######OpenITI# #META# bkid: 7849 #META# bk: إشارات الإعجاز #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز #META# المؤلف: بديع الزمان سعيد النورسي (المتوفى: 1379هـ) #META# المحقق: إحسان قاسم الصالحي #META# الناشر: شركة سوزلر للنشر - القاهرة #META# الطبعة: الثالثة، 2002 #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] #META# inf: None #META# auth: بديع الزمان النورسي #META# authinf: بديع الزمان النورسي ( (1294هـ - 1877م = 1379هـ - 1960م ). بقلم عبد الله الطنطاوي - مجلة المنار ، العدد 63 ، شوال 1423هـ. الشيخ المجاهد العالم العامل بديع الزمان النورسي ، هو من هو علماً ومكانة في تاريخ تركيا الحديثة التي شهدت وما تزال تشهد تطورات خطيرة منذ بداية القرن العشرين ، وما تزال آثاره حتى الآن يتفاعل بها المجتمع التركي المعاصر ، الذي يلقى الألاقي في عهود العلمانية والعلمانيين الذين انسلخوا من دينهم ، وحاربوا شعوبهم في عقيدتهم وقيمهم وأخلاقهم. المولد :. ولد سعيد النورسي الملقب بـ (بديع الزمان) في قرية (نورس) الواقعة شرقي الأناضول في تركيا عام (1294هـ - 1877م) مع أبوين صالحين كانا مضرب المثل في التقوى والورع والصلاح ، ونشأ في بيئة كردية يخيم عليها الجهل والفقر، كأكثر بلاد المسلمين في أواخر القرن الماضي ، وبدايات هذا القرن. وإلى قريته (نورس) ينسب. علمه : . وقد بدت عليه أمارات الفطنة والذكاء منذ طفولته ، ولما دخل (الكتاب) وتتلمذ على أيدي المشايخ والعلماء بهرهم بقوة ذاكرته ، وبداهته ، وذكائه ، ودقة ملاحظته ، وقدرته على الاستيعاب والحفظ ، الأمر الذي جعله ينال الإجازة العلمية وهو ابن أربع عشرة سنة بعد أن تبحر في العلوم العقلية والنقلية بجهده الشخصي ، فقد حفظ عن ظهر غيب ، ثمانين كتاباً من أمهات الكتب العربية كما حفظ القرآن الكريم في وقت مبكر من حياته الخصبة الحافلة. كما عكف على دراسة العلوم العصرية ، أو العلوم الكونية الطبيعية ، (رياضيات ، وفلك ، وكيمياء ، وفيزياء ، وجيولوجيا) والجغرافيا والتاريخ والفلسفة الحديثة وسواها من العلوم ، حتى غدا عالماً فيها ، ومناظراً فذاً للمختصين بها ، وصار له رصيد ضخم من المعلومات ، مكنه من الانطلاق من مرتكزات علمية سليمة. كان طالب العلم سعيد النورسي شديد الاحتفال والاشتغال والتعلق بالفلسفة والعلوم العقلية ، وكان لا يقنع ولا يكتفي بالحركة القلبية وحدها ، كأكثر أهل الطرق الصوفية ، بل كان يجهد لإنقاذ عقله وفكره من بعض الأسقام التي أورثتها إياه مداومة النظر في كتب الفلاسفة. مع القرآن الكريم : . في عام 1894 تناهى إلى سمعه أن وزير المستعمرات البريطاني (غلادستون) وقف في مجلس العموم البريطاني ، وهو يحمل المصحف الشريف بيده ، ويهزه في وجوه النواب الإنكليز ، ويقول لهم بأعلى صوته : ( ما دام هذا الكتاب موجوداً، فلن تستطيع أوربا السيطرة على الشرق ، ولا أن تكون هي نفسها في أمان. لذا ، لا بد لنا من أن نعمل على إزالته من الوجود ، أو نقطع صلة المسلمين به). فصرخ العالم الشاب سعيد النورسي من أعماقه : "لأبرهنن للعالم أجمع ، بأن القرآن العظيم شمس معنوية لا يخبو سناها ، ولا يمكن إطفاء نورها". رؤيا صادقة :. ورأى النورسي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلم ، وسأله أن يدعو الله له : أن يفهمه القرآن ، ويرزقه العمل به ، فبشره الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - بذلك ، قائلاً له : سيوهب لك علم القرآن ، شريطة ألا تسأل أحداً شيئاً. وأفاق النورسي من نومه ، وكأنما حيزت له الدنيا بل أين هو من الدنيا ، وأين الدنيا منه.. أفاق وكأنما حيز له علم القرآن وفهمه ، فقد آلى على نفسه ألا يسأل أحد شيئاً ، استجابة لشرط رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد وهبه الله ما تمنى، وصار القرآن أستاذه ، ومرشده وهاديه في الدياجير التي اكتتفت تركيا الكمالية. بديع الزمان في مهب الأعاصير :. نستطيع تمييز مرحلتين في حياة الإمام سعيد النورسي : . الأولى : مرحلة سعيد القديم ، وتبدأ من مولده حتى نفيه إلى بلدة (بارلا) عام 1926 ، وهذه المرحلة هي مرحلة الإعداد الذاتي لنفسه ، ومرحلة العمل الفردي ، وخوض المعارك السياسية ، مدافعاً عن الخلافة ، وعن القرآن والإسلام ، مهاجماً أعداء الإسلام وأعداء الخلافة والقرآن. وفي هذه المرحلة :. وفي هذه المرحلة سافر إلى إستانبول عام 1896 ليقدم مشروعاً لإنشاء - جامعة إسلامية حديثة في شرقي الأناضول - بلاد الأكرد - وأطلق عليها اسم (مدرسة الزهراء) لتكون على منوال ( الأزهر ) في مصر ، غير أنها تختلف عن الأزهر بتدريس العلوم الحديثة إلى جانب العلوم الشرعية والعربية ، وذلك من أجل النهوض بالأكراد المسلمين المهملين الذين يفنك بهم الجهل والفقر والتخلف ، ولكن النورسي لم يلق قبولاً من السلطان عبدالحميد ومن وزير داخليته. وفي عام 1907 سافر مرة أخرى إلى إستانبول ، للغرض ذاته ، وقابل السلطان عبدالحميد ، وانتقد الاستبداد ونظام الأمن واستخبارات القصر (يلدز) فأثار عليه حاشية السلطان ، وأحالوه إلى محكمة عسكرية. وكان النورسي في منتهي الشجاعة في التعبير عن رأيه أمام القضاة العسكريين ، الأمر الذي جعل رئيس المحكمة يحيله إلى الأطباء النفسانيين ، للتأكد من سلامة قواه العقلية ، وكانت لجنة الأطباء المؤلفة من طبيب تركي ، وآخر أرمني ، وثالث رومي ومن طبيبين يهوديين (!!!) قررت وضعه في مستشفى (طوب طاش) للمجانين) (!!!). وعندما حضر طبيب نفساني إلى المستشفى ، لفحص قواه العقلية ، بادره النورسي بحديث رائع عميق يأخذ بالألباب ، فما كان من الطبيب إلا أن يكتب في تقريره : لو كانت هناك ذرة واحدة من الجنون عند بديع الزمان ، لما وجد عاقل واحد على وجه الأرض. مع وزير الداخلية :. ثم أحيل النورسي إلى وزارة الداخلية ، وكان الحوار التالي بينه وبين وزير الداخلية الذي حسب أن النورسي كسائر من عرف يمكن شراؤه بثمن بخس ، فلطالما اشترى الوزراء علماء بدارهم معدودة ، فكان الوزراء والعلماء والسائرون في ركابهم ، كارثة على الشعوب والمبادئ والقيم. - قال له الوزير في فرح وطمأنينة : إن السلطان يخصك بالسلام مع مرتب بمبلغ ألف قرش ، وعندما تعود إلى بلدك سيجعل مرتبك ثلاثين ليرة كما أرسل لك ثمانين ليرة هدية سلطانية. - قال بديع الزمان هي شموخ : لم أكن أبداً متسول مرتب ، ولن أقبله ولو كان ألف ليرة لأنني لم آت لغرض شخصي ، وإنما لمصلحة البلد ، فما تعرضونه علي ليس سوى رشوة السكوت. - قال الوزير مهدداً : إنك بهذا ترد الإرادة السلطانية ، والإدارة السلطانية لا ترد. - أجابه بديع الزمان بتحد : إنني أردها ، لكي يستاء السلطان ويستدعيني عند ذلك أستطع أن أقول له قولة الحق. - قال الوزير متوعداً : إن العاقبة ستكون غير سارة. - قال بديع الزمان في استهانة : تعددت الأسباب والموت واحد ، فإن أعدم فسوف أرقد في قلب الأمة ، علماً بأنني عندما جئت إلى إستانبول كنت واضعاً روحي على كفي اعملوا ما شئتم ، فإني أعني ما أقول : إنني أريد أن أوقظ أبناء الأمة ، ولا أقوم بهذا العمل إلا لأنني فرد من هذا البلد ، لا لأقتطف من ورائه مرتباً ، لأن خدمة رجل مثلي للدولة لا تكون إلا بإسداء النصائح ، وهذه لا تتم إلا بحسن تأثيرها ، وهذا لا يتم إلا بترك المصالح الشخصية فإنني معذور إذن عندما أرفض المرتب. - ذعر الوزير من كلام الشيخ ، ومن صرامة موقفه ، فقال له لين : إن ما ترمي إليه من نشر المعارف في بلدك هو موضع دراسة في مجلس الوزراء حالياً. - بديع الزمان : إذن فلم يتأخر نشر المعارف ، ويستعجل في أمر المرتب ؟ لماذا تؤثرون منفعتي الشخصية على المنفعة العامة ؟. مع قره صو : . ثم ذهب إلى (سلانيك) مقر يهود الدونمة ومشتقاتهم من جمعية (الاتحاد والترقي) و (الماسونية) وسواهما ، والتقى عدداً من شخصيات (الاتحاد والترقي) الذين كانوا يطمعون في كسب النورسي العبقري إلى صفهم ، وكان ممن التقاهم : (عما نوئيل قره صو) رئيس المحفل الماسوني ، وعضو مجلس المبعوثان (أي النواب) العثماني ، وكان قره صو يطمع في النورسي ، ولكن المقابلة بينهما لم تطل ، لأن قره صو فر هارباً من اللقاء ، وهو يقول : كاد هذا الرجل العجيب - النورسي - يدخلني في الإسلام ، بحديثه. و (قره صو) هذا هو أول صهيوني ماسوني عمل على خلع السلطان عبدالحميد وإلغاء الخلافة. شموخ الإيمان :. وفي هذه المرحلة اتهم فيمن اتهم بحادثة 31 مارت (13/4/1909) وسيق إلى المحاكمة ، ورأى في الساحة خمسة عشر رجلاً معلقين على أعواد المشانق ، ظناً من القضاة أن هذا المنظر سوف يرهبه ، قال له الحاكم العسكري خورشيد باشا : وأنت أيضاً تدعو إلى تطبيق الشريعة ؟ إن من يطالب بها يشنق هكذا (مشيراً بيده إلى المشنوقين). فقام بديع الزمان سعيد النورسي وألقى على سمع المحكمة كلاماً رائعاً نقتطف منه ما يأتي : لو أن لي ألف روح لما ترددت أن أجعلها فداء لحقيقة واحدة من حقائق الإسلام ، فقد قلت : إنني طالب علم ، لذا فأنا أزن كل شيء بميزان الشريعة ، إنني لا أعترف إلا بملة الإسلام ، إنني أقول لكم وأنا واقف أمام البرزخ الذي تسمونه (السجن) في انتظار القطار الذي يمضي بي إلى الآخرة ، لا لتسمعوا أنتم وحدكم بل ليتناقله العالم كله : ألا لقد حان للسرائر أن تنكشف ، وتبدو من أعماق القلب ، فمن كان غير محرم فلا ينظر إليها.. إنني متهيء بشوق لقدومي للآخرة ، وأنا مستعد للذهاب مع هؤلاء الذي علقوا في المشانق.. تصوروا ذلك البدوي الذي سمع عن غرائب إستانبول ومحاسنها فاشتاق إليها ، إني مثله تماماً في شوقي إلى الآخرة والقدوم إليها ، إن نفيكم إياي إلى هناك لا يعتبر عقوبة ، إن كنتم تستطيعون فعاقبوني المعاقبة الوجدانية ، لقد كانت هذه الحكومة تخاصم العقل أيام الاستبداد والآن فإنها تعادي الحياة ، وإذا كانت هذه الحكومة هكذا : فليعش الجنون ، وليعش الموت ، وللظالمين فلتعش جهنم. وفي جلسة واحدة فقط صدر حكم ببراءة بديع الزمان سعيد النورسي من تلك المحكمة الرهيبة التي شنقت العشرات. المجاهد :. أسس (الاتحاد المحمدي) في سنة 1909 رداً على دعاة القومية الطورانية ، والوطنية الضيقة ، كجمعية الاتحاد والترقي ، وجمعية تركيا الفتاة. انضم إلى (تشكيلات خاصة) وهي مؤسسة سياسية عسكرية أمنية سرية ، شكلت بأمر السلطان محمد رشاد قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى ، من أجل المحافظة على أراضي الدولة العثمانية ، ومحاربة أعدائها ، وكان قد انضم إلى هذه المؤسسة كثير من المفكرين والكتاب ، وكان النورسي من أنشط أعضاء قسم (الاتحاد الإسلامي) فيها ، وأصدر مع عدد من العلماء (فتوى الجهاد) التي تهيب بالمسلمين أن يهبوا للدفاع عن الخلافة. وفي هذه المرحلة سافر إلى مدينة (وان) عام 1910 وبدأ يلقى دروسه ومحاضراته ، متجولاً بين القبائل والعشائر الكردية ، يعلمهم أمور دينهم ، ويرشدهم إلى الحق. وفي سنة 1911 سافر إلى دمشق ، وألقى في المسجد الأموي خطبته الشهيرة باسم الخطبة الشامية التي وصف فيها أمراض الأمة الإسلامية ، ووسائل علاجها. وفي سنة 1912 عين بديع الزمان قائداً لقوات الفدائيين الذين جاؤوا من شرقي الأناضول ، من الأكراد خاصة. في الأسر : . وفي سنة 1916 تمكنت القوات الروسية من الدخول إلى مدينة (أرضروم) التركية، وقد تصدى النورسي وتلاميذه المتطوعون للقوات الروسية ، وخاضوا عدة معارك ضدها ، ثم جرح النورسي جرحاً بليغاً ، ونزف نزفاً شديداً كاد يودي بحياته ، الأمر الذي اضطر أحد تلاميذه إلى إعلام القوات الروسية بذلك ، فاقتادوه أسيراً ، وبقي في الأسر في (قوصطرما) سنتين أربعة أشهر ، ثم تمكن من الهرب من معسكرات الاعتقال ، إثر الثورة البلشفية في روسيا. عزة المؤمن : . وذات يوم قدم هناك إلى المحكمة الحربية بتهمة إهانة القيصر والجيش الروسي. أما قصة ذلك فهي كما يأتي : كان خال القيصر القائد العام للجبهة الروسية (نيكولا نيكولافيج) يزور معسكر الأسرى فقام جميع الأسرى لأداء التحية ما عدا (سعيد النورسي)، لا حظ القائد العام ذلك ، فرجع ومر ثانية أمامه ، فلم يقم له كذلك ، وفي المرة الثالثة وقف أمامه وجرت المحاورة الظريفة الآتية بينهما بوساطة مترجم للقائد :. - الظاهر أنك لم تعرفني ؟. - بلى... لقد عرفتك ، إنك نيكولا نيكولافيج ، خال القيصر ، والقائد العام في جبهة القفقاس. - إذن فلم تستهين بي ؟ . - كلا ، إنني لم أستهن بأحد ، وإنما فعلت ما تأمرني به عقيدتي. - وماذا تأمرك عقيدتك؟. - إنني عالم مسلم ، أحمل في قلبي إيماناً ، والذي يحمل في قلبه إيماناً هو أفضل من الذي لا إيمان له ، ولو أنني قمت لك لكنت إذن قليل الاحترام لعقيدتي ومقدساتي ، لذلك فإنني لم أقم لك. - إذن فإنك بإطلاقك علي صفة عدم الإيمان ، تكون قد أهنتني وأهنت جيشي وأمتي والقيصر كذلك ، فيجب تشكيل محكمة عسكرية للنظر في هذا الأمر. أمام المحكمة :. تشكلت المحكمة العسكرية ، وقدم إليها سعيد النورسي بتهمة إهانة القيصر والأمة الروسية والجيش الروسي. ويسود حزن في معسكر الأسرى ويلتف حوله الضباط الأسرى من الأتراك والألمان والنمساويين ملحين عليه القيام بالاعتذار للقائد الروسي وطلب العفو منه ، إلا أنه رفض ذلك بإصرار ، قائلاً لهم : "إنني أرغب في الرحيل إلى الآخرة ، والمثول بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. لذلك فإنني بحاجة فقط إلى جواز سفر للآخرة، وأنا لا أستطيع أن أعمل بما يخالف إيماني. وتصدر المحكمة قرارها بالإعدام ، وفي يوم التنفيذ تحضر ثلة من الجنود على رأسها ضابط روسي لأخذه إلى ساحة الإعدام ، ويقوم سعيد النورسي من مكانه بابتهاج قائلاً للضابط الروسي : أرجو أن تسمح لي قليلاً لأؤدي واجبي الأخير. ثم يقوم ويتوضأ ويصلي ركعتين. وهنا يأتي القائد العام ليقول له بعد فراغه من الصلاة : أرجو منك المعذرة ، كنت أظنك قد قمت بعملك قاصداً إهانتي ، ولكنني واثق الآن أنك كنت تنفذ ما تأمرك به عقيدتك وإيمانك ، لذا فقد أبطلت قرار المحكمة ، وإنني أهنئك على صلابتك في عقيدتك ، وأرجو المعذرة منك مرة أخرى. في استانبول : . في 13/8/1918 عين عضواً في (دار الحكمة الإسلامية) التي كانت تضم كبار العلماء والشعراء والشخصيات. قررت الحكومة له مرتباً ، ولكنه ما كان يأخذ منه إلا ما يقيم أوده ، والباقي ينفقه على طباعة رسائله العلمية التي كان يوزعها مجاناً. وبعد أن احتل الحلفاء (الإنكليز والفرنسيون) العاصمة استانبول، ألف النورسي كتابه (الخطوات الست) وحكم عليه الحاكم العسكري الإنكليزي بالإعدام على هذا الكتاب ، وعلى نشاطه المعادي للقوات المحتلة ، وأراد محبوه إنقاذه ، فدعوه إلى (أنقرة) فأجابهم : أنا أريد أن أجاهد في أخطر الأمكنة ، وليس من وراء الخنادق ، وأنا أرى أن مكاني هذا أخطر من الأناضول. في أنقرة :. دعي إلى أنقرة سنة ، 1922 واستقبل في المحطة استقالاً حافلاً ، ولكنه لاحظ أن أكثر النواب لا يصلون ، كما أن مصطفى كمال يسلك سلوكاً معادياً للإسلام ، فقرر أن يطبع بياناً تضمن عشر مواد ، وجهه إلى النواب ، واستهله بقوله : "يا أيها المبعوثون ... إنكم لمبعوثون ليوم عظيم". وكان من أثر هذا البيان الذي ألقي على النواب ، أن ستين نائباً قاموا لأداء فريضة الصلاة ، والتزموا بالدين ، الأمر الذي أغضب مصطفى كمال فاستدعى النورسي وقال له : "لا شك أننا في حاجة ماسة إلى أستاذ قدير مثلك ، ولهذا دعوناك إلى هنا للاستفادة من آرائك السديدة ، ولكن أول عمل قمت به هو الحديث عن الصلاة لقد كان أول جهودك هنا هو بث الفرقة بين أهل المجلس. فأجابه بديع الزمان ، مشيراً إليه بإصبعه في حدة : "باشا .. باشا إن أعظم حقيقة تتجلى بعد الإيمان هي الصلاة ، وإن الذي لا يصلي خائن ، وحكم الخائن مردود". عندها فكر مصطفى كمال بإبعاده عن العاصمة ، فعينه واعظاً عاماً للولايات الشرقية ، وبمرتب مغر، ولكن النورسي رفض الوظيفة والراتب، لأنه عالم رباني، وأنى للعالم الرباني أن تغريه المناصب والأموال ! . - كتب النورسي ونشر في هذه المرحلة عدة كتب ورسائل منها : إشارات الإعجاز - والسنوحات - والطلوعات - ولمعات - وشعاعات من معرفة النبي صلى الله عليه وسلم وسواها باللغة العربية. المرحلة الثانية من حياته : . في عام 1923 غادر النورسي مدينة أنقرة إلى مدينة "وان" حيث انقطع للعبادة في إحدى الخرائب المهجورة على جبل "أرك" ولم يدر شيئاً عن الأعاصير التي تنتظره. وجاء من يدعوه إلى تأييد ثورة الشيخ سعيد بيران ضد الحكومة الكمالية العلمانية المعادية للإسلام ، فأبى تأييدها ، لأنها تؤدي إلى اقتتال المسلمين فيما بينهم ، وإراقة دمائهم ، وهذا لا يجوز شرعاً ، ولكن هذا الموقف السلبي من ثورة الشيخ سعيد ، وذلك الانقطاع للعبادة ، لم ينجياه من غضب حكومة أنقرة العلمانية - كدأب الحكومات العلمانية مع الحركات الإسلامية ورجالها - فقد أمرت بالقبض عليه ، ونقله إلى إستانبول ، ومن ثم إلى مدينة "بوردور" ثم إلى "بارلا" في جو بادر من شتاء عام 1926 القارس ، فقد كان الجو بارداً ، ومياه البحيرة متجمدة وأحد جذافي القارب الذي يحمله إلى منفاه في المقدمة يكسر الثلوج بعصاً طويلة في يده ، ليفتح بذلك طريقاً للقارب الشرعي. وفي (بارلا) بدأت المرحلة الثانية من حياة بديع الزمان ، وهي المسماة مرحلة (سعيد الجديد) وقد كانت حافلة بالاتهامات والملاحقات والمطاردات والسجون والمعتقلات والمحاكمات والمنافي ، مما لم يمر في حياة إنسان وهو صابر محتسب، يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، شعاره في ذلك : "أعوذ بالله من الشيطان والسياسة التي أنجبت هؤلاء السياسيين العلمانيين الظالمين الذين ليس لهم إلاً ولا ذمة. وفي هذه البلدة (بارلا) صنع له أحد النجارين غرفة خشيبة صغيرة غير مسقوفة ، وضعت بين أغصان شجرة الدلب العالية حيث كان النورسي يقضي فيها أغلب أوقاته في فصلي الربيع والصيف ، متعبداً لله ، متأملاً متفكراً ، وعاكفاً على تأليف رسائل النور طوال الليل ، والناس يسمعون همهمات العالم العابد المتهجد ، ولا يستطيعون الاختلاط به ومحادثته ، والإفادة من علمه ، لأن هذا محظور عليهم وسوف يكلفهم كثيراً. أمضى النورسي في (بارلا) ثماني سنوات ونصف السنة ، ألف فيها أكثر رسائل النور ، وهو يعاني من عدة أمراض ، ولا يشتهي الطعام ، بل كان يكتفي من الطعام بكسيرات من الخبز مع قليل من الحساء "الشوربة" ، ولا يقبل هدية ولا تبرعاً ولا زكاة من أحد.. كان - كما قال عن نفسه - يعيش على البركة والاقتصاد ، لأن الاقتصاد والقناعة يعنيان الانسجام التام مع الحكمة الإلهية، والتوافق الكامل معها، وإن من لا يقتصد مدعو للسقوط في مهاوي الذلة ومعرض للاستجداء والهوان ، كما أن الاقتصاد سبب حازم لإنزال البركة ، وأساس متين للتعايش الأفضل ، ولقد كفاني هذه الشهور الستة الماضية - ستة وثلاثون رغيفاً قد خبزو في كيلة من الحنطة ، وما زال الخبز باقياً ، ولا أعرف متى ينفد.. كان يتناول وجبتين في اليوم، يأكل فيهما ما يقوم بأوده ، ويحفظ نفسه من الهلاك. وفي هذه المرحلة كان يؤلف ويكتب باللغة التركية المكتوبة بالحروف العربية ، ويأمر تلاميذه بالكتابة بالحروف العربية ، حفاظاً عليها من النسيان ، فقد كان أتاتورك ألغى الكتابة بالحروف العربية واستبدل بها الحروف اللاتينية ، وكانت هذه الجريمة من أكبر جرائم أتاتورك الذي جيء به لينفذ تعاليم سادته من اليهود والصليبيين. وقد أسهمت النساء المسلمات العفيفات الصالحات المجاهدات بنسخ الرسائل - الكتب - التي كان يمليها بديع الزمان على بعض تلاميذه في غفلة من الرقباء لأنه كان منفياً وموضوعاً تحت الرقابة ، ثم يقوم هؤلاء بتهريبها إلى النساء ، ليسهرن في نسخها ، ويقضين الليالي في ذلك ، حتى إذا أنجزنها ، سارت بها ركبان طلبة النور في طول البلاد التركية وعرضها ، حتى عمت سائر المدن والقرى التركية. ورسائل النور هذه تدعو إلى إنقاذ الإيمان ، وعودة الإسلام إلى الحياة ، وعودة المسلمين إلى دينهم ، وقرآنهم ، وتحكيم شرع الله في سائر أمورهم وأحوالهم.. تصدى بها للعلمانيين والقوميين والسياسة الميكيافيلية القائمة على التزلف والنفاق والمصالح الشخصية ، السياسة التي نحت الدين جانباً ، وولى أصحابها وجوههم نحو أوروبا ، والسير في ركابها ؛ ولهذا رأيناه في هذه المرحلة ، يقف - بكل قوة - في وجه التيارات الإلحادية الشاملة ، برغم ضراوة الهجمة وشراستها ، وبرغم ما تعرض له من نفي وسجن واعتقال واضطهاد ، وتضييق. وهذا يعني أن شعاره في هذه المرحلة : (أعوذ بالله من الشيطان والسياسة ) لا يعني أنه تخلى عن السياسة فعلاً ، بل أراد به حماية تلاميذه من شرور الأشرار من السياسيين العلمانيين السائرين في ركاب الصهيونية والماسونية وبناتها الفاجرات، ومع ذلك ، لم ينج هو ولا تلاميذه من الملاحقة والمحاكمات والسجون التي أطلق عليها النورسي وتلاميذه اسم : المدرسة اليوسفية أسوة بسيدنا يوسف عليه السلام. وقد جاء في قرار اللجنة المدققة لرسائل النور في مدينة (دنيزلي) : "ليس لبديع الزمان فعالية سياسية ، كما لا يوجد أي دليل على أنه يؤسس طريقة صوفية ، أو قائم بإنشاء أي جمعية ، وإن موضوعات كتبه تدور كلها حول المسائل العلمية والإيمانية وهي تفسير القرآن الكريم ، وصدق الله العظيم (وجعلنا من بين أيديهم سداً ، ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون) (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور). عندما أطلق سراحه في الخمسين ، كان في السابعة والسبعين من العمر ، وكان يقول لزائريه أو الذين يرغبون في زيارته : كل رسالة - من رسائل النور - تطالعونها ، تستفيدون منها فوائد أفضل من مقابلتي ومواجهتي بعشرة أضعاف. وكان قد طلب أكثر من مرة من تلاميذه طلبة النور ، ألا يربطوا الرسائل بشخصه الضعيف ، فيحطوا من قيمتها ، لأن للإنسان أخطاء وعيوباً قد سترها الله عليه.. كما كان يدعو تلاميذه إلى عدم التعلق به ، لا في حياته ، ولا بعد مماته ، فذلك له أضرار جسيمة على الدعوة.. أمرهم أن يتعلقوا بالأفكار الواردة في رسائل النور ، وهي أفكار إسلامية صريحة نقية صافية. وكان النورسي (الذي يحب معالي الأمور ، ويسمو بنفسه وروحه وعقله عن السفاسف والترهات) يحب أعالي الجبال ، وأعالي الأشجار الباسقة الشاهقة ، وكان يفضل الصلاة على الصخور المرتفعة ، وكان يقول لتلاميذه: " لو كان في ّ قوة شبابكم هذا لما نزلت من هذه الجبال " . لقد كان النورسي أمة في رجل ، وربى تلاميذه بالقدوة ، وحياته كانت أكبر كرامة.. إنه رجل عصر المصائب والبلايا والمهالك - كما قال عن نفسه- وهو عصرنا ، وقد هيأ الأدوية الناجعة للجروح الإنسانية الأبدية ، وقدمها إليها خلال رسائله وكتبه التي هي من نور القرآن العظيم ، تدعو إلى تطهير النفس ، وصقل الروح ، وغرس الإيمان والإخلاص في النفوس. وفاته : . توفي بديع الزمان النورسي في الخامس والعشرين من شهر رمضان المبارك عام 1379هـ الموافق للثالث والعشرين من شهر آذار 1960م تاركاً موسوعة علمية، أدبية ، إيمانية ضخمة تسد حاجة هذا العصر ، وتخاطب مدارك أبنائه ، وتدحض أباطيل الفلاسفة الماديين ، وتزيل شبهاتهم من أسسها ، وتثبت حقائق الإيمان وأركانه بدلائل قاطعة ، وبراهين ناصعة ، جمعت في ثمانية مجلدات ضخام ، هي : الكلمات - المكتوبات - اللمعات - الشعاعات - إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز - المثنوي العربي النوري - الملاحق - صيقل الإسلام ، وقد ترجمت إلى اللغات العربية والإنكليزية ، والألمانية ، والأردية ، والفارسية ، والكردية ، والفرنسية ، والروسية وغيرها ، ودفن في مدينة (أورفه). وبعد الانقلاب العسكري في تركيا في 27/5/1960 قام الانقلابيون العسكر بنقل رفات الإمام النورسي إلى جهة غير معلومة. وقد وصف شقيقه الشيخ عبد المجيد النورسي نقل رفات أخيه بديع الزمان في مذكراته ، بعد خمسة أشهر من وفاته ، فقد قالوا له : سنقوم بنقل رفات أخيك الشيخ سعيد النورسي من أورفه.. وقاموا بهدم قبر بديع الزمان ، وقلت في نفسي: ( لابد أن عظام أخي الحبيب قد أصبحت رماداً ، ولكن ما إن لمست الكفن ، حتى خيل إلي أنه قد توفي بالأمس ، كان الكفن سليماً ، ولكنه كان مصفراً بعض الشيء من جهة الرأس كانت هناك بقعة واحدة على شكل قطرة ماء). وهكذا نقله العسكر بطائرة مروحية إلى جهة مجهولة ، وكأن الله العلي القدير قد استجاب لرغبة الإمام بديع الزمان ، بأن يكون قبره مجهولاً. ضاق الأوباش بالإمام حياً ، فاضطهدوه ، وضاقوا به ميتاً فدفنوه في مكان لا يعرفه أحد.. وكذلك يفعلون ولكن هذا لا يضير الإمام ، فهو من الصالحين ومع الصالحين، ( يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ، والله متم نوره ولو كره الكافرون ) وها هم أولاء تلاميذ النورسي يملؤون تركيا ، ويعملون من أجل الإسلام ودحض الكفر والشرك والعمالة والظلم ، مهما غلا الثمن لأن سلعة الله أغلى. نقلا عن : موقع التاريخ . http://www.altareekh.com #META# tafseernam: None #META# islamshort: 0 #META# onum: 7849 #META# over: 1 #META# seal: A180B49E #META# oauth: 40 #META# bver: 1 #META# pdf: 0 #META# oauthver: 1 #META# vername: None #META# cat: علوم القرآن #META# lng: بديع الزمان سعيد النورسي #META# higrid: 1379 #META# ad: 1379 #META# aseal: D54EC042 #META# blnk: None #META# pdfcs: 0 #META# ScrapeDate: 2019-10-16 #META# ScrapeURL: http://shamela.ws/index.php/book/7849 #META#Header#End# ### | CHECK الفاتحة # بسم الله الرحمن الرحيم # (الرحمن * علم القرآن * خلق الانسان * علمه البيان) # فنحمده مصلين على نبيه محمد الذي ارسله رحمة للعالمين وجعل معجزته الكبرى ~~الجامعة برموزها واشاراتها لحقائق الكائنات باقية على مر الدهور الى يوم ~~الدين وعلى آله عامة واصحابه كافة. # أما بعد؛ فاعلم! # اولا: ان مقصدنا من هذه الاشارات تفسير جملة من رموز نظم القرآن؛ لأن ~~الاعجاز يتجلى من نظمه. وما الاعجاز الزاهر الا نقش النظم. # وثانيا: ان المقاصد الاساسية من القرآن وعناصره الاصلية اربعة: التوحيد ~~والنبوة والحشر والعدالة؛ لانه: # لما كان بنو آدم كركب وقافلة متسلسلة راحلة من أودية الماضي وبلاده، ~~سافرة في صحراء الوجود والحياة، ذاهبة الى شواهق الاستقبال، متوجهة الى ~~جناته، فتهتز بهم المناسبات وتتوجه اليهم الكائنات. كأنه ارسلت حكومة ~~الخلقة فن الحكمة مستنطقا وسائلا منهم ب "يا بني آدم! من أين؟ الى أين؟ ~~ماتصنعون؟ من سلطانكم؟ من خطيبكم؟ " # فبينما المحاورة، اذ قام من بين بني آدم - كأمثاله الأماثل من الرسل اولي ~~العزائم - سيد نوع البشر محمد الهاشمي صلى الله عليه وسلم وقال بلسان ~~القرآن: # "ايها الحكمة! نحن معاشر الموجودات نجئ بارزين من ظلمات العدم بقدرة ~~سلطان الازل، الى ضياء الوجود.. ونحن معاشر بني آدم بعثنا بصفة المأمورية ~~ممتازين من بين اخواننا الموجودات بحمل الامانة.. ونحن على جناح السفر من ~~طريق الحشر PageV01P023 # الى السعادة الابدية، ونشتغل الآن بتدارك تلك السعادة وتنمية الاستعدادات ~~التي هى رأس مالنا.. وانا سيدهم وخطيبهم. فها دونكم منشوري! وهو كلام ذلك ~~السلطان الأزلي تتلألأ عليه سكة الاعجاز. والمجيب عن هذه الاسئلة الجواب ~~الصواب ليس الا القرآن، ذلك الكتاب.. # كان 1 هذه الاربعة عناصره الاساسية. # فكما تتراءى هذه المقاصد الاربعة في كله، كذلك قد تتجلى في سورة سورة، بل ~~قد يلمح بها في كلام كلام، بل قد يرمز اليها في كلمة كلمة؛ لان كل جزء فجزء ~~كالمرآة لكل فكل متصاعدا، كما ان الكل يتراءى في جزء فجزء متسلسلا. # ولهذه النكتة - اعني اشتراك الجزء مع الكل - يعرف القرآن المشخص كالكلي ~~ذي الجزئيات؟. # ان ms001 قلت: ارني هذه المقاصد الاربعة في "بسم الله" وفي "الحمد لله". # قلت: لما انزل (بسم الله) لتعليم العباد كان "قل" مقدرا فيه. وهو الأم في ~~تقدير الاقوال القرآنية 2. فعلى هذا يكون في "قل" اشارة الى الرسالة.. وفي ~~(بسم الله) رمز الى الالوهية.. وفي تقديم الباء تلويح الى التوحيد 3.. وفي ~~(الرحمن) تلميح الى نظام العدالة والاحسان.. وفي (الرحيم) ايماء الى الحشر. # وكذلك في (الحمد لله) اشارة الى الالوهية.. وفي لام الاختصاص رمز الى ~~التوحيد.. وفي (رب العالمين) ايماء الى العدالة والنبوة ايضا؛ لان بالرسل ~~تربية نوع البشر.. وفي (مالك يوم الدين) تصريح بالحشر. # حتى ان صدف (انا اعطيناك الكوثر) 4 يتضمن هذه الجواهر. هذا مثالا فانسج ~~على منواله. PageV01P024 # (بسم الله) كالشمس يضئ نفسه كغيره، فاستغنى. حتى ان باءه متعلقة بالفعل ~~المفهوم من معناها - اي: استعين به، او المفهوم عرفا، أي: أتيمن به، أو بما ~~يستلزمه "قل" المقدر من "أقرأ" - المؤخر للاخلاص والتوحيد 1. # اما "الاسم" فاعلم! ان لله اسماء ذاتية، واسماء فعلية متنوعة كالغفار ~~والرزاق والمحيي والمميت وأمثالها. وتنوعها وتكثرها بسبب تعدد نسبة القدرة ~~الازلية الى انواع الكائنات 2. فكأن (بسم الله) استنزال لتأثير وتعلق ~~القدرة ليكون ذلك التعلق روحا ممدا لكسب العبد. # (الله) لفظة الجلال نسخة جامعة لجميع الصفات الكمالية لدلالتها التزاما ~~عليه؛ بسر استلزام ذاته تعالى لصفاته بخلاف سائر الأعلام، لعدم الاستلزام. # (الرحمن الرحيم) # وجه النظم: ان لفظ الجلال كما يتجلى منه الجلال بسلسلته، كذلك يتراءى ~~الجمال بسلسلته من (الرحمن الرحيم) . اذ الجلال والجمال اصلان تسلسل منهما ~~- بتجليهما في كل عالم - فروع: كالامر والنهي، والثواب والعذاب، والترغيب ~~والترهيب، والتسبيح والتحميد، والخوف والرجاء الى آخره. . # وايضا كما ان لفظ الجلال اشارة الى الصفات العينية والتنزيهية؛ كذلك ~~"الرحيم" ايماء الى الصفات الغيرية الفعلية؛ و"الرحمن" رمز الى الصفات ~~السبع التي هي لا عين ولاغير؛ اذ "الرحمن" بمعنى الرزاق، وهو عبارة عن ~~اعطاء البقاء. والبقاء تكرر الوجود. والوجود يستلزم صفة مميزة وصفة مخصصة ~~وصفة مؤثرة، وهي العلم والارادة والقدرة. والبقاء الذي هو ثمرة اعطاء الرزق ms002 ~~يقتضي عرفا ثبوت البصر والسمع والكلام؛ اذ لابد للرزاق من البصر ليرى حاجة ~~المرزوق إن لم يطلب، ومن السمع ليستمع كلامه إن طلب، ومن الكلام ليتكلم مع ~~الواسطة إن كانت. وهذه الست تستلزم السابعة التي هي الحياة. PageV01P025 # ان قلت: تذييل "الرحمن" الدال على النعم العظيمة ب "الرحيم" الدال على ~~النعم الدقيقة يكون صنعة التدلي. والبلاغة في صنعة الترقي من الادنى الى ~~الاعلى؟ # قلت: تذييل للتتميم كالاهداب للعين واللجام للفرس.. وايضا لما توقفت ~~العظيمة على الدقيقة، كانت الدقيقة ارقى كالمفتاح للقفل واللسان للروح.. ~~وايضا لما كان هذا المقام مقام التنبيه على مواقع النعم كان الأخفى أجدر ~~بالتنبيه، فيكون صنعة التدلي في مقام الامتنان والتعداد صنعة الترقي في ~~مقام التنبيه. # ان قلت: "الرحمن" و"الرحيم" كامثالهما بمبادئها محال في حقه تعالى كرقة ~~القلب. وان اريد منها النهايات 1 فما حكمة المجاز؟ # قلت: هي حكمة المتشابهات 2؛ وهي التنزلات الالهية الى عقول البشر؛ لتأنيس ~~الاذهان وتفهيمها، كمن تكلم مع صبي بما يألفه ويأنس به. فان الجمهور من ~~الناس يجتنون معلوماتهم عن محسوساتهم ولا ينظرون الى الحقائق المحضة الا في ~~مرآة متخيلاتهم ومن جانب مألوفاتهم.. وايضا المقصود من الكلام: افادة ~~المعنى، وهي لاتتم الا بالتأثير في القلب والحس، وهو لايحصل الا بإلباس ~~الحقيقة اسلوب مألوف المخاطب وبه يستعد القلب للقبول. # (الحمد) # وجه النظم مع ما قبله: ان "الرحمن" و"الرحيم" لما دلتا على النعم ~~استوجبتا تعقيب الحمد. ثم ان (الحمد لله) قد كررت في أربع سور من القرآن 3، ~~كل واحدة منها ناظرة الى نعمة من النعم الاساسية التي هي: النشأة الاولى، ~~والبقاء فيها؛ والنشأة الاخرى، والبقاء بعدها. 4 PageV01P026 # ثم وجه نظمه في هذا المقام، أي جعله فاتحة فاتحة القرآن هو: انه كتصور ~~العلة الغائية 1 المقدم في الذهن؛ لان الحمد صورة اجمالية للعبادة التي هي ~~نتيجة للخلقة، والمعرفة التي هي حكمة وغاية للكائنات. فكأن ذكره تصور للعلة ~~الغائية.. وقد قال عز وجل (وماخلقت الجن والإنس الا ليعبدون) # ثم ان المشهور من معاني الحمد اظهار الصفات الكمالية. # وتحقيقه: ms003 ان الله سبحانه خلق الانسان وجعله نسخة جامعة للكائنات، وفهرستة ~~3 لكتاب العالم المشتمل على ثمانية عشر الف عالم، وأودع في جوهره انموذجا ~~من كل عالم تجلى فيه اسم من اسمائه تعالى. فاذا صرف الانسان كل ماانعم عليه ~~الى ماخلق لأجله ايفاء للشكر العرفي - الداخل تحت الحمد - وامتثالا للشريعة ~~التي هي جلاء لصدأ الطبيعة، يصير كل انموذج مشكاة لعالمه ومرآة له وللصفة ~~المتجلية فيه والاسم المتظاهر منه. فيكون الانسان بروحه وجسمه خلاصة عالمي ~~الغيب والشهادة، ويتجلى فيه ما تجلى فيهما. # فبالحمد يصير الانسان مظهرا للصفات الكمالية الالهية. يدل على هذا قول ~~محي الدين العربي 4 في بيان حديث (كنت كنزا مخفيا فخلقت الخلق ليعرفوني) 5 ~~أي: فخلقت الخلق ليكون مرآة أشاهد فيها جمالي. PageV01P027 # (لله) أي الحمد مختص ومستحق للذات 1 الاقدس المشخص الذي يلاحظ بمفهوم ~~"الواجب الوجود" 2 اذ قد يلاحظ المشخص بأمر عام. وهذه اللام متعلقة بمعنى ~~نفسها، كأنها تشربت معنى متعلقها 3. وفي اللام اشارة الى الاخلاص والتوحيد. # (رب) أي الذي يربي العالم بجميع اجزائه، التي كل منها كالعالم عالم؛ ~~وذراته كنجومه متفرقة متحركة بالانتظام. # واعلم! ان الله عز وجل عين لكل شيء نقطة كمال وأودع فيه ميلا اليها، كأنه ~~أمره أمرا معنويا ان يتحرك به اليها، وفي سفره يحتاج الى ما يمده ودفع ما ~~يعوقه، وذلك بتربيته عز وجل. لو تأملت في الكائنات لرأيتها كبني آدم طوائف ~~وقبائل يشتغل كل منفردا ومجتمعا بوظيفته التي عينها له صانعه ساعيا مجدا ~~مطيعا لقانون خالقه. فما اعجب الانسان كيف يشذ! # (العالمين) الياء والنون إما: علامة للاعراب فقط ك "عشرين وثلاثين".. أو ~~للجمعية؛ لأن اجزاء العالم عوالم.. أو العالم ليس منحصرا في المنظومة ~~الشمسية. قال الشاعر: # الحمد لله كم لله من فلك تجري النجوم به والشمس والقمر # وآثر جمع العقلاء مثل (رأيتهم لي ساجدين) 4 اشارة الى ان نظر البلاغة ~~يصور كل جزء من أجزاء العالم بصورة حي عاقل متكلم بلسان الحال. اذ العالم ~~اسم مايعلم به الصانع ويشهد عليه ويشير اليه. ms004 فالتربية والإعلام يوميان - ~~كالسجود - الى انها كالعقلاء. # (الرحمن الرحيم) # وجه النظم: انهما اشارتان الى أساسي التربية؛ اذ "الرحمن" لكونه بمعنى ~~الرزاق يلائم جلب المنافع؛ و"الرحيم" لكونه بمعنى الغفار يناسب دفع المضار ~~وهما الاساسان للتربية. PageV01P028 # (مالك يوم الدين) اي يوم الحشر والجزاء. # وجه النظم: انه كالنتيجة لسابقه؛ اذ الرحمة من أدلة القيامة والسعادة ~~الابدية؛ لان الرحمة انما تكون رحمة، والنعمة نعمة إذا جاءت القيامة وحصلت ~~السعادة الابدية. وإلا فالعقل الذي هو من اعظم النعم يكون مصيبة على ~~الانسان، والمحبة والشفقة اللتان هما من ألطف انواع الرحمة تتحولان ألما ~~شديدا بملاحظة الفراق الابدي. # إن قلت: ان الله تعالى مالك لكل شيء دائما فما وجه الاختصاص؟ 1 # قلت: للاشارة الى ان الاسباب الظاهرية التي وضعها الله تعالى في عالم ~~الكون والفساد لإظهار عظمته - أي لئلا يرى في ظاهر نظر العقل مباشرة يد ~~القدرة بالامور الخسيسة في جهة ملك الأشياء - ترتفع في ذلك اليوم وتتجلى ~~ملكوتية كل شيء صافية شفافة، بحيث يرى ويعرف كل شيء سيده وصانعه بلا واسطة. ~~وفي التعبير بلفظ "اليوم" إشارة الى امارة حدسية من امارات الحشر بناء على ~~التناسب البين بين اليوم والسنة، وعمر البشر ودوران الدنيا. كالكائن بين ~~اميال الساعة العادة للثواني والدقائق والساعات والايام. فكما ان من يرى ~~ميلا أتم دوره يحدس في نفسه ان من شأن الآخر أيضا ان يتم دوره وإن كان ~~بمهلة؛ كذلك ان من يرى القيامة النوعية المكررة في أمثال اليوم والسنة ~~يتحدس بتولد ربيع السعادة الأبدية في صبح يوم الحشر للإنسان الذي شخصه كنوع. # والمراد من (الدين) إما الجزاء، أي يوم جزاء الأعمال الخيرية والشرية، أو ~~الحقائق الدينية، أي يوم طلوعها وظهورها وغلبة دائرة الاعتقاد على دائرة ~~الاسباب؛ لأن الله عز وجل أودع بمشيئته في الكائنات نظاما يربط الاسباب ~~بالمسببات وألجأ الانسان بطبيعته ووهمه وخياله الى ان يراعي ذلك النظام ~~ويرتبط به. وكذا وجه كل شيء اليه وتنزه عن تأثير الاسباب في ملكه. وكلف ~~الانسان اعتقادا وايمانا بان يراعي تلك الدائرة بوجدانه وروحه ms005 ويرتبط بها. ~~ففي الدنيا دائرة الاسباب غالبة على دائرة الاعتقاد؛ وفي الأخرى تتجلى ~~حقائق العقائد غالبة على دائرة الاسباب. # واعلم! ان لكل من هاتين الدائرتين مقاما معينا وأحكاما مخصوصة، فلابد ان ~~يعطى كل حقه. فمن نظر في مقام دائرة الاسباب بطبيعته ووهمه وخياله ومقاييس PageV01P029 # الاسباب، الى دائرة الاعتقاد اضطر الى الاعتزال. ومن نظر في مقام ~~الاعتقاد ومقاييسه بروحه ووجدانه الى دائرة الاسباب أنتج له توكلا تنبليا 1 ~~وتمردا في مقابلة المشيئة النظامة. # (اياك نعبد) في "الكاف" نكتتان: # احداهما: تضمن الخطاب بسر الالتفات 2 للاوصاف الكمالية المذكورة، اذ ~~ذكرها شيئا شيئا يحرك الذهن ويعده ويملأه شوقا ويهزه للتوجه الى الموصوف. ~~ف"اياك" أي: يامن هو موصوف بهذه الصفات. # والاخرى: ان الخطاب يشير الى وجوب ملاحظة المعاني في مذهب البلاغة ليكون ~~المقروء كالمنزل، فينجر طبعا وذوقا الى الخطاب. ف "اياك" يتضمن الامتثال ب ~~(أعبد ربك كأنك تراه) . 3 # والتكلم مع الغير في (نعبد) لوجوه ثلاثة: # أي نعبد نحن معاشر أعضاء وذرات هذا العالم الصغير - وهو أنا - بالشكر ~~العرفي الذي هو إطاعة كل لما أمر به.. ونحن معاشر الموحدين نعبدك باطاعة ~~شريعتك.. ونحن معاشر الكائنات نعبد شريعتك الكبرى الفطرية 4 ونسجد بالحيرة ~~والمحبة تحت عرش عظمتك وقدرتك. # وجه النظم: ان "نعبد" بيان وتفسير ل "الحمد" ونتيجة ولازم ل (مالك يوم ~~الدين) . # واعلم! ان تقديم "اياك" للاخلاص الذي هو روح العبادة. وان في خطاب الكاف ~~رمزا الى علة العبادة لان من اتصف بتلك الاوصاف الداعية الى الخطاب استحق ~~العبادة. # (واياك نستعين) هذه ك (اياك نعبد) باعتبار الجماعات الثلاث: PageV01P030 # اي نحن معاشر الاعضاء ومعاشر الموحدين ومعاشر الكائنات نطلب منك التوفيق ~~والاعانة على كل الحاجات والمقاصد التي أهمها عبادتك. # كرر "اياك" لتزييد لذة الخطاب والحضور.. ولأن مقام العيان أعلى وأجل من ~~مقام البرهان.. ولأن الحضور أدعى الى الصدق وبأن لايكذب.. ولاستقلال كل من ~~المقصدين. # واعلم! ان نظم "نستعين" مع "نعبد": # كنظم الاجرة مع الخدمة، لأن العبادة حق الله على العبد، والاعانة إحسانه ~~تعالى لعبده. وفي حصر "اياك" ms006 إشارة الى ان بهذه النسبة الشريفة التي هي ~~العبادة والخدمة له تعالى يترفع العبد عن التذلل للاسباب والوسائط، بل تصير ~~الوسائط خادمة له وهو لايعرف الا واحدا، فيتجلى حكم دائرة الاعتقاد ~~والوجدان كما مر. ومن لم يكن خادما له تعالى بحق يصير خادما للاسباب ~~ومتذللا للوسائط. لكن يلزم على العبد وهو في دائرة الاسباب ان لايهمل ~~الاسباب بالمرة لئلا يكون متمردا في مقابلة النظام المودع بحكمته ومشيئته ~~تعالى، لأن التوكل في تلك الدائرة عطالة كما مر. # وكنظم المقدمة مع المقصود لأن الاعانة والتوفيق مقدمة العبادة. # (اهدنا) # وجه النظم: انه جواب العبد عن سؤاله تعالى كأنه يسأل: أي مقاصدك أعلق ~~بقلبك؟ فيقول العبد: اهدنا. # واعلم! ان "اهدنا" بسبب تعدد مراتب معانيه - بناء على تنوع مفعوله الى ~~الهادين والمستهدين والمستزيدين وغيرهم - كأنه مشتق من المصادر الاربعة ~~لفعل الهداية. فاهدنا باعتبار معشر "ثبتنا"، وبالنظر الى جماعة "زدنا"، ~~وبالقياس الى طائفة "وفقنا" والى فرقة "اعطنا".. وأيضا ان الله تعالى بحكم ~~(أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) 1 هدانا بإعطاء الحواس الظاهرة والباطنة، ثم ~~هدانا بنصب الدلائل الآفاقية والأنفسية، ثم هدانا بارسال الرسل وانزال ~~الكتب، ثم هدانا أعظم الهداية بكشف الحجاب عن الحق فظهر الحق حقا والباطل باطلا. # اللهم ارنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وارنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه. PageV01P031 # (الصراط المستقيم) # اعلم! أن الصراط المستقيم هو العدل الذي هو ملخص الحكمة والعفة والشجاعة ~~اللاتي هي أوساط للمراتب الثلاث للقوى الثلاث. # توضيحه: # ان الله عز وجل لما اسكن الروح في البدن المتحول المحتاج المعروض للمهالك ~~أودع لإدامتها فيه قوى ثلاثا. # إحداها: القوة الشهوية البهيمية الجاذبة للمنافع. # وثانيتها: القوة الغضبية السبعية الدافعة للمضرات والمخربات. # وثالثتها: القوة العقلية الملكية المميزة بين النفع والضر. # لكنه تعالى - بحكمته المقتضية لتكمل البشر بسر المسابقة - لم يحدد ~~بالفطرة تلك القوى كما حدد قوى سائر الحيوانات، وإن حددها بالشريعة؛ لأنها ~~تنهي عن الافراط والتفريط وتأمر بالوسط، يصدع عن هذا (فاستقم كما أمرت) 1. ~~وبعدم التحديد الفطري يحصل مراتب ثلاث: مرتبة النقصان وهي التفريط، ~~والزيادة ms007 وهي الافراط، والوسط وهي العدل. # فتفريط القوة العقلية الغباوة والبلادة، وافراطها الجربزة 2 الخادعة ~~والتدقيق في سفاسف الامور، ووسطها الحكمة. (ومن يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا) # اعلم! انه كما تنوع اصل هذه القوة الى تلك المراتب، كذلك كل فرع من ~~فروعها يتنوع الى هذه الثلاث. مثلا: في مسألة خلق الافعال: مذهب أهل السنة ~~وسط الجبر والاعتزال 4، وفي الاعتقاد: مذهب التوحيد وسط التعطيل والتشبيه.. ~~وعلى هذه القياس. PageV01P032 # وتفريط القوة الشهوية الخمودة وعدم الاشتياق الى شيء، وافراطها الفجور بأن ~~يشتهي ما صادف حل أو حرم، ووسطها العفة بأن يرغب في الحلال ويهرب عن ~~الحرام. وقس على الاصل كل فرع من فروعاته من الاكل والشرب واللبس وأمثالها. # وتفريط القوة الغضبية الجبانة أي الخوف مما لايخاف منه والتوهم، وافراطها ~~التهور الذي هو والد الاستبداد والتحكم والظلم، ووسطها الشجاعة أي بذل ~~الروح بعشق وشوق لحماية ناموس 1 الاسلامية واعلاء كلمة التوحيد. وقس عليها ~~فروعها.. # فالاطراف الستة ظلم والاوساط الثلاثة هي العدل الذي هو الصراط المستقيم، ~~اي العمل ب (فاستقم كما امرت) 2 ومن مر على هذا الصراط يمر على الصراط ~~الممتد على النار. # (صراط الذين انعمت عليهم) # اعلم! ان نظم درر القرآن ليس بخيط واحد بل النظم - في كثير - نقوش تحصل ~~من نسج خطوط نسب متفاوتة قربا وبعدا، ظهورا وخفاء. لان أساس الاعجاز بعد ~~الايجاز هذا النقش. مثلا: صراط الذين انعمت عليهم يناسب: # (الحمد لله) لان النعمة قرينة الحمد.. # و (رب العالمين) لان كمال التربية بترادف النعم.. # و (الرحمن الرحيم) لان المنعم عليهم - اعني الانبياء والشهداء والصالحين ~~- رحمة للعالمين ومثال ظاهر للرحمة.. # و (مالك يوم الدين) لان الدين هو النعمة الكاملة.. # و (نعبد) لانهم الائمة 3.. # و (نستعين) لانهم الموفقون.. # و (اهدنا) لانهم الاسوة بسر (فبهداهم اقتده) 4.. PageV01P033 # و (الصراط المستقيم) لظهور انحصار الطريق المستقيم في مسلكهم. هذا مثال ~~لك فقس عليه. . # وفي لفظ "الصراط" إشارة الى ان طريقهم مسلوكة محدودة الاطراف من سلكها ~~لايخرج عنها. # وفي لفظ "الذين" - بناء على انه موصول، ومن شأن الموصول ms008 ان يكون معهودا ~~نصب العين للسامع - اشارة الى علو شأنهم وتلألؤهم في ظلمات البشر، كأنهم ~~معهودون نصب العين لكل سامع وإن لم يتحر ولم يطلب.. وفي جمعيته رمز الى ~~إمكان الاقتداء بهم وحقانية مسلكهم بسر التواتر اذ (يد الله مع الجماعة) 1.. # وفي صيغة "انعمت" اشارة الى وسيلة طلب النعمة.. وفي نسبتها شافع له كأنه ~~يقول: ياالهي! من شأنك الانعام وقد أنعمت بفضلك، فأنعم علي وان لم استحق.. # وفي "عليهم" اشارة الى شدة اعباء الرسالة وحمل التكليف، وايماء الى انهم ~~كالجبال العالية تتلقىاعباء الرسالة وحمل التكليف، وايماء الى انهم كالجبال ~~العالية تتلقى شدائد المطر لإفاضة الصحارى. وما أجمل في (الذين انعمت ~~عليهم) يفسره (فاولئك مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين) 2 اذ القرآن يفسر بعضه بعضا. # ان قلت: مسالك الانبياء متفاوتة وعباداتهم مختلفة؟ # قيل لك: ان التبعية في اصول العقائد والاحكام؛ لانها مستمرة ثابتة دون ~~الفروعات التي من شأنها التغير بتبدل الزمان. فكما ان الفصول الاربعة ~~ومراتب عمر الانسان تؤثر في تفاوت الادوية والتلبس، فكم من دواء في وقت ~~يكون داء في آخر؛ كذلك مراتب عمر نوع البشر تؤثر في اختلاف فروعات الاحكام ~~التي هي دواء الارواح وغذاء القلوب. PageV01P034 # (غير المغضوب عليهم) . # وجه النظم: اعلم! ان هذا المقام لكونه مقام الخوف والتخلية يناسب ~~المقامات السابقة؛ فينظر بنظر الحيرة والدهشة الى مقام توصيف الربوبية ~~بالجلال والجمال، وبنظر الالتجاء الى مقام العبودية في "نعبد"، وبنظر العجز ~~الى مقام التوكل في "نستعين"، وبنظر التسلي الى رفيقه الدائمي أعني مقام ~~الرجاء والتحلية، اذ اول ما يتولد في قلب من يرى أمرا هائلا حس الحيرة ثم ~~ميل الفرار ثم التوكل عند العجز ثم التسلي بعد ذلك الامر. # ان قلت: ان الله عز وجل حكيم غني فما الحكمة في خلق الشر والقبح والضلالة ~~في العالم؟ # قيل لك: اعلم! ان الكمال والخير والحسن في الكائنات هي المقصودة بالذات ~~وهي الكليات؛ وان الشر والقبح والنقصان جزئيات بالنسبة اليها قليلة تبعية ~~مغمورة في الخلقة، خلقها خالقها ms009 منتشرة بين الحسن والكمال، لا لذاتها، بل ~~لتكون مقدمة، وواحدا قياسيا، لظهور - بل لوجود - الحقائق النسبية للخير ~~والكمال. # ان قلت: فما قيمة الحقائق النسبية حتى استحسن لأجلها الشر الجزئي؟ # قيل لك: ان الحقائق النسبية هي الروابط بين الكائنات.. وهي الخطوط ~~المنسوج منها نظامها.. وهي الاشعة المنعكس منها وجود واحد لانواعها. وان ~~الحقائق النسبية أزيد بألوف من الحقائق الحقيقية؛ اذ الصفات الحقيقية لذات ~~لو كانت سبعة كانت الحقائق النسبية سبعمائة. فالشر القليل يغتفر بل يستحسن ~~لاجل الخير الكثير؛ لان في ترك الخير الكثير - لان فيه شرا قليلا - شرا ~~كثيرا. وفي نظر الحكمة اذا قابل الشر القليل شرا كثيرا صار الشر القليل ~~حسنا بالغير، كما تقرر في الاصول في الزكاة والجهاد. # وما اشتهر من: "ان الاشياء انما تعرف باضدادها" معناه: ان وجود الضد سبب ~~لظهور ووجود الحقائق النسبية للشيء. مثلا: لو لم يوجد القبح ولم يتخلل بين ~~الحسن لما تظاهر وجود الحسن بمراتبه الغير 1 المتناهية. PageV01P035 # ان قلت: ما وجه تفاوت هذه الكلمات الثلاث: فعلا، واسم مفعول، واسم فاعل، ~~في: "انعمت" و "المغضوب" و "الضالين"؟ # وأيضا ما وجه التفاوت في ذكر: صفة الفرقة الثالثة، وعاقبة الصفة في ~~الفرقة الثانية، وعنوان صفة الفرقة الاولى باعتبار المآل؟ # قيل لك: اختار عنوان النعمة؛ لان النعمة لذة تميل النفس اليها.. وفعلا ~~ماضيا للاشارة الى ان الكريم المطلق شأنه ان لايسترد مايعطى.. وأيضا رمز ~~الى وسيلة المطلوب بإظهار عادة المنعم، كأنه يقول: لأن من شأنك الانعام وقد ~~أنعمت فأنعم علي. # أما (غير المغضوب) فالمراد منه: الذين تجاوزوا بتجاوز القوة الغضبية ~~فظلموا، وفسقوا بترك الاحكام كتمرد اليهود. ولما كان في نفس الفسق والظلم ~~لذة منحوسة وعزة خبيثة لا تتنفر منه النفس ذكر القرآن عاقبته التي تنفر كل ~~نفس وهي نزول غضبه تعالى.. واختار الاسم الذي من شأنه الاستمرار اشارة الى ~~ان العصيان والشر انما يكون سمة اذا لم ينقطع بالتوبة والعفو. # أما (ولا الضالين) فالمراد منه: الذين ضلوا عن الطريق بسبب غلبة الوهم ~~والهوى على العقل والوجدان ووقعوا ms010 في النفاق بالاعتقاد الباطل كسفسطة ~~النصارى. اختار القرآن نفس صفتهم لان نفس الضلالة ألم، ينفر النفس ويجتنب ~~منه الروح وإن لم ير النتيجة.. وإسما لأن الضلالة انما تكون ضلالة اذا لم ~~تنقطع. 1 PageV01P036 # واعلم! ان كل الالم في الضلالة وكل اللذة في الايمان. # فإن شئت تأمل في حال شخص، بينما اخرجته يد القدرة من ظلمات العدم وألقته ~~في الدنيا - تلك الصحراء الهائلة - اذ يفتح عينيه مستعطفا، فيرى البليات ~~والعلل كالاعداء تتهاجم عليه، فينظر مسترحما الى العناصر والطبائع فيراها ~~غليظة القلب بلا رحمة قد كشرت عليه الاسنان؛ فيرفع رأسه - مستمدا - الى ~~الاجرام العلوية فيراها مهيبة ومدهشة تهدده كأنها مرامي 1 نارية من أفواه ~~هائلة تمر حواليه؛ فيتحير ويخفض رأسه متسترا ويطالع نفسه؛ فيسمع الوف صيحات ~~حاجاته وأنين فاقاته، فيتوحش، فينظر الى وجدانه ملتجأ؛ فيرى فيه الوفا من ~~آمال متهيجة ممتدة لاتشبعها الدنيا. # فبالله عليك كيف حال هذا الشخص ان لم يعتقد بالمبدأ والمعاد والصانع ~~والحشر؟ أتظن جهنم أشد عليه من حاله وأحرق لروحه؟ فإن له حالة تركبت من ~~الخوف والهيبة والعجز والرعشة والقلق والوحشة واليتم واليأس؛ لأنه اذا راجع ~~قدرته يراها عاجزة ضعيفة؛ واذا توجه الى تسكين حاجاته يراها لاتسكت؛ واذا ~~صاح واستغاث لايسمع ولا يغاث فيظن كل شيء عدوا، ويتخيل كل شيء غريبا فلا ~~يستأنس بشيء؛ ولا ينظر الى دوران الاجرام الا بنظر الخوف والدهشة والتوحش ~~المزعجة للوجدان. # ثم تأمل في حال ذلك الشخص اذا كان على الصراط المستقيم واستضاء وجدانه ~~وروحه بنور الايمان، كيف ترى انه اذا وضع قدمه في الدنيا وفتح عينيه فرأى ~~تهاجم العاديات الخارجية يرى اذا "نقطة استناد" يستند اليها في مقابلة تلك ~~العاديات، وهي معرفة الصانع فيستريح. ثم اذا فتش عن استعداداته وآماله ~~الممتدة الى الأبد يرى "نقطة استمداد" يستمد منها آماله وتتشرب منها ماء ~~الحياة وهي معرفة السعادة الابدية. واذ يرفع رأسه وينظر في الكائنات يستأنس ~~بكل شيء وتجتني عيناه من كل زهرة انسية وتحببا، ويرى في حركات الأجرام حكمة ~~خالقها ويتنزه بسيرها وينظر ms011 نظر العبرة والتفكر. كأن الشمس تناديه: أيها ~~الأخ! لاتتوحش مني فمرحبا بقدومك! نحن كلانا خادمان لذات واحد، مطيعان ~~لأمره. والقمر والنجوم والبحر وأخواتها يناجيه كل منها بلسانه الخاص وترمز ~~اليه: بأهلا وسهلا، أما تعرفنا؟ كلنا مشغولون PageV01P037 # بخدمة مالكك فلا تضجر ولا تتوحش ولا تخف من تهديد البلايا بنعراتها، فان ~~لجام كل بيد خالقك. # فذلك الشخص في الحالة الاولى يحس في أعماق وجدانه ألما شديدا فيضطر ~~للتخلص منه وتهوينه وابطال حسه بالتسلي، بالتغافل، بالاشتغال بسفاسف ~~الأمور، ليخادع وجدانه وينام روحه؛ والا احس بألم عميق يحرق أعماق وجدانه. ~~فبنسبة البعد عن الطريق الحق يتظاهر تأثير ذلك الالم. # وأما في الحالة الثانية فهو يحس في قعر روحه لذة عالية وسعادة عاجلة كلما ~~أيقظ قلبه وحرك وجدانه وأحس روحه استزاد سعادة واستبشر بفتح أبواب جنات ~~روحانية له. # اللهم بحرمة هذه السورة اجعلنا من اهل الصراط المستقيم. # *** PageV01P038 ### | CHECK البقرة # بسم الله الرحمن الرحيم # السورة الاولى من الزهراوين 1 # ان قلت: ان في القرآ ن الموجز المعجز أشياء مكررة تكرارا كثيرا في الظاهر ~~كالبسملة و"فبأي آلاء" الخ.. و"ويل يومئذ" الخ.. وقصة موسى وأمثالها، مع ان ~~التكرار يمل وينافي البلاغة. # قيل لك: "ما كل ما يتلألأ يحرق" فان التكرار قد يمل، لا مطلقا. بل قد ~~يستحسن وقد يسأم. فكما أن في غذاء الانسان ماهو قوت كلما تكرر حلا وكان ~~آنس، وما هو تفكه ان تكرر مل وان تجدد استلذ، كذلك في الكلام ما هو حقيقة ~~وقوت وقوة للافكار وغذاء للارواح كلما استعيد استحسن واستؤنس بمألوفه كضياء ~~الشمس. وفيه ماهو من قبيل الزينة والتفكه، لذته في تجدد صورته وتلون لباسه. # اذا عرفت هذا فاعلم! انه كما ان القرآن بمجموعه قوت وقوة للقلوب لايمل ~~على التكرار بل يستحلى على الإكثار منه، كذلك في القرآن ماهو روح لذلك ~~القوت كلما تكرر تلألأ 2 وفارت اشعة الحق والحقيقة من اطرافه، وفي ذلك ~~البعض ماهو أس الأساس والعقدة الحياتية والنور المتجسد بجسد سرمدي ك (بسم ~~الله الرحمن الرحيم) . فيا هذا شاور مذاقك ms012 ان كنت ذا مذاق!.. # هذا بناء على تسليم التكرار، والا فيجوز ان تكون قصة موسى مثلا مذكورة في ~~كل مقام لوجه مناسب من الوجوه المشتملة هي عليها. فان قصة موسى أجدى من ~~تفاريق العصا 3 أخذها القرآن بيده البيضاء فضة فصاغتها ذهبا، فخرت سحرة ~~البيان ساجدين لبلاغته. PageV01P039 # وكذا في "البسملة" جهات: من الاستعانة والتبرك والموضوعية بل الغايتية ~~والفهرستية للنقط الاساسية في القرآن. # وأيضا فيها مقامات: كمقام التوحيد ومقام التنزيه ومقام الثناء ومقام ~~الجلال والجمال ومقام الاحسان وغيرها. # وايضا فيها احكام ضمنية: كالاشارة الى التوحيد والنبوة والحشر والعدل ~~اعني المقاصد الاربعة المشهورة، مع ان في اكثر السور يكون المقصود بالذات ~~واحدا منها، والباقي استطراديا. فلم لايجوز ان يكون لجهة او حكم او مقام ~~منها مناسبة مخصوصة لروح السورة وتكون موضوعا للمقام بل فهرستة اجمالية ~~باعتبار تلك الجهات والمقامات؟ # *** PageV01P040 ### | AUTO الم # 1 # اعلم! ان ههنا مباحث اربعة: ### | AUTO الم # بحث الاول: # ان الاعجاز قد تنفس من افق ### | AUTO (الم) # لأن الاعجاز نور يتجلى من امتزاج لمعات لطائف البلاغة. وفي هذا ### | AUTO الم # بحث لطائف كل منها وإن دق لكن الكل فجر صادق. # منها: ان ### | AUTO (الم) # مع سائر اخواتها في أوائل السور تنصف كل الحروف الهجائية التي هي عناصر ~~كل الكلمات. فتأمل!. # ومنها: ان النصف ### | AUTO الم # أخوذ اكثر استعمالا من ### | AUTO الم # تروك. # ومنها: ان القرآن كرر من ### | AUTO الم # أخوذ ماهو ايسر على الألسنة كالألف واللام. # ومنها: انه ذكر ### | AUTO الم # قطعات في رأس تسع وعشرين سورة عدة الحروف الهجائية. 1 # ومنها: ان النصف ### | AUTO الم # أخوذ ينصف كل ازواج أجناس طبائع الحروف من ### | AUTO الم # هموسة و ### | AUTO الم # جهورة والشديدة والرخوة و ### | AUTO الم # ستعلية و ### | AUTO الم # نخفضة و ### | AUTO الم # نفتحة وغيرها، واما الاوتار فمن الثقيل القليل كالقلقلة؛ ومن الخفيف ~~الكثير كالذلاقة. 2 # ومنها: ان النصف ### | AUTO الم # أخوذ من طبائعها ألطف سجية. # ومنها: ان القرآن اختار طريقا في ### | AUTO الم # قطعات من بين اربعة وخمسمائة ms013 احتمال، لا يمكن تنصيف طبائع الحروف الا ~~بتلك الطريق، لان التقسيمات الكثيرة متداخلة ومشتبكة ومتفاوتة. ففي تنصيف ~~كل غرابة عجيبة. # فمن لم يجتن نور الاعجاز من مزج تلك اللمعات فلا يلومن الا ذوقه. PageV01P041 # المبحث الثاني: # اعلم ان (الم) كقرع العصا يوقظ السامع ويهز عطفه بأنه - بغرابته - طليعة ~~غريب وعجيب. # وفي هذا المبحث ايضا لطائف: # منها: ان التهجي وتقطيع الحروف في الاسم اشارة الى جنس ما يتولد منه ~~المسمى. # ومنها: ان التقطيع اشارة الى ان المسمى واحد اعتباري لا مركب مزجي. # ومنها: ان التهجي بالتقطيع تلميح الى إراءة مادة الصنعة؛ كإلقاء القلم ~~والقرطاس لمن يعارضك في الكتابة. كأن القرآن يقول: "أيها المعاندون ~~المدعون! انكم امراء الكلام، هذه المادة التي بين أيديكم هي التي أصنع فيها ~~ما أصنع". # ومنها: ان التقطيع المرمز الى الاهمال عن المعنى يشير الى قطع حجتهم ب ~~"إنا لانعرف الحقائق والقصص والاحكام حتى نقابلك". فكأن القرآن يقول: "لا ~~أطلب منكم إلا نظم البلاغة فجيئوا به مفتريات". # ومنها: ان التعبير عن الحروف باسمائها من رسوم أهل القراءة والكتابة 1، ~~ومن يسمعون منه الكلام امي مع محيطه، فنظرا الى السجية - مع ان اول ما ~~يتلقاهم خلاف المنتظر - يرمز إلى: "ان هذا الكلام لايتولد منه بل يلقى اليه". # ومنها: ان التهجي أساس القراءة ومبدؤها 2 فيومئ الى أن القرآن مؤسس لطريق ~~خاص ومعلم لأميين. # ومن لم ير نقشا عاليا من انتساج هذه الخيوط - وإن دق البعض - فهو دخيل في ~~صنعة البلاغة فليقلد فتاوى أهلها. PageV01P042 # المبحث الثالث: # ان (الم) إشارة إلى نهاية الايجاز، الذي هو ثاني أساسي الاعجاز. # وفيه لطائف: # منها: ان (الم) يرمز ويشير ويومئ ويلوح ويلمح بالقياس التمثيلي المتسلسل ~~الى: "ان هذا كلام الله الأزلي نزل به جبريل على محمد عليهما الصلاة ~~والسلام". لانه كما ان الاحكام المفصلة في مجموع القرآن قد ترتسم في سورة ~~طويلة إجمالا؛ وقد تتمثل سورة طويلة في قصيرة إشارة؛ وقد تندرج سورة قصيرة ~~في آية رمزا؛ وقد تندمج آية في كلام واحد تلويحا؛ وقد يتداخل كلام ms014 في كلمة ~~تلميحا، وقد تتراءى تلك الكلمة الجامعة في حروف مقطعة، ك "سين لام ميم".. ~~كالقرآن في البقرة، والبقرة في الفاتحة، والفاتحة في "بسم الله الرحمن ~~الرحيم" و "بسم الله الرحمن الرحيم" في البسملة المنحوتة 1؛ كذلك يجوز ذلك ~~في (الم) أيضا. # فبالاستناد الى هذا القياس التمثيلي المتسلسل، وباشارة (ذلك الكتاب) ~~يتجلى من (الم) : "هذا كلام الله الأزلي نزل به جبريل على محمد عليهما ~~الصلاة والسلام". # ومنها: ان الحروف المقطعة كالشفرة الإلهية أبرقها الى رسوله الذي عنده ~~مفتاحها. ولم يتطاول يد فكر البشر اليه بعد. # ومنها: ان (الم) اشارة الى شدة ذكاوة المنزل عليه رمزا الى ان الرمز له ~~كالتصريح. 2 # ومنها: ان التقطيع اشارة الى ان قيمة الحروف ليست في معانيها فقط بل ~~بينها مناسبات فطرية كمناسبة الاعداد، كشفها علم أسرار الحروف. # ومنها: ان (الم) خاصة، اشارة بالتقطيع الى المخارج الثلاثة من الحلق ~~والوسط والشفة، وترمز تلك الاشارة الى إجبار الذهن للدقة، وشق حجاب الألفة؛ ~~ليلجأ الى مطالعة عجائب ألوان نقش خلقة الحروف. PageV01P043 # فيا من صبغ يده بصنعة البلاغة! ركب قطعات هذه اللطائف وانظرها واحدة، ~~واستمع، لتقرأ عليك: "هذا كلام الله". # المبحث الرابع: # ان (الم) مع أخواتها لما برزت بتلك الصورة كانت كأنها تنادى: "نحن ~~الائمة؛ لا نقلد أحدا وما اتبعنا إماما، وأسلوبنا بديع، وطرزنا غريب". # وفيه لطائف: # منها: ان من ديدن الخطباء والفصحاء التأسي بمثال والنسج على منوال ~~والتمشي في طريق مسلوكة، مع انها لم يطمثهن قبله إنس ولا جان. # ومنها: ان القرآن بفواتحه ومقاطعه بقي بعد كما كان قبل، لم يماثل ولم ~~يقلد مع تآخذ أسباب التقليد والتأسي من شوق الأوداء وتحدي الاعداء. ان شئت ~~شاهدا فهذه ملايين من الكتب العربية! هل ترى واحدا منها يوازيه، أو يقع ~~قريبا منه؟ كلا! بل الجاهل العامي أيضا اذا قاسها معه وقابله بها ناداه ~~نظره ب "أن هذا ليس في مرتبتها". فإما هو تحت الكل وهو محال بالضرورة، وإما ~~هو فوق الكل وهو المطلوب، فهو نصيبه من درك الاعجاز. # ومنها: ان ms015 من شأن صنعة البشر انها تظهر اول ماتظهر خشنة ناقصة من وجوه، ~~يابسة من الطلاوة، ثم تتكمل وتحلو. مع ان اسلوب القرآن لما ظهر ظهر بطلاوة ~~وطراوة وشبابية، وتحدى مع الافكار المعمرين - بتلاحق الافكار وسرقة البعض ~~عن البعض - وغلبهم فأعلن بالغلبة: "انه من صنع خالق القوى والقدر". # فيا من استنشق نسيم البلاغة! أفلا يجتنى نحل ذهنك عن ازهار تلك المباحث ~~الاربعة شهد: "اشهد ان هذا كلام الله"؟ # *** PageV01P044 ### | AUTO ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين # 2 # مقدمة # اعلم! ان من اساس البلاغة الذي به يبرق حسن الكلام تجاوب الهيئات وتداعي ~~القيود وتآخذها على المقصد الاصلي، وامداد كل بقدر الطاقة للمقصد، الذي هو ~~كمجمع الاودية او الحوض المتشرب من الجوانب، بأن تكون مصداقا وتمثالا لما قيل: # عباراتنا شتى وحسنك واحد وكل الى ذاك الجمال يشير # مثلا: تأمل في آية (ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك) 1 المسوقة للتهويل ~~المستفاد من التقليل بسر انعكاس الضد من الضد. أفلا ترى التشكيك في "إن" ~~كيف يمد التقليل، والمس بدل الاصابة في "مست" كيف يشير الى القلة والتروح ~~فقط، والمرتية والتحقير في جوهر وصيغة وتنوين "نفحة" كيف تلوح بالقلة، ~~والبعضية في "من" كيف تومئ إليها، وتبديل النكال بال "عذاب" كيف يرمز ~~اليها، والشفقة المستفادة من ال "رب" كيف تشير اليها، وقس؟!.. فكل يمد ~~المقصد بجهته الخاصة. وقس على هذه الآية أخواتها. وبالخاصة (الم _ ذلك ~~الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين) لأن هذه الآية ذكرت لمدح القرآن واثبات ~~الكمال له. # ولقد تجاوب وتآخذ على هذا المقصد: القسم ب "الم" على وجه، واشارة "ذلك" ~~ومحسوسيته وبعديته، والألف واللام في "الكتاب"، وتوجيه اثباته ب "لاريب ~~فيه". فكل كما يمد المقصد ويلقي إليه حصته يرمز ويشف من تحته عن ما يستند ~~اليه من الدليل وإن دق. # فان شئت تأمل في القسم ب (الم) إذ إنه كما يؤكد، كذلك يشعر بالتعظيم ~~الموجه للنظر الموجب لانكشاف ماتحته من اللطائف المذكورة ليبرهن على الدعوى ~~المرموز اليها. PageV01P045 # وانظر الاشارة في (ذلك) المختصة بالرجوع ms016 الى الذات مع الصفات لتعلم انها ~~كما تفيد التعظيم - لانها اما اشارة الى المشار اليه ب "الم" او المبشر به ~~في التوراة والانجيل - كذلك تلوح بدليلها؛ اذ ما أعظم ما أقسم به! وما أكمل ~~ما بشر به التوراة والانجيل!.. ثم أمعن النظر في الاشارة الحسية الى الأمر ~~المعقول لترى انها كما تفيد التعظيم والاهمية؛ كذلك تشير الى ان القرآن ~~كالمغناطيس المنجذب اليه الأذهان، والمتزاحم عليه الأنظار المجبر لخيال كل ~~على الاشتغال به. فتظاهر بدرجة - تراه العيون من خلفها اذا راجعت الخيال - ~~يرمز بلسان الحال الى وثوقه بصدقه وتبريه عن الضعف والحيلة الداعيين الى ~~التستر.. ثم تفكر في البعدية المستفادة من "ذلك"؛ اذ انها كما تفيد علو ~~الرتبة المفيد لكماله؛ كذلك تومئ الى دليله بأنه بعيد عن ما سلك عليه ~~أمثاله. فإما تحت كل وهو باطل بالاتفاق، فهو فوق الكل. # ثم تدبر في "ال" (الكتاب) ؛ لانها كما تفيد الحصر العرفي المفيد للكمال؛ ~~تفتح باب الموازنة وتلمح بها الى ان القرآن كما جمع محاسن الكتب قد زاد ~~عليها فهو أكملها.. # ثم قف على التعبير ب "الكتاب" كيف يلوح بأن الكتاب لايكون من مصنوع الامي ~~الذي ليس من أهل القراءة والكتابة. # أما (لاريب فيه) ففيه وجهان: # إرجاع الضمير إلى الحكم، أو إلى الكتاب: # فعلى الاول -كما عليه المفتاح 1 - يكون بمعنى يقينا، وبلا شك، فيكون جهة ~~وتحقيقا لاثبات كماله. # وعلى الثاني - كما عليه الكشاف 2 - يكون تأكيدا لثبوت كماله. # وعلى الكل يناجي من تحت "لاريب" ب (وان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا ~~فأتوا بسورة من مثله) ويرمز الى دليله الخاص.. PageV01P046 # والاستغراق في "لا" بسبب اعدام الريوب الموجودة ينشد: # وكم من عائب قولا صحيحا وافته من الفهم السقيم 1 # ويشير الى ان المحل ليس بقابل لتولد الشكوك؛ اذ أقام على الثغور امارات ~~تتنادى من الجوانب وتطرد الريوب المتهاجمة عليه. # وفي ظرفية (فيه) والتعبير ب "في" بدل أخواتها اشارة الى انفاذ النظر في ~~الباطن. والى ان حقائقه تطرد وتطير الأوهام المتوضعة على سطحه ms017 بالنظر ~~الظاهر. # فيا من آنس قيمة التركيب من جانب التحليل، وأدرك فرق الكل عن كل! انظر ~~نظرة واحدة الى تلك القيود والهيئات لترى كيف يلقي كل حصته الى المقصد ~~المشترك مع دليله الخاص، وكيف يفور نور البلاغة من الجوانب. # اعلم! انه لم يربط بين جمل "الم.. ذلك الكتاب.. لاريب فيه.. هدى للمتقين" ~~بحلقات العطف لشدة الاتصال والتعانق بينها، وأخذ كل بحجز سابقتها وذيل ~~لاحقتها. فان كل واحدة كما انها دليل لكل بجهة؛ كذلك نتيجة لكل واحدة بجهة ~~اخرى. ولقد انتقش الاعجاز على هذه الآية بنسج اثني عشر من خطوط المناسبات ~~المتشابكة المتداخلة.. # ان شئت التفصيل تأمل في هذا: # (الم) فانها تومئ بالمآل الى: "هذا متحدى به، ومن يبرز الى الميدان؟ " ثم ~~تلوح بأنه معجز.. # وتفكر في (ذلك الكتاب) فانها تصرح بأنه ازداد على أخوته وطم عليها. ثم ~~تلمح بأنه مستثنى ممتاز لايماثل.. # ثم تدبر في (لاريب فيه) فانها كما تفصح عن انه ليس محلا للشك تعلن بأنه ~~منور بنور اليقين.. # ثم انظر في (هدى للمتقين) اذ انها كما تهدى اليك انه يري الطريق ~~المستقيم؛ تفيدك انه قد تجسم من نور الهداية. # فكل منها باعتبار المعنى الأول برهان لرفقائها وباعتبار المعنى الثاني ~~نتيجة لكل منها. PageV01P047 # ونذكر على وجه المثال ثلاثا من الروابط الثنتي عشرة لتقيس عليها البواقي: # ف (الم) أي: هذا يتحدى كل معارض، فهو أكمل الكتب، فهو يقيني؛ اذ كمال ~~الكتاب باليقين، فهو مجسم الهداية للبشر.. # ثم (ذلك الكتاب) اي: هو ازداد على أمثاله فهو معجز - او - اي: هو ممتاز ~~ومستثنى؛ إذ لاشك فيه؛ اذ إنه يري السبيل السوي للمتقين.. # ثم (هدى للمتقين) اي: يرشد الى الطريق المستقيم، فهو يقيني، فهو ممتاز، ~~فهو معجز.. وعليك باستنباط البواقي. # أما (هدى للمتقين) فاعلم! ان منبع حسن هذا الكلام من أربع نقط: # الاولى: حذف المبتدأ، اذ فيه اشارة الى ان حكم الاتحاد مسلم. كأن ذات ~~المبتدأ في نفس الخبر. حتى كأنه لاتغاير بينهما في الذهن أيضا. # والثانية: تبديل اسم الفاعل بالمصدر، اذ فيه ms018 رمز الى ان نور الهداية تجسم ~~فصار نفس جوهر القرآن؛ كما يتجسم لون الحمرة فيصير قرمزا. 1 # والثالثة: تنكير (هدى) اذ فيه إيماء الى نهاية دقة هداية القرآن حتى ~~لايكتنه كنهها، والى غاية وسعتها حتى لايحاط بها علما. اذ المنكورية إما ~~بالدقة والخفاء، وإما بالوسعة الفائتة عن الاحاطة. ومن هنا قد يكون التنكير ~~للتحقير وقد يكون للتعظيم. # والرابعة: الايجاز في (للمتقين) بدل "الناس الذين يصيرون متقين به" أوجز ~~بالمجاز الاول اشارة الى ثمرة الهداية وتأثيرها، ورمزا الى البرهان "الإني" ~~2 على وجود الهداية. فان السامع في عصر يستدل بسابقه كما يستدل به لاحقه. # ان قلت: كيف تتولد البلاغة الخارجة عن طوق البشر بسبب هذه النقط القليلة ~~المعدودة؟ PageV01P048 # قيل لك: ان في التعاون والاجتماع سرا عجيبا. لأنه اذا اجتمع حسن ثلاثة ~~اشياء صار كخمسة، وخمسة كعشرة، وعشرة كأربعين بسر الانعكاس. اذ في كل شيء ~~نوع من الانعكاس ودرجة من التمثيل. كما اذا جمعت بين مرآتين تتراءى فيهما ~~مرايا كثيرة، أو نورتهما بالمصباح يزداد ضياء كل بانعكاس الأشعة؛ فكذلك ~~اجتماع النكت والنقط. ومن هذا السر والحكمة ترى كل صاحب كمال وصاحب جمال ~~يرى من نفسه ميلا فطريا الى ان ينضم الى مثيله ويأخذ بيد نظيره ليزداد حسنا ~~الى حسنه. حتى ان الحجر مع حجريته اذا خرج من يد المعقد الباني في السقف ~~المحدب يميل ويخضع رأسه ليماس رأس أخيه ليتماسكا عن السقوط. فالانسان الذي ~~لايدرك سر التعاون لهو أجمد من الحجر؛ اذ من الحجر من يتقوس لمعاونة اخيه!. # ان قلت: من شأن الهداية والبلاغة البيان والوضوح وحفظ الاذهان عن التشتت، ~~فما بال المفسرين في امثال هذه الآية اختلفوا اختلافا مشتتا، واظهروا ~~احتمالات مختلفة، وبينوا وجوه تراكيب متباينة، وكيف يعرف الحق من بينها؟ # قيل لك: قد يكون الكل حقا بالنسبة الى سامع فسامع؛ اذ القرآن ما نزل لأهل ~~عصر فقط بل لأهل جميع الأعصار، ولا لطبقة فقط بل لجميع طبقات الانسان، ولا ~~لصنف فقط بل لجميع أصناف البشر. ولكل فيه حصة ونصيب من ms019 الفهم. والحال أن ~~فهم نوع البشر يختلف درجة درجة.. وذوقه يتفاوت جهة جهة.. وميله يتشتت جانبا ~~جانبا.. واستحسانه يتفرق وجها وجها.. ولذته تتنوع نوعا نوعا.. وطبيعته ~~تتباين قسما قسما. فكم من أشياء يستحسنها نظر طائفة دون طائفة، وتستلذها ~~طبقة ولا تتنزل اليها طبقة. وقس!.. # فلأجل هذا السر والحكمة أكثر القرآن من حذف الخاص للتعميم ليقدر كل مقتضى ~~ذوقه واستحسانه. ولقد نظم القرآن جمله ووضعها في مكان ينفتح من جهاته وجوه ~~محتملة لمراعاة الافهام المختلفة ليأخذ كل فهم حصته. وقس!.. فإذا يجوز أن ~~يكون الوجوه بتمامها مرادة بشرط أن لا تردها علوم العربية، وبشرط ان ~~تستحسنها البلاغة، وبشرط ان يقبلها علم أصول مقاصد الشريعة. # فظهر من هذه النكتة ان من وجوه اعجاز القرآن نظمه وسبكه في اسلوب ينطبق ~~على افهام عصر فعصر.. وطبقة فطبقة. # *** PageV01P049 ### | AUTO (الذين يؤمنون بالغيب) ### | AUTO الذين يؤمنون بالغيب # ويقيمون الصلوة ومما رزقناهم ينفقون 3 # اعلم! أن وجه نظم المحصل مع المحصل انصباب مدح القرآن الى مدح المؤمنين ~~وانسجامه به؛ اذ انه نتيجة له، وبرهان إني عليه، وثمرة هدايته، وشاهد عليه. ~~وبسبب تضمن التشويق اشارة الى جهة حصة هذه الآية من الهداية، والى انها ~~مثال لها. # اما وجه "الذين" مع "المتقين" فتشييع التخلية بالتحلية التي هي رفيقتها ~~أبدا؛ اذ التزيين بعد التنزيه، ألا ترى ان التقوى هي التخلي عن السيئات وقد ~~ذكرها القرآن بمراتبها الثلاث، وهي: ترك الشرك، ثم ترك المعاصي، ثم ترك ~~ماسوى الله. والتحلية فعل الحسنات: إما بالقلب او القالب او المال. فشمس ~~الاعمال القلبية "الايمان"، والفهرستة الجامعة للاعمال القالبية "الصلاة" ~~التي هي عماد الدين، وقطب الاعمال المالية "الزكاة" اذ هي قنطرة الاسلام. # اعلم! ان ### | AUTO (الذين يؤمنون بالغيب) # مع انه اذا نظرت الى مقتضى الحال ايجاز، الا انه اذا وازنت بينه وبين ~~مرادفه وهو "المؤمنون" تظنه إطنابا؛ فأبدل "ال" ب"الذين" الذي من شأنه ~~الاشارة الى الذات بالصلة فقط 1، كأنه لاصفة له الا هي للتشويق على ~~الايمان، والتعظيم له؛ والرمز الى ان الايمان هو المنار على ms020 الذات قد ~~تضاءلت تحته سائر الصفات.. وأبدل "مؤمنون" ب "يؤمنون" لتصوير وإظهار تلك ~~الحالة المستحسنة في نظر الخيال، وللاشارة الى تجدده بالاستمرار وتجليه ~~بترادف الدلائل الآفاقية والأنفسية، فكلما ازدادت ظهورا ازدادوا إيمانا. # (بالغيب) أي بالقلب، اي بالاخلاص بلا نفاق. ومع الغائبية.. وبالغائب.. ~~وبعالم الغيب.. PageV01P050 # واعلم! ان الايمان هو النور الحاصل بالتصديق بجميع ما جاء به النبي عليه ~~السلام تفصيلا في ضروريات الدين واجمالا في غيرها. # ان قلت: لايقتدر على التعبير عن حقائق الايمان من العوام من المائة الا واحد؟ # قيل لك: ان عدم التعبير ليس علما على عدم الوجود. فكما ان اللسان كثيرا ~~ما يتقاصر عن ان يترجم عن دقائق مافي تصورات العقل؛ كذلك قد لايتراءى بل ~~يتغامض عن العقل سرائر مافي الوجدان، فكيف يترجم عن كل مافيه؟ ألا ترى ذكاء ~~السكاكي 1 ذلك الامام الداهي قد تقاصر عن اجتناء دقائق ماأبرزته سجية امرئ ~~القيس 2، او بدوي آخر؟ فبناء على ذلك، الاستدلال على وجود الايمان في ~~العامي يثبت بالاستفسار والاستيضاح منه. بأن تستفسر من العامي بالسؤال ~~المردد بين النفي والاثبات هكذا: أيها العامي! أيمكن في عقلك أن يكون ~~الصانع الذي كان العالم بجهاته الست في قبضة تصرفه أن يتمكن 3 في جهة من ~~جهاته أو لا؟ فإن قال: لا. فنفي الجهة ثابت في وجدانه، وذلك كاف. وقس على هذا.. # ثم ان الايمان - كما فسره السعد 4 - نور يقذفه الله تعالى في قلب من يشاء ~~من عباده، أي بعد صرف الجزء الاختياري. فالايمان نور لوجدان البشر وشعاع من ~~شمس الازل يضئ دفعة ملكوتية الوجدان بتمامها. فينشر انسية له مع كل ~~الكائنات.. ويؤسس مناسبة بين الوجدان وبين كل شيء.. ويلقي في القلب قوة ~~معنوية يقتدر بها الانسان ان يصارع جميع الحوادث والمصيبات.. ويعطيه وسعة PageV01P051 # يقتدر بها ان يبتلع الماضي والمستقبل. وكما ان الايمان شعاع من شمس الأزل ~~1؛ كذلك لمعة من السعادة الابدية أي الحشر. فينمو بضياء تلك اللمعة بذور كل ~~الآمال، ونواة كل الاستعدادات المودعة في الوجدان، فتنبت ممتدة الى الابد، ~~فتنقلب ms021 نواة الاستعداد كشجرة طوبى. # (ويقيمون الصلوة) # اعلم! ان وجه النظم أظهر من الشمس في رابعة النهار. وان في تخصيص ~~"الصلاة" من بين حسنات القالب إشارة الى أنها فهرستة كل الحسنات وانموذجها ~~ومعكسها. كالفاتحة للقرآن، والانسان للعالم. لاشتمالها على نوع صوم وحج ~~وزكاة وغيرها، ولاشتمالها على انواع عبادات المخلوقات، الفطرية والاختيارية ~~من الملائكة الراكعين الساجدين القائمين، ومن الحجر الساجد، والشجر القائم، ~~والحيوان الراكع.. # ثم انه أقام "يقيمون" مقام "المقيمين" لإحضار تلك الحركة الحياتية ~~الواسعة والانتباه الروحاني الإلهي في العالم الاسلامي الى نظر السامع. ~~ووضع تلك الوضعية المستحسنة والحالة المنتظمة من نواحي نوع البشر نصب عين ~~الخيال، ليهيج ويوقظ ميلان السامع للتأسي؛ إذ من تأمل في تأثير النداء ~~بالآلة المعروفة 2 في نفرات العسكر المنتشرين المغمورين بين الناس وتحريك ~~النداء لهم دفعة، والقاء انتباه فيهم، وافراغهم في وضع مستحسن، وجمعهم تحت ~~نظام مستملح يرى في نفسه اشتياقا لأن ينساب اليهم. فهكذا الاذان المحمدي ~~بين الانسان في صحراء العالم (ولله المثل الاعلى) .. # وإنما لم يقتصر في مسافة الايجاز على "يصلون" بل اتمها ب (يقيمون الصلاة) ~~للاشارة الى اهمية مراعاة معاني "الاقامة" في الصلاة من تعديل الاركان، ~~والمداومة، والمحافظة، والجد، وترويجها في سوق العالم. تأمل! # ثم ان الصلاة نسبة عالية، ومناسبة غالية، وخدمة نزيهة بين العبد وسلطان ~~الازل، فمن شأن تلك النسبة ان يعشقها كل روح.. وأركانها متضمنة للأسرار ~~التي شرحها PageV01P052 # أمثال "الفتوحات المكية"، فمن شأن تلك الأسرار أن يحبها كل وجدان.. وانها ~~دعوة صانع الازل الى سرادق حضوره خمس دعوات في اليوم والليلة لمناجاته التي ~~هي في حكم المعراج. فمن شأنها ان يشتاقها كل قلب.. وفيها ادامة تصور عظمة ~~الصانع في القلوب وتوجيه العقول اليها لتأسيس اطاعة قانون العدالة الالهية، ~~وامتثال النظام الرباني. والانسان يحتاج الى تلك الادامة من حيث هو إنسان ~~لانه مدني بالطبع.. فيا ويل من تركها! وياخسارة من تكاسل فيها! وياجهالة من ~~لم يعرف قيمتها! فسحقا وبعدا وافا وتفا 1 لنفس من لم يستحسنها. # (ومما رزقناهم ينفقون) . # وجه النظم: انه ms022 كما ان الصلاة عماد الدين وبها قوامه؛ كذلك الزكاة قنطرة ~~الاسلام وبها التعاون بين أهله. # ثم ان من شروط ان تقع الصدقة موقعها اللائق: # ان لايسرف المتصدق فيقعد ملوما.. وان لايأخذ من هذا ويعطي لذاك؛ بل من ~~مال نفسه.. وان لايمن فيستكثر.. وان لايخاف من الفقر.. وان لايقتصر على ~~المال، بل بالعلم والفكر والفعل أيضا.. وان لايصرف الآخذ في السفاهة، بل في ~~النفقة والحاجة الضرورية. # فلإحسان هذه النكت، واحساس هذه الشروط تصدق القرآن على الأفهام بإيثار ~~(ومما رزقناهم ينفقون) على "يتصدقون" او "يزكون" وغيرهما؛ إذ أشار ب "من" ~~التبعيض الى رد الاسراف.. وبتقديم (مما) الى كونه من مال نفسه.. وب"رزقنا" ~~الى قطع المنة. أي: ان الله هو المعطي وانت واسطة.. وبالاسناد الى "نا" ~~الى: (لاتخف من ذي العرش اقلالا) 2.. وبالاطلاق الى تعميم التصدق للعلم ~~والفكر PageV01P053 # وغيرهما. وبمادة (ينفقون) الى شرط صرف الآخذ في النفقة والحاجات ~~الضرورية. # ثم ان في الحديث الصحيح (الزكاة قنطرة الاسلام) 1 أي: الزكاة جسر يغيث ~~المسلم أخاه المسلم بالعبور عليها؛ اذ هي الواسطة للتعاون المأمور به، بل ~~هي الصراط في نظام الهيئة الاجتماعية لنوع البشر، وهي الرابطة لجريان مادة ~~الحياة بينهم، بل هي الترياق للسموم الواقعة في ترقيات البشر. # نعم! في "وجوب الزكاة" و"حرمة الربا" حكمة عظيمة، ومصلحة عالية، ورحمة ~~واسعة؛ اذ لو أمعنت النظر في صحيفة العالم نظرا تاريخيا وتأملت في مساوي ~~جمعية البشر لرأيت اس أساس جميع اختلالاتها وفسادها، ومنبع كل الاخلاق ~~الرذيلة في الهيئة الاجتماعية كلمتين فقط: # إحداهما: "ان شبعت فلا علي ان يموت غيري من الجوع". # والثانية: "اكتسب انت لآكل انا. واتعب انت لأستريح انا". # فالكلمة الاولى الغدارة النهمة الشنعاء هي التي زلزلت العالم الانساني ~~فاشرف على الخراب. والقاطع لعرق تلك الكلمة ليس الا "الزكاة". # والكلمة الثانية الظالمة الحريصة الشوهاء هي التي هارت بترقيات البشر ~~فأوشك أن تنهار بها في نار الهرج والمرج. والمستأصل والدواء لتلك الكلمة ~~ليس إلا "حرمة الربا". فتأمل!.. # اعلم! ان شرط انتظام الهيئة الاجتماعية ان لا تتجافى طبقات ms023 الانسان، وان ~~لاتتباعد طبقة الخواص عن طبقة العوام، والأغنياء عن الفقراء بدرجة ينقطع ~~خيط الصلة بينهم. مع ان باهمال وجوب الزكاة وحرمة الربا انفرجت المسافة بين ~~الطبقات، وتباعدت طبقات الخواص عن العوام بدرجة لا صلة بينهما، ولا يفور من ~~الطبقة PageV01P054 # السفلى الى العليا إلا صدى الاختلال، وصياح الحسد، وأنين الحقد والنفرة ~~بدلا عن الاحترام والاطاعة والتحبب، ولا يفيض من العليا على السفلى بدل ~~المرحمة والاحسان والتلطيف إلا نار الظلم والتحكم، ورعد التحقير. فأسفا!.. ~~لأجل هذا قد صارت "مزية الخواص" التي هي سبب التواضع والترحم سببا للتكبر ~~والغرور. وصار "عجز الفقراء" و"فقر العوام" اللذان هما سببا المرحمة عليهم ~~والاحسان اليهم سببا لأسارتهم وسفالتهم.. وانشئت شاهدا فعليك بفساد ورذالة ~~حالة العالم المدني، فلك فيه شواهد كثيرة. ولا ملجأ للمصالحة بين الطبقات ~~والتقريب بينها الا جعل الزكاة - التي هي ركن من اركان الاسلامية - دستورا ~~عاليا واسعا في تدوير الهيئة الاجتماعية. # *** PageV01P055 ### | AUTO والذين يؤمنون بما أنزل اليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون # 4 # اعلم! ان القرآن أرسل النظم - أي لم يعين بوضع امارة وجها من وجوه ~~التراكيب في كثير من أمثال هذه الآية، لسر لطيف، هو منشأ الايجاز الذي هو ~~منشأ الاعجاز، وهو: # ان البلاغة هي مطابقة مقتضى الحال. والحال: ان المخاطبين بالقرآن على ~~طبقات متفاوتة، وفي اعصار مختلفة. فلمراعاة هذه الطبقات، ولمجاورة هذه ~~الاعصار، ليستفيد مخاطب كل نوع ماقدر له من حصته، حذف القرآن في كثير ~~للتعميم والتوزيع، واطلق في كثير للتشميل والتقسيم، وارسل النظم في كثير ~~لتكثير الوجوه، وتضمين الاحتمالات المستحسنة في نظر البلاغة والمقبولة عند ~~العلم العربي ليفيض على كل ذهن بمقدار ذوقه. فتأمل!.. # ثم ان وجه نظم هذه الآية بسابقتها: التخصيص بعد التعميم. ليعلن على رؤوس ~~الاشهاد شرف من آمن من اهل الكتاب، وليرد يد استغناء اهله في أفواههم، ~~وليأخذ يد امثال "عبد الله بن سلام" 1، ويشوق غيره لان يأتم به.. وأيضا ~~التنصيص على قسمي المتقين 2 للتصريح بشمول هداية القرآن لكافة الامم، ~~والتلويح لعموم رسالة محمد عليه ms024 السلام لقاطبة الملل.. وايضا التفصيل بعد ~~الاجمال لشرح اركان الايمان المندمجة في صدف يؤمنون بالغيب اذ دل على الكتب ~~والقيامة صراحة، وعلى الرسل والملائكة ضمنا. # ثم ان القرآن لم يوجز هنا بنحو (والمؤمنين بالقرآن) لترصيع هذا المعنى ~~بلطائف وتزيين ذيوله بنكت، فآثر (والذين يؤمنون بما أنزل اليك) . PageV01P056 # اذ في "الذين" رمز الى ان وصف الايمان هو مناط الحكم وان الذات مع سائر ~~الصفات تابعة له ومغمورة تحته. 1 # وفي (يؤمنون) بدل "المؤمنين" الدال على الثبوت في زمان، تلويح الى تجدد ~~الايمان بتواتر النزول وتكرر الظهور مستمرا. # وفي "ما" الابهام، إيماء الى ان الايمان مجملا قد يكفي، والى تشميل ~~الايمان للوحي الظاهر والباطن وهو الحديث. # وفي (انزل) باعتبار مادته اشارة الى ان الايمان بالقرآن هو الايمان ~~بنزوله من عند الله. كما ان الايمان بالله هو الايمان بوجوده، وباليوم ~~الآخر هو الايمان بمجيئه. وبالنظر الى صيغته الماضوية - مع انه لم يتم ~~النزول اذ ذاك - اشارة الى تحققه المنزلة بمنزلة الواقع مع ان مضارعية ~~"يؤمنون" تتلافى مافي ماضويته 2. بل لاجل هذا التنزيل ترى في اساليب ~~التنزيل كثيرا ما يبتلع الزمان الماضي المستقبل ويتزيا المضارع بزي الماضي، ~~اذ فيه بلاغة لطيفة. لان من سمع الماضي فيما لم يمض بالنسبة اليه اهتز ~~ذهنه، وتيقظ انه ليس وحده، وتذكر ان خلفه غيره من الصفوف بمسافات. حتى كأن ~~الاعصار مدارج والاجيال صفوف قاعدون خلفها. وتنبه ان الخطاب والنداء الموجه ~~اليه بدرجة من الشدة والعلو يسمعه كل الاجيال. وهو خطبة الهية انصت لها كل ~~الصفوف في كل الاعصار. فالماضي حقيقة في الكثير - في أكثر الأزمان - ومجاز ~~في القليل - في أقلها 3 - ومراعاة الاكثر أوفى لحق البلاغة. # وفي (اليك) بدل "عليك" رمز الى ان الرسالة وظيفة كلف بها النبي عليه ~~السلام وتحملها بجزئه الاختياري.. وإيماء الى علوه بخدمة جبرائيل بالتقديم ~~اليه؛ اذ في "على" شم اضطرار وعلو واسطة النزول.. وفي خطاب "اليك" بدل "الى ~~نحو محمد" تلويح الى ان محمدا عليه السلام ماهو إلا مخاطب والكلام كلام ~~الله.. وايضا ms025 معنى الخطاب تأكيد وتصوير لمعنى النزول الذي هو الوحي الذي هو ~~القرآن PageV01P057 # الذي هو خطاب الله معه الذي هو الخاصة النافذة في الكل. فكشف هذا الجزء ~~الحجاب عن حصته من تلك الخاصة. فظهر ان هذا الكلام بالنظر الى اشتماله على ~~هذه اللطائف المذكورة في نهاية الايجاز. # (وما انزل من قبلك) # اعلم! ان امثال هذه التوصيفات تتضمن تشويقا، يتضمن أحكاما انشائية. ~~كآمنوا كذا وكذا ولا تفرقوا. # ثم ان في هذا النظم والربط اربع لطائف: # إحداها: # عطف المدلول على الدليل. اي: "ياأيها الناس اذا آمنتم بالقرآن فآمنوا ~~بالكتب السابقة ايضا، اذ القرآن مصدق لها وشاهد عليها" بدليل (مصدقا لما ~~بين يديه) 1. # والثانية: # عطف الدليل على المدلول، أي: "ياأهل الكتاب اذا آمنتم بالانبياء السابقين ~~والكتب السالفة لزم عليكم ان تؤمنوا بالقرآن وبمحمد عليه السلام، لانهم قد ~~بشروا به، ولأن مدار صدقهم، ونزولها ومناط نبوتهم يوجد بحقيقته وبروحه في ~~القرآن بوجه اكمل وفي محمد عليه السلام بالوجه الأظهر. فيكون القرآن كلام ~~الله بالقياس الاولوي، ومحمد عليه الصلاة والسلام رسوله بالطريق الأولى". # والثالثة: # ان فيه اشارة الى ان مآل القرآن - اعني الاسلامية الناشئة في زمان ~~السعادة - كشجرة أصلها ثابت في أعماق الماضي، منتشرة العروق متشربة عن ~~منابع حياتها وقوتها، وفرعها في سماء الاستقبال ناشرة أغصانها مثمرة. أي ~~اخذت الاسلامية بقرني الماضي والاستقبال. PageV01P058 # والرابعة: # ان فيه اشارة الى تشويق اهل الكتاب على الايمان وتأنيسهم، والتسهيل ~~عليهم. كأنه يقول: "لايشقن عليكم الدخول في هذا السلك، اذ لاتخرجون عن ~~قشركم بالمرة بل انما تكملون معتقداتكم، وتبنون على ماهو مؤسس لديكم" اذ ~~القرآن معدل ومكمل في الاصول والعقائد، وجامع لجميع محاسن الكتب السابقة ~~واصول الشرائع السالفة. إلا انه مؤسس في التفرعات التي تتحول بتأثير تغير ~~الزمان والمكان؛ فكما تتحول الادوية والالبسة في الفصول الاربعة، وطرز ~~التربية والتعليم في طبقات عمر الشخص؛ كذلك تقتضي الحكمة والمصلحة تبدل ~~الاحكام الفرعية في مراتب عمر نوع البشر. فكم من حكم فرعي كان مصلحة في ~~زمان، ودواء في وقت طفولية النوع، لايبقى مصلحة في ms026 آخر، ودواء عند شبابية ~~النوع. ولهذا السر نسخ القرآن بعض الفروع. اي بين انقضاء اوقات تلك الفروع ~~ودخول وقت آخر. # وفي (من قبلك) لطائف: # اعلم! انه ما من كلمة في التنزيل يأبى عنها مكانها، أو لم يرض بها، أو ~~كان غيرها أولى به. بل مامن كلمة من التنزيل إلا وهي كدر مرصع مرصوص متماسك ~~بروابط المناسبات؛ فان شئت مثالا تأمل في: (من قبلك) كيف ترى اللطائف ~~المتطايرة من جوانب هذه الآية توضعت على هذه الكلمة الفذة. # فان (من قبلك) تشربت وتلونت - فترشح وترمز بخمس لطائف - المناسبات ~~المنعكسة من المقاصد الخمسة المندمجة في مسألة النبوة المسوقة لها هذه الآية. # اما المقاصد المندمجة فهي: ان محمدا عليه السلام نبي، وانه اكمل ~~الانبياء، وانه خاتم الانبياء، وانه مرسل لكافة الاقوام، وان شريعته ناسخة ~~لجميع الشرائع، وجامعة لمحاسنها. # اما وجه انعكاس المقصد الاول في تلك الكلمة، فهو: # ان "من قبلك" انما يقال اذا اتحد المسلك وكان الطريق واحدا. فكأن هذه ~~الكلمة تترشح: بأن الحجج على نبوة من قبله وصدق كتبهم، حجة بمجموعها بتنقيح ~~المناط 1 وتحقيق المناط بالقياس الأولى على نبوة محمد عليه السلام ونزول ~~كتابه. فكأن جميع معجزاتهم معجزة فذة على صدق محمد عليه السلام. PageV01P059 # واما وجه انعكاس المقصد الثاني، وهو الاكملية فيها، فهو: # ان "من قبلك" بناء على ملاحظة عادة "ان السلطان يخرج في اخريات الناس".. ~~وعلى قاعدة التكمل في نوع البشر المقتضية لاكملية المربي الثاني عن المربي ~~الاول.. وعلى اغلبية مهارة وزيادة الخلف على السلف، تلوح بان محمدا عليه ~~السلام سلطان الانبياء، اكمل من كلهم. كما ان القرآن أجمع وأجمل 1 من كتبهم. # واما وجه تشربها من المقصد الثالث وهو الخاتمية فهو: # ان "من قبلك" بسر قاعدة "ان الواحد اذا تكثر تسلسل لايسكن، وان الكثير ~~اذا اتحد استقر لاينقطع" وباشمام المفهوم المخالف تلمح بانه عليه السلام ~~خاتم الانبياء. # واما وجه انصباغها من المقصد الرابع وهو عموم الدعوة فهو: # ان "من قبلك" المفيدة "انك خلفهم وكل منهم سلفك" بسر قاعدة "ان الخلف ms027 ~~يأخذ تمام وظيفة السلف ويقوم مقامه" تشير بأنه اذا كان كل منهم سلفك فانت ~~نائب الكل، ورسول جميع الامم. نعم لايكون إلا كذلك!.. اذ الفطرة حاكمة له، ~~والحكمة قاضية به؛ لانه كانت امم العالم الانساني قبل زمان السعادة في غاية ~~التباعد والاختلاف مادة ومعنى، واستعدادا وتربية؛ ماكفت لهم التربية ~~الواحدة وما شملت الدعوة المفردة. ثم لما انتبه العالم الانساني بزمان ~~السعادة بعده، وتمايل الى الاتحاد بمداولة الافكار، ومبادلة الطبائع، ~~واختلاط الاقوام، وتحري البعض عن حال البعض حتى تمخض الزمان بكثرة طرق ~~المخابرة والمناقلة؛ فصارت الكرة كمملكة وهي كولاية وهي كبلدة، واتصل الرحم ~~بين اهل الدنيا؛ كفت الدعوة الواحدة والنبوة الفريدة للكافة. # واما وجه إشمامها بالمقصد الخامس فهو: # ان "من قبلك" المومية من "من" الى "الى"، ومن "الى" الى الاغناء 2. اي ~~"انتهت الرسالة بقدومك اذ اغنت شريعتك" ترمز بأن شريعته عليه السلام ناسخة ~~بالانتهاء وجامعة بالاغناء. PageV01P060 # واعلم! ان الامارة لنظر البلاغة على تشرب هذه الكلمة لهؤلاء اللطائف هي: # ان هذه المقاصد الخمسة كالانهار الجارية تحت هذه الآيات، حتى يفور هذا ~~بكماله في آية.. وينبع ذاك بتمامه في أخرى.. ويتجلى ذلك بشراشيره 1 في ~~آخرة. فأدنى ترشح على السطح يومي بتماس عروق الكلمة بها. وايضا تتسنبل هذه ~~المعاني في آيات مسوقة لها. # (وبالاخرة هم يوقنون) # اعلم! ان مآل هذه الآية هوالمقصد الرابع من المقاصد الاربعة المشهورة وهو ~~"مسألة الحشر". ثم انا قد استفدنا من نظم القرآن عشرة براهين عليها، ~~ذكرناها في كتاب آخر 2 فناسب تلخيصها هنا. وهي: # ان الحشر حق؛ لان في الكائنات نظاما اكمل قصديا.. وان في الخلقة حكمة ~~تامة.. وان لا عبثية في العالم.. وان لا اسراف في الفطرة.. والمزكي لهؤلاء ~~الشواهد الاستقراء التام بجميع الفنون التي كل منها شاهد صدق على نظام نوع ~~موضوعه.. وايضا ان في كثير من الانواع مثل اليوم والسنة وغيرهما قيامة ~~مكررة نوعية.. وايضا جوهر استعداد البشر يرمز الى الحشر.. وايضا عدم تناهي ~~آمال البشر وميوله يشير اليه.. وايضا رحمة الصانع الحكيم تلوح به.. ms028 وايضا ~~لسان الرسول الصادق عليه السلام يصرح به.. وأيضا بيان القرآن المعجز في ~~أمثال (وقد خلقكم اطوارا) 3 (وما ربك بظلام للعبيد) 4 يشهد له. تلك عشرة ~~كاملة، مفاتيح للسعادة الابدية وأبواب لتلك الجنة. # اما بيان البرهان الاول: فهو انه لو لم تنجر الكائنات الى السعادة ~~الابدية لصار ذلك النظام الذي اتقن فيه صانعه اتقانا حير فيه العقول صورة ~~ضعيفة خادعة، وجميع المعنويات والروابط والنسب في النظام هباء منثورا. فليس ~~نظام ذلك النظام الا اتصاله بالسعادة، اي ان النكت والمعنويات في ذلك ~~النظام انما تتسنبل في عالم الآخرة. والا PageV01P061 # لانطفأ جميع المعنويات، وتقطع مجموع الروابط، وتمزق كل النسب، ويتفتت هذا ~~النظام؛ مع ان القوة المندمجة في النظام تنادي باعلى صوتها: ان ليس من ~~شأنها الانقضاض والانحلال. # وأما البرهان الثاني: فهو ان تمثال العناية الازلية الذي هو الحكمة ~~التامة، التي هي رعاية المصالح والحكم في كل نوع، بل في كل جزئي - بشهادة ~~كل الفنون - يبشر بقدوم السعادة الابدية. والا لزم انكار هذه الحكم ~~والفوائد التي اجبرتنا البداهة على الاقرار بها؛ اذ حينئذ تكون الفائدة لا ~~فائدة.. والحكمة غير حكمة.. والمصلحة عدم مصلحة. وإن هذا الا سفسطة. # واما البرهان الثالث المفسر للثاني: فهو ان الفن يشهد ايضا ان الصانع ~~اختار في كل شيء الطريق الاقصر، والجهة الاقرب، والصورة الأخف والأحسن. فيدل ~~على ان لاعبثية. فيدل على انه جدي حقيقي. وماهو الا بمجئ السعادة الابدية. ~~والا لتنزل هذا الوجود منزلة العدم الصرف. وتحول كل شيء عبثا محضا.. سبحانك ~~ماخلقت هذا عبثا. # أما البرهان الرابع الموضح للثالث: فهو ان لا اسراف في الفطرة بشهادة ~~الفنون. فان تقاصر ذهنك عن ادراك حكم الانسان الاكبر وهو "العالم" فأمعن ~~النظر في العالم الاصغر وهو "الانسان". فان فن منافع الاعضاء قد شرح واثبت: ~~ان في جسد الانسان تقريبا ستمائة عظم كل لمنفعة.. وستة آلاف عصب هي مجار ~~للدم كل لفائدة.. ومائة واربعة وعشرين ألف مسامة وكوة للحجيرات التي تعمل ~~في كل منها خمس قوى من الجاذبة والدافعة والممسكة ms029 والمصورة والمولدة كل ~~منها لمصلحة. واذا كان العالم الاصغر كذا فكيف يكون الانسان الاكبر انقص ~~منه؟ واذا كان الجسد الذي لا اهمية له بالنسبة الى لبه بتلك الدرجة من عدم ~~الاسراف فكيف يتصور اهمال جوهر الروح؟ واسراف كل آثاره من المعنويات ~~والآمال والافكار؟ اذ لولا السعادة الابدية لتقلصت كل المعنويات وصارت ~~اسرافا. فبالله عليك أيمكن في العقل ان يكون لك جوهرة قيمتها الدنيا، فتهتم ~~بصدفها وغلافها حتى لاتخلي ان يصل الغبار اليه، ثم تأخذ الجوهرة فتكسرها ~~شذرا مذرا 1 وتمحو آثارها؟ كلا ثم كلا! PageV01P062 # ماتهتم بالغلاف إلا لأجل مافيه.. وايضا اذا افهمتك قوة البنية في شخص ~~وصحة أعضائه واستعداده، استمرار بقائه وتكمله؛ أفلا تفهمك الحقيقة الثابتة ~~الجارية في روح الكائنات، والقوة الكاملة المومية بالاستمرار في الانتظام، ~~والكمال المنجر الى التكمل في النظام: مجئ السعادة الابدية من باب الحشر ~~الجسماني؟ اذ هي المخلصة للانتظام عن الاختلال، والواسطة للتكمل وانكشاف ~~تلك القوة المؤبدة. # واما البرهان الخامس والحدس المرمز الى القصد: فهو ان وجود نوع قيامات ~~مكررة نوعية في كثير من الانواع يشير الى القيامة العظمى وان شئت تمثل ~~الرمز في مثال، فانظر في ساعتك الاسبوعية، فكما ان فيها دواليب مختلفة ~~دوارة متحركة محركة للابر والاميال العادة واحدة منها للثواني. وهي مقدمة ~~ومخبرة لحركة ابرة الدقائق. وهي معدة ومعلنة لحركة ميل الساعات. وهي محصلة ~~ومؤذنة لحركة الابرة التي تعد ايام الاسبوع. فاتمام دورة السابقة يشير بأن ~~اختها اللاحقة تتم دورها؛ كذلك ان لله تعالى ساعة كبرى دواليبها الافلاك ~~تعد أميالها الايام والسنين وعمر البشر وبقاء الدنيا، نظير الثواني ~~والدقائق والساعات والايام في ساعتك. فمجئ الصبح بعد كل ليلة، والربيع بعد ~~كل شتاء - بناء على حركة تلك الساعة - يشير اشارة خفية ويرمز رمزا دقيقا ~~بتولد صبح ربيع الحشر من تلك الساعة الكبرى. # ان قلت: القيامة النوعية لاتحشر الاشخاص باعيانهم فكيف ترمز بالقيامة ~~الكبرى لعود الاشخاص هناك باعيانهم؟ # قيل لك: ان شخص الانسان كنوع غيره، اذ نور الفكر اعطى لآمال البشر وروحه ~~وسعة وانبساطا بدرجة ms030 وسعت الازمنة الثلاثة، لو ابتلع الماضي والمستقبل مع ~~الحال لم تمتلء آماله؛ لان نور الفكر صير ماهيته علوية، وقيمته عمومية، ~~ونظره كليا، وكماله غير محصور، ولذته دائمية، وألمه مستمرا. اما فرد النوع ~~الآخر فماهيته جزئية، وقيمته شخصية، ونظره محدود، وكماله محصور، ولذته ~~آنية، وألمه دفعي، فوجود نوع قيامة في الانواع، كيف لايشير بالقيامة ~~الشخصية العمومية للانسان؟ # واما البرهان السادس الملوح: فهو عدم تناهي استعدادات البشر. نعم ان ~~تصورات البشر وافكاره التي لاتتناهى، المتولدة من آماله الغير المتناهية، ~~الحاصلة من PageV01P063 # ميوله الغير المضبوطة، الناشئة من قابلياته الغير المحدودة، المستترة في ~~استعداداته الغير المحصورة، المزروعة في جوهر روحه الذي كرمه الله تعالى؛ ~~كل منها يشير في ماوراء الحشر الجسماني باصبع الشهادة الى السعادة الابدية ~~وتمد نظرها اليه. فتأمل! # وأما البرهان السابع المبشر: فهو ان رحمة الرحمن الرحيم تبشر بقدوم اعظم ~~الرحمة اعني السعادة الابدية؛ اذ بها تصير الرحمة رحمة، والنعمة نعمة. وبها ~~تخلص الكائنات من النياحات المرتفعة من المأتم العمومي المتولد من الفراق ~~الابدي المصير للنعم نقما. اذ لو لم يجئ روح النعم أعني السعادة الابدية، ~~لتحول جميع النعم نقما؛ وللزم المكابرة في انكار الرحمة الثابتة بشهادة ~~عموم الكائنات بالبداهة وبالضرورة.. # فيا ايها الحبيب الشفيق 1 العاشق! انظر الى ألطف آثار رحمة الله أعني ~~المحبة والشفقة والعشق؛ ثم راجع وجدانك لكن بعد فرض تعقب الفراق الابدي ~~والهجران اللايزالي عليها، كيف ترى الوجدان يستغيث.. والخيال يصرخ.. والروح ~~يضجر من انقلاب تلك المحبة والشفقة - اللتين هما أحسن وألطف انواع الرحمة ~~والنعمة - اعظم مصيبة عليك واشد بلاء فيك؟ أفيمكن في العقل ان تساعد تلك ~~الرحمة الضرورية لهجوم الفراق الابدي والهجران اللايزالي على المحبة ~~والشفقة؟ لا! بل من شأن تلك الرحمة ان تسلط الفراق الابدي على الهجران ~~اللايزلي، والهجران اللايزالي على الفراق الابدي والعدم عليهما. # واما البرهان الثامن المصرح: فهو لسان محمد عليه السلام الصادق المصدوق، ~~ولقد فتح كلامه أبواب السعادة الابدية، على ان إجماع الانبياء من آدمهم الى ~~خاتمهم عليهم السلام على هذه الحقيقة حجة ms031 حقيقية قطعية على هذا المدعى. ~~ولأمر ما اتفقوا. # واما البرهان التاسع: فهو اخبار القرآن المعجز؛ اذ التنزيل المصدق اعجازه ~~بسبعة اوجه 2 في ثلاثة عشر عصرا دعواه عين برهانها. فاخباره كشاف للحشر ~~الجسماني ومفتاح له. PageV01P064 # واما البرهان العاشر، المشتمل على ألوف من البراهين التي تضمنها كثير من ~~الآيات مثل (وقد خلقكم أطوارا) المشير الى "قياس تمثيلي". و (وما ربك بظلام ~~للعبيد) المشير الى "دليل عدلي" وغيرهما. فلقد فتح القرآن في أكثر الآيات ~~كوات 1 ناظرة الى الحشر. # اما القياس التمثيلي المشار اليه بالآية الاولى: # فانظر في وجود الانسان فانه ينتقل من طور الى طور.. من النطفة الى ~~العلقة.. ومنها الى المضغة.. ومنها الى العظم واللحم.. ومنه الى الخلق ~~الجديد. ولكل من تلك الاطوار قوانين مخصوصة، ونظامات معينة، وحركات مطردة ~~يشف كل منها عن قصد وارادة واختيار.. ثم تأمل في بقائه فإن هذا الوجود يجدد ~~لباسه في كل سنة، ومن شأنهالتحلل والتركب. اي انقضاض الحجيرات وتعميرها ~~ببدل ما يتحلل من المادة اللطيفة الموزعة على نسبة مناسبة الاعضاء التي ~~يحضرها صانعها بقانون مخصوص. ثم تأمل في أطوار تلك المادة اللطيفة الحاملة ~~لأرزاق الاجزاء. كيف تنتشر في اقطار البدن انتشارا تحير فيه العقول. وكيف ~~تنقسم بقانون التقسيم المعين على مقدار حاجات الاعضاء؛ بعد ان تلخصت تلك ~~المادة بنظام ثابت، ودستور معين، وحركة عجيبة من اربع مصفاتات، وانطبخت في ~~اربعة مطابخ بعد اربعة انقلابات عجيبة؛ المأخوذة تلك المادة من القوت ~~المحصل من المواليد المنتشرة في عالم العناصر بدستور منتظم؛ ونظام مخصوص، ~~وقانون معين. وكل من القوانين والنظامات في تلك الاطوار يشف عن سائق وقصد ~~وحكمة. كيف لا، ولو تأملت من قافلة تلك المادة اللطيفة في ذرة مثلا، مستترة ~~في عنصر الهواء تصير بالآخرة جزءا من سواد عين "الحبيب"؛ لعلمت ان تلك ~~الذرة وهي في الهواء معينة كأنها موظفة مأمورة بالذهاب الى مكانها الذي عين ~~لها؛ اذ لو نظرت إليها بنظر فني تيقنت ان ليست حركتها "اتفاقية عمياء" ~~"بتصادف اعمى"، بل تلك الذرة ما دخلت ms032 في مرتبة الا تبعت نظاماتها المخصوصة، ~~وماتدرجت الى طور الا عملت بقوانينه المعينة، وما سافرت الى طبقة الا وهي ~~تساق بحركة عجيبة منتظمة. فتمر على تلك الاطوار حتى تصل الى موضعها. مع ~~انها لاتنحرف قطعا مقدار ذرة عن هدف مقصدها. PageV01P065 # والحاصل: ان من تأمل في النشأة الاولى لم يبق له تردد في النشأة الاخرى، ~~ولقد قال النبي عليه الصلاة والسلام (عجبا لمن يرى النشأة الاولى كيف ينكر ~~النشأة الاخرى) . # نعم! كما ان جمع نفرات عسكر فرقة أذن لهم بالاستراحة والانتشار اذا دعوا ~~بالآلة المعروفة - فيتسللون عن كل طرف ومكمن، فيجتمعون متحدين تحت لوائهم - ~~يكون أسهل وأسهل من جلبهم أول الامر الى الانتظام تحت السلاح؛ كذلك ان جمع ~~الذرات التي حصلت بينها المؤانسة والمناسبة بالامتزاج في وجود واحد اذا ~~نوديت بصور اسرافيل فينساب الكل من كل فج عميق ملبية لأمر خالقها يكون أسهل ~~وأمكن في العقل من انشائها وتركيبها أول المرة. # أما بالنسبة الى القدرة فأعظم الاشياء كأصغرها. ثم الظاهر ان المعاد يعاد ~~باجزائه الاصلية والفضولية معا. كما يشير اليه كبر أجسام اهل الحشر 1 ~~وكراهة قص الاظفار والاشعار ونحوها للجنب، وسنية دفنها 2. والتحقيق: ان عجب ~~الذنب يكفي ان يكون بذرا ومادة لتشكله. 3 # وأما الدليل الذي لوح به (وما ربك بظلام للعبيد) : # فاعلم! أنا كثيرا ما نرى الظالم الفاجر الغدار في غاية التنعم، ويمر عمره ~~في غاية الطيب والراحة. ثم نرى المظلوم الفقير المتدين الحسن الخلق ينقضي ~~عمره في غاية الزحمة 4 والذلة والمظلومية، ثم يجئ الموت فيساوي بينهما. ~~وهذه المساواة بلا نهاية تري ظلما. والعدالة والحكمة الإلهيتان اللتان شهدت ~~عليهما الكائنات منزهتان عن الظلم؛ فلابد من مجمع آخر ليرى الاول جزاءه ~~والثاني ثوابه فيتجلى العدالة الإلهية. وقس على هاتين الآيتين نظائرهما. ~~هذا.. PageV01P066 # أما وجه النظم في اجزاء (وبالآخرة هم يوقنون) # فاعلم! ان مناط النكت: "الواو"، ثم تقديم "بالآخرة" ثم الالف واللام ~~فيها، ثم التعبير بهذا العنوان، ثم ذكر "هم"، ثم ذكر "يوقنون" بدل ~~"يؤمنون". # واما "الواو" ففيها التخصيص بعد ms033 التعميم، للتنصيص على هذا الركن من ~~الايمان، اذ هو أحد القطبين اللذين تدور عليهما الكتب السماوية. # واما تقديم (بالاخرة) ففيه حصر، وفي الحصر تعريض بأن أهل الكتاب بناء على ~~قولهم (لن تمسنا النار الا أياما معدودة) 1 ونفيهم اللذائذ الجسمانية، ~~آخرتهم آخرة مجازية اسمية، ماهي بحقيقة الآخرة. # واما الالف واللام فللعهد. اي اشارة الى المعهود بالدوران على ألسنة كل ~~الكتب السماوية.. وفي العهد لمح الى انها حق واشارة الى الحقيقة المعهودة ~~الحاضرة بين اهداب العقول بسبب الدلائل الفطرية المذكورة.. وفي العهد حينئذ ~~رمز الى انها حقيقة.. واما التعبير بعنوان "الآخرة" الناعتة للنشأة فلتوجيه ~~الذهن الى النشأة الاولى، لينتقل الى امكان النشأة الاخرى. # واما (هم) ففيه حصر وفي الحصر تعريض بأن إيمان من لم يؤمن بمحمد عليه ~~الصلاة والسلام من أهل الكتاب ليس بيقين، بل انما يظنونه يقينا. # وأما ذكر (يوقنون) بدل "يؤمنون" مع ان الايمان هو التصديق مع اليقين، ~~فليضع الاصبع على مناط الغرض قصدا لإطارة الشكوك؛ اذ القيامة محشر الريوب.. ~~وايضا بالتنصيص ينسد طرق التعلل ب "انا مؤمنون فليؤمن من لم يؤمن". # *** PageV01P067 ### | AUTO (اولئك على هدى من ربهم) ### | AUTO اولئك على هدى من ربهم # واولئك هم المفلحون 5 # اعلم! ان المظان التي تتلمع فيها النكت: هي نظمها مع سابقتها، ثم ~~المحسوسية في "اولئك"، ثم البعدية فيها، ثم العلو في "على"، ثم التنكير في ~~"هدى"، ثم لفظ "من"، ثم التربية في "ربهم". # اما النظم، فاعلم! ان هذه 1 مرتبطة بسابقتها بخطوط مناسبات. منها ~~الاستيناف أي 2 جواب لثلاثة اسئلة مقدرة: # منها: السؤال عن المثال، كأن السامع بعدما سمع ان القرآن من شأنه الهداية ~~لاشخاص من شأنهم - بسبب الهداية - الاتصاف بأوصاف، أحب أن يراهم وهم بالفعل ~~تلبسوا بتلك الاوصاف متكئين على ارائك الهداية. فأجاب مريئا للسامع بقوله ### | AUTO (اولئك على هدى من ربهم) # . # ومنها: السؤال عن العلة، كأن السائل يقول: ما بال هؤلاء استحقوا الهداية ~~واختصوا بها؟ فأجاب: بأن هؤلاء الذين امتزجت واجتمعت فيهم تلك الاوصاف - إن ~~تأملت - لجديرون بنور الهداية. ms034 # فان قلت: التفصيل السابق أجلى للعلة من الاجمال في "اولئك"؟ # قيل لك: قد يكون الاجمال اوضح من التفصيل لاسيما اذا كان المطلوب متولدا ~~من المجموع؛ اذ بسبب جزئية ذهن السامع، والتدرج في اجزاء التفصيل، وتداخل ~~النسيان بينها، وتجلي العلة من مزج الاجزاء قد لايتفطن لتولد العلة. ~~فالاجمال في "اولئك" لاجل الامتزاج أجلى للعلية. # ومنها: السؤال عن نتيجة الهداية وثمرتها، والنعمة واللذة فيها. كأن ~~السامع يقول: ما اللذة والنعمة؟ فاجاب بأن فيها سعادة الدارين. أي ان نتيجة ~~الهداية نفسها PageV01P068 # وثمرتها عينها، اذ هي بذاتها نعمة عظمى ولذة وجدانية، بل جنة الروح؛ كما ~~ان الضلالة جهنمها. ثم بعد ذلك تثمر الفلاح في الآخرة. # واما المحسوسية في (اولئك) فاشارة الى ان ذكر الاوصاف الكثيرة سبب للتجسم ~~في الذهن، والحضور في العقل، والمحسوسية للخيال. فمن العهد 1 الذكري ينفتح ~~باب الى العهد الخارجي، ومن العهد الخارجي ينتقل الى امتيازهم، وينظر الى ~~تلألئهم في نوع البشر كأنه من رفع رأسه وفتح عينيه لا يتراءى له الا هؤلاء. # واما البعدية في (اولئك) مع قربيتهم في الجملة فللاشارة الى تعالي ~~رتبتهم؛ اذ الناظر الى البعداء لا يرى الا اطولهم قامة، مع ان حقيقة البعد ~~الزماني والمكاني اقضى لحق البلاغة؛ اذ هذه الآية كما ان عصر السعادة لسان ~~ذاكر لها وهي تنزل، كذلك كل من الاعصار الاستقبالية كأنه لسان ذاكر لها، ~~وهي شابة طرية كأنها اذ ذاك نزلت لا انها نزلت ثم حكيت. فاوائل الصفوف ~~المشار اليهم ب "اولئك" يتراؤن من بعد. ولأجل الرؤية مع بعدهم يعلم عظمتهم ~~وعلو رتبتهم. # واما لفظ (على) فاعلم! ان سر المناسبة بين الاشياء صير اكثر الامور ~~كالمرايا التي تتراءى في أنفسها؛ هذه في تلك وتلك في هذه. فكما ان قطعة ~~زجاجة تريك صحراء واسعة؛ كذلك كثيرا ماتذكرك كلمة فذة خيالا طويلا، وتمثل ~~نصب عينيك هيئة كلمة حكاية عجيبة. ويجول بذهنك كلام في عالم المثال ~~المثالي. كما ان لفظ "بارز" يفتح لك معركة الحرب، ولفظ "ثمرة" في الآية ~~يفتح لك باب الجنة وقس! ms035 فعلى هذا لفظ "على" للذهن كالكوة الى اسلوب تمثيلي ~~هو ان هداية القرآن براق إلهي أهداه للمؤمنين ليسلكوا، وهم عليه في الطريق ~~المستقيم سائرين الى عرش الكمالات. # واما التنكير في (هدى) فيشير الى انه غير (هدى للمتقين) اذ المنكر المكرر ~~غير الاول في الاغلب 2. فذاك مصدر وهذا حاصل بالمصدر.. وهو صفة محسوسة قارة ~~3 كثمرة الاول. PageV01P069 # واما لفظ (من) فيشير الى ان الخلق والتوفيق في اهتدائهم - المكسوب لهم - ~~من الله. 1 # واما لفظ ال "رب" فيشير الى ان الهداية من شأن الربوبية فكما يربيهم ~~بالرزق يغذيهم بالهداية. # (وأولئك هم المفلحون) # اعلم! ان مظان تحري النكت هي: عطف "الواو"، ثم تكرار "اولئك"، ثم "ضمير ~~الفصل"، ثم الالف واللام، ثم إطلاق "مفلحون" وعدم تعيين وجه الفلاح. # اما العطف فمبني على المناسبة؛ اذ كما ان (اولئك) الاول اشارة الى ثمرة ~~الهداية من السعادة العاجلة؛ فهذه اشارة الى ثمرتها من السعادة الآجلة. ثم ~~انه مع ان كلا منهما ثمرة لكل ما مر، الا ان الأولى أن (اولئك) الاول يرتبط ~~عرقه ب (الذين) الاول، الظاهر انهم المؤمنون من الأميين، ويأخذ قوته من ~~اركان الاسلامية، وينظر الى ماقبل (وبالآخرة هم يوقنون) . و (اولئك) الثاني ~~ينظر برمز خفي الى (الذين) الثاني، الظاهر انهم مؤمنو اهل الكتاب. ويكون ~~مأخذه اركان الايمان واليقين بالآخرة. فتأمل! # واما تكرار (اولئك) فاشارة الى استقلال كل من هاتين الثمرتين في العلة ~~الغائية للهداية والسببية لتميزهم ومدحهم، الا ان الأولى ان يكون (اولئك) ~~الثاني اشارة الى الاول مع حكمه كما تقول: ذلك عالم وذلك مكرم. # واما ضمير الفصل فمع انه تأكيد الحصر الذي فيه تعريض بأهل الكتاب الذين ~~لم يؤمنوا بالنبي عليه السلام، فيه نكتة لطيفة وهي: ان توسط (هم) بين ~~المبتدأ والخبر من شأنه أن يحول المبتدأ للخبر الواحد موضوعا لاحكام كثيرة ~~يذكر البعض ويحال الباقية على الخيال؛ لان (هم) ينبه الخيال على عدم ~~التحديد ويشوقه على تحري الاحكام المناسبة. فكما انك تضع زيدا بين عيني ~~السامع فتأخذ تغزل منه الاحكام قائلا: هو ms036 عالم، هو عامل، هو كذا وكذا. ثم ~~تقول قس! كذلك لما قال (اولئك) ثم جاء (هم) هيج الخيال لان يجتني ويبتني ~~بواسطة الضمير أحكاما مناسبة PageV01P070 # لصفاتهم، ك: اولئك هم على هدى.. هم مفلحون.. هم فائزون من النار.. هم ~~فائزون بالجنة.. هم ظافرون برؤية جمال الله تعالى الى آخره. # وأما الألف واللام فلتصوير الحقيقة. كأنه يقول: ان أحببت أن ترى حقيقة ~~المفلحين، فانظر في مرآة (اولئك) لتمثل لك.. أو لتمييز ذواتهم، كأنه يقول: ~~الذين سمعت أنهم من أهل الفلاح ان أردت ان تعرفهم فعليك ب (اولئك) فهم هم.. ~~او لظهور الحكم وبداهته نظير "والده العبد" اذ كون والده عبدا معلوم ظاهر.. # وأما إطلاق "مفلحون" فللتعميم؛ اذ مخاطب القرآن على طبقات مطالبهم ~~مختلفة. فبعضهم يطلب الفوز من النار.. وبعض إنما يقصد الفوز بالجنة.. وبعض ~~انما يتحرى الرضاء الالهي.. وبعض مايحب الا رؤية جماله.. وهلم جرا.. فاطلق ~~هنا لتعم مائدة احسانه فيجتني كل مشتهاه. # *** PageV01P071 ### | AUTO ان الذين كفروا سواء عليهمءانذرتهم ام لم تنذرهم لايؤمنون # 6 # وجه النظم: # اعلم! ان للذات الاحدي في عالم صفاته الازلية تجليين جلالي وجمالي. ~~فبتجليهما في عالم صفات الافعال يتظاهر اللطف والقهر والحسن والهيبة. ثم ~~بالانعطاف في عالم الافعال يتولد التحلية والتخلية والتزيين والتنزيه. ثم ~~بالانطباع في العالم الأخروي من عالم الآثار يتجلى اللطف جنة ونورا، والقهر ~~جهنم ونارا. ثم بالانعكاس في عالم الذكر ينقسم الذكر الى الحمد والتسبيح. ~~ثم بتمثلهما في عالم الكلام يتنوع الكلام الى الأمر والنهي. ثم بالارتسام ~~في عالم الارشاد يقسمانه الى الترغيب والترهيب والتبشير والانذار. ثم ~~بتجليهما على الوجدان يتولد الرجاء والخوف.. وهكذا. ثم ان من شأن الارشاد ~~ادامة الموازنة بين الرجاء والخوف، ليدعو الرجاء الى ان يسعى بصرف القوى، ~~والخوف الى ان لايتجاوز بالاسترسال فلا ييأس من الرحمة فيقعد ملوما، ولا ~~يأمن العذاب فيتعسف ولا يبالي. فلهذه الحكمة المتسلسلة مارغب القرآن إلا ~~وقد رهب، وما مدح الابرار الا وقرنه بذم الفجار. # - ان قلت: فلم لم يعطف هنا كما عطف في (ان الابرار لفي ms037 نعيم _ وان الفجار ~~لفي جحيم) 1.؟ # قيل لك: ان حسن العطف ينظر الى حسن المناسبة، وحسن المناسبة يختلف ~~باختلاف الغرض المسوق له الكلام. ولما اختلف الغرض هنا وهنالك، لم يستحسن ~~العطف هنا؛ اذ مدح المؤمنين منجر ومقدمة لمدح القرآن، ونتيجة له، وسيق له. ~~وأما ذم الكافرين فللترهيب لايتصل بمدح القرآن. # ثم انظر الى اللطائف المندمجة في نظم اجزاء هذه الآية! # فأولا: استأنس ب (إن) و (الذين) فانهما أجول وأسير ما يصادفك في منازل ~~التنزيل. ولأمر ما أكثر القرآن من ذكرهما؛ اذ معهما من جوهر البلاغة نكتتان ~~عامتان غير ماتختص كل موقع. PageV01P072 # أما (إن) فان من شأنها ان تثقب السطح نافذة الى الحقيقة، وتوصل الحكم ~~اليها؛ كأنها عرق الدعوى اتصلت بالحق. مثلا: ان هذا كذا.. أي الحكم وهذه ~~الدعوى ليست خيالية ولا مبتدعة ولا اعتبارية ولا مستحدثة؛ بل هي من الحقائق ~~الجارية الثابتة. وما يقال من أن "إن" للتحقيق فعنوان لهذه الحقيقة ~~والخاصية. والنكتة الخصوصية هنا هي أن "إن" الذي شأنه رد الشك والانكار مع ~~عدمهما في المخاطب للاشارة الى شدة حرص النبي عليه السلام على ايمانهم. # واما (الذين) فاعلم! ان "الذي" من شأنه الاشارة الى الحقيقة الجديدة التي ~~أحس بها العقل قبل العين، وأخذت في الانعقاد ولم تشتد، بل تتولد من امتزاج ~~أشياء وتآخذ أسباب مع نوع غرابة. ولهذا ترى من بين وسائط الاشارة والتصوير ~~في الانقلاب المجدد للحقائق لفظ "الذي" أسير على الالسنة وأكثر دورانا. ~~فلما ان تجلى مؤسس الحقائق وهو القرآن، اضمحل أنواع ونقضت فصولها وتشكلت ~~انواع اخر وتولدت حقائق اخرى. اما ترى زمان الجاهلية كيف تشكلت الانواع على ~~الروابط الملية وتولدت الحقائق الاجتماعية على العصبيات القومية؟ فلما ان ~~جاء القرآن قطع تلك الروابط وخرب تلك الحقائق فأسس بدلا عنها انواعا، ~~فصولها الروابط الدينية. فتأمل!.. فلما أشرق القرآن على نوع البشر تزاهر ~~بضيائه واثمر بنوره قلوب فتحصلت حقيقة نورانية هي فصل نوع المؤمنين. ثم ~~لخبث بعض النفوس تعفنت في مقابلة الضياء تلك النفوس فتولدت حقيقة سمية هي ~~خاصة ms038 نوع من كفر 1.. # وايضا بين "الذين" و"الذين" تناسب. 2 # اعلم! ان الموصول كالالف واللام يستعمل في خمسة معان اشهرها العهد. ~~ف"الذين" هنا اشارة الى صناديد الكفر امثال ابي جهل وابي لهب وأمية بن خلف ~~وقد ماتوا على الكفر. فعلى هذا في الآية إخبار عن الغيب. وامثال هذا لمعات ~~يتولد منها نوع من الاعجاز من الانواع الاربعة للاعجاز المعنوي. # واما لفظ (كفروا) فاعلم! ان الكفر ظلمة تحصل من انكار شيء مما علم ضرورة ~~مجئ الرسول عليه السلام به. PageV01P073 # ان قلت: ان القرآن من الضروريات وقد اختلف في معانيه؟ # قيل لك: ان في كل كلام من القرآن ثلاث قضايا: # احداها: "هذا كلام الله". # والثانية: "معناه المراد حق"؛ وانكار كل من هاتين كفر. # والثالثة: "معناه المراد هذا"؛ فان كان محكما أو مفسرا فالايمان به واجب ~~بعد الاطلاع، والانكار كفر. وان كان ظاهرا، او نصا يحتمل معنى آخر، ~~فالانكار بناء على التأويل - دون التشهي - ليس بكفر 1. ومثل الآية الحديث ~~المتواتر؛ الا ان في انكار القضية الاولى من الحديث تأملا. 2 # ان قلت: الكفر جهل وفي التنزيل (يعرفونه كما يعرفون ابناءهم) 3 فما ~~التوفيق؟ # قيل لك: ان الكفر قسمان: # جهلي ينكر لأنه لا يعلم. والثاني جحودي تمردي يعرف لكن لايقبل، يتيقن لكن ~~لايعتقد، يصدق لكن لايذعن وجدانه. فتأمل!.. # ان قلت: هل في قلب الشيطان معرفة؟ # قيل لك: لا، اذ بحكم صنعته الفطرية يشتغل قلبه دائما بالاضلال ويتصور ~~عقله دائما الكفر للتلقين فلا ينقطع هذا الشغل، ولا يزول ذلك التصور عن ~~عقله حتى تتمكن فيه المعرفة. # - ان قلت: الكفر صفة القلب فكيف كان شد الزنار - وقد قيس عليه "الشوقة" 4 ~~- كفرا؟ # قيل لك: ان الشريعة تعتبر بالامارات على الامور الخفية حتى اقامت الاسباب ~~الظاهرية 5 مقام العلل. ففي شد الزنار المانع بعض نوعه عن اتمام الركوع، ~~وإلباس PageV01P074 # "الشوقة" المانعة عن تمام السجود علامة الاستغناء عن العبودية، والتشبه ~~بالكفرة المومئ باستحسان مسلكهم ومليتهم. فما دام لم يقطع بانتفاء الامر ~~الخفي يحكم بالامر الظاهر. # ان قلت: اذا لم ms039 يجد الانذار فلم التكليف؟ # قيل لك: لإلزام الحجة عليهم. 1 # ان قلت: الاخبار عن تمردهم يستلزم امتناع ايمانهم فيكون التكليف بالمحال؟ # قيل لك: ان الاخبار وكذا العلم والارادة لا تتعلق بكفرهم مستقلا مقطوعا ~~عن السبب، بل انما تتعلق بكفرهم باختيارهم. كما يأتيك تفصيله. ومن هنا ~~يقال: "الوجوب بالاختيار لا ينافي الاختيار". # ان قلت: ايمانهم بعدم ايمانهم 2 محال عقلي يشبه "الجذر الاصم الكلامي".؟ 3 # قيل لك: انهم ليسوا مكلفين بالتفصيل حتى يلزم المحال. # ثم في ايراد (كفروا) فعلا ماضيا، اشارة الى انهم اختاروا الكفر بعد تبين ~~الحق فلذا لايفيد الانذار. # واما (سواء) فمجاز عن: "انذارك كعدم الانذار في عدم الفائدة او في صحة ~~الوقوع" اي لاموجب للانذار ولا لعدمه. # واما (عليهم) ففيه ايماء الى انهم اخلدوا الى الارض فلا يرفعون رؤوسهم ~~ولا يصغون الى كلام آمرهم.. وفيه أيضا رمز الى انه ليس سواء عليك، لان لك ~~الخير في التبليغ؛ اذ (ما على الرسول إلا البلاغ) 4. PageV01P075 # واما (ءانذرتهم ام لم تنذرهم) فالهمزة وام هنا في حكم "سواء حرفي"، تأكيد ~~لسواء الاول. أو تأسيس نظرا الى اقتسامهما المعنيين المذكورين للمساواة. # ان قلت: فلم عبر عن المساواة بصورة الاستفهام؟ # قيل لك: اذا اردت ان تنبه المخاطب على عدم الفائدة في فعل نفسه بوجه لطيف ~~مقنع لابد ان تستفهم ليتوجه ذهنه الى فعله فينتقل منه الى النتيجة فيطمئن.. ~~ثم العلاقة بين الاستفهام والمساواة تضمنه لها؛ اذ السائل يتساوى في علمه ~~الوجود والعدم.. وايضا كثيرا مايكون الجواب هذه المساواة الضمنية. # ان قلت: لم عبر عن الانذار في "أنذرتهم" بصورة الماضي؟ # قيل لك: لينادي "يا محمد قد جربت" فقس! # ان قلت: لم ذكر (ام لم تنذرهم) مع ان عدم فائدة عدم الانذار ظاهر؟ # قيل لك: كما قد ينتج الانذار اصرارا، كذلك قد يجدي السكوت انصاف المخاطب. # ان قلت: لم انذر بالترهيب فقط مع انه بشير نذير؟ # قيل لك: اذ الترهيب هو المناسب للكفر، ولان دفع المضار أولى من جلب ~~المنافع وأشد تأثيرا، ولأن الترهيب هنا يهز ms040 عطف الخيال ويوقظه لان يتلقى ~~ويجتني بعد قوله (لايؤمنون) "أبشرتهم ام لم تبشرهم". # ثم اعلم! كما ان لكل حكم معنى حرفيا ومقصدا خفيا؛ كذلك لهذا الكلام معان ~~طيارة ومقصد سيق له هو تخفيف الزحمة، وتهوين الشدة عن النبي عليه السلام، ~~وتسليته بتأسيه بالرسل السالفين. اذ خوطب اكثرهم بمثل هذا الخطاب، حتى قال ~~نوح بعده (لا تذر على الارض من الكافرين ديارا) 1.. ثم لأن آيات القرآن ~~كالمرايا المتناظرة، وقصص الانبياء كالهالة للقمر تنظر الى حال النبي عليه ~~السلام؛ كان كأن هذا الكلام يقول: هذا قانون فطري الهي يجب الانقياد له. PageV01P076 # واعلم بعد هذا التحليل! # ان مجموع هذه الآية الى (ولهم عذاب عظيم) سيقت: مشيرة بعقودها الى تقبيح ~~الكفر وترذيله، والتنفير منه والنهي الضمني عنه، وتذليل أهله، والتسجيل ~~عليهم، والترهيب عنه، وتهديدهم.. منادية 1 بكلماتها بأن في الكفر مصائب ~~عظيمة، وفوات نعم جسيمة، وتولد آلام شديدة، وزوال لذائذ عالية.. مصرحة ~~بجملها بأن الكفر أخبث الاشياء وأضرها. # اذ أشار بلفظ (كفروا) بدل "لم يؤمنوا" الى انهم بعدم الايمان وقعوا في ~~ظلمة الكفر الذي هو مصيبة تفسد جوهر الروح وايضا هو معدن الآلام. # وبلفظ (لايؤمنون) بدل "لايتركون الكفر" الى انهم مع تلك الخسارة سقط من ~~ايديهم الايمان الذي هو منبع جميع السعادات. # وبلفظ (ختم الله على قلوبهم) الى ان القلب والوجدان - الذي حياته وفرحه ~~وسروره وكمالاته بتجلي الحقائق الالهية بنور الايمان - بعدما كفروا صار ~~كالبناء الموحش الغير المعمور المشحون بالمضرات والحشرات، فاقفل وامهر 2 ~~على بابه ليجتنب، وترك مفوضا للعقارب والافاعي. # وبلفظ (وعلى سمعهم) الى فوات نعمة عظيمة سمعية بسبب الكفر؛ اذ السمع من ~~شأنه - اذا استقر خلف صماخه نور الايمان واستند اليه - الاحتساس بنداء كل ~~العالم وفهم اذكارها، وسمع صياح الكائنات وتفهم تسبيحاتها.. حتى ان السمع ~~ليسمع من ترنمات هبوب الريح، ومن نعرات رعد الغيم، ومن نغمات امواج البحر، ~~ومن صرخات دقدقة الحجر، ومن هزجات نزول المطر، ومن سجعات غناء الطير كلاما ~~ربانيا، ويفهم تسبيحا علويا، كأن الكائنات موسيقية عظيمة له، تهيج في ms041 قلبه ~~حزنا علويا وعشقا روحانيا فيحزن بتذكر الأحباب والانيس فيكون الحزن لذة؛ لا ~~بعدم الاحباب فيكون غما.. واذا اظلم ذلك السمع بالكفر صار اصم من تلك ~~الاصوات اللذيذة، ولايسمع من الكائنات إلا نياحات المأتم ونعيات الموت، فلا ~~يلقي PageV01P077 # في القلب الا غم اليتمة - اي عدم الاحباب - ووحشة الغربة - اي عدم المالك ~~والمتعهد - فبناء على هذا السر أحل الشرع بعض الاصوات وهو ماهيج عشقا علويا ~~وحزنا عاشقيا، وحرم بعضها وهو ما انتج اشتهاء نفسيا وحزنا يتميا، ومالم يرك ~~الشرع فميزه بتأثيره في روحك ووجدانك. # وبكلمة (وعلى ابصارهم غشاوة) الى زوال نعمة جسيمة بسبب الكفر؛ اذ البصر ~~من شأنه اذا استضاء نوره واتصل بنور الايمان الساكن خلف شبيكته ممدا ومحركا ~~له كان كل الكائنات كجنة مزينة بالزهر والحور، ويصير نور العين نحلا تطير ~~عليها فتجتنى من تلك الازاهير عصارة العبرة والفكرة والانسية والاستيناس ~~والتحبب والتهنئة، فتأخذ حميلتها فتتخذ في الوجدان شهد الكمالات.. واذا ~~أظلم - العياذ بالله - ذلك البصر بالكفر طمس، وصارت الدنيا في نظره سجنا، ~~وتسترت عنه الحقائق وتوحشت عليه الكائنات وتلقى الى قلبه آلاما تحيط ~~بوجدانه من الرأس الى القدم.. # وبلفظ (ولهم عذاب عظيم) الى ثمرة شجرة زقوم الكفر في العالم الاخروي من ~~عذاب جهنم ومن نكال الغضب الالهي. هذا. # واما "لايؤمنون" فتأكيد ل "سواء" ينص على جهة المساواة. # *** PageV01P078 ### | AUTO ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى ابصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم # 7 # مقدمة # اعلم! انه لزمنا ان نقف هنا حتى نستمع لما يتكلم به المتكلمون؛ اذ تحت ~~هذه الآية حرب عظيمة بين اهل الاعتزال واهل الجبر واهل السنة والجماعة. ~~ومثل هذه الحرب تستوقف النظار. فناسب ان نذكر اساسات لتستفيد منها: # ان مذهب اهل السنة والجماعة هو الصراط المستقيم، وماعداه إما افراط او تفريط. # منها: انه قد تحقق "ان لا مؤثر في الكون الا الله" فإذا لا تفويض. 1 # ومنها: "ان الله حكيم" فلا يكون الثواب والعقاب عبثين فحينئذ لا اضطرار. ~~فكما ان التوحيد يدفع في صدر الاعتزال؛ كذلك التنزيه يضرب ms042 على فم الجبر. # ومنها: ان لكل شيء جهتين: جهة ملكية هي قد تكون حسنة وقد تكون قبيحة ~~تتوارد عليها الاشكال كظهر المرآة. وجهة ملكوتية تنظر الى الخالق. وتلك ~~شفافة في كل شيء كوجه المرآة. فخلق القبيح ليس قبيحا؛ اذ الخلق من جهة ~~الملكوتية حسن، ولان خلقه لتكميل المحاسن فيحسن بالغير. فلا تصغ الى سفسطة ~~الاعتزال! # ومنها: ان الحاصل بالمصدر 2 أمر قار مخلوق جامد لا يشتق منه الصفات 3. ~~واما المصدر فمكسوب نسبي اعتباري يشتق منه الصفات. فلا يكون خالق القتل ~~قاتلا.. فذر اهل الاعتزال في خوضهم يلعبون!.. # ومنها: ان الفعل الظاهري في الاغلب نتيجة لافعال متسلسلة منتهية الى ~~ميلان النفس الذي يسمى "بالجزء الاختياري". فتدور المنازعات على هذا ~~الاساس. PageV01P079 # ومنها: ان الارادة الكلية الالهية ناظرة بعادته تعالى الى الارادة ~~الجزئية للعبد، فلا اضطرار. # ومنها: ان العلم تابع للمعلوم، فلا يتبعه المعلوم حتى يدور. فلا يتعلل في ~~العمل باحالة مقاييسه على القدر. # ومنها: ان خلق الحاصل بالمصدر متوقف على كسب المصدر بجريان عادة الله ~~تعالى باشتراطه به. والنواة في كسب المصدر والعقدة الحياتية فيه هي ~~الميلان، فبحله تنحل عقدة المسألة. # ومنها: ان الترجح بلا مرجح محال دون الترجيح بلا مرجح فلا تعلل أفعاله ~~تعالى بالاغراض؛ بل اختياره تعالى هو المرجح. # ومنها: ان الامر الموجود لابد له من مؤثر وإلا لزم الترجح بلا مرجح وهو ~~محال كما مر. واما الامر الاعتباري 1 فتخصصه بلا مخصص لا يلزم منه المحال. # ومنها: ان الموجود يجب ان يجب ثم يوجد 2. واما الامر الاعتباري فالترجح ~~بلا انتهاء الى حد الوجوب كاف فلا يلزم ممكن بلا مؤثر. # ومنها: ان العلم بوجود شيء لايستلزم العلم بماهيته، وعدم العلم بالماهية ~~لايستلزم العدم. فعدم التعبير عن كنه الاختيار لاينافي قطعية وجوده. # واذا تفطنت لهذه الاساسات فاستمع لما يتلى عليك: # فنحن معاشر اهل السنة والجماعة نقول: يا اهل الاعتزال! ان العبد ليس ~~خالقا للحاصل بالمصدر كالحاصل من المصدر 3، بل هو مصدر المصدر فقط 4؛ اذ ~~"لا مؤثر في الكون الا الله"، والتوحيد ms043 هكذا يقتضي. ثم نقول: يا اهل الجبر! ~~ليس العبد مضطرا بل له جزء اختياري لان الله حكيم. وهكذا يقتضي التنزيه. # فان قلتم: كلما يشرح الجزء الاختياري بالتحليل لايظهر منه الا الجبر. # قيل لكم: PageV01P080 # اولا: ان الوجدان والفطرة يشهدان ان بين الامر الاختياري والاضطراري امرا ~~خفيا فارقا، وجوده قطعي. فلا علينا ان لانعبر عنه. # وثانيا: نقول ان الميلان ان كان امرا موجودا -كما عليه الاشاعرة - ~~فالتصرف فيه امر اعتباري بيد العبد 1؛ وان كان الميلان امرا اعتباريا -كما ~~عليه الماتريدية - فذلك الامر الاعتباري ثبوته وتخصصه لايستلزم العلة ~~التامة الموجبة 2 فيجوز التخلف 3. فتأمل! # والحاصل: ان الحاصل بالمصدر موقوف عادة على 4 المصدر الذي اساسه الميلان ~~الذي هو - او التصرف فيه - ليس موجودا حتى يلزم 5 من تخصصه مرة هذا ومرة ~~ذاك ممكن بلا مؤثر، او ترجح بلا مرجح.. ولامعدوما ايضا حتى لايصلح ان يكون ~~شرطا لخلق الحاصل بالمصدر او سببا للثواب والعقاب. # ان قلت: العلم الازلي والارادة الازلية ينحيان على الاختيار بالقلع؟ 6 # قيل لك: ان العلم بفعل باختيار لاينافي الاختيار 7.. وايضا ان العلم ~~الازلي محيط كالسماء لا مبدأ للسلسلة كرأس زمان الماضي حتى تسند اليه ~~المسببات متغافلا عن الاسباب موهما خروجها.. وايضا ان العلم تابع للمعلوم، ~~أي على أي كيفية يكون المعلوم، كذلك يحيط به العلم، فلا يستند مقاييس ~~المعلوم الى اساسات القدر.. وايضا ان الارادة لاتتعلق بالمسبب فقط مرة ~~وبالسبب مرة اخرى حتى لاتبقى فائدة في الاختيار والسبب؛ بل تتعلق تعلقا ~~واحدا بالمسبب وبسببه. وعلى هذا السر لو قتل شخص شخصا بالبندقة مثلا، ثم ~~فرضنا عدم السبب والرمي هل يموت ذلك الشخص في ذلك الآن ام لا؟ فاهل الجبر ~~يقولون: لو لم يقتل لمات ايضا لتعدد التعلق والانقطاع بين السبب والمسبب.. ~~واهل الاعتزال يقولون: لم يمت، لجواز تخلف PageV01P081 # المراد عن الارادة عندهم.. واما اهل السنة والجماعة فيقولون: نتوقف ~~ونسكت؛ اذ فرض عدم السبب يستلزم فرض عدم تعلق الارادة والعلم بالمسبب ايضا، ~~اذ التعلق واحد. فهذا الفرض المحال جاز ان يستلزم ms044 محالا. فتأمل! # *** # مقدمة اخرى # اعلم! ان الطبيعيين يقولون: ان للاسباب تأثيرا حقيقيا. . والمجوس يقولون: ~~ان للشر خالقا آخر.. والمعتزلة يدعون: ان الحيوان خالق لإفعاله الاختيارية. ~~وأساس هذه الثلاثة مبنية على وهم باطل، وخطأ محض، وتجاوز عن الحد وقياس مع ~~الفارق، خدعهم وشبطهم 1؛ اذ ذهبوا ظنا منهم الى التنزيه فوقعوا في شرك ~~الشرك. وان شئت التفصيل فاستمع لمسائل تطرد ذلك الوهم: # منها: انه كما ان استماع الانسان وتكلمه وملاحظته وتفكره جزئية تتعلق بشيء ~~فشيء على سبيل التعاقب؛ كذلك همته جزئية لاتشتغل بالاشياء إلا على سبيل ~~التناوب. # ومنها: ان قيمة الانسان بنسبة ماهيته.. وماهيته بدرجة همته.. وهمته ~~بمقدار اهمية المقصد الذي يشتغل به. # ومنها: ان الانسان الى اي شيء توجه يفنى فيه وينحبس عليه. ومن هذه النقطة ~~ترى الناس - في عرفهم - لايسندون شيئا خسيسا وأمرا جزئيا الى شخص عظيم وذات ~~عال؛ بل الى الوسائل ظنا منهم ان الاشتغال بالامر الخسيس لايناسب وقاره، ~~وهو لايتنزل له ولا يسع الامر الحقير همته العظيمة، ولا يوازن الامر الخفيف ~~مع همته العظيمة. # ومنها: ان من شأن الانسان - اذا تفكر في شيء لمحاكمة احواله - ان يتحرى ~~مقاييسه وروابطه واساساته، أولا في نفسه، ثم في ابناء جنسه.. وان لم يجد ~~ففي جوانبه من الممكنات. حتى ان واجب الوجود الذي لايشبه الممكنات بوجه من ~~الوجوه اذا تفكر فيه الانسان تلجؤه القوة الواهمة لان يجعل هذا الوهم السئ ~~المذكور دستورا، والقياس الخادع منظارا له. مع ان الصانع جل جلاله لاينظر ~~اليه من هذه النقطة؛ اذ لا انحصار لقدرته. PageV01P082 # ومنها: ان قدرته وعلمه وارادته جل جلاله كضياء الشمس - ولله المثل الاعلى ~~- شاملة لكل شيء، وعامة لكل امر. فلا تقع في الانحصار ولاتجئ في الموازنة. ~~فكما تتعلق باعظم الاشياء كالعرش؛ تتعلق باصغرها كالجوهر الفرد.. وكما خلق ~~الشمس والقمر؛ كذلك خلق عيني البرغوث والبعوضة.. وكما اودع نظاما عاليا في ~~الكائنات؛ كذلك اوقع نظاما دقيقا في امعاء الحيوانات (الخردبينية) 1.. وكما ~~ربط الاجرام العلوية والنجوم المعلقة بقانونه المسمى بالجاذب العمومي؛ كذلك ~~نظم الجواهر الفردة بنظير ms045 ذلك القانون كأنه مثال مصغر لها. اذ بتداخل العجز ~~تتفاوت مراتب القدرة. فمن امتنع عليه العجز تتساوى في قدرته الاشياء، اذ ~~العجز ضد القدرة الذاتية. فتأمل! # ومنها: ان اول ماتتعلق به القدرة ملكوتية الاشياء وهي شفافة حسنة في الكل ~~كما مر. فكما انه جل جلاله جعل وجه الشمس مجلى ووجه القمر مستضيئا؛ كذلك ~~صير ملكوتية الليل والغيم حسنة منيرة. # ومنها: ان مقياس عظمته تعالى وميزان كمالاته وواسطة محاكمة اوصافه ~~لايسعها ذهن البشر، ولا يمكن له الا بوجه 2، بل انما هو بما يتحصل من جميع ~~مصنوعاته.. وبما يتجلى من مجموع آثاره.. وبما يتلخص من كل افعاله. نعم ~~الذرة تكون مرآة ولا تكون مقياسا. # واذا تفطنت لهذه المسائل فاعلم! ان الواجب تعالى لايقاس على الممكنات، اذ ~~الفرق من الثرى الى الثريا. ألا ترى اهل الطبيعة والاعتزال والمجوس - بناء ~~على تسلط القوة الواهمة بهذا القياس على عقولهم - كيف التجأوا الى اسناد ~~التأثير الحقيقي الى الاسباب، وخلق الافعال للحيوان، وخلق الشر لغيره ~~تعالى؟ يظنون ويتوهمون ان الله تعالى بعظمته وكبريائه وتنزهه كيف يتنزل ~~لهذه الامور الخسيسة والاشياء القبيحة؟ فسحقا لهم! كيف صيروا العقل اسيرا ~~لهذا الوهم الواهي هذا؟.. ياهذا! هذا الوهم قد يتسلط على المؤمن ايضا من ~~جهة الوسوسة فتجنب!. # *** PageV01P083 # اما تحليل كلمات هذه الآية ونظمها: # فاعلم! ان ربط (ختم) ب "لايؤمنون" وتعقيبه به نظير ترتب العقاب على ~~العمل. كأنه يقول لما افسدوا الجزء الاختياري ولم يؤمنوا عوقبوا بختم القلب ~~وسده. ثم لفظ "الختم" يشير الى استعارة مركبة تومئ الى اسلوب تمثيلي يرمز ~~الى ضرب مثل يصور ضلالتهم؛ اذ المعنى فيه منع نفوذ الحق الى القلب. ~~فالتعبير بالختم يصور القلب بيتا بناه الله تعالى ليكون خزينة الجواهر، ثم ~~بسوء الاختيار فسد وتعفن وصار ما فيه سموما فاغلق وامهر ليجتنب. # واما (الله) فاعلم! ان فيه التفاتا من التكلم الى الغيبة. ومع نكتة ~~الالتفات ففي مناسبة لفظ "الله" مع متعلق "لايؤمنون" في النية، أعني لفظ ~~"بالله"، اشارة الى لطافة، هي انه لما جاء نور معرفة الله ms046 اليهم فلم يفتحوا ~~باب قلبهم له تولى عنه مغضبا واغلق الباب عليهم. # واما (على) فاعلم! ان فيه - بناء على كون الختم متعديا بنفسه - اشارة الى ~~تضمين ختم "وسم"، كأنه يقول: جعل الله الختم وسما وعلامة على القلب يتوسمه ~~الملائكة.. وفي "على" أيضا ايماء الى ان المسدود الباب العلوي من القلب لا ~~الباب السفلي الناظر الى الدنيا. # واما (قلوبهم) قدمه على السمع والبصر لانه هو محل الايمان.. ولان اول ~~دلائل الصانع يتجلى من مشاورة القلب مع نفسه، ومراجعة الوجدان الى فطرته، ~~لانه اذا راجع نفسه يحس بعجز شديد يلجؤه الى نقطة استناد، ويرى احتياجا ~~شديدا لتنمية آماله فيضطر الى نقطة استمداد، ولا استناد ولا استمداد الا ~~بالايمان.. ثم ان المراد بالقلب اللطيفة الربانية التي مظهر حسياتها ~~الوجدان، ومعكس افكارها الدماغ، لا الجسم الصنوبري. فاذا في التعبير بالقلب ~~رمز الى ان اللطيفة الربانية لمعنويات الانسان كالجسم الصنوبري لجسده. فكما ~~ان ذلك الجسم ماكينة حياتية تنشر ماء الحياة لأقطار البدن، واذا انسد وسكن ~~جمد الجسد؛ كذلك تلك اللطيفة تنشر نور الحياة الحقيقية لاقطار الهيئة ~~المجسمة من معنوياته واحواله وآماله. واذا زال نور الايمان - العياذ بالله ~~- صارت ماهيته التي يصارع بها الكائنات كشبح لاحراك به واظلم عليه. PageV01P084 # واما وعلى (سمعهم) كرر "على" للاشارة الى استقلال كل بنوع من الدلائل. ~~فالقلب بالدلائل العقلية والوجدانية. والسمع بالدلائل النقلية والخارجية، ~~وللرمز الى ان ختم السمع ليس من جنس ختم القلب.. ثم ان في افراد السمع مع ~~جمع جانبيه ايجازا ورموزا الى ان السمع مصدر، لعدم الجفن له.. والى ان ~~المسمع فرد.. وان المسموع للكل فرد.. وانه يسمع فردا فردا.. ولاشتراك الكل ~~كأن اسماعهم بالاتصال صارت فردا.. ولاتحاد الجماعة وتشخصها يتخيل لها سمع ~~فرد.. والى اغناء سمع الفرد عن استماع الكل فحق السمع في البلاغة الافراد.. ~~لكن القلوب والابصار مختلفة متعلقاتهما، ومتباينة طرقهما، ومتفاوتة ~~دلائلهما، ومعلمهما على انواع، وملقنهما على اقسام. فلهذا توسط المفرد بين ~~الجمعين. وعقب القلب بالسمع لان السمع اب لملكاته، واقرب اليه، ونظيره في ~~تساوي ms047 الجهات الست عنده. # واما (وعلى ابصارهم غشاوة) فاعلم! ان في تغيير الاسلوب باختيار الجملة ~~الاسمية اشارة الى ان جنان البصر التي يجتني منها دلائله ثابتة دائمة بخلاف ~~حدائق السمع والقلب؛ فانها متجددة.. وفي اسناد الختم الى الله تعالى دون ~~الغشاوة اشارة الى ان الختم جزاء كسبهم، والغشاوة مكسوبة لهم، ورمز الى ان ~~في مبدأ السمع والقلب اختيارا، وفي مبدأ البصر اضطرارا ومحل الاختيار غشاوة ~~التعامي. وفي عنوان الغشاوة اشارة الى ان للعين جهة واحدة. وتنكيرها ~~للتنكير، أي التعامي حجاب غير معروف حتى يتحفظ منه.. قدم (على ابصارهم) ~~ليوجه العيون الى عيونهم اذ العين مرآة سرائر القلب. # وأما (ولهم عذاب عظيم) فاعلم! انه كما اشار بالكلمات السابقة الى حنظلات ~~تلك الشجرة الملعونة الكفرية في الدنيا؛ كذلك اشار بهذه الى حنظلة جانبها ~~الممتد الى الآخرة وهي زقوم جهنم.. # ثم ان سجية الاسلوب تقتضي (وعليهم عقاب شديد) . ففي ابدال "على" باللام ~~و"العقاب" بالعذاب و"الشديد" بالعظيم، مع ان كلا منها يليق بالنعمة رمز الى ~~نوع تهكم توبيخي تعريضي؛ كأنه ينعي بهم: ما منفعتهم، ولا لذتهم، ولا نعمتهم ~~العظيمة الا العقاب؛ نظير (تحية بينهم ضرب وجيع) . و (فبشرهم بعذاب اليم) PageV01P085 # اذ اللام لعاقبة العمل وفائدته. فكأنه يتلو عليهم"خذوا اجرة عملكم". # وفي لفظ "العذاب" رمز خفي الى ان يذكرهم استعذابهم واستلذاذهم بالمعاصي ~~في الدنيا فكأنه يقرأ عليهم "ذوقوا مرارة حلاوتكم". # وفي لفظ ال "عظيم" اشارة خفية الى تذكيرهم حال صاحب النعمة العظيمة في ~~الجنة فكأنه يلقنهم: انظروا الى ماضيعتم على انفسكم من النعمة العظيمة، ~~وكيف وقعتم في الالم الاليم. ثم ان "عظيم" تأكيد لتنوين "عذاب". # ان قلت: ان معصية الكفر كانت في زمان قليل والجزاء أبدي غير متناه فكيف ~~ينطبق هذا الجزاء على العدالة الالهية؟ وإن سلم، فكيف يوافق الحكمة ~~الأزلية؟ وان سلم، فكيف تساعده المرحمة الربانية؟ # قيل لك: مع تسليم عدم تناهي الجزاء، ان الكفر في زمان متناه جناية غير ~~متناهية بست جهات: # منها: ان من مات على الكفر لو بقي أبدا لكان كافرا أبدا ms048 لفساد جوهر روحه، ~~فهذا القلب الفاسد استعد لجناية غير متناهية. # ومنها: ان الكفر وان كان في زمان متناه لكنه جناية على غير المتناهي، ~~وتكذيب لغير المتناهي أعني عموم الكائنات التي تشهد على الوحدانية. # ومنها: ان الكفر كفران لنعم غير متناهية. # ومنها: ان الكفر جناية في مقابلة الغير المتناهي وهو الذات والصفات ~~الالهية. # ومنها: ان وجدان البشر - بسر حديث (لا يسعني ارضي ولا سمائي) 1 - وان كان ~~في الظاهر والملك محصورا ومتناهيا لكن ملكوتيته بالحقيقة نشرت ومدت عروقها ~~الى الأبد. فهو من هذه الجهة كغير المتناهي وبالكفر تلوث واضمحل. PageV01P086 # ومنها: ان الضد وان كان معاندا لضده لكنه مماثل له في أكثر الأحكام. فكما ~~ان الايمان يثمر اللذائذ الأبدية، كذلك من شأن الكفر ان يتولد منه الآلام ~~الأبدية. # فمن مزج هذه الجهات الست يستنتج ان الجزاء الغير المتناهي انما هو في ~~مقابلة الجناية الغير المتناهية وما هو إلا عين العدالة. # ان قلت: طابق العدالة 1 لكن اين الحكمة الغنية عن وجود الشرور المنتجة ~~للعذاب؟ # قيل لك: كما قد سمعت مرة أخرى انه لايترك الخير الكثير لتخلل الشر القليل ~~لأنه شر كثير. اذ لما اقتضت الحكمة الالهية تظاهر ثبوت الحقائق النسبية ~~التي هي أزيد بدرجات من الحقائق الحقيقية - ولا يمكن هذا التظاهر الا بوجود ~~الشر؛ ولا يمكن توقيف الشر على حده ومنع طغيانه الا بالترهيب؛ ولا يمكن ~~تأثير الترهيب حقيقة في الوجدان الا بتصديق الترهيب وتحقيقه بوجود عذاب ~~خارجي؛ اذ الوجدان لا يتأثر حق التأثر -كالعقل والوهم - بالترهيب الا بعد ~~ان يتحدس بالحقيقة الخارجية الأبدية بتفاريق الامارات - فمن عين الحكمة بعد ~~التخويف من النار في الدنيا وجود النار في الآخرة. # ان قلت: قد وافق الحكمة فما جهة المرحمة فيه؟ # قلت: لا يتصور في حقهم إلا العدم أو الوجود في العذاب، والوجود - ولو في ~~جهنم - مرحمة وخير بالنسبة الى العدم إن تأملت في وجدانك؛ اذ العدم شر محض، ~~حتى ان العدم مرجع كل المصائب والمعاصي ان تفكرت في تحليلها. واما الوجود ~~فخير محض فليكن ms049 في جهنم.. وكذا ان من شأن فطرة الروح - اذا علم ان العذاب ~~جزاء مزيل لجنايته وعصيانه - ان يرضى به لتخفيف حمل خجالة الجناية ويقول: ~~هو حق، وانا مستحق. بل حبا للعدالة قد يلتذ معنى! وكم من صاحب ناموس في ~~الدنيا يشتاق الى اجراء الحد على نفسه ليزول عنه حجاب خجالة الجناية. وكذا ~~ان الدخول وان كان الى خلود دائم وجهنم بيتهم أبدا، لكن بعد مرور جزاء ~~العمل دون الاستحقاق يحصل لهم نوع الفة وتطبع مع تخفيفات كثيرة مكافأة ~~لأعمالهم الخيرية. اشارت اليها الأحاديث. فهذا مرحمة لهم مع عدم لياقتهم. # *** PageV01P087 ### | AUTO ومن الناس من يقول امنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين # 8 # وجه النظم: # انه كما يعطف المفرد على المفرد للاشتراك في الحكم، والجملة على الجملة ~~للاتحاد في المقصد؛ كذلك قد تعطف القصة على القصة للتناسب في الغرض. ومن ~~الأخير عطف قصة المنافقين على الكافرين. أي عطف ملخص اثنتي عشرة آية على ~~مآل آيتين؛ اذ لما افتتح التنزيل بثناء ذلك الكتاب فاستتبع ثمرات ثنائه من ~~مدح المؤمنين، فاستردف ذم اضدادهم بسر "انما تعرف الأشياء باضدادها" ولتتم ~~حكمة الارشاد، ناسب تعقيب المنافقين تكميلا للاقسام. # ان قلت: لم أوجز في حق الكافرين كفرا محضا بآيتين واطنب في النفاق باثنتي ~~عشرة آية؟ # قيل لك: لنكات؛ # منها: ان العدو اذا لم يعرف كان اضر. واذا كان مخنسا كان أخبث. واذا كان ~~كذابا كان أشد فسادا. واذا كان داخليا كان أعظم ضررا؛ اذ الداخلي يفتت ~~الصلابة ويشتت القوة بخلاف الخارجي فانه يتسبب لتشدد الصلابة العصبية. ~~فأسفا! ان جناية النفاق على الاسلام عظيمة جدا. وما هذه المشوشية 1 الا ~~منه. ولهذا أكثر القرآن من التشنيع عليهم. # ومنها: ان المنافق لاختلاطه بالمؤمنين يستأنس شيئا فشيئا، ويألف بالايمان ~~قليلا قليلا، ويستعد لأن يتنفر عن حال نفسه بسبب تقبيح أعماله وتشنيع ~~حركاته؛ فتتقطر كلمة التوحيد من لسانه الى قلبه. # ومنها: ان المنافق يزيد على الكفر جنايات اخر كالاستهزاء والخداع ~~والتدليس والحيلة والكذب والرياء. PageV01P088 # ومنها: ان المنافق في الأغلب يكون ms050 من أهل الكتاب ومن أهل الجربزة الوهمية ~~فيكون حيالا دساسا ذا ذكاء شيطاني، فالاطناب في حقه أعرق في البلاغة. # أما تحليل كلمات هذه الآية، فاعلم! ان (من الناس) خبر مقدم ل (من) على وجه. # ان قلت: كون المنافق انسانا بديهي....؟ # قيل لك: اذا كان الحكم بديهيا يكون الغرض واحدا من لوازمه وهنا هو ~~التعجيب. كأنه يقول كون المنافق الرذيل انسانا عجيب؛ اذ الانسان مكرم، ليس ~~من شأنه ان يتنزل الى هذه الدركة من الخسة. # ان قلت: فلم قدم؟ # قيل لك: من شأن انشاء التعجب الصدارة وليتمركز النظر على صفة المبتدأ ~~التي هي مناط الغرض وإلا لانتظر ومر الى الخبر. # ثم ان عنوان (الناس) يترشح منه لطائف: # منها: انه لم يفضحهم بالتعيين، بل سترهم تحت عنوان "الناس" إيماء الى ان ~~سترهم وعدم كشف الحجاب عن وجوههم القبيحة أنسب بسياسة النبي عليه السلام؛ ~~اذ لو فضحهم بالتشخيص لتوسوس المؤمنون؛ اذ لايؤمن من دسائس النفس. والوسوسة ~~تنجر الى الخوف والخوف الى الرياء والرياء الى النفاق.. ولأنه لو شنعهم ~~بالتعيين لقيل ان النبي عليه السلام متردد لايثق باتباعه.. ولان بعضا من ~~الفساد لو بقي تحت الحجاب لانطفأ شيئا فشيئا واجتهد صاحبه في اخفائه ولو ~~رفع الحجاب - فبناء على ما قيل "اذا لم تستح فافعل ما شئت" 1 - ليقول فليكن ~~ما كان، ويأخذ في النشر ولا يبالي. # ومنها: ان التعبير ب (الناس) يشير الى انه مع قطع النظر عن سائر الصفات ~~المنافية للنفاق فأعم الصفات أعني: الانسانية أيضا منافية له؛ اذ الانسان ~~مكرم ليس من شأنه هذه الرذالة. PageV01P089 # ومنها: انه رمز الى ان النفاق لا يختص بطائفة ولا طبقة بل يوجد في نوع ~~الانسان أية طائفة كانت. # ومنها: انه يلوح بان النفاق يخل بحيثية كل من كان انسانا فلابد ان يتحرك ~~غضب الكل عليه، ويتوجه الكل الى تحديده، لئلا ينتشر ذلك السم؛ كما يخل ~~بناموس طائفة ويهيج غضبهم شناعة فرد منهم. # وأما (من يقول آمنا) # فان قلت: لم افرد "يقول" وجمع "آمنا" مع ان المرجع ms051 واحد؟ # قيل لك: فيه اشارة الى لطافة ظريفة هي: # اظهار ان المتكلم مع الغير متكلم وحده ف "يقول": للتلفظ وحده و"آمنا" ~~لأنه مع الغير في الحكم.. ثم ان هذا حكاية عن دعواهم ففي صورة الحكاية ~~اشارة الى رد المحكي بوجهين، كما ان في المحكي اشارة الى قوته بجهتين؛ اذ ~~"يقول" يرمز بمادته الى ان قولهم ليس عن اعتقاد وفعل، بل يقولون بأفواههم ~~ما ليس في قلوبهم.. وبصيغته يومئ الى ان سبب استمرار مدافعتهم وادعائهم ~~مراآة الناس لامحرك وجداني.. وفي الدعوى ايماء منهم بصيغة الماضي الى: "إنا ~~معاشر أهل الكتاب قد آمنا قبل فكيف لانؤمن الآن".. وفي لفظ "نا" رمز منهم ~~الى: "انا جماعة متحزبون لسنا كفرد يكذب أو يكذب". # وأما (بالله وباليوم الآخر) فاعلم! ان للتنزيل ان يأخذ المحكي بعينه، أو ~~يتصرف فيه بأخذ مآله، أو تلخيص عبارته: فعلى الأول ذكروا الأول والآخر من ~~أركان الايمان اظهارا للقوي، ولما هو أقرب لأن يقبل منهم، وأشاروا الى ~~سلسلة الأركان بتكرار الباء مع القرب. وعلى الثاني بأن يكون كلامه تعالى؛ ~~ففي ذكر القطبين فقط اشارة الى ان أقوى ما يدعونه أيضا ليس بايمان؛ اذ ليس ~~ايمانهم بهما على وجههما. وكرر الباء للتفاوت؛ اذ الايمان بالله ايمان ~~بوجوده ووحدته، وباليوم الآخر بحقيته ومجيئه كما مر. PageV01P090 # واما (وما هم بمؤمنين) # فان قلت: لم لم يقل "وما امنوا" الأشبه ب "آمنا"؟ # قيل لك: لئلا يتوهم التناقض صورة 1، ولئلا يرجع التكذيب الى نفس "آمنا" ~~الظاهر انشائيته المانعة من التكذيب. بل ليرجع النفي والتكذيب الى الجملة ~~الضمنية المستفادة من "آمنا"، وهي "فنحن مؤمنون".. وأيضا ليدل باسمية ~~الجملة على دوام نفي الايمان عنهم. # ان قلت: لم لا يدل على نفي الدوام مع ان "ما" مقدم؟ # قيل لك: ان النفي معنى الحرف الكثيف، والدوام معنى الهيئة الخفيفة، ~~فالنفي أغمس وأقرب الى الحكم. # ان قلت: ما نكتة 2 الباء على خبر ما؟ # قيل لك: ليدل على انهم ليسوا ذواتا أهلا للايمان وإن آمنوا صورة، اذ فرق ~~بين "ما زيد سخيا" ms052 و"ما زيد بسخي"؛ اذ الأول: لهوائية الذات، معناه: زيد ~~لايسخو بالفعل وان كان أهلا ومن نوع الكرماء. وأما الثاني: فمعناه زيد ليس ~~بذات قابل للسماحة وليس من نوع الأسخياء وإن أحسن بالفعل. # *** PageV01P091 ### | AUTO يخادعون الله # والذين آمنوا وما يخدعون الا انفسهم # وما يشعرون 9 في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب اليم # بما كانوا يكذبون 10 # اعلم! ان وجه النظم: اشارات جملها: الى التوبيخ على النفاق.. ثم تشنيعه.. ~~ثم تقبيحهم.. ثم التهديد عليه.. ثم ترهيبهم.. ثم التعجب منهم.. ثم بيان ~~مقصدهم من قولهم المذكور ... ثم بيان علة قولهم.. ثم بيان أول الجنايات ~~الأربع الناشئة من النفاق وهي الخداع، والافساد، وتسفيه المؤمنين، ~~والاستهزاء بهم.. ثم تمثيل جناياتهم وحيلهم باسلوب استعارة تمثيلية هكذا: ~~بان صور معاملتهم مع احكام الله تعالى ومع النبي عليه السلام والمؤمنين - ~~باظهارهم الايمان لأغراض دنيوية مع تبطن الكفر، ومعاملة الله والنبي ~~والمؤمنين معهم باجراء أحكام المؤمنين عليهم استدراجا، مع انهم أخبث الكفرة ~~عند الله - بصورة خداع شخصين، أو الصياد مع الصيد الذي يحس الصياد بالخروج ~~عن القاصعاء ثم يفر من النافقاء. 1 # أما نظم جمل الجناية الأولى من (يخادعون) الى (بما كانوا يكذبون) فانظر ~~الى ما تضمنت من النتائج المتسلسلة المترتبة في الجمل السبع، وهي: تحميقهم ~~بطلب المحال.. ثم تسفيههم باضرار أنفسهم بنية المنفعة.. ثم تجهيلهم بعدم ~~التمييز بين الضر والنفع.. ثم ترذيلهم بخبث الطينة ومرض معدن الصحة وموت ~~منبع الحياة.. ثم تذليلهم بتزييد المرض في طلب الشفاء.. ثم تهديدهم بألم ~~محض يولد ألما صرفا.. ثم تشهيرهم بين الناس بأقبح العلامات أعني الكذب. # وأما اتساق وانتظام تلك الجمل السبع وانصباب الحكم فيما بينها فهو: أنك ~~كما اذا اردت زجر واحد عن شيء ونصحه تقول له اولا: ياهذا! ان كان لك عقل ~~فهذا محال.. ثم: ان كنت تحب نفسك فهذا يضرها.. ثم: ان كان لك حس فلم لاتميز ~~بين الضر والنفع؟. ثم: إن لم يكن لك اختيار فلا اقل من ان تعرف فساد سجيتك، PageV01P092 # وفيها مرض يحرف الحقيقة، ms053 ويريك الحلو مرا.. ثم: ان تطلب الشفاء فهذا يزيد ~~مرضك ولايشفي، مثلك كمثل من ابتلى بداء السهر فاجتهد في النوم فانتج له ~~قلقا طير نعاسه أيضا، أو كمن أصيب قلبه بداء "المرق" 1 فاغتم لوجود المصيبة ~~حتى صير المصيبة مصيبتين.. ثم: ان تتحر اللذة فهذا فيه ألم شديد ينتج ألما ~~أشد ليس كأمثاله التي فيها لذة مزخرفة.. ثم: ان لم تنتبه ولم تنزجر لا يبقى ~~الا ان يوسم على خرطومك بوسم قبيح، وتعلن بين الناس لمنع سراية فسادك الى ~~الناس؛ كذلك ان الله تعالى قال لزجر المنافقين (يخادعون الله) بدل "يخادعون ~~النبي" لتحميقهم، أي: كيف يخادعون النبي عليه السلام والنبي مبلغ عن الله ~~تعالى، فحيلتهم راجعة الى الله، والاحتيال مع الله تعالى محال، وطلب المحال ~~حمق. ومثل هذا الحمق مما يتعجب منه.. ثم اتبعه (وما يخدعون الا انفسهم) ~~لتسفيههم، أي: ليس في فعلكم نفع بل فيه ضرر، وضرره يعود على أنفسكم، فكأنكم ~~تخادعون أنفسكم.. ثم عقبه (وما يشعرون) لتجهيلهم أي: ايها الجهلاء! قد صرتم ~~أضل من الحيوان، كالاحجار الجامدة لاتحسون بالفرق بين الضر والنفع.. ثم ~~اردفه (في قلوبهم مرض) لترذيلهم بانفساد الجوهر، أي: ان لم يكن لكم اختيار ~~فلا أقل من أن تعرفوا المرض مرضا، وان سجيتكم فسدت. وان النفاق والحسد مرض ~~في الروح من شأنه تحريف الحقيقة وتغييرها حتى تظنون الحلو مرا والمر حلوا ~~والسوداء بيضاء والأبيض أسود فلا تتبعوه.. ثم زاد (فزادهم الله مرضا) ~~لتذليلهم، أي: إن كنتم تطلبون بهذا الدواء والتشفي من غيظكم وحسدكم فهذا ~~داء لا يزيدكم الا مرضا على مرض. فأنتم كمن كسر احد يده فأراد الانتقام ~~فضربه بتلك اليد المكسورة فازداد كسرا على كسر.. ثم قال (ولهم عذاب أليم) ~~لتهديدهم، أي: ان تتحروا اللذة فما نفاقكم هذا الا فيه ألم شديد عاجل ينتج ~~ألما أشد آجلا، ليس كسائر المعاصي التي فيها نوع من اللذة السفلية ~~العاجلة.. ثم أتمه بقول (بما كانوا يكذبون) لتوسيمهم بأشنع الوسم، أي: ان ~~لم تنتبهوا ولم تنتهوا لم يبق الا ms054 ان تشهروا بين الناس بالكذب المانع ~~للاعتماد لئلا يتعدى مرضكم. PageV01P093 # أما وجه النظم بين أجزاء كل جملة: # ففي الأولى: أعني جملة (يخادعون الله والذين آمنوا) هو: # ان في التعبير عن عملهم بالخداع مع المضارعية، لاسيما من باب المشاركة، ~~خصوصا مع اقامة لفظة "الله" مقام النبي واقامة "الذين آمنوا" مقام ~~"المؤمنين" تنصيصا وتصريحا بمحالية غرضهم من حيلتهم، وجعل المحالية نصب ~~العين بصورة تتنفر عنها النفوس وترتعد، اذ فيما في الخداع من الاستعارة ~~التمثيلية ما يوقظ النفرة.. وفيما في المضارعية من التصوير مع الاستمرار ما ~~يشمئز منه القلب.. وفيما في المشاركة من المشاكلة نظير (وجزاؤا سيئة سيئة ~~مثلها) 1 ما ينتج عدم انتاج حيلتهم؛ اذ في باب المشاركة فعل الفاعل سبب ~~لفعل المفعول، وهنا فعل المفعول صار سببا لعقم خداع الفاعل وعدم تأثيره، بل ~~جعل الخداع صورة واهية كانعكاس المقصد فيما اذا استهزيت بأحد لجهله، مع أنه ~~مستبطن علما ومستخف استهزاء بك.. وفيما في التصريح بلفظة "الله" من التنصيص ~~على محالية الغرض - اذ خداع النبي عليه السلام ينجر اليه تعالى - ما يشيط ~~العقل عن الحيلة.. وما في "الذين آمنوا" من جعل الصلة مدارا، اشارة الى ان ~~المنافقين يتحببون اليهم بصفة الايمان ويهيجون عرق ايمانهم للتحبب والتداخل ~~فيهم.. وفيه ايماء أيضا الى ان جماعة المؤمنين المنورين عقولهم بنور ~~الايمان لا تتستر عنهم الحيلة فينتج أيضا عقم حيلتهم.. # وفي الثانية: أعني جملة (وما يخدعون الا أنفسهم) هو: # ان في هذا الحصر اشارة الى كمال سفاهتهم بعكس العمل في معاملتهم كمن رمى ~~حجرا الى جدار فانثنى لكسر رأسه؛ اذ رشوا النبال لضرر المؤمنين فاصيبت ~~أنفسهم فكأنهم يخادعون بالذات ذواتهم.. وفي تبديل "يضرون" ب (يخدعون) اشارة ~~الى نهاية سفاهتهم، اذ يوجد في أهل العقل من يضر نفسه قصدا ولا يوجد من ~~يخادع نفسه عمدا الا ان يكون حمارا في صورة انسان. وفي عنوان "انفسهم" رمز ~~خفي الى أن نفاقهم وحيلتهم لما كان لحظ نفساني وغرض نفسي انتج نقيض مطلوبهم ~~لنفسهم. PageV01P094 # ان قلت: هذا الحصر يومئ الى ms055 ان خداعهم ما ضر الاسلام والمسلمين مع ان ~~الاسلام ما رأى من شيء ضررا مثل ما رأى من أنواع النفاق وشعباته المنتشرة ~~كالسم في عناصر العالم الاسلامي؟ # قيل لك: وما تراه من الضرر المتعدي والسم الساري انما هو من طبيعتهم ~~المتفسدة وفطرتهم المتفسخة ووجدانهم المتعفن نظير سراية المرض؛ وليس نتيجة ~~حيلتهم وخداعهم باختيارهم اذ يريدون خداع الله والنبي وجماعة المؤمنين، ~~والله عالم بكل شيء والنبي عليه السلام يوحى اليه، وجماعة المؤمنين لاتستطيع ~~الحيلة ان تتستر عنهم مدة مديدة فهم لاينخدعون. فثبت انهم لا يخدعون الا ~~أنفسهم فقط. # وفي الثالثة: أعني جملة (وما يشعرون) أي لا يحسون، هو: # ان في هذه الفذلكة تجهيلا أي تجهيل لهم، لأنها تشعر بأنهم إن كانوا عقلاء ~~فهذا ليس من شأن العقل، وإن كانوا حيوانات يتحركون بميل نفساني فشأنهم ان ~~يحسوا ويشعروا بمثل هذا الضرر المحسوس. فثبت انهم صاروا مثل جمادات لا ~~اختيار لها. # وفي الرابعة: أعني جملة (في قلوبهم مرض) هو: # ان سوقها يفيد انهم لما لم يعملوا بمقتضى المحاكمة العقلية والشعور الحسي ~~ظهر أن في روحهم مرضا فلا أقل من ان يعرفوا انه مرض ليجتنبوا عن القضايا ~~ولايحكموا عليها؛ اذ من شأن المرض تغيير الحقيقة وتشويه المزين وتحلية المر ~~كما مر.. وفي لفظ (في) رمز الى ان حسدهم وحقدهم مرض في ملكوت القلب وهي ~~اللطيفة التي مر ذكرها.. وفي عنوان "القلب" اشارة الى انه كما ان جسم القلب ~~اذا مرض اختل جميع أفعال البدن؛ كذلك اذا مرض معنى القلب بالخداع والنفاق ~~انحرف كل أفعال الروح عن منهج الاستقامة اذ هو منبع الحياة وماكنتها.. وفي ~~تقديم (في قلوبهم) على (مرض) ايماء الى الحصر بجهتين، ومن الايماء اشارة ~~بطريق التعريض الى ان الايمان نور، شأنه أن يعطي لجميع أفعال الانسان ~~وآثاره صحة واستقامة.. وأيضا في ايماء الحصر رمز الى ان الفساد في الأساس ~~فلا يجدي تعمير الفروعات.. وفي لفظ "المرض" رمز الى قطع عذرهم وإلقامهم ~~الحجر بان الفطرة مهيأة للحقيقة. وما الفساد والخراب الا مرض عارض.. ms056 وفي ~~تنوين التنكير اشارة الى انه في مكمن عميق لا يرى حتى يداوى. PageV01P095 # وفي الخامسة: أعني جملة (فزادهم الله مرضا) هو: # انهم حينما لم يعرفوا انه مرض حتى يتجنبوا منه بل طلبوه مستحسنين له ~~زادهم الله تعالى؛ اذ "من طلب وجد".. وفي "الفاء" التي هي للتعقيب السببي - ~~مع ان وجود المرض ليس سببا لزيادته - رمز الى انهم لما لم يشخصوا المرض فلم ~~يتحروا وسائل الشفاء بل توسلوا بأسباب الزيادة كمن يضارب خصما غالبا بيده ~~العليلةصاروا كأنهم طلبوا الزيادة فزادهم الله مرضا بقلب أملهم يأسا مزعجا، ~~بسبب ظفر المؤمنين، وقلب خصومتهم حقدا محرقا للقلب بسبب غلبة المؤمنين، ~~فتولد من مرضي اليأس والحقد داء الخوف وعلة الضعف ومرض الذلة فاستولت على القلب. # ثم ان الله تعالى لم يقل "فزاد الله مرضهم" بل جعل المفعول تمييزا ~~للإشارة الى ان المرض الباطني القلبي سرى الى الظاهر أيضا وتعدى الى جميع ~~الأفعال، فكأن هذا الداء الخبيث استولى على وجودهم فكأن وجودهم نفس الداء ~~فزيادة جراحات المرض ونفطاته 1 زيادة لنفس ذواتهم؛ اذ "اشتعل البيت نارا" ~~يفيد ان النار سرت الى تمام البيت حتى كأن تمام البيت نار تلتهب بخلاف ~~"اشتعلت نار البيت" فانه يصدق بتلهب النار من أي جانب كان. # وفي السادسة: أعني جملة (ولهم عذاب اليم) هو: # ان "اللام" التي هي للنفع، اشارة الى انه لو كان لهم منفعة لكانت البتة ~~ألما معذبا دنيويا، أو عذابا اخرويا مؤلما، وكونه منفعة من المحال، فمحال ~~لهم المنفعة.. وفي وصف العذاب بالأليم أي المتألم، مع ان الأليم هو الشخص ~~رمز الى ان العذاب استولى على وجودهم وأحاط بذواتهم ونفذ في بواطنهم بحيث ~~تحولوا بنفس العذاب، وصار العذاب عين ذواتهم، كانقلاب الفحم جمرة نار بنفوذ ~~النار 2. فاذا نظر الخيال الى صورة العذاب واستمع من جوانبه أنينا وتألما ~~وعويلا تتولد من الحياة المتجددة تحت العذاب يتخيل ان العذاب هو الذي يئن ~~ويتألم. فما أشد التهديد لمن تأمل!. . PageV01P096 # وفي السابعة: أعني جملة (بما كانوا يكذبون) هو: # ان في تعليق العذاب ms057 من بين جناياتهم المذكورة بالكذب فقط اشارة الى شدة ~~شناعة الكذب وقبحه وسماجته. وهذه الاشارة شاهد صدق على شدة تأثير سم الكذب؛ ~~اذ الكذب أساس الكفر، بل الكفر كذب ورأس الكذب، وهو الأولى من علامات ~~النفاق. وما الكذب الا افتراء على القدرة الالهية، وضد للحكمة الربانية.. ~~وهو الذي خرب الأخلاق العالية.. وهو الذي صير التشبثات العظيمة كالشبحات ~~المنتنة.. وبه انتشر السم في الاسلام.. وبه اختلت احوال نوع البشر.. وهو ~~الذي قيد العالم الانساني عن كمالاته، واوقفه عن ترقياته.. وبه وقع أمثال ~~مسيلمة الكذاب في أسفل سافلي الخسة.. وهو الحمل الثقيل على ظهر الانسان ~~فيعوقه عن مقصوده.. وهو الاب للرياء والأم للتصنع.. فلهذه الأسباب اختص ~~بالتلعين والتهديد والنعي النازل من فوق العرش.. # فيا أيها الناس! لاسيما ايها المسلمون! ان هذه الآية تدعوكم الى الدقة! # فان قلتم: ان الكذب للمصلحة عفو؟ # قيل لكم: اذا كانت المصلحة ضرورية قطعية، مع انه عذر باطل؛ اذ تقرر في ~~اصول الشريعة: ان الأمر الغير المضبوط (أي الذي لايتحصل بسبب كونه قابلا ~~لسوء الاستعمال) لا يصير علة ومدارا للحكم، كما ان المشقة لعدم انضباطها ما ~~صارت علة للقصر، بل العلة السفر. ولئن سلمنا فغلبة الضرر على منفعة شيء تفتى ~~بنسخه وتكون المصلحة في عدمه. وما ترى من الهرج والمرج في حال العالم شاهد ~~على غلبة ضرر عذر المصلحة. الا ان التعريض والكناية ليسا من الكذب. فالسبيل ~~مثنى: إما السكوت؛ اذ "لايلزم من لزوم صدق كل قول قول كل صدق". وإما الصدق؛ ~~اذ الصدق هو أساس الاسلامية، وهو خاصة الايمان، بل الايمان صدق ورأسه.. وهو ~~الرابط لكل الكمالات.. وهو الحياة للأخلاق العالية.. وهو العرق الرابط ~~للأشياء بالحقيقة.. وهو تجلي الحق في اللسان.. وهو محور ترقي الانسان.. وهو ~~نظام العالم الاسلامي.. وهو الذي يسرع بنوع البشر في طريق الترقي - كالبرق ~~- الى كعبة الكمالات.. وهو الذي يصير اخمد الناس وافقره أعز من السلاطين.. ~~وبه تفوق أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام على جميع الناس.. وبه ارتفع ~~"سيدنا محمد الهاشمي" عليه الصلاة ms058 والسلام الى أعلى عليي مراتب البشر. PageV01P097 ### | AUTO واذا قيل لهم لا تفسدوا # في الارض قالوا انما نحن مصلحون 11 # ألا انهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون 12 # اعلم! ان وجه نظم هذه الآية بما قبلها هو: # ان الله تعالى لما ذكر الأولى من الجنايات الناشئة عن نفاقهم وهي ظلمهم ~~أنفسهم وتجاوزهم على حقوق الله تعالى بنتائجها المتسلسلة المذكورة، عقبها ~~بثانية الجنايات؛ وهي تجاوزهم على حقوق العباد وايقاعهم الفساد بينهم مع ~~تفرعاتها.. # ثم ان (اذا قيل) كما انه مربوط باعتبار القصة ب "يقول" في "ومن الناس من ~~يقول" وباعتبار المآل ب "يخادعون"؛ كذلك يرتبط باعتبار نفسه ب "يكذبون". ~~وتغير الأسلوب من الحملية الى الشرطية امارة ورمز خفي الى مقدر بينهما كأنه ~~يقول: "لهم عذاب اليم بما كانوا يكذبون؛ إذ إذا كذبوا فتنوا، واذا فتنوا ~~أفسدوا، واذا نوصحوا لم يقبلوا، واذا قيل لهم لاتفسدوا الخ". # وأما وجه النظم بين الجمل الصريحة والضمنية في هذه الآية: فهو عين النظم ~~والربط في ما أمثل لك وهو: # انك اذا رأيت أحدا يسلك في طريق تنجر الى هلاكه، فاولا تنصحه قائلا له: ~~مذهبك هذا ينهار بك في البوار فتجنب. وان لم ينته بنهاه تعود عليه بالزجر ~~والنهي والنعي وتؤيد نهيك وتديمه في ذهنه إما بتخويفه بنفرة العموم، واما ~~بترقيق قلبه بالشفقة الجنسية كما سيأتيك بيانهما. فان كان ذلك الشخص متعنتا ~~لجوجا مصرا ألد راكبا متن الجهل المركب فهو لايسكت بل يدافع عن نفسه، كما ~~هو شأن كل مفسد يرى فساده صلاحا؛ اذ الانسانية لا تخلى ان يرتكب الفساد من ~~حيث هو فساد.. ثم يستدل ويدعي بأن طريقي هذا حق، ومعلوم انه كذلك؛ فلا حق ~~لك في النصيحة فلا احتياج الى نصيحتك.. بل انت محتاج الى التعلم.. فما ~~السبيل السوي إلا سبيلنا، فلا تعرض بوجود طريق أصوب.. وان كان ذلك الشخص ~~اللجوج ذا PageV01P098 # الوجهين يكون كلامه ذا اللسانين؛ يداري الناصح لإلزامه بوجه، ويتحفظ على ~~مسلكه بآخر فيقول: أنا مصلح أي ظاهرا كما تطلب وباطنا كما اعتقد.. ثم ms059 من ~~شأنه تأييد وتأكيد دعواه بأن الصلاح من صفتي المستمرة، لا اني كنت صالحا ~~الآن بعد فسادي قبل.. ثم اذا كان ذلك الشخص متمردا ومتنمرا 1 ومصرا في نشر ~~مذهبه، وترويج مسلكه، وتزييف ناصحه وتعريض أهل الحق بهذه الدرجة، ظهر انه ~~لايجدي له دواء، ولم يبق إلا آخر الدواء، أعني: المعالجة لعدم السراية وما ~~هذه المعالجة الا تنبيه الناس واعلامهم بانه مفسد لا صلاح فيه؛ اذ لا ~~يستعمل عقله ولا يستخدم شعوره حتى يحس بهذا الشيء الظاهر المحسوس. # فاذا تفهمت الحلقات المسردة في هذا المثال تفطنت ما بين الجمل المنصوصة ~~والمرموزة اليها بالقيود في واذا قيل لهم الى آخره. فان فيما بينها نظما ~~فطريا بايجاز يحمر 2 من تحته الاعجاز. # واما نظم هيئات كل جملة جملة: # فاعلم! ان جملة (واذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض) القطعية في (اذا) ~~اشارة الى لزوم النهي عن المنكر ووجوبه.. # وبناء المفعول في (قيل) رمز الى ان النهي فرض كفاية على العموم.. # وفي لام (لهم) ايماء الى ان النهي لابد ان يكون على وجه النصيحة دون ~~التحكم، والنصيحة على وجه اللطف دون التقريع.. # و (لاتفسدوا) فذلكة وخلاصة لصورة قياس استثنائي 3 أي لا تفعلوا هكذا، ~~والا نشأ منه الهرج والمرج، فينقطع خيط الاطاعة، فيتشوش نظام العدالة، ~~فتنحل رابطة الاتفاق، فيتولد منه الفساد، فلا تفعلوا لئلا تفسدوا.. # ولفظ (في الأرض) تأييد وتأكيد للنهي وادامة للزجر، اذ نهى الناصح موقت ~~لابد من ادامته في ذهن المنصوح بتوكيل وجدانه ليزجره دائما من تحته. وهو ~~اما PageV01P099 # بتحريك عرق الشفقة الجنسية، واما بتهييج عرق التنفر من نفرة العموم.. و ~~(في الأرض) هو الذي يوقظ العرقين وينعشهما؛ اذ لفظ (في الارض) يناجيهم بان ~~فسادكم هذا يسري الى نوع البشر فأي حقد وغيظ لكم على جميع الناس الذين فيهم ~~المعصومون والفقراء والذين لاتعرفونهم، أفلا تتوجعون لهم ولم لاتترحمون ~~بهم؟ هب ان ليست لكم تلك الشفقة الجنسية فلا أقل من أن تلاحظوا ان حركتكم ~~هذه تجلب عليكم معنى نفرة العموم. # - فان قلت: ms060 أي غرض لهم بالعموم وكيف ينجر فسادهم الى الكل؟ # قيل لك: كما ان من نظر بمرآة البصر السوداء رأى كل شيء اسود قبيحا. كذلك ~~من احتجبت بصيرته بالنفاق وفسد قلبه بالكفر رأى كل شيء قبيحا مبغوضا، يحصل ~~في قلبه عناد وحقد مع كل البشر بل كل الكائنات.. ثم كما ان انكسار سن من ~~جرخ 1 من دولاب من ساعة يتأثر به الكل كليا أو جزئيا؛ كذلك بنفاق الشخص ~~يتأثر نظام هيئة البشر التي انتظمت بالعدالة والاسلامية والاطاعة. فأسفا قد ~~تظاهرت سمومهم المتسلسلة حتى انتجت هذه السفالة. # وأما جملة (قالوا انما نحن مصلحون) ففي "قالوا" بدل "لايقبلون النصيحة" ~~الظاهر من السياق اشارة الى انهم يدعون ويدعون الى مسلكهم. # وفي (انما) خاصيتان: # الاولى: ان مدخوله لابد ان يكون معلوما حقيقة أو ادعاء. ففيها رمز الى ~~تزييف الناصح واظهار ثباتهم على جهلهم المركب. # والثانية: الحصر ففيها اشارة الى ان صلاحهم لايشوبه فساد فليسوا كغيرهم؛ ~~ففي الاشارة رمز الى التعريض بالمؤمنين. # وفي اسمية (مصلحون) بدل "نصلح" اشارة الى ان الصلاح صفتنا الثابتة ~~المستمرة فحالنا هذه عين الاصلاح بالاستصحاب.. ثم انهم ينافقون في هذا ~~الكلام أيضا اذ يتبطنون خلاف مايظهرون فباطنا يدعون فسادهم صلاحا وظاهرا ~~يراؤن أن عملهم لصلاح المؤمنين ومنفعتهم. PageV01P100 # وأما جملة (ألا انهم هم المفسدون ولكن لايشعرون) فاعلم! انهم لما ادرجوا ~~في معاطف الجملة السابقة معاني: من ترويج مسلكهم ودعوى ثبوت الصلاح لهم، ~~وان الصلاح صفتهم المستمرة.. وانهم منحصرون عليه.. وان الفساد لايشوب ~~صلاحهم.. وان هذا الحكم ظاهر معلوم.. ومن تعريضهم بالمؤمنين ومنتجهيلهم ~~للناصح؛ أجابهم القرآن الكريم بهذه الجملة المتضمنة لأحكام من اثبات الفساد ~~لهم، وانهم متحدون مع حقيقة المفسدين.. وان الفساد منحصر عليهم.. وان هذا ~~الحكم حقيقة ثابتة.. ومن تنبيه الناس على شناعتهم.. ومن تجهيلهم بنفي الحس ~~عنهم كأنهم جمادات. وان شئت فانظر: # الى (ألا) التي للتنبيه كيف تزيف بتنبيهها ترويجهم الناشئ من دعواهم ~~المترشح من "قالوا".. # والى "إن" التي للتحقيق كيف ترد دعواهم المعلومية ب "انما"، كأن "إن" ~~تقول حالهم في ms061 الحقيقة والباطن فساد، فلا يجديهم الصلاح ظاهرا. # والى الحصر في "هم" كيف يقابل تعريضهم الضمني في "انما" و"نحن" والى ~~تعريف "المفسدون" - الذي معناه حقيقة المفسدين ترى في ذاتهم فهم هي - كيف ~~يدافع حصرهم المستفاد من "انما" أيضا. # والى ولكن (لايشعرون) كيف يدافع تزييفهم الناصح وانهم ليسوا مستحقين ~~للنصيحة بدعوى المعلومية. فتأمل! # *** PageV01P101 ### | AUTO واذا قيل لهم آمنوا # كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء # ألا انهم هم السفهاء ولكن لايعلمون 13 # اعلم! ان وجه نظم هذا النوع بالنوع الأول: # من حيث انهما نصيحة وارشاد؛ عطف الأمر بالمعروف والتحلية والترغيب، على ~~النهي عن المنكر والتخلية والترهيب.. # ومن حيث انهما من الجناية؛ عطف تسفيههم للمؤمنين وغرورهم على افسادهم، ~~كما ربط افسادهم بفسادهم اللاتي كل منها غصن من شجرة زقوم النفاق. # واما وجه النظم بين جمل هذه الآية: # فاعلم! انه لما قيل: ### | AUTO (واذا قيل لهم آمنوا # كما آمن الناس) وأشير بهيئاتها الى وجوب النصيحة على سبيل الكفاية ~~بايمان خالص اتباعا للجمهور الذين هم الناس الكمل ليأمرهم الوجدان دائما ~~بهذا الامر، حكى وقال: (قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء) اشارة الى تمردهم ~~وغرورهم ودعواهم انهم على الحق كما هو شأن كل مبطل يرى باطله حقا ويعلم ~~جهله علما؛ اذ بالنفاق تفسد قلبهم، وبالفساد نشأ غرور وميل افساد، وبحكم ~~التفسد تمردوا، وبحكم الافساد يقول بعضهم لبعض متناجيا بالاضلال، وبحكم ~~الغرور يرون شدة الديانة وكمال الايمان المقتضيين للاستغناء والقناعة سفالة ~~وسفاهة وفقرا. ثم بحكم النفاق ينافقون في كلامهم هذا أيضا؛ اذ ظاهره: كيف ~~نكون كالسفهاء ولسنا مجانين ونحن أخيار كما تطلبون؟ وباطنه كيف نكون ~~كالمؤمنين الذين أكثرهم فقراء وهم في نظرنا سفهاء تحزبوا من اوباش 1 ~~الاقوام؟ وعليك التطبيق بين دقائق الجزئين من الشرطية. ثم القمهم الحجر ~~بقوله: (ألا انهم هم السفهاء) ؛ اذ من كان متمردا بهذه الدرجة وجاهلا بجهله ~~فحقهم الاعلان بين الخلق وتشهيرهم بانحصار السفاهة وانه من الحقائق ~~الثابتة، وان تسفيههم لسفاهة أنفسهم.. ثم قال: (ولكن لايعلمون) اشارة الى ~~انهم جاهلون بجهلهم PageV01P102 # فيكون جهلا ms062 مركبا فلا يجديهم النصيحة، فلابد ان يعرض عنهم صفحا؛ اذ لا ~~يفهم النصيحة الا من يعلم جهله. # وأما وجه النظم في هيئات كل جملة جملة: # ففي جملة (واذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس) لفظ (اذا) بجزميته رمز الى ~~لزوم الارشاد بالامر بالمعروف.. وبناء المفعول في (قيل) ايماء الى ان وجوب ~~النصيحة على سبيل الكفاية كما مر.. # ولفظ (آمنوا) بدل "اخلصوا في ايمانكم" اشارة الى ان الايمان بلا إخلاص ~~ليس بايمان.. # ولفظ (كما آمن) تلويح بالأسوة الحسنة وحسن المثال ليخلصوا على منواله.. # وفي لفظ (الناس) نكتتان: وهما السبب في جعل الوجدان آمرا بالمعروف دائما؛ ~~اذ (كما آمن السفهاء) يترشح ب "فاتبعوا جمهور الناس اذ مخالفة الجمهور خطأ ~~من شأن القلب ان لا يقدم عليه"، وأيضا يلوح بانهم هم الناس فقط كأن من ~~عداهم ليسوا بانسان الا صورة، إما بترقى هؤلاء في الكمالات وانحصار حقيقة ~~الانسانية عليهم وإما بتدني اولئك عن مرتبة الانسانية. # اما جملة (قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء) التي مآلها: لا نقبل النصيحة كيف ~~نكون كهؤلاء الأذلاء؛ اذ هم في نظرنا سفهاء ولا نقاس نحن معاشر أهل الجاه ~~عليهم.. ففي لفظ (قالوا) رمز الى تبرئة النفس وترويج المسلك والاستغناء عن ~~النصيحة والغرور والدعوى.. وفي لفظ (أنؤمن) بالاستفهام الانكاري اشارة الى ~~شدة تمردهم في جهلهم المركب، كأنهم بصورة الاستفهام يقولون: ايها الناصح ~~راجع وجدانك هل ترى انصافك يقبل ردنا.؟ ثم ان في متعلق "قالوا" وجوها ثلاثة ~~مترتبة؛ أي: قالوا لأنفسهم، ثم لأبناء جنسهم، ثم لمرشدهم، كما هو شأن كل ~~متنصح اذا نصحه الناصح، فاول الأمر يشاور مع نفسه، ثم يحاور مع ابناء جنسه، ~~ثم يراجعك بنتيجة محاكمتهم. فعلى هذا لما قيل لهم ما قيل راجعوا قلوبهم ~~المتفسدة ووجدانهم المتفسخ فاشارت عليهم بالانكار، فقالوا مترجمين عما في ~~ضميرهم، ثم راجعوا بنظر الافساد الى اخوانهم، فاشاروا عليهم أيضا بالانكار ~~فأخذوا بنجواهم PageV01P103 # ومحاورتهم، ثم رجعوا بطريق الاعتذار والسفسطة الى الناصح فشاغبوا وقالوا: ~~"بيننا فرق لانقاس عليهم إذ هم فقراء مضطرون مجبورون فشدتهم في ms063 الديانة ~~وتصوفهم بالاضطرار. اما نحن فأهل عزة وجاه" فبحكم الغرور يحيلون الناصح على ~~انصافه. وبحكم الخداع والحيلة يتكلمون بكلام ذي لسانين، أي ايها المرشد! ~~لاتظننا سفهاء ولانكون كالسفهاء في نظركم، بل نفعل كما يفعل المؤمنون ~~الخلص. مع ان مرادهم باطنا: لانكون كهؤلاء المؤمنين الفقراء؛ اذ لا اعتداد ~~بهم في نظرنا. ففي هذا اللفظ رمز خفي الى فسادهم وافسادهم وغرورهم ~~ونفاقهم.. # (كما آمن السفهاء) أي الذين تظنونهم الناس الكاملين هم في نظرنا اذلاء ~~فقراء مجبورون مع كثرتهم، كل منهم سفيه قوم. ففي دعواهم الفرق في القياس ~~اشارة الى ان الاسلامية كهف المساكين وملجأ الفقراء وحامية الحق وحافظة ~~الحقيقة ومانعة الغرور وقامعة التكبر، وما مقياس الكمال والمجد الا هي.. ~~وأيضا في الفرق اشارة الى ان سبب النفاق في الأغلب هو الغرض والغرور ~~والتكبر كما يفسره: (وما نريك اتبعك الا الذين هم اراذلنا بادي الرأي) 1. ~~وأيضا في الفرق اشارة خفية الى ان الاسلامية لاتصير وسيلة التحكم والتغلب ~~في أيدي أهل الدنيا والجاه؛ بل انما هي واسطة لإحقاق الحق في أيادي أهل ~~الفقر والضرورة خلاف سائر الأديان. ويشهد على هذه الحقيقة التأريخ. # أما جملة (ألا انهم هم السفهاء) فاعلم! ان القرآن الكريم انما أكثر من ~~التشديد والتشنيع على النفاق لأجل ان أكثر بليات العالم الاسلامي من أنواع ~~النفاق.. ثم ان لفظ (ألا) للتنبيه وتشهير سفاهتهم على رؤوس الأشهاد، ~~ولاستشهاد فكر العموم على سفاهتهم. وأصل معنى (ألا) ألا تعلمون انهم سفهاء؟ ~~أي: فاعلموا.. ثم ان "ان" مرآة الحقيقة ووسيلة اليها كأنه يقول: راجعوا ~~الحقيقة لتعلموا ان سفسطتهم الظاهرية لا أصل لها. ثم لفظ "هم" للحصر لرد ~~تبرئة أنفسهم، ودفع تسفيههم للمؤمنين الذي اشاروا اليه ب (كما آمن السفهاء) ~~أي ان السفيه من ترك الآخرة بالغرور والغرض واللذة الفانية دون من أشترى ~~الباقي بترك الهوسات 2 الفانية. ثم ان PageV01P104 # الألف واللام في "السفهاء" لتعريف الحكم أي معلوم انهم سفهاء. وللكمال أي ~~كمال السفاهة فيهم. # أما (ولكن لايعلمون) ففيه اشارات ثلاث: # احداها: # ان تمييز الحق عن الباطل ms064 وتفريق مسلك المؤمنين عن مسلكهم محتاج الى نظر ~~وعلم، بخلاف افسادهم وفتنتهم، فانه ظاهر يحس به من له أدنى شعور. ولهذا ذيل ~~الآية الأولى ب (ولكن لا يشعرون) . # والثانية: # ان (لايعلمون) وأمثالها من فواصل الآيات من (لايعقلون) و (لايتفكرون) و ~~(لايتذكرون) وغيرها تشير الى ان الاسلامية مؤسسة على العقل والحكمة والعلم. ~~فمن شأنها ان يقبلها كل عقل سليم لا كسائر الأديان المبنية على التقليد ~~والتعصب. ففي هذه الاشارة بشارة كما ذكرت في موضع آخر. # والثالثة: # الإعراض عنهم وعدم الاهتمام بهم، اذ النصيحة لا تجديهم، اذ لايعلمون ~~جهلهم حتى يتحروا زواله. # *** PageV01P105 ### | AUTO واذا لقوا الذين آمنوا # قالوا امنا واذا خلوا الى شياطينهم قالوا انا معكم # انما نحن مستهزؤن 14 الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون 15 # اعلم! ان وجه نظم مآل هذه الآية بمآل سابقتها: عطف الجناية الرابعة، أعني ~~الاستهزاء والاستخفاف على الجنايات السابقة من التسفيه والافساد والفساد. # وان وجه النظم بين جملها هو انه: كما ان للايمان الذي هو نقطة استناد عن ~~الآلام ونقطة استمداد للآمال ثلاث خواص حقيقية: # إحداها: عزة النفس الناشئة من "نقطة الاستناد"، ومن شأن عزة النفس عدم ~~التنزل للتذلل. # والثانية: الشفقة التي من شأنها عدم التذليل والتحقير. # والثالثة: احترام الحقائق ومعرفة قيمتها، لأن صاحب غالي القيمة ذو حقيقة، ~~وعنده الجوهر الفريد، وعدم الاستخفاف بالحقيقة لأنه أيضا رزين؛ كذلك لضد ~~الايمان، أعني النفاق اضداد خواصه الثلاث، فخواص النفاق الناشئة منه: ذلة ~~النفس، وميل الإفساد، والغرور بتحقير الغير. # اذا عرفت هذا، فاعلم! ان النفاق يولد ذلة النفس وهي تنتج التذلل، وهو ~~الرياء وهو المداهنة وهي الكذب. فأشار اليه بقوله: واذا لقوا الذين امنوا ~~قالوا آمنا.. # ثم لما كان النفاق مفسدا للقلب وفساده ينتج يتم الروح أي عدم الصاحب ~~والحامي والمالك فيتولد الخوف وهو يلجؤه الى التستر، اشار اليه بلفظ واذا خلوا.. # ثم لما كان النفاق قاطعا للرحم وقطعه يزيل الشفقة، وزوالها ينتج الافساد ~~وهو الفتنة وهي الخيانة وهي الضعف وهو يضطره الى الالتجاء الى ظهير ومستند، ~~أشار ms065 اليه بلفظ الى (شياطينهم) .. PageV01P106 # ثم لما كان النفاق جهلا تردديا انتج تذبذب الطبيعة وهو عدم الثبات وهو ~~عدم المسلك وهو عدم الأمنية بهم وهو يجبرهم على تجديد عهدهم، أشار الى هذه ~~السلسلة بلفظ (قالوا إنا معكم) .. # ثم لما احتاجوا الى الاعتذار استخفوا بالحقيقة لخفتهم، ورخصوا غالي ~~القيمة لعدم قيمتهم، وأهانوا بالعالي لهون نفسهم وضعفها الذي ينشأ منه ~~الغرور فقال: (قالوا انما نحن مستهزؤن) .. # ثم بينما كان السامع منتظرا من انصباب الكلام مقابلة المؤمنين لهم رأى ان ~~الله قابلهم بدلا عن المؤمنين اشارة الى تشريفهم، ورمزا الى ان استهزاءهم ~~في مقابلة جزاء الله تعالى كالعدم، وايماء الى حمقهم وزجرهم وردهم؛ اذ كيف ~~يستهزأ بمن كان الله حاميه؟ فقال تعالى: (الله يستهزئ بهم) أي يعاقبهم على ~~استهزائهم أشد جزاء بصورة استخفاف وتهكم بهم في الدنيا والآخرة مع ~~الاستمرار التجددي.. وجملة (ويمدهم في طغيانهم يعمهون) كشف وتفصيل وتصوير ~~لجزاء استهزائهم بطرز الاستهزاء. # أما وجه نظم هيئات كل جملة جملة: # فاعلم! ان جملة (اذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا) التي سيقت في ~~مداهنتهم؛ قطعية (اذا) فيها ايماء الى الجزم والتعمد والقصد، أي عزموا بعمد ~~وقصد ملاقاتهم.. ولفظ (لقوا) ايماء الى انهم تعمدوا مصادفتهم في الطرق بين ~~ظهراني الناس.. ولفظ (الذين امنوا) بدل "المؤمنين" اشارة الى مباشرتهم معهم ~~وتماسهم بهم، والى ان ارتباطهم معهم بصفة الايمان، والى ان مدار النظر بين ~~أوصاف المؤمنين صفة الايمان فقط.. ولفظ (قالوا) تلويح الى انهم يقولون ~~بأفواههم ماليس في قلوبهم، وان قولهم للتصنع والرياء والمداهنة ودفع التهمة ~~والحرص على جلب منافع المؤمنين والاطلاع على أسرارهم.. ولفظ (آمنا) بلا ~~تأكيد مع اقتضاء المقام اياه، وبايراده جملة فعلية، اشارة الى ان ليس في ~~قلوبهم مشوق وعشق محرك ليتشددوا ويتجلدوا في كلامهم.. وأيضا ان في ترك ~~التأكيد ايماء الى تشددهم في دفع التهمة عنهم، كأنهم يقولون: انكاركم ليس ~~في موقعه بل في منزلة العدم، اذ لسنا أهلا PageV01P107 # للتهمة.. وأيضا فيه رمز الى ان التأكيد لايروج عنهم.. وأيضا فيه لمح الى ~~ان هذا ms066 الحجاب الرقيق الضعيف على الكذب اذا شدد تمزق.. وأيضا في فعليته ~~اشارة الى انه لايمكن لهم ان يدعوا الثبات والدوام، وانما غرضهم من هذا ~~التصنع الاشتراك في منافع المؤمنين والاطلاع على اسرارهم بادعاء حدوث ~~الايمان. # وأما جملة (واذا خلوا الى شياطينهم قالوا انا معكم) ف "الواو" الجامعة في ~~(واذا) ايماء الى ان هذا الكلام سيق لبيان ان لامسلك لهم، ولبيان تذبذبهم ~~المفصل بهاتين الشرطيتين.. والجزمية في (اذا) رمز الى انهم بحكم الفساد ~~والافساد يرون الالتجاء وظيفة ضرورية.. ولفظ (خلوا) اشارة الى انهم بحكم ~~الخيانة يتخوفون، وبحكم الخوف يتسترون.. ولفظ (الى) بدل "مع" المناسب ~~ل"خلوا" اشارة الى انهم بحكم العجز والضعف يلتجئون، وبحكم الفتنة والافساد ~~يوصلون اسرار المؤمنين الى الكافرين.. ولفظ "الشياطين" اشارة الى ان ~~رؤساءهم كالشياطين متسترون موسوسون، والى انهم كالشياطين يضرون، والى انهم ~~على مذهب الشياطين لايتصورون الا الشر. # وأما جملة (قالوا إنا معكم) المسوقة لتبرئة ذمتهم وتجديد عهدهم وثباتهم ~~في مسلكهم، فاعلم! انه أكد مع غير المنكر هنا، وترك التأكيد مع المنكر هناك ~~1 اشارة ودلالة على عدم الشوق المحرك في قلب المتكلم هناك ووجوده هنا. أما ~~اسمية هذا وفعلية ذاك، فلأن المقصود اثبات الثبوت والدوام في ذا، والحدوث ~~في ذلك. # أما (انما نحن مستهزؤن) فاعلم! انه لم يعطف، اذ الوصل انما هو بالتوسط ~~بين كمال الاتصال وكمال الانقطاع. مع ان هذه الجملة بدل بجهة وتأكيد بجهة ~~وهما من كمال الاتصال، وجواب سؤال مقدر بجهة أخرى، وهو من كمال الانقطاع ~~لخبرية الجواب وانشائية السؤال في الأغلب.. أما وجه التأكيد ويقرب منه ~~البدل فهو: ان مآلها اهانة الحق وأهله فيكون تعظيما للباطل وأهله وهو مآل ~~(إنا معكم) .. وأما وجه الجوابية للسؤال المقدر فكأن شياطينهم يقولون لهم: ~~"ان كنتم معنا وفي مسلكنا فما بالكم توافقون المؤمنين؟ فإما انتم في مذهبهم ~~او لامذهب لكم" فاعتذروا مجيبين ب (إنما نحن مستهزؤن) فصرحوا بانهم ليسوا ~~من الاسلام في شيء، وأشاروا PageV01P108 # بحصر (انما) الى انهم ليسوا مذبذبين بلا مذهب معلوم، وباسمية (مستهزؤن) ~~الى ان ms067 الاستهزاء شأنهم وصفتهم. ففعلهم هذا ليس بالجد. # وأما جملة (الله يستهزئ بهم) فاعلم! انها لم توصل بسوابقها بل فصلت فصلا؛ ~~لأنها لو عطفت فإما على (نما نحن مستهزؤن) وهو يقتضي ان تكون هذه أيضا ~~تأكيدا ل (انا معكم) .. وإما على (قالوا) وهو يقتضي ان تكون هذه أيضا مقولا ~~لهم.. وإما على (قالوا) وهو يقتضي ان تكون هذه أيضا مقيدة بوقت الخلوة مع ~~ان استهزاء الله بالدوام.. وإما على (اذا خلوا) وهو يقتضي ان تكون هذه من ~~تتمة صفة تذبذبهم.. وإما على (اذا لقوا) وهو يستلزم ان يكون الغرض منهما ~~واحدا. مع ان الأول لبيان العمل، والثاني للجزاء، واللوازم باطلة، فالوصل ~~لايصح. فلم يبق الا ان تكون مستأنفة جوابا لسؤال مقدر. ثم ان في هذا ~~الاستيناف ايماء ورمزا الى ان شناعتهم وخباثتهم بلغت درجة تجبر روح كل سامع ~~وراء ان يسأل ب"كيف جزاء من هذا عمله؟ ". # ثم ان الافتتاح بلفظة (الله) مع ان ذهن السامع كان منتظرا لتلقي مقابلة ~~المؤمنين معهم، اشارة الى تشريف المؤمنين وترحمه عليهم، اذ قد قابل بدلا ~~عنهم.. وأيضا رمز الى زجرهم؛ اذ لايستهزأ بمن استناده بعلام الغيوب.. وأيضا ~~ايماء بالاقتطاع وعدم النظر الى تقرر استهزائهم الى ان استهزاءهم كالعدم ~~بالنظر الى جزائه.. ثم ان التعبير عن نكايات الله تعالى معهم بالاستهزاء - ~~الذي لايليق بشأنه تعالى - للمشاكلة في الصحبة، وللرمز الى ان النكاية جزاء ~~للاستهزاء ونتيجة ولازمة له، مع أن المراد لازم الاستهزاء، أعني التحقير.. ~~وأيضا ايماء الى ان استهزاءهم الذي لا يفيد بل يضر عين استهزاء الله تعالى ~~معهم؛ كمن يظن انه يستهزئ بك مع انك تراه كالمجنون تريد ان يتكلم ولو بشتمك ~~لتضحك منه، فاستهزاؤه بعض استهزائك. # ثم في (يستهزئ) مضارعا مع ان السابق (مستهزؤن) اسم فاعل اشارة الى ان ~~نكايات الله تعالى وتحقيراته تتجدد عليهم ليحسوا بالألم ويتأثروا به؛ اذ ما ~~استمر على نسق يقل تأثيره بل قد يعدم. ولذا قيل شرط الاحساس الاختلاف. PageV01P109 # أما (ويمدهم في طغيانهم يعمهون) أي توسلوا بأسباب الضلالة وطلبوها ms068 ~~فأعطاهم الله تعالى.. ففي لفظ "يمد" رمز الى رد الإعتزال، وفي تضمن "يمد" ~~للاستمداد ايماء الى رد الجبر، أي اختاروا بسوء اختيارهم واستمدوا، فأمدهم ~~الله تعالى وأرخى عنانهم.. وفي اضافة الطغيان الى "هم" أي ان لهم فيه ~~اختيارا رمز الى رد عذرهم بالمجبورية.. وفي الطغيان اشارة الى ان ضررهم ~~متعد استغرق المحاسن كالسيل وهدم أساس الكمالات فلم يبق الا غثاء أحوى. و ~~(يعمهون) أي: يتحيرون ويترددون. وفيه اشارة الى انه لامسلك لهم وليس لهم ~~مقصود معين. # *** PageV01P110 ### | AUTO اولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين # 16 # اعلم! ان وجه نظمها بسابقتها هو: # ان هذه الآية فذلكة واجمال للتفاصيل السابقة، وتصوير لها بصورة عالية ~~مؤثرة. وتخصيص اسلوب التجارة للتمثيل، لأجل ان المخاطبين في الصف الأول قد ~~ذاقوا حلو التجارة ومرها برحلتي الصيف والشتاء. # ووجه المناسبة هو أن نوع البشر ارسل الى الدنيا لا للتوطن فيها، بل ~~ليتجروا في رأس مالهم من الاستعدادات والقابليات ليزرعوا ثم يتصرفوا في ~~غلاتها. # ثم ان وجه النظم بين جمل هذه الآية هو: # انها ترتبت ترتبا فطريا سلسا على نسق اسلوب التمثيل وهو هذا: ان تاجرا ~~مغبونا مخذولا أعطي له رأس مال غال فاشترى به السموم وما يضره، فتصرف فيه، ~~فلم يربح ولم يفد؛ بل ألقاه في خسارة على خسارة، فأضاع رأس ماله، ثم أضل ~~الطريق؛ بحيث لا يستطيع ان يرجع. # أما نظم هيئات جملة جملة: # فلفظ (اولئك) موضوع لاحضار المحسوس البعيد: أما الإحضار فإشارة الى أن من ~~شأن كل سامع اذا سمع تلك الجنايات المذكورة ان يحصل شيئا فشيئا في قلبه ~~نفرة وغيظ يتشدد تدريجا بحيث يريد ان يراهم ليتشفى الغيظ منهم، ويقابلهم ~~بالنفرة والتحقير.. وأما المحسوسية فرمز الى أن الاتصاف بهذه الاوصاف ~~العجيبة يجسمهم في الذهن حتى صاروا محسوسين نصب الخيال. ومن المحسوسية رمز ~~الى علة الحكم بسر إنجرار المعصية الى المعصية.. وأما البعدية فاشارة الى ~~شدة بعدهم عن الطريق الحق، ذهبوا الى حيث لايرجعون، فالذهاب في أيديهم دون ~~الإياب. PageV01P111 # ولفظ (الذين) ms069 إشارة الى ان هذا نوع من التجارة عجيب خبيث تحدث وطفق ان ~~يصير أساسا ومسلكا يمر عليه ناس؛ اذ قد مر ان الموصول اشارة الى الحقائق ~~الجديدة التي اخذت في الانعقاد. # ولفظ (اشتروا) اشارة الى رد اعتذارهم ب "ان فطرتنا هكذا". فكأن القرآن ~~الكريم يقول لهم: لا!. ولقد أعطاكم الله أنفاس العمر رأس مال، وأودع في ~~روحكم استعداد الكمال، وغرس في وجدانكم نواة الحقيقة وهي الهداية الفطرية ~~لتشتروا السعادة فاشتريتم بدلها - بل بتركها - اللذائذ العاجلة والمنافع ~~الدنيوية فاخترتم بسوء اختياركم مسلك الضلالة على منهج الهداية، فافسدتم ~~الهداية الفطرية، وضيعتم رأس مالكم. # ولفظ (الضلالة بالهدى) فيه اشارة الى انهم خسروا خسارة على خسارة. اذ كما ~~خسروا بالضلالة؛ كذلك خسروا بترك النعمة العظيمة التي هي الهداية. # أما جملة (فما ربحت تجارتهم) فاعلم! ان في تخصيص نفي الربح - مع انهم كما ~~قد خسروا فقد أضاعوا رأس المال أيضا - اشارة الى من شأن العاقل ان لايقدم ~~على تجارة لاربح فيها، فضلا عما فيها خسارة واضاعة رأس المال.. ثم في اسناد ~~الفعل الى التجارة مع ان الأصل "فما ربحوا في تجارتهم" اشارة الى ان ~~تجارتهم هذه بجميع أجزائها وكل أحوالها وقاطبة وسائطها لا فائدة فيها لا ~~جزئيا ولا كليا؛ لا كبعض التجارات التي لايكون في محصلها وفذلكتها ربح، ~~ولكن في أجزائها فوائد، ولوسائط خدمتها استفادات.. أما هذه فشر محض وضرر ~~بحت. ونظير هذا الاسناد "نام ليله"بدل "نام في الليل"؛ اذ الأول يفيد ان ~~ليله أيضا ساكن وساكت كالنائم لا يحرك ليلته شيء ولا يموجه طارق. # وأما جملة (وما كانوا مهتدين) أي كما خسروا وأضاعوا المال؛ كذلك قد اضلوا ~~الطريق، فترشيح وتزيين كسابقتها لأسلوب "اشتروا".. وأيضا فيها رمز خفي الى ~~"هدى للمتقين" في رأس السورة. كأنه يقول: اعطى القرآن الكريم الهداية فما ~~قبل هؤلاء. # *** PageV01P112 ### | AUTO مثلهم كمثل الذي استوقد # نارا فلما اضاءت ما حوله # ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لايبصرون 17 صم بكم عمي # فهم لا يرجعون 18 او كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد ms070 وبرق يجعلون اصابعهم ~~في اذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين 19 # يكاد البرق يخطف ابصارهم كلما اضاء لهم مشوا فيه واذا اظلم عليهم # قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وابصارهم ان الله # على كل شيء قدير 20 # إعلم! ان أساس اعجاز القرآن الكريم في بلاغة نظمه. وبلاغة النظم على قسمين: # قسم كالحلية وقسم كالحلة: # فالأول: كاللآلئ المنثورة والزينة المنشورة والنقش المرصع. ومعدنه الذي ~~يتحصل منه هو توخي المعاني النحوية الحرفية فيما بين الكلم، كإذابة الذهب ~~بين أحجار فضة. وثمرات هذا النوع هي اللطائف التي تعهد بيانها فن المعاني.. # والقسم الثاني: هو كلباس عال وحلة فاخرة قدت من اسلوب على مقدار قامات ~~المعاني، وخيطت من قطعات خيطا منتظما فيلبس على قامة المعنى أو القصة أو ~~الغرض دفعة. وصناع هذا القسم والمتكفل به فن البيان.. ومن أهم مسائل هذا ~~القسم التمثيل. ولقد أكثر القرآن الكريم من التمثيلات الى ان بلغت الألف؛ ~~لأن في التمثيل سرا لطيفا وحكمة عالية؛ اذ به يصير الوهم مغلوبا للعقل، ~~والخيال مجبورا للانقياد للفكر، وبه يتحول الغائب حاضرا، والمعقول محسوسا، ~~والمعنى مجسما، وبه يجعل المتفرق مجموعا، والمختلط ممتزجا، والمختلف متحدا، ~~والمنقطع متصلا، والأعزل مسلحا. وان شئت التفصيل فاستمع معي لما يترنم به ~~صاحب دلائل الاعجاز في أسرار بلاغته 1؛ حيث قال: PageV01P113 # فصل في مواقع التمثيل وتأثيره # اعلم! ان مما اتفق العقلاء عليه: ان التمثيل اذا جاء في أعقاب المعاني أو ~~برزت هي باختصار في معرضه، ونقلت عن صورها الأصلية الى صورته، كساها ابهة، ~~وكسبها منقبة، ورفع من أقدارها، وشب من نارها، وضاعف قواها في تحريك النفوس ~~لها، ودعا القلوب اليها، واستثار لها من أقاصي الأفئدة صبابة وكلفا، وقسر ~~الطباع على أن تعطيها محبة وشغفا. # فان كان مدحا كان أبهى وأفخم، وأنبل في النفوس وأعظم، وأهز للعطف، وأسرع ~~للإلف، وأجلب للفرح، وأغلب على الممتدح، وأوجب شفاعة للمادح، واقضى له بغر ~~المواهب والمنائح، وأسير على الألسن واذكر، وأولى بان تعلقه القلوب وأجدر. # وإن كان ذما كان مسه أوجع، وميسمه ms071 ألذع، ووقعه أشد، وحده احد. # وإن كان حجاجا كان برهانه انور، وسلطانه اقهر، وبيانه ابهر. # وإن كان افتخارا كان شأوه ابعد، وشرفه اجد، ولسانه ألد. # وإن كان اعتذارا كان الى القلوب اقرب، وللقلوب أخلب، وللسخائم اسل، ولغرب ~~الغضب افل، وفي عقد العقود انفث، وعلى حسن الرجوع أبعث. وإن كان وعظا كان ~~أشفى للصدر، وادعى الى الفكر، وأبلغ في التنبيه والزجر، وأجدر بأن يجلي ~~الغياية (1) ، ويبصر الغاية، ويبرئ العليل، ويشفي الغليل ... وهكذا الحكم ~~اذا استقريت فنون القول وضروبه، وتتبعت أبوابه وشعوبه. (انتهى) .. # ثم ان في الآيات الآتية دلائل اعجاز واسرار بلاغة فذكرناها هنا لمناسبتها ~~لمسائل المقدمة الآتية. # فمثال التمثيل في مقام المدح ما ذكره القرآن الكريم في وصف الصحابة من: # (1) الغياية: ضوء شعاع الشمس، قعر البئر، وكل ما أظل الإنسان كالسحابة ~~والغبرة. PageV01P114 # (ومثلهم في الانجيل كزرع اخرج شطئه فازره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب ~~الزراع) (1) وقس نظائره.. # وفي مقام الذم: # (فمثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث) (2) و (مثل الذين ~~حملوا التورية ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا) (3) و (انا جعلنا في ~~اعناقهم اغلالا فهي الى الاذقان فهم مقمحون) (4) وقس. # وفي مقام الاحتجاج والاستدلال: # (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا) و (او كصيب من السماء فيه ظلمات الى آخره ~~وومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع الا دعاء ونداء) (5) و (مثل ~~الذين اتخذوا من دون الله اولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا) (6) و (أنزل من ~~السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه ~~في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله) (7) و (ضرب الله مثلا رجلا فيه ~~شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا) (8) وقس عليه. # ونظير مثال الافتخار - وان لم يسم افتخارا - بيان عظمته تعالى وكمالاته ~~الإلهية قوله تعالى: (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم ~~القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون) (9) وقس عليه. # ومثال التمثيل في مقام الاعتذار لايوجد الا حكايات أهل الأعذار الباطلة ~~للاحتجاج عليهم ms072 كقوله: # (وقالوا قلوبنا في اكنة مما تدعونا اليه وفي اذاننا وقر ومن بيننا وبينك ~~حجاب) (10) وقس ... # ومن الشعر: # لاتحسبوا ان رقصي بينكم طرب فالطير يرقص مذبوحا من الالم # (1) سورة الفتح: 29. # (2) سورة الاعراف: 176. # (3) سورة الجمعة: 5. # (4) سورة يس: 8. # (5) سورة البقرة: 171. # (6) سورة العنكبوت: 41. # (7) سورة الرعد: 17. # (8) سورة الزمر: 29. # (9) سورة الزمر: 67. # (10) سورة فصلت: 5. PageV01P115 # ومثاله من الوعظ في وصف نعيم الدنيا ما ذكره القرآن الكريم من: # (كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتريه مصفرا ثم يكون حطاما) (1) و ~~(ألم تر ان الله انزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا ~~مختلفا ألوانه) (2) و (انا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين ~~أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا) (3) و (لو ~~أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الامثال ~~نضربها للناس لعلهم يتفكرون) (4) و (فمالهم عن التذكرة معرضين _ كأنهم حمر ~~مستنفرة _ فرت من قسورة) (5) و (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ~~كمثل حبة انبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة) (6) و (كمثل جنة بربوة ~~اصابها وابل) (7) .. # وفي احباط العمل الصالح بالايذاء والرياء: # (أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له ~~فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار ~~فاحترقت) (8) و (مثل الذين كفروا بربهم اعمالهم كرماد اشتدت به الريح في ~~يوم عاصف لايقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد) (9) . # ومثاله من طبقات الكلام في مقام الوصف: # (ثم استوى الى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا ~~أتينا طائعين) (10) و (قيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء اقلعي وغيض الماء ~~وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين) (11) و (الم تر ~~كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة اصلها ثابت وفرعها في السماء _ ~~تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها) (12) و (ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت ~~من فوق الأرض مالها من ms073 قرار) (13) .. # (1) سورة الحديد: 20. # (2) سورة الزمر: 21. # (3) سورة الاحزاب: 72. # (4) سورة الحشر: 21. # (5) سورة المدثر: 49، 50، 51. # (6) سورة البقرة: 261. # (7) سورة البقرة: 265. # (8) سورة البقرة: 266. # (9) سورة ابراهيم: 18. # (10) سورة فصلت: 11. # (11) سورة هود: 44. # (12) سورة ابراهيم: 24، 25. # (13) سورة ابراهيم: 26. PageV01P116 # ومن الشعر: # والليل تجري الدراري في مجرته كالروض تطفو على نهر ازاهيره (1) # اعلم! ان في كل آية من هذه الآيات التمثيلية طبقات ومراتب وصورا وأساليب ~~متنوعة. كل منها - في كل منها - كفيل وضامن لطائفة من الحقائق. وكما انك ~~اذا أخذت قوارير من فضة وزينتها بذوب الذهب، ثم نقشتها بجواهر، ثم صيرتها ~~ذوات نور (2) بإدراج "الكتريق" (3) ترى فيها طبقات حسن وانواع زينة؛ كذلك ~~في كل من تلك الآيات من المقصد الأصلي الى الأسلوب التمثيلي قد شرعت اشارات ~~ومدت رموز الى مقامات كأن أصل المقصد تدحرج على المراتب وأخذ من كل لونا ~~وحصة حتى صارت تلك الكلمات من جوامع الكلمات بل من جمع الجوامع. # فصل ومقدمة # اعلم! ان المتكلم كما يفيد المعنى ثم يقنع العقل بواسطة الدليل؛ كذلك ~~يلقي الى الوجدان حسيات بواسطة صور التمثيل فيحرك في القلب الميل أو النفرة ~~ويهيئه للقبول. فالكلام البليغ ما استفاد منه العقل والوجدان معا، فكما ~~يتداخل الى العقل يتقطر الى الوجدان أيضا. والمتكفل لهذين الوجهين التمثيل؛ ~~اذ هو يتضمن قياسا وينعكس به في مرآة الممثل القانون المندمج في الممثل به. ~~فكأنه دعوى مدلل. كما تقول في رئيس يكابد البلايا لراحة رعيته: (الجبل ~~العالي يتحمل مشاق الثلج والبرد، وتخضر من تحته الأودية) . # ثم ان أساس التمثيل هو التشبيه. ومن شأن التشبيه تحريك حس النفرة أو ~~الرغبة أو الميلان أو الكراهية أو الحيرة أو الهيبة؛ فقد يكون للتعظيم أو ~~التحقير أو الترغيب أو التنفير أو التشويه أو التزيين أو التلطيف الى آخره ~~... فبصورة الأسلوب يوقظ الوجدان وينبه الحس بميل أو نفرة. # (1) قائله ابن النبيه المصرى في مدح الايوبيين توفي سنة 619ه. # (2) ذوات انوار (ش) . # (3) الكهرباء. PageV01P117 # ثم ان مما يحوج الى التمثيل عمق المعنى ودقته ليتظاهر بالتمثيل، أو تفرق ~~المقصد وانتشاره ليرتبط به. ومن الأول متشابهات القرآن الكريم؛ اذ هي عند ms074 ~~أهل التحقيق نوع من التمثيلات العالية وأساليب لحقائق محضة ومعقولات صرفة؛ ~~ولأن العوام لايتلقون الحقائق في الأغلب الا بصورة متخيلة، ولا يفهمون ~~المعقولات الصرفة الا بأساليب تمثيلية لم يكن بد من المتشابهات ك (استوى ~~على العرش) (1) لتأنيس اذهانهم ومراعاة أفهامهم. # ثم اني استخرجت - فيما مضى من الزمان - من اس اساس البلاغة مقدمة لبيان ~~اعجاز القرآن الكريم ثنتي عشرة مسألة. كل منها خيط لحقائق (2) . ولما ذكرت ~~هذه الآيات التمثيلية هنا - دفعة - ناسب تلخيص تلك المسائل فنقول وبالله ~~التوفيق: # المسألة الأولى: # ان منشأ نقوش البلاغة انما هو نظم المعاني دون نظم اللفظ كما جرى عليه ~~اللفظيون المتصلفون، وصار حب اللفظ فيهم مرضا مزمنا الى ان رد عليهم عبد ~~القاهر الجرجاني (3) في دلائل الاعجاز واسرار البلاغة، وحصر على المناظرة ~~معهم أكثر من مائة صحيفة. # ونظم المعاني: عبارة عن توخي المعاني النحوية فيما بين الكلمات. اي اذابة ~~المعاني الحرفية بين الكلم لتحصيل النقوش الغريبة. وان أمعنت النظر لرأيت ~~ان المجرى الطبيعي للأفكار والحسيات انما هو نظم المعاني. ونظم المعاني هو ~~الذي يشيد بقوانين المنطق.. وأسلوب المنطق هو الذي يتسلسل به الفكر الى ~~الحقائق.. والفكر الواصل الى الحقائق هو الذي ينفذ في دقائق الماهيات ~~ونسبها.. ونسب الماهيات هي الروابط للنظام الأكمل.. والنظام الأكمل هو ~~الصدف للحسن المجرد الذي هو منبع كل حسن.. والحسن المجرد هو الروضة لأزاهير ~~البلاغة التي تسمى لطائف ومزايا.. وتلك الجنة المزهرة هي التي يجول ويتنزه ~~فيها البلابل المسماة بالبلغاء وعشاق الفطرة.. واولئك البلابل نغماتهم ~~الحلوة اللطيفة انما تتولد من تقطيع الصدى الروحاني المنتشر من أنابيب نظم ~~المعاني. # (1) سورة الاعراف: 54. # (2) المقصود المقالة الثانية من كتاب (محاكمات "عقلية") - الصيقل ~~الاسلامي. # (3) (ت 471ه / 1078م) امام في اللغة والبلاغة، له مصنفات منها: كتاب ~~المغني (30 مجلد) المقتصد (3 مجلدات) اعجاز القرآن، المفتاح، دلائل ~~الاعجاز، اسرار البلاغة. PageV01P118 # والحاصل: ان الكائنات في غاية البلاغة قد أنشأها وأنشدها صانعها فصيحة ~~بليغة، فكل صورة وكل نوع منها - بالنظام المندمج فيه - معجزة من معجزات ~~القدرة. فالكلام اذا حذا حذو الواقع، ms075 وطابق نظمه نظامه حاز الجزالة ~~بحذافيرها. والا فإن توجه الى نظم اللفظ وقع في التصنع والرياء كأنه يقع في ~~أرض يابسة وسراب خادع. # والسر في الانحراف عن طبيعة البلاغة انه: # لما انجذب واستعرب العجم بجاذبة سلطنة العرب صارت صنعة اللفظ عندهم اهم، ~~وفسد بالاختلاط ملكة الكلام المضري التي هي أساس بلاغة القرآن الكريم، ~~وتلون معكس أساليب القرآن الكريم؛ وانما معدنها من حسيات قوم "مضر" ~~ومزاجهم. فاستهوى حب اللفظ كثير من المتأخرين. # تذييل: تزيين اللفظ انما يكون زينة اذا اقتضته طبيعة المعاني. وشعشعة ~~صورة المعنى انما تكون حشمة له اذا أذن به المآل. وتنوير الاسلوب انما يكون ~~جزالة اذا ساعده استعداد المقصود. ولطافة التشبيه انما تكون بلاغة اذا ~~تأسست على مناسبة المقصود وارتضى به المطلوب. وعظمة الخيال وجولانه انما ~~تكون من البلاغة اذا لم تؤلم الحقيقة ولم تثقل عليها ويكون الخيال مثالا ~~للحقيقة متسنبلا عليها. وان شئت الأمثلة الجامعة لتلك الشرائط فعليك بتلك ~~الآيات التمثيلية المذكورة. # المسألة الثانية: # ان السحر البياني اذا تجلى في الكلام صير الأعراض جواهر والمعاني أجساما ~~والجمادات ذوات أرواح والنباتات عقلاء، فيوقع بينها محاورة قد تنجر الى ~~المخاصمة، وقد توصل الى المطايبة فترقص الجمادات في نظر الخيال. وان شئت ~~مثالا فادخل في هذا البيت. # يناجيني الإخلاف من تحت مطله فتختصم الآمال واليأس في صدري (1) # او استمع معاشقة الارض مع المطر في: # (1) لإبن المعتز (دلائل الاعجاز ص61) وفي ديوان ابن المعتز: تجاذبنى ~~الاطراف بالوصل والقلى ... ص226. PageV01P119 # تشكى الارض غيبته اليه وترشف ماءه رشف الرضاب (1) # فهذه الصورة انما تسنبلت على تصوت الأرض اليابسة بنزول المطر بعد تأخر. ~~ولابد في كل خيال من نواة من الحقيقة نظير هذا المثال، ولابد في زجاجة كل ~~مجاز من سراج الحقيقة، والا كانت بلاغته الخيالية خرافة بلا عرق لا تفيد ~~الا حيرة. # المسألة الثالثة: # اعلم! ان كمال الكلام وجماله وحلته البيانية باسلوبه. واسلوبه صورة ~~الحقائق وقالب المعاني المتخذ من قطعات الاستعارة التمثيلية. وكأن تلك ~~القطعات "سيموطوغراف" (2) خيالي؛ كإراءة لفظ "الثمرة" جنتها وحديقتها. ولفظ ~~"بارز" ms076 معركة الحرب. ثم ان التمثيلات مؤسسة على سر المناسبات بين الأشياء، ~~والانعكاسات في نظام الكائنات، واخطار امور امورا؛ كإخطار رؤية الهلال في ~~الثريا في ذهن ابناء النخلة غصنها الأبيض بالقدم المتقوس بتدلي العنقود (3) ~~. وفي التنزيل (حتى عاد كالعرجون القديم) (4) . # ثم ان فائدة اسلوب التمثيل كما في الآيات المذكورة هي: ان المتكلم بواسطة ~~الاستعارة التمثيلية يظهر العروق العميقة، ويوصل المعاني المتفرقة. واذا ~~وضع بيد السامع طرفا امكن له ان يجر الباقي الى نفسه، وينتقل اليه بواسطة ~~الاتصال، فبرؤية بعض يتدرج شيئا فشيئا - ولو مع ظلمة - الى تمامه. فمن سمع ~~من الجوهري ما قال في وصف الكلام البليغ: "الكلام البليغ ما ثقبته ~~الفكرة".. ومن الخمار ما قال فيه: "ما طبخ في مراجل العلم".. ومن الجمال ما ~~قال فيه: "ما اخذت بخطامه وانخته في مبرك المعنى" ينتقل الى تمام المقصد ~~بملاحظة الصنعة. # ثم ان الحكمة في تشكل الاسلوب هي: ان المتكلم بارادته ينادي ويوقظ ~~المعاني الساكنة في زوايا القلب كأنها حفاة عراة. فيخرجون ويدخلون الخيال، ~~فيلبسون ما # (1) للمتنبي في ديوانه 1/263. # (2) الكتابة المتحركة، اصلها: سينماطوغراف ثم اختصرت الى سينما. # (3) لعل الاستاذ يقصد قول قيس بن خطيم: # وقد لاح في الصبح الثريا لمن رأى كعنقود ملاحيه حين نورا # او قول ابن المعتز: # وارى الثريا في السماء كأنها قدم تبدت من ثياب حداد # (4) سورة يس: 39. PageV01P120 # يجدون من الصور الحاضرة بسبب الصنعة أو التوغل أو الألفة أو الأحتياج، ~~ولا أقل من لف منديل من تلك الصنعة برأسه، أو الانصباغ بلون ما. وما تجده ~~في ديباجة الكتب من براعة الاستهلال من اظهر امثلة هذه المسألة. # ثم ان اسلوب الكلام قد يكون باعتبار خيال المخاطب كما في أساليب القرآن ~~الكريم فلا تنس. ثم ان مراتب الاسلوب متفاوتة فبعضها ارق من النسيم اذا سرى ~~يرمز اليه بهيئات الكلام. وبعضها اخفى من دسائس الحرب لايشمه الا ذو دهاء ~~في الحرب؛ كاستشمام الزمخشري (1) من (من يحيي العظام وهي رميم) (2) اسلوب ~~"من يبرز الى الميدان". وان شئت فتأمل في الآيات المذكورة تر ms077 فيها مصداق ~~هذه المسائل بألطف وجه. وان شئت زر الامام البوصيري (3) وانظر كيف كتب ~~"رجتته" (4) باسلوب الحكيم في قوله: # واستفرغ الدمع من عين قد امتلأت من المحارم والزم حمية الندم # ورمز الى الاسلوب بلفظ الحمية. او استمع هدهد سليمان كيف أومأ الى هندسته ~~(5) بقوله: (الا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والارض) (6) . # المسألة الرابعة: # اعلم! ان الكلام انما يكون ذا قوة وقدرة اذا كان اجزاؤه مصداقا لما قيل: # عباراتنا شتى وحسنك واحد وكل الى ذاك الجمال يشير # (1) هو ابو القاسم محمود بن عمر بن محمد الزمخشرى جار الله. ولد بزمخشر ~~سنة 467ه، توفي بعد رجوعه من مكة المكرمة سنة 538ه. إمام عصره في اللغة ~~والتفسير، له "الكشاف عن حقائق التنزيل " و "الفائق في غريب الحديث " و ~~"المفصل في النحو " و "اساس البلاغة " وغيرها. # (2) سورة يس: 78. # (3) (608 - 698ه) محمد بن سعيد بن حماد بن عبد الله البوصيري المصري. ~~شاعر، حسن الديباجة، مليح المعاني، له ديوان شعر مطبوع، واشهر شعره البردة ~~المشهورة ب "بردة المديح " (كشف الظنون 1/288 الاعلام 6/139) . # (4) وصفة طبية. # (5) ومعرفته الماء تحت الارض (الكشاف) . # (6) سورة النمل: 25. PageV01P121 # بان تتجاوب قيودات الكلام ونظمه وهيئته، ويأخذ كل بيد الآخر ويظاهره، ~~ويمد كل بقدره الغرض الكلي مع ثمراته الخصوصية. كأن الغرض المشترك حوض ~~يتشرب من جوانبه الرطبة، فيتولد من هذه المجاوبة المعاونة، ومنها الانتظام، ~~ومنه التناسب، ومنه الحسن والجمال الذاتي. وهذا السر من البلاغة يتلألأ من ~~مجموع القرآن لا سيما في (الم _ ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين) كما ~~سمعته مع التنظير بقوله: (ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك) (1) . # المسألة الخامسة: # اعلم! ان غناء الكلام وثروته ووسعته هو انه كما أن أصل الكلام يفيد أصل ~~المقصد؛ كذلك كيفياته وهيئاته ومستتبعاته تشير وترمز وتلوحالى لوازم الغرض ~~وتوابعه وفروعه، فكأنما تتراءى طبقة بعد طبقة ومقاما خلف مقام. وان شئت ~~مثالا تأمل في (واذا قيل لهم لاتفسدوا في الارض) الى آخره. و (واذا لقوا ~~الذين آمنوا) الى آخره، على الوجه المفسر سابقا. # المسألة السادسة: ms078 # اعلم! ان المعاني المجتناة من خريطة الكلام المأخوذة المنقوشة "بفوطغراف" ~~التلفظ على أنواع مختلفة ومراتب متفاوتة. فبعضها كالهواء يحس به ولايرى.. ~~وبعضها كالبخار يرى ولا يؤخذ.. وبعضها كالماء يؤخذ ولاينضبط.. وبعضها ~~كالسبيكة ينضبط ولايتعين.. وبعضها كالدر المنتظم والذهب المضروب يتشخص، ثم ~~بتأثير الغرض والمقام قد يتصلب الهوائي. وقد تعتور على المعنى الواحد ~~الحالات الثلاث. ألا ترى انه اذا أثر أمر خارجي في وجدانك يتهيج قلبك؟ ~~فيثير الحسيات فيتطاير معان هوائية فيتولد ميول، ثم يتحصل بعضها، ثم يتشكل ~~من ذلك البعض قسم، ثم ينعقد من ذلك القسم بعض. ففي كل من هذه الطبقات يتوضع ~~وينعقد البعض، ويبقى البعض الآخر معلقا كمعلقية بعض الصوت عند تشكل الحروف، ~~والتبن عند انعقاد الحبوب. فمن شأن البليغ ان يفيد بصريح الكلام ما تعلق به ~~الغرض واقتضاه المقام، وطلبه المخاطب. ثم يحيل الطبقات الأخر - بمقدار نسبة ~~درجة القرب من الغرض - على دلالة القيود، واشارة الفحوى، ورمز الكيفيات، ~~وتلويح مستتبعات # (1) سورة الانبياء: 46. PageV01P122 # التراكيب، وتلميح الأساليب، وإيماء أطوار المتكلم. ثم ان من تلك المعاني ~~المعلقة معاني حرفية هوائية ليس لها ألفاظ مخصوصة، ولا لها وطن معين بل ~~كالسياح السيار؛ قد يستتر في كلمة وقد يتشربه كلام وقد يتداخل في قصة، فان ~~عصرت تقطر. كالتحسر في (اني وضعتها انثى) (1) والتأسف في (ليت الشباب.. ~~الخ) . والاشتياق والتمدح والخطاب والاشارة والتألم والتحير والتعجب ~~والتفاخر وغير ذلك. ثم ان شرط حسن المعاشرة بين تلك المعاني المتزاحمة ~~تقسيم العناية والاهتمام على نسبة خدمتها للغرض الاساسي. وان شئت مثالا ~~لهذه المسألة فمن رأس السورة الى هنا مثال بين على الوجه المشروح سابقا. # المسألة السابعة: # اعلم! ان الخيال المندمج في اسلوب لابد ان يتسنبل على نواة حقيقة، ويكون ~~كالمرآة في ان ينعكس به - في المعنويات - القوانين والعلل المندرجة في ~~سلسلة الخارجيات. # وفلسفة النحو التي هي المناسبات المذكورة في كتبه أيضا من هذا القبيل؛ ~~كما يقال: الرفع للفاعل لأن القوي يأخذ القوي. وقس عليه.. # المسألة الثامنة: # اعلم! ان سيبويه (2) نص على ان الحروف التي تعدد معانيها ms079 ك "من" و "الى" ~~و"الباء" وغيرها، أصل المعنى فيها واحد لايزول؛ لكن باعتبار المقام والغرض ~~قد يتشرب معنى معلقا، ويجذبه الى جوفه، فيصير المعنى الأصلي صورة واسلوبا ~~لمسافره. وكذلك ان العارف بفقه اللغة اذا تأمل عرف ان اللفظ المشترك في ~~الأغلب معناه واحد، ثم بالمناسبات وقع تشبيهات.. ثم منها مجازات.. ثم منها ~~حقائق عرفية.. ثم يتعدد. حتى ان اسم "العين" التى معناه الواحد البصر أو ~~المنهل، يطلق على الشمس أيضا (3) بالرمز الى ان العالم العلوي ينظر الى ~~العالم السفلي بها، او ان ماء الحياة الذي هو الضياء يسيل من ذلك المنبع في ~~الجبل الأبيض المشرف وقس!.. # (1) سورة آل عمران: 36. # (2) هو عمر بن عثمان، امام نحاة البصرة، ولد بالبيضاء من مدن شيراز نشأ ~~بالبصرة ودرس النحو على الخليل الفراهيدى، ورد بغداد فناظر امام نحاة ~~الكوفة الكسائى فحكم بانتصاره عليه، فأسف وعاد الى موطنه، وألف كتابه الذى ~~يعد اصل النحو، توفي سنة 796ه. # (3) والعين: عين الشمس، وعين الشمس: شعاعها الذى لا تثبت عليه العين. ~~وقيل: العين الشمس نفسها، يقال: طلعت العين، وغابت العين. (لسان العرب لابن ~~منظور) . PageV01P123 # المسألة التاسعة: # اعلم! ان أعلى مراتب البلاغة الذي يعجز الارادة الجزئية والفكر الشخصي ~~والتصور البسيط: هو ان يحافظ ويراعي وينظر المتكلم دفعة نسب قيود الكلام ~~وروابط الكلمات وموازنة الجمل التي يظهر كل مع الآخر نقشا متسلسلا الى ~~النقش الأعظم. حتى كأن المتكلم استخدم عقولا الى عقله كالباني لقصر يضع ~~الأحجار المتلونة بوضعية تحصل بها نقوش غريبة من مناظرة وموازاة الكل مع ~~الكل ك"العين" (1) في الخط المشترك بين "الخلفاء الراشدين". ومن اظهر مسائل ~~هذه المسألة قوله تعالى: (الم _ ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين) على ما ~~سمعت سابقا.. # وأيضا من أسباب علو الكلام أن يكون كشجرة النسب يتسلسل متناسلا الى ~~المقاصد التي تتدلى على المقام والغرض.. وأيضا من أسباب رفعة طبقة الكلام ~~أن يكون مستعدا لاستنباط كثير من الفروع والوجوه كقصة موسى على نبينا وعليه ~~السلام. # المسألة العاشرة: # اعلم! ان سلاسة الكلام المنتجة للطافته وحلوه ms080 هو ان تكون المعاني ~~والحسيات المندمجة فيه ممتزجة تتحد أو مختلفة تنتظم؛ لئلا تتشرب الجوانب ~~قوة الافادة والغرض، بل يجذب المركز القوة من الأطراف.. وأيضا من السلاسة ~~ان يتعين المقصد.. وأيضا منه ان يتظاهر ملتقى الأغراض. # المسألة الحادية عشرة: # اعلم! ان سلامة الكلام التي هي سبب صحته وقوته هي: ان يكون الكلام بحيث ~~يشير الى المبادئ والدلائل، ويرمز الى اللوازم والتوابع، وبقيود الموضوع ~~والمحمول وكيفياتهما يومئ الى رد الاوهام ودفع الشبهات؛ كأن كل قيد جواب ~~لسؤال مقدر. وان شئت مثالا فعليك بفاتحة الكتاب. # (1) من المعلوم ان اسماء الخلفاء الراشدين الاربعة تبدأ بحرف "العين" وقد ~~استلهم بعض الخطاطين نقشا بديعا استعمل فيه حرف "العين" مشتركا بين ~~اسمائهم. PageV01P124 # المسألة الثانية عشرة: # اعلم! ان الأساليب على ثلاثة أنواع: # أحدها: # الاسلوب المجرد، الذي لونه واحد، وخاصته الاختصار والسليقية والسلامة ~~والاستقامة فهو أملس سوي، ومحل استعماله المعاملات والمحاورات والعلوم ~~الآلية. وان شئت مثالا سلسا منه فعليك بكتب السيد الجرجاني. # والثاني: # الاسلوب المزين، وخاصته التزيين والتنوير، وتهييج القلب بالتشويق أو ~~التنفير. والمقام المناسب له الخطابيات كالمدح والذم وغيرهما والاقناعيات ~~ونظائرهما. واذا تحريت المثال المزين فادخل في دلائل الاعجاز واسرار ~~البلاغة تر فيهما جنانا مزينة. # والثالث: # الاسلوب العالي، وخاصته الشدة والقوة والهيبة والعلوية الروحانية. ومقامه ~~المناسب الإلهيات والأصول والحكمة. وإن شئت مثلا بينا وتمثالا معجزا فعليك ~~ب "القرآن" فان فيه ما لا عين رأت ولا خطر على قلب بليغ.. # (انتهى الفصل بتلخيص) . # *** PageV01P125 # ثم اعلم! ان مدار النظر في آيتنا هذه، وهي (مثلهم كمثل الذي استوقد) الخ..: # أولا: نظمها بسابقها.. وثانيا: النظم بين جملها.. وثالثا: نظم كيفية جملة ~~جملة؛ فمع استحضار مامضى: # اعلم! ان القرآن الكريم لما صرح بحقيقة حال المنافقين ونص على جنايتهم ~~عقبها بالتمثيل لثلاث نكت: - # إحداها: تأنيس الخيال الذي هو أطوع للمتخيلات من المعقولات، وتأمين اطاعة ~~الوهم الذي شأنه التشكيكات ومعارضة العقل وانقياده باظهار الوحشي بصورة ~~المأنوس، وتصوير الغائب بصورة الشاهد. # والثانية: تهييج الوجدان وتحريك نفرته ليتفق الحس والفكر بتمثيل المعقول ~~بالمحسوس. # والثالثة: ربط المعاني ms081 المتفرقة واراءة رابطة حقيقية بينها بواسطة ~~التمثيل.. وأيضا الوضع نصب عين الخيال ليجتني بالنظر الدقائق التي أهملها ~~اللسان. # واعلم! ان مآل جمل هذه الآية كما يناسب مآل مجموع قصة المنافقين؛ كذلك ~~يناسب آية آية منها. ألا ترى ان مآل القصة انهم آمنوا صورة للمنافع ~~الدنيوية.. ثم تبطنوا الكفر.. ثم تحيروا وترددوا.. ثم لم يتحروا الحق.. ثم ~~لم يستطيعوا الرجوع فيعرفوا. وما أنسب هذا بحال من أوقدوا لهم نارا أو ~~مصباحا.. ثم لم يحافظوا عليها.. ثم انطفأت.. ثم اظلموا.. ثم لايتراءى لهم ~~شيء حتى يكون كل شيء معدوما في حقهم!. فلسكون الليل كأنهم صم، ولتعامي الليل ~~وانطفاء أنواره كأنهم عمي، ولعدم وجود المخاطب والمغيث لايستغيثون كأنهم ~~بكم، ولعدم استطاعة الرجوع كأنهم أشباح جامدة لا أرواح لها. # ثم ان في المشبه به نقطا أساسية تناظر النقط الأساسية في المشبه. مثلا: ~~الظلمة تنظر الى الكفر، والحيرة الى التذبذب، والنار الى الفتنة. وقس!.. PageV01P126 # ان قلت: ان في التمثيل نورا فأين نور المنافق حتى يتم تطبيق التمثيل؟. # قيل لك: ان لم يكن في الشخص نور ففي محيطه يمكن له الاستنارة.. وان لم، ~~ففي قومه يمكن الاستضاءة.. وان لم، ففي نوعه يمكن له الاستفادة.. وان لم، ~~ففي فطرته كان يمكن له الاستفاضة كما مر.. وان لم تقنع، ففي لسانه بالنظر ~~الى نظر غيره أو بالنظر الى نفسه لترتب المنافع الدنيوية.. وان لم، ~~فباعتبار البعض من الذين آمنوا ثم ارتدوا.. وان لم، فيجوز ان يكون النور ~~اشارة الى ما استفادوا كما ان النار اشارة الى الفتنة.. وان لم ترض بهذا ~~أيضا، فبتنزيل امكان الهداية منزلة وجودها كما أشار اليه اشتروا الضلالة ~~بالهدى فانه هو الجار الجنب للتمثيل. # أما وجه النظم بين الجمل: فاعلم! ان نظم جملة (مثلهم كمثل الذي استوقد ~~نارا) مناسبتها للموقع. # نعم، حال هذا المستوقد على هذه الصورة تطابق مقتضى حال الصف الأول من ~~مخاطبي القرآن الكريم وهم ساكنو جزيرة العرب؛ اذ ما منهم الا وقد عرف هذه ~~الحالة بالذات أو بالتسامع ويحس (1) بدرجة تأثيرها ms082 ومشوشيتها؛ اذ بسبب ظلم ~~الشمس يلتجئون الى ظلمة الليل فيسيرون فيها. وكثيرا مايغمى عليهم السماء ~~فيصادفون حزن الطرق وقد ينجر بهم الطريق الى الورطة.. وأيضا قد يجولون في ~~معاطف الكهوف المشحونة بالمؤذيات فيضلون الطريق فيحتاجون لإيقاد النار أو ~~اشتعال المصباح ليبصروا رفقاءهم حتى يستأنسوا ويروا أهبتهم وأشياءهم كي ~~يحافظوا عليها، ويعرفوا طريقهم ليذهبوا فيها ويتراءى لهم الضواري والمهالك ~~ليجتنبوا. فبينما هم استضاؤا بنورهم اذ اختطفتهم آفة سماوية.. وبينما هم في ~~ذروة كمال الرجاء وآن الظفر بالمطلوب اذ سقطوا في حضيض اليأس المطلق. فنص ~~على هذا الحال بقوله: # (فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم) . اعلم! ان هذه "الفاء" تشير الى ~~انهم أوقدوا النار ليستضيؤا فاضاءت فاطمأنوا بالاستضاءة فتعقبهم الخيبة ~~وسقطوا في أيديهم. وما أشد تأثير العدم عليهم في آن انتظار الحصول!. ثم ان ~~هذه الشرطية تستلزم استلزام الاضاءة لذهاب النور. وخفاء هذا الاستلزام يشير ~~الى تقدير ما يظهر # (1) وأحس (ش) PageV01P127 # به اللزوم هكذا: فلما اضاءت استضاؤا بها فاشتغلوا.. فلم يحافظوا.. فلم ~~يهتموا بها، ولم يعرفوا قدر النعمة فيها.. فلم يمدوها.. فلم يديموها؛ ~~فانطفأت. لأنه لما كانت الغفلة عن الوسيلة للاشتغال بالنتيجة - بسر (ان ~~الانسان ليطغى _ ان رآه استغنى) (1) - سببا لعدم الإدامة المستلزم للانطفاء ~~كان كأن نفس الاضاءة سبب لذهاب النور. # أما جملة (وتركهم في ظلمات) فبعدما أشار الى خسرانهم بذهاب النعم بزوال ~~النور عقبه بخذلانهم بنزول النقم بالسقوط في الظلمات. # أما جملة (لا يبصرون) فاعلم! ان الانسان اذا اظلم عليه وأضل السبيل فقد ~~يسكن ويتسلى برؤية رفقائه ومرافقه، واذا لم يبصرهما كان السكون مصيبة عليه ~~كالحركة بل أوحش. # أما (صم بكم عمي فهم لا يرجعون) فاعلم! ان الانسان اذا وقع في مثل هذا ~~البلاء قد يتسلى ويأمل ويرجو النجاة من جهات أربع مترتبة: # فأولا: يرجو أن يسمع تناجي الخلق من القرى أو أبناء السبيل؛ إن يستمد ~~يمدوه. ولما كانت الليلة ساكنة بكماء استوى هو والأصم، فقال: "صم" لقطع هذا ~~الرجاء. # وثانيا: يأمل انه إن نادى أو استغاث يحتمل أن ms083 يسمع أحد فيغيثه، ولما كانت ~~الليلة صماء كان ذو اللسان والأبكم سواء فقال: "بكم" لإلقامهم الحجر بقطع ~~هذا الرجاء أيضا. # وثالثا: يأمل الخلاص برؤية علامة أو نار او نير تشير له الى هدف المقصد. ~~ولما كانت الليلة طامية رمداء عبوسة عمياء كان ذو البصر والأعمى واحدا ~~فقال: "عمي" لإطفاء هذا الأمل أيضا. # ورابعا: لايبقى له الا ان يجهد في الرجوع، ولما أحاط به الظلمة كان كمن ~~دخل في وحل باختياره وامتنع عليه الخروج. نعم، كم من أمر تذهب اليه باختيار ~~ثم يسلب عنك الاختيار في الرجوع عنه تخليه انت ولا يخليك هو، فقال تعالى: فهم # (1) سورة العلق: 6، 7 PageV01P128 # (لا يرجعون) لسد هذا الباب عليهم وقطع آخر الحبل الذي يتمسكون به، فسقطوا ~~في ظلمات اليأس والتوحش والسكونة والخوف. # أما الجهة الثالثة، أعني: # نظم قيودات جملة جملة، فانظر الى (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا) كيف ~~تتطاير شرارات النكت من قيوداتها. # أما لفظ "المثل" فاشارة الى غرابة حال المنافقين وان قصتهم اعجوبة؛ اذ ~~المثل هو الذي يجول على الألسنة ويتناقله الناس لتضمنه لغرابة؛ اذ أخص ~~صفاته الغرابة. ثم لاندماج قاعدة أساسية في الأمثال يقال لها: "حكمة ~~العوام" و "فلسفة العموم". فالمراد بالمثل هنا صفتهم الغريبة وقصتهم ~~العجيبة وحالهم الشنيعة. ففي التعبير بالمثل مجازا اشارة الى الغرابة، وفي ~~الاشارة رمز الى ان من شأن صفتهم أن تدور على لسان النفرة والتلعين كضرب المثل. # وأما "الكاف": # فإن قلت: إن حذف كان تشبيها بليغا فهو أبلغ؟ # قيل لك: الأبلغ في هذا المقام ذكره، اذ التصريح به يوقظ الذهن بان ينظر ~~الى المثال تبعيا فينتقل عن كل نقطة مهمة منه الى نظيرها من المشبه. والا ~~فقد يتوغل فيه قصدا فتفوت منه دقائق التطبيق. # وأما "المثل" الثاني فاشارة الى ان حال المستوقد بغرابته ووجوده في حس ~~العموم كان في حكم ضرب المثل. # وأما "الذي": # فان قلت: كيف افرد مع انهم جماعة؟ # قيل لك: اذا تساوى الجزء والكل والفرد والجماعة ولم يؤثر الاشتراك في صفة ~~الفرد زيادة ونقصانا جاز ms084 الوجهان مثل (كمثل الحمار) ففي افراده اشارة الى ~~استقلال كل فرد في تمثل الدهشة وتصوير شناعتهم، أوكان "الذي" "الذين" ~~فاختصر. PageV01P129 # وأما (استوقد) فسينه اشارة الى التكلف والتحري. وفي افراده مع جمع الضمير ~~في "نورهم" رمز لطيف الى أن فردا يوقد لجماعة. ولقد ألطف في الإفراد إيقادا ~~والجمع استنارة. # وأما (نارا) بدل "المصباح" أو غيره فاشارة الى المشقة في نور التكليف، ~~ورمز الى انهم يوقدون تحت النور الظاهري نار فتنة. وأما تنكيره فايماء الى ~~شدة احتياجهم حتى انهم يرضون بأية نار كانت. # ثم اجل النظر فيما حول جملة (فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم) لترى ~~كيف تضئ قيوداتها على ظلمات الدهشة التي هي الغرض الأساسي. ولقد سمعت في ~~المسألة الرابعة ان قوة الكلام بتجاوب القيود: # أما "الفاء" فإيماء الى ان هجوم اليأس المطلق تعقب كمال الرجاء. # وأما (لما) فلتضمنه قياسا استثنائيا مستقيما مع دلالته على تحقق المقدم ~~ينتج تحقق التالي وقطع التسلي. # وأما (أضاءت) فاشارة الى ان الايقاد للاستنارة لا للاصطلاء. وفيه رمز الى ~~شدة الدهشة اذ ما أفاد لهم الاضاءة إلا رؤية المهالك والعلم بوجودها. ~~ولولاها لأمكن مغالطة النفس وتسكينها. # وأما (ما حوله) فاشارة الى احاطة الدهشة من الجهات الأربع، والى لزوم ~~التحفظ بالاضاءة عن هجوم الضرر عن الجهات الست. # وأما (ذهب) فلأنه جزاء الشرط، لا بد ان يكون لازما. ولخفاء اللزوم - كما ~~مر - يرمز الى انهم لم يتعهدوها ولم يعرفوا قدر النعمة فيها فبنفس الاضاءة ~~اخذوا عن أنفسهم وأنساهم البطر والفرح تعهدها فأخذها الله عنهم.. # وأما اسناد "ذهب" الى (الله) فاشارة الى قطع رجاءين: رجاء التعمير ورجاء ~~الرحمة؛ لأنه يشير الى ان الآفة سماوية لاتقبل التعمير، ويرمز الى انه جزاء ~~لقصور المرء، ولهذا يأخذه الله تعالى. فينقطع المتمسك به عند انقطاع ~~الأسباب وهو أمل الرحمة، اذ لايستعان من الحق على ابطال الحق. PageV01P130 # وأما "الباء" فاشارة الى اليأس عن العود؛ اذ لا راد لما أخذه الله للفرق ~~البين بين ذهب به أي استصحبه، وبين اذهبه أي ارسله، وذهب أي ms085 انطلق؛ لإمكان ~~العود في الآخرين دون الأول. # وأما "النور" ففيه ايماء لطيف الى تذكر حالهم على الصراط. # وأما الاضافة في (هم) المفيدة للاختصاص فاشارة الى شدة تأثرهم؛ اذ من ~~انطفأت ناره فقط مع ان نار الناس تلتهب أشد تألما. # ولله در التنزيل ما ألطفه في فنون البلاغة! ألم تر كيف توجهت هيئاتها الى ~~الغرض الكلي، أعني الدهشة مع اليأس، كالحوض في ملتقى الأودية؟. # ثم امعن النظر في (وتركهم في ظلمات لايبصرون) : # أما "الواو" فاشارة الى انهم جمعوا بين الخسارتين؛ سلبوا ضياء وألبسوا ظلمة. # أما "ترك" بدل "أبقى" أو غيره فاشارة الى انهم صاروا كجسد بلا روح وقشر ~~بلا لب. فمن شأنهم ان يتركوا سدى ويلقوا ظهريا. # وأما (في) فرمز الى انه انعدم في نظرهم كل شيء ولم يبق الا عنوان العدم ~~وهو الظلمة فصارت ظرفا وقبرا لهم. # وأما جمع (ظلمات) فايماء الى ان سواد الليل وظلمة السحاب أولدتا في روحهم ~~ظلمة اليأس والخوف، وفي مكانهم ظلمة التوحش والدهشة، وفي زمانهم ظلمة ~~السكون والسكوت، فأحاطت بهم ظلمات متنوعة.. وأما تنكيرها فايماء الى انها ~~مجهولة لهم لم يسبق لهم الفة بمثلها فتكون أشد وقعا. # وأما (لايبصرون) فتنصيص على اساس المصائب، اذ من لم ير كان ارأى للبلايا، ~~وبفقد البصر يبصر أخفى المصائب. وأما المضارعية فلتصوير وتمثيل حالهم نصب ~~عين الخيال ليرى السامع دهشتهم فيتحسس بوجدانه أيضا. # وأما ترك المفعول فللتعميم، أي لايرون منافعهم ليحافظوها، ولا يبصرون ~~المهالك كي يجتنبوا عنها. ولا يتراءى الرفقاء ليستأنسوا بهم، فكأن كل واحد ~~فرد برأسه. PageV01P131 # ثم انظر الى جمل (صم بكم عمي فهم لايرجعون) لتسمع ما تتناجى به؛ اذ هذه ~~الأربعة حد مشترك بين الممثل والممثل به، وبرزخ بينهما ومتوجهة اليهما؛ ~~تتكلم عن حال الطرفين. ومرآة لهما تريك شأنهما. ونتيجة لهما تسمعك قصتهما. # أما الجهة الناظرة الى الممثل به: # فاعلم! ان من سقط في مثل هذه المصيبة يبقى له رجاء النجاة باستماع نجوى ~~منج، فاستلزمت ابكمية الليلة اصميته.. ثم اسماع مغيث فاقتضت اصمية الليل ~~ابكميته.. ثم الهدى ms086 برؤية نار أو نير فانتج تعامي الليل عميه.. ثم العود ~~الى بدء فانسد عليه الباب كمن سقط في وحل كلما تحرك انغمس.. # وأما الجهة الناظرة الى الممثل: # فاعلم! انهم لما وقعوا في ظلمات الكفر والنفاق امكن لهم النجاة عن تلك ~~الظلمات بطرق أربعة مترتبة: # فاولا: # كان عليهم ان يرفعوا رؤسهم ويستمعوا الى الحق ويصغوا الى ارشاد القرآن، ~~لكن لما صارت غلغلة (1) الهوى مانعة لأن يخلص صدى القرآن الى صماخهم، وأخذ ~~التهوس بآذانهم جارا لهم عن تلك الطريق، نعى عليهم القرآن بقوله: (صم) ~~اشارة الى انسداد هذا الباب ورمزا الى ان آذانهم كأنها قطعت وبقيت ثقبات ~~مشوهة أو قطعات متدلية في جوانب رؤسهم. # وثانيا: # لابد لهم ان يخفضوا رؤسهم ويشاوروا وجدانهم فيسألوا عن الحق والصراط، لكن ~~لما اخذ العناد على يد لسانهم وجره الحقد من خلف الى الجوف، ألقمهم القرآن ~~الحجر بقوله: (بكم) اشارة الى انسداد هذا الباب أيضا في وجوههم ورمزا الى ~~انهم بالسكوت عن الاقرار بالحق كانوا كمن قلع لسانه فبقي الفم ككهف خلا عن ~~ساكنه مشوها للوجه. # (1) في الشيء: دخل فيه على تعب وشدة. PageV01P132 # وثالثا: # لزمهم ان يرسلوا انظار العبرة لتجتني لهم الدلائل الآفاقية، لكن وضع ~~التغافل يده على عيونهم ورد - وطرد - التعامي الأنظار الى أجفانهم. فقال ~~القرآن: (عمي) اشارة الى انهم عمهوا (1) عن هذا الطريق أيضا. ورمز بحذف ~~أداة التشبيه الى ان عيونهم التي هي أنوار الرأس كأنها قلعت فبقيت نقرات ~~مشوهة في جباههم. # ورابعا: # لابد من ان يعرفوا قبح حالهم القبيح ليتنفروا فيندموا فيتوبوا فيرجعوا. ~~لكن لما زينت لهم أنفسهم - لأجل فساد الفطرة بالاصرار وغلبة الهوى والشيطان ~~- تلك القبائح، قال القرآن: (فهم لايرجعون) اشارة الى انسداد آخر الطرق ~~عنهم، ورمزا الى انهم وقعوا باختيارهم فيما لا اختيار لهم في الخروج ~~كالمضطرب في بحر الرمل. # *** # (1) تحيروا في طريقهم او امرهم. PageV01P133 ### | AUTO او كصيب من السماء # فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون اصابعهم # في اذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين 19 يكاد البرق ~~يخطف ابصارهم كلما اضاء ms087 لهم مشوا فيه واذا اظلم عليهم قاموا ولو شاء الله ~~لذهب بسمعهم وابصارهم ان الله على كل شيء قدير 20 # اعلم! ان مدار النظر في هذه الآية ايضا من ثلاثة وجوه، نظمها بسابقتها، ~~والنظم بين جملها، ثم النظر بين هيئات جملة جملة. مثلها في الارتباط كمثل ~~الاميال العادة للساعات والدقائق والثواني. # أما وجه النظم بينها وبين سابقتها فهو: انه كرر التمثيل واطنب في التصوير ~~اشارة الى احتياج تصوير حال المنافقين في دهشتهم وحيرتهم الى نوعين منه، إذ: # خلاصة التمثيل الأول هي: # ان المنافق يرى نفسه في صحراء الوجود منفردة عن الأصحاب مطرودة عن جمعية ~~الكائنات خارجة عن حكم شمس الحقيقة. يصير كل شيء في نظره معدوما ويرى ~~المخلوقات اجنبية كلها، ساكنة وساكتة استولى عليها الوحشة والخمود. وأين ~~هذا من حال المؤمن الذي يرى بنور الايمان كل الموجودات احباءه ويستأنس بكل ~~الكائنات؟. # وخلاصة التمثيل الثاني هي: # ان المنافق يظن ان العالم بأجزائه ينعي عليه بمصائبه ويهدده ببلاياه ~~ويصيح عليه بحادثاته ويحيط به بنوازله كأن الأنواع اتفقوا على عداوته ~~فانقلب النافع ضارا. وما هذه الحالة الا لعدم نقطتي الاستمداد والاستناد ~~كما مر. واين هذا من حال المؤمن الذي يسمع بالايمان تسبيحات الكائنات ~~وتبشيراتها؟.. # وأيضا تكرار التمثيل ايماء الى انقسام المنافقين الى الطبقة السفلية ~~العامية المناسبة للتمثيل الاول والى الطبقة المتكبرة المغرورة الموافقة ~~للتمثيل الثاني. PageV01P134 # وأما مناسبة هذا التمثيل لمقامه بالنظر الى السامع فهي: ان الصف الأول من ~~مخاطبي القرآن ابناء الفيافي يفترشون الصحارى ويتخيمون بفسطاط السماء. وما ~~منهم الا وقد رأى بنفسه أو سمع من أبناء جنسه مثل هذه الحادثة حتى استأنس ~~بها حس العموم؛ بحيث تؤثر فيه كضرب المثل. # وأما مناسبته للتمثيل الأول فأظهر من ان يخفى، اذ هو كالتكملة والتتمة له ~~مع الاتحاد في كثير من النقط. # وأما مناسبة التمثيل للممثل له فبخمسة وجوه: # منها: وقوعهما كليهما في شدة الحيرة بانسداد كل طرق النجاة عليهم، وبان ~~ضلت جميع أسباب الخلاص عنهم. # ومنها: وقوعهما في شدة الخوف حتى يتخيل كل من ms088 المشبه والمشبه به، ان ~~الموجودات اتفقت على عداوته ولا يأمن من بقائه في كل دقيقة. # ومنها: وقوعهما في شدة الدهشة المنتجة لاختبال العقل حتى ان كلا منهما ~~يتبله. كمثل من يرى برق السيوف فيتحفظ بغمض بصره أو يسمع تقتقة البنادق ~~فيتجنب عن الجرح بسد سمعه. أو كمثل من لا يحب غروب الشمس فيمسك دولاب ساعته ~~لئلا يدور جرخ الفلك الدوار، فما أخبلهم!.. اذ الصاعقة لا تنثني بسد ~~الاسماع، والبرق المحرق لايترحم عليهم بغض الأبصار. ومن هنا يرى ان لم يبق ~~لهم ممسك. # ومنها: ان الشمس والمطر والضياء والماء كما إنها منابع حياة الأزاهير ~~وتربية النباتات، وسبب تعفن الميتات ونتن القاذورات؛ كذلك ان الرحمة ~~والنعمة اذا لم تصادفا موقعهما المنتظر لهما والعارف بقيمتهما، تنقلبان ~~زحمة ونقمة. # ومنها: انه كما يوجد التناسب بين المآلين الذي هو الأصل في انعقاد ~~الاستعارة التمثيلية بلا نظر الى تطبيق الأجزاء؛ كذلك يوجد مناسبات هنا بين ~~أجزائهما؛ اذ الصيب حياة النباتات كما ان الاسلامية حياة الأرواح، والبرق ~~والرعد يشيران الى الوعد والوعيد، والظلمات تريك شبهات الكفر وشكوك النفاق. PageV01P135 # وأما وجه النظم بين الجمل: # فاعلم! ان التنزيل لما قال (أو كصيب من السماء) مشيرا الى انهم كالذين ~~اضطروا الى السفر في صحراء موحشة في ليلة مظلمة تحت مطر شديد، كأن قطراته ~~مصائب تصيب مرماها بصوبها وقد ملأت الجو بكثرتها؛ استيقظ ذهن السامع منتظرا ~~لبيان السبب في ان صار الصيب الذي هو في الأصل رحمة مرغوبة مصيبة هائلة ~~فقال مصورا لدهشته: (فيه ظلمات) مشيرا الى ان المطر كما هو ظرف لظلمة ~~السحاب ولكثافته؛ كذلك لأجل عمومه وكثرته واحاطته كأنه ظرف لليلة المتفتتة ~~قطرات مسودة بين قطراته.. ثم ما من سامع يسمع (فيه ظلمات) الا وينتظر ~~لبيان. كأن المتكلم سمع صدى الرعد من ذهن السامع فقال: (ورعد) مشيرا الى ~~تهويل الحال وتشديدها بان السماء أميرة الموجودات عزمت على اهلاكهم، وتصيح ~~عليهم برعدها؛ اذ المصاب المدهوش يتخيل من الكائنات المتعاونة على اضراره ~~حركة مزعجة تحت سكونها، ونطقا مهيبا تحت سكوتها. فاذا ms089 سمع الرعد توهم انها ~~تتكلم بما يهدده وتصيح عليه؛ اذ بالخوف يحسب كل صيحة عليه.. ثم ان السامع ~~لايسمع الرعد الا ويستهل فيبرق في ذهنه رفيقه الدائمي، ولذلك قال: (وبرق) ~~مشيرا بالتنكير الى انه غريب عجيب. نعم! هو في نفسه عجيب؛ اذ بتولده يموت ~~عالم من الظلمات فتطوى وتلقى الى العدم، وبموته فجأة يحيى ويحشر عالم من ~~الظلمات. كأنه نار حينما تنطفئ تورث ملء الدنيا دخانا. ومن شأن المصاب بها ~~ان يمعن النظر ولا يمر بنظر سطحي بناء على الالفة والمناسبة حتى يتكشف عن ~~دقائق صنع القدرة.. ثم بعد هذا التصوير كأن ذهن السامع يتحرك سائلا: كيف ~~يعملون؟ وبم يتشبثون؟ فقال: (يجعلون أصابعهم في اذانهم من الصواعق حذر ~~الموت) مشيرا الى ان لامناص ولا ملجأ ولا منجى لهم حتى انهم كالغريق ~~يتمسكون بما لايتمسك به. فمن التدهش يستعملون الأصابع موضع الأنامل كأن ~~الدهشة تضرب على أيديهم فيدخلون الأصابع من الوجع في الآذان ومن التبله ~~انهم يسدون الآذان لئلا تصيبهم الصواعق.. ثم بعد هذا يتحرى ذهن السامع ~~سائلا: أعمت المصيبة أم خصت فيرجى؟ فقال: (والله محيط بالكافرين) مشيرا الى ~~ان هذه المصيبة جزاء لكفرانهم النعمة. يؤاخذهم الله تعالى به لشذوذهم عن ~~القانون الالهي المودع في الجمهور. ثم لما سمع شدة الرعد يحدث نفسه ب "ألا ~~يفيدهم البرق بأراءة الطريق"؟ فقال: PageV01P136 # (يكاد البرق يخطف أبصارهم) مشيرا الى انه كما ان الرعد يعاديهم فلا ~~يستطيعون السمع؛ كذلك البرق يخاصمهم باضاءته فيظلم أبصارهم.. ثم بعد سماع ~~تجاوب الكائنات على عداوتهم ينادي ذهن السامع ب "فما مصير حالهم وما ~~يفعلون؟ وبمه يشتغلون؟ " فقال: (كلما أضاء لهم مشوا فيه واذا اظلم عليهم ~~قاموا) مشيرا الى انهم مشوشون مترددون متحيرون مترقبون لأدنى فرصة ولأدنى ~~رؤية للطريق. فكلما تراءت لهم يتحركون لكن كحركة المذبوح لاضطراب أرواحهم، ~~ويتخطون خطى يسيرة مع علمهم بان لافائدة، وكلما غشيتهم الظلمة فجأة ينجمدون ~~في مقامهم.. ثم يستعد ذهن السامع للاستفسار ب "لم لايموتون أو يعمون أو ~~يصمون بالمرة فيخلصون عن الاضطراب؟ " فقال: (ولو ms090 شاء الله لذهب بسمعهم ~~وأبصارهم) أي ليسوا مستحقين للخلاص من الاضطراب ولهذا لاتتعلق المشيئة ~~باماتتهم ولو تعلقت لتعلقت بذهاب سمعهم وبصرهم. ولكن بقاء السمع لاستماع ~~العقاب ووجود البصر لرؤية العذاب أجدر بمن شذ ونشز عن قانونه تعالى.. # ثم ان هذه القصة لما احتوت على نقاط يتلوح من معاطفها استطرادا: العظمة ~~والقدرة الالهية وتصرفه تعالى في الكائنات، ولا سيما يتذكر السامع تبعا في ~~تلافيفها عجائب الرعد والبرق والسحاب، كان من حق السامع المتيقظ وجدانه ان ~~يعلن ويقول: سبحانه ما أعظم قدرة من هذه الكائنات تجلي هيبته وهذه المصيبات ~~تجلي غضبه. فقال: (ان الله على كل شيء قدير) . # وأما نظم هيئات جملة جملة: # فاعلم! ان "أو" في (او كصيب) اشارة الى انقسام حال الممثل الى قسمين، ~~ورمز الى تحقيق المناسبة بين التمثيلين وبينهما وبين الممثل له وايماء الى ~~مسلمية المشابهة.. وأيضا متضمن ل "بل" الترقية؛ اذ التمثيل الثاني اشد ~~هولا. وان "كصيب" لعدم مطابقته للمثل يقتضي تقدير لازم، والسكوت عن اظهار ~~المقدر للايجاز، والايجاز في اللفظ لاطناب المعنى باحالته على خيال السامع ~~بالاستمداد من المقام. فبعدم المطابقة كأنه يقول: أو كالذين سافروا في ~~صحراء خالية وليلة مظلمة فاصابتهم مصائب بصيب. وان العدول عن لفظ المطر ~~المأنوس المألوف الى الصيب رمز الى أن قطرات ذلك المطر كمصائب ترمى اليهم ~~بقصد فتصيبهم مع فقد الساتر عليهم. PageV01P137 # وان ذكر (من السماء) مع بداهة ان المطر لا يجئ الا من جهتها ايماء ~~بالتخصيص الى التعميم وبالتقييد الى الاطلاق نظير التقييد في (وما من دابة ~~في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه) (1) أي مطبق آخذ بآفاق السماء. وما استدل ~~بعض المفسرين بلفظ من السماء هنا وفي آية (وينزل من السماء من جبال فيها من ~~برد) (2) على نزول المطر من جرم السماء حتى تخيل "بعض" وجود بحر تحت ~~السماء، فنظر البلاغة لايرى عليه سكة الحقيقة. بل المعنى: من جهة السماء. ~~والتقييد لما عرفت. وقد قيل السماء ما علاك، فالسحاب كالهواء سماء. # وتحقيق المقام: هو انك ان نظرت الى القدرة ms091 تتساوى الجهات أي يمكن النزول ~~من أية جهة كانت. وان نظرت الى الحكمة الالهية المؤسسة للنظام الأحسن في ~~الأشياء المستلزم لمحافظة الموازنة العمومية المرجحة لأقرب الوسائل فالمطر ~~انما هو من تكاثف البخار المائي المنتشر في كرة الهواء التي احد أجزائها ~~العشرة ذلك البخار المائي المنتشر في أعماقها. # وتوضيحه: ان ذراته اذا امرتها الارادة الالهية، يتمثل كل، ويتسللن من ~~الأطراف ومن كل فج عميق. فيتحزبن سحابا هامرا. ثم بارادة آمرها يشتد تكاثف ~~بعض فتصير قطرات تأخذها بأيديهم الملائكة الذين هم ممثلو القوانين ومعكس ~~النظامات لئلا يزاحم ويصادم بعض بعضا فيضعونها على الأرض. ولأجل محافظة ~~الموازنة في الجو لابد من بدل ما يتحلل بالتقطر، فيبخر البحر والأرض فيملأ ~~منازلها. وأما تخيل بعض وجود بحر سماوي فمحمله انه تصور المجاز حقيقة؛ اذ ~~لاراءة خضرة الجو لون البحر، ولاحتواء الجو على ماء أكثر من البحر المحيط ~~ما استبعد تشبيهه بالبحر. # أما (وينزل من السماء من جبال فيها من برد) فاعلم! ان الجمود على الظاهر ~~مع التوقد في استعارتها جمود بارد وخمود ظاهر. اذ كما تضمن (قوارير من فضة) ~~(3) استعارة بديعة؛ كذلك يحتوي (من جبال فيها من برد) على استعارة بديعة ~~عجيبة مستملحة. فكما ان ظروف الجنة لم تكن من الزجاجة ولامن الفضة بل في ~~شفافية الزجاج وبياض الفضة ومن حيث ان الزجاجة لاتكون من الفضة لتخالف # (1) سورة الانعام: 38. # (2) سورة النور: 43. # (3) سورة الانسان: 16. PageV01P138 # النوعين اشار الى الاستعارة بالاضافة بذكر "من"، كذلك (من جبال فيها من ~~برد) متضمنة لاستعارتين مؤسستين على خيال شعري بالنظر الى السامع. وذلك ~~الخيال مبني على ملاحظة المشابهة والمماثلة بين تمثل العالم العلوي وتشكل ~~العالم السفلي. وتلك الملاحظة مبنية على تصور المسابقة والرقابة بين الأرض ~~والجو في لبس الصور من يد القدرة كأن الأرض لما برزت بجبالها اللابسة للبيض ~~من حلل الثلج والبرد في الشتاء، والمتعممة بها في الربيع. ثم تزينت في ~~الصيف ببساتينها المتلونة فأظهرت في نظر الحكمة بانقلاباتها معجزة القدرة ~~الالهية، قابلها جو السماء محاكيا لها مسابقا معها لإظهار معجزة ms092 العظمة ~~الالهية فبرز متبرقعا ومتقمصا بالسحاب المتقطع جبالا وأطوادا وأودية، ~~والمتلون بألوان مختلفة مصورة لبساتين الأرض، ملوحا ذلك الجو بأجلى دلائل ~~العظمة وأجلها. فبناء على هذه الرؤية والمشابهة والتوهم الخيالي استحسن ~~اسلوب العرب تشبيه السحاب لاسيما الصيفي بالجبال والسفن والبساتين والأودية ~~وقافلة الإبل كما تسمع من العرب في خطبهم. فيخيل الى نظر البلاغة ان قطعات ~~السحاب الصيفي سيارة وسباحة في الجو، كأن الرعد راعيها وحاديها كلما هز عصا ~~برقه على رؤسهم في البحر المحيط الهوائي اهتزت تلك القطعات وارتجت، وتراءت ~~جبالا صادفت الحشر، أو سفنا يلعب بها يد العاصفة، أو بساتين ترججها من ~~تحتها الزلزلة، أو قافلة شردت من هجوم قطاع الطريق. ومع ذلك يسيرون ويجرون ~~بأمر خالقهم حتى كأن كل ذرة من ذرات ذلك البخار تكمنت في مكانها اولا ساكتة ~~ساكنة منتظرة لأمر خالقها. ولما ناداها الرعد - كالآلة المعروفة في العسكر ~~- ب"حي على الاجتماع والاتحاد! " تسارعوا من منازلهم مهطعين الى داعيهم ~~فيحشرون سحابا. ثم بعد ايفاء الوظيفة وأمرهم بالاستراحة يطير كل الى وكره.. ~~فبناء على هذه المناسبة الخيالية، وعلى المجاورة بين السحاب والجبال - إذ ~~الجبل لجذب الرطوبة يتظاهر ويتشكل السحاب عليه بمقداره ويلبس لباسه - وعلى ~~تلون السحاب بنظير بياض الثلج والبرد وتكيفه برطوبتهما وبرودتهما، وعلى ~~وجود الأخوة بينهما ومبادلة الصورة واللباس لهما في كثير من مواضع القرآن ~~ومصافحتهما في منازل التنزيل كمحاورتهما ومعانقتهما في كثير من سطور صحيفة ~~الأرض من كتاب PageV01P139 # العالم فترى السحاب متوضعا على الجبل ويصير الجبل كأنه مرسى لسفن السحاب ~~ترسى عليه، أو مجلس تتشاور عليه، أو وكر تطير اليه - استحق بحكم المجاورة ~~في نظر البلاغة ان يتبادلا ويستعيرا لوازمهما فيعبر عن السحاب بالجبل - مع ~~تناسي التشبيه. فاذا قد عرفت ما سمعت من المناسبات ف (ينزل من السماء) أي ~~من جهة السماء. "من جبال" أي من سحاب كالجبال. "من برد" أي في لونه ورطوبته ~~وبرودته. # فيا هذا! ما أجبرك مع وجود هذا التأويل الذي تقبله البلاغة على اعتقاد ~~نزول المطر بدقيقتين من مسافة خمس مائة سنة ms093 المخالف لحكمة الله الذي اتقن ~~كل شيء صنعا. # أما هيئات جملة: (فيه ظلمات) المسوقة للتهويل؛ فتقديم (فيه) اشارة الى ان ~~خيال المصاب المدهوش والسامع المستحضر خياله لتلك الحال يتوهم ان ظلمات ~~الليالي الكثيرة افرغت بتمامها في تلك الليلة. وأما الظرفية مع ان الصيب ~~مظروف فرمز الى ان المتدهش بتلك المصيبة يظن فضاء العالم حوضا قد ملئ من ~~المطر، فما الليل الا مظروف مفتت بين أجزائه. # وأما جمع "الظلمات" فايماء الى تنوعها من ظلمة سواد السحاب وكثافته ~~وانطباقه، ومن تقارب دفعات المطر وتكاثف قطره، ومن تضاعف ظلمة الليل. وأما ~~تنكير (ظلمات) فللاستنكار، ولجهل المخاطب فهو تأكيد (ظلمات) . # وأما جملة (ورعد وبرق) فاعلم! ان المقصد تصوير حيرتهم ودهشتهم، وان ~~المصاب المتحير يجمع تمام دقته ونظره الى أدنى حادث. فلإمعان النظر يتفطنون ~~لما في الرعد والبرق من الانقلابات العجيبة والتحول الغريب. اذ بينما يرى ~~المصابون ظلمة استولت على الكائنات وابتلعت الموجودات - نظير العدم - ~~فتنقلب حيرتهم بالغم اليتمي والسكوت الميتي؛ اذ يرون اظهر دلائل الوجود، ~~وهو تكلم العلويات، ثم ظهورها بكشف الحجاب فينقلب نظرهم الى نظر المدهوش ~~المتحير الخائف؛ اذ كما انهم اذا رأوا ظلمات غير محصورة في فضاء غير متناه، ~~لا ضعف فيه بجانب يبقي لهم أملا، ينظرون نظر اليأس؛ كذلك اذا فاجأهم بغتة ~~انعدام الظلمات بان افرغت من الفضاء، وملئ بدلها نورا ينقلب يأسهم المطلق ~~الى رجاء. PageV01P140 # اعلم! ان الرعد والبرق آيتان ظاهرتان من جهة العالم الغيبي في أيدي ~~الملائكة الموكلين على عالم السحاب لتنظيم قوانينه. ثم ان الحكمة الالهية ~~ربطت الأسباب بالمسببات فاذا تشكل السحاب من بخار الماء المنتشر في الهواء؛ ~~صار قسم حاملا "للالكتريك" المنفي وقسم حاملا "للالكتريك" المثبت؛ فحينما ~~يتقاربان يتصادمان دفعة فيتولد البرق. ثم بالهجوم والانقلاع دفعة وامتلاء ~~موضعه بآخر لعدم الخلو، يهتز وتتموج الطبقات فيتولد صدى الرعد. ولا تجري ~~هذه الحالات الا تحت نظام وقانون يتمثلهما ملك الرعد والبرق. وأما ظرفية ~~الصيب لهما مع ان الظرف هو السحاب فلأن المدهوش والسامع المتدهش بدهشته يرى ~~الصيب محيطا بكل ms094 شيء لإحاطته بنفسه. وأما إفراد الرعد والبرق مع جمع ~~الظلمات، فاشارة الى ان منشأ الدهشة تخيل المصاب تكلم السماء وتهديدها ~~بالإرعاد، وكشف الحجاب بالابراق، وهما معنى مصدري للكلام واليد البيضاء. ~~وأيضا كل منهما نوع واحد وان تعددت أفراده. # وأما تنوين (رعد وبرق) فبدل من الصفة، أي: رعد قاصف وبرق خاطف، ودالة على ~~عدم الالفة بهما بسبب التفطن بالدقة لما فيهما من العجائب.. وأيضا فيها ~~ايماء الى انهم لايعرفون ذلك الرعد والبرق لسد السمع وغض البصر. # وأما هيئات جملة (يجعلون أصابعهم في اذانهم من الصواعق حذر الموت) # فاعلم! انها جواب لسؤال مقدر واستيناف حسن؛ اذ السامع لما توجه الى هذه ~~القصة الحسية التمثيلية حصل له ميلان شديد لكشف حال المصيبة. ثم بعد ان كمل ~~التصوير التصوير وقضى منه الوطر انثنى مجرى الميلان الى كشف حال المصاب. ~~فكأنه يقول السائل: كيف حال المصاب حينئذ وبم يتشبث للنجاة؟ فأجاب القرآن ~~بقوله: (يجعلون اصابعهم) .. الخ. أي لامناص لهم، انما هم كالغرقى يتمسكون ~~بغير متمسك فيريدون التحفظ من مجانيق (1) السماويين بسد الأسماع. وكونه ~~سببا محال، فلا سبب. # وأما لفظ (يجعلون) بدل "يدخلون" فايماء الى انهم تحروا الأسباب فما ~~صادفوا الا ماسببيته بجعلهم وظنهم فقط.. وصورة المضارع المستحضرة للحال فرمز # (1) جمع منجنيق: آلة حربية ترمى" بها القذائف. PageV01P141 # الى ان السامع في مثل هذا المقام المهيج للحيرة يحضر بخياله زمان الواقعة ~~ومكان الحادثة. ثم في المضارع استمرار تجددي. وفي استمراره ايماء الى تواتر ~~تقتقة السحاب. # وأما (أصابعهم) بدل "أناملهم" فاشارة الى شدة الحيرة باستعمال الأصابع ~~موضع الأنامل. # وأما في (اذانهم) فايماء الى شدة الخوف من صدى الرعد حتى يخيل اليهم انه ~~لو دخل الرعد في شبكة الآذان لطير الأرواح من أبواب الأفواه. وفيه رمز لطيف ~~الى انهم لما لم يفتحوا آذانهم لنداء الحق والنصيحة عوقبوا من تلك الجهة ~~بنعرات الرعد، فسدوا هنا ما سدوا هناك، كمن اخرج كلاما شنيعا من فيه يضرب ~~على فمه فيدخل يمين الندامة في فيه ويضع يسار الخجالة على عينه. # وأما (من الصواعق) ms095 فاشارة الى اتحاد الرعد والبرق على اضراره؛ اذ الصاعقة ~~صوت شديد معه نار محرقة تصرع من صادف. # وأما (حذر الموت) فاشارة الى ان البلاء جذ (1) اللحم الى العظم، وجاز ~~الأحوال الى الحياة، فما يعنيهم الا غم الموت وحفظ الحياة. # وأما هيئات جملة (والله محيط بالكافرين) # فاعلم! ان "الواو" تقتضي المناسبة، وما المناسبة الا بين هذه وبين التابع ~~لمآل السابقة. فكأن هذه "الواو" تقرأ عليهم: "هم قوم فروا من العمارة ~~ونفروا من الحضارة وعصوا قانون كون الليل سباتا ولم يطيعوا نصيحة الناصح ~~فظنوا النجاة بالخروج الى الصحراء فخابوا وأحاط بهم بلاء الله". # وأما لفظ (الله) فرمز الى قطع آخر رجائهم؛ اذ المصاب انما يلتجئ ويتسلى ~~اولا وآخرا الى رحمة الله، فحين استحقوا غضب الله تعالى انطفأ ذلك الرجاء. # وأما لفظ (محيط) فايماء الى ان هذه المصائب المحيطة آثار غضبه تعالى، ~~فكما ان السماء والسحاب والصيب والليل تهجم عليهم من الجهات الست؛ كذلك ~~غضبه تعالى وبلياته محيطة بهم.. وأيضا علمه تعالى وقدرته محيطان بكل ~~الكائنات، وأمره # (1) جذه وجزه: قطعه. جذه وجزه: قطعه. PageV01P142 # شامل لكل الذرات. فكأن (محيط) يتلو عليهم: لاتنفذون من أقطار السموات ~~والأرض، (فأينما تولوا فثم وجه الله) . (1) # وأما تعلق "الباء" فرمز الى انهم وقعوا فيما هربوا عنه فصاروا هدفا ~~للسهام. # وأما التعبير بالكافرين فاشارة الى اراءة تمثال الممثل - أعني المنافقين ~~- في مرآة التمثيل، لئلا يتوغل فيه ذهن السامع فينسى المقصد.. ورمز الى ان ~~المشابهة وصلت الى درجة، وتضايق المسافة بينهما الى حد يتراءيان معا، ~~فتمتزج الحقيقة بالخيال.. وأيضا ايماء الى ظلمة قلوبهم اذ وجدانهم أيضا ~~يعذبهم لقصورهم وجنايتهم؛ اذ من رأى جزاء جنايته لايستريح وجدانه. # وأما هيئات جملة: (يكاد البرق يخطف أبصارهم) فاستينافها يشير الى ان ~~السامع يقول: ألا ينتفعون بالبرق المخفف لبلاء الظلمة عنهم؟ فأجيب بأنهم ~~يخافون من الضرر فضلا عن الفائدة. # وأما (يكاد) (2) فيشير باعتبار خاصته المشهورة الى وجود سبب زوال البصر ~~لكن لم يزل لوجود مانع. # وأما (يخطف) باعتبار استعماله كاختطفته الغول والعقاب ففيه بلاغة لطيفة ~~تبرق ms096 للذهن وتشير الى ان البرق يسابق شعاع العين من قبل ان يصل الى الأشياء ~~ليأخذ صورها يمر هو عليه فيقطعه ويضرب على جفنه فيذهب بنوره. كأن نور العين ~~لما خرج من بيته مسرعا لأجتناء صور الأشياء يسارع البرق الذي هو شعاع عين ~~الليل، فيأخذ من يد شعاع العين صورته قبل ايصاله الى المخزن، أي يختلس ~~البرق صورته من يده. # وأما (أبصارهم) فرمز - بناء على كونها مرآة للقلوب - الى عمل بصائر ~~المنافقين المتعامية عن البراهين القاطعة القرآنية. # وأما هيئات جملة (كلما أضاء لهم مشوا فيه واذا اظلم عليهم قاموا) ~~فاستينافها يشير الى ان السامع حينما رأى اختلاف المصيبة وتغيرها سأل عن ~~شأنهم في الحالتين فأجيب بذلك. # (1) سورة البقرة: 115. # (2) كاد من افعال المقاربة وضعت لمقاربة الخبر من الوجود لعروض سببه، ~~لكنه لم يوجد إما لفقد شرط او لعروض مانع (ب) . PageV01P143 # وأما (كلما) في الاضاءة و "اذا" في الاظلام فاشارة الى شدة حرصهم على ~~الضياء ينتهزون ادنى الضياء فرصة. وأيضا "كلما" متضمن لقياس مستقيم ~~استثنائي. # وأما (اضاء لهم) بلام الاجلية والنفع فرمز الى ان المصاب المدهوش يستغرق ~~في حاجة نفسه حتى يظن الضياء الذي تنشره يد القدرة في العالم لآلاف حكم ~~كلية أنه المراد به خاصة، ويد القدرة انما ارسلته لأجله. # واما (مشوا) مع اقتضاء الفرصة السير السريع فاشارة الى ان المصيبة ~~اقعدتهم فما سيرهم السريع الا مشي وحركة على مهل. # واما (فيه) فاشارة الى ان مسافة حركتهم الضياء الذي هو لون الزمان فكأنه ~~يحدد لهم المكان. # واما (واذا) ف "الواو" رمز الى تجديد المصيبة لتشديد التأثير. واما ~~الاهمال والجزئية في "اذا" عكس "كلما" فاشارة الى شدة نفرتهم وتعاميهم، ~~فتأخذهم وهم منغمسون في آن الفرصة. # وأما (اظلم) بالاسناد الى البرق فاشارة الى ان الظلمة بعد الضياء اشد. ~~وايماء الى ان خيال المصاب لما رأى البرق طرد الظلمة ثم ذهب وامتلأ موضعه ~~بالظلمات يتخيل انه انطفأ واورث دخانا. # وأما (عليهم) الملوح بالضرر فاشارة الى ان الاظلام ليس تصادفيا بل جزاء ~~لعملهم. ورمز الى ان ms097 المدهوش يتخيل الظلمة المالئة للفضاء كأنها تقصد - من ~~بين الأشياء - ذلك الانسان الصغير الذليل وتجعله خاصة هدف هجومها وإضرارها. # واما (قاموا) بدل "سكنوا" فاشارة الى انهم بالمصيبة وشدة التشبث تقوسوا ~~كالراكعين كما هو شأن المجدين في العمل. # وأما هيئات جملة (ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم) فال "واو" بسر ~~الربط تلوح الى ان يد القدرة تتصرف تحت حجاب الأسباب، وان نظر الحكمة يراقب ~~من فوق جميع العلل. PageV01P144 # وأما (لو) فمتضمنة لقياس استثنائي غير مستقيم. أي عدم المشيئة علة لعدم ~~ذهابهما؛ كما ان عدم الذهاب دليل على العلم بعدم المشيئة بذهابهما. وأيضا ~~رمز الى ان السبب بلغ النهاية. # وأما (شاء) فاشارة الى ان الرابط بين السبب والمسبب انما هي المشيئة ~~والارادة الإلهية. فالتأثير للقدرة، وما الاسباب إلا حجاب العزة والعظمة ~~لئلا تباشر يد القدرة بالأمور الخسيسة في ظاهر نظر العقل. # وأما التصريح بلفظة (الله) فاشارة الى زجر الناس عن الإبتلاء بالأسباب ~~والانغماس فيها. وأيضا لدعوة الأذهان الى رؤية يد القدرة خلف كل الأسباب.. ~~وأما حذف مفعول "شاء" وان كان واجبا بالقاعدة المطردة فيجوز بقرينة اخواته ~~ان يكون ايماء الى عدم تأثر المشيئة والارادة الالهية بأحوال الكائنات وعدم ~~تأثير الأشياء في الصفات الالهية كما تتأثر ارادة البشر بحسن الأشياء ~~وقبحها وعظمتها وصغرها. # واما (لذهب) فاشارة الى ان الأسباب ليست مسلطة ومستولية على المسببات حتى ~~اذا رفعت بقيت المسببات في جوف العدم تلعب بها يد التصادف وتشتتها ~~بالاتفاق، بل يد القدرة حاضرة خلف الأسباب. اذا أخرجت الأشياء تأخذها يد ~~الحكمة الالهية بقانون الموازنة والانتظام، ترسلها الى مواقع اخر ~~ولاتهملها. كما ان الحرارة اذا خربت بنية الماء، فبالنظام المندمج في ~~الهواء يذهب البخار في مجرى معين ويسوقه صانعه الى موقع معين.. وكذا في ~~"ذهب" رمز الى ان الحواس الخمس الظاهرة ليست متولدة عن الطبيعة ولا لازمة ~~لتجاويف السمع والبصر، بل انما هي هداياه تعالى وعطاياه. وما التجاويف ~~والأسباب الا شرائط عادية. # وأما التعدية بالباء بدل الهمزة فايماء الى ان يد القدرة لا تطلق الأشياء ms098 ~~عن حبل الأسباب، غاربها على عنقها (1) بل تضع ازمتها بيد نظام. # واما افراد "السمع" مع جمع "البصر" فاشارة الى افراد المسموع وتعدد ~~المبصر، اذ الف رجل يسمعون شيئا واحدا مع تخالف المبصرات. # (1) اصل المثل: حبلك على غاربك. والغارب: اعلى السنام. وهذا كناية عن ~~الطلاق، اى: اذهبى حيث شئت (مجمع الامثال) . PageV01P145 # وأما هيئات جملة (ان الله على كل شيء قدير) فاعلم! انها فذلكة لتحقيق ~~الدهشة في التمثيل والممثل له تشير الى انه كما لا تهمل دقائق أحوال ~~المصابين المتمثلة لجزئيات أحوال المنافقين؛ كذلك يرى في كل ذرة تصرف ~~القدرة الالهية. # واما (ان) فمع اشارتها الى ان هذا الحكم من الحقائق الراسخة، رمز الى ~~عظمة المسألة ووسعتها ودقتها، وعجز البشر وضعفه وقصوره عنها المولدة ~~للأوهام المنتجة للتردد في اليقينيات. # واما التصريح بلفظة (الله) فايماء الى دليل الحكم، اذ القدرة التامة ~~الشاملة لازمة للالوهية. # وأما (على) فايماء الى ان القدرة المخرجة للاشياء من العدم لا تتركها سدى ~~هملا، بل ترقب عليها الحكمة وتربيها. # وأما (كل) فاشارة الى ان آثار الأسباب، والحاصل بالمصدر من الأفعال ~~الاختيارية أيضا بقدرته تعالى. # وأما لفظ (شيء) بمعنى مشئ أي ما تعلقت به المشيئة، فاشارة الى ان ~~الموجودات بعد وجودها لاتستغني عن الصانع بل تفتقر في كل آن لبقائها - الذي ~~هو تكرر الوجود - الى تأثير الصانع. # وأما لفظ (قدير) بدل "قادر" فرمز الى ان القدرة ليست على مقدار المقدورات ~~فقط، وانها ذاتية لا تغير فيها، ولازمة لاتقبل الزيادة والنقصان لعدم امكان ~~تخلل ضدها حتى تترتب شدة ونقصانا.. وتلويح الى ان القدرة كالجنس وكميزان ~~الصرف، أعني: (فعل) لجميع الأوصاف الفعلية من الرزاق والغفار والمحيي ~~والمميت وغيرها. تفكر فيما سمعت حق التفكر!. PageV01P146 ### | AUTO يا ايها الناس اعبدوا ربكم # الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم # تتقون 21 الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وانزل من السماء ماء ~~فاخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله اندادا وانتم تعلمون 22 # مقدمة # اعلم! ان العبادة هي التي ترسخ العقائد وتصيرها حالا وملكة؛ ms099 اذ الأمور ~~الوجدانية والعقلية إن لم تنمها وتربها العبادة - التي هي امتثال الأوامر ~~واجتناب النواهي - تكن آثارها وتأثيراتها ضعيفة. وحال الاسلام 1 الحاضرة شاهدة. # واعلم أيضا! ان العبادة سبب لسعادة الدارين.. وسبب لتنظيم المعاش ~~والمعاد.. وسبب للكمال الشخصي والنوعي.. وهي النسبة الشريفة العالية بين ~~العبد وخالقه. # أما وجه سببيتها لسعادة الدنيا التي هي مزرعة الآخرة فمن وجوه: # منها: ان الانسان خلق ممتازا ومستثنى من جميع الحيوانات بمزاج لطيف عجيب، ~~انتج ذلك المزاج فيه ميل الانتخاب وميل الأحسن وميل الزينة، وميلانا فطريا ~~الى ان يعيش ويحيى بمعيشة وكمال لائقين بالانسانية.. ثم لأجل تلك الميول ~~احتاج الانسان في تحصيل حاجاته في مأكله وملبسه ومسكنه الى تلطيفها ~~واتقانها بصنائع جمة لا يقتدر هو بانفراده على كلها. ولهذا احتاج الى ~~الامتزاج مع أبناء جنسه ليتشاركوا، فيتعاونوا، ثم يتبادلوا ثمرات سعيهم. ~~لكن لما لم يحدد الصانع الحكيم قوى البشر الشهوية والغضبية والعقلية بحد ~~فطري لتأمين ترقيهم بزمبرك 2 الجزء الاختياري - لا كالحيوانات التي حددت ~~قواها - حصل انهماك وتجاوز.. ثم لانهماك القوى وتجاوزها - بسر عدم التحديد ~~- تحتاج الجماعة الى العدالة في تبادل ثمرات السعي.. ثم لأن عقل كل احد ~~لايكفي في درك العدالة احتاج النوع الى عقل كلي للعدالة يستفيد منه عقل ~~العموم. وما ذلك العقل الا قانون كلي، وما هو إلا PageV01P147 # الشريعة.. ثم لمحافظة تأثير تلك الشريعة وجريانها لابد من مقنن وصاحب ~~ومبلغ ومرجع، وما هو الا النبي عليه السلام.. ثم ان النبي لادامة حاكميته ~~في الظواهر والبواطن وفي العقول والطبائع يحتاج الى امتياز وتفوق مادة ~~ومعنى، سيرة وصورة، خلقا وخلقا. ويحتاج أيضا الى دليل على قوة المناسبة ~~بينه وبين مالك الملك صاحب العالم، وما الدليل الا المعجزات.. ثم لتأسيس ~~اطاعة الأوامر وتأمين اجتناب النواهي يحتاج الى ادامة تصور عظمة الصانع ~~وصاحب الملك في الاذهان وما هو الا تجلي العقائد.. ثم لادامة التصور ورسوخ ~~العقائد يحتاج الى مذكر مكرر وعمل متجدد، وما المذكر المكرر الا العبادة. # ومنها: ان العبادة لتوجيه الأفكار الى الصانع الحكيم. والتوجه ms100 لتأسيس ~~الانقياد. والانقياد للإيصال الى الانتظام الأكمل والارتباط به. واتباع ~~النظام لتحقيق سر الحكمة. والحكمة يشهد عليها اتقان الصنع في الكائنات. # ومنها: ان الانسان كالشجر الذي علق على ذروته كثير من خطوط الآلة ~~البرقية، قد التفت على رأسه رؤوس نظامات الخلقة، وامتدت مشرعة اليه قوانين ~~الفطرة، وانعكست متمركزة فيه اشعة النواميس الالهية في الكائنات. فلابد ~~للبشر ان يتممها ويربطها وينتسب اليها ويتشبث باذيالها ليسري بالجريان ~~العمومي حتى لا يزلق ولايطرد ولا يلقى عن ظهر هذه الدواليب المتحركة في ~~الطبقات. وما هي الا بالعبادة التي هي امتثال الأوامر واجتناب النواهي. # ومنها: ان بامتثال الأوامر واجتناب النواهي يحصل للانسان نسب كثيرة الى ~~مراتب عديدة في الهيئة الاجتماعية، فيصير الشخص كنوع؛ اذ كثير من ~~الأوامرلاسيما التي لها تماس بالشعائر والمصالح العمومية كالخيط الذي نيط ~~به حيثيات ونظم فيه حقوق، لولاه لتمزقت وتطايرت. # ومنها: ان الانسان المسلم له مناسبات ثابتة وارتباط قوي مع كل المسلمين. ~~وهما سببان لاخوة راسخة ومحبة حقيقية بسبب العقائد الايمانية والملكات ~~الاسلامية. أما سبب ظهور تلك العقائد وتأثيرها وصيرورتها ملكة راسخة فانما ~~هي العبادة. PageV01P148 # وأما جهة الكمال النفسي فاعلم! # ان الانسان مع صغر جرمه وضعفه وعجزه وكونه حيوانا من الحيوانات ينطوي على ~~روح غال ويحتوي على استعداد كامل، ويتبطن ميولا لاحصر لها ويشتمل على آمال ~~لا نهاية لها، ويحوز افكارا غير محصورة ويتضمن قوى غير محدودة مع ان فطرته ~~عجيبة كأنه فهرستة للأنواع والعوالم. فالعبادة هي السبب لانبساط روحه وجلاء ~~قيمته.. وأيضا هي العلة لانكشاف استعداده ونموه ليناسب السعادة الأبدية.. ~~وكذا هي الذريعة لتهذيب ميوله ونزاهتها.. وهي الوسيلة لتحقيق آماله وجعلها ~~مثمرة ريانة.. وكذلك هي الواسطة لتنظيم أفكاره وربطها.. وأيضا هي السبب ~~لتحديد قواه وإلجامها.. وأيضا هي الصيقل لرين الطبيعة على أعضائه المادية ~~والمعنوية التي كل منها كأنه منفذ الى عالم مخصوص ونوع اذا شف.. وأيضا هي ~~الموصل للبشر الى شرفه اللائق وكماله المقدر، اذا كانت بالوجدان والعقل ~~والقلب والقالب.. وكذلك هي النسبة اللطيفة العالية، والمناسبة الشريفة ~~الغالية بين العبد ms101 والمعبود. وتلك النسبة هي نهاية مراتب كمال البشر. # ثم ان الاخلاص في العبادة هو: ان تفعل لأنه أمر بها، وان اشتمل كل أمر ~~على حكم، كل منها يكون علة للامتثال، الا ان الاخلاص يقتضي ان تكون العلة ~~هي الأمر، فان كانت الحكمة علة فالعبادة باطلة، وان بقيت مرجحة فجائزة. # *** # ثم ان المخاطبين لما سمعوا (يا ايها الناس اعبدوا) استفسروا بلسان الحال: ~~ما الحكمة؟ ولم؟ وما المجبورية؟ ولأي شيء؟ # أما الحكمة فقد سمعت في المقدمة. وأما العلة فأجاب القرآن الكريم باثبات ~~الصانع وتوحيده بقوله: (ربكم الذي خلقكم) .. الخ. واثبات النبوة بقوله: ~~(وان كنتم في ريب مما نزلنا) .. الخ. PageV01P149 # مقدمة في نكات هذه الآية: # اعلم! ان البرهان إما "لمي" وهو الاستدلال بالمؤثر على الأثر. وإما "اني" ~~وهو الاستدلال بالأثر على المؤثر، وهذا أسلم 1. وهو إما "إمكاني ~~بالاستدلال" بتساوي الطرفين على المرجح، واما "حدوثي بالاستدلال" بالتحول ~~والتبدل على الموجد.. وكل منها اما باعتبار ذوات الاشياء أو باعتبار ~~صفاتها.. وكل منها إما باعطاء الوجود أو بادامة البقاء.. وكل منها إما ~~"دليل اختراعي" أو "دليل عنايتي". وهذه الآية اشارة الى هذه الأنواع، ~~فالملخص منها هنا، وقد فصلناه في كتاب آخر. # أما دليل العناية على اثبات الصانع الذي تلوح به هذه الآية، هو: "النظام ~~المندمج في الكائنات"؛ اذ النظام خيط نيط به المصالح والحكم. فجميع الآيات ~~القرآنية التي تعد منافع الأشياء وتذكر حكمها انما هي نساجة لهذا الدليل، ~~ومظاهر لتجلي هذا البرهان؛ اذ النظام المرعي به المصالح والحكم كما يثبت ~~وجود نظام، كذلك يدل على قصد الصانع وحكمته وينفي من البين وهم التصادف ~~الأعمى والاتفاقية العمياء. # ياهذا! ان لم يحط نظرك بهذا النظام العالي المزين بفصوص الحكم، ولاتقتدر ~~على الاستقراء التام؛ فانظر بجواسيس الفنون - التي هي الحواس لنوعك - ~~الحاصلة من تلاحق الأفكار - الذي هو في حكم فكر النوع - لترى نظاما يبهر ~~العقول، وتعلم ان كل فن من فنون الكائنات كشاف بكلية قواعده عن اتساق ~~وانتظام لايعقل أكمل منهما؛ اذ كل نوع من الكائنات اما تشكل فيه ms102 فن أو يقبل ~~ان يتشكل. والفن عبارة عن قواعد كلية. وكلية القاعدة تدل على حسن النظام؛ ~~اذ ما لانظام له لاتجري فيه الكلية. ألا ترى ان قولنا "كل عالم فهو ذو ~~عمامة بيضاء" انما يصدق كلية، اذا كان في ذلك النوع انتظام. فانتج أن كل فن ~~من الفنون الكونية بسبب كلية قواعده ينتج بالاستقراء التام نظاما كاملا ~~شاملا، وان كل فن برهان نير يشير الى المصالح والثمرات المتدلية كالعناقيد ~~في حلقات سلاسل الموجودات، ويلوح الى الحكم والفوائد المستترة في معاطف ~~انقلابات الأحوال. فترفع الفنون اعلام الشهادة على قصد الصانع وحكمته، كأن ~~كل فن نجم ثاقب في طرد شياطين الأوهام. PageV01P150 # وان شئت فعليك بهذا المثال مع قطع النظر عن العموم وهو: # ان الحيوان المكروسكوبي الذي لا يرى بالعين بلا واسطة، اشتملت صورته ~~الصغيرة على ماكينة دقيقة بديعة إلهية. فبالضرورة والبداهة ان تلك الماكينة ~~الممكنة في ذاتها وصفاتها ما وجدت بنفسها بلا علة لإمكان ذاتها وصفاتها ~~وأحوالها. والممكن متساوي الطرفين ككفتي الميزان، ولو وجد الترجح لكان في ~~العدم. فباتفاق العقلاء لابد لها من علة مرجحة.. ومن المحال ان تكون العلة ~~أسبابا طبيعية؛ اذ ما فيها من النظام الدقيق يقتضي نهاية علم وكمال شعور ~~لايمكن تصورهما في تلك الأسباب، التي يخادعون أنفسهم بها. مع انها أسباب ~~بسيطة قليلة جامدة لم يتعين مجاريها، ولم يتحدد محاركها مع ترددها بين ألوف ~~من الإمكانات التي لا اولوية لبعضها. فكيف تجري في مجرى معين، وتتحرك على ~~محرك محدود، وكيف يترجح بعض وجوه الإمكانات حتى يتولد هذه الماكينة العجيبة ~~المنتظمة التي حيرت العقول في دقائق حكمها، بل انما تقنع نفسك وتطمئن ~~بتولدها منها ان اعطيت لكل ذرة شعور "افلاطون" 1 وحكمة "جالينوس" 2 واعتقدت ~~بين تلك الذرات مخابرة عمومية. وما هذه الا سفسطة يخجل منها السوفسطائي. مع ~~أن أس الأسباب المادية وجود القوة الجاذبة والقوة الدافعة معا في جزء ~~لايتجزأ والجوهر الفرد، وان هذا كاجتماع الضدين. # نعم، قانون الجاذبة والدافعة وأمثالهما اسماء لقوانين عادات الله تعالى ~~وشريعته الفطرية ms103 المسماة بالطبيعة. فهذه القوانين مقبولة بشرط ان لاتنتقل ~~من القاعدية الى الطبيعية، وان لاتخرج من الذهنية الى الخارجية، وان ~~لاتتحول من الاعتبارية الى الحقيقية، وان لا تترقى من الآلتية الى ~~المؤثرية. # فاذا تفهمت ما في هذا المثال ورأيت عظمته مع صغره ووسعته مع ضيقه؛ فارفع ~~رأسك وانظر في الكائنات تر وضوح دليل العناية وظهوره بمقدار درجة وسعة PageV01P151 # الكائنات. فكل الآيات القرآنية العادة لنعم الأشياء والمذكرة لفوائدها ~~مظاهر لهذا الدليل. فكلما أمر القرآن الكريم بالتفكر فانما أشار مخاطبا ~~للعموم الى طريق هذا الاستدلال (فارجع البصر هل ترى من فطور) 1 ثم ان الذي ~~يومئ الى هذا الدليل من هذه الآية قوله تعالى: (الذي جعل لكم الارض فراشا ~~والسماء بناء وانزل من السماء ماء فاخرج به من الثمرات رزقا لكم) . # وأما الدليل الاختراعي المشار اليه بقوله تعالى: (الذي خلقكم والذين من ~~قبلكم) فهو: # ان الله تعالى اعطى لكل فرد ولكل نوع وجودا خاصا هو منشأ آثاره المخصوصة، ~~ومنبع كمالاته اللائقة؛ اذ لانوع يتسلسل الى الازل لإمكانه، ولبطلان ~~التسلسل، ولان هذا التغير في العالم يثبت حدوث بعض بالمشاهدة، وبعض آخر ~~بالضرورة العقلية. ثم انه قد ثبت بعلم الحيوانات والنباتات تكثر الأنواع ~~الى أزيد من مائتي الف نوع ولكل نوع آدم وأب عال. فبسر الحدوث والامكان ~~يثبت بالضرورة صدور تلك الاوادم والآباء للانواع عن يد القدرة الإلهية بلا ~~واسطة. ولا يتوهم فيها ما يتوهم في السلسلة. وتوهم انشقاق الأنواع بعضها عن ~~بعض باطل، لأن النوع المتوسط لا يتسلسل بالتناسل في الأكثر فلا يكون رأس ~~سلسلة. فاذا كان المبدأ والأصل هكذا، فأجزاء السلسلة كذلك بالطريق الأولى. # نعم كيف يتصور ان تكون الأسباب الطبيعية البسيطة الجامدة التي لاشعور لها ~~ولا اختيار قابلة لإيجاد تلك السلاسل التي تحيرت الأفهام فيها، ولاختراع ~~أفرادها التي كل منها صنعة عجيبة من معجزات القدرة. فكل الأفراد مع سلاسلها ~~تشهد بلسان حدوثها وامكانها شهادة قاطعة على وجوب وجود خالقها جل جلاله. # "ان قلت: فمع هذه الشهادة القاطعة كيف يعتقد الانسان بأمثال ضلالات ms104 ازلية ~~المادة وحركتها؟. # قيل لك: ان النظر التبعي قد يري المحال ممكنا، كالمستهل الذي رأى الشعرة ~~البيضاء من اهدابه هلال العيد؛ لأن الانسان بسبب جوهره العالي وماهيته ~~المكرمة انما يدور خلف الحق والحقيقة. وانما يقع الباطل والضلال في يده بلا ~~اختيار ولادعوة ولا تحر PageV01P152 # بل بنظره السطحي التبعي فيقبله اضطرارا؛ لأنه لما تغافل عن النظام الذي ~~هو خيط الحكم، وتعامى عن ضدية الحركة والمادة للازلية احتمل عند نظره ~~التبعي اسناد هذا النقش البديع والصنعة العجيبة الى التصادف الأعمى ~~والأتفاق الأعور. كما قال "الجسري" 1 في من دخل قصرا مزينا مشتملا على آثار ~~المدنية، من انه حينما لايرى صاحبه فيعتقد عدمه يضطر لإسناد زينته وأساساته ~~الى الاتفاق والتصادف وناموس الانتخاب الطبيعي. # وأيضا لما تعامى وتغافل عن شهادة كل الحكم والفوائد في نظام العالم على ~~اختيار تام وعلم شامل وقدرة كاملة احتمل في نظره التبعي اثبات تأثير حقيقي ~~لهذه الأسباب الجامدة. # فيا هذا! مع قطع النظر عن دقائق صنعته جل جلاله تأمل في اظهر الآثار التي ~~تسمى "طبيعة" وهو الارتسام - بشرط ان تمزق حجاب الالفة - كيف تقنع نفسك ~~ويقبل عقلك ان خاصية وجه المرآة علة مؤثرة مناسبة لكشط وجه السماء وجلب ~~صورة ارتفاعها ونقشها بنجومها في زجيجتها؟. وكيف يقنع عقلك بأن الأمر ~~الوهمي في الحقيقة المسمى بالجاذب العمومي علة مؤثرة كخيط المنجنيق لإمساك ~~الأرض والنجوم وتحريكها وتدويرها بانتظام محكم؟ # الحاصل: ان الانسان اذا نظر نظرا سطحيا تبعيا الى الأمر الباطل المحال ~~ولم ير العلة الحقيقية احتمل صحته عنده. الا انه اذا نظر اليه قصدا وبالذات ~~وتحراه مشتريا له لايمكن ان يقبل شيئا من تلك المسائل التي يطنطنون بها في ~~الحكميات، الا ان يتبله بفرض عقل الحكماء وحكمة السياسيين في الذرات. # " ان قلت: فما الطبيعة والنواميس والقوى التي يدمدمون بها ويسلون أنفسهم ~~بها؟ PageV01P153 # قيل لك: ان الطبيعة مسطر 1 لامصدر.. ومطبعة لا طابع.. وقوانين لاقوة. بل ~~انما هي شريعة فطرية إلهية أوقعت نظاما بين أفعال أعضاء جسد عالم الشهادة. ~~كما ان الشريعة محصل ms105 وخلاصة قواعد الأفعال الاختيارية، ونظام الدولة مجموع ~~الدساتير السياسية. فكما ان الشريعة والنظام أمران معقولان اعتباريان؛ كذلك ~~الطبيعة أمر اعتباري ملخص عادة الله الجارية في الخلقة. وأما توهم وجودها ~~الخارجي فكتوهم الوحشي الذي يرى فرقة العسكر يتحركون بانتظام، وجود أمر ~~خارجي ربط بينهم. فمن كان وجدانه وحشيا يتخيل الطبيعة بسبب الاستمرار ~~موجودا خارجيا مؤثرا. # الحاصل: ان الطبيعة صنعة الله تعالى وشريعته الفطرية. واما نواميسها ~~فمسائلها. وأما قواها فأحكام تلك المسائل. # أما دليل التوحيد الذي أشار اليه (اعبدوا) على تفسير ابن عباس أي وحدوا، ~~فاعلم! ان القرآن المعجز البيان ما ترك من دلائل التوحيد شيئا. وما تضمنته ~~آية (لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا) 2 من برهان التمانع دليل كاف ~~ومنار نير على ان الاستقلال خاصة ذاتية ولازم ضروري للالوهية، ثم في هذه ~~الآية رمز الى دليل لطيف على التوحيد وهو: ان تعاون الأرض والسماء ~~ومناسبتهما في توليد الثمرات - لتعيش نوع البشر وجنس الحيوان - ومشابهة ~~آثار العالم وتعانق أطرافه وأخذ بعض يد بعض بتكميل بعض انتظام بعض، وتجاوب ~~الجوانب وتلبية بعض لسؤال حاجة بعض، ونظر الكل الى نقطة واحدة، وحركة الكل ~~بالانتظام على محور نظام واحد؛ تلوح بل تصرح بان صانع هذه الماكينة الواحدة ~~واحد وتتلو على كل: # وفي كل شيء له آية تدل على انه واحد 3 # ثم اعلم! ان الصانع كما انه واجب الوجود وواحد؛ كذلك انه متصف بجميع ~~الأوصاف الكمالية؛ لأن ما في المصنوع من فيض الكمال انما هو مقتبس من ظل ~~تجلي كمال صانعه. فبالضرورة يوجد في الصانع جل جلاله من الجمال والكمال ~~والحسن ما هو أعلى بدرجات غير متناهية من عموم ما في عموم الكائنات من ~~الحسن والكمال PageV01P154 # والجمال؛ اذ الاحسان فرع لثروة المحسن ودليل عليها، والايجاد لوجود ~~الموجد، والايجاب لوجوب الموجب، والتحسين لحسن المحسن المناسب له.. # وكذلك ان الصانع منزه عن جميع النقائص، لأن النواقص انما تنشأ عن عدم ~~استعداد ماهيات الماديات وهو تعالى مجرد عن الماديات.. # وكذلك انه تعالى مقدس عن لوازم وأوصاف ms106 نشأت من إمكان ماهيات الكائنات وهو ~~سبحانه واجب الوجود ليس كمثله شيء جل جلاله. ولقد أشار الى هاتين الحقيقتين ~~بقوله: (فلا تجعلوا لله أندادا) . # أما الدليل الامكاني المشار اليه بقوله تعالى: (والله الغني وانتم ~~الفقراء) 1 فاعلم! ان كل واحدة من ذرات الكائنات باعتبار ذاتها، وباعتبار ~~فرد فرد من صفاتها، وباعتبار واحد واحد من أحوالها، وباعتبار جهة جهة من ~~وجوهها؛ بينما تراها تتردد بين الامكانات الغير المتناهية في الذات والصفات ~~والأحوال والوجود، اذا انتعشت وقامت وسلكت طريقا معينا منها ولبست صفة ~~مخصوصة، وتكيفت بحالة منتظمة، وركبت على قانون مسدد، وتوجهت الى مقصد معين، ~~فأنتجت حكمة ومصلحة لا تحصلان الا بذلك الطرز المعين.. أفلا تنادي بلسانها ~~المخصوص، وتصرح بقصد صانعها وحكمته؟ فكما ان كل ذرة بنفسها دليل على ~~الانفراد؛ كذلك تتزايد دلالتها باعتبار كونها جزءا من مركبات متداخلة ~~متصاعدة؛ اذ لها في كل مركب مقام.. وفي كل مقام لها نسبة.. وفي كل نسبة لها ~~وظيفة.. وفي كل وظيفة تثمر مصالح.. وفي كل مرتبة تتلو بلسانها دلائل وجوب ~~وجود صانعها.. مثلها كمثل جندي في "طاقمه وطابوره وفرقته الخ". # *** # ولنشرع في نظم هذه الآية باعتبار نظم مجموعها بما قبلها، ثم نظم جملها ~~بعض مع بعض، ثم نظم هيئات كل جملة جملة. # أما نظم المجموع بما قبله: PageV01P155 # فاعلم! ان القرآن لما بين أقسام البشر وأنواع المكلفين من المؤمنين ~~المتقين والكافرين المعاندين والمنافقين المذبذبين توجه اليهم كافة مخاطبا ~~بقوله: (يا أيها الناس اعبدوا) عقبه ورتبه على سابقه ترتيب البناء على ~~الهندسة، والأمر والنهي بالعمل على قانون العلم، والقضاء على القدر، ~~والانشاء والايجاد على القصة والحكاية؛ اذ لما ذكر مباحث الفرق الثلاث، ~~وذكر خاصة كل وعاقبة كل تهيأ الموضع وانتبه السامع فالتفت مخاطبا بذلك ~~الخطاب.. ثم ان في هذا الالتفات - أعني ذكرهم أولا بالغيبة ثم الخطاب معهم ~~هنا - نكتة عمومية في اسلوب البيان وهي: انه اذا ذكر محاسن شخص أو مساويه ~~شيئا فشيئا يتزايد بحكم الايقاظ والتهييج ميلان استحسان أو ميل نفرة. ~~ويتقوى ذلك الميل شيئا ms107 فشيئا الى أن يجبر صاحبه على المشافهة مع ذلك الشخص، ~~وبالنظر الى المقام يقتضي ميولات السامعين لأوصافه ان يحضر المتكلم ذلك ~~الشخص ويجره الى حضورهم فيتوجه اليه بالخطاب.. # وفيه نكتة خصوصية هنا: وهي تخفيف أعباء التكليف بلذة الخطاب.. وفيه أيضا ~~اشارة الى ان لا واسطة في العبادة بين العبد وخالقه. # وأما نظم الجمل ف (يا أيها الناس اعبدوا) خطاب لكل انسان من الفرق الثلاث ~~في الأزمنة الثلاثة من كل طبقات الفرق. أي: ايها المؤمنون الكاملون اعبدوا ~~على صفة الثبات والدوام.. وأيها المتوسطون اعبدوا على كيفية الازدياد.. ~~وأيها الكافرون افعلوا العبادة مع شرطها من الايمان والتوحيد.. وايها ~~المنافقون اعبدوا على كيفية الإخلاص. فالعبادة هنا كالمشترك المعنوي ~~فتأمل!. # (ربكم) أي: اعبدوه لأنه رب يربيكم فلابد ان تكونوا عبادا تعبدونه. # تذييل: في (ربكم) رمز دقيق الى دليل امكان الذوات. وفي (جعل لكم الأرض ~~فراشا) الى دليل امكان الصفات. وفي (الذي خلقكم والذين من قبلكم) الى دليل ~~حدوث الذوات والصفات. والذي ينص على دليل امكان الذوات قوله تعالى Lوالله ~~الغني وانتم الفقراء) وايضا الى ربك المنتهى 1 وأيضا (فانهم عدو لي إلا رب ~~العالمين) 2 وكذلك (قل الله ثم ذرهم في PageV01P156 # خوضهم يلعبون) 1 وأيضا (ففروا الى الله) 2 وكذلك (الا بذكر الله تطمئن ~~القلوب) 3 وقس فتأمل.!. # وأما جملة (الذي خلقكم) فاعلم! ان الله تعالى لما أمر بالعبادة وهي تقتضي ~~ثلاثة أشياء: # وجود المعبود، ووحدته، واستحقاقه للعبادة.. # أجاب عن هذه الأسئلة المقدرة بالاشارة الى دلائلها الثلاثة: # فدلائل الوجود قسمان: آفاقي وأنفسي. والأنفسي نوعان: نفسي وأصولي. فاشار ~~الى النفسي الأقرب الأوضح بقوله: (الذي خلقكم) والى الاصولي بقوله: والذين ~~من قبلكم. # وأما نظم (لعلكم تتقون) فاعلم! ان القرآن الكريم لما علق العبادة على ~~خلقهم وآبائهم اقتضى ترتيب العبادة على خلق البشر نقطتين: # إحداهما: ان تكون خلقتهم باستعداد العبادة، وجبليتهم على قابلية التقوى؛ ~~حتى من يرى ذلك الاستعداد يأمل ويرجو منهم العبادة كمن يرى المخالب يأمل ~~الافتراس. # والثانية: ان يكون المقصد من خلقتهم ووظيفتهم التي هم ms108 مأمورون بها ~~وكمالهم الذي يتوجهون اليه هو التقوى الذي هو كمال العبادة. # (ولعلكم تتقون) أي المقصد من خلقكم وكمالكم والذي هيئ له استعدادكم انما ~~هو التقوى. # وأما جملة (جعل لكم الأرض فراشا) فاشارة الى أقرب الدلائل الآفاقية على ~~وجوده تعالى. . وأيضا فيها رمز الى رد التأثير الحقيقي للأسباب الذي هو ~~منشأ لنوع شرك. أي تمهيد الأرض بجعله تعالى لا بالطبيعة. PageV01P157 # وأما (والسماء بناء) فإشارة - بذكر السماء التي هي لصيق الأرض - الى أعلى ~~الدلائل الآفاقية البسيطة. # ثم اشار بقوله (وأنزل من السماء) الى وجه دلالة المركبات والمواليد على ~~وجود صانعها. # ثم ان كل من الجمل السابقة كما تدل على اثبات الوجود؛ كذلك المجموع يلوح ~~بالوحدة. وصورة الترتيب المشير الى النظام الملوح بالنعم مع دلالة (رزقا ~~لكم) تثبت استحقاقه تعالى للعبادة، لأن شكر المنعم واجب. وفي (رزقا لكم) ~~اشارة الى انه كما ان الارض والمواليد تخدم لك لابد ان تخدم لمن سخرها لك. # وأما نظم (فلا تجعلوا لله اندادا) فاعلم! انه قد امتدت من نظمها خطوط الى ~~(يا ايها الناس اعبدوا ربكم) والى (الذي خلقكم) والى (الذي جعل لكم) والى ~~(وانزل) . أي: اذا عبدتم ربكم فلا تشركوا له لأنه هو الرب، ولأنه هو الخالق ~~لكم ولنوعكم فلا يجعل بعضكم بعضا أربابا من دون الله، ولأنه هو الذي خلق ~~الأرض وفرشهاومهدها لكم، ولأنه هو الذي خلق السماء وجعلها سقفا لبنائكم فلا ~~تعتقدوا تأثيرا حقيقيا للأسباب الطبيعية التي هي منشأ الوثنية، ولأنه هو ~~الذي أرسل الماء الى الأرض لرزقكم ومعيشتكم، ولا نعمة الا منه فلا شكر ولا ~~عبادة الا له. # وأما نظم كيفيات وهيئات جملة جملة، فاعلم! ان كلمة (يا أيها) في جملة "يا ~~ايها الناس اعبدوا" قد أكثر التنزيل من ذكرها لنكت دقيقة ولطائف رقيقة، اذ ~~هذا الخطاب مؤكد بوجوه ثلاثة: # بما في "يا" من الايقاظ، وما في "اي" من التوسم، وما في "ها" من التنبيه. # فالخطاب هنا رمز الى فوائد ثلاث: مقابلة مشقة التكليف بلذة الخطاب.. وان ~~ترقى الانسان من حضيض الغيبة ms109 الى مقام الحضور انما هو بواسطة العبادة 1.. ~~وأيضا اشارة الى ان المخاطب مكلف بجهات ثلاث: باعتبار قلبه بالتسليم ~~والانقياد، ومن جهة عقله بالايمان والتوحيد، وبالنظر الى قالبه بالعمل ~~والعبادة.. # وأيضا ايماء الى ان المخاطبين ثلاث فرق 2.. وأيضا تلويح الى الطبقات ~~الثلاث من الخواص والمتوسطين والعوام.. PageV01P158 # وأيضا تلميح الى الطرز المألوف والنسق المأنوس وهو ان المرء اولا ينادي ~~أحدا فيوقفه. ثم يتوسمه فيوجهه. ثم يخاطبه فيخدمه. 1 # فبناء على هذه النكت تكون التأكيدات في الخطاب مؤسسة من تلك الجهات. # أما النداء في "يا" فلأن المنادى هو الناس المشتمل على الطبقات المختلفة ~~من الغافلين والغائبين والساكنين والجاهلين والمشغولين والمعرضين والمحبين ~~والطالبين والكاملين يكون هذا النداء للتنبيه، وكذا للإحضار، وكذا للتحريك، ~~وكذا للتعريف، وكذا للتفريغ، وكذا للتوجيه، وكذا للتهييج، وكذا للتشويق، ~~وكذا للازدياد، وكذا لهز العطف.. # وأما البعد في "يا" مع ان المقام مقام القرب، فاشارة الى جلالة وعظمة ~~امانة التكليف.. وأيضا ايماء الى بعد درجة العبودية عن مرتبة الالوهية.. ~~وأيضا رمز الى بعد اعصار المكلفين عن محل وزمان ظهور الخطاب. وأيضا تلويح ~~الى شدة غفلة البشر. # وأما "أي" الموضوع للتوسم من العموم فرمز الى ان الخطاب لعموم الكائنات. ~~فيخصص من بينها الانسان بتحمل الأمانة على طريق فرض الكفاية. فاذا قصور ~~الانسان تجاوز لحق مجموع الكائنات.. ثم في "أي" جزالة الاجمال ثم التفصيل. 2 # وأما "ها" فمع كونه عوضا عن المضاف اليه، اشارة الى تنبيه من حضر ب "يا". # وأما (الناس) فاشارة - بحكم تلميح الوصفية الأصلية - الى العتاب، أي ~~"ايها الناس كيف تنسون الميثاق الأزلي"؟ وأيضا الى العذر أي "ايها الناس ~~لابد ان يكون قصوركم عن السهو والنسيان لا بالعمد والجد"!. # أما (اعبدوا) فبحكم جوابيته للنداء العام مناداه للطبقات المذكورة يدل ~~على الاطاعة، ويشير الى الاخلاص، ويرمز الى الدوام، ويلوح الى التوحيد. أي ~~اطيعوا.. واخلصوا.. واثبتوا.. وازدادوا.. ووحدوا. PageV01P159 # وأما (ربكم) فإشارة إلى ان العبادة كما ينبغي ان يرغب فيها لأنها نسبة ~~شريفة ومناسبة عالية؛ كذلك لابد ان تطلب لأنها شكر وخدمة لمن هو ms110 يربيكم ~~وتحتاجون اليه. # أما هيئات (الذي خلقكم والذين من قبلكم) # فاعلم! ان (الذي) الذي جهة معلوميته الصلة 1 يشير الى ان معرفة الله ~~تعالى انما تكون بأفعاله وآثاره لا بكنهه. # وان "خلق" الممتاز عن الايجاد والانشاء بكونه على وجه مقدر مستو، اشارة ~~الى ان استعداد البشر مسدد للتكليف.. وأيضا رمز الى ان العبادة وظيفة، ~~لأنها نتيجة الخلقة واجرتها. فما الثواب الا من محض فضل الله تعالى. # وان (الذين) بناء على ابهامه ايماء الى ان الذين سبقوكم انقرضوا فماتوا ~~فذهبوا.. فلم يبق منهم جهة المعلومية الا كونهم مخلوقين قبلكم.. فأنتم على ~~شفا جرف القبر.. فاعتبروا.. فلا تغتروا بالدنيا.. فتشبثوا بأذيال العبادة ~~التي هي وسيلة السعادة الابدية. # أما كيفيات (لعلكم تتقون) فاعلم! ان "لعل" للرجاء ففي المرغوب يقال اطماع ~~وفي المكروه اشفاق. فالرجاء في حق المتكلم هنا حقيقة محال. فهو اما ~~باعتباره لكن مجازا، واما باعتبار المخاطب، واما باعتبار المشاهدين ~~والسامعين: # أما باعتبار المتكلم فاستعارة تمثيلية كما ان من جهز أحدا بأسباب خدمة ~~يرجو منه عرفا تلك الخدمة؛ كذلك ان الله جهز البشر باستعداد الكمال وقابلية ~~التكليف وواسطة الاختيار. ففي الاستعارة اشارة الى ان حكمة خلق البشر هي ~~التقوى.. وكذا رمز الى ان نتيجة العبادة مرتبة التقوى.. وكذلك ايماء الى ان ~~التقوى أكبر المراتب.. وأيضا تلميح الى طرز اسلوب الملوك بالاطماع والرمز ~~في موضع الوعد القطعي. # وأما باعتبار المخاطب فكأنه يقول: اعبدوا حال كونكم راجين للتقوى ~~ومتوسطين بين الرجاء والخوف. وفي هذا الاعتبار اشارة الى انه لابد ان ~~لايعتمد الانسان على PageV01P160 # عبادته.. وكذا ايماء الى انه لابد ان لايكتفي بما هو فيه بل لزم ان يكون ~~مصداقا ل"عليك بالحركة غير السكون" فينظر في كل مرتبة الى ما فوقها. # واما باعتبار المشاهدين والسامعين فكأن من شاهد البشر مجهزا ومسلحا ~~باستعدادات يأمل ويرجو منه العبادة، كمن يرى مخالب حيوان وأنيابه يأمل منه ~~الافتراس.. وكذلك اشارة الى ان العبادة مقتضى الفطرة. # اما لفظ (تتقون) فاشارة - بحكم ترتبه على عبادة الطبقات المذكورة - الى ~~مراتب التقوى وهي: ms111 التقوى عن الشرك. ثم التقوى عن الكبائر. ثم التقوى بحفظ ~~القلب عما سواه تعالى.. وكذا التقوى بالتجنب عن العقاب.. وايضا التقوى ~~بالتحرز عن الغضب.. وكذا رمز الى ان العبادة بالاخلاص تكون عبادة.. وايضا ~~ايماء الى ان العبادة مقصودة بالذات لا وسيلة محضة.. وكذلك رمز الى ان ~~العبادة لابد ان لاتكون لأجل الثواب والعقاب. # اما هيئات آية (الذي جعل لكم الارض فراشا والسماء بناء) فاعلم! انها ~~اشارة الى التهييج على العبادة ببيان عظمة قدرة الصانع، والى التشويق عليها ~~بالامتنان. كأنه يقول: ايها الانسان! ان الذي سخر لك الارض والسماء يستحق ~~ان تعبده.. وكذا ايماء الى فضيلة البشر وعلو قيمته ومكرميته عند الله، كأنه ~~يقول: ان الذي اكرمكم بأن هيأ الاجرام العلوية والسفلية بعظمتها ~~لاستفادتكم، لابد أن تظهروا لياقتكم للكرامة بعبادته.. وكذا تلميح الى رد ~~التصادف والاتفاق وتأثير الطبيعة. أي ان كل ما ترون بصفاتها انما هي بجعل ~~جاعل وقصد قاصد وتخصيص مخصص ونظم نظام جلت حكمته.. وكذا تلويح الى رد مذهب ~~اهل الطبيعة ومذهب الصابئين المولد لمذهب الوثنيين.. وايضا تنبيه الى ان ~~صفات الأجسام بإمكانها تدل على الصانع؛ اذ الاجسام متساوية ذراتها في ~~قابلية الأحوال والكيفيات العمومية فكل صفة ممكنة مترددة بين احتمالات ~~كثيرة فكل جسم باعتبار كل صفة وكيفية يحتاج الى قصد وحكمة وتخصيص مخصص. # اما تقديم (لكم) فاشارة الى ان تفريش الارض لأجل الانسان، لا ان المفترش ~~والمستفيد هو الانسان فقط، حتى يكون الزائد عبثا، فتأمل!. PageV01P161 # واما (فراشا) فاشارة الى نكتة البلاغة التي هي نقطة الغرابة وهي قيد "مع ~~اقتضاء طبعها الانغماس في الماء".. وايماء الى ان التفريش بالجعل خلاف ~~الطبيعة؛ اذ مقتضى طبيعة الكرة استيلاء الماء عليها واحاطته بها، فالصانع ~~بحكمته ومرحمته اظهر قسما منها وفرشه ووضع عليه مائدة نعمه.. وكذا تنبيه - ~~بقاعدة "اذا ثبت الشيء ثبت بلوازمه" - الى ان الأرض كأرض البيت مبسوطة، ~~فانواع النباتات والحيوانات فيها كأساسات البيت انما وضعت بقصد وحكمة.. ~~وكذا ايماء الى ان الارض توسطت بقصد وحكمة بين المائع الذي لايتمسك عليه ~~الاقدام، ms112 وبين الصلب الشديد الذي لايقبل الاستفادة والزراعة فيكون عبثا، ~~ولو كان ذهبا. فبالتوسط اشارة الى انه بتخصيص وجعل وقصد حكيم. # اما (والسماء بناء) فاشارة الى انه تعالى لما جعل لكم السماء سقفا وبناء ~~صارت نجومها قناديل لكم فلا يتوهم التصادف في تفريق تلك القناديل وانتشارها ~~كما يتوهم التصادف في وضعية الجواهر التي ترمى على الأرض منتثرة. # اعلم! ان في هذه الآية اشارة ورمزا وايماء الى سر عجيب دقيق غال وهو: # - ان قلت: ان الانسان ذرة بالنسبة الى أرضه، وأرضه ذرة بالنسبة الى ~~الكائنات. وكذا فرده ذرة 1 الى نوعه ونوعه ذرة بالنسبة الى شركائه في ~~الاستفادة في هذا البيت العالي. وكذا جهة استفادة البشر بالنسبة الى فوائد ~~وغايات هذا البيت ذرة، والغايات التي تحس بها العقول ذرة بالنسبة الى ~~فوائده في الحكمة الأزلية والعلم الإلهي فكيف جعل العالم مخلوقا لاجل البشر ~~واستفادته علة غائية؟. # قيل لك: نعم! ولكن مع كل ما مر لأجل وسعة روح الانسان وتبسط عقله وانبساط ~~استعداده وكثرة وانتشار استفادته من الكائنات.. وايضا لأجل عدم المزاحمة ~~والتجزي والمدافعة في جهة الاستفادة كنسبة الكلي الى جزئياته - اذ الكلي ~~بتمامه موجود في كل من جزئياته لامزاحمة ولا تجزء - جعل القرآن الكريم جهة ~~استفادة البشر التي هي غاية فذة من الوف الوف غايات السماء والأرض في منزلة ~~العلة الغائية كأنها هي العلة بالنظر الى الانسان. اي ان الانسان يستفيد من ~~الأرض عرصة لبيته والسماء سقفا له والنجوم قناديل والنباتات ذخائر، فحق لكل ~~فرد ان يقول: شمسي وسمائي وأرضي. فتأمل وعقلك معك! PageV01P162 # اما كيفيات (وانزل من السماء ماء فاخرج به من الثمرات رزقا لكم) فاعلم! ~~ان نسبة انزل الى الضمير اشارة الى ان القطرات انما تنزل بميزان قصد وترسل ~~بحكمة، حتى ان كل قطرة محفوفة بنظام مخصوص بأمارة عدم مصادمتها لأخواتها في ~~تلك المسافة البعيدة مع تلعب الهواء بها. فيؤذن ان ليست غواربها على ~~اعناقها 1، بل زمام كل في يد ملك ممثل لنظام ومعكس له. # أما (من السماء) فاشارة باقامة الظاهر ms113 مقام الضمير الى ان الغرض من هذه ~~السماء جهتها لا جرمها المخصوص. 2 # اما (ماء) مع ان المنزل ثلج وبرد ومطر، فاشارة الى المنشأ القريب ~~للاستفادة (وجعلنا من الماء كل شيء حي) 3. أما تنكيره فاشارة الى انه ماء ~~عجيب شأنه، غريب نظامه، مجهول لكم امتزاجاته الكميوية. # أما فاء (فاخرج) الموضوعة للتعقيب بلا مهلة مع المهلة بين نزول الماء ~~وخروج الثمر فتلويح الى ف"اهتزت الأرض وربت واخضرت وانبتت من كل زوج بهيج ~~فاخرج". أما نسبة "اخرج" الى الضمير فاشارة الى ان خروج الثمار ليس بتولد ~~وتركب فقط، بل الصانع الحكيم ينشؤها ويرتبها بصفات وخواص لاتوجد في مادتها. # أما (به) فبسبب تشرب المعنى الحقيقي - وهو الالصاق - للسببية رمز الى ~~لطافة طراوة الثمار، فيعلو اليها الماء - خلاف طبيعته - بوساطة "الآثار ~~الشعرية" فيملأ أقداح الثمرات ملصقا بها. # أما (من الثمرات) فلعدم خلوها من معنى الابتداء عند (سيبويه) يشير الى ~~مفعول يتنوع بتعين فهم السامع، أي ان من الثمرات أنواعا كما تشتهون. # أما تنوين (رزقا) فاشارة الى انه رزق مجهول لكم أسباب حصوله فيجئ من حيث ~~لا يحتسب. PageV01P163 # أما (لكم) فاشارة الى تأكيد معنى الامتنان.. وأيضا ايماء الى ان الرزق ~~لأجلكم فلا بأس من استفادة غيركم منه تبعا.. وكذا رمز الى انه تعالى كما ~~خصكم بالنعم فخصوه بالشكر. # أما نظم هيآت (فلا تجعلوا لله اندادا) فالفاء، ينظر الى الفقرات الأربعة: ~~أي لأنه هو المعبود فلا تشركوا، ولأنه هو القادر المطلق والأرض والسماء في ~~قبضته فلا تعتقدوا له شريكا، ولانه المنعم فلا تشركوا في شكره، ولأنه هو ~~خالقكم فلا تتخيلوا له شريكا. # أما (تجعلوا) بدل تعتقدوا فاشارة الى معنى (ان هي الا اسماء سميتموها) 1 ~~أي اسماء لا معنى لها تتخيلون لها وجودا بجعلكم. # أما تقديم (لله) فمع الاهتمام بجعله نصب العين ايماء الى ان منشأ النهي ~~كون الشريك لله. # اما (اندادا) فلفظ الند بمعنى: المثل، ومثله تعالى يكون عين ضده، وبينهما ~~تضاد، ففيه ايماء لطيف الى ان الند بين البطلان بنفسه.. أما الجمع فاشارة ~~الى ms114 نهاية جهالة المشركين وايماء الى التهكم بهم، أي كيف تجعلون لله الذي ~~لا شبيه له بوجه ما، جماعة من أمثال واضداد؟. وكذا رمز الى رد كل أنواع ~~الشرك أي لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في افعاله.. وتلويح الى رد ~~طبقات المشركين من الوثنيين والصابئين وأهل التثليث وأهل الطبيعة المعتقدين ~~بالتأثير الحقيقي للأسباب. # تذييل: منشأ الوثنية والأصنام إما تأليه النجوم أو تخيل الحلول أو توهم ~~الجسمية. # أما (وانتم تعلمون) فمع اخواتها من الفواصل اشارة الى ان منشأ الاسلامية ~~هو العلم وأساسها العقل، فمن شأنه ان يقبل الحقيقة ويرد سفسطة الاوهام. ثم ~~انه أطنب بايجاز ترك المفعول، أي وانتم تعلمون: ان لامعبود حقيقيا ولا خالق ~~ولا قادر مطلقا ولا منعم الا هو.. وكذا وانتم تعلمون ان الآلهة والأصنام ~~ليست بشيء، لا تقتدر على شيء وانها مخلوقة مجعولة تتخيلونها، فتدبر!. PageV01P164 ### | AUTO وإن كنتم في ريب مما نزلنا # على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله ان كنتم ~~صادقين 23 فان لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس ~~والحجارة اعدت للكافرين 24 # مقدمة في تحقيق النبوة # اعلم! انه كما اثبتت الآية السابقة اول المقاصد الأساسية القرآنية وهو ~~التوحيد؛ كذلك تثبت هذه الآية ثاني المقاصد الأربعة وهو اثبات نبوة محمد ~~عليه الصلاة والسلام بأكمل معجزاته الذي هو التحدي باعجاز القرآن الكريم. ~~ولقد فصلنا دلائل نبوته في كتاب آخر فلنلخص بعضها هنا في ست 1 مسائل: # المسألة الأولى: # اعلم! ان الاستقراء التام في أحوال الأنبياء مع الانتظام المطرد المسمى ~~بالقياس الخفي ينتج ان مدار نبوة الأنبياء وأساسها وكيفية معاملاتهم مع ~~اممهم - بشرط تجريد المسألة عن خصوصيات تأثير الزمان والمكان - يوجد بأكمل ~~وجه في محمد عليه الصلاة والسلام الذي هو استاذ البشر في سن كمال البشر، ~~فينتج بالطريق الاولى وبالقياس الأولوي انه أيضا رسول الله. فجميع الأنبياء ~~بألسنة معجزاتهم كأنهم شاهدون على صدق محمد عليه السلام الذي هو البرهان ~~النير على وجود الصانع ووحدته فتأمل ... # المسألة الثانية: # اعلم! ms115 ان كل حال من احواله وكل حركة من حركاته عليه السلام - وان لم يكن ~~خارقا - يلوح بالمبدأ على صدقه وبالمنتهى على حقانيته. ألا ترى انه عليه ~~السلام كيف كان حاله في أمثال واقعة الغار التي انقطع - بحسب العادة - أمل ~~الخلاص، PageV01P165 # يقول بكمال الوثوق والاطمئنان والجدية (لاتحزن ان الله معنا) 1!. فكما ان ~~ابتداءه بالحركة - بلا مبالاة لمعارض وبلا خوف وتردد مع كمال الاطمئنان - ~~يدل على تمسكه بالصدق؛ كذلك تأسيسه بانتهاء حركاته - لقواعد هي الأساس ~~لسعادة الدارين - واصابته للحق واتصاله بالحقيقة دليل على حقانيته، فهذا ~~فردا فردا. وأما اذا نظرت الى مجموع حركاته واحواله يتجلى لعينك برهان ~~نبوته كالبرق اللامع. فتبصر!.. # المسألة الثالثة: # اعلم! ان الزمان الماضي والحال - أي عصر السعادة - والاستقبال اتفقت على ~~تصديق نبوته كما ان ذاته دليل على نبوته. ولنطالع هذه الصحف الأربع: # فأولا: نتبرك بمطالعة ذاته عليه السلام. ولابد أولا من تصور أربع نكت: # إحداها: انه "ليس الكحل كالتكحل" أي لايصل الصنعي والتصنعي - ولو كانا ~~على أكمل الوجوه - مرتبة الطبيعي والفطري ولا يقوم مقامه، بل فلتات غلطات ~~هيئة حركة الصنعي تومئ بمزخرفيته. # والثانية: ان الاخلاق العالية انما تتصل بأرض الحقيقة بالجدية، وان ادامة ~~حياتها وانتظام مجموعها انما هي بالصدق. ولو ارتفع الصدق من بينها صارت ~~كهشيم تذروه الرياح. # والثالثة: هي انه كما يوجد الميل والجذب في الأمور المتناسبة، كذلك يوجد ~~الدفع والتنافر في الأمور المتضادة. # والرابعة: هي "ان للكل حكما ليس لكل" كقوة الحبل مع ضعف خيوطه.. # واذا تفطنت لهذه النكت فاعلم! ان آثار محمد عليه الصلاة والسلام وسيره ~~وتاريخ حياته تشهد - مع تسليم أعدائه - بانه لعلى خلق عظيم، وبانه قد اجتمع ~~فيه الخصائل العالية كافة. ومن شأن امتزاج تلك الأخلاق توليد عزة للنفس ~~وحيثية وشرف ووقار لاتساعد التنزل للسفاسف. فكما ان علو الملائكة لايساعد ~~لاختلاط الشياطين بينهم؛ كذلك تلك الأخلاق العالية بجمعها لا تساعد أصلا ~~لتداخل الحيلة PageV01P166 # والكذب بينها. ألا ترى ان الشخص المشتهر بالشجاعة فقط لا يتنزل للكذب الا ~~بعسر؟ فكيف بالمجموع؟ فثبت ان ذاته عليه ms116 السلام كالشمس دليل لنفسه.. # وأيضا اذا تأملت في حاله عليه السلام من الأربع الى اربعين - مع ان من ~~شأن الشبابية وتوقد الحرارة الغريزية ان تظهر ما يخفى وتلقي الى الظاهر ما ~~استتر في الطبيعة من الحيل - تراه عليه السلام قد تدرج في سنينه وعاشر ~~بكمال استقامة ونهاية متانة وغاية عفة واطراد وانتظام. ما اومأ حال من ~~أحواله الى حيلة، لاسيما في مقابلة المعاندين الأذكياء. وبينما تراه عليه ~~السلام كذلك اذ تنظر اليه وهو على رأس اربعين سنة - الذي من شأنه جعل ~~الحالات ملكة والعادات طبيعة ثابتة لا تخالف - قد تكشف عليه السلام عن شخص ~~خارق قد اوقع في العالم انقلابا عظيما عجيبا. فما هو الا من الله. # المسألة الرابعة: # اعلم! ان صحيفة الماضي المشتملة على قصص الأنبياء المذكورة على لسانه ~~عليه السلام في القرآن الكريم برهان على نبوته بملاحظة أربع نكت. # إحداها: إن من يأخذ أساسات فن ويعرف العقد الحياتية فيه ويحسن استعمالها ~~في مواضعها ثم يبني مدعاه عليها؛ يدل ذلك على مهارته وحذاقته في ذلك الفن. # النكتة الثانية: هي انك ان كنت عارفا بطبيعة البشر لا ترى أحدا يتجاسر ~~وبلا تردد وبلا مبالاة بسهولة على مخالفة وكذب ولو صغيرا.. في قوم ولو ~~قليلين.. في دعوى ولو حقيرة.. بحيثية ولو ضعيفة. فكيف بمن له حيثية في غاية ~~العظمة.. وفي دعوى في غاية الجلالة.. في قوم في غاية الكثرة.. في مقابلة ~~عناد في غاية الشدة مع انه امي لم يقرأ.. يبحث عن أمور لا يستقل فيها العقل ~~ويظهرها بكمال الجدية، ويعلنها على رؤوس الأشهاد. أفلا يدل هذا على صدقه ~~وانه ليس منه بل من الله؟ # الثالثة: هي ان كثيرا من العلوم المتعارفة عند المدنيين - بتعليم العادات ~~والأحوال وتلقين الوقوعات والأفعال - مجهولة نظرية عند البدويين. فبناء ~~علىه لابد لمن يحاكم ويتحرى حال البدويين - لا سيما في القرون الخالية - ان ~~يفرض نفسه في تلك البادية. PageV01P167 # الرابعة: هي انه لو ناظر امي علماء فن - ولو فن الصرف - ثم بين رأيه في ~~مسائله مصدقا في ms117 مظان الاتفاق، ومصححا في مطارح الاختلاف؛ افلا يدلك ذلك ~~على تفوقه، وأن علمه وهبي؟. # اذا عرفت هذه النكت: فاعلم! ان محمدا العربي عليه السلام مع اميته قص ~~علينا بلسان القرآن الكريم قصص الاولين والانبياء قصة من حضر وشاهد، وبين ~~أحوالهم وشرح أسرارهم على رؤوس العالم في دعوى عظيمة تجلب اليها دقة ~~الأذكياء. وقد قص بلا مبالاة، وأخذ العقد الحياتية فيها واساساتها مقدمة ~~لمدعاه، مصدقا فيما اتفقت عليه الكتب السالفة، ومصححا فيما اختلفت فيه. ~~كأنه بالروح الجوال المعكس للوحي الالهي طي الزمان والمكان، فتداخل في ~~اعماق الماضي فبين كأنه مشاهد. فثبت ان حاله هذه دليل نبوته وإحدى معجزاته. ~~فمجموع دلائل نبوة الأنبياء في حكم دليل معنوي له، وجميع معجزات الانبياء ~~في حكم معجزة معنوية له. # المسألة الخامسة: # في بيان صحيفة عصر السعادة لا سيما مسألة جزيرة العرب. فها هنا أيضا أربع نكت: # احداها: انك اذا تأملت في العالم ترى انه قد يتعسر ويستشكل رفع عادة ولو ~~حقيرة في قوم ولو قليلين. أو خصلة ولو ضعيفة.. في طائفة ولو ذليلين.. على ~~ملك ولو عظيما.. بهمة ولو شديدة. في زمان مديد بزحمة كثيرة 1. فكيف انت بمن ~~لم يكن حاكما، تشبث في زمان قليل بهمة جزئية - بالنسبة الى المفعول - وقلع ~~عادات ورفع أخلاقا قد استقرت بتمام الرسوخ واستؤنس بها نهاية استيناس ~~واستمرت غاية استمرار، فغرس فجأة بدلها عادات وأخلاقا تكملت دفعة عن قلوب ~~قوم في غاية الكثرة ولمألوفاتهم في نهاية التعصب. أفلا تراه خارقا ~~للعادات؟.. # النكتة الثانية: هي ان الدولة شخص معنوي. تشكلها تدريجي كنمو الطفل، ~~وغلبتها للدولة العتيقة - التي صارت أحكامها كالطبيعة الثابتة لملتها - ~~متمهلة. أفلا PageV01P168 # يكون حينئذ من الخارق لعادة تشكل الدول تشكيل محمد عليه السلام لحكومة ~~عظيمة دفعة، مهيئة لنهاية الترقي، متضمنة للأساسات العالية الأبدية مع ~~غلبتها للدول العظيمة دفعة مع ابقاء حاكميته لا على الظاهر فقط، بل ظاهرا ~~وباطنا ومادة ومعنى. # النكتة الثالثة: هي انه يمكن بالقهر والجبر تحكم ظاهري، وتسلط سطحي. لكن ~~الغلبة على الأفكار، والتأثير بالقاء حلاوته في ms118 الأرواح، والتسلط على ~~الطبائع مع محافظة حاكميته على الوجدان دائما لا يكون الا من خوارق ~~العادات.. وليس الا الخاصة الممتازة للنبوة. # النكتة الرابعة: هي ان تدوير أفكار العموم وارشادها بحيل الترهيب ~~والترغيب والخوف والتكليف انما يكون تأثيرها جزئيا سطحيا موقتا يسد طريق ~~المحاكمة العقلية في زمان. أما من نفذ في أعماق القلوب بارشاده، وهيج دقائق ~~الحسيات، وكشف اكمام الاستعدادات، وأيقظ الأخلاق، وأظهر الخصائل المستورة، ~~وجعل جوهر انسانيتهم فوارا، وأبرز قيمة ناطقيتهم؛ فانما هو مقتبس من شعاع ~~الحقيقة ومن الخوارق للعادة. بينما ترى شخصا في قساوة قلبه يقبر بنته حية ~~ولا يتألم ولا يتأثر اذ تراه بعد يوم - وقد اسلم - يترحم على نحو النمل، ~~ويتألم بألم حيوان. فبالله عليك أينطبق هذا الانقلاب الحسي على قانون؟. # فاذا عرفت هذه النكت تأمل في نقطة أخرى وهي: # ان تاريخ العالم يشهد ان الداهي الفريد انما هو الذي اقتدر على انعاش ~~استعداد عمومي، وايقاظ خصلة عمومية، والتسبب لانكشاف حس عمومي؛ اذ من لم ~~يوقظ هكذا حسا نائما يكون سعيه هباء موقتا ولو كان جليلا في نفسه.. وأيضا ~~ان التاريخ يرينا ان أعظم الناس هو الموفق لايقاظ واحد أو اثنين أو ثلاث من ~~هذه الحسيات العمومية: كحس الحمية الملية، وحس الاخوة، وحس المحبة، وحس ~~الحرية الخ. أفلا يكون اذا ايقاظ الوف من الحسيات - المستورة العالية، ~~وجعلها فوارة منكشفة في قوم بدويين منتشرين في جزيرة العرب تلك الصحراء ~~الوسيعة - من الخوارق؟.. نعم 1.! هو من ضياء شمس الحقيقة. PageV01P169 # فيا هذا! من لم يدخل في عقله هذه النقطة ندخل جزيرة العرب في عينه. فهذه ~~جزيرة بعد ثلاثة عشر عصرا وبعد ترقي البشر في مدارج التمدن!.. فانتخب ايها ~~المعاند من أكمل الفلاسفة مائة، فليسعوا مائة سنة فان فعلوا جزءا من مائة ~~جزء مما فعله محمد العربي عليه الصلاة والسلام بالنسبة الى زمانه 1 ... فان ~~لم تفعل - ولن تفعل - فاتق عاقبة العناد! نعم، هذه الحالة خارقة للعادة وان ~~هي الا معجزة من معجزاته عليه الصلاة والسلام. # واعلم أيضا: ان من اراد ms119 التوفيق يلزم عليه ان يكون له مصافاة مع عادات ~~الله، ومعارفة مع قوانين الفطرة، ومناسبة مع روابط الهيئة الاجتماعية. ~~والا، أجابته الفطرة بعدم الموفقية جواب إسكات.. # وأيضا من تحرك بمسلك في الهيئة الاجتماعية يلزمه ان لا يخالف حركة ~~الجريان العمومي. والا، طيره ذلك الدولاب عن ظهره فيسقط في يده. فاذا من ~~ساعده التوفيق في ذلك الجريان كمحمد عليه السلام يثبت انه متمسك بالحق. # فاذا تفهمت هذا، تأمل في حقائق الشريعة مع تلك المصادمات العظيمة ~~والانقلابات العجيبة، وفي هذه الأعصار المديدة ترها قد حافظت على موازنة ~~قوانين الفطرة وروابط الاجتماعيات اللاتي بدقتها لا تتراءى للعقول مع كمال ~~المناسبة والمصافاة معها. فكلما امتد الزمان تظاهر الاتصال بينها. ويتظاهر ~~من هذه الحالة؛ ان الاسلامية هي الدين الفطري لنوع البشر وانها حق، لهذا ~~لاينقطع ان رق. ألا ترى ان الترياق الشافي للسموم القاتلة في الهيئة ~~الاجتماعية انما هو أمثال "حرمة الربا ووجوب الزكاة" اللتين هما مسألتان في ~~ألوف مسائل تلك الشريعة. # فاذا عرفت هذه النكت الأربع مع هذه النقط الثلاث، اعلم! ان محمدا الهاشمي ~~عليه الصلاة والسلام مع انه امي لم يقرأ ولم يكتب، ومع عدم قوته الظاهرية ~~وعدم حاكميته له أو لسلفه، وعدم ميل تحكم وسلطنة، قد تشبث بقلبه بوثوق ~~واطمئنان في موقع في غاية الخطر وفي مقام مهم، بأمر عظيم فغلب على الأفكار، ~~وتحبب الى الأرواح، وتسلط على الطبائع، وقلع من أعماق قلوبهم العادات ~~والأخلاق الوحشية المألوفة الراسخة المستمرة الكثيرة. ثم غرس في موضعها في ~~غاية الإحكام والقوة - PageV01P170 # كأنها اختلطت بلحمهم ودمهم - أخلاقا عالية وعادات حسنة، وقد بدل قساوة ~~قلوب قوم خامدين في زوايا الوحشة بحسيات رقيقة وأظهر جوهر انسانيتهم. ثم ~~أخرجهم من زاوية الوحشة ورقي بهم الى اوج المدنية وصيرهم معلمي عالمهم، ~~وأسس لهم دولة ابتلعت الدول كعصا موسى فلما ظهرت صارت كالشعلة الجوالة ~~والنور النوار فاحرقت روابط الظلم والفساد، وجعل سرير تلك الدولة الدفعية ~~في زمان قليل الشرق والغرب. أفلا تدل هذه الحالة على ان مسلكه حقيقة وانه ~~صادق في ms120 دعواه؟ # المسألة السادسة: # في صحيفة المستقبل لاسيما "مسألة الشريعة". ولابد من ملاحظة أربع نكت في ~~هذه المسألة: # احداها: ان شخصا ولو خارقا انما يتخصص ويصير صاحب ملكة في أربعة فنون او ~~خمسة فقط. # النكتة الثانية: إن كلاما واحدا قد يتفاوت بصدوره عن متكلمين، فكما يدل ~~على سطحية أحد وجهله.. يدل على ماهرية الآخر وحذاقته مع ان الكلام هو ~~الكلام؛ اذ احدهما لما نظر الى المبدأ والمنتهى، ولاحظ السياق والسباق، ~~واستحضر مناسبته مع أخواته، ورأى موضعا مناسبا فأحسن الاستعمال فيه، وتحرى ~~أرضا منبتة فزرعه فيها؛ ظهر منه انه خارق وصاحب ملكة فيما هذا الكلام منه. ~~وكل فذلكات القرآن الكريم من الفنون وملتقطاته انما هي من هذا القبيل. # النكتة الثالثة: هي ان كثيرا من الامور العادية الآن - بسبب تكمل المبادئ ~~والوسائط حتى يلعب بها الصبيان - لو كانت قبل هذا بعصرين لعدت من الخوارق. ~~فما يحافظ شبابيته وطراوته وغرابته على هذه الاعصار المديدة يكون البتة من ~~خوارق العادات والعادات الخارقة. # النكتة الرابعة: هي ان الارشاد انما يكون نافعا اذا كان على درجة استعداد ~~أفكار الجمهور الأكثر. والجمهور - باعتبار المعظم - عوام. والعوام لا ~~يقتدرون على رؤية الحقيقة عريانة ولا يستأنسون بها الا بلباس خيالهم ~~المألوف. فلهذه النكتة صور القرآن PageV01P171 # الكريم تلك الحقائق بمتشابهات وتشبيهات واستعارات وحفظ الجمهور الذين لم ~~يتكملوا عن الوقوع في ورطة المغلطة. فأبهم وأهمل في المسائل التي يعتقد ~~الجمهور - بالحس الظاهري - خلاف الواقع ضروريا، لكن مع ذلك أومأ الى ~~الحقيقة بنصب امارات. # فاذا تفطنت لهذه النكت، اعلم! ان الديانة والشريعة الاسلامية المؤسسة على ~~البرهان العقلي ملخصة من علوم وفنون تضمنت العقد الحياتية في جميع العلوم ~~الأساسية: من فن تهذيب الروح، وعلم رياضة القلب، وعلم تربية الوجدان، وفن ~~تدبير الجسد، وعلم تدوير المنزل، وفن سياسة المدنية، وعلم نظامات العالم، ~~وفن الحقوق، وعلم المعاملات، وفن الآداب الاجتماعية، وكذا وكذا وكذا ... ~~الخ. مع ان الشريعة فسرت وأوضحت في مواقع اللزوم ومظان الاحتياج، وفيما لم ~~يلزم او لم يستعد له الاذهان او لم يساعد له ms121 الزمان اجملت بفذلكة ووضعت ~~أساسا احالت الاستنباط منه وتفريعه ونشو نمائه على مشورة العقول. والحال ان ~~كل هذه الفنون بل ثلثها بعد ثلاثة عشر عصرا - مع انبساط تلاحق الأفكار ~~وتوسع نتائجها، وكذا في المواقع المتمدنة، وكذا في الأذكياء - لايوجد في ~~شخص. فمن زين وجدانه بالانصاف يصدق بان حقيقة هذه الشريعة خارجة عن طاقة ~~البشر دائما لاسيما في ذلك الزمان، ويصدق بمآل (لم تفعلوا ولن تفعلوا) . # "والفضل ما شهدت به الاعداء": فهذا "قارلائيل" 1 فيلسوف امريكا نقل عن ~~الأديب الشهير الالماني وهو "كوته" 2 اذ قال بعد ما أمعن النظر في حقائق ~~القرآن الكريم عجبا أيمكن تكمل العالم المدني في دائرة الاسلامية؟ فأجاب ~~بنفسه: نعم! بل PageV01P172 # المحققون الآن مستفيدون بجهة من تلك الدائرة. ثم قال الناقل: لما طلعت ~~حقائق القرآن الكريم صارت كالنار الجوالة وابتعلت سائر الاديان، فحق له؛ اذ ~~لايحصل شيء من سفسطيات النصارى وخرافات اليهود. فصدق ذلك الفيلسوف مآل ~~(فأتوا بسورة من مثله.. فان لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار) . # فان قلت: ان القرآن الكريم وكذا مفسره - أعني الحديث - انما اخذ من كل فن ~~فذلكة، واحاطة فذلكات كثيرة ممكنة لشخص. # قيل لك: ان الفذلكة بحسن الاصابة في موقعها المناسب، واستعمالها في أرض ~~منبتة مع أمور مرموزة غير مسموعة - قد اشرنا اليها في النكتة الثانية - تشف ~~كالزجاجة عن ملكة تامة في ذلك الفن واطلاع تام في ذلك العلم فتكون الفذلكة ~~في حكم العلم ولا يمكن لشخص أمثال هذه. # اعلم! ان نتيجة هذه المحاكمات هي ان تستحضر اولا ما سيأتي من القواعد وهي: # ان شخصا لايتخصص في فنون كثيرة.. وان كلاما واحدا يتفاوت من شخصين، يكون ~~بالنظر الى واحد ذهبا والى الآخر فحما.. وان الفنون نتيجة تلاحق الأفكار ~~وتتكمل بمرور الزمان.. وان كثيرا من النظريات في الماضي صارت بديهية الآن.. ~~وان قياس الماضي على هذا الزمان قياس مثبط مع الفارق.. وان أهل الصحراء ~~لاتستر بساطتهم وصفوتهم الحيل والدسائس التي تختفي تحت حجاب المدنية.. وان ~~كثيرا من العلوم انما يتحصل بتلقين العادات ms122 والوقوعات وبتدريس الأحوال ~~لطبيعة البشر باعداد الزمان والمحيط.. وان نور نظر البشر لاينفذ في ~~المستقبل ولا يرى الكيفيات المخصوصة.. وانه كما ان لحياة البشر عمرا طبيعيا ~~ينقطع؛ كذلك لقانونه عمر طبيعي ينتهي البتة.. وان للمحيط الزماني والمكاني ~~تأثيرا عظيما في أحوال النفوس.. وان كثيرا من الخوارق الماضية تصير عادية ~~بتكمل المبادئ.. وان الذكاء ولو كان خارقا لا يقتدر على ايجاد فن وتكميله ~~دفعة بل كالصبي يتدرج. # واذا استحضرت هذه المسائل وجعلتها نصب عينيك فتجرد وتعر من الخيالات ~~الزمانية والأوهام المحيطية، ثم غص من ساحل هذا العصر في بحر الزمان، مارا ~~تحته الى ان تخرج من جزيرة عصر السعادة ناظرا على جزيرة العرب!.. ثم ارفع ~~رأسك والبس PageV01P173 # ما خاط لك ذلك الزمان من الأفكار، ثم انظر في تلك الصحراء الوسيعة!. فأول ~~ما يتجلى لعينك: انك ترى انسانا وحيدا لا معين له ولا سلطنة يبارز الدنيا ~~برأسه.. ويهجم على العموم.. وحمل على كاهله حقيقة اجل من كرة الارض.. وأخذ ~~بيده شريعة هي كافلة لسعادة الناس كافة.. وتلك الشريعة كأنها زبدة وخلاصة ~~من جميع العلوم الالهية والفنون الحقيقية.. وتلك الشريعة ذات حياة لا ~~كاللباس بل كالجلد، تتوسع بنمو استعداد البشر وتثمر سعادة الدارين، وتنظم ~~أحوال نوع الانسان كأهل مجلس واحد. فإن سئلت قوانينها من اين الى اين؟ ~~لقالت بلسان اعجازها: نجئ من الكلام الأزلي ونرافق فكر البشر الى الأبد، ~~فبعد قطع هذه الدنيا نفارق صورة من جهة التكليف ولكن نرافق دائما ~~بمعنوياتنا واسرارنا فنغذي روحهم ونصير دليلهم.. فيا هذا أفلا يتلو عليك ما ~~شاهدت الأمر التعجيزي في (فأتوا بسورة من مثله.. فان لم تفعلوا ولن تفعلوا) ..الخ. # ثم اعلم ان آية (وان كنتم في ريب مما نزلنا) ... الخ: تشير الى ان ناسا - ~~بسبب الغفلة عن مقصود الشارع في ارشاد الجمهور وجهلهم بلزوم كون الارشاد ~~بنسبة استعداد الأفكار - وقعوا في شكوك وريوب منبعها ثلاثة امور: # احدها: انهم يقولون: وجود المتشابهات والمشكلات في القرآن الكريم مناف ~~لإعجازه المؤسس على البلاغة المبنية على ظهور البيان ووضوح ms123 الافادة. # والثاني: انهم يقولون: ان القرآن الكريم اطلق وأبهم في حقائق الخلقة ~~وفنون الكائنات مع انه مناف لمسلك التعليم والارشاد. # والثالث: انهم يقولون: ان بعض ظواهر القرآن الكريم اميل الى خلاف الدليل ~~العقلي فيحتمل خلاف الواقع وهو مخالف لصدقه. # الجواب - وبالله التوفيق - ايها المشككون اعلموا!. ان ما تتصورونه سببا ~~للنقص انما هو شواهد صدق على سر اعجاز القرآن الكريم. # أما الجواب عن الريب الأول وهو وجود المتشابهات والمشكلات: # فاعلم! ان ارشاد القرآن الكريم لكافة الناس، والجمهور الأكثر منهم عوام، ~~والأقل تابع للأكثر في نظر الارشاد. والخطاب المتوجه نحو العوام يستفيد منه ~~الخواص PageV01P174 # ويأخذون حصتهم منه.. ولو عكس لبقي العوام محرومين، مع ان جمهور العوام لا ~~يجردون اذهانهم عن المألوفات والمتخيلات، فلا يقتدرون على درك الحقائق ~~المجردة والمعقولات الصرفة الا بمنظار متخيلاتهم وتصويرها بصورة مألوفاتهم. ~~لكن بشرط ان لايقف نظرهم على نفس الصورة حتى يلزم المحال والجسمية او الجهة ~~بل يمر نظرهم الى الحقائق. # مثلا: ان الجمهور انما يتصورون حقيقة التصرف الالهي في الكائنات بصورة ~~تصرف السلطان الذي استوى على سرير سلطنته. ولهذا اختار الكناية في (الرحمن ~~على العرش استوى) 1 واذا كانت حسيات الجمهور في هذا المركز فالذي يقتضيه ~~منهج البلاغة ويستلزمه طريق الارشاد رعاية افهامهم واحترام حسياتهم، ~~ومماشاة عقولهم ومراعاة أفكارهم. كمن يتكلم مع صبي فهو يتصبى في كلامه ~~ليفهمه ويستأنس به. فالأساليب القرآنية في أمثال هذه المنازل المرعي فيها ~~الجمهور تسمى ب"التنزلات الإلهية الى عقول البشر"، فهذا التنزل لتأنيس ~~اذهانهم. فلهذا وضع صور المتشابهات منظارا على نظر الجمهور. ألا ترى كيف ~~أكثر البلغاء من الاستعارات لتصور المعاني الدقيقة، أو لتصوير المعاني ~~المتفرقة! فما هذه المتشابهات الا من أقسام الاستعارات الغامضة، اذ انها ~~صور للحقائق الغامضة. # أما كون العبارة مشكلا؛ فإما لدقة المعنى وعمقه، وايجاز الاسلوب وعلويته، ~~فمشكلات القرآن الكريم من هذا القبيل.. وإما لإغلاق اللفظ وتعقيد العبارة ~~المنافي للبلاغة، فالقرآن الكريم مبرأ منه. فيا أيها المرتاب! أفلا يكون من ~~عين البلاغة تقريب مثل هذه الحقائق العميقة البعيدة عن ms124 أفكار الجمهور الى ~~أفهام العوام بطريق سهل؟ اذ البلاغة مطابقة مقتضى الحال فتأمل.. # أما الجواب عن الريب الثاني، وهو ابهام القرآن في بحث تشكل الخلقة على ما ~~شرحته الفنون الجديدة: # فاعلم! ان في شجرة العالم ميل الاستكمال، وتشعب منه في الانسان ميل ~~الترقي، وميل الترقي كالنواة يحصل نشوه ونماءه بواسطة التجارب الكثيرة، ~~ويتشكل ويتوسع بواسطة تلاحق نتائج الأفكار؛ فيثمر فنونا مترتبة بحيث لا ~~ينعقد المتأخر الا بعد PageV01P175 # تشكل المتقدم، ولا يكون المتقدم مقدمة للمؤخر الا بعد صيرورته كالعلوم ~~المتعارفة. فبناء على هذا السر لو أراد أحد تعليم فن أو تفهيم علم - وهو ~~انما تولد بتجارب كثيرة - ودعا الناس اليه قبل هذا بعشرة أعصر لا يفيد الا ~~تشويش اذهان الجمهور، ووقوع الناس في السفسطة والمغلطة. # مثلا: لو قال القرآن الكريم" ايها الناس انظروا الى سكون الشمس 1 وحركة ~~الأرض واجتماع مليون حيوان في قطرة، لتتصوروا عظمة الصانع" لأوقع الجمهور ~~إما في التكذيب واما في المغالطة مع أنفسهم والمكابرة معها بسبب ان حسهم ~~الظاهري - أو غلط الحس - يرى سطحية الأرض ودوران الشمس من البديهيات ~~المشاهدة. والحال ان تشويش الاذهان - لا سيما في مقدار عشرة أعصر لتشهي بعض ~~أهل زماننا - مناف لمنهاج الارشاد وروح البلاغة. # يا هذا! لا تظنن قياس أمثالها على النظريات المستقبلة من أحوال الآخرة ~~2.. اذ الحس الظاهري لما لم يتعلق بجهة منها بقيت في درجة الامكان فيمكن ~~الاعتقاد والاطمئنان بها فحقها الصريح التصريح بها. لكن ما نحن فيه لما خرج ~~من درجة الامكان والاحتمال في نظرهم - بحكم غلط الحس - الى درجة البداهة ~~عندهم فحقه في نظر البلاغة الابهام والاطلاق احتراما لحسياتهم وحفظا ~~لاذهانهم من التشويش. ولكن مع ذلك اشار القرآن الكريم ورمز ولوح الى ~~الحقيقة، وفتح الباب للأفكار ودعاها للدخول بنصب امارات وقرائن. فيا هذا! ~~ان كنت من المنصفين اذا تأملت في دستور "كلم الناس على قدر عقولهم" ورأيت ~~ان أفكار الجمهور لعدم اعداد الزمان والمحيط لا تتحمل ولاتهضم التكليف بمثل ~~هذه الأمور - التي انما تتولد بنتائج تلاحق الأفكار - لعرفت ms125 ان ما اختاره ~~القرآن الكريم من الابهام والاطلاق من محض البلاغة ومن دلائل اعجازه. # اما الجواب عن الريب الثالث، وهو امالة بعض ظواهر الآيات الى منافي ~~الدلائل العقلية وما كشفه الفن: PageV01P176 # فاعلم! ان المقصد الأصلي في القرآن الكريم ارشاد الجمهور الى أربعة ~~اساسات هي: اثبات الصانع الواحد، والنبوة، والحشر، والعدالة.. فذكر ~~الكائنات في القرآن الكريم انما هو تبعي واستطرادي للاستدلال؛ اذ ما نزل ~~القرآن لدرس الجغرافيا والقوزموغرافيا 1، بل انما ذكر الكائنات للاستدلال ~~بالصنعة الإلهية والنظام البديع على النظام الحقيقي جل جلاله. والحال ان ~~اثر الصنعة والعمد والنظام يتراءى في كل شيء. وكيف كان التشكل فلا علينا؛ اذ ~~لا يتعلق بالمقصد الأصلي، فحينئذ ما دام انه يبحث عنها للاستدلال، وما دام ~~انه يجب كونه معلوما قبل المدعى، وما دام انه يستحسن وضوح الدليل.. كيف لا ~~يقتضي الارشاد والبلاغة تأنيس معتقداتهم الحسية، ومماشاة معلوماتهم الأدبية ~~بامالة بعض ظواهر النصوص، اليها، لا ليدل عليها بل من قبيل الكنايات او ~~مستتبعات التراكيب مع وضع قرائن وامارات تشير الى الحقيقة لأهل التحقيق. # مثلا: لو قال القرآن الكريم في مقام الاستدلال: "ايها الناس! تفكروا في ~~سكون الشمس مع حركتها الصورية، وحركة الأرض اليومية والسنوية مع سكونها ~~ظاهرا، وتأملوا في غرائب الجاذب العمومي بين النجوم، وانظروا الى عجائب ~~الالكتريك والى الامتزاجات الغير المتناهية بين العناصر السبعين، والى ~~اجتماع الوف الوف حيوانات في قطرة ماء لتعلموا ان الله على كل شيء قدير!.." ~~لكان الدليل اخفى واغمض واشكل بدرجات من المدعى. وإن هذا الا مناف لقاعدة ~~الاستدلال. ثم لأنها من قبيل الكنايات لا يكون معانيها مدار صدق وكذب. ألا ~~ترى ان لفظ "قال" ألفه يفيد خفة سواء كان أصله واوا أو قافا أو كافا. # الحاصل: ان القرآن الكريم لأنه نزل لجميع الانسان في جميع الأعصار يكون ~~هذه النقط الثلاث دلائل اعجازه. والذي علم القرآن المعجز ان نظر البشير ~~النذير وبصيرته النقادة ادق وأجل وأجلى وأنفذ من ان يلتبس او يشتبه عليه ~~الحقيقة بالخيال، وان مسلكه الحق أغنى وأعلى وأنزه ms126 وأرفع من ان يدلس أو ~~يغالط على الناس!. PageV01P177 # المسألة السابعة: # اعلم! ان كتب السير والتاريخ قد ذكرت كثيرا من معجزاته المحسوسة، ~~والخوارق الظاهرة المشهورة عند الجمهور، وقد فسرها المحققون. فلأن تعليم ~~المعلوم ضائع، احلنا التفصيل على كتبهم فلنجمل بذكر الأنواع: # فاعلم! ان الخوارق الظاهرة وان كان كل فرد منها آحاديا غير متواتر لكن ~~الجنس وكثيرا من الأنواع متواتر بالمعنى. ثم ان انواعها ثلاثة: # الأول: الارهاصات المتنوعة كانطفاء نار المجوس، ويبوسة بحر ساوة، وانشقاق ~~ايوان كسرى، وبشارات الهواتف. حتى كأنه يتخيل للانسان ان العصر الذي ولد ~~فيه النبي عليه الصلاة والسلام صار حساسا ذا كرامة فبشر بقدومه بالحس قبل ~~الوقوع. # النوع الثاني: الاخبارات الغيبية الكثيرة من فتح كنوز كسرى وقيصر، وغلبة ~~الروم، وفتح مكة، وأمثالها. كأن روحه المجرد الطيار مزق قيد الزمان المعين ~~والمكان المشخص، فجال في جوانب المستقبل فقال لنا كما شاهد. # النوع الثالث: الخوارق الحسية التي أظهرها وقت التحدي والدعوى. كتكلم ~~الحجر، وحركة الشجر وشق القمر، وخروج الماء. وقد قال الزمخشري: بلغ هذا ~~النوع إلى الف. وأصناف من هذا النوع متواترة بالمعنى حتى ان (وانشق القمر) ~~لم يتصرف في معناه من أنكر القرآن الكريم أيضا. PageV01P178 # فإن قلت: مثل انشقاق القمر لابد أن يشتهر في العالم ويتعارف. # قيل لك: فلإختلاف المطالع، ووجود السحاب، وعدم الترصد للسماء كما في هذا ~~الزمان، ولكونه في وقت الغفلة، ولوجوده في الليل، ولكون الانشقاق آنيا.. ~~لايلزم ان يراه كل الناس أو أكثرهم. على انه قد ثبت في الروايات انه قد رآه ~~كثير من القوافل الذين كان مطلعهم ذلك المطلع. # ثم أن رئيس هذه المعجزات هو القرآن المبين المبرهن اعجازه بجهات سبع أشير ~~اليها في هذه الآية. # واذ تفهمت هذه المسائل فاستمع لما يتلى عليك من نظم الآىة بوجوهها ~~الثلاثة؛ من نظم المجموع بما قبله، ونظم الجمل بعضها مع بعض، ونظم هيئات ~~وقيود جملة جملة. # أما النظم الأول فمن وجهين: # | الأول: انه لما قال (يا ايها الناس) لإثبات التوحيد - على تفسير ابن ~~عباس - اثبت بهذه نبوة ms127 محمد عليه الصلاة والسلام الذي هو من اظهر دلائل ~~التوحيد. ثم ان اثبات النبوة بالمعجزات. وأعظم المعجزات هو القرآن. وادق ~~وجوه اعجاز القرآن ما في بلاغة نظمه. ثم انه اتفق الاسلام على ان القرآن ~~معجز.. الا ان المحققين اختلفوا في طرق الاعجاز، لكن لاتزاحم بين تلك ~~الطرق، بل كل اختار جهة من جهاته. فعند بعض اعجازه: اخباره بالغيوب.. وعند ~~بعض: جمعه للحقائق والعلوم.. وعند بعض: سلامته من التخالف والتناقض.. وعند ~~بعض: غرابة اسلوبه وبديعيته في مقاطع ومبادئ الآيات والسور.. وعند بعض: ~~ظهوره من امي لم يقرأ ولم يكتب.. وعند بعض: بلوغ بلاغة نظمه الى درجة خارجة ~~عن طوق البشر. وكذا وكذا.. الخ. # ثم اعلم! ان معرفة هذا النوع من الاعجاز تفصيلا انما تحصل بمطالعة أمثال ~~هذا التفسير، واجمالا يعرف بثلاث طرق. (كما حققها عبد القاهر الجرجاني شيخ ~~البلاغة والزمخشري والسكاكي والجاحظ 1.) PageV01P179 # الطريق الأول: هو ان قوم العرب كانوا بدويين اميين ولهم محيط عجيب ~~يناسبهم.. وقد انتبهوا بالانقلابات العظيمة في العالم.. وكان ديوانهم الشعر ~~وعلمهم البلاغة، ومفاخرتهم بالفصاحة في أمثال سوق عكاظ.. وكانوا أذكى ~~الأقوام.. وكانوا أحوج الناس لجولان الذهن اذا.. ولقد كان لأذهانهم فصل ~~الربيع، فطلع عليهم القرآن الكريم بحشمة بلاغته فمحا وبهر تماثيل بلاغتهم ~~وهي "المعلقات السبعة" المكتوبة بذوب الذهب على جدار الكعبة. مع ان اولئك ~~الفصحاء البلغاء - الذين هم أمراء البلاغة وحكام الفصاحة - ما عارضوا ~~القرآن وما حاروا ببنت شفة، مع شدة تحدي النبي عليه السلام لهم، ولومه لهم، ~~وتقريعه اياهم، وتسفيهه لأحلامهم، وتحريكه لاعصابهم في زمان طويل، وترذيله ~~لهم مع ان من بلغائهم من يحك بيافوخه 1 كتف السماء، ومنهم من يناطح ~~السماكين 2 بكبره فلولا انهم ارادوا وجربوا أنفسهم فأحسوا بالعجز، لما ~~سكتوا عن المعارضة البتة؛ فعجزهم دليل اعجاز القرآن. # والطريق الثاني: هو ان اهل العلم والتدقيق واهل التنقيد الذين يعرفون ~~خواص الكلام ومزاياه ولطائفه تأملوا في القرآن سورة سورة، وعشرا عشرا، وآية ~~آية، وكلمة كلمة؛ فشهدوا بانه جامع لمزايا ولطائف وحقائق لاتجتمع في كلام ~~بشر. ms128 فهؤلاء الشهداء الوف الوف. والذي يدل على صدق شهادتهم هو ان القرآن ~~أوقع في العالم الانساني تحولا عظيما، واسس ديانة واسعة، وادام على وجه ~~الزمان ما اشتمل عليه من العلوم. فكلما شاب الزمان شب، وكلما تكرر حلا. ~~فاذا (ان هو الا وحي يوحى) 3. # والطريق الثالث: 4 كما حققه الجاحظ: هو ان الفصحاء والبلغاء مع شدة ~~احتياجهم الى إبطال دعوى النبي عليه السلام، ومع شدة حقدهم وعنادهم له ~~تركوا المعارضة بالحروف الطريق الأسلم والأقرب والأسهل، والتجأوا الى ~~المقارعة بالسيوف الطريق الأصعب الأطول المشكوكة العاقبة الكثيرة المخاطر؛ ~~وهم بدرجة من الذكاء PageV01P180 # السياسي، لا يمكن ان يخفى عليهم التفاوت بين هذين الطريقين. فمن ترك ~~الطريق الأول لو امكن - مع انه أشد إبطالا لدعواه - واختار طريقا أوقع ماله ~~وروحه في المهالك فهو إما سفيه، وهو بعيد ممن ساسوا العالم بعد ان اهتدوا.. ~~وإما انه أحس من نفسه العجز عن السلوك في الطريق الأول فاضطر للطريق ~~الثاني. # فان قلت: يمكن ان تكون المعارضة ممكنة؟ # قيل لك: لو امكنت لطمع فيها ناس لتحريك أعصابهم لها. ولو طمعوا لفعلوا ~~لشدة احتياجهم. ولو عارضوا لتظاهرت للرغبة وكثرة الأسباب للظهور. ولو ~~تظاهرت لوجد من يلتزمها ويدافع عنها ويقول: انه قد عورض لا سيما في ذلك ~~الزمان. ولو كان لها ملتزمون ومدافعون ولو بالتعصب لاشتهرت لانها مسألة ~~مهمة. ولو اشتهرت لنقلتها التواريخ كما نقلت هذيانات مسيلمة بقوله: (الفيل ~~ما الفيل وماادراك ما الفيل صاحب ذنب قصير وخرطوم طويل) . # فان قلت: مسيلمة كان من الفصحاء فكيف صار كلامه مسخرة وأضحوكة بين الناس؟ # قيل لك: لأنه قوبل بما فاقه بدرجات كثيرة. ألا ترى ان شخصا ولو كان حسنا ~~اذا قوبل بيوسف عليه السلام لصار قبيحا ولو كان مليحا. فثبت ان المعارضة ~~لايمكن؛ فالقرآن معجز. # فان قلت: للمرتابين كثير من الاعتراضات والشكوك على تراكيب القرآن ~~وكلماته مثل (إن هذان) 1 و (الصابئون) 2 و (الذي استوقد نارا) وامثالها من ~~الاعتراضات النحوية؟ # قيل لك: عليك بخاتمة مفتاح السكاكي فانه ألقمهم الحجر ب"أفلا يتفطنون ان ms129 ~~من كرر كلامه في زمان مديد مع انه فصيح بالاتفاق كيف لايحس بالغلطات التي ~~تظهر لنظر هؤلاء الحمقاء"؟. PageV01P181 # أما الوجه الثاني: # لنظم الآية فاعلم! ان الآية السابقة لما امرت بالعبادة استفسر ذهن السامع ~~ب "على أية كيفية نعبد"؟ فكأنه أجاب: كما علمكم القرآن! فعاد سائلا: كيف ~~نعرف انه كلام الله تعالى؟ فأجاب بقوله: (وان كنتم في ريب مما نزلنا على ~~عبدنا..) الخ. # أما نظم الجمل بعضها مع بعض فهو: # ان جملة (وان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا) قد وقعت في موقعها ~~المناسب؛ اذ لما أمر القرآن بالعبادة كأنه سئل: كيف نعرف انه امر الله حتى ~~يجب الامتثال؟ فقيل له: ان ارتبت فجرب نفسك لتتيقن انه امر الله.. # ومن وجوه النظم ايضا ان القرآن لما اثنى على نفسه بجملة (ذلك الكتاب ~~لاريب فيه هدى للمتقين) ثم استتبع مدحه مدح المؤمنين، ثم استطرد مدح ~~المؤمنين ذم الكافرين والمنافقين، ثم استعقب الأمر بالعبادة والتوحيد.. عاد ~~القرآن الى الأول بالنظر الى (لاريب فيه) أي: أما القرآن فليس قابلا للشك ~~والريب؛ فما ريوبكم الا من مرض قلوبكم وسقامة طبعكم. كما: # قد ينكر ضوء الشمس من رمد وينفر طعم الماء من سقم # وأما نظم (فأتوا بسورة من مثله) فاعلم! ان هذه جزاء الشرط، وجزاء الشرط ~~يلزم ان يكون لازما لفعل الشرط. ولما كان الأمر تعجيزيا استلزم تقدير ~~"تشبثوا". ولما كان الأمر انشاء والانشاء لايصير لازما، يلزم ان يكون لازم ~~الأمر جزاء. وهو الوجوب الذي هو من أصول معاني الأمر، ثم وجوب التشبث أيضا ~~لايظهر لزومه للريب فاقتضى تقدير جمل مطوية تحت ايجاز الآية. فالتقدير "ان ~~كنتم في ريب انه كلام الله يجب عليكم ان تتعلموا اعجازه، فان المعجز لايكون ~~كلام البشر ومحمد عليه السلام بشر، وان أردتم ظهور اعجازه فجربوا أنفسكم ~~ليظهر عجزكم، فيجب عليكم التشبث باتيان سورة من مثله". # فلله در التنزيل ما أوجزه وما أعجزه!. # وأما نظم (وادعوا شهداءكم من دون الله) فبثلاثة اوجه: PageV01P182 # أحدها: انهم يقولون عجزنا لا يدل على عجز ms130 البشر.. فافحمهم بقوله: (وادعوا ~~شهداءكم) أي كبراءكم ورؤساءكم. # والثاني: انهم يزعمون: انا لو عارضنا فمن يلتزمنا ويدافع عنا؟ فألقمهم ~~الحجر بانه ما من مسلك الا وله متعصبون ولو عارضتم لظهر لكم شهداء يذبون عنكم. # والثالث: ان القرآن كأنه يقول: لما استشهد النبي عليه السلام الله تعالى ~~صدقه الله وشهد له بوضع سكة الاعجاز على دعواه. فان كان في آلهتكم وشهدائكم ~~فائدة لكم فادعوهم. وما هذا الا نهاية التهكم بهم. # وأما نظم (فان لم تفعلوا) فظاهر، اذ التقدير "فان جربتم فانظروا فان لم ~~تقدروا ظهر عجزكم ولم تفعلوا". # وأما نظم (ولن تفعلوا) فكأنه لما قال لم تفعلوا.. قيل من جانبهم: عدم ~~فعلنا فيما مضى لايدل على عجز البشر فيما سيأتي. فقال: ولن تفعلوا، فرمز ~~الى الاعجاز بثلاثة اوجه. # احدها: الاخبار بالغيب وكان كما اخبر. ألا ترى ان الملايين من الكتب ~~العربية مع التمايل الى تقليد اسلوب التنزيل وكثرة المعاندين لو فتشتها؛ لم ~~يوافقه شيء منها. كأن نوعه منحصر في شخصه. فأما هو تحت الكل وهو باطل ~~بالاتفاق. فما هو الا فوق الكل. # والوجه الثاني: ان القطع والجزم بعدم فعلهم مع التقريع عليهم وتحريك ~~أعصابهم في هذا المقام المشكل وفي هذه الدعوى العظيمة علامة صادقة على انه ~~واثق امين مطمئن بماله ومقاله. # والوجه الثالث: ان القرآن كأنه يقول: اذا كنتم امراء الفصاحة وأشد الناس ~~احتياجا اليها ولم تقتدروا لم يقتدر عليه البشر. وكذا فيه اشارة الى ان ~~نتيجة القرآن التي هي الاسلامية كما لم يقتدر على نظيرها الزمان الماضي؛ ~~كذا يعجز عن مثلها الزمان المستقبل. PageV01P183 # وأما نظم (فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة) فاعلم! ان تعقيب "ان ~~لم تفعلوا" ب"فاتقوا" يقتضي في ذوق البلاغة تقديرا هكذا: ان لم تفعلوا ~~ولن.. ظهر انه معجز، فهو كلام الله، فوجب عليكم الايمان به وامتثال أوامره ~~... ومن الأوامر يا ايها الناس اعبدوا لتتقوا النار فاتقوا النار. فاوجز فاعجز. # وأما نظم (التي وقودها الناس والحجارة) فاعلم! ان المقصد من (فاتقوا) هو ~~الترهيب، ومعنى الترهيب انما يؤكد بالتهويل ms131 والتشديد فهوله ب (وقودها ~~الناس) اذ النار التي حطبها كان انسانا أخوف وأدهش.. ثم شدده بعطف الحجارة؛ ~~اذ ما تحرق الحجر أشد تأثيرا.. ثم أشار الى الزجر عن عبادة الأصنام: أي لو ~~لم تتمثلوا أمر الله، وعبدتم أحجارا لدخلتم نارا تأكل العباد ومعبوداتهم. # وأما نظم (اعدت للكافرين) فهو انها توضيح وتقرير لزوم جزاء الشرط لفعله: ~~أي هذه المصيبة ليست كالطوفان وسائر المصائب التي لاتصيب الظالمين خاصة بل ~~تعم الأبرار والأخيار؛ فانما هذه تختص بالجانين يجرها الكفر لاسبيل للنجاة ~~الا امتثال القرآن. # ثم اعلم! ان (اعدت) اشارة الى ان جهنم مخلوقة موجودة الآن لا كما زعمت ~~المعتزلة.. ثم ان مما يدلك ويفيد حدسا لك على أبدية جهنم انك اذا تفكرت في ~~العالم بنظر الحكمة ترى النار مخلوقة عظيمة مستولية غالبة، كأنها عنصر أساس ~~في العلويات والسفليات. وتفهمت وجود رأس عظيم وثمرة عجيبة تدلت الى الأبد. ~~ألا ترى ان من رأى عرقا ممتدا تفطن لوجود بطيخ مثلا في رأسه؛ وكذلك من رأى ~~الخلقة النارية تفطن لإنتهائها الى حنظلة جهنم. وكذا من رأى النعم والمحاسن ~~واللذائذ يحدس بأن مصبها ومخلصها وروضها الجنة. # فان قلت: اذا كانت جهنم موجودة الآن فاين موضعها؟ # قيل لك: نحن معاشر أهل السنة والجماعة نعتقد وجودها الآن لكن لا نعين ~~موضعها. # فان قلت: ان ظواهر الأحاديث تدل على انها تحت الأرض. وفي حديث: ان نارها ~~أشد وأحر من نار الدنيا بمائتي دفعة. وان الشمس أيضا تدخل في جهنم؟ PageV01P184 # قيل لك: ان تحت الأرض عبارة عن مركزها، اذ تحت الكرة مركزها. وقد ثبت في ~~نظريات الحكمة ان في مركزها نارا بالغة في الشدة الى مقدار مائتي الف درجة. ~~اذ كلما تحفر الأرض ثلاثة وثلاثين ذراعا بذراع التجار تتزايد تقريبا درجة ~~حرارة. فإلى المركز تصير تقريبا مائتي الف درجة. فهذا النظري مطابق لمآل ~~الحديث الذي يقول انها أشد من نار الدنيا بمائتي درجة. وأيضا في الحديث ان ~~قسما من تلك النار زمهرير تحرق ببرودتها 1. وهذا الحديث مطابق لهذا النظري؛ ~~اذ النار ms132 المركزية مشتملة على المراتب النارية كلها الى السطح. وقد تقرر في ~~الحكمة الطبيعية ان للنار مرتبة تجذب دفعة حرارة مجاورها فتحرقه بالبرودة ~~وتصير الماء جمدا. # فان قلت: ما في جوف الأرض ومظروفها صغير فكيف تسع جهنم التي تسع السموات ~~والارض؟ # قيل لك: نعم باعتبار الملك والمطويتية وان كانت مظروفة للأرض لكن بالنظر ~~الى العالم الأخروي بالغة في العظمة الى درجة تسع الوفا من أمثال هذه ~~الأرض. بل ان عالم الشهادة كحجاب مانع لارتباط تلك النار بسائر أغصانها. ~~فما في جوف الأرض الا مركزها وسرها أو قلب عفريتها. وأيضا لا تستلزم ~~التحتية اتصالها بالأرض، اذ شجرة الخلقة اثمرت أغصانها الشمس والقمر ~~والنجوم وأرضنا وأرضين أخرى. فما تحت الثمرة يشمل ما بين الأغصان اين كان. ~~فملك الله تعالى واسع، وشجرة الخلقة منتشرة فأين سافرت جهنم لا ترد. وفي ~~حديث (ان جهنم مطوية) فيمكن ان تكون بيضة لأرضنا الطيارة متى يمتزق حجاب ~~الملك ينفتق تلك البيضة وتتظاهر هي كاشرة أسنانها لأهل العصيان. ويحتمل ان ~~ماشبط 2 أهل الاعتزال وأوقعهم في الغلط بعدم وجودها الآن انما هو هذه ~~المطويتية. PageV01P185 # وأما نظم هيئات وقيود جملة جملة: # فاعلم! ان جملة (وان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا) الواو فيها بناء ~~على المناسبة بين المتعاطفين تومئ الى: تقدير "كما علمكم القرآن".. وايراد ~~(ان) الترددية في موضع "اذا" التي هي للقطع مع ان ريبهم مجزوم به اشارة الى ~~انه لأجل ظهور أسباب زوال الريب شأنه ان يكون مشكوك الوجود بل من المحال ~~يفرض فرضا. ثم ان الشك في (إن) بالنظر الى الاسلوب لا بالقياس الى المتكلم ~~تعالى.. وايراد (كنتم في ريب) بدل ارتبتم مع انه اقصر اشارة الى ان منشأ ~~الريب طبعهم المريض وكونهم. وظرفية الريب لهم مع انه مظروف لقلبهم ايماء ~~الى ان ظلمة الريب انتشرت من القلب فاستولت على القالب، فاظلم عليه الطرق.. ~~وتنكير (ريب) للتعميم أي: أي نوع من أنواع الريب ترتابونه فالجواب واحد ~~وهو: ان هذا معجز وحق. فتخطئتكم بالنظر السطحي خطأ فلا ms133 يلزم لكل ريب جواب ~~خاص. ألا ترى ان من رأى رأس عين وذاقه عذبا فراتا لا يحتاج الى ذوق كل جدول ~~وفرع قد تشعب منه.. و"من" في (مما نزلنا) ايماء الى تقدير لفظ "في شيء مما" ~~ولفظ (نزلنا) اشارة الى ان منشأ شبهتهم هو صفة النزول. فالجواب القاطع ~~اثبات النزول فقط. وايثار (نزلنا) الدال على النزول تدريجا على "انزلنا" ~~الدال عليه دفعة اشارة الى ان ما يتحججون به قولهم: لولا انزل عليه دفعة. ~~بل على مقتضى الواقعات تدريجا نوبة نوبة نجما نجما سورة سورة.. وايثار ~~العبد على "النبي" و "محمد" اشارة الى تعظيم النبي، وايماء الى علو وصف ~~العبادة، وتأكيد لأمر "اعبدوا" ورمز الى دفع أوهام بان النبي عليه السلام ~~أعبد الناس وأكثرهم تلاوة للقرآن الكريم. فتفكر!. # وان جملة (فأتوا بسورة من مثله) الأمر في (فأتوا) للتعجيز، وفيه التحدي ~~والتقريع والدعوة الى المعارضة والتجربة ليظهر عجزهم.. ولفظ (بسورة) اشارة ~~الى نهاية افحام، وشدة تبكيت، وغاية إلزام؛ إذ: # أول طبقات التحدي هو: # ان يقال: فأتوا بمثل تمام القرآن بحقائقه وعلومه واخباراته الغيبية مع ~~نظمه العالي من شخص امي! PageV01P186 # وثانيتها: ان يقال: # ان لم تفعلوا كذا فأتوا بها مفتريات لكن بنظم بليغ مثله. # وثالثتها: ان يقال: # ان لم تفعلوا هكذا ايضا فأتوا بمقدار عشر سور. # ورابعتها: # انه ان لم تقتدروا عليه أيضا فلا أقل من أن تأتوا بقدر سورة طويلة. # وخامستها: # انه ان لم يتسير لكم هذا أيضا فأتوا بمقدار سورة مطلقا ولو أقصر ك انا ~~اعطيناك من شخص امي مثله. # وسادستها: # انه ان لم يمكنكم الإتيان من امي فأتوا من عالم ماهر وكاتب حاذق. # وسابعتها: # انه ان تعسر عليكم هذا أيضا فليعاون بعضكم بعضا على الإتيان. # وثامنتها: # انه ان لم تفعلوا فاستعينوا بكافة الإنس والجن واستمدوا من مجموع نتائج ~~تلاحق افكارهم من آدم الى قيام الساعة، ونتائج افكارهم هي مابين ايديكم من ~~هؤلاء الكتب على الاسلوب العربي مع شوق التقليد وعناد المعارضة؛ ففضلا عن ~~أهل التحقيق لو تصفحها من له ادنى ms134 مسكة ولو جاهل لقال: ليس فيها مثله، فإما ~~هو تحت الكل وهو باطل بالاتفاق واما فوق الكل وهو المطلوب كما مر آنفا. ~~نعم، لم يعارض في ثلاثة عشر عصرا هكذا مر الزمان، وهكذا يمر الى يوم ~~القيامة. # وتاسعتها: # ان يقال لا تتحججوا بان ليس لنا شهداء وانتم لا تشهدون لنا. ألا فادعوا ~~شهداءكم والمتعصبين لكم فليراجعوا وجدانهم هل يتجاسرون على تصديق دعواكم ~~المعارضة. PageV01P187 # واذا تفهمت هذه الطبقات فانظر الى القرآن كيف أعجز بان أوجز فأشار الى ~~هذه المراتب، فألقمهم الحجر وأرخى لهم العنان. ثم اعلم ان عجز البشر عن ~~معارضة أقصر سورة انيته بديهية. واما لميته فقيل هي: ان الله تعالى صرف ~~القوى عن المعارضة. والمذهب الأصح في اللمية ما عليه عبد القاهر الجرجاني ~~والزمخشري والسكاكي. وهو: ان قدرة البشر لا تصل الى درجة نظمه العالي. ثم ~~ان السكاكي اختار ان الاعجاز ذوقي لايعبر عنه ولايشرح بل يذاق ذوقا. وأما ~~صاحب دلائل الاعجاز فاختار انه يمكن التعبير عنه. ونحن على مذهبه في هذا ~~البيان. # وايثار (سورة) على نجم أو طائفة أو نوبة اشارة الى الزامهم في منشأ ~~شبهتهم وهي: لولا انزل عليه دفعة واحدة؟ أي فهاتوا انتم ولو بنوبة فذة.. ~~وأيضا ايماء الى تضمن تسوير التنزيل سورة سورة لفوائد جمة بينها الزمخشري، ~~والى تضمن هذا الاسلوب الغريب للطائف.. ولفظ (من مثله) فيه معنيان أي بمثل ~~المنزل، أو من مثل المنزل عليه. اعلم! ان حق العبارة على الأول "مثل سورة ~~منه" لكن عدل الى (من مثله) للايماء الى ملاحظة الاحتمال الثاني، أي انما ~~تكون معارضتكم مبطلة لدعواه لو جاءت من مثله في عدم التعلم.. وكذا اشارة ~~الى ان المعارضة انما تبطل الاعجاز لو كان المعارض به من مجموع مثل.. وكذا ~~رمز الى توجيه الاذهان الى امثال القرآن في النزول من الكتب السماوية ~~ليوازن ذهن السامع بينها فيتفطن لعلوه. # وان جملة (وادعوا شهداءكم من دون الله) ايثار "ادعوا" فيها على ~~"استعينوا" او "استمدوا" ايماء الى ان من يلبيهم ويذب عنهم لايفقدهم بل ms135 ~~حاضر لا يحتاجون الا الى ندائه.. ولفظ "شهداء" جامع لثلاثة معان: اي ~~كبراءكم في الفصاحة.. ومن يشهد لكم.. وآلهتكم. فنظرا الى الأول إلزام لهم، ~~يقطع تحججهم بان عدم قدرتنا لايدل على عدم قدرة كبرائنا. ونظرا إلى الثاني ~~افحام لهم، يقطع تعللهم بأن ليس لنا شهداء بانه لا مسلك الا له ذابون ~~وشهداء. ونظرا الى الثالث تبكيت لهم وتهكم بهم بان الآلهة التي ترجون منها ~~النفع ودفع الضر كيف لاتعينكم في هذا الأمر الذي يهمكم؟.. واضافة "شهداء" ~~الى "كم" المفيدة للاختصاص تقوي عضد المعنى الأول: بان الكبراء حاضرون ~~معكم، وبينكم اختصاص لو اقتدروا لعاونوكم البتة. وتصل جناح المعنى الثاني ~~بانا نقبل شهادة من يلتزمكم ويتعصب لكم فانهم أيضا لا PageV01P188 # يتجاسرون على الشهادة على بديهي البطلان. وتأخذ بساعد المعنى الثالث مع ~~التقريع بأن الآلهة التي اتخذتموها معبودات كيف لاتمدكم.. ولفظ (من دون ~~الله) نظرا الى الأول اشارة الى التعميم أي كل فصيح في الدنيا ما خلا الله ~~تعالى. وكذا الى ان اعجازه ليس الا لأنه من الله.. ونظرا الى الثاني اشارة ~~الى عجزهم ومبهوتيتهم بقولهم: "الله شاهد، الله عليم انا نقتدر". لأن ديدن ~~العاجز المحجوج الحلف بالله والاستشهاد به على ما لا يقتدر على الاستدلال ~~عليه.. ونظرا الى الثالث اشارة الى ان معارضتهم مع النبي عليه الصلاة ~~والسلام ليست الا مقابلة الشرك بالتوحيد والجمادات بخالق الأرض والسموات. # وان جملة (ان كنتم صادقين) اشارة الى قولهم: لو شئنا لقلنا مثل هذا.. ~~وكذا تعريض بانكم لستم من أهل الصدق الا ان يفرض فرضا، بل من أهل السفسطة، ~~ما وقعتم في الريب من طريق طلب الحق بل طلبتم فوقعتم فيه.. ثم ان جزاء هذا ~~الشرط محصل ما قبله أي فافعلوا. # أما جملة (فان لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار) الى آخره. فاعلم! ان ~~(ان كنتم صادقين) احتجاج القرآن عليهم بقياس استثنائي استثنى نقيض التالي ~~لانتاج نقيض المقدم. # تلخيصه: ان كنتم صادقين تفعلوا المعارضة وتأتوا بسورة لكن ما تفعلون ولن ~~تفعلوا، فانتج فلم تكونوا صادقين فكان ms136 خصمكم وهو النبي عليه السلام صادقا ~~فالقرآن معجز، فوجب عليكم الايمان به لتتقوا من العذاب ... انظر كيف اوجز ~~التنزيل فاعجز. ثم انه ذكر موضع استثناء نقيض التالي وهو "لكن ماتفعلون" ~~لفظ (ان لم تفعلوا) مشيرا بتشكيك "ان" الى مجاراة ظنهم، وبالشرطية الى ~~استلزام نقيض التالي لنقيض المقدم. ثم ذكر موضع النتيجة وهي نقيض المقدم ~~أعني فلم تكونوا صادقين علة لازم لازم لازمها وهي قوله (فاتقوا النار) ~~لتهويل الترهيب والتهديد 1. PageV01P189 # أما (ان لم تفعلوا) الماضي بالنظر إلى "لم" والمستقبل بالقياس إلى "ان" ~~فلتوجيه الذهن إلى ماضيهم كأنه يقول لهم: "أنظروا إلى خطبكم المزينة ~~ومعلقاتكم المذهبة أتساويه أو تدانيه أو تقع قريبا منه؟ ". # وإيثار (تفعلوا) على "تأتوا" لنكتتين: # احداهما: الايماء الى ان منشأ الاعجاز عجزهم ومنشأ العجز الفعل لا الأثر. # والثانية: الايجاز، اذ "فعل" كما انه في الصرف ميزان الأفعال وجنسها؛ ~~كذلك في الأساليب مصدر الأعمال وملخص القصص كأنه ضمير الجمل كناية عنها. # أما (ولن تفعلوا) فاعلم! ان التأكيد والتأبيد في (لن) ايماء الى القطعية ~~وهي اشارة الى ان القائل مطمئن جدي، لاريب له في الحكم. وهذا رمز الى ان لا ~~حيلة.. أما (فاتقوا) بدل "تجنبوا" فللايماء الى ما ناب عنه الجزاء من آمنوا ~~واتقوا الشرك الذي هو سبب دخول النار.. أما تعريف (النار) فللعهد أي النار ~~التي عهدت واستقرت في أذهان البشر بالتسامع عن الأنبياء من آدم الى الآن.. ~~وأما توصيفها ب (التي) الموصولة مع ان من شأنها ان تكون معلومة اولا، فلأجل ~~نزول (نارا وقودها الناس والحجارة) 1 قبل هذه الآية فالمخاطبون قد سمعوا ~~تلك، فالموصولية في موقعها.. وأما وقودها الناس والحجارة فالغرض كما مر ~~آنفا الترهيب، والترهيب يؤكد بالتهويل والتشديد فهول بلفظ "الناس" كما قرع ~~به، وشدد "بالحجارة" كما وبخ بها. أي ماترجون منه النفع والنجاة وهو ~~الاصنام يصير آلة لتعذيبكم. # واما جملة (اعدت للكافرين) فاعلم! ان الموضع موضع "اعدت لكم" لكن القرآن ~~يذكر الفذلكة والقاعدة الكلية في الأغلب في آخر الآيات ليشير الى كبرى دليل ~~الحكم؛ اذ اصل ms137 الكلام: "اعدت لكم ان كفرتم لأنها اعدت للكافرين". فلهذا ~~اقيم المظهر مقام المضمر.. وأما ماضية (اعدت) فاشارة كما مر الى وجود جهنم ~~الآن. PageV01P190 ### | AUTO وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات # ان لهم جنات تجري من تحتها # الانهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل واتوا ~~به متشابها ولهم فيها ازواج مطهرة وهم فيها خالدون 25 # فاعلم! ان نظم هذه الآية كأخواتها بثلاثة وجوه: نظم المجموع بما قبله، ~~والجمل بعضها مع بعض، والهيئات. # أما الأول: فاعلم! ان لمآلها ارتباطات متفاوتة مع الآيات السابقة، وخطوطا ~~ممتدة بالاختلاف الى الجمل السالفة. ألا ترى ان القرآن الكريم لما أثنى في ~~رأس السورة على نفسه وعلى المؤمنين بالايمان والعمل الصالح كيف أشار بهذه ~~الآية الى نتيجة الايمان وثمرة العمل الصالح.. وكذا لما ذم الكفار وشنع على ~~المنافقين وبين طريقهم المنجر الى الشقاوة الأبدية لوح بهذه الآية الى نور ~~السعادة الأبدية، فأراهم ليزيدوا حسرة على حسرة بفوات هذه النعمة العظمى.. ~~ثم لما كلف ب (يا ايها الناس اعبدوا) - مع ان في التكليف مشقة وكلفة وترك ~~اللذائذ العاجلة - فتح لهم ابواب الآجلة؛ فاراهم بهذه الآية تطمينا لنفوسهم ~~وتأمينا لهم.. ثم لما اثبت التوحيد - الذي هو أول اركان الايمان الذي هو ~~أساس التكليف - صرح في هذه الآية بثمرة التوحيد وعنوان الرحمة وديباجة ~~الرضاء بإراءة الجنة والسعادة الأبدية.. ثم لما أثبت النبوة - ثانية أركان ~~الايمان - بالاعجاز بقوله (وان كنتم في ريب) ..الخ، أشار بهذه مع المطوي ~~قبلها الى وظيفة النبوة ومكلفية النبي وهي: الإنذار والتبشير بلسان ~~القرآن.. ثم لما اوعد وأرهب وانذر في سابقتها القريبة وعد ورغب وبشر بهذه ~~الآية بسر ان التضاد مناسبة.. وأيضا ان الذي يطيع 1 النفس، ويديم الاطاعة ~~ويصير الوجدان مطيعا لحكم العقل؛ تهييج حس الخوف وحس الشوق معا بجمع ~~الترغيب والترهيب؛ اذ حكم العقل وامره موقت فلابد من وجود محرك آمر دائمي ~~في الوجدان.. وكذا لما أشار بالسابقة الى احد شقي الآخرة كمل بهذه الآية ~~الشق الآخر وهو منبع السعادة ms138 الابدية.. وكذا لما لوح هناك بالنار الى جهنم ~~صرح هنا بالجنة. PageV01P191 # ثم اعلم! ان الجنة وجهنم ثمرتان تدلتا الى الابد من شجرة الخلقة، ~~ونتيجتان لسلسلة الكائنات، ومخزنان لانصباب الكائنات، وحوضان للكائنات ~~الجارية الى الأبد. نعم! تتمخض الكائنات وتختلط بحركة عنيفة فتتظاهر الجنة ~~وجهنم فتمتلئان. # وايضاحه: هو ان الله جل جلاله لما اراد ان يبدع عالما للابتلاء والامتحان ~~لحكم كثيرة تدق عن العقول، واراد تغيير ذلك العالم وتحوله لحكم؛ مزج الشر ~~بالخير وادرج الضر في النفع، وادمج القبح في الحسن؛ فوصلها بجهنم وأمدها ~~بها. وساق المحاسن والكمالات تتجلى في الجنة. وأيضا لما اراد تجربة البشر ~~ومسابقتهم، وأراد وجود اختلافات وتغيرات فيهم في دار الابتلاء خلط الأشرار ~~بالأبرار. ثم لما انقضى وقت التجربة وتعلقت الارادة بأبديتهم جعل الأشرار ~~مظهر خطاب (وامتازوا اليوم ايها المجرمون) 1. وصير الأبرار مظهر تلطيف ~~وتشريف (فادخلوها خالدين) 2 ولما امتاز النوعان تصفت الكائنات فانسلت مادة ~~الضر والشر عن عنصر النفع والخير والكمال فاختارت جانبا. # والحاصل: انه لو امعن النظر في الكائنات صودف فيها عنصران أساسان وعرقان ~~ممتدان اذا تحصلا وتأبدا صارا جنة وجهنم. # مقدمة # هذه الآية مع ما قبلها اشارة الى القيامة والحشر، فمدار النظر في هذه ~~المسألة أربع نقط: # إحداها: إمكان خراب العالم وموته.. # والثانية: وقوعه.. # والثالثة: التعمير والإحياء.. # والرابعة: وقوعه.. # أما امكان موت الكائنات: PageV01P192 # فاعلم! ان الشيء الداخل تحت قانون التكامل ففيه نشوء ونماء.. فله عمر ~~طبيعي.. فله أجل فطري؛ لايخلص من حكم الموت؛ بدليل استقراء أكثر أفراد ~~الأنواع. فكما ان الانسان عالم صغير لا خلاص له من الخرابية؛ كذلك العالم ~~انسان كبير لامناص له من الموت البتة. وكما ان الشجر نسخة من الكائنات ~~يعقبها التخريب والانحلال؛ كذلك سلسلة الكائنات من شجرة الخلقة لامناص لها ~~من يد التخريب للتعمير. ولئن لم يعرض عاصفة او مرض خارجي بالارادة الأزلية ~~قبل العمر الفطري، ولم يخربها صانعها قبله ليجئ بالضرورة وعلى كل حال حتى ~~بالحساب الفني يوم يتحقق فيه (اذا الشمس كورت _ واذا النجوم انكدرت) 1. و ~~(اذا السماء ms139 انشقت) 2. فيتظاهر في الفضاء سكرات الانسان الكبير بخرخرة 3 ~~عجيبة وصوت هائل. # أما وقوعه: # فباجماع كل الاديان السماوية، وبشهادة كل فطرة سليمة، وباشارة تغير وتبدل ~~وتحول الكائنات. وان شئت ان تتصور سكرات العالم وخرخرته فاعلم! ان الكائنات ~~قد ارتبطت بنظام علوي دقيق، واستمسكت بروابط عجيبة فاذا صار جسم من الاجرام ~~العلوية مظهر خطاب "كن" او "اخرج عن محورك" ترى العالم يشرع في السكرات، ~~وترى النجوم تتصادم، وتتلاطم الاجرام فترعد وتصيح في الفضاء الغير ~~المتناهي، ويضرب بعض وجه بعض، وترمي بشرر كأرضنا هذه بل أكبر. فكيف انت ~~بخرخرة موت صوتها محصل ملايين مرامي مدافع رصاصتها الصغرى أكبر من الأرض؟.. ~~فبهذا الموت تتمخض الخلقة وتتميز الكائنات فتمتاز جهنم بعشيرتها ومادتها، ~~وتتجلى الجنة جامعة لطائفتها مستمدة من عناصرها. # - فان قلت: لم كانت الكائنات مغيرة موقتة تخرب ثم تصير يوم القيامة مؤبدة ~~محكمة ثابتة؟ # قيل لك: ان الحكمة والعناية الازليتين لما اقتضتا التجربة والابتلاء، ~~والنشوء والنماء في الاستعدادات، وظهور القابليات، وظهورالحقائق النسبية ~~التي تصير في الآخرة PageV01P193 # حقائق حقيقية، ووجود مراتب نسبية، وحكم كثيرة لاتدركها العقول؛ جعل ~~الصانع جل جلاله الطبائع مختلطة، والمضار ممزوجة بالمنافع، والشرور متداخلة ~~بين الخير، والمقابح مجتمعة مع المحاسن، فخمرت يد القدرة الاضداد تخميرا ~~فصيرت الكائنات تابعة لقانون التبدل والتغير والتحول والتكامل. فلما انسد ~~ميدان الامتحان وانقضى وقت الابتلاء وجاء وقت الحصاد؛ أراد الصانع جل جلاله ~~بعنايته تصفية الاضداد المختلطة للتأبيد، وتمييز أسباب التغير، وتفريق مواد ~~الاختلاف؛ فتحصل جهنم بجسم محكم مظهرا لخطاب (وامتازوا) وتجلى الجنة بجسم ~~مؤبد مشيد مع أساساتها.. بسر ان المناسبة شرط الانتظام، والنظام سبب ~~الدوام. ثم انه تعالى اعطى بقدرته الكاملة لساكني هاتين الدارين الأبديتين ~~وجودا مشيدا لاسبيل للانحلال والتغير اليه، على ان التغير هنا المنجر الى ~~الانقراض انما هو بتفاوت النسبة بين التركيب وما يتحلل. وأما هناك ~~فلاستقرار النسبة يجوز التغير بلا انجرار الى الانحلال. # وأما النقطة الثالثة والرابعة: أعني امكان التعمير والحشر ووقوعه: # فاعلم! ان التوحيد والنبوة لما لم يصح اثباتهما بالدليل النقلي فقط للزوم ms140 ~~الدور 1 أشار القرآن الى الدلائل العقلية عليهما. أما الحشر فيجوز اثباته ~~بالعقل والنقل: # أما العقلي فراجع الى ما بينا بقدر الطاقة في تفسير (وبالآخرة هم يوقنون) ~~حاصله: ان النظام والرحمة والنعمة انما تكون نظاما ورحمة ونعمة ان جاء ~~الحشر.. # واما النقلي فقول كل الانسان مع حكم القرآن المعجز بوقوعه. وأما النقلي ~~مع الرمز للعقلي فراجع هذا الموضع من تفسير فخر الدين الرازي 2 فانه عدد ~~الآيات المثبتة للحشر. # والحاصل: انه ما من متأمل في نظائر وأشباه وأمثال الحشر في كثير من ~~الانواع الا ويتحدس من تفاريق الامارات الى وجود الحشر الجسماني والسعادة ~~الأبدية. PageV01P194 # أما نظم جملها بعض مع بعض، فاعلم! ان السلك الذي نظم فيه جواهر جمل هذه ~~الآية وسلسلتها هي: ان السعادة الأبدية قسمان: # الأول الاولى: رضاء الله تعالى وتلطيفه وتجليه وقربيته. # والثاني: السعادة الجسمانية وهي بالمسكن والمأكل والمنكح ومتممها ومكملها ~~جميعا هو الدوام والخلود. # ثم ان أقسام الاول مستغنية عن التفصيل أو غير قابلة. 1 # وأما أقسام الثاني: فالمسكن، ألطفه ما يجري الماء بين نباتاته. ألا ترى ~~ان ملهم الشعر ومفيض العشق في القلوب انما هو خشخشة 2 الماء وخريره وكشكشة ~~3 الانهار وصفيرها تحت القصور وبين البساتين.. # والمأكل الرزق ولأنه تفكه يكون كمال لذته فيما حصل به الألفة والانسية، ~~ولأنه تفكه يكون كمال لذته في التجدد من جهة؛ اذ بحكم المألوفية يعرف درجة ~~علو النعمة وتفوقها على نظيرها. وكذا من مكملات اللذة ان يعرف انه جزاء ~~عمله.. ومنها ان يكون منبعه ومخزنه حاضرا نصب العين لتحصل لذة الاطمئنان.. # وأما المنكح، فاعلم! ان من اشد حاجات الانسان وجود قلب مقابلا لقلبه ~~لمداولة المحبة ومبادلة العشق والمؤانسة والتشارك في اللذة، بل التعاون في ~~أمثال الحيرة والتفكر. ألا ترى ان من رأى ما يتحير فيه أو يتفكر في أمر ~~عجيب يدعو ولو ذهنا من يعينه في تحمل الحيرة. ثم ان ألطف القلوب وأشفقها ~~واحرها قلب القسم الثاني. ثم ان متمم الامتزاج الروحي ومكمل الاستيناس ~~القلبي، ومصفى الاختلاط الصوري كون ms141 القسم الثاني مبرأة ومطهرة من الأخلاق ~~السيئة والعوارض المنفرة. # فإن قلت: ان الأكل لبقاء الشخص؛ اذ به يحصل تعمير ما يتحلل، وان النكاح ~~لبقاء النوع مع ان الأشخاص في الآخرة مؤبدون لا يقع فيهم التحويل والانحلال ~~وكذا لاتناسل في الآخرة؟ PageV01P195 # قيل لك: ان فوائد الأكل والنكاح ليست منحصرة في البقاء والتناسل بل فيهما ~~لذة عظيمة في هذا العالم الألمي. وكيف لايكون فيهما في عالم السعادة واللذة ~~لذات عالية منزهة؟ # فان قلت: ان اللذة هنا دفع الألم؟ # قيل لك: ان دفع الالم سبب من أسباب اللذة.. وأيضا قياس العالم الأبدي على ~~هذا العالم قياس مع الفارق، بل ان النسبة بين حديقة "خورخور" 1 هذه وتلك ~~الجنة العالية هي النسبة بين لذائذ الآخرة ونظائرها في هذا العالم. فكما ~~تفوق تلك الجنة على الحديقة بدرجات غير محصورة؛ كذلك هذه.. والى هذا ~~التفاوت العظيم اشار ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بقوله: "ليس في الجنة ~~الا اسماءها" 2 أي ثمرات الدنيا. # أما الخلود ودوام اللذة، فاعلم! ان اللذة انما تكون لذة حقيقية ان لم ~~ينغصها الزوال؛ اذ كما ان دفع الالم لذة أو سبب لها، كذلك زوال اللذة ألم ~~بل تصور زوال اللذة ألم أيضا. حتى ان مجموع اشعار العشاق المجازيين انما هي ~~انين ونياح من هذا الألم. وان ديوان كل عاشق غير حقيقي انما هو بكاء وعويل ~~من هذا الألم الناشئ من تصور زوال المحبوب.. نعم، ان كثيرا من اللذائذ ~~الموقتة اذا زالت اثمرت آلاما مستمرة كلما تذكرها 3 يفور من فيه: "ايواه! " ~~واأسفا! المترجمين عن هذا الألم الروحاني. وان كثيرا من الآلام اذا انقضت ~~اولدت لذات مستمرة كلما تذكرها الشخص وهو قد نجا يتكلم ب"الحمد لله" الملوح ~~لنعمة معنوية. # أجل! ان الانسان مخلوق للأبد فانما تحصل له اللذة الحقيقية في الأمور ~~الأبدية كالمعرفة الالهية والمحبة والكمال والعلم وأمثالها. # والحاصل: ان اللذة والنعمة انما تكونان لذة ونعمة ان كانتا خالدتين. # واذا رأيت هذا السلك فانظم فيه جمل الآية. PageV01P196 # أما جملة (وبشر الذين آمنوا ms142 وعملوا الصالحات) فاعلم! انه تعالى لما كلف ~~الناس، وأثبت النبوة، وكلف النبي بالتبليغ أمره بالتبشير تأمينا لامتثال ~~التكليف الذي فيه مشقة وترك للذائذ الدنيوية. فكما انه مأمور بالانذار؛ ~~كذلك مأمور بالتبشير برضاء الله تعالى وتلطيفه وقربيته وبالسعادة الأبدية. # وأما جملة (ان لهم جنات تجري) فاعلم! كما مر ان اول حاجات الانسان ~~الضرورية - لأنه جسم - المكان والمسكن؛ وان أحسن المكان هو المشتمل على ~~النباتات والأشجار، وان الطفه هو الذي يتسلل بين خضراواته الماء، وان اكمله ~~هو الذي تجري بين أشجاره وتحت قصوره الأنهار بكثرة. فلهذا قال (تجري من ~~تحتها الأنهار) .. ثم ان اشد الحاجات كما سمعت آنفا بعد المكان واكمل ~~اللذائذ الجسمانية هو الاكل والشرب اللذين يشير اليهما الجنة والنهر.. ثم ~~ان اكمل الرزق هو ان يكون مألوفا ومأنوسا ليعرف درجة تفوقه على نظيره.. ~~وألذ الفاكهة ان تكون متجددة.. وان اصفى اللذة هو أن يكون المقتطف معلوما ~~وقريبا.. وان ألذها ان يعرف انها ثمرة عمله. فلهذا قال: (كلما رزقوا منها ~~من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل) أي في الدنيا أو قبل هذا الآن. # وأما (وأتوا به متشابها) فاعلم! ان في الحديث: ان صورتها واحدة والطعم ~~مختلف 1. فتشير الآية الى لذة التجدد في الفاكهة.. وان كمال اللذة ان يكون ~~الشخص مخدوما يؤتى اليه. وأما جملة (ولهم فيها أزواج مطهرة) فاعلم! كما ~~رأيت في السلك ان الانسان محتاج لرفيقة وقرينة يسكن اليها وينظر بعينها ~~وتنظر بعينه ويستفيد من المحبة التي هي ألطف لمعات الرحمة. ألا ترى ان ~~الأنسية التامة هنا بهن؟ وأما جملة (وهم فيها خالدون) فاعلم! ان الانسان ~~اذا صادف نعمة او اصاب لذة فأول ما يتبادر لذهنه: أتدوم أم تنغص بزوال؟ ~~فلهذا أشار الى تكميل النعمة بخلود الجنة ودوامهم وازواجهم فيها ودوام ~~اللذائذ واستمرار الاستفادة بقوله: (وهم فيها خالدون) . PageV01P197 # أما نظم هيئات جملة جملة: # فجملة (وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات) الواو فيها - بسر المناسبة بين ~~المتعاطفين - اشارة الى "انذر" الذي يتقطر من أنف السابقة.. وأما "بشر" ~~فرمز الى ms143 ان الجنة بفضله تعالى لا واجب عليه.. وكذا الى ان لابد ان لا يكون ~~العمل لأجل الجنة.. وأما صورة الأمر في "بشر" فايماء الى "بلغ مبشرا" فانه ~~مكلف بالتبليغ.. # واما (الذين آمنوا) بدل "المؤمنين" الأقصر فتلويح الى "الذين" الذي مر في ~~رأس السورة ليكون تفصيله هناك مبينا لما اجمل هنا.. واما ايراد "آمنوا ~~وعملوا" على صيغة الماضي هنا، مع ايراد "يؤمنون" و "ينفقون" هناك بصيغة ~~المضارع فللإشارة الى ان مقام المدح والتشويق على الخدمة شأنه المضارع. ~~وأما مقام المكافأة والجزاء فالمناسب الماضي، اذ الاجرة بعد الخدمة.. # وأما واو (وعملوا) فاشارة بسر المغايرة الى ان العمل ليس داخلا في ~~الايمان كما قالت المعتزلة. والى ان الايمان بغير عمل لا يكفي. ولفظ العمل ~~رمز الى ان ما يبشر به كالاجرة.. # أما (الصالحات) فمبهمة ومجملة. قال "شيخ محمد عبده المصري" 1 الاطلاق هنا ~~حوالة على الاشتهار وتعارف الصالحات بين الناس. أقول: وكذا اطلقت اعتمادا ~~على رأس السورة. # وأما جملة (ان لهم جنات تجري من تحتها الأنهار) فاعلم! ان هيئاتها - من ~~تحقيق "ان" وتخصيص "اللام" وتقديم "لهم" وجمع "الجنة" وتنكيرها وذكر ~~الجريان وذكر "من" مع "تحت" وتخصيص "نهر" 2 وتعريفه - تتعاون وتتجاوب على ~~امداد الغرض الاساسي الذي هو السرور ولذة المكافأة كالأرض النشفة الرطبة ~~ترشح بجوانبها الحوض المركزي. لأن (ان) اشارة الى ان البشارة بما هو في هذه PageV01P198 # الدرجة من العظمة يتردد فيها العقل فتحتاج الى التأكيد.. وأيضا من شأن ~~مقام السرور طرد الأوهام؛ اذ طريان ادنى وهم يكسر الخيال ويطير السرور.. ~~وكذا ايماء الى ان هذا ليس وعدا صرفا بل حقيقة من الحقائق. ولام (لهم) ~~اشارة الى الاختصاص والتملك والاستحقاق الفضلي لتكميل اللذة وزيادة السرور. ~~والا فكثيرا ما يضيف ملك مسكينا.. وتقديم (لهم) اشارة الى اختصاصهم بين ~~الناس بالجنة، اذ ملاحظة حال أهل النار سبب لظهور قيمة لذة الجنة.. وجمع ~~(جنات) اشارة الى تعدد الجنان وتنوع مراتبها على نسبة تنوع مراتب الأعمال.. ~~وكذا رمز الى ان كل جزء من الجنة جنة.. وكذا ايماء ms144 الى ان ما يصيب حصة كل - ~~لوسعته - كأنه كالجنة بتمامها لا كأنه يساق بجماعتهم الى موضع.. وتنكير ~~(جنات) يتلو على ذهن السامع: "فيها ما لا عين رأت، ولا اذن سمعت، ولا خطر ~~على قلب بشر" 1. وكذا يحيل على أذهان السامعين حتى يتصورها كل على الطرز ~~الذي يستحسنه.. وكذا كأن التنوين بدل (وفيها ما تشتهيه الانفس) 2. وأما ~~(تجري) فاعلم! ان أحسن الرياض ما فيها ماء. ثم أحسنها ما يسيل ماؤها. ثم ~~أحسنها ما استمر السيلان. فبلفظ (تجري) أشار الى تصوير دوام الجريان.. واما ~~(من تحتها) فاعلم! ان أحسن الماء الجاري في الخضراوات ان ينبع صافيا من تلك ~~الروضة، ويمر متخرخرا تحت قصورها، ويسيل منتشرا بين أشجارها فاشار ب (من ~~تحتها) الى هذه الثلاثة.. وأما (الأنهار) فاعلم! ان أحسن الماء الجاري في ~~الجنان ان يكون كثيرا. ثم أحسنه ان تتلاحق الأمثال من جداوله. فان بتناظر ~~الأمثال يتزايد الحسن على قيمة الأجزاء. ثم أحسنه ان يكون الماء عذبا فراتا ~~لذيذا كما قال (ماء غير آسن) 3 فبلفظ "نهر" وجمعه وتعريفه أشار الى هذه. # أما جملة (كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل) ~~فاعلم! ان هيئاتها تتضمن كثيرة من الجمل الضمنية. فاستينافها جواب لسؤال ~~مقدر. PageV01P199 # وذلك السؤال ممزوج من ثمانية اسئلة متسلسلة؛ اذ لما بشروا بمسكن هكذا عال ~~يتبادر لذهن السامع: أفيه رزق أم لا؟ واذا كان فيه رزق فمن اين يجئ ويحصل؟ ~~واذا حصل من تلك الجنة فمن أي شيء منها؟ واذا كان من ثمرتها فهل هي تشبه ~~ثمار الدنيا؟ واذا شابهتها فهل يشبه بعضها بعضا؟ واذا تشابهت فهل تختلف ~~طعومها؟ واذا اختلفت وقد قطعت فهل تنقص ام يمتلء موضعها؟ واذا تبدلت بأخرى ~~فهل يدوم الأكل منها؟ واذا دام فما حال الآكلين أفلا يستبشرون؟ واذا ~~استبشروا فماذا يقولون؟ واذ تفطنت لهذه الأسئلة فانظر كيف أجاب القرآن ~~الكريم عن هذه الأسئلة المتسلسلة بهيئات هذه الجملة.. # أما لفظ كلما فاشارة الى الدوام والتحقيق.. وماضوية رزقوا اشارة الى ~~تحقيق الوقوع.. وكذا ms145 ايماء الى # أما لفظ (كلما) فاشارة الى الدوام والتحقيق.. وماضوية (رزقوا) اشارة الى ~~تحقيق الوقوع.. وكذا ايماء الى اخطار نظيره من رزق الدنيا الى ذهنهم.. ~~وايراده على بناء المفعول اشارة الى عدم المشقة وانهم مخدومون يؤتى اليهم.. ~~وايثار (منها من ثمرة) على "من ثمراتها" للتنصيص على جوابين عن سؤالين من ~~الأسئلة المذكورة. وتنكير (ثمرة) المفيد للتعميم اشارة الى انه أية ثمرة ~~كانت فهي رزق.. وتنكير (رزقا) اشارة الى انه ليس من الرزق الذي تعلمونه ~~لدفع الجوع.. ولفظ (قالوا) أي يتقاولون بعضهم لبعض ايماء الى الاستبشار ~~والاستغراب اللازمين للحكم. # أما جملة (هذا الذي رزقنا من قبل) فاعلم! ان هذا الاطلاق يتضمن أربعة معان: # أحدها: ان هذا ما رزقنا من العمل الصالح في الدنيا فبشدة الارتباط بين ~~العمل والجزاء كأن العمل تجسم في الآخرة ثوابا. ومن هنا الاستبشار. # والثاني: ان هذا ما رزقنا من الأطعمة في الدنيا مع هذا التفاوت العظيم ~~بين طعميهما. ومن هنا الاستغراب. # والثالث: ان هذا مثل ما أكلنا قبل هذا الآن مع اتحاد الصورة واختلاف ~~المعنى لجمع لذتي الالفة والتجدد. ومن هنا الابتهاج. # والرابع: ان هذه التي على أغصان الشجرة هي التي أكلناها اذ ينبت بدلها ~~دفعة فكأنها اياها. ومن هنا يعرف انها لا تنقص. PageV01P200 # وأما جملة (وأتوا به متشابها) فاعلم! انها فذلكة وتذييل واعتراضية لتصديق ~~الحكم السابق وتعليله.. وبناء المفعول في (اتوا) اشارة الى ان لهم خدمة.. ~~وفي متشابها ما عرفت من الاشارة الى جمع اللذتين: # وأما جملة (ولهم فيها أزواج مطهرة) فاعلم! ان الواو بسر المناسبة العطفية ~~اشارة الى انهم كما يحتاجون الى المسكن لأجسامهم يفتقرون الى السكن ~~لأرواحهم.. (ولهم) اشارة الى الاختصاص والتملك، ورمز الى التخصيص والحصر، ~~وايماء الى ان لهم غير النساء الدنيوية حورا عينا خلقن لأجلهم.. و (فيها) ~~اشارة الى ان تلك الأزواج لائقة بتلك الجنة فعلى نسبة علو درجاتها يفوق ~~حسنهن.. وكذا فيها ايماء خفي الى أن الجنة تزينت وتبرجت بهن 1.. و (مطهرة) ~~اشارة الى أن مطهرا طهرهن، فما ظنك بمن طهرهن ms146 ونزههن يد القدرة؟.. وكذا ~~ايماء بالتعدية ان نساء الدنيا يطهرن ويصفين فيصرن حسانا كالحور العين ~~المتطهرات في أنفسهن. # وأما جملة (وهم فيها خالدون) فاشارة الى انهم، وكذا أزواجهم، وكذا لذائذ ~~الجنة، وكذا الجنة كافة؛ أبدية. # *** PageV01P201 ### | AUTO ان الله لا يستحيي ان يضرب مثلا # ما بعوضة فما فوقها # فاما الذين آمنوا فيعلمون انه الحق من ربهم واما الذين كفروا فيقولون # ماذا اراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به الا ~~الفاسقين # 26 الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما امر الله به ان يوصل ~~ويفسدون في الارض اولئك هم الخاسرون 27 # اعلم! ان في هذه الآية أيضا الوجوه الثلاثة النظمية وان مآل المجموع ينظر ~~الى سوابقه والى لواحقه والى مجموع القرآن الكريم. # وأما نظمها بالنظر الىلواحقها فاعلم! ان القرآن لما مثل بالذباب ~~والعنكبوت وبحث عن النمل والنحل انتهز الفرصة - للاعتراض- اليهود واهل ~~النفاق والشرك فتحمقوا وقالوا: أيتنزل الله تعالى مع عظمته الى البحث عن ~~هذه الأمور الخسيسة التي يستحي من بحثها أهل الكمال؟ فضرب القرآن بهذه ~~الآية ضربا على أفواههم. # وأما نظمها بالقياس الى سوابقها، فاعلم! أن القرآن لما أثبت النبوة ~~بالإعجاز والإعجاز بالتحدي والتحدي بسكوتهم.. وكذلك أثبت في رأس السورة ان ~~القرآن مشتمل على صفات عالية ومزايا كاملة لا تجتمع في كلام؛ سكتوا في نقطة ~~التحدي حتى لم ينبض لهم عرق عصبية لكن اعترضوا وغالطوا في نقطة كماله ~~وقالوا ان التمثيل في امثال (كمثل الذي استوقد نارا) و (كصيب من السماء) من ~~الأمور العادية سبب لنزالة درجة الكلام فيشبه المحاورة العادية بين الناس؛ ~~فالقرآن ألقمهم حجرا وأفحمهم بهذه الآية. # وايضاحه: ان لهم شبهات واهية منشؤها أوهام متسلسلة مبناها مغالطات: # احداها: القياس مع الفارق ومنشؤه انهم ينظرون الى كل شيء بمرآة مألوفهم. ~~فحينما يرون الانسان ذهنه جزئي وفكره جزئي ولسانه جزئي وسمعه جزئي؛ لا ~~يتعلق PageV01P202 # كل بأمرين معا بالذات، ويعرفون أن مقياس الهمة موضوع المشغلة والاهتمام، ~~ويرون ان القيمة والعظمة بنسبة الهمة حتى انهم لا ms147 يسندون أمرا حقيرا نزيلا ~~الى شخص عال جليل؛ ظنا منهم انه لايتنزل للاشتغال بمثله ولايسع ذلك الأمر ~~الحقير همته العظيمة، ينظرون بهذا النظر المشط الى الواجب تعالى ويقولون: ~~كيف يتنزل بعظمته وجلاله للتكلم مع البشر بمثل محاورة الانسان وللبحث عن ~~هذه الأمور الجزئية لاسيما هذه الأشياء المحقرة؟ أفلا يعقل هؤلاء السفهاء ~~ان ارادة الله تعالى وعلمه وقدرته كلية عمومية شاملة محيطة وليس مقياس ~~عظمته تعالى الا مجموع آثاره، وما ميزان تجليه الا كافة كلماته التي لو كان ~~البحر مدادا لها مانفدت. مثلا (ولله المثل الأعلى) اذا القت الشمس - بعد ~~فرض كونها مختارة عاقلة - ضياءها على ذرة ملوثة، أيقال لها كيف تنزلت ~~بعظمتها للاشتغال والاهتمام بمثل هذه الذرة؟ # نعم! ان الله تعالى كما خلق العالم واتقنه صنعا واهتم به؛ كذلك خلق ~~الجوهر الفرد وأتقن صنعه. ففي نظر القدرة الجواهر الفردة كالنجوم السيارة، ~~لأن قدرته تعالى وعلمه وارادته وكلامه لازمة للذات، وذاتية، فليست متجددة ~~ولا قابلة للزيادة والنقصان ولا متغيرة حتى يتداخل فيها المراتب؛ اذ العجز ~~ضد لها لا يمكن تداخله بينها. فلا فرق بين الذرة والشمس. اذ الممكن بتساوي ~~طرفيه كالميزان ذي الكفتين، لا فرق في صرف القوة التي ترفع كفة وتضع أخرى ~~بين ان يكون في الكفتين شمسان أو ذرتان، وهكذا نسبة المقدورات بالنسبة الى ~~القدرة الذاتية اللازمة. وأما بالنسبة الى قوة الممكنات العارضة المتغيرة ~~المتداخل بينها العجز فلا موازنة. # والحاصل: ان الذرات والأمور الخسيسة لما كانت مخلوقة له تعالى كانت ~~معلومة له بالضرورة، فلا مشاحة بالبداهة أن يبحث عنها. وعلى هذا السر قال ~~(ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) 1 فكيف لا يبحث عنها ولا يتكلم بها من ~~علم وهو العزيز الحكيم. # وثانية المغالطات: هي انهم يزعمون انهم يرون في اسلوب القرآن خلف المتكلم ~~تمثال انسان، بدليل البحث عن هذه الأشياء الحقيرة والأمور العادية كأسلوب ~~محاورة البشر. أفلا يتذكر هؤلاء المتجاهلون ان الكلام كما ينظر الى متكلمه ~~بجهة؛ كذلك PageV01P203 # ينظر الى المخاطب به بجهات، على ما تقتضيه البلاغة ms148 للتطبيق على مقتضى حال ~~المخاطب. فلما كان المخاطب بشرا وكان البحث عن أحواله والمقصد تفهيمه، لبس ~~القرآن اسلوب البشر الممزوج بحسياته المسمى ب"التنزلات الالهية الى عقول ~~البشر" للتأنيس.. ألا تراك اذا حاورت مع صبي تتصبى له؟ # فان قلت: ان حقارة الأشياء وخساستها تنافي عظمة القدرة ونزاهة الكلام؟ # قيل لك: ان الحقارة والخساسة والقبح وأمثالها انما هي بالنظر الى ملك ~~الأشياء وجهتها الناظرة الينا وبالنظر الى نظرنا السطحي. وقد وضعت الأسباب ~~الظاهرية للتوسط في هذه الجهة لتنزيه العظمة. وأما بالنظر الى ملكوتية ~~الأشياء فكلها شفافة عالية. وهذه الجهة هي محل تعلق القدرة، لايخرج من ~~التعلق شيء؛ فكما اقتضت العظمة وضع الأسباب في الظاهر كذلك تستلزم الوحدة ~~والعزة شمول القدرة لكل واحاطة الكلام به؛ على ان القرآن المكتوب على ذرة ~~بالجواهر الفردة ليس بأقل جزالة من القرآن المكتوب على صحيفة السماء بمداد ~~النجوم، وان خلقة الذباب ليست بأدنى صنعا من خلقة الفيل. فالكلام كالقدرة. # فان قلت: الى أي شيء تعود الحقارة الظاهرية في هذه التمثيلات؟ # قيل لك: انما تعود الى الممثل له دون الممثل، فكلما كانت مطابقته للممثل ~~له أحسن، كانت درجة الكلام أعلى ونظام البلاغة أرفع. ألا ترى ان السلطان ~~اذا أعطى راعيه ما يليق به من اللباس وألقى الى الكلب ما يشتهيه من العظم.. ~~الخ. لايقال انه فعل بدعة، بل يقال انه أحسن بوضع كل شيء في موضعه. فاذا ~~كلما كان الممثل حقيرا كان مثاله حقيرا، وان كان عظيما فعظيما. ولما كانت ~~الأصنام أدنى الامور سلط الله الذباب على رؤوسها. ولما كانت عبادتها أهون ~~الأشياء جعل الله تعالى نسج العنكبوت عنوانها. # وثالثة المغالطات: انهم يقولون ما الحاجة الى امثال هذه التمثيلات ~~المومئة الى العجز عن اظهار الحقيقة؟. # الجواب: لما كان المقصد من انزال التنزيل ارشاد الجمهور، والجمهور عوام، ~~والعوام لايرون الحقائق المحضة والمجردات الصرفة عراة عن متخيلاتهم ألبس ~~الله تعالى بلطفه واحسانه الحقائق لباس مألوفاتهم لتحسن الفتهم كما عرفت في ~~سر المتشابهات. PageV01P204 # أما نظم الجمل بعض مع بعض، فاعلم! أن ms149 (ان الله لا يستحيي ان يضرب مثلا ما ~~بعوضة فما فوقها) رد وطرد لاعتراضات متسلسلة. كأنهم يقولون أية حكمة في ~~مكالمة الله تعالى مع البشر، وعتابه عليهم، والتشكي منهم؛ فانها علامة ان ~~للانسان أيضا تصرفا آخر في العالم؛ لاسيما كالمحاورة الجارية بين الناس ~~فانها علامة انه كلام البشر.. ولاسيما يتراءى من خلف الكلام تمثال انسان.. ~~ولاسيما بتصويرات وتمثيلات فانها علامة العجز عن اظهار الحقيقة.. ولاسيما ~~اذا كانت التمثيلات عادية فانها علامة انحصار ذهن المتكلم.. ولا سيما بأمور ~~حقيرة فانها علامة خفة المتكلم.. ولاسيما اذا كانت مما لا اضطرار اليه وكان ~~تركه أولى.. ولاسيما اذا كان بعض تلك الأمور مما يستحي أهل العزة عن البحث ~~عنه.. ولاسيما اذا كان الباحث ذا العظمة والجلال.. فأجاب القرآن هدما لهذه ~~السلسلة من المبدأ الى المنتهى بضربة واحدة فقال (ان الله لايستحيي ... ) ~~الخ؛ لان جهة الملكوتية لا تنافي العظمة والجلال فلا يتركها ولا يهملها؛ اذ ~~الالوهية تقتضي كذلك. فاذا يمثل بالأمور المحقرة للمعاني المحقرة؛ اذ حكمته ~~مع سر البلاغة هكذا تقتضي.. فاذا يذكر التمثيلات العادية بناء على انها ~~الموافقة للتربية والارشاد. . فاذا يصور الحقائق بتمثيلات - بناء على ما ~~تقتضيه العناية مع التنزلات الالهية.. فاذا يختار اسلوب محاورة البشر بعض ~~مع بعض بناء على ما تقتضيه الربوبية مع التربية.. فاذا يتكلم مع الناس بناء ~~على ماتقتضيه الحكمة مع النظام. # والحاصل: ان الله تعالى لما أودع في الانسان جزءا اختياريا وجعله مصدرا ~~لعالم الأفعال، أرسل كلامه لينظم ذلك العالم. # وان نظم جملة (فاما الذين آمنوا فيعلمون انه الحق من ربهم) هو: انه لما ~~ذكر في الأولى المدعى، أشار بهذه الى طريق دليله. وكذا رمز وأومأ الى وجه ~~دفع الأوهام، أي من نظر بنور الايمان ومن جانب الله تعالى ومن جهة قدرته ~~جاعلا حكمته وعنايته وربوبيته نصب العين، علم انه حق وبلاغة. واما من نظر ~~من جانب حضيض نفسه، ومن جهة الممكنات، فلا جرم ستهوي به الأوهام.. ومثلهما ~~كمثل شخصين صعدا منحدرا رأيا جداول ماء. أما أحدهما فيصعد ms150 ويرى رأس العين ~~ويذوق فيعلم ان الماء كله عذب؛ فكلما يصادف قطعة ماء من تفرعات الجداول PageV01P205 # يتفطن - ولو بامارة ضعيفة - انه عذب، فلا تقدر الأوهام ولو قوية على ~~تغليطه. وأما الآخر فيتسفل وينظر من جانب التفرعات ولا يرى منبع العين ~~فيحتاج لمعرفة عذوبة كل قطعة ماء الى دليل قطعي. فأدنى وهم يورطه في ~~الشبهة. أو كمثال شخصين بينهما مرآة ينظر أحدهما الى الوجه الشفاف، والآخر ~~الى الوجه الملون. # والحاصل: انه لابد في النظر الى صنعه تعالى ان ينظر اليه من جانبه تعالى ~~مع ملاحظة عنايته وربوبيته وليس هذا النظر الا بنور الايمان ولاتكون ~~الأوهام حينئذ - ولو قوية - إلا أوهن من بيت العنكبوت. ولو نظر اليه من جهة ~~الممكنات بنظر المشتري وبفكره الجزئي لقويت في عينه الأوهام الضعيفة فيتستر ~~عنه الحقيقة كما يمنع جناح بعوضة رؤية العين لجبل الجودي. # وان نظم جملة: (وأما الذين كفروا..) الخ هو: انه لما ارى طريق فهم حكمة ~~اسلوب التمثيلات - وهي النظر بنور الايمان من جانب الواجب الوجود - بين هنا ~~الطريق المقابل الذي هو منشأ الأوهام والتعللات بأن ينظر من طرف نفسه بظلمة ~~الكفر التي تصور كل شيء مظلما مع مرض القلب الذي يثقل به اخف وهم. ثم يضل ~~طريق الحق ثم يتردد ثم يستفهم ثم ينكر. فالقرآن بالايجاز والكناية أورد - ~~اشارة الى استفهامهم الانكاري - قوله: (ماذا أراد الله بهذا مثلا) بدل ~~"لايعلمون" مع انه المطابق للسابق ظاهرا. # وان نظم جملة: (يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا) هو: انها جواب عن صورة ~~استفهامهم فلغاية الايجاز نزلت الغاية والعاقبة منزلة العلة الغائية كأنهم ~~يسألون ويقولون: لأي شيء كان هكذا؟ ولم لم يكن اعجازه بديهيا؟ ولم لم يكن ~~كونه كلام الله ضروريا؟ ولم صار معرض الأوهام بسبب هذه الأمثال؟ فأجاب ~~القرآن بقوله: (يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا) أي: لأجل ان من تفكر فيه بنور ~~الايمان ازداد نورا. ومن تفكر بظلمة الكفر والتنقيد ازداد ظلمة.. وهذا لأجل ~~انه نظري ليس بديهيا.. وهذا لأجل تفريق الأرواح الصافية العلوية عن ms151 الأرواح ~~الكدرة السفلية.. وهذا لأجل تمييز الاستعدادات العالية بالنشوء والنماء عن ~~الاستعدادات الخبيثة.. وهذا لأجل تمييز الفطرة الصحيحة بالتكمل والمجاهدة ~~والاجتهاد عن الفطرة المتفسخة الفاسدة.. وهذا لأجل ان أمتحان البشر ~~يستلزمه.. وهذا لأجل ان الابتلاء يقتضيه.. PageV01P206 # وهذا لأجل ان سر التكليف لتكميل البشر وسعادته يستلزمه. فأوجز التنزيل في ~~الجواب. # ان قلت: قد قلت ان التكليف لتأمين سعادة البشر مع انه يكون سببا لوقوع ~~الأكثر في الشقاوة، ولولاه لما صار التفاوت بهذه الدرجة؟. # قيل لك: ان الله تعالى كما كلف الجزء الاختياري بكسبه تشكيل عالم الأفعال ~~الاختيارية؛ كذلك جعل التكليف سبب اسقاء وانبات البذور الغير المحصورة ~~المودوعة في روح البشر. ولولاه لبقيت الحبوبات يابسة. واذا تأملت في أحوال ~~النوع بنظر نافذ رأيت كل ترقيات الروح المعنوية، وكل تكملات الوجدان ~~الالهية، وتكملات العقل، وترقيات الفكر المثمرة بدرجة تحير فيها العقول ~~انما وجدت كافة بالتكليف.. وانما استيقظت ببعثة الأنبياء.. وانما تلقحت ~~بالشرائع.. وانما ألهمت من الأديان. ولولاها لبقي الانسان حيوانا ولانعدمت ~~هذه الكمالات الوجدانية وتلك المحاسن الاخلاقية. أما القسم القليل فقبلوا ~~التكليف اختيارا ففازوا بالسعادة الشخصية وصاروا سببا للسعادة النوعية. ~~وأما القسم الكثير كمية فهم وان كفروا بقلوبهم وفيما هم فيه مختارون لكن ~~لما لم يكن كل حال كل كافر كافرا وكل صفته كافرة يابسة كانوا بسبب ايقاظ ~~البعثة للحسيات الوجدانية، وتنبيه النبوة للسجايا الاخلاقية، وبتسامع ~~الشرائع، وتعارف آثارها بحيث قد قبلوا أنواعا من التكليف اضطرارا. # فان قلت: سعادة القليل مع شقاوة الكثير كيف تكون مظهرا لسعادة النوع حتى ~~تكون الشريعة رحمة، مع ان سعادة النوع انما تكون بالكل او الأكثر؟ # قيل لك: اذا كان لك مائة بيضة ووضعتها تحت طير، فافرخت عشرين وأفسدت ~~ثمانين؛ أفلا تقول قد تكمل هذا النوع؟ اذ حياة عشرين تساوي ألوف بيضة. أو ~~كان لك مائة نواة تمر فأسقيتها بالماء فصار عشرون منها نخلات باسقات وتفسخ ~~ثمانون، أفلا تقول: الماء سعادة لهذا النوع؟ او كان لك معدن فسلطت عليه ~~النار فأصفت خمسه ذهبا وصيرت الباقي فحما ورمادا، افلا ms152 تكون النار سبب ~~كماله وسعادته؟ وقس على هذا!.. فاذا نشوء الحسيات العالية ونمو الأخلاق ~~انما هو بالمجاهدة، وتكمل الأشياء انما هو بمقابلة الأضداد ومزاحمتها. ~~ألاترى ان حكومة اذا جاهدت ينمو فيها الجسارة واذا تركت انطفأت.. تأمل!.. PageV01P207 # وان نظم جملة (وما يضل به الا الفاسقين) هو: انه لما ابهم في (يضل به ~~كثيرا) انتبه ذهن السامع وخاف فاستفسر قائلا: من هم الضالون؟ وما السبب؟ ~~وكيف تجئ الظلمة من نور القرآن؟.. فأجاب: بأنهم الفاسقون، وان الاضلال جزاء ~~لفسقهم، وبالفسق ينقلب النور في حق الفاسق نارا والضياء ظلمة. ألا ترى ان ~~ضياء الشمس يعفن ما استقذرت مادته. وان وجه التوصيف بقوله (الذين ينقضون ~~عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض) ~~هو انه شرح وكشف للفسق اذ الفسق عدول عن الحق وتجاوز عن الحد وخروج من ~~القشر الحصين. وان الفسق انما هو بالافراط أو التفريط في القوى الثلاث التي ~~هي القوة العقلية والغضبية والشهوية.. وان الافراط والتفريط سببان للعصيان ~~في مقابلة الدلائل التي كالعهود الالهية في الفطرة.. وكذا وسيلتان لمرض ~~الحياة النفسية وأشير الى هذا بالصفة الأولى.. وكذلك محركان للعصيان في ~~مقابلة الحياة الاجتماعية وتمزيق الروابط والقوانين الاجتماعية وأشير الى ~~هذا بالصفة الثانية.. وأيضا هما سببان للفساد والاختلال المنجر الى فساد ~~نظام الأرض وأشير الى هذا بالصفة الثالثة. نعم! ان الفاسق بتجاوز القوة ~~العقلية عن حد الاعتدال يكسر رابطة العقائد ويمزق القشر الحصين اي الحياة ~~الأبدية.. وبتجاوز القوة الغضبية يمزق قشر الحياة الاجتماعية.. وبتجاوز ~~القوة البهيمية واتباع الهوى يزيل عن قلبه الشفقة الجنسية فيفسد ويورط ~~الناس فيما تورط فيه فيكون سببا لضرر النوع وفساد نظام الأرض. # وان نظم جملة (أولئك هم الخاسرون) هو: انه لما ذكر جنايات الفاسق ورهب ~~بها أكد التهديد بنتيجتها وجزائها ليؤثر الترهيب. فقال: هم الذين خسروا ~~ببيع الآخرة بالدنيا واستبدال الهدى بالهوى.. 1 # ولنشرع في نظم هيئات جملة جملة، فاعلم! ان الآيات وجملها وهيئاتها كأميال ~~الساعة التي تعد الثواني والدقائق والساعات، فكلما ms153 يثبت هذا شيئا يؤيده ذاك ~~بدرجته ويمده ذلك بنسبته، وكذا اذا اراد هذا شيئا عاونه ذاك وساعده الآخر ~~بحيث يخطر الحال ما قيل: # عباراتنا شتى وحسنك واحد وكل الى ذاك الجمال يشير PageV01P208 # ولهذا السر قد بلغت سلاسة القرآن وعلو طبقته ودقة نقشه الى مرتبة ~~الاعجاز. # أما هيئات جملة (ان الله لايستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها) ~~فاعلم! ان (ان) للتحقيق ورد التردد والانكار فهي اشارة الى الترددات ~~المتسلسلة المذكورة.. وان لفظة "الله" لتنبيه الذهن على الخطأ في القياس ~~المذكور.. وان ايثار (لايستحيي) على "لايترك" مع ان الحياء - وهو انقباض ~~النفس - محال في حقه تعالى ونفى المحال لا فائدة فيه، اشارة الى ان الأسباب ~~من الحكمة والبلاغة وغيرهما تقتضي حسن التمثيل فلا علة للترك الا الحياء، ~~والحياء عليه تعالى محال فلا سبب للترك أصلا فألزمهم أشد إلزام وألطفه.. ~~وكذا رمز بمشاكلة الصحبة الى كلمتهم الحمقاء من قولهم: "أما يستحي رب محمد ~~من التمثيل بهذه المحقرات".. وان ايثار (ان يضرب) على "من المثل الحقير" مع ~~انه الأنسب، اشارة الى اسلوب لطيف وهو: ان التمثيل كضرب الخاتم للتصديق ~~والاثبات، أو كضرب السكة للقيمة والاعتبار. وفي الاشارة رمز الى حسن ~~التمثيل طردا للأوهام، وكذا اشارة الى ان التمثيل منهاج مشهور مستحسن، لأن ~~ضروب الأمثال من القواعد المعروفة.. وان ايثار (ان يضرب) على "ضرب" مع انه ~~الأوجز للايماء الى أن منشأ الاعتراض ليس إلا الخساسة. لأن (ان يضرب) لعدم ~~استقلاله كأنه لطيف يمر القصد الى المفعول.. وأما "ضرب" فلاستقلاله كأنه ~~كثيف يستوقف القصد.. وان (مثلا) ايماء الى خاصية التمثيل من تصوير المعقول ~~بالمحسوس، والموهوم بالمحقق، والغائب بالشاهد. ومنه ايماء الى رد الوهم.. ~~وتنكير (مثلا) رمز الى ان مدار النظر هو ذات التمثيل، وأما الصفات فمحمولة ~~على طبيعة المقام وحال الممثل له.. وان التعميم في (ما) اشارة الى تعميم ~~القاعدة لئلا يختص الجواب بما اعترضوا به فالممثل له أية صورة أقتضى ~~استحسنتها البلاغة. وان تخصيص (بعوضة) اشارة الى كثرة استعمال البلغاء ~~للتمثيل بها كقولهم ms154 "أضعف من البعوضة" 1 و"أشد عنادا من البعوضة" و "كلفتني ~~مخ البعوضة" و "أعز من مخ البعوضة" 2 و "قالت البعوضة للنخلة استمسكي انا ~~أطير" و "الدنيا لا توزن عندالله جناج بعوضة" وقس.. وفي الاشارة رمز الى ~~ضعف وهمهم.. وان المعنى ب (ما فوقها) مادونها في الصغر وما PageV01P209 # فوقها في قيمة البلاغة أو في الصغر أيضا فالتعبير ب (مافوقها) اشارة الى ~~ان الصغير اغرب بلاغة وأعجب خلقة. # واعلم! ان الهيئات كخيوط الحرير باجتماعها يظهر النقش الحسن. # وأما هيئات جملة (فأما الذين آمنوا فيعلمون انه الحق من ربهم وأما الذين ~~كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا) فاعلم! ان الفاء للتفريع، ~~والتفريع اشارة الى دليل ضمني ينتج هذه الجملة ذات الشقين: أي لايترك ~~التمثيل لأن البلاغة تقتضيه؛ فمن انصف يعرف انه بليغ وحق وكلام الله تعالى. ~~ومن نظر بالعناد لايعلم الحكمة فيتردد.. فيسأل.. فينكر.. فيستحقر. فانتج: ~~ان المؤمن - لأنه منصف - يصدق انه كلام الله، والكافر - لأنه معاند - يقول ~~ما الفائدة فيه؟ وان "اما" فلانها شرطية لزومية في الوضع اشارة الى ان ~~الخبر لازم للمبتدأ وضروري له، يعني من شأن المبتدأ هذا الخبر.. وان ايراد ~~(الذين آمنوا) بدل "المؤمنين" اشارة الى التنصيص على ان الايمان هو سبب ~~العلم بحقيته وان العلم بحقيته ايمان 1.. وان (انه الحق) بدل "انه البليغ" ~~الأنسب بالمقام اشارة الى آخر نتيجة اعتراضهم اذ غرضهم نفى كونه كلام ~~الله.. وان حصر "انه الحق" اشارة الى ان هذا هو المستحسن الذي لا يستقبح ~~بخلاف ما يزعمون اذ السلامة من العيب لاتثبت الكمال.. وان (من ربهم) اشارة ~~الى ان هدف غرضهم انكار النزول.. وان "اما" في "واما الذين كفروا" للتأكيد ~~والتحقيق والتفصيل.. وان ايراد (الذين كفروا) بدل "الكافرين" الأوجز ايماء ~~كما مر الى ان انكارهم يجئ من الكفر ويذهب الى الكفر.. وان ايثار (فيقولون) ~~على "فلا يعلمون" مع انه الظاهر كما مر فلاختيار طريق الكناية للايجاز أي: ~~من كفر لايعرف الحقيقة فينجر الى التردد.. فينجر الى الانكار.. فينجر الى ~~الاستحقار بصورة ms155 الاستفهام.. وأيضا في "يقولون" رمز الى أنهم كما كانوا ~~ضالين، كذلك كانوا مضلين بأقوالهم. PageV01P210 # وأما هيئات جملة (يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا) فاعلم! ان الترتيب يقتضي ~~تقديم الثانية لكن لما كان الغرض رد اعتراض المتردد المستفهم المستنكر ~~المستقبح كان (يضل) أهم. أما العدول عن "الضلالة والهداية" المناسبتين ~~للسؤال الى صورة الفعل المضارع فاشارة الى ان كفرهم يتكاثف ظلمة على ظلمة ~~بنسبة تزايد النزول تجددا؛ كما ان المؤمن يتزايد ايمانه بدرجات النزول نورا ~~على نور.. وكذا في الفعل - بناء على كونه جوابا - رمز الى بيان حال ~~الفريقين وبيان السبب. وأما (كثيرا) ففي الأولى كمية وعددا، وفي الثانية ~~قيمة وكيفية. نعم! ان كرام الناس كثيرون وان قلوا. فالتعبير بالكثير في ~~الثانية رمز الى سر كون القرآن رحمة للبشر 1. تأمل.. # وأما جملة (وما يضل به الا الفاسقين) فاعلم! انه لما ذكر الكثير في ~~الاولى دفع الوسوسة والخوف والتردد وتهمة النقص في القرآن ببيان: ان ~~الضالين من هم؟ وان منشأ الضلالة فسقهم، وان سببها كسبهم، وان القصور منهم ~~لا من القرآن، وان خلق الضلالة جزاء لفعلهم.. # ثم اعلم! ان كل واحدة من هذه الجمل كما انها كشافة لسابقتها؛ كذلك مفسرة ~~بلاحقتها كأنها دليل للسابقة نتيجة للاحقة. # وايضاحه: ان فيها سلسلتين. # إحداها هكذا: انه لايستحي.. لأنه لايترك.. لأنه بليغ ... لأنه حق.. لأنه ~~كلام الله.. لان المؤمن يعلمه. # والثانية هكذا: انه لايستحي كما يقول المنكر.. لأنهم يقولون يلزم تركه.. ~~لأنهم لايعلمون حكمته.. لأنهم يقولون ما الفائدة فيه.. لأنهم ينكرونه.. ~~لأنهم يستحقرونه.. لأنهم يقعون في الضلالة بسماعه.. لأنهم يضلهم القرآن.. ~~لأنهم هم الذين فسقوا وخرجوا عن قشرهم.. لأنهم نقضوا عهد الله.. لأنهم ~~مزقوا ما اتصل بأمر التكوين والتشريع.. لأنهم يفسدون النظام الالهي في ~~الارض. فاذا هم الخاسرون في الدنيا باضطراب الوجدان وبقلق القلب وبتوحش ~~الروح، وفي الآخرة بالعذاب الأبدي وبغضب الله، فتأمل في سلاسة السلسلتين!.. ~~(2) PageV01P211 # وأما هيئات جملة (الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر ~~الله به ان يوصل ويفسدون في الأرض) فاعلم! ms156 ان توصيف الفاسقين المشككين في ~~اعجازه ونظمه بهذه الأوصاف في هذا المقام، انما هو لمناسبة لطيفة عالية. ~~كأن القرآن يقول: ليس ببعيد من الفساق - الذين لم يروا اعجاز القدرة في ~~نظام الكائنات التي هي القرآن الأكبر - ان يترددوا ويجهلوا اعجاز نظم ~~القرآن؛ اذ كما يرون نظام الكائنات تصادفيا، والتحولات المثمرة عبثا ~~اتفاقية فتستر عنهم - لفساد روحهم - حكمه؛ كذلك بفطرتهم السقيمة وتهوسهم ~~الفاسد رأوا النظم المعجز مشوشا ومقدماته عقيمة وثمراته مرة. # اما جملة (ينقضون عهد الله) فلأن النقض لغة تفريق خيوط الحبل وتمزيقها ~~اشارة الى اسلوب عال، كأن عهده تعالى حبل نوراني فتل بالحكمة والعناية ~~والمشيئة فامتد من الازل الى ان اتصل بالأبد. فتجلى في الكائنات بصورة ~~النظام العمومي وأرسلت تلك السلسلة سلاسلها الى الأنواع وامتد أعجبها 1 الى ~~نوع البشر فاورثت واثمرت في روح البشر بذور استعدادات وقابليات تسقى ~~وتتزاهر بالجزء الاختياري المعدل بالأمر التشريعي، أي الدلائل النقلية. ~~فوفاء العهد صرف الاستعدادات فيما وضعت له؛ ونقض العهد خلافه وتفريقه، ~~كالايمان ببعض الأنبياء وتكذيب بعض.. وقبول بعض الأحكام ورد بعض.. واستحسان ~~بعض الآيات واستنكار بعض.. فانه يخل بالنظام والنظم والانتظام. # وأما جملة (ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل) فاعلم! ان هذا الأمر عام ~~للأمر التشريعي والأمر التكويني المندمج في القوانين الفطرية والعادات ~~الالهية. فالقطع لما أمر بوصله شرعا كقطع صلة الرحم وقطع قلوب المؤمنين بعض ~~عن بعض. وعلى هذا القياس!.. وتكوينا كقطع العمل عن العلم.. وقطع العلم عن ~~الذكاء.. وقطع الذكاء عن الاستعداد. وقطع معرفة الله عن العقل.. وقطع السعي ~~عن القوة.. وقطع الجهاد عن الجسارة وهكذا!.. اذ إعطاء القوة أمر معنوي ~~تكويني بالسعي، وإعطاء الذكاء أمر معنوي بالعلم.. الى آخره ... # وأما جملة (ويفسدون في الأرض) فاعلم! ان من فسد وتورط في الوحل يطلب أن ~~يكون له رفقاء متورطون ليتخفف عنه دهشة الحال بسر "اذا عمت البلية PageV01P212 # طابت" وكذا اذا وقع في قلب أحد اختلال، تخرب في قلبه الكمالات وتتساقط ~~الحسيات العالية، فيتولد فيه ميل التخريب فينتج له لذة في ms157 التخريب فيتحرى ~~لذته في الافساد والاختلال. # - فان قلت: كيف يؤثر فساد فاسق في عموم الأرض المشار اليه بلفظ في الأرض؟ # قيل لك: الذي فيه نظام ففيه موازنة، حتى ان النظام مبني على الموازنة ~~فتداخل شيء حقير بين دواليب ماكينة تتأثر به، وان لم يحس. والميزان الذي في ~~كفتيه جبلان يتأثر بوضع جوزة على كفة.. # وأما جملة (اولئك هم الخاسرون) فاعلم! ان حق العبارة "هم خاسرون في عدم ~~الهداية به " فلفظ "اولئك" ولفظ "هم" والتعريف والاطلاق لنكت: # أما (اولئك) فلأن وضعه لإحضار محسوس، فالإحضار المستفاد منه اشارة الى ان ~~السامع اذا سمع حالهم الخبيثة من شأنه ان يحصل له حدة عليهم ونفرة منهم. ~~فلتطمين نفرته وتشفي حدته يطلب أن يستحضروا إلى خياله ليشاهدهم وقت اتصافهم ~~بالعاقبة الوخيمة. . والمحسوسية اشارة الى أن أوصافهم الرذيلة تكثرت بدرجة ~~تجسمهم محسوسين نصب نظر النفرة. فمن الإشارة ايماء إلى علة الحكم بالخسارة. ~~. والبعدية إشارة إلى أنهم قد بعدوا عن طريق الحق بدرجة لايرجعون فيستحقون ~~الذم والتشنيع بخلاف من كان في معرض الندامة ومسافة الرجوع.. و (هم) اشارة ~~الى ان الخسارة منحصرة عليهم حتى ان خسارات المؤمنين لبعض اللذائذ الدنيوية ~~ليست خسارة. وكذا خسارات أهل الدنيا في تجاراتهم ليست خسارة بالنسبة إلى ~~خساراتهم.. والألف واللام اشارة الى تصوير الحقيقة أي من أراد أن يرى حقيقة ~~الخاسرين فلينظر اليهم. . وكذا ايماء الى أن مسلكهم محض خسارة لا كالخسارات ~~الأخر التي فيها وجوه من النفع لكن الضر أكثر. فالتعريف اما للكمال أو ~~للبداهة أو لتصوير الحقيقة.. واطلاق الخسارة اشارة باعانة المقام الخطابي ~~الى عموم أنواع الخسارات. أي خسروا في وفاء العهد بالنقض، وفي صلة الرحم ~~بالقطيعة، وفي الاصلاح بالإفساد، وفي الايمان بالكفر، وبالشقاوة خسروا ~~السعادة الأبدية.. # * * * PageV01P213 ### | AUTO كيف تكفرون بالله وكنتم امواتا فاحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم اليه ترجعون # 28 # اعلم ان لهذه الآية أيضا الوجوه الثلاثة النظمية: # أما نظم مآلها بسابقها، فاعلم! ان الله تعالى لما دعا الناس إلى عبادته ~~والاعتقاد به، وذكر أصول العقائد والأحكام مشيرا ms158 إلى دلائلها إجمالا؛ عاد ~~في هذه الآية مع لواحقها الثلاث إلى سرد الدلائل عليها بتعداد النعم ~~المتضمنة للدلائل. ثم إن أعظم النعم "الحياة" المشار اليها بهذه الآية، ثم ~~"البقاء" أي كمال الحياة بتنظيم السموات والأرض المشار اليه بالآية ~~الثانية، ثم تفضيل البشر وتكريمه على الكائنات بالآية الثالثة، ثم تعليمه ~~العلم بالرابعة.. فهذه النعم نظرا الى "صورة النعمة" دليل العناية والغاية، ~~وكذا دليل العبادة؛ اذ شكر المنعم واجب وكفران النعم حرام في العقول. ونظرا ~~الى "الحقيقة" دليل اختراعي على وجود المبدأ والمعاد.. وكذا ان هذه الآية ~~كما تنظر الى سابقتها كذلك تنظر إلى الأسبق من بحث الكافرين والمنافقين ~~فأشار بهذا الاستفهام الانكاري التعجبي إلى تقريعهم وتشنيعهم وتهديدهم ~~وترهيبهم. # وأما نظم الجمل، فاعلم! ان هنا إلتفاتا من الغيبة الى الخطاب؛ اذ حكى ~~عنهم اولا ثم خاطبهم، لنكتة معلومة في البلاغة وهي: # انه اذا ذكر مساوئ شخص شيئا فشيئا تزيد الحدة عليه، الى ان يلجئ المتكلم ~~- لو كان انسانا - الى المشافهة والمخاطبة معه.. وكذا اذا ذكرت محاسن أحد ~~درجة درجة يتقوى ميل المكالمة معه الى أن يلجئ إلى التوجه اليه والخطاب ~~معه. فلنزول القرآن على أسلوب العرب التفت فقال: (كيف تكفرون) مخاطبا لهم. # ثم اعلم! انه لما كان المقصد هنا سرد البراهين على الأصول السابقة من ~~الايمان والعبادة، ورد الكفر ومنع كفران النعمة. ثم ان أوضح الدلائل هو ~~الدليل المستفاد من سلسلة أحوال البشر، وان أكمل النعم هي النعم المتدلية ~~في أنابيب تلك السلسلة PageV01P214 # والمندمجة في عقدها؛ قال: (وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم ~~اليه ترجعون) اشارة الى تلك السلسلة العجيبة المترتبة ذات العقد الخمس التي ~~تدلت من أنابيبها عناقيد النعم. فلنمهد خمس مسائل لحل تلك العقد. # المسألة الأولى: في (وكنتم أمواتا) . # اعلم! ان الانسان باعتبار جسده بينما كان ذرات جامدة منتشرة في العالم، ~~اذ تراها دخلت بقانون مخصوص ونظام معين تحت انتظام.. ثم بينما تراها متسترة ~~ساكتة في عالم العناصر اذ تراها انتقلت متسللة بدستور معين وانتظام يومئ ~~إلى قصد ms159 وحكمة الى عالم المواليد.. ثم بينما تراها متفرقة ساكنة في ذلك ~~العالم اذ تراها تحزبت بطرز عجيب وصارت نطفة.. ثم بانقلابات متسلسلة علقة ~~فمضغة.. فلحما وعظاما وهلم جرا.. فكل من هذه الأطوار وان كان مكملا بالنسبة ~~الى سابقه الا انه ميت وموات. 1 # - فان قلت: الموت عدم الحياة وزوالها ولا حياة فيها حتى تزول؟ # قيل لك: اختار المجاز لاعداد الذهن لقبول العقدة الثالثة والرابعة. # المسألة الثانية: في (فأحياكم) . # اعلم! ان أعجب معجزات القدرة وادقها الحياة.. وكذا هي أعظم كل النعم ~~وأظهر كل البراهين على المبدأ والمعاد. # أما وجه أدقيتها وغموضها فهو: # ان ادنى أنواع الحياة حياة النبات، وان أول درجاتها تنبه العقدة الحياتية ~~في الحبة. وهذا التنبه مع شدة ظهوره وعمومه والالفة به من زمان آدم الى ~~الآن قد بقي مستورا عن نظر حكمة البشر. # وأما وجه كونها أعظم النعم فهو: # ان الجسم الذي لاحياة فيه ليس له مناسبة إلا مع مكانه المشخص وما به ~~يختلط فيكون يتيما منفردا ولو كان جبلا. لكن اذا رأيت جسما ولو صغيرا ~~كالنحل مثلا وقع PageV01P215 # فيه الحياة حصل له دفعة مناسبات مع عموم الكائنات وتجارة مع الأنواع حتى ~~يحق له أن يقول: "مكاني الكائنات وهي كملكي". اذ اذا انتقل إلى الحياة ~~الحيوانية تراه يجول بحواسه ويتصرف بها في أطراف الكائنات فيحصل بينه وبين ~~أنواعها اختصاص ومبادلة ومحبة.. ولا سيما اذا ترفع إلى طبقة الانسانية تراه ~~بنور العقل يجول في عوالم. فكما يتصرف في العالم الجسماني يجول في العالم ~~الروحاني، ويطوف في العالم المثالي. وكما يسافر هو الى تلك العوالم؛ كذلك ~~تسافر هي اليه بالتمثل في مرآة روحه حتى يستحق أن يقول: "ان العالم مخلوق ~~لأجلي بفضل الله تعالى".. فتتنوع حياته وتنبسط الى الحياة المادية ~~والمعنوية والجسمانية والروحانية التي يشتمل كل منها على طبقات. فحق أن ~~يقال: كما ان الضياء سبب لظهور الألوان والأجسام؛ كذا ان الحياة كشافة ~~لكافة الموجودات وسبب لظهورها، وان الحياة هي التي تصير ذرة كعالم. وان ~~الحياة هي الوسيلة لإحسان مجموع ms160 العالم لذي حياة برأسه مع عدم المزاحمة ~~والانقسام إلا في أقل قليل بين البشر. # وأما وجه كونها أظهر الدلائل على الصانع وكذا على الحشر: # فاعلم! ان انتقال بعض ذرات جامدة وانقلابها دفعة الى هيئة ووضعية تخالف ~~الوضعية الأولى - بلا توسط سبب معقول - برهان أي برهان. حتى ان الحياة ~~لكونها أشرف الحقائق وأنزهها، لا خسة فيها بوجه ولا رين عليها، لا في جهة ~~الملك ولا في جهة الملكوت، فكلا وجهيها لطيفان، حتى ان حياة أخس حيوان جزئي ~~أيضا عالية. ولهذا السر (1) لم يتوسط بينها وبين يد القدرة سبب ظاهري؛ اذ ~~مباشرتها لا تنافي عزة القدرة، مع ان وضع الأسباب الظاهرية - كما مر - ~~لمحافظة عزة القدرة في مباشرة الأمور الخسيسة في ظاهر النظر. # وأما وجه كونها أظهر الدلائل على المبدأ والمعاد فقد سمعت آنفا، فلنلخص ~~لك وهو: # ان من نظر في هذه الحياة وتدرج بنظره الى الأطوار المترتبة إلى أبسط صور ~~الجسم يرى أجزاء منتثرة في عالم الذرات. ثم يبصرها قد تلبس في عالم العناصر ~~صورا أخرى. ثم يصادفها في عالم المواليد في وضعية أخرى.. ثم يلاقيها في ~~نطفة ثم في # (1) تدقيق حسن (بخط المؤلف على نسخة مطبوعة) PageV01P216 # علقة ثم في مضغة. ثم يراها دفعة بانقلاب عجيب قد لبست صورة ويرى في هذه ~~الانقلابات حركات منتظمة على دساتير معينة يتراءى منها: ان كل ذرة كانت ~~معينة في أول الأطوار كأنها موظفة للذهاب إلى الموضع المناسب من جسد الحي، ~~فيتفطن الذهن انها بقصد تساق وبحكمة ترسل، وكانت الحياة الثانية في نظره ~~أهون وأسهل وأمكن بدرجات فيقنع بها قلبه بالطريق الأولى. فهذه الجملة ~~كالدليل للاحقتها والكل معا برهان على الانكار المستفاد من "كيف". # المسألة الثالثة: في (ثم يميتكم) . # اعلم! ان آية (خلق الموت والحياة) 1 تدل على ان الموت ليس إعداما وعدما ~~صرفا، بل تصرف، وتبديل موضع، واطلاق للروح من المحبس. وكذا ان ما وجد في ~~نوع البشر الى الآن من امارات غير معدودة، ونجم من اشارات غير محدودة؛ القت ~~الى الأذهان قناعة وحدسا ms161 بأن الإنسان بعد الموت يبقى بجهة، وان الباقي منه ~~هو الروح. فوجود هذه الخاصة الذاتية في فرد يكون دليلا على وجودها في تمام ~~النوع للذاتية. ومن هنا تكون الموجبة الشخصية مستلزمة للموجبة الكلية، ~~فحينئذ يكون الموت معجزة القدرة كالحياة. لا انه عدم علته عدم شرائط ~~الحياة. # فإن قلت: كيف يكون الموت نعمة حتى نظم في سلك النعم؟ # قيل لك: أما: # أولا: فلأنه مقدمة للسعادة الأبدية، ولمقدمة الشيء حكم الشيء حسنا وقبحا؛ ~~اذ مايتوقف عليه الواجب واجب وما ينجر إلى الحرام حرام.. # وثانيا: فلأن الموت عند أهل التحقيق من المتصوفين نجاة للشخص بخروجه عن ~~نظير المحبس المشحون بالحيوانات المضرة الى صحراء واسعة.. # وثالثا: فلأنه باعتبار نوع البشر نعمة عظمى؛ اذ لولاها لوقع النوع في ~~سفالات مدهشة.. # ورابعا: فلأنه باعتبار بعض الأشخاص نعمة مطلوبة اذ بسبب العجز والضعف لا ~~يتحمل تكاليف الحياة وضغط البليات وعدم شفقة العناصر، فالموت باب فوزه. PageV01P217 # المسألة الرابعة: في (ثم يحييكم) . # اعلم! ان باشارة آية (امتنا اثنتين واحييتنا اثنتين) 1 وكذا برمز تعقيب ~~هذه ب ثم اليه ترجعون مع النظر إلى ايجاز القرآن، ايماء الى حياة القبركما ~~تدل على حياة الحشر. # - فإن قلت: اذا احرق انسان واعطي رماده للهواء كيف يتصور فيه الحياة ~~القبرية؟ # قيل لك: ان البنية ليست شرطا للحياة عند أهل السنة والجماعة فيمكن تعلق ~~الروح ببعض الذرات. # - فإن قلت: كيف يتصور عذاب القبر مع انه لو وضعت بيضة على صدر جنازة ~~بأيام لا يحس فيها أدنى حركة فكيف الحياة والعذاب؟ # قيل لك: ان العالم المثالي قد برهن عليه في موقعه، حتى ان وجوده قطعي عند ~~المحققين الإلهيين. وخاصة ذلك العالم تحويل المعاني أجساما والأعراض جواهر ~~والمتغيرات ثابتة. والعيون الناظرة من عالم الشهادة اليه، الرؤيا الصادقة ~~والكشف الصادق والأجسام الشفافة فانها تلوح بوجوده. ثم ان عالم البرزخ اثبت ~~حقيقة من عالم المثال الذي هو تمثاله. وظل هذا العالم عالم الرؤيا، وظل هذا ~~عالم الخيال، ونظير هذا الاجسام الشفافة كالمرآة. فاذ تفهمت هذا فانظر في ~~عالم الرؤيا ms162 وتأمل في شخص نام عندك وهو ساكن وساكت مع انه في عالمه يقاتل ~~ويضارب فيصير مجروحا أو تلدغه الحية فيتألم. ولو أمكن لك أن تدخل في رؤياه ~~وتقول له: يا هذا! لا تعجز ولا تغضب فإن هذا ليس حقيقة وحلفت له ألف يمين ~~لما يصدقك. ويقول لك: هذا ألمي يوجعني وهذا جرحي! أما ترى هذا وبيده السيف، ~~واما ترى الحية تهجم علي؛ اذ تجسم معنى وجع الكتف أو نزلة الرأس 2 في صورة ~~سيف جارح، اذ النتيجة واحدة. أو تصور معنى الخيانة الموجعة لقلبه في لباس ~~الحية اذ الألم واحد. فيا هذا! اذ ترى ذاك في ظل عالم المثال أفلا تصدقه في ~~عالم البرزخ الذي هو أثبت حقيقة بدرجات وأبعد منا؟ أما (يحييكم) بالنظر الى ~~الحياة الأخروية. فاعلم! ان تلك PageV01P218 # الحياة نتيجة لكل العالم. ولولاها لم تكن الحقيقة ثابتة ولانقلبت الحقائق ~~- كالنعمة - نقمة. وقس!.. ولقد لخصنا دلائلها في تفسير (وبالآخرة هم ~~يوقنون) .. # المسألة الخامسة: في (ثم اليه ترجعون) آخر العقد من تلك السلسلة. # اعلم! ان الخالق جلت قدرته مزج الاضداد في عالم الكون والفساد لحكم دقيقة ~~ووضع أسبابا ظاهرية ووسائط اظهارا لعزته فترتبت سلسلة العلل والمعلولات. ثم ~~لما تصفت الكائنات وتميزت وتحزبت في الحشر ارتفعت الأسباب واسقطت الوسائط ~~فارتفع الحجاب وكشف الغطاء فيرى كل صانعه ويعرف مالكه الحقيقي. # تذييل لخلاصة نظم الجمل: اعلم! انه تعالى لما أنكر كفرهم الواقع بطريق ~~الاستفهام الاستخباري في "كيف" ودعا الناس الى التعجب منه؛ برهن عليه بما ~~بعد الواو الحالية أي باراءة أربعة انقلابات عظيمة كلها وكل منها شاهد على ~~وجوب الايمان. ثم ان كل انقلاب منها مشتمل على أطوار ومراتب، ومقدمة ومعدة ~~للانقلاب الذي يليه فمن الطور الاول من الانقلاب الأول إلى الطور الآخر من ~~الانقلاب الآخر يتجدد أصل جسد الحي دائما فيلقى قشرا ويلبس الأكمل ثم يخلعه ~~ويلبس صورة أعلى ثم يلقيها أيضا فيلبس صورة أحسن وهلم جرا!.. فهو دائما في ~~استبدال صورة بأخرى كاملة إلى أن يصل إلى أعلى الأعالي فيستقر بتقرر ms163 ~~السعادة الأبدية، وكلها بنظام معين وقانون منتظم. فأشار إلى أول الانقلابات ~~بقوله (وكنتم أمواتا) وهذا مشتمل على أطوار آخر الأطوار ينتج مآل (فأحياكم) ~~الدال على الانقلاب الثاني الذي هو أعجب حقائق العالم المشتمل على أطوار ~~آخرها تنتهي بانقلاب (ثم يميتكم) المشتمل أيضا على أطواره البرزخي التي تتم ~~بانقلاب (ثم يحييكم) المشتمل على أطواره القبرية ثم الحشرية المختومة بقوله ~~(ثم اليه ترجعون) . فمن أمعن في هذه الانقلابات كيف يتجاسر على الانكار؟ # ولنشرع في نظم هيئات جملة جملة: # أما الجملة الأولى أعني (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا) فالاستفهام فيها ~~لتوجيه ذهنهم الى قباحتهم ليروا بأنفسهم فينصفوا فيقروا. و (كيف) اشارة الى ~~الاستدلال على عدم الكفر بانكار الحال اللازم. والخطاب في (تكفرون) ايماء ~~كما PageV01P219 # مر الى شدة الغضب ولم يقل "لاتؤمنون" اشارة الى شدة تمردهم اذ يتركون ~~الايمان الذي عليه الدلائل ويقبلون الكفر الذي على بطلانه البراهين. وواو ~~الحالية في (وكنتم) تشير إلى مقدر، اذ الجملتان ماضيتان. والأخريان ~~مستقبلتان كلاهما لايوافق قاعدة مقارنة الحال لعامل ذي الحال، فاذا التقدير ~~"والحال انكم تعلمون". 1 # فإن قلت: انهم وان علموا بالموت والحياة الأولى لكنهم لايعلمون انهما من ~~الله، وكذلك لايقرون بالحياة الثانية ولايصدقون بالرجوع اليه تعالى؟ # قيل لك: من البلاغة تنزيل الجاهل منزلة العالم عند ظهور دلائل ازالة ~~الجهل. فلما كان التفكر في أطوار الموت الأول والحياة الأولى ملجأ الى ~~الاقرار بالصانع وكان العلم بها مقنعا للذهن بوقوع الحياة الثانية؛ كانوا ~~كأنهم عالمون بهذه السلسلة. والخطاب في (كنتم) اشارة الى ان لهم في عالم ~~الذرات أيضا وجودا وتعينا. لا ان الذرات كيفما اتفقت صارت أجسادهم المعينة ~~بالتصادف. وإيثار (أمواتا) على جماد 2 أو ذرات ايماء الى مآل (لم يكن شيئا ~~مذكورا) 3. # وأما جملة (فأحياكم) : # فان قلت: الفاء للتعقيب والاتصال مع تخلل تلك الأطوار وتوسط مسافة طويلة ~~الى الحياة؟ # قيل لك: الفاء للإشارة إلى منشأ دليل الصانع وهو ان انقلابها من الجمادية ~~الى الحيوانية دفعة من غير توسط سبب معقول يلجئ الذهن الى الاقرار بالصانع. ~~وكذا ms164 ان الأطوار في حالة الموات ناقصة غير ثابتة شأنها التعقيب. وإيثار ~~(أحياكم) على "صرتم أحياء" للتصريح، أي صرتم أحياء ولايمكن ذلك بغير قدرة ~~الصانع. فانتج ان الله تعالى هو الذي أحيا. # وأما جملة (ثم يميتكم) بدل "تموتون" فإشارة كما مر الى أن الموت تصرف ~~عظيم للقدرة بمقياس القدر. ألا ترى ان من استوفى عمره الطبيعي ثم انتهى إلى PageV01P220 # الأجل اقل قليل. فيتيقظ الذهن الى ان الموت ليس نتيجة طبيعية. فالموت ~~انحلال الجسد لا فناء الروح بل اطلاقه. # وأما جملة (ثم يحييكم) ف "ثم" اشارة الى توسط عالم البرزخ ذي العجائب. # وأما جملة (ثم اليه ترجعون) ف "ثم" اشارة الى توسط الغطاء العظيم. ~~و"ترجعون" اشارة الى كشف الغطاء وطرد الأسباب واسقاط الوسائط. # فإن قلت: الرجوع الى الله تعالى يقتضي ان يكون المجئ منه اولا، ومن هنا ~~توهم بعض الاتصال واشتبه بعض أهل التصوف. # قيل لك: ان في الدنيا وجودا وبقاء وكذا في الآخرة وجود وبقاء. فالوجود في ~~الدنيا يصدر من يد القدرة بلا واسطة وأما البقاء المحفوف بالتحليل والتركيب ~~والتصرف والتحول في عالم الكون والفساد فيتداخل بينه العلل وتتوسط الأسباب ~~للحكمة المذكورة سابقا. وأما في الآخرة فالوجود وكذا البقاء بلوازمه ~~وتركيباته يظهر بالذات من يد القدرة ويعرف كل شيء مالكه الحقيقي. فاذا تأملت ~~في هذا علمت معنى الرجوع. # *** PageV01P221 ### | AUTO هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى الى السماء فسويهن سبع سموات وهو بكل شيء عليم # 29 # اعلم! ان لهذه الآية ايضا الوجوه الثلاثة العظيمة: 1 # أما نظم المجموع بالسابق فهو: ان في الآية الأولى انكار الكفر والكفران ~~بالدلائل الانفسية وهي أطوار البشر، وفي هذه الآية اشارة الى الدلائل ~~الآفاقية.. وكذا في الأولى اشارة الى نعمة الوجود والحياة، وفي هذه الآية ~~الى نعمة البقاء.. وكذا في تلك دليل على الصانع ومقدمة للحشر، وفي هذه ~~اشارة الى تحقيق المعاد وازالة الشبه كأنهم يقولون: اين للإنسان هذه ~~القيمة؟ وكيف له تلك الأهمية؟ وما موقعه عند الله حتى يقيم القيامة لأجله؟ ~~فقال ms165 القرآن باشارات هذه الآية: ان للإنسان قيمة عالية بدليل ان السموات ~~والأرض مسخرة لاستفادته، وكذا ان له أهمية عظيمة بدليل ان الله لم يخلق ~~الانسان للخلق بل خلق الخلق له، وان له عند خالقه لموقعا بدليل ان الله ~~تعالى لم يوجد العالم لذاته بل اوجده للبشر وأوجد البشر لعبادته. فانتج ان ~~الانسان مستثنى وممتاز لا كالحيوانات فيليق أن يكون مظهرا لجوهرة (ثم اليه ~~ترجعون) . # وأما نظم جملة جملة، فاعلم! ان لفظ "جميعا" في الجملة الأولى ولفظ "ثم" ~~في الثانية ولفظ "سبع" في الثالثة تقتضي تحقيقا. فلنتكلم عليها في ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: # ان قلت: ان هذه الآية تدل على أن جميع ما في الأرض لاستفادة البشر فكيف ~~يتصور استفادة (زيد) مثلا من كل جزء من أجزاء الأرض؟ و (حبيب وعلي) 2 كيف ~~يستفيدان من حجر في قعر جبل في وسط جزيرة في البحر المحيط الكبير؟ وكيف ~~يكون مال (زيد) لاستفادة عمرو؟ مع ان الآية باشارات أخواتها تشير أن لكل ~~فرد الجميع لا التوزيع. وكذا كيف تكون الشمس والقمر وغيرهما مع PageV01P222 # تلك العظمة لزيد وعمرو والعلة الغائية فيها الفائدة الجزئية لهما؟ وكيف ~~تكون المضرات لاستفادة البشر مع انه لا مجازفة في القرآن ولاتليق المبالغة ~~ببلاغته الحقيقية؟ # قيل لك: تأمل في ست نقاط يتطاير عنك الأوهام: # الأولى: ان خاصية الحياة كما مر تصير الجزء كلا والجزئي كليا والمنفرد ~~جماعة والمقيد مطلقا والفرد عالما، فيصير الأنواع كقوم ذي حياة والدنيا ~~بيته ويكون له مناسبة مع كل شيء. # والثانية: ان في العالم كما علمت نظاما ثابتا واتساقا محكما ودساتير ~~عالية وقوانين أساسية مستمرة فيكون العالم كساعة أو ماكينة منتظمة. فكما ان ~~كل دولاب منها بل كل سن من كل دولاب بل كل جزء من كل سن له دخل ولو جزئيا ~~في نظام الماكينة، وكذا له تأثير في فائدة الماكينة ونتيجتها بواسطة ~~نظامها؟ كذلك لوجوده دخل في فائدة أهل الحياة الذين سيدهم ورئيسهم البشر. # والثالثة: انه - كما قرع سمعك فيما مضى - لا مزاحمة في وجوه ms166 الاستفادة، ~~فكما ان الشمس بتمامها لزيد وان ضياءها روضة وميدان لنظره؛ كذلك بتمامها ~~ملك لعمرو وجنة له. فزيد مثلا لو كان في العالم وحده كيف تكون استفادته؛ ~~كذلك اذا كان مع كل الناس لا ينقص منها شيء الا فيما يعود الى الغارين. 1 # والرابعة: ان الكائنات ليس لها وجه رقيق فقط، بل فيها وجوه عمومية مختلفة ~~طبقا على طبق، ولفوائدها جهات كثيرة عمومية متداخلة، وطرق الاستفادة متعددة ~~متنوعة. مثلا: اذا كان لك روضة تستفيد منها بجهة ويستفيد الناس بجهة أخرى، ~~كالاستلذاذ بالقوة الباصرة. ولاجرم ان استفادة الانسان تحصل بحواسه الخمس ~~الظاهرة وبحواسه الباطنة وبجسمه وبروحه وكذا بعقله وقلبه وكذا في دنياه وفي ~~آخرته وكذا من جهة العبرة وقس عليها.. فلا مانع من استفادته بوجه من هذه ~~الوجوه من كل ما في الأرض بل العالم. # والخامسة: انه: PageV01P223 # ان قلت: هذه الآيات مع آيات اخر تشير الى ان هذه الدنيا العظيمة مخلوقة ~~لأجل البشر وجعل استفادته علة غائية لها. والحال ان زحل الأكبر من الأرض ~~ليست فائدتها بالنسبة الى البشر الا نوع زينة وضياء ضعيف فكيف يكون علة غائية؟ # قيل لك: ان المستفيد يفنى في جهة استفادته وينحصر ذهنه في طريقها وينسى ~~ما عداها وينظر الى كل شيء لنفسه ويحصر العلة الغائية على ما يتعلق به. فاذا ~~لا مجازفة في الكلام الموجه الى ذلك الشخص في مقام الامتنان بأن يقال: ان ~~زحل الذي أبدعه خالقه لألوف حكم، وفي كل حكمة ألوف جهات، وفي كل جهة ألوف ~~مستفيد العلة الغائية في إبداعه جهة استفادة ذلك الشخص. # والسادسة: - وقد نبهت عليه - ان الانسان وان كان صغيرا فهو كبير، فنفعه ~~الجزئي كلي فلا عبثية. # المسألة الثانية: في (ثم) : # اعلم! ان هذه الآية تدل على أن خلق الأرض قبل السماء، وان آية (والأرض ~~بعد ذلك دحيها) 1 تدل على ان خلق السماء قبل الارض، وان آية (كانتا رتقا ~~ففتقناهما) 2 تدل على انهما خلقتا معا وانشقتا من مادة.. # واعلم ثانيا: ان نقليات الشرع تدل على ان ms167 الله تعالى خلق اولا جوهرة - أي ~~مادة - ثم تجلى عليها فجعل قسما منها بخارا وقسما مائعا. ثم تكاثف المائع ~~بتجليه فأزبد. ثم خلق الأرض أوسبع كرات من الأرضين من ذلك الزبد فحصل لكل ~~أرض منها سماء من الهواء النسيمي. ثم بسط المادة البخارية فسوى منها سموات ~~زرع فيها النجوم فانعقدت السموات مشتملة على نويات النجوم. وان فرضيات ~~الحكمة الجديدة ونظرياتها تحكم بأن المنظومة الشمسية أي مع سمائها التي ~~تسبح فيها كانت جوهرا بسيطا ثم انقلب إلى نوع بخار ثم تحصل من البخار مائع ~~ناري ثم تصلب بالتبرد منه قسم ثم ترامى ذلك المائع الناري بالتحرك شرارات ~~وقطعات انفصلت فتكاثفت فصارت سيارات منها أرضنا هذه. PageV01P224 # فإذا سمعت هذا يجوز لك التطبيق بين هذين المسلكين لأنه يمكن أن يكون آية ~~(كانتا رتقا ففتقناهما) اشارة الى ان الأرض مع المنظومة الشمسية كانت كعجين ~~عجنته يد القدرة من جوهر بسيط أعني "مادة الاثير" التي هي كالماء السيال ~~بالنسبة الى الموجودات فتنفذ جارية بينها. وآية (وكان عرشه على الماء) 1 ~~اشارة الى هذه المادة التي هي كالماء. و"الاثير" بعد خلقه، هو المركز لأول ~~تجلي الصانع بالايجاد، اي فخلق "الأثير" ثم صيره جواهر فردة ثم جعل البعض ~~كثيفا، ثم خلق من الكثيف سبع كرات مسكونة منها ارضنا. ثم ان الأرض بالنظر ~~الى كثافتها وتصلبها قبل الكل وتعجيلها في لبس القشر وصيرورتها من زمان ~~مديد منشأ الحياة مع بقاء كثير من الاجرام السماوية الى الآن مائعة نارية ~~تكون خلقتها وتشكلها من هذه الجهة قبل خلق السموات. ولما كان تكمل منافعها ~~ودحوها - أي بسطها وتمهيدها لتعيش نوع البشر - بعد تسوية السموات وتنظيمها ~~تكون السموات اسبق من هذه الجهة مع الاجتماع في المبدأ. فالآيات الثلاث ~~تنظر الى النقاط الثلاث. # الجواب الثاني: ان المقصد من القرآن الكريم ليس درس تاريخ الخلقة، بل نزل ~~لتدريس معرفة الصانع. ففيه مقامان: ففي مقام بيان النعمة واللطف والمرحمة ~~وظهور الدليل تكون الأرض اقدم، وفي مقام دلائل العظمة والعزة والقدرة تكون ~~السموات اسبق.. ثم ان ms168 "ثم" كما تكون للتراخي الذاتي تجئ للتراخي الرتبي ف ~~(ثم استوى) أي ثم اعلموا وتفكروا انه استوى. 2 # المسألة الثالثة: في (سبع) : # اعلم! ان الحكمة العتيقة قائلة بأن السموات تسعة، وتصورها أهلها بصورة ~~عجيبة، واستولى فكرهم على نوع البشر في اعصار. حتى اضطر كثير من المفسرين ~~الى إمالة ظواهر الآيات الى مذهبهم. وأما الحكمة الجديدة فقائلة بأن النجوم ~~معلقة في الفضاء والخلو كأنها منكرة لوجود السماء. فكما أفرطت إحداهما فرطت ~~الأخرى. وأما الشريعة فحاكمة بأن الصانع جل جلاله خلق سبع سموات وجعل ~~النجوم فيها PageV01P225 # كالسماك تسبح. والحديث يدل على ان "السماء موج مكفوف" 1 وتحقيق هذا ~~المذهب الحق في ست مقدمات. # الأولى: انه قد ثبت فنا وحكمة ان الفضاء الوسيع مملوء من الأثير. # والثانية: ان رابطة قوانين الأجرام العلوية وناشر قوى أمثال الضياء ~~والحرارة وناقلها مادة موجودة في الفضاء مالئة له. # والثالثة: ان مادة الأثير مع بقائها اثيرا لها كسائر المواد تشكلات ~~مختلفة وتنوعات متغايرة كتشكل البخار والماء والجمد. # والرابعة: انه لو أمعن النظر في الاجرام العلوية يرى في طبقاتها تخالف. ~~ألا ترى ان نهر السماء المسمى ب "كهكشان" 2 المرئي في صورة لطخة سحابية ~~انما هو ملايين نجوم أخذت في الانعقاد. فصورة الأثير التي تنعقد تلك النجوم ~~فيها تخالف طبقة الثوابت البتة، وهي أيضا تخالف طبقات المنظومة الشمسية ~~بالحدس الصادق وهكذا الى سبع منظومات. # والخامسة: انه قد ثبت حدسا واستقراء انه اذا وقع التشكيل والتنظيم ~~والتسوية في مادة تتولد منها طبقات مختلفة كالمعدن يتولد منه الرماد والفحم ~~والألماس.. وكالنار تتميز جمرا ولهبا ودخانا، وكمزج مولد الماء مع مولد ~~الحموضة 3 يتشكل منه ماء وجمد وبخار. # والسادسة: ان هذه الامارات تدل على تعدد السموات. والشارع الصادق قال هي ~~سبعة، فهي سبعة على ان السبع والسبعين والسبع مائة في أساليب العرب لمعنى ~~الكثرة. # والحاصل: ان الصانع جل جلاله خلق من "مادة الأثير" سبع سموات فسواها ~~ونظمها بنظام عجيب دقيق وزرع فيها النجوم وخالف بين طبقاتها. PageV01P226 # اعلم! انك اذا تفكرت في وسعة ms169 خطابات القرآن الكريم ومعانيه ومراعاته ~~لافهام عامة الطبقات من أدنى العوام الى أخص الخواص ترى أمرا عجيبا. مثلا: ~~من الناس من يفهم من (سبع سموات) طبقات الهواء النسيمية.. ومنهم من يفهم ~~منه الكرات النسيمية المحيطة بأرضنا هذه وأخواتها ذوات ذوي الحياة.. ومنهم ~~من يفهم منه السيارات السبع المرئية للجمهور.. ومنهم من يفهم منه طبقات ~~سبعة اثيرية في المنظومة الشمسية.. ومنهم من يفهم منه سبع منظومات شموسية ~~أولاها منظومة شمسنا هذه.. ومنهم من يفهم منه انقسام الأثير في التشكل الى ~~طبقات سبعة كما مر آنفا.. ومنهم من يرى جميع ما يرى مما زين بمصابيح الشموس ~~والنجوم الثوابت سماء واحدة. هي السماء الدنيا وفوقها ست سموات اخر لاترى.. ~~ومنهم من لايرى انحصار سبع سموات في عالم الشهادة فقط بل يتصورها في طبقات ~~الخلقة في العوالم الدنيوية والأخروية والغيبية.. فكل يستفيض بقدر استعداده ~~من فيض القرآن ويأخذ حصته من مائدته فيشتمل على كل هذه المفاهيم. # واعلم! ان الجملة الأولى: أعني (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا) ~~نظمها بخمسة أوجه: # الأول: ان الآية الأولى اشارة الى نعمة الحياة والوجود، وهذه تشير الى ~~نعمة البقاء وأسبابه. # والثاني: انه لما اثبتت الأولى للبشر أعلى المراتب أعني الرجوع اليه ~~تعالى تنبه ذهن السامع للسؤال ب "اين لهذا الانسان الذليل استعداد لهذه ~~المرتبة العالية إلا ان يكون بفضله تعالى وجذبه؟ ". فكأن هذه الجملة تقول ~~مجيبة عن ذلك السؤال ان للإنسان عند خالقه الذي سخر له جميع الدنيا لموقعا عظيما. # والثالث: انه لما أشارت الأولى الى وجود الحشر والقيامة للبشر ذهب السامع ~~الى سؤال: ما أهمية البشر حتى تقوم القيامة لأجله ويخرب العالم لسعادته؟ ~~فكأن هذه الجملة تجيبه ب "ان من هيئ جميع ما في الأرض لاستفادته وسخر له ~~الأنواع له أهمية عظيمة تشير الى انه هو النتيجة للخلقة". PageV01P227 # والرابع: ان الأولى اشارت ب (اليه ترجعون) الى رفع الوسائط وانحصار ~~المرجعية فيه تعالى. والحال ان للبشر في الدنيا مراجع كثيرة، فهذه الجملة ~~تقول أيضا ان الأسباب والوسائط ms170 تشف عن يد القدرة، وان المرجع الحقيقي في ~~الدنيا انما هو الله تعالى وانما توسطت الأسباب لحكم فانه تعالى هو الذي ~~خلق للإنسان كل ما يحتاج اليه. # والخامس: ان الأولى لما اشارت الى السعادة الأبدية أشارت هذه الى سابقة ~~فضل يستلزم تلك السعادة ذلك الفضل أي من احسن اليه جميع ما في الأرض لحقيق ~~بأن يعطى له السعادة الأبدية. # وجملة (ثم استوى الى السماء) نظمها بأربعة أوجه. # الأول: ان السماء رفيقة الأرض لا يتصور الأرض أحد إلا ويخطر في ذهنه ~~السماء. # والثاني: ان تنظيم السماء هو المكمل لوجه استفادة البشر مما في الأرض. # والثالث: ان الجملة الأولى اشارت الى دلائل الاحسان والفضل وهذه تشير الى ~~دلائل العظمة والقدرة. # والرابع: ان هذه الجملة تشير الى ان فائدة البشر لا تنحصر على الأرض بل ~~السماء أيضا مسخرة لاستفادته. # ونظم جملة: (فسويهن سبع سموات) بثلاثة أوجه. # الأول: ان ربطها بالأولى كربط "فيكون" مع "كن". # والثاني: انه كربط تعلق القدرة بتعلق الارادة. # والثالث: انه كربط النتيجة بالمقدمة. # ونظم جملة (وهو بكل شيء عليم) بوجهين: # أحدهما: انها دليل لمي على التنظيم السابق كما ان التنظيم السابق دليل ~~اني عليها؛ اذ الاتساق والانتظام يدلان على وجود العلم الكامل كما ان العلم ~~يفيد الانتظام. PageV01P228 # والآخر: ان الجملة الأولى تدل على القدرة الكاملة وهذه على العلم الشامل. # أما نظم هيئآت جملة جملة: ففي الجملة الأولى الاستيناف وتعريف الجزئين ~~وتعريف الخبر ولام "لكم" وتقديم "لكم" ولفظ "في" ولفظ "جميعا": # أما الاستيناف فإشارة إلى أسئلة مقدرة وأجوبة قد نبهت عليها في الاوجه ~~الخمسة لنظم الجملة الأولى.. وأما تعريف الجزئين 1 فاشارة الى التوحيد ~~والحصر الذي هو دليل على الحصر في تقديم "اليه" في (ثم اليه ترجعون) .. ~~وأما تعريف الخبر فاشارة الى ظهور الحكم 2.. وأما لام النفع في (لكم) ~~فاشارة الى أن الأصل في الأشياء الاباحة وانما تعرض الحرمة للعصمة: كمال ~~الغير. أو للحرمة: كلحم الآدمي. أو للضرر: كالسم. أو للاستقذار: كبلغم ~~الغير. أو للنجاسة: كالميتة.. وكذا رمز الى وجود النفع ms171 في كل شيء، وان للبشر ~~ولو بجهة من الجهات استفادة ولو بنوع من الأنواع ولو في أحقر الأشياء ولا ~~أقل من نظر العبرة، وكذا ايماء الى انه كم من خزائن للرحمة مكنوزة في جوف ~~الأرض تنتظر أبناء المستقبل.. وأما تقديم (ولكم) فاشارة الى أن جهة استفادة ~~البشر أقدم الغايات وأولاها وأولها.. وأما (ما) المفيدة للعموم فللحث على ~~تحري النفع في كل شيء.. وأما (في الأرض) بدل "على الأرض" مثلا، فاشارة الى ~~وجود أكثر المنافع في بطن الأرض، وكذا تشجيع على تحري ما في جوفها.. ويدل ~~تدرج البشر في الاستفادة من معادن الأرض وموادها على انه يمكن أن يكون في ~~ضمنها مواد وعناصر تخفف عن كاهل أبناء الاستقبال ضغط تكاليف الحياة من ~~الغذاء وغيره.. واما (جميعا) فلرد الأوهام في عبثية بعض الأشياء. # وأما (ثم) في الجملة الثانية فاشارة الى سلسلة من أفعاله تعالى وشؤونه ~~بعد خلق الأرض إلى تنظيم السماء.. وكذا رمز الى تراخي رتبة التنظيم في نفع ~~البشر عن خلقة الأرض.. وكذا ايماء الى تأخره عنها. واما (استوى) ففيه ~~ايجاز، أي: أراد أن يسوي.. وكذا فيه مجاز أي كمن يسدد قصده الى شيء لا ينثني ~~يمنة ويسرة. و (الى السماء) أي الى مادتها وجهتها. واما فاء (فسويهن) ~~فبالنظر الى جهة PageV01P229 # التفريع نظير ترتب "فيكون" على "كن"، وتعلق القدرة على تعلق الارادة ~~والقضاء على القدر. واما بالقياس الى جهة التعقيب فايماء الى تقدير "ونوعها ~~ونظمها ودبر الأمر بينها فسويهن" الخ. واما "سوى" أي خلقها منتظمة مستوية ~~متساوية في أن أعطى كلا ما يناسب استعداده ويساوي قابليته. واما "هن" ~~فايماء الى تنوع مواد السموات. وأما (سبع) فيتضمن الكثرة والمناسبة مع ~~الصفات السبع ومع الأدوار السبعة في تشكلات الأرض. و (سموات) أي اللاتي هن ~~رياض لأزاهير الدراري وبحار لسماك السيارات ومزرعة لحبات النجوم. # أما جملة (وهو بكل شيء عليم) فواو العطف المقتضية للمناسبة اشارة الى ~~"وهو على كل شيء قدير فهو الخالق لهذه الاجرام العظيمة، وهو بكل شيء عليم فهو ~~النظام المتقن للصنعة ms172 فيها". وباء الالصاق اشارة الى عدم انفكاك العلم عن ~~المعلوم. واما "كل" فهو العام الذي لم يخص منه البعض. وقد خص قاعدة "وما من ~~عام الا وقد خص منه البعض" والا لكانت هذه القاعدة بحيث اذا صدقت كذبت ~~نفسها نظير "الجذر الأصم الكلامي" ولفظ "شيء" يعم الشائي والمشيء وما ليس ~~بهذا ولا بذاك كالممتنع. و "عليم" أي ذات ثبت له لازما منه العلم. # *** PageV01P230 ### | AUTO واذ قال ربك للملئكة # اني جاعل في الأرض خليفة قالوا اتجعل # فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك # قال اني اعلم ما لاتعلمون 30 # مقدمة # اعلم! ان التصديق بوجود الملائكة أحد أركان الايمان. ولنا هنا مقامات.. # المقام الأول: # ان من نظر الى الأرض وقد امتلئت بذوي الأرواح مع حقارتها، وتأمل في ~~انتظام العالم واتقانه، تحدس بوجود سكان في هذه البروج العالية. فمثل من لم ~~يصدق بوجود الملائكة كمثل رجل ذهب الى بلدة عظيمة وصادف دارا صغيرة عتيقة ~~ملوثة بالمزخرفات مشحونة بالناس. ورأى عرصاتها مملوءة من ذوي الأرواح ~~ولحياتهم شرائط مخصوصة كالنباتات والسماك. ثم رأى الوفا من القصور العالية ~~الجديدة قد تخللت بينها ميادين النزهة فيعتقد خلوها عن السكان لعدم جريان ~~شرائط حياة هذه الدار في تلك القصور. ومثل المعتقد بوجودهم كمثل من اذا رأى ~~هذا البيت الصغير وقد امتلأ من ذوي الأرواح ورأى انتظام البلدة، جزم بأن ~~لتلك القصور المزينة أيضا سكانا يناسبونها وتوافقهم ولهم شرائط حياة مخصوصة ~~فعدم مشاهدتهم - لبعدهم وترفعهم - لا يدل على عدمهم. فامتلاء الأرض من ذوي ~~الحياة ينتج بالطريق الاولى وبالقياس الاولوي المؤسس على القياس الخفي ~~المبني على الانتظام المطرد - امتلاء هذه الفضاء الوسيعة ببروجها ونجومها ~~وسماواتها من ذوي الأرواح الذي يدعوهم الشرع بالملائكة المنطوية على أجناس ~~مختلفة فتأمل!.. # المقام الثاني: # اعلم - كما مر - ان الحياة هي الكشافة للموجودات بل هي النتيجة لها، فاذا ~~كيف تخلو هذه الفضاء الوسيعة من ساكنيها وتلك السموات من عامريها. ولقد PageV01P231 # أجمع العقلاء إجماعا معنويا - وان اختلفوا في طرق التعبير - على وجود ~~معنى ms173 الملائكة وحقيقتهم، حتى ان المشائيين عبروا عنهم بالماهيات المجردة ~~الروحانية للأنواع، والاشراقيين عبروا عنها بالعقول وأرباب الأنواع، وأهل ~~الأديان بملك الجبال وملك البحار وملك الامطار مثلا. حتى ان الماديين الذين ~~عقولهم في عيونهم لم يتيسر لهم انكار معنى الملائكة بل نظروا اليهم في ~~القوات السارية في نواميس الفطرة. # فان قلت: أفلا يكفي لارتباط الكائنات وحيويتها هذه النواميس وتلك ~~القوانين الجارية في الخلقة؟ # قيل لك: ما تلك النواميس الجارية والقوانين السارية الا أمور اعتبارية بل ~~وهمية لا يتعين لها وجود ولا يتشخص لها هوية الا بممثلاتها ومعاكسها ومن هو ~~آخذ برأس خيوطها وان هي إلا الملائكة.. وأيضا قد اتفق الحكماء والعقل ~~والنقل على عدم انحصار الوجود في عالم الشهادة الظاهر الجامد الغير الموافق ~~لتشكل الأرواح. فعالم الغيب المشتمل على عوالم - الموافق للأرواح كالماء ~~للسماك - مشحون بها 1، مظهر لحياة عالم الشهادة.. فاذا شهدت لك هذه الأمور ~~الأربعة على وجود معنى الملائكة فأحسن صور وجودهم التي ترضى بها العقول ~~السليمة ماهو إلا ماشرحه الشرع من انهم عباد مكرمون لا يخالفون مايؤمرون، ~~وكذا انهم أجسام لطيفة نورانية ينقسمون إلى أنواع مختلفة. # المقام الثالث: # اعلم ان مسألة الملائكة من المسائل التي يتحقق الكل بثبوت جزء واحد، ~~ويعلم النوع برؤية أحد الأشخاص، اذ من أنكر أنكر الكل. ثم كما انه محال ~~عندك - ايقظك الله - أن يجمع أهل كل الأديان في كل الأعصار من آدم الى الآن ~~على وجود الملائكة وثبوت المحاورة معهم وثبوت مشاهدتهم والرواية عنهم ~~كمباحثة الناس طائفة عن طائفة، بدون رؤية فرد بل أفراد منهم وبدون ضرورة ~~وجود شخص بل أشخاص منهم، وبدون الاحساس بالضرورة بوجودهم؛ كذلك محال أن ~~يقوم وهم كذلك في عقائد البشر ويستمر هكذا ويبقى في الانقلابات بدون حقيقة ~~يتسنبل عليها وبدون مبادئ ضرورية مولدة لذلك الاعتقاد العمومي. فإذا ليس ~~سند هذا PageV01P232 # الاجماع الا حدس تولد من تفاريق امارات حصلت من واقعات مشاهدات نشأت من ~~مبادئ ضرورية. وليس سبب هذا الاعتقاد العمومي الا مبادئ ضرورية تولدت من ~~رؤيتهم ومشاهدتهم في كرات ms174 تفيد قوة التواتر المعنوي. والا رفع الأمن من ~~يقينيات معلومات البشر. فاذا تحقق وجود واحد من الروحانية في زمان ما تحقق ~~وجود هذا النوع. واذا تحقق هذا النوع، كان كما ذكره الشرع وبينه القرآن ~~الكريم. # ثم ان نظم مآل هذه الآية بسابقها من أربعة وجوه: # الأول: انه لما كانت هذه الآيات في تعداد النعم العظام، واشارت الأولى ~~إلى أعظمها - من كون البشر نتيجة للخلقة وكون جميع ما في الأرض مسخرا له ~~يتصرف فيها على ما يشاء - اشارت هذه الى ان البشر خليفة الأرض وحاكمها. # والثاني: ان هذه الآية بيان وتفصيل وايضاح وتحقيق وبرهان وتأكيد لما في ~~الآية الأولى من أن أزمة سلاسل ما في الأرض في يد البشر. # والثالث: ان تلك لما بينت بناء المسكنين من الأرض والسماء اشارت هذه الى ~~ساكنيهما من البشر والملك، وانها رمزت الى سلسلة الخلقة، وأومأت هذه الى ~~سلسلة ذوي الأرواح. # والرابع: انها لما صرحت بأن البشر هو المقصود من الخلقة وان له عند خالقه ~~لموقعا عظيما، اختلج في ذهن السامع انه كيف يكون للبشر هذه القيمة مع كثرة ~~شروره وفساده؟ وهل تستلزم الحكمة وجوده للعبادة والتقديس له تعالى؟ فأشارت ~~هذه الى ان تلك الشرور والمفاسد تغتفر في جنب السر المودع فيه، وان الله ~~غني عن عبادته اذ له تعالى من الملائكة المسبحين والمقدسين ما لا يحصر بل ~~لحكمة في علم علام الغيوب. # وأما نظم الجمل بعضها مع بعض فهو: # ان الآية تنصب بناء على اقتضاء "اذ" رديفا لها، وعطفه على (وهو بكل شيء ~~عليم) - إلى تقدير 1 إذ خلق ما خلق منتظما متقنا هكذا واذ قال ربك للملئكة ~~الخ، وانه تعالى لما خاطب مع الملائكة - ليستفسروا سر الحكمة ولتعليم PageV01P233 # طريق المشاورة قائلا (اني جاعل في الأرض خليفة) - توجه ذهن السامع بسر ~~المقاولة الى ما "قالوا"؟ وبسر الاستفسار عن حكمته مع التعجب الى (أتجعل ~~فيها) ؟ وبسر استخلافهم عن الجن المفسدين مع توديع القوة الغضبية والشهوية ~~فيهم أيضا الى (من يفسد فيها) بتجاوز القوة الثانية (ويسفك ms175 الدماء) بتجاوز ~~القوة الأولى. ثم بعد تمام السؤال والاستفسار والتعجب ينتظر ذهن السامع ~~لجوابه تعالى. فقال: (قال اني اعلم مالا تعلمون) أي فالأشياء ليست منحصرة ~~في معلوماتكم. فعدم علمكم ليس امارة على العدم، واني حكيم، لي فيهم حكمة ~~يغتفر في جنبها فسادهم وسفكهم. # أما نظم هيئات جملة جملة، فاعلم! ان الواو في (واذ قال ربك للملئكة اني ~~جاعل في الأرض خليفة) وكذا في (واذ قال ربك للملئكة اني خالق بشرا من ~~صلصال) 1 في آية أخرى بسر المناسبة العطفية اشارة الى "اذ واذ" كما مر. ~~وكذا - بسر ان الوحي يتضمن "ذكرهم بذلك" اشارة الى "واذكر لهم اذ" الخ.. # وان (اذ) المفيد للزمان الماضي لتسيير الأذهان في الأزمنة المتسلسلة ~~الماضوية ورفع وجلب واحضار لها الى ذلك الزمان لتنظره فتجتني ما وقع فيه.. ~~وان (ربك) اشارة الى الحجة على الملائكة أي رباك وكملك وجعلك مرشدا للبشر ~~لإزالة فسادهم أي "انت الحسنة الكبرى التي ترجحت وغطت على تلك المفاسد".. ~~وان (للملئكة) اشارة في هذه المقاولة الكائنة على صورة المشاورة الى ان ~~لسكان السموات أعني الملائكة مزيد ارتباط وعلاقة وزيادة مناسبة مع سكان ~~الأرض أعني البشر. فان من اولئك موكلين وحفظة وكتبة على هؤلاء فحقهم ~~الاهتمام بشأنهم. وان "ان" بناء على كونها لرد التردد المستفاد من "أتجعل" ~~اشارة الى عظمة المسألة وأهميتها. وان ياء المتكلم وحده هنا مع "نا" ~~للمتكلم مع الغير في "قلنا" في الآيات الآتية اشارة الى ان لا واسطة في ~~ايجاده وخلقه كما توجد في خطابه وكلامه. ومما يدل على هذه النكت آية (انا ~~انزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما اريك الله) 2 فقال "انزلنا" ~~بنون العظمة لوجود الواسطة في الوحي وقال "أريك الله" PageV01P234 # مفردا لعدم الواسطة في إلهام المعنى. وان ايثار (جاعل) على "خالق" اشارة ~~الى ان مدار الشبهة والاستفسار الجعل (1) . والتخصيص لعمارة الأرض لا الخلق ~~والايجاد، لأن الوجود خير محض والخلق فعله الذاتي لا يسأل عنه. وان ايثار ~~"في" في (في الأرض) على "على" مع ان البشر ms176 على الأرض لايخلو من الايماء الى ~~ان البشر كالروح المنفوخ في جسد الأرض، فمتى خرج البشر خربت الأرض وماتت. ~~وان (خليفة) اشارة الى انه قد وجد قبل تهئ الأرض لشرائط حياة الإنسان مخلوق ~~مدرك ساعدت شرائط حياته الادوار الأولية للأرض وهذا هو الأوفق لقضية ~~الحكمة. والمشهور ان ذلك المخلوق المدرك كان نوعا من الجن فأفسدوا ~~فاستخلفوا بالإنسان. # اما هيئات جملة (قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) فاعلم! ان ~~استيناف (قالوا) اشارة الى ان توجيه خطابه تعالى الى الملائكة يلجئ السامع ~~الى السؤال ب "كيف يتلقون جيرانهم بيت بيت وأيرضون بهم قرناء وما رأيهم ~~فيهم؟ " فقال: "قالوا". وان وجه كونه جزاء ل "اذ" هو: ان حكم الله تعالى ~~بجعل البشر خليفة في الأرض - التي وكل عليها الملائكة - مع انه لا مشير له ~~تعالى ولا وزير يستلزم اظهار كيفية تلقيهم لهم. وان صورة القول اشارة الى ~~اسلوب المقاولة على صورة المشاورة لتعليم الناس مع تنزهه تعالى عنها. وان ~~استفهام (أتجعل) فلتحقق الجعل باخباره تعالى تمتنع حقيقته فيتولد منه ~~التعجب الناشئ عن خفاء السبب فيتولد منه الاستفسار - أي ما حكمة الجعل؟ ~~فاستفهم عن المسبب بدلا عن السبب وليس للإنكار لعصمتهم 2. وان الجعل رمز ~~الى ان شؤون البشر ونسبه الاعتبارية ووضعياته ليست من لوازم الطبيعة ولا من ~~ضروريات الفطرة بل كل منها بجعل الجاعل. وان (فيها) مع "فيها" مع قصر ~~المسافة فللتنصيص والايماء الى معنى: ما حكمة جعل البشر روحا منفوخا في جسد ~~الأرض لحياتها مع وجود الفساد والاماتة من حيث الأحياء؟. وان التعبير ب ~~(من) اشارة الى انه لا يعنيهم شخصية البشر وانما يثقل عليهم عصيان مخلوق ~~لله تعالى. وان ايراد (يفسد) بدل "يعصي" اشارة الى ان العصيان ينجر الى ~~فساد نظام العالم. وان صورة المضارع اشارة الى ان PageV01P235 # المستنكر تجدد العصيان واستمراره. وقد علموا ذلك اما باعلامه تعالى أو ~~بمطالعة اللوح أو بمعرفة فطرتهم من عدم تحديد القوى المودعة فيهم. فبتجاوز ~~الشهوية يحصل الفساد وبتعدي الغضبية ينشأ السفك والظلم. و ms177 (فيها) أي مع ~~أنها كانت مسجدا اسس على التقوى. وان موقع "الواو" الجمع بين الرذيلتين ~~بمناسبة انجرار الفساد الى سفك الدم. وان ايثار (يسفك) على "يقتل" لأن ~~السفك هو القتل بظلم. ومن القتل ما هو جهاد في سبيل الله وكذا قتل الفرد ~~لسلامة الجماعة كقتل الذئب لسلامة الغنم. واما الدماء فتأكيد لما في السفك ~~من الدم لتشديد شناعة القتل. # وأما هيئات (ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) فواو الحال اشارة الى استشعارهم ~~الاعتراض عليهم ب "اما يكفيكم حكمة عبادة البشر وتقديسه له تعالى؟ " (ونحن) ~~أي معاشر الملائكة المعصومين من المعاصي.. واسمية الجملة اشارة الى ان ~~التسبيح كالسجية لهم واللازم لفطرتهم وهم له. أما (نسبح بحمدك) فكلمة جامعة ~~أي نعلنك في الكائنات بأنواع العبادات.. ونعتقد تنزهك عما لا يليق بجنابك ~~بتوصيفك بأوصاف الجلال وما هو الا من نعمك المحمود عليها. ونقول "سبحان ~~الله وبحمده". ونحمدك ونصفك بأوصاف الجلال والجمال. ونقدس لك أي نقدسك، أو ~~نطهر أنفسنا وأفعالنا من الذنوب وقلوبنا من الالتفات الى غيرك. فالواو ~~للجمع بين الفضيلتين أي امتثال الأوامر واجتناب النواهي، فيكون حذاء الواو الأول. # واما هيئات (قال اني اعلم ما لاتعلمون) فاستينافها اشارة الى السؤال ب ~~"ماذا قال الله تعالى مجيبا لاستفسارهم، وكيف بين السبب مزيلا لتعجبهم، وما ~~الحكمة في ترجيح البشر عليهم؟ " فقال "قال" مشيرا إلى جواب اجمالي ثم فصل ~~بعض التفصيل بالآية التالية. و" ان" في (اني اعلم) للتحقيق ورد التردد ~~والشبهة وهو انما يكون في حكم نظري ليس بمسلم مع بداهة ومسلمية علم الله ~~تعالى بما لا يعلم الخلق وحاشاهم عن التردد في هذا. فحينئذ يكون "ان" منارا ~~على سلسلة جمل لخصها القرآن الكريم وأجملها وأوجزها بطريق بياني مسلوك. أي: ~~ان في البشر مصالح وخيرا كثيرا تغمر في جنبها معاصيه التي هي شر قليل، ~~فالحكمة تنافي ترك ذلك لهذا. وان في البشر لسرا اهله للخلافة غفلت عنه ~~الملائكة وقد علمه خالقه.. وان فيه PageV01P236 # حكمة رجحته عليهم لايعلمونها ويعلمها من خلق. وأيضا قد يتوجه معنى "ان" ~~الى ms178 الحكم الضمني المستفاد من واحد من قيود مدخولها أي لا تعلمون ~~بالتحقيق.. وأيضا (اعلم ما لا تعلمون) من قبيل ذكر اللازم وارادة الملزوم ~~أي يوجد ما لا تعلمون، اذ علمه تعالى لازم لكل شيء فنفى العلم دليل على عدم ~~المعلوم كما قال تعالى (بما لا يعلم) أي لا يمكن ولايوجد، ووجود العلم دليل ~~على وجود المعلوم.. ثم انه قد ذكر في تحقيق هذا الجواب الاجمالي ان الله ~~عليم حكيم. لاتخلو أفعاله تعالى عن حكم ومصالح، فالموجودات ليست محصورة في ~~معلومات الخلق فعدم العلم لا يدل على العدم، وان الله تعالى لما خلق الخير ~~المحض أعني الملائكة، والشر المحض أعني الشياطين، وما لاخير عليه ولا شر ~~أعني البهائم، اقتضت حكمة الفياض المطلق وجود القسم الرابع الجامع بين ~~الخير والشر. إن انقادت القوة الشهوية والغضبية للقوة العقلية فاق البشر ~~على الملائكة بسبب المجاهدة، وان انعكست القضية صار انزل من البهائم لعدم العذر. # *** PageV01P237 ### | AUTO وعلم ادم الاسماء كلها # ثم عرضهم على الملئكة فقال انبؤني # بأسماء هؤلاء ان كنتم صادقين 31 قالوا سبحانك لا علم لنا الا # ما علمتنا انك انت العليم الحكيم 32 قال يا ادم انبئهم باسمائهم # فلما انباهم باسمائهم قال الم اقل لكم اني اعلم غيب السموات # والارض واعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون 33 # مقدمة # اعلم! ان هذه معجزة آدم تحديت بها الملائكة بل معجزة نوع البشر في دعوى ~~الخلافة. ان في القصص لعبرا. ثم اني نظرا الى ان (ولا رطب ولايابس الا في ~~كتاب مبين) 1 ومستندا الى ان التنزيل كما يفيدك بدلالاته ونصوصه؛ كذلك ~~يعلمك باشارته ورموزه، لأفهم من اشارات 2 استاذية اعجاز القرآن الكريم في ~~قصص الأنبياء ومعجزاتهم التشويق والتشجيع للبشر على التوسل للوصول إلى ~~أشباهها. كأن القرآن بتلك القصص يضع اصبعه على الخطوط الأساسية ونظائر ~~نتايج نهايات مساعي البشر للترقي في الاستقبال الذي يبنى على مؤسسات الماضي ~~الذي هو مرآة المستقبل. وكأن القرآن يمسح ظهر البشر بيد التشويق والتشجيع ~~قائلا له: اسع واجتهد في الوسائل التي ms179 توصلك الى بعض تلك الخوارق! أفلا ترى ~~ان الساعة والسفينة أول ما أهدتهما للبشر يد المعجزة. وان شئت فانظر الى ~~(وعلم آدم الاسماء كلها) والى (ولقد اتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه ~~والطير وألنا له الحديد) 3 والى (ولسليمن الريح غدوها شهر ورواحها شهر ~~وأسلنا له عين PageV01P238 # القطر) 1 "أي النحاس" والى (اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة ~~عينا) 2 والى (وتبرئ الاكمه والأبرص بإذني) 3!. ثم تأمل فيما مخضه تلاحق ~~أفكار البشر واستنبطه من ألوف فنون ناطق. كل منها - بخواص وصفات وأسماء - ~~نوع من أنواع الكائنات حتى صار البشر مظهر (وعلم آدم الأسماء كلها) ثم فيما ~~استخرجه فكر البشر من عجائب الصنعة من السكة الحديدية والآلة البرقية ~~وغيرهما بواسطة تليين الحديد وإذابة النحاس حتى صار مظهر (وألنا له الحديد) ~~الذي هو ام صنائعه، وفيما أفرخه أذهان البشر من الطيارات التي تسير في يوم ~~شهرا حتى كاد ان يصير مظهر (غدوها شهر ورواحها شهر) ، وفيما ترقى اليه سعى ~~البشر من اختراع الآلات والعصي التي تضرب في الأرض الرملة اليابسة فتفور ~~منها عين نضاخة وتصير الرملة روضة حتى أوشك ان يصير مظهر (اضرب بعصاك ~~الحجر) ، وفيما انتجه تجارب البشر من خوارق الطب التي طفق ان تبرئ الأكمه ~~والأبرص والمزمن باذن الله.. تر مناسبة تامة تصح لك أن تقول تلك مقائسها، ~~وذكرها يشير اليها ويشجع عليها.. # وكذا انظر الى قوله تعالى (يا نار كوني بردا وسلاما) 4 والى (لولا ان را ~~برهان ربه) 5 أي صورة يعقوب عاضا على اصبعه في رواية، والى (اني لأجد ريح ~~يوسف) 6 والى (ياجبال أوبي معه) والى (علمنا منطق الطير) 7 والى (أنا اتيك ~~به قبل ان يرتد اليك طرفك) 8 وأمثالها، ثم تأمل فيما كشفه البشر من مرتبة ~~النار التي لاتحرق ومن الوسائط التي تمنع الإحراق، وفيما اخترعه من الوسائل ~~التي تجلب الصور والأصوات من مسافات بعيدة وتحضرها اليك قبل ان يرتد اليك ~~طرفك، وفيما أبدعه فكر البشر من الآلات الناطقة بما تتكلم، ms180 وفي استخدامه ~~لأنواع الطيور والحمامات وقس عليها، لترى بين هذين القسمين ملاءمة يحق بها ~~ان يقال في هذه رموز الى تلك. PageV01P239 # وكذا تأمل في خاصية المعجزة الكبرى التي هي خاصية الناطقية التي هي خاصية ~~الانسانية وهي الأدب والبلاغة، ثم تدبر في ان أعلى ما يربي روح البشر وألطف ~~ما يصفي وجدانه وأحسن ما يزين فكره وأبسط ما يوسع قلبه انما هو نوع من ~~الأدبيات. ولأمر ما ترى هذا النوع أبسط الفنون وأوسعها مجالا وأنفذها ~~وأشدها تأثيرا وألصقها بقلوب البشر حتى كأنه سلطانها. فتأمل!.. # ثم ان لهذه الآية أيضا الوجوه الثلاثة النظمية: # أما نظم مآلها بسابقتها فمن وجوه أربعة: # الأول: ان التنزيل لما ذكر في الآية الأولى في بيان حكمة خلقة الانسان ما ~~هو اول الاجوبة وأولاها وأعمها للكل وأيسرها وأسهلها اقناعا وأجملها اجمالا ~~وأوجزها، بين بهذه الآية جوابا تفصيليا يطمئن به العوام والخواص. # والثاني: انه لما صرح في تلك بمسألة الخلافة للبشر برهن بهذه على تلك ~~الدعوى بمعجزة ذلك النوع في مقابلة الملائكة. # والثالث: انه لما أشار بتلك الى ترجح البشر على الملك رمز بهذه الى لمية ~~الرجحان. # والرابع: انه لما لوح بها الى مظهرية هذا النوع للخلافة الكبرى في الأرض ~~لمح بهذه احتجاجا عليها الى ان الانسان هو النسخة الجامعة والمظهر الاتم ~~لكل التجليات لتنوع استعداداته وتكثر طرف استفاداته وعلمه فيحيط بالكائنات ~~بحواسه الخمس الظاهرة والباطنة لا سيما بوجدانه الذي لا قعر له. أفلا تراه ~~يعلم أمثال حلاوة العسل بوجهين بل بوجوه خلاف الملك فتأمل! # أما نظم الجمل بعضها مع بعض ففطري في غاية السلاسة: فالأولى: تحقيق ~~لمضمون (اني أعلم ما لا تعلمون) وتفصيل لما أجمل فيها وتفسير لما أبهم.. ~~وكذا ان خلافة الله تعالى في أرضه لإجراء أحكامه وتطبيق قوانينه تتوقف على ~~علم تام.. وكذا ان انصباب الكلام في الآية الأولى ينجر الى "فخلقه وسواه ~~ونفخ فيه من روحه ورباه ثم علم الأسماء وأعده للخلافة". ثم لما اصطفاه على ~~الملائكة وميزه بعلم الأسماء في مسألة الرجحان واستحقاق الخلافة ms181 اقتضى مقام ~~التحدي عرض الأشياء PageV01P240 # عليهم وطلب المعارضة منهم. ثم لما أحسوا بالعجز من أنفسهم اقروا بحكمته ~~تعالى واطمأنوا. ولهذا قال: (ثم عرضهم على الملئكة فقال انبؤني بأسماء ~~هؤلاء ان كنتم صادقين) . "قالوا" أي متبرئين مما دسه في استفسارهم انانية ~~ابليس (سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم) 1 ثم لما ~~ظهر عجزهم لعدم جامعية استعدادهم اقتضى المقام بيان اقتدار آدم حتى يتم ~~التحدي فقال: (يا آدم أنبئهم باسمائهم) ثم لما امتثل وظهر سر الحكمة فيه ~~اقتضى المقام استحضار الجواب الاجمالي السابق وجعله كالنتيجة لهذا التفصيل ~~فقال: (ألم أقل لكم اني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم ~~تكتمون) واعلم! انه قد تشف وتحس صورة المقاولة عن تولد انانية ابليس فيما ~~بين الملائكة وتشعر بتداخل اعتراض طائفة بين استفسارهم. # أما نظم هيئات جملة جملة: فجملة (وعلم آدم الأسماء كلها) أي صوره بفطرة ~~تضمنت مبادئ أنواع الكمالات، وخلقه باستعداد زرع فيه أنواع المعالي، وجهزه ~~بالحواس العشر وبوجدان تتمثل فيه الموجودات، واعده بهذه الثلاث لتعلم حقائق ~~الأشياء بأنواعها، ثم علمه الأسماء كلها. الواو فيها اشارة الى الجمل ~~المطوية تحت إيجازه كما مر. و (علم) فيه اشارة الى تنويه العلم ورفعة درجته ~~وانه هو المحور للخلافة.. وكذا رمز الى أن الأسماء توقيفية. ويؤيده وجود ~~المناسبة المرجحة للوضع - في الأغلب - بين الأسماء والمسميات.. وكذا ايماء ~~الى ان المعجزة فعل الله بلا واسطة خلافا للفلاسفة الذين يقولون ان الخوارق ~~أفعال للأرواح الخارقة. و (آدم) أي الشخص الأرضي الذي أراد الله تعالى ~~خلافته وسماه آدم فالتصريح بالعلم لتنويهه وتشهيره واحضاره بصورته.. و ~~(الأسماء) سمات الأشياء من الصفات والخواص والأسماء، أو اللغات PageV01P241 # التي اقتسمها بنو آدم. وفيه ايماء بدليل (عرضهم) الى ان الاسم عين المسمى ~~1 كما عليه أهل السنة و (كلها) تنصيص على منشأ التميز ومدار الاعجاز.. ~~وجملة (ثم عرضهم على الملئكة فقال انبؤني بأسماء هؤلاء ان كنتم صادقين) ف ~~(ثم) اشارة بسر التراخي واقتضاء المقام الى "وقال هو أكرم ms182 منكم وأحق ~~بالخلافة". واما (عرضهم) أي اظهر أنواع الأشياء مبسوطة للبيع لانظارهم كعرض ~~المتاع على المشتري وعرض الصفوف على الأمير ففيه اشارة الى ان الموجودات ~~مال للمدرك يشتريها بالعلم، ويأخذها بالاسم، ويتملكها بتمثل الصورة. وأما ~~"هم" الدال على الذكور العقلاء فسر ما فيه من التغليبين والمجاز ما يرمز ~~اليه لفظ العرض 2. اذ يتخيل من ارساله صور طوائف الموجودات مارة صفا صفا ~~على الأنظار - كونها قبائل من العقلاء يجيئون اليهم. واما (على) فايماء الى ~~ان ما يعرض عليهم هي الصور المرتسمة في اللوح الأعلى. PageV01P242 # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه ثقتي # كلمة ثناء # الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الخلق محمد وعلى آله ~~وصحبه اجمعين. # وبعد فقد كان رائدنا العظيم الاستاذ المناضل العلامة "بديع الزمان ~~النورسي" منذ ان تفتحت امام عينيه آفاق شاسعة من دنيا العلم والعرفان وخاض ~~عباب الكتاب العزيز يتطلع دائما (كما كتبه الاستاذ في افادة المرام) الى ~~انتهاض لجنة مؤلفة من كبار العلماء المتخصصين، كل في ناحية من نواحي العلم، ~~تقوم تلك اللجنة بدراسات طويلة في شتى نواحي الكتاب الكريم حتى يتحصل ~~ويتولد من محهوداتهم الكثيرة ودراساتهم الطويلة تفسير جامع للقرآن المبين، ~~يستجيب لحاجات القرن العشرين، واستمر لديه ذلك التطلع والترقب الى بداية ~~زمن الحرب العالمية الاولى. # فلما انفلقت قنبلة الحرب بين شعبنا التركي وبين الشعب الروسي أيس الاستاذ ~~من تحقق ذلك الامل بعض الاياس فاضطر ان يكتب ما يلوح له من اشارات اعجاز ~~القرآن. فأخذ يقيد ويصنف ويرتب ما يسنح له في شرح آي الذكر الحكيم. فجاء ~~منه هذا القسم من التفسير، وهو رغم انه وليد فكر واحد الا انه فريد في بابه ~~لم ينسج للآن على منواله اي تفسير لانه يستجلي ويكشف الاعجاز المكنون في ~~نظم الكتاب المجيد بطريقة عجيبة مخترعة لم نرها ولم نصادفها فيما عثرنا ~~عليه من مشهور التفاسير المتداولة كتفسير "ابي السعود" و"الفخر الرازي" ~~و"البيضاوي" وتفسير الاستاذ المرحوم "الشيح طنطاوي جوهري" الذي افاض واسهب ~~فيه وبين كثيرا من العلوم المختلفة التي تشير ms183 اليها الايات الكونية. # وان كنت في ريب مما نقول فردد الطرف اولا في تحليله المنوط بآية (ومن ~~الناس من يقول امنا بالله وباليوم الاخر وما هم بمؤمنين) او المنوط بآية ~~(ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة) الخ او بآية (ومما ~~رزقناهم ينفقون) PageV01P243 # او بأي آية اخرى من الايات المشروحة في ذلك التفسير وبعد ذلك طالع في عين ~~هاتيك الآيات السالفة الذكر سائر التفاسير، ثم ليتكلم ضميرك الحر المطلق من ~~قيد التعصب. # خلاصة القول: ان في عباراته عذوبة وحلاوة وطلاوة بديعة وتدقيقا خارقا جدا ~~في تحليل آي الوحي المنزل. انه بين جهة مناسبة الآيات بعضها ببعض، وتناسب ~~الجمل وتناسقها، وكيفية تجاوب هيآت الجمل وحروفها حول المعني لمراد معتمدا ~~في ذلك على أدق قواعد علم البلاغة وعلى اصول النحو والصرف وقوانين المنطق ~~ودسابير علم اصول الدين وسائر ما له علاقة بذلك من مختلف العلوم. حتى انه ~~ليبحث عن اخفى مناسبات البلاغة الذي لا يكشف عادة بالمجهر المعنوي المركز ~~في الدماغ البشري. # واعجب من الكل انه وجد ذلك التدقيق البالغ والبحث العميق حينما كان ينصب ~~ويتقاطر على المؤلف من جهاته الاربع شابيب رصاص بنادق الجيوش السوفيتية، ~~فكان الاستاذ يناضل ويطلق بندقيته في صدور الاعداء من جهة ويضع في مصنع ~~دماغه قنبلة اعجاز القرآن الذرية ليحطم بها بنيان الكفر والضلال من جهة ~~اخرى فيا سبحان الله من ذكاء الهي خارق، مجهز ببطولة عجيبة وثبات قلب زائد. ~~ان ذلك الوقت العصيب والموقف الرهيب لم يدهش المؤلف ولم يذهل فكره الثاقب ~~عن الجولان في مناحي اعجاز القرآن المبين. وها نحن تلامذة رسائل النور ~~يسرنا ان نضع هذا الكتاب بين يدي الانسانيين من البشر ليدرس دراسة مجردة عن ~~الاغراض بعيدة عن الاهواء والتعصب الذميم. ان في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ~~او القى السمع وهو شهيد. والله أسأل ان ينفع به الناس ويهديهم سواء السبيل. # الشيخ صدر الدين يوكسل البدليسي # 1378ه ms184