######OpenITI# #META# URI: 1379FarajJibran.QisasCanAnatoleFrance.Hindawi84242969 #META# Tags: literature #META# ID: 84242969 #META# Title: قصص عن أناتول فرانس #META# AuthorID: 57174090 #META# Author: فرج جبران #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # كلمة وإهداء‏ # أناتول فرانس‏ # عنقود العنب‏ # ذات الثوب الأبيض‏ # هدية موت‏ # الإيمان أو «مهرج نوتردام»‏ # كلمة وإهداء‏ # أناتول فرانس‏ # عنقود العنب‏ # ذات الثوب الأبيض‏ # هدية موت‏ # الإيمان أو «مهرج نوتردام»‏ # | قصص عن أناتول فرانس # | قصص عن أناتول فرانس # جمع وترجمة # فرج جبران # أناتول فرانس. # | كلمة وإهداء # لما وجدت ما يقاسيه إخواني في تفهم معاني الكلمات والتراكيب التي يصادفونها في ~~«أناتول فرانس»؛ رأيت - تسهيلا لهم في دراسته - أن أقوم بهذا التعريب الذي تعمدت أن ~~يكون حرفيا دقيقا جدا ما دام الغرض منه هو الدراسة، وتأتي القصة في المرتبة ~~الثانية، وكل رجائي أن أكون وفقت! # فإلى زملائي، بل إخواني، # أقدم هذا التعريب. # فرج جبران # | أناتول فرانس # لا تتسع هذه الصفحات للكلام عن «أناتول فرانس» بإسهاب، بل إن كتبا عنه لا تكفي لإيفائه ~~حقه؛ ولذلك سيكون كلامنا مختصرا لضيق المقام. # حياته ومؤلفاته # ولد أناتول فرانس في شهر أبريل سنة 1844، فقضى من تلك السنة حياة ملؤها الجد والعمل، ~~أخرج فيها للعالم نحو خمسين كتابا. وقد ولد فرانس وسط الكتب؛ إذ كان أبوه صاحب مكتبة؛ ~~ولذلك نشأ محبا للكتب، يعنى بها جل العناية غير مفرق بين القديم ~~والجديد. # أما أمه فهي التي جعلته يشعر منذ أيامه الأولى بنعيم الحياة في روح شخص آخر، هو روح ~~الأم نفسها؛ ولذلك فهو لا يفتأ يذكر الأم بالخير في كل مناسبة. وإن الأم التي تشعر ~~ابنها بمثل هذا النعيم ليكونن ابنها عاقا إذا لم يشب شاعرا كما شب فرانس. # ولما كان عمره 35 عاما قال الشعر، ونشر قصائده على صفحات الجرائد والمجلات، فكانت ~~تنال الاستحسان والإعجاب. # ثم أخذ ينشر الكتب، فنشر لراسين وموليير وشاتوبريان وغيرهم، وعلق على ما نشر بشروح ~~وافية. # ولما بلغ الثالثة والأربعين من عمره هجر الشعر وأخذ ينقد الكتب من قديمة وجديدة في ~~جريدة «الطان»، وبدأ مؤلفاته من ذلك العهد. # ونذكر في مقدمة مؤلفاته: تاييس - الزنبقة الحمراء - الآلهة ظمآي - جريمة سلفستر بونار ~~- كرنكبيل - كتاب صديقي «الذي نقص فيه قصصا عن طفولته» - حديقة أبيقور ... # أسلوبه وفلسفته # الأسلوب ms01 الجميل كذلك الشعاع الذي يدخل من نافذتي وأنا أكتب هذه الكلمات. # في حديقة أبيقور # قبل كل شيء يجب أن نقول: إن أناتول فرانس كتب عن كل شيء في الحياة، وكذلك سخر من كل ~~شيء في الحياة! بل قد نظلم الرجل إذا قلنا إنه سخر فقط، الحق أنه أشفق على كل شيء، ثم ~~سخر من كل شيء. # ولكي ندلك على حبه للشيء ثم سخريته منه، نذكر لك أنه كان يحب الاشتراكية ويراها محققة ~~لآمال السعادة، ولو إلى درجة ما، ولكنه ما يلبث أن يسخر منها لأنه يعتقد أنها ككل نظام ~~آخر قد تتلاعب بها الشهوات الإنسانية! # بل إنه هزأ من الثورة الفرنسية، وتمثل في أبطالها جماعة قد غطت شهواتهم وأطماعهم على ~~مبادئهم التي أذاعوها، وكثر ما تشدقوا بها! # أحب فرانس العالم، وأحب وطنه، وأحب الحرية، ثم ابتسم لكل هذه الأشياء سخرية! وبقدر ما ~~أحب الإنسانية بقدر ما كان غير مغرض في الهزء منها. ولسنا هنا لنعدد مآثره على ~~الإنسانية. # وكان يعتقد أن الحياة أبدا مضطربة لا تثبت على حال؛ ولذلك تجمع كتابته إلى جانب ~~القصة، إذا كانت ثمت قصة، فلسفة وحكمة وشعرا أكثر ما يكون منثورا! # وكما يقول الدكتور طه حسين: إن فلسفة أناتول فرانس تلخص في كلمتين «الشك ~~والرحمة». # | عنقود العنب # كنت سعيدا، بل كنت سعيدا جدا، كنت أتمثل في والدي وفي والدتي وفي خادمتي مخلوقات ~~عظيمة خارقة للعادة، كثيرة الرقة، شاهدة على أيام الحياة الأولى، وخالدة وحيدة في نوعها. ~~وكنت على ثقة أن في مقدورهم حفظي بعيدا عن كل أذى، وكنت أشعر لقربهم مني بأمن تام. كانت ~~الثقة التي تبعثها والدتي في نفسي لا حد لها، وعندما أذكر تلك الثقة المقدسة - بل المعبودة ~~- أشعر برغبة عظيمة في أن أرسل قبلات لذلك الطفل الصغير الذي كنته. وهؤلاء الذين يدركون ~~صعوبة الاحتفاظ بتذكار على كماله في هذا العالم يفهمون السبب في هذا الاندفاع نحو مثل تلك ~~الذكريات. # كنت سعيدا، كانت آلاف الأفكار من عادية وغامضة تشغل خيالي، آلاف الأشياء التي لم ms02 تكن ~~شيئا في حد ذاتها، ولكنها كانت تكون جزءا من حياتي. كانت حياتي صغيرة الدائرة إلى حد ~~كبير، ولكني كنت أتخيلها حياة خاصة، ومركزا لجملة أشياء، مركزا لعالم خاص. لكم أن تبتسموا ~~سخرية مما أقول، ولكم أن تبتسموا عن حب وصداقة وتفكروا فيه؛ إذ الحق أن كل من يحيا، ولو كان ~~كلبا، يظن في حياته أنها أهم حياة، لو كان يملك قوة تفكير. # كنت سعيدا بأن أرى وأسمع، كانت أمي لا تفتح خزانتها ذات المرآة قبل أن تبعث في نفسي ~~روحا رقيقة مملوءة شعرا بدافع حب الاستطلاع، فماذا كانت تحوي تلك الخزانة؟ يا رباه! لقد ~~كانت تحوي ما يجب أن تحوي من ملابس بيضاء، وصناديق صغيرة ذات رائحة، وعلبا مصنوعة من الورق ~~المقوى وصناديق. # إنني أتبين في أمي المسكينة تعلقا بجمع العلب التي كان لديها منها مقادير هائلة، ومن كل ~~نوع. كانت هذه العلب، التي كان محرما علي أن ألمسها، تبعث في نفسي تفكيرا عميقا، ~~كذلك لعبي كانت تشغل رأسي الصغير، على الأقل تلك اللعب التي كانوا يعدونني إياها وأنتظرها ~~عبثا، فإن اللعب التي كنت أملكها لم أكن أعتبرها غريبة غامضة بعد، فكانت لا تسرني في ~~شيء. # أما اللعب التي كنت أحلم بها فكم كانت جميلة! ومعجزة أخرى كانت عدد الرسوم والوجوه التي ~~يمكن استخراجها بجرة قلم أو ريشة. كنت أرسم جنودا بأن أصور رأسا أبيضي الشكل أضع فوقه ~~القبعة العسكرية الخاصة ... ولم أتعلم أن أدخل الرأس في تلك القبعة إلى حد الحاجبين إلا بعد ~~ملاحظات عدة. كنت مغرما بالزهور، وبالروائح العطرية، وبأدوات المائدة الفاخرة، وبالملابس ~~الجميلة. # كنت أشعر بالغرور حين أضع على رأسي قبعتي ذات الريش، أو ألبس جواربي الحريرية ذات ~~الألوان. أما ما كنت أحبه أكثر من كل شيء آخر، فقد كان مجموعة الأشياء من المنزل إلى الهواء ~~إلى الضوء ... وماذا؟ الحياة أخيرا! كانت تحوطني رقة وسلام، ولم يكن هناك طير صغير أسعد مني ~~في حياتي وسط عشه المملتئ بالزغب الذي يحتك به. # كنت سعيدا، كنت سعيدا جدا، ms03 ومع ذلك كنت أحسد ولدا آخر اسمه «ألفونس»، ولا أعرف له ~~اسما آخر، ومن المحتمل كثيرا ألا يكون له غيره. كانت أمه غاسلة ملابس تشتغل بالمدينة. كان ~~ألفونس يتجول طول اليوم، دون أن يصنع شيئا، في الحوش أو على الرصيف، وكنت ألحظ من نافذتي ~~وجهه القذر، وشعره الأصفر القذر غير المرتب، وسراويله القصيرة الممزقة، وحذاءه البالي الذي ~~كان يسير به في الماء. ولقد كنت أود أنا أيضا أن أسير في الماء مطلق الحرية. # كان ألفونس يتصل بالطاهيات فينال منهن ضربات قوية على وجهه، وقطعا صغيرة جدا من اللحم، ~~وكان «سواس» الخيل يرسلونه أحيانا ليملأ دلوا من الماء، فكان يرجع به فخورا محمر الوجه ~~وقد خرج لسانه من فمه إعياء ... وكنت أحسده! لم تكن لديه مثلي خرافات لافونتين وعليه واجب ~~حفظها، ولم يكن يخاف مثلي أن يناله التعنيف لقليل من القذارة يصيب ملابسه، ولم يكن واجبا ~~عليه أن يقول مثلي: «عم صباحا يا سيدي! عمي صباحا يا سيدتي!» لأشخاص ما كان ليهمني أمرهم ~~البتة في يوم من الأيام، سواء كانوا من الصالحين أو الطالحين! # وإذا لم تكن لديه مثلي سفينة نوح # 1 # والحصان الميكانيكي # 2 # فلقد كان يلعب كما يريد مع الطيور الصغيرة التي يمسكها، ومع الكلاب الضالة ~~مثله، بل ومع جياد الإصطبل إلى أن يطرده السائق أمام مكنسته التي يهدده بها! وكان ينظر ~~إلي من الحوش، مملكته الصغيرة، كما ينظر الإنسان إلى عصفور في قفص! # كان الحوش عليه مسحة من السرور بسبب الحيوانات المختلفة الأنواع، وبسبب رجال الأعمال ~~المختلفين الذين كانوا يترددون عليه، وكان كبيرا، وكان البناء الذي يحده من الجنوب مغطى ~~بشجرة كرم متقدمة في السن معوجة رفيعة. وكان فوقها ساعة شمسية محت الشمس والأمطار أرقامها، ~~وكنت أستغرب لظل العقرب وهو يقع على تلك الأحجار دون أن أراه! ومن بين كل هذه الأشباح التي ~~أستثيرها أظن أن شبح هذا الحوش العتيق هو واحد مما يشتد استغراب الباريسيين له اليوم؛ فإن ~~أحواشهم الحاضرة عبارة عن أربعة أمتار مربعة يمكن منها ms04 رؤية قطعة من السماء توازي المنديل ~~حجما! ومن الأعلى ترى منزلا مكونا من خمس طبقات؛ لا تزيد كل طبقة في الاتساع عن «نملية» ~~صغيرة، وكلها بارزة إلى الأمام. وهذا ارتقاء، ولكنه غير صحي على كل حال. # وحدث يوما ما أن هذا الحوش السعيد الذي تحضر إليه ربات المنازل كل صباح لملء قدورهن من ~~مضخة الماء، وحيث كانت الطاهيات ينشفن حوالي الساعة السادسة من كل يوم السلطة، بهزها من ~~خلال سلة مصنوعة من السلك الرفيع، وهن يتحادثن في تلك الأثناء مع «سواس» الخيل، حدث أن ~~خلعوا بلاط هذا الحوش وأرادوا تبليطه من جديد. # ولما كان المطر قد انهمر مدة العمل، فقد امتلأت الأرض بالأوحال، وأصبح ألفونس، الذي كان ~~يعيش هناك كما يعيش الجن # 3 # في الغاب، قذرا تملؤه الأوحال من رأسه إلى قدميه. وكان يشتغل بنقل الأحجار ~~بنشاط المنشرح، وتبع ذلك أن رفع رأسه إلى الأعلى فرآني سجينا بين أربعة جدران في غرفتي، ~~فأشار إلي بالنزول عنده. لقد كنت متشوقا جدا لأن أنقل معه الأحجار، لم تكن لدي أحجار كي ~~أنقلها في غرفتي! وحدث أن كان باب المنزل مفتوحا، فنزلت إلى الحوش وقلت لألفونس: ها أنا ~~ذا! # فقال لي: احمل هذه البلاطة ... # لقد كان وحشي الهيئة، أجش الصوت؛ فأطعته، وفجأة شعرت بالبلاطة تنزع من يدي، وشعرت بمن ~~يحملني عن الأرض. لقد كانت خادمتي هي التي تحتملني وهي غضبى، وغسلت لي جسمي بقطع صابون ~~مرسيليا الكبير، وأخذت توبخني على اللعب مع ولد غير مؤدب يجول في الشوارع طول يومه ولا ~~يساوي شيئا. # وزادت أمي على ذلك بقولها: إن ألفونس يا بني لم يرب تربية حسنة. في الحق أن هذه ليست ~~غلطته، بل هي شقوته، ولكن الأولاد الذين ربوا تربية حسنة لا يجب أن يعاشروا الأولاد الذين ~~لم تحسن تربيتهم. # كنت طفلا نبيها مفكرا، فحفظت في نفسي كلمات أمي، ولا أعرف كيف استعادت ذاكرتي ما كنت ~~قد عرفته عن الأولاد الملاعين أثناء استماعي لتفسير إنجيلي ذي الصور والنقوش ~~القديمة. # وتغيرت عواطفي نحو ألفونس ms05 كلية، فصرت لا أحسده . كلا! لقد بث في نفسي شعورا هو خليط ~~من الفزع والرثاء: «إن هذه ليست غلطته، بل هي شقوته!» لقد كانت هذه الجملة التي ذكرتها أمي ~~تزعجني من أجله. أماه! لقد أحسنت إذ ذكرت لي هذه الكلمات، لقد أحسنت إذ كشفت لي وأنا لا ~~أزال في أكثر أعوام الحياة رقة عاطفة وإحساس عن سذاجة البائسين وطهرهم وعدم تمييزهم. لقد ~~أحسنت في التعبير، وعلي أنا أن أذكر دائما هذا الكلام في مستقبل حياتي. # لقد أثر في الكلام، ولو في الحادثة التالية على الأقل، وشعرت بشفقة نحو ذلك الولد اللعين؛ ~~ففي ذات يوم، بينما كان يعاكس ببغاء في الحوش، تملكها إحدى الساكنات المسنات، تخيلت هذا ال «قابيل» # 4 # القوي السيئ الطباع، تخيلته على طيبة «هابيل» الصغير الوديع ... وا أسفاه! إنها ~~السعادة هي التي تجعل من كل إنسان «هابيل»! # وحاولت أن أرسل إلى هذا ال «قابيل» دليلا على عطفي. فكرت أن أرسل إليه بقبلة، غير أن ~~وجهه القذر ظهر لي أقل نظافة من أن يستقبلها، ورفض قلبي أن يسمح بهذه الهبة! وفكرت طويلا ~~فيما يمكنني أن أعطيه، وكانت حيرتي كبيرة. فكرت أن أعطي ألفونس حصاني الميكانيكي - وكان إذ ~~ذاك قد فقد ذيله ومعرفته! - ولكن هل هبة حصان تدل على العطف والشفقة؟ بل كان يجب أن ~~تكون الهدية موافقة لولد لعين. وردة مثلا؟ لقد كانت هناك باقات كثيرة من الورد في غرفة ~~الاستقبال، ولكن الوردة تشبه القبلة، وكنت أشك في أن ألفونس يحب الورد! وعلى ذلك أخذت أدور ~~في غرفة الطعام وأنا في حيرة شديدة، وفجأة! صفقت بيدي بفرح: لقد عرفت ما يجب أن ~~أهديه! # في غرفة الطعام، على مائدة إلى جانب الحائط وفي طبق خاص، رأيت عنبا من أجود الأصناف التي ~~تأتي من «فونتنبلو»، فاستعنت بكرسي صعدت عليه حتى حصلت على عنقود طويل ثقيل الوزن من هذا ~~العنب، وكاد يملأ ثلاثة أرباع الطبق، وكانت عنب هذا العنقود تميل في لونها إلى الاصفرار، ~~وذهبية من ناحية منها، فكان يخيل للرائي أنها ms06 تذوب في الفم ذوبانا بمجرد وصولها إليه، ومع ~~ذلك لم أذقها! # وجريت أبحث عن لفة من الخيط على مائدة حياكة والدتي - ولقد كان محرما علي أن أمس شيئا ~~يوجد على تلك المائدة، إلا أنه يجب على الإنسان أن يتعلم عصيان الأوامر في بعض الأحيان - ~~وربطت عنقود العنب في أحد طرفي الخيط، وانحنيت على حافة الشباك وناديت ألفونس، وأخذت في ~~إنزال عنقود العنب إليه في الحوش بواسطة الخيط. # ولكي يراه الولد اللعين بوضوح أزاح خصلات من شعره الأصفر كانت منسدلة على وجهه، ولما أصبح ~~العنقود في متناول يده شده بخيطه بقوة، ثم رفع رأسه إلي وأخرج لي لسانه ورفع أصابعه إلى ~~أنفه سخرية بي، وهرب بالعنقود وقد أولاني ظهره فقط! # لم أكن معتادا على هذه الحركات من أصدقائي الصغار؛ ولذلك اضطربت في مبدأ الأمر، إلا أن ~~فكرة واحدة هدأتني؛ وهي «أنني أحسنت صنعا إذ لم أرسل له لا بوردة ولا بقبلة». # وزال حقدي بهذه الفكرة؛ إذ الحقيقة أن الإنسان يكون مرتاحا طالما أرضى شهوات نفسه، أما ~~الباقي فلا يهم كثيرا. # وكنت كلما فكرت أنه يجب علي أن أقص مغامرتي لوالدتي أقع في حيرة شديدة. لقد أخطأت، ولقد ~~عنفتني والدتي، ولكنها عنفتني وهي مسرورة، وقد تبينت ذلك في عينيها اللامعتين، وقالت لي: ~~يجب أن يعطي الإنسان الحسن مما يملك هو، لا مما يملك الغير، ويجب أن يتعلم كذلك كيف يعطي ~~... # فزاد والدي على ذلك: إن هذا هو سر السعادة! وقليلون هم الذين يعرفونه. # ولقد كان يعرفه هو. # | ذات الثوب الأبيض # في ذلك الوقت كانت تسكن معنا في نفس المنزل سيدتان تتشح إحداهما بالأبيض والأخرى ~~بالأسود. # ولا تسألوني، أي قرائي، عما إذا كانتا صغيرتي السن؛ فقد كان ذلك فوق ما أعرف، ولكني أعلم ~~أن رائحتهما كانت ذكية، وأنهما كانتا في غاية الرقة. ولما كانت والدتي كثيرة المشاغل لا تحب ~~الجيرة؛ فقد كانت لا تزورهما البتة. أما أنا فكنت أذهب مرارا، وخاصة في ساعة الأصيل؛ # 1 # وذلك لأن ذات الثوب الأسود كانت تعطيني قطعا ms07 من الحلوى، ولذا فكنت أزورهما ~~بمفردي ، وكان يجب أن أجتاز البراح # 2 # في ذهابي إليهما؛ ولذا كانت والدتي تطل علي من النافذة حين ذهابي، وكانت تطرق ~~الزجاج إذا ما نسيت نفسي مدة طويلة وأنا أتفرج على السائق وهو يعنى بالجياد وينظفها. # ولقد كان صعود السلم ذي «الدرابزين» الحديدي عملا شاقا متعبا، وكانت الدرجات الأخيرة ~~من هذا السلم عالية لم تصنع لقدمي الصغيرتين، وكنت أكافأ على تعبي بمجرد دخولي إلى حجرة ~~السيدتين؛ إذ كانت هذه الغرفة تحوي آلاف أشياء تلقي بي إلى غمرة من السرور والانشراح، ولكن ~~لم يكن هناك شيء يوازي الدميتين المصنوعتين من «الصيني» اللتين كانتا موضوعتين على المدفأة، ~~كل واحدة من إحدى ناحيتي الساعة، فكانتا تحركان رأسيهما بنفسهما. # وقد علمت أنهما أتتا من الصين فوعدت أن أذهب إليها، وكانت الصعوبة في أن تقودني خادمتي ~~إلى هناك، وقد كنت تأكدت أن الصين تقع خلف قوس النصر # 3 # ولكن مع ذلك لم أجد طريقة للذهاب إليها. # وكان في غرفة السيدتين كذلك سجادة عليها أزهار، فكنت أتقلب عليها بسعادة، و«كنبة» ناعمة ~~وثيرة كنت أستعملها سفينة في بعض الأحيان، أو حصانا، أو عربة في أحيان أخرى. وكانت ذات ~~الثوب الأسود سمينة - على ما أظن - لطيفة جدا، وكانت لا تعنفني البتة. أما ذات الثوب ~~الأبيض فكان من معائبها نفاد صبرها وغلظتها، ولكنها كانت تضحك بلطف متناه! # وكنا نعيش في نعيم الحياة الزوجية نحن الثلاثة، وكنت قد قررت في رأسي أنه لن يحضر غيري ~~البتة إلى غرفة الدميتين، ولكن ذات الثوب الأبيض هزأت مني على ما يظهر مدة طويلة حين ~~أخبرتها جزءا من هذا القرار، ولكني صممت فوعدتني بكل ما أطلب. # لقد وعدت، ومع ذلك ففي ذات يوم وجدت رجلا جالسا على «كنبتي» وواضعا رجليه على سجادتي، ~~ومحادثا سيدتي بهيئة المغرور، بل لقد أعطاهما خطابا ردتاه إليه بعد قراءته، ولم يرضني ذلك ~~فطلبت ماء مذابا فيه السكر؛ لأني كنت ظمآنا، ولأني كنت أريد أن ينتبهوا إلى وجودي، ولقد ~~تم هذا فنظر إلي الرجل، وقالت ms08 ذات الثوب الأسود: إنه جار صغير. # فرد الرجل: ليس لأمه ابن غيره، أليس صحيحا؟ # فقالت السيدة ذات الثوب الأبيض: نعم، إنه صحيح، ولكن ما الذي جعلك تعتقد ذلك؟ # فقال الرجل: ذلك لأن عليه هيئة ولد مدلل جدا، فهو فضولي ومحب لاستطلاع كل شيء. # وفي هذه اللحظة فتح عينيه كما تفتح البوابات لتسمح العربات بالمرور، وكان ذلك لإجادة ~~النظر، ولا أريد أن أمدح نفسي، ولكنني فهمت بكل جلاء بعد المحادثة أن لذات الثوب الأبيض ~~زوجا له مركز سام في قارة بعيدة، وأن الزائر كان يحمل خطابا من هذا الزوج، وأنهما ~~شكرتاه على خدمته، وأنهما هنأتاه على تعيينه سكرتيرا أول. ولم يرضني كل ذلك؛ ولذلك رفضت ~~حين مغادرتي المنزل أن أقبل ذات الثوب الأبيض عقابا لها. # وفي ذلك اليوم سألت والدي وقت الغذاء عما يكون السكرتير، ولم يرد علي والدي، وأخبرتني ~~والدتي أن السكرتير عبارة عن قطعة من الأثاث ينظمون فيها الورق، ولكن هل أوافق على ذلك؟ ~~وأناموني فأخذت الأشباح # 4 # ذات العين التي تتوسط الخد تمر حول فراشي وهي تعبث عبثا لم تعبثه قبل ~~ذلك. # وإنكم لتخطئون، أي قرائي، إذا ظننتم أنني في الغد فكرت في الرجل الذي وجدته عند ذات الثوب ~~الأبيض في اليوم السابق؛ إذ كنت نسيته من كل قلبي - وكان هو المسئول عن كونه محي عن ذاكرتي ~~إلى الأبد - ولكن بلغت قحته أن يعود ثانية إلى صديقتي بعد عشرة أو عشرين يوما - لست أعرف - ~~من زيارتي الأولى، وأميل اليوم إلى الاعتقاد أنها عشرة أيام. لقد كان مستغربا حقا من هذا ~~السيد أن يحتل مكاني، وفي هذه المرة امتحنته فوجدت أن ليس به شيء حسن. # كان شعره لامعا جدا، أسود الشاربين والعارضين، # 5 # حليق اللحية مع دائرة صغيرة تتوسطها، نحيل القوام، جميل الملبس، وفوق كل ذلك ~~عليه هيئة الرضا، وكان يتحدث عن مكتب وزير الخارجية، وعن الروايات التمثيلية، وعن الأزياء ~~والكتب الجديدة، وعن الليالي الساهرة التي بحث فيها عبثا عن السيدتين، وكانتا تصغيان له؛ ~~هل كانت هذه محادثة؟ أولم ms09 يكن في مقدوره أن يتكلم كما كانت تحادثني ذات الثوب الأسود، عن ~~البلاد ذات الجبال المكونة من الحلوى، # 6 # والأنهار من عصير الليمون؟ # ولما رحل ذكرت ذات الثوب الأسود أنه شاب فتان، فأجبتها أنه رجل عجوز دميم الخلقة، فضحكت ~~ذات الثوب الأبيض كثيرا. وعلى كل حال فلم يكن في هذا ما يضحك، ولكنها كانت كذلك دائما؛ ~~إما أن تضحك مما أقول، وإما لا تصغي لحديثي. كان هذان الشيئان يضايقانني في ذات الثوب ~~الأبيض، فوق شيء ثالث كان يبعث اليأس إلى قلبي؛ وهو البكاء، والبكاء باستمرار. # كانت والدتي قد أخبرتني أن الأشخاص الكبار لا يبكون مطلقا. آه؛ إنها لم تر مثلي ذات ~~الثوب الأبيض - وقد ارتمت إلى جانب مقعد من المقاعد وعلى ركبتها خطاب مفتوح ~~- وقد ارتخى رأسها ومنديلها فوق عينيها، وكان الخطاب - ~~وإنني لأراهن اليوم أنه كان غفلا من الإمضاء - يؤلمها جد الألم. يا للخسارة! إنها كانت ~~تجيد الضحك! # وبعد هاتين الزيارتين فكرت أن أطلب يدها للزواج، فأخبرتني أن لها زوجا كبيرا بالصين، ~~وكذلك سيكون لها زوج صغير في حي ملكيه، # 7 # وتم الاتفاق فأعطتني قطعة من الحلوى. # ولكن السيد ذا العارضين كان يعود مرارا، وبينما كانت ذات الثوب الأبيض تقص علي في يوم ~~من الأيام أنها ستحضر لي من الصين سمكا أزرق مع شبكة لصيده، حضر الخادم وأعلن حضور ذلك ~~السيد فاستقبل. ولقد كان جليا من النظرات التي تبادلناها أننا نكره بعضنا، وأخبرته ذات ~~الثوب الأبيض أن عمتها - وكانت تقصد ذات الثوب الأسود - ذهبت إلى السوق لتشتري شيئا ~~للدميتين. # لقد رأيت الدميتين على المدفأة، ولم أكن أعرف أنه يجب الخروج لأجل شراء شيء لهما، مهما ~~كان هذا الشيء، ولكن يصادف الإنسان في كل يوم أشياء يعسر عليه فهمها! ولم يظهر على الرجل أي ~~تأثير من غياب ذات الثوب الأسود، وقال لذات الثوب الأبيض: إنه يريد أن يحادثها في أمر جدي، ~~فاعتدلت على مقعدها بدلال، وأشارت إليه أنها تصغي له. وفي تلك الأثناء كان ينظر إلي وكأنه ~~متضجر من وجودي، ms10 وقال أخيرا وهو يمر بيده على رأسي: إن هذا الولد الصغير لطيف جدا ~~... # فقالت ذات الثوب الأبيض: إنه زوجي الصغير. # فقال السيد: حسنا! ألا يمكنك إرجاعه إلى أمه؟ إذ إن ما أريد أن أقوله لك لا يجب أن يسمعه ~~غيرك. # فوافقت، وقالت لي: اذهب يا عزيزي والعب في غرفة الطعام، ولا تعد إلا إذا ناديتك، اذهب ~~يا عزيزي! # فذهبت إلى غرفة الطعام وأنا حزين، ومع ذلك فقد كانت غرفة الطعام غريبة جدا، بسبب صورة ~~تحمل ساعة كانت تمثل جبلا على ساحل البحر، وإلى جانبه كنيسة تحت سماء زرقاء، وإذا ما دقت ~~الساعة تحركت سفينة فوق الأمواج، وخرجت قاطرة تجر عرباتها من النفق، وارتفعت طيارة في الجو، # 8 # ولكن إذا كانت النفس حزينة لا يبتسم لها شيء مطلقا، بل فوق ذلك كان يهيأ لي ~~أن الصورة والساعة عديمتا الحركة. # ويظهر أن القاطرة والسفينة والطيارة كانت لا تتحرك إلا كل ساعة - وإن ساعة لمدة طويلة ~~حقا، وكانت كذلك إذ ذاك على الأقل! - ومن حسن الحظ أن حضرت الخادمة لتأخذ شيئا من غرفة ~~الطعام، فلما وجدتني حزينا جدا أعطتني شيئا من الحلوى # 9 # خففت من آلام قلبي، ولكن لما نفدت الحلوى عادت إلي الأحزان. # ومع أن الساعة لم تكن دقت بعد، فقد خيل إلي أن ساعات طويلة ستمر على وحدتي الأليمة، ~~وكان يصل إلى أذني من حين إلى آخر رنين أصوات السيد، وكان يستعطف ذات الثوب الأبيض، ثم يحتد ~~عليها على ما يظهر. حسنا، ولكن ألن ينتهوا من حديثهم إلى الأبد؟ كنت ألصق أنفي على زجاج ~~النوافذ وأنتزع القش # 10 # من الكراسي، وأكبر من خروق الورق الملصق على الحائط، وأنزع أهداب الستائر، ~~وماذا غير ذلك؟ فالسأم شيء فظيع، وأخيرا لم أتمكن من الاحتمال، فتقدمت دون حس أو حركة نحو ~~الباب الموصل إلى غرفة الدميتين، ورفعت ذراعي حتى أمسك بالمقبض، وكنت أعلم جيدا أني أعمل ~~عملا فضوليا مشينا، ولكن ذلك أكسبني نوعا من الغرور. # وفتحت الباب، فوجدت ذات الثوب الأبيض واقفة أمام المدفأة، والرجل ms11 راكعا عند قدميها ~~فاتحا ذراعيه كأنه يريد أخذها، وكان وجهه أشد احمرارا من عرف الديك، وتكاد عيناه تخرجان ~~عن رأسه. هل يمكن أن يكون الإنسان في مثل هذا الحال؟ # وقالت ذات الثوب الأبيض وكانت موردة أكثر من العادة ومضطربة جدا: كفى يا سيدي ... كفى ... ~~ما دمت تدعي أنك تحبني كفى ... ولا تدعني آسف بعد ذلك على استقبالك. # وكانت كأنها تخشاه وقد كادت تخذلها قواها. # وعندما رآني قام للحال، وأظن أنه فكر لحظة في قذفي من الشباك. أما هي فبدلا من أن ~~تنتهرني - كما كنت أنتظر - ضمتني بين ذراعيها وهي تدعوني بعزيزها. # ولما حملتني إلى المقعد بكت طويلا بكاء هادئا على خدي، وكنا وحيدين في الغرفة فأخبرتها ~~- كي أعزيها - أن الرجل الأسود العارضين كان رجلا سافلا، وأنها ما كانت لتحزن لو أنها ظلت ~~معي، كما كان متفقا من قبل، ولكن ذلك لم يجد شيئا، وتبين لي أن الأشخاص الكبار يكونون ~~أحيانا غريبي الأطوار. # وما كدنا نهدأ حتى دخلت ذات الثوب الأسود ومعها جملة أشياء ملفوفة في الورق، وسألت عما ~~إذا كان قد زارهم أحد، فأجابت ذات الثوب الأبيض بهدوء: لقد حضر المسيو أرنول، ولكنه لم يمكث ~~غير ثانية واحدة. # أما هذه فقد كنت أعلم جيدا أنها كذبة، ولكن المهارة التي اصطنعتها ذات الثوب الأبيض وقعت ~~تحت تأثيرها منذ بضع لحظات دون شك، فوضعت إصبعها الخفي على فمي فمنعتني من الاعتراض وذكر ~~الحقيقة. # ولم أر مسيو أرنول بعد ذلك، ولم يصادف غرامي بذات الثوب الأبيض أي عقبة بعد ذلك، وهذا هو ~~السبب بلا ريب في أنني لم أحتفظ بتذكاره، ولغاية الأمس؛ أي بعد مرور أكثر من ثلاثين عاما، ~~كنت لا أعرف ماذا حدث لها. # بالأمس كنت ذاهبا إلى الحفلة الراقصة التي أقامها وزير الخارجية، رغم أنني أوافق اللورد ~~بالمرستون على أن الحياة كانت تطاق لولا المسرات. كان عملي اليومي لا يفوق قواي ولا ذكائي؛ ~~ولذا فقد توصلت إلى أن أهتم به. أما المقابلات والحفلات الرسمية فهي التي تثقل كاهلي، وكنت ~~أعلم أنه ms12 من السخف # 11 # والعبث أن أذهب إلى الحفلة الراقصة التي يقيمها الوزير. كنت أعلم ذلك ولكني ~~ذهبت؛ لأن الطبيعة الإنسانية تفكر دائما تفكيرا صائبا، ثم تتصرف عمليا بعد ذلك تصرفا ~~مخطئا مخالفا للصواب. # ولم أكد أدخل في البهو الأكبر حتى أعلن قدوم سفير ... والسيدة ... وكنت قد قابلت السفير عدة ~~مرات، وكان وجهه يحمل آثار المتاعب التي لا ترجع كلها إلى أعمال السلك السياسي. ويذكرون أن ~~صباه حوى كثيرا من التقلبات، وكذلك تروى عنه في مجتمعات الرجال عدة حكايات ظريفة، وأن ~~أيامه التي قضاها بالصين منذ ثلاثين عاما لغنية بالمغامرات التي يميلون إلى سردها سرا ~~حين تناول القهوة. # وظهر لي أن زوجته التي لم أتشرف بمعرفتها تعدت سن الخمسين عاما، وكانت تتشح بالسواد، ~~وكذلك كانت على ملابسها قطع جميلة من الوشي # 12 # تضم جمالها الماضي الذي كان يمكن للمرء أن يتبين شبحه إلى اليوم. وقد شعرت ~~بالسعادة حين قدمت إليها؛ فإنني أقدر محادثة النساء المسنات حق قدرها، وتحادثنا عن ~~آلاف الأشياء على أنغام الموسيقى التي كانت تدفع صغيرات السيدات إلى الرقص، ووصل بها الكلام ~~إلى أن حدثتني صدفة عن الزمن الذي كانت تسكن فيه منزلا قديما في حي ملكيه؛ فصحت: إذن فقد ~~كنت ذات الثوب الأبيض! # قالت: حقا يا سيدي، لقد كنت أتشح بالبياض. ~~- وأنا يا سيدتي كنت زوجك الصغير! ~~- ماذا تقول يا سيدي؟ هل أنت ابن الدكتور نوزيير؟ لقد كنت تحب الحلوى كثيرا، هل تحبها ~~إلى الآن؟ هل لك أن تحضر لتأكل شيئا منها في منزلنا؟ إننا نجتمع اجتماعا حبيا كل يوم ~~سبت لتناول الشاي. إن الإنسان ليقابل من فرقتهم عنه الأيام الطويلة دون سابق ~~تحذير. ~~- وأين السيدة ذات الثوب الأسود؟ ~~- إنني أنا اليوم ذات الثوب الأسود؛ فقد ماتت عمتي سنة الحرب، وفي أواخر أيامها كانت ~~تتكلم عنك مرارا. # وبينما كنا نتحادث هكذا مر رجل أبيض الشاربين والشعر وحيا السفيرة باحترام، وبكل ظرف ~~يملكه عجوز جميل. وكان يهيأ لي أنني أعرف ذقنه، وقالت لي: أقدم لك المسيو أرنول، صديق ~~قديم. ms13 # | هدية موت # قصة من الثورة الفرنسية # بعد أن تجول «أندريه» مدة في الشوارع الخاوية، جلس إلى شاطئ السين يراقب الماء وهو يصادم ~~التلال، حيث عاشت حبيبته لوسي أيام السعادة والأمل. # وجلس مدة طويلة في حالة قلق، وعند الساعة الثامنة استحم، ثم دخل إلى مطعم بالقرب من ~~«الباليه رويال»، وبينما كان ينتظر الطعام تصفح الجرائد. قرأ في «بريد المساواة» كشفا ~~بأسماء الأشخاص الذين سيعدمون في «ميدان الثورة» يوم 24 فلوريال. # وتناول الطعام بشهية، ثم قام ونظر في المرآة ليرى إذا كان مرتب الملابس منبسط الأسارير، ~~ومن ثم سار بخطى متثاقلة ناحية النهر إلى منزل في زاوية السين وشارع مزارين. وهناك كان ~~يعيش المواطن «لرديون»، النائب العام في محكمة الثورة. وهو رجل كريم عرف بخدمة أصدقائه، ~~وعرفه أندريه في إنجرز كراهب من رهبان الكبوشان، أما الآن فهو جمهوري متطرف في ~~باريس. # دق الجرس، وبعد بضع دقائق ظهر وجه خلف الباب، وأطل من كوة في الحائط، وبعد أن تأكد ~~المواطن لرديون من وجه واسم ضيفه فتح الباب أخيرا - وكان له وجه سمين أحمر اللون، وعينان ~~لامعتان، وفم كبير، وأذنان حمراوان، وكان له وجه الرجل الضحوك ولكن هيئة الجامد - وقد أدخل ~~أندريه إلى أولى غرف المنزل. # وكان موضوعا فوق مائدة مستديرة طعام قد أعد لشخصين، ورأى أندريه دجاجة وفطيرة وفخذة ~~لحم، وطبقا من الكبد، وأصنافا من اللحوم الباردة، وعلى أرض الغرفة كانت هناك ست زجاجات ~~خمر موضوعة داخل دلو كي تبرد، وعلى المدفأة كان هناك التفاح والجبن والفاكهة المحفوظة، ~~وعلى أحد الأدراج وضعت زجاجات من المشروبات فوق أكوام الورق، وكان باب الغرفة المقابلة ~~مفتوحا، وفيها فراش غير مرتب، قال أندريه: أيها المواطن لرديون، قد أتيتك أسألك ~~معروفا. ~~- أيها المواطن، إنني على استعداد لإجابته إذا لم يكن على حساب سلامة الجمهورية. # فقال أندريه مبتسما: إن ما أطلبه من المعروف ليتفق تماما مع سلامة الجمهورية وسلامتك ~~أيضا. وجلس أندريه بإشارة من لرديون وقال: أيها المواطن النائب، أنت تعرف أني منذ سنتين ~~أتآمر على أصدقائك، وتعرف أنني ms14 مؤلف «مذبح الخوف»؛ ولذلك لن تخدمني إذا قبضت علي، بل إنك ~~تؤدي واجبك فقط؛ ولذا ليس هذا هو المعروف الذي أطلبه منك، ولكن أصغ إلي: إنني أحب، ~~وحبيبتي في السجن. # وأحنى لرديون رأسه دلالة على أنه يقدر تلك العاطفة. ~~- إنني أعرف أنك رجل عواطف، أيها المواطن لرديون، وإنني أرجوك أن تجمع شملي بمن أحب، ~~فترسل بي إلى سجن ألبورت ليبر. # فقال لرديون وقد ظهرت على شفتيه ابتسامة دهاء وثبات: ها! ها! إنك تطلب ما هو أثمن من ~~الحياة، أيها المواطن، أنت تطلب السعادة! # ثم أشار بذراعه إلى ناحية غرفة النوم ونادى: «ابيكاريس! ابيكاريس!» # وظهرت امرأة طويلة القامة، شعرها حالك السواد، عارية الرقبة والذراعين، تلبس قميصا، وقد ~~وضعت زهرة على رأسها، قال لرديون وهو يجذبها إليه: أي حوريتي! انظري إلى وجه هذا المواطن ~~ولا تنسيه أبدا، هو مثلنا، أي ابيكاريس، له عواطف نبيلة، هو مثلنا يرى أن الفراق هو أروع ~~أنواع العذاب والشرور، هو يرغب أن يذهب إلى السجن، بل إلى المقصلة أيضا، ولكن مع حبيبته! ~~ابيكاريس، هل لنا أن نرفض أن نؤدي له هذا المعروف؟ # فقالت الفتاة وهي تداعب خد قسيس الثورة: لا! ~~- لقد أصبت الجواب، يا إلهتي، يجب أن نساعد هذين المحبين المخلصين ... أيها المواطن أندريه ~~جرمان، اترك لي عنوانك، وستقضي الليلة بالسجن ... # فقال أندريه: لقد اتفقنا إذن؟! # فأجابه لرديون وهو يمد إليه يده: نعم، قد اتفقنا. اذهب وقابل حبيبتك، وأخبرها أنك رأيت ~~ابيكاريس بين يدي لرديون ... ولتحدث هذه الصورة اضطراما في قلبيكما، ولتبعث بكما نحو ~~أفكار لامعة براقة! # فأجاب أندريه أنهما ربما رأيا صورة أشد تأثيرا من هذه، ولكنه مبتهج على أي حال، ويأسف إذ ~~ليس له أن يأمل أن سيؤدي للمواطن لرديون أي خدمة ردا على هذه الخدمة الجليلة التي أداها ~~له هو. # فقال لرديون: إن الإنسانية لا تطلب جزاء ولا شكورا. # ثم قام وأردف وقد ضم ابيكاريس إلى قلبه: والآن، أي ابيكاريس، من يعلم متى يأتي دورنا ...؟ ~~ولكن الآن فلنشرب! أيها المواطن، هل لك أن تشاركنا ms15 الطعام؟ # وقد حبذت ابيكاريس الفكرة وأمسكت أندريه من ذراعه، ولكنه مرق منها وهو مكتف بوعد النائب ~~العام . # | الإيمان أو «مهرج نوتردام» # 1 # كان يعيش بفرنسا أيام الملك لويس مهرج فقير يدعى «برنابا» يقطن بلدة كومبين، وكان ~~يمر بالبلاد ويلعب ألعابا كثيرة تدل على القوة والمهارة، وفي أيام الأسواق كان يفرش في ~~الطريق العام سجادة عتيقة بالية، وبعد أن يجذب إليه عددا من الأطفال والكسالى ببضع جمل ~~خلابة - كان قد تعلمها من مهرج آخر، ولم يكن يغيرها البتة - يبدأ بعرض ألعابه غير ~~الطبعية، فكان يضع طبقا من القصدير فوق أنفه ويحركه هناك حركات كثيرة متوازنة، فكان ~~الجمهور ينظر إليه بغير استغراب أو إعجاب. # ولكن عندما كان يقذف في الجو ست كرات نحاسية تتألق في ضوء الشمس ويلتقطها بقدميه ~~ثانية، بينما تكون رأسه ويداه على الأرض، أو عندما كان يرتمي بجسمه إلى الوراء حتى تصل ~~رقبته إلى رجليه ويكون شكل دائرة تماما، ويلعب وهو في ذلك الموقف باثنتي عشرة ~~سكينا ... كانت همسات الإعجاب تتصاعد من المتفرجين، وقطع النقود تتناثر على ~~السجادة. # ومع ذلك، فمثل كل هؤلاء الذين لا يجدون تقديرا لمواهبهم كان «برنابا» الكومبيني ~~يلاقي مصاعب كثيرة في سبيل العيش. # نعم كان يكسب عيشه من عرق جبينه، ولكنه في الحق كان يحتمل أكثر من نصيبه في الآلام ~~والمتاعب التي تسببت من خطيئة آدم، أبينا الأول. # وفوق ذلك لم يكن في مقدوره أن يعمل قدر ما يريد، فلأجل أن يعرض علمه البديع كان يحتاج ~~مثل الأشجار، التي تثمر الأزهار والفاكهة، إلى حرارة الشمس وضوء النهار؛ ففي الشتاء لم ~~يكن «برنابا» غير شجرة مجردة من الثمر تكاد تشرف على الموت والفناء، فالأرض المتجمدة ~~كانت قاسية صلبة على المهرج، فهو مثل ذلك النوع من الشجر الذي تكتب عنه «ماري فرانس» ~~كان يقاسي البرد والجوع في الفصل السيئ؛ فصل الشتاء. ولما كان طيب القلب؛ فإنه كان ~~يقاسي آلامه ومتاعبه في صبر وسكون. # لم يفكر البتة في أصل الغنى والثروة، ولا في عدم مساواة الطوائف الإنسانية، وكان ms16 ~~يعتقد اعتقادا جازما أنه إذا كانت هذه الدنيا رديئة؛ فإن الدنيا الأخرى لا بد أن تكون ~~حسنة، وكان ذلك الأمل سنده في حياته. لم يقلد أولئك الأدنياء الذين باعوا نفوسهم ~~للشيطان، فلم يعبث أبدا باسم الله، وكان يحيا حياة الأمانة، ومع أنه لم يكن متزوجا ~~فإنه لم يشته لنفسه امرأة جاره في يوم من الأيام، أو طمع في نوالها؛ فإن المرأة عدوة ~~الرجل كما يظهر في قصة شمشون التي تروى في الكتب المقدسة. # والحق أن عقله لم يكن متجها لناحية الرغائب المادية، فلا ريب أنه كان يكلف بإبريق ~~شرابه أكثر من كلفه بالنساء، وأنه كان يتكلف في الإجحاد بالأول أكثر مما يتكلف من ~~الإجحاد بالآخر؛ فإنه رغم احتفاظه الدائم برزانته كان يحب الشراب في أوقات ~~الدفء. # لقد كان رجلا طيب القلب، يخاف الله، ويخلص كل الإخلاص للعذراء المقدسة، ولم يغفل ~~أبدا عند ذهابه إلى الكنيسة أن يركع أمام صورة والدة الإله «العذراء»، وأن يوجه إليها ~~الصلاة الآتية: ~~«سيدتي، احرسي حيائي إلى أن يحلو للرب أن أموت، وعندما أموت دعيني أمتع بمسرات جنة ~~النعيم.» # 2 # وفي ليلة ما بعد يوم ممطر، بينما كان يسير في طريقه محني الظهر يحمل تحت إبطه كراته ~~وسكاكينه - وقد لفها في سجادته العتيقة - يبحث عن مخزن ينام فيه ليلته بدون عشاء؛ إذ ~~لمح كاهنا يسير في نفس طريقه، فأحنى له رأسه باحترام. وإذ كانا يسيران معا تبادلا ~~الحديث، قال الكاهن: لماذا تلبس رداء أخضر اللون؟ لعلك تلعب دور المضحك في رواية ~~ما؟! # فقال برنابا: لا، يا سيدي الأب، إن هذا لباسي العادي؛ فأنا برنابا، وأنا أشغل وظيفة ~~«مهرج»، وإنها لتكون حقا أحسن وظيفة في العالم لو أن الإنسان يمكنه أن يحصل منها على ~~طعامه كل يوم! # فقال الكاهن: أيها الصديق برنابا، حاذر مما تقول؛ فليست هناك وظيفة تفوق وظيفة ~~الكهنوت حسنا! فبها تنشر مدائح الإله والسيدة العذراء والقديسين. وحياة الكاهن ما ~~هي إلا حياة مدح وتسبيح دائم للرب. # فأجاب برنابا: إنني أعترف أني تكلمت كلام رجل ms17 جاهل، يا سيدي الأب؛ فإن وظيفتك لا ~~تقارن إلى وظيفتي. ومع أنه من البراعة أن يرقص الإنسان وهو يلعب بقطعة متحركة من النقود ~~فوق عصا موضوعة على أنفه، إلا أن هذه البراعة لا تتعالى فتصل إلى مقام براعتكم! إنني ~~أود أن أنشد مثلكم كل يوم يا سيدي الأب، وأمدح السيدة العذراء المقدسة التي أعنى ~~بعبادتها عناية خاصة. إنني لعلى استعداد أن أهجر هذه الحرفة، التي اشتهرت بها من سواسون ~~إلى بوفيه في أكثر من ستمائة مدينة وقرية؛ كي أحيا حياة الكهنة! # ولقد تأثر الكاهن من بساطة المهرج، ولم تكن تنقصه الفطنة، فميز في برنابا رجلا من ~~الذين تميل نفوسهم إلى الخير، ومن الذين قال عنهم الرب: «فليرافقهم السلام على ~~الأرض.» # وأجابه: أيها الصديق برنابا، تعال معي وأنا أدخلك الدير الذي أشرف على رئاسته. إن ~~الذي قاد مريم إلى أرض مصر قد وضعني في طريقك كي أقودك إلى طريق الخلاص! # وهكذا أصبح برنابا كاهنا. وكان رهبان الدير الذي دخله قد خصصوا أنفسهم لعبادة ~~العذراء المقدسة، فكان كل واحد منهم يستعمل في خدمتها كل علم ومهارة منحهما الله ~~إياه. # فكان الرئيس يؤلف كتبا تعالج أحكام المدرسة الأولى وحكمة الأولين وفضائل أم ~~الإله. # وكان الراهب موريس ينقل هذه الرسائل على صحائف من الجلد بخط ينبئ عن فن وعلم ~~صحيح. # وكان الراهب إسكندر يرسم صورا صغيرة يمكن للناظر إليها أن يرى صورة «ملكة السماء» ~~تجلس على عرش سليمان، يحرسها أربعة أسود رابضة عند رجليها، ويوجد عند رأسها - الذي تحيط ~~به هالة من الضوء - سبع حمامات، هي عدد الهدايا التي قدمها «الشيطان المقدس»؛ وهي: ~~الخوف والتقوى والعلم والقوة والنصيحة والذكاء والحكمة، وبرفقتها ست عذارى ذهبيات الشعر ~~يمثلن التواضع والرشاد والاعتكاف والاحترام والطهارة والطاعة. ويقف باحترام عند قدميها ~~شخصان صغيران عاريان، وكانا روحين يطلبان الخلاص بواسطة شفاعتها العظيمة القوة. # وفي صورة أخرى يرسم الراهب إسكندر حواء وهي تتجه بنظرها إلى مريم، فكان ممكنا ~~للإنسان أن يرى في وقت واحد الخطيئة والفداء، المرأة المتواضعة الصغيرة والعذراء ~~العالية ms18 الرفيعة المركز. ولقد كان يعجب الإنسان في نفسه الكتاب بصور «بئر المياه ~~الحية»، و«الينبوع»، و«الزنبقة»، و«القمر »، و«الشمس»، و«الحديقة» التي تذكر في ~~الأناشيد، و«باب السماء» و«مدينة الرب»، وكل هذه صور تمثل العذراء. # وكان الراهب «مريود» هو الآخر من أكثر أبناء مريم رقة عاطفة، وكان ينقش تماثيل حجرية ~~بلا انقطاع حتى ابيضت لحيته وحاجباه وشعره من التراب، وأصبحت عيناه دائمتي الانتفاخ ~~والانهمار، ولكنه كان ممتلئا قوة وفرحا وهو في ذلك السن الهرم. # ولا ريب أن «ملكة الجنة» كانت تبارك لطفلها سنينه التي تكر إلى عالم الفناء، وكان ~~مريود يمثلها وهي جالسة على منبر وحول جبهتها هالة كلها من اللؤلؤ، وكان يحرص على أن ~~يجعل ثنيات الرداء الذي تلبسه يغطي أقدام تلك التي قال عنها الرسول: «إن حبيبتي مثل ~~حديقة مغلقة.» # وكان يمثلها أيضا في شكل طفل ملؤه الرشاقة وكأنها تقول: «إلهي أنت إلهي ...» # وكان في الدير غير هؤلاء شعراء ينظمون أناشيد لاتينية تكريما للعذراء مريم، وكان ~~هناك أحد البيكارديين يروي عجائب سيدتنا نثرا وشعرا. # 3 # ولما رأى برنابا تلك المباراة في المدائح وذلك المحصول العملي؛ تحسر وندم على جهله ~~وبساطته، وكان يتأوه وهو يتنزه منفردا في حديقة الدير: ~~«وا أسفاه! لكم أنا سيئ الحظ لا يمكنني مثل إخوتي أن أمدح أم الإله؛ تلك التي قدمت ~~لها قلبي مديحا يستحق تقديرا ما، وا أسفاه! وا أسفاه! لست إلا رجلا فظا لا صنعة ~~بيدي ولا فن، وليس في يدي يا سيدتي العذراء لا مواعظ مهذبة أفيد بها الناس، ولا رسائل ~~منمقة مقسمة بالنسبة إلى القوانين، ولا صور رائعة الجمال، ولا تماثيل صحيحة النحت، ولا ~~أبيات من الشعر مستقيمة الوزن. ليس لدي شيء، وا أسفاه!» # وهكذا كان لا يني عن الشكوى، وترك نفسه للحزن ينتهبها كما يشاء. # وفي ليلة ما، سمع أحد الرهبان يقص قصة راهب آخر كان لا يعرف صلاة غير «السلام لك يا ~~ماريا»؛ ولذا كان محتقرا لجهله وسذاجته، ولكنه لما مات صعدت من فمه خمس زهرات تمجيدا ~~لكل حرف من حروف «ماريا»، ms19 وبذلك ظهرت قداسته. # ولما سمع برنابا هذه القصة بارك وأعجب مرة أخرى بطيبة العذراء، ولكنه لم يغتر بمثل ~~ذلك الموت؛ فقد كان ممتلئ القلب بالغيرة والحماسة، وكان يود من كل قلبه أن يخدم مجد ~~ملكته السمائية. # وفكر في الوسائل التي يمكن أن يستخدمها لإدراك ذلك الغرض، ولكنه لم ينته إلى شيء، ~~فكانت آلامه تزداد يوما بعد يوم. وحدث في صباح يوم من الأيام أن استيقظ مسرورا وجرى ~~مسرعا إلى الكنيسة، ومكث هناك منفردا أكثر من ساعة، ولم يرجع إلا بعد انتهاء زمن ~~تناول الطعام. # ومن تلك اللحظة استمر على الذهاب إلى الكنيسة في الوقت الذي تكون مقفرة فيه من ~~المصلين ليس بها أحد، وكان يمضي هناك وقتا طويلا من الزمن الذي خصصه الرهبان الآخرون ~~لمزاولة فنونهم العلمية والصناعية؛ وبذلك ذهب الحزن عن نفسه، ولم يعد يشكو ~~البتة. # وكان ذلك الشذوذ الغريب مثارا لشوق الرهبان ورغبتهم في استطلاع ما ورائه، فكانوا ~~يتساءلون عند اجتماعهم عن السبب الذي كان يدعو الراهب برنابا لأن يكثر من الانفراد في ~~الكنيسة. # ولما كان من واجب الرئيس أن يطلع على كل ما يأتونه من الأعمال؛ فإنه عزم على ~~مراقبة برنابا عند انفراده. # ففي يوم من الأيام إذ كان برنابا منفردا في الكنيسة، حضر الأب الرئيس بصحبة راهبين ~~من أكبر الرهبان سنا، وأخذوا يراقبون من شقوق الباب ما كان يحدث داخل الكنيسة. # رأوا برنابا أمام مذبح السيدة العذراء، رأوه ورأسه على الأرض ورجلاه في الهواء، وكان ~~يلعب وهو في هذا الموقف بست كرات نحاسية واثنتي عشرة سكينا! واستمر في القيام بعمل ~~تلك الألعاب التي كان قد اتخذها صنعة، والتي صادفت أعظم استحسان في الماضي! ولكنه كان ~~الآن يقوم بتلك الألعاب تكريما لأم الإله المقدسة. # ولم يفهم الراهبان الكبيران أن ذلك الرجل البسيط قد وضع مواهبه وعلمه في خدمة العذراء ~~المقدسة، فصاحا واحتجا بأن ما يصنعه هذا الرجل يعد تدنيسا محرما واستباحة لحرمة ~~المعبد. # وكان الرئيس يعلم أن برنابا طاهر القلب، لكنه رجح أنه لا بد أن يكون ms20 قد أصيب بمس ~~في عقله، وكانوا يستعدون للدخول والإسراع بإخراجه من الكنيسة، ولكنهم رأوا فجأة العذراء ~~المقدسة تنزل درجات المذبح كي تجفف العرق الذي كان يتساقط من جبهة المهرج بثنية من ~~ثنيات طرحتها الزرقاء. # وقال الرئيس وقد ركع على الأرض وأحنى رأسه حتى واجهت السلم الرخامي: «طوبى لأتقياء ~~القلوب؛ لأنهم سيرون الله.» # وردد الراهبان وهما يقبلان الأرض: «آمين.» ms21