنسانية وأدعى ما يستدعي النظر. # بعد هذا الوصف للعقل والدفاع عنه، قضى الأستاذ لالاند حياته في تعمق وجهة نظره ~~وتأييدها، يحدوه الإيمان بخطرها البالغ في بناء العلم وتوجيه الحياة وتدبير السيرة، ~~فنشر كتابا في «نظريات الاستقراء والتجريب» (1929). # La théorie de ~~ľinduction et de ľexpérimentation # هو سجل نفيس للغاية يعرض ~~هذه النظريات، ويمحصها، وينتهي إلى أن أساس الاستقراء التعميم، وأن التعميم خاصية ~~أولية للفكر الإنساني، وأن التمثيل أو التراجع قانونه، ونشر أخيرا كتابا عنوانه ~~«العقل والمعايير» (1948) # La raison et les normes # كان قد ألقاه دروسا قبل عشرين سنة، يرد فيه على الفلاسفة التجريبيين الذين يذهبون ~~إلى أن المعقولات الرئيسية، كالزمان والمكان والعلة والقانون وما إليها، وحتى ~~العلوم الرياضية مستفادة من التجربة، وأن تاريخ المعرفة يدل على أن مفهوم هذه ~~المعقولات قد تغير باستمرار، ويخرجون من هذا إلى إنكار قيمة العقل، فيسلم الأستاذ ~~لالاند بالمقدمتين، وينبذ النتيجة، وذلك بملاحظة أن تغير مفهوم المعقولات يسير ~~سيرا تراجعيا، وأن التراجع إذن هو القانون الأساسي، وأنه يجب أن يرد إلى مبدأ ~~ثابت هو الذي يسمى عقلا أولا بالذات، أو عقلا مكونا # Raison ~~Constituante ~~(بكسر الواو) لأنه المبدأ الواضع للقيم وللقواعد ~~في النظر والعمل، والمنتج للمعقولات، والمشرف على تطورها، في حين أن جملة ~~المعقولات، التي يظنها التجريبيون كل العقل، أحرى بها أن تسمى بالعقل المكون ~~(بفتح الواو) القابل للتغير دون مساس بجوهر العقل ( # Raison ~~constituée ~~). # وللأستاذ لالاند، في المجلات الفلسفية، من فرنسية وإنجليزية، مقالات عديدة فيها ~~توجيهات جديدة ومراجعات على الكتب المعاصرة، وكلها ترمي إلى الغرض نفسه، ولعل أعظم ~~جهوده شأنا وأبعدها أثرا ذلك «المعجم الفلسفي» الذي أخرجه لأول مرة في سنة 1926، ~~وأخرج طبعة خامسة له منقحة ومزيدة في سنة 1947، فقد اضطلع به سعيا إلى التوحيد ~~الفعلي بين العقول بإيجاد لغة يتخاطب بها المفكرون وهم آمنون سوء التفاهم، مما ~~يقتضي من كل أن يعدل عن عادات وآراء خاصة إلى عادات ms427 وآراء مشتركة، فتتفق العقول، ~~ومن ثمة تتفق الإرادات، كان يحرر التعريفات، ويضع عليها الملاحظات، ثم يعرضها على ~~أعضاء «الجمعية الفرنسية للفلسفة» ومراسليها في الخارج، فيتلقى تعقيباتهم، ويعيد ~~تحرير التعريفات والملاحظات، حتى بلغ بها الغاية في الدقة والإحكام وجاء معجمه أداة ~~لا يستغني عنها مشتغل بالفلسفة عن قرب أو بعد، فالأستاذ لالاند كان في جميع أدوار ~~حياته داعية للتمثيل والتوفيق عاملا لهما. ~~(7) الفلسفة الوجودية # إلى جانب التيار البرجسوني والمدارس المعروفة توجد في فرنسا الآن محاولات ~~ثانوية، وإن لم تخل من مقدرة، تجمع تحت اسم «الوجودية» لاتفاقها على أن الإنسان ~~محور تفكير الإنسان، وأن منهج هذا التفكير النظر في الإنسان على ما «يوجد» لا تحليل ~~ماهيته المجردة، # 5 # أجل ليس هذا المنهج جديدا؛ فقد تعد سقراط وأفلاطون والقديس أوغسطين ~~وبسكال وجوديين، ومن قبيلهم موريس بلونديل (1861) الأستاذ بجامعة إكس في كتابه ~~«العمل» وجبريل مرسيل (1869)، وكلهم يؤمنون بالعقل وبموضوعية المعرفة ويفسرون ~~الإنسان طبقا للمبادئ العقلية، أما الوجودية الجديدة فقد نشأت احتجاجا على ~~الإسراف في العقلية كما يشاهد عند هجل الذي يرد الموجود إلى الماهية المجردة فيغفل ~~كل ما فيه من إنية أو فردية، فهي لاميتافيزيقية، تنكر أن يكون الوجود عين ~~الماهية، وتنفر من المذهب والمذهبية وتقتصر على وصف الظواهر النفسية، فلا تعين قيمة ~~المعرفة بالإضافة إلى «الحقيقة» بل طبقا لما يبدو من قيمة حيوية في ظواهر الشعور ~~الخالصة من الانفعالات والإرادات والآراء المكتسبة من المجتمع، ومع اتفاق الوجوديين ~~المعاصرين على هذا المنهج نراهم يختلفون في نقطتين رئيسيتين: إحداهما خاصة ~~بالمعرفة، والأخرى خاصة بتفسير الإنسان، ففي النقطة الأولى يأخذ بعضهم بالتصورية ~~فلا يجعل فرقا بين العالم الخارجي والعالم الداخلي بحجة أن كل ظاهرة طبيعية فهي في ~~الوقت نفسه ظاهرة نفسية وأن «وجودها» كله قائم في كونها حالة نفسية، بينما البعض ~~الآخر يرى أن الظاهرة الطبيعية يقارنها في الوجدان شعور بالخارجية فيميز بين ~~المجالين ويحاول تبرير موضوعية المعرفة، وفي النقطة الثانية ينظر بعض الوجوديين ~~بنوع خاص إلى ما سماه پسكال بعظمة الإنسان المتمثلة في عقله وفي ms428 طموحه إلى المثل ~~الأعلى، فينتهي إلى الإيمان، وينظر البعض الأخر إلى ما سماه پسكال بحقارة الإنسان ~~المتمثلة في أهوائه ورذائله وأمراضه الجسمية والنفسية، فينتهي إلى المادية ~~والإلحاد، ولعل هؤلاء يبدءون بالإلحاد، ويبدأ أولئك بالإيمان تبعا لمزاجهم الجسمي ~~والعقلي، ثم يستخدمون المنهج الوجودي للوصول إلى ما يريدون، وهذا المنهج كثير ~~الشيوع في العصر الحاضر: عليه عول ڤوندت وكولبي وهوڤدنج ونيتشنر في علم النفس، ~~وتشارلس پيرس ووليم جيمس في البراجماتزم، وچون ديوي في اعتباره المعرفة أداة في ~~خدمة الحياة، وشيلر في مذهبه الإنساني، وغيرهم ممن يحذون حذوهم. # 6 # وأشهر الوجوديين الفرنسيين الآن، أي أكثرهم إنتاجا وضجيجا، جان پول سارتر الذي ~~يعرف الوجودية بأنها مذهب إنساني، ويلح في تلحيل النواحي القذرة البشعة من الإنسان ~~في قصص تلقى رواجا كبيرا # 7 # وهو مادي ملحد يظن أن الإلحاد يستلزم القول بأن الوجود في الإنسان سباق ~~على الماهية، أو أن «الإنسان يوجد أولا ويعرف فيما بعد» من حيث إنه لا يوجد إله ~~يتصور الماهية الإنسانية ثم يحققها كما يتصور الصانع ماهية الآلة ثم يصنعها أو كما ~~يتصور كنط الماهية الإنسانية «سابقة على الوجود التاريخي الذي نصادفه في الطبيعة»، ~~هذا موقفه الميتافيزيقي، وهذا الموقف يعود إلى القول بأنه يجب البدء من «الذاتية» ~~لأجل دراسة الإنسان فينظر إليه كما هو موجود في بيئة معينة وفي كل فرد على حدة دون ~~اعتبار للمعنى الكلي الذي يقال إنه يمثل الماهية والذي يدرجون تحته «إنسان الغابات ~~وإنسان الطبيعة والبورچوي» على السواء، ومتى كان الوجود سابقا على الماهية لم يبق ~~في الإنسان شيء يعين سلوكه ويحد حريته بل كان حرا كل الحرية يعمل ما يشاء ولا ~~يتقيد بأي شيء، إذ أن الوجودية «لا ترى أن بوسع الإنسان أن يفسر الأشياء بنفسه كما ~~يشاء، وأنه محكوم عليه في كل لحظة أن يخترع الإنسان» فما الإنسان «إلا ما يصنع نفسه ~~وما يريد نفسه وما يتصور نفسه بعد الوجود»، بهذا يظن سارتر أنه يحقق الغرض الذي ~~يرمي إليه وهو إنقاذ الحرية من الجبرية، فيصف الوجودية ms429 بأنها مذهب تفاؤل لأنها تضع ~~مصير الإنسان بين يديه «فتجعل الحياة الإنسانية ممكنة». # هذه الوجودية ما هي إلا لون من ألوان المذهب الحسي، فإنها تنكر المعنى الكلي ~~وتغلو في الإنكار حتى تأبى أن تقيم وزنا لوجوه الشبيه بين أفراد النوع الواحد، وهي ~~وجوه بادية للعيان، فلا تنظر إلى الجزئي إلا بما هو كذلك فتعتبر أن الماهية هي ~~الإنية أي جملة الأعراض المخصصة للجزئي، فتقول إن الوجود سابق على الماهية بهذا ~~الاعتبار، ولا يفطن القائل إلى أن الوجود هو بالضرورة وجود شيء أي ماهية وأن الإنية ~~تعيين الماهية الحاصلة بالفعل من نواح وبالقوة من نواح أخرى، فإن الإنيات وجوه ~~مختلفة لما في الماهية من قوى مختلفة، وقديما قال أرسطو إن القوى النطقية غير ~~معينة إلى واحد ولكن في مقدروها الميل إلى ناحية أو إلى أخرى، وهذا أصل الحرية التي ~~هي القدرة على العمل في نطاق الماهية وعلى حسبها، ولا وجه للإغراب بعد هذا بوضع ~~الوجود قبل الماهية! # وبالفعل يذهب جبرييل تارد (أحد الاجتماعيين الفرنسيين المعاصرين) إلي أن ~~ما يحدث هو أن يبتدع أحد الأفراد بدعة فيتبعها البعض بفعل الإيحاء ~~والمحاكاة ويقاومها البعض بفعل اعتياد القديم، ثم تحدث ملاءمة تصير بها ~~البدعة حالة اجتماعية. # رسالته الثانية محررة باللاتينية وعنوانها «نظرية أرسطو في ~~المكان». # آخر جملة في كتاب «ينبوعا الأخلاق والدين». # ورد كل هذا في وصيته المؤرخة 8 فبراير 1937 والتي أذاعتها زوجته بعد ~~وفاته. # ويسمى هذا المذهب # Existenti lisme # وهو ~~غير المذهب الذي صادفناه في العصر الوسيط وسميناه بالوجودية # Réalism # لقوله بوجود واقعي للماهيات ~~المجردة، بل إنه معارض له منكر للمجردات. # ومن الوجوديين البارزين «سورن كير كجارد» الدنمركي (1813-1855) الذي ~~ترجمت كتبه أخيرا وشاعت أفكاره بعد أن ظل تأثيره قاصرا على بعض الأوساط ~~السكندينافية والألمانية، كان سوداويا مرهف الحس منطويا على نفسه شديد ~~التدين، صار قسيسا بروتستانتيا وهاله ما وجد في بيئته من تناقص ورياء إذ ~~تدعي أنها مسيحية ولا تعمل بتعاليم المسيح، ورجال الدين فيما يرددون هذه ~~التعاليم ويعيشون كسائر الناس ms430 فتبقى أقوالهم عديمة الأثر لانعدام الحياة ~~منها، فألم وحزن وثار على الكنيسة الرسمية والفلسفات السائدة وبخاصة ~~الفلسفة الهجلية التي توحد بين الوجود والماهية المجردة، أما هو فينظر في ~~الإنسان (أو في نفسه هو) على أساس أن المطلوب مذهب يستولي على الإنسان في ~~إنيته، فوجد أن النظر العقلي لا يسفر إلا عن مفارقات، وأن الإنسان أناني، ~~ومن المحتوم أن يقع في اليأس، وأن الأخلاق والفن قاصران عن الوفاء بالغرض ~~لأنهما ينصان على قواعد عامة لا تمس النفس، وأن المسيحية وحدها تضع علاقة ~~شخصية بين الفرد والله، فيجب اعتناقها من صميم النفس مهما تبد معارضة العقل ~~(في عرفه) والعالم والزمان، وقد بلغ كبير كجارد في التحليل والتعمق شاوا ~~بعيدا جعل بعض النقاد يضعونه في صف پسكال. # كتبه الفلسفية: «المخيلة» «الخيالي» «الوجود واللاوجود». # الفصل الرابع # الفلسفة في ألمانيا ~~(1) فلسفة الظواهر (فينومنولوچيا) # الجديد في ألمانيا لعهدنا الحاضر مدرسة نشأت من التفكير في أصول العلم، فما برحت ~~هذه المسألة تشغل المفكرين في العصر الحديث، والمذهبان المسيطران على العقول منذ ~~أمد بعيد، وهما التصورية والواقعية، يتفقان في تحليل المعرفة إلى طائفتين من ~~العناصر: إحداهما تشمل عناصر محسوسة هي مادة العلم، والأخرى تشمل عناصر هي صورة ~~العلم، وتقول التصورية إنها حاصلة في العقل ابتداء بينما تقول الواقعية إنها ناشئة ~~في الفكر بفعل قوانين التداعي، فتفصل التصورية بين صور المعرفة وبين علم النفس ~~المكتسب بالحس الباطن، وتجعل الواقعية من حالاتنا الباطنة موضوع علم واحد شامل هو ~~علم النفس ينطوي على المنطق كأحد أجزائه، على حين أن علم النفس يقتصر على وصف ~~الحالات الشعورية ويستخلص قوانين واقعية وأن المنطق يفحص عن قواعد التفكير الصحيح ~~ويصل إلى قوانين ضرورية معيارية، فكيف السبيل إلى التمييز بين هذين العلمين وما نوع ~~العلاقة بينهما؟ # عالج فانتز برانتانو (1838-1917) هذه المسألة فيمن عالجوها، فكان طليعة المدرسة ~~الجديدة، عالجها على طريقة المدرسية الأرسطوطالية فقد كان قسيسا كاثوليكيا ثم ~~صار أستاذا بجامعة ڤورتزبورج، كان المدرسيون يميزون بين المطلق وسائر العلوم ~~بقولهم إن موضوعات هذه العلوم مقصودات ms431 أول للفكر يتجه إليها أولا وإن موضوعات ~~المنطق مقصودات ثوان يحصل عليها الفكر برجوعه على نفسه والنظر في مناهج التفكير ~~دون مادته، فقال برانتانو إن ظواهر الشعور تنقسم إلى ثلاث صور هي التصور والحكم ~~وظاهرتا المحبة والكراهية، وإن هذه الصور الثلاث حالات ثلاث للقصد أي للإضافة إلى ~~موضوع مقصود، ومتى كانت الأحكام بينة بأنفسها وصفت بأنها صادقة، ومتى كانت المحبة ~~متجهة إلى موضوع ملائم والكراهية إلى موضوع غير ملائم وصفتا بأنهما على صواب، فعلى ~~الصدق والصواب يمكن إقامة نظرية في الحقيقة والقيمة، ولكل تجربة فكرية وجهان: ~~أحدهما الموضوع (سواء أكان حقيقيا أم متخيلا) وهو طرف إضافة وهدف قصد، والأخر ~~نفسي وهو مجرد «فعل» التصور والحكم والمحبة والكراهية، وعلى «الأفعال» يقوم علم ~~النفس. # وأعظم أركان المدرسة إدموند هوسرل (1859-1938) الأستاذ بجامعة جوتنجن ثم بجامعة ~~فريبورج (الألمانية)، كان رياضيا أول الأمر، نشر كتابا في «فلسفة الحساب» (1891) ~~وقادته الرياضيات إلى الفلسفة كما كان شأن كثيرين من المحدثين، فقد استوقف نظره دقة ~~الرياضيات ومتانتها واتفاق العقول عليها بينما العقول مختلفة على النظريات الفلسفية ~~وعلى منهج معالجتها، فأراد أن يجد للفلسفة أساسا لا يتطرق إليه الشك ويسمح ~~بإقامتها علما بمعنى الكلمة أي برهانيا، وتوسل إلى غرضه باصطناع فكرة القصد كما ~~بينها برانتانو، وشرع يبني مذهبه، فنشر كتابا «في المنطق» في مجلدين (1900-1901) ~~وكتابا «في الفينومنولوچيا» (1913) وآخر في نفس الموضوع (1928) و«تأملات ديكتارية ~~أو المدخل إلى الفينومنولوچيا» (1931) وهو مجموعة محاضرات ألقاها في ~~السوربون. # إنه يضع مبدأين: أحدهما سلبي والآخر إيجابي، المبدأ السلبي أنه «يجب التحرر من ~~كل رأي سابق، باعتبار أن ما ليس متبرهنا ببرهان ضروري فلا قيمة له»، والحالة ~~النفسية المطلوبة هنا تشبه حالة الشك الكلي عند ديكارت مع هذا الفارق وهو أن هوسرل ~~لا يستند مثل ديكارت إلى أسباب للشك فلا ينكر العالم الخارجي ولا يرتاب في وجوده ~~ولكنه يطلب إلى العقل أن «يضع بين قوسين» الوجود الواقعي للأشياء لكي يحصر نظره في ~~خصائصها الجوهرية كما هي ماثلة في الشعور، ومع اعترافه بأن هذا الموقف ms432 غير طبيعي ~~وأنه مؤقت يتيح للعقل أن يتناول الموضوع بريئا من كل واسطة مشوهة فينظر فيه نظرا ~~صافيا، والمبدأ الإيجابي يدل على ماهية هذا الموضوع إذ يقول إنه «يجب الذهاب إلى ~~الأشياء أنفسها» أي إلى الأشياء الظاهرة في الشعور ظهورا بينا، مثل اللون الأزرق ~~أو الأحمر والصوت والحكم وما إلى ذلك من ماهيات ثابتة مدركة بحدس خاص، هذا على حين ~~أن لوك وسائر الحسيين يصفون كثيرا من الظواهر بأنها تتكون بالمضاهاة والتأليف، وأن ~~الآليين يعتبرون الإحساسات جملا لاهتزازات تقع على الأعضاء الحاسة، وأن كنط يعتبر ~~الموضوع المحسوس مركبا من كيفية آتية من الخارج ومن صورتي المكان والزمان، ويعتبر ~~الحكم مركبا من موضوعين محسوسين ومن مقولة يطبقها عليهما العقل، إن الماثل في ~~الوجدان ماهيات معينة، وليس للوجدان أي علم بالعناصر أو الاهتزازات التي يقال إنها ~~جملتها، هذه الماهيات هي الظواهر البينة بأنفسها أي «المدركة مباشرة في جميع ~~وجهاتها» وهؤلاء الفلاسفة وأضرابهم يشوهون موضع الفلسفة لصدورهم عن آراء سابقة لا ~~مسوغ لها. # ويجب ملاحظة نقطتين بنوع خاص: الأولى أن الظاهرة موضوع معروف وأنها في الوقت ~~نفسه المعرفة بهذا الموضوع أي فعل نفسي، وهذه الإضافة الجوهرية إلى الموضوع التي هي ~~«قصد» إلى الموضوع هي عين طبيعة المعرفة، أي إن المعرفة والمعروف متضايفان، النقطة ~~الثانية أن الموضوع المعروف يجب أن يستمد من الواقع ويدرك بالحواس الظاهرة والباطنة ~~جميعا كما يحدث في الإدراك الظاهري، وأن تترك له خصائصه التي تتبين للعقل دون ~~محاولة الكشف عن أصله وتكوينه إذ أن كل ما يقصد إليه الفكر هو معنى أو «موضوع» أصيل ~~لا يرد إلى عناصر، وعلى ذلك يتعين دراسة الموضوعات كما تبدو في الشعور: وهذه مهمة ~~«فلسفة الظواهر» وقد كان هوسرل أول من أطلق هذا اللفظ علما على فلسفة بأكملها، # 1 # هذه الفلسفة نقد جديد للمعرفة يقصد إلى توخي الدقة أكثر مما فعل ديكارت ~~ولوك وهيوم وكنط، فتأخذ على نفسها أن تصف الظواهر بكل دقة وترتبها بكل إحكام، ~~وخصوصا المعاني الأساسية في العلوم، بغية توضيحها وتعريفها، وحينئذ ms433 تكون معرفتنا ~~واقعة على «ماهيات» بخصائصها الثابتة كفيلة بتأسيس علوم بمعنى الكلمة ~~كالرياضيات. # وكان لهوسرل تلاميذ نابهون، أبرزهم مارتن هيدجر (1889) وماكس شلر (1874-1928) ~~ونكولاي هارتمان (1882) لا يضعون العالم الخارجي بين قوسين، بل يقولون بوجوده ~~بتطبيق مبدأ القصد إلى الموضوع والشعور بوجود الموضوع، ويحللون الإنسان تحليلا ~~«وجوديا» على طريقة كير كجارد فيصفون الانقباض والحفيظة وخوف الموت وما إلى ذلك ~~من الانفعالات، # 2 # وقد تغلغلت هذه الطريفة في علم النفس وعلم الاجتماع والأخلاق وفلسفة ~~الدين؛ فبعد أن كان المنهج المتبع في هذه العلوم رد المركب إلى البسيط وتفسير ~~التركيب بالنشوء التدريجي، قام أنصار «فلسفة الظواهر» يضعون الظواهر الباطنة ~~والمؤسسات الاجتماعية والقيم الأخلاقية والدينية بمثابة أمور أصيلة لأنهم يجدونها ~~هي هي خلال مظاهرها المختلفة، بحيث تبدو هذه الفلسفة كأنها في الأكثر منهج للتحرر ~~من التصورية والحسية والرجوع إلى موقف العقل العام الذي طالما عارضه الفلاسفة ~~وسخروا منه. # ورد هذا اللفظ عند الألماني لمبرت في كتابه «الأورغانون الجديد» (1764) ~~للدلالة على نظرية الظواهر الأساسية للمعرفة التجريبية، وعند كنط للدلالة ~~على مثل هذا المعنى ولكن في حد أضيق كتابه «ميتافيزيقا الطبيعة» (1786)، ~~وعند هجل («فينومنولوجيا الروح» 1807) للدلالة على المراحل التي يمر بها ~~الإنسان حتى يصل إلي الشعور بالروح، وعند هملتون («دروس في الميتافيزيقا» ~~1858) للدلالة على فرع من «علم الفكر» هو الذي يلاحظ مختلف الظواهر الفكرية ~~ويعممها. # ومن الوجوديين الألمان كارل ياسبرس (1883) الأستاذ بجامعة هيدلبرج، وهو ~~يصدر عن كير كجارد ونيتشي في تحليلهما النفسي، ولكنه يرمي إلي منهج علمي ~~دقيق، فيحلل المواقف الممكنة للإنسان من العالم، وما ينبغي أن يتخذه الفرد ~~من قرارات في الحالات المحتومة كالموت والصراع، ومختلف الطرق التي يواجه ~~بها هذه الحالات، وهو يجنح إلي الدين، والفلسفة الوجودية وفلسفة الظواهر ~~متصلتان متداخلتان عنده وعنده غيره، وقد صارتا إلي الأدب أقرب منهما إلي ~~الفلسفة. # خاتمة الكتاب # نقف عند هذا الحد ولو أنه قد يوجد بين الفلاسفة المعاصرين من يكونون حقيقين بالذكر، ~~ولكن القارئ قد شعر من غير شك، وقد شعرنا نحن أثناء تحرير الكتاب شعورا قويا، ms434 أن ~~المذاهب الكبرى معينة منذ زمن طويل يرجع إلى اليونان، وأن الفلاسفة الذين جاءوا فيما ~~بعد بذلوا مجهودهم في تمثيلها والتفكير على غرارها، فالقول بتمايز الموجودات جوهرا ~~وماهية، يقابله القول بوحدة الوجود، واعتبار الوجود ماديا خاضعا للآلية، يقابله ~~توكيد لوجود الروح والحرية، والاعتقاد بموضعية المعرفة، يقابله الاعتقاد بأن المعرفة لا ~~تقع إلا على الصور والمعاني الماثلة في الذهن، والاعتقاد بأن معرفتنا قاصرة على ما يجيء ~~عن طريق الحس أو يبدو أنه يجيء عن طريقه، يقابله الاعتقاد بأن معرفتنا تنتظم أيضا ~~معاني مجردة ومبادئ ضرورية، هذه المذاهب تعود خالصة، أو تختلط فيما بينها بمقادير ~~مختلفة، كأن يكون مذهب وحدة الوجود ماديا أو أن يكون روحيا معتمدا على التصورية ~~العقلية، أو كأن يكمل المذهب الحسي بشيء من المذهب العقلي كما نرى عند كنط وأشياعه، ~~وهكذا مما مر بنا أمثلة كثيرة عليه. # فتطور الفلسفة عبارة عن تداول هذه المذاهب وما تنطوي عليه من مسائل وحلول، تداولا ~~خاضعا للبيئة العقلية والعوامل التاريخية وأمزجة الفلاسفة، أمل نر أن لكل أمة عقلية ~~خاصة تغلب على تفكير أبنائها وتلون فلسفتها؟ وأن مذهب الفيلسوف يفسر بتكوينه العقلي ~~والخلقي بل الجسمي أيضا؟ وتداول المذاهب هذا يجعلنا نقول إن تقدم الفلسفة قد حدث في ~~الفروع والتفاصيل منذ عهد اليونان دون الأصل واللب، وإن مذاهب الفلاسفة المحدثين ~~تأليفات جديدة لعناصر كانت معروفة، فلا نطلب من تاريخ الفلسفة تطورا مستقيما يمضي من ~~الناقص إلى الكامل ومن الخطأ إلى الصواب، إن مثل هذا التطور لم يحدث إلا في الفلسفة ~~اليونانية حتى اكتملت على أيدي أفلاطون وأرسطو، ثم تناولتها العقول وتصرفت فيها على ~~أنحاء شتى، فكل ما يقدمه لنا تاريخ الفلسفة صور هي أشبه ما تكون بتلك التي يقدمها لنا ~~تاريخ الأدب، حتى لقد صارت الفلسفة فنا من الفنون تابعا للذوق الشخصي والتجربة ~~الذاتية، وذاع الشك في إمكان الوصول إلى حقيقة مشتركة مطلقة، ولكن ما لهذا فكر العقل، ~~وما بهذا يمكن أن يقنع، فتنوع المذاهب أدعى إلى حفز الهمة للبحث عن الحقيقة منه إلى ms435 ~~القعود واليأس، لا سيما أن مصيرنا في الميزان: فما فكر الإنسان إلا ليعلم أي طريق يسلك ~~في الحياة، وإن عصرنا الحاضر - على تضارب الآراء فيه - تواق إلى فلسفة تكفل الأخلاق ~~والدين، ولكنه لا يملك لمثل هذه الفلسفة إلا أسبابا واهية متداعية، وما من ريب في أنه ~~قد استنفد محاولات البناء بهذه الأسباب، ولا يتسنى البناء إلا بعد الإيمان بالعقل ~~إيمانا صريحا قويا، والفكر الحديث متردد بين إنكار للعقل وقناعة بالحس فقط، وبين ~~إيمان بعقل مقطوع للصلة بالوجود، ولعل إخفاق التجارب ونفاد الحيل يعودان به إلى الحق ~~يوما ما. # مراجع # Bréhier (Emile), Histoire de la philosophie, 2 vol. ~~1927-1932. # المجلد الثاني يدور على الفلسفة الحديثة، وفيه ذكر مراجع كثيرة، ونحن نقتصر ~~هنا على بعض الكتب الإفرنجية المخصصة لكبار الفلاسفة، وبعض الكتب العربية ~~الحديثة العهد. # Liard (Louis), Descartes, 1882. # Hamelin (Octave), Le Systèm de Descartes, ~~1911. # Bouillier (Francisquie). Histoire de la philosophie ~~cartésienne, 2 vol., 3e édit. 1868. # Boutroux (Emile), Pascal, 1900. # Gouhier (Henri), La philosophie de Malebranche et son ~~expérience religieuse, 1926. # De bos (victor), Le Problème moral dans la philosophie de ~~Spinoza, 1893. # Delbos (Victor), Le spinozisme, 1916. # Russell (Bertrand), A Critical exposition of the philosophy ~~of Leibnitz, 1900. Trad. Franç. 1908. # Couturant (Louis), La Logique de Leibnitz, ~~1901. # Boutroux (Emile), Editions de la Monadologie, et des Nouveaux ~~Essais sur l'entendment humain, avec Introd. et notes. # Gibson (J.), Locke’s theory of knowledge and its historical ~~relations, 1917. # Ollon (H.), La philosophie générale de Locke, ~~1908. # Joussain (A.), Exposé critique de la philosophie de Berkely, ~~1920. # Baladi (Naguib), Lapensée religieuse de Berkely et ľunité de ~~sa philosophie, Le Caire, 1945. # Hendel (Ch. W) studies in the philosophy of D. Hume, ~~1925. # Leory (André), La Critique et la Religion chez D. Hume, ~~1930 ~~. # Delbos (Victor), La philosophic pratique de Kant, ~~1905 ~~. # Ruyssen (Th.), Kant, 1909. # Boutroux (Emile), La philosophie de Kant, ~~1926. # Ward (J.), A Study of Kant, 1922. # Léon (Xavier), Fichte et son temps, 3 vol. ~~1922-24-27. # Bréhier (Emile), ms436 Schelling, 1912. # Roques (P.), Hegel, sa vie et ses œuvres, ~~1912 ~~. # Ruyssen (Th.), Schopenhauer, 1911. # Lévy-Bruhl, La philosophie d’Auguste Comte, ~~1900. # Hamelin (Octave), Le Système de Charles Renouvier, ~~1927. # Lichtemberger (Henri), La philosophie de Nietzsche, IIe, ed., ~~1908. # Maritain (Jacques), La philosophie bergsonienne, 2e. ed., ~~1930. # Le Roy (Edouard), Une philosophie nouvelle, H. Bergson, ~~1922. # Jankélévitch, Bergson, 1930. # Tonquédec (J. de), La notion de vérité dans la philosophie ~~nouvelle, 1908. Sur la philosophie bergsonienne, 1936. # Boutroux (Emile), William James, 1912. # Wahl (J.), Les philosophies pluralistes et d’Angleterre et ~~d’Amérique, 1920. Parodi (D.), La Philosophie contemporaine en France, 1926. Le ~~problème moral et la pensée contemporaine, 1930. # Wolf (A.), Recent and Contemporary Philosophy, in Outline ~~of Modern Knowledge, ch. V ~~. # عباس محمود العقاد: فرنسيس پيكون، القاهرة، 1944. # عثمان أمين: ديكارت. طبعة ثانية مزيدة ومنقحة، القاهرة 1946. # الدكتور أبو العلا عفيفي: فلسفة المحدثين والمعاصرين، ترجمة مقال # A. Wolf # المذكور آنفا، القاهرة، ~~1936. # قاموس الأعلام # وبإزاء كل علم رسمه الإفرنجي # أمرسون # Emerson # بوزانكت # Basanquet # أنجلز # Engels (Frederich) # بونالد # Bonald (de) # أوستفالد # Ostwald (Wilhelm) # پونبوناتزي Ponponazzi # برادلي # Bradley # بوهمي # Boehme (Jacob) # براسلس Paracelse # بيرس Peirce (Charles) # براون (توماس) # Brown (Thomas) # بيريل # Bérulle (Cardinal de) # برتلو # Berthelot (René) # بيشا # Bichat # برجسون # Bergson (Henri) # بيكون # Bacon (Francis) # بركلي # Berkeley (Georges) # بيل # Bayle # برنتانو # Brentano (Frantz) # بين # Bain (Alexander) # پرودون Proudhon # تولاند # Toland # برونو (جيوردانو) # Bruno (Giordano) # تين # Taine (Hyppolite) # بساريون # Bessarion (Cardinal) # جساندي # Gassendi # پسكال Pascal (Blaise) # جليليو # Galileo # پك دي لاميراندول Pic de la Mirandolle # جيو # Guyau (Jean Marie) # بلوندل # Blondel (Maurice) # جيوبرتي # Gioberti # بنتام # Bentham (Jeremias) # جيمس (وليم) # James (William) # پوانكاري Poincaré (Henri) # دروين (إراسم) # Darwin (Erasme) # بوترو # Boutroux (Emile) # دروين (تشارلس) # Darwin (Charles) # بوخنر # Buchner # دريش # Dreiesch # دستو دي تراسي # Destut de Tracy # شوبنهور # Schopenhauer # دوركايم # Durkheim (Emile) # فختي # Fichte # دوهيم # Duhem (Pierre) # فخنر # Fechner # ديدرو # Diderot # فوريي # Fourier (Charles) # ديكارت # Descartes (René) # فونتنيل # Fontenelle # ديوي # Dewey # فويبي # Fouillée (Alfred) # راڤيسون # Ravaisson (Félix Ramus) # ڤجنر # Wagner (Richard) # راموس (أو) دي ms437 لارامي # Ramus (ou Pierre de la Ramée) # ڤولتير # Voltaire # رسل (برتراند) # Russell (Bertrand) # ڤولف # Wolf (Christian) # رنان # Renan (Ernest) # ڤوندت # Wundt # رنوڤيي # Renouvier (Charles) # ڤيبير # Weber (E. H.) # روايي كولار # Royer-Collard # كابانيس # Cabanis # روسميني # Rosmini # كبلر # Kepler # روسو # Rousseau (Jean Jacques) # كردان # Cardan (Jérome) # رويس # Royce # كرليل # Carlyle # سارتر # Sartre # كريمونيني # Cremonini # سان سيمون # Saint-Simon # كمبانيلا # Campanella # سبنسر # Spencer (Herbert) # كنط # Kant # سبينوزا # Spinoza (Baruch) # كوبرنيكس # Copernic # ستوارت # Stewart (H. F.) # كورنو # Cournot # سكرتان # Secrétan (Charles) # كوزان # Cousin (Victor) # سنتانايا # Santanaya # كوسا (كردينال دي) ~~(Cardinal de) Cusa # سويدنبورج # Swedenborg # كوڤيي # Cuvier # شفتسبري # Shaftesbury # كولردج # Coleridge # شلنج # Schelling # نيوتن # Newton # كونت (أوجست) # Comte (Auguste) # نيومان # Newman # كوندورسي # Condorcet # نيتشي # Nietzsche # كوندياك # Condillac # نيفو # Nifo # لكيي # Lequier (Jules) # هارتل (ديفيد) # Hartley (David) # لوتزي # Lotze # هارتمان # Hartmann # لوك # Locke (John) # هارڤي # Harvey # ليبنتز # Leibniz # هتشسون # Hutcheson # ليتري # Litrré # هجل # Hegel # ليفي بريل # Lévy-Bruhl # هكسلي # Huxley # ليوناردو دافنشي # Leonardo da Vinci # هلفسيوس # Helvétius # مالبرانش # Malebranche # هلمولتز # Helmoltz # مرسيليو فيتشينو # Marsilio Ficcino # هملتون # Hamilton # مرسين # Mersenne # هوايتهيد # Whitehead # مركس (كارل) # Marx (Karl) # هوبس # Hobbes # مل (چيمس) # Mill (James) # هوسرل # Husserl # مل (چون ستوارت) # Mill (John-Stuart) # هيكل # Haeckel # ملتوس # Malthus # هيوم # Hume (David) # منسل # Mansel # لاروميجيير # Laromiguière # مولسكوت # Moleschott # لاشيليه # Lachelier (Jules) # مونتسكيو # Montesquieu # لالاند # Lalande (André) # مونتني # Montaigne # لامارك # Lamarck # ميستر (جوزيف دي) # Maistre (Joseph de) # لامتري # La Mettrie (de) # مين دي بيران # Maine de Biran # لامني # Lamennais (Félicité de) # لنجي # Lange ms438