######OpenITI# #META# URI: 1379FarajJibran.QisasCanMashahirKuttabGharb.Hindawi36169390 #META# Tags: literature #META# ID: 36169390 #META# Title: قصص عن جماعة من مشاهير كتاب الغرب #META# AuthorID: 57174090 #META# Author: فرج جبران #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء‏ # كلمتي‏ # بيان‏ # قصص عن الكاتب الفرنسي الشهير ألفونس دوديه‏ # الوزير في الريف‏ # عنز المسيو سيكين‏ # سر «المعلم» كورنيل‏ # وفاة ولي العهد‏ # الفراشة الراقصة‏ # وجوم ...‏ # لويز‏ # هل هي آثمة؟‏ # هدية الزواج‏ # زازا‏ # غرام زائف‏ # قصة العذراء‏ # الروح الكورسكية‏ # العاصفة‏ # قصص عن الكاتبة الإنجليزية الكبيرة لويز هيلجرز‏ # ابنتي الصغيرة‏ # عشاء اثنين‏ # العلم‏ # حديقة‏ # روبيسبيير يرتد خائبا‏ # حلم يوم من أيام الصيف‏ # بولزلوف‏ # هدية الموت‏ # قصص عن الكاتب الفرنسي الكبير مارسيل بريفو‏ # الوحم‏ # الضيف‏ # بعد الخطيئة‏ # إهداء‏ # كلمتي‏ # بيان‏ # قصص عن الكاتب الفرنسي الشهير ألفونس دوديه‏ # الوزير في الريف‏ # عنز المسيو سيكين‏ # سر «المعلم» كورنيل‏ # وفاة ولي العهد‏ # الفراشة الراقصة‏ # وجوم ...‏ # لويز‏ # هل هي آثمة؟‏ # هدية الزواج‏ # زازا‏ # غرام زائف‏ # قصة العذراء‏ # الروح الكورسكية‏ # العاصفة‏ # قصص عن الكاتبة الإنجليزية الكبيرة لويز هيلجرز‏ # ابنتي الصغيرة‏ # عشاء اثنين‏ # العلم‏ # حديقة‏ # روبيسبيير يرتد خائبا‏ # حلم يوم من أيام الصيف‏ # بولزلوف‏ # هدية الموت‏ # قصص عن الكاتب الفرنسي الكبير مارسيل بريفو‏ # الوحم‏ # الضيف‏ # بعد الخطيئة‏ # | قصص عن جماعة من مشاهير كتاب الغرب # | قصص عن جماعة من مشاهير كتاب الغرب # تأليف # فرج جبران # | إهداء # إلى: روحها الطاهرة ... # في مثواها الأبدي # | كلمتي # إن القصص التي تحتويها هذه المجموعة هي جزء مما نشرته على صفحات الجرائد ~~والمجلات، وأنا أميل إلى الاعتراف أنها قد لا تكون أحسن ما نشرت من القصص ~~رغم ثناء بعض الأصدقاء عليها. فما أسعدني بعد ذلك إذا صادفها هوى من ~~نفوس قرائها، أما إذا لم تصادف ذلك الهوى فأرجو الله أن تصادفه المجموعة ~~الثانية التي سأعنى بها كل العناية. # وإن كان هناك مجال للاعتذار؛ فأنا أعتذر للقارئ عما قد يسوءه هنا من الأخطاء ~~المطبعية، أو رداءة الورق أو الحروف، وإن كانت المسئولية التي أتحملها عن ~~ذلك صغيرة لا تكاد تذكر. # وإني أختتم شاكرا: للأدباء ولمحرري الصحف الذين كان لكلمات تشجيعهم الدائم ~~أكبر أثر دفعني للعمل والعناية. # فرج جبران # | بيان # رأينا أن نكتب كلمة قصيرة عن الكتاب الذين نقلنا عنهم عددا من القصص ~~ونشرناها في هذه المجموعة. أما ms01 الذين نقلنا عنهم قصة واحدة فقد رأينا أن ~~ندع الحديث عنهم لفرصة أخرى. # ألفونس دوديه # ALPHONSE DAUDET ~~(1840-1897) # لا يتعدى ما اخترناه له هنا أربع قصص أخذناها من «رسائل من ~~طاحونتي # Letters de mon moulin ~~»، كتبها دوديه وهو يتمتع ~~بالوحدة والراحة في الريف الهادئ في إحدى طواحين الهواء ~~المهجورة بوادي الرون في قلب مقاطعة بروفنس، بالقرب من جبل ~~مغطى بأشجار السرو والصنوبر، وقد اشترى الكاتب هذه الطاحونة ~~كي يكتب فيها، وذكر شيئا من تاريخ الطاحونة نفسها في قصته «سر ~~المعلم كورنيل» وتجدها على «سر المعلم ~~كورنيل» من هذا الكتاب. # وألفونس دوديه ليس في حاجة إلى التعريف؛ فهو من أشهر الكتاب ~~الفرنسيين، اشتهر بقصصه وصوره، وكلها من النوع الذي لا يكاد ~~يقرؤه قارئ حتى يصل إلى قرارة قلبه. # ولد دوديه ببلدة نيمو، ومن أشهر أعماله إلى جانب «رسائل من ~~طاحونتي»: الشيء الصغير - ترتران - جاك - سافو - ~~نومارومستان. # ويمتاز بدقة الملاحظة وسهولة الإدلاء والتصوير مع سهولة ~~التراكيب. # لويز هيلجرز # LOUISE HELIGERS # هذه كاتبة إنجليزية محدثة، تجد في قصصها الوصف الهادئ الساكن، ~~تلقيه امرأة في حديث طبعي لا أثر للكلفة أو الصناعة ~~فيه. # وما أسرع أن تصل قصصها القصيرة إلى القلوب، شأن كل حديث يتجلى ~~للإنسان صدقه وإخلاصه، ويملك عليه مشاعره، وإنك لتشعر وأنت ~~تقرأ قصصها القصيرة كأنك تسير جنبا إلى جنب مع شخصياتها وتشعر ~~بنفس شعورهم. # وربما كان لطبيعتها النسائية أكبر أثر في ذلك وفي نعومتها ~~أيضا. # وإذ تتحدث عن الحب في قصة من قصصها تجعلك تشعر بصدق ذلك الحديث ~~وصدق ذلك الحب وقدسيته، ومن يصدق في وصف شعور المرأة أكثر من ~~المرأة نفسها؟ # وخير تذكية لها ما ذكره أحد كبار كتاب وعلماء إنجلترا في مقدمة ~~كتابها الثاني # More Tabloid ~~Tales ~~: «إن لويز هيلجرز أكبر كتاب القصص القصيرة في ~~العالم الآن.» # ولنا أن نذكر أيضا أن قصتها «عشاء ~~اثنين» التي نشرت في هذا الكتاب قد نشرت ~~أخيرا بين ست قصص قصيرة أخرى جمعت في كتاب واحد، هو: «أشهر ~~ست قصص قصيرة في العالم». ms02 # مارسيل بريفو # MARCEL PREVOST # روائي فرنسي مشهور. ولد في باريز يوم أول مايو سنة 1862، تعلم في ~~مدارس «الجزويت»، ودخل مدرسة الهندسة سنة 1882، ولكنه ترك ~~الهندسة بعد بضع سنوات من نهاية دراسته إلى صناعة التبغ. ونشر ~~بعد ذلك «العقاب» (1887)، «شونشيت» (1888)، «مدموازيل جوفر» ~~(1889)، «ابنة العم لورا» (1890)، «اعترافات عاشق» (1891)، ~~«رسائل النساء» (1892). وفي سنة 1894 أحدث ثورة فكرية عظيمة ~~بدراسة مبالغة ثائرة حول نتائج التعاليم الباريسية والمجتمع ~~الباريسي على الفتيات والعذارى، وهي «إنصاف العذارى»، وقد لاقت ~~أعظم نجاح. ويظهر فيها الفتاة وهي تتهاون بعرضها قبل الزواج ~~وتعبث مع مختلف الشبان عبثا غير بريء، ليس هذا مقام بحث تلك ~~الرواية، ولكننا نقول عنها إنها شبيهة برواية فكتور مرجريت ~~«لاجرسون» أو الفتاة المسترجلة. # وظهرت «رسائل إلى فرنسواز» سنة 1902، وفي سنة 1904 نجح نجاحا ~~باهرا برواية تمثيلية هي: «أضعفهن»، وفي سنة 1909 انتخب عضوا ~~في مجمع العلوم الأكاديمي. # | قصص عن الكاتب الفرنسي الشهير ألفونس دوديه # | الوزير في الريف # الوزير يمر في المقاطعة، فسائق العربة جالس في أمامها والحجاب في ~~خلفها. أما عربة الوزير فتدرج به نحو الاجتماع السياسي المحلي ~~في «كومب أوفيه»، ولهذه المناسبة المهمة يلبس الوزير سترته ~~المذهبة، وقبعته العالية، وسيفه، وقد وضع على ركبتيه حافظة ~~أوراقه الجلدية، وكان يحدق فيها بنظره. الوزير يحدق في ~~حافظة أوراقه الجلدية بنظر تائه، وهو يفكر في تلك الخطبة ~~الرنانة التي سيلقيها على أهل «كومب أوفيه» ... ~~«أيها السادة الأفاضل والإخوة العمال ...» # ثم يشتد في الضغط على شاربه الأصفر، ويكرر الجملة مرات: «أيها ~~السادة الأفاضل والإخوة العمال ...» ولكنه لم يكن ليذكر شيئا ~~يتبع به هذه الجملة ... وهو يشعر بالحرارة في داخل العربة، وإذ ~~ألقى بنظره إلى الأمام رأى طريق «كومب أوفيه» وهو يمتد أمام ~~ناظره، والهواء يهب عليلا، والطيور الصغيرة تتجاوب من فوق ~~الأشجار. # وتطلع الوزير فجأة إلى المنظر، فهناك على مسافة ليست بالبعيدة وعلى ~~سفح التل رأى غابة صغيرة من شجر السنديان، وكأنها كانت تنحني ~~إلى الأمام إجلالا له! كانت غابة السنديان كأنها تنحني له ~~قائلة: «لماذا لا تأتي هنا ms03 أيها السيد الوزير؟ إنه لمن دواعي ~~راحتك أن تحضر خطبتك تحت أشجاري.» # وكم سر الوزير للفكرة، فهو يقفز من العربة وقد أخبر المرافقين ~~له أن ينتظروه؛ لأنه سيحضر خطبته في غابة السنديان الصغيرة، ~~وفي الغابة الصغيرة كثير من الطيور وزهر البنفسج، ومجار مائية ~~صافية تجري بين الحشائش الخضراء، فعندما رأت الطيور الوزير ~~بلباسه الفاخر وحافظة أوراقه الجلدية خافت وأمسكت عن الغناء، ~~وكذلك النهيرات الصغيرة، فقد انقطع خريرها. أما زهرات البنفسج ~~فقد اختفت بين الحشائش، ولم يكن أحد من سكان هذا العالم الصغير ~~قد رأى وزيرا من قبل، فبدءوا يتساءلون في همس عمن يكون هذا ~~الرجل الفاضل الذي يخطر في هذه الثياب الجميلة؟ إنهم يتساءلون ~~في همس - من وراء أوراق الأشجار - عمن يكون هذا الرجل الفاضل ~~الذي يخطر في هذه الثياب الجميلة! أما الوزير فقد سحره هدوء ~~المكان ونقاء الهواء، فهو يخلع قبعته ويضعها بجانبه على الأرض، ~~ويسحب ذيل ردائه، ويجلس هو على العشب بجانب سنديانة صغيرة، ثم ~~يضع حافظة الأوراق الجلدية على ركبتيه ويفتحها ويخرج ورقة ~~بيضاء كبيرة من أوراق الحكومة. # قال الهدهد: «إنه فنان!» # فرد طير آخر: «لا، إنه ليس فنانا؛ فملابسه بيضاء، لا بد أن يكون ~~من الأمراء!» # نعم لا بد وأن يكون من الأمراء! # فرد بلبل كهل، كان قد قضى فصلا كاملا من فصول السنة في الغناء ~~بحديقة الوزير: «أنا أعلم ما هو، إنه لوزير!» # وبدأت الغابة الصغيرة كلها تتهامس: «إنه وزير! إنه وزير!» # وبدأت قنبرة تتحدث: «هل هو أصلع الرأس؟» وتساءلت زهرات البنفسج: ~~«هل هو قاسي القلب؟» فأجاب البلبل الكهل: «ليس هو.» # فعندما علمت الطيور ذلك، بدأت الغناء ثانية، وعادت المياه لخريرها، ~~وبدأت رائحة البنفسج تعبق المكان كأن ذلك الرجل الفاضل لم يكن ~~هناك ... وكم اغتبط الوزير وسط هذا الجمال! # ولما رفع قلمه عن الورقة، نطق بلهجة الخطيب: «أيها السادة الأفاضل ~~والإخوة العمال ...» # وأعاد الوزير بلهجة الخطيب: «أيها السادة الأفاضل والإخوة العمال ~~...» ولكن صوتا يقطع عليه حبل حديثه فيتلفت حوله، ولكنه لا ~~يرى إلا طائرا كبير ms04 الحجم، أخضر اللون، من طيور الغابة، فيهز ~~الوزير كتفيه ويعود إلى خطبته، إلا أن الطائر يقاطعه وهو يصيح: ~~«ما فائدة هذا؟» # فيرد الوزير وقد احمر وجهه: «ماذا تقول؟ ما الفائدة من ذلك؟» ثم ~~يطرد هذا الطائر بحركة خفيفة من يده ويعود ثانيا إلى خطبته ~~قائلا بأحسن لهجة: «أيها السادة الأفاضل، والإخوة العمال ~~...» # ولكن في نفس اللحظة، تميل عليه زهرات البنفسج وهي على سيقانها ~~الرفيعة وتتمتم بسكون: «أيها السيد الوزير، ألا تتبين ما ~~أجمل رائحتي؟!» وتلك المجاري المائية السائرة بين الأعشاب، لقد ~~كانت أصواتها كموسيقى سماوية، وعلى فروع الأشجار فوق رأسه. ~~كانت الطيور تغني له أبهج النغمات وأسرها لفؤاده. # إن الغابة الصغيرة بأكملها تتآمر لتمنعه من تحضير خطبته، ولما ثمل ~~الوزير بالرائحة، وسحر بالموسيقى، حاول عبثا أن يقاوم هذا ~~السرور غير العادي، فهو يتمدد بنفسه على الحشائش بكل دلال، ثم ~~يفك أزرار سترته الموشاة، ثم يتمتم مرارا ... ~~«أيها السادة الأفاضل، والإخوة العمال ... أيها السادة الأفاضل، ~~والإخوة العمال ... أيها السادة والإ ...» # ثم هو يتمنى بعد ذلك الجحيم لإخوته العمال، ولا يرجو إلا أن ~~تزيح عروس الزراعة عن نقابها لتكشف له عن جمالها. # ألا ارفعي النقاب عن وجهك يا عروس الزراعة! # وأخيرا بعد ساعة من الزمن، عندما قلق خدم الوزير على سيدهم، ذهبوا ~~إلى الغابة الصغيرة، فرأوا منظرا جعلهم يتراجعون إلى الوراء ~~مذعورين. # فلقد كان الوزير منبطحا على بطنه فوق الحشائش، مفتوح الصدر كأنه ~~من الغجر ... وقد رمى سترته بعيدا عنه، وكان وهو يقرض إحدى ~~زهرات البنفسج بين أسنانه ... يقرض الشعر أيضا! # عن «ألفونس دوديه‏»‏ # | عنز المسيو سيكين # لم يكن للمسيو سيكين أي حظ في ماشيته، كان يفقدهم كلهم بطريق واحد. ~~في يوم من الأيام كانوا يقطعون الحبل الذي كان يربطهم، ويفرون ~~إلى الجبال حيث يفترسهم الذئب؛ فلا الدلال أو اللطف الذي كان ~~يعاملهم به سيدهم، ولا خوف الذئب، كان ليمنعهم من الفرار إلى ~~الجبل، والحق أنها كانت ماشية مستقلة، تطلب الحرية بأي ثمن من ~~الأثمان! # وقد قلق المسيو سيكين - وكان لطيفا طيب ms05 القلب - قلقا عظيما؛ ~~فإنه لم يكن قد فهم بعد نفسية هذه المخلوقات. # فكان يقول لنفسه: «لقد انتهى الأمر، إن الماشية تسأم من سجنها ~~عندي، فلن أربيها إلى الأبد!» # ومع ذلك فقد استعاد شجاعته، فبعد أن فقد ست عنزات في هذا الطريق ~~اشترى السابعة، ولكنه لاحظ في هذه المرة أن تكون صغيرة؛ حتى ~~تشب وقد اعتادت أن تمكث معه بدون أن يعتريها الملل. # وكانت عنزا صغيرة لطيفة، بعيون صافية، ووجه جميل وحوافر سوداء ~~لامعة، وقرون مستديرة، وشعر طويل أبيض. # وفوق ذلك كانت سهلة القياد، لم تخرج أبدا خارج غرفتها. # عنز ... صغيرة محبوبة! # كان للمسيو سيكين مرعى واسع كله حشائش خلف منزله، وهناك وضع عنزه ~~الجديدة في ركن من الأركان وربطها بحبل طويل، وكان يذهب من وقت ~~لآخر ليعمل لراحتها، وكان يظهر على العنز أنها سعيدة جدا، ~~وكانت تأكل الحشائش بشهية سر لها المسيو سيكين كل السرور، ~~وفكر المسكين قائلا لنفسه: «أخيرا قدر لي أن أجد العنز ~~التي لا تتضايق بمعاشرتي.» # وكان مسيو سيكين مخطئا في حدسه. # في يوم من الأيام نظرت العنز إلى الجبل وقالت لنفسها: «كم تكون ~~الحياة مسرة هناك في أعلى هذا الجبل! ما ألذ الحرية ~~والعدو بلا حبل يخنق؟ ... للحمير والبهائم أن تبقى في الحقول، ~~أما العنزات فتحتاج للحرية.» ومن تلك اللحظة فقدت حشائش المرعى ~~نكهتها السالفة، وبدأت العنز تهزل يوما عن يوم، وقل مقدار ~~اللبن الذين يؤخذ منها، وكان من المحزن أن ترى وهي تشد ~~حبلها طول اليوم، ورأسها متجه لناحية الجبال، وخياشيمها مفتوحة ~~واسعة، وهي تصيح: «ما ... ما ...!» # وعرف المسيو سيكين أن شيئا حدث لعنزه، ولكن لم يمكنه أن يتصور ~~ما هو. وفي صباح يوم من الأيام بينما كان بجانبها، أسرت إليه ~~بلغتها: «أصغ إلي يا مسيو سيكين: لقد سئمت كل هذا، دعني ~~أجري إلى الجبال.» # فوقعت آنية الماء من يد مسيو سيكين وصاح: «يا لله! ها هي واحدة ~~أخرى منهن.» ثم جلس بجانبها وقال لها: «بلانكيت، أترغبين حقا ~~أن تتركيني؟» # وأجابت بلانكيت: «نعم.» ~~- «هل عشبك ms06 قليل؟» ~~- «لا يا مسيو سيكين.» ~~- «ربما كان حبلك قصيرا، هل أطيله لك؟» ~~- «إن الأمر لا يستحق ذلك .» ~~- «إذن فماذا حدث؟ ماذا تريدين؟» ~~- «أريد أن أجري فوق الجبال يا مسيو سيكين.» ~~- «ولكن يا أيتها المخلوقة الغبية، ألا تعلمين أن الذئب يعيش فوق ~~الجبال؟ فماذا أنت صانعة إذا أتاك؟» ~~- «سأنطحه بقروني حينذاك يا مسيو سيكين.» ~~- «سيهزأ من قرونك هذه، فلقد افترس عنزات لها قرون أطول من ~~قرونك!» ~~- «ولكن على أي حال، دعني يا مسيو سيكين أجري إلى الجبال.» # فصاح مسيو سيكين: «أيتها القوات العليا، ماذا يحل بعنزاتي؟ ها هي ~~واحدة أخرى تريد أن تؤكل! لا، سأنقذك رغما عنك أيتها الغبية! ~~وخوفا من أن تقطعي حبلك سأسجنك في الإسطبل وستمكثين ~~هناك.» # ثم جر المسيو سيكين عنزه إلى الإسطبل المظلم وأغلق الباب عليها ~~بالقفل، ومن سوء حظه أن نسي الشباك، فلم يكد يبتعد قليلا حتى ~~كانت قد خرجت منه ... # ولما وصلت إلى الجبل شمل الفرح كل أنحائه؛ فإن أشجار الصنوبر لم ~~تر شيئا أبدع من هذه العنزة، وقد استقبلت كملكة صغيرة، أما ~~الأشجار الأخرى فقد أحنت فروعها إجلالا لها وتحية. # والخلاصة أن الجبل كله احتفل بها ومجدها. # وكانت سعيدة لا حبل، ولا وتد، ليس هناك ما يمنعها عن القفز والعدو ~~والرعي أنى أرادت. # وأي عشب، وأي زهر، وأي مرعى خصيب كانت ترعى فيه الآن وترتع! ... وقد ~~كادت العنز البيضاء الصغيرة تجن فرحا وهي تنحدر من فوق ~~الجبال، ثم تصعد إليها ثانية حتى إنه لم يكن عليك من حرج لو ~~أقسمت أنه كانت هناك اثنتا عشرة عنزا من عنزات المسيو سيكين ~~ترتع على الجبل. # وحدث وهي تنظر مرة من فوق القمة أن لمحت منزل المسيو سيكين في أسفل ~~الوادي بحقله الخلفي، فضحكت حتى سالت دموعها، وقالت: «ما ~~أصغره! ... كيف أمكنني أن أمكث فيه؟!» وفجأة بلا إنذار، بدأ ~~الهواء يهب باردا، واكتسى الجبل بحلة حمراء، لقد حل المساء؛ ~~فتعجبت العنز وقالت: «بهذه السرعة!» وقد انتشر الظل الأسود ~~على المراعي السفلى فظهرت سوداء، واختفى منزل المسيو سيكين ms07 ~~وراء الضباب، ولم يعد يظهر منه سوى السقف الذي كان يتصاعد منه ~~الدخان. أصغت العنز إلى رنين الأجراس البعيدة للعنزات وهي ~~تساق، قافلة إلى مضاجعها؛ فشعرت بالحزن يدب في فؤادها، ومر ~~على ظهرها باز - وهو طائر - وكان راحبا إلى وكره فارتعدت، ثم ~~سمعت من فوق الجبل نباح «عاو ... عاو»؛ فتذكرت الذئب، لقد نسيته ~~هذه الحمقاء طول اليوم، وسمعت في نفس الوقت صوت نفير آت من ~~الوادي، وكان مسيو سيكين الطيب القلب يبذل مجهودا أخيرا، عوى ~~الذئب: «عو ... عو عاو!» # وغنى النفير بنغماته «العودة، ارجعي ...!» كانت لبلانكيت رغبة في ~~العودة، ولكنها تذكرت الإسطبل والجبل والمرعى والمحل، وشعرت ~~كأن لا قبل لها باحتمال هذه الحياة ثانية، وأنه كان خيرا ~~لها أن تظل حيث هي. # وسكت النفير ... وشعرت العنز الصغيرة صوت حركة خلفها بين الأغصان، ~~وعندما أدارت رأسها رأت في الظلام أذنين مرهفتين، وعينين ~~لامعتين ... وكان الذئب ...! # كان هو الذئب بجسمه الضخم، وهدوئه المعتاد. وقف الذئب بسكون يلاحظ ~~هذه العنز البيضاء الصغيرة، وهو يفكر في التهامها وما فيه من ~~لذة، ولما كان واثقا من أنها لن تفر من يده وأنه سيأكلها لا ~~محالة، لم يسرع في عمله، وعندما رأى أنها التفتت إليه بدأ في ~~الضحك! ~~- «ها ... ها ... أيتها العنز الصغيرة ...» وأخرج لسانه الأحمر ولعق به ~~شفتيه ... وشعرت بلانكيت أنها فقدت. ولكنها استعدت للدفاع، ~~فتدلت رأسها، وحددت قرونها، وكم كان منظرها جميلا! # لم يكن لها أمل في قتل الذئب، لا؛ فإن العنزات لا تقتل الذئاب، بل ~~على أمل أن تعيش إلى الفجر ... فقط. # وعندما خطا الوحش إلى الأمام، بدأت القرون تتحرك، يا لها من عنز ~~صغيرة شجاعة! # فأي معركة تلك التي وقفت فيها أمام ذئب؟! لقد أرغمته أكثر من عشر ~~مرات أن يتقهقر أمامها كي يسترد قواه ويتنفس، وكانت في ~~إبان هذه اللحظة الصغيرة تملأ فمها بكل حرص من عشبها ~~المحبوب، ثم تستمر في العراك وهي تمضغ عشبها ... وقد استغرق هذا ~~الليل بطوله ... # ومن وقت لآخر كانت عنز المسيو سيكين تلقي نظرة إلى النجوم ms08 وهي تضيء ~~في هذه السماء الصافية، وتقول في نفسها: # لو أمكنني أن أثبت إلى الفجر فقط؟ # وبدأت النجوم تختفي واحدة فواحدة، وضاعفت بلانكيت طعناتها ونطحها، ~~وضاعف الذئب مجهوده ليتغلب عليها. # وظهر ضوء ضعيف في الأفق، ورن صوت صياح ديك من إحدى المزارع ~~السفلى، فقالت بلانكيت في نفسها: «... وأخيرا ...!» وتأوهت ~~العنز المسكينة، التي كانت تنتظر الفجر فقط لتموت، ثم وقعت على ~~الأرض وقد تلوث فروها الحريري الناعم بالدماء ... # وثب الذئب على العنز الصغيرة وبدأ في التهامها! # عن «ألفونس دوديه‏»‏ # | سر «المعلم» كورنيل # فرنسيه ماماي، رجل كهل من الذين يجيدون اللعب على الصفارة، وهو ~~يحضر من وقت لآخر لكي يمضي معي المساء في شرب الخمر. قص علي ~~في يوم من الأيام قصة قروية صغيرة، كانت طاحونتي مسرحا ~~لحوادثها، منذ عشرين سنة تقريبا، وقد ملكت قصة هذا الكهل ~~علي مشاعري، وسأحاول أن أقصها عليكم كما سمعتها: تصوروا ~~لحظة؛ أي قرائي الأعزاء، أنكم أمام زجاجة خمر، وأن هناك ذلك ~~السيد العزيز يحدثكم: إن قريتنا يا سيدي العزيز لم تكن الحال ~~بها على ما هي عليه الآن من موت وسكون، في تلك الأيام السالفة ~~كان الحال ميسورا لأصحاب الطواحين، وكان الفلاحون يحضرون ~~إلينا غلالهم لطحنها من بعد عشرة فراسخ. كانت كل التلال ~~المحيطة بالقرية عامرة بالطواحين. لقد كان ممكنا للإنسان - إن ~~تلفت يمنة أو يسرة - أن يرى الأجنحة وهي دائرة فوق أشجار ~~الصنوبر، وقطعان الحمير الصغيرة وهي سائرة، صعودا ونزولا، ~~محملة بالزكائب. ولقد كان لطيفا أن يسمع الإنسان طول الأسبوع ~~أصوات «فرقعة» الكرابيج، وأصوات هذه الشراع الهائلة وهي ~~دائرة. # وفي أيام الآحاد كنا نصعد إلى التلال في جماعات، وهناك كان أصحاب ~~الطواحين يقدمون لنا النبيذ الأحمر، أما زوجاتهم فكن أشبه ~~بالملكات في جمالهن بنقبهن وصلبانهن الذهبية. وكنت أنا أستحضر ~~معي صفارتي هناك، فكنا نمضي الوقت إلى ساعة متأخرة من الليل ~~وهن يرقصن رقصهن القروي؛ ومن ذلك ترى أن هذه الطواحين الهوائية ~~كانت مفخرة مقاطعتنا، بل كل ثروتها. # ولكن من سوء الحظ أن فكر بعض الفرنسيين ms09 من أهل باريس في بناء ~~طاحونة تدار بالآلات، عند مفترق الطريق إلى ترسكون ... # ولكل جديد طلاوة؛ فلقد فضل أهل القرية إرسال غلالهم إلى الطاحونة ~~الجديدة، ووقفت الحركة في الطواحين الهوائية بعد أن استمرت ~~برهة تحارب في موقعة خاسرة؛ إذ إن الآلات كانت قوية جدا، ~~وبدأت طواحين الهواء واحدة فواحدة تغلق أبوابها. # اختفت تلك الحمير الصغيرة. أما الزوجات الجميلات فقد بعن ~~صلبانهن الذهبية، واختفى النبيذ الأحمر، وانعدم الرقص. نعم كان ~~الهواء يهب إلا أن شراع الطواحين بقيت ساكنة. حتى أتى وقت ~~هدمت فيه دائرة الكنيسة هذه الطواحين، وزرعت مكانها أشجار ~~الزيتون والكروم. # غير أنه في وسط هذا الخراب عاشت طاحونة واحدة، واستمرت دائرة ~~بشجاعة، وكانت هي طاحونة «المعلم» كورنيل. وهي هي بذاتها هذه ~~الطاحونة التي نجلس فيها الآن. # كان «المعلم» كورنيل يبلغ الستين من عمره، قضاها كلها في طحن ~~الغلال. وكان فخورا بصناعته، وقد كاد يجن حين استحضرت آلات ~~الطحن الجديدة في القرية. وقد كنا نراه مدة ثمانية أيام ~~متوالية وهو يسرع الخطا في القرية ويجمع الناس حوله ويصيح ~~فيهم بأعلى صوته: «إنهم يقصدون تسميم أهل المقاطعة بالدقيق ~~المطحون على الآلات!» # وكان يزيد على ذلك: «لا تذهبوا هنالك، إن هؤلاء الأشقياء يستعملون ~~البخارة لعمل الخبز، وهذا اختراع من الشيطان. أما أنا فأشتغل ~~بالرياح الجنوبية والشمالية، التي ما هي إلا نفس ~~الله!» # وكان يجد بضع جمل أخرى طريفة مثل هذه في مدح طواحين الهواء، إلا ~~أنه لم يجد من يصغي لنصائحه، وبعدئذ في ثورة غضبه سجن ذلك ~~المسن نفسه في طاحونته، وعاش منفردا كالوحوش، حتى إنه لم ~~يسمح لحفيدته الوحيدة «فيفيت» - وهي طفلة في الخامسة عشرة - أن ~~تعيش معه، مع أنها منذ وفاة والديها لم يكن لها في العالم غير ~~جدها، فكانت هذه المسكينة مضطرة أن تسعى وراء عيشها، فكانت ~~تؤجر نفسها في المزارع للحصاد وجمع الزيتون، ومع ذلك كان ~~يظهر أن جدها يحبها غاية الحب. # فكثر ما كان يقطع أربعة فراسخ في الشمس المحرقة كي يتزود منها ~~بنظرة وهي تشتغل، وكان ms10 إذا وصل إليها أخذ يرقبها ساعات طويلة ~~والدموع تجول في عينيه! # وكانت كل المقاطعة تظن أن هذا الطحان المسن قد أبعد عنه فيفيت ~~لبخله، وأنه كان لا يهمه تنقل حفيدته من مزرعة إلى مزرعة ~~معرضة لمعاملة العمال الفظة، ولكل الشقاء الذي تتعرض له اليد ~~المستأجرة، وكانوا يظنون أنه من العار أيضا أن رجلا في مقام ~~«المعلم» كورنيل - وكان إلى ذلك الوقت محترما غاية الاحترام - ~~يمشي حافي القدمين، بقبعة ممزقة، وثياب مهلهلة ... والحق أنه ~~عندما كان يحضر للكنيسة في أيام الآحاد كنا جميعا نخجل منه ~~ونرثي لحاله، وعندما تبين له ذلك غير مكانه القديم، فكان ~~يجلس في نهاية الكنيسة مع الفقراء. # أما اللغز الوحيد في حياته فقد كان استمرار دوران أجنحة طاحونته، ~~رغم عدم إقدام أحد على إحضار غلاله إليه. ولقد كنت في المساء ~~تقابل هذا الطحان المسن وهو يسوق حماره المحمل بأكياس الغلال، ~~وكان الفلاحون يصيحون به: «مساء الخير يا معلم كورنيل! ~~الطاحونة تشتغل أليس كذلك؟» # فكان يجيبهم منشرحا: «هي شغالة دائما، فلنشكر الله فالعمل ~~كثير.» # ثم إذا تساءل أحد: من أين كان يأتي له كل هذا العمل؟ وضع الرجل ~~أصبعه على شفتيه وأجاب: «لا تنبسوا ببنت شفة، فأنا أشتغل ~~بالتصدير!» ولم يكن مسموحا لأحد بالمرة بالدخول إلى الطاحونة، ~~حتى الصغيرة فيفيت لم يكن مصرحا لها، وكان المار في الطريق لا ~~يجد الباب إلا مغلقا، والطاحونة دائرة والحمير التي بلغت من ~~السن عتيا ترعى على الرصيف، وكانت هناك قطة تنظر شذرا ~~للمارين وهي جالسة في الشمس على حافة الشباك. # لقد كان الأمر محوطا بالأسرار، حرك الألسنة بالحديث، وكان لكل ~~واحد نظرية مختلفة في سر المعلم كورنيل. أما الفكرة العامة فهي ~~أنه كان يخفي داخل طاحونته أكياسا من النقود لا ~~الدقيق. ~~... وأخيرا انكشف السر بهذه الطريقة؛ بينما كنت أعزف على صفارتي ~~للشبان عند الرقص في يوم من الأيام؛ إذ تبين لي أن ابني ~~الأكبر قد هام غراما بفيفيت، فلم أغضب؛ فإن اسم كورنيل كان ~~اسما شريفا، وفوق ذلك فقد كان مما ms11 يدخل السرور إلى قلبي أن ~~أجد هذه العصفورة الصغيرة - فيفيت - وهي تمرح في منزلي، ولكن ~~لما كانا هو وهي دائما معا؛ فقد رأيت أن أحتاط للأمر من ~~مبدئه كي تجري المياه في مجاريها في المستقبل؛ فسرت إلى ~~الطاحونة كي أتحدث مع جدها. # ويا للعجب! لكم كان يسرك أن ترى كيف استقبلني، لقد رفض أن يفتح ~~الباب، ولقد شرحت الأمر مفصلا والباب مغلق في وجهي من موضع ~~المفتاح، وفي إبان حديثي لم تنقطع القطة الملعونة عن المواء ~~فوق رأسي! # ولم يترك لي هذا الكهل فرصة أخرى كي أنتهي من حديثي، فقد خاطبني ~~بغلظة آمرا أن أرجع إلى صفارتي، وإذا كنت أريد أن أزوج ابني ~~فأولى أن أبحث عن فتاة في معمل من المعامل! # ويمكنك أن تتصور كيف صعد الدم إلى رأسي عندما سمعت هذه الكلمات، ~~ومع ذلك قد هدأت ثائرتي، ورجعت تاركا هذا الأبله في طاحونته؛ ~~كي أقص على الطفلين قصة فشلي. # ولقد كان من الصعب عليهما أن يصدقا. ولقد توسلا إلي أن أرجع ~~معهما إلى الطاحونة كي نتحدث إلى الجد، ولكني رفضت. وما أسرع ~~أن رأيتهما وقد ذهبا بلا ثالث. # وعندما وصلا وجدا المعلم كورنيل قد خرج وأغلق الباب، ولكنه ترك ~~سلمه الخشبي في الخارج، وخطرت الفكرة في بالهما فجأة أن يصعدا ~~ويدخلا عن طريق النافذة ليعرفا حقيقة ما كان داخل هذه الطاحونة ~~المشهورة! # وياللغرابة! لقد كان المخزن خاليا، لم تكن هناك حبة واحدة، لم يكن ~~هناك أثر للدقيق حتى على الحائط، لم تكن هناك تلك الرائحة ~~الجميلة، رائحة الدقيق المطحون، التي تغشى عادة كل طاحونة. كان ~~داخل الآلة فارغا مغطى بأكوام التراب، والقطة الكبيرة نائمة ~~عليها. أما الغرف السفلى فقد كانت على نفس هذا الحال الغريب، ~~فراش مكسر، بضع خرق بالية، وبضع كسرات من الخبز ملقاة على ~~السلم، وفي ركن من الأركان ثلاث أو أربع أكياس ممزقة، وقد تفجر ~~منها الملاط والطباشير! وكان هذا هو سر المعلم كورنيل، هذه هي ~~«البضاعة» التي كان يحملها في المساء بين الوديان كي ms12 ينقذ شرف ~~طاحونته، ويجعل الناس يصدقون أنها غلال! مسكينة أيتها الطاحونة ~~القديمة! مسكين أي كورنيل الكهل! لقد كانت الطواحين الجديدة ~~التي تدار بالآلات سببا في إبدال عادات، نعم كانت شراع طاحونة ~~كورنيل دائرة إلا أن الطاحونة كانت فارغة. # ورجع الصغيران والدموع تجول في مآقيهما، وقصا علي ما رأياه، ~~وكم تأثر قلبي بما قصاه، ولم أضيع دقيقة واحدة في الذهاب ~~إلى الجيران، وأخبرتهم جلية الأمر في كلمات قليلة، واتفقنا ~~جميعا على أنه يجب إرسال كل الغلال الموجودة بالقرية إلى ~~طاحونة المعلم كورنيل، وكان التنفيذ سريعا كالاتفاق؛ فقد ~~خرجت القرية كلها، ووصلنا كلنا بموكب حافل مع الحمير المحملة ~~بالغلال، غلال حقيقية هذه المرة. # وكان باب الطاحونة مفتوحا على مصراعيه، وفي الخارج جلس المعلم ~~كورنيل على كيس من الملاط وهو يبكي برأسه بين كفيه؛ فقد عرف ~~عند رجوعه أن هناك أحدا قد دخل الطاحونة واكتشف سره، وكان ~~يبكي: «ويل لي! لم يبق لي إلا أن أموت، لقد ذهب شرف ~~الطاحونة!» # وكان يشهق بالبكاء وينادي طاحونته بأرق الأسماء وألطفها، كأنها ~~كانت كائنا حيا. وعندما وصلنا إلى الرصيف بدأنا نناديه ~~جميعا نداءات الأيام الخالية السعيدة: «هنا أيها الطحان ... هنا ~~يا معلم كورنيل.» وتكومت الأكياس أمام الباب، وبدأت الحبات ~~الصغيرة تتدحرج على الأرض في كل ناحية. # وقد حدق المعلم كورنيل فيها بعينيه، ثم لم يلبث أن وضع يده في كيس ~~من الأكياس وأخرجها ملآنة، ثم نظر فيها وقال ضاحكا وصائحا: ~~«غلال ويح نفسي! غلال طيبة! دعوني أتزود منها بنظرة!» ثم التفت ~~إلينا وقال: «كنت أعلم أنكم سترجعون إلي، إن هؤلاء الأجانب ~~ليسوا إلا لصوصا.» ولقد كنا نريد أن نحمله كالفائز المنتصر ~~ونمر به في القرية. ~~- «لا، لا، يا أصدقائي، يجب علي أولا أن أغذي الطاحونة ... فكروا، ~~منذ عصور وعصور لم تضع شيئا بين أسنانها.» # وقد كادت عبراتنا تجري ونحن نرى هذا الكهل المسكين وهو يجري هنا ~~وهناك مفرغا الأكياس وملاحظا الطاحونة وهي تطحن الغلال، ~~والدقيق وهو نازل منها إلى ناحية الحائط. # ويجب أن تذكر لنا هذه ms13 الحسنة، فمنذ ذلك اليوم لم نترك الطحان ~~الكهل بلا عمل. # ولكن أخيرا، توفي المعلم كورنيل في صباح يوم من الأيام، ووقفت ~~شراع آخر طاحونة بقيت لنا عن الدوران ... وإلى الأبد هذه ~~المرة. # مات المعلم كورنيل، ولم يتقدم أحد ليحل محله. # نعم، نعم، لكل شيء في هذه الحياة نهاية، وأحسب أن يوم طواحين ~~الهواء قد انتهى كما انتهى زمن قوارب الركاب على الرون، وأيام ~~الجمعيات الوطنية في فرنسا. # عن «ألفونس دوديه‏»‏ # | وفاة ولي العهد # ولي العهد الصغير مريض، ولي العهد الصغير على شفا الموت، في كل ~~كنائس المملكة تلقى الصلوات والشموع الطويلة تحترق على أمل أن ~~يشفى الطفل الملكي، في شوارع العاصمة القديمة حزن وسكون، ولا ~~يسمع قرع للأجراس. أما العربات فتسير ببطء متمهلة، وحول ~~القصر اجتمعت الجماهير ترقب ما يجري باهتمام خلال القضبان، أما ~~حراس الأبواب بملابسهم الذهبية الرسمية فقد اجتمعوا في ~~الردهات يتكلمون باهتمام. # إن القصر كله في قلق، فالوصيفات ومديرو القصر يسارعون هنا وهناك ~~على الأدراج الرخامية، أما الأروقة فمملوءة بالخدم والحجاب ~~بملابسهم الحريرية وهم ينتقلون من جماعة إلى جماعة لكي ~~يتسمعوا الأخبار الأخيرة بأصوات ضعيفة. أما على السطح الواسع ~~فإن حاجبات الشرف ينحنين لبعضهن في التحية وهن يجففن أعينهن ~~بمناديلهن المزخرفة الجميلة. # وعند حديقة البرتقال مجمع مزدحم من الأطباء، ومربي ولي العهد ونائب ~~الملك يروحان جيئة وذهابا خارج باب الحديقة في انتظار قرار ~~المجمع، ويمر من أمامهما الخدم بدون أن يحيوهما. أما نائب ~~الملك فهو يقسم ويجدف بالله كالكفرة، والمربي فهو يتلو شيئا ~~من «هوراس»، وفي كل آونة تأتي من ناحية الإسطبلات صهلة عالية، ~~هذا حصان ولي العهد الكستنائي وقد نسيه الخدم، فهو يشكو بغضب ~~عندما يواجه مذوده الفارغ. # والملك؟! أين جلالة الملك؟ لقد أغلق الملك غرفته على نفسه منفردا ~~في الجانب الآخر من القصر، إن الملكية تأبى أن يراها أحد وهي ~~تبكي! أما الملكة فشأنها شأن آخر؛ فهي جالسة بجانب سرير ولي ~~العهد، ووجهها مندي بالدموع، وهي تشهق بالبكاء بصوت عال قبل ~~أي شخص آخر، وما ms14 كان أشبهها حينئذ بزوجة تاجر أقمشة بسيط! وفي ~~وسط سريره المغطى بالشرائط، يجلس ولي العهد بوجه أبيض من فرش ~~سريره ووساداته، وبعينيه المغلقتين، وهم يظنون أنه نائم، ولكن ~~لا إن ولي العهد الصغير ليس بنائم، فهو يدير رأسه إلى ناحية ~~أمه، وعندما يراها باكية يقول لها: لماذا تبكين جلالتك؟ هل ~~تظنين حقا أنني سأموت؟ # تحاول الملكة الكلام، غير أن شهقاتها تمنعها. ~~- لا تصرخي يا صاحبة الجلالة، إنك تنسين أنني ولي العهد، وأن ولي ~~العهد لن يموت هكذا! # أما شهقات الملكة فيزداد صوتها في الارتفاع، حتى إن الرعب يبدأ يدب ~~في قلب ولي العهد وهو يقول: لا أريد أن يأتي الموت ويأخذني، ~~وأنا أعرف كيف أمنعه من الدخول إلى هنا. # مروهم أن يرسلوا إلي في الحال أربعين من طوال الفرسان لكي يتولوا ~~الحراسة هنا حول سريري، وليستعدوا بمائة مدفع عظيم، ليل نهار، ~~بنار متأججة تحت شبابيكي. # وبعدئذ إذا أتى الموت فليأت مخاطرا بنفسه! # ولكي تسكن الطفل الملكي، تشير الملكة، وفي الحال، كان يمكن للإنسان ~~أن يسمع المدافع العظيمة وهي تتدحرج في الردهة، وأن يرى أربعين ~~من طوال الفرسان وقد احتملوا رماحهم الطويلة، أحاطوا ~~بالغرفة. # وقد عرف ولي العهد أحدهم فهو يناديه: «لورين ... لورين.» # ويتقدم الجندي المسن خطوة نحو السرير: «إني أحبك يا عجوزي لورين، ~~أرني سيفك الطويل، إذا حاول الموت أن يأخذني فستقتله، أليس ~~كذلك؟» ويجيب لورين: «نعم يا أميري.» وتنحدر دمعتان كبيرتان ~~على خده المجعد. # وفي هذه اللحظة يتقدم القس إلى ولي العهد، ويحدثه مدة طويلة بصوت ~~منخفض مظهرا له الصليب، ويصغي إليه الطفل ولي العهد بنظرة ~~عجب، ثم يقاطعه فجأة: «إني أفهم ما تقول يا سيدي الأب، ولكن ~~ألا يمكن أن يموت صديقي بيبو بدلا مني إذا أعطي ~~نقودا؟!» # ولكن القس يستمر في حديثه بصوت منخفض، ويزداد الطفل ولي العهد ~~استغرابا، وإذا انتهى القس يقول ولي العهد بأنة عميقة: «إن ~~كل ما ذكرته لي محزن جدا يا سيدي الأب، ولكن شيئا واحدا ~~يعزيني، وهو أن هناك في جنة النعيم ms15 سأظل ولي عهد أيضا ... إني ~~أعلم أن الله ابن عمي، ولن يغفل أن يعاملني حسب مركزي!» # ثم يضيف ملتفتا إلى والدته: «أريد أن يستحضروا لي أجمل ملابسي، ~~أريد سترتي البيضاء المزينة بالفرو، وحذائي المصنوع من المخمل، ~~أريد أن أتأنق لأجل الملائكة ولكي أدخل الجنة لابسا اللباس ~~اللائق بولي العهد!» # وينحني القس للمرة الثالثة على الطفل ولي العهد ويحدثه بصوت منخفض، ~~وعندما يستمر في الحديث يقاطعه الطفل الملكي معارضا: «ولكن في ~~هذه الحالة ما هي الفائدة من أن يكون الإنسان ولي عهد؟» # وبلا رغبة في استماع كلمة أزيد من ذلك يدير ولي العهد الصغير رأسه ~~إلى ناحية الحائط ويبكي بمرارة! # عن «ألفونس دوديه‏»‏ # | الفراشة الراقصة # ابتدأت الأوركسترا في العزف، ثم ارتفع ستار المسرح بحركة لطيفة، ~~وظهر قوام صغير ابتدأ في الرقص. وقد التفتت إحدى المتفرجات إلى ~~رفيقها وهمست في أذنه: «الفراشة الراقصة!» وجلس أحد النظارة ~~أمام المسرح تماما، وقد اصفر وجهه لما دارت في خلده فكرة ~~الهرب مع هذه الغادة في يخت كان ينتظرهما، وابتدأت حماسة الرقص ~~على المسرح؛ إذ خاصر «رامون سانشيه» روزا «الفراشة ~~الراقصة». # أخذ الرقص طريقه، فكان حينا يسرع وحينا يبطئ، وأخيرا ... ألقت ~~روزا بنفسها بين ذراعي مخاصرها مستقبلة الخنجر الذي طعنها به ~~فأنهى الرقص! # وهنا ... في تلك اللحظة وضع شفتيه عند أذنها وقال: موتي! أي زهرة ~~الإسبان اليانعة، لقد رددتك لله. # وقد أصغت الفراشة لتلك الكلمات، ثم ردت قائلة: الوداع يا رامون ... ~~إني أموت ... # وهنا سقطت على الأرض والدم يتفجر من جرحها، وقام المتفرجون وهم ~~يصيحون ... أما الشاب الذي كان جالسا أمام المسرح تماما فقد ~~وضع رأسه بين يديه وأخذ يبكي كالأطفال. ~~••• # كان رامون سانشيه طويل القامة، نحيف الجسم، أسمر الوجه، وكان أنبغ ~~راقص في إسبانيا. # أما رفيقته - الفراشة الراقصة - فكانت تختلف عنه؛ إذ كانت صغيرة ~~القد، ضحوكة، باسمة الثغر، زرقاء العينين، ونظرة واحدة إليهما ~~وهما يرقصان تكفي أن تعيد إلى ذهنك المعنى الشعري للحركة، ~~وتجعلك ترى شيئا جميلا يملك عليك عواطفك فتنتبه إليه بكل ~~حواسك. # وقد ms16 راجت الإشاعات عن علاقاتهما، على أن الأمر كان أبسط مما تقول ~~الناس، ولكنه غريب على كل حال ؛ فقد سرق رامون سانشيه الفراشة ~~الراقصة من الله - وكان يعترف بذلك - إلا أنه كان يقول إنه ~~سيرجعها لله ثانية يوما ما، وكان يؤكد أنه وعد بذلك، وأنه لن ~~يخلف الوعد. # وجدها في حديقة دير، بينما كان يسيح منفردا في إسبانيا، وكانت ~~ترقص بين الأزهار، وقد سقط ضوء الشمس على وجهها فأكسبه جمالا ~~وجلالا، ولاحظ رقصها بضع دقائق، ثم قفز من الحاجز الذي كان ~~يفصله عنها، وذهب إليها فصرخت من دهشتها؛ إذ وجدت يدين قد ~~التفتا حول خصرها، ونظرت بذهول نحو الطارق المفاجئ، فقال لها: ~~«انظري يا «سنيوريتا».» وابتدأ يرقص أمامها رقصا لم يرقصه ~~أمام الملوك، وكانت الفتاة تلاحظه وعلى فمها ابتسامة إعجاب، ~~ولما انتهى قالت له: الحق يا «سنيور» إن هذا النوع من الرقص هو ~~الحياة بعينها. # فقال لها بهدوء: تعالي معي؛ فنرقص سويا في العالم الواسع؛ فإنك ~~قد خلقت لهذا. # فذهبت معه والفرح يملأ قلبها وعلى فمها ابتسامة، وقد ساعدها على ~~القفز فوق الحاجز، ثم ركبت معه على جواده، وقالت له في الطريق: ~~آه يا «سنيور» إني قضيت كل حياتي في الدير، وكم كنت أتمنى أن ~~أخرج منه، فإذا كنت مكثت فيه سنة أخرى لأصبحت راهبة، ولكان ~~السيف قد سبق العذل! # فقال رامون باستغراب: راهبة؟ # فقالت له ضاحكة: نعم راهبة، وأنا لا أريد أن أكون راهبة، وإنه لمن ~~المحزن أن أكون راهبة، وأنا لم أخلق لأحزن، كما أني لا أحب ~~الحزن! # ولكن رامون كان منشغلا بأفكاره عن مزاحها؛ فقد عرف أنه سرقها من ~~الله، ولا ريب أن الله يغضب لسرقة هذه الفتاة الجميلة، ذات ~~العينين الزرقاوين، وقد غلى دمه في عروقه؛ إذ فكر في غضب ~~الله، وفي تلك اللحظة نطق رامون بوعده لله: ~~«يا ذا الرحمة، لقد استعرت ابنتك الصغيرة، إن ~~الدنيا لفي حاجة إلى الجمال والسرور، وهي جميلة، ~~ولكن سأرجعها إليك في يوم من الأيام، أنا «رامون ~~سانشيه» أعد بذلك مقسما ms17 بدم والدتي.» # نطق بهذا الوعد مرة ثانية وهما في الطريق لما عقد عليهما الكاهن، ~~وهكذا صارت «الفراشة الراقصة» شريكة حياة «رامون سانشيه» ~~الراقص الإسباني الكبير. # وتجولا من مملكة إلى أخرى يرقصان معا في سبيل الشهرة، وأخيرا ~~رجعا إلى بلدهما، وكان رامون يراقب الفراشة باهتمام غريب، ~~ويرجع هذا إلى حبه وإلى وعده، فكانت هي لا تتحمل أعباء ~~المسئولية عن نفسها، وكانت ميالة إلى المخاطرة تعتبرها ضربا ~~من ضروب التسلية، وكانت مغرمة بالجواهر والأحجار الكريمة، ~~ولكم كانت تحب أن تشارك الجمهور المزدحم الذي ينتظرها على ~~باب المسرح كل ليلة في سروره ومزاحه، إلا أن رامون لم يسمح ~~لها بذلك. # وحدث مرة أن رأى دبوسا ماسيا على صدرها، فهجم عليها وانتزعه ~~منها بقوة، وقال لها محذرا: هذه الأشياء ليست لك يا روزا، ~~فإنها تهدى ليطالب بثمنها، وهو شبابك وابتساماتك. # فقالت له بحزن عميق: أوليس لي شباب وابتسام يا رامون؟ # ذعر عندما أجابته بذلك، فهل استعارها من الله لذلك الغرض؟ وإذا ~~استمر الحال على هذا، فهل يتمكن من إرجاعها؟ وهل يتقبلها ~~الإله ثانية إذا هي فعلت ذلك؟ # وفي المرة الثانية، وجدها تقبل هدية ثمينة من الحلي، فضربها ضربا ~~مبرحا بسوطه، وأخيرا زحفت إلى رجليه، ومسحت خديها على حذائه؛ ~~دليلا على الخضوع والطاعة، فرفعها بين يديه وقبلها وقال ~~لها: إني أؤلم جسدك لأصلح نفسك، فقالت له: كنت أود ألا يكون من ~~الضروري أن تصلح نفسي لهذه الدرجة، فقد أكون مستريحة يا ~~رامون! # وهنا وضح لها لأول مرة، لماذا يجب أن تكون نفسها نقية إلى هذه ~~الدرجة، فقالت: عندما أكبر في السن يجب أن أرجع، وأذهب بعيدا ~~عن هذا العالم المضيء، الذي أحببته هذا الحب، حيث يقص شعري ~~وألبس السواد، ولا آكل إلا العيش القفار، ولا أشرب غير ~~الماء، آه يا رامون ما أقساك! فقال لها: لقد وعدت بذلك يا ~~روزا. # فسكتت خيفة سوطه، إلا أن الزوبعة ثارت في قلبها، وقد بدأت تعرف ~~الحقيقة من ذلك الوقت، فكانت تحذر رامون وتراقبه خيفة أن يغدر ~~بها إذا ms18 لاحظ منها شيئا، وقد انصهر ذلك الحب الذي كانت تبادله ~~إياه لما عرفت حقيقة أغراضه وأصبحت الرابطة الوحيدة بينهما هي ~~رابطة الرقص. # ومر الزمن وكانت شهرتهما آخذة في الانتشار، وكانت روزا تطلب من ~~الله أن يخلصها من رامون، فكان يظهر أثر ذلك في عينيها ~~الزرقاوين. أما في عيني رامون السوداوين فكان يظهر الإصرار ~~على تنفيذ ما وعد به، ولما كانت روزا صغيرة أجيبت ~~صلاتها. # كان «فرنون سيلي» شابا جميلا، وكان يذهب كل ليلة إلى المسرح ~~ويجلس في نفس المحل الذي تعود أن يجلس فيه، يأمل نظرة من ~~«الفراشة»، وكان يرسل إليها كل ليلة باقة من الزهر الأحمر، ~~وفي داخلها كلمة صغيرة، فكانت روزا تتقبلها منه ~~بالشكر. # وكانت تخفي الورقة داخل ثوبها قبل أن تقدم لرامون الورد، وبالرغم ~~من عناية رامون بمراقبتها، تمكنت من مقابلة «فرنون»، وتمكنت ~~من التحدث إليه والجلوس معه مدة طويلة، حتى تجاسرت يوما، ~~وطلبت منه أن يأخذها بعيدا عن رامون، قائلة: لقد سرقني هو ~~فاسرقني أنت الآن! # وقد أخبرته بفرارها من حديقة الدير، ولم تخبره بزواجها من رامون، ~~وأخيرا وافقها فرنون على الفرار مدفوعا بنزق الشباب، ~~فقالت: ولكن يجب أن تأخذني بعيدا عن رامون، رامون ~~القاسي. # وحددا ليلة الهرب، وعينا لها ميعادا بعد انتهاء العمل تلك ~~الليلة، وكان على روزا في تلك الليلة أن تلبس رداء فوق رداء ~~الرقص وتذهب توا إلى سيارة تنتظرها خارج المسرح فتركبها، غير ~~أنها سألته: وهل يجب أن أترك جواهري الثمينة؟ آه، جواهري ~~وردائي الذهبي ...! # فأجابها: سأشتري لك غيرها، فأنا لا أرتاح إلى نظرات ذلك الرجل، ~~وآمن لنا أن نتركها؛ فإنه خطر، فردت روزا قائلة: ولكنه سهل ~~الانخداع؛ فهو غبي! # وقد ابتدأت فعلا تهرب جواهرها الثمينة إلى المنزل الذي كانت ~~تقابل فيه فرنون، وتجاسرت يوما أن تصرح أمام رامون قائلة: هل ~~تظن أني أرجع للدير يوما ما؟ كلا ... # ولكنها تذكرت فجأة فرقعة سوطه فسكتت، واستدركت قائلة: إني في حالة ~~رديئة اليوم، فاعذرني يا رامون. # وابتدأت ترقص؛ لعلمها أن الرقص يوقف تيار أفكاره ms19 السوداء، ولكنه ~~قال: كان يجب علي أن أرسلك قبل الآن، يظهر أني تأخرت روزا، ~~أين الرداء الذهبي ؟ وكانت تتوقع هذا السؤال قبل تلك اللحظة، ~~فأجابت: لقد أرسلته لينظف. ~~- وأين عقد الجواهر؟ أجابت: قطع خيطه فأرسلته ليصنع له خيط ~~جديد. # فسكت. وفي تلك الليلة لما وصل إلى المسرح وكانت روزا قد سبقته، ~~أوقفه خادم الباب وكان إسبانيا، وقال له: إني آسف «يا سنيور» ~~رامون؛ لأن «السنيورا» ستفارقنا؛ فقد أرسلت كل أشيائها، وا ~~أسفاه كم كانت لطيفة شفوقة ... # ذهل رامون من هذا الخبر، ورجع إلى غرفة روزا، وبحث ونقب؛ فوجد أن ~~رداءها الذهبي وعقد اللآلئ، وكل الأشياء الثمينة الأخرى التي ~~أهداها إياها مفقودة، فكظم غيظه وحنقه، ولما رجع قال لخادم ~~الباب: نعم يا بدرو، ستتركنا «السنيورا». # وأسرع فرأى روزا تنتظره بفروغ صبر، فقال لها: إنك نافذة الصبر هذه ~~الليلة يا روزا، فالتفتت إليه برعب، ورأت تغيرا في لهجته ~~وشكله، فقالت: لقد تأخرنا ... # ثم ذكرت أنها ستكون بعد مدة وجيزة حرة من رامون وسوطه، فترى أشياء ~~تمنت رؤيتها من زمان بعيد بعيد، وتصورت نفسها في اليخت إلى ~~جانب «فرنون». # ولم يتكلم رامون كثيرا في تلك الليلة، ثم صدحت الموسيقى معلنة ~~ابتداء رقصهما، والآن وقد قربت ساعة الفرار شعرت بالخوف يدب ~~في قلبها لسبب خفي، وكادت تقع في أول الرقص، ولم يتقدم رامون ~~لمساعدتها، بل كانت عيناه تحدقان في الفضاء، لكم كان هذا ~~الموقف مخالفا لموقفهما في أيامهما الأولى قبل أن يصمم رامون ~~نهائيا على منعها عن العالم! مسكين رامون؛ ربما حزن لفقدها، ~~وربما حزنت هى الأخرى لفقده - ولو قليلا - ولن يمكن لأي إنسان ~~أن يرقص معها مثل رقص رامون، وسيحزن «بدرو» خادم الباب المسن ~~لفقدها، فيجب أن ترسل له هدية؛ كل هذه الخواطر كانت تدور في ~~مخيلتها في تلك الساعة. وهنالك في «اللوج» أمامها كان «فرنون» ~~جالسا، وستذهب إليه سريعا فترتمي بين ذراعيه، بلا معطف يخفي ~~رداءها الأحمر. # وأرادت أن تخفي اضطرابها؛ إذ ميزت خطأها لما رأت هدوء رامون، ولكن ~~إذا كان رامون ms20 قد عرف فهل يكون في مثل هذا الهدوء؟ ثم وجدت ~~رامون يتبعها بنظرات كلها سخرية؛ فارتعبت لما رأت نظرته، فقد ~~كانت نظرة قاسية سوداء، وأخيرا ... شكرت الله إذ سمعت التحويل ~~الموسيقي الذي كان ينبئ بانتهاء الرقص؛ ستكون السيارة معدة عند ~~باب المسرح، واليخت عند الميناء. ~~••• # وعند انتهاء الرقص سمحت لرامون أن يمسكها؛ فطعنها بالخنجر بدلا من ~~أن يتم الرقص. # وفي تلك اللحظة - بينما هي تستودع الحياة - تقابلت عيناهما؛ فأيقنت ~~أنه عرف كل شيء! إذن فلم يكن لها ذلك اليخت المنتظر في ~~الميناء! ولم يكن لها ذلك الشاب المنتظر الذي يريد أن يتمتع ~~بالحياة والحب! لم يصبح لها الرداء الذهبي أو عقد اللآلئ! هذه ~~هي النهاية التي رأتها في عيني رامون التي كانت تحدق فيهما؛ ~~فاهت بأنين. ~~- رامون! # فقال لها بصوت يفيض عطفا وحنانا: موتي، أي زهرة الإسبان اليانعة، ~~لقد رددتك لله! # تأوهت لما سمعت لهجته التي لم تكن تعهدها؛ بكت ثم بكت، وكان المنظر ~~محزنا، فقد قتل رامون كل ما يحبه في الحياة، قالت: الوداع يا ~~رامون؛ إني أموت. # ثم سقطت على الأرض والدماء تتفجر من جرحها البالغ؛ فقام الحاضرون ~~يصرخون ويصخبون، وقد صبغ وجه الفراشة الراقصة ~~بالدماء. # وهناك جلس فرنون سيلي في «لوجه»، وقد وضع وجهه بين يديه يبكي ~~كالأطفال! # عن «جون ميتشل‏»‏ # | وجوم ... # «جنيس بلابت» فتاة شقراء جميلة، جمعت كل شروط الجمال، ولم يكن ~~ينقصها شيء من مستلزماته، ومع ذلك كانت تعترف أنها ليست جميلة ~~للحد الذي يلزم «رالف كنج» أن يمكث معها ولا يفارقها أبدا، ~~ورالف أحد أصحاب الملايين في نيويورك، وقد تعرف بها حديثا، ~~فأعلن لها أنها أجمل فتاة رآها للآن، ودعاها لأن تترك مسكنها ~~في نيويورك وترحل معه إلى الجنوب، وكم كانت الحياة جميلة في ~~«فيلا فلاوريدا» حيث سكنا! وقد طابت لها الحياة هناك وشعرت ~~بالسعادة. # ثم لم يلبث بعد زمن قصير أن أخبرها بعبارة جافة مقتضبة أنه قد أودع ~~لها في المصرف ما يكاد يكفيها من المال للرجوع إلى نيويورك، ~~وقد فهمت من عبارته ms21 المختصرة أنه في حالة عصبية وغير مستريح ~~البال. ثم رأته وهو داخل إلى الحديقة، وتبينت على جبهته ~~المقطبة صورة لحالته الفكرية، وعرفت أنه رغما عما قاله لها لا ~~يزال منزعجا، بل إن انزعاجه الحقيقي يفوق الظاهر على وجهه، ~~ولما لم تكن جنيس ماهرة لتحتال عليه حتى تعرف سبب انزعاجه أو ~~لتجعله لا يفلت من يدها، بل وفوق ذلك كادت تفقد ثقتها في ~~جمالها الجذاب، بدأت تتودد إليه ثانية: «لا تدعنا نفترق يا ~~حبيبي، ربما كنت تعبا وتحتاج إلى تغيير الهواء. اذهب في رحلة ~~قصيرة وأنا أنتظرك هنا، ولكن لا تطردني، لا تتركني يا حبيبي، ~~إني أموت ...!» ~~... ثم ألقت بذراعيها حول رأسه ولامس خدها خده، أما فمها فقد طبع على ~~فمه قبلة طويلة، ومال جسمها على جسمه! أما هو فقد تحول عنها ~~بقسوة وابتعد عنها، وقال: «لقد انتهى شأني معك، ألا تفهمين ~~كلامي؟ لم نتزوج من بعض، لم تكن بيننا تلك العبارة السخيفة: ~~«لا فراق بيننا إلى الموت» لقد أخذت فرصتك بعد أن أتيت إلى هنا ~~بمحض رغبتك. # جنيس! أولى بك أن تتركيني بسكون، وفي المصرف أجرة رجوعك إلى ~~نيويورك وفوقها مائتا جنيه.» وقد أصغت جنيس إلى حديثه ولهجة ~~الاستهزاء التي كان يتحدث بها، وقد برزت أسنانها وضغطت على ~~شفتيها من الغيظ، وتهورت هي أيضا ثم قالت: «إنك لم تسأم مني ~~بعد! إنه شخص آخر قد ملك عليك حواسك، إنها امرأة أخرى.» فهز ~~كتفيه وقال: «لقد ذكرت الصدق، إنك مصيبة، هي امرأة ~~أخرى.» # فصاحت جنيس: «سأجد هذه المرأة وسأحذرها، سأذكر لها أن فتنتك لا ~~تدوم إلا ليلة واحدة، سأحذرها أن لا تثبت آمالها ~~ومشاريعها.» # ابتسم رالف ابتسامة ألم وقال: «إنها لا تحتاج إلى رسالتك، إنها ~~تعرف عني أكثر منك ...! إذا لم يكن قد قدر لي أن أتشاجر معها، ~~وإذا لم أكن حزينا وقت أن رأيتك للمرة الأولى فإني أشك يا ~~جنيس إذا كنت لاحظت شيئا من جمالك.» # وقد تأثرت جنيس من لهجة الهزء التي كان يتحدث بها، واشتعلت نيران ~~الغضب في ms22 قلبها، وقد شعرت بالإهانة حينما عرفت أنها لم تكن ~~إلا ألعوبة لمدة قصيرة، وأنه لم يمكث معها إلا تسلية لنفسه ~~ريثما يزول الغضب الذي كان يشعر به نحو المرأة التي يحبها ~~حقيقة؛ فصاحت به وصوتها يرتجف: «ستدفع الثمن غاليا! سأعرف هذه المرأة، وسيكون لي شأن معها، ~~سأتسبب في ضررها بأي طريق ... سأفعل.» # فرد رالف: «يجب أن تعرفي من هي أولا، وعلى كل حال فلن يزعجها ما ~~ستذكرين لها، فهي تعلم أني لست من الأنبياء.» وقد دلها هز ~~كتفيه على مقدار ما يعلقه من الأهمية على تهديدها بالانتقام، ~~وشعرت أنها قد ضاقت ذرعا بغضبها هذا، وبدأت عاطفة الشر ~~والجريمة تتحرك في داخلها، ولكنها سكتت مؤقتا، وقد عرفت ~~أنها قد غلبت على أمرها، وأنها لا يمكنها أن ترد على لسانه ~~الحاد، ذلك الذي كان حبيبها من وقت قصير، وحتى بعد أن هدأ ~~غضبها الحاد، بقي الشعور بوجوب الانتقام، وشعور بوجوب الأذى، ~~أذى لهذه المرأة التي أخذت منها رالف، والتي عرفت أنها تقف ~~حائلا بينهما. # وأخذ رالف قبعته من فوق المائدة ووضعها على رأسه، وكان مظهره ~~واعتناؤه بملابسه ووجهه الجميل دلائل على أنه كان أصغر من سنه ~~الحقيقي. لقد كانت تشعر بالفخر في أوائل أيامها عندما كان في ~~صحبتها. # وقبل أن يخرج من الغرفة التفت نحوها وقد انبسطت أسارير وجهه ~~وابتسم، فقد خشي عاقبة غضبها، ولكنه عاد فقطب جبينه عندما ~~رأى أنها تجاهلت يده التي مدها إليها ليصافحها، وقال بخشونة: ~~«إني آسف لأنه لا يمكنك أن تكوني مسامحة حتى نحو أصدقائك!» ~~وخرج غاضبا بعد أن أغلق الباب بشدة. # سارت جنيس إلى الشباك، ووقفت بلا حراك تتبعه بنظراتها، ثم انفرجت ~~شفتاها عن ابتسامة حزن وألم، لم تفكر في البكاء؛ فهي لم تدعي ~~يوما ما أنها كانت تحبه، وقد ائتمرت حسب إرادته وأتت إلى ~~الجنوب كما طلب منها، بعد أن حذرتها الفتيات الأخريات، وطلبن ~~منها أن تبتعد عن رالف كنج؛ فكل مرتاد لبرودواي يعرف الشيء ~~الكثير عن تقلبه وخلقه، أما جنيس فقد ضحكت منهن ومن ms23 حديثهن، ~~واستولى عليها شعور أنها ستكون هي التي يمكنها أن تملك رالف ~~إلى الأبد، ولكنها فشلت في محاولتها، وسقطت كالأخريات اللاتي ~~لا عدد لهن، وألقى بها بعيدا كلعبة صغيرة رماها الطفل الذي ~~كان يلعب بها بعد أن سئم منها، ولم تنجح إلا المرأة الأخرى، ~~المرأة التي امتلكته من قبل، والتي سيرجع إليها الآن، هذه هي ~~الفائزة رغم سقوط جنيس والأخريات. # وكانت كل دقيقة تمضي الآن تزيد في كراهية جنيس لتلك المرأة، ~~وتناوبتها رغبات مختلفة؛ أن تشد شعر هذه المرأة وتخدش وجهها ~~وتشوه جمالها، وأن تؤذيها بكل وسائل الأذى. # نظرت جنيس إلى المياه الزرقاء التي كانت تمتد أمام ناظرها، لم تكن ~~ترغب أن تترك المكان، فقد كانت مستريحة فيه، شعرت بارتياح وهي ~~ترى أغصان النخيل وهي تهتز والأزهار وهي متفتحة الأكمام، وترى ~~جمال الطبيعة ممثلا حولها، ولكنها الآن مضطرة أن تقفل راجعة ~~إلى نيويورك بسبب هذه المرأة المجهولة المكروهة، وليس هناك إلا ~~مبلغ صغير من المال مودع باسمها في المصرف، وفي نيويورك يجب أن ~~تبحث عن عمل جديد قبل أن ينفد المال كله من يدها، وعندما بدأت ~~الشمس في الغروب وصبغت البقعة بلون أحمر، لم تكن حرارتها ~~لتوازي حرارة نيران الحقد التي كانت تلتهب في قلب الفتاة التي ~~هزأ منها رالف كنج. # وتمشت ببطء في الغرف التي تكون منزلها المؤقت، الذي نعمت فيه ~~بالحياة هنيهة من الزمن، وقد خالجها أسف وحزن وخوف لمبارحتها ~~إياه؛ فهي تريد أن تمتع فيه إلى الأبد؛ ففيه ترى ضوء الشمس ~~وتشعر بحرارتها وترى الأزهار، أما في نيويورك فماذا ترى سوى ~~الجليد والجو الممطر؟ # وقد مكثت إلى منتصف الليل على أمل أن يغير رالف رأيه، ولما لم يفعل ~~أمرت وصيفتها أن تعد الحقائب وعزمت على أن تبرح المنزل في ~~الصباح التالي. ~~••• # وفي نيويورك لم تجد ترحيبا من أحد، وحدث ما كانت تخشى؛ إذ حلت ~~فتاة أخرى محلها في المسرح الذي كانت تشتغل فيه، ولم تكن ~~لمديره رغبة في مساعدتها؛ لأنها كانت قد تركته فجأة في أحرج ~~الأوقات، ms24 فكانت تعاني فوق ذلك هزء الفتيات بها ونكاتهن عليها، ~~وكلمات الشفقة والرثاء المعسولة. # فابتعدت عنهن، ولم تجهد نفسها للحصول على عمل، وحتى لما نفد المال ~~من يدها لم تشتغل، فقد كانت رغبتها في اكتشاف مقر المرأة التي ~~سلبت منها رالف كنج تفوق بكثير رغبتها في الحصول على أي عمل، ~~كانت تعرف عنوانه في نيويورك، ولكنها استبعدت هذا الخاطر من ~~فكرها؛ فإنه رغم ما كان معروفا عن سوء سلوك رالف، فقد كان له ~~مركز ممتاز في البيئات الشريفة العالية المنزلة، وذلك بالنسبة ~~لماله ولاسم أسرته القديمة، ولهذا استبعدت جنيس أن يأخذ أي ~~امرأة - حتى تلك التي كان حبها يملك عليه مشاعره - إلى منزله ~~بنيويورك. # وفي يوم من الأيام قالت لها «فون برادلي» - وهي فتاة كانت تعيش ~~معها في غرفة واحدة اقتصادا للنفقات: «يجب أن تعترفي أن رالف ~~كنج الذي رحلت معه مرة شاب جسور، فلا بد أن تكون معه الآن ~~امرأة جديدة، فمن مدة طويلة مضت كنت أرى فيها دائما الستائر ~~مسدلة على نوافذ المنزل، ولكن البارحة فقط لاحظت أن الستائر قد ~~رفعت، وأن نافذة قد فتحت، واليوم وأنا مارة في الطريق رأيت ~~امرأة - امرأة بارعة الجمال - تطل من الشباك ...» # هزت جنيس كتفيها، وتظاهرت أن الأمر لا يهمها، وأنه سواء لديها، ~~ولكن الحق أن نار الحقد بدأت تحترق بين ضلوعها، وقر قرارها ~~النهائي على أن تذهب في اليوم التالي وترى هذه المرأة الفائزة، ~~وتضربها وتهددها لتترك رالف إلى الأبد، والحق أنه كان شعور ~~شر ووحشية يقع ضرره على جنيس نفسها. # غير أنه - بعد كل هذا - لم تتحقق خططها التي دبرتها، وكانت زيارتها ~~لمنزل رالف كنج سببا في التأثير عليها ووجومها عن الانتقام، ~~وسبب ما رأته هناك جمود عاطفة الأثرة في نفسها وتلطيف ~~حدتها. # حدث أن مدخل البيت كان مفتوحا، وكان الخادم منهمكا في عمله، ~~تقدمت جنيس - وهي متحلية بملابسها الجديدة - وقرعت ~~الجرس. # وفي هذه اللحظة شعرت بازدياد ضربات قلبها، وأخيرا لما فتح الباب ~~دخلت كأنها سيدة آمرة، وسارت إلى منتصف القاعة. ms25 # وهناك وقفت وقد ارتسمت على فمها آيات التعجب؛ فإن ما رأته لم يكن ~~يخطر على بالها من قبل أن تراه، ولم تكن تتوقعه بالمرة؛ ففي ~~الغرفة التي امتلأت بضوء الشمس، وقفت امرأة أكبر سنا منها ~~بقليل وأكثر مهابة، رفعت المرأة بصرها، وكانت منهمكة في إصلاح ~~رداء، ونظرت إلى جنيس. # لم تكن المرأة جميلة فتانة ترفل في ثياب حريرية كما كانت جنيس ~~تتصورها دائما، ولكنها كانت صبوحة الوجه، بضة الجسم، ~~جذابة الملامح، ترى الطيبة والشفقة مرتسمة على وجهها. # ورفع طفل صغير ذهبي الشعر بصره عن الكتاب الذي كان مشغولا بتقليب ~~صفحاته، ونظر إلى جنيس بعينين واسعتين متسائلين. # وانزعج طفل آخر أصغر منه من دخول الطارق المفاجئ الغريب؛ فأسرع إلى ~~أمه يحتمي تحت ذراعها. # أما جنيس فقد صعقت في موقفها؛ فقد تأثرت بمظاهر هذه السعادة ~~الشاملة، والسكون المنزلي. # لم يحدث لجنيس طول حياتها مثل هذا التأثير، مر بفكرها أن هذه ~~المرأة التي امتلكت قلب رالف كنج ونجحت عن الأخريات، هذه ~~المرأة التي رجع إليها أخيرا وإلى الأبد - كما يظهر - لا بد ~~وأن تكون زوجته! # وقد كانت تظن - عندما سارت مع كنج - أنه ليس إلا ذلك الشاب ~~الخليع المستهتر المتنقل بين أحضان النساء، أما الآن فقد هدأ ~~غضبها فجأة! ولم تعد تخطر في بالها الأفكار الحقيرة السابقة، ~~وبينها خطط الانتقام. وشعرت بقلبها وقد تغير وامتلأ إخلاصا ~~ونورا! وهذه المرأة - زوجه - لا بد أنها على بينة من أمر ~~زوجها ورعونته وسقطاته، فإذا كانت تحبه وتريده - مع كل ما ~~تعرفه عنه - فهي تستحقه إذن، ذلك ما حكمت به جنيس. وكانت ~~نظرتها الصغيرة هذه - نظرتها الصغيرة إلى الحياة العائلية، إلى ~~نمط من الحياة لا تعرف عنه إلا القليل - سببا في أن تصل عواطف ~~المحبة إلى أعماق قلبها، حتى إن مقدار البغض الحاد الذي كانت ~~تشعر به نحو كنج نفسه نقص؛ فإنه لم يخل من فضيلة واحدة، على ~~الأقل هي التي جعلته يعود إلى زوجه. # لقد حضرت تحمل الكثير من كلمات السباب والغضب كي توجهها إلى المرأة ms26 ~~التي كانت تنتظر أن تجدها في مسكن رالف، أما الآن فهي مرتبكة، ~~تبحث في عقلها عن كلمات الاعتذار التي يجب أن ترد بها على ~~زوجه التي تسألها بصوت لطيف عما تطلب. # دمدمت معتذرة بحدوث خطأ، ثم أسرعت وهي تتعثر في مشيتها إلى باب ~~القاعة ومرقت منه، وقد هدأت من عواطفها الثائرة وهي تنزل ~~السلم، ومع الحزن الذي كانت تشعر به كان هناك في نفسها شعور ~~آخر بالراحة والرضاء؛ فقد ذهبت فكرة الانتقام - على الأقل - من ~~بالها بعد أن كانت تقلق عليها منامها، فيمكنها الآن أن تنصرف ~~جديا إلى البحث عن عمل. كانت واثقة من أنها ستجده على أي ~~حال؛ فمديرها القديم وتكينز كان مستعدا أن يساعدها لو أنها ~~تملقته أو لاطفته قليلا، وهي الآن بعد أن بعدت عواطف الشر ~~عن قلبها سيمكنها أن تنال عطفه. ~~••• # وإذا رجعنا إلى المنزل الذي كانت فيه جنيس من هنيهة لسمعنا أصغر ~~الطفلين ينظر إلى أمه ويقول لها: «ألم يكن منظرها مضحكا يا ~~أماه؟ أظن أنها لم تكن تنتظر أن تجدنا هنا.» # هزت المرأة الجميلة رأسها وقالت: من المؤكد لا يا عزيزي، وربما ~~كانت إحدى صديقات المستر كنج، ويظهر أن الكثيرين لم يسمعوا بعد ~~أنه أجر لنا سكنه هذا إبان غيابه في رحلته في البحر ~~الأبيض! # عن «ماري سيرز‏»‏ # | لويز # رأيت لويز لأول مرة في إحدى قرى «أريزونا» على حدود المكسيك، وكانت ~~فتاة طويلة القامة ممتلئة الجسم، سمراء اللون، جميلة الوجه. ~~كانت لويز محط أنظار زائري مسرح «جو» المسمى بالتمثال الذهبي، ~~ومع وجود لويز في ذلك الوسط إلا أنها احتفظت بعفتها ~~وطهارتها. # كانت للويز قصة، وقد عرفت ذلك من أول مرة رأيتها؛ فقد كان ظاهرا ~~عليها أنها ليست من الوسط الذي يؤم مسرح التمثال الذهبي. ~~وبالطبع لكل إنسان قصة، غير أنه كان يخيل لي دائما أن قصة ~~لويز قصة عميقة. وكنت كلما رأيتها مرة بعد مرة ازددت شوقا ~~لاستماع قصتها، وأخيرا تمكنت من ذلك في ليلة كانت إلى جانبي ~~بالمسرح، وقد شربت هي فيها أكثر ms27 من اللازم. # ويمكنك أن تقول إنه القضاء والقدر هو الذي ساق لويز إلى مسرح ~~التمثال الذهبي، فقد وجدت نفسها في ولاية أريزونا المعدنية، ~~وليس هناك من وسيلة للتعيش إلا الاشتغال في المناجم. ولما كانت ~~مضطرة أن تسعى وراء رزقها، دخلت في مسرح التمثال الذهبي حيث ~~قدم لها «جو» مركزا لائقا، وكانت لا تشرب مطلقا، وترفض كل ~~دعوة، حتى إن جو نفسه اضطر أن يحترمها، ولكنه كان مغتاظا ~~منها؛ إذ لم يكن متعودا من الفتيات الأخريات هذه المعاملة ~~الشاذة وهذا التمنع، وكان يكره هذه السخافات على حد قوله! ~~والحقيقة أنه ما كان يجرأ أن يدع لويز تفلت من بين يديه؛ إذ ~~إنها كانت عماد مسرح التمثال الذهبي. ولولا ذلك السبب لطردها ~~من زمان بعيد. تعاقبت الأيام على هذه الحالة، وكانت لويز تجد ~~في العمل حتى تحتفظ بمركزها على المسرح، وقد بدأت تقتصد من ~~مرتبها على أمل أن ترحل بعد مدة قصيرة إلى قرية أخرى أكبر من ~~هذه تبحث فيها عن عمل أشرف من عملها وتترك مسرح التمثال يهوي ~~إلى الحضيض ويفقد شهرته. # ولكن حدث أن وصلت القرية بعثة من الشبان المهندسين للبحث عن مكان ~~صالح لحفر منجم. وقد كانوا موفدين لهذا الغرض من قبل إحدى ~~الشركات، وكان العمل بسيطا في حد ذاته، ولم يكن في المدينة من ~~وسائل اللهو والتسلية وقضاء أوقات الفراغ غير مسرح التمثال ~~الذهبي. فكانوا يؤمونه يوميا، وقد كثر ترددهم عليه حين ~~رأوا لويز، وكان بينهم مهندس اسمه روبي يصحبه صديق له اسمه ~~جيمي، لم يتركا لويز لحظة واحدة من أول ليلة وقع نظرهما عليها، ~~فكانا يذهبان للمسرح كل ليلة، ولم يمض وقت طويل حتى عرف جيمي ~~بالعلاقات التي نشأت بين لويز وصديقه روبي؛ فتنحى عن طريقهما، ~~ولم يشأ أن يزاحم صديقه في غرامه، وبذلك تصرف تصرف الصديق ~~المخلص ... وازدادت العلاقات ارتباطا بين روبي ولويز ... ولكن ~~أخيرا كم كان حزنهما شديدا حين أتى وقت الفراق؛ فقد كان على ~~روبي أن يرجع إلى المدينة ليقدم تقريره عما رآه، ولكنه ms28 وعدها ~~أن سيرجع للقرية ثانية لكي يأخذها معه إلى المدينة ليتزوجها، ~~وقد سرت لويز بهذا الوعد ووثقت من صدقه؛ إذ إنها كانت على ~~يقين من حب روبي لها. # هجرت لويز «جو» ومسرح التمثال الذهبي، وذهبت عند سيدة كبيرة السن ~~رقيقة القلب، هي المس فلين، وسكنت عندها، وكانت تصرف من نقودها ~~التي اقتصدتها، وكانت تمضي وقتها في الخياطة؛ إذ إنها رأت أنه ~~يجب أن تخيط لنفسها ثوبا لا تخجل من أن يراها روبي به، وقد ~~أتمته أخيرا رغم أنه كلفها كثيرا من المال. # وكان المال ينفد من يدها شيئا فشيئا، وليس من دخل يأتيها. ومع أن ~~الأمر كان جديا لا معنى للهزل فيه، فمن قريب ينتهي المال، ~~إلا أنها كانت سعيدة جدا سعادة الأمل! وكانت في بعض الأحيان ~~تخرج من حقيبتها لباس الرقص القديم، وإذ تتأمله تضحك ضحك ~~الاستهزاء، وهي تنظر إلى المستقبل بعين مطمئنة، وقد عزمت أن ~~تحتفظ بهذا اللباس، ليس لقيمته بل لأنه كان واسطة تعرفها ~~بروبي، كانت خطاباته تصلها بانتظام. # وحدث أن انقطعت مرة واحدة في يوم من الأيام، وقد تعجبت هي من ذلك، ~~غير أنها ظنت أنه في طريقه إليها وأنه سوف يفاجئها بحضوره، وقد ~~أملت أن يكون تعليلها هذا هو الحقيقة، فقد كانت تحبه بملء ~~جوارحها، وقد طالت مدة فراقه عنها. ولأن المال كان قد قارب ~~النفاد كانت تقاسي آلاما كثيرة؛ فقد استعطفت مس فلين أن تنتظر ~~قليلا على أجرة الغرفة. وكانت مس فلين طيبة القلب فرضيت أن ~~تنتظر، إلا أن لويز كانت تعلم حق العلم أن هذه السيدة في ~~حاجة ماسة للدريهمات القليلة التي تأتيها من إيجار الغرفة. ~~واحتارت لويز: أي طريق تسلك؟ وماذا تصنع؟ وزد على ذلك أنه لم ~~تصلها أي كلمة تشجيع من روبي، ولم يرد على كل رسائلها الأخيرة، ~~وقد خافت أن يكون مريضا أو أصابه ضر ... # وحدث في يوم وهي راجعة من البوستة أن رأت جيمي، جيمي صديق روبي! ~~فما دام جيمي بالمدينة إذن فروبي بها أيضا! وها هو قد فاجأها ms29 ~~بحضوره كما ظنت أولا، ويجب أن يكون الآن في طريقه إلى غرفتها، ~~وقد كادت تلقي بنفسها بين ذراعي جيمي من سرورها، وصاحت صيحة ~~فرح، وأخيرا سكتت وأظلمت الدنيا في عينيها، وشعرت أنها ستسقط ~~على الأرض، عندما أخبرها جيمي: «أن روبي ليس في المدينة، وأنه ~~لا ينوي الحضور بتاتا؛ فقد تزوج من فتاة في بلده.» وإذ خرجت ~~هذه الكلمات من فم جيمي ظنت أنه أخرجها مرغما على أمره، ~~ولكنها تأكدت منه أخيرا أنها الحقيقة؛ فرجعت إلى غرفتها التي ~~حوت كل آمالها المستقبلة وكل آلامها الماضية، الغرفة التي قضت ~~فيها ساعات جوع طويلة محتملة ذلك في سبيل روبي وحده، لكي تجعل ~~نفسها مستحقة أن تكون له. # أخرجت لباس الرقص مرة أخرى من حقيبتها، ونظرت إليه، ثم ضحكت وضحكت، ~~وكان ضحك اليأس في هذه المرة. # وبعد دقائق كانت ومعها حقيبتها أمام مسرح التمثال الذهبي ... # ولما أخبرتني ذلك في حديثها خيل إلي أني أراها في ذلك الوقت أمام ~~باب المسرح بوجهها الجميل وعليه ملامح الاضطراب، ثم خيل إلي ~~أني أرى جو والذين كانوا جالسين في المسرح وقد ذكروا ما حدث؛ ~~فارتسمت على ثغورهم أمارات الدهشة والاستغراب. # كان المجمع القديم هو بعينه في المسرح في ذلك اليوم، وكان هناك ~~جماعة الشبان المهندسين أنفسهم، واحدا واحدا، وبينهم جيمي، ~~كان كل إنسان وكل شيء موجودا في موضعه، إلا روبي، روبي فقط ~~كان ناقصا، روبي الذي تزوج بعيدا عنها هناك. # شربت لويز لأول مرة في تلك الليلة، وشربت كثيرا أيضا، ولكنها لم ~~تشرب منفردة؛ فقد شرب معها جيمي أيضا، وأخيرا إذ ثمل الاثنان ~~قال جيمي: «هيا بنا ...» # وهنا استراحت لويز قليلا وهي تقص علي قصتها، وشربت ما بقي في ~~كأسها من الخمر، ثم نظرت إلي وقالت بضحكة قصيرة: «فقلت له: ~~هيا بنا ...» # عن «م. تشيمبرز‏»‏ # | هل هي آثمة؟ # جلس الفتى في الحانة يتناول أقداح الخمر، وكان يسرف في الشرب، ~~وعليه ملامح التفكير العميق، كان يتناول الكأس ثم يضع رأسه بين ~~كفيه وهو عابس الوجه، يحدق في الفضاء، لا ms30 يلتفت للذين حوله، ~~وقد ارتسمت على وجهه صورة من صور الألم والحزن. # فإذا أصغيت إلى تلك الكلمات التي كان يتحدث بها إلى نفسه سمعته ~~يقول: «زوجي! زوجي! تخونني! يا للمصاب؛ الزوج التي كنت أعتقد ~~أنها ملاك هبط من السماء، الزوج التي عبدتها عبادة، وأحببتها ~~أكثر من نفسي ... «آه» يا لها من خائنة! إذن فلم تكن نظراتها إلا ~~نظرات غدر ... ولم تكن ابتساماتها لي إلا ابتسامات الخديعة ~~والمكر، ثم لا تخجل تلك الشقية فتتحدث بخيانتها.» # ثم يستمر في احتساء أقداح الخمر ... حتى ثمل أو كاد ... ~~••• # لهذا الفتى قصة، قصة فيها شيء من الغرابة، فهذه الخمر التي رأيناه ~~يحتسيها في الحانة، لم يكن قد ذاقها منذ عام، كان قد هجر ~~الحانات والمشارب منذ زواجه. # كان عاملا صغيرا، يعيش منفردا، ولقد تصادف أن رآها، تلك التي ~~اختارها زوجا فيما بعد فأحبها. أما هي فكانت لا تبادله هذا ~~الحب، بل كانت تكرهه، ولم تكن لتريده زوجا لها، ولكنه انتهز ~~فرصة وقوع أهلها في ضائقة مالية فطلب يدها، فلم يمانعوا، ~~وجمعتهما الأقدار. كان يحبها حبا شديدا فأخلص لها، ومن يوم ~~زواجه بها هجر الحانات وترك أصدقاء وصديقات السوء، وابتسم له ~~القدر، فحسن مركزه، وصار ذا ثروة تذكر. # أما هي فرغم أنها أكرهت على هذا الزواج ولم تكن راغبة فيه، إلا أنه ~~لم يمض زمن طويل حتى راقت لها الحياة الزوجية؛ فأحبت زوجها، ~~غير أنه كانت هناك نقطة سوداء في حياتها، فقد كان لها خليل قبل ~~زواجها، كان له معها شأن يذكر! أما ذلك الخليل فقد كان من ~~المستهترين الذين لا يهمهم إلا إرواء غليل شهواتهم. أخلصت ~~لحليلها من يوم زواجها، غير أن الاعتراف بالجريمة كان عبئا ~~ثقيلا لا قبل لها بحمله، فكم نغص عليها سعادتها وحياتها، ~~كانت تنظر إلى زوجها فترثي له، وترى أنها غير مستحقة لعطفه ~~وحبه. # كانت تشعر كأنها آثمة خائنة، وأنه محال أن تكفر عن جرمها هذا بغير ~~الاعتراف لزوجها، وبعد ذلك قد لا تشوب سعادتها شائبة، فتعيش ~~مطمئنة في أمن من ms31 وخز ضميرها. وأخيرا أخيرا، اجترأت أن تفاتح ~~زوجها، وبدأت تستعطفه، وكأنها كانت تظن أن زوجها سيفتح لها ~~ذراعيه فيضمها إلى صدره ويقول لها: «قد نسيت الماضي.» # إلا أن شيئا من ذلك لم يكن؛ فقد ثار الرجل عندما سمع أول حديثها، ~~ثم هددها بالقتل، ثم أخذ يصيح كالمعتوه، وبدأ يلعنها ويلعن ~~ساعة رآها وساعة تزوجها. # لقد دخل في روع الرجل أن زوجه لا تزال تخونه، وأن ذلك الجنين ~~الذي في بطنها ليس ابنه، رأى آماله تنهار، ورأى أنه فقد كل ~~شيء؛ فقد زوجه، فلمن يحيا بعد ذلك وليس له أحد في حياته؟ أما ~~ذلك الجنين الذي لم ير نور الحياة بعد فهو ليس ابنه، وليتكفل ~~به والده. # أما الزوج فلم تتمكن من مفاتحته ثانية أو إقناعه بخطئه. ولما هدأ ~~شعر بحزن شديد ورأى أن يهجر المنزل؛ فهو يذكره بشبح الخيانة، ~~فترك المنزل وفيه زوجه تبكي وتندب حظها العاثر. # هل أخطأت باعترافها؟ # أما هو فإلى الحانة، فماذا يحول الآن بينه وبينها؟ لا شيء. # وهو جالس في الحانة كما رأيناه يحتسي الخمر تباعا. ~~••• # هذه هي قصته، أما ما حدث له بعد ذلك فقد ترك الحانة في ساعة متأخرة ~~من الليل، بعد أن ثمل بنشوة الخمر، ولم تكن هيئته لتنبئ ~~بالخير، وظل يتجول في الشوارع إلى الصباح، فعثر به رجال ~~البوليس وأرسل إلى المخفر كاللص، ولما بدءوا في استجوابه ~~تبين لهم أنه معتوه، وأنه فاقد لرشده؛ فقرروا إرساله إلى ~~المستشفى. # عن «الفرنسية‏»‏ # | هدية الزواج # «روز هريك» فتاة حسناء كانت في اليوم السابق ليوم زواجها تحدث ~~صديقتها «جريس»، ونحن نفهم من الحديث أنه يدور حول زواج روز، ~~وروز تقول لصديقتها: إنه شاب لطيف، ومن حقي أن أفخر به، ولكنك ~~أنت الوحيدة - يا جريس - التي تعلم شقائي. # فردت جريس قائلة: إني أرى أن تعدلي عن هذا الزواج، مع أني على ثقة ~~تامة أنه يحزن جدا إذا علم أنك لا تحبينه. ~~- ولكن كيف أعدل الآن بعد أن تصادقنا ستة أشهر؛ أي منذ يوم ~~خطوبتنا، ويومذاك كنت أظن ms32 أني سأكون سعيدة جدا معه مع أنه ~~أكبر مني سنا، ولكن لم يكن يدور بخلدي أني سأقابل آرثر تنسون ~~وأقع في شراك غرامه، ومما يزيد في ألمي وحزني أن جون - خطيبي - ~~هو الذي قدمني إلى آرثر وعرفني به كأحد أصدقائه، فهل يمكنني ~~أن أعدل الآن عن الزواج بعد كل هذا؟ إن ضميري لا يطاوعني، فلا ~~ريب أن جون يموت كمدا لو حصل هذا. # فقاطعتها جريس: أنا لا أهتم لما يحدث له هو، ولكن يهمني أنت؛ فهي ~~سعادتك، بل هي حياتك. # فقالت روز: وهي سعادته وحياته هو أيضا؛ فقد جد واشتغل سنوات ~~عديدة حتى حصل على ثروة لا بأس بها، ومع ذلك فقد أخبرني أني ~~أنا ... غاية آماله، هو طيب القلب يا جريس، وسأجتهد دائما أن ~~أجعله سعيدا. # وتساءلت جريس: وما أخبار آرثر؟ # فأجابتها روز: إن آرثر صغير السن وسينسى، بل إني أجسر أن أقول إني ~~سأنسى أنا أيضا، بل لقد كنت أود لو لم أعرفه. إني عندما ~~رأيته للمرة الأولى عرفت أني أخطأت صنعا، بل وأني تصرفت ~~تصرفا معيبا، ولكني كنت مضطرة أن أتابع السير في هذا الطريق؛ ~~فقلبي هو الذي كان يدفعني، بل إني استيقظت في الصباح التالي ~~لليوم الذي عرفت فيه آرثر، فعجبت لم كنت سعيدة! ولما ساءلت ~~نفسي عرفت أن الجواب لأن آرثر كان موجودا في هذا العالم. ولكن ~~سحابة كثيفة كانت تحجب عني هذه السعادة، وهي جون، جون خطيبي ~~الذي يجب أن أتزوجه. # بكت روز بعد أن أتمت عبارتها الأخيرة؛ فأخذت جريس تهدئ ~~روعها. # وفي منزل آخر من المدينة كان آرثر تنسون يحدث صديقه جون - خطيب روز ~~- عن معدات حفلة الزواج. قال جون لآرثر في معرض الحديث: تراني ~~يا آرثر لا أصدق للآن أن روز تحبني حقيقة، فلو كنت أنت ~~مثلا. # فقاطعه صديقه آرثر: أنا؟ ما هذا الهذر والسخف يا جون؟ إنك الرجل ~~الذي يمكنه أن يقوم بواجبات الزوج حقيقة، والمرأة تعرف هذا ~~الرجل بالفطرة. # فقال جون: كم أتمنى أن أعتقد حقيقة ما تقول؛ فإني أحبها، ms33 وأنا ~~مستعد أن أهب حياتي إذا كانت هذه التضحية تجعلها أسعد مما ~~هي. # لم يستطع تنسون - حبيب روز وصديق خطيبها - أن يضبط عواطفه إلا ~~بمنتهى الصعوبة؛ فتمتم قائلا بصوت ضعيف: إنها خلقت لتصير ~~زوجا لك، وأنت تستحق كل السعادة المقبلة يا جون. # ثم استأذن من صديقه وخرج بعد أن وعد أن يزوره في صباح اليوم ~~التالي، يوم الزواج ... # لم ينم تنسون تلك الليلة، وأخذ يفكر وهو في فراشه في المأساة التي ~~سيشهدها في الغد، وذكر الماضي أيضا، وشعر بنداء الحب، ولكن لم ~~يخطر له أبدا أن يخون صديقه، ورأى أن يرضخ لحكم الأقدار، ذكر ~~اليوم الذي عرفها فيه، وذكر كيف أنه حاول أن ينزع ذكراها من ~~قلبه فابتعد عنها مدة، ثم ما لبث أن وجد نفسه مساقا إليها مرة ~~أخرى، ثم تمثل لناظره شخص جون، صديقه المخلص، وعرف أن سعادة ~~ذلك الصديق في يده. # فخجل من نفسه، وأخيرا تساءل وهو يتقلب في فراشه: هل يستطيع أن ~~يشهد حفلة الغد بدون أن تخونه عواطفه؟ ولكنه ناشد نفسه: يجب أن ~~أكون رجلا. # وفي الصباح خرج إلى منزل صديقه، ولم يكن على وجهه الجميل ما يدل ~~على ما كان يعانيه من الآلام، ولما وصل وجد صديقه جون في ~~انتظاره وعلى وجهه أمارات البشر والانشراح، ولكنه لاحظ أنه ~~يخفي شيئا في طيات نفسه. # قال جون: لقد أصابني التعب؛ فأنا منذ ساعة متأخرة أحرر الخطابات ~~وأرسل في طلب أشخاص حتى أديت أكثر المهام، ولكن لا يزال أمامي ~~واجب واحد وسأكلفك أنت بأدائه، سأفاجئ روز مفاجأة حسنة، فأنا ~~أريد أن أقدم لها هدية الزواج. # فقال آرثر: إذن فأسرع بالذهاب إليها. # فقال جون: «لا، فأنا أريد أن توصلها أنت إليها حتى نفاجئها كما ~~أخبرتك.» ~~«أسرع إليها قبل أن تبدأ في لبس ملابسها فلا يمكنك أن تراها، أما ~~أنا فلا أريد أن أراها إلا في الكنيسة، أسرع يا آرثر إرضاء ~~لي.» # تردد آرثر في الذهاب، فهل يمكن أن يقابل من يحبها مع العلم أنها ~~ستكون زوج رجل آخر ms34 بعد ساعات؟ # وما زال جون يلح عليه حتى رضي أخيرا إرضاء لصديقه وإخفاء ~~لضعفه: أخرج جون من جيبه خطابا مغلفا وسلمه لآرثر قائلا: ~~أؤكد لك أن روز ستريك هديتي بعد أن تراها هي. # وضع آرثر الخطاب في جيبه وقال لصديقه قبل أن يبارحه: سأرجع بعد وقت ~~قصير يمكنك أن تلبس ملابسك في أثنائه، وصل آرثر، وإذا كانت يده ~~قد ارتجفت وهو يقدم الخطاب لروز فإن يد هذه قد ارتجفت أيضا ~~ارتجافا ظاهرا وبهتت؛ إذ وجدت أمامها حبيبها، فتحت الخطاب ~~بلهفة ظاهرة، وبدأت تقرأ، وما كادت تأتي على آخره حتى كانت ~~أمائر الدهشة والتأثر العميق ظاهرة أجلى ظهور على وجهها. ثم ~~رفعت وجهها ونظرت في وجه آرثر، فوجدت أنه لا يعلم شيئا مما ~~حدث؛ فقدمت إليه الخطاب بيد مرتجفة، فقرأه: # عزيزتي # أنا أعلم أنك تحبين آرثر، وأعلم أنه يبادلك ~~الحب، فلتتزوجا إذن ولتعيشا سعيدين. أما أنا فسأرحل ~~بعيدا قبل أن يرجع من عندك. إن الأمر يبدو غريبا، ~~ولكنه لا يهم طالما أن آرثر هو الذي سيحل محلي في ~~مركز الزوج. # المخلص: جون دوسن # جمد آرثر في مكانه وجالت الدموع في مآقيه، وأخيرا تقدمت روز إليه ~~ففتح لها ذراعيه: آرثر! آرثر! حبيبي. # قال آرثر: لم أر بعد ~~صديقا أخلص لصديق مثل ما أخلص جون لي؛ فرددت روز: إن الله ~~قادر أن يكافئه، ويبارك في تضحيته هذه. # عن «الإنجليزية‏»‏ # | زازا # زازا ممثلة بارعة في مسرح الأوديون، الجمهور معجب بها، فهي تتقن ~~فنها، ولكن إلى جانب ذلك هي عصبية المزاج، فإذا ما ثار ثائرها ~~تراها وهي تضرب كل من حولها لا تستثني أحدا، ثم تندم بعد برهة ~~فتبكي، ولا يمكن لأحد أن يتقدم إليها، ولا تهدأ إلا إذا وجدت ~~نفسها بين ذراعي حبيبها ديفرين. # وديفرين هذا رجل في مقتبل العمر، على شيء من الغنى، يشغل مركزا ~~علميا، له زوجته الشرعية، ومع ذلك وقع في غرام زازا، وهو ~~يبادلها حبها العظيم. # عرضت وزارة الخارجية الفرنسية منصبا كبيرا على ديفرين في واشنطن، ~~ولكنه يتردد في السفر، ms35 فهو لا يقوى على مفارقة حبيبته زازا، ~~وزوجه تشجعه على قبول المنصب، ولكنه لا يزال يتردد. أما حبيبته ~~زازا فهي تعرض عليه أن تسافر معه إلى أمريكا مضحية بمركزها ~~وشهرتها في سبيل غرامها. # ويخاف «ريجول» مدير مسرح الأوديون أن تهجر زازا المسرح؛ فهي أساسه، ~~فإن هجرته قضي عليه القضاء المبرم، وهو لذلك يرى أن يفصل بين ~~ديفرين وزازا؛ ففي هذا الانفصال استبقاء لزازا في ~~مسرحه. # ويعرف ريجول أن ديفرين له زوجته الشرعية، ويجد أن هذا هو السلاح ~~الماضي، الذي يجب أن يستعمله؛ ليفصل زازا عن ديفرين، وتثور ~~زازا إذ يقص عليها مديرها ريجول خبر وجود امرأة خاصة في منزل ~~ديفرين، بل هي تكذبه وتطرده، وتصمم أن تنتقل في الحال إلى ~~باريز حيث يقطن ديفرين؛ كي تتأكد من كذب الخبر. # وإذا ما وصلت إلى منزل ديفرين دخلته كامرأة حاكمة لا زائرة، ومع أن ~~الخادمة أخبرتها أن المسيو ديفرين غير موجود في المنزل في تلك ~~الساعة إلا أنها تدخل المنزل وتسير من غرفة إلى غرفة كما تسير ~~في منزلها، وتصل إلى غرفة فتسمع فيها صوت «البيانو»، وتعرف من ~~نغماته أن العازف يعزف أنشودة «لذة الحب»، وهي الأنشودة التي ~~لا يحب ديفرين أنشودة غيرها، وكثر ما عزفتها له في خلواتهما، ~~فهي تعجب! وتدخل الغرفة فتجد أن العازف فتاة صغيرة لا تتجاوز ~~الثامنة من عمرها، فهي تسألها: من هي؟ والفتاة تجيب أنها ~~«لوسيل»، وإذ تسألها اسم أبيها تجيب الفتاة أنه «فرانس ~~ديفرين»! وتكاد زازا تصعق؛ فهي لم تكن تصدق أبدا أن حبيبها ~~يخدعها أو أن له زوجه وابنته، وتخرج هاربة من منزله، وتقابل في ~~طريقها الزوجة، ولكنها لا تجسر أن تحدثها، فلقد تحطم ~~كبرياؤها مرة واحدة. ~~••• # رجعت زازا إلى منزلها وهي في حالة حزن عظيم، وتجد أمامها صورة ~~ديفرين حبيبها؛ فلا تملك إلا أن تقطع الصورة إربا، ويجئ الدوق ~~دي برساك، وهو رجل مسن يتودد إليها دائما ويطرح عند قدميها ~~ثروته الطائلة، نظير قبوله زوجا لها، ولكنها كانت تكرهه وتكره ~~ماله، فما كان يقابل ms36 منها بغير الرفض. # أما الآن فهي تقبله زوجا بعد أن هجرت ديفرين! والرجل يكاد يجن ~~فرحا، وبعد برهة تخرج زازا لحضور مأدبة يقيمها لها الدوق في ~~تلك الليلة ابتهاجا بخطبتهما. # يحضر ديفرين لزيارة زازا، وهو لا يعلم شيئا مما حدث، ويدخل غرفتها ~~توا فلا يجدها فيها، ولا يجد إلا صورة ممزقة إربا وملقاة ~~على الأرض؛ فإذا أمسك ببعض قطعها المتناثرة علم أنها صورته هو، ~~وتخبره الخادمة أن زازا قد قر قرارها على الزواج بالدوق دي ~~برساك! # وإذ يعلم ديفرين الحقيقة ويرى أن حبيبته قد هجرته، وأن غرامه قد ~~تحطم، يقرر أن يقبل المنصب الذي عرض عليه بأمريكا، ويعزم على ~~السفر بعد يومين مصطحبا زوجه وابنته. # وفي الحفلة الساهرة التي قامها الدوق تكريما لزوجه المستقبلة ~~زازا، نجد الكل في سرور وانشراح والدوق مسرور جدا. أما زازا ~~فهي الوحيدة في الحفلة التي تشعر بالحزن؛ فهي لا تزال تحب ~~ديفرين ... وإلى جانب ذلك هي تبغض الدوق دي برساك، وإذ يشرب ~~الحاضرون نخب زازا ويسمونها: «دوقة دي برساك المقبلة» تقوم هي ~~وتصيح بهم أن: «بل اشربوا نخب زازا الماضية التي كانت تؤمن ~~بالحب.» ~~... وفجأة تثور زازا وتبكي؛ فالحب لا يزال ملتهبا في نفسها؛ فهي تحب ~~ديفرين حقا، وهي تعدل عن الزواج بالدوق وتصارحه بذلك وتخرج ~~غاضبة، ثم لا تلبث أن تقرر أن تعود إلى المسرح لتجد فيه العزاء ~~عن حبها، والسلوان عن غرامها، وهكذا يتحقق أمل «ريجول» - ~~مدير مسرح الأوديون - ولا تنفصل زازا عن مسرحه ... ~~••• # ولكن الحب لم يخمد في قلب زازا ولا في قلب ديفرين؛ فبعد سبع سنوات ~~رجع ديفرين من أمريكا بعد أن ماتت زوجته هناك، وتذهب زازا ~~لزيارته وتدخل المنزل، وتسير من غرفة إلى غرفة كما تسير في ~~منزلها، وتصل إلى غرفة فتسمع فيها صوت «البيانو»، وتعرف من ~~نغماته أن العازف يعزف أنشودة «لذة الحب»، وهي الأنشودة التي ~~لا يحب ديفرين أنشودة غيرها وكثر ما عزفتها له في خلواتهما، ~~فهي تعجب وتدخل الغرفة فتجد أن العازف فتاة جميلة تبلغ السادسة ~~عشرة ms37 من عمرها، فهي تسألها: من هي؟ والفتاة تجيب مرة واحدة: ~~«اسمي لوسيل، وإذا سألتيني عن والدي فهو فرانس ديفرين، ولكن ~~بربك لا تسأليني عن أمي؛ فقد ماتت، ماتت في أمريكا.» # والفتاة تطلب من زازا أن تعزف لها أنشودة «لذة الحب»، وتجيب زازا ~~طلبها، وتخرج الفتاة متلصصة؛ فتنادي والدها ليرى هذه الزائرة ~~الغريبة. # وهناك إذ تتقابل العيون تخفق القلوب، وتبدأ نار الحب التي كانت ~~على وشك الخمود في الاتقاد ثانية، ويكون ثم عناق ~~طويل. # عن «شريط السينما‏»‏ # | غرام زائف # نزلت الفتاة من عربة الترام، ودخلت إلى مشرب القهوة؛ فاتجهت إليها ~~الأنظار، وتهامس الحضور عن جمالها وظرفها، وتساءلوا: من ~~تكون؟ # سارت الفتاة دون أن تلتفت إلى أحد، ودخلت إلى غرفة خاصة داخل ~~المشرب، وجلست وحيدة تنتظر، ثم شعرت بالملل فأمسكت جريدة وبدأت ~~تقرأ، وكانت من حين لآخر تنظر إلى الساعة، ولم تلبث قليلا حتى ~~دخل الشاب الذي كانت تنتظره؛ فسرت لمرآه وابتسمت، أما هو ~~فقد تكلف إظهار البشاشة رغم أنه كان مصفر الوجه، شاحبه، ~~كأن به مرضا، وما هو إلا مرض الحب! # كان الفتى يحب الفتاة حبا عظيما ملأ عليه نفسه وقلبه، فلم يكن ~~له شاغل بعد عمله سوى هذا الحب. # كان يحبها ولكن كان يمنعه من طلب يدها للزواج فقره، وقد طلب منها ~~أن تنتظر حتى يجمع ثروة صغيرة يتوصل بها إليها، وقد جد لهذا ~~الغرض وواصل الليل بالنهار ... # كان الفتى يتحين الفرص لمقابلتها. أما هي فلم تكن تحبه ولم تكرهه ~~أيضا، بل كانت تشعر بالعطف عليه عندما يذرف الدمع السخين ~~أمامها، ليعبر لها عن حبه وألمه، ولذا لم تكن لتمنعه عن ~~مقابلتها، بل كانت تجد في ذلك تسلية لها هي أيضا، فهي فتاة ~~تحب - كغيرها - العبث واللهو بقلب الرجل، ولا تحب إلا الملابس ~~والقبعات الحديثة الأزياء، ولا يهمها من حياتها إلا ملبسها ~~وزينتها. # قلنا إنه دخل الغرفة فارتاعت لرؤيته؛ فقد كان شاحبا أصفر الوجه، ~~دخل فارتمى على يديها يقبلهما، وبكى بكاء مرا؛ فسألته بلطف ~~عما به؛ فأخبرها أنه أمر في ms38 محل عمله بالسفر بعد يومين إلى ~~اليابان لمدة ستة أشهر، وهو مضطر إلى إطاعة هذا الأمر، ولكنه ~~لا يقوى على فراقها يوما واحدا. # فهدأت الفتاة من روعه، وشجعته على احتمال هذا الأمر. # وفيما هما كذلك دخل الغرفة عاشقان آخران انتحيا ركنا من الغرفة، ~~وأخذت الفتاة تطيل النظر إلى المرأة الأخرى، وكانت، فنظر إليها ~~بدقة عظيمة واهتمام زائد من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها، كانت ~~تتمعن في كل جزء من جسمها وملابسها. # وقد فطن الشاب إلى أنها تخاف هذين العاشقين، فقال لها: لا تخافي، ~~فهما مثلنا. # وكأن الفتاة لم تسمع هذه الجملة فاستمرت في التحديق في المرأة ~~الأخرى، ولكنها التفتت أخيرا إلى عاشقها، فقال لها بلهجة ~~التذلل: أود أن أطلب منك أمرا، فهل لك أن تجيبيني ~~إليه؟ ~~- اطلب وسنرى. ~~- هل لك أن تصحبيني في السفر؟ # فضحكت الفتاة ضحكة قصيرة وقالت بدهشة: هل جننت يا عزيزي؟ وماذا ~~يقول والدي؟ إنك تريد أن تغير مجرى السعادة التي نترقبها ~~من مدة طويلة، سافر أنت، وسأنتظر رجوعك. # ففكر الشاب قليلا، ورأى استحالة إجابته إلى ما طلب، فقال: إذن هل ~~لك أن تقابليني الساعة الخامسة بعد غد على المحطة؟ ~~- ولكني لن أخرج في ذلك اليوم من البيت؛ فستزورنا عمتي. ~~- أرجوك، أتوسل إليك! قابليني على المحطة؛ حتى أراك قبل ~~سفري. ~~- لا تكثر من الإلحاح يا عزيزي؛ فإنك تسبب لي آلاما، لا يمكنني ~~الخروج في ذلك اليوم. # فحزن الفتى حزنا شديدا، والتفت إليها فرآها تنظر للمرأة الأخرى ~~فتعجب، ولكنها التفتت إليه وابتسمت له، ثم داعبته بكلمة وقالت: ~~إذا أردت أن تقابلني فيمكنك الحضور لمنزلنا غدا؛ فهو يوم ~~مقابلاتي. # وعندما انتهت من تلك الجملة حولت نظرها للمرأة الأخرى التي كانت ~~عند الباب، وقد كادت تخرج مع عشيقها؛ فألقت عليها نظرة أخيرة ~~ثم التفتت لعشيقها الذي قال لها: إن المدير يطلبني في هذه ~~الساعة، فأستميحك عذرا أن تسمحي لي بالذهاب. # ولما نهضت الفتاة لتوديع عشيقها قال لها: هل تقابليني بعد غد؟ عند ~~المحطة. # فقالت له: قلت لك إنه لا يمكنني، ms39 وتستطيع الحضور عندنا ~~غدا. ~~- ولكني لا أحب الضجة، وأحب أن أكون وحيدا معك، وعلى كل حال ربما ~~حضرت. # سار الفتى في الطريق، وأخرج منديله يمسح به الدموع المتساقطة، فهو ~~يتألم في غرامه هذا. # وبعد خروج الفتى طلبت الفتاة دواة وقلما، وأخذت تحرر خطابا، ~~ولكنها عادت فطلبت ورقة أخرى وأعادت كتابة الخطاب، ثم وضعته في ~~الظرف وأخذته معها وقامت. وقد أغفلت الورقة الأولى التي ~~كتبتها، ثم خرجت إلى حال سبيلها. # لم يستطع العاشق المسكين مفارقة محبوبته على تلك الصورة؛ فقرر ~~الرجوع إلى مشرب القهوة ليمكث معها هنيهة أخرى، ويمكنه أن ~~يعتذر للمدير عن تأخره في الذهاب إليه. رجع مسرعا ودخل ~~الغرفة، ولكنه لم يجد أحدا، ووجد في المحل الذي كان جالسا ~~فيه مع الفتاة خطابا؛ فتأكد أنه - ولا ريب - خطاب قد تركته ~~له. # أمسك بالخطاب وقرأ: # إلى رئيسة قسم تفصيل ~~الملابس والقبعات بمحلات ~~اللوفر # عزيزتي مدام ~~جيني # رأيت اليوم «فستانا» جميلا جدا أعجبني جد ~~العجب، فرجائي أن تعدلي من «فستاني» قليلا حتى يكون ~~مماثلا لذلك الذي رأيته. اجعلي الفتحة الأمامية ~~ضيقة من ناحية الكتفين، وضعي شريطا أحمرا بالعرض ~~بالقرب من الوسط. أما القبعة فأرجو أن تأمري بوضع ~~ريشة طويلة من الأمام، وسأمر عندكم بعد غد عند ~~الساعة الخامسة، وأتمنى أن يكون كل شيء قد تم ~~حينذاك. # ذهل الفتى وهو يقرأ، ثم تذكر كيف كانت الفتاة تنظر للمرأة الأخرى ~~التي كانت مع عشيقها معهما في الغرفة وهي تكاد تلتهمها ~~بنظراتها، وذكر أن قبعة المرأة كان عليها ريشة من الأمام وكذلك ~~الفستان؛ فقد كان كالفستان الذي طلبت الفتاة في خطابها أن يكون ~~فستانها مثله. # وعندما عرف لماذا أبت حبيبته أن تقابله على المحطة يوم سفره ~~تملكه غضب شديد ويأس، ثم بدت الحال أمامه كأنها رواية هزلية، ~~وذكر ما ذرفه من الدموع أمام من كان يظن أنها تحبه مثل ما ~~يحبها؛ فشعر بالخجل، ثم ضحك، وفكر أنه كان عازما على رفض ~~السفر، ولو كان في هذا الرفض طرده من العمل، وكل ذلك ليمكث ~~بجانب ms40 المرأة التي لا تحبه، وأخيرا أمسك القلم وذيل الخطاب ~~الذي وجده بهذه العبارة: «لا تنسي أن تصحبي معك عمتك في ذهابك ~~لمحلات اللوفر لتجربة الفستان والقبعة.» # وأخذ معه الخطاب كي يرسله لها، وشعر بالسرور بعد ذلك. # وسافر بعد يومين وقد تخلص من ذلك الغرام. # عن «الفرنسية‏»‏ # | قصة العذراء # هي زهرة لم تمتد إليها يد. # لقد عاشت عذراء وماتت عذراء. # لقد فضلت العرض على الحياة. # الجيش في تقهقر، فما على القائد إلا أن ينادي جنوده ويخطب فيهم قائلا: # فلنتقهقر بانتظام حتى لا نخسر شيئا، ولنحافظ ~~على ذخيرتنا، حتى نصل إلى بلدة قريبة نحتمي فيها من ~~شر الأعداء وننظم أمورنا، وسيكون طريقنا إلى هذه ~~البلدة طريق الصحراء، وهو طريق متعب، ولكنه خير في ~~الواقع من الوقوع في أيدي الأعداء، وما أخالكم إلا ~~موافقين على ما حدثتكم عنه. الطريق منتشرة فيه ~~الأديرة التي يؤمها الرهبان والراهبات، فيجب أن ~~نستولي في طريقنا على تلك الأديرة عسانا نجد فيها ~~شيئا من الزاد. # وافق الجند على ما قاله قائدهم، وكان واجبا أن يوافقوا؛ فالمركز ~~حرج. # ساروا أياما في الصحراء يعانون آلام السير، ولاح لهم في أحد ~~الأيام بناء شاهق تظهر عليه آثار القدم، وكان بسيطا كالحصون، ~~له باب ضخم يحسبه الناظر باب مدينة، فما رأوه حتى تشجعوا ~~ونسوا تعبهم؛ فقد عرفوا أن البناء لم يكن إلا ديرا، ربما ~~وجدوا فيه طعاما وراحة من وعثاء السير. # وصلوا إلى الدير ففتحوه فلم يجدوا أحدا، إلا أنه بعد برهة جاءت ~~سيدة متمنطقة بالسواد لا يظهر إلا وجهها، وسألتهم: ماذا ~~يريدون؟ # نادى الجند رئيسهم، فلما حضر أخبرته تلك السيدة أن المكان دير ~~للراهبات، فلا يصح أن يتعرضوا لأحد بسوء، فهن نساء عزل، فأمنها ~~القائد على حياة الراهبات وسألها شيئا من الزاد لجنده. # اطمأنت السيدة وأتتهم بما طلبوا، فجلسوا في حديقة الدير ~~يأكلون. ~~••• # كان الضابط في الأربعين من عمره، وكان رجلا لئيما خسيسا ~~شهوانيا، وأراد أن يسري عن نفسه ما بها من الضجر والتعب، ~~وحسب أنه ربما وجد من يمكنها أن ms41 تسري عنه في راهبة من راهبات ~~الدير! يا لله! لقد بلغت به الخسة والدناءة أنه يريد أن يدنس ~~الدير الذي تتناجى فيه الراهبات مع ربهن، حيث انقطعن للعبادة ~~بعيدا عن مظاهر الدنيا الزائفة. # انتهز غفلة من رئيسة الدير وصعد السلم، ومنه إلى غرفة كانت فيها ~~راهبة، لحظها وهي تطل من الشباك. # كان على الراهبة مسحة من الجمال، هي البقية الباقية بعد تعب الصلاة ~~والسهر وتحمل آلام تلك المعيشة البسيطة، بعد أن فرت من ~~الدنيا إلى ذلك الدير، لما رأت الشر وقد انتشر، والخطيئة وقد ~~عمت. ~~••• # دخل المجرم يريد غرضه الدنيء، ورفع السيف في وجهها مهددا إياها إن ~~نطقت كلمة واحدة فجزاؤها القتل. # سكتت تفكر، ثم ابتسمت له وتظاهرت بالرضا، عجبا! ماذا جرى؟ نظرت ~~إليه وقالت: فلتجس لتستريح؛ فيظهر أنك متعب. # جلس وجلست بجانبه فاطمأن، واستبشر بتلك الغنيمة الباردة. قالت ~~له: عجبي لكم يا رجال الحرب، أما تخافون الموت حتى تقذفوا ~~بأنفسكم إلى أحضانه؟ # فاسمع لذلك الجبان وهو يجيبها: إنها الظروف هي التي تضطرنا، فوالله ~~لولا خوفي أن يقال عني جبان لهربت قبل أن يعرضوا علي تلك ~~القيادة المشئومة. # فابتسمت وقالت: هلا علمت أن لدي دهانا لا يعرف إلا في هذا ~~الدير، إذا طليت به جسمك لا تؤثر فيه حدة السيوف؟ ~~- عجبا! وأين هو؟ إني لمحتاج لمثل هذا الدهان. ~~- سآتيك به، وربما أعطيتك قليلا منه. ~~••• # كان الرجل من أبناء ذلك العهد الذي سادت فيه الخرافات وقل من لا ~~يؤمن بها في ذلك العهد، فلا عجب إذا صدق بأن لديها دهانا له ~~مثل تلك الخاصة، وقد فكر في نفسه: أن ماذا يضيره لو هلك الجيش ~~وعاش هو بفضل هذا الدهان العجيب؟ # أتته بقارورة وأرته فيها مسحوقا أبيض، فتلهف شوقا عليه، ولكنه شك ~~في حقيقته، وصرح لها بعدم تصديقه؛ فأخذت قليلا من المسحوق ~~وطلت به رقبتها ثم قالت له: ما دمت لا تصدق فهاك الدليل: اضرب ~~بسيفك الحاد بكل قواك على رقبتي! # تردد قليلا، ولكنها شجعته فضرب ... # لقد كاد يغمى عليه، فقد رأى ms42 رأسها وهو يتمايل، ثم رأى جسمها وهو ~~يسقط على الأرض بلا حراك، إذن لم تكن هذه إلا خدعة، ولم يكن ~~هناك ثم دهان سحري. # ماتت الراهبة، وقد اسودت الدنيا في وجهه، فلم ير أمامه غير ~~شيئين: جسم الراهبة «العذراء» وقارورة الدهان المزعوم، فأخذ ~~يجول بنظره تارة إلى الجسم وتارة إلى القارورة، ثم انتابه شبه ~~جنون ففتح باب الغرفة الموصد وجرى بسرعة وسيفه المخضب بدماء ~~العذراء لا يزال في يده، ثم نادى جنوده وهو يجري قائلا: هيا، ~~هيا من هذا المكان! # وما زال يجري حتى لحق به بعض جنوده، فإذا هو يبكي كالأطفال الذين ~~لا عقل لهم وهو يقول: قتلتها ... قتلتها! (موضوعة). # | الروح الكورسكية # لما سلمت جنوه جزيرة كورسيكا لفرنسا، وجدت جيوش لويس الخامس عشر ~~نفسها أمام أعداء لا يستهان بهم، وكان هناك رجل متفان في حب ~~وطنه اسمه: «بسكال باولي» نظم لهذه الجزيرة حكومة أخذت على ~~عاتقها تجنيد جميع السكان، والوقوف أمام المغتصب الجديد؛ فكانت ~~تلك الأزمان محنا تتلوها محن، أظهر الفريقان في غضونها من ~~ضروب البسالة ما أدهش العالم، ويجب الاعتراف بأن جيش «لويس ~~المحبوب» النظامي وجد في باولي ومساعديه رجالا لا يعرفون ~~للموت معنى؛ مما أثار إعجابهم. وكان من بين هؤلاء رجل يدعى ~~كسيلا، بطل قصتنا هذه: امتنع هذا الكورسيكي الشجاع في قصر ~~نونزا الذي كان يتحكم في منطقة الجزيرة كلها، وأبى بأنفة ~~التسليم للأعداء، غير أن مدة الحصار طالت واشتدت الأزمة؛ فخشي ~~القائد الفرنسي إذ ذاك وهو الكونت دي جران ميزون أن يصل المدد ~~إلى المحاصرين، ورأى أن يعرض عليهم تسليما شريفا؛ فأرسل لهذا ~~الغرض الكابتن فودمون ومعه ضارب على الطنبور، وسار الاثنان ~~قاصدين الحصن، فلما وصلا إلى مسافة قريبة منه علق الكابتن ~~شارة بيضاء في طرف حسامه ورفعها في الهواء، وما هي إلا بضع ~~دقائق حتى رأى المندوب علما أبيض يرفع على قمة الحصن بالقرب ~~من العلم الوطني الكورسيكي، فتقدم المفاوض مجتازا الهضبة، غير ~~أنه وقف في مكانه عندما سمع صوتا عاليا يقول: قف حيث أنت، ms43 من ~~أنت؟ # فأجابه: أنا مفاوض من قبل صاحب الجلالة. ~~- وماذا يريد صاحب الجلالة مني؟ ~~- افتح باب الحصن وأنا أبلغك رسالتي. ~~- إن ذلك غير ممكن، ولكن أخبرني أولا من أين أتيت؟ ~~- لا يمكن الكلام لأن الهواء يهب رأسا في وجهي. # قال الكابتن هذه الجملة وتقدم قليلا إلى الأمام، فقال له كسيلا: ~~إن تقدمت خطوة أخرى إلى الأمام فستقتل في الحال. # فتمتم الكابتن فودمون قائلا: إنه لرجل صعب المراس! ثم وضع يديه ~~على فمه وقال: إن مولاي الكونت دي جران ميزون - قائد جيوش صاحب ~~الجلالة - يرغب في حقن الدماء. ~~- إنه لشعور طيب فاجأتني به أيها الكابتن، فأي ساعة تلك التي جعلتك ~~تفكر في ذلك؟ ~~- إن ما جعلني أفكر في ذلك هو ما نملكه من الذخيرة الوافرة، فعندنا ~~من المدافع اثنا عشر، ومن الرجال أربعة آلاف، في حين أن رجالكم ~~لا يتجاوزون الخمسين عدا. غير أن ذلك ليس ببيت القصيد، إنني ~~ما جئت هنا للمفاوضة، إنما جئت لأبلغك رسالتي، فأكرر إنه حقنا ~~للدماء نعرض عليكم تسليما شريفا. ~~- وإذا رفضنا ذلك؟ ~~- حينذاك نكون مجبورين على إخضاعكم بحد الحسام، ومعاملتكم معاملة ~~قاطعي الطرق الذين يأبون الخضوع لقواعد الحرب ويصممون على ~~الدفاع الذي لا فائدة منه. ~~- حسنا أيها الكابتن! لكن إذا أشعلنا النار في الذخيرة ونسفنا ~~أنفسنا والحصن سواء؟ ~~- لا يمكنكم أن تأتوا عملا كهذا. ~~- لا يمكنا! ولماذا؟ ~~- لأن ذلك يكون منافيا لقواعد الحرب، ويعتبر عملا ~~وحشيا. ~~- حقا! لقد علمت أفكارك، وعليه يجب كي لا أعتبر متوحشا أن أسلم ~~نفسي للذين حلوا بجزيرتنا لسلب حريتنا وهم يدعون ~~المدنية. ~~- أرجو عدم الخروج عن موضوعنا، فللمرة الأخيرة أتريدون ترك الحصن ~~والخروج بالتحيات العسكرية أم لا؟ ~~- يجب علي استشارة مجلسي أولا؛ فأرجو الانتظار قليلا حتى ~~أعرفكم قرارنا. # غاب كسيلا وبقي الكابتن في انتظاره، وانقضت مدة طويلة، وأخيرا أطل ~~القائد من السور وقال: ليس في وسع المجلس أن يتخذ قرارا قبل ~~أن يعرف شروطكم. ~~- قرروا أنتم ما شئتم؛ فإن سيدي القائد العام مستعد لمنحكم كل ~~الشروط التي تخولها له سلطته. ms44 ~~- حسن جدا. ~~- مع العلم أنكم لا تطلبون المزيد. ~~- لا بأس، فعليكم أن تحكموا. ~~- أولا: تخرج الحامية على صوت الطنبور رافعة أعلامها مع أداء كل ~~التحيات العسكرية لها. ~~- أوافق على ذلك. ~~- ثانيا: تحتفظ الحامية بأسلحتها وأمتعتها ووو ... إلخ. ~~- أوافق على ذلك. ~~- ثالثا: على قائدكم العام إعطاؤنا الخيل والمركبات اللازمة لنقل ~~الأمتعة المذكورة. ~~- لا يمكنني موافقتكم على ذلك. ~~- إذن ونحن لن نخرج من الحصن، ولنستأنف القتال من جديد. ~~- مهلا! اصبر قليلا، إنك لرجل نافذ الصبر، دعني أفاوض القائد ~~العام، فربما منحكم هذا الشرط. ~~- افعل ما بدا لك. ~~- سأرجع بعد عشر دقائق. ~~- حسنا ارجع متى شئت فلست مستعجلا. # فاوض الكابتن القائد العام؛ فأظهر هذا ترددا في قبول شرط كسيلا، ~~وكان يجهل قوة الحامية، غير أنه كان يخشى وصول المدد إليهم؛ ~~فجعلته أهمية تلك المسألة الأخيرة يتخذ قرارا. فأخبر الكابتن ~~أنه مستعد لقبول الشرط الأخير على أن يكون التسليم في الحال؛ ~~فرجع الكابتن إلى الحصن ولوح بمنديله، ولما جاء كسيلا قال له: ~~منحناكم هذا الشرط على أن يكون التسليم في الحال بدون ~~إمهال. # فقال له كسيلا: قد اتفقنا إذن تمام الاتفاق، ولكن ... هل هناك فكرة ~~انتقام؟ ~~- كلا. ~~- أرجو عدم المؤاخذة إن ألححت؛ فإنك صغير السن، أما أنا فهرم، وقد ~~علمتني التجارب أن آخذ الحيطة في كل أمر، ويقال يا كابتن إن ~~الحساب المضبوط يوثق عرى الصداقة، فأرى أن نراجع الشروط المتفق ~~عليها: تخرج الحامية وتحيى بالتحية العسكرية وتحتفظ بأسلحتها ~~وأمتعتها وتعطونا العربات اللازمة للنقل، أليست هذه كل ~~الشروط؟ ~~- نعم هي تماما، وعلاوة على ذلك قد تعهد الكونت دي جران ميزون - ~~قائد جيوش صاحب الجلالة - بشرفه أن يعمل بالشروط المتفق عليها ~~بلا أي نية سيئة ولا أقل ضغينة. ~~- حسن جدا، ولكن يجب أن تتعهد أنت أيضا بذلك. ~~- أيها القائد، أتريد أن أعتبر قلة ثقتك إهانة لي؟ ووضع يده على ~~حسامه. ~~- لا يا كابتن، إني لا أقصد إهانة أحد، ويمكنك إن فكرت قليلا أن ~~توافق على مسالكي، ويكفيني منك وعد شريف على احترام اتفاقنا، ~~فإن أعطيتني ms45 هذا الوعد فلن ألح أكثر من ذلك. ~~- إني أعطيك وعدا شريفا بذلك. ~~- إذن فليحضر رجال حرسك، وسأعد أنا كل شيء استعدادا ~~للرحيل. # وصل رجال الحرس بعد عشر دقائق سائرين على النظام العسكري الكامل، ~~وتقدموا حتى باب الحصن الخارجي، وهناك انقسموا قسمين واصطفوا ~~منتظرين. وما هي إلا بضع دقائق حتى فتح باب الحصن فجأة، وعندئذ ~~صاح الكابتن آمرا بالتحية العسكرية؛ فأطاع الجند الأمر. وظهر ~~القائد كسيلا في وسط الصفين رافعا بيده اليسرى العلم ~~الكورسيكي وباليمنى زخمتي الطنبور، وكان يضرب عليه بإتقان ~~عظيم، وكان مرتديا أجمل ملابسه العسكرية، وعلى رأسه قبعة ذات ~~ريشة ذهبية، وهو يسير بتؤدة غير ملتفت لمن حوله. وكان رجال ~~الحرس يكتمون ابتساماتهم بصعوبة والنظام العسكري يمنعهم عن ~~إظهارها. # ولما وصل القائد أمام الكابتن فودمون الذي كان شاهرا سلاحه ~~بالتحية العسكرية وقف أمامه ووضع زخمتي الطنبور في حمالتيهما، ~~ورفع قبعته ردا على التحية، ثم استمر في سيره ضاربا على ~~الطنبور بكل قواه. # سأله الكابتن: أين الحامية؟ ومتى تخرج؟ # فأجابه كسيلا: الحامية؟! ~~- نعم الحامية المدافعة عن الحصن. ~~- أيها الكابتن: إن الحامية كلها قد خرجت. ~~- يظهر أنك لم تفهم ما قلته؛ ولذا سأوضحه لك: ففي أي وقت يخرج ~~جنودك؟ ~~- لقد فهمت ما تقصد من أول لحظة وكلامك واضح، وأنا أخبرك أن ~~الحامية كلها خرجت بخروجي من الحصن. # فدهش الكابتن أشد الدهشة وقال: هل هذا صحيح؟ ~~- نعم صحيح كل الصحة؛ فإني كنت بمفردي في الحصن أدافع عنه. ~~- لقد خدعتني إذن وجعلتني لعبة! آه، سيهزأ بي الجميع، وسأصبح مضغة ~~في الأفواه! ويلاه! إني كنت أفضل الموت على ذلك، فكيف أجسر على ~~العودة إلى باريس؟! ألم يكن هناك إلا كورسيكي واحد ليرسم لنفسه ~~تلك الخطة الجهنمية؟! لقد قضيت بالسخرية على رجل فرنسي شريف يا ~~سيدي. ~~- تلك مسألة أخرى يتوقف خروجك منها على ما تظنه كفيلا بذلك، على ~~كل منا أداء واجبه، وكان واجبي الخروج من الحصن بشرفي العسكري، ~~وقد أفلحت في ذلك، فعليك أداء واجبك أنت أيضا. # واستمر كسيلا في سيره ضاربا بكل قواه ms46 على طنبوره. # عن «الفرنسية‏»‏ # | العاصفة # هدأت العاصفة في الصباح قليلا بعد أن استمرت الليل كله، لكنها ~~بدأت الآن تجدد القوى وتتأهب للهجوم. وقد ساعدت الريح ~~العاتية التي كانت تهب من الجنوب سفينتنا على النجاة؛ إذ ~~زجتها داخل اليم حيث الأعماق عظيمة. # مر على ذلك ساعات قليلة هبت بعدها الرياح من مختلف الجهات، ~~وأزبدت الأمواج، وغطت السماء طبقة كثيفة من السحاب الأدكن، ومع ~~أن الشهر كان شهر ديسمبر فقد كان وميض البرق يقطع الفضاء، وكان ~~دوي الصواعق يختلط بزمجرة المحيط. # اهتزت السفينة اهتزازا هائلا، فاهتزت قلوبنا وارتعدت فرائصنا، ~~اهتزت ثانيا فثالثا؛ فخيل إلينا أن الأرض زلزلت، أخذت ~~السفينة تهتز اهتزازا متواصلا، فحينا نرى الأمواج قد ~~رفعتها فأوصلتها إلى الفضاء، وأخرى نراها وقد أخذت بها إلى لجة ~~سحيقة لا قرار لها. كان الهواء يصفر صفيرا مزعجا يخترق جوانب ~~السفينة، ولكن هناك صوت آخر سمع فجأة. # وكان صوت انكسار الصارية! # وبقيا كل منهما في مكانه ينظر للآخر نظرة عطف، بل نظرة خوف وإشفاق. ~~لم يلفظ أحدهما ببنت شفة، فما أرهبه من موقف! # قامت «هي» يعلو وجهها الاصفرار، وفي عينيها نظرة رعب، وحاول «هو» ~~عبثا أن يهدئ روعها. # صعد إلى ظهر السفينة ليخفي ضعفه فرأى! ويا لهول ما رأى! رأى ~~الصارية نصفين، ورأى الدفة في غير مكانها، أما مسيرها فقد ~~هرب إلى مكان آخر. # التفت الأمواج التي كانت في علوها كالجبال الشامخة حول السفينة، ~~وأخذت قطرات الماء تتناثر على جباه الناس فتطفئ من ~~حرارتها. # أيقن الجميع بالموت، واستعد النوتية للقائه بشجاعة غريبة، ولا عجب! ~~فهم أبناء البحار لا يهتمون للموت؛ لأنهم يعرفون أنه مصير ~~كل حي. # ورأى الربان «هو» في اضطراب زائد فقال له: «وددت لو أنقذكما، ولكن ~~لم يبق لكما إلا الموت معي مثل الباقين.» # وكان الربان على حق فيما يقول؛ فإنه لم يبق إلا الموت للجميع، فقد ~~ثغرت السفينة من جديد، وهجم الماء داخلها كجيش ظافر يدخل مدينة ~~افتتحها. # أراد «هو» أن يندفع نحو الحجرة إلا أنه رآها أمامه مسدلة الشعر، ~~مصفرة ms47 الوجه؛ فأخذها بين ذراعيه وضمها إلى صدره كأنه ~~يودعها. # وإذ هما على تلك الحال رأيا موجة هائلة مقبلة نحو السفينة، وكانت ~~كلما تقدمت عظم حجمها؛ فأخفت هي رأسها بين ذراعيه؛ حتى لا ترى ~~ذلك المنظر المرعب. # انقضت الموجة على السفينة انقضاض الوحش على فريسته؛ فقلبتها ~~رأسا على عقب وابتلعتها. # ولم يبق من آثارها إلا بضع أخشاب صغيرة عائمة. # عن «الفرنسية‏»‏ # | قصص عن الكاتبة الإنجليزية الكبيرة لويز هيلجرز # | ابنتي الصغيرة # لقد تألمت ألم اليأس في مبدأ الأمر؛ فقد كنت أود من كل قلبي أن ~~يكون ولدا، ولكن عندما وضعوها بين يدي ورأيت وجهها الأحمر ~~الصغير يشبه تمام الشبه وردة مفتحة الأكمام، وصل حبها إلى ~~أعماق قلبي وظهرت لي الدنيا بمظهر جديد، بسبب ابنتي الصغيرة ~~هذه، وفي أشد الأيام ظلاما كانت لي ابنتي الصغيرة قوس القزح ~~الذي يظهر في الأيام الممطرة، وإذا أشرقت الشمس كانت تظهر لي ~~أشعتها أشد لمعانا، وإنها كالذهب الوهاج؛ لأنها كانت تسقط ~~على شعرها الجميل. لقد كان لابنتي الصغيرة أجمل شعر، وكان ~~يتوهج كالذهب والنرجس. أما لون عينيها فأظنك تعرف لون زهرة ~~البنفسج، لقد كان هذا لون عينيها. # من المحال أن يوجد في العالم كله طفل أجمل من ابنتي الصغيرة، لقد ~~كانت هبة السماء إلي، وكنت أسميها دائما: «ابنتي الصغيرة» ~~حتى عندما كبرت وترعرعت، وشبت بعيدة عني؛ إذ جاء الوقت الذي ~~حل فيه أصدقاء المدرسة وألعاب المدرسة محل أمها، حين امتنعت ~~عن الحضور إلي تشكو أتعابها وتشركني أفراحها، حين أصبحت ~~مظاهر العطف والحب تسبب لها السأم والضجر، وحين أصبحت الأم ~~من المنغصات وهي تقول: «لا يجب أن تفعلي هذا.» ولكن لهذه الأم ~~أيضا يدان باردتان في بعض الأوقات، حين تكون الرأس ملتهبة ~~بالألم. # لم تكن رأسي هي التي تلتهب بالألم في بعض الليالي، بل كان قلبي حين ~~كنت أتلصص في السير إلى غرفتها بعد نومها وأقبلها قبلة ~~المساء، لقد كان يخيل لي لحظة أن طفلتي قد رجعت إلي، وهي ~~نائمة، بشعرها اللامع، وقد انسدل على وسادتها، وإذا كانت ms48 تحلم ~~في نومها إذ ذاك برفيق مدرسي، فقد كنت أميل إلى الاعتقاد بأن ~~فكرة والدتها هي التي كانت تجعلها تبتسم بسعادة وثقة، عندما ~~كنت أتقدم وأقبلها في جبهتها. # وعندما بلغت ابنتي الصغيرة الثامنة عشرة كانت جميلة، وكان الناس ~~يلتفتون ويتحدثون عنها عندما كانت تمر في الشارع، وكان ~~يسرني أن أصنع لها البسيط من الثياب البيضاء التي كانت تظهر ~~فيها كأنها زهرة من زهرات الزنبق، وكنت أحب أن أسمع إطراء ~~الناس لها وقولهم: كم كان يجب أن أكون فخورة بها، وكنت أتأوه ~~حزنا عندما كانوا ينظرون إلى بناتهم، وكانت هذ الفكرة تملك ~~علي مشاعري أحيانا حتى تجعلني أنسى وحدتي عندما تكون ابنتي ~~الصغيرة خارج المنزل في نزهة مع الأصدقاء. # كان لابنتي الصغيرة كثير من الأصدقاء، حتى وجدت من الضروري أن ~~تدرج أمها بينهم. # نعم، إن الشباب يميل إلى الشباب، كما تنمو زهرة الشمس إلى ناحية ~~الشمس. # وأظن أنه من الصعب أن تعتقد ابنة ثمانية عشر ربيعا أن قلب الأم قد ~~يكون لا يزال فتيا كقلب طالبة صغيرة، وأنها قد تكون على ~~استعداد للاشتراك في الضحك والهذر الذي حولها. # فقد جاء وقت ابتعدت فيه عني ابنتي الصغيرة حتى ظننت أنها لن ترجع ~~إلي ثانية، وكان هذا عندما وقعت في شباك غرام ذلك النوع من ~~الرجال الذين تجدهم في المصيف إلى جانب البحر، لقد كان شكله ~~كشكل الرجال الذين تراهم في صور «الكارت بوستال». # أما ابنتي الصغيرة التي كانت تظن أنها تعلم الكثير - والحق أنها لم ~~تكن تعلم شيئا - فقد اعتقدت أنه أمير بين الرجال، لا لشيء إلا ~~لأن له شعرا مجعدا حالك السواد ... وله سيارة، وكانت تستاء إذا ~~تعرضت له بنقد، فكانت ترميني بأنني من دعاة القديم وأنني غير ~~عادلة، بل وفوق ذلك أنني كنت حسودة. # وهي لا تريد أن تبقى في خزنة من زجاج، ولا تريد أن تموت وهي فتاة ~~عجوز كي تسر أحدا، وقد امتنع عن الحضور إلى المنزل، ولكن كنت ~~أعلم أنه كان يقابلها مرارا في الخارج، ولقد مررت ms49 عليهما مرة ~~وهما في السيارة. # وكان هو الشاب الصغير، الجميل الشكل، الأسمر الوجه، ينظر في وجهها، ~~وكانت ملامحها هي تدل على الاهتمام والخجل، وسقطت خصلات من ~~شعرها الجميل على وجهها، وامتلأت عيناها بأحلام الفتاة الصغيرة ~~... هي أحلام متواضعة حمقاء، كنت أعارض فيها؛ لأنها كانت أحلام ~~ابنتي الصغيرة، وكنت أخاف غاية الخوف أن تستيقظ منها، وفي يوم ~~من الأيام حدث ما كنت أتوقع، وابتعد عنها هذا الرجل كما كان ~~قد حل فجأة، وكان عذره ككل الأعذار، عذر العمل، ووعده كما هي ~~العادة، أن يكتب وأن يرجع في العام القادم. # هه، لقد انتزع من حياتها كما تنتزع الروح من الإنسان، ولكن ~~كان واجبا علي أن أحبه؛ لأنه في ليلة رحيله فقط رجعت إلي ~~ابنتي الصغيرة، وبينما كانت تشهق بالبكاء بين ذراعي وهي تقص ~~علي قصتها، خيل إلي أن حجرا أزيح من فوق قلبي حتى سمعت ~~دقاته تصل إلى أذني، وذلك لأني علمت أن ابنتي الصغيرة قد عادت ~~إلي. # عن «لويز هيلجرز‏»‏ # | عشاء اثنين # بعد عشر سنوات قضاها مورنيمر بليك في مركز عمدة البلد المحترم؛ إذا ~~به يشعر الآن أنه قد ضاق ذرعا بهذا العمل الذي يسير على نمط ~~واحد، كان راجعا إلى منزله بعد مناقشة طويلة مع القسيس حول ~~الطريقة المثلى لتوزيع صدقات عيد الميلاد على الفقراء، وخطر ~~بفكره فجأة أن الغضب قد أخرجه عن جادة الصواب، وأنه أصبح فظا ~~لا يحتمل أكثر من ذلك. # وهنا خطر بباله اسم باريز السحري، وكأن شفتيه قد نادتها! لم يفكر ~~في باريز منذ عشر سنوات عندما نفض عن نفسه غبار ذكرياتها ~~القاتمة، بعد أن هاجر من مونمارتر. # ولكن الآن وقد أخذت الذكريات تسرع في العودة إليه وكأنها شبح هائل ~~قد استيقظ من نومه، وبدأ يسر إليه بكل الأفكار الجنونية، طرق ~~النزهة المضاءة ليلا بأنوار الكهرباء، وصوت الموسيقى وهي تعزف ~~في المطاعم، والشراب المريء، والتنزه داخل العربة في غابة ~~بولونيا عندما يطل القمر من سمائه والنجوم من عليائها، ~~وإلى جانب المرء امرأة يلذ له أن يشم ms50 رائحة مساحيقها ~~وسوائلها المبردة، امرأة! إيه لقد كن كثيرات، غير أن وجها ~~واحدا هو الذي عاد إلى ذاكرته وهو مرتكز إلى الحائط يحدق في ~~شجرة أمامه. # وجه جميل، تضيئه الحياة كما يسطع النور من خلال المصباح الياباني ~~الورقي الملون، بفم صغير وشعر لامع حالك السواد. # وقد ظن أنه نسي اسمها، ولكن عندما حدق بقلبه في شكلها تحرك ~~اسمها من قبور النسيان وعاد إلى الحياة ثانية. # وقد ناداه بصوت عال، حملت رياح ديسمبر الباردة صداه ورددته ~~مصحوبا بأنة سخرية: مرجوت. # وفي اليوم الثاني وجد نفسه في باريز، وكان ذلك في مساء ليلة عيد ~~الميلاد، وعندما درجت به السيارة من محطة الشمال وجد الحال كما ~~كان، كانت هناك سلسلة طويلة من الأنوار الذهبية المتلألئة، ~~والضحكات تتعالى، والبشر يعلو الوجوه، وكانت الموائد في خارج ~~المطاعم ممتلئة كلها بالفرنسيين الملتحين السعداء، وبينهم ~~المرأة منتثرة هنا وهناك كالزهرة، وكانت الإعلانات الكهربائية ~~تظهر في أعلى المباني بألوانها المختلفة، وفوق كل ذلك كانت ~~هناك رائحة باريس السحرية، تلك الرائحة التي لا يمكن تعريفها ~~أو إدراك كنهها، وقد ملك عليه ذلك حواسه؛ فانصرمت عنه السنوات ~~العشر التي قضاها بعيدا وحيدا، وكأنها لم تكن، وقد كاد يرقص ~~طربا وهو في السيارة تدرج به من ناحية الإليسيه حيث يوجد ~~الفندق. # وفي المنتزه الواسع، الذي كان ممتلئا بالنساء، وكأنهن طيور من ~~الجنة، وكنت تسمع فيه حديث طائفة من النمسويين، وجد أنه ليس ~~بين وسط باريس! فهذه ليست باريس التي عرفها، باريس التي كان ~~يمكن للإنسان فيها أن يحب ويعيش كالملوك ببضع سنتيمات. # ولكن بعد أن استحم وانتعش جسمه، ظهرت له كأنها امرأة فاتنة يرغب ~~فيها، وكأنها طوقت عنقه بذراعيها، فخرج ثانية إلى الليل، الليل ~~وهو في باريز أكثر إشراقا من النهار، ونادى عربة سارت به إلى ~~«الرستوران بلان» بشارع بيجال؛ فقد حدث له أنه هناك، وقد انتقى ~~هذا المطعم من بين كل المطاعم التي كان يتناول فيها طعامه في ~~وقت ما أو بين آونة وأخرى. كان معتادا أن يتناول طعام العشاء ms51 ~~في ليلة عيد الميلاد، حقا إن هذا المطعم لم يكن على جانب من ~~الأبهة، وكان يؤمه متوسطو الحال فقط، ولكن على كل حال هنا قد ~~تناول طعام العشاء مرارا مع مرجوت، وفي ليلة عيد الميلاد - ~~ولكم أسرعت الذكريات في العودة! - كانت تلبس رداء أحمر، ~~وعندما خلعت عنها رداءها الخارجي تمايلت أمامه كالزهرة. ماذا ~~حدث لمارجوت الصغيرة؟ لقد أحبته جد الحب، ولقد تفارقا على ~~أحسن ما يتفارق الأصدقاء عندما راقت له الحياة الجديدة، لقد ~~صاحت وبكت على كتفه، وتركت بقعة بيضاء كبيرة من مساحيق وجهها ~~على هندامه، ولما كانت الدموع تجول في عينيه فقد وعدها ألا ~~يغفل تناول طعام العشاء معها ليلة عيد الميلاد المقبل. # وقالت وقد رفعت وجها مندى إلى شفتيه: لن تغفل الحضور؟ # فقال بهدوء وهو يرجو أن يلحق القطار: لن أغفل. # وبالطبع لم يف بوعده، فوعود الرجال الغرامية للنساء كوعودهم ~~لتاجر الأقمشة الذي يشترون منه بالدفع؛ فهي ترضي الاثنين في ~~حين أنها لا تكلفهم شيئا! # لم يتغير شيء في «الرستوران بلان»، حتى الزهور الصناعية التي كانت ~~فوق رأس السيدة التي تستلم النقود كانت هي بعينها، يعلوها بعض ~~التراب فقط، وكان هناك عدد قليل من الزبائن مبعثرين هنا وهناك ~~على الموائد؛ ولذلك لم يجد صعوبة في أن يختص لنفسه في القاعة ~~الطويلة نفس المائدة التي كان يجلس عليها هو ومرجوت، يشرب كل ~~منهما نخب الآخر من زجاجة من النبيذ الأحمر الرخيص ~~الثمن. # حسنا، أما الليلة فله أن يتناول طعام العشاء من أحسن ما يمكن أن ~~يقدمه المطعم من الأصناف، ويمكنه أن يشرب ذكرى مرجوت من شراب ~~غالي الثمن. ولما كان من غير الصواب أن يتناول الطعام منفردا ~~فإنه إذا دخلت المطعم فتاة أجمل من تلك التي تشير إليه بعينيها ~~وتبتسم له بغير انقطاع من المائدة الأخرى، فهو لن يغفل أن ~~يدعوها لتناول الطعام معه، فباريز مدينة لحظات لا مدينة آداب! ~~وهنا انفتح الباب الزجاجي في آخر المطعم، ودخلت وقد هبت على ~~أثرها نسمة من الهواء البارد ارتعد بتأثيرها الذين ms52 كانوا ~~جالسين على مقربة من الباب. # هي أيضا لم تتغير، حدق فيها بعينيه، وقد ارتسمت عليهما آثار ~~الدهشة، حدق في كل جزء منها وهي سائرة في القاعة مقبلة نحوه، ~~وجهها الأبيض، فمها الصغير القليل الاحمرار ... # وكانت تلبس رداء طويلا يخفي كل جسمها، عشرة أعوام مرت لم تتغير ~~في إبانها أقل تغيير، بينما هو قد أصبح أبيض الشعر! لقد كان ~~الأمر غريبا حقا، لقد كان حلما أو شيئا آخر بلا ريب، وكان ~~لا يزال يحدق في الفضاء كالحمقى حين وصلت هي وجلست أمامه، ~~ولم يظهر على وجهها أي أثر للدهشة حين قابلت عيناها عينيه، ~~وقالت: ها قد أتيت أخيرا! # ووصل إليه صوتها كأنه أنات، وامتدت يداه إليها: أي مرجوت صغيري! ~~إنك أجمل من أي شيء آخر، أعني أنك لم تكبري يوما واحدا، أما ~~أنا فقد أصبحت كهلا ... # وامتدت يده إلى رأسه، وأزاحت هي الرداء عن ظهرها كما تتحرك السحابة ~~وقالت: لقد كنت أوالي الحضور إلى هنا كل عام، وقد طالت مدة ~~غيابك. # وظهرت أمامه وهي في ردائها الأحمر - وربما كان ذلك من أثر كهولته - ~~كالزهرة، واعتذر هو قائلا: «إن الحياة مختلفة هناك في ~~إنجلترا، لقد كان كاهلي مثقلا بالواجبات يا مرجوت؛ فلم يكن ~~الحضور من السهل علي، ولكني مسرور لأني رأيتك أخيرا، هل ~~تعلمين ...؟ # وكانت الخمر قد أذكت من دمه: «إنه كان على أمل رؤيتك أن حضرت إلى ~~باريز، وعلى أمل رؤيتك حضرت إلى هنا الليلة ...» ~~- بعد عشر سنوات؟! # وكان لصوتها رنة غريبة مثل صوت البرق ... # وحرك يده: وبعد، فما هي عشر سنوات؟ إن عشر دقائق أقضيها معك يا ~~مرجوت لتنمحي أمامها هذه السنوات العشر.» # ولما حضر الخادم يحمل في يده طبق طعام سقط الطبق فجأة من يده، ~~وتناثرت شظاياه وقد أحدثت صوتا مزعجا، وظهرت الدهشة في عينيه ~~وهو يحدق فيهما، ثم اعتذر لبليك: «فليسامحني سيدي وكذلك ~~سيدتي؛ فلقد سمعت، بل إن كلنا قد سمعنا ...» # ودارت عيناه على كل الذين كانوا موجودين بالمطعم. ~~- «إن سيدتي كانت قد ماتت، والآن أراها هنا ms53 ثانية، وهي أصغر منها ~~سنا من أي وقت آخر ...!» # ثم انصرف الخادم ليحضر طعاما آخر، فضحك بليك وقال: لقد ظنك هذا ~~الفتى شبحا من الأشباح، هل لك أن تشربي قليلا من الشمبانيا؟ ~~إن الأشباح و«العفاريت» لا تشرب الشمبانيا. # وابتسمت في عينيه، ومست أصابعها أصابعه، ثم قالت وهي تشرب نخبه: ~~إني أشرب نخب عشر سنين مضت! # وقال بليك بأسف: أي أيام كانت تلك؟! وقد أترعت كأسها بالحياة حتى ~~فاضت على جوانبها، وكان الليل فيها أفضل من النهار. مرجوت! ~~صغيرتي مرجوت! هيا بنا نرجع عشر سنوات إلى الوراء. # قال ذلك وقد اقتربت رأسه منها فوق المائدة. # أما هي فقد ابتسمت ببعض الاستغراب، ولكنها كانت جميلة جدا، وبعد ~~فإنها قد تغيرت، وبينما كان يحدق فيها بنظره وهي تخلع قفازها ~~من يدها لاحظ أن النور الداخلي الذي كان يشع من وجهها الجميل ~~قد اختفى وتركها خاملة. وكانت هناك تجويفات صغيرة تحت عينيها، ~~وكأن أفكارا كثيرة قد تجمعت فيها، واستولى عليها سكون ~~ورصانة غريبة، وكأن أعضاء جسمها قد تأثرت أيضا، ولم يكن قد ~~عرف أبدا أن لها مثل هذا السكون والوقار. # وعلى كل حال لقد فضل مرجوت الأولى، ولكن يظهر أنها بدأت تعود ~~إليه ثانية إبان تناولهما الطعام، فابتدأ الضحك يتدفق من ~~فمها كما يتدفق الماء من الينبوع، وعاد اللون إلى ~~خديها. # والآن وجدها محبوبة حقا، وذهب بفكره إلى الوقت الذي سيكون فيه ~~إلى جانبها داخل عربة تخترق بهما الشوارع الصاخبة، وإذ ذاك ~~سيضمها بين ذراعيه. # ولكنه حزن جد الحزن عندما عرف أنه ليس له أن يوصلها إلى منزلها؛ إذ ~~قالت: إنني لا أستحسن ذلك ... # ولكن عندما قرأها السلام وأخذها ظلام العربة، كما يستلب ظلام الليل ~~لون الزهرة، سمحت له أن يزورها في الغد. ولكنها قالت: ولكن لا ~~تلمني إذا لم تجدني! # ولكنها وقد ابتسمت إذ وضعت يدها على يده، ابتسم هو أيضا كأن فكرة ~~مسرة قد مرت بفكره. # ولكنه عندما فكر صباح اليوم التالي في الذهاب إلى المنزل نمرة 15 ~~بشارع باب سان جان ms54 وسأل عنها، حدقت فيه حارسة الباب باستغراق ~~وقالت له: ولكنها قد ماتت يا سيدي! # ولكنه هز كتفيه واستند إلى الباب وقال: إن هذا محال، لقد تناولت ~~معها البارحة طعام العشاء. # فهزت حارسة الباب كتفيها بدورها وقالت: لا ريب أنه حصل خطأ يا ~~سيدي، لقد توفيت منذ نحو ستة أسابيع، وقد رأيتهم حين أخرجوها ~~من هنا، وكان الجناز حقيرا أيضا، لم تكن هناك زهرة واحدة، ~~وإذا صدقني سيدي أخبرته أنه لم يكن عندها رغيف خبز واحد أيضا. ~~نعم، كان يزورها الكثيرون إبان حياتها، ولكن أي فائدة ترجى من ~~امرأة ميتة؟! # فقال مورتيمر بليك وقد شحب وجهه: ولكني أخبرك أني تناولت معها ~~البارحة طعام العشاء، وكانت ترتدي رداء أحمر، ورداء خارجيا ~~أسود محلى بالفرو، فحدجت حارسة الباب بليك بغلظة وقد وثقت ~~أنه معتوه أو ثمل. # لم تكن هناك وسيلة ... # وبينما كان يسير في الشارع الطويل الشائب، لامست خده ريح باردة ~~كأنها يد امرأة ميتة. # عن «لويز هيلجرز‏»‏ # | العلم # لقد كان علم فرنسا هو الذي يخفق فوق حقول الحنطة، أحمر وأزرق ~~وأبيض. وكانت الأزهار والنباتات ترقص في هواء الصباح ~~البارد. # وظهر وسط الحقول منزل قاتم اللون، وكأنه رابض هناك. بدأت الشمس في ~~الظهور، وأرسلت أشعتها إلى ذلك البيت، وخرجت فتاة ظهر من ~~لباسها أنها من القرويات، وهي صبوحة الوجه، يظهر على وجهها ~~الساذج آثار الجمال. # وحولها كانت أصوات الدجاج تعلو، وصوت صياح الديك يصل إلى مكان ~~بعيد. إلا أن عيني الفتاة كانا يحدقان في سحابة زرقاء تسير ~~في السماء، ثم تثبت أخيرا بين الحقول. # هزت كتفيها في اشمئزاز: «الحرب ... مرة أخرى!» وضربت الأرض برجلها ~~وهي غضبى. لم تكن لها فائدة من استمرار تلك الحرب التي كانت ~~تأخذ من القرية أجمل شبانها، وترسل بهم - إن لم يكن إلى الموت ~~- فإلى الفخر والمجد. # وفي الطريقين ضياع لمستقبل فتيات القرية! كانت الحياة في القرية ~~تمر ببطء وتمهل كسير الرجل الكهل الذي بلغ من العمر ~~عتيا. # كانت نظارة الفتاة ثابتة على الدخان وهو يتصاعد من إحدى الجهات ms55 حتى ~~إنها لم تسمع صوتا بين سنابل الغلال؛ ومن ثم قفز رجل وأسرع ~~يحتمي بالباب، وصاح بحذر صيحة صغيرة، ثم انتصب واقفا ~~أمامها. # هو رجل عليه ملابس جنود فرنسا، وهو ممزق الثياب متربها، جميل رغم ~~هذا التراب الذي كان يعلو كل جزء من جسمه، له عينان سوداوان ~~لامعتان: «يا إله السماء! لكم أرعبتني ...» # كان في صوت الفتاة رنة حياء، رغم أنها كانت تحدق في وجهه، وتكاد ~~تلتهمه بنظراتها. # ثم أسندت ذراعيها إلى الباب، وقالت له وكأنها قد عادت إلى الحياة: ~~«أظن أنك آت من المعركة؟ لقد كانت رحى الحرب دائرة هناك، أليس ~~كذلك؟» # وأشارت بهزة من رأسها إلى الجهة التي كان الدخان لا يزل يتصاعد ~~منها. # وقال الرجل مزمجرا: «هؤلاء الألمان الخنازير! ... هم لا يهمهم إلا ~~القتل والقتل والقتل، إنهم لا يريدون الفتك بفرنسا، بل يريدون ~~أرواح الناس فقط ... وقد هجموا علينا مفاجأة هناك ...» # ثم استراح قليلا وهو يستند إلى باب المنزل، وضحك ضحكة أشبه بشهقة: ~~«أظن أنني الفرد الوحيد الذي بقي على قيد الحياة وأنا ~~...» # ثم سكت فعاد المكان إلى سكونه. # وتقدمت إليه الفتاة وهي مرتعبة، ومدت له يدها قائلة: «هل أنت مصاب ~~بجرح أو شيء؟ دعني أحضر لك شيئا؛ ماء أو أي مساعدة أخرى؟ ماء ~~أو ...» # فهز رأسه، وظهرت ابتسامة هزء وسخرية على فمه أبانتها أسنانه ~~البيضاء، ثم ضرب الأرض بيده وقال: «لقد مضى زمني يا فتاتي، إن ~~لدي خرقا هنا كفيلا بأن يزهق حياة قطة ذات تسع أرواح، ولكن ~~قبل ... رحيلي ...» # وأدخل يده إلى صدره وقال: «انظري هنا أيتها الفتاة.» # ونظرت الفتاة باستغراب إلى ما قدمه إليها وقالت: «ما هذا؟» # وقد ظهر لها كأنه قطعة قماش ملونة لفت بنظام، وقال بصوت أجش: «لقد ~~أنقذته بأي الأسعار!» # ثم فرد قطعة القماش وقال: «علم فرنسا! لم يحصلوا على هذا - على ~~الأقل - هؤلاء الألمان الملاعين، انظري هنا أيتها الفتاة ~~...» # ثم أطبق يده على معصمها الذي لوحته حرارة الشمس وصاح بها: «يجب ~~عليك أن تحافظي على هذا ...» فقالت: «دعك من العلم.» ms56 # ثم أمسكت اليد التي طوقت معصمها بشجاعة: «إنه على أي حال قطعة ~~قماش، وأنت شاب جميل، وأنا أريد أن أساعدك، لا تذهب.» # وكان في عينيها بريق غريب بينما كانت تحدق فيه: «في إمكاني أن ~~أخبئك.» # وقد شعرت أن يده قد انفضت عن يدها وقد صاح بها: «خبئي فرنسا ~~بدلا مني، إيه أيتها الفتاة! إن العلم هو فرنسا، يجب ألا يصل ~~إلى أيدي الأعداء الألمان، هل تسمعين؟» # وكان يتكلم غاضبا، ثم بدأ يلف قطعة القماش بسرعة، ونظر إليها ~~بيأس يبحث عن مخبأ ... ثم تكلم ببطء: «إن ملابسك واسعة، خبئيه ~~هنا، فرنسا في صدر امرأة! إنه لحصن آمن من برلين!» # ثم قال بصوت عال: «أسرعي أيتها الفتاة!» # ثم بدأ يلاحظ الفتاة باهتمام وهي تفتح صدرها بأصابعها الكبيرة، ~~وبعد أن أقفلته ثانية. # وبينما هو ينظر إذ خارت قواه وارتمى ناحية الباب، وكاد يقع لولا أن ~~أسندته الفتاة بذراعها، وهدأ لحظة قصيرة وهو بين ذراعيها، ثم ~~تململ بحركة صغيرة مؤلمة، وحاول أن يقف، وسمعته الفتاة يقول ~~لنفسه: «خير لي أن أذهب، فيظهر أنه أقرب مما أظن!» # ثم تحول إلى الفتاة وحدق فيها بعينيه السوداوين: «أصغي إلي ~~أيتها الفتاة، إذا مر الألمان من هذه الناحية فاذكري أنك لم ~~تريني والوقت لا يزال مبكرا، فسيصدقونك.» # ثم نظر حوله إلى هذا العالم الذي لا يحوي إلا تغريد الطيور، وصوت ~~اهتزاز سنابل القمح وهي تتماوج في الهواء، قالت الفتاة وقد ~~احمر وجهها خجلا: «قبلني - على الأقل - قبل رحيلك.» # نظر إليها ببرود وقد وقفت أمامه ملتهبة العاطفة، عليها كل جمال ~~الشباب، ثم هز كتفيه وصاح: «واها! إنكن - معاشر النساء - ~~كلكن على شاكلة واحدة، إنك تحملين فرنسا في صدرك، ثم ~~...» # وضحك ضحكة مغتصبة: «وأنا رجل ميت، ومع ذلك تتحدثين عن الحب؟! الحب! ~~... إيه! إنها الحياة هي التي أحتاجها أيتها الفتاة!» # وقد قذفها بهذه الكلمات، وإن هي إلا أحجار ثم سار في طريقه. # وانثنت هي فوق الحاجز الخشبي بسكون، وبدأت ترقبه وسنابل الغلال ~~تنفرج عن بعضها لتسمح لجسمه بالمرور، إلى أن ms57 سكن الصوت. ولم ~~تبق إلا الأزهار وهي ترقص والهواء يداعبها. # ضربت الفتاة صدرها بيدها وصاحت: «فرنسا! أنا أكره فرنسا!» # وقد جالت الدموع الكبيرة في عينيها. # عن «لويز هيلجرز‏»‏ # | حديقة # إني في غاية السرور لإعجابك بحديقتي؛ فإن كثيرين يرون أنها خالية ~~لا تحوي شيئا، وكل أزهارها بيضاء اللون كما ترين، وهم يقولون ~~لي إن الحديقة تحتاج إلى الألوان الزاهية كي تجعل لها منظرا، ~~ولكنهم لا يعلمون لماذا أفضل الأزهار البيضاء. # ولكنك أظهرت كرما؛ فزرت امرأة عليلة تسكن في غرفة مظلمة عدة مرات، ~~مع أن الشمس مشرقة في خارجها؛ ولذلك سأخبرك بما لم أخبره لأحد ~~قط، وهو: لماذا كل حديقتي بيضاء اللون؟ # إنها منظمة على نسق حديقة رأيتها منذ مدة في حلم، ولم يكن هذا بعد ~~مدة طويلة من تاريخ خطبتي إلى كرستوفر، نعم كنت مخطوبة في يوم ~~من الأيام. لقد كان شعري جميلا إذ ذاك، مثل شعرك، وخداي ~~موردين مثل خديك! # حقا كنت يا عزيزتي - ويمكنني أن أقول ذلك بغير غرور ولا خيلاء ~~كاذب - فتاة أجمل منك. لقد كان كرستوفر يقول دائما إني أجمل ~~فتاة رآها! وقد كان يعرف كثيرات. # لا يمكنني أن أظن أنه كان لفتاة حبيب أحسن من ذاك، في مثل هذا ~~اللطف وهذا الذكاء وهذا الحرص. إني عندما أقارنه إلى هؤلاء ~~الشبان الذين أسمع عنهم الآن، وهم في عجلتهم الدائمة حتى عند ~~مطارحة الغرام، لا أملك إلا أن أشفق على الفتيات اللاتي سيعشن ~~معهم. # لم يكن هناك غير أمر واحد، كنا دائما على خلاف بشأنه، من يوم أن ~~تعرفت به، وذلك كان شجاعته الجنونية أو جسارته الحمقاء، كما ~~أسميها، فبعد أن اشترى سيارة لم أعرف دقيقة راحة واحدة، وقد ~~صمم على أن يقودها بنفسه، ولم يكن يقنعه إلا سرعة فائقة عن ~~الحد المقرر، وكان يصطحبني معه في بعض الأحيان، وإذ ذاك كانت ~~روحي تكاد تزهق، وكنت أتوسل إليه والدموع في عيني ألا يخاطر ~~بحياته، فكان يقول: «المخاطرة، إن الحياة لا تساوي شيئا بدون ~~مخاطرة، إني أفضل حياة قصيرة ms58 بشرط أن تكون سعيدة.» # ثم يستمر في سيره وهو يصفر، وإني لأذكر أنه نطق بنفس هذه الكلمات ~~مرة أخرى ليلة أن حلمت حلمي الخاص بالحديقة. # لقد نمت مبكرة وأنا أفكر في كرستوفر، وقبلة المساء التي طبعها على ~~فمي وهو يودعني، وأنا لا أذكر ما حدث عقب نومي، ولكن فجأة رأيت ~~حديقة؛ لقد كانت أجمل مكان رأيته في حياتي، وخيل إلي أني ~~واقفة فوق تل، وتحتي الحديقة كأنها زهرة في ضوء القمر، وكانت ~~كلها بيضاء. وكان شكلها وأنا في موقفي كشكل حقل من زهر الزنبق، ~~ولما كساها القمر بضوئه ظهرت كأنها قد اكتست بحلة فضية، ثم ~~بدأت أنزل من فوق التل لا لسبب إلا لأني شعرت أنه يجب أن أدخل ~~هذه الحديقة، ولكن يظهر أن الطريق كان طويلا، وكان الممر في ~~أسفل التل ضيقا وكثير التعاريج، وكان يظهر دائما أن هناك ~~شخصا يسير أمامي في الطريق، ولم يمكني أن أراه؛ لأن ~~المنحنيات التي كانت في الطريق كانت تخفيه، ولكني كنت أسمع ~~وقع أقدامه، وقد وصل إلى الحديقة قبلي؛ فإني لم أكد أصل إلى ~~آخر الطريق حيث ظهر ممتدا أمام ناظري وهو ناصع البياض في ضوء ~~القمر، حتى سمعت الباب يغلق وراء شخص، وتلاشى صوت قدم بين ~~الزهور، حتى إذا وصلت أنا إلى المدخل لم يظهر أثر لأي كان، ~~وعرتني رعشة فجائية، وشعرت بالخوف من هذه الحديقة المنبسطة ~~البيضاء في ضوء القمر. # وقد كانت حديقة الموت، وكانت زهرات الزنبق التي فيها هي القبور ~~... # وكان الباب محكم الغلق؛ فلم أتمكن من الدخول، واستيقظت في الصباح ~~التالي على صوت طرق على باب غرفتي وصوت يقول: «أسرعي! ... مستر ~~كرس ... مستر كرست ...» # وتلاشى الصوت بسكون ... # ولكني علمت إذ ذاك من هو الذي سبقني في الدخول إلى ~~الحديقة؟! # ولهذا كل حديقتي بيضاء. # عن «لويز هيلجرز‏»‏ # | روبيسبيير يرتد خائبا # قصة من الثورة الفرنسية # هز روبيسبيير كتفيه وقال: كما تريدين، طبعا، ولكني أذكرك - ~~أيتها المواطنة - أن الحياة غالية، وأن القبر بارد، ولو كنت في ~~مركزك ... # ولكن دنيزدي فرانكورت ابتسمت ms59 بدورها وهي تقاطعه: إن الموت لأفضل من ~~الحياة معك. # وعرتها رعشة شديدة وهزت كتفيها، أما روبيسبيير فقد نفض بعض الغبار ~~عن ردائه وقال ملاطفا: «إنك لتخطئين أيتها المواطنة، إنني لا ~~أقدم لك الموت، فستعيشين على كلا الحالين، إنه حبيبك فقط الذي ~~إن أخطأت الحكم والاختيار سيموت. إنك تقولين إنك تحبينه - ~~أيتها المواطنة - فلا ريب إذن أنك تكرهين رؤيته وهو يصعد ~~الدرجات درجات المقصلة، وهو يقع في طريقه جملة مرات؛ فإن ~~الدرجات تكون زلقة في كثير من الأحيان لكثرة الدماء التي أريقت ~~عليها، فإن دماءهم - أولئك الأرستقراطيين - لتشبه دماء ~~الخنازير في غزارتها، إن قبلاتها - هذه المقصلة - لهي قبلات ~~حمراء نارية، أيتها المواطنة، وإني أراهن أنه ليفضل عليها ~~شفتيك أنت ...» # ثم اقترب منها خطوة، وأردف: «وعلى كل حال، فهذا ما سيحدث غدا ... ~~إلا إذا ...» # ولكن دنيز ألقت بيده التي مدها إليها بعيدا عنها، وقالت وهي تنظر ~~إليه نظرة كلها احتقار: «أوتظن أنني أبيع شرف حبيبي كي ~~أشتري حياته؟ أوتظن أنه ~~يقبل الحياة بهذا الثمن الذي تطلب؟ حقا إنه ليفضل أن يموت ~~ألف ميتة على أن يعرف أنني بين ذراعيك، وأنا ...» # وهنا احمر وجهها خجلا وهي تقول: «إنني لأموت خجلا إذا كنت ~~لأخبره بما تطلب!» # وقد حدق روبيسبيير فيها وقال: آه! إن الكبرياء كانت دائما عيبك ~~الوحيد، أيتها المواطنة، ثم أخذ يفكر وهو يفتح علبة عطوسه ~~ويغلقها: «إنك تذكرين يوما من أيام الصيف منذ بضع سنين، حينما ~~رفضت إحدى الأرستقراطيات الجميلات، وكانت تلبس الحرير بخديها ~~الموردين كلون الشرائط التي كانت تحلي شعرها - ولاحظي أيتها ~~المواطنة أن لي ذاكرة حسنة - مساعدة غريب رث الثياب مد لها ~~يده لتستند إليها وهي تنزل من عربتها كي تلجأ إلى فندق صغير في ~~الطريق. لقد كانت يدك فقط هي التي أردت لمسها حينذاك، ولكن ~~الآن ...» # ثم قال وقد لمعت عيناه تحت حاجبيه: «... الآن أطلب أكثر من ~~يدك!» # وحاول مرة أخرى أن يقترب منها، ولكن دنيز ردته ثانية، ثم قالت ~~وقد أصابها عناء شديد، وتدلت رأسها على عنقها الأبيض: ms60 «إني ~~أفضل الموت سريعا مع جاستون؛ فالفترة التي يموت الإنسان فيها ~~قصيرة، أما الحياة فطويلة جدا، ألا دعني أموت معه ...» # وهنا علت وجه روبيسبيير ابتسامة شر، وقال وكأنه يزمجر: أهذه كلمتك ~~الأخيرة، أيتها المواطنة ...؟ # فقالت دنيز بثبات وقد حدقت بكل شجاعة في عينيه بعينيها ~~الزرقاوين: نعم! # فصفق روبيسبيير بحدة وقال بخشونة: أيها الحرس، خذوا سجينكم ~~... # وقد خرج حبيب دنيز من الغرفة مسرعا، ولما وصل إلى الباب انحنى لها ~~تحية كما كان معتادا أن يفعل في الماضي، ثم صاح: الوداع يا ~~دنيز! # وقد التقت نظراته بنظراتها لحظة. # ثم مدت يديها كأنها تريد أن تمسك بجسمه أيضا؟ ثم قالت: إن هي إلا ~~فترة قصيرة ثم نلتقي أي جاستون. # وكانت لا تزال تبتسم حينما أغلق الباب والتفت إليها روبيسبيير ~~قائلا: «له القبر، أيتها المواطنة، سرير زواج مؤلم مقبض ولا ~~شك.» # ثم قال وقد احتد صوته: «أما أنت فإلى الكونسيير جيري # 1 # تسمعين كل يوم النداءات إلى عربات النقل # 2 # المنتظرة للجميع، كل بدوره إلا أنت ...» # فقالت دنيز محتدة: لا؛ فلي أنا هذا ... # ثم وضعت يدها في صدرها، ولمع في يدها شيء وهي تخرجه إلى الضوء ~~... # قفز روبيسبيير وهو يقسم، ويلعن ... # ولكنه كان متأخرا. # فقد سبقت دنيز لكي تنتظر حبيبها! # عن «لويز هيلجرز‏»‏ # | حلم يوم من أيام الصيف # عن الكاتب الأمريكي الكبير «كيت ريتشاردز» # من مذكراته 7 يوليو # وها أنا ذا في مصيف صديق المدرسة «جاك رينولدز»، والحق ~~أنه قصر حديث البناء محاط ببضع مئات الفدادين، ~~تعلوها جبال المين. وقد ودعتني والدتي وفي نفسها بعض ~~الشك وقالت: «بوب، إني أسمع أن لجاك رينولدز أختا ~~ساحرة الجمال. وستكونون بلا ريب كثيري العدد، ~~وأمامكم أنواع كثيرة من الملاهي، ولكن يجب أن تذكر ~~أن أمامك عملا شاقا يجب أن تؤديه، وأن ليس لك ~~من الزمن ما يسمح لك باللهو.» # والدتي تعلم أني سريع التأثر، ولكن لا يجب أن تقلق؛ فإن ~~لدي فكرة رواية سأكتبها، وسيكون هذا أنسب مكان ~~لكتابتها. وقد جعلني والد جاك ووالدته أشعر في الحال ms61 ~~كأني في منزلي، وأخبراني أن لدي حرية العمل ~~والدرس، وكذلك حرية اللعب وقت الفراغ. # من مذكراته 8 يوليو # أخت جاك، واسمها «هيلين»، ساحرة الجمال، لها عينان ~~رماديتان وشعر ذهبي مموج، ولها طريقة خاصة أيضا حين ~~يحمر وجهها خجلا، تغر الشاب يغير أن يعرف ~~السبب، وإنه عزاء أن يجد الإنسان في هذه الأيام فتاة ~~يمكن أن يحمر وجهها خجلا؛ فكلهن يستعملن «الأحمر» ~~بدرجة هائلة بحيث لا يظهر عليهن أثر للخجل حتى ولو ~~خجلن حقا! هيلين لا تستعمله، ويظهر أنها مهتمة ~~بعملي. # من مذكراتها 8 يوليو # حضر صديق جاك واسمه «بوب هرتلي» ليلة أمس، وهو ممتلئ ~~الجسم حسن الهيئة جميل العينين أسودهما، وهو يعرف ~~أيضا كيف يستعملهما، وقد كتب رواية لا شك أنها ~~ستنجح، جاك يقول إن المستر هرتلي فنان واسع الآمال، ~~جم الأدب. وقد حذرني أن بوب من الشبان الذين يصل ~~حبهم سريعا إلى القلوب، ولكنه متفرغ لعمله، لا يجب ~~أن يقلق جاك؛ فإن هذا الصنف من الرجال يكون دائما ~~محبا لنفسه كثير الغرور، وإذا قدر لي أن أحب ~~أحدا فسيكون من أحبه من غير هؤلاء الذين وقعوا في ~~غرام أنفسهم! وقد غنى ليلة البارحة: «هيا اشربي ~~معي!» له صوت جميل أعجبني، ولكن كان يجب ألا يهتم ~~بعينيه هذا الاهتمام. # من مذكراته 10 يوليو # هنا رهط من الرجال والنساء، لم أكتب كلمة من روايتي؛ إذ ~~يجب على الإنسان أن يستريح بعض الراحة: هنا فتيات ~~جميلات كثيرات، ولكن ليس فيهن من هي أجمل من هيلين ~~أو أكثر رزانة منها. # يمر اليوم في ركوب الخيل ولعب «الجولف» و«التنس»، ~~وبالليل نرقص في «الفراندا» الكبيرة على ضوء القمر. ~~إن هيلين فتاة رياضية عجيبة، لا يصيبها التعب أبدا، ~~ومع ذلك فهي قلما تتزين أو تتبرج، وشعرها طبيعي ~~التجعد، وجسمها مرن كأجسام الأطفال، ولها لون ~~بهيج. # من مذكراته 11 يوليو # رقصت مع هيلين ليلة أمس أربع مرات، وفي الصباح طلبت منها ~~أن تخرج معي على جوادها فأجابتني: «سنركب جميعنا ~~معا ونذهب للنزهة، وأنت تعلم أنه لا يمكنني ms62 أن أهمل ~~ضيوفي.» # إن هذا من المضايقات! قد أنهيت ملخصا لروايتي فقط، وإني ~~أعجب إذا كانت توافق على أن تكون إحدى ~~شخصياتها. # من مذكراتها 12 يوليو # ركب كل منا - أنا والمستر هرتلي - جواده اليوم؛ فكانت ~~النتيجة أن وقعنا في ورطة، فبينما كنا جميعا على ~~ظهور الخيل بعد ظهر اليوم تأخرت أنا صدفة قليلا عن ~~الآخرين، فرجع هو إلي وأخبرني أنه اكتشف في الصباح ~~منظرا طبيعيا بديعا جدا، وأنه يود أن يفرجني ~~عليه الآن. # فناديت رفاقي: «تعالوا! إن المستر هرتلي يريد أن يفرجنا ~~على منظر بديع.» فأظهروا كلهم اشمئزازا من الطريق ~~الذي كنا سنسلكه، ولكنهم سمحوا لنا عن طيب خاطر أن ~~نذهب منفردين؛ فلوينا عناني جوادينا ونحن نودعهم ~~ضاحكين، وكان طريقنا جبليا وضيقا، وصاح بنا جاك: ~~«تذكرا أن هذه الطرق غادرة، ولم يبق غير ساعات قليلة ~~على غروب الشمس.» # ولما انفردنا مر الوقت سريعا، ولكني لاحظت المستر هرتلي ~~بعد برهة وهو ينظر بقلق في ساعته، وظهر لي أن كل ما ~~يحيط بنا كان مناظر لم آلف رؤيتها بالمرة. لقد فقدنا ~~الطريق وضللنا، واقترب الغروب، وحينذاك فقط عثر ~~جوادي ووقع، وقد ارتعبت حين رأيت أنه قد عرج عرجا ~~شديدا، وأنه كان من الصعب أن أجبره على التقدم، ~~خصوصا وأن الطريق كان يزداد وعورة، وسرنا في الممر ~~وقد أمسك كل منا بعنان جواده، إلى أن وصلنا إلى كوخ ~~صياد، وكان فيه فراشان من القش وبعض أغطية وبعض علب ~~معدنية فيها كبريت، وصحت به: «ألسنا سعداء ~~الحظ؟» # فنظر إلي وهو ساه كأنه قد فقد ذاكرته، فشعرت بالعطف ~~عليه وقلت له: «أظن أن مسدسك معك، فهل لك أن تسرع ~~لتصطاد شيئا، فإني جائعة؟!» # ولكي تكون مغامرتنا تامة من جميع الوجوه جمعنا أخشابا ~~وأوقدنا نارا كبيرة. ثم اختفى المستر هرتلي برهة ~~وعاد إلي ومعه سنجاب معد للطهي وقبعته ملأى ~~بالطيور الصغيرة، وقد أتقنا من طهي الصيد قدر ~~استطاعتنا، وكان الظلام قد أرخى سدوله فأوقد بعض ~~الشموع داخل الكوخ، وأخرج لنفسه فراشا من ~~الفراشين، وترك لي كل ms63 الأغطية، ولم يختص نفسه بغير ~~واحد منها. وقد صمم على إيقاد نار بالقرب من ~~الكوخ. # إن الغابة في غاية الهدوء، أسمع صوت حركة الخيل وهي تصهل ~~وكأنها لا تشعر براحة، وصوت النار، وكذا كل ما ~~هناك. # إنني مسرورة لأن لي عادة حمل دفتر المذكرات الصغير في ~~جيبي وكذلك القلم، وإني مسرورة كذلك لوجود هذه ~~الشموع. # من مذكراته 13 يوليو # لقد أوقعت هذه الفتاة الصغيرة في مأزق حرج؛ كنت أريد أن ~~أتنزه معها منفردا ونحن على ظهور الخيل، ولذا ~~اصطحبتها إلى أعماق الغابة بحجة أن أفرجها على منظر ~~جميل، وها نحن قد ضللنا الطريق ولا أمل لنا في ~~النجاة، وقد وفقنا إلى كوخ صياد، ولا ريب أن الله هو ~~الذي أرسل إلينا هذا الكوخ؛ إذ يمكننا أن نقضي فيه ~~ليلة مريحة، وسأظل مستيقظا أكثر الليل وسأوقد ~~نارا، لا ريب أني سعيد الحظ لوجود علبة سجائري معي ~~وأنا مسرور لاعتيادي كتابة المذكرات. # من مذكراتها 14 يوليو # إذا لم تكن قد انتابتني فكرة والدتي ووالدي، وقلقهم ~~لغيابي؛ لكنت قد نمت ليلتي على أحسن حال، وقد أوقدنا ~~نارا كبيرة على أمل أن يراها أحد أو يشم رائحة ~~دخانها على الأقل. إن جوادي المسكين لا يمكنه أن ~~يسير خطوة واحدة. مستر هرتلي يريد أن يذهب منفردا ~~لاكتشاف الطريق، ولكنني صممت على أن «نثبت معا» إلى ~~أن يكشف مقرنا. إنه أعز شاب لدي؛ فهو كثير العطف ~~وكثير الاهتمام بي. وجدنا اليوم ينبوع ماء وحصلنا ~~على صيد كثير. كنت أتمنى أن توجد معي مرآة وبعض ~~المساحيق ... # من مذكراته 14 يوليو # لم يحضر أحد لتخليصها بعد، لا ريب أن أهلها سيجنون ~~قلقا، هي أكثر الفتيات صبرا، بل وأحبهن لدي، ~~سأضعها في روايتي كما هي ... # من مذكراتها 15 يوليو # جمعنا البارحة خشبا كثيرا، وجلسنا لنستريح وقد قص ~~علي بوب الكثير عن والدته وحياته من عهد الطفولة، ~~وهو كثير الرغبة في النجاح، وأنا على ثقة من أنه ~~سينجح. # وقد راقبنا القمر وهو يصعد فوق الأشجار، وعندما تذكرت ~~المنزل ومن فيه ms64 من الأشخاص الأعزاء بدأت في البكاء؛ ~~فأمسك بوب بيدي، وظلت معه مدة طويلة، ومع أنه لم ~~يتكلم أي كلمة غرام، غير أني أظن أن كلامنا قد ~~فهم! # من مذكراته 15 يوليو # جلسنا البارحة قرب النار، ويظهر أن هيلين كانت حزينة ~~فبكت، وقد أمسكت بيدها وحاولت أن أخفف عنها ألمها، ~~كنت أود أن تكون في منزلها تنعم بالراحة حتى ~~يمكنني أن أخبرها كل ما يكنه قلبي من نحوها، ولكني ~~على ثقة من أن كلامنا قد فهم. # من مذكراتها 16 يوليو # تجولنا اليوم قليلا في هذه الغابة السحرية، وقد جمعنا ~~بعض الأخشاب، وأمسكنا بعض الطيور، وتمتعنا بالراحة ~~في كل ساعة من ساعات النهار. إذا لم يكن من أجل أهل ~~المنزل لأمكنني أن أمكث هنا دائما. كيف أمكنني أن ~~أظن في وقت ما أن بوب شخص محب لنفسه كثير الغرور؟ ~~إنه أكثر الناس تفكيرا. # من مذكراته 16 يوليو # هذه هي حديقة «أردن». كان الخيام محقا فيما ~~يقول: # مقامي غصن مظل ~~بقفر # ورغيفان مع زجاجة ~~خمر # كل زادي والأهل ديوان شعر # وحبيب يهواه قلبي ~~المعنى # بشجى يذيبني ~~يتغنى # هكذا أسكن القفار ~~نعيما # وأرى هذه القصور ~~خرابا # وأنا أوافقه كل الموافقة، ولكن لأجلها هي أرجو أن ~~يجدوا مقرنا اليوم. # من مذكراتها 17 يوليو # هل هناك أمل في حضورهم؟ بالطبع عندما يكون الشخص عاشقا ~~لا يهمه أي شيء آخر: الملابس، الأصدقاء، المأكل؛ كل ~~هذه الأشياء لا تهم، كنت أود أن يكون معي ما ~~يمكنني من وضع المساحيق. إنه من حسن حظي أن أجد هذا ~~الدفتر الصغير في جيبي أدون فيه مذكراتي بدلا من ~~علبة «بودرة» أو أصبع «أحمر». لقد اختل نظام شعري ~~من الهواء، وفقدت كل دبابيس الشعر في بحثي عن الخشب، ~~لو كان بوب معه آلة حلاقته فقط! فإنه مخيف المنظر ~~بهذه الذقن الطويلة الكثة الشعر! ولكن لا بأس بمنظره ~~في ضوء القمر! لقد كرهت أكل الطيور. # من مذكراته 17 يوليو # إن عمر كان رياضيا قديما ولا شك! ولكن بعد قضاء أيام ~~قليلة في هذه ms65 «القفار» تراني أعجب إذا لم يكن يفضل ~~ال «رغيفان مع زجاجة خمر» على «حبيب يهواه قلبي ~~المعنى ... بشجى يذيبني يتغنى» أظن أنني لا أفضل شيئا ~~عن رغيف واحد مع زجاجة فيها أي شيء ! هذا إذا أغفلت ~~الحديث عن لفافات التبغ التي لا شك أن عمر قد نسي أن ~~يذكرها، فإنني لا أتغذى ألبتة في هذه القفار. أما عن ~~الغناء، إيه! آمل أن لا تجرب أن تغني كي تدخل السرور ~~إلى قلبي مرة أخرى، فهي كل مرة تحاول ذلك تشذ عن ~~النغم. # لم يتبق لنا غير عودين أو ثلاثة من الثقاب، وقد أساءت ~~استعمال النار اليوم، ولما طلبت منها أن تكون أشد ~~حرصا من ذلك، قالت: إني غير لطيف المعشر، فأخبرتها ~~أن اللطف لا يطهي الطيور. فبكت ودعتني بفظ غليظ ~~القلب، ثم تبع ذلك أن قالت لي: إني مدين لها ~~باعتذار. # هي فتاة عزيزة، وكنت أود أن ترتب شعرها بطريق ما؛ ففي ~~المنزل كان يظهر أن شعرها أغزر من هذا بكثير، وكنت ~~أظن أنه طبيعي التجعد، وكنت أظن أنها لا تتبرج أو ~~تتزين ألبتة، ولكن الآن أود لو تجد وسيلة كي تصنع ~~كل ذلك! # من مذكراتها 17 يوليو # لماذا لا يحضر والدي؟ إني لا أجد سببا، ولن يعلم بوب ~~إلى الأبد أي مجهود أصنع كي أحافظ على ثباتي؟ لقد ~~سئمت من كل شيء، والبارحة أضعت النار كلها هباء، ~~فقال: «يا لله! ألا تعلمين أنه لم يتبق لنا غير ~~ثلاث عيدان من الثقاب؟» # وكان فظا كأحد سكان الكهوف في العصر المتوسط؛ إن له ~~بعض فضائل، ولكنه يسرف في الحديث عن نفسه، وإني ~~لأعجب إذا كان قد حدث أي حادث في حياته لم يقم بوب ~~هرتلي فيه بدور البطل! وقد عملت كل ما في إمكاني كي ~~أدخل السرور إلى قلبه، فالبارحة بعد أن قمت بطهي ~~هذه الطيور الأبدية اجتهدت أن أحفظها في حرارتها إلى ~~أن يحضر؛ إذ كان قد ذهب لإحضار ماء، ولكنه عندما حضر ~~نظر إليها وقال: «أنا لا أحبها!» # وسأموت جوعا ms66 قبل أن أطهي طيرا آخر من هذه الطيور، إن ~~له هيئة رجال الفطرة الأولى بهذه الذقن الكثيفة ~~الشعر، كيف يمكن للنساء المتزوجات أن يحتملن أزواجهن ~~إذا كان عليهن أن ينظرن إليهم وهم بذقونهم الطويلة ~~هذه؟! أو وهم غير مرتبي الملابس كذلك، لا يمكنني ~~أن أفكر في شيء تشمئز منه نفسي أكثر من هذا ~~الأمر. # من مذكراته 18 يوليو # لا تظهر المرأة على حالتها الطبيعية إلا إذا حصل شجار ~~بينها وبين الرجل تحاول على أثره إصلاح ذات البين. ~~إني آسف لأني أحببتها سابقا؛ فقد كانت تظهر صغيرة ~~لا معين لها. وهذا هو ما حداني إلى ذلك، ولم تكن ~~نظراتها بالمرة، كيف أمكنني أن أظن في وقت ما، إن ~~لونها كان طبيعيا؟! وأنا آمل أن لا أرى مرة أخرى ~~فتاة في لباس ركوب الخيل، كنت أظن أني أحب اسم ~~«هيلين»، ولكني أفضل الآن اسم «جان» البسيط. وعلى ~~كل حال فأنا لا يمكنني ألبتة أن آكل هذه الطيور التي ~~لم يتم نضجها على النار. ~~«يمكننا أن نعيش بغير الحب ...» ~~«ولكن أين الرجل الذي يمكنه أن يعيش بغير طعام ~~...؟» # وسمعا بعد الظهر نباح كلاب وصوت طلقات نارية، وقد رد ~~بوب على هذه الطلقات بآخر ما بقي لديه من البارود، ~~وظهر جاك رينولدز ووالده والقلق باد على وجهيهما ~~يتبعهما نحو ست رفقاء، وقد أسرعوا جميعا إليهما ~~وسط مظاهر الفرح: «خمسة أيام في هذه القفار؟! علام ~~عشتما؟!» # فقالت الفتاة الملوثة الملابس: «على لحوم الطير التي ليس ~~عليها ذرة صغيرة من الملح.» # واستعد الجميع للرحيل، وتقدم مصور وهو يخرج آلة ~~التصوير من جيبه: «هل ترغبان أن آخذ لكما منظرا في ~~هذا المكان؟» # فقال الشاب الكث اللحية: «لا! لا! إنني لا أرغب في شيء ~~ما سوى ملابس نظيفة وطعام مناسب!» # وقالت الفتاة وقد حولت نظرها: «وأنا لا أريد أيضا، ~~أنا لا أريد إلا أن أنسى كل ما كان.» # | بولزلوف # عن مكسيم جوركي # قص علي صديق ما يأتي: بينما كنت أدرس في موسكو كنت أعيش في منزل ~~صغير، وكانت ms67 جارتي فتاة غريبة، بولندية تدعى تريزا، وكانت ~~طويلة القامة قوية الجسم شقراء اللون، رموش عينيها كثة الشعر، ~~ولها ملامح خشنة كأن الفأس قد عمل فيها، وكانت زائغة البصر ~~عميقة الصوت، لها أطوار المصارع الذي يسعى لنيل جائزة، وكانت ~~ثقيلة وزن الجسم مفتولة العضلات، وكان منظرها العام بشعا ~~جدا، ولما كانت غرفنا مقابلة لبعضها في الطبقة العليا من ~~المنزل كنت أمتنع بتاتا عن فتح بابي طالما أعرف أنها موجودة ~~في منزلها، وكنت أقابلها أحيانا على السلم أو في الردهة؛ ~~فكانت تبتسم لي ابتسامة استخفاف وهزء، وكثيرا ما رأيتها عائدة ~~إلى المنزل وهي حمراء العينين غير مرتبة الشعر، وإذ ذاك ~~كانت تقابل تحديقي في وجهها بنظرة وقحة، ثم تقول بصوتها ~~العميق: ها أنت! أيها الطالب ... # وكنت أشمئز من ضحكتها الغبية، وكنت أفضل أن أنتقل من غرفتي إلى ~~مكان آخر؛ كي لا أقابلها، ولكن المكان كان جميلا، وكان يشرف ~~إشرافا تاما على المدينة، وكان الشارع هادئا جدا؛ ولذلك ~~فضلت البقاء. # وفي صباح يوم من الأيام بعد أن لبست ملابسي، وتمددت على فراشي، فتح ~~الباب فجأة، وظهرت تريزا على عتبته، وقالت بصوتها العتيق: ها ~~أنت! أيها الطالب ... # فسألتها: ماذا تريدين؟ # ونظرت إليها، وكان على وجهها أثر ارتباك وخجل، وهي أشياء لم ألحظها ~~عليها من قبل. فقالت: أيها الطالب! إنني أريد أن أسألك ~~معروفا، وأرجوك ألا تخيب رجائي. # وفكرت وأنا على فراشي: إن هذه إلا حجة! # ولكني لم أقل شيئا، واستمرت: إنني أريد أن أرسل خطابا إلى ~~البلدة. # وفكرت: يا للشيطان! إلى أين ينتهي الحال؟ # ثم قفزت من السرير، وسحبت مقعدا إلى ناحية المكتب، واستحضرت ورقا ~~وحبرا، وقلت: هيا اجلسي وأمليني. # فدخلت وجلست بحذر بعد أن ألقت نظرة حادة إلى عيني، سألتها: ~~والآن لمن أكتب؟ ~~- «إلى بولزلوف كاشبوت الذي يعيش في سوينزيانا في طريق سكة حديد ~~وارسو.» ~~- «ماذا تريدين أن تكتبي له؟ تكلمي.» ~~- «أي عزيزي بولز: حبيبي، حبي، روحي، فلتحفظك العذراء المباركة! أي ~~عزيزي! لماذا لم تكتب من مدة طويلة كهذه إلى حمامتك الصغيرة ~~تريزا، ms68 التي تشعر بحزن عظيم من جراء ذلك؟» # ولم أتمالك نفسي عن الضحك إلا بصعوبة؛ إذ فكرت في هذه «الحمامة ~~الصغيرة الحزينة» التي تبلغ من الطول ستة أقدام، وهي قوية ~~الجسم، لها عضلات الرجل الرياضي المدرب ، ووجه أسود مجهم، كأن ~~«الحمامة» ليس لها من عمل سوى تنظيف المداخن. # ولكني حافظت على ثبات وجهي، وسألتها: من هو بولزلوف؟ # فأجابت وقد علت وجهها آثار الدهشة، كأنها لا تتصور أن هناك أحدا ~~لا يعرف بولزلوف. ~~- بولز، يا سيدي ... بولز هو خطيبي. ~~- خطيبك؟! # فقالت: لماذا تعجب أيها الطالب؟! ألا يجوز أن يكون لفتاة صغيرة ~~مثلي حبيب؟ # فتاة صغيرة، أي فكاهة تلك؟! # فقلت: من الجائز، كل شيء جائز الوقوع، كم مضى من الوقت منذ ~~خطبتك؟ ~~- عشر سنوات. # حسنا، كتبت لها الخطاب، وكان ممتلئا بالحب والعاطفة، حتى إني كنت ~~أحب أن أكون مكان بولزلوف، إذا كان الخطاب يصلني من أحد غير ~~تريزا. # وقالت تريزا وقد ظهر أنها قد تأثرت تأثرا كبيرا: شكرا لك من ~~كل قلبي، أيها الطالب، هل يمكن أن أؤدي لك أي خدمة؟ ~~- لا شكرا. ~~- يمكنني أن أصلح لك قمصانك وملابسك، أيها الطالب. # وقد اغتظت من كلامها، وأكدت لها باختصار أنني لا أحتاج لخدماتها، ~~ولذلك تركتني وخرجت. # ومر أسبوعان، وبينما كنت جالسا إلى الشباك ذات مساء وأنا أصفر ~~وأبحث عما يمكنني عمله كي أسلي نفسي؛ إذ كان الجو رديئا في ~~الخارج، ولم أكن ميالا للخروج؛ فتح الباب فجأة وفكرت: يا ~~للسماء! يظهر أن زائرا قد حضر ... ~~- أيها الطالب، هل أنت مشغول جدا الآن؟ # وكانت تريزا! حسنا، لقد كنت أفضل أن يكون شخصا آخر. ~~- لا، ولماذا؟ ~~- أريد أن تكتب لي خطابا آخر. ~~- حسنا! لبولز. ~~- لا، أنا أريد رده. # فتساءلت مندهشا: ماذا تقولين؟! ~~- عذرا أيها الطالب، إني حمقاء ... لم أوضح لك نفسي، إن الخطاب ليس ~~لي، ولكنه لأحد أصدقائي، بل معارفي فقط، وهو لا يعرف الكتابة ... ~~وله خطيبة مثلي أنا. # نظرت إليها فخجلت، وارتجفت يداها وظهر عليها الارتباك، وظننت ~~أني فهمت فقلت: أصغي إلي يا فتاتي، إن ms69 كل ما تذكرين لي عن ~~نفسك وعن بولزلوف ... إلى آخره، كل هذا ليس إلا خيالا محضا، ~~إنك تكذبين، إن هو إلا عذر تختلقينه كي تحضري إلى هنا، إنني لا ~~أريد أن أتصل بك بعد الآن ، هل تفهمين؟ # ورأيت أنها قد ارتعبت واحمر وجهها خجلا، وجاهدت كي تقول شيئا، ~~وبدأت أشعر أنني قد ظلمتها؛ فهي بعد كل هذا لم تأت بفكرة أن ~~تجعلني أحيد عن طريق الفضيلة، إن هناك شيئا وراء هذا، فما ~~هو؟ # وبدأت: أيها الطالب ... # ولكنها تحولت بحركة فجائية، وخرجت من الغرفة. # وبقيت وفي قلبي شعور بعدم الراحة، وسمعتها تغلق بابها بحدة، ~~وأحدثت صوتا عاليا، لقد كانت غضبى، وفكرت لحظة، ثم صممت على ~~دعوتها ثانية، وسأكتب لها الخطاب، لقد شعرت بالشفقة ~~عليها. # ذهبت إلى غرفتها وكانت جالسة إلى مائدتها ورأسها بين يديها، وقلت: ~~يا فتاتي، أنت ... # وإذا وصلت إلى هذه النقطة من قصتي أشعر بتأثر عميق؛ لقد قفزت ~~وسارت إلي توا، وكانت مضيئة العينين، وألقت بذراعيها على ~~كتفي، وأخذت تشهق بالبكاء كأن رزحا على قلبها: أي ... أي ... فرق ~~... يحصل لك ... إذا ... كتبت ... هذه ... الأسطر ... القليلة؟ آه ... لقد ... ~~كان ... يظهر ... أنك ... شاب ... كثير ... الطيبة! نعم ... ليس هناك ... ~~بولزلوف ... ولا ... تريزا ... هناك أنا ... أنا فقط! # فقلت وأنا في منتهى الحيرة: ماذا تقولين؟ أليس هناك بولز ~~بالمرة؟ ~~- لا! ~~- ولا تريزا. ~~- لا ... ولكن، أنا تريزا! # أصابني دوار، ونظرت إليها مستغربا، لقد كان أحدنا مجنونا بلا ~~ريب، ثم رجعت إلى المائدة، وفتشت في درجها، وأحضرت لي قطعة ~~ورق. # وقالت وهي تعود إلي: هنا، هنا، خذ هذا الخطاب الذي كتبته لي، إنك ~~لا تريد أن تكتب لي خطابا آخر، وسيقوم بأداء هذا أناس لهم ~~قلوب أرق من قلبك. # وأمسكت في يدها الخطاب الذي كنت قد كتبته لها لترسله إلى بولزلوف، ~~وماذا كانت تعني؟ # وقلت: أصغي إلي يا تريزا، ما هذا؟ لماذا تريدين أن يكتب لك أشخاص ~~آخرون خطابات مع أنك لم ترسلي هذا؟ ~~- ولمن أرسله؟ ~~- بالطبع إلى بولزلوف، خطيبك! ~~- ولكن هذا الشخص غير موجود بالمرة. ms70 # وأخيرا يئست، وكل ما كان يمكنني عمله هو أن أذهب، ولكنها تابعت ~~ثانية: «لا، إنه ليس موجودا، ليس هناك بولزلوف.» # قالت ذلك بحركة تبين أن الإيضاح كان مستحيلا ... واستمرت: ولكني ~~أريد أن أعيش، إني أعلم أنني لست مثل الأخريات - أنا أعلم ما ~~أنا - ولكن لا يضر أي إنسان أن يكتب لي ... ~~- ماذا تعنين؟ يكتب لمن؟ ~~- بالطبع، إلى بولزلوف. # فاعترضت وأنا لا أزال مرتبكا: ولكنك أخبرتني الآن أن هذا الشخص ~~ليس موجودا. ~~- أوه! يا والدة الإله! وماذا يهمني إذا كان غير موجود؟! ليس هناك ~~أحد، ولكني أتخيل أن هناك «بولزلوف»، لقد كتبت إليه كما لو ~~كان شخصا حقيقيا موجودا، وهو يرد علي، وأنا أكتب له ~~ثانية، وهو يرد بالتالي ... # وفهمت أخيرا وشعرت أنني مجرم، وخجلت من نفسي، وأصابني ألم كأنه ~~ألم جسمي. بجانبي، على قيد ذراع مني، توجد مخلوقة مسكينة ليس ~~لها شخص واحد يظهر لها أقل عطف أو محبة، لا والدان، لا ~~أصدقاء، ولا شيء! وقد اخترعت هذه المخلوقة المسكينة لنفسها ~~حبيبا وزوجا. # واستمرت تتحدث بصوتها العميق الذي يجري على وتيرة واحدة: إن هذا ~~الخطاب الذي كتبته لي إلى بولزلوف، طلبت من شخص آخر أن يقرأه ~~لي بصوت عال، وأصغيت ... حتى خيل إلي أن بولزلوف كان حيا! ~~وبعد ذلك طلبت ردا من بولز إلى تريزا ... إلي أنا. إنني أكاد ~~أشعر شعورا صادقا أن بولزلوف حي في جهة ما، لا أعرف أين هي؟ ~~ولذلك يمكنني أن أعيش أنا أيضا، فعلى الأقل لن تكون الحياة ~~قاسية هائلة ومنفردة! # حسنا، من ذاك اليوم بدأت أكتب خطابين بنظام كل أسبوع، من تريزا ~~إلى بولز، ومن بولز إلى تريزا. وإني أقسم لك أنها كانت ممتلئة ~~بالعاطفة، وخصوصا الردود. # وهي، إنها كانت تصغي للقراءة وهي تشهق وتضحك، وكانت سعيدة، وجزاء ~~خدمتي كانت تعنى بملابسي، وتصلح لي قمصاني وجواربي، وتنظف ~~قبعتي. # وبعد ثلاثة أشهر قبض عليها لشبهة حامت حولها، وأودعت السجن، ولم ~~أرها أبدا بعد ذلك. # يجب أن تكون قد ماتت! # عن «مكسيم جوركي‏»‏ # | هدية الموت # عن ms71 أناتول فرانس # بعد أن تجول «أندريه» مدة في الشوارع الخاوية، جلس إلى شاطئ السين ~~يراقب الماء وهو يصادم التلال، حيث عاشت حبيبته لوسي أيام ~~السعادة والأمل. # وجلس مدة طويلة في حالة قلق، وعند الساعة الثامنة استحم، ثم دخل ~~إلى مطعم بالقرب من «الباليه رويال»، وبينما كان ينتظر الطعام ~~تصفح الجرائد، قرأ في: «بريد المساواة» كشفا بأسماء الأشخاص ~~الذين سيعدمون في: «ميدان الثورة» يوم 24 فلوريال. # وتناول الطعام بشهية، ثم قام ونظر في المرآة ليرى إذا كان مرتب ~~الملابس ومنبسط الأسارير؛ ومن ثم سار بخطى متثاقلة ناحية ~~النهر إلى منزل في زاوية السين وشارع مزارين. وهناك كان يعيش ~~المواطن «لرديون» النائب العام في محكمة الثورة، وهو رجل كريم ~~عرف بخدمة أصدقائه، عرفه أندريه في أنجرز كراهب من رهبان ~~الكبوشان. أما الآن فهو جمهوري متطرف في باريز. # دق الجرس، وبعد بضع دقائق ظهر وجه خلف الباب، وأطل من كوة في ~~الحائط. وبعد أن تأكد المواطن لرديون من وجه واسم ضيفه فتح ~~الباب أخيرا. وكان له وجه سمين أحمر اللون وعينان لامعتان وفم ~~كبير وأذنان حمراوان، وكان له وجه الرجل الضحوك ولكن هيئة ~~الجبان. وقد أدخل أندريه إلى أولى غرف المنزل. # وكان موضوعا فوق مائدة مستديرة طعام قد أعد لشخصين، ورأى ~~أندريه دجاجة وفطيرة وفخذة لحم وطبق (فواجرا)، وأصنافا من ~~اللحوم الباردة. وعلى أرض الغرفة كانت هناك ست زجاجات خمر ~~موضوعة داخل دلو كي تبرد، وعلى المدفأ كان هناك التفاح ~~والجبن والفاكهة المحفوظة. وعلى أحد الأدراج وضعت زجاجات من ~~المشروبات فوق أكوام الورق. وكان باب الغرفة المقابلة مفتوحا، ~~وكان فيها سرير غير مرتب. قال أندريه: أيها المواطن لرديون، قد ~~أتيت أسألك معروفا. ~~- أيها المواطن، إني على استعداد لمنحه إذا لم يكن على حساب سلامة ~~الجمهورية. # فقال أندريه بابتسامة: إن ما أطلبه من المعروف يتفق تماما مع ~~سلامة الجمهورية، وسلامتك أيضا. # وجلس أندريه بإشارة من لرديون وقال: أيها المواطن النائب، أنت تعرف ~~أني منذ سنين أتآمر على أصدقائك، وتعرف أنني مؤلف «مذبح ~~الخوف»؛ ولذلك ms72 لن تخدمني إذا قبضت علي، بل إنك تؤدي واجبك ~~فقط؛ ولذا ليس هذا هو المعروف الذي أطلبه منك، ولكن أصغ ~~إلي: إنني أحب وحبيبتي في السجن. # وأحنى لرديون رأسه دلالة على أنه يقدر تلك العاطفة. ~~- إنني أعرف أنك رجل عواطف، أيها المواطن لرديون، وإنني أرجوك أن ~~تجمع شملي بمن أحب، فترسل بي إلى سجن «البورت ليبر». # فقال لرديون وقد ظهرت الابتسامة على شفتيه، ابتسامة دهاء وثبات: ~~ها! ها! إنك تطلب ما هو أثمن من الحياة، أيها المواطن، أنت ~~تطلب السعادة! # ثم أشار بذراعه إلى ناحية غرفة النوم ونادى: «أبيكاريس! ... ~~أبيكاريس!» # وظهرت امرأة طويلة القامة شعرها حالك السواد، عارية الرقبة ~~والذراعين، تلبس قميصا، وقد وضعت زهرة على رأسها، قال لرديون ~~وهو يجذبها إلى ركبتيه: أي حوريتي! انظري إلى وجه هذا المواطن ~~ولا تنسيه أبدا، هو مثلنا، أي أبيكاريس، له عواطف نبيلة، هو ~~مثلنا يرى أن الفراق هو أشق أنواع العذاب والشرور، هو يرغب ~~أن يذهب إلى السجن بل إلى المقصلة أيضا مع حبيبته، أبيكاريس! ~~هل لنا أن لا نؤدي له هذا المعروف؟ # فقالت الفتاة وهي تداعب خد قسيس الثورة: لا. ~~- لقد أصبت الجواب يا إلهتي، يجب أن نساعد هذين المحبين المخلصين. ~~أيها المواطن أندريه جرمان، اترك لي عنوانك، وستنام الليلة في ~~السجن ... # فقال أندريه: لقد اتفقنا إذن؟ # فأجابه لرديون وهو يمد إليه يده: نعم قد اتفقنا، اذهب وقابل حبيبتك ~~وأخبرها أنك رأيت أبيكاريس بين يدي لرديون، ولتحدث هذه الصورة ~~اضطراما في قلبيكما نحو أفكار براقة! # فأجاب أندريه أنهما ربما وجدا صورا أشد تأثيرا من هذه، ولكنه ~~مبتهج على أي حال، ويأسف لأن ليس له أن يأمل بأنه سيؤدي له ~~أية خدمة ردا على خدمته هذه. # فقال لرديون: إن الإنسانية لا تطلب جزاء ولا شكورا. # ثم قام وأردف وقد ضم أبيكاريس إلى قلبه: من يعلم متى يأتي دورنا؟ ~~ولكن الآن فلنشرب أيها المواطن، هل لك أن تشاركنا في ~~الطعام؟ # وقد حبذت أبيكاريس الفكرة، وأمسكت أندريه من ذراعه، ولكنه مرق ~~منها وهو يحمل ms73 وعد النائب العام. # | قصص عن الكاتب الفرنسي الكبير مارسيل بريفو # | الوحم # تزوج المسيو شربونيل - وكيل باريز لمحلات شوفيه تجار الشمبانيا - ~~وهو في سن الخمسين، فتاة من بنات أحد زبائنه تدعى «كليمنس ~~روبير»، وكانت غضة الشباب، موردة الوجنتين، شقراء الشعر، وكان ~~كل ذلك مما جذب إليها المسيو شربونيل، وأصبح عقب زواجه توا ~~سعيدا جدا، إذ إن كليمنس ملأت المسكن الموحش لهذا العازب ~~ضوءا وحياة بخفتها ورشاقتها وحبورها. وقد أظهرت لزوجها - ~~رغم أنه كان يكبرها سنا - أعظم الحب وكل الميل، وكانا ~~يشتركان في كثير، فمن مزاج متوحد، إلى طباع متوافقة، كانا ~~يحبان أكل اللحم ولعب الورق منفردين، وحضور التمثيل والذهاب ~~إلى الملاعب. # وكان من عاداتهما أنهما إذا بدآ قراءة أجمل الروايات المسلسلة التي ~~تنشرها الجرائد السيارة، غلب عليهما النعاس. وقصارى القول أنه ~~رغما عن تفاوت عمريهما كان يظهر على كليمنس أنها على استعداد ~~تام لأن تؤدي واجباتها، بل كانت تؤديها بسرور تام. ولم تكن من ~~اللاتي يطالبن أزواجهن بكماليات مفاجئة. ربما ضايقت المسيو ~~شربونيل، وما مر على زواجهما أكثر من سنة حتى فاجأت كليمنس ~~زوجها بأن أسرت إليه أمرا، ذكرته وعلى وجنتيها حمرة الخجل، ~~فإذ ظهرت عليها آثار توجهت منفردة إلى صديق قديم لأبيها هو ~~«الدكتور تييرسلين»، وكان يدير مصحا في شارع سان جورج، وبعد ~~أن فحصها الدكتور قال لها وهو يداعبها بوضع يده على خدها: ~~ارجعي إلى منزلك يا صغيرتي كليمنس، وبشري زوجك بخبر سار، وهو ~~أنك حبلى في الشهر الثاني. # وإن السمنة التي ظهرت على جسمها ملأت قلب شربونيل سرورا وفخرا، ~~ولكن تلك السمنة عينها أقلقت معيشة الزوجين؛ ففي الشهر الرابع ~~حين بدأ الجنين يتحرك في بطن كليمنس، بدأ خلقهما في الاختلاف ~~وعاداتهما في التباين؛ فأصبحت كليمنس كثيرة السأم، ذات مزاج ~~غريب، ففي ساعات ضحكها تنقلب فجأة باكية، ومن الإغراق في ~~المحادثة إلى السكوت المطلق، وكرهت أنواع الطعام التي كانت ~~تفضلها على غيرها، وأصبحت تصاب بنوبات فتلازم غرفتها مدة ~~أسبوع، وبينما كنت تراها ساكنة إذا بها تنقلب فجأة؛ فتصبح ~~كثيرة ms74 الحركة والحديث تريد الخروج للذهاب إلى الملاهي! # وكان المسيو شربونيل متأثرا في خضوع وخنوع، وهو يجيب كل ما ~~يطلبه مزاجها، وكان يحدث نفسه: «إن ذلك إلا أمر مؤقت، بعد ~~قليل يمر ... ومع ذلك فأنا أتحمل كل ذلك من أجل فرنسوا!» وكان ~~هذا هو الاسم الذي اتفق عليه الزوجان للجنين الذي ستلده ~~كليمنس، ورجع المسيو شربونيل ذات مساء في شهر ديسمبر وخاطب ~~زوجه: «ارتدي ملابسك بعد العشاء كي نتوجه إلى «السرك» للتفرج ~~على جمز جمز مرود الببغاء؛ إذ يظهر أن ذلك الرجل غير عادي.» ~~فصفقت كليمنس لهذا الخبر، وكانت هادئة الخلق تلك الليلة في ~~رزانتها وسكونها قبل سمنتها، وكانت شديدة الرغبة في رؤية جمز ~~جمز هذا؛ إذ كانت قد رأت صورته الملونة وهو جالس على «العقلة» ~~في لباس أسود ملتصق بجسمه كلباس البحر، وعلى ذراعه الممدود إلى ~~الأمام عدد كبير من طير الببغاء، وكانت هناك إشاعة أنه غني، ~~وأن سيدة إنكليزية عظيمة تنفق عليه، وقد رافقته إلى ~~باريز. # وفي تلك الليلة - كما كان في الليالي السالفة - نال جمز جمز نجاحا ~~عظيما كنجاح مرود الثيران الإسبانية، وكان وجهه جميلا ~~جدا، يتدلى شعره على جبهته، ويكشف لباسه الأسود الملتصق ~~بجسمه عن جسم قوي، وذراعين مفتولين أشبه بأذرع التماثيل. أما ~~النساء فكن يعجبن بمنظره ويصفقن تصفيقا حادا عندما ~~يقوم بإحدى حركاته! # ولما أن رجعا إلى منزلهما سأل شربونيل زوجه في تؤدة: لا ريب أنك ~~سررت من ذلك يا كليمنس؟ # فردت عليه ببرود: نعم، قليلا ... # ولم يفز منها بأكثر من ذلك، وقد تغيرت من السرور إلى الغضب، ~~وعادت إلى الخلق الثائرة، ولما أراد زوجها أن يداعبها قليلا ~~رفضت غاضبة، فنام حزين القلب في خضوع أيضا، وفكر أن الصبر ~~أفضل؛ إذ يجب الصبر من أجل فرنسوا! # وفي اليوم التالي قامت كليمنس هادئة الخلق، مسرورة، وغنت وهي تلبس ~~ملابسها، وقبلت زوجها في عنقه وهي تضع له ياقته، ونظفت له ~~الحذاء بنفسها، وأعدت له طعاما يحبه. # ولما تركها نحو الساعة الواحدة بعد الظهر للذهاب إلى محل عمله وضعت ms75 ~~له على ملابسه رداء من الصوف وهي تعلن أن البرد شديد جدا ~~وهي لا تريد أن يصاب زوجها الصغير بزكام! # وفي الشارع لحظها وهي في الشرفة، وهي ترسل له قبلات في الهواء، ~~واستمر الجو حسنا طول اليوم، وطول المساء إلى اللحظة التي وجد ~~فيها الزوجان جنبا إلى جنب في سريرهما، وهنا أمسكت كليمنس ~~برأس زوجها الكبير في يديها الصغيرتين، وامتدت بفمها إلى أن ~~وصلت إلى أذنه ودمدمت: لي حاجة أطلبها منك يا عزيزي ... # فامتلأ قلب شربونيل سرورا وأجابها: اطلبي كل ما تريدين، يا قطتي ~~الصغيرة! ~~- إنها حاجة لا يسهل الإفضاء بها! ~~- اذكريها ... تشجعي ... ~~- دعني أطفئ الشمعة؛ فأنا لا أجسر مطلقا على طلب حاجتي هذه طالما ~~كان الضوء منتشرا. # ولما أطفئت الشمعة استمرت كليمنس: أنت تعرف جمز جمز، رجل الببغاء ~~جيدا؟ ~~- نعم ... حسنا، هل تريدين أن تذهبي لرؤيته مرة ثانية؟ ~~- لا ... ولكن أريد أن أقول: نعم ... ولكن ليس في الملعب ...! # وبدأ شربونيل في الضحك، وتحدثت كليمنس غاضبة: لا أريد أن تضحك ... إن ~~المسألة جدية، إن لدي «وحم»، وهي رغبة قوية، وإذا لم تفعل ما ~~أريد ... حسنا، إن امرأتك الصغيرة تموت والطفل أيضا ~~بالطبع! # ضم شربونيل كليمنس بين ذراعيه وقبلها بعطف وقال لها: إني أفعل كل ~~ما يمكنني كي أوافقك يا قطتي! وأنت تعلمين ذلك، ولكن ~~صرحي! # وحينئذ أسرت كليمنس، وقد التصقت بزوجها في أذنه: أريد أن أرى هذا ~~الرجل وهو عار عن الملابس. # ثم أخفت وجهها على رقبة شربونيل، وصاح شربونيل برعب: ترينه وهو ~~عار عن ملابسه؟! لا ريب أنك قد جننت، ولكن ماذا تقصدين أولا؟ ~~هل ترغبين في رؤيته وهو بلباس البحر كما رأيته في اليوم ~~السابق؟ # فقالت كليمنس مؤكدة: لا، بدون لباس البحر ... بدون أي شيء! # فقال شربونيل: أي عار تماما! # ولما استقر قرارها قالت: انظر إلي ... يجب أن أرى هذا الرجل بهذه ~~الهيئة من أجل فرنسوا؛ فالبارحة عندما ظهر في الملعب وهو ~~متشح بالسواد أثر ذلك في قلبي وصدمني صدمة قاسية ... وشعرت ~~بالطفل يتحرك، وكأنه غير مرتاح ... ومن ms76 ذلك الوقت وأنا أرى أمامي ~~دائما شبحا أسود يتشح بلباس أسود كلباس البحر، فإذا لم ~~تجبني إلى ما أطلب سيكون لك ابن أسود زنجي، بل أسود من زنجي! ~~مع أني أرى أن المسيو جمز جمز مثل الرجال الآخرين أبيض الوجه، ~~جميل الشكل ... والآن! إن فرانسوا سيكون طفلا جميلا أبيض الوجه ~~مثله، وهذا كل ما في الأمر! # وعبثا عارض شربونيل، وعبثا حاول أن يؤثر على امرأته ويجعلها ~~تعتقد أنها تطلب أمرا إدا مخالفا للصواب، وأنه حتى إذا ~~وافق هو - شربونيل - فإنه يجب الحصول فوق هذا على موافقة جمز ~~جمز نفسه الذي سيظن أنه يحادث بعض المجانين عندما يطلب منه أن ~~يظهر عاري الجسد أمام سيدة! # عبثا ثار شربونيل، وعبثا حاول أن يرجع كليمنس إلى صوابها، ~~وعبثا هددها؛ فقد كانت مصرة على الوصول إلى غرضها، وكانت تكرر ~~دائما: أريد أن أرى هذا الرجل وهو عار! # وانتهى بها الأمر أن أصابتها نوبة عصبية، فكانت تصيح وتبكي وتهذي ~~أحيانا، ولم يجد تاجر الشمبانيا وسيلة لتهدئتها غير أن يعدها ~~بما تطلب، وعندئذ نامت من فرط تعبها. # وكان شربونيل يأمل أن تكون رغبتها هذه قد انتهت في الغد، ولكن لم ~~تكد كليمنس تستيقظ حتى قالت بسكون: أنت تعلم أنك وعدتني ... ~~ستذهب عند مسيو جمز جمز في الحال، وإلا فسوف أصاب بنوبة بعد ~~ظهر اليوم وألد طفلا ميتا. كذا! # ولم يقاوم شربونيل، فلبس ملابسه وتزين، وشيعته هي بهذه الوصية: ~~أسرع! لن أقدم لك طعام الإفطار إذا لم تأتني معك بالجواب عند ~~رجوعك. # ورجع بعد ساعة، وكانت كليمنس تنتظره عند الباب، فقالت له: ما ~~وراءك؟ # فقال الزوج: أصغ إلي، إني لم أذهب عند هذا المدعو جمز جمز، فإنه ~~بلا ريب كان يطردني شر طردة، ولكني ذهبت عند الدكتور ~~تييرسلين في عيادته التي يعالج فيها المرضى بواسطة الماء ~~البارد، واستشرته في حالتك، وهو يعرفك حق المعرفة، وقد أخبرني ~~حقا أنه من الخطر معارضتك في حالتك هذه. # فقالت كليمنس: ها قد رأيت صحة حديثي! ~~- لا تقاطعيني؛ فإنه بالرغم من حسن ms77 قصدنا كان يجب أن يرفض طلبك، ~~لولا مصادفة غريبة أرسلها الله؛ فإنك تعرفين أني لم أكن لأوافق ~~بالمرة أن يعرف هذا الرجل جمز جمز برغبتك. أما المصادفة ~~الربانية فهي أن جمز جمز يأخذ حماما بالماء البارد كل صباح ~~حوالي الساعة العاشرة عند الدكتور تييرسلين، وهو الذي يعطيه ~~هذا الحمام، وعلى ذلك سنذهب غدا أنا وأنت إلى عيادة المعالجة ~~بالماء البارد قبل الساعة العاشرة، وسيخبئك تييرسلين بالقرب من ~~الحمام في حجرة داخلية غير ظاهرة يخفيها ستار ويفتح أحد ~~أبوابها إلى مكتب الدكتور، فيمكنك أن تزيحي الستار لتتفرجي على ~~كل ما تريدين رؤيته، والآن إذا كان الأمر لا يهمك فإننا سنكف ~~الحديث حول هذه الحماقة ... # وارتمت كليمنس على عنق زوجها تقبله بكل حرارة وهي تقول: إني ~~أعبدك! إني أعبدك! سترى كم يكون جميلا ابنك! # وقد أظهرت طول باقي اليوم شعورا هادئا رقيقا. أما شربونيل فكانت ~~عليه ملامح التفكير، وكان يشعر ببعض الحزن كشعور الرجل الذي ~~يؤدي تضحية مؤلمة بدافع الحب. # وفي اليوم التالي أخذت الحوادث مجراها كما اتفق الزوج والدكتور ~~بطريق روعي فيه الحب البريء الذي كان يشعر به الرجل نحو ~~زوجه وواجب صيانته لها من الجهة الأخرى. وصل آل شربونيل عند ~~الدكتور تييرسلين حوالي الساعة التاسعة والنصف بحجة زيارة ~~البناء، وتفرجا على كل جزء من العيادة؛ ومن ثم لما أزفت ~~الساعة العاشرة قال الطبيب: لدي مريض يأخذ حماما في الساعة ~~العاشرة تماما، فهل لكما أن تنتظراني لحظة في مكتب عملي، ~~وسألحق بكما بعد برهة. # ثم قادهما إلى غرفة المكتب وتركهما، وكان فيها باب يفتح على غرفة ~~صغيرة مظلمة يفصلها عن غرفة الاستحمام ستار يمكن رؤية الحمام ~~بكل جلاء من بين ثناياه، وبدون أن يكتشف أحد وجودهما. # وكانت كليمنس هادئة جدا وراضية، ونظرت من الركن الأيسر للستار، ~~وأخرج شربونيل رأسه من الركن الأيمن. # وكان عنده شعور خاطئ، هو أن اهتمام امرأته بالنظر سيكون أقل تأججا ~~حتما ما دامت تعلم أنه ينظر معها في نفس الوقت ما تنظر هي. ~~وبعد برهة دخل رجل ms78 مؤتزر بمئزر الحمام، وكان جمز جمز، وتحادث ~~برهة مع الدكتور ثم رمى بالمئزر للخادم وبسط يديه على جسمه ~~العاري، وعرض بطنه للماء البارد الذي كان موجها إليه، وكان ~~شربونيل ينظر لهذه العملية من وراء الستار وهو يشعر بالسرور ~~رغم أنفه، وظهر له الرجل الرياضي بمظهر الرجل المتين التركيب، ~~ظهر له أنه عريض الأكتاف أثقل وزنا في مظهره هذا منه إذا ~~رئي وعليه لباس اللعب الخاص. # وكان غير عادي في شيء واحد هو أن كل جسمه كان مغطى بالشعر ~~الكثيف، فكان الشعر تحت إبطيه وعلى نهديه وبطنه، واستمر الحمام ~~عدة ثوان فقط، وعندما أدار تاجر الشمبانيا رأسه لم يجد امرأته ~~بجانبه، وكذلك لم تكن في الغرفة، وكانت الزوجة قد فتحت الباب ~~ودخلت إلى مكتب الدكتور، وعندما دخل زوجها وجدها جالسة على ~~المقعد تفكر، فقال لها ببعض أسف: والآن هل أنت راضية؟ هل ~~تفرجت على ما كنت تريدين رؤيته؟ # فهزت رأسها وقالت: لا، لم أمكث إلا لحظة قصيرة، لم يكد الرجل يخلع ~~رداءه حتى انصرفت. # فسألها شربونيل: ولماذا؟ # فعبس وجهها: إنه مثل المجرمين، فجسمه مغطى كله بالشعر، له هيئة ~~القردة، ولذا فكرت في الطفل وقلت: «ماذا أصنع إذا جاء طفلي ~~كهذا!» ولذا أسدلت الستار وفررت بنفسي إلى هنا، بينما بقيت أنت ~~تتفرج، وأنت تعرف أنني لا أريد أن يكون فرنسوا شبيها ~~بقرد. # وأضافت بعد برهة بكل سكون: إنني أفضل له عن ذلك أن يكون شبيها ~~بزنجي! # عن «مارسيل بريفو‏»‏ # | الضيف # (1) # إلى السيد القس بينيه، 8 شارع أزاس، باريز # أسرع بكتابة هذه الكلمة الصغيرة إليك، وأنا أسرها إليك ~~يا عزيزي الأب، وإن قلبي - قلب الأم السعيدة - لا ~~يرغب الانتظار مدة أربعة الأيام التي تفصلنا إلى حين ~~رجوعنا إلى باريز؛ كي أبشرك بالأخبار السارة، وأنا ~~لا أظن أن شيئا من هذا سيتم قبل نهاية الشتاء حين ~~تكون ابنتي الصغيرة، قد أصبحت ربة دار بفضلكم، وفي ~~حال تحسد عليها. # وكم أنا مدينة لك لمساعدتي، فأنا عديمة الخبرة، وفي ~~عزلتي هذه، إن أرملة يكبر أولادها يوما ms79 عن يوم ~~لتتبين أنه يجب، كي تسدد خطاهم الأولى خارج ~~العائلة - أن تكون لها سلطة أكبر من سلطتي، وخبرة ~~أوسع من خبرتي، والأبناء الذكور يمكن تقييدهم ~~بالكليات أولا ثم بالمدارس العليا ... فمستقبل موريس ~~لا يقلقني نصف ما يقلقني مستقبل أخته. # والآن، وقد انتهت التجربة، وانتهت بالنجاح مع حسن الحظ، ~~لي اعتراف أسره إليك، لقد شككت لحظة في قيمة هذه ~~الفرصة، ولولا كل الاحترام الذي أشعر به لقد استكم ~~لما أمكن إقناعي، فلم أكن أقبل بالمرة أن نضم في سلك ~~حياتنا بالريف، شابا لا نعرف عنه إلا القليل مثل ~~«المسيو دي مونتيفري» لو لم تكن أنت الذي قدمته لنا، ~~وكنت أخشى أن يحدث حضوره تأثيرا سيئا بين ~~الجيران، فإن رابطة الجوار لا تمنع الناس من التحدث ~~بمثالب جيرانهم، والتقول عليهم، وكنت أقول في نفسي: ~~«محال أن يكون من السهل أن يصبح هذا الشاب - وهو في ~~السابعة والعشرين من سنه - صديقا لموريس الصغير ~~الذي لا تهمه غير علومه، حتى ...» وكنت قد أسررت إلي ~~قائلا: «أنا أتحمل كل تبعة!» ولما كنت أنت الذي ~~أحضرت مسيو مونتيفري إلى بوكور، فقد ألجم هذا ألسنة ~~السوء ومنعها من التقول، ورأوا أنه من الطبيعي أن ~~يأكل على مائدتي، وأن يتنزه مع ابني وابنتي ومس ~~جكوبسون. # وقد قدر الكل قيمة هذا الشاب بعد الأسبوع الذي قضاه، ~~وكان يظهر عليه أنه يجد في اللعب بالسيف وركوب الخيل ~~مع موريس لذة أكبر من الجلوس مع لوسي لقراءة ~~الموسيقى أو الجلوس مع مس جكوبسون يناقشها في شتى ~~الشئون العلمية. أما احترامه لي فكان يذكرني باحترام ~~زوجي العزيز المسكين، وإذا أضفت إلى كل هذه الفضائل ~~أنه غني وليس له أب أو أم، وأنه ربي تحت رعايتكم، ~~أجد نفسي مضطرة إلى الاعتراف يا عزيزي الأب بينيه، ~~إني أسعد الأمهات وإنك أحكم المرشدين. # وكان قلقي العظيم، بعد أن وثقت من فضائل مسيو دي ~~مونتيفري النادرة هو: هل يقدر له أن يحب لوسي؟ ولوسي ~~هل تحبه هي؟ لوسي فاتنة، ولا أظنني مدفوعة بالتيه ~~الوالدي إذا ms80 قلت «فاتنة» ... ولكنها ساذجة وبسيطة ~~لدرجة عظيمة، لا تهتم بالتجمل الذي يهم الشبان ~~الآن، وهي ليست أبدا من اللاتي يرضين بأول راغب في ~~الزواج منهن تلك العزيزة. # ثم كلمة أسرها لك فقط، أظن أنها أحدثت أثرا عظيما في ~~نفس مسيو دي مونتيفري بروحها الخفيفة فقط. آه، إنه ~~لم يصرح لها بشيء من ذلك قط، وهو أكثر أدبا من أن ~~يسمح لنفسه أن يأتي عملا غير لائق كهذا، ولكنه ~~صرح بكل شيء، برزانته المعودة لمس جكوبسون التي ~~أكسبتها سنوها الأربعون شجاعة فائقة، وكانت لا تزال ~~تكرر لي حتى هذه اللحظة: «هل لاحظت كيف كان المسيو ~~دي مونتيفري - وهو الذي يصيب في كل عمل - قلقا ~~وحزينا يوم سفره؟ مع أن الحياة في بوكور تنقصها ~~الكثير من الملاهي التي تقدمها باريز لشاب واسع ~~الغنى، كريم المحتد، لا ريب أن السبب ذلك كان لأنه ~~ترك قلبه في بوكور!» # والحق أنها أصابت في حدسها؛ فهي فتاة لبيبة ... # أما لوسي، فإنها لم تقل شيئا، لا لمربيتها ولا لي، وأظن ~~أني كنت أصنع مثل ما صنعت لو كنت مكانها وفي سنها، ~~فكل فتاة عفيفة تكتم في طيات نفسها أقل انفعال من ~~انفعالات قلبها. # ولكني راقبتها، وكانت تتجمل إن لم تكن تتبرج كي تنال ~~إعجاب ضيفنا، وكانت تسر بمجلسه وصحته، وقد مكثت هي ~~الأخرى شاردة اللب بعد سفره، وفي كلمة واحدة. لقد ~~سارت الأمور في مجرى حسن كي تنتهي حيث ~~تمنينا. # وأنا أرجو أن تنهي باريز ما بدأته بوكور، ومن المناسب ~~أن يأتي مسيو دي مونتيفري لزيارتنا مرارا من اليوم ~~التالي ليوم وصولنا. وأنا أفكر في دعوته للغذاء على ~~مائدتنا، وبهذه الطريقة يصبح المتحابان غير قادرين ~~على الافتراق عن بعضهما، ويصل بهما الحال أخيرا أن ~~يطلبا منا بنفسهما أن نسمح لهما بالزواج في أقرب ~~وقت، ويمكننا برشاقة أن نقدم لهما زواجا هو زواج ~~رغبة كانا يظنان فيه - لولا هذا الطريق الذي مهدناه ~~لهما - أنه زواج مصالح. # أعترف يا سيدي القس بينيه أننا من صغار المخادعين! ولكنه ~~والحق لأجل ms81 سعادة الأبناء الذين نحبهم، ولأجل تكوين ~~عائلة مسيحية، وإني سعيدة سعادة لا يمكنني أن أعبر ~~لكم عنها، وتراني إلى جانب تعبيري عن سروري أزف ~~إليكم أسمى عبارات الشكر الخالص. # كونتيسة بوكور - جيفري ~~(2) # إلى مادموازيل كلوتيلددي لسبرون - يحفظ بشباك بريد ~~هوسمان، باريز # أرسل إليك هذه الكلمة يا عزيزتي كلو، بكل تكتم ~~وتحفظ، حتى لا أترك فرصة لوالدتي ولمس جكوبسون ~~وللأب بينيه وللأشخاص الذين يهتمون بشخصي الصغير، ~~أنا التي لا يزيد سنها عن سبعة عشر عاما كي يتدخلوا ~~في شئوننا وحديثنا الودي. وهناك حديث طويل هذه المرة ~~فأرهفي أذنيك: كلو! «أولا» فرح! فإننا نترك بوكور ~~يوم السبت إلى شارع الجامعة، وسأكون بالمنزل حوالي ~~الساعة الخامسة، وأتمنى أن تجدي وسيلة للحضور مع ~~أخيك المسيو هنري إذا كان راغبا في اجتلاء طلعتي، ~~وسماع آخر الأخبار عن «زواجي»، فليس هناك شك في أن ~~القرار قد استقر على تزويجي ... ب «الضيف»! نعم ~~قرروا أن يزوجوني بتلميذ الأب بينيه المختار، ومس ~~جكوبسون ووالدتي تتهامسان سرا من يوم سفره، وهما ~~تدللاني وتقبلاني كأن ساعة الفراق قد دنت، وقد ~~رحل المسيو دي مونتيفري كي يلحق بالأب بينيه. # هل يحبني؟ يا رباه! إني لا أعرف حقا، فتصرفاته غريبة، ~~تلميذ الأب بينيه، وله رزانة طلبة المدرسة ~~الإكليريكية، وهو ليس كثير الغباوة، خفيف الحركة، ~~ليس أكثر دمامة في وجهه من غيره، ولكنك تعلمين؛ أي ~~كلو الصغيرة، أنه ليس هناك غير وجه رجل واحد ~~يعجبني، ويمكنك أن تذكري ذلك الهنري، فلا يكون ~~هناك محل لغيرته! # ويجب أن تلاحظي جيدا أن زوجي «المقبل» لم ينتقص من ~~احترامي أبدا، وهذا ليس بخطأ والدتي أو مس جكوبسون؛ ~~فإنهما كانتا تفعلان كل ما يمكنهما كي تتركاه ~~منفردا معي، يا للشاب المسكين! وكانتا تأملان - بلا ~~شك - أن انفراده بي يثيره، ثم يجعله لا يحتمل! ومن ~~ثم يجعله يبوح بغرامه، وبعد ذلك يجب تزويجنا توا ... ~~توا! # وتعالي انظري والضيف منفرد معي، وهو يقرب مقعده من ~~مقعدي، ويستمر في التحدث عن الموسيقى والدراجات ~~والعالم، كما أن لو كان الأب بينيه ms82 أو أمي حاضرين ~~معنا، يلاحظان مجرى الحديث. # والحق أن هذا كان يغيظني، وكنت أفكر في نفسي: «وعلى كل ~~حال فالأب بينيه يخرجهم من مصنعه على قالب خاص. أنا ~~أرى الصد من هذا الشاب، أنا التي لا يمكن الشبان ~~العاديين الجلوس معي عشر دقائق بغير أن يسرفوا في ~~حديث الحب!» # ولذلك (ولا تروي هذا لهنري) جربت أن أفتنه ... قليلا ~~قليلا جدا؛ فاستعملت النظرات، واحتكت يدي بيده ~~مرارا وأنا جالسة إلى البيانو، وبالتأكيد أثر ~~عليه هذا تأثيرا معينا، وقد ظننت مرة أو مرتين أنه ~~قد عزم على طبع قبلة احترام على شعري. # ولكن لا! فقد كان يضبط عواطفه دائما، وربما كان هذا عن ~~قصد، أو ربما كان هذا ما يحدث عندما تكون النية ~~معقودة على الزواج، ويجب أن تقولي لأخيك إنه يجب أن ~~يكون في معاملته لي ابتداء من اليوم ضابطا لنفسه ~~وعواطفه كالمسيو دي مونتيفري، وإلا فلن أتزوجه ~~أبدا، وسأصير «مدام دي مونتيفري». # ويجب أن أعترف مع ذلك، ثناء على هذا الفارس الشاب الذي ~~ظهر عليه القلق وهو يودعني على المحطة قبل أن ~~يغادرنا مساء الأمس، أنه لم يتمالك نفسه، وظهرت ~~شخصيته الحقيقية التي كان يظهر بغيرها مدة إقامته، ~~وارتبك ارتباكا ظاهرا، حتى إنه خاطب والدتي فسماها ~~«سيدي القس»، ونادى مس جكوبسون قائلا: ديزي ~~فقط! # وقد قبل يدي، وسأجعله يكرر ذلك ويصنع كل ما أريد، طول ~~فصل الشتاء ... # فأنا لا أريد أن أتخلص منه سريعا؛ فقد لاحظت أنه منذ ~~فكروا في هذه المشروعات العظيمة أصبحوا أكثر لطفا ~~في معاملتي، وتركوا لي الحرية لأفعل ما أريد، ~~وجكوبسون بوجه خاص أصبحت صديقة حبيبة، هي لا تكلفني ~~بأي عمل من الأعمال، ومع ذلك تصرح أني أشتغل حسنا ~~جدا ... # والآن، إلى الملتقى القريب، أي كلو العزيزة، وأنا أرسل ~~لك قبلة كبيرة لنفسك، وأخرى تتصرفين بها كما ترغبين، ~~ولكني سأطلب استردادها من هنري عندما نتقابل في ~~القريب العاجل. # أوه! كنت أود أن أجلس معك في غرفتي لنتسار ونتبادل ~~الأخبار، فليس هناك شيء ألذ من ذلك في ms83 ~~العالم. # لوسي دي بوكور # ملاحظة: # إذا كان هنري ~~يخونني مع المومسات فلن أتزوجه، قولي له هذا ~~جديا، وسأعرف ... ~~(3) # إلى المسيو دي مونتيفري، 23 شارع البو، باريز # يصل إلى باريز بعد غد يا حبيبي العزيز الجميل ومعنا ~~طائرتك الصغيرة ، دغ أمها، وأتمنى أن أجدك في ذلك ~~اليوم نفسه بمنزلك حوالي الساعة الخامسة آه! ستحبني ~~يا عزيزي كما كان الحال في بوكور؛ أليس كذلك؟ إني ~~أفكر كل هذا الوقت في خلقك الفرنسية، ثم يحمر وجهي ~~خجلا، سلاما أيها الصديق، وقبلات كثيرة، إلى ~~الملتقى. # ديزي جكوسون # | بعد الخطيئة # «الساعة العاشرة مساء. # سيدة صغيرة السن تبلغ الخامسة والعشرين، هي مدام دي روبرتييه، ~~منفردة في غرفة نومها، وجالسة إلى مكتبها المضاء بالنور ~~الكهربائي، وأمامها خطاب مقفل ليس على الظرف الأزرق اللون، ~~والطويل الشكل، أي عنوان بعد. # مدام دي روبرتييه نصف عارية، وهذا يوافق مظهرها تمام الموافقة، وهي ~~شقراء ساحرة الجمال. # ولونها عادة بهيج وصاف جدا، ولكنها في ذلك المساء بكت كثيرا، ~~فعلى خديها وجفونها آثار الألم.» # مدام دي روبرتييه تحدث نفسها: والآن، إذا كان لدي شيء من ~~الشجاعة، وإذا كنت لا أزل أساوي شيئا بعد فلأكتب إلى زوجي قائلة: ~~... ها أنا بائسة! ... لا أستحق أن أكون لك؛ لأن ~~المهمات التي تهمني وتهمك أنت على حد سواء، قد ~~اضطرتك أن تبقى بعيدا عني، فخنتك واتخذت لي عشيقا، ~~وأي عشيق؟! هو رجل خليع مقامر غبي كجلمود خشب، أسود ~~العينين جميلهما، هذا حقيقي، وكذلك يده مثل أيدي ~~الأمراء ... ويحمل لقبا ضخما (المركيز دي هرموزو)، ~~ولكن هذا لا يهم، أليس كذلك؟ ولم يكن سببا يدفع إلى ~~الخيانة بعد زواج سعيد مضى عليه عامان، أنت الذي ~~تحبني، وأنت الذي أحبك؛ لأني أحبك وا أسفاه! جان، ~~نعم إني أحبك، وخصوصا الآن أحبك أكثر جدا من هذا ~~الجميل الذي لا أجد طعما لجماله، هرموزو، وهو الذي ~~كنت من آونة بين ذراعيه، وقضيت الزمن من الساعة ~~الخامسة إلى السابعة في منزله بشارع لابوم...! ~~(انقطاع التذكرات، مدام دي روبرتييه تسكن برهة ثم تعاود خيط ms84 ~~تأملاتها.) ~~- هذا ما أكتبه لزوجي إذا كان في قلبي ذرة من الرحمة، ويكون هذا من ~~الأمانة والإخلاص ... ~~(بعد برهة). ~~- والخرق فإنه على كل حال ليس أشد على الزوج من معرفة شيء كهذا، ~~واليوم من الساعة الخامسة إلى السابعة كانت مدام روبرتييه ~~ساكنة هادئة كباقي الأيام الأخرى. وبالطبع لا يجب أن يطلب مني ~~أن أسبب شقاء زوجي بإخلاصي الزائد عن الحد، سأكتب في الحال ~~خطابا لجان، كله رقة وبعض غرام أيضا «هو يحب أن تصله مثل هذه ~~الخطابات حين يكون بعيدا عني» وفي نفس البريد يصل هرموزو هذا ~~الخطاب المقتضب الذي كتبته بعد خروجي من عنده توا. # ويصل الخطاب إلى زوجي بعد غد، أما هرموزو فيستلم خطابه غدا، ويقدم ~~له الخطاب وهو لا يزال في فراشه حوالي الظهر ... ولا ريب أنه ~~يكون أحسن هدية تقدم له عند استيقاظه. # يجب أن أقرأه ثانية. ~~(تمزق الظرف وتفتح الخطاب وتقرؤه بصوت ضعيف): # سيدي # لقد أسأت بكل وقاحة، استعمال الثقة التي ~~أولتها إياك امرأة أمينة؛ فإني عند ذهابي إليك كنت ~~أقصد التفرج على تحفك حسب وعدك، ثم انصرف، وأنت تفهم ~~بعدما حدث أنني لا أريد رؤيتك، ولكني أود أن أخبرك ~~أني أحب زوجي لدرجة العبادة، وأني أشعر من نحوك بأشد ~~الازدراء. # جاكلين ~~(تفكر وفي يدها الورقة.) ~~- ولكن ... ما كتبته لهذا الشاب يدل في جملته على قلة تبصر في ~~عواقب الأمور فليس عليه إلا أن يقرأ هذا الخطاب لجمع من ~~أصدقائه، فمعناه يدل صراحة «أني كنت عشيقتك» ثم ... ~~(بابتسامة لا يمكن إدراك كنهها.) ~~- وهناك جملة «التحف»، وهي ليست جيدة، لقد كنت قلقة جدا، ولكن ~~جملة «الازدراء» موافقة جد الموافقة. ~~(تمزق الخطاب وتبدأ خطابا آخر، وهي تجتهد في تغيير خطها): # سيدي # لم تصدق معي الحديث، لقد فعلت ما فعلت وأنا ~~أعتقد أنك ستتصرف تصرف الرجل الشريف، ولقد خدعتني ~~تماما، فمن الآن يجب أن تفهم أنه من المستحيل أن ~~أقابلك، ولكني أود أن أخبرك أني أحب زوجي لدرجة ~~العبادة، وأني أشعر من نحوك بأشد الازدراء. # ج... ~~(تفكير). ~~- هذا ms85 ليس خطرا، ولكن فيه بعض الحماقة، وعلى كل حال «لقد فعلت ما ~~فعلت ...» هذه لا تعني شيئا ألبتة ... نعم! ليس هذا الخطاب حسن ~~الأسلوب، وهرموزو كان عشيق مدام ليسكفر التي برعت في الكتابة ~~جد البراعة، فلا ريب أن هذا ليس هو المقصود. ~~(تمزق الخطاب وتبدأ كتابة آخر): # سيدي # أرجو أن تمسح من ذاكرتك، كما مسحت أنا من ~~ذاكرتي ما حدث بيننا اليوم، وإنني لأخاطب شرفك شرف ~~الرجل النبيل، لقد انتهى كل شيء ونسي، أليس كذلك؟ ~~إنني أحب زوجي لدرجة العبادة وإني أشعر نحوك ~~... ~~- لا، ما دمت قد كتبت بهذا الأسلوب لا يمكنني أن أقول له إني أشعر ~~نحوه بأشد الازدراء؛ إذ قبل ذلك بثلاثة أسطر أعامله كرجل نبيل، ~~سأكتب فقط: «إني أحب زوجي لدرجة العبادة.» # حسنا، ولكن: «إني أحب زوجي لدرجة العبادة.» تأتي هذه الجملة بعد ~~اليوم الذي ... سيضحك كثيرا، ولا ريب أنه محق في ضحكه، هل لي ~~حقا أن أؤنبه على أي شيء؟ لقد أدى وظيفته كرجل ... لقد قبلت ~~أن أذهب عنده بحجة أن أرى تحفه، ولكن أخيرا كنت أعلم تمام ~~العلم أنه لا يمكث هادئا كحارس متحف فقط. أوه! أكان يجب أن ~~أدافع وأقاوم. وبعد، فإني لا أعرف كيف تم ذلك؟ ~~(حركة سأم). ~~- وكذلك جان مخطئ في تركي وحيدة طول هذه المدة. ~~(تفكير). ~~- مسكين جان، إنه يفكر بي هناك، وهو لا يشك. أوه! سأحبه كل الحب ~~عند رجوعه. ~~(تمزق الخطاب الذي انتهت من تحريره وتبدأ مرة أخرى): # سيدي # أرجوك أن تمسح ذكرى هذا اليوم من ذاكرتك كما ~~أريد أن أمسحها من ذاكرتي. يجب أن ينتهي كل شيء ~~وينسى، وبهذه المناسبة أحفظ لكم تذكارا محزنا، ~~ولكن بدون بغضاء أو ازدراء. # ج. # هذا أحسن جدا، وقور وحزين، وهو لن يحزن الغلام المسكين كثيرا. ~~وعلى كل حال لقد كنت لعوبة معه، والآن هل أرسله هذا المساء؟ ~~أغلقت مكاتب البريد أبوابها، ثم إن «بتسي» ستقرأ العنوان ~~وتتحدث هناك في المكتب العام، لا ريب أنه أفضل أن أمر بنفسي ~~على مكتب البريد صباح ms86 الغد عند ذهابي إلى اللوفر، والآن ~~فلأنم. ~~(اهتمام بزينة الوجه - صلاة - نوم (ثماني ساعات نوم هنيء) - حوالي ~~الساعة التاسعة والنصف من صباح اليوم التالي تدخل بتسي غرفة ~~نوم سيدتها.) # مدام دي روبرتييه (وهي تستيقظ): وما هذا؟ # بتسي: سيدتي ، إنها من محل فاديان، سلة ورد كبيرة. # مدام دي روبرتييه (وقد استعادت ذاكرتها): آه، ورد. إني أعلم ما هو. ~~هذا حسن، افتحي النافذة وأحضري لي سلة الورد (بتسي تطيع السلة ~~ملأى بالورود الجميلة الحمراء والبيضاء، بتسي تخرج). # مدام دي روبرتييه: حسنة هذه هي الفكرة هدية الصباح، في اليوم ~~التالي، وأنا التي كتبت له بهذه القسوة. ~~(تذهب إلى المكتب، تفتح خطاب المساء وتعيد قراءته، وتمشي بضع دقائق ~~في غرفتها، ثم تقف أمام الخزانة ذات الثلاث مرائي، وتلاحظ ~~بسرور أن النوم قد أعاد لها بهاء لونها. ترجع إلى المكتب ~~وتمزق الخطاب بين يديها.) ~~- بكل تأكيد لا يمكنني أن أرسل له هذا بعد سلة الورد (تجلس وتكتب ~~بسرعة الكلمات التالية): # إني أشكرك، أنا حزينة جدا، كنت أريد أن أنسى ~~البارحة، ولكني لم أتمكن، ارحمني! # ج. ~~(تعيد قراءته). ~~- هذا حسن وفيه وقار كالآخر، وهو أشد ظرفا، سأضع هذا في صندوق ~~البريد عند ذهابي إلى اللوفر. ~~(تدق الجرس لبتسي وترتدي ملابسها.) # عن «مرسيل بريفو‏»‏ ms87