######OpenITI# #META# URI: 1379FarajJibran.GharamMuluk.Hindawi97305159 #META# Tags: literature #META# ID: 97305159 #META# Title: غرام الملوك #META# AuthorID: 57174090 #META# Author: فرج جبران #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الملوك والغرام‏ # الملك إدوارد الثامن والمسز سمبسون‏ # جلالة الملك كارول ومدام ماجدا لوبيسكو‏ # الملك إسكندر الصربي ودراجا ماشين‏ # هنري الثامن وزوجاته الست‏ # الملكة فيكتوريا والغراندوق إسكندر‏ # الملكة اليصابات واللورد روبرت ددلي‏ # كليوباترا ومارك أنطوني‏ # الملك إدوارد الرابع واليصابات جراي‏ # ماري ملكة اسكتلندا واللورد بوثول‏ # جلالة الملك جورج السادس والملكة اليصابات‏ # الملوك والغرام‏ # الملك إدوارد الثامن والمسز سمبسون‏ # جلالة الملك كارول ومدام ماجدا لوبيسكو‏ # الملك إسكندر الصربي ودراجا ماشين‏ # هنري الثامن وزوجاته الست‏ # الملكة فيكتوريا والغراندوق إسكندر‏ # الملكة اليصابات واللورد روبرت ددلي‏ # كليوباترا ومارك أنطوني‏ # الملك إدوارد الرابع واليصابات جراي‏ # ماري ملكة اسكتلندا واللورد بوثول‏ # جلالة الملك جورج السادس والملكة اليصابات‏ # | غرام الملوك # | غرام الملوك # تأليف # فرج جبران # | الملوك والغرام # كان أجدادنا - رحمهم الله - يطلقون على الملوك لقب: «أنصاف الآلهة» بحجة أنهم بعيدون ~~عن الخطأ والمعصية. # ولكن سلسلة طويلة من الحوادث وقعت لأنصاف الآلهة أثبتت أن أنصاف الآلهة لا يختلفون عن ~~غيرهم من الناس، فكان أن سحب آباؤنا من الملوك لقب أنصاف الآلهة، وأطلقوا عليهم لقب «أصحاب ~~الدم الأزرق». # والدم الأزرق - كما أفهمه أنا - هو الدم النقي المرشح الخالي من حرارة الاندفاع، البعيد ~~عن تأثير العاطفة الجائحة؛ الدم الذي ينبع من العقل رأسا لا من القلب. # ولكن سلسلة أخرى من الحوادث ليست آخرها حادثة الملك إدوارد الثامن والمسز سمبسون، ولا هي ~~أولها، أثبتت لنا أن الدم الذي يجري في عروق الملوك والملكات لا يختلف عن الدم الذي يجري في ~~عروقك وعروقي وعروق أي شخص آخر. بل قد يكون الملك أحيانا عرضة للاندفاع في عواطفه والتأثر ~~بها أكثر مني ومنك برد فعل الحياة المحافظة المحاطة بآداب القصور، وتقاليدها العتيقة، ~~وقوانينها الصارمة، وحدودها الضيقة. # وقد يكون الملك على حق في بعض الأحيان إذا بحث عن امرأة تعرف كيف تنسيه مسئولية الحكم ~~ومشاغله، وتعرف إذا نادته باسمه مجردا كيف يكون لصوتها رنة محبوبة في نفسه، وتعرف كيف ~~تتمنع عليه أحيانا، فيشعر باشتداد رغبته فيها وهو الذي يأمر فيطاع، ويطلب ~~فيجاب. # وإذا كان الواحد منا ms01 يختار لنفسه المرأة التي يعتقد أن حياتها متممة لحياته بمحض ~~إرادته، فإن الملك يشعر أحيانا بهذه الرغبة الملحة في حرية الاختيار، ولكنه يصطدم بمن ~~ينبهه إلى واجبه القدسي، ويخبره أن زوجته ليست زوجته فقط، وإنما هي ملكة شعبه؛ فلا يجب أن ~~يصم أذنه عن سماع صوت الشعب عند اختيار زوجته وملكة شعبه. # وقد جمع هذا الكتاب بعض ما وقع للملوك في غرامهم في السنوات الأخيرة وفي العصور القديمة، ~~مستندا إلى أوثق المصادر التاريخية؛ لتقوم دليلا على أنه إذا كان بعض الملوك يملكون ~~السيطرة على قلوب رعاياهم، فالقليل منهم من يملك السيطرة على قلبه هو. # المؤلف # ملك إنجلترا السابق إدوارد الثامن (دوق وندسور الحالي). # | الملك إدوارد الثامن والمسز سمبسون # الميلاد # فكر المستر تيكل واليس وارفيلد وهو ينظر باضطراب إلى باب الغرفة المغلق وقال في ~~نفسه: عسى أن يكون ولدا. # ثم أخذ يتمشى في الحجرة الخارجية ذهابا وجيئة، ونظر من النافذة يلتمس الهدوء من ~~اضطرابه في منظر تلك القمم الزرقاء اللون التي كانت تحجب عنه الأفق، وكان الناس في ~~الطريق يمرون أمام المنزل في مونتيرى دون أن يهتم أحدهم لشيء مما يجري في الداخل؛ فقد ~~حضروا هم أيضا للاصطياف على حدود بنسلفانيا وميريلند بين الجبال، وكانت تغطي رءوس ~~السيدات قبعات كبيرة الحجم يزينها الريش الطويل؛ إذ كانت هذه هي «موضة» القبعات في ~~عام 1896. # وفتح باب الغرفة المغلق فجأة، وأقبلت الممرضة وقد انفرجت شفتاها عن ابتسامة، ~~وأشارت إلى المستر تيكل واليس وارفيلد بإصبعها تدعوه إليها، ثم قالت له بصوت منخفض لما ~~اقترب منها: تعال لرؤية ابنتك. # فتاة! شعر تيكل واليس وارفيلد بخيبة أمل، ولكنها خيبة لم تدم طويلا؛ فإنه ما رأى ~~ذلك الملاك الصغير في أرجوحته حتى شعر بالسعادة وبكى، وبدت زوجته - ولم تكن سنها تزيد ~~عن ثمانية عشر عاما - جذابة على الرغم من شحوب وجهها. ~~- أليس. # وأدارت الأم رأسها، ولكن الأب كان منشغلا بابنته التي أخذت في البكاء، وقال: ستصبح ~~هذه السيدة الصغيرة شخصا ما في يوم من الأيام. # وأردفت الأم: ستكون ms02 جميلة جدا. # ولم يكن أحدهما، الأب أو الأم، يصدق كلمة مما يقول، ولكنه الغرور الوالدي هو الذي ~~كان يدفعهما إلى هذا الكلام. # وسميت الطفلة «بيسي واليس». أما بيسي فلأن عمتها التي تقطن واشنجتون كانت تدعى ~~بهذا الاسم، وأما واليس فلأن الوالد تيكل كان يحلم دائما بولد يحمل هذا الاسم. # الحفلة الأولى # أعلن الخادم قدومها فصاح: آنسة بيسي واليس وارفيلد. # وتحولت الأنظار كلها نحو السلم الذي بدأت تنزل درجاته أجمل فتاة رأتها عيون ~~الحاضرين. # كان هذا في عام 1914 وأفكار العالم كلها مضطربة، والحديث لا يدور إلا حول الحرب ~~المرتقبة، ولكن ما ظهرت الآنسة وارفيلد حتى خفتت الأصوات، وانقطعت المناقشات، ولم ~~تستأنف إلا بعد ذلك بمدة، وكان موضوعها مختلفا هذه المرة؛ فيقول واحد: ما ~~أرشقها! # ويقول آخر: انظر إلى عينيها، انظر جيدا! ~~- من الصعب أن يذكر الإنسان إذا كان لونهما أسود أم رماديا أم أخضر. ~~- على كل حال شعرها أسود اللون. ~~- وأي سواد! # ومع ذلك كانت الفتاة تتحرك في القاعة دون أن تهتم بما يقال حولها، واتجهت رأسا إلى ~~عمها المستر دافيز وارفيلد، فقبلته بلطف وقادته إلى ركن من أركان القاعة، وهناك قالت ~~له: يا عمي العزيز، كم أنا سعيدة! إنك تعاملني بمنتهى الرقة، هل تظن أنني ~~نجحت؟ # فقال العم: نعم، أيتها الصغيرة والي؛ إذا كان هذا مبدأ دخولك في الحياة، فهذا يعتبر ~~دخولا في الحياة بالمعنى الصحيح. إنك بديعة جدا، وإنني لأعرف شخصا كان يطيب له أن ~~يشهد نجاحك الليلة. إننا لا يجب أن ننساه في هذا المساء. # وفيما كان يقول لها ذلك لم يتمكن من أن يمتنع عن البكاء، وكانت بيسي تعرف أنه يقصد ~~المرحوم والدها بكلماته؛ فأمسكت بحلية ذهبية تتدلى من عنقها إلى صدرها وفتحتها، فظهرت ~~فيها صورة الأب تيكل واليس وارفيلد بيضاوية الشكل، وكان يبتسم ابتسامة خالدة. # وقال العم وهو يحاول أن يبدد أحزانها: مسكين والي! لم تكن سنك تزيد على ثلاثة أشهر ~~يوم توفي، ومع ذلك فقد كان يعبدك، ويدعوك ملكته، ويلقي مختلف الوعود عن ~~مستقبلك، ms03 ولكن ها أليس قد أقبلت. # سليلة بيت مونتاج # وارتمت الفتاة بين ذراعي أمها التي كانت لا تزال جميلة، والتي كانت تحبها إلى درجة ~~العبادة، وفي تلك الأثناء تقدم رجل واقتاد والي إلى حلبة الرقص. # النساء حسان، والرجال ظرفاء، والأنوار مضيئة، والموسيقى شجية. كانت الحفلة قد ~~نجحت نجاحا باهرا، وكان العم دافيز وارفيلد، أو العم سول كما كانت تناديه ابنة شقيقه، ~~يفرك يديه سرورا. # وفي ركن من الأركان جلست سيدتان تقدمتا في السن تتحادثان، فقالت إحداهما: أليست ~~جميلة؟ ~~- بل فاتنة. ~~- يا لليتيمة المسكينة! إن والدتها تعذبت كثيرا؛ فقد ترملت وهي في سن الثامنة ~~عشرة، لقد كان هذا مؤلما؛ إذ اضطرت أن تذهب لتعيش في بادئ الأمر عند حماتها مسز ~~وارفيلد العجوز التي كانت تحب حفيدتها بيسي إلى حد كبير. ~~- أظن أنه في عام 1906 افتتحت أليس صالون الشاي. ~~- نعم، في ذلك العام غادرت منزل الجدة وارفيلد لكي تستقر في منزل بشارع بيدل ~~ببلتيمور، وفي عام 1908 تزوجت من المستر جون راسين. ~~- انظري إلى بيسي، كم هي مهذبة راقية! ~~- إن هذا بفضل عمها الذي اهتم بتربيتها اهتماما خاصا، فأرسلها في بادئ الأمر إلى ~~كلية أروندل، ثم إلى مدام ليفيفر. # وبعد، فإن هذه الصغيرة سليلة بيت مجد، فأم بيسي، واسمها الأصلي أليس مونتاج، تنتسب ~~إلى دروجودي مونتكوتو؛ وهو أحد زملاء غليوم الغازي الذي وطئت قدماه أرض الممتلكات ~~البريطانية في فرنسا عام 1066. وقد حكم أحد أعضاء هذه الأسرة النبيلة جزيرة مان، وأحد ~~أعضاء هذه الأسرة، واسمه بيتر مونتاج، هو الذي هاجر من أوروبا وأسس في عام 1623 ~~بولاية فرجينيا الفرع الذي تنسب إلي بيسي. ~~- وأما أسرة وارفيلد فليس هناك ما يشينها ما دامت تعود في الأصل إلى بيجان ~~وارفيلد. # وما لبثت أنغام الموسيقى أن ارتفعت فمنعت السيدتين من استئناف المناقشة؛ إذ لم تسمعا ~~بعد ذلك غير أصوات الضجيج. # مقابلة سان دييجو # كانت الموسيقى تعزف نشيد: «يحفظ الله الملك!» النشيد الإنجليزي الوطني، ولم تكن ~~الآلات العازفة خشبية، وإنما كانت آلات نحاسية، ولم يكن لقب بيسي ms04 واليس هو وارفيلد بعد ، ~~وإنما أصبح سبنسر، ولم تكن في الثامنة عشرة من عمرها، وإنما كانت في الرابعة ~~والعشرين. # منذ 8 نوفمبر من عام 1916 كانت بيسي قد أصبحت زوجة ملازم الطيران البحري المدعو ~~وينفيلد سبنسر، ونحن اليوم في يوم 7 أبريل من عام 1920، وكانت محطة سان دييجو البحرية ~~تستعد لزيارة ولي عهد إنجلترا؛ البرنس أوف ويلز أو الأمير إدوارد. # كانت قلوب الفتيات في سان دييجو تدق بشدة من أسبوع كامل، من أفقر الفقيرات إلى أغنى ~~صاحبات الثروات، وكانت كل واحدة منهن تتصور في أحلامها أنها قد تكون السعيدة التي ~~تستلفت نظر الأمير الفاتن في أثناء زيارته، أولم يرد في القصص الخيالية أن ~~الأمراء قد يتزوجون من بنات الرعاة؟ # كانت السيدة بيسي سبنسر تسخر من صديقاتها الصغيرات، وتسخر من أحلامهن البعيدة ~~التحقيق، حتى لقد قالت لهن مرة: ولكن الحياة ليست خيالا أو خرافة. # وردت عليها إحداهن بحياء فقالت لها: إنك أنت نفسك قطعة من الخيال! # وكان هذا حقيقيا! فقد كان مظهر بيسي يدل على أنها تتحدى الجمال، وكانت تبدو جميلة ~~في كل الأثواب، أثواب الصباح أو أثواب المساء. رشاقة! سحر! وعينان جميلتان! وغدائر ~~سوداء! لم يكن ينقصها شيء، حتى «أجمل صوت في العالم!» كان الناس يعتبرون زوجة سبنسر ~~ملكة سان دييجو التي لا ينازعها في ملكها منازع، ولكن لم تكن ملكيتها تؤثر على ~~الملوك بعد؛ إذ إنه في اليوم المحدد لم يقف الأمير الشاب أمامها في حفلة الاستقبال ~~أكثر مما وقف أمام غيرها. # لحظة واحدة تقابلت فيها نظرات العينين الرماديتين بنظرات العينين الخضراوين، ولحظة ~~واحدة انحنى فيها الرأس ذو الشعر الأصفر أمام الرأس ذي الشعر الأسود، لحظة ~~واحدة. # ومع ذلك فقد كانت هذه اللحظة الواحدة تميز المقابلة الأولى بين ذلك الرجل الذي قدر ~~له أن يرتقي عرش إنجلترا باسم إدوارد الثامن، وبين المرأة التي قدر لها أن تصبح ~~صديقته. # ولكن لم يكن هناك بين الحاضرين، حتى أشدهم اتصالا بين الاثنين، من يعتقد أنه سوف ~~يجيء اليوم الذي تهز فيه السيدة ms05 بيسي واليس الجميلة إمبراطورية بأسرها، وتحدث أزمة ~~حادة تصبح حديث العالم بأسره. # مقابلة البلاط # وانفصل سبنسر عن زوجته في عام 1925، وكما لم يحدث زواجهما ضجيجا، كذلك انفصالهما ~~مر بسكون. # وتزوج المستر سبنسر بسرعة. # أما مسز سبنسر التي عادت فأصبحت مسز وارفيلد، فقد انتظرت أعواما ثلاثة تزوجت على ~~إثرها المستر سمبسون، الذي قابلته في أثناء سفرها من أمريكا إلى لندن. # وكان المستر سمبسون زوجها الثاني كندي الأصل، إلا أنه قضى معظم حياته في لندن؛ ولذلك ~~استقر الزوجان؛ المستر والمسز سمبسون، في لندن. # وحدث بعد هذا ما يحدث دائما، فقدمت المسز سمبسون إلى البلاط الملكي، وانحنت أمام ~~الملك جورج الخامس، ثم انحنت أمام الملكة ماري، وتقابلت نظراتها - للمرة الثانية - مع ~~نظرات ولي العهد، ولكنها كانت مقابلة بين النظرات لم يدرك لها معنى غير النجوم، وغير ~~الأقدار الساخرة. # والحق أن أحد الاثنين؛ ولي العهد أو المسز سمبسون، لم يشعر بأقل تأثير بعد المقابلة ~~الأولى والثانية، ولم يكن هناك من يظن أن تلك الأمريكية الحسناء، التي لم يمض على ~~قيامها من أمريكا غير أيام قليلة، سوف تلعب بعد ذلك دورا في حياة ملك إنجلترا ~~وإمبراطور الهند. # ومرت في ثوبها الأبيض الطويل، وأخذت عيناها، بما يكتنفهما من غموض، وما ينتاب لونهما ~~من تغيير؛ فهما تارة في لون الرماد، وتارة في لون البحر الأزرق، وأخرى في لون الزرع ~~الأخضر؛ نقول: إن عينيها أخذتا في البحث عن عمتها العجوز بيسي التي كانت تقطن واشنجتون، ~~حتى عثرت عليها على ضفاف التاميز، فسعدت بلقائها. # المقابلة الكبرى # وكانت العجلة في هذه الأثناء تدور، عجلة القدر التي قادت بيسي فيما مضى إلى سان دييجو ~~ثم قادتها إلى بهو العرش الإنجليزي، قادتها في مساء يوم من الأيام إلى مسكن ولي العهد ~~الخاص. وكان زوجها هو الذي قادها بنفسه، وأخذ يقص عليها في الطريق كيف أنه عرف الأمير ~~إدوارد في نهاية الحرب العظمى في فرقة حرس الكولدستريم، التي ألحق بها الكندي ~~الأصل. # ولكن واليس زوجته لم تكن تصغي إليه، وإنما كانت تفكر فيما ms06 صادفته من النجاح بين ~~الطبقات الأرستقراطية الإنجليزية ؛ فتمتلئ بذلك غرورا، وتشعر بنشوة السرور والفخر. ~~وكانت تتولى تقديمها في الحفلات اللادي كنارد، أرملة السير باخ كنارد، من أعظم أصحاب ~~شركات الملاحة في العالم «خطوط كنارد»، وكانت قد صادقت اللادي تيلما فيرنس، وهي سيدة ~~أمريكية إنجليزية أيضا، كما أنها شقيقة جلوريا فاندربيلت. # وكانت اللادي فيرنس هي التي دعت المستر سمبسون وزوجته في ذلك اليوم إلى منزل ولي ~~العهد، ولما وصلا إليه كانت هي هناك، فتولت تقديمهما. # هل أتمت العينين ذواتا اللون المتغير المعجزة؟ أم ترى هي خصلات الشعر الأسود، أم أن ~~العينين والخصلات قد اشتركت في إحداث التأثير على البرنس أوف ويلز حتى أخذ في التقرب من ~~المسز سمبسون، فأخذ منذ ذلك اليوم يسأل عنها تليفونيا في كل يوم ويواليها بخطاباته، ~~كما لوحظ بعد ذلك أن الزوجين آل سمبسون كثيرا ما يزوران «فورت بلفيدير»، وهو القصر ~~الذي كان يفضل ولي العهد الإقامة فيه. # وكانت العلاقة كلما توثقت بين الأمير وبين والي كلما ازداد مركز الزوج حرجا. ~~وتقريرا للواقع، يجب أن نذكر أن الرجل قد احتمل التجربة مع الاحتفاظ بكرامته وكياسته ~~في وقت واحد. # وماذا كان في وسعه أن يفعل؟ هل يطلب الطلاق فيهاجم أميرة وملكة المستقبل علنا في ~~المحاكم، وهو ما تحرمه القوانين الإنجليزية؟ كانت الجماهير كلها تجهل كل شيء عن ~~الموضوع، ولم تعرف عنه النزر اليسير إلا في صيف عام 1936 لما قام ولي العهد - وكان قد ~~أصبح ملكا يحمل لقب إدوارد الثامن - برحلته البحرية غير الرسمية. # الرحلة البحرية # كان اليخت «ناهلين» يشق عباب بحر الأدرياتيك وهو يقترب من الشاطئ المرتفع، وقد وقف ~~على ظهره الملك إدوارد الثامن الإمبراطور وقد التصق كتفه بكتف صديقته والي! وكانا ~~ينظران إلى الماء. # لم تكن هناك حاجة إلى الحديث، كانت الأمواج وحركة الباخرة وهي تشقها، وعيون والي ~~والملك وشعره الأصفر، تتحدث كلها في لغة سرية غامضة يفهمها كل العشاق في العالم؛ ولذلك ~~سكت الاثنان وتركا البحر يهزهما وهما في أرجوحتهما، ويسر إليهما بكلمات رقيقة لا ms07 يمكن ~~للشفاه الإنسانية أن تنطق بها. # وكانا في تلك الأثناء يقتربان من الشاطئ، فأخذا يسمعان صيحات العمال وهتاف الجمهور. ~~وفي اللحظة التي نزلا فيها إلى البر أشارت والي إلى فوج من المصورين مقبلين وقالت: إنهم ~~يأخذون صورتنا. # واكتفى الملك بأن هز كتفيه. # وفي أثناء تلك الرحلة كلها، سواء كان ذلك في طرقات مدن بلاد البلقان، أم على شواطئها، ~~أم في غاباتها، لم يتمكن المصورون مرة واحدة من التقاط صورة الملك منفردا. # في كل مكان كان إدوارد الثامن يشاهد ممسكا بيد مسز سمبسون وعلى وجهيهما طابع ~~البراءة والطهر الذي يحمله وجها أي عاشقين. # لم يكن الملك يهتم بالهرب من الطفيليين، بل كأننا به على العكس من ذلك، كان شديد ~~الرغبة في أن يعرف العالم كله حبه لرفيقة سفره، ومنذ ذلك الوقت فقط، صيف عام 1936، بدأ ~~العالم كله يعرف والي. # الصحافة # بدأت مسز سمبسون منذ ذلك الوقت تحتل الصفحات الأولى من الجرائد الأمريكية، وكانت صحف ~~هيرست أسبق الصحف إلى نشر أخبارها، ثم تبعتها بقية الصحف الأمريكية، وقد لوحظ أنها تقدم ~~أخبار مسز سمبسون على أخبار رئيس جمهورية الولايات المتحدة؛ المستر روزفلت، وعلى أخبار ~~الثورة الإسبانية. # مسز سمبسون. # أما الصحف البريطانية فإنها لم تنشر شيئا عن الموضوع، ولم تشر إليه بحرف واحد، فزاد ~~ذلك من اهتمام الصحافة الأميريكية، وأخذت تتهم الصحافة الإنجليزية بأنها مراقبة من ~~الحكومة التي حرمت عليها نشر أخبار الملك إدوارد والمسز سمبسون. # وأما السفارة البريطانية في واشنطون فقد وقعت في حيرة شديدة، ولم يسعها إلا أن تجمع ~~جميع ما كتبته الصحف الأمريكية في هذا الموضوع وترسله إلى وزير الخارجية الإنجليزية. ~~ولم يكن هذا العمل سهلا؛ إذ بلغ عدد المقالات التي نشرتها الصحف والمجلات الأمريكية في ~~يوم واحد أكثر من ثلاثة آلاف مقال كلها عن الملك إدوارد والمسز سمبسون. # وبدأ الصحفيون في أمريكا يضايقون الزائرين الإنجليز العظماء الذين كانوا يقضون عطلتهم ~~في أمريكا، حتى اضطر كثير من هؤلاء إلى اختصار مدة إقامتهم في أمريكا؛ رغبة في التخلص ~~من جيش الصحفيين الأمريكيين ms08 الذي كان يجتمع كل يوم عند أبواب غرفهم ؛ ليسأل كل واحد منهم ~~رأيه في غرام ملكه إدوارد الثامن بالأمريكية الحسناء المسز سمبسون، ورأيه في احتمال ~~زواج الملك منها. # حكاية سيندريلا # وفي تلك الأثناء أصبح مركز المسز سمبسون حرجا للغاية، إذ صار افتراقها عن زوجها بعد ~~كل تلك الضجة أمرا محتما، وأمام تلك الضرورة الملحة وجد الزوج الكندي حلا يدل ~~على النبل، إذ ترك والي زوجته تتقدم إلى المحاكم طالبة الطلاق من زوجها؛ بحجة أنها ~~فاجأت زوجها أرنست سمبسون مع حسناء يطلقون عليها: «الزرار الذهبي»، وتركها فعلا ~~تفاجئه مع الشهود حتى تحصل على الطلاق بسهولة. # ولما حصلت والي على الحرية وأصبحت مطلقة جنت أمريكا، وجنت صحافتها، وبدأ ~~البحث يدور حول موضوع واحد هو زواج الملك منها، بعد أن كان الحديث قبل ذلك حديث حبه ~~لها، وغرامه بها! وبدأ استفتاء الرأي العام بواسطة الصحف عما إذا كان يوافق على زواج ~~ملك إنجلترا من المسز سمبسون أم لا. وكان الملك معروفا جيدا ومحبوبا جدا في ~~أمريكا؛ ولذلك أطلق احتمال زواجه من والي خيال الأمريكيين. # زواج مثل زواج سيندريلا في قصتها المشهورة! ذلك هو الحلم الخالد في أمريكا، وهو غذاء ~~ثلاثة أرباع الأشرطة السينمائية التي يخرجونها في هوليود مدينة السينما، وها هو ذا ~~الحلم يصبح حقيقة! وفوق ذلك هي أمريكية ستخلد على صفحات التاريخ للمرة الأولى، وترتقي ~~سلم العرش! فلا شك أن هذا مما يملأ النفوس غرورا، ويشعر العزة القومية بالرضا. بدأ 128 ~~مليونا من الأمريكيين يتمنون من صميم قلوبهم أن تتم المعجزة، حتى ترى عيونهم للمرة ~~الأولى ملكة أمريكية، وتتحدث ألسنتهم عن المسز أرنست سمبسون التي أصبحت فيما هو أشبه ~~بالخيال «الملكة والي». # ما أثقله! # ما أبعدنا اليوم عن مدينة المياه المعدنية في 1900 وعن جبالها الزرقاء! كان الأب تيكل ~~وارفيلد قد قال وهو يشهد ابنته للمرة الأولى: سوف تصبح شخصا له أهميته. # ولقد أصبحت شخصا. # هي جالسة في ركن من أركان الصالون بقصر فورت بلفيدير إلى جانب النار، وأمامها الملك ~~يفكر وقد ms09 نظر إلى لهيب النار! ووراء النافذة لا يوجد غير الضباب ، والنور في الصالون ~~ضعيف يبعث على الحزن والكآبة، وعلى أرض الغرفة توجد الأكوام البيضاء هنا وهناك؛ تلك هي ~~الصحف. # كانت الصحف معظمها أمريكية من التي لا يراها الرعايا الإنجليز، فقد كانت الحكومة تمنع ~~بيعها، أو تمزق الصفحات التي يرد فيها ذكر الملك. أما الملك والمسز سمبسون فقد كان ~~مسموحا لهما بقراءتها. # والملك يحاول في هذا النضال الغريب، الذي قد يناضله أقوى الملوك العصريين للدفاع عن ~~غرامه، أن يفهم حقيقة رأي العالم! وهو يقدر فوق هذا العبء الثقيل الذي يجب أن يحتمله ~~كتفه بسبب التقاليد، وبسبب المملكة، وبسبب الإمبراطورية. # وهو يعرف كذلك أنه يحب تلك المرأة التي تجلس أمامه، وأنه يحب عينيها الخضراوين ~~المتحولتين، وهو يحب ذلك الصوت «أجمل صوت في العالم»، الذي سوف يهمس في أذنه عاجلا أم ~~آجلا، فيقول له بظرف: «كم تبدو منشغل الفكر يا حبيبي!» فماذا يصنع؟ # إنه يمسك بالتاج الذي يجب أن يضعه على رأسه في يوم تتويجه ويقيسه، فما يلبث أن يقول ~~وهو يرفعه بسرعة: ما أثقل وزنه! # أما والي، وكأنها تقرأ أفكاره بجلاء ووضوح، فإنها تمسك بيده وتضغط عليها بخفة. هي ~~الأخرى قلقة. # موقف الوزارة # كان رئيس الوزارة الإنجليزية المستر بلدوين قد قابل الملك إدوارد في يوم 20 أكتوبر من ~~عام 1936، وحادثه للمرة الأولى في موضوع المسز سمبسون وما تكتبه الصحف الأمريكية عنها، ~~وعن صلتها بالملك، وعن الخطر الذي يهدد البلاد لو فتحت الصحف الإنجليزية هذا الموضوع ~~بدورها وبدأت تتحدث عنه. وقد وافق الملك على كلام رئيس وزرائه وأخبره أنه سيفكر في ~~الموضوع. # ثم عاد المستر بلدوين فقابل الملك في 16 نوفمبر من العام نفسه في قصر بكنجهام - وكان ~~حكم الطلاق قد صدر في قضية المسز سمبسون - فصارحه برأيه وقال له: لا أظن، يا مولاي، أن ~~هذا الزواج ينال موافقة البلاد؛ إذ يترتب عليه أن السيدة التي تتزوجها تصير ملكة. إنني ~~قد أكون من بقايا رجال العهد الفيكتوري القديم، ولكني لا أقبل أن يقول ms10 عني ألد أعدائي ~~إنني لا أعرف رد الفعل الذي يحدثه في الشعب البريطاني اتخاذ خطة معينة للعمل، إنني واثق ~~من أن هذا لا يمكن أن ينفذ عمليا. # وأوضح المستر بلدوين في هذه المقابلة الثانية للملك أن مركز زوجة الملك يختلف عن مركز ~~زوجة أي فرد آخر في البلاد. وهذا هو جزء من الثمن الذي يدفعه الملك؛ فزوجته تكون ملكة، ~~وملكته ملكة للبلاد؛ ولذا يجب أن يكون صوت الشعب مسموعا ما دام الأمر يتعلق باختيار ~~ملكته. # واستمع الملك لحديثه، ثم قال له: إنني سأتزوج المسز سمبسون، وأنا على استعداد لأن ~~أذهب. # وكانت مفاجأة شديدة الوقع على رئيس الوزراء، إلا أن الملك كان مصمما على تنفيذ ~~إرادته، فأخبر أمه الملكة الوالدة في مساء ذلك اليوم، ثم أخبر أشقاءه: دوق يورك، ودوق ~~جلوستر، ودوق كنت في اليوم التالي. # الزواج غير المتكافئ # وفي خلال تلك المدة عرض الملك على رئيس الوزراء بطريق غير مباشر اقتراحا جديدا؛ هو ~~أن يسن البرلمان قانونا يتمكن الملك بواسطته من الزواج بدون أن تصبح زوجته ملكة، ~~ويكتفى بأن تكون زوجة الملك! وقابل المستر بلدوين الملك في 25 نوفمبر، فسأله الملك عن ~~رأيه، فصارحه رئيس الوزراء بأنه يعتقد أن البرلمان لن يصادق على قانون كهذا، ولكن الملك ~~أصر على ضرورة عرض الاقتراح على مجلس الوزراء، وعلى رؤساء وزارات الأملاك المستقلة، ~~فوعد المستر بلدوين بعمل ذلك في يوم 2 ديسمبر. # وقبل أن ينتهي المستر بلدوين من جمع آراء الجميع طلب الملك منه أن يحضر لمقابلته، ~~ولما حضر سأله الملك عن رأيه في الموضوع، فصارحه رئيس الوزراء بأن ما وصل إليه إلى ذلك ~~الوقت كان يدل على أنه ليس هناك أي استعداد في إنجلترا، أو في الأملاك المستقلة، ~~للموافقة على القانون الذي يقترح جلالته سنه. # ولم يدهش الملك لهذا الجواب، ولم يعد بعد ذلك إلى الحديث في الموضوع بالمرة. # وبدأ النضال الحاد الذي استمر أسبوعا كاملا في نفس الملك. # التاج أم الحب؟ # استمر النضال مدة أسبوع كامل من يوم 2 ديسمبر إلى ms11 يوم 9 ديسمبر سنة 1936، ولكن الملك ~~كان قد استقر رأيه منذ أول الأمر، ولم يكن ليتراجع في كلمته التي قالها لرئيس وزرائه ~~عندما ذكر استعداده لأن يذهب. # وقد حاول أفراد الأسرة، وفي مقدمتهم الملكة الوالدة ماري، إثناء الملك عن عزمه، ولكنه ~~لم يتحول، وأخذ في تلك الفترة يستعد للرحيل بعد أن سبقته المسز سمبسون التي سافرت بمجرد ~~أن انتشر خبر الأزمة في البلاد، حيث استقرت مدة في كان. # وقد فضل الملك أن يظل مدة الأزمة في قصر فورت بلفيدير، وصرح لرئيس الوزراء بأنه لا ~~يعود إلى لندن ما دام النزاع قائما، وذلك حتى لا يتعرض لجماهير الهاتفين من الشعب؛ إذ ~~إن كثيرين من أفراد الشعب كانوا قد فهموا الأزمة في مبدئها على غير حقيقتها، إذ أشيع ~~أن الوزارة تريد أن تفرض إرادتها على جلالة الملك، وأنها تستعجل جوابه، إلى غير ذلك من ~~الأقوال المثيرة. # وفي مساء يوم 9 ديسمبر سنة 1936 تقرر أن لا بد أن تهيئ صحف الصباح الرأي العام لكي ~~يتلقى الصدمة، فما أصبح يوم الخميس 10 ديسمبر سنة 1936 حتى كان الناس يشعرون بأن حدثا ~~يوشك أن يحل بعد أن استمر قلقهم طويلا وهم يأملون أن يبقى لهم ملكهم المحبوب. # الصاعقة # وأخيرا خرج بائعو الصحف يحملون الطبعات الخاصة من الصحف التي نشرت إعلان تنازل؛ ~~تنازل الملك عن العرش، وأقبل الناس على شرائها بالألوف، وأخذوا يتجمعون حلقات في الطريق ~~يقرءون ويعيدون ما يقرءون، كما لو كانوا لا يصدقون أن الملك إدوارد الثامن الذي كانوا ~~يجزلون له الحب من كل قلوبهم قد تنازل عن العرش حقا، وغادرهم من أجل سيدة. # واجتمع مجلس النواب الإنجليزي في منتصف الساعة الرابعة بعد الظهر، ودخل رئيس الوزراء ~~في الساعة الثالثة والدقيقة 35، وقدم لرئيس المجلس الرسالة التي تخلى بها الملك عن ~~عرشه، تلك الرسالة التي جاء فيها: # إنني أعتقد أنني لا أحيد عن واجبي الذي يقضي بتقديم مصالح الشعب، عندما أصرح ~~بأنني لم أعد بعد اليوم قادرا على القيام بتلك المهمة الشاقة على ما ms12 يجب أو ما ~~يرضي ضميري. # وقد استأنف البرلمان جلساته في اليوم التالي 11 ديسمبر سنة 1936، فأقر قانون التنازل ~~في المجلسين، ثم أمضاه الملك في اليوم نفسه. وفي الساعة التي أمضاه فيها - وكانت الأولى ~~والدقيقة 52 - لم يعد ملكا. # العشاء الأخير # وفي مساء ذلك اليوم، اجتمع حول المائدة الملكية في قصر وندسور: الملك السابق، والملكة ~~الوالدة، والملك الجديد، والملكة الجديدة، والبرنسس رويال «شقيقة الملك»، والدوق ~~جلوستر. # وقد اتخذ العشاء في تلك الليلة شكل وداع للملك إدوارد الثامن، وكانت الترتيبات التي ~~اتخذت مؤثرة للغاية؛ إذ أشرفت الملكة الجديدة، دوقة يورك السابقة، بنفسها على اختيار ~~ألوان الطعام التي يحبها الملك السابق؛ لأنها كانت تعرف ميوله من قبل. # وفي الساعة العاشرة قام الملك السابق من مكانه، وتحدث من القصر نفسه إلى شعبه عن طريق ~~اللاسلكي حديثا سمعه العالم أجمع، وقد جاء فيه: # إنني وجدت من المستحيل علي أن أقوم بأعبائي دون معاونة المرأة التي أحبها. ~~أما القرار الذي اتخذته فهو قراري وحدي. وأما الشخص الآخر فقد حاول أن يقنعني ~~باتخاذ خطة أخرى. # وبعد ذلك الوداع المؤثر للأمة، ودع الملك أفراد الأسرة كلها، واستقل سيارة إلى ~~ميناء بورتسموث اجتازت المدخل دون أن يقفها أحد؛ إذ كان البوليس على علم بشخصية راكبها، ~~وسارت السيارة إلى مسكن الأميرال فيشر، القائد العام للأسطول، وحادثه الملك برهة ثم ~~استقل مدمرة انسلت من ميناء بورتسموث في ظلام الليل. # وبقي الملك السابق على ظهرها يتطلع إلى أنوار الميناء وهي تغيب عنه وراء حجاب كثيف من ~~ظلام الليل، ولعله كان يسائل نفسه عن الزمن الذي قد يمضي قبل أن يرى تلك الأنوار ~~ثانية. # | جلالة الملك كارول ومدام ماجدا لوبيسكو # الغرام الأول # كان أول من تعلق بها الملك كارول الثاني ملك رومانيا هي السيدة زيزي لامبرينو، وقد تم ~~الزواج بين الاثنين في عام 1918، وكان الملك لا يزال إذ ذاك الأمير كارول ولي ~~العهد. # وقد أزعجت هذه العلاقة المرحوم الملك فرديناند، والد الملك كارول، واشتد غضبه لما ~~بلغه نبأ الزواج الذي تم بين ابنه ms13 وبين السيدة لامبرينو، وأمر بإلغاء هذا الزواج. وذهب ~~سماسرة البلاط والحكومة يعرضون على تلك السيدة مبلغا كبيرا من المال مقابل أن تتنازل ~~عن الزواج، إلا أنها رفضت ذلك بتاتا. وظل الأمير كارول مدة من الزمن على إخلاصه لهذه ~~السيدة، وما لبث بعد ذلك أن مل الحياة إلى جانبها، وأدرك أنه قد تورط في هذا الغرام، ~~فرحل إلى الخارج بعيدا عنها. # وقد ضيق الخناق على الأمير كارول بعد إعلان خبر هذا الزواج؛ إذ إنه خالف عندما عقده ~~القانون العسكري الذي كان يخضع له؛ وذلك لأنه غادر بلاده إلى مدينة أودسا حيث تم الزواج ~~دون الحصول على إجازة رسمية، كما قرر رجال الفقه بطلان هذا الزواج من الوجهة ~~القانونية. # وقد كان لزواج الأمير كارول من السيدة زيزي لامبرينو ثمرة؛ هي غلام صغير اسمه الأمير ~~مرسيا، وتحب أمه دائما أن تناديه باسم «برنس» أو أمير، وهي تعيش معه في الوقت الحاضر ~~في إحدى المدن الفرنسية الصغيرة حيث يذهب الغلام إلى المدرسة مثل أي غلام آخر من أبناء ~~الشعب. # وقد حدث في عام 1936، لما وصل جلالة الملك كارول إلى باريس قادما من لندن، بعد أن ~~اشترك في تشييع جنازة الملك جورج الخامس، أن ظنت السيدة زيزي لامبرينو أنها ربما ~~تمكنت من إعادة علاقتها بجلالته؛ ولذلك أسرعت بالسفر إلى باريس للقائه، ولكنه رفض ~~مقابلتها هناك ولم توفق في محاولتها. # الزواج # وفي عام 1921، تزوج الأمير كارول من الأميرة هيلانة اليونانية، ابنة الملك قسطنطين ~~وشقيقة الملك جورج الثاني، الملك الحالي، وهي التي خلفت له الأمير ميشيل أو ميخائيل، ~~ولي عهد رومانيا الحالي. # التنازل # ولما توفيت الملكة ألكسندرا في أواخر عام 1925، سافر الأمير كارول ليشهد حفلة ~~جنازتها، ولكنه لم يعد بعد ذلك إلى رومانيا، ولم يجتمع بأفراد أسرته في عيد الميلاد، ~~وإذ ذاك لم يعد في الإمكان إخفاء الحقيقة عن الجمهور؛ فأعلن في يوم 31 ديسمبر سنة 1925 ~~أن الأمير يرفض العودة إلى بلاده، وأنه لا يزال في ميلان. # وأرسل إليه والده الملك فرديناند رسولا يحضه على إنعام ms14 النظر في واجبه نحو أسرته ~~وزوجته وبلاده، والعودة لاستئناف أعماله كولي العهد، ولكن الرسول عاد يحمل كتابا من ~~الأمير كارول، وفيه يعلن قراره الأخير ؛ وهو التنازل عن حقوقه في وراثة العرش، وفي جميع ~~الامتيازات التي له كعضو من أعضاء الأسرة المالكة. وقد نادى الملك - بعد أن وافق على ~~تنازله - بحفيده الأمير ميخائيل الصغير وليا للعهد، وكان لا يزال إذ ذاك في الرابعة ~~من عمره. # الملك كارول مع نجله الأمير ميخائيل ولي العهد. # وقد حاول بعض الكتاب إذ ذاك، كما حاولوا عند تنازل الملك إدوارد الثامن عن عرش ~~إنجلترا، أن يقحموا السياسة في الموضوع، فقالوا: إن لتنازل الأمير كارول صلة بتجهيز ~~مصلحة الطيران الرومانية بطائرات جديدة؛ إذ كان ولي العهد بصفته رئيسا لهذه المصلحة قد ~~أوصى على طائرات ومحركات في مصانع دولتين من الدول الأجنبية، على الرغم من معارضة ~~المصلحة نفسها التي كانت تريد أن توصي على الطائرات والمحركات في مصانع دولة أخرى، ~~وقيل: إن الذي حدث بعد هذا هو أن طيارا من خيرة الطيارين الرومانيين قتل وهو يقوم ~~بتجربة إحدى الطائرات الجديدة، فعد الأمير مسئولا وانتقد تصرفه؛ إذ قيل: إن محركات ~~الطائرات التي أوصى على صنعها بنفسه لم تكن من طراز جيد، وطلب المسئولون في السلاح ~~الجوي إجراء التحقيق، وعارض الأمير في ذلك، ولكن الوزارة لم تعبأ بمعارضته. # ولكن ظهر فيما بعد أن السياسة لم تكن ذات شأن كبير في الموضوع، وأن الأمير لم يتنازل ~~إلا تلبية لنداء القلب. وقد وافق المجلس الوطني في رومانيا على تنازل الأمير كارول عن ~~العرش بأكثرية 234 صوتا ضد 3 أصوات، وأعلن أن الأمير ميخائيل أو ميشيل هو ولي العهد، ~~وتألف مجلس للنيابة عنه ضم البطريرك الأرثوذكسي، والأمير نقولا - عمه - ورئيس محكمة ~~النقض والإبرام. # وفي يوم 4 يناير من عام 1926، وصل رسول خاص من البندقية إلى بوخارست يحمل كتابا من ~~الأمير كارول يكرر فيه نزوله عن حقه في العرش، ويعرب عن رغبته في اتخاذ اسم «سكاريات ~~موناسترياتو». وهو اسم مشتق من أملاكه في موناسيير. ms15 # وقد حمل الرسول خطابا خاصا من الأمير إلى قرينته الأميرة هيلانة كان مملوءا ~~بالعبارت المؤثرة الرقيقة، وقد أبلغها فيه أنه قطع علاقته الزوجية بها، وأنه يتنازل عن ~~سلطته الأبوية على ابنه الأمير ميشيل ولي العهد، وأنه يصرح لها أن تطلب الطلاق منه! ~~ويقال: إن الأميرة هيلانة أصيبت بالإغماء لما قرأت هذا الخطاب، وقالت: إنها لا تعرف ~~السبب الذي يدفع زوجها الأمير كارول إلى هذا التصرف. # وروي أنه لما عقد مجلس العرش للنظر في تنازل الأمير كارول كان الملك مغموما، حتى لقد ~~خشي أن يصاب بمكروه؛ ولذلك لم يتقدم أي واحد من أعضاء هذا المجلس بسؤال أو استيضاح عن ~~تصرف الأمير. # وقيل إذ ذاك: إن من بين الأسباب التي دفعت الأمير كارول إلى التنازل الخلاف الشديد ~~الذي استحكم مدة طويلة بينه وبين والده الملك فرديناند، وأنه لذلك قد يتولى عرش المجر ~~الذي عرضه عليه بعض الوطنيين في تلك البلاد، ولكن لم يحدث شيء من هذا، وما لبث الأمير ~~كارول أن رحل عن إيطاليا إلى إنجلترا، ثم إلى فرنسا؛ حيث عرف أنه يعيش مع اليهودية ~~الحسناء ذات الشعر الأحمر: ماجدا لوبيسكو. # ولما تنازل الأمير كارول عن العرش تعهد ألا يعود إلى رومانيا قبل انقضاء عشر سنوات ~~على تنازله، وأنه حتى بعد هذه المدة يجب أن يطلب ترخيصا بالعودة من الملك. # عهد الملك الصغير # ولما توفي الملك فرديناند في 29 يوليو من عام 1927، انتقل العرش إلى حفيده الأمير ~~ميخائيل ابن الملك كارول «الحالي»، وقد أسرع رجال البلاط الملكي الروماني إذ ذاك بإتمام ~~إجراءات تتويج الملك الصغير؛ خوفا من عودة والده وتعرض البلاد للخطر والفتن. # وقد توج الملك ميخائيل في الأسبوع الأخير من شهر يوليو عام 1927، حيث اجتمع البرلمان ~~الروماني في شكل مؤتمر، وأقيمت في صدر قاعة الاجتماع منصة عالية جلس عليها مطران ~~بوخارست. وفي الساعة الثالثة بعد الظهر، نهض رئيس مجلس الشيوخ وأعلن وفاة الملك ~~فرديناند، وتولى الأمير ميخائيل الملك، وفي تلك اللحظة دخل الأمير ميخائيل من باب ~~القاعة وقد أمسك بيد أمه ms16 الأميرة هيلانة التي هجرها والده، فقوبلا - الابن والأم - ~~بهتاف شديد رددت جوانب قاعة الاجتماع صداه. وكان الأمير الصغير، وهو في الخامسة من ~~عمره، يرتدي ملابس البحارة البيضاء اللون . # ولما ساد الهدوء في القاعة أعلن أعضاء مجلس الوصاية أنهم يقبلون إدارة شئون المملكة ~~بالنيابة عن الملك الصغير، ثم أقسموا يمين الإخلاص لجلالته، وأعلنوا بعد ذلك ثقتهم ~~بالوزارة القائمة، وعدم قبولهم استقالتها. # وعاد الملك الطفل بعد ذلك إلى القصر الملكي مع الأميرة والدته، وكانت الجماهير ~~المحتشدة تقابله بحماس عظيم، ولما وصل إلى جناحه الخاص بالقصر سأل أمه قائلا: لقد كان ~~كل ما رأيته بديعا، ولكن لماذا كان الجميع يبكون؟ # وكتمت أمه حزنها العظيم الذي كان الطفل لا يدرك سببه الحقيقي، وقالت له: إنهم يبكون ~~جدك الذي مات. # فأطرق الصغير لحظة ثم سألها: ولماذا لم يعودوا ينادوني منذ أمس بيا صاحب السمو الملكي ~~كما كانوا يفعلون قبلا؟ # فأجابته: لأنك صرت الملك ميخائيل، وأصبح واجبا عليك أن تكون شريفا كثير ~~الجد. # فسألها الولد محزونا: ولكن أخبريني يا أماه: هل ستمنعونني من اللعب بلعبي بعد ~~اليوم؟ ~~••• # وقد ساد التنافس بين الأحزاب في إبان حكم الملك الصغير كما هي العادة، وأهملت المرافق ~~الحيوية للبلاد، وأخذ جميع العقلاء والزعماء يوجسون خوفا على مستقبل رومانيا، ويتطلعون ~~إلى الرجل الذي يمكنه إنقاذ البلاد من حالة الفوضى التي تردت إليها. # ولم يكن ذلك الرجل البعيد عن بلاده، ولم تكن السيدة التي إلى جانبه، لم يكن أحدهما ~~غافلا عن الحالة وعما يدعو الواجب إلى عمله. # العودة # على الرغم من تعهد الأمير كارول بعدم العودة إلى رومانيا قبل انقضاء عشر سنوات على ~~تنازله، وبدون الحصول على تصريح من الملك، حدث في يوم 7 يونيو من عام 1930، أن وصل سموه ~~على متن طائرة فرنسية إلى كلوزنبرج في مقاطعة ترنسلفانيا، فاستقبله لفيف من الضباط ~~بمظاهر الحماسة ورحبوا به، ومن كلوزنبرج استقل طائرة رومانية نقلته إلى بوخارست ~~العاصمة، ومن مطار بوخارست ركب سيارة إلى القصر الملكي. وكان أفراد الشعب قد عرفوا ~~بعودته فاجتمعوا في الطرقات ms17 وهتفوا له بحماس شديد! ولما وصل إلى القصر استقبله الحرس ~~الملكي استقبالا وديا، وعانقه شقيقة الأمير نيقولا عضو مجلس الوصاية على ~~العرش. # وقد دبرت عودة الأمير كارول إلى عرش رومانيا تدبيرا محكما، ووضعت خططها بعناية ~~وحذر، وقد انتشر نبأ عودته في جميع أنحاء البلاد بسرعة البرق. ولما بلغ مسامع النواب في ~~مجلسهم تعالى هتافهم. وكل ذلك لأن الشعب كان قد مل حالة الفوضى وتنازع الأحزاب على ~~الحكم، والفساد السياسي الذي أخذ في الانتشار، واعتبر الأمير كارول لذلك منقذ البلاد، ~~كما انضم الجيش إلى جانبه. # وتمهيدا لعودة الأمير كارول أبلغ أصدقاءه في فرنسا قبل خمسة أيام من تاريخ عودته أنه ~~قد قطع علاقته بالسيدة ماجدا لوبيسكو التي كان يقيم معها في قصره بمقاطعة نورمنديا. وقد ~~نشر أصدقاؤه الخبر الذي كان له أحسن الأثر في رومانيا، وكان من العوامل التي ساعدت على ~~ترحيب الشعب به. # وكان رئيس الوزراء، المسيو مانيو، والأمير نيقولا يعلمان بموعد وصوله إلى العاصمة؛ ~~ولذلك وقفا عند باب القصر الملكي لاستقباله عند وصوله، وكان معهما مدير البوليس. أما ~~والدته الملكة ماري فلم تكن تعرف شيئا عن عودته؛ ولذلك فإنها كانت قد اجتازت الحدود ~~الرومانية عند منتصف الليل في طريقها إلى «أوبرمرجاو»؛ حيث تمثل رواية آلام المسيح في ~~كل عام. # وأما زوجته الأميرة هيلانة، فلم تشأ أن تضع العراقيل في طريقه، أو بالأحرى لم يكن في ~~وسعها أن تفعل ذلك، ولكنها لم تخف ميلها إلى عدم استئناف الحياة إلى جانبه. # وقد اختلف أعضاء وزارة المسيو مانيو بشأن الخطة التي يجب على الوزارة أن تتبعها إزاء ~~عودة الأمير كارول، ولما اشتد الخلاف استقالت الوزارة، وقبل مجلس الوصاية استقالتها، ~~وكلف المسيو ميرونسكو، وزير الخارجية في الوزارة المستقيلة، بتأليف الوزارة الجديدة في ~~الحال، فألفها بعد ساعة واحدة من استقالة وزارة المسيو مانيو. # وفي يوم 8 يونيو، اجتمع كل من مجلسي النواب والشيوخ على حدة، وقررا إلغاء وثيقة تنازل ~~الأمير كارول عن العرش، وعين الملك ميخائيل وليا للعهد؛ فصار أميرا من ~~جديد. # وقام رئيس ms18 الوزراء المسيو ميرونسكو بمساعيه لدى زعماء الأحزاب، ثم عقدت الجمعية ~~الوطنية جلسة خطيرة نودي فيها بالأمير كارول ملكا على رومانيا بأكثرية 486 صوتا ضد ~~صوت واحد! وقوبلت هذه النتيجة بالتصفيق والهتاف العالي باسم الملك كارول الثاني الذي ~~دعي لكي يقسم اليمين، فأقسم والجميع وقوف، ثم خطب الجمعية الوطنية قائلا: # لم آت للثأر من أحد! ولكني أود أن أؤلف بين قلوب جميع أفراد الشعب الذين ~~يريدون أن يتعاونوا معي في سبيل ترقية البلاد. # إنني مصمم على حفظ البلاد من الانقسام، ولهذا الغرض يجب الحصول على معاونة ~~جميع العناصر الحية في البلاد، وبدون الاتحاد لا يمكن أن نظهر أمام حسادنا أمة ~~قوية يسهر عليها جيش منظم يحمل أحدث الآلات العصرية. # وقد تمت جميع هذه الحوادث في خلال 48 ساعة، وقيل: إن الملك بعد أن استتب له الأمر ~~حاول إزالة الخلاف بينه وبين الأميرة هيلانة، وقيل: إن الأميرة هي التي رفضت الصلح، ~~وصممت على عدم العودة إلى مطلقها الملك، فلم يسع هذا الأخير إلا أن ينزع عنها ابنها ولي ~~العهد؛ ليشرف على تربيته ودراسته بنفسه. وقد كان انتزاع الأمير الصغير من أحضان والدته ~~مؤثرا للغاية؛ إذ إنه أذرف الدمع وكرر أنه لا يريد مفارقة أمه! ولكن والده وعده بأنه ~~لن يحرمه من رؤية والدته من وقت لآخر. # وقد تأكد الناس أن علاقة الملك كارول بالسيدة ماجدا لوبيسكو لم تقطع؛ إذ ما لبثت ~~الأخبار أن جاءت من فرنسا تقول: إن السيدة قد غادرت قصر نورمنديا، وأنها تنوي السفر إلى ~~سويسرا، ومنها إلى بوخارست. # الصديقة المخلصة # بعد أن عاد الملك كارول إلى العرش الروماني شغلت أوروبا كلها بالحديث عن ماجدا ~~لوبيسكو، وخاصة بعد أن رفضت زوجه الأميرة هيلانة اليونانية أن تعاشره من جديد، وقنعت ~~بأن ترى ابنها المحبوب الأمير ميخائيل في فترات متقطعة من كل عام، بعد أن كانت لا ~~تفارقه لحظة واحدة مدة غياب والده خارج البلاد. # وبعد أن غادرت الأميرة هيلانة بوخارست، العاصمة الرومانية، حضرت إليها ماجدا لوبيسكو، ~~وكان الملك قد أعد لها ms19 قصرا فخما تعيش فيه كما تعيش الملكات؛ إذ أحاطها جلالته بجميع ~~مظاهر العظمة، وكان يلبي جميع طلباتها حتى قيل عنها: إنها القوة الخفية وراء العرش؛ مما ~~أدى إلى كراهية حزب «الحرس الحديدي » لها، هذا فوق أصلها اليهودي الذي جر عليها نقمة ~~هذا الحزب أيضا؛ إذ من بين مبادئه مناهضة نفوذ اليهود في رومانيا؛ لأنه يتهمهم بتدبير ~~مقتل رئيس الوزراء المسيو دوكا. # وقيل: إن القصر الذي تعيش فيه ماجدا لوبيسكو في بوخارست كان يحوي آلة تليفون في كل ~~غرفة حتى غرفة الحمام؛ وذلك حتى لا تجهد السيدة نفسها إذا شاءت أن تتحدث من إحدى الغرف ~~بالانتقال إلى مكان التليفون. # ويقال: إن إحدى آلات التليفون كانت تتصل رأسا بحجرة الملك الخاصة في القصر، حتى ~~يستطيع جلالته أن يتحدث إليها في أي وقت دون وساطة «السنترال»، وبغير أن يمكن لأي إنسان ~~أن يستمع للحديث. # وكان قصرها محاطا بالحرس والبوليس السري؛ وذلك لأنها مطمح المصورين والرسامين ~~والصحفيين الذين يقصدون القصر في كل صباح لكي يفوزوا بصورة أو حديث، فكانوا يعودون ~~خائبين. # وتمتاز ماجدا لوبيسكو فوق جمالها الفتان بذوقها السليم، وحسن اختيارها للملابس، وحبها ~~للماس والفراء والسينما. # وهي شديدة الإخلاص للملك حتى إنها ترفض الظهور معه في أي حفلة من الحفلات؛ ولذلك ~~كثيرا ما كانت تتخفى في ملابس خاصة، وتجلس بين أصدقائها وصديقاتها في مكان منعزل أثناء ~~تلك الحفلات ترقب تحية الجماهير لمولاها وقد انبسطت أسارير وجهها فرحا، وامتلأت نفسها ~~فخرا وزهوا بصداقة جلالته التي أنعم بها عليها، وهي تقنع بهذا كله وهي في ركنها دون ~~أن يلحظها أو يعرفها أحد. # اذكري هيلانة! # في أواخر عام 1934، اتهم الرومانيون ماجدا لوبيسكو بتضخم نفوذها في البلاط، وأخذ حزب ~~الحرس الحديدي يفكر فيما عساه أن يفعل لكي يخلص البلاد من نفوذها؟ # وقد أخذ أعداؤها يدبرون الدسائس والمؤامرات حتى قيل: إنهم أرسلوا إليها تهديدا ~~بالقتل، اضطرت على أثره أن تغادر قصر الملك كارول الصيفي في ضاحية سينايا الذي كانت ~~تتردد عليه من وقت إلى آخر، وأصبحت حياتها تعسة جدا ms20 بعد ذلك؛ إذ كانت كلما ظهرت أمام ~~الجمهور في مجتمع من المجتمعات، أو مسرح من المسارح، تعالت الصيحات في وجهها تصم ~~الآذان، وهي تنادي بها: «اذكري هيلانة! اذكري هيلانة!» # كانت هذه صيحة الأعداء الذين اتخذوا من زوجة الملك السابقة الأميرة هيلانة رمزا للحق ~~والطهر والعفاف ضد سلطان ماجدا لوبيسكو. وكانت هذه الصيحات تلاحقها في كل مكان، وكثيرا ~~ما كانت تفتح الغطاء وهي تجلس على مائدتها لتناول الطعام فتسقط منه ورقة عليها: «اذكري ~~هيلانة!» كما أنها قد تركب سيارتها فتجد بها ورقة مطوية، ولكنها لا تقرؤها بل تقذف بها ~~من النافذة توا؛ وذلك لأنها تعلم جيدا ما بها. # وأغرب ما حدث لها هو أنها كانت تستمع للراديو في ذات مساء وهي في منزلها، فإذا ~~بالنغمات الموسيقية التي كانت تصغي إليها تقطع فجأة، وإذا بها تسمع الراديو يصيح بها: ~~«اذكري هيلانة!» # ولم تلبث الموسيقى أن عادت بعد لحظة. # وهكذا كان ذلك الإنذار يلاحقها أينما ذهبت حتى لم تجد بدا من أن تغادر البلاد في ~~رحلة إلى الخارج، رافقها في خلالها المسيو ديمتريسكو، سكرتير الملك كارول. # وقيل بعد ذلك: إنها تزوجت من المسيو أنتونيانو الذي كان الياور الخاص للملك كارول، ~~وأن الزواج قد تم في المفوضية الرومانية في فيينا، طبقا للطقوس الدينية المسيحية ~~الأرثوذكسية، وأن شاهدي الزواج كانا محافظ بوخارست وأحد ضباط الجيش الروماني ~~العظام. # ولما كان المسيو أنتونيانو من أمهر حملة السيف في رومانيا، فقد خرست الألسنة التي ~~طالما تكلمت عن مدام ماجدا لوبيسكو؛ لما عرف أصحابها أن المتكلم عن ماجدا بعد ذلك إنما ~~يتكلم عن مدام أنتونيانو المبارز المشهور. # في فرنسا # وفي أوائل عام 1936، سافر بعض الملوك إلى لندن للاشتراك في تشييع جنازة المرحوم جورج ~~الخامس، وكان من بين الذين سافروا الملك كارول؛ نظرا للصلات القائمة بين الأسرة ~~المالكة في إنجلترا والأسرة المالكة في رومانيا عن طريق الملكة الوالدة ماري في ~~رومانيا. # وانتهز الملك كارول فرصة عودته عن طريق باريز والتقى بالسيدة ماجدا لوبيسكو، وكان لم ~~يرها منذ أن سافرت إلى ms21 فيينا، وقضى الملك كارول عطلة نهاية الأسبوع معها بعيدا عن ~~باريس وصخبها بما يزيد عن مائة وعشرين ميلا، ولم يصحب معه في هذه الرحلة سوى اثنين من ~~أشد أخصائه إخلاصا له، وترك باقي رجال الحاشية في باريز. # مدام ماجدا لوبيسكو. # واحتاطت الحكومة الفرنسية لهذه الزيارة؛ فأحاطت القصر الريفي الذي نزل فيه الملك مع ~~مدام ماجدا لوبيسكو برجال الحرس الذين كانوا يمنعون أي شخص من الاقتراب، كما أنها أرسلت ~~ستة من أمهر رجال البوليس السري لكي يتبعوا الملك ليل نهار ما دام في داخل الحدود ~~الفرنسية. وقد لاقى هؤلاء المساكين أعظم المشاق في سبيل أداء واجبهم على الوجه الأكمل؛ ~~وذلك لأن الملك أصر على أن يكتم عنهم خبر رحلته إلى الريف الفرنسي مع السيدة ماجدا ~~لوبيسكو. # ففي اليوم الذي حدده الملك لانتقاله إلى الريف، خرج في منتصف الساعة الثانية بعد ~~الظهر تاركا وزراءه يوقعون على اتفاقية تجارية مع الحكومة الفرنسية، وارتدى هو بذلة ~~عادية، ووضع ملفعة حول عنقه، ثم غادر الفندق من بابه الخلفي، وركب سيارة أحد أصدقائه، ~~وكانت تحمل رقما إنجليزيا. # واعتقد الملك أنه تخلص من رجال البوليس السري، ولكن لم تمض عليه دقائق وهو في الطريق ~~حتى رآهم قد لحقوا به؛ فأرسل إليهم كبير أمنائه يقول لهم: إن جلالة الملك يكون شاكرا ~~جدا لو أعفيتموه من متابعته اليوم؛ وذلك لأنه يريد أن تبقى رحلته هذه سرا ~~خاصا. # وكان هذا كل ما يتمناه رجال الشرطة، ولكن الأوامر التي صدرت إليهم كانت صريحة لا تقبل ~~التأويل، فأصروا على متابعة الملك إلى حيث التقى بمدام ماجدا لوبيسكو، وكانت تضع حجابا ~~كثيفا على وجهها. # وانطلقت بهما السيارة بأقصى سرعتها، وسيارة البوليس السري تلاحقها حتى وصلت الاثنتان ~~بعد الساعة السابعة بقليل إلى القصر الريفي القائم على مقربة من قرية «بيلام»، على ~~الرغم من أن الملك حاول في الطريق أكثر من مرة أن يضلل سيارة البوليس. # الأمير # وانتشر خبر وصول «الأمير» بسرعة في تلك القرية. ونقول «الأمير» لأن سكان القرية ~~ما يزالون يعرفون جلالة الملك ms22 كارول باسم «الأمير»، وذلك لأنهم يطلقون عليه هذا اللقب ~~منذ كان أميرا تخير هذا القصر البعيد للإقامة فيه إلى جانب من يهوى قلبه. # وقد سر سكان القرية بوجود «الأمير» بينهم من جديد يستعيد ذكريات الماضي العذبة أو ~~المرة، وكان أكثرهم سرورا التجار الذين وصلت إليهم الأوامر بإرسال ما يحتاج إليه ~~القصر. # وفي المساء ذهب عمدة القرية يرحب بالملك! # ولكن لم يغادر الملك أو مدام ماجدا لوبيسكو القصر مدة وجودهما في القرية. # إلى بوخارست # والظاهر أن الأيام التي قضاها الملك في باريز مع السيدة ماجدا لوبيسكو أثرت على ~~جلالته وعليها، حتى إنه لم تمض مدة قصيرة بعد رحيل الملك حتى لحقت به السيدة إلى ~~بوخارست من جديد، وأقامت في «الفيلا» الخاصة به بضواحي العاصمة. # وكانت شجاعة عظيمة منها؛ إذ ما كادت تعود حتى بدأ نسج المؤامرات من جديد في ~~بوخارست، وعقد حزب الحرس الحديدي اجتماعا وضع فيه قائمة بمن تدعو مصلحة البلاد إلى ~~التخلص من حياتهم بسرعة، وكان في رأس القائمة اسم ماجدا لوبيسكو، أو «مدام دى بومبادور» ~~البلقان كما شاءوا أن يطلقوا عليها. # واتصل خبر المؤامرة برجال البوليس الروماني، فقبضوا على بعض المشتبه فيهم، أما ماجدا ~~لوبيسكو فلم تظهر أقل اهتمام بالمؤامرات والدسائس التي تحاك لها، بل بالعكس، كثيرا ما ~~تمتعض مما يتخذه البوليس من احتياطات للمحافظة عليها. # المستشارة الحسناء # وتتناول السيدة ماجدا لوبيسكو الغداء على المائدة الملكية في كل يوم، وهي تزور الملك ~~بعد أن يكون قد انتهى من مقابلاته الرسمية، كما أنهما يتناولان العشاء معا مرتين كل ~~أسبوع، وبعد العشاء يلعبان الورق مع بعض الأصدقاء، أو يشهدان رواية سينمائية في ~~القصر. # والملك يستشيرها في شئون الدولة كما يستشير الرجل أقرب النساء إليه وأخلصهن له، وليس ~~حقيقيا ما تتهم به من أنها تتداخل في كل شيء، بل الحقيقة أن الملك إذا استشارها في ~~شأن من الشئون لا تتردد في إبداء رأيها، وهو الرأي الصواب في أغلب الأحيان. # وفي الأوقات التي لا تكون فيها ماجدا لوبيسكو مع الملك كارول تلازم ms23 أصدقاءها، وتتناول ~~العشاء خارج منزلها، وتذهب لمشاهدة التمثيل. كل هذا والبوليس السري يلازمها. # وهي تقوم بكثير من أعمال الخير في السر والجهر؛ مما يجعل الجمهور يميل إليها. # ويقولون: إن جلالة ملك رومانيا أصبح لا يستغني عن مشورتها، كما أن عدد الرومانيين ~~الذين يعتقدون أن رومانيا نفسها أصبحت لا تستغني عن خدمتها السياسية، وأنها قوة كامنة ~~من وراء التاج، يزداد باستمرار. # من هي مدام لوبيسكو؟ # أوشكت أن تبلغ الأربعين من عمرها، ومع هذا تبدو أصغر سنا من حقيقتها بكثير، وهي ~~تتميز بشعر أحمر اللون. # ويقال: إن السر في قوة هذه السيدة شخصيتها الساحرة، ومقدرتها السياسية التي لا ينكرها ~~عليها أعداؤها أنفسهم، وانقسام معارضيها في الرأي على أنفسهم. # وهي مشهورة بأنها أكثر سيدات بوخارست الجميلات أناقة ورشاقة، كما أن مجموعة حليها قد ~~بلغت قيمة التأمين عليها 50 ألفا من الجنيهات! وقد قدم لها الملك قطعا كثيرة من هذه ~~الحلي. # ويقال: إنها في المدة الأخيرة أصبحت محبوبة من أفراد الشعب، وأنها قد بدأت تضع أصبعها ~~في كثير من الشئون المالية والحربية التي تهم المملكة بأسرها، كما أن سخاءها مع ~~الفلاحين جعلهم يرحبون بها في كل مقاطعة تنزل بها. # تلك هي المرأة التي يتضخم نفوذها يوما بعد يوم في بلاد البلقان، حتى أصبحت تستحق لقب ~~دي بومبادور. # ويكفي فخرا لها أنها أفلحت في المحافظة على حب الملك 14 عاما متتالية. # | الملك إسكندر الصربي ودراجا ماشين # مقابلة بياريتز # في صيف عام من الأعوام كانت والدة الملك إسكندر الصربي تقيم في مدينة بياريتز، إحدى ~~مصايف العظماء على ساحل فرنسا الجنوبي الغربي المسمى بالساحل الفضي، في قصر اسمه قصر ~~ساشينو. وقد رأى الملك إسكندر أن يزورها في مصيفها؛ حتى ينسى مشاغل الملك الكثيرة فترة ~~قصيرة. # فلما وصل إلى هناك لفت نظره جمال إحدى الوصيفات اللاتي يرافقن أمه، فلما سأل عن اسمها ~~قيل له: إنها «دراجا ماشين». وقد أعجب الملك بشكلها إعجابا عظيما، ولم يخف ذلك ~~الإعجاب عن والدته. # وفي ذات يوم كان الملك يستحم في البحر وكانت ms24 دراجا واقفة مع بعض صديقاتها عند الشاطئ، ~~وكان البحر مضطربا في ذلك اليوم، والملك لا يتقن السباحة؛ فما لبث أن أشرف على الغرق، ~~ولما لحظت دراجا أنه يغالب الأمواج، وكانت تراقبه بنظراتها من الشاطئ ، اندفعت إلى البحر ~~مسرعة تحاول إنقاذه قدر استطاعتها. وكانت تبذل مجهودا عظيما في ذلك جعل جميع ~~المجتمعين على الشاطئ يعجبون بها ويتساءلون عنها، وقد تمكنت في النهاية من إنقاذ الملك؛ ~~فأسرته بجميلها وإخلاصها بعد أن أسرته بجمالها في بادئ الأمر. # ماضي دراجا # وعلى الرغم من أن دراجا كانت تكبر الملك بتسع سنوات، إلا أنها كانت تبدو لمن يراها ~~أصغر سنا منه بكثير، وكانت قد تزوجت قبل ذلك ثم مات زوجها، فأبت أن تتزوج ثانية؛ لأن ~~سوء الطالع قد أوقعها عند زواجها الأول بين براثن رجل سيئ الخلق، حاد الطباع، أساء ~~معاملتها حتى مات وتركها دون أن يخلف لها غير مبلغ صغير من المال. # وعاشت دراجا المسكينة مدة من الزمن وهي تتألم لضيق ذات يدها، ولم يكن لها تسلية غير ~~الذهاب إلى المجتمعات الدينية والاشتراك في الأناشيد، فكانت تجلس مع العامة على المقاعد ~~الخشبية البسيطة وهي تنشد وترنم. وعلى مقعد من هذه المقاعد، في أحد الاجتماعات رأتها ~~الملكة ناتالي، والدة الملك إسكندر، فأعجبت بجمالها، وتأثرت باستقامتها وعقيدتها ~~الدينية؛ فضمتها إلى حاشيتها واتخذتها وصيفة خاصة لها. وعرفت الملكة بعد ذلك أن دراجا ~~حفيدة لرجل اسمه نيقولا لونيفيتزا كان من أعز أصدقاء الأمير ميلوش أوبرينوفتش، جد الملك ~~إسكندر؛ فزاد تقديرها وحبها لها. # الإشاعات # وكان للمدة التي قضاها الملك إسكندر من فصل الصيف في مدينة بياريتز أعظم الفضل في ~~ازدياد الصلات بينه وبين دراجا، فلما عادت مع والدته الملكة إلى العاصمة بلغراد، كان ~~يراها باستمرار ويحادثها ويدعوها إليه في كثير من الأحيان، ويستشيرها في بعض الأمور، ~~وكان من أثر ذلك أن بدأت الإشاعات تنتشر في القصر أولا، ثم ما لبثت أن تسربت إلى ~~خارجه، وكلها تلغط بذكر علاقة الملك بوصيفة والدته، وقد قيل إذ ذاك: إن الوزراء شكوا من ~~أن ms25 الملك لا يبت في شيء قبل استشارة دراجا، وأنه كثيرا ما يغادرهم يتناقشون في موضوع ~~لكي يحدثها تليفونيا ويسألها رأيها هي في ذلك الموضوع. # وزادت الإشاعات بعد ذلك حتى تناولت احتمال زواج الملك بالوصيفة ، وأقبلت إحدى زميلات ~~دراجا في البلاط تهنئها مقدما على ما ينتظرها من عظمة ومجد في المستقبل حين تشارك ~~الملك ملكه، ولكن دراجا غضبت لحديث صديقتها وصاحت بها: كفاك هذيانا! نعم، إن الملك ~~يحبني، وأنا لا أنكر ذلك، بل إنني أعترف به وأنا أشعر بالفخر؛ إذ إنني أحبه أنا الأخرى ~~إلى حد العبادة، ولكن لن يكون معنى حبي وإخلاصي لجلالته أن أحول بينه وبين واجبه نحو ~~البلاد ونحو العرش: ذلك الواجب الذي يحتم عليه أن يختار زوجة تنتسب إلى أصل ملكي أو ~~قيصري؛ حتى تجد بلادنا حليفة قوية تقف إلى جانبها دائما! أما أنا فحسبي أن أضحي ~~بسعادتي في سبيله! # كانت دراجا تفوه بهذه الألفاظ بقوة وحماسة تجعل من يسمعها يتأكد صدقها وإخلاص قائلها ~~لملكها وبلادها، أما الملك فكان يزداد في كل يوم تعلقا بدراجا حتى صار لا يقدر على ~~فراقها لحظة، وقيل إذ ذاك في معرض النقد: إن دراجا لم تعد وظيفتها في القصر وصيفة ~~الملكة ناتالي، ولكن وصيفة الملك إسكندر. # تنبوءات عراف # ولم تكن الملكة ناتالى تهتم بشيء مما يقال عن علاقة ابنها الملك بوصيفتها؛ إذ كانت ~~تدرك أنها علاقة ثائرة لا بد أن تنتهي قريبا بعد أن يسأم الملك دراجا، ويشعر بالرغبة ~~في غيرها أو بالرغبة في الزواج! ولكن حدث في عام من الأعوام أن كانت الملكة في باريس، ~~فمرت على عراف اشتهر بمقدرته على كشف حوادث المستقبل، وكان من بين ما قاله ذلك الرجل ~~للملكة: احذري يا مولاتي! إنني أرى حية سامة تحتفظين بها جلالتك في صدرك، احذري منها؛ ~~فها هي ذي تلدغك لدغة مميتة! # الزواج # وكان أول من اتجه إليه فكر الملكة - وهي تفكر في الحية السامة - دراجا! فلما عادت إلى ~~بلغراد أخذت تشعر نحوها بالنفور، ثم حدث بعد ذلك أن عثرت ms26 مصادفة على خطاب أرسله ابنها ~~الملك إلى دراجا، فقرأته وراعها أن تتبين في سطوره مقدار تأثير الوصيفة على الملك ~~وخضوعه لها، وشعرت بغضب عظيم وغيرة شديدة، ثم نادت دراجا وأمرتها بمغادرة القصر في ~~الحال ، فأطاعتها دراجا بسكون؛ إذ كانت تتوقع حدوث مثل هذا من مدة طويلة بسبب الوشايات ~~والدسائس التي تملأ القصور الملكية. # كانت الملكة مخطئة في تصرفها لما طردت دراجا من القصر؛ إذ إنها لما فعلت ذلك جعلت ~~ابنها الملك يزداد تعلقا بها، وحبا لها؛ فقد أسرع إليها يواسيها ويكرر على مسامعها ~~استعداده للزواج منها، ويقال: إن الملك كان قد طلب يد دراجا أكثر من مرة قبل ذلك، وإنها ~~هي التي كانت ترفض في كل مرة، وتصرح له بأنها لا تستحق هذا الشرف، ولكنها بعد أن طردت ~~من القصر وأخذت تشعر بأنها مهددة، وبعد أن أحست بأن تأثيرها على الملك سيزول بابتعادها ~~عنه، فلن تجد لها نصيرا ولا صديقا، وبعد أن فقدت عطف الملكة الوالدة. # بعد هذا كله كان يجب أن تفكر مليا قبل أن ترفض طلب الملك كما رفضته في المرات ~~السابقة، وكرر الملك طلبه بإلحاح فقال: إنك عندما تصيرين زوجتي تكونين في أمان من ~~أحداث الدهر، ولن يكون لمخلوق أي سلطة عليك، فدعيني أتولى حمايتك والدفاع عنك! # وامتثلت الوصيفة دراجا لأمر الملك وقبلت طلبه! وذاع خبر عزم الملك على الزواج من ~~وصيفة والدته؛ فأحدث الخبر دويا هائلا في البلاد، وأسرع الوزراء إلى الملك وتقدموا ~~إليه بالرجاء حتى يعدل عن هذا الزواج، وأخذوا يشرحون له ما قد يفضي إليه من نتائج سيئة، ~~ولكنه لم يهتم بكلامهم، وغضب عليهم ثم قال لهم محتدا: ليست هناك غير امرأة واحدة في ~~هذا العالم أحبها وأفضلها على كل شيء، حتى على التاج! هذه المرأة وحدها قادرة على ~~إسعادي، وعلى مقربة منها فقط يمكن أن أنسى متاعبي وآلامي، فأنا أريد هذه المرأة زوجا ~~لي مهما كانت النتيجة. # وعلى الرغم من إرادة الجميع تزوج الملك إسكندر من دراجا ماشين فصارت ملكة ~~صربيا. # الأب والزواج ms27 # ولد الملك إسكندر أوبرينوفتش في عام 1876، وقد تولى الحكم في عام 1889 وهو لا يزال في ~~الثالثة عشرة من عمره؛ بسبب استقالة والده لأسباب سياسية، وقد عين عليه إذ ذاك بعض ~~الأوصياء، ولكنه لما بلغ السابعة عشرة من عمره في عام 1893 أخذ مقاليد الحكم في ~~يده. # وكان والده الذي اعتزل العرش يعيش في باريز، وهو يتتبع أخبار ابنه وبلاده باهتمام، ~~فلما سمع برغبته في الزواج من دراجا اشتد غضبه وتردد في تصديق الخبر، ولكنه لما تأكد ~~منه حنق على ابنه، ونقل عنه أنه قال لأحد جلسائه: إنه لخبر مرعب حقا يكاد لا ~~يصدق! إنني على ثقة من أن الصربيين لا يرضون بمثل هذه المرأة ملكة عليهم! هل يرتكب ~~ابني إسكندر هذه الفعلة الشنعاء، ابني الوحيد! إنها امرأة كفيلة بأن تلحق به العار ~~الأبدي! لقد كنت دائما أخاف على ابني من أن يقع في حبائل النساء سيئات الخلق، وها هو ~~ذا قد وقع فعلا، وسيجر العار على أسرتي كلها، أسرة أوبرينوفتش العظيمة. # وتم زواج الملك إسكندر من دراجا في عام 1900، فأحدث استياء عاما في طول البلاد ~~وعرضها، وبدأ أعداؤها وحسادها يدبرون لها المؤامرات. أما زوجها فكان حبه لها بعد الزواج ~~قد ازداد، حتى إنه أخذ يدللها، ويجيب كل طلباتها، وينفذ جميع رغائبها؛ فيزيد بذلك من ~~كراهية الشعب لها. # الدعوة ضد العرش # وأخذ الفوضويون يبثون الدعوة ضده في البلاد، وينادون في الناس بوجوب «تطهير العرش ممن ~~دنسته»، ويبالغون في أخبار تبذيرها وإسرافها، كما ادعوا أنها لا تريد أن تخلف لزوجها ~~ولدا يكون ولي العهد، حتى تمهد السبيل لارتقاء شقيقها عرش البلاد! وكانت هذه التهم ~~الخطيرة تلقى أذنا صاغية من كثيرين، وخاصة بين رجال الجيش. # وفي ليلة 11 يونيو من عام 1903، دخل الملك إسكندر مع زوجته الملكة دراجا مخدعهما ~~ليناما وهما لا يعرفان شيئا مما خبأه لهما القدر، ولما ساد السكون في القصر الملكي، ~~وخفت كل صوت، انسل بعض الضباط المتآمرين إلى القصر من باب خلفي بعد أن رشوا الحراس ~~هناك. # النهاية ms28 # وكان الضباط الذين وقع عليهم الاختيار لدخول القصر قد أفرطوا في شرب الخمر؛ فساروا في ~~الردهات وهم يقتلون برصاصهم كل من يعترض طريقهم من رجال الحرس، حتى صعدوا إلى الطابق ~~العلوي حيث يوجد مخدع الملك، ووقفوا هناك عند بابه ثم ترددوا في الدخول. # وكان الملك والملكة قد أفاقا من نومهما على صوت الرصاص؛ ففهما كل شيء في الحال، ووقفا ~~متلاصقين وراء الباب وقد أخذا يرتجفان خوفا من مصيرهما. # وتشجع المتآمرون بعد ذلك، فحاولوا فتح الباب إلا أنهم وجدوه مغلقا بإحكام بحيث لا ~~يمكن فتحه بسهولة؛ فأرسلوا في الحال من يستحضر لهم فأسا لتحطيمه، ووصل في تلك اللحظة ~~رئيس الحرس، فحاول أن ينقذ الملك ويبعد الثائرين السكارى عن باب مخدعه حتى يساعده على ~~الفرار، إلا أنه لم يفلح في إدراك غرضه، وكانت الفأس قد وصلت إذ ذاك؛ فبدأ الضباط ~~يحطمون الباب بها دون هوادة أو تردد. # وجها لوجه # وأدرك رئيس الحرس أنه لا فائدة ترجى من وراء المقاومة؛ إذ وجد القصر كله مطوقا ~~بالجنود، فأخذ يهدئ من ثائرة الضباط، ووعدهم بأن يطلب من الملك أن يفتح لهم الباب بنفسه ~~إذا أقسموا له أن يتقدموا إليه بشكواهم ومطالبهم دون أن يلحقوا به أي أذى. وأقسم بعض ~~الضباط على ذلك، فتقدم رئيس الحرس وخاطب الملك من وراء الباب فقال له: افتح لهم يا ~~مولاي باب المخدع؛ فإن الطارقين من ضباط جيشك وهم لا يريدون بك شرا. # ولما سمع الملك صوت رئيس حرسه - وكان يعرف إخلاصه - اطمأن قليلا وفتح الباب في ~~الحال، فوجد المتآمرون الثائرون أنفسهم وجها لوجه أمام الملك والملكة وهما بملابس ~~النوم، وقد استعادا رباطة جأشهما وثباتهما. وتقدم الملك خطوة إلى الأمام، ثم وجه الحديث ~~إلى الضباط فقال لهم بلهجة حازمة متزنة: ماذا تريدون مني في هذه الساعة المتأخرة؟ أهذا ~~دليل إخلاصكم لملككم؟ # وشعر الضباط برهبة الموقف، وترددوا فلم يحر أحدهم جوابا، ولم يعرفوا ما يجب أن ~~يفعل أو يقال وهم في ذلك الموقف، إلا أن ضابطا ثملا من بينهم كان يمتاز ms29 بالجسارة ~~والإقدام صاح بهم: ماذا أصابكم أيها الجبناء؟ هل شل الخوف ألسنتكم وأيديكم؟! انظروا! ~~هأنذا أقدم للملك رمز ولائي. # وأخرج مسدسه في الحال وأطلق رصاصة منه على الملك؛ فخر صريعا بين ذراعي زوجته! وكأن ~~لهذه الرصاصة الأولى تأثير الكهرباء في نفوس الآخرين؛ فأسرعوا جميعا وأخرجوا مسدساتهم، ~~وأطلقوا النار على الملك والملكة، وأخذ الرصاص ينهال من كل ناحية على الجثتين حتى مزق ~~جلدهما، ولم يكتف القتلة بذلك، بل استلوا سيوفهم وأعملوا فيهما تمثيلا حتى صاح ~~قائدهم: ألقوا بهما من النافذة، اقذفوا بهما إلى الكلاب. # وجروا جسد دراجا أولا حتى النافذة، ثم ألقوه منها إلى حديقة القصر، وألقوا بعد ذلك ~~بجثة الملك وراءه. # وارتفعت بعد ذلك أصوات هتافهم في الفضاء ابتهاجا بإتمام عملهم، وبجريمتهم الفظيعة، ~~وكانوا يصيحون: فليحيا الملك بطرس. # وكانوا يقصدون بطرس قرة جورجفش الذي خلف الملك إسكندر على العرش. # وكأن القتلة قد ثملوا بخمر الجريمة، فأخذوا يجوبون أنحاء القصر وينتقلون من غرفة إلى ~~أخرى وهم يصيحون ويرقصون ويهتفون بأعلى أصواتهم، ويحطمون كل ما يقع تحت أيديهم من ~~الأواني النفيسة، أو القدور الفنية الغالية، وحطموا بالفأس فراش الملكين. # واستمروا في أعمالهم المنكرة، وخاصة بعد أن شربوا خمرا من القصر، فأخذوا يقتلون جميع ~~الموالين للملك من وزراء وضباط، وكان من بين من قتلوا أكثر أقارب دراجا، ويقال: إن سفير ~~النمسا لما وجد أن المسألة قد خرجت عن حدها؛ هدد القتلة بزحف الجيش النمسوي على بلغراد ~~في الحال إذا لم يكفوا عن فظائعهم، وكان لهذا التهديد أثره؛ فامتنعوا عن القتل قرب ~~الفجر فقط! # وبقيت جثتا الملكين إسكندر ودراجا في حديقة القصر ساعات طويلة والمطر يهطل عليهما، ~~وقد تمزقت ملابس النوم فكشفت عن أجزاء كثيرة من جسميهما، حتى حضر سفير الروسيا بنفسه ~~وأمر بإدخالهما إلى القصر. # | هنري الثامن وزوجاته الست # الملك ذو اللحية الزرقاء # الملك المزواج: هنري الثامن. # يعد الملك هنري الثامن من ملوك إنجلترا العظام الذين خدموا بلادهم بإخلاص، وعملوا على ~~رفعة شأنها، ولكنه على الرغم من حبه لبلاده وتفانيه في العمل لمصلحتها، ms30 وعلى الرغم من ~~التقدم الذي وصلت إليه إنجلترا في عهده، فإن الكتاب حتى من أبناء جنسه لا يرحمونه ~~إذا جلسوا لكتابة سيرة حياته، فذكروا حوادث زواجه وطلاقه، وإعدامه لزوجاته المتعددات، ~~حتى إن كثيرا منهم لقبوه باسم الملك ذي اللحية الزرقاء، نسبة إلى بطل الأسطورة القديمة ~~المشهورة الذي كان يصيد النساء ثم يقتلهن بعد أن ينال منهن كل ما يريد. # كاترين أراجون # أغرم الملك هنري الثامن بتغيير زوجاته حتى بلغ عددهن ستا، وقد كانت أولى زوجاته ~~«كاترين أراجون». وهي إسبانية الأصل، وكانت زوجة لأخيه أرثر الذي مات وهو في عنفوان ~~شبابه. # فلما تولى هنري الثامن الحكم رغب في الزواج بأرملة أخيه؛ لأنه كان يعجب بجمالها على ~~الرغم من أنها كانت أكبر منه سنا. وقد قضت كاترين إلى جانب الملك هنري الثامن مدة ~~تبلغ نصف حكمه الذي وصل إلى 83 عاما، ولكنها أخفقت في أن تلد له ذكرا يرث العرش من ~~بعده، كما أنه ما لبث أن شعر بالرغبة في التجديد. # آن بولين # ووقع نظر الملك في ذلك الوقت على «آن بولين»، وكانت فتاة بارعة الجمال، صغيرة السن؛ ~~فأسرت قلبه لحسنها وخفتها. كانت آن من أسرة متواضعة، إلا أنها نظرا لجمالها عينت وصيفة ~~شرف للأميرة ماري شقيقة الملك عند سفرها إلى فرنسا في عام 1514، وقد عادت في عام 1522 ~~فذاعت شهرتها في دوائر البلاط الإنجليزي، وقد عرفت في ذلك الوقت بخفة الروح، وحضور ~~البديهة. ولما رأت تعلق الملك بها بدأت أطماعهما العظيمة، وصممت على أن تصبح ملكة ~~إنجلترا، فرفضت بكل إباء عروض الملك غير الشريفة، وكانت كلما رفضت ازداد هو حبا لها، ~~وكان أول ما فعله أن أنعم على والدها بلقب سير. # في ذلك العهد كانت في إنجلترا نهضة نسوية قوية تهاجم نساء العهد السابق نصيرات الجمود ~~والقديم مثيلات كاترين أراجون، وكان لهذه النهضة ألوانها المتعددة، وأغراضها الجديدة، ~~ونزعاتها المتطرفة، وحرياتها المبتذلة؛ ولذلك شعر هنري، وهو تحت تأثير ذلك الجو، برغبة ~~قوية تدفعه إلى التخلص من زوجته كاترين والزواج من الحسناء آن ms31 بولين. # وكان الملك يطارد آن بولين في حجرات القصر وردهاته وهو يشعر برغبة جامحة في البقاء ~~إلى جانبها، ولكن الفتاة كانت تفر منه، وتتخلص من مطاردته بسرعة الغزال الشارد أمام ~~صياده؛ ولذلك لم يجد بدا من الاستقرار عند فكرة الزواج منها، بعد أن يئس من الحصول ~~على شيء منها دون زواج. # ولكن ما العمل والديانة الكاثوليكية تحرم الطلاق، بل وأي عذر ينتحل لطلب الطلاق من ~~كاترين أراجون؟ # لم يكن من الصعب على هنري الثامن مدفوعا بغرامه القوي بآن بولين أن يجد عذرا يلتمس ~~به الطلاق، فأخذ يدعي أن ضميره دائم الاضطراب لزواجه بكاترين أراجون أرملة أخيه على ~~الرغم من تحريم الدين، وقال: إنه يشك في أن شقيقه ارتاح لعقد مثل هذا الزواج، بل لا بد ~~أن المسكين يتعذب في قبره وهو يرى زوجه المحبوبة قد انتقلت إلى ذراعي شقيقه. # ولم يكن غريبا بعد أن رأى الملك آن بولين وعشقها، وصمم على الزواج منها، أن يستيقظ ~~ضميره ليؤنبه على الزواج من كاترين أراجون أرملة أخيه بعد سنوات طويلة من هذا ~~الزواج. # وتم طلاق الملك من زوجته الأولى كاترين أراجون في عام 1524، بعد أن عارضت البابوية في ~~روما، فلم يأبه هنري لمعارضتها، وبعد أن امتنعت عن المصادقة على الزواج الجديد، فلم يكن ~~منه إلا أن أحدث انقلابا من أخطر الانقلابات التي انتابت المسيحية في أوروبا، فقد جعل ~~أسقف كنتربري الإنجليزي يعقد الزواج الجديد، وفصل الكنيسة الإنجليزية عن كنيسة روما، ~~وصار ملك إنجلترا منذ ذلك الوقت هو رأس الكنيسة. وكل ذلك من أجل عيني آن بولين ~~الحسناء. # ولئن كان الملك هنري الثامن قد ألحق ظلما كبيرا بكاترين أراجون لما طلقها، فإن ~~شكسبير الشاعر الخالد قد أنصفها في روايته الكبيرة عن الملك المزواج «هنري الثامن»، ~~فرسمها على أحسن صورة للمرأة والزوجة الكاملة. وقد بلغ من طيبة قلب كاترين أن سامحت وهي ~~على فراش الموت ذلك الرجل الذي خان عهدها دون أن تلحق به أي أذى، فكتبت إليه تقول له ~~وهي تودعه: # إنني لا أزال ms32 أحبك أكثر من أي شيء آخر في الحياة! # وتم زواج هنري الثامن من آن بولين، وارتقت إلى مقام كاترين، فصارت الملكة، وقد كان ~~الزواج سريا في بادئ الأمر - عقد في أوائل يناير من عام 1533 - ولكن ما لبثت آن بعد ~~ذلك أن توجت. وتكون خطابات الملك إليها مجموعة من أبدع خطابات الغرام التي ~~تبادلها ملك مع حبيبته. # وقد ولدت له في شهر سبتمبر الأميرة اليصابات التي ارتقت عرش إنجلترا فيما بعد، إلا أن ~~هنري كان يميل دائما إلى التغيير والتجديد، فما لبث أن سئم آن بولين، كما أن خفتها لم ~~تكن تروقه بالمرة، ولم يكن يلتمس لها العذر بسبب صغر سنها، كما أنه غضب عليها لما لحظ ~~أنها لم تشعر بأقل تأثر عندما بلغها نبأ وفاة الملكة السابقة كاترين أراجون. # وفي إحدى الحفلات لحظ أن السير هنري نوريس يتقرب منها، ويبدي لها إعجابا بريئا؛ ~~فانفجر غضبه، وأمر بإرسالها إلى برج لندن في اليوم التالي استعدادا لمحاكمتها بتهمة ~~الخيانة. وقد أمر بتأليف مجلس خاص من 24 لوردا، انعقد وقرر إدانتها، وخير الملك بين ~~إحدى عقوبتين: إحراقها حية أو قطع رأسها! واختار الملك العقوبة الثانية فنفذت فيها، وفي ~~اليوم التالي تزوج هو من جين سيمور. # جين سيمور # وقد عاش الملك هادئا قانعا إلى جانب جين سيمور التي أفلحت في أن ترزقه بولد أسماه ~~الأمير إدوارد، وسر بمولده سرورا عظيما. والظاهر أن الله أراد أن ينقذ جين سيمور ~~من هنري الثامن قبل أن يغدر بها كما غدر من قبل بكاترين أراجون وآن بولين، فماتت ~~المسكينة بعد مولد الطفل بأسبوع واحد، وكتب الملك إذ ذاك يقول: # كأن الله أبى إلا أن يمزج سعادتي بالحزن على من كانت السبب في منحي هذه ~~السعادة! # فهل كان يشعر بالأسف على وفاة جين سيمور حقا؟ إن عواطفه المتقلبة تجعلنا نشك في صدق ~~هذه العبارة. # آن كليفز # ولم يسرع الملك بعد وفاة جين سيمور بالزواج كما جرت عادته بذلك، بل ظل شهورا يعيش ~~وحده حتى ظن الناس أنه قد ms33 زهد الزواج واكتفى بثلاث زوجات، ولكنهم كانوا على خطأ؛ إذ إنه ~~ما لبث أن تزوج بآن كليفز بعد أن رأى صورة لها من ريشة هولبين المصور المشهور. # ولم ترق له الحياة إلى جانب آن كليفز من بادئ الأمر، على العكس من سابقاتها اللاتي ~~كان يشعر إلى جانبهن بسعادة عظيمة في بدء الزواج. # وقد ذكر العارفون أسبابا كثيرة لهذه الكراهية التي شعر بها الملك نحو آن، ولكن ~~الحياء يمنع من سردها، وأمر هنري الثامن بإلغاء زواجه من آن كليفز، ولكنه عفا عنها فلم ~~يقدمها للمحاكمة؛ إذ لم يكن الذنب ذنبها، بل كان ذنب كرومويل مستشاره، فأمر ~~بقتله! # أما آن كليفز فلم تأسف على هذا الطلاق الذي أعاد إليها حريتها، فاستأنفت حياة البذخ ~~والإسراف والعبث دون أن تهتم لشيء. # كاترين هوارد # وكانت الزوجة الخامسة هي كاترين هوارد، حفيدة دوق نورفوك الثاني، ولما تزوجها الملك ~~في عام 1540 كانت لا تزال في العشرين من عمرها، ومن الطبيعي أنها كانت متصلة قبل زفافها ~~إلى الملك ببعض الشبان، إلا أن هنري الثامن لم يرق له ذلك، فما وصل إلى علمه أنها كانت ~~على اتصال قديم بكولبيبر حتى أمر بقتلها في عام 1542؛ أي بعد عامين من زواجها. # ودافعت المسكينة عن نفسها فقالت: إنها أخلصت للملك منذ زفت إليه، وليس من حقه أن ~~يسألها عن شيء مضى، إلا أن الملك لم يأخذ بدفاعها هذا؛ فأمر بقتل جميع الذين جاء ذكرهم ~~فيما روى عنها وعن غرامياتها. # وأعدمت كاترين هوارد، واعترفت ساعة قتلها بحبها لكولبيبر فقالت: «إنني أموت ملكة! ~~ولكنني كنت أفضل على ذلك أن أموت وأنا زوجة حبيبي كولبيبر! ألا فليغفر الله لي! أيها ~~الناس، صلوا من أجلي!» # كاترين بار # وكان هنري الثامن قد تقدم في السن لما اختار كاترين بار زوجة سادسة له، وقد تخيرها ~~صغيرة السن أيضا. وكانت ماهرة على كثير من الدهاء؛ ولذلك فقد كان تعامله معاملة الأم ~~لطفلها الصغير حتى اطمأن إليها، وقد أفلحت بسياستها هذه في أن تعيش بعد موته، وقد كانت ~~هي ms34 الوحيدة التي تمكنت من ذلك من بين زوجاته، ويقال: إنه حاول الغدر بها في يوم من ~~الأيام، فوقع أمرا بإرسالها إلى السجن، ولكنه في الوقت الذي كان يوقع فيه هذا ~~الأمر كانت هي قد هربت من القصر. # ولعل الملك المزواج هنري الثامن هو الوحيد من بين الملوك الذي تزوج من ست ~~نساء. # | الملكة فيكتوريا والغراندوق إسكندر # منذ قرن # كانت بديعة الجمال، صغيرة السن، لها قلب ينبض كسائر الأحياء، ويضطرب للحب كما تضطرب ~~قلوبهم، ولم يكن يمكن أن يراها أحد إذا انقبضت أسارير وجهها فيظن أنها تنقبض لغير شاغل ~~نفسي لا دخل لمهام الدولة المختلفة فيه. # وقد حدثت الوقائع التي سنسردها هنا في عام 1839؛ أي منذ قرن من الزمان، وكانت الأخلاق ~~في ذاك العهد تختلف عن الأخلاق الآن؛ بحيث لم يكن يخطر لأهله ببال أن يزنوا بين الحب ~~والواجب حتى يرجح أحدهما على الآخر؛ ولهذا ظل غرام الملكة فيكتوريا دفينا في قلبها ~~تسطر ذكرياته أحيانا في مفكراتها، مع أنها كانت لا تزال في العشرين من عمرها. # الغراندوق إسكندر # في ربيع 1839، وصل إلى بلاط إنجلترا في حاشية كبيرة الغراندوق إسكندر، ولي عهد ~~الروسيا ووراث تاج القياصرة، في طوافه بأوروبا؛ امتثالا لرغبة والده القيصر. # كان الغراندوق شابا أشقر له عينان كبيرتان شديدتا الزرقة، وعليه مظهر الرجولة ~~الكاملة فوق ابتسامة ساحرة. وكان يتكلم الإنجليزية والفرنسية بطلاقة، ويرقص رقصا ~~بديعا، كما كان يجيد الحديث والمناقشة، ويتقن ركوب الخيل، ويحذق الصيد، ويؤمن بعظمته، ~~ولكنه ينساها بسهولة. # وكان عدد النساء اللاتي وقع عليهن نظره قليلا جدا، كما كان عدد الفتيات أقل؛ ولذا ~~كان فيه إغراء الشبان الذين لا يفكرون في الحب. # المقابلة الأولى # في يوم 4 مايو من عام 1839 كتبت الملكة فيكتوريا في مذكراتها ما يلي: # في الساعة الواحدة والنصف ذهبت إلى مكتبي حيث استقبلت الغراندوق الذي قدمه ~~اللورد بالمرستون، وكان بصحبته الكونت أورلوف والكونت بوزودي بورجو، وقد أجلست ~~الغراندوق، وله وجه رقيق وتقاطيع منبسطة صريحة تعجب من يراها دون أن يكون فيها ~~ما يتميز بالجمال، ms35 علاوة على عينين جميلتين زرقاوين، وأنف قصير، وفم بديع له ~~ابتسامة رقيقة. # وقد انتقلت على الأثر إلى حجرة الاستقبال حيث قدم لي الغراندوق رجاله ~~النبلاء. # وقد قادني سموه بنفسه أثناء السير، وجلست بينه وبين الأمير هنري، وجلس لورد ~~مارلبورو بين لادي نورمندي ومس أنسون . وإنني لأجد الغراندوق شخصا مسليا يميل ~~كل من يقابله لصحبته؛ فطيبته طبيعية، وهو بسيط مرح، كما أنه يكبرني بعام واحد ~~بالضبط. # وكل رجال حاشيته ظرفاء. إنني أحب الغراندوق كثيرا؛ فهو طبعي جدا، كثير ~~المرح، شديد الألفة. # وقد حدث بعد يومين أن تقابلت الملكة بالأمير في نزهة على صهوة الجياد؛ فتحدثت الملكة ~~عن المقابلة إلى صديقها الكبير ووزيرها اللورد ملبورن، كما أن الغراندوق تحدث عن هذه ~~المقابلة إلى رجل كان يميل إليه بنوع خاص من رجال حاشيته هو الجنرال يوريفتش. # وكتب الجنرال يوريفتش يوم 7 مايو من عام 1839 في مذكراته ما يلي: # حدثني الغراندوق بحماس عن نزهة قام بها مع الملكة فيكتوريا التي يميل إليها ~~كثيرا. # وهو يمتع بصحة جيدة. وقد انتهزت فرصة إرسال بريد السفارة لكي أبعث بتقريري ~~إلى القيصر. ويتحدث الجميع هنا عن استقالة رئيس الوزراء اللورد ملبورن. # الحفلة الراقصة # كان الغراندوق يسرف في الحديث عن إعجابه بالملكة للجنرال يوريفتش، حتى أدرك هذا ~~الأخير أنها أحدثت تأثيرا عميقا في نفسه، وأخذ يفكر فيما قد ينشأ عن هذه العلاقة من ~~نتائج سياسية قد تكون مبدأ العلاقات الودية بين إنجلترا والروسيا. # الملكة فيكتوريا. # ولا شك أن أحسن الوسائل للاستمتاع بشيء من الحرية بين نظام القصور الملكية الدقيق، ~~وقواعدها الصارمة في حدود البروتوكول الضيقة هي إقامة حفلة راقصة من المسلم أن ترقص ~~فيها الملكة بنفسها وترأسها، وتجري فيها المحادثات بشكل ودي. وليتصور القارئ حمى الليل ~~وهي تسري في عروق الاثنين، والموسيقى تدعوهما إلى سمائها الملأى بالعذوبة والرقة، ~~والأزهار ذات الرائحة الجميلة تحلق بهما إلى عالم الخيال الرقيق الجميل، والأنوار ~~الساطعة تملأ لهما جو المكان بالبهجة والرواء، والمرايا تعكس إليهما ألوان الجمال الذي ~~يمر أمامهما، فأي مكان يمكن ms36 لمخلوق أن يجد أنسب منه ليخرج فيه الغرام من نطاق السر ~~والكتمان؟ # وفي تلك الحفلة الباهرة رقص الغراندوق كثيرا مع الملكة، وكانت تبدو عليه مظاهر ~~السعادة ما دام إلى جانبها، كما كان يبدو على الملكة أنها سعيدة بصحبته، وكان جميع ~~الموجودين ينظرون إلى الاثنين بمنتهى الإعجاب ، ويرون فيهما «زوجا» بديعا. # وعاد ركب الغراندوق في الساعة الرابعة صباحا لما انتهت الحفلة، ولاحظ رجال الحاشية ~~مظاهر التفكير العميق وانشغال الفكر على سموه. # وقد كتبت الملكة فيكتوريا شيئا عن هذه الحفلة في مفكرتها الخاصة تحت يوم الجمعة 10 ~~مايو من عام 1839 فقالت: # دخلت في الساعة العاشرة إلى القاعة الأولى كما هي العادة، حيث وجدت أفراد ~~حاشيتي في انتظاري، ولحق بنا إلى تلك القاعة الغراندوق ومعه الكونت أورلوف ~~والأمير هنري أوف أورنج وغيرهم، ولما أتممت عمل «الدائرة» بدأ الرقص، وقد رقصت ~~أولا مع الغراندوق، ثم ذهبنا بعد ذلك إلى القاعة الأخرى حيث راقصت الأمير ~~دولجروكي، ثم اللورد دوجلاس. # وفي الساعة الواحدة تناولنا طعام العشاء واستأنفنا الرقص بعد العشاء بحماس ~~أعظم. # وعدنا بعد ذلك إلى القاعة الصغيرة حيث شاهدنا رقص بعض الاسكتلنديين، وكان ~~الغراندوق يجلس إلى جانبي، وقد ختمت الحفلة برقصة مع سموه، وغادرت الصالة في ~~الساعة الثالثة والدقيقة 15 صباحا وأنا في غاية الرضا، أشعر بشيء كثير من ~~سعادة الروح. # الأزمة # كانت الملكة فيكتوريا، في سذاجة الفتاة وبراءتها، تشعر بشيء كثير من سعادة الروح، أما ~~الغراندوق فعلى الرغم من أنه كان في مثل سنها الصغير، إلا أنه بدأ يقدر إلى أي مغامرة ~~سيئة كانت تسوقه الظروف والأقدار، وقد لبث يفكر ثلاثة أيام تبعها التصريح ~~والأزمة. # ففي يوم 12 مايو، أي قبل أن يمضي على تعارف الملكة والغراندوق أكثر من 8 أيام، كتب ~~الجنرال يوريفتش بيد مضطربة ما يأتي في مفكرته: # غادرني الغراندوق الساعة فقط، وأنا الآن في شدة الاضطراب والارتباك. كان ~~الغراندوق شاحب الوجه جدا، وقد صرح لي بأنه يحب الملكة، وأنه على ثقة من أنها ~~تحبه كذلك. إن هذا التصريح يزعجني كثيرا؛ ms37 إذ إنني أعلم مقدار رقة إحساسه، وقد ~~طلبت من سموه أن يترك لي مهلة للتفكير. # وفي اليوم التالي صارت الأزمة واضحة، وكتب الجنرال يوريفتش ما يلي تحت يوم: # الاثنين 13 مايو سنة 1839 # طلب مني الغراندوق في هذه الليلة أن أبقى إلى جانبه، وقد جلس ساكنا لا يتحرك ~~مدة طويلة وكأنه لا يشعر بما يحيط به، وبعد صمت طويل بدأ الحديث بهذا الاعتراف المروع: # إنني أحب الملكة، وأنا واثق من أنها تحبني. لم أكتم في حياتي سرا ~~عنك، وأنا أصرح لك الآن بأن هذه هي أول مرة في حياتي أصادف فيها امرأة ~~وأحبها حقا، وأشعر بالسعادة إلى جانبها. # وقد حدثني طويلا في هذا المعنى حتى تأثرت كثيرا، وذكرت له أن الارتباط ~~بالزواج بينه وبينها غير ممكن أبدا، وأنه لا يجب أن يغفل عن واجباته؛ إذ إنه ~~لو أراد أن يتزوج الملكة لوجب عليه أن يتنازل عن حقوقه في وراثة عرش القياصرة، ~~وأن هذا ما لا يمكن أن يقره عليه ضميره. # ولم يتردد الغراندوق في أن ينضم إلى رأيي، ولما غادرني كان على شيء كثير من ~~الأسى والحزن. # إنني أشعر بارتباك عظيم، فهل يجب أن أقص كل هذا على القيصر؟ لا شك أن غضبه ~~يكون عظيما لو سمع به. # وبعد يومين تحرجت الأزمة عن ذي قبل، فكتب الجنرال يوريفتش تحت يوم: # الأربعاء 15 مايو # إن حالة الغراندوق تسبب لي قلقا عظيما، فغرامه يزيد من يوم إلى آخر، وهو ~~يشعر بألم شديد، وقد اضطر أن يعترف بأن مركزه صار مستحيلا. # إنني أعتبره ابنا لي؛ ولذلك فأنا أتألم لألمه. وقد تحدد سفرنا يوم 30 مايو، ~~ولكنه صرح لي برغبته في البقاء. # وهو على ثقة من أنه لو طلب يد الملكة للزواج، فإنها ستوافق في الحال على أن ~~تصبح زوجته. ألا فليساعدني الله في هذه الأزمة؛ فقد كانت سعادة ابني هي غرضي ~~الوحيد في الحياة، ولكن القرار الذي يجب أن أتخذه في هذه المسألة في غاية ~~الوضوح. إن مسئوليتي كبيرة، وقد قال لي: إني ms38 صديقه الوحيد، وإنني الشخص الوحيد ~~الذي يمكنه أن يساعده. # إلى النجدة # كيف يضبط الجنرال يوريفتش نفسه من أن يصيح هذه الصيحة بعد أن رأى الأمور تتطور بسرعة، ~~وهو يعرف القاعدة في الحب، وهي أن الجرح السريع أفضل بكثير من العلاج البطيء المفعول، ~~إذن يجب التأثير على الغراندوق، ويجب التأثير على الملكة؛ ولذلك قرر الجنرال أن يتحدث ~~إلى إحدى المقربات من فيكتوريا حتى تراقب مقابلات الحبيبين، وتعمل على إبعادهما عن ~~بعضهما كما سيعمل هو. # وتمكن الرجل في يوم 22 مايو من محادثة البارونة «ل ...» محادثة طويلة، وكانت هذه ~~البارونة هي الوحيدة التي تستأمنها الملكة على أسرارها، وقد اتضح له أن الملكة أسرت ~~إليها بأنها تحب الغراندوق حقا، وأنه أول رجل أحبته في حياتها، كما أنها لا تشعر ~~بالسعادة إلا إذا كانت إلى جانبه، وهي تجده جميلا ظريفا، بل لقد ذهبت الملكة إلى أبعد ~~من ذلك، فصرحت لأمينة سرها أنه لو تقدم الغراندوق يطلب يدها؛ فإنها لن تتردد في ~~القبول. # وبين الجنرال للبارونة ما قد تفضي إليه هذه العلاقة الغرامية من نتائج خطيرة، واتفق ~~معها على أن يعمل هو وهي، كل من ناحيته، على منع وقوع هذه الكارثة. # الحفلة الأخيرة # وكان يوم الفراق يقترب ومظاهر الألم والحزن تبدو على الغراندوق، كما أن الملكة أصيبت ~~بذهول غريب ارتعب له صديقها الكبير اللورد ملبورن، ولكنهما - الملكة والغراندوق - كانا ~~قد أدركا بعد أن هدأت عاطفتهما واستقرت أنه لا يجب أن يفكر الواحد منهما في الآخر؛ إذ ~~يجب أن يسافر هو ليؤدي واجبه لبلاده، كما يجب أن تبقى هي لتؤدي واجبها. # وقد بلغ من حزن الملكة أن صارت لا تسجل في مفكرتها غير تفاصيل مقابلاتهما الأخيرة. ~~وفي يوم 27 مايو أقيمت حفلة الوداع الأخيرة، فكتبت عنها الملكة ما يلي: # لقد كان يوما جميلا بديعا، ومع ذلك لا أعرف لماذا كان أول شعور خالجني، ~~على الرغم من جمال اليوم واخضرار نباته وبهائه، هو شعور الحزن. وقد رأيت ~~الغراندوق وهو يصل إلى القصر في الساعة السابعة والدقيقة 20، وقد ms39 أرسل إلي ~~التحية وأنا في نافذتي، ثم تناول الطعام في الساعة الثامنة والدقيقة 15 مع رجال ~~حاشيته. # الغراندوق إسكندر. # وقد ذهبنا بعد العاشرة بقليل إلى الصالون الأحمر، وهو الذي يؤدي إلى حجرة ~~المائدة، وكانت به فرقة موسيقية، وهناك بدأنا الرقص. وقد رقصت أولا مع ~~الغراندوق، ثم عزفت الموسيقى دورا للفالز فبقيت في مكاني، ورقصت بعد ذلك مع ~~المسيو تولستوي، ثم جاء دور الفالز من جديد فلازمت مكاني كما لازمه ~~الغراندوق. # وبعد منتصف الليل بقليل انتقلنا إلى حجرة المائدة للعشاء، وبعد العشاء رقص ~~الجميع المازوركا # 1 # نحو نصف ساعة. وقد طلب مني الغراندوق أن أشترك فيها بأن أدور بضع ~~خطوات ففعلت، ولم أكن قد جربت ذلك من قبل فوجدته لطيفا. ولما كان الغراندوق ~~خفيف الحركة، فإن زميلته في الرقص تضطر إلى العدو للحاق به، ومن ثم تشعر كأنها ~~تطير كما هو الحال في رقصة الفالز. # ولقد رقصت مع الغراندوق وعبثت معه وضحكت كثيرا، حتى إنني لم أشعر بتسلية مثل ~~التي شعرت بها وأنا إلى جانبه، وقد آويت إلى مخدعي في منتصف الساعة الرابعة ~~صباحا، ولكنني لم أتمكن من النوم إلا إلى الساعة الخامسة! # وكان اليوم التالي يوم الوداع، فقابلت الملكة صديقها اللورد ملبورن مقابلة طويلة، ~~وذكرت الملكة في مفكراتها أنها قالت للوزير: إن جميع أنواع التسلية والاستمتاع تحدث ~~في تأثيرا حسنا. # فأجابها اللورد ملبورن: ولكنك تتألمين فيما بعد! يجب أن تعتني بصحتك حتى لا يصيبك ~~المرض، إنك تشكين من الألم المتزايد ومن المجهود الذي تبذلين؛ ولذلك فإنه سيكون مما ~~يضايقك حقا أن تشعري بعد ذلك بالاشمئزاز وعدم الميل إلى العمل. # فأجابته الملكة مؤكدة: إن هذا ما لا يمكن أن أحتمله لو شعرت به. # فقال لها: إنك تعيشين حياة غير طبعية بالنسبة لسيدة صغيرة السن، إنها معيشة ~~رجل. # وأجابته الملكة بحزن: إنني أشعر بهذا أحيانا. # وتحدثا بعد ذلك قليلا عن الغراندوق. # الوداع # وجاءت ساعة الوداع، فدخلت الملكة إلى المخدع الملاصق لغرفة نومها، وكان اللورد ~~بالمرستون قد أدخل الغراندوق إلى تلك الغرفة واستأذن ms40 في الانصراف. # ولما دخلت الملكة أمسك الغراندوق بيدها وضغط عليه بشدة، وكان شاحب الوجه، واضطرب صوته ~~وهو يقول لها: إن الكلمات تخونني إذا أردت أن أعبر لك عن كل ما أشعر به. # وأخذ بعد ذلك يشكرها على العناية التي حبته بها مدة وجوده بإنجلترا، وذكر لها أنه ~~يأمل العودة في يوم من الأيام، كما أكد لها أن ذلك مما يوثق عرى الصداقة بين ~~الدولتين: إنجلترا والروسيا. # وبعد ذلك ضغط على يدها وقبلها، فعانقته الملكة وقبلته على خديه، فقبلها هو الآخر ~~بدوره بشكل ذكرت عنه في مذكراتها أنه ممتلئ بالحرارة والإخلاص والحب. # وارتبطت أيديهما من جديد بعد ذلك. # قال الملكة في مذكراتها: # إن ما شعرت به إذ ذاك كان انتزاعا لصديق، لا رحيل شخص غريب. إنني أشعر بأنني ~~حزينة جدا وأنا أفترق عن هذا العزيز، عن هذا الشاب المحبوب، حتى إنني أفكر في ~~أنني عشقته قليلا، وأنني بالتأكيد قد ارتبطت به ارتباطا وثيقا، فهو على شيء ~~كثير من الصراحة، كما أنه صغير السن، ممتلئ بالمرح، ووجه أبدا مبتسم، ساحر ~~الجمال، تتجلى فيه الرجولة. # أما الغراندوق، فبعد أن انتهى من وداع الملكة ووجد نفسه وحيدا مع الجنرال يوريفتش، ~~ارتمى بين ذراعيه وبكى الاثنان طويلا. # وذكر الغراندوق للجنرال - بعد أن بكى طويلا - أنه لن ينسى هذا الفراق، وأن اللحظة ~~التي قبل فيها الملكة فبادلته قبلته هي أسعد لحظات حياته. # لا شك أن غرام الملكة فيكتوريا والغراندوق إسكندر كان غراما حيا تتجلى فيه عظمة ~~الملكية وذلها أمام سلطان الحب. # | الملكة اليصابات واللورد روبرت ددلي # الزواج # اشتهر روبرت ددلي بالشجاعة منذ نعومة أظفاره، ولقد أرسل ذات يوم في مهمة خاصة؛ هي ~~إخضاع الثورة التي تعرف في التاريخ الإنجليزي «ثورة كيت»، وفي طريقه إلى مكان الثورة ~~مر بقصر السير جون روبزارت وحل لديه ضيفا، مع أنه كان لا يعرفه قبل ذلك، ورأى هناك ~~ابنة مضيفه السير روبزارت واسمها «آمي»، فأعجب بجمالها إعجابا عظيما، وصمم على ~~الزواج منها مهما كلفه ذلك. # ولا شك كذلك أن آمي الجميلة ms41 قد أعجبت هي الأخرى بجمال الشاب روبرت. كانت لأسرة الشاب ~~شهرة عظيمة في تاريخ إنجلترا تفوق شهرة أسرة السير روبزارت؛ لأن والده وجده قد ~~حوكما بتهمة الخيانة العظمى، كذلك سمعت الفتاة أن الشاب روبرت كان صديقا وزميلا ~~للأميرة إليزابيث منذ صغرها، وكانت إنجلترا بأجمعها قد بدأت تهتم بهذه الأميرة وتتبع ~~أخبارها. وأخذ والد الفتاة السير جون روبزارت يقوم بتحريات دقيقة تتعلق بالشاب الذي ~~تقدم إليه يطلب يد ابنته للزواج، وكانت آمي سترث ثروة عظيمة؛ إذ لم يكن لوالدها ~~غيرها وغير ابن آخر اسمه أرثر روبزارت. وكانت والدة آمي أرملة حين تزوجت السير جون ~~روبزارت؛ ولذلك كان لآمي أخوان وأختان من أمها يحملون جميعا لقب أبليارد. # ولما تأكد السير جون أن صلة الحب بين ابنته وبين الشاب روبرت ددلي قد أصبحت وثيقة، ~~وأنها يتمنيان الزواج، زوجهما بحضور الملك إدوارد الخامس في حفلة باهرة، وكان سن ~~الزوجة إذ ذاك ثمانية عشرة عاما، أما الزوج فكان يكبرها بعام واحد. # اشتهر العهد الذي حدثت فيه هذه الواقعة بالقسوة الشديدة، ولم تكن القسوة هي قسوة ~~الإنسان على الحيوان، بل كانت قسوة الإنسان على أخيه الإنسان! كان من السهل إذ ذاك أن ~~يستأجر المرء قاتلا ليخلصه من عدوه، كما كان كل المتصلين بالبلاط يخشون السم، حتى إن ~~الناس كان يحذر بعضهم بعضا من تناول أي شراب لم تعده يد يثق بها وبإخلاصها، وكلما ~~علا مركز الشخص كلما ازداد الخطر على حياته. # وعندما تزوجت آمي من روبرت ددلي الجميل، لم يكن أحدهما يخشى الموت الفجائي؛ إذ على ~~الرغم من سمو مركزهما وصغر سنهما لم يكن هناك من يكن لهما شيئا من العداء أو ~~الحسد. ولما كان السير جون روبزارت يظهر الحب لابنته، فقد منحها هي وزوجها قصره في ~~سيدرستون. # بين أحضان السعادة # أخذ الزمن يمر تباعا، وكانت آمي تزداد جمالا، وكانت تفوق زميلاتها الجميلات ~~المتأنقات في العناية بالملبس. وكانت العناية العظيمة بالملبس، سواء أكانت ملابس ~~الرجال أم النساء، شيئا عاديا في ذلك العهد، كما لم يكن غريبا ms42 أن تحلي المرأة ~~ملابسها بالأحجار الكريمة واللآلئ. وكانت اللادي روبزارت ددلي تصرف مقدارا عظيما من ~~المال سنويا على ملابسها دون أن يؤثر ذلك في ماليتها، وما لبث والدها أن توفي ~~فورثت عنه مالا وفيرا، وأصبحت أغنى مما كانت بكثير. # على أن شيئا واحدا كان يسبب لها الحزن والألم في حياتها، وذلك هو إخفاقها في ~~الحصول على البنين، وكان زوجها يشاركها في ألمها ورغبتها العظيمة في الحصول على ~~ولد. # كان من العبث في ذلك الوقت أن يحاول الإنسان أن يحيا حياة هادئة ساكنة حتى إذا كان ~~سعيد الحظ مثل آمي روبزرات؛ ولذلك لم يمض على زواجها أكثر من ثلاثة أعوام حتى زج ~~بزوجها روبرت ددلي في السجن متهما بالاشتراك في تدبير ثورة ضد الملك. ومع أن سن ~~زوجته آمي كان إذ ذاك لا يزيد على واحد وعشرين عاما، إلا أنها برهنت على شجاعة فائقة ~~ومهارة؛ فقد أدرات أعمال زوجها بنفسها، وأسرعت إلى لندن حيث تمكنت من أن تحصل على إذن ~~بمقابلته في السجن بعد أن صادفتها صعوبات جمة. # وتابعت مساعيها حتى أفرج عن زوجها، وعاد الزوجان عقب ذلك إلى الريف حيث عاشا معيشة ~~بذخ وحب متبادل. # اليصابات # وفي السابع عشر من شهر نوفمبر 1558، ارتقت إليزابيث العرش الإنجليزي، وقد خلد هذا ~~اليوم على وجه التاريخ، وبمجرد أن صارت ملكة أظهرت العطف والود لصديق طفولتها وزميلها ~~في ألعابها روبرت ددلي، فأنعمت عليه في بادئ الأمر بلقب فارس، ثم ما لبثت أن أنعمت عليه ~~بنيشان ربطة الساق. وأخذت آمي روبزارت إذ ذاك تلاحظ على زوجها «انشغاله في مهام خطيرة ~~ملقاة على عاتقه تسبب له هما كثيرا»، كما عبرت هي بنفسها عن تلك المشاغل. وقد ~~اتضح أن الملكة إليزابيث لا تكاد تتركه يغادر أنظارها. وما لبث اهتمام جلالتها بهذا ~~الشاب الذي كان أجمل شبان القصر شكلا، وأذكاهم عقلا، وأصغرهم سنا، أن أخذ يلفت ~~أنظار السفراء الأجانب، ويثير غضب النبلاء التابعين للملكة. # أقاويل وإشاعات # وقد سر السفراء الأجانب إذ وجدوا شيئا مثيرا للاهتمام يمكنهم أن يفصلوا ms43 خبره في ~~رسائلهم إلى حكوماتهم، وكان أكثر هؤلاء السفراء الأجانب اهتماما بهذه المسألة ~~وتتبعا لتفاصيلها ودقائقها هو السفير الإسباني، واسمه كودرا. # كانت الكلفة مرفوعة بين الملكة وروبرت حتى أمام الجموع المحتشدة؛ ولذا بدأ الموجودون ~~بالقصر يستغربون ما يشهدون ويشمئزون منه، وأخذ الناس يتهامسون إذ ذاك فيقولون: إنه لو ~~تمكن اللورد روبرت ددلي من التخلص من زوجته، فربما أمكنه الوصول إلى مركز الملك أو ~~نائب الملك. # وكان كودرا السفير الإسباني يسيء الظن باللورد روبرت ددلي إلى أبعد حد، حتى لقد ~~وصفه فقال عنه في رسائله إلى حكومته: ~~«هو أسوأ شاب قابلته في حياتي، فهو بلا قلب ولا روح، كله خيانة وقسوة. وهو ~~يزداد في طغيانه يوما بعد يوم، ويقولون اليوم إنه ينوي أن يطلق ~~زوجته.» # ولما بلغت هذه الإشاعة آذان شقيق آمي؛ أرسل إلى أحد أصدقائه يقول له: ~~«يجب أن يقلع اللورد روبرت عن نواياه هذه بخصوص طلاق شقيقتي، وإلا فإنه لن ~~يموت الميتة الطبيعية.» # وبدأت الإشاعات تنتشر في المملكة حتى لقد قبض على امرأة وأرسلت إلى السجن؛ لأنها ~~سمعت تتحدث فتقول: إن للملكة ولدا من اللورد روبرت ددلي. # وإذ ذاك هدد السياسي الكبير، سيسيل، الملكة بالاستقالة إذا استمرت على إظهار الميل ~~لروبرت ددلي بهذا الشكل الفاضح، الذي جعل البلاد كلها تتحدث عن علاقته بها، ومع أن ~~أحدا لم يتمكن من أن يذكر كلمة من هذا في حضرة الملكة، إلا أن الناس في خارج القصر ~~كانوا يتحدثون بصراحة فيقولون إن روبرت ليس هو فقط السيد الآمر في شئون الدولة، بل هو ~~صاحب السلطان على شخص الملكة. وقد صارح سيسيل، السياسي الكبير، سفير إسبانيا فقال له ~~إنه لا يشك في أن الملكة وعشيقها يفكران في القضاء على حياة زوجة روبرت؛ آمي روبزارت. ~~كما راجت إشاعة بأن النية معقودة على التخلص من اللورد روبرت ددلي بواسطة السم. ولم ~~تتردد شقيقة روبرت نفسه في أن تخبر كودرا، السفير الإسباني، بأن السم سيقدم للملكة ~~ولعشيقها مدسوسا في الطعام في وليمة خاصة تقام لهما، فكتب هذا ms44 السفير يقول: # يمكن أن يتنبأ المرء بسهولة بأن اللورد روبرت ددلي هو الملك المقبل، ولكن ~~يخطئ من يظن أن الشعب الإنجليزي سيوافق على ذلك بسهولة، أو أنه سيشاهد ذلك وهو ~~مكتوف اليدين؛ إذ ليس هناك رجل أو امرأة يمر بالملكة وباللورد روبرت إلا ~~ويقابلهما بصيحات الازدراء والاستنكار. وأخذت المسألة تزداد سوءا حتى امتنع ~~اللورد روبرت نهائيا عن الذهاب إلى نورفولك؛ حيث كانت زوجته تعيش وحدها شقية ~~بائسة بعد أن أهملها. # في قصر كمنور # وفي صيف عام 1560، وكان قد مضى على إليزابيث عامان وهي تحكم البلاد، أرسل اللورد ~~روبرت ددلي إلى زوجته يخبرها أنه يرغب منها أن تنتقل إلى قصر كمنور، وهو قصر جميل ~~بالريف بناحية أكسفورد. والظاهر أن آمي روبزارت ذهبت إلى هناك دون أن تساورها ريبة ما، ~~وشعرت بشيء من الرضا والسرور حين رأت جمال قصر كمنور، وعرفت أنه يفضل بكثير قصر ~~نورفولك حيث كانت تعيش من قبل. وقد كان قصر كمنور على الأقل أقرب إلى لندن من أي قصر ~~آخر. # كان القصر جميلا جدا، اشتهر بحدائقه الغناء، والبرك المعدة لصيد الأسماك ~~فيه، وكان ملكا لطبيب الملكة الخاص، واسمه أوين، حتى اشتراه منه أحد أتباع روبرت ~~ددلي. # الموت # لما كانت آمي روبزرات امرأة غنية بثروتها الخاصة، فقد عاشت في قصر كمنور معيشة ~~مترفة، وكان لديها الكثير من الخدم والحشم، بينهم من يكن لها إخلاصا عظيما، ~~ولكن إلى جانب هؤلاء كان هناك بعض العيون والأرصاد الذين وضعهم زوجها روبرت في خدمتها ~~لتنفيذ أغراضه، ومن بينهم فورستر وفوني - وقد اشتهرا بدناءتهما ونذالتهما - وكانت بين ~~التابعات زوجة أوين، وسيدة أخرى تدعى أدو ينجسلز، هي في الواقع خليلة فورستر. # بعد ذلك بمدة قصيرة بدأ القلق الشديد يستحوذ على آمي روبزارت؛ إذ سمعت تفاصيل كثيرة ~~عن علاقة زوجها بالملكة، ويقال إن شخصا ما صارحها بأنها العقبة الوحيدة في سبيل وصول ~~زوجها روبرت ددلي إلى مركز ملك إنجلترا، وبدأ الحزن العميق يدب إلى قلبها حتى ~~امتنعت نهائيا عن مقابلة زوجها. # وفي شهر سبتمبر من نفس ms45 ذلك العام 1560، أخبرت الملكة أحد السفراء الأجانب أن زوجة ~~اللورد روبرت تعاني أشد آلام المرض، إن لم تكن قد ماتت. مع أن المسكينة كانت في ~~الحقيقة لا تزال ممتعة بتمام صحتها. وأرسل ذلك السفير الخبر إلى حكومته بعد أن ~~علق عليه بقوله: إنه لا يظن أنه في حالة وفاة زوجة اللورد روبرت تقدم الملكة على ~~الزواج من هذا اللورد . # وحدث بعد أربعة أيام من اليوم الذي ذكرت فيه الملكة للسفير الأجنبي أن زوجة اللورد ~~روبرت مريضة جدا، أن كانت الزوجة المسكينة ملقاة في قصر كمنور وقد صعدت روحها إلى ~~خالقها حقا، تشكو إليه ظلم الإنسان لأخيه الإنسان. # كانت آمي روبزارت في يوم موتها بالذات قد سمحت لكل الخدم بالخروج، على أن بعضهم ظل ~~معها، وتناولت السيدة أوين معها طعام الغداء، ولم يعرف أحد البتة ما حدث بعد ذلك، على ~~أن الخدم بعد عودتهم من السوق وجدوا أن سيدتهم قد قضت نحبها بسقوطها من أعلى السلم، ~~وقيل لهم إن قدمها زلت فوقعت برأسها على الأرض وماتت. # وبعد ثلاثة أيام كانت الأخبار قد انتشرت في كل قرية من قرى إنجلترا، وأخذ الناس ~~يتناقشون في الحادث، وكذبوا - بسخرية قاسية - نظرية وفاة آمي روبزارت بحادث فجائي ~~لم يكن متوقعا، واتهموا روبرت ددلي علنا بأنه المحرض على موت زوجته. # الملكة اليصابات. # وفي اليوم التالي لموت آمي كان زوجها روبرت ددلي في خدمة الملكة بقصر وندسور حين ~~أخبروه أن خادما يدعى «بويز» حضر من قصره الخاص، وأنه يرغب في مقابلته في الحال في أمر ~~عظيم الأهمية. # وغادر الرجل الملكة في الحال، وسمع نبأ موت زوجته من الرسول فلم يعبر عن رعبه ~~وحزنه فقط لدى سماعه الخبر، ولكنه صرح لمن حوله بأنه على ثقة من أن موتها قد دبر ~~تدبيرا، وأنه سيتهم بالاشتراك في ذلك التدبير. # التحقيق # وظن جميع من بالقصر أنه سيذهب في الحال إلى قصر كمنور حيث ماتت زوجته، ولكنه بدلا من ~~ذلك أخذ يبعث الرسل تباعا إلى أهلها وأقاربها في نورفولك، وكتب خطابا لصديق ms46 من ~~أصدقائه يدعى توماس بلونت، طلب منه فيه أن يقوم بالتحقيق في موت زوجته، ورجاه أن يسرع ~~إلى قصر كمنور ويختار عددا من أنزه القضاة وأمهرهم للقيام بالتحقيق الدقيق في سبب وفاة ~~آمي روبزارت، وأمر كذلك أن تعرض الجثة على المحققين لفحصها. # وطلب من صديقه هذا أن يضع له تقريرا مفصلا يقرر فيه إذا كان السبب في الوفاة هو ~~الصدفة السيئة، أم أنه تدبير أثيم مجرم؟! ومهر الخطاب بتوقيع «صديقك المحب المضطرب»، ثم ~~كتب حاشية بأنه طلب من أحد إخوان زوجته من أعضاء أسرة أبيلارد أن يشترك في ~~التحقيق. # من المستحيل الجزم بما إذا كان روبرت ددلي قد كتب هذا الخطاب عن إخلاص وأمانة، أو أنه ~~كان يود أن يفهم صديقه ما تنطوي عليه كلمات الخطاب من معان مختلفة، ومهما يكن فإن ~~الصديق بلونت بدلا من أن يذهب توا إلى قطر كمنور حط رحاله في فندق بقرية صغيرة حتى ~~يسمع ما يقوله عامة الناس عن الوفاة وأسبابها، وبمجرد وصوله دخل مشرب قهوة وأخذ يستمع ~~لما يقول الموجودون بالمشرب، ولكنهم لم يتحدثوا في هذه المسألة إلا قليلا، حتى صاحب ~~المشرب صرح له بأن البعض يتحدثون بالخير عن روبرت، بينما غيرهم يتحدثون بالشر. # وعاد بلونت بعد ذلك إلى قصر كمنور بعد أن فشل في التقاط خبر من أفواه العامة، ومن ~~هناك حرر خطابا طويلا لروبرت ددلي لم يحو إلا القليل من التفاصيل عن وفاة آمي ~~روبزارت. وقد ورد فيه صلة الخادم فورستر بهذه المأساة للمرة الأولى. والغالب أن فورستر ~~هو الذي قتل آمي روبزارت؛ إذ إنه كان صنيعة لروبرت. # ولقد أعدمت الأوراق الخاصة بالتحقيق فيما بعد، ولكن على الرغم من هذا ظل بعض المحققين ~~يعتقدون اعتقادا جازما بأن فورستر هو القاتل. وقد أعلن أبيلارد فيما بعد أن فورستر قد ~~قتل آمي بتحريض زوجها. وسواء أكان فورستر قد ارتكب الجريمة تلبية لرغبات «روبرت ددلي» ~~أم رغبات الملكة؛ فإنهما أسبغا عليه كثيرا من النعم بعد ارتكابها. # وبعد انتهاء التحقيق دفنت جثة آمي روبزارت بهدوء ms47 عند كنيسة كمنور، ولكنهم ما لبثوا ~~أن أعادوا دفنها في أكسفورد باحتفال فخم. # حول زواج الملكة # وفي نفس الوقت كانت كل إنجلترا قد بدأت تتهامس احتجاجا على الملكة وعلى روبرت ددلي، ~~وأخذت الشكوك والريب تتزايد لدى الناس حتى لم يصبح لديهم شك في أن آمي المسكينة زوجة ~~اللورد ددلي قد ماتت مقتولة. # ومع أن الملكة سرت لأن حبيبها قد تخلص نهائيا من أسر الزواج، إلا أن القلق أخذ ~~يتناوبها من جراء الإشاعات التي انتشرت بعد مقتل آمي روبزارت؛ ولذا لم يسعها إلا أن ~~ترسل في استدعاء السفراء الأجانب، وأعلنت لهم في ابتسام أنها لم تعد تفكر بالمرة في ~~الزواج من رجل إنجليزي، ولكنها تنوي أن تختار زوجا من الأمراء الأجانب حتى يصير ملكا ~~أو نائب ملك! ولكن لم يصدق أي واحد من السفراء كلامها، وعرفوا جميعا ما وراءه من خداع، ~~وكتبوا إلى حكوماتهم يقولون: إن أخبار زواج الملكة من روبرت ددلي ستعلن بعد وقت ~~قصير! # وأخذ النفعيون وعباد المصالح الشخصية يتصلون بروبرت ددلي؛ نظرا لنفوذه، وأخذ يتلقى ~~رسائل العزاء المتتابعة في وفاة زوجته، وكان بينها رسالة مؤثرة من السفير الإنجليزي في ~~باريز، الذي أرسل في نفس الوقت إلى السياسي سيسيل رسالة أخرى يلح عليه فيها أن يمنع ~~زواج الملكة ب «ددلي»، وقال في خطابه: «إنه لو تم الزواج لقلت الثقة في حكمنا، وزال ~~نفوذنا، ورحنا ضحية.» ولم يكتف بذلك، بل كتب خطابا آخر إلى صديقه السفير الإنجليزي ~~بإسبانيا يقول فيه: «إنه إذا كانت إنجلترا تعتقد أن عنق آمي روبزارت قد دق صدفة، ~~وأنها ماتت ميتة طبيعية، فإن فرنسا تعتقد أن آمي روبزارت قد ماتت قتيلة في سبيل ~~الملكة.» ولكنه مع ذلك لم يذكر في خطابه ما كان يتناقله الناس في البلاط الفرنسي بلهجة ~~التأكيد؛ وهو أن الملكة قد تزوجت سرا من اللورد روبرت ددلي عقب وفاة آمي ~~روبزارت. # وقد حدث إذ ذاك أن قابل السير هنري سيدني، وهو شقيق آمي روبزارت، السفير الإسباني ~~كودرا، وأخبره في حديث خاص أنه تأكد ms48 تماما أن شقيقته آمي قد ماتت ميتة طبيعية، وأن ~~الملكة واللورد روبرت قد أصبحا الآن محبين يرغبان في زواج شرعي أمين، وأعلن له أنه حقق ~~المسألة كلها بنفسه، وأحاط بظروف وفاة اللادي روبرت، فتأكد أنها ماتت بتأثير سقوطها من ~~أعلى السلم. # وقد رد كودرا، السفير الإسباني، على ذلك بقوله: إن كل ذلك قد يكون صحيحا، على أن ~~اللورد روبرت سيجد صعوبة عظيمة حتى يحمل الناس على تصديق ذلك، وأن آمي روبزارت لو كانت ~~ماتت مقتولة حقا فلا شك أن الله سينزل عقابا رادعا بمدبري الجريمة. وهنا تحول السير ~~هنري سيدني عن موضوع الحديث بحماقة غريبة، فصارح السفير الإسباني بأن الملكة إليزابيث ~~على استعداد لأن تعيد نشر المذهب الكاثوليكي في إنجلترا لو أن ملك إسبانيا يساعدها على ~~تحقيق رغبتها في الزواج من روبرت ددلي. # وتقدم روبرت ددلي نفسه إلى السفير الإسباني بنفس هذا العرض، وكان ذلك بعد أربعة شهور ~~فقط من وفاة زوجته. وبعد يومين، استدعت الملكة السفير الإسباني إليها، وبدأت حديثها معه ~~بقولها: إنها على الرغم من معرفتها لما يتميز به اللورد روبرت من الصفات الجليلة ~~والفضائل، إلا أنها لم تقرر بعد الزواج منه أو من أي رجل آخر، ولكنها مع ذلك تشعر كل ~~يوم بحاجتها إلى زوج مخلص يعاونها في أداء مهمتها الكبرى، وهي تظن أن شعبها يفضل أن ~~تتزوج مليكته من رجل إنجليزي، على الرغم من أن عروض الزواج من أجانب كانت عديدة أمام ~~أنظارها. # ووجد السفير الإسباني الفرصة سانحة لكي تستفيد إسبانيا من رغبة الملكة في الزواج ~~لإعادة المذهب الكاثوليكي إلى إنجلترا، فانتهز خلوته مع الملكة وعشيقها وقال لها: إنه ~~يستغرب لماذا لا تنزع جلالتها عن نفسها نير من يعترض طريقها، وتعيد الدين الحنيف إلى ~~البلاد، وتتزوج بعد ذلك بمن تريد ويشتهي قلبها. # ولكن لم ينفذ شيء من هذه النصيحة، واستمرت الملكة على غرامها بروبرت، وبعد أن كان ~~روبرت يعيش في القصر في غرف بعيدة جدا عن غرفها، أمرته في يوم من الأيام أن ينتقل إلى ~~غرف ms49 تقع فوق غرفها تماما؛ بحجة أن غرفه غير صحية، والحقيقة أنها كانت تريده على مقربة ~~منها. # شهوة الانتقام # وتتابعت الأسابيع والشهور والأعوام، وأخذت النعم تنهال من جانب الملكة على لورد ~~ليستر، ولكنها مع ذلك لم تتزوج منه لكي تصل به إلى مركز يقارب مركز الملك الشرعي، ولم ~~يكن غريبا بعد ذلك أن يزداد في طغيانه، ومع أنه كان مسرورا بنفوذه العظيم وجاهه، إلا ~~أنه كان يرغب في الانتقام من كل من يظن أنه قد سبب له الأذى في الماضي أو ناصبه ~~العداء. # وأخذ ينقب عن أشخاص ينتقم منهم حتى أنزل الرعب بقلوب من بالقصر، ولم يكن أحدهم يجرؤ ~~على انتقاد تصرفاته جهرا، ولكنهم كانوا يمعنون في نقده إذا كان غائبا عن مجلسهم، حتى ~~قال أحد القضاة الإنجليز إذ ذاك: «لو أنني أمرت بسجن كل من يتحدث بشر عن لورد ليستر؛ ~~لوجب أن يكون عدد سجون إنجلترا موازيا لعدد المنازل المعدة للسكنى.» # وكان للورد ليستر معرفة تامة بأنواع السموم، ويرجح أنه هو قاتل السفير تروكمورتون - ~~وكان تروكمورتون هو السفير الذي كتب له خطاب عزاء مؤثر عند وفاة زوجته آمي، ولكنه حرر ~~في نفس الوقت خطابين آخرين إلى السياسي سيسيل، وإلى سفير إنجلترا في إسبانيا يعترض ~~فيهما على زواجه من الملكة - ولقد توفي هذا السفير بعد أن تناول طعام الغداء مع اللورد ~~روبرت، ولما عاد إلى منزله شعر بآلام داخلية حادة؛ فاستدعى أهل منزله وأعلن إليهم أنه ~~يرجح أن الرجل الذي تناول معه الطعام في ذلك اليوم قد دس له السم، ووصفه لهم بأنه ~~أكثر الرجال شرا وخطرا. # النساء # وقد أخذ كثيرون ينتظرون وفاة اللورد روبرت حتى يذكروا رأيهم فيه بصراحة. وبدأ هو بعد ~~ذلك يشغل بالنساء، وكان يوفق في الحصول على أجملهن دون مجهود كبير، كما كان مركزه ~~السامي يذلل العقبات التي تعترض رغباته. وكثيرا ما راح بعض الأزواج ضحايا لنزواته، ~~فأحب اللورد روبرت زوجاتهن، ووفق في الحصول عليهن، وكانت سلطته قد تضخمت تضخما عظيما، ~~كما أنه سئم الملكة وتسويفها الزواج ms50 منه وخداعها له؛ ولذلك تزوج سرا بسيدة تدعى لتيس ~~ديفيرو، ووشي به أحد أعدائه فحمل الخبر إلى الملكة، التي اشتد غضبها حين سمعت به حتى ~~هددت بإرساله إلى السجن، ولكنها قنعت أخيرا بطرد السيدة لتيس من القصر. # دولة ليستر # ولم تكن الأقدار غافلة عن الملكة وحبيبها، فبعد أربعة وعشرين عاما من وفاة آمي ~~روبزارت طبعت في بلجيكا رسالة عنوانها : «دولة ليستر» كان ملؤها المطاعن والمثالب، ~~ويقال: إن كاتبها كان كاهنا فرنسيا، وإنه كتبها بتحريض السياسي سيسيل، وكانت مقدمة ~~الرسالة هذه الجملة فقط: «ستكشف السماء عن فجوره وتثور الأرض ضده.» # وتمكنت بعض نسخ هذه الرسالة من الوصول سرا إلى إنجلترا حيث قرئت باهتمام عظيم، حتى ~~اضطرت الملكة إلى أن تصدر منشورا تستنكر فيه كل ما ورد في الرسالة، وتعلن امتلاءها ~~بالكذب والبهتان. ومع أن شواطئ إنجلترا كلها روقبت بدقة إلا أن الرسالة كانت تنتشر ~~باستمرار، وما لبثت أن ذاعت في البلاد، وأخذ الناس ينقلونها بخط أيديهم، ولا تزال بعض ~~هذه النسخ الخطية باقية إلى اليوم. # كانت الرسالة قوية جدا في حملتها على ليستر، فلم يوصف فيها بأنه شخص كله خداع ~~وخيانة وكذب وفجور وجبن وكفر فقط، بل اتهم صراحة بأنه قاتل زوجته. # وقد فصل الكاتب المجهول قصة وفاة آمي؛ فذكر أن ليستر كان يريد في أول الأمر أن يدس ~~لها السم بإغراء فوني خادمه على تنفيذ الخطة الموضوعة، وقد طلب مساعدة الطبيب تيلي في ~~ذلك، ولكن الطبيب رفض الاشتراك في مثل هذه الجريمة المروعة. وأخيرا ترك ليستر طريقة ~~تنفيذ القتل لحنكة القاتل. # وذكر كاتب آخر أن آمي قد خنقت في فراشها أولا ثم ألقيت بعد ذلك من أعلى السلم فدق ~~عنقها؛ حتى يعتقد الناس بأن موتها كان من جراء عثرة قدمها وسقوطها من أعلى ~~السلم. # ورد أحد أقارب ليستر على رسالة «دولة ليستر» يدافع عن ليستر، ولكن رده لم يحدث أثرا ~~حتى إنه لما أعيد طبع «دولة ليستر» بعد مائة عام من صدورها لقيت رواجا كبيرا. # وقد خلد الروائي الإنجليزي المشهور ms51 السير ولتر سكوت صورة آمي روبزارت في روايته ~~«كنيلورث» لملايين القراء، وتناقل عنه الكتاب الأجانب بعد ذلك هذه الصورة، وجعلوها بطلة ~~من أبطال كثير من القصص في فرنسا وإيطاليا وألمانيا. # | كليوباترا ومارك أنطوني # مع يوليوس قيصر # وصلت كليوباترا إلى العرش بوساطة مؤامرة دبرتها ضد شقيقها الذي كان شريكها في العرش ~~تبعا للتقاليد القديمة، وكانت سنه إبان حكمهما المشترك إحدى عشرة سنة، وسنها ثمانية ~~عشر عاما، وكانا يحكمان مصر على اعتبار أنها مستعمرة رومانية، واستمر حكمهما المشترك ~~ثلاثة أعوام، ثم حدث أن تخاصما لسبب قد تكون الغيرة هي الباعث الأكبر عليه. وكان من ~~نتائج خصامهما أن شبت الحرب الأهلية بمصر، تلك الحرب التي كانت سببا في اتصال ~~كليوباترا بحبيبها الأول يوليوس قيصر. # وهناك فك اللفة فخرجت الملكة منها تبتسم. # كان يوليوس قيصر هو سيد العالم في ذلك الوقت، وكان قد انتهى من نزاعه مع بومبي، وكان ~~محور النزاع هو الإمبراطورية الرومانية، وخرج يوليوس قيصر منتصرا من هذا النزاع، وعاد ~~إلى روما، ولكنه ما لبث أن سمع بحدوث ثورة في مصر أشعلتها قوات بومبي، فأسرع إلى مصر. ~~وأسرعت كليوباترا إلى مقابلة قيصر؛ لأنها عرفت أنه أقوى حليف يمكن أن تعتمد عليه في ~~نزاعها مع شقيقها. # كان قيصر بالإسكندرية، وكانت كليوباترا وجيشها في معزل عنه؛ إذ حرم عليها الانتقال، ~~فكيف تصل إلى قيصر؟ أخيرا رأت أن تكلف خادمها أبلدورس أن يحزمها في لفة كبيرة ويحملها ~~في قارب إلى الشاطئ! وهكذا تم. وحمل أبلدورس اللفة على ظهره، وأخذ يسعى حتى تمكن من ~~المثول بحضرة قيصر وهو يحمل هديته، وهناك فك اللفة ونزلت الملكة تبتسم. وكم أعجب القيصر ~~بذكاء كليوباترا لهذه الفكرة! # كانت سن قيصر إذ ذاك خمسة وأربعين عاما، وسن كليوباترا واحدا وعشرين عاما، ولكن ~~هذا الفرق لم يمنع من توثق العلاقة بين الاثنين. كان قيصر رجلا قويا وجنديا ~~شجاعا، كذلك ظهرت له هي مخلوقا ناعما لطيفا كفيلا بأن ينسيه متاعب الحروب؛ إذ كانت ~~صغيرة الجسم، ظريفة الشكل، سوداء العينين والشعر. # ليس من المستغرب ms52 بعد ذلك أن يصغي قيصر إلى مشاريع ملكة مصر الصغيرة التي ملكت لبه ~~بسحر جمالها أولا، ورقة حديثها ثانيا. # كان للشئون السياسية دخل كبير فيما نشأ بينهما من حب، فإذا كانت كليوباترا قد سعت لأن ~~تعقد محالفة مع قيصر لصالحها وصالح مصر، فقد سعى هو أيضا لأن يحكم مصر حكما قويا ~~بوساطة كليوباترا. ومع ذلك يقال: إن قوة الحب الأول تجلت في غرام كليوباترا بقيصر، ذلك ~~الغرام الذي أنساها الشئون السياسية كلها. ولقد قضيا معا أوقاتا هنيئة، وكانت الحياة ~~بقصر الإسكندرية سلسلة متصلة من السعادة، وعلى الرغم من مئات المهام التي كانت تثقل ~~كاهل قيصر وتدفعه إلى السفر والرحيل عن مصر، وليس أقلها شأنا وجود زوجته في روما، على ~~الرغم من ذلك دفعه جمال كليوباترا وسحرها إلى البقاء بمصر، مع أنه كان قد أنهى إخضاع ~~المملكة، ولم يبق أي سبب يدفعه إلى البقاء. مع ذلك ظل بمصر مدة عام كامل، وقبل أن يرحل ~~ولد لكليوباترا منه طفل صغير دعي «قيصرون»؛ أي قيصر الصغير. # قيصرون # ومنذ ولد ذلك الطفل أصبح هو المحور الأساسي الذي تدور عليه آمالها وتصرفاتها حتى ~~نهاية حياتها، وأخذ تأثير يوليوس قيصر عليها في الزوال. لم يلبث قيصر أن أصبح حدثا ~~قديما من حوادث الماضي، وأخذت تستعمل جمالها وذكاءها وقوتها وحيلها في تحقيق أطماعها؛ ~~وهي أطماع الأم التي ترغب في أن يصل ابنها إلى مركزه الحقيقي الجدير به، فهو ابن يوليوس ~~قيصر؛ ولذلك يجب أن يرثه في التربع على عرش العالم. # والظاهر أن حب قيصر نفسه لكليوباترا بعد ولادة «قيصرون» قد نقص؛ إذ كان هو رجلا ~~عمليا وكانت كليوباترا واحدة من خليلاته العديدات، وكان قد عاد إلى روما ليحمل الناس ~~على قبول دكتاتوريته الجديدة. واستدعى كليوباترا إلى روما بعد ذلك لتشاركه مركزه ~~الرفيع، مفضلا إياها على زوجته الشرعية كالبورنيا، إلا أن وجود كليوباترا بروما سبب ~~فضيحة كبرى؛ إذ ما كان الرأي العام الروماني ليوافق على الزواج الذي قيل إنه تم ~~بمصر. # وكانت كالبورنيا زوج قيصر الأولى من الطبقة ms53 العليا، ولها أصدقاء أقوياء النفوذ؛ ولذا ~~عاشت كليوباترا بروما معيشة خليلة للقيصر قليلة الأهمية في منزل يطل على ضفاف التيبر، ~~ولقد احتملت ذل تلك الحياة من أجل ابنها فقط، ولبثت تنتظر انتصار قيصر على أعدائه. ولو ~~تم له ذلك لأصبحت هي ملكة العالم، ولصار قيصرون وارثا لمملكة لم ير التاريخ مثلها من ~~قبل. # ولكنه لم ينتصر! فلقد سببت قوات قيصر حسدا عظيما بين القوات الأخرى، وأوجدت له ~~أطماعه أعداء كثيري العدد، وانتهى الأمر بأن طعن في يوم من أيام شهر مارس أثناء ذهابه ~~إلى مجلس الشيوخ طعنة قاتلة أردته في الحال. # وهكذا انتهت أحلام كليوباترا، وعادت إلى مصر تحمل ذكريات كثيرة عظيمة التأثير، وعادت ~~تحمل بين ذراعيها وارثا قويا للأملاك الرومانية؛ هو قيصرون، ابن يوليوس قيصر. مات ~~الوالد، إذن فليحي الابن وليحتل مركز أبيه! وهكذا ظلت الأم تنتظر سنوح الفرصة لتحقق ~~هذا الأمل. # مارك أنطوني # كان مارك أنطوني أعظم أصدقاء يوليوس قيصر، فلما قتل قيصر أعلن أنطوني أنه سينتقم له ~~من القتلة وفي مقدمتهم بروتس، ولما انتصر عليهم أصبح هو، كما كان يوليوس من قبله، أعظم ~~شخص في العالم، وكان عدوه الوحيد هو أوكتافيوس ابن أخي يوليوس قيصر ووارثه الشرعي، ~~ولكنه ما لبث أن انتصر عليه. # ولما وصل مارك أنطوني إلى تلك المكانة العليا؛ صار واجبا على كليوباترا أن تعمل على ~~نيل رضائه من أجل مصالحها ومصالح ابنها وأطماعها العتيدة الخالدة. # ولم يكونا، أنطوني وكليوباترا، غريبين عن بعضهما؛ إذ كانا قد تقابلا في روما حيث كانت ~~كليوباترا ملكة لا عرش لها، تقطن بالمنزل المطل على ضفاف التيبر، وكان أنطوني يزورها ~~كثيرا في ذلك المنزل بصفته من أصدقاء قيصر وأخصائه؛ ولذا كانت كليوباترا حين وصل ~~أنطوني إلى أوج العظمة تعرف جيدا الرجل الذي تعامله، ولا شك أنها سرت لأنها ستعامل ~~مارك أنطوني؛ إذ كانت تعرف أنه من السهل أن يقع فريسة لمثل جمالها. # إن شخصية مارك أنطوني الحقيقية لم تكن كما رسمها «شكسبير» في روايته «يوليوس قيصر»، ~~بل كان أنطوني أشبه ms54 بالتلميذ الحدث كما قال عنه ربيان: «هو كالولد العظيم حقيق به أن ~~يفتح العالم، ولكنه غير قادر على مقاومة أضعف امرأة.» وكان جميل الشكل، قوي الجسم، ~~يعبده جنوده، ويحسده أعداؤه، وتعشقه النساء، كما كان بسيطا صريحا طيب القلب، بحيث ~~تعرف كليوباترا كيف تؤثر على عواطفه؟ # ولهذا استعدت لكي تمر في طريقه. كانت تطمع في عرش روما لابنها، وكانت على استعداد لأن ~~تقدم لأنطوني مقابل ذلك جمالها وملك مصر؛ ولذا لما وصل أنطوني بجنده إلى طرسيس أقلعت ~~كليوباترا من الإسكندرية في عرض البحر الأبيض وهي في أبهى حلل الجمال والإغراء. # ذهبت إليه في موكبها الملكي في القوارب ذات الشراع الحريرية، والمجاديف المطعمة ~~بالفضة، والعبيد من نساء ورجال يحيطون بها، وكان الموسيقيون يعزفون على آلاتهم، والعود ~~برائحته الجميلة يحترق أمام الملكة البديعة الجمال. # كانت كليوباترا قد قصدت أن تعرض هذه الأبهة. ورسا الموكب الملكي بطرسيس حين أوشك ~~المساء أن يرخي سدوله. وفي اللحظة التي رسا فيها الموكب خرج أنطوني ليقابل ما هيأ له ~~القدر، واستقبلته كليوباترا بترحاب عظيم، ودعته إلى مآدبها الفاخرة، فأكلا في الأطباق ~~الذهبية المطعمة بالأحجار الكريمة. # ولما عاد الضيوف إلى أعلى السفينة اشتد إعجابهم حين تذوقوا طعم الخمر المصري، ورأوا ~~المصابيح التي كانت تلقي عليهم أنوارها من بين فروع الأشجار متكاثفة فوق رءوسهم، ~~وتمتعوا فوق ذلك بالحديث الطلي الذي كانت توجهه إليهم الملكة الصغيرة، وظلوا في سمر ~~وسرور حتى نضب الخمر في الأباريق، وانطفأ الضوء في المصابيح. # لهو الإسكندرية # انغمس أنطوني في اللهو والعبث بالإسكندرية. # وفي اليوم التالي تمكنت كليوباترا من أن تحصل من مارك أنطوني على كل ما كانت تريد، ~~وانتهت من الاتفاقيات السياسية التي كنت ترغب في إبرامها مع روما، وعادت إلى مصر تحمل ~~وعدا من أنطوني بأن يزورها في مصر، ووفى أنطوني بوعده وزارها في مصر سنة 41ق.م. وهو ~~على علم بالثمن الذي سيدفعه لهذه الزيارة؛ إذ أصبح أسيرا في قبضة امرأة جميلة كما كان ~~يوليوس قيصر من قبله. # وانغمس أنطوني في اللهو والعبث بالإسكندرية، وسلم ms55 نفسه لشيطان السرور الذي كان ~~مستوليا إذ ذاك على «باريز القديمة». كانت حواسه قد خدعت بكل مظاهر الأبهة والعظمة ~~التي أحاطته بها كليوباترا، فكانا يخرجان للصيد والنزهة في البحيرات معا، ويسيران في ~~حدائق القصر جنبا إلى جنب، وكثيرا ما كانت تقف لتراقب ألعابه وقوته، كما استمرت ~~المآدب الفخمة، ونمت بينهما علاقة حب متينة، وكان كل منهما يرغب في الآخر رغبة قوية؛ ~~حتى إن كليوباترا سلمت نفسها إليه كأية امرأة عادية دون أي اعتبار لمركزها ~~العظيم. # وأودعت كليوباترا في أنطوني تلك الآمال التي كانت أودعتها في الماضي في يوليوس، وأصبح ~~كل أملها أن يصير أنطوني إمبراطور العالم وهي شريكته، على أن يليهما قيصرون. # وبينما كان أنطوني أسيرا لغرامه بالإسكندرية كانت المسائل تتعقد بروما؛ إذ عاد ~~أوكتافيوس إلى نشاطه، وأخذ أمراء سوريا يثورون ضد الحكم الروماني. وفي شهر فبراير سنة ~~40ق.م. اضطر أنطوني إلى مغادرة معبودته، ففارقها متحسرا في شهر مارس، وتركها مثقلة ~~بالأحزان، حبلى في توءمين تلدهما في فصل الخريف المقبل، ومرت عليها أربعة أعوام قبل ~~أن تراه ثانية. # بين اليأس والأمل # قضت كليوباترا ثلاثة أعوام بعد أن فارقها أنطوني ولا شاغل لها إلا تثبيت حكمها لمصر، ~~ولم تغفل طول هذه المدة أن تراقب جيدا ما يجري بالإمبراطورية بالرومانية، حيث كان ~~أوكتافيوس في نزاع مع أنطوني، ولم تنس أبدا طول هذه المدة أهمية مركز ابنها من يوليوس ~~في هذا النزاع. # وكانت لدى أنطوني مئات المشاغل التي تجعله ينسى كليوباترا ولو مؤقتا؛ إذ كانت الثورة ~~بسوريا نجحت إلى حد ما، وكان أوكتافيوس قد ثبت قدمه بإيطاليا منتهزا فرصة غياب ~~أنطوني بالإسكندرية. وكان أسوأ ما يواجهه أنطوني بعد غضب زوجته فولفيا التي بلغها ما ~~اقترن باسم زوجها واسم كليوباترا من حديث الحب والغرام. # وحدث إذ ذاك أن توفيت فولفيا زوجة أنطوني، وربما كان سبب وفاتها هو ما انتاب قلبها من ~~آلام، ولكن أنطوني استراح من شر غيرتها، ثم تزوج عقب ذلك أوكتافيا، وهي شقيقة عدوه ~~أوكتافيوس؛ وبذلك تمكن من الوصول إلى اتفاق ودي ms56 مع أوكتافيوس مؤداه: أن يحكم أنطوني ~~النصف الشرقي من الإمبراطورية الرومانية، في حين يحكم أوكتافيوس النصف الغربي. وولدت ~~لأنطوني من زوجته أوكتافيا بنت صغيرة، هي التي أصبحت فيما بعد جدة الإمبراطور الظالم ~~نيرون. # سمعت كليوباترا طبعا بكل ما حدث في روما، فانتابها ما ينتاب كل امرأة أخرى في موقفها ~~من غيرة وغضب ويأس، بل يمكن أن نتمثلها هنا بامرأة أحبت جزيل الحب، ثم ما لبثت أن ~~تبينت، كما تبينت كثيرات غيرها من قبل ومن بعد، أنها نبذت كامرأة، وخدعت كملكة ~~وسياسية، علاوة على أنها كانت تعلم جيدا أن زوجة أنطوني الجديدة، أوكتافيا، صغيرة ~~السن، بديعة الجمال. # ولو كانت كليوباترا امرأة عادية لانتهى كل شيء في سهولة، ولنسي أنطوني ذكرى خليلته ~~القديمة، ولكن كليوباترا لم تكن امرأة عادية - وإذا كان قد فكر في أن ينبذها فقد كان ~~مخطئا في فهم قوتها وتأثيرها - ولم تكن كليوباترا سليلة البطالسة لتتنازل بهذه السهولة ~~عن أطماعها وبلادها وغرامها. # كان على أنطوني أن يخضع سوريا، وكان يعلم أن الأسطول المصري خير من يساعده في إدراك ~~هذا الغرض؛ ولهذا اضطر أن يستدعي كليوباترا إلى مقابلته ثانية، وكان يريد أن تكون هذه ~~المقابلة مقابلة سياسية محضة، كأنه يعتقد أن كليوباترا قد نسيت الماضي بصفحته ~~العاطفية. # وتمت المقابلة بينهما في مدينة أنطاكية بسوريا، ولكنها لم تذهب إليه في تلك المرة كما ~~ذهبت إليه وهو في طرسيس تحوطها مظاهر البذخ والعظمة؛ إذ إن الأعوام التي مرت عليها ~~جعلتها أرجح عقلا مما كانت، وزادتها معرفة بالرجل. قابلته هذه المرة مقابلة امرأة جرحت ~~كرامتها فاشتد غضبها، وأخذ هو يعتذر إليها بأن المصالح السياسية هي التي أملت عليه ~~تصرفاته، وكانت النتيجة النهائية أن حصلت منه على كل ما تريد، وأغرته على أن يستأنف ~~الحياة إلى جانبها، فعاشا معا شتاء بأكمله، وفي فصل الربيع بدأ أنطوني حملته السورية، ~~وفي الخريف وضعت كليوباترا ولدا. # المحاولة الأخيرة # غير أن أنطوني فشل في حربه فأخذت قوته في الزوال، وبدأ يسرف في الشراب محاولا أن ~~ينسى همومه، وكانت ms57 كليوباترا تمده بالمال والآلات ليستأنف الحرب، وخطر لها أن تزوره ~~بنفسها في أحد الأيام، فوجدته في القرية البيضاء بجوار مدينة صيدا وهو يعالج جروحه، ~~ويحاول أن يغرق أحزانه في كئوس الخمر، فعادت به إلى الإسكندرية. # كانت ترى واجبها في أن تدفع به إلى العمل. # وهنا أصبحت علاقة أنطوني وكليوباترا لا تقوم إلا على قليل من الحب؛ إذ لم تبق في نفسه ~~إلا رغبته في الملكة. أما هي فلم يكن يدفعها إلا الامتثال لرغباته غير مطامعها في سبيل ~~ابنها قيصرون. وكان قد بدأ يفقد نشاطه بعد أن حل به الفشل السياسي؛ فأصبح يميل إلى ~~الكسل والتقاعد. # كانت ترى واجبها في أن تدفع به إلى العمل والنضال حتى يصل إلى مركز إمبراطور العالم، ~~وقد استعملت كل قواها وبراعتها للوصول إلى هذا الغرض، حتى ليقول بلوتارخ، كبير ~~المؤرخين، في ذلك: «إنها حاولت أن توهمه أنها تموت هياما به؛ فأخذت تقلل من الطعام حتى ~~بدأ جسمها في النحول والهزال، وكان إذا دخل الغرفة عليها ترفع إليه عينيها بإعجاب ~~وتقديس، وإذا غادرها تظهر الحزن حتى يكاد يغمى عليها، وتنهمر الدموع من عينيها فتسارع ~~بتجفيفها كأنها ترغب ألا يراها باكية. # وكان كل من يحيط بكليوباترا ينحى باللائمة على أنطوني، ويلومه على عدم إحساسه، وعلى ~~طبيعته التي تميل إلى القسوة وتجعله يترك امرأة مسكينة تتوقف حياتها عليه، وعليه وحده، ~~تموت بهذا الشكل. حقا إن أوكتافيا كانت زوجته، ولكن كليوباترا الملكة المتوجة على عدة ~~ممالك قنعت بأن تعرف كخليلته، فإذا انفصلت عنه لم تكن تقوى على احتمال الحياة بعد ~~ذلك.» # كانت كليوباترا تطالب أنطوني بالإمبراطورية الرومانية ثمنا لحبها، ووعدها هو بأن ~~يدفع لها هذا الثمن الغالي؛ إذ كان يظن الرومان شعبا سهل القياد، وكأنه نسي نفسه ونسي ~~وطنه ونسي شعاره، وانقلب حتى أصبح ألعوبة في يد امرأة لا يتحدث عنها الناس بغير ألفاظ ~~الازدراء. # وأخذت تحرضه على أن يخطو خطوة إلى الأمام في سبيل الوصول إلى مركز إمبراطور العالم، ~~وبعثت في نفسه شيئا من طموحها وحماسها، فاستيقظ من ms58 سباته وبدأ يعمل بنشاط، وأقلع في ~~شتاء سنة 33ق.م. من الإسكندرية بأسطوله ومعه كليوباترا يريد غزو روما. وكانت كليوباترا ~~قد أقسمت أمام الجماهير المحتشدة قبل إبحارهما أن تجلس هي وابنها قيصرون في ~~الكابيتول. # وصلت في ذلك الوقت إلى قمة عظمتها، وبدأت الحملة التي كانوا يأملون من ورائها أن يسجد ~~العالم عند أقدام أنطوني، وأخذت كليوباترا تحرض رجلها على أن يطلق زوجته الرومانية ~~أوكتافيا. وكان هذا دليل إيمانها بالنصر القريب. وحكمت كليوباترا مدة من الزمان في ~~أثينا كأنها ملكة العالم، ولكن الأمور بذلك الجيش العظيم لم تكن على ما يرام؛ إذ إنه ~~عندما ظهر جيش أوكتافيوس دب الانقسام في جيش أنطوني، حتى هجر بعض الجنود معسكره، ~~وانضموا إلى جيش الإمبراطور، وأخذ بعضهم يحرض كليوباترا على العودة إلى مصر، ولكنها ~~رفضت وفضلت الانتظار. # وا أسفاه على آمالها التي انهارت! فلقد انجلت موقعة أكتيوم عن هزيمة جيوش كليوباترا ~~وأنطوني، واضطرت الملكة المسكينة إلى العودة في الحال إلى مصر ومعها زوجها البائس ~~الشقي. # هنا يختفي اسم أنطوني بعد أن أصبح قليل الجدوى بالنسبة لكليوباترا، ولكنه اضطر إلى ~~العيش بمصر بما كانت تجود به عليه، وكانت معيشته أشبه بالاستغفار والندم على ما فات. ~~كان قلبها قد صدم، ولكن روحها ظلت حية تدفعها إلى العمل؛ فأخذت تعقد المحالفات لتأمين ~~سلامة الحدود المصرية وتوسيعها إذا أمكن، وأخذت تهب العروش لأبنائها وقوادها. # ولكن القضاء كان يسخر منها، وكانت النهاية تقترب رويدا، كان أوكتافيوس عدوها العنيد ~~وعدو أنطوني كذلك قد سار إلى مصر. # ظنت كليوباترا أن في إمكانها أن تسحر أوكتافيوس بجمالها كما سحرت يوليوس قيصر وأنطوني ~~من قبله، ولكنها مع ذلك كانت ممن يؤمنون بالحقائق ولا يخدعون بالأوهام، فشغلت بالبحث في ~~خواص السموم حتى تأكدت أخيرا أنه ليس هناك ما يوازي عضة الأفعى؛ لأنها تسبب النوم ~~العميق أولا، ثم الموت دون ألم. # هل كان لهذه المرأة مثيل؟ # الانتحار # وحانت ساعة التجربة الأخيرة، وسار مارك أنطوني بقوة ضعيفة ليقاوم أوكتافيوس الذي كان ~~يحاول إذ ذاك اختراق أسوار الإسكندرية، وقبل ms59 أن تبدأ الموقعة رأى أنطوني فرسانه يهربون ~~دفعة واحدة وينضمون لجيش العدو، فلم يسع فرق المشاة إلا الهرب كذلك، ولم يجد بدا هو ~~الآخر من أن يهرب بنفسه إلى قصر الإسكندرية وهو يلعن كليوباترا ويتهمها بالخيانة. ولكن ~~لم يلبث أحد رجاله أن حمل إليه خبر انتحارها، فانتابه الندم وسلم لخادمه أيروس سيفه، ~~وطلب منه أن يقتله به، إلا أن أيروس طعن نفسه بهذا السيف وخر قتيلا وأنطوني يصيح به: ~~حسنا فعلت يا أيروس! لقد بينت لسيدك كيف يتمم العمل الذي لم تجرؤ أنت على عمله. # وأمسك بالسيف وطعن به نفسه! ولكنه لم يمت في الحال، وكانت كليوباترا التي حملوا إليه ~~خبر انتحارها لا تزال حية ترزق، فلما سمعت بما حل به أسرعت إلى جواره، وأخذت تناديه ~~بالسيد والزوج والإمبراطور حتى لفظ النفس الأخير بين ذراعيها. # إدوارد الرابع. # كان أوكتافيوس المنتصر لا يزال عند أبواب الإسكندرية، ووصل أحد رسله إلى كليوباترا ~~بعد أن كاد يقتل، ولم ينتقم أوكتافيوس لهذه الإهانة، ولكنه لبث ينتظر حتى تسلم الملكة ~~نفسها، وبعد أن عادت كليوباترا من جنازة أنطوني أصابتها حمى شديدة، ولما شفيت وقابلت ~~أوكتافيوس وعرفت أن الرجل الصخري الذي لم يؤثر فيه جمالها سوف يحملها أسيرة إلى روما ~~لتسير في موكب نصره، كانت الصدمة أعظم مما يمكن أن تحتمل، فصممت على الانتحار. # وبعد بضعة أيام، طلبت من أوكتافيوس أن يسمح لها بزيارة قبر أنطوني، فلما سمح لها ~~بالذهاب إلى القبر أخذت تصيح وتبكي وتقبل حجر القبر، وأرسلت خطابا إلى أوكتافيوس تطلب ~~منه أن يأمر بدفنها إلى جانب أنطوني، فأدرك أوكتافيوس الحقيقة المؤلمة لما وصله هذا ~~الخطاب، وذهب إليها رسله فوجدوها ميتة بعد أن وضعت الثعبان السام في صدرها. وقد طلبت ~~رداءها الملكي وتاجها قبل أن تموت؛ فقد كان التاج أعظم ما حرصت عليه طوال حياتها، وماتت ~~وهي لا تزال في التاسعة والثلاثين من عمرها، بعد أن خلفت في تاريخ العالم مأساة خالدة ~~هي مأساة الحب والأطماع. # | الملك إدوارد الرابع واليصابات جراي # أنا الملك # أدار ms60 الملك رأسه وهو على جواده يخب به في الغابة حين رأى فتاة جميلة تجلس على مقربة ~~من شجرة البلوط، كان وجهها يكشف عن جمال فاتن، وشعرها الذهبي يتدلى على وجه طفل تحمله ~~بين ذراعيها، وكان على خديها آثار الاحمرار الخفيف كأنها مقبلة من رحلة بعيدة. # وبقي الملك في مكانه لا يتحرك عند ما رأى الفتاة التي خيل إليه أنها جنية ظهرت له من ~~أعماق الغابة، وبينما كان منشغلا بمراقبتها رفعت نظرها فرأته. وقامت من مكانها في شيء ~~من الخجل، واقتربت من الغريب وهي تقول له: يا سيدي العزيز! إنني أبحث عن الملك، ولكنني ~~لست على ثقة من الطريق، فهل يمكنك أن تدلني على الطريق إلى جلالته؟ # ودهش الملك لهذه المفاجأة، ولكنه أخبرها أن «جلالته» يعيش في قلعة فوزرنجاي على بعد ~~أميال عديدة، ثم سألها بعد ذلك دون اهتمام حتى لا يشعرها أنه الملك: وماذا تريدين من ~~جلالته؟ # وترددت الفتاة قبل أن تقص على الغريب ما تريد من جلالة الملك؛ إذ كان الجو الذي تعيش ~~فيه مملوءا بأعدائها، ولكنه كان يبدو شابا ظريفا رقيقا سنه قريبة من سنها، كما ~~أن نظرته كانت لا تخفي الإعجاب، فقالت له: لقد قتل الملك زوجي في حروبه الأخيرة، ثم ~~انتزع من أطفالي أرضهم ومالهم، وأصبحنا اليوم ونحن لا نملك شيئا! إنني أريد أن أستعطف ~~جلالته لكي يرد للأطفال حقوقهم: أرضهم وألقاب والدهم. # وأجابها الغريب في هدوء دون غضب: أنا الملك. # وكانت صيحة صغيرة، هي صيحة العجب والخوف، وقعت على أثرها الأم الصغيرة جاثية على ~~ركبتيها في ضراعة صامتة، ولم تجسر على أن ترفع عينيها لتنظر إلى وجه الملك؛ خوفا من أن ~~تقرأ فيه الغضب والحنق، ولم يسعها وهي في ذلك الموقف إلا أن تضم ابنها إلى صدرها بشدة ~~في انتظار مصيرها. # وقال لها الملك في لهجة الجد: وما اسمك؟ # وهنا غاض قلبها؛ إذ كانت تحمل اسما لا يكره الملك من أسماء أعدائه اسما مثله، اسما ~~أقسم على أن يمحوه من وجه إنجلترا. # وبعد تردد طويل ms61 أجابت بصوت ضعيف لا يكاد يسمع: اليصابات جراي! وأبي هو السير ~~ريتشارد ودفيل. # وظلت تنتظر وهي لا تزال جاثية على العشب، وفجأة شعرت بالملك إلى جانبها يساعدها بلطف ~~على أن تقف على قدميها. # بين الأعداء # وحاول الملك أن يهدئ روعها، ولكنه شعر هو الآخر بعاطفة غريبة تغمره، ومع أن ملامحه ~~كانت تدل على هدوء ظاهر، إلا أن عينيه كانتا تنمان عن قلق باطني هو الذي دعا إلى تضاعف ~~ضربات قلبه، وقال لها: قد تجاب رغائبك. وسوف أحل الليلة ضيفا عندكم! # وفي تلك اللحظة حضر بعض خدم الملك، فسلم إليهم الصقر الذي كان يستقر على معصمه، ثم ~~عاون اليصابات وطفلها في امتطاء صهوة جواد، وركب معها بعد ذلك إلى قصر جرافتون بمقاطعة ~~نورثمبتون حيث كانت تعيش مع والدها. # كان آل ودفيل من غير الأغنياء، وكانت الحرب الأخيرة بين أسرتي لنكستر ويورك قد زادت ~~من فقر الأب؛ لأنه انضم فيها إلى جانب أسرة لنكستر المندحرة. # وذهب الملك إدوارد الرابع إلى قصرهم، ذهب إليهم ذلك الملك الشاب الذي تولى العرش باسم ~~أسرة يورك المنتصرة، وكان حتى ذلك الوقت منشغلا بالقضاء على فلول أعدائه، في حين كان ~~ناصحوه ومستشاروه يجدون في البحث له عن ملكة يمكن أن تضيف قوة جديدة وعظمة إلى ~~اسمه. # وارتعبت اليصابات في بادئ الأمر من حماسة الملك في الرأفة بحالها؛ إذ إنها كانت تنظر ~~إليه دائما نظرتها إلى ألد أعدائها، أفلم يقض على زوجها ويصادر أملاك أطفالها معتديا ~~على حقوقهم الموروثة؟! # ومع ذلك استمر إدوارد في مواساة اليصابات، وكان كلما تمكن من الهرب من أتباعه ~~ورقابتهم الدقيقة امتطى جواده وسار في الغابة إلى جرافتون حتى تكتحل عيناه بمرأى الجمال ~~ممثلا في اليصابات، ولكي يصرح لها مرة جديدة بحبه وولهه. # وبعد مدة من الزمن أجابته، في رعدة وحياء، بشيء مما كان يبثها، وكان موعدهما دائما ~~تحت تلك الشجرة الكبيرة، شجرة البلوط، حيث تقابلا للمرة الأولى، وكانت زهور الربيع ~~الباسمة التي تفتحت أكمامها تكون لهما مقعدا وثيرا، كما كانت الطيور تغرد لهما ms62 ~~أناشيد السعادة والحب. # كان شكلهما بديعا إذا ركبا جنبا إلى جنب وسارا في طرقات الغابة الضيقة، وكان شعر ~~اليصابات الذهبي يصل إلى وسطها وهو يكون لعينيها الزرقاوين، وفمها الأحمر الرقيق، ~~وعنقها الأبيض الجميل ما وراء رائعا. # مشاريع الزواج # كان إدوارد شابا جميلا في عينيه نعاس قليل، إلا أنهما تدلان مع ذلك على أنه على ~~ثقة من قوته العظيمة. # وكان الاثنان صغيري السن. # ومع كل هذا كان قلب إدوارد ورأسه في نضال عظيم وهو يعطف على اليصابات ويواسيها، وكان ~~إذا عاد في المساء إلى فازرنجاي وواجه أمه أو إيرل وارويك، عمه وكبير مستشاريه، لم يجسر ~~على أن ينطق أمامهما باسم اليصابات ودفيل. # كانت الأم كثيرا ما تفكر، كما كان العم يفكر دائما، في زواج الملك الشاب، ومع أنهما ~~كانا يختلفان فيمن يقع عليها الاختيار في النهاية، إلا أنهما كانا متفقين دون جدال على ~~نبذ كل فكرة تتعلق بارتباط الملك بفرع حقير من فروع الأعداء. # وكان الملك يصغي إلى وارويك وهو يصف له مزايا زواجه بالأميرة بونا التابعة لسافوي، ~~ويقول له: إنه فكر له فيها نظرا لأنها كفيلة بأن تضيف قوة جديدة وعظمة لا نزاع فيها ~~إلى تاجه. # أما والدة إدوارد، وهي سيسيليا دوقة يورك، وكانوا يطلقون عليها لقب «سيس الفخورة»، ~~فكانت لها هي الأخرى مشاريع خاصة بزواج ابنها الملك، وكان اختيارها قد وقع على اللادي ~~اليصابات لوسي، ابنة بيت من أقوى البيوتات الإنجليزية في ذلك العهد، وكانت ترى فيها خير ~~زوجة لابنها، ولا تمل من ذكر أفضليتها على غيرها. # وأما الملك إدوارد نفسه فكان لا يزال تحت تأثير الشباب ونشوة الحب، وكان قد اعتزم ألا ~~يتخذ ملكة غير اليصابات ودفيل التي قابلها صدفة في الغابة. # ولكنه كان لا يعرف ماذا يصنع؟ # وفي ذات ليلة # وأخذ يبدو بعد ذلك متحفظا متسترا، وكان يتحاشى مقابلة والدته، وإذا اضطر إلى ~~الإجابة على أسئلتها الكثيرة التي تشتم منها رائحة الشك والاشتباه، لم يجبها بغير هزة ~~من كتفيه يتهرب بها. # وكان يعرف أن حبه المتقد لاليصابات ms63 سوف يظهر عاجلا أو آجلا أمام الأنظار، وأنه سيرى ~~العالم كله إذ ذاك معترضا سبيل سعادته. # اليصابات جراي. # ولكن لو فرض أنه في الوقت الذي تبدأ فيه الزوبعة يكون هو قد تزوج، فماذا يحدث؟ إن ~~الأوضاع تحتلف في هذه الحالة بلا ريب. # ففي ذات ليلة ركب الملك جواده واخترق به الغابة قاصدا منزل من يحب، ولما وصل إلى ~~هناك أمر اليصابات بالاستعداد للخروج معه في الحال واصطحاب والدها ووالدتها. # واقتادهم جميعا إلى كنيسة قرية جرافتون، وتركهم هناك في دهشة وحيرة وذهب هو يبحث عن ~~الكاهن. # وفي ساعات الصباح الأولى كانت الشموع تلقي بضوئها الضعيف على المذبح وعلى وجوه الجمع ~~الصغير. # وهناك وسط عالم نائم، تزوج إدوارد الرابع، ملك إنجلترا، سرا باليصابات ~~ودفيل. # تزوجا، ولكنهما افترقا عند عتبة الكنيسة بعد أن تبادلا قبلة ملأى بالحب ~~والإخلاص. # وعادت اليصابات إلى منزلها وفراشها الصغير لتنام وحدها وتحلم بالحب والأسى. # وعاد إدوارد إلى فازرنجاي ودخل إلى جناحه بمنتهى الحذر حتى لا يدرك أحد شيئا عن ~~خروجه أو عودته. # وتقابل العروسان بعد يومين، وكان الملك قد نظم رحلة صيد شرف في أثنائها منزل السيد ~~ريتشارد ودفيل، ولم تبد اليصابات في أثناء تلك الزيارة والرحلة ما يشتم منه رجال ~~الحاشية وجود علاقة بينها وبين الملك. # وهكذا قضى الاثنان شهر العسل. وفي مذكرات السير جون هوارد وصف هذا الرجل «كيف قضى ~~الملك هناك أربعة أيام لما زارته اليصابات سرا في أثنائها دون أن يعرف مخلوق على ~~الأرض بذلك غير أمها.» # لقد تزوجت # ومرت الشهور الأولى من زواجهما تتخللها لحظات قصيرة من السعادة ثم الفراق، وعاد ~~وارويك بعد ذلك من سافوي يحمل أخبارا حسنة عن الأميرة بونا وجمالها وثروتها، ولكن ~~والدة الملك أصرت على أفضلية اختيارها. # أما الملك فلم يظهر ميلا إلى إحدى الاثنتين؛ ولذلك ألحا عليه لكي يتخذ قراره بسرعة ~~ويبوح باسم من يميل إلى الزواج منها، ولما اشتد إلحافهما قال الملك بصوت ضعيف: لقد ~~تزوجت. # وصاحا به: ممن؟ # قال: من اليصابات ودفيل أرملة السير جون جراي! ms64 وبدأت الثورة؛ إذ تبين وارويك أن آماله ~~قد انهارت بسرعة، فخلع رداء الناصح المستكين الخاضع، وتحول إلى طاغية مستبد يصيح بضرورة ~~الطلاق السريع. # أما الملكة الوالدة فكان غضبها أشد من غضبه بكثير، وأقسمت ألا ترى تلك المرأة ~~الشيطانية التي أوقعت ابنها في حبائل خداعها، وألا تغفر لها تلك الإهانة. # وثار الملك بدوره كذلك؛ إذ إنه سكت قبل ذلك خوفا من افتضاح السر، وما دام السر قد ~~عرف فما الذي يدعو إلى السكوت بعد ذلك؟ # كان إدوارد محاربا، وها هو ذا اليوم يجد شيئا يجب أن يحارب من أجله؛ لذلك لم يزده ~~غضبهما وتهديدهما وحججهما ورجاؤهما إلا عنادا وإصرارا على أن يتخذ اليصابات ودفيل لا ~~زوجة فقط، وإنما ملكة متوجة. # وأخبرهما بذلك في صراحة قاسية. # ولما كان وارويك سياسيا محنكا، فقد أدرك أنه غلب على أمره، وأن أحسن ما يصنع في ~~هذه الحالة هو أن يصل إلى خير النتائج من الحالة الراهنة. # أما الملكة «سيس الفخورة» فما كانت لتسلم بالهزيمة، وقالت لابنها ثائرة: لا يمكن ~~أن تجعل منها ملكة بحال من الأحوال؛ إن هذه المرأة لا يجري الدم الملكي في ~~عروقها. # وقال لها الملك في برود: إن هذا القول من اختصاص علماء الأنساب، وسأطلب منهم الاجتماع ~~للبحث عن هذا الدم الملكي في أجدادها. # الملكة # وأمر الملك باجتماع علماء الأنساب، فاجتمعوا وجدوا في البحث حتى تمكنوا من تحرير ~~قائمة طويلة فيها أسماء أعضاء أسرة اليصابات ودفيل، وتمكنوا في النهاية من الوصول إلى ~~ما يثبت انتسابها إلى أصل ملكي. # كان إدوارد قد تزوج من اليصابات في أوائل عام 1464؛ ففي أواخر العام سار الاثنان من ~~جديد إلى المذبح في كاتدرائية ريدنج وهما في أبهة الملك والعظمة، وعلى مرأى من اللوردات ~~وعظماء المملكة، وعلى درجات سلم هذا المذبح قاد الملك إدوارد زوجته اليصابات ودفيل، ~~فتاة الغابة المجهولة، إلى حيث تلقت تاج الملكة، وحيث قدم لها النبلاء فروض ~~طاعتهم. # وكانت اليصابات في نفس ذلك الوقت تقرأ في عيني زوجها، حين نظرت إليه، جميع فروض ~~الطاعة والخضوع ms65 التي يسر بها قلب المرأة. # | ماري ملكة اسكتلندا واللورد بوثول # إلى اسكتلندا # نشأت ماري، ملكة اسكتلندا، في البلاط الفرنسي في الوقت الذي اشتهر فيه هذا البلاط ~~بالمجون والفساد؛ فأثر عليها ذلك تأثيرا سيئا. وقد زفت إلى ولي عهد فرنسا، ابن هنري ~~الثاني، قبل أن تبلغ السابعة عشرة من عمرها، وكان هو في الخامسة عشرة من عمره. وقد نقلت ~~بمعاهدة الزواج تاج اسكتلندا إلى ملك فرنسا في حالة وفاتها دون ولد، ويقال: إن ماري ~~كانت لا تميل إلى زوجها، بل إنها كانت تحتقره؛ نظرا لمرضه الذي ما لبث أن قضى عليه بعد ~~عام واحد من توليه عرش فرنسا في عام 1559. # وفي نفس الوقت، توفيت في اسكتلندا الملكة الوالدة ماري جيز، فتولى الحكم نفر من ~~النبلاء كثير التنازع؛ مما كان يستدعي ضرورة انتقال الملكة الصغيرة إلى هناك. # وانتقلت الملكة ماري من فرنسا إلى اسكتلندا وفي حاشيتها الشاعر الإيطالي ريزيو، الذي ~~كان ينظم لها المديح وقصائد الغزل، ويغنيها لها على قيثارته بصوت جميل، وكانت الملكة ~~تعجب بريزيو وأدبه وصوته وإخلاصه، كما كان هو أشبه بالكلب الأمين في ولائه لسيدته ~~الملكة. # وبعد وصول الملكة إلى اسكتلندا بمدة قصيرة لاكت بعض الألسن اسمها مقرونا باسم أحد ~~النبلاء الشجعان، وهو اللورد بوثول، وكان مشهورا بالدعابة والقوة. ولما كان من الضروري ~~أن تتزوج الملكة حتى تجد إلى جانبها من يمكنها الاعتماد عليه في مهام الحكم، وتقضي على ~~ما يشيع الناس عنها، فقد وقع اختيارها على اللورد دارنلي، ابن عمها وأول أصحاب الحق في ~~عرش اسكتلندا وإنجلترا من بعدها. # مقتل ريزيو # وكان دارنلي رجلا ضعيف الخلق، كثير الغرور، شديد الوقاحة، ولكنها أرغمت على الزواج ~~منه بعد أن أخفقت في محاولتها الزواج بنبيل إسباني هو الدوق كارلوس، وقد أقبل عليها في ~~أول ليلة للزواج وهو سكران؛ فكرهته منذ ذلك الوقت. # وعرفت الملكة بعد ذلك أن زوجها يشترك مع الخارجين عليها في مؤامراتهم، فصممت على ~~الانتقام منه. وفي إحدى الثورات التي شبت ضد حكمها قامت بنفسها على رأس الجيش، ومزقت ms66 ~~شمل الثوار ثم عادت منتصرة دون أن يتحرك زوجها من مكانه، وكانت إذا قارنت صفات الزوج ~~بصفات اللورد بوثول المقدام الشجاع المخلص اشتدت كراهيتها لدارنلي. # وكان دارنلي يشعر ببغض زوجته له، ويحاول إصلاح الأمور بينهما فلا يوفق، حتى انتهى ~~الأمر بأن اعتقد أن مصدر البلاء هو ريزيو الإيطالي، وكان يرى الملكة وهي تقرب ريزيو ~~إليها وتستشيره في كل شيء ، وتستقبله في مخدعها، وتتأثر لشعره وصوته فتتأجج نيران الغيرة ~~في صدره. # ولما توهم أن ريزيو عشيق زوجته، وأنها تغلق بابها دونه من أجل هذا الشاعر صمم على ~~قتله، وتآمر مع اللوردات موراي وروثفن ومورتون على تنفيذ ذلك، ونفذ عزمه فعلا في مساء ~~يوم 9 مارس من عام 1566، فدخل على الملكة في قصر هوليرود وطعن ريزيو بسيفه، على مشهد من ~~الملكة، طعنات قضت على حياته. # واتضح بعد ذلك أن المؤامرة أوسع نطاقا مما ظنت الملكة؛ إذ لم تقتصر على مقتل ريزيو، ~~وإنما أعقبها سجن الملكة نفسها في قصر هوليرود حتى تخضع لرغبات الثائرين وتنفذ ~~إرادتهم. # وقد عز على الملكة أن يقتل ريزيو وهو في حضرتها، وتسجن هي في قصرها؛ فأصرت على ~~الانتقام، وصممت بعد إقماع الثورة على أن تتخذ من زوجها نفسه آلة للانتقام كما اتخذ منه ~~الثوار أداة لإشعال ثورتهم. # وثيقة الخيانة # وكان من الغريب أن تفكر في استخدامه لمساعدتها في الانتقام من أعدائها بعد مقتل ريزيو ~~وسجنها في قصرها، ولكنها جعلته يعتقد أن شركاءه في المؤامرات، أمثال مورتون وروثفن، إن ~~هم في الحقيقة إلا أشد أعدائه حقدا عليه في قلوبهم، على الرغم مما يتظاهرون به من ~~الإخلاص له. # وقد صدق دارنلي ما سمع من زوجته الملكة وفزع له، فوشى بشركائه جميعا، ولكنه طلب منها ~~أن تصدر أمرا بالعفو ونسيان الماضي، وإغفال ما صنعه ضدها المتآمرون، ففعلت، وإزاء ذلك ~~عاد اللوردات الذين ثاروا إلى هدوئهم، فتمكنت هي من الفرار ليلا من هوليرود يصحبها ~~زوجها نفسه. # وأمل المتآمرون أن تحافظ الملكة على وعدها فتؤمنهم على سلامتهم وحياتهم؛ ولذا أرسلوا ~~إليها وهي في ms67 «أدنبره» يطلبون منها أن تصدر وثيقة العفو عنهم كما وعدتهم. # ووافقت الملكة على إصدار وثيقة العفو، بشرط أن يعلنوا استنكارهم لحادث مقتل ريزيو ~~وعداءهم لمدبريه. # وقد قبل المنفيون هذا الشرط بسرور، وعادوا لبلادهم، أما باقي أعضاء الذين أبوا ~~المؤامرة فقد تفرقوا وهربوا كل إلى مخبئه. # وهكذا فازت الملكة ماري بحكمتها وسياستها، وأمكنها التغلب على معظم المتآمرين وضمهم ~~إلى صفوفها. # وكانت الأخبار تصل إلى الباقين من الثوار في مخابئهم؛ فيزداد حقدهم عند سماعها، وقد ~~بلغ غيظهم أقصى درجاته عندما أصدر دارنلي تصريحه بتبرئه من مؤامرة مقتل ريزيو، وعدم ~~اشتراكه في أي شيء يتعلق بها، مع أنه في الحقيقة كان من أركان تلك المؤامرة؛ ولذلك ~~استقبل الاسكتلنديون تصريحه بالضحك والسخرية لجبنه. # وكان أشد المتآمرين حقدا على دارنلي وغيظا منه لنذالته: روثفن، الذي لم يسعه وهو ~~على فراش الموت، بعد ستة أسابيع من ذلك التاريخ، إلا أن يرسل إلى الملكة ماري بالوثيقة ~~الأصلية التي وقعها دارنلي بإمضائه قبل أن يبدأ الثورة ضدها. # وقرأت الملكة ماري الوثيقة بعجب شديد؛ إذ رأت أن زوجها الملك لم يكتف فيها بأن يعلن ~~انضمامه إلى المؤامرة، بل أعلن أنها تقوم بمحض إرادته وأمره، وأن كل مسئوليتها تقع على ~~عاتقه هو، وأنه يؤمن الثائرين ضد كل العواقب. # وكانت الوثيقة قاطعة بالخيانة؛ ولذلك أمرت الملكة باستدعاء زوجها لتواجهه بها، فلما ~~مثل بين يديها قابلته بكل غضب وازدراء، وأخذت تسبه، وأبرزت له الوثيقة الممهورة ~~بإمضائه، والتي كانت الدليل القاطع على خيانته، وأخيرا قطعت كل علاقة لها به، وطردته ~~من حضرتها باحتقار شديد، فخرج متحسرا مغلوبا على أمره. # في ظلام اليأس # خرج دارنلي يائسا؛ إذ قد فقد أصدقاءه اللوردات الذين شاركوه في المؤامرة في مبدأ ~~الأمر، ثم ما لبثوا أن نبذوه؛ لأنه تبرأ منهم وخانهم، وكذلك فقد الملكة بعد أن وضعت ~~يدها على الدليل المادي على خيانته. وكانت الملكة تظهر له الازدراء كلما وقع نظرها ~~عليه، وأصدرت أمرها بأن كل من يظهر الاحترام لزوجها سيجر على نفسه غضبها وعدم رضائها، ~~وكان من ms68 أثر ذلك أن اضطر دارنلي إلى الانسحاب من القصر؛ لأن حياته فيه أصبحت مستحيلة ~~لما يكتنفها من هزء واحتقار، ولبث يتجول حينا من الزمان وقد أغلقت في وجهه الأبواب؛ إذ ~~كان كل من يلقاه، سواء من أتباع الملكة أو من أعدائها، لا يقابله بغير الازدراء، واضطر ~~في النهاية إلى الذهاب إلى صديقه لينوكس بمدينة جلاسجو، حيث أخذ يسلي نفسه بالعبث مع ~~كلابه وطيوره ونسائه. # لا شك أن الملكة أخطأت إذ تركت زوجها دون أن تنتقم منه، حتى أخذ يعبث ويتنقل حيث ~~يشاء، وكان من الخير لو أنها انتهت منه دفعة واحدة فأمرت بنفيه أو إعدامه جزاء اشتراكه ~~في المؤامرة، ولكن كان ما يبعثها على عدم الأمر بإعدامه هو نفس السبب الذي بعثها على ~~طرده من قصرها شر طردة. # ذلك السبب الذي وقف حجر عثرة في سبيل تنفيذ مآربها وانتقامها من زوجها دارنلي هو ~~علاقتها الغرامية باللورد بوثول؛ الرجل الذي كان لا يهتم بالوسائل في سبيل تنفيذ ~~الأغراض، فقد خشيت الملكة أن يظن الناس أنها أعدمت زوجها من أجل بوثول؛ حتى لا يكون ~~عليها ثمة رقيب يضايقها بحقوقه الزوجية. # مع بوثول # وجدت الملكة في بوثول صديقا مخلصا في الوقت الذي كانت فيه في أشد الحاجة إلى صديق؛ ~~إذ كانت لا تجد رجلا يمكنها أن تثق به. وكان بوثول قوي الشكيمة يمكن للمرأة أن تعتمد ~~عليه. وهذا ما يعلل نفوذه العظيم على الملكة، وما أثاره في نفسها من عاطفة الحب القوي ~~حتى غدت لا تستطيع أن تفارقه لحظة واحدة، أو تعصي له أمرا. # وقد تجلى حبها لبوثول وتقديرها له أكثر من زوجها نفسه في الوصية التي كتبتها حين ~~أوشكت أن تلد، وخشيت أن تموت في أثناء الوضع، فقد أوصت إذ ذاك لدارنلي بخاتمها ذي ~~الماسة الحمراء الذي قدمه لها يوم زواجهما، ولكنها عينت بوثول وصيا على ولده إذا ~~أدركها الموت، وأمرت أن تسلم إليه مقاليد الحكم من بعدها! # وذهب زوجها دارنلي يزورها بعد أن ولدت الطفل، فقوبل في القصر بازدراء، وخاصة من ms69 بوثول ~~الذي كان نفوذه قد ازداد إذ ذاك، وقابلت الملكة زوجها بفتور شديد في حين أنها أظهرت ~~لبوثول كل حب وإخلاص أمامه؛ حتى اضطر أن يعود وقد ازداد حزنه وعاره. # وبعد مرور شهرين فقط، بعد أن صارت أما، ذهبت لزيارة بوثول زيارة خاصة في «الوا»، ~~وقد كانت هذه الزيارة فضيحة كبرى وصمت بها الملكة، وما اتصل خبرها بدارنلي حتى رأى ~~أن يقوم بمحاولة أخيرة ليستعيد حقوقه كزوج وملك، ولكنه لم ينجح في هذه المحاولة، وعرف ~~أن حياته في خطر طالما كان في اسكتلندا، فعاد إلى عبثه ولهوه، ولم يظهر في القصر الملكي ~~بعد ذلك إلا مرات معدودات. # وبعد ثلاثة أشهر، مرضت الملكة مرضا خطيرا في جدبورو وكادت تنتقل إلى العالم الآخر، ~~وذهب زوجها دارنلي لزيارتها، ولكنه لم يمكث معها غير يوم واحد. # وكان بوثول قد أصيب قبل ذلك بثلاثة أسابيع بجروح خطيرة في مناوشات حدثت على الحدود، ~~وظل طريح الفراش في دير مهجور، فما اتصل نبأ ذلك بالملكة حتى سارعت إلى الذهاب لرؤيته - ~~وكان بينها وبينه نحو ثلاثين ميلا - وعادت في نفس اليوم وقد أثر البرد في صحتها ~~تأثيرا سيئا فمرضت. # وقد سمع دارنلي بهذه القصة، بل لقد زار بوثول في جدبورو فاحتقره بوثول وأساء معاملته، ~~كما كان يفعل كل من يقابله، ولكنه كان يتألم من احتقار بوثول له أكثر من أي شخص آخر؛ ~~وذلك لعلمه أن بوثول هو عشيق زوجته. # فك العقدة # ووصلت الأمور بين الملكة وزوجها إلى حد لا يمكن الاستمرار عليه كما أعلنت هي في القصر ~~وهي لا تزال تعاني آثار المرض. # وجلست في غرفة واسعة إلى جانب المدفأة وقد غاض قلبها والتفت بعباءة تقيها البرد، ~~وكانت شاحبة الوجه، وقد ظهرت هالة زرقاء على عينيها من تأثير المرض الذي عانته، ثم ~~تأوهت وقالت: كم أود أن أموت! # ماري «ملكة اسكتلندا» تودع فرنسا. # وكان عشيقها بوثول إذ ذاك يتكئ على ظهر مقعدها وقد ظهر بوجهه العبوس وأنفه الأقنى ~~ولحيته الكثة، وتظاهر بأنه يتأوه مثلها وهو يقول: لم أقف ms70 في حياتي أمام عدو وتمنيت أن ~~أموت. # وما لبث أن خفض من صوته وهو يملي أوامره على سكرتيره، الذي كان جالسا إلى مائدة على ~~مقربة منها وهو يكتب ما يمليه عليه سيده. # وفجأة رفعت إليه الملكة عينيها وسألته: أي أوامر تملي؟ # وعندما أجابها رفعت يدها وأشارت إشارة السلب وهي تقول: كلا! ليس هذا هو ~~الطريق. # وتحرك بوثول حتى واجهها وظهره إلى المدفأة، ولم يعن بأن يخفض صوته وهو يحادثها، بل ~~قال ببرود: هناك شيء آخر، وقد قررت ذلك من قبل. # فقالت له: وما الذي قررته؟ # إذ ذاك خاطبها بصوت أجش حتى ظهر الخوف والاهتمام على وجهها وهو يقول لها: إن ما ~~قررناه يتعلق بفك قيودك. لا تخافي شيئا؛ إن الشريف مواري نفسه هو الذي اقترح ذلك ~~وأسره إلى لثنجتون، وما ذلك إلا لمصلحة اسكتلندا ومصلحتك. # ثم رفع صوته مناديا إياهما. # وحضروا جميعا تلبية لندائه، واجتمعوا في الغرفة فكان منظرهم غريبا، والملكة بينهم ~~تظهر على وجهها أمارات الاهتمام والخوف والضعف، أما بوثول فكان شكله يدل على العظمة ~~والقوة وقد لبس أفخر ملابسه، أما آرجيل ولثنجتون فكانا متشحين بالسواد. # ووجه بوثول الحديث للثنجتون فقال له هازئا: إن جلالة الملكة تهتم بسماع الطريقة التي ~~يمكن بها أن تفك عقدة زواجها. # ورفع لثنجتون نظره إلى الملكة وفرك يديه وضغط على شفتيه ثم قال: فك العقدة! ها! ها! ~~من الخير هنا أن نستعمل طريقة الإسكندر؛ وهي قطع العقدة للتخلص منها مرة واحدة وإلى ~~الأبد. # قال ذلك وقد أدار بصره في الغرفة، ولكن الملكة صاحت: لا! لا! لن أدعكم ~~تقتلونه. # ولكن بوثول قال لها: ولكنه يا سيدتي لم يكن على شيء من الشفقة التي تظهرينها ~~الآن. # وكان يقصد بذلك طبعا أن يذكرها بمقتل ريزيو، وبأن زوجها هو الذي دبر ذلك ~~الحادث، كأنه هو نفسه كان يحب ريزيو! # فقالت الملكة: ولكن على الرغم مما صنعه زوجي؛ فإني لا أوافق البتة على قتله. # فقال آرجيل: ولكن، يا مولاتي، يمكننا أن نقدمه إلى المحاكمة بتهمة اشتراكه في سجن ~~جلالتك ms71 في هوليرود بعد حادث مقتل ريزيو. # وفكرت في ذلك برهة ثم هزت رأسها وقالت: ولكن الوقت متأخر جدا، وكان يجب أن نصنع ذلك ~~منذ أمد بعيد؛ إذ سيقول الناس الآن: إننا لم نقدمه إلى المحاكمة بعد مرور هذه المدة على ~~الحادث إلا لنتخلص منه لسبب من الأسباب. # ولم تفكر الملكة في غير وسيلة الطلاق للتخلص من زوجها، وظهر الاهتمام جليا على ~~وجهها وقالت: لقد فكرت في الطلاق، ويعلم الله أنني لا أريده لغرض في نفسي. هل الطلاق ~~ممكن بتمزيق أمر البابا الذي صرح فيه بالزواج؟ # فرد عليها آرجيل قائلا: نعم، إن الزواج يعد لاغيا بعد تمزيق ذلك الأمر. ثم نظرت إلى ~~بوثول وإلى نار المدفأة ووضعت يدها على وجهها وقالت: نعم، لا ريب أن الطلاق هو خير ~~الوسائل. # ولكنها ما لبثت أن رفعت بصرها فجأة، فرأوا في عينيها مظاهر الشك والخوف، وقالت: ولكن ~~في هذه الحالة ماذا يحدث لولدي؟ # فقال لثنجتون ببطء بعد أن هز كتفيه وحرك يديه، وما لبث أن شبكهما ثانية: نعم، إن هذه ~~هي العقبة التي اعترضت سبيلنا ونحن نبحث هذا الأمر؛ فلا ريب أن ذلك مما يجعل توليه بعدك ~~محفوفا بالمصاعب والأخطار. # فصاحت وهي تطلب منه أن يوضح أفكاره: إنك تعني أنه سيعتبر ابنا غير شرعي، أليس ~~كذلك؟ # فقال السكرتير: نعم، هذه هي الحقيقة يا مولاتي، ولن يكون جزاؤه غير ذلك. # وهنا قال بوثول: وما دام الأمر كذلك، فهذا ما يعود بنا إلى طريقة الإسكندر، فما دامت ~~الأصابع لم تفلح في حل العقدة وجب استعمال السكين في قطعها. # إذ ذاك ارتعدت الملكة وانكمشت في ملابسها، فانحنى إليها لثنجتون وخاطبها بعطف ولطف ~~متمتما: دعي لنا الأمر يا مولاتي، وسنجد الوسيلة لتخليص جلالتك من ذلك الأحمق دون أن ~~نمس شرفك، أو نلحق الضرر بحقوق ولدك. # وأخذت الملكة تنظر إلى وجه كل واحد منهم وكأنها تود لو تمكنت من قراءة أفكاره، ثم ما ~~لبثت أن أعادت نظرها إلى نار المدفأة وتحدثت بسكون فقالت: أرجو ألا تصنعوا شيئا يمس ~~شرفي ms72 ولا يرضاه ضميري. # ثم أردفت بلهجة من تؤكد كل كلمة تقولها: بل إنني أرجوكم أن تدعوا الأمر حتى يقضي فيه ~~الله بما يريد. # ونظر لثنجتون إلى الاثنين الآخرين ونظرا إليه، ثم فرك يديه بسكون وقال: ثقي بنا يا ~~مولاتي، وسنحل المسألة بشكل يرضيك ويوافق عليه البرلمان! # ولم تجب الملكة على هذا الطلب؛ ولذا فقد أرضاهم أن يجدوا في سكوتها دليلا على ~~موافقتها، وأسرعوا ثلاثتهم إلى الاجتماع باثنين آخرين هما: جنتلي وبلفور، واتفق الخمسة ~~على إهلاك دارنلي، زوج الملكة، الذي كانوا يطلقون عليه اسم «الأحمق الصغير، والطاغية ~~المتكبر». # وقبل عيد الميلاد أصدرت الملكة أمرها بالعفو عن سبعين شخصا من المتهمين بالاشتراك في ~~مقتل الذين قست في الحكم عليهم من قبل لما ثبتت عليهم تهمة الاشتراك. # وقد رأى العالم في ذلك العفو مظهرا جميلا من مظاهر الإحسان والعطف الملكي على ~~الرعايا، وأثنى على ملكة اسكتلندا، ولم يعرف غير قلائل أن هذا العفو لم يكن غير الثمن ~~الذي تدفعه الملكة مقابل تخليصها من زوجها دارنلي؛ مما يدل على موافقتها التامة على أن ~~العقدة التي لا يمكن حلها يجب قطعها. # وفي نفس اليوم الذي أصدرت فيه الملكة أمرها بالعفو ذهبت في صحبة بوثول لزيارة اللورد ~~رمند؛ حيث مكثا في ضيافته نحو أسبوع، ومن هناك ذهبا معا إلى مدينة «توليبردين»، وكانت ~~تلك التنقلات غذاء الأقاويل والإشاعات والفضائح التي تذاع عن علاقتهما غير ~~الشريفة. # هل عاد الحب؟ # غادر دارنلي زوج الملكة مدينة «سترلنج» حيث كان يعيش عيشة تاعسة؛ إذ كان الأشراف ~~يتجاهلونه، وكان في حاجة إلى المال لقضاء ضروريات حياته حتى اضطر إلى الاستغناء عن ~~خدمه، وأصابه المرض إذ ذاك فأشيع أن السم قد دس له، ولكن ما لبث الناس أن رأوه وقد ~~شوه وجهه الجميل؛ فعرفوا أن المرض الذي أصيب به لم يكن إلا نتيجة لحياة التهتك التي ~~يعيشها. # ولما عرف أنه قد وصل إلى أبواب الموت أخذ يكتب خطابات استعطاف إلى الملكة، ولكنها ~~كانت تتجاهله، ولا تعنى به ولا بخطاباته، وقد اطمأنت عندما سمعت ms73 عن مرضه؛ إذ ظنت أنه ~~قد يقضي عليه فيموت موتا طبعيا قبل أن يمسه الآخرون بسوء، فلما سمعت بتحسن صحته ذهبت ~~لزيارته في جلاسجو. # ولما دخلت الملكة إلى غرفة زوجها المريض الذي هجرته منذ زمان، وجدته في فراشه وقد وضع ~~على وجهه قطعة من النسيج الرقيق ليخفي التشويه الذي لحقه، فتأثرت تأثرا شديدا حتى ~~ليقال: إنها ركعت على ركبتيها بجانب فراشه، وأخذت في البكاء على مرأى ومسمع من حاشيتها ~~وأتباعه، واعترفت بندمها الشديد على الماضي. # وتبع ذلك الصلح، وأخذت تظهر له الحب والعطف والاهتمام بشأنه، وأخبرته بضرورة انتقاله ~~إلى مكان آخر يتمتع فيه براحة أكبر، ويكون لائقا بمركزه الرفيع، وسر هو وقبل أن ~~يعود معها إلى هوليرود، ولكنها قالت له: لا يمكننا الذهاب إلى هوليرود خشية أن تنتقل ~~عدوى مرضك إلى ابنك الصغير. # فسألها: إلى أين نذهب إذن؟ # ولما ذكرت له قصر «كريجميلر» هب واقفا من فراشه، فوقعت قطعة القماش التي كانت تخفي ~~وجهه، وظهر ما لحقه من التشويه، فما وسع الملكة أن تخفي اشمئزازها من بشاعة منظره ~~المرعب إلا بكل صعوبة، وصاح هو: إلى كريجميلر! إذن فلقد كان حقا ما أخبروني. # فقالت وهي تحدق فيه النظر وقد شحب وجهها: وبماذا أخبروك؟ # وكانت أخبار ما حدث في قصر كريجميلر قد وصلت إلى مسامعه، فأخبرها أنه سمع بأن خطابا ~~قد قدم إليها في ذلك القصر لتمهره بإمضائها، وأنها رفضت الإمضاء. # فقالت له: كذب وهراء كل ما أخبروك! فإني لم أر أي خطاب ولم أوقع، بل ولم يطلب إلي ~~أن أوقع أي خطاب! وإنني لأقسم على صحة ذلك. أما ذهابك إلى قصر كريجميلر فإنني لا أضطرك ~~إليه، ولك ملء الحرية في أن تذهب إلى أي مكان تشاء. # فاطمأن قليلا واعتقد في صدق كلماتها ثم قال: هناك منزل كيرك أوفيلد، وله حديقة غناء، ~~وهو يطل على أخصب بقاع أدنبره، وأنا في أشد الحاجة إلى الهواء النقي، وقد نصحني الأطباء ~~بعمل حمامات كثيرة للتخلص من هذا المرض. لا ريب أن منزل كيرك أوفيلد يصلح ms74 إذا وافقت على ~~ذلك. # ووافقت هي في الحال وأصدرت أوامرها بإصلاح ذلك المنزل، وبنقل بعض الأثاث الموجود في ~~قصر هوليرود لتزيين مدخله حتى يكون لائقا بقدر الإمكان لسكنى ملك. # وانتقلا بعد بضعة أيام إلى ذلك المنزل، فما لبثت شكوكه أن هدأت؛ إذ رأى ما تحيطه به ~~من عطف وحب، وخاصة لوجود كثير من أتباعه هناك. # وأخذ حبهما ينمو من جديد إبان الاثني عشر يوما التي قضاها وهو يتماثل إلى الشفاء في ~~منزل كيرك أوفيلد، وكانت هي كثيرة العبث واللهو معه كما تكون المرأة مع عشيقها، حتى أخذ ~~الناس يتحدثون عن عودة حب الملكة لزوجها، وأملوا بأن يكون ذلك الصلح سلاما للأمة، ~~وهناء يستفيد منه الجميع، ولكن على الرغم من ذلك كان هناك من ينظر إلى ذلك الصلح بعين ~~الحيرة والاستغراب، ويبحث عما إذا كان في خلق المرأة وعاطفتها ما يسمح بمثل ذلك التغير ~~الفجائي من الكراهية الشديدة إلى الحب؟ # مخاوف وشكوك # وكان دارنلي ينام في الدور الأعلى من المنزل في غرفة أثثت أثاثا فاخرا، وفرشت أرضها ~~بالأبسطة الشرقية، ووضع له بجانب الفراش ذلك الحمام الخاص، الذي كان جزءا من علاجه، ~~وعدة مقاعد وثيرة. # أما الملكة فكانت تنام في غرفة بالدور الأسفل تحت غرفة زوجها تماما، وكانت نوافذها ~~تطل على الفضاء الواسع، أما بابها فيؤدي إلى الممر الموصل إلى الحديقة. # وكأن الحياة هناك قد راقت للملكة على الرغم من أنها لم تكن تزور قصر كيرك أوفيلد في ~~الماضي إلا نادرا، وكانت تمضي شطرا كبيرا من اليوم في غرفة زوجها لتسليه في فترة ~~نقاهته من مرضه. أما الوقت الذي لم تكن توجد فيه في غرفة زوجها فقد كانت تسير أثناءه ~~للنزهة في الحديقة، وكثيرا ما كان زوجها يسمعها تغني وهو في فراشه. # لم تظهر الملكة ماري لزوجها الحب في أوانه كما أظهرته في تلك الآونة، اللهم إلا عقب ~~زواجهما مباشرة؛ ولذا فقد غادرته شكوكه، إلا أن ذلك النعيم لم يدم مدة طويلة؛ إذ ما لبث ~~أن وصل إليه اللورد روبرت يحمل إليه ms75 تحذيرا ألقى الرعب في قلبه، فقد أخبره أنه إذا لم ~~يغادر ذلك المكان في الحال؛ فإنه لن يغادره إلا بعد أن يفقد حياته، وصارح دارنلي الملكة ~~بتلك الإشاعة التي وصلت إلى مسامعه عن طريق اللورد روبرت، فأنكرت كل شيء، وأرسلت في ~~الحال تستدعي اللورد روبرت، وسألته أمام زوجها عما ذكره، فما وسعه غير الإنكار، وقال: ~~إنه لم ينذر الملك بشيء ، وأن كل ما هنالك قد يكون سوء فهم لحديثه، بل وأضاف إلى ذلك أن ~~حديثه لم يتعد حالة الملك الصحية التي ربما تقتضي تغيير طريقة العلاج، والبحث عن هواء ~~أنقى من هواء تلك البقعة. # ولم يدر دارنلي أي القولين يصدق، وعاودته شكوكه ووساوسه، إلا أنه مال إلى تصديق زوجته ~~ماري التي أكدت له سلامة حياته، وكان يشعر بالطمأنينة ما دامت إلى جانبه. # وقد رضيت الملكة أن تقضي بضع ليال من كل أسبوع في قصر كيرك أوفيلد؛ ليطمئن زوجها ~~ويأمن على سلامته. وفي الأسبوع الأول من شهر فبراير قضت الملكة مع زوجها في قصر كيرك ~~أوفيلد ليلة الأربعاء وليلة الجمعة، وكانت تنوي قضاء ليلة الأحد لولا أن خادمها سبستيان ~~- الذي اصطحبها من فرنسا، والذي كانت تقدر إخلاصه - كان ينوي الزواج في ذلك اليوم، وقد ~~وعدته جلالتها بأن تحضر الحفلة الراقصة التي سيحييها من أجل هذه المناسبة السعيدة في ~~هوليرود. # وعلى الرغم من ذلك لم تهمل زوجها في ذلك اليوم، بل ركبت في المساء بصحبة بوثول وهنتلي ~~وآرجيل وآخرين تقصد كيرك أوفيلد، ولما وصلت بصحبة هؤلاء إلى القصر تركتهم في الدور ~~الأول يقتلون الوقت بلعب الورق، وصعدت هي إلى غرفة زوجها في الدور العلوي وجلست إلى ~~جانب فراشه، فلاحظت على وجهه أمارات الاضطراب كأنه يتوقع حدوث شيء، وما كادت تجلس إلى ~~جانبه حتى بدأ يلحف في الرجاء فقال لها: لن تتركيني هذه الليلة، أليس كذلك؟ # فقالت: يا للأسف! يجب أن أغادرك؛ فإن سبستيان يتزوج هذه الليلة، وقد وعدته بحضور ~~الحفلة. # فتأوه وقد ازداد اضطرابه ثم قال: سأشفى قريبا، وإذ ذاك سيغادرني كل ms76 ما أشعر به من ~~اضطراب يزيد في إزعاجي، أما الآن فإنني لا أحتمل أن تغيبي عن نظري. إني أشعر بالراحة ما ~~دمت إلى جانبي، وأحس أن كل شيء يجري في مجراه، أما إذا ابتعدت عني فإن نفسي تمتلئ ~~بالخوف واليأس وأنا وحدي في هذا المكان. # فسألته: ومم تخاف؟ # فقال: إنني أخاف تلك الكراهية الحية التي يحس بها الجميع من نحوي . # فقالت: إنك لتصور لنفسك أشباحا تزعجك. # وصاح في تلك اللحظة صيحة رعب وهو يحاول القيام من فراشه: ما هذا؟ أصغي إلى هذا ~~الصوت! # وأصغت فسمعت صوت وقع أقدام في الغرفة السفلى، وصوت وقوع شيء على الأرض، فقالت: لا ريب ~~أن هذه أصوات الخدم وهم ينظمون غرفتي. # فسألها: ولماذا يرتبونها ما دمت لا تنامين فيها هذه الليلة؟ # ثم رفع صوته ونادى خادمه الخاص. # وسألته هي بدورها وقد شعرت بالخوف: وماذا تريد من خادمك؟ # فلم يجبها، وأمر خادمه بالنزول لرؤية ما يحدث في الغرفة السفلى، ونزل الشاب. ولو قدر ~~له أن يؤدي مهمته بإخلاص لرأى أعوان بوثول من هاي وهبرن ونيقولا هيبرت خادم الملكة ~~يشتغلون بتعبئة رصاص ومقذوفات نارية أخرى لوضعها تحت غرفة الملك، إلا أن الخادم في ~~طريقه قابل بوثول نفسه وقد التف في عباءة واسعة، ووضع قبعته على رأسه، وسأله بوثول عن ~~المكان الذي يقصد فأخبره. # فقال له بوثول: لا شيء هناك سوى أنهم يشتغلون بنقل فراش جلالة الملكة من مكانه حسب ~~رغبتها. # وتأثر الخادم من وجه بوثول الذي كان يدل على الأمر والقوة، وكان يسد عليه طريقه ~~بقامته؛ ولذا فضل عدم المقاومة، وعاد إلى الملك وأخبره بما سمعه من بوثول كأنه ذهب ~~بنفسه ورأى ما يروي. # واطمأن دارنلي قليلا وانسحب الخادم، فقالت الملكة ماري: ألم أخبرك بما هناك؟ ألم تكن ~~كلمتي كافية؟ # فأخذ دارنلي يرجوها قائلا: سامحيني على شكوكي! إنني لا أشك فيك مطلقا بعد أن أظهرت ~~كل هذا العطف على ما أصابني من محن. # وتأوه ثم نظر إليها بحزن وأسى وأردف قائلا: كم أود لو كان الماضي يختلف ms77 في وقائعه ~~عما حدث بيني وبينك! أظن أنني كنت صغيرا حين وليت الحكم؛ كنت في صغري أستمع لمشورة ~~السوء، وكنت شديد التأثر بالغيرة، سريع الخضوع لسيئاتها ورذائلها، ولما شئت أن تطرديني ~~من لدنك أخذت أتجول في العالم الواسع بلا صديق، فأسرني الشيطان بشروره، ولكنك إذا وافقت ~~على أن ندفن الماضي في قبور النسيان؛ فسأصلح كل شيء، وستجدين أنني أكبر قيمة بما يخطر ~~لك. # وقامت هي وقد ابيضت شفتاها، وأخذ جسمها يرتعش تحت عباءتها، واتجهت إلى النافذة وأخذت ~~تطل منها، أخذت تنظر من النافذة إلى ذلك السكون والليل المحيط، وكانت قدماها لا تقويان ~~على حملها من شدة ارتعادهما. # وصاح هو: لماذا لا تجيبي؟ # فقالت وصوتها يرتجف: أي جواب تريد؟ أولم أجبك من قبل؟ # ثم أردفت وهي لا تكاد تقوى على الحديث: أظن أن الوقت قد أزف للرحيل. # وسمعا إذ ذاك صوت وقع أقدام على السلم وصوتا أشبه بصليل السيوف، وما لبث باب الغرفة ~~أن فتح وظهر بوثول على بابها وهو ملتف في عباءته الحمراء، وأحنى كتفيه عند الباب، وكانت ~~في عينيه الواسعتين نظرة ساخرة ألقاها على دارنلي؛ فبعث بالخوف والغضب إلى قلبه في ~~الحال، وقال بوثول يخاطب الملكة: لقد أوشك الليل أن ينتصف يا مولاتي. # كان بوثول قد حضر في الوقت المناسب ليذكر الملكة بأن كل شيء قد تم لتنفيذ ما اتفق ~~عليه من قبل دون مراعاة لعطف أو شفقة. # وقالت الملكة: هأنذي قادمة. # ولبث بوثول ينتظر ليعجل من قيامها، إلا أن الملك أخرها قليلا. # وأخذ بوثول يلحف في الرجاء ودارنلي يقول: انتظري لحظة واحدة، كلمة واحدة. # ثم خاطب بوثول قائلا: دعنا نتحدث وحدنا يا سيدي وغادرنا. # ولكن على الرغم من أنه الملك لم يطعه ذلك الجبار عشيق الملكة، ولبث ينتظر أمر الملكة ~~دون أن يتحرك، فلم يغادر الغرفة إلا بعد أن أشارت إليه تطلب منه الخروج، بل حتى بعد أن ~~أمرته الملكة بالخروج لم يكن منه إلا أن انتقل إلى الجانب الآخر من الباب؛ وذلك كي يكون ~~قريبا منها يساعدها ms78 إذا بدا منها ما يدل على الضعف في تلك الساعة الرهيبة. # وأخذ دارنلي يجاهد حتى تمكن من الجلوس في فراشه، ثم أمسك بيدها وأخذ يرجوها: لا ~~تغادريني، بربك لا تغادريني. # فصاحت بصوت يظهر الاضطراب في نبراته: ولكن ما هذا؟ هل تريد أن ييأس سبستيان من حضوري ~~ويحزن لذلك، وهو الذي يحمل لي الكثير من الحب والإخلاص؟ # فقال: لقد فهمت. إذن فأنت تهتمين بسبستيان أكثر من اهتمامك بي. # فقالت: إن هذا من الجنون؛ فليس سبستيان إلا خادمي المخلص. # فقال: أولست أنا كذلك خادمك المخلص؟ ألا تصدقين أن كل غرضي سيكون منذ الآن أن أخدمك ~~بإخلاص. آه! ولكن شفقة لضعفي، إنني ممتلئ بالخوف والتشاؤم هذه الليلة. اذهبي إذا كان ~~واجبا أن تذهبي، ولكن دعيني أسمع - على الأقل - تأكيدا لحبك، وعديني بالحضور غدا ~~بحيث لا تفترقين عني مرة أخرى. # نظرت الملكة إلى ذلك الوجه الأبيض الشاحب الذي كان يتذلل صاحبه إلى هذا الحد، والذي ~~كان رائع الجمال في الماضي، فاضطربت نفسها، ولم تشعر بالقوة إلا عندما ذكرت أن بوثول ~~ينتظرها بالباب، وأنه يسمع كل ما يدور بينها وبين زوجها من حديث. # وحدث بعد ذلك أن خلعت خاتما من أحد أصابعها ووضعته في أحد أصابعه وقالت: إليك الدليل ~~على صدق وعدي وحبي؛ فاسترح ونم مطمئنا. # وقد انتقدت الملكة على تصرفها هذا ولامها الكثيرون عليه، بل لقد اعترف موراي نفسه ~~فيما بعد لما له من صلة بالمسألة، بأن ما صنعته الملكة من نزع خاتمها ووضعه في أصبع ~~زوجها لمما تستحق عليه أشد اللوم. والظاهر أنها قصدت من ذلك أن تضع حدا للمنظر المؤثر ~~الذي كان يزعجها، وقد تمكنت فعلا من إنقاذ موقفها بذلك العمل. # إنذار خفي # وغادرت الملكة زوجها وقد شحب وجهها وبدا عليه الاضطراب، ووصلت إلى الباب ووضعت عليه ~~يدها تحاول فتحه، ولكنها تريثت وأعادت النظر إلى زوجها، ويظهر أنها اشمأزت من نفسها ~~عندما فكرت في خيانتها له، خاصة عندما رأته يبسم لها وقد عادت الثقة إلى وجهه. ولا شك ~~أنها شعرت بالرغبة في ms79 تحذيره إذ ذاك، ولكن بوثول كان قريبا منها، فعرفت أن أي كلمة ~~تذكرها لزوجها سيكون معناها تعجيل المأساة مع اقترانها بنتائج خطيرة قد تمس بها. # ولكي تتغلب على ضعفها استعادت ذكرى دافيد ريزيو الذي قتله دارنلي وهو على مقربة منها، ~~والذي كانت تنتقم له في تلك الليلة، ولكن غريزة المرأة لم تغادرها حتى في تلك اللحظة، ~~بل لقد تغلبت عليها ، فبدلا من أن تجد في ذكرى ريزيو ما يشجعها على الانتقام من زوجها ~~وجدت من تلك الذكرى وسيلة لتحذيره. # وقفت شاحبة مضطربة عند الباب، وألقت عليه آخر كلماتها له بصوت يتخلله الاضطراب فقالت: ~~لقد قتل دافيد ريزيو في مثل هذا الوقت بالضبط من العام الماضي. # وبعد ذلك، أسرعت إلى بوثول الذي كان ينتظرها، وما وصلا إلى السلم حتى تمهلت الملكة ثم ~~وقفت وقد وضعت يدها على كتف بوثول وأخذت تهمس بخوف: هل من الضروري عمل ذلك؟ هل من ~~الضروري؟ # كان النور ضعيفا، ولكنها على الرغم من ذلك رأت ذلك النور الذي يلمع في عينيه وهو ~~يتكئ إلى ناحيتها وقد وضع يده على وسطها وجذبها إليه بذراعه القوية، وهكذا تمكن بإرادته ~~الحديدية من أن يجعلها تسير في الطريق الذي اختطه لها. # كانت الجياد قد أعدت في الخارج، وكان هناك عدد كبير من الأشراف في انتظارها لمرافقتها ~~في الطريق إلى قصر هوليرود لحضور حفلة زواج خادمها سبستيان، وكذلك كان نحو ستة من الخدم ~~يحملون المشاعل، وكانت اللادي ديز تنتظر مولاتها. وتقدم أحد الرجال لمساعدتها على ~~الركوب، ولكنه كان أسود اليدين والوجه من تأثير البارود والمفرقعات الأخرى التي كان ~~يعدها، حتى إنها لم تعرفه، وضحكت ضحكة عصبية مغتصبة حين سألته عن اسمه فذكره لها وصاحت: ~~أيها اللورد، لم اسود وجهك؟ # ثم ركبت جوادها، وسارت بصحبه الأشراف يتقدمها الخدم من حملة المشاعل؛ لينيروا لها ~~الطريق، إذ كان الوقت بعد منتصف الليل. # الانفجار # وفي الغرفة العليا بقصر كيرك أوفيلد مكث زوجها دارنلي يفكر وينعم النظر فيما قالته ~~الملكة، وقد تأكد من قرب حدوث شيء بسبب ms80 تلك اللهجة التي خاطبته بها، ومن نبرات صوتها ~~وهي تحدثه، بل ومن النظرة التي ألقتها عليه وهي تخاطبه، وعرف أن كلماتها تحوي رسالة ~~غامضة موجهة إليه: # لقد قتل دافيد ريزيو في مثل هذا الوقت بالضبط من العام الماضي. # أدرك دارنلي أن نفس هذه الكلمات ليست صحيحة، وأن قائلتها لم تتحر الصحة وهي تذكرها، ~~فإن ذكرى مرور عام على مقتل ريزيو كانت تقع بعد مرور شهر كامل على ذلك التاريخ الذي ~~ذكرته الملكة! وتساءل دارنلي عما يدفع الملكة إلى تذكيره قبل رحيلها بما اتفقا على دفنه ~~في قبور النسيان؟ وفي الحال أجاب نفسه بنفسه، وعرف أنها قصدت إنذاره بأن الانتقام قريب ~~الوقوع، وتذكر إذ ذاك كل ما وصل إلى مسامعه عن الأمر الملكي الذي وقع في قصر ~~كريجميلر، وذكر كذلك إنذار اللورد روبرت له، وهو الإنذار الذي أنكره أمام الملكة، وذكر ~~إذ ذاك كلمات الملكة التي وجهتها إليه عقب مقتل ريزيو؛ فقد قالت له: «فكر فيما تسمع ~~مني الآن، فكر فيه واذكره؛ فإنني لن أستريح بتاتا قبل أن أسبب لك مثل هذا الحزن الذي ~~أشعر به الآن!» # وذكر بعد ذلك صيحتها التي تمثل فيها الألم وحب الانتقام الوحشي وهي تقول بالفرنسية: ~~لن أنسى، لن أنسى إلى الأبد! نعم، إلى الأبد! وزادت مخاوفه زيادة هائلة ولم تهدأ في ~~النهاية إلا حين نظر إلى أصبعه فرأى الخاتم الذي وضعته فيه دليلا على تجدد عهد حبها. ~~نعم! لا ريب أن الماضي قد مات ودفن، حتى إذا هدده الخطر فهي ستحميه بلا شك، وستكون ~~درعا فولاذيا يقيه شر الحوادث. هذا ما ظنه وصمم على أن يسألها عنه عندما تحضر في ~~اليوم التالي، ولا ريب أنها ستكون أكثر صراحة، وستفتح قلبها له ولا تخفي عنه شيئا، ~~ولكن على الرغم من كل هذا احتاط لتلك الليلة حتى لا يؤخذ على غرة. # أرسل دارنلي خادمه وطلب منه أن يغلق جميع الأبواب بإحكام، فصدع الخادم لأمر سيده ~~وأقفل جميع الأبواب ما عدا الباب الذي كان يؤدي إلى الحديقة؛ إذ ms81 لم يكن هناك ما يغلق ~~به، علاوة على أن مفتاحه كان مفقودا، ولكنه لم يخبر سيده بذلك لئلا يزيد في غضبه ~~وحدته الظاهرة على وجهه. # وطلب دارنلي أن يحضروا إليه الكتاب المقدس ليقرأ فيه استعدادا للنوم، وجلس الخادم ~~على مقعد في ركن الغرفة وقد غلبه النعاس، وهكذا أخذت الساعات تمر، وفي النهاية نام ~~الملك نوما خفيفا، ولكنه ما لبث أن قام من نومه فزعا حوالي الساعة الثانية صباحا، ~~وجلس في فراشه وقد امتلأ رعبا دون أن يعرف لرعبه سببا، وأخذ يصغي بأذنين مرهفتين وقد ~~كاد قلبه يكف عن الحركة. # وأخيرا تمكن من أن يفطن إلى الصوت الذي أيقظه، وكان ذلك الصوت يشبه الصوت الذي سمعه ~~من قبل حين كانت زوجته الملكة ماري معه، وظن أن هناك شخصا يتحرك، ولكنه ما لبث أن كف ~~عن الحركة حين بدأ هو يصغي، وعاد السكون الشامل إلى القصر، ولكنه لم يعد إلى قلب الملك ~~المسكين، بل ازدادت مخاوفه. # وأطفأ الملك النور، ونزل من فراشه، وسار إلى النافذة وأطل منها على الفضاء والظلام ~~الدامس الذي لم يكن ينيره غير ضوء ضئيل منبعث من جزء صغير من القمر، وكان لا يزال في ~~الربع الأول، وخيل إليه أن شبحا يتحرك في الظلام، فأخذ ينعم النظر ويراقبه وقد اشتد ~~رعبه. لم يكن هناك شبح واحد، بل لقد كانت هناك أشباح عدة تتحرك بين الأشجار، ورأى وهو ~~يراقبها شبحا يخرج من المنزل وهو يجري، وما لبث أن التحق بالآخرين في الحديقة، ورأى ~~أنهم قد صاروا مجموعة كبيرة: «ترى ماذا يقصدون؟» أخذ دارنلي يسأل نفسه هذا السؤال، ثم ~~ما لبث صدى صوت كلمات ماري الأخيرة أن رن في أذنيه وسط ذلك السكون: «لقد قتل دافيد ~~ريزيو في مثل هذا الوقت من العام الماضي!» # واشتد رعبه فما وسعه إلا أن يقفز من الغرفة إلى حيث كان خادمه نائما على المقعد، ~~وأخذ يهزه هزا عنيفا وهو يقول له هامسا بصوت أجش: قم أيها الغلام، قم، قم؛ فقد ~~هاجمنا الأعداء. # كان دارنلي يريد ms82 أن يصرخ بهذه الكلمات، ولكن صوته خانه؛ إذ تملك الرعب كل جزء من جسمه ~~حتى حنجرته. # واستيقظ الخادم في الحال، وأسرع الاثنان - والملك بلباس نومه الذي نزل به من فراشه - ~~وخرجا من الغرفة في الظلام الدامس وهما يتلمسان الطريق إلى أن وصلا إلى النوافذ الخلفية ~~التي كانت موجودة في الردهة، وفتح دارنلي نافذة منها وأرسل الخادم ليأتيه بغطاء ~~تمكنا بواسطة ربط طرفه في النافذة من النزول إلى الحديقة، وما وصلا إليها حتى أسرعا ~~إلى الحائط يقصدان تسلقه للهرب من القصر كله. # كان الخادم يسير في المقدمة والملك يتبعه وأسنانه تصطك من تأثير البرد والخوف الذي ~~تملكه، إلا أنه في تلك اللحظة عينها خيل إليهما أن الأرض قد مادت تحت أقدامهما، ~~فوقعا على وجهيهما دون أي إنذار سابق، وما لبثا أن رأيا ضوءا قويا جدا أنار الظلام ~~السائد، وصحبته أصوات فرقعة هائلة مرعبة كأن الأرض كلها قد تأثرت بها. # ولبث الملك والخادم بضع لحظات حيث وقعا وقد فقدا نصف شعورهما، وكان الخير لهما لو ~~أنهما استمرا منكفئين على الأرض حيث كانا، إلا أن دارنلي استعاد شعوره بسرعة وقفز ~~واقفا على قدميه، ثم جذب إليه الخادم وأعانه على الوقوف معه، وبدأ يتحرك، فما لبث أن ~~سمع صوت صفير منخفض ينبعث خلفه من الظلام، ونظر من وراء كتفه إلى القصر فرأى الدخان وقد ~~بدأ يتصاعد منه. وفي وسط ذلك الدخان المتكاثف لاحظ الأشباح التي رآها من نافذة غرفته ~~وقد بدأت تتحرك في الظلام وتقترب منه، فعرف أنهم قد شاهدوه؛ فإن لباس النوم الأبيض الذي ~~كان يلبسه دلهم على مكانه في الظلام. # وصرخ صرخة خافتة وهو يجري نحو حائط الحديقة وخادمه يتعثر من خلفه، وسمعا خلفهما وقع ~~أقدام كثيرة، ما لبث أن وقعا أسيرين وقد أحاط بهما الرجال، وأخذ الملك يلتفت يمينا ~~ويسارا عله يهتدي إلى مخرج من بين هذه الدائرة القاتلة من الرجال الذين كانوا يحيطون ~~به وبخادمه، ويكونون أمامهما سدا منيعا، وصاح بصوت ضعيف وهو يحاول يائسا أن يسأل ~~بشيء من السلطة: ms83 ماذا تريدون؟ ماذا تريدون؟ # وتقدم إليه رجل ملتف في عباءة، وكان بوثول، وقال له: إننا نريدك أنت أيها ~~الأحمق. # وغادرت الملك تلك العظمة الملكية التي لم يحسن الظهور بها في يوم من الأيام، غادرته ~~نهائيا، فأخذ يصيح: الرحمة! الرحمة! # فأجابه الطاغية بوثول: تطلب الرحمة التي أظهرتها في الماضي لدافيد ريزيو؛ أليس كذلك؟ ~~ها! ها! # وسقط دارنلي على الأرض وحاول أن يقبل قدمي القاتل، إلا أن بوثول مر فوق جسمه، ثم ~~أمسك بلباسه ونزعه عن جسمه المرتعد، وربط أكمام اللباس في عنق الملك، وأخذ يشدهما بقوة ~~وقسوة، ولم يتركهما إلا بعد أن كف الملك المسكين عن الحركة، فعرف أن الحياة قد ~~غادرته. # وذهبت الملكة ماري، بعد أربعة أيام من هذه الحادثة، لرؤية جثة زوجها في كنيسة قصر ~~هوليرود حيث نقلت بعد قتله، ووصف أحد معاصريها تلك الزيارة فذكر أن الملكة أطالت النظر ~~إلى جثة زوجها، وقال: «إن نظرتها إلى جثة زوجها لم تكن فقط خلوا من أي شعور بالحزن، بل ~~كانت تدل على الرضاء والتشجيع.» # ودفنت الجثة سرا بعد ذلك إلى جانب جثة ريزيو، فاجتمع القاتل والمقتول في نهاية ~~الأمر جنبا إلى جنب. # نهاية العاشقين # اتهمت الملكة ماري بطريق غير مباشر بأنها قاتلة زوجها اللورد دارنلي، وعرف أن ~~الجريمة دبرت بعلمها، وأن فاعلها الأصلى هو اللورد بوثول صديقها المخلص. وقد ثار ~~أعداء الملكة لهذه الجريمة، وأخذوا في تحريض الناس ضدها، وكانت النتيجة أن قدم ~~بوثول للمحاكمة بتهمة نسف قصر كيرك أوفيلد وقتل دارنلي، ولكن المحكمة برأته في ~~النهاية. # وبعد تبرئة بوثول دبر جريمة أخرى هي اختطاف الملكة في الظاهر، ولكن غرضه الحقيقي ~~كان نقلها والاستئثار بها في قصر دنبار؛ ولذلك سامحته ماري على اختطافها من قصرها، وبعد ~~أن تم الطلاق بينه وبين زوجته تزوجته هي. ويشك الكثير في صحة هذا الزواج الذي تم بين ~~الملكة ولورد بوثول؛ لأنه لا يطابق قوانين الكنيسة الكاثوليكية. والظاهر أن الملكة ~~نفسها كانت تشك في صحته؛ حتى إنها تزوجته مرة أخرى فيما بعد طبقا لقواعد الكنيسة ms84 ~~البروتستنتية. # ولكن البلاد ما لبثت أن ثارت ضد حكم ماري ولورد بوثول بتحريض النبلاء واتحادهم، وشبت ~~الحرب الأهلية، فهزم فيها بوثول واضطر إلى التسليم. وقد طلب منه النبلاء أن يغادر ~~اسكتلندا في الحال، فخضع لأمرهم على أن تظل زوجته الملكة على عرشها، وسافر بوثول إلى ~~بلاد النرويج حيث قبض عليه، وأرسل من هناك إلى كوبنهاجن عاصمة الدانيمرك، وألقي به إلى ~~غياهب السجن. # أما الملكة، فإن النبلاء بعد أن أمنوا شر زوجها المحارب أمروا بالقبض عليها، وسجنوها ~~في قلعة لوك ليفن، بعد أن وقعت وثيقة بالتنازل عن العرش لابنها الصغير جيمس. وفي عام ~~1568، تمكنت ماري من الهرب من سجنها بمساعدة بعض أنصارها، وجمعت جيشا صغيرا، ولكنها ~~ما لبثت أن هزمت، فاضطرت إلى الهرب إلى إنجلترا، ووضع نفسها تحت حماية اليصابات ملكة ~~إنجلترا، ولكنها كانت كالمستجير من الرمضاء بالنار، فإن اليصابات كانت شديدة البغض لها؛ ~~لأنها تعرف أنها صاحبة الحق الأول في عرش إنجلترا الذي تتبوءه هي، ولما كان ينقل ~~إليها كثيرا من أن ماري تتطلع إلى هذا العرش وتنوي أن تضمه إلى عرش اسكتلندا في يوم ~~ما. # ولذلك قبض على ماري، ملكة اسكتلندا، بمجرد دخولها في حدود إنجلترا، وظلت مدة 19 عاما ~~تنقل من سجن إلى آخر. # وقد وجدت لها بعض الأنصار في إنجلترا، فأخذوا يدبرون فرارها من السجن، وأخيرا في عام ~~1586، اكتشفت مؤامرة واسعة النطاق دبرها أحد أنصار قضيتها، واسمه بابنجتون، فقدمت ~~الملكة إلى المحاكمة بتهمة اشتراكها في المؤامرة. # وأنكرت الملكة أثناء المحاكمة اشتراكها في المؤامرة، كما أنها لم تعترف بهيئة المحكمة ~~التي تنظر قضيتها، ولكن المحكمة أدانتها وحكمت عليها بالإعدام، فنفذ فيها الحكم يوم 8 ~~فبراير من عام 1587، واطمأنت اليصابات قليلا على عرشها. # أما اللورد بوثول، فقد بقي في سجنه هو الآخر حتى جن ومات في 14 أبريل من عام ~~1578. # وقد تولى ابن ماري عرش إنجلترا واسكتلندا فيما بعد باسم جيمس السادس في اسكتلندا، ~~وجيمس الأول في إنجلترا، فكان في ذلك العزاء بلا ريب لوالدته وهي في قبرها. # | جلالة ms85 الملك جورج السادس والملكة اليصابات # أول مقابلة # في عام 1905 كان الملك إدوارد السابع يحكم إنجلترا، وكانت إنجلترا التي يحكمها تتميز ~~بروح المرح التي تسود أهلها؛ فقد كان الملك هو الآخر مرحا، وكان يسمح لنفسه بشيء كثير ~~من الحرية، ولكن دون أن يقلل ذلك من الاحترام الذي يحتفظ به ويظهره في كل مناسبة ~~للملكة إلكسندرا. # وكان ولي العهد، الأمير جورج، موضع احترام الجميع؛ لسلوكه الذي لا غبار عليه، ~~واهتمامه بشئون أسرته وأمته. وفي ذات يوم من ذلك العام، صرح الأمير جورج لابنه ~~الثاني، الأمير هنري، بالذهاب إلى حفلة خاصة للأطفال تقيمها اللادي ليستر. # ولما وصل الأمير هنري الصغير إلى قصر اللادي ليستر، قدمته ربة المنزل إلى زملائه ~~وزميلاته من صغار الفتيان والفتيات في الحفلة، وقد التف الصغار جميعا حول الأمير ~~يحدقون النظر في وجهه، وقد عقدت الدهشة ألسنتهم لما عرفوا بمقام زميلهم ومركزه. # ولكن فتاة واحدة من بين حاضرات الحفلة لم تهتم بالضيف الجديد، واستمرت تأكل ما وصلت ~~إليه يدها من الحلوى دون أن تعبأ بأي شيء آخر؛ مما أدى إلى استياء أصحاب الحفلة، ~~فأقبلوا عليها وهزوها من كتفها تنبيها لها إلى ما يجب مراعاته من آداب اللياقة في حضرة ~~الأمير الصغير. # وتنبه الأمير هنري أخيرا إلى ما يحدث حوله؛ فحول عينيه ناحية الثائرة الصغيرة ~~وألقى عليها نظرة، فوجدها فتاة ذات عينين زرقاوين وشعر متجعد، وكانت نظرته نظرة ~~الغاضب؛ لأن الصغيرة لم تفهمه، ولم تقدر سمو مركزه وما يجب أن تظهره أمامه من ~~احترام. # وكانت تلك الصغيرة هي اليصابات بوزليون. # بعد 13 عاما # جلالة جورج السادس؛ الملك والإمبراطور. # مر 13 عاما تخللتها حوادث كثيرة هامة، فلم يعد الأمير هنري هو الأمير الصغير ~~الذي يرتدي السراويل القصيرة. ولو أنه كان صغير السن في عام 1918، إلا أنه صار فتى ~~صقلته التجارب؛ إذ اشترك في الحرب وقام بنصيبه في معركة جتلند على ظهر البارجة ~~كولينجوود. وقد عرف الأمير منذ ابتدأت الحرب في عام 1914 أن الأمر جد كل الجد، وخاصة ~~إذ مر والده ms86 المرحوم جورج الخامس مرة يستعرض بعض البحارة، وكان هو بينهم، وكاد الولد ~~يخرج من بين الصفوف ويتجه نحو والده الملك لكي يحييه، ولكن والده مر به دون أن ~~يظهر على وجهه ما يدل على أنه يعرف أن ولده الثاني، الأمير هنري، يوجد بين صفوف البحارة ~~الذين يستعرضهم. # واضطر الولد أن يحيي والده مثل غيره من جنود البحر دون أن ينبس ببنت شفة. # وفي عام 1920، نصب الأمير هنري دوقا على يورك، وكان قد ذهب قبل ذلك الوقت بمدة ~~قصيرة إلى حفلة راقصة أقيمت عند سيدة كبيرة في لندن، وهناك قابل فتاة ذات عينين ~~رقيقتين، كانت هي بنفسها الصغيرة التي رفضت في الماضي، وحين كانت سنها لا تزيد عن ستة ~~أعوام، أن تخضع لأحكام البروتوكول، ولكنها صارت اليوم فتاة بسيطة ممتثلة. # وتحادث الاثنان في الحفلة، ولما غادرها الأمير عند انبلاج الصبح كان قد بدأ ينسج ~~الخيوط الأولى من حلمه الجميل الذي احتفظ به مدة طويلة لنفسه فقط. # ولم يحتفظ الدوق لنفسه بحلمه الجميل؛ لأن الفتاة التي أعجب بها لا تليق به؛ فقد كانت ~~من أسرة من أقدم الأسرات الاسكتلندية، وكان أجدادها قد خدموا ملوك اسكتلندا منذ القرن ~~الرابع عشر، وكان في إمكانهم المفاخرة بأن الدم الملكي يجري في عروقهم. وقد حدث في وقت ~~من الأوقات أن حارب أعضاء أسرة بوزليون ضد ملوك إنجلترا حربا لا هوادة فيها؛ ولذلك لم ~~يكن هناك ما يلام على الأمير هنري لو اعترف بحبه للفتاة ابنة الكونت ستراثمور ~~وكينجهورن، ولكن الأمير كان شديد الخوف من والده الملك. # في القصر المسحور # بعد ذلك بمدة قصيرة، ذهب الأمير الصغير إلى قصر غلاميس في استكلندا، وكان ذلك القصر ~~ملكا لوالدي اليصابات، وهو من أقدم القصور الإنجليزية. وقصر غلاميس هو غلاميس مكبث، هو ~~غلاميس الأساطير، هو القصر الذي امتزج اسمه بقصص الأشباح ورواياتها! # ولم يخف الأمير شيئا وهو يزور القصر العتيق، ولم يظهر من الأشباح ما يمكن أن يرعب ~~الضيف الملكي لمرآه، ترى هل كانت صورة الفتاة الصغيرة الضاحكة المضيئة الوجه ms87 هي التي ~~طردت الأشباح من القصر القديم؟ # وكان الأمير يقوم بنزهات بعيدة في وديان الريف مع اللادي اليصابات بوزليون، عرف سموه ~~في أثنائها أن الفتاة الجميلة موضع إعجابه لم تولد في ذلك القصر المسحور، ولكنها ولدت ~~على مقربة من لندن. وكان من الغريب أن يكتشف كل واحد منهما في الآخر مواضع شبه بالآخر ~~في كثير من النواحي، وقالت له في ذات يوم: لقد علموني اللغة الفرنسية منذ نعومة أظفاري؛ ~~وذلك بإجباري على استعمالها وحدها في يوم من أيام الأسبوع. # وأجابها هو: أما أنا، فإن جدي الملك إدوارد السابع هو الذي أجبرني على تعلمها؛ إذ كنت ~~عندما أقبل عليه لأحادثه باللغة الإنجليزية يقول لي: «تكلم الفرنسية يا بني! تكلم ~~الفرنسية!» # وفي يوم آخر، دخل الأمير متخفيا في أحد المنازل الصغيرة، فأخذت العجوز ربة المنزل ~~وهي جالسة على مقربة من النار تقص عليه قائلة: إن آنستنا هي ملاك الرحمة؛ فمنذ مرضت ~~سيدتي الكونتيسة واليصابات تستقبل جميع الزائرين والوافدين على القصر؛ من رجال لندن ~~ونبلائهم إلى أصغر العمال والفلاحين شأنا. # وقد حدث مرة أن شبت النار في غلاميس، فما كان من اليصابات إلا أن نظمت فرقة للإطفاء ~~في الحال؛ لعلمها أن رجال المطافئ لا يصلون بسرعة لبعد المكان، وتمكنت بهمتها ومجهودها ~~من إنقاذ القصر وكنوزه وضيوفه. # نبوءة # وفي يوم آخر، عاد هنري واليصابات من زيارة قاما بها في الأنحاء المجاروة عند غروب ~~الشمس، وفي أثناء عودتهما كادت سيارتهما تدهس عجوزا كانت تسير عند حافة الطريق، ونزل ~~الاثنان بسرعة من السيارة يقدمان المساعدة للعجوز التي أصيبت بالخوف أكثر مما أصيبت ~~بضر، وكانت من طائفة «الغجر». # ونظرت «الغجرية» إلى الفتاة بسرعة وقالت لها بلغة إنجليزية لا تكاد تفهم: أعطني ~~يدك. # وقدمت إليها اليصابات يدها، فأخذت العجوز تسرد على مسامعها أشياء عن الماضي، وقالت ~~لها: لك ثلاثة إخوة وأختان. يجب أن تعني جيدا بصحة والدتك. أنت تمتلكين ثلاثة منازل ~~منها اثنان لا بأس بهما، وثالث يجلب الشر. # وشحب وجه الفتاة وأرادت أن تسحب يدها، إلا أن ms88 الغجرية أمسكت بها بأصابع حديدية ~~واستمرت تنظر فيها، وفجأة سمعت اليصابات العجوز وهي تصيح بها: سوف تصبيحين ملكة! وسوف ~~تصبحين أم ملكة كبيرة! # ونظر الاثنان، هنري واليصابات، إلى بعضهما في حيرة، ولما انتهى كل منهما من النظر إلى ~~الآخر وأخذا في البحث عن العرافة لم يجدا لها أثرا، وكان الليل قد أرخى سدوله. # ملاك الرحمة # بدأت الملكة ماري بعد ذلك تلاحظ ما بدا من اهتمام ولدها الثاني ، الأمير هنري، ببلاد ~~اسكتلندا، وعرفت بالطبع سر هذا الاهتمام؛ ففاتحت زوجها الملك جورج الخامس باكتشافها، ~~وسر الملك للخبر؛ إذ إنه كان يشعر دائما أن ولده الثاني هو أقل أولاده اختلافا ~~عنه، حتى إنه كان يطلق عليه لقب «الأمير الرزين». # كان الأمير الرزين يبدي اهتماما بالعلوم الميكانيكية والاقتصاد السياسي، وكان حاضر ~~الذهن والبديهة فيما يعرض من أمور تستدعي التفكير الدقيق. # على أن الأمير هنري كان يشكو عيبا صغيرا في نطقه هو أشبه باللجلجة؛ ولذلك كان لا ~~يتكلم كثيرا، ويكتم شعوره في داخل نفسه؛ فيبدو لمن لا يعرفه جيدا بارد العاطفة غير ~~متقد الإحساس. ولا يزال الملك يذكر إلى اليوم كيف وجه إليه أحد أساتذته في دارتموث ~~هذا السؤال: ما هو نصف النصف؟ # وسكت تلاميذ الفرقة استعدادا لسماع إجابة زميلهم الأمير، ولكنه شعر بأن فمه المغلق ~~لن يفتح ليجيب على السؤال، وقد ظن المدرس أن سكوت الأمير دلالة جهله، وأعلن أن ~~استعداده لدراسة العلوم الرياضية قاصر جدا. # وأحست اليصابات بما يشعر به الأمير الشاب من ألم عميق مكتوم؛ فصممت لطيبة قلبها على ~~أن تقدم إليه كل مساعدة ممكنة، وتحبوه بعطفها حتى يتمكن من الانتصار على دائه. # أما الملكة ماري فقد أحست بأن ملاكا من ملائكة الرحمة على وشك أن يندمج في حياة ~~ابنها؛ ولذلك فقد قررت أن تقوم بزيارة طويلة لآل ستراثمور تراقب في خلالها اليصابات، ~~وفي أثناء الزيارة كشفت الملكة الوقور عن فضائل كثيرة فيمن وقع عليها اختيار ابنها؛ فقد ~~تبينت فيها الخلق الكامل، وأناقة الملبس، والتقوى والصلاح. ولما عادت إلى لندن عقب ~~الزيارة ms89 اكتفت بأن تقول لزوجها الملك جورج الخامس: الحمد لله على أن اليصابات بوزليون ~~ليست من أولئك الفتيات العصريات. # الملك يوافق # وما لبث السر بعد ذلك أن ذاع في أروقة القصر الملكي، ومنها انتشر في لندن، فأخذت ~~الصحف منذ نهاية عام 1922 تكثر من الحديث عن اليصابات، وتنشر لها الصور المختلفة في ~~الأثواب المتنوعة، ونشرت لها صورة سر لها أهل شمال إنجلترا جميعا؛ هي صورتها ~~بالملابس الوطنية الاسكتلندية، وأخذت الصحف كذلك تتحدث عن مهارة الملكة في مختلف الشئون ~~المنزلية من طهي وتطريز. # وكان كل ما ينشر بمثابة جس النبض للرأي العام، وهو الهيئة الثانية التي يجب أن توافق ~~على الزواج بعد الملك والملكة، وقد أحسن الرأي العام استقبال اليصابات. # وتحت يوم 16 يناير من عام 1923، يمكن أن نقرأ في سجلات البلاط البريطاني ما يلي: # وافقنا، ونحن نسجل هنا موافقتنا، على زواج صاحب السمو الملكي الأمير ألبرت ~~فردريك آرثر جورج، دوق يورك، من اللادي اليصابات أنجيلا مارجريت ~~بوزليون. # وكانت بعد ذلك حفلات استمرت ثلاثة أشهر، وانهالت في أثنائها الهدايا على الخطيبين من ~~جميع أنحاء العالم. # وبعد حفلات وستمنستر الدينية، سافر الزوجان لقضاء شهر العسل في مقاطعة صرى، وبعد أن ~~بقيت الدوقة في لندن يوما واحدا ودعت في خلاله أمها بشكل مؤثر، سافرت مع زوجها ~~للاستمتاع بالسعادة في قصر غلاميس. # الرجل الجديد # اليصابات؛ «ملكة إنجلترا». # والذين شهدوا دوق يورك بعد زواجه بشهور قليلة، رأوا فيه رجلا جديدا زال عنه اضطرابه ~~وخجله السابق، وأخذ يعالج ما ينتاب كلامه من لجلجة متبعا في ذلك نصائح أحد الأطباء ~~الأخصائيين. # وكان الدوق يشعر بألم شديد لحالته؛ إذ كان يحتاج إلى وقت طويل جدا لكي ينطق كلمات ~~قليلة حتى يجعل سامعه يرثي لحاله، فلما صحت عزيمته على التخلص من دائه أخذ يثابر على ~~الكلام، ويتمرن عليه في كل يوم؛ حتى نجح في التخلص من عيبه إلى حد كبير، وكانت ~~اليصابات نفسها لا تتوانى عن تشجيعه وحثه على وجوب التخلص من دائه؛ ولذلك فإنه يعترف ~~حتى اليوم بأن فضل ms90 زوجته عليه في التخلص من عيب النطق الذي كان يعانيه لا يقل عن فضل ~~الطبيب الأخصائي نفسه. # وإن الإنجليز، وقد عرفوا بالميل إلى الصمت وقلة الكلام، لا يجدون في لجلجة الملك ~~الحالي واضطراب نطقه عيبا، وهم يقولون في ذلك: إنه إذا كان مليكنا يتكلم قليلا؛ فهو ~~يتكلم حسنا، وهو فوق ذلك يعرف ثمن الكلام، وسوف يتمكن من استعماله بحيطة وحذر. # وقد حاول بعض الذين لا يعرفون في أحاديثهم غير انتقاد الغير والتقول عليهم بالباطل، ~~أن يصغر من شأن اليصابات، فقال عنها: إنها من عامة الشعب. ولكنها في الحق أثبتت أنها ~~تجيد الظهور في الحفلات، كما تتقن الحديث والمناقشة، وترأس المآدب الكبيرة، ولها فوق ~~ذلك تلك الابتسامة الجذابة المتواضعة التي تجمع من حولها قلوب الجميع، وفي مقدمتهم ~~زوجها. # كان دوق يورك، وهو لا يزال يقطن «بيكاديللي نمرة 145»، يقوم بأعباء كثيرة في الحياة ~~العامة الإنجليزية، شأنه في ذلك شأن باقي إخوته، فكان إذا عاد في المساء إلى المنزل ~~أسرع إلى مداعبة ببغائه يهرش له منقاره، ثم لحق بزوجته الدوقة يجلس إلى جانبها لكي يقرأ ~~كتابا أو يستمع إلى الراديو، وهو يستشيرها من وقت لآخر في كل صغيرة وكبيرة فيما يعرض ~~له من المسائل. # واليوم، وقد صار دوق يورك ملكا وإمبراطورا في الظروف التي يعرفها القارئ، صارت ~~زوجته اليصابات ملكة إنجلترا وإمبراطورة الهند. # وقد لا يجد جلالته اليوم الوقت الكافي لكي يجلس إلى جانب زوجته في أوقات الفراغ كما ~~كان يفعل من قبل، ولكن فكره سيتجه بلا ريب في كل مناسبة إلى إشراك زوجته فيما يضطلع به ~~من أعباء، ما دام الحظ قد ساعده أكثر من شقيقه الملك السابق؛ فمكنه من أن يجعل ~~«المرأة التي يحبها» السيدة الأولى في البلاد، ملكة 500 مليون نسمة. ms91