######OpenITI# #META# URI: 1378YusufKaram.TarikhFalsafaUrubbiyyaFiCasrWasit.Hindawi74748240 #META# Tags: philosophy :: history #META# ID: 74748240 #META# Title: تاريخ الفلسفة الأوربية في العصر الوسيط #META# AuthorID: 15207908 #META# Author: يوسف كرم #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تصدير‏ # تنبيهات‏ # مقدمة‏ # الباب الأول: رواد‏ # 1 - أوائل نقلة الفلسفة اليونانية إلى اللاتينية‏ # 2 - القديس أوغسطين‏ # 3 - ديونيسيوس‏ # 4 - بوبسر‏ # الباب الثاني: تكوين الفلسفة المدرسية‏ # 1 - تنظيم التعليم‏ # 2 - جدليون ولاهوتيون‏ # 3 - مترجمون‏ # 4 - فلاسفة‏ # الباب الثالث: أوج الفلسفة المدرسية‏ # 1 - نشأة الجامعات‏ # 2 - مترجمون‏ # 3 - جيوم دوفرني (؟-1249)‏ # 4 - ألكسندر أوف هاليس‏ # 5 - القديس بونافنتورا‏ # 6 - روبرت جروستيت‏ # 7 - روجر بيكون‏ # 8 - القديس ألبرت الأكبر‏ # 9 - القديس توما الأكويني‏ # 10 - سيجر دي برابان‏ # 11 - ريمون لول‏ # الباب الرابع: الدور الأخير‏ # 1 - إيكارت‏ # 2 - جون دنس سكوت‏ # 3 - وليم أوف أوكام‏ # 4 - الاسميون الباريسيون‏ # مراجع‏ # تصدير‏ # تنبيهات‏ # مقدمة‏ # الباب الأول: رواد‏ # 1 - أوائل نقلة الفلسفة اليونانية إلى اللاتينية‏ # 2 - القديس أوغسطين‏ # 3 - ديونيسيوس‏ # 4 - بوبسر‏ # الباب الثاني: تكوين الفلسفة المدرسية‏ # 1 - تنظيم التعليم‏ # 2 - جدليون ولاهوتيون‏ # 3 - مترجمون‏ # 4 - فلاسفة‏ # الباب الثالث: أوج الفلسفة المدرسية‏ # 1 - نشأة الجامعات‏ # 2 - مترجمون‏ # 3 - جيوم دوفرني (؟-1249)‏ # 4 - ألكسندر أوف هاليس‏ # 5 - القديس بونافنتورا‏ # 6 - روبرت جروستيت‏ # 7 - روجر بيكون‏ # 8 - القديس ألبرت الأكبر‏ # 9 - القديس توما الأكويني‏ # 10 - سيجر دي برابان‏ # 11 - ريمون لول‏ # الباب الرابع: الدور الأخير‏ # 1 - إيكارت‏ # 2 - جون دنس سكوت‏ # 3 - وليم أوف أوكام‏ # 4 - الاسميون الباريسيون‏ # مراجع‏ # | تاريخ الفلسفة الأوربية في العصر الوسيط‏ # | تاريخ الفلسفة الأوربية في العصر الوسيط‏ # تأليف # يوسف كرم # | تصدير # قلنا في ختام كتابنا «تاريخ الفلسفة اليونانية»: إنها إن تكن انتهت بما هي يونانية فقد ~~بقيت بما هي فلسفة، وإن عقولا جديدة تناولتها في الشرق والغرب، فاصطنعت منها أشياء، وأنكرت ~~أشياء، بل بسببها ضل عن العقائد الدينية لفيف كبير، كل هذا مع انتهاج نهجها في التحليل ~~والتعريف والاستدلال، ذلك النهج الذي اختصت به الفلسفة اليونانية دون سواها من مظاهر الفكر ~~في العصر القديم، وفي اليونان نفسها قبل ابتكار الفلسفة. # تلك العقول الجديدة لم تكن كالعقول اليونانية خالصة للفلسفة، خلوا من كل مذهب في الوجود، ~~فقد كان منها اليهودي والمسيحي والإسلامي، وكان للدين على أهله أثر في ms001 المسائل المشتركة ~~بينه وبين الفلسفة، وكان للفلسفة أثر في المسائل الدينية البحتة. # ونحن نقصد في هذا الكتاب أن نعرض ناحية هامة من نواحي الحركة الفكرية، وهي الناحية ~~الغربية قوما ولسانا، أي آراء الأوروبيين باللاتينية طول العصر الوسيط. # | تنبيهات # (1) # قسمنا الكتاب إلى أبواب، والباب إلى فصول، والفصل إلى أعداد، والعدد إلى ~~فقرات، وجعلنا الأعداد مسلسلة، ورقمنا الفقرات في كل عدد بالأحرف الأبجدية، ~~فإذا أردنا إحالة القارئ إلى موضع من الكتاب ذكرنا بين قوسين العدد والفقرة: ~~مثلا (8، ج). ~~(2) # رسمنا أسماء الأعلام (من أشخاص وأماكن) كما تنطق في لغاتها الأوروبية ~~الحديثة، إلا ما سبق تعريبه، مثل صقلية وإشبيلية وطليطلة، وقلنا مثلا: ~~«أوغسطين» بدلا من «أوغسطينوس» الشائعة عند مسيحيي الشرق أخذا عن اللاتينية، ~~وقلنا: «جيوم دي شامبو» أو «جون أوف سالسبوري» دون محاولة النسبة العربية، ~~لتعذرها أحيانا، وبعدها عن الاسم المعروف عند الإفرنج - إلا القليل النادر - ~~إذ قلنا: «إيزيدور الإشبيلي»، لسهولة النسبة هنا وبيانها، وقلنا: «القديس توما ~~الأكويني»، للسهولة كذلك، مع سبق مسيحيي الشرق إلى اصطناع هذا الاسم. ~~(3) # الصلة وثيقة جدا بين فلسفة العصر الوسيط والفلسفة اليونانية، فكثرت ~~الإشارات إلى فلاسفة اليونان في هذا الكتاب، ولما كنا عرضنا آراءهم في كتابنا ~~تاريخ الفلسفة اليونانية، فقد اكتفينا هنا بالإيماء إليها. ~~(4) # والصلة وثيقة أيضا بين الفلسفة الأوروبية في العصر الوسيط، والفلسفة ~~الإسلامية ابتداء من القرن الثاني عشر، فمن هذه الناحية أيضا اكتفينا ~~بالإشارة إلى الفلاسفة والعلماء الإسلاميين، وافترضنا كتبهم وآراءهم معلومة، أو ~~يمكن أن تعلم من مصادرها. ~~(5) # لم نلتزم الإحالة المفصلة إلى مواضع الآراء التي أوردناها في هذا الكتاب، ~~تفاديا لتضخمه، واعتقادا منا بقلة نفع مثل هذه الإحالة؛ لأن المراجع الأصلية ~~لاتينية وعزيزة المنال في الغالب، ولأن هذا القسم من تاريخ الفلسفة ليس موضوع ~~دراسة خاصة في الشرق، ولكنا وضعنا ثبتا بالمراجع، وضمناه ملاحظات، للعون على ~~استكشاف مواضع الآراء، وعلى الشروع في الدراسة الخاصة. # | مقدمة # | تعريف الفلسفة المدرسية # (1) أدوار الفلسفة المدرسية ~~(أ) تعرف الفلسفة الأوروبية في العصر الوسيط باسم الفلسفة المدرسية، أي التي كانت ~~تعلم في ms002 المدارس، وقد مرت بالأدوار الثلاثة التي يمر بها الكائن الحي ومظاهره، وهي ~~دور التكوين، ودور الاكتمال، ودور الانحلال، واعتمدت في تكوينها على دور سابق يمتد من ~~القرن الثالث إلى القرن التاسع، فهو المعين الذي ستستقي منه، والمقدمة التي لا غنى عنها ~~لفهم مذاهبها، لذا انقسم هذا الكتاب إلى أربعة أبواب. ~~(ب) الباب الأول يتناول مفكرين كانوا رواد الفلسفة في العصر الوسيط، وأشهرهم ثلاثة، ~~الأول: القديس أوغسطين مؤسس الأفلاطونية المسيحية ومثقف العصر الوسيط كله بمؤلفاته ~~الزاخرة بالأدب والفلسفة واللاهوت. والثاني: ديونيسيوس وهو فيما يظن أسقف سوري كتب ~~باليونانية متأثرا بالأفلاطونية أيضا، إلا أن كتبه كان لها الحظ الأكبر في الغرب، حيث ~~ترجمت إلى اللاتينية، وظلت مرجعا في الإلهيات والتصوف. والثالث: بويس مترجم كتب أرسطو ~~المنطقية، ولو أنه عمر وترجم باقي كتبه، كما كان معتزما أن يفعل، لجاءت الفلسفة ~~المدرسية من أول أمرها أغنى وأعمق مما وفقت إليه مع الأفلاطونية، وقد امتد هذا الدور ~~إلى القرن التاسع، وكان قليل الإنتاج على طوله بسبب ما أصاب روما وإمبراطوريتها من ~~غزوات البرابرة، وما أحدثوا من انقلابات اجتماعية خطيرة تناولت تدمير المدارس وإتلاف ~~الكتب، فجاهد رجال الكنيسة لصيانة آثار الثقافة، فكانت الأديرة المأوى الذي حفظها من ~~الضياع، وكانوا هم حملة العلم، وانصرفوا إلى تمدين تلك الشعوب الفتية، يهذبون طباعها ~~بتعاليم الدين ورياضاته، ويعلمونها الزراعة والصناعة، وينشئون المدارس، فيعملون على ~~تكوين حضارة جديدة. ~~(ج) والباب الثاني يشمل العصر الممتد من النهضة التي بعثها شارلمان في الربع الأخير ~~من القرن الثامن إلى نهاية القرن الثاني عشر، تكاثرت المدارس وانتظم التعليم العالي ~~ونبغ العلماء، فشهد القرن التاسع حركة علمية زاهرة كان أكبر أعلامها جون سكوت أريجنا، ~~غير أن اضطرابات جديدة عطلت هذه الحركة وجعلت من القرن العاشر قفرا بلقعا، فما إن ~~هدأت الحال حتى استؤنف النشاط العلمي في القرن التالي، فنبغ جدليون - أي مناطقة - ونبغ ~~لاهوتيون كان أعظمهم قدرا القديس أنسلم، ولم يكن لدى هؤلاء وأولئك من أسباب العلم سوى ~~مصادر الدور السابق، فكان اللاهوتيون أوغسطينيين أي أفلاطونيين، ms003 وكانت بضاعة الجدليين ~~تنحصر في بعض آراء أفلاطونية وفيما أبقت عليه الأحداث من ترجمات بويس المنطقية، وهي ~~كتاب إيساغوجي لفورفوريوس، وكتب المقولات والعبارة والتحليلات الأولى لأرسطو، على أنه ~~كان لهذا المنطق الضئيل أثران هامان: فقد أدى من ناحية إلى إثارة مسألة الكليات الخمس ~~ونصيبها من الحقيقة في الخارج، وكان هذا عبارة عن إثارة مسألة المعرفة، وأدى من ناحية ~~أخرى إلى محاولة تطبيق قواعد المنطق في معالجة المسائل اللاهوتية، وكان هذا بداية البحث ~~في العلاقة بين العقل والإيمان، حتى إذا ما جاء القرن الثاني عشر استقرت الحياة ~~الاجتماعية فازدهرت التجارة والصناعة، ونشطت الفنون بأنواعها حول فن بناء الكاتدرائيات، ~~وقامت رهبنات جديدة زادت في عدد المدارس إلى حد كبير، وخاصة في فرنسا، فاشتدت الحركة ~~الأدبية والحركة العلمية، وظهر عدد وفير من اللاهوتيين والجدليين تبحروا في علومهم ~~وخلعوا عليها ثوبا أدبيا شائقا بفضل ما أفادوا من ذوق بدراسة الآداب اليونانية ~~واللاتينية، على أن أهم ظاهرة لدينا في هذا القرن - لما سيترتب عليها من أثر بالغ - هي ~~ابتداء اتصال الغرب بالشرق، ونقل الكتب من العربية إلى اللاتينية، كتب اليونان وكتب ~~المسلمين من فلسفية وعلمية. ~~(د) فإذا ما بلغنا القرن الثالث عشر، موضوع الباب الثالث، رأينا تلك الكتب وقد دفعت ~~العقول إلى الأمام دفعا قويا، وبعثت في المدارس العليا نشاطا هائلا أحست معه هذه ~~المدارس بقوتها الذاتية فانفصلت عن السلطة الأسقفية واستقلت بشئونها العلمية والإدارية ~~فكانت منها الجامعات، ورأينا في مقدمة تلك الكتب مؤلفات أرسطو مترجمة من العربية، ~~ومؤلفات الكندي والفارابي وابن سينا والغزالي وابن رشد تحمل غذاء دسما، ولكنها تثير ~~فتنة شعواء بسبب ما تضمنت من قضايا لأرسطو وللأفلاطونية الجديدة مخالفة للدين، بيد أن ~~الأساتذة والطلاب تشبثوا بأرسطو بالرغم من التحريم الكنسي، ثم فطنوا إلى مساوئ الترجمات ~~التي كانت بين أيديهم، وتاقوا إلى ترجمات من اليونانية رأسا تظهرهم على الأصل بتمام ~~الدقة، وتسمح لهم بالتفرقة بين ما لأرسطو وما لغيره من الشراح اليونان والعرب، فنهض ~~بالعمل علماء باليونانية، وكانت قد اندثرت أو كادت، فعاونوا ms004 على مناقشة تأويلات الشراح ~~وإقامة أرسطوطالية لاتينية مستقلة، ودار حول أرسطو التفكير الفلسفي واللاهوتي، فريق ~~معه، وفريق عليه، وفريق بين بين، يحمل لواء كل فريق مفكرون من الطراز الأول، ~~فتطورت الأوغسطينية وأخذت منه بنصيب، وتمثله القديس توما الأكويني فأنشأ الأرسطوطالية ~~المسيحية، عارض بها المذهب الأوغسطيني الذي كان المذهب السائد بلا منازع، وتمسك البعض ~~بتأويل ابن رشد لأرسطو فقامت في جامعة باريس «رشدية لاتينية» دار عليها نزاع عنيف، ~~وانصرم القرن، والنضال بين المذاهب على أشده. ~~(ه) استمر هذا النضال، ولكن القرن الرابع عشر، موضوع الباب الرابع والأخير، امتاز ~~بخصائص أخرى بالمرة، كان لها سوابق بالطبع، ولكنها نمت وترعرعت بسرعة عجيبة، فكانت ثورة ~~على الماضي كله، امتاز كل شيء بنفور شديد من المعاني المجردة ونزوع قوي إلى الواقع، أخذ ~~في نقد المجردات ولم ير فيها إلا أنها أسماء أو ألفاظ جوفاء، بحيث تصح تسميته بعهد ~~الاسمية أو اللفظية، وقاده هذا النقد إلى الشك في العقل والمعقولات، ودعا تفكير العقل ~~فلسفة خالصة مقطوعة الصلة بالدين، وآمن بالدين إيمانا دون أي سند من العقل، ومضى في ~~نقده من المجردات العقلية إلى أخواتها التي حشدها أرسطو في علمه الطبيعي، فبددها وتحرر ~~من سلطان أرسطو في العلم والفلسفة جميعا، بل مد النقد إلى أصول الاجتماع فأيد أباطرة ~~الجرمان والملوك في تمردهم على البابوية، وقال بوجوب الفصل بين السلطة الدينية والسلطة ~~المدنية، وهو قول لا بأس به، ولكن أصحابه أعلنوه في عنف وإسراف يؤذنان بقرب هبوب عاصفة ~~«الإصلاح الديني»، هذا من ناحية، وهي ناحية نقدية سلبية، ومن ناحية أخرى إيجابية، رأى ~~الفلاسفة المجددون أن المعرفة الحسية الجزئية أوضح وأوكد من المعرفة العقلية المجردة، ~~فأعلنوا أنها أحق بالاتباع، وأقبلوا على الطبيعة يدرسونها لذاتها فوضعوا العلم الخاص ~~المستقل عن الفلسفة، جددوا علم الفلك واهتدوا إلى قوانين جديدة للحركة، فهدموا البناء ~~الذي شاده أرسطو «للسماء والعالم»، بحيث إذا نظرنا إلى هذا القرن بالإضافة إلى ما سبقه، ~~وجدناه عصر انحلال وشك وتمرد، ووجدنا أن كل ما يربطه بالعصر الوسيط هو أن ms005 رجاله ~~مدرسيون، أي كهنة ورهبان من أساتذة الجامعات، وإذا نظرنا إليه بالإضافة إلى ما سيليه، ~~قلنا: إنه عصر تجديد وإنشاء، وإنه إذا أريد تعيين بداية العصر الحديث بمميزاته الفكرية ~~تعيينا دقيقا، وجب الرجوع إلى العام الأول من هذا القرن الرابع عشر. ~~(2) العصر الوسيط والفلسفة المدرسية ~~(أ ) لقد قيلت في العصر الوسيط والفلسفة المدرسية أقاويل كثيرة نعرض لها بإيجاز، قيل ~~في العصر الوسيط بالإجمال: إنه كان عصر جهل وظلام لا خير فيه، يمكن بل يجب تخطيه بأسرع ~~ما يستطاع للوصول إلى عصر «النهضة الحديثة» عصر النور والعرفان، وقيل في الفلسفة ~~المدرسية: إنها كانت تعلم وتدون بلاتينية ركيكة سقيمة، وتسرف في استخدام القياس وفي ~~المناقشة اللفظية، وتعالج مسائل الدين ليس غير، وتخضع في ذلك للنقل دون العقل، أي لسلطة ~~آباء الكنيسة وسلطة أرسطو، بغير نقد ولا تمحيص، هذه أقوال يتناقلها الكتاب ويحسبونها ~~قضايا مسلمة، أذاعها أول الأمر في القرن السادس عشر أولئك الأدباء المدعوون أو الداعون ~~أنفسهم بالإنسانية، المتحلون بالثقافة اليونانية اللاتينية الخالصة من الشوائب، ~~المتشبعون بما فيها من وثنية، المتحاملون على العصر الوسيط بما فيه من دين وأدب وعلم ~~وفن، وإليهم ترجع تسمية فلسفته بالمدرسية، أي التي نشأت ونمت في المدارس # schola ~~، فقد كان لفظ # scholasticus # يطلق على كل معلم في مدرسة أو خريج ~~مدرسة، فالتسمية في حد ذاتها ظاهرية سطحية لا تفيد شيئا عن خصائص المسمى، ولكنهم قصدوا ~~بها إلى معنى محقر ينطوي على المآخذ التي ذكرناها، وكثيرا ما تقال بهذا المعنى. ~~(ب) أما أن العصر الوسيط كان عصر جهل وظلام، فالإشارات التي سبقت في تقديم أبواب هذا ~~الكتاب تدل على أن الجهل لم يكن بحال ما مقصودا بالذات، وإنما كان أمرا واقعا وقتا ~~من الأوقات، من جراء غزوات البرابرة التي أوقعت أوروبا في الخراب والفقر، والفتوحات ~~الإسلامية التي زادتها ضنكا بحصر البحر المتوسط، فعطلت تجارتها مع الشرق، واضطرتها ~~للانكماش على نفسها والاقتصار على الزراعة، ولكن الشعوب الأوروبية جاهدت فأقامت حضارة ~~جديدة بأسبابها الخاصة، هي الحضارة التي وصلت إلى اليوم ms006 وما تزال في عنفوانها، وكل ما ~~هنالك أن وسائلها المادية والعلمية كانت في الأصل ضئيلة، وأن تقدمها كان متدرجا، وإذا ~~قارنا بين هذه الوسائل وبين النتائج التي بلغت إليها، وجدنا مقدرة الأوروبيين في العصر ~~الوسيط لا تقل عن مقدرة أي عصر كان من العصور الناهضة، فمن الخطأ البين ، أو من الظلم ~~الواضح، عد العصر الوسيط «حقبة مظلمة مقفلة على نفسها»، الحقيقة أن المدنية الحديثة ~~منحدرة عنه، وأنه لا يمكن تفسير مذاهب الفلسفة الحديثة وفهم مصطلحاتها بغير الرجوع إلى ~~المذاهب المدرسية، إن الحدود التي يرسمها المؤرخون متداخلة في الواقع، والعصور موصولة، ~~وإن كل زمن وارث عن السابق، مخلف للاحق. ~~(ج) وأما أن الفلسفة المدرسية حقيقة بما يكال لها من مثالب، فلعل ما تقدم من بيان قد ~~أشعر القارئ بأن تلك مسألة يمكن مناقشتها، تنقسم المثالب المذكورة إلى قسمين: واحد منصب ~~على الشكل، والآخر على الموضوع، فمن حيث الشكل نقول: ليست الفلسفة بحاجة إلى الرشاقة، ~~ولكنها مفتقرة للدقة قبل كل شيء، وما كان استخدام المدرسيين للتعريف والتقسيم والقياس ~~إلا حرصا منهم على الدقة والموضوعية، ولا شك أنهم بالتزامهم التحليل المنطقي قد عملوا ~~على نمو العقل الأوروبي ووضوحه وسداده، ولم يسرف في هذا المنهج إلا المتأخرون منهم، ~~ونقول من حيث الموضوع: صحيح أن الفلسفة المدرسية في جملتها فلسفة مسيحية، وغير صحيح ~~أنها اقتصرت على مسائل الدين، فقد نظرت في المسائل الطبيعية والعقلية كأحسن ما ينظر ~~فيها، وهي لا تبدو كتلة متجانسة إلا من بعيد، فإذا دققنا النظر بدا الابتكار والتنوع، ~~وهذا يعني أنهم لم يكونوا على ما يقال من الخضوع للسلطة، فقد زاغ منهم عن الدين نفر ليس ~~بالقليل في بيئة متشبعة بالدين، أما المؤمنون منهم فلهم في السلطة أقوال لاذعة أحيانا، ~~ساخرة أحيانا، جازمة دائما، تلخص في عبارتين، الواحدة: أن الحجة النقلية أوهن الحجج، ~~والأخرى: أن الاستشهاد بقول ليس يعني الاعتداد باسم القائل بل بقوة أدلته، ولسنا ندري ~~كيف يرمون جملة بالخضوع لأرسطو، ولم يعرف أرسطو في الغرب إلا في القرن الثالث ms007 عشر، ~~فأنكرته السلطة الدينية، وغرضها الأول والأخير صيانة العقيدة وحماية الأخلاق، حتى إذا ~~ما نصره تابعوه، مجازفين أيما مجازفة، كان ذلك منهم باسم العقل والعلم، وأقرته الكنيسة ~~باسم العقل والعلم أيضا، ولكن المدارس المتأخرة لم تعرف أن تفرق بين فلسفته، وهي مذهب ~~عقلي يمكن اصطناعه في كل زمن ، وبين علمه الطبيعي الذي أخذ ينهار، وظلت تردد آراءه ~~العلمية فقضت على سلطانه عند المحدثين، ولم يكن ذلك شأن المدارس الدينية فحسب، بل وجد ~~ملاحدة من أتباع أرسطو وابن رشد تعصبوا لهما إلى حد أن أبوا إجابة دعوة جليليو كي ~~ينظروا إلى السماء بمنظاره، ويشاهدوا التغير في مادة الأجرام السماوية، خشية أن يضطروا ~~لمخالفة قول أرسطو أن لا كون ولا فساد في السماء! ~~(3) الفلسفة والدين ~~(أ) بقي علينا أن نعالج إشكالا أثاره غير واحد من الباحثين، قلنا: إن الفلسفة ~~المدرسية مسيحية في جملتها، فما العلاقة في هذا القول بين الصفة والموصوف؟ أليس الحدان ~~متنافرين يختلفان في الموضوع، وفي طريق الكسب، من حيث إن مفهوم الدين أنه عقيدة موحاة ~~تقتضينا الإيمان، ومفهوم الفلسفة أنها نظر عقلي يعتمد على البرهان؟ بل إن الإشكال أعظم ~~خطرا في المسيحية منه في أي دين آخر، وذلك لما تحوي من «أسرار» أي أمور تفوق الطبيعة ~~والعقل، ولم تكن لتعلم إلا بالوحي، كالثالوث والتجسد والفداء، فإن جاز - والحالة هذه - ~~التحدث عن فلسفة مسيحية، أفلا يكون ذلك باعتبار الفلاسفة متمذهبين بالمسيحية عائشين في ~~مجتمع مسيحي، لا بالإضافة إلى الفلسفة نفسها؟ ~~(ب) لقد وجد نفر من المسيحيين اقتنعوا بالتغاير بين الفلسفة والدين، فذهبوا إلى أننا ~~قد نقبل بالعقل قضية ما ونعتنق نقيضها بالإيمان، ويوجد الآن أمثال هؤلاء، وسيوجد لهم ~~أمثال بلا ريب، ولكن التاريخ يعرض علينا مسيحيين آخرين، كانت الفلسفة والمسيحية عندهم ~~متصلتين متفاعلتين، فأضافوا وجهة جديدة في تاريخ الفكر، وهم يؤلفون الغالبية العظمى في ~~العصر الوسيط، هؤلاء يتفقون في أن الوحي والعقل من عند الله فمحال أن يتعارضا، وأن ~~العقل يجد في الوحي هاديا ومعينا، ولكنهم يفترقون طائفتين في تصور ms008 الصلة بين الطرفين، ~~فهي عند طائفة أوثق منها عند الطائفة الأخرى. ~~(ج) مبدأ الطائفة الأولى أنه لما كانت الصورة التي ترسمها المسيحية للعالم هي صورته ~~التي أبدعه الله عليها بالفعل، وكان العقل قاصرا عن استكشاف تلك الصورة بنفسه، فلم ~~يبق له من مهمة سوى اتخاذها أصلا والعمل على تفهمها بقدر المستطاع، ولو بالتشبيه ~~والتمثيل، ولم يبق هناك من حكمة سوى الحكمة الدينية تستوعب الوجود بأكمله على الوجه ~~الذي حققه الله، ولا تدع محلا لفلسفة مستقلة، تلك كانت النظرة الأولى من القرن الثاني ~~إلى الثالث عشر، فكان المفكرون المسيحيون يقولون «فلسفتنا» و«حكمتنا» للدلالة على ~~المسيحية باعتبارها مذهبا منظما كمذاهب فلاسفة اليونان، وقد عاون على هذا التصور أنهم ~~رأوا الأفلاطونيين والرواقيين يوجهون همهم إلى الإلهيات والخلقيات، فبانت لهم المسيحية ~~فلسفة تعرض حلولا خاصة بها إلى جانب سائر الفلسفات. ~~(د) وظهرت الطائفة الثانية لما عرفت كتب أرسطو في القرن الثالث عشر، إذ وقفوا من كتاب ~~«التحليلات الثانية» أو البرهان على تعريف العلم وتعيين شروطه، فتبينوا الحد الفاصل ~~بينه وبين الإيمان، ووقفوا من سائر الكتب على تفسير جامع للطبيعة مكتسب بالعقل الصرف، ~~بما في ذلك وجود الله ووجود النفس وأصول الأخلاق، فرأوا وجوب التمييز بين ما يرجع ~~للطبيعة وما يرجع لما فوق الطبيعة # 1 # واعتبروا الفلسفة وحدة قائمة بذاتها، تتألف من المسائل التي عالجها الفلاسفة ~~بالفعل، ومسائل جاء بها الوحي ولم تكن لتعرف لولاه وهي مع ذلك قابلة للبرهنة، كالخلق ~~والبعث والمعاد وبعض الصفات الإلهية، بينما يتناول اللاهوت مضمون الوحي بأكمله، الأسرار ~~والحقائق العقلية، فيضعها مقدمات مسلمة، ويستخدم العقل لتفهمها بقدر المستطاع، واستنباط ~~ما يترتب عليها، ودفع الشبه عنها، والفلسفة التي هذا شأنها مسيحية كذلك، ولو بمعنى أضيق ~~من المعنى السابق، تقول بأفكار مسيحية لم يعرفها اليونان أو ضلوا فيها، وتعارض أفكارا ~~يونانية لا تتفق والمسيحية، وهي فلسفة بالمعنى الصحيح؛ لأنها تلتزم المنهج العقلي في كل ~~حال، ولا يعدو الفيلسوف المسيحي بهذا المعنى أن يكون مثله مثل الربان يسترشد بضوء ~~المنارة أو الكواكب أو ms009 بآلة علمية وسفينته تسير إلى الهدف بقوتها الذاتية، وليس يعني ~~هذا أن للمسيحية فلسفة واحدة بعينها، فإن الفلسفة وليدة العقل وليست متعلقة بالدين ~~تعلقا ذاتيا، لذا قد تتفق مع المسيحية فلسفات مختلفة فيما بينها، وقد تجيء فلسفة ~~موافقة لبعض العقائد مخالفة لبعض آخر، فتكون فلسفة مسيحية بقدر، وسنصادف أمثلة لكل وجهة ~~من هذه الوجهات تفصل هذا الإجمال. # الباب الأول # | رواد # من القرن الرابع إلى القرن التاسع # الفصل الأول # | أوائل نقلة الفلسفة اليونانية إلى اللاتينية # (1) شيشرون ولوكريس وسنيكا ~~(أ) لم يكن للرومان فلسفة أصيلة، ولكنهم كانوا عالة على اليونان، تمذهبوا ~~بالرواقية والأبيقورية، واقتبسوا بعض الآراء من المدارس الأخرى، وفي مقدمة نقلة ~~الفلسفة اليونانية إلى اللاتينية شيشرون الخطيب المعروف (106-43ق.م)، ليس في كتبه ~~مذهب متماسك الأجزاء، فقد قصر جهده على تدوين ما أعجبه مما قرأ أو سمع، فوضع في ذلك ~~جملة كتب، منها: «المقالات الأكاديمية» يبحث فيها مسألة المعرفة في بيان أخطاء ~~الحواس، ويقطع باستحالة الوصول إلى اليقين، ويذهب إلى وجوب الاكتفاء بالاحتمال على ~~مثال الأكاديمية الجديدة، ولكنه في سائر كتبه وفي سيرته ينسى الاحتمال، ويؤمن دون ~~تردد بالإدراك الحسي والاستدلال العقلي، ففي كتاب «غايات الخيرات والشرور» يصور ~~ثلاثة من أصدقائه يعرضون المواقف المختلفة في مسألة الخير والشر، ويدلي برأيه فيرفض ~~أقوال الأبيقورية ويعارضها بأقوال الرواقية، فيقرر أن الفضيلة غاية الحياة دون ~~اللذة، وأن القوانين الوضعية يجب أن تقوم على القانون السرمدي، وأن القانون غير ~~العدل لا يلزم، وأن الإثم أعظم الشرور، وفي «المقالات التوسكولامية» (وهي حوار يدور ~~في «قيلا توسكولوم») يصف النفس بأنها «شيء إلهي» ويؤيد القول بالخلود، ويعرض الآراء ~~الرواقية في ازدراء الموت وكيفية تحمل الألم وما إلى ذلك، وفي كتاب «طبيعة الآلهة» ~~يروى حوارا يقول إنه شهده في شبابه، فيعرض مختلف الآراء في الموضوع، ويعلن أنه كان ~~وقتذاك يفضل الرواقية، وفي كتاب «الجمهورية» يجمع أهم المذاهب اليونانية في ~~السياسة، وفي كتب أخرى يورد طائفة من المسائل الأخلاقية. ~~(ب) وقد وجدت الأبيقورية نصيرا بارعا في شخص لوكريس (95-51ق.م) نظم مذهب ms010 أبيقور ~~شعرا في قصيدته المشهورة «طبيعة الأشياء» وأشاد به أيما إشادة، وكتب سنيكا على ~~مبادئ الرواقية. ~~(2) ترتوليان (165-220) ~~(أ) محام كبير من أهل قرطاجنة، اعتنق المسيحية وسيم كاهنا فانصرف إلى التأليف في ~~الدين، فكان كاتبا مجيدا ولاهوتيا عميقا، كان متضلعا من اليونانية تضلعة من ~~اللاتينية، فوضع بالأولى بعض الكتب ثم عاد فنقلها إلى الثانية، ليوسع لها مجال ~~الانتشار، إذ إن اليونانية كانت قليلة الذيوع في بلده، واستمر على الكتابة ~~باللاتينية فكانت مصنفاته أولى الكتب المسيحية بهذه اللغة، له «دفاع» موجه إلى حكام ~~الولايات الرومانية، يبين فيه عدم مشروعية الاضطهاد، ويحتج على قسوة الإجراءات ~~المتخذة ضد المسيحيين، ويتحدى فيقول: «إننا نتكاثر إذ تحصدوننا، وإن دم المسيحيين ~~لبذرة، وإن لكم فيما تأخذونه علينا من عناد لعبرة، فمن ذا الذي يشهده ولا يتزعزع ثم ~~لا يبحث عن السر فيه، ومن ذا الذي يبحث فلا ينضم إلينا، ومن ذا الذي ينضم إلينا فلا ~~يتوق للعذاب وللموت في سبيل الحصول على النعمة الإلهية كاملة، والعفو شاملا؟» وله ~~كتاب «إلى الأمم» يهاجم فيه الوثنية، وكتب يرد فيها على المبتدعة من المسيحيين، قبل ~~أن يدخل هو في شيعة من أغرب الشيع. ~~(ب) وقد ظن الفلسفة عدوة للدين فحمل عليها وغلا في معارضتها حتى قال: «أي علاقة ~~توجد بين أثينا وأورشليم؟ بين الأكاديمية والكنيسة؟ بين الخوارج والمؤمنين؟! إننا ~~بريئون من الذين ابتدعوا مسيحية رواقية أو أفلاطونية أو جدلية، بعد المسيح والإنجيل ~~لسنا بحاجة إلى شيء»، وهو يهاجم الفلاسفة في أخلاقهم، ويقول: إن خير ما في مذاهبهم ~~مستفاد من التوراة، وإن من الفلسفة نشأت البدع المسيحية، وبجدل «الشقي أرسطو» ~~تستعين، ذلك الجدل الذي هو آلة للبناء وللهدم على السواء، وتبعا لذلك يرى أن ~~التعويل على كتب الفلاسفة، لاستخراج الأدلة منها، منهج عقيم، ويبتكر منهجا آخر هو ~~استنطاق النفس، فيبين في كتابه «شهادة النفس المسيحية طبعا» أن النفس تنزع ~~بطبيعتها ومن صميمها إلى الدين، وبخاصة في أوقات الشدة، فتبدي العواطف الدينية التي ~~فطرها الله عليها، وهذا منهج نهجه الكثيرون من ms011 بعده، وخصوصا في العصر الحديث لما ~~تناقصت الثقة بالعقل النظري أو انعدمت، فمست الحاجة إلى التماس أساس لنزعاتنا ~~العليا من طريق العاطفة. ~~(ج) وله كتب قد تعد فلسفية، مثل «كتاب النفس» طرق فيه مسائل وجود النفس ~~وماهيتها وأصلها ومصيرها، وأورد فيه أقوالا من أفلاطون وفيثاغورس وغيرهما، وكتب ~~أخرى عالج فيها مسائل الخلق والمادة، والخطيئة والحرية، غير أن محاولات النظر ~~العقلي فيها قليلة من حيث إنه غير مقتنع بضرورته ويرى فيه «تمشدقا أرسطوطاليا»، ~~ومما يذكر هنا أنه كان يظن الروح جسما لطيفا، وبهذا المعنى يقول: «من ذا الذي ~~ينكر أن الله جسم مع كون الله روحا؟» وكذلك النفس الإنسانية مادة لطيفة منتشرة في ~~البدن متشكلة بشكله، فانية طبعا خالدة بفضل الله، وينقد أفلاطون لقوله بلا مادية ~~النفس وخلودها بالطبع، ويذهب إلى أن الله خلق نفس الإنسان الأول فتكاثرت بالتوالد، ~~وإلى أن النفس في ذاتها ذكر أو أنثى. ~~(3) خلقديوس وفيكتورينوس وماكدوبيوس # على أن الاشتغال الجدي بالفلسفة بدأ مع القرن الرابع، إذ نبغ فيه طائفة من نقلة ~~الفلسفة اليونانية وشراحها، أشهرهم ثلاثة على الترتيب التالي: # خلقيديوس: # أهم مصنفاته شرح على «تيماوس» ضمنه مقتبسات من كتب أخرى لأفلاطون، ~~ونظريات أرسطوطالية، وأخرى فيثاغورية، ونصوصا لزعماء الرواقية، وآراء ~~لفيلون وأطباء اليونان والفلاسفة الإيونيين والإيليين وغيرهم، فكان إلى ~~القرن الثاني عشر أحد المراجع الكبرى في تاريخ الفلسفة ~~اليونانية. # ومارينوس فيكتورينوس: # علم البيان في روما، واشتهر حتى نصب له فيها تمثال، ترجم المقولات ~~والعبارة لأرسطو، وإيساغوجي لفورفوريوس مع تصرف وزيادة وتصحيح، وبعض ~~رسائل أفلوطين، وقد يكون ترجمها كلها، وترجم كتبا أخرى للأفلاطونيين ~~الجدد، وشرح بعض كتبهم وبعض كتب شيشرون، وصنف رسائل في المنطق، منها ~~رسالة في التعريفات، وأخرى في الأقيسة الشرطية وقد ضاعت، ولما اعتنق ~~المسيحية ألف عدة كتب لاهوتية بقي معظمها، وأثر أفلوطين باد ~~فيها. # وماكروبيوس: # يشير إلى أن اللاتينية لم تكن لغته الأصلية، فقيل إنه أفريقي، وهو ~~معدود من الأفلاطونيين الجدد في الغرب اللاتيني، له شرح على «حلم ~~سيبيون» (وهو الفصل التاسع من المقالة السادسة من ms012 كتاب الجمهورية ~~لشيشرون) جمع فيه مختلف تعاليم الأفلاطونية الجديدة: نظرية صدور ~~الموجودات عن الموجود الأول، روحانية النفس وخلودها، أقسام الفضيلة، ~~وكثيرا من نظريات الفيثاغورية الجديدة في رمز الأعداد، وقدرا كبيرا ~~من الرياضيات. # الفصل الثاني # | القديس أوغسطين # (354-430) ~~(1) حياته ~~(أ) ولد في طاجسطا من أعمال نوميديا (الآن سوق الأخرس من أعمال الجزائر) من أب ~~وثني وأم مسيحية سجلت اسمه في عداد المرشحين للعماد، ونشأته على محبة المسيح، وتضلع ~~من اللاتينية حتى افتتح في قرطاجنة، وهو في التاسعة عشرة، مدرسة لتعليم البيان، في ~~ذلك الوقت قرأ كتابا لشيشرون اسمه «هورطانسيوس» (وقد ضاع فيما بعد) كان كاتبه يقرظ ~~فيه الفلسفة ببلاغته المعهودة، فيصورها مدرسة علم وفضيلة، ووسيلة الحياة السعيدة، ~~فاندفع في طلب الحقيقة، حقيقة مصير الإنسان، فقرأ الكتاب المقدس، رجاء أن يجدها ~~فيه، كما تعلم من أمه، ولكن الكتاب لم يجد إلى نفسه سبيلا: كان أوغسطين متشبعا ~~بالأدب اللاتيني فلم تعجبه لاتينية الكتاب، وكان متعلقا بالدنيا ومتاعها فلم تهزه ~~مبادئه، على أنه ظن أنه وجد ضالته في المانوية، فانضم إليها وهو يعتقد أنه لا يزال ~~مسيحيا كأمه، لما كانت تبدو فيه المانوية من مظاهر مسيحية، إيمانا، وعبادة، ~~وإدارة. ~~(ب) ودفعه طموحه صوب روما، فأنشأ فيها مدرسة للبيان، وفيما هو في ذلك عرض ~~للمسابقة منصب أستاذ للبيان في ميلانو، ففاز به، قصد إلى مقره الجديد، وأخذ يختلف ~~إلى الكنيسة الكاثوليكية ويستمع إلى عظات أسقف المدينة، القديس أمبرواز، وكانت تدور ~~على شرح الكتاب المقدس والرد على المانويين وغيرهم من المبتدعة، فوجد أن الكاثوليك ~~أحسن عرضا للكتاب ودفاعا عنه، فتراخت علاقته بالمانوية حتى قطعها بعد أن ظل ~~«سماعا» فيها سنتين، # 1 # ولكنه لم يدر إلى أين يتوجه، فقد كان قرأ كتابا آخر لشيشرون هو ~~«المقالات الأكاديمية» أي الأكاديمية الجديدة بعد أن حولها الزعماء من مذهب أفلاطون ~~إلى مذهب الاحتمال، فاضطرب لحجج الشكاك، فوقع في أزمة من الشك حادة، غير أن هذا ~~الشك لم يتناول وجود الله وعنايته بالمخلوقات، إذ كان أوغسطين يرى وجود الله أمرا ~~بديهيا ms013 أو كالبديهي، فعاد ونظر في الكنيسة فرأى فيها علامات أربعا تدل على أنها ~~من عند الله: ففيها تتحقق نبوءات العهد القديم، ويتمثل الكمال الروحي، وتصنع ~~المعجزات، وهي قد انتشرت بالرغم مما لقيت من عنت هائل، فآمن أن النجاة في الكنيسة، ~~ولكن إيمانه لم يبدد شكوكه، فقد كان مترددا في إمكان اليقين ، وفي حل الإشكالات ~~الأكاديمية، وكان مشغولا بمسألة الشر التي عالجها في المانوية، وكان يعتقد ~~كالمانويين أن كل موجود فهو مادي بالضرورة، فيتوهم الله جسما عظيما نيرا لطيفا ~~للغاية، ويتوهم النفس جزءا من ذلك الجسم، وكان لكل ذلك حائرا في أمره مع الدين ~~الذي اقتنع بصحته. ~~(ج) ودفعة واحدة عرف إمكان اليقين، وإمكان الروحانية، وأن الشر ليس جوهرا حتى ~~يقتضي صنع الخالق، وإنما هو عدم الخير، عرف ذلك من «بعض كتب الأفلاطونيين منقولة من ~~اليونانية بقلم فيكتورينوس» وقد وقعت بين يديه في تلك الأثناء، كما يخبرنا هو، لم ~~يحذ حذو ترتوليان، فلم يستنكف من الاستعانة بتلك الكتب، بل اتخذ له مبدأ أنه «إذا ~~قال الذين يسمون فلاسفة شيئا حقا ومطابقا لإيماننا، وجب أن نأخذه منهم كما يؤخذ ~~الشيء من غاصبه»، شرع إذن يتفهم المسيحية على ضوء ما اهتدى إليه من فلسفة، ويئول ~~هذه الفلسفة على ضوء المسيحية، وهذه نقطة تجب ملاحظتها، فقد ذهب بعض الباحثين إلى ~~أن الأفلاطونية هي التي قادته إلى المسيحية، والحقيقة أنه كان آمن بالمسيحية بناء ~~على ما ذكرناه من علامات أو أدلة، وأن رسائل أفلوطين أفادته في حل مشكلات عقلية ~~كانت تحول بينه وبين فهم المسيحية كما يجب أن تفهم، يؤيد ذلك أنه توهم، عند قراءته ~~الأولى لها، أنه وجد فيها العقائد المسيحية الكبرى، وهي غير موجودة بلا ريب، وأنه ~~إنما فرح بالفلسفة الأفلاطونية لهذا السبب، مما يدل على أنه كان مسيحيا بالقلب ~~قبل أن يطلع عليها، وأنه قرأها بهذا الاستعداد، توهم أنه وجد فيها أن الله خالق ~~العالم والنفس، في حين أن أفلوطين يقول بصدور الموجودات عن المبدأ الأول صدورا ~~ضروريا، وتوهم أنه وجد فيها ms014 القول بالكلمة، أي بأن المسيح كلمة الله، مع أن ~~الأقنوم الثاني عند أفلوطين، أي العقل الكلي، متمايز من الأول وأدنى منه مرتبة، على ~~أن أوغسطين يستدرك فيقول: إنه لم يقرأ فيها تجسد الكلمة، ولم يجد ذكرا للبعث، بحيث ~~يمكن القول: إنه أحال أفلوطين مسيحيا، لا أنه انقلب أفلوطينيا. ~~(د) وقصد إلى الريف مع بعض الأصدقاء، بغية النظر في أمر نفسهم في عزلة وهدوء، ~~وقضوا بضعة أشهر يفكرون ويتباحثون، استأنف مطالعته للكتاب المقدس، فوجد فيه هذه ~~المرة ما لم يجده في المرة الأولى وما لم يجده عند الأفلاطونيين، وجد المسيح ~~المخلص، والنعمة الإلهية التي تعيننا على فعل الخير والتغلب على الشر، ووفد ~~عليهم ذات يوم زائر كريم حدثهم عن حياة الرهبان في مصر وغيرها، وما يتجشمون من ألم ~~وحرمان في سبيل الكمال الروحي، وعن آلاف الناس من جميع الطبقات والأعمار الذين ~~يزهدون في الدنيا ويتبعون دين المسيح، وفي مقدمتهم ذلك العالم الكبير فيكتورينوس، ~~فخجل أوغسطين من تردده واستصغر نفسه، وخرج إلى الحديقة وهو في صراع عنيف مع أهوائه، ~~وإذا بصوت يغني في الجزيرة ويكرر القول: «خذ واقرأ»، فبدا له أن أمرا إلهيا صدر ~~إليه، فتناول رسائل القديس بولس، وكانت على مقربة منه، وفتحها اتفاقا وقرأ، فإذا ~~الأهواء تسكن، وإذا قلبه يفيض نورا واطمئنانا، فوضع نفسه بين يدي الله بغير تحفظ ~~ولا رجعة، وذهب إلى القديس إمبرواز وقبل منه المعمودية، وكان في الثالثة ~~والثلاثين. ~~(ه) وعاد إلى طاجسطا مع بعض أصدقائه، وعاش وإياهم عيشة الرهبنة ثلاث سنين، ثم طلب ~~أهل إيبونا «من أعمال نوميديا» سيامته كاهنا يرعاهم، فأجابهم الأسقف إلى طلبهم، ~~وبعد خمس سنين توفي الأسقف، فاقترع الشعب لأوغسطين، فتوفر على نشر الإيمان والدفاع ~~عنه باللسان والقلم خمسا وثلاثين سنة، وكانت أيامه الأخيرة، مفعمة حزنا وأسى، فقد ~~كان البرابرة أغاروا على أفريقيا وتقدموا إلى مدينته وحاصروها، وهو يشدد عزائم شعبه ~~ويبث فيه الأمل، وفاضت روحه قبل أن يدخلوا المدينة وينهبوها، ولكنه كان يتوقع ذلك ~~المصير، فراح وقد رأى العالم القديم يتحطم، فهل ms015 توقع أن عالما جديدا سيخرج من بين ~~الأنقاض المتراكمة يكون هو أكبر معلميه وهداته؟ ~~(2) مصنفاته ~~(أ) بدأ أوغسطين يكتب بعد قراءة «الكتب الأفلاطونية» فكان أول ما عالج مسألة ~~اليقين، لأنه اعتبرها المسألة المقدمة على سائر المسائل، وهذا موضوع كتاب «الرد على ~~الأكاديميين»، ثم نظر في «الحياة السعيدة» التي قال شيشرون إنها الغاية من الفلسفة، ~~ودون كتابا بهذا الاسم، ونظر في «خلود النفس» فوضع كتابا بهذا العنوان موضوعه ~~الرئيسي الأسس العقلية للإيمان، وصنف في تلك الفترة الأولى كتبا أخرى فلسفية ~~وبيانية. ~~(ب) ولما عاد إلى وطنه وجه همه إلى مناهضة المبتدعة، فكان من أثر ذلك كتاب «أخلاق ~~الكنيسة الكاثوليكية وأخلاق المانويين» وكتاب «في سفر التكوين، ردا على ~~المانويين» وكتاب «في الحرية» ضد بدعة أخرى، سنذكرها عند الكلام عن الحرية، وسبق ~~علم الله بالأفعال الإنسانية، ثم خطر له أن يترجم لحياته ويبين كيف قاده الله من ~~الظلمة إلى النور، فوضع كتاب «الاعترافات» (حوالي سنة 400) وهو مشهور في الآداب ~~العالمية، لسمو أسلوبه، وقوة تأثيره ودقة التحليل النفساني، وعمق النظرات الفلسفية، ~~ومن أهم مصنفاته بعد ذلك كتاب «الثالوث» في خمس عشرة مقالة حررها في مدى سبع عشرة ~~سنة (400-416) يشرح فيها العقيدة، وينقد الأضاليل، وينثر الشيء الكثير في الفلسفة، ~~و«شرح سفر التكوين» يتصل بالفلسفة كذلك، ولما فتح البرابرة روما سنة 410، استولى ~~على العالم القديم ذهول عميق؛ لأن الاعتقاد العام كان أن روما لا تقهر، وقال ~~الوثنيون: إن الآلهة غضبوا على المدينة الكبرى، وتخلوا عن نصرتها، لتهاونها في ~~الشعائر السلفية وانتشار المسيحية في أرجاء الإمبراطورية، فأخذ أوغسطين القلم يرد ~~عليهم، فاتسع أمامه مجال القول حتى انتهى إلى كتاب جامع في فلسفة التاريخ هو كتاب ~~«مدينة الله» بدأه سنة 413 وفرغ منه سنة 426، خصص المقالات العشر الأولى لنقد ~~الوثنية، معتقداتها، وأخلاقها، ومذاهبها الفلسفية، والمقالات الاثنتي عشرة التالية ~~للتاريخ العام ومغزاه، وقبل وفاته بثلاث سنين رأى أن يعود على مؤلفاته يراجعها ~~ويثبت حكمه الأخير فيما تضمنت من آراء، إقرارا، أو رفضا، أو تصحيحا، فكان من ذلك ~~كتاب ms016 «الاستدراكات» أو المراجعات، ومما يجدر ذكره من هذه الاستدراكات أسفه لإسرافه ~~في الثناء على الأفلاطونيين، فإنه كان قد عرف حقيقية مذهبهم وحقيقة موقفهم من ~~المسيحية فدعاهم بالكفار، تلك هي كتبه البارزة، وله غيرها كثير، وقد بلغت جميعا ~~مائتين وأربعين متفاوتة الحجم، ضاع منها عدد كبير، أسلوبها من أمتن أساليب الأدب ~~اللاتيني، ولكن تنقصها الدقة في بعض المواضع الفلسفية، وتغلب عليها ثقافته الأولى ~~اللغوية والبيانية، فيكرر المعنى الواحد في صيغ عدة، ويطنب في التمثيل والتصوير، ~~فكان ذلك سببا في الجدل حول مراده في غير ما مسألة. ~~(ج) أما مصادره الفلسفية فمقصورة على الكتب اللاتينية، فإنه لم يكن يحسن ~~اليونانية في شبابه، ثم أجادها فيما بعد لمراجعة ترجمات الأسفار المقدسة، ولا يلوح ~~أنه استخدمها للاطلاع على كتب اليونان، وفيلسوفه الأكبر أفلوطين، أما أفلاطون فلم ~~يعرفه حق المعرفة، وكان يعتقد أن الأفلاطونية والأفلوطونية الجديدة مذهب واحد، فقال ~~في كتاب «الرد على الأكاديميين»: إن «أفلوطين شديد الشبه بأفلاطون حتى ليمكن ~~الاعتقاد بأن أفلاطون بعث في أفلوطين»، وفي «مدينة الله» يذكر «تيماوس» وقد ~~قلنا: إن خلقيديوس نقله إلى اللاتينية، ولعله قرأ «فيدون» لناقل آخر، وحين يذكر ~~«تيماوس» يشير إلى ما بين مطلعه وبين سفر التكوين من مماثلة، ويميل إلى تفسير هذه ~~المماثلة بأن أفلاطون كان له بعض العلم بالتوراة، كما كان يظن كثيرون من اليهود ~~والمسيحيين، لذا نراه يقول عنه: إنه يعلم أن الله خالق، وأنه يجب تفضيل مذهب ~~الأفلاطونيين على سائر المذاهب، وأما أرسطو فلم يعرف منه سوى المنطق، ولا يذكره سوى ~~ثلاث مرات، ويضعه في مرتبة أدنى من أفلاطون، وكان يعتقد أن ليس بين الفيلسوفين فرق ~~جوهري، وهذه فكرة أذاعها الأفلاطونيون الجدد بمحاولتهم «التوفيق بين رأيي ~~الحكيمين»، ويذكر الرواقيين والأبيقوريين وينقدهم نقدا عسيرا. ~~(3) منهجه ~~(أ) منهجه الفلسفي صورة حياته: علم من قراءة «هورطانسيوس» أن الفلسفة وسيلة ~~السعادة التي هي طلبة كل إنسان، ففكر في السعادة، فوجد أن الموضوع الذي يحققها يجب ~~أن يتوفر فيه شرطان: أحدهما: أن يكون ثابتا مستقلا عن تقلب المصادفة ms017 والحظ، وإلا ~~نغصت السعادة بالقلق عليها وخوف زوالها، والشرط الآخر: أن يكون الموضوع كاملا لا ~~مزيد عليه، إذ إننا لا نرضى تمام الرضا إلا بالخير الأعظم، وليس يتوفر هذان الشرطان ~~في غير الله؛ لأن الله وحده ثابت كامل، فنحن إذ نطلب السعادة نطلب الله، علمنا بذلك ~~أو لم نعلم: «لقد صنعتنا لأجلك يا رب، وإن قلبنا لا يزال مضطربا حتى يطمئن ~~لديك.» ~~(ب) هل تبلغ الفلسفة إلى الله؟ لقد استكشف الفلاسفة حقائق جليلة نافعة، ولكنهم لم ~~يستكشفوا كل الحقيقة الضرورية للإنسان، ووقعوا في أضاليل خطيرة، وليس يستطيع العقل ~~بقوته الطبيعية أن يهتدي إلى الحقيقة بأكملها وأن يحترز من كل ضلال، وفوق ذلك ليس ~~للفلسفة بذاتها قوة على تحويل النفس من مجرد المعرفة إلى العمل الفاضل، فالفلسفة ~~قاصرة من هاتين الناحيتين، والمسيحية وحدها تعرض علينا الحكمة كاملة عن الله ~~والنفس، وتوفر لنا الوسائل الفعالة للحياة الصالحة، والاتحاد بالله، هذه الوسائل ~~وهي النعم تحملها إلينا الأسرار المقدسة، فإذا أردنا السعادة وأردنا الحكمة، وجب ~~علينا الإيمان، والعمل به. ~~(ج) ليس الإيمان عاطفة غامضة وتصديقا عاطلا من الأسباب العقلية، ولكنه قبول ~~عقلي لحقائق، إن لم تكن مدركة في ذاتها كالحقائق العلمية، فهي مؤيدة بشهادة شهود ~~جديرين بالتصديق، هم الرسل والشهداء، وبعلامات خارقة هي المعجزات، ليس ينفر الإيمان ~~من نقد العقل ما دام الإيمان لا يوجد إلا في العقل، فعلى العقل مهمة قبل الإيمان، ~~هي الاستيثاق من تلك الشهادة وتلك العلامات، وهو ليس يستوثق من شيء إلا أن يستوثق ~~أولا من كفاية العقل للمعرفة اليقينية، فالفحص عن اليقين واجب التقديم على الفحص ~~عن الوحي والمعجزات، ففي هذه المرحلة العقل سابق على الإيمان ممهد له، يقنع ~~بوجوب الإيمان لا بموضوعه، بحيث نقول: «تعقل كي تؤمن.» ~~(د) وللعقل مهمة بعد الإيمان، هي تفهم العقائد الدينية، وهنا الإيمان سابق على ~~التعقل، معين له، فإنه يطهر القلب، والعقل أقدر على البحث وأسرع قبولا للحق، بحيث ~~نقول: «آمن كي تتعقل»، على أن التعقل، في هذه المرحلة الثانية، ليس سواء في ms018 جميع ~~القضايا، فإن منها ما هو طبيعي قابل للبرهان كوجود الله وصفاته، ووجود النفس ~~وروحانيتها وخلودها، ومنها ما هو فائق للطبيعة، يقتصر عمل العقل بصدده على تفسير ~~يبدد المحالات الظاهرية من جهة، ويحيل الموضوع شبه معقول من جهة أخرى بما يجد له من ~~صورة ومثال في الطبيعة، والشواهد عديدة عنده على هذين النوعين من التعقل، أثبتنا ~~الكثير منها على النوع الأول في هذا الفصل المخصص لفلسفته، ونثبت هنا شاهدا ~~مشهورا على النوع الثاني، هو طريقته في معالجة مسألة الثالوث، أعوص المسائل ~~الدينية البحتة، يبدأ بتحديد العقيدة أخذا عن الكتاب المقدس وعن آباء الكنيسة، ثم ~~يحل الإشكالات، ويرد على الاعتراضات، هذا القسم ضروري طبعا لإدارة الفكر والقول ~~على معنى محدد، وقد جاء حافلا بالموضوعات العميقة والاستطرادات المفيدة، ثم يبحث ~~عن صورة للثالوث تعين على تعقل هذا السر تعقلا ما، فلا يجد من صورة إلا في ~~الإنسان؛ لأنه بنفسه الناطقة أقرب الخلائق المنظورة شبها بالله، ففي النفس ~~الإنسانية ذاكرة وعقل وإرادة، الذاكرة هي النفس متحلية بحقائق معلومة، والعقل هو ~~النفس متعقلة أي متصورة المجردات، والإرادة هي النفس محبة، إننا نذكر كل قوة من هذه ~~القوى على حدة، وفي أوقات مختلفة، ولكنا لا نستخدم إحداها دون القوتين الأخريين، ~~فهي متحدة في جوهر واحد، وثمة صورة ثانية مأخوذة من أفعال هذه القوى: فإن النفس ~~تعلم ذاتها، وتحب ذاتها، وعلمها بذاتها، فهذه ثلاثة متساوية فيما بينها، وماهية ~~واحدة، بل إن الإدراك الحسي، بالحواس الظاهرة وبالمخيلة أو الذاكرة، يعطينا صورة ~~ثالثة، فبالصورة المقبولة في العين أو في المخيلة، وإدراكها في الآن الحاضر، واتحاد ~~الاثنين بفعل النفس المدركة. ~~(ه) وهذان النوعان من التعقل يؤلفان «الفلسفة المسيحية» التي تنظر في الوجود على ~~ما أوحى الله إلينا، فأوغسطين، مع علمه بأن العقل والإيمان متمايزان بالذات، لم يضع ~~مبدأ يكفل استبقاء هذا التمايز، ولكنه جمع بينهما في حكمة كلية تظهرنا على حقيقة ~~الوجود، وتدلنا على غايتنا الحقة، وتمدنا بالوسائل للبلوغ إليها، هي المسيحية. إذن ~~«آمن كي تتعقل»، وينطبق هذا القول ms019 على مضمون الإيمان كله، بما فيه وجود الله، فإن ~~الخطوة الأولى، في رأي أوغسطين مخاطبة الأحمق الذي «يقول في قلبه: ليس يوجد إله» ~~كما جاء في مفتتح المزمور 14 لداود النبي، وإقناعه بصدق الكتب المقدسة التي تعلم ~~وجود الله، حتى إذا ما فاز منه بالإيمان بها شرع في بيان ما للإيمان بالله من قيمة ~~عقلية، هذا مع علم أوغسطين بما للدليل العقلي على وجود الله من قيمة ذاتية، وعلمه ~~بأن الفلاسفة عرفوا وجود الله دون توسط الإيمان، وبعد الله النفس النزاعة إلى الله، ~~وهي صورة الله من حيث إنها روحية وعاقلة، مريدة، ذاكرة، وبمعرفة الله والنفس تتم ~~الحكمة في الواقع، وطالما قال أوغسطين: إنه لا يطلب سوى العلم بالله وبالنفس، أما ~~العالم فليس صورة الله، من حيث إنه مادي خلو من العقل والإرادة، وإنما هو أثر الله ~~يحقق بعض الصفات الإلهية على نحو خاص به، فينظر فيه بعد النفس، وأخيرا «مدينة ~~الله»، أو مصير الإنسانية، أو مبادئ الاجتماع وفقا للمسيحية، وعلى هذا الترتيب ~~سنعرض المذهب. ~~(4) اليقين ~~(أ) تنقسم مناقشة أوغسطين للشك إلى قسمين: قسم سلبي يبين فيه أن موقف الشك مسرف ~~متناقض، وقسم إيجابي يثبت فيه أننا ندرك إدراكا يقينيا حقائق موضوعية. ~~(ب) فمن الجهة الأولى يقول: إن الاحتجاج بتخاييل الأحلام والجنون لا ينهض إلا ~~بصدد المحسوسات، ولنا مع ذلك سبيل للاستيثاق من مدركات الحواس إذا رجعنا إلى حكم ~~العقل فيها، بالعقل نعين شرائط اليقين في المحسوسات، فنعلم أن بإمكاننا أن نصدر ~~بشأنها أحكاما صادقة إذا حرصنا على ألا نضيف للإحساس عنصرا غريبا عنه، وحسبنا ~~للأحوال التي تعمل فيها الحواس حسابها - ثم إن الذي يشك في وجود الحقيقة يعبر عن ~~شكه بقضية تبدو له صادقة، وهذا الصدق ينقض دعواه - وإذا انتقلنا من النظر إلى العمل ~~وجدنا الشك يقضي بالجمود التام؛ لأن كل فعل فهو دائما عبارة عن وضع قضية موجبة هي ~~أن كذا خير أو كذا شر، وليس يكفي الاحتمال كما يقولون، إذ ما هي القاعدة لتمييز ~~الاحتمال؟ أليس الاحتمال ms020 والشك إنما يقالان بالقياس إلى الحقيقة؟ ~~(ج) ومن الوجهة الثانية يقول: إن هناك حقائق مستقلة عن كل ظرف، مطلقة من كل قيد، ~~لا يتطرق إليها الشك مهما تعسف فيه متعسف، منها القوانين المنطقية، مثل إن القضية ~~الصادقة ليست كاذبة، وإن القضية المناقضة لها هي الكاذبة، ومنها الحقائق الرياضية، ~~مثل 3 × 3 = 9، وغيرها كثير معروف، ومنها الحقائق الفلسفية والخلقية، مثل قولنا: ~~يجب طلب الحكمة والسعادة، فإن العقل يرى بالطبع هذا الوجوب، والتسليم به تسليم ~~بالواجب وتعريف لفضيلة الحكمة، ومثل قولنا: يجب إخضاع الأدنى للأعلى، ومعاملة ~~المتساويات بالمساواة، وإعطاء كل ذي حق حقه، وتلك حقائق ترجع لفضيلة العدالة، وكذلك ~~يرى العقل أن الدائم خير من الزائل وأعلى منه، وفي مراعاة هذا المبدأ تقوم فضيلة ~~العفة، ومن المؤكد أيضا أنه تجب المخاطرة بكل شيء واحتمال كل ألم في سبيل الخيرات ~~الحقة، وتلك فضيلة الشجاعة، جميع هذه الأحكام ضرورية في العقل عند جميع الناس ولو ~~كانوا يغطون في النوم. ~~(د) وثمة حقيقة يعرضها أوغسطين على الشكاك، ليشعرهم بيقين لا سبيل للارتياب فيه ~~بحال، تلك هي حقيقة وجودنا وفكرنا، يلح فيها ويذكرها على أشكال شتى، فيقول في موضع: ~~«أنت الذي يريد أن يعرف نفسه، هل تعرف أنك موجود؟ ~~- أعرف ذلك. ~~- من أين تعرف؟ ~~- لا أدري. ~~- هل تحس نفسك بسيطا أو مركبا؟ ~~- لا أدري. ~~- هل تعلم أنك تتحرك؟ ~~- لا أعلم. ~~- هل تعلم أنك تفكر؟ ~~- أعلم.» # ويقول في موضع آخر: «حين تؤكد وجودك لا يمكن أن تخشى الخطأ، إذ إنك إذا كنت تخطئ ~~فأنت موجود»، ويقول بنفس المعنى: «لست أخشى الأكاديميين إذ يقولون لي: وإذا كنت ~~مخطئا؟ إذا كنت مخطئا فأنا موجود، ومن لم يكن موجودا فلا يمكن أن يخطئ»، وأيضا: ~~«إذا كان يشك فهو يحيا، وهو يذكر موضوع شكه، وهو يعلم أنه يشك، وهو يطلب اليقين، ~~وهو يفكر، وهو يعلم أنه لا يعلم، وهو يحكم بأنه لا ينبغي التسليم بشيء دون روية، ~~فالذي يشك، مهما يكن موضوع شكه، لا يمكن أن يشك في تلك الأمور التي ms021 بدونها لا يمكن ~~الشك»، فالشك المطلق مستحيل فعلا، والحقيقة ماثلة في العقل بالضرورة. ~~(5) الله ~~(أ) يخبرنا أوغسطين في «الاعترافات» أنه لم يشك في وجود الله قط بالرغم مما صادف ~~من اعتراضات، وقد احتلت فكرة الله نقطة المركز من مذهبه كما كانت محور حياته، فقد ~~كان يرى وجود الله واضحا جد الوضوح لا ينكر إلا بدافع من الأهواء، ومن جانب نفر ~~قليل جدا، كان يراه واضحا باستدلال بديهي انعقد عليه إجماع الناس واتفق عليه ~~أفاضل الفلاسفة، والأمثلة عليه كثيرة عنده، منها قوله: «تنظر إلى الأرض وما فيها من ~~قوة وجمال، وكأنك تسائلها، ولما كان من الممتنع أن تكون حاصلة على هذه القوة ~~بذاتها، فإنك تدرك حالا أنه لم يمكن أن توجد بقوتها الذاتية»، وقوله: «إن العالم ~~نفسه بتغيره المنظم تنظيما عجيبا وبأشكاله البديعة، يعلن في صمت أنه مصنوع»، ~~وأحيانا يذكر السبب المضمر في هذا الاستدلال فيقول: «السماء والأرض تعلنان أنهما ~~مخلوقتان، إذ إنهما تتغيران، ويستحيل أن يكون في غير المخلوق شيء إلا وقد كان فيه ~~سابقا» يعني أن غير المخلوق ثابت؛ لأنه إن تغير حصل على شيء لم يكن له فلم يكن غير ~~مخلوق، والسماء والأرض تتغيران، فهما إذن مخلوقتان، لذا نراه يعتبر الإلحاد جنونا ~~مطبقا، ويقول: إن الملحدين إنما ينكرون وجود الله بسبب شهواتهم، وإنهم على كل حال ~~نفر يسير لا يعتد به. ~~(ب) على أن له دليلا خاصا به يستند إلى فكرة الحقيقة التي انتهى إليها في ~~مناقشة الشك، وهذا مؤداه: أن الحقائق على اختلافها يستكشفها العقل ولا يؤلفها، وهو ~~يراها ثابتة ضرورية، وليس يفهم هذا الثبات وهذه الضرورة إلا بحقيقة قائمة بذاتها، ~~وليس العقل الإنساني تلك الحقيقة؛ لأنه منفعل ناقص يتقدم ويتأخر، فهي جوهر أسمى من ~~العقل، أي الله، هذا الدليل قائم على المشاركة الأفلاطونية التي تصعد مما يبدو في ~~النفس أو الطبيعة من حكمة وخير وجمال ونظام ووحدة، إلى مثال قائم بذاته، وأوغسطين ~~يستخدم هذه المعاني بالفعل لهذا الغرض، كما فعل أفلاطون وأفلوطين، ولكن معنى ~~الحقيقة يجعل ms022 سيره مطردا من اليقين إلى الله مباشرة، فإن خلاصة الدليل أن النفس ~~تدرك الحقيقة إذ تفكر، ثم تدرك الله بإدراك الحقيقة، اعتمادا على أن ليس شيء حقا ~~إلا بالحقيقة بالذات، كما أن ليس شيء خيرا إلا بالخير بالذات، وهكذا. ~~(ج) الحقيقة بالذات حاوية جميع الحقائق، والدليل على ذلك أن الخالق يوجد الأشياء ~~على مثال معقولاتها ، ولا يمكن أن يشاهد المعقولات خارجا عنه وإلا كان أدنى منها، ~~فلا بد أن يشاهدها في ذاته، وبذلك يجمع أوغسطين المثل الأفلاطونية أو العالم ~~المعقول في العقل الإلهي، فيتفادى المحالات التي استهدف لها أفلاطون، إذ جعل المثل ~~قائمة بأنفسها، ولكن أوغسطين لم يكن يعلم أن موقفه هذا جديد، بل كان يعتقد أنه متفق ~~فيه مع أفلاطون وأفلوطين، والواقع أن أفلاطون يصور الصانع يصنع وهو يتأمل شيئا ~~غيره، وأن أفلوطين ينفي عن «الأول أو الواحد» العلم بذاته وبالموجودات الصادرة عنه، ~~ويضع الماهيات المعقولة في العقل الكلي الذي هو في المرتبة الثانية، ولو أنعم النظر ~~لرأى أنه لم ينته في الحقيقة إلى مثل أولي ما دام العقل الكلي عنده ليس موجودا ~~بذاته، وثمة نتيجة تلزم مما تقدم، هي أنه لما كان الله محل المعقولات وعاقلا، كان ~~معقولا وكانت السعادة القصوى تعقله، بينما عند أفلوطين حالة شعورية ليس غير، أي ~~إحساس بغبطة دون تعقل موضوع. ~~(د) وإذا قلنا إن الله محل المعاني، وإذا أضفنا إليه صفات، فليس يعني هذا أن في ~~الله كثرة، وأن الصفات متحققة فيه على نحو تحققها في المخلوقات، فإن الله بسيط كل ~~البساطة، وما نتصوره فيه هو عين الجوهر الإلهي، بل يجب الاحتراز من تسميته جوهرا، ~~لئلا يذهب الفكر إلى أن الله موضوع لصفات أو أعراض متمايزة منه، والأليق أن نقول ~~«الذات»؛ لأن هذا اللفظ لا يتضمن سوى معنى الوجود، والله هو الموجود إلى أعظم حد، ~~فلا بد أن تكون صفاته عين ذاته، إذ إن الحاصل على كمال ما دون أن يكون هو ذلك ~~الكمال، فهو مشارك فيه، ولا يستغرقه كله، ويمكن أن يفقده، ms023 فيكون كماله متمايزا ~~منه، وتكون كمالاته متمايزة بعضها من بعض. وإذن فالله «عظيم (مثلا) لا بعظمة ~~مغايرة له، بل بعظمة هي عين ذاته»، وهكذا يقال بالإضافة إلى الحياة والعقل والسعادة ~~والقدرة، وعلى هذا النحو تتحد كل صفة إلهية بالذات الإلهية، ومن ثمة تتحد الصفات ~~فيما بينها. ~~(ه) وإذا كان الله معقولا فليس يعني ذلك أننا ندركه تمام الإدراك، وأن حديثنا ~~عنه ينطبق عليه بالتواطؤ: «لا لفظ أو لا شيء يقال على الله كما ينبغي لله»، وإنما ~~يصبح اللفظ ملائما لله على نحو ما بعد تحويل معناه تحويلا عميقا: مثال ذلك ~~«الغضب» فما هو في الله سوى القدرة على العقاب دون الاضطراب الحاصل فينا، ومثل ~~«الغيرة» فما هي سوى العدالة مجردة، ومثل «الندم» فما هو سوى سبق علم الله بشيء ~~يحدث بعد شيء، ومثل «العلم» فما هو سوى بهاء حقيقة ثابتة شاملة دون ما نشاهد في ~~العلم الإنساني من تغير وانتقال من فكرة إلى فكرة، ومن تذكر واقتصار على بعض ~~الموضوعات، فالألفاظ تصلح للدلالة على الله بشرط أن نستبعد من مدلولها ما يلازمه من ~~نقص في المخلوقات، وحينئذ يتاح لنا التأمل في الله دون محاولة التعبير عنه، بحيث ~~يتلخص موقفنا في هذه العبارة الجامعة: «إن تصورنا لله أكثر حقية من تسميتنا له، وإن ~~وجود الله أكثر حقية من تصورنا له»، وهذا هو الموقف الحق بين التجسيم والتشبيه من ~~جهة، وبين التنزيه المطلق على طريقة أفلوطين الذي يجعل الله بمثابة النقطة ~~الهندسية، من جهة أخرى. ~~(6) النفس ~~(أ) وجود النفس لازم من وجود الفكر، فما إن يدرك الفكر وجوده حتى يدرك ذاته كقوة ~~حية، من حيث إن التفكير حياة، بل أرفع مراتب الحياة، ومحال أن يكون الفكر من فعل ~~الجسم، فإن «الأشياء التي نعرف لها خصائص جوهرية متمايزة هي أشياء متمايزة»، والجسم ~~جوهر ممتد في الأبعاد الثلاثة، معلوم من خارج بالحس، بينما الفكر معلوم من باطن ~~بالفكر نفسه، وغير ممتد كما يتبين من أن تصوراتنا توجد معا في الحس والعقل ولا ~~تشغل حيزا، ms024 هل يمكن للهواء أو النار أو المخ أو الدم أو أية مادة أخرى، أن تنتج ~~الحياة والإدراك والإرادة؟ إن الفكر يستطيع أن يشك في وجود تلك المواد وما إليها، ~~لأنه لا يجد شيئا منها في نفسه، ولا يستطيع أن يشك في نفسه، فليس الفكر من الجسم، ~~ولكنه من مبدأ آخر، يضاف إلى ذلك إدراكنا المجردات ، فإنه يدل على أن المبدأ المدرك ~~مجرد، هذا المبدأ هو النفس الناطقة، وهي تقوم بجميع أفعال الإنسان، ولا ضرورة لوضع ~~نفوس ثلاث كما فعل أفلاطون، ولا ضرورة لتسمية مبدأ الحياة في النبات نفسا، أما ~~الحيوان فله نفس؛ لأن له أفعالا مماثلة لأفعالنا الحسية، فهي نفس على قدره. ~~(ب) النفس الإنسانية صورة الله: روحانيتها تجعلها واحدة غير منقسمة كما أن الله ~~واحد، والعقل والإرادة والذاكرة تجعلها ثلاثية في وحدتها كما أن الله ثالوث، وليس ~~في النفس قوى متمايزة منها، وإنما هناك أفعال لها مختلفة، على أن النفس متغيرة مثل ~~كل مخلوق، والتغير يتم في موضوع، وموضوع التغير المادة: فهل نضيف للنفس ضربا من ~~مادة روحية؟ سؤال ألقاه أوغسطين ثم لم يجب عنه، وتركه بمثابة فرض محتمل، ألقاه ~~بمناسبة النظر في الملائكة، وفي الفرق بينهم وبين الله من جهة، والموجودات الجسمية ~~من جهة أخرى، وارتأى أنهم يفترقون عن الله في كونهم مخلوقين، وبهذه المثابة متغيرين ~~بالطبع وحاصلين على موضوع للتغير، ويفترقون عن الجسميات في أن تأملهم لله يثبتهم ~~دون تغير بالفعل فيجعل اتحاد المادة والصورة فيهم دائما، ويجعلهم من ثمة خارج ~~الزمان، وكان طبيعيا أن يثير هنا مسألة النفس وتغيرها، ولكنه توقف عن القطع ~~بتركيبها من مادة وصورة، ولن يتوقف الأوغسطينيون فيما بعد، بل سيبتون في المسألة ~~بالإيجاب كما بت هو بصدد الملائكة، ولعين السبب. ~~(ج) ما أصل النفس؟ مسألة عسيرة الحل وإن يكن من الميسور نقد الآراء الشائعة فيها، ~~من هذه الآراء قول المانويين: إن النفس صادرة عن ذات الله، هذا القول يستلزم إحدى ~~اثنتين: إما أن النفس ثابتة كالله، أو أن الله متغير كالنفس، وكلتا ms025 النتيجتين ~~باطلة، ومنها قول أفلاطون وغيره من الفلاسفة: إن النفس قديمة هبطت إلى الأرض وتعود ~~إليها بالتناسخ، وهذا حديث خرافة معارض للشعور وللعقل، فإننا لا نذكر حياة سابقة، ~~ومحال أن تتقمص النفس جسما حيوانيا أو نباتيا لما بين الطرفين من مغايرة تامة، ~~ومنها أن النفس تولد من بذرة مادية، أو من نفس حيوانية، وهذان الرأيان يبطلان ~~روحانية النفس الإنسانية وهي ثابتة، فأي حل نصطنع؟ الواضح من الكتاب المقدس أن الله ~~خلق نفس آدم، فهل نقول: إن النفوس صدرت عنها بالتوالد؟ كان أوغسطين يميل ميلا ~~ظاهرا للأخذ بهذا القول، ولكنه لم ير كيف يكون هذا التوالد، ووجد فيه خطرا على ~~الشخصية الإنسانية، كما أنه يعتقد بإمكان خلق الله لكل نفس على حدة لتحل في جسم ~~المولود، ولكنه لم يتقيد بهذا الرأي، وقد ظل مترددا طول حياته كما يبدو من كتاب ~~«الاستدراكات». ~~(د) ولكنه لم يتردد، ولم يكن يمكن أن يتردد، في مسألة مصير النفس، إن الخلود ثابت ~~من كون النفس جوهرا روحيا مباينا للجسم، على أن أوغسطين في كتاب خلود النفس، ~~يقدم دليلين يحتذي فيهما دليلين لأفلاطون واردين في «فيدون»، الأول: أن الحقيقة غير ~~فاسدة طبعا، والنفس محل الحقيقة، فالنفس غير فاسدة - وكان أفلاطون قال: إن المثل ~~بسيطة ثابتة، فلا بد أن تكون النفس التي تعقلها شبيهة بها. والدليل الثاني: أن ~~النفس تدرك ذاتها أنها قبلت وجودها من الموجود بالذات، وليس للموجودات بالذات ضد ~~سوى اللاوجود، وليس للاوجود وجود حتى يسلب النفس وجودها - وكان أفلاطون قال إن ~~النفس حياة، فهي مشاركة في الحياة بالذات، وليست تقبل الماهية ضدها، فلا يمكن أن ~~تقبل النفس ضدها وهو الموت. وله دليل آخر مستمد من الاشتهاء الطبيعي للسعادة، فقد ~~رأينا [القديس أوغسطين، 3، أ] أن شرط السعادة دوامها، فالنفس التي تطلب الدوام طلبا طبيعيا ~~ضروريا يجب أن تكون دائمة. ~~(ه) ولما كان أوغسطين يصور النفس جوهرا مفكرا تاما في ذاته، على طريقة ~~أفلاطون، فقد حار في تفسير اتصالها بالجسم، يقول: إن اتحاد النفس والجسم أمر جد ms026 ~~عجيب، لا يدركه الإنسان، مع أن هذا الاتحاد هو الإنسان نفسه، كيف يمكن أن يرتبط ~~جوهر روحي بجسم لكي يحييه، وكيف نعلل جهل النفس بكثير مما تعمل في الجسم وهي ~~مدبرته؟ يتردد أوغسطين بين موقفين، فمن ناحية ينبذ قول أفلاطون والمانويين: إن ~~الإنسان النفس فحسب، وإن الجسم غلاف لها أو سجن، وإنه شيء رديء بالذات ، وإن ~~اتصالها به عقاب على خطيئة، فإن هذه الأقوال تعني أن الإنسان مركب قسرا من جوهرين ~~متنافرين، بينما المسيحية تعلم أنه كائن طبيعي صور الله جسمه ونفخ فيه النفس، وجعل ~~انفصالهما بالموت هو العقاب، وأعلن أنه سيردهما الواحد للآخر بالبعث، فماذا يصنع ~~أوغسطين؟ إنه يستكشف في النفس ميلا طبيعيا لأن تحيا في الجسم، ويرى أنها هي التي ~~تمنحه صورته وحياته، ويقول: «إن النفس والجسم لا يؤلفان شخصين بل إنسانا واحدا»: ~~النفس هي «الإنسان الباطن» والجسم هو «الإنسان الظاهر» دون أن تصير النفس جسما، أو ~~يصير الجسم نفسا، وليس محل النفس جزءا معينا من الجسم، كالرأس أو القلب، بل ~~الجسم كله، وهذا لازم من بساطة النفس، وظاهر من أنه حين يحس أدق جزء من الجسم تعلم ~~بذلك النفس كلها، فأوغسطين يقترب هنا من النظرية الأرسطوطالية، وهي تعتبر الإنسان ~~كائنا طبيعيا، ولكنه من ناحية أخرى يفسر الاتحاد بأنه «انتباه» النفس للجسم، ~~ومزاولة قدرتها فيه بواسطة الهواء والنار، وهما أقرب العناصر الجسمية إلى الروحانية ~~- فلم يتحرر من النظرية الأفلاطونية، وسنرى شاهدا على ذلك في الكلام على المعرفة ~~الحسية. ~~(7) المعرفة ~~(أ) تشتمل المعرفة على نوعين من المدركات: مدركات مادية، وأخرى معنوية، فأما ~~الأولى فناشئة من انتباه النفس للتغيرات الحادثة في الجسم، هذه التغيرات جسمية ~~بحتة، يعقبها الإدراك وهو فعل النفس وحدها، إذ ليس انفعال الجسم تأثيرا في النفس؛ ~~لأن الأدنى لا يؤثر في الأعلى، وهذا مبدأ مطرد عند أوغسطين وعند أفلوطين، ولكن ~~الانفعال نداء من الجسم للنفس وهي حاضرة في الجسم كل تغير فيه، لتكفل حسن تدبيره، ~~أما كيف يتنوع الإدراك بتنوع التغير الجسمي، على ما بينهما من مغايرة؟ ms027 وما قيمة ~~الإدراك في الدلالة على الأشياء؟ فهذان سؤالان لا تمكن الإجابة عنهما في المذهب ~~الأفلاطوني، ولكن أوغسطين يستمسك برأيه إلى النهاية، فتراه يؤاخذ نفسه في ~~«الاستدراكات» على قوله: إن العين ترى، ويقول: إن هذا يجوز للذين يعتقدون أن ~~الإحساس فعل جسمي، أما هو فيعتقد أن الإحساس فكر، ويستخرج من ذلك دليلا ضد المادية ~~فيقول : إذا كان إدراك الأجسام وظيفة لا جسمية، فقد بلغنا إلى النفس منذ النظر في ~~الإحساس - وفاته أن ضرورة النفس للإحساس لا تستلزم مفارقتها للعضو الحاس، وأنه إذا ~~صح أن الإحساس في الإنسان فعل نفس مفارقة للجسم، انسحب هذا على الحيوان ~~أيضا. ~~(ب) وأما المدركات المعنوية، فمثل الله والنفس والملائكة، والأحكام التي نصدرها ~~على الماديات والروحيات، الموجودات الروحية نعرفها بالاستدلال، كيف نفسر ما ~~لأحكامنا من صفتي الكلية والضرورة، وليس في المخلوقات شيء ثابت، وليس العقم ~~الإنساني ثابتا؟ إن المسألة تعود إلى مسألة الحقيقة، وحلها هين بعد ما أسلفناه: إن ~~الحكم الكلي الضروري يصدرها عنا بفضل إشراق من الله، الله هو «المعلم الباطن» هو ~~«النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آت إلى هذا العالم» كما يقول القديس يوحنا في ~~مفتتح إنجيله، وهكذا نرجع إلى الوحي الذي صدرنا عنه، فتبدو هذه الآية مقدمة ونتيجة ~~في آن واحد ولكن من جهتين مختلفتين: هي مقدمة مسلمة بالإيمان، ونتيجة مبرهنة ~~بالعقل، كما هو الحال في جميع قضايا مذهبه. ~~(ج) تلك هي نظرية الإشراق المشهورة عن أوغسطين، وسيكون لها شأن كبير عند ~~المدرسيين حين يقفون على نظرية أرسطو في العقل الفعال ونظرية الإشراق عند ~~الإسلاميين، وسيتقلدها مالبرانش فيذهب إلى أننا نرى الله، ونرى في الله المعاني ~~الجزئية والكلية والمبادئ الضرورية، وقد قال أوغسطين بالفعل: «كما أننا نرى ~~الماديات في ضوء الشمس، فكذلك خلقت النفس الناطقة بحيث تستطيع أن ترى المعقولات في ~~ضوء لا جسمي يشرق عليها» وقال أيضا: «إن الله مرئي لنا أكثر من مصنوعاته المادية»، ~~و«إن الله شمس النفس»، ولكن هذه الأقوال وأمثالها مرسلة عنده بمعنى مجازي، فإن ~~معناها الحرفي يستتبع ms028 نتيجتين يرفضهما رفضا صريحا: ذلك أنه لو كان النور الإلهي ~~هو الله نفسه لما كان هناك فرق بين معرفتنا لله في الحياة العاجلة، ومعرفتنا في ~~الحياة الآجلة، وهو يعلن أننا نعرف الله بالاستدلال في الأولى، وبالمعاينة في ~~الأخرى، ولو كنا نرى الأشياء في الله لكنا نعرفها دون النظر إليها، وهو يقول: إن ~~الإشراق لا يغني النفس عن الالتفات إلى الجسم، وإن الفاقد حاسة فاقد المعارف ~~المقابلة لها، وإن الملائكة هم الذين يدركون الماديات في الله مباشرة، فالنور ~~الإلهي شيء مخلوق متمايز من الله ومن النفس، كما أن نور الشمس متمايز من العين: هو ~~مدد من عل، أو مشاركة في العلم الإلهي، إذ إن نور عقلنا مستفاد كما أن وجودنا ~~مستفاد. ~~(8) الإرادة ~~(أ) بعد المعرفة الإرادة، وأوغسطين يؤكد حرية الإرادة الإنسانية غير عابئ بإنكار ~~أفلوطين، وهو يعرفها بأنها «القدرة على قبول تصور ما أو رفضه» فليست الحرية إذن ~~القدرة على الاختيار بين الخير والشر؛ لأن اختيار الشر نقص، ولو كان شرطا للحرية ~~لما كان الله حرا، وكيف لا يكون الله حرا وهو واهبنا الحرية؟ وأول دليل على ~~الحرية شهادة الوجدان: «إذا لم تكن الإرادة التي بها أريد ولا أريد ملكا لي، فلست ~~أدري ما الذي أستطيع أن أقول عنه إنه ملك لي»، والذي يجادل في وجودها واقع في عماوة ~~تمنعه من أن يرى إلى أي حد حججه الباطلة الكافرة صادرة عن الإرادة نفسها، بالحرية ~~تنكر الحرية، وإنكارها يحمل معه التناقض، والناس مجمعون على المدح والذم والإثابة ~~والمعاقبة، بناء على ما يشعرون في أنفسهم من حرية، ويؤيد الحرية اختلاف الأفعال في ~~ظروف متشابهة، مما يبين استقلال الأفعال عن الظروف، ويؤيدها أيضا أن أوامر الله ~~ونواهيه تكون لغوا إذا لم نكن مسئولين عن أفعالنا، إذ لا تكليف ولا تبعة بغير ~~حرية، فالإنسان رب أفعاله، لا يخضع لقدر أعمى، ولا لتأثير النجوم، وقد أخطأ أفلوطين ~~وأشياعه في القول بالتنجيم، فليس توجد رابطة معقولة بين النجوم والمستقبل الإنساني، ~~وإذا صدق المنجمون فما ذلك إلا من ms029 قبيل المصادفة ليس غير. ~~(ب) للإرادة قانون يجب عليها اتباعه، هو قانون طبيعي ندركه حالما ننظر في أنفسنا ~~وفي الأشياء، فإن هذا النظر يظهرنا على أن لكل موجود ماهية ثابتة ونظاما وميلا ~~طبيعيا إلى غايته، الموجود غير العاقل يتجه إلى غايته طبعا، والموجود العاقل ~~يتجه إليها بإدراك وحرية، ومتى علمنا ذلك لزم لدينا أن علينا احترام هذا الترتيب، ~~إذ يستحيل أن يضعه الله ثم لا يريدنا على احترامه، فما القانون إلا أمر باحترام ~~الطبائع ونظامها ليتحقق النظام العام، وعلى هذا فالخير خير لأنه يطابق النظام، ~~والشر شر لأنه يعارضه، وطاعة القانون فضيلة تستحق الثواب، ومخالفته رذيلة تستحق ~~العقاب، والمبدأ الأساسي للقانون الخلقي هو: إخضاع الحواس للعقل، وإخضاع العقل لله، ~~بحيث تتجه حياتنا كلها إلى الحصول على الله؛ لأن ذلك هو الترتيب الطبيعي، والمجرمون ~~أنفسهم يسمعون صوت القانون في ضمائرهم، ويحاولون خنقه فلا يفلحون. ~~(ج) وكما أن الحرية محدودوة بطبائع الأشياء، فإن أفعالها تابعة لله الذي هو وحده ~~مطلق، وقد برزت هذه القضية وذاعت بين عامة المسيحيين بمناسبة قضية مناقضة لها، قام ~~راهب اسمه بيلاج يذيعها وينشئ شيعة تعلم أن للإنسان - دائما ووحده ومن تلقاء نفسه ~~- أن يريد الخير وأن يفعله، دون احتياج لنعمة إلهية، فإن وجدت النعمة ظلت خارج ~~الإرادة عديمة التأثير فيها، وعلى ذلك فلا اختيار من جانب الله يقرر مصير كل مخلوق، ~~بل كل ما هنالك سبق علم الله بالمستقبل، فعارض أوغسطين هذه البدعة معارضة شديدة، ~~قال أولا: من المحال ألا يعلم الله بالمستقبل، ومن المحال أن يعلم أفعال المخلوقات ~~من المخلوقات أنفسها، فيكون منفعلا بها وهو العلة الفاعلية الأولى، بل إن كل إرادة ~~فهي خاضعة لله حتما، غير أن الإرادة الصالحة تخضع حرة، والإرادة الشريرة تخدمه ~~خدمة الأمة. ثانيا: أن النعمة الإلهية ضرورية لكل فعل خير، وبنوع خاص في المجال ~~الفائق للطبيعة، أي للإيمان بالحقائق الموحاة، وإعطاء الأفعال خيريتها فائقة ~~الطبيعة، الأفعال أفعال الإنسان، ولكنها أيضا أفعال الله، بحيث يكون لها علتان ~~إحداهما خاضعة للأخرى فاعلة بتوجيهها ms030 وقدرتها، فليست النعمة ملاشية للحرية، وإنما ~~هي معونة لفعل الخير، وليس سبق علم الله بالأفعال حجة ضد الحرية، فإن توقع الفعل ~~الحر، ولو كان توقعا محققا، لا يرفع عنه صفة الحرية، إن الله يتوقع الفعل، وإذن ~~سيكون الفعل، والله يتوقع الفعل حرا صادرا عن ميل الإرادة واختيارها، وإذن سيكون ~~الفعل حرا مختارا، مما يمكن أن تشكو الإرادة؟ إن الله هو الخير بالذات، ولا يوجه ~~المخلوق إلا للخير، والخير هو المطلوب، ولأجل هذا أعطانا الله العقل نعلم به الخير، ~~وأعطانا المحبة نميل بها إلى الخير المعلوم، والعقل والمحبة مبدآ الحرية، وكلما ~~طاوعنا هدى العقل وتحررنا من الشر ازدادت الإرادة حرية. ~~(د) والقانون الخلقي موضوع مشتهى فوق كونه واجبا؛ لأنه خير بالإضافة إلينا فوق ~~كونه خيرا في ذاته، وهو بذلك يدفعنا إلى طلبه لذاته لا لمجرد كونه واجبا، فتتلاقى ~~إرادتنا وإرادة الله، بل إذا نظرنا إليه من حيث هو واجب قلنا إنه يقتصر على الوصايا ~~التي تحصر نشاطنا في دائرة النظام العام، وإذا نظرنا إليه من حيث هو مشتهى وجدناه ~~يفتح أمامنا مجالا لا حد له، فإن الحياة الكاملة غير واجبة بدقيق العبارة، إذ ليس ~~الكمال مقدورا للكل في كل الظروف، ولكن الإنسان مدعو إليها مندوب لها، والفضيلة ~~الكبرى محبة الله واضع النظام والمعين نفسه غاية لنا، وهي تتضمن سائر الفضائل: فهي ~~الحكمة من حيث إنها الوصول إلى قمة الخير، وهي الفطنة من حيث إنها تجعلنا نحذر كل ~~ما خلا الله، وهي الشجاعة بفضل قوة اتحادنا بالله، وهي العدالة من حيث إنها فوز ~~النظام، فالسعادة والفضيلة متطابقتان، أو ما الفضائل في حد ذاتها إلا وسائل لغاية ~~أبعد منها، وليست غايات كما اعتقد الأبيقوريون والرواقيون، فإنها إذا نصبت غايات ~~وقطعت الصلة بينها وبين الغاية الحقة، انقلبت رذائل، انقلبت كبرياء ولذة مقنعة، ولا ~~تتحقق السعادة الكاملة إلا في الحياة الآجلة، حتى إن النفس لتشتهي الموت بعد أن ~~كانت تخافه أشد الخوف - وهكذا تصل النفس إلى الله من طريق الإرادة، كما تصل إليه من ~~طريق ms031 العقل، وهكذا تبرز فكرة الواجب ضرورية، وتقوم الأخلاق على أساس عقلي ~~متين. ~~(9) العالم ~~(أ) بعد النظر في الله، وفي النفس وصلتها بالله، يأتي النظر في العالم، ليس ~~العالم صورة الله كالنفس، لانتفاء الشبه أو المماثلة بين المادة والروح، ولكنه أثر ~~الله تتألق فيه الصفات الإلهية، كالوحدة والحقيقة والخير والجمال، ناقصة متفاوتة ~~بسبب نقصه وتفاوت موجوداته، وذلك أن كل موجود فهو واحد بماهيته، ولكن ثمة فرق بين ~~وحدة الجسم القابل للقسمة بما هو جسم، وبين وحدة النفس التي لا تنقسم بحال وإن ~~ميزنا فيها قوى أو أفعالا مختلفة، وكل موجود فهو حق من حيث إنه يحقق ماهيته، ومحل ~~الماهيات الذات الإلهية، فحقيقة الموجودات تقوم في مشابهتها للحقيقة بالذات، وكل ~~موجود فهو خير؛ لأنه موجود، والموجود خير من المعدوم، ولأنه ماهية ما واحدة ~~متناسقة، وكل موجود فهو جميل من حيث إن التناسق أو الوحدة بين الأجزاء هي مظهر ~~الجمال في الشيء، طبيعيا كان أو صناعيا، فالمشابهة التي تولد الوحدة تولد ~~الجمال، والعالم في جملته واحد حق خير جميل، لذا كان وسيلة لتأمل الله، ولكن بعد ~~النفس وإلى حد أقل. ~~(ب) وليس العالم صادرا عن ذات الله صدورا ضروريا أزليا، كما ذهب إليه ~~أفلوطين والمانويون، إن هذا القول يعني أن الذات الإلهية تتجزأ، وأن جزءا منها ~~يصير محدودا متغيرا، والله بسيط لا متناه ثابت كامل، وإذن فقد خلقت الموجودات من ~~العدم بفعل حر، يدل على ذلك أيضا أن ليس العالم أزليا، إن السؤال عما كان الله ~~يفعل قبل الخلق، كما يقولون في الرد على حدوث العالم، عبث لا طائل تحته، فإن إرادة ~~الله أزلية، وفعله أزلي بلا منازع، ولا يوجد قبل وبعد إلا في مفعولاته، لقد وجد ~~الزمان بوجود العالم، من حيث إن الزمان عدد الحركة، وهو متعاقب بالذات، وليس بكون ~~المتعاقب أزليا لا متناهيا، ولكنه معدود بالضرورة، ومهما نفرض له من مقدار فهو ~~محدود دائما، وما بالهم لا يسألون: «لم خلق الله العالم في هذا المكان ولم يخلقه ~~في مكان آخر؟» والواقع ms032 أن لا وجود للمكان دون العالم، ولا وجود للزمان دونه، ~~والمخيلة هي التي تتوهم زمانا ومكانا مستقلين عنه، فالقول بأزلية العالم، حتى مع ~~القول بالخلق، مضاد للعقل مضادته للوحي، وإنما رأى أفلوطين الخلق الحر ممتنعا لظنه ~~أنه يفترض في الله تقديرا وحسابا، وأن هذا الافتراض يدخل التغير على الخالق وينزل ~~به إلى مستوانا، ولكن التقدير والحساب يختلفان في الخالق والمخلوق كما تختلف سائر ~~الأفعال والصفات، على ما تبين آنفا. ~~(ج) كيف كان الخلق؟ هل أوجد الله الأشياء على التوالي في ستة أيام؟ إن في هذا ~~التصور تشبيها لله بالصانع الإنساني يصنع في الزمان، فلا ينبغي فهم الكتاب على ~~ظاهره، والكتاب نفسه يشهد بأن الأيام الواردة فيه ليست كأيامنا، من ذلك أنه يذكر ~~خلق الكواكب في اليوم الرابع، وكيف تكون أيام وليال بلا شمس؟! وأن يوما واحدا ~~يمثل زمن تكاثر الحيوانات على وجه الأرض، ومثل هذه السرعة في التكاثر يفوق ما ~~للطبيعة من قوة معروفة، وأن الله استراح في اليوم السابع، يعني أن الله كف عن الخلق ~~وأن الراحة مستمرة إلى وقتنا، وإذن فليس اليوم السابع يوما عاديا، وليس المراد ~~أن الله أحدث العالم على ما نرى اليوم، إنما تم الخلق في لحظة، والأيام الستة تفصيل ~~لتلك اللحظة غير المنقسمة. ~~(د) خلق الله بعض الأشياء بالفعل، وهي الدائمة الثابتة على صورتها، والبعض الآخر ~~بالقوة، وهي الكائنة الفاسدة، الطائفة الأولى تشمل الملائكة والنور والجلد والعناصر ~~الأربعة والكواكب ونفس الإنسان الأول، والطائفة الثانية تشمل النبات والحيوان خلقها ~~الله في «أصول بذرية» غير محسوسة أودعها طين الأرض على أن يتعهدها بعنايته ويبلغها ~~إلى النضج والظهور فتخرج منها أجيال الأحياء على مر الزمان، كل جيل ينطوي على أصول ~~الأجيال التالية إلى آخر الدهر، لا متمايزة كأنها جراثيم بمعنى الكلمة، بل بالقوة ~~والعلية تنمو وتظهر كلما صادفتها ظروف ملائمة، على نحو ما يشاهد الآن من تولد بعض ~~النبات والحيوان من الجماد وخاصة من الطين، وهي ليست متولدة عن الجماد بما هو كذلك، ~~بل عن أصول كامنة ms033 فيه، وتلك كانت الطريقة لأول ظهور الأحياء، وكذلك خلق جسم آدم في ~~أصوله، ثم أخرجته أصوله في الوقت المحدد من الله فاتحدت به النفس المخلوقة في ~~اللحظة الأولى، وقد جاء في سفر التكوين: «صنع الله الإنسان من طين الأرض» و«لتنبت ~~الأرض نباتا عشبا يبذر بذرا، وشجرا مثمرا يخرج ثمرا بحسب صنفه» و«لتفض المياه ~~زحافات ذات أنفس حية، وطيورا تطير فوق الأرض» و«لتخرج الأرض ذوات أنفس حية بحسب ~~أصنافها»، وكل هذه الآيات تدل على أن الله لم يخلق الأحياء مباشرة، فلا يبقى إلا ~~أنه خلق أصولها كما تقدم، وخلق أصولا للموجودات والأحداث غير المألوفة أو ~~المعجزات، تخرج منها بتدخل قدرته، مثل خروج حواء من ضلع آدم، وبذلك لا تكون المعجزة ~~خارقة للطبيعة، بل خارقة لما نعرفه عن الطبيعة، فإن الله لا يفعل شيئا ضد الطبيعة، ~~ولا ينقض القوانين التي رتبها لها، وبذلك يرتفع التناقض البادي بين الفصلين الأولين ~~من سفر التكوين: يقول الأول: إن الرجل والمرأة خلقا بفعل واحد، ويقول الثاني: إن ~~المرأة استخرجت من ضلع الرجل، فالفصل الأول يقصد الخلق البذري، والثاني يروي تدخلا ~~جديدا من لدن الله، وبذلك أخيرا نفسر واقعة الأتان التي نطقت، والعاقر التي حبلت، ~~والغصن اليابس الذي أورق، وغير ذلك مما ورد من معجزات. ~~(ه) أجل، كان أوغسطين قد وجد نظرية الأصول البذرية عند الرواقيين جعلوها في العقل ~~الإلهي الحال في مادة العالم، وعند أفلوطين وضعها في النفس الكلية، فجعلها هو جزءا ~~من العالم السفلي، وقصد بها إلى تفسير التوراة، مع تسليمه بإمكان تفسير آخر، فإنه ~~يترك حرية واسعة لمفسر سفر التكوين، ولا يقيده إلا باحترام حرف الكتاب وعدم ادعاء ~~التعبير عن فكر موسى، وجاءت هذه النظرية أيضا تفسيرا معقولا للاعتقاد بالتولد ~~الذاتي، فهي تختلف عن رأي أرسطو الذي يضيف قوة التوليد للشمس، وتختلف كل الاختلاف ~~عن رأي فريق المتقدمين والمتأخرين القائلين بخروج الحياة من القوى الفيزيقية ~~والكيميائية فحسب، وتختلف كذلك عن مذهب النشوء والارتقاء، فإن الأصول البذرية ليست ~~متجانسة بحيث يخرج أي نوع من أي ms034 أصل، وقد بين أوغسطين رأيه بكل صراحة، قال: «عناصر ~~هذا العالم المادي حاصلة على قوة معينة وكيفية خاصة يرجع إليها ما يستطيعه أو لا ~~يستطيعه كل منها، ونوع الموجودات التي يمكن أن تخرج أو لا تخرج من كل منها، وهذا هو ~~السبب في أنه لا يولد فول من قمح، ولا قمح من فول، ولا إنسان من الحيوان الأعجم، ~~ولا الحيوان الأعجم من الإنسان»، على أن النظرية تصلح تفسيرا معقولا للتطور - إن ~~ثبت - من حيث إنها تبين حينئذ أن ما يبدو جديدا هو جديد في الظاهر فقط، فتتفادى ~~التناقض الذي يقع فيه أنصار التطور، إذ يستخرجون المتنوع من المتجانس، والنظام من ~~المصادفة، والأكمل من الأنقص. ~~(و) إذا كان العالم صنع الله، وكان الله الخير بالذات، فكيف يوجد الشر في العالم؟ ~~مسألة شغلت أوغسطين منذ انضمامه للمانوية، وأعانه أفلوطين على حلها، نقول: «أعانه»، ~~ونعني أنه أعطاه فكرة طبقها هو تطبيقا جديدا، فحصل على حل جديد، الفكرة هي أن كل ~~موجود فهو خير بما هو وجود، وأن الشر، وهو عدم الخير، هو من ثمة لا وجود، فيذهب ~~أفلوطين إلى أن الموجودات، في صدورها عن الموجود الأول، تتضاءل بالتدريج حتى تبلغ ~~إلى المرتبة الأخيرة التي هي المادة «اللامعينة اللامصورة الناقصة أبدا المنفعة ~~كلية»: فالمادة لا وجود، ومن ثمة لا خير، هي الشر بالذات، وهي أصل الشر في ~~الموجودات المركبة منها أو المتصلة بها، هي أصل الجهل والرذائل والأمراض، أما ~~أوغسطين فيرى أن أفلوطين، مهما يبالغ في ضآلة المادة، فهو مضطر آخر الأمر إلى ~~اعتبارها وجودا ما، وإلا لما دخلت في تركيب الأشياء، ومهما تكن لا معينة، فهي على ~~الأقل موضوع للصورة وللتعيين، ومتى اعتبرها وجودا وجعلها شرا بالذات، فقد خالف ~~مذهبه من وجهين، أحدهما: قوله: إن الوجود والخير متساوقان، فلا يمكن أن يكون موجود ~~ما شرا بالذات. والآخر: قوله: إن الموجود الأول هو الخير بالذات، بحيث لا يمكن أن ~~ينتهي الصدور عنه إلى شر، فالمادة خيرة من حيث هي وجود، ومن حيث هي صادرة ms035 عن الله، ~~ومن التناقض أن يشخص الشر، الذي هو لا وجود، في المادة مع أفلوطين، أو في إله مع ~~المانويين، وحقيقيته أنه «عدم خير في موجود هو خير بما هو موجود» أي إنه فساد إحدى ~~خصائص الموجود، ويتفاوت بتفاوت الفساد، مثل العمى، وهو عدم الرؤية في حيوان أو ~~إنسان هو خير بسائر أعضائه السليمة، وعلة مكان فقدان المخلوق خيرا ما هي أن وجوده ~~وصفاته ليست له بالذات، ولو كان صادرا عن ذات الله، كما يقول أفلوطين، لكان من ~~طبيعة الله، ولما أمكن أن يفسد، ومع ذلك ليست الشرور طبيعية ولا ضرورية في العالم، ~~كما يقول أفلوطين أيضا، إنها إخلال بالنظام، ولو خلا العالم منها لكان ~~أجمل. ~~(ز) الشر نوعان: خلقي وطبيعي، وفي الحالين لا ينسب إلى الله، ولكن الله يسمح به، ~~ثم يستخرج منه الخير، ما دام الشر عدما، فليس البحث عن علته بحثا عن مصدر وجود، ~~بل عن مبدأ نقص، وليس مبدأ النقص إلا في المخلوق، فالشر الخلقي أو الخطيئة سواء في ~~استعمال الحرية بنبذ الخير الدائم، والإقبال على خير زائل، فهو عدم النظام في ~~الإرادة، إن القول مع الأفلاطونيين والمانويين بأن النفس تخطئ بسبب الجسم والحواس، ~~إسراف ظاهر، أجل، إن الجسم يثقل النفس، ولكن الأدنى لا يحكم الأعلى، وليس فساد ~~الجسم وسوء تأثيره في النفس سبب الخطيئة الأولى، ولكنه نتيجتها والعقاب عليها، وكيف ~~يفسرون خطيئة الشيطان وهو بلا جسم؟ إنها خطيئة الكبرياء والحسد والاغتباط بالذات، ~~ولم يكن آدم وحواء ليخطئا لو لم يبدآ بالاغتباط بنفسهما حين وسوس لهما الشيطان ~~بأنهما إن أكلا من الشجرة المحرمة صارا كإلهين، فالإرادة علة الخطيئة، أو الخطيئة ~~عدم محبة الله في إرادتنا، بعكس الخير فإنه وجود ويتطلب علة ثبوتية، يوجهنا الله ~~إليه، وتستطيع الإرادة أن تقبل هذا التوجيه، وحينئذ تفعل الخير بالشركة مع الله ~~مصدر كل فعل، وإن سأل سائل: كيف أعطانا الله حرية تخطئ؟ أوليس هو المسئول عن ~~الشرور؟ أجبنا أن الإرادة خير من حيث هي قدرة على الاختيار، وهي رديئة شريرة ms036 حين ~~تكون على غير ما ينبغي أن تكون، فهنا أيضا لا يوجد الشر خارج الخير، إنه لكمال أن ~~نقدر على العمل باختيارنا، وأن نراعي بإرادتنا الحرة النظام الموضوع من الله فنساهم ~~على نحو ما في فعل الخالق: فكيف كان يمكن أن يحرمنا الله إياها؟ ~~(ح) أما الشر الطبيعي، فهو في الماديات فساد كيانها أو زواله، وهو ليس شرا ~~بمعنى الكلمة؛ لأن في فساد البعض كون البعض: في فساد العناصر كون المركبات منها، ~~وفي فساد مركب كون العناصر المؤلف منها، أو كون مركب آخر، فالفساد هنا داخل في ~~النظام العام الناتج من تنوع الكائنات وترتيبها بعضها بالإضافة إلى بعض، والشر ~~الطبيعي الذي يحسه الإنسان في ذاته أثر الخطيئة وعقاب عليها؛ لأن الخطيئة تمرد على ~~النظام، وأثرها اضطراب في كيان الإنسان، ولكنه لا يخلو من فائدة: فهو عند الحكيم ~~يكمل خبرته وحكمته ويستحق له ثوابا، وعند غير الحكيم هو طريق الحكمة، وعند الشرير ~~هو عقاب عادل. ~~(10) الأخلاق ~~(أ) لكل إنسان في الواقع نظرية أخلاقية بمبادئها ونتائجها، والمبدأ يمثل نوع ~~السعادة الذي يختاره، والنتائج تمثل الطرق الموصلة إلى هذه السعادة، ونظريات ~~الفلاسفة إفصاح عما يختلج في صدور سائر البشر، وتحليل له منطقي عميق، مبدأ أفلاطون ~~أن للإنسان نفسا روحية هبطت من العالم المعقول، وأنها ستعود إليه بممارسة الفضيلة، ~~ومبدأ أبيقور أن ما يسمى نفسا إنسانية ما هو إلا اجتماع ذرات مادية تنفصل بالموت، ~~وأن السعادة في اللذة الجسمية، وأن كل ما يؤدي إلى هذه اللذة هو الغاية المنشودة، ~~ومبدأ المدرسة الرواقية أن السعادة في الحكمة والفضيلة دون نظر إلى ظروف الحياة، ~~وبالرغم من مادية العالم ومادية النفس وفنائها، والمدارس الثلاث تزعم أن للإنسان ~~القدرة على تحقيق السعادة، فهذه هي المسألة الكبرى التي يتعين حلها بادئ ذي ~~بدء. ~~(ب) لا يصعب علينا أن نستخرج من كتب أفلاطون وأفلوطين عبارات توحي بافتقار ~~الإنسان إلى مدد إلهي، كي يزاول الحياة الفاضلة، بيد أن فكر أفلاطون متردد قلق، ولا ~~يصعب علينا أن نستخرج من كتبه عبارات توحي ms037 بالعكس، وأفلاطين يجاوز من غير شك الحد ~~المقبول في مذهبه، والله عنده لا يعلم العالم، بل لا يعلم ذاته، فلا يعني بسيرتنا ~~ولا يمنحنا مددا ما، فلننظر في المدرستين الأخريين. ~~(ج) كان أوغسطين يحتقر أبيقور احتقارا شديدا، ويعجب كيف أمكن لرجل يدعي الحكمة ~~أن ينكر النفس وعظمتها وعلوها على الطبيعة المادية إلى حد أن يجعل منها أمة للجسد، ~~وكيف جرؤ أن يزعم أن اللذة الجسمية هي الخير الأعظم وألا سعادة إلا سعادة الشهوات ~~الجسدية، إن التجربة لتدل على أن اللذة لا تسعدنا، فالحواس لا تقنع أبدا بما تناله ~~منها، ولكنها تطلب المزيد دائما وتتمرد على الحياة، وهنا يستشهد أوغسطين بخبرته ~~الشخصية، فقد كان أبيقوريا في فترة من شبابه، فهو يتكلم عن بينة، يستشهد بالعقل ~~فيقول إنه يرى أوضح رؤية أن الجسد مرتب للنفس، لا أن النفس مرتبة للجسد، فخير ما ~~يملكه الجسد، أي النشاط والجمال والحس، ليس آتيا منه هو، بل من النفس منبع صفاته ~~وعواطفه، ومركز هنائه وسعادته، والنفس هي الجزء الأهم في الإنسان، وهي التي يجب ~~مراعاتها عند تحديد الأخلاق. ~~(د) هذا ما يفعله الرواقيون، وجوهر الأخلاق عندهم الفضيلة لأجل الفضيلة، يتحصن ~~الواحد منهم في حكمته كأنها قلعة لا تفتح، ويتحدى الحظ، ويزدري المال والمناصب، ~~ويربأ بنفسه عن الانفعالات، سواء منها المحبة والشفقة والبغض واللذة والألم، ويعلن ~~أنه في قمة السعادة، ولو تراكمت عليه الهموم والمتاعب، نسلم إذن بتفوق الرواقية على ~~الأبيقورية، ولكن مسألتنا تظل قائمة: هل للفضيلة الكفاية لإسعادنا تمام الإسعاد؟ ~~تحاول الحكمة الرواقية أن ترتفع فوق الإنسانية، فتذهب في الحقيقة إلى إعنات ~~الإنسانية بتكليفها المحال، فإن التجرد عن الحساسية مناقض للطبيعة، وليست ~~الانفعالات للجسد وحده، ولكن جذورها تغوص في أغوار النفس، وإذا حاولت النفس كبتها ~~وإعدامها فإنها تعمل على إعدام ذاتها، والواقع المؤيد لهذا الرأي أن الحكيم الروائى ~~لم يوجد قط إلا في خيال الرواقيين، فما من فضيلة تستطيع التغلب على الحساسية ومحوها ~~من كيان الإنسان، والأسباب المانعة للحكيم من أن يصير سعيدا تمام السعادة هي ms038 ~~أولا: أن السعادة هي الاغتباط الكامل الدائم للنفس والجسد أيضا، فالسعادة ~~المحدودة ليست السعادة. ثانيا: أن توقع انتهائها ينغص حياتنا ويحزننا، لذا نرغب في ~~الخلود، هو شرط لا غنى عنه للسعادة، فإننا نتمنى أن نحيا سعداء وإلى الأبد، وكيف ~~يمكن للنفس الإنسانية أن تجد في ذاتها تمام الهناء وبها حاجة متصلة للهناء تدل على ~~شفائها وعدم استقرارها؟ فمهما تفعل فلن تستطيع حكمتها، ولن تستطيع فضيلتها أن ~~تستنبط من ذاتها ما لا وجود له في ذاتها. ~~(ه) إذا كانت خيرات النفس وخيرات الجسد لا ترضي نزوعنا الطبيعي إلى السعادة، فهل ~~هذا النزوع عبث؟ كلا، إن في الطبيعة نظاما وغائية يجد العقل من الضروري الإقرار ~~بهما كقانون كلي، فالنزوع الطبيعي الذي لا ينتهي إلى غايته تناقض صريح وشيء غير ~~معقول، فلا يبقى إلا أن نقر بموجود أعلى كامل سرمدي هو الخير الأعظم وهو سعادتنا ~~الكاملة الدائمة، فكما أن حياة الجسد هي النفس، فكذلك حياة النفس هي الله، ونحن حين ~~ننزع إلى الخير الكامل أو السعادة، ننزع في الحقيقة إلى الله نزوعا طبيعيا ~~تلقائيا، ومهما نفعل فنحن نفعل ما يريده الله، فعلينا أن نطابق بين إرادتنا ~~والإرادة الإلهية، وأن نحول القضية المعربة عن الواقع إلى قضية معربة عن الواجب، ~~فإن فلسفة أخلاقية لا تتصور بدون إلزام وبدون جزاء، فقد نرى بوضوح أين توجد السعادة ~~الحقة، ثم نريد ونختار سعادة أخرى، فلا تبقى حرمة للفضيلة ولا يبقى لها سند، إذا ~~كان الله قد وضع نظاما معينا فينا وفي سائر الأشياء فإنما وضعه لكي يحترم، كما ~~قدمنا. ~~(و) والجزاء معاينة الله، وهي نصيب المختارين في الحياة الآجلة، معاينة عقلية لا ~~حسية، فليس يمكن لعين الجسد أن ترى الله، لا في هذه الحياة ولا بعدها، سيكون لهم ~~جسد محرر من جميع النقائص والآفات، وسيكون لهم إدراكات حسية لا نستطيع تصورها ما ~~دمنا في الحياة الراهنة، كما أننا لا نستطيع تصور السعادة الناتجة من الرؤية ~~الإلهية، وقد نقول: إذا سكن اضطراب الجسد، وتوقفت النفس عن التفكير في ms039 ذاتها فجاوزت ~~ذاتها، وإذا ارتقت شروط المعرفة فلم يبق شيء من الغوامض التي يضل فيها العقل ~~الإنساني في كل آن، وإذا استمر ذلك وابتعدت الرؤى الدنيا، وأثارت تلك الرؤية وحدها ~~ذلك الذي يتأملها واستوعبته وغمرته في الأفراح الباطنة، واستمرت حياة لا نهاية لها ~~على ما كان ذلك الآن الذي عرض للعقل - أليس يكون هذا تحقيق الكلمة القائلة: «ادخلوا ~~فرح إلهكم». # 2 ~~(11) المجتمع ~~(أ) دخل الشر الأرض بمعصية آدم، فتفرق الناس طوائف، كل منها يسعى لخير ما، إذ ~~ليس المجتمع حشدا من أناس يجهل بعضهم بعضا، كما يتفق لشهود التمثيل قبل بدايته، ~~وإنما المجتمع اشتراك في الفكر والعاطفة، كما يشترك شهود التمثيل في الإعجاب بممثل ~~فيؤلف هذا الإعجاب منهم وحدة معنوية، فالمدينة أو الدولة جماعة من الناس تؤلف بينهم ~~محبة مشتركة لموضوع ما، وفي الإنسان محبتان: محبة الذات إلى حد امتهان الله، ومحبة ~~الله إلى حد امتهان الذات، فهناك مدينتان ترجع إليهما سائر المجتمعات البشرية: ~~المدينة الأرضية أو مدينة الشيطان، والمدينة السماوية أو «مدينة الله»، ليست هذه ~~خيرة بالطبع، وتلك شريرة بالطبع، كما يذهب إليه المانويون، وإنما ينتمي كل إلى ~~إحدى المدينتين بمحض إرادته، وبينهما منذ البداية حرب هائلة، تجاهد الواحدة في سبيل ~~العدالة، وتعمل الأخرى على نصرة الظلم، ولن تزال هذه الحرب مستعرة إلى نهاية ~~العالم، حتى يفصل بينهما المسيح في آخر الأزمان، فتنعم الواحدة بالسعادة الأبدية، ~~وتلقى الأخرى جزاءها في النار التي لا تنطفئ. ~~(ب) ينقسم تاريخ المدينتين إلى وقتين يفصل بينهما ظهور المسيح: فمن قايين إلى ~~إبراهيم كانتا مختلطتين، ولما جاء إبراهيم أبو المؤمنين بدأتا تتميزان سياسيا: ~~المدينة السماوية يمثلها بنو إسرائيل، والمدينة الأرضية تشمل باقي الإنسانية، حتى ~~بلغت ذروتها في الإمبراطورية الرومانية، على أنه كانت تضمهما وحدة ما ناشئة من ~~تقدمهما معا نحو المسيح، مع تفاوت طبعا في هذا التقدم: فإنه يتحقق في إسرائيل ~~بتدخل الله تدخلا متصلا يزداد وضوحا وإلحاحا بمر الزمان، ويتحقق في الوثنية ~~بشيء من المشاركة غير المقصودة وغير المباشرة في التمهيد للمسيحية سياسيا ms040 ~~وعقليا، بناء على تدبير العناية الإلهية، بحيث كانت مدينة الله ممثلة تمثيلا ~~ماديا في شعب إسرائيل، ثم كانت تجاوزه فتشمل جميع الذين شاركوا في الحركة الموجهة ~~للعالم نحو المسيح، وبالمسيح ينتهي التمايز السياسي بين المدينتين، فتختلطان من ~~جديد وتعود كل منهما وحدة معنوية لها أعضاء في الإنسانية جمعاء، فالمدينة السماوية ~~هي جماعة المختارين في الماضي والحاضر والمستقبل، وكما أنه وجد صالحون قبل مجيء ~~المسيح وتكوين الكنيسة، يوجد الآن خارج الكنيسة، بل في عداد مضطهديها، مختارون ~~مستقبلون يخضعون لها قبل مماتهم، ويوجد في الكنيسة كثيرون لن يكونوا في عداد ~~المختارين، ولكن الكنيسة هي الجماعة البشرية التي تعمل على بناء المدينة السماوية، ~~وأرادها الله وأسسها لهذه الغاية، وما يزال يؤيدها في تحقيقها. ~~(ج) المدينتان تلتقيان إذن في الحياة الراهنة، ويشارك أعضاء المدينة السماوية في ~~مزايا المدينة الأرضية وأعبائها، ولكن الاختلاط ظاهري بالرغم من هذه المشاركة، ذلك ~~بأن الخيرات المادية عند أهل المدينة الأرضية غايات يتنازعون عليها ويستمتعون بها ~~لذاتها، وعند أهل المدينة السماوية هي وسائل يستخدمونها لصيانة حياتهم وتحقيق ~~الغاية الحقة التي هي الفضيلة والكمال الروحي، فالدولة أدنى من الكنيسة وخاضعة لها ~~باعتبار الموضوع والغاية. وإذا استرشدت في تشريعها بأصول الأخلاق الفاضلة كانت أداة ~~نظام وسلام مساعدة للكنيسة في العمل لغايتها، وساد الوفاق بينهما، وقد حدد المسيح ~~العلاقة بينهما حين قال: «أعط ما لقيصر لقيصر، وما لله لله.» فحين يطلب قيصر ماله ~~يعطيه المسيح إياه، لا محبة بقيصر بل محبة بالله، وسواء أكان الحاكم صالحا أو ~~طالحا فنحن نعلم، وقد صرح بذلك القديس بولس، أن سلطانه من عند الله، وإذا خفيت ~~علينا الحكمة الإلهية في تسليط الشرير، فنحن نؤمن أن الله هو الذي سلطه، إذ لا وجود ~~للصدفة عند المسيحي، وحين يطلب قيصر ما هو لله وحده يأباه المسيحي عليه، لا بغضا ~~لقيصر بل حبا بالله، يأباه عليه، ولكنه لا يثور، بل يؤثر تحمل الظلم، فلا خوف على ~~الدولة من المسيحيين. ~~(د) يعترض البعض بأن تعاليم المسيحية مخالفة لمقتضيات الدولة، فهي تقول ms041 بعدم ~~مقاومة الشر، وبعرض الخد الأيمن للصفع بعد الخد الأيسر، وبإعطاء ستة لمن يسأل خمسة، ~~والجواب أن الناس في كل عصر أكبروا هذه الأفعال، كما نقرأ في كبار الكتاب: ألم يمدح ~~الملوك والأقوياء بالتجاوز عن الإساءة؟ فكيف نعجب بذلك حين يأتيه الوثنيون، ثم ~~ننكره إذا صنعه المسيحيون؟! الحقيقة أن المسيحية، لو فهمت على وجهها، عادت على ~~الدولة بما لم تعرفه الدولة الرومانية نفسها في أزهى أيامها من القوة والفلاح، ما ~~الدولة إن لم تكن جماعة متآلفة، وأي ضمان للتآلف خير من المحبة المسيحية؟ إنها تذهب ~~بالحقد والأثرة، وتمنع الشر الظاهر، وتشفي الشرير من شره الباطن فينقلب إنسانا ~~طيبا مسالما نافعا للمجتمع، بينا مقابلة العدوان بمثله ترسخ الشر في قلب المعتدي ~~وتدخل الشر إلى قلب المقاوم، وتنشر الشقاق، على أن المحبة لا تنافي الحزم، فهناك ~~أحوال تقتضينا تأديب الشرير لأجل مصلحته وإن كره، ذلك ما يصنعه الوالد مع ولده ~~دون أن يكف عن محبته، إذ أنه لا يضرب إلا ليقوم الاعوجاج، وما على الذين يزعمون ~~أن شريعة المسيح ضارة بالدولة إلا أن يوفروا لبلدهم حكاما وجنودا وقضاة وأزواجا ~~وبنين كما يريدهم المسيح، ثم يروا إن كانت النتيجة شرا أم خيرا عميما. ~~(ه) أساس الحياة الاجتماعية القانون الطبيعي، وهو قانون يستكشفه الناس جميعا ~~بالعقل ويحترمونه جميعا، فإنه يرجع كله إلى قضيتين ضروريتين: الواحدة ألا يصنع ~~المرء بالآخرين ما لا يريد أن يصنع به، والأخرى أن يعطي كل ذي حق حقه، ولكن آدم ~~عصى ربه، فانحط عن المرتبة التي رفعه الله إليها، وحط معه ذريته، فأضحى الإنسان ~~خلوا من المواهب الإلهية، مختل الطبيعة، ميالا للعبث بالقانون الخلقي، فوجب تقرير ~~القانون الوضعي وجزاءاته تؤيده القوة لوقف العابثين عند حدهم، وإصلاح سيرتهم، ~~وتوفير الطمأنينة للأخيار، هذه المهمة هي التي تسوغ السلطة الزمنية، كما يقول ~~القديس بولس، وبها نشأ نظام ثانوي، ولكنه طبيعي؛ لأنه النظام الذي تقتضيه طبيعة ~~خاطئة مختلة، وإليه يرجع حق السلطان في الإكراه وكل ما يلازمه من سيف وحرب وملكية ~~فردية ورق، فإن ms042 هذه الأمور عقاب على الخطيئة، وضمان للنظام بعدها. ~~(و) وللقانون الوضعي ضوابط، فأولا: يجب أن يصدر عن القانون الطبيعي، فليس ~~القانون الجائر قانونا، ولا يمكن أن يخلق لنفسه حقا ويفرض على الرعية واجبا؛ ~~لأن أساس الحق العدالة لا منفعة الأقوى، وأساس استخدام القوة أنها وسيلة جعلتها ~~الخطيئة ضرورية لتأييد العدالة. ثانيا: القانون الوضعي أضيق نطاقا من القانون ~~الطبيعي، فهو لا يتناول سوى الأفعال الظاهرة، ويغض الطرف عن بعض الشرور، ليتفادى ~~شرورا أعظم، تاركا لله المعاقبة على ما لا يعاقب هو عليه. ثالثا: القانون الوضعي ~~تابع إلى حد ما لظروف الزمان والمكان، فإن من العدل تدبير الأخلاق بحسب اختلاف ~~أحوال الإنسانية الخاطئة، فلا ينبغي اتهام شعب بالرذيلة إذا ما بدت لنا حكمته أدنى ~~من حكمة شعب آخر أو عصر آخر، إن العدالة ثابتة، ولكن الناس متغيرون. ~~(ز) ويذهب حق تأييد العدالة بالقوة إلى حد الحرب، أجل، إن للحرب خصوما يزعمونها ~~مضادة للأخلاق، ويشفقون من ويلاتها، الحرب الممقوتة هي التي يحدوها حب الفتح أو ~~الحقد والانتقام، أما المدينة المعتدى عليها فلها كل الحق في المقاومة، وليس يؤدي ~~الامتناع عن المقاومة إلا إلى انتصار الأشرار، وهو نكبة خلقية، وإغراء لهم ~~بالتمادي، وفتنة للآخرين، بينا تكف المقاومة شرهم، وتردهم إلى العدالة، فالحرب ~~مشروعة متى كانت الوسيلة الوحيدة لصيانة الحقوق المهددة، والذين يموتون فيها مائتون ~~حتما يوما ما، وهم إنما يموتون لكي تحيا الأجيال التالية في كرامة وسلم، فعلى ~~الجند الطاعة، وهم لا يعتبرون قتلة؛ لأن القتل الذي حرمه الله هو الصادر عن هوى ~~شخصي، عليهم الطاعة حتى ولو كانوا يشكون في عدالة حربهم، فإن الإثم يقع على صاحب ~~السلطان لا عليهم، ولا يحق لهم العصيان إلا إذا كانوا على يقين تام بمنافاة حربهم ~~للعدالة، على أن الحرب، إذا كانت ضرورة، فهي ضرورة محزنة، فلا أقل من أن تسودها ~~الرحمة بحيث لا يؤتى فيها من الأفعال إلا الضروري للانتصار، كم تكون الإنسانية ~~سعيدة لو أنها صغيرة يعامل بعضها بعضا معاملة الأسر المتحابة! ~~(ح) وعلى الدولة ms043 إقرار الملكية الفردية وحمايتها، المالك الحقيقي هو الله خالق ~~الأشياء، ولكن الحيازة المشروعة والشراء والبدل والهبة والإرث، تخول الحق في ~~الملكية، أما الاستيلاء بطرق أخرى على ملك الغير فسرقة واغتصاب، ولا يبطل سوء تصرف ~~المالك حقه في ملكه، ولو أريد توزيع الخيرات والمناصب على قدر العدالة والكفاية ~~والفضيلة، لتعرض النظام الاجتماعي لتقلبات لا تحصى، فإن مثل هذا التوزيع عسير ~~التحقيق، إن لم نقل: إنه مستحيل، وهو على كل حال قصير الأجل، ولا ينبغي أن نتوقع ~~العدالة التامة في هذه الحياة كما لو كانت المدينة السماوية ممكنة التحقق على هذه ~~الأرض. ~~(ط) تلك خلاصة فلسفة أوغسطين، وإننا لنرجو أن يكون قد بان منها كيف تكون فلسفة ~~مسيحية، فكر أوغسطين في حاله ومصيره، كما يجب أن يفعل كل إنسان، فتجلت له ضرورة ~~الإيمان، وما إن آمن حتى أراد أن يتعقل إيمانه، فوجد المسائل تتفرع أمامه كما تتفرع ~~الأقطار من مركز الدائرة، مسائل المعرفة والله والنفس والعالم والمجتمع، فنظر فيها ~~باعتبار بعضها أساسا للإيمان، وبعضها الآخر جزءا منه، فليست الفلسفة عنده مذهبا ~~مستقلا بموضوعه، بل ليس التفلسف عملا مستقلا بمنهجه، فإن الانتقال من التفكير ~~في النفس إلى الإيمان، ومن الإيمان إلى التعقل، لا يتم بدون تطهير القلب بمعونة ~~النعمة الإلهية، أي إنه عمل يشترك فيه العقل والإرادة. # الفصل الثالث # | ديونيسيوس # (1) مؤلف مجهول الشخص # يقول عن نفسه: إنه ديونيسيوس تلميذ بولس الرسول، وكتبه أربعة هي: الأسماء ~~الإلهية، المراتب السماوية أو الملائكة، اللاهوت الصوفي، المراتب الكنسية، وهي ~~مهداة إلى تيموثاوس تلميذ بولس، يضاف إليها عشر رسائل موجهة إلى أشخاص من أهل القرن ~~الأول، منهم يوحنا الإنجيلي، موضوعاتها مماثلة لموضوعات الكتب، ولم يرد ذكر لهذه ~~الكتب والرسائل قبل الثلث الأول من القرن السادس، وذاعت بعد ذلك باعتبارها ~~لديونيسيوس الأريوباغى، أي عضو المحكمة العليا بأثينا «أريوس باغوس» الذي رده بولس ~~من الوثنية إلى المسيحية ونصبه أسقفا على المدينة، فكانت موضع تقدير كبير في ~~بيزنطة، وأرسلت في القرن التاسع إلى الغرب فنقلت إلى اللاتينية، ثم أعيد نقلها، ~~وشرحت ms044 مرارا عديدة، حتى كان القرن السادس عشر فبين بعض «الإنسانيين» أنها تحتوي ~~على حوادث وطقوس وعادات متأخرة عن القرن الأول، وأن دراستها تظهر مؤلفها متصلا ~~اتصالا وثيقا بكتب أبروقلوس، حتى إنه لينقل عنها أحيانا بالحرف، ويعزو المنقول ~~إلى «أستاذه هيروتيوس» وهو اسم لا ندري عنه شيئا، فالمعقول أنه يرمز به إلى ~~أبروقلوس ، ولا سيما أن عنوان أحد الكتب التي يذكرها له هو عنوان كتاب معروف ~~لأبروقلوس، فهو يرمز كذلك في اسمه وسائر الأسماء الواردة عنده، ولا يزال الإخصائيون ~~ينقبون علهم يميطون اللثام عن هويته، والرأي الراجح الآن أنه أسقف سوري متشبع ~~بالأفلاطونية الجديدة، كتب بعد وفاة أبروقلوس (سنة 485) بزمن يسير، أي في أواخر ~~القرن الخامس أو أوائل القرن السادس. ~~(2) الأسماء الإلهية ~~(أ) موضوع الكتاب الصفات التي تضيفها الكتب المقدسة لله، وكيف تقال عليه تعالى، ~~وهذه خلاصته: يستمد العلم بالله من الكتب المقدسة؛ لأن المحسوسات لا تؤدي بنا إلا ~~إلى معرفة ناقصة عن الروحيات، وإلى معرفة أنقص عن الله، لله وحده علم تام بذاته، ~~وقد أوحى إلينا من ذلك العلم بما تطيقه طبيعتنا المحدودة، إننا لا ندرك الله في ~~الحياة العاجلة إلا إدراكا غامضا قائما على إدراك آثاره، فإن الأشياء صادرة عنه ~~بالخلق، وبالخلق تشارك الأشياء المتناهية في الله اللامتناهي، ليست هذه المشاركة ~~جوهرية، ولكنها مع ذلك حقيقية، هي إشراق الطبيعة الإلهية على الأشياء الحادثة، وهي ~~متفاوتة، لا لنقص من جانب فعل الله، بل لتفاوت المخلوقات في الماهية والكفاية، فمن ~~هذه الجهة يحق لنا القول: إن أسماء المخلوقات تلائم الله، ويحق لنا إيجابها له - ~~غير أنه يجب الملاحظة أن المعلول، وإن كان يمثل العلة، فهو لا يمثلها تماما، وأن ~~الطبيعة الإلهية واحدة ثابتة مهما تنوعت المخلوقات والنعم الإلهية، وأن الله يعلو ~~على المخلوقات علوا لا متناهيا، فمن هذه الجهة لا تلائمه أسماؤها، ولا يوجد اسم ~~يدل عليه تمام الدلالة، فنستطيع أن نسلب عنه جميع الأسماء، بل إن السلب خير من ~~الإيجاب لما قدمنا من التغاير والتفاوت بين الله والمخلوقات، ولا تعارض ms045 هنا بين ~~السلب والإيجاب؛ لأن الله فوق كل شيء، فوق كل سلب وكل إيجاب، وحين نقول إن الله ليس ~~شيئا مما يوجد، ندركه ونعلمه حقا ونعظمه تعظيما فائقا - على أن المنهج يختلف ~~في الإيجاب وفي السلب: ففي الإيجاب يجب البدء بأسمى الصفات، أي بما هو أقرب إليه ~~تعالى وأليق به، ثم التدرج منها إلى أدناها، وفي السلب يجب البدء بالأدنى، أي بما ~~هو أكثر بعدا منه وأقل مطابقة له، ثم نرتقي إلى الأعلى - ونجمع بين المنهجين بوضع ~~لفظ «فوق» قبل الصفة المضافة لله، فنقول مثلا: إن الله فوق الماهية، وفوق الخيرية، ~~وهكذا، وبذلك لا نضيف إليه صفات معينة تتصور تصورا معينا. ~~(ب) ما هي الصفات التي تضيفها الكتب المقدسة لله، وكيف تقال عليه؟ الصفة الأولى ~~هي الخيرية: الخيرية مبدأ الأشياء جميعا، فإن الأشياء صادرة عن الله لخيريته، ~~ويدعى الله نورا: هو النور العقلي وشمس العقول، والله جميل أو هو الجمال بالذات، ~~وكل جمال مخلوق أثر من جماله اللامتناهي، والله محبة، والكتاب المقدس يفضل أحيانا ~~هذا الاسم على اسم الود الذي قد يبدو للعامة أنقى وأصفى، الله محبة ومحبوب معا، ما ~~الشر إذن، وما مصدره؟ إن كل ما هو موجود فهو خير بما هو موجود، أما الشر من حيث هو ~~كذلك فعدم وجود، لا جوهر ووجود، إذن ليس الشر صادرا عن الله، وليس موجودا في ~~الله، ولا في المخلوقات أنفسها، فليس الشياطين أشرارا بطبيعتهم، ولكنهم صاروا ~~أشرارا بسقطة لم تحرمهم القوى التي هي لهم بماهيتهم، وإنما يستحق الخاطئ العقاب، ~~لأنه كان قادرا أن يفعل غير ما فعل، أي أن يتوجه إلى الخير الحق بدل أن ينصرف عنه ~~إلى خير ظاهر، واسم الموجود اسم حق للموجود حقا، في المخلوقات الوجود أولى النعم ~~الإلهية، والمخلوقات صادرة عن الله، وهي في الله على نحو يفوق العقل دون تنوع ولا ~~كثرة، كما يوجد كل عدد في الواحد، وكما تتحد أقطار الدائرة في المركز، وحتى الأضداد ~~تتحد وتأتلف في الله، والله الحياة مصدر كل حياة، والله ms046 الحكمة مصدر كل حكمة، والله ~~القدرة والقوة، والله العدالة، والله النجاة والفداء. ~~(ج) يمجد الكتاب المقدس إلهنا الأعظم، ثم يمثله بالنسيم اللطيف، مما يعني الصغر، ~~ويؤكد وحدته، ثم يخفيه تحت صور متنوعة، ويقول: إنه ساكن جالس أبدا، ثم إنه متحرك ~~ينفذ إلى صميم المخلوقات بقدرته، تلك أسماء مجازية، فإن الله يسمى كبيرا عظيما ~~بسبب عظمته الذاتية التي تفوق كل عظمة، ويضاف إليه الصغر أو اللطافة؛ لأنه ليس فيه ~~مقدار ولا مسافة، ولأنه ينفذ في كل مكان دون حائل، ويضاف إليه التنوع؛ لأن عنايته ~~تجعله حاضرا لدى المخلوقات على اختلافها، فهو كله في كلها مع بقائه هو هو، ويقال: ~~إن الله المتسلط الأعظم؛ لأنه الأساس الثابت لجميع الأشياء، ويقال: قديم الأيام، ~~لأنه خالق الأيام والزمان، ويقال: إن الله سلام؛ لأنه هو الذي يؤلف بين الموجودات، ~~ويحقق بينها النظام والانسجام، ويدعى الله قدس الأقداس، لكمال قداسته، وملك الملوك ~~لسلطانه وقدرته المنظمة - وبعد، فالله لا يسمى ولا يفسر، وجلاله لا يدرك أصلا، ~~وراء أقوالنا عنه يقوم الموجود الذي يعلو على كل اسم وكل عقل. ~~(3) الملائكة # ديونيسيوس أول من أفرد للملائكة كتابا خاصا، وهو يفتتحه بقوله: تحدثنا الكتب ~~المقدسة عن السماوات بصور مجازية لا تشابهها، وذلك لتقربها من أفهامنا، بل إنها ~~تؤثر الصور المستمدة من أخس الموجودات لتباعد بين السماويات وبين تصورها بالماديات، ~~إذ إننا نفهم من ذلك أن القصد المجاز لا الحقيقة، المجاز الذي يحجب الحقيقة، ثم ~~يجمع أسماء طوائف الملائكة الواردة في الكتب المقدسة، ويرتبها في ثلاث مراتب، في كل ~~مرتبة ثلاث طغمات، بعضها فوق بعض بحسب كمالها ومكانها من الله ~~(1) السروفيون، ~~الكروبيون، الأعراش، (2) السيادات، القوات، السلاطين، (3) الرياسات، الملائكة، ~~رؤساء الملائكة، وهم عنده أرواح صرف، وإذن عاقلون ومعقولون بالذات، بسيطون غير ~~مركبين، لا شكل لهم ولا خاصية مادية أية كانت، وهو يذهب إلى أنهم خلقوا قبل العالم ~~المحسوس، وأن لكل منهم وظيفة فيه، وأنهم يستفيدون علمهم من الله: يوحي الله بالعلم ~~للمرتبة الأولى، وتوحي به هذه للثانية، وهذه للثالثة، أما عددهم فإن ms047 الكتاب المقدس ~~يذكر أعلى الأعداد التي نعرفها، ويضربها بعضها في بعض، فيقول: «ألف ألف، وعشرة آلاف ~~عشرة آلاف» ومعنى ذلك أنه يمتنع علينا تقديرهم، وأما الأقوال الواردة فيه عنهم ~~فمعظمها مجازي يجب تأويله: من ذلك تشبيههم بالنار، وبالإنسان وبالريح وبالسحاب ~~وبالمعادن، وببعض الحيوان كالأسد والثور والنسر، كل أولئك وأمثالها صور ورموز ~~مناسبة لعقولنا (ويعرض لشرحها الفصل الأخير من الكتاب). ~~(4) اللاهوت الصوفي # المنهج السالب في معرفة الله يفضل المنهج الموجب، وعليه ينبني التصوف، اللاهوت ~~الصوفي هو العلم بالله وبالأمور الإلهية علما ذوقيا أي تجريبيا شعوريا ~~ممنوحا من الله، فهو بموضوعه وبوسائله علم فائق للطبيعة؛ لأن الإنسان لا يملك أن ~~يبلغ بقوته الطبيعية إلى طبيعة الله، ولكن الله هو الذي يجذب إليه الإنسان ويرفعه ~~إلى بهائه الذي لا يدركه العقل وإنما يحسه القلب ويحبه ويعبده، ولأجل الاتحاد بالله ~~يجب المران بلا انقطاع على التأمل الصوفي، يجب إطراح الحواس والأفعال العقلية، ~~والذهاب بقوة فائقة للطبيعة إلى الموجود القائم وراء كل ماهية وكل فكر، ذلك ما لا ~~يفهمه الذين يعتقدون أنهم يستطيعون بقوة عقلهم أن يدركوا الموجود الذي «اتخذ له ~~الظلمة مقاما» كما يقول داود النبي، متى خلصت النفس من العلم المحسوس والعلم ~~المعقول جميعا، دخلت في ظلام جهل مقدس، وانصرفت عن كل معرفة استدلالية، وفنيت في ~~الموجود غير المنظور غير المدرك، واتحدت به بنسبة انصرافها عن الاستدلال، واستمدت ~~من ذلك الجهل المطلق معرفة لا يبلغ العقل إليها، وإنما تجرؤ على سلب كل شيء عن ~~الله، كي نلج ذلك الجهل السامي. ~~(5) ديونيسيوس والأفلاطونية الجديدة ~~(أ) وخلاصة القول في ديونيسيوس أنه أعرب هو أيضا عن إيمانه بفلسفة عصره، فأخذ ~~عنها أشياء، وترك أشياء، أخذ عن أبروقلوس وأفلوطين كثيرا من المصطلحات والعبارات ~~والآراء الجزئية، بعضها يتفق مع المسيحية أو لا يخالفها، وبعضها موضع نظر، فمن ~~الصنف الأول وصف الحالات الصوفية، وتقديم الخيرية على سائر الصفات الإلهية، أما عن ~~الإيجاب والسلب في حق الله، فقد كان آباء الكنيسة يميزون بين لاهوت موجب ولاهوت ~~سالب، ويبدءون بالثاني، ليخلصوا ms048 منه إلى الأول، بينا ديونيسيوس يرى في الإيجاب ~~تمهيدا لمعرفة الله بالسلب، إذ إن إيجاب صفات المخلوقات لله، على ما هي في ~~المخلوقات وفي تصورنا، يرينا للفور عدم لياقتها لوصف الله وضرورة سلبها عنه، فهو ~~يعتبر المعرفة السلبية أصدق وأليق، ومن الصنف الثاني قوله: إن فعل الله يصل مباشرة ~~إلى الموجودات العليا ، ومنها إلى التي تليها، وهكذا إلى آخر مراتب الوجود، وكذلك في ~~العودة إلى الله، كل موجود فهو مفتقر إلى وساطة الموجود الذي فوقه، بحيث لا تكون ~~هناك علاقة مباشرة بين الله والنفس الإنسانية إلا حين تكون النفس قد بلغت إلى ~~المرحلة الأخيرة في صعودها إلى الله، وهذا مناف للمسيحية، على أن ديونيسيوس يقول ~~أيضا: إن الصلاة والجذب وسيلتان للاتحاد بالله رأسا. ~~(ب) أما ما تركه من آراء الأفلاطونية الجديدة، فهو المعارض للمسيحية معارضة ~~صريحة، مثل وحدة الوجود، ولا شخصية الله، والصعود إلى الله بقوتنا الذاتية، أجل، ~~إننا نجد عنده بعض عباراتها التي تقول إن الله وجود الأشياء، وإن الله الأشياء؛ ~~لأنه مصدرها، فإن الأفلاطونية الجديدة، لما كانت تذهب إلى أن العالم صادر عن ذات ~~الله، لا تستطيع تمييز العالم من الله تمييزا حاسما، وتميل إلى اعتبار العالم ~~مظهر الله، ولكن هذه العبارات لا تتجه عند ديونيسيوس إلى أكثر من الدلالة على أن ~~الله هو الموجود بالذات، وأن العالم موجود بالله، فإنه يميز بين الله والعالم تمام ~~التمييز، ويرجع وجود العالم إلى الخلق من عدم، ويعتقد أن الله محبة فعالة، أنه محب ~~للبشر، وأنه خلاص الموجودات وفداؤها، وأن الاتحاد به نعمة مجانية، تسبقها وتهيئ لها ~~نعم مجانية. # الفصل الرابع # | بوبسر # (1) مارتيانوس كابيلا ~~(أ) في الفترة الطويلة الفاصلة بين سقوط الإمبراطورية الرومانية وقيام إمبراطورية ~~شارلمان، لا نجد في الغرب سوى أسماء قليلة تذكر في تاريخ الفلسفة، لما قدمنا من ~~اضطراب الحال السياسية والاجتماعية، ونحن نورد هنا أربعة كان لهم أثر كبير في العصر ~~الوسيط. ~~(ب) مارتيانوس كابيلا قرطاجني أقام بروما وصنف بها حوالي سنة 430 موسوعة في تسع ~~مقالات هي ms049 أول كتاب أحصى «الفنون الحرة السبعة» وعالج كلا منها في مقالة، والمراد ~~بالفنون الحرة تلك التي تنشأ من تنظيم أفعال العقل، تقابلها الفنون العملية التي ~~تقتضي عملا يدويا، والفنون الحرة مجموعتان: واحدة ثلاثية وأخرى رباعية، أما ~~الأولى فتشمل الغراماطيق والبيان والجدل، وأما الثانية فتشمل العلوم التي جعلها ~~أفلاطون مقدمة للفلسفة، وهي الحساب والهندسة والفلك والموسيقا، فجاءت هذه الموسوعة ~~محاولة لتصنيف المعارف، وبرنامجا للدراسة. ~~(2) بويس (470-525) ~~(أ) هو أشهر هؤلاء الأربعة وأبعدهم تأثيرا، ولد في أسرة رومانية معروفة، وأرسل ~~صبيا إلى أثينا فدرس بها الأدب والفلسفة، وفي سنة 510 صار وزيرا لتيودوريك ملك ~~فرع الأوستروجوث بإيطاليا، ثم اتهم زورا بالتآمر على مليكه، وبمزاولة السحر ~~والتنجيم، فأودع السجن دون أن يتمكن من الدفاع عن نفسه، وأعدم بعد تعذيبه عذابا ~~شديدا. ~~(ب) عقد النية على نقل كتب أفلاطون وأرسطو وبيان اتفاقها، على ما كان متبعا في ~~أثينا لعهدها الأخير، إذ كانت الدراسة فيها تبدأ بكتب أرسطو باعتبارها دائرة بنوع ~~خاص على العالم المحسوس، ثم تنتقل إلى كتب أفلاطون باعتبارها دائرة على العالم ~~المعقول، ولو أنه أتم هذه المهمة لعرف الأوروبيون كتب أرسطو قبل أن ينقلها السريان ~~إلى العربية بزمن طويل، ولتغير مجرى التفكير عندهم منذ أول عهدهم بالتفلسف، ولكنه ~~لم ينقل منها سوى عدد يسير، تناول أول أمره ترجمة ماريوس فيكتورينوس لكتاب إيساغوجي ~~ونقدها، ثم ترجم الكتاب وعلق عليه شرحا جديدا، وترجم كتب أرسطو في المقولات ~~والعبارة والتحليلات الأولى والثانية والجدل، ويظن أنه ترجم كتاب الأغاليط، وتذكر ~~له شروح على هذه الكتب، غير أن الغربيين لم يعرفوا الكتب الثلاثة الأخيرة إلا في ~~القرن الثاني عشر، فإما أنها كانت فقدت ثم عادت إلى الظهور، وإما أنها ترجمت من ~~جديد وأضيفت إليه، وله شرح على كتاب الجدل لشيشرون، ووضع من عند نفسه: المدخل إلى ~~الأقيسة الاقترانية، وكتابا في الأقيسة الاقترانية، وآخر في الأقيسة الاستثنائية، ~~وكتابا في القسمة، وآخر في الحد، وآخر في الجدل، وفي سجنه صنف كتابا أسماه «عزاء ~~الفلسفة» أو «العزاء الفلسفي»، ويذكر له ms050 المدرسون كتبا رياضية وموسيقية، ويذكرون ~~له في القرن الثالث عشر ترجمة كتب أرسطو في السماع الطبيعي والنفس وما بعد الطبيعة، ~~وله كتب لاهوتية هي رسائل قصيرة رصينة دونها في أواخر حياته، وتناولها المدرسون ~~بالشرح والتعليق، وأشهرها كتاب «في الثالوث». ~~(ج) لا يعد بويس صاحب مذهب متسق، ولكنه جمع كثيرا من الآراء بعضها إلى جانب بعض ، ~~ففي كتبه المنطقية يرى من ناحية أن موضوع المنطق دلالة الألفاظ فحسب، وأن الكليات ~~مجرد أسماء، وهذا رأي أعان فيما بعد على تكوين مذهب الاسمية، ومن ناحية أخرى يعرض ~~حلا لمشكلة الكليات مغايرا للاسمية، هذه المشكلة واردة في مفتتح «إيساغوجي»، حيث ~~يقول فورفوريوس: «هل للأجناس والأنواع وجود في الخارج، أو هي مجرد تصورات في الذهن؟ ~~وإن كانت موجودة في الخارج، فهل هي جسمية أو لا جسمية؟ وإن كانت لا جسمية، فهل هي ~~مفارقة للمحسوسات، أو لا وجود لها إلا في المحسوسات؟» وفورفوريوس يقتصر هنا على ~~إثارة المسألة ولا يذكر حلا لها، وإن كان قد حلها على مذهب أفلاطون في كتب أخرى، ~~فأجاب بويس عن الأسئلة الثلاثة بما يأتي: (1) الأجناس والأنواع جواهر ومعان في نفس ~~الوقت، (2) وهي لا جسمية بالتجريد لا بالذات، (3) وهي موجودة في المحسوسات وخارجا ~~عنها أي في العقل، وهذا الحل أرسطوطالي. ~~(د) وهو يصطنع نظريات أرسطوطالية أخرى، مثل الهيولى والصورة، والقوة والفعل، ~~والجوهر الأول والجوهر الثاني، والعلل الأربع، والمحرك الأول غير المتحرك، بيد أنه ~~إذ يقول مع أرسطو: إن الله صورة محضة، يجعل المخلوقات الروحية (العقول أو الملائكة) ~~مركبة من هيولى روحية وصورة، لكي يضع بين الله والمخلوقات فارقا جوهريا، على ما ~~فعل أوغسطين، وفي كتبه اللاهوتية يلح كثيرا في بساطة الخالق وتركيب المخلوقات، ~~ويجعل هذا التركيب من الجوهر الأول أو ما هو موجود، ومن الصورة التي هو بها موجود، ~~فيقترب من موقف أرسطو، وفي تفسيره لفعل الخلق، يقول بالصدور، ولكنه يقرر أن ~~الألوهية لا تنتشر إلى خارج، وأن المخلوق لا يشارك في ماهية الخالق، ويتحدث عن ~~التسليم للقدر بعبارات تذكر بالرواقية، ولكن ms051 القدر عنده العناية الإلهية، على أنه ~~يتابع الأفلاطونيين دون تحفظ في الاعتقاد بسبق وجود النفوس، ويعرض نظرية في المعرفة ~~قائمة على التذكر الأفلاطوني، ويأخذ عن الفيثاغوريين نظريتهم في العدد والوحدة، ~~ويقول بقدم العالم، ولكنه يميز بين القدم المتحرك، وبين أبدية الله الثانية، ويرى ~~أن النقطة الهامة هي أن العالم مخلوق، وأن الخلق كان من عدم . ~~(ه) كتاب «عزاء الفلسفة» حوار بين «فيلوصوفيا» والمؤلف السجين فيما تثيره الحياة ~~من مسائل، كعذاب الصالح (يريد عذابه هو في السجن) والعناية الإلهية والخير الأعظم، ~~فتبين له أن الدنيا لا توفر السعادة، وأن الله هو الخير الكلي، وأن الشوق إلى هذا ~~الخير دليل وجوده، كما يدل النقص على الكمال، وأن الألم امتحان للأخيار، وتأديب ~~للأشرار، وأن التوفيق بين سابق علم الله والحرية الإنسانية إنما يشكل على عقلنا ~~المحدود فقط - كل ذلك باعتبارات فلسفية بحتة على منوالي الأفلاطونية والرواقية، ~~فقيل: كيف يلتمس بويس العزاء عند الفلسفة، ولا يلتمسه عند دينه؟ والجواب أن الكتاب ~~محاولة لتفسير المسائل بالفلسفة وإقامة الإيمان على أساس عقلي، ويلوح أن مفكري ~~العصر الوسيط فهموه على هذا الوجه، فإنهم لم يثيروا اعتراضا بشأنه على كثرة ما ~~درسوه وشرحوه ونسجوا على منواله. ~~(و) وعلى ذلك يكون بويس رأى وجوب التمييز بين الفلسفة والإيمان، والاستعانة ~~بالأولى على توضيح الثاني، وأثر الفلسفة ظاهر كل الظهور في كتبه اللاهوتية، حيث ~~يعالج العقائد بحسب المناهج المنطقية، ويدخل عليها عددا كبيرا من المعاني ~~الفلسفية، وقد استحدث بالترجمة والشرح والتأليف معجما فلسفيا ضخما باللغة ~~اللاتينية، وقدم بشروحه أمثلة على الشرح الفلسفي كيف يكون، وسيفيد المدرسيون من هذه ~~الجهود أكبر فائدة. ~~(3) إيزيدور الإشبيلي (570-636) ~~(أ) في أوائل القرن السادس أنشئت في إسبانيا مدارس رهبانية وأسقفية: أنشأ الأولى ~~الرهبان البندكتيون لرجالهم، وأنشأ الثانية الأساقفة للخوارنة، عرفت هذه المدارس ~~عددا من العلماء أخذوا على أنفسهم جمع المعارف المكتسبة أشهرهم إيزيدور، ولد ~~بقرطاجنة من أعمال إسبانيا، وصار أسقفا على إشبيلية سنة 601 إلى وفاته، ساهم في ~~إنشاء المدارس، وبعث في وطنه حركة علمية قوية ms052 انتشر أثرها إلى إيطاليا وسائر أنحاء ~~أوروبا، حمل المجمع الكنسي الطليطلي الرابع على تقرير تدريس اليونانية والعبرية ~~للحاجة إليهما في تفسير الكتب المقدسة. ~~(ب) وهو يمثل خير تمثيل النزعة الموسوعية السائدة في عصره، وذلك بكتاب ضخم في ~~عشرين مقالة أسماه «الأصول» لخص فيه جميع العلوم، أولا: الفنون الحرة السبعة، ~~وأضاف إليها الطب، ثانيا: علوم الدين والاجتماع، ثالثا : العلوم الطبيعية، رابعا ~~وأخيرا: الفنون الآلية. وهو يذكر في علوم الاجتماع القوانين والعصور مع تاريخ عام ~~حتى سنة 627، واللغات والأمم والممالك والجيوش والأنساب، وفي كلامه على القوانين ~~يعرض لمثل المسائل الآتية: أصل الحكم، واجب الحكومة في الدفاع عن الكنيسة، وجوب ~~خضوع الجميع - حتى الملوك - للقانون والعدالة، فصل ثروة الملك الخاصة عن ثروة ~~التاج، ويذكر في العلوم الطبيعية العالم وأجزاءه، الأرض ومناطقها، الحيوان، الإنسان ~~والمسوخ، المنازل والحقول، الأحجار والمعادن، ويذكر في الفنون الآلية الزراعة ~~والحرب والألعاب والملاحة، والحياكة والأغذية والآلات والأواني، وقد لخصت هذه ~~الموسوعة أو نسخت بأكملها مرارا لا تحصى خلال العصر الوسيط، ومما تجدر الإشارة ~~إليه أنها تذكر كتب أرسطو الكبرى، عدا كتاب ما بعد الطبيعة، وتحيل في ذلك إلى ~~ترجمات بويس، ولإيزيدور الإشبيلي كتب أخرى، منها: في المترادفات، في تاريخ بعض ~~قبائل البربر، في مشاهير الرجال، وله كتب لاهوتية، وهو في آثاره جميعا ناقل للعلم ~~القديم في أسلوب واضح رشيق، ولما اضطر الفيزيجوث إلى الهرب من وجه العرب حملوا معهم ~~في جبال البرانس مؤلفات الأسقف الكبير ككنز نفيس يحرصون عليه. ~~(4) بيد (672-735) ~~(أ) وفي القرن السادس أيضا قدم إنجلترا بعد الغزوات الأنجلوسكسونية رهبان من ~~روما شرعوا ينشرون المسيحية وينشئون المدارس، فقامت حركة أدت في القرنين الثامن ~~والتاسع إلى اضطلاع إنجلترا، وخصوصا إرلندا، بقسط كبير في ثقافة القارة الأوروبية. ~~أرخ لهذه الحركة «بيد» حتى سنة 731، وبذل جهده ليوفر للبلاد الإنجليزية مثل الأداة ~~الثقافية التي وفرها إيزيدور لإسبانيا، فوضع كتبا وعت العلوم القديمة، وسميت ~~إرلندا «مصباح الشمال»، للدلالة على مكانتها من العلم ونصيبها في نشره، وسنصادف ~~دلائل ذلك فيما يلي. # الباب الثاني # | تكوين ms053 الفلسفة المدرسية # من القرن التاسع إلى الثالث عشر # الفصل الأول # | تنظيم التعليم # (1) تكاثر المدارس ~~(أ) في سنة 778 أعلن شارلمان رغبته في الإكثار من المدارس، وطلب الأساتذة من كل ~~صوب، وبالأخص من إيطاليا وإنجلترا وإرلندا، حيث كانت المدارس قد حفظت تراث اللغويين ~~والأدباء والفلاسفة، أشهر أولئك الأساتذة ألكوين (730-804) وهو أنجلوسكسوني ولد ~~بمدينة يورك وتعلم بمدرستها البندكتية ثم علم بها ، في عودته من رحلة إلى روما، سنة ~~781، كان شارلمان بمدينة روما، فاستوقفه بها، فأسس ألكوين مدرسة البلاط مستعينا ~~بنفر من العلماء، وكان الإمبراطور وأبناؤه وبناته يستمعون إلى الدروس، وألف شارلمان ~~جمعية علمية يحمل أعضاؤها أسماء رمزية مستعارة من الكتب المقدسة والأدب القديم، ~~فكان هو يحمل اسم داود، ويحمل آخر اسم هوميروس، وهكذا، وكانت مدرسة البلاط، ~~بأساتذتها وتلاميذها، متنقلة مع الإمبراطور وأسرته، واحتفظ بها خلفاؤه المباشرون من ~~الملوك الفرنكيين، وأنشئت على غرارها المدارس في مختلف القصور، أما ألكوين فعلم بها ~~ثماني سنين، ثم اعتزل في دير سان مارتان دي تور بفرنسا، وافتتح فيه مدرسة، وتوفي ~~هناك، كان يدرك عظم مهمته وبعد أثرها، فقد صرح في رسالة أنه يريد أن ينشئ بفرنسا ~~أثينا جديدة، ويقتصر فضله على نقل ثقافة إرلندة إلى فرنسا وألمانيا، وتنظيم التعليم ~~فيهما، وضع كتبا منطقية ليس فيها شيء إلا ونجده عند بويس، ورسالة في النفس هي ~~مجموعة أقوال أوغسطينية، وكتبا لاهوتية هي مقتبسة كذلك، على أن تلك الكتب بقيت من ~~بعده أداة حسنة للتعليم. ~~(ب) وثاني رجل يذكر من أساتذة ذلك العصر رابان مور (780-865) وهو ألماني ولد ~~بمدينة ميانس، ودرس بمدينة فولدا، وأكمل دراسته على ألكوين في دير سان مارتان، وعاد ~~إلى فولدا فعلم بها، ثم صار أسقفا على ميانس، وضع كتابا في «العالم أو طبائع ~~الأشياء» هو عبارة عن دائرة معارف عصره، وجمع نصوصا قديمة، منها مائة بيت للوكريس ~~كانت أصل معرفة العصر الوسيط الأول بذلك الشاعر وبأبيقور، ودون شروحا على الكتب ~~المقدسة، ومما يذكر من آرائه أخذه بقول لوكريس: إن كل موجود فهو جسمي، ولكنه ms054 يستثني ~~الله، وفي مسألة المعاني الكلية يتخذ موقفا قريبا من موقف أرسطو، في شرح على ~~إيساغوجي يعزى إليه، ويعزى أيضا إلى أحد تلاميذه، فقد كان له تلاميذ نسجوا على ~~منواله، وقام غيرهم من العلماء جمعوا ولخصوا. ~~(ج) كان التعليم في ثلاث درجات: الدرجة الأولى: التعليم الأولي، وقد كان مجمع ~~كنسي أمر به منذ سنة 529، ثم صدر سنة 789 أمر إمبراطوري بالإكثار من المدارس ~~الأولية وزيادة العناية بها، كان هذا التعليم إلزاميا للمرشحين للكهنوت، ومفتوحا ~~لمن يشاء من المدنيين، غير أن المقبلين عليه من هؤلاء كانوا قليلين، مما كان موضع ~~شكوى الأساقفة وتشديدهم المتصل، أما مواده فكانت: القراءة والكتابة ومبادئ ~~اللاتينية الدارجة وشرح موجز للكتب المقدسة وكتب الشعائر الدينية. ~~(د) والدرجة الثانية: «الفنون الحرة السبعة» على مجموعتين: ثلاثية، ورباعية، في ~~المجموعة الثلاثية كان تعليم الغراماطيق والخطابة يعتمد على قراءة كبار الشعراء ~~والكتاب من الرومان، ومن جاء بعدهم من آباء الكنيسة والشعراء المسيحيين، وكان للجدل ~~المحل الأكبر، أما المجموعة الرباعية، مضافا إليها الطب، فكانت أقل حظا من ~~السابقة لما تتطلب من معارف إخصائية لم تكن ميسورة، وكانت علوم المجموعة الثلاثية ~~تسمى «عقلية» لما قدمنا من أن الفن الحر يتناول أفعال العقل، وتسمى علوم المجموعة ~~الرباعية «وجودية»؛ لتناولها حقائق مستقلة عن العقل # rationales ~~reales ~~. ~~(ه) والدرجة الثالثة: تعليم الكتب المقدسة بالتفصيل، وسبب تأخيرها: أن علوم ~~الدرجتين السابقتين ضرورية لفهمها لغويا وتاريخيا وعلميا، وكان هذا التعليم ~~يؤيد بتفاسير الآباء، وبالأخص تفاسير أوغسطين، وكانت الدرجات الثلاث مباحة ~~للمدنيين، على أنها لم تكن منفصلة ولا مرتبة بعضها فوق بعض، فمن جهة لم تكن كل ~~مدرسة تحويها جميعا؛ ومن جهة أخرى لم تكن الدرجة الواحدة متشابهة في جميع المدارس؛ ~~ومن جهة ثالثة لم تكن الدرجات متعاقبة تمام التعاقب في المدارس التي تتناولها كلها، ~~بل كانت تمتزج بعضها ببعض. ~~(2) الفلسفة ~~(أ) من بين هذه المواد كان الجدل يمثل الفلسفة، وكان مقصورا في ذلك العهد على ~~الثلاثة الأولى من كتب أرسطو المنطقية: المقولات، والعبارة، والتحليلات الأولى، على ~~أن مسائل ms055 فلسفية كثيرة كانت تعالج في تضاعيف الشروح على الكتب المقدسة، وفي مناقشات ~~لاهوتية، منها: مسائل الثالوث الأقدس، وسر القربان، والملائكة هل هم جسميون أم ~~مفارقون للمادة؟ والنفس الإنسانية هل هي حالة في الجسم حلول الشيء في المكان؟ ~~وهل حدود الجسم حدود لها؟ وكيف يكون ذلك وهي روحية؟ وعقاب جهنم هل هو النار أو ~~الألم للذنوب المقترفة؟ ورؤية الله في النعيم هل هي معاينة الله بعين الجسم؟ وكانوا ~~يعولون على آباء الكنيسة وبالأخص أوغسطين، فلئن لم تجمع هذه المسائل في كتب قائمة ~~برأسها، ولم يعين لها مكان خاص في مراحل التعليم، فقد بدت في صورة قوية عند جون ~~سكوت أريجنا أكبر أساتذة القرن التاسع. ~~(ب) وثمة ناحية أخرى امتازت بها فلسفة هذا العهد، هي العناية بما يسمى مسألة ~~الكليات، فقد شرعوا يعالجونها ويتجادلون في الحلول المختلفة، وجملة الحلول أربعة ~~تعاقبت على الترتيب الآتي: أولها: «الوجودية المسرفة»، فقد كان الموقف العام ~~تقريبا أن لكل معنى في الذهن مقابلا في الخارج على مثاله، تمشيا مع الأفلاطونية، ~~حتى لقد ذهب فريديجيز دي تور (أحد تلاميذ ألكوين) إلى أن لفظ «عدم» أو «لا شيء» يدل ~~على مادة غير معينة تركب منها المخلوقات، وأن لفظ «ظلام» يدل كذلك على وجود، أليس ~~يقول الكتاب المقدس: إن الله خلق الأشياء من العدم، وإن ظلمات كثيفة كانت تغشى ~~الأرض؟ وفي القرن الحادي عشر ظهر حل آخر هو «الاسمية» يدعي أن الكليات مجرد أسماء ~~أو ألفاظ لا يقابلها شيء في الخارج، بل لا يقابلها شيء في الذهن، وحوالي منتصف ~~القرن الثاني عشر بدأ يتكون حل ثالث هو «الوجودية المعتدلة»، وقد مهدت له المعارضة ~~للوجودية المسرفة: هذا المذهب يقرر أن للكليات وجودا في الذهن وفي الخارج ولكن ~~باختلاف، هي في الخارج متشخصة بأعراض الموجود الجزئي، وهي في الذهن بريئة من هذه ~~الأعراض، يجردها العقل من الجزئي، وسيزداد هذا المذهب ثباتا ودقة بازدياد المعرفة ~~بفلسفة أرسطو في القرن الثالث عشر، وأخيرا ظهر في أوائل القرن الرابع عشر مذهب ~~«الذهنية» أو «المعنوية» وهو ms056 لا يعترف بوجود للكليات إلا كمعان في الذهن، ويأبى ~~القول بأن الجزئيات حاصلة على الماهية التي نعقلها وقد انتشر هذا المذهب، ونستطيع ~~أن نقول إنه الغالب في الفلسفة الحديثة. ~~(3) جون سكوت أريجنا (؟-877) ~~(أ) قلنا: إنه أكبر أساتذة القرن التاسع، وهو أول فيلسوف مدرسي، عاصر الكندي أول ~~الفلاسفة الإسلاميين، استقدمه ملك فرنسا من وطنه إرلندا، فقصد إلى باريس ونزل في ~~البلاط وعلم بمدرسته. ~~(ب) أول مصنفاته كتاب «في «الانتخاب الإلهي» وضعه إجابة لطلب أسقفين رغبا إليه في ~~أن يرد على رسالة لأحد الرهبان زعم فيها أن الله ينتخب للجنة أو للنار فلا حرية ولا ~~تبعة، وكان هذا الزعم أثار ضجة عظيمة، أيده البعض ودافع كثيرون عن الحرية، وجاء ~~كتاب أريجنا مبينا عن مصادره وعن نزعة عقلية جريئة، إنه يذكر بالطبع آيات كثيرة من ~~الكتب المقدسة، ويستشهد بشيشرون وأوغسطين وبويس وألكوين، ولكنه يقول بوجوب الاحتكام ~~إلى العقل، فيذهب أولا إلى أن العقل يأبى التسليم بأن الله ينتخب أهل النار، ويقدم ~~دليلين: أحدهما: أن علة واحدة بعينها لا تحدث معلولين متقابلين، فلا يمكن أن نضيف ~~لله إرادة للخير وأخرى للشر، والدليل الثاني: أن الشر عدم على ما بين أوغسطين، فلا ~~يمكن أن يكون الله علة إلا للوجود أي للخير، ولكن أريجنا يخطو خطوة أخرى فيقول: إن ~~العقل يأبى التسليم بالانتخاب إطلاقا، فلا يدع مجالا لفاعلية الله وتوجيهه إلى ~~الخير، فألب عليه الفريقين المتجادلين، والأسقفين في الجملة، وأنكر رأيه مجمعان ~~كنسيان. ~~(ج) بعد هذه الصدمة عكف على إجادة اليونانية، وكان تعلمها في إرلندا، فكلفه الملك ~~أن يعيد نقل كتب ديونيسيوس، وكانت نقلت قبل ربع قرن نقلا ضعيفا فنهض بالعمل ودون ~~شرحا على الأصل، وكان لذلك شأن كبير في توجيه فكره وتوجيه الفلسفة المدرسية من ~~بعده، إذ إنه أخضعها لتأثير الأفلاطونية الجديدة المشبعة بها تلك الكتب، فضلا عن ~~تأثرها بأفلاطونية أوغسطين، أما نقله فقد جاء عاملا جديدا في تكوين اللغة ~~الفلسفية عند المدرسيين، غير أنه التزم الترجمة الحرفية ووقع في أغلاط كثيرة، يشفع ~~له فيها ms057 أو في معظمها رداءة مخطوطاته اليونانية من جهة، فقد كانت كثيرة الأغلاط ~~عديمة الترقيم يجري فيها الكلام بلا فواصل، ومن جهة أخرى غموض لغة ديونيسيوس وبعدها ~~عن اليونانية الأصيلة، وفي النقل نحو خمسين لفظا يونانيا وضعت بنصها دون ترجمة، ~~وكان المعاصرون يتذوقون ذلك، ونقل كتبا أخرى لبعض الآباء اليونان. ~~(د) كتابه الأكبر «قسمة الطبيعة» هو - من حيث الشكل - حديث بين تلميذ يسأل وأستاذ ~~يجيب فينساق - في سبيل التفسير والتفهيم - إلى كثير من التكرار والاستطراد، ومن حيث ~~الموضوع، هو عبارة عن الأفلاطونية الجديدة تبدو واضحة خلال ما يكدسه من آيات الكتب ~~المقدسة وأقوال الآباء، وإنما وقف على الأفلاطونية من المصادر المذكورة، أما ~~أفلوطين وأبروقلوس، فليس هناك ما يدل على أنه قرأهما، ولكنه يذكر تيماوس وقد عرفه ~~من ترجمة خلقيديوس أو من ترجمة شيشرون. ~~(4) مذهبه ~~(أ) الغرض الذي يرمي إليه هو فلسفة الدين، ولا فارق عنده من حيث الموضوع بين ~~الدين والفلسفة، كلاهما صادر عن الحكمة الإلهية، فلا تمييز بينهما ولا تعارض: ~~«الفلسفة الحقة هي الدين الحق، والدين الحق هو الفلسفة الحقة.» والفرق بينه وبين ~~أوغسطين أنه يميل إلى مد سلطان العقل إلى موضوع الإيمان بأكمله غير محتاط للتفرقة ~~بين الطبيعة وما فوق الطبيعة، وهو يفسح المجال أمام العقل بقوله: إن معاني الكتاب ~~المقدس متعددة تعدد ألوان ذيل الطاووس، فلنا أن نختار المعنى الملائم، بل لنا أن ~~نتأول أسوة بالآباء، فقد تأولوا بعقولهم وتعارضوا في مسائل كثيرة، فنحن نعرض ~~تأويلاتهم على العقل، فإذا لم يقرها وجب الأخذ بحكمه دونها، إذ لا يمكن أن يصدر ~~العقل عن السلطة، والسلطة نفسها صادرة عن العقل، وكل سلطة لا تقوم على عقل مستقيم ~~فهي سلطة كسيحة، بينما العقل المستقيم المعزز ببراهينه غير مفتقر لتأييد سلطة ما، ~~إلا أن تكون سلطة الكنيسة ترسم حدود التأويل، فيمكن تسميته أبا المذهب العقلي في ~~العصر الوسيط، ذلك المذهب الذي يدعي البرهنة على العقائد، وهو غير المذهب العقلي في ~~العصر الحديث الذي ينكر العقائد باسم العقل والبرهان. ~~(ب) يقصد أريجنا بقسمة ms058 الطبيعة نظام الوجود أو ترتيب الموجودات، وهذا تقسيمه: ~~الله مبدأ ووسط وغاية، والوسط مزدوج، فتتم قسمة الطبيعة إلى أربع طبائع، فأولا: ~~الله من حيث هو مبدأ الأشياء هو الآب أو «الطبيعة غير المخلوقة الخالقة» وهو ذات ~~بسيطة كل البساطة، لا تمايز فيه ولا تضاف إليه صفة إلا مع لفظ «فوق» كما قال ~~ديونيسيوس، لتنزيهه عنها، فتبدو صيغة القول إيجابا وهي في العقل سلب؛ لأنها تعني ~~أن الله أرفع من الصفة، ثانيا: الله من حيث هو وسط تقوم الموجودات وتتحرك فيه وبه، ~~هو من الجهة الواحدة الابن أو «الطبيعة المخلوقة الخالقة» أو الكلمة الصادرة عن ~~الله الحاوية مثل الأشياء أو عللها الأولى في أكمل بساطة واتحاد، أو هو العالم كما ~~يتصوره الله، ثالثا: هو من الجهة الأخرى الروح القدس أو «الطبيعة المخلوقة غير ~~الخالقة» أو هو العالم متحققا خارج الله، رابعا: الله من حيث هو غاية ترجع إليها ~~جميع الموجودات هو «الطبيعة غير المخلوقة غير الخالقة» بهذا الاعتبار، والطبيعتان: ~~الأولى، والرابعة، لا تتمايزان إلا في تصورنا الله تارة مبدأ، وطورا غاية، وكذلك ~~الطبيعتان الثانية والثالثة تؤلفان قسما واحدا؛ لأنهما مخلوقتان تمثلان جملة ~~الخليقة، أو هما «تجلي الله»، ولنا هنا مثال أول على تأول أريجنا: فهو يجعل الابن ~~والروح القدس مخلوقين من الله، كما جعل أفلوطين العقل الكلي والنفس الكلية صادرين ~~عن الواحد، وهو يتصورهما كما تصور أفلوطين هذين الجوهرين وسيذهب غير واحد من بعده ~~إلى مثل هذا التصور السهل القريب إلى المخيلة، في حين أن المسيحية تعلم أن الأقاليم ~~الثلاثة متساوية في الذات الإلهية. ~~(ج) ومع هذا التمييز بين الأقاليم الثلاثة نرى قلمه يجري بعبارات كثيرة كانت ~~سببا في اتهامه بوحدة الوجود، منها قوله: إن الخلق من لا شيء معناه أن الله يخلق ~~من كماله غير المدرك الذي إذا اعتبرناه في ذاته لم يكن شيئا معينا من حيث إنه ~~يجاوز الوجود من جميع النواحي، فالله إذ يخلق الخليقة يخلق ذاته من ذاته على نحو ~~خفي يفوق التصور والتعبير، فيجعل ذاته منظورا ms059 وهو غير المنظور، ويجعل ذاته مدركا ~~وهو غير المدرك، ويتخذ لذاته ماهية وطبيعة وهو يفوق الماهية والطبيعة، ويصير عالما ~~مخلوقا وهو خالق العالم، الأشياء جميعا موجودة في الله، والله قسمة المخلوقات ~~واجتماعها، والجنس والنوع والكل والجزء، دون أن يكون جنسا لمخلوق ما أو نوعا أو ~~كلا أو جزءا، ولكن كل أولئك خارج منه، وكل أولئك فيه وله، يجب التوحيد بين ~~الخالق والمخلوق حتى لا نرى في المخلوق إلا الخالق وهو الموجود الوحيد الموجود ~~حقا، أما المخلوقات فما هي إلا مشاركات في الموجود بالذات، ولكن يمكن القول أن ~~قصده هو أنه لما كان الله الموجود الحق، فيلزم سلب الوجود الحق عن المخلوق، لا مطلق ~~الوجود، بل الوجود بالذات، ثم إن وحدة الوجود تتضمن التصورية، أي اعتبار الموجودات ~~صورا في الفكر، وكان أريجنا موضوعيا كسائر مفكري العصر الوسيط، هو لاهوتي يطلب ~~الله، ويرى الأشياء «تجليات» الله. ~~(د) الخلق أزلي «فإن ما رآه الله دائما صنعه دائما، وليس يمكن أن تسبق رؤيته ~~فعله، ولكنه يرى إذ يفعل، وإذ يفعل يرى»، ولم تكن إرادة الله الأولى أن يتنزل إلى ~~خلق المادة الفاسدة، بل أن يقتصر الخلق على الأرواح السماوية، والنفوس الإنسانية ~~حاصلة على أجسام روحانية، ولكن جاءت الخليقة المادية نتيجة للخطيئة الأصلية، وهذه ~~الخطيئة سبب الموت، ومصايب الحياة، وقصورنا عن معرفة الله إلا بالصور الحسية، خلق ~~الله الإنسان شبيها به، ركبه من نفس ناطقة وجسم لطيف غير مندثر، وهبه علما تاما ~~بذاته وبخالقه وبالملائكة وبالمحسوسات، ولكن الإنسان تحول عن الله بحريته وتوجه إلى ~~نفسه، فانهمك بكليته في الحيوانية، وتكثف جسمه، وطرد من الفردوس أي من طبيعته ~~الناطقة، دون أن يفقد مع ذلك شيئا من تمام ماهيته، وهو يستطيع أن يخلص، وذلك ~~بوساطة الكلمة، فإن الكلمة مخلص الإنسان، بل مخلص الكون أجمع: وتلك هي العودة إلى ~~الله غاية المخلوقات، فكما خرجت كثرة الأشياء من الوحدة الأصلية بالكلمة، كذلك ~~ستعود الكثرة بها إلى الوحدة، وتنتهي قسمة الطبيعة إلى اجتماع شملها. ~~(ه) ستتم هذه العودة في آخر ms060 الزمان بزوال الصور المحسوسة فتبدو كل خليقة - حسية ~~أو روحية - كأنها تحولت إلى الله، مع بقاء جوهرها، فلا يظهر إلا الله الموجود الحق، ~~وذلك هو «تأله» الموجودات، ويعود الإنسان إلى الله على ست مراحل بمعونة الله ~~وتأييده، المرحلة الأولى: هي الموت، إذ ينحل جسمنا الكثيف إلى العناصر الأربعة ~~المركب منها، والثانية: البعث، إذ يعطى كل منا جسمه باجتماع العناصر التي تؤلفه، ~~والبعث ثمرة الطبيعة والنعمة الإلهية مشتركتين: فإننا إذا أضفناه إلى النعمة ~~تجاهلنا ما فينا من ميل طبيعي للبقاء، وإذا أضفناه إلى الطبيعة تناسينا قول المسيح: ~~«أنا القيامة والحياة»، والمرحلة الثالثة: تحول الجسم إلى روح بصعوده إلى درجتي ~~الحياة والحس، والمرحلة الرابعة: عودة الطبيعة الإنسانية، وقد صارت روحية بأكملها ~~إلى المثل أو العلل الأولى القائمة أبدا في الله، وذلك بأن ترد ماهيات المحسوسات ~~إلى مثلها الإلهية بالاستدلال، والمرحلة الخامسة: اعتبار المثل صورا لله، وإدراك ~~العلم بالمخلوقات جميعا في الله، والصعود من هذا العلم أو «التعقل» إلى «الحكمة» ~~أي إلى تأمل الحقيقة في ذاتها بالقدر الذي يستطيعه المخلوق، فإن للإنسان بطبيعته ~~الذاتية ثلاث قوى مدركة: الحس، والاستدلال، والتعقل، تتدرج من الكثرة إلى الوحدة، ~~وهي صورة الثالوث فيه، وأخيرا، المرحلة السادسة: تتشبع فيها الطبيعة الإنسانية ~~بالله فتصير إلهية كما يصير الهواء ضوءا، أو المعدن المصهور نارا، دون أن يتلاشى ~~فيهما الجوهر. ~~(و) هل يخلص كل الناس؟ إن نظرية العودة النهائية إلى الله تتضمن الجواب بالإيجاب، ~~ويقول أريجنا: إنه ليس يدوم مع الله ما يعارض خيرية الله، ويذهب إلى أن الله إذ ~~يبعث الأشرار يبعث طبيعتهم، والطبيعة خيرة، أما شرهم فلما لم يكن شيئا لم يبق ~~هناك موضوع للعقاب، على أنه لا يستنتج من هذا أن الأشرار يخلصون، بل إن عقابهم روحي ~~بحت، هو عبارة عن عذاب الضمير والألم للبعد عن المسيح إلى الأبد، قال بذلك في كتاب ~~«الانتخاب الإلهي»، ولم يجرؤ على إنكار النار المحسوسة، ولكنه احتال لإبطال مفعولها ~~بقوله: إن العنصر الغالب في الأجسام المبعوثة سيكون النار، وإن نار الجحيم من ms061 ثمة ~~لا تختلف عن جسم الشرير، أما في «قسمة الطبيعة» فيصرح بأن الآلام المذكورة في الكتب ~~المقدسة، لا ينبغي أن تفهم بالمعنى الحرفي، وإنما هي صور ورموز، فبعد زوال العالم ~~المادي لن يبقى سوى موجودات روحية، فلا تتوهمن الجحيم مكانا في عالم محسوس يحشر ~~فيه الأشرار، ما هو إلا شقاء الضمير الذي «يأكل» كالدود، والحزن الذي «يحرق» ~~كالنار، فأريجنا متردد في مسألة الخلاص النهائي لتردده بين الأفلاطونية وبين ~~المسيحية. ~~(ز) والأفلاطونية الجديدة قوام مذهبه، فلا غرابة أن تكون الكنيسة نظرت إليه نظرة ~~ريبة وإنكار، وهو لا يحيد عن الأفلاطونية إلا في نقطتين، إحداهما: قوله بانتهاء ~~العالم، وهي ترى أن العالم أبدي، والأخرى: قوله بالخلاص بواسطة المسيح وهي تبنيه ~~على قانون ضروري يعيد الموجودات إلى مبدئها، ولكنها أفلاطونية تمثلها فكر مسيحي ~~متشبع بالكتب المقدسة وكتب الآباء، يحاول تفهم المسيحية أولا وآخرا، وكتابه «قسمة ~~الطبيعة» مليء بالمباحث الفلسفية وهو أكبر مصنف ظهر في عصره وفي القرنين التاليين، ~~اتخذه اللاهوتيون مثالا يحتذى في شرح العقائد، مع إنكارهم آراءه، فأخرجوا كتبا ~~منظمة على مثاله فاقت ما كان معروفا من هذا القبيل، فأريجنا - بترجماته ومؤلفاته - ~~يعتبر بحق مؤسس الفلسفة المدرسية. # الفصل الثاني # | جدليون ولاهوتيون # (1) القرن العاشر ~~(أ) لم تستقم الطريق أمام نهضة القرن التاسع، فقد جاء القرن العاشر عصر حروب ~~عنيفة أودت بكثير من النتائج المكتسبة، غزا النورمانديون فرنسا، وخربوا كثيرا من ~~الأديرة والمدارس، فتوقف النشاط العلمي، ورمى أقصى الجهد في الأديرة الباقية، إلى ~~صيانة تقاليد القرن السابق. ~~(ب) والرجل الوحيد البارز في ذلك العهد جربير دورباك، فرنسي أكمل ثقافته ~~اللاتينية باطلاعه على العلم العربي بإسبانيا حيث مكث ثلاث سنين، ثم علم بباريس، ~~وتقلد عدة مناصب كنسية، وأحرز بتدريسه شهرة أوروبية، حتى انتخب بابا سنة 999، وعمل ~~جهده على تشجيع العلم، ولكنه توفي سنة 1003. ~~(ج) سماه أحد معاصريه بالبابا الفيلسوف، لم يكن فيلسوفا كبيرا، وإنما كان ~~أديبا كبيرا يستشهد في تدريس الخطابة بقدماء الخطباء والكتاب، ويعتمد في تدريس ~~المنطق (أو الجدل كما كانوا يقولون) على ما ms062 كان معروفا لعهده من كتب بويس، وكانت ~~له مشاركة حسنة في علوم المجموعة الرباعية، واصطنع في الأخلاق بعض آراء رواقية، ~~وعرف تمييز أرسطو بين القوة والفعل، ولكنه لم يتوفر على مسائل ما بعد الطبيعة، ولا ~~على اللاهوت. ~~(2) القرن الحادي عشر ~~(أ) استمر الاضطراب إلى منتصف القرن الحادي عشر، وظل التعليم في مستوى متواضع، ثم ~~أخذ يسير سيرا حثيثا بتكاثر الرهبان والأديرة، وصار تدريس المجموعتين الثلاثية ~~والرباعية سنة متبعة، ومن ظواهر هذا التعليم، وخاصة بإيطاليا، إقبال المدنيين ~~عليه يعدون به أنفسهم لتولي المناصب العامة أو للاشتغال بالقانون، وكان بعضهم ~~يطوفون في البلاد يخطبون ويجادلون، فدعوا بالفلاسفة والجدليين والسوفسطائيين ~~والمشائين، بل وجد بين الأكليريكيين رجال اندفعوا مع استعدادهم للخطابة والجدل، ~~وشغفوا بهما حتى قدموها على اللاهوت، وغلا بعضهم في تطبيق الجدل على العقائد، ~~فأثاروا معارضة شديدة من جانب اللاهوتيين، يتهمون الجدل بأنه عند بعض أصحابه عبث ~~صبياني، وعند البعض الآخر زندقة. ~~(ب) في هذا الوسط نشأ النزاع حول مسألة الكليات، ليس فقط لأهميتها في مسألة ~~المعرفة، بل أيضا وبخاصة لأهميتها في العقائد - على ما سنرى بعد هنيهة - وهذا ما ~~لا يحسب المحدثون حسابه، وقد طالما تهكموا على المدرسيين لعنايتهم بتلك ~~المسألة. ~~(ج) وثمة ظاهرة أخرى جديرة بالتسجيل، هي عناية رهبان مونتي كاسينو «بإيطاليا» ~~بالترجمة من العربية، ترجموا بعض الكتب الطبية والفلكية، فكانوا قدوة لمترجمي ~~القرنين التاليين. ~~(3) بيرنجي دي تور (1000-1088) ~~(أ) فرنسي خريج مدرسة شارتر، أحد أولئك الذين عالجوا الدين بالجدل فضلوا، كان ~~يرى في المنطق خير أداة لاستكشاف الحق، ويقول: إنه عبارة عن العقل، وإن الإنسان ~~إنما صنعه الله على صورته بالعقل، فالعدول عن استخدام العقل عدول عن هذا الشرف ~~وانصراف عن التشبه بالله، فلما نظر في مسألة القربان الأقدس، ذهب إلى أنه لما ~~كانت الأعراض ملازمة للجوهر، وكانت أعراض الخبز تبقى بعد التكريس، كان جوهر الخبز ~~باقيا تنضاف إليه صورة جسد المسيح، وإنه يقال مثل ذلك في الخمر بالإضافة إلى دم ~~المسيح، فرد عليه اللاهوتيون بأن الأعراض قد تبقى متشخصة ms063 في الكمية، مفارقة للجوهر ~~بالقدرة الإلهية، وأنه «من حيث الظاهر والشكل خبز وخمر، ومن حيث الجوهر الذي استحال ~~إليه الخبز والخمر جسد المسيح ودمه»، فكأن بيرنجي اعتقد أن لتعاليم المنطق قيمة ~~مطلقة، وأن المعجزة مستحيلة لمناقضتها للنظام الطبيعي. ~~(ب) وقد أزعج فرنسا وإيطاليا وسائر بلدان أوروبا بهذه البدعة طول النصف الثاني من ~~القرن، وهي تستند عنده، علاوة على تلازم العرض والجوهر، على المذهب الحسي في ~~المعرفة، فإن المعرفة الإنسانية في رأيه مقصورة على التجربة، وإن الحواس تدرك العرض ~~والجوهر معا، غير منفصل الواحد عن الآخر، وغير متمايزين إلا في الذهن: ترى العين ~~اللون فتدرك الملون، وليس يوجد سوى ما يبصر ويلمس، ولا يلمس ولا يبصر سوى الجوهر ~~المتحد بالعرض، وقد أدانته السلطة الدينية طبعا في عدة مجامع، أولها وأهمها: مجمع ~~انعقد بروما، وانتهى هو قبيل وفاته بقليل بأن وقع على إقرار بالعقيدة السنية، وكانت ~~هذه المحنة فرصة لتعمق العقيدة وضبط عرضها. ~~(4) روسلان (1050-1120) ~~(أ) فرنسي، جدلي آخر كان أول قائل بمذهب الاسمية، في ذلك العصر: علم بعدة مدن ~~وخرج تلاميذ كثيرين، فلقب بمؤسس لوقيون جديد لهذا السبب، ولاعتناقه مذهب أرسطو ~~على ما كان معروفا حينذاك، لم يبق لنا منه سوى نصوص قليلة وردت في كتب معارضيه، ~~ويلوح أنه وصل إلى الاسمية من طريقين: أحدهما: قول بويس: إن المقولات منصبة على ~~الألفاظ، لا على الأشياء أنفسها، والآخر: نقد أرسطو للمثل الأفلاطونية، فنتج له أن ~~الجزئي هو الموجود، وأنه في وجوده غير متجزئ، فكل تحليل أو تمييز ملاشاة له بما هو ~~جزئي، فما تمييزنا الجنس والنوع والجوهر والعرض وما إلى ذلك، إلا تمييز لفظي يقتضيه ~~الكلام الإنساني، والكليات أصوات أو ألفاظ أو أسماء فحسب، بالكلام فقط نفصل الإنسان ~~عن سقراط، والبياض عن الجسم الأبيض، والحكمة عن النفس: ولكن الإنسان الذي نتحدث عنه ~~هو في الواقع سقراط، والبياض هو جسم أبيض، والحكمة نفس حكيمة، لا تتصور الحيوانية ~~دون تصور حيوان معين، ولا الإنسانية دون إنسان معين، والذي يقول: إنه يتصور الإنسان ~~على العموم، ms064 ليس لديه إلا إشارة أو اسم مجموعي، لا معنى كلي ذو وحدة حقة. ~~(ب) وأشهر تطبيقاته للاسمية في اللاهوت تأويله لعقيدة الثالوث الأقدس إذ يقول: ~~كما أن الأفراد هي الموجودة في الأنواع المخلوقة، فإن الأقانيم هي الموجودة في ~~الله، ففي الله من الجواهر بقدر ما فيه من الأقانيم، بحيث «قد يمكن القول بثلاثة ~~آلهة لو كان العرف يسمح بذلك»، ولكن «العرف» لم يكن يسمح، وكان روسلان يريد ~~الاستمساك بالإيمان «والدعاء إلى هذا الإله المثلث والواحد مهما يكن من تعقلنا ~~إياه»، فقال إن للأقانيم قدرة واحدة وإرادة واحدة تؤلفان بينها، فلم يفده ذلك شيئا ~~واتهم بالقول بثلاثة آلهة. ~~(ج) أو قد نقول: إنه اعتقد أن الاسمية تتفادى هذه النتيجة، فإننا إذا ميزنا بين ~~ماهية مجردة في الذهن، وموضوع حاصل عليها متشخص في الخارج، لزم أن كل ما تقال عليه ~~الماهية هو موضوع، وإذن يتعين القول بثلاثة آلهة، أما إذا طبقنا الاسمية ارتفعت هذه ~~النتيجة، فلم تنطبق الماهية الذهنية على الموضوع الخارجي انطباق صفة على موصوف، بل ~~كان الانطباق لفظيا. ~~(5) بطرس دمياني (1007-1072) ~~(أ) إيطالي، أحد كبار اللاهوتيين حينذاك، عين أسقفا فكردينالا، يتفق مع ~~الجدليين في قولهم: إن المنطق لا يتناول سوى الألفاظ، وينكر عليهم تطبيق المنطق على ~~اللاهوت بناء على هذا القول نفسه من جهة، وعلى علو الله فوق العقل من جهة أخرى، ~~يقول: إن القواعد المنطقية تبين النظام الواجب رعايته في المناقشة ولا تنصب على ~~ماهيات الأشياء، فلا قيمة لها إلا في الاستدلال، وليس يتناول الاستدلال العقائد ~~الدينية، فإن قدرة الله غير متناهية، غير مدركة حتى لتستطيع أن تجعل أن ما حدث لم ~~يحدث، دون أن ندعي الاحتجاج بمبدأ عدم التناقض للحد من القدرة الإلهية، أو لإنكار ~~الحرية في الإنسان وفي الله بدعوى أن القضيتين المتناقضتين لا تصدقان معا، ولكن ~~إحداهما صادقة، والأخرى كاذبة بالضرورة، «يجب على العلوم الإنسانية أن تقف من الكتب ~~المقدسة موقف الخدمة من السيدة، إن الفلسفة حين تستخرج نتائج الألفاظ الخارجية تغفل ~~عن ضوء الحقيقة الداخلية، ms065 وتخطئ السبيل القويم إلى الحق.» ~~(ب) وقد كان لعبارته «أن الفلسفة خادمة اللاهوت» حظ كبير فيما بعد: تداولتها ~~الأقلام والألسنة بين مؤيد ومعارض، وجرت في العصر الحديث مجرى المثل للدلالة على ~~مبلغ امتهان المدرسيين للعقل، والواقع أن مرماها عنده وعند معاصريه محدود، فقد كانت ~~الفلسفة عبارة عن الجدل، وكان الجدل مجرد آلة فكرية لا علما بمعنى الكلمة يقوم في ~~وجه الدين، فكان المقصود تعيين منهج اللاهوت لا تعيين العلاقة بين العقل والإيمان، ~~ولم يصر للعقل أو الفلسفة مضمون محدد إلا حين اتسعت المعلومات الفلسفية وعرفت كتب ~~أرسطو، وهذا ما ينبغي الانتباه إليه في تاريخ العلاقة بين العقل والدين عند ~~المدرسيين. ~~(6) القديس أنسلم (1033-1109) ~~(أ) إيطالي، هو أكبر اسم في القرن الحادي عشر، وهو مشهور بدليل على وجود الله ما ~~زال يفتن الكثيرين من الفلاسفة إلى أيامنا، تعلم وعلم بفرنسا، فطار صيته وجذب إليه ~~الشبان من أنحاء فرنسا وإنجلترا، وصار الدير بفضله معهدا ممتازا، وفي سنة 1093 ~~عين رئيسا لأساقفة كنتربري، فشغل هذا المنصب حتى وفاته، وقد شغله إيطالي آخر من ~~قبله، إذ كانت المسيحية الغربية حينذاك أمة واحدة. ~~(ب) كتبه قليلة العدد، رصينة الأسلوب، تدور كلها على وجود الله وصفاته، وتنصح ~~كلها بالأوغسطينية، ومنهجه «تعقل الإيمان» كما قال أوغسطين: الإيمان يولد في النفس ~~المحبة، والمحبة تدفع بالنفس إلى استعجال الرؤية الآجلة بالاستدلال، فالإيمان شرط ~~التعقل، وقد قال النبي إشعيا: «إن لم تؤمنوا فلن تفهموا»، فإن الذي لا يؤمن لا يشعر ~~بموضوع الإيمان، والذي لا يشعر لا يفهم، إن الشعور بالشيء يفوق مجرد سماع الحديث ~~عنه، والتعقل وسط بين الإيمان في الحياة الدنيا، ومعاينة الله في الآخرة، هو اقتراب ~~من علم الله، وبناء على ذلك ينكر أنسلم على الجدليين محاولتهم إخضاع الإيمان ~~للمنطق، أي مناقشة موضوعه كما لو كان من الممكن ألا يكون صادقا، ويخالف معارضي ~~المنطق في اقتصارهم على السنة فيقول: إن الرسل والآباء لم يقولوا كل شيء، وإن ~~الحقيقة لأوسع وأعمق من أن يأتي البشر على آخرها، أجل إن ms066 العقل في فحصه عن معاني ~~العقائد لن يبلغ أبدا إلى تمام إدراكها، ولكن له أن يذهب في الفحص إلى أبعد حد ~~مستطاع فحيث يتعذر عليه الوصول إلى برهان ضروري، قد يهتدي إلى تشابيه تقرب للفهم ~~معنى الثالوث الأقدس مثلا، وإلى أسباب أو دواع تفسر ملاءمة التجسد، وهكذا. ~~(ج) كتابه: «مونولوجيوم» - أي مناجاة النفس - يذكر بكتاب «الاعترافات»، وهو يعلن ~~في مقدمته أنه تلميذ أوغسطين، أو أنه لم يقل شيئا إلا وقد أخذه عنه، والرهبان ~~الذين طلبوا إليه تدوينه كانوا يرغبون في الاطلاع على نموذج تأمل في وجود الله ~~وماهيته تكون كل قضاياه مبرهنة بالعقل، ففي هذا الكتاب يورد ثلاثة أدلة على وجود ~~الله مأخوذة من الجهات التي تتشابه فيها الأشياء، ويتفاوت اشتراكها فيها، فتؤدي بنا ~~كل منها إلى علة أولى من جنسها، هذه الجهات ثلاث، إحداها: الصفات، مثل الخير ~~والجمال والعلم والحق وما إليها، وتفاوتها في الموجودات ظاهر، وجهة ثانية هي ~~الماهية، وبين الماهيات تفاوت أيضا، فكلنا يرى أن الفرس أرقى من الشجرة، وأن ~~الإنسان أرقى من الفرس، وأخيرا الوجود، والتفاوت فيه تابع للتفاوت في الماهية، ~~فليس وجود الإنسان كوجود الفرس، ويمتنع التسلسل إلى غير نهاية لامتناع وجود عدد لا ~~متناه، إذن فكل ما كان حاصلا على شيء قل أو كثر من كمال ما، فهو مستمده بمشاركته ~~في مطلق ذلك الكمال. ~~(د) ويمتنع القول بعلل أولى عدة، وكل دليل يبين ذلك بأسلوب خاص، فمن جهة الوجود، ~~إما أن تكون العلل المفروضة موجودة كلها بذاتها، فتشترك في الوجود بالذات، وتعتبر ~~بهذه الصفة المشتركة راجعة إلى علة واحدة بناء على ما تقدم، وحينئذ لا يصح القول ~~إنها موجودة بذاتها، وتكون الصفة المشتركة هي الوجود المطلق، وإما أن تحدث بعضها عن ~~بعض، فيكون معنى ذلك أن شيئا يوجد بفعل شيء هو موجود به، وهذا دور، فيبقى أن كل ما ~~هو موجود فهو موجود بفعل علة واحدة موجودة بذاتها، ومن جهة الماهية، إن كانت العلل ~~المفروضة متساوية فهي متساوية بما تشترك فيه، وإذا كان ما ms067 تشترك فيه هو ماهيتها، ~~عادت كلها إلى ماهية واحدة، وإذا كان ما تشترك فيه شيئا غير ماهيتها، كان هذا ~~الشيء ماهية أخرى أسمى منها، وكان من ثمة أسمى الموجودات، ففي كلتا الحالتين ننتهي ~~إلى موجود هو الموجود الأكمل، ومن جهة الصفات، نحن نصل إلى كمالات عظمى، ولكنها في ~~الحقيقة ماهية واحدة، فإن الخير جميل من غير شك كما أن الجمال خير، والخير جميل ~~بالجمال، والجمال خير بالخير، فلو لم يكن الجمال والخير ماهية واحدة، لكان كلاهما ~~أعلى وأدنى من الآخر في نفس الوقت، وكان كلاهما مشاركا ومشاركا فيه، معلولا ~~وعلة، وهذا خلف، فالكمالات كلها ماهية واحدة بسيطة كل البساطة من حيث إن البساطة ~~نفسها كمال. ~~(ه) ولكن ألا يمكن استكشاف دليل أبسط كاف بنفسه دون استناد إلى شيء، على مثال ~~الله الموجود بذاته غير المفتقر لشيء؟ بلى، وهذا هو الدليل الذي يعرضه كتاب ~~«بروسلوجيوم» (أي مقال أو عظة)، لا يستمده أنسلم من النظر في الوجود، بل من مجرد ~~فكرة الله، ولم يأخذه من غيره، ولكنه ابتكره من عند نفسه، فعرف باسمه، يقول: نحن ~~نؤمن بوجود الله، ولكن «قال الأحمق في قلبه: ليس يوجد إله» كما جاء في المزامير، ~~فنحن نبين له أنه يناقض نفسه في قوله هذا، فإن الله هو الموجود الذي لا يتصور أعظم ~~منه، والأحمق يعرف ذلك، وإذن ففي عقله على الأقل موجود هو بحيث لا يتصور أعظم منه، ~~ولكن ما لا يتصور أعظم منه لا يمكن أن يوجد في العقل فقط؛ لأن باستطاعتنا أن نتصور ~~موجودا مثله متحققا في الواقع أيضا، ومن ثمة أعظم منه، وتكون النتيجة أن ما لا ~~يتصور أعظم منه يمكن تصور أعظم منه، وهذا خلف، وإذن يوجد من غير شك، في العقل وفي ~~الواقع، موجود هو بحيث لا يتصور أعظم منه، وإنما ينكر الأحمق وجود الله ويقع في ~~الخلف؛ لأنه يلفظ في قلبه اسم الله دون تعقل معنى ما أو مع تعقل معنى آخر. ~~(و) فنشر الراهب جونيلون رسالة أسماها «الدفاع عن الأحمق» ms068 اعترض فيها على أنسلم ~~من وجهين، الوجه الأول: أننا حين نتحدث عن الموجودات نقصد أشياء معنية رأيناها أو ~~أشياء أخرى نتصورها على مثالها، أما الله فليس موضوع إدراك مباشر، وليس مندرجا في ~~أنواعنا وأجناسنا حتى نكون عنه فكرة بالمشابهة، فكيف نتخذ تعريف اسم الله مقدمة ~~للتدليل على وجود الله؟ والوجه الثاني: أنه لا يصح الاستناد إلى الوجود في العقل ~~لاستنتاج الوجود خارج العقل، فقد نتصور وجود أشياء كثيرة ثم لا توجد خارج التصور، ~~مثل أن نتصور جزرا سعيدة حافلة بما لا يحصى من النفائس في موقع من المحيط عزيز ~~المنال، فلا يستتبع ذلك التصور أن تلك الأرض التي هي أكمل الأراضي موجودة بالفعل، ~~فلم تختلف الحال بصدد فكرة الله؟! ~~(ز) فحرر أنسلم «ردا على جونيلون» نتبين منه مصدر دليله ومرماه، قال لمعارضه: ~~ما عليك إلا أن ترجع إلى ضميرك وإيمانك، فتلاحظ في نفسك أنك تعقل الله على أنه ~~الموجود الذي لا يتصور أعظم منه، ثم إن معرفة الله بالتشبيه والتمثيل ممكنة، وقد ~~قال القديس بولس: «إن كمالات الله غير المنظورة تتراءى للعقل في المنظورات»، وهناك ~~فارق بين «أعظم الأشياء الموجودة» وبين «الموجود الذي لا يتصور أعظم منه»: ذلك ~~الفارق هو أن «أعظم الأشياء الموجودة» موجود نسبي ومن ثمة مفتقر لشيء آخر كي يوجد، ~~في حين أن «الموجود الذي لا يتصور أعظم منه» مطلق، ولذا كان موضوع الدليل وواسطته ~~في آن واحد، فالجزر السعيدة لا تتضمن ضرورة ذاتية للوجود، ولكن الانتقال من الوجود ~~في الفكر إلى الوجود في الواقع ممكن بل ضروري في حالة واحدة، هي حالة الموجود الذي ~~لا يتصور أعظم منه، فكل شيء يمكن تصوره غير موجود في الواقع ما خلا الله. ~~(ح) ففكرة الله القائم على الدليل مستفادة من الإيمان، وأنسلم في الفصل الأول من ~~«بروسلوجيوم» يدعو الله أن يوفقه إلى شيء مما كان لآدم من معرفة بالله قبل الخطيئة، ~~ويريد أن يتبين صورة الله التي كانت مطبوعة في الإنسان ثم محتها الخطيئة، وهذا ما ~~ينبغي أن نذكره ms069 إذا أردنا أن نفهم الدليل كما فهمه صاحبه، أما الاعتراض بأن الله ~~ليس موضوع إدراك مباشر، كما فعل جونيلون، أو أنه ليس بصحيح أن الناس كلهم يعقلون ~~الله على أنه الموجود الذي لا يتصور أعظم منه، كما سيفعل القديس توما الأكويني، ~~فناشئ من ترك موقف أوغسطين وأنسلم، والتمييز بين المعرفة الطبيعية والمعرفة ~~الإيمانية، في حين أن الرأي الحق عند أنسلم هو أن فكرة الله مشتركة بين المؤمن وغير ~~المؤمن ؛ لأنها «مطبوعة في الإنسان» بالوحي الأول، وفي هذه الحالة لا يكون الدليل ~~دليلا بمعنى الكلمة، بل مجرد تفسير اسم الله، وفي الحالة الأخرى يكون غلطا؛ لأن ~~الانتقال من العقل إلى الواقع في معرض التدليل على الوجود، غير جائز بحال، كما قال ~~جونيلون، وكما سيقول القديس توما الأكويني وكنط، وقد أخطأ في ذلك ديكارت وسبينوزا ~~وليبنتز وجميع الذين اصطنعوا هذا الدليل ونقلوا مقدمته من ميدان الإيمان إلى ميدان ~~العقل الطبيعي. ~~(ط) وللقديس أنسلم فصول شائقة في الصفات الإلهية، وقد عارض اسمية روسلان معارضة ~~شديدة، غير أنه لم يبين نوع العلاقة بين الحس والعقل، وقال بالإشراق في المعرفة ~~العقلية كما قال أوغسطين، وقد كان له مقام كبير في نفوس معاصريه، ثم أهمل زمنا ~~طويلا امتد إلى القرن السابع عشر، فعاد كثيرون إلى قراءته وقراءة أوغسطين ~~يستبدلونهما بالمدرسية الأرسطوطالية، وأحسن طبعات كتبه هي الأربع التي صدرت بين ~~سنتي 1573 و1675. # الفصل الثالث # | مترجمون # (1) القرن الثاني عشر # النصف الثاني من القرن الحادي عشر، والقرن الثاني عشر بأكمله، عصر تقدم اجتماعي ~~وسياسي، وازدهار أدبي وعلمي، نمت المدن ونشطت التجارة وأثرت طائفة من الشعب ألفت ~~طبقة جديدة إلى جانب طبقات: الأشراف والأكليروس والفلاحين، هي طبقة «البورجوازي» ~~حصلت لنفسها على امتيازات من الملك، وبعثت في الشعب نزوعا إلى الحرية الشخصية، ~~وأذاعت الترف، وتنافس أفرادها في تنشيط الفنون، مضت فرنسا في تدعيم كيانها وبناء ~~حضارتها بخطوات واسعة، وكانت إيطاليا الجنوبية ملحقة ببيزنطة إلى القرن الحادي عشر، ~~فاحتفظت بالثقافة اليونانية، وخضعت بصقلية للسيادة العربية من سنة 902 إلى سنة ~~1091، فكانت ms070 مركزا للثقافتين اليونانية والعربية، وبقيت كذلك في القرن التالي حين ~~انتقلت إلى سلطان الملوك النورمانديين، وكانت إسبانيا قد شرعت تستخلص استقلالها من ~~أيدي العرب وتوثق صلاتها بفرنسا فتجمع بين الثقافتين الغربية والعربية، وكان طلاب ~~العلم يتنقلون بين المدارس، ويلحقون بمشاهير الأساتذة من بلد إلى بلد، هذا إلى ~~النظم باللغات الحية، مع عود إلى الأساليب اللاتينية العالية. ~~(2) أديلارد أوف بث ~~(أ) إنجليزي تثقف في فرنسا، وعلم بها وأراد أن يستكمل ثقافته فقصد، في أوائل ~~القرن إلى إيطاليا وصقلية فاليونان فآسيا الصغرى، وذهب إلى إسبانيا، ويقال إنه جاء ~~مصر وقام برحلة إلى بلاد العرب. ~~(ب) نقل من العربية «مبادئ أقليدس» حوالي سنة 1116، وزيجات الخوارزمي، ورسائل ~~فلكية، فكان لتلك الكتب أثرها في تدريس المجموعة الرباعية، ووضع من عند نفسه كتبا ~~رياضية، ورسالة في الأسطرلاب، وكتابا في «المسائل الطبيعية» تبدو فيه عنايته ~~بالعلم التجريبي. ~~(ج) وضرب بسهم في الفلسفة بكتاب أسماه «في الهوهو والمباين»، والكتاب حوار ~~بين الهوهو أي الفلسفة وهي ثابتة باقية هي هي، ومعها الفنون الحرة السبعة، وبين ~~المباين أي العلم الطبيعي وهو علم الموجود المتغير المباين لذاته باسمرار، والكتاب ~~مشبع بالأفلاطونية، وقد أخذها أديلارد من كتب أوغسطين وبويس وعن «تيماوس» رأسا، ~~وعن خلقيديوس وماكروبيوس، وعنوانه مقتبس من كلام أفلاطون في «تيماوس» عن تركيب ~~النفس العالمية، وفيه نزوع إلى التوفيق بين أفلاطون وأرسطو، وكلام عن الجدل يدل على ~~أن المؤلف كان واقفا على مجموع الأروغانون، وأديلارد على العموم مقتبس متخير، لا ~~يقتصر اقتباسه على ناحية معينة، وهو معتد بالعقل يقول: «إن المعول على السلطة يشبه ~~حيوانا لا يدرى إلى أين ولم يساق.» ~~(د) ومن أمثلة توفيقه بين أفلاطون وأرسطو قوله: إن الله يخلق النفس حاصلة على ~~الصور المعقولة، ولكن هبوطها إلى «سجن الجسم» يفقدها بعض علمها، فتبحث عما فقدته، ~~فتخونها الذاكرة، فتلجأ إلى الظن، فأرسطو على حق في قوله: إننا في حياتنا الراهنة ~~لا نعلم بغير الاستعانة بالمخيلة، ولكن أفلاطون على حق أيضا في توكيده أن العلم ~~الكامل هو العلم بالمثل كما ms071 هي حاصلة في العقل الإلهي، ولا فرق بينهما سوى أن ~~أفلاطون يريد أن يعرف الأشياء بمبادئها أو مثلها، بينما أرسطو يبدأ من المحسوسات ~~المركبات، كذلك كلاهما على حق من وجهته الخاصة في مسألة الكليات، فالجزئي جنس ونوع ~~وفرد معا، ولكن الجنس والنوع نحوان من أنحاء النظر إلى الفرد مكتسبان بحدس أعمق من ~~الإدراك الحسي، ونحن حين نتأملهما لا نلغي الصور الفردية بل نغفلها، لذا وضع أرسطو ~~الأجناس والأنواع في المحسوسات، وقال: إن وحدة الجنس والنوع هي من فعل العقل، وليست ~~وحدة وجودية مفارقة كما ذهب إليه أفلاطون، وإنما ذهب أفلاطون إلى هذا؛ لأنه نظر ~~إليها خارج المحسوسات، في العقل الإلهي. ~~(3) قسطنطين الإفريقي # قرطاجني المولد، طوف في البلاد الشرقية أواخر القرن الحادي عشر، ترجم كتبا طبية ~~عن العرب واليهود واليونان، منها كتاب الفصول لبقراط مع شرح جالينوس، وكتابان ~~لجالينوس نفسه، في هذه الترجمات ذكر لنظرية ديموقريطس في الجوهر الفرد، وبيان ~~للوجهة الفسيولوجية في الإدراك الحسي، ولم يكن الغربيون ألفوا بحث الإحساس من هذه ~~الوجهة. ~~(4) جند يسالفي ~~(أ) على أن أهم مركز للترجمة في القرن الثاني عشر مدينة طليطلة، وكان الإسبان ~~استردوها من العرب 1085، فقد أسس كبير أساقفتها ريمون، ديوانا للترجمة أدى ~~للغربيين خدمات لا تقدر، في مقدمتها تعريفهم بكتب أرسطو، من بين رجال هذا الديوان ~~دومنيك جونزاليز، المدعو جند يسالفي وجند يسالينوس، عمل بمعاونة بعض اليهود، وخاصة ~~ابن داود الذي تنصر فسمي يوحنا وعرف بيوحنا ابن داود، ويوحنا الإسباني، ويوحنا ~~الإشبيلي، كان يوحنا ينقل من العربية إلى الإسبانية، فينقل جند يسالفي منها إلى ~~اللاتينية، فترجما هكذا، فيما بين سنتي 1130 و1150، أجزاء من كتاب الشفاء لابن ~~سينا، هي: المنطق، وما بعد الطبيعة، ومقتبسات من الطبيعيات، وكتاب إحصاء العلوم ~~للفارابي، وينبوع الحياة لابن جبرول، وهو فيلسوف يهودي (1020-؟) كان بعض المدرسيين ~~يظنونه مسلما وبعض آخر يحسبونه مسيحيا، وترجمنا أيضا رسالة العقل والمعقول ~~للكندي، ورسالة قسطا بن لوقا في الفرق بين النفس والروح، ومقاصد الفلاسفة للغزالي، ~~وكتبا فلكية لمحمد بن جابر الحراني المعروف بالبتاني، ms072 وأحمد بن كثير الفرغاني، ~~وأبي معشر، وغيرهم. ~~(ب) وتذكر له خمسة كتب: في تقسيم الفلسفة، في خلود النفس، في صدور العالم، في ~~الوحدة، في النفس، وهو يبدو فيها متخيرا عن المصادر المذكورة وعن أوغسطين وبويس، ~~أهم آرائه الفلسفية تتصل بترتيب العلوم، وما بعد الطبيعة، والنفس. ~~(ج) فكتابه في تقسيم الفلسفة مأخوذ بتصرف عن كتاب الفارابي في إحصاء العلوم وعن ~~إسحق الإسرائيلي وابن سينا وبويس وإيزيدور الإشبيلي وغيرهم، وهو يميز فيه تمييزا ~~صريحا بين اللاهوت أو العلم الإلهي الصادر عن الوحي، وبين الفلسفة أو العلم ~~الإنساني المكتسب بالعقل، ويعلن أن ليس هناك علم إلا وهو جزء من الفلسفة، أي إن ~~الفلسفة هي العلم الشامل، وسيتابعه في ذلك جميع المدرسيين، ثم يذكر التقسيمات ~~العامة، وهي أولا: علوم الحكمة أو العلوم الفلسفية بمعنى الكلمة نظرية وعملية كما ~~رتبها أرسطو، ثانيا: المنطق، وهو آلة الفلسفة ومقدم على كل تحصيل، ولو أنه من وجهة ~~أخرى جزء من الفلسفة، ويجب أن يمهد له بالأجرومية من جهة، والشعر والبلاغة من جهة ~~أخرى، ثم يفصل القول في كل علم، وكتابه هذا مرحلة حاسمة في تاريخ التصنيفات العلمية ~~في العصر الوسيط: به ينتهي ما كان قبله من تردد، وبه تسترشد كل محاولة ~~جديدة. ~~(د) آراؤه فيما بعد الطبيعة مزيج من الأرسطوطالية والأفلاطونية الجديدة العربية، ~~موضوع الفلسفة الأولى الوجود ولواحقه (أي الجوهر والعرض، الكلي والجزئي، العلة ~~والمعلول، القوة والفعل) الله الوحدة العليا أو الوحدة الخالقة، منذ «تنزل» الوحدات ~~المخلوقة، لا بالصدور كما يذهب إليه ابن سينا بل «بمشاركة فعلية» لا يحددها المؤلف ~~ولكنه يرمي بها إلى صيانة التمايز بين اللامتناهي والمتناهي، وكل موجود، ما خلا ~~الواحد، مركب من هيولى وصورة على ما قال ابن جبرول، الهيولى أصل الكثرة، والصورة ~~أصل الكمال، الخليقة على ثلاث مراتب: العقل الكلي، والنفس الكلية، والعالم. وتضعف ~~وحدة الموجود ويزداد تركيبه بقدر ابتعاده من موجده، وتفسر كمالاته المتعددة بصور ~~عدة تقابلها، وهذا يخالف الأرسطوطالية ويتفق مع الأفلاطونية الجديدة، وقد قال به ~~ابن جبرول، وكل مخلوق فله ms073 بدء، على ما بين أوغسطين، فرأي أرسطو وابن سينا في قدم ~~العالم غير مقبول. ~~(ه) كتابه في خلود النفس رسالة وجيزة اقتبس مسائلها وأفكارها من مصادره المختلفة، ~~ثلثها من أقوال ابن سينا في طبيعيات الشفاء، جمع فيها الأدلة على الخلود فأضحت ~~مرجعا لمن جاء بعده، ميز بين الإدراك الحسي والإدراك العقلي، ورد إدراك المعقولات ~~إلى انفعال النفس بها عن عقل فعال مفارق كما يقول ابن سينا، غير أنه لم يتابع ابن ~~سينا في قوله : إن العقل الفعال هو عقل فلك القمر، بل قال: إنه الله، وفي مسألة ~~الخلود يرى تطبيق قواعد البرهان كما حددها أرسطو، والبرهان يجب أن يؤخذ من ماهية ~~الموضوع أو من خصائصه، والموضوع هنا النفس، وتبعا لذلك لا يعول على الدليل ~~المبني على العدالة الإلهية التي تأبى إلا أن تبقى النفس للثواب أو للعقاب؛ لأنه لا ~~يراه برهانيا بالمعنى المتقدم، كذلك لا يعول على تدليل أفلاطون، فيقول: إن هذا ~~التدليل قائم على فكرة عن النفس مشتركة بين أنواع النفوس من نباتية وحيوانية ~~وإنسانية، وإن من الواضح أن بقاء نفس النبات والحيوان بعد فساد الجسم لا فائدة منه ~~أصلا، والحقيقة أن أفلاطون بنى دليل الخلود على روحانية النفس الإنسانية، وبنى ~~دليل الروحانية على تعقل المثل، وأخيرا يستمد جند يسالفي من أرسطو تعريف النفس ~~الناطقة الذي يجب أن يقوم عليه البرهان، فيبين خلود النفس باستقلال فعل العقل عن ~~الجسم لتجرد موضوعه، وهو يصطنع نظرية الأفلاطونية الجديدة في الجذب، فيقول: إن ~~النفس - حين يعيا الجسم بالتعب وتضعف مقاومته لها - تتحرر منه بالكلية وتتوجه نحو ~~العالم المعقول ونحو الله بالذات، لا نحو عقل فلك القمر كما يقول ابن سينا، والنفس ~~عنده تارة مبدأ حياة الجسم كما هي عند أرسطو، وطورا شريكة الجسم كما يتصورها ~~أفلاطون، خلقها الملائكة من مادة روحية بأمر الله، على نحو ما جاء في ~~«تيماوس». ~~(5) جيراردو دي كريمونا (؟-1187) # إيطالي، زميل جند يسالفي بديوان طليطلة، كان كثير الإنتاج: ترجم من العربية بعض ~~كتب أرسطو: التحليلات الثانية وشرح ثامسطيوس عليها، ms074 والسماع الطبيعي، والسماء ~~والعالم، والكون والفساد، والمقالات الثلاث الأولى من الآثار العلوية، وكانت أجزاء ~~الشفاء التي نقلها جند يسالفي ويوحنا ابن داود حاوية الشيء الكثير مما في هذه ~~الكتب، وترجم رسائل الكندي، منها رسالة العقل والمعقول، ورسالة النوم والرؤيا، ~~ورسالة الماهيات الخمس، وقانون ابن سينا، وهو أكبر كتاب في الطب عرفه العصر الوسيط، ~~والمجسطي لبطليموس، وهو من أمهات الكتب الفلكية، وكتاب الإيضاح في الخير المحض، وهو ~~يدور على مبحث العلل، فعرف بكتاب العلل، وكان يعزى إلى أرسطو، وهو مجموعة نصوص ~~مختارة من كتاب مبادئ الإلهيات لأبروقلوس، نقلت إلى السريانية ثم إلى العربية، وقد ~~شرحه غير واحد من المدرسيين، وكتاب المناظر للحسن بن الهيثم، وقد كان له أثر كبير ~~جدا كما سنذكر في غير ما موضع، وشرح الفارابي على السماع الطبيعي، وكتبا لإسكندر ~~الأفروديسي. ~~(6) هنري أرستيب ~~(أ) هو من علماء صقلية الذين كانوا يترجمون من اليونانية، ترجم المقالة الرابعة ~~من الآثار العلوية، وكتاب المناظر لبطليموس، وكتاب المناظر لإقليدس، ومحاورتي فيدون ~~ومينون لأفلاطون، ولم يكن الغربيون يعرفونهما، وفي ذلك الوقت ترجمت المبادئ ~~الطبيعية لأبروقلوس، وليس من المستطاع إحصاء جميع الترجمات، فإن عددا هائلا من ~~المخطوطات لا يزال مدفونا في المكتبات. # الفصل الرابع # | فلاسفة # (1) برنار وتييري دي شارتر ~~(أ) هما أخوان نبغا بمدرسة شارتر (بفرنسا) التي كان أسسها فولبير تلميذ جربير سنة ~~990، وازدهرت في النصف الأول من القرن الثاني عشر، وظلت طوال القرن من أكثر المعاهد ~~نشاطا، كانت تعتمد في تعليم الخطابة على كبار الكتاب اللاتين، تستمد منهم الشواهد، ~~فتربي الذوق والأسلوب، وكانت أول معهد درس منطق أرسطو كلاما، فإن كتب التحليلات ~~الثانية والجدل والأغاليط كانت قد عرفت أثناء النصف الأول من القرن وسميت بالمنطق ~~الجديد، وأطلق على كتب المقولات والعبارة والتحليلات الأولى اسم المنطق القديم، ~~يضاف إلى ذلك كتب بويس المنطقية وترجمته لإيساغوجي، وكتاب الجدل لشيشرون، وفي ~~المجموعة الرباعية كانت تعلم كتب بويس في الحساب والموسيقا، وهي مليئة بنظريات ~~فيثاغورية في الوحدة والعدد، وكتبا منقولة عن العربية في الرياضيات والفلك، وكتب ~~بقراط ms075 وجالينوس في الطب، أما في الفلسفة فكان أساتذتها أفلاطونيين خلصاء يعتبرون ~~«تيماوس» كتابهم الأكبر، ويتبعونه دون محاولة الملاءمة بينه وبين العقيدة. ~~(ب) علم برنار بالمدرسة وترأسها وهو يفسر الموجودات بأصول ثلاثة: الله، والمادة ~~خلقها الله من العدم، والمثل الأزلية دون أن تكون مساوية لله، على ما بينه جون سكوت ~~أريجنا، على مثالها خلق الله صورا اتحدت بالمادة الأولى التي كانت كتلة مضطربة كما ~~صورها «تيماوس»، فبرنار يوفق بين أفلاطون وأرسطو بوضعه الصور في الجزئيات ، غير أنه ~~يجعل للصور وحدة وثباتا ووجودا كليا، بحيث يبدو من القائلين بالوجودية المسرفة، ~~وهو يتابع أفلاطون في القول بالنفس الكلية وبأن فعل هذه النفس في الطبيعة، وفعل ~~الصور في الجزئيات، يجريان بحسب نسب عددية. ~~(ج) وعلم تييري بالمدرسة، وترأسها وهو يشرح سفر التكوين بالمعاني الأفلاطونية ~~الأربعة: الصانع والمثل والنفس الكلية والعناصر، ويرد كلا من هذه المعاني إلى علة ~~من العلل الأربع عند أرسطو، ويوجد مثل هذا التأويل عند سنيكا في رسالته الخامسة ~~والستين، ويوجد في مقدمة كتاب الربوبية أو أثولوجيا أرسطوطاليس العربية، ويرد كلا ~~من المعاني الثلاثة الأولى إلى أقنوم من أقانيم الثالوث الأقدس، فيقول: الله الآب ~~العلة الفاعلية، والله الابن العلة الصورية، والروح القدس العلة الغائية، والعناصر ~~الأربعة العلة المادية، ولكنه يجعل من الروح القدس النفس الكلية، أو قوة الصانع ~~التي بها تصور المادة، ويقول: إن الألوهية «الصورة الجوهرية» للأشياء، فكأنه يقول ~~بوحدة الوجود، وهو يطبق الاعتبارات الرياضية في الفلسفة كالفيثاغوريين، فيسمي الله ~~الوحدة العظمى، ويدعي إثبات وجود الله بأدلة رياضية، ويتصور الخلق يحدث عن الله ~~كحدوث العدد عن الواحد، وتوجد عنده الآثار الأولى لآراء أرسطوطالية في المكان وحركة ~~السماء الدائرية وثبات الأرض في مركز العالم. ~~(2) جيوم دي كونش (؟-1145) ~~(أ) فرنسي، تتلمذ لبرنار، وعلم بباريس، يذهب هو أيضا إلى رأي في الثالوث الأقدس ~~أقرب إلى «تيماوس» منه إلى المسيحية، فيقول: إن الابن أو الحكمة يولد «حين يرى الله ~~على أي نحو سيخلق الأشياء وينظمها» وإن الروح القدس ينبثق «حين تمتد الإرادة ~~الإلهية من القدرة ms076 والحكمة إلى خلق العالم وتدبيره» وإن الروح القدس نفس العالم ~~«تجعل بعض الموجودات يحيا، وبعضها يحيا ويحس، وبعضا آخر يحيا ويحس ويفكر»، فهو إذن ~~يعتبر الثالوث الأقدس لا بالإضافة إلى ذات الله، بل بالإضافة إلى العالم، ويقول ~~بوحدة الطبيعة، وقد أثار احتجاجا، فلما أراد أن ينكر أقواله كررها، كأنه لم يكن ~~يرى الفرق بينها وبين العقيدة المسيحية. ~~(ب) وفي تفسير الطبيعة يعول على المذهب الآلي أي على نظرية الجوهر الفرد دون ~~نظرية الهيولى والصورة ، ويرى أن تضاف لجسم الإنسان جميع الوظائف النامية والحاسة ~~المشتركة بينه وبين الحيوان، وألا تضاف للنفس سوى الأفعال الخاصة بالإنسان كالتعقل ~~والاستدلال والتذكر، فقد كان قرأ ترجمة قسطنطين الأفريقي لكتب بقراط وجالينوس، ~~وتأثر بما وجد فيها من وصف للوجهة الفسيولوجية في الإدراك الحسي، فهو إذن قد عمل ~~على وضع علم طبيعي مستقل لا يستخدم سوى الجوهر الفرد والحركة، كما عرف عند ~~ديموقريطس، فلقي معارضة شديدة، وخاصة في مدرسة شارتر نفسها، ولكنه كان يرى أن مثل ~~هذا العلم هو الذي يظهرنا على العلل ويفسر الأشياء تفسيرا معقولا، فإنه يقول: إن ~~تفسير «النحو الذي يحدث عليه الشيء» وهو التفسير الآلي ليس مخالفا للكتاب المقدس، ~~وإن المعارضة آتية من أناس «يجهلون قوى الطبيعة» وأنه «يجب البحث عن العلة في كل ~~شيء، فإذا خفيت علينا لجأنا إلى الإيمان»، ويحدد موقف خصومه وموقفه في العبارة ~~الآتية: «سيقولون: إننا لا نعلم كيف يحدث الشيء، وإننا نعلم أن الله يستطيع أن ~~يحدثه، ولكن هل يحدث الله شيئا دون أن يراه كيف هو، ودون أن يكون لديه سبب في كون ~~الشيء على ما هو عليه، ودون أن يظهر منفعة الشيء؟» وتبعا لذلك يفسر الكتاب المقدس ~~تفسيرا علميا أي «بقوى الطبيعة» أو العلل الفاعلية المادية، وكلما لم تسمح بذلك ~~عبارة الكتاب قال إنها مجازية، مثل تكوين حواء من ضلع آدم، فهل كان أقل فهما لفكره ~~«العلم» من المحدثين؟ ~~(3) جيوم دي شامبو (1070-1122) # فرنسي، أستاذ نابه فأسقف جليل، مشهور بالوجودية المسرفة في مسألة الكليات، وإن ~~يكن ms077 عاد عنها أو لطفها فيما يقال، أخذ أولا عن روسلان ثم عارضه، ذهب إلى أن ~~الماهية النوعية أو الجنسية موجودة حقا، بخلاف ما يزعمه روسلان، وأنها واحدة ~~بعينها في جميع أفرادها، وأن الأفراد من ثمة موجود واحد ولا يختلفون إلا بالأعراض، ~~فلزم من ذلك نتيجة، جاءت عند أرسطو في سياق مناقشته لنظرية المثل الأفلاطونية قال: ~~إذا كان كل إنسان هو كل النوع الإنساني، كان النوع بتمامه في سقراط الذي في روما، ~~وفي أفلاطون الذي في أثينا، ومن ثمة كان سقراط حيثما كانت الماهية الإنسانية، فيوجد ~~في نفس الوقت في روما وفي أثينا، وهذا خلف، فعدل جيوم رأيه مثنى وثلاث، وكأنه ~~ارتأى في النهاية أن الكلي ذهني مع وجود أصل له في الخارج. ~~(4) بيير أبيلار (1709-1142) ~~(أ) فرنسي، هو أشهر رجال القرن في علم الجدل، تلقى عن روسلان، ثم استمع إلى جيوم ~~دي شامبو وعارضه وهو متأثر بالاسمية، ثم غادر باريس وشرع يعلم الجدل في مدن مختلفة، ~~فأصاب نجاحا كبيرا، وبعد بضع سنين عاد إلى جيوم، وعاد إلى المعارضة، وصنع مثل ذلك ~~مع أساتذة آخرين، وعلم بباريس فكان الأستاذ الذي يستبق إليه الطلاب بالمئات بل ~~بالألوف، فيما يقول المؤرخون، وعلم في مدن أخرى والنجاح العظيم حليفه دائما، وقضى ~~حياته في اضراب ينقد وينقد، ويتهم في عقيدته فيرد التهم، وأنكر مجمع كنسي بعض ~~أقواله، فاحتكم إلى البابا، فحكم عليه البابا بالصمت. ~~(ب) كان مؤمنا يقدم النقل على العقل، وكان إلى جانب ذلك يحب الثقافة الوثنية ~~لجمالها، وقد نظم قصيدة تعليمية وأناشيد تدل على ذوق وتضلع من الأدب، فكان يرى أن ~~بين الحقيقة في صورتها القديمة والحقيقة في صورتها المسيحية اتصالا واتفاقا، ~~ويعتقد أن فلاسفة اليونان قديسون، وأن سمو أخلاقهم هو الذي استحق لهم من لدن الله ~~أن يوحي إليهم بأخفى الحقائق، وأن المعرفة الوحيدة التي فاتت أفلاطون لكي يكون ~~مسيحيا كاملا هي الأسرار المقدسة، كذلك يرى أن البراهمة وغيرهم من الحكماء كانوا ~~ممهدين للمسيحية، ويدعوهم جميعا مسيحيين بالطبع، فالتعاون ممكن بل ضروري ms078 بين ~~الفلسفة والدين، الفلسفة - ولا سيما الجدل - تفيد في رفع اللاهوت إلى مقام العلم، ~~فإن الجدل يعلم التقسيم المنطقي، ويعلم طريقة الشك المنهجي الذي يضع قضايا الإيمان ~~موضع السؤال، ويستمد من الكتب المقدسة ومن كتب الآباء الأقوال المؤيدة والأقوال ~~المعارضة في كل مسألة، ثم يستخلص الحل بالحجج العقلية، ويدحض الاعتراضات، أجل إن ~~العقل لا يستطيع البرهنة على الأسرار، ولكن باستطاعته أن يقربها إلى الفهم بضروب من ~~التشبيه والتمثيل. ~~(ج) وتلك هي المبادئ التي يصدر عنها في كتاب يعتبر طريفا بالإضافة إلى عصره اسمه ~~«نعم ولا» # Si et non ~~، يعرض فيه مائة وخمسين مسألة ~~لاهوتية، وبإزاء كل مسألة نصوصا من آباء الكنيسة تبدو متعارضة، ويعلن أنه إنما جمع ~~هذه النصوص، ليثير المسائل ويبعث في النفوس الرغبة في الكشف عن وجه الحق فيها، ثم ~~يحاول التوفيق، وطريقته في ذلك جدلية أكثر منها موضوعية، تقوم في رد الألفاظ ~~المختلفة إلى معنى واحد، من حيث إن اللفظ الواحد يختلف معنى باختلاف الكتاب ~~والأزمان، وما إن نفطن إلى ذلك حتى يمحى التعارض، وقد كان هذا المنهج مألوفا عند ~~فقهاء القرن الحادي عشر في محاولتهم التوفيق بين مختلف النصوص الفقهية، ولكنه لا ~~يشفي الغليل هنا، ولا سيما أن أبيلار يقول: إن طلابه كانوا يلتمسون أدلة فلسفية، ~~وكانوا يقولون إن الكلام عبث إن لم يشفع بما يجعله معقولا، وإنه يمتنع الإيمان بما ~~لم يفهم أولا، غير أن الجدل كان طاغيا على الفلسفة حتى ليطمسها كما نبهنا على ~~ذلك. ~~(د) أما في مسألة الكليات، فبعد أن عارض جيوم دي شامبو باسمية روسلان، حتى كان ~~معاصروه يسمونه وتلاميذه بالاسميين، تمثل مذهب أرسطو في المعرفة، كما وجده في كتب ~~بويس، على نحو أدق مما بلغ إليه غيره في عصره، فتوصل إلى حل جعل منه طليعة ~~«الوجودية المعتدلة»، فقد اقتنع بأن الألفاظ إنما هي كلية؛ لأننا نقصد بها إلى ~~دلالة كلية، وأن للأنواع والأجناس مقابلا في الخارج، خلافا لما ارتأى روسلان، وأن ~~هذا المقابل هو «طبيعة الجزئي» مجردة من الأعراض، وأن ms079 الطبيعة واحدة في الجزئيات ~~الحاصلة عليها، فالأنواع والأجناس ذاتية في الجزئيات، مجردة في العقل. ~~(ه) وكان أبيلار من أهم المشتغلين بالأخلاق في زمانه، وضع فيها كتابا عنوانه ~~«اعرف نفسك» هو حوار بين فيلسوف ومسيحي، يرمي به إلى استكشاف الأخلاق المسيحية ~~بالعقل، فإنه يعتبرها مجرد «إصلاح» للأخلاق الطبيعية، وهو إذ يرجع المسألة الخلقية ~~إلى الضمير والنية، يرتب على ذلك أن الخطيئة شخصية، وأن لا محل لخطيئة أصلية موروثة ~~عن أبينا آدم، وأن الخلاص أمر شخصي كذلك، وأن استحقاقات المسيح لا تعود علينا - مما ~~كان موضعا لاتهامه بالزيغ عن الدين، ودليلا على ميل قوي إلى الناحية الطبيعية دون ~~حسبان للناحية الفائقة للطبيعة. ~~(5) جلبير دي لابتوري (1076-1154) ~~(أ) فرنسي، تلميذ برنار دي شارتر، وأستاذ بمدرسة شارتر، ثم رئيس عليها، دون أن ~~يصطبغ بصبغتها، فقد كان منطقيا بنوع خاص، ثم علم بباريس، وعين أسقفا فشغل منصبه ~~دون أن ينقطع عن التعليم. ~~(ب) وضع كتاب «المبادئ الستة» ليكمل كتاب أرسطو في المقولات، فعني بالست الأخيرة ~~منها وكان أرسطو قد أجمل الكلام عليها في فصل واحد لا يجاوز عشرين سطرا، قسم ~~المقولات إلى قسمين: «الصور الذاتية» وهي الجوهر ومحمولاته الضرورية الكم والكيف ~~والإضافة، و«الصور العرضية» وهي باقي المقولات التي تلحق الجوهر من جراء علاقاته ~~بجواهر أخرى: الفعل، والانفعال، والمكان، والزمان، والوضع، والملك، وواضح أن هذا ~~التقسيم غير محكم، إذ ليست الإضافة «صورة ذاتية» ولكنها نسبة بين طرفين، وما لبث ~~الكتاب أن صار مدرسيا يعلم ويشرح مع كتب أرسطو وكتاب فورفوريوس «إيساغوجي» إلى ~~نهاية العصر الوسيط، وكان من شراحه ألبرت الأكبر في القرن الثالث عشر. ~~(ج) ويبدو استقلاله عن مدرسة شارتر في معارضته الوجودية المسرفة التي كانت مرعية ~~فيها، فإنه يذهب إلى مثل موقف أبيلار فيقول: إن الماهيات أو الصور متحققة في ~~الأفراد متكثرة بتكثرها، وإن أصل المعاني الكلية أن العقل يدرك المشابهات الجوهرية ~~بين الموجودات ويكون منها «وحدة ذهنية» هي الجنس أو النوع. ~~(6) جون أوف سالسبوري (1117-1180) ~~(أ) إلى جانب هؤلاء الفلاسفة الذين اتخذوا الجدل منهجا ms080 للمعرفة، وجدت في باريس ~~على الخصوص طائفة اشتغلت بالجدل لأجل الجدل، واصطنعت الشك على ما كان يفعل ~~سوفسطائيو اليونان، وقد عاون على ذلك ظهور كتب «المنطق الجديد»، إذ وجدوا فيها ~~أبوابا للتأويل والتخريج والمغالطة، أشهر هؤلاء إنجليزي يدعى آدم، كان يعلم ~~المجموعة الثلاثية في مدرسة بالقرب من «الجسر الصغير» على نهر السين، فسمي «أدان د ~~بتى بون»، نشر سنة 1132 كتابا في «الفن الجدلي» يعد آية السفسطة في عصره. ~~(ب) وجون أوف سالسبوري إنجليزي آخر تأثر بالشك، ولكنه لم يمض إلى حد الارتياب ~~المطلق، بل حاول أن يفرق بين الحقائق الثابتة بالحس أو بالعقل وبين المسائل الخفية، ~~لكي يعين للعقل حدوده، فيعلق الحكم بشأنها، أو يقنع فيها بالاحتمال، أو يقبل تعاليم ~~الإيمان، من مؤلفاته: منظومة في «مذاهب الفلاسفة» يخصص القسم الأول منها لتاريخ ~~الفلسفة عند اليونان والرومان، ويورد فيها آراء أساتذته بفرنسا ويناقشها ويصف حياته ~~الدراسية، فيرسم صورة شاملة للمدارس الفلسفية في عصره، وكتاب جامع في المنطق سماه # Metalogicus # وكتاب في الأخلاق والسياسة سماه Policraticus # مليء بالأفكار والعبارات الرواقية ~~مأخوذة عن شيشرون بنوع خاص. ~~(ج) كان معجبا بشيشرون، وعنه أخذ الشك المعتدل الذي يميز بين ما يعلم وما لا ~~يعلم، ووسيلة التمييز سعة الاطلاع، فإن الذي لا يعرف سوى مذهب واحد في مسألة ~~بعينها يميل طبعا إلى التسليم به لعدم استطاعته الاختيار، بينما المطلع يقف على ~~آراء وحجج متعارضة فيعلق حكمه، ومما لا يعلم جميع المسائل المتعلقة بالله، ومسألة ~~ما إذا كان للملائكة أجسام وما هي، ومسائل الجوهر والكمية، وقوى النفس، وأصل النفس ~~وفاعليتها، والجبر والاختيار والمصادفة، والمادة والحركة ومبادئ الأجسام، ~~واللانهاية في العدد وفي قسمة المقدار المتصل، والزمان والمكان، والكليات، وقد أنفق ~~الفلاسفة من الوقت في مناقشتها أكثر مما أنفق القياصرة في فتح العالم، ومسائل ~~الفضائل والرذائل، مزاولتها، وغايتها، وأصلها، وعلل الظواهر الطبيعية كالمد والجزر ~~وفيضان النيل، وتزايد الأخلاط وتناقصها في الحيوان تبعا لوجوه القمر، وغير ذلك ~~كثير من أسرار الوجود، فمجال الشك واسع كما يبدو، ولكن ليس يعني ms081 ذلك وجوب الكف عن ~~بحث تلك المسائل والانصراف عن العلم، كلا، بل ينبغي محاولة استكشاف الحل الواضح ~~فيها، مثال ذلك مسألة الكليات، فإن لها وجهين، أحدهما هو: على أي نحو توجد الكليات؟ ~~وهذا ما لا نعلمه، والوجه الآخر هو: كيف نكتسب الكليات؟ وهذا نعلمه بأن العقل يميز ~~العناصر المشتركة في موجودات عدة فيجمعها في معنى الجنس والنوع، وعلى هذا النحو ~~يمكن الوصول إلى شيء من الحق بالتفرقة بين ما هو ميسر للعقل وما ليس بميسر، وما كان ~~تهجم المتهجمين على الدين باسم العقل إلا نتيجة الإسراف في الثقة بالعقل! ~~(7) ألان دي ليل (1125-1203) ~~(أ) فرنسي، لا ينتمي لمذهب معين، ولكنه أخذ عن مدرسة شارتر أفكارها الأفلاطونية ~~والفيثاغورية والأرسطوطالية، وعن بويس بعض تعاليم أرسطو، وكان من أوائل الغربيين ~~الذين عرفوا كتاب العلل لأبروقلوس مترجما عن العربية، وقرأ بعض الكتب الفلكية ~~المنقولة عن العربية أيضا. ~~(ب) المأثور عنه فكرتان: إحداهما أن الحجة النقلية ليست قاطعة ملزمة بدليل أن ~~المفكرين المتعارضين يلائمون بينهم وبين آرائهم، فالسلطة «صنم أنفه من شمع ينثني ~~وفقا لمشيئة العابد» فلا بد من التعويل على الحجة العقلية، والفكرة الأخرى أن ~~الدليل العقلي في أكمل صوره هو الدليل الرياضي كما جاء في هندسة أقليدس وفي كتاب ~~العلل، يسلسل القضايا والبراهين ابتداء من حدود تعين معاني الألفاظ، مثل علة وجوهر ~~ومادة وصورة ... إلخ، ومبادئ متعارفة معلومة بداهة، وأصول موضوعة ليست معلومة بداهة ~~ولا مبرهنة بل تسلم تسليما، وفي اللاهوت المبادئ الأولى أصول موضوعة مسلمة ~~بالإيمان، ويمكن تسميتها ألغازا أو «رموزا» للدلالة على عمقها وخفائها، ليس الغرض ~~التدليل عليها، بل تعقلها بقدر المستطاع، وإقناع غير المؤمنين بقبولها وهم لا ~~يسلمون بالنقل ويضطرون المؤمن إلى الالتجاء للعقل. ~~(ج) وفي كتاب «قواعد اللاهوت» ينهج ألان هذا المنهج فيضع مائة وخمسا وعشرين ~~قاعدة يبرهن على كل واحدة بالطريقة الرياضية، وهو ينبه على أن قواعد المنطق ~~والأجرومية لا تطبق في اللاهوت، إذ ليس في الله محمول متمايز من الموضوع، فإذا ~~تحدثنا عن صفات الله وجب أن ms082 نعلم أن المحمولات المندرجة تحت المقولات الثلاث ~~الأولى، وهي الجوهر والكيف والكم، مثل موجود وحكيم وكبير، لا تطلق إلا على الذات، ~~وأن المحمولات الداخلة في المقولات الباقية، مثل خالق وهو محمول داخل في مقولة ~~الفعل، تدل على تعلق الأشياء بالله، وعلى كثرة مفعولات الله، لا على علاقة لله ~~بالأشياء أو على كثرة قوى وأفعال فيه، ويلي ذلك معجم بمعاني الألفاظ حين تطلق على ~~الله. ~~(د) ومما يذكر عنه أنه أخطأ فهم نظرية أرسطو في الهيولى والصورة، فظن الهيولى ~~مادة قائمة ومن ثمة مصورة، وظن الصورة مجموع الخصائص بدل أن يتصورها المبدأ المكون ~~للشيء والصادرة عنه الخصائص، ونجد عنده برهان المحرك الأول لأرسطو، ودليل ~~الأفلاطونية الجديدة على روحانية النفس، ذلك الدليل الذي صادفناه عند القديس ~~أوغسطين والذي سيصطنعه ديكارت، ومؤداه أنه يمكن تعقل ما يحيي الجسم دون التفكير في ~~الجسمية، وإذن فليس مبدأ الحياة جسميا، وله حجة في الخلود سيتخذ بسكال حجة مثلها، ~~يقول: إذا كانت النفس فانية واعتقدتها خالدة فلا ضير عليك، وإن كانت خالدة ~~واعتقدتها فانية فهنالك الخسران. ~~(8) مادية ووحدة وجود ومانوية وتصوف ~~(أ) إلى جانب من تقدم ذكرهم من الذين كانوا يعملون على تعقل دينهم بما حصلوا على ~~الفلسفة، وجد أنصار للمادية حوالي منتصف القرن يرجعون في العلم الطبيعي والأخلاق ~~إلى أبيقور ولوكريس، ويقولون بفناء النفس بعد الموت واستحالة البعث، ويردون على قول ~~بعض معاصريهم (مثل جيوم دي كونش) بروحانية كل مبدأ حيوي، فيقولون إذا كان مبدأ ~~الحياة الحيوانية يفنى كما تقرون، فلم لا تفنى النفس الإنسانية؟! ~~(ب) ووجد أنصار لمذهب وحدة الوجود، فقال أموري دي بين (؟-1207) وكان أستاذا ~~للاهوت بباريس: إن الموجود الأوحد يعلن مظاهر من ذاته، وهذا معنى الخلق، وترجع ~~الموجودات إليه، ورجوع الإنسان تأليه الإنسان، ورتب تلاميذه على هذا المبدأ نتائج ~~دينية وخلقية، قالوا: إن الأقانيم الثلاثة الإلهية مخلوقات تتجسد جميعا، وكل إنسان ~~فهو عضو إلهي كالمسيح، وجميع آيات الكتب المقدسة في الألوهية تنطبق على كل واحد ~~منا، ولما كان الإنسان عضوا إلهيا فهو فوق ms083 الخطيئة، ولما كان كل فعل إنساني ~~صادرا عن الله الموجود الأوحد فلا تمايز بين الخير والشر، ولا موجب من ثمة لإباء ~~أي شيء على الطبيعة، بل تمنح كل ما تشتهيه. ~~(ج) وكذلك ذهب دافيد دي دينان البلجيكي إلى أن الوجود واحد، وله في ذلك حجة ~~منطقية بحتة حيث يقول: لكي يختلف شيئان يجب أن يكون فيهما عنصر مشترك وعنصر فاصل أو ~~فارق، وليس بين المادة والروح جنس مشترك، فليس هناك شيء يفصل بينهما، فهما إذن واحد ~~بالماهية، واحد غير معين يظهر في الأجسام وفيما يسمى الأرواح. ~~(د) ونزح من بلغاريا مانويون يدعون الكاتار أي الأطهار باليونانية، وانتشروا في ~~إيطاليا وفرنسا، وبخاصة في مقاطعة ألبي بجنوب فرنسا، فدعوا لذلك ألبيجوي، واستفحل ~~أمرهم وزعزعوا أسس المجتمع بما كانوا يعلمون من تحريم الزواج والإنسال والتحرر من ~~كل سلطة، وما كانوا يرتكبون من اغتيال الكاثوليك، إكليريكيين ومدنيين، ونهب الكنائس ~~والأديرة، وقد استنفدت الكنيسة معهم جميع وسائل الإقناع طوال القرن، إلى أن اضطر ~~البابا إلى أن يعلن عليهم حربا صليبية، فكانت هذه الفرقة من أظهر الأمثلة على ما ~~للأفكار من قوة الدفع إلى العمل مهما يبد العمل شاذا جريئا. ~~(ه) ونجد في هذا القرن لاهوتيين لم يأخذوا من الفلسفة بغير المنهج المنطقي، ~~وآخرين نزعوا إلى التصوف، مع اختلاف في المزاج، إذ مال بعضهم مع العاطفة، ورمى ~~البعض الآخر إلى التأمل العقلي، فكان من الطائفة الأولى الإيطالي بطرس اللومباردي ~~(؟-1164) أشهر مؤلفي كتب «الأحكام» حتى سمي «أستاذ الأحكام»، رتب مسائل اللاهوت ~~وعرض بإزاء كل مسألة حجج الإثبات ثم حجج النفي، على ما يقتضي علم الجدل، ولكنه ~~اقتصر على هذا التنظيم، فلم يقطع برأي إلا فيما ندر، ولم يضع مذهبا، وصار كتابه ~~بعد وفاته وأثناء القرن الثالث عشر أساس التعليم اللاهوتي، فكان الأساتذة يشرحونه ~~كل على حسب مذهبه. ~~(و) وكان أكبر ممثلي التصوف العقلي ينتمون إلى دير سان فيكتور الأوغسطيني بباريس، ~~في مقدمتهم هوج دي سان فيكتور وتلميذه ريشار. ~~(9) هوج دي سان فيكتور (1096-1141) # وهو يقيم التصوف على ms084 نظرية في المعرفة، فيرى أن المعرفة الإنسانية على ثلاث ~~درجات، الدرجة الأولى: معرفة العالم المحسوس بالحس والخيال والتجريد، ويسمي هذه ~~الدرجة «عين الجسم» # oculus carnis # ويفهم التجريد ~~بالمعنى الأرسطوطالي، مثل أبيلار وجون سالسبوري، فيميز بين الإحساس والتخيل من جهة، ~~والفكر المجرد الكلي من جهة أخرى، ويفسر الصورة المجردة «بفعل العقل الفعال في ~~المخيلة» أي بأنها الصورة الخيالية يشرق عليها العقل الفعال فتتضح معالمها الجوهرية ~~وتتحد. والدرجة الثانية: معرفة النفس لذاتها، ويسميها # oculus ~~rationis ~~«عين العقل» فإنه يرى أن الشعور بالذات يشهد بوجود ~~النفس، وأن هذا الشعور هو المعرفة الأولى ، وأن الحكيم يستكشف في ذاته جوهرية النفس ~~وروحانيتها وحضورها في الجسم كله، وأن النفس هي الشخص، وأن الجسم لا يشارك في ~~الشخصية الإنسانية إلا لكونه متصلا بالنفس. والدرجة الثالثة: معرفة الله، ويسميها # oculus contemplationis ~~«عين المشاهدة»، وهي ~~غير البرهنة على وجود الله، فإن هذا الوجود يصل إليه التفكير في التجربة باطنة ~~وظاهرة، التجربة الباطنة تظهرنا على وجود شخصية علمها بذاتها محدود من جهة الزمان، ~~فيتأدى التفكير إلى أن لها بداية، ومن هنا يتأدى إلى موجود هو أصل ما عداه من ~~الموجودات، والتجربة الظاهرة تشهد بتغير الأشياء، ويدل التغير على أن للأشياء ~~بداية، وعلى وجود الخالق. وكما أن لكل عين من عيون النفس الثلاث موضوعا خاصا، ~~فإن هناك «رؤية» خاصة لكل منها: فالتفكير # cogitatio # نظرية سطحية، والتأمل # meditatio # تفكير متصل مروي في نقطة معينة، والمشاهدة # contemplatio # حدس عميق شامل. وهذه نظرية ~~سيتقلدها من ذلك العصر إلى أيامنا طائفة من الفلاسفة «العقليين» فيزعمون أن لنا قوة ~~إدراك ذات النفس وذات الله، حتى إذا ما بين الفلاسفة الحسيون أن ليس لنا مثل هذين ~~الإدراكين، تطرق الشك إلى موضوعهما، وترتب على هذا الشك نتائج خطيرة، والرأي الحق ~~أننا ندرك النفس والله، لا إدراكا مباشرا، بل بالاستدلال بناء على مبدأ ~~العلية. ~~(10) ريشار دي سان فيكتور (؟-1173) ~~(أ) أسكوتلاندي، تتلمذ لهوج ثم ترأس المدرسة من 1162 إلى وفاته، كان منطقيا ~~بارعا، ظاهر الميل لتعزيز نصيب العقل في اللاهوت، ms085 نظريته في المعرفة قريبة من ~~نظرية أستاذه، فهو يذهب إلى أن لنا ثلاث قوى مدركة، هي - بعد الحواس: المخيلة، ~~والعقل، والفهم. المخيلة تدرك حضور الأجسام، ويدرك العقل الأمور الغائبة والخفية ~~بوساطة ما هو حاضر في المخيلة، مثل إدراك ماهيات الأجسام، وإدراك العلل بمعلولاتها، ~~بينما الفهم يدرك اللاجسميات إدراكا مباشرا ويستغني عن المخيلة والعقل، وموضوعاته ~~المبادئ الأولى النظرية (كمبدأ عدم التناقض ومبدأ العلية) والمبادئ الأولى الخلقية، ~~والنفس، وفي قمته «المشاهدة» تجاوز كل معقول، وتبلغ إلى الله، وشرطها الضروري تطهير ~~النفس، ويميز هنا ثلاث درجات: اتساع الذهن # dilatatio ~~mentis # حين ~~يدرك الله بالصور المستمدة من الطبيعة وجمالها المحسوس، وارتفاع الذهن # sublevatio mentis # حين يدرك الله بوساطة ~~معرفة النفس، كما يرى الشيء في المرآة، وانجذاب الذهن # alienatio mentis # حين يتأمل الله في حقيقته الخالصة، وهذه الحالة ~~الأخيرة نادرة الوقوع في الحياة العاجلة، ولا تكفي طهارة النفس للبلوغ إليها، بل لا ~~بد من النعمة الإلهية، فهذه النظرية صادرة، مثل نظرية هوج، عن المعرفة الصوفية ~~المجانية من لدن الله، فما إن تنقل إلى الميدان العقلي البحت حتى تصير خاطئة خطرة ~~كما أسلفنا. # الباب الثالث # | أوج الفلسفة المدرسية # القرن الثالث عشر # الفصل الأول # | نشأة الجامعات # (1) التعليم والنظافة ~~(أ) القرن الثالث عشر أبهى عهود العصر الوسيط، فيه تكونت الممالك الأوروبية ~~الحديثة، وآتت الحروب الصليبية ثمارا لم تكن مقصودة منها، ولكنها كانت ذات أثر ~~كبير في تطور أوروبا، فتوثقت العلاقات الثقافية بين الغرب والشرق، وفتح البحر ~~المتوسط للتجارة الأوروبية، فبرزت الطبقة الوسطى «البورجوازي» ونافست بثرائها نفوذ ~~الأشراف، وناصرت العلم والفن، فقامت الكاتدرائيات البديعة تملأ أرض أوروبا، وازدهر ~~أدب محلى باللغات الحية في قصص نثرية وشعرية تفيض بأفكار العصر وأخلاقه ~~وعواطفه. ~~(ب) في هذا الوسط وثبت الفلسفة ووثب اللاهوت وثبة كبرى، وبلغ العلمان أوجهما ~~بسرعة مدهشة، ويرجع الفضل في ذلك إلى عاملين رئيسيين؛ أحدهما: استبحار التعليم، ~~فنشأت الجامعات، وتكاثرت خلال القرن المدارس الخاصة، رهبانية وأسقفية، وكان ~~أشهرها «السوربون» أقامها سنة 1253 روبير دي سوربون (1201-1274) كاهن الملك لويس ~~التاسع، ms086 والعامل الآخر: الكتب المنقولة عن العربية واليونانية، وبخاصة كتب أرسطو ~~وشراحه، فنبغ في نفس الوقت عدد من كبار الفلاسفة واللاهوتيين لم يعهد له نظير منذ ~~أمد بعيد، وكان المركزان الرئيسيان فرنسا وإنجلترا، الأولى سباقة كما كانت في القرن ~~السالف، والثانية تابعة من قرب، ويليهما إيطاليا وألمانيا، فكان كل شعب يساهم في ~~العمل بمزاجه ومواهبه: اللاتين يؤثرون النظر والاستدلال والترتيب والتوضيح، ~~والإنجليز يتوجهون إلى العلم الواقعي ويجمعون إليه المثالية الأفلاطونية، والألمان ~~يكدسون المعارف، ويميلون إلى تصوف الأفلاطونية الجديدة. ~~(ج) وأول جامعة قامت بباريس، فقد كانت مدارس هذه العاصمة اكتسبت شهرة أوروبية، ~~وبالأخص في المنطق واللاهوت، فكان يؤمها الطلاب من جميع أرجاء القارة، ثم ينقلبون ~~عنها وينتشرون في كل صوب، ففي سنة 1200 بلغ إحساس الأساتذة والطلاب بقوتهم مبلغا ~~دفعهم إلى أن يجتمعوا ويعلنوا استقلالهم عن السلطة الأسقفية، واختصاص المدارس ~~باختيار الأساتذة ومنح الإجازات العلمية، فاعترف الملك فيليب أوجست باتحاد المدارس، ~~واعترف به البابا، وذلك مدلول لفظ الجامعة # Universitas # في العصر الوسيط: لم يكن هناك هيئة منظمة تشتمل على ~~كليات، بل كان المقصود مجموع الأشخاص من الأساتذة والطلاب، المعنيين بالعلم في ~~مدينة ما، على أن اتفاق المصالح جمع الأساتذة شيئا فشيئا في طوائف أربع، وهم: ~~اللاهوتيون، والفنانون أي: معلمو الفنون الحرة، والفقهاء، والأطباء، أما الطلاب ~~(وكان أكبرهم عددا طلاب الفنون) فكانوا يجتمعون بحسب الجنسية في اتحادات تمثل ~~الجامعة بأكملها، أجل، إن أول جامعة منظمة كانت جامعة بولونيا (بإيطاليا) ولكنها ~~كانت قبل كل شيء معهد دراسات فقهية أخذتها عن بيزنطة، ولم تقم بها كلية نظامية ~~للاهوت إلا سنة 1352، فمن جهة الفلسفة واللاهوت كانت جامعة باريس الأولى زمنا ~~ومقاما. ~~(د) وقامت جامعة أكسفورد بعد جامعة باريس بقليل وعلى غرارها وبمعونة نفر من خيرة ~~أساتذتها، وكان رجالها يرون المثل الأعلى للعلم في كتاب المناظر للحسن بن الهيثم ~~أكثر منه في طبيعيات أرسطو التي هي في الواقع أقرب إلى الفلسفة منها إلى الرياضيات، ~~فكان تعليم المجموعة الرباعية فيها موضع عناية كبرى، بينما كان لا يكاد يذكر ms087 في ~~جامعة باريس، ثم قامت جامعة كمبردج، وكانت أقل أهمية، ولم يتم تنظيمها قبل القرن ~~الرابع عشر، ثم توالت الجامعات في أنحاء أوروبا. ~~(ه) وقد اختلفت على التعليم أحوال، وبحسبنا هنا أن نذكر نظام التعليم بباريس ~~حوالي سنة 1270، كان الطالب ينتسب لأستاذ ويلزمه فيتبعه في تنقله من مدينة إلى ~~أخرى، وكانت دراسته مرانا على التدريس؛ لأنه كان يعتبر مرشحا لمنصب الأستاذية ~~بحيث إذا بلغ إليه لم يختلف عمله إلا في كونه يؤديه بصفة جدية ويعتمد على نفسه، ~~وكانت الدرجات العلمية ثلاثا: البكالوريا، والليسانس، والأستاذية، فكان طالب ~~الفنون يؤدي امتحان البكالوريا أمام ثلاثة أساتذة (أو أربعة فيما بعد) فإذا ما نجح ~~شرع يناقش علنا، برياسة الأستاذ الذي اختاره، مسائل خلافية، فيورد الحجج المتعارضة ~~ويردفها بالحلول، بعد ذلك «يقرأ» أي يشرح المتون المعينة مدة سنتين، فيحصل على ~~الليسانس، ثم يتقدم للأستاذية، فيلقي درسه الأول، فينال اللقب، وكان معظم الحائزين ~~على الأستاذية في الفنون ينقطعون عن التدريس فيغادرون الجامعة، أو يتوجهون فيها إلى ~~دراسات أخرى، إذ إن دراسة الفنون كانت تمهيدا وإعدادا للدراسات اللاهوتية أو ~~الفقهية أو الطبية، فيتقدمون فيها إلى الدرجات الثلاث، وكان بوسع كل حاصل على درجة ~~أن يفتح مدرسة، فكانت حرية التعليم تامة، فاتسع نطاقه، وكان الحد الأدنى في دراسة ~~الفنون ست سنين، وفي دراسة اللاهوت ثماني، وكان الحد الأدنى لسن الأستاذ العشرين ~~للفنون، والرابعة والثلاثين للاهوت. ~~(و) وفي جميع مراحل التعليم نجد طريقتين: شرح متن، ومناقشة، الشرح أصل الكتب ~~المعروفة بالشروح # Commentaria ~~، أما المناقشة فكانت ~~على نوعين: مناقشة خاصة يعرض فيها الأستاذ مسائل متصلة بالدراسة، ومناقشة عامة ~~يشهدها الجمهور وتعقد مرتين في العام: قبيل عيد الفصح، وقبيل عيد الميلاد، يعرض ~~فيها الحضور على الأستاذ المترئس الجلسة مسائل خلافية، فينهض من ناحية معترض أو ~~أكثر، ومن ناحية أخرى مجاوب، ولا يتدخل الأستاذ إلا ليؤيد أو يصحح أو يكمل ردود ~~مجاوبه، وفي جلسة تالية يتناول الأستاذ المسائل واحدة بعد أخرى، فيجمع الآراء ~~والأدلة، ويلخص الاعتراضات والأجوبة، ويعالج النقط التي تركها المجاوب ms088 معلقة عمدا، ~~ويقدم حله الخاص مؤيدا بالأدلة، حتى إذا ما فرغ من ذلك دون المناقشة ونشرها، ~~وهذا أصل الكتب المعروفة بالمسائل ~~الخلافية # questiones disputatac ~~، والكتب المدعوة بالمناقشات المنوعة # Quod ~~libeta ~~، يضاف إليها نوعان من التأليف: المجموعات # Summae # تعرض مجموع المسائل مرتبة ترتيبا ~~منطقيا، والرسائل تعالج كل منها مسألة خاصة. ~~(ز) ولم يكن للفلسفة دراسة قائمة برأسها، وإنما كان يدرس شيء منها بكلية الفنون، ~~أهمه المنطق، وشيء آخر بكلية اللاهوت، لاتصاله بشرح العقائد بحيث إن تعلم الفلسفة ~~كان يقتضي الاختلاف إلى دروس الفنانين واللاهوتيين، وكان فريق من أساتذة الفنون ~~يتخصصون في المجموعة الثلاثية اللغوية والمنطقية، ويتشبثون بهذا التخصص فيأبون أن ~~يجاوزوه إلى اللاهوت، فلما عرفت كتب أرسطو في الطبيعة، وما بعد الطبيعة ، والأخلاق، ~~وجد أمثال هؤلاء الأساتذة مجالا جديدا للتعليم المستقل عن اللاهوت، فالجدليون هم ~~في هذا القرن أيضا ممثلو الفلسفة البحتة. ~~(2) النزاع حول أرسطو ~~(أ) من أبرز مظاهر الحياة الفكرية في القرن الثالث عشر النزاع حول أرسطو، فقد ~~أثارت كتبه ضجة هائلة لما تضمنته من قضايا معارضة للدين، وأول ما قامت الضجة في ~~باريس، ففي جامعتها - وما كادت تتكون - ظهرت لأول مرة ترجمات طليطلة لأرسطو وشراحه ~~الإسلاميين، وبعد ذلك بقليل جاءت من القسطنطينية نسخة يونانية من كتاب ما بعد ~~الطبيعة سرعان ما ترجمت وشرحت، فخشيت السلطة الدينية سوء العاقبة على العقيدة، ~~وأنكر مجمع كنسي عقد بباريس سنة 1210 «كتب أرسطو وشروحها في الفلسفة الطبيعية» وحظر ~~تدريسها، وفي سنة 1215 نشرت «لائحة» الجامعة، وقد وضعها نائب البابا، فإذا بها تنص ~~على الاستمرار في تدريس منطق أرسطو، وتبيح تدريس كتاب الأخلاق، ولكنها تؤيد تحريم ~~كتبه الطبيعية وشروحها، وتحرم تدريس كتاب ما بعد الطبيعة وشروحه. ~~(ب) على أن هذا التحريم كان منصبا على استخدام تلك الكتب في التدريس فقط، ولم ~~يتناول الدراسة الخاصة ولا تدوين الشروح، ثم إنه كان مقصورا على باريس لصدوره عن ~~سلطة محلية محدودة الاختصاص، فلما أنشئت جامعة تولوز سنة 1229، برعاية نائب البابا، ~~أعلنت عزمها على تدريس الكتب المحرمة بباريس، ms089 وكان ذلك منها وسيلة لاجتذاب الطلاب ~~ودليلا على تطور الأفكار، وبعد سنتين رأى البابا - إزاء اتساع الإقبال على كتب ~~أرسطو - أن يعهد إلى لجنة قوامها ثلاثة أساتذة من جامعة باريس في فحصها واستخلاص ~~المفيد منها، ولكن اللجنة لم تتم مهمتها، غير أن مجرد تكوينها اعتبر مؤذنا بقرب ~~رفع التحريم وشجع على استباق صدوره، فأخذت كتب أرسطو تنتشر في فرنسا وإنجلترا ~~وألمانيا، ولم يحل دون هذا الانتشار تكرار التحريم وإلزام جامعة تولوز به سنتي 1245 ~~و1263، حتى كان من كلية الفنون الباريسية أن أثبتت كتاب النفس في برنامجها لسنة ~~1252، وسائر كتب أرسطو في 1255، دون أن يعترض البابا على أحد القرارين، ومن جهة ~~أخرى كان القديس ألبرت الأكبر يتأثر كتب أرسطو ويلخصها، وكان القديس توما الأكويني ~~يضع الشروح عليها، ويطلب ترجمة جديدة لها عن اليونانية، ودارت الأيام دورتها وانتهى ~~الأمر سنة 1366 بأن ألزمت السلطة البابوية طلاب الليسانس في الفنون بدراسة تلك ~~الكتب، فلم يكن التحريم صادرا عن نفور من العلم، بل عن رغبة في التريث وحماية ~~النفوس من الضلال، وتلك هي الوظيفة التي تعتقد الكنيسة أنها مندوبة إليها قبل كل ~~شيء، ولم يسد أرسطو على العقول أثناء العصر الوسيط بأكمله، كما يظن الكثيرون، وإنما ~~تمت له السيادة في أواخر العصر بجهود الأساتذة والطلاب وتفضيلهم إياه على أفلاطون، ~~لا بضغط من السلطة، بل نقول على العكس: إن السلطة كانت منصاعة تابعة. ~~(ج) فالفلسفة في القرن الثالث عشر عبارة عن مختلف المواقف من أرسطو وابن سينا ~~وابن رشد، يأخذ الأوغسطينيون من الأفكار الجديدة طائفة يكملون بها مذهبهم مع شيء من ~~التأويل، وينبذون طائفة أخرى، يأخذون عن ابن سينا إشراق العقل الفعال، إلا أنهم ~~يضيفون لله المعاني التي يضيفها ابن سينا لعقل فلك القمر، ولم يكن أوغسطين قد عني ~~بالمعاني المجردة: وهذا ما سمي حديثا بالأوغسطينية الضاربة إلى السينوية # augustinisme avicennisant # ومما يأخذون عن ~~أرسطو نظرية الهيولى والصورة، ولكنهم يتصورون الهيولى ذات وجود خاص مستقل عن الصورة ~~النوعية، على ما تصورتها الأفلاطونية الجديدة، ويجعلون ms090 التجوهر من هيولى وصورة ~~شاملا للنفوس الإنسانية والملائكة أيضا، وكان أوغسطين أثار المسألة وتردد فيها، ~~ويكثرون الصور في الأجسام المركبة ومنها الإنسان، على ما ذهب إليه أفلاطون في ~~«تيماوس»، حيث جعل للإنسان ثلاث نفوس، ومما ينبذون فكرة صدور الموجودات عن الله ~~صدورا ضروريا أزليا كما عرضها ابن سينا. ~~(د) وتظهر الأرسطوطالية المسيحية، ينهض بها فريق من الرهبان الدومنيكيين وقد ~~تألفت جماعتهم من عهد قريب أولهم القديس ألبرت الأكبر، ولكنه لم يوفق تمام التوفيق ~~في استغلالها، فقام بالمهمة تلميذه القديس توما الأكويني، وأظهر مميزات مذهبه رسم ~~الحد بين الطبيعة وما فوق الطبيعة، ووضع علمين متمايزين، الفلسفة واللاهوت، لكل ~~منهما مبادئه وموضوعاته ومنهجه، بحيث تغيرت وجهة النظر السالفة تغيرا حاسما، ~~وأيضا تصحيح أرسطو بالاستناد إلى ذات مبادئه، وتكميله بالأفلاطونية الجديدة كما ~~جاءت عند أوغسطين وديونيسيوس، ولكن مئولة، وفقا لروح فلسفته. ~~(ه) وتظهر الأرسطوطالية الرشدية، تقوم في كلية الفنون الباريسية، بين أولئك ~~الأساتذة الذين كانوا يدعون أنهم فلاسفة فحسب، ويعلنون أنهم أرسطوطاليون خلصاء، ~~ويعتبرون تأويل ابن رشد لمذهب أرسطو أصدق صورة له وأكمل مظهر للعقل، ولا يحفلون ~~بالتوفيق بين فلسفتهم ودينهم بأكثر من الأخذ بهما معا على ما بينهما من اختلاف، ~~وأكبر اسم فيهم سيجر دي برابان، زعيم الرشدية اللاتينية. # الفصل الثاني # | مترجمون # تمهيد ~~(أ) كان للترجمة في هذا القرن عهدان: في الأول جاءت عن العربية أكثر منها عن ~~اليونانية، وفي الثاني جاءت كلها عن اليونانية، ذلك أن الترجمات العربية للكتب ~~اليونانية كان كثير منها منقولا عن ترجمات سريانية لا عن الأصل رأسا، وكان ~~المترجمون يستعينون بمن يترجمها لهم إلى اللغة الدارجة (الإسبانية أو الإيطالية) ثم ~~ينقلونها هم إلى اللاتينية، فخرجت ترجماتهم غامضة كثيرة الأخطاء، فمست الحاجة إلى ~~الرجوع للأصول، فكانت الترجمات عن اليونانية، وحلت محل الترجمات الأولى، وقد امتازت ~~بالوضوح والأمانة، بينما الكتب العربية نقلت فكر أرسطو عن طريق شراحه من ~~الأفلاطونيين الجدد وغيرهم، فجاء مشوها في بعض المسائل الهامة، والترجمة عن ~~اليونانية مكنت الغربيين من مناقشة تأويلات ابن سينا وابن رشد ms091 لأرسطو، ومن وضع شروح ~~أصيلة على كتبه وهم على بينة من النصوص، ومما يجدر ذكره أن ترجمة الكتب النظرية ~~سبقت ترجمة كتب الأخلاق والتدبير المنزلي والسياسة والخطابة. ~~(ب) أما مراكز الترجمة فكانت خمسة، المركز الأول: إسبانيا، وبالأخص طليطلة، تنقل ~~فيها الكتب العربية على ما كان جاريا في القرن السابق، المركز الثاني: إنجلترا، أي ~~جامعة أكسفورد، حيث نبغ روبرت جروستيت المترجم عن اليونانية، والمركز الثالث: ~~إيطاليا، في بلاط ملكي نابولى وصقلية، الإمبراطور فردريك الثاني (1197-1250) وابنه ~~منفريد، حيث كانت تنقل الكتب العربية واليونانية، والمركز الرابع: البلاط البابوي، ~~وبخاصة بين سنتي (1261-1264)، والمركز الخامس: القسطنطينية، وقد كان الصليبيون ~~فتحوها سنة 1204 وأسسوا فيها الإمبراطورية اللاتينية حتى 1261 فقصد إليها مرسلون ~~فرنسيون وأساتذة من جامعة باريس (فرنسسكيين ودومنيكيين) اشتغلوا بالنقل عن ~~اليونانية، أو أرسلوا المخطوطات إلى باريس فنقلت فيها. ~~(1) ميخائيل سكوت (؟-1235) ~~(أ) أسكوتلندي ترجم بطليطلة سنة 1217 - بمعاونة أحد اليهود - كتاب علم الهيئة ~~للبطروجي، وبعد ذلك بقليل كتاب الحيوان لأرسطو، وكان الإسلاميون يجمعون تحت هذا ~~الاسم ثلاثة كتب هي: تاريخ الحيوان في عشر مقالات، وأجزاء الحيوان في أربع مقالات، ~~وكون الحيوان في خمس مقالات، وفي سنة 1220 قصد إلى إيطاليا وعرف فيها بمزاولة ~~السحر، ولكنه كان موضع حظوة في البلاط البابوي، ثم التحق بخدمة فردريك الثاني فكان ~~منجمه، وترجم كتاب الحيوان لابن سينا، وكتابا في التنجيم. ~~(ب) وكان أول من ترجم شروح ابن رشد على أرسطو، ويقول البعض: إنه قام بهذه ~~الترجمة، أو ببعضها، وهو بطليطلة بمعاونة يهودي اسمه أندراوس، ويرجح البعض أنه إنما ~~قام بها في بلاط فردريك بمعاونة نفر من المترجمين فذاعت في الأوساط الجامعية ابتداء ~~من سنة 1231، فإن أثرا لابن رشد في الفكر الغربي لم يعرف قبل هذا التاريخ، خلافا ~~لما يقوله رنان في كتابه «ابن رشد والرشدية» (ص225-227)، ولعل السبب في الظن بأن ~~الرشدية اللاتينية أقدم عهدا اشتراك ابن سينا وابن رشد في جميع ما أخذاه عن أرسطو ~~والأفلاطونية الجديدة، وقد عرف ابن سينا في الغرب قبل ابن رشد. ms092 ~~(2) هرمان الألماني (؟-1272) # أسقف اشتغل بالترجمة في طليطلة، نقل سنة 1240 الشرح الأوسط لابن رشد على الأخلاق ~~النيقوماخية، وحوالي سنة 1250 كتاب الخطابة لأرسطو عن العربية مع جلاء النص العربي ~~أو تكميله بالرجوع إلى الفارابي وابن سينا وابن رشد، وكان قد نقل شرح الفارابي على ~~هذا الكتاب، وسنة 1256 نقل الشرح الأوسط لابن رشد على كتاب أرسطو في الشعر. ~~(3) ألفريد الإنجليزي # أو ألفريد أوف سرشل # Sareshcl ~~، تعلم العربية ~~بطليطلة في أوائل القرن، ونقل عنها كتاب النبات الذي كان يعزى لأرسطو، وكتبا أخرى، ~~ونقل عن اليونانية، حوالي سنة 1215 كتاب النفس وكتاب النوم وكتاب النفس، ووضع كتبا ~~تظهر فيها ثقافة منوعة فلسفية وعلمية، ففي كتابه «حركة القلب» يجمع بين الأفلاطونية ~~الشارترية، والأرسطوطالية المستمدة من كتاب النفس، والأفلاطونية الجديدة المستمدة ~~من كتاب العلل، ونظريات طبية مأخوذة عن جالينوس وعن أطباء سالرن ومونبليي، ودون ~~أيضا بعض شروح على أرسطو، وهو يصطنع تعريف أرسطو للنفس بأنها كمال أول لجسم طبيعي ~~آلي، ولكنه لا يفطن إلى أن هذا التعريف يعني اتحاد النفس والجسم اتحادا مباشرا، ~~فيضع بينهما روحا حيويا أو نفسا حارا يلتقي بالنفس في القلب، والنفس تدبر ~~جميع وظائف الجسم، وهو يصف هذه الوظائف وصفا طبيعيا طبيا. ~~(4) جيوم موريكي ~~(أ) فلامندي نقل عن اليونانية وراجع ترجمات سابقة، منقولاته الأرسطوطالية: كتاب ~~السياسة (1260) وتدبير المنزل (1267) وشرح الإسكندر الأفروديسي على الآثار العلوية ~~(1260) وشرحه على الحس والمحسوس، وشرح سمبليقيوس على المقولات (1266) وعلى السماء ~~والعالم (1271) والقسم الخاص بالعقل من شرح يوحنا النحوي على كتاب النفس والعالم ~~(1271) والقسم الخاص بالعقل من شرح يوحنا النحوي على كتاب النفس (أي م3 ف4-8 وبداية ~~ف9) وشرح ثامسطيوس على كتاب النفس. ~~(ب) ونقل كتاب مبادئ الإلهيات لأبروقلوس (1268)، فعرف الغربيون حينذاك أن كتاب ~~العلل الذي كان ينسب إلى أرسطو ما هو إلا قسم من هذا الكتاب، ونقل ثلاث رسائل له ~~أيضا ضاعت أصولها اليونانية: وهي العناية والقدر، الشكوك العشرة في العناية، قيام ~~الشرور بذاتها، وأجزاء من شرحه على تيماوس، وأجزاء من شرحه على بارمنيدس، ونقل ~~كتبا ms093 طبية لبقراط وجالينوس، ورسائل لأرشميدس، وكتبا رياضية أخرى، وكتاب الحجج ~~البيرونية لسكستوس أمبيريقوس. ~~(5) ترجمات أخرى ~~(أ) وجدت في بادوفا ترجمة لكتاب أرسطو «ما بعد الطبيعة» ترجع إلى أواخر القرن ~~الثاني عشر، ووجدت ترجمة أخرى في باريس ترجع إلى سنة 1210 منقولة عن نسخة جاءت من ~~القسطنطينية. ~~(ب) وحوالي 1260 ترجم برتولوميو دي مسينا كتاب الأخلاق الكبرى لأرسطو، وكتاب ~~المسائل المنسوب إليه والذي يرجع إلى مدرسته. ~~(ج) وفي الثلث الأول من القرن ترجم كتاب موسى بن ميمون (1135-1204) «دلالة ~~الحائرين» عن العبرية، والكتاب وضعه صاحبه بالعربية ونشره سنة 1190، ونقل في حياته ~~إلى العبرية، ويقول البعض إن للكتاب ثلاث ترجمات على الأقل في القرن نفسه. ~~(د) ولم نقصد هنا إلى إحصاء جميع الترجمات، بل إلى إثبات المهم منها لتاريخ ~~الفلسفة، وما تزال المخطوطات المدفونة في المكتبات كثيرة لم تحص. # الفصل الثالث # | جيوم دوفرني (؟-1249) # (1) حياته ومصنفاته # فرنسي، أول كبار مفكري القرن، له كتب لاهوتية وصوفية، وكتابان فلسفيان، أحدهما: ~~في خلود النفس، والآخر: في العالم، وهو أوغسطيني، ولكنه يعجب بالعلم الطبيعي ~~الأرسطوطالي، ويعرف فلاسفة الإسلام وعلماءه معرفة وافية ويفيد منهم، يعرف من ~~العلماء: البتاني، وأبا معشر، والخوارزمي، وعلي بن عباس الهادي، والبطروجي، ~~والفرغاني والحسن بن الهيثم، وقد أحال كثيرا إلى القرآن، وذكر أقوال الفارابي وابن ~~سينا في العقل الفعال، بل ذكر ابن سينا حوالي أربعين مرة وأخذ عنه بعض التعريفات ~~وبعض الأمثلة وكثيرا من الآراء وترتيب العلوم، ويمكن أن يقال: إنه هو الذي أدخله ~~إلى الجامعة، وذكر الغزالي، وكان يظن أن كتابه «مقاصد الفلاسفة» عرض لآرائه، وهو في ~~الحقيقة تلخيص للفلسفة القديمة وبخاصة لكتاب النجاة، وذكر ابن رشد مرتين، ونعته ~~بالفيلسوف الشريف جدا، وذكر من فلاسفة اليهود ابن ميمون، وابن جبرول، وكان يظن ~~الثاني مسيحيا ويرى فيه «أشرف الفلاسفة جميعا» وكان كمعظم معاصريه يعتقد أن ~~الفلسفة الإسلامية أرسطوطالية خالصة، فيقول: «أرسطو وأتباعه من العرب الفارابي ~~والغزالي وابن سينا وغيرهم»، وقد عني كل العناية ببيان وجوه التعارض بين هذه ~~الفلسفة ومقتضيات المسيحية، ورأى التعارض الأساسي ms094 في قيام المسيحية على حرية ~~الإرادة الإلهية، بينما «مذهب أرسطو وأتباعه» ينكر هذه الحرية بتاتا، لذا مبدأ ~~ردوده دائما أن هذا المذهب «يهدم مجد الخالق» ذلك المجد الذي يتجلى في الخلق الحر ~~والعناية المتصلة والتجسد والفداء، وهو ينبه على أنه يعول في الفلسفة على العقل ~~وحده فيقول: «لا يداخلنك أني أريد استخدام أقوال أرسطو للبرهنة على أقوالي، فإني ~~أعلم أن الحجة المستمدة من السلطة إنما تولد الإيمان فقط، وغرضي توليد اليقين ~~البرهاني.» ~~(2) الله والعالم ~~(أ) في البرهنة على وجود الله لا يذكر دليل المحرك الأول - ولو أنه يعتبر الله ~~العلة الفاعلية الأولى - وإنما يقدم دليلا من الموجود بالمشاركة إلى الموجود ~~بالذات، لا بناء على مبدأ العلية، بل بناء على تلازم المعنيين، كما هو الحال في ~~الأفلاطونية، فيقول: «إن كل حادث فهو ممكن بذاته وقابل للوجود، فالوجود عرض له وهو ~~يقبله في كل ماهيته»، ليس الوجود داخلا في حد المخلوق، فوجود المخلوق خارج عن ~~ماهيته، فهو وجود بالمشاركة، وعند ابن سينا أيضا يوجد هذا التقابل بين الواجب ~~والممكن وإلحاح فيه. ~~(ب) ليس العالم أزليا كما ذهب إليه أرسطو وابن سينا وغيره من الإسلاميين، ولكنه ~~حادث كما بين أوغسطين، يقول ابن سينا: إن افتراض الحدوث يتضمن القول بأن الفعل ~~المحض يتغير أي يخرج من القوة إلى الفعل، وإن هذا تناقض، ولكن حدوث العالم لا يغير ~~شيئا في ذات الله، إذ إنه صادر عن إرادة أزلية، وليس صدور الموجودات أجزاء عن الله ~~كصدور الماء عن العين، وإلا كانت الموجودات أجزاء من الله فطلبت اللانهاية الإلهية، ~~وليست الصورة التي يرسمها ابن سينا للعالم، بالعقول المفارقة والنفوس المحركة ~~للكواكب، بمقبولة عند المسيحية ولا عند العقل، إن المسيحي لا يسعه قبول توسط تلك ~~الموجودات بينه وبين الله، فإن الله وحده خالق لا يشاركه في ذلك أحد، والله وحده ~~غاية الإنسان من دون العقل الفعال، وأي عقل آخر، وليس يمكن إقامة البرهان على أنه ~~«عن الواحد لا يصدر إلا واحد» كما يقول ابن سينا، وأنه عن الله ms095 صدر عقل أول صدورا ~~ضروريا ولم يصدر عنه سوى ذلك العقل، وأن باقي العقول صدرت على التوالي، كل عن ~~الذي قبله، وأن العقول عشرة فقط. ~~(ج) ومما هو بين البطلان تعليل ابن سينا تحريك النفوس الفلكية لأجرامها، ~~فإنه يقول: إن كل نفس تتأمل العقل المفارق الخاص بفلكها وتحب كماله وتريد أن تتشبه ~~به بأن تجعل فلكها ثابتا مثله، ولكن لما كان كل جزء من الفلك لا يحصل في كل آن إلا ~~على جزء فقط من مكان الفلك، ويبقى بالقوة إلى سائر الأجزاء، فإن النفس تحرك فلكها ~~لكي يحصل كل جزء منه على جميع الأجزاء بالتوالي ما دام يحصل عليها جميعا في وقت ~~واحد، إن هذا التعليل عبث لا يحقق الغرض المقصود منه، إذ إن الحصول على جميع ~~الأجزاء بالتوالي يعني ترك جزء، والحلول في آخر، وهكذا إلى غير نهاية، فالشوق الذي ~~يحرك الفلك يناقض نفسه في كل أن، ويتعادل الربح والخسارة في كل آن، هذا من جهة، ومن ~~جهة أخرى إذا سلمنا بمقدمات ابن سينا لم يلزم منها أن تتحرك النفس الفلكية، بل أن ~~تبقى ثابتة كالعقل الثابت الذي تتأمله، إن تلك النفوس تشبه الخيل والحمير التي تحرك ~~طواحين البشر، وجيوم إذ يبطلها على هذا النحو يجعل للسماوات نفسا واحدة تدبرها ~~جميعا، ولم يعرض لنظرية أرسطو في العقول المحركة المذكورة في المقالة الثانية عشرة ~~من كتاب ما بعد الطبيعة؛ لأنه لم يكن يعرف من هذا الكتاب سوى المقالات العشر ~~الأولى. ~~(د) ويختلف تجوهر المخلوقات في الأرواح عنه في الماديات، فالأرواح صور خالصة أو ~~عقول مفارقة، وجيوم أول من ذهب إلى هذا الرأي بين مفكري القرن الثالث عشر، وكان ~~اللاهوتيون من قبل يؤلفون كل مخلوق من هيولى وصورة، فرد عليهم بأنهم يجهلون مبادئ ~~فلسفة أرسطو وشرح ابن رشد عليها، وهي تبين ما كان قد أثبته بويس من أن لا مادة إلا ~~في الجواهر الجسمية، ولكن جيوم يضع من الصور الجوهرية في كل موجود جسمي بقدر ما له ~~من كمالات متمايزة، خلافا ms096 لما يقرره أرسطو، ووفقا لما تضعه الأفلاطونية. ~~(3) النفس الإنسانية ~~(أ) ليست النفوس الإنسانية صادرة عن العقل الفعال أو عقل فلك القمر كما يقول ابن ~~سينا، ولكنها مخلوقة من الله مباشرة، أما ماهية النفس ونوع اتصالها بالجسم، فلا ~~تخلو أقوال جيوم فيهما من اضطراب: فهو يعرف النفس بعبارة أرسطو (وهي أنها كمال ~~أول لجسم طبيعي آلي) ويقول: إنها الصورة الجوهرية للجسم، ثم يشبه اتحادهما باتحاد ~~القيثاري بالقيثارة كما فعل أوغسطين آخذا عن أفلاطون، على أنه يعتبر هذا الاتحاد ~~طبيعيا، أسوة بأوغسطين أيضا، لا قسريا كما يرتئي أفلاطون وأفلوطين، ومع قوله ~~تتعدد الصور الجوهرية حيث توجد كمالات مختلفة، ينكر تعدد النفوس في الإنسان ويقول ~~بنفس واحدة روحية، فيعود إلى أرسطو ويخالف عامة الأوغسطينيين لعهده. ~~(ب) وهو يذهب إلى أن النفس تدرك ذاتها، ويأخذ من ابن سينا الدليل على ذلك، وهو ~~دليل وارد مرتين في كتاب الشفاء (م1 ف1، م5 ف7) ومرة في كتاب الإشارات (ص119 من ~~طبعة ليدن)، حيث يقول ابن سينا: «ارجع إلى نفسك وتأمل، هل تغفل عن وجود ذاتك ولا ~~تثبت نفسك، ولو زعمت أن ذاتك قد خلقت أول خلقها العقل والهيئة، وفرض أنها على جملة ~~من الوضع والهيئة لا تبصر أجزاءها ولا تتلامس أعضاؤها، بل هي منفرجة ومعلقة لحظة ما ~~في هواء طلق، وجدتها قد غفلت عن كل شيء إلا عن ثبوت إنيتها»، هذا الدليل يتفق مع ~~الأفلاطونية، ومعروف بدليل الإنسان الطائر، وجيوم يستنبط منه بساطة النفس، ويستدل ~~بالبساطة على امتناع تعدد القوى في النفس، فلا يعترف إلا بتعدد الأفعال، النفس تدرك ~~ذاتها واحدة بسيطة، وأنها هي التي تحس وتدرك وتريد، ألسنا نضيف لله صفات دون أن ~~نعتبرها زائدة على الذات الإلهية؟ كذلك الحال في النفس. ~~(ج) وفي مسألة المعرفة يعارض جيوم نظرية التجريد الأرسطوطالية بنظرية الإشراق ~~الأوغسطينية، فيقول: لو كان العقل يجرد المعقول من المحسوس لكان المعنى جزءا من ~~الصورة المشخصة - وهما في الحقيقة متمايزان - ولما بقي للعقل ميزة خاصة، إن للصور ~~المعقولة التي نعرف بها الماديات، وللمبادئ ms097 التي نحكم بها عليها، قيمة مستقلة عنها، ~~فلا يمكن أن تتولد عن معرفتها، وليس بصحيح أن إدراك العقل مقصور على الكلي، فإن ~~النفس تعرف ذاتها وهي موجود جزئي، وتعرف أفعالها وهي جزئية، وهذه المعرفة تدل على ~~أن باستطاعة العقل إدراك موجودات جزئية، الموجودات الروحية على الأقل، بل يجب أن ~~يقال: إن من طبيعة العقل إدراك الجزئي، غير أن الخطيئة الأصلية أوهنته حتى لم يعد ~~يرى المعقولات إلا كما يرى البصر الأشياء من بعيد، ويجب أن يقال إن الله يشرق ~~المعاني والمبادئ على العقل فيدركها العقل، ومعنى الإشراق إخصاب النفس بحيث تصير ~~المعاني والمبادئ فيها بالقوة، فتدركها بالفعل حالما تتأثر بإدراك حسي، وذلك هو ~~المعنى الوحيد لقول أرسطو: إن النفس لا تتعقل دون صور خيالية، فالعقل منفعل وفاعل، ~~يفعل بعد أن ينفعل بالإشراق أو الإخصاب الإلهي، ولا حاجة إذن إلى وضع عقل فعال من ~~دون الله، سواء داخل النفس كما يفعل أرسطو ، أو خارجها كما يفعل ابن سينا، أما داخل ~~النفس، فلأن النفس بسيطة فلا يتعدد فيها العقل، وأما خارج النفس، فلأن التعقل فعل ~~النفس ذاتها، وإن الوجدان لا يدل على ما يقوله ابن سينا من أن التعقل يتم بتوجه ~~النفس إلى العقل الفعال المفارق، والاتحاد به كلما أرادت أن تتعقل. ~~(د) فنحن هنا بإزاء فكر أوغسطيني تلقى فلسفة أرسطو وشراحه، فميز فيها بين ما ~~يقبله وما لا يقبله، ورائده المسيحية، ومنهجه النقاش والبرهان، وقد جاءت محاولته في ~~مسألة المعرفة مثالا لما سمي بالأوغسطينية الضاربة إلى السينوية: أخذ عن ابن سينا ~~المعنى المجرد الكلي، ولم يكن أوغسطين أعاره انتباها كافيا، وأخذ عنه إشراق العقل ~~الفعال للمعاني المجردة الكلية، فأضاف هذا الإشراق إلى الله، وكان أوغسطين وضع ~~الإشراق كمدد يؤيد العقل في الحكم الكلي الضروري، وسنصادف محاولات أخرى من هذا ~~القبيل إلى أن يتناول هذه المسألة وغيرها القديس توما الأكويني، ويحلها جميعا ~~على مقتضى الأرسطوطالية الخالصة. # الفصل الرابع # | ألكسندر أوف هاليس # (1175-1245) ~~(1) حياته ومصنفاته ~~(أ) إنجليزي، تلقى الفنون فاللاهوت بباريس، ثم علم ms098 الفنون بجامعتها سنين طويلة ~~وهو كاهن، إلى أن انضم إلى الفرنسيسكيين فكان أول شاغل لكرسي اللاهوت المخصص لهذه ~~الرهبنة بالجامعة. ~~(ب) له «مجموعة لاهوتية» ضخمة مهوشة لم تدرس بعد الدراسة الوافية، ونحن نذكر هنا ~~المعروف المشهور عنه فنقول أولا: إنه كان مطلعا تمام الاطلاع على جميع كتب ~~أرسطو تقريبا، وعلى الفلاسفة الإسلاميين، وبخاصة ابن سينا يمتدحه تارة وينقده ~~أخرى، ومما يأخذه عليه قوله بأزلية العالم، وبصدور الموجودات بعضها عن بعض لا عن ~~الله رأسا، وبأن عن الواحد لا يصدر إلا واحد، ويلاحظ بهذا الصدد أن ابن سينا يجعل ~~كثرة الأشياء السفلية تصدر عن عقل فلك القمر، فيضيف للوسيط قدرة أعظم من القدرة ~~التي يضيفها لله، وعلى العموم يرى ألكسندر «أن أوغسطين وأنسلم أجدر بالتصديق من ~~أرسطو.» ~~(2) أهم آرائه ~~(أ) وهو يعنى ببيان تركيب الخليقة، فيميز بينها وبين الخالق البسيط من كل وجه، ~~الخليقة - روحية وجسمية - مركبة ثلاثة أنواع من التركيب؛ أولا: من قوة وفعل. ~~ثانيا: من الماهية المجردة (كالإنسانية مثلا) والهوية المشخصة (كسقراط). وثالثا: ~~من هيولى وصورة، وليست الهيولى الروحية والهيولى الجسمية متجانستين، فإن الهيولى ~~الجسمية السماوية خاضعة للحركة المكانية فقط، والهيولى الجسمية الأرضية خاضعة لها ~~وللتغير الجوهري، أي للكون والفساد، بينما الهيولى الروحية منزهة عن هذين النوعين ~~من التغير، أما الصورة فمتكثرة في كل مخلوق بتكثر كمالاته. ~~(ب) وهو يتصور النفس الإنسانية جوهرا متمايزا من الجسم، مركبة من هيولى روحية ~~وصورة، بينما الجسم مركب من هيولى جسمية وصورة، غير أنهما متصلان اتصالا وثيقا ~~مباشرا؛ لأن النفس مرتبة للجسم بالطبع، وهو في كل هذا تابع لأوغسطين، ولكنه يتابع ~~أرسطو فيقول بتمايز قوى النفس وأفعالها من جوهر النفس، فينفصل عن الأوغسطينيين في ~~إحدى قضاياهم الرئيسية، ويعلل رأيه تعليلا عميقا، فيقول: إن الذات والفعل شيء ~~واحد في الله فقط، ويجب أن يتمايزا في المخلوقات، وفقا للنوع الأول من أنواع ~~التركيب. ~~(ج) وهو أوغسطيني حين يضيف للنفس ثلاث قوى دراكة، لكل منها موضوع خاص: النطق # ratio # وموضوعه: العالم المحسوس والأحكام ~~المتعلقة به، والعقل ms099 # intelligentia # وموضوعه: ~~الأرواح المخلوقة، والفهم # intellectus # وموضوعه: ~~الله والمثل الدائمة، ثم يلحق بالنطق نظرية أرسطو في التجريد فيقول: إن معاني ~~الجسميات هي وحدها المجردة بفعل العقل، ويجعل العقل الفعال لصورة النفس، والعقل ~~المنفعل لهيولاها، ويضعهما في النفس لا مفارقين، إذ كيف يكون الله خلق النفس على ~~صورته ومثاله دون أن يمنحها القدرة على التعقل؟ غير أن العقل الفعال ليس فعالا ~~بذاته وهو مخلوق، فهو مفتقر إلى إشراق إلهي يحركه فيحرك هو العقل المنفعل، أما ~~المعرفتان الثانية والثالثة فموضوعاتهما مفارقة للمادة بالذات، فهما راجعتان إلى ~~قوتين أخريين مفتقرتين هما أيضا إلى الإشراق الإلهي، وهذا مثال آخر للمزج بين ~~أوغسطين وأرسطو، أو لتكميل الأول بالثاني. # الفصل الخامس # | القديس بونافنتورا # (1221-1274) ~~(1) حياته ومصنفاته ~~(أ) إيطالي، فرنسسكي، تتلمذ لألكسندر أوف هاليس، وعلم بجامعة باريس، ثم انتخب ~~رئيسا عالما للبرهنة وهو في السادسة والثلاثين، وكان قد عين كردينالا في السنة ~~السابقة عليها. ~~(ب) له كتب فلسفية ولاهوتية وصوفية، أهمها: شرح على «أحكام» بطرس اللومبارذي هو ~~تدوين درسه بالجامعة، ورسالة في «سبيل النفس إلى الله»، وأخرى في «إرجاع الفنون إلى ~~اللاهوت» أي إخضاعها له كآلات أو وسائل. ~~(ج) أوغسطين مرجعه الأكبر، ويجمع إليه ديونيسيوس وأنسلم، وتبعا لهذا الاتجاه ~~يفضل أفلاطون على أرسطو: أفلاطون «حكيم» وأرسطو «عالم»، وفي الأفلاطونية العلم هو ~~المعرفة الاستدلالية للطبيعيات المدركة للأشياء الروحية الدائمة، والحكمة المثلى ~~عنده لاهوتية صوفية: فمهمة الفلسفة معاونة اللاهوت والتكمل به، ومهمة اللاهوت ~~التوجه إلى التصوف والانتهاء إلى الجذب، أما الاجتزاء بالفلسفة فإنه يشوه وجه ~~الحقيقة الكلية ولا يدع للعالم سوى قيمة طبيعية بحتة، في حين أن الفيلسوف المسيحي ~~لا يسعه إلا أن يرى امتناع تعقل العالم تعقلا كاملا بغير إرجاعه إلى الله علته ~~الفاعلية والنموذجية والغائية، فالفلسفة الحقة تتخذ من دراسة الله نقطتها المركزية، ~~وفي الواقع أن النظر في المعرفة الإنسانية وفي العالم يؤدي بنا إلى الله ~~ضرورة. ~~(2) المعرفة ~~(أ) للنفس معرفتان أو عقلان: عقل أدنى وعقل أعلى، فهي تتجه بجزئها الأدنى نحو ~~المحسوسات، وبجزئها الأعلى نحو ذاتها ms100 ونحو الله، ليست كل معرفة آتية من الحواس، ~~وإذا كان أرسطو قال: إنه ليس يوجد في العقل إلا ما سبق وجوده في الحس، فيجب أن يقصر ~~هذا على الأشياء التي توجد صورها في النفس على نحو مجرد وليست هي مجردة في حقيقة ~~وجودها، العقل المنفعل يتجه إلى الصور الخيالية، ويجرد بمعونة العقل الفعال، فيقدم ~~المعاني للعقل الفعال يتأملها، (فبونافنتورا يصطنع نظرية العقلين، ليكمل بها مذهب ~~أوغسطين في معرفة الماديات، أي ليفسر ما لدينا عنها من معان مجردة، ولكنه يفهم فعل ~~التجريد فهما خاطئا، إذ يخلط بين الوظيفتين المجردة والمتعقلة)، وهو يضع العقلين ~~في النفس ويقول: صحيح أن الله هو النور الذي ينير كل إنسان، وأنه الفاعل الأول في ~~كل فعل مخلوق، ولكن النفس ليست منفعلة فحسب، فإن الله منح كل مخلوق قوة فاعلية يحقق ~~بها فعله الخاص، هذا عن العقل الأدنى. ~~(ب) أما العقل الأعلى فموضوعه الأشياء المفارقة للمادة بالطبع، كالله وصفاته، ~~والنفس وأفعالها، وكيف يسبق لهذه الأشياء وجود في الحس؟ كذلك يقال في مبادئ التعقل: ~~هناك مبادئ تطبق على المحسوسات، حدودها مكتسبة بالحس، ولكن النسبة بين الحدود ~~تدركها النفس من تلقاء ذاتها، فهذه مبادئ فطرية بالإضافة فقط، وهناك مبادئ عقلية ~~بحتة، ترجع إلى العقل الأعلى من حيث حدودها والنسب بينها، مثل أنه يجب احترام ~~المبدأ الأول «الله» فوق كل شيء، ويجب تصديق الله الحق بالذات، ويجب إيثار الخير ~~الأعظم على كل خير، هذه المبادئ يدركها العقل في النفس حالما يتوجه إليها، فهي ~~فطرية إطلاقا، وهي أعلى من النفس، يحكم بها العقل ولا يحكم عليها، وليس أعلى من ~~النفس سوى خالقها، فهذه المبادئ مطبوعة في النفس من الله، ودالة عليه. ~~(ج) وإذا حللنا أفعالنا العقلية - نظرية وعملية - وجدناها تنتهي إلى الله كذلك، ~~فمن جهة النظر ننتهي إلى الله في التصور والحكم والاستدلال، أما التصور فهو إدراك ~~حد الشيء، وكل حد فهو بمعان أعم من المحدود، فما يزال العقل يرتقي في سلم المعاني ~~حتى يصل إلى أعلاها وأعمها وهو معنى الموجود ms101 بذاته، وعلى ذلك فالله «المعلوم الأول» ~~ولسنا نعلم موجودا تمام العلم ما لم نرجع حده إلى معنى الموجود المطلق، (هنا يخلط ~~بونافنتورا - كما خلط الأيليون من قبل - بين الموجود بالإجمال، وهو معنى مجرد غير ~~معين، وبين الموجود بالذات، أو واجب الوجود المعين في ذاته تمام التعيين، والذي لا ~~نعرف وجوده إلا بالدليل)، وأما الحكم فهو العلم بأن القضية حقيقة ثابتة، وأما ~~الاستدلال فهو العلم بأن النتيجة لازمة ضرورة عن المقدمتين، ولكن المحسوسات متغيرة ~~لا تثبت على حال، ولا تبرر ضرورة اللزوم، وعقلنا أيضا خاضع للتغير معرض للخطأ، ~~فيجب أن تقوم الحقيقة والضرورة على ما للأشياء من حقيقة ضرورية في الله نموذجها، ~~(وهنا أيضا يخلط بونافنتورا، فلو أنه فهم نظرية التجريد على وجهها لرأى أن العقل ~~إذ يستبعد الأعراض المتغيرة ويستبقي الماهية المجردة يحصل على شيء ثابت ضروري)، هذا ~~من جهة النظر. ~~(د) أما من جهة العمل، فإن العقل حين يبحث عن خير الوسائل لتحقيق غاية ما ، أي عما ~~هو أقرب إلى الخير الكامل، فهو حاصل بالضرورة على معنى الخير الأعظم منطبعا فيه، ~~(ولكن الحق أن معنى الخير الأعظم مجرد من الخيرات الجزئية، مثل معنى الموجود ~~بالإجمال المجرد من الموجودات الجزئية، أما الخير الأعظم بالذات أو الله، فلا نحصل ~~عليه إلا بالاستدلال). ~~(ه) والنتيجة التي يخرج بها بونافنتورا من هذا المبحث هي أن العقل الإنساني متصل ~~بالحقيقة الدائمة، بيد أنه ينبه على أن هذا الاتصال ليس اتصالا بذات الله أو رؤية ~~مباشرة - كما سيذهب إليه مالبرانش وأتباعه - وإنما هو اتصال بفكرة الله المنطبعة في ~~النفس، أو إعداد الله للنفس إعدادا ذاتيا بملكة أو هيئة تؤهلها لهذا الإدراك، ~~ومتى كانت فكرة الله مدركة في النفس على هذا الوجه - أي باعتبارها الأساس الذي تقوم ~~عليه أفعالنا العقلية - كانت هذه الفكرة موضوعية، ولقي دليل أنسلم التأييد الذي ~~يعوزه، هكذا ظن بونافنتورا، وقد اصطنع بالفعل دليل أنسلم، واعتقد أن الإيمان بوجود ~~الله فطري، وأن التدليل على هذا الوجود مجرد تفسير لإيماننا به، ولكن إذا تبين ms102 أن ~~فكرات الموجود والخير والضروري والكامل مكتسبة بالتجريد، فإنها تظل مجرد فكر ولا ~~تدل على وجود واقعي. ~~(3) العالم ~~(أ) يقول بونافنتورا: أنكر أرسطو وجود المثل في الله كأن المحسوسات موجودات مطلقة ~~غير مخلوقة، وهذا خطأ أساسي قاده إلى أخطاء أخرى، فأنكر عناية الله بالعالم، ~~والحساب بعد الموت، وقال بأزلية العالم، وبأن الأخلاق في غير حاجة إلى الخير الأعظم ~~بالذات، وقد نلتمس له العذر فيما ذهب إليه، ولكن مما يؤسف له أن أتباعه، لما رأوا ~~عبقريته في سائر الموضوعات، لم يصدقوا أنه أخطأ في هذه النقط فجروا وراءه، على أن ~~مذهبه باطل من ثلاثة أوجه: ~~(ب) أما أولا: فلأن طبيعة العالم مغايرة لطبيعة الله، فالعالم لم يصدر عن الله ~~بالطبع، بل صدر بالإدارة، وهذا يحتم القول بوجود مثل المخلوقات في الخالق، وما دام ~~العالم لم يصدر عن ذات الله فقد أوجده الله من العدم، وما كان لأحد أن يضع المادة ~~إلى جانب الصانع كمبدأ مستقل عنه، (وهنا يظن بونافنتورا أن الإيجاد من العدم يعني ~~الإيجاد بعد لا وجود وأن حرف «من» تلزم عنه علاقة تقدم وتأخر، فإذا عنينا إيجادا ~~أزليا غير مسبوق بعدم وقعنا في تناقض، كأنه يجعل للعدم وجودا خاصا قبل وجود ~~العالم، وحقيقة المراد بالعدم انتقاء مادة سابقة)، وأما ثانيا: فلأنه لما كان ~~العالم متغيرا كان معنى أزليته ازدياد اللانهاية بدوامه، وإن عدد دورات القمر ~~مثلا أكبر من عدد دورات الشمس اثنتي عشرة مرة، وليس يعقل التفاوت في اللانهاية، ثم ~~كيف وصل العالم إلى الآن الحاضر وليس له طرف أول وليس يمكن عبور اللانهاية؟ ولقد ~~كان أرسطو متجنيا على أفلاطون في نقد قوله ببدء الزمان، وهو قول يلوح أنه تفرد به ~~في العصر القديم، وأما ثالثا: فلأن من الممتنع وجود عدد لا متناه بالفعل، ولو كان ~~العالم أزليا لوجد عدد لا متناه من بني الإنسان، ولكان يوجد الآن عدد لا متناه من ~~النفوس الخالدة، وهذا خلف، فيلزم الإقرار باستحالة مساوقة العالم لله في الأزل، ~~(وإلى هذه النتيجة أراد أن ms103 يصل بونافنتورا، ظانا أن القول بأزلية العالم قول ~~باستقلاله عن الله، وسنرى القديس توما الأكويني يميز بين القولين، ويرد على حجج ~~أنصار الحدوث والقدم على السواء). ~~(ج) ونجد عند بونافنتورا سائر الآراء المشتركة بين الأوغسطينيين: تركيب المخلوق ~~أيا كان من ماهية ووجود، ومن هيولى (جسمية أو روحية) وصورة، ومن صور متعددة بتعدد ~~الكمالات، وعدم التمايز بين النفس وقواها، وانطواء الهيولى على أصول بذرية، وإلا ~~أضيفت للمخلوقات قدرة خالقة هي لله وحده، ولزم أن الطبيعة تحدث شيئا من لا شيء، ~~وقد كان لنظريته في المعرفة أثر قوي حتى لنقول: إن ديكارت، وإن مالبرانش وأتباعه ~~أقرب إليه منهم إلى أوغسطين، ومذهبه في جملته قوي، محبوك الأطراف، تتألق فيه مواهب ~~عالية من حرارة الروح، وسمو الفكر، وجمال الأسلوب. # الفصل السادس # | روبرت جروستيت # (1175-1253) ~~(1) حياته ومصنفاته ~~(أ) ننتقل من باريس إلى أكسفورد، ونتحدث عن أستاذ كان أول ممثل بارز للعلم ~~التجريبي في العصر الوسيط، ومن واضعي أسس العلم الحديث بمناهجه ونزعاته ، كان ~~أستاذا بالجامعة فمديرا عليها، فنظم الدراسة فيها مسترشدا بالبرامج الباريسية، ~~وكانت له علاقات متصلة ببعض الأساتذة الباريسيين، ثم عين أسقفا على لنكولن. ~~(ب) كان مترجما وشارحا ومؤلفا، نقل من اليونانية كتبا دينية، وأعاد نقل كتابي ~~الأسماء الإلهية واللاهوت الصوفي لديونيسيوس، ونقل عن أرسطو كتاب السماء، وكتاب ~~الأخلاق النيقوماخية، ولم يكن نقل إلى اللاتينية من قبل، وله شروح على ديونيسيوس، ~~وعلى التحليلات الثانية، والأغاليط، والسماع الطبيعي، والأخلاق النيقوماخية، وقد ~~ألحق بهذا الكتاب الأخير تعليقات على المعجم اليوناني والأجرومية اليونانية لتوضيح ~~ترجمته وتبريرها، وله رسائل في الفلسفة الطبيعية، وما بعد الطبيعة، والنفس. ~~(2) مذهبه ~~(أ) كانت عنايته بأرسطو عناية العالم المطلع فحسب، فقد كان أوغسطينيا، خالف ~~أرسطو في أصول جوهرية ترجع إلى مسألة المعرفة، وإلى منهج العلم الطبيعي، وإلى العلم ~~الطبيعي نفسه، ففي مسألة الممعرفة يأخذ على مذهب أرسطو أنه يتصور الروحيات بصور ~~حسية، لاعتماده على العقل الاستدلالي وحده لا على قوة أخرى دراكة للروحيات، بالعقل ~~الاستدلالي يبرهن الأرسطوطاليون على وجود الله والعقول والنفوس، فإذا ms104 ما أرادوا أن ~~يتصوروها «لم يروها إلا خلال التصورات الجسمية»، مثال ذلك: أنهم «عرفوا بالاستدلال ~~أن السرمدية بسيطة لا تتجزأ، ثم لم يدركوها إلا بصورة خيالية هي الامتداد الزماني»، ~~هذا خطأ أساسي جرهم إلى أضاليل شتى كأزلية الحركة والزمان، ومن ثمة أزلية العالم، ~~فيجب القول بقوة أخرى في الإنسان تدرك الروحيات، أما عبارة أرسطو القائلة «من فقد ~~حسا فقد علما» فهي صحيحة في حال الإنسان بعد سقطة آدم لا إطلاقا، وأما التجريد ~~فمجاله العلم بالمحسوسات لا العلم بالمعقولات. ~~(ب) وكان مثال العلم عنده وعند أساتذة أكسفورد، كتاب المناظر للحسن بن الهيثم، ~~لذلك هو يستخدم الأسلوب الرياضي في التدليل، ويعتقد أن الرياضيات وحدها تفسر ~~الظواهر الطبيعية، أي «أن علل هذه الظواهر يمكن أن تكون خطوطا وزوايا وأشكالا»؛ ~~لأن الطبيعة تعمل بأقصر الطرق، تبعا لمبدأ الاقتصاد والكمال، وأقصر طريق هو الخط ~~المستقيم، بهذا المنهج الرياضي تصير العلوم الطبيعية علوما برهانية، وهذا يعني ~~أنها تصير آلية تفسر الظواهر بالعلل الفاعلية دون الصورية، والعلل الغائية الملحوظة ~~عند أرسطو. ~~(ج) وهو يضع علما طبيعيا آليا يقوم على نظرية النور المعروفة عن الأفلاطونية ~~الجديدة، والتي اصطنعها أوغسطين والأوغسطينيون، فيذهب إلى أنه لما كان الله النور ~~بالذات، كانت الموجودات أنوارا بالمشاركة، مركبة أول ما تتركب من الهيولى والصورة ~~الجسمية، ثم تقبل باقي الصور على حسب درجتها في سلم الوجود، والصورة الجسمية نور، ~~والنور جوهر غاية في اللطافة، يقارب اللاجسمي، خصائصه أنه يتولد بذاته أبدا، ~~وينتشر في الهيولى فيمدها في الأبعاد الثلاثة ويولد الكم، ويعطي الجسم خصائصه من ~~جمال ولون وفعل، وانتشاره دائري فجائي حول نقطة مركزية يتكاثف عندها ويتخلخل عند ~~المحيط، سواء في جملة العالم، وفي كل جسم جسم، وهكذا حدث العالم: تكون الجلد حين ~~بلغ النور الغاية من التخلخل، وعكس الجلد نورا على مركز العالم، ومن هذا النور ~~المنعكس تكونت الأفلاك التسعة واحدا بعد آخر على التوالي حتى فلك القمر، ثم أفلاك ~~العناصر، النار، فالهواء، فالماء، فالتراب، بحيث تجتمع في الأرض آثار الأفلاك ~~العلوية وتتركز فيها. ms105 ~~(د) والنفس الإنسانية نور أسمى من نور الأجسام، وهي منتشرة في الجسم كله، ولكنها ~~لا تنفعل به، إذ لا ينفعل الأعلى بالأدنى، لذا كان الإحساس والفكر فعلين للنفس ~~ذاتها، ولا تمايز بين النفس وقواها، والرباط الذي يربط النفس بالجسم نور، والإدراك ~~فعل من طبيعة نورية، والعلم الإنساني إشراق من النور غير المخلوق نرى به حقائق ~~الأشياء، كذلك قال بونافنتورا بنور هو في ذاته صورة كاملة، ويتفاوت مرتبة بتفاوت ~~مراتب الوجود، حتى يصل إلى أدنى مظاهره الذي هو النور المدرك بالحس، وهكذا تبدو ~~الخليقة كأنها إشعاع النور الإلهي، ومثل بونافنتورا أيضا يئول العالم تأويلا ~~روحيا قائما على الخلط بين الحقيقة والمجاز، ولكن استخدام نظرية النور يسمح ~~لروبرت جروستيت بتطبيق المنهج الرياضي في دراسة الطبيعيات، فمتى كان النور جوهر ~~الأشياء، وكان فعله آليا متمشيا على قوانين رياضية، كانت الطبيعة خطوطا وزوايا ~~وأشكالا، حتى في علم الحياة، بل في الإحساس، وبونافنتورا لم يؤسس علما ~~طبيعيا. # الفصل السابع # | روجر بيكون # (1214-1294) ~~(1) حياته ومصنفاته ~~(أ) بعد أن درس بأكسفورد قصد إلى باريس وأقام بها ست أو ثماني سنين، ثم عاد إلى ~~أكسفورد وعلم بها، واضطر إلى الكف عن التعليم؛ لأنه كان يدخل السحر والتنجيم في ~~عداد العلوم التجريبية، ورجع إلى باريس، وظل طيلة حياته مصرا على رأيه هذا، ومن ~~ثمة كان موضع ريبة عند رؤساء رهبنته «الفرنسيسكية». ~~(ب) له شروح على الطبيعيات وما بعد الطبيعة لأرسطو، وعلى كتاب العلل لأبروقلوس، ~~هي ثمرة تعليمه بأكسفورد، ثم طلب إليه البابا - وكان يعرفه ويعطف عليه قبل ارتقائه ~~الكرسي الرسولي - أن يدون آراءه، فوضع «الكتاب الأكبر» وهو أهم مؤلفاته، مقسم إلى ~~سبعة أقسام: أسباب أخطائنا، العلاقة بين الفلسفة والعلوم وبين اللاهوت، علم اللغة، ~~الرياضيات، علم المناظر أو البصريات، العلم التجريبي، الفلسفة الخلقية، وبعد ذلك ~~وضع «الكتاب الأصغر» ضمنه بعض موضوعات الكتاب الأكبر وبحثا في الكيمياء، ثم ~~«الكتاب الثالث» ردد فيه بعض ما أثبته في الكتابين السابقين وزاد مسائل علمية ~~جديدة، وفي آخر حياته دون «موجز دراسة اللاهوت». ~~(ج) هو ms106 أوغسطيني يجعل للاهوت المقام الأول، ويصطنع جميع قضايا المدرسة ~~الأوغسطينية، فلا نكررها هاهنا ولكننا نذكر له رأيا خاصا في الكليات، ذلك أنه ~~يستنتج من نظرية تعدد الصور في الجزئي الواحد، أن الصور تؤثر في عقل الشخص العارف ~~مباشرة فيدركها مجردة، بحيث تنتفي الحاجة إلى عقل فعال مجرد - وهذا عود إلى ~~الوجودية القديمة كما صادفناها بنوع خاص عند جيوم دي شامبو - فيصير معنى الإشراق ~~الإلهي عنده أنه المدد الذي يبذله الله للإنسان في فعل المعرفة لا يختلف عن المدد ~~الذي يبذله لجميع المخلوقات في جميع أفعالها، وبهذا المعنى يقال: إن الله العقل ~~الفعال، وإنه نور عقلنا. ~~(د) وعلى الرغم من تصديه لشرح أرسطو لم يحط به إحاطة كافية ولم ينفذ إلى مقاصده، ~~كان يعيب الترجمات اللاتينية لكتبه ويقول «خير للاتين أن يجهلوا أرسطو من أن يعرفوه ~~عن طريق تلك الترجمات» ثم يخطئ هو في علمه به حتى يضيف إليه القول بالثالوث، ~~والخلق، وحدوث العالم! وقد وقف على الكتب الإسلامية وأفاد منها، وبخاصة كتب ابن ~~سينا والحسن بن الهيثم، كان أعرف معاصريه بحياة ابن سينا ومصنفاته، وهو يقدمه على ~~ابن رشد، ويعتبره أول اسم كبير بعد أرسطو «أهم شراحه» و«زعيم الفلسفة»، ولكنه يأخذ ~~عليه قوله بأزلية العالم، وبصدور الموجودات بعضها عن بعض، ويذكر أن ابن سينا وضع ~~مذهبه الخاص به «الفلسفة المشرقية» بعد أن دون للعامة كتاب الشفاء، وينقل عنه في ~~الطب، وينقل تجارب الحسن بن الهيثم في المناظر. ~~(ه) وهو يمتاز بشعوره القوي بأهمية التجربة وضرورتها، وما أكثر ما نعى على أهل ~~عصره - وبخاصة أساتذة باريس - عدم عنايتهم بالطريقة التجريبية، وصرح بأن هذا ~~التقصير سبب جهل المثقفين بجميع أسرار العلم تقريبا، وأكبر الأسرار، وفي هذا الباب ~~يعترف بالفضل عليه لعدة علماء، أهمهم أو أعرفهم لدينا رجلان، أحدهما: أستاذه ~~جروستيت، علمه ضرورة الرياضيات للعلوم، والآخر: بيير دي ماريكور الفرنسي عرفه ~~ضرورة التجربة لتكميل المنهج الرياضي، فقد كان يقول: «إن الفلسفة الطبيعية ~~والرياضيات لا تكفي لتصحيح الأخطاء في العلوم، بل يجب أن يجمع ms107 إليها المجرب المهارة ~~اليدوية في إجراء التجارب» فيسميه بيكون «رب التجارب»، ولا نعلم عنه سوى أن له ~~كتابا في المغناطيس بقي خير كتاب في موضوعه إلى أوائل القرن السابع عشر، ورسالة في ~~«تركيب جديد للأسطرلاب»، يضاف إلى هذين الرجلين المؤلفون اليونان والعرب الذين قرأ ~~كتبهم منقولة إلى اللاتينية. ~~(2) المنهج العلمي ~~(أ) يحصر بيكون وسائل المعرفة في ثلاث، وهي: «النقل، والاستدلال، والتجربة، أما ~~النقل فلا يولد العلم ما دام لا يعطينا علة ما يقول، وأما الاستدلال فلا نستطيع أن ~~نميز به القياس البرهاني من القياس المغالطي إلا إذا أيدت التجربة نتائجه، فهي التي ~~تظهره للعيان»، ويرتب الدراسة على النحو التالي: الرياضيات، فالعلوم الطبيعية، ~~فالفلسفة، فالأخلاق، فاللاهوت أو الحكمة الكلية التي تلتقي فيها جميع ~~العلوم. ~~(ب) خاصية الرياضيات أنها فن البرهان، ولذا يتوقف المنطق عليها، إذ فيها دون ~~سواها نعرف ما المبادئ أو الأصول؟ وما النتائج؟ وما البرهان الحق الذي يبين العلة ~~الذاتية الضرورية؟ بدونها لا تفهم العلوم ولا تعلم، فهي ضرورية للغاية في تكوين ~~العلم، والأمر واضح في الظواهر الفلكية، ولما كانت الظواهر الأرضية تابعة للكواكب، ~~فيمتنع فهم ما يجري على الأرض إذا جهلنا ما يجري في السموات، وفوق ذلك، كما بين ~~جروستيت، من المحقق أن جميع الأفعال الطبيعية تتم وتنتشر وفقا لخصائص الخطوط ~~والزوايا والأشكال، فإذا لم تستعن العلوم بالرياضيات كانت مجموع ظنون ~~وأخطاء. ~~(ج) والسبب في وضوح الرياضيات أنها تستخدم ضربا من التجربة، إذ تبين الحقيقة ~~للحواس في أعداد وأشكال فتجعلها محسوسة، على أن التجربة فيها ناقصة؛ لأنها لا ~~تظهرنا على الحقيقة في جزئيتها، فلا بد من تكميلها بالتجربة التي تقفنا على الظواهر ~~في ذاتيتها، فتولد في النفس يقينا أقوى من يقين الاستدلال، لنفرض رجلا يبرهن بحجج ~~سليمة على أن النار تحرق، فإذا كان سامعه لم ير النار قط فهو لا يقتنع ولا يتجنب ~~النار ما لم يضع فيها يده أو شيئا آخر، إن الاستدلال يلزم فقط بتسليم النتيجة، ~~والتجربة تقنع بصحتها، والبرهان الذي يقول أرسطو: إنه يولد العلم، ms108 يجب أن يفهم على ~~أنه البرهان المقترن بالتجربة، لا مجرد البرهان. ~~(د) وللتجربة وظيفتان، هما: تحقيق النتائج التي تصل إليها العلوم بالاستدلال، ~~واستكشاف حقائق جديدة، فتنتهي إلى تكوين علم قائم برأسه، لا يرجع لعلم من العلوم ~~المعروفة، هو العلم ~~التجريبي # Scientia experimentalis ~~(وهذه أول مرة يظهر فيها هذا الاسم) ويدل على علم يخولنا ~~سلطانا على الطبيعة بأن يتيح لنا عمل كل ما تعمله الطبيعة، وكل ما يعمله الفن ~~محاكيا الطبيعة، ووسيلته الاستقراء، أي الملاحظة وإجراء التجارب بحيث يتألف من ~~جملتها القانون الكلي، وتستخدم في ذلك جميع الحواس، وبخاصة البصر، وتمتاز التجربة ~~العلمية على التجربة العادية بأنها تستعين بآلات، كالكرة والمزولة والأسطرلاب في ~~علم الفلك، ولا تقتصر على ملاحظة الظواهر الواقعة، ولكنها تعمل على إيجاد ظواهر بعد ~~تخيلها وعرضها على العقل، فإن العقل يساعد الطبيعة بالفن، فالمجرب يطهر ويقطر ويحرق ~~ويحلل، وينوع تجاربه «إلى غير حد»، ليضاهي بين مختلف الحالات التي تحدث فيها ~~الظاهرة الواحدة، فإذا كان يبحث عن علة قوس قزح مثلا قارن بين ظهوره على البلورات، ~~وظهوره على المياه المتدفقة من الطواحين «هكذا على أنحاء لا تحصى طبيعية وفنية»، ~~ويذكر منها بيكون تجارب وردت في كتاب الآثار العلوية لأرسطو (م3 ف4). ~~(3) العلوم وفوائدها ~~(أ) هذا العلم - بوسائله المذكورة - في غير حاجة إلى تبرير عقلي، إنه يبرر نفسه ~~بما يخول الإنسان من سلطان على الطبيعة، وهذا السلطان يبرر نفسه بفائدته في خلاص ~~الإنسانية وفوز المسيحية، فمما يعمله بمحاكاة الطبيعة وتسخير قواها: حمامات ساخنة ~~تحتفظ بسخونتها بغير نار، مصابيح تضيء باستمرار دون تجديد وقودها، مواد ملتهبة تهلك ~~جيشا بأكمله في طرفة عين، مواد متفجرة تحدث دويا هائلا وأضواء شديدة، مساحيق ~~تهلك الحيوانات السامة للحال، مرايا ترسل على العدو أشعة محرقة، وأخرى ترسل سحبا ~~مسمومة ومرايا سحرية، وأخرى تكثر الصور أو تكبرها أو تصغرها للغاية، آلات وأدوات ~~توفر للناس الراحة وترفه عنهم، سفن بلا مجاديف ولا أشرعة يدفعها شخص واحد فتجري ~~بقوة وسرعة لا تبلغ إليها سفننا ولو كانت غاصة بالمجدفين، مركبات ms109 شديدة السرعة تجري ~~بذاتها دون أن يجرها حيوان، آلات طائرة يحرك الإنسان أجنحتها كما يفعل الطير، ~~آلات للغوص في أعماق البحر دون التعرض لأي خطر، آلات لرفع الأثقال الضخمة بسهولة، ~~جسور تقام على الأنهر دون أعمدة تسندها. ~~(ب) وللعلم التجريبي آيات في الكيمياء والتنجيم والسحر، ليست الكيمياء مقصورة على ~~أنها العلم النظري بالمعادن، ولكنها أيضا وبنوع خاص علم عملي يرمي إلى تحويل ~~المعادن، وإيجاد حجر الفلاسفة (وبيكون يخصص له أبحاثا مطولة غامضة) وتركيب إكسير ~~الحياة - ولم لا؟ إن عمر الإنسان لا يجاوز الثمانين، ولكننا نستطيع أن نعمر مثل ~~النسر والغراب والثعبان، إن السبب في ضعف الشيخوخة وقصر العمر الإسراف الجسمي ~~والخلقي، وتنقل الوراثة الضعف من جيل إلى جيل، ولا يستطيع لها الطب سوى مقاومة ~~ضئيلة، ولكن الكيمياء العملية تقضي على أسباب الضعف بإكسير الحياة (ويذكر بيكون ~~واحدا من تراكيبه في عبارة مبهمة لأهمية السر!). ~~(ج) أما التنجيم فعلم صحيح من حيث إن حركات الأجرام السماوية علل الأحداث ~~الأرضية، فإذا عرفنا قوانين هذه الحركات استطعنا أن نعرف الماضي والحاضر والمستقبل، ~~وإن التنبؤ بالمستقبل لعظيم الفائدة في تدبير الحياة الخاصة والعامة، والمنهج في ~~علم التنجيم المقارنة بين الأحداث الإنسانية المدونة في التاريخ، وبين مواقع النجوم ~~في أوقاتها، ثم الاعتماد على هذا التقابل لتوقع المستقبل واختيار الأوقات الملائمة ~~للعمل، فمثلا يمكن تعديل أخلاق شعب ما باستخدام التأثيرات السماوية المنتشرة على ~~سطح الأرض لتعديل الجو، أو يمكن إنزال الدهش بجيش كامل بوساطة حجر بسيط نلائم بينه ~~وبين الأفاعيل العلوية، أو يمكن استبعاد شخص مدى الحياة إذا جعلناه يأكل نباتا زرع ~~ونما تحت تأثير مواقع معينة من مواقع الشمس. ~~(د) وأما السحر فعلم كذلك يحصل على نتائج مدهشة بمجرد الكلام، ذلك بأن الأجسام، ~~بما فيها جسم الإنسان، ينبعث عنها بخارات نافعة أو ضارة بحسب حال الجسم المنبعثة ~~عنه من السلامة أو الفساد، والنفوس أيضا ترسل من خلال الجسم بخارات أدق وأفعل من ~~تلك، فإذا ما صدرت عن نفس سليمة ذات جسم سليم إرادة قوية بأن ms110 يحدث كذا في الطبيعة، ~~تحققت هذه الإرادة، وبخاصة إذا صدرت في أوقات مناسبة من مواقع النجوم، فاجتمعت إلى ~~تأثيرها تأثيرات السماء، والكلام هو الذي ينشر إرادات النفوس خلال الطبيعة، الكلمة ~~بنت النفس، بها تأمر النفس الجماد والحيوان وجسم الإنسان، بل تأمر النفوس خلال ~~الأجسام، سواء في ذلك الكلمة الملفوظة أو الكلمة المكتوبة كالأحجية والتعازيم، على ~~أن السحرة ثلاث فئات: سحرة جهلاء دجالون، وآخرون علماء ولكنهم يستعملون علمهم في ~~سبيل الشر بالائتمار مع الشياطين! وسحرة علماء يخدمون الدين والأخلاق، فهناك سحر ~~حلال نافع، وكان بيكون يلح في هذه النقطة، ويريد السلطة الكنسية على أن توافقه فيها ~~وترفع عنه الشبهة، على أنه كان يرى أن ليس من الحكمة ترك مزاولة السحر الحلال لأي ~~كان، ويقول بوجوب تقييد هذا الحق بأن يخوله البابا رجالا ممتازين. ~~(ه) هذه علوم عجيبة تبدو أفاعيلها كالمعجزات؛ لأنها تفوق ما للطبيعة والفن من ~~سلطان مألوف، فهي سرية بالذات، ويجب أن تبقى كذلك فتلقن سرا وتقصر على نخبة، لذا ~~يجتهد جميع الإخصائيين في إخفاء علمهم تحت الصور والرموز، والعلم التجريبي السري ~~رأس العلوم والفنون الطبيعية، فإن سلطانه يحقق غاياتنا الكبرى الثلاث: فهو يوفر لنا ~~الخير الأعظم للجسم بإكسير الحياة، والخير الأعظم من حيث الثروة بحجر الفلاسفة، ~~ويعاون بهذين الخيرين على توفر الخير الروحي للنفس، وهذه الغاية الأخيرة هي الغاية ~~القصوى، لذا يجب أن يكون العلم التجريبي في خدمة الكنيسة، يهيئ لها أسباب النجاح في ~~مهمتها الجلى، فإذا استخدمه المبشرون إلى جانب الوعظ والإرشاد، جنوا منه ثلاث ~~فوائد، الواحدة: أن مصنوعاته العجيبة تبدو كالمعجزات في نظر الكفار، فيقولون في ~~أنفسهم: إذا كانت الطبيعة تحدث أمثال هذه العجائب، فلم لا نخضع عقلنا للحقائق ~~اللإلهية؟ والفائدة الثانية: أن هذا العلم يكشف خداع السحر الكاذب الذي تقوم عليه ~~ديانة الكفار، والفائدة الثالثة: أنه يغني المسيحيين عن كثير من الدم والجهد في ~~محاربة الكفار الذين يصرون على كفرهم، بما يتيحه لهم من وسائل وآلات، وإذن فليس ~~يليق أن يضطلع بالتبشير إلا العلماء من لاهوتيين ms111 وفلاسفة، يخاطبون المستنيرين من ~~الكفار فيكسبون الشعب بواسطتهم، أو يستكشفون وسائل حربية، إن عالمين أو ثلاثة لخير ~~من جيش، وهذا درس تعلمه الصليبيون بالتجربة القاسية، فإذا لم يقلد اللاهوتيون ~~والفلاسفة زمام الحكم، فلا أقل من أن يتخذ الأساقفة والحكام مستشارين منهم، ليدبروا ~~المجتمع تدبيرا عقليا، كما أراد أفلاطون لمدينته. ~~(و) وهكذا يمتزج عند روجر بيكون الدين والعلم والعمل، ويلتقي بعد النظر مع شيء ~~غير قليل من السذاجة، عالج كل ما عالجه مفكرو عصره من مسائل لاهوتية وفلسفية، وزاد ~~عليهم اشتغاله بالعلم التجريبي فدل على سعة اطلاع وحسن إدراك للشروط اللازمة لتقدم ~~العلم، ولكنه لم يساهم شخصيا في هذا التقدم، إذ لم يكن عالما مجربا، وكل ما ~~يذكر له بهذا الصدد أنه صنع آلات بصرية، وأدخل شيئا من التحسين على بعض منها كان ~~موجودا، وهو يعرف ذلك التقصير من نفسه، ويعتذر بقلة المال، وقد أربت نفقاته ~~العلمية في عشرين سنة على ألفي جنيه إسترليني، يبقى أنه وضع نظرية العلم التجريبي، ~~وفطن لفوائده ، وتنبأ بمستقبله، ورسم لأوروبا طريق السيادة على العالم. # الفصل الثامن # | القديس ألبرت الأكبر # (1206-1280) ~~(1) حياته ومصنفاته ~~(أ) في الوقت الذي ألفت فيه لجنة لتهذيب كتب أرسطو، ولم تؤد اللجنة مهمتها كان ~~ألبرت يضطلع بتلك المهمة وحده وهو على بينة من غرضه وأهميته البالغة، فقد كان أول ~~من عرف للأرسطوطالية مزاياها، وأول من عرضها للغربيين، وأول من ساهم في العلوم ~~مساهمة أصيلة، ولد في بافاريا، ولما بلغ السادسة عشرة قصد إلى إيطاليا، حيث اختلف ~~إلى جامعة بولونيا، فإلى جامعة بادوفا. وفي هذه المدينة دخل رهبنة الدومنيكيين، ~~وعكف على العلم، وبعد خمس سنين أخذ في التعليم متنقلا بين الرهبنة وفي 1240 أرسل ~~إلى باريس، فحصل بها بعد خمس سنين على لقب أستاذ في اللاهوت، وشرع يعلم بجامعتها ~~على أساس كتب أرسطو، وكانت ما تزال محرمة رسميا، فكان عمله جريئا، ولكنه كان ~~عملا ضروريا لشدة الحاجة إليه حينذاك، فأصاب نجاحا عظيما وفاز بشهرة أوروبية، ~~ولما توفي كانت كتبه تقرأ وتشرح وتذكر صراحة ms112 في معرض الاستشهاد إلى جانب كتب أرسطو ~~وابن سينا وابن رشد، بالرغم مما كان يقضي به العرف من عدم ذكر المعاصرين في الكتب ~~العلمية، ولم يمض على وفاته ربع قرن حتى كان يلقب بالأكبر. ~~(ب) تتوزع كتبه إلى طوائف ثلاث: لاهوتية، وفلسفية، وعلمية، أما الكتب اللاهوتية ~~فأهمهما شرح على كتاب الأحكام، شرح على كتب العهدين القديم والجديد، «مجموعة في ~~المخلوقات» و«مجموعة لاهوتية»، شروح ديونيسيوس، وأما الكتب الفلسفية فهي شروح على ~~أرسطو: المنطق، الطبيعيات، ما بعد الطبيعة، الأخلاق النيقوماخية، السياسة، وشرح على ~~كتاب العلل، وهو كتاب كان يعزى لأرسطو ولكن ألبرت كان يعلم أنه منحول، وكان يرى أن ~~داود اليهودي جمعه من كتب أرسطو وابن سينا، ورسالة «في وحدة العقل ردا على ابن ~~رشد» حررها بإشارة البابا سنة 1256، وأما الكتب العلمية فمنها: كتاب النبات، أساسه ~~الكتاب الموسوم بهذا الاسم والمنسوب إلى أرسطو، في خمس مقالات يشرحها بإسهاب ~~مستبدلا نباتات ألمانية بالنباتات التي لم يكن يعرفها، ويضيف ثلاث مقالات من عنده، ~~وكتاب الحيوان، أساسه كتب أرسطو في الموضوع ومجموعها تسع عشرة مقالة فضاعف هو حجمه، ~~إذ وصف فيه عددا كبيرا من حيوان البلدان الشمالية لم يذكرها أرسطو، وخصص خمس ~~مقالات للحكايات عن الحيوان على الترتيب الهجائي، لتسهيل المراجعة، وصحح بعض أقوال ~~أرسطو وبلينوس، وكتاب المعادن، يقول فيه: إنه قام برحلات عديدة لدراستها، وكتاب ~~الآثار العلوية، يذكر فيه أنه رصد نجما مذنبا في ساكس سنة 1240. ~~(ج) وقد عرض آراء أرسطو عرضا أمينا دقيقا، وجاء عرضه عبارة عن تمثيل وتكميل ~~على طريقة ابن سينا في كتاب الشفاء، لا شرحا حرفيا على طريقة ابن رشد، وكان أوسع ~~منها حرية بإزائه، وقد قال في مفتتح الطبيعيات: «من يعتقد أن أرسطو إله يعتقد ~~بالضرورة أنه لم يخطئ، أما من يعتقد أنه إنسان فهو يعتقد من غير شك أنه قد يكون ~~أخطأ مثلما نخطئ نحن»، ودل في نفس الموضوع على منهجه، قال: «غرضنا أن نرضي رهباننا ~~بقدر استطاعتنا وهم يطلبون إلينا منذ سنوات أن نضع لهم كتابا في ms113 الطبيعة يجدون فيه ~~دراسة وافية للعلوم الطبيعية ويعطيهم مفتاحا لفهم كتب أرسطو، أما طريقتنا فهي أننا ~~سنتبع ترتيب كتب أرسطو وآراءه، ونقول كل ما يبدو لنا ضروريا لتفسيرها والتدليل ~~عليها، ولكن دون إيراد أقواله، ثم نستطرد لتوضيح الشكوك، وتفصيل ما أجمله الفيلسوف ~~فأغمض فكره على كثيرين، وسنبين في عناوين الفصول إن كان الفصل واردا في كتب أرسطو ~~أو كان استطرادا منا، ونحن إذ نتبع هذه الطريقة نصنف كتبا بعدد كتب أرسطو وبنفس ~~أسمائها، ونضيف أجزاء إلى الكتب التي تركها ناقصة، ونضيف كتبا برأسها لم يدونها أو ~~دونها ولم تصل إلينا»، هذه الطريقة تبين عن غرض أساسي هو الاستفادة من أرسطو مع رده ~~إلى حكم العقل، وتكميله بمكتشفات العلم، فهي تدل على محاولة لوضع مذهب، لذا كان ~~تلاميذه ومعاصروه يعتبرونه فيلسوفا أصيلا لا مجرد شارح. ~~(2) مذهبه ~~(أ) على أنه لم يوفق إلى وضع مذهب متسق، ذلك بأنه، مع غلبة أثر أرسطو على فكره، ~~بقي مترددا بين التيارات المختلفة التي كانت تتجاذب عصره، كانت رهبنته، بل كان ~~الغرب بالإجمال، على مذهب أوغسطين، وقد احتفظ هو منه بأشياء، ولم يفطن إلى إمكان ~~تصحيح «أضاليل» أرسطو في ما بعد الطبيعة بالرجوع إلى أرسطو نفسه وإحكام تطبيق ~~مبادئه، فآثر عليه أفلاطون، وقد قال: «لا يصير المرء فيلسوفا متينا ما لم يحصل ~~على العلم بأرسطو وأفلاطون معا»، كما أنه اصطنع آراء أفلاطونية جديدة، وكان في ~~تأويله لأرسطو يميل إلى اتباع الفارابي وابن سينا وابن ميمون، ويعارض ابن رشد وابن ~~جبرول، فهو متخير، بل متردد في تخيره وقد اجتمعت له هذه المواد الكثيرة، فإن عد ~~طليعة الأرسطوطالية فبسبب اتخاذ كتب أرسطو أساسا لغرض الفلسفة، واصطناعه بعض ~~آرائه، وعمله من ثمة على نشر دراسته. ~~(ب) ولقد كان أكبر أثر لتمثله كتب أرسطو تمييزه الحاسم بين الفلسفة واللاهوت، فقد ~~رأى تلك الكتب تضم مذهبا تاما في الوجود قائما على الملاحظة والبرهان ليس غير، ~~فكانت النتيجة المحتومة عنده أن «الأمور اللاهوتية لا تتفق في مبادئها مع الأمور ~~الفلسفية، فإن اللاهوت ms114 يقوم على الوحي دون العقل، وإذن فلا نستطيع في الفلسفة الخوض ~~في مسائل لاهوتية»، ولكننا نستطيع في اللاهوت استخدام الفلسفة، بل يتحتم علينا ذلك ~~لتفهمه على قدر الإمكان، وألبرت يحمل على «الجهلاء الذين يريدون محاربة استخدام ~~الفلسفة بجميع الوسائل» ويدعوهم «حيوانات عجماوات يسبون ما يجهلون»، على أن الفلسفة ~~هاهنا عارفة حدودها، فهي تلتزمها بدقة، فيضيق مجال التدليل العقلي في اللاهوت عما ~~هو عند الأوغسطينيين، أما في سائر العلوم فالمرجع إلى العقل، ولألبرت أقوال كثيرة ~~بهذا المعنى: فهو يردد قول سنيكا: «لا من يقول بل ما يقول أعقل» ويعلن أن «من العار ~~إبداء رأي في الفلسفة دون دعمه بالدليل» وأيضا «نقول مع ابن رشد: ما من سبب لاتباع ~~المشائين طرق أرسطو في معظم الأحوال سوى أن صعوبات قليلة أو لا صعوبة بالمرة تنتج ~~من أقواله» وأيضا «إن اهتمام البعض بالمؤلفين عديم الجدوى، الفيثاغوريون وحدهم ~~اتبعوا رأي زعيمهم في كل شيء، أما الباقي فيقبلون الآراء من أي جهة جاءت بشرط أن ~~تحمل معها أدلتها .» ~~(ج) وإذا أردنا تلخيص آرائه في المسائل الرئيسية بدأنا بمسألة الله، فقلنا: إنه ~~في مؤلفاته الأولى يشرح ويفسر وجود الله أكثر مما يبرهن عليه، تمشيا مع ~~الأوغسطينية، بل في شرحه على قول ديونيسيوس: إن الله مجهول، نراه كأنه يسبق كنط إلى ~~أن الحكم بوجود الله، أي ذات لا متناهية، ابتداء من المعلومات المتناهية، خروج ~~بمبدأ العلية إلى أبعد مما ينبغي، إذ إن هذا المبدأ لا يتطلب سوى علة متناسبة مع ~~المعلول، وليس بين الله والعالم تناسب، ولكنه بعد أن تحول إلى أرسطو، لم يعتبر وجود ~~الله بينا بذاته كما يعتبره الأوغسطينيون، ولم ير إمكان استنباطه من فكرة الله ~~كما يستنبطه أنسلم، وإنما قال بوجوب البرهنة عليه، وعاد إلى الإشكال المتقدم فحله ~~على النحو التالي: إننا أولا نصل إلى علة أولى بناء على استحالة التسلسل إلى غير ~~نهاية، وبعد ذلك يلزم لدينا من كونها العلة الأولى أنها غير متناسبة مع العالم ~~بالضرورة؛ لأنها إن كانت متناسبة معه كانت متناهية ms115 مثله، فلم تكن أولى بل افتقرت ~~إلى علة، وعدنا إلى التسلسل وهو مستحيل بموجب مبدأ العلية، ويستعيض ألبرت عن ~~وصف الله بأنه المحرك الأول، وهذه صفة تدل على الفعل فقط، بقوله: إنه الموجود ~~اللامتناهي، وهذه صفة دالة على الذات الإلهية. ~~(د) وفي مسألة الخلق يتبع رأي ابن ميمون فيقول: إن أدلة أرسطو على أزلية العالم ~~والأدلة المقابلة لها على الحدوث متعادلة القوة، وإن العقل قاصر عن البرهنة على أحد ~~الطرفين، وإن الوحي وحده يحسم هذه المشكلة، وكذلك سيكون موقف القديس توما الأكويني، ~~كما سنبينه في الفصل الآتي، أما كيفية صدور الموجودات عن الله، فلألبرت فيها قولان ~~أو ثلاثة: ففي شرحه على كتاب العلل يقول: إن الله أوجد «العقل» أو المعلول الأول ~~بفعل خالق (يسميه صدورا وانبثاقا، ولكنه يريد به غير ما يريد الأفلاطونيون ~~وأتباعهم) وأن العقل عاون الله في إيجاد سائر العقول المفارقة والنفس العالية ~~والجواهر الجسمية، وفي شرحه على طبيعيات أرسطو يقرر أن السموات صدرت عن الله رأسا ~~باختيار إرادته، ثم يستدرك فيقول: «على أنه ليس يمكن البرهنة على أحد هذين الرأيين، ~~وكل ما يمكن إنما هو إيراد حجج محتملة»، فهو يعود هنا أيضا إلى الوحي. ~~(ه) والمخلوقات مركبة من ماهية ووجود، فإن الوجود لا يدخل في حدها، فهو طارئ ~~عليها، والعقول المفارقة أو الملائكة مركبة من موضوع وصورة تحل في الموضوع، دون أن ~~يكون هذا الموضوع هيولى أو يمت إلى الكمية بسبب، ثم يقول تارة: إن الملائكة أنواع ~~متشخصة، وطورا: إنهم أفراد نوع واحد، أما النفس الإنسانية فصورة خالصة غير مركبة ~~من هيولى روحية، وأما الأجسام فمركبة من هيولى وصورة جسمية هي نور، ينضاف إليها في ~~كل جسم صور نوعية بقدر كمالاته، والهيولى مستودع لأصول بذرية، لا مجرد قوة، ففي ~~جميع هذه النقط تجد ألبرت مترددا بين الأوغسطينية والأرسطوطالية. ~~(و) والنفس الإنسانية صورة جوهرية أو هي الفعل الأول للجسم كما يقول أرسطو، ولكن ~~بعد الصورة الجسمية، وهي مبدأ جميع الأفعال الحيوية، فليس الإنسان مؤلفا من ثلاث ~~نفوس، أما ms116 اتصالها بالجسم، فتارة يقول ألبرت: إنه مباشر، وطورا يتابع بعض ~~الأوغسطينيين فيضع بينهما واسطة هي نور، والنفس روحية، يدل على ذلك استقلالها ~~بأفعالها العليا من تجريد وحكم واستدلال وإرادة وانعكاس على ذاتها، لذا كانت مخلوقة ~~من الله، بينما النفس النباتية والنفس الحيوانية صادرتان عن الأصول البذرية الكامنة ~~في الهيولى، ولما كانت النفس الإنسانية روحية كانت خالدة، ويظن ألبرت أن النفس عند ~~أرسطو على قدر الجسم وتابعة له في مصيره، فيستعين بأفلاطون للتدليل على الروحية ~~والخلود، يقول: «يجب القول وتكرار القول: إننا حين نفحص عن النفس ذاتها يتعين علينا ~~اتباع أفلاطون، وحين ننظر إلى ما تمنح الجسم من حياة يتعين علينا اتباع أرسطو»، ~~وهكذا يستمر في التخير والتوفيق. ~~(ز) وفي المعرفة يوفق بين أوغسطين وأفلاطون وأرسطو فيقول: إن الكليات موجودة في ~~الذات الإلهية، وتشع عنها فتوجد خالصة، وتتحقق في الأفراد، ويجردها العقل الإنساني، ~~وهو يدعو كل معرفة تجريدا، حتى المعرفة الحسية على اعتبار أن الحس يدرك موضوعه ~~منفصلا أو مجردا عن سائر كيفيات الشيء، وسنصادف هذا المعنى عند الحسيين المحدثين ~~يحاولون أن يردوا إليه التجريد العقلي، على أن التجريد الأكمل عند ألبرت هو هذا ~~التجريد العقلي الذي يستخلص الماهية من علائقها المادية، وهذا التجريد يستلزم عقلا ~~فعالا، وجميع المعارف العقلية مستمدة من الإحساس، ما خلا المبادئ الأولية، كمبدأ ~~عدم التناقض، فإنها وإن كانت حدودها مجردة من الإحساس، إلا أن معانيها غريزية في ~~النفس أو مدركة في النور الإلهي كما يقول أوغسطين، ولكل نفس إنسانية عقلها الفعال، ~~وعقلها المنفعل، وذلك موضوع رسالته في «وحدة العقل ردا على ابن رشد»، يورد فيها ~~ثلاثين دليلا على رأي الفيلسوف الإسلامي، ويرد عليها واحدا بعد آخر، ثم يورد ستة ~~وثلاثين دليلا ضد الرأي، وينتهي بتقرير رأيه هو والخلود الشخصي المترتب ~~عليه. ~~(ح) وخلاصة القول فيه أنه استوعب المذاهب ولم يسيطر عليها، فلا عجب أن يكون ~~تلاميذه انقسموا فريقين، فريق مضوا في الأفلاطونية الجديدة، وهم الجرمان، وفريق ~~مضوا في الأرسطوطالية، وعلى رأسهم توما الأكويني، هذه الحركة الثانية ms117 هي أثره ~~الخاص، فقد كانت الأفلاطونية شائعة من قبل، في حين كانت الأرسطوطالية موضع إنكار، ~~فصارت بإقدامه ونفوذه موضع نظر وتقدير، دون أن ينتهي هو إلى أرسطوطالية خالصة، ولما ~~اشتدت الحملة على القديس توما بسبب أرسطوطاليته، قصد إلى باريس من كولونيا، على بعد ~~الشقة وتقدم السن، ليدافع عن تلميذه العظيم، دون أن يكون هو توماويا، جمع المواد ~~وبذل في ذلك جهدا هائلا، فجاء توما فتمثل هذه المواد وميز بين قيمتها ومراميها ~~المختلفة بعقله اللاتيني النير الواضح، فأقام مذهبا هو آية من آيات ~~العقل. # الفصل التاسع # | القديس توما الأكويني # (1225-1274) ~~(1) حياته ومصنفاته ~~(أ) هو ابن كونت دي إكوينو بإيطاليا الجنوبية، التحق في الرابعة عشرة بكلية ~~الفنون بجامعة نابولي، وفي هذه المدينة، بعد خمس سنين، دخل رهبنة الدومنيكيين فأرسل ~~في السنة التالية إلى باريس، حيث تتلمذ لألبرت الأكبر ثلاث سنين، ثم رافقه إلى ~~كولونيا، حيث كانت الرهبنة أنشأت معهدا عاليا، وبعد أربع سنين عاد إلى باريس، كي ~~يحضر لدرجة الأستاذية في اللاهوت، فأخذ يعلم بصفته حاصلا على البكالوريا، فشرح ~~الكتاب المقدس سنتين، وكتاب الأحكام سنتين، وبعد حصوله على الليسانس صار أستاذا ~~وهو في الحادية والثلاثين، أي أربع سنين قبل السن المقررة بقانون الجامعة، وقد ~~أعفاه البابا من هذا القيد، فاحتل أحد كرسيين مخصصين لرهبنته بالجامعة، وعلم بهذه ~~الصفة ثلاث سنين فشهد منه المستمعون «طريقة جديدة، وبراهين جديدة، ومسائل جديدة، ~~وترتيبا جديدا للمسائل، ونورا جديدا»، وإلى هذا العهد يرجع كتابه «شرح الأحكام» ~~في أربع مقالات، يظهر في الأولى أثر أوغسطين، فلما تحول عنه أعاد تدوينها، ليمحو ~~هذا الأثر ويثبت آراءه الخاصة، وفي المقالتين الأولى والثانية يحيل ثلاث عشرة مرة ~~إلى كتاب لابن سينا «في العقول» ومرة إلى كتاب له أيضا «في صدور الموجود» وقد ضاع ~~الكتابان وكانا مقتبسين من جزء الشفاء في ما بعد الطبيعة، ويبدو اعتداده بابن سينا ~~وابن رشد في رسالة «في الوجود والماهية» يكثر فيها من ذكرهما تارة للاستشهاد وطورا ~~للمناقشة، وبعد أن صار أستاذا دون شروحه على كتب بويس. ms118 ~~(ب) رجع إلى إيطاليا ليعلم في البلاط البابوي، ومكث هناك ست سنين عرف أثناءها ~~جيوم دي موريكي ناقل كتب أرسطو من اليونانية، ثم علم سنتين بروما أرسل بعدهما إلى ~~باريس، وإلى هذه الفترة التي قضاها بإيطاليا وما تلاها من مقام بباريس، ترجع ~~مصنفاته الكبرى، وهي أولا: شرح الأسماء الإلهية لديونيسيوس، والكتاب أفلاطوني كما ~~هو معلوم، وتوما يئول ما لا يتفق منه مع الأرسطوطالية، ويقر ما لا يتنافى معها ~~ويكملها به، مثل الكلام على لواحق الوجود، الواحد والحق والخير والجمال، ثانيا: ~~المجموعة الفلسفية أو الرد على الأمم (أي الخارجين عن المسيحية) وضعه لمرسلي رهبنته ~~في الأندلس والمغرب، والكتاب في أربع مقالات، الأولى: في الله، وجوده وصفاته. ~~الثانية: في الخلق، في أزلية العالم، في الجواهر العقلية (أي الملائكة)، في ~~الإنسان. الثالثة: في غاية الإنسان وسعادته، في معاينة الله، في العناية الإلهية، ~~في المعجزات والخوارق، في الشريعة الإلهية، في النعمة الإلهية. والرابعة: في ~~العقائد المسيحية. فالكتاب في معظمه فلسفي، وأسلوب البحث في العقائد فلسفي كذلك، ~~ثالثا : الشروح على أرسطو: الأخلاق النيقوماخية، العبارة، التحليلات الثانية، ~~السماع الطبيعي، السماء والعالم، الكون والفساد، الآثار العلوية، النفس، الحس ~~والمحسوس، الذكر والتذكر، ما بعد الطبيعة، السياسة. في هذه الشروح يحذو حذو ابن ~~رشد، أي إنه يذكر النص ويحلله، بينما ابن سينا وألبرت الأكبر يضعان كتبا بعناوين ~~كتب أرسطو وتقسيماتها ويتحدثان من عند نفسيهما، ولكن توما يختلف عن ابن رشد في أنه ~~يقدم لكلام الفيلسوف، ويبين أقسامه، ويقف من حين لآخر لربط الكلام بعضه ببعض ~~واستخلاص النتائج، بينما ابن رشد يعقب على عبارات أرسطو واحدة تلو أخرى من أول ~~الكتاب إلى آخره، وقد عني القديس توما بالحصول على ترجمات دقيقة، فطلب إلى جيوم دي ~~موريكي مراجعة الترجمات المتداولة، والقيام بترجمات جديدة، فقد كان عليه - بعد أن ~~اقتنع بصحة فلسفة أرسطو - أن يجلوها ناصعة، وأن يلائم بينهما وبين الدين بما لا ~~يخالف مبادئها، وأن يناقش مختلف التأويلات، فكانت النتيجة أنه «نصر» أرسطو، وقدمه ~~إلى أهل عصره مسيحيا، أو يكاد. ~~(ج) ms119 وفي باريس علم أربع سنين (1269-1272) وهو في صراع عنيف مع الرشديين من جهة، ~~وكانوا قد تكاثروا في كلية الفنون، ومع الأوغسطينيين من جهة أخرى في أشخاص أساتذة ~~كلية اللاهوت جميعا تقريبا، يناوئه هؤلاء لأرسطوطاليته، ويحمل أولئك على تأويله ~~لأرسطو، فكان مما كتب في تلك الفترة: رسالة «في وحدة العقل ردا على الرشديين» ~~وأخرى «في أزلية العالم ردا على المتذمرين» وهم الأوغسطينيون الذين كانوا يقولون: ~~إن أزلية العالم مستحيلة قطعا، وكان هو يقول - مع ابن ميمون وألبرت - الأكبر ~~بإمكانها عقلا، وقطع شوطا بعيدا في كتابه الأكبر «المجموعة اللاهوتية» فلخص فيه ~~مؤلفاته السابقة في ترتيب بديع ينتظم ثمانية وثلاثين مبحثا أو مقالة، كل مبحث ~~ينقسم إلى مسائل، وكل مسألة إلى فصول، فيجيء الكتاب في ثلاثة آلاف فصل تشرح وجوه ~~المسائل، وترد على عشرة آلاف اعتراض، ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام كبرى يدل عليها ~~المؤلف في أول كلامه، فيقول: «لما كان الغرض المقصود بالذات في هذا التعليم (أي ~~اللاهوت) هو تعريف الله في ذاته، ومن حيث هو مبدأ الأشياء، ومن حيث هو غايتها، ~~فسنبحث في الله أولا، وفي حركة الخليقة الناطقة إليه ثانيا، وفي المسيح الذي هو ~~الطريق إليه ثالثا»، فالقسم الأول: ينظر في الله الواحد، وفي الله الثالوث، وفي ~~الخلق والمخلوقات، والقسم الثاني: مخصص للأخلاق، ومقسم إلى قسمين، الواحد: في ~~المسائل العامة، والآخر: في الفضائل بالتفصيل، والقسم الثالث: يتناول العقائد، ففي ~~الكتابين الجامعين من بين كتبه، وهما: المجموعة الفلسفية، والمجموعة اللاهوتية، ~~يكاد يكون الترتيب واحدا، وسنتبعه في تلخيص مذهبه، ويضاف إلى ما تقدم شرح على كتاب ~~العلل، وكان جيوم دي موريكي، ترجم كتب أبروقلوس، فعرف القديس توما أن الكتاب لهذا ~~الأفلاطوني، وأيضا عدد من «المسائل» ناقش فيها على ما كان متبعا، وشروح على معظم ~~الكتب المقدسة، ورسائل عديدة، أهمها: مجموعة منطقية، وموجز للاهوت، وهو في كل ما ~~كتب يتوخى الترتيب المحكم، ويقدر القول على قدر المعنى، ويقطع بالرأي دون ما تردد، ~~في اعتدال قليل النظير، حتى في أشد المواقف، يسوق الحجة ms120 في وضوح ورشاقة، يرمي إلى ~~الإقناع وتأييد الحق، لا إلى المكابرة والفوز الشخصي. ~~(د) وأخيرا عاد إلى إيطاليا لإنشاء معهد عال جديد، فاختار نابولي مقرا له، ~~واستأنف التعليم، حتى كان السادس من ديسمبر 1273 فإذا تغيير بالغ يعرض له أثناء ~~القداس، فينقطع عن التعليم وعن الكتابة والإملاء، فيسأل في ذلك فيقول: «لقد أوحيت ~~إلي أشياء ما أرى كل ما كتبته إلا كالهشيم بالقياس إليها»، ومن ذلك اليوم فرغ ~~للعبادة، وترك القسم الثالث من المجموعة اللاهوتية ناقصا، فأتمه رجلند زميله في ~~الرهبنة، وكاتبه مدة الخمس عشرة سنة الأخيرة، آخذا عن كتبه الأخرى، ودعاه البابا ~~إلى مجمع كنسي يعقد بليون فلبى الدعوة، ولكنه مرض في الطريق بين نابولي وروما، ~~فلجأ إلى دير بندكتي، وتوفي بعد شهر، فكان لوفاته وقع شديد في جميع أنحاء ~~أوروبا. ~~(2) وجود الله ~~(أ) إذا اتبعنا الترتيب الطبيعي للوجود، كانت مسألة الله أو مبدأ الأشياء أول ~~مسألة نلقاها، فإن الله أول الموجودات وأصلها، هل الله موجود؟ كان الرأي السائد أن ~~وجود الله بين بذاته ، والقديس توما يذكر ثلاث حجج بهذا المعنى ويرد عليها، فيقدم ~~لنا مثالا واضحا على الفرق الذي يضعه بين العقل والإيمان، الحجة الأولى: أن ~~الإنسان يتشوق السعادة بطبعه، والله سعادة الإنسان، وما يتشوق بالطبع يعرف بالطبع، ~~الحجة الثانية (وهي حجة القديس أنسلم): أن من علم المراد باسم الله علم في الحال أن ~~الله موجود؛ لأن المراد به ما لا يتصور أعظم منه، وما يوجد في الذهن وفي الخارج ~~أعظم مما يوجد في الذهن فقط، الحجة الثالثة (وهي حجة القديس أوغسطين): أن وجود الحق ~~بين بذاته، فإن من ينكره يسلم به؛ لأنه إذا كان الحق معدوما فمن الحق أنه ~~معدوم، والله هو الحق بعينه، فوجود الله بين بذاته. ~~(ب) أجل، إن من يعلم الله يعلم أنه سعادة الإنسان، وأنه الموجود الأعظم، وأنه ~~الحق بالذات، فإن هذه التعريفات بينة بذاتها في أنفسها، ولكنها ليست بينة ~~بذاتها لنا، فإن كثيرين يعتبرون سعادة الإنسان في الغنى، وآخرين يعتبرونها في ~~اللذة، ms121 وغيرهم في غير ذلك، ثم إن كثيرين اعتقدوا أن الله جسم، وأي جسم تصورنا فيمكن ~~تصور جسم أعظم منه، وأخيرا إذا كان وجود الحق بالإجمال بينا بذاته، فإن وجود الحق ~~الأول ليس كذلك، يضاف إلى ما تقدم أن حجة القديس أنسلم تدور على تعريف اسم الله، ~~ولكن الوجود اللازم من هذا التعريف وجود متصور فقط لا واقعي، فإن الاعتقاد بالوجود ~~لا يستتبع الوجود، فنحن هنا بإزاء فكرة استمدها أصحاب الحجج المذكورة من الإيمان، ~~وظنوها بديهية في العقل، وحسبوا أن بإمكاننا أن نبرهن على وجود الله ببرهان عالمي ~~يتخذ الماهية - أي التعريف - حدا أوسط فيبين النتيجة بعلتها، ولكن ليس في مقدورنا ~~إدراك ماهية الله في ذاتها. ~~(ج) فلا يبقى لنا سبيل سوى البرهان الإني الذي يمضي من الموجودات الطبيعية التي ~~هي متقدمة في معرفتنا، فيبلغ إلى علتها، وعلى العموم يتوقف الإيمان على المعرفة ~~الطبيعية، إن قيل: إن نؤمن بوحي الله، يتعين أن نعلم وجود الله، وأن عقلنا كفء لهذا ~~العلم وللعلم بأسباب الإيمان، وليس الغرض من هذا البرهان الرجوع إلى لحظة أولى بدأت ~~فيها علية الله، كما يتوهم كثيرون، بل الصعود في الآن الحاضر وفي كل آن إلى علة ~~أولى بغض النظر عن أزلية العالم أو حدوثه، ذلك بأن العالم يظهرنا على معلولات وعلل ~~لها مترتبة بالذات، أي متوقف بعضها على بعض، وأن العقل يدلنا على امتناع التداعي ~~إلى غير نهاية في سلسلة هذه العلل، وإلا لم يوجد المعلول، فنقف عند علة أولى، وثمة ~~فرق بين العلل المترتبة بالذات، والعلل المتعاقبة بالعرض: فليس يستحيل أن يتولد ~~إنسان من إنسان إلى غير نهاية إذا افترضنا أزلية العالم، وهذا تسلسل بالعرض، ولكن ~~التسلسل يستحيل لو كان توليد إنسان متوقفا على إنسان، وعلى العناصر، وعلى الشمس، ~~وهكذا إلى ما لا يتناهى. ~~(د) المعلومات أو دلائل الإمكان في العالم، يحصرها القديس توما في خمسة، فيقدم ~~خمسة أدلة لها أصول عند أرسطو، ولكن المقصد يختلف أحيانا اختلافا جوهريا، ~~الدليل الأول والأوضح: من جهة الحركة، إذ ليس ms122 يمكن أن يكون شيء واحد بعينه محركا ~~لنفسه، لأنه ليس يمكن لشيء واحد بعينه أن يكون بالقوة وبالفعل معا باعتبار واحد، ~~فكل متحرك فهو متحرك من آخر، ولا يجوز التسلسل إلى غير نهاية، فلا بد من الانتهاء ~~إلى محرك أول غير متحرك، هذا الدليل وارد عند أرسطو في السماع الطبيعي، حيث يبدو ~~المحرك الأول علة فاعلية، وفي ما بعد الطبيعة حيث يبدو علة غائية، ولكن أثره في ~~الحالين مقصور على تحريك الفلك المحيط، وإلى جانبه محركون أوائل لسائر الأفلاك، ~~بينما الكون والفساد في عالمنا السفلي يفسران بدوران الشمس حول الأرض، ودورانها على ~~فلك البروج، أما القديس توما فيطبق نظرية القوة والفعل بكل عمومها، ويعتبر الحركة ~~لا من الوجهة الطبيعية أو الآلية فحسب، بل من الوجهة الميتافيزيقية التي تعني كل ~~تغير أو خروج من القوة إلى الفعل، فيصل إلى محرك كلي يحرك كل موجود مباشرة لا ~~بالواسطة، ويبطل تعدد الآلهة كما سنرى في العدد الآتي، ويقول: إن الله يفعل في كل ~~فاعل؛ لأنه علة كل وجود والفعل وجود، ولكن بحيث يكون للمخلوقات أيضا فعل خاص، إذ ~~إنما يمتنع صدور فعل واحد عن فاعلين متى كانا متحدي الرتبة، وليس يمتنع صدوره عن ~~فاعل أول وفاعل ثان. ~~(ه) الدليل الثاني: من جهة جوهر الموجود المتحرك، فإنه مفتقر إلى علة فاعلية، إذ ~~ليس يمكن أن يكون الشيء الذي يخرج إلى الوجود علة فاعلية لنفسه، وإلا لزم وجوده قبل ~~نفسه، وهذا خلف، ولا يجوز التسلسل إلى غير نهاية، فلا بد من إثبات علة فاعلية أولى، ~~هذا الدليل مستفاد من كتاب ما بعد الطبيعة (م2 ف2) ولكن أرسطو لا يعرضه لبيان وجود ~~الله بالتخصيص، بل لبيان استحالة التسلسل في جنس العلل الفاعلية، وضرورة علة أولى ~~تفعل بوسائل مترتبة فيما بينها، كما أنه يبين في نفس الموضع ضرورة علة أولى في سائر ~~أجناس العلل، ومنها العلة المادية، أما القديس توما فيرمي إلى بيان ضرورة علة ~~خالقة، وذلك بتطبيق نظرية القوة والفعل تطبيقا أدق، يستلزم أن الموجود المتحرك ms123 ليس ~~موجودا بذاته. ~~(و) الدليل الثالث: من جهة الممكن والواجب: ذلك بأن في الطبيعة موجودات معروضة ~~للكون والفساد، ومن ثمة ممكن وجودها وعدمها بعد وجود، فلو كان عدم الوجود ممكنا في ~~جميع الأشياء، للزم أنه لم يكن حينا ما شيء، ولو صح ذلك لم يكن الآن أيضا شيء، ~~فلا بد أن يكون هناك موجود واجب لذاته، هذا الدليل وارد عند أرسطو (فيما بعد ~~الطبيعة م12 ف6) كما يلي: «الجواهر أوائل الموجودات، فإذا كانت كلها فاسدة كانت ~~جميع الموجودات فاسدة» و«إذا كانت القوة متقدمة على الفعل، فإن شيئا مما هو موجود ~~لم يكن ليوجد»، غير أن أرسطو يرتب وجود الواجب على أزلية العالم والحركة، أما ~~القديس توما فيخلص الدليل من هذه الصلة، ويرى أن نظرية القوة والفعل تحتم إثبات ~~الفعل الواجب لتفسير الممكن الذي بالقوة. ~~(ز) الدليل الرابع: من جهة تفاوت الموجودات في الصفات العامة المساوقة للموجود من ~~حيث هو كذلك، كالوحدة والحقية والخيرية والجمال والعقل والإرادة، أي الأمور ~~المعنوية الروحانية التي تقبل الإطلاق إلى اللانهاية، على ما ينبغي للموجود الأول، ~~والتفاوت إنما يكون بالإضافة إلى ما هو غاية في شيء، وإذن فهناك موجود هو غاية في ~~تلك الصفات، ومن ثمة غاية في الوجود، وعلة لما في جميع الموجوات من وجود وكمال، هذا ~~الدليل أفلاطوني، وقد صادفناه عند أوغسطين وأنسلم وغيرهما، ولكنه أرسطوطالي أيضا، ~~وقد جاء فيما بعد الطبيعة (م2 ف1) أن «الشيء الحاصل على طبيعة ما للغاية هو دائما ~~مصدر اشتراك الأشياء الأخرى في تلك الطبيعة»، وقد قيل: إن هذه المقالة دخيلة على ~~أرسطو، وأحرى أن يكون كاتبها تلميذا أفلاطونيا، ومهما يكن من هذه النقطة، فإن ~~لهذا الدليل محلا في الأرسطوطالية، على أن يتجه إلى العلية الفاعلية، كما هو ~~الحال عند القديس توما، لا إلى مجرد العلية الصورية أو النموذجية، كما هو الحال عند ~~أفلاطون. ~~(ح) الدليل الخامس: من جهة نظام الطبيعة، وله وجهان: أما الواحد فإننا نرى ~~الموجودات العاطلة من المعرفة تفعل لغاية، وهذا ظاهر من أنها تفعل دائما ms124 أو في ~~الأكثر على نهج واحد بحيث تحقق الأحسن، ما يدل على أنها لا تبلغ إلى الغاية مصادفة ~~بل قصدا، وما يخلو من المعرفة لا يتجه إلى غاية ما لم يوجه إليها من موجود عارف، ~~فإذن يوجد موجود عاقل يوجه الأشياء الطبيعية كلا إلى غايته، وأما الوجه الآخر فهو ~~أن جميع الكائنات منظمة فيما بينها لانتفاع بعضها ببعض، والمتباينات في نظام واحد ~~ما لم تكن منظمة من واحد، هذا الدليل مستمد من كتاب السماع الطبيعي (م2 ف8)، حيث ~~يبين أرسطو أن كل موجود فهو يفعل لغاية، ومن كتاب ما بعد الطبيعة (م12 ف10)، حيث ~~يقول: «الأشياء جميعا منظمة بينها؛ لأنها مرتبة لغاية»، ولكنه يتصور الله نفسه ~~غاية، لا موجها غيره توجيها فعليا إلى غاية، فيرجع مشاركة الموجودات في الصفات، ~~وفعلها لغاية، وتناسقها فيما بينها، إلى شوق الطبيعة للخير الأعظم وتشبهها به، وهذا ~~تفسير غير مفهوم، بينما القديس توما يضع الله علة فاعلية موجهة إلى غاية، ولا يتكلف ~~في ذلك أكثر من إحكام تطبيق نظرية القوة والفعل، التي هي دائما عماد فكره، وقطب ~~مذهبه. ~~(ط ) مما تقدم نرى الفرق الحاسم بين موقف القديس توما، وموقف الذين تقدموه من ~~المفكرين المسيحيين، فقد عرف من «التحليلات الثانية» ماهية العلم، فأدرك تمام ~~الإدراك أن الإيمان ليس علما لميا، وأنه يعتمد على العلم الإني في أسبابه أو ~~علامات صدقه، وأن المعرفة الإنسانية تبدأ من المنظور وترتقي بالعقل إلى غير ~~المنظور، فلا يصح اعتبار المعرفة الإيمانية شيئا أول، ولكنها فائقة للطبيعة، ومن ~~ثمة زائدة على الطبيعة، ومقصورة على زمان معين وأناس مخصوصين، فالأول هو المعرفة ~~الطبيعية، ونرى من ناحية أخرى الفرق الكبير بين القديس توما وبين أرسطو، وكيف تتفق ~~الفلسفة والدين مع بقائها فلسفة، وسنرى عنده أمثلة أخرى من هذا القبيل، والبراهين ~~الخمسة التي أجملناها هي من الوجهة المنطقية برهان واحد يقوم على تقدم الفعل على ~~القوة أو تقدم الكمال على النقص، ويتكرر بصدد وجهات عامة نتبينها في العالم وفي ~~أنفسها ونصعد من كل منها إلى ms125 علة أولى، وإن أيا منها ليكفي للوصول إلى الله؛ لأن ~~العلة الأولى من حيث هي كذلك تستلزم باقي الصفات، كما سنبينه في العدد التالي، ولكن ~~اجتماع الأزلية يعطينا فورا فكرة شاملة عن الله، فيجعلنا نتصور فورا أن الله هو ~~المحرك الأول الذي لا يتحرك، والعلة الفاعلية الأولى، والموجود الواجب لذاته، ~~والكامل مصدر كل كمال، ومنظم العالم. ~~(3) ماهية الله ~~(أ) بعد العلم بوجود الله نحاول تعرف ماهيته، وأول ما يتعين فعله تمييز الله من ~~سائر الموجودات، وهذا ما يدل عليه بالصفات السلبية التي تقول ما ليس هو، أي التي ~~تنزهه عما لا يليق به باعتبار العلة الأولى، فتؤدي بنا إلى أنه تعالى بسيط كل ~~البساطة، وبعد ذلك نضيف إليه الصفات الثبوتية التي تقول ما هو، أي الدالة على ~~كمالاته، ونفحص عن النحو الذي به يعبر اسم الصفة عن الذات الإلهية. ~~(ب) يجب تنزيه الله عن كل ترتيب، والتركيب على أنواع: تركيب من أجزاء مادية، ومن ~~هيولى وصورة، ومن ماهية وشخص حاصل عليها، ومن ماهية ووجود، ومن جنس وفصل، ومن جوهر ~~وعرض، وفيها جميعا النسبة بين الطرفين كنسبة القوة والفعل، ولا يمكن أن يكون الله ~~إلا فعلا محضا، وإلا كان وجوده متأخرا عن أجزائه، وكان لتركيب هذه الأجزاء علة ~~من حيث إن الأشياء المتغايرة لا تتفق في واحد إلا بعلة تجمع بينها، والتسلسل ممتنع ~~كما قدمنا فمقتضى العلة الأولى أن تكون بسيطة من كل وجه، وعلى ذلك ليس الله جسما، ~~ولكنه صورة مفارقة أي روح خالص بريء من كل تركيب، فيسقط القول بوحدة الوجود، فالله ~~عين ماهيته، بل عين وجوده أيضا، وعين كل ما قد نثبته له من صفات، هو واجب الوجود ~~أو «عين الوجود القائم بذاته» كما يقتضي مفهوم العلة الأولى، وهذا أخص ما يقال في ~~الله، وقد سمى نفسه لموسى بقومه «أنا الموجود»، أما تقديم الخير على الوجود بين ~~أسماء الله، على ما نرى عند ديونيسيوس والأفلاطونيين عامة، فلا يعتبر إلا من جهة ~~كون الله علة مفضية للخير، لا إطلاقا، ms126 فإن الوجود سابق على العلية أي متقدم ~~بالمرتبة إن لم يكن بالزمان. ~~(ج) بعد سلب التركيب والنقص عن الله ننظر في الصفات الثبوتية، هي طائفتان: طائفة ~~تشمل صفات هي وجهات مختلفة للذات الإلهية لا تزيد عليها شيئا، فما إن نعرف الله ~~بأنه عين الوجود القائم بذاته، حتى يخرج لنا أنه الكامل الحاصل على كل الوجود، ومن ~~ثمة أنه الخير الأعظم أو الخير بالذات، وأنه لا متناه؛ لأنه ليس حالا في شيء ولا ~~محدودا بقابل، وأنه من ثمة موجود في جميع الأشياء وجود العلة عند المعلول، وأنه ~~ثابت من حيث إنه فعل محض لا تخالطه قوة، وأنه سرمدي ما دام بريئا من التغير ~~والتعاقب وحاصلا على الحياة غير المنتهية حصولا كاملا دفعة واحدة، كما يقول ~~بويس، وما تقدم يفيد في تقرير وحدانية الله: ذلك بأنه لو كان آلهة كثيرون لوجب أن ~~يتمايزوا فيما بينهم فيصدق على الواحد شيء لا يصدق على آخر، ولكان أحدهم عادما ~~كمالا ما، فلا يكون إلها. ~~(د) والطائفة الأخرى من الصفات يلوح أنها تنافي البساطة المطلقة الواجبة للعلة ~~الأولى، كالعلم والإرادة والقدرة والعناية، فإن هذه الألفاظ وأشباهها تدل عندنا على ~~قوى وأفعال زائدة على الجوهر، فيجدر بنا أن ننظر في نوع دلالتها على الله، سيما ~~والآراء متضاربة في هذه المسألة، فقد قيل: إن الأسماء المقولة على الله مترادفة، ~~لأنها تدل على ذات واحدة بسيطة: ولكن كيف تكون مترادفة وهي تدل على اعتبارات ~~مختلفة، وهذه الاعتبارات ممثلة في المخلوقات، والله مصدرها؟ فلا بد لها من مقابل في ~~الذات الإلهية البسيطة، وقال الرباني موسى (بن ميمون): إنها سالبة أحرى منها موجبة، ~~فمتى قيل: إن الله حي كان المراد أنه ليس كالجماد، وهكذا في سائر الأسماء، أي إنها ~~تطلق كالأسماء المشتركة: ولكن هذا مخالف لقصد المتكلم عن الله، وعديم الجدوى في ~~تعريفنا بالله، فإن السلب لا يبين ما هو، هل نطلق إذن على الله أسماء الصفات ~~بالتواطؤ، أي بنفس الاعتبار الذي نطلقها به على المخلوقات؟ إن هذا لا يجوز لاختلاف ms127 ~~الجنس، كما نرى حتى بين المخلوقات التي لا تتفق في جنس واحد (مثل قولنا عن كل من ~~إنسان وتفاحة: إنه طيب) فما بالنا والمخلوقات متناهية والله لا متناه؟ يبقى أن ~~الأسماء تقال على الله والمخلوقات بالمماثلة، أي باعتبار يختلف باختلاف الماهية ~~المضاف إليها الاسم (كما تختلف الطيبة في التفاحة والإنسان)، فنقول: إن الصفات في ~~الله بحسب ماهية الله، كما أن الصفات في الإنسان بحسب ماهية الإنسان، والمماثلة وسط ~~بين الاشتراك والتواطؤ، فإن وجه التسمية هاهنا ليس واحدا كما في المتواطئة، ولا ~~مباينا كل المباينة كما في المشتركة، وهي خير مما ارتأى الأفلاطونيون، وردده ~~ديونيسيوس وسكوت أريجنا، من وضع لفظ «فوق» قبل الصفة المضافة لله، إذ إن هذا الوضع ~~الموجب في الظاهر سالب في الحقيقة، ويرجع إلى الترادف أو الاشتراك، مع أن أحكامنا ~~على الله صادقة من حيث وجوب إضافة الصفة، ولكن جهة حمل الصفة على الله غير معينة ~~لعدم تعين الماهية في علمنا، فالمماثلة تدع لأحكامنا صدقها، وتقتضينا أن نرتفع ~~بمعنى الصفة إلى مقام الموجود اللامتناهي، ونستبعد منها كل نقص. ~~(ه) وينظر القديس توما في الصفات على ضوء المذهب، ونحن نجتزئ هنا بصفتي العلم ~~والإرادة، فإن الباقي يرجع إليهما، ويقاس عليهما، أما العلم فيجب إضافته لله: ويتضح ~~ذلك؛ أولا: من كون العلم كمالا، وكون الله كاملا، وثانيا: من أن السبب في كون ~~موجود ما عارفا هو تجرده عن المادة حتى يقبل الصورة المعنوية للشيء المعروف، ~~وتتفاوت المعرفة بتفاوت حال التجرد، والله في غاية التجرد عن المادة، فهو بالغ غاية ~~المعرفة، وثالثا: من أن الله العلة الفاعلية الأولى فلا بد أن يكون لمفعولاته وجود ~~سابق في علمه، وعلى ذلك فالله يعقل ذاته؛ لأنها مجردة معقولة، ويعقل ذاته بذاته لا ~~بقوة متمايزة من الذات؛ لأن ليس فيه شيء بالقوة ولكنه فعل محض، فلا بد أن يكون فيه ~~العقل والمعقول واحدا بعينه من جميع الوجوه، وأن يكون تعقله عين ماهيته وعين ~~وجوده، والله يعرف غيره في ذاته هو من حيث يعرف جميع الأحوال ms128 التي تقبل ذاته ~~المشاركة فيها بوجه ما من أوجه المشابهة، وبذا ترتفع الصعوبة التي وقف عندها أرسطو ~~حين ظن أن القول بأن الله يعرف غيره يجعل من الله عارفا منفعلا من غيره، ويضع في ~~الله معارف أدنى من ذاته، وبذا يبدو لنا أن ابن سينا وقف في بعض الطريق حين قصر علم ~~الله على الكليات دون الجزئيات، فأضاف إلى الله معرفة ناقصة بالوجود، وأبطل عنايته ~~بالأفراد، يبقى أن نتصور علم الله بالمماثلة فنقول: إنه ليس تدريجيا كعلمنا، ~~ولكنه حاصل دفعة واحدة لحضور الذات الإلهية لذاتها حضورا تاما، وعلى ذلك يعرف ~~الله الحوادث بحسب وجودها الحاضر فيه، ومنها الحوادث المستقبلة بالنسبة إلى عللها ~~القريبة، ويعرف القضايا دون تركيب ولا تفصيل، والمركبات دون تأليف ولا تقسيم؛ لأن ~~ما في شيء فهو فيه بحسب حال ذلك الشيء، والله بسيط كل البساطة، فيجب أن تكون صور ~~الأشياء فيه على هذه الحال. ~~(و) وأما الإرادة فيجب إضافتها أيضا لله، إذ إن الإرادة تتبع العقل من حيث إنها ~~الميل إلى الخير المعقول، ومحبة هذا الخير متى حصل، فالله يريد ذاته على أنه خير ~~وغاية، والله يريد غيره، فإن من شأن الخير أن يشرك غيره في خيره، وهذا بالخصوص من ~~شأن الخيرية الإلهية، على أن الله يريد ذاته بالضرورة؛ لأنها الموضوع الخاص المعادل ~~لإرادته، ويريد بالاختيار؛ لأن هذا الغير لا يزيد الخيرية الإلهية شيئا من الكمال، ~~ولكنه موجه إليها على أنها غايته القصوى، ويبقى أن نتصور الاختيار الإلهي ~~بالمماثلة، فننفي عنه ما يلابس اختيارنا من تردد وتغير ونقص، وهكذا يجب أن نصنع ~~بصدد سائر الصفات التي نثبتها لله، كالقدرة والمحبة والعدل والرحمة وما ~~إليها. ~~(4) الخلق ~~(أ) كل موجود ما خلا الله مخلوق من الله ضرورة؛ لأن الوجود القائم بذاته لا يمكن ~~أن يكون إلا واحدا، فيلزم أن كل ما خلا الله ليس عين وجوده ولكنه موجود بالمشاركة، ~~وليس الوجود بالمشاركة صدورا عن ذات الله، كما تقول الأفلاطونية الجديدة؛ لأن ما ~~يصدر عن الذات صدورا ضروريا فهو مثل ms129 الذات، وليس العالم مثل الله، ومن هذه ~~الناحية أيضا يسقط مذهب وحدة الوجود الذي يعتبر العالم مظهرا لله، أما قول ابن ~~سينا: إن من شأن الواحد دائما أن يصدر عنه واحد فيصدق على الفاعل بالطبع، لا على ~~الفاعل الإرادي الذي يفعل بالصورة المعقولة، ولما كان الله يتعقل أمورا كثيرة، فهو ~~يقدر أن يصنع أشياء كثيرة، يضاف إلى ذلك استحالة صدور الموجودات بعضها عن بعض؛ لأن ~~المخلوق غير موجود بذاته، فلا يستطيع أن يمنح وجودا ليس له بالذات، ولما كان ~~الموجود المخلوق متناهيا، والمسافة بين اللاوجود والوجود لا متناهية، فالخلق يقتضي ~~قدرة لا متناهية، لذلك كان خاصا بالله وحده. ~~(ب) وقد سبق القول بأن الله لا يريد بالضرورة إلا ذاته، وأنه يريد غيره ~~بالاختيار، فهو ليس يريد بالضرورة أن يكون العالم، ولا أن يكون أزلا، ولا أن يكون ~~حادثا، وهكذا يحسم الخلاف الطويل العنيف بين أنصار القدم وأنصار الحدوث، ذلك بأن ~~البحث العقلي في الإرادة الإلهية لا يمكن أن يتناول سوى الإرادة الضرورية، أما ~~الاختيار فليس يكشف عنه سوى الله، وقد فعل إذ أوحى أن العالم حادث، ولكن من جهة ~~العقل البحت، الأزل والحدث ممكنان على السواء، ولا سبيل إلى إقامة البرهان على ~~ضرورة أحد الحدين وإسقاط الآخر، فلئن كان الله منذ الأزل علة كافية للعالم، وكان ~~فاعلا بذاته - على ما يقول أنصار الأزلية - إلا أنه ليس يلزم من ذلك جعل العالم ~~صادرا عنه إلا بحسب ما استقر في إرادته، أما أدلة أرسطو فليست برهانية، وقد صرح هو ~~في كتاب الجدل بأن مسألة أزلية العالم من المسائل الجدلية. # 1 ~~(ج) كذلك ليس يمكن إثبات الحدوث بالبرهان، لا من جهة الله كما أسلفنا، ولا من جهة ~~العالم، فإن الماهيات مجردة عن خصوص المكان والزمان، فليس يمكن أن نثبت حدوث ~~الإنسان أو السماء أو الحجر، # 2 # ولأنصار الأزلية ردود على حجج أنصار الحدوث، يقول هؤلاء: إن كل مصنوع ~~فهو حادث، ويرد أولئك: إن هذا يصدق على المفعول بالحركة الذي لا يوجد إلا عند ms130 نهاية ~~الفعل، أما الخلق ففعل آني، وهو إذن لا يقتضي تقدم الفاعل على المفعول بالمدة، يقول ~~أنصار الحدوث: إذا كان العالم مصنوعا من العدم فهو موجود بعد أن لم يكن موجودا، ~~ويرد أنصار الأزلية: ليس القصد من المقدم أن العالم مصنوع بعد العدم، بل إنه ليس ~~مصنوعا من شيء، يقول أنصار الحدوث: لو كان العالم أزليا لكان مساويا لله في ~~المدة، ويرد أنصار الأزلية: إن الوجود الإلهي حاصل كله دفعة واحدة، ووجود العالم ~~حاصل بالتعاقب، فليست هناك مساواة، يقول أنصار الحدوث: لو كان العالم قديما لكان ~~قد سبق هذا اليوم أيام لا متناهية، ولما كان بلغ إلى هذا اليوم من حيث إن عبور ~~اللامتناهي مستحيل، ويرد أنصار الأزلية: الانتقال يكون دائما من طرف إلى آخر، وأي ~~يوم ماض أخذت فالأيام التالية إلى يومنا هذا متناهية وقد أمكن قطعها، وهذه الحجة ~~إنما تنهض لو كان بين الطرفين أوساط لا متناهية، يقول أنصار الحدوث: لو كان العالم ~~والتوليد أزليين لتقدم ناس في عدد لا متناه، ونفس الإنسان خالدة، فيلزم أن يوجد ~~الآن بالفعل نفوس إنسانية في عدد لا متناه، ومحال أن يوجد عدد لا متناه بالفعل، ~~ويرد أنصار الأزلية بأن هذه الحجة جزئية، ولنا أن نقول: إن العالم أزلي لا الإنسان، ~~ويخرج القديس توما من هذه المناقشة بأن الحدوث لا يعلم إلا بالإيمان، وبأن في ~~اعتبار ذلك فائدة لمن يدعي إثبات العقائد بالبرهان، فلا يأتي بحجج غير قاطعة، لئلا ~~يظن بنا أننا إنما نتمسك بالعقائد، استنادا إلى مثل هذه الحجج، فما أظهر التمييز ~~هنا بين الإيمان والعقل! ~~(5) الملائكة ~~(أ) هم رأس الخليقة، تذكرهم الكتب المقدسة، ويمكن إقامة الدليل على وجودهم، ومن ~~هذه الناحية يكون لهم مكانهم في الفلسفة، وقد قال أفلاطون وأرسطو بعقول مفارقة كعلل ~~لحركات الأفلاك، وقال بها رجال الأفلاطونية الجديدة وهم يلحظون مراتب الموجودات، ~~والقديس توما يميل إلى هذه الوجهة الثانية فيقول: «إن قصد الله من الخلق إفاضة ~~كماله، والله عقل وإرادة، والعقل المفارق أعلى وأكمل من العقل المتصل بالحس، ms131 فمن ~~اللائق وجود بعض مخلوقات روحية، كي يتحقق في العالم ترتيب متصل من الروح الصرف إلى ~~المادة الصرفة»، لكن هذا الدليل من جهة «اللياقة» فقط، لا من جهة الوجوب. ~~(ب) يترتب على روحانية الملائكة نتيجتان، الواحدة: أنه ليس يوجد ملاكان من نوع ~~واحد، إذ إن ما يميز الأفراد في النوع هو المادة التي تقبض الصورة وتحدها وتشخصها، ~~فنرى الإنسان مثلا يتضمن شيئا لا تتضمنه الإنسانية، وهذا الشيء هو المادة الشخصية ~~مع جميع الأعراض المشخصة لها، والتي لا تدخل في حد النوع، أما الصورة الخالصة ~~فتتحقق بكليتها بحيث تكون شخصا قائما بنفسه، وعلى ذلك فكل ملاك صورة نوعية على ~~حيالها كالمثل، ولم يخطئ أفلاطون إلا في وضع صور نوعية للماديات فبين أرسطو استحالة ~~وجود هذه الصور، النتيجة الأخرى: أن الملائكة خالدون بالطبع، إذ إن الشيء يوجد ~~بالفعل بحصول الصورة له، والوجود يلائم الصورة لذاتها، وليس يفسد شيء إلا بمفارقة ~~صورته لمادته. ~~(ج) ما عدد الملائكة؟ لقد اختلفت الآراء في ذلك: فذهب أفلاطون إلى أن الجواهر ~~المفارقة هي أنواع المحسوسات من جهة، وقد أبطل أرسطو هذا الرأي، ومحركات الأفلاك من ~~جهة أخرى، وقد أخذ أرسطو بهذا الرأي، وأراد أن يجعل عددها بعدد الأفلاك، معتبرا أن ~~الجواهر المفارقة لا يكون في وجودها فائدة إذا لم تظهر منها حركة محسوسة، ولكن ليس ~~بصحيح أن الجواهر المفارقة موجودة لأجل الجواهر المادية؛ لأن الغاية أشرف مما هو ~~مرتب إليها، وليست المادة أشرف من الروح، بل الحال على العكس، فيجب القول إن عدد ~~الملائكة وافر جدا ومجاوز كل كثرة مادية؛ لأنه كلما كان شيء أكمل كان مخلوقا من ~~الله بزيادة أعظم، من حيث إن كمال العالم هو المقصود بالذات من الله. ~~(د) كون الملاك مجردا لا يعني أنه بسيط كالله، لقد خشي البعض مثل هذا الخلط ~~فجعلوا الملاك مركبا من هيولى وصورة، اعتقادا منهم أن الروحية الصرفة لله وحده، ~~وأن المادية خاصية الخليقة، ولكن لا وجه لهذا التركيب، مهما تتوهم الهيولى ~~الملائكية لطيفة أو روحية؛ لأن التعقل ms132 فعل مجرد عن المادة بالكلية، ولا خوف من ~~استبعاد هذا التركيب، فإن هناك نوعا من التركيب أعمق منه يجب وضعها في كل مخلوق، ~~وهي كافية للدلالة على نقصه وتبعيته، قلنا: إن وجود المخلوق وجود بالمشاركة، وإذن ~~فليس وجوده عين ماهيته، وليس فعله عين ماهيته ولا عين وجوده، وإنما هو يفعل بقوى ~~متمايزة منهما، وسنعرض لهذا التركيب الثاني عند الكلام على النفس الإنسانية، أما ~~التركيب الأول، فليس معناه - كما يظن كثيرون - أن الماهية شيء من ناحية، والوجود ~~شيء آخر من ناحية أخرى، ولكنه يعني أنهما - في الموجود الواقعي - متمايزان تمايز ~~الفعل والقوة، ومتحدان اتحاد الفعل والقوة: الوجود بالإضافة إلى الماهية كالفعل ~~بالإضافة إلى القوة، فالتمايز وجودي، ولو كان ذهنيا فقط لكان معناه أن الماهية ~~موجودة بذاتها، وهذا محال. ~~(ه) كيف نتصور علم الملائكة؟ إنهم خلائق محدودة إلى جنس ونوع، فليست ذاتهم جامعة ~~للوجود كالذات الإلهية، وهم إذن لا يعلمون جميع الأشياء بذاتهم كالله، ومن ناحية ~~أخرى هم أرواح مفارقة، فلا يعقلون بصورة مستعادة من الماديات، فلا يبقى إلا أنهم ~~يبلغون إلى كمالهم العقلي بفيض إلهي يعقلون به إذ يوجدون، أي بمثل أو معان غريزية، ~~وهم في ذلك متفاوتون بتفاوتهم في رتبة الوجود، فالملائكة الأعلون يعقلون بمثل أعم، ~~ومن ثمة أقل عددا من مثل الملائكة الأدنين، والملاك يعقل نفسه بصورته التي هي ~~جوهره؛ لأنه صورة قائمة بذاتها، فهو معقول بالفعل، والملائكة يعرف أحدهم الآخر كما ~~يعرف سائر الأشياء، أي بالمثل التي فطر الله عليها كلا منهم، وهم يعرفون الله، لا ~~في ذاته، فإن هذه المعرفة ممتنعة على الخليقة بقوة طبيعتها، ولا يشبهه الحاصل في ~~المخلوقات، فهذه معرفتنا نحن في الحياة الراهنة، بل بماهيتهم من حيث إنهم أشباه ~~الله، وهذه المعرفة متوسطة بين المعرفتين المذكورتين، وتشبه المعرفة التي بها يرى ~~الشيء بالصورة المستفادة منه، وهذا البحث في الملائكة يتناول مسائل أخرى كثيرة، وهو ~~محاولة لتصور الروح الخالص كيف يكون. ~~(6) الإنسان ~~(أ) ننزل إلى المرتبة الثانية من مراتب الخليقة، وهي الإنسان المركب من جوهر ms133 روحي ~~وآخر جسمي، يؤلفان منه موجودا وسطا بين الملائكة والعجماوات، موجودا واحدا ~~يشارك على نحو خاص في خصائص المرتبة العليا والمرتبة الدنيا، لا كلا مجموعيا ~~يتجاور فيه الجوهران ويتفاعلان من خارج على ما وضعه وتابعه فيه كثيرون، الجوهر ~~الروحي في الإنسان يسمى نفسا، ويقال هذا الاسم على مبدأ الحياة بالإجمال في ~~الأحياء الطبيعية: النبات، والحيوان، والإنسان، ولكن النفوس تختلف ماهية ووظائف، ~~أما أن النفس بإطلاقها موجودة، فيدل عليه أن الحياة لا تصدق على الجسم بما هو جسم، ~~وإلا لكان كل جسم حيا أو مبدأ للحياة، فلا بد من مبدأ في الحي لا يكون جسما بل ~~فعلا أو صورة لجسم، وأما أن النفس الإنسانية جوهر روحي، فيتضح من كون الإنسان يدرك ~~الأجسام إدراكا مجردا، ويستحيل ذلك لو كان الإدراك بآلة جسمية؛ لأن لكل جسم طبيعة ~~مخصوصة، والطبيعة المخصوصة في المدرك تمنعه من إدراك الأجسام على نحو مجرد، كما يرى ~~في الحواس الظاهرة والباطنة، فالنفس الإنسانية تدرك الماهيات بقوة خاصة هي العقل، ~~لها فعل تستقل به دون الجسم، مما يدل على أن العقل روحي، وأن النفس روحية، إذ ليس ~~يفعل بذاته إلا ما يقوم بذاته، وعلى خلاف ذلك النفس الحاسة والنفس النامية، فإن ~~جميع أفعالهما تحدث في الجسم وبالجسم، فليس لهما وجود خاص، ولكن لكل منهما وجودا ~~في المركب منها ومن الجسم، ويلزم من روحانية النفس أنها خالدة: فهي غير فاسدة بما ~~يعرض لها من فساد الجسم، كما تفسد النفس الحاسة والنفس النامية، وغير فاسدة بالذات، ~~لأنها صورة قائمة بذاتها يلائمها الوجود بما هي كذلك، ويمكن الاستدلال على الخلود ~~أيضا من كون العاقل الذي يدرك الوجود مطلقا، لا معينا أينا وآنا كإدراك الحس، ~~ينزع بطبعه إلى الوجود دائما ولا يجوز أن يذهب النزوع الطبيعي سدى، فالنفس ~~الإنسانية تبقى إذن بعد فساد الجسم، مع استعدادها للاتصال به ونزوعها الطبيعي إليه، ~~من حيث إنها صورة لجسم، وهذا هو الأصل الطبيعي للبعث. ~~(ب) غير أن الرشديين يأبون أن تكون النفس العاقلة متصلة بالجسم اتصال الصورة ms134 ~~بالمادة، فيقولون: إنه ليس هناك سوى عقل مفارق واحد للجميع، هو العقل الفعال، عقل ~~فلك القمر، وإن اتصاله بالشخص يحصل بوساطة الصورة المعقولة الفائضة عنه، ولكن هذه ~~الصورة إن حصلت في شخص خلو من العقل لم تجعله يعقل بل كانت هي معقولة، كلون الحائط ~~يبصر ولا يبصر فلم نجد وجها لإضافة التعقل إلى الشخص، وكل يعلم بالوجدان أنه هو ~~الذي يعقل، وإنما قال أرسطو: «إن العقل مفارق، وليس فعلا لجسم»، وهو يعني أن العقل ~~ليس قوة لآلة جسمية، فإن قيل إن الجوهر المجرد ليس يتكثر في نوع واحد، كما سلف في ~~حق الملائكة، كان الجواب أن النفس العاقلة وإن كانت روحية كالملاك، إلا أنها صورة ~~ناقصة معدة بالطبع للاتحاد بجسم، بخلاف الملاك، ولذا جاز أن تكون نفوس كثيرة في نوع ~~واحد، تتشخص كل منها بنسبتها إلى جسمها. ~~(ج) ويستنكف الأوغسطينيون أن تكون النفس العاقلة صورة الجسم ولكن لا يوجد في ~~الإنسان صور أخرى مختلفة ذاتا كما يعتقدون، والدليل من ثلاثة أوجه، الأول: أن ~~الإنسان لا يكون له وجود جوهري واحد، الثاني: أن يكون حيوانا بنفس وإنسانا بنفس، ~~فيكون من ثمة حيوانا بالعرض، والحيوان يحمل على الإنسان بالذات، الثالث: أنه متى ~~كان أحد أفعال الإنسان شديدا منع غيره، ولا يفسر هذا إلا بأن مبدأ الأفعال واحد، ~~فالنفس الناطقة تشتمل بقوتها على كل ما للنفس الحاسة وللنفس النامية، وهكذا شأن ~~النفس الحاسة في العجماوات تشتمل على قوى النفس النامية، وشأن النفس النامية في ~~النباتات تشتمل على قوى العناصر الطبيعية، وبالإجمال شأن الصور الكاملة بالقياس إلى ~~الناقصة، وليس لجسم الإنسان أو لأي جسم آخر صورة جسمية، تلك الصورة التي يقولون: ~~إنها النور، كذلك ليس لجسم الإنسان صورة جوهرية هو بها هذا المزاج المركب من ~~العناصر، ولكن النفس الناطقة صورة الجسم، وصورته الوحيدة. ~~(د) يلزم مما تقدم أن للنفس قوى متمايزة، هذه القوى متمايزة من ماهية النفس، ~~ومتمايزة فيما بينها، أما القضية الأولى فواضحة مما قلناه من أن القوة والذات واحد ~~في الله فحسب، ms135 فليست تفعل الخليقة بذاتها، بل بقوة زائدة على الذات، وإلا لأشبهت ~~الخالق، وأما القضية الثانية فواضحة من أنه لو كانت قوة النفس عين ماهيتها لكانت ~~النفس تفعل دائما جميع أفعالها، كما أنها دائما حية بالفعل، ولكن الواقع يشهد ~~بأنها تفعل تارة كذا وطورا كذا، تتمايز القوى بالأفعال، وتتمايز الأفعال ~~بالموضوعات، فليس السمع كالبصر، وليس التعقل كالإرادة، وقس على ذلك سائر الأفعال، ~~والقوى موجودة في النفس وجود الشيء في المحل، مع اعتبار أن من أفعال النفس ما يزاول ~~دون آلة جسمية، كالتعقل والإرادة، فالعقل والإرادة محلهما النفس، ومنها ما يزاول ~~بآلة جسمية، وهي أفعال الحياتين النامية والحاسة، فمحل القوى المصدرة لها المركب من ~~النفس والجسم، لا النفس وحدها، وجميع القوى النفسية صادرة عن ماهية النفس، وبعد ~~الموت يبقى من القوى في النفس العقل والإرادة، وأما القوى الأخرى فلا تبقى بالفعل، ~~بل بالقوة من حيث إن النفس مبدؤها أو أصلها. ~~(ه) كيف تعقل النفس وهذه حالها؟ ذهب أفلاطون إلى أنها تجيء هذا العالم المحسوس ~~وفيها صور المعقولات، وكلما عرض لها إحساس بشيء تذكرت الصورة المعقولة المقابلة له، ~~وتأثر كثيرون بالأفلاطونية، فذهب بعض إلى أن في النفس معاني غريزية كالتي عرفناها ~~للملائكة، ويذكر عن أوغسطين قوله: إننا ندرك الأشياء في الحقائق الأزلية. وارتأى ~~ابن سينا أن المعقولات تصدر إلى أنفسنا عن العقل المفارق الأخير الذي يسميه العقل ~~الفعال، وإننا لا نحتاج إلى الحواس إلا لنتنبه بها فنتجه إلى هذا العقل الفعال، ~~وتابعه ابن رشد في وضع المعقولات في العقل الفعال المفارق، ثم جعل العقل المنفعل ~~مفارقا أيضا، وجميع هذه الآراء تفترض أن الإحساس لا يعدو كونه فرصة أو مناسبة ~~للتعقل، وأن المعقولات موجودة بالفعل سواء في أنفسها أو في عقل أعلى، ولكن الواقع ~~يدلنا على أن فعل التعقل يتوقف على القوى الحاسة في تحصيل العلم، وفي مزاولته بعد ~~تحصيله، فمن الناحية الأولى نرانا نجهل أن لنا معرفة غريزية، ونعلم أننا مضطرون إلى ~~تحصيل المعرفة بالتجربة والاستدلال، ونرى الذي يحرم حاسة من أول أمره ms136 يحرم العلم ~~بمدارك تلك الحاسة، ومن الناحية الثانية نرى العقل لا يقدر أن يعقل بالمعقولات ~~الحاصلة عنده دون أن يتجه إلى الصور الخيالية، فمتى تعطل فعل المخيلة بداء السرسام، ~~أو فعل الذاكرة بداء السبات، امتنع على الإنسان أن يعقل بالفعل حتى ما كان له به ~~سابق علم، ومتى حاولنا أن نتعقل شيئا استحضرنا في ذهننا صورا خيالية على سبيل ~~أمثلة نتمثل فيها ما نحاول تعقله، ومتى أردنا إنسانا على أن يتعقل شيئا أوردنا له ~~الأمثلة الخيالية، ليستعين بها على التعقل، وبهذا الالتفات إلى الصور الخيالية يدرك ~~العقل الجزئيات أيضا، ولكن بالتبعية وبنوع من الانعكاس على ذاته، فيركب هذه القضية ~~مثلا: سقراط إنسان. ~~(و) فالحق المطابق لماهية الإنسان أن الاتصال وثيق بين العقل والحس، وأن العقل ~~الإنساني، وإن كان داخلا في جنس العقل بالإطلاق، ليس عقلا ملائكيا، ولكنه عقل ~~معادل لماهية الإنسان يستفيد المعقولات من المحسوسات، فمن حيث هو عقل إنساني فله ~~موضوع خاص معادل له هو ماهية الشيء المحسوس، فلا بد من وجود قوة في النفس تجرد ~~الماهية من علائقها المادية الممثلة في الصورة الخيالية الحاصلة عن الإحساس، ~~فتجعلها معقولة بالفعل، وقوة أخرى تتعقلها، القوة الأولى تسمى عقلا فعالا، وتسمى ~~الثانية عقلا منفعلا، وقد قال أرسطو: «كما أن في كل طبيعة شيئا به تنفعل، وشيئا ~~به تفعل، كذلك في النفس أيضا» بحيث إن الطبيعية التي يعرض لها التجرد لا توجد إلا ~~في الأفراد، وأما التجرد وما يلحقه من معنى الكلية فهما من العقل وفي العقل، وتلك ~~هي نظرية الوجودية المعتدلة في أخصر الكلم. ~~(ز) ومن حيث هو عقل بالإطلاق فموضوعه هو الموضوع المشترك بين العقول جميعا على ~~تفاوت مراتبها، أي الوجود، وقد قال أرسطو: إن أول ما يحصل في تصور العقل هو الوجود، ~~لأن كل شيء إنما يكون معلوما من حيث هو موجود بالفعل، إذن العقل الإنساني يدرك ~~الوجود في كل ما يدرك؛ لأن كل مدرك بالفعل فهو موجود بالفعل وجودا عينيا أو ~~ذهنيا، ويدرك شرائط الوجود من أن كل ms137 موجود فهو ما هو، وأنه لا يمكن أن يكون كذا ~~ولا كذا في نفس الوقت ومن نفس الجهة، وأنه إما موجود وإما غير موجود، ولا وسط بين ~~النقيضين، وأن ما يظهر للوجود فلا بد من علة لوجوده، هذه المبادئ الأولى للوجود ~~وللمعرفة يدركها العقل بداهة حالما يجرد حدودها من التجربة، فإنها بينة بذاتها لا ~~يحتاج إدراكها إلى حد أوسط، وبهذا المعنى يقال: إنها فطرية أو غريزية، لا بمعنى ~~أنها موجودة في النفس قبل كل تجربة وكل تعقل، فيعتمد عليها العقل لتفهم الوجود ~~وإقامة العلم بإطلاقه، العلم الطبيعي، وما بعد الطبيعي. ~~(ح) ولا وجه بعد ذلك لما ذهب إليه بعض المتصوفة والأوغسطينيين من أن لنا قوة ~~عقلية أخرى تدرك الروحانيات في أنفسها، بحجة أن ليس للروحانيات صور خيالية، وأننا ~~نعقلها مع ذلك، لو صح مذهبهم لما جهل كثير من الناس ماهية الله والنفس، ولما ضل ~~كثيرون في معرفتهما، والحق أننا ندرك وجود الله بالاستدلال، وندرك ماهيته بالتنزيه ~~والمماثلة، على ما بينا آنفا، أما النفس فلسنا نعقلها مباشرة، بل بواسطة فعل ~~التعقل، ذلك بأن الشيء إنما يدرك من حيث هو بالفعل، وليس العقل الإنساني عقلا ~~بالفعل كالملاك، ولكنه بالقوة، فلا يعقل إلا متى خرج إلى الفعل، وحينئذ نلاحظ طبيعة ~~نفسنا من طريق تحليل فعل التعقل، على ما سبق بيانه، فدليل ابن سينا (الذي اصطنعه ~~جيوم دوفرني) لا يطابق الواقع من أن النفس لا تدرك ذاتها خلوا من كل فعل، فالعقل ~~الإنساني مجرد ومستدل، وهاتان علامتا نقص تدلان على منزلته بين العقول، بيد أن ~~أحكامه على الموجودات جميعا صادقة؛ لأنها قائمة على المبادئ الأولى، هذه المبادئ ~~بمثابة صورة من الحق الإلهي منعكسة على النفس، بحيث يصح القول مع الأوغسطينيين ~~بأننا نرى الأشياء في الحقائق الأزلية، أو بإشراق إلهي، ولكن بمعنى أن العقل يرى ما ~~يرى في ضوء تلك المبادئ، فيكون الله «النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آت إلى هذا ~~العالم» باعتباره العلة الكلية التي تستمد النفس منها القوة على التعقل، ويكون ~~عقلنا ms138 الفعال بمثابة الإشراق الإلهي أو المشاركة في النور الإلهي، وهكذا يقف القديس ~~توما في مسألة المعرفة موقفا متواضعا، ولكنه موقف متين هو الوسط الصحيح بين ~~الأفلاطونيين الذين يزعمون أننا ندرك الروحانيات إدراكا معادلا لها، والحسيين ~~الذين يدعون أن لا سبيل لنا إلى العلم بها أصلا، فيقول بل نحن نعلمها علما ~~يقينيا، ولكن بالتجريد والاستدلال على ما تطيق طبيعتنا المركبة من نفس ~~وجسم. ~~(ط) إلى جانب العقل يوجد في الإنسان إرادة، إذ إن كل مدرك فهو يحرك في المدرك ~~ميلا أو نزوعا يخرج به من القوة إلى الفعل، والمدرك بالفعل مجرد كلي مغاير بالجنس ~~للمشخص الجزئي المدرك بالحواس، والإنسان يتجه إلى خيرات لا مادية كالعلم والفضيلة، ~~بل إنه حين يتعلق بالماديات، فإنما يتعلق بها باعتبار مجرد كلي هو اعتبار الخير ~~لاعتبار اللذة، وإذن فهو حاصل على قوة مغايرة للنزوع الحسي تسمى إرادة، وهذا هو ~~الأصل في الحرية، أي إن الإنسان حر لكونه عاقلا: ذلك بأنه لا يتعلق طبعا وضرورة ~~إلا بالخير الكلي الذي يملأ نزوعه كله، والخيرات المعروضة في الحياة الراهنة، حتى ~~الله باعتباره معلوما بالتجريد والاستدلال ، هي خيرات جزئية بينها وبين الخير الكلي ~~مسافة جد واسعة، فتثير ميلا ما، ولا تحركه تحريكا كافيا، فيبقى حرا بإزائها، ~~ولا تبطل هذه الحرية بالنسبة إلى الله إلا برؤيته تعالى، إذ يظهر حينئذ تمام الظهور ~~أنه الخير الكلي الذي يملأ شهوته فيتحد به اتحادا ضروريا. ~~(ي) هل الإرادة أعلى من العقل؟ أو العقل أعلى من الإرادة؟ ليست هذه المسألة ~~«مدرسية» وحسب كما قد يظن كثيرون، ولكن لها أهمية في ذاتها، وأهمية بالنسبة إلى ~~معرفتنا بالله ومحبتنا إياه، قلنا: لا يراد إلا المعلوم، والعقل هو الذي يتمثل ~~موضوع الإرادة ويعرضه عليها فيحركها كعلة غائية، حتى حين تحرك الإرادة العقل إلى ~~التعقل، لا بد أن يكون قد سبق في العقل أن التعقل خير، وهكذا يكون العقل أعلى ~~مطلقا، ولكن قد يكون موضوع الإرادة موجودا أعلى من العقل، ففي هذه الحالة تكون ~~الإرادة أعلى بالإضافة، من حيث ms139 إنها تميل إلى الموجود نفسه، وإن العقل حاصل على ~~صورته فقط، ولذا كانت محبة الله أفضل من معرفته، وكانت على العكس معرفة الماديات ~~أفضل من محبتها. ~~(ك) هل تقتضي الحرية أن يصدر فعل الإرادة عنها أصلا؟ لقد قيل هذا، ولكنه غير ~~صحيح، فإن الله المحرك الأول الذي يحرك كل قوة إلى فعلها، فالله يحرك الإرادة ~~بإمالته إياها باطنا، وليس هذا التحريك قسرا؛ لأن المقسور هو الذي يتحرك ضد ميله ~~الخاص، والله يحرك الإرادة بأن يؤتيها ميلها الخاص فتتحرك من تلقاء نفسها، لذلك لا ~~يرتفع الثواب أو العقاب، وإنما كان يلزم الارتفاع لو كانت الإرادة تتحرك من الله ~~بحيث لا تتحرك من تلقاء نفسها، أجل، إن الإنسان باختياره يحرك نفسه إلى الفعل، لكن ~~ليس ضروريا للاختيار أن يكون المختار هو العلة الأولى لنفسه، كما ليس يلزم لكون ~~الشيء علة لآخر أن يكون علته الأولى، فالله كما أنه بتحريكه العلل الطبيعية لا يزيل ~~كون أفعالها طبيعية، كذلك بتحريكه العلل الإرادية لا يزيل كون أفعالها إرادية، فإنه ~~إنما يفعل في كل شيء بحسب طبيعة الشيء. ~~(7) الأخلاق ~~(أ) النظر في الإنسان من حيث هو مريد مختار، موضوع الأخلاق، فلا تتناول الأخلاق ~~سوى الأفعال الصادرة عن الإنسان بما هو إنسان، أي الصادرة عن الإرادة العامدة، وتلك ~~الأفعال هي التي تسمى إنسانية بمعنى الكلمة، أما التي تصدر من غير روية وإرادة، ~~فالأولى أن تسمى أفعال الإنسان، مثل: تحريك اليد، أو العبث باللحية مع انشغال الفكر ~~بأمور أخرى، فحقيقة الفعل الإنساني أنه المتجه إلى غاية مدركة ومرادة، وهكذا تكون ~~الغاية مبدأ الأفعال الإنسانية، ويلزم تعيين غاية الحياة. ~~(ب) لا بد للحياة الإنسانية من غاية قصوى، وإلا لم يشته شيء، ومن ثمة لم ~~يفعل فعل، فإن التسلسل مستحيل في العلل الغائية استحالته في العلل الفاعلية، ~~ومفهوم الغاية القصوى أنها التي تملأ شهوة الإنسان بأسرها حتى لا يبقى شيء يشتهيه ~~خارجا عنها، وتسمى السعادة أي استيفاء الإنسان كماله، وكمال كل شيء على قدر وجوده ~~بالفعل، فيجب أن تقوم السعادة ms140 بالفعل الأقصى، وليس فعلنا الأقصى فعل الجزء الحسي، ~~فإن هذا الجزء مشترك بين الإنسان والحيوان، يبقى أنه فعل الجزء العقلي الخاص ~~بالإنسان، ولكن هل هو فعل العقل أو فعل الإرادة؟ إن الإرادة تشتهي الغاية، فإذا ما ~~حصلت عليها سكنت عندها والتذت بها، فلا بد من فعل غير فعل الإرادة به تحصل الغاية ~~لدى الإرادة، وهذا الفعل هو فعل العقل، هل المقصود أن السعادة قائمة بمطالعة ~~العلوم؟ إن أرسطو لما رأى أن ليس لنا من معرفة في هذه الحياة سوى العلوم النظرية، ~~قال: إن الإنسان ليس يسعى إلى السعادة الكاملة، بل إلى السعادة التي تلائم حاله، ~~ولكنا نقول: إن المبادئ الأولى للعلوم النظرية تكتسب حدودها بالحس، فلا تعدو مطالعة ~~هذه العلوم ما يؤدي إليه إدراك المحسوسات، أي ما يكتسب بالتجريد والمماثلة، فلا بد ~~أن يكون كمال الإنسان من جهة الموضوع المشترك للعقول جميعا، وهو الوجود، وذلك ~~بمعرفة موجود أعلى معرفة مباشرة، هل يكون هذا الوجود الأعلى عالم الملائكة؟ بذلك ~~قال الذين جعلوا النفوس البشرية صادرة عن الملائكة أو عن العقل الفعال المفارق، ~~كابن سينا وابن رشد، وهم الذين رأوا مع الأفلاطونية الجديدة أن كل مرتبة من مراتب ~~العالم متعلقة بالتي فوقها مباشرة، فرأوا السعادة في اتصال النفس بمبدئها، ولكن ~~الملائكة موجودون بالمشاركة، فهم حق بالمشاركة، وما كان كذلك فهو لا يوفر للعقل ~~كماله الأقصى، فالحقيقة أن موضوع الإرادة هو الخير الكلي، كما أن موضوع العقل هو ~~الحق الكلي، وليس يوجد الخير الكلي في الخليقة، بل في الله وحده، فالله غايتنا ~~القصوى، يدفعنا إليه دفعا طلب السعادة، فإن العقل الذي يدرك ماهية معلول ولا ~~يستطيع أن يدرك بها ماهية العلة، يظل متشوقا طبعا إليها، فلا يكون سعيدا حتى ~~يدركها. ~~(ج) تلك ماهية السعادة الكاملة القائمة كلها برؤية الله، وهي لا تتحقق إلا في ~~الحياة الآجلة، أما في الحياة العاجلة فالسعادة الميسورة لنا سعادة ناقصة تقوم ~~أولا وأصالة: بمعرفة الله ومحبته، وثانيا: بمزاولة الفضائل، وأخيرا: بصحة الجسم ~~وبالخيرات الخارجية إن أمكن، من مال ms141 وكرامة، وتستخدم كوسائل للحياة الفاضلة، فإن ~~السقم والفاقة قد يعوقان عن أفعال فاضلة كثيرة. ~~(د) ما دامت الإرادة تابعة للعقل تميل إلى الخير الذي يعرضه عليها، فإن العقل ~~قاعدتها التي يتقدر بها صلاحها، فإذا كان الفعل موافقا لحكم العقل كان خيرا، وإذا ~~كان منافيا لحكم العقل كان شريرا، وفي الفعل الإنساني يعتبر الخير والشر من ثلاثة ~~أوجه، الأول: الموضوع إن كان موافقا للعقل أو مخالفا له، كاستعمال الإنسان ما له، ~~أو أخذه ما لغيره، الثاني: الظروف من حيث هي أعراض للفعل، مثل الكمية الملائمة أو ~~المكان اللائق، فإن خلا الفعل عن شيء يقتضيه منها كان شريرا، والثالث: الغاية التي ~~يتوقف عليها، أي نسبته إلى علة الخير. ولما كان الفعل الإرادي يشتمل على فعلين: ~~الفعل الباطن، والفعل الظاهر، وكان لكل منهما موضوع يستفيد منه حقيقته النوعية - ~~كانت الغاية إما الطبيعية وهي ما ينتهي إليه الفعل في الواقع مثل قتل الإنسان، أو ~~خلقية وهي ما يقصد من الفعل، كقتل الإنسان للقصاص العادل أو للانتقام. والغاية ~~الخلقية هي التي تفيد الأفعال الإنسانية حقيقتها النوعية؛ لأنها في حكم الصورة لما ~~هو من جهة الفعل الظاهر، فقد يقصد بفعل خير في نوعه أو في ظروفه غاية شريرة، كما ~~لو تصدق إنسان لأجل المجد الباطل، وقد يقصد بفعل شرير غاية خيرة، كما لو سرق ~~إنسان ليتصدق على فقير، فلا يكون الفعل خيرا مطلقا إلا إذا اجتمعت له أوجه الخير ~~كلها، لأن كل نقص فهو شر، وقد يعرض أن يكون بعض الأفعال لا خيرا ولا شريرا بحسب ~~حقيقته النوعية، كالذهاب إلى الحقل، ولكنه خير أو شرير بحسب حقيقته الشخصية أي من ~~جهة قصد الغاية، فإنه لا بد أن يكون متوجها إلى غاية لائقة أو غير لائقة، أما ~~الانفعالات النفسية - والرواقيون يعتبرونها شرا في أنفسها - فتتصف هي أيضا تبعا ~~لحكم العقل وللغاية المتوخاة فالغضب للحق خير، والغضب لمنفعة ذاتية شر، على أن بعض ~~الانفعالات خير أو شرير بنوعه، من حيث يعتبر موضوعه شيئا موافقا في نفسه للعقل ~~أو ms142 مخالفا له، فالرحمة ترجع إلى الفضيلة، والحياء كذلك، فإنه تخوف أمر قبيح، ~~والحسد يرجع إلى الرذيلة، فإنه اغتمام بنعمة الغير. ~~(ه) كل هذا يقره العقل الطبيعي بالنظر في الإنسان وما يليق أن يكون عليه، وفي ~~الأشياء المحيطة به وأثرها فيه، لذلك يسمى مجموع القواعد الخلقية بالقانون الطبيعي ~~الذي يعلم دون وحي، فإن لكل موجود قانونا منطبعا في ماهيته: الموجود غير العاقل ~~يتبع قانونه حتما، والموجود العاقل يدرك قانونه ويملك أن يتبعه أو يخالفه، ~~فالقانون الخلقي خاص بالعاقل، والمبدأ الأول البين بذاته لهذا القانون قائم على ~~المعنى الأول من معاني العقل العملي، وهو معنى الخير، وصيغته: «يجب اتباع الخير ~~واجتناب الشر»، فإن كل موجود إنما يعمل لغاية أي لخير، والخير مطلوب، والشر مهروب ~~منه بالضرورة، وكل المسألة ترجع إلى تمييز الخير الحقيقي من الخير المظنون، وسائر ~~المبادئ تنطوي تحت هذا المبدأ الأول، بمعنى أن موضوعاتها هي الخيرات التي يدرك ~~العقل أنها خيرات إنسانية، غير أن من هذه المبادئ أو القواعد ما هو بين بذاته، مثل ~~قولنا: يجب ألا تضر أحدا، ومنها ما هو نتيجة لمبدأ بين بذاته ، مثل قولنا: لا تمسك ~~الأمانة عن صاحبها؛ لأنه يجب ألا تسرق؛ لأنه يجب ألا تضر أحدا، لذا تنقسم قواعد ~~القانون الطبيعي إلى أولية وثانوية: أما الأولية فثابتة لا تتغير يشترك فيها الناس ~~جميعا اشتراكهم في المبادئ الأولى النظرية، وأما الثانوية فقد يعرض لها التغير ~~بتغير ظروف الزمان والمكان، أو من جراء الجهل والخطأ والهوى، تحجب عن الناس وجه ~~الحق، وتميل بهم إلى تقرير الباطل. ~~(و) على أن العقل الإنساني ما هو إلا القاعدة القريبة للقانون الطبيعي، أما ~~القاعدة البعيدة والأولى فهي القانون الأزلي، أي العقل الإلهي الذي يرى في الذات ~~الإلهية جميع الطبائع ونظام علاقاتها، والإرادة الإلهية التي حققت الطبائع فأرادت ~~أن يحترم هذا النظام، إن ما لدينا من نور العقل إشراق القانون الأزلي في الخليقة ~~الناطقة، فللقواعد القويمة قوة الإلزام في الضمير بموجب القانون الأزلي الصادرة ~~عنه، وطاعة هذه القواعد تحقيق للنظام وتكريم ms143 لواضعه، فهي تستحق للمطيع ثوابا، وهذا ~~الاستحقاق يقوم مؤقتا مقام الغاية القصوى ويؤدي إليها، والمعصية إخلال بالنظام ~~وإهانة لواضعه، فهي تستحقق للعاصي عقابا، وهكذا يلزم عن القانون الجزاء، وتكفل لنا ~~المبادئ الأساسية للأخلاق. ~~(8) السياسة ~~(أ) الدولة هيئة موحدة بتنظيم أفرادها، مثلها مثل الجيش يعاون عمل الجندي فيه عمل ~~المجموع دون أن يختلط به، توجد وحدة النظام في الجماعات الحيوانية كالنمل والنحل، ~~ولكنها تصدر فيها عن الغريزة، أما في الجماعات الإنسانية فهي راجعة إلى العقل ~~والإرادة، وبهذا المعنى تقوم على ضرب من التعاقد، وقد عرف شيشرون الجماعة بأنها ~~«كثرة منظمة خاضعة لقانون عادل يرتضيه الفرد، ابتغاء منفعة مشتركة» (الجمهورية م1 ~~ف25)، وكان أوغسطين قد نقد هذا التعريف؛ لأنه لم يكن يرى أن العدالة الكاملة يمكن ~~أن توجد خارج المسيحية، وعرف الجماعة بأنها «اتحاد أفراد عاقلين لأجل الاستمتاع ~~معا بما يحبون» (مدينة الله م19 ف21) وقد يكون ما يحبون: المال، والتجارة، واللذة، ~~والحرب، ولكن القديس توما يصطنع تعريف شيشرون؛ لأنه يعتقد بالقانون الطبيعي ويجعل ~~منه الأساس القريب للاجتماع، يستند إلى الأساس البعيد والأول الذي هو القانون ~~الأزلي، وقد أوجد الله الإنسان مدنيا بالطبع، وحاصلا بداهة على المبادئ الأولى ~~للحق والخير، وتبعا لهذا الموقف يقرر من جهة واحدة أن كل سلطان فهو آت من الله حسب ~~قول القديس بولس، بمعنى أن الترتيب الطبيعي يقتضي الاجتماع فيقتضي السلطان، ويقرر ~~من جهة أخرى أن غاية الاجتماع ليست الاستمتاع بل استكمال الفرد لطبيعته الإنسانية ~~وتحقيق غايته بما هو إنسان، فمهمة الدولة معاونته على ذلك فيما تستطيعه ويفوق طاقته ~~الخاصة، أما الناحية الخلقية والدينية، فمهمة الكنيسة أولا وبالذات، فتكون الدول ~~خاضعة للكنيسة بقدر خضوع الغاية الزمنية للغاية الأبدية. ~~(ب) كيف يكون نظام الحكم؟ الأرستقراطية أو حكومة الأفاضل أكثر حكمة من ~~الديموقراطية (التي يسميها «بوليتيا» ويعرفها بأنها حكومة الشعب العادل)، ~~والموناركية أو حكومة الفرد الفاضل خير من الأرستقراطية، وأكثر مطابقة للطبيعة، حيث ~~كل شيء يدبره مبدأ واحد: الجسم تدبره النفس، والأسرة يدبرها الأب، والعالم يدبره ~~الله، ويجب أن ms144 تكون الموناركية انتخابية، إذ ليس يكفي الحسب، بل تجب الفضيلة، ولكن ~~ليس يوجد في الواقع نظام كامل أو نظام دائم، كل نظام فهو ينطوي على جرثومة فساد، ~~فقد تنقلب السلطة الملكية إلى طغيان، والأرستقراطية إلى أوليغركية أو حكومة ~~الأغنياء، والديموقراطية «بوليتيا» إلى ديماغوغية (ويسميها ديموقراطية)، والأنظمة ~~متداولة باستمرار، فمن الوجهة العملية خير الأنظمة وأثبتها النظام الوسط، وهو ~~موناركية معدلة بأرستقراطية وديموقراطية، أي بمجلس أرستقراطي ينتخبه الشعب، وذلك هو ~~النظام الذي سنه الله لموسى، كان موسى وخلفاؤه يحكمون بمعاونة اثنين وسبعين رجلا ~~حكيما يختارهم الشعب، بينما كان الله نفسه يختار الملك. ~~(ج) أهم وظائف الدولة تأمين الجماعة من الخطر الداخلي والخطر الخارجي، فمن الوجهة ~~الأولى تضطلع الدولة بالتشريع، أي بإقامة العدالة بين الأفراد، فلا قيمة للقانون ~~الوضعي إلا إذا صدر طبقا للعقل ولأجل الخير العام، طبقا للقانون الطبيعي، ومن ثمة ~~طبقا للقانون الأزلي، إذ ليس لإنسان حق التشريع لإنسان إلا باسم الله، ولكي يوجهه ~~وفق العقل والطبيعة، فإذا انعدم هذا الشرط لم يعد القانون الوضعي قانونا، بل كان ~~فساد القانون، والتشريع يستتبع القضاء، فإن القانون يظل لغوا بغير جزاء، على ~~القاضي تطبيق العدالة، ومراعاة الإنصاف دون التقيد بحرف القانون عند الاقتضاء، ~~وتبرئة المتهم حين لا تقوم البينة على الذنب، فلأن يخطئ في حسن الظن بمجرم خير من ~~أن يظلم بريئا، ولا يدين القاضي بحسب اعتقاده الشخصي، بل بحسب ما تبين له باعتباره ~~شخصا عموميا، وهذا لا يمنعه من استخدام معارفه الخاصة لجلاء الحقيقة، فإن لم ~~تنجل على النحو الذي يعلم، كان عليه أن يحكم بما ظهر أمامه فقط، أما العقاب فهو ~~على العموم تعويض عن الذنب، ولكنه في هذه الحياة تأديب أيضا، فهو رادع ومصلح، ومن ~~ثمة عامل من عوامل السلام في المجتمع، وعقوبة الإعدام مشروعة، فإن الجاني يخل بنظام ~~العقل فينزل عن الكرامة الإنسانية إلى دركة الحيوان، فيستحق أن يقتل كحيوان، ~~وللسلطة الحق من باب أولى في أن تبتر عضوا، أو تمنع الحرية بالحبس. ~~(د) والجماعة عرضة للخطر الخارجي، فالاستعداد ms145 للحرب وظيفة جوهرية، ويجب أن تكون ~~الحرب عادلة، ولذلك ثلاثة شروط ذكرها أوغسطين، الأول: أن تعلنها السلطة الشرعية ~~وتباشرها بنفسها، الثاني: أن تعلنها لسبب عادل، أي لدفع ظلم، والثالث: أن تمضي فيها ~~بنية مستقيمة، أي موجهة إلى إرغام العدو على قبول السلم، لا إلى الإيذاء وحب التسلط ~~والانتقام، هل يجوز الخداع في الحرب؟ الخداع إما بالكذب أو بكتمان المقاصد، فأما ~~الكذب فغير جائز بحال حتى مع الأعداء، والحرب لا تحل من القانون الطبيعي، وأما ~~كتمان المقاصد وإخفاء التدابير فجائز لضرورة المضي في الحرب وإحراز النصر، هل تجوز ~~الحرب أيام الأعياد؟ تجوز إذا اقتضت الظروف، كان المسيح يشفي المرضى أيام السبت، ~~وللأطباء أن يعالجوا مرضاهم يوم الأحد، والأمر في الحرب أمر خلاص الأمة، هل يجوز ~~للإكليريكيين أن يحاربوا؟ لا يجوز، إن توزيع العمل ضروري في الدولة لخير الدولة، ~~ومهمة الإكليريكيين مهمة روحية لا تتفق مع عمل من أعمال الدنيا، ومن باب أولى مع ~~الحرب وسفك الدم، بل اللائق بهم والواجب عليهم أن يكونوا دائما على استعداد ~~للتضحية بأنفسهم في سبيل الحق، فمهمتهم في الحرب استخدام الأسلحة الروحية، من صلاة ~~ووعظ وتشجيع وإقامة شعائر الدين. ~~(ه) وعلى المواطنين واجب احترام أولي الأمر والطاعة لهم ما داموا يتوخون العدالة، ~~إن طاعة القانون العادل واجبة وإلا تقوض المجتمع، أما القانون الجائر المعارض ~~للقانون الطبيعي وللقانون الإلهي فلا تجوز الطاعة له بحال، وإذا كان معارضا لحق ~~ثانوي فيطاع متى كانت مخالفته أشد خطرا على المجتمع، خير للشعب أن يطاول الملك ~~الظالم، إذ قد تفشل الثورة فينتقم الملك، وإذا أفلحت فما أكثر الخلاف والاضطراب بين ~~الشعب أثناء الثورة وبعدها! فضلا عن إمكان قيام طاغية آخر أو نشوب ثورة معارضة، ~~ولا طاعة لملك غاصب، فإن السلطة لا تعتبر شرعية إلا إذا آلت إلى صاحبها طبقا ~~للعدالة، فليس الغاصب ملكا حقا، إلا إذا رضيه الشعب ولو رضي ضمنيا، أو أقرته ~~سلطة عليا من شأنها التعيين والعزل، فإذا لم يتوفر أحد هذين الشرطين كان الانتقاض ~~عليه واجبا، إلا إذا ms146 خيف من الانتقاض شر أعظم، أما قتل الطاغية أو الغاصب فغير ~~جائز لفرد يقوم به من تلقاء نفسه، ولكن للشعب بأجمعه أو ممثلا في مجلس مشروع أن ~~يستعمل هذا الحق، كما حدث بروما، إذ قضى مجلس الشيوخ بإعدام أحد الأباطرة ونقض ~~قوانينه الظالمة، ذلك لأن حق اختيار الملك بيد الشعب، فللشعب حق عزله أو الحد من ~~سلطانه، والملك الذي ينكث عهده يحل الشعب من عهده، وإذا كان اختيار الحاكم يرجع ~~لسلطة عليا فيجب رفع أمره إليها، كما فعل اليهود حين شكوا الملك أرخيلاوس إلى ~~القيصر أوغسطس فأنصفهم، وإذا عدم الشعب كل وسيلة فليتوجه إلى الله صادقا، فيغير ~~الله قلب الملك أو يذله أو يسقطه، فما يسمح الله بالطغيان إلا عقابا على ~~الخطيئة. ~~(و) وثمة أصل من أصول التدبير الاجتماعي هو توزيع الثروة والأرض، لقد أخطأ ~~أفلاطون في قوله بالشيوعية، كما بين أرسطو في كتاب السياسة، إن على الفرد واجب حفظ ~~حياته، وواجب تغذية أولاده وتربيتهم وتهيئة مستقبلهم، فله حق امتلاك خيرات مثمرة ~~باقية، والاستقلال بأسباب المعاش داعية إلى نمو الشخصية والجد في العمل والزيادة في ~~الخير العام، ويذهب حق الملكية من الضروري إلى الرخاء، بيد أن هذه الاعتبارات - على ~~وجاهتها - ليست ضرورية ضرورة مطلقة، فإن القانون الطبيعي لا يقضي بشيء لمصلحة ~~الملكية الفردية أو ضدها، لجواز أن يحقق الإنسان غاياته في نظام الملكية المشتركة، ~~كما يحدث في الرهبنات، ولو دامت حالة البرارة الأولى لكان الناس يفيدون من خيرات ~~الأرض بالاشتراك ولا ينشب بينهم خلاف، فحق الملكية اصطلاح اجتماعي نافع، ومن هذه ~~الوجهة فقط، أي من حيث هو وضع عام لأجل الخير العام، فهو يندرج في القانون الطبيعي، ~~إن النزول عن الخيرات الدنيوية وسيلة للفضيلة، ولكن من الممكن أن تجتمع الفضيلة ~~وهذه الخيرات، إنما ينصح الإنجيل بالفقر الإرادي؛ لأن هاته الخيرات تولد في الغالب ~~الطمع والبخل والحسد والكبرياء والتعلق بالدنيا، ولكنه لا يلزم به، وكل ما يلزم به ~~ألا يتعلق الغني بالمال، وأن يعطي الفقير مما يفيض عنه، وقد قال بولس ms147 الرسول ~~لتلميذه تيموثاوس: «مر الأغنياء أن يجزلوا العطاء»، فليس الشر في الملكية مهما ~~عظمت، بل في الاستئثار بغلتها وسوء التصرف بها، وللفقير المدقع حق أخذ ما يسد به ~~الرمق إن لم يتيسر له العون، في حالة الفقر المعدم تعتبر الأشياء مشتركة، وينزل ~~القانون الوضعي عن نصوصه للقانون الطبيعي الذي يقضي بأن يسد فائض الواحد عوز الآخر، ~~وفيما عدا هذه الحالة ليس للفقير حق شخصي يطالب به شخصا معينا، بل يظل للغني حق ~~التصرف بفائضه، فيمنح هذا، ويحرم ذاك، على ما يراه معقولا، ولأجل تعيين الفائض يجب ~~اعتبار تكاليف الأسرة ومركزها الاجتماعي، فليست المسألة مسألة حسابية بل ~~اعتبارية. ~~(9) مصير التوماوية ~~(أ) ذلك مجمل مواقف القديس توما، يتبين منه أنه عارض المواقف المأثورة من أوغسطين ~~إلى بونافنتورا، تبعا لنظرة أخرى إلى العقل الإنساني والوجود أدت به إلى الفصل بين ~~الفلسفة واللاهوت مع استبقاء الصلة بينهما، فأعاد إلى الفلسفة استقلالها بمبادئها ~~ومناهجها، تبدو خالصة لذاتها في الشروح على أرسطو، ومحتفظة بكيانها في سائر ~~المؤلفات، حيث نراها آلة للاهوت، وهي لا تنزل عن شيء من خصائصها ومقتضياتها، بل ~~توجه اللاهوت وجهة جديدة وتوحي فيه بحلول معينة، ولقد ثار معاصروه لهذه الجرأة في ~~التمرد على السلف وتحدي أوغسطين، تألب عليه في باريس وأكسفورد الفرنسيسكيون أنصار ~~التقاليد، وغيرهم من أساتذة اللاهوت، وبعض المتصوفة الذين كانوا يتبرمون بالصبغة ~~العقلية البارزة عنده، وفريق من أعضاء رهبنته الذين نشئوا على الأوغسطينية قبل ظهور ~~مذهبه. ~~(ب) على أن السلطة الكنسية العليا وقفت موقفا آخر ما كان أحكمه وأنفذه إلى الحق! ~~فقد أيد جميع البابوات تعاليم القديس توما من وقته إلى وقتنا، وفي 1318 أعلن البابا ~~أن مذهبه معجزة من المعجزات، وأنه بمفرده يفيض على الكنيسة من النور أكثر من سائر ~~الأساتذة مجتمعين، وفي 1323 أعلنه قديسا، وتعاقبت الرسائل البابوية في امتداح ~~مذهبه والحض على الاستمساك به، وكان الكاثوليك في أشد الحاجة إلى هذا التوجيه، ~~والفلسفة الحديثة تغمرهم من كل جانب، وهي في جملتها إلحادية أو لا أدرية، فوجدوا ~~عند توما ms148 الأكويني أسلحة فلسفية يحاربونها بها لم يكونوا ليجدوها عند غيره من ~~السلف، والسلف لم يعن بالفلسفة لذاتها، وكان أفلاطونيا، ولا شك أن الأفلاطونية ~~أقل توفيقا إلى الحق من الأرسطوطالية في تفسير المعرفة والوجود، والتوماوية الآن ~~فلسفة حية تقيم الحجة على سائر الفلسفات. # الفصل العاشر # | سيجر دي برابان # (1235-1282) ~~(1) حياته ومصنفاته ~~(أ) بينما كان توما الأكويني يعمل على تحقيق فكرة ألبرت الأكبر وينشئ ~~الأرسطوطالية المسيحية، وكان معظم أساتذة كلية الفنون بباريس يراعون العقيدة في ~~عرضهم للفلسفة - كان بعض زملائهم يرون في فلسفة أرسطو كما شرحها ابن رشد علما ~~قائما برأسه أصلا والمثل الأعلى للعقل الإنساني، ويعلمونها لذاتها غير عابئين بما ~~بينها وبين الدين من خلاف، كانت كلية الفنون مرحلة مهيئة لدراسة اللاهوت، ولم يكن ~~أساتذتها كهنة، وإنما كانوا إكليريكيين مرشحين للكهنوت، فكان من الممكن أن يتجاهل ~~بعضهم تعاليم الدين، ويدعي أنه إنما يشغل بالفلسفة ليس غير، وأن ليس من شأنه ~~التوفيق بين الطرفين، وهذا ما كان من أقلية ظهرت ابتداء من 1250 وبلبلت الجامعة ربع ~~قرن بالتمام، وسميت حركتها بالرشدية اللاتينية، وقد مر بنا أن كلا من ألبرت ~~الأكبر وتوما الأكويني وضع رسالة «في وحدة العقل ردا على الرشديين» وكانا يقصدان ~~الآخذين بهذا القول المعروف عن ابن رشد، على أن هؤلاء الرشديين، مع تعويلهم على ~~شروح ابن رشد واعتبارها المرآة الصادقة لفكر أرسطو، لم يكونوا يمتنعون من الانحراف ~~عنه في بعض المسائل إلى أبروقلوس وابن سينا، بحيث لو أردنا أن نطلق على هذه الحركة ~~اسما شاملا سميناها بالأرسطوطالية الضاربة إلى الأفلاطونية الجديدة، غير أنه لما ~~كان القول بوحدة العقل يستتبع إنكار الخلود الشخصي، وتقويض أسس الأخلاق برفع الجزاء ~~الحق على الأفعال الإنسانية، فقد بدا كأنه الطامة الكبرى في الكفر، وبدا اسم ~~«الرشدية» أدعى الأسماء إلى تمييز الفرقة. ~~(ب) أشهر هؤلاء الرشديين سيجر دي برابان، أخذ يعلم بكلية الفنون حوالي 1265، ~~فكانت حياته بها سلسة اضطرابات عنيفة وضم إليه فريقا هاما من أساتذة الكلية ~~وطلابها ذهبوا إلى حد انتخاب عميد لهم، والغالبية تقاومهم، ms149 حتى أنكر الأسقف عددا ~~من القضايا الرشدية، فكف عن التعليم، لكن رئيس محكمة التفتيش أعلنه بالمثول أمامه، ~~ويلوح أن سيجر رده واحتكم إلى روما، أو أنه تمكن من الهرب، فإنه في تلك السنة تقدم ~~إلى محكمة روما، فحبسته وأصدرت ضده حرما كان القضاء المبرم على التعليم الرشدي ~~بباريس، وهو في مدينة أورڤيتو # Oruietto # جن كاتبه ~~واغتاله. ~~(ج) وقد ظل اسمه مغمورا، وظلت كتبه مطمورة زمنا طويلا، إلى أن استكشفت ~~بالتدريج ابتداء من 1847، ولم يعثر بعد على كتب أحال إليها في المخطوطات ~~المستكشفة، أو ذكرها معاصروه، مثل شرحه على سياسة أرسطو، ومن الكتب ما نشر باسمه ~~ولم تثبت نسبته إليه، وتتوزع كتبه إلى ثلاث طوائف، طائفة شروحه على كتب أرسطو، لا ~~يلتزم فيها الشرح الحرفي بل يجاوزه إلى البحث الشخصي، ويفترق عن تأويل ابن رشد في ~~غير ما موضع، وطائفة تنتظم «مسائل» على كتب أرسطو، البحث الشخصي فيها أكثر ظهورا، ~~وطائفة تضم رسائل في موضوعات خاصة، أهمها: رسالة في النفس الناطقة، يتحدث فيها ~~كزعيم مدرسة، ويتهم ألبرت الأكبر وتوما الأكويني بتشويه فكر أرسطو، ولو أنه يبدو ~~فيها أقل تشددا بصدد وحدة العقل. ~~(2) مذهبه ~~(أ) يبرهن سيجر على وجود الله بالحركة، جريا مع أرسطو، وبتفاوت الموجودات في ~~الكمال، جريا مع الأوغسطينيين والتوماويين، ويقول بالخلق، ولكنه يقصر فعل الله على ~~خلق العقل الأول، متابعا ابن سينا في مبدئه «أن عن الواحد لا يصدر إلا واحد» وفي ~~القول بأن خلق هذا الواحد ضروري، ويذهب إلى أنه لما كان المحرك الأول بالفعل دائما ~~كان العالم أزليا، بما فيه النوع الإنساني، فلم يكن هناك إنسان أول ولن يكون هناك ~~إنسان أخير، ويستنتج من أزلية العالم أن كل ماهية فهي متحققة دائما، وأن ليس بين ~~الماهية والوجود تمايز حقيقي، ويلح في هذه النتيجة معارضا ألبرت وتوما، ويعتقد أن ~~ظواهر العالم السفلي حادثة عن دوران الأجرام السماوية، وأن هذا الدوران يعيد نفس ~~الظواهر، بما فيها «نفس الآراء والقوانين والديانات»، فالعالم خاضع للجبرية بما في ~~ذلك أفعالنا الإرادية، خارج ms150 عن العناية الإلهية من حيث إنه غير صادر عن الله ~~مباشرة، والله بالإضافة إليه علة غائية فحسب كما يقول أرسطو. ~~(ب) أما الإنسان فنفسه نامية حاسة تفنى بموته، أجل، إن التعقل يدل على روحانية ~~مصدره، ولكن هذا المصدر عقل مفارق، لا نفس ناطقة هي صورة الجسم، فإن اتصال الروح ~~بالمادة يدنسها ويقضي على روحانيتها، وهذا العقل المفارق واحد؛ لأن الصورة المادية ~~هي التي تتكثر بتكثير المواد، أما الصورة الروحية ففريدة في نوعها، فالعقل واحد ~~بالإضافة إلى النوع الإنساني بأجمعه، يتصل بالأفراد بفعله لا بجوهره، ولما كان هذا ~~الفعل يتم داخل الجسم فتمكن إضافته للإنسان أيضا، بحيث يصح القول: إن سقراط يعقل، ~~والعقل الفعال هو الخالد، وهو الممثل الدائم للنوع الإنساني، أما الأفراد ففانون، ~~وأما الأخلاق فتلقى جزاءها في هذا العالم. ~~(ج) يقول سيجر إن هذه الآراء - وعلى العموم فلسفة أرسطو كما شرحها ابن رشد - تمثل ~~حكم العقل الطبيعي يؤدي إلى النظر ضرورة، غير أن الإيمان يكشف لنا عن نظام فائق ~~للطبيعة أراده الله وأعلنه إلينا، فنحن نقبله إلى جانب ما يعقله العقل، ليس يعلم ~~العقل الطبيعي سوى النظام الطبيعي، وكان يكون هذا النظام حقا لو لم يستبدل به ~~الله النظام الفائق للطبيعة، فليست الفلسفة تقرير الحق، ولكنها «مجرد الفحص عن مقصد ~~الفلاسفة - وبخاصة أرسطو - حتى ولو كان الفيلسوف قد ذهب إلى غير الحق، وكان الوحي ~~قد أعلن أمورا لا تستنبط بالأدلة الطبيعية، لسنا نعرض للمعجزات في الفلسفة، بل ~~للطبيعيات نبحثها بحثا طبيعيا»، وفي الواقع لم ينقطع سيجر عن التنبيه في كل ~~مسألة على أنه إنما يقول ما يقول «وفقا لرأي الفيلسوف دون أن يثبت أنه حق.» ~~(د) يتبين من هذا أنه كان يتصور العلاقة بين العقل والإيمان تصورا خاصا لم ~~يسبق إليه: لم يكن يضع العقل والإيمان في مستوى واحد حتى يضطر إلى الاختيار بينهما ~~كما يختار المرء بين الحق والباطل، ولكنه حول التعارض بين العقل والإيمان إلى ~~تمايز بين نظام طبيعي منسوخ ونظام فائق للطبيعة ناسخ، في حين أن ms151 المسيحية تعلم أن ~~القضايا العقلية الضرورية صادقة بالضرورة، وأن الله لم ينسخ الطبيعة بل زاد عليها ~~وكملها، وابن رشد يذهب إلى أن الفلسفة هي الحق الخالص البرهاني يتقلده الخاصة، ~~وأن الشرع حق خطابي موضوع للجمهور، فهو أدنى مرتبة، فكلما نجم خلاف بينهما وجب ~~تأويل الشرع وحمله على المعنى المطابق للفلسفة، مع ترك الجمهور على اعتقاده، أما ~~سيجر فيقتصر على عرض نتائج الفلسفة، ويصرح بأن الوحي هو الحق، وأن الحكم يرجع إليه ~~كلما ثار خلاف. ~~(ه) وهذا وضع غاية في الخطورة يجعل من العقل يقينا بلا اعتقاد، ومن الإيمان ~~اعتقادا بلا يقين، ويجمع بينهما في نفس واحدة! وللنفس التي تأبى هذا الجمع الغريب ~~أن تختار إحدى نتيجتين بحسب استعدادها: إما أن موضوع الإيمان باطل من حيث إن العقل ~~يبرهن على ضده، وإما أن موضوع الإيمان حق وأن العقل لا يؤدي بذاته إلا إلى الباطل، ~~وفي كلا الحالين إنكار وتبديد للجهود التي بذلها المدرسيون، بغية إقرار العقل ~~والدين جميعا ومحاولة التوفيق بينهما، وبخاصة جهود ألبرت الأكبر وتوما الأكويني، ~~وليس يهمنا بعد أن يكون سيجر عدل عن آرائه أو لطفها، على ما يرى بعض الباحثين ~~المعاصرين في مخطوطات استكشفوها ، فإن موقفه هذا هو الذي يميز شخصيته، ويجعل له ~~مكانا في تاريخ الفلسفة. # الفصل الحادي عشر # | ريمون لول # (1235-1315) ~~(1) حياته ومصنفاته ~~(أ) شخصية عجيبة تلاقت فيها خصائص العصر، ولكنه على كل حال فيلسوف متواضع، ولعله ~~لولا محاولة منطقية سبق بها ليبنتز لم يكن اسمه ليذكر في تاريخ الفلسفة، ولد بجزيرة ~~ميورقة في أسرة غنية، ولما أتم دراسة الفنون الحرة، حوالي الرابعة عشرة، انتظم في ~~سلك الغلمان بالبلاط الإسباني وعاش عيشة لهو وقصف، وهو في الثلاثين وقع له حادث ~~خارق صرفه عن الدنيا إلى الدين: ذلك أن المسيح تراءى له ذات ليلة، فاضطرب، ثم لم ~~يحفل بالأمر، ولكن الرؤيا تكررت أربع مرات في الظروف عينها، فأدرك أن المسيح يريده ~~على أن يتوفر على خدمته، أي على الدفاع عن الدين والعمل على نشره، فمهد لمهمته ~~بدراسة ms152 العربية، وكان سواد أهل ميورقة يتكلمونها، ولكنه هو كان يجهلها، وأقبل على ~~اللاتينية يجودها، وعلى المنطق، وصرف في ذلك تسع سنين وضع بعدها مؤلفه الأول ~~والأشهر «الفن الأكبر» أو «الفن الكلي»، ثم أعقبه بمؤلفات كثيرة في المنطق وفي الرد ~~على ابن رشد والرشديين، وأخذ يطوف في أنحاء أوروبا وشمال أفريقيا ومصر وفلسطين ~~والهند، ويعود إلى الترحال، وكان حينما حل نشر آراءه: فعلم بباريس «الفن الأكبر» ~~وجادل الرشديين، وفي البلاد الإسلامية غلا في النقاش والاستفزاز حتى سجن مرة بتونس ~~وأخرى بالجزائر، وفي الجزائر أيضا رجمه الجمهور بالحجارة فأخذه بعض أهل جنوى في ~~عودتهم إلى أوروبا، ولكنه قضى قبالة شاطئ ميورقة. ~~(ب) كان لاهوتيا فيلسوفا متصوفا، وله في ذلك كتب باللاتينية، وكان أديبا ~~دون القصص ونظم الشعر، وخاصة بلغته القطالونية، ومما نظمه بها كتاب في منطق ~~الغزالي، وآخر في العرض والجوهر، وكان متضلعا في العربية حتى نقل عنها وصنف بها، ~~ولكن لم يعثر بعد على كتبه العربية، فكان الأول بين الغربيين الذي كتب بالعربية، ~~ومن الأوائل القلائل الذين كتبوا بلغتهم الدارجة للإعراب عن أفكار فلسفية ولاهوتية، ~~ويذهب أسين بلاسيوس المستشرق المعروف إلى أن أصول مذهبه عربية، ويخالفه كثيرون، ~~أجل ، لقد كان واسع الاطلاع على العلم الإسلامي وأفاد العربية أشياء كثيرة في الفلك ~~والكيمياء والطب، أما في الفلسفة واللاهوت والتصوف، فهو تلميذ أوغسطين وأنسلم ~~وبونافنتورا وروجر بيكون، يريد مثلهم أن يجاوز العقل إلى إشراق الإيمان وضياء ~~الجذب، ويقول بتركيب الجواهر المفارقة من هيولى وصورة، وبالأصول البذرية، وبنظرية ~~النور، ولا يقبل تمايزا حقيقيا بين النفس وقواها، وليس يكفي لرد بعض أقواله إلى ~~العرب أن تكون واردة عندهم، بل يجدر بالباحث أن يرجع إلى المسيحيين السابقين على ~~العرب لعله يجد مثلها في كتبهم، فتكون هذه الكتب مصدره الطبيعي، وكان لول يلح في ~~ضرورة تعليم المبشرين اللغات الشرقية، ويطلب إلى الأمراء والجامعات إنشاء المدارس ~~لهذا الغرض، فقرر أحد المجامع الكنسية إنشاء كراسي لتعليم العربية واليونانية ~~والعبرية والكلدانية في جامعات باريس وأوكسفورد وبولونيا وسلامنكا، وقد قيل: إنه ms153 ~~اشتغل بالكيمياء وبالسحر، ولكن هذا القول لا يلقى أقل تأييد من دراسة حياته ~~ومصنفاته. ~~(2) الفن الأكبر ~~(أ) يزعم هذا الكتاب أنه يكشف عن طريقة منطقية فعالة للدفاع عن الدين والإقناع ~~به، وهذا الغرض هو الحافز على ابتكار هذه الطريقة، إن لم نقل مع المؤلف: إنه تلقاها ~~بالوحي، هي على كل حال أخص ما يؤثر عنه، ترمي إلى بيان أن بين العقل والدين توافقا ~~أساسيا، خلافا لما يدعيه الرشديون، ولبيان هذا التوافق الأساسي يجب البدء ~~بالأصول المسلمة من الجميع، المبادئ الكلية البينة بذاتها المشتركة بين العلوم، ~~بذلك نحصل على «علم كلي تتضمن مبادئه العامة مبادئ جميع العلوم الجزئية، كما يتضمن ~~الكلي الجزئي»، فالفن الأكبر هو العلم الأعلى، وهو يختلف عن المنطق وعن ~~الميتافيزيقا: فإن المنطق ينظر في الوجود الذهني، وتنظر الميتافيزيقا في الوجود ~~العيني، في حين أن الفن الأكبر ينظر في الوجود على النحوين جميعا. ~~(ب) مبادئ هذا الفن نوعان: مطلقة ونسبية، المبادئ المطلقة هي الصفات الإلهية التي ~~نصعد إليها بتأمل صفات المحسوسات، وهي تسعة: الخيرية، العظمة، السرمدية، القدرة، ~~الحكمة، الإرادة الفضيلة، الحق، المجد، والمبادئ النسبية تدل على العلاقات الكلية ~~بين الموجودات، أو المحمولات الإضافية للكائنات الحادثة، وهي تسعة كذلك: الاختلاف، ~~الاتفاق، التضاد، المبدأ، الوسيلة، الغاية، الأكبر، المساوي، الأصغر، يلي ذلك تسع ~~مسائل، وتسعة موضوعات، وتسع فضائل، وتسع رذائل، ويضيف لول إلى الثبت المتقدم - وهذا ~~هو سر الفن الأكبر - قواعد تأليف أجزائه بعضها مع بعض، فتخرج لنا الحقائق والأسرار ~~الطبيعية التي يستطيع العقل إدراكها في هذه الحياة، تلك القواعد هي عشر مسائل غاية ~~في العموم تطبق على سائر المسائل، وهي: هل الموضوع موجود؟ ما هو؟ مم هو مركب؟ ~~لم هو موجود؟ ما كميته؟ ما كيفيته؟ متى هو موجود؟ أين هو موجود؟ مع أي شيء هو؟ ~~واخترع لول أشكالا ودوائر تدور فتؤلف بطريقة آلية بين المعاني الأساسية الموضوعة ~~في جداول، وبعبارة أخرى إذا ألفنا بين مختلف الأوضاع الممكنة لهذه الجداول، ~~حصلنا آليا على جميع الحقائق الجوهرية، ففي مركز الدوائر الله، مدلول عليه ms154 بالحرف ~~الأول من حروف الهجاء، وحوله المبادئ التسعة المطلقة أو الصفات الإلهية، مدلول ~~عليها بحروف أيضا، فيتألف منها أربعة أشكال كبرى، ويمكن تأليفها على مائة وعشرين ~~شكلا بطرق معقدة، مثال ذلك أن القول بأزلية العالم يؤدي إلى الخلف، فإن الصفات ~~الإلهية تتحد في ذات الله، ومن ثمة تشارك جميعا في فعل الله، والمخلوقات لا تشارك ~~في الصفات الإلهية إلا على نحو متناه، فإذا افترضنا العالم أزليا كان معنى ذلك أن ~~القدرة الإلهية أوسع من سائر الصفات، وهذا محال. ~~(ج) هل كان يرى هذا التأليف كفيلا بتوليد قضايا ضرورية؟ إنه إذن كان بعيدا ~~جدا عن تصور القرن الثالث عشر للمنطق، فإن هذا العلم لم يصر آليا إلا في ~~القرنين التاليين، ويعد لول طليعة هذا التحول الذي جر على الفلسفة المدرسية من ~~الهزء والسخرية مقدارا كبيرا، ولكنه كان يرمي في أغلب الظن إلى تنظيم المعارف ~~وربطها بعضها ببعض، فوضع جداوله كوسيلة عرض لا كوسيلة برهان أو استكشاف واختراع، ~~ولا شك أنه متعسف في اختيار المعاني الأساسية، تلك التساعيات من الصفات والإضافات ~~والمسائل والموضوعات والفضائل والرذائل، ولكنه مفتن في هذا الضرب من الجبر المنطقي، ~~غير أنه يستخدمه كتمثيل محسوس ووسيلة لمعاونة الذاكرة، فإذا خلصنا الفن الأكبر من ~~هذا التمثيل، وغضضنا النظر عن هذه الآلية الظاهرية فربما بدا منهجا قياسيا ~~لإقامة العلم الكلي. # الباب الرابع # | الدور الأخير # القرن الرابع عشر # | تمهيد # (أ) كان القرن الثالث عشر عصر بناء وتركيب يريد الجمع بين العقل والدين، ولا تعد ~~الرشدية في ذلك العصر إلا حادثا عارضا، وإن كان له مغزاه ولكن الحال تتغير تماما في ~~القرن الرابع عشر، فنشهد منه نقدا للعقل ينتهي إلى التشكك فيه والاعتصام بالدين وحده، ~~فينفصلان، يبدأ النقد على يد جون دنس سكوت، ويتفاقم على أيدي مفكرين فرنسيين وإنجليز، ~~أشهرهم وليم أوف أوكام، ويتكاثر الرشديون بالرغم من الأحكام الصادرة ضد مذهبهم وينساقون ~~إلى الإلحاد في الدين، بحيث يبدو القرن الرابع عشر سلبيا هداما للماضي. ~~(ب) على أن له وجهة إيجابية إنشائية بالإضافة إلى ms155 المستقبل، فإن تخليص الفلسفة من ~~الدين أعادها إلى ما كانت عليه عند اليونان، وهكذا سيصطنعها المحدثون، وفي نفس الوقت ~~الذي كان يعمل فيه نقاد الفلسفة، وفي نفس الأوساط، وبخاصة جامعة باريس ظهرت بوادر العلم ~~الحديث، وأدت يقظة القوميات، وحركة تأسيس الممالك الحديثة وثورة الأباطرة الجرمان ~~والملوك على البابوية، إلى إثارة مسائل في أصل الاجتماع، وأصل السلطة، ومدى كل من ~~السلطتين الدينية والمدنية، تناقش فيها اللاهوتيون والفلاسفة والفقهاء الكنسيون ~~والمدنيون، وإلى جانب هذا اللون الجديد من الفلسفة والعلم الطبيعي والفقه، نشهد عودة ~~«التصوف النظري» على طريقة سكوت أريجنا، أي عودة الأفلاطونية الجديدة في نواحيها ~~الغامضة المريبة. # الفصل الأول # | إيكارت # (1260-1327) ~~(1) حياته ومصنفاته ~~(أ) هو من الدومنيكيين الألمان، تلقى العلم بجامعة باريس، ثم علم بها أوائل ~~القرن، وتولى في رهبنته عدة مناصب كبيرة، وقبل وفاته بسنة أخذت عليه، وهو يعلم ~~بكولونيا، ثمان وعشرون قضية مخالفة للدين، وأدانه أسقف المدينة المدينة بسببها، ~~فاحتكم إلى روما، وبعد وفاته بسنتين صدر الحكم بتأييد الإدانة، لقوله بوحدة الوجود، ~~وبنتائج هذا القول في الفلسفة واللاهوت. ~~(ب) كتب باللاتينة على ما كان مألوفا حينذاك ووعظ وكتب بالألمانية فكان من أوائل ~~الذين استخدموا اللغة الدارجة في الدين والفلسفة، وقد نشرت عظاته وكتبه الألمانية، ~~فلقب بمنشئ النثر الألماني وبأبي الفلسفة الألمانية، من كتبه اللاتينية «الكتاب ~~الثلاثى» (وقد ضاع معظمه) يشتمل ثلاثة أقسام، الأول: «كتاب القضايا» يثبت فيه نيفا ~~وألف قضية؛ أولاها: «في أن الوجود هو الله»، والثاني: «كتاب المسائل» ينتظم مسائل ~~على ترتيب المجموعة اللاهوتية للقديس توما الأكويني، أولاها «هل الله موجود؟» ويحل ~~كل مسألة تبعا للقضية المقابلة لها في الكتاب الأول، وأخيرا: «كتاب التفسيرات» أي ~~تفسير آيات الكتاب المقدس تبعا للقضايا المقابلة لها كذلك، والآية الأولى «في ~~البدء خلق الله السموات والأرض»، يعرض هذا المنهج، ثم يقول: «ابتداء من القضية ~~الأولى، إذا أحكمنا الاستدلال، حللنا جميع المسائل تقريبا الخاصة بالله، وفسرنا ~~بالعقل الطبيعي تفسيرا واضحا معظم الآيات التي تتحدث عنه، حتى الغامضة العسيرة ~~منها»، ومعنى ذلك أن المذهب يخرج ms156 خروجا منطقيا من قضية أولى، أو أن المفكر يضع ~~نفسه في المبدأ الأول ويستنبط منه الموجودات بحركة ذاتية أو «جدل باطن»، وهذا هو ~~الجدل الذي سيصطنعه جيور دانو يرونو وجاكوب بوهمى وفختى وشلنج وهجل وشوبنهور وغيرهم ~~من الألمان بنوع خاص، بحيث يعد إيكارت من أهم الحلقات التي تربط بين الأفلاطونية ~~الجديدة وبين مذاهب عصر النهضة والفلسفات الألمانية الحديثة. ~~(2) مذهبه ~~(أ) المبدأ الأول بسيط غير معين: كما تتصوره الأفلاطونية الجديدة لا بمعنى البسيط ~~الغني بكمال الوجود، بل بمعنى البسيط الفقير إلى التعيين، فيذهب إيكارت إلى أن ~~«الله يوجد بما يعلم» أي يتعين ويصير واعيا بإدراك الوجود المعين بالمقولات العشر، ~~ويبدو نفس هذا الغرض في تمييزه بين الألوهية والله (وكات جلبير دي لابوري قد وضع ~~مثل هذا التمييز) وتعريفه الألوهية بأنها الواحد الذي لا يقال عنه شيء، القفر، ~~الهاوية المتجانسة، السكوت الثابت، أو بأنها الله بصرف النظر عن علاقاته، أي ~~أقانيمه، وهو يلح في وحدة الله أكثر مما يلح في تمايز الأقانيم، فيرى أن ميلاد ~~الابن وانبثاق الروح القدس عودة الموجود البسيط الوحيد على نفسه أي مدركا ذاته ~~بانعكاسه على ذاته، ولا يقبل نظرية المشاركة؛ لأنها تفترض موجودات متمايزة من ~~الموجود الأوحد، وعنده أن ما ليس عين من الوجود فهو لا وجود، ناسيا أن ما ليس ~~موجودا بذاته قد يوجد بغيره نوعا من الوجود، وهو لا يقبل القول بحدوث العالم، ~~ويذهب إلى أن الله خلق العالم وقت خلقه لابنه، أي إن العالم هو الله، أو صور ~~الموجودات في الله، فهو أزلي كالله. ~~(ب) ولسنا ندري كيف يفسر وجود الإنسان وحياته الخلقية والدينية، على أنه يقول: إن ~~الطبيعة الإنسانية تتحول في الحياة الأبدية إلى الطبيعة الإلهية، ووسيلة الاتحاد ~~بالله هي الزهد الذي يمحو الكثرة الناشئة في النفس من تعلقها بالأشياء، الزهد حتى ~~في القداسة وملكوت الله، من حيث إنه ليس للإنسان الحاصل على الله أن ينزع إلى الله، ~~وترك العبادات الخارجية ورياضات التقشف، فإنها ضرورية في مبدأ الأمر فقط حين تشرع ~~النفس في ms157 إنكار ذاتها والانصراف عن الأشياء. ~~(ج) وسيتعاقب بعده متصوفون طوال القرن، ولكنه هو أقربهم إلى الفلسفة، وأكثرههم ~~دلالة على النزعة الأفلاطونية الجديدة في المسيحية. # الفصل الثاني # | جون دنس سكوت # (1266؟-1308) ~~(1) حياته ومصنفاته ~~(أ) اسكتلندي، دخل الرهبنة الفرنسيسكية، وتلقى العلم بأكسفورد، ثم علم بها، وعلم ~~بباريس، وبكولونيا. ~~(ب) كتبه الفلسفية: شرح على أحكام بطرس اللومباردي، والمؤلف الأكسفوردي - ثمرة ~~تعليمه بأكسفورد - والمذكرات الباريسية - مدونة بأقلام بعض طلابه بباريس - ومسائل ~~في ميتافيزيقا أرسطو، ورسالة في النفس. ~~(ج) هو أوغسطيني ينتمي إلى بونافنتورا، وينبذ مع ذلك بعض الأقوال المعروفة عن ~~المذهب، ويفيد كثيرا من أرسطو، ويعرف ابن سينا وابن رشد تمام المعرفة، ويعتقد أن ~~ابن رشد أصدق شراح أرسطو، وأن شرحه يمثل مدى العقل الطبيعي، هو فيلسوف ولاهوتي كبير ~~من غير شك، ولكنه صرف مواهبه إلى المعارضة والمحاجة والتخريج حتى لقب بالأستاذ الدقيق # doctor subtilis ~~، فجاءت كتبه عسيرة ~~القراءة، وهو يعد طليعة الانحلال الذي عرض للفلسفة المدرسية بعد نهضة القرن الثالث ~~عشر، وكأنه قصد بنوع خاص إلى تعقب القديس توما الأكويني ومعارضته في كل نقطة، ولكنه ~~بوجه عام لم يدرك مقاصده. ~~(2) الفلسفة المسيحية ~~(أ) يعتقد دنس سكوت أن المسيحي يجب أن يصدر عن الوحي، وأن يجعل منه محور مذهبه، ~~طبقا لرأي أوغسطين وأنسلم وبونافنتورا، ولهذا الرأي تطبيقات أو نتائج يستنبطها هو ~~بكل جرأة، فأولا: يقلب نظرية أرسطو والقديس توما في المعرفة رأسا على عقب، فيقول: ~~يعلمنا الوحي أن غايتنا القصوى معاينة الله في ذاته، والله هو الموجود المطلق، فيجب ~~القول مع ابن سينا - خلافا لأرسطو وتوما الأكويني - إن الموضوع الخاص لعقلنا، ~~المعادل له، هو مطلق الوجود، لا الماهية المجردة من المحسوس، وإن الوجود الذي يدور ~~عليه علم ما بعد الطبيعة ليس معنى مجردا من الموجودات الجزئية، وإنما هو معنى ~~أصيل، وابن سينا كان مسلما مؤمنا، وإيمانه بمعاينة الله في الآخرة هو الذي حداه ~~إلى رأيه هذا، على حين أن أرسطو وصف الحالة الراهنة التي عليها العقل، كما ندركها ~~برجوعنا على نفسنا، فقال: إن الموضوع ms158 الخاص لعقلنا، المعادل له، هو الماهية المجردة ~~من المحسوس، ولم يكن يعلم شيئا عن غايتنا القصوى، ولم يكن يعلم أن عقلنا كفء؛ لأن ~~يدرك الله في ذاته، فالحال التي ظنها أولى هي في الحقيقة أحط حالين، هي حال السقطة ~~بخطيئة آدم، التي ينبئنا بها الوحي، أما قبل السقطة وفي حياة الخلد، فطبيعة العقل ~~الإنساني أن يدرك مطلق الوجود، وإن كنا لا نهتدي إلى ذلك بالعقل كما يبدو الآن ~~طبيعيا، ومعنى الموجود هذا حاصل فينا بمثابة علامة طبعها الخالق في خليقته (وهذا ~~كل ما ترجع إليه نظرية الإشراق عند دنس سكوت)، فإذا اعتبرنا الحال الراهنة النظام ~~الطبيعي الأصيل، وقعنا في خطأ أساسي، فلزمنا ما لزم أرسطو وأتباعه من المسيحيين من ~~أن اشتهاء العقل في الحياة الراهنة معاينة الله في الحياة الأخرى لا يلائم ~~الإنسان. ~~(ب) ونحن نقول: إن الأمر هنا أهون مما توهم دنس سكوت، وإن ما ما غفل عنه أرسطو أو ~~فاته، لا يلزم القديس توما، فإنه يرى أن معاينة الله في الحياة الأخرى ممكنة ~~للإنسان من جهة كونه عاقلا مدركا مطلق الوجود، سواء كان هذا الموضوع أولا أو ~~ثانيا، ثم سواء كان هذا الموضوع أولا أو ثانيا فليست تحصل هذه المعاينة لمخلوق ~~ما بقوة طبيعته، حتى لو كان ملاكا موضوع عقله مطلق الوجود، بل تحصل بمدد إلهي فائق ~~للطبيعة، لا يغني عنه شيء بسبب لا نهائية المسافة بين المخلوق والخالق، فما كان ~~هناك من حاجة للنظرية الجديدة. ~~(ج) تطبيق آخر للتفكير المسيحي يتعلق بنوع البرهنة على وجود الله، إن إله ~~المسيحية لا متناه، وما هكذا اعتبره قدماء الفلاسفة فإن هذه هي الصفة الأساسية التي ~~تميز الخالق من المخلوق فيجب أن يمضى البرهان من مقدمة تؤدي رأسا إلى هذه النتيجة، ~~وعلى ذلك فبرهان المحرك الأول، على ما له من ضرورة عقلية لا متناهية على مبدأ ~~العلية، قيمته نسبية؛ لأنه برهان إني يبلغ إلى العلة بمعلول هو ظاهرة مادية حادثة ~~على كل حال، فلا يعرفنا بالله إلا بأدنى كمالاته، ولا ينتج ms159 بالذات أن الله لا ~~متناه؛ لأن الأول في جنس معين يمكن أن يكون متناهيا. ~~(د) ونحن نقول: هذا غير صحيح؛ لأن المحرك الأول ليس متحركا أول، كالفلك المحيط ~~في العلم القديم، ولكنه المحرك غير المتحرك، أي العلة الأولى للحركة، فهو علة خارجة ~~عن المتحركات، وإلا كانت مفتقرة إلى محرك وتسلسلنا إلى غير نهاية، أي لم نصل إلى ~~علة حقة، فالعلة الأولى موجود لا متناه بالضرورة من حيث هو علة أولى، فلئن لم تكن ~~العلة الأولى هاهنا لا متناهية رأسا، فإنها لا متناهية بهذه الملاحظة البسيطة وهي ~~أنها «أولى» فلننظر في البراهين التي يرتضيها دنس سكوت. ~~(ه) البرهان اللمي يذهب من فكرة عن العلة جلية، هي حدس لها، أو فكرة معادلة ~~للحدس، ويستخرج منها النتيجة بالقياس، فيرينا ضرورة النتيجة في ذات العلة، شأن ~~البرهان الرياضي الذي هو مثال البرهان اليقيني، وإن برهانا من هذا القبيل لا يبدأ ~~من ظاهرة حادثة، بل من فكرة مطلق الإمكان، وهذه الفكرة تؤدي إلى علة أولى ممكنة، ~~والعلة الأولى الممكنة موجودة ضرورة؛ لأن الموجود بذاته الممكن إذا افترضنا أنه لا ~~يوجد إلا في الذهن، يكون ممكنا ومستحيلا في آن واحد، ومن ثمة متناقضا، ولكن فكرة ~~العلة الأولى بريئة من التناقض وهي موضوع حق للعقل، بل هي مثال المعقولية، ولم يكن ~~هذا الموجود ليكون معقولا تمام المعقولية لو لم يكن أولا موجودا عينيا ~~وموضوعا للتعقل، وبذلك نصل مباشرة إلى أن الله لا متناه؛ لأن الأول من حيث الوجود ~~هو بالضرورة الموجود الكامل الذي لا يحتمل أي حد، إذن يستطيع الميتافيزيقي، وموضوعه ~~الوجود من حيث هو كذلك، البرهنة على وجود الله دون الالتجاء إلى برهان المحرك ~~الأول، ولكن الفيزيقي لا يستطيع البرهنة على أن المحرك الذي يصل إليه هو الموجود ~~الأول إلا بالالتجاء إلى الميتافيزيقا، فهذا العلم يقربنا من اللاهوت الذي موضوعه ~~الإله اللامتناهي، الإله الذي يؤمن به المسيحي. ~~(و) هذه هي الطريقة التي ابتكرها دنس سكوت ظانا أنها تقوم مقام الحدس، وما ~~برهانه في الواقع إلا برهان ms160 الممكن والواجب الذي صادفناه عند القديس توما، ولكن بعد ~~الاستعاضة عن الممكن الجزئي (أيا كان)، أي الموجود العيني البادية فيه دلائل ~~الإمكان، بمطلق الإمكان، فيقع في نفس غلط أنسلم، وقد أراد أن يدعم دليله، إذ ينتقل ~~من التصور إلى الموجود، فإن المسألة تصبح: هل الله الممكن موجود؟ وهل هو موضوع حدس ~~عقلي؟ وهذه محاولة أولى لتبيان «إمكان فكرة الله» ستتبعها محاولة من جانب ديكارت، ~~وأخرى من جانب ليبنتز، ولكن دون جدوى، لامتناع الانتقال من مجرد الإمكان إلى الوجود ~~الفعلي. ~~(ز) أما الصفات الإلهية فطائفتان: طائفة عرفها الفلاسفة القدامى بالبرهان الإني ~~مثل: إن الله العلة الفاعلية الأولى، والغاية القصوى، والكمال الأعلى، وطائفة لم ~~يعرفها وإنما أضافتها المسيحية، مثل: إن الله كلي القدرة، موجود في كل مكان، عادل، ~~رحيم، معني بالمخلوقات: هذه الصفات موضوع اعتقاد فقط، لا يبلغ العقل إلى أدلة قاطعة ~~عليها بل فقط إلى حجج محتملة، (ولكن القديس توما استنتجها صحيحا من كون الله ~~الوجود القائم بذاته، وكونه خالق الكل، وسيتكرر في تاريخ الفلسفة تمييز دنس سكوت ~~بين «إله الفلاسفة» و«إله الدين» كأنهما متنافيان)، وأما كيفية وجود الصفات في ~~الله، فموضع آخر للخلاف، يرفض دنس سكوت قول القديس توما: إن الصفات متمايزة تمايزا ~~ذهنيا، ويزعم أن هذا القول لا يخولنا الحق في إضافة صفات لله إضافة صريحة، فيسقط ~~اللاهوت، مع أن القديس توما يبين أن للتمايز الذهني أساسا في كمال الذات الإلهية، ~~وأن أحكامنا في حق الله صادقة باعتبار هذا الكمال، على أن دنس سكوت يعترف من جهة ~~أخرى بأننا لا نستطيع أن نجعل بين الصفات تمايزا عينيا فندخل الكثرة على الذات ~~الإلهية، فيبتدع تمييزا يحسبه وسطا، هو «التمييز الفعلي الصوري من جهة الشيء» # actualis-lormalis a parte rei ~~. ولكن التمييز ~~الفعلي من جهة الشيء هو في الواقع تمييز عيني، فكيف يكون صوريا في نفس الوقت؟ هذا ~~مثال على ما ستتهم به الفلسفة المدرسية من وضع الألفاظ موضع المعاني، إن دنس سكوت ~~أفلاطوني يحكم على الموجود تبعا لطريقة تعقلنا، لا تبعا ms161 لحال الموجود المعقول، ~~فيضع فيه تمييزا مقابلا لما نعقل من تمييز، كما فعل أفلاطون حين وضع للماديات ~~مثلا مفارقة لكوننا نعقل ماهياتها مجردة عن المادة، وهو أوغسطيني ينظر إلى العقائد ~~قبل كل شيء، فيرى أن تمييزه المذكور يسمح له بتفهم سر الثالوث الأقدس إلى حد ما، أي ~~بتفهم تمايز الأقانيم في وحدة الذات الإلهية، وكان جديرا به أن يفطن إلى أن السر ~~سر، فلا يقاس عليه، بل تستبقى له سريته. ~~(ح) وأما البرهان الإني فيذهب من حدوث الموجودات إلى محدث هو واجب الوجود (كما ~~فعل توما الأكويني) وذلك بموجب مبدأ العلية القاضي بتناقض سلسلة من العلل غير ~~متناهية، هذا البرهان أساسي، ودنس سكوت يكمله ببرهانين مأخوذين من الموجودات ~~الحادثة، غير مقصورين على المادة: أحدهما: برهان العلية الغائية، وهي تتحقق في ~~الموجودات الروحية العاقلة، كما تتحقق في الماديات، بل على وجه أتم وأقوى، فنصل إلى ~~موجود أول عاقل رتب الأشياء كلا في طبيعته، وبعضها بالنسبة إلى بعض، ولما كان ~~روحا صرفا، غير متصل بمادة أي نوع من الاتصال، ولا معين بماهية، كان لا متناهيا ~~بالضرورة، من حيث إن المادة هي التي تقبض الصورة، وإن تعيين الماهية حد لها، ~~والبرهان الآخر برهان العلو أي التنزيه، أي التعالي بالله إلى ما فوق كل خليقة، ~~وذلك بتنزيهه عن كل حد وكل تركيب. ~~(ط) والمسيحية - علاوة على تعليمها أن الله لا متناه - تعلم أن الله محبة وحرية، ~~خلافا للفلاسفة الوثنيين الذين ظنوا أن كمال العلية هو في العلية المادية المطردة ~~الرتيبة، فتصوروا الله فاعلا بضرورة ذاته، وتصوروا العالم خاضعا للضرورة كذلك، ~~نعبر عنها بالقوانين، لكن المسيحي ينظر إلى الأمر نظرة مخالفة لهذه، ليس عقل ~~المسيحي أقوى وأعمق من عقل الوثني، فقد جرحت الخطيئة الأصلية طبيعة الإنسان ~~إطلاقا، فصارت هذه في الواقع أدنى وأضعف مما تسمح به كفايتها الذاتية، غير أن ~~المسيحي، ومن ثمة اللاهوتي، يجد في الوحي أنوارا حرم منها الوثني، فيحاول أن يرتفع ~~إليها وأن يتعقلها، وفي الواقع أن الإرادة حائزة على مزية تعيين ms162 فعلها بذاتها، دون ~~الخضوع لشيء ما، فالحرية كمال، فكيف لا تكون الإرادة الإلهية حرة ليس المقصود حرية ~~مضطربة متعسفة متغيرة، بل حرية أساسية شأنها ألا تفعل الإرادة بضرورة الذات، حتى ~~حين تفعل دون أن يمكن أن يكون الحال بخلاف، مثل محبة الله لذاته، فإنها ضرورية، ~~ولكنها حرة إطلاقا. ~~(ي) وعلى هذا فالعالم ثمرة المحبة الإلهية والحرية المطلقة، ونحن هنا في صميم ~~التعارض بين اللاهوتيين والفلاسفة، فإذا استثنينا المنطق، وهو علم قانوني أو منهجي، ~~لم يعد من وجه ولا من حاجة لدراسة الفلسفة كعلم مستقل عن الدين يتجاهل الحقائق ~~النازلة من لدن الله، والتي تهمنا هي وحدها، وعلى هذا أيضا لا يبحث دنس سكوت عن ~~حدوث العالم في الأشياء أنفسها، وتركيبها مثلا من ماهية ووجود، أو جوهر وعرض، أو ~~هيولى وصورة، بل في سيطرة الإرادة الإلهية على العالم سيطرة تامة، فالإيمان بالحرية ~~الإلهية هو الذي يجعلنا نتفادى ضرورة العالم كما تصوره اليونان والعرب، وما كان ~~للفلاسفة أن يقولوا لنا الكلمة الأخيرة في هذه المسألة، وإنما قالها القديس يوحنا ~~في مفتتح إنجيله: «الله محبة»، فحدوث العالم «تاريخ» مختار بملء الحرية، ويثبت، ~~ويستحيل افتراض الأزلية إذا تأملنا أن خلق موجود ما يقوم في إيجاد بعد عدم، هكذا ~~يضع دنس سكوت ما جاء به الوحي من حدوث العالم موضع القضية الضرورية، كأن فهمه للخلف ~~يجعل من اللاوجود شيئا معينا ويعطيه وجودا سابقا، في حين أن الخلق عند القديس ~~توما يقوم في تعلق الخليقة بعلتها، بغض النظر عن الزمان، بحيث يمكن أن يكون الخلق ~~أزليا. ~~(ك) المخلوق مركب، أجل ليس في كتب دنس سكوت المقطوع بصحة نسبتها إليه ما يؤخذ منه ~~ان الملائكة والنفوس الإنسانية مركبة من هيولى وصورة، ولكن هذه النظرية الفرنسيسكية ~~واردة في الكتب المعتبرة منحولة، أما الجواهر الطبيعية فمركبة من هيولى، وصورة ~~جسمية متحدة بالهيولى دائما، وصورة نوعية هي بسيطة في الجماد والنبات، نامية حاسة ~~في الحيوان، نامية حاسة ناطقة في الإنسان؛ لأن النوع هو المتحقق في الواقع، ~~والتجربة الباطنة تدلنا على ms163 وحدة الحياة فينا، والصورة النوعية موجودة في الأفراد ~~بما هي صورة نوعية، لذا كانت بحاجة إلى ما يقبضها ويرد الشيء واحدا مع تعدد صوره، ~~فيجعل منه «هذا» الشيء # hacc res ~~: تلك وظيفة صورة ~~أخيرة هي مبدأ التشخيص، يسميها «الهذية» # hacceitas # ويعرفها بأنها «ما تتعين به الطببيعة فتصير جزئية»، وما دامت الهذية صورة فهي ~~معقولة لنا، أي إن العقل يدرك الجزئي إدراكا مباشرا، لا بانعكاس على الصورة ~~الخيالية كما يقول أرسطو وتوما الأكويني، فإن هذا الانعكاس عارض له، هو نتيجة ~~الخطيئة الأصلية، وبذا يستبعد دنس سكوت قول أرسطو: إن الجزئي لا يتعقل من حيث هو ~~كذلك، ويعتقد أن هذا القول يعود بنا إلى الثنائية القديمة، ثنائية الله والمادة، ~~ويخرج الهيولى من علم الله وقدرته، على ما يذهب إليه ابن سينا وابن رشد، ولكن ~~القديس توما بين أننا لا نعلم الهيولى؛ لأنها بالقوة، وأننا لا نعلم الجزئي، لأن ~~عقلنا مجرد، أما الله فيعلم الهيولى والجزئيات؛ لأنه خالقها، ودنس سكوت أفلاطوني ~~يشخص في الخارج كل ما يدرك على نحو من الأنحاء، ويجعل الصور في الموجود الواحد ~~متمايزة «تمايزا فعليا صوريا من جهة الشيء» فيقع في الوجودية المسرفة، حتى ~~الهيولى يعتبرها شيئا موجودا بالفعل في ذاته، يقابلها معنى في العقل، ويمكن ~~إطلاقا أن توجد على حيالها دون صورة، ويقول: «لست أدرك موجودا ما خارج علته إلا ~~وله وجود خاص»، ولكنه لا يفسر لنا كيف يمكن أن يكون فعل ما (أي صورة ما) فعلا ~~لشيء هو من قبل بالفعل بصورة أخرى، وماذا يصير بوحدة الموجود، إذ إن الهذية تزيد في ~~عدد الصور فتعقد المسألة بدل أن تحلها. ~~(ل) والنفس الإنسانية جوهر له قوى متمايزة لتمايز موضوعاتها (خلافا لما يقول ~~الأوغسطينيون)، على أن هذا التمايز ليس عينيا (خلافا لما يقول توما الأكويني) ~~ولكنه «تمايز فعلي صوري من جهة الشيء»، والنفس تدرك ذاتها إدراكا مباشرا حالما ~~تنتبه بمعرفتها المحسوس، فإنها روح عاقل ومعقول معا، أما خلود النفس فمسألة لا ~~تحتمل البرهان لا بلم ولا بإن: لا بلم، ms164 لامتناع البرهان على أن النفس الناطقة ~~جوهر قائم بذاته قادر أن يوجد من دون الجسم، ولم يقم أرسطو مثل هذا البرهان، (ولكن ~~القديس توما أقامه وفقا لمبادئ أرسطو) وعلى افتراض أن البرهان قد قام على روحانية ~~النفس، فليس يستتبع الخلود بالضرورة، وإلا للزم أن ننكر على قدرة الله اللامتناهي ~~أن تعيدها إلى العدم هي أو أي مخلوق روحي كان، (ولكن هل يليق بحكمة الله أن يعدم ~~موجودا بسيطا باقيا بالطبع أو يعدم كائنا حقيقا بثواب أو عقاب؟) وأما برهان إن ~~فيؤخذ من وجوب الثواب والعقاب، ومن نزوعنا الطبيعي إلى الخلود، ولكن الأمر الأول ~~يستلزم البرهان على وجود ديان، وهذا ما لا يثبته لنا غير الإيمان، والأمر الثاني ~~مصادرة على المطلوب، إذ لا يمكن الشعور بنزوع طبيعي إلى شيء لا ندري إن كان ممكنا ~~أو غير ممكن، فلنا أن نعتبر هذه الحجج التي تقام تأييدا للخلود محتملة أو راجحة، ~~ولا سبيل لنا إلى ما يحيلها حججا ضرورية، فإن الإيمان وحده يعطينا اليقين بالخلود، ~~وبالإيمان تكتسب هذه الحجج قيمة كبيرة، (وهكذا يمارس دنس سكوت في براهين واضحة، ~~ويأخذ من العقل ليعطي الإيمان، غير ناظر إلى أن العقل أساس الإيمان، وأنه بموقفه ~~هذا يفوت على غير المؤمن معتقدات يمكن الوصول إليها بالعقل.) ~~(م) والإرادة أعلى من العقل في الإنسان، وبيان ذلك من وجهين، أما أولا: فلأن ~~غايتنا القصوى محبة الله، والمحبة في الإرادة، ومحبة الله أكمل من معرفته، وأما ~~ثانيا: فلأن الإرادة قوة فاعلة بذاتها لا تفتقر في اختيارها إلى أن تتعين بصورة ~~معقولة، وأن صورة معقولة ما لا تؤثر فيها تأثيرا ضروريا، حتى الخير الكلي، أن ~~الله الخير الأعظم، فإنها تستطيع التوقف بإزاء كل خير والامتناع عليه بتحويل انتباه ~~العقل إلى جهة أخرى، الإرادة تأمر العقل وتوجهه، فاختيارها لشيء أو لفعل تابع ~~لاختيارها توجيه العقل إليه، بحيث إنها إنما تريد؛ لأنها تريد، (ولكن دنس سكوت ينسى ~~أن الإرادة، لكي تأمر العقل، يجب أن تتعين من جهة العقل؛ لأنها قوة اشتهاء ليس غير، ms165 ~~والمشتهى خير معلوم، فلكي تريده يجب أن تنتظر حكم العقل.) ~~(ن) وبالجملة هو يفسد المعاني التي جهد القديس توما نفسه لتوضيحها ويضيق نطاق ~~العقل ظانا أن هذا النطاق يتمثل في شرح ابن رشد لكتب أرسطو، فلا ينفذ إلى روح هذه ~~الكتب، وينتهي إلى توسيع نطاق اللاهوت بأن يقصي إليه مسائل ظن أن العقل لا يبرهن ~~عليها، ويجعل من اللاهوت علما عمليا غرضه تدبير أفعالنا أكثر منه تعريفنا حقائق ~~معينة، فيحيد به عن موقف توما الأكويني، وتتباعد الشقة بين الوحي والعقل، ويفتح ~~الطريق إلى القول بتعارضهما فيضيع العقل والوحي جميعا. # الفصل الثالث # | وليم أوف أوكام # (1295-1349) ~~(1) حياته ومصنفاته ~~(أ) هو من الفرنسيسكيين أيضا، ولكنه تحرر من فلسفتهم، بل من كل فلسفة مدرسية، ~~وكان باعث حركة قوية متصلة في نقد الفلسفة، والفصل بينها وبين الدين، ومهاجمة العلم ~~القديم، والفصل بين السلطتين الدينية والمدنية، فهو يعتبر بحق مؤسس الفكر الحديث، ~~تلقى العلم بأكسفورد، حيث استمع إلى دروس دنس سكوت، ثم صار خصما له وناقدا، علم ~~بباريس واستدعي للتحقيق معه في قضايا منافية للدين عزيت إليه، فطال التحقيق أربع ~~سنين، وكانت أقواله فيه ملتوية مبهمة، وكان الخلاف ناشبا بين البابا والإمبراطور ~~لويس دي بافيير على مدى حقوق السلطة المدنية، ففر هاربا ولحق بالإمبراطور، وأخذ ~~يدون الرسائل السياسية منكرا على البابا تدخله في الشئون المدنية، وتوفي ~~الإمبراطور، فحاول هو أن يصطلح مع رهبنته والكنيسة. ~~(ب) له «شرح على الحكام» يحوى مذهبه الفلسفي، وكتاب منطق اسمه «الشرح الذهبي»، ~~وشرح على السماع الطبيعي، وكتاب «مائة قضية لاهوتية»، هو عرض وجيز واضح، وكتاب ~~«المجموعة المنطقية». ~~(2) الاسمية أو المعنوية ~~(أ) نظريته في المعرفة أصل شكه في الفلسفة والعلم، وهي هامة جدا؛ لأنها تظهرنا ~~على الأصول البعيدة التي استمد منها جون لوك ومن جاء بعده من الحسيين، المعرفة عنده ~~إحساس وتعقل، الإحساس حدسي، والتعقل حدسي وتجريدي، المعرفة الحسية واقعة على ما في ~~الخارج من موجودات أو أحداث جزئية، فهي مطابقة للواقع، والمعرفة العقلية الحدسية ~~واقعة من الجهة الواحدة على ظواهرنا ms166 الباطنة، فهي أيضا مطابقة للواقع، ومن الجهة ~~الأخرى على الجزئيات الخارجية من حيث وجودها وعدمه، وإلا لما استطاع العقل أن يؤلف ~~القضايا التي حدودها محسوسات، مثل قولنا: سقراط أبيض، والمعرفة العقلية التجريدية ~~واقعة على معان مجردة، وعلى علاقات بين معان، المعنى إدراك ناقص غامض يمثل وجهة ~~عامة من الجزئي لا تفيد في تعرفه ولا في تمييزه من غيره، مثال ذلك معنى الإنسان، ~~فإنه ينشأ في عقلي حين يقع بصري على سقراط فلا أتبينه، وهكذا الحال حين يكون ~~الإدراك أغمض، مثل قولي حيوان وحي وجسم، أما إذا رأيت سقراط بوضوح فإني أسميه ~~باسمه، وهذا الاسم لا يدل على معنى كاسم إنسان، بل يدل على جزئي، فالألفاظ الدالة ~~على معان تدل على أشياء معلومة بغموض، والألفاظ الدالة على جزئيات تدل على نفس ~~الأشياء معلومة بوضوح، ولا حاجة إذن لافتراض عقل فعال. ~~(ب) فالمعنى قائم في عقل العارف ولا مقابل له في الخارج من حيث هو كذلك، وعلى أي ~~نحو تصورناه متحققا في الخارج انتهينا إلى نتيجة باطلة، فإن كان واحدا كما يتصوره ~~العقل، لم نفهم كيف يتكثر بتكثر الأفراد، وإن كان متكثرا، لم نفهم كيف يكون واحدا ~~في العقل، (وهذا يذكر بحجج أرسطو ضد المثل الأفلاطونية)، فإذا كان المعنى في العقل ~~فقط، لم يبق هناك محل لمسألة مبدأ التشخيص، إذ إنها تعني أن الكلي أو الماهية أو ~~الطبيعة يوجد قبل الجزئي، وليس يوجد في الواقع سوى الجزئي، (وهذه حجة غير ملزمة، إذ ~~يكفي القول: إن الماهية توجد في الجزئي أي معه)، وإذا كان المعنى في العقل فقط، لم ~~يعد هناك ما يضمن حقيقة خارجية للعلاقات التي يقررها العقل بين المعاني ويراها ~~ضرورية، إن المعنى يقوم في العقل مقام كثرة الأفراد، وهو ليس كليا بذاته، بل ~~بحمله عليها، أي باعتباره (إشارة) إليها # signum ~~، ~~وبعبارة أدق: إن اللفظ أو الاسم الذي يدل به على المعنى هو الذي يطلق على ~~الأفراد، والاسم موضوع العلم، باعتباره رمزا أو إشارة إلى الجزئيات، لا المعنى ~~نفسه الذي هو ms167 متصور فقط: وهذا أصل تسمية مذهب أوكام بالاسمية، على أن بينه وبين ~~اسمية القرن الحادي عشر فرقا كبيرا، فإن أوكام لا يقول مثل روسلان إن المعنى «صوت ~~في الهواء» بل يعترف له بمفهوم في العقل، وهذا يضع فرقا آخر بينه وبين المذهب ~~الحسي الحديث الذي يرد المعنى إلى صورة خيالية، فمذهبه وسط بين المذهبين، وهو أحرى ~~أن يدعى بالمعنوية # conceputalisme # وإن كان يمت إلى ~~الاسمية بسبب. ~~(ج) وقد لقب أوكام منذ عصره بمبتدع الاسمية وبملك الاسميين وحامل لوائهم، والحق ~~أن قد سبقه إلى هذه الأقوال تماما اثنان من معاصريه الفرنسيين: أحدهما: دوران دي ~~سان بورسان، والآخر: بيير أوريول أو دوريول، حتى لقد اتهم أوكام بالأخذ عن هذا ~~الثاني (وهو من رهبنته) فأنكر ذلك بشدة، وقال: إنه قرأه قراءة عجلى بعد أن أنجز ~~مقالته الأولى في الأحكام، ومهما يكن من هذه النقطة التاريخية، فإنه يبقى أن أوكام ~~هو الذي طبق المذهب الاسمي على مسائل الفلسفة واستخرج نتائجه، على ما سنرى ~~الآن. ~~(3) نقد الفلسفة ~~(أ) ولن نرى إلا التشكك في العقل بمعانيه وعلاقاتها، فإن أوكام يقول عن الجوهر ~~إنه لا يعلم إلا بتعريفات عامة مثل قولنا: إنه ما يتقوم بذاته، وما ليس في غيره، ~~وما هو محل الأعراض، وهذه التعريفات تدعنا في جهل تام بما هو الجوهر في ذاته، إن ~~التجربة لا تقع إلا على الأعراض أو الكيفيات، ونحن لا نعرف عن النار مثلا إلا ~~الحرارة، فإن قيل: إن الكيفيات معلولات الجوهر، وإن معرفتها تؤدي إلى معرفته، أجاب: ~~إن معرفة شيء ما لا يمكن أن تؤخذ إلا من الشيء نفسه لا من شيء آخر، بناء على ما ~~ذكرناه من أنه ليس هناك ما يضمن موضوعية العلاقات التي يضعها العقل بين المعاني، ~~وما دام الأمر كذلك، فلا برهان إلا البرهان اللمي القائم في مطابقة الشيء لنفسه، أو ~~في استخراج المعلول من العلة، والأعراض - من جهتها - ليست بمتمايزة في الجزئي، ~~ولكنها معان أي وجهات له، فلا نقل: إنها متمايزة من الجوهر، ولا نفصل الكم ms168 أو ~~الامتداد مثلا عن الجوهر كأنه شيء مغاير له، ولا القوى النفسية عن النفس، ولا ~~المكان الذي يبدو فيه الشيء، ولا الزمان الذي يقيس أفعاله، ولا علاقاته مع غيره، كل ~~أولئك أنحاء مختلفة لتصورنا الشيء، ليس غير، وكذلك تبطل تلك الصور التي قال بها دنس ~~سكوت، ويبطل التمييز بين الماهية والوجود، فهما يدلان على شيء واحد ويرجعان إلى ~~تمييز المعاني. ~~(ب) وكل العلاقة بين معنى العلة ومعنى المعلول هي العلاقة التي تقررها التجربة، ~~فالعلة هي الشيء الذي إذا وضع وضع المعلول، وإذا رفع ارتفع المعلول، وفيما عدا ~~تقرير التجربة لا سبيل إلى معرفة العلية أي القوة الفعلية التي تحدث المعلول، فنحن ~~نعرف بالتجربة أن للنار قوة التسخين، ولا نعلم شيئا في النار يقتضي التسخين، فليس ~~إذن من حجة تبرهن على ضرورة علة لا تدل عليها التجربة، إذ إن معلولا واحدا بعينه ~~قد يكون صادرا عن علة أو عن أخرى، مثل بعض الظواهر العجيبة التي تضاف إلى القدرة ~~الإلهية، قد يكون في استطاعة الأجرام السماوية أن تحدثها ونحن لا ندري، أما العلة ~~الغائبة، فليست بمعنى الكلمة، سواء اعتبرناها في الفاعل الإرادي أو في الفاعل غير ~~الإرادي: فمن الجهة الأولى «يقولون: إنها تحرك الفاعل، وهذا يعني فقط أن الفاعل يحب ~~الغاية، فالتحريك هنا مجازي لا حقيقي»، ومن الجهة الثانية نرى الموجودات الطبيعية ~~تفعل باطراد، فلا يمكن القول بأن فيها فعل علة غائية، (وقد كان الاطراد دليل أرسطو ~~على الغائية، فإذا به ينقلب هنا دليلا على عدمها). ~~(ج) فإذا ما تناولنا مسألة وجود الله، رأينا أوكام يعتبرها موضوع إيمان فقط، ~~ويعمل على إبطال البرهان عليها، تبعا لمبدئه التجريبي القائل: إن الوجود يدرك ~~بالحدس لا بالاستدلال، ولسنا ندرك الله بالحدس في الحياة الراهنة، فينقد أوكام ~~برهان المحرك الأول في مقدمتيه، يقول: إن أصحاب هذا البرهان يعتمدون على امتناع ~~تحريك الشيء لنفسه، ولكن الملاك يحرك نفسه، وكذلك النفس الإنسانية، والجسم الثقيل ~~في سقوطه إلى الأرض، ويعتمدون على امتناع التسلسل إلى غير نهاية في سلسلة العلل ms169 ~~المحركة، ولكن هناك من الحالات ما يضطرنا إلى التسليم بالتسلسل، فإنك إذا ضربت طرف ~~عصا انتشرت الضربة شيئا فشيئا حتى الطرف الآخر، فيلزم القول بعلل محركة لا نهاية ~~لها من حيث إن في المقدار عددا لا متناهيا من الأجزاء، فأوكام لا يلتفت إلى تفسير ~~المقدمة الأولى عند أرسطو، ويقع في غلط زينون الإيلي في المثل الذي يضربه ضد ~~المقدمة الثانية، ولكنه يستدرك فيقول: غير أن تناهي العلل أكثر احتمالا من لا ~~تناهيها، بمعنى أن تفسير الظواهر بالفرض الأول خير من تفسيرها بالفرض الثاني، ولو ~~أن التفسيرين ممكنان. ~~(د) والصفات الإلهية إضافات محتملة فقط من الوجهة العقلية، فالوحدانية مثلا ~~يقابلها أن كثيرين اعتقدوا بآلهة عدة، وأن ليس هناك ما يمنع من تفسير العالم بعدة ~~علل أولى تشترك في تدبيره، بل ليس ما يمنع من تفسيره بعلاقات متبادلة بين جزئياته ~~تابعة لما بينها من مسافات، ولنا أن نتساءل: لم لا يكون هناك عوالم أخرى لكل عالم ~~محركه الأول، أي إلهه؟ إن الظواهر تفسر بوحدانية الله وبتعدد الآلهة على حد سواء، ~~ولكن الأفضل أن نقول بالوحدانية، وإذا نظرنا في اللانهائية رأينا اللاهوتيين ~~يقولون: إنها ثابته لله من تعريفه، من حيث إن اسم الله يعني الموجود الذي لا يتصور ~~أعظم منه، ولكن معاني الأسماء وضعية اصطلاحية، فليس هناك ما يلزمنا بإعطاء هذا ~~الاسم مثل هذا المعنى، ثم إن المعلومات متناهية، فليست تقتضي سوى علة متناهية، وميل ~~الإرادة نحو الخيال اللامتناهي - كما يقولون - معناه الميل نحو خير يتزايد إلى غير ~~نهاية ويبقى في كل وقت متناهيا، وأزلية الحركة، على افتراضها، يكفي لتفسيرها ملاك ~~يحرك السماء الأولى، وهكذا في سائر الصفات، لا نجد سبيلا إلى البرهنة عليها، فحتى ~~بعد إقامة البرهان على وجود علة فاعلية أولى، تبقى البرهنة على أن هذه العلة الأولى ~~هي أيضا الموجود الأعلى الكامل من كل وجه، وأنها كلية القدرة، وأنها تعلم ما عداها ~~من الموجودات وتريدها، وأنها العلة المباشرة لأفعال الموجودات، هذه القضايا مؤكدة ~~من جهة الإيمان، ولا يعارضها العقل، لكنه ms170 لا يبرهن عليها، وإنما يؤيدها بأدلة ~~احتمالية، ويتمسك بها لأن من اللائق أن نضيف لله كل ما نستطيع تصوره من كمال، (وكأن ~~أوكام لم يقرأ أرسطو والقديس توما!) ~~(ه) وإذا نظرنا في النفس الإنسانية لم نجد دليلا عقليا يثبتها، إن المعرفة ~~المؤكدة هي الحدسية، والحدس الباطن يدرك الظواهر النفسية ولا يجاوزها، والاستدلال ~~بالظواهر على الجوهر جائز كما أسلفنا، بل إننا لو اقتصرنا على العقل دون الوحي، لم ~~نستطع البرهنة على أن نفسا روحية يمكن أن تكون صورة لجسم، ولقلنا: إن النفس صورة ~~ممتدة فاسدة، فبالوحي فقط نعلم أن لنا نفسا روحية خالدة. ~~(و) وأخيرا، إذا فحصنا عن القواعد الخلقية لم نجدها ضرورية، فإنها هي أيضا ~~عبارة عن تأليفات معان، كمعاني الماهية والقانون والعلة والغاية، فليس هناك خير وشر ~~بالذات، ولكن ما يسمى كذلك قائم على إرادة إلهية أعلنت إلينا بالوحي، وكان الله ~~يستطيع أن يقرر قواعد خلقية معارضة للقواعد التي فرضها علينا، فكانت تكون حسنة لمحض ~~أنه أرادها، حتى لكان يستطيع أن يجعل من الكراهية له فعلا نثاب عليه، (وهذه نتيجة ~~منطقية للمذهب، فما دام أوكام أنكر على المعنى أن يمثل ماهية ثابتة، فقد لزم أن ليس ~~هناك من شيء إلا كان يمكن أن يكون على خلاف ما هو، وليس هناك من رابطة ضرورية بين ~~مبدأ ونتيجة، أو بين علة ومعلول). ~~(ز) فانظر كيف انهارت الفلسفة كلها بعد أن جرد المعنى من قيمته الموضوعية ~~ومحيت الماهيات الثابتة، وكيف تورط أوكام في أغلاط ومغالطات من السهل كشفها ~~بالرجوع إلى أرسطو والقديس توما، ولما كنا ما نزال في عصر إيمان، وكان فيلسوفنا ~~مؤمنا مخلصا فيما يلوح، فقد قنع بما يعطينا الوحي من يقين في المسائل ~~الميتافيزيقية، فضيق دائرة الفلسفة أكثر مما فعل دنس سكوت، وفصل بينها وبين اللاهوت ~~فصلا تاما، إذ نزع عنه صفة العلم وأسقط منه مناهج التدليل، بل صنع مثل ذلك ~~بالإضافة إلى الفلسفة نفسها، إذ لم يدع سبيلا إلى إيجاد علاقة بين حدي أية قضية، ~~سواء أكانت طبيعية أم ms171 موحاة. ~~(4) نقد العلم ~~(أ) وكان محتوما أن يتناول أوكام بالنقد العلم الطبيعي الأرسطوطالي، ونقده في ~~هذه الناحية جدير بالتنويه؛ لأنه يشق الطريق للعلم الحديث الذي كان قد برز بوضوح ~~على أيدي أساتذة أكسفورد الذين تصوروا العلم عبارة عن صوغ التجربة في أسلوب رياضي، ~~وهذه وجهة لا نجدها عند أرسطو، ولكننا نجد عنده محاولة لتفسير الطبيعة تفسيرا ~~فلسفيا محضا، وإغفال الوجهة الآلية، مع أن أفلاطون كان ألح فيها في كتاب ~~«تيماوس»، فكان لهذا النقص مدعاة لتجريح طبيعياته، وتطرق سوء الظن بها إلى فلسفته ~~دون تمييز بين المجال، فتلاشت الثقة بفلسفته وعلمه على السواء في نفوس ~~المحدثين. ~~(ب) يرفض أوكام فكرة القوة أي الوجود اللامعين؛ لأن مثل هذا الوجود لا يمكن في ~~اعتقاده أن يوجد، ولأن الحدس على كل حال لا يقع إلا على الموجود بالفعل، فيرفض فكرة ~~الهيولى، ويستبدل بها فكرة المادة يتصورها موجودة بالفعل بالصورة الجسمية، وكان ~~مقصد أرسطو من الهيولى أن يفسر التغير الجوهري، أما وقد استبعدت وحلت محلها مادة ~~معينة، فقد ردت جميع التغيرات إلى التغير العرضي، وحق المذهب الآلي الذي يفسر ~~الأجسام وتغيراتها بأجزاء من المادة تجتمع وتفترق، وصارت الأجسام مركبات لا وحدة ~~لها، فنرى هنا الصلة الوثيقة بين الاسمية والآلية. ~~(ج) ولما كان قد زعزع اليقين بمبدأ «أن كل متحرك فهو متحرك بغيره»، فقد انساق إلى ~~نقد الرأي اللازم من هذا المبدأ في حركة الأجسام، كان أرسطو يفسر الحركة الطبيعية ~~بصورة الجسم المتحرك وهي ذاتية له تكفل حركته، أما الحركة القسرية فكانت تبدو ~~معضلة، وهي الحركة التي تستمر بعد انفصال المتحرك عن المحرك وانتهاء انفعاله به، ~~فيلوح كأن لا محرك له في مراحله التالية، فكان يفسرها بدفع الهواء المحيط للجسم ~~المتحرك، وفسرها بعض شراحه بأن المحرك يولد في المتحرك قوة تحركه بعد ذلك، فعارض ~~أوكام هذه التفسيرات، وقال: إن أبسط وأوكد حل للمعضلة أن المتحرك إنما يتحرك؛ لأنه ~~يتحرك، ولا داعي لافتراض محرك متمايز من المتحرك، فكأنه فطن إلى قانون القصور ~~الذاتي، وهذا القانون يعني أن ms172 لا حاجة لغير الحركة نفسها لتفسير استمرارها، ويستحيل ~~تأييده بالتجربة أو بالنظر العقلي، ولكنه الموقف الوحيد بعد إنكار قيمة المعاني ~~وعلاقاتها الضرورية. ~~(د) ويضع أوكام مادة واحدة للأجسام جميعا علوية وسفلية، فينكر الأثير أو العنصر ~~الخامس الذي كان عند أرسطو مادة الأجرام السماوية، ويقول: إن هذه الأجرام إذا كانت ~~مادتها غير فاسدة، فذلك أمر واقع فقط بالنسبة إلى العلل الطبيعية المعروفة. ~~(ه) وهو ينكر نظرية الأمكنة الطبيعية وما رتبه عليها أرسطو من أن العالم واحد ~~متناه، ويقول: إنه إذا كان الجسم الثقيل يميل إلى السقوط، فليس ذلك لتحقيق كماله ~~بإدراك مكانه الطبيعي، بل لأن الأرض تجذبه إليها، وليس هناك ما يمنع أن تكون ~~العناصر الأخرى عرضة للجذب كل من جهة، فلا يمكن البرهنة من هذا السبيل على وحدانية ~~العالم، وكثرة العوالم أمر ممكن طبعا، كما أنه لا يمكن البرهنة على تناهي العالم ~~في المكان، والله قادر أن يزيد في مقدار العالم ويجعله يجاوز كل حد، أو على تناهيه ~~في الزمان، وأصحاب هذا الرأي يخالفون أرسطو الذي قال بأزلية العالم، ويأخذون عنه ~~المبدأ الذي يعولون عليه وهو استحالة العدد اللامتناهي بالفعل، ولكن لا نهائية ~~العالم في الزمان لا تعني عددا معينا بل تقدما مطردا إلى ما لا نهاية. ~~(و) فأهمية المذهب الاسمي تقوم في أنه، إذ يعد المعاني المجردة غير موضوعية، يفتح ~~الطريق للشك في المعقولات وعلاقاتها الضرورية فتتبدد الميتافيزيقا، ويفتح الطريق ~~للتصورية، فما دام المعنى مجرد إشارة تثير في الفكر موضوعا مغايرا له بالمرة هو ~~الجزئي، أي ما دام الموضوع المباشر للعقل ليس الشيء نفسه بل ما يقوم مقام الشيء، ~~فمن يدرينا؟ لعل صور الجزئيات هي أيضا تقوم مقام الجزئيات أنفسها فلا نعلم إن كانت ~~الصور مطابقة للجزئيات، بل لا نعلم إن كانت الجزئيات موجودة، وسنرى هذه النتائج ~~بارزة بشكل أصرح في الفصل التالي، كما سنرى فيه اطراد تقدم العلم نحو شكله ~~الحديث. # الفصل الرابع # | الاسميون الباريسيون # (1) نقولا دوتركور ~~(أ) قام للاسمية أنصار كثيرون في أكسفورد وكمبردج وخصوصا باريس، كانوا ms173 يعلمون حق ~~العلم أنهم مبتدعون، فكانوا يسمون انفسهم بالمحدثين # moderni # ويسمون مذهبهم بالطريقة ~~الحديثة # via moderna # معارضة للطريقة القديمة # antiqua # التي كان يمثلها «الوجوديون» أي القائلون بحقيقة المعاني ~~في الوجود، # relaesa # أتباع القديس توما ودنس سكوت ~~جميعا، وكان هؤلاء من جهتهم يتسمون بالقدماء # antiqu # وهم يعلمون أنهم يدافعون عن تراث ثمين، وفي كلية الفنون ~~الباريسية تمت هذه الفلسفة الحديثة، فإن خمولا طرأ على الحياة العلمية بأكسفورد ~~وكمبردج، أجل، إن تلك الكلية أنكرت الاسمية وحظرت تعليمها (1339 و1340) ولكنها ما ~~لبثت أن أخذت بها وحملت لواءها قرنا ونصفا. ~~(ب) أول من نلقاه من أساتذتها الاسميين نقولا دوتركور اتهم في سنة 1340 بأضاليل ~~مختلفة، وبعد ست سنين أدانه البابا في خمس وستين قضية مستخرجة من كتبه، يفهم منها ~~أنه كان يذكر تلميحا أنه ملهم من الله ومندوب لإحياء العلم، وكان الحكم يقضي ~~بإحراق كتبه، وتجريده من لقب أستاذ في الفنون، وحرمانه حق التقدم للأستاذية في ~~اللاهوت، ولكنه كان لجأ إلى بلاط لويس دي بافيير ملتقى المبتدعة حينذاك، إلا أنه ~~عاد إلى باريس، وأنكر القضايا المأخوذة عليه أمام هيئة الجامعة. ~~(ج) أخذ عن أوكام أن المعرفة اليقينية «الطبيعية» تستفاد من مصدرين اثنين لا ثالث ~~لهما: التجربة التي تظهرنا على الواقع، والقياس اللمي المستند إلى مبدأ عدم التناقض ~~والذي يثبت مضايقة الشيء لنفسه ، أي يثبت للموضوع - مباشرة أو بقياس آخر - محمولا ~~هو نفس الموضوع أو جزء منه، وإلا لم يكن من البين بالذات أن المحمول يوافق الموضوع، ~~وعلى ذلك ليس في وسع العقل أن ينتقل من معنى إلى آخر، أي إلى معنى مختلف عنه غير ~~متطابق معه، وإلا خرج على مبدأ عدم التناقض، وهو المبدأ الوحيد البين بذاته، وكانت ~~نتائجه محتملة فقط، والاحتمال مؤقت تابع لما يبدو لنا وقت النظر، وقد ينتقل من قضية ~~إلى أخرى، والقضية المحتملة ليست صادقة بالضرورة، ومهما يبلغ الاحتمال فلن يبلغ ~~أبدا إلى يقين الإيمان، فجميع العلوم (أي كتب أرسطو) التي تدرس بالجامعات أقاويل ~~محتملة. ~~(د) يلزم من هذه ms174 المقدمة أن مبدأ العلية لا يثبت أمام العقل؛ لأنه ينتقل من معنى ~~هو المعلول إلى معنى آخر هو العلة، وليس يخولنا مبدأ عدم التناقض الحق في أن نستنتج ~~استنتاجا بينا وجود شيء من وجود شيء آخر، ولا أن ننكر وجود ذلك الشيء، فكل دليل ~~يذهب من معلول منظور إلى علة غير منظورة هو دليل غير بين، لكن التجربة تقفنا على ~~العلاقة بين المعلول وعلته حين تقفنا عليهما مجتمعين، ولا يدوم هذا اليقين بالعلية ~~إلا مدة التجربة، ولا يبقى بعدها إلا مجرد الاحتمال بأن نفس المعلولات تحدث إذا ~~توفرت نفس العلل، فدوتركور يسبق هيوم إلى إنكار العلاقة التحليلية بين العلة ~~والمعلول، ويفترق عنه في الاعتقاد بأن التجربة تعطينا هذه العلاقة، ويسبق كنط إلى ~~أن العقل لا يحق له الربط بين ظاهرتين إلا متى اجتمعتا في التجربة، ويفترق عنه في ~~توقيت الرابطة بمدة التجربة. ~~(ه) ومتى استبعدنا الدليل العلي أن القول بالجوهر بناء على ملاحظة الأعراض، ليس ~~قولا ضروريا؛ لأنه انتقال من شيء إلى آخر، فلم نستطع الانتقال من أفعالنا إلى ~~قوى نفسية، ثم إلى نفس، ولا من إدراكاتنا الظاهرية إلى أشياء خارجية، فقد تكون ~~الإدراكات مسببة عن تأثير الله فينا ونحن نعتقد أنها مسببة عن أشياء، وإذن ~~«فالموجود حقا بالنسبة إلينا ظواهر خارجية وداخلية»، وهذه هي التصورية التي نبهنا ~~عليها في ختام الفصل السابق، وهي لازمة هنا من إنكار مبدأ العلية، إذ إن الإحساسات ~~متى لم ترد إلى علل بقيت مجرد صور، واستبعاد الدليل العلي يقطع علينا سبيل ~~الانتقال من العالم إلى الله، حتى من باب الاحتمال؛ لأن شرط الاحتمال التجربة ~~السابقة بالعلة والعلول معا، إن وجود حقيقة إيمانية ليس غير، لا يبرهن عليها ~~بالعلة الفاعلية كما تقدم، ولا بالعلة الغائية، لاستحالة إثبات أن شيئا غاية شيء ~~آخر، ولا بما يدعى درجات الكمال من حيث إن كل شيء فهو ما هو وما يجب أن يكون عليه ~~لتحقيق كمال الكل، فلا يقل: إن الأشياء متفاوتة كمالا، ونحن لا نرتب الأشياء من ~~هذا ms175 القبيل إلا تبعا للذوق الشخصي. ~~(و) ولا يمكن إقامة برهان لمي على الاستحالة والكون والفساد؛ لأن مثل هذا البرهان ~~لا ينتقل من شيء إلى آخر مختلف عنه، والشيء الذي يقال إنه استحال إلى شيء آخر قد ~~يكون انقسم إلى أجزاء غاية في الصغر لا تدركها الحواس، فتسقط بذلك طبيعيات أرسطو، ~~ولا يبقى إلا أن نتصور الأجسام مركبة من جواهر فردة، وأن نفسر ظواهرها بحركات ~~الجواهر، وما دامت علية الموجودات المحسوسة غير ثابتة ثبوتا لميا، فلا يبقى إلا ~~أن نضيف كل علية إلى الله. ~~(ز) لا عجب إذن أن يقول دوتركور: إنه «ليس في طبيعيات أرسطو ولا في ما بعد ~~الطبيعة قضيتان يقينيتان، بل قد لا يوجد فيهما قضية واحدة يقينية» أي لمية، وما ~~دامت لا تحتمل البرهان اللمي فهي ليست علوما، فيجب الانصراف عن المسائل غير قابلة ~~الحل والتوجه إلى التجربة، بالتجربة نكتسب عددا قليلا من المعارف، ولكنها معارف ~~محققة، «ويمكن اكتسابها في وقت قصير لو وجه الناس عقولهم إلى الأشياء لا إلى تفهم ~~أرسطو وابن رشد، ومن عجب أنهم ينفقون العمر كله في دراسة ذلك المنطق، مطرحين جانبا ~~المسائل الخلقية والعناية بالخير العام، حتى إذا ما قام محب للحق ونفخ في البوق كي ~~يوقظهم من سباتهم، اغتاظوا وبادروا إلى السلاح ليحاربوه»، وهذه هي اللهجة التي ~~سيرددها رجال عصر النهضة، والتي سنصادفها عند ديكارت. ~~(2) جان دي ميركور # ومن بين الأساتذة الباريسيين الذين ساروا في هذا التيار طائفة غير قليلة نذكر ~~أشهرهم: جان دي ميركور، ذهب إلى مثل ما ذهب إليه نقولا دوتركور، فأدانته الجامعة ~~بسبب أربعين قضية، منها: أن المعرفة اليقينية هي الحكم التحليلي المعتمد على مبدأ ~~عدم التناقض، والحدس المباشر لوجودنا، أما العالم الخارجي فليس لمعرفتنا به مثل هذا ~~اليقين، إذ إن الله أو موجودا آخر قد يوهمنا وجود أشياء بينما لا يوجد شيء، وإرادة ~~الله محتومة على المخلوقات، والله هو الفاعل الأوحد، فلا حرية ولا خطيئة، وتفاعل ~~الموجودات يمكن تفسيره بأفعال باطنة في كل موجود، أي بأن كل ms176 موجود يفعل كما لو كان ~~منفعلا (وسيقول بمثل هذا ليبنتز). ~~(3) جان بوريدان (؟-1360) ~~(أ) علم بجامعة باريس، ثم صار مديرا عليها مرتين، مصنفاته مقصورة على الفلسفة ~~والعلم، ولنا أن نعتبر إغفاله اللاهوت دليلا على عقليته. ~~(ب) اشتغل بمسألة الحركة واستمرارها بعد انفصال المحرك عن المتحرك، فأخذ بفكرة ~~قوة دافعة يحدثها المحرك في المتحرك، فتتدرج في العقل حتى تتغلب عليها مقاومة ~~الهواء والثقل، ولولاهما لاستمرت الحركة إلى غير نهاية، فإذا افترضنا أن الله حرك ~~الأجرام السماوية عند خلقها، وأنه يحفظ لها حركاتها كما يحفظ سائر الأشياء، وأن هذه ~~الأجرام لا تلقى مقاومة داخلية أو خارجية، لم نر سببا يحول دون استمرار الحركة، ~~فنستغني عن تلك العقول المفارقة أو الملائكة التي يقال: إنها محركة الأفلاك، يقول: ~~«لست أزعم أن كل ذلك محقق ولكني أسأل السادة اللاهوتيين أن يفسروا لي كيف يمكن أن ~~يحدث كل ذلك»، ومن آرائه العلمية أن الأجسام في سقوطها تزداد سرعتها باطراد، وأن ~~الأرض تدور، وأن هذا الدوران يفسر الظواهر تفسيرا أبسط من القول بسكونها، وهذه ~~فكرة كان العصر الوسيط يعرفها عن الفيثاغوريين. ~~(ج) ويعزى إليه قوله في معرض الكلام على الحرية: إن الإنسان إذا وجد أمام داعيين ~~متشابهين، استطاع أن يخرج من التردد بينهما، لا كالحمار الذي وجد من طعامه وشرابه ~~على مسافة واحدة كما، فمات جوعا وعطشا لعدم استطاعته الاختيار، لقد عني بوريدان ~~بمسالة الحرية، واشتهر تشبيهه هذا بالحمار، غير أن هذا التشبيه لم يرد في كتبه، وقد ~~يكون ورد في دروسه الشفوية. ~~(4) ألبير دي ساكس (؟-1390) # تلميذ بوريدان بالجامعة، علم بها وصار مديرا عليها، ولما أنشئت جامعة فينا كان ~~أول مدير عليها سنة 1365، وضع نظرية في الثقل، وحاول أن يعين النسبة بين سرعة ~~الحركة ومدتها ومسافتها، وقال هو أيضا: إن الأرض متحركة والسماء ساكنة. ~~(5) نقولا أورسم (؟-1382) # تلقى العلم بجامعة باريس، ونال منها درجة الأستاذية في اللاهوت، كتب باللاتينية ~~وبالفرنسية، فكان الأول في استعمال «اللغة العامية» في العلم والفلسفة من بين ~~الفرنسيين، نقل إليها كتابي أرسطو في الأخلاق والسياسة، ms177 وألف في السياسة والاقتصاد ~~كتبا تضعه من هذه الناحية في المقام الأول بين أهل عصره، منها كتاب «في أصل النقود ~~وطبيعتها وتطورها»، على أن أهم مؤلفاته هي التي صنفها في العلم الطبيعي والفلك، ~~منها: شرح كتاب أرسطو في السماء والعالم، دونه أولا باللاتينية ثم بالفرنسية، ~~وقد فطن بوضوح إلى قانون سقوط الأجسام، وإلى الفكرة الأولى للهندسة التحليلية التي ~~سيتم وضعها ديكارت، وعني بمسائل الحركة وعلاقتها بالسرعة والزمان والمكان، ~~فاكتشف في هذا الميدان قوانين صحيحة ستصل إلى جليليو، وكان أول من دلل على حركة ~~الأرض اليومية، وأدلته «تفوق كثيرا ما كتبه كوبرنك في الموضوع وضوحا ودقة» على حد ~~قول بيير دوهيم # Duhem # مؤرخ هذه الحركة العلمية ~~الباريسية في كتابه الكبير: «نظام العالم» # Le système du ~~monde ~~. ~~(6) بيير دابى (1350-1430) # علم بجامعة باريس، وصار مديرا عليها، هو اسمي صريح، يصطنع أقوال دوتركور ~~وميركور، ويضع اليقين في الإيمان وحده، يعجب للحكم على دوتركور، ويعلن أنه صدر عن ~~حسد، وأن القضايا المنكرة علمت بعد ذلك جهارا بالمدارس، مما يدل على اتساع الحرية، ~~وازدياد الجرأة، وانتشار الاسمية، وله مؤلفات في الفلك والآثار العلوية والجغرافيا ~~متأثرة بروجر بيكون، ويلوح أنها أثرت في كريستوف كولومب وأمريكو فسبوتشي. ~~(7) خاتمة الكتاب ~~(أ) أولئك جميعا تحرروا من المدرسية ومن سلطان أرسطو، واشتغلوا بالعلم التجريبي، ~~فأقاموا الميكانيكا والفلك على أصول جديدة قبل عصر «النهضة» المعتبرة عادة «يقظة ~~بعد سبات طويل» و«ثورة على أرسطو والكنيسة». # ونرجو أن يكون اتضح من هذا الكتاب - بالرغم من إغفاله أسامي كثيرة - أن السبات ~~حديث خرافة، وأن الثورة بدأت فعلا بابتداء القرن الرابع عشر، فإن كل ما يربط رجاله ~~بالعصر الوسيط مقصور على كونهم رجال دين وأساتذة جامعيين، كما نرجو أن يكون اتضح ~~أنه كانت في ذلك العصر فلسفة حقيقة بهذا الاسم، تمثلت الفلسفة اليونانية وعدلت فيها ~~وزادت عليها، فصبغتها بصبغة جديدة، فكانت عملا ذاتيا له طابعه شأن كل عمل ~~حيوي. ~~(ب) ولا ينبغي أن يفهم أنها انتهت عند هذا الحد من التاريخ، بل ستكون لها رجعة ms178 ~~عند أثمة الفلسفة الحديثة، ديكارت ومالبرانش وليبنتز وسبينوزا، حتى ليمتنع بدونها ~~فهم اصطلاحاتهم ومقاصدهم ونظرياتهم، وحتى ليتعين الرجوع إليها دائما في تفهم سائر ~~من جاء بعدهم، على أن الحد الذي بلغنا إليه يعتبر فاصلا من حيث تطور العقلية ~~العامة ومن حيث الظروف الاجتماعية، فقد اشتد التمرد على الدين، وانقضى استقلال ~~الكنيسة بالعمل العقلي، فتجاوز العلم نطاق الأكليروس إلى المدنيين، واستولى هؤلاء ~~على الجامعات وأنشئوا الأكاديميات ومختلف الجمعيات الفلسفية والعامية ~~والأدبية. # | مراجع # هي أكثر من أن تحصى في جميع اللغات الأوروبية، ونحن نقتصر هنا على أحدثها وأوثقها ~~بالفرنسية والإنجليزية، وفيها يجد طالب المزيد من التفصيل والمراجع بغيته. ~~(1) مراجع عامة # موسوعة أشرفت على التمام: # Dictionnaire de théologie catholique ~~. # Catholic ~~Encyclopedia, # 16 vol. New York 1907-14, Supplement ~~1922 ~~. # DUHEM (P.), # Le système du ~~monde de Platon à Coperait, # 5 vol. ~~1913-17 ~~. # كتاب يتناول تاريخ العلوم عند اليونان وعند الإسلاميين والأوروبيين إلى ~~عصر النهضة، ويرجع المؤلف في تاريخه للعلوم الإسلامية إلى الترجمات ~~والتلخيصات اللاتينية. # DE WULF (M.), # Histoire de la ~~philosophie médiévale. # من أقدم الكتب المتأخرة، نشر المؤلف طبعة خامسة في مجلدين سنة 1926 ثم ~~أراد أن يتوسع فشرع في إصدار طبعة سادسة في ثلاثة مجلدات، ظهر الأول منها ~~سنة 1934، والثاني سنة 1936، وحالت المنية دون ظهور الثالث، وفي الكتاب ~~مراجع مفصلة مفيدة للغاية. PICAVER (F.), # Esquisse d’une ~~histoire générale et comparée des philosophies ~~médiévales, # 1905, 2e. éd. ~~1913 ~~. # GILSON (E.), # La philosophie au ~~nwyen age, # 1922. Nouv. ed. 750 pp. 1944. # L’esprit de la philosophie médiévale, # 2 ~~vol. 1932 ~~. # الكتاب الأول عرض تاريخي، والثاني دراسة تركيبية: يعرض المسائل، ويورد ~~حلول المفكرين المسيحيين بالقياس إلى حلول اليونان، ليبين أن هناك فلسفة ~~مسيحية بمعنى الكلمة. # BREHIER (E.), # Histoire de la ~~philosophie, # tome I, pp. 523-738, 1982. # La philosophie au moyen age, # 1937 ~~. # SERTILLANGES (A.D.), # Le ~~christianisme et les philosophies, # tome I, ~~1939 ~~. # FOLIGNO (C.), # Latin thought ~~during the middle ages, # Oxford, 1929. # Etudes de philosophie ~~médiévale ~~. # سلسلة كتب تنشر بإشراف # F. ms179 Gilson # ابتداء ~~من 1922، ومن بينها معظم كتبه. # Archives d’histoire littéraire ~~et doctrinale du moyen age, # publiées par F. Gilson et ~~G. Théry ~~. # مجلة توجه عناية خاصة إلى علاقة الفلسفة الأوروبية في العصر الوسيط ~~بالفلسفة الإسلامية، استنادا إلى الترجمات اللاتينية. # Revne des études franciscaines. # néo scolastique. # de philosophie. # des sciences philosophiques et ~~théologiques. # في هذه المجلات مقالات قيمة، وفي المجلة الأخيرة، ابتداء من ~~1925، معرض دوري للكتب والبحوث يجعل منها أداة نفيسة ضرورية ~~لكل باحث. ~~(2) مراجع خاصة ~~(2-1) حضارة العصر الوسيط # TAYLOR (H.O.), # The medieval ~~mind, # 2 vol. 4 th cd. ~~1925 ~~. # DE WULF (M.), Philosophy ~~and Civilisation in the middle ages, # 1922 ~~. # FLICHE (A.), # La chrétienté ~~medievale ~~(IHistoire du monde, tome VII), ~~1929 ~~. # هذا فضلا عن كتب التاريخ العام وتاريخ الكنيسة. ~~(2-2) الفلسفة والدين # Bulletin de la Société ~~française de philosophie, # mars juin ~~1931 ~~. # La philosophie ~~chrétienne ~~(Journée d’études de la Société ~~thomiste, Juvisy) ~~. # MARITAIN (J.), # De la ~~philosophie chrétienne, # 1933 ~~. # BLONDEL (M.), # Le problème ~~de la philosophie catholique, # 1932 ~~. ~~(2-3) أوائل الكتاب اللاتين من المسيحيين # DE LABRIOLLE (P.), # Histoire ~~de la littérature latine chrétienne, # 2e. éd. ~~1924 ~~. # MONCEAUX (P.), # Histoire ~~littéraire de l’Afrique chrétienne, # 7 vol. ~~1901-23 ~~. # HENRY (P.), Plotin et ~~l’Occident, # 1934 ~~. ~~(2-4) القديس أوغسطين # أشهر كتبه: الاعترافات، ومدينة الله، وهما مترجمان إلى اللغات ~~الأوروبية. # MARTIN (J.), # Saint ~~Augustin, # 1901, 2e. éd. ~~1923 ~~. # يعرض المسائل عرضا دقيقا، ويحيل بصدد كل منها إلى خير النصوص. # BOYER (Ch.), # L’idée de ~~vérité dans la philosophie de Saint Augustin, # 1920 ~~. # يعرض المذهب كله من ناحية نظرية الحقيقة. # GILSON (E.), # Introduction à ~~l’ étdue de Saint Augustin, # 1929 ~~. # العنوان متواضع، ولكن الكتاب يتناول المذهب كله، وفيه ثبت مفصل للمراجع، ~~وملاحظات عليها. POPE (H.), # St. Augustine of ~~Hippre, # 1937 ~~. # ALFARIC (P.), # L’ évolution ~~intellectuelle de Saint Augustin ~~. I Du ~~manichéisme au néoplatonisme, 1918 ~~. # يذهب إلى أن أوغسطين إنما تحول عن المانوية إلى الأفلاطونية الجديدة، ومنها ~~إلى ms180 المسيحية، لا أنه تحول إلى المسيحية ثم عرف الأفلاطونية الجديدة، فهو لا ~~يقبل صدق روايته في الاعترافات. # BOYER (Ch.), # Christianisme ~~et néoplatonisme dans la formation de Saint ~~Augustin, # 1920 ~~. # يرد على الكتاب السابق بالرجوع إلى كتب أوغسطين في ترتيبها التاريخي. ~~(2-5) ديونيسيوس # DARBOY (Mgr.), # Traduction ~~des euores de Denys l’Aréopagite, # avec une ~~introduction, 1845, 1887, 1923 ~~. ~~(2-6) بويس # FORTESCUE (A.), # Boctii de ~~Consolatione philosophiae, # 1925 ~~. # مع مقدمة وثبت للمراجع. # SMITH (G.), # De ~~consoltatione philosophiae, # 1926 ~~. # مع مقدمة ومراجع. ~~(2-7) المدارس # CLERVAL (A.), # Les école de ~~Chartres au moyen age, # 1895 ~~. PARE (E.), # La Renaissance ~~au XXIe siècle, # 1934 ~~. ~~(2-8) جون سكوت أريجنا # CAPPUYNS (Dom), # Jean Scot ~~Erigène, # 1933 ~~. # BETT (H.), # Johannes Scotus ~~Erigena, # 1925 ~~. ~~(2-9) روسلان PICAVET (F.), # Roscellin, # 2e éd. 1911 ~~. ~~(2-10) القديس أنسلم # DEANE, # Translation of ~~Anselm’s Proslogium and ~~Monologium. # KOYRE (A.), # proslogium, # trade, française ~~1930 ~~(2-11) أبيلار # SICKS (J.G.), Peter ~~Abelard, # 1932 ~~. # WADDELL (H.), Peter ~~Abelard, # 1933 ~~. ~~(2-12) ريشار دي سان فيكتور # LANGLART (M.), # La théorie ~~de la contemplation mystique dans l’auvre de Richard de ~~Saint Victor, # 1936 ~~. ~~(2-13) دافيد دي دينان # THERY (G.), # David de ~~Dinant, # 1625 ~~. ~~(2-14) الجامعات # RASHDALL (H.), # The ~~Universities of Europe in the middle ages, # 1895 ~~. # BONNEROT (J.), # La Sorbonne ~~à travers les siècles, # 1927 ~~. ~~(2-15) الترجمات # JOURDAIN (A. et Ch.), # Recherches critiques sur l’age et l’origine des traductions ~~d’Aristote, # 2e. éd, 1843 ~~. # WINGATE (S.D.), # The ~~medieval latin versions of the Aristotelian scientific ~~corpus, # 1931 ~~. ~~(2-16) القديس بونافنتورا # أجمل كتب المؤلف: # GILSON (E.), # Saint ~~Bonaventure, # 1924 ~~. ~~(2-17) روبرت جروستيت وروجر بيكون # SHARP (D.E.), # Franciscan ~~philosophy at Oxford in the XIIIth century, # 1930 ~~. # CARTON (R.), # L’expérience ~~mystique chez Roger Bacon. L’expérience physique chez R.B. ~~La synthèse doctinale de R.B., # 3 vol., ~~1924 ~~. ~~(2-18) القديس ألبرت الأكبر # GORCE (M.M.), # L’essor de la ~~pensée au moyen age. Albert le Grand et Thomas ~~d’Aquin, # 1933 ~~. ~~(2-19) القديس توما ms181 الأكويني # أشهر كتبه المجموعة الفلسفية، والمجموعة اللاهوتية، اضطلع المطران بولس عواد ~~بنقل المجموعة اللاهوتية إلى العربية، فنشر خمسة مجلدات بعنوان «الخلاصة ~~اللاهوتية» (بيروت 1887 وما بعدها) أي ما يعادل خمسي الكتاب وجاء نقله آية في ~~الدقة والمتانة، واضطلع المطران نعمة الله أبو كرم بنقل المجموعة الفلسفية ~~بعنوان «مجموعة الردود على الخوارج» فنشر ترجمة المقالة الأولى (جونيه - لبنان ~~1931) وترجمته جيدة كذلك. # SCHEWERTNER (T.M.), # St. ~~Albert the Great, # 1932 ~~. # The “Summa Theologica” of ~~St. Thomas Aquinas ~~. English translation, edited ~~by the Dominican Fathers, in 22 vol ~~. # The “Summa contra Gentiles” ~~of St. Thomas Aquinas, uniform with Summa ~~Theologica, # in 5 vol ~~. PEGUES (P.), # Commentaire ~~français littéral de la Somme Théologique de S. Thomas ~~d’Aquin. # La Somme ~~Théologique, # Texte latin et trad. française, avec ~~notes, par les Pères Dominicains, éd. De la Revne des ~~Jeunes ~~. # SERTILLANGES (A.D.), # S. ~~Thomas d’Aquin, # 2 vol., 1910 # La philosophie morale de S. Th. ~~d’A ~~. 1916. # Les grandes thèses ~~de la philosophie thomiste, # 1928 ~~. # HUGON (E.), # Les vingt ~~quatre thèses thomistes, # 2e. éd. ~~1922 ~~. # GILSON (E.), # Le ~~Thomisme, # 1923; 3e. éd. 1927; 4e. éd. ~~1944 ~~. # ROUSSELOT (P.), # L’intellectualisme de S. Th. d’A ~~. 1908, 3e. éd. ~~1936 ~~. # FOREST (A.), # La structure ~~métaphysique du concret selon S. Th. d’A., # 1931 ~~. # دراسة وافية للمذهب، وللعلاقة بين القديس توما وابن سينا. # ROLLAND-GOSSELIN (M.D.), Le “De ente et essential” ~~de S. Th. d’A., 1926 ~~. # نص رسالة «في الوجود والماهية» مع دراسات لمسألتي مبدأ التشخيص ~~والتمييز العيني بين الماهية والوجود عند أرسطو وبويس وابن سينا وابن ~~رشد ولاهوتيي القرن الثالث عشر. # ROLLANDGOSSELIN (B.), # La ~~doctrine politique de S. Th. d’A., # 1928 ~~. # DE WULF (M.), # Medieval ~~philosophy illustrated from the system of Thomas ~~Aquinas, # 1922 ~~. # D’ARCY (M.C.), # Thomas ~~Aquinas, # 1931 ~~. # MARLING (J.M.), # The Ordre ~~of Nature in the philosophy of St. Thomas ~~Aquinas, # 1934 ~~. ~~(2-20) سيجر دي بربان # RENAN (E.), # Averroès et ~~l’averroisme, # 1852 ~~. # كان رنان أول من أعلن ms182 عن وجود الحركة الرشدية اللاتينية أثناء القرن الثالث ~~عشر (ص200-322 من الطبعة الخامسة) وذكر سيجر (271-272)، ولكن المؤرخ الحقيقي ~~لهذه الحركة هو: # MANDONNET (P.), # Siger ~~de Brabant et l’averroisme latin au XIIIe ~~. ~~siècle, tome I. Textes 1908; tome II Etudes, ~~1911 ~~. # النصوص المنشورة هنا أول ما نشر لسيجر، والدراسات تتناول القرن الثالث عشر ~~بأكمله. # VAN STEENBERGHEN (F.), # Siger de Brabant d’après son auvre inédite, # tome ~~I, 1931. # Les auvres et la doctrine de ~~Siger de Brabant, # 1938 ~~. # يبين المؤلف أن المخطوطات التي استكشفها تدل على عدول سيجر عن موقفه ~~الرشدي. ~~(2-21) ريمون لول PROBST, # Caractère et ~~origine des idées de Raymond Lulle, # 1913 ~~. ~~(2-22) إيكارت # DELACROIX, # Le mysticisme ~~spéculatif en Allemagne au XIVe. siècle, # 1900 ~~. # HORNSTEIN (X. de), # Les ~~grands mystiques allemands du XIVe. siecle, # 1922 ~~. ~~(2-23) جون دنس سكوت # BERTONI, # Duns ~~Scot, # 1917 ~~. # LONGPRE, # La philosophie de ~~Duns Scot, # 1924 ~~. # GILSON (Etienne, # jean Duns ~~Scot, # 700 pp. Paris, 1952 ~~. ~~(2-24) نقولا دوتركور # LAPE (J) # Nicolas ~~d’Autrecourt # 1909 ~~. ~~(2-25) وليم أوف أوكام # MODY (E.A.), # The Logic of ~~William of Ockham # 1935 ~~. ms183