######OpenITI# #META# المؤلف: بديع الزمان سعيد النورسي (المتوفى: 1379هـ) #META# bkid: 7849 #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز ¶ المؤلف: بديع الزمان سعيد النورسي (المتوفى: 1379هـ) ¶ المحقق: إحسان قاسم الصالحي ¶ الناشر: شركة سوزلر للنشر - القاهرة ¶ الطبعة: الثالثة، 2002 ¶ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] #META# auth: بديع الزمان النورسي #META# Lng: بديع الزمان سعيد النورسي #META# الطبعة: الثالثة، 2002 #META# max: 245 #META# onum: 7849 #META# pdf: 0 #META# bk: إشارات الإعجاز #META# authinf: بديع الزمان النورسي ( (1294هـ - 1877م = 1379هـ - 1960م ) ¶ بقلم عبد الله الطنطاوي - مجلة المنار ، العدد 63 ، شوال 1423هـ ¶ الشيخ المجاهد العالم العامل بديع الزمان النورسي ، هو من هو علماً ومكانة في تاريخ تركيا الحديثة التي شهدت وما تزال تشهد تطورات خطيرة منذ بداية القرن العشرين ، وما تزال آثاره حتى الآن يتفاعل بها المجتمع التركي المعاصر ، الذي يلقى الألاقي في عهود العلمانية والعلمانيين الذين انسلخوا من دينهم ، وحاربوا شعوبهم في عقيدتهم وقيمهم وأخلاقهم. ¶ المولد : ¶ ولد سعيد النورسي الملقب بـ (بديع الزمان) في قرية (نورس) الواقعة شرقي الأناضول في تركيا عام (1294هـ - 1877م) مع أبوين صالحين كانا مضرب المثل في التقوى والورع والصلاح ، ونشأ في بيئة كردية يخيم عليها الجهل والفقر، كأكثر بلاد المسلمين في أواخر القرن الماضي ، وبدايات هذا القرن. وإلى قريته (نورس) ينسب. ¶ علمه : ¶ وقد بدت عليه أمارات الفطنة والذكاء منذ طفولته ، ولما دخل (الكتاب) وتتلمذ على أيدي المشايخ والعلماء بهرهم بقوة ذاكرته ، وبداهته ، وذكائه ، ودقة ملاحظته ، وقدرته على الاستيعاب والحفظ ، الأمر الذي جعله ينال الإجازة العلمية وهو ابن أربع عشرة سنة بعد أن تبحر في العلوم العقلية والنقلية بجهده الشخصي ، فقد حفظ عن ظهر غيب ، ثمانين كتاباً من أمهات الكتب العربية كما حفظ القرآن الكريم في وقت مبكر من حياته الخصبة الحافلة. ¶ كما عكف على دراسة العلوم العصرية ، أو العلوم الكونية الطبيعية ، (رياضيات ، وفلك ، وكيمياء ، وفيزياء ، وجيولوجيا) والجغرافيا والتاريخ والفلسفة الحديثة وسواها من العلوم ، حتى غدا عالماً فيها ، ومناظراً فذاً للمختصين بها ، وصار له رصيد ضخم من المعلومات ، مكنه من الانطلاق من مرتكزات علمية سليمة. ¶ كان طالب العلم سعيد النورسي شديد الاحتفال والاشتغال والتعلق بالفلسفة والعلوم العقلية ، وكان لا يقنع ولا يكتفي بالحركة القلبية وحدها ، كأكثر أهل الطرق الصوفية ، بل كان يجهد لإنقاذ عقله وفكره من بعض الأسقام التي أورثتها إياه مداومة النظر في كتب الفلاسفة. ¶ مع القرآن الكريم : ¶ في عام 1894 تناهى إلى سمعه أن وزير المستعمرات البريطاني (غلادستون) وقف في مجلس العموم البريطاني ، وهو يحمل المصحف الشريف بيده ، ويهزه في وجوه النواب الإنكليز ، ويقول لهم بأعلى صوته : ( ما دام هذا الكتاب موجوداً، فلن تستطيع أوربا السيطرة على الشرق ، ولا أن تكون هي نفسها في أمان. لذا ، لا بد لنا من أن نعمل على إزالته من الوجود ، أو نقطع صلة المسلمين به). فصرخ العالم الشاب سعيد النورسي من أعماقه : "لأبرهنن للعالم أجمع ، بأن القرآن العظيم شمس معنوية لا يخبو سناها ، ولا يمكن إطفاء نورها". ¶ رؤيا صادقة : ¶ ورأى النورسي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلم ، وسأله أن يدعو الله له : أن يفهمه القرآن ، ويرزقه العمل به ، فبشره الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - بذلك ، قائلاً له : سيوهب لك علم القرآن ، شريطة ألا تسأل أحداً شيئاً. ¶ وأفاق النورسي من نومه ، وكأنما حيزت له الدنيا بل أين هو من الدنيا ، وأين الدنيا منه.. أفاق وكأنما حيز له علم القرآن وفهمه ، فقد آلى على نفسه ألا يسأل أحد شيئاً ، استجابة لشرط رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد وهبه الله ما تمنى، وصار القرآن أستاذه ، ومرشده وهاديه في الدياجير التي اكتتفت تركيا الكمالية. ¶ بديع الزمان في مهب الأعاصير : ¶ نستطيع تمييز مرحلتين في حياة الإمام سعيد النورسي : ¶ الأولى : مرحلة سعيد القديم ، وتبدأ من مولده حتى نفيه إلى بلدة (بارلا) عام 1926 ، وهذه المرحلة هي مرحلة الإعداد الذاتي لنفسه ، ومرحلة العمل الفردي ، وخوض المعارك السياسية ، مدافعاً عن الخلافة ، وعن القرآن والإسلام ، مهاجماً أعداء الإسلام وأعداء الخلافة والقرآن. ¶ وفي هذه المرحلة : ¶ وفي هذه المرحلة سافر إلى إستانبول عام 1896 ليقدم مشروعاً لإنشاء - جامعة إسلامية حديثة في شرقي الأناضول - بلاد الأكرد - وأطلق عليها اسم (مدرسة الزهراء) لتكون على منوال ( الأزهر ) في مصر ، غير أنها تختلف عن الأزهر بتدريس العلوم الحديثة إلى جانب العلوم الشرعية والعربية ، وذلك من أجل النهوض بالأكراد المسلمين المهملين الذين يفنك بهم الجهل والفقر والتخلف ، ولكن النورسي لم يلق قبولاً من السلطان عبدالحميد ومن وزير داخليته. ¶ وفي عام 1907 سافر مرة أخرى إلى إستانبول ، للغرض ذاته ، وقابل السلطان عبدالحميد ، وانتقد الاستبداد ونظام الأمن واستخبارات القصر (يلدز) فأثار عليه حاشية السلطان ، وأحالوه إلى محكمة عسكرية. ¶ وكان النورسي في منتهي الشجاعة في التعبير عن رأيه أمام القضاة العسكريين ، الأمر الذي جعل رئيس المحكمة يحيله إلى الأطباء النفسانيين ، للتأكد من سلامة قواه العقلية ، وكانت لجنة الأطباء المؤلفة من طبيب تركي ، وآخر أرمني ، وثالث رومي ومن طبيبين يهوديين (!!!) قررت وضعه في مستشفى (طوب طاش) للمجانين) (!!!). ¶ وعندما حضر طبيب نفساني إلى المستشفى ، لفحص قواه العقلية ، بادره النورسي بحديث رائع عميق يأخذ بالألباب ، فما كان من الطبيب إلا أن يكتب في تقريره : لو كانت هناك ذرة واحدة من الجنون عند بديع الزمان ، لما وجد عاقل واحد على وجه الأرض. ¶ مع وزير الداخلية : ¶ ثم أحيل النورسي إلى وزارة الداخلية ، وكان الحوار التالي بينه وبين وزير الداخلية الذي حسب أن النورسي كسائر من عرف يمكن شراؤه بثمن بخس ، فلطالما اشترى الوزراء علماء بدارهم معدودة ، فكان الوزراء والعلماء والسائرون في ركابهم ، كارثة على الشعوب والمبادئ والقيم. ¶ - قال له الوزير في فرح وطمأنينة : إن السلطان يخصك بالسلام مع مرتب بمبلغ ألف قرش ، وعندما تعود إلى بلدك سيجعل مرتبك ثلاثين ليرة كما أرسل لك ثمانين ليرة هدية سلطانية. ¶ - قال بديع الزمان هي شموخ : لم أكن أبداً متسول مرتب ، ولن أقبله ولو كان ألف ليرة لأنني لم آت لغرض شخصي ، وإنما لمصلحة البلد ، فما تعرضونه علي ليس سوى رشوة السكوت. ¶ - قال الوزير مهدداً : إنك بهذا ترد الإرادة السلطانية ، والإدارة السلطانية لا ترد. ¶ - أجابه بديع الزمان بتحد : إنني أردها ، لكي يستاء السلطان ويستدعيني عند ذلك أستطع أن أقول له قولة الحق. ¶ - قال الوزير متوعداً : إن العاقبة ستكون غير سارة. ¶ - قال بديع الزمان في استهانة : تعددت الأسباب والموت واحد ، فإن أعدم فسوف أرقد في قلب الأمة ، علماً بأنني عندما جئت إلى إستانبول كنت واضعاً روحي على كفي اعملوا ما شئتم ، فإني أعني ما أقول : إنني أريد أن أوقظ أبناء الأمة ، ولا أقوم بهذا العمل إلا لأنني فرد من هذا البلد ، لا لأقتطف من ورائه مرتباً ، لأن خدمة رجل مثلي للدولة لا تكون إلا بإسداء النصائح ، وهذه لا تتم إلا بحسن تأثيرها ، وهذا لا يتم إلا بترك المصالح الشخصية فإنني معذور إذن عندما أرفض المرتب. ¶ - ذعر الوزير من كلام الشيخ ، ومن صرامة موقفه ، فقال له لين : إن ما ترمي إليه من نشر المعارف في بلدك هو موضع دراسة في مجلس الوزراء حالياً. ¶ - بديع الزمان : إذن فلم يتأخر نشر المعارف ، ويستعجل في أمر المرتب ؟ لماذا تؤثرون منفعتي الشخصية على المنفعة العامة ؟ ¶ مع قره صو : ¶ ثم ذهب إلى (سلانيك) مقر يهود الدونمة ومشتقاتهم من جمعية (الاتحاد والترقي) و (الماسونية) وسواهما ، والتقى عدداً من شخصيات (الاتحاد والترقي) الذين كانوا يطمعون في كسب النورسي العبقري إلى صفهم ، وكان ممن التقاهم : (عما نوئيل قره صو) رئيس المحفل الماسوني ، وعضو مجلس المبعوثان (أي النواب) العثماني ، وكان قره صو يطمع في النورسي ، ولكن المقابلة بينهما لم تطل ، لأن قره صو فر هارباً من اللقاء ، وهو يقول : كاد هذا الرجل العجيب - النورسي - يدخلني في الإسلام ، بحديثه. و (قره صو) هذا هو أول صهيوني ماسوني عمل على خلع السلطان عبدالحميد وإلغاء الخلافة. ¶ شموخ الإيمان : ¶ وفي هذه المرحلة اتهم فيمن اتهم بحادثة 31 مارت (13/4/1909) وسيق إلى المحاكمة ، ورأى في الساحة خمسة عشر رجلاً معلقين على أعواد المشانق ، ظناً من القضاة أن هذا المنظر سوف يرهبه ، قال له الحاكم العسكري خورشيد باشا : وأنت أيضاً تدعو إلى تطبيق الشريعة ؟ إن من يطالب بها يشنق هكذا (مشيراً بيده إلى المشنوقين). ¶ فقام بديع الزمان سعيد النورسي وألقى على سمع المحكمة كلاماً رائعاً نقتطف منه ما يأتي : لو أن لي ألف روح لما ترددت أن أجعلها فداء لحقيقة واحدة من حقائق الإسلام ، فقد قلت : إنني طالب علم ، لذا فأنا أزن كل شيء بميزان الشريعة ، إنني لا أعترف إلا بملة الإسلام ، إنني أقول لكم وأنا واقف أمام البرزخ الذي تسمونه (السجن) في انتظار القطار الذي يمضي بي إلى الآخرة ، لا لتسمعوا أنتم وحدكم بل ليتناقله العالم كله : ألا لقد حان للسرائر أن تنكشف ، وتبدو من أعماق القلب ، فمن كان غير محرم فلا ينظر إليها.. إنني متهيء بشوق لقدومي للآخرة ، وأنا مستعد للذهاب مع هؤلاء الذي علقوا في المشانق.. تصوروا ذلك البدوي الذي سمع عن غرائب إستانبول ومحاسنها فاشتاق إليها ، إني مثله تماماً في شوقي إلى الآخرة والقدوم إليها ، إن نفيكم إياي إلى هناك لا يعتبر عقوبة ، إن كنتم تستطيعون فعاقبوني المعاقبة الوجدانية ، لقد كانت هذه الحكومة تخاصم العقل أيام الاستبداد والآن فإنها تعادي الحياة ، وإذا كانت هذه الحكومة هكذا : فليعش الجنون ، وليعش الموت ، وللظالمين فلتعش جهنم. ¶ وفي جلسة واحدة فقط صدر حكم ببراءة بديع الزمان سعيد النورسي من تلك المحكمة الرهيبة التي شنقت العشرات. ¶ المجاهد : ¶ أسس (الاتحاد المحمدي) في سنة 1909 رداً على دعاة القومية الطورانية ، والوطنية الضيقة ، كجمعية الاتحاد والترقي ، وجمعية تركيا الفتاة. ¶ انضم إلى (تشكيلات خاصة) وهي مؤسسة سياسية عسكرية أمنية سرية ، شكلت بأمر السلطان محمد رشاد قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى ، من أجل المحافظة على أراضي الدولة العثمانية ، ومحاربة أعدائها ، وكان قد انضم إلى هذه المؤسسة كثير من المفكرين والكتاب ، وكان النورسي من أنشط أعضاء قسم (الاتحاد الإسلامي) فيها ، وأصدر مع عدد من العلماء (فتوى الجهاد) التي تهيب بالمسلمين أن يهبوا للدفاع عن الخلافة. ¶ وفي هذه المرحلة سافر إلى مدينة (وان) عام 1910 وبدأ يلقى دروسه ومحاضراته ، متجولاً بين القبائل والعشائر الكردية ، يعلمهم أمور دينهم ، ويرشدهم إلى الحق. ¶ وفي سنة 1911 سافر إلى دمشق ، وألقى في المسجد الأموي خطبته الشهيرة باسم الخطبة الشامية التي وصف فيها أمراض الأمة الإسلامية ، ووسائل علاجها. ¶ وفي سنة 1912 عين بديع الزمان قائداً لقوات الفدائيين الذين جاؤوا من شرقي الأناضول ، من الأكراد خاصة. ¶ في الأسر : ¶ وفي سنة 1916 تمكنت القوات الروسية من الدخول إلى مدينة (أرضروم) التركية، وقد تصدى النورسي وتلاميذه المتطوعون للقوات الروسية ، وخاضوا عدة معارك ضدها ، ثم جرح النورسي جرحاً بليغاً ، ونزف نزفاً شديداً كاد يودي بحياته ، الأمر الذي اضطر أحد تلاميذه إلى إعلام القوات الروسية بذلك ، فاقتادوه أسيراً ، وبقي في الأسر في (قوصطرما) سنتين أربعة أشهر ، ثم تمكن من الهرب من معسكرات الاعتقال ، إثر الثورة البلشفية في روسيا. ¶ عزة المؤمن : ¶ وذات يوم قدم هناك إلى المحكمة الحربية بتهمة إهانة القيصر والجيش الروسي. أما قصة ذلك فهي كما يأتي : كان خال القيصر القائد العام للجبهة الروسية (نيكولا نيكولافيج) يزور معسكر الأسرى فقام جميع الأسرى لأداء التحية ما عدا (سعيد النورسي)، لا حظ القائد العام ذلك ، فرجع ومر ثانية أمامه ، فلم يقم له كذلك ، وفي المرة الثالثة وقف أمامه وجرت المحاورة الظريفة الآتية بينهما بوساطة مترجم للقائد : ¶ - الظاهر أنك لم تعرفني ؟ ¶ - بلى... لقد عرفتك ، إنك نيكولا نيكولافيج ، خال القيصر ، والقائد العام في جبهة القفقاس. ¶ - إذن فلم تستهين بي ؟ ¶ - كلا ، إنني لم أستهن بأحد ، وإنما فعلت ما تأمرني به عقيدتي. ¶ - وماذا تأمرك عقيدتك؟ ¶ - إنني عالم مسلم ، أحمل في قلبي إيماناً ، والذي يحمل في قلبه إيماناً هو أفضل من الذي لا إيمان له ، ولو أنني قمت لك لكنت إذن قليل الاحترام لعقيدتي ومقدساتي ، لذلك فإنني لم أقم لك. ¶ - إذن فإنك بإطلاقك علي صفة عدم الإيمان ، تكون قد أهنتني وأهنت جيشي وأمتي والقيصر كذلك ، فيجب تشكيل محكمة عسكرية للنظر في هذا الأمر. ¶ أمام المحكمة : ¶ تشكلت المحكمة العسكرية ، وقدم إليها سعيد النورسي بتهمة إهانة القيصر والأمة الروسية والجيش الروسي. ¶ ويسود حزن في معسكر الأسرى ويلتف حوله الضباط الأسرى من الأتراك والألمان والنمساويين ملحين عليه القيام بالاعتذار للقائد الروسي وطلب العفو منه ، إلا أنه رفض ذلك بإصرار ، قائلاً لهم : "إنني أرغب في الرحيل إلى الآخرة ، والمثول بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. لذلك فإنني بحاجة فقط إلى جواز سفر للآخرة، وأنا لا أستطيع أن أعمل بما يخالف إيماني. ¶ وتصدر المحكمة قرارها بالإعدام ، وفي يوم التنفيذ تحضر ثلة من الجنود على رأسها ضابط روسي لأخذه إلى ساحة الإعدام ، ويقوم سعيد النورسي من مكانه بابتهاج قائلاً للضابط الروسي : أرجو أن تسمح لي قليلاً لأؤدي واجبي الأخير. ثم يقوم ويتوضأ ويصلي ركعتين. ¶ وهنا يأتي القائد العام ليقول له بعد فراغه من الصلاة : أرجو منك المعذرة ، كنت أظنك قد قمت بعملك قاصداً إهانتي ، ولكنني واثق الآن أنك كنت تنفذ ما تأمرك به عقيدتك وإيمانك ، لذا فقد أبطلت قرار المحكمة ، وإنني أهنئك على صلابتك في عقيدتك ، وأرجو المعذرة منك مرة أخرى. ¶ في استانبول : ¶ في 13/8/1918 عين عضواً في (دار الحكمة الإسلامية) التي كانت تضم كبار العلماء والشعراء والشخصيات. قررت الحكومة له مرتباً ، ولكنه ما كان يأخذ منه إلا ما يقيم أوده ، والباقي ينفقه على طباعة رسائله العلمية التي كان يوزعها مجاناً. ¶ وبعد أن احتل الحلفاء (الإنكليز والفرنسيون) العاصمة استانبول، ألف النورسي كتابه (الخطوات الست) وحكم عليه الحاكم العسكري الإنكليزي بالإعدام على هذا الكتاب ، وعلى نشاطه المعادي للقوات المحتلة ، وأراد محبوه إنقاذه ، فدعوه إلى (أنقرة) فأجابهم : أنا أريد أن أجاهد في أخطر الأمكنة ، وليس من وراء الخنادق ، وأنا أرى أن مكاني هذا أخطر من الأناضول. ¶ في أنقرة : ¶ دعي إلى أنقرة سنة ، 1922 واستقبل في المحطة استقالاً حافلاً ، ولكنه لاحظ أن أكثر النواب لا يصلون ، كما أن مصطفى كمال يسلك سلوكاً معادياً للإسلام ، فقرر أن يطبع بياناً تضمن عشر مواد ، وجهه إلى النواب ، واستهله بقوله : "يا أيها المبعوثون ... إنكم لمبعوثون ليوم عظيم". ¶ وكان من أثر هذا البيان الذي ألقي على النواب ، أن ستين نائباً قاموا لأداء فريضة الصلاة ، والتزموا بالدين ، الأمر الذي أغضب مصطفى كمال فاستدعى النورسي وقال له : "لا شك أننا في حاجة ماسة إلى أستاذ قدير مثلك ، ولهذا دعوناك إلى هنا للاستفادة من آرائك السديدة ، ولكن أول عمل قمت به هو الحديث عن الصلاة لقد كان أول جهودك هنا هو بث الفرقة بين أهل المجلس. ¶ فأجابه بديع الزمان ، مشيراً إليه بإصبعه في حدة : "باشا .. باشا إن أعظم حقيقة تتجلى بعد الإيمان هي الصلاة ، وإن الذي لا يصلي خائن ، وحكم الخائن مردود". ¶ عندها فكر مصطفى كمال بإبعاده عن العاصمة ، فعينه واعظاً عاماً للولايات الشرقية ، وبمرتب مغر، ولكن النورسي رفض الوظيفة والراتب، لأنه عالم رباني، وأنى للعالم الرباني أن تغريه المناصب والأموال ! ¶ - كتب النورسي ونشر في هذه المرحلة عدة كتب ورسائل منها : إشارات الإعجاز - والسنوحات - والطلوعات - ولمعات - وشعاعات من معرفة النبي صلى الله عليه وسلم وسواها باللغة العربية. ¶ المرحلة الثانية من حياته : ¶ في عام 1923 غادر النورسي مدينة أنقرة إلى مدينة "وان" حيث انقطع للعبادة في إحدى الخرائب المهجورة على جبل "أرك" ولم يدر شيئاً عن الأعاصير التي تنتظره. ¶ وجاء من يدعوه إلى تأييد ثورة الشيخ سعيد بيران ضد الحكومة الكمالية العلمانية المعادية للإسلام ، فأبى تأييدها ، لأنها تؤدي إلى اقتتال المسلمين فيما بينهم ، وإراقة دمائهم ، وهذا لا يجوز شرعاً ، ولكن هذا الموقف السلبي من ثورة الشيخ سعيد ، وذلك الانقطاع للعبادة ، لم ينجياه من غضب حكومة أنقرة العلمانية - كدأب الحكومات العلمانية مع الحركات الإسلامية ورجالها - فقد أمرت بالقبض عليه ، ونقله إلى إستانبول ، ومن ثم إلى مدينة "بوردور" ثم إلى "بارلا" في جو بادر من شتاء عام 1926 القارس ، فقد كان الجو بارداً ، ومياه البحيرة متجمدة وأحد جذافي القارب الذي يحمله إلى منفاه في المقدمة يكسر الثلوج بعصاً طويلة في يده ، ليفتح بذلك طريقاً للقارب الشرعي. ¶ وفي (بارلا) بدأت المرحلة الثانية من حياة بديع الزمان ، وهي المسماة مرحلة (سعيد الجديد) وقد كانت حافلة بالاتهامات والملاحقات والمطاردات والسجون والمعتقلات والمحاكمات والمنافي ، مما لم يمر في حياة إنسان وهو صابر محتسب، يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، شعاره في ذلك : "أعوذ بالله من الشيطان والسياسة التي أنجبت هؤلاء السياسيين العلمانيين الظالمين الذين ليس لهم إلاً ولا ذمة. ¶ وفي هذه البلدة (بارلا) صنع له أحد النجارين غرفة خشيبة صغيرة غير مسقوفة ، وضعت بين أغصان شجرة الدلب العالية حيث كان النورسي يقضي فيها أغلب أوقاته في فصلي الربيع والصيف ، متعبداً لله ، متأملاً متفكراً ، وعاكفاً على تأليف رسائل النور طوال الليل ، والناس يسمعون همهمات العالم العابد المتهجد ، ولا يستطيعون الاختلاط به ومحادثته ، والإفادة من علمه ، لأن هذا محظور عليهم وسوف يكلفهم كثيراً. ¶ أمضى النورسي في (بارلا) ثماني سنوات ونصف السنة ، ألف فيها أكثر رسائل النور ، وهو يعاني من عدة أمراض ، ولا يشتهي الطعام ، بل كان يكتفي من الطعام بكسيرات من الخبز مع قليل من الحساء "الشوربة" ، ولا يقبل هدية ولا تبرعاً ولا زكاة من أحد.. كان - كما قال عن نفسه - يعيش على البركة والاقتصاد ، لأن الاقتصاد والقناعة يعنيان الانسجام التام مع الحكمة الإلهية، والتوافق الكامل معها، وإن من لا يقتصد مدعو للسقوط في مهاوي الذلة ومعرض للاستجداء والهوان ، كما أن الاقتصاد سبب حازم لإنزال البركة ، وأساس متين للتعايش الأفضل ، ولقد كفاني هذه الشهور الستة الماضية - ستة وثلاثون رغيفاً قد خبزو في كيلة من الحنطة ، وما زال الخبز باقياً ، ولا أعرف متى ينفد.. كان يتناول وجبتين في اليوم، يأكل فيهما ما يقوم بأوده ، ويحفظ نفسه من الهلاك. ¶ وفي هذه المرحلة كان يؤلف ويكتب باللغة التركية المكتوبة بالحروف العربية ، ويأمر تلاميذه بالكتابة بالحروف العربية ، حفاظاً عليها من النسيان ، فقد كان أتاتورك ألغى الكتابة بالحروف العربية واستبدل بها الحروف اللاتينية ، وكانت هذه الجريمة من أكبر جرائم أتاتورك الذي جيء به لينفذ تعاليم سادته من اليهود والصليبيين. ¶ وقد أسهمت النساء المسلمات العفيفات الصالحات المجاهدات بنسخ الرسائل - الكتب - التي كان يمليها بديع الزمان على بعض تلاميذه في غفلة من الرقباء لأنه كان منفياً وموضوعاً تحت الرقابة ، ثم يقوم هؤلاء بتهريبها إلى النساء ، ليسهرن في نسخها ، ويقضين الليالي في ذلك ، حتى إذا أنجزنها ، سارت بها ركبان طلبة النور في طول البلاد التركية وعرضها ، حتى عمت سائر المدن والقرى التركية. ¶ ورسائل النور هذه تدعو إلى إنقاذ الإيمان ، وعودة الإسلام إلى الحياة ، وعودة المسلمين إلى دينهم ، وقرآنهم ، وتحكيم شرع الله في سائر أمورهم وأحوالهم.. تصدى بها للعلمانيين والقوميين والسياسة الميكيافيلية القائمة على التزلف والنفاق والمصالح الشخصية ، السياسة التي نحت الدين جانباً ، وولى أصحابها وجوههم نحو أوروبا ، والسير في ركابها ؛ ولهذا رأيناه في هذه المرحلة ، يقف - بكل قوة - في وجه التيارات الإلحادية الشاملة ، برغم ضراوة الهجمة وشراستها ، وبرغم ما تعرض له من نفي وسجن واعتقال واضطهاد ، وتضييق. ¶ وهذا يعني أن شعاره في هذه المرحلة : (أعوذ بالله من الشيطان والسياسة ) لا يعني أنه تخلى عن السياسة فعلاً ، بل أراد به حماية تلاميذه من شرور الأشرار من السياسيين العلمانيين السائرين في ركاب الصهيونية والماسونية وبناتها الفاجرات، ومع ذلك ، لم ينج هو ولا تلاميذه من الملاحقة والمحاكمات والسجون التي أطلق عليها النورسي وتلاميذه اسم : المدرسة اليوسفية أسوة بسيدنا يوسف عليه السلام. ¶ وقد جاء في قرار اللجنة المدققة لرسائل النور في مدينة (دنيزلي) : "ليس لبديع الزمان فعالية سياسية ، كما لا يوجد أي دليل على أنه يؤسس طريقة صوفية ، أو قائم بإنشاء أي جمعية ، وإن موضوعات كتبه تدور كلها حول المسائل العلمية والإيمانية وهي تفسير القرآن الكريم ، وصدق الله العظيم (وجعلنا من بين أيديهم سداً ، ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون) (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور). ¶ عندما أطلق سراحه في الخمسين ، كان في السابعة والسبعين من العمر ، وكان يقول لزائريه أو الذين يرغبون في زيارته : كل رسالة - من رسائل النور - تطالعونها ، تستفيدون منها فوائد أفضل من مقابلتي ومواجهتي بعشرة أضعاف. ¶ وكان قد طلب أكثر من مرة من تلاميذه طلبة النور ، ألا يربطوا الرسائل بشخصه الضعيف ، فيحطوا من قيمتها ، لأن للإنسان أخطاء وعيوباً قد سترها الله عليه.. كما كان يدعو تلاميذه إلى عدم التعلق به ، لا في حياته ، ولا بعد مماته ، فذلك له أضرار جسيمة على الدعوة.. أمرهم أن يتعلقوا بالأفكار الواردة في رسائل النور ، وهي أفكار إسلامية صريحة نقية صافية. ¶ وكان النورسي (الذي يحب معالي الأمور ، ويسمو بنفسه وروحه وعقله عن السفاسف والترهات) يحب أعالي الجبال ، وأعالي الأشجار الباسقة الشاهقة ، وكان يفضل الصلاة على الصخور المرتفعة ، وكان يقول لتلاميذه: " لو كان في ّ قوة شبابكم هذا لما نزلت من هذه الجبال " . ¶ لقد كان النورسي أمة في رجل ، وربى تلاميذه بالقدوة ، وحياته كانت أكبر كرامة.. إنه رجل عصر المصائب والبلايا والمهالك - كما قال عن نفسه- وهو عصرنا ، وقد هيأ الأدوية الناجعة للجروح الإنسانية الأبدية ، وقدمها إليها خلال رسائله وكتبه التي هي من نور القرآن العظيم ، تدعو إلى تطهير النفس ، وصقل الروح ، وغرس الإيمان والإخلاص في النفوس. ¶ وفاته : ¶ توفي بديع الزمان النورسي في الخامس والعشرين من شهر رمضان المبارك عام 1379هـ الموافق للثالث والعشرين من شهر آذار 1960م تاركاً موسوعة علمية، أدبية ، إيمانية ضخمة تسد حاجة هذا العصر ، وتخاطب مدارك أبنائه ، وتدحض أباطيل الفلاسفة الماديين ، وتزيل شبهاتهم من أسسها ، وتثبت حقائق الإيمان وأركانه بدلائل قاطعة ، وبراهين ناصعة ، جمعت في ثمانية مجلدات ضخام ، هي : الكلمات - المكتوبات - اللمعات - الشعاعات - إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز - المثنوي العربي النوري - الملاحق - صيقل الإسلام ، وقد ترجمت إلى اللغات العربية والإنكليزية ، والألمانية ، والأردية ، والفارسية ، والكردية ، والفرنسية ، والروسية وغيرها ، ودفن في مدينة (أورفه). ¶ وبعد الانقلاب العسكري في تركيا في 27/5/1960 قام الانقلابيون العسكر بنقل رفات الإمام النورسي إلى جهة غير معلومة. ¶ وقد وصف شقيقه الشيخ عبد المجيد النورسي نقل رفات أخيه بديع الزمان في مذكراته ، بعد خمسة أشهر من وفاته ، فقد قالوا له : سنقوم بنقل رفات أخيك الشيخ سعيد النورسي من أورفه.. وقاموا بهدم قبر بديع الزمان ، وقلت في نفسي: ( لابد أن عظام أخي الحبيب قد أصبحت رماداً ، ولكن ما إن لمست الكفن ، حتى خيل إلي أنه قد توفي بالأمس ، كان الكفن سليماً ، ولكنه كان مصفراً بعض الشيء من جهة الرأس كانت هناك بقعة واحدة على شكل قطرة ماء). ¶ وهكذا نقله العسكر بطائرة مروحية إلى جهة مجهولة ، وكأن الله العلي القدير قد استجاب لرغبة الإمام بديع الزمان ، بأن يكون قبره مجهولاً. ¶ ضاق الأوباش بالإمام حياً ، فاضطهدوه ، وضاقوا به ميتاً فدفنوه في مكان لا يعرفه أحد.. وكذلك يفعلون ولكن هذا لا يضير الإمام ، فهو من الصالحين ومع الصالحين، ( يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ، والله متم نوره ولو كره الكافرون ) وها هم أولاء تلاميذ النورسي يملؤون تركيا ، ويعملون من أجل الإسلام ودحض الكفر والشرك والعمالة والظلم ، مهما غلا الثمن لأن سلعة الله أغلى. ¶ نقلا عن : موقع التاريخ ¶ http://www.altareekh.com #META# bver: 1 #META# over: 1 #META# ndata: إشارات اC337AFA8ي 1378هـ #META# bkord: 1037 #META# archive: 5 #META# الناشر: شركة سوزلر للنشر - القاهرة #META# الكتاب: إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز #META# seal: A180B49E #META# oauth: 40 #META# authno: 40 #META# ad: 1379 #META# idx: 1 #META# comp: 1 #META# higrid: 1379 #META# cat: علوم القرآن #META# iso: اشارات الاعجاز #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] #META# المحقق: إحسان قاسم الصالحي #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-10-01 #META#Header#End# إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز # تأليف / بديع الزمان سعيد النورسي # الكتاب عبارة عن نظرات للأستاذ سعيد النورسي في كتاب الله تعالى # تنم عن بصيرة نافذة، ومعرفة كلامية وبلاغية عميقة، وذوق ذاتي رفيع، ومنهج ~~عقلي سديد # تحقيق / إحسان قاسم الصالحيإشارات الإعجاز في مظان الإيجاز ¶ تأليف / ~~بديع الزمان سعيد النورسي ¶ الكتاب عبارة عن نظرات للأستاذ سعيد النورسي ~~في كتاب الله تعالى ¶ تنم عن بصيرة نافذة، ومعرفة كلامية وبلاغية عميقة، ~~وذوق ذاتي رفيع، ومنهج عقلي سديد ¶ تحقيق / إحسان قاسم الصالحي ----NO PAGE NO------ بسم الله الرحمن الرحيم ### | AUTO المقدمة1 # الدكتور محسن عبد الحميد # استاذ التفسير والفكر الاسلامي # جامعة بغداد # الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من انزل عليه القرآن الحكيم ~~محمد بن عبد الله خاتم الانبياء والرسل، وعلى آله واصحابه والتابعين لهم ~~باحسان الى يوم الدين. # اما بعد: # فيكاد يجمع المنصفون من العلماء والدارسين المطلعين على تطور اوضاع ~~المسلمين في العصور الاخيرة، ان الاستاذ الجليل بديع الزمان سعيد النورسى، ~~كان شخصية اسلامية كبيرة، صادق الايمان، عظيم الاخلاص، عزيز النفس، عارفا ~~بحقائق التوحيد، نابغة من نوابغ الزمان، غزير العلم، نافذ الفكر، داعية ~~ثبتا الى الله تعالى على بصيرة، حمل هموم المسلمين منذ شبابه، وقضى حياته ~~في الجهاد الدائب في سبيل توضيح عقيدة الاسلام وبيان علل احكامه، ودحض ~~الافكار المنحرفة والفلسفات الجاحدة المناقضة له والتخطيط العملي لاجل ~~انقاذ المسلمين من الغزو الفكري الجارف الذي تعرضوا له منذ اوائل القرن ~~الرابع عشر الهجري، بل قبله. PageV01P004 # ولقد لقى، رحمه الله تعالى في سبيل ذلك مالقى، مما ليس جزاؤه الا عند الله ~~تعالى البصير بعباده الصالحين واوليائه الصادقين وعلمائه المجاهدين، الذين ~~صدقوا العهد مع الله تعالى، ولم يخشوا فيه سبحانه لومة لائم. # وهذا الكتاب الذي بين يديك - قارئي العزيز - جليل القدر، رصين السبك، قوي ~~الحجة، يمثل اجلى تمثيل القدرة السريانية الفائقة للاستاذ النورسى، وراء ~~المعاني الدقيقة في كتاباته كلها، لاسيما العلمية المختصة منها. ولقد كانت ~~تلك موهبة عبقرية، وهبه الله تعالى اياه، لينظر في كتاب الله تعالى من ms001 ~~خلالها ببصيرة نافذة، ومعرفة كلامية وبلاغية عميقة، وذوق ذاتي رفيع، ومنهج ~~عقلي سديد، يلتمس الكشف عن الحقيقة، ويبغي ايصال الانسان الى اقتناع كامل ~~بكون هذا القرآن معجزا، بحيث يجد العقلاء والفصحاء في انفسهم ضرورة الايمان ~~والاعتراف بانه الكتاب الحق الذي نزل من عند علام الغيوب على رسوله الاكرم ~~محمد بن عبد الله عليه افضل الصلاة وازكى التسليم، كي يضع الانسانية على ~~طريق دعوة الحق، وينور بصيرتها بنور الايمان، وادراك اليقين للوصول الى ~~العبودية الخالصة لرب العالمين. # لقد استطاع الاستاذ النورسى ان يصقل موهبته الفذة بدراسة العلوم ~~الاسلامية والفلسفات القديمة والعلوم الانسانية والصرفة المعاصرة، زيادة ~~على اطلاعه الواسع على الادب والبلاغة العربية في كتب امثال الجاحظ ~~والزمخشري والسكاكي لاسيما كتب النحوي البلاغي الكبير الامام عبد القاهر ~~الجرجاني حيث آمن بنظريته المشهورة في النظم واعجب بها ايما اعجاب في هذا ~~الكتاب. # ولم تكن نظرية النظم جديدة اخترعها الجرجاني من غير مقدمات، وانما لفت ~~النظر اليها الجاحظ في كتابه نظم القرآن والواسطي في كتابه اعجاز القرآن في ~~نظمه والباقلاني في كتابه اعجاز القرآن غير ان الجرجاني شرحها شرحا نحويا ~~بيانيا وافيا مترابطا وصاغ منها نظرية متكاملة تقوم على اساس عدم الفصل بين ~~اللفظ ومعناه وبين الشكل والمضمون وقرر ان البلاغة في النظم لافي الكلمة ~~المفردة ولا في مجرد المعاني، دون تصوير الالفاظ لها. وبناء على ذلك فانه ~~يعرف النظم بانه: تعليق PageV01P005 ~~الكلمة بعضها على بعض، وجعل بعضها بسبب من بعض، اي تضع كلامك الوضع الذي ~~يقتضيه علم النحو وتعمل على قوانينه واصوله وتعرف مناهجه فلا تزيغ عنها. # وكأني بالاستاذ النورسى درس نظرية النظم هذه دراسة متقنة ثم ظهر له ان ~~المفسرين الذين سبقوه كالزمخشري والرازي وابي السعود لم يحاولوا تطبيقها من ~~حيث هي منظومة متكاملة تشمل ترتيب السور والآيات والالفاظ سورة بعد سورة ~~وآية بعد آية ولفظا بعد لفظ، بتفاصيلها الكاملة فاراد ان يقتدي بهؤلاء ~~المفسرين العظام فيؤلف تفسيرا يطبق فيه نظرية النظم تطبيقا تفصيليا شاملا ~~من حيث المباني والمعاني ومن حيث المعارف ms002 اللغوية والعقلية والذوقية، ~~الكلية منها والجزئية، والتي اعتمد عليها في الكشف عن تفاصيل المنظومة ~~القرآنية التي بها يظهر الاعجاز، وتتكشف دقائق خصائص الاسلوب القرآني التي ~~خالفت خصائص التعبير العربي البليغ قبله، والتي حيرت البلغاء واخرست ~~الفصحاء، ليحق عليهم التحدي المعجز الى يوم القيامة. # ولم تتوجه جهود النورسى الى بيان نظرية النظم، مقدمة لاثبات اعجاز القرآن ~~البلاغي فحسب، بل اتجهت كذلك الى التغلغل في معاني الآيات، حيث اراد بناءها ~~تفصيلا على المرتكزات العقلية للوصول الى اظهار العقائد الاسلامية ~~وارتباطها بحقائق الوجود. # ومن الواضح جدا لمن تأمل في الكتاب وترتيبه، انه كان يريد ان يؤلف تفسيرا ~~كاملا في هذا الاتجاه. ولو قدر للاستاذ - رحمه الله تعالى - ان ينهي عمله ~~العظيم هذا كاملا، اذن لقدم تفسيرا بلاغيا وعقليا كاملا شاملا، كان جديرا ~~بان يأخذ منه عمره كله حيث كان من المحقق ان يحوي حينئذ عشرات المجلدات ~~الضخام، لو انه مشى في ضوء منهجه هذا الذي نقرأه في هذا الكتاب. # ولكن الله سبحانه وتعالى قدر له الافضل من ذلك اذ وفقه لعمل اجل من ذلك ~~واعظم. عمل استطاع فيه ان يضع مسلمي بلده في ظروف عصره في مواجهة القرآن ~~الكريم، دون اشغالهم بقضايا بلاغته واعجازه اللغوي والتي لم تكن مشكلة عصره PageV01P006 ~~من خلال التحقيق في جزئيات دقيقة لا يقوى على فهمها الا الخواص جدا. وكان ~~من المؤكد حينئذ ان يبقى الجمهور الاعظم من المسلمين في عصره بمعزل عن ~~الاستفادة من مواهبه الفذة وحماسه الايماني المنقطع النظير، وكذلك بمعزل عن ~~الصراع الفكري الحضاري الرهيب غير المتكافئ مع الغزو الفكري المادي الجاحد، ~~الذي بدأ يتسلل رويدا رويدا الى الحياة الاسلامية حتى تصدر السياسة ~~والاقتصاد والاجتماع والثقافة والفن والاعلام في كثير من بلاد الاسلام. # من اجل ذلك، وقف النورسى عند هذا المجلد من التفسير، ودفعته ظروف عصره ~~وبلده الى اتون الصراع، ولكن في قالب جديد ممثلا بسعيد الجديد سمته الهدوء، ~~والتدرج، والبناء، والنفوذ المحكم الى عقول المسلمين وقلوبهم دون صراخ ~~عاطفي او تهريج مدمر، او صدامات فوقية، ms003 لم يكن الوضع الاسلامي يومئذ مهيئا ~~لها ويقوى فيها على مجابهة الاعداء الاقوياء في الداخل والخارج. # لقد كان اسلوب رسائل النور في وضوحه الحاسم، وهدوئه العلمي الباهر، ~~وبيانه الذوقي الرفيع، وحججه العقلية الدامغة هو البديل العصري الذكي ~~لاسلوب اثبات اعجاز القرآن اللغوي والبياني والعقلي من خلال نظرية النظم، ~~لان ما اثاره الاعداء لم يكن يتصل بالطعن في بلاغة القرآن او مناقشة ما ~~يتعلق باعجازه او بتناسب سوره وآيه وكلماته. وانما كان يركز على شن هجوم ~~عام شامل على اصول الايمان، وحكمة التشريعات، ومحاولة تفكيك النظام ~~الاخلاقي الذي جاء به القرآن الكريم. # لقد وعى الاستاذ النورسى التغييرات الهائلة التي احدثها الصراع الجديد ~~فتوجه اليها بحقائق القرآن التي قدمها من خلال اصول المنطق العقلي الفطري ~~وعلوم ومعارف عصره. # انه استطاع ان يثبت من خلال جزء كامل من هذا الكتاب اعجاز القرآن الكريم ~~وبرهن للدارسين وطلاب الحقيقة، انه من السهل ان يستمر في ضوء منهجه العلمي ~~والعقلي والذوقي الرفيع الى النهاية، اذن فليكن هذا كافيا، وليتوجه بكليته وبقية PageV01P007 ~~حياته العامرة الى القضية الاساس، وهي انقاذ ايمان المسلمين في عصر الصراع ~~الاعلامي الرهيب، فأنتج في هذا المجال ايما انتاج من خلال عشرات الكتب ~~والرسائل التي وجهها الى النشئ الجديد، لإلحاق الهزيمة العقيدية والفكرية ~~باعداء الاسلام من الملاحدة وارباب التغريب. # على انني اظلم هذا الكتاب اذا ادعيت انه خلا من منهج مواجهة الصراع ~~الجديد، بل ازعم هنا - على قدر ما لي من علم بافكار النورسى من خلال قراءتى ~~لبعض رسائله في عهده الجديد - انه مامن فكرة شرحها او بسطها او مثل عليها ~~الا تجد لها بذورا موجزة او مفصلة في هذا الكتاب العلمي الرصين الذي بين ~~يديك، لاسيما في عرض اصول العقائد الاسلامية باسلوب عصري علمي. غير انه ~~اتجه في كتابه هذا الى مخاطبة خاصة تلامذته من خلال دمج المصطلحات الكلامية ~~القديمة ببدايات منهجه الجديد الذي استقر عليه فيما بعد في رسائل النور. # ولعل هذا هو سر تسمية رسائل النور بانها تفسير حقيقي للقرآن الكريم، ms004 ~~والحق ان تفسير القرآن ومخاطبة المسلمين بآياته لم يبارح قط فكر النورسى ~~الى آخر لحظة من لحظات حياته الحافلة بالمحن والاحزان، والعلم والدعوة الى ~~التمسك بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. # ان نشر هذا الكتاب بثوبه الجديد هذا سيضع نموذجا تحليليا بلاغيا رائعا ~~امام المهتمين بالدراسات الاعجازية والبلاغية والنقدية المعاصرة. لاسيما في ~~الاوساط العلمية. وسيجد المهتمون بدراسات العقائد الاسلامية من وجهة المنطق ~~العقلاني زادهم فيه من خلال المباحث العقلية والعلمية العميقة التي قدمها ~~الاستاذ تعليقا على الايات التي حللها من اوائل سورة البقرة. # لقد احسن الاستاذ الفاضل احسان قاسم الصالحي بتحقيقه هذا الكتاب من جديد، ~~حيث اغناه بتدقيقاته المفيدة وشروحه القيمة في الحواشي، وهذا فضل يكمل به ~~افضاله السابقة على قراء العربية حين قضى سنوات عدة في ترجمة مجموعة متنوعة ~~من رسائل النور التي دبجها يراع الامام الممتحن سعيد النورسى حجة الاسلام ~~بحق في حياة تركيا الحديثة. PageV01P008 # فجزى الله الاستاذ النورسى خير الجزاء ونفع المسلمين بعلمه وحججه الدامغة ~~وكلماته النورانية الصادقة في خدمة كتاب الله تعالى وسنة رسوله الاكرم صلى ~~الله عليه وسلم. # وفي ختام هذه الكلمات ادعو الله تعالى ان يوفق المحقق الكريم الى تقديم ~~ترجمة كاملة لرسائل النور الى قراء العربية المجيدة.1 # وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين. # د. محسن عبد الحميد # كلية التربية - جامعة بغداد # 2 شعبان 1407ه PageV01P009 ### | CHECK [مقدمة المحقق] # بسم الله الرحمن الرحيم # هذا التحقيق 1 # الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه، وبعد؛ # ففي ايام قاحلة وشهور عجاف اكرمني الله العلي القدير بقراءة هذا التفسير ~~الجليل قراءة لا ارجو من ورائها سوى شرح للصدر، وتغذية للروح وتنضير للذهن. # كررت قراءته مرات ومرات، فاطفأ - باذن الله - ظمأ القلب بعذب برود.. ولكن.. # ولكن لمست انه بحاجة الى تنسيق جديد وتحقيق سديد ليسهل تناوله ولا يتعذر ~~فهمه لكل من يريد ان يستفيد. # وشاء القدر الإلهي ان يأتيني اخ كريم بنسخة مخطوطة منه واخر بطبعته ~~الاولى، وقد كنت احتفظ بترجمته التركية وبطبعته الثانية ms005 والاخيرة.. ~~فاستجمعت العناصر الاولى للتحقيق. فايفاءا لشكره تعالى على ما أنعم علي ~~واعدادا لنسخة جيدة من هذا التفسير الجليل هممت ان اقوم بتحقيقه، ولكن.. # ولكن قصوري، وقلة خبرتي، وضخامة الموضوع، وجلال المقام، وخشية الزلل.. ~~كانت تكفني عن القيام بالتحقيق.. بيد ان النظر الى ما عند الله، وفضله ~~العميم، والثقة به، وحسن القصد اليه في خدمة كتابه العزيز.. كانت تدفعني ~~الى العمل.. فتخليت عن الإحجام ولازمت الإقدام متوكلا على العلي العلام، ~~وسرت بخطوات متئدة، كالآتي: PageV01P010 # اولا: قابلت بين النسخ التي توفرت لدي وهي: # أ- نسخة بخط (الملا عبد المجيد النورسي) 1مصححة من قبل المؤلف نفسه. ~~فأعتبرتها الأساس في التحقيق2. # ب - الطبعة الاولى من الكتاب، المطبوع سنة 1334 في مطبعة (اوقاف اسلامية) ~~باستانبول ومصححة من قبل المؤلف وعليها بعض الهوامش بخط يده. وقد رمزت ~~اليها ب (ط1) . # ج - مخطوط بخط السيد (طاهر بن محمد الشوشي) 3 انتهى منه سنة 1373ه، وضم ~~فيه تعليقات واستدراكات جيدة على النساخ، مع وضع لعناوين صغيرة لاهم ~~الموضوعات في الصفحة، وقد رمزت اليه ب (ش) . فكل اضافة او تعليق مذيل ب (ش) ~~هو منه. # د - الترجمة التركية له، والتي قام بها (الملا عبد المجيد النورسى) ~~ونشرتها (دار سوزلر في استانبول) سنة (1976) . وقد رمزت اليها ب (ت) . # ه - تحقيق قام به الشيخ صدرالدين البدليسي، حيث وضع بعض الهوامش وصحح ~~اخطاء مطبعية، فرمزت اليها ب (ب) . PageV01P011 # و- الطبعة الاخيرة المطبوعة في مؤسسة الخدمات الاجتماعية في بيروت سنة 1394 ~~(1974) وقد لاحظت فيها: # 1- ترجمة السيد عاصم الحسيني لمقدمة الكتاب التي كتبها الاستاذ النورسى ~~بالتركية، اقتصرت على قسم منها، فاجريت فيها تغييرات طفيفة لتفي بمراد ~~المؤلف، ثم اتتمت ترجمة بقية المقدمة. # 2- كلمة ثناء او (تقريظ) للشيخ صدرالدين البدليسي، وهي كلمة قيمة لبيان ~~ظروف تأليف التفسير، ومقارنته مع تفاسير اخرى مشهورة، فأبقيتها كما هي. # 3- هناك في ختام الكتاب ثلاث عشرة شهادة من شهادات الفلاسفة وعلماء اوربا ~~حول أحقية القرآن، اهملتها لركاكة ترجمتها اولا ولعدم عثوري على اصولها كي ~~اترجمها مجددا، ووضعت بدلا منها ما قدمه ms006 الاستاذ الدكتور عمادالدين خليل ~~مشكورا فصلا من كتابه القيم قالوا عن الاسلام وهو الفصل الاول الخاص ~~بالقرآن الكريم، فألحقناه كاملا بالكتاب، فجزاه الله خيرا على عمله الجليل. # ثانيا: وبعد المقابلة او في اثنائها صححت الاخطاء المطبعية والاملائية، ~~مع تشكيل وضبط الكثير من الكلمات، ثم عزوت الآيات الكريمة الى سورها. وخرجت ~~الاحاديث الشريفة الواردة فيه من الكتب المعتمدة المتوفرة لدي، وبمساعدة ~~الاخ الكريم فلاح عبد الرحمن. وتركنا قسما من الاحاديث كما هو، لعل الله ~~يهئ لنا من المصادر الحديثية ما نتمكن من تخريجه، او يرشدنا اليه علماؤنا ~~الافاضل. # ثالثا: راجعت امهات القواميس كالمحيط والمصباح ومختار الصحاح وغيرها ~~لتفسير بعض ما استغلق علي من كلمات.. # رابعا: استخرجت الامثال الواردة فيه، وقابلتها مع اصولها في مجمع الامثال ~~للميداني. PageV01P012 # خامسا: وضحت بعض ما أبهم علي من العبارات، استنادا الى الترجمة التركية، ~~حيث جاءت فيها تلك العبارات اكثر وضوحا. وادرجتها في الهامش مع تذييلها ب ~~(ت) ورقم الصفحة. # سادسا: استشكلت علي امور نحوية ومسائل لغوية. اضطرتني الى مراجعة امهات ~~الكتب اللغوية كالمغني والاشموني وغيرهما، حتى اطمأن القلب وحصلت القناعة ~~التامة بان ما اقره الاستاذ النورسى هو الصواب، او فيه جواز، وان ما الفته ~~وتعلمته من قواعد النحو ما هو الا النزر اليسير من بحر محيط عظيم بل ما هو ~~الا الوجه الشائع من بين وجوه كثيرة. # وبعد الفراغ من العمل بتوفيق الله سبحانه وتعالى، وضعت كل ماقمت به بين ~~يدي اخي الاستاذ الدكتور محسن عبد الحميد ليدلني على عثراتي ويبصرني على ~~ثغرات العمل؛ اذ هو الذي صاحب الرازي سنين، ولازم الالوسى سنين اخرى، وخبر ~~اصول التفسير وضوابطه درسا وتدريسا لسنين طويلة، ومازال، فكلل جهدي جزاه ~~الله خيرا بمقدمة وافية شافية. # وبعد: # فلقد بذلت ما بوسعى في تحقيق الكتاب، ولست زاعما اني اوفيت حقه، ولكن ~~حسبي انني حاولت، وبذلت ما استطعت ابتغاء ان يكون من العمل الصالح عندالله، ~~ورجاء ان تنالي دعوة خالصة ممن ينتفع به. # والله نسأل ان يوفقنا الى حسن القصد وصحة الفهم وصواب ms007 القول وسداد العمل. # وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # احسان قاسم الصالحي # ليلة النصف من شعبان سنة 1407 PageV01P013 ~~اشارات الاعجاز # في # مظان الايجاز # تأليف # بديع الزمان سعيد النورسي # تحقيق # احسان قاسم الصالحي PageV01P014 ~~باسمه سبحانه # كلمة # لستة من طلاب النور # لقد درسنا على استاذنا الفاضل قسما من تفسيره الموسوم "اشارات الاعجاز" ~~الذي ألفه قبل اربعين سنة اثناء الحرب العالمية الاولى، حينما كان يؤدي ~~فريضة الجهاد في الخط الامامي لساحة القتال واحيانا كان على صهوة جواده. # ونحن مع قصر فهمنا بدقائق اللغة العربية واسرار البلاغة، فقد ادركنا ~~عندما قرأنا هدا التفسير على يد استاذنا الفاضل انه تفسير بديع وخارق ~~للعادة، فرأينا من الانسب ان نذكر النقاط الاربع الآتية حول بيان هذا ~~التفسير للاعجاز النظمي فحسب من وجوه الاعجاز للقرآن الكريم: # النقطة الاولى: # ان معانى القرآن الكريم معانى شاملة كلية وعامة لا تقتصر على طائفة معينه ~~او على معنى جزئي، بل يقدم اطيب الاغذية طرا وألذها طعما الى الوف الطبقات ~~المتباينة من الجن والانس، فيوفي حاجة افكارهم ويشبع عقولهم ويغذى قلوبهم ~~وينمي ارواحهم، كل بما يليق به؛ وذلك لانه وحي سماوي وخطاب صمداني يخاطب ~~الله سبحانه جميع طبقات البشر المصطفين خلف الاعصار، فيجيب عن اسئلة ~~واستفسارات جميع الطوائف ويلبي حاجاتهم كلها؛ فلا غرو انه كلام رب ~~العالمين، صادر من ارفع مراتب الربوبية المطلقة. # النقطة الثانية: # ان الفاظ القرآن الكريم التي هي بمثابة الاصداف لنفائس لآلئ المعاني ~~الكلية الشاملة، والتي نزلت من صفة الكلام الازلي وخاطبت جميع الاعصار ~~وجميع البشرية، لا ريب انها كلية جامعة. وقد لمسنا في هذا التفسير قسما من ~~الاعجاز - القطعي الثبوت - في كل حرف من حروف ذلك الكتاب الحكيم والتي يثمركل PageV01P015 ~~منها عشر حسنات او مائة او الفا او الوفا بل في الاوقات المباركة - كليلة ~~القدر - ثلاثين الف ثمر من ثمرات الجنة. # النقطة الثالثة: # ان الحسن والجمال اللذين يلمعان في مجموع الشيء، لا يتحريان في كل جزء من ~~اجزائه، ولا يعد نقصا ما لم يشاهد ذلك الجمال ms008 في الجزء. ومع هذا فان ~~الاعجاز النظمى الذي نراه في جميع سور القرآن الكريم وفي آياته نراه بنمط ~~آخر عندما ندقق ونحلل هيئات وكيفيات كلماته وجمله. وهذا التفسير المؤلف ~~بالعربية يبين منبعا من المنابع السبعة لاعجاز الكتاب الحكيم، الا وهو ~~الجزالة الخارقة في الفاظه مبينا ادق فروعه واخفى اسراره. فلا شك انه لا ~~يعد اسرافا - بل هو حقيقة - اهتمام "اشارات الاعجاز" بكل حرف من حروف ~~القرآن العظيم التي يثمر كل منها عشرا من الحسنات بل يرتقى الثواب ثلاثين ~~الفا في بعض الاوقات. # النقطة الرابعة: # ان معانى القرآن الحكيم لها جامعية واسعة وكلية شاملة وذلك لصدوره من ~~الكلام الازلى وخطابه جميع الطبقات البشرية في جميع الاعصار لذا لا تنحصر ~~تلك المعاني على مسألة واحدة كما هي في الانسان بل هي كالعين الباصرة تنظر ~~الى اوسع المدى. فيضم الكلام الازلى ضمن نظره المحيط جميع الازمان وجميع ~~البشرية بطوائفها كافة. # فبناء على ما اسلفناه نقول: ان جميع الوجوه التي اوردها المفسرون في ~~كتبهم التى تفوق العد وما استنبطوه من المعاني المشتمل عليها الكتاب الكريم ~~صراحة او اشارة او رمزا او ايماء او تلويحا او تلميحا مرادة ومقصودة بالذات ~~من الكتاب الكريم، شريطة ان لا تردها العلوم العربية وان تستحسنها البلاغة ~~وان يقبلها علم اصول مقاصد الشريعة. # طاهري، زبير، صونغور، ضياء، جيلان، بايرام. PageV01P016 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | AUTO مقدمة الترجمة التركية # تنبيه # لقد تم تأليف تفسير اشارات الاعجاز في السنة الاولى من الحرب العالمية ~~الاولى على جبهة القتال بدون مصدر او مرجع. وقد اقتضت ظروف الحرب الشاقة ~~وما يواكبها من حرمان أن يكتب هذا التفسير في غاية الايجاز والاختصار ~~لاسباب عديدة. # وقد بقيت الفاتحة والنصف الاول من التفسير على نحو اشد اجمالا واختصارا: # أولا: لان ذلك الزمان لم يكن يسمح بالايضاح، نظرا الى ان (سعيدا القديم) ~~كان يعبر بعبارات موجزة وقصيرة عن مرامه. # ثانيا: كان (سعيد) يضع درجة افهام طلبته الاذكياء جدا موضع الاعتبار. ولم ~~يكن يفكر في فهم الآخرين. # ثالثا: لما كان يبين ms009 أدق وأرفع ما في نظم القرآن من الايجاز المعجز، جاءت ~~العبارات قصيرة ورفيعة. # بيد انني أجلت النظر فيه الآن بعين (سعيد الجديد) . فوجدت ان هذا التفسير ~~بما يحتويه من تدقيقات، يعد بحق تحفة رائعة من تحف (سعيد القديم) بالرغم من ~~اخطائه وذنوبه. # ولما كان (اي سعيد القديم) يتوثب لنيل مرتبة الشهادة اثناء الكتابة، ~~فيكتب مايعن له بنية خالصة، ويطبق قوانين البلاغة ودساتير علوم العربية، لم ~~استطع ان اقدح PageV01P017 ~~في اي موضع منه، اذ ربما يجعل الباري عز وجل هذا المؤلف كفارة لذنوبه ويبعث ~~رجالا يستطيعون فهم هذا التفسير حق الفهم. # ولولا موانع الحرب العالمية، فقد كانت النية تتجه الى ان يكون هذا الجزء ~~وقفا على توضيح الاعجاز النظمي من وجوه اعجاز القرآن، وان تكون الاجزاء ~~الباقية كل واحد منها وقفا على سائر اوجه الاعجاز. # ولو ضمت الاجزاء الباقية حقائق التفسير المتفرقة في الرسائل لأصبح تفسيرا ~~بديعا جامعا للقرآن المعجز البيان. # ولعل الله يبعث هيئة سعيدة من المنورين تجعل من هذا الجزء ومن الكلمات ~~والمكتوبات الست والستين، بل المائة والثلاثين من اجزاء رسائل النور مصدرا، ~~وتكتب في ضوئه تفسيرا من هذا القبيل. (*) # سعيد النورسي # (*) ان هذا التفسير القيم بين دفتيه نكات 1 بلاغية دقيقة، قد لايفهمها ~~كثير من القراء، ولايعيرون لها اهتمامهم، ولاسيما ما جاء ضمن الآيتين ~~اللتين تصفان حال الكفار والآيات الأثنتى عشرة الخاصة بالمنافقين. # ان ذكر نكات دقيقة في تلك الآيات والاقتصار على بيان دقائق دلالات ~~الفاظها وبدائع اشاراتها باهتمام بالغ، من دون تفصيل لماهية الكفر، مع تطرق ~~يسير الى الشبهات التي يلتزمها المنافقون - خلافا لما جرى في سائر الآيات ~~من تحقيق وتفصيل - اقول ان سبب ذلك كله نلخصه في نكات ثلاث: # النكتة الاولى: # لقد احس سعيد القديم - بفيض من القرآن الكريم - انه سيظهر في هذا الزمان ~~المتأخركفار لا يهتدون بكتاب ومنافقون من الاديان السابقة، كما ظهروا في ~~بداية الاسلام، فاكتفى ببيان النكات الدقيقة لتلك الآيات من دون ان يخوض في حقيقة PageV01P018 ~~مسلكهم وبيان نقاط ارتكازهم، بل تركها مجملة ms010 دون تفصيل، لئلا يعكر صفو ~~اذهان القراء الكرام. ومن المعلوم ان نهج رسائل النور هو: عدم ترك أثر سئ ~~مهما كان في ذهن القارئ، اذ تجيب اجوبة قاطعة على الشبهات التي يثيرها ~~اعداء الاسلام من دون ان تذكر الشبهة نفسها - بخلاف سائر العلماء - فتسد ~~بهذا دخول اية شبهة كانت في ذهن القارئ. فانتهج سعيد القديم في تفسيره هذا ~~مسلك رسائل النور، فأولى اهتمامه بالجانب البلاغي لتلك الآيات وبيان ~~الفاظها واشاراتها لئلا يكدر الاذهان ويعكر صفوها. # النكتة الثانية: # لما كانت قراءة كل حرف من القرآن الكريم فيها عشر حسنات أو مائة حسنة أو ~~ألفا من ثمرات الآخرة أو الوفا منها، فلا يعد اذن ايضاح سعيد القديم لنكات ~~دقيقة تخص كلمات القرآن الكريم اسرافا في الكلام، اذ رغم دقة الاهداب وصغر ~~بؤبؤ العين فإن لهما اهمية عظمى. فلقد احس سعيد القديم في النكات البلاغية ~~مثل هذه الاهمية، لذا لم تثنه شراسة المعارك وهول الحرب في الجبهة الامامية ~~عن املاء ادق النكات القرآنية على تلاميذه. # النكتة الثالثة: # ان الترجمة التركية لهذا التفسير لم توف بلاغته الفائقة حق الوفاء، بل ~~جاءت مختصرة في مواضع عدة. وسنلحق بها - باذن الله - التفسير العربي رفعا ~~لهذا النقص ما لم يكن من مانع. فيرجى بذل المستطاع ليكون طبعه مطابقا للاصل ~~محافظا على توافقاته الرائعة التي لم تمسها ارادة انسان، وذلك لئلا تضيع ~~علامات قبوله. # سعيد النورسي PageV01P019 ~~افادة المرام # اقول: لما كان القرآن جامعا لأشتات العلوم وخطبة لعامة الطبقات في كل ~~الاعصار، لا يتحصل له تفسير لائق من فهم الفرد الذي قلما يخلص من التعصب ~~لمسلكه ومشربه؛ اذ فهمه يخصه ليس له دعوة الغير اليه إلا ان يعديه 1 قبول ~~الجمهور. واستنباطه - لا بالتشهي - له العمل لنفسه فقط، ولا يكون حجة على ~~الغير إلا ان يصدقه نوع اجماع. # فكما لابد لتنظيم الاحكام واطرادها ورفع الفوضى - الناشئة من حرية الفكر ~~مع اهمال الاجماع - من وجود هيئة عالية من العلماء المحققين الذين - ~~بمظهريتهم لأمنية العموم واعتماد الجمهور - يتقلدون كفالة ضمنية للامة، ms011 ~~فيصيرون مظهر سر حجية الاجماع الذي لاتصير نتيجة الاجتهاد شرعا ودستورا الا ~~بتصديقه وسكته 2؛ كذلك لابد لكشف معاني القرآن وجمع المحاسن المتفرقة في ~~التفاسير وتثبيت حقائقه - المتجلية بكشف الفن 3 وتمخيض الزمان - من انتهاض ~~هيئة عالية من العلماء المتخصصين، المختلفين في وجوه الاختصاص، ولهم مع دقة ~~نظر وسعة 4 فكر لتفسيره. # نتيجة المرام: # انه لابد ان يكون مفسر القرآن ذا دهاء عال واجتهاد نافذ وولاية كاملة. ~~وماهو الآن إلا الشخص المعنوي المتولد من امتزاج الارواح وتساندها وتلاحق ~~الافكار وتعاونها وتظافر القلوب واخلاصها وصميميتها، من بين تلك الهيئة. ~~فبسر للكل حكم ليس لكل كثيرا مايرى آثار الاجتهاد وخاصة الولاية، ونوره ~~وضياؤها 5، من جماعة خلت منها افرادها. PageV01P020 # ثم اني بينما كنت منتظرا ومتوجها لهذا المقصد بتظاهر هيئة كذلك - وقد كان ~~هذا غاية خيالي من زمان مديد - اذ سنح لقلبي من قبيل الحس قبل الوقوع تقرب ~~زلزلة عظيمة 1، فشرعت - مع عجزي وقصوري والاغلاق في كلامي - في تقييد ما ~~سنح لي من اشارات اعجاز القرآن في نظمه وبيان بعض حقائقه، ولم يتيسر لي ~~مراجعة التفاسير. فان وافقها فبها ونعمت والا فالعهدة علي. # فوقعت هذه الطامة الكبرى.. ففي اثناء اداء فريضة الجهاد كلما انتهزت فرصة ~~في خط الحرب قيدت مالاح لي في الاودية والجبال بعبارات متفاوتة باختلاف ~~الحالات. فمع احتياجها الى التصحيح والاصلاح لايرضى قلبي بتغييرها ~~وتبديلها؛ اذ ظهرت في حالة من خلوص النية لا توجد الآن، فاعرضها لأنظار اهل ~~الكمال لا لأنه تفسير للتنزيل، بل ليصير - لو ظفر بالقبول - نوع مأخذ 2 ~~لبعض وجوه التفسير. وقد ساقني شوقي الى ماهو فوق طوقي، فان استحسنوه شجعوني ~~على الدوام. # ومن الله التوفيق. # سعيد النورسي PageV01P021 ~~لمعة من تعريف القرآن # فان قلت: القرآن ما هو؟ # قيل لك: هو الترجمة الازلية لهذه الكائنات، والترجمان الابدي لألسنتها ~~التاليات للآيات التكوينية، ومفسر كتاب العالم.. وكذا هو كشاف لمخفيات كنوز ~~الاسماء المستترة في صحائف السموات والارض.. وكذا هو مفتاح لحقائق الشؤون ~~المضمرة في سطور الحادثات.. وكذا هو لسان الغيب في عالم الشهادة..وكذا ms012 هو ~~خزينة للمخاطبات الازلية السبحانية والالتفاتات الابدية الرحمانية.. وكذا ~~هو أساس وهندسة وشمس لهذا العالم المعنوي الاسلامي.. وكذا هو خريطة للعالم ~~الأخروي.. وكذا هو القول الشارح والتفسير الواضح والبرهان القاطع والترجمان ~~الساطع لذات الله وصفاته واسمائه وشؤونه.. وكذا هو مرب للعالم الانساني، ~~وكالماء وكالضياء للانسانية الكبرى التي هي الاسلامية.. وكذا هو الحكمة ~~الحقيقية لنوع البشر، وهو المرشد المهدي الى ما خلق البشر له.. وكذا هو ~~للانسان: كما انه كتاب شريعة كذلك هو كتاب حكمة، وكما انه كتاب دعاء ~~وعبودية كذلك هو كتاب امر ودعوة، وكما انه كتاب ذكر كذلك هو كتاب فكر، وكما ~~انه كتاب واحد لكن فيه كتب كثيرة في مقابلة جميع حاجات الانسان المعنوية، ~~كذلك هو كمنزل مقدس مشحون بالكتب والرسائل. حتى انه قد أبرز لمشرب كل واحد ~~من اهل المشارب المختلفة، ولمسلك كل واحد من اهل المسالك المتباينة من ~~الاولياء والصديقين ومن العرفاء والمحققين رسالة لائقة لمذاق ذلك المشرب ~~وتنويره، ولمساق ذلك المسلك وتصويره حتى كأنه مجموعة الرسائل. # سعيد النورسي PageV01P022 ### | CHECK [الفاتحة] # بسم الله الرحمن الرحيم # (الرحمن * علم القرآن * خلق الانسان * علمه البيان) # فنحمده مصلين على نبيه محمد الذي ارسله رحمة للعالمين وجعل معجزته الكبرى ~~الجامعة برموزها واشاراتها لحقائق الكائنات باقية على مر الدهور الى يوم ~~الدين وعلى آله عامة واصحابه كافة. # أما بعد؛ فاعلم! # اولا: ان مقصدنا من هذه الاشارات تفسير جملة من رموز نظم القرآن؛ لأن ~~الاعجاز يتجلى من نظمه. وما الاعجاز الزاهر الا نقش النظم. # وثانيا: ان المقاصد الاساسية من القرآن وعناصره الاصلية اربعة: التوحيد ~~والنبوة والحشر والعدالة؛ لانه: # لما كان بنو آدم كركب وقافلة متسلسلة راحلة من أودية الماضي وبلاده، ~~سافرة في صحراء الوجود والحياة، ذاهبة الى شواهق الاستقبال، متوجهة الى ~~جناته، فتهتز بهم المناسبات وتتوجه اليهم الكائنات. كأنه ارسلت حكومة ~~الخلقة فن الحكمة مستنطقا وسائلا منهم ب "يا بني آدم! من أين؟ الى أين؟ ~~ماتصنعون؟ من سلطانكم؟ من خطيبكم؟ " # فبينما المحاورة، اذ قام من بين بني آدم - كأمثاله الأماثل من الرسل اولي ms013 ~~العزائم - سيد نوع البشر محمد الهاشمي صلى الله عليه وسلم وقال بلسان ~~القرآن: # "ايها الحكمة! نحن معاشر الموجودات نجئ بارزين من ظلمات العدم بقدرة ~~سلطان الازل، الى ضياء الوجود.. ونحن معاشر بني آدم بعثنا بصفة المأمورية ~~ممتازين من بين اخواننا الموجودات بحمل الامانة.. ونحن على جناح السفر من ~~طريق الحشر PageV01P023 ~~الى السعادة الابدية، ونشتغل الآن بتدارك تلك السعادة وتنمية الاستعدادات ~~التي هى رأس مالنا.. وانا سيدهم وخطيبهم. فها دونكم منشوري! وهو كلام ذلك ~~السلطان الأزلي تتلألأ عليه سكة الاعجاز. والمجيب عن هذه الاسئلة الجواب ~~الصواب ليس الا القرآن، ذلك الكتاب.. # كان 1 هذه الاربعة عناصره الاساسية. # فكما تتراءى هذه المقاصد الاربعة في كله، كذلك قد تتجلى في سورة سورة، بل ~~قد يلمح بها في كلام كلام، بل قد يرمز اليها في كلمة كلمة؛ لان كل جزء فجزء ~~كالمرآة لكل فكل متصاعدا، كما ان الكل يتراءى في جزء فجزء متسلسلا. # ولهذه النكتة - اعني اشتراك الجزء مع الكل - يعرف القرآن المشخص كالكلي ~~ذي الجزئيات؟. # ان قلت: ارني هذه المقاصد الاربعة في "بسم الله" وفي "الحمد لله". # قلت: لما انزل (بسم الله) لتعليم العباد كان "قل" مقدرا فيه. وهو الأم في ~~تقدير الاقوال القرآنية 2. فعلى هذا يكون في "قل" اشارة الى الرسالة.. وفي ~~(بسم الله) رمز الى الالوهية.. وفي تقديم الباء تلويح الى التوحيد 3.. وفي ~~(الرحمن) تلميح الى نظام العدالة والاحسان.. وفي (الرحيم) ايماء الى الحشر. # وكذلك في (الحمد لله) اشارة الى الالوهية.. وفي لام الاختصاص رمز الى ~~التوحيد.. وفي (رب العالمين) ايماء الى العدالة والنبوة ايضا؛ لان بالرسل ~~تربية نوع البشر.. وفي (مالك يوم الدين) تصريح بالحشر. # حتى ان صدف (انا اعطيناك الكوثر) 4 يتضمن هذه الجواهر. هذا مثالا فانسج ~~على منواله. PageV01P024 # (بسم الله) كالشمس يضئ نفسه كغيره، فاستغنى. حتى ان باءه متعلقة بالفعل ~~المفهوم من معناها - اي: استعين به، او المفهوم عرفا، أي: أتيمن به، أو بما ~~يستلزمه "قل" المقدر من "أقرأ" - المؤخر للاخلاص والتوحيد 1. # اما "الاسم" فاعلم! ان لله اسماء ms014 ذاتية، واسماء فعلية متنوعة كالغفار ~~والرزاق والمحيي والمميت وأمثالها. وتنوعها وتكثرها بسبب تعدد نسبة القدرة ~~الازلية الى انواع الكائنات 2. فكأن (بسم الله) استنزال لتأثير وتعلق ~~القدرة ليكون ذلك التعلق روحا ممدا لكسب العبد. # (الله) لفظة الجلال نسخة جامعة لجميع الصفات الكمالية لدلالتها التزاما ~~عليه؛ بسر استلزام ذاته تعالى لصفاته بخلاف سائر الأعلام، لعدم الاستلزام. # (الرحمن الرحيم) # وجه النظم: ان لفظ الجلال كما يتجلى منه الجلال بسلسلته، كذلك يتراءى ~~الجمال بسلسلته من (الرحمن الرحيم) . اذ الجلال والجمال اصلان تسلسل منهما ~~- بتجليهما في كل عالم - فروع: كالامر والنهي، والثواب والعذاب، والترغيب ~~والترهيب، والتسبيح والتحميد، والخوف والرجاء الى آخره. . # وايضا كما ان لفظ الجلال اشارة الى الصفات العينية والتنزيهية؛ كذلك ~~"الرحيم" ايماء الى الصفات الغيرية الفعلية؛ و"الرحمن" رمز الى الصفات ~~السبع التي هي لا عين ولاغير؛ اذ "الرحمن" بمعنى الرزاق، وهو عبارة عن ~~اعطاء البقاء. والبقاء تكرر الوجود. والوجود يستلزم صفة مميزة وصفة مخصصة ~~وصفة مؤثرة، وهي العلم والارادة والقدرة. والبقاء الذي هو ثمرة اعطاء الرزق ~~يقتضي عرفا ثبوت البصر والسمع والكلام؛ اذ لابد للرزاق من البصر ليرى حاجة ~~المرزوق إن لم يطلب، ومن السمع ليستمع كلامه إن طلب، ومن الكلام ليتكلم مع ~~الواسطة إن كانت. وهذه الست تستلزم السابعة التي هي الحياة. PageV01P025 # ان قلت: تذييل "الرحمن" الدال على النعم العظيمة ب "الرحيم" الدال على ~~النعم الدقيقة يكون صنعة التدلي. والبلاغة في صنعة الترقي من الادنى الى ~~الاعلى؟ # قلت: تذييل للتتميم كالاهداب للعين واللجام للفرس.. وايضا لما توقفت ~~العظيمة على الدقيقة، كانت الدقيقة ارقى كالمفتاح للقفل واللسان للروح.. ~~وايضا لما كان هذا المقام مقام التنبيه على مواقع النعم كان الأخفى أجدر ~~بالتنبيه، فيكون صنعة التدلي في مقام الامتنان والتعداد صنعة الترقي في ~~مقام التنبيه. # ان قلت: "الرحمن" و"الرحيم" كامثالهما بمبادئها محال في حقه تعالى كرقة ~~القلب. وان اريد منها النهايات 1 فما حكمة المجاز؟ # قلت: هي حكمة المتشابهات 2؛ وهي التنزلات الالهية الى عقول البشر؛ لتأنيس ~~الاذهان وتفهيمها، كمن تكلم مع صبي بما يألفه ms015 ويأنس به. فان الجمهور من ~~الناس يجتنون معلوماتهم عن محسوساتهم ولا ينظرون الى الحقائق المحضة الا في ~~مرآة متخيلاتهم ومن جانب مألوفاتهم.. وايضا المقصود من الكلام: افادة ~~المعنى، وهي لاتتم الا بالتأثير في القلب والحس، وهو لايحصل الا بإلباس ~~الحقيقة اسلوب مألوف المخاطب وبه يستعد القلب للقبول. # (الحمد) # وجه النظم مع ما قبله: ان "الرحمن" و"الرحيم" لما دلتا على النعم ~~استوجبتا تعقيب الحمد. ثم ان (الحمد لله) قد كررت في أربع سور من القرآن 3، ~~كل واحدة منها ناظرة الى نعمة من النعم الاساسية التي هي: النشأة الاولى، ~~والبقاء فيها؛ والنشأة الاخرى، والبقاء بعدها. 4 PageV01P026 ~~ثم وجه نظمه في هذا المقام، أي جعله فاتحة فاتحة القرآن هو: انه كتصور ~~العلة الغائية 1 المقدم في الذهن؛ لان الحمد صورة اجمالية للعبادة التي هي ~~نتيجة للخلقة، والمعرفة التي هي حكمة وغاية للكائنات. فكأن ذكره تصور للعلة ~~الغائية.. وقد قال عز وجل (وماخلقت الجن والإنس الا ليعبدون) # ثم ان المشهور من معاني الحمد اظهار الصفات الكمالية. # وتحقيقه: ان الله سبحانه خلق الانسان وجعله نسخة جامعة للكائنات، وفهرستة ~~3 لكتاب العالم المشتمل على ثمانية عشر الف عالم، وأودع في جوهره انموذجا ~~من كل عالم تجلى فيه اسم من اسمائه تعالى. فاذا صرف الانسان كل ماانعم عليه ~~الى ماخلق لأجله ايفاء للشكر العرفي - الداخل تحت الحمد - وامتثالا للشريعة ~~التي هي جلاء لصدأ الطبيعة، يصير كل انموذج مشكاة لعالمه ومرآة له وللصفة ~~المتجلية فيه والاسم المتظاهر منه. فيكون الانسان بروحه وجسمه خلاصة عالمي ~~الغيب والشهادة، ويتجلى فيه ما تجلى فيهما. # فبالحمد يصير الانسان مظهرا للصفات الكمالية الالهية. يدل على هذا قول ~~محي الدين العربي 4 في بيان حديث (كنت كنزا مخفيا فخلقت الخلق ليعرفوني) 5 ~~أي: فخلقت الخلق ليكون مرآة أشاهد فيها جمالي. PageV01P027 # (لله) أي الحمد مختص ومستحق للذات 1 الاقدس المشخص الذي يلاحظ بمفهوم ~~"الواجب الوجود" 2 اذ قد يلاحظ المشخص بأمر عام. وهذه اللام متعلقة بمعنى ~~نفسها، كأنها تشربت معنى متعلقها 3. وفي اللام اشارة الى ms016 الاخلاص والتوحيد. # (رب) أي الذي يربي العالم بجميع اجزائه، التي كل منها كالعالم عالم؛ ~~وذراته كنجومه متفرقة متحركة بالانتظام. # واعلم! ان الله عز وجل عين لكل شيء نقطة كمال وأودع فيه ميلا اليها، كأنه ~~أمره أمرا معنويا ان يتحرك به اليها، وفي سفره يحتاج الى ما يمده ودفع ما ~~يعوقه، وذلك بتربيته عز وجل. لو تأملت في الكائنات لرأيتها كبني آدم طوائف ~~وقبائل يشتغل كل منفردا ومجتمعا بوظيفته التي عينها له صانعه ساعيا مجدا ~~مطيعا لقانون خالقه. فما اعجب الانسان كيف يشذ! # (العالمين) الياء والنون إما: علامة للاعراب فقط ك "عشرين وثلاثين".. أو ~~للجمعية؛ لأن اجزاء العالم عوالم.. أو العالم ليس منحصرا في المنظومة ~~الشمسية. قال الشاعر: # الحمد لله كم لله من فلك تجري النجوم به والشمس والقمر # وآثر جمع العقلاء مثل (رأيتهم لي ساجدين) 4 اشارة الى ان نظر البلاغة ~~يصور كل جزء من أجزاء العالم بصورة حي عاقل متكلم بلسان الحال. اذ العالم ~~اسم مايعلم به الصانع ويشهد عليه ويشير اليه. فالتربية والإعلام يوميان - ~~كالسجود - الى انها كالعقلاء. # (الرحمن الرحيم) # وجه النظم: انهما اشارتان الى أساسي التربية؛ اذ "الرحمن" لكونه بمعنى ~~الرزاق يلائم جلب المنافع؛ و"الرحيم" لكونه بمعنى الغفار يناسب دفع المضار ~~وهما الاساسان للتربية. PageV01P028 # (مالك يوم الدين) اي يوم الحشر والجزاء. # وجه النظم: انه كالنتيجة لسابقه؛ اذ الرحمة من أدلة القيامة والسعادة ~~الابدية؛ لان الرحمة انما تكون رحمة، والنعمة نعمة إذا جاءت القيامة وحصلت ~~السعادة الابدية. وإلا فالعقل الذي هو من اعظم النعم يكون مصيبة على ~~الانسان، والمحبة والشفقة اللتان هما من ألطف انواع الرحمة تتحولان ألما ~~شديدا بملاحظة الفراق الابدي. # إن قلت: ان الله تعالى مالك لكل شيء دائما فما وجه الاختصاص؟ 1 # قلت: للاشارة الى ان الاسباب الظاهرية التي وضعها الله تعالى في عالم ~~الكون والفساد لإظهار عظمته - أي لئلا يرى في ظاهر نظر العقل مباشرة يد ~~القدرة بالامور الخسيسة في جهة ملك الأشياء - ترتفع في ذلك اليوم وتتجلى ~~ملكوتية كل شيء صافية شفافة، بحيث ms017 يرى ويعرف كل شيء سيده وصانعه بلا واسطة. ~~وفي التعبير بلفظ "اليوم" إشارة الى امارة حدسية من امارات الحشر بناء على ~~التناسب البين بين اليوم والسنة، وعمر البشر ودوران الدنيا. كالكائن بين ~~اميال الساعة العادة للثواني والدقائق والساعات والايام. فكما ان من يرى ~~ميلا أتم دوره يحدس في نفسه ان من شأن الآخر أيضا ان يتم دوره وإن كان ~~بمهلة؛ كذلك ان من يرى القيامة النوعية المكررة في أمثال اليوم والسنة ~~يتحدس بتولد ربيع السعادة الأبدية في صبح يوم الحشر للإنسان الذي شخصه كنوع. # والمراد من (الدين) إما الجزاء، أي يوم جزاء الأعمال الخيرية والشرية، أو ~~الحقائق الدينية، أي يوم طلوعها وظهورها وغلبة دائرة الاعتقاد على دائرة ~~الاسباب؛ لأن الله عز وجل أودع بمشيئته في الكائنات نظاما يربط الاسباب ~~بالمسببات وألجأ الانسان بطبيعته ووهمه وخياله الى ان يراعي ذلك النظام ~~ويرتبط به. وكذا وجه كل شيء اليه وتنزه عن تأثير الاسباب في ملكه. وكلف ~~الانسان اعتقادا وايمانا بان يراعي تلك الدائرة بوجدانه وروحه ويرتبط بها. ~~ففي الدنيا دائرة الاسباب غالبة على دائرة الاعتقاد؛ وفي الأخرى تتجلى ~~حقائق العقائد غالبة على دائرة الاسباب. # واعلم! ان لكل من هاتين الدائرتين مقاما معينا وأحكاما مخصوصة، فلابد ان ~~يعطى كل حقه. فمن نظر في مقام دائرة الاسباب بطبيعته ووهمه وخياله ومقاييس PageV01P029 ~~الاسباب، الى دائرة الاعتقاد اضطر الى الاعتزال. ومن نظر في مقام الاعتقاد ~~ومقاييسه بروحه ووجدانه الى دائرة الاسباب أنتج له توكلا تنبليا 1 وتمردا ~~في مقابلة المشيئة النظامة. # (اياك نعبد) في "الكاف" نكتتان: # احداهما: تضمن الخطاب بسر الالتفات 2 للاوصاف الكمالية المذكورة، اذ ~~ذكرها شيئا شيئا يحرك الذهن ويعده ويملأه شوقا ويهزه للتوجه الى الموصوف. ~~ف"اياك" أي: يامن هو موصوف بهذه الصفات. # والاخرى: ان الخطاب يشير الى وجوب ملاحظة المعاني في مذهب البلاغة ليكون ~~المقروء كالمنزل، فينجر طبعا وذوقا الى الخطاب. ف "اياك" يتضمن الامتثال ب ~~(أعبد ربك كأنك تراه) . 3 # والتكلم مع الغير في (نعبد) لوجوه ثلاثة: # أي نعبد نحن معاشر أعضاء ms018 وذرات هذا العالم الصغير - وهو أنا - بالشكر ~~العرفي الذي هو إطاعة كل لما أمر به.. ونحن معاشر الموحدين نعبدك باطاعة ~~شريعتك.. ونحن معاشر الكائنات نعبد شريعتك الكبرى الفطرية 4 ونسجد بالحيرة ~~والمحبة تحت عرش عظمتك وقدرتك. # وجه النظم: ان "نعبد" بيان وتفسير ل "الحمد" ونتيجة ولازم ل (مالك يوم ~~الدين) . # واعلم! ان تقديم "اياك" للاخلاص الذي هو روح العبادة. وان في خطاب الكاف ~~رمزا الى علة العبادة لان من اتصف بتلك الاوصاف الداعية الى الخطاب استحق ~~العبادة. # (واياك نستعين) هذه ك (اياك نعبد) باعتبار الجماعات الثلاث: PageV01P030 # اي نحن معاشر الاعضاء ومعاشر الموحدين ومعاشر الكائنات نطلب منك التوفيق ~~والاعانة على كل الحاجات والمقاصد التي أهمها عبادتك. # كرر "اياك" لتزييد لذة الخطاب والحضور.. ولأن مقام العيان أعلى وأجل من ~~مقام البرهان.. ولأن الحضور أدعى الى الصدق وبأن لايكذب.. ولاستقلال كل من ~~المقصدين. # واعلم! ان نظم "نستعين" مع "نعبد": # كنظم الاجرة مع الخدمة، لأن العبادة حق الله على العبد، والاعانة إحسانه ~~تعالى لعبده. وفي حصر "اياك" إشارة الى ان بهذه النسبة الشريفة التي هي ~~العبادة والخدمة له تعالى يترفع العبد عن التذلل للاسباب والوسائط، بل تصير ~~الوسائط خادمة له وهو لايعرف الا واحدا، فيتجلى حكم دائرة الاعتقاد ~~والوجدان كما مر. ومن لم يكن خادما له تعالى بحق يصير خادما للاسباب ~~ومتذللا للوسائط. لكن يلزم على العبد وهو في دائرة الاسباب ان لايهمل ~~الاسباب بالمرة لئلا يكون متمردا في مقابلة النظام المودع بحكمته ومشيئته ~~تعالى، لأن التوكل في تلك الدائرة عطالة كما مر. # وكنظم المقدمة مع المقصود لأن الاعانة والتوفيق مقدمة العبادة. # (اهدنا) # وجه النظم: انه جواب العبد عن سؤاله تعالى كأنه يسأل: أي مقاصدك أعلق ~~بقلبك؟ فيقول العبد: اهدنا. # واعلم! ان "اهدنا" بسبب تعدد مراتب معانيه - بناء على تنوع مفعوله الى ~~الهادين والمستهدين والمستزيدين وغيرهم - كأنه مشتق من المصادر الاربعة ~~لفعل الهداية. فاهدنا باعتبار معشر "ثبتنا"، وبالنظر الى جماعة "زدنا"، ~~وبالقياس الى طائفة "وفقنا" والى فرقة "اعطنا".. وأيضا ان الله تعالى بحكم ~~(أعطى ms019 كل شيء خلقه ثم هدى) 1 هدانا بإعطاء الحواس الظاهرة والباطنة، ثم ~~هدانا بنصب الدلائل الآفاقية والأنفسية، ثم هدانا بارسال الرسل وانزال ~~الكتب، ثم هدانا أعظم الهداية بكشف الحجاب عن الحق فظهر الحق حقا والباطل باطلا. # اللهم ارنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وارنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه. PageV01P031 # (الصراط المستقيم) # اعلم! أن الصراط المستقيم هو العدل الذي هو ملخص الحكمة والعفة والشجاعة ~~اللاتي هي أوساط للمراتب الثلاث للقوى الثلاث. # توضيحه: # ان الله عز وجل لما اسكن الروح في البدن المتحول المحتاج المعروض للمهالك ~~أودع لإدامتها فيه قوى ثلاثا. # إحداها: القوة الشهوية البهيمية الجاذبة للمنافع. # وثانيتها: القوة الغضبية السبعية الدافعة للمضرات والمخربات. # وثالثتها: القوة العقلية الملكية المميزة بين النفع والضر. # لكنه تعالى - بحكمته المقتضية لتكمل البشر بسر المسابقة - لم يحدد ~~بالفطرة تلك القوى كما حدد قوى سائر الحيوانات، وإن حددها بالشريعة؛ لأنها ~~تنهي عن الافراط والتفريط وتأمر بالوسط، يصدع عن هذا (فاستقم كما أمرت) 1. ~~وبعدم التحديد الفطري يحصل مراتب ثلاث: مرتبة النقصان وهي التفريط، ~~والزيادة وهي الافراط، والوسط وهي العدل. # فتفريط القوة العقلية الغباوة والبلادة، وافراطها الجربزة 2 الخادعة ~~والتدقيق في سفاسف الامور، ووسطها الحكمة. (ومن يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا) # اعلم! انه كما تنوع اصل هذه القوة الى تلك المراتب، كذلك كل فرع من ~~فروعها يتنوع الى هذه الثلاث. مثلا: في مسألة خلق الافعال: مذهب أهل السنة ~~وسط الجبر والاعتزال 4، وفي الاعتقاد: مذهب التوحيد وسط التعطيل والتشبيه.. ~~وعلى هذه القياس. PageV01P032 # وتفريط القوة الشهوية الخمودة وعدم الاشتياق الى شيء، وافراطها الفجور بأن ~~يشتهي ما صادف حل أو حرم، ووسطها العفة بأن يرغب في الحلال ويهرب عن ~~الحرام. وقس على الاصل كل فرع من فروعاته من الاكل والشرب واللبس وأمثالها. # وتفريط القوة الغضبية الجبانة أي الخوف مما لايخاف منه والتوهم، وافراطها ~~التهور الذي هو والد الاستبداد والتحكم والظلم، ووسطها الشجاعة أي بذل ~~الروح بعشق وشوق لحماية ناموس 1 الاسلامية واعلاء كلمة التوحيد. وقس عليها ~~فروعها.. # فالاطراف الستة ظلم والاوساط الثلاثة هي العدل ms020 الذي هو الصراط المستقيم، ~~اي العمل ب (فاستقم كما امرت) 2 ومن مر على هذا الصراط يمر على الصراط ~~الممتد على النار. # (صراط الذين انعمت عليهم) # اعلم! ان نظم درر القرآن ليس بخيط واحد بل النظم - في كثير - نقوش تحصل ~~من نسج خطوط نسب متفاوتة قربا وبعدا، ظهورا وخفاء. لان أساس الاعجاز بعد ~~الايجاز هذا النقش. مثلا: صراط الذين انعمت عليهم يناسب: # (الحمد لله) لان النعمة قرينة الحمد.. # و(رب العالمين) لان كمال التربية بترادف النعم.. # و(الرحمن الرحيم) لان المنعم عليهم - اعني الانبياء والشهداء والصالحين - ~~رحمة للعالمين ومثال ظاهر للرحمة.. # و(مالك يوم الدين) لان الدين هو النعمة الكاملة.. # و(نعبد) لانهم الائمة 3.. # و(نستعين) لانهم الموفقون.. # و(اهدنا) لانهم الاسوة بسر (فبهداهم اقتده) 4.. PageV01P033 # و(الصراط المستقيم) لظهور انحصار الطريق المستقيم في مسلكهم. هذا مثال لك ~~فقس عليه. . # وفي لفظ "الصراط" إشارة الى ان طريقهم مسلوكة محدودة الاطراف من سلكها ~~لايخرج عنها. # وفي لفظ "الذين" - بناء على انه موصول، ومن شأن الموصول ان يكون معهودا ~~نصب العين للسامع - اشارة الى علو شأنهم وتلألؤهم في ظلمات البشر، كأنهم ~~معهودون نصب العين لكل سامع وإن لم يتحر ولم يطلب.. وفي جمعيته رمز الى ~~إمكان الاقتداء بهم وحقانية مسلكهم بسر التواتر اذ (يد الله مع الجماعة) 1.. # وفي صيغة "انعمت" اشارة الى وسيلة طلب النعمة.. وفي نسبتها شافع له كأنه ~~يقول: ياالهي! من شأنك الانعام وقد أنعمت بفضلك، فأنعم علي وان لم استحق.. # وفي "عليهم" اشارة الى شدة اعباء الرسالة وحمل التكليف، وايماء الى انهم ~~كالجبال العالية تتلقىاعباء الرسالة وحمل التكليف، وايماء الى انهم كالجبال ~~العالية تتلقى شدائد المطر لإفاضة الصحارى. وما أجمل في (الذين انعمت ~~عليهم) يفسره (فاولئك مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين) 2 اذ القرآن يفسر بعضه بعضا. # ان قلت: مسالك الانبياء متفاوتة وعباداتهم مختلفة؟ # قيل لك: ان التبعية في اصول العقائد والاحكام؛ لانها مستمرة ثابتة دون ~~الفروعات التي من شأنها التغير بتبدل الزمان. فكما ان الفصول الاربعة ~~ومراتب عمر الانسان تؤثر في ms021 تفاوت الادوية والتلبس، فكم من دواء في وقت ~~يكون داء في آخر؛ كذلك مراتب عمر نوع البشر تؤثر في اختلاف فروعات الاحكام ~~التي هي دواء الارواح وغذاء القلوب. PageV01P034 # (غير المغضوب عليهم) . # وجه النظم: اعلم! ان هذا المقام لكونه مقام الخوف والتخلية يناسب ~~المقامات السابقة؛ فينظر بنظر الحيرة والدهشة الى مقام توصيف الربوبية ~~بالجلال والجمال، وبنظر الالتجاء الى مقام العبودية في "نعبد"، وبنظر العجز ~~الى مقام التوكل في "نستعين"، وبنظر التسلي الى رفيقه الدائمي أعني مقام ~~الرجاء والتحلية، اذ اول ما يتولد في قلب من يرى أمرا هائلا حس الحيرة ثم ~~ميل الفرار ثم التوكل عند العجز ثم التسلي بعد ذلك الامر. # ان قلت: ان الله عز وجل حكيم غني فما الحكمة في خلق الشر والقبح والضلالة ~~في العالم؟ # قيل لك: اعلم! ان الكمال والخير والحسن في الكائنات هي المقصودة بالذات ~~وهي الكليات؛ وان الشر والقبح والنقصان جزئيات بالنسبة اليها قليلة تبعية ~~مغمورة في الخلقة، خلقها خالقها منتشرة بين الحسن والكمال، لا لذاتها، بل ~~لتكون مقدمة، وواحدا قياسيا، لظهور - بل لوجود - الحقائق النسبية للخير ~~والكمال. # ان قلت: فما قيمة الحقائق النسبية حتى استحسن لأجلها الشر الجزئي؟ # قيل لك: ان الحقائق النسبية هي الروابط بين الكائنات.. وهي الخطوط ~~المنسوج منها نظامها.. وهي الاشعة المنعكس منها وجود واحد لانواعها. وان ~~الحقائق النسبية أزيد بألوف من الحقائق الحقيقية؛ اذ الصفات الحقيقية لذات ~~لو كانت سبعة كانت الحقائق النسبية سبعمائة. فالشر القليل يغتفر بل يستحسن ~~لاجل الخير الكثير؛ لان في ترك الخير الكثير - لان فيه شرا قليلا - شرا ~~كثيرا. وفي نظر الحكمة اذا قابل الشر القليل شرا كثيرا صار الشر القليل ~~حسنا بالغير، كما تقرر في الاصول في الزكاة والجهاد. # وما اشتهر من: "ان الاشياء انما تعرف باضدادها" معناه: ان وجود الضد سبب ~~لظهور ووجود الحقائق النسبية للشيء. مثلا: لو لم يوجد القبح ولم يتخلل بين ~~الحسن لما تظاهر وجود الحسن بمراتبه الغير 1 المتناهية. PageV01P035 # ان قلت: ما وجه تفاوت هذه الكلمات الثلاث: فعلا، واسم ms022 مفعول، واسم فاعل، ~~في: "انعمت" و"المغضوب" و"الضالين"؟ # وأيضا ما وجه التفاوت في ذكر: صفة الفرقة الثالثة، وعاقبة الصفة في ~~الفرقة الثانية، وعنوان صفة الفرقة الاولى باعتبار المآل؟ # قيل لك: اختار عنوان النعمة؛ لان النعمة لذة تميل النفس اليها.. وفعلا ~~ماضيا للاشارة الى ان الكريم المطلق شأنه ان لايسترد مايعطى.. وأيضا رمز ~~الى وسيلة المطلوب بإظهار عادة المنعم، كأنه يقول: لأن من شأنك الانعام وقد ~~أنعمت فأنعم علي. # أما (غير المغضوب) فالمراد منه: الذين تجاوزوا بتجاوز القوة الغضبية ~~فظلموا، وفسقوا بترك الاحكام كتمرد اليهود. ولما كان في نفس الفسق والظلم ~~لذة منحوسة وعزة خبيثة لا تتنفر منه النفس ذكر القرآن عاقبته التي تنفر كل ~~نفس وهي نزول غضبه تعالى.. واختار الاسم الذي من شأنه الاستمرار اشارة الى ~~ان العصيان والشر انما يكون سمة اذا لم ينقطع بالتوبة والعفو. # أما (ولا الضالين) فالمراد منه: الذين ضلوا عن الطريق بسبب غلبة الوهم ~~والهوى على العقل والوجدان ووقعوا في النفاق بالاعتقاد الباطل كسفسطة ~~النصارى. اختار القرآن نفس صفتهم لان نفس الضلالة ألم، ينفر النفس ويجتنب ~~منه الروح وإن لم ير النتيجة.. وإسما لأن الضلالة انما تكون ضلالة اذا لم ~~تنقطع. 1 PageV01P036 ~~واعلم! ان كل الالم في الضلالة وكل اللذة في الايمان. # فإن شئت تأمل في حال شخص، بينما اخرجته يد القدرة من ظلمات العدم وألقته ~~في الدنيا - تلك الصحراء الهائلة - اذ يفتح عينيه مستعطفا، فيرى البليات ~~والعلل كالاعداء تتهاجم عليه، فينظر مسترحما الى العناصر والطبائع فيراها ~~غليظة القلب بلا رحمة قد كشرت عليه الاسنان؛ فيرفع رأسه - مستمدا - الى ~~الاجرام العلوية فيراها مهيبة ومدهشة تهدده كأنها مرامي 1 نارية من أفواه ~~هائلة تمر حواليه؛ فيتحير ويخفض رأسه متسترا ويطالع نفسه؛ فيسمع الوف صيحات ~~حاجاته وأنين فاقاته، فيتوحش، فينظر الى وجدانه ملتجأ؛ فيرى فيه الوفا من ~~آمال متهيجة ممتدة لاتشبعها الدنيا. # فبالله عليك كيف حال هذا الشخص ان لم يعتقد بالمبدأ والمعاد والصانع ~~والحشر؟ أتظن جهنم أشد عليه من حاله وأحرق لروحه؟ فإن له حالة تركبت ms023 من ~~الخوف والهيبة والعجز والرعشة والقلق والوحشة واليتم واليأس؛ لأنه اذا راجع ~~قدرته يراها عاجزة ضعيفة؛ واذا توجه الى تسكين حاجاته يراها لاتسكت؛ واذا ~~صاح واستغاث لايسمع ولا يغاث فيظن كل شيء عدوا، ويتخيل كل شيء غريبا فلا ~~يستأنس بشيء؛ ولا ينظر الى دوران الاجرام الا بنظر الخوف والدهشة والتوحش ~~المزعجة للوجدان. # ثم تأمل في حال ذلك الشخص اذا كان على الصراط المستقيم واستضاء وجدانه ~~وروحه بنور الايمان، كيف ترى انه اذا وضع قدمه في الدنيا وفتح عينيه فرأى ~~تهاجم العاديات الخارجية يرى اذا "نقطة استناد" يستند اليها في مقابلة تلك ~~العاديات، وهي معرفة الصانع فيستريح. ثم اذا فتش عن استعداداته وآماله ~~الممتدة الى الأبد يرى "نقطة استمداد" يستمد منها آماله وتتشرب منها ماء ~~الحياة وهي معرفة السعادة الابدية. واذ يرفع رأسه وينظر في الكائنات يستأنس ~~بكل شيء وتجتني عيناه من كل زهرة انسية وتحببا، ويرى في حركات الأجرام حكمة ~~خالقها ويتنزه بسيرها وينظر نظر العبرة والتفكر. كأن الشمس تناديه: أيها ~~الأخ! لاتتوحش مني فمرحبا بقدومك! نحن كلانا خادمان لذات واحد، مطيعان ~~لأمره. والقمر والنجوم والبحر وأخواتها يناجيه كل منها بلسانه الخاص وترمز ~~اليه: بأهلا وسهلا، أما تعرفنا؟ كلنا مشغولون PageV01P037 ~~بخدمة مالكك فلا تضجر ولا تتوحش ولا تخف من تهديد البلايا بنعراتها، فان ~~لجام كل بيد خالقك. # فذلك الشخص في الحالة الاولى يحس في أعماق وجدانه ألما شديدا فيضطر ~~للتخلص منه وتهوينه وابطال حسه بالتسلي، بالتغافل، بالاشتغال بسفاسف ~~الأمور، ليخادع وجدانه وينام روحه؛ والا احس بألم عميق يحرق أعماق وجدانه. ~~فبنسبة البعد عن الطريق الحق يتظاهر تأثير ذلك الالم. # وأما في الحالة الثانية فهو يحس في قعر روحه لذة عالية وسعادة عاجلة كلما ~~أيقظ قلبه وحرك وجدانه وأحس روحه استزاد سعادة واستبشر بفتح أبواب جنات ~~روحانية له. # اللهم بحرمة هذه السورة اجعلنا من اهل الصراط المستقيم. # *** PageV01P038 ### | CHECK [البقرة] # بسم الله الرحمن الرحيم # السورة الاولى من الزهراوين 1 # ان قلت: ان في القرآ ن الموجز المعجز أشياء مكررة تكرارا كثيرا في ms024 الظاهر ~~كالبسملة و"فبأي آلاء" الخ.. و"ويل يومئذ" الخ.. وقصة موسى وأمثالها، مع ان ~~التكرار يمل وينافي البلاغة. # قيل لك: "ما كل ما يتلألأ يحرق" فان التكرار قد يمل، لا مطلقا. بل قد ~~يستحسن وقد يسأم. فكما أن في غذاء الانسان ماهو قوت كلما تكرر حلا وكان ~~آنس، وما هو تفكه ان تكرر مل وان تجدد استلذ، كذلك في الكلام ما هو حقيقة ~~وقوت وقوة للافكار وغذاء للارواح كلما استعيد استحسن واستؤنس بمألوفه كضياء ~~الشمس. وفيه ماهو من قبيل الزينة والتفكه، لذته في تجدد صورته وتلون لباسه. # اذا عرفت هذا فاعلم! انه كما ان القرآن بمجموعه قوت وقوة للقلوب لايمل ~~على التكرار بل يستحلى على الإكثار منه، كذلك في القرآن ماهو روح لذلك ~~القوت كلما تكرر تلألأ 2 وفارت اشعة الحق والحقيقة من اطرافه، وفي ذلك ~~البعض ماهو أس الأساس والعقدة الحياتية والنور المتجسد بجسد سرمدي ك (بسم ~~الله الرحمن الرحيم) . فيا هذا شاور مذاقك ان كنت ذا مذاق!.. # هذا بناء على تسليم التكرار، والا فيجوز ان تكون قصة موسى مثلا مذكورة في ~~كل مقام لوجه مناسب من الوجوه المشتملة هي عليها. فان قصة موسى أجدى من ~~تفاريق العصا 3 أخذها القرآن بيده البيضاء فضة فصاغتها ذهبا، فخرت سحرة ~~البيان ساجدين لبلاغته. PageV01P039 # وكذا في "البسملة" جهات: من الاستعانة والتبرك والموضوعية بل الغايتية ~~والفهرستية للنقط الاساسية في القرآن. # وأيضا فيها مقامات: كمقام التوحيد ومقام التنزيه ومقام الثناء ومقام ~~الجلال والجمال ومقام الاحسان وغيرها. # وايضا فيها احكام ضمنية: كالاشارة الى التوحيد والنبوة والحشر والعدل ~~اعني المقاصد الاربعة المشهورة، مع ان في اكثر السور يكون المقصود بالذات ~~واحدا منها، والباقي استطراديا. فلم لايجوز ان يكون لجهة او حكم او مقام ~~منها مناسبة مخصوصة لروح السورة وتكون موضوعا للمقام بل فهرستة اجمالية ~~باعتبار تلك الجهات والمقامات؟ # *** PageV01P040 ### | AUTO الم 1 # اعلم! ان ههنا مباحث اربعة: # المبحث الاول: # ان الاعجاز قد تنفس من افق (الم) لأن الاعجاز نور يتجلى من امتزاج لمعات ~~لطائف البلاغة. وفي هذا المبحث ms025 لطائف كل منها وإن دق لكن الكل فجر صادق. # منها: ان (الم) مع سائر اخواتها في أوائل السور تنصف كل الحروف الهجائية ~~التي هي عناصر كل الكلمات. فتأمل!. # ومنها: ان النصف المأخوذ اكثر استعمالا من المتروك. # ومنها: ان القرآن كرر من المأخوذ ماهو ايسر على الألسنة كالألف واللام. # ومنها: انه ذكر المقطعات في رأس تسع وعشرين سورة عدة الحروف الهجائية. 1 # ومنها: ان النصف المأخوذ ينصف كل ازواج أجناس طبائع الحروف من المهموسة ~~والمجهورة والشديدة والرخوة والمستعلية والمنخفضة والمنفتحة وغيرها، واما ~~الاوتار فمن الثقيل القليل كالقلقلة؛ ومن الخفيف الكثير كالذلاقة. 2 # ومنها: ان النصف المأخوذ من طبائعها ألطف سجية. # ومنها: ان القرآن اختار طريقا في المقطعات من بين اربعة وخمسمائة احتمال، ~~لا يمكن تنصيف طبائع الحروف الا بتلك الطريق، لان التقسيمات الكثيرة ~~متداخلة ومشتبكة ومتفاوتة. ففي تنصيف كل غرابة عجيبة. # فمن لم يجتن نور الاعجاز من مزج تلك اللمعات فلا يلومن الا ذوقه. PageV01P041 # المبحث الثاني: # اعلم ان (الم) كقرع العصا يوقظ السامع ويهز عطفه بأنه - بغرابته - طليعة ~~غريب وعجيب. # وفي هذا المبحث ايضا لطائف: # منها: ان التهجي وتقطيع الحروف في الاسم اشارة الى جنس ما يتولد منه ~~المسمى. # ومنها: ان التقطيع اشارة الى ان المسمى واحد اعتباري لا مركب مزجي. # ومنها: ان التهجي بالتقطيع تلميح الى إراءة مادة الصنعة؛ كإلقاء القلم ~~والقرطاس لمن يعارضك في الكتابة. كأن القرآن يقول: "أيها المعاندون ~~المدعون! انكم امراء الكلام، هذه المادة التي بين أيديكم هي التي أصنع فيها ~~ما أصنع". # ومنها: ان التقطيع المرمز الى الاهمال عن المعنى يشير الى قطع حجتهم ب ~~"إنا لانعرف الحقائق والقصص والاحكام حتى نقابلك". فكأن القرآن يقول: "لا ~~أطلب منكم إلا نظم البلاغة فجيئوا به مفتريات". # ومنها: ان التعبير عن الحروف باسمائها من رسوم أهل القراءة والكتابة 1، ~~ومن يسمعون منه الكلام امي مع محيطه، فنظرا الى السجية - مع ان اول ما ~~يتلقاهم خلاف المنتظر - يرمز إلى: "ان هذا الكلام لايتولد منه بل يلقى اليه". # ومنها: ان التهجي أساس ms026 القراءة ومبدؤها 2 فيومئ الى أن القرآن مؤسس لطريق ~~خاص ومعلم لأميين. # ومن لم ير نقشا عاليا من انتساج هذه الخيوط - وإن دق البعض - فهو دخيل في ~~صنعة البلاغة فليقلد فتاوى أهلها. PageV01P042 # المبحث الثالث: # ان (الم) إشارة إلى نهاية الايجاز، الذي هو ثاني أساسي الاعجاز. # وفيه لطائف: # منها: ان (الم) يرمز ويشير ويومئ ويلوح ويلمح بالقياس التمثيلي المتسلسل ~~الى: "ان هذا كلام الله الأزلي نزل به جبريل على محمد عليهما الصلاة ~~والسلام". لانه كما ان الاحكام المفصلة في مجموع القرآن قد ترتسم في سورة ~~طويلة إجمالا؛ وقد تتمثل سورة طويلة في قصيرة إشارة؛ وقد تندرج سورة قصيرة ~~في آية رمزا؛ وقد تندمج آية في كلام واحد تلويحا؛ وقد يتداخل كلام في كلمة ~~تلميحا، وقد تتراءى تلك الكلمة الجامعة في حروف مقطعة، ك "سين لام ميم".. ~~كالقرآن في البقرة، والبقرة في الفاتحة، والفاتحة في "بسم الله الرحمن ~~الرحيم" و"بسم الله الرحمن الرحيم" في البسملة المنحوتة 1؛ كذلك يجوز ذلك ~~في (الم) أيضا. # فبالاستناد الى هذا القياس التمثيلي المتسلسل، وباشارة (ذلك الكتاب) ~~يتجلى من (الم) : "هذا كلام الله الأزلي نزل به جبريل على محمد عليهما ~~الصلاة والسلام". # ومنها: ان الحروف المقطعة كالشفرة الإلهية أبرقها الى رسوله الذي عنده ~~مفتاحها. ولم يتطاول يد فكر البشر اليه بعد. # ومنها: ان (الم) اشارة الى شدة ذكاوة المنزل عليه رمزا الى ان الرمز له ~~كالتصريح. 2 # ومنها: ان التقطيع اشارة الى ان قيمة الحروف ليست في معانيها فقط بل ~~بينها مناسبات فطرية كمناسبة الاعداد، كشفها علم أسرار الحروف. # ومنها: ان (الم) خاصة، اشارة بالتقطيع الى المخارج الثلاثة من الحلق ~~والوسط والشفة، وترمز تلك الاشارة الى إجبار الذهن للدقة، وشق حجاب الألفة؛ ~~ليلجأ الى مطالعة عجائب ألوان نقش خلقة الحروف. PageV01P043 # فيا من صبغ يده بصنعة البلاغة! ركب قطعات هذه اللطائف وانظرها واحدة، ~~واستمع، لتقرأ عليك: "هذا كلام الله". # المبحث الرابع: # ان (الم) مع أخواتها لما برزت بتلك الصورة كانت كأنها تنادى: "نحن ~~الائمة؛ لا نقلد أحدا وما اتبعنا ms027 إماما، وأسلوبنا بديع، وطرزنا غريب". # وفيه لطائف: # منها: ان من ديدن الخطباء والفصحاء التأسي بمثال والنسج على منوال ~~والتمشي في طريق مسلوكة، مع انها لم يطمثهن قبله إنس ولا جان. # ومنها: ان القرآن بفواتحه ومقاطعه بقي بعد كما كان قبل، لم يماثل ولم ~~يقلد مع تآخذ أسباب التقليد والتأسي من شوق الأوداء وتحدي الاعداء. ان شئت ~~شاهدا فهذه ملايين من الكتب العربية! هل ترى واحدا منها يوازيه، أو يقع ~~قريبا منه؟ كلا! بل الجاهل العامي أيضا اذا قاسها معه وقابله بها ناداه ~~نظره ب "أن هذا ليس في مرتبتها". فإما هو تحت الكل وهو محال بالضرورة، وإما ~~هو فوق الكل وهو المطلوب، فهو نصيبه من درك الاعجاز. # ومنها: ان من شأن صنعة البشر انها تظهر اول ماتظهر خشنة ناقصة من وجوه، ~~يابسة من الطلاوة، ثم تتكمل وتحلو. مع ان اسلوب القرآن لما ظهر ظهر بطلاوة ~~وطراوة وشبابية، وتحدى مع الافكار المعمرين - بتلاحق الافكار وسرقة البعض ~~عن البعض - وغلبهم فأعلن بالغلبة: "انه من صنع خالق القوى والقدر". # فيا من استنشق نسيم البلاغة! أفلا يجتنى نحل ذهنك عن ازهار تلك المباحث ~~الاربعة شهد: "اشهد ان هذا كلام الله"؟ # *** PageV01P044 ### | AUTO ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين 2 # مقدمة # اعلم! ان من اساس البلاغة الذي به يبرق حسن الكلام تجاوب الهيئات وتداعي ~~القيود وتآخذها على المقصد الاصلي، وامداد كل بقدر الطاقة للمقصد، الذي هو ~~كمجمع الاودية او الحوض المتشرب من الجوانب، بأن تكون مصداقا وتمثالا لما قيل: # عباراتنا شتى وحسنك واحد وكل الى ذاك الجمال يشير # مثلا: تأمل في آية (ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك) 1 المسوقة للتهويل ~~المستفاد من التقليل بسر انعكاس الضد من الضد. أفلا ترى التشكيك في "إن" ~~كيف يمد التقليل، والمس بدل الاصابة في "مست" كيف يشير الى القلة والتروح ~~فقط، والمرتية والتحقير في جوهر وصيغة وتنوين "نفحة" كيف تلوح بالقلة، ~~والبعضية في "من" كيف تومئ إليها، وتبديل النكال بال "عذاب" كيف يرمز ~~اليها، والشفقة المستفادة من ال ms028 "رب" كيف تشير اليها، وقس؟!.. فكل يمد ~~المقصد بجهته الخاصة. وقس على هذه الآية أخواتها. وبالخاصة (الم _ ذلك ~~الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين) لأن هذه الآية ذكرت لمدح القرآن واثبات ~~الكمال له. # ولقد تجاوب وتآخذ على هذا المقصد: القسم ب "الم" على وجه، واشارة "ذلك" ~~ومحسوسيته وبعديته، والألف واللام في "الكتاب"، وتوجيه اثباته ب "لاريب ~~فيه". فكل كما يمد المقصد ويلقي إليه حصته يرمز ويشف من تحته عن ما يستند ~~اليه من الدليل وإن دق. # فان شئت تأمل في القسم ب (الم) إذ إنه كما يؤكد، كذلك يشعر بالتعظيم ~~الموجه للنظر الموجب لانكشاف ماتحته من اللطائف المذكورة ليبرهن على الدعوى ~~المرموز اليها. PageV01P045 # وانظر الاشارة في (ذلك) المختصة بالرجوع الى الذات مع الصفات لتعلم انها ~~كما تفيد التعظيم - لانها اما اشارة الى المشار اليه ب "الم" او المبشر به ~~في التوراة والانجيل - كذلك تلوح بدليلها؛ اذ ما أعظم ما أقسم به! وما أكمل ~~ما بشر به التوراة والانجيل!.. ثم أمعن النظر في الاشارة الحسية الى الأمر ~~المعقول لترى انها كما تفيد التعظيم والاهمية؛ كذلك تشير الى ان القرآن ~~كالمغناطيس المنجذب اليه الأذهان، والمتزاحم عليه الأنظار المجبر لخيال كل ~~على الاشتغال به. فتظاهر بدرجة - تراه العيون من خلفها اذا راجعت الخيال - ~~يرمز بلسان الحال الى وثوقه بصدقه وتبريه عن الضعف والحيلة الداعيين الى ~~التستر.. ثم تفكر في البعدية المستفادة من "ذلك"؛ اذ انها كما تفيد علو ~~الرتبة المفيد لكماله؛ كذلك تومئ الى دليله بأنه بعيد عن ما سلك عليه ~~أمثاله. فإما تحت كل وهو باطل بالاتفاق، فهو فوق الكل. # ثم تدبر في "ال" (الكتاب) ؛ لانها كما تفيد الحصر العرفي المفيد للكمال؛ ~~تفتح باب الموازنة وتلمح بها الى ان القرآن كما جمع محاسن الكتب قد زاد ~~عليها فهو أكملها.. # ثم قف على التعبير ب "الكتاب" كيف يلوح بأن الكتاب لايكون من مصنوع الامي ~~الذي ليس من أهل القراءة والكتابة. # أما (لاريب فيه) ففيه وجهان: # إرجاع الضمير إلى الحكم، أو إلى الكتاب: # فعلى ms029 الاول -كما عليه المفتاح 1 - يكون بمعنى يقينا، وبلا شك، فيكون جهة ~~وتحقيقا لاثبات كماله. # وعلى الثاني - كما عليه الكشاف 2 - يكون تأكيدا لثبوت كماله. # وعلى الكل يناجي من تحت "لاريب" ب (وان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا ~~فأتوا بسورة من مثله) ويرمز الى دليله الخاص.. PageV01P046 # والاستغراق في "لا" بسبب اعدام الريوب الموجودة ينشد: # وكم من عائب قولا صحيحا وافته من الفهم السقيم 1 # ويشير الى ان المحل ليس بقابل لتولد الشكوك؛ اذ أقام على الثغور امارات ~~تتنادى من الجوانب وتطرد الريوب المتهاجمة عليه. # وفي ظرفية (فيه) والتعبير ب "في" بدل أخواتها اشارة الى انفاذ النظر في ~~الباطن. والى ان حقائقه تطرد وتطير الأوهام المتوضعة على سطحه بالنظر ~~الظاهر. # فيا من آنس قيمة التركيب من جانب التحليل، وأدرك فرق الكل عن كل! انظر ~~نظرة واحدة الى تلك القيود والهيئات لترى كيف يلقي كل حصته الى المقصد ~~المشترك مع دليله الخاص، وكيف يفور نور البلاغة من الجوانب. # اعلم! انه لم يربط بين جمل "الم.. ذلك الكتاب.. لاريب فيه.. هدى للمتقين" ~~بحلقات العطف لشدة الاتصال والتعانق بينها، وأخذ كل بحجز سابقتها وذيل ~~لاحقتها. فان كل واحدة كما انها دليل لكل بجهة؛ كذلك نتيجة لكل واحدة بجهة ~~اخرى. ولقد انتقش الاعجاز على هذه الآية بنسج اثني عشر من خطوط المناسبات ~~المتشابكة المتداخلة.. # ان شئت التفصيل تأمل في هذا: # (الم) فانها تومئ بالمآل الى: "هذا متحدى به، ومن يبرز الى الميدان؟ " ثم ~~تلوح بأنه معجز.. # وتفكر في (ذلك الكتاب) فانها تصرح بأنه ازداد على أخوته وطم عليها. ثم ~~تلمح بأنه مستثنى ممتاز لايماثل.. # ثم تدبر في (لاريب فيه) فانها كما تفصح عن انه ليس محلا للشك تعلن بأنه ~~منور بنور اليقين.. # ثم انظر في (هدى للمتقين) اذ انها كما تهدى اليك انه يري الطريق ~~المستقيم؛ تفيدك انه قد تجسم من نور الهداية. # فكل منها باعتبار المعنى الأول برهان لرفقائها وباعتبار المعنى الثاني ~~نتيجة لكل منها. PageV01P047 # ونذكر على وجه المثال ثلاثا من الروابط ms030 الثنتي عشرة لتقيس عليها البواقي: # ف (الم) أي: هذا يتحدى كل معارض، فهو أكمل الكتب، فهو يقيني؛ اذ كمال ~~الكتاب باليقين، فهو مجسم الهداية للبشر.. # ثم (ذلك الكتاب) اي: هو ازداد على أمثاله فهو معجز - او - اي: هو ممتاز ~~ومستثنى؛ إذ لاشك فيه؛ اذ إنه يري السبيل السوي للمتقين.. # ثم (هدى للمتقين) اي: يرشد الى الطريق المستقيم، فهو يقيني، فهو ممتاز، ~~فهو معجز.. وعليك باستنباط البواقي. # أما (هدى للمتقين) فاعلم! ان منبع حسن هذا الكلام من أربع نقط: # الاولى: حذف المبتدأ، اذ فيه اشارة الى ان حكم الاتحاد مسلم. كأن ذات ~~المبتدأ في نفس الخبر. حتى كأنه لاتغاير بينهما في الذهن أيضا. # والثانية: تبديل اسم الفاعل بالمصدر، اذ فيه رمز الى ان نور الهداية تجسم ~~فصار نفس جوهر القرآن؛ كما يتجسم لون الحمرة فيصير قرمزا. 1 # والثالثة: تنكير (هدى) اذ فيه إيماء الى نهاية دقة هداية القرآن حتى ~~لايكتنه كنهها، والى غاية وسعتها حتى لايحاط بها علما. اذ المنكورية إما ~~بالدقة والخفاء، وإما بالوسعة الفائتة عن الاحاطة. ومن هنا قد يكون التنكير ~~للتحقير وقد يكون للتعظيم. # والرابعة: الايجاز في (للمتقين) بدل "الناس الذين يصيرون متقين به" أوجز ~~بالمجاز الاول اشارة الى ثمرة الهداية وتأثيرها، ورمزا الى البرهان "الإني" ~~2 على وجود الهداية. فان السامع في عصر يستدل بسابقه كما يستدل به لاحقه. # ان قلت: كيف تتولد البلاغة الخارجة عن طوق البشر بسبب هذه النقط القليلة ~~المعدودة؟ PageV01P048 # قيل لك: ان في التعاون والاجتماع سرا عجيبا. لأنه اذا اجتمع حسن ثلاثة ~~اشياء صار كخمسة، وخمسة كعشرة، وعشرة كأربعين بسر الانعكاس. اذ في كل شيء ~~نوع من الانعكاس ودرجة من التمثيل. كما اذا جمعت بين مرآتين تتراءى فيهما ~~مرايا كثيرة، أو نورتهما بالمصباح يزداد ضياء كل بانعكاس الأشعة؛ فكذلك ~~اجتماع النكت والنقط. ومن هذا السر والحكمة ترى كل صاحب كمال وصاحب جمال ~~يرى من نفسه ميلا فطريا الى ان ينضم الى مثيله ويأخذ بيد نظيره ليزداد حسنا ~~الى حسنه. حتى ان الحجر مع ms031 حجريته اذا خرج من يد المعقد الباني في السقف ~~المحدب يميل ويخضع رأسه ليماس رأس أخيه ليتماسكا عن السقوط. فالانسان الذي ~~لايدرك سر التعاون لهو أجمد من الحجر؛ اذ من الحجر من يتقوس لمعاونة اخيه!. # ان قلت: من شأن الهداية والبلاغة البيان والوضوح وحفظ الاذهان عن التشتت، ~~فما بال المفسرين في امثال هذه الآية اختلفوا اختلافا مشتتا، واظهروا ~~احتمالات مختلفة، وبينوا وجوه تراكيب متباينة، وكيف يعرف الحق من بينها؟ # قيل لك: قد يكون الكل حقا بالنسبة الى سامع فسامع؛ اذ القرآن ما نزل لأهل ~~عصر فقط بل لأهل جميع الأعصار، ولا لطبقة فقط بل لجميع طبقات الانسان، ولا ~~لصنف فقط بل لجميع أصناف البشر. ولكل فيه حصة ونصيب من الفهم. والحال أن ~~فهم نوع البشر يختلف درجة درجة.. وذوقه يتفاوت جهة جهة.. وميله يتشتت جانبا ~~جانبا.. واستحسانه يتفرق وجها وجها.. ولذته تتنوع نوعا نوعا.. وطبيعته ~~تتباين قسما قسما. فكم من أشياء يستحسنها نظر طائفة دون طائفة، وتستلذها ~~طبقة ولا تتنزل اليها طبقة. وقس!.. # فلأجل هذا السر والحكمة أكثر القرآن من حذف الخاص للتعميم ليقدر كل مقتضى ~~ذوقه واستحسانه. ولقد نظم القرآن جمله ووضعها في مكان ينفتح من جهاته وجوه ~~محتملة لمراعاة الافهام المختلفة ليأخذ كل فهم حصته. وقس!.. فإذا يجوز أن ~~يكون الوجوه بتمامها مرادة بشرط أن لا تردها علوم العربية، وبشرط ان ~~تستحسنها البلاغة، وبشرط ان يقبلها علم أصول مقاصد الشريعة. # فظهر من هذه النكتة ان من وجوه اعجاز القرآن نظمه وسبكه في اسلوب ينطبق ~~على افهام عصر فعصر.. وطبقة فطبقة. # *** PageV01P049 ### | AUTO (الذين يؤمنون بالغيب) # الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلوة ومما رزقناهم ينفقون 3 # اعلم! أن وجه نظم المحصل مع المحصل انصباب مدح القرآن الى مدح المؤمنين ~~وانسجامه به؛ اذ انه نتيجة له، وبرهان إني عليه، وثمرة هدايته، وشاهد عليه. ~~وبسبب تضمن التشويق اشارة الى جهة حصة هذه الآية من الهداية، والى انها ~~مثال لها. # اما وجه "الذين" مع "المتقين" فتشييع التخلية بالتحلية التي هي رفيقتها ~~أبدا؛ اذ التزيين ms032 بعد التنزيه، ألا ترى ان التقوى هي التخلي عن السيئات وقد ~~ذكرها القرآن بمراتبها الثلاث، وهي: ترك الشرك، ثم ترك المعاصي، ثم ترك ~~ماسوى الله. والتحلية فعل الحسنات: إما بالقلب او القالب او المال. فشمس ~~الاعمال القلبية "الايمان"، والفهرستة الجامعة للاعمال القالبية "الصلاة" ~~التي هي عماد الدين، وقطب الاعمال المالية "الزكاة" اذ هي قنطرة الاسلام. # اعلم! ان (الذين يؤمنون بالغيب) مع انه اذا نظرت الى مقتضى الحال ايجاز، ~~الا انه اذا وازنت بينه وبين مرادفه وهو "المؤمنون" تظنه إطنابا؛ فأبدل ~~"ال" ب"الذين" الذي من شأنه الاشارة الى الذات بالصلة فقط 1، كأنه لاصفة له ~~الا هي للتشويق على الايمان، والتعظيم له؛ والرمز الى ان الايمان هو المنار ~~على الذات قد تضاءلت تحته سائر الصفات.. وأبدل "مؤمنون" ب "يؤمنون" لتصوير ~~وإظهار تلك الحالة المستحسنة في نظر الخيال، وللاشارة الى تجدده بالاستمرار ~~وتجليه بترادف الدلائل الآفاقية والأنفسية، فكلما ازدادت ظهورا ازدادوا ~~إيمانا. # (بالغيب) أي بالقلب، اي بالاخلاص بلا نفاق. ومع الغائبية.. وبالغائب.. ~~وبعالم الغيب.. PageV01P050 # واعلم! ان الايمان هو النور الحاصل بالتصديق بجميع ما جاء به النبي عليه ~~السلام تفصيلا في ضروريات الدين واجمالا في غيرها. # ان قلت: لايقتدر على التعبير عن حقائق الايمان من العوام من المائة الا واحد؟ # قيل لك: ان عدم التعبير ليس علما على عدم الوجود. فكما ان اللسان كثيرا ~~ما يتقاصر عن ان يترجم عن دقائق مافي تصورات العقل؛ كذلك قد لايتراءى بل ~~يتغامض عن العقل سرائر مافي الوجدان، فكيف يترجم عن كل مافيه؟ ألا ترى ذكاء ~~السكاكي 1 ذلك الامام الداهي قد تقاصر عن اجتناء دقائق ماأبرزته سجية امرئ ~~القيس 2، او بدوي آخر؟ فبناء على ذلك، الاستدلال على وجود الايمان في ~~العامي يثبت بالاستفسار والاستيضاح منه. بأن تستفسر من العامي بالسؤال ~~المردد بين النفي والاثبات هكذا: أيها العامي! أيمكن في عقلك أن يكون ~~الصانع الذي كان العالم بجهاته الست في قبضة تصرفه أن يتمكن 3 في جهة من ~~جهاته أو لا؟ فإن قال: لا. فنفي الجهة ثابت في ms033 وجدانه، وذلك كاف. وقس على هذا.. # ثم ان الايمان - كما فسره السعد 4 - نور يقذفه الله تعالى في قلب من يشاء ~~من عباده، أي بعد صرف الجزء الاختياري. فالايمان نور لوجدان البشر وشعاع من ~~شمس الازل يضئ دفعة ملكوتية الوجدان بتمامها. فينشر انسية له مع كل ~~الكائنات.. ويؤسس مناسبة بين الوجدان وبين كل شيء.. ويلقي في القلب قوة ~~معنوية يقتدر بها الانسان ان يصارع جميع الحوادث والمصيبات.. ويعطيه وسعة PageV01P051 ~~يقتدر بها ان يبتلع الماضي والمستقبل. وكما ان الايمان شعاع من شمس الأزل ~~1؛ كذلك لمعة من السعادة الابدية أي الحشر. فينمو بضياء تلك اللمعة بذور كل ~~الآمال، ونواة كل الاستعدادات المودعة في الوجدان، فتنبت ممتدة الى الابد، ~~فتنقلب نواة الاستعداد كشجرة طوبى. # (ويقيمون الصلوة) # اعلم! ان وجه النظم أظهر من الشمس في رابعة النهار. وان في تخصيص ~~"الصلاة" من بين حسنات القالب إشارة الى أنها فهرستة كل الحسنات وانموذجها ~~ومعكسها. كالفاتحة للقرآن، والانسان للعالم. لاشتمالها على نوع صوم وحج ~~وزكاة وغيرها، ولاشتمالها على انواع عبادات المخلوقات، الفطرية والاختيارية ~~من الملائكة الراكعين الساجدين القائمين، ومن الحجر الساجد، والشجر القائم، ~~والحيوان الراكع.. # ثم انه أقام "يقيمون" مقام "المقيمين" لإحضار تلك الحركة الحياتية ~~الواسعة والانتباه الروحاني الإلهي في العالم الاسلامي الى نظر السامع. ~~ووضع تلك الوضعية المستحسنة والحالة المنتظمة من نواحي نوع البشر نصب عين ~~الخيال، ليهيج ويوقظ ميلان السامع للتأسي؛ إذ من تأمل في تأثير النداء ~~بالآلة المعروفة 2 في نفرات العسكر المنتشرين المغمورين بين الناس وتحريك ~~النداء لهم دفعة، والقاء انتباه فيهم، وافراغهم في وضع مستحسن، وجمعهم تحت ~~نظام مستملح يرى في نفسه اشتياقا لأن ينساب اليهم. فهكذا الاذان المحمدي ~~بين الانسان في صحراء العالم (ولله المثل الاعلى) .. # وإنما لم يقتصر في مسافة الايجاز على "يصلون" بل اتمها ب (يقيمون الصلاة) ~~للاشارة الى اهمية مراعاة معاني "الاقامة" في الصلاة من تعديل الاركان، ~~والمداومة، والمحافظة، والجد، وترويجها في سوق العالم. تأمل! # ثم ان الصلاة نسبة عالية، ومناسبة غالية، وخدمة نزيهة بين العبد وسلطان ms034 ~~الازل، فمن شأن تلك النسبة ان يعشقها كل روح.. وأركانها متضمنة للأسرار ~~التي شرحها PageV01P052 ~~أمثال "الفتوحات المكية"، فمن شأن تلك الأسرار أن يحبها كل وجدان.. وانها ~~دعوة صانع الازل الى سرادق حضوره خمس دعوات في اليوم والليلة لمناجاته التي ~~هي في حكم المعراج. فمن شأنها ان يشتاقها كل قلب.. وفيها ادامة تصور عظمة ~~الصانع في القلوب وتوجيه العقول اليها لتأسيس اطاعة قانون العدالة الالهية، ~~وامتثال النظام الرباني. والانسان يحتاج الى تلك الادامة من حيث هو إنسان ~~لانه مدني بالطبع.. فيا ويل من تركها! وياخسارة من تكاسل فيها! وياجهالة من ~~لم يعرف قيمتها! فسحقا وبعدا وافا وتفا 1 لنفس من لم يستحسنها. # (ومما رزقناهم ينفقون) . # وجه النظم: انه كما ان الصلاة عماد الدين وبها قوامه؛ كذلك الزكاة قنطرة ~~الاسلام وبها التعاون بين أهله. # ثم ان من شروط ان تقع الصدقة موقعها اللائق: # ان لايسرف المتصدق فيقعد ملوما.. وان لايأخذ من هذا ويعطي لذاك؛ بل من ~~مال نفسه.. وان لايمن فيستكثر.. وان لايخاف من الفقر.. وان لايقتصر على ~~المال، بل بالعلم والفكر والفعل أيضا.. وان لايصرف الآخذ في السفاهة، بل في ~~النفقة والحاجة الضرورية. # فلإحسان هذه النكت، واحساس هذه الشروط تصدق القرآن على الأفهام بإيثار ~~(ومما رزقناهم ينفقون) على "يتصدقون" او "يزكون" وغيرهما؛ إذ أشار ب "من" ~~التبعيض الى رد الاسراف.. وبتقديم (مما) الى كونه من مال نفسه.. وب"رزقنا" ~~الى قطع المنة. أي: ان الله هو المعطي وانت واسطة.. وبالاسناد الى "نا" ~~الى: (لاتخف من ذي العرش اقلالا) 2.. وبالاطلاق الى تعميم التصدق للعلم والفكر PageV01P053 ~~وغيرهما. وبمادة (ينفقون) الى شرط صرف الآخذ في النفقة والحاجات الضرورية. # ثم ان في الحديث الصحيح (الزكاة قنطرة الاسلام) 1 أي: الزكاة جسر يغيث ~~المسلم أخاه المسلم بالعبور عليها؛ اذ هي الواسطة للتعاون المأمور به، بل ~~هي الصراط في نظام الهيئة الاجتماعية لنوع البشر، وهي الرابطة لجريان مادة ~~الحياة بينهم، بل هي الترياق للسموم الواقعة في ترقيات البشر. # نعم! في "وجوب الزكاة" و"حرمة الربا" حكمة عظيمة، ومصلحة عالية، ms035 ورحمة ~~واسعة؛ اذ لو أمعنت النظر في صحيفة العالم نظرا تاريخيا وتأملت في مساوي ~~جمعية البشر لرأيت اس أساس جميع اختلالاتها وفسادها، ومنبع كل الاخلاق ~~الرذيلة في الهيئة الاجتماعية كلمتين فقط: # إحداهما: "ان شبعت فلا علي ان يموت غيري من الجوع". # والثانية: "اكتسب انت لآكل انا. واتعب انت لأستريح انا". # فالكلمة الاولى الغدارة النهمة الشنعاء هي التي زلزلت العالم الانساني ~~فاشرف على الخراب. والقاطع لعرق تلك الكلمة ليس الا "الزكاة". # والكلمة الثانية الظالمة الحريصة الشوهاء هي التي هارت بترقيات البشر ~~فأوشك أن تنهار بها في نار الهرج والمرج. والمستأصل والدواء لتلك الكلمة ~~ليس إلا "حرمة الربا". فتأمل!.. # اعلم! ان شرط انتظام الهيئة الاجتماعية ان لا تتجافى طبقات الانسان، وان ~~لاتتباعد طبقة الخواص عن طبقة العوام، والأغنياء عن الفقراء بدرجة ينقطع ~~خيط الصلة بينهم. مع ان باهمال وجوب الزكاة وحرمة الربا انفرجت المسافة بين ~~الطبقات، وتباعدت طبقات الخواص عن العوام بدرجة لا صلة بينهما، ولا يفور من الطبقة PageV01P054 ~~السفلى الى العليا إلا صدى الاختلال، وصياح الحسد، وأنين الحقد والنفرة ~~بدلا عن الاحترام والاطاعة والتحبب، ولا يفيض من العليا على السفلى بدل ~~المرحمة والاحسان والتلطيف إلا نار الظلم والتحكم، ورعد التحقير. فأسفا!.. ~~لأجل هذا قد صارت "مزية الخواص" التي هي سبب التواضع والترحم سببا للتكبر ~~والغرور. وصار "عجز الفقراء" و"فقر العوام" اللذان هما سببا المرحمة عليهم ~~والاحسان اليهم سببا لأسارتهم وسفالتهم.. وانشئت شاهدا فعليك بفساد ورذالة ~~حالة العالم المدني، فلك فيه شواهد كثيرة. ولا ملجأ للمصالحة بين الطبقات ~~والتقريب بينها الا جعل الزكاة - التي هي ركن من اركان الاسلامية - دستورا ~~عاليا واسعا في تدوير الهيئة الاجتماعية. # *** PageV01P055 ### | AUTO والذين يؤمنون بما أنزل اليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم ~~يوقنون 4 # اعلم! ان القرآن أرسل النظم - أي لم يعين بوضع امارة وجها من وجوه ~~التراكيب في كثير من أمثال هذه الآية، لسر لطيف، هو منشأ الايجاز الذي هو ~~منشأ الاعجاز، وهو: # ان البلاغة هي مطابقة مقتضى الحال. والحال: ان المخاطبين بالقرآن على ~~طبقات ms036 متفاوتة، وفي اعصار مختلفة. فلمراعاة هذه الطبقات، ولمجاورة هذه ~~الاعصار، ليستفيد مخاطب كل نوع ماقدر له من حصته، حذف القرآن في كثير ~~للتعميم والتوزيع، واطلق في كثير للتشميل والتقسيم، وارسل النظم في كثير ~~لتكثير الوجوه، وتضمين الاحتمالات المستحسنة في نظر البلاغة والمقبولة عند ~~العلم العربي ليفيض على كل ذهن بمقدار ذوقه. فتأمل!.. # ثم ان وجه نظم هذه الآية بسابقتها: التخصيص بعد التعميم. ليعلن على رؤوس ~~الاشهاد شرف من آمن من اهل الكتاب، وليرد يد استغناء اهله في أفواههم، ~~وليأخذ يد امثال "عبد الله بن سلام" 1، ويشوق غيره لان يأتم به.. وأيضا ~~التنصيص على قسمي المتقين 2 للتصريح بشمول هداية القرآن لكافة الامم، ~~والتلويح لعموم رسالة محمد عليه السلام لقاطبة الملل.. وايضا التفصيل بعد ~~الاجمال لشرح اركان الايمان المندمجة في صدف يؤمنون بالغيب اذ دل على الكتب ~~والقيامة صراحة، وعلى الرسل والملائكة ضمنا. # ثم ان القرآن لم يوجز هنا بنحو (والمؤمنين بالقرآن) لترصيع هذا المعنى ~~بلطائف وتزيين ذيوله بنكت، فآثر (والذين يؤمنون بما أنزل اليك) . PageV01P056 # اذ في "الذين" رمز الى ان وصف الايمان هو مناط الحكم وان الذات مع سائر ~~الصفات تابعة له ومغمورة تحته. 1 # وفي (يؤمنون) بدل "المؤمنين" الدال على الثبوت في زمان، تلويح الى تجدد ~~الايمان بتواتر النزول وتكرر الظهور مستمرا. # وفي "ما" الابهام، إيماء الى ان الايمان مجملا قد يكفي، والى تشميل ~~الايمان للوحي الظاهر والباطن وهو الحديث. # وفي (انزل) باعتبار مادته اشارة الى ان الايمان بالقرآن هو الايمان ~~بنزوله من عند الله. كما ان الايمان بالله هو الايمان بوجوده، وباليوم ~~الآخر هو الايمان بمجيئه. وبالنظر الى صيغته الماضوية - مع انه لم يتم ~~النزول اذ ذاك - اشارة الى تحققه المنزلة بمنزلة الواقع مع ان مضارعية ~~"يؤمنون" تتلافى مافي ماضويته 2. بل لاجل هذا التنزيل ترى في اساليب ~~التنزيل كثيرا ما يبتلع الزمان الماضي المستقبل ويتزيا المضارع بزي الماضي، ~~اذ فيه بلاغة لطيفة. لان من سمع الماضي فيما لم يمض بالنسبة اليه اهتز ~~ذهنه، وتيقظ انه ليس وحده، وتذكر ms037 ان خلفه غيره من الصفوف بمسافات. حتى كأن ~~الاعصار مدارج والاجيال صفوف قاعدون خلفها. وتنبه ان الخطاب والنداء الموجه ~~اليه بدرجة من الشدة والعلو يسمعه كل الاجيال. وهو خطبة الهية انصت لها كل ~~الصفوف في كل الاعصار. فالماضي حقيقة في الكثير - في أكثر الأزمان - ومجاز ~~في القليل - في أقلها 3 - ومراعاة الاكثر أوفى لحق البلاغة. # وفي (اليك) بدل "عليك" رمز الى ان الرسالة وظيفة كلف بها النبي عليه ~~السلام وتحملها بجزئه الاختياري.. وإيماء الى علوه بخدمة جبرائيل بالتقديم ~~اليه؛ اذ في "على" شم اضطرار وعلو واسطة النزول.. وفي خطاب "اليك" بدل "الى ~~نحو محمد" تلويح الى ان محمدا عليه السلام ماهو إلا مخاطب والكلام كلام ~~الله.. وايضا معنى الخطاب تأكيد وتصوير لمعنى النزول الذي هو الوحي الذي هو القرآن PageV01P057 ~~الذي هو خطاب الله معه الذي هو الخاصة النافذة في الكل. فكشف هذا الجزء ~~الحجاب عن حصته من تلك الخاصة. فظهر ان هذا الكلام بالنظر الى اشتماله على ~~هذه اللطائف المذكورة في نهاية الايجاز. # (وما انزل من قبلك) # اعلم! ان امثال هذه التوصيفات تتضمن تشويقا، يتضمن أحكاما انشائية. ~~كآمنوا كذا وكذا ولا تفرقوا. # ثم ان في هذا النظم والربط اربع لطائف: # إحداها: # عطف المدلول على الدليل. اي: "ياأيها الناس اذا آمنتم بالقرآن فآمنوا ~~بالكتب السابقة ايضا، اذ القرآن مصدق لها وشاهد عليها" بدليل (مصدقا لما ~~بين يديه) 1. # والثانية: # عطف الدليل على المدلول، أي: "ياأهل الكتاب اذا آمنتم بالانبياء السابقين ~~والكتب السالفة لزم عليكم ان تؤمنوا بالقرآن وبمحمد عليه السلام، لانهم قد ~~بشروا به، ولأن مدار صدقهم، ونزولها ومناط نبوتهم يوجد بحقيقته وبروحه في ~~القرآن بوجه اكمل وفي محمد عليه السلام بالوجه الأظهر. فيكون القرآن كلام ~~الله بالقياس الاولوي، ومحمد عليه الصلاة والسلام رسوله بالطريق الأولى". # والثالثة: # ان فيه اشارة الى ان مآل القرآن - اعني الاسلامية الناشئة في زمان ~~السعادة - كشجرة أصلها ثابت في أعماق الماضي، منتشرة العروق متشربة عن ~~منابع حياتها وقوتها، وفرعها في سماء الاستقبال ناشرة أغصانها مثمرة. أي ~~اخذت ms038 الاسلامية بقرني الماضي والاستقبال. PageV01P058 # والرابعة: # ان فيه اشارة الى تشويق اهل الكتاب على الايمان وتأنيسهم، والتسهيل ~~عليهم. كأنه يقول: "لايشقن عليكم الدخول في هذا السلك، اذ لاتخرجون عن ~~قشركم بالمرة بل انما تكملون معتقداتكم، وتبنون على ماهو مؤسس لديكم" اذ ~~القرآن معدل ومكمل في الاصول والعقائد، وجامع لجميع محاسن الكتب السابقة ~~واصول الشرائع السالفة. إلا انه مؤسس في التفرعات التي تتحول بتأثير تغير ~~الزمان والمكان؛ فكما تتحول الادوية والالبسة في الفصول الاربعة، وطرز ~~التربية والتعليم في طبقات عمر الشخص؛ كذلك تقتضي الحكمة والمصلحة تبدل ~~الاحكام الفرعية في مراتب عمر نوع البشر. فكم من حكم فرعي كان مصلحة في ~~زمان، ودواء في وقت طفولية النوع، لايبقى مصلحة في آخر، ودواء عند شبابية ~~النوع. ولهذا السر نسخ القرآن بعض الفروع. اي بين انقضاء اوقات تلك الفروع ~~ودخول وقت آخر. # وفي (من قبلك) لطائف: # اعلم! انه ما من كلمة في التنزيل يأبى عنها مكانها، أو لم يرض بها، أو ~~كان غيرها أولى به. بل مامن كلمة من التنزيل إلا وهي كدر مرصع مرصوص متماسك ~~بروابط المناسبات؛ فان شئت مثالا تأمل في: (من قبلك) كيف ترى اللطائف ~~المتطايرة من جوانب هذه الآية توضعت على هذه الكلمة الفذة. # فان (من قبلك) تشربت وتلونت - فترشح وترمز بخمس لطائف - المناسبات ~~المنعكسة من المقاصد الخمسة المندمجة في مسألة النبوة المسوقة لها هذه الآية. # اما المقاصد المندمجة فهي: ان محمدا عليه السلام نبي، وانه اكمل ~~الانبياء، وانه خاتم الانبياء، وانه مرسل لكافة الاقوام، وان شريعته ناسخة ~~لجميع الشرائع، وجامعة لمحاسنها. # اما وجه انعكاس المقصد الاول في تلك الكلمة، فهو: # ان "من قبلك" انما يقال اذا اتحد المسلك وكان الطريق واحدا. فكأن هذه ~~الكلمة تترشح: بأن الحجج على نبوة من قبله وصدق كتبهم، حجة بمجموعها بتنقيح ~~المناط 1 وتحقيق المناط بالقياس الأولى على نبوة محمد عليه السلام ونزول ~~كتابه. فكأن جميع معجزاتهم معجزة فذة على صدق محمد عليه السلام. PageV01P059 # واما وجه انعكاس المقصد الثاني، وهو الاكملية فيها، فهو: # ان "من ms039 قبلك" بناء على ملاحظة عادة "ان السلطان يخرج في اخريات الناس".. ~~وعلى قاعدة التكمل في نوع البشر المقتضية لاكملية المربي الثاني عن المربي ~~الاول.. وعلى اغلبية مهارة وزيادة الخلف على السلف، تلوح بان محمدا عليه ~~السلام سلطان الانبياء، اكمل من كلهم. كما ان القرآن أجمع وأجمل 1 من كتبهم. # واما وجه تشربها من المقصد الثالث وهو الخاتمية فهو: # ان "من قبلك" بسر قاعدة "ان الواحد اذا تكثر تسلسل لايسكن، وان الكثير ~~اذا اتحد استقر لاينقطع" وباشمام المفهوم المخالف تلمح بانه عليه السلام ~~خاتم الانبياء. # واما وجه انصباغها من المقصد الرابع وهو عموم الدعوة فهو: # ان "من قبلك" المفيدة "انك خلفهم وكل منهم سلفك" بسر قاعدة "ان الخلف ~~يأخذ تمام وظيفة السلف ويقوم مقامه" تشير بأنه اذا كان كل منهم سلفك فانت ~~نائب الكل، ورسول جميع الامم. نعم لايكون إلا كذلك!.. اذ الفطرة حاكمة له، ~~والحكمة قاضية به؛ لانه كانت امم العالم الانساني قبل زمان السعادة في غاية ~~التباعد والاختلاف مادة ومعنى، واستعدادا وتربية؛ ماكفت لهم التربية ~~الواحدة وما شملت الدعوة المفردة. ثم لما انتبه العالم الانساني بزمان ~~السعادة بعده، وتمايل الى الاتحاد بمداولة الافكار، ومبادلة الطبائع، ~~واختلاط الاقوام، وتحري البعض عن حال البعض حتى تمخض الزمان بكثرة طرق ~~المخابرة والمناقلة؛ فصارت الكرة كمملكة وهي كولاية وهي كبلدة، واتصل الرحم ~~بين اهل الدنيا؛ كفت الدعوة الواحدة والنبوة الفريدة للكافة. # واما وجه إشمامها بالمقصد الخامس فهو: # ان "من قبلك" المومية من "من" الى "الى"، ومن "الى" الى الاغناء 2. اي ~~"انتهت الرسالة بقدومك اذ اغنت شريعتك" ترمز بأن شريعته عليه السلام ناسخة ~~بالانتهاء وجامعة بالاغناء. PageV01P060 # واعلم! ان الامارة لنظر البلاغة على تشرب هذه الكلمة لهؤلاء اللطائف هي: # ان هذه المقاصد الخمسة كالانهار الجارية تحت هذه الآيات، حتى يفور هذا ~~بكماله في آية.. وينبع ذاك بتمامه في أخرى.. ويتجلى ذلك بشراشيره 1 في ~~آخرة. فأدنى ترشح على السطح يومي بتماس عروق الكلمة بها. وايضا تتسنبل هذه ~~المعاني في آيات مسوقة لها. # (وبالاخرة هم يوقنون) ms040 # اعلم! ان مآل هذه الآية هوالمقصد الرابع من المقاصد الاربعة المشهورة وهو ~~"مسألة الحشر". ثم انا قد استفدنا من نظم القرآن عشرة براهين عليها، ~~ذكرناها في كتاب آخر 2 فناسب تلخيصها هنا. وهي: # ان الحشر حق؛ لان في الكائنات نظاما اكمل قصديا.. وان في الخلقة حكمة ~~تامة.. وان لا عبثية في العالم.. وان لا اسراف في الفطرة.. والمزكي لهؤلاء ~~الشواهد الاستقراء التام بجميع الفنون التي كل منها شاهد صدق على نظام نوع ~~موضوعه.. وايضا ان في كثير من الانواع مثل اليوم والسنة وغيرهما قيامة ~~مكررة نوعية.. وايضا جوهر استعداد البشر يرمز الى الحشر.. وايضا عدم تناهي ~~آمال البشر وميوله يشير اليه.. وايضا رحمة الصانع الحكيم تلوح به.. وايضا ~~لسان الرسول الصادق عليه السلام يصرح به.. وأيضا بيان القرآن المعجز في ~~أمثال (وقد خلقكم اطوارا) 3 (وما ربك بظلام للعبيد) 4 يشهد له. تلك عشرة ~~كاملة، مفاتيح للسعادة الابدية وأبواب لتلك الجنة. # اما بيان البرهان الاول: فهو انه لو لم تنجر الكائنات الى السعادة ~~الابدية لصار ذلك النظام الذي اتقن فيه صانعه اتقانا حير فيه العقول صورة ~~ضعيفة خادعة، وجميع المعنويات والروابط والنسب في النظام هباء منثورا. فليس ~~نظام ذلك النظام الا اتصاله بالسعادة، اي ان النكت والمعنويات في ذلك ~~النظام انما تتسنبل في عالم الآخرة. والا PageV01P061 ~~لانطفأ جميع المعنويات، وتقطع مجموع الروابط، وتمزق كل النسب، ويتفتت هذا ~~النظام؛ مع ان القوة المندمجة في النظام تنادي باعلى صوتها: ان ليس من ~~شأنها الانقضاض والانحلال. # وأما البرهان الثاني: فهو ان تمثال العناية الازلية الذي هو الحكمة ~~التامة، التي هي رعاية المصالح والحكم في كل نوع، بل في كل جزئي - بشهادة ~~كل الفنون - يبشر بقدوم السعادة الابدية. والا لزم انكار هذه الحكم ~~والفوائد التي اجبرتنا البداهة على الاقرار بها؛ اذ حينئذ تكون الفائدة لا ~~فائدة.. والحكمة غير حكمة.. والمصلحة عدم مصلحة. وإن هذا الا سفسطة. # واما البرهان الثالث المفسر للثاني: فهو ان الفن يشهد ايضا ان الصانع ~~اختار في كل شيء الطريق الاقصر، ms041 والجهة الاقرب، والصورة الأخف والأحسن. فيدل ~~على ان لاعبثية. فيدل على انه جدي حقيقي. وماهو الا بمجئ السعادة الابدية. ~~والا لتنزل هذا الوجود منزلة العدم الصرف. وتحول كل شيء عبثا محضا.. سبحانك ~~ماخلقت هذا عبثا. # أما البرهان الرابع الموضح للثالث: فهو ان لا اسراف في الفطرة بشهادة ~~الفنون. فان تقاصر ذهنك عن ادراك حكم الانسان الاكبر وهو "العالم" فأمعن ~~النظر في العالم الاصغر وهو "الانسان". فان فن منافع الاعضاء قد شرح واثبت: ~~ان في جسد الانسان تقريبا ستمائة عظم كل لمنفعة.. وستة آلاف عصب هي مجار ~~للدم كل لفائدة.. ومائة واربعة وعشرين ألف مسامة وكوة للحجيرات التي تعمل ~~في كل منها خمس قوى من الجاذبة والدافعة والممسكة والمصورة والمولدة كل ~~منها لمصلحة. واذا كان العالم الاصغر كذا فكيف يكون الانسان الاكبر انقص ~~منه؟ واذا كان الجسد الذي لا اهمية له بالنسبة الى لبه بتلك الدرجة من عدم ~~الاسراف فكيف يتصور اهمال جوهر الروح؟ واسراف كل آثاره من المعنويات ~~والآمال والافكار؟ اذ لولا السعادة الابدية لتقلصت كل المعنويات وصارت ~~اسرافا. فبالله عليك أيمكن في العقل ان يكون لك جوهرة قيمتها الدنيا، فتهتم ~~بصدفها وغلافها حتى لاتخلي ان يصل الغبار اليه، ثم تأخذ الجوهرة فتكسرها ~~شذرا مذرا 1 وتمحو آثارها؟ كلا ثم كلا! PageV01P062 # ماتهتم بالغلاف إلا لأجل مافيه.. وايضا اذا افهمتك قوة البنية في شخص وصحة ~~أعضائه واستعداده، استمرار بقائه وتكمله؛ أفلا تفهمك الحقيقة الثابتة ~~الجارية في روح الكائنات، والقوة الكاملة المومية بالاستمرار في الانتظام، ~~والكمال المنجر الى التكمل في النظام: مجئ السعادة الابدية من باب الحشر ~~الجسماني؟ اذ هي المخلصة للانتظام عن الاختلال، والواسطة للتكمل وانكشاف ~~تلك القوة المؤبدة. # واما البرهان الخامس والحدس المرمز الى القصد: فهو ان وجود نوع قيامات ~~مكررة نوعية في كثير من الانواع يشير الى القيامة العظمى وان شئت تمثل ~~الرمز في مثال، فانظر في ساعتك الاسبوعية، فكما ان فيها دواليب مختلفة ~~دوارة متحركة محركة للابر والاميال العادة واحدة منها للثواني. وهي مقدمة ~~ومخبرة لحركة ابرة الدقائق. ms042 وهي معدة ومعلنة لحركة ميل الساعات. وهي محصلة ~~ومؤذنة لحركة الابرة التي تعد ايام الاسبوع. فاتمام دورة السابقة يشير بأن ~~اختها اللاحقة تتم دورها؛ كذلك ان لله تعالى ساعة كبرى دواليبها الافلاك ~~تعد أميالها الايام والسنين وعمر البشر وبقاء الدنيا، نظير الثواني ~~والدقائق والساعات والايام في ساعتك. فمجئ الصبح بعد كل ليلة، والربيع بعد ~~كل شتاء - بناء على حركة تلك الساعة - يشير اشارة خفية ويرمز رمزا دقيقا ~~بتولد صبح ربيع الحشر من تلك الساعة الكبرى. # ان قلت: القيامة النوعية لاتحشر الاشخاص باعيانهم فكيف ترمز بالقيامة ~~الكبرى لعود الاشخاص هناك باعيانهم؟ # قيل لك: ان شخص الانسان كنوع غيره، اذ نور الفكر اعطى لآمال البشر وروحه ~~وسعة وانبساطا بدرجة وسعت الازمنة الثلاثة، لو ابتلع الماضي والمستقبل مع ~~الحال لم تمتلء آماله؛ لان نور الفكر صير ماهيته علوية، وقيمته عمومية، ~~ونظره كليا، وكماله غير محصور، ولذته دائمية، وألمه مستمرا. اما فرد النوع ~~الآخر فماهيته جزئية، وقيمته شخصية، ونظره محدود، وكماله محصور، ولذته ~~آنية، وألمه دفعي، فوجود نوع قيامة في الانواع، كيف لايشير بالقيامة ~~الشخصية العمومية للانسان؟ # واما البرهان السادس الملوح: فهو عدم تناهي استعدادات البشر. نعم ان ~~تصورات البشر وافكاره التي لاتتناهى، المتولدة من آماله الغير المتناهية، ~~الحاصلة من PageV01P063 ~~ميوله الغير المضبوطة، الناشئة من قابلياته الغير المحدودة، المستترة في ~~استعداداته الغير المحصورة، المزروعة في جوهر روحه الذي كرمه الله تعالى؛ ~~كل منها يشير في ماوراء الحشر الجسماني باصبع الشهادة الى السعادة الابدية ~~وتمد نظرها اليه. فتأمل! # وأما البرهان السابع المبشر: فهو ان رحمة الرحمن الرحيم تبشر بقدوم اعظم ~~الرحمة اعني السعادة الابدية؛ اذ بها تصير الرحمة رحمة، والنعمة نعمة. وبها ~~تخلص الكائنات من النياحات المرتفعة من المأتم العمومي المتولد من الفراق ~~الابدي المصير للنعم نقما. اذ لو لم يجئ روح النعم أعني السعادة الابدية، ~~لتحول جميع النعم نقما؛ وللزم المكابرة في انكار الرحمة الثابتة بشهادة ~~عموم الكائنات بالبداهة وبالضرورة.. # فيا ايها الحبيب الشفيق 1 العاشق! انظر الى ألطف آثار رحمة الله أعني ~~المحبة ms043 والشفقة والعشق؛ ثم راجع وجدانك لكن بعد فرض تعقب الفراق الابدي ~~والهجران اللايزالي عليها، كيف ترى الوجدان يستغيث.. والخيال يصرخ.. والروح ~~يضجر من انقلاب تلك المحبة والشفقة - اللتين هما أحسن وألطف انواع الرحمة ~~والنعمة - اعظم مصيبة عليك واشد بلاء فيك؟ أفيمكن في العقل ان تساعد تلك ~~الرحمة الضرورية لهجوم الفراق الابدي والهجران اللايزالي على المحبة ~~والشفقة؟ لا! بل من شأن تلك الرحمة ان تسلط الفراق الابدي على الهجران ~~اللايزلي، والهجران اللايزالي على الفراق الابدي والعدم عليهما. # واما البرهان الثامن المصرح: فهو لسان محمد عليه السلام الصادق المصدوق، ~~ولقد فتح كلامه أبواب السعادة الابدية، على ان إجماع الانبياء من آدمهم الى ~~خاتمهم عليهم السلام على هذه الحقيقة حجة حقيقية قطعية على هذا المدعى. ~~ولأمر ما اتفقوا. # واما البرهان التاسع: فهو اخبار القرآن المعجز؛ اذ التنزيل المصدق اعجازه ~~بسبعة اوجه 2 في ثلاثة عشر عصرا دعواه عين برهانها. فاخباره كشاف للحشر ~~الجسماني ومفتاح له. PageV01P064 # واما البرهان العاشر، المشتمل على ألوف من البراهين التي تضمنها كثير من ~~الآيات مثل (وقد خلقكم أطوارا) المشير الى "قياس تمثيلي". و(وما ربك بظلام ~~للعبيد) المشير الى "دليل عدلي" وغيرهما. فلقد فتح القرآن في أكثر الآيات ~~كوات 1 ناظرة الى الحشر. # اما القياس التمثيلي المشار اليه بالآية الاولى: # فانظر في وجود الانسان فانه ينتقل من طور الى طور.. من النطفة الى ~~العلقة.. ومنها الى المضغة.. ومنها الى العظم واللحم.. ومنه الى الخلق ~~الجديد. ولكل من تلك الاطوار قوانين مخصوصة، ونظامات معينة، وحركات مطردة ~~يشف كل منها عن قصد وارادة واختيار.. ثم تأمل في بقائه فإن هذا الوجود يجدد ~~لباسه في كل سنة، ومن شأنهالتحلل والتركب. اي انقضاض الحجيرات وتعميرها ~~ببدل ما يتحلل من المادة اللطيفة الموزعة على نسبة مناسبة الاعضاء التي ~~يحضرها صانعها بقانون مخصوص. ثم تأمل في أطوار تلك المادة اللطيفة الحاملة ~~لأرزاق الاجزاء. كيف تنتشر في اقطار البدن انتشارا تحير فيه العقول. وكيف ~~تنقسم بقانون التقسيم المعين على مقدار حاجات الاعضاء؛ بعد ان تلخصت تلك ~~المادة ms044 بنظام ثابت، ودستور معين، وحركة عجيبة من اربع مصفاتات، وانطبخت في ~~اربعة مطابخ بعد اربعة انقلابات عجيبة؛ المأخوذة تلك المادة من القوت ~~المحصل من المواليد المنتشرة في عالم العناصر بدستور منتظم؛ ونظام مخصوص، ~~وقانون معين. وكل من القوانين والنظامات في تلك الاطوار يشف عن سائق وقصد ~~وحكمة. كيف لا، ولو تأملت من قافلة تلك المادة اللطيفة في ذرة مثلا، مستترة ~~في عنصر الهواء تصير بالآخرة جزءا من سواد عين "الحبيب"؛ لعلمت ان تلك ~~الذرة وهي في الهواء معينة كأنها موظفة مأمورة بالذهاب الى مكانها الذي عين ~~لها؛ اذ لو نظرت إليها بنظر فني تيقنت ان ليست حركتها "اتفاقية عمياء" ~~"بتصادف اعمى"، بل تلك الذرة ما دخلت في مرتبة الا تبعت نظاماتها المخصوصة، ~~وماتدرجت الى طور الا عملت بقوانينه المعينة، وما سافرت الى طبقة الا وهي ~~تساق بحركة عجيبة منتظمة. فتمر على تلك الاطوار حتى تصل الى موضعها. مع ~~انها لاتنحرف قطعا مقدار ذرة عن هدف مقصدها. PageV01P065 # والحاصل: ان من تأمل في النشأة الاولى لم يبق له تردد في النشأة الاخرى، ~~ولقد قال النبي عليه الصلاة والسلام (عجبا لمن يرى النشأة الاولى كيف ينكر ~~النشأة الاخرى) . # نعم! كما ان جمع نفرات عسكر فرقة أذن لهم بالاستراحة والانتشار اذا دعوا ~~بالآلة المعروفة - فيتسللون عن كل طرف ومكمن، فيجتمعون متحدين تحت لوائهم - ~~يكون أسهل وأسهل من جلبهم أول الامر الى الانتظام تحت السلاح؛ كذلك ان جمع ~~الذرات التي حصلت بينها المؤانسة والمناسبة بالامتزاج في وجود واحد اذا ~~نوديت بصور اسرافيل فينساب الكل من كل فج عميق ملبية لأمر خالقها يكون أسهل ~~وأمكن في العقل من انشائها وتركيبها أول المرة. # أما بالنسبة الى القدرة فأعظم الاشياء كأصغرها. ثم الظاهر ان المعاد يعاد ~~باجزائه الاصلية والفضولية معا. كما يشير اليه كبر أجسام اهل الحشر 1 ~~وكراهة قص الاظفار والاشعار ونحوها للجنب، وسنية دفنها 2. والتحقيق: ان عجب ~~الذنب يكفي ان يكون بذرا ومادة لتشكله. 3 # وأما الدليل الذي لوح به (وما ربك بظلام للعبيد) : # فاعلم! أنا ms045 كثيرا ما نرى الظالم الفاجر الغدار في غاية التنعم، ويمر عمره ~~في غاية الطيب والراحة. ثم نرى المظلوم الفقير المتدين الحسن الخلق ينقضي ~~عمره في غاية الزحمة 4 والذلة والمظلومية، ثم يجئ الموت فيساوي بينهما. ~~وهذه المساواة بلا نهاية تري ظلما. والعدالة والحكمة الإلهيتان اللتان شهدت ~~عليهما الكائنات منزهتان عن الظلم؛ فلابد من مجمع آخر ليرى الاول جزاءه ~~والثاني ثوابه فيتجلى العدالة الإلهية. وقس على هاتين الآيتين نظائرهما. هذا.. PageV01P066 # أما وجه النظم في اجزاء (وبالآخرة هم يوقنون) # فاعلم! ان مناط النكت: "الواو"، ثم تقديم "بالآخرة" ثم الالف واللام ~~فيها، ثم التعبير بهذا العنوان، ثم ذكر "هم"، ثم ذكر "يوقنون" بدل ~~"يؤمنون". # واما "الواو" ففيها التخصيص بعد التعميم، للتنصيص على هذا الركن من ~~الايمان، اذ هو أحد القطبين اللذين تدور عليهما الكتب السماوية. # واما تقديم (بالاخرة) ففيه حصر، وفي الحصر تعريض بأن أهل الكتاب بناء على ~~قولهم (لن تمسنا النار الا أياما معدودة) 1 ونفيهم اللذائذ الجسمانية، ~~آخرتهم آخرة مجازية اسمية، ماهي بحقيقة الآخرة. # واما الالف واللام فللعهد. اي اشارة الى المعهود بالدوران على ألسنة كل ~~الكتب السماوية.. وفي العهد لمح الى انها حق واشارة الى الحقيقة المعهودة ~~الحاضرة بين اهداب العقول بسبب الدلائل الفطرية المذكورة.. وفي العهد حينئذ ~~رمز الى انها حقيقة.. واما التعبير بعنوان "الآخرة" الناعتة للنشأة فلتوجيه ~~الذهن الى النشأة الاولى، لينتقل الى امكان النشأة الاخرى. # واما (هم) ففيه حصر وفي الحصر تعريض بأن إيمان من لم يؤمن بمحمد عليه ~~الصلاة والسلام من أهل الكتاب ليس بيقين، بل انما يظنونه يقينا. # وأما ذكر (يوقنون) بدل "يؤمنون" مع ان الايمان هو التصديق مع اليقين، ~~فليضع الاصبع على مناط الغرض قصدا لإطارة الشكوك؛ اذ القيامة محشر الريوب.. ~~وايضا بالتنصيص ينسد طرق التعلل ب "انا مؤمنون فليؤمن من لم يؤمن". # *** PageV01P067 ### | AUTO (اولئك على هدى من ربهم) # اولئك على هدى من ربهم واولئك هم المفلحون 5 # اعلم! ان المظان التي تتلمع فيها النكت: هي نظمها مع سابقتها، ثم ~~المحسوسية في "اولئك"، ثم ms046 البعدية فيها، ثم العلو في "على"، ثم التنكير في ~~"هدى"، ثم لفظ "من"، ثم التربية في "ربهم". # اما النظم، فاعلم! ان هذه 1 مرتبطة بسابقتها بخطوط مناسبات. منها ~~الاستيناف أي 2 جواب لثلاثة اسئلة مقدرة: # منها: السؤال عن المثال، كأن السامع بعدما سمع ان القرآن من شأنه الهداية ~~لاشخاص من شأنهم - بسبب الهداية - الاتصاف بأوصاف، أحب أن يراهم وهم بالفعل ~~تلبسوا بتلك الاوصاف متكئين على ارائك الهداية. فأجاب مريئا للسامع بقوله ~~(اولئك على هدى من ربهم) . # ومنها: السؤال عن العلة، كأن السائل يقول: ما بال هؤلاء استحقوا الهداية ~~واختصوا بها؟ فأجاب: بأن هؤلاء الذين امتزجت واجتمعت فيهم تلك الاوصاف - إن ~~تأملت - لجديرون بنور الهداية. # فان قلت: التفصيل السابق أجلى للعلة من الاجمال في "اولئك"؟ # قيل لك: قد يكون الاجمال اوضح من التفصيل لاسيما اذا كان المطلوب متولدا ~~من المجموع؛ اذ بسبب جزئية ذهن السامع، والتدرج في اجزاء التفصيل، وتداخل ~~النسيان بينها، وتجلي العلة من مزج الاجزاء قد لايتفطن لتولد العلة. ~~فالاجمال في "اولئك" لاجل الامتزاج أجلى للعلية. # ومنها: السؤال عن نتيجة الهداية وثمرتها، والنعمة واللذة فيها. كأن ~~السامع يقول: ما اللذة والنعمة؟ فاجاب بأن فيها سعادة الدارين. أي ان نتيجة ~~الهداية نفسها PageV01P068 ~~وثمرتها عينها، اذ هي بذاتها نعمة عظمى ولذة وجدانية، بل جنة الروح؛ كما ان ~~الضلالة جهنمها. ثم بعد ذلك تثمر الفلاح في الآخرة. # واما المحسوسية في (اولئك) فاشارة الى ان ذكر الاوصاف الكثيرة سبب للتجسم ~~في الذهن، والحضور في العقل، والمحسوسية للخيال. فمن العهد 1 الذكري ينفتح ~~باب الى العهد الخارجي، ومن العهد الخارجي ينتقل الى امتيازهم، وينظر الى ~~تلألئهم في نوع البشر كأنه من رفع رأسه وفتح عينيه لا يتراءى له الا هؤلاء. # واما البعدية في (اولئك) مع قربيتهم في الجملة فللاشارة الى تعالي ~~رتبتهم؛ اذ الناظر الى البعداء لا يرى الا اطولهم قامة، مع ان حقيقة البعد ~~الزماني والمكاني اقضى لحق البلاغة؛ اذ هذه الآية كما ان عصر السعادة لسان ~~ذاكر لها وهي تنزل، كذلك كل ms047 من الاعصار الاستقبالية كأنه لسان ذاكر لها، ~~وهي شابة طرية كأنها اذ ذاك نزلت لا انها نزلت ثم حكيت. فاوائل الصفوف ~~المشار اليهم ب "اولئك" يتراؤن من بعد. ولأجل الرؤية مع بعدهم يعلم عظمتهم ~~وعلو رتبتهم. # واما لفظ (على) فاعلم! ان سر المناسبة بين الاشياء صير اكثر الامور ~~كالمرايا التي تتراءى في أنفسها؛ هذه في تلك وتلك في هذه. فكما ان قطعة ~~زجاجة تريك صحراء واسعة؛ كذلك كثيرا ماتذكرك كلمة فذة خيالا طويلا، وتمثل ~~نصب عينيك هيئة كلمة حكاية عجيبة. ويجول بذهنك كلام في عالم المثال ~~المثالي. كما ان لفظ "بارز" يفتح لك معركة الحرب، ولفظ "ثمرة" في الآية ~~يفتح لك باب الجنة وقس! فعلى هذا لفظ "على" للذهن كالكوة الى اسلوب تمثيلي ~~هو ان هداية القرآن براق إلهي أهداه للمؤمنين ليسلكوا، وهم عليه في الطريق ~~المستقيم سائرين الى عرش الكمالات. # واما التنكير في (هدى) فيشير الى انه غير (هدى للمتقين) اذ المنكر المكرر ~~غير الاول في الاغلب 2. فذاك مصدر وهذا حاصل بالمصدر.. وهو صفة محسوسة قارة ~~3 كثمرة الاول. PageV01P069 # واما لفظ (من) فيشير الى ان الخلق والتوفيق في اهتدائهم - المكسوب لهم - من ~~الله. 1 # واما لفظ ال "رب" فيشير الى ان الهداية من شأن الربوبية فكما يربيهم ~~بالرزق يغذيهم بالهداية. # (وأولئك هم المفلحون) # اعلم! ان مظان تحري النكت هي: عطف "الواو"، ثم تكرار "اولئك"، ثم "ضمير ~~الفصل"، ثم الالف واللام، ثم إطلاق "مفلحون" وعدم تعيين وجه الفلاح. # اما العطف فمبني على المناسبة؛ اذ كما ان (اولئك) الاول اشارة الى ثمرة ~~الهداية من السعادة العاجلة؛ فهذه اشارة الى ثمرتها من السعادة الآجلة. ثم ~~انه مع ان كلا منهما ثمرة لكل ما مر، الا ان الأولى أن (اولئك) الاول يرتبط ~~عرقه ب (الذين) الاول، الظاهر انهم المؤمنون من الأميين، ويأخذ قوته من ~~اركان الاسلامية، وينظر الى ماقبل (وبالآخرة هم يوقنون) . و(اولئك) الثاني ~~ينظر برمز خفي الى (الذين) الثاني، الظاهر انهم مؤمنو اهل الكتاب. ويكون ~~مأخذه اركان الايمان واليقين بالآخرة. فتأمل! # واما ms048 تكرار (اولئك) فاشارة الى استقلال كل من هاتين الثمرتين في العلة ~~الغائية للهداية والسببية لتميزهم ومدحهم، الا ان الأولى ان يكون (اولئك) ~~الثاني اشارة الى الاول مع حكمه كما تقول: ذلك عالم وذلك مكرم. # واما ضمير الفصل فمع انه تأكيد الحصر الذي فيه تعريض بأهل الكتاب الذين ~~لم يؤمنوا بالنبي عليه السلام، فيه نكتة لطيفة وهي: ان توسط (هم) بين ~~المبتدأ والخبر من شأنه أن يحول المبتدأ للخبر الواحد موضوعا لاحكام كثيرة ~~يذكر البعض ويحال الباقية على الخيال؛ لان (هم) ينبه الخيال على عدم ~~التحديد ويشوقه على تحري الاحكام المناسبة. فكما انك تضع زيدا بين عيني ~~السامع فتأخذ تغزل منه الاحكام قائلا: هو عالم، هو عامل، هو كذا وكذا. ثم ~~تقول قس! كذلك لما قال (اولئك) ثم جاء (هم) هيج الخيال لان يجتني ويبتني ~~بواسطة الضمير أحكاما مناسبة PageV01P070 ~~لصفاتهم، ك: اولئك هم على هدى.. هم مفلحون.. هم فائزون من النار.. هم ~~فائزون بالجنة.. هم ظافرون برؤية جمال الله تعالى الى آخره. # وأما الألف واللام فلتصوير الحقيقة. كأنه يقول: ان أحببت أن ترى حقيقة ~~المفلحين، فانظر في مرآة (اولئك) لتمثل لك.. أو لتمييز ذواتهم، كأنه يقول: ~~الذين سمعت أنهم من أهل الفلاح ان أردت ان تعرفهم فعليك ب (اولئك) فهم هم.. ~~او لظهور الحكم وبداهته نظير "والده العبد" اذ كون والده عبدا معلوم ظاهر.. # وأما إطلاق "مفلحون" فللتعميم؛ اذ مخاطب القرآن على طبقات مطالبهم ~~مختلفة. فبعضهم يطلب الفوز من النار.. وبعض إنما يقصد الفوز بالجنة.. وبعض ~~انما يتحرى الرضاء الالهي.. وبعض مايحب الا رؤية جماله.. وهلم جرا.. فاطلق ~~هنا لتعم مائدة احسانه فيجتني كل مشتهاه. # *** PageV01P071 ### | AUTO ان الذين كفروا سواء عليهمءانذرتهم ام لم تنذرهم لايؤمنون 6 # وجه النظم: # اعلم! ان للذات الاحدي في عالم صفاته الازلية تجليين جلالي وجمالي. ~~فبتجليهما في عالم صفات الافعال يتظاهر اللطف والقهر والحسن والهيبة. ثم ~~بالانعطاف في عالم الافعال يتولد التحلية والتخلية والتزيين والتنزيه. ثم ~~بالانطباع في العالم الأخروي من عالم الآثار يتجلى اللطف جنة ونورا، ms049 والقهر ~~جهنم ونارا. ثم بالانعكاس في عالم الذكر ينقسم الذكر الى الحمد والتسبيح. ~~ثم بتمثلهما في عالم الكلام يتنوع الكلام الى الأمر والنهي. ثم بالارتسام ~~في عالم الارشاد يقسمانه الى الترغيب والترهيب والتبشير والانذار. ثم ~~بتجليهما على الوجدان يتولد الرجاء والخوف.. وهكذا. ثم ان من شأن الارشاد ~~ادامة الموازنة بين الرجاء والخوف، ليدعو الرجاء الى ان يسعى بصرف القوى، ~~والخوف الى ان لايتجاوز بالاسترسال فلا ييأس من الرحمة فيقعد ملوما، ولا ~~يأمن العذاب فيتعسف ولا يبالي. فلهذه الحكمة المتسلسلة مارغب القرآن إلا ~~وقد رهب، وما مدح الابرار الا وقرنه بذم الفجار. # - ان قلت: فلم لم يعطف هنا كما عطف في (ان الابرار لفي نعيم _ وان الفجار ~~لفي جحيم) 1.؟ # قيل لك: ان حسن العطف ينظر الى حسن المناسبة، وحسن المناسبة يختلف ~~باختلاف الغرض المسوق له الكلام. ولما اختلف الغرض هنا وهنالك، لم يستحسن ~~العطف هنا؛ اذ مدح المؤمنين منجر ومقدمة لمدح القرآن، ونتيجة له، وسيق له. ~~وأما ذم الكافرين فللترهيب لايتصل بمدح القرآن. # ثم انظر الى اللطائف المندمجة في نظم اجزاء هذه الآية! # فأولا: استأنس ب (إن) و(الذين) فانهما أجول وأسير ما يصادفك في منازل ~~التنزيل. ولأمر ما أكثر القرآن من ذكرهما؛ اذ معهما من جوهر البلاغة نكتتان ~~عامتان غير ماتختص كل موقع. PageV01P072 # أما (إن) فان من شأنها ان تثقب السطح نافذة الى الحقيقة، وتوصل الحكم ~~اليها؛ كأنها عرق الدعوى اتصلت بالحق. مثلا: ان هذا كذا.. أي الحكم وهذه ~~الدعوى ليست خيالية ولا مبتدعة ولا اعتبارية ولا مستحدثة؛ بل هي من الحقائق ~~الجارية الثابتة. وما يقال من أن "إن" للتحقيق فعنوان لهذه الحقيقة ~~والخاصية. والنكتة الخصوصية هنا هي أن "إن" الذي شأنه رد الشك والانكار مع ~~عدمهما في المخاطب للاشارة الى شدة حرص النبي عليه السلام على ايمانهم. # واما (الذين) فاعلم! ان "الذي" من شأنه الاشارة الى الحقيقة الجديدة التي ~~أحس بها العقل قبل العين، وأخذت في الانعقاد ولم تشتد، بل تتولد من امتزاج ~~أشياء وتآخذ أسباب مع نوع غرابة. ms050 ولهذا ترى من بين وسائط الاشارة والتصوير ~~في الانقلاب المجدد للحقائق لفظ "الذي" أسير على الالسنة وأكثر دورانا. ~~فلما ان تجلى مؤسس الحقائق وهو القرآن، اضمحل أنواع ونقضت فصولها وتشكلت ~~انواع اخر وتولدت حقائق اخرى. اما ترى زمان الجاهلية كيف تشكلت الانواع على ~~الروابط الملية وتولدت الحقائق الاجتماعية على العصبيات القومية؟ فلما ان ~~جاء القرآن قطع تلك الروابط وخرب تلك الحقائق فأسس بدلا عنها انواعا، ~~فصولها الروابط الدينية. فتأمل!.. فلما أشرق القرآن على نوع البشر تزاهر ~~بضيائه واثمر بنوره قلوب فتحصلت حقيقة نورانية هي فصل نوع المؤمنين. ثم ~~لخبث بعض النفوس تعفنت في مقابلة الضياء تلك النفوس فتولدت حقيقة سمية هي ~~خاصة نوع من كفر 1.. # وايضا بين "الذين" و"الذين" تناسب. 2 # اعلم! ان الموصول كالالف واللام يستعمل في خمسة معان اشهرها العهد. ~~ف"الذين" هنا اشارة الى صناديد الكفر امثال ابي جهل وابي لهب وأمية بن خلف ~~وقد ماتوا على الكفر. فعلى هذا في الآية إخبار عن الغيب. وامثال هذا لمعات ~~يتولد منها نوع من الاعجاز من الانواع الاربعة للاعجاز المعنوي. # واما لفظ (كفروا) فاعلم! ان الكفر ظلمة تحصل من انكار شيء مما علم ضرورة ~~مجئ الرسول عليه السلام به. PageV01P073 # ان قلت: ان القرآن من الضروريات وقد اختلف في معانيه؟ # قيل لك: ان في كل كلام من القرآن ثلاث قضايا: # احداها: "هذا كلام الله". # والثانية: "معناه المراد حق"؛ وانكار كل من هاتين كفر. # والثالثة: "معناه المراد هذا"؛ فان كان محكما أو مفسرا فالايمان به واجب ~~بعد الاطلاع، والانكار كفر. وان كان ظاهرا، او نصا يحتمل معنى آخر، ~~فالانكار بناء على التأويل - دون التشهي - ليس بكفر 1. ومثل الآية الحديث ~~المتواتر؛ الا ان في انكار القضية الاولى من الحديث تأملا. 2 # ان قلت: الكفر جهل وفي التنزيل (يعرفونه كما يعرفون ابناءهم) 3 فما ~~التوفيق؟ # قيل لك: ان الكفر قسمان: # جهلي ينكر لأنه لا يعلم. والثاني جحودي تمردي يعرف لكن لايقبل، يتيقن لكن ~~لايعتقد، يصدق لكن لايذعن وجدانه. فتأمل!.. # ان قلت: هل في قلب ms051 الشيطان معرفة؟ # قيل لك: لا، اذ بحكم صنعته الفطرية يشتغل قلبه دائما بالاضلال ويتصور ~~عقله دائما الكفر للتلقين فلا ينقطع هذا الشغل، ولا يزول ذلك التصور عن ~~عقله حتى تتمكن فيه المعرفة. # - ان قلت: الكفر صفة القلب فكيف كان شد الزنار - وقد قيس عليه "الشوقة" 4 ~~- كفرا؟ # قيل لك: ان الشريعة تعتبر بالامارات على الامور الخفية حتى اقامت الاسباب ~~الظاهرية 5 مقام العلل. ففي شد الزنار المانع بعض نوعه عن اتمام الركوع، وإلباس PageV01P074 ~~"الشوقة" المانعة عن تمام السجود علامة الاستغناء عن العبودية، والتشبه ~~بالكفرة المومئ باستحسان مسلكهم ومليتهم. فما دام لم يقطع بانتفاء الامر ~~الخفي يحكم بالامر الظاهر. # ان قلت: اذا لم يجد الانذار فلم التكليف؟ # قيل لك: لإلزام الحجة عليهم. 1 # ان قلت: الاخبار عن تمردهم يستلزم امتناع ايمانهم فيكون التكليف بالمحال؟ # قيل لك: ان الاخبار وكذا العلم والارادة لا تتعلق بكفرهم مستقلا مقطوعا ~~عن السبب، بل انما تتعلق بكفرهم باختيارهم. كما يأتيك تفصيله. ومن هنا ~~يقال: "الوجوب بالاختيار لا ينافي الاختيار". # ان قلت: ايمانهم بعدم ايمانهم 2 محال عقلي يشبه "الجذر الاصم الكلامي".؟ 3 # قيل لك: انهم ليسوا مكلفين بالتفصيل حتى يلزم المحال. # ثم في ايراد (كفروا) فعلا ماضيا، اشارة الى انهم اختاروا الكفر بعد تبين ~~الحق فلذا لايفيد الانذار. # واما (سواء) فمجاز عن: "انذارك كعدم الانذار في عدم الفائدة او في صحة ~~الوقوع" اي لاموجب للانذار ولا لعدمه. # واما (عليهم) ففيه ايماء الى انهم اخلدوا الى الارض فلا يرفعون رؤوسهم ~~ولا يصغون الى كلام آمرهم.. وفيه أيضا رمز الى انه ليس سواء عليك، لان لك ~~الخير في التبليغ؛ اذ (ما على الرسول إلا البلاغ) 4. PageV01P075 # واما (ءانذرتهم ام لم تنذرهم) فالهمزة وام هنا في حكم "سواء حرفي"، تأكيد ~~لسواء الاول. أو تأسيس نظرا الى اقتسامهما المعنيين المذكورين للمساواة. # ان قلت: فلم عبر عن المساواة بصورة الاستفهام؟ # قيل لك: اذا اردت ان تنبه المخاطب على عدم الفائدة في فعل نفسه بوجه لطيف ~~مقنع لابد ان تستفهم ليتوجه ذهنه الى ms052 فعله فينتقل منه الى النتيجة فيطمئن.. ~~ثم العلاقة بين الاستفهام والمساواة تضمنه لها؛ اذ السائل يتساوى في علمه ~~الوجود والعدم.. وايضا كثيرا مايكون الجواب هذه المساواة الضمنية. # ان قلت: لم عبر عن الانذار في "أنذرتهم" بصورة الماضي؟ # قيل لك: لينادي "يا محمد قد جربت" فقس! # ان قلت: لم ذكر (ام لم تنذرهم) مع ان عدم فائدة عدم الانذار ظاهر؟ # قيل لك: كما قد ينتج الانذار اصرارا، كذلك قد يجدي السكوت انصاف المخاطب. # ان قلت: لم انذر بالترهيب فقط مع انه بشير نذير؟ # قيل لك: اذ الترهيب هو المناسب للكفر، ولان دفع المضار أولى من جلب ~~المنافع وأشد تأثيرا، ولأن الترهيب هنا يهز عطف الخيال ويوقظه لان يتلقى ~~ويجتني بعد قوله (لايؤمنون) "أبشرتهم ام لم تبشرهم". # ثم اعلم! كما ان لكل حكم معنى حرفيا ومقصدا خفيا؛ كذلك لهذا الكلام معان ~~طيارة ومقصد سيق له هو تخفيف الزحمة، وتهوين الشدة عن النبي عليه السلام، ~~وتسليته بتأسيه بالرسل السالفين. اذ خوطب اكثرهم بمثل هذا الخطاب، حتى قال ~~نوح بعده (لا تذر على الارض من الكافرين ديارا) 1.. ثم لأن آيات القرآن ~~كالمرايا المتناظرة، وقصص الانبياء كالهالة للقمر تنظر الى حال النبي عليه ~~السلام؛ كان كأن هذا الكلام يقول: هذا قانون فطري الهي يجب الانقياد له. PageV01P076 # واعلم بعد هذا التحليل! # ان مجموع هذه الآية الى (ولهم عذاب عظيم) سيقت: مشيرة بعقودها الى تقبيح ~~الكفر وترذيله، والتنفير منه والنهي الضمني عنه، وتذليل أهله، والتسجيل ~~عليهم، والترهيب عنه، وتهديدهم.. منادية 1 بكلماتها بأن في الكفر مصائب ~~عظيمة، وفوات نعم جسيمة، وتولد آلام شديدة، وزوال لذائذ عالية.. مصرحة ~~بجملها بأن الكفر أخبث الاشياء وأضرها. # اذ أشار بلفظ (كفروا) بدل "لم يؤمنوا" الى انهم بعدم الايمان وقعوا في ~~ظلمة الكفر الذي هو مصيبة تفسد جوهر الروح وايضا هو معدن الآلام. # وبلفظ (لايؤمنون) بدل "لايتركون الكفر" الى انهم مع تلك الخسارة سقط من ~~ايديهم الايمان الذي هو منبع جميع السعادات. # وبلفظ (ختم الله على قلوبهم) الى ان القلب والوجدان - الذي ms053 حياته وفرحه ~~وسروره وكمالاته بتجلي الحقائق الالهية بنور الايمان - بعدما كفروا صار ~~كالبناء الموحش الغير المعمور المشحون بالمضرات والحشرات، فاقفل وامهر 2 ~~على بابه ليجتنب، وترك مفوضا للعقارب والافاعي. # وبلفظ (وعلى سمعهم) الى فوات نعمة عظيمة سمعية بسبب الكفر؛ اذ السمع من ~~شأنه - اذا استقر خلف صماخه نور الايمان واستند اليه - الاحتساس بنداء كل ~~العالم وفهم اذكارها، وسمع صياح الكائنات وتفهم تسبيحاتها.. حتى ان السمع ~~ليسمع من ترنمات هبوب الريح، ومن نعرات رعد الغيم، ومن نغمات امواج البحر، ~~ومن صرخات دقدقة الحجر، ومن هزجات نزول المطر، ومن سجعات غناء الطير كلاما ~~ربانيا، ويفهم تسبيحا علويا، كأن الكائنات موسيقية عظيمة له، تهيج في قلبه ~~حزنا علويا وعشقا روحانيا فيحزن بتذكر الأحباب والانيس فيكون الحزن لذة؛ لا ~~بعدم الاحباب فيكون غما.. واذا اظلم ذلك السمع بالكفر صار اصم من تلك ~~الاصوات اللذيذة، ولايسمع من الكائنات إلا نياحات المأتم ونعيات الموت، فلا يلقي PageV01P077 ~~في القلب الا غم اليتمة - اي عدم الاحباب - ووحشة الغربة - اي عدم المالك ~~والمتعهد - فبناء على هذا السر أحل الشرع بعض الاصوات وهو ماهيج عشقا علويا ~~وحزنا عاشقيا، وحرم بعضها وهو ما انتج اشتهاء نفسيا وحزنا يتميا، ومالم يرك ~~الشرع فميزه بتأثيره في روحك ووجدانك. # وبكلمة (وعلى ابصارهم غشاوة) الى زوال نعمة جسيمة بسبب الكفر؛ اذ البصر ~~من شأنه اذا استضاء نوره واتصل بنور الايمان الساكن خلف شبيكته ممدا ومحركا ~~له كان كل الكائنات كجنة مزينة بالزهر والحور، ويصير نور العين نحلا تطير ~~عليها فتجتنى من تلك الازاهير عصارة العبرة والفكرة والانسية والاستيناس ~~والتحبب والتهنئة، فتأخذ حميلتها فتتخذ في الوجدان شهد الكمالات.. واذا ~~أظلم - العياذ بالله - ذلك البصر بالكفر طمس، وصارت الدنيا في نظره سجنا، ~~وتسترت عنه الحقائق وتوحشت عليه الكائنات وتلقى الى قلبه آلاما تحيط ~~بوجدانه من الرأس الى القدم.. # وبلفظ (ولهم عذاب عظيم) الى ثمرة شجرة زقوم الكفر في العالم الاخروي من ~~عذاب جهنم ومن نكال الغضب الالهي. هذا. # واما "لايؤمنون" فتأكيد ل "سواء" ينص على جهة المساواة. ms054 # *** PageV01P078 ### | AUTO ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى ابصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم 7 # مقدمة # اعلم! انه لزمنا ان نقف هنا حتى نستمع لما يتكلم به المتكلمون؛ اذ تحت ~~هذه الآية حرب عظيمة بين اهل الاعتزال واهل الجبر واهل السنة والجماعة. ~~ومثل هذه الحرب تستوقف النظار. فناسب ان نذكر اساسات لتستفيد منها: # ان مذهب اهل السنة والجماعة هو الصراط المستقيم، وماعداه إما افراط او تفريط. # منها: انه قد تحقق "ان لا مؤثر في الكون الا الله" فإذا لا تفويض. 1 # ومنها: "ان الله حكيم" فلا يكون الثواب والعقاب عبثين فحينئذ لا اضطرار. ~~فكما ان التوحيد يدفع في صدر الاعتزال؛ كذلك التنزيه يضرب على فم الجبر. # ومنها: ان لكل شيء جهتين: جهة ملكية هي قد تكون حسنة وقد تكون قبيحة ~~تتوارد عليها الاشكال كظهر المرآة. وجهة ملكوتية تنظر الى الخالق. وتلك ~~شفافة في كل شيء كوجه المرآة. فخلق القبيح ليس قبيحا؛ اذ الخلق من جهة ~~الملكوتية حسن، ولان خلقه لتكميل المحاسن فيحسن بالغير. فلا تصغ الى سفسطة ~~الاعتزال! # ومنها: ان الحاصل بالمصدر 2 أمر قار مخلوق جامد لا يشتق منه الصفات 3. ~~واما المصدر فمكسوب نسبي اعتباري يشتق منه الصفات. فلا يكون خالق القتل ~~قاتلا.. فذر اهل الاعتزال في خوضهم يلعبون!.. # ومنها: ان الفعل الظاهري في الاغلب نتيجة لافعال متسلسلة منتهية الى ~~ميلان النفس الذي يسمى "بالجزء الاختياري". فتدور المنازعات على هذا ~~الاساس. PageV01P079 # ومنها: ان الارادة الكلية الالهية ناظرة بعادته تعالى الى الارادة الجزئية ~~للعبد، فلا اضطرار. # ومنها: ان العلم تابع للمعلوم، فلا يتبعه المعلوم حتى يدور. فلا يتعلل في ~~العمل باحالة مقاييسه على القدر. # ومنها: ان خلق الحاصل بالمصدر متوقف على كسب المصدر بجريان عادة الله ~~تعالى باشتراطه به. والنواة في كسب المصدر والعقدة الحياتية فيه هي ~~الميلان، فبحله تنحل عقدة المسألة. # ومنها: ان الترجح بلا مرجح محال دون الترجيح بلا مرجح فلا تعلل أفعاله ~~تعالى بالاغراض؛ بل اختياره تعالى هو المرجح. # ومنها: ان الامر الموجود لابد له من مؤثر وإلا ms055 لزم الترجح بلا مرجح وهو ~~محال كما مر. واما الامر الاعتباري 1 فتخصصه بلا مخصص لا يلزم منه المحال. # ومنها: ان الموجود يجب ان يجب ثم يوجد 2. واما الامر الاعتباري فالترجح ~~بلا انتهاء الى حد الوجوب كاف فلا يلزم ممكن بلا مؤثر. # ومنها: ان العلم بوجود شيء لايستلزم العلم بماهيته، وعدم العلم بالماهية ~~لايستلزم العدم. فعدم التعبير عن كنه الاختيار لاينافي قطعية وجوده. # واذا تفطنت لهذه الاساسات فاستمع لما يتلى عليك: # فنحن معاشر اهل السنة والجماعة نقول: يا اهل الاعتزال! ان العبد ليس ~~خالقا للحاصل بالمصدر كالحاصل من المصدر 3، بل هو مصدر المصدر فقط 4؛ اذ ~~"لا مؤثر في الكون الا الله"، والتوحيد هكذا يقتضي. ثم نقول: يا اهل الجبر! ~~ليس العبد مضطرا بل له جزء اختياري لان الله حكيم. وهكذا يقتضي التنزيه. # فان قلتم: كلما يشرح الجزء الاختياري بالتحليل لايظهر منه الا الجبر. # قيل لكم: PageV01P080 # اولا: ان الوجدان والفطرة يشهدان ان بين الامر الاختياري والاضطراري امرا ~~خفيا فارقا، وجوده قطعي. فلا علينا ان لانعبر عنه. # وثانيا: نقول ان الميلان ان كان امرا موجودا -كما عليه الاشاعرة - ~~فالتصرف فيه امر اعتباري بيد العبد 1؛ وان كان الميلان امرا اعتباريا -كما ~~عليه الماتريدية - فذلك الامر الاعتباري ثبوته وتخصصه لايستلزم العلة ~~التامة الموجبة 2 فيجوز التخلف 3. فتأمل! # والحاصل: ان الحاصل بالمصدر موقوف عادة على 4 المصدر الذي اساسه الميلان ~~الذي هو - او التصرف فيه - ليس موجودا حتى يلزم 5 من تخصصه مرة هذا ومرة ~~ذاك ممكن بلا مؤثر، او ترجح بلا مرجح.. ولامعدوما ايضا حتى لايصلح ان يكون ~~شرطا لخلق الحاصل بالمصدر او سببا للثواب والعقاب. # ان قلت: العلم الازلي والارادة الازلية ينحيان على الاختيار بالقلع؟ 6 # قيل لك: ان العلم بفعل باختيار لاينافي الاختيار 7.. وايضا ان العلم ~~الازلي محيط كالسماء لا مبدأ للسلسلة كرأس زمان الماضي حتى تسند اليه ~~المسببات متغافلا عن الاسباب موهما خروجها.. وايضا ان العلم تابع للمعلوم، ~~أي على أي كيفية يكون المعلوم، كذلك يحيط به العلم، فلا يستند مقاييس ms056 ~~المعلوم الى اساسات القدر.. وايضا ان الارادة لاتتعلق بالمسبب فقط مرة ~~وبالسبب مرة اخرى حتى لاتبقى فائدة في الاختيار والسبب؛ بل تتعلق تعلقا ~~واحدا بالمسبب وبسببه. وعلى هذا السر لو قتل شخص شخصا بالبندقة مثلا، ثم ~~فرضنا عدم السبب والرمي هل يموت ذلك الشخص في ذلك الآن ام لا؟ فاهل الجبر ~~يقولون: لو لم يقتل لمات ايضا لتعدد التعلق والانقطاع بين السبب والمسبب.. ~~واهل الاعتزال يقولون: لم يمت، لجواز تخلف PageV01P081 ~~المراد عن الارادة عندهم.. واما اهل السنة والجماعة فيقولون: نتوقف ونسكت؛ ~~اذ فرض عدم السبب يستلزم فرض عدم تعلق الارادة والعلم بالمسبب ايضا، اذ ~~التعلق واحد. فهذا الفرض المحال جاز ان يستلزم محالا. فتأمل! # *** # مقدمة اخرى # اعلم! ان الطبيعيين يقولون: ان للاسباب تأثيرا حقيقيا. . والمجوس يقولون: ~~ان للشر خالقا آخر.. والمعتزلة يدعون: ان الحيوان خالق لإفعاله الاختيارية. ~~وأساس هذه الثلاثة مبنية على وهم باطل، وخطأ محض، وتجاوز عن الحد وقياس مع ~~الفارق، خدعهم وشبطهم 1؛ اذ ذهبوا ظنا منهم الى التنزيه فوقعوا في شرك ~~الشرك. وان شئت التفصيل فاستمع لمسائل تطرد ذلك الوهم: # منها: انه كما ان استماع الانسان وتكلمه وملاحظته وتفكره جزئية تتعلق بشيء ~~فشيء على سبيل التعاقب؛ كذلك همته جزئية لاتشتغل بالاشياء إلا على سبيل ~~التناوب. # ومنها: ان قيمة الانسان بنسبة ماهيته.. وماهيته بدرجة همته.. وهمته ~~بمقدار اهمية المقصد الذي يشتغل به. # ومنها: ان الانسان الى اي شيء توجه يفنى فيه وينحبس عليه. ومن هذه النقطة ~~ترى الناس - في عرفهم - لايسندون شيئا خسيسا وأمرا جزئيا الى شخص عظيم وذات ~~عال؛ بل الى الوسائل ظنا منهم ان الاشتغال بالامر الخسيس لايناسب وقاره، ~~وهو لايتنزل له ولا يسع الامر الحقير همته العظيمة، ولا يوازن الامر الخفيف ~~مع همته العظيمة. # ومنها: ان من شأن الانسان - اذا تفكر في شيء لمحاكمة احواله - ان يتحرى ~~مقاييسه وروابطه واساساته، أولا في نفسه، ثم في ابناء جنسه.. وان لم يجد ~~ففي جوانبه من الممكنات. حتى ان واجب الوجود الذي لايشبه الممكنات بوجه من ~~الوجوه اذا تفكر ms057 فيه الانسان تلجؤه القوة الواهمة لان يجعل هذا الوهم السئ ~~المذكور دستورا، والقياس الخادع منظارا له. مع ان الصانع جل جلاله لاينظر ~~اليه من هذه النقطة؛ اذ لا انحصار لقدرته. PageV01P082 # ومنها: ان قدرته وعلمه وارادته جل جلاله كضياء الشمس - ولله المثل الاعلى - ~~شاملة لكل شيء، وعامة لكل امر. فلا تقع في الانحصار ولاتجئ في الموازنة. ~~فكما تتعلق باعظم الاشياء كالعرش؛ تتعلق باصغرها كالجوهر الفرد.. وكما خلق ~~الشمس والقمر؛ كذلك خلق عيني البرغوث والبعوضة.. وكما اودع نظاما عاليا في ~~الكائنات؛ كذلك اوقع نظاما دقيقا في امعاء الحيوانات (الخردبينية) 1.. وكما ~~ربط الاجرام العلوية والنجوم المعلقة بقانونه المسمى بالجاذب العمومي؛ كذلك ~~نظم الجواهر الفردة بنظير ذلك القانون كأنه مثال مصغر لها. اذ بتداخل العجز ~~تتفاوت مراتب القدرة. فمن امتنع عليه العجز تتساوى في قدرته الاشياء، اذ ~~العجز ضد القدرة الذاتية. فتأمل! # ومنها: ان اول ماتتعلق به القدرة ملكوتية الاشياء وهي شفافة حسنة في الكل ~~كما مر. فكما انه جل جلاله جعل وجه الشمس مجلى ووجه القمر مستضيئا؛ كذلك ~~صير ملكوتية الليل والغيم حسنة منيرة. # ومنها: ان مقياس عظمته تعالى وميزان كمالاته وواسطة محاكمة اوصافه ~~لايسعها ذهن البشر، ولا يمكن له الا بوجه 2، بل انما هو بما يتحصل من جميع ~~مصنوعاته.. وبما يتجلى من مجموع آثاره.. وبما يتلخص من كل افعاله. نعم ~~الذرة تكون مرآة ولا تكون مقياسا. # واذا تفطنت لهذه المسائل فاعلم! ان الواجب تعالى لايقاس على الممكنات، اذ ~~الفرق من الثرى الى الثريا. ألا ترى اهل الطبيعة والاعتزال والمجوس - بناء ~~على تسلط القوة الواهمة بهذا القياس على عقولهم - كيف التجأوا الى اسناد ~~التأثير الحقيقي الى الاسباب، وخلق الافعال للحيوان، وخلق الشر لغيره ~~تعالى؟ يظنون ويتوهمون ان الله تعالى بعظمته وكبريائه وتنزهه كيف يتنزل ~~لهذه الامور الخسيسة والاشياء القبيحة؟ فسحقا لهم! كيف صيروا العقل اسيرا ~~لهذا الوهم الواهي هذا؟.. ياهذا! هذا الوهم قد يتسلط على المؤمن ايضا من ~~جهة الوسوسة فتجنب!. # *** PageV01P083 # اما تحليل كلمات هذه الآية ونظمها: # فاعلم! ان ربط (ختم) ب "لايؤمنون" ms058 وتعقيبه به نظير ترتب العقاب على ~~العمل. كأنه يقول لما افسدوا الجزء الاختياري ولم يؤمنوا عوقبوا بختم القلب ~~وسده. ثم لفظ "الختم" يشير الى استعارة مركبة تومئ الى اسلوب تمثيلي يرمز ~~الى ضرب مثل يصور ضلالتهم؛ اذ المعنى فيه منع نفوذ الحق الى القلب. ~~فالتعبير بالختم يصور القلب بيتا بناه الله تعالى ليكون خزينة الجواهر، ثم ~~بسوء الاختيار فسد وتعفن وصار ما فيه سموما فاغلق وامهر ليجتنب. # واما (الله) فاعلم! ان فيه التفاتا من التكلم الى الغيبة. ومع نكتة ~~الالتفات ففي مناسبة لفظ "الله" مع متعلق "لايؤمنون" في النية، أعني لفظ ~~"بالله"، اشارة الى لطافة، هي انه لما جاء نور معرفة الله اليهم فلم يفتحوا ~~باب قلبهم له تولى عنه مغضبا واغلق الباب عليهم. # واما (على) فاعلم! ان فيه - بناء على كون الختم متعديا بنفسه - اشارة الى ~~تضمين ختم "وسم"، كأنه يقول: جعل الله الختم وسما وعلامة على القلب يتوسمه ~~الملائكة.. وفي "على" أيضا ايماء الى ان المسدود الباب العلوي من القلب لا ~~الباب السفلي الناظر الى الدنيا. # واما (قلوبهم) قدمه على السمع والبصر لانه هو محل الايمان.. ولان اول ~~دلائل الصانع يتجلى من مشاورة القلب مع نفسه، ومراجعة الوجدان الى فطرته، ~~لانه اذا راجع نفسه يحس بعجز شديد يلجؤه الى نقطة استناد، ويرى احتياجا ~~شديدا لتنمية آماله فيضطر الى نقطة استمداد، ولا استناد ولا استمداد الا ~~بالايمان.. ثم ان المراد بالقلب اللطيفة الربانية التي مظهر حسياتها ~~الوجدان، ومعكس افكارها الدماغ، لا الجسم الصنوبري. فاذا في التعبير بالقلب ~~رمز الى ان اللطيفة الربانية لمعنويات الانسان كالجسم الصنوبري لجسده. فكما ~~ان ذلك الجسم ماكينة حياتية تنشر ماء الحياة لأقطار البدن، واذا انسد وسكن ~~جمد الجسد؛ كذلك تلك اللطيفة تنشر نور الحياة الحقيقية لاقطار الهيئة ~~المجسمة من معنوياته واحواله وآماله. واذا زال نور الايمان - العياذ بالله ~~- صارت ماهيته التي يصارع بها الكائنات كشبح لاحراك به واظلم عليه. PageV01P084 # واما وعلى (سمعهم) كرر "على" للاشارة الى استقلال كل بنوع من الدلائل. ~~فالقلب بالدلائل العقلية ms059 والوجدانية. والسمع بالدلائل النقلية والخارجية، ~~وللرمز الى ان ختم السمع ليس من جنس ختم القلب.. ثم ان في افراد السمع مع ~~جمع جانبيه ايجازا ورموزا الى ان السمع مصدر، لعدم الجفن له.. والى ان ~~المسمع فرد.. وان المسموع للكل فرد.. وانه يسمع فردا فردا.. ولاشتراك الكل ~~كأن اسماعهم بالاتصال صارت فردا.. ولاتحاد الجماعة وتشخصها يتخيل لها سمع ~~فرد.. والى اغناء سمع الفرد عن استماع الكل فحق السمع في البلاغة الافراد.. ~~لكن القلوب والابصار مختلفة متعلقاتهما، ومتباينة طرقهما، ومتفاوتة ~~دلائلهما، ومعلمهما على انواع، وملقنهما على اقسام. فلهذا توسط المفرد بين ~~الجمعين. وعقب القلب بالسمع لان السمع اب لملكاته، واقرب اليه، ونظيره في ~~تساوي الجهات الست عنده. # واما (وعلى ابصارهم غشاوة) فاعلم! ان في تغيير الاسلوب باختيار الجملة ~~الاسمية اشارة الى ان جنان البصر التي يجتني منها دلائله ثابتة دائمة بخلاف ~~حدائق السمع والقلب؛ فانها متجددة.. وفي اسناد الختم الى الله تعالى دون ~~الغشاوة اشارة الى ان الختم جزاء كسبهم، والغشاوة مكسوبة لهم، ورمز الى ان ~~في مبدأ السمع والقلب اختيارا، وفي مبدأ البصر اضطرارا ومحل الاختيار غشاوة ~~التعامي. وفي عنوان الغشاوة اشارة الى ان للعين جهة واحدة. وتنكيرها ~~للتنكير، أي التعامي حجاب غير معروف حتى يتحفظ منه.. قدم (على ابصارهم) ~~ليوجه العيون الى عيونهم اذ العين مرآة سرائر القلب. # وأما (ولهم عذاب عظيم) فاعلم! انه كما اشار بالكلمات السابقة الى حنظلات ~~تلك الشجرة الملعونة الكفرية في الدنيا؛ كذلك اشار بهذه الى حنظلة جانبها ~~الممتد الى الآخرة وهي زقوم جهنم.. # ثم ان سجية الاسلوب تقتضي (وعليهم عقاب شديد) . ففي ابدال "على" باللام ~~و"العقاب" بالعذاب و"الشديد" بالعظيم، مع ان كلا منها يليق بالنعمة رمز الى ~~نوع تهكم توبيخي تعريضي؛ كأنه ينعي بهم: ما منفعتهم، ولا لذتهم، ولا نعمتهم ~~العظيمة الا العقاب؛ نظير (تحية بينهم ضرب وجيع) . و(فبشرهم بعذاب اليم) PageV01P085 ~~اذ اللام لعاقبة العمل وفائدته. فكأنه يتلو عليهم"خذوا اجرة عملكم". # وفي لفظ "العذاب" رمز خفي الى ان يذكرهم استعذابهم واستلذاذهم بالمعاصي ~~في الدنيا فكأنه ms060 يقرأ عليهم "ذوقوا مرارة حلاوتكم". # وفي لفظ ال "عظيم" اشارة خفية الى تذكيرهم حال صاحب النعمة العظيمة في ~~الجنة فكأنه يلقنهم: انظروا الى ماضيعتم على انفسكم من النعمة العظيمة، ~~وكيف وقعتم في الالم الاليم. ثم ان "عظيم" تأكيد لتنوين "عذاب". # ان قلت: ان معصية الكفر كانت في زمان قليل والجزاء أبدي غير متناه فكيف ~~ينطبق هذا الجزاء على العدالة الالهية؟ وإن سلم، فكيف يوافق الحكمة ~~الأزلية؟ وان سلم، فكيف تساعده المرحمة الربانية؟ # قيل لك: مع تسليم عدم تناهي الجزاء، ان الكفر في زمان متناه جناية غير ~~متناهية بست جهات: # منها: ان من مات على الكفر لو بقي أبدا لكان كافرا أبدا لفساد جوهر روحه، ~~فهذا القلب الفاسد استعد لجناية غير متناهية. # ومنها: ان الكفر وان كان في زمان متناه لكنه جناية على غير المتناهي، ~~وتكذيب لغير المتناهي أعني عموم الكائنات التي تشهد على الوحدانية. # ومنها: ان الكفر كفران لنعم غير متناهية. # ومنها: ان الكفر جناية في مقابلة الغير المتناهي وهو الذات والصفات ~~الالهية. # ومنها: ان وجدان البشر - بسر حديث (لا يسعني ارضي ولا سمائي) 1 - وان كان ~~في الظاهر والملك محصورا ومتناهيا لكن ملكوتيته بالحقيقة نشرت ومدت عروقها ~~الى الأبد. فهو من هذه الجهة كغير المتناهي وبالكفر تلوث واضمحل. PageV01P086 # ومنها: ان الضد وان كان معاندا لضده لكنه مماثل له في أكثر الأحكام. فكما ~~ان الايمان يثمر اللذائذ الأبدية، كذلك من شأن الكفر ان يتولد منه الآلام ~~الأبدية. # فمن مزج هذه الجهات الست يستنتج ان الجزاء الغير المتناهي انما هو في ~~مقابلة الجناية الغير المتناهية وما هو إلا عين العدالة. # ان قلت: طابق العدالة 1 لكن اين الحكمة الغنية عن وجود الشرور المنتجة ~~للعذاب؟ # قيل لك: كما قد سمعت مرة أخرى انه لايترك الخير الكثير لتخلل الشر القليل ~~لأنه شر كثير. اذ لما اقتضت الحكمة الالهية تظاهر ثبوت الحقائق النسبية ~~التي هي أزيد بدرجات من الحقائق الحقيقية - ولا يمكن هذا التظاهر الا بوجود ~~الشر؛ ولا يمكن توقيف الشر على حده ومنع ms061 طغيانه الا بالترهيب؛ ولا يمكن ~~تأثير الترهيب حقيقة في الوجدان الا بتصديق الترهيب وتحقيقه بوجود عذاب ~~خارجي؛ اذ الوجدان لا يتأثر حق التأثر -كالعقل والوهم - بالترهيب الا بعد ~~ان يتحدس بالحقيقة الخارجية الأبدية بتفاريق الامارات - فمن عين الحكمة بعد ~~التخويف من النار في الدنيا وجود النار في الآخرة. # ان قلت: قد وافق الحكمة فما جهة المرحمة فيه؟ # قلت: لا يتصور في حقهم إلا العدم أو الوجود في العذاب، والوجود - ولو في ~~جهنم - مرحمة وخير بالنسبة الى العدم إن تأملت في وجدانك؛ اذ العدم شر محض، ~~حتى ان العدم مرجع كل المصائب والمعاصي ان تفكرت في تحليلها. واما الوجود ~~فخير محض فليكن في جهنم.. وكذا ان من شأن فطرة الروح - اذا علم ان العذاب ~~جزاء مزيل لجنايته وعصيانه - ان يرضى به لتخفيف حمل خجالة الجناية ويقول: ~~هو حق، وانا مستحق. بل حبا للعدالة قد يلتذ معنى! وكم من صاحب ناموس في ~~الدنيا يشتاق الى اجراء الحد على نفسه ليزول عنه حجاب خجالة الجناية. وكذا ~~ان الدخول وان كان الى خلود دائم وجهنم بيتهم أبدا، لكن بعد مرور جزاء ~~العمل دون الاستحقاق يحصل لهم نوع الفة وتطبع مع تخفيفات كثيرة مكافأة ~~لأعمالهم الخيرية. اشارت اليها الأحاديث. فهذا مرحمة لهم مع عدم لياقتهم. # *** PageV01P087 ### | AUTO ومن الناس من يقول امنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين 8 # وجه النظم: # انه كما يعطف المفرد على المفرد للاشتراك في الحكم، والجملة على الجملة ~~للاتحاد في المقصد؛ كذلك قد تعطف القصة على القصة للتناسب في الغرض. ومن ~~الأخير عطف قصة المنافقين على الكافرين. أي عطف ملخص اثنتي عشرة آية على ~~مآل آيتين؛ اذ لما افتتح التنزيل بثناء ذلك الكتاب فاستتبع ثمرات ثنائه من ~~مدح المؤمنين، فاستردف ذم اضدادهم بسر "انما تعرف الأشياء باضدادها" ولتتم ~~حكمة الارشاد، ناسب تعقيب المنافقين تكميلا للاقسام. # ان قلت: لم أوجز في حق الكافرين كفرا محضا بآيتين واطنب في النفاق باثنتي ~~عشرة آية؟ # قيل لك: لنكات؛ # منها: ان العدو اذا لم يعرف كان ms062 اضر. واذا كان مخنسا كان أخبث. واذا كان ~~كذابا كان أشد فسادا. واذا كان داخليا كان أعظم ضررا؛ اذ الداخلي يفتت ~~الصلابة ويشتت القوة بخلاف الخارجي فانه يتسبب لتشدد الصلابة العصبية. ~~فأسفا! ان جناية النفاق على الاسلام عظيمة جدا. وما هذه المشوشية 1 الا ~~منه. ولهذا أكثر القرآن من التشنيع عليهم. # ومنها: ان المنافق لاختلاطه بالمؤمنين يستأنس شيئا فشيئا، ويألف بالايمان ~~قليلا قليلا، ويستعد لأن يتنفر عن حال نفسه بسبب تقبيح أعماله وتشنيع ~~حركاته؛ فتتقطر كلمة التوحيد من لسانه الى قلبه. # ومنها: ان المنافق يزيد على الكفر جنايات اخر كالاستهزاء والخداع ~~والتدليس والحيلة والكذب والرياء. PageV01P088 # ومنها: ان المنافق في الأغلب يكون من أهل الكتاب ومن أهل الجربزة الوهمية ~~فيكون حيالا دساسا ذا ذكاء شيطاني، فالاطناب في حقه أعرق في البلاغة. # أما تحليل كلمات هذه الآية، فاعلم! ان (من الناس) خبر مقدم ل (من) على وجه. # ان قلت: كون المنافق انسانا بديهي....؟ # قيل لك: اذا كان الحكم بديهيا يكون الغرض واحدا من لوازمه وهنا هو ~~التعجيب. كأنه يقول كون المنافق الرذيل انسانا عجيب؛ اذ الانسان مكرم، ليس ~~من شأنه ان يتنزل الى هذه الدركة من الخسة. # ان قلت: فلم قدم؟ # قيل لك: من شأن انشاء التعجب الصدارة وليتمركز النظر على صفة المبتدأ ~~التي هي مناط الغرض وإلا لانتظر ومر الى الخبر. # ثم ان عنوان (الناس) يترشح منه لطائف: # منها: انه لم يفضحهم بالتعيين، بل سترهم تحت عنوان "الناس" إيماء الى ان ~~سترهم وعدم كشف الحجاب عن وجوههم القبيحة أنسب بسياسة النبي عليه السلام؛ ~~اذ لو فضحهم بالتشخيص لتوسوس المؤمنون؛ اذ لايؤمن من دسائس النفس. والوسوسة ~~تنجر الى الخوف والخوف الى الرياء والرياء الى النفاق.. ولأنه لو شنعهم ~~بالتعيين لقيل ان النبي عليه السلام متردد لايثق باتباعه.. ولان بعضا من ~~الفساد لو بقي تحت الحجاب لانطفأ شيئا فشيئا واجتهد صاحبه في اخفائه ولو ~~رفع الحجاب - فبناء على ما قيل "اذا لم تستح فافعل ما شئت" 1 - ليقول فليكن ~~ما كان، ويأخذ في ms063 النشر ولا يبالي. # ومنها: ان التعبير ب (الناس) يشير الى انه مع قطع النظر عن سائر الصفات ~~المنافية للنفاق فأعم الصفات أعني: الانسانية أيضا منافية له؛ اذ الانسان ~~مكرم ليس من شأنه هذه الرذالة. PageV01P089 # ومنها: انه رمز الى ان النفاق لا يختص بطائفة ولا طبقة بل يوجد في نوع ~~الانسان أية طائفة كانت. # ومنها: انه يلوح بان النفاق يخل بحيثية كل من كان انسانا فلابد ان يتحرك ~~غضب الكل عليه، ويتوجه الكل الى تحديده، لئلا ينتشر ذلك السم؛ كما يخل ~~بناموس طائفة ويهيج غضبهم شناعة فرد منهم. # وأما (من يقول آمنا) # فان قلت: لم افرد "يقول" وجمع "آمنا" مع ان المرجع واحد؟ # قيل لك: فيه اشارة الى لطافة ظريفة هي: # اظهار ان المتكلم مع الغير متكلم وحده ف "يقول": للتلفظ وحده و"آمنا" ~~لأنه مع الغير في الحكم.. ثم ان هذا حكاية عن دعواهم ففي صورة الحكاية ~~اشارة الى رد المحكي بوجهين، كما ان في المحكي اشارة الى قوته بجهتين؛ اذ ~~"يقول" يرمز بمادته الى ان قولهم ليس عن اعتقاد وفعل، بل يقولون بأفواههم ~~ما ليس في قلوبهم.. وبصيغته يومئ الى ان سبب استمرار مدافعتهم وادعائهم ~~مراآة الناس لامحرك وجداني.. وفي الدعوى ايماء منهم بصيغة الماضي الى: "إنا ~~معاشر أهل الكتاب قد آمنا قبل فكيف لانؤمن الآن".. وفي لفظ "نا" رمز منهم ~~الى: "انا جماعة متحزبون لسنا كفرد يكذب أو يكذب". # وأما (بالله وباليوم الآخر) فاعلم! ان للتنزيل ان يأخذ المحكي بعينه، أو ~~يتصرف فيه بأخذ مآله، أو تلخيص عبارته: فعلى الأول ذكروا الأول والآخر من ~~أركان الايمان اظهارا للقوي، ولما هو أقرب لأن يقبل منهم، وأشاروا الى ~~سلسلة الأركان بتكرار الباء مع القرب. وعلى الثاني بأن يكون كلامه تعالى؛ ~~ففي ذكر القطبين فقط اشارة الى ان أقوى ما يدعونه أيضا ليس بايمان؛ اذ ليس ~~ايمانهم بهما على وجههما. وكرر الباء للتفاوت؛ اذ الايمان بالله ايمان ~~بوجوده ووحدته، وباليوم الآخر بحقيته ومجيئه كما مر. PageV01P090 # واما (وما هم بمؤمنين) # فان قلت: لم ms064 لم يقل "وما امنوا" الأشبه ب "آمنا"؟ # قيل لك: لئلا يتوهم التناقض صورة 1، ولئلا يرجع التكذيب الى نفس "آمنا" ~~الظاهر انشائيته المانعة من التكذيب. بل ليرجع النفي والتكذيب الى الجملة ~~الضمنية المستفادة من "آمنا"، وهي "فنحن مؤمنون".. وأيضا ليدل باسمية ~~الجملة على دوام نفي الايمان عنهم. # ان قلت: لم لا يدل على نفي الدوام مع ان "ما" مقدم؟ # قيل لك: ان النفي معنى الحرف الكثيف، والدوام معنى الهيئة الخفيفة، ~~فالنفي أغمس وأقرب الى الحكم. # ان قلت: ما نكتة 2 الباء على خبر ما؟ # قيل لك: ليدل على انهم ليسوا ذواتا أهلا للايمان وإن آمنوا صورة، اذ فرق ~~بين "ما زيد سخيا" و"ما زيد بسخي"؛ اذ الأول: لهوائية الذات، معناه: زيد ~~لايسخو بالفعل وان كان أهلا ومن نوع الكرماء. وأما الثاني: فمعناه زيد ليس ~~بذات قابل للسماحة وليس من نوع الأسخياء وإن أحسن بالفعل. # *** PageV01P091 ### | AUTO يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون الا انفسهم # وما يشعرون 9 في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب اليم # بما كانوا يكذبون 10 # اعلم! ان وجه النظم: اشارات جملها: الى التوبيخ على النفاق.. ثم تشنيعه.. ~~ثم تقبيحهم.. ثم التهديد عليه.. ثم ترهيبهم.. ثم التعجب منهم.. ثم بيان ~~مقصدهم من قولهم المذكور ... ثم بيان علة قولهم.. ثم بيان أول الجنايات ~~الأربع الناشئة من النفاق وهي الخداع، والافساد، وتسفيه المؤمنين، ~~والاستهزاء بهم.. ثم تمثيل جناياتهم وحيلهم باسلوب استعارة تمثيلية هكذا: ~~بان صور معاملتهم مع احكام الله تعالى ومع النبي عليه السلام والمؤمنين - ~~باظهارهم الايمان لأغراض دنيوية مع تبطن الكفر، ومعاملة الله والنبي ~~والمؤمنين معهم باجراء أحكام المؤمنين عليهم استدراجا، مع انهم أخبث الكفرة ~~عند الله - بصورة خداع شخصين، أو الصياد مع الصيد الذي يحس الصياد بالخروج ~~عن القاصعاء ثم يفر من النافقاء. 1 # أما نظم جمل الجناية الأولى من (يخادعون) الى (بما كانوا يكذبون) فانظر ~~الى ما تضمنت من النتائج المتسلسلة المترتبة في الجمل السبع، وهي: تحميقهم ~~بطلب المحال.. ثم تسفيههم باضرار أنفسهم بنية المنفعة.. ثم تجهيلهم ms065 بعدم ~~التمييز بين الضر والنفع.. ثم ترذيلهم بخبث الطينة ومرض معدن الصحة وموت ~~منبع الحياة.. ثم تذليلهم بتزييد المرض في طلب الشفاء.. ثم تهديدهم بألم ~~محض يولد ألما صرفا.. ثم تشهيرهم بين الناس بأقبح العلامات أعني الكذب. # وأما اتساق وانتظام تلك الجمل السبع وانصباب الحكم فيما بينها فهو: أنك ~~كما اذا اردت زجر واحد عن شيء ونصحه تقول له اولا: ياهذا! ان كان لك عقل ~~فهذا محال.. ثم: ان كنت تحب نفسك فهذا يضرها.. ثم: ان كان لك حس فلم لاتميز ~~بين الضر والنفع؟. ثم: إن لم يكن لك اختيار فلا اقل من ان تعرف فساد سجيتك، PageV01P092 ~~وفيها مرض يحرف الحقيقة، ويريك الحلو مرا.. ثم: ان تطلب الشفاء فهذا يزيد ~~مرضك ولايشفي، مثلك كمثل من ابتلى بداء السهر فاجتهد في النوم فانتج له ~~قلقا طير نعاسه أيضا، أو كمن أصيب قلبه بداء "المرق" 1 فاغتم لوجود المصيبة ~~حتى صير المصيبة مصيبتين.. ثم: ان تتحر اللذة فهذا فيه ألم شديد ينتج ألما ~~أشد ليس كأمثاله التي فيها لذة مزخرفة.. ثم: ان لم تنتبه ولم تنزجر لا يبقى ~~الا ان يوسم على خرطومك بوسم قبيح، وتعلن بين الناس لمنع سراية فسادك الى ~~الناس؛ كذلك ان الله تعالى قال لزجر المنافقين (يخادعون الله) بدل "يخادعون ~~النبي" لتحميقهم، أي: كيف يخادعون النبي عليه السلام والنبي مبلغ عن الله ~~تعالى، فحيلتهم راجعة الى الله، والاحتيال مع الله تعالى محال، وطلب المحال ~~حمق. ومثل هذا الحمق مما يتعجب منه.. ثم اتبعه (وما يخدعون الا انفسهم) ~~لتسفيههم، أي: ليس في فعلكم نفع بل فيه ضرر، وضرره يعود على أنفسكم، فكأنكم ~~تخادعون أنفسكم.. ثم عقبه (وما يشعرون) لتجهيلهم أي: ايها الجهلاء! قد صرتم ~~أضل من الحيوان، كالاحجار الجامدة لاتحسون بالفرق بين الضر والنفع.. ثم ~~اردفه (في قلوبهم مرض) لترذيلهم بانفساد الجوهر، أي: ان لم يكن لكم اختيار ~~فلا أقل من أن تعرفوا المرض مرضا، وان سجيتكم فسدت. وان النفاق والحسد مرض ~~في الروح من شأنه تحريف الحقيقة وتغييرها ms066 حتى تظنون الحلو مرا والمر حلوا ~~والسوداء بيضاء والأبيض أسود فلا تتبعوه.. ثم زاد (فزادهم الله مرضا) ~~لتذليلهم، أي: إن كنتم تطلبون بهذا الدواء والتشفي من غيظكم وحسدكم فهذا ~~داء لا يزيدكم الا مرضا على مرض. فأنتم كمن كسر احد يده فأراد الانتقام ~~فضربه بتلك اليد المكسورة فازداد كسرا على كسر.. ثم قال (ولهم عذاب أليم) ~~لتهديدهم، أي: ان تتحروا اللذة فما نفاقكم هذا الا فيه ألم شديد عاجل ينتج ~~ألما أشد آجلا، ليس كسائر المعاصي التي فيها نوع من اللذة السفلية ~~العاجلة.. ثم أتمه بقول (بما كانوا يكذبون) لتوسيمهم بأشنع الوسم، أي: ان ~~لم تنتبهوا ولم تنتهوا لم يبق الا ان تشهروا بين الناس بالكذب المانع ~~للاعتماد لئلا يتعدى مرضكم. PageV01P093 # أما وجه النظم بين أجزاء كل جملة: # ففي الأولى: أعني جملة (يخادعون الله والذين آمنوا) هو: # ان في التعبير عن عملهم بالخداع مع المضارعية، لاسيما من باب المشاركة، ~~خصوصا مع اقامة لفظة "الله" مقام النبي واقامة "الذين آمنوا" مقام ~~"المؤمنين" تنصيصا وتصريحا بمحالية غرضهم من حيلتهم، وجعل المحالية نصب ~~العين بصورة تتنفر عنها النفوس وترتعد، اذ فيما في الخداع من الاستعارة ~~التمثيلية ما يوقظ النفرة.. وفيما في المضارعية من التصوير مع الاستمرار ما ~~يشمئز منه القلب.. وفيما في المشاركة من المشاكلة نظير (وجزاؤا سيئة سيئة ~~مثلها) 1 ما ينتج عدم انتاج حيلتهم؛ اذ في باب المشاركة فعل الفاعل سبب ~~لفعل المفعول، وهنا فعل المفعول صار سببا لعقم خداع الفاعل وعدم تأثيره، بل ~~جعل الخداع صورة واهية كانعكاس المقصد فيما اذا استهزيت بأحد لجهله، مع أنه ~~مستبطن علما ومستخف استهزاء بك.. وفيما في التصريح بلفظة "الله" من التنصيص ~~على محالية الغرض - اذ خداع النبي عليه السلام ينجر اليه تعالى - ما يشيط ~~العقل عن الحيلة.. وما في "الذين آمنوا" من جعل الصلة مدارا، اشارة الى ان ~~المنافقين يتحببون اليهم بصفة الايمان ويهيجون عرق ايمانهم للتحبب والتداخل ~~فيهم.. وفيه ايماء أيضا الى ان جماعة المؤمنين المنورين عقولهم بنور ~~الايمان لا تتستر عنهم ms067 الحيلة فينتج أيضا عقم حيلتهم.. # وفي الثانية: أعني جملة (وما يخدعون الا أنفسهم) هو: # ان في هذا الحصر اشارة الى كمال سفاهتهم بعكس العمل في معاملتهم كمن رمى ~~حجرا الى جدار فانثنى لكسر رأسه؛ اذ رشوا النبال لضرر المؤمنين فاصيبت ~~أنفسهم فكأنهم يخادعون بالذات ذواتهم.. وفي تبديل "يضرون" ب (يخدعون) اشارة ~~الى نهاية سفاهتهم، اذ يوجد في أهل العقل من يضر نفسه قصدا ولا يوجد من ~~يخادع نفسه عمدا الا ان يكون حمارا في صورة انسان. وفي عنوان "انفسهم" رمز ~~خفي الى أن نفاقهم وحيلتهم لما كان لحظ نفساني وغرض نفسي انتج نقيض مطلوبهم ~~لنفسهم. PageV01P094 # ان قلت: هذا الحصر يومئ الى ان خداعهم ما ضر الاسلام والمسلمين مع ان ~~الاسلام ما رأى من شيء ضررا مثل ما رأى من أنواع النفاق وشعباته المنتشرة ~~كالسم في عناصر العالم الاسلامي؟ # قيل لك: وما تراه من الضرر المتعدي والسم الساري انما هو من طبيعتهم ~~المتفسدة وفطرتهم المتفسخة ووجدانهم المتعفن نظير سراية المرض؛ وليس نتيجة ~~حيلتهم وخداعهم باختيارهم اذ يريدون خداع الله والنبي وجماعة المؤمنين، ~~والله عالم بكل شيء والنبي عليه السلام يوحى اليه، وجماعة المؤمنين لاتستطيع ~~الحيلة ان تتستر عنهم مدة مديدة فهم لاينخدعون. فثبت انهم لا يخدعون الا ~~أنفسهم فقط. # وفي الثالثة: أعني جملة (وما يشعرون) أي لا يحسون، هو: # ان في هذه الفذلكة تجهيلا أي تجهيل لهم، لأنها تشعر بأنهم إن كانوا عقلاء ~~فهذا ليس من شأن العقل، وإن كانوا حيوانات يتحركون بميل نفساني فشأنهم ان ~~يحسوا ويشعروا بمثل هذا الضرر المحسوس. فثبت انهم صاروا مثل جمادات لا ~~اختيار لها. # وفي الرابعة: أعني جملة (في قلوبهم مرض) هو: # ان سوقها يفيد انهم لما لم يعملوا بمقتضى المحاكمة العقلية والشعور الحسي ~~ظهر أن في روحهم مرضا فلا أقل من ان يعرفوا انه مرض ليجتنبوا عن القضايا ~~ولايحكموا عليها؛ اذ من شأن المرض تغيير الحقيقة وتشويه المزين وتحلية المر ~~كما مر.. وفي لفظ (في) رمز الى ان حسدهم وحقدهم مرض في ملكوت القلب ms068 وهي ~~اللطيفة التي مر ذكرها.. وفي عنوان "القلب" اشارة الى انه كما ان جسم القلب ~~اذا مرض اختل جميع أفعال البدن؛ كذلك اذا مرض معنى القلب بالخداع والنفاق ~~انحرف كل أفعال الروح عن منهج الاستقامة اذ هو منبع الحياة وماكنتها.. وفي ~~تقديم (في قلوبهم) على (مرض) ايماء الى الحصر بجهتين، ومن الايماء اشارة ~~بطريق التعريض الى ان الايمان نور، شأنه أن يعطي لجميع أفعال الانسان ~~وآثاره صحة واستقامة.. وأيضا في ايماء الحصر رمز الى ان الفساد في الأساس ~~فلا يجدي تعمير الفروعات.. وفي لفظ "المرض" رمز الى قطع عذرهم وإلقامهم ~~الحجر بان الفطرة مهيأة للحقيقة. وما الفساد والخراب الا مرض عارض.. وفي ~~تنوين التنكير اشارة الى انه في مكمن عميق لا يرى حتى يداوى. PageV01P095 # وفي الخامسة: أعني جملة (فزادهم الله مرضا) هو: # انهم حينما لم يعرفوا انه مرض حتى يتجنبوا منه بل طلبوه مستحسنين له ~~زادهم الله تعالى؛ اذ "من طلب وجد".. وفي "الفاء" التي هي للتعقيب السببي - ~~مع ان وجود المرض ليس سببا لزيادته - رمز الى انهم لما لم يشخصوا المرض فلم ~~يتحروا وسائل الشفاء بل توسلوا بأسباب الزيادة كمن يضارب خصما غالبا بيده ~~العليلةصاروا كأنهم طلبوا الزيادة فزادهم الله مرضا بقلب أملهم يأسا مزعجا، ~~بسبب ظفر المؤمنين، وقلب خصومتهم حقدا محرقا للقلب بسبب غلبة المؤمنين، ~~فتولد من مرضي اليأس والحقد داء الخوف وعلة الضعف ومرض الذلة فاستولت على القلب. # ثم ان الله تعالى لم يقل "فزاد الله مرضهم" بل جعل المفعول تمييزا ~~للإشارة الى ان المرض الباطني القلبي سرى الى الظاهر أيضا وتعدى الى جميع ~~الأفعال، فكأن هذا الداء الخبيث استولى على وجودهم فكأن وجودهم نفس الداء ~~فزيادة جراحات المرض ونفطاته 1 زيادة لنفس ذواتهم؛ اذ "اشتعل البيت نارا" ~~يفيد ان النار سرت الى تمام البيت حتى كأن تمام البيت نار تلتهب بخلاف ~~"اشتعلت نار البيت" فانه يصدق بتلهب النار من أي جانب كان. # وفي السادسة: أعني جملة (ولهم عذاب اليم) هو: # ان "اللام" التي هي للنفع، اشارة ms069 الى انه لو كان لهم منفعة لكانت البتة ~~ألما معذبا دنيويا، أو عذابا اخرويا مؤلما، وكونه منفعة من المحال، فمحال ~~لهم المنفعة.. وفي وصف العذاب بالأليم أي المتألم، مع ان الأليم هو الشخص ~~رمز الى ان العذاب استولى على وجودهم وأحاط بذواتهم ونفذ في بواطنهم بحيث ~~تحولوا بنفس العذاب، وصار العذاب عين ذواتهم، كانقلاب الفحم جمرة نار بنفوذ ~~النار 2. فاذا نظر الخيال الى صورة العذاب واستمع من جوانبه أنينا وتألما ~~وعويلا تتولد من الحياة المتجددة تحت العذاب يتخيل ان العذاب هو الذي يئن ~~ويتألم. فما أشد التهديد لمن تأمل!. . PageV01P096 # وفي السابعة: أعني جملة (بما كانوا يكذبون) هو: # ان في تعليق العذاب من بين جناياتهم المذكورة بالكذب فقط اشارة الى شدة ~~شناعة الكذب وقبحه وسماجته. وهذه الاشارة شاهد صدق على شدة تأثير سم الكذب؛ ~~اذ الكذب أساس الكفر، بل الكفر كذب ورأس الكذب، وهو الأولى من علامات ~~النفاق. وما الكذب الا افتراء على القدرة الالهية، وضد للحكمة الربانية.. ~~وهو الذي خرب الأخلاق العالية.. وهو الذي صير التشبثات العظيمة كالشبحات ~~المنتنة.. وبه انتشر السم في الاسلام.. وبه اختلت احوال نوع البشر.. وهو ~~الذي قيد العالم الانساني عن كمالاته، واوقفه عن ترقياته.. وبه وقع أمثال ~~مسيلمة الكذاب في أسفل سافلي الخسة.. وهو الحمل الثقيل على ظهر الانسان ~~فيعوقه عن مقصوده.. وهو الاب للرياء والأم للتصنع.. فلهذه الأسباب اختص ~~بالتلعين والتهديد والنعي النازل من فوق العرش.. # فيا أيها الناس! لاسيما ايها المسلمون! ان هذه الآية تدعوكم الى الدقة! # فان قلتم: ان الكذب للمصلحة عفو؟ # قيل لكم: اذا كانت المصلحة ضرورية قطعية، مع انه عذر باطل؛ اذ تقرر في ~~اصول الشريعة: ان الأمر الغير المضبوط (أي الذي لايتحصل بسبب كونه قابلا ~~لسوء الاستعمال) لا يصير علة ومدارا للحكم، كما ان المشقة لعدم انضباطها ما ~~صارت علة للقصر، بل العلة السفر. ولئن سلمنا فغلبة الضرر على منفعة شيء تفتى ~~بنسخه وتكون المصلحة في عدمه. وما ترى من الهرج والمرج في حال العالم شاهد ~~على غلبة ضرر ms070 عذر المصلحة. الا ان التعريض والكناية ليسا من الكذب. فالسبيل ~~مثنى: إما السكوت؛ اذ "لايلزم من لزوم صدق كل قول قول كل صدق". وإما الصدق؛ ~~اذ الصدق هو أساس الاسلامية، وهو خاصة الايمان، بل الايمان صدق ورأسه.. وهو ~~الرابط لكل الكمالات.. وهو الحياة للأخلاق العالية.. وهو العرق الرابط ~~للأشياء بالحقيقة.. وهو تجلي الحق في اللسان.. وهو محور ترقي الانسان.. وهو ~~نظام العالم الاسلامي.. وهو الذي يسرع بنوع البشر في طريق الترقي - كالبرق ~~- الى كعبة الكمالات.. وهو الذي يصير اخمد الناس وافقره أعز من السلاطين.. ~~وبه تفوق أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام على جميع الناس.. وبه ارتفع ~~"سيدنا محمد الهاشمي" عليه الصلاة والسلام الى أعلى عليي مراتب البشر. PageV01P097 ### | AUTO واذا قيل لهم لا تفسدوا في الارض قالوا انما نحن مصلحون 11 # ألا انهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون 12 # اعلم! ان وجه نظم هذه الآية بما قبلها هو: # ان الله تعالى لما ذكر الأولى من الجنايات الناشئة عن نفاقهم وهي ظلمهم ~~أنفسهم وتجاوزهم على حقوق الله تعالى بنتائجها المتسلسلة المذكورة، عقبها ~~بثانية الجنايات؛ وهي تجاوزهم على حقوق العباد وايقاعهم الفساد بينهم مع ~~تفرعاتها.. # ثم ان (اذا قيل) كما انه مربوط باعتبار القصة ب "يقول" في "ومن الناس من ~~يقول" وباعتبار المآل ب "يخادعون"؛ كذلك يرتبط باعتبار نفسه ب "يكذبون". ~~وتغير الأسلوب من الحملية الى الشرطية امارة ورمز خفي الى مقدر بينهما كأنه ~~يقول: "لهم عذاب اليم بما كانوا يكذبون؛ إذ إذا كذبوا فتنوا، واذا فتنوا ~~أفسدوا، واذا نوصحوا لم يقبلوا، واذا قيل لهم لاتفسدوا الخ". # وأما وجه النظم بين الجمل الصريحة والضمنية في هذه الآية: فهو عين النظم ~~والربط في ما أمثل لك وهو: # انك اذا رأيت أحدا يسلك في طريق تنجر الى هلاكه، فاولا تنصحه قائلا له: ~~مذهبك هذا ينهار بك في البوار فتجنب. وان لم ينته بنهاه تعود عليه بالزجر ~~والنهي والنعي وتؤيد نهيك وتديمه في ذهنه إما بتخويفه بنفرة العموم، واما ~~بترقيق قلبه بالشفقة الجنسية كما سيأتيك بيانهما. ms071 فان كان ذلك الشخص متعنتا ~~لجوجا مصرا ألد راكبا متن الجهل المركب فهو لايسكت بل يدافع عن نفسه، كما ~~هو شأن كل مفسد يرى فساده صلاحا؛ اذ الانسانية لا تخلى ان يرتكب الفساد من ~~حيث هو فساد.. ثم يستدل ويدعي بأن طريقي هذا حق، ومعلوم انه كذلك؛ فلا حق ~~لك في النصيحة فلا احتياج الى نصيحتك.. بل انت محتاج الى التعلم.. فما ~~السبيل السوي إلا سبيلنا، فلا تعرض بوجود طريق أصوب.. وان كان ذلك الشخص ~~اللجوج ذا PageV01P098 ~~الوجهين يكون كلامه ذا اللسانين؛ يداري الناصح لإلزامه بوجه، ويتحفظ على ~~مسلكه بآخر فيقول: أنا مصلح أي ظاهرا كما تطلب وباطنا كما اعتقد.. ثم من ~~شأنه تأييد وتأكيد دعواه بأن الصلاح من صفتي المستمرة، لا اني كنت صالحا ~~الآن بعد فسادي قبل.. ثم اذا كان ذلك الشخص متمردا ومتنمرا 1 ومصرا في نشر ~~مذهبه، وترويج مسلكه، وتزييف ناصحه وتعريض أهل الحق بهذه الدرجة، ظهر انه ~~لايجدي له دواء، ولم يبق إلا آخر الدواء، أعني: المعالجة لعدم السراية وما ~~هذه المعالجة الا تنبيه الناس واعلامهم بانه مفسد لا صلاح فيه؛ اذ لا ~~يستعمل عقله ولا يستخدم شعوره حتى يحس بهذا الشيء الظاهر المحسوس. # فاذا تفهمت الحلقات المسردة في هذا المثال تفطنت ما بين الجمل المنصوصة ~~والمرموزة اليها بالقيود في واذا قيل لهم الى آخره. فان فيما بينها نظما ~~فطريا بايجاز يحمر 2 من تحته الاعجاز. # واما نظم هيئات كل جملة جملة: # فاعلم! ان جملة (واذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض) القطعية في (اذا) ~~اشارة الى لزوم النهي عن المنكر ووجوبه.. # وبناء المفعول في (قيل) رمز الى ان النهي فرض كفاية على العموم.. # وفي لام (لهم) ايماء الى ان النهي لابد ان يكون على وجه النصيحة دون ~~التحكم، والنصيحة على وجه اللطف دون التقريع.. # و(لاتفسدوا) فذلكة وخلاصة لصورة قياس استثنائي 3 أي لا تفعلوا هكذا، والا ~~نشأ منه الهرج والمرج، فينقطع خيط الاطاعة، فيتشوش نظام العدالة، فتنحل ~~رابطة الاتفاق، فيتولد منه الفساد، فلا تفعلوا ms072 لئلا تفسدوا.. # ولفظ (في الأرض) تأييد وتأكيد للنهي وادامة للزجر، اذ نهى الناصح موقت ~~لابد من ادامته في ذهن المنصوح بتوكيل وجدانه ليزجره دائما من تحته. وهو اما PageV01P099 ~~بتحريك عرق الشفقة الجنسية، واما بتهييج عرق التنفر من نفرة العموم.. و(في ~~الأرض) هو الذي يوقظ العرقين وينعشهما؛ اذ لفظ (في الارض) يناجيهم بان ~~فسادكم هذا يسري الى نوع البشر فأي حقد وغيظ لكم على جميع الناس الذين فيهم ~~المعصومون والفقراء والذين لاتعرفونهم، أفلا تتوجعون لهم ولم لاتترحمون ~~بهم؟ هب ان ليست لكم تلك الشفقة الجنسية فلا أقل من أن تلاحظوا ان حركتكم ~~هذه تجلب عليكم معنى نفرة العموم. # - فان قلت: أي غرض لهم بالعموم وكيف ينجر فسادهم الى الكل؟ # قيل لك: كما ان من نظر بمرآة البصر السوداء رأى كل شيء اسود قبيحا. كذلك ~~من احتجبت بصيرته بالنفاق وفسد قلبه بالكفر رأى كل شيء قبيحا مبغوضا، يحصل ~~في قلبه عناد وحقد مع كل البشر بل كل الكائنات.. ثم كما ان انكسار سن من ~~جرخ 1 من دولاب من ساعة يتأثر به الكل كليا أو جزئيا؛ كذلك بنفاق الشخص ~~يتأثر نظام هيئة البشر التي انتظمت بالعدالة والاسلامية والاطاعة. فأسفا قد ~~تظاهرت سمومهم المتسلسلة حتى انتجت هذه السفالة. # وأما جملة (قالوا انما نحن مصلحون) ففي "قالوا" بدل "لايقبلون النصيحة" ~~الظاهر من السياق اشارة الى انهم يدعون ويدعون الى مسلكهم. # وفي (انما) خاصيتان: # الاولى: ان مدخوله لابد ان يكون معلوما حقيقة أو ادعاء. ففيها رمز الى ~~تزييف الناصح واظهار ثباتهم على جهلهم المركب. # والثانية: الحصر ففيها اشارة الى ان صلاحهم لايشوبه فساد فليسوا كغيرهم؛ ~~ففي الاشارة رمز الى التعريض بالمؤمنين. # وفي اسمية (مصلحون) بدل "نصلح" اشارة الى ان الصلاح صفتنا الثابتة ~~المستمرة فحالنا هذه عين الاصلاح بالاستصحاب.. ثم انهم ينافقون في هذا ~~الكلام أيضا اذ يتبطنون خلاف مايظهرون فباطنا يدعون فسادهم صلاحا وظاهرا ~~يراؤن أن عملهم لصلاح المؤمنين ومنفعتهم. PageV01P100 # وأما جملة (ألا انهم هم المفسدون ولكن لايشعرون) فاعلم! انهم لما ادرجوا في ~~معاطف الجملة ms073 السابقة معاني: من ترويج مسلكهم ودعوى ثبوت الصلاح لهم، وان ~~الصلاح صفتهم المستمرة.. وانهم منحصرون عليه.. وان الفساد لايشوب صلاحهم.. ~~وان هذا الحكم ظاهر معلوم.. ومن تعريضهم بالمؤمنين ومنتجهيلهم للناصح؛ ~~أجابهم القرآن الكريم بهذه الجملة المتضمنة لأحكام من اثبات الفساد لهم، ~~وانهم متحدون مع حقيقة المفسدين.. وان الفساد منحصر عليهم.. وان هذا الحكم ~~حقيقة ثابتة.. ومن تنبيه الناس على شناعتهم.. ومن تجهيلهم بنفي الحس عنهم ~~كأنهم جمادات. وان شئت فانظر: # الى (ألا) التي للتنبيه كيف تزيف بتنبيهها ترويجهم الناشئ من دعواهم ~~المترشح من "قالوا".. # والى "إن" التي للتحقيق كيف ترد دعواهم المعلومية ب "انما"، كأن "إن" ~~تقول حالهم في الحقيقة والباطن فساد، فلا يجديهم الصلاح ظاهرا. # والى الحصر في "هم" كيف يقابل تعريضهم الضمني في "انما" و"نحن" والى ~~تعريف "المفسدون" - الذي معناه حقيقة المفسدين ترى في ذاتهم فهم هي - كيف ~~يدافع حصرهم المستفاد من "انما" أيضا. # والى ولكن (لايشعرون) كيف يدافع تزييفهم الناصح وانهم ليسوا مستحقين ~~للنصيحة بدعوى المعلومية. فتأمل! # *** PageV01P101 ### | AUTO واذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء # ألا انهم هم السفهاء ولكن لايعلمون 13 # اعلم! ان وجه نظم هذا النوع بالنوع الأول: # من حيث انهما نصيحة وارشاد؛ عطف الأمر بالمعروف والتحلية والترغيب، على ~~النهي عن المنكر والتخلية والترهيب.. # ومن حيث انهما من الجناية؛ عطف تسفيههم للمؤمنين وغرورهم على افسادهم، ~~كما ربط افسادهم بفسادهم اللاتي كل منها غصن من شجرة زقوم النفاق. # واما وجه النظم بين جمل هذه الآية: # فاعلم! انه لما قيل: (واذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس) وأشير بهيئاتها ~~الى وجوب النصيحة على سبيل الكفاية بايمان خالص اتباعا للجمهور الذين هم ~~الناس الكمل ليأمرهم الوجدان دائما بهذا الامر، حكى وقال: (قالوا أنؤمن كما ~~آمن السفهاء) اشارة الى تمردهم وغرورهم ودعواهم انهم على الحق كما هو شأن ~~كل مبطل يرى باطله حقا ويعلم جهله علما؛ اذ بالنفاق تفسد قلبهم، وبالفساد ~~نشأ غرور وميل افساد، وبحكم التفسد تمردوا، وبحكم الافساد يقول بعضهم لبعض ~~متناجيا ms074 بالاضلال، وبحكم الغرور يرون شدة الديانة وكمال الايمان المقتضيين ~~للاستغناء والقناعة سفالة وسفاهة وفقرا. ثم بحكم النفاق ينافقون في كلامهم ~~هذا أيضا؛ اذ ظاهره: كيف نكون كالسفهاء ولسنا مجانين ونحن أخيار كما ~~تطلبون؟ وباطنه كيف نكون كالمؤمنين الذين أكثرهم فقراء وهم في نظرنا سفهاء ~~تحزبوا من اوباش 1 الاقوام؟ وعليك التطبيق بين دقائق الجزئين من الشرطية. ~~ثم القمهم الحجر بقوله: (ألا انهم هم السفهاء) ؛ اذ من كان متمردا بهذه ~~الدرجة وجاهلا بجهله فحقهم الاعلان بين الخلق وتشهيرهم بانحصار السفاهة ~~وانه من الحقائق الثابتة، وان تسفيههم لسفاهة أنفسهم.. ثم قال: (ولكن ~~لايعلمون) اشارة الى انهم جاهلون بجهلهم PageV01P102 ~~فيكون جهلا مركبا فلا يجديهم النصيحة، فلابد ان يعرض عنهم صفحا؛ اذ لا يفهم ~~النصيحة الا من يعلم جهله. # وأما وجه النظم في هيئات كل جملة جملة: # ففي جملة (واذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس) لفظ (اذا) بجزميته رمز الى ~~لزوم الارشاد بالامر بالمعروف.. وبناء المفعول في (قيل) ايماء الى ان وجوب ~~النصيحة على سبيل الكفاية كما مر.. # ولفظ (آمنوا) بدل "اخلصوا في ايمانكم" اشارة الى ان الايمان بلا إخلاص ~~ليس بايمان.. # ولفظ (كما آمن) تلويح بالأسوة الحسنة وحسن المثال ليخلصوا على منواله.. # وفي لفظ (الناس) نكتتان: وهما السبب في جعل الوجدان آمرا بالمعروف دائما؛ ~~اذ (كما آمن السفهاء) يترشح ب "فاتبعوا جمهور الناس اذ مخالفة الجمهور خطأ ~~من شأن القلب ان لا يقدم عليه"، وأيضا يلوح بانهم هم الناس فقط كأن من ~~عداهم ليسوا بانسان الا صورة، إما بترقى هؤلاء في الكمالات وانحصار حقيقة ~~الانسانية عليهم وإما بتدني اولئك عن مرتبة الانسانية. # اما جملة (قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء) التي مآلها: لا نقبل النصيحة كيف ~~نكون كهؤلاء الأذلاء؛ اذ هم في نظرنا سفهاء ولا نقاس نحن معاشر أهل الجاه ~~عليهم.. ففي لفظ (قالوا) رمز الى تبرئة النفس وترويج المسلك والاستغناء عن ~~النصيحة والغرور والدعوى.. وفي لفظ (أنؤمن) بالاستفهام الانكاري اشارة الى ~~شدة تمردهم في جهلهم المركب، كأنهم بصورة الاستفهام يقولون: ايها الناصح ms075 ~~راجع وجدانك هل ترى انصافك يقبل ردنا.؟ ثم ان في متعلق "قالوا" وجوها ثلاثة ~~مترتبة؛ أي: قالوا لأنفسهم، ثم لأبناء جنسهم، ثم لمرشدهم، كما هو شأن كل ~~متنصح اذا نصحه الناصح، فاول الأمر يشاور مع نفسه، ثم يحاور مع ابناء جنسه، ~~ثم يراجعك بنتيجة محاكمتهم. فعلى هذا لما قيل لهم ما قيل راجعوا قلوبهم ~~المتفسدة ووجدانهم المتفسخ فاشارت عليهم بالانكار، فقالوا مترجمين عما في ~~ضميرهم، ثم راجعوا بنظر الافساد الى اخوانهم، فاشاروا عليهم أيضا بالانكار ~~فأخذوا بنجواهم PageV01P103 ~~ومحاورتهم، ثم رجعوا بطريق الاعتذار والسفسطة الى الناصح فشاغبوا وقالوا: ~~"بيننا فرق لانقاس عليهم إذ هم فقراء مضطرون مجبورون فشدتهم في الديانة ~~وتصوفهم بالاضطرار. اما نحن فأهل عزة وجاه" فبحكم الغرور يحيلون الناصح على ~~انصافه. وبحكم الخداع والحيلة يتكلمون بكلام ذي لسانين، أي ايها المرشد! ~~لاتظننا سفهاء ولانكون كالسفهاء في نظركم، بل نفعل كما يفعل المؤمنون ~~الخلص. مع ان مرادهم باطنا: لانكون كهؤلاء المؤمنين الفقراء؛ اذ لا اعتداد ~~بهم في نظرنا. ففي هذا اللفظ رمز خفي الى فسادهم وافسادهم وغرورهم ~~ونفاقهم.. # (كما آمن السفهاء) أي الذين تظنونهم الناس الكاملين هم في نظرنا اذلاء ~~فقراء مجبورون مع كثرتهم، كل منهم سفيه قوم. ففي دعواهم الفرق في القياس ~~اشارة الى ان الاسلامية كهف المساكين وملجأ الفقراء وحامية الحق وحافظة ~~الحقيقة ومانعة الغرور وقامعة التكبر، وما مقياس الكمال والمجد الا هي.. ~~وأيضا في الفرق اشارة الى ان سبب النفاق في الأغلب هو الغرض والغرور ~~والتكبر كما يفسره: (وما نريك اتبعك الا الذين هم اراذلنا بادي الرأي) 1. ~~وأيضا في الفرق اشارة خفية الى ان الاسلامية لاتصير وسيلة التحكم والتغلب ~~في أيدي أهل الدنيا والجاه؛ بل انما هي واسطة لإحقاق الحق في أيادي أهل ~~الفقر والضرورة خلاف سائر الأديان. ويشهد على هذه الحقيقة التأريخ. # أما جملة (ألا انهم هم السفهاء) فاعلم! ان القرآن الكريم انما أكثر من ~~التشديد والتشنيع على النفاق لأجل ان أكثر بليات العالم الاسلامي من أنواع ~~النفاق.. ثم ان لفظ (ألا) للتنبيه وتشهير سفاهتهم على ms076 رؤوس الأشهاد، ~~ولاستشهاد فكر العموم على سفاهتهم. وأصل معنى (ألا) ألا تعلمون انهم سفهاء؟ ~~أي: فاعلموا.. ثم ان "ان" مرآة الحقيقة ووسيلة اليها كأنه يقول: راجعوا ~~الحقيقة لتعلموا ان سفسطتهم الظاهرية لا أصل لها. ثم لفظ "هم" للحصر لرد ~~تبرئة أنفسهم، ودفع تسفيههم للمؤمنين الذي اشاروا اليه ب (كما آمن السفهاء) ~~أي ان السفيه من ترك الآخرة بالغرور والغرض واللذة الفانية دون من أشترى ~~الباقي بترك الهوسات 2 الفانية. ثم ان PageV01P104 ~~الألف واللام في "السفهاء" لتعريف الحكم أي معلوم انهم سفهاء. وللكمال أي ~~كمال السفاهة فيهم. # أما (ولكن لايعلمون) ففيه اشارات ثلاث: # احداها: # ان تمييز الحق عن الباطل وتفريق مسلك المؤمنين عن مسلكهم محتاج الى نظر ~~وعلم، بخلاف افسادهم وفتنتهم، فانه ظاهر يحس به من له أدنى شعور. ولهذا ذيل ~~الآية الأولى ب (ولكن لا يشعرون) . # والثانية: # ان (لايعلمون) وأمثالها من فواصل الآيات من (لايعقلون) و(لايتفكرون) ~~و(لايتذكرون) وغيرها تشير الى ان الاسلامية مؤسسة على العقل والحكمة ~~والعلم. فمن شأنها ان يقبلها كل عقل سليم لا كسائر الأديان المبنية على ~~التقليد والتعصب. ففي هذه الاشارة بشارة كما ذكرت في موضع آخر. # والثالثة: # الإعراض عنهم وعدم الاهتمام بهم، اذ النصيحة لا تجديهم، اذ لايعلمون ~~جهلهم حتى يتحروا زواله. # *** PageV01P105 ### | AUTO واذا لقوا الذين آمنوا قالوا امنا واذا خلوا الى شياطينهم قالوا ~~انا معكم # انما نحن مستهزؤن 14 الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون 15 # اعلم! ان وجه نظم مآل هذه الآية بمآل سابقتها: عطف الجناية الرابعة، أعني ~~الاستهزاء والاستخفاف على الجنايات السابقة من التسفيه والافساد والفساد. # وان وجه النظم بين جملها هو انه: كما ان للايمان الذي هو نقطة استناد عن ~~الآلام ونقطة استمداد للآمال ثلاث خواص حقيقية: # إحداها: عزة النفس الناشئة من "نقطة الاستناد"، ومن شأن عزة النفس عدم ~~التنزل للتذلل. # والثانية: الشفقة التي من شأنها عدم التذليل والتحقير. # والثالثة: احترام الحقائق ومعرفة قيمتها، لأن صاحب غالي القيمة ذو حقيقة، ~~وعنده الجوهر الفريد، وعدم الاستخفاف بالحقيقة لأنه أيضا رزين؛ كذلك لضد ms077 ~~الايمان، أعني النفاق اضداد خواصه الثلاث، فخواص النفاق الناشئة منه: ذلة ~~النفس، وميل الإفساد، والغرور بتحقير الغير. # اذا عرفت هذا، فاعلم! ان النفاق يولد ذلة النفس وهي تنتج التذلل، وهو ~~الرياء وهو المداهنة وهي الكذب. فأشار اليه بقوله: واذا لقوا الذين امنوا ~~قالوا آمنا.. # ثم لما كان النفاق مفسدا للقلب وفساده ينتج يتم الروح أي عدم الصاحب ~~والحامي والمالك فيتولد الخوف وهو يلجؤه الى التستر، اشار اليه بلفظ واذا خلوا.. # ثم لما كان النفاق قاطعا للرحم وقطعه يزيل الشفقة، وزوالها ينتج الافساد ~~وهو الفتنة وهي الخيانة وهي الضعف وهو يضطره الى الالتجاء الى ظهير ومستند، ~~أشار اليه بلفظ الى (شياطينهم) .. PageV01P106 # ثم لما كان النفاق جهلا تردديا انتج تذبذب الطبيعة وهو عدم الثبات وهو عدم ~~المسلك وهو عدم الأمنية بهم وهو يجبرهم على تجديد عهدهم، أشار الى هذه ~~السلسلة بلفظ (قالوا إنا معكم) .. # ثم لما احتاجوا الى الاعتذار استخفوا بالحقيقة لخفتهم، ورخصوا غالي ~~القيمة لعدم قيمتهم، وأهانوا بالعالي لهون نفسهم وضعفها الذي ينشأ منه ~~الغرور فقال: (قالوا انما نحن مستهزؤن) .. # ثم بينما كان السامع منتظرا من انصباب الكلام مقابلة المؤمنين لهم رأى ان ~~الله قابلهم بدلا عن المؤمنين اشارة الى تشريفهم، ورمزا الى ان استهزاءهم ~~في مقابلة جزاء الله تعالى كالعدم، وايماء الى حمقهم وزجرهم وردهم؛ اذ كيف ~~يستهزأ بمن كان الله حاميه؟ فقال تعالى: (الله يستهزئ بهم) أي يعاقبهم على ~~استهزائهم أشد جزاء بصورة استخفاف وتهكم بهم في الدنيا والآخرة مع ~~الاستمرار التجددي.. وجملة (ويمدهم في طغيانهم يعمهون) كشف وتفصيل وتصوير ~~لجزاء استهزائهم بطرز الاستهزاء. # أما وجه نظم هيئات كل جملة جملة: # فاعلم! ان جملة (اذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا) التي سيقت في ~~مداهنتهم؛ قطعية (اذا) فيها ايماء الى الجزم والتعمد والقصد، أي عزموا بعمد ~~وقصد ملاقاتهم.. ولفظ (لقوا) ايماء الى انهم تعمدوا مصادفتهم في الطرق بين ~~ظهراني الناس.. ولفظ (الذين امنوا) بدل "المؤمنين" اشارة الى مباشرتهم معهم ~~وتماسهم بهم، والى ان ارتباطهم معهم بصفة الايمان، والى ان مدار ms078 النظر بين ~~أوصاف المؤمنين صفة الايمان فقط.. ولفظ (قالوا) تلويح الى انهم يقولون ~~بأفواههم ماليس في قلوبهم، وان قولهم للتصنع والرياء والمداهنة ودفع التهمة ~~والحرص على جلب منافع المؤمنين والاطلاع على أسرارهم.. ولفظ (آمنا) بلا ~~تأكيد مع اقتضاء المقام اياه، وبايراده جملة فعلية، اشارة الى ان ليس في ~~قلوبهم مشوق وعشق محرك ليتشددوا ويتجلدوا في كلامهم.. وأيضا ان في ترك ~~التأكيد ايماء الى تشددهم في دفع التهمة عنهم، كأنهم يقولون: انكاركم ليس ~~في موقعه بل في منزلة العدم، اذ لسنا أهلا PageV01P107 ~~للتهمة.. وأيضا فيه رمز الى ان التأكيد لايروج عنهم.. وأيضا فيه لمح الى ان ~~هذا الحجاب الرقيق الضعيف على الكذب اذا شدد تمزق.. وأيضا في فعليته اشارة ~~الى انه لايمكن لهم ان يدعوا الثبات والدوام، وانما غرضهم من هذا التصنع ~~الاشتراك في منافع المؤمنين والاطلاع على اسرارهم بادعاء حدوث الايمان. # وأما جملة (واذا خلوا الى شياطينهم قالوا انا معكم) ف "الواو" الجامعة في ~~(واذا) ايماء الى ان هذا الكلام سيق لبيان ان لامسلك لهم، ولبيان تذبذبهم ~~المفصل بهاتين الشرطيتين.. والجزمية في (اذا) رمز الى انهم بحكم الفساد ~~والافساد يرون الالتجاء وظيفة ضرورية.. ولفظ (خلوا) اشارة الى انهم بحكم ~~الخيانة يتخوفون، وبحكم الخوف يتسترون.. ولفظ (الى) بدل "مع" المناسب ~~ل"خلوا" اشارة الى انهم بحكم العجز والضعف يلتجئون، وبحكم الفتنة والافساد ~~يوصلون اسرار المؤمنين الى الكافرين.. ولفظ "الشياطين" اشارة الى ان ~~رؤساءهم كالشياطين متسترون موسوسون، والى انهم كالشياطين يضرون، والى انهم ~~على مذهب الشياطين لايتصورون الا الشر. # وأما جملة (قالوا إنا معكم) المسوقة لتبرئة ذمتهم وتجديد عهدهم وثباتهم ~~في مسلكهم، فاعلم! انه أكد مع غير المنكر هنا، وترك التأكيد مع المنكر هناك ~~1 اشارة ودلالة على عدم الشوق المحرك في قلب المتكلم هناك ووجوده هنا. أما ~~اسمية هذا وفعلية ذاك، فلأن المقصود اثبات الثبوت والدوام في ذا، والحدوث ~~في ذلك. # أما (انما نحن مستهزؤن) فاعلم! انه لم يعطف، اذ الوصل انما هو بالتوسط ~~بين كمال الاتصال وكمال الانقطاع. مع ان هذه ms079 الجملة بدل بجهة وتأكيد بجهة ~~وهما من كمال الاتصال، وجواب سؤال مقدر بجهة أخرى، وهو من كمال الانقطاع ~~لخبرية الجواب وانشائية السؤال في الأغلب.. أما وجه التأكيد ويقرب منه ~~البدل فهو: ان مآلها اهانة الحق وأهله فيكون تعظيما للباطل وأهله وهو مآل ~~(إنا معكم) .. وأما وجه الجوابية للسؤال المقدر فكأن شياطينهم يقولون لهم: ~~"ان كنتم معنا وفي مسلكنا فما بالكم توافقون المؤمنين؟ فإما انتم في مذهبهم ~~او لامذهب لكم" فاعتذروا مجيبين ب (إنما نحن مستهزؤن) فصرحوا بانهم ليسوا ~~من الاسلام في شيء، وأشاروا PageV01P108 ~~بحصر (انما) الى انهم ليسوا مذبذبين بلا مذهب معلوم، وباسمية (مستهزؤن) الى ~~ان الاستهزاء شأنهم وصفتهم. ففعلهم هذا ليس بالجد. # وأما جملة (الله يستهزئ بهم) فاعلم! انها لم توصل بسوابقها بل فصلت فصلا؛ ~~لأنها لو عطفت فإما على (نما نحن مستهزؤن) وهو يقتضي ان تكون هذه أيضا ~~تأكيدا ل (انا معكم) .. وإما على (قالوا) وهو يقتضي ان تكون هذه أيضا مقولا ~~لهم.. وإما على (قالوا) وهو يقتضي ان تكون هذه أيضا مقيدة بوقت الخلوة مع ~~ان استهزاء الله بالدوام.. وإما على (اذا خلوا) وهو يقتضي ان تكون هذه من ~~تتمة صفة تذبذبهم.. وإما على (اذا لقوا) وهو يستلزم ان يكون الغرض منهما ~~واحدا. مع ان الأول لبيان العمل، والثاني للجزاء، واللوازم باطلة، فالوصل ~~لايصح. فلم يبق الا ان تكون مستأنفة جوابا لسؤال مقدر. ثم ان في هذا ~~الاستيناف ايماء ورمزا الى ان شناعتهم وخباثتهم بلغت درجة تجبر روح كل سامع ~~وراء ان يسأل ب"كيف جزاء من هذا عمله؟ ". # ثم ان الافتتاح بلفظة (الله) مع ان ذهن السامع كان منتظرا لتلقي مقابلة ~~المؤمنين معهم، اشارة الى تشريف المؤمنين وترحمه عليهم، اذ قد قابل بدلا ~~عنهم.. وأيضا رمز الى زجرهم؛ اذ لايستهزأ بمن استناده بعلام الغيوب.. وأيضا ~~ايماء بالاقتطاع وعدم النظر الى تقرر استهزائهم الى ان استهزاءهم كالعدم ~~بالنظر الى جزائه.. ثم ان التعبير عن نكايات الله تعالى معهم بالاستهزاء - ~~الذي لايليق بشأنه تعالى - للمشاكلة في الصحبة، وللرمز الى ms080 ان النكاية جزاء ~~للاستهزاء ونتيجة ولازمة له، مع أن المراد لازم الاستهزاء، أعني التحقير.. ~~وأيضا ايماء الى ان استهزاءهم الذي لا يفيد بل يضر عين استهزاء الله تعالى ~~معهم؛ كمن يظن انه يستهزئ بك مع انك تراه كالمجنون تريد ان يتكلم ولو بشتمك ~~لتضحك منه، فاستهزاؤه بعض استهزائك. # ثم في (يستهزئ) مضارعا مع ان السابق (مستهزؤن) اسم فاعل اشارة الى ان ~~نكايات الله تعالى وتحقيراته تتجدد عليهم ليحسوا بالألم ويتأثروا به؛ اذ ما ~~استمر على نسق يقل تأثيره بل قد يعدم. ولذا قيل شرط الاحساس الاختلاف. PageV01P109 # أما (ويمدهم في طغيانهم يعمهون) أي توسلوا بأسباب الضلالة وطلبوها فأعطاهم ~~الله تعالى.. ففي لفظ "يمد" رمز الى رد الإعتزال، وفي تضمن "يمد" للاستمداد ~~ايماء الى رد الجبر، أي اختاروا بسوء اختيارهم واستمدوا، فأمدهم الله تعالى ~~وأرخى عنانهم.. وفي اضافة الطغيان الى "هم" أي ان لهم فيه اختيارا رمز الى ~~رد عذرهم بالمجبورية.. وفي الطغيان اشارة الى ان ضررهم متعد استغرق المحاسن ~~كالسيل وهدم أساس الكمالات فلم يبق الا غثاء أحوى. و(يعمهون) أي: يتحيرون ~~ويترددون. وفيه اشارة الى انه لامسلك لهم وليس لهم مقصود معين. # *** PageV01P110 ### | AUTO اولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا ~~مهتدين 16 # اعلم! ان وجه نظمها بسابقتها هو: # ان هذه الآية فذلكة واجمال للتفاصيل السابقة، وتصوير لها بصورة عالية ~~مؤثرة. وتخصيص اسلوب التجارة للتمثيل، لأجل ان المخاطبين في الصف الأول قد ~~ذاقوا حلو التجارة ومرها برحلتي الصيف والشتاء. # ووجه المناسبة هو أن نوع البشر ارسل الى الدنيا لا للتوطن فيها، بل ~~ليتجروا في رأس مالهم من الاستعدادات والقابليات ليزرعوا ثم يتصرفوا في ~~غلاتها. # ثم ان وجه النظم بين جمل هذه الآية هو: # انها ترتبت ترتبا فطريا سلسا على نسق اسلوب التمثيل وهو هذا: ان تاجرا ~~مغبونا مخذولا أعطي له رأس مال غال فاشترى به السموم وما يضره، فتصرف فيه، ~~فلم يربح ولم يفد؛ بل ألقاه في خسارة على خسارة، فأضاع رأس ماله، ثم أضل ~~الطريق؛ بحيث لا يستطيع ms081 ان يرجع. # أما نظم هيئات جملة جملة: # فلفظ (اولئك) موضوع لاحضار المحسوس البعيد: أما الإحضار فإشارة الى أن من ~~شأن كل سامع اذا سمع تلك الجنايات المذكورة ان يحصل شيئا فشيئا في قلبه ~~نفرة وغيظ يتشدد تدريجا بحيث يريد ان يراهم ليتشفى الغيظ منهم، ويقابلهم ~~بالنفرة والتحقير.. وأما المحسوسية فرمز الى أن الاتصاف بهذه الاوصاف ~~العجيبة يجسمهم في الذهن حتى صاروا محسوسين نصب الخيال. ومن المحسوسية رمز ~~الى علة الحكم بسر إنجرار المعصية الى المعصية.. وأما البعدية فاشارة الى ~~شدة بعدهم عن الطريق الحق، ذهبوا الى حيث لايرجعون، فالذهاب في أيديهم دون ~~الإياب. PageV01P111 # ولفظ (الذين) إشارة الى ان هذا نوع من التجارة عجيب خبيث تحدث وطفق ان يصير ~~أساسا ومسلكا يمر عليه ناس؛ اذ قد مر ان الموصول اشارة الى الحقائق الجديدة ~~التي اخذت في الانعقاد. # ولفظ (اشتروا) اشارة الى رد اعتذارهم ب "ان فطرتنا هكذا". فكأن القرآن ~~الكريم يقول لهم: لا!. ولقد أعطاكم الله أنفاس العمر رأس مال، وأودع في ~~روحكم استعداد الكمال، وغرس في وجدانكم نواة الحقيقة وهي الهداية الفطرية ~~لتشتروا السعادة فاشتريتم بدلها - بل بتركها - اللذائذ العاجلة والمنافع ~~الدنيوية فاخترتم بسوء اختياركم مسلك الضلالة على منهج الهداية، فافسدتم ~~الهداية الفطرية، وضيعتم رأس مالكم. # ولفظ (الضلالة بالهدى) فيه اشارة الى انهم خسروا خسارة على خسارة. اذ كما ~~خسروا بالضلالة؛ كذلك خسروا بترك النعمة العظيمة التي هي الهداية. # أما جملة (فما ربحت تجارتهم) فاعلم! ان في تخصيص نفي الربح - مع انهم كما ~~قد خسروا فقد أضاعوا رأس المال أيضا - اشارة الى من شأن العاقل ان لايقدم ~~على تجارة لاربح فيها، فضلا عما فيها خسارة واضاعة رأس المال.. ثم في اسناد ~~الفعل الى التجارة مع ان الأصل "فما ربحوا في تجارتهم" اشارة الى ان ~~تجارتهم هذه بجميع أجزائها وكل أحوالها وقاطبة وسائطها لا فائدة فيها لا ~~جزئيا ولا كليا؛ لا كبعض التجارات التي لايكون في محصلها وفذلكتها ربح، ~~ولكن في أجزائها فوائد، ولوسائط خدمتها استفادات.. أما هذه فشر محض وضرر ms082 ~~بحت. ونظير هذا الاسناد "نام ليله"بدل "نام في الليل"؛ اذ الأول يفيد ان ~~ليله أيضا ساكن وساكت كالنائم لا يحرك ليلته شيء ولا يموجه طارق. # وأما جملة (وما كانوا مهتدين) أي كما خسروا وأضاعوا المال؛ كذلك قد اضلوا ~~الطريق، فترشيح وتزيين كسابقتها لأسلوب "اشتروا".. وأيضا فيها رمز خفي الى ~~"هدى للمتقين" في رأس السورة. كأنه يقول: اعطى القرآن الكريم الهداية فما ~~قبل هؤلاء. # *** PageV01P112 ### | AUTO مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما اضاءت ما حوله # ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لايبصرون 17 صم بكم عمي # فهم لا يرجعون 18 او كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون اصابعهم ~~في اذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين 19 # يكاد البرق يخطف ابصارهم كلما اضاء لهم مشوا فيه واذا اظلم عليهم # قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وابصارهم ان الله # على كل شيء قدير 20 # إعلم! ان أساس اعجاز القرآن الكريم في بلاغة نظمه. وبلاغة النظم على قسمين: # قسم كالحلية وقسم كالحلة: # فالأول: كاللآلئ المنثورة والزينة المنشورة والنقش المرصع. ومعدنه الذي ~~يتحصل منه هو توخي المعاني النحوية الحرفية فيما بين الكلم، كإذابة الذهب ~~بين أحجار فضة. وثمرات هذا النوع هي اللطائف التي تعهد بيانها فن المعاني.. # والقسم الثاني: هو كلباس عال وحلة فاخرة قدت من اسلوب على مقدار قامات ~~المعاني، وخيطت من قطعات خيطا منتظما فيلبس على قامة المعنى أو القصة أو ~~الغرض دفعة. وصناع هذا القسم والمتكفل به فن البيان.. ومن أهم مسائل هذا ~~القسم التمثيل. ولقد أكثر القرآن الكريم من التمثيلات الى ان بلغت الألف؛ ~~لأن في التمثيل سرا لطيفا وحكمة عالية؛ اذ به يصير الوهم مغلوبا للعقل، ~~والخيال مجبورا للانقياد للفكر، وبه يتحول الغائب حاضرا، والمعقول محسوسا، ~~والمعنى مجسما، وبه يجعل المتفرق مجموعا، والمختلط ممتزجا، والمختلف متحدا، ~~والمنقطع متصلا، والأعزل مسلحا. وان شئت التفصيل فاستمع معي لما يترنم به ~~صاحب دلائل الاعجاز في أسرار بلاغته 1؛ حيث قال: PageV01P113 # فصل في مواقع التمثيل وتأثيره # اعلم! ان مما اتفق العقلاء عليه: ms083 ان التمثيل اذا جاء في أعقاب المعاني أو ~~برزت هي باختصار في معرضه، ونقلت عن صورها الأصلية الى صورته، كساها ابهة، ~~وكسبها منقبة، ورفع من أقدارها، وشب من نارها، وضاعف قواها في تحريك النفوس ~~لها، ودعا القلوب اليها، واستثار لها من أقاصي الأفئدة صبابة وكلفا، وقسر ~~الطباع على أن تعطيها محبة وشغفا. # فان كان مدحا كان أبهى وأفخم، وأنبل في النفوس وأعظم، وأهز للعطف، وأسرع ~~للإلف، وأجلب للفرح، وأغلب على الممتدح، وأوجب شفاعة للمادح، واقضى له بغر ~~المواهب والمنائح، وأسير على الألسن واذكر، وأولى بان تعلقه القلوب وأجدر. # وإن كان ذما كان مسه أوجع، وميسمه ألذع، ووقعه أشد، وحده احد. # وإن كان حجاجا كان برهانه انور، وسلطانه اقهر، وبيانه ابهر. # وإن كان افتخارا كان شأوه ابعد، وشرفه اجد، ولسانه ألد. # وإن كان اعتذارا كان الى القلوب اقرب، وللقلوب أخلب، وللسخائم اسل، ولغرب ~~الغضب افل، وفي عقد العقود انفث، وعلى حسن الرجوع أبعث. وإن كان وعظا كان ~~أشفى للصدر، وادعى الى الفكر، وأبلغ في التنبيه والزجر، وأجدر بأن يجلي ~~الغياية (1) ، ويبصر الغاية، ويبرئ العليل، ويشفي الغليل ... وهكذا الحكم ~~اذا استقريت فنون القول وضروبه، وتتبعت أبوابه وشعوبه. (انتهى) .. # ثم ان في الآيات الآتية دلائل اعجاز واسرار بلاغة فذكرناها هنا لمناسبتها ~~لمسائل المقدمة الآتية. # فمثال التمثيل في مقام المدح ما ذكره القرآن الكريم في وصف الصحابة من: # (1) الغياية: ضوء شعاع الشمس، قعر البئر، وكل ما أظل الإنسان كالسحابة ~~والغبرة. PageV01P114 # (ومثلهم في الانجيل كزرع اخرج شطئه فازره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب ~~الزراع) (1) وقس نظائره.. # وفي مقام الذم: # (فمثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث) (2) و(مثل الذين ~~حملوا التورية ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا) (3) و(انا جعلنا في ~~اعناقهم اغلالا فهي الى الاذقان فهم مقمحون) (4) وقس. # وفي مقام الاحتجاج والاستدلال: # (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا) و(او كصيب من السماء فيه ظلمات الى آخره ~~وومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع الا دعاء ونداء) (5) و(مثل ~~الذين اتخذوا من دون ms084 الله اولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا) (6) و(أنزل من ~~السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه ~~في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله) (7) و(ضرب الله مثلا رجلا فيه ~~شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا) (8) وقس عليه. # ونظير مثال الافتخار - وان لم يسم افتخارا - بيان عظمته تعالى وكمالاته ~~الإلهية قوله تعالى: (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم ~~القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون) (9) وقس عليه. # ومثال التمثيل في مقام الاعتذار لايوجد الا حكايات أهل الأعذار الباطلة ~~للاحتجاج عليهم كقوله: # (وقالوا قلوبنا في اكنة مما تدعونا اليه وفي اذاننا وقر ومن بيننا وبينك ~~حجاب) (10) وقس ... # ومن الشعر: # لاتحسبوا ان رقصي بينكم طرب فالطير يرقص مذبوحا من الالم # (1) سورة الفتح: 29. # (2) سورة الاعراف: 176. # (3) سورة الجمعة: 5. # (4) سورة يس: 8. # (5) سورة البقرة: 171. # (6) سورة العنكبوت: 41. # (7) سورة الرعد: 17. # (8) سورة الزمر: 29. # (9) سورة الزمر: 67. # (10) سورة فصلت: 5. PageV01P115 # ومثاله من الوعظ في وصف نعيم الدنيا ما ذكره القرآن الكريم من: # (كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتريه مصفرا ثم يكون حطاما) (1) ~~و(ألم تر ان الله انزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به ~~زرعا مختلفا ألوانه) (2) و(انا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال ~~فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا) (3) ~~و(لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك ~~الامثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون) (4) و(فمالهم عن التذكرة معرضين _ ~~كأنهم حمر مستنفرة _ فرت من قسورة) (5) و(مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل ~~الله كمثل حبة انبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة) (6) و(كمثل جنة بربوة ~~اصابها وابل) (7) .. # وفي احباط العمل الصالح بالايذاء والرياء: # (أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له ~~فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار ~~فاحترقت) (8) و(مثل الذين كفروا بربهم اعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم ~~عاصف لايقدرون مما كسبوا على شيء ms085 ذلك هو الضلال البعيد) (9) . # ومثاله من طبقات الكلام في مقام الوصف: # (ثم استوى الى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا ~~أتينا طائعين) (10) و(قيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء اقلعي وغيض الماء ~~وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين) (11) و(الم تر كيف ~~ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة اصلها ثابت وفرعها في السماء _ تؤتي ~~أكلها كل حين بإذن ربها) (12) و(ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق ~~الأرض مالها من قرار) (13) .. # (1) سورة الحديد: 20. # (2) سورة الزمر: 21. # (3) سورة الاحزاب: 72. # (4) سورة الحشر: 21. # (5) سورة المدثر: 49، 50، 51. # (6) سورة البقرة: 261. # (7) سورة البقرة: 265. # (8) سورة البقرة: 266. # (9) سورة ابراهيم: 18. # (10) سورة فصلت: 11. # (11) سورة هود: 44. # (12) سورة ابراهيم: 24، 25. # (13) سورة ابراهيم: 26. PageV01P116 # ومن الشعر: # والليل تجري الدراري في مجرته كالروض تطفو على نهر ازاهيره (1) # اعلم! ان في كل آية من هذه الآيات التمثيلية طبقات ومراتب وصورا وأساليب ~~متنوعة. كل منها - في كل منها - كفيل وضامن لطائفة من الحقائق. وكما انك ~~اذا أخذت قوارير من فضة وزينتها بذوب الذهب، ثم نقشتها بجواهر، ثم صيرتها ~~ذوات نور (2) بإدراج "الكتريق" (3) ترى فيها طبقات حسن وانواع زينة؛ كذلك ~~في كل من تلك الآيات من المقصد الأصلي الى الأسلوب التمثيلي قد شرعت اشارات ~~ومدت رموز الى مقامات كأن أصل المقصد تدحرج على المراتب وأخذ من كل لونا ~~وحصة حتى صارت تلك الكلمات من جوامع الكلمات بل من جمع الجوامع. # فصل ومقدمة # اعلم! ان المتكلم كما يفيد المعنى ثم يقنع العقل بواسطة الدليل؛ كذلك ~~يلقي الى الوجدان حسيات بواسطة صور التمثيل فيحرك في القلب الميل أو النفرة ~~ويهيئه للقبول. فالكلام البليغ ما استفاد منه العقل والوجدان معا، فكما ~~يتداخل الى العقل يتقطر الى الوجدان أيضا. والمتكفل لهذين الوجهين التمثيل؛ ~~اذ هو يتضمن قياسا وينعكس به في مرآة الممثل القانون المندمج في الممثل به. ~~فكأنه دعوى مدلل. كما تقول في رئيس يكابد البلايا لراحة رعيته: (الجبل ~~العالي يتحمل مشاق الثلج والبرد، وتخضر من تحته الأودية) . # ثم ان أساس التمثيل هو التشبيه. ومن شأن ms086 التشبيه تحريك حس النفرة أو ~~الرغبة أو الميلان أو الكراهية أو الحيرة أو الهيبة؛ فقد يكون للتعظيم أو ~~التحقير أو الترغيب أو التنفير أو التشويه أو التزيين أو التلطيف الى آخره ~~... فبصورة الأسلوب يوقظ الوجدان وينبه الحس بميل أو نفرة. # (1) قائله ابن النبيه المصرى في مدح الايوبيين توفي سنة 619ه. # (2) ذوات انوار (ش) . # (3) الكهرباء. PageV01P117 # ثم ان مما يحوج الى التمثيل عمق المعنى ودقته ليتظاهر بالتمثيل، أو تفرق ~~المقصد وانتشاره ليرتبط به. ومن الأول متشابهات القرآن الكريم؛ اذ هي عند ~~أهل التحقيق نوع من التمثيلات العالية وأساليب لحقائق محضة ومعقولات صرفة؛ ~~ولأن العوام لايتلقون الحقائق في الأغلب الا بصورة متخيلة، ولا يفهمون ~~المعقولات الصرفة الا بأساليب تمثيلية لم يكن بد من المتشابهات ك (استوى ~~على العرش) (1) لتأنيس اذهانهم ومراعاة أفهامهم. # ثم اني استخرجت - فيما مضى من الزمان - من اس اساس البلاغة مقدمة لبيان ~~اعجاز القرآن الكريم ثنتي عشرة مسألة. كل منها خيط لحقائق (2) . ولما ذكرت ~~هذه الآيات التمثيلية هنا - دفعة - ناسب تلخيص تلك المسائل فنقول وبالله ~~التوفيق: # المسألة الأولى: # ان منشأ نقوش البلاغة انما هو نظم المعاني دون نظم اللفظ كما جرى عليه ~~اللفظيون المتصلفون، وصار حب اللفظ فيهم مرضا مزمنا الى ان رد عليهم عبد ~~القاهر الجرجاني (3) في دلائل الاعجاز واسرار البلاغة، وحصر على المناظرة ~~معهم أكثر من مائة صحيفة. # ونظم المعاني: عبارة عن توخي المعاني النحوية فيما بين الكلمات. اي اذابة ~~المعاني الحرفية بين الكلم لتحصيل النقوش الغريبة. وان أمعنت النظر لرأيت ~~ان المجرى الطبيعي للأفكار والحسيات انما هو نظم المعاني. ونظم المعاني هو ~~الذي يشيد بقوانين المنطق.. وأسلوب المنطق هو الذي يتسلسل به الفكر الى ~~الحقائق.. والفكر الواصل الى الحقائق هو الذي ينفذ في دقائق الماهيات ~~ونسبها.. ونسب الماهيات هي الروابط للنظام الأكمل.. والنظام الأكمل هو ~~الصدف للحسن المجرد الذي هو منبع كل حسن.. والحسن المجرد هو الروضة لأزاهير ~~البلاغة التي تسمى لطائف ومزايا.. وتلك الجنة المزهرة هي التي يجول ويتنزه ~~فيها البلابل المسماة بالبلغاء وعشاق الفطرة.. واولئك ms087 البلابل نغماتهم ~~الحلوة اللطيفة انما تتولد من تقطيع الصدى الروحاني المنتشر من أنابيب نظم ~~المعاني. # (1) سورة الاعراف: 54. # (2) المقصود المقالة الثانية من كتاب (محاكمات "عقلية") - الصيقل ~~الاسلامي. # (3) (ت 471ه / 1078م) امام في اللغة والبلاغة، له مصنفات منها: كتاب ~~المغني (30 مجلد) المقتصد (3 مجلدات) اعجاز القرآن، المفتاح، دلائل ~~الاعجاز، اسرار البلاغة. PageV01P118 # والحاصل: ان الكائنات في غاية البلاغة قد أنشأها وأنشدها صانعها فصيحة ~~بليغة، فكل صورة وكل نوع منها - بالنظام المندمج فيه - معجزة من معجزات ~~القدرة. فالكلام اذا حذا حذو الواقع، وطابق نظمه نظامه حاز الجزالة ~~بحذافيرها. والا فإن توجه الى نظم اللفظ وقع في التصنع والرياء كأنه يقع في ~~أرض يابسة وسراب خادع. # والسر في الانحراف عن طبيعة البلاغة انه: # لما انجذب واستعرب العجم بجاذبة سلطنة العرب صارت صنعة اللفظ عندهم اهم، ~~وفسد بالاختلاط ملكة الكلام المضري التي هي أساس بلاغة القرآن الكريم، ~~وتلون معكس أساليب القرآن الكريم؛ وانما معدنها من حسيات قوم "مضر" ~~ومزاجهم. فاستهوى حب اللفظ كثير من المتأخرين. # تذييل: تزيين اللفظ انما يكون زينة اذا اقتضته طبيعة المعاني. وشعشعة ~~صورة المعنى انما تكون حشمة له اذا أذن به المآل. وتنوير الاسلوب انما يكون ~~جزالة اذا ساعده استعداد المقصود. ولطافة التشبيه انما تكون بلاغة اذا ~~تأسست على مناسبة المقصود وارتضى به المطلوب. وعظمة الخيال وجولانه انما ~~تكون من البلاغة اذا لم تؤلم الحقيقة ولم تثقل عليها ويكون الخيال مثالا ~~للحقيقة متسنبلا عليها. وان شئت الأمثلة الجامعة لتلك الشرائط فعليك بتلك ~~الآيات التمثيلية المذكورة. # المسألة الثانية: # ان السحر البياني اذا تجلى في الكلام صير الأعراض جواهر والمعاني أجساما ~~والجمادات ذوات أرواح والنباتات عقلاء، فيوقع بينها محاورة قد تنجر الى ~~المخاصمة، وقد توصل الى المطايبة فترقص الجمادات في نظر الخيال. وان شئت ~~مثالا فادخل في هذا البيت. # يناجيني الإخلاف من تحت مطله فتختصم الآمال واليأس في صدري (1) # او استمع معاشقة الارض مع المطر في: # (1) لإبن المعتز (دلائل الاعجاز ص61) وفي ديوان ابن المعتز: تجاذبنى ~~الاطراف بالوصل والقلى ... ص226. PageV01P119 # تشكى الارض غيبته ms088 اليه وترشف ماءه رشف الرضاب (1) # فهذه الصورة انما تسنبلت على تصوت الأرض اليابسة بنزول المطر بعد تأخر. ~~ولابد في كل خيال من نواة من الحقيقة نظير هذا المثال، ولابد في زجاجة كل ~~مجاز من سراج الحقيقة، والا كانت بلاغته الخيالية خرافة بلا عرق لا تفيد ~~الا حيرة. # المسألة الثالثة: # اعلم! ان كمال الكلام وجماله وحلته البيانية باسلوبه. واسلوبه صورة ~~الحقائق وقالب المعاني المتخذ من قطعات الاستعارة التمثيلية. وكأن تلك ~~القطعات "سيموطوغراف" (2) خيالي؛ كإراءة لفظ "الثمرة" جنتها وحديقتها. ولفظ ~~"بارز" معركة الحرب. ثم ان التمثيلات مؤسسة على سر المناسبات بين الأشياء، ~~والانعكاسات في نظام الكائنات، واخطار امور امورا؛ كإخطار رؤية الهلال في ~~الثريا في ذهن ابناء النخلة غصنها الأبيض بالقدم المتقوس بتدلي العنقود (3) ~~. وفي التنزيل (حتى عاد كالعرجون القديم) (4) . # ثم ان فائدة اسلوب التمثيل كما في الآيات المذكورة هي: ان المتكلم بواسطة ~~الاستعارة التمثيلية يظهر العروق العميقة، ويوصل المعاني المتفرقة. واذا ~~وضع بيد السامع طرفا امكن له ان يجر الباقي الى نفسه، وينتقل اليه بواسطة ~~الاتصال، فبرؤية بعض يتدرج شيئا فشيئا - ولو مع ظلمة - الى تمامه. فمن سمع ~~من الجوهري ما قال في وصف الكلام البليغ: "الكلام البليغ ما ثقبته ~~الفكرة".. ومن الخمار ما قال فيه: "ما طبخ في مراجل العلم".. ومن الجمال ما ~~قال فيه: "ما اخذت بخطامه وانخته في مبرك المعنى" ينتقل الى تمام المقصد ~~بملاحظة الصنعة. # ثم ان الحكمة في تشكل الاسلوب هي: ان المتكلم بارادته ينادي ويوقظ ~~المعاني الساكنة في زوايا القلب كأنها حفاة عراة. فيخرجون ويدخلون الخيال، ~~فيلبسون ما # (1) للمتنبي في ديوانه 1/263. # (2) الكتابة المتحركة، اصلها: سينماطوغراف ثم اختصرت الى سينما. # (3) لعل الاستاذ يقصد قول قيس بن خطيم: # وقد لاح في الصبح الثريا لمن رأى كعنقود ملاحيه حين نورا # او قول ابن المعتز: # وارى الثريا في السماء كأنها قدم تبدت من ثياب حداد # (4) سورة يس: 39. PageV01P120 # يجدون من الصور الحاضرة بسبب الصنعة أو التوغل أو الألفة أو الأحتياج، ولا ~~أقل من لف منديل من تلك الصنعة برأسه، ms089 أو الانصباغ بلون ما. وما تجده في ~~ديباجة الكتب من براعة الاستهلال من اظهر امثلة هذه المسألة. # ثم ان اسلوب الكلام قد يكون باعتبار خيال المخاطب كما في أساليب القرآن ~~الكريم فلا تنس. ثم ان مراتب الاسلوب متفاوتة فبعضها ارق من النسيم اذا سرى ~~يرمز اليه بهيئات الكلام. وبعضها اخفى من دسائس الحرب لايشمه الا ذو دهاء ~~في الحرب؛ كاستشمام الزمخشري (1) من (من يحيي العظام وهي رميم) (2) اسلوب ~~"من يبرز الى الميدان". وان شئت فتأمل في الآيات المذكورة تر فيها مصداق ~~هذه المسائل بألطف وجه. وان شئت زر الامام البوصيري (3) وانظر كيف كتب ~~"رجتته" (4) باسلوب الحكيم في قوله: # واستفرغ الدمع من عين قد امتلأت من المحارم والزم حمية الندم # ورمز الى الاسلوب بلفظ الحمية. او استمع هدهد سليمان كيف أومأ الى هندسته ~~(5) بقوله: (الا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والارض) (6) . # المسألة الرابعة: # اعلم! ان الكلام انما يكون ذا قوة وقدرة اذا كان اجزاؤه مصداقا لما قيل: # عباراتنا شتى وحسنك واحد وكل الى ذاك الجمال يشير # (1) هو ابو القاسم محمود بن عمر بن محمد الزمخشرى جار الله. ولد بزمخشر ~~سنة 467ه، توفي بعد رجوعه من مكة المكرمة سنة 538ه. إمام عصره في اللغة ~~والتفسير، له "الكشاف عن حقائق التنزيل " و"الفائق في غريب الحديث " ~~و"المفصل في النحو " و"اساس البلاغة " وغيرها. # (2) سورة يس: 78. # (3) (608 - 698ه) محمد بن سعيد بن حماد بن عبد الله البوصيري المصري. ~~شاعر، حسن الديباجة، مليح المعاني، له ديوان شعر مطبوع، واشهر شعره البردة ~~المشهورة ب "بردة المديح " (كشف الظنون 1/288 الاعلام 6/139) . # (4) وصفة طبية. # (5) ومعرفته الماء تحت الارض (الكشاف) . # (6) سورة النمل: 25. PageV01P121 # بان تتجاوب قيودات الكلام ونظمه وهيئته، ويأخذ كل بيد الآخر ويظاهره، ويمد ~~كل بقدره الغرض الكلي مع ثمراته الخصوصية. كأن الغرض المشترك حوض يتشرب من ~~جوانبه الرطبة، فيتولد من هذه المجاوبة المعاونة، ومنها الانتظام، ومنه ~~التناسب، ومنه الحسن والجمال الذاتي. وهذا السر من البلاغة يتلألأ من مجموع ~~القرآن لا سيما في (الم _ ذلك الكتاب لاريب ms090 فيه هدى للمتقين) كما سمعته مع ~~التنظير بقوله: (ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك) (1) . # المسألة الخامسة: # اعلم! ان غناء الكلام وثروته ووسعته هو انه كما أن أصل الكلام يفيد أصل ~~المقصد؛ كذلك كيفياته وهيئاته ومستتبعاته تشير وترمز وتلوحالى لوازم الغرض ~~وتوابعه وفروعه، فكأنما تتراءى طبقة بعد طبقة ومقاما خلف مقام. وان شئت ~~مثالا تأمل في (واذا قيل لهم لاتفسدوا في الارض) الى آخره. و(واذا لقوا ~~الذين آمنوا) الى آخره، على الوجه المفسر سابقا. # المسألة السادسة: # اعلم! ان المعاني المجتناة من خريطة الكلام المأخوذة المنقوشة "بفوطغراف" ~~التلفظ على أنواع مختلفة ومراتب متفاوتة. فبعضها كالهواء يحس به ولايرى.. ~~وبعضها كالبخار يرى ولا يؤخذ.. وبعضها كالماء يؤخذ ولاينضبط.. وبعضها ~~كالسبيكة ينضبط ولايتعين.. وبعضها كالدر المنتظم والذهب المضروب يتشخص، ثم ~~بتأثير الغرض والمقام قد يتصلب الهوائي. وقد تعتور على المعنى الواحد ~~الحالات الثلاث. ألا ترى انه اذا أثر أمر خارجي في وجدانك يتهيج قلبك؟ ~~فيثير الحسيات فيتطاير معان هوائية فيتولد ميول، ثم يتحصل بعضها، ثم يتشكل ~~من ذلك البعض قسم، ثم ينعقد من ذلك القسم بعض. ففي كل من هذه الطبقات يتوضع ~~وينعقد البعض، ويبقى البعض الآخر معلقا كمعلقية بعض الصوت عند تشكل الحروف، ~~والتبن عند انعقاد الحبوب. فمن شأن البليغ ان يفيد بصريح الكلام ما تعلق به ~~الغرض واقتضاه المقام، وطلبه المخاطب. ثم يحيل الطبقات الأخر - بمقدار نسبة ~~درجة القرب من الغرض - على دلالة القيود، واشارة الفحوى، ورمز الكيفيات، ~~وتلويح مستتبعات # (1) سورة الانبياء: 46. PageV01P122 # التراكيب، وتلميح الأساليب، وإيماء أطوار المتكلم. ثم ان من تلك المعاني ~~المعلقة معاني حرفية هوائية ليس لها ألفاظ مخصوصة، ولا لها وطن معين بل ~~كالسياح السيار؛ قد يستتر في كلمة وقد يتشربه كلام وقد يتداخل في قصة، فان ~~عصرت تقطر. كالتحسر في (اني وضعتها انثى) (1) والتأسف في (ليت الشباب.. ~~الخ) . والاشتياق والتمدح والخطاب والاشارة والتألم والتحير والتعجب ~~والتفاخر وغير ذلك. ثم ان شرط حسن المعاشرة بين تلك المعاني المتزاحمة ~~تقسيم العناية والاهتمام على نسبة خدمتها للغرض الاساسي. وان شئت مثالا ms091 ~~لهذه المسألة فمن رأس السورة الى هنا مثال بين على الوجه المشروح سابقا. # المسألة السابعة: # اعلم! ان الخيال المندمج في اسلوب لابد ان يتسنبل على نواة حقيقة، ويكون ~~كالمرآة في ان ينعكس به - في المعنويات - القوانين والعلل المندرجة في ~~سلسلة الخارجيات. # وفلسفة النحو التي هي المناسبات المذكورة في كتبه أيضا من هذا القبيل؛ ~~كما يقال: الرفع للفاعل لأن القوي يأخذ القوي. وقس عليه.. # المسألة الثامنة: # اعلم! ان سيبويه (2) نص على ان الحروف التي تعدد معانيها ك "من" و"الى" ~~و"الباء" وغيرها، أصل المعنى فيها واحد لايزول؛ لكن باعتبار المقام والغرض ~~قد يتشرب معنى معلقا، ويجذبه الى جوفه، فيصير المعنى الأصلي صورة واسلوبا ~~لمسافره. وكذلك ان العارف بفقه اللغة اذا تأمل عرف ان اللفظ المشترك في ~~الأغلب معناه واحد، ثم بالمناسبات وقع تشبيهات.. ثم منها مجازات.. ثم منها ~~حقائق عرفية.. ثم يتعدد. حتى ان اسم "العين" التى معناه الواحد البصر أو ~~المنهل، يطلق على الشمس أيضا (3) بالرمز الى ان العالم العلوي ينظر الى ~~العالم السفلي بها، او ان ماء الحياة الذي هو الضياء يسيل من ذلك المنبع في ~~الجبل الأبيض المشرف وقس!.. # (1) سورة آل عمران: 36. # (2) هو عمر بن عثمان، امام نحاة البصرة، ولد بالبيضاء من مدن شيراز نشأ ~~بالبصرة ودرس النحو على الخليل الفراهيدى، ورد بغداد فناظر امام نحاة ~~الكوفة الكسائى فحكم بانتصاره عليه، فأسف وعاد الى موطنه، وألف كتابه الذى ~~يعد اصل النحو، توفي سنة 796ه. # (3) والعين: عين الشمس، وعين الشمس: شعاعها الذى لا تثبت عليه العين. ~~وقيل: العين الشمس نفسها، يقال: طلعت العين، وغابت العين. (لسان العرب لابن ~~منظور) . PageV01P123 # المسألة التاسعة: # اعلم! ان أعلى مراتب البلاغة الذي يعجز الارادة الجزئية والفكر الشخصي ~~والتصور البسيط: هو ان يحافظ ويراعي وينظر المتكلم دفعة نسب قيود الكلام ~~وروابط الكلمات وموازنة الجمل التي يظهر كل مع الآخر نقشا متسلسلا الى ~~النقش الأعظم. حتى كأن المتكلم استخدم عقولا الى عقله كالباني لقصر يضع ~~الأحجار المتلونة بوضعية تحصل بها نقوش غريبة من مناظرة وموازاة الكل مع ms092 ~~الكل ك"العين" (1) في الخط المشترك بين "الخلفاء الراشدين". ومن اظهر مسائل ~~هذه المسألة قوله تعالى: (الم _ ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين) على ما ~~سمعت سابقا.. # وأيضا من أسباب علو الكلام أن يكون كشجرة النسب يتسلسل متناسلا الى ~~المقاصد التي تتدلى على المقام والغرض.. وأيضا من أسباب رفعة طبقة الكلام ~~أن يكون مستعدا لاستنباط كثير من الفروع والوجوه كقصة موسى على نبينا وعليه ~~السلام. # المسألة العاشرة: # اعلم! ان سلاسة الكلام المنتجة للطافته وحلوه هو ان تكون المعاني ~~والحسيات المندمجة فيه ممتزجة تتحد أو مختلفة تنتظم؛ لئلا تتشرب الجوانب ~~قوة الافادة والغرض، بل يجذب المركز القوة من الأطراف.. وأيضا من السلاسة ~~ان يتعين المقصد.. وأيضا منه ان يتظاهر ملتقى الأغراض. # المسألة الحادية عشرة: # اعلم! ان سلامة الكلام التي هي سبب صحته وقوته هي: ان يكون الكلام بحيث ~~يشير الى المبادئ والدلائل، ويرمز الى اللوازم والتوابع، وبقيود الموضوع ~~والمحمول وكيفياتهما يومئ الى رد الاوهام ودفع الشبهات؛ كأن كل قيد جواب ~~لسؤال مقدر. وان شئت مثالا فعليك بفاتحة الكتاب. # (1) من المعلوم ان اسماء الخلفاء الراشدين الاربعة تبدأ بحرف "العين" وقد ~~استلهم بعض الخطاطين نقشا بديعا استعمل فيه حرف "العين" مشتركا بين ~~اسمائهم. PageV01P124 # المسألة الثانية عشرة: # اعلم! ان الأساليب على ثلاثة أنواع: # أحدها: # الاسلوب المجرد، الذي لونه واحد، وخاصته الاختصار والسليقية والسلامة ~~والاستقامة فهو أملس سوي، ومحل استعماله المعاملات والمحاورات والعلوم ~~الآلية. وان شئت مثالا سلسا منه فعليك بكتب السيد الجرجاني. # والثاني: # الاسلوب المزين، وخاصته التزيين والتنوير، وتهييج القلب بالتشويق أو ~~التنفير. والمقام المناسب له الخطابيات كالمدح والذم وغيرهما والاقناعيات ~~ونظائرهما. واذا تحريت المثال المزين فادخل في دلائل الاعجاز واسرار ~~البلاغة تر فيهما جنانا مزينة. # والثالث: # الاسلوب العالي، وخاصته الشدة والقوة والهيبة والعلوية الروحانية. ومقامه ~~المناسب الإلهيات والأصول والحكمة. وإن شئت مثلا بينا وتمثالا معجزا فعليك ~~ب "القرآن" فان فيه ما لا عين رأت ولا خطر على قلب بليغ.. # (انتهى الفصل بتلخيص) . # *** PageV01P125 # ثم اعلم! ان مدار النظر في آيتنا هذه، وهي (مثلهم كمثل ms093 الذي استوقد) الخ..: # أولا: نظمها بسابقها.. وثانيا: النظم بين جملها.. وثالثا: نظم كيفية جملة ~~جملة؛ فمع استحضار مامضى: # اعلم! ان القرآن الكريم لما صرح بحقيقة حال المنافقين ونص على جنايتهم ~~عقبها بالتمثيل لثلاث نكت: - # إحداها: تأنيس الخيال الذي هو أطوع للمتخيلات من المعقولات، وتأمين اطاعة ~~الوهم الذي شأنه التشكيكات ومعارضة العقل وانقياده باظهار الوحشي بصورة ~~المأنوس، وتصوير الغائب بصورة الشاهد. # والثانية: تهييج الوجدان وتحريك نفرته ليتفق الحس والفكر بتمثيل المعقول ~~بالمحسوس. # والثالثة: ربط المعاني المتفرقة واراءة رابطة حقيقية بينها بواسطة ~~التمثيل.. وأيضا الوضع نصب عين الخيال ليجتني بالنظر الدقائق التي أهملها ~~اللسان. # واعلم! ان مآل جمل هذه الآية كما يناسب مآل مجموع قصة المنافقين؛ كذلك ~~يناسب آية آية منها. ألا ترى ان مآل القصة انهم آمنوا صورة للمنافع ~~الدنيوية.. ثم تبطنوا الكفر.. ثم تحيروا وترددوا.. ثم لم يتحروا الحق.. ثم ~~لم يستطيعوا الرجوع فيعرفوا. وما أنسب هذا بحال من أوقدوا لهم نارا أو ~~مصباحا.. ثم لم يحافظوا عليها.. ثم انطفأت.. ثم اظلموا.. ثم لايتراءى لهم ~~شيء حتى يكون كل شيء معدوما في حقهم!. فلسكون الليل كأنهم صم، ولتعامي الليل ~~وانطفاء أنواره كأنهم عمي، ولعدم وجود المخاطب والمغيث لايستغيثون كأنهم ~~بكم، ولعدم استطاعة الرجوع كأنهم أشباح جامدة لا أرواح لها. # ثم ان في المشبه به نقطا أساسية تناظر النقط الأساسية في المشبه. مثلا: ~~الظلمة تنظر الى الكفر، والحيرة الى التذبذب، والنار الى الفتنة. وقس!.. PageV01P126 # ان قلت: ان في التمثيل نورا فأين نور المنافق حتى يتم تطبيق التمثيل؟. # قيل لك: ان لم يكن في الشخص نور ففي محيطه يمكن له الاستنارة.. وان لم، ~~ففي قومه يمكن الاستضاءة.. وان لم، ففي نوعه يمكن له الاستفادة.. وان لم، ~~ففي فطرته كان يمكن له الاستفاضة كما مر.. وان لم تقنع، ففي لسانه بالنظر ~~الى نظر غيره أو بالنظر الى نفسه لترتب المنافع الدنيوية.. وان لم، ~~فباعتبار البعض من الذين آمنوا ثم ارتدوا.. وان لم، فيجوز ان يكون النور ~~اشارة الى ما استفادوا كما ان النار ms094 اشارة الى الفتنة.. وان لم ترض بهذا ~~أيضا، فبتنزيل امكان الهداية منزلة وجودها كما أشار اليه اشتروا الضلالة ~~بالهدى فانه هو الجار الجنب للتمثيل. # أما وجه النظم بين الجمل: فاعلم! ان نظم جملة (مثلهم كمثل الذي استوقد ~~نارا) مناسبتها للموقع. # نعم، حال هذا المستوقد على هذه الصورة تطابق مقتضى حال الصف الأول من ~~مخاطبي القرآن الكريم وهم ساكنو جزيرة العرب؛ اذ ما منهم الا وقد عرف هذه ~~الحالة بالذات أو بالتسامع ويحس (1) بدرجة تأثيرها ومشوشيتها؛ اذ بسبب ظلم ~~الشمس يلتجئون الى ظلمة الليل فيسيرون فيها. وكثيرا مايغمى عليهم السماء ~~فيصادفون حزن الطرق وقد ينجر بهم الطريق الى الورطة.. وأيضا قد يجولون في ~~معاطف الكهوف المشحونة بالمؤذيات فيضلون الطريق فيحتاجون لإيقاد النار أو ~~اشتعال المصباح ليبصروا رفقاءهم حتى يستأنسوا ويروا أهبتهم وأشياءهم كي ~~يحافظوا عليها، ويعرفوا طريقهم ليذهبوا فيها ويتراءى لهم الضواري والمهالك ~~ليجتنبوا. فبينما هم استضاؤا بنورهم اذ اختطفتهم آفة سماوية.. وبينما هم في ~~ذروة كمال الرجاء وآن الظفر بالمطلوب اذ سقطوا في حضيض اليأس المطلق. فنص ~~على هذا الحال بقوله: # (فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم) . اعلم! ان هذه "الفاء" تشير الى ~~انهم أوقدوا النار ليستضيؤا فاضاءت فاطمأنوا بالاستضاءة فتعقبهم الخيبة ~~وسقطوا في أيديهم. وما أشد تأثير العدم عليهم في آن انتظار الحصول!. ثم ان ~~هذه الشرطية تستلزم استلزام الاضاءة لذهاب النور. وخفاء هذا الاستلزام يشير ~~الى تقدير ما يظهر # (1) وأحس (ش) PageV01P127 ~~به اللزوم هكذا: فلما اضاءت استضاؤا بها فاشتغلوا.. فلم يحافظوا.. فلم ~~يهتموا بها، ولم يعرفوا قدر النعمة فيها.. فلم يمدوها.. فلم يديموها؛ ~~فانطفأت. لأنه لما كانت الغفلة عن الوسيلة للاشتغال بالنتيجة - بسر (ان ~~الانسان ليطغى _ ان رآه استغنى) (1) - سببا لعدم الإدامة المستلزم للانطفاء ~~كان كأن نفس الاضاءة سبب لذهاب النور. # أما جملة (وتركهم في ظلمات) فبعدما أشار الى خسرانهم بذهاب النعم بزوال ~~النور عقبه بخذلانهم بنزول النقم بالسقوط في الظلمات. # أما جملة (لا يبصرون) فاعلم! ان الانسان اذا اظلم عليه وأضل السبيل فقد ~~يسكن ويتسلى ms095 برؤية رفقائه ومرافقه، واذا لم يبصرهما كان السكون مصيبة عليه ~~كالحركة بل أوحش. # أما (صم بكم عمي فهم لا يرجعون) فاعلم! ان الانسان اذا وقع في مثل هذا ~~البلاء قد يتسلى ويأمل ويرجو النجاة من جهات أربع مترتبة: # فأولا: يرجو أن يسمع تناجي الخلق من القرى أو أبناء السبيل؛ إن يستمد ~~يمدوه. ولما كانت الليلة ساكنة بكماء استوى هو والأصم، فقال: "صم" لقطع هذا ~~الرجاء. # وثانيا: يأمل انه إن نادى أو استغاث يحتمل أن يسمع أحد فيغيثه، ولما كانت ~~الليلة صماء كان ذو اللسان والأبكم سواء فقال: "بكم" لإلقامهم الحجر بقطع ~~هذا الرجاء أيضا. # وثالثا: يأمل الخلاص برؤية علامة أو نار او نير تشير له الى هدف المقصد. ~~ولما كانت الليلة طامية رمداء عبوسة عمياء كان ذو البصر والأعمى واحدا ~~فقال: "عمي" لإطفاء هذا الأمل أيضا. # ورابعا: لايبقى له الا ان يجهد في الرجوع، ولما أحاط به الظلمة كان كمن ~~دخل في وحل باختياره وامتنع عليه الخروج. نعم، كم من أمر تذهب اليه باختيار ~~ثم يسلب عنك الاختيار في الرجوع عنه تخليه انت ولا يخليك هو، فقال تعالى: فهم # (1) سورة العلق: 6، 7 PageV01P128 ~~(لا يرجعون) لسد هذا الباب عليهم وقطع آخر الحبل الذي يتمسكون به، فسقطوا ~~في ظلمات اليأس والتوحش والسكونة والخوف. # أما الجهة الثالثة، أعني: # نظم قيودات جملة جملة، فانظر الى (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا) كيف ~~تتطاير شرارات النكت من قيوداتها. # أما لفظ "المثل" فاشارة الى غرابة حال المنافقين وان قصتهم اعجوبة؛ اذ ~~المثل هو الذي يجول على الألسنة ويتناقله الناس لتضمنه لغرابة؛ اذ أخص ~~صفاته الغرابة. ثم لاندماج قاعدة أساسية في الأمثال يقال لها: "حكمة ~~العوام" و"فلسفة العموم". فالمراد بالمثل هنا صفتهم الغريبة وقصتهم العجيبة ~~وحالهم الشنيعة. ففي التعبير بالمثل مجازا اشارة الى الغرابة، وفي الاشارة ~~رمز الى ان من شأن صفتهم أن تدور على لسان النفرة والتلعين كضرب المثل. # وأما "الكاف": # فإن قلت: إن حذف كان تشبيها بليغا فهو أبلغ؟ # قيل لك: الأبلغ في هذا المقام ذكره، ms096 اذ التصريح به يوقظ الذهن بان ينظر ~~الى المثال تبعيا فينتقل عن كل نقطة مهمة منه الى نظيرها من المشبه. والا ~~فقد يتوغل فيه قصدا فتفوت منه دقائق التطبيق. # وأما "المثل" الثاني فاشارة الى ان حال المستوقد بغرابته ووجوده في حس ~~العموم كان في حكم ضرب المثل. # وأما "الذي": # فان قلت: كيف افرد مع انهم جماعة؟ # قيل لك: اذا تساوى الجزء والكل والفرد والجماعة ولم يؤثر الاشتراك في صفة ~~الفرد زيادة ونقصانا جاز الوجهان مثل (كمثل الحمار) ففي افراده اشارة الى ~~استقلال كل فرد في تمثل الدهشة وتصوير شناعتهم، أوكان "الذي" "الذين" ~~فاختصر. PageV01P129 # وأما (استوقد) فسينه اشارة الى التكلف والتحري. وفي افراده مع جمع الضمير ~~في "نورهم" رمز لطيف الى أن فردا يوقد لجماعة. ولقد ألطف في الإفراد إيقادا ~~والجمع استنارة. # وأما (نارا) بدل "المصباح" أو غيره فاشارة الى المشقة في نور التكليف، ~~ورمز الى انهم يوقدون تحت النور الظاهري نار فتنة. وأما تنكيره فايماء الى ~~شدة احتياجهم حتى انهم يرضون بأية نار كانت. # ثم اجل النظر فيما حول جملة (فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم) لترى ~~كيف تضئ قيوداتها على ظلمات الدهشة التي هي الغرض الأساسي. ولقد سمعت في ~~المسألة الرابعة ان قوة الكلام بتجاوب القيود: # أما "الفاء" فإيماء الى ان هجوم اليأس المطلق تعقب كمال الرجاء. # وأما (لما) فلتضمنه قياسا استثنائيا مستقيما مع دلالته على تحقق المقدم ~~ينتج تحقق التالي وقطع التسلي. # وأما (أضاءت) فاشارة الى ان الايقاد للاستنارة لا للاصطلاء. وفيه رمز الى ~~شدة الدهشة اذ ما أفاد لهم الاضاءة إلا رؤية المهالك والعلم بوجودها. ~~ولولاها لأمكن مغالطة النفس وتسكينها. # وأما (ما حوله) فاشارة الى احاطة الدهشة من الجهات الأربع، والى لزوم ~~التحفظ بالاضاءة عن هجوم الضرر عن الجهات الست. # وأما (ذهب) فلأنه جزاء الشرط، لا بد ان يكون لازما. ولخفاء اللزوم - كما ~~مر - يرمز الى انهم لم يتعهدوها ولم يعرفوا قدر النعمة فيها فبنفس الاضاءة ~~اخذوا عن أنفسهم وأنساهم البطر والفرح تعهدها فأخذها الله عنهم.. ms097 # وأما اسناد "ذهب" الى (الله) فاشارة الى قطع رجاءين: رجاء التعمير ورجاء ~~الرحمة؛ لأنه يشير الى ان الآفة سماوية لاتقبل التعمير، ويرمز الى انه جزاء ~~لقصور المرء، ولهذا يأخذه الله تعالى. فينقطع المتمسك به عند انقطاع ~~الأسباب وهو أمل الرحمة، اذ لايستعان من الحق على ابطال الحق. PageV01P130 # وأما "الباء" فاشارة الى اليأس عن العود؛ اذ لا راد لما أخذه الله للفرق ~~البين بين ذهب به أي استصحبه، وبين اذهبه أي ارسله، وذهب أي انطلق؛ لإمكان ~~العود في الآخرين دون الأول. # وأما "النور" ففيه ايماء لطيف الى تذكر حالهم على الصراط. # وأما الاضافة في (هم) المفيدة للاختصاص فاشارة الى شدة تأثرهم؛ اذ من ~~انطفأت ناره فقط مع ان نار الناس تلتهب أشد تألما. # ولله در التنزيل ما ألطفه في فنون البلاغة! ألم تر كيف توجهت هيئاتها الى ~~الغرض الكلي، أعني الدهشة مع اليأس، كالحوض في ملتقى الأودية؟. # ثم امعن النظر في (وتركهم في ظلمات لايبصرون) : # أما "الواو" فاشارة الى انهم جمعوا بين الخسارتين؛ سلبوا ضياء وألبسوا ظلمة. # أما "ترك" بدل "أبقى" أو غيره فاشارة الى انهم صاروا كجسد بلا روح وقشر ~~بلا لب. فمن شأنهم ان يتركوا سدى ويلقوا ظهريا. # وأما (في) فرمز الى انه انعدم في نظرهم كل شيء ولم يبق الا عنوان العدم ~~وهو الظلمة فصارت ظرفا وقبرا لهم. # وأما جمع (ظلمات) فايماء الى ان سواد الليل وظلمة السحاب أولدتا في روحهم ~~ظلمة اليأس والخوف، وفي مكانهم ظلمة التوحش والدهشة، وفي زمانهم ظلمة ~~السكون والسكوت، فأحاطت بهم ظلمات متنوعة.. وأما تنكيرها فايماء الى انها ~~مجهولة لهم لم يسبق لهم الفة بمثلها فتكون أشد وقعا. # وأما (لايبصرون) فتنصيص على اساس المصائب، اذ من لم ير كان ارأى للبلايا، ~~وبفقد البصر يبصر أخفى المصائب. وأما المضارعية فلتصوير وتمثيل حالهم نصب ~~عين الخيال ليرى السامع دهشتهم فيتحسس بوجدانه أيضا. # وأما ترك المفعول فللتعميم، أي لايرون منافعهم ليحافظوها، ولا يبصرون ~~المهالك كي يجتنبوا عنها. ولا يتراءى الرفقاء ليستأنسوا بهم، فكأن كل واحد ~~فرد ms098 برأسه. PageV01P131 # ثم انظر الى جمل (صم بكم عمي فهم لايرجعون) لتسمع ما تتناجى به؛ اذ هذه ~~الأربعة حد مشترك بين الممثل والممثل به، وبرزخ بينهما ومتوجهة اليهما؛ ~~تتكلم عن حال الطرفين. ومرآة لهما تريك شأنهما. ونتيجة لهما تسمعك قصتهما. # أما الجهة الناظرة الى الممثل به: # فاعلم! ان من سقط في مثل هذه المصيبة يبقى له رجاء النجاة باستماع نجوى ~~منج، فاستلزمت ابكمية الليلة اصميته.. ثم اسماع مغيث فاقتضت اصمية الليل ~~ابكميته.. ثم الهدى برؤية نار أو نير فانتج تعامي الليل عميه.. ثم العود ~~الى بدء فانسد عليه الباب كمن سقط في وحل كلما تحرك انغمس.. # وأما الجهة الناظرة الى الممثل: # فاعلم! انهم لما وقعوا في ظلمات الكفر والنفاق امكن لهم النجاة عن تلك ~~الظلمات بطرق أربعة مترتبة: # فاولا: # كان عليهم ان يرفعوا رؤسهم ويستمعوا الى الحق ويصغوا الى ارشاد القرآن، ~~لكن لما صارت غلغلة (1) الهوى مانعة لأن يخلص صدى القرآن الى صماخهم، وأخذ ~~التهوس بآذانهم جارا لهم عن تلك الطريق، نعى عليهم القرآن بقوله: (صم) ~~اشارة الى انسداد هذا الباب ورمزا الى ان آذانهم كأنها قطعت وبقيت ثقبات ~~مشوهة أو قطعات متدلية في جوانب رؤسهم. # وثانيا: # لابد لهم ان يخفضوا رؤسهم ويشاوروا وجدانهم فيسألوا عن الحق والصراط، لكن ~~لما اخذ العناد على يد لسانهم وجره الحقد من خلف الى الجوف، ألقمهم القرآن ~~الحجر بقوله: (بكم) اشارة الى انسداد هذا الباب أيضا في وجوههم ورمزا الى ~~انهم بالسكوت عن الاقرار بالحق كانوا كمن قلع لسانه فبقي الفم ككهف خلا عن ~~ساكنه مشوها للوجه. # (1) في الشيء: دخل فيه على تعب وشدة. PageV01P132 # وثالثا: # لزمهم ان يرسلوا انظار العبرة لتجتني لهم الدلائل الآفاقية، لكن وضع ~~التغافل يده على عيونهم ورد - وطرد - التعامي الأنظار الى أجفانهم. فقال ~~القرآن: (عمي) اشارة الى انهم عمهوا (1) عن هذا الطريق أيضا. ورمز بحذف ~~أداة التشبيه الى ان عيونهم التي هي أنوار الرأس كأنها قلعت فبقيت نقرات ~~مشوهة في جباههم. # ورابعا: # لابد من ان يعرفوا قبح حالهم القبيح ليتنفروا فيندموا ms099 فيتوبوا فيرجعوا. ~~لكن لما زينت لهم أنفسهم - لأجل فساد الفطرة بالاصرار وغلبة الهوى والشيطان ~~- تلك القبائح، قال القرآن: (فهم لايرجعون) اشارة الى انسداد آخر الطرق ~~عنهم، ورمزا الى انهم وقعوا باختيارهم فيما لا اختيار لهم في الخروج ~~كالمضطرب في بحر الرمل. # *** # (1) تحيروا في طريقهم او امرهم. PageV01P133 ### | AUTO او كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون اصابعهم # في اذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين 19 يكاد البرق ~~يخطف ابصارهم كلما اضاء لهم مشوا فيه واذا اظلم عليهم قاموا ولو شاء الله ~~لذهب بسمعهم وابصارهم ان الله على كل شيء قدير 20 # اعلم! ان مدار النظر في هذه الآية ايضا من ثلاثة وجوه، نظمها بسابقتها، ~~والنظم بين جملها، ثم النظر بين هيئات جملة جملة. مثلها في الارتباط كمثل ~~الاميال العادة للساعات والدقائق والثواني. # أما وجه النظم بينها وبين سابقتها فهو: انه كرر التمثيل واطنب في التصوير ~~اشارة الى احتياج تصوير حال المنافقين في دهشتهم وحيرتهم الى نوعين منه، إذ: # خلاصة التمثيل الأول هي: # ان المنافق يرى نفسه في صحراء الوجود منفردة عن الأصحاب مطرودة عن جمعية ~~الكائنات خارجة عن حكم شمس الحقيقة. يصير كل شيء في نظره معدوما ويرى ~~المخلوقات اجنبية كلها، ساكنة وساكتة استولى عليها الوحشة والخمود. وأين ~~هذا من حال المؤمن الذي يرى بنور الايمان كل الموجودات احباءه ويستأنس بكل ~~الكائنات؟. # وخلاصة التمثيل الثاني هي: # ان المنافق يظن ان العالم بأجزائه ينعي عليه بمصائبه ويهدده ببلاياه ~~ويصيح عليه بحادثاته ويحيط به بنوازله كأن الأنواع اتفقوا على عداوته ~~فانقلب النافع ضارا. وما هذه الحالة الا لعدم نقطتي الاستمداد والاستناد ~~كما مر. واين هذا من حال المؤمن الذي يسمع بالايمان تسبيحات الكائنات ~~وتبشيراتها؟.. # وأيضا تكرار التمثيل ايماء الى انقسام المنافقين الى الطبقة السفلية ~~العامية المناسبة للتمثيل الاول والى الطبقة المتكبرة المغرورة الموافقة ~~للتمثيل الثاني. PageV01P134 # وأما مناسبة هذا التمثيل لمقامه بالنظر الى السامع فهي: ان الصف الأول من ~~مخاطبي القرآن ابناء الفيافي يفترشون الصحارى ويتخيمون بفسطاط السماء. وما ~~منهم الا ms100 وقد رأى بنفسه أو سمع من أبناء جنسه مثل هذه الحادثة حتى استأنس ~~بها حس العموم؛ بحيث تؤثر فيه كضرب المثل. # وأما مناسبته للتمثيل الأول فأظهر من ان يخفى، اذ هو كالتكملة والتتمة له ~~مع الاتحاد في كثير من النقط. # وأما مناسبة التمثيل للممثل له فبخمسة وجوه: # منها: وقوعهما كليهما في شدة الحيرة بانسداد كل طرق النجاة عليهم، وبان ~~ضلت جميع أسباب الخلاص عنهم. # ومنها: وقوعهما في شدة الخوف حتى يتخيل كل من المشبه والمشبه به، ان ~~الموجودات اتفقت على عداوته ولا يأمن من بقائه في كل دقيقة. # ومنها: وقوعهما في شدة الدهشة المنتجة لاختبال العقل حتى ان كلا منهما ~~يتبله. كمثل من يرى برق السيوف فيتحفظ بغمض بصره أو يسمع تقتقة البنادق ~~فيتجنب عن الجرح بسد سمعه. أو كمثل من لا يحب غروب الشمس فيمسك دولاب ساعته ~~لئلا يدور جرخ الفلك الدوار، فما أخبلهم!.. اذ الصاعقة لا تنثني بسد ~~الاسماع، والبرق المحرق لايترحم عليهم بغض الأبصار. ومن هنا يرى ان لم يبق ~~لهم ممسك. # ومنها: ان الشمس والمطر والضياء والماء كما إنها منابع حياة الأزاهير ~~وتربية النباتات، وسبب تعفن الميتات ونتن القاذورات؛ كذلك ان الرحمة ~~والنعمة اذا لم تصادفا موقعهما المنتظر لهما والعارف بقيمتهما، تنقلبان ~~زحمة ونقمة. # ومنها: انه كما يوجد التناسب بين المآلين الذي هو الأصل في انعقاد ~~الاستعارة التمثيلية بلا نظر الى تطبيق الأجزاء؛ كذلك يوجد مناسبات هنا بين ~~أجزائهما؛ اذ الصيب حياة النباتات كما ان الاسلامية حياة الأرواح، والبرق ~~والرعد يشيران الى الوعد والوعيد، والظلمات تريك شبهات الكفر وشكوك النفاق. PageV01P135 # وأما وجه النظم بين الجمل: # فاعلم! ان التنزيل لما قال (أو كصيب من السماء) مشيرا الى انهم كالذين ~~اضطروا الى السفر في صحراء موحشة في ليلة مظلمة تحت مطر شديد، كأن قطراته ~~مصائب تصيب مرماها بصوبها وقد ملأت الجو بكثرتها؛ استيقظ ذهن السامع منتظرا ~~لبيان السبب في ان صار الصيب الذي هو في الأصل رحمة مرغوبة مصيبة هائلة ~~فقال مصورا لدهشته: (فيه ظلمات) مشيرا الى ان ms101 المطر كما هو ظرف لظلمة ~~السحاب ولكثافته؛ كذلك لأجل عمومه وكثرته واحاطته كأنه ظرف لليلة المتفتتة ~~قطرات مسودة بين قطراته.. ثم ما من سامع يسمع (فيه ظلمات) الا وينتظر ~~لبيان. كأن المتكلم سمع صدى الرعد من ذهن السامع فقال: (ورعد) مشيرا الى ~~تهويل الحال وتشديدها بان السماء أميرة الموجودات عزمت على اهلاكهم، وتصيح ~~عليهم برعدها؛ اذ المصاب المدهوش يتخيل من الكائنات المتعاونة على اضراره ~~حركة مزعجة تحت سكونها، ونطقا مهيبا تحت سكوتها. فاذا سمع الرعد توهم انها ~~تتكلم بما يهدده وتصيح عليه؛ اذ بالخوف يحسب كل صيحة عليه.. ثم ان السامع ~~لايسمع الرعد الا ويستهل فيبرق في ذهنه رفيقه الدائمي، ولذلك قال: (وبرق) ~~مشيرا بالتنكير الى انه غريب عجيب. نعم! هو في نفسه عجيب؛ اذ بتولده يموت ~~عالم من الظلمات فتطوى وتلقى الى العدم، وبموته فجأة يحيى ويحشر عالم من ~~الظلمات. كأنه نار حينما تنطفئ تورث ملء الدنيا دخانا. ومن شأن المصاب بها ~~ان يمعن النظر ولا يمر بنظر سطحي بناء على الالفة والمناسبة حتى يتكشف عن ~~دقائق صنع القدرة.. ثم بعد هذا التصوير كأن ذهن السامع يتحرك سائلا: كيف ~~يعملون؟ وبم يتشبثون؟ فقال: (يجعلون أصابعهم في اذانهم من الصواعق حذر ~~الموت) مشيرا الى ان لامناص ولا ملجأ ولا منجى لهم حتى انهم كالغريق ~~يتمسكون بما لايتمسك به. فمن التدهش يستعملون الأصابع موضع الأنامل كأن ~~الدهشة تضرب على أيديهم فيدخلون الأصابع من الوجع في الآذان ومن التبله ~~انهم يسدون الآذان لئلا تصيبهم الصواعق.. ثم بعد هذا يتحرى ذهن السامع ~~سائلا: أعمت المصيبة أم خصت فيرجى؟ فقال: (والله محيط بالكافرين) مشيرا الى ~~ان هذه المصيبة جزاء لكفرانهم النعمة. يؤاخذهم الله تعالى به لشذوذهم عن ~~القانون الالهي المودع في الجمهور. ثم لما سمع شدة الرعد يحدث نفسه ب "ألا ~~يفيدهم البرق بأراءة الطريق"؟ فقال: PageV01P136 # (يكاد البرق يخطف أبصارهم) مشيرا الى انه كما ان الرعد يعاديهم فلا ~~يستطيعون السمع؛ كذلك البرق يخاصمهم باضاءته فيظلم أبصارهم.. ثم بعد سماع ~~تجاوب الكائنات على عداوتهم ينادي ms102 ذهن السامع ب "فما مصير حالهم وما ~~يفعلون؟ وبمه يشتغلون؟ " فقال: (كلما أضاء لهم مشوا فيه واذا اظلم عليهم ~~قاموا) مشيرا الى انهم مشوشون مترددون متحيرون مترقبون لأدنى فرصة ولأدنى ~~رؤية للطريق. فكلما تراءت لهم يتحركون لكن كحركة المذبوح لاضطراب أرواحهم، ~~ويتخطون خطى يسيرة مع علمهم بان لافائدة، وكلما غشيتهم الظلمة فجأة ينجمدون ~~في مقامهم.. ثم يستعد ذهن السامع للاستفسار ب "لم لايموتون أو يعمون أو ~~يصمون بالمرة فيخلصون عن الاضطراب؟ " فقال: (ولو شاء الله لذهب بسمعهم ~~وأبصارهم) أي ليسوا مستحقين للخلاص من الاضطراب ولهذا لاتتعلق المشيئة ~~باماتتهم ولو تعلقت لتعلقت بذهاب سمعهم وبصرهم. ولكن بقاء السمع لاستماع ~~العقاب ووجود البصر لرؤية العذاب أجدر بمن شذ ونشز عن قانونه تعالى.. # ثم ان هذه القصة لما احتوت على نقاط يتلوح من معاطفها استطرادا: العظمة ~~والقدرة الالهية وتصرفه تعالى في الكائنات، ولا سيما يتذكر السامع تبعا في ~~تلافيفها عجائب الرعد والبرق والسحاب، كان من حق السامع المتيقظ وجدانه ان ~~يعلن ويقول: سبحانه ما أعظم قدرة من هذه الكائنات تجلي هيبته وهذه المصيبات ~~تجلي غضبه. فقال: (ان الله على كل شيء قدير) . # وأما نظم هيئات جملة جملة: # فاعلم! ان "أو" في (او كصيب) اشارة الى انقسام حال الممثل الى قسمين، ~~ورمز الى تحقيق المناسبة بين التمثيلين وبينهما وبين الممثل له وايماء الى ~~مسلمية المشابهة.. وأيضا متضمن ل "بل" الترقية؛ اذ التمثيل الثاني اشد ~~هولا. وان "كصيب" لعدم مطابقته للمثل يقتضي تقدير لازم، والسكوت عن اظهار ~~المقدر للايجاز، والايجاز في اللفظ لاطناب المعنى باحالته على خيال السامع ~~بالاستمداد من المقام. فبعدم المطابقة كأنه يقول: أو كالذين سافروا في ~~صحراء خالية وليلة مظلمة فاصابتهم مصائب بصيب. وان العدول عن لفظ المطر ~~المأنوس المألوف الى الصيب رمز الى أن قطرات ذلك المطر كمصائب ترمى اليهم ~~بقصد فتصيبهم مع فقد الساتر عليهم. PageV01P137 # وان ذكر (من السماء) مع بداهة ان المطر لا يجئ الا من جهتها ايماء بالتخصيص ~~الى التعميم وبالتقييد الى الاطلاق نظير التقييد في (وما من ms103 دابة في الأرض ~~ولا طائر يطير بجناحيه) (1) أي مطبق آخذ بآفاق السماء. وما استدل بعض ~~المفسرين بلفظ من السماء هنا وفي آية (وينزل من السماء من جبال فيها من ~~برد) (2) على نزول المطر من جرم السماء حتى تخيل "بعض" وجود بحر تحت ~~السماء، فنظر البلاغة لايرى عليه سكة الحقيقة. بل المعنى: من جهة السماء. ~~والتقييد لما عرفت. وقد قيل السماء ما علاك، فالسحاب كالهواء سماء. # وتحقيق المقام: هو انك ان نظرت الى القدرة تتساوى الجهات أي يمكن النزول ~~من أية جهة كانت. وان نظرت الى الحكمة الالهية المؤسسة للنظام الأحسن في ~~الأشياء المستلزم لمحافظة الموازنة العمومية المرجحة لأقرب الوسائل فالمطر ~~انما هو من تكاثف البخار المائي المنتشر في كرة الهواء التي احد أجزائها ~~العشرة ذلك البخار المائي المنتشر في أعماقها. # وتوضيحه: ان ذراته اذا امرتها الارادة الالهية، يتمثل كل، ويتسللن من ~~الأطراف ومن كل فج عميق. فيتحزبن سحابا هامرا. ثم بارادة آمرها يشتد تكاثف ~~بعض فتصير قطرات تأخذها بأيديهم الملائكة الذين هم ممثلو القوانين ومعكس ~~النظامات لئلا يزاحم ويصادم بعض بعضا فيضعونها على الأرض. ولأجل محافظة ~~الموازنة في الجو لابد من بدل ما يتحلل بالتقطر، فيبخر البحر والأرض فيملأ ~~منازلها. وأما تخيل بعض وجود بحر سماوي فمحمله انه تصور المجاز حقيقة؛ اذ ~~لاراءة خضرة الجو لون البحر، ولاحتواء الجو على ماء أكثر من البحر المحيط ~~ما استبعد تشبيهه بالبحر. # أما (وينزل من السماء من جبال فيها من برد) فاعلم! ان الجمود على الظاهر ~~مع التوقد في استعارتها جمود بارد وخمود ظاهر. اذ كما تضمن (قوارير من فضة) ~~(3) استعارة بديعة؛ كذلك يحتوي (من جبال فيها من برد) على استعارة بديعة ~~عجيبة مستملحة. فكما ان ظروف الجنة لم تكن من الزجاجة ولامن الفضة بل في ~~شفافية الزجاج وبياض الفضة ومن حيث ان الزجاجة لاتكون من الفضة لتخالف # (1) سورة الانعام: 38. # (2) سورة النور: 43. # (3) سورة الانسان: 16. PageV01P138 # النوعين اشار الى الاستعارة بالاضافة بذكر "من"، كذلك (من جبال فيها من ~~برد) متضمنة لاستعارتين مؤسستين على خيال شعري ms104 بالنظر الى السامع. وذلك ~~الخيال مبني على ملاحظة المشابهة والمماثلة بين تمثل العالم العلوي وتشكل ~~العالم السفلي. وتلك الملاحظة مبنية على تصور المسابقة والرقابة بين الأرض ~~والجو في لبس الصور من يد القدرة كأن الأرض لما برزت بجبالها اللابسة للبيض ~~من حلل الثلج والبرد في الشتاء، والمتعممة بها في الربيع. ثم تزينت في ~~الصيف ببساتينها المتلونة فأظهرت في نظر الحكمة بانقلاباتها معجزة القدرة ~~الالهية، قابلها جو السماء محاكيا لها مسابقا معها لإظهار معجزة العظمة ~~الالهية فبرز متبرقعا ومتقمصا بالسحاب المتقطع جبالا وأطوادا وأودية، ~~والمتلون بألوان مختلفة مصورة لبساتين الأرض، ملوحا ذلك الجو بأجلى دلائل ~~العظمة وأجلها. فبناء على هذه الرؤية والمشابهة والتوهم الخيالي استحسن ~~اسلوب العرب تشبيه السحاب لاسيما الصيفي بالجبال والسفن والبساتين والأودية ~~وقافلة الإبل كما تسمع من العرب في خطبهم. فيخيل الى نظر البلاغة ان قطعات ~~السحاب الصيفي سيارة وسباحة في الجو، كأن الرعد راعيها وحاديها كلما هز عصا ~~برقه على رؤسهم في البحر المحيط الهوائي اهتزت تلك القطعات وارتجت، وتراءت ~~جبالا صادفت الحشر، أو سفنا يلعب بها يد العاصفة، أو بساتين ترججها من ~~تحتها الزلزلة، أو قافلة شردت من هجوم قطاع الطريق. ومع ذلك يسيرون ويجرون ~~بأمر خالقهم حتى كأن كل ذرة من ذرات ذلك البخار تكمنت في مكانها اولا ساكتة ~~ساكنة منتظرة لأمر خالقها. ولما ناداها الرعد - كالآلة المعروفة في العسكر ~~- ب"حي على الاجتماع والاتحاد! " تسارعوا من منازلهم مهطعين الى داعيهم ~~فيحشرون سحابا. ثم بعد ايفاء الوظيفة وأمرهم بالاستراحة يطير كل الى وكره.. ~~فبناء على هذه المناسبة الخيالية، وعلى المجاورة بين السحاب والجبال - إذ ~~الجبل لجذب الرطوبة يتظاهر ويتشكل السحاب عليه بمقداره ويلبس لباسه - وعلى ~~تلون السحاب بنظير بياض الثلج والبرد وتكيفه برطوبتهما وبرودتهما، وعلى ~~وجود الأخوة بينهما ومبادلة الصورة واللباس لهما في كثير من مواضع القرآن ~~ومصافحتهما في منازل التنزيل كمحاورتهما ومعانقتهما في كثير من سطور صحيفة ~~الأرض من كتاب PageV01P139 ~~العالم فترى السحاب متوضعا على الجبل ويصير الجبل كأنه مرسى لسفن السحاب ~~ترسى عليه، أو ms105 مجلس تتشاور عليه، أو وكر تطير اليه - استحق بحكم المجاورة ~~في نظر البلاغة ان يتبادلا ويستعيرا لوازمهما فيعبر عن السحاب بالجبل - مع ~~تناسي التشبيه. فاذا قد عرفت ما سمعت من المناسبات ف (ينزل من السماء) أي ~~من جهة السماء. "من جبال" أي من سحاب كالجبال. "من برد" أي في لونه ورطوبته ~~وبرودته. # فيا هذا! ما أجبرك مع وجود هذا التأويل الذي تقبله البلاغة على اعتقاد ~~نزول المطر بدقيقتين من مسافة خمس مائة سنة المخالف لحكمة الله الذي اتقن ~~كل شيء صنعا. # أما هيئات جملة: (فيه ظلمات) المسوقة للتهويل؛ فتقديم (فيه) اشارة الى ان ~~خيال المصاب المدهوش والسامع المستحضر خياله لتلك الحال يتوهم ان ظلمات ~~الليالي الكثيرة افرغت بتمامها في تلك الليلة. وأما الظرفية مع ان الصيب ~~مظروف فرمز الى ان المتدهش بتلك المصيبة يظن فضاء العالم حوضا قد ملئ من ~~المطر، فما الليل الا مظروف مفتت بين أجزائه. # وأما جمع "الظلمات" فايماء الى تنوعها من ظلمة سواد السحاب وكثافته ~~وانطباقه، ومن تقارب دفعات المطر وتكاثف قطره، ومن تضاعف ظلمة الليل. وأما ~~تنكير (ظلمات) فللاستنكار، ولجهل المخاطب فهو تأكيد (ظلمات) . # وأما جملة (ورعد وبرق) فاعلم! ان المقصد تصوير حيرتهم ودهشتهم، وان ~~المصاب المتحير يجمع تمام دقته ونظره الى أدنى حادث. فلإمعان النظر يتفطنون ~~لما في الرعد والبرق من الانقلابات العجيبة والتحول الغريب. اذ بينما يرى ~~المصابون ظلمة استولت على الكائنات وابتلعت الموجودات - نظير العدم - ~~فتنقلب حيرتهم بالغم اليتمي والسكوت الميتي؛ اذ يرون اظهر دلائل الوجود، ~~وهو تكلم العلويات، ثم ظهورها بكشف الحجاب فينقلب نظرهم الى نظر المدهوش ~~المتحير الخائف؛ اذ كما انهم اذا رأوا ظلمات غير محصورة في فضاء غير متناه، ~~لا ضعف فيه بجانب يبقي لهم أملا، ينظرون نظر اليأس؛ كذلك اذا فاجأهم بغتة ~~انعدام الظلمات بان افرغت من الفضاء، وملئ بدلها نورا ينقلب يأسهم المطلق ~~الى رجاء. PageV01P140 # اعلم! ان الرعد والبرق آيتان ظاهرتان من جهة العالم الغيبي في أيدي ~~الملائكة الموكلين على عالم السحاب لتنظيم قوانينه. ثم ان الحكمة ms106 الالهية ~~ربطت الأسباب بالمسببات فاذا تشكل السحاب من بخار الماء المنتشر في الهواء؛ ~~صار قسم حاملا "للالكتريك" المنفي وقسم حاملا "للالكتريك" المثبت؛ فحينما ~~يتقاربان يتصادمان دفعة فيتولد البرق. ثم بالهجوم والانقلاع دفعة وامتلاء ~~موضعه بآخر لعدم الخلو، يهتز وتتموج الطبقات فيتولد صدى الرعد. ولا تجري ~~هذه الحالات الا تحت نظام وقانون يتمثلهما ملك الرعد والبرق. وأما ظرفية ~~الصيب لهما مع ان الظرف هو السحاب فلأن المدهوش والسامع المتدهش بدهشته يرى ~~الصيب محيطا بكل شيء لإحاطته بنفسه. وأما إفراد الرعد والبرق مع جمع ~~الظلمات، فاشارة الى ان منشأ الدهشة تخيل المصاب تكلم السماء وتهديدها ~~بالإرعاد، وكشف الحجاب بالابراق، وهما معنى مصدري للكلام واليد البيضاء. ~~وأيضا كل منهما نوع واحد وان تعددت أفراده. # وأما تنوين (رعد وبرق) فبدل من الصفة، أي: رعد قاصف وبرق خاطف، ودالة على ~~عدم الالفة بهما بسبب التفطن بالدقة لما فيهما من العجائب.. وأيضا فيها ~~ايماء الى انهم لايعرفون ذلك الرعد والبرق لسد السمع وغض البصر. # وأما هيئات جملة (يجعلون أصابعهم في اذانهم من الصواعق حذر الموت) # فاعلم! انها جواب لسؤال مقدر واستيناف حسن؛ اذ السامع لما توجه الى هذه ~~القصة الحسية التمثيلية حصل له ميلان شديد لكشف حال المصيبة. ثم بعد ان كمل ~~التصوير التصوير وقضى منه الوطر انثنى مجرى الميلان الى كشف حال المصاب. ~~فكأنه يقول السائل: كيف حال المصاب حينئذ وبم يتشبث للنجاة؟ فأجاب القرآن ~~بقوله: (يجعلون اصابعهم) .. الخ. أي لامناص لهم، انما هم كالغرقى يتمسكون ~~بغير متمسك فيريدون التحفظ من مجانيق (1) السماويين بسد الأسماع. وكونه ~~سببا محال، فلا سبب. # وأما لفظ (يجعلون) بدل "يدخلون" فايماء الى انهم تحروا الأسباب فما ~~صادفوا الا ماسببيته بجعلهم وظنهم فقط.. وصورة المضارع المستحضرة للحال فرمز # (1) جمع منجنيق: آلة حربية ترمى" بها القذائف. PageV01P141 # الى ان السامع في مثل هذا المقام المهيج للحيرة يحضر بخياله زمان الواقعة ~~ومكان الحادثة. ثم في المضارع استمرار تجددي. وفي استمراره ايماء الى تواتر ~~تقتقة السحاب. # وأما (أصابعهم) بدل "أناملهم" فاشارة الى شدة الحيرة باستعمال ms107 الأصابع ~~موضع الأنامل. # وأما في (اذانهم) فايماء الى شدة الخوف من صدى الرعد حتى يخيل اليهم انه ~~لو دخل الرعد في شبكة الآذان لطير الأرواح من أبواب الأفواه. وفيه رمز لطيف ~~الى انهم لما لم يفتحوا آذانهم لنداء الحق والنصيحة عوقبوا من تلك الجهة ~~بنعرات الرعد، فسدوا هنا ما سدوا هناك، كمن اخرج كلاما شنيعا من فيه يضرب ~~على فمه فيدخل يمين الندامة في فيه ويضع يسار الخجالة على عينه. # وأما (من الصواعق) فاشارة الى اتحاد الرعد والبرق على اضراره؛ اذ الصاعقة ~~صوت شديد معه نار محرقة تصرع من صادف. # وأما (حذر الموت) فاشارة الى ان البلاء جذ (1) اللحم الى العظم، وجاز ~~الأحوال الى الحياة، فما يعنيهم الا غم الموت وحفظ الحياة. # وأما هيئات جملة (والله محيط بالكافرين) # فاعلم! ان "الواو" تقتضي المناسبة، وما المناسبة الا بين هذه وبين التابع ~~لمآل السابقة. فكأن هذه "الواو" تقرأ عليهم: "هم قوم فروا من العمارة ~~ونفروا من الحضارة وعصوا قانون كون الليل سباتا ولم يطيعوا نصيحة الناصح ~~فظنوا النجاة بالخروج الى الصحراء فخابوا وأحاط بهم بلاء الله". # وأما لفظ (الله) فرمز الى قطع آخر رجائهم؛ اذ المصاب انما يلتجئ ويتسلى ~~اولا وآخرا الى رحمة الله، فحين استحقوا غضب الله تعالى انطفأ ذلك الرجاء. # وأما لفظ (محيط) فايماء الى ان هذه المصائب المحيطة آثار غضبه تعالى، ~~فكما ان السماء والسحاب والصيب والليل تهجم عليهم من الجهات الست؛ كذلك ~~غضبه تعالى وبلياته محيطة بهم.. وأيضا علمه تعالى وقدرته محيطان بكل ~~الكائنات، وأمره # (1) جذه وجزه: قطعه. جذه وجزه: قطعه. PageV01P142 # شامل لكل الذرات. فكأن (محيط) يتلو عليهم: لاتنفذون من أقطار السموات ~~والأرض، (فأينما تولوا فثم وجه الله) . (1) # وأما تعلق "الباء" فرمز الى انهم وقعوا فيما هربوا عنه فصاروا هدفا ~~للسهام. # وأما التعبير بالكافرين فاشارة الى اراءة تمثال الممثل - أعني المنافقين ~~- في مرآة التمثيل، لئلا يتوغل فيه ذهن السامع فينسى المقصد.. ورمز الى ان ~~المشابهة وصلت الى درجة، وتضايق المسافة بينهما الى حد يتراءيان معا، ~~فتمتزج الحقيقة بالخيال.. ms108 وأيضا ايماء الى ظلمة قلوبهم اذ وجدانهم أيضا ~~يعذبهم لقصورهم وجنايتهم؛ اذ من رأى جزاء جنايته لايستريح وجدانه. # وأما هيئات جملة: (يكاد البرق يخطف أبصارهم) فاستينافها يشير الى ان ~~السامع يقول: ألا ينتفعون بالبرق المخفف لبلاء الظلمة عنهم؟ فأجيب بأنهم ~~يخافون من الضرر فضلا عن الفائدة. # وأما (يكاد) (2) فيشير باعتبار خاصته المشهورة الى وجود سبب زوال البصر ~~لكن لم يزل لوجود مانع. # وأما (يخطف) باعتبار استعماله كاختطفته الغول والعقاب ففيه بلاغة لطيفة ~~تبرق للذهن وتشير الى ان البرق يسابق شعاع العين من قبل ان يصل الى الأشياء ~~ليأخذ صورها يمر هو عليه فيقطعه ويضرب على جفنه فيذهب بنوره. كأن نور العين ~~لما خرج من بيته مسرعا لأجتناء صور الأشياء يسارع البرق الذي هو شعاع عين ~~الليل، فيأخذ من يد شعاع العين صورته قبل ايصاله الى المخزن، أي يختلس ~~البرق صورته من يده. # وأما (أبصارهم) فرمز - بناء على كونها مرآة للقلوب - الى عمل بصائر ~~المنافقين المتعامية عن البراهين القاطعة القرآنية. # وأما هيئات جملة (كلما أضاء لهم مشوا فيه واذا اظلم عليهم قاموا) ~~فاستينافها يشير الى ان السامع حينما رأى اختلاف المصيبة وتغيرها سأل عن ~~شأنهم في الحالتين فأجيب بذلك. # (1) سورة البقرة: 115. # (2) كاد من افعال المقاربة وضعت لمقاربة الخبر من الوجود لعروض سببه، ~~لكنه لم يوجد إما لفقد شرط او لعروض مانع (ب) . PageV01P143 # وأما (كلما) في الاضاءة و"اذا" في الاظلام فاشارة الى شدة حرصهم على الضياء ~~ينتهزون ادنى الضياء فرصة. وأيضا "كلما" متضمن لقياس مستقيم استثنائي. # وأما (اضاء لهم) بلام الاجلية والنفع فرمز الى ان المصاب المدهوش يستغرق ~~في حاجة نفسه حتى يظن الضياء الذي تنشره يد القدرة في العالم لآلاف حكم ~~كلية أنه المراد به خاصة، ويد القدرة انما ارسلته لأجله. # واما (مشوا) مع اقتضاء الفرصة السير السريع فاشارة الى ان المصيبة ~~اقعدتهم فما سيرهم السريع الا مشي وحركة على مهل. # واما (فيه) فاشارة الى ان مسافة حركتهم الضياء الذي هو لون الزمان فكأنه ~~يحدد لهم المكان. # واما (واذا) ف "الواو" ms109 رمز الى تجديد المصيبة لتشديد التأثير. واما ~~الاهمال والجزئية في "اذا" عكس "كلما" فاشارة الى شدة نفرتهم وتعاميهم، ~~فتأخذهم وهم منغمسون في آن الفرصة. # وأما (اظلم) بالاسناد الى البرق فاشارة الى ان الظلمة بعد الضياء اشد. ~~وايماء الى ان خيال المصاب لما رأى البرق طرد الظلمة ثم ذهب وامتلأ موضعه ~~بالظلمات يتخيل انه انطفأ واورث دخانا. # وأما (عليهم) الملوح بالضرر فاشارة الى ان الاظلام ليس تصادفيا بل جزاء ~~لعملهم. ورمز الى ان المدهوش يتخيل الظلمة المالئة للفضاء كأنها تقصد - من ~~بين الأشياء - ذلك الانسان الصغير الذليل وتجعله خاصة هدف هجومها وإضرارها. # واما (قاموا) بدل "سكنوا" فاشارة الى انهم بالمصيبة وشدة التشبث تقوسوا ~~كالراكعين كما هو شأن المجدين في العمل. # وأما هيئات جملة (ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم) فال "واو" بسر ~~الربط تلوح الى ان يد القدرة تتصرف تحت حجاب الأسباب، وان نظر الحكمة يراقب ~~من فوق جميع العلل. PageV01P144 # وأما (لو) فمتضمنة لقياس استثنائي غير مستقيم. أي عدم المشيئة علة لعدم ~~ذهابهما؛ كما ان عدم الذهاب دليل على العلم بعدم المشيئة بذهابهما. وأيضا ~~رمز الى ان السبب بلغ النهاية. # وأما (شاء) فاشارة الى ان الرابط بين السبب والمسبب انما هي المشيئة ~~والارادة الإلهية. فالتأثير للقدرة، وما الاسباب إلا حجاب العزة والعظمة ~~لئلا تباشر يد القدرة بالأمور الخسيسة في ظاهر نظر العقل. # وأما التصريح بلفظة (الله) فاشارة الى زجر الناس عن الإبتلاء بالأسباب ~~والانغماس فيها. وأيضا لدعوة الأذهان الى رؤية يد القدرة خلف كل الأسباب.. ~~وأما حذف مفعول "شاء" وان كان واجبا بالقاعدة المطردة فيجوز بقرينة اخواته ~~ان يكون ايماء الى عدم تأثر المشيئة والارادة الالهية بأحوال الكائنات وعدم ~~تأثير الأشياء في الصفات الالهية كما تتأثر ارادة البشر بحسن الأشياء ~~وقبحها وعظمتها وصغرها. # واما (لذهب) فاشارة الى ان الأسباب ليست مسلطة ومستولية على المسببات حتى ~~اذا رفعت بقيت المسببات في جوف العدم تلعب بها يد التصادف وتشتتها ~~بالاتفاق، بل يد القدرة حاضرة خلف الأسباب. اذا أخرجت الأشياء تأخذها يد ~~الحكمة الالهية ms110 بقانون الموازنة والانتظام، ترسلها الى مواقع اخر ~~ولاتهملها. كما ان الحرارة اذا خربت بنية الماء، فبالنظام المندمج في ~~الهواء يذهب البخار في مجرى معين ويسوقه صانعه الى موقع معين.. وكذا في ~~"ذهب" رمز الى ان الحواس الخمس الظاهرة ليست متولدة عن الطبيعة ولا لازمة ~~لتجاويف السمع والبصر، بل انما هي هداياه تعالى وعطاياه. وما التجاويف ~~والأسباب الا شرائط عادية. # وأما التعدية بالباء بدل الهمزة فايماء الى ان يد القدرة لا تطلق الأشياء ~~عن حبل الأسباب، غاربها على عنقها (1) بل تضع ازمتها بيد نظام. # واما افراد "السمع" مع جمع "البصر" فاشارة الى افراد المسموع وتعدد ~~المبصر، اذ الف رجل يسمعون شيئا واحدا مع تخالف المبصرات. # (1) اصل المثل: حبلك على غاربك. والغارب: اعلى السنام. وهذا كناية عن ~~الطلاق، اى: اذهبى حيث شئت (مجمع الامثال) . PageV01P145 # وأما هيئات جملة (ان الله على كل شيء قدير) فاعلم! انها فذلكة لتحقيق ~~الدهشة في التمثيل والممثل له تشير الى انه كما لا تهمل دقائق أحوال ~~المصابين المتمثلة لجزئيات أحوال المنافقين؛ كذلك يرى في كل ذرة تصرف ~~القدرة الالهية. # واما (ان) فمع اشارتها الى ان هذا الحكم من الحقائق الراسخة، رمز الى ~~عظمة المسألة ووسعتها ودقتها، وعجز البشر وضعفه وقصوره عنها المولدة ~~للأوهام المنتجة للتردد في اليقينيات. # واما التصريح بلفظة (الله) فايماء الى دليل الحكم، اذ القدرة التامة ~~الشاملة لازمة للالوهية. # وأما (على) فايماء الى ان القدرة المخرجة للاشياء من العدم لا تتركها سدى ~~هملا، بل ترقب عليها الحكمة وتربيها. # وأما (كل) فاشارة الى ان آثار الأسباب، والحاصل بالمصدر من الأفعال ~~الاختيارية أيضا بقدرته تعالى. # وأما لفظ (شيء) بمعنى مشئ أي ما تعلقت به المشيئة، فاشارة الى ان ~~الموجودات بعد وجودها لاتستغني عن الصانع بل تفتقر في كل آن لبقائها - الذي ~~هو تكرر الوجود - الى تأثير الصانع. # وأما لفظ (قدير) بدل "قادر" فرمز الى ان القدرة ليست على مقدار المقدورات ~~فقط، وانها ذاتية لا تغير فيها، ولازمة لاتقبل الزيادة والنقصان لعدم امكان ~~تخلل ضدها حتى تترتب شدة ونقصانا.. ms111 وتلويح الى ان القدرة كالجنس وكميزان ~~الصرف، أعني: (فعل) لجميع الأوصاف الفعلية من الرزاق والغفار والمحيي ~~والمميت وغيرها. تفكر فيما سمعت حق التفكر!. PageV01P146 ### | AUTO يا ايها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم # تتقون 21 الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وانزل من السماء ماء ~~فاخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله اندادا وانتم تعلمون 22 # مقدمة # اعلم! ان العبادة هي التي ترسخ العقائد وتصيرها حالا وملكة؛ اذ الأمور ~~الوجدانية والعقلية إن لم تنمها وتربها العبادة - التي هي امتثال الأوامر ~~واجتناب النواهي - تكن آثارها وتأثيراتها ضعيفة. وحال الاسلام 1 الحاضرة شاهدة. # واعلم أيضا! ان العبادة سبب لسعادة الدارين.. وسبب لتنظيم المعاش ~~والمعاد.. وسبب للكمال الشخصي والنوعي.. وهي النسبة الشريفة العالية بين ~~العبد وخالقه. # أما وجه سببيتها لسعادة الدنيا التي هي مزرعة الآخرة فمن وجوه: # منها: ان الانسان خلق ممتازا ومستثنى من جميع الحيوانات بمزاج لطيف عجيب، ~~انتج ذلك المزاج فيه ميل الانتخاب وميل الأحسن وميل الزينة، وميلانا فطريا ~~الى ان يعيش ويحيى بمعيشة وكمال لائقين بالانسانية.. ثم لأجل تلك الميول ~~احتاج الانسان في تحصيل حاجاته في مأكله وملبسه ومسكنه الى تلطيفها ~~واتقانها بصنائع جمة لا يقتدر هو بانفراده على كلها. ولهذا احتاج الى ~~الامتزاج مع أبناء جنسه ليتشاركوا، فيتعاونوا، ثم يتبادلوا ثمرات سعيهم. ~~لكن لما لم يحدد الصانع الحكيم قوى البشر الشهوية والغضبية والعقلية بحد ~~فطري لتأمين ترقيهم بزمبرك 2 الجزء الاختياري - لا كالحيوانات التي حددت ~~قواها - حصل انهماك وتجاوز.. ثم لانهماك القوى وتجاوزها - بسر عدم التحديد ~~- تحتاج الجماعة الى العدالة في تبادل ثمرات السعي.. ثم لأن عقل كل احد ~~لايكفي في درك العدالة احتاج النوع الى عقل كلي للعدالة يستفيد منه عقل ~~العموم. وما ذلك العقل الا قانون كلي، وما هو إلا PageV01P147 ~~الشريعة.. ثم لمحافظة تأثير تلك الشريعة وجريانها لابد من مقنن وصاحب ومبلغ ~~ومرجع، وما هو الا النبي عليه السلام.. ثم ان النبي لادامة حاكميته في ~~الظواهر والبواطن وفي العقول والطبائع يحتاج الى ms112 امتياز وتفوق مادة ومعنى، ~~سيرة وصورة، خلقا وخلقا. ويحتاج أيضا الى دليل على قوة المناسبة بينه وبين ~~مالك الملك صاحب العالم، وما الدليل الا المعجزات.. ثم لتأسيس اطاعة ~~الأوامر وتأمين اجتناب النواهي يحتاج الى ادامة تصور عظمة الصانع وصاحب ~~الملك في الاذهان وما هو الا تجلي العقائد.. ثم لادامة التصور ورسوخ ~~العقائد يحتاج الى مذكر مكرر وعمل متجدد، وما المذكر المكرر الا العبادة. # ومنها: ان العبادة لتوجيه الأفكار الى الصانع الحكيم. والتوجه لتأسيس ~~الانقياد. والانقياد للإيصال الى الانتظام الأكمل والارتباط به. واتباع ~~النظام لتحقيق سر الحكمة. والحكمة يشهد عليها اتقان الصنع في الكائنات. # ومنها: ان الانسان كالشجر الذي علق على ذروته كثير من خطوط الآلة ~~البرقية، قد التفت على رأسه رؤوس نظامات الخلقة، وامتدت مشرعة اليه قوانين ~~الفطرة، وانعكست متمركزة فيه اشعة النواميس الالهية في الكائنات. فلابد ~~للبشر ان يتممها ويربطها وينتسب اليها ويتشبث باذيالها ليسري بالجريان ~~العمومي حتى لا يزلق ولايطرد ولا يلقى عن ظهر هذه الدواليب المتحركة في ~~الطبقات. وما هي الا بالعبادة التي هي امتثال الأوامر واجتناب النواهي. # ومنها: ان بامتثال الأوامر واجتناب النواهي يحصل للانسان نسب كثيرة الى ~~مراتب عديدة في الهيئة الاجتماعية، فيصير الشخص كنوع؛ اذ كثير من ~~الأوامرلاسيما التي لها تماس بالشعائر والمصالح العمومية كالخيط الذي نيط ~~به حيثيات ونظم فيه حقوق، لولاه لتمزقت وتطايرت. # ومنها: ان الانسان المسلم له مناسبات ثابتة وارتباط قوي مع كل المسلمين. ~~وهما سببان لاخوة راسخة ومحبة حقيقية بسبب العقائد الايمانية والملكات ~~الاسلامية. أما سبب ظهور تلك العقائد وتأثيرها وصيرورتها ملكة راسخة فانما ~~هي العبادة. PageV01P148 # وأما جهة الكمال النفسي فاعلم! # ان الانسان مع صغر جرمه وضعفه وعجزه وكونه حيوانا من الحيوانات ينطوي على ~~روح غال ويحتوي على استعداد كامل، ويتبطن ميولا لاحصر لها ويشتمل على آمال ~~لا نهاية لها، ويحوز افكارا غير محصورة ويتضمن قوى غير محدودة مع ان فطرته ~~عجيبة كأنه فهرستة للأنواع والعوالم. فالعبادة هي السبب لانبساط روحه وجلاء ~~قيمته.. وأيضا هي العلة لانكشاف استعداده ونموه ليناسب ms113 السعادة الأبدية.. ~~وكذا هي الذريعة لتهذيب ميوله ونزاهتها.. وهي الوسيلة لتحقيق آماله وجعلها ~~مثمرة ريانة.. وكذلك هي الواسطة لتنظيم أفكاره وربطها.. وأيضا هي السبب ~~لتحديد قواه وإلجامها.. وأيضا هي الصيقل لرين الطبيعة على أعضائه المادية ~~والمعنوية التي كل منها كأنه منفذ الى عالم مخصوص ونوع اذا شف.. وأيضا هي ~~الموصل للبشر الى شرفه اللائق وكماله المقدر، اذا كانت بالوجدان والعقل ~~والقلب والقالب.. وكذلك هي النسبة اللطيفة العالية، والمناسبة الشريفة ~~الغالية بين العبد والمعبود. وتلك النسبة هي نهاية مراتب كمال البشر. # ثم ان الاخلاص في العبادة هو: ان تفعل لأنه أمر بها، وان اشتمل كل أمر ~~على حكم، كل منها يكون علة للامتثال، الا ان الاخلاص يقتضي ان تكون العلة ~~هي الأمر، فان كانت الحكمة علة فالعبادة باطلة، وان بقيت مرجحة فجائزة. # *** # ثم ان المخاطبين لما سمعوا (يا ايها الناس اعبدوا) استفسروا بلسان الحال: ~~ما الحكمة؟ ولم؟ وما المجبورية؟ ولأي شيء؟ # أما الحكمة فقد سمعت في المقدمة. وأما العلة فأجاب القرآن الكريم باثبات ~~الصانع وتوحيده بقوله: (ربكم الذي خلقكم) .. الخ. واثبات النبوة بقوله: ~~(وان كنتم في ريب مما نزلنا) .. الخ. PageV01P149 # مقدمة في نكات هذه الآية: # اعلم! ان البرهان إما "لمي" وهو الاستدلال بالمؤثر على الأثر. وإما "اني" ~~وهو الاستدلال بالأثر على المؤثر، وهذا أسلم 1. وهو إما "إمكاني ~~بالاستدلال" بتساوي الطرفين على المرجح، واما "حدوثي بالاستدلال" بالتحول ~~والتبدل على الموجد.. وكل منها اما باعتبار ذوات الاشياء أو باعتبار ~~صفاتها.. وكل منها إما باعطاء الوجود أو بادامة البقاء.. وكل منها إما ~~"دليل اختراعي" أو "دليل عنايتي". وهذه الآية اشارة الى هذه الأنواع، ~~فالملخص منها هنا، وقد فصلناه في كتاب آخر. # أما دليل العناية على اثبات الصانع الذي تلوح به هذه الآية، هو: "النظام ~~المندمج في الكائنات"؛ اذ النظام خيط نيط به المصالح والحكم. فجميع الآيات ~~القرآنية التي تعد منافع الأشياء وتذكر حكمها انما هي نساجة لهذا الدليل، ~~ومظاهر لتجلي هذا البرهان؛ اذ النظام المرعي به المصالح والحكم كما يثبت ~~وجود نظام، كذلك يدل ms114 على قصد الصانع وحكمته وينفي من البين وهم التصادف ~~الأعمى والاتفاقية العمياء. # ياهذا! ان لم يحط نظرك بهذا النظام العالي المزين بفصوص الحكم، ولاتقتدر ~~على الاستقراء التام؛ فانظر بجواسيس الفنون - التي هي الحواس لنوعك - ~~الحاصلة من تلاحق الأفكار - الذي هو في حكم فكر النوع - لترى نظاما يبهر ~~العقول، وتعلم ان كل فن من فنون الكائنات كشاف بكلية قواعده عن اتساق ~~وانتظام لايعقل أكمل منهما؛ اذ كل نوع من الكائنات اما تشكل فيه فن أو يقبل ~~ان يتشكل. والفن عبارة عن قواعد كلية. وكلية القاعدة تدل على حسن النظام؛ ~~اذ ما لانظام له لاتجري فيه الكلية. ألا ترى ان قولنا "كل عالم فهو ذو ~~عمامة بيضاء" انما يصدق كلية، اذا كان في ذلك النوع انتظام. فانتج أن كل فن ~~من الفنون الكونية بسبب كلية قواعده ينتج بالاستقراء التام نظاما كاملا ~~شاملا، وان كل فن برهان نير يشير الى المصالح والثمرات المتدلية كالعناقيد ~~في حلقات سلاسل الموجودات، ويلوح الى الحكم والفوائد المستترة في معاطف ~~انقلابات الأحوال. فترفع الفنون اعلام الشهادة على قصد الصانع وحكمته، كأن ~~كل فن نجم ثاقب في طرد شياطين الأوهام. PageV01P150 # وان شئت فعليك بهذا المثال مع قطع النظر عن العموم وهو: # ان الحيوان المكروسكوبي الذي لا يرى بالعين بلا واسطة، اشتملت صورته ~~الصغيرة على ماكينة دقيقة بديعة إلهية. فبالضرورة والبداهة ان تلك الماكينة ~~الممكنة في ذاتها وصفاتها ما وجدت بنفسها بلا علة لإمكان ذاتها وصفاتها ~~وأحوالها. والممكن متساوي الطرفين ككفتي الميزان، ولو وجد الترجح لكان في ~~العدم. فباتفاق العقلاء لابد لها من علة مرجحة.. ومن المحال ان تكون العلة ~~أسبابا طبيعية؛ اذ ما فيها من النظام الدقيق يقتضي نهاية علم وكمال شعور ~~لايمكن تصورهما في تلك الأسباب، التي يخادعون أنفسهم بها. مع انها أسباب ~~بسيطة قليلة جامدة لم يتعين مجاريها، ولم يتحدد محاركها مع ترددها بين ألوف ~~من الإمكانات التي لا اولوية لبعضها. فكيف تجري في مجرى معين، وتتحرك على ~~محرك محدود، وكيف يترجح بعض وجوه الإمكانات حتى يتولد ms115 هذه الماكينة العجيبة ~~المنتظمة التي حيرت العقول في دقائق حكمها، بل انما تقنع نفسك وتطمئن ~~بتولدها منها ان اعطيت لكل ذرة شعور "افلاطون" 1 وحكمة "جالينوس" 2 واعتقدت ~~بين تلك الذرات مخابرة عمومية. وما هذه الا سفسطة يخجل منها السوفسطائي. مع ~~أن أس الأسباب المادية وجود القوة الجاذبة والقوة الدافعة معا في جزء ~~لايتجزأ والجوهر الفرد، وان هذا كاجتماع الضدين. # نعم، قانون الجاذبة والدافعة وأمثالهما اسماء لقوانين عادات الله تعالى ~~وشريعته الفطرية المسماة بالطبيعة. فهذه القوانين مقبولة بشرط ان لاتنتقل ~~من القاعدية الى الطبيعية، وان لاتخرج من الذهنية الى الخارجية، وان ~~لاتتحول من الاعتبارية الى الحقيقية، وان لا تترقى من الآلتية الى ~~المؤثرية. # فاذا تفهمت ما في هذا المثال ورأيت عظمته مع صغره ووسعته مع ضيقه؛ فارفع ~~رأسك وانظر في الكائنات تر وضوح دليل العناية وظهوره بمقدار درجة وسعة PageV01P151 ~~الكائنات. فكل الآيات القرآنية العادة لنعم الأشياء والمذكرة لفوائدها ~~مظاهر لهذا الدليل. فكلما أمر القرآن الكريم بالتفكر فانما أشار مخاطبا ~~للعموم الى طريق هذا الاستدلال (فارجع البصر هل ترى من فطور) 1 ثم ان الذي ~~يومئ الى هذا الدليل من هذه الآية قوله تعالى: (الذي جعل لكم الارض فراشا ~~والسماء بناء وانزل من السماء ماء فاخرج به من الثمرات رزقا لكم) . # وأما الدليل الاختراعي المشار اليه بقوله تعالى: (الذي خلقكم والذين من ~~قبلكم) فهو: # ان الله تعالى اعطى لكل فرد ولكل نوع وجودا خاصا هو منشأ آثاره المخصوصة، ~~ومنبع كمالاته اللائقة؛ اذ لانوع يتسلسل الى الازل لإمكانه، ولبطلان ~~التسلسل، ولان هذا التغير في العالم يثبت حدوث بعض بالمشاهدة، وبعض آخر ~~بالضرورة العقلية. ثم انه قد ثبت بعلم الحيوانات والنباتات تكثر الأنواع ~~الى أزيد من مائتي الف نوع ولكل نوع آدم وأب عال. فبسر الحدوث والامكان ~~يثبت بالضرورة صدور تلك الاوادم والآباء للانواع عن يد القدرة الإلهية بلا ~~واسطة. ولا يتوهم فيها ما يتوهم في السلسلة. وتوهم انشقاق الأنواع بعضها عن ~~بعض باطل، لأن النوع المتوسط لا يتسلسل بالتناسل في الأكثر فلا ms116 يكون رأس ~~سلسلة. فاذا كان المبدأ والأصل هكذا، فأجزاء السلسلة كذلك بالطريق الأولى. # نعم كيف يتصور ان تكون الأسباب الطبيعية البسيطة الجامدة التي لاشعور لها ~~ولا اختيار قابلة لإيجاد تلك السلاسل التي تحيرت الأفهام فيها، ولاختراع ~~أفرادها التي كل منها صنعة عجيبة من معجزات القدرة. فكل الأفراد مع سلاسلها ~~تشهد بلسان حدوثها وامكانها شهادة قاطعة على وجوب وجود خالقها جل جلاله. # "ان قلت: فمع هذه الشهادة القاطعة كيف يعتقد الانسان بأمثال ضلالات ازلية ~~المادة وحركتها؟. # قيل لك: ان النظر التبعي قد يري المحال ممكنا، كالمستهل الذي رأى الشعرة ~~البيضاء من اهدابه هلال العيد؛ لأن الانسان بسبب جوهره العالي وماهيته ~~المكرمة انما يدور خلف الحق والحقيقة. وانما يقع الباطل والضلال في يده بلا ~~اختيار ولادعوة ولا تحر PageV01P152 ~~بل بنظره السطحي التبعي فيقبله اضطرارا؛ لأنه لما تغافل عن النظام الذي هو ~~خيط الحكم، وتعامى عن ضدية الحركة والمادة للازلية احتمل عند نظره التبعي ~~اسناد هذا النقش البديع والصنعة العجيبة الى التصادف الأعمى والأتفاق ~~الأعور. كما قال "الجسري" 1 في من دخل قصرا مزينا مشتملا على آثار المدنية، ~~من انه حينما لايرى صاحبه فيعتقد عدمه يضطر لإسناد زينته وأساساته الى ~~الاتفاق والتصادف وناموس الانتخاب الطبيعي. # وأيضا لما تعامى وتغافل عن شهادة كل الحكم والفوائد في نظام العالم على ~~اختيار تام وعلم شامل وقدرة كاملة احتمل في نظره التبعي اثبات تأثير حقيقي ~~لهذه الأسباب الجامدة. # فيا هذا! مع قطع النظر عن دقائق صنعته جل جلاله تأمل في اظهر الآثار التي ~~تسمى "طبيعة" وهو الارتسام - بشرط ان تمزق حجاب الالفة - كيف تقنع نفسك ~~ويقبل عقلك ان خاصية وجه المرآة علة مؤثرة مناسبة لكشط وجه السماء وجلب ~~صورة ارتفاعها ونقشها بنجومها في زجيجتها؟. وكيف يقنع عقلك بأن الأمر ~~الوهمي في الحقيقة المسمى بالجاذب العمومي علة مؤثرة كخيط المنجنيق لإمساك ~~الأرض والنجوم وتحريكها وتدويرها بانتظام محكم؟ # الحاصل: ان الانسان اذا نظر نظرا سطحيا تبعيا الى الأمر الباطل المحال ~~ولم ير العلة الحقيقية احتمل صحته عنده. الا انه ms117 اذا نظر اليه قصدا وبالذات ~~وتحراه مشتريا له لايمكن ان يقبل شيئا من تلك المسائل التي يطنطنون بها في ~~الحكميات، الا ان يتبله بفرض عقل الحكماء وحكمة السياسيين في الذرات. # " ان قلت: فما الطبيعة والنواميس والقوى التي يدمدمون بها ويسلون أنفسهم بها؟ PageV01P153 # قيل لك: ان الطبيعة مسطر 1 لامصدر.. ومطبعة لا طابع.. وقوانين لاقوة. بل ~~انما هي شريعة فطرية إلهية أوقعت نظاما بين أفعال أعضاء جسد عالم الشهادة. ~~كما ان الشريعة محصل وخلاصة قواعد الأفعال الاختيارية، ونظام الدولة مجموع ~~الدساتير السياسية. فكما ان الشريعة والنظام أمران معقولان اعتباريان؛ كذلك ~~الطبيعة أمر اعتباري ملخص عادة الله الجارية في الخلقة. وأما توهم وجودها ~~الخارجي فكتوهم الوحشي الذي يرى فرقة العسكر يتحركون بانتظام، وجود أمر ~~خارجي ربط بينهم. فمن كان وجدانه وحشيا يتخيل الطبيعة بسبب الاستمرار ~~موجودا خارجيا مؤثرا. # الحاصل: ان الطبيعة صنعة الله تعالى وشريعته الفطرية. واما نواميسها ~~فمسائلها. وأما قواها فأحكام تلك المسائل. # أما دليل التوحيد الذي أشار اليه (اعبدوا) على تفسير ابن عباس أي وحدوا، ~~فاعلم! ان القرآن المعجز البيان ما ترك من دلائل التوحيد شيئا. وما تضمنته ~~آية (لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا) 2 من برهان التمانع دليل كاف ~~ومنار نير على ان الاستقلال خاصة ذاتية ولازم ضروري للالوهية، ثم في هذه ~~الآية رمز الى دليل لطيف على التوحيد وهو: ان تعاون الأرض والسماء ~~ومناسبتهما في توليد الثمرات - لتعيش نوع البشر وجنس الحيوان - ومشابهة ~~آثار العالم وتعانق أطرافه وأخذ بعض يد بعض بتكميل بعض انتظام بعض، وتجاوب ~~الجوانب وتلبية بعض لسؤال حاجة بعض، ونظر الكل الى نقطة واحدة، وحركة الكل ~~بالانتظام على محور نظام واحد؛ تلوح بل تصرح بان صانع هذه الماكينة الواحدة ~~واحد وتتلو على كل: # وفي كل شيء له آية تدل على انه واحد 3 # ثم اعلم! ان الصانع كما انه واجب الوجود وواحد؛ كذلك انه متصف بجميع ~~الأوصاف الكمالية؛ لأن ما في المصنوع من فيض الكمال انما هو مقتبس من ظل ~~تجلي كمال صانعه. ms118 فبالضرورة يوجد في الصانع جل جلاله من الجمال والكمال ~~والحسن ما هو أعلى بدرجات غير متناهية من عموم ما في عموم الكائنات من ~~الحسن والكمال PageV01P154 ~~والجمال؛ اذ الاحسان فرع لثروة المحسن ودليل عليها، والايجاد لوجود الموجد، ~~والايجاب لوجوب الموجب، والتحسين لحسن المحسن المناسب له.. # وكذلك ان الصانع منزه عن جميع النقائص، لأن النواقص انما تنشأ عن عدم ~~استعداد ماهيات الماديات وهو تعالى مجرد عن الماديات.. # وكذلك انه تعالى مقدس عن لوازم وأوصاف نشأت من إمكان ماهيات الكائنات وهو ~~سبحانه واجب الوجود ليس كمثله شيء جل جلاله. ولقد أشار الى هاتين الحقيقتين ~~بقوله: (فلا تجعلوا لله أندادا) . # أما الدليل الامكاني المشار اليه بقوله تعالى: (والله الغني وانتم ~~الفقراء) 1 فاعلم! ان كل واحدة من ذرات الكائنات باعتبار ذاتها، وباعتبار ~~فرد فرد من صفاتها، وباعتبار واحد واحد من أحوالها، وباعتبار جهة جهة من ~~وجوهها؛ بينما تراها تتردد بين الامكانات الغير المتناهية في الذات والصفات ~~والأحوال والوجود، اذا انتعشت وقامت وسلكت طريقا معينا منها ولبست صفة ~~مخصوصة، وتكيفت بحالة منتظمة، وركبت على قانون مسدد، وتوجهت الى مقصد معين، ~~فأنتجت حكمة ومصلحة لا تحصلان الا بذلك الطرز المعين.. أفلا تنادي بلسانها ~~المخصوص، وتصرح بقصد صانعها وحكمته؟ فكما ان كل ذرة بنفسها دليل على ~~الانفراد؛ كذلك تتزايد دلالتها باعتبار كونها جزءا من مركبات متداخلة ~~متصاعدة؛ اذ لها في كل مركب مقام.. وفي كل مقام لها نسبة.. وفي كل نسبة لها ~~وظيفة.. وفي كل وظيفة تثمر مصالح.. وفي كل مرتبة تتلو بلسانها دلائل وجوب ~~وجود صانعها.. مثلها كمثل جندي في "طاقمه وطابوره وفرقته الخ". # *** # ولنشرع في نظم هذه الآية باعتبار نظم مجموعها بما قبلها، ثم نظم جملها ~~بعض مع بعض، ثم نظم هيئات كل جملة جملة. # أما نظم المجموع بما قبله: PageV01P155 # فاعلم! ان القرآن لما بين أقسام البشر وأنواع المكلفين من المؤمنين المتقين ~~والكافرين المعاندين والمنافقين المذبذبين توجه اليهم كافة مخاطبا بقوله: ~~(يا أيها الناس اعبدوا) عقبه ورتبه على سابقه ترتيب البناء على الهندسة، ~~والأمر والنهي ms119 بالعمل على قانون العلم، والقضاء على القدر، والانشاء ~~والايجاد على القصة والحكاية؛ اذ لما ذكر مباحث الفرق الثلاث، وذكر خاصة كل ~~وعاقبة كل تهيأ الموضع وانتبه السامع فالتفت مخاطبا بذلك الخطاب.. ثم ان في ~~هذا الالتفات - أعني ذكرهم أولا بالغيبة ثم الخطاب معهم هنا - نكتة عمومية ~~في اسلوب البيان وهي: انه اذا ذكر محاسن شخص أو مساويه شيئا فشيئا يتزايد ~~بحكم الايقاظ والتهييج ميلان استحسان أو ميل نفرة. ويتقوى ذلك الميل شيئا ~~فشيئا الى أن يجبر صاحبه على المشافهة مع ذلك الشخص، وبالنظر الى المقام ~~يقتضي ميولات السامعين لأوصافه ان يحضر المتكلم ذلك الشخص ويجره الى حضورهم ~~فيتوجه اليه بالخطاب.. # وفيه نكتة خصوصية هنا: وهي تخفيف أعباء التكليف بلذة الخطاب.. وفيه أيضا ~~اشارة الى ان لا واسطة في العبادة بين العبد وخالقه. # وأما نظم الجمل ف (يا أيها الناس اعبدوا) خطاب لكل انسان من الفرق الثلاث ~~في الأزمنة الثلاثة من كل طبقات الفرق. أي: ايها المؤمنون الكاملون اعبدوا ~~على صفة الثبات والدوام.. وأيها المتوسطون اعبدوا على كيفية الازدياد.. ~~وأيها الكافرون افعلوا العبادة مع شرطها من الايمان والتوحيد.. وايها ~~المنافقون اعبدوا على كيفية الإخلاص. فالعبادة هنا كالمشترك المعنوي ~~فتأمل!. # (ربكم) أي: اعبدوه لأنه رب يربيكم فلابد ان تكونوا عبادا تعبدونه. # تذييل: في (ربكم) رمز دقيق الى دليل امكان الذوات. وفي (جعل لكم الأرض ~~فراشا) الى دليل امكان الصفات. وفي (الذي خلقكم والذين من قبلكم) الى دليل ~~حدوث الذوات والصفات. والذي ينص على دليل امكان الذوات قوله تعالى Lوالله ~~الغني وانتم الفقراء) وايضا الى ربك المنتهى 1 وأيضا (فانهم عدو لي إلا رب ~~العالمين) 2 وكذلك (قل الله ثم ذرهم في PageV01P156 ~~خوضهم يلعبون) 1 وأيضا (ففروا الى الله) 2 وكذلك (الا بذكر الله تطمئن ~~القلوب) 3 وقس فتأمل.!. # وأما جملة (الذي خلقكم) فاعلم! ان الله تعالى لما أمر بالعبادة وهي تقتضي ~~ثلاثة أشياء: # وجود المعبود، ووحدته، واستحقاقه للعبادة.. # أجاب عن هذه الأسئلة المقدرة بالاشارة الى دلائلها الثلاثة: # فدلائل الوجود قسمان: آفاقي وأنفسي. ms120 والأنفسي نوعان: نفسي وأصولي. فاشار ~~الى النفسي الأقرب الأوضح بقوله: (الذي خلقكم) والى الاصولي بقوله: والذين ~~من قبلكم. # وأما نظم (لعلكم تتقون) فاعلم! ان القرآن الكريم لما علق العبادة على ~~خلقهم وآبائهم اقتضى ترتيب العبادة على خلق البشر نقطتين: # إحداهما: ان تكون خلقتهم باستعداد العبادة، وجبليتهم على قابلية التقوى؛ ~~حتى من يرى ذلك الاستعداد يأمل ويرجو منهم العبادة كمن يرى المخالب يأمل ~~الافتراس. # والثانية: ان يكون المقصد من خلقتهم ووظيفتهم التي هم مأمورون بها ~~وكمالهم الذي يتوجهون اليه هو التقوى الذي هو كمال العبادة. # (ولعلكم تتقون) أي المقصد من خلقكم وكمالكم والذي هيئ له استعدادكم انما ~~هو التقوى. # وأما جملة (جعل لكم الأرض فراشا) فاشارة الى أقرب الدلائل الآفاقية على ~~وجوده تعالى. . وأيضا فيها رمز الى رد التأثير الحقيقي للأسباب الذي هو ~~منشأ لنوع شرك. أي تمهيد الأرض بجعله تعالى لا بالطبيعة. PageV01P157 # وأما (والسماء بناء) فإشارة - بذكر السماء التي هي لصيق الأرض - الى أعلى ~~الدلائل الآفاقية البسيطة. # ثم اشار بقوله (وأنزل من السماء) الى وجه دلالة المركبات والمواليد على ~~وجود صانعها. # ثم ان كل من الجمل السابقة كما تدل على اثبات الوجود؛ كذلك المجموع يلوح ~~بالوحدة. وصورة الترتيب المشير الى النظام الملوح بالنعم مع دلالة (رزقا ~~لكم) تثبت استحقاقه تعالى للعبادة، لأن شكر المنعم واجب. وفي (رزقا لكم) ~~اشارة الى انه كما ان الارض والمواليد تخدم لك لابد ان تخدم لمن سخرها لك. # وأما نظم (فلا تجعلوا لله اندادا) فاعلم! انه قد امتدت من نظمها خطوط الى ~~(يا ايها الناس اعبدوا ربكم) والى (الذي خلقكم) والى (الذي جعل لكم) والى ~~(وانزل) . أي: اذا عبدتم ربكم فلا تشركوا له لأنه هو الرب، ولأنه هو الخالق ~~لكم ولنوعكم فلا يجعل بعضكم بعضا أربابا من دون الله، ولأنه هو الذي خلق ~~الأرض وفرشهاومهدها لكم، ولأنه هو الذي خلق السماء وجعلها سقفا لبنائكم فلا ~~تعتقدوا تأثيرا حقيقيا للأسباب الطبيعية التي هي منشأ الوثنية، ولأنه هو ~~الذي أرسل الماء الى الأرض لرزقكم ومعيشتكم، ولا نعمة ms121 الا منه فلا شكر ولا ~~عبادة الا له. # وأما نظم كيفيات وهيئات جملة جملة، فاعلم! ان كلمة (يا أيها) في جملة "يا ~~ايها الناس اعبدوا" قد أكثر التنزيل من ذكرها لنكت دقيقة ولطائف رقيقة، اذ ~~هذا الخطاب مؤكد بوجوه ثلاثة: # بما في "يا" من الايقاظ، وما في "اي" من التوسم، وما في "ها" من التنبيه. # فالخطاب هنا رمز الى فوائد ثلاث: مقابلة مشقة التكليف بلذة الخطاب.. وان ~~ترقى الانسان من حضيض الغيبة الى مقام الحضور انما هو بواسطة العبادة 1.. ~~وأيضا اشارة الى ان المخاطب مكلف بجهات ثلاث: باعتبار قلبه بالتسليم ~~والانقياد، ومن جهة عقله بالايمان والتوحيد، وبالنظر الى قالبه بالعمل ~~والعبادة.. # وأيضا ايماء الى ان المخاطبين ثلاث فرق 2.. وأيضا تلويح الى الطبقات ~~الثلاث من الخواص والمتوسطين والعوام.. PageV01P158 # وأيضا تلميح الى الطرز المألوف والنسق المأنوس وهو ان المرء اولا ينادي ~~أحدا فيوقفه. ثم يتوسمه فيوجهه. ثم يخاطبه فيخدمه. 1 # فبناء على هذه النكت تكون التأكيدات في الخطاب مؤسسة من تلك الجهات. # أما النداء في "يا" فلأن المنادى هو الناس المشتمل على الطبقات المختلفة ~~من الغافلين والغائبين والساكنين والجاهلين والمشغولين والمعرضين والمحبين ~~والطالبين والكاملين يكون هذا النداء للتنبيه، وكذا للإحضار، وكذا للتحريك، ~~وكذا للتعريف، وكذا للتفريغ، وكذا للتوجيه، وكذا للتهييج، وكذا للتشويق، ~~وكذا للازدياد، وكذا لهز العطف.. # وأما البعد في "يا" مع ان المقام مقام القرب، فاشارة الى جلالة وعظمة ~~امانة التكليف.. وأيضا ايماء الى بعد درجة العبودية عن مرتبة الالوهية.. ~~وأيضا رمز الى بعد اعصار المكلفين عن محل وزمان ظهور الخطاب. وأيضا تلويح ~~الى شدة غفلة البشر. # وأما "أي" الموضوع للتوسم من العموم فرمز الى ان الخطاب لعموم الكائنات. ~~فيخصص من بينها الانسان بتحمل الأمانة على طريق فرض الكفاية. فاذا قصور ~~الانسان تجاوز لحق مجموع الكائنات.. ثم في "أي" جزالة الاجمال ثم التفصيل. 2 # وأما "ها" فمع كونه عوضا عن المضاف اليه، اشارة الى تنبيه من حضر ب "يا". # وأما (الناس) فاشارة - بحكم تلميح الوصفية الأصلية - الى العتاب، أي ~~"ايها الناس ms122 كيف تنسون الميثاق الأزلي"؟ وأيضا الى العذر أي "ايها الناس ~~لابد ان يكون قصوركم عن السهو والنسيان لا بالعمد والجد"!. # أما (اعبدوا) فبحكم جوابيته للنداء العام مناداه للطبقات المذكورة يدل ~~على الاطاعة، ويشير الى الاخلاص، ويرمز الى الدوام، ويلوح الى التوحيد. أي ~~اطيعوا.. واخلصوا.. واثبتوا.. وازدادوا.. ووحدوا. PageV01P159 # وأما (ربكم) فإشارة إلى ان العبادة كما ينبغي ان يرغب فيها لأنها نسبة ~~شريفة ومناسبة عالية؛ كذلك لابد ان تطلب لأنها شكر وخدمة لمن هو يربيكم ~~وتحتاجون اليه. # أما هيئات (الذي خلقكم والذين من قبلكم) # فاعلم! ان (الذي) الذي جهة معلوميته الصلة 1 يشير الى ان معرفة الله ~~تعالى انما تكون بأفعاله وآثاره لا بكنهه. # وان "خلق" الممتاز عن الايجاد والانشاء بكونه على وجه مقدر مستو، اشارة ~~الى ان استعداد البشر مسدد للتكليف.. وأيضا رمز الى ان العبادة وظيفة، ~~لأنها نتيجة الخلقة واجرتها. فما الثواب الا من محض فضل الله تعالى. # وان (الذين) بناء على ابهامه ايماء الى ان الذين سبقوكم انقرضوا فماتوا ~~فذهبوا.. فلم يبق منهم جهة المعلومية الا كونهم مخلوقين قبلكم.. فأنتم على ~~شفا جرف القبر.. فاعتبروا.. فلا تغتروا بالدنيا.. فتشبثوا بأذيال العبادة ~~التي هي وسيلة السعادة الابدية. # أما كيفيات (لعلكم تتقون) فاعلم! ان "لعل" للرجاء ففي المرغوب يقال اطماع ~~وفي المكروه اشفاق. فالرجاء في حق المتكلم هنا حقيقة محال. فهو اما ~~باعتباره لكن مجازا، واما باعتبار المخاطب، واما باعتبار المشاهدين ~~والسامعين: # أما باعتبار المتكلم فاستعارة تمثيلية كما ان من جهز أحدا بأسباب خدمة ~~يرجو منه عرفا تلك الخدمة؛ كذلك ان الله جهز البشر باستعداد الكمال وقابلية ~~التكليف وواسطة الاختيار. ففي الاستعارة اشارة الى ان حكمة خلق البشر هي ~~التقوى.. وكذا رمز الى ان نتيجة العبادة مرتبة التقوى.. وكذلك ايماء الى ان ~~التقوى أكبر المراتب.. وأيضا تلميح الى طرز اسلوب الملوك بالاطماع والرمز ~~في موضع الوعد القطعي. # وأما باعتبار المخاطب فكأنه يقول: اعبدوا حال كونكم راجين للتقوى ~~ومتوسطين بين الرجاء والخوف. وفي هذا الاعتبار اشارة الى انه لابد ان ~~لايعتمد الانسان ms123 على PageV01P160 ~~عبادته.. وكذا ايماء الى انه لابد ان لايكتفي بما هو فيه بل لزم ان يكون ~~مصداقا ل"عليك بالحركة غير السكون" فينظر في كل مرتبة الى ما فوقها. # واما باعتبار المشاهدين والسامعين فكأن من شاهد البشر مجهزا ومسلحا ~~باستعدادات يأمل ويرجو منه العبادة، كمن يرى مخالب حيوان وأنيابه يأمل منه ~~الافتراس.. وكذلك اشارة الى ان العبادة مقتضى الفطرة. # اما لفظ (تتقون) فاشارة - بحكم ترتبه على عبادة الطبقات المذكورة - الى ~~مراتب التقوى وهي: التقوى عن الشرك. ثم التقوى عن الكبائر. ثم التقوى بحفظ ~~القلب عما سواه تعالى.. وكذا التقوى بالتجنب عن العقاب.. وايضا التقوى ~~بالتحرز عن الغضب.. وكذا رمز الى ان العبادة بالاخلاص تكون عبادة.. وايضا ~~ايماء الى ان العبادة مقصودة بالذات لا وسيلة محضة.. وكذلك رمز الى ان ~~العبادة لابد ان لاتكون لأجل الثواب والعقاب. # اما هيئات آية (الذي جعل لكم الارض فراشا والسماء بناء) فاعلم! انها ~~اشارة الى التهييج على العبادة ببيان عظمة قدرة الصانع، والى التشويق عليها ~~بالامتنان. كأنه يقول: ايها الانسان! ان الذي سخر لك الارض والسماء يستحق ~~ان تعبده.. وكذا ايماء الى فضيلة البشر وعلو قيمته ومكرميته عند الله، كأنه ~~يقول: ان الذي اكرمكم بأن هيأ الاجرام العلوية والسفلية بعظمتها ~~لاستفادتكم، لابد أن تظهروا لياقتكم للكرامة بعبادته.. وكذا تلميح الى رد ~~التصادف والاتفاق وتأثير الطبيعة. أي ان كل ما ترون بصفاتها انما هي بجعل ~~جاعل وقصد قاصد وتخصيص مخصص ونظم نظام جلت حكمته.. وكذا تلويح الى رد مذهب ~~اهل الطبيعة ومذهب الصابئين المولد لمذهب الوثنيين.. وايضا تنبيه الى ان ~~صفات الأجسام بإمكانها تدل على الصانع؛ اذ الاجسام متساوية ذراتها في ~~قابلية الأحوال والكيفيات العمومية فكل صفة ممكنة مترددة بين احتمالات ~~كثيرة فكل جسم باعتبار كل صفة وكيفية يحتاج الى قصد وحكمة وتخصيص مخصص. # اما تقديم (لكم) فاشارة الى ان تفريش الارض لأجل الانسان، لا ان المفترش ~~والمستفيد هو الانسان فقط، حتى يكون الزائد عبثا، فتأمل!. PageV01P161 # واما (فراشا) فاشارة الى نكتة البلاغة التي هي نقطة الغرابة وهي ms124 قيد "مع ~~اقتضاء طبعها الانغماس في الماء".. وايماء الى ان التفريش بالجعل خلاف ~~الطبيعة؛ اذ مقتضى طبيعة الكرة استيلاء الماء عليها واحاطته بها، فالصانع ~~بحكمته ومرحمته اظهر قسما منها وفرشه ووضع عليه مائدة نعمه.. وكذا تنبيه - ~~بقاعدة "اذا ثبت الشيء ثبت بلوازمه" - الى ان الأرض كأرض البيت مبسوطة، ~~فانواع النباتات والحيوانات فيها كأساسات البيت انما وضعت بقصد وحكمة.. ~~وكذا ايماء الى ان الارض توسطت بقصد وحكمة بين المائع الذي لايتمسك عليه ~~الاقدام، وبين الصلب الشديد الذي لايقبل الاستفادة والزراعة فيكون عبثا، ~~ولو كان ذهبا. فبالتوسط اشارة الى انه بتخصيص وجعل وقصد حكيم. # اما (والسماء بناء) فاشارة الى انه تعالى لما جعل لكم السماء سقفا وبناء ~~صارت نجومها قناديل لكم فلا يتوهم التصادف في تفريق تلك القناديل وانتشارها ~~كما يتوهم التصادف في وضعية الجواهر التي ترمى على الأرض منتثرة. # اعلم! ان في هذه الآية اشارة ورمزا وايماء الى سر عجيب دقيق غال وهو: # - ان قلت: ان الانسان ذرة بالنسبة الى أرضه، وأرضه ذرة بالنسبة الى ~~الكائنات. وكذا فرده ذرة 1 الى نوعه ونوعه ذرة بالنسبة الى شركائه في ~~الاستفادة في هذا البيت العالي. وكذا جهة استفادة البشر بالنسبة الى فوائد ~~وغايات هذا البيت ذرة، والغايات التي تحس بها العقول ذرة بالنسبة الى ~~فوائده في الحكمة الأزلية والعلم الإلهي فكيف جعل العالم مخلوقا لاجل البشر ~~واستفادته علة غائية؟. # قيل لك: نعم! ولكن مع كل ما مر لأجل وسعة روح الانسان وتبسط عقله وانبساط ~~استعداده وكثرة وانتشار استفادته من الكائنات.. وايضا لأجل عدم المزاحمة ~~والتجزي والمدافعة في جهة الاستفادة كنسبة الكلي الى جزئياته - اذ الكلي ~~بتمامه موجود في كل من جزئياته لامزاحمة ولا تجزء - جعل القرآن الكريم جهة ~~استفادة البشر التي هي غاية فذة من الوف الوف غايات السماء والأرض في منزلة ~~العلة الغائية كأنها هي العلة بالنظر الى الانسان. اي ان الانسان يستفيد من ~~الأرض عرصة لبيته والسماء سقفا له والنجوم قناديل والنباتات ذخائر، فحق لكل ~~فرد ان يقول: شمسي وسمائي وأرضي. ms125 فتأمل وعقلك معك! PageV01P162 # اما كيفيات (وانزل من السماء ماء فاخرج به من الثمرات رزقا لكم) فاعلم! ان ~~نسبة انزل الى الضمير اشارة الى ان القطرات انما تنزل بميزان قصد وترسل ~~بحكمة، حتى ان كل قطرة محفوفة بنظام مخصوص بأمارة عدم مصادمتها لأخواتها في ~~تلك المسافة البعيدة مع تلعب الهواء بها. فيؤذن ان ليست غواربها على ~~اعناقها 1، بل زمام كل في يد ملك ممثل لنظام ومعكس له. # أما (من السماء) فاشارة باقامة الظاهر مقام الضمير الى ان الغرض من هذه ~~السماء جهتها لا جرمها المخصوص. 2 # اما (ماء) مع ان المنزل ثلج وبرد ومطر، فاشارة الى المنشأ القريب ~~للاستفادة (وجعلنا من الماء كل شيء حي) 3. أما تنكيره فاشارة الى انه ماء ~~عجيب شأنه، غريب نظامه، مجهول لكم امتزاجاته الكميوية. # أما فاء (فاخرج) الموضوعة للتعقيب بلا مهلة مع المهلة بين نزول الماء ~~وخروج الثمر فتلويح الى ف"اهتزت الأرض وربت واخضرت وانبتت من كل زوج بهيج ~~فاخرج". أما نسبة "اخرج" الى الضمير فاشارة الى ان خروج الثمار ليس بتولد ~~وتركب فقط، بل الصانع الحكيم ينشؤها ويرتبها بصفات وخواص لاتوجد في مادتها. # أما (به) فبسبب تشرب المعنى الحقيقي - وهو الالصاق - للسببية رمز الى ~~لطافة طراوة الثمار، فيعلو اليها الماء - خلاف طبيعته - بوساطة "الآثار ~~الشعرية" فيملأ أقداح الثمرات ملصقا بها. # أما (من الثمرات) فلعدم خلوها من معنى الابتداء عند (سيبويه) يشير الى ~~مفعول يتنوع بتعين فهم السامع، أي ان من الثمرات أنواعا كما تشتهون. # أما تنوين (رزقا) فاشارة الى انه رزق مجهول لكم أسباب حصوله فيجئ من حيث ~~لا يحتسب. PageV01P163 # أما (لكم) فاشارة الى تأكيد معنى الامتنان.. وأيضا ايماء الى ان الرزق ~~لأجلكم فلا بأس من استفادة غيركم منه تبعا.. وكذا رمز الى انه تعالى كما ~~خصكم بالنعم فخصوه بالشكر. # أما نظم هيآت (فلا تجعلوا لله اندادا) فالفاء، ينظر الى الفقرات الأربعة: ~~أي لأنه هو المعبود فلا تشركوا، ولأنه هو القادر المطلق والأرض والسماء في ~~قبضته فلا تعتقدوا له شريكا، ولانه المنعم فلا تشركوا في ms126 شكره، ولأنه هو ~~خالقكم فلا تتخيلوا له شريكا. # أما (تجعلوا) بدل تعتقدوا فاشارة الى معنى (ان هي الا اسماء سميتموها) 1 ~~أي اسماء لا معنى لها تتخيلون لها وجودا بجعلكم. # أما تقديم (لله) فمع الاهتمام بجعله نصب العين ايماء الى ان منشأ النهي ~~كون الشريك لله. # اما (اندادا) فلفظ الند بمعنى: المثل، ومثله تعالى يكون عين ضده، وبينهما ~~تضاد، ففيه ايماء لطيف الى ان الند بين البطلان بنفسه.. أما الجمع فاشارة ~~الى نهاية جهالة المشركين وايماء الى التهكم بهم، أي كيف تجعلون لله الذي ~~لا شبيه له بوجه ما، جماعة من أمثال واضداد؟. وكذا رمز الى رد كل أنواع ~~الشرك أي لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في افعاله.. وتلويح الى رد ~~طبقات المشركين من الوثنيين والصابئين وأهل التثليث وأهل الطبيعة المعتقدين ~~بالتأثير الحقيقي للأسباب. # تذييل: منشأ الوثنية والأصنام إما تأليه النجوم أو تخيل الحلول أو توهم ~~الجسمية. # أما (وانتم تعلمون) فمع اخواتها من الفواصل اشارة الى ان منشأ الاسلامية ~~هو العلم وأساسها العقل، فمن شأنه ان يقبل الحقيقة ويرد سفسطة الاوهام. ثم ~~انه أطنب بايجاز ترك المفعول، أي وانتم تعلمون: ان لامعبود حقيقيا ولا خالق ~~ولا قادر مطلقا ولا منعم الا هو.. وكذا وانتم تعلمون ان الآلهة والأصنام ~~ليست بشيء، لا تقتدر على شيء وانها مخلوقة مجعولة تتخيلونها، فتدبر!. PageV01P164 ### | AUTO وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ~~وادعوا شهداءكم من دون الله ان كنتم صادقين 23 فان لم تفعلوا ولن تفعلوا ~~فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة اعدت للكافرين 24 # مقدمة في تحقيق النبوة # اعلم! انه كما اثبتت الآية السابقة اول المقاصد الأساسية القرآنية وهو ~~التوحيد؛ كذلك تثبت هذه الآية ثاني المقاصد الأربعة وهو اثبات نبوة محمد ~~عليه الصلاة والسلام بأكمل معجزاته الذي هو التحدي باعجاز القرآن الكريم. ~~ولقد فصلنا دلائل نبوته في كتاب آخر فلنلخص بعضها هنا في ست 1 مسائل: # المسألة الأولى: # اعلم! ان الاستقراء التام في أحوال الأنبياء ms127 مع الانتظام المطرد المسمى ~~بالقياس الخفي ينتج ان مدار نبوة الأنبياء وأساسها وكيفية معاملاتهم مع ~~اممهم - بشرط تجريد المسألة عن خصوصيات تأثير الزمان والمكان - يوجد بأكمل ~~وجه في محمد عليه الصلاة والسلام الذي هو استاذ البشر في سن كمال البشر، ~~فينتج بالطريق الاولى وبالقياس الأولوي انه أيضا رسول الله. فجميع الأنبياء ~~بألسنة معجزاتهم كأنهم شاهدون على صدق محمد عليه السلام الذي هو البرهان ~~النير على وجود الصانع ووحدته فتأمل ... # المسألة الثانية: # اعلم! ان كل حال من احواله وكل حركة من حركاته عليه السلام - وان لم يكن ~~خارقا - يلوح بالمبدأ على صدقه وبالمنتهى على حقانيته. ألا ترى انه عليه ~~السلام كيف كان حاله في أمثال واقعة الغار التي انقطع - بحسب العادة - أمل ~~الخلاص، PageV01P165 ~~يقول بكمال الوثوق والاطمئنان والجدية (لاتحزن ان الله معنا) 1!. فكما ان ~~ابتداءه بالحركة - بلا مبالاة لمعارض وبلا خوف وتردد مع كمال الاطمئنان - ~~يدل على تمسكه بالصدق؛ كذلك تأسيسه بانتهاء حركاته - لقواعد هي الأساس ~~لسعادة الدارين - واصابته للحق واتصاله بالحقيقة دليل على حقانيته، فهذا ~~فردا فردا. وأما اذا نظرت الى مجموع حركاته واحواله يتجلى لعينك برهان ~~نبوته كالبرق اللامع. فتبصر!.. # المسألة الثالثة: # اعلم! ان الزمان الماضي والحال - أي عصر السعادة - والاستقبال اتفقت على ~~تصديق نبوته كما ان ذاته دليل على نبوته. ولنطالع هذه الصحف الأربع: # فأولا: نتبرك بمطالعة ذاته عليه السلام. ولابد أولا من تصور أربع نكت: # إحداها: انه "ليس الكحل كالتكحل" أي لايصل الصنعي والتصنعي - ولو كانا ~~على أكمل الوجوه - مرتبة الطبيعي والفطري ولا يقوم مقامه، بل فلتات غلطات ~~هيئة حركة الصنعي تومئ بمزخرفيته. # والثانية: ان الاخلاق العالية انما تتصل بأرض الحقيقة بالجدية، وان ادامة ~~حياتها وانتظام مجموعها انما هي بالصدق. ولو ارتفع الصدق من بينها صارت ~~كهشيم تذروه الرياح. # والثالثة: هي انه كما يوجد الميل والجذب في الأمور المتناسبة، كذلك يوجد ~~الدفع والتنافر في الأمور المتضادة. # والرابعة: هي "ان للكل حكما ليس لكل" كقوة الحبل مع ضعف خيوطه.. # واذا تفطنت لهذه النكت فاعلم! ان آثار محمد عليه ms128 الصلاة والسلام وسيره ~~وتاريخ حياته تشهد - مع تسليم أعدائه - بانه لعلى خلق عظيم، وبانه قد اجتمع ~~فيه الخصائل العالية كافة. ومن شأن امتزاج تلك الأخلاق توليد عزة للنفس ~~وحيثية وشرف ووقار لاتساعد التنزل للسفاسف. فكما ان علو الملائكة لايساعد ~~لاختلاط الشياطين بينهم؛ كذلك تلك الأخلاق العالية بجمعها لا تساعد أصلا ~~لتداخل الحيلة PageV01P166 ~~والكذب بينها. ألا ترى ان الشخص المشتهر بالشجاعة فقط لا يتنزل للكذب الا ~~بعسر؟ فكيف بالمجموع؟ فثبت ان ذاته عليه السلام كالشمس دليل لنفسه.. # وأيضا اذا تأملت في حاله عليه السلام من الأربع الى اربعين - مع ان من ~~شأن الشبابية وتوقد الحرارة الغريزية ان تظهر ما يخفى وتلقي الى الظاهر ما ~~استتر في الطبيعة من الحيل - تراه عليه السلام قد تدرج في سنينه وعاشر ~~بكمال استقامة ونهاية متانة وغاية عفة واطراد وانتظام. ما اومأ حال من ~~أحواله الى حيلة، لاسيما في مقابلة المعاندين الأذكياء. وبينما تراه عليه ~~السلام كذلك اذ تنظر اليه وهو على رأس اربعين سنة - الذي من شأنه جعل ~~الحالات ملكة والعادات طبيعة ثابتة لا تخالف - قد تكشف عليه السلام عن شخص ~~خارق قد اوقع في العالم انقلابا عظيما عجيبا. فما هو الا من الله. # المسألة الرابعة: # اعلم! ان صحيفة الماضي المشتملة على قصص الأنبياء المذكورة على لسانه ~~عليه السلام في القرآن الكريم برهان على نبوته بملاحظة أربع نكت. # إحداها: إن من يأخذ أساسات فن ويعرف العقد الحياتية فيه ويحسن استعمالها ~~في مواضعها ثم يبني مدعاه عليها؛ يدل ذلك على مهارته وحذاقته في ذلك الفن. # النكتة الثانية: هي انك ان كنت عارفا بطبيعة البشر لا ترى أحدا يتجاسر ~~وبلا تردد وبلا مبالاة بسهولة على مخالفة وكذب ولو صغيرا.. في قوم ولو ~~قليلين.. في دعوى ولو حقيرة.. بحيثية ولو ضعيفة. فكيف بمن له حيثية في غاية ~~العظمة.. وفي دعوى في غاية الجلالة.. في قوم في غاية الكثرة.. في مقابلة ~~عناد في غاية الشدة مع انه امي لم يقرأ.. يبحث عن أمور لا يستقل فيها العقل ~~ويظهرها بكمال ms129 الجدية، ويعلنها على رؤوس الأشهاد. أفلا يدل هذا على صدقه ~~وانه ليس منه بل من الله؟ # الثالثة: هي ان كثيرا من العلوم المتعارفة عند المدنيين - بتعليم العادات ~~والأحوال وتلقين الوقوعات والأفعال - مجهولة نظرية عند البدويين. فبناء ~~علىه لابد لمن يحاكم ويتحرى حال البدويين - لا سيما في القرون الخالية - ان ~~يفرض نفسه في تلك البادية. PageV01P167 # الرابعة: هي انه لو ناظر امي علماء فن - ولو فن الصرف - ثم بين رأيه في ~~مسائله مصدقا في مظان الاتفاق، ومصححا في مطارح الاختلاف؛ افلا يدلك ذلك ~~على تفوقه، وأن علمه وهبي؟. # اذا عرفت هذه النكت: فاعلم! ان محمدا العربي عليه السلام مع اميته قص ~~علينا بلسان القرآن الكريم قصص الاولين والانبياء قصة من حضر وشاهد، وبين ~~أحوالهم وشرح أسرارهم على رؤوس العالم في دعوى عظيمة تجلب اليها دقة ~~الأذكياء. وقد قص بلا مبالاة، وأخذ العقد الحياتية فيها واساساتها مقدمة ~~لمدعاه، مصدقا فيما اتفقت عليه الكتب السالفة، ومصححا فيما اختلفت فيه. ~~كأنه بالروح الجوال المعكس للوحي الالهي طي الزمان والمكان، فتداخل في ~~اعماق الماضي فبين كأنه مشاهد. فثبت ان حاله هذه دليل نبوته وإحدى معجزاته. ~~فمجموع دلائل نبوة الأنبياء في حكم دليل معنوي له، وجميع معجزات الانبياء ~~في حكم معجزة معنوية له. # المسألة الخامسة: # في بيان صحيفة عصر السعادة لا سيما مسألة جزيرة العرب. فها هنا أيضا أربع نكت: # احداها: انك اذا تأملت في العالم ترى انه قد يتعسر ويستشكل رفع عادة ولو ~~حقيرة في قوم ولو قليلين. أو خصلة ولو ضعيفة.. في طائفة ولو ذليلين.. على ~~ملك ولو عظيما.. بهمة ولو شديدة. في زمان مديد بزحمة كثيرة 1. فكيف انت بمن ~~لم يكن حاكما، تشبث في زمان قليل بهمة جزئية - بالنسبة الى المفعول - وقلع ~~عادات ورفع أخلاقا قد استقرت بتمام الرسوخ واستؤنس بها نهاية استيناس ~~واستمرت غاية استمرار، فغرس فجأة بدلها عادات وأخلاقا تكملت دفعة عن قلوب ~~قوم في غاية الكثرة ولمألوفاتهم في نهاية التعصب. أفلا تراه خارقا ~~للعادات؟.. # النكتة الثانية: هي ان الدولة شخص معنوي. ms130 تشكلها تدريجي كنمو الطفل، ~~وغلبتها للدولة العتيقة - التي صارت أحكامها كالطبيعة الثابتة لملتها - ~~متمهلة. أفلا PageV01P168 ~~يكون حينئذ من الخارق لعادة تشكل الدول تشكيل محمد عليه السلام لحكومة ~~عظيمة دفعة، مهيئة لنهاية الترقي، متضمنة للأساسات العالية الأبدية مع ~~غلبتها للدول العظيمة دفعة مع ابقاء حاكميته لا على الظاهر فقط، بل ظاهرا ~~وباطنا ومادة ومعنى. # النكتة الثالثة: هي انه يمكن بالقهر والجبر تحكم ظاهري، وتسلط سطحي. لكن ~~الغلبة على الأفكار، والتأثير بالقاء حلاوته في الأرواح، والتسلط على ~~الطبائع مع محافظة حاكميته على الوجدان دائما لا يكون الا من خوارق ~~العادات.. وليس الا الخاصة الممتازة للنبوة. # النكتة الرابعة: هي ان تدوير أفكار العموم وارشادها بحيل الترهيب ~~والترغيب والخوف والتكليف انما يكون تأثيرها جزئيا سطحيا موقتا يسد طريق ~~المحاكمة العقلية في زمان. أما من نفذ في أعماق القلوب بارشاده، وهيج دقائق ~~الحسيات، وكشف اكمام الاستعدادات، وأيقظ الأخلاق، وأظهر الخصائل المستورة، ~~وجعل جوهر انسانيتهم فوارا، وأبرز قيمة ناطقيتهم؛ فانما هو مقتبس من شعاع ~~الحقيقة ومن الخوارق للعادة. بينما ترى شخصا في قساوة قلبه يقبر بنته حية ~~ولا يتألم ولا يتأثر اذ تراه بعد يوم - وقد اسلم - يترحم على نحو النمل، ~~ويتألم بألم حيوان. فبالله عليك أينطبق هذا الانقلاب الحسي على قانون؟. # فاذا عرفت هذه النكت تأمل في نقطة أخرى وهي: # ان تاريخ العالم يشهد ان الداهي الفريد انما هو الذي اقتدر على انعاش ~~استعداد عمومي، وايقاظ خصلة عمومية، والتسبب لانكشاف حس عمومي؛ اذ من لم ~~يوقظ هكذا حسا نائما يكون سعيه هباء موقتا ولو كان جليلا في نفسه.. وأيضا ~~ان التاريخ يرينا ان أعظم الناس هو الموفق لايقاظ واحد أو اثنين أو ثلاث من ~~هذه الحسيات العمومية: كحس الحمية الملية، وحس الاخوة، وحس المحبة، وحس ~~الحرية الخ. أفلا يكون اذا ايقاظ الوف من الحسيات - المستورة العالية، ~~وجعلها فوارة منكشفة في قوم بدويين منتشرين في جزيرة العرب تلك الصحراء ~~الوسيعة - من الخوارق؟.. نعم 1.! هو من ضياء شمس الحقيقة. PageV01P169 # فيا هذا! من لم يدخل في عقله هذه ms131 النقطة ندخل جزيرة العرب في عينه. فهذه ~~جزيرة بعد ثلاثة عشر عصرا وبعد ترقي البشر في مدارج التمدن!.. فانتخب ايها ~~المعاند من أكمل الفلاسفة مائة، فليسعوا مائة سنة فان فعلوا جزءا من مائة ~~جزء مما فعله محمد العربي عليه الصلاة والسلام بالنسبة الى زمانه 1 ... فان ~~لم تفعل - ولن تفعل - فاتق عاقبة العناد! نعم، هذه الحالة خارقة للعادة وان ~~هي الا معجزة من معجزاته عليه الصلاة والسلام. # واعلم أيضا: ان من اراد التوفيق يلزم عليه ان يكون له مصافاة مع عادات ~~الله، ومعارفة مع قوانين الفطرة، ومناسبة مع روابط الهيئة الاجتماعية. ~~والا، أجابته الفطرة بعدم الموفقية جواب إسكات.. # وأيضا من تحرك بمسلك في الهيئة الاجتماعية يلزمه ان لا يخالف حركة ~~الجريان العمومي. والا، طيره ذلك الدولاب عن ظهره فيسقط في يده. فاذا من ~~ساعده التوفيق في ذلك الجريان كمحمد عليه السلام يثبت انه متمسك بالحق. # فاذا تفهمت هذا، تأمل في حقائق الشريعة مع تلك المصادمات العظيمة ~~والانقلابات العجيبة، وفي هذه الأعصار المديدة ترها قد حافظت على موازنة ~~قوانين الفطرة وروابط الاجتماعيات اللاتي بدقتها لا تتراءى للعقول مع كمال ~~المناسبة والمصافاة معها. فكلما امتد الزمان تظاهر الاتصال بينها. ويتظاهر ~~من هذه الحالة؛ ان الاسلامية هي الدين الفطري لنوع البشر وانها حق، لهذا ~~لاينقطع ان رق. ألا ترى ان الترياق الشافي للسموم القاتلة في الهيئة ~~الاجتماعية انما هو أمثال "حرمة الربا ووجوب الزكاة" اللتين هما مسألتان في ~~ألوف مسائل تلك الشريعة. # فاذا عرفت هذه النكت الأربع مع هذه النقط الثلاث، اعلم! ان محمدا الهاشمي ~~عليه الصلاة والسلام مع انه امي لم يقرأ ولم يكتب، ومع عدم قوته الظاهرية ~~وعدم حاكميته له أو لسلفه، وعدم ميل تحكم وسلطنة، قد تشبث بقلبه بوثوق ~~واطمئنان في موقع في غاية الخطر وفي مقام مهم، بأمر عظيم فغلب على الأفكار، ~~وتحبب الى الأرواح، وتسلط على الطبائع، وقلع من أعماق قلوبهم العادات ~~والأخلاق الوحشية المألوفة الراسخة المستمرة الكثيرة. ثم غرس في موضعها في ~~غاية الإحكام والقوة - PageV01P170 ~~كأنها اختلطت ms132 بلحمهم ودمهم - أخلاقا عالية وعادات حسنة، وقد بدل قساوة قلوب ~~قوم خامدين في زوايا الوحشة بحسيات رقيقة وأظهر جوهر انسانيتهم. ثم أخرجهم ~~من زاوية الوحشة ورقي بهم الى اوج المدنية وصيرهم معلمي عالمهم، وأسس لهم ~~دولة ابتلعت الدول كعصا موسى فلما ظهرت صارت كالشعلة الجوالة والنور النوار ~~فاحرقت روابط الظلم والفساد، وجعل سرير تلك الدولة الدفعية في زمان قليل ~~الشرق والغرب. أفلا تدل هذه الحالة على ان مسلكه حقيقة وانه صادق في دعواه؟ # المسألة السادسة: # في صحيفة المستقبل لاسيما "مسألة الشريعة". ولابد من ملاحظة أربع نكت في ~~هذه المسألة: # احداها: ان شخصا ولو خارقا انما يتخصص ويصير صاحب ملكة في أربعة فنون او ~~خمسة فقط. # النكتة الثانية: إن كلاما واحدا قد يتفاوت بصدوره عن متكلمين، فكما يدل ~~على سطحية أحد وجهله.. يدل على ماهرية الآخر وحذاقته مع ان الكلام هو ~~الكلام؛ اذ احدهما لما نظر الى المبدأ والمنتهى، ولاحظ السياق والسباق، ~~واستحضر مناسبته مع أخواته، ورأى موضعا مناسبا فأحسن الاستعمال فيه، وتحرى ~~أرضا منبتة فزرعه فيها؛ ظهر منه انه خارق وصاحب ملكة فيما هذا الكلام منه. ~~وكل فذلكات القرآن الكريم من الفنون وملتقطاته انما هي من هذا القبيل. # النكتة الثالثة: هي ان كثيرا من الامور العادية الآن - بسبب تكمل المبادئ ~~والوسائط حتى يلعب بها الصبيان - لو كانت قبل هذا بعصرين لعدت من الخوارق. ~~فما يحافظ شبابيته وطراوته وغرابته على هذه الاعصار المديدة يكون البتة من ~~خوارق العادات والعادات الخارقة. # النكتة الرابعة: هي ان الارشاد انما يكون نافعا اذا كان على درجة استعداد ~~أفكار الجمهور الأكثر. والجمهور - باعتبار المعظم - عوام. والعوام لا ~~يقتدرون على رؤية الحقيقة عريانة ولا يستأنسون بها الا بلباس خيالهم ~~المألوف. فلهذه النكتة صور القرآن PageV01P171 ~~الكريم تلك الحقائق بمتشابهات وتشبيهات واستعارات وحفظ الجمهور الذين لم ~~يتكملوا عن الوقوع في ورطة المغلطة. فأبهم وأهمل في المسائل التي يعتقد ~~الجمهور - بالحس الظاهري - خلاف الواقع ضروريا، لكن مع ذلك أومأ الى ~~الحقيقة بنصب امارات. # فاذا تفطنت لهذه النكت، اعلم! ان الديانة ms133 والشريعة الاسلامية المؤسسة على ~~البرهان العقلي ملخصة من علوم وفنون تضمنت العقد الحياتية في جميع العلوم ~~الأساسية: من فن تهذيب الروح، وعلم رياضة القلب، وعلم تربية الوجدان، وفن ~~تدبير الجسد، وعلم تدوير المنزل، وفن سياسة المدنية، وعلم نظامات العالم، ~~وفن الحقوق، وعلم المعاملات، وفن الآداب الاجتماعية، وكذا وكذا وكذا ... ~~الخ. مع ان الشريعة فسرت وأوضحت في مواقع اللزوم ومظان الاحتياج، وفيما لم ~~يلزم او لم يستعد له الاذهان او لم يساعد له الزمان اجملت بفذلكة ووضعت ~~أساسا احالت الاستنباط منه وتفريعه ونشو نمائه على مشورة العقول. والحال ان ~~كل هذه الفنون بل ثلثها بعد ثلاثة عشر عصرا - مع انبساط تلاحق الأفكار ~~وتوسع نتائجها، وكذا في المواقع المتمدنة، وكذا في الأذكياء - لايوجد في ~~شخص. فمن زين وجدانه بالانصاف يصدق بان حقيقة هذه الشريعة خارجة عن طاقة ~~البشر دائما لاسيما في ذلك الزمان، ويصدق بمآل (لم تفعلوا ولن تفعلوا) . # "والفضل ما شهدت به الاعداء": فهذا "قارلائيل" 1 فيلسوف امريكا نقل عن ~~الأديب الشهير الالماني وهو "كوته" 2 اذ قال بعد ما أمعن النظر في حقائق ~~القرآن الكريم عجبا أيمكن تكمل العالم المدني في دائرة الاسلامية؟ فأجاب ~~بنفسه: نعم! بل PageV01P172 ~~المحققون الآن مستفيدون بجهة من تلك الدائرة. ثم قال الناقل: لما طلعت ~~حقائق القرآن الكريم صارت كالنار الجوالة وابتعلت سائر الاديان، فحق له؛ اذ ~~لايحصل شيء من سفسطيات النصارى وخرافات اليهود. فصدق ذلك الفيلسوف مآل ~~(فأتوا بسورة من مثله.. فان لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار) . # فان قلت: ان القرآن الكريم وكذا مفسره - أعني الحديث - انما اخذ من كل فن ~~فذلكة، واحاطة فذلكات كثيرة ممكنة لشخص. # قيل لك: ان الفذلكة بحسن الاصابة في موقعها المناسب، واستعمالها في أرض ~~منبتة مع أمور مرموزة غير مسموعة - قد اشرنا اليها في النكتة الثانية - تشف ~~كالزجاجة عن ملكة تامة في ذلك الفن واطلاع تام في ذلك العلم فتكون الفذلكة ~~في حكم العلم ولا يمكن لشخص أمثال هذه. # اعلم! ان نتيجة هذه المحاكمات هي ان تستحضر اولا ما ms134 سيأتي من القواعد وهي: # ان شخصا لايتخصص في فنون كثيرة.. وان كلاما واحدا يتفاوت من شخصين، يكون ~~بالنظر الى واحد ذهبا والى الآخر فحما.. وان الفنون نتيجة تلاحق الأفكار ~~وتتكمل بمرور الزمان.. وان كثيرا من النظريات في الماضي صارت بديهية الآن.. ~~وان قياس الماضي على هذا الزمان قياس مثبط مع الفارق.. وان أهل الصحراء ~~لاتستر بساطتهم وصفوتهم الحيل والدسائس التي تختفي تحت حجاب المدنية.. وان ~~كثيرا من العلوم انما يتحصل بتلقين العادات والوقوعات وبتدريس الأحوال ~~لطبيعة البشر باعداد الزمان والمحيط.. وان نور نظر البشر لاينفذ في ~~المستقبل ولا يرى الكيفيات المخصوصة.. وانه كما ان لحياة البشر عمرا طبيعيا ~~ينقطع؛ كذلك لقانونه عمر طبيعي ينتهي البتة.. وان للمحيط الزماني والمكاني ~~تأثيرا عظيما في أحوال النفوس.. وان كثيرا من الخوارق الماضية تصير عادية ~~بتكمل المبادئ.. وان الذكاء ولو كان خارقا لا يقتدر على ايجاد فن وتكميله ~~دفعة بل كالصبي يتدرج. # واذا استحضرت هذه المسائل وجعلتها نصب عينيك فتجرد وتعر من الخيالات ~~الزمانية والأوهام المحيطية، ثم غص من ساحل هذا العصر في بحر الزمان، مارا ~~تحته الى ان تخرج من جزيرة عصر السعادة ناظرا على جزيرة العرب!.. ثم ارفع ~~رأسك والبس PageV01P173 ~~ما خاط لك ذلك الزمان من الأفكار، ثم انظر في تلك الصحراء الوسيعة!. فأول ~~ما يتجلى لعينك: انك ترى انسانا وحيدا لا معين له ولا سلطنة يبارز الدنيا ~~برأسه.. ويهجم على العموم.. وحمل على كاهله حقيقة اجل من كرة الارض.. وأخذ ~~بيده شريعة هي كافلة لسعادة الناس كافة.. وتلك الشريعة كأنها زبدة وخلاصة ~~من جميع العلوم الالهية والفنون الحقيقية.. وتلك الشريعة ذات حياة لا ~~كاللباس بل كالجلد، تتوسع بنمو استعداد البشر وتثمر سعادة الدارين، وتنظم ~~أحوال نوع الانسان كأهل مجلس واحد. فإن سئلت قوانينها من اين الى اين؟ ~~لقالت بلسان اعجازها: نجئ من الكلام الأزلي ونرافق فكر البشر الى الأبد، ~~فبعد قطع هذه الدنيا نفارق صورة من جهة التكليف ولكن نرافق دائما ~~بمعنوياتنا واسرارنا فنغذي روحهم ونصير دليلهم.. فيا هذا أفلا يتلو ms135 عليك ما ~~شاهدت الأمر التعجيزي في (فأتوا بسورة من مثله.. فان لم تفعلوا ولن تفعلوا) ..الخ. # ثم اعلم ان آية (وان كنتم في ريب مما نزلنا) ... الخ: تشير الى ان ناسا - ~~بسبب الغفلة عن مقصود الشارع في ارشاد الجمهور وجهلهم بلزوم كون الارشاد ~~بنسبة استعداد الأفكار - وقعوا في شكوك وريوب منبعها ثلاثة امور: # احدها: انهم يقولون: وجود المتشابهات والمشكلات في القرآن الكريم مناف ~~لإعجازه المؤسس على البلاغة المبنية على ظهور البيان ووضوح الافادة. # والثاني: انهم يقولون: ان القرآن الكريم اطلق وأبهم في حقائق الخلقة ~~وفنون الكائنات مع انه مناف لمسلك التعليم والارشاد. # والثالث: انهم يقولون: ان بعض ظواهر القرآن الكريم اميل الى خلاف الدليل ~~العقلي فيحتمل خلاف الواقع وهو مخالف لصدقه. # الجواب - وبالله التوفيق - ايها المشككون اعلموا!. ان ما تتصورونه سببا ~~للنقص انما هو شواهد صدق على سر اعجاز القرآن الكريم. # أما الجواب عن الريب الأول وهو وجود المتشابهات والمشكلات: # فاعلم! ان ارشاد القرآن الكريم لكافة الناس، والجمهور الأكثر منهم عوام، ~~والأقل تابع للأكثر في نظر الارشاد. والخطاب المتوجه نحو العوام يستفيد منه الخواص PageV01P174 ~~ويأخذون حصتهم منه.. ولو عكس لبقي العوام محرومين، مع ان جمهور العوام لا ~~يجردون اذهانهم عن المألوفات والمتخيلات، فلا يقتدرون على درك الحقائق ~~المجردة والمعقولات الصرفة الا بمنظار متخيلاتهم وتصويرها بصورة مألوفاتهم. ~~لكن بشرط ان لايقف نظرهم على نفس الصورة حتى يلزم المحال والجسمية او الجهة ~~بل يمر نظرهم الى الحقائق. # مثلا: ان الجمهور انما يتصورون حقيقة التصرف الالهي في الكائنات بصورة ~~تصرف السلطان الذي استوى على سرير سلطنته. ولهذا اختار الكناية في (الرحمن ~~على العرش استوى) 1 واذا كانت حسيات الجمهور في هذا المركز فالذي يقتضيه ~~منهج البلاغة ويستلزمه طريق الارشاد رعاية افهامهم واحترام حسياتهم، ~~ومماشاة عقولهم ومراعاة أفكارهم. كمن يتكلم مع صبي فهو يتصبى في كلامه ~~ليفهمه ويستأنس به. فالأساليب القرآنية في أمثال هذه المنازل المرعي فيها ~~الجمهور تسمى ب"التنزلات الإلهية الى عقول البشر"، فهذا التنزل لتأنيس ~~اذهانهم. فلهذا وضع صور المتشابهات منظارا على ms136 نظر الجمهور. ألا ترى كيف ~~أكثر البلغاء من الاستعارات لتصور المعاني الدقيقة، أو لتصوير المعاني ~~المتفرقة! فما هذه المتشابهات الا من أقسام الاستعارات الغامضة، اذ انها ~~صور للحقائق الغامضة. # أما كون العبارة مشكلا؛ فإما لدقة المعنى وعمقه، وايجاز الاسلوب وعلويته، ~~فمشكلات القرآن الكريم من هذا القبيل.. وإما لإغلاق اللفظ وتعقيد العبارة ~~المنافي للبلاغة، فالقرآن الكريم مبرأ منه. فيا أيها المرتاب! أفلا يكون من ~~عين البلاغة تقريب مثل هذه الحقائق العميقة البعيدة عن أفكار الجمهور الى ~~أفهام العوام بطريق سهل؟ اذ البلاغة مطابقة مقتضى الحال فتأمل.. # أما الجواب عن الريب الثاني، وهو ابهام القرآن في بحث تشكل الخلقة على ما ~~شرحته الفنون الجديدة: # فاعلم! ان في شجرة العالم ميل الاستكمال، وتشعب منه في الانسان ميل ~~الترقي، وميل الترقي كالنواة يحصل نشوه ونماءه بواسطة التجارب الكثيرة، ~~ويتشكل ويتوسع بواسطة تلاحق نتائج الأفكار؛ فيثمر فنونا مترتبة بحيث لا ~~ينعقد المتأخر الا بعد PageV01P175 ~~تشكل المتقدم، ولا يكون المتقدم مقدمة للمؤخر الا بعد صيرورته كالعلوم ~~المتعارفة. فبناء على هذا السر لو أراد أحد تعليم فن أو تفهيم علم - وهو ~~انما تولد بتجارب كثيرة - ودعا الناس اليه قبل هذا بعشرة أعصر لا يفيد الا ~~تشويش اذهان الجمهور، ووقوع الناس في السفسطة والمغلطة. # مثلا: لو قال القرآن الكريم" ايها الناس انظروا الى سكون الشمس 1 وحركة ~~الأرض واجتماع مليون حيوان في قطرة، لتتصوروا عظمة الصانع" لأوقع الجمهور ~~إما في التكذيب واما في المغالطة مع أنفسهم والمكابرة معها بسبب ان حسهم ~~الظاهري - أو غلط الحس - يرى سطحية الأرض ودوران الشمس من البديهيات ~~المشاهدة. والحال ان تشويش الاذهان - لا سيما في مقدار عشرة أعصر لتشهي بعض ~~أهل زماننا - مناف لمنهاج الارشاد وروح البلاغة. # يا هذا! لا تظنن قياس أمثالها على النظريات المستقبلة من أحوال الآخرة ~~2.. اذ الحس الظاهري لما لم يتعلق بجهة منها بقيت في درجة الامكان فيمكن ~~الاعتقاد والاطمئنان بها فحقها الصريح التصريح بها. لكن ما نحن فيه لما خرج ~~من درجة الامكان والاحتمال في نظرهم - بحكم غلط ms137 الحس - الى درجة البداهة ~~عندهم فحقه في نظر البلاغة الابهام والاطلاق احتراما لحسياتهم وحفظا ~~لاذهانهم من التشويش. ولكن مع ذلك اشار القرآن الكريم ورمز ولوح الى ~~الحقيقة، وفتح الباب للأفكار ودعاها للدخول بنصب امارات وقرائن. فيا هذا! ~~ان كنت من المنصفين اذا تأملت في دستور "كلم الناس على قدر عقولهم" ورأيت ~~ان أفكار الجمهور لعدم اعداد الزمان والمحيط لا تتحمل ولاتهضم التكليف بمثل ~~هذه الأمور - التي انما تتولد بنتائج تلاحق الأفكار - لعرفت ان ما اختاره ~~القرآن الكريم من الابهام والاطلاق من محض البلاغة ومن دلائل اعجازه. # اما الجواب عن الريب الثالث، وهو امالة بعض ظواهر الآيات الى منافي ~~الدلائل العقلية وما كشفه الفن: PageV01P176 # فاعلم! ان المقصد الأصلي في القرآن الكريم ارشاد الجمهور الى أربعة اساسات ~~هي: اثبات الصانع الواحد، والنبوة، والحشر، والعدالة.. فذكر الكائنات في ~~القرآن الكريم انما هو تبعي واستطرادي للاستدلال؛ اذ ما نزل القرآن لدرس ~~الجغرافيا والقوزموغرافيا 1، بل انما ذكر الكائنات للاستدلال بالصنعة ~~الإلهية والنظام البديع على النظام الحقيقي جل جلاله. والحال ان اثر الصنعة ~~والعمد والنظام يتراءى في كل شيء. وكيف كان التشكل فلا علينا؛ اذ لا يتعلق ~~بالمقصد الأصلي، فحينئذ ما دام انه يبحث عنها للاستدلال، وما دام انه يجب ~~كونه معلوما قبل المدعى، وما دام انه يستحسن وضوح الدليل.. كيف لا يقتضي ~~الارشاد والبلاغة تأنيس معتقداتهم الحسية، ومماشاة معلوماتهم الأدبية ~~بامالة بعض ظواهر النصوص، اليها، لا ليدل عليها بل من قبيل الكنايات او ~~مستتبعات التراكيب مع وضع قرائن وامارات تشير الى الحقيقة لأهل التحقيق. # مثلا: لو قال القرآن الكريم في مقام الاستدلال: "ايها الناس! تفكروا في ~~سكون الشمس مع حركتها الصورية، وحركة الأرض اليومية والسنوية مع سكونها ~~ظاهرا، وتأملوا في غرائب الجاذب العمومي بين النجوم، وانظروا الى عجائب ~~الالكتريك والى الامتزاجات الغير المتناهية بين العناصر السبعين، والى ~~اجتماع الوف الوف حيوانات في قطرة ماء لتعلموا ان الله على كل شيء قدير!.." ~~لكان الدليل اخفى واغمض واشكل بدرجات من المدعى. وإن هذا الا مناف لقاعدة ~~الاستدلال. ms138 ثم لأنها من قبيل الكنايات لا يكون معانيها مدار صدق وكذب. ألا ~~ترى ان لفظ "قال" ألفه يفيد خفة سواء كان أصله واوا أو قافا أو كافا. # الحاصل: ان القرآن الكريم لأنه نزل لجميع الانسان في جميع الأعصار يكون ~~هذه النقط الثلاث دلائل اعجازه. والذي علم القرآن المعجز ان نظر البشير ~~النذير وبصيرته النقادة ادق وأجل وأجلى وأنفذ من ان يلتبس او يشتبه عليه ~~الحقيقة بالخيال، وان مسلكه الحق أغنى وأعلى وأنزه وأرفع من ان يدلس أو ~~يغالط على الناس!. PageV01P177 # المسألة السابعة: # اعلم! ان كتب السير والتاريخ قد ذكرت كثيرا من معجزاته المحسوسة، ~~والخوارق الظاهرة المشهورة عند الجمهور، وقد فسرها المحققون. فلأن تعليم ~~المعلوم ضائع، احلنا التفصيل على كتبهم فلنجمل بذكر الأنواع: # فاعلم! ان الخوارق الظاهرة وان كان كل فرد منها آحاديا غير متواتر لكن ~~الجنس وكثيرا من الأنواع متواتر بالمعنى. ثم ان انواعها ثلاثة: # الأول: الارهاصات المتنوعة كانطفاء نار المجوس، ويبوسة بحر ساوة، وانشقاق ~~ايوان كسرى، وبشارات الهواتف. حتى كأنه يتخيل للانسان ان العصر الذي ولد ~~فيه النبي عليه الصلاة والسلام صار حساسا ذا كرامة فبشر بقدومه بالحس قبل ~~الوقوع. # النوع الثاني: الاخبارات الغيبية الكثيرة من فتح كنوز كسرى وقيصر، وغلبة ~~الروم، وفتح مكة، وأمثالها. كأن روحه المجرد الطيار مزق قيد الزمان المعين ~~والمكان المشخص، فجال في جوانب المستقبل فقال لنا كما شاهد. # النوع الثالث: الخوارق الحسية التي أظهرها وقت التحدي والدعوى. كتكلم ~~الحجر، وحركة الشجر وشق القمر، وخروج الماء. وقد قال الزمخشري: بلغ هذا ~~النوع إلى الف. وأصناف من هذا النوع متواترة بالمعنى حتى ان (وانشق القمر) ~~لم يتصرف في معناه من أنكر القرآن الكريم أيضا. PageV01P178 # فإن قلت: مثل انشقاق القمر لابد أن يشتهر في العالم ويتعارف. # قيل لك: فلإختلاف المطالع، ووجود السحاب، وعدم الترصد للسماء كما في هذا ~~الزمان، ولكونه في وقت الغفلة، ولوجوده في الليل، ولكون الانشقاق آنيا.. ~~لايلزم ان يراه كل الناس أو أكثرهم. على انه قد ثبت في الروايات انه قد رآه ~~كثير من ms139 القوافل الذين كان مطلعهم ذلك المطلع. # ثم أن رئيس هذه المعجزات هو القرآن المبين المبرهن اعجازه بجهات سبع أشير ~~اليها في هذه الآية. # واذ تفهمت هذه المسائل فاستمع لما يتلى عليك من نظم الآىة بوجوهها ~~الثلاثة؛ من نظم المجموع بما قبله، ونظم الجمل بعضها مع بعض، ونظم هيئات ~~وقيود جملة جملة. # أما النظم الأول فمن وجهين: | الأول: انه لما قال (يا ايها الناس) لإثبات التوحيد - على تفسير ابن عباس ~~- اثبت بهذه نبوة محمد عليه الصلاة والسلام الذي هو من اظهر دلائل التوحيد. ~~ثم ان اثبات النبوة بالمعجزات. وأعظم المعجزات هو القرآن. وادق وجوه اعجاز ~~القرآن ما في بلاغة نظمه. ثم انه اتفق الاسلام على ان القرآن معجز.. الا ان ~~المحققين اختلفوا في طرق الاعجاز، لكن لاتزاحم بين تلك الطرق، بل كل اختار ~~جهة من جهاته. فعند بعض اعجازه: اخباره بالغيوب.. وعند بعض: جمعه للحقائق ~~والعلوم.. وعند بعض: سلامته من التخالف والتناقض.. وعند بعض: غرابة اسلوبه ~~وبديعيته في مقاطع ومبادئ الآيات والسور.. وعند بعض: ظهوره من امي لم يقرأ ~~ولم يكتب.. وعند بعض: بلوغ بلاغة نظمه الى درجة خارجة عن طوق البشر. وكذا ~~وكذا.. الخ. # ثم اعلم! ان معرفة هذا النوع من الاعجاز تفصيلا انما تحصل بمطالعة أمثال ~~هذا التفسير، واجمالا يعرف بثلاث طرق. (كما حققها عبد القاهر الجرجاني شيخ ~~البلاغة والزمخشري والسكاكي والجاحظ 1.) PageV01P179 ~~الطريق الأول: هو ان قوم العرب كانوا بدويين اميين ولهم محيط عجيب ~~يناسبهم.. وقد انتبهوا بالانقلابات العظيمة في العالم.. وكان ديوانهم الشعر ~~وعلمهم البلاغة، ومفاخرتهم بالفصاحة في أمثال سوق عكاظ.. وكانوا أذكى ~~الأقوام.. وكانوا أحوج الناس لجولان الذهن اذا.. ولقد كان لأذهانهم فصل ~~الربيع، فطلع عليهم القرآن الكريم بحشمة بلاغته فمحا وبهر تماثيل بلاغتهم ~~وهي "المعلقات السبعة" المكتوبة بذوب الذهب على جدار الكعبة. مع ان اولئك ~~الفصحاء البلغاء - الذين هم أمراء البلاغة وحكام الفصاحة - ما عارضوا ~~القرآن وما حاروا ببنت شفة، مع شدة تحدي النبي عليه السلام لهم، ولومه لهم، ~~وتقريعه اياهم، وتسفيهه لأحلامهم، وتحريكه لاعصابهم في ms140 زمان طويل، وترذيله ~~لهم مع ان من بلغائهم من يحك بيافوخه 1 كتف السماء، ومنهم من يناطح ~~السماكين 2 بكبره فلولا انهم ارادوا وجربوا أنفسهم فأحسوا بالعجز، لما ~~سكتوا عن المعارضة البتة؛ فعجزهم دليل اعجاز القرآن. # والطريق الثاني: هو ان اهل العلم والتدقيق واهل التنقيد الذين يعرفون ~~خواص الكلام ومزاياه ولطائفه تأملوا في القرآن سورة سورة، وعشرا عشرا، وآية ~~آية، وكلمة كلمة؛ فشهدوا بانه جامع لمزايا ولطائف وحقائق لاتجتمع في كلام ~~بشر. فهؤلاء الشهداء الوف الوف. والذي يدل على صدق شهادتهم هو ان القرآن ~~أوقع في العالم الانساني تحولا عظيما، واسس ديانة واسعة، وادام على وجه ~~الزمان ما اشتمل عليه من العلوم. فكلما شاب الزمان شب، وكلما تكرر حلا. ~~فاذا (ان هو الا وحي يوحى) 3. # والطريق الثالث: 4 كما حققه الجاحظ: هو ان الفصحاء والبلغاء مع شدة ~~احتياجهم الى إبطال دعوى النبي عليه السلام، ومع شدة حقدهم وعنادهم له ~~تركوا المعارضة بالحروف الطريق الأسلم والأقرب والأسهل، والتجأوا الى ~~المقارعة بالسيوف الطريق الأصعب الأطول المشكوكة العاقبة الكثيرة المخاطر؛ ~~وهم بدرجة من الذكاء PageV01P180 ~~السياسي، لا يمكن ان يخفى عليهم التفاوت بين هذين الطريقين. فمن ترك الطريق ~~الأول لو امكن - مع انه أشد إبطالا لدعواه - واختار طريقا أوقع ماله وروحه ~~في المهالك فهو إما سفيه، وهو بعيد ممن ساسوا العالم بعد ان اهتدوا.. وإما ~~انه أحس من نفسه العجز عن السلوك في الطريق الأول فاضطر للطريق الثاني. # فان قلت: يمكن ان تكون المعارضة ممكنة؟ # قيل لك: لو امكنت لطمع فيها ناس لتحريك أعصابهم لها. ولو طمعوا لفعلوا ~~لشدة احتياجهم. ولو عارضوا لتظاهرت للرغبة وكثرة الأسباب للظهور. ولو ~~تظاهرت لوجد من يلتزمها ويدافع عنها ويقول: انه قد عورض لا سيما في ذلك ~~الزمان. ولو كان لها ملتزمون ومدافعون ولو بالتعصب لاشتهرت لانها مسألة ~~مهمة. ولو اشتهرت لنقلتها التواريخ كما نقلت هذيانات مسيلمة بقوله: (الفيل ~~ما الفيل وماادراك ما الفيل صاحب ذنب قصير وخرطوم طويل) . # فان قلت: مسيلمة كان من الفصحاء فكيف صار كلامه مسخرة ms141 وأضحوكة بين الناس؟ # قيل لك: لأنه قوبل بما فاقه بدرجات كثيرة. ألا ترى ان شخصا ولو كان حسنا ~~اذا قوبل بيوسف عليه السلام لصار قبيحا ولو كان مليحا. فثبت ان المعارضة ~~لايمكن؛ فالقرآن معجز. # فان قلت: للمرتابين كثير من الاعتراضات والشكوك على تراكيب القرآن ~~وكلماته مثل (إن هذان) 1 و(الصابئون) 2 و(الذي استوقد نارا) وامثالها من ~~الاعتراضات النحوية؟ # قيل لك: عليك بخاتمة مفتاح السكاكي فانه ألقمهم الحجر ب"أفلا يتفطنون ان ~~من كرر كلامه في زمان مديد مع انه فصيح بالاتفاق كيف لايحس بالغلطات التي ~~تظهر لنظر هؤلاء الحمقاء"؟. PageV01P181 # أما الوجه الثاني: # لنظم الآية فاعلم! ان الآية السابقة لما امرت بالعبادة استفسر ذهن السامع ~~ب "على أية كيفية نعبد"؟ فكأنه أجاب: كما علمكم القرآن! فعاد سائلا: كيف ~~نعرف انه كلام الله تعالى؟ فأجاب بقوله: (وان كنتم في ريب مما نزلنا على ~~عبدنا..) الخ. # أما نظم الجمل بعضها مع بعض فهو: # ان جملة (وان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا) قد وقعت في موقعها ~~المناسب؛ اذ لما أمر القرآن بالعبادة كأنه سئل: كيف نعرف انه امر الله حتى ~~يجب الامتثال؟ فقيل له: ان ارتبت فجرب نفسك لتتيقن انه امر الله.. # ومن وجوه النظم ايضا ان القرآن لما اثنى على نفسه بجملة (ذلك الكتاب ~~لاريب فيه هدى للمتقين) ثم استتبع مدحه مدح المؤمنين، ثم استطرد مدح ~~المؤمنين ذم الكافرين والمنافقين، ثم استعقب الأمر بالعبادة والتوحيد.. عاد ~~القرآن الى الأول بالنظر الى (لاريب فيه) أي: أما القرآن فليس قابلا للشك ~~والريب؛ فما ريوبكم الا من مرض قلوبكم وسقامة طبعكم. كما: # قد ينكر ضوء الشمس من رمد وينفر طعم الماء من سقم # وأما نظم (فأتوا بسورة من مثله) فاعلم! ان هذه جزاء الشرط، وجزاء الشرط ~~يلزم ان يكون لازما لفعل الشرط. ولما كان الأمر تعجيزيا استلزم تقدير ~~"تشبثوا". ولما كان الأمر انشاء والانشاء لايصير لازما، يلزم ان يكون لازم ~~الأمر جزاء. وهو الوجوب الذي هو من أصول معاني الأمر، ثم وجوب التشبث أيضا ~~لايظهر ms142 لزومه للريب فاقتضى تقدير جمل مطوية تحت ايجاز الآية. فالتقدير "ان ~~كنتم في ريب انه كلام الله يجب عليكم ان تتعلموا اعجازه، فان المعجز لايكون ~~كلام البشر ومحمد عليه السلام بشر، وان أردتم ظهور اعجازه فجربوا أنفسكم ~~ليظهر عجزكم، فيجب عليكم التشبث باتيان سورة من مثله". # فلله در التنزيل ما أوجزه وما أعجزه!. # وأما نظم (وادعوا شهداءكم من دون الله) فبثلاثة اوجه: PageV01P182 # أحدها: انهم يقولون عجزنا لا يدل على عجز البشر.. فافحمهم بقوله: (وادعوا ~~شهداءكم) أي كبراءكم ورؤساءكم. # والثاني: انهم يزعمون: انا لو عارضنا فمن يلتزمنا ويدافع عنا؟ فألقمهم ~~الحجر بانه ما من مسلك الا وله متعصبون ولو عارضتم لظهر لكم شهداء يذبون عنكم. # والثالث: ان القرآن كأنه يقول: لما استشهد النبي عليه السلام الله تعالى ~~صدقه الله وشهد له بوضع سكة الاعجاز على دعواه. فان كان في آلهتكم وشهدائكم ~~فائدة لكم فادعوهم. وما هذا الا نهاية التهكم بهم. # وأما نظم (فان لم تفعلوا) فظاهر، اذ التقدير "فان جربتم فانظروا فان لم ~~تقدروا ظهر عجزكم ولم تفعلوا". # وأما نظم (ولن تفعلوا) فكأنه لما قال لم تفعلوا.. قيل من جانبهم: عدم ~~فعلنا فيما مضى لايدل على عجز البشر فيما سيأتي. فقال: ولن تفعلوا، فرمز ~~الى الاعجاز بثلاثة اوجه. # احدها: الاخبار بالغيب وكان كما اخبر. ألا ترى ان الملايين من الكتب ~~العربية مع التمايل الى تقليد اسلوب التنزيل وكثرة المعاندين لو فتشتها؛ لم ~~يوافقه شيء منها. كأن نوعه منحصر في شخصه. فأما هو تحت الكل وهو باطل ~~بالاتفاق. فما هو الا فوق الكل. # والوجه الثاني: ان القطع والجزم بعدم فعلهم مع التقريع عليهم وتحريك ~~أعصابهم في هذا المقام المشكل وفي هذه الدعوى العظيمة علامة صادقة على انه ~~واثق امين مطمئن بماله ومقاله. # والوجه الثالث: ان القرآن كأنه يقول: اذا كنتم امراء الفصاحة وأشد الناس ~~احتياجا اليها ولم تقتدروا لم يقتدر عليه البشر. وكذا فيه اشارة الى ان ~~نتيجة القرآن التي هي الاسلامية كما لم يقتدر على نظيرها الزمان الماضي؛ ~~كذا يعجز عن ms143 مثلها الزمان المستقبل. PageV01P183 # وأما نظم (فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة) فاعلم! ان تعقيب "ان ~~لم تفعلوا" ب"فاتقوا" يقتضي في ذوق البلاغة تقديرا هكذا: ان لم تفعلوا ~~ولن.. ظهر انه معجز، فهو كلام الله، فوجب عليكم الايمان به وامتثال أوامره ~~... ومن الأوامر يا ايها الناس اعبدوا لتتقوا النار فاتقوا النار. فاوجز فاعجز. # وأما نظم (التي وقودها الناس والحجارة) فاعلم! ان المقصد من (فاتقوا) هو ~~الترهيب، ومعنى الترهيب انما يؤكد بالتهويل والتشديد فهوله ب (وقودها ~~الناس) اذ النار التي حطبها كان انسانا أخوف وأدهش.. ثم شدده بعطف الحجارة؛ ~~اذ ما تحرق الحجر أشد تأثيرا.. ثم أشار الى الزجر عن عبادة الأصنام: أي لو ~~لم تتمثلوا أمر الله، وعبدتم أحجارا لدخلتم نارا تأكل العباد ومعبوداتهم. # وأما نظم (اعدت للكافرين) فهو انها توضيح وتقرير لزوم جزاء الشرط لفعله: ~~أي هذه المصيبة ليست كالطوفان وسائر المصائب التي لاتصيب الظالمين خاصة بل ~~تعم الأبرار والأخيار؛ فانما هذه تختص بالجانين يجرها الكفر لاسبيل للنجاة ~~الا امتثال القرآن. # ثم اعلم! ان (اعدت) اشارة الى ان جهنم مخلوقة موجودة الآن لا كما زعمت ~~المعتزلة.. ثم ان مما يدلك ويفيد حدسا لك على أبدية جهنم انك اذا تفكرت في ~~العالم بنظر الحكمة ترى النار مخلوقة عظيمة مستولية غالبة، كأنها عنصر أساس ~~في العلويات والسفليات. وتفهمت وجود رأس عظيم وثمرة عجيبة تدلت الى الأبد. ~~ألا ترى ان من رأى عرقا ممتدا تفطن لوجود بطيخ مثلا في رأسه؛ وكذلك من رأى ~~الخلقة النارية تفطن لإنتهائها الى حنظلة جهنم. وكذا من رأى النعم والمحاسن ~~واللذائذ يحدس بأن مصبها ومخلصها وروضها الجنة. # فان قلت: اذا كانت جهنم موجودة الآن فاين موضعها؟ # قيل لك: نحن معاشر أهل السنة والجماعة نعتقد وجودها الآن لكن لا نعين ~~موضعها. # فان قلت: ان ظواهر الأحاديث تدل على انها تحت الأرض. وفي حديث: ان نارها ~~أشد وأحر من نار الدنيا بمائتي دفعة. وان الشمس أيضا تدخل في جهنم؟ PageV01P184 # قيل لك: ان تحت الأرض عبارة عن مركزها، اذ تحت الكرة ms144 مركزها. وقد ثبت في ~~نظريات الحكمة ان في مركزها نارا بالغة في الشدة الى مقدار مائتي الف درجة. ~~اذ كلما تحفر الأرض ثلاثة وثلاثين ذراعا بذراع التجار تتزايد تقريبا درجة ~~حرارة. فإلى المركز تصير تقريبا مائتي الف درجة. فهذا النظري مطابق لمآل ~~الحديث الذي يقول انها أشد من نار الدنيا بمائتي درجة. وأيضا في الحديث ان ~~قسما من تلك النار زمهرير تحرق ببرودتها 1. وهذا الحديث مطابق لهذا النظري؛ ~~اذ النار المركزية مشتملة على المراتب النارية كلها الى السطح. وقد تقرر في ~~الحكمة الطبيعية ان للنار مرتبة تجذب دفعة حرارة مجاورها فتحرقه بالبرودة ~~وتصير الماء جمدا. # فان قلت: ما في جوف الأرض ومظروفها صغير فكيف تسع جهنم التي تسع السموات ~~والارض؟ # قيل لك: نعم باعتبار الملك والمطويتية وان كانت مظروفة للأرض لكن بالنظر ~~الى العالم الأخروي بالغة في العظمة الى درجة تسع الوفا من أمثال هذه ~~الأرض. بل ان عالم الشهادة كحجاب مانع لارتباط تلك النار بسائر أغصانها. ~~فما في جوف الأرض الا مركزها وسرها أو قلب عفريتها. وأيضا لا تستلزم ~~التحتية اتصالها بالأرض، اذ شجرة الخلقة اثمرت أغصانها الشمس والقمر ~~والنجوم وأرضنا وأرضين أخرى. فما تحت الثمرة يشمل ما بين الأغصان اين كان. ~~فملك الله تعالى واسع، وشجرة الخلقة منتشرة فأين سافرت جهنم لا ترد. وفي ~~حديث (ان جهنم مطوية) فيمكن ان تكون بيضة لأرضنا الطيارة متى يمتزق حجاب ~~الملك ينفتق تلك البيضة وتتظاهر هي كاشرة أسنانها لأهل العصيان. ويحتمل ان ~~ماشبط 2 أهل الاعتزال وأوقعهم في الغلط بعدم وجودها الآن انما هو هذه ~~المطويتية. PageV01P185 # وأما نظم هيئات وقيود جملة جملة: # فاعلم! ان جملة (وان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا) الواو فيها بناء ~~على المناسبة بين المتعاطفين تومئ الى: تقدير "كما علمكم القرآن".. وايراد ~~(ان) الترددية في موضع "اذا" التي هي للقطع مع ان ريبهم مجزوم به اشارة الى ~~انه لأجل ظهور أسباب زوال الريب شأنه ان يكون مشكوك الوجود بل من المحال ~~يفرض فرضا. ثم ان الشك ms145 في (إن) بالنظر الى الاسلوب لا بالقياس الى المتكلم ~~تعالى.. وايراد (كنتم في ريب) بدل ارتبتم مع انه اقصر اشارة الى ان منشأ ~~الريب طبعهم المريض وكونهم. وظرفية الريب لهم مع انه مظروف لقلبهم ايماء ~~الى ان ظلمة الريب انتشرت من القلب فاستولت على القالب، فاظلم عليه الطرق.. ~~وتنكير (ريب) للتعميم أي: أي نوع من أنواع الريب ترتابونه فالجواب واحد ~~وهو: ان هذا معجز وحق. فتخطئتكم بالنظر السطحي خطأ فلا يلزم لكل ريب جواب ~~خاص. ألا ترى ان من رأى رأس عين وذاقه عذبا فراتا لا يحتاج الى ذوق كل جدول ~~وفرع قد تشعب منه.. و"من" في (مما نزلنا) ايماء الى تقدير لفظ "في شيء مما" ~~ولفظ (نزلنا) اشارة الى ان منشأ شبهتهم هو صفة النزول. فالجواب القاطع ~~اثبات النزول فقط. وايثار (نزلنا) الدال على النزول تدريجا على "انزلنا" ~~الدال عليه دفعة اشارة الى ان ما يتحججون به قولهم: لولا انزل عليه دفعة. ~~بل على مقتضى الواقعات تدريجا نوبة نوبة نجما نجما سورة سورة.. وايثار ~~العبد على "النبي" و"محمد" اشارة الى تعظيم النبي، وايماء الى علو وصف ~~العبادة، وتأكيد لأمر "اعبدوا" ورمز الى دفع أوهام بان النبي عليه السلام ~~أعبد الناس وأكثرهم تلاوة للقرآن الكريم. فتفكر!. # وان جملة (فأتوا بسورة من مثله) الأمر في (فأتوا) للتعجيز، وفيه التحدي ~~والتقريع والدعوة الى المعارضة والتجربة ليظهر عجزهم.. ولفظ (بسورة) اشارة ~~الى نهاية افحام، وشدة تبكيت، وغاية إلزام؛ إذ: # أول طبقات التحدي هو: # ان يقال: فأتوا بمثل تمام القرآن بحقائقه وعلومه واخباراته الغيبية مع ~~نظمه العالي من شخص امي! PageV01P186 # وثانيتها: ان يقال: # ان لم تفعلوا كذا فأتوا بها مفتريات لكن بنظم بليغ مثله. # وثالثتها: ان يقال: # ان لم تفعلوا هكذا ايضا فأتوا بمقدار عشر سور. # ورابعتها: # انه ان لم تقتدروا عليه أيضا فلا أقل من أن تأتوا بقدر سورة طويلة. # وخامستها: # انه ان لم يتسير لكم هذا أيضا فأتوا بمقدار سورة مطلقا ولو أقصر ك انا ~~اعطيناك من شخص امي مثله. # وسادستها: # انه ms146 ان لم يمكنكم الإتيان من امي فأتوا من عالم ماهر وكاتب حاذق. # وسابعتها: # انه ان تعسر عليكم هذا أيضا فليعاون بعضكم بعضا على الإتيان. # وثامنتها: # انه ان لم تفعلوا فاستعينوا بكافة الإنس والجن واستمدوا من مجموع نتائج ~~تلاحق افكارهم من آدم الى قيام الساعة، ونتائج افكارهم هي مابين ايديكم من ~~هؤلاء الكتب على الاسلوب العربي مع شوق التقليد وعناد المعارضة؛ ففضلا عن ~~أهل التحقيق لو تصفحها من له ادنى مسكة ولو جاهل لقال: ليس فيها مثله، فإما ~~هو تحت الكل وهو باطل بالاتفاق واما فوق الكل وهو المطلوب كما مر آنفا. ~~نعم، لم يعارض في ثلاثة عشر عصرا هكذا مر الزمان، وهكذا يمر الى يوم ~~القيامة. # وتاسعتها: # ان يقال لا تتحججوا بان ليس لنا شهداء وانتم لا تشهدون لنا. ألا فادعوا ~~شهداءكم والمتعصبين لكم فليراجعوا وجدانهم هل يتجاسرون على تصديق دعواكم ~~المعارضة. PageV01P187 # واذا تفهمت هذه الطبقات فانظر الى القرآن كيف أعجز بان أوجز فأشار الى هذه ~~المراتب، فألقمهم الحجر وأرخى لهم العنان. ثم اعلم ان عجز البشر عن معارضة ~~أقصر سورة انيته بديهية. واما لميته فقيل هي: ان الله تعالى صرف القوى عن ~~المعارضة. والمذهب الأصح في اللمية ما عليه عبد القاهر الجرجاني والزمخشري ~~والسكاكي. وهو: ان قدرة البشر لا تصل الى درجة نظمه العالي. ثم ان السكاكي ~~اختار ان الاعجاز ذوقي لايعبر عنه ولايشرح بل يذاق ذوقا. وأما صاحب دلائل ~~الاعجاز فاختار انه يمكن التعبير عنه. ونحن على مذهبه في هذا البيان. # وايثار (سورة) على نجم أو طائفة أو نوبة اشارة الى الزامهم في منشأ ~~شبهتهم وهي: لولا انزل عليه دفعة واحدة؟ أي فهاتوا انتم ولو بنوبة فذة.. ~~وأيضا ايماء الى تضمن تسوير التنزيل سورة سورة لفوائد جمة بينها الزمخشري، ~~والى تضمن هذا الاسلوب الغريب للطائف.. ولفظ (من مثله) فيه معنيان أي بمثل ~~المنزل، أو من مثل المنزل عليه. اعلم! ان حق العبارة على الأول "مثل سورة ~~منه" لكن عدل الى (من مثله) للايماء الى ملاحظة الاحتمال الثاني، أي ms147 انما ~~تكون معارضتكم مبطلة لدعواه لو جاءت من مثله في عدم التعلم.. وكذا اشارة ~~الى ان المعارضة انما تبطل الاعجاز لو كان المعارض به من مجموع مثل.. وكذا ~~رمز الى توجيه الاذهان الى امثال القرآن في النزول من الكتب السماوية ~~ليوازن ذهن السامع بينها فيتفطن لعلوه. # وان جملة (وادعوا شهداءكم من دون الله) ايثار "ادعوا" فيها على ~~"استعينوا" او "استمدوا" ايماء الى ان من يلبيهم ويذب عنهم لايفقدهم بل ~~حاضر لا يحتاجون الا الى ندائه.. ولفظ "شهداء" جامع لثلاثة معان: اي ~~كبراءكم في الفصاحة.. ومن يشهد لكم.. وآلهتكم. فنظرا الى الأول إلزام لهم، ~~يقطع تحججهم بان عدم قدرتنا لايدل على عدم قدرة كبرائنا. ونظرا إلى الثاني ~~افحام لهم، يقطع تعللهم بأن ليس لنا شهداء بانه لا مسلك الا له ذابون ~~وشهداء. ونظرا الى الثالث تبكيت لهم وتهكم بهم بان الآلهة التي ترجون منها ~~النفع ودفع الضر كيف لاتعينكم في هذا الأمر الذي يهمكم؟.. واضافة "شهداء" ~~الى "كم" المفيدة للاختصاص تقوي عضد المعنى الأول: بان الكبراء حاضرون ~~معكم، وبينكم اختصاص لو اقتدروا لعاونوكم البتة. وتصل جناح المعنى الثاني ~~بانا نقبل شهادة من يلتزمكم ويتعصب لكم فانهم أيضا لا PageV01P188 ~~يتجاسرون على الشهادة على بديهي البطلان. وتأخذ بساعد المعنى الثالث مع ~~التقريع بأن الآلهة التي اتخذتموها معبودات كيف لاتمدكم.. ولفظ (من دون ~~الله) نظرا الى الأول اشارة الى التعميم أي كل فصيح في الدنيا ما خلا الله ~~تعالى. وكذا الى ان اعجازه ليس الا لأنه من الله.. ونظرا الى الثاني اشارة ~~الى عجزهم ومبهوتيتهم بقولهم: "الله شاهد، الله عليم انا نقتدر". لأن ديدن ~~العاجز المحجوج الحلف بالله والاستشهاد به على ما لا يقتدر على الاستدلال ~~عليه.. ونظرا الى الثالث اشارة الى ان معارضتهم مع النبي عليه الصلاة ~~والسلام ليست الا مقابلة الشرك بالتوحيد والجمادات بخالق الأرض والسموات. # وان جملة (ان كنتم صادقين) اشارة الى قولهم: لو شئنا لقلنا مثل هذا.. ~~وكذا تعريض بانكم لستم من أهل الصدق الا ان يفرض فرضا، بل من ms148 أهل السفسطة، ~~ما وقعتم في الريب من طريق طلب الحق بل طلبتم فوقعتم فيه.. ثم ان جزاء هذا ~~الشرط محصل ما قبله أي فافعلوا. # أما جملة (فان لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار) الى آخره. فاعلم! ان ~~(ان كنتم صادقين) احتجاج القرآن عليهم بقياس استثنائي استثنى نقيض التالي ~~لانتاج نقيض المقدم. # تلخيصه: ان كنتم صادقين تفعلوا المعارضة وتأتوا بسورة لكن ما تفعلون ولن ~~تفعلوا، فانتج فلم تكونوا صادقين فكان خصمكم وهو النبي عليه السلام صادقا ~~فالقرآن معجز، فوجب عليكم الايمان به لتتقوا من العذاب ... انظر كيف اوجز ~~التنزيل فاعجز. ثم انه ذكر موضع استثناء نقيض التالي وهو "لكن ماتفعلون" ~~لفظ (ان لم تفعلوا) مشيرا بتشكيك "ان" الى مجاراة ظنهم، وبالشرطية الى ~~استلزام نقيض التالي لنقيض المقدم. ثم ذكر موضع النتيجة وهي نقيض المقدم ~~أعني فلم تكونوا صادقين علة لازم لازم لازمها وهي قوله (فاتقوا النار) ~~لتهويل الترهيب والتهديد 1. PageV01P189 # أما (ان لم تفعلوا) الماضي بالنظر إلى "لم" والمستقبل بالقياس إلى "ان" ~~فلتوجيه الذهن إلى ماضيهم كأنه يقول لهم: "أنظروا إلى خطبكم المزينة ~~ومعلقاتكم المذهبة أتساويه أو تدانيه أو تقع قريبا منه؟ ". # وإيثار (تفعلوا) على "تأتوا" لنكتتين: # احداهما: الايماء الى ان منشأ الاعجاز عجزهم ومنشأ العجز الفعل لا الأثر. # والثانية: الايجاز، اذ "فعل" كما انه في الصرف ميزان الأفعال وجنسها؛ ~~كذلك في الأساليب مصدر الأعمال وملخص القصص كأنه ضمير الجمل كناية عنها. # أما (ولن تفعلوا) فاعلم! ان التأكيد والتأبيد في (لن) ايماء الى القطعية ~~وهي اشارة الى ان القائل مطمئن جدي، لاريب له في الحكم. وهذا رمز الى ان لا ~~حيلة.. أما (فاتقوا) بدل "تجنبوا" فللايماء الى ما ناب عنه الجزاء من آمنوا ~~واتقوا الشرك الذي هو سبب دخول النار.. أما تعريف (النار) فللعهد أي النار ~~التي عهدت واستقرت في أذهان البشر بالتسامع عن الأنبياء من آدم الى الآن.. ~~وأما توصيفها ب (التي) الموصولة مع ان من شأنها ان تكون معلومة اولا، فلأجل ~~نزول (نارا وقودها الناس والحجارة) 1 قبل هذه الآية ms149 فالمخاطبون قد سمعوا ~~تلك، فالموصولية في موقعها.. وأما وقودها الناس والحجارة فالغرض كما مر ~~آنفا الترهيب، والترهيب يؤكد بالتهويل والتشديد فهول بلفظ "الناس" كما قرع ~~به، وشدد "بالحجارة" كما وبخ بها. أي ماترجون منه النفع والنجاة وهو ~~الاصنام يصير آلة لتعذيبكم. # واما جملة (اعدت للكافرين) فاعلم! ان الموضع موضع "اعدت لكم" لكن القرآن ~~يذكر الفذلكة والقاعدة الكلية في الأغلب في آخر الآيات ليشير الى كبرى دليل ~~الحكم؛ اذ اصل الكلام: "اعدت لكم ان كفرتم لأنها اعدت للكافرين". فلهذا ~~اقيم المظهر مقام المضمر.. وأما ماضية (اعدت) فاشارة كما مر الى وجود جهنم الآن. PageV01P190 ### | AUTO وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات ان لهم جنات تجري من تحتها # الانهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل واتوا ~~به متشابها ولهم فيها ازواج مطهرة وهم فيها خالدون 25 # فاعلم! ان نظم هذه الآية كأخواتها بثلاثة وجوه: نظم المجموع بما قبله، ~~والجمل بعضها مع بعض، والهيئات. # أما الأول: فاعلم! ان لمآلها ارتباطات متفاوتة مع الآيات السابقة، وخطوطا ~~ممتدة بالاختلاف الى الجمل السالفة. ألا ترى ان القرآن الكريم لما أثنى في ~~رأس السورة على نفسه وعلى المؤمنين بالايمان والعمل الصالح كيف أشار بهذه ~~الآية الى نتيجة الايمان وثمرة العمل الصالح.. وكذا لما ذم الكفار وشنع على ~~المنافقين وبين طريقهم المنجر الى الشقاوة الأبدية لوح بهذه الآية الى نور ~~السعادة الأبدية، فأراهم ليزيدوا حسرة على حسرة بفوات هذه النعمة العظمى.. ~~ثم لما كلف ب (يا ايها الناس اعبدوا) - مع ان في التكليف مشقة وكلفة وترك ~~اللذائذ العاجلة - فتح لهم ابواب الآجلة؛ فاراهم بهذه الآية تطمينا لنفوسهم ~~وتأمينا لهم.. ثم لما اثبت التوحيد - الذي هو أول اركان الايمان الذي هو ~~أساس التكليف - صرح في هذه الآية بثمرة التوحيد وعنوان الرحمة وديباجة ~~الرضاء بإراءة الجنة والسعادة الأبدية.. ثم لما أثبت النبوة - ثانية أركان ~~الايمان - بالاعجاز بقوله (وان كنتم في ريب) ..الخ، أشار بهذه مع المطوي ~~قبلها الى وظيفة النبوة ومكلفية النبي وهي: الإنذار والتبشير بلسان ms150 ~~القرآن.. ثم لما اوعد وأرهب وانذر في سابقتها القريبة وعد ورغب وبشر بهذه ~~الآية بسر ان التضاد مناسبة.. وأيضا ان الذي يطيع 1 النفس، ويديم الاطاعة ~~ويصير الوجدان مطيعا لحكم العقل؛ تهييج حس الخوف وحس الشوق معا بجمع ~~الترغيب والترهيب؛ اذ حكم العقل وامره موقت فلابد من وجود محرك آمر دائمي ~~في الوجدان.. وكذا لما أشار بالسابقة الى احد شقي الآخرة كمل بهذه الآية ~~الشق الآخر وهو منبع السعادة الابدية.. وكذا لما لوح هناك بالنار الى جهنم ~~صرح هنا بالجنة. PageV01P191 # ثم اعلم! ان الجنة وجهنم ثمرتان تدلتا الى الابد من شجرة الخلقة، ونتيجتان ~~لسلسلة الكائنات، ومخزنان لانصباب الكائنات، وحوضان للكائنات الجارية الى ~~الأبد. نعم! تتمخض الكائنات وتختلط بحركة عنيفة فتتظاهر الجنة وجهنم ~~فتمتلئان. # وايضاحه: هو ان الله جل جلاله لما اراد ان يبدع عالما للابتلاء والامتحان ~~لحكم كثيرة تدق عن العقول، واراد تغيير ذلك العالم وتحوله لحكم؛ مزج الشر ~~بالخير وادرج الضر في النفع، وادمج القبح في الحسن؛ فوصلها بجهنم وأمدها ~~بها. وساق المحاسن والكمالات تتجلى في الجنة. وأيضا لما اراد تجربة البشر ~~ومسابقتهم، وأراد وجود اختلافات وتغيرات فيهم في دار الابتلاء خلط الأشرار ~~بالأبرار. ثم لما انقضى وقت التجربة وتعلقت الارادة بأبديتهم جعل الأشرار ~~مظهر خطاب (وامتازوا اليوم ايها المجرمون) 1. وصير الأبرار مظهر تلطيف ~~وتشريف (فادخلوها خالدين) 2 ولما امتاز النوعان تصفت الكائنات فانسلت مادة ~~الضر والشر عن عنصر النفع والخير والكمال فاختارت جانبا. # والحاصل: انه لو امعن النظر في الكائنات صودف فيها عنصران أساسان وعرقان ~~ممتدان اذا تحصلا وتأبدا صارا جنة وجهنم. # مقدمة # هذه الآية مع ما قبلها اشارة الى القيامة والحشر، فمدار النظر في هذه ~~المسألة أربع نقط: # إحداها: إمكان خراب العالم وموته.. # والثانية: وقوعه.. # والثالثة: التعمير والإحياء.. # والرابعة: وقوعه.. # أما امكان موت الكائنات: PageV01P192 # فاعلم! ان الشيء الداخل تحت قانون التكامل ففيه نشوء ونماء.. فله عمر ~~طبيعي.. فله أجل فطري؛ لايخلص من حكم الموت؛ بدليل استقراء أكثر أفراد ~~الأنواع. فكما ان الانسان عالم صغير لا خلاص له ms151 من الخرابية؛ كذلك العالم ~~انسان كبير لامناص له من الموت البتة. وكما ان الشجر نسخة من الكائنات ~~يعقبها التخريب والانحلال؛ كذلك سلسلة الكائنات من شجرة الخلقة لامناص لها ~~من يد التخريب للتعمير. ولئن لم يعرض عاصفة او مرض خارجي بالارادة الأزلية ~~قبل العمر الفطري، ولم يخربها صانعها قبله ليجئ بالضرورة وعلى كل حال حتى ~~بالحساب الفني يوم يتحقق فيه (اذا الشمس كورت _ واذا النجوم انكدرت) 1. ~~و(اذا السماء انشقت) 2. فيتظاهر في الفضاء سكرات الانسان الكبير بخرخرة 3 ~~عجيبة وصوت هائل. # أما وقوعه: # فباجماع كل الاديان السماوية، وبشهادة كل فطرة سليمة، وباشارة تغير وتبدل ~~وتحول الكائنات. وان شئت ان تتصور سكرات العالم وخرخرته فاعلم! ان الكائنات ~~قد ارتبطت بنظام علوي دقيق، واستمسكت بروابط عجيبة فاذا صار جسم من الاجرام ~~العلوية مظهر خطاب "كن" او "اخرج عن محورك" ترى العالم يشرع في السكرات، ~~وترى النجوم تتصادم، وتتلاطم الاجرام فترعد وتصيح في الفضاء الغير ~~المتناهي، ويضرب بعض وجه بعض، وترمي بشرر كأرضنا هذه بل أكبر. فكيف انت ~~بخرخرة موت صوتها محصل ملايين مرامي مدافع رصاصتها الصغرى أكبر من الأرض؟.. ~~فبهذا الموت تتمخض الخلقة وتتميز الكائنات فتمتاز جهنم بعشيرتها ومادتها، ~~وتتجلى الجنة جامعة لطائفتها مستمدة من عناصرها. # - فان قلت: لم كانت الكائنات مغيرة موقتة تخرب ثم تصير يوم القيامة مؤبدة ~~محكمة ثابتة؟ # قيل لك: ان الحكمة والعناية الازليتين لما اقتضتا التجربة والابتلاء، ~~والنشوء والنماء في الاستعدادات، وظهور القابليات، وظهورالحقائق النسبية ~~التي تصير في الآخرة PageV01P193 ~~حقائق حقيقية، ووجود مراتب نسبية، وحكم كثيرة لاتدركها العقول؛ جعل الصانع ~~جل جلاله الطبائع مختلطة، والمضار ممزوجة بالمنافع، والشرور متداخلة بين ~~الخير، والمقابح مجتمعة مع المحاسن، فخمرت يد القدرة الاضداد تخميرا فصيرت ~~الكائنات تابعة لقانون التبدل والتغير والتحول والتكامل. فلما انسد ميدان ~~الامتحان وانقضى وقت الابتلاء وجاء وقت الحصاد؛ أراد الصانع جل جلاله ~~بعنايته تصفية الاضداد المختلطة للتأبيد، وتمييز أسباب التغير، وتفريق مواد ~~الاختلاف؛ فتحصل جهنم بجسم محكم مظهرا لخطاب (وامتازوا) وتجلى الجنة بجسم ~~مؤبد مشيد مع أساساتها.. بسر ان ms152 المناسبة شرط الانتظام، والنظام سبب ~~الدوام. ثم انه تعالى اعطى بقدرته الكاملة لساكني هاتين الدارين الأبديتين ~~وجودا مشيدا لاسبيل للانحلال والتغير اليه، على ان التغير هنا المنجر الى ~~الانقراض انما هو بتفاوت النسبة بين التركيب وما يتحلل. وأما هناك ~~فلاستقرار النسبة يجوز التغير بلا انجرار الى الانحلال. # وأما النقطة الثالثة والرابعة: أعني امكان التعمير والحشر ووقوعه: # فاعلم! ان التوحيد والنبوة لما لم يصح اثباتهما بالدليل النقلي فقط للزوم ~~الدور 1 أشار القرآن الى الدلائل العقلية عليهما. أما الحشر فيجوز اثباته ~~بالعقل والنقل: # أما العقلي فراجع الى ما بينا بقدر الطاقة في تفسير (وبالآخرة هم يوقنون) ~~حاصله: ان النظام والرحمة والنعمة انما تكون نظاما ورحمة ونعمة ان جاء ~~الحشر.. # واما النقلي فقول كل الانسان مع حكم القرآن المعجز بوقوعه. وأما النقلي ~~مع الرمز للعقلي فراجع هذا الموضع من تفسير فخر الدين الرازي 2 فانه عدد ~~الآيات المثبتة للحشر. # والحاصل: انه ما من متأمل في نظائر وأشباه وأمثال الحشر في كثير من ~~الانواع الا ويتحدس من تفاريق الامارات الى وجود الحشر الجسماني والسعادة ~~الأبدية. PageV01P194 # أما نظم جملها بعض مع بعض، فاعلم! ان السلك الذي نظم فيه جواهر جمل هذه ~~الآية وسلسلتها هي: ان السعادة الأبدية قسمان: # الأول الاولى: رضاء الله تعالى وتلطيفه وتجليه وقربيته. # والثاني: السعادة الجسمانية وهي بالمسكن والمأكل والمنكح ومتممها ومكملها ~~جميعا هو الدوام والخلود. # ثم ان أقسام الاول مستغنية عن التفصيل أو غير قابلة. 1 # وأما أقسام الثاني: فالمسكن، ألطفه ما يجري الماء بين نباتاته. ألا ترى ~~ان ملهم الشعر ومفيض العشق في القلوب انما هو خشخشة 2 الماء وخريره وكشكشة ~~3 الانهار وصفيرها تحت القصور وبين البساتين.. # والمأكل الرزق ولأنه تفكه يكون كمال لذته فيما حصل به الألفة والانسية، ~~ولأنه تفكه يكون كمال لذته في التجدد من جهة؛ اذ بحكم المألوفية يعرف درجة ~~علو النعمة وتفوقها على نظيرها. وكذا من مكملات اللذة ان يعرف انه جزاء ~~عمله.. ومنها ان يكون منبعه ومخزنه حاضرا نصب العين لتحصل لذة الاطمئنان.. ms153 # وأما المنكح، فاعلم! ان من اشد حاجات الانسان وجود قلب مقابلا لقلبه ~~لمداولة المحبة ومبادلة العشق والمؤانسة والتشارك في اللذة، بل التعاون في ~~أمثال الحيرة والتفكر. ألا ترى ان من رأى ما يتحير فيه أو يتفكر في أمر ~~عجيب يدعو ولو ذهنا من يعينه في تحمل الحيرة. ثم ان ألطف القلوب وأشفقها ~~واحرها قلب القسم الثاني. ثم ان متمم الامتزاج الروحي ومكمل الاستيناس ~~القلبي، ومصفى الاختلاط الصوري كون القسم الثاني مبرأة ومطهرة من الأخلاق ~~السيئة والعوارض المنفرة. # فإن قلت: ان الأكل لبقاء الشخص؛ اذ به يحصل تعمير ما يتحلل، وان النكاح ~~لبقاء النوع مع ان الأشخاص في الآخرة مؤبدون لا يقع فيهم التحويل والانحلال ~~وكذا لاتناسل في الآخرة؟ PageV01P195 # قيل لك: ان فوائد الأكل والنكاح ليست منحصرة في البقاء والتناسل بل فيهما ~~لذة عظيمة في هذا العالم الألمي. وكيف لايكون فيهما في عالم السعادة واللذة ~~لذات عالية منزهة؟ # فان قلت: ان اللذة هنا دفع الألم؟ # قيل لك: ان دفع الالم سبب من أسباب اللذة.. وأيضا قياس العالم الأبدي على ~~هذا العالم قياس مع الفارق، بل ان النسبة بين حديقة "خورخور" 1 هذه وتلك ~~الجنة العالية هي النسبة بين لذائذ الآخرة ونظائرها في هذا العالم. فكما ~~تفوق تلك الجنة على الحديقة بدرجات غير محصورة؛ كذلك هذه.. والى هذا ~~التفاوت العظيم اشار ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بقوله: "ليس في الجنة ~~الا اسماءها" 2 أي ثمرات الدنيا. # أما الخلود ودوام اللذة، فاعلم! ان اللذة انما تكون لذة حقيقية ان لم ~~ينغصها الزوال؛ اذ كما ان دفع الالم لذة أو سبب لها، كذلك زوال اللذة ألم ~~بل تصور زوال اللذة ألم أيضا. حتى ان مجموع اشعار العشاق المجازيين انما هي ~~انين ونياح من هذا الألم. وان ديوان كل عاشق غير حقيقي انما هو بكاء وعويل ~~من هذا الألم الناشئ من تصور زوال المحبوب.. نعم، ان كثيرا من اللذائذ ~~الموقتة اذا زالت اثمرت آلاما مستمرة كلما تذكرها 3 يفور من فيه: "ايواه! " ~~واأسفا! المترجمين ms154 عن هذا الألم الروحاني. وان كثيرا من الآلام اذا انقضت ~~اولدت لذات مستمرة كلما تذكرها الشخص وهو قد نجا يتكلم ب"الحمد لله" الملوح ~~لنعمة معنوية. # أجل! ان الانسان مخلوق للأبد فانما تحصل له اللذة الحقيقية في الأمور ~~الأبدية كالمعرفة الالهية والمحبة والكمال والعلم وأمثالها. # والحاصل: ان اللذة والنعمة انما تكونان لذة ونعمة ان كانتا خالدتين. # واذا رأيت هذا السلك فانظم فيه جمل الآية. PageV01P196 # أما جملة (وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات) فاعلم! انه تعالى لما كلف ~~الناس، وأثبت النبوة، وكلف النبي بالتبليغ أمره بالتبشير تأمينا لامتثال ~~التكليف الذي فيه مشقة وترك للذائذ الدنيوية. فكما انه مأمور بالانذار؛ ~~كذلك مأمور بالتبشير برضاء الله تعالى وتلطيفه وقربيته وبالسعادة الأبدية. # وأما جملة (ان لهم جنات تجري) فاعلم! كما مر ان اول حاجات الانسان ~~الضرورية - لأنه جسم - المكان والمسكن؛ وان أحسن المكان هو المشتمل على ~~النباتات والأشجار، وان الطفه هو الذي يتسلل بين خضراواته الماء، وان اكمله ~~هو الذي تجري بين أشجاره وتحت قصوره الأنهار بكثرة. فلهذا قال (تجري من ~~تحتها الأنهار) .. ثم ان اشد الحاجات كما سمعت آنفا بعد المكان واكمل ~~اللذائذ الجسمانية هو الاكل والشرب اللذين يشير اليهما الجنة والنهر.. ثم ~~ان اكمل الرزق هو ان يكون مألوفا ومأنوسا ليعرف درجة تفوقه على نظيره.. ~~وألذ الفاكهة ان تكون متجددة.. وان اصفى اللذة هو أن يكون المقتطف معلوما ~~وقريبا.. وان ألذها ان يعرف انها ثمرة عمله. فلهذا قال: (كلما رزقوا منها ~~من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل) أي في الدنيا أو قبل هذا الآن. # وأما (وأتوا به متشابها) فاعلم! ان في الحديث: ان صورتها واحدة والطعم ~~مختلف 1. فتشير الآية الى لذة التجدد في الفاكهة.. وان كمال اللذة ان يكون ~~الشخص مخدوما يؤتى اليه. وأما جملة (ولهم فيها أزواج مطهرة) فاعلم! كما ~~رأيت في السلك ان الانسان محتاج لرفيقة وقرينة يسكن اليها وينظر بعينها ~~وتنظر بعينه ويستفيد من المحبة التي هي ألطف لمعات الرحمة. ألا ترى ان ~~الأنسية التامة هنا بهن؟ وأما ms155 جملة (وهم فيها خالدون) فاعلم! ان الانسان ~~اذا صادف نعمة او اصاب لذة فأول ما يتبادر لذهنه: أتدوم أم تنغص بزوال؟ ~~فلهذا أشار الى تكميل النعمة بخلود الجنة ودوامهم وازواجهم فيها ودوام ~~اللذائذ واستمرار الاستفادة بقوله: (وهم فيها خالدون) . PageV01P197 # أما نظم هيئات جملة جملة: # فجملة (وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات) الواو فيها - بسر المناسبة بين ~~المتعاطفين - اشارة الى "انذر" الذي يتقطر من أنف السابقة.. وأما "بشر" ~~فرمز الى ان الجنة بفضله تعالى لا واجب عليه.. وكذا الى ان لابد ان لا يكون ~~العمل لأجل الجنة.. وأما صورة الأمر في "بشر" فايماء الى "بلغ مبشرا" فانه ~~مكلف بالتبليغ.. # واما (الذين آمنوا) بدل "المؤمنين" الأقصر فتلويح الى "الذين" الذي مر في ~~رأس السورة ليكون تفصيله هناك مبينا لما اجمل هنا.. واما ايراد "آمنوا ~~وعملوا" على صيغة الماضي هنا، مع ايراد "يؤمنون" و"ينفقون" هناك بصيغة ~~المضارع فللإشارة الى ان مقام المدح والتشويق على الخدمة شأنه المضارع. ~~وأما مقام المكافأة والجزاء فالمناسب الماضي، اذ الاجرة بعد الخدمة.. # وأما واو (وعملوا) فاشارة بسر المغايرة الى ان العمل ليس داخلا في ~~الايمان كما قالت المعتزلة. والى ان الايمان بغير عمل لا يكفي. ولفظ العمل ~~رمز الى ان ما يبشر به كالاجرة.. # أما (الصالحات) فمبهمة ومجملة. قال "شيخ محمد عبده المصري" 1 الاطلاق هنا ~~حوالة على الاشتهار وتعارف الصالحات بين الناس. أقول: وكذا اطلقت اعتمادا ~~على رأس السورة. # وأما جملة (ان لهم جنات تجري من تحتها الأنهار) فاعلم! ان هيئاتها - من ~~تحقيق "ان" وتخصيص "اللام" وتقديم "لهم" وجمع "الجنة" وتنكيرها وذكر ~~الجريان وذكر "من" مع "تحت" وتخصيص "نهر" 2 وتعريفه - تتعاون وتتجاوب على ~~امداد الغرض الاساسي الذي هو السرور ولذة المكافأة كالأرض النشفة الرطبة ~~ترشح بجوانبها الحوض المركزي. لأن (ان) اشارة الى ان البشارة بما هو في هذه PageV01P198 ~~الدرجة من العظمة يتردد فيها العقل فتحتاج الى التأكيد.. وأيضا من شأن مقام ~~السرور طرد الأوهام؛ اذ طريان ادنى وهم يكسر الخيال ويطير السرور.. وكذا ~~ايماء الى ان هذا ms156 ليس وعدا صرفا بل حقيقة من الحقائق. ولام (لهم) اشارة الى ~~الاختصاص والتملك والاستحقاق الفضلي لتكميل اللذة وزيادة السرور. والا ~~فكثيرا ما يضيف ملك مسكينا.. وتقديم (لهم) اشارة الى اختصاصهم بين الناس ~~بالجنة، اذ ملاحظة حال أهل النار سبب لظهور قيمة لذة الجنة.. وجمع (جنات) ~~اشارة الى تعدد الجنان وتنوع مراتبها على نسبة تنوع مراتب الأعمال.. وكذا ~~رمز الى ان كل جزء من الجنة جنة.. وكذا ايماء الى ان ما يصيب حصة كل - ~~لوسعته - كأنه كالجنة بتمامها لا كأنه يساق بجماعتهم الى موضع.. وتنكير ~~(جنات) يتلو على ذهن السامع: "فيها ما لا عين رأت، ولا اذن سمعت، ولا خطر ~~على قلب بشر" 1. وكذا يحيل على أذهان السامعين حتى يتصورها كل على الطرز ~~الذي يستحسنه.. وكذا كأن التنوين بدل (وفيها ما تشتهيه الانفس) 2. وأما ~~(تجري) فاعلم! ان أحسن الرياض ما فيها ماء. ثم أحسنها ما يسيل ماؤها. ثم ~~أحسنها ما استمر السيلان. فبلفظ (تجري) أشار الى تصوير دوام الجريان.. واما ~~(من تحتها) فاعلم! ان أحسن الماء الجاري في الخضراوات ان ينبع صافيا من تلك ~~الروضة، ويمر متخرخرا تحت قصورها، ويسيل منتشرا بين أشجارها فاشار ب (من ~~تحتها) الى هذه الثلاثة.. وأما (الأنهار) فاعلم! ان أحسن الماء الجاري في ~~الجنان ان يكون كثيرا. ثم أحسنه ان تتلاحق الأمثال من جداوله. فان بتناظر ~~الأمثال يتزايد الحسن على قيمة الأجزاء. ثم أحسنه ان يكون الماء عذبا فراتا ~~لذيذا كما قال (ماء غير آسن) 3 فبلفظ "نهر" وجمعه وتعريفه أشار الى هذه. # أما جملة (كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل) ~~فاعلم! ان هيئاتها تتضمن كثيرة من الجمل الضمنية. فاستينافها جواب لسؤال مقدر. PageV01P199 # وذلك السؤال ممزوج من ثمانية اسئلة متسلسلة؛ اذ لما بشروا بمسكن هكذا عال ~~يتبادر لذهن السامع: أفيه رزق أم لا؟ واذا كان فيه رزق فمن اين يجئ ويحصل؟ ~~واذا حصل من تلك الجنة فمن أي شيء منها؟ واذا كان من ثمرتها فهل هي تشبه ~~ثمار الدنيا؟ واذا ms157 شابهتها فهل يشبه بعضها بعضا؟ واذا تشابهت فهل تختلف ~~طعومها؟ واذا اختلفت وقد قطعت فهل تنقص ام يمتلء موضعها؟ واذا تبدلت بأخرى ~~فهل يدوم الأكل منها؟ واذا دام فما حال الآكلين أفلا يستبشرون؟ واذا ~~استبشروا فماذا يقولون؟ واذ تفطنت لهذه الأسئلة فانظر كيف أجاب القرآن ~~الكريم عن هذه الأسئلة المتسلسلة بهيئات هذه الجملة.. # أما لفظ كلما فاشارة الى الدوام والتحقيق.. وماضوية رزقوا اشارة الى ~~تحقيق الوقوع.. وكذا ايماء الى # أما لفظ (كلما) فاشارة الى الدوام والتحقيق.. وماضوية (رزقوا) اشارة الى ~~تحقيق الوقوع.. وكذا ايماء الى اخطار نظيره من رزق الدنيا الى ذهنهم.. ~~وايراده على بناء المفعول اشارة الى عدم المشقة وانهم مخدومون يؤتى اليهم.. ~~وايثار (منها من ثمرة) على "من ثمراتها" للتنصيص على جوابين عن سؤالين من ~~الأسئلة المذكورة. وتنكير (ثمرة) المفيد للتعميم اشارة الى انه أية ثمرة ~~كانت فهي رزق.. وتنكير (رزقا) اشارة الى انه ليس من الرزق الذي تعلمونه ~~لدفع الجوع.. ولفظ (قالوا) أي يتقاولون بعضهم لبعض ايماء الى الاستبشار ~~والاستغراب اللازمين للحكم. # أما جملة (هذا الذي رزقنا من قبل) فاعلم! ان هذا الاطلاق يتضمن أربعة معان: # أحدها: ان هذا ما رزقنا من العمل الصالح في الدنيا فبشدة الارتباط بين ~~العمل والجزاء كأن العمل تجسم في الآخرة ثوابا. ومن هنا الاستبشار. # والثاني: ان هذا ما رزقنا من الأطعمة في الدنيا مع هذا التفاوت العظيم ~~بين طعميهما. ومن هنا الاستغراب. # والثالث: ان هذا مثل ما أكلنا قبل هذا الآن مع اتحاد الصورة واختلاف ~~المعنى لجمع لذتي الالفة والتجدد. ومن هنا الابتهاج. # والرابع: ان هذه التي على أغصان الشجرة هي التي أكلناها اذ ينبت بدلها ~~دفعة فكأنها اياها. ومن هنا يعرف انها لا تنقص. PageV01P200 # وأما جملة (وأتوا به متشابها) فاعلم! انها فذلكة وتذييل واعتراضية لتصديق ~~الحكم السابق وتعليله.. وبناء المفعول في (اتوا) اشارة الى ان لهم خدمة.. ~~وفي متشابها ما عرفت من الاشارة الى جمع اللذتين: # وأما جملة (ولهم فيها أزواج مطهرة) فاعلم! ان الواو بسر المناسبة العطفية ~~اشارة الى ms158 انهم كما يحتاجون الى المسكن لأجسامهم يفتقرون الى السكن ~~لأرواحهم.. (ولهم) اشارة الى الاختصاص والتملك، ورمز الى التخصيص والحصر، ~~وايماء الى ان لهم غير النساء الدنيوية حورا عينا خلقن لأجلهم.. و(فيها) ~~اشارة الى ان تلك الأزواج لائقة بتلك الجنة فعلى نسبة علو درجاتها يفوق ~~حسنهن.. وكذا فيها ايماء خفي الى أن الجنة تزينت وتبرجت بهن 1.. و(مطهرة) ~~اشارة الى أن مطهرا طهرهن، فما ظنك بمن طهرهن ونزههن يد القدرة؟.. وكذا ~~ايماء بالتعدية ان نساء الدنيا يطهرن ويصفين فيصرن حسانا كالحور العين ~~المتطهرات في أنفسهن. # وأما جملة (وهم فيها خالدون) فاشارة الى انهم، وكذا أزواجهم، وكذا لذائذ ~~الجنة، وكذا الجنة كافة؛ أبدية. # *** PageV01P201 ### | AUTO ان الله لا يستحيي ان يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها # فاما الذين آمنوا فيعلمون انه الحق من ربهم واما الذين كفروا فيقولون # ماذا اراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به الا ~~الفاسقين # 26 الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما امر الله به ان يوصل ~~ويفسدون في الارض اولئك هم الخاسرون 27 # اعلم! ان في هذه الآية أيضا الوجوه الثلاثة النظمية وان مآل المجموع ينظر ~~الى سوابقه والى لواحقه والى مجموع القرآن الكريم. # وأما نظمها بالنظر الىلواحقها فاعلم! ان القرآن لما مثل بالذباب ~~والعنكبوت وبحث عن النمل والنحل انتهز الفرصة - للاعتراض- اليهود واهل ~~النفاق والشرك فتحمقوا وقالوا: أيتنزل الله تعالى مع عظمته الى البحث عن ~~هذه الأمور الخسيسة التي يستحي من بحثها أهل الكمال؟ فضرب القرآن بهذه ~~الآية ضربا على أفواههم. # وأما نظمها بالقياس الى سوابقها، فاعلم! أن القرآن لما أثبت النبوة ~~بالإعجاز والإعجاز بالتحدي والتحدي بسكوتهم.. وكذلك أثبت في رأس السورة ان ~~القرآن مشتمل على صفات عالية ومزايا كاملة لا تجتمع في كلام؛ سكتوا في نقطة ~~التحدي حتى لم ينبض لهم عرق عصبية لكن اعترضوا وغالطوا في نقطة كماله ~~وقالوا ان التمثيل في امثال (كمثل الذي استوقد نارا) و(كصيب من السماء) من ~~الأمور العادية سبب لنزالة درجة الكلام فيشبه المحاورة ms159 العادية بين الناس؛ ~~فالقرآن ألقمهم حجرا وأفحمهم بهذه الآية. # وايضاحه: ان لهم شبهات واهية منشؤها أوهام متسلسلة مبناها مغالطات: # احداها: القياس مع الفارق ومنشؤه انهم ينظرون الى كل شيء بمرآة مألوفهم. ~~فحينما يرون الانسان ذهنه جزئي وفكره جزئي ولسانه جزئي وسمعه جزئي؛ لا يتعلق PageV01P202 ~~كل بأمرين معا بالذات، ويعرفون أن مقياس الهمة موضوع المشغلة والاهتمام، ~~ويرون ان القيمة والعظمة بنسبة الهمة حتى انهم لا يسندون أمرا حقيرا نزيلا ~~الى شخص عال جليل؛ ظنا منهم انه لايتنزل للاشتغال بمثله ولايسع ذلك الأمر ~~الحقير همته العظيمة، ينظرون بهذا النظر المشط الى الواجب تعالى ويقولون: ~~كيف يتنزل بعظمته وجلاله للتكلم مع البشر بمثل محاورة الانسان وللبحث عن ~~هذه الأمور الجزئية لاسيما هذه الأشياء المحقرة؟ أفلا يعقل هؤلاء السفهاء ~~ان ارادة الله تعالى وعلمه وقدرته كلية عمومية شاملة محيطة وليس مقياس ~~عظمته تعالى الا مجموع آثاره، وما ميزان تجليه الا كافة كلماته التي لو كان ~~البحر مدادا لها مانفدت. مثلا (ولله المثل الأعلى) اذا القت الشمس - بعد ~~فرض كونها مختارة عاقلة - ضياءها على ذرة ملوثة، أيقال لها كيف تنزلت ~~بعظمتها للاشتغال والاهتمام بمثل هذه الذرة؟ # نعم! ان الله تعالى كما خلق العالم واتقنه صنعا واهتم به؛ كذلك خلق ~~الجوهر الفرد وأتقن صنعه. ففي نظر القدرة الجواهر الفردة كالنجوم السيارة، ~~لأن قدرته تعالى وعلمه وارادته وكلامه لازمة للذات، وذاتية، فليست متجددة ~~ولا قابلة للزيادة والنقصان ولا متغيرة حتى يتداخل فيها المراتب؛ اذ العجز ~~ضد لها لا يمكن تداخله بينها. فلا فرق بين الذرة والشمس. اذ الممكن بتساوي ~~طرفيه كالميزان ذي الكفتين، لا فرق في صرف القوة التي ترفع كفة وتضع أخرى ~~بين ان يكون في الكفتين شمسان أو ذرتان، وهكذا نسبة المقدورات بالنسبة الى ~~القدرة الذاتية اللازمة. وأما بالنسبة الى قوة الممكنات العارضة المتغيرة ~~المتداخل بينها العجز فلا موازنة. # والحاصل: ان الذرات والأمور الخسيسة لما كانت مخلوقة له تعالى كانت ~~معلومة له بالضرورة، فلا مشاحة بالبداهة أن يبحث عنها. وعلى هذا السر قال ~~(ألا يعلم ms160 من خلق وهو اللطيف الخبير) 1 فكيف لا يبحث عنها ولا يتكلم بها من ~~علم وهو العزيز الحكيم. # وثانية المغالطات: هي انهم يزعمون انهم يرون في اسلوب القرآن خلف المتكلم ~~تمثال انسان، بدليل البحث عن هذه الأشياء الحقيرة والأمور العادية كأسلوب ~~محاورة البشر. أفلا يتذكر هؤلاء المتجاهلون ان الكلام كما ينظر الى متكلمه ~~بجهة؛ كذلك PageV01P203 ~~ينظر الى المخاطب به بجهات، على ما تقتضيه البلاغة للتطبيق على مقتضى حال ~~المخاطب. فلما كان المخاطب بشرا وكان البحث عن أحواله والمقصد تفهيمه، لبس ~~القرآن اسلوب البشر الممزوج بحسياته المسمى ب"التنزلات الالهية الى عقول ~~البشر" للتأنيس.. ألا تراك اذا حاورت مع صبي تتصبى له؟ # فان قلت: ان حقارة الأشياء وخساستها تنافي عظمة القدرة ونزاهة الكلام؟ # قيل لك: ان الحقارة والخساسة والقبح وأمثالها انما هي بالنظر الى ملك ~~الأشياء وجهتها الناظرة الينا وبالنظر الى نظرنا السطحي. وقد وضعت الأسباب ~~الظاهرية للتوسط في هذه الجهة لتنزيه العظمة. وأما بالنظر الى ملكوتية ~~الأشياء فكلها شفافة عالية. وهذه الجهة هي محل تعلق القدرة، لايخرج من ~~التعلق شيء؛ فكما اقتضت العظمة وضع الأسباب في الظاهر كذلك تستلزم الوحدة ~~والعزة شمول القدرة لكل واحاطة الكلام به؛ على ان القرآن المكتوب على ذرة ~~بالجواهر الفردة ليس بأقل جزالة من القرآن المكتوب على صحيفة السماء بمداد ~~النجوم، وان خلقة الذباب ليست بأدنى صنعا من خلقة الفيل. فالكلام كالقدرة. # فان قلت: الى أي شيء تعود الحقارة الظاهرية في هذه التمثيلات؟ # قيل لك: انما تعود الى الممثل له دون الممثل، فكلما كانت مطابقته للممثل ~~له أحسن، كانت درجة الكلام أعلى ونظام البلاغة أرفع. ألا ترى ان السلطان ~~اذا أعطى راعيه ما يليق به من اللباس وألقى الى الكلب ما يشتهيه من العظم.. ~~الخ. لايقال انه فعل بدعة، بل يقال انه أحسن بوضع كل شيء في موضعه. فاذا ~~كلما كان الممثل حقيرا كان مثاله حقيرا، وان كان عظيما فعظيما. ولما كانت ~~الأصنام أدنى الامور سلط الله الذباب على رؤوسها. ولما كانت عبادتها أهون ~~الأشياء جعل ms161 الله تعالى نسج العنكبوت عنوانها. # وثالثة المغالطات: انهم يقولون ما الحاجة الى امثال هذه التمثيلات ~~المومئة الى العجز عن اظهار الحقيقة؟. # الجواب: لما كان المقصد من انزال التنزيل ارشاد الجمهور، والجمهور عوام، ~~والعوام لايرون الحقائق المحضة والمجردات الصرفة عراة عن متخيلاتهم ألبس ~~الله تعالى بلطفه واحسانه الحقائق لباس مألوفاتهم لتحسن الفتهم كما عرفت في ~~سر المتشابهات. PageV01P204 # أما نظم الجمل بعض مع بعض، فاعلم! أن (ان الله لا يستحيي ان يضرب مثلا ما ~~بعوضة فما فوقها) رد وطرد لاعتراضات متسلسلة. كأنهم يقولون أية حكمة في ~~مكالمة الله تعالى مع البشر، وعتابه عليهم، والتشكي منهم؛ فانها علامة ان ~~للانسان أيضا تصرفا آخر في العالم؛ لاسيما كالمحاورة الجارية بين الناس ~~فانها علامة انه كلام البشر.. ولاسيما يتراءى من خلف الكلام تمثال انسان.. ~~ولاسيما بتصويرات وتمثيلات فانها علامة العجز عن اظهار الحقيقة.. ولاسيما ~~اذا كانت التمثيلات عادية فانها علامة انحصار ذهن المتكلم.. ولا سيما بأمور ~~حقيرة فانها علامة خفة المتكلم.. ولاسيما اذا كانت مما لا اضطرار اليه وكان ~~تركه أولى.. ولاسيما اذا كان بعض تلك الأمور مما يستحي أهل العزة عن البحث ~~عنه.. ولاسيما اذا كان الباحث ذا العظمة والجلال.. فأجاب القرآن هدما لهذه ~~السلسلة من المبدأ الى المنتهى بضربة واحدة فقال (ان الله لايستحيي ... ) ~~الخ؛ لان جهة الملكوتية لا تنافي العظمة والجلال فلا يتركها ولا يهملها؛ اذ ~~الالوهية تقتضي كذلك. فاذا يمثل بالأمور المحقرة للمعاني المحقرة؛ اذ حكمته ~~مع سر البلاغة هكذا تقتضي.. فاذا يذكر التمثيلات العادية بناء على انها ~~الموافقة للتربية والارشاد. . فاذا يصور الحقائق بتمثيلات - بناء على ما ~~تقتضيه العناية مع التنزلات الالهية.. فاذا يختار اسلوب محاورة البشر بعض ~~مع بعض بناء على ما تقتضيه الربوبية مع التربية.. فاذا يتكلم مع الناس بناء ~~على ماتقتضيه الحكمة مع النظام. # والحاصل: ان الله تعالى لما أودع في الانسان جزءا اختياريا وجعله مصدرا ~~لعالم الأفعال، أرسل كلامه لينظم ذلك العالم. # وان نظم جملة (فاما الذين آمنوا فيعلمون انه الحق من ربهم) هو: انه لما ms162 ~~ذكر في الأولى المدعى، أشار بهذه الى طريق دليله. وكذا رمز وأومأ الى وجه ~~دفع الأوهام، أي من نظر بنور الايمان ومن جانب الله تعالى ومن جهة قدرته ~~جاعلا حكمته وعنايته وربوبيته نصب العين، علم انه حق وبلاغة. واما من نظر ~~من جانب حضيض نفسه، ومن جهة الممكنات، فلا جرم ستهوي به الأوهام.. ومثلهما ~~كمثل شخصين صعدا منحدرا رأيا جداول ماء. أما أحدهما فيصعد ويرى رأس العين ~~ويذوق فيعلم ان الماء كله عذب؛ فكلما يصادف قطعة ماء من تفرعات الجداول PageV01P205 ~~يتفطن - ولو بامارة ضعيفة - انه عذب، فلا تقدر الأوهام ولو قوية على ~~تغليطه. وأما الآخر فيتسفل وينظر من جانب التفرعات ولا يرى منبع العين ~~فيحتاج لمعرفة عذوبة كل قطعة ماء الى دليل قطعي. فأدنى وهم يورطه في ~~الشبهة. أو كمثال شخصين بينهما مرآة ينظر أحدهما الى الوجه الشفاف، والآخر ~~الى الوجه الملون. # والحاصل: انه لابد في النظر الى صنعه تعالى ان ينظر اليه من جانبه تعالى ~~مع ملاحظة عنايته وربوبيته وليس هذا النظر الا بنور الايمان ولاتكون ~~الأوهام حينئذ - ولو قوية - إلا أوهن من بيت العنكبوت. ولو نظر اليه من جهة ~~الممكنات بنظر المشتري وبفكره الجزئي لقويت في عينه الأوهام الضعيفة فيتستر ~~عنه الحقيقة كما يمنع جناح بعوضة رؤية العين لجبل الجودي. # وان نظم جملة: (وأما الذين كفروا..) الخ هو: انه لما ارى طريق فهم حكمة ~~اسلوب التمثيلات - وهي النظر بنور الايمان من جانب الواجب الوجود - بين هنا ~~الطريق المقابل الذي هو منشأ الأوهام والتعللات بأن ينظر من طرف نفسه بظلمة ~~الكفر التي تصور كل شيء مظلما مع مرض القلب الذي يثقل به اخف وهم. ثم يضل ~~طريق الحق ثم يتردد ثم يستفهم ثم ينكر. فالقرآن بالايجاز والكناية أورد - ~~اشارة الى استفهامهم الانكاري - قوله: (ماذا أراد الله بهذا مثلا) بدل ~~"لايعلمون" مع انه المطابق للسابق ظاهرا. # وان نظم جملة: (يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا) هو: انها جواب عن صورة ~~استفهامهم فلغاية الايجاز نزلت الغاية والعاقبة منزلة العلة الغائية كأنهم ms163 ~~يسألون ويقولون: لأي شيء كان هكذا؟ ولم لم يكن اعجازه بديهيا؟ ولم لم يكن ~~كونه كلام الله ضروريا؟ ولم صار معرض الأوهام بسبب هذه الأمثال؟ فأجاب ~~القرآن بقوله: (يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا) أي: لأجل ان من تفكر فيه بنور ~~الايمان ازداد نورا. ومن تفكر بظلمة الكفر والتنقيد ازداد ظلمة.. وهذا لأجل ~~انه نظري ليس بديهيا.. وهذا لأجل تفريق الأرواح الصافية العلوية عن الأرواح ~~الكدرة السفلية.. وهذا لأجل تمييز الاستعدادات العالية بالنشوء والنماء عن ~~الاستعدادات الخبيثة.. وهذا لأجل تمييز الفطرة الصحيحة بالتكمل والمجاهدة ~~والاجتهاد عن الفطرة المتفسخة الفاسدة.. وهذا لأجل ان أمتحان البشر ~~يستلزمه.. وهذا لأجل ان الابتلاء يقتضيه.. PageV01P206 # وهذا لأجل ان سر التكليف لتكميل البشر وسعادته يستلزمه. فأوجز التنزيل في ~~الجواب. # ان قلت: قد قلت ان التكليف لتأمين سعادة البشر مع انه يكون سببا لوقوع ~~الأكثر في الشقاوة، ولولاه لما صار التفاوت بهذه الدرجة؟. # قيل لك: ان الله تعالى كما كلف الجزء الاختياري بكسبه تشكيل عالم الأفعال ~~الاختيارية؛ كذلك جعل التكليف سبب اسقاء وانبات البذور الغير المحصورة ~~المودوعة في روح البشر. ولولاه لبقيت الحبوبات يابسة. واذا تأملت في أحوال ~~النوع بنظر نافذ رأيت كل ترقيات الروح المعنوية، وكل تكملات الوجدان ~~الالهية، وتكملات العقل، وترقيات الفكر المثمرة بدرجة تحير فيها العقول ~~انما وجدت كافة بالتكليف.. وانما استيقظت ببعثة الأنبياء.. وانما تلقحت ~~بالشرائع.. وانما ألهمت من الأديان. ولولاها لبقي الانسان حيوانا ولانعدمت ~~هذه الكمالات الوجدانية وتلك المحاسن الاخلاقية. أما القسم القليل فقبلوا ~~التكليف اختيارا ففازوا بالسعادة الشخصية وصاروا سببا للسعادة النوعية. ~~وأما القسم الكثير كمية فهم وان كفروا بقلوبهم وفيما هم فيه مختارون لكن ~~لما لم يكن كل حال كل كافر كافرا وكل صفته كافرة يابسة كانوا بسبب ايقاظ ~~البعثة للحسيات الوجدانية، وتنبيه النبوة للسجايا الاخلاقية، وبتسامع ~~الشرائع، وتعارف آثارها بحيث قد قبلوا أنواعا من التكليف اضطرارا. # فان قلت: سعادة القليل مع شقاوة الكثير كيف تكون مظهرا لسعادة النوع حتى ~~تكون الشريعة رحمة، مع ان سعادة النوع انما تكون بالكل ms164 او الأكثر؟ # قيل لك: اذا كان لك مائة بيضة ووضعتها تحت طير، فافرخت عشرين وأفسدت ~~ثمانين؛ أفلا تقول قد تكمل هذا النوع؟ اذ حياة عشرين تساوي ألوف بيضة. أو ~~كان لك مائة نواة تمر فأسقيتها بالماء فصار عشرون منها نخلات باسقات وتفسخ ~~ثمانون، أفلا تقول: الماء سعادة لهذا النوع؟ او كان لك معدن فسلطت عليه ~~النار فأصفت خمسه ذهبا وصيرت الباقي فحما ورمادا، افلا تكون النار سبب ~~كماله وسعادته؟ وقس على هذا!.. فاذا نشوء الحسيات العالية ونمو الأخلاق ~~انما هو بالمجاهدة، وتكمل الأشياء انما هو بمقابلة الأضداد ومزاحمتها. ~~ألاترى ان حكومة اذا جاهدت ينمو فيها الجسارة واذا تركت انطفأت.. تأمل!.. PageV01P207 # وان نظم جملة (وما يضل به الا الفاسقين) هو: انه لما ابهم في (يضل به ~~كثيرا) انتبه ذهن السامع وخاف فاستفسر قائلا: من هم الضالون؟ وما السبب؟ ~~وكيف تجئ الظلمة من نور القرآن؟.. فأجاب: بأنهم الفاسقون، وان الاضلال جزاء ~~لفسقهم، وبالفسق ينقلب النور في حق الفاسق نارا والضياء ظلمة. ألا ترى ان ~~ضياء الشمس يعفن ما استقذرت مادته. وان وجه التوصيف بقوله (الذين ينقضون ~~عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض) ~~هو انه شرح وكشف للفسق اذ الفسق عدول عن الحق وتجاوز عن الحد وخروج من ~~القشر الحصين. وان الفسق انما هو بالافراط أو التفريط في القوى الثلاث التي ~~هي القوة العقلية والغضبية والشهوية.. وان الافراط والتفريط سببان للعصيان ~~في مقابلة الدلائل التي كالعهود الالهية في الفطرة.. وكذا وسيلتان لمرض ~~الحياة النفسية وأشير الى هذا بالصفة الأولى.. وكذلك محركان للعصيان في ~~مقابلة الحياة الاجتماعية وتمزيق الروابط والقوانين الاجتماعية وأشير الى ~~هذا بالصفة الثانية.. وأيضا هما سببان للفساد والاختلال المنجر الى فساد ~~نظام الأرض وأشير الى هذا بالصفة الثالثة. نعم! ان الفاسق بتجاوز القوة ~~العقلية عن حد الاعتدال يكسر رابطة العقائد ويمزق القشر الحصين اي الحياة ~~الأبدية.. وبتجاوز القوة الغضبية يمزق قشر الحياة الاجتماعية.. وبتجاوز ~~القوة البهيمية واتباع الهوى يزيل عن قلبه الشفقة ms165 الجنسية فيفسد ويورط ~~الناس فيما تورط فيه فيكون سببا لضرر النوع وفساد نظام الأرض. # وان نظم جملة (أولئك هم الخاسرون) هو: انه لما ذكر جنايات الفاسق ورهب ~~بها أكد التهديد بنتيجتها وجزائها ليؤثر الترهيب. فقال: هم الذين خسروا ~~ببيع الآخرة بالدنيا واستبدال الهدى بالهوى.. 1 # ولنشرع في نظم هيئات جملة جملة، فاعلم! ان الآيات وجملها وهيئاتها كأميال ~~الساعة التي تعد الثواني والدقائق والساعات، فكلما يثبت هذا شيئا يؤيده ذاك ~~بدرجته ويمده ذلك بنسبته، وكذا اذا اراد هذا شيئا عاونه ذاك وساعده الآخر ~~بحيث يخطر الحال ما قيل: # عباراتنا شتى وحسنك واحد وكل الى ذاك الجمال يشير PageV01P208 ~~ولهذا السر قد بلغت سلاسة القرآن وعلو طبقته ودقة نقشه الى مرتبة الاعجاز. # أما هيئات جملة (ان الله لايستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها) ~~فاعلم! ان (ان) للتحقيق ورد التردد والانكار فهي اشارة الى الترددات ~~المتسلسلة المذكورة.. وان لفظة "الله" لتنبيه الذهن على الخطأ في القياس ~~المذكور.. وان ايثار (لايستحيي) على "لايترك" مع ان الحياء - وهو انقباض ~~النفس - محال في حقه تعالى ونفى المحال لا فائدة فيه، اشارة الى ان الأسباب ~~من الحكمة والبلاغة وغيرهما تقتضي حسن التمثيل فلا علة للترك الا الحياء، ~~والحياء عليه تعالى محال فلا سبب للترك أصلا فألزمهم أشد إلزام وألطفه.. ~~وكذا رمز بمشاكلة الصحبة الى كلمتهم الحمقاء من قولهم: "أما يستحي رب محمد ~~من التمثيل بهذه المحقرات".. وان ايثار (ان يضرب) على "من المثل الحقير" مع ~~انه الأنسب، اشارة الى اسلوب لطيف وهو: ان التمثيل كضرب الخاتم للتصديق ~~والاثبات، أو كضرب السكة للقيمة والاعتبار. وفي الاشارة رمز الى حسن ~~التمثيل طردا للأوهام، وكذا اشارة الى ان التمثيل منهاج مشهور مستحسن، لأن ~~ضروب الأمثال من القواعد المعروفة.. وان ايثار (ان يضرب) على "ضرب" مع انه ~~الأوجز للايماء الى أن منشأ الاعتراض ليس إلا الخساسة. لأن (ان يضرب) لعدم ~~استقلاله كأنه لطيف يمر القصد الى المفعول.. وأما "ضرب" فلاستقلاله كأنه ~~كثيف يستوقف القصد.. وان (مثلا) ايماء الى خاصية التمثيل ms166 من تصوير المعقول ~~بالمحسوس، والموهوم بالمحقق، والغائب بالشاهد. ومنه ايماء الى رد الوهم.. ~~وتنكير (مثلا) رمز الى ان مدار النظر هو ذات التمثيل، وأما الصفات فمحمولة ~~على طبيعة المقام وحال الممثل له.. وان التعميم في (ما) اشارة الى تعميم ~~القاعدة لئلا يختص الجواب بما اعترضوا به فالممثل له أية صورة أقتضى ~~استحسنتها البلاغة. وان تخصيص (بعوضة) اشارة الى كثرة استعمال البلغاء ~~للتمثيل بها كقولهم "أضعف من البعوضة" 1 و"أشد عنادا من البعوضة" و"كلفتني ~~مخ البعوضة" و"أعز من مخ البعوضة" 2 و"قالت البعوضة للنخلة استمسكي انا ~~أطير" و"الدنيا لا توزن عندالله جناج بعوضة" وقس.. وفي الاشارة رمز الى ضعف ~~وهمهم.. وان المعنى ب (ما فوقها) مادونها في الصغر وما PageV01P209 ~~فوقها في قيمة البلاغة أو في الصغر أيضا فالتعبير ب (مافوقها) اشارة الى ان ~~الصغير اغرب بلاغة وأعجب خلقة. # واعلم! ان الهيئات كخيوط الحرير باجتماعها يظهر النقش الحسن. # وأما هيئات جملة (فأما الذين آمنوا فيعلمون انه الحق من ربهم وأما الذين ~~كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا) فاعلم! ان الفاء للتفريع، ~~والتفريع اشارة الى دليل ضمني ينتج هذه الجملة ذات الشقين: أي لايترك ~~التمثيل لأن البلاغة تقتضيه؛ فمن انصف يعرف انه بليغ وحق وكلام الله تعالى. ~~ومن نظر بالعناد لايعلم الحكمة فيتردد.. فيسأل.. فينكر.. فيستحقر. فانتج: ~~ان المؤمن - لأنه منصف - يصدق انه كلام الله، والكافر - لأنه معاند - يقول ~~ما الفائدة فيه؟ وان "اما" فلانها شرطية لزومية في الوضع اشارة الى ان ~~الخبر لازم للمبتدأ وضروري له، يعني من شأن المبتدأ هذا الخبر.. وان ايراد ~~(الذين آمنوا) بدل "المؤمنين" اشارة الى التنصيص على ان الايمان هو سبب ~~العلم بحقيته وان العلم بحقيته ايمان 1.. وان (انه الحق) بدل "انه البليغ" ~~الأنسب بالمقام اشارة الى آخر نتيجة اعتراضهم اذ غرضهم نفى كونه كلام ~~الله.. وان حصر "انه الحق" اشارة الى ان هذا هو المستحسن الذي لا يستقبح ~~بخلاف ما يزعمون اذ السلامة من العيب لاتثبت الكمال.. وان (من ربهم) اشارة ~~الى ان هدف غرضهم ms167 انكار النزول.. وان "اما" في "واما الذين كفروا" للتأكيد ~~والتحقيق والتفصيل.. وان ايراد (الذين كفروا) بدل "الكافرين" الأوجز ايماء ~~كما مر الى ان انكارهم يجئ من الكفر ويذهب الى الكفر.. وان ايثار (فيقولون) ~~على "فلا يعلمون" مع انه الظاهر كما مر فلاختيار طريق الكناية للايجاز أي: ~~من كفر لايعرف الحقيقة فينجر الى التردد.. فينجر الى الانكار.. فينجر الى ~~الاستحقار بصورة الاستفهام.. وأيضا في "يقولون" رمز الى أنهم كما كانوا ~~ضالين، كذلك كانوا مضلين بأقوالهم. PageV01P210 # وأما هيئات جملة (يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا) فاعلم! ان الترتيب يقتضي ~~تقديم الثانية لكن لما كان الغرض رد اعتراض المتردد المستفهم المستنكر ~~المستقبح كان (يضل) أهم. أما العدول عن "الضلالة والهداية" المناسبتين ~~للسؤال الى صورة الفعل المضارع فاشارة الى ان كفرهم يتكاثف ظلمة على ظلمة ~~بنسبة تزايد النزول تجددا؛ كما ان المؤمن يتزايد ايمانه بدرجات النزول نورا ~~على نور.. وكذا في الفعل - بناء على كونه جوابا - رمز الى بيان حال ~~الفريقين وبيان السبب. وأما (كثيرا) ففي الأولى كمية وعددا، وفي الثانية ~~قيمة وكيفية. نعم! ان كرام الناس كثيرون وان قلوا. فالتعبير بالكثير في ~~الثانية رمز الى سر كون القرآن رحمة للبشر 1. تأمل.. # وأما جملة (وما يضل به الا الفاسقين) فاعلم! انه لما ذكر الكثير في ~~الاولى دفع الوسوسة والخوف والتردد وتهمة النقص في القرآن ببيان: ان ~~الضالين من هم؟ وان منشأ الضلالة فسقهم، وان سببها كسبهم، وان القصور منهم ~~لا من القرآن، وان خلق الضلالة جزاء لفعلهم.. # ثم اعلم! ان كل واحدة من هذه الجمل كما انها كشافة لسابقتها؛ كذلك مفسرة ~~بلاحقتها كأنها دليل للسابقة نتيجة للاحقة. # وايضاحه: ان فيها سلسلتين. # إحداها هكذا: انه لايستحي.. لأنه لايترك.. لأنه بليغ ... لأنه حق.. لأنه ~~كلام الله.. لان المؤمن يعلمه. # والثانية هكذا: انه لايستحي كما يقول المنكر.. لأنهم يقولون يلزم تركه.. ~~لأنهم لايعلمون حكمته.. لأنهم يقولون ما الفائدة فيه.. لأنهم ينكرونه.. ~~لأنهم يستحقرونه.. لأنهم يقعون في الضلالة بسماعه.. لأنهم يضلهم القرآن.. ~~لأنهم هم الذين فسقوا وخرجوا عن ms168 قشرهم.. لأنهم نقضوا عهد الله.. لأنهم ~~مزقوا ما اتصل بأمر التكوين والتشريع.. لأنهم يفسدون النظام الالهي في ~~الارض. فاذا هم الخاسرون في الدنيا باضطراب الوجدان وبقلق القلب وبتوحش ~~الروح، وفي الآخرة بالعذاب الأبدي وبغضب الله، فتأمل في سلاسة السلسلتين!.. (2) PageV01P211 ~~وأما هيئات جملة (الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله ~~به ان يوصل ويفسدون في الأرض) فاعلم! ان توصيف الفاسقين المشككين في اعجازه ~~ونظمه بهذه الأوصاف في هذا المقام، انما هو لمناسبة لطيفة عالية. كأن ~~القرآن يقول: ليس ببعيد من الفساق - الذين لم يروا اعجاز القدرة في نظام ~~الكائنات التي هي القرآن الأكبر - ان يترددوا ويجهلوا اعجاز نظم القرآن؛ اذ ~~كما يرون نظام الكائنات تصادفيا، والتحولات المثمرة عبثا اتفاقية فتستر ~~عنهم - لفساد روحهم - حكمه؛ كذلك بفطرتهم السقيمة وتهوسهم الفاسد رأوا ~~النظم المعجز مشوشا ومقدماته عقيمة وثمراته مرة. # اما جملة (ينقضون عهد الله) فلأن النقض لغة تفريق خيوط الحبل وتمزيقها ~~اشارة الى اسلوب عال، كأن عهده تعالى حبل نوراني فتل بالحكمة والعناية ~~والمشيئة فامتد من الازل الى ان اتصل بالأبد. فتجلى في الكائنات بصورة ~~النظام العمومي وأرسلت تلك السلسلة سلاسلها الى الأنواع وامتد أعجبها 1 الى ~~نوع البشر فاورثت واثمرت في روح البشر بذور استعدادات وقابليات تسقى ~~وتتزاهر بالجزء الاختياري المعدل بالأمر التشريعي، أي الدلائل النقلية. ~~فوفاء العهد صرف الاستعدادات فيما وضعت له؛ ونقض العهد خلافه وتفريقه، ~~كالايمان ببعض الأنبياء وتكذيب بعض.. وقبول بعض الأحكام ورد بعض.. واستحسان ~~بعض الآيات واستنكار بعض.. فانه يخل بالنظام والنظم والانتظام. # وأما جملة (ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل) فاعلم! ان هذا الأمر عام ~~للأمر التشريعي والأمر التكويني المندمج في القوانين الفطرية والعادات ~~الالهية. فالقطع لما أمر بوصله شرعا كقطع صلة الرحم وقطع قلوب المؤمنين بعض ~~عن بعض. وعلى هذا القياس!.. وتكوينا كقطع العمل عن العلم.. وقطع العلم عن ~~الذكاء.. وقطع الذكاء عن الاستعداد. وقطع معرفة الله عن العقل.. وقطع السعي ~~عن القوة.. وقطع الجهاد عن الجسارة وهكذا!.. اذ إعطاء القوة ms169 أمر معنوي ~~تكويني بالسعي، وإعطاء الذكاء أمر معنوي بالعلم.. الى آخره ... # وأما جملة (ويفسدون في الأرض) فاعلم! ان من فسد وتورط في الوحل يطلب أن ~~يكون له رفقاء متورطون ليتخفف عنه دهشة الحال بسر "اذا عمت البلية PageV01P212 ~~طابت" وكذا اذا وقع في قلب أحد اختلال، تخرب في قلبه الكمالات وتتساقط ~~الحسيات العالية، فيتولد فيه ميل التخريب فينتج له لذة في التخريب فيتحرى ~~لذته في الافساد والاختلال. # - فان قلت: كيف يؤثر فساد فاسق في عموم الأرض المشار اليه بلفظ في الأرض؟ # قيل لك: الذي فيه نظام ففيه موازنة، حتى ان النظام مبني على الموازنة ~~فتداخل شيء حقير بين دواليب ماكينة تتأثر به، وان لم يحس. والميزان الذي في ~~كفتيه جبلان يتأثر بوضع جوزة على كفة.. # وأما جملة (اولئك هم الخاسرون) فاعلم! ان حق العبارة "هم خاسرون في عدم ~~الهداية به " فلفظ "اولئك" ولفظ "هم" والتعريف والاطلاق لنكت: # أما (اولئك) فلأن وضعه لإحضار محسوس، فالإحضار المستفاد منه اشارة الى ان ~~السامع اذا سمع حالهم الخبيثة من شأنه ان يحصل له حدة عليهم ونفرة منهم. ~~فلتطمين نفرته وتشفي حدته يطلب أن يستحضروا إلى خياله ليشاهدهم وقت اتصافهم ~~بالعاقبة الوخيمة. . والمحسوسية اشارة الى أن أوصافهم الرذيلة تكثرت بدرجة ~~تجسمهم محسوسين نصب نظر النفرة. فمن الإشارة ايماء إلى علة الحكم بالخسارة. ~~. والبعدية إشارة إلى أنهم قد بعدوا عن طريق الحق بدرجة لايرجعون فيستحقون ~~الذم والتشنيع بخلاف من كان في معرض الندامة ومسافة الرجوع.. و(هم) اشارة ~~الى ان الخسارة منحصرة عليهم حتى ان خسارات المؤمنين لبعض اللذائذ الدنيوية ~~ليست خسارة. وكذا خسارات أهل الدنيا في تجاراتهم ليست خسارة بالنسبة إلى ~~خساراتهم.. والألف واللام اشارة الى تصوير الحقيقة أي من أراد أن يرى حقيقة ~~الخاسرين فلينظر اليهم. . وكذا ايماء الى أن مسلكهم محض خسارة لا كالخسارات ~~الأخر التي فيها وجوه من النفع لكن الضر أكثر. فالتعريف اما للكمال أو ~~للبداهة أو لتصوير الحقيقة.. واطلاق الخسارة اشارة باعانة المقام الخطابي ~~الى عموم أنواع الخسارات. أي خسروا في وفاء ms170 العهد بالنقض، وفي صلة الرحم ~~بالقطيعة، وفي الاصلاح بالإفساد، وفي الايمان بالكفر، وبالشقاوة خسروا ~~السعادة الأبدية.. # * * * PageV01P213 ### | AUTO كيف تكفرون بالله وكنتم امواتا فاحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم ~~اليه ترجعون # 28 # اعلم ان لهذه الآية أيضا الوجوه الثلاثة النظمية: # أما نظم مآلها بسابقها، فاعلم! ان الله تعالى لما دعا الناس إلى عبادته ~~والاعتقاد به، وذكر أصول العقائد والأحكام مشيرا إلى دلائلها إجمالا؛ عاد ~~في هذه الآية مع لواحقها الثلاث إلى سرد الدلائل عليها بتعداد النعم ~~المتضمنة للدلائل. ثم إن أعظم النعم "الحياة" المشار اليها بهذه الآية، ثم ~~"البقاء" أي كمال الحياة بتنظيم السموات والأرض المشار اليه بالآية ~~الثانية، ثم تفضيل البشر وتكريمه على الكائنات بالآية الثالثة، ثم تعليمه ~~العلم بالرابعة.. فهذه النعم نظرا الى "صورة النعمة" دليل العناية والغاية، ~~وكذا دليل العبادة؛ اذ شكر المنعم واجب وكفران النعم حرام في العقول. ونظرا ~~الى "الحقيقة" دليل اختراعي على وجود المبدأ والمعاد.. وكذا ان هذه الآية ~~كما تنظر الى سابقتها كذلك تنظر إلى الأسبق من بحث الكافرين والمنافقين ~~فأشار بهذا الاستفهام الانكاري التعجبي إلى تقريعهم وتشنيعهم وتهديدهم ~~وترهيبهم. # وأما نظم الجمل، فاعلم! ان هنا إلتفاتا من الغيبة الى الخطاب؛ اذ حكى ~~عنهم اولا ثم خاطبهم، لنكتة معلومة في البلاغة وهي: # انه اذا ذكر مساوئ شخص شيئا فشيئا تزيد الحدة عليه، الى ان يلجئ المتكلم ~~- لو كان انسانا - الى المشافهة والمخاطبة معه.. وكذا اذا ذكرت محاسن أحد ~~درجة درجة يتقوى ميل المكالمة معه الى أن يلجئ إلى التوجه اليه والخطاب ~~معه. فلنزول القرآن على أسلوب العرب التفت فقال: (كيف تكفرون) مخاطبا لهم. # ثم اعلم! انه لما كان المقصد هنا سرد البراهين على الأصول السابقة من ~~الايمان والعبادة، ورد الكفر ومنع كفران النعمة. ثم ان أوضح الدلائل هو ~~الدليل المستفاد من سلسلة أحوال البشر، وان أكمل النعم هي النعم المتدلية ~~في أنابيب تلك السلسلة PageV01P214 ~~والمندمجة في عقدها؛ قال: (وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم ~~اليه ترجعون) اشارة الى تلك السلسلة العجيبة المترتبة ms171 ذات العقد الخمس التي ~~تدلت من أنابيبها عناقيد النعم. فلنمهد خمس مسائل لحل تلك العقد. # المسألة الأولى: في (وكنتم أمواتا) . # اعلم! ان الانسان باعتبار جسده بينما كان ذرات جامدة منتشرة في العالم، ~~اذ تراها دخلت بقانون مخصوص ونظام معين تحت انتظام.. ثم بينما تراها متسترة ~~ساكتة في عالم العناصر اذ تراها انتقلت متسللة بدستور معين وانتظام يومئ ~~إلى قصد وحكمة الى عالم المواليد.. ثم بينما تراها متفرقة ساكنة في ذلك ~~العالم اذ تراها تحزبت بطرز عجيب وصارت نطفة.. ثم بانقلابات متسلسلة علقة ~~فمضغة.. فلحما وعظاما وهلم جرا.. فكل من هذه الأطوار وان كان مكملا بالنسبة ~~الى سابقه الا انه ميت وموات. 1 # - فان قلت: الموت عدم الحياة وزوالها ولا حياة فيها حتى تزول؟ # قيل لك: اختار المجاز لاعداد الذهن لقبول العقدة الثالثة والرابعة. # المسألة الثانية: في (فأحياكم) . # اعلم! ان أعجب معجزات القدرة وادقها الحياة.. وكذا هي أعظم كل النعم ~~وأظهر كل البراهين على المبدأ والمعاد. # أما وجه أدقيتها وغموضها فهو: # ان ادنى أنواع الحياة حياة النبات، وان أول درجاتها تنبه العقدة الحياتية ~~في الحبة. وهذا التنبه مع شدة ظهوره وعمومه والالفة به من زمان آدم الى ~~الآن قد بقي مستورا عن نظر حكمة البشر. # وأما وجه كونها أعظم النعم فهو: # ان الجسم الذي لاحياة فيه ليس له مناسبة إلا مع مكانه المشخص وما به ~~يختلط فيكون يتيما منفردا ولو كان جبلا. لكن اذا رأيت جسما ولو صغيرا ~~كالنحل مثلا وقع PageV01P215 ~~فيه الحياة حصل له دفعة مناسبات مع عموم الكائنات وتجارة مع الأنواع حتى ~~يحق له أن يقول: "مكاني الكائنات وهي كملكي". اذ اذا انتقل إلى الحياة ~~الحيوانية تراه يجول بحواسه ويتصرف بها في أطراف الكائنات فيحصل بينه وبين ~~أنواعها اختصاص ومبادلة ومحبة.. ولا سيما اذا ترفع إلى طبقة الانسانية تراه ~~بنور العقل يجول في عوالم. فكما يتصرف في العالم الجسماني يجول في العالم ~~الروحاني، ويطوف في العالم المثالي. وكما يسافر هو الى تلك العوالم؛ كذلك ~~تسافر هي اليه بالتمثل في ms172 مرآة روحه حتى يستحق أن يقول: "ان العالم مخلوق ~~لأجلي بفضل الله تعالى".. فتتنوع حياته وتنبسط الى الحياة المادية ~~والمعنوية والجسمانية والروحانية التي يشتمل كل منها على طبقات. فحق أن ~~يقال: كما ان الضياء سبب لظهور الألوان والأجسام؛ كذا ان الحياة كشافة ~~لكافة الموجودات وسبب لظهورها، وان الحياة هي التي تصير ذرة كعالم. وان ~~الحياة هي الوسيلة لإحسان مجموع العالم لذي حياة برأسه مع عدم المزاحمة ~~والانقسام إلا في أقل قليل بين البشر. # وأما وجه كونها أظهر الدلائل على الصانع وكذا على الحشر: # فاعلم! ان انتقال بعض ذرات جامدة وانقلابها دفعة الى هيئة ووضعية تخالف ~~الوضعية الأولى - بلا توسط سبب معقول - برهان أي برهان. حتى ان الحياة ~~لكونها أشرف الحقائق وأنزهها، لا خسة فيها بوجه ولا رين عليها، لا في جهة ~~الملك ولا في جهة الملكوت، فكلا وجهيها لطيفان، حتى ان حياة أخس حيوان جزئي ~~أيضا عالية. ولهذا السر (1) لم يتوسط بينها وبين يد القدرة سبب ظاهري؛ اذ ~~مباشرتها لا تنافي عزة القدرة، مع ان وضع الأسباب الظاهرية - كما مر - ~~لمحافظة عزة القدرة في مباشرة الأمور الخسيسة في ظاهر النظر. # وأما وجه كونها أظهر الدلائل على المبدأ والمعاد فقد سمعت آنفا، فلنلخص ~~لك وهو: # ان من نظر في هذه الحياة وتدرج بنظره الى الأطوار المترتبة إلى أبسط صور ~~الجسم يرى أجزاء منتثرة في عالم الذرات. ثم يبصرها قد تلبس في عالم العناصر ~~صورا أخرى. ثم يصادفها في عالم المواليد في وضعية أخرى.. ثم يلاقيها في ~~نطفة ثم في # (1) تدقيق حسن (بخط المؤلف على نسخة مطبوعة) PageV01P216 ~~علقة ثم في مضغة. ثم يراها دفعة بانقلاب عجيب قد لبست صورة ويرى في هذه ~~الانقلابات حركات منتظمة على دساتير معينة يتراءى منها: ان كل ذرة كانت ~~معينة في أول الأطوار كأنها موظفة للذهاب إلى الموضع المناسب من جسد الحي، ~~فيتفطن الذهن انها بقصد تساق وبحكمة ترسل، وكانت الحياة الثانية في نظره ~~أهون وأسهل وأمكن بدرجات فيقنع بها قلبه بالطريق الأولى. فهذه الجملة ~~كالدليل للاحقتها ms173 والكل معا برهان على الانكار المستفاد من "كيف". # المسألة الثالثة: في (ثم يميتكم) . # اعلم! ان آية (خلق الموت والحياة) 1 تدل على ان الموت ليس إعداما وعدما ~~صرفا، بل تصرف، وتبديل موضع، واطلاق للروح من المحبس. وكذا ان ما وجد في ~~نوع البشر الى الآن من امارات غير معدودة، ونجم من اشارات غير محدودة؛ القت ~~الى الأذهان قناعة وحدسا بأن الإنسان بعد الموت يبقى بجهة، وان الباقي منه ~~هو الروح. فوجود هذه الخاصة الذاتية في فرد يكون دليلا على وجودها في تمام ~~النوع للذاتية. ومن هنا تكون الموجبة الشخصية مستلزمة للموجبة الكلية، ~~فحينئذ يكون الموت معجزة القدرة كالحياة. لا انه عدم علته عدم شرائط ~~الحياة. # فإن قلت: كيف يكون الموت نعمة حتى نظم في سلك النعم؟ # قيل لك: أما: # أولا: فلأنه مقدمة للسعادة الأبدية، ولمقدمة الشيء حكم الشيء حسنا وقبحا؛ ~~اذ مايتوقف عليه الواجب واجب وما ينجر إلى الحرام حرام.. # وثانيا: فلأن الموت عند أهل التحقيق من المتصوفين نجاة للشخص بخروجه عن ~~نظير المحبس المشحون بالحيوانات المضرة الى صحراء واسعة.. # وثالثا: فلأنه باعتبار نوع البشر نعمة عظمى؛ اذ لولاها لوقع النوع في ~~سفالات مدهشة.. # ورابعا: فلأنه باعتبار بعض الأشخاص نعمة مطلوبة اذ بسبب العجز والضعف لا ~~يتحمل تكاليف الحياة وضغط البليات وعدم شفقة العناصر، فالموت باب فوزه. PageV01P217 # المسألة الرابعة: في (ثم يحييكم) . # اعلم! ان باشارة آية (امتنا اثنتين واحييتنا اثنتين) 1 وكذا برمز تعقيب ~~هذه ب ثم اليه ترجعون مع النظر إلى ايجاز القرآن، ايماء الى حياة القبركما ~~تدل على حياة الحشر. # - فإن قلت: اذا احرق انسان واعطي رماده للهواء كيف يتصور فيه الحياة ~~القبرية؟ # قيل لك: ان البنية ليست شرطا للحياة عند أهل السنة والجماعة فيمكن تعلق ~~الروح ببعض الذرات. # - فإن قلت: كيف يتصور عذاب القبر مع انه لو وضعت بيضة على صدر جنازة ~~بأيام لا يحس فيها أدنى حركة فكيف الحياة والعذاب؟ # قيل لك: ان العالم المثالي قد برهن عليه في موقعه، حتى ان وجوده قطعي عند ~~المحققين ms174 الإلهيين. وخاصة ذلك العالم تحويل المعاني أجساما والأعراض جواهر ~~والمتغيرات ثابتة. والعيون الناظرة من عالم الشهادة اليه، الرؤيا الصادقة ~~والكشف الصادق والأجسام الشفافة فانها تلوح بوجوده. ثم ان عالم البرزخ اثبت ~~حقيقة من عالم المثال الذي هو تمثاله. وظل هذا العالم عالم الرؤيا، وظل هذا ~~عالم الخيال، ونظير هذا الاجسام الشفافة كالمرآة. فاذ تفهمت هذا فانظر في ~~عالم الرؤيا وتأمل في شخص نام عندك وهو ساكن وساكت مع انه في عالمه يقاتل ~~ويضارب فيصير مجروحا أو تلدغه الحية فيتألم. ولو أمكن لك أن تدخل في رؤياه ~~وتقول له: يا هذا! لا تعجز ولا تغضب فإن هذا ليس حقيقة وحلفت له ألف يمين ~~لما يصدقك. ويقول لك: هذا ألمي يوجعني وهذا جرحي! أما ترى هذا وبيده السيف، ~~واما ترى الحية تهجم علي؛ اذ تجسم معنى وجع الكتف أو نزلة الرأس 2 في صورة ~~سيف جارح، اذ النتيجة واحدة. أو تصور معنى الخيانة الموجعة لقلبه في لباس ~~الحية اذ الألم واحد. فيا هذا! اذ ترى ذاك في ظل عالم المثال أفلا تصدقه في ~~عالم البرزخ الذي هو أثبت حقيقة بدرجات وأبعد منا؟ أما (يحييكم) بالنظر الى ~~الحياة الأخروية. فاعلم! ان تلك PageV01P218 ~~الحياة نتيجة لكل العالم. ولولاها لم تكن الحقيقة ثابتة ولانقلبت الحقائق - ~~كالنعمة - نقمة. وقس!.. ولقد لخصنا دلائلها في تفسير (وبالآخرة هم يوقنون) .. # المسألة الخامسة: في (ثم اليه ترجعون) آخر العقد من تلك السلسلة. # اعلم! ان الخالق جلت قدرته مزج الاضداد في عالم الكون والفساد لحكم دقيقة ~~ووضع أسبابا ظاهرية ووسائط اظهارا لعزته فترتبت سلسلة العلل والمعلولات. ثم ~~لما تصفت الكائنات وتميزت وتحزبت في الحشر ارتفعت الأسباب واسقطت الوسائط ~~فارتفع الحجاب وكشف الغطاء فيرى كل صانعه ويعرف مالكه الحقيقي. # تذييل لخلاصة نظم الجمل: اعلم! انه تعالى لما أنكر كفرهم الواقع بطريق ~~الاستفهام الاستخباري في "كيف" ودعا الناس الى التعجب منه؛ برهن عليه بما ~~بعد الواو الحالية أي باراءة أربعة انقلابات عظيمة كلها وكل منها شاهد على ~~وجوب الايمان. ثم ان كل انقلاب ms175 منها مشتمل على أطوار ومراتب، ومقدمة ومعدة ~~للانقلاب الذي يليه فمن الطور الاول من الانقلاب الأول إلى الطور الآخر من ~~الانقلاب الآخر يتجدد أصل جسد الحي دائما فيلقى قشرا ويلبس الأكمل ثم يخلعه ~~ويلبس صورة أعلى ثم يلقيها أيضا فيلبس صورة أحسن وهلم جرا!.. فهو دائما في ~~استبدال صورة بأخرى كاملة إلى أن يصل إلى أعلى الأعالي فيستقر بتقرر ~~السعادة الأبدية، وكلها بنظام معين وقانون منتظم. فأشار إلى أول الانقلابات ~~بقوله (وكنتم أمواتا) وهذا مشتمل على أطوار آخر الأطوار ينتج مآل (فأحياكم) ~~الدال على الانقلاب الثاني الذي هو أعجب حقائق العالم المشتمل على أطوار ~~آخرها تنتهي بانقلاب (ثم يميتكم) المشتمل أيضا على أطواره البرزخي التي تتم ~~بانقلاب (ثم يحييكم) المشتمل على أطواره القبرية ثم الحشرية المختومة بقوله ~~(ثم اليه ترجعون) . فمن أمعن في هذه الانقلابات كيف يتجاسر على الانكار؟ # ولنشرع في نظم هيئات جملة جملة: # أما الجملة الأولى أعني (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا) فالاستفهام فيها ~~لتوجيه ذهنهم الى قباحتهم ليروا بأنفسهم فينصفوا فيقروا. و(كيف) اشارة الى ~~الاستدلال على عدم الكفر بانكار الحال اللازم. والخطاب في (تكفرون) ايماء كما PageV01P219 ~~مر الى شدة الغضب ولم يقل "لاتؤمنون" اشارة الى شدة تمردهم اذ يتركون ~~الايمان الذي عليه الدلائل ويقبلون الكفر الذي على بطلانه البراهين. وواو ~~الحالية في (وكنتم) تشير إلى مقدر، اذ الجملتان ماضيتان. والأخريان ~~مستقبلتان كلاهما لايوافق قاعدة مقارنة الحال لعامل ذي الحال، فاذا التقدير ~~"والحال انكم تعلمون". 1 # فإن قلت: انهم وان علموا بالموت والحياة الأولى لكنهم لايعلمون انهما من ~~الله، وكذلك لايقرون بالحياة الثانية ولايصدقون بالرجوع اليه تعالى؟ # قيل لك: من البلاغة تنزيل الجاهل منزلة العالم عند ظهور دلائل ازالة ~~الجهل. فلما كان التفكر في أطوار الموت الأول والحياة الأولى ملجأ الى ~~الاقرار بالصانع وكان العلم بها مقنعا للذهن بوقوع الحياة الثانية؛ كانوا ~~كأنهم عالمون بهذه السلسلة. والخطاب في (كنتم) اشارة الى ان لهم في عالم ~~الذرات أيضا وجودا وتعينا. لا ان الذرات كيفما اتفقت صارت أجسادهم المعينة ~~بالتصادف. ms176 وإيثار (أمواتا) على جماد 2 أو ذرات ايماء الى مآل (لم يكن شيئا ~~مذكورا) 3. # وأما جملة (فأحياكم) : # فان قلت: الفاء للتعقيب والاتصال مع تخلل تلك الأطوار وتوسط مسافة طويلة ~~الى الحياة؟ # قيل لك: الفاء للإشارة إلى منشأ دليل الصانع وهو ان انقلابها من الجمادية ~~الى الحيوانية دفعة من غير توسط سبب معقول يلجئ الذهن الى الاقرار بالصانع. ~~وكذا ان الأطوار في حالة الموات ناقصة غير ثابتة شأنها التعقيب. وإيثار ~~(أحياكم) على "صرتم أحياء" للتصريح، أي صرتم أحياء ولايمكن ذلك بغير قدرة ~~الصانع. فانتج ان الله تعالى هو الذي أحيا. # وأما جملة (ثم يميتكم) بدل "تموتون" فإشارة كما مر الى أن الموت تصرف ~~عظيم للقدرة بمقياس القدر. ألا ترى ان من استوفى عمره الطبيعي ثم انتهى إلى PageV01P220 ~~الأجل اقل قليل. فيتيقظ الذهن الى ان الموت ليس نتيجة طبيعية. فالموت ~~انحلال الجسد لا فناء الروح بل اطلاقه. # وأما جملة (ثم يحييكم) ف "ثم" اشارة الى توسط عالم البرزخ ذي العجائب. # وأما جملة (ثم اليه ترجعون) ف "ثم" اشارة الى توسط الغطاء العظيم. ~~و"ترجعون" اشارة الى كشف الغطاء وطرد الأسباب واسقاط الوسائط. # فإن قلت: الرجوع الى الله تعالى يقتضي ان يكون المجئ منه اولا، ومن هنا ~~توهم بعض الاتصال واشتبه بعض أهل التصوف. # قيل لك: ان في الدنيا وجودا وبقاء وكذا في الآخرة وجود وبقاء. فالوجود في ~~الدنيا يصدر من يد القدرة بلا واسطة وأما البقاء المحفوف بالتحليل والتركيب ~~والتصرف والتحول في عالم الكون والفساد فيتداخل بينه العلل وتتوسط الأسباب ~~للحكمة المذكورة سابقا. وأما في الآخرة فالوجود وكذا البقاء بلوازمه ~~وتركيباته يظهر بالذات من يد القدرة ويعرف كل شيء مالكه الحقيقي. فاذا تأملت ~~في هذا علمت معنى الرجوع. # *** PageV01P221 ### | AUTO هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى الى السماء فسويهن ~~سبع سموات وهو بكل شيء عليم 29 # اعلم! ان لهذه الآية ايضا الوجوه الثلاثة العظيمة: 1 # أما نظم المجموع بالسابق فهو: ان في الآية الأولى انكار الكفر والكفران ~~بالدلائل الانفسية وهي ms177 أطوار البشر، وفي هذه الآية اشارة الى الدلائل ~~الآفاقية.. وكذا في الأولى اشارة الى نعمة الوجود والحياة، وفي هذه الآية ~~الى نعمة البقاء.. وكذا في تلك دليل على الصانع ومقدمة للحشر، وفي هذه ~~اشارة الى تحقيق المعاد وازالة الشبه كأنهم يقولون: اين للإنسان هذه ~~القيمة؟ وكيف له تلك الأهمية؟ وما موقعه عند الله حتى يقيم القيامة لأجله؟ ~~فقال القرآن باشارات هذه الآية: ان للإنسان قيمة عالية بدليل ان السموات ~~والأرض مسخرة لاستفادته، وكذا ان له أهمية عظيمة بدليل ان الله لم يخلق ~~الانسان للخلق بل خلق الخلق له، وان له عند خالقه لموقعا بدليل ان الله ~~تعالى لم يوجد العالم لذاته بل اوجده للبشر وأوجد البشر لعبادته. فانتج ان ~~الانسان مستثنى وممتاز لا كالحيوانات فيليق أن يكون مظهرا لجوهرة (ثم اليه ~~ترجعون) . # وأما نظم جملة جملة، فاعلم! ان لفظ "جميعا" في الجملة الأولى ولفظ "ثم" ~~في الثانية ولفظ "سبع" في الثالثة تقتضي تحقيقا. فلنتكلم عليها في ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: # ان قلت: ان هذه الآية تدل على أن جميع ما في الأرض لاستفادة البشر فكيف ~~يتصور استفادة (زيد) مثلا من كل جزء من أجزاء الأرض؟ و(حبيب وعلي) 2 كيف ~~يستفيدان من حجر في قعر جبل في وسط جزيرة في البحر المحيط الكبير؟ وكيف ~~يكون مال (زيد) لاستفادة عمرو؟ مع ان الآية باشارات أخواتها تشير أن لكل ~~فرد الجميع لا التوزيع. وكذا كيف تكون الشمس والقمر وغيرهما مع PageV01P222 ~~تلك العظمة لزيد وعمرو والعلة الغائية فيها الفائدة الجزئية لهما؟ وكيف ~~تكون المضرات لاستفادة البشر مع انه لا مجازفة في القرآن ولاتليق المبالغة ~~ببلاغته الحقيقية؟ # قيل لك: تأمل في ست نقاط يتطاير عنك الأوهام: # الأولى: ان خاصية الحياة كما مر تصير الجزء كلا والجزئي كليا والمنفرد ~~جماعة والمقيد مطلقا والفرد عالما، فيصير الأنواع كقوم ذي حياة والدنيا ~~بيته ويكون له مناسبة مع كل شيء. # والثانية: ان في العالم كما علمت نظاما ثابتا واتساقا محكما ودساتير ~~عالية وقوانين أساسية مستمرة فيكون العالم كساعة أو ms178 ماكينة منتظمة. فكما ان ~~كل دولاب منها بل كل سن من كل دولاب بل كل جزء من كل سن له دخل ولو جزئيا ~~في نظام الماكينة، وكذا له تأثير في فائدة الماكينة ونتيجتها بواسطة ~~نظامها؟ كذلك لوجوده دخل في فائدة أهل الحياة الذين سيدهم ورئيسهم البشر. # والثالثة: انه - كما قرع سمعك فيما مضى - لا مزاحمة في وجوه الاستفادة، ~~فكما ان الشمس بتمامها لزيد وان ضياءها روضة وميدان لنظره؛ كذلك بتمامها ~~ملك لعمرو وجنة له. فزيد مثلا لو كان في العالم وحده كيف تكون استفادته؛ ~~كذلك اذا كان مع كل الناس لا ينقص منها شيء الا فيما يعود الى الغارين. 1 # والرابعة: ان الكائنات ليس لها وجه رقيق فقط، بل فيها وجوه عمومية مختلفة ~~طبقا على طبق، ولفوائدها جهات كثيرة عمومية متداخلة، وطرق الاستفادة متعددة ~~متنوعة. مثلا: اذا كان لك روضة تستفيد منها بجهة ويستفيد الناس بجهة أخرى، ~~كالاستلذاذ بالقوة الباصرة. ولاجرم ان استفادة الانسان تحصل بحواسه الخمس ~~الظاهرة وبحواسه الباطنة وبجسمه وبروحه وكذا بعقله وقلبه وكذا في دنياه وفي ~~آخرته وكذا من جهة العبرة وقس عليها.. فلا مانع من استفادته بوجه من هذه ~~الوجوه من كل ما في الأرض بل العالم. # والخامسة: انه: PageV01P223 # ان قلت: هذه الآيات مع آيات اخر تشير الى ان هذه الدنيا العظيمة مخلوقة ~~لأجل البشر وجعل استفادته علة غائية لها. والحال ان زحل الأكبر من الأرض ~~ليست فائدتها بالنسبة الى البشر الا نوع زينة وضياء ضعيف فكيف يكون علة غائية؟ # قيل لك: ان المستفيد يفنى في جهة استفادته وينحصر ذهنه في طريقها وينسى ~~ما عداها وينظر الى كل شيء لنفسه ويحصر العلة الغائية على ما يتعلق به. فاذا ~~لا مجازفة في الكلام الموجه الى ذلك الشخص في مقام الامتنان بأن يقال: ان ~~زحل الذي أبدعه خالقه لألوف حكم، وفي كل حكمة ألوف جهات، وفي كل جهة ألوف ~~مستفيد العلة الغائية في إبداعه جهة استفادة ذلك الشخص. # والسادسة: - وقد نبهت عليه - ان الانسان وان كان صغيرا فهو ms179 كبير، فنفعه ~~الجزئي كلي فلا عبثية. # المسألة الثانية: في (ثم) : # اعلم! ان هذه الآية تدل على أن خلق الأرض قبل السماء، وان آية (والأرض ~~بعد ذلك دحيها) 1 تدل على ان خلق السماء قبل الارض، وان آية (كانتا رتقا ~~ففتقناهما) 2 تدل على انهما خلقتا معا وانشقتا من مادة.. # واعلم ثانيا: ان نقليات الشرع تدل على ان الله تعالى خلق اولا جوهرة - أي ~~مادة - ثم تجلى عليها فجعل قسما منها بخارا وقسما مائعا. ثم تكاثف المائع ~~بتجليه فأزبد. ثم خلق الأرض أوسبع كرات من الأرضين من ذلك الزبد فحصل لكل ~~أرض منها سماء من الهواء النسيمي. ثم بسط المادة البخارية فسوى منها سموات ~~زرع فيها النجوم فانعقدت السموات مشتملة على نويات النجوم. وان فرضيات ~~الحكمة الجديدة ونظرياتها تحكم بأن المنظومة الشمسية أي مع سمائها التي ~~تسبح فيها كانت جوهرا بسيطا ثم انقلب إلى نوع بخار ثم تحصل من البخار مائع ~~ناري ثم تصلب بالتبرد منه قسم ثم ترامى ذلك المائع الناري بالتحرك شرارات ~~وقطعات انفصلت فتكاثفت فصارت سيارات منها أرضنا هذه. PageV01P224 # فإذا سمعت هذا يجوز لك التطبيق بين هذين المسلكين لأنه يمكن أن يكون آية ~~(كانتا رتقا ففتقناهما) اشارة الى ان الأرض مع المنظومة الشمسية كانت كعجين ~~عجنته يد القدرة من جوهر بسيط أعني "مادة الاثير" التي هي كالماء السيال ~~بالنسبة الى الموجودات فتنفذ جارية بينها. وآية (وكان عرشه على الماء) 1 ~~اشارة الى هذه المادة التي هي كالماء. و"الاثير" بعد خلقه، هو المركز لأول ~~تجلي الصانع بالايجاد، اي فخلق "الأثير" ثم صيره جواهر فردة ثم جعل البعض ~~كثيفا، ثم خلق من الكثيف سبع كرات مسكونة منها ارضنا. ثم ان الأرض بالنظر ~~الى كثافتها وتصلبها قبل الكل وتعجيلها في لبس القشر وصيرورتها من زمان ~~مديد منشأ الحياة مع بقاء كثير من الاجرام السماوية الى الآن مائعة نارية ~~تكون خلقتها وتشكلها من هذه الجهة قبل خلق السموات. ولما كان تكمل منافعها ~~ودحوها - أي بسطها وتمهيدها لتعيش نوع البشر - بعد تسوية السموات ms180 وتنظيمها ~~تكون السموات اسبق من هذه الجهة مع الاجتماع في المبدأ. فالآيات الثلاث ~~تنظر الى النقاط الثلاث. # الجواب الثاني: ان المقصد من القرآن الكريم ليس درس تاريخ الخلقة، بل نزل ~~لتدريس معرفة الصانع. ففيه مقامان: ففي مقام بيان النعمة واللطف والمرحمة ~~وظهور الدليل تكون الأرض اقدم، وفي مقام دلائل العظمة والعزة والقدرة تكون ~~السموات اسبق.. ثم ان "ثم" كما تكون للتراخي الذاتي تجئ للتراخي الرتبي ف ~~(ثم استوى) أي ثم اعلموا وتفكروا انه استوى. 2 # المسألة الثالثة: في (سبع) : # اعلم! ان الحكمة العتيقة قائلة بأن السموات تسعة، وتصورها أهلها بصورة ~~عجيبة، واستولى فكرهم على نوع البشر في اعصار. حتى اضطر كثير من المفسرين ~~الى إمالة ظواهر الآيات الى مذهبهم. وأما الحكمة الجديدة فقائلة بأن النجوم ~~معلقة في الفضاء والخلو كأنها منكرة لوجود السماء. فكما أفرطت إحداهما فرطت ~~الأخرى. وأما الشريعة فحاكمة بأن الصانع جل جلاله خلق سبع سموات وجعل ~~النجوم فيها PageV01P225 ~~كالسماك تسبح. والحديث يدل على ان "السماء موج مكفوف" 1 وتحقيق هذا المذهب ~~الحق في ست مقدمات. # الأولى: انه قد ثبت فنا وحكمة ان الفضاء الوسيع مملوء من الأثير. # والثانية: ان رابطة قوانين الأجرام العلوية وناشر قوى أمثال الضياء ~~والحرارة وناقلها مادة موجودة في الفضاء مالئة له. # والثالثة: ان مادة الأثير مع بقائها اثيرا لها كسائر المواد تشكلات ~~مختلفة وتنوعات متغايرة كتشكل البخار والماء والجمد. # والرابعة: انه لو أمعن النظر في الاجرام العلوية يرى في طبقاتها تخالف. ~~ألا ترى ان نهر السماء المسمى ب "كهكشان" 2 المرئي في صورة لطخة سحابية ~~انما هو ملايين نجوم أخذت في الانعقاد. فصورة الأثير التي تنعقد تلك النجوم ~~فيها تخالف طبقة الثوابت البتة، وهي أيضا تخالف طبقات المنظومة الشمسية ~~بالحدس الصادق وهكذا الى سبع منظومات. # والخامسة: انه قد ثبت حدسا واستقراء انه اذا وقع التشكيل والتنظيم ~~والتسوية في مادة تتولد منها طبقات مختلفة كالمعدن يتولد منه الرماد والفحم ~~والألماس.. وكالنار تتميز جمرا ولهبا ودخانا، وكمزج مولد الماء مع مولد ~~الحموضة 3 يتشكل منه ms181 ماء وجمد وبخار. # والسادسة: ان هذه الامارات تدل على تعدد السموات. والشارع الصادق قال هي ~~سبعة، فهي سبعة على ان السبع والسبعين والسبع مائة في أساليب العرب لمعنى ~~الكثرة. # والحاصل: ان الصانع جل جلاله خلق من "مادة الأثير" سبع سموات فسواها ~~ونظمها بنظام عجيب دقيق وزرع فيها النجوم وخالف بين طبقاتها. PageV01P226 # اعلم! انك اذا تفكرت في وسعة خطابات القرآن الكريم ومعانيه ومراعاته لافهام ~~عامة الطبقات من أدنى العوام الى أخص الخواص ترى أمرا عجيبا. مثلا: من ~~الناس من يفهم من (سبع سموات) طبقات الهواء النسيمية.. ومنهم من يفهم منه ~~الكرات النسيمية المحيطة بأرضنا هذه وأخواتها ذوات ذوي الحياة.. ومنهم من ~~يفهم منه السيارات السبع المرئية للجمهور.. ومنهم من يفهم منه طبقات سبعة ~~اثيرية في المنظومة الشمسية.. ومنهم من يفهم منه سبع منظومات شموسية أولاها ~~منظومة شمسنا هذه.. ومنهم من يفهم منه انقسام الأثير في التشكل الى طبقات ~~سبعة كما مر آنفا.. ومنهم من يرى جميع ما يرى مما زين بمصابيح الشموس ~~والنجوم الثوابت سماء واحدة. هي السماء الدنيا وفوقها ست سموات اخر لاترى.. ~~ومنهم من لايرى انحصار سبع سموات في عالم الشهادة فقط بل يتصورها في طبقات ~~الخلقة في العوالم الدنيوية والأخروية والغيبية.. فكل يستفيض بقدر استعداده ~~من فيض القرآن ويأخذ حصته من مائدته فيشتمل على كل هذه المفاهيم. # واعلم! ان الجملة الأولى: أعني (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا) ~~نظمها بخمسة أوجه: # الأول: ان الآية الأولى اشارة الى نعمة الحياة والوجود، وهذه تشير الى ~~نعمة البقاء وأسبابه. # والثاني: انه لما اثبتت الأولى للبشر أعلى المراتب أعني الرجوع اليه ~~تعالى تنبه ذهن السامع للسؤال ب "اين لهذا الانسان الذليل استعداد لهذه ~~المرتبة العالية إلا ان يكون بفضله تعالى وجذبه؟ ". فكأن هذه الجملة تقول ~~مجيبة عن ذلك السؤال ان للإنسان عند خالقه الذي سخر له جميع الدنيا لموقعا عظيما. # والثالث: انه لما أشارت الأولى الى وجود الحشر والقيامة للبشر ذهب السامع ~~الى سؤال: ما أهمية البشر حتى تقوم القيامة ms182 لأجله ويخرب العالم لسعادته؟ ~~فكأن هذه الجملة تجيبه ب "ان من هيئ جميع ما في الأرض لاستفادته وسخر له ~~الأنواع له أهمية عظيمة تشير الى انه هو النتيجة للخلقة". PageV01P227 # والرابع: ان الأولى اشارت ب (اليه ترجعون) الى رفع الوسائط وانحصار ~~المرجعية فيه تعالى. والحال ان للبشر في الدنيا مراجع كثيرة، فهذه الجملة ~~تقول أيضا ان الأسباب والوسائط تشف عن يد القدرة، وان المرجع الحقيقي في ~~الدنيا انما هو الله تعالى وانما توسطت الأسباب لحكم فانه تعالى هو الذي ~~خلق للإنسان كل ما يحتاج اليه. # والخامس: ان الأولى لما اشارت الى السعادة الأبدية أشارت هذه الى سابقة ~~فضل يستلزم تلك السعادة ذلك الفضل أي من احسن اليه جميع ما في الأرض لحقيق ~~بأن يعطى له السعادة الأبدية. # وجملة (ثم استوى الى السماء) نظمها بأربعة أوجه. # الأول: ان السماء رفيقة الأرض لا يتصور الأرض أحد إلا ويخطر في ذهنه ~~السماء. # والثاني: ان تنظيم السماء هو المكمل لوجه استفادة البشر مما في الأرض. # والثالث: ان الجملة الأولى اشارت الى دلائل الاحسان والفضل وهذه تشير الى ~~دلائل العظمة والقدرة. # والرابع: ان هذه الجملة تشير الى ان فائدة البشر لا تنحصر على الأرض بل ~~السماء أيضا مسخرة لاستفادته. # ونظم جملة: (فسويهن سبع سموات) بثلاثة أوجه. # الأول: ان ربطها بالأولى كربط "فيكون" مع "كن". # والثاني: انه كربط تعلق القدرة بتعلق الارادة. # والثالث: انه كربط النتيجة بالمقدمة. # ونظم جملة (وهو بكل شيء عليم) بوجهين: # أحدهما: انها دليل لمي على التنظيم السابق كما ان التنظيم السابق دليل ~~اني عليها؛ اذ الاتساق والانتظام يدلان على وجود العلم الكامل كما ان العلم ~~يفيد الانتظام. PageV01P228 # والآخر: ان الجملة الأولى تدل على القدرة الكاملة وهذه على العلم الشامل. # أما نظم هيئآت جملة جملة: ففي الجملة الأولى الاستيناف وتعريف الجزئين ~~وتعريف الخبر ولام "لكم" وتقديم "لكم" ولفظ "في" ولفظ "جميعا": # أما الاستيناف فإشارة إلى أسئلة مقدرة وأجوبة قد نبهت عليها في الاوجه ~~الخمسة لنظم الجملة الأولى.. وأما تعريف الجزئين 1 فاشارة الى التوحيد ms183 ~~والحصر الذي هو دليل على الحصر في تقديم "اليه" في (ثم اليه ترجعون) .. ~~وأما تعريف الخبر فاشارة الى ظهور الحكم 2.. وأما لام النفع في (لكم) ~~فاشارة الى أن الأصل في الأشياء الاباحة وانما تعرض الحرمة للعصمة: كمال ~~الغير. أو للحرمة: كلحم الآدمي. أو للضرر: كالسم. أو للاستقذار: كبلغم ~~الغير. أو للنجاسة: كالميتة.. وكذا رمز الى وجود النفع في كل شيء، وان للبشر ~~ولو بجهة من الجهات استفادة ولو بنوع من الأنواع ولو في أحقر الأشياء ولا ~~أقل من نظر العبرة، وكذا ايماء الى انه كم من خزائن للرحمة مكنوزة في جوف ~~الأرض تنتظر أبناء المستقبل.. وأما تقديم (ولكم) فاشارة الى أن جهة استفادة ~~البشر أقدم الغايات وأولاها وأولها.. وأما (ما) المفيدة للعموم فللحث على ~~تحري النفع في كل شيء.. وأما (في الأرض) بدل "على الأرض" مثلا، فاشارة الى ~~وجود أكثر المنافع في بطن الأرض، وكذا تشجيع على تحري ما في جوفها.. ويدل ~~تدرج البشر في الاستفادة من معادن الأرض وموادها على انه يمكن أن يكون في ~~ضمنها مواد وعناصر تخفف عن كاهل أبناء الاستقبال ضغط تكاليف الحياة من ~~الغذاء وغيره.. واما (جميعا) فلرد الأوهام في عبثية بعض الأشياء. # وأما (ثم) في الجملة الثانية فاشارة الى سلسلة من أفعاله تعالى وشؤونه ~~بعد خلق الأرض إلى تنظيم السماء.. وكذا رمز الى تراخي رتبة التنظيم في نفع ~~البشر عن خلقة الأرض.. وكذا ايماء الى تأخره عنها. واما (استوى) ففيه ~~ايجاز، أي: أراد أن يسوي.. وكذا فيه مجاز أي كمن يسدد قصده الى شيء لا ينثني ~~يمنة ويسرة. و(الى السماء) أي الى مادتها وجهتها. واما فاء (فسويهن) ~~فبالنظر الى جهة PageV01P229 ~~التفريع نظير ترتب "فيكون" على "كن"، وتعلق القدرة على تعلق الارادة ~~والقضاء على القدر. واما بالقياس الى جهة التعقيب فايماء الى تقدير "ونوعها ~~ونظمها ودبر الأمر بينها فسويهن" الخ. واما "سوى" أي خلقها منتظمة مستوية ~~متساوية في أن أعطى كلا ما يناسب استعداده ويساوي قابليته. واما "هن" ~~فايماء الى تنوع مواد السموات. وأما (سبع) ms184 فيتضمن الكثرة والمناسبة مع ~~الصفات السبع ومع الأدوار السبعة في تشكلات الأرض. و(سموات) أي اللاتي هن ~~رياض لأزاهير الدراري وبحار لسماك السيارات ومزرعة لحبات النجوم. # أما جملة (وهو بكل شيء عليم) فواو العطف المقتضية للمناسبة اشارة الى ~~"وهو على كل شيء قدير فهو الخالق لهذه الاجرام العظيمة، وهو بكل شيء عليم فهو ~~النظام المتقن للصنعة فيها". وباء الالصاق اشارة الى عدم انفكاك العلم عن ~~المعلوم. واما "كل" فهو العام الذي لم يخص منه البعض. وقد خص قاعدة "وما من ~~عام الا وقد خص منه البعض" والا لكانت هذه القاعدة بحيث اذا صدقت كذبت ~~نفسها نظير "الجذر الأصم الكلامي" ولفظ "شيء" يعم الشائي والمشيء وما ليس ~~بهذا ولا بذاك كالممتنع. و"عليم" أي ذات ثبت له لازما منه العلم. # *** PageV01P230 ### | AUTO واذ قال ربك للملئكة اني جاعل في الأرض خليفة قالوا اتجعل # فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك # قال اني اعلم ما لاتعلمون 30 # مقدمة # اعلم! ان التصديق بوجود الملائكة أحد أركان الايمان. ولنا هنا مقامات.. # المقام الأول: # ان من نظر الى الأرض وقد امتلئت بذوي الأرواح مع حقارتها، وتأمل في ~~انتظام العالم واتقانه، تحدس بوجود سكان في هذه البروج العالية. فمثل من لم ~~يصدق بوجود الملائكة كمثل رجل ذهب الى بلدة عظيمة وصادف دارا صغيرة عتيقة ~~ملوثة بالمزخرفات مشحونة بالناس. ورأى عرصاتها مملوءة من ذوي الأرواح ~~ولحياتهم شرائط مخصوصة كالنباتات والسماك. ثم رأى الوفا من القصور العالية ~~الجديدة قد تخللت بينها ميادين النزهة فيعتقد خلوها عن السكان لعدم جريان ~~شرائط حياة هذه الدار في تلك القصور. ومثل المعتقد بوجودهم كمثل من اذا رأى ~~هذا البيت الصغير وقد امتلأ من ذوي الأرواح ورأى انتظام البلدة، جزم بأن ~~لتلك القصور المزينة أيضا سكانا يناسبونها وتوافقهم ولهم شرائط حياة مخصوصة ~~فعدم مشاهدتهم - لبعدهم وترفعهم - لا يدل على عدمهم. فامتلاء الأرض من ذوي ~~الحياة ينتج بالطريق الاولى وبالقياس الاولوي المؤسس على القياس الخفي ~~المبني على الانتظام المطرد - امتلاء هذه الفضاء الوسيعة ms185 ببروجها ونجومها ~~وسماواتها من ذوي الأرواح الذي يدعوهم الشرع بالملائكة المنطوية على أجناس ~~مختلفة فتأمل!.. # المقام الثاني: # اعلم - كما مر - ان الحياة هي الكشافة للموجودات بل هي النتيجة لها، فاذا ~~كيف تخلو هذه الفضاء الوسيعة من ساكنيها وتلك السموات من عامريها. ولقد PageV01P231 ~~أجمع العقلاء إجماعا معنويا - وان اختلفوا في طرق التعبير - على وجود معنى ~~الملائكة وحقيقتهم، حتى ان المشائيين عبروا عنهم بالماهيات المجردة ~~الروحانية للأنواع، والاشراقيين عبروا عنها بالعقول وأرباب الأنواع، وأهل ~~الأديان بملك الجبال وملك البحار وملك الامطار مثلا. حتى ان الماديين الذين ~~عقولهم في عيونهم لم يتيسر لهم انكار معنى الملائكة بل نظروا اليهم في ~~القوات السارية في نواميس الفطرة. # فان قلت: أفلا يكفي لارتباط الكائنات وحيويتها هذه النواميس وتلك ~~القوانين الجارية في الخلقة؟ # قيل لك: ما تلك النواميس الجارية والقوانين السارية الا أمور اعتبارية بل ~~وهمية لا يتعين لها وجود ولا يتشخص لها هوية الا بممثلاتها ومعاكسها ومن هو ~~آخذ برأس خيوطها وان هي إلا الملائكة.. وأيضا قد اتفق الحكماء والعقل ~~والنقل على عدم انحصار الوجود في عالم الشهادة الظاهر الجامد الغير الموافق ~~لتشكل الأرواح. فعالم الغيب المشتمل على عوالم - الموافق للأرواح كالماء ~~للسماك - مشحون بها 1، مظهر لحياة عالم الشهادة.. فاذا شهدت لك هذه الأمور ~~الأربعة على وجود معنى الملائكة فأحسن صور وجودهم التي ترضى بها العقول ~~السليمة ماهو إلا ماشرحه الشرع من انهم عباد مكرمون لا يخالفون مايؤمرون، ~~وكذا انهم أجسام لطيفة نورانية ينقسمون إلى أنواع مختلفة. # المقام الثالث: # اعلم ان مسألة الملائكة من المسائل التي يتحقق الكل بثبوت جزء واحد، ~~ويعلم النوع برؤية أحد الأشخاص، اذ من أنكر أنكر الكل. ثم كما انه محال ~~عندك - ايقظك الله - أن يجمع أهل كل الأديان في كل الأعصار من آدم الى الآن ~~على وجود الملائكة وثبوت المحاورة معهم وثبوت مشاهدتهم والرواية عنهم ~~كمباحثة الناس طائفة عن طائفة، بدون رؤية فرد بل أفراد منهم وبدون ضرورة ~~وجود شخص بل أشخاص منهم، وبدون الاحساس بالضرورة بوجودهم؛ كذلك محال أن ~~يقوم ms186 وهم كذلك في عقائد البشر ويستمر هكذا ويبقى في الانقلابات بدون حقيقة ~~يتسنبل عليها وبدون مبادئ ضرورية مولدة لذلك الاعتقاد العمومي. فإذا ليس ~~سند هذا PageV01P232 ~~الاجماع الا حدس تولد من تفاريق امارات حصلت من واقعات مشاهدات نشأت من ~~مبادئ ضرورية. وليس سبب هذا الاعتقاد العمومي الا مبادئ ضرورية تولدت من ~~رؤيتهم ومشاهدتهم في كرات تفيد قوة التواتر المعنوي. والا رفع الأمن من ~~يقينيات معلومات البشر. فاذا تحقق وجود واحد من الروحانية في زمان ما تحقق ~~وجود هذا النوع. واذا تحقق هذا النوع، كان كما ذكره الشرع وبينه القرآن ~~الكريم. # ثم ان نظم مآل هذه الآية بسابقها من أربعة وجوه: # الأول: انه لما كانت هذه الآيات في تعداد النعم العظام، واشارت الأولى ~~إلى أعظمها - من كون البشر نتيجة للخلقة وكون جميع ما في الأرض مسخرا له ~~يتصرف فيها على ما يشاء - اشارت هذه الى ان البشر خليفة الأرض وحاكمها. # والثاني: ان هذه الآية بيان وتفصيل وايضاح وتحقيق وبرهان وتأكيد لما في ~~الآية الأولى من أن أزمة سلاسل ما في الأرض في يد البشر. # والثالث: ان تلك لما بينت بناء المسكنين من الأرض والسماء اشارت هذه الى ~~ساكنيهما من البشر والملك، وانها رمزت الى سلسلة الخلقة، وأومأت هذه الى ~~سلسلة ذوي الأرواح. # والرابع: انها لما صرحت بأن البشر هو المقصود من الخلقة وان له عند خالقه ~~لموقعا عظيما، اختلج في ذهن السامع انه كيف يكون للبشر هذه القيمة مع كثرة ~~شروره وفساده؟ وهل تستلزم الحكمة وجوده للعبادة والتقديس له تعالى؟ فأشارت ~~هذه الى ان تلك الشرور والمفاسد تغتفر في جنب السر المودع فيه، وان الله ~~غني عن عبادته اذ له تعالى من الملائكة المسبحين والمقدسين ما لا يحصر بل ~~لحكمة في علم علام الغيوب. # وأما نظم الجمل بعضها مع بعض فهو: # ان الآية تنصب بناء على اقتضاء "اذ" رديفا لها، وعطفه على (وهو بكل شيء ~~عليم) - إلى تقدير 1 إذ خلق ما خلق منتظما متقنا هكذا واذ قال ربك للملئكة ~~الخ، وانه ms187 تعالى لما خاطب مع الملائكة - ليستفسروا سر الحكمة ولتعليم PageV01P233 ~~طريق المشاورة قائلا (اني جاعل في الأرض خليفة) - توجه ذهن السامع بسر ~~المقاولة الى ما "قالوا"؟ وبسر الاستفسار عن حكمته مع التعجب الى (أتجعل ~~فيها) ؟ وبسر استخلافهم عن الجن المفسدين مع توديع القوة الغضبية والشهوية ~~فيهم أيضا الى (من يفسد فيها) بتجاوز القوة الثانية (ويسفك الدماء) بتجاوز ~~القوة الأولى. ثم بعد تمام السؤال والاستفسار والتعجب ينتظر ذهن السامع ~~لجوابه تعالى. فقال: (قال اني اعلم مالا تعلمون) أي فالأشياء ليست منحصرة ~~في معلوماتكم. فعدم علمكم ليس امارة على العدم، واني حكيم، لي فيهم حكمة ~~يغتفر في جنبها فسادهم وسفكهم. # أما نظم هيئات جملة جملة، فاعلم! ان الواو في (واذ قال ربك للملئكة اني ~~جاعل في الأرض خليفة) وكذا في (واذ قال ربك للملئكة اني خالق بشرا من ~~صلصال) 1 في آية أخرى بسر المناسبة العطفية اشارة الى "اذ واذ" كما مر. ~~وكذا - بسر ان الوحي يتضمن "ذكرهم بذلك" اشارة الى "واذكر لهم اذ" الخ.. # وان (اذ) المفيد للزمان الماضي لتسيير الأذهان في الأزمنة المتسلسلة ~~الماضوية ورفع وجلب واحضار لها الى ذلك الزمان لتنظره فتجتني ما وقع فيه.. ~~وان (ربك) اشارة الى الحجة على الملائكة أي رباك وكملك وجعلك مرشدا للبشر ~~لإزالة فسادهم أي "انت الحسنة الكبرى التي ترجحت وغطت على تلك المفاسد".. ~~وان (للملئكة) اشارة في هذه المقاولة الكائنة على صورة المشاورة الى ان ~~لسكان السموات أعني الملائكة مزيد ارتباط وعلاقة وزيادة مناسبة مع سكان ~~الأرض أعني البشر. فان من اولئك موكلين وحفظة وكتبة على هؤلاء فحقهم ~~الاهتمام بشأنهم. وان "ان" بناء على كونها لرد التردد المستفاد من "أتجعل" ~~اشارة الى عظمة المسألة وأهميتها. وان ياء المتكلم وحده هنا مع "نا" ~~للمتكلم مع الغير في "قلنا" في الآيات الآتية اشارة الى ان لا واسطة في ~~ايجاده وخلقه كما توجد في خطابه وكلامه. ومما يدل على هذه النكت آية (انا ~~انزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما اريك الله) 2 فقال "انزلنا" ms188 ~~بنون العظمة لوجود الواسطة في الوحي وقال "أريك الله" PageV01P234 # مفردا لعدم الواسطة في إلهام المعنى. وان ايثار (جاعل) على "خالق" اشارة ~~الى ان مدار الشبهة والاستفسار الجعل (1) . والتخصيص لعمارة الأرض لا الخلق ~~والايجاد، لأن الوجود خير محض والخلق فعله الذاتي لا يسأل عنه. وان ايثار ~~"في" في (في الأرض) على "على" مع ان البشر على الأرض لايخلو من الايماء الى ~~ان البشر كالروح المنفوخ في جسد الأرض، فمتى خرج البشر خربت الأرض وماتت. ~~وان (خليفة) اشارة الى انه قد وجد قبل تهئ الأرض لشرائط حياة الإنسان مخلوق ~~مدرك ساعدت شرائط حياته الادوار الأولية للأرض وهذا هو الأوفق لقضية ~~الحكمة. والمشهور ان ذلك المخلوق المدرك كان نوعا من الجن فأفسدوا ~~فاستخلفوا بالإنسان. # اما هيئات جملة (قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) فاعلم! ان ~~استيناف (قالوا) اشارة الى ان توجيه خطابه تعالى الى الملائكة يلجئ السامع ~~الى السؤال ب "كيف يتلقون جيرانهم بيت بيت وأيرضون بهم قرناء وما رأيهم ~~فيهم؟ " فقال: "قالوا". وان وجه كونه جزاء ل "اذ" هو: ان حكم الله تعالى ~~بجعل البشر خليفة في الأرض - التي وكل عليها الملائكة - مع انه لا مشير له ~~تعالى ولا وزير يستلزم اظهار كيفية تلقيهم لهم. وان صورة القول اشارة الى ~~اسلوب المقاولة على صورة المشاورة لتعليم الناس مع تنزهه تعالى عنها. وان ~~استفهام (أتجعل) فلتحقق الجعل باخباره تعالى تمتنع حقيقته فيتولد منه ~~التعجب الناشئ عن خفاء السبب فيتولد منه الاستفسار - أي ما حكمة الجعل؟ ~~فاستفهم عن المسبب بدلا عن السبب وليس للإنكار لعصمتهم 2. وان الجعل رمز ~~الى ان شؤون البشر ونسبه الاعتبارية ووضعياته ليست من لوازم الطبيعة ولا من ~~ضروريات الفطرة بل كل منها بجعل الجاعل. وان (فيها) مع "فيها" مع قصر ~~المسافة فللتنصيص والايماء الى معنى: ما حكمة جعل البشر روحا منفوخا في جسد ~~الأرض لحياتها مع وجود الفساد والاماتة من حيث الأحياء؟. وان التعبير ب ~~(من) اشارة الى انه لا يعنيهم شخصية البشر وانما يثقل عليهم عصيان مخلوق ms189 ~~لله تعالى. وان ايراد (يفسد) بدل "يعصي" اشارة الى ان العصيان ينجر الى ~~فساد نظام العالم. وان صورة المضارع اشارة الى ان PageV01P235 ~~المستنكر تجدد العصيان واستمراره. وقد علموا ذلك اما باعلامه تعالى أو ~~بمطالعة اللوح أو بمعرفة فطرتهم من عدم تحديد القوى المودعة فيهم. فبتجاوز ~~الشهوية يحصل الفساد وبتعدي الغضبية ينشأ السفك والظلم. و(فيها) أي مع أنها ~~كانت مسجدا اسس على التقوى. وان موقع "الواو" الجمع بين الرذيلتين بمناسبة ~~انجرار الفساد الى سفك الدم. وان ايثار (يسفك) على "يقتل" لأن السفك هو ~~القتل بظلم. ومن القتل ما هو جهاد في سبيل الله وكذا قتل الفرد لسلامة ~~الجماعة كقتل الذئب لسلامة الغنم. واما الدماء فتأكيد لما في السفك من الدم ~~لتشديد شناعة القتل. # وأما هيئات (ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) فواو الحال اشارة الى استشعارهم ~~الاعتراض عليهم ب "اما يكفيكم حكمة عبادة البشر وتقديسه له تعالى؟ " (ونحن) ~~أي معاشر الملائكة المعصومين من المعاصي.. واسمية الجملة اشارة الى ان ~~التسبيح كالسجية لهم واللازم لفطرتهم وهم له. أما (نسبح بحمدك) فكلمة جامعة ~~أي نعلنك في الكائنات بأنواع العبادات.. ونعتقد تنزهك عما لا يليق بجنابك ~~بتوصيفك بأوصاف الجلال وما هو الا من نعمك المحمود عليها. ونقول "سبحان ~~الله وبحمده". ونحمدك ونصفك بأوصاف الجلال والجمال. ونقدس لك أي نقدسك، أو ~~نطهر أنفسنا وأفعالنا من الذنوب وقلوبنا من الالتفات الى غيرك. فالواو ~~للجمع بين الفضيلتين أي امتثال الأوامر واجتناب النواهي، فيكون حذاء الواو الأول. # واما هيئات (قال اني اعلم ما لاتعلمون) فاستينافها اشارة الى السؤال ب ~~"ماذا قال الله تعالى مجيبا لاستفسارهم، وكيف بين السبب مزيلا لتعجبهم، وما ~~الحكمة في ترجيح البشر عليهم؟ " فقال "قال" مشيرا إلى جواب اجمالي ثم فصل ~~بعض التفصيل بالآية التالية. و" ان" في (اني اعلم) للتحقيق ورد التردد ~~والشبهة وهو انما يكون في حكم نظري ليس بمسلم مع بداهة ومسلمية علم الله ~~تعالى بما لا يعلم الخلق وحاشاهم عن التردد في هذا. فحينئذ يكون "ان" منارا ~~على سلسلة جمل لخصها القرآن ms190 الكريم وأجملها وأوجزها بطريق بياني مسلوك. أي: ~~ان في البشر مصالح وخيرا كثيرا تغمر في جنبها معاصيه التي هي شر قليل، ~~فالحكمة تنافي ترك ذلك لهذا. وان في البشر لسرا اهله للخلافة غفلت عنه ~~الملائكة وقد علمه خالقه.. وان فيه PageV01P236 ~~حكمة رجحته عليهم لايعلمونها ويعلمها من خلق. وأيضا قد يتوجه معنى "ان" الى ~~الحكم الضمني المستفاد من واحد من قيود مدخولها أي لا تعلمون بالتحقيق.. ~~وأيضا (اعلم ما لا تعلمون) من قبيل ذكر اللازم وارادة الملزوم أي يوجد ما ~~لا تعلمون، اذ علمه تعالى لازم لكل شيء فنفى العلم دليل على عدم المعلوم كما ~~قال تعالى (بما لا يعلم) أي لا يمكن ولايوجد، ووجود العلم دليل على وجود ~~المعلوم.. ثم انه قد ذكر في تحقيق هذا الجواب الاجمالي ان الله عليم حكيم. ~~لاتخلو أفعاله تعالى عن حكم ومصالح، فالموجودات ليست محصورة في معلومات ~~الخلق فعدم العلم لا يدل على العدم، وان الله تعالى لما خلق الخير المحض ~~أعني الملائكة، والشر المحض أعني الشياطين، وما لاخير عليه ولا شر أعني ~~البهائم، اقتضت حكمة الفياض المطلق وجود القسم الرابع الجامع بين الخير ~~والشر. إن انقادت القوة الشهوية والغضبية للقوة العقلية فاق البشر على ~~الملائكة بسبب المجاهدة، وان انعكست القضية صار انزل من البهائم لعدم العذر. # *** PageV01P237 ### | AUTO وعلم ادم الاسماء كلها ثم عرضهم على الملئكة فقال انبؤني # بأسماء هؤلاء ان كنتم صادقين 31 قالوا سبحانك لا علم لنا الا # ما علمتنا انك انت العليم الحكيم 32 قال يا ادم انبئهم باسمائهم # فلما انباهم باسمائهم قال الم اقل لكم اني اعلم غيب السموات # والارض واعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون 33 # مقدمة # اعلم! ان هذه معجزة آدم تحديت بها الملائكة بل معجزة نوع البشر في دعوى ~~الخلافة. ان في القصص لعبرا. ثم اني نظرا الى ان (ولا رطب ولايابس الا في ~~كتاب مبين) 1 ومستندا الى ان التنزيل كما يفيدك بدلالاته ونصوصه؛ كذلك ~~يعلمك باشارته ورموزه، لأفهم من اشارات 2 استاذية اعجاز القرآن الكريم ms191 في ~~قصص الأنبياء ومعجزاتهم التشويق والتشجيع للبشر على التوسل للوصول إلى ~~أشباهها. كأن القرآن بتلك القصص يضع اصبعه على الخطوط الأساسية ونظائر ~~نتايج نهايات مساعي البشر للترقي في الاستقبال الذي يبنى على مؤسسات الماضي ~~الذي هو مرآة المستقبل. وكأن القرآن يمسح ظهر البشر بيد التشويق والتشجيع ~~قائلا له: اسع واجتهد في الوسائل التي توصلك الى بعض تلك الخوارق! أفلا ترى ~~ان الساعة والسفينة أول ما أهدتهما للبشر يد المعجزة. وان شئت فانظر الى ~~(وعلم آدم الاسماء كلها) والى (ولقد اتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه ~~والطير وألنا له الحديد) 3 والى (ولسليمن الريح غدوها شهر ورواحها شهر ~~وأسلنا له عين PageV01P238 ~~القطر) 1 "أي النحاس" والى (اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا) ~~2 والى (وتبرئ الاكمه والأبرص بإذني) 3!. ثم تأمل فيما مخضه تلاحق أفكار ~~البشر واستنبطه من ألوف فنون ناطق. كل منها - بخواص وصفات وأسماء - نوع من ~~أنواع الكائنات حتى صار البشر مظهر (وعلم آدم الأسماء كلها) ثم فيما ~~استخرجه فكر البشر من عجائب الصنعة من السكة الحديدية والآلة البرقية ~~وغيرهما بواسطة تليين الحديد وإذابة النحاس حتى صار مظهر (وألنا له الحديد) ~~الذي هو ام صنائعه، وفيما أفرخه أذهان البشر من الطيارات التي تسير في يوم ~~شهرا حتى كاد ان يصير مظهر (غدوها شهر ورواحها شهر) ، وفيما ترقى اليه سعى ~~البشر من اختراع الآلات والعصي التي تضرب في الأرض الرملة اليابسة فتفور ~~منها عين نضاخة وتصير الرملة روضة حتى أوشك ان يصير مظهر (اضرب بعصاك ~~الحجر) ، وفيما انتجه تجارب البشر من خوارق الطب التي طفق ان تبرئ الأكمه ~~والأبرص والمزمن باذن الله.. تر مناسبة تامة تصح لك أن تقول تلك مقائسها، ~~وذكرها يشير اليها ويشجع عليها.. # وكذا انظر الى قوله تعالى (يا نار كوني بردا وسلاما) 4 والى (لولا ان را ~~برهان ربه) 5 أي صورة يعقوب عاضا على اصبعه في رواية، والى (اني لأجد ريح ~~يوسف) 6 والى (ياجبال أوبي معه) والى (علمنا منطق الطير) 7 ms192 والى (أنا اتيك ~~به قبل ان يرتد اليك طرفك) 8 وأمثالها، ثم تأمل فيما كشفه البشر من مرتبة ~~النار التي لاتحرق ومن الوسائط التي تمنع الإحراق، وفيما اخترعه من الوسائل ~~التي تجلب الصور والأصوات من مسافات بعيدة وتحضرها اليك قبل ان يرتد اليك ~~طرفك، وفيما أبدعه فكر البشر من الآلات الناطقة بما تتكلم، وفي استخدامه ~~لأنواع الطيور والحمامات وقس عليها، لترى بين هذين القسمين ملاءمة يحق بها ~~ان يقال في هذه رموز الى تلك. PageV01P239 # وكذا تأمل في خاصية المعجزة الكبرى التي هي خاصية الناطقية التي هي خاصية ~~الانسانية وهي الأدب والبلاغة، ثم تدبر في ان أعلى ما يربي روح البشر وألطف ~~ما يصفي وجدانه وأحسن ما يزين فكره وأبسط ما يوسع قلبه انما هو نوع من ~~الأدبيات. ولأمر ما ترى هذا النوع أبسط الفنون وأوسعها مجالا وأنفذها ~~وأشدها تأثيرا وألصقها بقلوب البشر حتى كأنه سلطانها. فتأمل!.. # ثم ان لهذه الآية أيضا الوجوه الثلاثة النظمية: # أما نظم مآلها بسابقتها فمن وجوه أربعة: # الأول: ان التنزيل لما ذكر في الآية الأولى في بيان حكمة خلقة الانسان ما ~~هو اول الاجوبة وأولاها وأعمها للكل وأيسرها وأسهلها اقناعا وأجملها اجمالا ~~وأوجزها، بين بهذه الآية جوابا تفصيليا يطمئن به العوام والخواص. # والثاني: انه لما صرح في تلك بمسألة الخلافة للبشر برهن بهذه على تلك ~~الدعوى بمعجزة ذلك النوع في مقابلة الملائكة. # والثالث: انه لما أشار بتلك الى ترجح البشر على الملك رمز بهذه الى لمية ~~الرجحان. # والرابع: انه لما لوح بها الى مظهرية هذا النوع للخلافة الكبرى في الأرض ~~لمح بهذه احتجاجا عليها الى ان الانسان هو النسخة الجامعة والمظهر الاتم ~~لكل التجليات لتنوع استعداداته وتكثر طرف استفاداته وعلمه فيحيط بالكائنات ~~بحواسه الخمس الظاهرة والباطنة لا سيما بوجدانه الذي لا قعر له. أفلا تراه ~~يعلم أمثال حلاوة العسل بوجهين بل بوجوه خلاف الملك فتأمل! # أما نظم الجمل بعضها مع بعض ففطري في غاية السلاسة: فالأولى: تحقيق ~~لمضمون (اني أعلم ما لا تعلمون) وتفصيل لما أجمل ms193 فيها وتفسير لما أبهم.. ~~وكذا ان خلافة الله تعالى في أرضه لإجراء أحكامه وتطبيق قوانينه تتوقف على ~~علم تام.. وكذا ان انصباب الكلام في الآية الأولى ينجر الى "فخلقه وسواه ~~ونفخ فيه من روحه ورباه ثم علم الأسماء وأعده للخلافة". ثم لما اصطفاه على ~~الملائكة وميزه بعلم الأسماء في مسألة الرجحان واستحقاق الخلافة اقتضى مقام ~~التحدي عرض الأشياء PageV01P240 ~~عليهم وطلب المعارضة منهم. ثم لما أحسوا بالعجز من أنفسهم اقروا بحكمته ~~تعالى واطمأنوا. ولهذا قال: (ثم عرضهم على الملئكة فقال انبؤني بأسماء ~~هؤلاء ان كنتم صادقين) . "قالوا" أي متبرئين مما دسه في استفسارهم انانية ~~ابليس (سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم) 1 ثم لما ~~ظهر عجزهم لعدم جامعية استعدادهم اقتضى المقام بيان اقتدار آدم حتى يتم ~~التحدي فقال: (يا آدم أنبئهم باسمائهم) ثم لما امتثل وظهر سر الحكمة فيه ~~اقتضى المقام استحضار الجواب الاجمالي السابق وجعله كالنتيجة لهذا التفصيل ~~فقال: (ألم أقل لكم اني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم ~~تكتمون) واعلم! انه قد تشف وتحس صورة المقاولة عن تولد انانية ابليس فيما ~~بين الملائكة وتشعر بتداخل اعتراض طائفة بين استفسارهم. # أما نظم هيئات جملة جملة: فجملة (وعلم آدم الأسماء كلها) أي صوره بفطرة ~~تضمنت مبادئ أنواع الكمالات، وخلقه باستعداد زرع فيه أنواع المعالي، وجهزه ~~بالحواس العشر وبوجدان تتمثل فيه الموجودات، واعده بهذه الثلاث لتعلم حقائق ~~الأشياء بأنواعها، ثم علمه الأسماء كلها. الواو فيها اشارة الى الجمل ~~المطوية تحت إيجازه كما مر. و(علم) فيه اشارة الى تنويه العلم ورفعة درجته ~~وانه هو المحور للخلافة.. وكذا رمز الى أن الأسماء توقيفية. ويؤيده وجود ~~المناسبة المرجحة للوضع - في الأغلب - بين الأسماء والمسميات.. وكذا ايماء ~~الى ان المعجزة فعل الله بلا واسطة خلافا للفلاسفة الذين يقولون ان الخوارق ~~أفعال للأرواح الخارقة. و(آدم) أي الشخص الأرضي الذي أراد الله تعالى ~~خلافته وسماه آدم فالتصريح بالعلم لتنويهه وتشهيره واحضاره بصورته.. ~~و(الأسماء) سمات الأشياء من الصفات والخواص والأسماء، أو ms194 اللغات PageV01P241 ~~التي اقتسمها بنو آدم. وفيه ايماء بدليل (عرضهم) الى ان الاسم عين المسمى 1 ~~كما عليه أهل السنة و(كلها) تنصيص على منشأ التميز ومدار الاعجاز.. وجملة ~~(ثم عرضهم على الملئكة فقال انبؤني بأسماء هؤلاء ان كنتم صادقين) ف (ثم) ~~اشارة بسر التراخي واقتضاء المقام الى "وقال هو أكرم منكم وأحق بالخلافة". ~~واما (عرضهم) أي اظهر أنواع الأشياء مبسوطة للبيع لانظارهم كعرض المتاع على ~~المشتري وعرض الصفوف على الأمير ففيه اشارة الى ان الموجودات مال للمدرك ~~يشتريها بالعلم، ويأخذها بالاسم، ويتملكها بتمثل الصورة. وأما "هم" الدال ~~على الذكور العقلاء فسر ما فيه من التغليبين والمجاز ما يرمز اليه لفظ ~~العرض 2. اذ يتخيل من ارساله صور طوائف الموجودات مارة صفا صفا على الأنظار ~~- كونها قبائل من العقلاء يجيئون اليهم. واما (على) فايماء الى ان ما يعرض ~~عليهم هي الصور المرتسمة في اللوح الأعلى. PageV01P242 # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه ثقتي # كلمة ثناء # الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الخلق محمد وعلى آله ~~وصحبه اجمعين. # وبعد فقد كان رائدنا العظيم الاستاذ المناضل العلامة "بديع الزمان ~~النورسي" منذ ان تفتحت امام عينيه آفاق شاسعة من دنيا العلم والعرفان وخاض ~~عباب الكتاب العزيز يتطلع دائما (كما كتبه الاستاذ في افادة المرام) الى ~~انتهاض لجنة مؤلفة من كبار العلماء المتخصصين، كل في ناحية من نواحي العلم، ~~تقوم تلك اللجنة بدراسات طويلة في شتى نواحي الكتاب الكريم حتى يتحصل ~~ويتولد من محهوداتهم الكثيرة ودراساتهم الطويلة تفسير جامع للقرآن المبين، ~~يستجيب لحاجات القرن العشرين، واستمر لديه ذلك التطلع والترقب الى بداية ~~زمن الحرب العالمية الاولى. # فلما انفلقت قنبلة الحرب بين شعبنا التركي وبين الشعب الروسي أيس الاستاذ ~~من تحقق ذلك الامل بعض الاياس فاضطر ان يكتب ما يلوح له من اشارات اعجاز ~~القرآن. فأخذ يقيد ويصنف ويرتب ما يسنح له في شرح آي الذكر الحكيم. فجاء ~~منه هذا القسم من التفسير، وهو رغم انه وليد فكر واحد الا انه فريد في بابه ~~لم ينسج للآن على ms195 منواله اي تفسير لانه يستجلي ويكشف الاعجاز المكنون في ~~نظم الكتاب المجيد بطريقة عجيبة مخترعة لم نرها ولم نصادفها فيما عثرنا ~~عليه من مشهور التفاسير المتداولة كتفسير "ابي السعود" و"الفخر الرازي" ~~و"البيضاوي" وتفسير الاستاذ المرحوم "الشيح طنطاوي جوهري" الذي افاض واسهب ~~فيه وبين كثيرا من العلوم المختلفة التي تشير اليها الايات الكونية. # وان كنت في ريب مما نقول فردد الطرف اولا في تحليله المنوط بآية (ومن ~~الناس من يقول امنا بالله وباليوم الاخر وما هم بمؤمنين) او المنوط بآية ~~(ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة) الخ او بآية (ومما ~~رزقناهم ينفقون) PageV01P243 ~~او بأي آية اخرى من الايات المشروحة في ذلك التفسير وبعد ذلك طالع في عين ~~هاتيك الآيات السالفة الذكر سائر التفاسير، ثم ليتكلم ضميرك الحر المطلق من ~~قيد التعصب. # خلاصة القول: ان في عباراته عذوبة وحلاوة وطلاوة بديعة وتدقيقا خارقا جدا ~~في تحليل آي الوحي المنزل. انه بين جهة مناسبة الآيات بعضها ببعض، وتناسب ~~الجمل وتناسقها، وكيفية تجاوب هيآت الجمل وحروفها حول المعني لمراد معتمدا ~~في ذلك على أدق قواعد علم البلاغة وعلى اصول النحو والصرف وقوانين المنطق ~~ودسابير علم اصول الدين وسائر ما له علاقة بذلك من مختلف العلوم. حتى انه ~~ليبحث عن اخفى مناسبات البلاغة الذي لا يكشف عادة بالمجهر المعنوي المركز ~~في الدماغ البشري. # واعجب من الكل انه وجد ذلك التدقيق البالغ والبحث العميق حينما كان ينصب ~~ويتقاطر على المؤلف من جهاته الاربع شابيب رصاص بنادق الجيوش السوفيتية، ~~فكان الاستاذ يناضل ويطلق بندقيته في صدور الاعداء من جهة ويضع في مصنع ~~دماغه قنبلة اعجاز القرآن الذرية ليحطم بها بنيان الكفر والضلال من جهة ~~اخرى فيا سبحان الله من ذكاء الهي خارق، مجهز ببطولة عجيبة وثبات قلب زائد. ~~ان ذلك الوقت العصيب والموقف الرهيب لم يدهش المؤلف ولم يذهل فكره الثاقب ~~عن الجولان في مناحي اعجاز القرآن المبين. وها نحن تلامذة رسائل النور ~~يسرنا ان نضع هذا الكتاب بين يدي الانسانيين من البشر ليدرس ms196 دراسة مجردة عن ~~الاغراض بعيدة عن الاهواء والتعصب الذميم. ان في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ~~او القى السمع وهو شهيد. والله أسأل ان ينفع به الناس ويهديهم سواء السبيل. # الشيخ صدر الدين يوكسل البدليسي # 1378ه PageV01P244 # ### |EDITOR| # ENDNOTES # 1 ثبتنا مقدمة الدكتور محسن عبد الحميد التى قدمها مشكورا للطبعة الاولى ~~المطبوعة في العراق سنة 1409ه - 1989م - المحقق. PageV01P004 # 1 لقد استجاب المولى الكريم هذا الدعاء وامثاله من الدعوات الخالصة لاخوة ~~كرام بررة فوفقنا لترجمة كاملة لكليات رسائل النور وطبعها ونشرها، ~~فالحمدلله اولا وآخرا - المحقق. PageV01P009 # 1 ابقيت هذه المقدمة للتحقيق على ما هي عليه في الطبعة الاولى المطبوعة في ~~العراق سنة 1409ه - 1993م. الا ما استوجب من حذف واضافة ليوافق هذه الطبعة. ~~- المحقق. PageV01P010 # 1 وهو شقيق الاستاذ النورسى، كان مدرسا للغة العربية، ثم مفتيا، ثم مدرسا ~~للعلوم الاسلامية في المعهد العالي في قونيا، ترجم كثيرا من رسائل النور ~~الى العربية، وترجم اشارات الاعجاز والمثنوى العربي النوري من العربية الى ~~التركية. توفي سنة 1967 عن ثلاث وثمانين سنة من العمر. تغمده الله برحمته ~~الواسعة. # 2 هذه النسخة مع مجموعتين كامتلتين من كليات رسائل النور المستنسخة باليد ~~والمصححة من قبل المؤلف قد بعثها المؤلف سنة 1951م الى مدينة "أورفة " داخل ~~صندوقين، وهي محفوظة الأن لدى الدكتور عبد القادر بادللي، الذي تتلمذ على ~~الأستاذ النورسي وزاره مرات كثيرة، وسعى في نشر الرسائل وما زال وترجم ~~"المثنوي العربي النوري " ورسائل اخرى الى اللغة التركية، وله مصنفات عدة ~~منها: حياة الأستاذ النورسي (3مجلدات) ومصادر الآيات والأحاديث الشريفة ~~الواردة في رسائل النور، وغيرهما. مع مقالات كثيرة. وهو الذي يسر لنا ~~الإطلاع على النسخة الأصلية ل "إشارات الإعجاز " فجزاه الله خيرا على عمله ~~النبيل. # 3 وهو من قرية "شوش " التابعة لقضاء "عقرة " في شمالي العراق. قرأ العلوم ~~الاسلامية وتضلع بها. نذر خطه الجميل لرسائل النور، ولاسيما لاشارات ~~الاعجاز، حيث كتب منها اربع نسخ علاوة على ما استنسخه من الرسائل المترجمة ~~في وقته حتى كان يستنسخ بعضها في ضوء ms197 القمر. من تأليفاته "رياض النور " في ~~سيرة الرسول الاعظم صلى الله عليه وسلم في ثلاثة عشر ألف بيت باللغة ~~الكردية. توفي سنة 1962 عن اربع واربعين سنة من العمر. أسكنه الله فسيح جناته. PageV01P011 # 1 النكتة: هى مسألة لطيفة اخرجت بدقة نظر وإمعان فكر، وسميت المسألة ~~الدقيقة نكتة لتأثير الخواطر في استنباطها - "التعريفات للجرجاني". PageV01P018 # 1 عدى الشيء: اجازه وأنفذه. # 2 سكة: شارة الدولة الموضوعة على مسكوكاتها. # 3 العلم الحديث. # 4 وسعة واتساع وسعة بمعنى الطاقة والقدرة. # 5 نور الاجتهاد وضياء الولاية. PageV01P020 # 1 لقد اخبرنا مرارا في اثناء الدرس وقوع زلزلة عظيمة (بمعنى الحرب العمومية ~~فوقعت كما اخبرنا) . # حمزة. محمد شفيق. محمد مهرى. (هؤلاء من تلاميذ المؤلف) . # 2 المصدر والمرجع. PageV01P021 # 1- اى: ايها الفن المسمى بالحكمة. والفن يطلق على كل علم، والحكمة: علم ~~يبحث عن حقائق الاشياء على ما هى عليه في الوجود بقدر الطاقة البشرية، فهى ~~علم نظرى غير آلي (التعريفات) . PageV01P023 # 1 جواب لما.. (المؤلف) . # 2 اى: يا محمد! قل هذا الكلام وعلمه الناس (ت: 13) # 3 حيث يفيد الحصر. (ت: 13) # 4 وهى من اقصر السور القرآنية. PageV01P024 # 1 ان الافعال المذكورة المتعلقة بالباء، تقدر مؤخرا للحصر ليتضمن الاخلاص ~~والتوحيد (ت: 14) # 2 اى بسبب علاقة القدرة الازلية وتعلقها بانواع الكائنات وافرادها (ت: 14) PageV01P025 # 1 اى: إن قصد الإنعام الذي هو نتيجة ولازم لمعنى حقيقتهما (ت: 16) # 2 التى محال استعمال معناها الحقيقي بحقه تعالى، كاليد (ت: 16) # 3 وهى: الانعام، الكهف، سبأ، فاطر. # 4 قال ابو اسحق الاسفراينى رحمه الله: في سورة "الأنعام " كل قواعد ~~التوحيد. ولما كانت نعمه تعالى مما تفوت الحصر إلا انها ترجع اجمالا الى ~~ايجاد وابقاء في النشأة الاولى، وايجاد وابقاء في النشأة الآخرة. وقد اشير ~~في "الفاتحة " "الكهف " الى الابقاء الاول، وفي "سبأ " الى الايجاد الثانى، ~~وفي "فاطر " الى الابقاء الثانى، فلهذا ابتدأت هذه السور الخمس بالتحميد ~~(حاشية شهاب على سورة الانعام ج 4 ص2) (ب) PageV01P026 # 1 اى يكون المعلوم لأجلها. # 2 سورة الذاريات: 56. # 3 فهرس وفهرست كلمة معربة. # 4 محي الدين ms198 بن عربي: 560 - 638 ه /1165 - 1240 م # هو محمد بن علي بن محمد ابن عربي، ابو بكر الحاتمي الطائي الأندلسي، ~~المعروف بمحي الدين بن عربي، الملقب بالشيخ الأكبر: فيلسوف، من أئمة ~~المتكلمين في كل علم. ولد في مرسيه (بالاندلس) وانتقل الى اشبيلية. وقام ~~برحلة فزار الشام وبلاد الروم والعراق والحجاز. وانكر عليه اهل الديار ~~المصرية «شطحات» صدرت عنه، فعمل بعضهم على إراقة دمه. وحبس، فسعى في خلاصه ~~علي بن فتح البجائي فنجا. واستقر في دمشق، فتوفي فيها له نحو اربعمائة كتاب ~~ورسالة، منها (الفتوحات المكية) في التصوف وعلم النفس و(فصوص الحكم) . # الاعلام 6/281 فوات الوفيات 2/241 ميزان الاعتدال 3/108 جامع كرامات ~~الاولياء 1/118 شذرات الذهب 5/190. # 5 لا يعرف له سند صحيح ولا ضعيف، الا ان علي القارئ قال: ولكن معناه صحيح، ~~مستفاد من قوله تعالى (وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون) اى ليعرفونى، كما ~~فسره ابن عباس رضى الله عنهما (باختصار عن كشف الخفاء 2/132) . PageV01P027 # 1 جعل كلمة "الذات" اسما للحقيقة فزال التأنيث. # 2 الذى يكون وجوده من ذاته ولا يحتاج الى شيء اصلا. # 3 بعد حذف متعلقها (ت: 17) # 4 سورة يوسف: 4. PageV01P028 # 1 في مالك يوم الدين (ت: 19) PageV01P029 # 1 التنبل والتنبال: البليد الكسلان. ج تنابلة. والمقصود هنا مذهب الجبرية. # 2 الالتفات: هو العدول عن الغيبة الى الخطاب او التكلم، او على العكس ~~(التعريفات) . # 3 اصل الحديث رواه البخارى ومسلم، وفيه: ما الاحسان؟ قال: ان تعبد الله ~~كأنك تراه فإن لم تكن تراه فانه يراك (متفق عليه) ورواية الطبرانى: اعبد ~~الله كأنك تراه. وهو حديث صحيح (صحيح الجامع الصغير 1049) # 4 اى ننقاد ونخضع ونطيع. PageV01P030 # 1 سورة طه: 50. PageV01P031 # 1 سورة هود: 112 # 2 الجربز (بالضم) : الخب الخبيث، والمصدر: الجربزة. # 3 سورة البقرة: 269 # 4 الجبرية: افراط حيث يحرم الانسان من العمل. والمعتزلة تفريط حيث يمنح ~~التأثير للانسان. اما اهل السنة فهو الوسط، حيث يمنح بداية تلك الافعال الى ~~الارادة الجزئية ونهاياتها الى الارادة الكلية (ت: 24) PageV01P032 # 1 الناموس: ما يحميه الرجل ms199 من اسمه وصيته وشرفه. وفي (التعريفات) : هو ~~الشرع الذى شرعه الله. # 2 سورة هود: 112 # 3 لانهم الائمة في العبادة (ت: 25) # 4 سورة الأنعام: 90 PageV01P033 # 1 رواه الطبرانى والترمذي وحسنه بلفظ: "يد الله على الجماعة" (كشف الخفاء ~~2/391) وصححه محقق الجامع الصغير (7921) وعزاه للحاكم والبيهقى في الاسماء ~~عن ابن عمر رضى الله عنهما وابن عاصم عن اسامة بن شريك. # 2 سورة النساء: 69 PageV01P034 # 1 يقول البغدادى: "لا تدخل الألف واللام على (غير) ؛ لان المقصود من ادخال ~~(أل) على النكرة تخصيصها بشيء معين. فإذا قيل (الغير) اشتملت هذه اللفظة على ~~ما لا يحصى، ولم تتعرف ب (أل) كما انها لم تتعرف بالاضافة، فلم يكن لإدخال ~~(أل) عليها من فائدة ". # وجاء في المصباح المنير، في مادة (غير) مانصه: "يكون وصفا للنكرة، تقول: ~~جاءنى رجل غيرك، وقوله تعالى: (غير المغضوب عليهم) انما وصف بها المعرفة، ~~لأنها اشبهت المعرفة باضافتها الى المعرفة، فعوملت معاملتها. ومن هنا اجترأ ~~بعضهم فأدخل عليها الألف واللام؛ لأنها لما شابهت المعرفة، باضافتها الى ~~المعرفة، جاز ان يدخلها ما يعاقب الاضافة، وهو الالف واللام ... # وارتضى مؤتمر المجمع اللغوى، المنعقد بالقاهرة في دورته الخامسة والثلاثين، ~~في شهر شباط (فبراير) 1969 الرأى القائل: "ان كلمة غير الواقعة بين متضادين ~~تكتسب التعريف من المضاف اليه المعرفة، ويصح في هذه الصورة، التى تقع فيها ~~بين متضادين، وليست مضافة، ان تقترن ب (أل) ، فتستفيد التعريف ". (باختصار ~~عن معجم الاخطاء الشائعة لمحمد العدنانى) . PageV01P035 # 1 إذ انقطاعها اشارة الى دخولها ضمن العفو (ت: 29) PageV01P036 # 1 قنابل وقذائف. PageV01P037 # 1 عن ابى أمامة الباهلى رضى الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: اقرأوا القرآن، فانه يأتى يوم القيامة شفيعا لاصحابه، اقرأوا ~~الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران ... الخ الحديث. رواه مسلم. # 2 كالمسك ما كررته يتضوع (ت: 31) # 3 انك خير من تفاريق العصا، مثل يضرب فيمن نفعه أعم من نفع غيره (مجمع ~~الامثال للميدانى) . PageV01P039 # 1 عدة حروف الهجاء تسع وعشرون مع الالف الساكنه. # 2 فذكر من (المهموسة) ms200 وهي ما يضعف الاعتماد على مخرجه، ويجمعها (ستشحثك ~~خصفه) نصفها وهي الحاء والهاء والصاد والسين والكاف. ومن البواقي ~~(المجهورة) نصفها يجمعه (لن يقطع أمر) ومن (الشديدة) الثمانية المجموعة في ~~(اجدت طبقك) اربعة يجمعها. ومن البواقي (الرخوة) عشرة يجمعها (حمس على ~~نصره) ومن المطبقة التي هي الصاد والضاد والطاء والظاء نصفها. ومن البواقي ~~(المنفتحة) نصفها. ومن (القلقلة) وهي حروف تضطرب عند خروجها ويجمعها (قد ~~طبج) نصفها الاقل لقلتها. ومن (اللينتين) الياء لأنها أقل ثقلا، ومن ~~(المستعلية) وهي التي يتصعد الصوت بها في الحنك الاعلى وهي سبعة: القاف ~~والصاد والطاء والخاء والغين والضاد والظاء نصفها الاقل، ومن البواقي ~~(المنخفضة) نصفها ... (تفسير البيضاوي) . PageV01P041 # 1 كالتعبير عن الحروف (أ، ل) بألف لام، فهذا التعبير باسماء الحروف هو من ~~اصول اهل القراءة والكتابة (ت: 34) # 2 اى ان التهجى يخص المبتدئين بالقراءة (ت: 34) PageV01P042 # 1 المقصود: النحت اللغوى. # 2 اى لكمال ذكائه يفهم ماهو رمز وايماء وامر خفى، كالصريح (ت: 35) PageV01P043 # 1 سورة الانبياء: 46 PageV01P045 # (مفتاح العلوم) للعلامة سراج الدين ابى يعقوب يوسف بن ابى بكربن محمد بن ~~علي السكاكى المتوفى سنة 626ه. ويعد كتابه هذا اوسع ما كتب في البيان في ~~زمانه، وله شروح كثيرة. # (الكشاف عن حقائق التنزيل) للامام العلامة ابى القاسم جارالله محمود بن عمر ~~الزمخشري الخوارزمي المتوفي سنة 538ه. PageV01P046 # 1 للمتنبي في ديوانه 4/246 PageV01P047 # 1 قرمز: بالكسر، صبغ ارمنى يكون من عصارة دود. # 2 البرهان الاني واللمي: اصطلاحان يرد شرحهما، فالاني - بتشديد النون - ~~مصدر صناعي مأخوذ من "ان " المشبهة بالفعل التى تدل على الثبوت والوجود. ~~اما اللمي، فهو مصدر صناعي مأخوذ من كلمة "لم " للعلية. وفي (التعريفات) : ~~الاستدلال من العلة الى المعلوم برهان لمي ومن المعلوم الى العلة برهان إني. PageV01P048 # 1 لأن "الذين" من الاسماء المبهمة، لذا فان صلته هى التى تميزه وتعينه (ت: 43) PageV01P050 # 1 ابو يعقوب يوسف بن ابي بكر (ت 626ه/ 1228م) من اعلام البلاغة، مؤلف كتاب ~~«المفتاح» الذي يعد أوسع ما كتب في البيان في زمانه وله شروح كثيرة. وضع ~~علوم ms201 البلاغة في قالبها العلمي. مولده ووفاته بخوارزم. # (497 - 545م) هو امرؤ القيس بن حجر بن الحارث الكندي، اشهر شعراء العرب على ~~الاطلاق، يماني الاصل، مولده بنجد ووفاته في انقرة، وقد جمع بعض ما ينسب ~~اليه من الشعر في ديوان صغير. (الاعلام 2/12) . # 3 يتحيز في مكان. # 4 هو مسعود بن عمر بن عبد الله، ولد بتفتازان بخراسان في 712 (أو 727ه) ~~وتوفي في سمرقند 793ه.. إمام في العربية والمنطق والفقه،، سعى لإحياء ~~العلوم الاسلامية بعد كسوفها بغزو المغول فألف كثيرا من امهات الكتب. حتى ~~انه يعد الحد الفاصل بين العلماء المتأخرين والمتقدمين. من كتبه (تهذيب ~~المنطق) و(شرح المقاصد) و(شرح العقائد النسفية) و(المطول) .. وكتابه ~~(التلويح في كشف حقائق التنقيح) في الاصول شرح فيه كتاب (التوضيح في حل ~~غوامض التنقيخ) للعلامة عبيد الله ابن مسعود المحبوبي (ت747ه) PageV01P051 # 1 تعبير مألوف بحق الله جل جلاله المنور لكل شيء في الادب التركى والفارسى ~~بخلاف الادب العربى. # 2 البوق العسكرى. PageV01P052 # 1 الاف والتف: وسخ الاذن والاظفار، ثم استعملا عند كل شيء يضجر منه (الزاهر ~~للانباري) . # 2 اصل الحديث: عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه، قال: دخل النبي صلى الله ~~عليه وسلم على بلال وعنده صبرة من تمر، فقال: "ما هذا يا بلال؟ " قال: اعد ~~ذلك لأضيافك. قال: "أما تخشى ان يكون لك دخان في نار جهنم؟! انفق بلال! ولا ~~تخش من ذي العرش اقلالا ". # قال المنذري في الترغيب والترهيب: رواه البزار باسناد حسن والطبراني في ~~الكبير وذكر فيه زيادة. والحديث اورده الهيثمي في المجمع وقال: اسناده حسن، ~~وحسنه الحافظ ابن حجر. والحديث صحيح بطرقه (صحيح الجامع الصغير رقم 1508 ~~وصحيح الترغيب برقم 912، والمشكاة برقم 1885) ومع هذا ضعفه العراقي رحمه ~~الله تعالى. PageV01P053 # 1 اورده الهيثمي في المجمع (3/62) وقال: رواه الطبراني في الكبير والاوسط ~~ورجاله موثقون إلا بقية مدلس وهو ثقة، واورده المنذري في الترغيب والترهيب ~~(1/517) وقال: رواه الطبراني ... وفيه ابن لهيعة، والبيهقي وفيه بقية بن ~~الوليد. والحديث ضعفه محقق الجامع الصغير برقم ms202 3191 في ضعيف الجامع الصغير. PageV01P054 # 1 صحابي، أسلم عند قدوم النبى صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان اسمه ~~(الحصين) فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله. شهد مع عمر رضى ~~الله عنه فتح بيت المقدس والجابية، وأقام بالمدينة الى ان توفي سنة 43ه. ~~(الاصابة 4725، الاستيعاب 2/382) . # 2 المذكورين في هذه الآية والتى سبقتها (ت: 50) PageV01P056 # 1 حتى كأن لا صفة لهم مميزة الا الايمان (ت: 52) # 2 اى ماضوية "انزل ". بمعنى ان الذى لم يتم نزوله، ان لم يكن داخلا ضمن ~~شمولية "انزل " فهو ضمن شمولية "يؤمنون " (ت: 52) # 3 فالماضى حقيقة ثابتة لدى كثير من الناس في اغلب الازمان، بينما يكون ~~مجازا لدى القليلين في اقل الازمان. PageV01P057 # 1 سورة البقرة: 97. PageV01P058 # 1 اصطلاح اصولى في مباحث العلة: فتنقيح المناط: تهذيب العلة مما علق بها من ~~الاوصاف التى لا مدخل لها في العلية. اما تحقيق المناط: فهو الاجتهاد في ~~تحقيق العلة الثابتة بالنص او بالاجماع او بأي مسلك آخر، في واقعة غير التى ~~ورد فيها النص. PageV01P059 # 1 واشمل (ش) . # 2 اى: ان "من " يفيد معنى الابتداء، والابتداء لابد له من انتهاء - اى "الى ~~" - والانتهاء يدل على عدم الحاجة او الاغناء (ت: 56) PageV01P060 # 1 بشراشيره: بأجمعه. # 2 هذه البراهين مذكورة في رسالة "لاسيما" من المثنوى العربى النورى ومفصلة ~~في الكلمة التاسعة والعشرين وموضحة بنور تجليات الاسماء الحسنى في الكلمة ~~العاشرة (الحشر) . # 3 سورة نوح: 14. # 4 سورة فصلت: 46. PageV01P061 # 1 شذرا مذرا: اى ذهبوا في كل وجه، فالمراد المبالغة في الكسر والتجزئة (ش) . PageV01P062 # 1 الحبيب من طلاب المؤلف. # 2 تفصيل هذه الاوجه في الكلمة الخامسة والعشرين (المعجزات القرآنية) . PageV01P064 # 1 الكوة: الخرق في الحائط. ج: كواء وكوى وكوات. PageV01P065 # 1 عن ابى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ضرس ~~الكافر - أو ناب الكافر - مثل أحد وغلظ جلده مسيرة ثلاث. رواه مسلم ~~(4/2189) . # 2 ادفنوا ماءكم واشعاركم واظفاركم، لاتلعب بها السحرة» مسند الفردوس 1/102. ~~وانظر الفتح الكبير 2/375. كنز العمال 17245. جمع الجوامع رقم ms203 885. # 3 عن ابى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل ~~ابن آدم يأكله التراب الا عجب الذنب، منه خلق ومنه يركب. رواه مسلم وابو ~~داود وابن ماجه. والعجب: اصل الذنب. # 4 التعب والمشقة والضيق. PageV01P066 # 1 سورة البقرة: 80. PageV01P067 # 1 ان هذه الآية (ش) . # 2 اى انها جواب PageV01P068 # 1 حيث ذكرت اوصافهم فاصبحت معهودة (ت: 65) # 2 حيث ان النكرة اذا كررت بصورة معرفة، فتلك المعرفة هى عين تلك النكرة، ~~اما اذا ذكرت النكرة نكرة فلا تكون عين النكرة في الاغلب (ت: 67) # 3 قارة: ثابتة. PageV01P069 # 1 اذ الاهتداء، اى سلوك طريق الصواب، هو ضمن اختيارهم وداخل كسبهم، مع ان ~~الهداية التى هى صفة ثابتة، فهى من الله تعالى (ت: 67) PageV01P070 # 1 سورة الانفطار: 13، 14 PageV01P072 # 1 فلأجل الاشارة الى هذه الحقيقة الكفرية، ذكر "الذين" (ت: 72) # 2 لأن كلا منهما يدلان على حقيقة مضادة للاخرى (ت: 72) PageV01P073 # 1 واختلاف المفسرين ليس الا في هذا القسم (ت: 73) # 2 اى ثبوت صحته وتواتره (ت: 73) # 3 سورة البقرة: 146 # 4 القبعة. # 5 التى هى ليست عللا (ت: 74) PageV01P074 # 1 اذ يمكنهم ان يقولوا لم نبلغ بالتكليف ولا علم لنا به، ويكون هذا مدار ~~نجاتهم من الجزاء (ت: 74) # 2 كما في "لايؤمنون" وامثالها من الآيات (ت: 74) # 3 مغلطة الجذر الاصم هى هذه: قيل ان اجتماع النقيضين واقع، لانه لو قال ~~قائل كل كلامي في هذه الساعة كاذب والحال انه لم يقل في تلك الساعة غير هذا ~~الكلام، فلا يخلو من ان يكون هذا الكلام، صادقا أوكاذبا. وعلى التقديرين ~~يلزم اجتماع النقيضين. اما اذا كان صادقا فيلزم كذب كلامه في تلك الساعة، ~~وهذا الكلام مما تكلم به في تلك الساعة ولم يتكلم بغيره؛ فيلزم كذب كلامه. ~~والتقدير انه صادق فيلزم اجتماع النقيضين وان كان كاذبا يلزم ايضا اجتماع ~~النقيضين لانه يلزم ان يكون بعض افراد كلامه صادقا في تلك الساعة لكن ما ~~وجد عنه في تلك الساعة سوى هذا الكلام فيلزم صدقه، والمفروض كذبه فيلزم ~~اجتماع النقيضين. ms204 وهذه المغلطة مشهورة تحير جميع العلماء في حلها. (ب) # 4 سورة المائدة: 99. PageV01P075 # 1 سورة نوح: 26 PageV01P076 # 1 بالنصب، عطف على قوله: مشيرة. وكذا مصرحة. # 2 اى ختم على بابه. والمهر- بالضم - هو الختم الذى يطبع ويوقع به. والكلمة ~~اعجمية استعملها تفننا. وله من الحسن مقام (ش) PageV01P077 # 1 كما يقول اهل الاعتزال من ان العبد خالق لافعاله (ت: 79) # 2 كالألم والموت الحاصلين بالضرب والقتل (ت: 79) # 3 اى لايشتق من الجامد اسم الفاعل كما هو معلوم في علم الصرف (ت: 80) PageV01P079 # 1 هو الذى لا وجود له الا في عقل المعتبر مادام معتبرا (التعريفات) . # 2 اى لا يأتى الى الوجود شيء مالم يكن وجوده واجبا. فعند تعلق الارادتين ~~الجزئية والكلية في شيء يكون وجود الشيء واجبا، فيوجد حالا (ت: 80) # 3 اى ليس خالقا للأثر الحاصل بالمصدر، وهو الذى يطلق عليه الكسب (ت: 81) # 4 فليس بيد العبد الا الكسب (ت: 81) PageV01P080 # 1 اى تحويل ذلك الميلان من فعل الى آخر (ت: 81) # 2 بحيث لا تبقى الحاجة الى الارادة الكلية (ت: 81) والعلة التامة: هى جملة ~~ما يتوقف عليه وجود الشيء (التعريفات) . # 3 اذ كثيرا لا يقع الفعل بوقوع الميلان (ت: 81) # 4 على عادة الله الجارية (ت: 81) # 5 فيحتاج الى مؤثر (ت: 81) # 6 اى يزيلان الاختيار ويقضيان عليه. # 7 لان المؤثر هو القدرة وليس العلم الذى هو تابع للمعلوم (ت: 82) PageV01P081 # 1 لقد وردت هذه الكلمة مصروفة في عدة مواضع من الكتاب، ولعلها: (شط) بمعنى: ~~أفرط وتباعد عن الحق، او (شيط) من شاط اى: هلك. PageV01P082 # 1 اي المجهرية التى لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة. # 2 اى لايمكن للانسان ان يستوعب اوصافه الجليلة الا بما يتحصل له من مشاهدة ~~مصنوعاته سبحانه وتعالى. PageV01P083 # 1 سورة آل عمران: 21. PageV01P085 # 1 الحديث (ما وسعني سمائي ولا ارضي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن) . ذكره في ~~الاحياء بلفظ مقارب. قال العراقي في تخريجه: لم ار له أصلا (كشف الخفاء ~~للعجلوني 2/195 باختصار) . وقال السيوطي في الدرر المنتثرة: قلت اخرج ~~الامام احمد في الزهد عن وهب بن ms205 منبه: ان الله فتح السموات لحزقيل حتى نظر ~~الى العرش فقال حزقيل: سبحانك ما اعظمك يارب! فقال الله: ان السموات والارض ~~ضعفن ان يسعنني ووسعني قلب المؤمن الوادع اللين» اه. قال ابن حجر الهيتمي ~~في الفتاوى الحديثية: وذكر جماعة له من الصوفية لا يريدون حقيقة ظاهره من ~~الاتحاد والحلول لأن كلا منهما كفر، وصالحو الصوفية اعرف الناس بالله وما ~~يجب له وما يستحيل عليه، وانما يريدون بذلك ان قلب المؤمن يسع الايمان ~~بالله ومحبته ومعرفته. اه. PageV01P086 # 1 اى ان الجزاء الابدى للكافر طابق العدالة. PageV01P087 # 1 شوش الامر: خلطه، صيره مضطربا. PageV01P088 # 1 هذا المثل اصله حديث نبوى رواه البخارى عن ابى مسعود عقبة بن عمرو ~~الانصارى رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان مما ~~ادرك الناس من كلام النبوة الاولى: اذا لم تستح فاصنع ما شئت) . PageV01P089 # 1 اي بين "آمنا" التى جاءت في الآية، وبين "وما آمنوا" المذكورة في السؤال. # 2 نكتة في غاية الدقة (المؤلف) . PageV01P091 # 1 كلاهما من جحرة اليربوع، يظهر الاولى ويخفى الثانية (ش) PageV01P092 # 1 المرق: كلمة اعجمية تعنى الاهتمام واللهفة والامل وحب التطلع. PageV01P093 # 1 سورة الشورى: 40 PageV01P094 # 1 نفطاته: بثراته. # 2 بنفوذ النار فيها (ش) . PageV01P096 # 1 اي غضبا، غير ان ظاهر السياق والمذاق متنمردا، اي كائنا كالنمرود (ش) . # 2 يشع ويضئ. # 3 ما يكون عين النتيجة او نقيضها مذكورا فيه بالفعل (التعريفات) . PageV01P099 # 1 جرخ يقرب من معنى دولاب. PageV01P100 # 1 سفلة الناس واخلاطهم. PageV01P102 # 1 سورة هود: 27. # 2 الهوس: طرف من الجنون وخفة العقل والمقصود هنا الاغراض النفسية وامانيها. PageV01P104 # 1 اى في الآية: (قالوا آمنا) بلا تأكيد. PageV01P108 # 1 اسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجانى (المتوفي 471ه) . طبع عدة طبعات منها ~~في مطبعة الاستقامة سنة 1948 بمصر وكتب حواشيه الاستاذ احمد مصطفى المراغي، ~~والفصل المذكور هو في ص128 من الطبعة المذكورة. PageV01P113 # 1 العالم الاسلامي (ت: 92) # 2 النابض. PageV01P147 # 1 كدلالة النار على الدخان ودلالة الدخان على النار، وهذا اسلم من الشبهات ~~(ت: 96) PageV01P150 # 1 427 - 347 ق. م) من ms206 مشاهير فلاسفة اليونان، تلميذ سقراط ومعلم ارسطو. من ~~مؤلفاته (الجمهورية) و(المحاورات) . # (130 - 200م) طبيب وكاتب يوناني، ولد في برجامون وعمل جراحا لمدرسة ~~المصارعين بها بعد ان اتم دراسته في بلاد اليونان وآسيا الصغرى والاسكندرية ~~ثم اقام بروما حيث ذاع صيته وينسب اليه خمسمائة مؤلف اغلبها في الطب ~~والفلسفة. PageV01P151 # 1 سورة الملك: 3. PageV01P152 # 1 هو حسين بن محمد بن مصطفى الجسر (1261 - 1327ه) (1845 - 1909م) عالم ~~بالفقه والادب، من بيت علم في طرابلس الشام. له نظم كثير. دخل الازهر سنة ~~1279ه واستمر الى سنة 1284ه، وعاد الى طرابلس فكان رجلها في عصره، علما ~~ووجاهة، وتوفي فيها. كتبه (الرسالة الحميدية في حقيقة الديانة الاسلامية) ~~و(الحصون الحميدية) في العقائد الاسلامية. و«سيرة مهذب الدين» و«رياض ~~طرابلس» وهى مجموعة دراسات ادبية واجتماعية في عشرة اجزاء. PageV01P153 # 1 مسطر: ما يسطر به الكتاب. # 2 سورة الانبياء: 22. # 3 لابى العتاهية في ديوانه وينسب الى الامام علي كرم الله وجهه. ونسبه إبن ~~كثير في مقدمة تفسيره الى إبن المعتز. PageV01P154 # 1 سورة محمد: 38. PageV01P155 # 1 سورة النجم: 42. # 2 سورة الشعراء: 77. PageV01P156 # 1 سورة الانعام: 91. # 2 سورة الذاريات: 50. # 3 سورة الرعد: 28. PageV01P157 # 1 وان لا واسطة في العبادة بين العبد وخالقه (ش) . # 2 المؤمنون والكفار والمنافقون (ت: 108) PageV01P158 # 1 فيستخدمه (ب) # 2 لأن في كلمة «اي» إجمال وإبهام حيث ذكرت غير مضافة، الا ان كلمة «الناس» ~~تزيل ذلك الابهام وتفصل ذلك الاجمال (ت: 109) PageV01P159 # 1 فاذا قيل مثلا: "الذى جاءك" فجهته المعلومة لديك هى المجئ اليك. اما سائر ~~جهاته فمجهولة (ت: 110) PageV01P160 # 1 ذرة بالنسبة الى نوعه (ش) PageV01P162 # 1 الصحيح: "حبلها على غاربها".. راجع الكتب الفقهية في بحث كنايات الطلاق ~~والمعاجم اللغوية في مادة "غرب" (ب) # 2 لأن المقام مقام الضمير، فاذا عدل عنه الى الظاهر يكون المراد به غير ~~الاول ... (ب) # 3 سورة الانبياء: 30. PageV01P163 # 1 سورة النجم: 23. PageV01P164 # 1 في سبع مسائل (ش) PageV01P165 # 1 سورة التوبة: 40. PageV01P166 # 1 في زمان ولو مديد بزحمة ولوكثيرة (ش) PageV01P168 # 1 لعله بلى" (ش) PageV01P169 # 1 وجواب إن محذوف، اى فاطلب ماتشاء (ش) PageV01P170 # 1 توماس ms207 كارلايل (1795 - 1881) كاتب ومؤرخ وفيلسوف انكليزي، اراد والده ~~البناء ان يكون إبنه قسيسا إلا ان كثرة شكوكه حول الدين حالت دون ذلك، مر ~~بمعاناة نفسية دامت زهاء سبع سنوات، انتهى به المطاف بالاستقرار على مسائل ~~الايمان. ألقى سلسلة من المحاضرات، تناول في احداها عظمة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم، وأثنى عليه وبين انه النبي الحق ودحض افتراءات كثيرة. جمع تلك ~~المحاضرات في كتابه المشهور «الابطال» . اوصى بتوزيع ثرواته الى الطلاب ~~الفقراء، وايداع مكتبته في جامعة هارفرد الامريكية. ترك آثارا عميقة في ~~ثقافة الانكليز ونظرتهم الى العالم (باختصارمن YENI LUGAT عن دائرة المعارف ~~التركية) . # 2 جوهان فولف جانج فون (1749 - 1832) كاتب وشاعر وروائى وناقد ألماني. ولد ~~في اسرة ثرية وتعلم اللاتينية واليونانية والايطالية والانكليزية والعبرية ~~وحصل الفرنسية عام 1، ثم انتقل الى مدينة ليبزنج لتعلم الحقوق ثم انصرف الى ~~التأليف ثم تولى مناصب قضائية وادارية ووضع خلال ذلك مسرحيات وكتبا تناول ~~فيها تأملاته في الحياة. PageV01P172 # 1 سورة طه: 5 PageV01P175 # 1 قد سنح لى في المرض بين النوم واليقظة في والشمس تجرى لمستقر لها اى في ~~مستقرها، لاستقرار منظومتها، اى جريانها لتوليد جاذبتها النظامة للمنظومة ~~الشمسية، ولو سكنت لتناثرت (هذه الحاشية النومية دقيقة لطيفة) - المؤلف. # 2 اى لا تظنن ان امور الآخرة واحوالها التى هى مجهولة لنا كتلك النظريات ~~التى يكشف عنها المستقبل (ت: 133) PageV01P176 # 1 علم الفلك. PageV01P177 # (775 - 868م) عمر بن بحر، كاتب ولد ومات بالبصرة، كان من اسرة فقيرة مات ~~ابوه وهو صغير فاضطر الى احتراف بيع الخبز والسمك الى جانب مواصلة التعليم ~~في الكتاب والمسجد والحلقات والاطلاع على كل ما تقع عليه يداه. ألف اكثر من ~~(350) كتابا اشهر كتبه " الحيوان" و"البيان والتبيين" و" البخلاء". PageV01P179 # 1 اليافوخ: الموضع الذى يتحرك من رأس الطفل، والمقصود هنا: من علا قدره ~~وتكبر من البلغاء. # 2 السماكان: نجمان نيران. # 3 سورة النجم: 4 # 4 هذه الطريق حجة قاطعة - المؤلف. PageV01P180 # 1 سورة طه: 63 # 2 سورة المائدة: 69 PageV01P181 # 1 عن ابى هريرة رضى الله عنه قال: قال ms208 رسول الله صلى الله عليه وسلم: اشتكت ~~النار الى ربها، فقالت: "يا رب! أكل بعضي بعضا، فجعل لها نفسين. نفس في ~~الشتاء ونفس في الصيف. فشدة ما تجدون من البرد من زمهريرها، وشدة ما تجدون ~~من الحر من سمومها " رواه البخارى - كتاب الايمان، ابن ماجه 4319 والترمذي ~~2592 وعن ابى هريرة رضى الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~"هذه النار جزء من مائة جزء من جهنم " رواه احمد 24/164 (الفتح الربانى) ~~واورده الهيثمى في المجمع 1/387 وقال: رواه احمد ورجاله رجال الصحيح. # 2 الاظهر: شيط. PageV01P185 # 1 قد استعمل المنطق هنا استعمالا حسنا - المؤلف. PageV01P189 # 1 سورة التحريم: 6 PageV01P190 # 1 يطيع يطوع أي يجعلها مطيعة - المؤلف. PageV01P191 # 1 سورة يس: 59. # 2 سورة الزمر: 73. PageV01P192 # 1 سورة التكوير: 1 - 2. # 2 سورة الانشقاق: 1. # 3 خرخرة: صوت النائم، استعمله للمحتضر (ش) PageV01P193 # 1 حيث ان صحة الدلائل النقلية - القرآن والحديث - مرتبطة بصحة النبوة ~~وصدقها، فإذا ما اثبتت النبوة ايضا بالدلائل النقلية، يلزم المحال وهو ~~الدور والتسلسل، لذا أشار القرآن ... الخ (ت: 63) # (1149 - 1209م) متكلم وفيلسوف ومفسر القرآن، لقب بشيخ الاسلام وانقطع في ~~اواخر ايامه للوعظ وتلاوة القرآن منصرفا عن المجادلات الكلامية، له مصنفات ~~كثيرة اهمها «مفاتيح الغيب» تفسير للقرآن الكريم و«لباب الاشارات» و«شرح ~~ديوان سقط الزند» لابى العلاء المعري. PageV01P194 # 1 غير قابلة للتفصيل. # 2 صوت السلاح او الحلى عند اصطكاكه. # 3 صوت جلد الحية حين المرور، استعمله المؤلف لصوت مرور الماء كالحية (ش) PageV01P195 # 1 حديقة خورخور: مكان يقع تحت قلعة مدينة «وان» وفيها مدرسة المؤلف. # (ليس في الدنيا ممافي الجنة الا الاسماء) او الفاظ مقاربة والمعنى واحد، ~~انظر تفسير ابن كثير 1/63، تفسير القرطبى 1/240، الطبرى 1/135 فتاوى ابن ~~تيمية 3/28، المطالب العالية لابن حجر برقم 4692، فتح القدير للشوكانى 1/55. # 3 تذكرها الانسان. PageV01P196 # 1 اخرجه ابن جرير عن يحيى بن كثير (ب) PageV01P197 # (1849 - 1905م) محمد عبده بن حسن خيرالله من آل التركماني، مفتى الديار ~~المصرية. ولد في شنرا (من قرى الغربية بمصر) ، وتعلم بالجامع ms209 الاحمدى بطنطه ~~ثم بالازهر وعمل في التعليم، وكتب في الصحف. اصدر مع جمال الدين الافغاني ~~جريدة "العروة الوثقى " في باريس ثم عاد الى بيروت، فاشتغل بالتدريس ~~والتأليف، دفن في القاهرة، له "تفسير القرآن الكريم " لم يتمه، و"رسالة ~~التوحيد " و"شرح نهج البلاغة ".. (الاعلام 6/252) # 2 وجمعه وتعريفه (ش) PageV01P198 # 1 عن ابى هريرة رضى الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال ~~الله عز وجل: اعددت لعبادى الصالحين ما لاعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على ~~قلب بشر، واقرأوا ان شئتم فلا تعلم نفس ما اخفي لهم من قرة اعين (السجدة: ~~17) . رواه البخارى ومسلم برقم 2824 ولم يذكر الآية، والترمذي 3195 (تحقيق ~~احمد شاكر) وزاد نسبته في صحيح الجامع الصغير 4183 لأحمد والنسائي وابن ماجه. # 2 سورة الزخرف: 71. # 3 سورة محمد: 15. PageV01P199 # 1 اين تحليل لفظ "ازواج "؟ لعله سقط من ايدى النساخ. أفيمكن ان أقول: # وعنوان "ازواج " اشارة الى انهن على حسن الخلق وطيب الطبيعة الذى هو رأس ~~الالفة واساس الازدواج.. وايضا فيه رمز لطيف الى انهن على وفق قاماتهم. ~~وجمع "أزواج " ايماء الى ان لكل ازواجا كثيرة - كما بينه الحديث - لا واحدة ~~او اثنتين. وتنكيرها اشارة الى انهن لحسنهن وطهرهن حريات باسم الازواج. ~~وكذا احالة على ذوق السامع واشتهائه نظير ما مر في "جنات ". وكذا كأن ~~التنوين بدل عربا اترابا (ش) . PageV01P201 # 1 سورة الملك: 14. PageV01P203 # 1 لعله: استبدال الهوى بالهدى. PageV01P208 # 1 جمهرة الامثال للعسكرى 2/.3. # 2 جمهرة الامثال للعسكرى 2/33. PageV01P209 # 1 الظاهر: ان ههنا حذفا من نسيان النساخ - كما انه نسي تحليل ماذا اراد ~~الله بهذا مثلا برمته - مع الاسف - يعلم من عدم ارتباط الكلام، ومن فقد ~~كلمة "فيعلمون " ومن عديله "الذين كفروا " مع الاحالة هناك على ما هنا. ~~فاقول بدلا عن المؤلف على نسق ما يأتي، فان حل محله فبها والا فعلي: # ان ايراد الذين آمنوا بدل "المؤمنين " الاوجز ايماء الى ان انصافهم يجئ من ~~الايمان، ويذهب الى الايمان.. وان ايثار "فيعلمون " على "فيقولون " الانسب ~~بما يأتي اشارة ms210 الى التنصيص على ان الايمان هو سبب العلم بحقيقته، وان ~~العلم بحقيقيته ايمان (ش) . PageV01P210 # 1 اذ من لطف القرآن وشمول رحمته للناس اظهار فضائل المهتدين القليلين ~~كثيرة، وبيان ان صاحب فضلية وهداية اولى" من الف من المحرومين منها، لذا ~~فالكرام كثيرون وان قلوا (ت: 196) # (2) جزاك الله خيرا كثيرا لقد أحسنت في فهم السلسلتبن وتفهيمهما (بخط ~~المؤلف على نسخة مطبوعة) PageV01P211 # 1 جمع عجب وهو الدنب. PageV01P212 # 1 بالنسبة الى لاحقه. PageV01P215 # 1 سورة الملك: 2. PageV01P217 # 1 سورة غافر: 11. # 2 مرض الزكام. PageV01P218 # 1 انكم تعلمون انكم كنتم امواتا (ش) . # 2 على جمادات (ش) # 3 سورة الانسان: 1. PageV01P220 # (ش) . # 2 هما من طلبة الاستاذ المؤلف في مدرسة خورخور. PageV01P222 # 1 الحنكان الاعلى والاسفل. PageV01P223 # 1 سورة النازعات: 30. # 2 سورة الانبياء: 30. PageV01P224 # 1 سورة هود: 7. # 2 اى للتراخى التفكرى، بمعنى: ان خلق السموات مع انه أسبق إلا ان التفكر ~~فيه يأتى بالمرتبة الثانية. ومع ان خلق الارض بعد السموات الا ان التفكر ~~فيه اسبق، اي يلزم التفكر في خلق الارض قبل السموات (ت: 216) . PageV01P225 # 1 جزء من حديث اخرجه الامام احمد في مسنده (2/370) والترمذي برقم (3298) ~~وفي تحفة الاحوذي برقم (3352) وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه. وعزاه ~~صاحب التحفة لاحمد وابن ابي حاتم والبزار وفي مجمع الزوائد (8/ 132) جزء من ~~حديث رواه الطبراني في الاوسط، وفيه ابو جعفر الرازي، وثقه ابو حاتم وغيره ~~وضعفه النسائي وغيره، وبقية رجاله ثقات، وانظر فيه كذلك (7/121) وتفسير ابن ~~كثير - سورة الحديد. # 2 درب التبانة. # 3 الهيدروجين والاوكسجين. PageV01P226 # 1 "هو ": مبتدأ، و"الذى " مع صلته: خبر (ت: 221) # 2 حيث ان اصل الخبر نكرة، الا ان مجيئه معرفة اشارة الى ظهور الحكم، وهو: ~~ان الله خالق الارض بما فيها. وهو امر معلوم ظاهر (ت: 221) . PageV01P229 # 1 اى بالملائكة. PageV01P232 # 1 وذلك لعدم وجود علاقة بين الآيتين (ت: 228) PageV01P233 # 1 سورة الحجر: 28 # 2 سورة النساء: 105 PageV01P234 # (1) اي جعل البشر وتخصيصه لعمارة الارض (ت: 230) # (2) ان القصد من استفهام الملائكة ليس اعتراضا على الجعل، اذ تحقق باخباره ~~تعالى، ولانهم لا يعصون الله ما ms211 امرهم، وانما هو استفسار عن حكمة الجعل، ~~وذلك لخفاء السبب عنهم (ت: 232) . PageV01P235 # 1 سورة الانعام: 59 # 2 فان كنت في ريب فيما استخرجه من لطائف نظم التنزيل، فاقول: # قد استشرنا ابن الفارض تفاؤلا فأجاب ب: # كأن الكرام الكاتبين تنزلوا على قلبه وحيا بما في صحيفة (حبيب) # 3 سورة سبأ: 10 PageV01P238 # 1 سورة سبأ: 12 # 2 سورة البقرة: 60 # 3 سورة المائدة: 110 # 4 سورة الانبياء: 69 # 5 سورة يوسف: 24 # 6 سورة يوسف: 94 # 7 سورة النمل: 16 # 8 سورة النمل: 40 PageV01P239 # 1 لقد جاءت الى لساني - دون اختيار مني- هذه الآية الكريمة في ختام معظم ~~"الكلمات " و"المكتوبات " من رسائل النور، والآن فقط ادركت ان تفسيري هذا ~~قد اختتم ايضا بهذه الآية الكريمة. فجميع "الكلمات " اذا ما هي الا تفسير ~~حقيقي لهذه الآية الكريمة، وجدول رقراق ينساب من بحرها ثم يصب فيه في خاتمة ~~المطاف. حتى لكأن كل " كلمة " من "الكلمات " تنبع من هذه الآية الكريمة. ~~فانا اذا لم استكمل منذ ذلك الوق تفسير هذه الآية كي اشرع في الجزء الثاني ~~من التفسير. # سعيد النورسي (ت:244) PageV01P241 # 1 اى اذا اريد بالاسم ذات الشيء (ب) # 2 حيث هناك تغليب الذكور على الاناث، وتغليب العقلاء على غيرهم. اما المجاز ~~فهو في رجوع «هم» الى انواع الجمادات (ت:243) . PageV01P242 ms212