######OpenITI# #META# URI: 1378YusufKaram.ThalathaDurusFiDescartes.Hindawi13050381 #META# Tags: philosophy #META# ID: 13050381 #META# Title: ثلاثة دروس في ديكارت #META# AuthorID: 94973606 #META# Author: ألكسندر كواريه #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 15207908 #META# Translator: يوسف كرم #META# Related_books: 1383AlexandreKoyre.TroisLeconsSurDescartes (TRANSL) #META#Header#End# # الدرس الأول‏ # الدرس الثاني‏ # الدرس الثالث‏ # الدرس الأول‏ # الدرس الثاني‏ # الدرس الثالث‏ # | ثلاثة دروس في ديكارت # | ثلاثة دروس في ديكارت # تأليف # ألكسندر كواريه # ترجمة # يوسف كرم # | الدرس الأول # اجتمعنا هنا اليوم لنحتفل بانقضاء المائة الثالثة على حدث أدبي عظيم هو ظهور كتاب ديكارت ~~«مقال في المنهج»، ذلك الكتاب الذي يعد من أكثر الكتب الفلسفية مدعاة للدهشة، والذي ~~كان إخراجه حدثا روحيا كبيرا؛ أي ثورة روحية نحن ورثتها، وإن تفاوت حظنا في هذا ~~الإرث. # ثلاثة قرون - وأي قرون! - تفصلنا من ديكارت ومن كتبه، وهي فترة طويلة بالإضافة إلى ~~التاريخ، وإلى العلم نظريا، وعمليا، وإلى الحياة، ولكنها قصيرة بالإضافة إلى الفلسفة، ~~فإنا نعترف صراحة أن تقدم الفلسفة بطيء، أنها تعنى بأمور بسيطة جدا: تعنى بالوجود، ~~وبالمعرفة، وبالإنسان؛ وهذه أمور بسيطة لا ينقطع اهتمامنا بها؛ لذلك تظل أجوبة كبار ~~الفلاسفة عن هذه المسائل البسيطة خليقة بالعناية، مفيدة هامة قرونا طويلة بل آلاف السنين، ~~فإن الفلسفة في حاضر مستمر، وقد لا يوجد اليوم فكر فلسفي أكثر ملاءمة من فكر ديكارت، إلا أن ~~يكون فكر أفلاطون. # ولكن لندع أفلاطون جانبا، وسنصادفه أثناء سيرنا، فإنما أقصد أن أحدثكم اليوم عن ديكارت، ~~وعن «المقال في المنهج». # نحن نعرف جميعا هذا الكتاب، فقد قرأناه جميعا، ودرسناه في المدرسة مع تفاوت في العناية، ~~وذاكرتنا مليئة بعباراته المتثاقلة اللطيفة، كلها سذاجة وتهكم وحكمة، وكلها «أصالة رأي»، ~~تلك الأصالة التي هي أندر وأنفس شيء في العالم، مهما يقل في ذلك ديكارت، أو بعبارة أخرى ~~أدق جريا مع ديكارت نفسه. # جميعنا نذكر قوله: «إن أصالة الرأي أعدل الأشياء توزعا بين الناس، فإن كلا يعتقد أن ~~حظه منها موفور، حتى الذين هم أقل الناس رضى فيما عدا ذلك فليس من عادتهم أن يطلبوا منها ~~أكثر مما قسم لهم.» وجميعنا تذوقنا ما في هذا التدليل من تهكم، وجميعنا نعلم أن المهم ~~«ليس أن يكون عقلنا جيدا، بل أن نجيد استخدامه»، ولقد تساءلنا جميعا كيف السبيل إلى ذلك، ~~وجميعنا نذكر «أنه ينبغي أن نكون حازمين ms01 في العمل، محاكين في ذلك المسافرين الذين إذا ضلوا ~~في غابة حرصوا على ألا يدوروا فيها دورانا، بل مضوا في اتجاه واحد ما استطاعوا إلى ذلك ~~سبيلا؛ لأنهم بذلك إن لم يذهبوا إلى حيث يرغبون فإنهم يصلون حيث يكونون في الراجح أحسن ~~حالا منهم في وسط الغابة»، وإن «قراءة الكتب القيمة بمثابة حديث مع أفضل رجال القرون ~~السالفة» و«إنا لا نستطيع أن نتصور شيئا أكثر غرابة، وأبعد عن التصديق إلا وقد قاله أحد ~~الفلاسفة.» # ثم إننا جميعا منذ ثلاثة قرون متشبعون بالفكر الديكارتي عن طريق مباشر أو غير مباشر من ~~حيث إن الفكر الأوربي بأجمعه، أو على الأقل الفكر الفلسفي بأجمعه يتجه ويتعين منذ ثلاثة ~~قرون بالنسبة إلى ديكارت؛ لذلك يصعب علينا جدا أن ندرك أهمية عمل ديكارت وجدته، فقد كان ~~ثورة من أعمق ما عرفته الإنسانية من ثورات فكرية بل روحية، كان عبارة عن استعادة العقل ~~سلطانه على نفسه، وكان نصرا حاسما في الطريق الوعر الشاق المؤدي بالإنسان إلى التحرر ~~الروحي إلى حرية العقل والحقيقة، وإنه لأصعب من ذلك إن لم يكن مستحيلا أن نتصور ما كان ~~«للمقال» من أثر عند الذين كانوا يقرءونه لأول مرة منذ ثلاثة قرون. # وإنا لنكرر القول: إن ثلاثة قرون حقبة طويلة، ومع أن المسائل الفلسفية هي في الواقع ~~دائمة فإن من الحق أيضا أن ما كان لمعاصري ديكارت من المرامي الروحية يختلف أشد اختلاف عما ~~لنا نحن من مرام روحية؛ لذلك اختلف ما كانوا يطلبونه في هذا الكتاب عما نطلبه نحن. # وفضلا عن ذلك فإن «المقال في المنهج» كما كان بين أيديهم كما خرج من مطبعة جان مير بلدين ~~في 5 يناير 1637 كان يختلف عن الكتاب الذي نقرؤه اليوم، أو إن شئتم كان بالإضافة إليهم غير ~~ما هو بالإضافة إلينا. # فبالإضافة إلينا «المقال» كتاب صغير لطيف يحوي بالأخص وقبل كل شيء الترجمة الروحية ~~لديكارت، ثم القواعد الأربعة المشهورة، ولم تعد لنا حاجة بها، وإنما نستبقي منها خاصة ~~المواضع المتعلقة ب «الأفكار الجلية ms02 الواضحة » والتي تفرض علينا ألا نعتبر حقا إلا ما نراه ~~كذلك بجلاء، وأن نقود أفكارنا بنظام مبتدئين بأبسط الأشياء وأسهلها، ثم هو يحوي عجالة في ~~الأخلاق عليها مسحة رواقية، وفيها حرص على مجاراة العرف، وبحثا قصيرا في الميتافيزيقا ~~عويصا للغاية، فيه الجملة المشهورة: «أنا أفكر إذن أنا موجود» وبيان - هام جدا للمؤرخ، ~~ولكنه ممل جدا للمثقف من أهل عصرنا - لتجارب علمية أجريت، أو كان يجب أن تجرى، وكلنا ~~يعلم من غير شك أن كان «للمقال» ملحق هو عبارة عن ثلاث رسائل: واحدة في البصريات، وأخرى في ~~الآثار العلوية، وثالثة في الهندسة، لا نقرؤها ولا تثبت في طبعاتنا العامة. # أما معاصرو ديكارت فقد كان الحال عندهم على خلاف ذلك؛ فإن «المقال في المنهج» أو بحسب ~~عنوانه التام «مقال في المنهج لحسن قيادة العقل، والبحث عن الحقيقة في العلوم»، مضافا إليه ~~علم البصريات والآثار العلوية والهندسة، وهي تطبيقات هذا المنهج، نقول: إن «المقال» كان ~~كتابا ضخما في 527 صفحة بقطع الربع يحوي ثلاث رسائل علمية ذات جدة مدهشة وأهمية عظمى، ~~فرسالة البصريات كانت تشتمل بنوع خاص على نظرية في انكسار الضوء، وعلى دراسة للآلات الجديدة ~~«كلتلسكوب، والمنظار» التي كانت قد غيرت علمنا بالعالم، ورسالة الآثار العلوية؛ أي الظواهر ~~الجوية تتحدث عن السحاب، والمطر، والبرد، وقوس قزح، وانعكاس صورة الشمس في السحاب، مفسرة ~~بأبسط الوسائل، وأكثرها مطابقة للطبيعة، وأكثرها غرابة أيضا بالإضافة لذلك العصر، وعن حركة ~~المادة المالئة للفضاء، وانعكاس الماء في قطرات المطر، وأخيرا رسالة الهندسة أي رسالة في ~~الجبر قلبت الأفكار المتعارفة في الرياضيات بإيجاد مشاركة بين موضوعين مختلفين اختلاف ~~المكان وهو كمية متصلة، والعدد وهو كمية منفصلة، وجاءت هذه الرسالة في «الهندسة» بنظرية ~~عامة للمعادلات، واصطلاح جديد للرمز للكميات، هو الاصطلاح الذي ما نزال نعول عليه، وجاءت ~~أيضا فيما جاءت به بحل لطيف لمسألة بابوس الشهيرة، وفيما عدا ذلك كان الكتاب يحتوي على ~~مقدمة طويلة مطبوعة على حدة، ولصفحاتها ترقيم خاص هو «المقال» بالذات، يقدم للقارئ فضلا عن ~~برنامج لأبحاث ms03 علمية منشط للتفكير غاية التنشيط، موجزا في الميتافيزيقا غريبا وجريئا ~~جدا، ورسالة قصيرة في «المنهج»، وأخيرا ترجمة لحياة المؤلف الروحية. # فبالإضافة إلى معاصري ديكارت وإلى ديكارت نفسه «المقال في المنهج» مقدمة لعلم جديد، ~~وإعلان لثورة فكرية ستتلوها ثورة علمية كثمرة لها، ولقد نسينا نحن أنه مقدمة، ولنا في ذلك ~~بعض الحق من غير شك من حيث إن الرسائل العلمية البحتة التي كانت تنطوي عليها دفتا المجلد قد ~~تجاوزها العلم فشاخت وسقطت، بينما «المقال» ما يزال محتفظا بنضارته، على أني مع ذلك أريد ~~أن أذكركم اليوم بأن «المقال» إنما هو مدين بحظه ونفوذه وأثره لتلك الرسائل العلمية. # ولم تكن الكتب في المنهج نادرة لعهد ديكارت، وأحدثها عهدا «المنطق الجديد» لبيكون جاء هو ~~أيضا بمنهج جديد، منهج يؤدي إلى علم جديد؛ إلى علم عملي للعلم النظري القديم، ولقد أعلن ~~ديكارت من ناحيته هذا العلم الجديد الذي كان ينتظر منه تغيير الحياة الإنسانية وإقامة ~~الإنسان «سيدا، ومالكا للطبيعة»، ولكن ديكارت لم يقتصر على إعلانه، بل جاء هو بذلك العلم ~~الجديد وأعطانا نتائج، ولم يكن منهجه مجردا، ولكنه كان يلخص تجربة حقيقية ويصوغها في ~~قانون، وهذه التجربة هي التي كانت تبرهن على قيمته وتسمح بتفهم المعنى الحقيقي العميق ~~للقواعد المبهمة التي نجدها في «المقال». # وفي الواقع من ذا الذي وضع موضع الشك أن الفيلسوف من حيث هو كذلك لا ينبغي أن يذعن إلا ~~لوضوح العقل ليس غير؟ ومن ذا الذي - إلى أيامنا هذه على الأقل - وضع موضع الشك ما للفكرة ~~الجلية على الفكرة الغامضة من قيمة عالية؟ لا أحد، كما أن أحدا لم يضع قط موضع الشك قيمة ~~النظام وضرورة الابتداء بأبسط الأشياء وأسهلها، لا على العكس بأصعب الأشياء وأكثرها تقيدا، ~~هذه أمور متعارفة في الفلسفة، ولكن ما هذا الوضوح الذي ينبغي أن نطلبه؟ ما هذا النظام الذي ~~ينبغي أن نتبعه؟ ما هذه الأشياء البسيطة التي ينبغي أن نبدأ بها. # في الجواب عن هذه الأسئلة يقوم «الإصلاح الديكارتي». وهذا الجواب - وهو ثورة حقا - يجب ms04 ~~علينا أن نطلبه لا في «المقال» بل في الرسائل. # ولقد أثار «المقال في المنهج» ضجة غير قليلة بين العلماء؛ وذلك بسبب مضمونه من غير شك، ~~وبسبب المؤلف أيضا، أجل إن اسمه لم يكن مذكورا على الغلاف، فإن ديكارت تقدم للجمهور ~~مخفيا اسمه بكبرياء، ولكن العارفين، وأعني بهم أعضاء جمهورية الآداب، كانوا يعلمون. # لم يكن ديكارت سنة 1637 قد بلغ المنزلة التي سيبلغها بعد ذلك ببضع سنين؛ أي منزلة ~~الفيلسوف الكبير الشهير وزعيم العقل في زمانه، لم يكن الناس يتحدثون بعد في الأزقة عن ~~نظريته في الحركة، ولم يكونوا يتناقشون في الصالونات في المادة اللطيفة، ولكنه لم يكن ~~مجهولا، فقد كان عالم الأدب والعلم أضيق مما هو الآن، وكان رجاله أكثر معرفة بعضهم ببعض، ~~وكان ديكارت قد عاش بباريس واختلف إلى الأوساط العلمية فيها، وكانت هذه الأوساط ما تزال ~~تذكر ذلك الرجل القصير الكريه غريب الأطوار - فإنه لم يكن يطيق المعارضة، وكان ينهض من ~~فراشه متأخرا ويكره الزيارات - ذلك الرجل الذي كان يمكن لقاؤه عند مرسين، أو بريل، أو ~~جيبيف، كان الناس يعلمون أنه غادر باريس فجأة ليختفي في مكان حقير في هولاندا، وكانت ~~المراسلة متصلة بينه وبين مرسين، ذلك الرجل الذي كان بمثابة صندوق البريد في عالم العلم على ~~حد قول ويجنس، ولم يكن يحبه، أو إن فضلتم هذا التعبير: «بمثابة النائب العام في جمهورية ~~الآداب»، كما أسماه هوبس، وكان مدينا له بالشيء الكثير، وكان الأب مرسين آخر من يكتم ~~سرا، وبالأخص إذا كان هذا السر خبرا أو رسالة، فكانت رسائل ديكارت تجوب أنحاء فرنسا من ~~رين إلى تولوز، ومن مرسيليا إلى ديجون، وكان الكل يعرف أن ديكارت عالم كبير وفيلسوف كبير، ~~وأنه يعد كتابا في «العالم» أو في «الضوء»، وأنه يقول بدوران الأرض، وأنه وعد بلزاك أن ~~يقفه على تاريخ فكره، فكان الكل ينتظر هذا التاريخ بفارغ الصبر. # ولم يخيب «المقال في المنهج» ظن المنتظرين؛ القسم العلمي من الكتاب جميل جدا مبتكر ~~جديد، فثار حوله نقاش عنيف، كان فرما، ms05 وروبرفال، وفرنييكل، وديزارج ، وبوجران، وميدورج ~~يعترضون، ويجادلون، ويقارنون، ويتراشقون بالمسائل، ويتبادلون التحدي وقوارع الكلم. # كل ذلك ومرسين فرح؛ فإن تلك النفس الوادعة الساذجة لم تكن تحب شيئا مثل حبها لشجار ~~أدبي. # ومقدمة الكتاب - وهي «المقال في المنهج» - أثارت أيضا اهتماما كبيرا، بل نوعا من ~~الدهشة. # وإني أكرر القول: إن «المقال» أصبح مألوفا لدينا، قد ألفنا أن نرى فيه فيلسوفا كبيرا ~~يقص علينا حياته الروحية، ونحن نرى ذلك أمرا طبيعيا، ولا ندرك كم كان ذلك على العكس ~~خارجا عن المألوف، منقطع النظير، غريبا. # طبيعي أن العالم أو الفيلسوف الذي بلغ إلى اكتشافات جميلة يعرض علينا الطرق والوسائل، أو ~~المناهج التي مكنته من الوصول إليها، وطبيعي كذلك أن العالم أو الفيلسوف الذي كشف منهجا ~~جديدا للبحث يعرضه علينا ويقدم لنا أمثلة على قيمته، أما أن يقص علينا حياته بهذه ~~المناسبة، فهذا هو الأمر الغريب. # هل نتصور أينشتاين أو ديبرويل يروي لنا تاريخ حياته - حتى حياته الروحية - قبل أن يعرض ~~علينا نظرية النسبية، أو النظرية الكمية؟ لا، أليس كذلك؟ ولكن ديكارت يصنع ذلك، لم اعتبر ~~نفسه ملزما بأن يصنع ذلك؟ أجل إنه يعلن أسبابه، ولكن لا يبدو لي أنها هي الأسباب ~~الحقيقية. # يقول إنه وفق إلى اكتشاف «منهج» مكنه من التقدم تقدما كبيرا في دراسة العلوم، وإنه ~~يعرضه لفائدة القراء. # وهاك نصه: # لقد واتاني الحظ؛ فوجدت منذ صباي في طرق أدت بي إلى اعتبارات ومبادئ ألفت منها ~~«منهجا» يبدو لي أنه يمكنني من زيادة علمي بالتدريج، والبلوغ به إلى أعلى نقطة ~~أستطيع الوصول إليها مع قلة حظي من الذكاء وقصر حياتي، ومع أني في تقديري لنفسي ~~أحرص دائما أن أكون أميل إلى قلة الثقة مني إلى الزهو، ومع أني إذ أنظر بعين ~~الفيلسوف إلى مختلف أفعال الناس ومشاريعهم، أكاد لا أتبين شيئا منها إلا وهو باطل ~~عديم الجدوى، فقد حصلت على نتائج لا أتمالك معها من أن أستشعر غبطة بالغة بما يلوح ~~لي أني وصلت إليه في البحث عن الحقيقة، وآمالا بالمستقبل تحملني ms06 على الاعتقاد بأنه ~~لو كان بين أعمال الناس، من حيث هم ناس، عمل حسن وهام حقا لكان هو العمل الذي ~~اخترته. # ولكن لعله أخطأ «وظن ماسا وذهبا ما هو نحاس وزجاج»؛ لذلك فهو يقول لنا: «لست أقصد أن ~~أعلم هنا ما ينبغي لكل واحد أن يتبع من منهج ليحسن قيادة عقله، وإنما أريد أن أبين على ~~أي نحو حاولت أن أقود أنا عقلي، فلست أعرض هذا المؤلف إلا على أنه قصة، أو إذا آثرتم هذا ~~التعبير حديث خرافة قد يجد فيه القارئ إلى جانب بضعة أمثلة قد يحسن احتذاؤها أمثلة أخرى ~~يحسن صنعا بعدم اتباعها.» ويضيف ديكارت إلى ذلك قوله: «أرجو أن يعود هذا المؤلف بالفائدة ~~على البعض دون أن يضر أحدا، وأن يحمد مني الجميع صراحتي.» # ما أجمل هذا التواضع! # ولئن كانت الرغبة في نفع معاصريه والإنسانية جمعاء من أقوى الدواعي وأقلها حظا من الحمد ~~في نشاط ديكارت الفلسفي، أليس من قوانين الأخلاق، بل أليس القانون الأعلى للأخلاق، أخلاق ~~«التضحية» التي يعلمنا إياها ديكارت، ذلك القانون الذي «يلزمنا أن نوفر الخير للناس جميعا ~~ما وسعنا ذلك»؟ ولئن صح أنه اعتبر كشف «المنهج» من قبيل الحظ، إن لم يكن نعمة إلهية، فمن ~~الحق مع ذلك أن التواضع لم يكن قط أهم نقائص ديكارت، ذلك الرجل الذي لم يعتقد قط أنه تعلم ~~شيئا، أو يمكن أن يتعلم شيئا من أحد كائنا من كان، ذلك الرجل الذي كان قد أخذ على نفسه ~~أن ينظم العالم هو وحده في هيئة جديدة، وأن يحل محل أرسطو في مدارس العالم المسيحي. # أما الأسباب التي يتمحلها فهل تبدو كافية حقا؟ لقد سبق لي القول: إني لا أعتقد ~~ذلك. # وقد أتهم بجريمة العيب في ذات ديكارت، وقد يقال لي: إن ديكارت كان يعلم أكثر من أي إنسان ~~ماذا كان يصنع، ولم كان يصنعه، بل إنه كان الوحيد الذي يعلم ذلك حقا، لا شك، ولكن ~~ديكارت رجل حذر متكتم، يفكر فيما يقول، ولا يقول ما يفكر، أو على ms07 الأقل لا يقول كل ما ~~يفكر، ألم يكتب إلى مرسين - وهو أحد رجلين أو ثلاثة كان يثق بهم كل الثقة: «إني أتقدم ~~مقنعا»؟ لا نؤاخذه على احتياطه؛ فإن حكاية جاليليو كانت ما تزال قريبة العهد، ولم يكن ~~ديكارت يحس أي رغبة في أن تتجدد الحكاية على حسابه، وكان يعلم أن رسالته للعالم أخطر بكثير ~~من رسالة الرياضي الفلورنتي، فالعلم - ذلك العلم الذي تظهرنا الرسائل العلمية على أمثلة ~~منه - لا يكتفي بأن يطرد الإنسان والأرض من مركز العالم، ولكنه يحطم هذا العالم ويخربه ~~ويفتح بدلا منه الفضاء اللامتناهي. أما «المنهج» فكان عبارة عن مراجعة جميع أفكارنا ونقدها ~~نقدا منظما، كان عبارة عن دعوتها جميعا إلى أن تبرر أنفسها أمام محكمة العقل، ومهما يحرص ~~ديكارت - بكل إخلاص من غير شك - على تضييق مجال هذا «المنهج»، ومهما يؤكد لنا من أنه لم ~~يقصد قط إلا إلى إصلاح أفكاره هو، وهو حر في التصرف بها، فإنه لا يستطيع أن يجهل أنه قد ~~أنجز أهول آلة حربية عرفها الإنسان في الحرب ضد السلطة، والسنة الموروثة، وأن أصحاب الأمزجة ~~القلقة لن يحسبوا حسابا لتحفظاته، ولكنهم سيعملون تلك الآلة غير هيابين سلطة الكنيسة ~~ولا سلطة الدولة، وهما قيمتان من قيم الماضي كان بوده لو يصونهما، وإذن فنحن لا نقيم وزنا ~~ل «صراحة» ديكارت، وهو إلى ذلك يسرف في التظاهر بها، وحينئذ فالمسألة باقية بتمامها: لم ~~يروي لنا حكاية حاله؟ إن المسألة لخطيرة، وهي تمس فكر ديكارت في صميمه. # إني أعتقد أنه يصدر عن أسباب عميقة جدا هي معارضة، تمام المعارضة، للأسباب الواهية التي ~~يذكرها لنا، فإن هذه الأخيرة تتضمن أن المنهج الديكارتي - ذلك المنهج الذي يقول عنه ديكارت ~~في العنوان الأصلي للكتاب: إنه كفيل ب «إبلاغ الطبيعة الإنسانية أعلى كمالها» - ليس إلا ~~قيمة شخصية ذاتية، وأنه قد يفيد الواحد ولا يفيد الآخر، وما من شيء أبعد عن المذهب ~~الديكارتي من كل هذا. # وهي تتضمن كذلك أن لكل أحد أن يختار من هذا المنهج ما يعجبه، أن يأخذ ms08 شيئا ويدع شيئا ، ~~وإنا نكرر القول أن ليس شيء أبعد من هذا عن المذهب الديكارتي، فإن المنهج، منهج الشك، ~~والأفكار الواضحة، كتلة واحدة لا تتجزأ، هو «المنهج»؛ أي «الطريق»، الطريق الوحيد الكفيل ~~بتحريرنا من الضلال والتأدي بنا إلى معرفة الحق. # أجل، إن منهج ديكارت لا يصلح لأن يطبق تطبيقا عاما، وإن الطريق الذي اتبعه لا يصلح ~~لأن يسلكه كل إنسان، وديكارت لا يعرضه على أنه نموذج يجب على كل أن يحاكيه؛ ذلك لأنه طريق ~~شاق جدا، طويل جدا، خطر جدا، لا يفيد إلا الذي أوتي القوة اللازمة لسلوكه إلى ~~النهاية. أما الآخرون، أولئك الذين «يعتقدون في أنفسهم أكثر مما لهم من الحصافة، فلا ~~يتمالكون أنفسهم من التسرع في أحكامهم، ولا يملكون من الصبر ما يلزم لقيادة جميع أفكارهم ~~بنظام»، والذين «قد أوتوا من العقل، أو من التواضع ما يكفي لأن يحكموا بأنهم أقل مقدرة على ~~تمييز الحق من الباطل من بعض آخرين يستطيعون أن يتتلمذوا لهم، فيقنعوا باتباع آرائهم دون أن ~~يحاولوا كشف آراء خير منها بأنفسهم»، أما هؤلاء وأولئك فإن المثل الديكارتي لا يلائمهم ~~بحال؛ إنه يضرهم لأنهم «إذا اعتزموا أن يشكوا في المبادئ التي تلقوها، وأن يحيدوا عن ~~الطريق المألوف فلن يستطيعوا الاهتداء إلى الطريق الضيق الذي ينبغي سلوكه للسير سيرا ~~قويما، فيظلون ضالين طول حياتهم، ويكاد يكون العالم مؤلفا من هذين الصنفين من العقول»؛ ~~وإذا فليس يكتب ديكارت لهم، ليس يكتب للعامة، ولكنه يكتب للحاصلين على القوة اللازمة الذين ~~يستطيعون اتباعه للنهاية، كذلك القديس أوغسطنيوس لم يكتب ترجمة حياته للعامة؛ أي قصة عودته ~~إلى الله. # وإذا كان ديكارت يقص علينا في «المنهج» - وهو كتاب الاعترافات الديكارتية - ترجمة حياته ~~الروحية، وحكاية عودته إلى الروح، فإنه لم يقصد من ذلك إلى أن يظهرنا على ما فيه من شخصي ~~فردي، ولكنه على العكس يقص علينا ليجعلنا نرجع إلى أنفسنا، وليبين لنا في هذه القصة الشخصية ~~موجز حال الإنسان في عصره، وليبعثنا على إتيان الأفعال التي يستطيع بها الإنسان أن يتغلب ms09 ~~على داء زمانه . # هذا الداء وهذا الحال يمكن التعبير عنهما بلفظين: شك، وفوضى، وهما حالتان نفسيتان يستطاع ~~تفسيرهما بسهولة؛ فقد كان القرن السادس عشر فترة هامة جدا في تاريخ الإنسانية، فترة ثراء ~~فكري عظيم، وتحول عميق في موقف الإنسان من الوجهة الروحية، فترة تتملكها رغبة قوية في ~~الاستكشاف؛ استكشاف في المكان، واستكشاف في الزمان، ورغبة في الجديد، ورغبة عن ~~القديم. # استخرج العلماء جميع النصوص المدفونة في مكتبات الأديرة القديمة، قرءوا كل شيء، ودرسوا كل ~~شيء، ونشروا كل شيء، بعثوا جميع ما كان لقدماء فلاسفة اليونان والشرق من المذاهب المنسية: ~~مذهب أفلاطون، ومذهب أفلوطين، الرواقية، والأبيقورية، الشك، والفيثاغورية، والمذاهب السرية ~~من وثنية ويهودية. # وحاول العلماء إقامة علم جديد، علم طبيعي جديد، وعلم جديد للفلك، وجاب الرحالون ~~والمجازفون أنحاء القارات والبحار، فكونت روايات أسفارهم علما جديدا للجغرافيا ولخصائص ~~الشعوب. # فكان من ذلك تكبير إلى حد بعيد لصورة الإنسان والعالم من الوجهات التاريخية والجغرافية ~~والعلمية، وكان من ذلك غليان مختلط خصب لأفكار جديدة وأفكار مجددة، وكان بعث لعالم منسي، ~~وميلاد لعالم جديد، ولكن كان أيضا نقد وزعزعة، وأخيرا هدم وموت تدريجي للعقائد القديمة ~~والتصورات القديمة، والحقائق القديمة التي كانت توحي للإنسان اليقين بالعلم والأمن في ~~العمل، والاثنان متلازمان، فإن الفكر الإنساني جدلي في الأكثر، أو في الأكثر تقوم الحقائق ~~الجديدة على أنقاض الحقائق القديمة. # ومهما يكن من أمر هذه القضية العامة فهي صادقة بالإضافة إلى القرن السادس عشر؛ إذ إنه هدم ~~في كل شيء، هدم وحدة أوروبا السياسية والدينية والروحية، هدم نفوذ العلم ونفوذ الإيمان، هدم ~~سلطة الكتب المقدسة، وسلطة أرسطو، وسلطة الكنيسة، وسلطة الدولة، وسلطة الجامعة. # ركام من النفائس وركام من الأنقاض، تلك هي نتيجة ذلك النشاط العنيف المختلط الذي خرب كل ~~شيء، ولم يعرف أن يبني شيئا، أو على الأقل لم يعرف أن يتم شيئا؛ لذلك نرى الإنسان وقد حرم ~~معاييره الموروثة للحكم والاختيار، يحس أنه ضل السبيل في عالم أصبح قلقا وانتفى منه اليقين ~~وصار فيه كل شيء ممكنا، فبرز ms10 الشك شيئا فشيئا ؛ إذ إنه كان كل شيء ممكنا، فمعنى ذلك أن ~~ليس شيء حقا، وإذا لم يكن شيء محققا فمعنى ذلك أن ليس شيء حقا، وإذا لم يكن شيء محققا ~~فمعنى ذلك أن الخطأ وحده مؤكد. # لست أنا الذي يستخرج هذه النتيجة من المجهود البديع الذي بذله عصر النهضة، ثلاثة رجال من ~~أبناء ذلك العصر استخرجوها من قبلي هم: أجريبا، وسانشير، ومونتاني. # أما أجريبا ففي سنة 1537 بعد أن استعرض جميع العلوم أعلن الشك فيها، وأما سانشير فبعد أن ~~نقد قوتنا الفكرية كرر الحكم سنة 1562 «بأنا لا نعلم شيئا»، وتشدد فقال: «إنا لا نستطيع ~~أن نعلم شيئا، لا العالم ولا أنفسنا.» وأخيرا مونتاني يطفح الكيل فيقول: الإنسان لا يعلم ~~شيئا؛ لأن الإنسان ليس شيئا. # إن في أمر مونتاني بنوع خاص لعبرة وعجبا: هذا الهادم الكبير لم يهدم في الواقع إلا على ~~الرغم منه. كل ما أراد هدمه بادئ ذي بدء إنما هو الخرافة والخطأ والتعصب للرأي الخاص الذي ~~يدعي أنه على حق، ويعتقد ذلك بدون دليل. ولم يكن الذنب ذنبه إذ تركه صفر اليدين، فالواقع أن ~~كل شيء إنما هو «ظن» في عالم يسوده الشك. # ويحاول مونتاني حينئذ أن يقوم بالمناورة السقراطية، تلك المناورة المعروفة التي تحاولها ~~الفلسفة متى أحست الضيق واليأس، فإن الفلسفة تحاول دائما أن تعطينا جوابا عن هذين ~~السؤالين: «ما الوجود؟» و«ما أنا؟» أو إن شئتم: «أين أنا؟» و«ما أنا؟» أنا الذي يضع هذا ~~السؤال. # ففي العصور السعيدة تبدأ الفلسفة بما هو موجود بالعالم، ومن النظر في العالم تحاول أن ~~تجيب عن سؤال: «ما أنا؟» وذلك بالبحث عن المكان الذي يشغله الإنسان في «سلسلة الوجود ~~الكبرى» في النظام الوجودي، ولكنها في أوقات الأزمة؛ إذ يخيم الشك على الوجود، يتفكك العالم ~~وينحل أجزاء، تتجه نحو الإنسان وتبدأ بسؤال: «ما أنا؟» وتسأل ذلك الذي يسأل. # وهذا هو ما يفعل مونتاني فإنه يدع جانبا العالم الخارجي، وهو موضوع ظن، ويحاول أن يخلو ~~إلى نفسه، وأن يجد فيها أساس ms11 اليقين والمبادئ الوطيدة للحكم أي للتمييز بين الصواب ~~والخطأ. # هذا هو السبب الذي من أجله يدرس نفسه ويصفها ويحللها، وهو يطلب في أحوالها المتغيرة ~~المتنوعة أساسا متينا يسند إليه معيار الحكم، وإني أكرر القول أن ليس الذنب ذنبه؛ إذ لم ~~يجد شيئا هنا أيضا؛ إذ لم يجد سوى الشك والفراغ والانتهاء والموت. # أمام هذا الفراغ ماذا سيصنع؟ لن يصنع شيئا أصلا، هو يسلم بإخفاقه، يسلم بحاله كما هو ~~وكما كشفه له التحليل، وما العمل حيث قد امتنع العمل؟ اللهم إلا أن يعدل المرء عن الأمل ~~المستحيل وأن يسلم بالواقع؟ أما أن يعود القهقرى، وأن يثور في نوبة من اليأس، وأن يحاول رتق ~~حجاب الوهم الذي مزقه، فقد كان مونتاني أخلص طوية وأقوى نفسا وأذكى عقلا من أن يصنع ~~ذلك، ليس كتابه «رسالة في اليأس»، وإنما هو «رسالة في الزهد». # على أن الشك لا يصلح موقفا للحياة، وهو إن طال أضحى موقفا لا يطاق، إن «وسادة الشك ~~اللينة» صلبة جدا، وليس يستطيع الإنسان أن يعدل نهائيا عن اليقين، عن «طمأنينة الحكم» ~~كما يقول ديكارت، إنه بحاجة لليقين لكي يحيا، كي يدبر سيرته في الحياة؛ لذلك بدت حركة ~~مقاومة منذ نهاية القرن السادس عشر على أيدي شارون وبيكون وديكارت: الأول يمثل الإيمان، ~~والثاني التجربة، والثالث العقل. # الحق أن ليس لدى شارون ما يعارض به مونتاني اللهم إلا أن الحالة التي كشفها لا تحتمل، ~~وأنها تؤدي بنا إلى اليأس، إذا كان العقل عاجزا عن تخليصنا فبئس مصيره، بل نعم المصير إذ ~~يبقى لنا الإيمان. # أجل إن نقد مونتاني قد هدم أسس اللاهوت المدرسي، والأساليب المعروفة في الدفاع عن الدين، ~~والأدلة المألوفة على الحقيقة الدينية، ولكن شارون يعترض فيقول: إن النقد الشكي يهدم نفسه؛ ~~ذلك أنه إذا كانت الأدلة المؤيدة غير صالحة فإن الأدلة المعارضة غير صالحة كذلك، فهو أمام ~~شك العقل الطبيعي يقيم يقين الإيمان الفائق الطبيعة. # لم يلق موقف شارون هذا، المؤلف من إيمان بالوحي وشك في العقل، نجاحا يذكر، وهذا أمر ms12 ~~مفهوم، فإن «العاطفة الدينية» كانت شيئا مجهولا إلى حد ما في عصره، ولم يكن الإله في ذلك ~~العصر موضوع شعور باطن، لم يكن بسكال قد وضعه بعد على هذا النحو، ولكنه كان إلها معقولا، ~~وسيقول ديكارت في «رسالته إلى أساتذة السوربون»: # ولو أنه من المحقق أنه يجب الإيمان بالله؛ لأن الكتب المقدسة تعلم ذلك، وأنه من ~~جهة أخرى يجب الإيمان بالكتب المقدسة؛ لأنها صادرة عن الله، فليس يمكن عرض ذلك على ~~غير المؤمنين (على الشكاك، والزنادقة)؛ إذ قد يتصورون أن في هذا القول الغلط الذي ~~يسميه المناطقة بالدور. # لذلك لم تقف «حكمة» شارون حركة الشك، بل بالعكس صارت أصلا له. # كان شارون رجل دين، وكان بيكون رجل دولة وجه عنايته لا إلى اليقين الديني ومصير الإنسان ~~في العالم الآخر، بل إلى «تقدم» العلوم والمخترعات النافعة، وإلى مصير الإنسان في هذه ~~الحياة الدنيا، لم يكن يتوق إلى السعادة الأبدية، بل إلى رغد الحياة؛ لذلك لم يلتمس دواء ~~شرور الحاضر في الماضي، بل في المستقبل. # هو يسلم بنقد الشاك، ولم يوفق أحد مثله في تصنيف الأخطاء الإنسانية والكشف عن أصلها في ~~الطبيعة والمجتمع جميعا، ولم يكن أحد أقل ثقة منه في قوة العقل الذاتية. # أجل إن العقل - العقل النظري - مريض عاجز مشحون بالأوهام والأخطاء، وبيكون يذعن لذلك، إن ~~ما يهمه، إن ما يهم الإنسان في رأيه، ليس النظر والتأمل بل العمل؛ لأن الإنسان فاعل قبل أن ~~يكون مفكرا؛ لذلك إنما توجد الأسس الوطيدة للعلم - بالإضافة إلى الإنسان - في العمل ~~والتجربة. العقل النظري هو «مجنون الدار»، يضل حالما يترك التجربة؛ لذلك كان الواجب ~~منعه من الاسترسال في الضلال، وتثقيله بقواعد عديدة محكمة، والهبوط به قسرا إلى أرض ~~التجربة الثابتة. # التجربة: ذلك هو الداء الذي يصفه بيكون، وليس لكتابه «المنطق الجديد» من غرض سوى معارضة ~~شك العقل المتروك لنفسه بيقين التجربة المنظمة. # وقد اعتقد بيكون أنه أصاب هدفه، وكتابه اللامع في «تقدم العلوم وكرامتها» إنما هو رد، حتى ~~بالعنوان، على كتاب أجريبا اليائس المطمئن ms13 إلى اليأس. # وصادف الحل الذي جاء به نجاحا عظيما، على أن هذا النجاح كان أدبيا بحتا؛ لأن بيكون ~~لم يضع ذلك العلم الجديد، العلم العملي، الذي أعلنت عنه كتبه، ولم يضعه أحد من بعده، والسبب ~~بسيط: هو استحالة الأمر. # إن التجربة البحتة لا تؤدي بنا إلى شيء، لا تؤدي بنا حتى إلى التجربة، فإن كل تجربة إنما ~~تستند إلى نظرية سابقة، التجربة سؤال نلقيه على الطبيعة، فهي تقتضي لغة نلقيه بها، فأخفق ~~بيكون في إصلاحه لأنه لم يدرك هذه النقطة، ولأنه أراد «أن يتبع نظام الأشياء بدل أن يتبع ~~نظام الأدلة» على حد تعبير ديكارت، وأفلح ديكارت في ثورته؛ لأنه أدرك تلك النقطة وسلك ~~طريقا معارضا فحرر العقل بدل أن يعوق سيره. # أيها السادة! # لقد فرضت عليكم هذا الاستطراد التاريخي الطويل؛ لأنه بدا لي ضروريا كل الضرورة ~~لتحديد مكان «المقال في المنهج» من التاريخ، والبيئة التي يجب وضعه فيها لكي نفهمه، ~~فإني أعتقد أنا نسيء فهم «المقال» بل فهم ديكارت، إذا نحن لم نر ظل مونتاني القوي ~~منتشرا عليهما. # إن لديكارت خصمين: أرسطو، والفلسفة المدرسة، على أنهما ليسا الخصمين الوحيدين، كما ~~ردد البعض وكما سبق لي أن قلت، كان سلطانهما قد تزعزع فأراد ديكارت أن يحل محلهما، لا ~~أن يحاربهما، إن له خصما آخر هو مونتاني، ولعله أقوى الخصوم، ومونتاني هو في نفس الوقت ~~المعلم الحقيقي لديكارت. # إن ديكارت يتم مهمة مونتاني ويبلغ بها الغاية، تلك المهمة الهادمة المحررة، وأعني بها ~~مهاجمة الخرافات والأوهام وما في الفلسفة المدرسية من ظاهر العقل، فإنه يحيل الشك ~~منهجا ويسنده إلى يقين الحقيقة بعد استعادتها، فيجعل منه بين يديه محكا وآلة فعالة ~~للنقد ووسيلة لتمييز الصواب من الخطأ، إن ديكارت يقتفي أثر مونتاني في الرجوع السقراطي ~~إلى النفس، ويسبقه ويمضي بالتحليل إلى غايته. # هو يحارب شك مونتاني ويدفع به أيضا إلى غايته، وهذه هي عظمته، أي هذا التشدد الذي لا ~~يلين ولا يخطئ، وهو فضيلة نادرة جدا تقتضي أكثر من صفات عقلية عادية بالغة ms14 ما بلغت، ~~هو فضيلة تتطلب إقداما وشجاعة وعزيمة صادقة تأبى الوقوف في الطريق، وتمضي في سبيلها ~~مهما يكلفها ذلك، مقتحمة العقبات غير مبالية بالتناقض الظاهر. # إنما استطاع ديكارت أن ينجو من تعاريج الخطأ والشك؛ لأنه مضى إلى النهاية في كل ~~مسألة، واستطاع أن يكشف بها الحرية الروحية، وأن يستعيد يقين الحقيقة العقلية، وأن يجد ~~الله، حيث لم يجد مونتاني سوى الفراغ، هذا هو الغرض الحقيقي الذي توخاه ديكارت من ~~«المقال»؛ أي أن يستعيد نفسه، وأن يدل فيما وراء الشك الهادم «للرأي العقلي» إلى طريق ~~الوضوح وإلى يقين «المعرفة العقلية»، إن ديكارت يرد ب «المقال» على «رسائل» مونتاني، ~~ويعارض تاريخ مونتاني الروحي بتاريخه هو، إنه يعارض قصة هزيمة بقصة انتصار. # والآن نستطيع أن نتحدث عن «المقال» الجدير بأن يسمى «طريق العقل إلى الحقيقة»، ولكن ~~الوقت يضيق اليوم دون ذلك، فموعدنا الدرس الآتي نسلك معا الطريق الذي رسمه لنا ~~ديكارت. # | الدرس الثاني # في محاضرتي الأولى رسمت لحضراتكم الصورة الروحية لعصر ديكارت، أي البيئة التي يجب أن نضع ~~فيها «المقال في المنهج» لكي نستطيع فهمه، أما اليوم فسنعنى بدراسة المقال نفسه. # كم كنت أود لو استطعت أن أتلوه عليكم بأكمله، وأن أشرحه صفحة صفحة، بل جملة جملة، ولم يكن ~~ذلك ليعد إسرافا؛ بالنظر لما فيه من الثراء والرصانة، ولكنه قد يستغرق سنة، فلا محيص ~~من العدول عن مثل هذا الشرح. # لنمر مرا سريعا على الصفحات الأولى حيث يقص علينا ديكارت تاريخ أولى أزماته الروحية، ~~أزمة الشباب غداة مغادرة المدرسة، وكانت أزمة شك وخيبة. # وهاكم بالتقريب ما يقول لنا، يقول إنه غذي بالآداب منذ حداثته، درس في مدرسة «لافليش» ~~لليسوعيين، وكانت من خير مدارس العالم المسيحي، تلقى العلم فيها على خير المعلمين، وكان ~~تلميذا نجيبا فتعلم كل شيء، تعلم كل ما كان مألوفا أن يتعلمه من يريد «الانتظام في سلك ~~الألباء»، قرأ كل ما وقع له من الكتب، ونال درجة الماجستير في الآداب، والليسانس في ~~الحقوق، فما بلغ العشرين حتى لاحظ أن كل هذا ms15 عديم القيمة، أو على الأقل لا يساوي شيئا ~~كثيرا. # فأحس الخيبة، وأحس أنه قد خدع، فقد قيل له: تعلم الآداب والفنون تصب بها معرفة واضحة ~~محققة بكل ما هو نافع للحياة. فصدق القول، وها هو ذا مرتبك بالشكوك والأخطاء ومرغم على ~~الإقرار بأن «ليس في العالم مذهب هو على ما كانوا قد عللوه به»، أجل لم يكن كل ما علموه ~~عديم القيمة بالمرة؛ «فاللغات مثلا ضرورية لفهم الكتب القديمة، والقصص اللطيفة توقظ الفكر، ~~والأفعال المجيدة التي ترويها التواريخ ترفعه، ومتى قرئت باعتدال عاونت على تكوين أصالة ~~الرأي، وللبلاغة قوة وجمال لا نظير لهما، وللشعر لطائف رائعة، وللرياضيات مكتشفات هي في ~~غاية الدقة، واللاهوت يعلم كيف تكتسب الجنة، والفلسفة تؤهل صاحبها لأن يتحدث حديثا ~~مقبولا في كل شيء، وأن ينال إعجاب من هم أقل علما منه، والفقه والطب يعودان بالثروة ~~والكرامة على أصحابهما»، ولكل هذا قيمته من غير شك، ولكن المعلمين كانوا قد منوه شيئا ~~آخر، كانوا قد منوه معارف واضحة محققة، وعلما لا غنى عنه لإصابة الحكم وحسن التدبير في ~~الحياة، وبالجملة كانوا قد منوه علما وحكمة، ولم يعطوه هذه ولا ذاك. # فإن شيئا مما علموه لم يكن ضروريا كل الضرورة، بل لم يكن نافعا ولا محققا، ما خلا ~~الرياضيات، أجل إن قراءة الكتب القديمة والقصص والتواريخ تزين الفكر، ولكنها قد تفسده؛ ~~«فإن القصص تحمل على الاعتقاد بإمكان حوادث هي في الواقع مستحيلة»، وأصدق التواريخ «لا يروي ~~الحوادث كما وقعت»، فليس باستطاعتها أن تعاوننا على تكوين أصالة الرأي، بل بالعكس إنها ~~تحملنا على الخلط بين الحق والباطل، والبلاغة والشعر شيئان جميلان ولكنهما لا يتعلمان، ~~إنهما موهبتان، ولا يكتسبان بالدرس، ولإقناع الناس ينبغي أن نكلمهم كلاما واضحا ~~ليستطيعوا فهمنا، لا أن نرهقهم بمحسنات البديع والبيان. # أما اللاهوت «الذي يعلم كيف تكتسب الجنة» أفليس هو «علما» عديم الفائدة أصلا من حيث ~~إن طريق الجنة «مفتوح للجهلاء والعلماء على السواء؟» بل أليس هو علما كاذبا ممتنعا كل ~~الامتناع «من حيث إن حقائق الوحي ms16 تفوق العقل»، وإن من الواضح «أنه يلزمنا للشروع في الفحص ~~عنها والتوفيق في هذا الفحص معونة سماوية خارقة ترفعنا فوق مرتبة الإنسان؟» # الرياضيات وحدها تنجو من نقد ديكارت «لما لبراهينها من اليقين والوضوح»، ولكنه لا يرضى ~~عنها إلا بعض الرضى؛ لأن الذين تقدموه لم يفهموا ماهيتها ومنفعتها الحقة، وهي تغذية النفس ~~بالحقيقة وتمكينها من معرفة العالم، وظنوا أن منفعتها قاصرة على الفنون الآلية، فلم يوفقوا ~~إلى بناء شيء على هذه الأسس المكينة. # فلا يبقى إذا، أو لا يكاد يبقى شيء من تحصيله المدرسي، وهذا مفهوم، فإن العلوم جميعا ~~إنما تستمد مبادئها من الفلسفة، والفلسفة في مقدمة المعارف اختلاطا وريبا، فلا يستبقي ~~ديكارت سوى المعارف التي لا تمت إلى الفلسفة بصلة؛ أي الإيمان بالله وبالرياضيات. # فلنسجل ذلك، إن له أهميته، فإن فلسفة ديكارت ستحاول أن تربط بين هذين اليقينين وأن تسند ~~أحدهما إلى الآخر. # هل وصل ديكارت إلى حالة الشك بنفسه؟ إن هذا جائز، هل تأثر بالكتب التي قرأها؟ إن هذا ~~راجح، هل تأثر بتلك البيئة المثقفة التي اختلف إليها بعد مغادرة المدرسة؟ إن هذا محقق، ~~والأمر يعد قليل الخطر. # إن العقلية التي يصفها ديكارت هي عقلية عصره، عقلية الرجل المثقف الذي قرأ بيير راموس، ~~ومونتاني، بومبوناس، وكردان، أجريبا، وبيكون، والذي أرهقته «دقائق الفلسفة المدرسية» فازدرى ~~ما كان لزمانه من «علم رسمي» وولاه ظهره، وسوف يحذو ديكارت حذوه، فهو يقول: «حالما أذنت لي ~~السن بالخروج من سلطة أساتذتي تركت دراسة الآداب بالمرة، واعتزمت ألا أطلب من علم إلا ما قد ~~أجده في نفسي أو في كتاب العالم الأكبر، (وفي هذا يشبه مونتاني تمام الشبه)، وقضيت بقية ~~شبابي في الترحال والتردد على قصور الملوك والأمراء، والاتصال بالجيوش، ومعاشرة الناس على ~~اختلاف أمزجتهم وطبقاتهم، والتزود من التجارب، وامتحان نفسي فيما كان الحظ يعرض علي من ~~أحوال، والتفكير في كل مناسبة بحيث أخرج منها بفائدة، فقد كان بي دائما شوق بالغ لأن أتعلم ~~التمييز بين الصواب والخطأ للتبصرة في أفعالي والمضي باطمئنان في هذه ms17 الحياة.» # لقد كانت أسفار ديكارت موضوع جدل غير قليل فيما سلف من الزمان. كانت رحلته الأولى إلى ~~هولندا وهو في العشرين ليخدم في جيش أجنبي، غريبة جدا في نظر الفرنسي الملازم لبلده من ~~أهل القرن الماضي، وفي نظر الأديب الذي لم يكن يتصور الحياة ممكنة في غير باريس؛ لذلك كانوا ~~يتلمسون لهذه الأسفار أسبابا عميقة خفية، ولكنا نعلم اليوم أنهم كانوا مخطئين. # إن المثل القائل: «الأسفار تكون الشباب» يرجع إلى أبعد من أمس، وقد كان التنقل في أنحاء ~~أوروبا جزءا من تربية «الرجل المثقف» في زمن ديكارت، والواقع أن اكتساب «التجربة والآداب ~~الاجتماعية» التي تميز «المثقف الرجل» لا يتأتى بغير السفر، ومعاشرة الجند وأهل القصور، ~~والتفرج على البلدان الأجنبية. # وليس من المستغرب كذلك أن يكون ديكارت قد قصد إلى هولندا، فقد كانت هذه الدولة حينذاك قوة ~~بحرية عظيمة، وكانت حليفة لفرنسا، وكانت غاصة بالفرنسيين من أساتذة وطلاب وعسكر وشباب ~~الأشراف يفدون إليها ليتعلموا فن الحرب في جيش موريس دي ناسو، أكبر قائد في عهده، وكان ~~ديكارت أحد هؤلاء، أجل إنه كان من طبقة متواضعة بين الأشراف هي طبقة رجال القضاء، ولكنه كان ~~شريفا على كل حال واتخذ له اسما شريفا «سيد دي بيرون» للتنويه بمكانته. # فالسفر أو على الأقل، سفرة ديكارت الأولى كانت تكملة طبيعية للمدرسة، كانت مدرسة الحياة، ~~أفاد منها مثل غيره، زعزعت الأسفار ما تبقى من يقين؛ أي آراءه الموروثة، ولكنها عوضته منها ~~شيئا من سعة الفكر، فإنه يقول: «كنت أتعلم ألا أغالي في تصديق ما أقنعتني به القدوة ~~والعرف، وبذلك تخلصت شيئا فشيئا من أخطاء كثيرة تحجب ضوءنا الطبيعي وتدعنا عاجزين عن ~~إدراك الحق.» # للآن كل ما صدقناه فهو طبيعي، وما ترجمة ديكارت إلا ترجمة أي فرد من الناس، وفي استطاعة ~~كل واحد من قراء ديكارت، كل «رجل مثقف» من قراء «المقال» أن يصيح قائلا: إن هذه لترجمتي، ~~وقد قلت لكم في المحاضرة الماضية: إن تاريخ ديكارت كما يقصه علينا يلخص عقلية عصره. # وللآن لم نبرح موقف ms18 مونتاني، ولكن ديكارت يعقد العزم ذات يوم على «أن يدرس في نفسه، وأن ~~يستخدم قوة عقله لاختيار الطرق الواجب اتباعها» كما فعل مونتاني. وهنا يحدث الصدع. # يقول لنا ديكارت: «كنت حينذاك في ألمانيا حيث دعتني الحروب التي ما تزال ناشبة فيها» ~~وكلنا يعلم الحكاية المشهورة عن «المدفأة» التي لجأ إليها، ومع ذلك فلست أريد أن أحرم نفسي ~~لذة قراءتها، يقول: وفيما كنت عائدا من تتويج الإمبراطور، أقصد إلى الجيش، وقفتني بداية ~~الشتاء في محلة لم يكن لي بها حديث يلهيني، ولم يكن لي بحمد الله شواغل أو أهواء تدخل ~~الاضطراب على نفسي، فكنت أقضي سحابة يومي في حجرة دافئة مغلقة علي وحدي أقلب أفكاري، وكان ~~من أول ما خطر لي أن المصنوعات المركبة من قطع عدة والتي اشترك فيها صناع عديدون، كثيرا ما ~~لا تحوي من الكمال بقدر ما تحويه المصنوعات الخارجة من يد صانع واحد، ويستنتج ديكارت من ذلك ~~أنه كما أن البيت الذي يبنيه بناء واحد أجمل من البيت الذي يشترك في بنائه بناءون عديدون، ~~وكما أن المدينة التي تشيدها أجيال متعاقبة أقل نظاما من المدينة التي تشيد دفعة واحدة، ~~فإن العلوم لما كانت قد تكونت شيئا فشيئا فهي خلو من كل يقين، وليست تعلم النظام الحقيقي، ~~ومن ثمة فيجب أن يشرع واحد في إقامتها من جديد وفي ترتيبها. # إن ما تعلنه لنا عبارات «المقالات» على ما فيها من تلميح وحذر إنما هو ثورة علمية حقا، ~~فهي ترمي إلى استبعاد كل ما عمل من قبل وإلى استئناف الفلسفة كأن أحدا لم يفلسف، وإلى ~~تجديد البناء، أو بعبارة أدق: إلى البناء لأول مرة ونهائيا، بناء المجموعة الحقة للعلوم، ~~المجموعة الحقة للعالم. # إن المشروع من العظمة بحيث يتولانا الذهول من جرأة ديكارت، ولكن ديكارت يسير في حديثه ~~بهدوء فيقول: «وفكرت أنا كنا أطفالا قبل أن نصير رجالا، وقضينا زمنا طويلا تحت سيطرة ~~شهواتنا ومعلمينا، وللشهوات والمعلمين تأثيران متعارضان في أكثر الأحيان لا يوجهاننا إلى ~~الخير دائما، فيكاد يستحيل والحالة هذه ms19 أن تكون أحكامنا نقية ثابتة كما لو كان أتيح لنا ~~استخدام العقل كاملا منذ ميلادنا، ولم يحكمنا إلا العقل.» # أجل كان يكون جميلا جدا لو كنا منذ ميلادنا متمتعين بالعقل كاملا لا بالعقل الذي نحن ~~حاصلون عليه اليوم في سن النضوج والذي ملؤه الأخطاء، بل بالعقل الذي كنا نحصل عليه حينذاك، ~~العقل الكامل «الجوهري» كما كان يجب أن يكون عليه، كما كان يحصل عليه رجل مثل آدم يخلق ~~بالغا بعقل خارج من يدي الطبيعة، أو الله مباشرة؛ إذا لما كنا ندعه يقع في الخطأ، ولما ~~كان يطرأ عليه أي وهم يحجب ضوءه الطبيعي. # وليست هذه الفكرة بجديدة، إنها آتية من شيشرون، وأغلب الظن أنه استمدها من آخر، ولكن ~~أحدا من بين جميع الذين قالوا بها - حتى بيكون - لم يكن جادا فيها. أريد أن أقول: إن ~~أحدا لم ينشئ برنامجا للعمل من هذا الأسف الأفلاطوني إلا ديكارت، فقد شرع جادا أن يعيد ~~للعقل نقاءه وكماله «الفطريين» ليذهب بالطبيعة الإنسانية إلى أعظم درجة من الكمال، وهو يقول: # ولأجل تنقية العقل من شوائبه بدا لي أن خير ما أصنع إنما هو أن أشرع في أن أنتزع ~~من فكري كل الآراء التي كنت صدقتها لذلك الوقت؛ لأحل محلها آراء خيرا منها، أو نفس ~~الآراء بعد أن ألائم بينها وبين عقلي. # ثورة عقلية أو بالأحرى ثورة روحية تسند الثورة العلمية وتعلن بجرأة منقطعة النظير قوة ~~العقل وقيمته وسلطانه المطلق. # أجل إن ديكارت سيحاول أن يحد من هذا السلطان الذي أعلنه وأن يتلافى ضرره، وسيقول لنا ~~مخلصا كل الإخلاص: إن نقد العقل لا يجب ولا يمكن أن يتناول الحقائق الدينية، أي الحقائق ~~الموحاة من حيث إنها بماهيتها أسمى من العقل، وسيحاول حصر الدمار ونفض يديه من النتيجة ~~المؤلمة التي قد تنتج والتي ستنتج بالفعل. # لم يكن ديكارت بالرجل الثوري، بل كان يحرص مخلصا على الطمأنينة العامة والنظام العام، ~~فإنه كان بحاجة إليهما ليستطيع متابعة أبحاثه العلمية، وكان يحرص بالأخص على طمأنينته ~~الشخصية، ولست ألومه في ذلك، ms20 لقد كان من السهل على بوسويه أن يسميه «الفيلسوف الشديد الحرص» ~~فلم يكن بوسويه يستهدف لخطر، ولم يكن أتى بشيء يذكر، ولعل ديكارت لم يستهدف لخطر، ولكنه ~~جاء بكنز، فليس من المستغرب أن يطلب الطمأنينة؛ لذلك هو يسرع إلى توفيرها لنفسه، وهذا دليل ~~واضح على أنه كان يعلم خيرا من أي إنسان ما لمنهجه من قيمة «كلية». # هو يقول إنه لا يقصد إلى إصلاح الدولة ولا الهيئات العامة الكبرى، بل لا يقصد إلى إصلاح ~~«نظام العلوم» أي مناهج المدارس، فإنه لا يعنيه، يقول: «لا أستطيع بحال أن أقر أصحاب ~~الأمزجة القلقة الذين لا يدعوهم داع من حسب أو مال للعناية بالشئون العامة، فلا يخلون مع ~~ذلك من تصور إصلاحات جديدة، ولو كنت أعلم أن شيئا من هذا الكتاب من شأنه أن يحمل الناس على ~~أن يظنوا بي مثل هذا الجنون لكنت آسف جدا لنشره.» على أن أفكاره ملكه الخاص، وله كل ~~الحق أن يصنع بها ما يشاء، وهو يقول لنا إنه لا يريد بحال أن يجاوز ذلك الحد، بل لا يريد ~~إصلاح أفكار الآخرين، وإنما يقتصر على إصلاح أفكاره ليس غير، «للذين قسم لهم الله من نعمه ~~أكثر مما قسم له أن يتوخوا أغراضا أسمى»، أما هو فغرضه يكفيه. # من غير شك إن إصلاح المنطق والعلم الطبيعي والميتافيزيقا أو بالأحرى خلق هذه العلوم خلقا ~~جديدا - أي خلق عالم بأكمله - يكفي هذا الرجل المتواضع. # لنقف هنا لحظة فقد بلغنا الوقت الحاسم، بلغنا بداية الفلسفة، في رأي ديكارت على الأقل، ~~ومن هنا يبدأ كتابه «التأملات». إن الإنسان بحاجة - والإنسانية أيضا من غير شك - لأن ينزع ~~عنه مرة في حياته كل ما سبق له من آراء، وأن يهدم كل ما سبق له من معتقدات ليعرضها كلها على ~~حكم العقل. # أليس التخلص من جميع الآراء وهدم جميع المعتقدات هو أيضا التحرر منها؟ أوليس عرضها على ~~حكم العقل يتضمن القول بسلطان العقل وحريته؟ # وهذا هو المنهج الديكارتي وهذا هو الدواء الديكارتي، المنهج يعني الطريق المؤدي ms21 إلى ~~الحقيقة، والدواء هو الذي يشفينا من التردد والشك. # إذا أردنا أن نستعيد ما كان لعقلنا من نقاء فطري وأن نبلغ إلى يقين الحقيقة فيجب التخلص ~~من جميع الأفكار والمعتقدات؛ أي التحرر من جميع التقاليد والسلطات، فإن الشاك - وأقصد ~~مونتاني - على حق في أن يشك، أليس هو بإزاء آراء مريبة بل خاطئة؟ قد يكون على غير حق ~~أحيانا، ولعل هناك إلى جانب الأفكار الكاذبة أفكارا صادقة، ولكن ما السبيل إلى العلم ~~بذلك؟ يجب أن نتمكن من الحكم عليها جميعا؛ أي التمييز بين الصدق والكذب وكيف نستطيع ذلك ~~ونحن آمنون من الخطأ ما دمنا نحتفظ برأي واحد بغير امتحان، وقد يكون كاذبا فيفسد علينا ~~الحكم؟ # لا سبيل إذا إلا أن نفرغ العقل بالمرة، وسيقول ديكارت في رسالة للأب ميلان: «إذا كان ~~لدينا سفط من التفاح بعضه فاسد مفسد للبعض الآخر، فكيف العمل إلا أن تفرغه بأكمله وتتناول ~~التفاح واحدة واحدة فتعيد الجيد منه إلى السفط وتطرح الرديء؟» # ولنلاحظ أن هذا العمل يتم على دورين: نبدأ بإفراغ السفط، ولكنا لا ندعه فارغا؛ لأنا ~~سنعيد إليه التفاح غير الفاسد، فكيف وبم نمتحن الآراء لاستبقائها أو اطراحها حسبما توافق ~~العقل أو لا توافق؟ بالعقل نفسه، بذلك الضوء الطبيعي الذي إن خلصناه من جميع الآراء التي ~~تملؤه استعاد كماله الطبيعي وصار من ثمة قادرا على التمييز بين الصواب والخطأ. # وكيف صنع ذلك؟ هنا أيضا الأمر بسيط غاية البساطة، نشك في الأفكار التي نستطيع أن نتبين ~~فيها غموضا واختلاطا، إن الأفكار التي نستطيع الشك فيها تحتوي بكل تأكيد شيئا غامضا ~~مختلطا؛ لذلك نحن نمتحنها بالشك، والشك هو محكنا، كل فكرة تتأثر بهذا الحامض المحلل فهي ~~كاذبة، أو على الأقل فهي من طبيعة أدنى، هي تفاحة فاسدة، وإذا فنحن نطرحها ولا نستبقي إلا ~~التي «تعرض للفكر بوضوح وجلاء لا يستطيع معهما الشك فيها.» # الشك محك الحقيقة، هو الحامض الذي يحلل الأخطاء؛ لذلك يجب أن نجعله أقوى ما يمكن، وأن نشك ~~في كل شيء ما استطعنا إلى الشك ms22 سبيلا، حينئذ فقط نكون على يقين أنا لا نستبقي إلا ذهب ~~الحقيقة الخالص. # وسيغلب الشك بنفس أسلحته، إنه يشك، ونحن سنعلمه الشك، لن يكون شكنا «حالة» حالة ريب ~~متكاسل، بل سيكون فعلا، فعلا إراديا، وسنمضي به إلى نهايته، وشتان بين حالة الشك وفعل ~~الشك، لقد فزنا بالنصر مبدئيا؛ إذ إن الشاك يذعن للشك، أما ديكارت فيزاوله، وهو إذ يزاوله ~~بحرية يسيطر عليه ومن ثمة يتحرر منه، إنه حاصل على محك وقاعدة لم تكونا لمونتاني، وإذا ~~فيستطيع التمييز بين الصواب والخطأ ووضع الأفكار التي ستكون عالم العقل في مواضعها ~~ومزاولة «النقد»؛ أي الحكم والاختيار. # ما هذه الأفكار التي هي من الوضوح والجلاء، أو بعبارة أدق: فإن لكل لفظ أهميته في هذا ~~المقام، ما هذه الأفكار التي «تعرض» للعقل على نحو هو من الوضوح والجلاء بحيث لا يبقى لديه ~~سبب للشك فيها؟ ما هذه الأفكار التي لا يتبين العقل فيها غموضا ولا اختلاطا، والتي هي ~~بالطبع متلائمة مع العقل، والتي بسبب ذلك تكون النموذج والقاعدة والمقياس الذي يقيس به ~~العقل سائر الأفكار؟ وما هو هذا العقل الذي سيقوم بهذا القياس؟ # هذه الأفكار هي الأفكار الرياضية، وهذا العقل هو العقل الرياضي كذلك، ففي الرياضيات دون ~~سواها بلغ العقل الإنساني إلى الوضوح واليقين، وأفلح في إقامة علم بمعنى الكلمة «يتقدم فيه ~~بوضوح وجلاء من أبسط الأشياء إلى أشدها تعقيدا.» # لذلك كان المنهج الديكارتي مأخوذا عن الرياضيات، ذلك المنهج الذي يقول لنا ديكارت إنه ~~كونه لنفسه بانتقائه خير ما في «الفنون أو العلوم الثلاثة التي كان درسها بعض الشيء في ~~صباه» وهي: المنطق، وتحليل المهندسين، والجبر. # أجل ليس المراد أخذ مناهج الرياضيات في الاستدلال وتطبيقها هي هي على موضوعات أخرى، فمع ~~«أن الرياضيين وحدهم من بين الذين سبق لهم البحث عن الحقيقة في العلوم، هم الذين وجدوا ~~براهين، أعني أسبابا محققة بينة»، إلا أن طرائقهم، أو بكلمة أدق صناعتهم، خاصة بموضوعاتهم ~~ليس غير، وهي «موضوعات غاية في التجريد، تلوح بعيدة عن كل فائدة عملية» وإن ms23 تحليل القدماء ~~مقصور على اعتبار الأشكال بحيث لا يروض العقل دون أن يجلب للمخيلة عناء كبيرا، وإن علم ~~الجبر عند المحدثين من الخضوع لبعض القواعد والأرقام أصبح «فنا مختلطا غامضا يرهق العقل ~~بدل أن يثقفه»، فيجب إذا البدء بإصلاح الرياضيات أنفسها، وذلك بتعميم مناهجها، أو إن شئتم ~~باستخراج ماهية الاستدلال الرياضي والروح المنبث في «سلسلة الأسباب البسيطة السهلة التي ~~يستخدمها المهندسون ليبلغوا بها إلى أعسر براهينهم.» # ماهية الاستدلال الرياضي - وهو يختلف عن الاستدلال القياسي البحت أو المنطق - نقول: ماهية ~~الاستدلال الرياضي وروحه تقوم في أن الرياضي مهما تكن موضوعات بحثه معادلة جبرية أو شكلا ~~هندسيا فهو يحاول أن يوجد بينها علاقات أو «نسبا» مضبوطة، وأن يربط بينها بسلاسل من ~~العلاقات المنظمة. # فاستكشاف علاقات ونظام بين العلاقات تلك هي ماهية الفكر الرياضي، ذلك الفكر الذي لا يعني ~~لديه «السبب» إلا علاقة أو نسبة، والعلاقة أو النسبة توجد بذاتها «نظاما» وتنمو بذاتها حتى ~~تصير سلسلة. وقواعد المقال تعلمنا قوانين هذا الفكر، أو على الأقل القواعد الثلاث الأخيرة: ~~القاعدة الأولى هي: ألا نسلم أبدا شيئا إلا بعد أن نكون قد عرفنا بوضوح أنه حق، وهذه ~~القاعدة تعبر عن ضرورة تطهير العقل بالشك. القاعدة الثانية: أن نقسم كل صعوبة ما وسعتنا ~~القسمة، وما اقتضى الحال لحلها على أحسن وجه، وهذا يعني «قسمة» كل علاقة أو نسبة مركبة إلى ~~ما يستطاع من العلاقات أو النسب البسيطة. # القاعدة الثالثة: أن نقود أفكارنا بنظام مبتدئين بأبسط الموضوعات وأسهلها معرفة للتدرج ~~إلى معرفة أكثر الأفكار تركيبا، وهذا يعني الابتداء بأبسط العلاقات أو المعادلات؛ أي التي ~~هي من الدرجة الأولى، ثم التدرج منها بنظام إلى العلاقات أو المعادلات التي هي من درجة ~~أعلى، فارضين نظاما حتى بين التي لا يصدر بعضها عن بعض بالطبع، وذلك بإدماج حدود بين طرفي ~~السلسلة، وفرض الحدود جميعا قابلة لأن تربط في سلسلة. القاعدة الرابعة: أن نقوم بإحصاءات ~~تامة واستعراضات عامة بحيث نتحقق أنا لم نغفل شيئا، أي لم نتحرز من ترك حد ما ms24 أو مجهول ما ~~من مجهولات المسألة غير مرتبط بسائر الحدود، ومن وضع معادلات أقل عددا من ~~المجهولات. # لا سبيل إلى الشك في أن هذا «المنهج» وهذه القواعد التي يزعم ديكارت أنه اكتشفها في ~~مدفأته لم تكتشف إلا بعد ذلك بمدة طويلة، من حيث إنها عبارة عن تلخيص غامض بعض الشيء ~~لأنواع الاستدلال المستخدمة في رسالتي «البصريات» و«الهندسة»، وبالأخص لطريقة وضع مسألة ~~جبرية في معادلة، على أن علم الجبر الجديد وتطبيق الجبر على الهندسة ذلك التطبيق الذي يحرر ~~الهندسة من المخيلة، ويحيل المكان ماهية معقولة تمام المعقولية، هو بالإضافة إلى ديكارت ~~نفسه وإلى معاصريه وخلفائه أمثال مالبرانش وسبينوزا، وبالإضافة إلينا أعظم فتوحاته العقلية ~~هو الفتح الذي مكن ديكارت من إقامة علم طبيعي نظري، ومن الرد على انتقادات أرسطو ومن اجتياز ~~العقبة التي وقفت في سبيل أفلاطون. # ومهما يكن من قول ديكارت فإنه في الواقع يدلنا على الطريق الواجب سلوكه، لا الطريق ~~المتشعب الوعر الذي سلكه هو، وليس يهمنا أن يرجع إفصاحه عن مكتشفاته بوضوح إلى سنة 1628 أو ~~1636 فإن أصلها أول حدس سطع في فكره، يرجع من غير شك إلى سنة 1619؛ أي إلى عهد ~~المدفأة. # وفي الواقع حين جاء ديكارت يقيم في مدفأته أوائل شتاء 1619 لم يكن قد شغل سنيه الماضية ~~بالسفر ومخالطة الناس ليس غير، بل كان قد سلخ سنتين في العمل والكشف؛ لم يكن قد صرف وقته ~~سدى في هولندا، وإذا كان لم يتعلم شيئا يذكر من فن الحرب فيما يلوح، فإنه كان قد اكتشف ~~منهجا حسابيا ممهدا لحساب التكامل وطبقه على مسائل العلم الطبيعي، فسماه صديقه بكمان ~~منذ ذلك الحين ب «الطبيعي الرياضي الكامل»، وكون منهجا للتحليل هندسيا بحتا في بادئ ~~الأمر، من قبيل تحليل العالم «فرما»، فلما استحثه بكمان على ترك الرياضيات التطبيقية وتوجيه ~~قواه العقلية نحو الرياضيات البحتة بدا له أن يعمم مناهج الهندسة، وأن يطبق مناهج التحليل ~~على علم الجبر، ومن هذه الفكرة سيستخرج فيما بعد الهندسة الجبرية أو الهندسة التحليلية كما ~~تسمى ms25 اليوم، أجل إنا ما نزال بإزاء محاولات لن تنتهي إلى غايتها إلا بعد أن يصلح ديكارت ~~علم الجبر بأكمله بتركيبه ورموزه، وكان ديكارت في مدفأته ما يزال بعيدا من الغاية، ولكنه ~~اكتشف حينذاك من غير شك الفكرتين الأساسيتين اللتين ستسيطران على علمه وفلسفته، وهما فكرة ~~وحدة الرياضيات، وفكرة وحدة العلوم، وهذه أعمق وأهم من تلك. # لن أتتبع هنا خطوة فخطوة تاريخ نمو فكر ديكارت، بل ~~سأحذو حذوه فأعرض عليكم هذا التاريخ كما يبدو في عهد «المقال». إن وحدة الرياضيات لازمة من ~~أن نفس المناهج، وهي المناهج الجبرية، تطبق في الهندسة والحساب؛ أي تطبق على العدد والمقدار ~~على السواء، ونعني بقولنا «نفس المناهج» نفس خطوات الفكر، وهذا يبين لنا أن المهم ليس ~~الموضوعات - أعدادا كانت أو خطوطا - بل خطوات الفكر وأفعاله في ربط الموضوعات وكشف ~~العلاقات ومقارنتها وقياسها بعضها ببعض ونظمها في سلاسل، فيحصل على نظام خصب حي يعارض ~~النظام الجامد المكون من الأنواع والأجناس في المنطق المدرسي، يحصل على نظام هو نظام ~~الإيجاد لا نظام التصنيف. كل حد من حدوده يتبع الحد السابق ويعين الحد اللاحق، ولكن إذا كان ~~الأمر كذلك، إذا كان النظام والعلاقة هما اللذين يكونان ماهية الرياضيات كما أسلفنا، فمن ~~المستطاع التعبير عن كل علاقة عددية بعلاقة مكانية، وإحالة الأعداد خطوطا والخطوط أعدادا، ~~واستخلاص علم أعم، هو علم العلاقات والنظام، وهو علم عقلي بحت بين للعقل، من حيث إن العقل ~~لا ينظر فيه لغير أفعاله الخاصة وأسبابه الخاصة. # هذه هي الرياضيات الحقة التي سيستبدلها ديكارت بتحليل القدماء وجبر المحدثين، وسيستطيع ~~العقل بذلك أن «يمد الأسباب البسيطة السهلة في سلاسل طويلة» دون أن يقف عند حد، سواء أكانت ~~هذه الأسباب معادلات أو علاقات، وأن يربط بينها ويركبها بعضها مع بعض ويصوغها في نظام ~~«طبيعي كامل» من العلاقات؛ أعني من الموضوعات المتدرجة في التعقيد والثراء. # وإذا كان الأمر كذلك، إذا كان كمال الرياضيات وخصبها آتيين من أن العقل يوجد فيها علاقات ~~ويركب هذه العلاقات بعضها مع بعض، ويوجد نظاما ms26 بين عناصرها، وهي الأعداد والخطوط على ~~السواء، أفليس من البين - والأمر بين عند ديكارت - أن هذا هو نموذج كل علم إنساني وماهيته، ~~وأن العلم الإنساني واحد كما أن العقل واحد، من حيث إن العلم ما هو إلا العقل الإنساني ~~ناظرا في مختلف الموضوعات. # وإذا كان المعول على العقل لا على الموضوعات فيصبح ~~من المضحك تقسيم العلوم بحسب موضوعاتها، وإذا فلأجل إقامة العلم يجب ويكفي أن نضع أو نكشف ~~نظاما وعلاقات معقولة واضحة بين أبسط معاني العقل، وأن نتدرج منها بنظام إلى الأشياء ~~الأكثر تعقيدا «فإن الأشياء التي تقع في معرفة الناس تتعاقب على نحو واحد، فإذا امتنعنا من ~~التصديق بشيء إلا أن يكون حقا، وإذا حافظنا على النظام اللازم لاستنباط الأشياء بعضها من ~~بعض فما من شيء إلا بلغنا إليه مهما يكن بعيدا، وما من شيء إلا كشفناه مهما يكن خفيا» ~~فبالابتداء بأفكار العقل دون إدراك الحواس، وباتباع نظام التركيب الخاص بالعقل وبأفكاره ~~نهتدي إلى النظام الحقيقي في العلوم؛ ذلك النظام الذي هو الآن خفي محجوب. # وأغلب الظن أن توقع ديكارت هذه النتائج المدهشة سبب تدوينه في مذكراته أنه في العاشر من ~~نوفمبر سنة 1619 غمره «حماس عظيم، وبدأ أن يفهم أسس العلم العجيب» ذلك العلم الكلي، تلك ~~الرياضة الكلية للعلم التي عرضتها الآن، على أنا نسأل: ماذا كانت تلك الأسس؟ # أعتقد أنا أن ديكارت يجيب عن هذا السؤال في موضع آخر من مذكراته، فإنه يقول: «إن فينا ~~بذور العلوم»، ومعنى ذلك أن العقل ليس فارغا، ليس «لوحا مصقولا» معدا لأن يقبل كل شيء ~~من خارج عن طريق الحواس والمخيلة كما يعتقد أرسطو والمدرسيون، بل بالعكس إن فينا ما يكفي ~~لإقامة العلم، ونحن نحمل في أنفسنا مبادئ العلم، فإذا ما رجع العقل إلى نفسه استطاع وهو ~~واثق بنفسه أن يستنبط دون أن يخرج من ذاته تلك السلاسل الطويلة للأسباب التي يحدثنا عنها ~~«المقال». # بذور العلوم فهي فينا؛ ذلك هو السبب في أن مشروع ديكارت ليس وهميا، وذلك هو السبب في ms27 ~~أنه يمكن - بل يجب - أن نحاول تخليص عقلنا من كل ما طرأ عليه من الخارج من كل ما اكتسبه ~~أثناء الحياة. ~~«بذور العلم» هذه أو كما سيسميها ديكارت فيما بعد حين يهتدي إلى ما كان لأفلاطون من تصور ~~عميق، دون أن يعلم أنه لأفلاطون، «المعاني الفطرية» و«الحقائق الدائمة» و«الطبائع الحقة ~~الثابتة»؛ أي ماهيات معقولة بحتة ومستقلة تمام الاستقلال عن اكتساب الإدراك الحسي، معاني ~~يكشفها الشك في النفس، ذلك الشك المنهجي الإرادي المطلق الذي راض ديكارت نفسه عليه، تلك هي ~~الأسس الوطيدة التي لم يهتد إليها مونتاني، والتي يستطيع الإنسان أن يقيم عليها ~~حكمه. # وأراد ديكارت وقد ملأه الفرح أن يعلن للعالم دون ضياع وقت بشرى استعادة اليقين، فهو يقول ~~في رسالته إلى بكمان: # أرجو أن أنجز كتابي حوالي عيد الفصح، وحينئذ أبحث عن الناشر. # لم يظهر هذه الكتاب قط، هل حرر؟ هل ذهب ديكارت إلى أبعد من العنوان «بحث في العقل ~~الجيد»؟ إني أشك في ذلك شكا قويا، فإن ديكارت على ما يقول باييه - أول مترجم له: لم ~~يلبث أن أدرك أن هدم «جميع» الأفكار التي قبلتها النفس ليس بالأمر الهين، وأن أهون منه ~~بكثير إحراق بيت، بل تخريب مدينة، أما تجديد البناء ... أجل إن «المقال» يصرح بأنه ميسور، ما ~~علينا إلا أن نبدأ بأبسط الأفكار، ولكن ما هذه الأفكار التي هي أبسط الأفكار وأوضحها ~~وأسهلها، هذه الطبائع الحقة الثابتة، هذه المعاني الفطرية كما سماها فيما بعد، هذه العناصر ~~المطلقة لعالم الفكر؟ المسألة بعيدة من أن تكون بسيطة، بل إنها أعسر المسائل، وسيعترف ~~ديكارت بذلك فيقول: من المحقق أن أفكارنا الواضحة حقة جميعا، غير أنه من الصعب جدا أن ~~نعين هذه الأفكار بالضبط. # على أن إخفاق هذه المحاولة الأولى لا يوقف ديكارت، فهو يقول لنفسه ولنا: إني ما أزال ~~شابا والمستقبل كفيل بالنجاح، ثم يجعل من الضرورة فضيلة ويستأنف السفر، وتطول أسفار ~~ديكارت ست سنين، ست سنين نكاد لا نعلم عنها شيئا، في سنة 1622 نلقاه بفرنسا، وفي سنة 1624 ms28 ~~في البندقية، فروما، وفي سنة 1626 يعود إلى باريس. # ماذا صنع أثناء هذه السنين الست؟ نحن نجهل ذلك، إنه من غير شك ثابر على الدرس، وعلى ~~ملاحظة العادات والأخلاق، وعلى التفكير النافع أينما حل، ومن غير شك تابع مهمته الكبرى، ~~مهمة تنظيف عقله والبحث عن تلك الأمور البسيطة السهلة التي يجب البدء بها، لقي بباريس الجو ~~المعهود، بل كان الجو قد ساء، أصبح الرجل المثقف شاكا صراحة، لا يحفل بشيء، ويسخر من كل ~~شيء، أصبح زنديقا، بل إن مرسين يزعمه ملحدا، ويعد خمسين ألف ملحد بباريس. الخطر عظيم! ~~لذلك حشد الدين قواته جميعا للنضال، وانهالت على الملحد المسكين كتب ضخمة بأقلام جاراس ~~ومرسين وسيلون وغيرهم. # لم يساهم ديكارت في هذا النضال بادئ الأمر، الحق أنه مشغول جدا فإنه اهتدى أخيرا إلى ~~الأمور البسيطة التي يجب البدء بها، وهي بالذات الأفكار التي كان يعتبرها الفلاسفة أصعب ~~الأفكار، الحركة والامتداد والمدة، وبالأخص اللامتناهي، وهو شارع في وضع أسس العلم الجديد، ~~العلم الذي يبدأ بالفكرة لا بالموضوع ويتبع نظام الأسباب لا نظام المواد، إنه يدون منطقه ~~«قواعد تدبير العقل»، يعارض فيه عقم القياس الصحيح صوريا بثراء الحدس العقلي للحقيقة ~~وخصبه، وهو إلى ذلك مختلف مع أنصار الدين. # إنه مؤمن من غير شك، بل إنه متدين تدينا عميقا، ~~وإن كان ذلك على طريقته هو، ولكن من يدري لعلها خير الطرق؟ أجل لم تكن ديانته ديانة بسكال، ~~ولكنها لم تكن دونها صدقا ولا عمقا، إنه ينكر الإلحاد، وهو لا يحب الشكاك «الذين يشكون ~~لأجل الشك»، وهو إلى جانب الأسرار المقدسة التي جاء بها الوحي يؤمن بحقيقة دينية في متناول ~~العقل البشري، يؤمن بوجود الله، ووجود النفس، ويؤمن بإمكان البرهان على هذه الحقيقة الدينية ~~ووجوبه. # وسينهض ذات يوم بهذا البرهان بتشجيع بيريل، وجيبيف، وبتأثير القديس أوغسطينوس. # كيف يستطيع أن ينقم من الشكاك والزنادقة عدم اقتناعهم ب «البراهين» والحجج المنصبة عليهم؟ ~~ليس لهذه البراهين من قيمة، وإنه ليعلم ذلك، وإنه الوحيد الذي يعلم ذلك حق العلم، أما ms29 أنصار ~~الدين فلا يعلمون، ومن ثمة فلا قيمة لما يصنعونه. # ماذا يصنعون؟ ماذا يصنع مرسين مثلا؟ الأمر في غاية البساطة؛ إنهم يجمعون كل ما اخترعه ~~الناس من أدلة، ويبرهنون على وجود الله بجميع الوسائل: بالمنطق والعلم الطبيعي ~~والميتافيزيقا، يسردون جميع التقاليد وجميع الحوادث «العجيبة» التي تدل على وجود فائق ~~للطبيعة، ولا يعرضون لهذه الحوادث والتقاليد بأقل نقد، هم ليسوا مؤمنين فقط، هم أكثر من ~~ذلك، هم سذج، وديكارت يعلم أن أول واجبات العقل أن يخضع كل هاته الحوادث والتقاليد ~~للنقد والقياس والحكم، وأنه إذا فعل لم يجد فيها سوى حديث خرافة؛ إذ إن العقل لا يستطيع أن ~~يقبل ما هو معارض له. # أما الأدلة المنطقية والطبيعية والميتافيزيقية فليست تساوي شيئا هي الأخرى، إنها كلها أو ~~أكثرها ساقطة؛ لأنها كلها أو أكثرها قائمة على المنطق القديم والعلم الطبيعي القديم والتصور ~~القديم للكون، وقد هدم ديكارت هذا كله. # فهو بكتابه «قواعد تدبير العقل» يعارض المنطق القياسي القديم الذي وضعه أرسطو - منطق ~~المتناهي - بمنطق جديد حدسي قائم على تقدم اللامتناهي في حكم العقل، وهو يستبدل بالعلم ~~الطبيعي القديم الذي يبدأ بالإدراك الحسي للعالم الملون الصائت الذي نعيش فيه علما ~~طبيعيا قوامه الأفكار الواضحة، علما طبيعيا رياضيا يستبعد من العالم الواقعي كل ~~كيفية ويقدم لنا صورة أو فكرة من العالم أغرب وأبعد عن التصديق من كل مخترعات الفلاسفة، إلا ~~أنها مع ذلك صحيحة. # أما الكون، ذلك الكون اليوناني الذي نجده عند أرسطو وفلاسفة القرون الوسطى فقد كان العلم ~~الحديث هزه بأيدي كوبرنك وغليليو وكبلر، فجاء ديكارت يهدمه هدما. # لست أدري أيقدر كل الناس ما لهذا الاكتشاف، أو بتعبير أدق، ما لهذه الاكتشافات، فإنها ~~تكون كتلة واحدة وتؤلف جميعا ما سمي ب «الثورة الديكارتية» من مغزى عند الإنسان في ~~عصر ديكارت وعند الإنسان بالإجمال. # الكون اليوناني الذي نجده عند أرسطو وفلاسفة القرون الوسطى عالم منظم محدود، منظم من حيث ~~المكان ومن حيث القيمة ومن حيث الكمال، عالم مرتب ترتيبا محكما تتقابل فيه درجات الوجود ~~ودرجات ms30 القيم، هو سلم يصعد من المادة إلى الله. # هذا الكون جميل جدا يروع نفس اليوناني، وينطق صاحب الزبور بقوله: إن السماء والأرض ~~تسبحان الله، وتمجدان صنع يديه، الحكمة الإلهية تتلألأ في هذا الكون حيث كل شيء موضوع في ~~مكانه، وحيث كل شيء مرتب على أحسن وجه. # العلم يكشف عن هذا النظام الكامل والترتيب الكامل، فإن لكل شيء مكانه في هذا الكون، وإن ~~في كل شيء ميلا لبلوغ مكانه والاستقرار فيه، وإنما يعنى العلم الطبيعي باستكشاف هذه ~~الميول الطبيعية. # وفوق ذلك فإن هذا الكون، والأرض مركزه، مشيد كله لأجل الإنسان، لأجل الإنسان تشرق الشمس ~~وتدور السيارات والسماوات، والله الغاية القصوى والمحرك الأول، وقمة هذا السلم المرتب، هو ~~الذي ينفخ في الكون الحياة ويبعث الحركة. # والإنسان في مثل هذا الكون المصنع لأجله، أو على الأقل المصنوع على قدره موجود في ~~بيئته. # هو يعجب بهذا الكون المملوء عقلا وجمالا، بل قد يعبده، ولكن العلم الطبيعي الذي أنشأه ~~ديكارت يهدم هذا العلم الجميل هدما تاما. # ماذا يضع مكانه؟ الحق أنه لا يضع شيئا يذكر، لا يضع غير الامتداد والحركة، امتداد لا ~~متناه ذهب منه النظام والترتيب والجمال، ملؤه لا شيء، فيه حركات بغير علة ولا غاية ولا ~~نهاية، انتفت منه «الأمكنة الخاصة» للأشياء، وتساوت فيه الأمكنة جميعا والأشياء جميعا، ~~فما الأشياء إلا مادة وحركة، ولم تعد الأرض مركزا للكون، بل لم يعد هناك مركز، ولم يعد ~~هناك كون، وليس العالم مرتبا للإنسان، بل ليس مرتبا بالمرة، ولم يعد على قدر الإنسان، ~~بل صار على قدر العقل. # هذا هو العالم الواقعي لا العالم الذي تظهرنا عليه حواسنا الخداعة، وإنما هو العالم الذي ~~يجده العقل في ذاته، العقل الخالص الصافي المعصوم من الخطأ. # أنا هنا بإزاء انتصار حاسم فاز به العقل، ولكنه فجيعة إذ لم يعد في هذا العالم اللامتناهي ~~الذي شيده العلم الديكارتي، مكان للإنسان ولا لله. # لذلك لا نبحث عن الله في العالم، في هذا السكوت الدائم للفضاء اللامتناهي، بل في ~~النفس. # | الدرس الثالث ms31 # في هذا الدرس الثالث والأخير سأتحدث إليكم في الميتافيزيقا عند ديكارت وفي مهمته، وسأضطر ~~لمعالجة بعض المسائل التي مررت بها مرا سريعا. # أبطأ ديكارت في العناية بالميتافيزيقا، فهو يقول: «وانقضت تسع سنين قبل أن أتخذ لي موقفا ~~من المسائل العسيرة التي يخوض فيها أهل العلم وأن أحاول تأسيس فلسفة أوكد من الفلسفة ~~الشائعة.» # إن فكر ديكارت يتمشى على النظام الموروث بعد المنطق العلم الطبيعي، وبعد العلم الطبيعي ~~الميتافيزيقا، وهذه ترضي حاجتين عنده: «الحاجة لليقين الديني والحاجة لليقين ~~العلمي.» # أما الحاجة لليقين الديني فقد أجملت لكم في نهاية الدرس السابق الصورة الموئسة للعالم ~~الديكارتي، عالم آلي بحت، مركب من امتداد وحركة فحسب، ليس فيه مكان للإنسان ولا لله. # وديكارت رجل متدين تدينا عميقا مخلصا، أجل إنه متدين على طريقته الخاصة، ولكن من يدري؟ ~~لعله خير الطرق؟ إن لدينا منه نصوصا غاية في الغرابة. هاكم مثلا نصا من مذكراته يرجع ~~إلى عهد الشباب إلى عهد المدفأة: # ثلاث عجائب أبدعها الله: الخلق من عدم، والإنسان الإله (المسيح)، والحرية. # وقد نستطيع أن نعلق طويلا على هذا النص، على الاختيار الغريب لما أبدع الله من أمور ~~عجيبة، قد نستطيع أن نلاحظ أن هذه العجائب الثلاث أي الأمور الثلاثة المعارضة للعقل، أو ~~بتعبير أدق الفائقة للعقل تشترك في شيء هو تلاقي اللامتناهي والمتناهي، فالخلق يعبر المسافة ~~اللامتناهية الفاصلة بين العدم والوجود، والتجسد يجمع بين اللانهاية الإلهية والنهاية ~~الإنسانية، وأخيرا الحرية؛ فهي نوع من تحقيق اللامتناهي في المتناهي. # وهاكم نصا يرجع إلى عهد الكهولة، كتب ديكارت في 15 سبتمبر سنة 1645 إلى الأميرة ~~إليصابات تلميذته - ولعلها موضوع الحب الأكبر في حياته - قال: # من بين الأفكار الفطرية، الفكرة الأولى والأهم أن هناك إلها جميع الأشياء متعلقة ~~به، كمالاته لا متناهية، وقدرته عظيمة، وأوامره لا تخطئ. # لنلاحظ جيدا أن فكرة الله فطرية حاصلة للإنسان بالطبع وأنها ميزة له غير منفكة عنه، ~~فإنا قد نستطيع أن نجد الإنسان في رأي ديكارت؛ إنه الموجود الحاصل على فكرة الله. # وهاكم نصا أقدم ms32 من السابق بخمس عشرة سنة، كتبه إلى مرسين في 15 أبريل 1630: # إني أرى أن الذين منحهم الله العقل ملزمون باستخدامه خاصة في محاولة معرفة الله ~~ومعرفة أنفسهم بهذا حاولت أن أبدأ دراساتي. # هذا كلام يشبه تمام الشبه كلام القديس أوغسطينوس: «أتوق إلى معرفة الله والنفس.» ولكن ~~ديكارت ليس مؤمنا بسيطا، إنه مؤمن فيلسوف، هو لا يكتفي بالإيمان بالله، هو يرى مع جميع ~~أهل عصره أن من الممكن والواجب البرهنة على وجود الله، والعلم الطبيعي الذي أنشأه قد هدم ~~الأساس الذي تقوم عليه الأدلة الموروثة، أعني به تصور العالم كلا مرتبا، وقد هدم منطقه ~~هذه الأدلة في صيغتها المنطقية؛ إذ إنها قائمة على امتناع سلسلة لا متناهية بالفعل، فيجب ~~البحث عن أدلة جديدة أو الرجوع إلى بعض الأدلة القديمة «بعد الملاءمة بينها وبين ~~العقل». # إلى هذا الغرض سيوجه ديكارت جهده، يحثه على ذلك فيما يقول أن بعضهم كان قد أذاع أنه انتهى ~~إلى غايته فأثبت وجود الله، ولكنه يضيف قائلا بتواضع: «ولست أدري علام بنوا هذا الزعم؟ فإن ~~كنت عاونت عليه بأقوالي، فذلك بإقراري بالجهل، في سذاجة لم يألف مثلها الذين أخذوا من العلم ~~بنصيب أو بإعلاني ما لدي من أسباب الشك في أشياء كثيرة يراها الآخرون محققة لا بادعائي ~~مذهبا ما.» # وفي استطاعتنا أن نحدد المعلومات التي يقدمها لنا «المقال»، إن الثناء الذي كان يذاع حول ~~ديكارت لم يكن خلوا من كل أساس، أجل إنه لم يكن قد وضع مذهبه الميتافيزيقي بعد، ولكنه كان ~~قد شرع منذ مدة في رسم برنامجه، كان مذهبه أكثر حرية وأقل استخداما للاستدلال من المذهب ~~المدرسي، يعني خاصة بتعقل المبادئ، ويبحث عن الله في النفس كما كان قد فعل القديس ~~أوغسطينوس، ويجتهد في استغلال كشفه الكبير، وأعني به تقدم اللامتناهي عند العقل، سيشرع في ~~العمل لا ليصدق حسن ظن أصدقائه به فحسب، بل إن أصدقاءه يوجبون عليه ذلك في اجتماع عند سفير ~~البابا الكردنيال دي بانبي، حيث ألقى ديكارت محاضرة فحتم عليه بيريل - مؤسس الجمعية ms33 ~~الكهنوتية المعروفة «بأوراثوار» - أن ينتظم تحت لواء الله. # ماذا كان موضوع المحاضرة؟ إن بابييه أول مترجم لديكارت وراوي الخبر لا يذكر الموضوع، ~~ولكنا نستطيع أن نفرض دون أن نستهدف كثيرا للخطأ أن ديكارت عرض على مستمعيه بطلان الأسلوب ~~المألوف في الدفاع عن الدين، وقال لهم: إن التحالف مع أرسطو كان نكبة، وإنه يتعين الرجوع ~~القهقرى والصعود فيما وراء القديس توما الأكويني والفلسفة المدرسية إلى القديس ~~أوغسطينوس. # وديكارت متفق في ذلك مع أهل عصره فقد كان العود إلى القديس أوغسطينوس حديث القوم، وكانت ~~حركة أوغسطينية كاثوليكية قوية آخذة في التكون بعد الحركة الأوغسطينية التي تمت على أيدي ~~لوثيروس وكالفينوس. # وقد لحظ الأوغسطينيون دائما ما بين فكر ديكارت وفكر القديس أوغسطينوس من قرابة، ومنذ عهد ~~ديكارت - فلنذكر أرنو ومالبرانشي - إلى أيامنا، ولحظوا كذلك ما بينهما من تعارض. # فإن من الخطأ اعتبار ديكارت مجرد تلميذ للقديس أوغسطينوس والناطق بلسان بيريل. # والواقع أن لعبارة القديس أوغسطينوس التي ذكرتها لكم: «أتوق إلى معرفة الله والنفس» بقية ~~هي هذه «ولا شيء خلا ذلك، لا شيء مطلقا»، ولكتاب ديكارت إلى مرسين الذي قرأت لكم بدايته ~~بقية هي هذه: «وأقول لك إني لم أكن لأجد أسس العلم الطبيعي لو لم أبحث عنها بهذا الطريق.» ~~أي بمعرفة الله والنفس. # يكفي القديس أوغسطينوس أن يعرف الله ونفسه، ولكن لا يكفي ديكارت أصلا؛ هو بحاجة إلى علم ~~طبيعي، وهو إنما ينشئ ميتافيزيقا ويتجه نحو الله ليستطيع أن ينشئ علما طبيعيا. # وهذا يعود بنا إلى ما ذكرته لكم من حاجة ديكارت الأخرى، حاجة اليقين العلمي، حاجة تسويغ ~~أسس العلم الجديد تسويغا ميتافيزيقيا، وقد يبدو هذا غريبا لأول وهلة. # أليس العلم، العلم الحديث على الأقل، معارضا للميتافيزيقا؟ أليس هو معتزا بسلطانه، ~~أوليس ديكارت أحد مبدعيه؟ وديكارت يعلمنا عكس ذلك تماما، إنه يقول لنا: إن العلم بحاجة ~~إلى ميتافيزيقا، بل يقول لنا ما هو أخطر من ذلك، يقول: إن العلم يجب أن يبدأ ~~بالميتافيزيقا. # إن هذا أخطر؛ لأن ديكارت يقلب به «نظام العلوم» وكان ms34 قد أعلن أنه لا يريد أن يمسه، ولم ~~يكن أحد قد نهج هذا المنهج منذ عهد أرسطو، بل كان الكل يبدأ بالعلم الطبيعي ليتأدى منه إلى ~~ما بعد الطبيعة، إلى الميتافيزيقا. # ما هو السبب في هذه الثورة الديكارتية الجديدة؟ أهي الرغبة في التجديد؟ أم ديكارت يرى من ~~الضروري أن يسير على نظام الأسباب دون نظام المواد، وأن يعلم أن «العلوم جميعا تستمد ~~مبادئها من الفلسفة»؟ هذا هو السبب من غير شك؛ فإن ديكارت، أو الفكر عند ديكارت، والأمر ~~واحد، يجب أن يكون تركيبيا لا تحليليا. الفكر الديكارتي يذهب من الأفكار إلى الأشياء، لا ~~من الأشياء إلى الأفكار، ويذهب من البسيط إلى المركب، ويتقدم من وحدة المبادئ إلى كثرة ~~الأنواع، فيتقدم من المجرد إلى المشخص، ويسير من النظر إلى العمل، لا كفكر أرسطو والمدرسيين ~~الذي يذهب من عالم متنوع واقعي ليرتقي منه إلى وحدة المبادئ والعلل التي هي أساسه، فإن ~~الواقع عند الفكر الديكارتي هو الموضوع البسيط للحدس العقلي لا موضوعات الإحساس ~~المركبة. # ولكن هناك فوق ذلك سببا أدق يلوح لي أنه لم يفقد كل قيمة، ذلك أن ديكارت إنما قام بثورته ~~العلمية فنفى من الوجود الكيفيات والصور والنفوس النباتية والقوى الحيوية، وأثبت السيطرة ~~الكلية للآلية في العالم الطبيعي بأن استبعد من العلم كما تذكرون كل فكرة غير «واضحة»، ~~ومعنى هذا عنده كل فكرة «مجردة» من المحسوس، كل فكرة تحمل أثر المحسوس، ما من شيء واضح؛ أي ~~ما من شيء يمكن عرضه بتمامه على العقل، إلا ما يتصوره العقل دون مشاركة المخيلة والحس ~~أصلا، وهذا يعني عمليا: ما من شيء واضح إلا ما هو رياضي، أو على الأقل ما يمكن وضعه ~~وضعا رياضيا. # 1 # ولكن أي حق لنا في الخروج من الفكرة إلى الشيء كما يتطلب المنطق الديكارتي؟ هل وضوح ~~الفكرة يخولنا هذا الحق؟ قد لا يكون للوضوح إلا قيمة ذاتية، وقد لا تكون للفكرة الواضحة، ~~الواضحة بالإضافة إلينا، إلا علاقة بعيدة جدا بالوجود كما هو في ذاته، بل قد لا ms35 تكون لها ~~به علاقة أصلا، وخاصة إذا كان العقل يجدها في نفسه كما يؤكد لنا ديكارت، فإن وضوح الفكرة ~~شيء ووجود موضوعها شيء آخر، قد نستطيع أن نتصور أفكارا وأفكارا واضحة عن أشياء هي مع ذلك ~~غير موجودة بل ممتنعة الوجود، فمثلا - بصرف النظر عن موضوعات الهندسة كالمثلثات والدوائر ~~والخطوط - أليس لدينا فكرة واضحة جدا عن الحركة في خط مستقيم؟ فهل يلزم من ذلك وجود مثل ~~هذه الحركة في العالم الواقعي؟ # وضوح الفكرة مزية لها عند عقلنا، ولكن كيف السبيل إلى التحقق من أن الوجود الواقعي يطابق ~~مقتضياتها؟ وما القول إذا اتفق أن كان الوجود الواقعي غامضا معارضا للعقل ممتنع ~~التصور؟ # يستند ديكارت إلى ما للأفكار الواضحة من امتياز؛ فيستبعد من العالم الواقعي - من العالم ~~كما هو موجود في ذاته مستقلا عنا وعن عقلنا - كل كيفية محسوسة وكل قوة وكل صورة، ~~وبالإجمال كل ما ليس آليا، ويرد العالم إلى الامتداد والحركة ليس غير، فهل يملك الحق في ~~ذلك؟ ليس هذا السؤال فضولا، ولم يفقد قيمته، وإنما يثير مسألة قيمة المذهب الرياضي، وهي ~~مسألة هامة في الوقت الحاضر. # فلنفكر في الأمر: يعلمنا ديكارت أنه لأجل معرفة الوجود - الوجود الطبيعي كما هو في ذاته ~~وخارجا عنا - يجب علينا بادئ ذي بدء أن نرفض كل ما يأتينا أو يبدو لنا آتيا من خارج؛ أي ~~عن طريق الإدراك الحسي، والذي لا يمكن إلا أن يوقعنا في الخطأ، وأن نمحو عالمنا المألوف - ~~فإن الذوق العام هو العدو - وننفي من الوجود كل ما يلوح لنا عادة أنه جزء منه: اللون ~~والحرارة، بل الصلابة والثقل. # لأجل معرفة الوجود يجب أن نبدأ بأن نغمض أعيننا ونسد آذاننا ونعدل عن اللمس؛ يجب أن نتخذ ~~طريقا معارضا فنتجه نحو أنفسنا ونبحث في عقلنا عن أفكار واضحة له، فإن هذه هي اللغة التي ~~تفهمها الطبيعة، وبهذه اللغة - لغة الرياضيات - تجيب الطبيعة عن الأسئلة التي قد يلقيها ~~عليها العلم في تجاربه، أليس هذا شيئا غريبا؟ بل من أبعد الأشياء عن التصديق وأمعنها ms36 في ~~الإغراب؟ # لا عجب أن أحدا من العقلاء لم يستطع قط تسليمه، وبالأخص أرسطو، كان يلزم لتسليمه رجل مثل ~~ديكارت أو مثل أفلاطون. # أجل لم يشك أحد قط - جادا - في قيمة الرياضيات وحقيقتها الذاتية، بل إن كل الناس، ~~وأرسطو في مقدمتهم، سلموا بما لها من دقة ويقين. على أن هذه الدقة وهذا اليقين هل يتضمنان ~~أن قوانين الهندسة هي أيضا قوانين العالم الطبيعي، وأنه يتعين في دراسة الطبيعة البدء ~~بدراسة الهندسة؟ # كلا، بل إن أرسطو يقول لنا إن الأمر على خلاف ذلك، إن دقة الهندسة وضبطها يفسران بأنها لا ~~تعنى إلا بالمجردات، بالموجودات الذهنية، ليست الدوائر والخطوط المستقيمة موجودات طبيعية، ~~وما الفضاء الأوقليدي ذلك الفضاء اللامتناهي سوى فضاء غير واقعي، لا يوجد إلا في ~~ذهننا. # والواقع ليست الهندسة عند أرسطو والمدرسيين إلا علما مجردا، مجردا من الوجود الواقعي ~~الذي إن أعوزته الدقة والضبط إلا أنه غني مليء بجميع الكيفيات التي يدركها فيه الحس؛ لذلك ~~لن تستطيع الهندسة تفسير الوجود الواقعي، وليست قوانينها مسيطرة على الطبيعة، بل بالعكس أن ~~تطبيقها فيها يتفاوت دقة، وهو أقرب إلى عدم الدقة منه إلى الدقة، وإذن فليست دراسة الهندسة ~~تسبق دراسة العلم الطبيعي، ولكنها تلحقها. # العلم الذي من النوع الأرسطوطالي الذي يبدأ بالذوق العام ويقوم على الإدراك الحسي ليس ~~بحاجة لأن يستند إلى ميتافيزيقا، إنه يؤدي إليها ولا يبدأ منها، أما العلم الذي من النوع ~~الديكارتي الذي يقرر قيمة حقيقية للمذهب الرياضي ويشيد علما طبيعيا هندسيا فلا يستغني ~~عن الميتافيزيقا، ولا يسعه أن يبدأ إلا بها، لقد كان ديكارت يعلم ذلك، وكان أفلاطون وهو أول ~~من وضع علما من هذا النوع يعلمه أيضا. # لقد نسينا ذلك، وعلمنا يتقدم دون أن يعنى كبير عناية بأسسه الخاصة، هو يكتفي بالنجاح ~~إلى أن تنتابه أزمة - أزمة مبادئ - فتكشف له أن ثمة شيئا ينقصه؛ هو أن يفهم ما هو ~~صانع. # وديكارت فيلسوف يهمه قبل كل شيء أن يفهم ما هو صانع، فهو سيحاول إذن أن «يؤسس» علمه ~~الطبيعي ومنطقه ms37 و«منهجه»، ولكي يحقق هذا الغرض ولكي يتوفر في هدوء على مذهبه الميتافيزيقي ~~يرحل مرة أخرى 1629 إلى هولندا. # الميتافيزيقا علم الوجود، وعلم معرفتنا بالوجود، فلأجل أن نستطيع تشييدها وتأسيس العلم ~~الطبيعي كعلم وجودي، نحن بحاجة إلى كشف نقطة - نقطة واحدة على الأقل - يدرك فيها علمنا ~~الوجود، أو بعبارة أوضح، نقطة يلتقي فيها علمنا والوجود، لأجل ذلك يجب الرجوع إلى منهج الشك ~~نزيد، فيه تشددا وعنفا عما فعلناه في المرة الأولى. # في تلك المرة الأولى، حين حاولنا أن نراجع أفكارنا جميعا، وقفنا عند «الأفكار الواضحة ~~الجلية» ونجت الرياضيات من نقدنا، أما الآن فسنذهب إلى أبعد من ذلك، وسيشتمل الشك حتى ~~الرياضيات. # سننهج بغاية الدقة، فننكر كل علم نتبين فيه خطأ واحدا، بل إمكان الخطأ، وإذن فنحن ننكر ~~الحس من حيث إنه يخدعنا أحيانا، ونستبعد بالإجمال دعواه إدراك الوجود من حيث إن الجنون ~~«التخييل» والحلم يبطلان ما لهذه الدعوى من قيمة كلية. # ونحن ننكر الاستدلال والحدس العقلي نفسه من حيث إنا نخطئ أحيانا في الحساب وفي ~~البراهين الهندسية، إن في وسع من يخدعنا مرة أن يخدعنا دائما، وننكر أن لدعوى الأفكار ~~الواضحة الجلية قيمة وجودية من حيث إن هذه المسألة هي بالذات موضوع البحث. # ونحن نخترع أسبابا للشك - نخترع سببا يكاد يكون مانويا فنفرض أن روحا خبيثا قديرا ~~يخدعنا دائما وفي كل موضوع، ولنلاحظ جيدا أننا إنما نقبل هذا الفرض القاسي ونقرر الشك ~~مريدين أحرارا. # قد سبق لي القول - ولا يخلو تكراره من فائدة: إن الفلسفة الديكارتية تبدأ بفعل حر، ~~الإنسان حر؛ فهو يستطيع أن يقول: «لا»، للميل الطبيعي الذي يدفعه لتصديق ما يرى ويسمع، وأن ~~يمتنع عن اتباع ما للمحسوس من أثر قوي، وأن يتخلص من سلطان جسمه وعاداته، وبالجملة من سلطان ~~طبيعته. # لا تبرهن فلسفة ديكارت على حرية الإرادة الإنسانية، ولكنها «تفرضها» وتدلل عليها بنفس ~~وجودها، كما كان ديوجانس يدلل على الحركة بالمشي، فلأننا أحرار، ولذلك فقط، نستطيع التحرر ~~من الخطأ والبلوغ بحرية إلى الوضوح الأعظم للعقل وقد استعاد نفسه ms38 تماما، تلك هي الفائدة في ~~رياضة أنفسنا على الشك المطلق. # فإنا إذا مضينا بالشك والإنكار إلى الحد الأقصى فسلمنا أننا نخطئ دائما وفي كل موضوع ~~فنحن منتهون حتما إلى أني أنا الذي يخطئ موجود لكي أستطيع أن أخطئ، وإذا سلمنا من جهة ~~أخرى بأن جميع أفكاري كاذبة فمن المحقق أني حاصل على هذه الأفكار. # فاليقين بوجودي يثبت لكل مجهودات الشك، وهذا هو الذهب الخالص الذي لا تقوى الأحماض على ~~النيل منه، إن الحكم بأني موجود حكم صادق كلما نطقت به، وكذلك كلما ألفت حكما وكلما شككت ~~أو أخطأت كان وجودي متضمنا ومطويا في جميع أحكامي وأفكاري وأفعالي؛ أي حالاتي النفسية، ~~إن الفكر يتضمن الوجود، وإن «أنا موجود» لازم مباشرة من «أنا أفكر» وديكارت يقول لنا: «أنا ~~أفكر إذن فأنا موجود.» # وإذن أنا أفكر وأنا موجود، ولكن ما أنا؟ أنا موجود يفكر ويشك وينفي، وهذا يكفي ديكارت لأن ~~الموجود الذي يفكر ويشك فهو موجود ناقص متناه، وهو فوق ذلك يعلم أنه ناقص متناه. # كيف يستطيع أن يعلمه؟ كيف يستطيع أن يدرك - وأن يدرك بوضوح - تناهيه ونقصه إن لم يكن ~~حاصلا في ذاته على فكرة موجود كامل غير متناه؟ كيف يستطيع أن يفهم نفسه إن لم يكن حاصلا ~~في ذات الوقت على فكرة الله؟ # والواقع أن المنطق الديكارتي يعلمنا أن فكرة المحصلة والأولى، الفكرة التي يتصورها العقل ~~بذاتها، ليست كما يعتقد العامة ويعتقد المدرسيون، فكرة المتناهي، بل بالضد، هي فكرة ~~اللامتناهي، وليس يكون العقل فكرة اللانهاية بنفي تناهي المتناهي، بل بالضد إنما يتصور ~~العقل فكرة المتناهي باستخدام النفي لوضع حد لفكرة اللانهاية. # إن العامة تنخدع باللغة التي تخلع اسما معدولا على فكرة محصلة (وبالعكس)، ولكن اللغة ~~خادعة، وهي إنما تخاطب الذوق العام، كما أن الذوق العام هو الذي يضعها، فعند الذوق العام ~~وعند المخيلة اللامتناهي ممتنع الإدراك من غير شك، عند العامة المتناهي أول، أما اللامتناهي ~~فلا تبلغ إليه، وهذا هو خطأ المنطق القديم، ذلك الخطأ الذي يفسد كل الفلسفة القديمة: أي ms39 ~~الجهل بالفكر المحرر من قيود التخيل، وبالإجمال الجهل بالفكر الحقيقي، فعند هذا الفكر، عند ~~العقل الديكارتي، النسبة معكوسة: هو يتصور الكامل قبل الناقص، واللامتناهي قبل المتناهي، ~~والامتداد قبل الشكل، إنه يعلم أن الفكرة الواضحة عن المتناهي تتضمن وتحوي فكرة ~~اللانهاية. # كل هذا يؤدي إلى قضية تثير العجب: هي أن عندنا فكرة واضحة عن الله، وسينكر العامي ذلك من ~~غير شك، وله بعض العذر؛ إذ إنه خلو من الأفكار الواضحة، وكل ما عنده خليط مضطرب من الصور ~~والمعاني المجردة؛ لذلك هو خلو من فكرة واضحة عن نفسه وعاجز عن الإجابة عن سؤال: ما ~~أنت؟ # ومع ذلك فهو حاصل على فكرة الله وفكرة النفس، ولكنهما عنده غامضتان تغطيهما طبقة من ~~الأفكار المختلطة التي تحجب ضوء العقل، تلك الطبقة التي كانت مهمة الشك المنهجي ~~إزالتها. # الآن نحن نعلم أننا موجودون، ونعلم ما نحن، نحن موجود ناقص متناه، موجود يفكر، بل موجود ~~كل ماهيته أنه يفكر، وموجود حاصل على فكرة واضحة عن الله. # هذا يكفي، أو على الأقل بالإضافة إلى ديكارت فهو مستطيع أن يبرهن على وجود الإله الكامل ~~غير المتناهي. # ليس بإمكاني أن أدرس هنا أمامكم البراهين الديكارتية على وجود الله من حيث تركيبها الفني ~~ومصادرها، لقد سبق لي هذا الدرس في كتاب يرجع إلى عهد الشباب، وهو درس طويل جدا وعلى شيء ~~من التعقيد دون فائدة تذكر، فإن الأساس الحقيقي لهذه البراهين ومعناها العميق بسيطان ~~جدا، كما يقول ديكارت نفسه؛ وذلك أن «الشعور بالذات يتضمن الشعور بالله.» عندنا فكرة عن ~~الله، وهي فكرة فطرية بدونها نحن غير مفهومين، فقد قلت: إن الإنسان عند ديكارت ما هو إلا ~~الموجود الحاصل على فكرة الله، هذه الفكرة بسيطة واضحة، بل هي أبسط وأوضح أفكارنا جميعا، ~~هي من الوضوح والبيان بحيث تشمل وجود الله، إن الله هو الموجود الكامل اللامتناهي، فلا يمكن ~~تصوره غير موجود، إنه موجود بفضل كماله اللامتناهي. # 2 # وفكرة الموجود الكامل هذه، البديعة الغنية، تفوقنا إلى حد أنه لا يمكن أن تصدر عنا ms40 نحن ~~الضعفاء المتناهين الناقصين، ولا يمكن أن تأتينا إلا من عند الله ، وإذن فهذا يقين ثان، ~~وهذه فكرة واضحة ثانية لا ينالها الشك، موضوعها حقيقي بلا ريب: إن الله موجود لأني موجود، ~~أنا الحاصل على فكرة الله. # الأمر بسيط جدا كما ترون، ومع ذلك فهو عسير للغاية؛ لأنه لكي نفهم هذا البرهان البسيط ~~يجب علينا أولا أن نطهر العقل ونجعله كفؤا لإدراك المعاني العقلية، وما لم نصنع ذلك، وما ~~دام ضوءنا الطبيعي محجوبا بأفكار مزعومة آتية من المحسوس، ومشحونا بمعان مجردة، ومتبعا ~~منطق المتناهي، فليس يستطيع أن يفهم نفسه، وليس لديه فكرة واضحة عن الله، فلا بد له من ~~اجتياز الشك، والشك رياضة روحية حقيقية - رياضة طويلة عسيرة يجب تكرارها كثيرا. # الآن فقط تحررنا من الشك تماما، الله موجود: هذه حقيقة أكيدة، والله هو الذي وهبنا ~~الوجود وعنه صدرت أفكارنا، والموجود الكامل لا يمكن أن يخدعنا، وإذن فأفكارنا الواضحة ~~البسيطة صادقة؛ أي إنها تصلح لأن تكون أساسا لأحكام وجودية، وتسمح لنا بالتأدي من الفكرة ~~إلى الموضوع، إن أفكارنا الواضحة البسيطة تكشف لنا الوجود كما هو، كما خلقه الله، فنحن ~~نستطيع الآن أن نفهم هذا التوافق بين الوجود والفكرة؛ إنه آت من الله، إن الله خالق الوجود ~~والفكرة وهو الموفق بينهما، وهو ضامن حقيقتهما وضامن كل حقيقة، فالثقة بعقلنا قائمة عند ~~ديكارت على ثقتنا بالله، والملحد لا يستطيع أن يحصل على مثل هذه الثقة، ولا يستطيع أن ~~يستيقن من شيء، أما نحن وقد وثقنا بالله وبعقلنا، واستندنا إلى صدق الله، فنستطيع أن نمضي ~~إلى أبعد من ذلك، نستطيع أن نعيد تصنيف أفكارنا وتعيين ما لها من قيمة نسبية، حتى الأفكار ~~غير الواضحة، حتى التي أتت من المحسوس فكانت غامضة بالمرة، نستطيع أن نفهم مهمتها وأن نضعها ~~في مواضعها. # وجود الله ضامن لقيمة الأفكار الواضحة البسيطة، ضامن لفكرتي الامتداد والحركة اللتين ~~بدأنا بهما، فأصبح العلم الطبيعي وطيدا، وكذلك الشعور بالذات. وكوني استطعت أن أفهم نفسي ~~قبل أن أعلم شيئا من العالم الممتد ms41 يدلني على أني؛ أي على أن نفسي غير متعلقة بالعالم ~~الممتد، لست ممتدا في ذاتي، أنا حاصل على جسم ولكني لست إياه، أنا شيء أعظم من الفضاء ~~اللامتناهي الذي يدركه عقلي فإني حرية وروح، وليس الروح مادة، وليس بيني وبين المادة شبه ~~ولا علاقة، وعالم الفضاء اللامتناهي لا يشعرنا بعد الآن أي خوف، بل بالعكس هو يكشف لديكارت ~~قدرة الله غير المتناهية. # والآن ماذا يبقى من كل هذا، من المجهود الهائل الذي بذله هذا العبقري؟ يبقى كل شيء أو لا ~~يبقى شيء كما تشاءون، لا يبقى شيء من عمل ديكارت، ويبقى كل شيء من روحه. # لا يبقى شيء يذكر من الميتافيزيقا، وقد لحقت أدلته على وجود الله أدلة أرسطو والقديس ~~توما في عالم الأوهام، ومع ذلك فإن الاكتشاف الديكارتي الكبير - اكتشاف تقدم اللامتناهي عند ~~العقل - باق، من الحق أن الفكر يتضمن اللامتناهي، وأن كل فكر متناه فهو لا يستطيع أن يدرك ~~ذاته إلا بفضل فكرة لا متناهية، وأن الفكر حر ومستقل. # ولكن شيئا لم يبق من العلم الطبيعي، وقد استطاع بعضهم أن يكتب منذ عشرين سنة أن العلم لا ~~يتبع الطريق الذي رسمه لنا ديكارت، كان هذا القول صحيحا منذ عشرين سنة، أما اليوم فهو أقل ~~صحة بكثير، أجل إن العلم الطبيعي الحاضر كما نجده عند أمثال أينشتاين ودي برويل لا يردد ~~بحال العلم الطبيعي الحاضر كما نجده في كتاب «مبادئ الفلسفة» لديكارت، كما أن ديكارت لم يكن ~~ناقلا للعلم الطبيعي الذي نجده في كتاب «تيماوس» لأفلاطون، ومع ذلك فإن التاريخ يعتبر ~~العلم الطبيعي الذي وضعه ديكارت ثأرا لأفلاطون، وكذلك العلم الطبيعي الذي وضعه أينشتاين ~~فهو ثأر لديكارت، والواقع أن العلم الطبيعي الحاضر الذي يرد الوجود إلى الهندسة إنما يسعى ~~إلى تحقيق ما كان لديكارت وأفلاطون من حلم قديم، بل يحققه إلى حد ما. # وإنما استطاع العلم أن يخرج من المأزق بفضل إجراء ديكارتي؛ أي بالرجوع على ذاته ونقد ~~مبادئه وامتحانها بالشك من جديد، ليس علمنا الطبيعي علم ديكارت، ولكنه ms42 ديكارتي أكثر منه، ~~إنه ديكارتي أكثر مما كان في أي وقت آخر . # أجل لم يستطع منهج ديكارت - منهج الأفكار الواضحة البسيطة - أن يوفر للإنسان طمأنينة ~~اليقين التي كان ديكارت يرجو أن يمنحه إياها، ولم يستطع أن يعيد بناء الوجود كاملا، إن ~~الوجود أغنى مما ظن ديكارت، ليس الوجود قاصرا على الامتداد والحركة، وليس منبسطا على سطح، ~~هذا محقق؛ ولذلك كثيرا ما تؤخذ علينا نزعتنا الديكارتية، وكثيرا ما يقال لنا: إن طلبنا ~~الوضوح والجلاء يؤدي بنا إلى الخطأ وإلى إنكار ما في الحياة من قوى مضطربة غامضة عميقة، ~~ويقال لنا أيضا: إنا بشغفنا بالتحليل النقدي وإصرارنا على الشك في كل شيء نحرم الإنسان ~~أعظم خيراته، نحرمه الطمأنينة واليقين. # هذا حق؛ إن منهج ديكارت منهج قلق وجهد، وإن طلب الوضوح أمر شاق، وهو أطول مما ظن ديكارت ~~من حيث إنه لا يقف عند حد، هو يهدم التقاليد والمعتقدات الموروثة وأصنام فكرنا، ولكن هذا هو ~~الثمن الذي نؤديه لإدراك الحق. # نعم، إن الحياة أشد تعقيدا من صيغة جبرية، ولكن هل نحن ملزمون بالإذعان لقواها العميقة ~~الغامضة؟ أم على العكس الواجب علينا أن نفهمها وأن نفيض عليها نورا وعقلا ونرفعها إلى ~~مستوى العقل؟ # أعتقد أنا أنه ما من زمن كان أنسب لرسالة ديكارت اليوم؛ أي من عصر أنكر فيه الفكر ~~الإنساني قيمته أنه مجرد صورة للمجتمع أو مجرد وظيفة للحياة؛ عصر عاد العالم فيه إلى القلق، ~~فرأينا الإنسان يطلب بكل ثمن يقينا جديدا يشتريه مغتبطا بحريته وحرية عقله، عصر تجددت ~~فيه الأساطير وقامت سلطات معصومة فوجب علينا أكثر من أي وقت مضى الطاعة لوصية ديكارت التي ~~تحظر علينا أن نسلم إلا ما نرى بوضوح أنه حق، والأمانة لرسالة ديكارت التي إذ نعلن ما للعقل ~~والحقيقة من قيمة عظمى تحظر علينا الإذعان لسلطان مهما يكن ما خلا العقل والحقيقة. ms43