######OpenITI# #META# URI: 1379FarajJibran.Stalin.Hindawi85391480 #META# Tags: biographies #META# ID: 85391480 #META# Title: ستالين #META# AuthorID: 57174090 #META# Author: فرج جبران #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # روسيا وستالين‏ # ستالين‏ # الخاتمة‏ # مصادر ومراجع استعان بها المؤلف‏ # روسيا وستالين‏ # ستالين‏ # الخاتمة‏ # مصادر ومراجع استعان بها المؤلف‏ # | ستالين # | ستالين # تأليف # فرج جبران # | روسيا وستالين # يصدر هذا الكتاب في الوقت الذي تحتفل فيه روسيا بمرور 40 عاما على مولد ~~الثورة الاشتراكية، وهي الثورة التي اعتبرت من أعظم الأحداث العالمية في ~~هذا العصر. # وقد اقترن الاحتفال بعيد هذه الثورة بظاهرة عجيبة تدعو للتساؤل؛ وهي اختفاء ~~اسم بطل من أبطال هذه الثورة، بل لعله أعظم بطل من أبطالها بعد لينين ~~الذي بشر بها، وحمل رسالتها في الأعوام الأولى. # حتى صور هذا البطل لم تظهر في عيد الثورة كما كانت تظهر من قبل في الأعياد ~~السابقة، وسمح للناس بأن يروا صورة لينين فقط. # هذا البطل الذي اختفى اسمه، واختفت صورته في عيد الثورة هو ... ستالين! # ولكن ستالين مع ذلك وهو في ضريحه إلى جانب ضريح لينين، ما زال يفرض اسمه، ~~ويفرض رسمه، ويفرض سياسته ... # ولا شك أن ستالين يستحق الدراسة إذا كان قد نجح في فرض اسمه وفرض سياسته، دون ~~أن يسعى إلى ذلك، سواء في الحياة أو بعد الموت؛ إذا كان في وسع أحد أن ~~يفرض نفسه بعد الموت ... # والواقع أن ما كتب عن ستالين يعتبر ضئيلا جدا بالنسبة لما كتب عن ~~لينين، أو عن تروتسكي وهو الزعيم الثاني الذي كان مرشحا لخلافة لينين ... ~~وقد كان هو بطبيعته ميالا للعزلة، والإقلال من الكلام أو التحدث عن ~~نفسه، كما أن الكتاب والمؤلفين والصحفيين لم يسعوا إلى مقابلته إلا ~~بعد أن تركزت عليه الأنظار خلال الحرب العالمية الثانية؛ نظرا لأهمية ~~الدور الذي قامت به بلاده في تلك الحرب، وما ساهمت به في سبيل القضاء على ~~الفاشية تحت قيادته القوية الحازمة ... # وفي حياة ستالين مراحل هامة لا في حياة روسيا وحدها، بل في حياة العالم كله؛ ومنها: # دوره في الثورة الاشتراكية، والتمهيد لها ~~بمختلف الوسائل السرية والثورية. # دوره بعد نجاح الثورة في عام 1917، وتألق نجمه ~~في دوائر الحزب الشيوعي. # دوره كحاكم روسيا المطلق بعد لينين، ms001 وتحويلها ~~من دولة زراعية إلى دولة صناعية كبرى. # دوره في الحرب العالمية الثانية، ومساهمته مع ~~حلفائه في الحرب في هزيمة الفاشية. # دوره كناشر للمذهب الشيوعي في العالم. # وقد بلغ ستالين حد الذروة من النجاح في معظم هذه الأدوار ... # ومع ذلك فيجب أن نعترف أن هناك حلقات كثيرة ما زالت غامضة في حياة ستالين، ~~وقد تظل غامضة إلى الأبد ... إلا أن قصة مغامرات ستالين في شبابه، ودوره في ~~الثورة والحرب الأهلية، ثم عبادته للينين، ثم صراعه مع تروتسكي على ~~السلطة، ثم انتصاره الكامل على جميع منافسيه في الحزب الشيوعي، كل ذلك ~~يجعل من ستالين شخصية ممتازة جديرة بالدراسة. ~~... وقد تكون هناك صفات سوداء في تاريخ حياته، ولكن شخصيته تتسامى في صفحات ~~أخرى حتى لتجعل منه رجلا لا يقل عظمة عن لينين! # فرج جبران # | ستالين # (1) الثورة الأولى # كتبت «ليديا لامبير» في كتابها الشيق عن أول شاعر روسي تغنى ~~بالحرية وهو بوشكين، كتبت تصف حالة روسيا في عام 1825 تقول: # كانت المظالم والعبودية تصرخ في وجهه ... فقد ~~كان هناك رجال «يملكون» رجالا غيرهم، وكان في وسعهم ~~أن يعرضوهم للبيع «بالجملة أو بالقطاعي»، فيفرقون ~~بين الولد وأمه، وبين الزوجة وزوجها، وكان في وسعك ~~أن تقتل العبد، فلم تكن هذه جريمة، وإنما كانت ~~«خسارة» فقط ... فقد كانت هذه الأرواح ثروة ~~لصاحبها. # كل هذا حدث بعد مونتسيكو وفولتير وروسو ... بل بعد شيللر الذي كان ~~يعتقد أن المجتمع قد بلغ أقصى درجات الكمال، كل هذا حدث بعد ~~الثورة الفرنسية ... كان كل فرد يشعر بأن من المحال أن تستمر هذه ~~الحال؛ لأنها بالية، آثمة. # وقد كان من الجنون أن يفكر أحد في مهاجمة الأوتوقراطية والعبودية، ~~وهما الركنان الصنوان اللذان كانت تقوم عليهما إمبراطورية ~~القياصرة، ولكن منذ سقط الباستيل، آمن الناس بأنه ليس ثمة نظام ~~في العالم يمكن أن ييأس القوم من القضاء عليه. # وكان هذا النظام القائم في روسيا قد أكله الدود ... وعلى الرغم من ~~نشاط البوليس الذي انتشر في كل مكان، فإنه لم يمكن انتزاع ~~مبادئ الحرية ms002 التي كانت تعتبر جريمة موجهة ضد الدولة، حتى ~~الجيش كان قد «تلوث» بهذه المبادئ. # ورابطت فصيلة من الحرس في تسارسكو سيلو، وكان فتيان الكلية يقفزون ~~من فوق السور ويعقدون الصداقات مع الفرسان ... وكان بوشكين ~~واحدا من هؤلاء الفتيان، فقد كان يحب الشمبانيا والنكت، ~~وتناول وجبات الطعام في جو من الأخوة، ودخان التبغ، والمناقشات ~~الحامية حول: الله، والحب، وسياسة مترنيخ ... وآخر عشيقة حظيت ~~برضاء القيصر ... كان الفرسان يختلفون عن غيرهم من المغرورين ~~الفخورين المسرفين ... فلقد كانوا من الضباط الشبان الذين صلصلت ~~سيوفهم المنتصرة في جوانب باريس، ثم عادوا إلى بلادهم ورءوسهم ~~لا تكاد تستقر على أكتافهم لفرط ما استنشقوا من نسيم الحرية ... ~~كان بينهم «شاديف»، الجندي الفيلسوف الماسوني، الذي كان في ~~جمال ووداعة «ملاك» هبط إلى الأرض ... وكان في وسعه أن يستمتع ~~بالجانب الحسن من الحياة، إلا أنه فضل على ذلك الجوانب ~~الفلسفية. # وكان بينهم «كافرين»، ابن الحظ الذي كان يشرب ويغني ويعبث؛ إذ كان ~~جميلا، مرحا غنيا نبيلا، وكان بينهم «رافسكي»، الذي يبلغ ~~من العمر ستة عشر عاما - مثل بوشكين - وكان والده الجنرال ~~رافسكي هو الذي قاده بيده إلى المعركة ضد نابليون في عام ~~1812. # وكانت الحياة في تسارسكو سيلو واتصالها بالبلاد لا تبعث على احترام ~~القيصرية ... فلم يكن القيصر سوى منافق متوج، يحيط نفسه بعجائز ~~النساء والكهنة والرجعيين، وكانت الصلاة لله واستغفال عباد ~~الله يسيران عنده جنبا إلى جنب ... فلقد استغفل الجميع: زوجته، ~~وحلفاءه، ورعاياه، ونابليون. # ستالين أو الرجل الصلب! # كانت طبقة الأرقاء تكد في العمل في الأرض، وتسير وراء المحراث ~~الخشبي، أما طبقة الأشراف فكانت ترقص وتتشدق بالحديث باللغة ~~الفرنسية، وتقرأ مؤلفات جان جاك روسو، وكانت السيدات يرفعن ~~أصابعهن الصغيرة وهن يتحدثن عن الحب الأفلاطوني، وعن حقوق ~~العاطفة، ولكن لو سرقت الخادم من إحداهن منديلا، فإنها - أي: ~~الخادم - كانت تتعرض لعشرين جلدة من سوط جلدي يغمس في ~~الصمغ. ~~••• # وكانت المعارضة في كل مكان ... كان السخط يعم الجميع: العبيد، ~~والجنود الذين كان الواحد منهم يقضي خمسة وعشرين عاما في ~~الثكنات، ms003 والتجار الذين كانوا يعانون من آثار الأزمة ~~الاقتصادية، والنبلاء الذين كانوا يبيعون خبزهم بخسارة، ~~والصناع الذين كانوا لا يجدون رأس المال لتنمية صناعاتهم ... ~~ولكن هذا السخط العام الذي كان يمكن أن يولد الثورة لم يولد ~~شيئا سوى الشعور المر. لم تكن المعارضة منظمة، ولم يكن لها ~~قائد. وكانت جماعة «اتحاد الفضيلة» ضعيفة، غير منظمة، منقسمة ~~على نفسها: كان القسم الجنوبي يتكون من اليعقوبيين، الذين ~~كانوا يريدون جمهورية ديمقراطية تقوم على أساس المساواة، أما ~~القسم الشمالي فكان لا يطلب أكثر من إلغاء الرقيق وإقامة ملكية ~~دستورية. وعلى كاهل هذا القسم الشمالي المتخاذل الضعيف وقع عبء ~~قيادة الثورة، وأدرك المتآمرون أن اللحظة مواتية؛ فإن العرش ~~كان خاليا منذ ثلاثة أسابيع، وكان نيكولاس مكروها بسبب آرائه ~~الرجعية، ولذلك لم يكن في موقف يحسد عليه ... وكانت إثارة الجيش ~~أيسر السبل ما دام قد أقسم يمين الولاء لقسطنطين ... فإنه إن عاد ~~ليقسم يمين الولاء لنيكولاس فسيبدو هذا نوعا من الحنث ~~بالقسم. # ولكنها كانت حفنة من صغار الضباط فقط، تخرجوا جميعا في الكلية ~~الإمبراطورية بتسارسكو سيلو، ولا يمكن أن يدعي أحدهم أنه ~~يملك قياد فرقة بأكملها، وكان أحسن من فيهم من الحالمين، ~~وأسوؤهم من المتفاخرين المتبجحين، ولكن أكبر مواضع ضعفهم هو ~~أنهم كانوا من الثوار الذين يخافون الثورة، وكان شعارهم هو ~~شعار الطغاة الأذكياء: لأجل الشعب، ولكن بغير الشعب. فقد كانوا ~~يشككون إلى حد ما في الشعب. # ففي فجر يوم 14 ديسمبر من عام 1825 غادر سبعمائة جندي من حامية ~~موسكو ثكناتهم وهم يحملون أعلامهم، وكان يقودهم ضابطان ممن ~~اشتركوا في المؤامرة، وساروا إلى ميدان مجلس الشيوخ، حيث كانوا ~~على موعد مع الفرق الثائرة الأخرى؛ لكي يمنعوا مجلس الشيوخ من ~~أن يقسم يمين الولاء، ثم يسير الجميع إلى القصر الملكي ليجبروا ~~نيكولاس على التنازل عن العرش، ويحصلوا على دستور حر، على أن ~~يعقب ذلك إلغاء الرقيق. # ولكنهم وجدوا الميدان خاليا، فلا بوليس، ولا جنود، ولا حلفاء ولا ~~أعداء، ووجدوا نوافذ مجلس الشيوخ حالكة الظلام ... فقد أقسم ms004 ~~الأعضاء يمين الولاء في الليل، وهكذا فشل أول بند في ~~البرنامج. # وقاد الضباط رجالهم حتى أصبحوا يواجهون المباني التي تحيط ~~بالميدان، وأخذوا ينتظرون في البرد ... وكانت الريح تعصف ~~بأعلامهم، كما تجمدت أقدامهم، ومن وقت لآخر كان الضباط يأمرون ~~رجالهم بأن يصيحوا: «فليسقط نيكولاس ... فليحي قسطنطين ... فليحي ~~الدستور.» # وبدأ الميدان يمتلئ بالناس الذين كانوا يعطفون على المتمردين، ~~والذين أخذوا يرددون بعض صيحات التشجيع. # ووصل قواد الثورة، ولما رأوا أن عدد الجنود غير كاف انصرفوا للبحث ~~عن إمدادات أخرى، ولم يعد بعضهم بعد ذلك لا عن جبن، وإنما عن ~~يأس. وبدا كأن كل شيء قد ضاع ... مع أنه لم يكن قد بدأ ~~بعد. # وبعد ساعات وصلت فرقة أخرى من المشاة وانضمت إلى الثوار، ووصل بعد ~~ذلك رجال البحرية، وقد تمكن من كسبهم للثورة اثنان من ~~الضباط. # وفي نفس الوقت قرر نيكولاس أن يحشد جميع القوات التي ظلت موالية ~~له، ثم طوق بها الثوار تطويقا كاملا، وكان الطرفان ينتظران ~~أوامر لا ترد إليهم، وكان كل فريق يتساءل: هل يطلق النار على ~~زملائه؟ فقد كان جنود القيصر لا يشعرون بأية كراهية نحو الثوار ~~الذين كانوا يرتدون نفس الزي الرسمي الذي يرتدونه هم ... وكان ~~الثوار كبيري الأمل في أن تنضم الفرق الموالية للقيصر إليهم ... ~~كما كان نيكولاس كبير الأمل في أن يعرض الثوار التسليم. ولكنه ~~أحس في النهاية أن عدم الحركة يعرض الموقف للخطر؛ فقد كان ~~من الواضح أن حشود الأهالي تزداد تأييدا للمتمردين، وأخذ ~~العمال الذين كانوا يقومون ببناء كاتدرائية «سان جيمس» يلقون ~~قوالب الطوب وقطع الأخشاب على الفرق الموالية للقيصر. # وحرضوه على أن يقضي على الفتنة، فصاح: «أطلقوا النار»، ولكن ~~أحدا لم يجبه، وقفز أحد الضباط إلى الأرض، ثم أسرع إلى ~~المدفعي وسأله: «لماذا لا تطلق النار؟» فأجاب الجندي وهو يبكي: ~~إنهم إخواننا يا صاحب السعادة! # وصفعه الضابط، ثم أوقد الشعلة، وأطلق النار، ولكنه كان قد صوب ~~إلى هدف عال، فانطلقت القنبلة لتصيب نوافذ الطابق الثاني من ~~مجلس الشيوخ ... على أن تصويب الطلقة ms005 الثانية كان أفضل من ~~الأولى، فقد انقسمت صفوف الثوار وأخذوا في الهرب. # إنهم لم يكونوا على استعداد لقنابل المدفعية، فتفرقوا إلى كل ~~اتجاه، وتجمع أغلبهم على أرصفة نهر النيفا الذي تجمدت مياهه، ~~وحاولوا عبوره، وتساقطت القنابل حولهم، فأخذت تكسر الثلوج ~~وتذيبها ... وغرق كثيرون منهم. # وهكذا قضي على أول ثورة روسية. ~~(2) ثورة أكتوبر 1917 (وانقضى ما يقرب من قرن من الزمان ...) # منذ أربعين عاما انهارت القيصرية في روسيا فجأة بعد أن ظلت صخرة ~~عاتية من الحكم المطلق استعصت على كافة قوى التحرر التي نشأت ~~في أوروبا الغربية، وقبل سقوط القيصرية بقليل شهدت روسيا حركة ~~تمثلت في مظاهرات تجوب الشوارع، ثم انقلبت إلى ثورة ناجحة حين ~~رفضت حامية بتروجراد عاصمة روسيا آنئذ إطلاق النار على ~~المتظاهرين، بل وانضموا إليهم. # وكانت هذه الثورة من الأهمية بمكان لم يسبقها إليه غيرها من ~~الثورات التي عرفها التاريخ، ولم تبذل فيها البلشفيك - كما كان ~~الشيوعيون يسمون أنفسهم آنذاك - أي جهد ولا تدبير. # أما زعماؤهم فإن لينين - وهو أشهرهم - كان إذ ذاك في زيوريخ، وكان ~~تروتسكي صحفيا مغمورا يكتب مقالات بأجر بخس لصحيفة روسية ~~كانت تصدر في نيويورك، وكان ستالين منفيا في سيبيريا، وكان ~~البلشفيك أقلية ضئيلة في سوفييت (مجلس) مندوبي العمال، الذي ~~أصبح هيئة قوية صاحبة سلطان بعد سقوط القيصرية. # وبعد سقوط القيصرية كان هناك اتفاق على أمر واحد؛ وهو أن روسيا يجب ~~أن تتحرر، ونشأت حكومة مؤقتة، برنامجها ما يلي: # العفو الشامل عن الجرائم السياسية والدينية، ~~وحرية القول، وحرية الصحافة والاجتماع والإضراب ~~وتأليف النقابات، وإلغاء كل تفرقة بسبب الدين أو ~~القومية، والإعداد لتشغيل جمعية تأسيسية بالاقتراع ~~السري العام المباشر تضع الدستور وتشكل ~~الحكومة. # كان هذا بمثابة مشروع لإقرار الديموقراطية، ولم يكن في وسع ~~الشيوعيين أن يضيفوا شيئا إلى هذه الضمانات والحريات ~~المدنية. # كانت القيصرية تعتبر رمز الظلم والرجعية، ولذلك اغتبط العالم ~~لأنباء سقوط القيصرية، وفي 6 أبريل سنة 1917؛ أي: بعد ثورة ~~مارس بقليل دخلت الولايات المتحدة الحرب ضد ألمانيا، وأعرب ~~الرئيس ولسون في رسالته إلى ms006 الكونجرس الأمريكي في تلك المناسبة ~~عن اغتباطه لنجاح الشعب الروسي في تحقيق الحرية بعد صراع طويل، ~~ووصف روسيا بأنها «زميل عن جدارة في رابطة الشرفاء». # وبعد فترة لم تتجاوز ثمانية أشهر من ثورة الشعب على القيصرية ~~استولى أنصار لينين بطريقة محكمة منظمة على السلطان، وانتهت ~~أحلام الحرية الجميلة بحرب الطبقات وحكم الحزب الواحد. # وهناك أسباب كثيرة يرجع إليها فشل كيرينسكي وزملائه في الحكومة ~~المؤقتة ومنهم الأحرار ومنهم الاشتراكيون المعتدلون، وقد ~~حاولوا جميعا وقف زحف لينين إلى الحكم، ومن أول هذه الأسباب ~~أن طريقة الحكم القيصرية حرمت الشعب الروسي من نعمة تذوق تجربة ~~الحكم الذاتي، ومن إرساء قواعد الحرية التي تنشأ عن مباشرة هذا ~~الحكم عمليا، ومنعت الأوتوقراطية المتعلمين الروس من النشاط ~~السياسي؛ ولذلك اعتنق عدد كبير من هؤلاء المتعلمين الاشتراكية ~~اليوتوبية، وآمنوا بالتعاون الاختياري الذي لم يلمسوه في ~~حياتهم الواقعية. # كانت الهوة شاسعة بين الإقطاعيين ورجال الصناعة من ناحية، وبين ~~العمال والفلاحين من الناحية الأخرى في روسيا، أما الطبقة ~~الوسطى بين هاتين الطائفتين فلم تكن كبيرة بحيث يكون لها أثرها ~~في كفالة الاستقرار والاعتدال، وكان من العسير حل مشكلة إحساس ~~صاحب الأرض بحقه في التملك، وإحساس الفلاح الفقير بحاجته إلى ~~مزيد من الأرض، ولم يكن حل هذه المشكلة بالانتخاب العام الحر ~~السري أمرا ممكنا، وكانت هناك عقبة كبرى تعترض طريق المؤسسات ~~السياسية الحرة؛ وهي الجهل والأمية المتفشيان في مناطق القوقاز ~~وغيرها من المناطق المهملة المتخلفة. # ولعل أخطر ما تعرضت له الديموقراطية الوليدة التي كانت الحكومة ~~المؤقتة تحاول أن تنميها هي الحرب التي كانت دائرة آنذاك، ~~وحاولت روسيا التغلب على عقبة التخلف وعقبة التسلح بأن عبأت ~~الجيوش، ولكن تفوق الألمان في القوة أنزل بروسيا خسائر فادحة ~~في الممتلكات والجنود. # وخابت آمال بعض المراقبين الغربيين في أن يؤدي سقوط القيصرية إلى ~~مزيد من الجهد الحربي، فقد أحس الجنود بغريزتهم أن اليد ~~القوية المنظمة قد تراخت بعد خلع القيصر، وهم إلى ذلك لم ~~يكونوا يفهمون أسباب الحرب؛ ومن ثم أصغوا إلى المهيمنين الذين ms007 ~~قالوا لهم: إن هذه الحرب من صنع الرأسماليين، وإنهم يجب أن ~~يعودوا إلى بلادهم ليشتركوا في تقاسم الأرض. # ولقد تجلت عبقرية فلاديمير اليتش لينين - زعيم المتطرفين في ~~الحزب الاشتراكي الديموقراطي - وبراعته الاستراتيجية في ~~استغلال تذمر الشعب والتمهيد لإسقاط الحكومة المؤقتة، وكانت ~~مهمته يسيرة؛ فقد تحول البندول من جانب الطغيان إلى جانب ~~الفوضى، فلم يصغ الشعب إلى نداءات الحكومة المؤقتة وأوامرها، ~~وكانت هذه الحكومة تنقصها القوة التي تكفل لأوامرها ~~الاحترام. # وتولى لينين الحكم فغمره أربع موجات كبرى من موجات التفكك، أما ~~الموجة الأولى فهي مطالبة الجنود بإقرار السلام، والثانية ~~مطالبة الفلاحين بالأرض، والثالثة مطالبة القوميات غير الروسية ~~بالاستقلال أو الحكم الذاتي، والرابعة مطالبة العمال بالسيطرة ~~على المصانع. # صورة قديمة تجمع بين لينين (في الوسط) وإلى ~~يمينه ستالين وإلى يساره كالينين. # واستطاع البلشفيك في هذا الجو من الفوضى والتفكك أن يسقطوا الحكومة ~~المؤقتة، ويعلنوا روسيا جمهورية سوفييتية يوم 7 نوفمبر سنة ~~1917، وقام لينين وتروتسكي في هذا برسم الخطوات الرئيسية ~~للثورة، واستعان البلشفيك بالعناصر الثورية من العمال ~~والجنود. # وبعد لينين جاء ستالين الذي حكم روسيا من عام 1924 إلى 1953، فسيطر ~~طوال هذه المدة على سياسة الكرملين، وتحكم في اللجنة ~~المركزية للحزب الشيوعي، وبذلك اتسع له الزمن كما لم يتسع ~~لزعيم أو حاكم غيره لكي يوطد دعائم النظام الجديد في روسيا، ~~ويعمل على نشر المبادئ الشيوعية في أماكن أخرى من ~~العالم. # وإذا كان لينين هو الرسول الذي بشر في روسيا بالدين الجديد، فإن ~~ستالين هو الذي حمل لواء الجهاد الحقيقي لنشر هذا الدين لا في ~~روسيا وحدها، وإنما في خارجها أيضا. # وقد يكون قارئ هذا الكتاب من المعجبين بستالين، وقد يكون ممن ~~يكرهون اسمه، لا شخصه فقط، ولكن هناك شيئا واحدا مؤكدا - ~~كما يقول ديل كارنيجي - وهو أنك لا تستطيع أن تتجاهل ستالين، ~~ولا تستطيع أن تنكر الدور الذي لعبه في تاريخ روسيا، ولا ~~تستطيع أن تنكر عليه إخلاصه طوال حياته لهدف واحد لم يتحول عنه ~~قط، وإن أنكرت عليه الوسائل التي استعملها في ms008 سبيل تحقيق هذا ~~الهدف! # ولا يستطيع إنسان أن ينكر أن ستالين كان في يوم من الأيام أقوى ~~رجل في العالم، ولا يستطيع أحد كذلك أن ينكر الدور الهام الذي ~~لعبه في الحرب العالمية الثانية، وما ساهمت به بلاده في سبيل ~~انتصار الديمقراطية على الفاشية. ~~(3) الإله الذي أنكروه # أطلقوا عليه في حياته أسماء كثيرة لا شك أنها ترفعه إلى مقام ~~الآلهة أو الأنبياء؛ فقد قالوا عنه: إنه «أحب البشر»، وإنه ~~«المعلم والأب الحكيم». # ووصفه البعض فقالوا: إنه «أمل العالم ونوره وضميره»، وإنه «مجد كل ~~من ولد بقلب أمين». # وفي السنوات الأخيرة من حياته قلت الإشارة إلى اسمه «ستالين»، ~~اكتفاء بكلمة الرفيق وحدها كما كانت العادة من قبل، وأصبح ~~لزاما أن يضاف إليها كلمة «العظيم»، وأطنبوا في ذلك فقالوا: ~~إنه «شعلة البشرية التقدمية وأملها»، وإنه «صانع الحياة ~~السعيدة»، و«صاحب القلب الحنون»، و«النسر الكبير الذي يعلم ~~النسور الصغيرة كيف تطير». # ولم يقصر الشعراء والأدباء من جانبهم في ذلك الموكب؛ فقال أحدهم: ~~إن الحروف التي يتكون منها اسم ستالين وهي: «س، ت، ا، ل، ي، ن» ~~لا بد لها أن تزهو وتفاخر بين الحروف الأبجدية الأخرى بوصفها ~~الحروف التي تكون منها اسم الزعيم الأكبر! # وقال كاتب آخر: إن صوت ستالين لا يقل تأثيرا في النفوس عن النبيذ ~~المعتق الذي تنتجه سفوح التلال الجنوبية! # وقال شاعر آخر: إن البلابل عندما تغرد فإنها تقول له: «لك المجد! ~~لك المجد أيها البستاني العظيم!» # وسارعت الصحف بدورها لتقدم له هي الأخرى تحيتها، فأطلقت عليه صحيفة ~~الحياة الاقتصادية اسم «شباب الأرض»، ولاحظت أزفستيا أن ستالين ~~يشبه «الربيع البللوري»، وقارنته صحيفة الجبهة الاقتصادية ~~بالحكيم سقراط الفيلسوف اليوناني، وقالت: إنه «عبقري الفكر ... ~~بل إنه أعظم المفكرين حقا ...» # ووصفه أحد كبار أعضاء مجمع العلوم الروسي (الأكاديمي) بأنه: «أعظم زعيم للعلم في جميع العصور وجميع ~~الدول.» # وكانت الخطب التي تلقى في مختلف المناسبات حتى الفنية تمتلئ ~~بعبارات الإطراء والمديح التي كانت تقابل من الجماهير ~~المستمعة بالهتاف الطويل والتصفيق المتواصل، وكثيرا ما كان ~~الخطيب ms009 يقول وهو يخاطب ستالين: «سلام عليك !» أو: «إننا لنتمنى ~~سنوات عديدة من السعادة لزعيمنا الحكيم وحبيبنا الأوحد الرفيق ~~ستالين.» # وفي عام 1949 عندما كان ستالين يحتفل بعيد ميلاده، وكان قد بلغ ~~السبعين من عمره، خطب رئيس الاتحاد السوفييتي الأعلى فقال: إن ~~ستالين «أعظم قائد عسكري ظهر في جميع العصور وفي جميع ~~البقاع!» # كما قال مولوتوف في نفس هذه المناسبة: «إن ستالين هو الذي قاد ~~بلادنا إلى النصر.» # وجاء في رسالة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي ومجلس وزراء اتحاد ~~الجمهوريات السوفييتية التي رفعت إليه عندما بلغ السبعين من عمره: # إن كل الأجيال المقبلة سوف تمجد ~~اسمك. # وإن قلوب ملايين العمال في جميع أنحاء العالم ~~لتمتلئ بالحب الخالص لك، يا سيد العلم العظيم، ~~ومهندس الشيوعية الأكبر. # معلمنا ومرشدنا وأحسن أصدقائنا. # وقال راديو موسكو وهو يصف ستالين في إحدى المناسبات: «إنه الرجل ~~الذي لا نهاية له ... إنه يشبه النور وأمواج المحيط.» # وقال كاتب روسي يصف ستالين: «إنه كالشمس ... يبدو عاليا مضيئا ~~قويا ... والحرارة التي تنبعث من أشعته تفيض دفئا على شعوب ~~العالم.» # ولكن كاتبا روسيا آخر هو الكساي تولستوي لم يعجبه هذا الوصف ~~فقال: «إن ستالين أكثر من الشمس ... لأن الشمس لا حكمة ~~لديها.» # وكانت صورته ترى في كل مكان، وكان هناك مصنع في روسيا لا عمل له ~~إلا إنتاج تماثيل من الجبس لستالين لكي توزع على جميع ~~الجهات. # وهكذا كان وجه ستالين يطل على التلاميذ في كل فصل من فصول المدرسة، ~~وعلى العمال في كل مصنع، وعلى الموظفين في كل مصلحة، بل وفي ~~معظم المنازل. # وعند مدخل القناة التي تصل بين نهري الفولجا والدون أقيم تمثال ضخم ~~من النحاس لستالين، وكان وزنه يبلغ نحو 35 طنا ... وفي محطة ~~«مترو» موسكو الذي يسير تحت الأرض أقيم لستالين تمثال آخر من ~~المرمر الملون، وفوق جبال البرز في القوقاز، وهي ترتفع 18468 ~~قدما فوق سطح البحر، أقيم تمثال آخر لستالين نقشت عليه هذه العبارة: # فوق أعلى قمة في أوروبا أقمنا تمثالا لأعظم ~~رجل في هذا العصر. ms010 # وتضاءلت عظمة لينين أمام عظمة ستالين؛ فإن اسم لينين لم يطلق على ~~مدينة إلا بعد موته، ولكن اسم ستالين أطلق مدة حياته على مدن ~~كثيرة منها: ستالينجراد، وستالين آباد، وستالينيز، وستاليني، ~~وستالينيكا، وستالينوجورسك، وأطلق اسم «ستالينسك» على ~~مدينتين، واسم «ستالينسكويا» على مدينتين آخريين، كما أطلق ~~اسم «ستالينسكي» على ثلاث مدن روسية، وأطلق اسم «ستالينو» على ~~أربع مدن ... # وليس من السهل حصر عدد الشوارع والمزارع الجماعية والمتاجر والسفن ~~والجسور التي أطلق عليها اسم ستالين في جميع أنحاء ~~روسيا. # وكانت الجهود تبذل دائما لتصوير ستالين أكبر مما هو في الحقيقة، ~~بل ولإبرازه في شكل يخالف شكل البشر العاديين حتى يؤمن الناس ~~أنه إن لم يكن إلها صغيرا، فإنه - على الأقل - مخلوق ممتاز ... # فقد وصف راديو موسكو يوما في إحدى إذاعاته خواطر تلميذ صغير وهو ~~يمر أمام الكرملين ويفكر في ستالين فيقول: عندما يغيب الضوء سيذهب «هو» - أي: ستالين - ~~إلى فراشه، فهل يا ترى ينام هو كما ينام سائر ~~الناس؟ # وفي كل مرة تشرق الشمس على موسكو ... يخيل لي ~~أنه هو الذي يحرك مفتاحا في يده فيضيء النور ... # وفي ذات يوم سمع في إذاعة لراديو براغ في تشيكوسلوفاكيا وصف ~~لستالين جاء فيه: «أنت اسم آخر للخلود!» # ولكن ستالين مات في يوم من الأيام كما يموت سائر البشر، وعرف الناس ~~في روسيا أن الخلود لله وحده، وصدر بلاغ رسمي من اللجنة ~~المركزية للحزب الشيوعي ومجلس الوزراء ينعي ستالين للشعب، وقال ~~الزعماء الذين نعوه في عبارات باكية: ~~«إن أعظم القلوب الإنسانية قد نبض نبضته ~~الأخيرة فلا حراك له بعد اليوم.» ~~«لقد توقف قلب القائد والمعلم الحكيم عن ~~الخفقان.» ~~«ولكن اسم ستالين الخالد العزيز علينا سيعيش ~~دائما، وسيظل حيا إلى الأبد في قلوب الشعب ~~السوفييتي وجميع الشعوب التقدمية.» # وبكى مولوتوف وهو يودع ستالين الوداع الأخير وقال: «كلها بالأفكار العظيمة ستظل لنا نبراسا ~~حيا.» # وقال مالنكوف وهو يتنهد: «وداعا أيها الصديق المحبوب! ...» # أما طاقات الزهر التي أرسلت لتوضع على نعشه فلم يكن من السهل ~~حصرها هي الأخرى، ms011 شأنها في ذلك شأن الدموع الحارة التي أذرفت ~~حزنا عليه يوم موته ... ~~••• # ولكن لم تمض سنوات ثلاث على وفاة ستالين حتى فوجئت روسيا، بل فوجئ ~~العالم كله، بعملية تحطيم عجيبة تجري بكل همة ونشاط في روسيا ~~للقضاء على سمعة الإله الذي دفن منذ ثلاث سنوات. # وبدأ الناس يسمعون، وهم في ذهول، أن «أمل العالم ونوره وضميره» ~~الذي تعود مئات الملايين من البشر أن يحترموه ويبجلوه بوصفه ~~«مجد كل من ولد بقلب أمين»، قد أعيد تقدير قيمته بمعرفة زملائه ~~السابقين، وأنه أصبح اليوم في نظرهم شخصا عابثا، جاهلا، ~~جبانا، قاسيا، شريرا، مستبدا، مجنونا ... متوحشا! # ورأى الناس، وهم في ذهول، أن الذين بكوا وانتحبوا يوم وفاة ستالين ~~وقالوا: إن أعظم القلوب الإنسانية قد نبض نبضته الأخيرة، رآهم ~~وهم يهيلون التراب على صورة الرجل العظيم، الأب الحكيم الخالد، ~~القائد، الأمل، نور الضمير العالمي، صاحب أعظم العبقريات ~~الحربية التي تمخضت عنها جميع العصور! # إنهم لم يهيلوا التراب في صمت، بل تحدثوا وتحدثوا كثيرا، وقالوا: ~~إن الإله الذي عبدوه مع بني وطنهم قد أنزل بالبلاد أضرارا ~~عظيمة ... # وإذا كان الأمر كذلك، أفلا يكون ضروريا أن نرى إلى أي ذروة من ~~ذرى التأليه ارتفع ستالين على أيدي نفس الزملاء والشركاء الذين ~~أخذوا يهيلون عليه التراب بعد ثلاث سنوات فقط من موته؟ وما هي ~~العوامل التي ساعدته على ارتفاعه؟ ~~(4) زعيم الشيوعية # كان ستالين أقوى حاكم مطلق في الأزمان الحديثة، كان أعظم ديكتاتور ~~في عهده؛ لأنه كان يحكم 200 مليون من الشعب الروسي، كما كان ~~يتحكم في مصير 600 مليون نسمة من الشعوب الأخرى التي يضمها ~~الاتحاد السوفييتي والدول التي تدور في فلك روسيا ... # وإذا كان العالم كله يدرك اليوم مدى السلطة التي كان يتمتع بها ~~ستالين في عهده، إلا أن الطرق التي توصل بها إلا الاستئثار ~~بجميع هذه السلطة في يده، والاحتفاظ بها خلال السنوات الطويلة ~~التي امتد إليها حكمه، هذه الطرق والأساليب قد نسيها الناس أو ~~تناسوها ... كما أن جهاز الرقابة الذي أحاط به ستالين عهده ms012 كان ~~خير معوان على طمس الحقائق وإخفائها حتى باسم التاريخ بما يتفق ~~مع اتجاهات الشيوعية وأهدافها البعيدة. # مراحل مختلفة في حياة ستالين # ستالين (6 سنوات). # ستالين عام 1910 ... في «فيش» البوليس. # ستالين (لص البنوك!) # ستالين (في عام الثورة). # ستالين في ريعان الشباب. # ستالين (إلى اليسار) وبجانبه كالينين على ضريح ~~لينين. # ولكن لما مات ستالين وأصبح ملكا للتاريخ، بدأ الباحثون والعلماء ~~والكتاب يتناولونه من نواحيه المختلفة، ويتناولون عهده وما ~~أحدثه من آثار عميقة في تاريخ روسيا، أو تاريخ أوروبا وآسيا ... ~~بل تاريخ العالم كله. # وجاء خروشيشيف بعد ذلك فألقى خطابه السري المشهور في المؤتمر ~~العشرين للحزب، في ليلة 24-25 فبراير من عام 1956، وفضح عدة ~~مسائل كانت مستورة، كما نشر عدة صفحات أخرى كانت مطوية، وكان ~~ذلك بعد وفاة ستالين بثلاث سنوات فقط. # ولا شك أن المتتبع للثورة الروسية يمكن أن يرجع بجذورها إلى أول ~~القرن التاسع عشر، والناظر إلى وجه ستالين وهو لا يزال في ~~ريعان الصبا يمكن أن يلمح فيه شابا تملؤه الفتوة، وتدفعه ~~الجرأة، عندما كان أحد محترفي الثورة ... إنه لا شك شديد ~~الاختلاف عن ذلك الصبي الذي زجت به أمه إلى المدرسة ~~الإكليريكية وهي ترجو أن يكون يوما من بين رجال الدين! # لقد كان الرجال الذين يمهدون للثورة الروسية - وستالين من بينهم - ~~يعيشون في روسيا القيصرية مرموقين بنظرات البطولة؛ وذلك لما ~~كانوا يتعرضون له من أخطار دائمة، ومؤامرات واسعة النطاق، ~~تتهدد حياتهم وحرياتهم في كل وقت. # كان البوليس السري للقيصر يبحث عنهم ويتتبع حركاتهم حتى يزج بهم ~~إلى أعماق السجون، أو يرسلهم إلى النفي في سيبيريا. # كانت الشعلة التي تلهمهم في ذلك الوقت هي المثالية الاشتراكية التي ~~ابتدعها كارل ماركس وانجلز، وكان أحرار العالم جميعا يؤيدونهم ~~في جهادهم، ويتمنون لهم ولبلادهم الخلاص من الحكم القيصري ~~الظالم الطاغي. # ولكن ستالين كان يتميز بصفات لم تتوفر لغيره من الزملاء المجاهدين ~~العاملين في نفس القضية ... # فقد كان أشد جرأة من معظم الثوار المحترفين. # وكانت أطماعه لا تقل عن أطماع أي واحد ms013 منهم إن لم تزد عنها ... # وكان أشدهم انتهازية، فقد رسم سياسته أولا على أساس السير في ركاب ~~لينين، والانضواء تحت زعامته حتى تسنح له الفرصة للاستئثار ~~بالسلطة لنفسه. # ومهما قيل في ستالين فإنه ليس من المبالغة في شيء أن يقال عنه: إنه ~~كان من أعظم الذين أثروا في تاريخ البشرية في هذا القرن الذي ~~نعيش به. ~~... والآن نبدأ قصة الرجل أو «الإله» من أولها. ~~(5) ستالين بين الحقيقة ... والخيال # أي طراز من الرجال كان هذا ال «ستالين» الذي سيطر في وقت من ~~الأوقات على مصير 200 مليون نسمة في الاتحاد السوفييتي، وأقدار ~~عدة ملايين أخرى في الدول المجاورة التي انتشر فيها نظام ~~روسيا، وكان كل تصريح سياسي له يبعث الأمل أو الخوف في قلوب ~~مئات الملايين من سكان العالم؟ # ومن المشكوك فيه أن يكون ثمة رجل، خلال حياته نفسها، قد لقي هذا ~~الاختلاف الكثير في درجة التقدير كما حدث لستالين، فقد رآه ~~مثلا أحد الكتاب فأبدى نفورا من شكله وهيئته وقال: إن ~~وجهه يحمل آثار الإصابة بالجدري، وإن أسنانه رديئة المنظر. ~~ورآه أحد سفراء أمريكا السابقين في الاتحاد السوفييتي فأطنب في ~~وصف عينيه البنيتين الحانيتين اللطيفتين وقال: «إن الطفل ليحب ~~أن يجلس على ركبتيه.» # ووصفه تشرشل عقب اجتماعهما الأول كحلفاء في الحرب بأنه رجل ذو ~~شجاعة ومقدرة لا ينفدان وقال: «إن ستالين تركه وقد انطبعت في ~~نفسه الحكمة الهادئة العميقة وزوال الوهم من أي نوع ~~كان.» # ومن أظرف ما رواه تشرشل في مذكراته عن ستالين كيف أن سيد روسيا ~~أقام مأدبة في أحد الاجتماعات، # 1 # ووقف أثناء المأدبة ورفع كأسه وشرب نخب ملك ~~بريطانيا. ويقول تشرشل: إنه ولو أن ستالين شرب نخب ملك ~~بريطانيا بطريقة ودية مهذبة إلا أنه قرن ذلك ببضع كلمات لم ترق ~~لتشرشل؛ إذ قال ستالين وهو يرفع كأسه: إنه بوجه عام من خصوم ~~الملكية، وإنه يقف دائما إلى جانب الشعب لا في صف الملوك ~~أيا كان مسلكهم، ولكنه تعلم أثناء الحرب أن يحترم الشعب ~~البريطاني الذي يمجد ms014 ملكه ويحترمه؛ ولذلك فإنه - أي: ستالين - ~~يدعو الحاضرين ليشربوا نخب ملك بريطانيا! # وتضايق تشرشل من هذه الكلمات الصريحة وطلب من مولوتوف أن يرجو ~~ستالين أن يكتم مشاعره بإزاء الملكية، واقترح للتخلص من هذه ~~المواقف المحرجة أن يشرب المحتفلون نخب رؤساء الدول الثلاث # 2 # في وقت واحد، وبذلك لا يتسع المجال لإبداء ~~تعليقات. وقبل ستالين الاقتراح وصار ذلك النهج تقليدا اتبع ~~في الاجتماعات التالية. # وروى ولتر بيدل سميث - سفير أمريكا السابق في موسكو - أنه عرف ~~يوما شيوعيا غير روسي يتملكه نوع من الرعب والخوف من ~~ستالين، حتى إنه ليتحاشى ذكر اسمه في الأحاديث الخاصة، ويقول ~~عنه هامسا إذا أراد الإشارة إليه: «الرجل ذو الشارب.» # ولا شك أن ستالين كان مكروها من كثيرين من زملائه في بدء تكوين ~~الاتحاد السوفييتي، كما أنهم كانوا يخافونه، وقد لقي هؤلاء أحد ~~مصيرين: فإما النفي، وإما الموت ... بل إن لينين نفسه - كما سترى ~~- لم يكن شديد الاطمئنان لستالين ... # ويرجع هذا الاختلاف البين في تقدير ستالين إلى أن معظم الذين ~~قابلوه وكتبوا عنه فعلوا ذلك من وجهة نظر معينة ... # والحقيقة أن قليلين جدا من الناس في العالم، بل وفي روسيا نفسها، ~~قد عرفوا ستالين الحقيقي؛ فقد كان أقوى حاكم في العالم، وكان ~~من أقل حكام العالم ألفة واختلاطا بالناس، فقد عاش بعد أن قبض ~~على زمام السلطة منعزلا عن شعبه، كما انعزل عن الأجانب، وراء ~~أسوار الكرملين التي كانت تفصله عنهم، ومن حوله حشد من رجال ~~الجيش والبوليس تولى حراسته، وأحاط حياته الشخصية بسرية ~~تامة. # وكان العالم الخارجي يجهل أين يقيم ستالين بالضبط إذا خرج من ~~الكرملين، وكان بعض الناس يعتقدون أنه كان يملك منزلا ريفيا ~~يقع في الجزء الشمالي الغربي من المدينة حيث يقيم رجال الحكومة ~~الآخرون، وحيث يفرض البوليس رقابة دقيقة، ولكن لم يكن في ~~استطاعة أحد أن يؤكد ذلك. # حتى حياته الشخصية نفسها أحيطت بالغموض؛ فإن الروس أنفسهم لا ~~يعرفون إذا كان ستالين قد تزوج حقا بعد وفاة زوجته الثانية ~~في عام 1932، رغم كل ms015 ما أشيع عن ذلك. # لقد كان «ستالين» في روسيا اسما ورمزا لرجل لا يراه الروس مطلقا ~~حتى في تلك الاستعراضات الضخمة التي كان ستالين يقف فوق قمة ~~قبر لينين ليشهدها وهي تمر في الميدان الأحمر ... حتى في تلك ~~الاستعراضات كانت الجماهير لا تراه لبعد المسافة، كان المارة ~~في الميدان يرونه عن بعد كما يرون شبحا من الأشباح. # ولم يشهده أحد سائرا في شوارع موسكو، كما أنه لم يزر إلا نادرا ~~إن لم نقل إطلاقا مصنعا أو منجما أو مزرعة جماعية، وقيل: ~~إنه قام في أثناء الحرب العالمية الثانية بعدة زيارات لجبهات ~~القتال المتعددة، ولكن الذين رأوه في هذه الرحلات كانوا عبارة ~~عن عدد قليل من الضباط الكبار أصحاب الرتب العالية، ولم يعلم ~~أحد من الجنود بوجوده بينهم في الميدان. # ولم يسمع عنه أنه سهر ليلة في فندق سوفييتي، كما لم يعرف عنه أنه ~~قام برحلة طويلة داخل بلاد الاتحاد السوفييتي ورآه فيها الناس. ~~وكان أهم ظهور له في العيد الرياضي السنوي بملعب «الدينامو» ~~الضخم في ضواحي موسكو. # ولم يكن بالخطيب المفوه، بل كان يلقي خطبه دائما في مستمعين ~~محدودي العدد مثل مجلس السوفييت الأعلى أو اجتماع الحزب ~~الشيوعي، ولم يعمد إلى إلقاء خطبه العامة في حشود تتكون من ~~آلاف المستمعين كما كان يفعل غيره من الحكام في مختلف ~~المناسبات؛ لكي ينشروا آراءهم وحججهم في موضوعات السياسة ~~العليا على الشعب مباشرة. # ورغم هذه العزلة ... فقد كان ستالين موجودا في كل مكان من روسيا ... ~~في كل قرية، وفي كل ضيعة ... في سدس سطح الكرة الأرضية، كان ~~معبودا بكل معنى هذه الكلمة، وكانت صورته في كل مكتب سوفييتي، ~~وفي كل حجرة من كل مدرسة، وفي كل فرع للحزب، وفي منزل كل أسرة ~~... وكان له تمثال مقام في كل متنزه، وفي محطات السكة الحديدية ~~والمطارات، وفي كل مبنى عام؛ كالفنادق ومحطات «المترو» لا دور ~~الحكومة فقط ... وكان الشعب الروسي كلما احتفل بعيد الثورة ~~السنوي يوم 7 نوفمبر، وضعت له الصور الضخمة في كل مدينة، ms016 وكل ~~قرية من قرى الاتحاد السوفييتي. # لقد ظل العالم الغربي وقتا طويلا وهو عاجز عن تعليل ذلك المديح ~~البالغ الزائد عن حده الذي تغمر به روسيا ستالين؛ إذ كانت ~~الملايين من أفراد الشعب الروسي تنظر إليه على أنه مزيج نصفه ~~إله والنصف الآخر أب حنون، ومع ذلك فإن هذا الشعب لم يكن يعرف ~~شيئا عن زعيمه إلا من الصور التي تنشر له، وقلما كانت الصورة ~~تتغير إلا بعد أن تنقضي عليها أمام الناس عدة سنوات. # وقد حدث في الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية أن نشرت ~~للناس صورة جديدة لستالين، ظهر فيها شعره وقد وخطه الشيب، وما ~~كادت مكتبات موسكو تلصق على نوافذها هذه الصورة الجديدة ~~للإعلان عن بيعها حتى أحدثت هزة عميقة في نفوس الناس الذين ~~احتشدوا أمام المكتبات التي عرضتها، وأخذوا يدققون فيها النظر ~~وهم يلاحظون في دهشة أن ستالين هو الآخر قد أخذت السن تتقدم به ~~... لقد كانوا يعتقدون أن زعيمهم من طينة غير طينة البشر، وأن ما ~~يحدث لغيره من البشر لا يمكن أن يحدث له هو مطلقا؛ لأنه ليس ~~مثلهم، فلما فاجأتهم الصورة الجديدة أثارت دهشتهم وتساؤلهم ~~وقلقهم! # ولم تكن أنباء نشاطه اليومي تنشر أبدا، ولا قائمة زواره الرسميين، ~~إلا إذا كانت الزيارة في مناسبة يجب أن تذاع، كاستقبال سفير ~~جديد أو سياسي أجنبي، أو إقامة مأدبة في الكرملين لمجموعة من ~~الضيوف. # وكانت خطط تنقلات ستالين في داخل روسيا أو في خارجها يحتفظ بها في ~~سرية تامة في وقت السلم كما في وقت الحرب. وكان قد اعتاد قضاء ~~إجازاته في البحر الأسود، ولم يكن أحد يعرف ذلك، وإنما كان ~~يستنتجه الديبلوماسيون الأجانب في موسكو إذا طلب أحدهم مقابلة ~~ستالين فأجيب بأن المقابلة غير ممكنة بسبب عدم وجود ستالين في ~~موسكو. # هذه صورة لستالين العظيم، في أوج عظمته، وبعد أن توطد ملكه وسلطانه ~~في البلاد، ولكن فلنعد الآن إلى الوراء لنرى كيف وصل الزعيم ~~إلى هذا المركز الممتاز بين أهل وطنه. ~~(6) الأعوام الأولى # كان اسمه الرسمي ms017 جوزيف فيزاريونوفيتش دجوجا شفيلي، وقد ولد في ~~مدينة جورى من أعمال جورجيا، في ديسمبر من عام 1879. # أما اسم ستالين الذي أطلق عليه فيما بعد فكان معناه: «رجل الصلب»؛ ~~لأن كلمة «ستال» بالروسية معناها الصلب، وكان المقصود بهذا ~~الاسم الدلالة على قوته. # أما والده فيزاريون دجوجا شفيلي فقد كان فلاحا، اشتغل بالصناعة ~~تارة لحسابه الخاص، وتارة بالمصنع، وقد اشتغل بصناعة الأحذية، ~~وتوفي الرجل في عام 1890. # أما والدة ستالين وكان اسمها كاترين، فقد كانت تعيش في تفليس، وظلت ~~على قيد الحياة بعد وفاة زوجها بمدة طويلة، حتى لقد شهدت عظمة ~~ابنها عندما صار سيد روسيا كلها ... # كان قد مات لها ولداها الأولان وهما في سن صغيرة، فلما جاء الثالث ~~- وهو جوزيف - أخذت تدلله كما تدلل كل أم ابنها الأوحد، ومن ~~جوزيف ابتدعت الأم اسما صغيرا لتدليل ابنها، وكان الاسم الذي ~~وقع عليه اختيارها هو «صوصو». وقد ظلت كاترين تنادي ستالين ~~باسم «صوصو» حتى بعد أن بلغ شأنا كبيرا في روسيا ... بل في ~~العالم. # وكانت الأم تحلم بأن تجعل من ابنها قسيسا؛ ولذلك فإنها أودعته ~~المدرسة الدينية في جورى التي لم تكن تزيد في حجمها عن حجم أي ~~ضاحية لا يزيد عدد سكانها عن خمسة آلاف نسمة. # وتحدثت الأم عن ابنها يوما فقالت: «لقد كان دائما ولدا طيبا، لم يستلزم الأمر ~~يوما ما أن أوقع عليه عقوبة، كان يستذكر دائما ~~بعزم، ويقضي وقته إما في القراءة أو في الحديث، ~~محاولا أن يفهم كل شيء، وقد التحق بالمدرسة وهو في ~~سن الثامنة من عمره.» # وهذه هي أهم المعلومات الدقيقة المعروفة عن طفولته بغض النظر عما ~~نشره فيما بعد كثيرون من زملائه وتلاميذه مما يجب أن يتناوله ~~المؤرخ بمنتهى الحذر. ~~••• # وكانت يقظة ستالين الثورية يقظة مبكرة؛ لأنها بدأت في 1894 في تلك ~~المدرسة اللاهوتية التي ألحق بها في تيفليس، فقد ثار ضد «النظم ~~القاسية والنظام الجزويتي» الذي كانت تسير عليه المدرسة ~~الدينية، وفضل على تلك الدراسات الدينية أن يشترك في ~~الاجتماعات العامة التي كانت تعقد ms018 في المدينة، كما أخذ يقرأ ~~سرا مؤلفات فيكتور هيجو وداروين وكارل ماركس. # وفي عام 1899 غادر المدرسة اللاهوتية نهائيا لكي يصبح ثوريا ~~محترفا، وفي هذا الوقت بالذات كان لينين قد دخل السجن لأول ~~مرة. # وهكذا يمكن اعتبار أن حياته السياسية قد بدأت في عام 1898؛ إذ ~~تكون في هذا العام الفرع الروسي للدولية الثانية، فانضم ~~ستالين إلى شعبة تفليس لحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي ~~الروسي، وتحدث أحد الذين أرخوا له فوصف شكله وقال عنه: «الملامح، على وجهه ملامح الجرأة ... وكان يسير مرفوع ~~الرأس! ...» # وفي عام 1926 خطب ستالين في مدينة تفليس، وتحدث عن نفسه فقال: لا أزال أذكر عام 1898 حين عرض علي عمال ورش ~~السكك الحديدية رئاسة ناديهم، وقد مضى اليوم على ذلك ~~28 عاما، ولكنني لا أزال أذكر كيف كنت أجتمع في ~~منزل الزميل ستوروا بدجبيلادزيه، وتشوريد شفيلي، ~~وبوتشريد شفيلي، وغيرهم من العمال التقدميين ... وهناك ~~كنت أتلقى دروسا عملية، ولو قارنت نفسي بهؤلاء ~~لأدركت أنني كنت في ذلك الوقت صفرا من ناحية ~~الشمال. ~~••• # ربما كنت إذ ذاك أكثر علما من كثيرين من ~~هؤلاء الزملاء، ولكنني كنت لا أزال حدثا في فنون ~~الجهاد العملي ... وعلى يد هؤلاء صرت «صبيا» في فنون ~~الثورة؛ إذ تتلمذت عليهم ... فأنتم ترون أن أساتذتي ~~الأوائل كانوا عمال تفليس ... واسمحوا لي الآن أن أعبر ~~لهم عن اعترافي بالجميل ... كزميل. # وأذكر بعد ذلك الأعوام التي انقضت من 1905 إلى ~~1907 حين ألقوا بي للعمل في «باكو» بأمر الحزب؛ فقد ~~كان لهذه الأعوام التي قضيناها هناك في التمهيد ~~للثورة أعظم الأثر في نفسي؛ إذ جعلت مني جنديا ~~عمليا ومحركا ... # وهكذا تلقيت في باكو التعميد الثاني في نضالي ~~الثوري، وهناك صرت عاملا من عمال الثورة، فاسمحوا ~~لي أن أعبر لأساتذتي في باكو - أيضا - عن اعترافي ~~بالجميل كزميل ... # وأخيرا أذكر عام 1917 ... عندما ألقي بي بأمر ~~الحزب إلى ليننجراد ... فهناك وسط العمال الروس، وإلى ~~جوار المعلم الأكبر الرفيق لينين، وفي خضم الزوبعة ~~الكبرى التي أثارتها المعارك التي نشبت بين ~~الرأسمالية وبين ms019 الطبقة العاملة وخلال الحرب العظمى ~~... بدأت أفهم للمرة الأولى معنى أن يصبح الشخص من ~~قادة حزب العمال الأكبر! ... # وهكذا تتمثل حياة ستالين الثورية في أربع مراحل هامة: # الأولى: # مرحلة التلمذة في تفليس. # والثانية: # مرحلة العمل في باكو. # والثالثة: # مرحلة القيادة في ليننجراد. # وأما الرابعة: # فهي مرحلة الدكتاتورية المطلقة في ~~موسكو. # ولقد كانت مرحلة الصبا في حياة ستالين هي مرحلة دولة في دور ~~الغليان. # وكان قد حدث في عام 1825، وفي شهر ديسمبر على وجه التحديد، أن ثار ~~جماعة من الضباط الأحرار من المتمسكين بالمثل العليا ضد ~~القيصر نيقولا الأول، ولكنهم أخفقوا في ثورتهم ولم ينجحوا في ~~قلب الحكومة، وإنما نجحوا في إيقاظ روسيا، وحركوا روح الأمل ~~في إنقاذ هذه البلاد من ظلام العصور الوسطى الذي كانت لا تزال ~~تعيش فيه تحت حكم القياصرة المتعسفين الظالمين. # ولذلك فإنه عندما تحركت فكرة الاشتراكية الماركسية وبدأت تنتشر في ~~أوروبا وجدت لها عددا كبيرا من المتطوعين في روسيا. وفي عام ~~1898 نظم الماركسيون الشبان حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي ~~الروسي، وبعد عامين أخذوا في إصدار جريدة سرية في ألمانيا ~~أطلقوا عليها اسم إيسكرا (أي: الشرارة)، وكان من بين محرري هذه ~~الجريدة فلاديمير إيليانوف لينين، وكان والده مدرسا. # وحدث في لندن عام 1903 أن انقسم الحزب على نفسه، فأطلق لينين على ~~من بقي معه اسم البولشفيك (ومعناها الأغلبية)، كما أطلقوا ~~على المنشقين اسم المنشفيك (أي: الأقلية.) ويمكن لمن يتتبع هذا ~~الانقسام أن يجده حتى اليوم ماثلا في تلك الفروق التي تفصل ما ~~بين الشيوعية الروسية والاشتراكية الغربية. ~~(7) مرحلة الصبا (1898-1905) # وقد رأينا أن ستالين لا يريد أن يعتبر نفسه لا من رجال النظريات ~~ولا من رجال العلم، إن ما يهمه هو الجهد «العملي»، وقد اعتنق ~~الماركسية كما يعتنق المرء دينا جديدا، ولقد حدد غيره فلسفة ~~هذا الدين الجديد، أما دوره هو فكان دور الجندي، دور المبشر ~~المحجب في بادئ الأمر، ولكن المؤمن العنيد الذي لا يتراجع أمام ~~أي عقبة من العقبات، وكان يستعين في نشر أفكاره بمكر ms020 ~~الفلاحين. # والمعلومات قليلة عن ظروف حياته الأولى كمحترف للثورة بين عمال ~~السكك الحديدية، وعمال مصانع التبغ، وعمال صناعة ~~الأحذية، والوسائل التي كان يستعملها في التبشير بديانته ~~الجديدة بلغة قريبة من لغتهم واشتراكية طائعة متساوية بين ~~الجميع. # وكان البوليس يعترض طريقه أحيانا حتى ليجعل من العسير عليه أن ~~يؤدي واجبه، ولكنه كان يحس أنه ملك للحزب وحده بكل ما تحمل هذه ~~الجملة من معان، وكان يتوجه دون حذر ولا خور إلى أي مكان ~~«يرميه» فيه الحزب على حد تعبيره هو. # وكان لينين قد كتب وقتئذ يقول: # يجب علينا أن نكون رجالا يخصصون للثورة لا ~~أوقات فراغهم كل مساء فقط، بل كل حياتهم ... # وكان يجب على هؤلاء الرجال الذين يمهدون للانقلاب أن يعيشوا على ~~حساب الحزب، وأن يستغنوا عن البحث عن أي عمل آخر، وأن يعيشوا ~~أطول مدة ممكنة في نفس المدينة، وأن يعملوا في الظلام، مما كان ~~يتطلب جرأة شديدة، وخاصة لشدة البوليس في ظل النظام ~~القيصري. # واضطر دجوجا شفيلي # 3 # تضليلا للبوليس، أن يتخذ لنفسه عددا من الأسماء ~~المستعارة، وأطلق عليه مرة بعد أخرى: دافيد وكوبا ونيجيرادزيه ~~وتشيجيكوف وإيفانوفتش وستالين. # وفي عام 1900 لم يكن غريبا على المظاهرات التي وقعت في تفليس وأدت ~~إلى سقوط عدد من القتلى والجرحى، وإلى حل اللجنة الاشتراكية ~~الديمقراطية الخاصة بهذه المدينة. # وقال باربوس في كتابه «لمحة تاريخية عن البلشفيه» يصف هذه المرحلة ~~من حياة ستالين: «دون أن ينطق بكلمة واحدة ثم يصغي إلى ما يقال، حتى ~~حين الوقت لكي يتولى هو الكلام ... # وكان يصحبه دائما رفيقان أو ثلاثة، يقف واحد ~~منهم عند الباب ليتولى الحراسة ...» # وفي عام 1901 سافر ستالين إلى باطوم، وكانت هي الباب الرئيسي ~~لتجارة القوقاز؛ حيث كانت المنطقة غنية بالبترول عامرة بالناس، ~~وخاصة أفراد الطبقة الوسطى. وحدث في عام 1902 بتأثيره هو أن ~~هاجم المتظاهرون السجن، وكانوا جميعا لا يحملون سلاحا فسقط ~~منهم عدد من القتلى. # وقبض على ستالين وعدد من المحرضين، وحجز في السجن نحو ثمانية ~~عشر شهرا صدر بعدها ms021 الحكم ضده بالنفي الإداري إلى سيبريا لمدة ~~ثلاث سنوات. # وهذه هي الأوصاف التي وردت في «تحقيق الشخصية» الخاصة به: # طول القامة: # 2 أرشين و4,5 فرشوك. # حجم الجسم: # متوسط. # متوسط السن: # 23 سنة. # علامات خاصة: # التصاق أصبعي القدم اليسرى الثاني ~~والثالث. # المظهر الخارجي: # عادي. # الشعر: # أسمر فاتح. # الذقن والشارب: # أسمر. # الأنف: # مستقيم طويل. # الوجه: # مستطيل (به علامات جدري). # ولكنه لم يمكث طويلا في سيبيريا، فإنه بعد شهر واحد من وصوله إلى ~~قرية نوفايا أودا، بمقاطعة أركوستنك، هرب وعاد إلى الظهور في ~~تفليس في شهر يناير من عام 1904، وهناك وجد الحزب منقسما إلى ~~فريقين: منشفيك، ولينينيين. # وفي عام 1905 كان ستالين قد قرر مصيره؛ إذ اختاره البلاشفة ~~القوقاسيون مندوبا عنهم في المؤتمر البلشفيكي الذي قررت الدول ~~الروسية عقده في تامر فورز بفنلندا، وفي ذلك المؤتمر قابل ~~ستالين - لأول مرة في حياته - لينين. # وكتب في وصف هذا اللقاء ~~الأول يقول: # كنت أتمنى أن أرى نسر الجبال الذي يحمي حزبنا ~~بجناحيه في صورة رجل كبير ... ليس كبيرا في السياسة ~~فقط، بل كبيرا أيضا في جسمه، فإنني كنت أصور لينين ~~دائما في خيالي في هيئة مارد له قوام جميل تتمثل ~~فيه القوة، ولكن كم خاب أملي عندما رأيت شخصا ~~عاديا جدا، قوامه أقل من المتوسط، ولا يتميز بأي ~~شيء عن العاديين من بني البشر. # وفي تلك السنة وقع ما يشبه التجربة أو «البروفة» للثورة، وكان الذي ~~أثارها ما تخلل الحرب الروسية اليابانية من فضائح. وكانت ~~القوقاز مسرحا لحوادث خطيرة لا بد أن ستالين اشترك فيها على ~~وجه التأكيد، ولكنه ظل في الصف الثاني، أما لينين نفسه فإنه ~~لازم الظلام التام؛ لأن دوره لم يكن قد حان. ~~(8) ستالين العامل (1905-1907) # وكان القمع رهيبا، وهنا أعار البلشفيك للثوار الاشتراكيين جزءا ~~من خططهم، وبدءوا يطبقون الطرق الإرهابية بدورهم دون أن يعدلوا ~~عن العمل المشروع. # ويقول بوريس سوفارين عن هذه الخطة الجديدة في شيء من السخرية: إن ~~ستالين باشر عمله في هذا الإطار مستعينا بمواهبه الطبيعية، ~~فبدأ الاستيلاء بالقوة ms022 على مبالغ من المال مما كان في حوزة ~~المصارف، أو مكاتب البريد، أو مخازن الدولة، أو أثناء نقلها ~~بالقطار، بل مبالغ كان يملكها أفراد أيضا، وأصبحت هذه عملية ~~عادية في عامي 1906 و1907. # وكقاعدة عامة لم تكن هذه العمليات تنتهي دون تبادل إطلاق النار، ~~ودون سقوط ضحايا من الجانبين، إلا أن الفوضويين الثوريين ~~كثيرا ما كانوا يخرجون من هذه الاصطدامات دون أن يصيبهم أي ~~أذى؛ وذلك لشدة جرأتهم، ولاستغلالهم عنصر المفاجأة. أما حراس ~~المال فإنهم هم الذين كانوا يسقطون صرعى بأعداد كبيرة في هذه ~~الحوادث. # وكان أهم هدف لاغتصاب المال هو إمداد الخلايا الثورية بالمال، وكان ~~الحادث الذي وقع في تفليس في 26 يونيو من عام 1907 هو أهم حادث ~~من هذا النوع. # وإليك ما نشر عنه في الصحف يوم 27 يونيو سنة 1907: # تفليس في 26 يونيو # حدث اليوم في ميدان أريفان الذي يقع في وسط ~~المدينة، وفي الوقت الذي كان الميدان فيه ممتلئا ~~بالناس أن ألقيت عشر قنابل الواحدة إثر الأخرى ~~فأحدثت دويا هائلا. # وبين كل قنبلة وأخرى كان الرصاص ينطلق من ~~البنادق أو من المسدسات وتساقط زجاج النوافذ، كما ~~امتلأت جوانب الميدان بالشظايا، وأجبر المسئولون عن ~~النظام الناس على الابتعاد عن مكان الحادث ومنعوهم ~~من الوصول إليه. # وفي اليوم التالي عادت الصحف فنشرت ما يلي: # لقد كانت السرقة هي الهدف من حادث الأمس الذي ~~وقع في أريفان، ونجح مدبرو الحادث في سرقة 341000 ~~روبل من إحدى عربات الخزانة العامة. # وقد ذكر جوستاف ويلتر في كتابه المحايد المؤيد بالمستندات القوية ~~أن الذي نظم هذا الهجوم على بنك الدولة كان تلميذا شابا من ~~تلاميذ لينين هو الجيورجياني دجوجا شفيلي المشهور ~~بستالين. # واستطرد ويلتر يقول دون تعليق: # وجاء أحد شركاء ستالين إلى باريس وهو اليهودي ~~والأخ، لكي يستبدل أوراق النقد التي سرقت في الحادث ~~فقبض عليه وأودع السجن. وهذا هو الرجل الذي كان ~~لويس بارتو وزير خارجية فرنسا وعضو الأكاديمي يدعوه ~~بعد ذلك بسنوات في جنيف «بصديقي لتفينوف». ~~(9) في المنفى # ومن ms023 أصعب ما يكون أن نصف مرحلة الصبا في حياة ستالين اعتمادا على ~~مذكرات أو مستندات؛ فإن الشخص الذي عاش مثل حياة ستالين يعمد ~~دائما إلى إحراق أوراقه، وإعدام مذكراته، ومحو كل أثر لها ~~أينما كانت؛ حتى لا تفضحه وتساعد البوليس على تتبعه، أو القبض ~~عليه ، أو تقديمه للمحاكمة ... # والواقع أن ستالين - كما قال عنه خصومه - لم يسترع نظر أحد إطلاقا ~~حتى شبت الثورة البلشفية في روسيا، وقد يكون هذا صحيحا، ولكن ~~ستالين، حتى إذا كانت الأطماع تجيش في صدره منذ ذلك الحين، ~~فإنه كان يعرف كيف يخفيها عن جميع الناس، وذلك بطبيعته ~~الآسيوية التي لا تنم عن شيء ولا تكشف عن نياتها. # ومع ذلك فإن من الثابت أنه فيما بين عامي 1903 و1913 قبض على ~~ستالين ست مرات، وكان في كل مرة يقبض عليه باسم يختلف عن اسمه ~~السابق! # وكان كلما نفي إلى سيبيريا تمكن من عقد أواصر الصداقة مع حراسه ~~لمدد متفاوتة، ولم يكن من السهل مطلقا الهرب من سلاسل قيصر ~~الروسيا، ولكن النظام القيصري كان من جهة أخرى قد أوشك على ~~الانهيار؛ لأن القيصر على الرغم مما أحاط به نفسه من منظمات ~~خاصة للتجسس، ومن بوليس سري، لم يكن في إمكانه في النهاية أن ~~يحتفظ بأعدائه في أسرهم. # كانت الفوضى التي ضربت أطنابها في روسيا، تلك الفوضى التي ظل ~~الشيوعيون يحاربونها مدة عشرين عاما متتابعة، كانت هذه الفوضى ~~تتجلى عند نهاية عهد القياصرة، في خلل الإدارة الحكومية، وفي ~~روح الاستياء التي عمت نفوس الشعب. # وإذا عرفنا ما في نفسية الروسي من عواطف متضاربة تتأرجح أحيانا ~~حتى تتفاوت من الوحشية إلى الرقة، لو عرفنا ذلك لما أدهشنا أن ~~نسمع أن كثيرين من المنفيين إلى سيبيريا كانوا يعاملون معاملة ~~حسنة بواسطة حراسهم. # وسيبيريا بلاد واسعة يشتد فيها البرد شتاء كما يشتد فيها الحر ~~صيفا، وقد كان بين الذين نفوا إلى هناك عدد كبير من ~~الكتاب؛ ولذلك فقد تركوا لنا أوصافا شائقة للمنطقة، وكلها ~~تقريبا تكاد تخلو من الشكوى، ويبدو مما ms024 كتبوا أنه لم يكن ~~ينقصهم هناك أي شيء اللهم إلا الجو المناسب لمزاولة مهنتهم ~~ومباشرة نشاطهم. # وقد كان النفي خير مساعد لستالين على التثقيف، وهي فرصة أتاحها له ~~المنفى وما كانت لتتاح له مطلقا لولا النفي، بسبب حياته ~~المضطربة كداعية سياسي، هذا علاوة على أن الرجل الذي يميل إلى ~~صيد السمك وصيد الحيوانات في كل يوم لا يمل الحياة في سيبيريا. ~~كان ستالين في صباه على وشك الإصابة بذات الرئة، ولكنه شفي ~~تماما من هذه العلة أثناء نفيه في سيبيريا. # ستالين الشاب الثائر في عام 1915 عندما كان ~~يحمل اسم «صوصو». # ستالين «المشبوه» صورته في صحيفة السوابق ...! # وقد حدث يوما وهو يجتاز نهرا متجمدا أن فاجأته الرياح القطبية ~~القاسية العاتية التي تجرف مراعي «الإستبس» أحيانا - ويسمونها ~~هناك بوران - فاجأته هذه الرياح وهو يجتاز جمد النهر، فظل ~~ساعات طويلة يصارع الريح الصرصر، حتى تمكن بشق النفس من الوصول ~~إلى كوخ إحدى الفلاحات، ولكن قواه كانت قد خارت تماما حتى إنه ~~لم يتمكن من دفع الباب والدخول، وأغمي عليه عند عتبة الباب، ~~ولحسن حظه شعر به سكان الكوخ فأدخلوه عندهم وأسعفوه، فنام مدة ~~ثمان ساعات متتالية وهو لا يعي شيئا مما حوله. # وتقول القصة: إنه منذ ذلك اليوم أصبح محصنا ضد السل! # وهكذا أكمل ستالين تعليمه في سيبيريا نفسها، حتى إنه ليبدو أن ~~القيصر المسكين، الذي كان يريد القضاء على أعدائه بإرسالهم إلى ~~المنفى، إنما كان يساعدهم بهذا النفي على الاستزادة من الصحة ~~والعافية، علاوة على الثقافة العقلية! # ولم يتمكن ستالين من فهم كارل ماركس على حقيقته إلا وهو في منفاه ~~بسيبيريا، على الرغم من أن ثلاثة أجيال متعاقبة من الروس كانت ~~قد أكبت على دراسته ... # ومن الأوصاف الممتعة عن هذه الفترة من الحياة في المنفى منظر ~~للمنفي المسجون وهو يقرأ كتاب «رأس المال» لكارل ماركس، وقد ~~اجتمع حوله سجانوه من القوزاق ليستمعوا إليه وهو يشرح لهم ما ~~يقرأ، ولكنهم يشعرون بالسأم؛ لأنهم لا يفهمون شيئا، ثم ينامون ~~... ولكن السجين المنفي لا ms025 ينام! # وحتى الوقت الذي شبت فيه الثورة كان زمام النظام قد أفلت من روسيا؛ ~~إذ إنها كانت قد خسرت ثلاثة حروب في ستين عاما، كان هناك في ~~تلك الدولة الواسعة سلم يصعد عليه الثائرون درجة درجة إلى أن ~~يصلوا إلى المساواة ... كان هناك ثائرون بين طبقة النبلاء، كما ~~خرج ثائرون من بين الطبقة العاملة، أما العملاء الخونة الذين ~~كانوا على استعداد لفضح إخوانهم فإنهم كانوا قد انتشروا بين ~~جميع الطبقات. # وكانت الطبقات العاملة التي ينشر بينها ستالين وزملاؤه دعايتهم قد ~~تكتلت بأعداد هائلة في منطقة البترول بباكو، كان ذلك حوالي عام ~~1870؛ إذ وجد مئات الألوف من العمال من جميع الأجناس ومن جميع ~~الأديان وقد تركزوا في تلك المنطقة، وكانوا يعيشون في أحوال ~~تعسة ومنازل فقيرة، ولذلك فقد وجدت فيهم الحركة الاشتراكية ~~أرضا خصبة جدا لنشر مبادئها ... ~~(10) دور ستالين في الثورة # إن الحقيقة الهامة التي ينساها الناس دائما عن ثورة روسيا ~~الاشتراكية هي أن الذين انتصروا في هذه الثورة؛ وهم البولشفيك، ~~ليسوا هم الذين أسقطوا القيصر نيكولاس الثاني؛ ففي الوقت الذي ~~أجبر فيه القيصر على التنازل عن عرشه كان ستالين منفيا في ~~سيبيريا، وكان تروتسكي على وشك مغادرة نيويورك حيث كان يتكسب ~~من قلمه. # أما لينين فقد كان في سويسرا، وعقد هناك اتفاقا مع الألمان، وهم ~~في حالة حرب مع روسيا، فسمح له القائد الألماني الجنرال فون ~~لودندورف بأن يغادر سويسرا في أبريل من عام 1917 في عربة قطار ~~خاصة مغلقة تحمله وبعض رفاقه الآخرين إلى روسيا عبر الأراضي ~~الألمانية، ويقول لينين تفسيرا لهذا: إن الألمان سمحوا له ~~بذلك وهم في حالة حرب مع بلاده، على أمل «أن تتحول الحرب ~~الاستعمارية إلى حرب أهلية في روسيا»، وبذلك تخرج روسيا من ~~ميدان الحرب العالمية الأولى (1914-1918). # وفي 17 يوليو من عام 1917، بعد أربعة أشهر من اعتزال القيصر للعرش، ~~وبعد ثلاثة أشهر من عودة لينين إلى روسيا، اندلعت نيران الثورة ~~البولشفية الأولى وتسبب عنها وفاة مئات من المدنيين في شوارع بتروغراد، # 4 # إلا ms026 أن حكومة كيرنسكي تمكنت من إقماع هذه الثورة ~~وشنت هجوما عنيفا على البلاشفة، فاضطر لينين إلى ~~الهرب. # وانقضت فترة استعداد قصيرة، وما إن جاء شهر نوفمبر، وفي الفترة ~~الواقعة بين 7 نوفمبر و16 نوفمبر من عام 1916، حتى تمكن ~~لينين والبلاشفة من الاستيلاء على الحكم بعد إسقاط حكومة ~~ألكسندر كيرنسكي التي باءت محاولتها الديمقراطية ~~بالفشل . # أما ستالين فقد كان خلال هذه الحوادث كلها لا يزال شخصية غامضة ~~مجهولة، ولكنه ما لبث أن بدأ ينمو داخل الحزب عندما عين ~~عضوا في اللجنة المركزية، وكان قد عاد في شهر مارس من عام ~~1917 إلى بتروجراد، وتولى بوصفه عضوا في اللجنة المركزية ~~للحزب البولشفيكي إدارة جريدة برافدا بالاشتراك مع مورانوف ~~وكامينف. ويقال: إنه ظهرت منه في ذلك الوقت وقبل وصول لينين في ~~شهر أبريل بعض بوادر توحي بقبول أنصاف الحلول والإجراءات حتى ~~بدأ بعض الارتياب في أمره من جانب الماركسيين المخلصين. # ولكن ما لبث لينين أن ظهر على المسرح، ومنذ ذلك الوقت تبعه ستالين، ~~وانصهر ستالين في جهاز الحزب، وأدى للحزب أجل الخدمات ~~الإدارية، ولكنه على حد تعبير تروتسكي لم يكن له وجود سياسي، ~~فقد قنع ستالين بأن يكون المنفذ المخلص لخطط لينين ... # وقد كان من نتيجة هذه الخطط سقوط حكومة كيرنسكي وسيطرة ~~البولشفية. ~~••• # إن معظم المؤلفات التي تناولت بالتفصيل ثورة أكتوبر لا تذكر اسم ~~«ستالين» إلا في القليل النادر، والواقع أن ستالين منذ أوائل ~~عام 1918 أبدى شيئا كثيرا من التشكك فيما يتعلق بالثورة ~~العالمية، وذلك في الوقت الذي كان تروتسكي فيه يبشر «بالثورة ~~الدائمة»، وهو يؤمن بأنه إذا لم تؤد الثورة في روسيا إلى ~~قيام حركة ثورية في أوروبا كلها فإن الدول الأوروبية ستقوم من ~~جانبها بقمع الثورة الروسية، ولم يكن ستالين يكره أن تمتد ~~الثورة إلى كافة أنحاء القارة الأوروبية كبداية، ولكنه كان ~~يوصي بتحديد تاريخ قيام هذه الثورة بالشهور لا ~~بالأسابيع. # وعين بعد ذلك عضوا بالمكتب السياسي مع لينين وتروتسكي ~~وسفردلوف، وبدأ ستالين يباشر مهام قوميسير الشعب، وكان من ~~المؤيدين ms027 لحقوق الشعوب الوطنية كما كان يؤيد برنامج لينين في ~~جميع المسائل الأخرى، ولكنه ما يلبث أن يكتشف أن التطبيق ~~العملي لا يتفق مع النظريات، وبعد أن كان ستالين يؤيد نظريا ~~حق الشعوب في الاستقلال انقلب مؤيدا عمليا لحق الدولة ~~السوفييتية في فرض إرادتها على الشعوب المتمردة. فقد رأى لينين ~~وستالين بعد ذلك أن حقوق الاشتراكية أسمى بكثير من حقوق الأمم ~~في تقرير مصيرها، وإذا كانت «الانفصالية» مبدأ اعتنقه الاثنان ~~فلا شك أن الاتحاد عمل واقعي يحسن إتمامه. # وكان ستالين هو الذي اقترح على اللجنة المركزية للحزب البلشفيكي ~~تأليف لجنة خاصة أطلق عليها اسم ال «تشيكا»، ومهمتها أن تقمع ~~بالقوة وإثارة الرعب كل ثورة مضادة للثورة البلشفية. # وفي عام 1923 نشرت جريدة «برافدا» إحصاء عما قام به أعضاء ال ~~«تشيكا» الذين بلغوا مائة ألف عضو، انتخبوا من أعظم المتحمسين ~~للنظام الجديد، وتغلغلوا في جميع مقاطعات روسيا. # وقد قام ال «تشيكا» في جميع أرجاء الاتحاد السوفييتي بإعدام: 28 ~~أسقفا، و3715 كاهنا، و9575 مدرسا، و8800 طبيبا، و105000 ~~ضابطا من ضباط البوليس، و48000 رجلا من رجال البوليس، و25850 ~~موظفا بالحكومة، و260000 ضابطا. # ومما هو جدير بالذكر أن هذا الإرهاب كان يلقى تأييدا من الجماهير، ~~أو كما لاحظ بعض الكتاب أن حكم الإرهاب الذي اضطلع به البوليس ~~السري الروسي كان استمرارا لحكم الفرد المطلق الذي شكا منه ~~الروس في عهد القياصرة ... وهو حكم يقوم على امتهان النفس ~~البشرية والإقلال من شأنها أو قيمتها. # وقال ستالين في تبرير ذلك: «إن إحدى الوظائف الرئيسية لكل سلطة ~~سياسية هي القمع.» # وهكذا قامت ال «تشيكا» في عهد البلشفية بما قامت به ال «أوخرانا» ~~في عهد القيصرية. ~~••• # ولكن هذه اللجان والهيئات تؤدي أحيانا الخدمات للأشخاص، فقد تمكن ~~ستالين وهو يقوم بوظيفة «قوميسير الشعب» من فرض رقابته على ~~جميع مقاطعات روسيا، كما تمكن بواسطة ال «تشيكا» التي كان على ~~رأسها صديقه دزيرجينسكي من السيطرة على الروح المعنوية لكل شخص ~~كان يريد إهلاكه أو الإبقاء عليه ... # كان هذا هو مصدر قوته ومبعثها، ms028 وكان تروتسكي أول من تبين ذلك في ~~عام 1925. # أما فيما يتعلق بمعاهدة برست ليتوفسك، # 5 # فإن ستالين كان من مؤيدي الصلح المنفصل، ولما ~~اجتمعت اللجنة المركزية في «المسرح الكبير» بموسكو لمناقشة ~~الموضوع ضرب ستالين حصارا على المسرح كله بواسطة الجنود ~~الحمر، وصعد إلى منصة الخطابة ثم أعلن أن ال «تشيكا» تعرف ~~الخونة، وأنها ستنزل بهم العقاب. وتحت ضغط هذه الظروف أعلن ~~ثلثا المجلس تأييدهم للصلح، وبعد شهر واحد تمت الموافقة على ~~المعاهدة. # وتلت ذلك مرحلة الحرب الأهلية، وفيها تركت قيادة الجيش الأحمر ~~لتروتسكي، وكان رأي تروتسكي فيما يتعلق بالأسرة الحاكمة ~~الإمبراطورية متفقا مع رأي لينين في ترك هذه الأسرة تحت حراسة ~~بحارة وعمال بترغراد، ولكن ستالين كان يؤمن بأنه لا يجب أن ~~يترك أي بصيص من الأمل للبيض في إنقاذ هذه الأسرة في يوم من ~~الأيام. # وقام بدور غامض في مسألة «إيكاتريننبرج». ~~••• # وعين بعد ذلك قوميسيرا للتفتيش، فتعدى اختصاصاته وأخذ يصدر ~~أوامر القتال، وأخذ تروتسكي يشكوه إلى لينين الذي أمر ~~باستدعائه إلى موسكو، ولا شك أنه أحس بشيء من الكمد والحقد ~~عندما أعيد إلى دائرة الأعمال الإدارية. # ولما قامت الحرب بين بولندا وجيش فرانجيل ظهر ستالين في جبهة ~~القتال، ولكنه لم يقم بأي دور استحق أن يسجله له الكتاب ~~البلشفيك أنفسهم. # ويقول المؤرخ المحايد ويلتر: «إن ستالين عين في عام 1922 ~~سكرتيرا عاما للحزب الشيوعي، فاستقال من جميع الوظائف ~~الرسمية الأخرى حتى يتفرغ لأداء هذه الوظيفة. ويبدو أن المنصب ~~الجديد كان يتفق مع الأهداف التي يسعى إليها، وكان في وسعه أن ~~يطبق صفاته الريفية في الميدان الجديد فيتعهد المشروعات على ~~مهل، ويقضي السنوات الطوال عاملا في سبيل تحقيقها، ويزيل ~~العقبات من طريقه بدلا من مواجهتها، ويعمد إلى الخيانة والغدر ~~عندما يعجز عن العثور على وسيلة أخرى للتصرف.» ~~(11) وصية لينين # إن لينين لم ينتخب ستالين خلفا له، بل يقال: إنه على العكس من ~~ذلك لم يكن شديد الرغبة في أن يخلفه ستالين؛ فإن لينين لم يكن ~~شديد التحمس لكفاءة ستالين خلال ms029 فترة طويلة من حياته؛ بل إن ~~بعض الذين أرخوا حياة لينين قرروا أنه ترك وصية سياسية يدعو ~~فيها إلى البحث عن شخص آخر بدلا من ستالين لكي يتولى منصب ~~السكرتير العام للحزب، وذلك بسبب حدة خلقه وشدة تمسكه بالحكم ~~والسلطان. وها نحن أولاء ننشر تفاصيل هذه «الوصية». ~~••• # كان المركز الأدبي لتروتسكي يرتفع كلما اشتد المرض بلينين، وكانوا ~~يعتبرونه ممثلا للينين وإن لم يحمل لقبا رسميا، وكان هذا ~~سببا يدعو منافسيه إلى التكتل ضده والعمل على إبعاده. # ولاحظ تروتسكي بعد أن أخذ يتردد على صالات الاجتماعات في موسكو أن ~~مناقشاته تقاطع، وكانت هذه أولى علامات المؤامرة التي دبرت ~~ضده، وكانت المؤامرات هي المادة الأولى في السياسة الروسية في ~~تلك الأعوام، وكان الناس جميعا يعرفون أن استمرار الدولة ~~الجديدة رهن بخليفة لينين ومن يكون؟ ولكن في ظروف خطيرة كهذه ~~يحدث أحيانا ألا تحد الوطنية من المطامع الشخصية. # ومنذ اللحظة التي دب فيها التحاسد بين أصدقاء لينين وأقوى رجال ~~في حزبه، بدأ عمله كله يتعرض للخطر والانهيار بسبب تعرض وحدة ~~الحزب للانقسام، ولم يكن لينين رجلا يحاول تحقيق مطامع شخصية، ~~وإنما كان كل ما يهمه في الحياة هو العمل الذي حققه لبلاده ~~... # فلما استلقى على فراشه بعد أن حرم مؤقتا من المقدرة على الكلام ~~أخذ يقلب في رأسه موضوع المرشح الذي يجب أن يلقي على أكتافه ~~عبء السلطة، وقبل وفاته بعام واحد أملى، للعرض على مؤتمر ~~الحزب، المذكرة الآتية، التي أطلق عليها البعض اسم الوصية: # أعتقد أن العامل الأساسي لاستقرار نظامنا يجب ~~أن يتلخص في تأييد كبار الأعضاء في لجنتنا المركزية ~~من أمثال ستالين وتروتسكي، وفي رأيي أن العلاقات بين ~~هذين الرجلين تنذر بخطر شديد على وحدة الحزب، وربما ~~كان من الممكن تجنب الفرقة بزيادة عدد أعضاء اللجنة ~~المركزية ومضاعفته من 50 إلى 100. # إن الرفيق ستالين بعد أن أصبح سكرتيرا عاما ~~للحزب قد ركز سلطة واسعة في يده، ولست واثقا إذا ~~كان يستعمل هذه السلطة دائما بالحذر المطلوب. ومن ~~جهة أخرى فإن الرفيق ms030 تروتسكي لا يتميز فقط بكفاءته ~~الشخصية، فهو بكل تأكيد أكفأ أعضاء اللجنة المركزية، ~~وإنما أيضا بثقته العظيمة بنفسه وميله إلى الناحية ~~الإدارية من كل موضوع. # إن هذا الاختلاف في خلق الرفيقين اللذين ~~يعتبران أكثر الأعضاء كفاءة في اللجنة المركزية قد ~~يؤدي إلى انقسام ولو لم يحدث هذا باختيار أحد، فإذا ~~لم يتخذ الحزب إجراءات لوقف هذا فقد يحدث في لحظة ~~غير متوقعة. # وفي نفس الأسبوع الذي حرر فيه لينين مذكرته هذه أبلغ بنبأ الفضيحة ~~التي أثارها ستالين بتصرفاته في جورجيا، فقد نكل ستالين والحقد ~~يملأ قلبه بمسقط رأسه، وأوقف أصدقاءه القدماء عن وظائفهم، ~~واشمأز لينين من سماح ستالين باستعمال القوة لتسوية مشاكل كان ~~الدستور يقدم بشأنها ضمانات تقضي بالتسامح إلى أبعد ~~الحدود. # ولما عرف ستالين أن لينين قد أبلغ تفصيل ما حدث عنف زوجة لينين؛ ~~لأنها أبلغته إياه بدلا من أن تتركه يخلد للراحة وهو في مرضه ~~الأخير، وعلى ضوء ما بلغ لينين من تصرفات ستالين الأخيرة قام ~~بتقوية «مذكرته»، فأضاف إليها بعد عشرة أيام الأسطر التالية: # إن ستالين عنيف جدا، وهذا العيب وإن كان ~~محتملا لبقائه بيننا إلا أنه يصبح غير محتمل عندما ~~يقوم بأعباء وظيفة السكرتير العام للحزب، ولهذا ~~السبب فأنا أقترح على الرفقاء أن نبحث عن وسيلة ~~لإبعاده عن هذه الوظيفة حتى نرشح لها رجلا يختلف عن ~~ستالين من جميع الوجوه ... رجلا يتحلى بصبر أكثر، ~~وإخلاص أشد، وأدب أكبر، ورعاية أعظم لحقوق زملائه، ~~وأقل تعرضا للنزوات منه ... وقد تبدو هذه الصفات ~~أمورا تافهة لا معنى لها، ولكنني أعتقد أننا لو ~~أردنا أن نتحاشى الانقسام في داخل الحزب، وأيضا من ~~ناحية العلاقات بين ستالين وتروتسكي التي أشرت إليها ~~آنفا، تعتبر هذه الأمور التافهة هي التي يمكن أن ~~تتسبب في نتائج حاسمة. # ومما هو جدير بالذكر أن هاتين الوثيقتين الهامتين جدا لم تنشرا ~~قط في روسيا، ولكن مضمونهما لا يختلف إلا قليلا جدا في ~~معظم المصادر، وأما الأصل نفسه - أصل الوثيقتين - فقد اختفى ~~منذ مدة طويلة جدا، وقد يكون ms031 أحرق وزال نهائيا من ~~الوجود. # وقد أزاح خروشيشيف الستار عن حلقة شيقة من هذا النزاع المستتر في ~~سبيل الاستئثار بالسلطة، وقدم وثيقتين للمؤتمر العشرين للحزب ~~الشيوعي (فبراير 1956)، وذكر أن الوثيقة الأولى هي عبارة عن ~~خطاب كتبته زوجة لينين مدام كروبسكايا في 23 ديسمبر من عام ~~1922، ويعتقد أنه إلى الرفيق كامينيف الذي كان رئيسا للمكتب ~~السياسي، «وقد جاء به»: # ترتب على الخطاب المقتضب الذي أملاه علي ~~فلاديمير إيليتش لينين بعد استئذان الأطباء، ترتب ~~على ذلك أن سمح ستالين لنفسه بالأمس أن ينفجر في ~~بغلظة وقحة. # وليس هذا يومي الأول في الحزب، كما أنني خلال ~~الثلاثين عاما التي انقضت لم أسمع من أي رفيق كلمة ~~تنم عن الوقاحة، وليست رسالة الحزب وجهود لينين ~~عزيزة على ستالين أكثر مما هي عزيزة علي. # وعدا ذلك فإنني في مسيس الحاجة في أيامنا هذه ~~إلى راحة الأعصاب والسيطرة على النفس ... وإنني لأعرف ~~أكثر مما يعرف أي طبيب ما ينبغي أن يناقش مع لينين، ~~وما لا ينبغي أن يناقش معه؛ ذلك لأنني أعرف المؤثرات ~~التي تثير أعصابه أو لا تثيرها، ولا شك أنني أعرف ~~ذلك خيرا مما يعرفه ستالين على أية حال ... # لذلك فإنني ألجأ إليك وإلى جريجوري # 6 # لأطلب منكما باعتباركما من ألصق الرفاق ~~بلينين أن تحمياني من تدخل ستالين الوقح في شئوني ~~الخاصة، ومن تجسسه علي، وتهديده لي ... ولست أشك في ~~طبيعة القرار الإجماعي الذي سوف تتخذه في هذا الصدد ~~لجنة المراقبة التي يستخدمها ستالين في تهديدي. ومع ~~ذلك فإني لا أملك من القوة أو من الوقت ما أبدده ~~عبثا في عراك أحمق، إنني امرأة متقدمة في السن، ~~وأعصابي متوترة غاية التوتر ... # وبعد أن كتبت زوجة لينين هذا الخطاب بشهرين ونصف بعث لينين نفسه في ~~مارس 1923 بالخطاب التالي إلى ستالين: # عزيزي الرفيق ستالين # لقد سمحت لنفسك أن تتحدث في قحة إلى زوجتي عن ~~طريق التليفون وقد أغلظت في القول، وعلى الرغم من أن ~~زوجتي قد اتفقت معك على نسيان ما حدث، فإن زينوفييف ~~وكامينيف ms032 قد وقفا منها على ما حدث، ولست راغبا في ~~أن أغتفر لك بسهولة ما حدث، وما بدر منك ضدي. # ولست في حاجة إلى أن أقول لك: إنني أعتبر كل ~~إساءة موجهة إلى زوجتي إساءة موجهة إلى شخصي، ولهذا ~~أود أن أعرف منك: هل ستعتذر لزوجتي أو أنك ستفضل أن ~~تظل العلاقة بيننا على ما هي من جفوة وغلظة؟ # لينين ~~(12) مات لينين ... فليحيا ستالين! # عاش لينين طويلا حتى رأى دولته وقد اعترفت بها ست حكومات أجنبية ~~اعترافا «واقعيا»، واثنتا عشرة حكومة اعترافا ~~«شرعيا». # ونجح في إبرام معاهدة مع تركيا، واتفاق مع ألمانيا حتى يثبت للعالم ~~أن الدولة السوفييتية كانت في موقف يسمح لها بإبرام المعاهدات. ~~وكان من نتائج زيادة التوتر بين الولايات المتحدة واليابان، ~~ذلك التوتر الذي بدت آثاره منذ 1923، كان من نتائج هذا التوتر ~~عودة روسيا الآسيوية إلى السوفييت. # وسعد لينين في أخريات أيامه؛ إذ رأى السلم وقد ساد جميع بلاده، ~~ومركز حزبه وقد توطد في الداخل. # وتوفي الزعيم فجأة في شهر يناير من عام 1924. # وكان تروتسكي قد سافر إلى الجنوب للعلاج، وعلم بالنبأ بواسطة رسالة ~~برقية تلقاها من ستالين، وذكر ستالين في هذه البرقية تاريخا ~~غير صحيح لتشييع الجنازة، وذلك حتى يحرم تروتسكي من الاشتراك ~~فيها، وكان عجز تروتسكي عن تحديد موعد الجنازة دليلا على أن ~~سلطته قد أخذت في التقلص. # وألقى ستالين خطاب التأبين في مناسبة جنازة لينين في الجموع ~~الحاشدة، وقال في هذا الخطاب الهام: # عندما افترقنا أوصانا الرفيق لينين أن نحتفظ ~~باللقب المشرف «عضو الحزب» نقيا طاهرا. # ونحن نقسم لك أيها الرفيق لينين بأن نطيع ~~أمرك. # وأمرنا الرفيق لينين قبل أن يفارقنا بأن نعمل ~~على تدعيم الاتحاد بين الصناع والفلاحين بجميع ~~الوسائل. # ونحن نقسم لك أيها الرفيق لينين بأن نطيع ~~أمرك. # وهكذا بدا ستالين أمام نعش لينين كأنه خليفته الطبيعي بلا منازع، ~~تماما كما بدا مارك أنطوني أمام نعش قيصر، ولكن بفارق واحد هو ~~أنه كان يستعد لسحق أوكتافيوس الغائب. # ومنذ ذلك اليوم كان ستالين قد ms033 قرر بينه وبين نفسه أن ينتصر على كل ~~خصم أو منافس يقف في طريقه ما دامت الجماهير قد آمنت بأنه ~~خليفة لينين، ولم يعترض أحد أو يرشح إنسانا غيره. # وفي السنوات الأربع التي تلت وفاة لينين في عام 1924 تكلم الناس ~~كثيرا في روسيا ولم يعملوا إلا قليلا، وتعتبر هذه الفترة في ~~حياة ستالين فترة الاستعداد للدكتاتورية، وهكذا مرت أربع سنوات ~~لم يشيد فيها أي شيء في روسيا، وهي الفترة التي انقضت بين ~~نهاية عهد لينين وبين استئثار ستالين بالسلطة، وقد تخلل هذه ~~السنوات نضال سري مرير في سبيل السلطة والحكم، وكان أهم نضال ~~تحكم في الموقف كله هو النضال بين ستالين وتروتسكي. # وقد بدأ النضال بين الاثنين؛ بين ستالين وتروتسكي، بشكل مسرحي ~~يذكر برواية «يوليوس قيصر» لشكسبير، بدأ أمام جثة الزعيم ~~المتوفى نفسه، كما بدأ بمناوشات بين أرملة لينين وبين ~~ستالين. # والواقع أن مدام كروبسكايا - أرملة لينين - شنت حربا صامتة لا ~~هوادة فيها ضد ستالين، وكان موضوع الخلاف «المذكرتين» اللتين ~~كانت تتكون منهما وصية لينين، وكان في نشر هاتين المذكرتين أو ~~عدم نشرهما ما سيقرر مستقبل ستالين. # كانت مدام كروبسكايا قد ظلت ثلاثين عاما وهي موضع احترام الأصدقاء ~~والأعداء على حد سواء، وعلى الرغم من أنها لم تنجب أولادا ~~توليهم اهتمامها إلا أنها ظلت دائما في عزلة اختيارية ولم ~~تشهد طول الأعوام العشرين التي قضاها لينين في المنفى، ~~والسنوات السبع التي قضاها في حكم مضطرب، تلك الحفلات التي ~~تجتذب إليها النساء ... وكانت أرملة لينين تقنع بالاشتراك في ~~مؤتمر الحزب. # وشرعت مدام كروبسكايا بلباقة عظيمة في مساعدة تروتسكي في كثير من ~~الظروف، وعلى إثر وفاة زوجها فورا كتبت إلى تروتسكي خطابا ~~تقول فيه: # أكتب إليك لأخطرك أن فلاديمير إيليتش «لينين» ~~قبل وفاته بشهر كان يقلب كتابك، فتوقف عند فقرة ~~ناقشت فيها مميزات ماركس ولينين، وطلب مني أن أقرأ ~~له تلك الفقرة، ثم عاد فقرأها بنفسه مرة ~~أخرى. # وأود أن أقول لك ما يلي، وهو: إن العواطف التي ~~كان يشعر بها ms034 من نحوك عندما حضرت لزيارتنا في لندن ~~بعد العودة من سيبيريا (1902) لم يطرأ عليها أي ~~تغيير. # وإنني لأتمنى لك يا ليو دافيدوفيتش صحة حسنة ~~وشجاعة، وأقبلك. # ن. كروبسكايا # وأخذت أرملة لينين تلح - عبثا - في ضرورة قراءة وصية لينين علنا ~~على مسامع الجماهير، إلا أن ستالين بوصفه السكرتير العام للحزب ~~تمكن من الحصول على الموافقة بألا تقرأ الوصية إلا في جلسة ~~سرية للجنة، هذا على الرغم من أن اجتماع الحزب كان قد التأم في ~~ذلك الوقت. # وبعد وفاة لينين بأربعة أشهر اجتمع تسعة عشر رجلا في الكرملين، ~~وأخذ ستالين يقرأ عليهم تلك الوثيقة. # ولم ينطق أحدهم بكلمة واحدة، وجاء في الوصية العبارة الآتية: # إن ماضي تروتسكي الذي لا يتصل بالبلشفية ليس حدثا. # وهنا سأل تروتسكي: ما هذا؟ # فأعاد ستالين قراءة الفقرة، وكانت هذه هي العبارات الوحيدة التي ~~تبودلت في الاجتماع الهام. # وكانت وصية لينين لا تقتصر على الحديث عن خلفه، وإنما كانت تشير ~~إلى ما قد يطرأ على الدولة من تطور سياسي، وكانت الوصية تمتدح ~~وتنتقد كلا من ستالين وتروتسكي، ولكن لينين كان يتحدث فيها ~~عن تروتسكي بوصفه الرجل الأكفأ، وفي نفس الوقت كان يوصي ~~بإبعاد ستالين عن منصبه. ولما كانت المسألة لا تتعدى توصية ~~يتقدم بها فإنه ترك الأمر في النهاية للمؤتمر حتى يتولى توجيه ~~الدولة وتوجيه الحزب. # وقد بلغ عدد الذين تنازعوا عرش لينين بعد وفاته نحو أربعة من ~~الزعماء، وكان كل واحد منهم يرجو أن يخلفه، إلا أن اثنين فقط ~~من بين الستة هما اللذان كانت تتوفر فيهما الصلاحية، وهما: ~~ستالين وتروتسكي. أما ستالين فبسبب نفوذه داخل الحزب، ذلك ~~النفوذ الذي أحرزه بعد جهود مضنية، وأما تروتسكي فبسبب الشهرة ~~التي أحرزها أثناء الثورة. # واحتاج ستالين إلى أربع سنوات كاملة حتى يضيع أثر وصية لينين ~~ويتمكن من التغلب على منافسه، وليس حقيقيا ما وصف به ~~ستالين من أنه كان بناء في حين كان تروتسكي ثائرا؛ فإن ~~العنصرين عنصر البناء وعنصر الثورة كانا يتوفران في الرجلين ~~معا. # وكان لينين يشعر ms035 بقلق وهو يقدر أن الرجلين: ستالين، وتروتسكي، لا ~~يمكن أن يحكما معا، والواقع أن الاثنين كانا يتفقان في ~~الأهداف العامة: كانا يتفقان في ضرورة إقامة دولة صناعية، وفي ~~ضرورة القضاء على الفلاح الثري «الكولاك»، وهو الذي نجا من ~~الثورة باعتباره وسيطا بين النبلاء من أصحاب الأراضي وبين ~~الفلاحين العبيد، وربما كان سبب الخلاف بينهما هو وسائل الوصول ~~إلى تحقيق هذه الأهداف. # وبعد أن تناقلت الأفواه وصية لينين، وأصبحت شائعة معروفة للجميع، ~~سارع ستالين بتقديم استقالته من منصب السكرتير العام للحزب، ~~وكان على ثقة من أن المؤتمر الذي كان آلة في يده سوف يرفض هذه ~~الاستقالة، وقد سمحت له خطته هذه بأن يستعمل الوسائل ~~الديمقراطية ضد المعارضة المتزايدة من جانب تروتسكي. # كان ستالين يعتبر مجرد معارضة الأقلية مؤامرة يجب القضاء عليها وهي ~~في المهد، وكان قد قرر ألا يسمح لأحد بالوقوف في طريقه، بعد أن ~~رأى أن الدكتاتورية وحدها هي التي يمكن أن تساعده على تحقيق ~~برنامجه، فأخذ يمهد لها على الرغم من مبادئ لينين، وعلى الرغم ~~من الدستور الجديد. # ونجح ستالين أخيرا في إقامة ديكتاتوريته، ولكنه نجح بعد أن اضطر ~~إلى طرد تروتسكي، بل وإلى طرد جميع أصدقائه القدامى من روسيا، ~~بل ومن عالم الأحياء كله! # ولنر الآن كيف نجح! ~~(13) ثائر في وجه ثائر! # وهنا وفي هذه المرحلة، بدأ تروتسكي التحدي، وبدأ نضاله ضد ستالين ~~في ظروف مواتية. # كان تشيانج كاي شيك الذي عقد محالفة مع الشيوعيين قد أصدر أمره ~~بإجراء حركة تطهير دموية واسعة النطاق في الجيش، وبدا كأن ~~ستالين هو المسئول عن ذلك؛ إذ إنه هو الآسيوي الأصل، كان أول ~~من وطد أواصر الصداقة مع الرئيس الصيني، وأشار بتكوين كتلة ~~آسيوية تضم 600 مليون نسمة لاستغلالها ضد الإمبراطورية ~~البريطانية، وهكذا وجد تروتسكي الفرصة لاتهام ستالين علنا ~~بأنه قد خان الثورة العالمية، وتمكن تروتسكي من الحصول على ~~توقيع 83 رئيسا مشهورا على منشوره الذي تضمن الاتهام. # ورأى ستالين الخطر محيطا به، فجازف بكل شيء في سبيل إتمام ~~الانقلاب، وقدم ms036 للجنة المؤتمر قرارا خاصا يتضمن نفي ~~تروتسكي، وكسب قضيته. وقد وصلت إلينا بعض تفصيلات عن المناقشات ~~التي دارت في هذا الاجتماع، وها نحن أولاء ننشر طرفا ~~منها: # ستالين ~~: # أنت أيها الرفيق تروتسكي ليس عندك من الشجاعة ~~ما يكفي للدفاع عن نظريتك ... # تروتسكي ~~: # إنها نظرية ابتدعها شخص غيري، وليس لي صلة ~~بهذه الاتهامات ... # ستالين ~~: # إن الرفيق تروتسكي يعرف جيدا أن في وسعي أن ~~أثبت كل شيء بالمستندات. # تروتسكي ~~: # ليس في وسعك إثبات شيء ... أنت كاذب ! # ستالين ~~: # إنني أترك لك الشتائم، وسأقدم الوثائق الخاصة ~~برفيقنا إلى المؤتمر ليبحثها. # تروتسكي أراد لينين أن يجعل منه خليفته ولكن ~~ستالين قضى عليه. # ستالين في مرحلة الجهاد الأولى. # ستالين يتهم! # وقرر المؤتمر بعد ذلك بأيام الموافقة على نفي تروتسكي، ورفض ~~تروتسكي تنفيذ القرار، ولما ذهب إليه البوليس للقبض عليه ظل ~~جالسا على مقعده حتى اضطر رجال البوليس أن يحملوه بين أيديهم ~~وينزلوا به السلم إلى أن وصلوا به إلى العربة التي كانت تنتظره ~~عند باب المنزل. # وكان ابنه الذي يبلغ السادسة عشرة من عمره قد تمكن من الهرب، ~~وأخذ يصيح طالبا العون والمساعدة وهو يقول: يا رفاق! يريدون ~~أن يأخذوا تروتسكي! # وفي المحطة اعترض الجمهور الطريق ليحول دون وصوله إلى الرصيف الذي ~~يسافر منه القطار، فاضطر رجال البوليس إلى إعادة تروتسكي إلى ~~منزله. # وقد سبب هذا الحادث تأخيرا صغيرا في عملية الإبعاد، ولكن البوليس ~~عاد في اليوم التالي وقد تنبه إلى ما حدث بالأمس، وقاد تروتسكي ~~إلى قطار تحرك من محطة أخرى ... # واستمرت رحلة تروتسكي وزوجته وابنه 17 يوما في منطقة القردغيز، ~~وهو في الطريق إلى منفاه في سيبيريا، ذلك المنفى الذي ألقي ~~إليه تروتسكي منذ 21 عاما في نفس الوقت الذي نفي فيه ستالين ~~أيضا، وبسبب نفس هذه الثورة التي جاهد من أجلها الاثنان، وكان ~~ابن تروتسكي يحاول، كلما وصل القطار إلى إحدى المحطات الصغيرة، ~~أن يشتري خبزا وزبدا وورقا للكتابة. # وأثبت تروتسكي وهو في هذا الموقف المرعب أنه زعيم يسمو فوق الحوادث ~~والأقدار، فأخذ ms037 يداعب من معه، ويصلح من المنزل الصغير الذي ~~خصص لهم، وهي عملية أطلق عليها اسم «مقاومة إعادة البناء»، ~~وأطلق على ابنه اسم «مدير البريد». # وهكذا استقرت الأسرة في هذا الركن المنعزل من نهاية العالم، وفي ~~منطقة موبوءة بحمى الملاريا، تنتشر فيها الكلاب المتوحشة، وقد ~~استقروا وعاشوا هناك بروح تتجلى فيها البساطة والرضاء بالأمر ~~الواقع. # واستغرق تروتسكي في دراسة الجغرافية والتاريخ والاقتصاد الآسيوي، ~~وقد ظهرت صورة لتروتسكي وزوجته في المنفى، والزوجة تضع يدها ~~على كتف ابنها وتنظر في نفس الوقت إلى زوجها بعينين تملؤهما ~~الثقة التي لا حد لها. # واستفاد تروتسكي من تجارب النفي الماضية، تلك التجارب التي كانت ~~تساعده على التخلص من القيود المفروضة على المنفيين، ولكن ~~ستالين كان يعرف تلك الحيل التي سبق له هو نفسه أن استعملها، ~~كما أنه كان يعرف جيدا أن الخمسة آلاف كيلومتر التي تفصل ~~تروتسكي عن العاصمة الروسية ليست مسافة كافية، وأنه لا يمكن أن ~~يطمئن إلا إذا غادر عدوه البلاد. # ولذلك لم ينقض عام واحد على نفي تروتسكي حتى تلقى مرسوما ينبئه ~~بأنه قد تقرر إبعاده إلى تركيا؛ لأنه قد تآمر ضد الاتحاد ~~السوفييتي. # وكانت رحلة شاقة في شهر يناير، اجتاز فيها المبعدون نفقا في ~~الجبال، ومسالك وعرة، وقطعوا فيها نحو 6500 كيلومتر في عشرين ~~يوما، حتى انتهى بهم المطاف أخيرا إلى البحر الأسود، وهناك ~~وجدوا الناقلة التي أعدت لهم عاجزة عن الحركة بسبب الجمد التي ~~كانت تحيط بها من كل ناحية في البحر. وكان لا بد من الاستعانة ~~بمحطمة جليد حتى يمكن للمنفيين استئناف الرحلة إلى ~~القسطنطينية. # ولما تسلم ستالين تقريرا ينبئه برحيل تروتسكي نهائيا شعر براحة ~~شديدة، وأحس كأن الجمد التي كانت تحيط به هو أيضا قد تحطمت، ~~وأن في وسعه اليوم أن يبدأ عمله الإنشائي. # وبينما كان ستالين يقرأ التقرير استرعى نظره في الجزء الأخير اسم ~~جعله يتوقف لحظة عن الاستمرار في القراءة ويقطب حاجبيه؛ فقد ~~وقعت عيناه على اسم الباخرة التي أقلت تروتسكي وقادته إلى خارج ~~روسيا. # لقد كان ms038 اسم الباخرة: لينين! # وأهم ما اتهم به تروتسكي ستالين هو أنه نبذ الثورة العالمية في ~~سبيل «الاشتراكية في دولة واحدة»، ولكن الأمر لم يكن كذلك؛ فإن ~~ستالين لم ينبذ الثورة العالمية، وتروتسكي لم يرفض فرصة بناء ~~الاشتراكية في روسيا. # وكان ستالين يحاول أحيانا الترويج للثورة بوسائل كان تروتسكي ~~يصفها بالاستهتار والمغامرة، وحدث أحيانا أن تروتسكي كان ~~يتعجل بناء الاشتراكية في روسيا بخطوات كان ستالين يعتبرها ~~خطوات طائشة تؤدي إلى النكبات، وكلما ازدادت شقة الخلاف ~~اتساعا ثبت الرأيان ثبوتا راسخا أكثر فأكثر، ففي النظام ~~الستاليني كان إنشاء الاشتراكية في روسيا هو المقدم وتليه ~~الثورة العالمية، أما في نظام تروتسكي فقد كان الأمر هو ~~العكس. # إلا أن الخلاف بين الرجلين كان جوهره الخلاف في الطبع لا في ~~النظريات. كان تروتسكي يعتقد أن أوروبا قد «نضجت للثورة»، ~~والثورة الروسية من وجهة النظر هذه ما هي إلا مقدمة لثورة أعم ~~كثيرا؛ ذلك أن تحقيق البناء الاشتراكي في روسيا وحدها يعد ~~قليل القيمة إذا قورن بما يمكن تحقيقه بسياسة اقتصادية ~~اشتراكية توضع على أساس أوروبي. # على أن ستالين لم يشاطر تروتسكي تفاؤله أبدا بما يتعلق «بنضوج» ~~أوروبا للاشتراكية، وقدر أن قوة المقاومة في النظام الرأسمالي ~~ما زالت عظيمة جدا. # أما ستالين فإن طراز الاشتراكية الخاص به كان عنده أهم بكثير من ~~احتمال قيام الاشتراكية في الغرب، وقد رفض أن يعتبر روسيا ~~قائمة على محيط الحضارة الغربية. # وكان مؤمنا بأنها أعدت لتكون حصن النظام الاشتراكي ~~الجديد. # لقد كان هو الخلاف القديم بين المحبين للجنس السلافي بإيمانهم ~~بعبقرية روسيا النوعية، والميالين إلى الغرب بإيمانهم بما ~~تستطيع أوروبا أن تمدهم به. # وقد نشبت الحرب بين هؤلاء وأولئك في أعقاب الثورة. # وقد اضطرت روسيا بعد سنة 1921 أن تتبع سياسة مزدوجة، فقد استلزم ~~التعمير الداخلي من ناحية عقد اتفاقيات مع الدول الرأسمالية، ~~في حين أنها من ناحية أخرى راحت تعمل بوصفها زعيمة الكومنترن ~~على قلب نظام الحكم في تلك الدول، وقد تحايل لينين خلال حياته ~~على حفظ التوازن بين ms039 السياستين، ولكن اعتلال صحته اضطره في ~~ربيع سنة 1923 إلى أن يعتزل الإشراف الفعلي. ولما مات في يناير ~~سنة 1924 أول سلطانه إلى زينوفييف وكامينيف وستالين. # وفي سنة 1923 برز تروتسكي في المعارضة، وكان حديث عهد بالحزب، فلم ~~يكن زعماء الصف الأول من البلاشفة يعتبرونه واحدا منهم، وكان ~~يذهب إلى أن حكم الدولة إنما كان في أيدي رجال كان سجل أعمالهم ~~- كمعارضين للثورة - كافيا لتفسير فشل الثورة في ألمانيا وفي ~~كل مكان، ولذا فقد حرم من منصبه كوزير للحرب في سنة 1925، ~~ولكنه عاد في سنة 1927 إلى الهجوم وقد أصبح يؤيده آخرون من ~~زعماء الحزب، فحمل على سياسة ستالين الخارجية على أساس أنه أحل ~~محل الماركسية مذهب «البورجوازية الدنيا»، أو رفع الطبقة ~~الدنيا إلى مستوى الطبقة الوسطى في «اشتراكية الدولة الواحدة»، ~~ولا داعي لأن نصدق أن تروتسكي كان خليقا بأن يكون أكثر ~~توفيقا من ستالين في تحقيق الثورة لسبب بسيط؛ هو أنه ما من ~~دولة من الدول الغربية لم تنشد الثورة كما تجلى عندما أعاد ~~الألمان الذين كانوا أكثر الغربيين ميلا للثورة إلى الحكم في ~~أول انتخابات بعد الحرب حكومة اشتراكية ديموقراطية معتدلة ~~بأغلبية ساحقة، كذلك لم يكن تروتسكي - كما رأينا - محقا في ~~اتهامه ستالين بالتخلي عن قضية الثورة العالمية. # ومع ذلك فإن سياسة ستالين أثرت في هذه القضية دون شك؛ فقد قام ~~الحزب الشيوعي الروسي حتى سنة 1924 بدور هام في الكومنترن، ~~ولكنه لم يكن دورا متسلطا، ومن سنة 1924 إلى سنة 1929 كشفت ~~سياسة الكومنترن عن سلسلة من التكتلات المعارضة الداخلية كانت ~~في البداية ضد تروتسكي ثم ضد بوخارين وراديكوف. # وكان المؤتمر السادس في سنة 1928 آخر مؤتمر أبيح فيه أي تباين في ~~الرأي؛ ففي سنة 1929 عين ستالين كلا من مولوتوف ومانويلسكي ~~وكوزين للإشراف على جهاز الكومنترن، وأصبحت سياسته من ذلك ~~الحين تمليها المصالح الروسية التي كان السعي إلى تنميتها هو ~~عماد الثورة العالمية المقبلة، ولم يكن للمناقشات العامة أي ~~دور في تحديد سياسة المؤتمر السابع والأخير ms040 في سنة 1935، وهو ~~المؤتمر الذي دعي لإذاعة انقلاب في السياسة قررته موسكو فعلا ~~وبدأت تنفيذه في بعض الحالات. # وكان تشجيع الحركات الثورية في الدول الأجنبية أو وقفها يتم وفقا ~~لمدى تمشيها مع السياسة السوفييتية ودونما كبير اعتبار لمصير ~~أولئك الذين كانوا مسئولين عنها ... بينما دعي جيل كامل تقريبا ~~من «الثوريين القدامى» إلى موسكو؛ حيث أجريت بينهم حركة تطهير ~~عندما قرر ستالين في سنة 1935 - حين واجهته مسألة استفحال نفوذ ~~ألمانيا - أن يدعو إلى إيقاف الثورة في سبيل سياسة «الجبهة ~~الشعبية». # وظلت سياسة المؤتمر العشرين متبعة حتى توقيع ميثاق ~~«ستالين»-«هتلر» في أغسطس سنة 1939 حين تخلى الكومنترن عن ~~صراعه ضد الفاشية، ومن ثم أطلق على الحرب عندما أعلنت وصف «حرب ~~استعمارية»، ثم غير الهجوم الهتلري من موقف الاتحاد ~~السوفييتي؛ إذ دفع روسيا إلى التحالف مع الديموقراطيات ~~الغربية. # وعلى ذلك أصبح الكومنترن - الذي لم يكن ستالين يثق به ثقة عظيمة - ~~عقبة مطردة الاستفحال، فتم حله في يونيه سنة 1943 بمرسوم نص ~~على أن الكومنترن قد استوفى غرضه أو أوجد حركة عالمية ~~بروليتارية - أي: قوامها العامة أو الدهماء - بلغت في ذلك ~~العام سن رشدها. ولم يشر المرسوم إلى السياسة الثورية التي عمل ~~الكومنترن على تنميتها، والتي ظلت دون تبديل، في حين أن إلغاء ~~المنظمة المركزية التي حددت ما اعتبر - ولو من الناحية النظرية ~~على الأقل - سياسة عامة جعلت الاتحاد السوفييتي أكثر حرية من ~~ذي قبل في رسم الخطة التي كان على أي حزب شيوعي معين أن ~~يسلكها. ~~(14) القضاء على المعارضة ... وإبادة المعارضين! # مات لينين في 21 يناير من عام 1924، وبدأ ستالين يتطلع إلى ~~الاستئثار بالسلطة دون شريك، ومرت روسيا في هذا الوقت بفترة ~~هادئة هي الفترة التي كان ستالين يمهد الطريق فيها لنفسه، ~~ويتخلص فيها من معارضيه واحد بعد الآخر حتى يتم له ما ~~يريد. # ووجد ستالين في البوليس السري الروسي خير مساعد للتخلص من ~~المعارضين، والتجسس على غيرهم ممن يشتم فيهم عدم الإخلاص ~~لزعامة ستالين أو رئاسته التي يمهد لها. # وبدأت بعد ms041 ذلك حملته على تروتسكي فاتهمه بأنه يعمل على إثارة الحرب ~~الأهلية في روسيا وذلك «بمشروعاته الجنونية» لفرض التصنيع ~~الإجباري، وبدقه الطبول تحريضا على قيام الثورة العالمية مما ~~سيكون من شأنه تعريض موقف روسيا للخطر. وادعى ستالين عندئذ ~~أن تروتسكي شديد التعلق بوسائل الذعر والإرهاب وأساليبها، ~~وسر كثيرون عندما سمعوا ذلك؛ لأنهم فهموا منه أن ستالين لا ~~يقر الوسيلة التي أقمع بها تروتسكي ثورة البحارة والعمال في ~~كرونستات. # وقد رأينا كيف انتهى الأمر بإبعاد تروتسكي إلى القسطنطينية في عام ~~1927، وسبق ذلك طرده من الحزب الشيوعي في نفس العام، وفي عام ~~1931 سمح لتروتسكي بالسفر إلى إسبانيا، ومن هناك سافر إلى دول ~~الشمال «إسكندينافيا»، وأخيرا استقر في مكسيكو حيث قتل ~~بتحريض ستالين في يوم 20 أغسطس من عام 1940 بيد فرانك جاكسون ~~على مقربة من مكسيكو سيتي. # وعند وفاة لينين في عام 1924 كان الطامعون في مركزه أربعة أشخاص، ~~هم: ستالين، وتروتسكي، وزينوفييف، وكيمينيف، فقد كان كل منهم ~~بطلا في الثورة ومساعدا للينين، وقطبا في الحكومة. # بيد أن ستالين كان أوفر حظا من زملائه بعد أن طوى الموت زعيمهم ~~رغم أنه في العام السابق كان لينين قد كتب يقول: «إن ستالين ~~ركز قوة هائلة بين يديه.» وأضاف إلى ذلك قوله: «وستالين رجل ~~فظ، وهذا العيب ليس مقبولا فيمن يتولى منصب السكرتير العام، ~~وإن كان من الصفات اللازمة في العلاقات بين الشيوعيين. ومن ثم ~~أقترح على الرفاق أن يهتدوا إلى وسيلة لإقصاء ستالين عن هذا ~~المنصب.» # وبعد أربعة أعوام انتهى الصراع على الخلافة بانتصار تام لستالين ~~... # ويرجع الفضل في انتصاره إلى أنه فعل ما فعله لينين في سنة 1917، ~~وإلى أنه لم يكن يقل عنه كفاءة وبراعة في مزج الخطط العملية ~~بالمذهب البلشفي نفسه، ثم إلى أنه كان يشغل منصبا قويا ~~يمكنه من تنفيذ خططه؛ هو منصب السكرتير العام للحزب ~~الشيوعي. # والواقع أن لينين كان قد وضع الخطة التي ينبغي أن تنفذ في مثل هذه ~~الحالة؛ إذ قال: «إذا كان هناك خمسة أطرف فانضم ms042 إلى ثلاثة لسحق ~~الخامس، ثم تعاون مع اثنين من الباقين لإزالة الرابع، ثم أيد ~~أحد الاثنين الباقين لتتخلص من الثالث، وعندئذ لن يبقى سوى ~~خصم واحد يسهل القضاء عليه.» # ولقد تعاون ستالين بادئ ذي بدء مع زينوفييف وكيمينيف، مندوبي الحزب ~~في ليننجراد وموسكو، ضد تروتسكي الذي كان يبدو في بداية الأمر ~~أقوى المنافسين الأربعة، وبعد انقضاء عام واحد على وفاة لينين ~~كان ستالين قد انتصر على تروتسكي ثم تحول إلى الاثنين الآخرين ~~اللذين شرعا يقتديان بتروتسكي ويدعوان إلى تعزيز الاشتراكية ~~وتوسيع حركة التصنيع، وإشعال الثورات في الخارج، وإلى مزيد من ~~حرية القول. ~~••• # أما أتباع تروتسكي وأنصاره في روسيا فقد تحدث عن مصيرهم وعما ~~لاقوه خروشيشيف السكرتير العام للحزب الشيوعي السوفييتي في ~~خطابه الذي ألقاه في يومي 24 و25 فبراير سنة 1956 بالمؤتمر ~~العشرين الذي عقده الحزب؛ إذ قال: ~~... في الوقت الحاضر، وبعد أن انسلخت من التاريخ ~~فترة طويلة من الزمن، نستطيع أن نتحدث عن المعركة ~~التي خاضها الحزب ضد أتباع تروتسكي حديثا هادئا، ~~كما نستطيع أن نحلل هذه المعركة تحليلا موضوعيا ~~دقيقا، وينبغي أن نقول بادئ ذي بدء: إن بعض الذين ~~التفوا حول تروتسكي كانوا ينحدرون من مجتمع لا يمكن ~~أن نسميه بأية حال من الأحوال مجتمعا بورجوازيا؛ ~~فبعض هؤلاء الأتباع كانوا من طبقة الحزب المثقفة، ~~كما كان البعض الآخر من صميم الطبقة العاملة. # وفي وسعنا الآن أن نذكر أسماء أفراد كثيرين ~~انضموا إلى جماعة تروتسكي، ولكنهم في الوقت نفسه ~~ساهموا بنشاط في الحركة العمالية التي سبقت الثورة، ~~كما ساهموا في ثورة أكتوبر الاشتراكية نفسها، وفي ~~تدعيم نجاح هذه الثورة الكبرى، بل إن كثيرا منهم ~~خرجوا على مبادئ تروتسكي واستعادوا إيمانهم بمبادئ ~~لينين ... فهل كان من الضروري إذلال هؤلاء الأشخاص؟ ~~إننا على يقين من أن هؤلاء الأشخاص ما كانوا ليقعوا ~~ضحية إجراءات تعسفية لو أن لينين كان لا يزال على ~~قيد الحياة. # وهكذا تمكن ستالين في عام 1928 من القضاء على عناصر اليسارية ~~التروتسكية، وما كاد يقضي عليها حتى أخذ ms043 في تنفيذ برنامج ~~تروتسكي نفسه فيما يتعلق ببرنامج التصنيع الإجباري والتأميم ~~ونشر الشيوعية الدولية. # وكان من نتائج تنفيذ هذه السياسة القضاء على طبقة «الكولاك»؛ # 7 # وذلك عندما تبين أن 2٪ فقط من الفلاحين قد لبوا ~~الدعوة إلى الزراعة الجماعية، فأصدر أمره بالتنكيل بالكولاك ~~ونفيهم إلى سيبيريا، وما إن وافت سنة 1932 حتى كان أكثر من 80٪ ~~من الأراضي قد صار خاضعا في زراعته للطريقة الجديدة. # وقد قامت بعض النزاعات في داخل الحزب الشيوعي الروسي في الأعوام ~~الواقعة بين 1929 و1934، وبدا بعض التذمر بين الناس، وإن لم ~~يكن بدرجة خطيرة، وقد ظهر أنه لم يكن من الممكن تنفيذ السياسة ~~الصناعية والزراعية الجديدة، وهي سياسة فيها مبالغة كبيرة ~~للخطوط التي كان قد رسمها وأوصى باتباعها تروتسكي ... نقول: إنه ~~ظهر أنه لم يكن من الممكن تنفيذ هذه السياسات تحت قيادة ~~بوهارين وتومسكي وريكوف. # وفي صيف عام 1928 بدت بوادر الخلاف بينهم وبين ستالين، وحدث في شهر ~~يوليو من ذلك العام أن قابل بوهارين كامنيف، وكان كامنيف ~~مغضوبا عليه، وأبدى بوهارين لكامنيف استنكاره لسياسة ستالين ~~وأساليبه. # وفي الجلسة العامة التي عقدتها اللجنة المركزية للحزب في شهر ~~نوفمبر عرضت آراء بوهارين الخاصة بالسياسة الاقتصادية فرفضت ~~قبولها ووصمتها بالانحراف والمهادنة. # وفي شهر يناير من عام 1929 عرف سر الحديث الذي دار بين بوهارين ~~وكامنيف للمسئولين، فعزل في شهر فبراير من منصب رئيس تحرير ~~جريدة «برافدا»، وفي نفس الوقت طرد تومسكي من عضوية اتحاد ~~النقابات بعد أن عزل أولا من منصب الرئاسة. وفي شهر يوليو ~~طرد بوهارين من مكتب الكومينترن، وتقرر سحب كتبه ومؤلفاته ~~التي نشر فيها نظرياته من السوق، وفي شهر نوفمبر طرد من ~~المكتب السياسي. # ويلاحظ أن الزعماء «اليمينيين» الثلاثة لم يكن لهم أي نفوذ في داخل ~~الحزب، بخلاف المعارضة «اليسارية» التي قامت في عام 1926؛ ~~ولذلك فإن أملهم في التمكن من معارضة ستالين أو الوقوف في وجهه ~~كان معدوما، وربما كان هذا هو السبب فيما ظهر من الرفق في ~~معاملتهم في الأعوام التالية، واستمر المسئولون في ms044 استشارتهم ~~في السياسة الاقتصادية والمشاكل الإدارية. ~~••• # وهكذا استتب الأمر لستالين، وأصبحت زعامته كاملة تامة لا يمكن أن ~~تلقى أي معارضة أو تحد من داخل الحزب، وقد ظهرت في الأعوام ~~التالية بعض حركات المعارضة، ولكن الستار أزيح عنها بسهولة، ~~ولم يكن قادة هذه الحركات الذين أصدروا منشورات ينتقدون فيها ~~ستالين من أتباع زينوفييف، ولا من أتباع كامنيف، ولكنهم كانوا ~~ممن عرفوا بأنهم أذناب السكرتير العام، ومع ذلك فقد اتخذت ~~العقوبات التي أنزلت على مدبري هذه المنشورات ذريعة لنفي ~~زينوفييف وكامنيف إلى سيبيريا من أكتوبر سنة 1932 إلى مايو سنة ~~1933، ولتوجيه اللوم الشديد إلى ريكوف وتومسكي. # وتميز عام 1934 بتحسن الأحوال الاقتصادية، وتخفيف حدة الضغط ~~السياسي، وكان أمل الحصول على نظام مخفف القيود مقترنا باسم ~~كيروف سكرتير الحزب عن دائرة ليننجراد، وكان في ذلك الوقت هو ~~الرجل الثاني في الدولة بعد ستالين، ولكن حدث في ديسمبر من عام ~~1934 أن قتل كيروف هذا، ولم يكشف قط عن الظروف الغامضة التي ~~أحاطت بهذه الجريمة، وكان طبيعيا أن ينسبها ستالين إلى ~~تروتسكي وزينوفييف في حين اتهم التروتسكيون ستالين بمقتل ~~كيروف. # أما الرواية الثالثة، وقد تكون أقرب الروايات إلى الصحة؛ فهي أن ~~مقتل كيروف كان نتيجة بغضاء شخصي. # وقبض على زينوفييف وكامنيف بعد ارتكاب هذه الجريمة، كما قبض على ~~بعض أتباعهما المعروفين وأتباع تروتسكي، وعلى عدد كبير من عمال ~~مصانع ليننجراد. وفي يناير من عام 1935 قدم زينوفييف ~~وكامنيف للمحاكمة السرية أمام محكمة تتكون من بوليس أمن ~~الدولة، وحكم عليهما بالسجن لمدة طويلة، واتخذت بعد ذلك ~~إجراءات مشددة للمحافظة على الأمن، كما شددت الرقابة على ~~أعضاء الحزب، ولكن مع ذلك ظل عدد المقبوض عليهم ~~محدودا. # وفي عام 1936 كان ستالين يفكر في تخفيف بعض القيود التي تحيط ~~بالنظام، وأراد أن يختبر الرأي العام، فاتخذ الإجراءات لتنظيم ~~مناقشات ومناظرات عامة بين الجماهير حول مسألتين كانتا تشغلان ~~الرأي العام وقتئذ وهما: مشروع الدستور الجديد، ومشروع ~~القانون الخاص بحظر الإجهاض. # ولم تكن نتيجة الاستفتاء مشجعة لستالين على السير ms045 في سياسة تخفيف ~~القيود؛ فقد ظهر أن الرأي العام معارض بشدة لقانون حظر ~~الإجهاض، كما أن الاستفتاء في المؤتمرات الحزبية التي عقدت في ~~موسكو وليننجراد أثبت أن عددا كبيرا من الأصوات قد جاء ضد ~~أعضاء المكتب السياسي، بل وضد ستالين نفسه، ولكي يبرر ستالين ~~هذه الهزيمة أخذ يبحث عن أسبابها بين العناصر المناهضة للثورة، ~~ولما لم يكن في وسعه اتهام زينوفييف وكامنيف وأتباعهما بعد أن ~~زج بهم جميعا في السجون، فقد وجه الاتهام إلى بوهارين ~~وتومسكي وريكوف، ولم يكن الغرض من اتهام هؤلاء الثلاثة هو ~~إبرازهم في مظهر المعارضين لسياسة ستالين فقط، ولكن في مظهر ~~المتآمرين على إبعاده عن السلطة. # وقدم زينوفييف وكامنيف وأنصارهما للمحاكمة العلنية في أغسطس من عام ~~1936، فاعترفوا بأنهم ألفوا في عام 1932 «جبهة» بالاشتراك مع ~~التروتسكيين الموجودين في روسيا، وأنهم تلقوا تعليمات من ~~تروتسكي في الخارج، واعترفوا علاوة على ذلك أنهم فكروا في قلب ~~الحكومة، وفي قتل ستالين، وأنهم هم الذين دبروا مقتل ~~كيروف. # وفي يناير من عام 1937 بدأت محاكمة فريق آخر من زعماء الشيوعيين، ~~كان من بينهم بياتكوف وراديك وسربرياكوف، واعترف هؤلاء أيضا ~~بأنهم دبروا مؤامرة لقتل ستالين وغيره من زعماء الحزب، وأنهم ~~ألفوا جبهة «تروتسكية بوهارينية»، ونظموا أعمال التخريب في حوض ~~الدونتس، والأورال، وسيبيريا، وموسكو. # وقد اعتمد الاتهام في هذه القضية على «اعترافات» المتهمين وشهادة ~~غيرهم من المقبوض عليهم، ويمكن القول إن الاتهام لم يكن قائما ~~على أساس؛ فقد قرر تروتسكي أنه منذ عام 1928 لم تكن له أي ~~علاقة بزينوفييف وكامنيف، كما لم تكن له علاقة بأحد من أتباعه؛ ~~لأنهم جميعا سلموا لستالين، بل إن راديك نفسه الذي قدم في ~~هذه القضية على أنه من أتباع تروتسكي كان من ألد أعدائه؛ بدليل ~~أنه قتل صديقا من أخلص أصدقاء تروتسكي وهو بلومكين. # وقد هزت قضية هذه المؤامرة أوروبا كلها عندما أذيع أنها كانت ~~تستهدف القضاء على شخص ستالين وعهده كله ... # وصدر الحكم بالإعدام ضد المتهمين جميعا، وفي مقدمتهم زينوفييف ~~وكامنيف وساياكيف، وحاول بعضهم ms046 أن يتنصل من التهمة ويلقيها على ~~غيره، حتى قال أحدهم عن نفسه وعن زملائه: لقد كنا كلابا ~~للفاشيست! # وأكد بعضهم للمحكمة، والدموع تتساقط من عيونهم، أنهم يحبون ستالين ~~ويقدرونه. # أما كامنيف نفسه فلم يقل أكثر من أن عريضة الاتهام التي تقدم بها ~~النائب العام إلى المحكمة ليس فيها إلا الحق والصدق، ثم أثنى ~~وهو يبكي على ستالين! # وهكذا صدر الحكم بالإعدام بعد أن قرر المتهمون كلهم أنهم مذنبون، ~~واعترفوا بأنهم نادمون على جريمتهم! # وعلق تروتسكي وقتئذ - أي: في أغسطس من عام 1936 - على هذا الحكم ~~فقال: إن البوليس السري الروسي «الأوجبيو» هو الذي ألزم ~~المتهمين بالاعتراف كذبا بعد أن وعدهم بأنهم سينجون بأرواحهم ~~بهذا الاعتراف الكاذب ... # ولما اعترفوا تخلى عنهم البوليس! # وعرف كثيرون بعد ذلك أن المؤامرة الموهومة التي راح ضحيتها ستة عشر ~~شخصا لم تكن سوى رواية تمثيلية أخرجت بإتقان، وكان هدفها تخلص ~~ستالين من بعض أعدائه، أو من بعض الذين يشك في إخلاصهم، ويخشى ~~ما قد يتسبب له بسببهم في المستقبل. # وقد لاحظ بعض الذين شهدوا المحاكمة أن الأشقياء الستة عشر كانوا ~~يعترفون أثناء المحاكمة كأنهم بلا إرادة ولا رأي ... فقد وقفوا ~~أثناء المحاكمة، لا للدفاع عن أنفسهم أو عن تصرفاتهم، ولا لطلب ~~الرحمة، ولكنهم وقفوا يطلبون الموت ... وكانت أمنية كل واحد منهم ~~كما عبر عنها في المحكمة هي: «أن يرى الطبقات العاملة قبل أن ~~يموت، وقبل أن يكفر بحق عن الخيانة التي ارتكبها.» # فهل يمكن أن يتصرف رجل عاقل يتحكم في قواه العقلية بهذا الشكل وهو ~~يعلم أن مصيره الموت على أي حال من الأحوال؟ # وكان من جراء ذلك أن انتشرت الشائعات المختلفة، حتى لقد ذهب البعض ~~إلى حد القول بأن التنويم المغناطيسي قد استعمل وسيلة للتأثير ~~على هؤلاء المتهمين الأبرياء، وأن «المنوم المغناطيسي» هو الذي ~~أثر عليهم هذا التأثير وأمرهم بالإدلاء بهذه الأقوال في ~~المحكمة، فامتثلوا لأمره. # بل ذهب البعض إلى أبعد من هذا فقال: إن ستالين تمكن بواسطة ~~أطبائه من اختراع دواء يفقد كل من ms047 يشربه إرادته ... وأن ~~المتهمين لا شك تجرعوا هذا الدواء، وهو الذي جعلهم يعترفون في ~~المحكمة بما اعترفوا به! # ولكن الواقع هو أن البوليس السري كان يتولى بنفسه ترتيب كل شيء، ~~و«تنظيم» عملية المحاكمة والاعتراف ... # ويجدر بنا وقد تعرضنا هنا «لاعترافات» المتهمين في هذه القضايا أن ~~نسجل ما جاء في خطاب خروشيشيف الذي فضح أساليب ستالين خاصا ~~بهذا الموضوع؛ إذ قال: # بدا تجبر ستالين على الحزب واللجنة المركزية ~~واضحا وضوحا كاملا عقب المؤتمر السابع عشر الذي ~~عقده الحزب في عام 1934. # فقد حصلت اللجنة المركزية على معلومات كثيرة ~~في هذا الصدد تكشف عن تجبر ستالين حيال بعض أعضاء ~~الحزب القدامى المجاهدين، ومن ثم شكلت لجنة تخضع ~~لرقابة المجلس الأعلى للجنة المركزية مهمتها التحقيق ~~في حقيقة الأسباب التي أدت إلى اتخاذ إجراءات قمع ~~جماعية ضد معظم أعضاء اللجنة المركزية السابقين، وضد ~~أعضاء انتخبوا في المؤتمر السابع عشر للحزب ~~الشيوعي. # ولقد وقفت هذه اللجنة على قدر كبير من ~~المعلومات التي تضمنتها ملفات إدارة البوليس السري، ~~كما وقفت على وثائق قد تتضمن حقائق كثيرة عن تلفيق ~~بعض القضايا ضد شيوعيين مخلصين، وعن اتهامات زائفة ~~وجهت إليهم، وعن سوء استغلال للشرعية الاشتراكية، ~~وهي كلها مثالب أطاحت بعدد من الأبرياء. # ولقد كشفت هذه الوثائق والمعلومات عن حقيقة ~~واضحة هي: أن كثيرين من أعضاء الحزب، ومن العناصر ~~التي كانت تتولى الترويج للشيوعية في الحقل ~~الاقتصادي، اتهموا زورا وبهتانا بأنهم «أعداء ~~للشعب» في عامي 1937 و1938 مع أنهم كانوا دائما ~~شيوعيين مخلصين، ولم يكونوا قط في يوم من الأيام ~~أعداء أو جواسيس أو خونة، ولكنهم حينما وجدوا أنفسهم ~~متهمين بارتكاب جرائم مشينة لم يرتكبوها، وحينما ~~عجزوا عن احتمال التعذيب الوحشي الذي تعرضوا له، ~~اتهموا أنفسهم تنفيذا لأوامر القضاة والمحققين ~~والمزيفين بارتكاب كل ما يجول في الخاطر من جرائم ~~خطيرة وغير معقولة. # كل هذه المعلومات وقعت في أيدي اللجنة التي ~~تبحث في تلك المآسي، وقد رفعت اللجنة إلى المجلس ~~الأعلى للجنة المركزية مذكرات ووثائق مستفيضة تكشف ~~عن القمع الجماعي الذي ms048 تعرض له المندوبون للمؤتمر ~~السابع عشر وأعضاء اللجنة المركزية الذين انتخبوا ~~أثناء انعقاد ذلك المؤتمر. # وقام المجلس بدراسة هذه المذكرات والوثائق، ~~ويبين من تلك الوثائق أن من بين المائة وتسعة ~~وثلاثين عضوا الذين انتخبوا في المؤتمر السابع عشر ~~ثمانية وتسعين (أي نحو 70٪) اعتقلوا وأعدموا رميا ~~بالرصاص خلال عامي 1937 و1938 على الخصوص. # وكتب أندريه جيد الكاتب الفرنسي المشهور - وكان قد زار روسيا في ~~عام 1936 - أنه لاحظ أن البوليس السري قد اشتد نفوذه في ~~البلاد، واتخذ لنفسه سلطات جديدة، أو على الأصح سلطانا ~~عرفيا لا يعرف قانونا، ولا يوقر قضاء، ففي شهر يناير من ~~عام 1928 قبض على ليون تروتسكي وأبعد إلى آسيا الوسطى، ~~وكانت جريمته هي خلافه السياسي مع ستالين، وكانت هذه المشاورات ~~والخصومات قبل الثورة، وفي عهد زعامة لينين تعرض على الحزب ~~الشيوعي وهو وحده الذي يفصل فيها عن طريق المناقشات وأخذ ~~الآراء، أما الآن فقد أصبح المسدس في يد البوليس السري هو ~~الحكم الفيصل. # وشبه أندريه جيد استخدام البوليس في إنهاء كل نزاع على السياسة ~~بأنه كان «واترلو» الحزب، أو المعركة الفاصلة التي انهزم فيها ~~بغض النظر عما إذا كان الحق في جانب ستالين أو في جانب ~~تروتسكي. # ويقول: «لقد استتبع الاستعانة بالبوليس على هذا النحو اعتقاد الذين ~~أوتوا القوة في أيديهم أنهم قد أوتوا معها الحكمة، فلم يسع ~~المخالفين لهم إلا أن آثروا السلامة على المجاهرة بالرأي، ولم ~~يلبث خراب الذمم أن انتصر على الأمانة والنزاهة والصدق. # ولم تغب عني هذه الظاهرة وقتئذ، وإنما غاب عني إذ ذاك أنها بداية ~~التدهور الذي أثمر اليوم هذا المين والإفك الذي نراه، وأدى إلى ~~هذا الصمت السائد الذي نشهده، ولم يكن بد أيضا من أن تساعد ~~هذه الظاهرة على ظهور الزعيم.» # الأستاذ والتلميذ: لينين وستالين! # صورة زيتية قصد بها أن تمثل ستالين وهو يصافح ~~لينين حتى يبدو وكأنه زميله منذ فجر الثورة ~~الاشتراكية. # وقد ذكر خروشيشيف في خطابه التاريخي المشهور أمام المؤتمر العشرين ~~للحزب الشيوعي وهو يهاجم استبداد ستالين: ms049 # لم يحدث خلال المعركة الفكرية العنيفة التي ~~شنها الحزب على أنصار تروتسكي وزينوفييف وبوخارين ~~وغيرهم أن اتخذت إجراءات قمع متطرفة؛ ذلك لأن هذه ~~المعركة كانت مستندة إلى أساس فكري، ولكن حدث بعد ~~ذلك ببضع سنوات عندما وضع البناء الأساسي ~~للاشتراكية في بلادنا، وعندما تلاشت الطبقات ~~المستغلة تدريجيا، وعندما أدخلت تعديلات جوهرية ~~أساسية على البناء الاشتراكي السوفييتي، وعندما ~~أخضعت العناصر المناهضة للحزب الآراء السياسية ~~والاجتماعية المعارضة لفلسفة لينين ... عندما تم ذلك ~~كله بدأت إجراءات القمع توجه ضد هؤلاء ~~الأعداء. # نعم، بدأ القمع بعد ذلك ... ففي خلال الأعوام ~~1935 و1937 و1938 بدأت عمليات القمع بواسطة الجهاز ~~الحكومي، بدأت ضد أعداء فلسفة لينين أولا، ثم ضد ~~أتباع تروتسكي وزينوفييف وبوخارين، مع أن هؤلاء كانت ~~قد حاقت بهم هزيمة سياسية كبيرة على يد حزبنا ... ثم ~~بدأ القمع يوجه ضد عدد كبير من الشيوعيين المخلصين، ~~وضد بعض القادة المجاهدين الأوائل الذين تحملوا ~~مرارة الكفاح أثناء الحرب الأهلية، وأثناء الكفاح من ~~أجل التصنيع، وتطبيق نظام المزارع الجماعية، الذين ~~حاربوا بقوة ضد أتباع تروتسكي واليمينيين من أجل ~~نصرة الحق. ~~(15) ثورة لينين وثورة ستالين # إن الماركسية بفرض أنها نظرية لها قيمتها نتاج التفكير الغربي، ~~والواقع أن التهمة الرئيسية التي يمكن توجيهها إلى كارل ماركس ~~بوصفه ثوريا دوليا هي أنه فكر في الثورة في حدود قصرها ~~قصرا شديدا على الأحوال السائدة في الغرب. # وقد سار الروس على هديها في حماسة، فقد كفلت لهم الشيئين اللذين ~~كانوا في أشد الحاجة إليهما: الثقة، والنظام. إلا أنه كان ~~يعوزهم دائما لسوء الحظ الشعور بالنسبية، فاعتنقوا المذهب في ~~يقين صلب لا يلين، حتى إنهم بمرور الزمن أحالوه إلى قانون ~~متحجر جامد زعموا أنهم وحدهم القادرون على تفسيره تفسيرا ~~صحيحا. # وقد كان رسل الشيوعية الأربعة هم: ماركس، وأنجلز، ولينين، وستالين، ~~وإن مؤلفاتهم هي وحدها التي لها السلطان دون أن تضاف إلى هذه ~~الشريعة أية مؤلفات أو أعمال أخرى، وقد قسم هؤلاء الرسل إلى ~~قسمين، فاختص ماركس وأنجلز بوضع أساس النظرية الشيوعية ~~ومزاولتها في القرن ms050 الماضي، بينما اختص لينين وستالين بتطبيق ~~مبادئها على الأحوال الجديدة التي نشأت في القرن الحالي، وقد ~~أدخل لينين تحسينات على الماركسية في أكثر من ناحية، ولكن يصح ~~من الناحية العامة القول بأن أهم ما عمله في هذا السبيل كان في ~~ميدان التنظيم الحزبي والتكتيك، أما ستالين فكان أهم ما قام به ~~نظريته التي تقول: «الاشتراكية في وطن واحد» بكل ما توحي به ~~هذه النظرية. # وما قيل عن لينين بوصفه ممن يهتمون بالأمور النظرية يصح أن يقال عن ~~ستالين؛ فقد كان كلاهما مدفوعين إلى توجيه النظرية الماركسية ~~توجيها جديدا. # وكما أن لينين كان يرجع إلى ماركس، فكذلك ستالين كان حريصا كلما ~~دعته الحال إلى الاستشهاد بلينين، فليس من قبيل الصدفة أنه ~~أطلق اسم «اللينينية» على المجلد الذي يحتوي على أهم كتاباته ~~وتصريحاته . # على أنه ثمة خلاف بين الرجلين؛ فإن لينين عندما اضطر بحكم ظروف لم ~~تكن في الحسبان إلى الأخذ بسياسات ما كان ليشير بها لولا تلك ~~الظروف، وصفها بأنها إجراءات مؤقتة، واحتمى وراء حجة «الضرورة ~~القاسية»، بينما كشف ستالين عن هذه السياسات في وضح النهار ~~وأكره الحزب على قبولها بوصفها تطبيقات صحيحة للمذهب ~~الرسمي. # وقد عجل لينين بهذا الإجراء؛ ذلك أنه شعر بالحاجة إلى أن يستمد من ~~الماركسية المبرر على كل ما كان يفعله باسم الثورة، وكان هدف ~~الماركسيين الغربيين دولة من الطبقة العامة يتعلم فيها الناس ~~وقد تخلصوا من أغلال الرأسمالية، كيف ينظمون الإنتاج للصالح ~~العام؟ إلا أن ثورة أكتوبر لم تحقق هذا الهدف؛ لأنها لم تكن ~~«عمالية» إلا بالمعنى الذي أضفاه عليها لينين الذي عرف ~~الطبقة العاملة بأنها هي الحزب بوصفه طليعة الجماهير، وذلك ~~القسم منها الأشد وعيا، وقد ترتب على هذا أن زعامة الحزب أضحت ~~تعني سيطرته، وخاصة بعد ما صادف البلاد من صعاب كثيرة. # ويبدو أن لينين قد كافح في الواقع ضد هذه النتيجة التي لم يكن منها ~~بد، وقد تكون كتاباته المريرة التي حمل فيها على كاوتسكي قد ~~أخفت شيئا من اضطراب الضمير الذي لم ms051 يزعج خليفته، ولكن القوى ~~التي كان قد حركها لم تظهر في الحال؛ ولذلك وقع على كتفي ~~ستالين التعبير «بخيانة الثورة» الذي طمعت في أيامه الماركسية ~~بالتقاليد الآسيوية البيزنطية مع العودة إلى الأتوقراطية فيما ~~بعد، وهو نوع الحكم الوحيد الذي عرفه الروس طول حياتهم. # على أنه من الصعب علينا أن نقول: إن لينين لو كان قد عاش لاضطر أن ~~يفعل ما فعله ستالين؛ ذلك أن النظرية التي قامت على أساسها ~~ثورة أكتوبر كانت مركبا من المثالية السياسية والواقعية ~~السياسية، وما إن وجد الزعماء الجدد أنفسهم وقد واجههم الموقف ~~الذي خلقوه هم أنفسهم حتى لم يكن مفر من أن ينتشر مبدأ ~~الواقعية السياسية. # إلا أن هذا كان لا بد أن يتضمن تعديل الأساس الذي يقوم عليه ~~المذهب، ومن ثم عرفت نظرية الثورة تعريفا جديدا، وحول الحزب ~~إلى حزب استبدادي مركز يجمع السلطة كلها في يديه، وقلبت ~~النظرية الكلاسيكية للدولة رأسا على عقب، ولو أن الخدمات ظلت ~~تؤدى إليها في غير إخلاص، واتبعت سياسة زراعية كانت مخالفة ~~لتعاليم ماركس وأنجلز، بل لتعاليم لينين نفسه وشجع نمو الشعور ~~القومي. # وكانت سياسة «الاشتراكية في دولة واحدة» حافزا جديدا على حدوث ~~التطورات، ولم يكن في هذه السياسة من بعض نواحيها ما يثير ~~الخلاف؛ ذلك أن الجميع كانوا متفقين على وجوب قيام الاشتراكية ~~في روسيا. # أما أهميتها فقد كانت فيما تضمنته وخاصة الأثر الذي يكون لتطبيقها ~~على الثورة العالمية. # وقد ذكر ستالين في «أسس اللينينية» أن الحرب العالمية الأولى خلقت ~~ظروفا مواتية لثورة الطبقة العاملة فجعلت هذه الثورة أمرا لا ~~مناص منه؛ ذلك أن روسيا القيصرية كانت ذخيرة غير محددة ~~للاستعمارية الغربية تزودها بميدان شاسع للاستثمار يتطلب ~~جيوشا جرارة لحراسته. # ومن ثم فقد كانت روسيا «نقطة مركزية للثورة»؛ لأن متناقضات ~~الرأسمالية كانت أوضح ما تكون فيها، ثم إنه استخدم «قانون ~~التطور غير المتعادل» كأحد الدليلين الرئيسيين اللذين برر بهما ~~مذهب «الاشتراكية في دولة واحدة» عندما نادى به في سنة ~~1924-1925؛ ذلك أنه زعم أنه يجعل الرأسمالية أكثر ms052 تعرضا ~~للهجوم بإنشائها سلسلة من الدول التي لا تتساوى في الارتقاء، ~~والتي يمكن دائما مهاجمتها في أضعف صلة من صلاتها. # ومن ثم أصبحت مناهضة الاستعمارية جزءا هاما من البرنامج ~~الشيوعي، وكان موجها إلى توسيع الأساس الذي يقوم عليه وعي ~~الطبقة العاملة، وفي الوقت نفسه إلى إضعاف النظام الرأسمالي ~~بإثارة أو تأييد حركات التحرر التي تقوم بها الشعوب المتخلفة، ~~وهي الشعوب التي كانت ضحية الاستغلال. # ولذلك أنشئت المنظمات التي لا عدد لها، والتي كانت تهز المشاعر ~~الإنسانية تارة، أو تبذر بذور الخوف من الحرب تارة أخرى ~~بزعمها أن الاستعمارية تسعى إليها. # ثم إن تعاليم لينين قوت الاعتقاد - ويبدو أنه لا يمكن استئصاله إلى ~~الآن - بأن الاتحاد السوفييتي قد يصبح هو نفسه ضحية الاعتداء ~~الاستعماري. # وهكذا وصفت الحرب العالمية الثانية بأنها «استعمارية» حين هاجم ~~هتلر روسيا، وعندما وضعت الحرب أوزارها عاد الزعماء الروس إلى ~~مذهبهم القديم وبذلوا من عنايتهم أكثر مما كانوا يبذلون من ~~قبل. ~~••• # وقد كانت ثورة لينين بوجه خاص ثورة سياسية؛ فقد قضت على النظام ~~الإمبراطوري، كما أنها قضت على جميع الأحزاب الاشتراكية ~~الروسية فيما عدا حزب البولشفيك، كما أنها نشرت في روسيا كلها ~~دكتاتورية بلشفية. # ولقد حققت دون شك تغيرات اجتماعية كبيرة؛ فقد حطمت القوة ~~الاقتصادية التي كان يتمتع بها أصحاب الأراضي ورجال الأعمال، ~~إلا أن طبقة الغالبية في روسيا؛ وهي طبقة الفلاحين، استمرت ~~تعيش طبقا للنظام الاجتماعي الماضي حتى بعد أن تسلمت نصيبها ~~من الأراضي التي صودرت من أصحاب الأملاك. # إلا أن ثورة ستالين التي بدأت في عام 1929 كانت آثارها الاجتماعية ~~أعمق من ثورة لينين؛ فقد حطمت طبقة صغار الملاك، أو بمعنى آخر ~~أنها قضت على الفلاح المستقل. # وخلقت صناعة جديدة كبيرة، وذلك بالتجنيد الشامل للقوى الفردية ~~والاستغلال المنظم للطبقة العاملة. # وكانت لها أيضا آثارها السياسية؛ إذ إنها استكملت إخضاع الحزب ~~لإرادة ستالين، وكانت هذه المحاولة قد بدأت منذ عام ~~1920. # وأخيرا فقد أثرت هذه الثورات في كل فرع من فروع الثقافة، فأخضعت ~~الآداب والفنون والعلوم ليس فقط ms053 للرقابة السلبية التي كانت ~~موجودة منذ عهد لينين، ولكن لتوجيه إيجابي سيطر عليها ... # ولذلك يمكن القول إن نظام لينين كان نظاما دكتاتوريا شاملا في ~~حين أن نظام ستالين كان نظاما فرديا. # وقد بدأت ثورة ستالين كنتيجة لنقص كميات الطعام في المدن، فإن ~~الفلاحين وقد زاد نصيبهم من الأرض عما كان عليه في عام 1917 ~~بدءوا يأكلون أكثر من الماضي، وكان اطراد الزيادة في عدد ~~السكان، وتقلب الأحوال الجوية، مما يجعل تموين المدن بالمواد ~~الغذائية غير مأمون العواقب، وكان زعماء السوفييت قد اعتزموا ~~مستندين إلى أسباب عامة وإلى عوامل حربية تنمية الصناعة بسرعة، ~~ولتحقيق هذا الغرض كان عليهم أن يواجهوا مشاكل الإنتاج الزراعي ~~والتسويق. # وكان من الممكن اتباع إحدى سياستين بإزاء الفلاحين، والسياسة ~~الأولى تتلخص في تشجيع الفلاحين على مضاعفة جهودهم مما يضاعف ~~بالتالي إنتاجهم وبيعه بالمدن، وكانت خطة تشجيع الفلاحين على ~~مضاعفة إنتاجهم تتطلب إمداد الأسواق ببضائع الاستهلاك حتى ولو ~~اقتضى الأمر استيراد بعضها. # أما السياسة الثانية فقد كانت سياسة تقوم على القمع، وتتطلب مصادرة ~~المحصولات من الفلاحين بأثمان منخفضة، كما كانت تتطلب استعمال ~~القوة ضد أثرياء الفلاحين الذين كان يطلق عليهم اسم «الكولاك»، ~~وكان لهذه السياسة ميزتها؛ إذ كان في وسع الدول أن تجمع ثروة ~~كبيرة دون أن تدفع ثمنا، وكان من مزايا هذه السياسة أيضا ~~توجيه ضربة قاضية لطبقة من الناس كان زعماء الشيوعيين لا ~~يزالون يعتبرونها «الطبقة المعادية» الوحيدة الباقية التي ~~تعتبر خطرا على المذهب الجديد. # واختار ستالين لنفسه السياسية التي تتفق مع المذهب الماركسي، فكان ~~لا بد من البحث عن أعداء وأكباش فداء، وانتحال أعذار؛ ولذلك ~~فقد نسبت أزمة التموين في عام 1927-1928 - كما حدث في أزمة ~~التموين في عام 1918 - إلى خيانة «الكولاك». إنهم أعداء الشعب ~~الذين يريدون أن تخضع الحكومة السوفييتية لسيطرتهم عن طريق ~~التموين. وكان العلاج هو إثارة حرب الطبقات في القرى، وكان ~~الشعار هو نفسه الذي استعمل في حرب الشيوعية: اعتمدوا على ~~فقراء الفلاحين، اكسبوا المتوسطين من الفلاحين، اعزلوا الكولاك ~~واقضوا عليهم. ms054 # ولا شك أنها كانت أعظم سخرية في التاريخ عندما نجح ستالين في تحويل ~~روسيا إلى ما يمكن أن يعتبر في التاريخ دولة من أعظم الدول ~~الرأسمالية في جميع العصور؛ فقد كان من بين تعاليم كارل ماركس ~~أن «عملية الجمع البدائية لرأس المال» وهي ألزم ما يكون لخلق ~~المجتمع الصناعي ... لا يمكن أن تتم في ظل النظام الرأسمالي إلا ~~باستغلال العامل الذي لا بد له أن يثور يوما ضد تزايد فقره، ~~وبهذا يضع حجر الأساس للاشتراكية العالمية. # ولكن في ظل رأسمالية الدولة تابع الاتحاد السوفييتي سياسة «عملية ~~الجمع البدائية لرأس المال»، وذلك بواسطة حكام أقوياء يستقل كل ~~منهم برأيه، وكان الهدف الوحيد للشيوعية، كما لا يزال يعترف به ~~زعماؤها، هو التوصل إلى اقتصاد يؤدي إلى تحويل راحة الفرد إلى ~~نوع من وفرة الإنتاج لا يمكن أن يحلم به أحد، وإذا كان ستالين ~~قد استمر في اعتناق هذه الفلسفة فلأنه كان مدفوعا بأطماعه في ~~سبيل التفوق على الغرب؛ سواء من الوجهة الحربية أم الصناعية، ~~وقد كان مدفوعا أيضا بإدراكه أن الأولوية للصناعات الثقيلة ~~ومركزية التخطيط اللذين تعتمد عليهما هي أسهل طريق إن لم يكن ~~الطريق الوحيد لكي يحتفظ الحزب الشيوعي باحتكار السلطة ~~السياسية، وأن توزيع ثمار نجاح الشيوعية قبل الأوان سوف يؤدي ~~إلى إضعاف هذه السلطة. # وباسم الشعب حرم الكرملين الشعب من كل شيء! # وكأن جوزيف ستالين يوم موته كان على موعد مع التاريخ وتم اللقاء في ~~الموعد المحدد بالضبط؛ إذ قبيل موته بالضبط، وعلى وجه التحديد ~~في شهر مارس من عام 1953 بدا أنه هو نفسه منشغل بحل بعض ~~المشاكل المتضاربة التي خلقها بنفسه. # فقد كانت وصيته الأخيرة كما جاءت في كتابه «المشاكل الاقتصادية ~~للاشتراكية في الاتحاد السوفييتي»؛ إذ قال في ذلك الكتاب: إن ~~حل مشاكل السوفييت في ظل الشيوعية ليس سهلا، وقال: إن حل هذه ~~المشاكل لا يتلخص في زيادة الاستثمار ولا في زيادة الاستهلاك، ~~ولا في الضغط على الفلاحين، ولا في استجلاب رضاهم. # ولم يوضح بالضبط ما كان ينصح ms055 به لاستبقاء الحزب في الحكم. # وبقي على نيكيتا خروشيشيف خليفته في خطابه المشهور الذي ألقاه في ~~شهر فبراير من عام 1956 واستنكر فيه حكم ستالين المطلق؛ نقول: ~~بقي على خروشيشيف أن يوضح الحل الذي كان يقترحه ستالين، وهو ~~مذبحة أخرى كبيرة ليحتفظ الحكم بسيطرته واحتكاره. # ولكن لم تحدث المذبحة وقد لا تحدث مطلقا، كما أن زعماء الكرملين ~~لا يميلون إلى تنصيب ستالين جديد، ولما خلا مكان ستالين لم يكن ~~هناك شخص يمكن أن يخلفه كحاكم مطلق له نفس سلطته، حاكم يمكنه ~~أن يتخلص من أي معارض يبرز له، وهنا بدأت تنحل وحدة ~~الدكتاتورية السوفييتية. # وكان من أهم نتائج موت ستالين أن مقدرة الحكومة على استعمال الرعب ~~والإرهاب كسلاح اقتصادي أخذت تقل شيئا فشيئا، وبدت رغبة من ~~الزعماء في استجلاب حب الشعب. # وفي صيف عام 1953 ألقى كل من رئيس الوزراء الجديد جيورجي مالنكوف ~~وزعيم الحزب نيكيتا خروشيشيف خطبا هامة نبها فيها إلى ضرورة ~~بذل عناية أكبر ببضائع المستهلك وبالزراعة. ~~(16) ستالين يحدد أهدافه # شرح ستالين في كتابه «مشاكل مذهب لينين» الذي بيعت منه ملايين ~~النسخ في روسيا: # إن هدف روسيا في سياستها هو تعزيز دكتاتورية ~~الطبقات العاملة حتى تصبح وسيلة للقضاء على ~~الاستعمار في العالم كله ... # ويقول ستالين في فصل من فصول الكتاب عنوانه «السياسة والمناورات»: # إن أهم القوى المدخرة للثورة العالمية هي ~~الدكتاتورية الشعبية في روسيا والحركات الثورية ~~الأخرى في البلاد الخارجية. # أما الاحتياطي المدخر للحركة الثورية فيتكون ~~من أشباه العمال وصغار الفلاحين في البلاد المتقدمة، ~~كما أنه يعتمد على الحركات التحريرية في ~~المستعمرات. # واستشهد ستالين بما قاله لينين من أنه لا مناص من أن تقوم الحرب في ~~عالم استعماري كهذا الذي نعيش فيه ضد الحركات الثورية ~~الأوروبية وثورات المستعمرات في الشرق؛ وذلك لأن اتحاد الحركات ~~التحريرية الأوروبية مع ثورات المستعمرات في الشرق سيؤدي إلى ~~تكوين جبهة ثورية متحدة ضد الاستعمار. # وذكر ستالين مسترشدا بآراء لينين أن خير الأوقات المناسبة لإشعال ~~نيران الثورات العالمية هي فترات الحروب، والأزمات الاقتصادية، ~~والنكبات ms056 الوطنية ... # كما أنه يعترف بأن من المسموح به في مثل هذه الظروف الالتجاء إلى ~~جميع وسائل الخداع المعروفة وغير المعروفة! وهو يقول في هذا: «إن من المضحك أن تشن حربا تهدف إلى التخلص من ~~الطبقة البورجوازية # 8 # في العالم كله ثم تتعفف عن استعمال ~~الوسائل لإثارة بعض الطبقات ضد البعض الآخر، ~~ولاستغلال تعارض المصالح بينها ... وذلك لأن هذه الحرب ~~سوف تكون أصعب مائة مرة من الحروب العادية التي تقوم ~~بين الدول وبعضها ...» # وهو يقول: إن الطرق تتغير في كثير من الظروف، ولكن السياسة تبقى ~~دائما كما هي ... ولا شك أن سياسة ستالين نفسه كانت خير برهان ~~على إيمانه بتغير الوسائل؛ فقد كانت وسائله تتغير كل يوم طبقا ~~للظروف والضرورة، ولكن أهدافه السياسية بقيت كما هي دون ~~تغيير. # وقدم ستالين لقادة الحركات الثورية في العالم أربع نصائح هامة ~~طالبهم بالتزامها، وهي : ~~(1) # ركزوا الهجوم على أشد الأجزاء حساسية لدى ~~العدو. ~~(2) # تخيروا الوقت الملائم للمعركة الحاسمة، ولا ~~تدخلوها إلا إذا حل الوقت ... ~~(3) # تابعوا العمل في سبيل أهدافكم دون كلل رغم ما ~~قد يعترضكم من صعاب ومتاعب، وذلك حتى يظل الحرس ~~الأمامي على علم دائم بحقيقة أغراضكم، وحتى لا تضل ~~التكتلات الشعبية عن الطريق السوي. ~~(4) # تقهقروا عندما لا يكون من المصلحة أن تقاتلوا، ~~واستغلوا احتياطيكم في المناورات ... # وكان من رأي ستالين أن الحياة ليست إلا مصارعة حرة بين المذهبين، ~~وفي المصارعة الحرة يمكنك أن تمسك بخصمك من أي مكان في جسمه ~~وأنت تحاول أن تلقي به أرضا، أو كما يقول: # CATCH AS CATCH ~~CAN ~~. # وقال في ذلك جملته المشهورة: «إننا نعيش طبقا لنصيحة لينين؛ وهي أن الحياة ~~مباراة من مباريات المصارعة الحرة، فإما أن نقضي على ~~الرأسماليين ونوجه إليهم الضربة القاصمة ... وإما - ~~كما قال لينين - أن يقضوا هم علينا!» # ومنذ بداية الثورة في روسيا كانت المشكلة الزراعية هي إحدى المشاكل ~~التي واجهتها، وقد أدرك لينين في ذلك الوقت أنه من المستحيل ~~تطبيق نظام الملكية الجماعية في الريف الروسي دون أن يقع صدام ~~عنيف مع ms057 الفلاحين الذين كانوا يرون في امتلاك الواحد منهم ~~لقطعة أرض غاية ما يصبون إليه من أمل. # وإزاء هذا الموقف أقدم لينين على تقسم الأراضي إلى ملكيات صغيرة ~~فهاجمه كثير من الزعماء والكتاب، وقالوا: إن هذه الخطوة ~~خروج على المبادئ الاشتراكية، وهي من باب أولى غير ~~شيوعية. # وكان رد لينين على ذلك هو أنه وإن كان تقسيم الأراضي إلى ملكيات ~~صغيرة ليس عملا اشتراكيا إلا أنه على أي حال خطوة تقدمية ~~ديمقراطية، والماركسية ليست حقائق منزلة وإنما هي دليل يرشد ~~إلى الطريق القويم فحسب. # وقد ظل هذا النظام سائدا في روسيا حتى أقدم ستالين على تحويل ~~الملكية الفردية إلى ملكية جماعية في صورة «الكولخوزات»، وهي ~~المزارع الجماعية بنظامها الاشتراكي الراهن لا الشيوعي. # وبالرغم من أن هذا التغيير حدث بعد أن رسخت أقدام الثورة بسنوات ~~طويلة إلا أنه صادف مقاومة عنيفة من مجموعات كبيرة من ~~الفلاحين ، وذهبت ضحيته آلاف من الأرواح. # ولا شك أن هذا الثمن الكبير الذي دفع لتحويل الملكية من فردية ~~إلى اشتراكية كان من الأسباب التي جعلت ستالين في أواخر أيامه ~~يرفض فكرة تحويل هذه الكولخوزات الاشتراكية إلى النظام الشيوعي ~~الكامل، خصوصا بعد أن تعلق الفلاحون بمزارعهم الجماعية، وأصبح ~~أهل كل مزرعة يرون أنها ملك خاص لهم؛ ولذلك فمن غير المعقول أن ~~يقبلوا بسهولة اندماج المزارع كلها في جهاز واحد يكونون فيه ~~عمالا وموظفين. # وقد وجه بعض الاقتصاديين الروس النقد إلى الوضع الراهن فيما يتعلق ~~بالأسواق المتعددة والأسعار المتعددة، وهاجموا النشاط الفردي ~~الذي ما زال موجودا بالريف السوفييتي حتى اليوم، ولكن ستالين ~~رد على هذه الانتقادات بما معناه: إن الوضع الراهن يجب أن يبقى ~~زمنا آخر كمرحلة انتقالية، وذكر أنه لكي يتم الانتقال إلى ~~النظام الشيوعي الكامل في الزراعة يجب أن تتوفر عدة شروط أهمها: # أن يتم تصنيع الزراعة تماما بحيث يصبح كل ~~العمل آليا وتتحول المزرعة إلى مصنع. # ويحتاج هذا إلى فترة طويلة تصنع فيها الآلات ~~الثقيلة التي تنتج الآلات الزراعية نفسها. # أن يصل الإنتاج الزراعي إلى درجة ms058 تكفي كل ~~حاجات المستهلكين. # أن يرتفع المستوى الثقافي في الريف إلى درجة ~~تساعد الفلاح على تفهم النظام الجديد والاقتناع ~~به. ~~(17) تقديس الفرد # كان لينين ممددا على فراشه، في حجرة من حجرات مجلس الشيوخ، وأحس ~~بأنه سيعاني آلام صدمة جديدة، فما لبث أن اشتد اهتمامه مرة ~~أخرى بموضوع من يخلفه. # وفي هذه الفترة نفسها اضطر تروتسكي هو الآخر أن يلازم فراشه بسبب ~~آلام روماتيزمية كان يشعر بها، وكانت حجرته في قسم فرسان ~~القيصر، وكان براح الكرملين الكبير يفصل بين الرجلين، ولذلك ~~فإنهما كانا يتبادلان الرأي في المسائل الهامة بواسطة مذكرات ~~صغيرة يتبادلانها، أو رسائل شفوية يبعث بها كل منهما إلى الآخر ~~بواسطة سكرتاريته، ولذلك فقد كان الموقف محزنا حقا ... # وزاد من حزن لينين في ذلك الوقت تلك الدعاية الغريبة عليه التي عمد ~~إليها الزعماء؛ فقد استبدلوا اسم مدينة «تزاريتزين» # 9 # التي دافع عنها ستالين أثناء الحرب دفاعا مجيدا ~~استبدلوه باسم ستالينجراد، وسميت مدينة أخرى «زينوفيسك»، ~~وأطلقت أسماء الزعماء أيضا على عدد من المدارس والمصانع ~~والبواخر. # وكان لينين طول حياته قد رفض مثل هذا التمجيد لاسمه، فلم يطلق على ~~مدينة «بتروغراد» اسم لينينجراد إلا بعد موته. # ولكن تمجيد الأشخاص في حياتهم ما لبث أن صار طابعا للعهد؛ حتى إن ~~أميل لودفيج في كتابه عن ستالين يروي أن زائري المعرض الدولي ~~الذي أقيم في باريس في عام 1937 ذهلوا لكثرة عدد تماثيل وصور ~~ستالين الضخمة التي رأوها منصوبة في ستة مواضع من القسم الروسي ~~في ذلك المعرض. # ويقول لودفيج: إنه وجد نفسه عاجزا عن التوفيق بين هذا التمجيد ~~للأشخاص وبين المبادئ الاشتراكية، ولذلك فقد صمم على أن يسأل ~~ستالين في هذا الموضوع، وقال له عندما قابله: إنني في دهشة من ~~تمجيد الأشخاص الذين تبالغون فيه هنا أكثر من أي مكان آخر ... ~~فأنتم أيها الشيوعيون لا يجب أن تبالغوا في تمجيد أي شخص، وأنا ~~شخصيا من المؤمنين بأن الرجال هم الذين يصنعون التاريخ، وهذا ~~ما يجعلني أختلف عنكم؛ لأنكم بنظرتكم المادية للتاريخ كان يجب ms059 ~~أن تعارضوا في ظهور زعمائكم على الصور المختلفة التي تعرض في ~~كل مكان، وفي إطلاق أسمائهم على المدن أو غيرها ... # ويقول لودفيج: إن ستالين تلقى هذا الهجوم بمنتهى الهدوء ثم قال ~~ردا عليه: إنك على خطأ؛ ففي كارل ماركس تجد أن الرجال هم ~~الذين يصنعون التاريخ ولكن ليس بالطريقة التي تتصورها، بل ~~بالطريقة التي يتصرفون بها أمام الحوادث التي تكتنف حياتهم ~~السياسية، فإن كل جيل تصادفه سلسلة جديدة من الأحداث عليه ~~مواجهتها. ويمكن القول بوجه عام: أن عظماء الرجال لا يستحقون ~~التقدير إلا بحسب الطريقة التي يواجهون بها الظروف، وإلا كانوا ~~عظماء من طراز «دون كيشوت». وفي رأيي أن التاريخ هو الذي يصنع ~~الرجال، ولم ينكر ماركس بتاتا أهمية الدور الذي يقوم به ~~الأبطال. والواقع أن هذه الأهمية كبيرة جدا ... # قال ستالين هذا ونسي أنه في الوقت الذي كان فيه بطل الثورة لينين ~~لا زال على قيد الحياة فإن السلطة كانت قد انتقلت من يده حتى ~~إن ستالين نفسه بوصفه سكرتيرا عاما أخذ في تعيين أصدقائه ~~وزراء، وأخذ هؤلاء في تعيين أصدقائهم وكلاء للوزارات ... كل ذلك ~~لأن «البطل» كان قد أصابه المرض ... # وأدرك لينين الخطر الذي يهدد النظام كله بهذه التصرفات فأملى ~~مقالا، ربما كان آخر مقال له في حياته، وجعل له عنوانا هو: ~~«اعملوا أقل ... ولكن أحسن!» # وفي ذلك المقال اقترح لينين إدخال عنصر الشباب في الأداة الحكومية ~~على أساس اتساع المعرفة وأفضلية التعليم، ولكن في الوقت الذي ~~كتب فيه لينين هذا المقال كان المكتب السياسي «البوليبيرو» ~~المكون من ستالين وأعوانه قد أصبح في درجة من القوة جعلته يرفض ~~نشر مقال لينين، وبلغ من جرأتهم في ذلك الوقت أن اقترحوا نشر ~~المقال في نسخة واحدة من أعداد جريدة برافدا، وقالوا في سخرية ~~لاذعة: «حتى يقرأها العجوز! ...» # ولم يسمحوا بنشر هذا المقال إلا بعد أن هدد تروتسكي كما هددت زوجة ~~لينين بفضح أساليبهم. # ويقول أندريه جيد بعد زيارته لروسيا: وقد نفرت نفسي من هذا التمجيد الذي رأيته ~~لمكانة ستالين، والمديح ms060 الذي يزجى إليه، والملق ~~المترامي من حوله، فقد راحت الدعايات التي كان هو ~~بالذات مسئولا عنها تصوره للناس في صورة الزعيم ~~«المعصوم» الرحيم العليم المبدع الذي صنع كل شيء حسن ~~في روسيا، جاء بكل خير، ومنه كانت تستفيض البركات ~~والأنعم والطيبات، أما الأغلاط والمحن والنكبات ~~والهزائم والنكسات فلم تكن بالضرورة إلا من عمل ~~«المخربين» و«التروتسكيين» وأعداء الشعب ~~وخصومه! # وقد رحت أصب جام غضبي على هذه العبادة الجديدة ~~لشخص ستالين في مقال كتبته في موسكو ونشرته في ~~نيويورك في عام 1930 وحملته تبعة ذلك، وأطلقت على ~~هذه الظاهرة أسوأ التسميات، فقلت: إنها «مناقضة ~~للبلشفية» وإن كانت في الواقع «بلشفية صميمة»؛ لأنها ~~النهاية التي لا مفر منها للديكتاتورية، فقد رأينا ~~هتلر وموسوليني يتوليان حركة مماثلة في باب المديح ~~الذاتي، وإملاء التسبيح والحمد والتمجيد. # ستالين في مؤتمر الفلاحين. # في عام 1924 بعد موت لينين تظاهر ستالين ~~بصداقة ريكوف الذي خلف لينين في منصب رئيس الوزراء. ~~ويرى ستالين (إلى اليسار) وهو يتنزه مع ريكوف (في ~~الوسط)، ولكن العلاقة لم تدم طويلا فقد طرد ريكوف ~~في عام 1930 وقضي عليه في 1938. # ومما يستحق الذكر أن «أندريه جيد» الفرنسي كتب هذا الكلام قبل أن ~~يقف خروشيشيف بوصفه السكرتير العام للحزب الشيوعي بسنوات طويلة ~~ليتحدث في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي فبراير 1956 عن تقديس ~~الفرد، ومدى ما يترتب عليه من نتائج ضارة، وليقول: إنه من ~~الأمور الدخيلة على الكامل. واستشهد خروشيشيف بالخطاب الذي بعث ~~به كارل ماركس إلى ويلهلم بلوس القائد العمالي الألماني وقد ~~قال له فيه: # إنني أنفر من جميع مظاهر تقديس الفرد نفورا ~~جعلني أستنكف الترويج لأي مظهر من مظاهر التقديس ~~الذي خلعه علي البعض في خطبهم التي ألقيت في عدة ~~دول طيلة عهد الدولية الأولى، فقد ضايقني هذا ~~التقديس كثيرا رغم ما فيه من تأييد للمبادئ التي ~~أنادي بها ... # وقال خروشيشيف أيضا وهو يقارن بين تواضع لينين نبي الثورة ~~الروسية، وتجبر ستالين بعد أن قدس شخصه: لقد كان لينين يؤمن إيمانا قويا بدور الشعب ms061 ~~كخالق للتاريخ، وبالدور التوجيهي والتنظيمي للحزب ~~كأداة خالقة حية، كما كان يؤمن بالدور الذي تلعبه ~~اللجنة المركزية للحزب، ومع ذلك فإن الماركسية لا ~~تنكر الدور الذي يلعبه قادة ا لطبقة البروليتارية في ~~توجيه حركة التحرر الثورية. # ولكن لينين كان في الوقت الذي يعلق فيه أهمية ~~بالغة على الدور الهام الذي يلعبه قادة الكتل ~~الشعبية ومنظموها، يستنكر بغير هوادة شتى مظاهر ~~تقديس الفرد، كما كان يستنكر بكل قواه الآراء ~~الدخيلة على المبادئ الماركسية، وهي التي تقيم بعض ~~الفوارق بين «الزعيم» والشعب. # كذلك كان لينين يقول في تعاليمه: إن قوة الحزب ~~تعتمد على وحدته التي لا تنفصم مع الشعب؛ عمال ~~وفلاحين ومثقفين، فهو القائل: «لن يتسنى الفوز ~~والاحتفاظ بالسلطة إلا لمن يؤمن بالشعب، ويصهر نفسه ~~في بوتقة قوة الشعب الخالقة الحية.» ~~(18) ستالين الديكتاتور # ويقول الأستاذ أحمد بهاء الدين: # 10 # إن «النظرية» التي تحكم روسيا اشترك في وضعها - ~~بصورتها الراهنة - أربعة من الأنبياء : ماركس وأنجلز ولينين ~~وستالين ... # وقد كان ستالين هو الوحيد من بينهم الذي أتيح له أن يحكم روسيا ~~أطول فترة من الزمن؛ إذ حكم الدولة ثمانية وعشرين عاما، من ~~ثمانية وثلاثين عاما هو عمرها كله # 11 ~~... # والأمر الذي لا شك فيه والذي فهمته من مناقشاتي مع الكثيرين هناك ~~هو أن ستالين كان ديكتاتورا طول مدة حكمه، كان ديكتاتورا ~~بمعنى: أن إرادته كانت فوق كل إرادة أخرى في الاتحاد السوفييتي ~~... # ربما استمد ستالين قوته هذه من الظروف التاريخية التي جعلته أبرز ~~صانعي الثورة، أو من أنه أحد الذين ساهموا في صنع هذه النظرية ~~نفسها فأصبح هو أكبر حجة فيها، واستمد بذلك قوته وقداسته من ~~قوتها وقداستها ... ولكن النتيجة على أية حال هي أن ستالين كان ~~صاحب الكلمة العليا في البلاد ... # وتسجيل هذه الحقيقة يغنينا عن تقصي نظام الحكم وأجهزته في عهد ~~ستالين، فقد كانت الأنهار كلها على أية حال تنبع منه. # وقد قال لي كثيرون ممن تحدثت معهم: إن ستالين حتى سنة 1939 كان ~~محبوبا من فريق، ومكروها من فريق، ولكنه كان ms062 مهابا من ~~الجميع. # وكان طبيعيا أن أسأل: لماذا كان مكروها ... من فريق؟ فأجابني من ~~سألت: إن اسمه قد اقترن بكل الإجراءات العنيفة القاسية التي ~~اقتضتها الثورة، ثم اقتضاها وضع النظرية موضع التطبيق. فقد ~~اقترن اسمه بإعدام عدد كبير من أبرز زعماء الثورة نفسها مثل: ~~زينوفيف وكامينيف وبوخارين، وبالمحاكمات الدامية وحركات ~~التطهير الواسعة التي قضى فيها على الذين كانوا يعارضونه من ~~اليسار ومن اليمين على السواء، والمعتقلات التي فغرت فاها ~~لتتلقى الآلاف، ثم بالمذابح التي صاحبت تحويل الملكية الفردية ~~في الريف إلى ملكية جماعية. # واخترت شيوعيا محتمسا ممن كنا نحتك بهم طوال الرحلة لكي أناقشه ~~في هذه النقطة ... # قال لي: إن كل ثورة لها الديكتاتور، أو الدكتاتورية التي تضع ~~مبادئها موضع التطبيق، ولو كان التطور والتغيير يتم سلميا ~~وبالإقناع لما كان هناك داع لأي ثورة، ولكن الأمر الواقع في ~~تاريخ كل البلاد أن كثيرا من التغيرات التقدمية تمت بطريقة ~~الثورة ... # والثورة معناها عمل عنيف يستهدف تحطيم كيان قديم يدافع عن نفسه ~~بالعنف أيضا ... # لقد عرفت الثورة الإنجليزية دكتاتورية كرومويل، وعرفت الثورة ~~الفرنسية دكتاتورية اليعاقبة، والثورة الأمريكية دكتاتورية ~~جورج واشنجطون، وكل ثورة من هذه الثورات أو كل دكتاتورية من ~~هذه الدكتاتوريات كانت تضطر إلى إنكار حق الحرية على القليلين ~~الذين قامت الثورة ضدهم، من أجل الكثيرين الذين قامت الثورة ~~لحسابهم ... # إن ما صنعه ستالين ليس جديدا في تاريخ العالم؛ إنه قديم تستطيع أن ~~تجده في تاريخ أي ثورة ... ~~(18-1) بين ه. ج. ويلز وستالين # وكأن هذا الرفيق الذي سألته أراد أن يدعم دفاعه فقدم لي ~~كتيبا صغيرا مطبوعا في إنجلترا عن النص الرسمي ~~للحوار الذي دار بين ستالين وبين الكاتب الإنجليزي ~~ه. ج. ويلز عندما زاره هذا الأخير في الكرملين سنة ~~1935. # وتعقيب على هذا الحوار بقلم جورج برناردشو: «لقد دار الحديث بين ه. ج. ويلز وستالين حول هذه النقطة ~~بالضبط، كان ويلز يرى أن التطور البرلماني العادي ~~كفيل بأن يحقق أي تغيير اجتماعي أساسي، وكان ستالين ~~على العكس من ذلك يرى أن ms063 النظم القديمة في العادة لا ~~تسلم معاقلها للنظم الجديدة في هدوء ...» # ولست أذكر ما قاله ستالين بحروفه، وأنا الآن أكتب من ~~الذاكرة فحسب، ولكني أذكر أن ستالين قال ما معناه: ~~إن النظم القديمة تدافع عن كيانها بكل الوسائل ... ~~بالحرب والقوة المسلحة، بالسجون والمؤامرات ~~وبالاغتيالات ... فكيف تريد من النظم الجديدة أن ~~يقابلوا هذا كله؟ ... هل يقابلونه بالكلمات الجميلة ~~فحسب ... أم بنفس السلاح العنيف؟ ... # وأذكر أيضا أنه قال ما معناه: إن الرجعية في دفاعها عن ~~نفسها تحمل السلاح قبل أن يحمله التقدميون الذين ~~يطالبون بالتغيير ... وإذا حمل خصمك السلاح فلا بد لك ~~أن تحمله! ... # على أية حال فقد كان لا بد لستالين أن يتحمل كراهية ~~الكثيرين له، وحقدهم عليه، ما دام قد صمم على أن ~~يمضي بفلسفته مهما كان الثمن ... ~~(18-2) الإله ... ستالين # ولكن ستالين خرج من الحرب الأخيرة محاطا بهالة ضخمة من ~~التقدير؛ إذ اقترن اسمه أولا وقبل كل شيء بالنصر ~~العسكري، وبكل الانتصارات التي أحرزتها روسيا في ~~ميدان السياسة العالمية منذ نهاية الحرب، وبالمكانة ~~الدولية الهائلة التي قفزت إليها روسيا خلال فترة ~~قصيرة. # وقد سألت فتاة روسية مثقفة: ماذا كان شعورها عندما سمعت ~~لأول مرة نبأ وفاة ستالين؟ # وقالت الفتاة: لقد بكيت، ومرت بي فترة من الذهول، فقد ~~نشأنا جميعا لنجد ستالين يصنع كل شيء، كان لا يقول ~~شيئا إلا ويحققه، وفي موعده، كأن إرادته قدر لا ~~يقبل التغيير أو التأجيل ... # كان يقرر تحويل الزراعة إلى نظام المزارع الجماعية ~~فتتحول مهما كان الثمن، كان يعلن أن الإنتاج سيزيد ~~في مدة كذا بمقدار كذا فتتحقق الزيادة، كان يؤكد ~~اقتراب النصر والألمان يقتربون من موسكو، فيتحول ~~التيار ويقترب النصر ... فأصبحنا نظن أنه شخص خارق ~~خارج على نواميس الطبيعة، لا يموت! # وقد ساعدت الدعاية المركزة على شخص ستالين في خلق هذه ~~الصورة الإلهية له! فأنت في موسكو أو في غيرها من ~~مختلف بلاد الاتحاد السوفييتي لا تجد شارعا أو مبنى ~~أو مصنعا أو مدرسة تخلو من صورة لستالين أو تمثال ~~له ... حتى في ms064 بيوت الحضانة للأطفال الصغار تجد صورة ~~ستالين معلقة في كل حجرة، قريبة من الأرض بحيث يراها ~~الأطفال الذين لم يبلغوا ثلاث سنوات من العمر بعد، ~~أو تجد تمثالا له وهو يحمل طفلا صغيرا في هذا ~~الركن أو ذاك! ... # دعاية ضخمة لا أظن زعيما أو حاكما تمتع بها قط. # لقد زرت في الاتحاد السوفييتي ستة مصانع، خمسة منها كانت ~~تحمل اسم ستالين، وفي مباراة كرة القدم التي شهدتها ~~كانت صورة ستالين في حجم هائل تشرف على الملعب ~~كله! # وفي مصيف هادئ مثل «سوتشي» كنت أجد تمثال ستالين في أصغر ~~الحدائق وأخفى الخمائل ينصت إلى تنهدات ~~العشاق! # وعند مدخل قناة «الفولجادون» كان هناك تمثال ضخم جدا ~~لستالين، قطر القبعة التي يحملها في يده متر وعشرون ~~سنتيمترا! # وقد صنعت هذه اللوحات والتماثيل كلها قبل أن يموت ~~ستالين! # وقد خيل إلي أن ستالين كان هو الموضوع الرئيسي لإنتاج ~~الفنانين في الرسم والنحت خلال حقبة طويلة من ~~الزمن! # ولينين يشارك ستالين في كثير من الصور والتماثيل ~~والأسماء، ولكنه لا يساويه ... # إن ستالين في نظر الروسي العادي إنسان خارق للعادة ... وهو ~~من أجل ذلك يقول لك: إن ستالين لا يمكن أن يتكرر، ~~ومن أجل ذلك فإن النظام بعد ستالين يجب أن ~~يتغير. # فهل يتغير النظام حقا؟ # وإلى أي اتجاه؟ # أعتقد أن الشعور بالحاجة إلى التغيير قد بدأ قبل أن يموت ~~ستالين، ربما منذ نهاية الحرب الأخيرة ... ا.ه. ~~••• # وتساءل والتر بيدل سميث سفير أمريكا السابق في موسكو هو ~~أيضا هذا السؤال: هل من الممكن الوصول إلى تفاهم مع ~~ستالين؟ # هل هو ديكتاتور مطلق مماثل لهتلر وموسوليني، أم أنه أسوأ ~~منهما؟ منطو بينه وبين نفسه على نية غزو العالم، ~~ومسئول عن سياسة الاتحاد السوفييتي العدائية ضد ~~أمريكا التي كلفتنا كثيرا من الوقت والجهد والمال، ~~وأنزلت بالعالم بعد الحرب الخوف المفزع المثبط من ~~قيام حرب أخرى؟ # أم أنه على العكس زعيم أقلية داخل المكتب السياسي ~~السوفييتي تميل إلى الغرب وتود الوصول إلى ترتيب ~~معقول معه ينفذ بإخلاص كامل لضمان ms065 سلام العالم إلا ~~أنه لا يستطيع ذلك؛ لأن أغلبية الأصوات تجيء في جانب ~~الزملاء الآخرين في الهيئة الخاصة الحاكمة داخل ~~الكرملين؟ # هذه الأسئلة ألقيت علي مئات المرات منذ عدت إلى ~~الولايات المتحدة، وهي تعكس التيارات المتضاربة في ~~الرأي العام الأمريكي ... وقد تدرج هذا الرأي العام من ~~نظرة يائسة لحفنة من المتطرفين ينظرون إلى ستالين ~~على أنه ديكتاتور مطلق معاد، ويعتقدون أن حربا ~~رادعة هي الحل الوحيد ... إلى تمنيات عند الآخرين ~~يصورونه كزعيم يعمل لصالح الغير، فإذا ما منح بعض ~~التشجيع استطاع إقناع زملائه بأن يتخلوا عن سياستهم ~~الفكرية الأساسية لسيادة الشيوعية في العالم، ويجعل ~~من الممكن قيام سلام وطيد دائم على أساس من التعاون ~~الدولي. # لقد كان مكتبي في السفارة الأمريكية بموسكو طيلة ثلاث ~~سنوات يطل على «يوخافا بلاتزا» المجاورة لجدران ~~الكرملين مقر السلطة السوفييتية، ومع ذلك فإنني لم ~~أخترق هذه الجدران لعمل رسمي إلا أقل من عشرين مرة ~~في هذه السنوات الثلاث ، وتحدثت مع ستالين حديثا ~~طويلا أربع مرات فقط، ومع ذلك فإن أربعة أحاديث ~~طويلة مع ستالين واجتماعا أو اثنين معه كانت أكثر ~~مما حصل عليه أي دبلوماسي آخر في الفترة التي قضيتها ~~في روسيا. # وهذه الفرص التي أتيحت لي لمقابلة زعيم الشعوب ~~السوفييتية وجها لوجه مع دراسة دقيقة لما قاله ~~وفعله خلال السنوات الأخيرة تجعل من الممكن التفريق ~~بين ستالين «الحقيقة» وستالين «الأسطورة»، ولقد ~~كونت عدة أحكام عن ستالين في العام التاسع والستين ~~من حياته، والخامس والعشرين من حكمه. # فهو مثلا ليس ديكتاتورا مطلقا، وهو كذلك ليس أسير ~~المكتب السياسي، ويمكنني أن أقول: إن مركزه أكثر من ~~مجرد رئيس للوزارة، وإن رأيه هو القاطع، وقد توجد ~~بلا شك انقسامات في السياسة، وأحزاب في داخل المكتب ~~السياسي، ولكن ليس بين الأعضاء واحد ضد ستالين، فكل ~~خصومه قد صفى حسابهم، فنفوا أو «أعيد ~~تعليمهم»! # والسياسة الخارجية العدوانية والتوسعية للاتحاد ~~السوفييتي في فترة ما بعد الحرب هي سياسة ستالين، ~~ولم يكن ممكنا في ظل النظام السوفييتي الحاضر أن ~~توضع موضع ms066 التنفيذ وتستمر دون موافقة ستالين ~~واعتماده، ولذلك يجب أن ينظر إليها باعتبار أنه ~~بطلها لا مجرد مؤيد متردد لها. # وعندما يقول ستالين للسياسيين الأجانب أو الصحافة ~~الأجنبية بأن من الممكن أن تعيش الرأسمالية ~~والشيوعية جنبا إلى جنب في سلام فإنه يناقض نفسه، ~~أو أنه لا يعني ما يقول؛ فإنه في خطبه وكتاباته ~~لزعماء الحزب الشيوعي يكرر تأكيد نظرية لينين ~~الأساسية القائلة بأنه لا مناص من أن تقوم في ~~المستقبل معركة بين الاتحاد السوفييتي والرأسمالية ~~التي تحاصره. ~~(19) ستالين ... كما رأوه # كان المستر أريك جونسون، رئيس الغرفة التجارية بالولايات المتحدة ~~أحد القلائل الذين تمكنوا من مقابلة ستالين في عام 1944، ودامت ~~مقابلته لسيد روسيا حينئذ نحو ثلاث ساعات، وقد كتب وصفا ~~شائقا لهذه المقابلة التي تعتبر من أطول المقابلات التي سمح ~~بها ستالين، أو أي زعيم آخر لضيف من ضيوفه. # ونحن ننقل هنا بعض ما جرى في هذه المقابلة من أحاديث كما سجله ~~حينئذ مستر أريك جونسون نفسه في وقت كانت فيه العلاقات بين ~~روسيا وأمريكا على خير ما يرام! وسوف يلاحظ القارئ أن هذا ~~الوصف رغم ما مر به من زمن فإنه لا شك ينطبق في كثير من ~~المواضع تمام الانطباق على الوقت الحاضر ... # وها هو أريك جونسون يتحدث عن مقابلته لستالين: «إن ما يعرفه العالم ~~عن روسيا قليل، وما يفهمه من شئونها أقل من القليل، في حين ~~ينبغي للناس أن يعرفوا عنها أكثر مما يعرفون، وأن يفهموها أكثر ~~مما يفهمون، وإنني لأعترف بأن ما أعرف وأدرك من أمورها نزر ~~يسير، فإنها بلاد واسعة مترامية الأطراف، كثيرة التعقيد، شديدة ~~الغرابة. ثم إن للأمم الأخرى أسلوبا في التفكير يختلف عن ~~أسلوبها. # وقد قطعت عشرة آلاف من الأميال في ستة أسابيع قضيتها ضيفا على ~~الحكومة، مرتحلا أجوس خلال الأراضي السوفييتية، فعرفت كثيرا، ~~ونبذت من الآراء التي كنت أعرفها أكثر مما عرفت، وقد وجدت ~~«خبراء» الجاليات الأجنبية في موسكو يختلفون حتى على أبسط ~~المسائل، على أنه من الإنصاف أن أسلم بأنه قلما تتاح لهم فرصة ms067 ~~الاطلاع الصحيح؛ إذ قلما يسمح لهم بالخروج من موسكو.» # رجل غامض # وإذا حاولنا أن نعرف روسيا وجب علينا أن نعرف رجلا ~~واحدا يتكلم ويعمل من أجل شعب الاتحاد السوفييتي، ~~وهو أقوى شخص في العالم اليوم، ومع ذلك لا يعرفه ~~العالم إلا معرفة يسيرة، ألا وهو المارشال جوزيف ~~ستالين ... # وحتى المقابلات القليلة التي أتاحها للأجانب قلما نشر ~~مما يدور فيها من الأحاديث إلا النزر الأقل، فكان من ~~جراء ذلك تكاثف ضباب من الإشاعات والشكوك والمبالغات ~~حول الرجل الذي أصبح «الرجل الغامض رقم 1». # مقابلة ليلية # وقد قضيت زهاء ثلاث ساعات مع ستالين في جناحه بقصر ~~الكرملين، وأعتقد أنه من الخير لكي يستنير الرأي ~~العام أن أخرج على السنة الجارية وأروي طرفا من ~~الموضوعات التي تناولها الحديث. # وقد كان موعد المقابلة في الساعة التاسعة مساء؛ لأن ~~العمل يقل في الكرملين أثناء النهار، ولكن أنواره ~~تسطع متلألئة طول الليل وقد استقبلني في البناء ~~المخصص لجناح ستالين عدد من كبار ضباط الجيش، وبعد ~~تبادل التحيات المألوفة قادونا إلى حيث هبطنا في ممر ~~دائر أبيض، كانت الأرض مصقولة لامعة، وفي وسطها بساط ~~ممدود من المخمل، وكان سقف الممر ناعما صقلا ~~مزودا بالأنوار المستورة، ولم يكن هناك من مظاهر ~~الزينة سوى رجال أيقاظ من الحرس عند كل منحنى، وليس ~~بينهم من تقل رتبته عن درجة «الماجور». # وسرعان ما دخلنا غرفة للانتظار، ونظرت إلى ساعة ~~كهربائية في الحائط وسألت نفسي: ترى إلى متى يمتد ~~بنا الانتظار؟ فقد علمتني التجارب أن رؤساء الدول ~~اعتادوا ألا يحفظوا المواعيد، ولكن في الساعة ~~التاسعة تماما فتح الباب وقال أحد ضباط الجيش ~~الأحمر بصوت مرتفع: إن الماريشال ستالين يستقبلكم ~~الآن! # ستالين ... الرجل! # وسار الرجل أمامنا إلى حجرة ذات بابين مطابقين بينهما ~~نحو نصف متر تقريبا حتى لا يسمع أحد ما يجري في ~~داخل الحجرة، وكانت غرفة رحبة مستطيلة، ورأيت رجلين ~~وقفا في طرفها البعيد، وعرفت أحدهما؛ لأنني كنت ~~قابلته من قبل وهو مولوتوف ... قوميسير الشعب للشئون ~~الخارجية. # وكان الرجل الذي يقف إلى يساره ms068 هو الماريشال ستالين، ~~وخيل إلي أنه ابتسم ابتسامة غامضة ونحن نتقدم ~~إليه من أقصى الحجرة. # كان ستالين الحقيقي يبدو أكبر سنا من صاحب الصور التي ~~رأيتها تزين المكاتب والمصانع والأماكن العامة في ~~الاتحاد السوفييتي، فقد شمط شعر رأسه وخف، ووخط ~~المشيب حاجبيه الأسودين الكثيفين وشاربه ~~الكث. # وقد لاحظت أنه قصير؛ فقد كان أعلى رأسه يصل إلى طرف ~~أذني الأسفل فقط، ولكنه ضخم الصدر، قصير ~~الساقين. # وكانت سترته الرسمية متقنة التفصيل، وإن كان الكمان ~~مفرطين في الطول حتى ليكاد أن يتدليان إلى أطراف ~~أصابعه. وكانت السترة مصنوعة من القماش «الكاكي» ~~الناعم الجميل، وقد وشيت أطرافها بالشريط الأحمر ~~الرفيع، وعلى الكتفين شريطتان عريضتان مذهبتان ~~تعلوهما شارة براقة ضخمة هي شارة ~~الماريشالية. # وكان يحمل وساما واحدا، هو نجمة من الذهب معلقة في ~~شريط أحمر هي شارة «بطل الاتحاد السوفييتي». # وكان بنطلونه المكوي مثبتا في حذاء أسود شديد ~~اللمعان. # يعبث على الورق! # وتم تقديمنا إليه، وكانت مصافحته عادية، ولكنه نظر ~~إلي بعينيه الرماديتين نظرة سريعة فاحصة، ثم أشار ~~بإجلاسي عند طرف مائدة طويلة مغطاة بقماش أخضر يحيط ~~بها نحو 35 مقعدا، صنعت من أجود أنواع الخشب ~~«الموجنه»، ودار فجلس أمامي، وتمثلت في ذهني وأنا ~~أشهد مشيته وطول ذراعيه صورة الدب القطبي عندما يمشي ~~قائما على ساقيه الخلفيتين! # وقد جلس إلى يمينه مولوتوف، وجلس إلى يساري مستر ~~هاريمان ومستر بيدج، كما جلس المترجم الرسمي لوزارة ~~الخارجية بافلوف في طرف المائدة. # وأخذت أتمعن في الحجرة وأنا على مقعدي، فهذه المائدة ~~الكبيرة التي يكاد يبلغ طولها ثلاثين قدما تشغل ~~حيزا كبيرا منها، ورأيت في أحد الأركان مكتب ~~ستالين الضخم ومقعده الفاخر، وعلى الأرض بساط طويل ~~أحمر اللون، وقد غطيت الجدران بخشب قاتم اللون إلى ~~ارتفاع يبلغ ثلاثة أقدام ونصف قدم تقريبا، ويليه ~~طلاء يميل إلى اللون الأصفر ويصل إلى السقف الأبيض ~~الذي كان يتلألأ بالضوء المستور، وكانت الحجرة ملأى ~~بالأثاث الجيد المتين، تتجلى فيها آيات الذوق ~~السليم، وكان الأثاث يلمع كالمرايا الساطعة. # ولم يكد الماريشال ستالين يتخذ ms069 مقعده حتى تناول قلما ~~أحمر من الرصاص وراح يرسم به عابثا في مفكرة من ~~الورق الأبيض الكبير، وقد ظل خلال الحديث يرسم ~~ذئابا ونساء وقصورا وأشكالا هندسية أخرى حتى ~~تمتلئ الصفحة فيطويها بعناية من أسفلها إلى أعلاها، ~~ثم يستأنف الرسم، ويكرر ذلك حتى تصبح الورقة أشبه ~~بالشريط الضيق لكثرة الطي، فيلقي بها إلى السلة ثم ~~يبدأ بورقة أخرى من جديد. # وقد لاحظت أن يديه مربعتان قويتان، وأظافره مقلمة ~~ومطرفة، ولم ينظر إلي بل بدا شارد اللب منهمكا في ~~الرسوم التي يخطها على الورق. # أما مولوتوف فكان يدخن وهو يحدق في وجهي بوجه مربع غامض ~~السمات، كأنه رئيس قبيلة من الهنود الحمر، وكانت ~~عيناه الزرقاوان اللتان لم تكفا عن التحديق في لحظة ~~واحدة واسعتين أشبه بعيون الدمى المصنوعة من الخزف ~~الصيني. # الحديث! # ومرت فترة ثقيلة محرجة ساد فيها الصمت، ولما لم يبدأ ~~الحديث رأيت أن أبدأه أنا، وأنا أنقله من المذكرات ~~التي دونتها في اليوم التالي عند طيراني إلى ~~سيبيريا. # وقد بدأت الحديث بأن أبلغت ستالين تحيات عدد كبير من ~~الأمريكيين، فقال وهو مستمر في الرسم على الورق: ~~أشكرك! # وطلب مني كذلك أن أحمل إلى هؤلاء الناس أطيب أمانيه، ~~وجاء اسم أحد أساطين الصناعة الأمريكية فقال: الله ~~يرعاه! # وقلت بعد ذلك: إنني أود أن أعرب عن شكري لما لقيت من ~~ترحيب ومجاملة في الاتحاد السوفييتي، كما ذكرت بأن ~~زياراتي للصناعات السوفييتية المختلفة كانت ممتعة ~~ومفيدة في وقت واحد. # فقال ستالين وهو يحدق في المائدة ويرسم عابثا دون أن ~~ينظر إلى ما يرسم: ولم ذلك؟ قد تكون الصناعة ~~الأمريكية أكثر متعة؟! # وبدأ يداخلني الشعور بأن هناك شيئا لا يرتاح إليه ~~ستالين في هذا الحديث، فقلت: ربما كان هذا صحيحا من ~~وجهة النظر الروسية، ولكننا في الولايات المتحدة ~~نتوق إلى أن نعرف من دراستنا المباشرة مدى التقدم ~~الذي بلغتموه. # فقال ستالين: لقد أسدت الولايات المتحدة إلى الصناعة ~~السوفييتية خدمات جليلة، وقد أنشئت في الاتحاد ~~السوفييتي مصانع كبيرة بواسطة المعونة الأمريكية، ~~كما استعين في ms070 إنشاء بعضها بالخبرة الأمريكية ~~... # فقلت: نعم، لقد لاحظت ذلك يا ماريشال ستالين، وقد رأيت ~~بالفعل آلات أمريكية في مصانعكم، وشهدت أساليب ~~أمريكية وخططا أمريكية، وقد استعنتم بكثير من خبرة ~~مهندسي الإنتاج الأمريكيين ... # لا يحب سماع النقد # ثم استطردت قائلا: ولكنكم ما زلتم تهدرون كثيرا من ~~الجهود البشرية؛ ففي مدنكم المكتظة بسكانها اكتظاظا ~~مروعا رأيت صفوفا طويلة من الناس تقف لتشتري ~~الطعام، وفي ذلك إهدار لنشاط بشري أنتم في حاجة ~~إليه، كما أنكم في حاجة إلى تحسين نظام التوسيع لرفع ~~مستوى الكفاية والإنتاج؛ لقد استقدمتم حقا خبراء ~~أمريكيين في الإنتاج، ولكنكم في حاجة إلى المشورة ~~الفنية الأمريكية في التوزيع ... وإن عددا قليلا من ~~خبرائنا في المخازن المسلسلة ... # ولم يتركني ستالين أتم هذه الجملة فقاطعني دون أن يرفع ~~رأسه وهو ما يزال يرسم على الورق، وقال: وما هي هذه ~~المخازن المسلسلة؟ # وأخذت أشرح له نظام هذه المخازن الذي يتلخص في شراء ~~البضائع بالجملة وتوزيعها بالجملة أيضا على سلسلة ~~من الفروع متغلغلة في جميع القرى والمدن والولايات ~~الأمريكية. # وأطرق ستالين برأسه ثم قال: ولكن لكي يكون هنا توزيع ~~يجب أن يكون هناك ما يوزع! ... # بين روسيا وأمريكا # وأردت أن أبعث الأمل في نفسه فقلت: سيكون لديكم بعد ~~الحرب ما توزعونه ...! # فسألني: وكيف عرفت هذا؟ # ولم أستطع أن أتبين ماذا يكون ذلك الرسم الذي يخرج من ~~قلمه العابث. # وقلت: لأن إنتاج بضائع المستهلك يزداد دائما بعد ~~الحروب، ولعلك تذكر أنه على إثر حروب نابليون ظن ~~كثيرون من الإنجليز أن بلادهم قد منيت بالدمار في ~~حين أن إنجلترا كانت في ذلك الوقت على عتبة عهد من ~~الرخاء منقطع النظير دام قرنا من الزمان كاد يخلو ~~من أي حادث يعكر صفو السلام، ولذلك فإنه إذا أتيحت ~~للعالم فرصة طويلة من السلام بعد هذه الحرب # 12 # استطاعت روسيا أن توجه طاقتها المطردة ~~الزيادة إلى إنتاج بضائع الاستهلاك ... # وكان ستالين قد تململ في جلسته مرتين أو ثلاثا، بل لقد ~~خيل إلي مرة أنني سمعته يتنهد، ولهذا غيرت موضوع ms071 ~~الحديث وقلت: إن صداقة الشعبين الروسي والأمريكي ~~ربما كانت ترجع إلى أيام ثورتنا؛ فإن دول أوروبا ~~الأوتوقراطية لم تشأ في ذلك الحين أن تتبادل التجارة ~~مع الولايات المتحدة، ولكن قيصر روسيا كان أول من ~~تقدم للاتجار مع بلادنا الجديدة ... # وقاطعني ستالين والابتسامة على شفتيه: ذلك لأن القياصرة ~~وجدوا من هذا السبيل بابا للحصول على المال! # فقلت: مهما يكن من أمر، فإن الصداقة العريقة بين شعبينا ~~قد عادت عليهما بالفائدة في الماضي، وأعتقد أن ~~التجارة بين روسيا وأمريكا سيتسع مداها بعد هذه ~~الحرب ... # فقاطعني وهو لا يزال مطرقا وقال: إن الكساد يصيب الدول ~~الرأسمالية بعد كل حرب، وسينزل بكم الكساد بعد هذه ~~الحرب! ... # فتاة تتعذب! # وقلت له: ليس ذلك بالأمر المحتوم، على الأقل خلال عدة ~~سنوات، وإذا أوتينا من الشجاعة وبعد النظر وسعة ~~الحيلة ما يمكننا من استخدام المعلومات التي تجمعت ~~لدينا فلربما استطعنا أن نتفادى أزمة أخرى من أزمات ~~الكساد. # وقال معقبا: إنني لم أحدد تاريخا ... # وكان عند هذا الحد قد طوى ورقته بعناية بعد أن ملأها ~~رسما، وشرع يرسم في وجه آخر صورة جديدة ذات خطوط ~~مديدة مقوسة. # وكان قد طلب مني أن أختتم حديثي حتى تنتهي المقابلة ~~إذا لم أجد من الماريشال ستالين اهتماما، كما كان ~~بعضهم قد ذكر لي أن مقابلتي قد تستغرق نصف ساعة فقط. ~~ونظرت إلى الساعة المعلقة على الحائط البعيد فوجدتها ~~تشير إلى التاسعة والنصف تماما، فهل أحاول أن أمهد ~~طريق الخروج بلباقة وينتهي الحديث؟ # وألقيت لمحة خاطفة على الصورة الأخيرة التي كان ستالين ~~قد انتهى من رسمها على الورق وقلت له: يا ماريشال ~~ستالين! إن هذا الرسم يبدو لي وأنا جالس هنا في ~~مكاني كأنه صورة فتاة تتعذب، ولما كنت قد حدثتني ~~بلهجة التأكيد عما سنصاب به من الكساد والضيق في ~~أعقاب الحرب فإنني أرجو ألا تكون قد رمزت بصورة هذه ~~الفتاة التي تتعذب إلى «مس أمريكا»! ... # وهنا ولأول مرة رفع ستالين بصره إلي، وحدجني بنظرة ~~ملؤها الدهشة والتساؤل، ثم ما لبث أن ms072 ابتسم فجأة ~~عندما نظر إلى الرسم الذي أمامه، وبدا عليه شيء من ~~الحياء ثم قال: كلا، إنني أعبث ... ولا أحاول أن أرسم ~~شيئا معينا ... # فقلت له: ربما لم تكن تحاول، ولكنك كنت تتحدث عن أزمات ~~الكساد حديث الواثق بما يقول، وكان الشقاء واضحا ~~على وجه الفتاة التي رسمتها حتى لقد خشيت أن تكون ~~بين الأمرين علاقة! # فأجاب: كلا، لا علاقة بينهما إطلاقا! ... # ثم نحى الورق جانبا، ووضع القلم في مكانه وابتسم ~~ابتسامة عريضة! # ظرف ستالين! # وقال ستالين: «ربما سمعت أنني كنت رجلا مرحا ودودا، ~~ولكن السن يتقدم بي، وعلى عاتقي تقع جميع مشاكل ~~الحرب ومتاعبها، ويجب أن أبحث المسائل التي تتعلق ~~بالاتحاد السوفييتي كله ...» # ثم أشار بيده إلى الجالس عن يمينه وغمز بعينه وقال: وها ~~هو ذا مولوتوف لا يزال مرحا ودودا، وليس لديه من ~~سبب يجعله غير ذلك، وينبغي علي أن أبدو أكثر الناس ~~مرحا وظرفا برغم متاعبي! ... # ولاحظت أن مستر هاريمان السفير يمد يده إلى جيبه ليخرج ~~سجائره، وكنت قد سمعت أن الماريشال ستالين يفضل ~~تدخين الغليون «البيب»، ولكنه لم يكن حتى هذه اللحظة ~~قد دخن أو مس السجائر الروسية التي أمامه، فسألته ~~قائلا: ألا تتناول سيجارة أمريكية يا ماريشال ~~ستالين؟ # ومد يده وتناول السيجارة التي قدمتها إليه وقال: أشكرك، ~~إنني أحبها! ... # وأخذ يدخن منها بضعة أنفاس عميقة، ثم استطرد حديثه ~~قائلا: «إن الحكومة السوفييتية وشعبها يقدران ~~المعونة التي تلقيناها من الولايات المتحدة خلال هذه ~~الحرب أعظم تقدير، وقد كانت آلات المصانع، ومواد ~~التغذية، والطائرات التي أرسلتموها عظيمة القيمة، ~~وقد ظفرت سيارات النقل التي وصلت إلينا بتقدير خاص؛ ~~فإن هذه السيارات هي التي مكنتنا من ملاحقة الألمان ~~المدحورين بهذه السرعة. إن الشعب الروسي يكن ~~للأمريكيين أعظم الاحترام والتقدير ...» # كان ستالين يفضل دائما العمل واستقبال زائريه ~~بالليل. وهو يرى هنا بمكتبه في الكرملين ومن فوقه ~~صورة كارل ماركس نبي الشيوعية الأول. # مظاهرة صينينة لستالين! # وقاطعته قائلا: إننا نحن الأمريكيين ننظر إلى ~~الانتصارات الروسية المجيدة بأعظم الإعجاب ... # وقال ستالين: ونحن ms073 من جانبنا مبتهجون بغزو الحلفاء ~~الموفق لأوروبا؛ لقد وفقتم إلى عمل حربي باهر بإنزال ~~قوات كبيرة على الساحل الأوروبي الذي كان يسيطر عليه ~~العدو، حتى لقد أدركت ألمانيا الآن أنه لا سبيل إلى ~~ممارسة حرب ضروس واسعة النطاق بغير أسطول، وقد كان ~~من الحماقة أن يثير الألمان حربا كبرى بلا أسطول، ~~وأنت لا تستطيع أن تملك أسطولا تجاريا بغير أسطول ~~حربي، كما أن الأسطول الحربي لا يزدهر وحده، بل يجب ~~أن يكون إلى جانبه أسطول تجاري يغذيه بالرجال ... # فأجبته قائلا: هذا صحيح يا ماريشال ستالين، وإن الحديث ~~عن الأسطول التجاري ليذكرني بالرغبة في أن أتحدث ~~إليك كرجل أعمال بشأن مشاكلنا التجارية المشتركة، ~~وأحب أن أسأل: هل تريدون أن تشتروا بعد الحرب بضائع ~~استهلاك أم معدات صناعية؟ وقد فهمت مثلا أن الجلود ~~تنقصكم، ونحن نصنع أحذية رخيصة في أمريكا، فهل ~~تفضلون يا ترى في مثل هذه الحالة استيراد أحذية ~~مصنوعة في أمريكا، أم استيراد جلود وآلات لصنع ~~الأحذية عندكم؟ # الرأسمالية والذهب! # فقال ستالين: ربما استوردنا بعض الأحذية، ولكن مطلبنا ~~الأساسي هو استيراد الآلات التي تمكننا من صنع ~~الأحذية هنا؛ إننا سنحتاج بعد هذه الحرب إلى كثير من ~~المعدات والآلات ... # كان ستالين يحدجني بنظراته، وكان يجيب على أسئلتي بصوت ~~خفيض متزن، وكانت جمله موجزة، ولم يكن يبحث عن كلمات ~~أو ألفاظ؛ ولذلك لم يتردد عند أي جواب. # وسألته: كم تريدون أن تبتاعوا من الآلات الثقيلة من ~~أمريكا؟ # فأجاب: أي قدر منها ... تبعا لمدة التقسيط والشروط التي ~~تتقدمون بها، وسيسدد ثمن كل شيء في موعده المحدد ~~طبقا لشروط العقود ... # فأجبته قائلا: إنني واحد من أولئك الأمريكيين الذين ~~يؤمنون بفكرة منح قروض طويلة الأجل للاتحاد ~~السوفييتي، ولكن للتجارة طريقان: غاد ورائح، فيهمني ~~أن أعلم ماذا يستطيع الروس أن يرسلوا إلى أمريكا من ~~البضائع؟ # ونظر ستالين إلى السقف برهة، ومر بأنامله على شاربه ثم ~~قال: إن لدينا صنوفا متعددة من المواد الخام، فهل ~~تريدون منجنيزا؟ إن لدينا منه مقادير كبيرة، وفي ~~استطاعتنا كذلك أن نعطيكم ms074 الكروم والبلاتين والنحاس ~~والزيت ... وهناك فوق هذا الخشب ولب الخشب لصناعة ~~الورق ... # ثم استطرد قائلا: ربما احتجتم إلى الذهب، ونحن نستخرجه ~~بمقادير كبيرة، وفي استطاعتنا أن نزيد هذه المقادير ~~كثيرا بعد الحرب. # ونظر إلي بعد ذلك في شيء من السخرية الغامضة وقال: إن ~~معظم الدول الرأسمالية تحتاج إلى الذهب! # وقلت له: لا أستطيع أن أجزم بأن الولايات المتحدة ستهتم ~~في المستقبل بزيادة رصيدها من الذهب لمجرد دفنه في ~~الأرض على نحو ما فعلنا في الماضي بخمسة بلايين من ~~الدولارات الذهبية دفناها في قلعة نوكس! ... # ومد ستالين يده لكي يتناول سيجارة أمريكية أخرى قدمتها ~~إليه وهو يواصل الحديث، فقال: إن الإنتاج السوفييتي ~~للمواد الخام التي تصدر إلى الولايات المتحدة سيعدل ~~طبقا لحاجات الولايات المتحدة، وفي استطاعتنا أن ~~نقدم أي مقدار تريدون إذا استطعتم إمدادنا بالمعدات ~~اللازمة لإنتاجها، ولهذا ترانا حريصين على الحصول ~~على قروض طويلة الأجل، وإن كان في استطاعتنا أن ~~نستغني عنها، ولكن النتيجة في حالة الاستغناء عنها ~~ستكون أبطأ. # فأجبته قائلا: إذا أرسلنا إليكم شتى أنواع المعدات ~~وبعناها بأقساط طويلة الأجل، فكم يستغرق إتمام ~~برنامجكم الخاص بالتصنيع؟ ... # فقال الماريشال ستالين وهو يؤكد بحركة من يده ما يريد ~~أن يقول: مثل هذا البرنامج لا يمكن أن ينتهي؛ إن ~~بلادنا واسعة الرقعة، فهي تعادل مساحة الولايات ~~المتحدة مرتين ونصف تقريبا، وحاجاتنا عظيمة، ونمونا ~~ضئيل، حتى إنني لا يمكن أن أتكهن بالوقت الذي نبلغ ~~فيه كفايتنا من أي شيء، وقد وضعنا قبل الحرب مشروع ~~السنوات الخمس، فكنا كلما أنتجنا ما نحتاج إليه ~~ازداد شعورنا بما نفتقر إليه، وسيكون أول واجب علينا ~~بعد انتهاء الحرب أن نعيد تعمير مناطقنا المخربة؛ ~~فقد دمرت مدن بأكملها، وحتى المصانع الباقية لا ~~بد من تعديلها وإصلاحها بعد ما تبين لنا من أن ~~كثيرا مما أعد كان ناقصا ... # الإنتاج والتصدير # وقلت له: يا ماريشال ستالين، كم يلزمكم من الوقت حتى ~~تصبحوا مصدرين، لا للمواد الخام فقط، بل وللبضائع ~~المصنوعة أيضا؟ # فقال ستالين: لن يكون ذلك قريبا؛ إذ إن ms075 أمامنا حاجات ~~بلادنا، وهي بالغة الكثرة، عظيمة الضخامة، ولم يحدث ~~قط أن اشتبك الاتحاد السوفييتي في صراع على الأسواق ~~الخارجية، وسياستنا تقضي بألا نصدر سوى البضائع التي ~~ترتبط ارتباطا مباشرا بوارداتنا، ومثال ذلك: ~~البضائع الخام التي ندفعها مقابل الآلات الثقيلة ... # وفي هذه المرحلة كان الحديث قد بلغ حده من السرعة ~~والحرارة، وكان يجيبني على كل سؤال إجابة كاملة ~~سريعة، فقد سألته: وماذا عن صناعة الصلب السوفييتي؟ ~~ماذا كان إنتاجكم فيها قبل الحرب؟ وكم يبلغ الآن؟ ~~وماذا يكون مستقبلا؟ ومتى تصل روسيا إلى أن تكفي ~~نفسها بنفسها في هذه الصناعة؟ # وذكر ستالين الأرقام من فوره فقال: لقد كان إنتاجها قبل ~~الحرب 22 مليون طن، ولكن كثيرا من مصانعها قد دمر ~~بواسطة النازي، وربما بلغت هذا العام 12 مليون طن، ~~ويجب أن تزيد بعد الحرب حتى تصل إلى 60 مليون ~~طن. # فسألته: وماذا تصنعون بالمقادير الزائدة من الصلب؟ هل ~~تصدرون بعضها؟ # فأجاب ستالين: لا! فإننا سنضاعف شبكة خطوطنا الحديدية، ~~وسنبني جسورا، كما سنحتاج للفائض في التعمير ~~والإنشاء، وسيمضي وقت طويل قبل أن تستوفى حاجة ~~السوفييت إلى الحديد والصلب. # وتحدثنا بعد ذلك عن إنتاج الطاقة الكهربائية، وكم كان؟ ~~وماذا يبلغ اليوم؟ وقد تبين لي أن مهمة التعمير في ~~روسيا تبلغ من المشقة حدا لا يكاد يصدق. وتناقشنا ~~كذلك في بعض أرقام الإنتاج الأخرى. ثم قلت: يخيل ~~إلي أنكم تحتاجون في كل هذه البرامج إلى المعونة ~~الفنية الأمريكية نفس حاجتكم إلى الآلات ~~الثقيلة. # فقال ستالين: سنحتاج إليهما معا بالطبع، وقد تعلم ~~المهندسون السوفييت كيف ينشئون مصانع حسنة، ولكننا ~~مع ذلك نحتاج إلى معونة فنية ... # فسألته: وهل تفكرون في الانتفاع بمشورة أفراد ~~تستخدمونهم، أم تراكم تفكرون في التعاقد مع شركة ~~أمريكية على أن تبني لك المصنع وتتحمل مسئولية ~~إنشائه؟ # فأجاب ستالين: سيتوقف ذلك على المال والثمن ونوع الآلات ~~وشروط الاتفاق، وسيبت في كل حالة على حدة. # سعة اطلاع # ومضيت في مناقشة الإنتاج الصناعي، وأوضحت له كيف أن ~~التحسينات التي أدخلت على العمل من ناحية الإدارة ms076 ~~والخبرة الفنية قد زادت الإنتاج في الولايات المتحدة ~~نحو ثلاثة في المائة لكل رجل، وأن هذا الإنتاج يمكن ~~أن يستوعبه قوم يرتفع مستوى معيشتهم باطراد، وقلت له ~~مدللا على صدق هذه النظرية: «إن ما يعتبر اليوم ~~ترفا بالنسبة لأحد الأمراء سوف يعتبر غدا من ~~الضروريات للفلاح!» # وضحك ستالين لهذه العبارة الأخيرة وقال: «هذا مثل حسن ~~جدا؛ إن لشعبنا مطالب كثيرة لا تقابلها إلا فرص ~~قليلة لإشباع هذه المطالب، ولا يزال إنتاج كثير من ~~الأشياء ضعيفا عندنا ...» # ثم هز رأسه واستطرد قائلا: إن إنتاجنا من المخارط ~~والأدوات الزراعية قليل إذا قيس بحاجتنا إليها، ولم ~~تزل صناعة السيارات عندنا في دور الطفولة، وأنتم - ~~مثلا - كنتم تنتجون قبل الحرب 5000000 سيارة في ~~العام، بينما كان إنتاجنا نحن يتراوح بين 350000 ~~و450000 فقط. # وعلقت على هذا قائلا: ومعنى ذلك أن هناك مجالا كبيرا ~~للتوسع في هذا الميدان. # وقال ستالين في لهجة المفكر المتأمل: نعم! إن الآمال ~~عظيمة ولكن الفرص لمثل هذا التوسع قد لا تكون مواتية ~~الآن، فإن علينا - مثلا - أن نبدأ بإنشاء الطرق في ~~شتى أنحاء الاتحاد السوفييتي ... # ثم استطرد قائلا: أما أنتم في أمريكا فإنكم تنتجون ~~الآن نحو 100 مليون طن من الصلب، في حين كنتم قبل ~~الحرب تنتجون 66 مليون طن فقط. فماذا أنتم فاعلون ~~بالفائض الذي يبلغ نحو 30 مليون طن؟ # فأجبته قائلا: إننا نتوقع توسعا في الأسواق، وقد صرح ~~أحد كبار صانعي السيارات عندنا بأن إنتاج السيارات ~~الأمريكية سيزيد حتى يصل إلى سبعة ملايين سيارة ~~سنويا؛ أي: ما يزيد بنسبة 40٪ على إنتاج ما قبل ~~الحرب، وستزداد حركة بناء المنازل، وتظهر الحاجة إلى ~~أنواع كثيرة جديدة من المنتجات، وربما ازدادت طلبات ~~تصدير الصلب بمختلف أنواعه زيادة كبيرة. # وقال ستالين: ولكن مجموع صادراتكم قبل الحرب لم يكن ~~يزيد على عشرة في المائة من إنتاجكم؟ # فأجبته: أعتقد أن صادراتنا لم تزد على سبعة في المائة! # 13 # أليس ذلك قليلا بالقياس إلى البريطانيين؟ إن نسبة ~~صادراتهم كانت أكثر من 40٪، ربما كانت هذه نسبة ms077 غير ~~عادية بل خطرة. على أن أعظم مشكلة ستواجه الشعب ~~الأمريكي بعد هذه الحرب هي تفادي البطالة درءا ~~لأزمة أخرى من أزمات الكساد. # ليعرف كل منا صاحبه! # وقلت: هذا حق يا ماريشال ستالين، يجب أن نخلق أعمالا ~~جديدة بالتوسع في إنتاجنا وقت السلم، وإن فترة طويلة ~~من السلام لأكبر أثرا من أي شيء آخر في تنمية ~~الإنتاج وضمان العمل الثابت، وإن التفاهم المتبادل ~~بين بلدينا لخليق أن يساعد على ضمان السلم العالمي ~~مساعدة تفوق كل حد، صحيح أن كلينا يعمل في ظل نظام ~~اجتماعي واقتصادي شديد التباين والاختلاف، ولكن ليس ~~بيننا من وجوه الخلاف ما يستعصي حله، نحن نحب نظامنا ~~وأنتم تحبون نظامكم، فعلى كلا البلدين أن يعقد العزم ~~على ألا يتعرض لشئون الآخر الداخلية، يجب أن تعرفوا ~~عنا أكثر مما تعرفون، ويجب أن نعرف عنكم أكثر مما ~~نعرف ... # فأجاب: هذا صحيح، ويجب على أمثالك من الرجال أن ينقلوا ~~معلوماتهم إلى الشعب الأمريكي ... # وقلت: ولكنني فرد واحد، أما الصحفيون الأمريكيون هنا في ~~موسكو فيمثلون مئات من الصحف لها ملايين من القراء، ~~وفي استطاعتهم أن يزيدوا الشعب الأمريكي اطلاعا على ~~الحقائق إذا قدم لهم العون اللازم، وأبيح لهم ~~نصيب أوفر من حرية التنقل، ومثال ذلك أن الشعب ~~الأمريكي يتوق إلى معرفة شيء عن إمبراطوريتكم ~~الصناعية الجديدة في جبال الأورال، ولكن لم يسمح ~~للصحفيين بالذهاب إلى هناك، ولهذا السبب أجد في نفسي ~~رغبة في أن ألتمس الإذن باصطحاب أربعة من مراسلي ~~الصحف عند زيارتي للأورال. # فقال ستالين: ولم لا؟ # فسألته: هل معنى ذلك أنني أستطيع اصطحابهم؟! # فقال: طبعا! # قلت: حسنا! أشكرك يا ماريشال ستالين، ولكني لا أعرف هل ~~يوافق مستر مولوتوف أم لا؟ ذلك لأن وزارته لم توافق ~~على طلبي بعد ... # وهنا تحول مولوتوف ببصره إلى ستالين بعد أن كان دائم ~~النظر إلي، وقال في سرعة وحزم: إنني أوافق دائما ~~على أوامر الماريشال ستالين. # فاتجه ستالين برأسه إليه، وارتسمت على وجهه ابتسامة ~~عريضة ثم قال: يا مستر جونستون، أكنت تتوقع حقا أن ms078 ~~يخالفني مولوتوف في ذلك؟ # فأجبت: لا! ولكني رأيت أن أحتاط بالسؤال على أي ~~حال! # وألقى ستالين برأسه إلى الخلف، ثم عبر عن رضائه ~~وسروره، وقال وهو يتجه إلي بالسؤال: والآن أود أن ~~أوجه إليك بضعة أسئلة، فهل لك أن تحدثني عن ~~الانتخابات القادمة في أمريكا؟ ... # فقلت مازحا: لعلي أستطيع أن أنبئك عنها خيرا من مستر ~~هاريمان؛ ذلك لأنني من حزب المعارضة، إنني ~~جمهوري! # فقال ستالين مرددا: أنت جمهوري! # وفتل شاربه وهو يبدي دهشته، ثم رفع أحد حاجبيه متعجبا، ~~وانحنى إلى الأمام ليحملق في وجهي، ثم التفت إلى ~~مولوتوف وقال له شيئا لم ينقله المترجم إلي ... ~~وبعد ذلك اتجه إلي ستالين وأخذ يحدثني في صوت خافت ~~وهو ينظر إلي: إذا أنت جمهوري! إننا لا نرى منهم ~~كثيرين، بل ربما كنت أول من قابلت منهم ... # فقلت: إنك تعرف على الأقل واحدا آخر من الجمهوريين وهو ~~ويندل ويلكي. # 14 # فأجاب ستالين مستدركا: هذا صحيح! وبهذه المناسبة كيف ~~حال مستر ويلكي؟ # فقلت: إنه بخير، وقد رأيته قبيل مغادرتي لنيويورك، ~~وأبدى لي رغبة خاصة في أن أذكره عندك ... # فأجاب: أبلغه تحياتي، إنه رجل عظيم ... # وعندئذ سرح ببصره، وقد ظهرت في عينيه ابتسامة هادئة ثم ~~قال: أظنه حانقا علينا بسبب ما نشرته عنه جريدتنا ~~برافدا؛ لقد كان مقالها سخيفا جدا ... # فقلت: إنني لم أتحدث إلى مستر ويلكي في هذا الشأن، ~~ولكنه قد تعرض لنقد صحف كثيرة، وأنا على يقين من ~~أنه أعظم من أن يضيق صدره بمقال واحد في صحيفة ~~روسية. # ومال ستالين مرة أخرى برأسه إلى الوراء، وأرسل تلك ~~الضحكة الموقرة الخافتة، وقد وجدته في حديثي عليما ~~بشئون أمريكا، ودهشت عندما عرفت أنه يقرأ ترجمة ~~الصحف الأمريكية، ولكنه كان في شك من أمر سياستنا ~~بعد الحرب؛ فقد سألني مشيرا إلى ما حدث بعد الحرب ~~العظمى (1914-1918) قائلا: هل يرفض الكونجرس إبرام ~~المعاهدات بعد الحرب؟ # فقلت: لا أعتقد أن أي رئيس للولايات المتحدة سيعيد ~~ارتكاب الخطأ الذي وقع فيه الرئيس ويلسون في أعقاب ~~الحرب العظمى، فلا ms079 يتشاور مع الكونجرس في شأن ~~مفاوضات السلم، بل الواقع أن وزير الخارجية، هل، قد ~~استشار الكونجرس بالفعل في أهداف ما بعد ~~الحرب. # فقال ستالين: هذه معلومة هامة! # ثم استطرد قائلا: إن الروس يعتقدون بالطبع أن للصناعة ~~والتجارة شأنا حيويا في علاقاتنا بعد الحرب، على ~~أن للعلاقات السياسية شأنا يعادله. إن القروض ~~والاتفاقات الاقتصادية لا يمكن عدها مستقلة تمام ~~الاستقلال عن الحكومة، ولهذا كان من الأهمية بمكان ~~عند إعداد المشروعات أن تلاحظ فيها صفة الاستمرار، ~~ويجب أثناء الحرب أن تقرر السياسة الخارجية كل شيء، ~~وأن تخضع السياسة الداخلية لمقتضيات الحرب ما دامت ~~مستمرة. # ونظرت إلى الساعة فإذا بها قد بلغت الحادية عشرة والربع ~~مساء، وكان قد مضى على بدء الحديث أكثر من ساعتين ~~كاملتين. # صورة ستالين # وقلت له: يا ماريشال ستالين! إن لي رجاء قد لا يتفق مع ~~قواعد «البروتوكول»، ولكنك تعرف أنني رجل أعمال لا ~~رجل سياسة، وقد يبرر هذا إجابتي إلى طلبي؛ إنني أرجو ~~أن تسمح لي بصورة عليها توقيعك ... # فأجاب ستالين: ولم لا؟ أتريدها صورة لي وحدي أو لنا ~~نحن الاثنين؟ # قلت: إنني سأغادر موسكو في الساعة الخامسة صباحا، وقد ~~لا يتسع الوقت لاستدعاء أحد المصورين. # ولكنه تجاهل ملاحظتي ونهض، ثم أدار زرا كهربائيا في ~~الحائط غمر القاعة بالضوء الساطع، ثم ضغط على زر خلف ~~مقعده ففتح الباب وظهر ضابط ألقى إليه الماريشال ~~ستالين بكلمات موجزة لم يكد ينتهي منها حتى دخل ~~الغرفة في الحال ضباط آخرون يحملون أنوارا كشافة ~~وآلات التصوير ... # ووقف ستالين أمام مكتبه وأشار إلي أن أقف بجانبه، ~~فاقترحت أن يظهر مستر هاريمان كذلك في الصورة، فدعاه ~~الماريشال، وعندما وقف هاريمان إلى يسار ستالين وأنا ~~إلى يمينه، قال هاريمان مداعبا: لعلها أول صورة لك ~~وأنت بين جمهوري وديمقراطي! # فقهقه ستالين وهو يضحك ثم قال: نعم! وما كنت أتصور أن ~~ذلك سيحدث يوما ما! تصور شيوعيا يوفق بين ~~الجمهوريين والديمقراطيين! # وقلت: يجب أن يظهر مستر مولوتوف معنا أيضا في هذه ~~الصورة. # فقال الماريشال ستالين بصوت منخفض ms080 وهو يغمز بعينه غمزة ~~خفيفة: من الغريب أن مولوتوف لا يحرص قط على الظهور ~~معي في صورة واحدة. # ولكنه مع ذلك دعاه إلى الظهور معنا في هذه ~~الصورة. # وما لبث ستالين أن انتقل من المزاح إلى الجد. # في سبيل السلام # قال ستالين: إن هتلر الأحمق قد صنع خيرا واحدا؛ وهو ~~أنه جمع بين الشعب الأمريكي والشعب الروسي، فعلينا ~~ألا نسمح لشيء ما أن يفرق بيننا، بل يجب أن نعمل ~~معا بعد الحرب ... # ثم استطرد قائلا وقد خفف قليلا من نغمة الجد الصارم ~~التي اتخذها قبلا: إنني أحب أن أتعامل مع رجال ~~الأعمال الأمريكيين؛ فأنتم قوم تعرفون ماذا تريدون، ~~وأنتم تحفظون وعودكم، وخير من ذلك أنكم تبقون في ~~مراكزكم طويلا، كما هي الحال عندنا. أما رجل ~~السياسة فهو اليوم حاضر وغدا غائب، ولا بد حينئذ ~~من إعادة الإجراءات مع قادم جديد ... # وأخيرا شكرت له دعاباته فقد كان شديد الظرف، وقلت له: ~~إنني أرجو أن أعود لمقابلته بعد انتهاء الحرب ~~كلية. # فقال الماريشال ستالين مداعبا: ربما وجدتني عندئذ في ~~عداد الأموات، فاحضر قبل ذلك! # فأجبته مازحا: لا، أنت من جورجيا، # 15 # وربما عشت إلى الأبد. # فقال: حسنا، إذن فلتحضر لزيارتي بعد الحرب، وسنطلعك ~~يومئذ على تقدم جديد في تطورنا الصناعي ... # وهز يدي هذه المرة بحرارة، واجتزنا البابين المطابقين ~~وتركنا الحجرة من ورائنا وهي شعلة من النور، وصحبنا ~~المختصون ونحن نجتاز الأروقة إلى أن استقبلنا الهواء ~~الرطيب في ليلة من ليالي موسكو الصيفية. # وكان الليل قد انتصف، وبينما كانت السيارة تجتاز بنا ~~شوارع موسكو، وكانت لا تزال تخضع لنظام الإظلام ~~التام، كنت لا أزال متأثرا بحضرة هذا الرجل الذي ~~استولى على مشاعري بصرامته وصراحته ودعابته، وقد ~~وجدته عمليا إلى أبعد الحدود، قلما يستعمل في ~~حديثه صفة أو صيغة من صيغ التفضيل المطلقة. # ومضيت أفكر في أنه حين يحل السلام ستكون روسيا ~~والولايات المتحدة أقوى أمتين في العالم، وستملكان ~~أكبر نصيب من قوة العالم الحربية والصناعية. # أجل، إن ستالين على حق، لقد جمعت الحرب ms081 بين البلدين، ~~ولكنهما تواجهان تيارات عاتية من المشاكل ~~العسيرة. # فهل تستطيعان المحافظة على السير في طريق التعاون ~~والصداقة السوي بعد سحق العدو المشترك؟ # ربما كان مصير العالم معلقا على الإجابة على هذا ~~السؤال! ~~(20) ستالين ... الإنسان # اختلف الكثيرون في وصف ستالين، ويظهر أن الشعور الشخصي كان له أكبر ~~الأثر في هذا الاختلاف؛ فإن بعض الذين قابلوه من كتاب الغرب ~~وصفوه بالدمامة، وبأن آثار الجدري قد شوهت وجهه. # ومع ذلك فإن سفير أمريكا الأسبق المستر والتر بيدل سميث الذي قابل ~~ستالين عدة مرات قال: إنه ليس بأية حال شخصية غير جذابة كما ~~وصفه البعض، بل أكد أنه ذو سحر طبيعي عندما يريد أن يظهر هذا ~~السحر. وقال: إنه ليس بالطويل وإنما هو ربع، منتصب القامة، ~~يوحي لمن يراه بأنه يتمتع بصحة جيدة على الرغم مما أشيع عدة ~~مرات من أنه يشكو من مرض القلب. ويقول بيدل سميث: إنه لاحظ ~~بصعوبة وجود آثار الجدري على وجه ستالين. # وكانت أعظم قسمات وجهه جاذبية ... عيناه الحادتان السوداوان، اللتان ~~تضيئان عندما يكون ثمة أمر يهمه، وفيهما يقظة وتعبير وذكاء، ~~وهو هادئ وبطيء وواثق من نفسه. وعندما يحتد في المناقشة، وهو ~~لا يحتد إلا عندما يريد ذلك، يبدو في قوة، وإذا زادت حدته صار ~~فظا. وقد وصف نفسه مرة فقال: إنه رجل عجوز فظ! # وكانت تبدو عليه في السنوات العشر الأخيرة علامات تقدم السن، ولم ~~يكن غريبا بعد أن تحمل من الأعباء ما لم يتحمله حاكم آخر في ~~العالم، وقد فرض عليه الأطباء في السنوات العشر الأخيرة من سنه ~~نظاما صارما للغذاء والتنقلات حتى حرموا عليه السفر الطويل ~~سواء بالبحر أو الجو، وقد أطاع أوامرهم. # وكان ستالين رجلا دقيقا جدا، شديد الاهتمام، يبحث التفاصيل، ~~وفحص أصغر العوامل شأنا في الحياة العامة، وفي هذا كان يختلف ~~عن كثير من الحكام الطغاة ... وكان ستالين يقرأ جميع رسائل ~~الإعجاب التي تصل إليه من أفراد الشعب، وكان إذا بدأ برسالة ~~قرأها حتى آخر كلمة فيها ... # ولم يكن خطيبا يعرف كيف يؤثر ms082 في الجماهير، بل كانت خطبه أشبه بخطب ~~رجال الأعمال لولا أنها طويلة، ملأى بالتعاليم ~~والوصايا. # وكان بطيء الذكاء، ولكنه كان شديد الجرأة، اعتنق المبدأ القائل بأن ~~الغاية تبرر الواسطة؛ ولذلك فإن عمليات القتل الفردي أم ~~الجماعي كانت عادية بالنسبة له؛ حتى ليقال: إن زوجته الثانية ~~راعها ما تراه من بساطة قضاء ستالين على أعدائه وأصدقائه على ~~حد سواء، وكان ذلك من أسباب انتهاء حياتها هي الأخرى بسرعة ~~مريبة. # وفي عام 1922 أصبح سكرتيرا عاما للحزب، وهو المنصب الذي ساعده ~~على توجيه الجهاز الحزبي ضد أعدائه، وفي عام 1923 بدأ لينين ~~يشعر بالقلق من ناحيته فكتب يقول: # إن الرفيق ستالين يقبض على سلطة ضخمة ... ولست ~~واثقا إذا كان يعرف دائما كيف يستعمل هذه السلطة ... # ومات لينين، وبقي ستالين لكي يصفي حسابه مع الملايين الذين قضى ~~عليهم، ومن بينهم عدد من ضباط الجيش الأحمر وأسطوله لا يقل ~~عددهم عن 30000. # وقد تميزت حياة ستالين بمقدرته الفائقة على استعمال «الموت»، وهو ~~أنجح الأسلحة التي يمكن لإنسان أن يستعملها ضد خصمه، ومن وقت ~~لآخر كان الموت الطبيعي يزيل من طريقه بعض الخصوم، ولكنه في ~~معظم الأحيان كان يتسنم درجات السلطة فوق جثث الأصدقاء بعد أن ~~يقضي عليهم بنفسه، وكان يستعمل سلاحه علنا؛ ففي عام 1918 وعد ~~«بنشر الذعر الجماعي ضد البورجوازية «الطبقة الوسطى»». # لم يكن ستالين خطيبا ولكنه كان يعرف كيف ~~يقنع! # ولم يكف ستالين عن القتل طوال حياته، وكان يصدر أوامره الخاصة بذلك ~~في هدوء كأنه لم يكن ثمة مناص من ذلك، وكأن تلك الأوامر التي ~~تصدر كانت منزهة عن الأهواء الشخصية. # وقد كتب عنه تروتسكي مرة يقول: إنه انتهازي ... يمسك قنبلة في ~~يده! # وقد التمس له كثيرون من الكتاب والنقاد في خارج روسيا العذر على ~~ما أصدر من أوامر بالإعدام، وقالوا: إن القتل كان خطوة ضرورية ~~لإقامة فردوس الشيوعية على الأرض! # وقد حدث في عام 1934 لما استبد القلق بين البلشفيك أن قتل كيروف ~~زعيم الحزب في ليننجراد وأحد أنصار ستالين وأعوانه في ms083 المكتب ~~السياسي، وانتقل ستالين عندئذ بنفسه إلى مسرح الحادث وتولى ~~الاتهام، وأمر بإطلاق النار على 117 من المشتبه في أمرهم دون ~~محاكمة، كما أمر بنفي آلاف من أعضاء الحزب في ليننجراد إلى ~~سيبيريا. # وكانت هذه هي بداية المذابح الكبرى والمحاكمات التي استمرت من عام ~~1935 إلى 1938، وراح ضحيتها عدد من زعماء البولشفيك ممن كانوا ~~يخالفون ستالين في سياسته. ووصلت المذابح إلى الذروة في عام ~~1937 عندما كانت المحاكمات تجري في الخفاء. # ويروى أن لادي أستور سألت ستالين في يوم من الأيام: إلى متى تستمر ~~في إعدام الناس؟ # فأجابها بكل بساطة: طالما كان هذا ضروريا! # وحدث بعد أحد عشر عاما في سنة حالكة من سنوات الحرب، وهي سنة ~~1942، أن كان تشرشل يقضي ليلته الأخيرة في روسيا ودعاه ستالين ~~في تلك الليلة لكي يتناول معه كأسا من الشراب. # وبعد أن تناول الاثنان كئوس الشراب وطعاما دسما متقن الطهي ~~تخللته كئوس الأنبذة المعتقة، وبعد أن زالت الكلفة بينهما ... ~~أخذ تشرشل يتحدث عن «تصفية» الكولاك والقضاء عليهم. # وقال له ستالين وهو يشير إليه بأصابعه العشرة: لقد كانوا عشرة ~~ملايين ... لقد كان الأمر مرعبا ... استغرق أربع سنوات! # ويقدر عدد الذين قضى عليهم ستالين، بخلاف الكولاك، بنحو 7 مليون ~~شخص ما بين قتيل ومنفي في سيبيريا، ولا شك أنه كان بين هذا ~~العدد كثير من الأبرياء، كما كان بينهم قدامى زعماء الحزب ~~البولشفيكي ممن كان يتمثل فيهم الخطر على زعامته ~~وسلطته. # واستطاع هو نفسه بعد ذلك أن ينام نوما هادئا، فقد كان الجيل ~~الجديد من أعضاء الحزب من طبقة الموظفين الضعاف الذين يتحكم ~~فيهم الخوف، كان يميل إلى اختيار «الفعالين» المنفذين ويكره ~~المفكرين والمتطلعين للمثل العليا والآراء النظرية. # أما ستالين نفسه فكان عبقريا في فن الإدارة، كما أنه كان ذا ~~مقدرة عجيبة على تدارك أخطائه أو دفنها، ولا شك أن الأمر كان ~~يتطلب مهارة خاصة في اختيار المخلصين، والبحث عن نواحي نبوغهم، ~~ثم التغلب بعد ذلك على أطماعهم؛ إما بالمكافأة أو الإهمال، ~~وإما بالمديح أو الإغراء، ms084 وإما ببث الأمل أو التهديد، وكان ~~ستالين ماكرا يزن الأمور والتيارات المختلفة ويرقى دائما فوق ~~الأحداث في غير تسرع. # ولم يفته، أو قل: إنه لم ينس زعيم اليساريين الذي كان يعيش بعيدا ~~عنه في عالم آخر، فأرسل إليه شيوعيا إسبانيا اسمه ~~ميركادير، وساعده أحد أعضاء الحزب الشيوعي في نيويورك، واشترك ~~الاثنان في مقتل تروتسكي في مكسيكو سيتي، بعد أن ذرعا نصف ~~الكرة الأرضية في سبيل الوصول إليه. # وكان من أظرف ما رواه خروشيشيف في خطابه المشهور الذي ندد فيه ~~بستالين وكشف الستار فيه عن أساليبه، تلك القصة التي ذكر فيها ~~أنه في إحدى المناسبات أثناء سفره مع بولجانين بالسيارة، قال ~~له بولجانين هذه العبارة: # لقد كان يحدث أحيانا أن يذهب المرء إلى منزل ~~ستالين بدعوة منه كصديق، ولكنه بعد أن يجلس مع ~~ستالين لا يعرف إلى أين سيرسل به في نهاية الدعوة ... ~~فهل يعود إلى منزله أم إلى السجن؟ # ولم يكن للعاطفة تأثير على تصرفاته، بل لقد قال البعض: إنه إذا كان ~~للصخر عاطفة فلستالين عاطفة ... وإذا كانت له أعصاب فإنها تجري ~~في جلمود! # ومع ذلك فقد كان يبدو إنسانا حساسا في بعض الأوقات، ولما ماتت ~~زوجته الثانية في عام 1932 لم يقم بإحراق جثتها، بل دفنها في ~~قبر فاخر في دير «العذارى الجدد» الذي كان مقبرة للأرستقراطية ~~القديمة. وأعد له مدخلا سريا خاصا، وكان يزوره بالليل، ~~وقد برر البعض تصرف ستالين هذا بأن ضميره كان يؤنبه دائما على ~~موت هذه الزوجة الثانية التي كان يحبها ... # وكان من العيوب التي نسبها خروشيشيف إلى ستالين «القحة»، فقد قال ~~السكرتير العام للحزب الشيوعي في خطابه الذي هاجم فيه ستالين وأساليبه: # لقد استطاع لينين أن يكتشف في شخصية ستالين في ~~الوقت المناسب تلك العيوب والخصائص السلبية التي أدت ~~فيما بعد إلى نتائج خطيرة، وإذا كان لينين يخشى ما ~~عسى أن يصيب الحزب والنظام السوفييتي بعد وفاته فقد ~~حلل شخصية ستالين تحليلا دقيقا، وأشار إلى أنه من ~~الضروري بحث مسألة إبعاده عن سكرتيرية اللجنة ms085 ~~المركزية بسبب وقاحته البالغة، وافتقاره إلى حسن ~~التصرف حيال رفاقه، وإساءته البالغة لاستخدام ~~سلطته. # ففي ديسمبر من عام 1922 قال لينين في خطاب بعث ~~به إلى مؤتمر الحزب: بعد أن احتل الرفيق ستالين مركز ~~السكرتير العام للحزب أصبحت في يده سلطة غير محدودة، ~~ولست متأكدا إذا كان يمكنه دائما أن يستخدم هذه ~~السلطة بالدقة والعناية اللتين ينبغي أن تتوافر له ... # ولقد قال لينين أيضا في ذلك الخطاب: إن ~~ستالين وقح جدا، ولئن كان هذا العيب أمرا يمكن ~~التسامح فيه بين صفوفنا نحن أعضاء الحزب الشيوعي، ~~فإنه عيب لا يمكن أن يكون موضعا للتسامح بالنسبة ~~لرجل يشغل منصب السكرتير العام للحزب؛ ولهذا فإنني ~~أقترح على جميع الرفاق أن يبحثوا مسألة إبعاد ستالين ~~عن هذ المنصب وإحلال شخص آخر مكانه، على أن يكون هذا ~~الشخص أولا وقبل كل شيء مختلفا عن ستالين بميزة ~~واحدة وهي أن يكون أكثر تسامحا، وأكثر إخلاصا، ~~وأكثر عطفا مع الرفاق، وأقل حدة في الطباع ... # وكان ستالين قوي الجسم، شديد الاحتمال للمتاعب رغم ما تردد عن مرض ~~قلبي أصيب له، وكان يعرف كيف يتحكم في أعصابه ، ويلازم هدوءه، ~~وقد كان هذا الهدوء والتحكم في الأعصاب من أكبر الأسباب التي ~~ساعدته على الانتصار على أول خصومه: تروتسكي عندما قرر التخلص ~~منه في سبيل الاستئثار بالسلطة. ~~(20-1) ستالين والموسيقى # وكان ستالين يحب الموسيقى ويهتم بها، وقد روى أحد الذين ~~عرفوه في روسيا # 16 # أنه دعي في مساء يوم 6 أكتوبر من عام ~~1947 إلى العشاء مع ستالين، وكان هناك أربعة عشر ~~مدعوا، فلما انتهى العشاء أخذ الحاضرون يستمعون ~~للراديو الذي كان يذيع برنامجا خاصا بمناسبة عيد ~~الثورة ... # كان ستالين مبتهجا في ذلك المساء، وعندما سمع الخطاب ~~الذي ألقاه مولوتوف بهذه المناسبة، قال لنا ضاحكا: ~~لقد أوصيت مولوتوف ألا يتلعثم في خطابه أو يتلكأ في ~~نطق الكلمات كما يفعل ملك الإنجليز، # 17 # فعندنا في مقاطعة جورجيا يقولون: «إن ~~الذين يتلعثمون نهايتهم سيئة.» # ثم ابتسم ستالين واستطرد قائلا: ولكن ليس لمولوتوف ما ms086 ~~يخشاه على أي حال ... ما دمت أنا هنا! # وبدأ المحتفلون يستمعون بعد ذلك إلى أوبرا مشهورة من ~~تأليف «بيجوف»، وكان اسمها: «الحياة من أجل قيصر»، ~~وعندما مال ستالين على الراوي وقال له همسا في ~~أذنه: إن هذا المغفل بيجوف كان يريد إعادة كتابة هذه ~~الأوبرا من جديد على أن يطلق عليها اسم «الحياة من ~~أجل ستالين»، ولكن المبالغة مذمومة في كل ~~شيء! # ويقول الراوي: إنه حدث بعد ذلك بمدة قصيرة أن فصل ~~الموسيقي بيجوف من عمله، وعزل في إحدى المصحات، وفي ~~ذات يوم وجد معلقا في شجرة وقد فارق ~~الحياة. # ووضع ستالين يده بعد ذلك على محرك المحطات في جهاز ~~الراديو، فاستمعنا إلى موسيقى خفيفة من محطة فرنسية. ~~وهنا هز ستالين رأسه وقال: إننا لم ننجح بعد في خلق ~~أوبريت روسية، والواقع أننا في حاجة إلى ممثلات؛ إذ ~~ما تكاد تظهر كوكب في عالم الغناء حتى يختطفها أحد ~~رجالنا اختطافا! وفي بادئ الأمر كان كالينين هو ~~الأخصائي الأول في اختطاف الكواكب والممثلات ~~الجميلات، أما اليوم فقد خلفه مولوتوف في ذلك ... # وكان ستالين يلمح إلى العلاقة التي كانت قد بدأت ~~وقتئذ بين مولوتوف وبين مغنية الأوبرا إيرينا ~~تشيرنوفا، حتى إنه منعها بعد ذلك من الغناء. # واستطرد ستالين بعد ذلك ضاحكا: يبدو أنه بات ضروريا ~~أن نصدر قانونا نحرم فيه على زعماء الاتحاد ~~السوفييتي اختطاف الكواكب! ~~••• # وكان ستالين يهتم أيضا بالرقص، ولم تمنعه مشاغل الدولة ~~ولا حرب الأعصاب، بل ولا أي حرب أخرى عن مشاهدة ~~الرقص، وكان يحب بنوع خاص مشاهدة النجمة المشهورة ~~«أولانوفا»، وكان إذا ذهب لمشاهدتها جلس في مقصورة ~~خاصة لا يمكن لأحد النظارة أن يرى الجالس فيها، ~~وهكذا كان يستمتع بمشاهدة الرقص دون أن يراه ~~أحد. # وكثيرا ما كان يذهب وحده لمشاهدة الرقص، فيجلس بمفرده ~~في المقصورة ويبقى إلى نهاية الحفلة، وكان يحب أن ~~يبدي رأيه لمدير المسرح، فيستدعيه في نهاية الحفلة ~~ليقول له جملة قصير قد تتضمن إعجابا أو ~~نقدا. # والويل لمدير المسرح إذا أبدى ستالين رأيا يدل ms087 على عدم ~~الإعجاب، فإن هذا كان معناه سقوط الرواية نهائيا ~~وفصل مدير المسرح من وظيفته. # وقد حدث مرة أن استمع ستالين إلى موسيقى جديدة من تأليف ~~موسيقيين اثنين كانا قد نالا بعض الشهرة؛ وهما شوستا ~~كوفيتش وبروكفيف، وبعد انتهاء الحفلة استدعاهما ~~ستالين إليه وقال لهما: في موسيقاكما «دربكة» كثيرة ~~... إلا أنها خالية من النغم! # ولم تقم للموسيقيين قائمة بعد هذه الحفلة! ~~(20-2) ستالين ... الفيل! # وكان ستالين يبدو زاهدا في أي نوع من المتع البشرية ~~التي كان يميل إليها غيره من قادة الدول الأخرى أو ~~حكامها، كان زاهدا في الحياة، زاهدا في النساء، ~~زاهدا في الهوايات أو جمع التحف أو طوابع ~~البريد! # ويقول إميل لودفيج في ذلك: إنه يجد لذته الكبرى في ~~الانتقام الصامت الذي ينزله بالدول الرأسمالية حين ~~يدعو إلى مؤتمر يجمع فيه نفس أولئك الرجال الذين ~~ظلوا زمنا طويلا وهم يحتقرونه، وبعد أن يستبقيهم ~~على مائدته لتناول الطعام ويتبادل معهم شراب الأنخاب ~~حتى الساعة الخامسة صباحا ينصرف إلى فراشه وهو ~~يقهقه ضاحكا ساخرا. إن أذكى خصومه يفضلون لقاءه ~~ومقابلته وهو يقوم بدور المضيف. # وقد أعجب روزفلت الرئيس الأسبق للولايات المتحدة ~~بستالين، وعبر عن ذلك الإعجاب أكثر من مرة. # ولكن على حد قول لودفيج: إن أصحاب هذه الشخصيات ~~المتثاقلة البطيئة الحركة التي تميل للعزلة لا يمكن ~~أن ينسوا أي إساءة تلحق بهم؛ إنهم يحملون ذلك الحقد ~~الدفين الذي لا يموت، وهو ما يتميز به الفيل! # ولم يشعر ستالين في أي يوم من الأيام بأن أحدا من الناس ~~قد أسدى إليه جميلا من أي نوع كان، ولذلك كان من ~~الطبيعي أن يذكر كل من أساء إليه وأن يحاول ~~الانتقام. # وحصل ستالين على أعظم مجد في حياته بعد الحرب العالمية ~~الثانية؛ إذ وضعت ألمانيا الشرقية كما وضع جزء من ~~برلين تحت حكمه، كما تحول عدد من الدول الأوروبية ~~إلى الشيوعية دون ثورة، تماما كما تحول ستالين نفسه ~~من الثائر إلى الوطني، وهكذا وجد الثمر يسقط في يده ~~ناضجا شهيا ... ذلك الثمر الذي ms088 حاول في شبابه ~~المجهول أن ينتزعه من مكانه بالقوة ... # لقد بدأ حياته بمهاجمة مصرف ... وانتهى به الأمر بعد ذلك ~~إلى أن أصبح من أصحاب المصارف! ~~(20-3) ستالين والقدر # وروى إميل لودفيج أنه عندما قابل ستالين خطر له أن يلقي ~~عليه هذا السؤال: هل تؤمن بالقدر؟ # وبدا على وجه ستالين عندما سمع هذا السؤال شيء من الجد، ~~ثم فكر قليلا وقال: كلا، أنا لا أؤمن بالقدر، إن ~~القدر مظلوم دائما، وإن هو إلا فكرة سخيفة! # وضحك على طريقته الصماء، ثم كرر كلمة «القدر» باللغة ~~الألمانية عدة مرات: شيكسال! شيكسال! # واستطرد يقول باللغة الروسية: لقد كان القدر شيئا يتفق ~~مع حياة الإغريق؛ إذ كانت لهم آلهتهم التي تنظم لهم ~~أمورهم من فوق! # وقال له إميل لودفيج: ولكنك اجتزت مئات من المواقف ~~الحرجة؛ إذ دخلت السجن، وأرسلت إلى المنفى، ونظمت ~~الثورات، واشتركت في حروب ... فهل تعتبر من قبيل ~~الصدفة المحضة أنك نجوت من جميع هذه المواقف الحرجة، ~~وأن أحدا غيرك لم يخلفك على مقعدك هذا حتى ~~الآن؟ # فأجاب ستالين بصوت واضح له طابعه: كلا، إنها ليست الصدفة ~~المحضة، ولكن هناك أسبابا داخلية وخارجية هي التي ~~حالت دون موتي ، ومع ذلك فإن حادثا واحدا لو وقع لي ~~لكان كفيلا بأن يجيء بغيري إلى مكاني؛ فالقدر ضد ~~القانون، وفيه شيء من الغموض والسحر لا أؤمن به، ومن ~~المسلم به طبعا أن هناك أسبابا ساعدتني على اجتياز ~~المخاطر ... وهذا ما لا يمكن أن يحدث بمحض ~~الصدفة. # ويستطرد إميل لودفيج فيقول: «وكان صدى كلمة «القدر» ~~القوية لا يزال يدوي في أذني عندما صعدت إلى العربة ~~التي كانت تنظرني لأغادر بها المكان، وفكرت وأنا ~~أترك ورائي تلك القلعة التي عاش فيها القياصرة ~~وحكموا منها # 18 # بلادهم في ابن الفلاح، الذي قدم من ~~ولاية جورجيا وبات الآن يضحك ساخرا متحديا عندما ~~يذكر أحد كلمة «القدر» أمامه!» # وفي الساحة الخارجية للكرملين وجدت صفا من المدافع ~~القديمة التي كان ضوء الغروب الخافت قد بدأ يلقي ~~عليها ظلالا شاحبة، ورأيت على فوهة ms089 كل مدفع منها ~~حرف «ن» بارزا مطليا بالذهب اللامع # 19 ~~... # تلك كانت شارة الضابط الفرنسي الصغير على معدات الموت ~~التي أحضرها معه من بلاده لكي يغزو بها روسيا، ~~وتذكرت عندئذ أن نابليون كان قد قال لجيته: «لماذا ~~نتحدث عن القدر ونعلق عليه أهمية؟! إن السياسة في ~~عصرنا هذا هي التي تسير القدر!» ~~(21) ستالين والنساء! # تزوج ستالين لأول مرة في عام 1913، وتوفيت زوجته الأولى في عام ~~1917 بعد أن تركت له ابنا واحدا ... # والمعلومات قليلة عن زوجته الأولى «كاترين»؛ وذلك لأنه عندما تزوج ~~لأول مرة كان لا يزال مجاهدا مغمورا لا يهتم أحد بتقصي ~~أحواله أو تاريخه أو علاقاته، ولكن المعروف أنها كانت فتاة ~~شابة قليلة التعليم، لكن حياتهما كانت تعسة للغاية؛ فقد كان ~~ستالين مطاردا بصفة دائمة من البوليس، فلم يكن يستقر في بيته ~~أياما حتى يغادره هاربا من جديد تحت جنح الظلام، فلم تنقض ~~على زواجهما أربع سنوات حتى ماتت كاترين بداء الصدر. # أما عن زوجته الثانية فقد روي أن ستالين اجتمع في يوم من الأيام ~~ببعض مستشاريه وشهدت زوجته طرفا من هذا الاجتماع، وسمعت بعض ~~المناقشات التي جرت في الاجتماع، وأبدت في المناقشة بعض ~~الانتقادات لسياسة ستالين ... # وغضب ستالين لتدخل زوجته وانتقادها إياه، ووقف غاضبا ثم أمسك بيد ~~زوجته وجذبها بقسوة حتى أخرجها من حجرة الاجتماع على مرأى من ~~زملائه ... # وعاد إليهم بعد ذلك ليستأنف المناقشة. # وبعد أيام من هذا الحادث وجدت الزوجة ميتة في حجرتها، ولم يسأل ~~أحد كيف ماتت. ~~••• # وكان ستالين قد تزوج من زوجته الثانية هذه «نادزدا» بعد عامين من ~~وفاة زوجته الأولى «كاترين». # وكان والد «نادزدا» من زملاء ستالين الذين اشتركوا في الثورة ~~الاشتراكية الأولى في عام 1917، وكانت «نادزدا» تعتز دائما ~~بذكرى والدها، وتستشهد بأقواله، ويبدو أنها صرحت أكثر من مرة ~~باستيائها من الأعمال التي يقوم بها البوليس السري السوفييتي ~~«الأوجبيو»، وانتشرت تعليقاتها اللاذعة عن هذا البوليس في بعض ~~الأوساط. # وفي 8 نوفمبر من عام 1932 أعلن خبر وفاتها في ظروف الحادث الذي ~~ذكرناه، ms090 مع أنها شوهدت قبل ذلك بيومين في أحد المسارح. وقيل ~~للناس في تعليل وفاتها الفجائية: إنها أصيبت بالتهاب حاد ~~للزائدة الدودية، ولم يتمكن المحيطون بها من إسعافها فماتت قبل ~~أن يحضر الأطباء أو يجروا لها الجراحة ... # ولما ماتت نادزدا انتشرت الإشاعات المختلفة في روسيا وتسربت إلى ~~الخارج، فقالت بعضها: إن نادزدا قد ماتت بالسم بعد أن تناولت ~~طعاما كان قد أعد لزوجها، وقالت إشاعات أخرى وإن لم تقدم ~~دليلا على ما تقول: إن نادزدا قد «ماتت» تنفيذا لأمر ~~زوجها! # وتوفيت زوجة ستالين الشابة نادزدا وهي في الحادية والثلاثين من ~~عمرها خلال أزمة الكولاك، وقد كتب ستالين على رخامة وضعها على قبرها: # لقد ماتت # ومعها ماتت آخر مشاعري الحارة # لكل الجنس البشري # ودفنت نادزدا بجميع مظاهر التكريم في دير نوفود فيتشي ~~بموسكو. # وعلى الرغم من عداء ستالين الشديد للدين فإنه أصدر أمره بالصلاة ~~على جثمان «نادزدا» في الكنيسة، كما أمر بدفنها في دير يحمل ~~اسم العذراء. # ولكن ذلك كله لم يخرس الألسنة، فإن الموت الفجائي إذا أصاب شخصا ~~له مكانته، وفي بلد يحكم بالطريقة التي كانت تحكم بها روسيا في ~~عهد ستالين ... يصبح موضوع تعليقات كثيرة لاذعة ... # وفي عام 1948؛ أي: بعد وفاة نادزدا بستة عشر عاما كاملة، لوحظ أن ~~ستالين شديد الهم والتفكير، وقال بعض المتصلين به عامئذ: إن ~~شبح نادزدا قد بدأ يطارده ويقض عليه مضجعه، وأن هذا هو السر ~~الغامض الذي كان يكتنف حياته في ذلك الوقت، ويدفعه إلى أحضان ~~«روزا» الزوجة الثالثة ... متظاهرا بالهدوء رغم ما كان يعتمل في ~~نفسه من عواطف متضاربة لعل مصدرها الشعور بالندم أو ~~الأسف. # زوجة ستالين الثانية «نادزدا» في ~~نعشها! # ولما ماتت زوجته اعتزل العالم وعاش منفردا في قصر الكرملين، وذاعت ~~حكايات مختلفة عن إسرافه وبذخه، وروجت الدعايات المضادة لكثير ~~من هذه الحكايات والإشاعات. # وحدث في عام 1924 أن زار مهندس أمريكي كبير روسيا وطلب مقابلة ~~ستالين، فاستقبله ودعاه إلى البقاء في ضيافته عدة أيام ~~ليستشيره في بعض المسائل الفنية، وقبل المهندس الأمريكي ms091 ~~الدعوة، وفي ذات يوم كان ستالين وضيفه يتناولان الطعام وحدهما، ~~ولما جلسا إلى المائدة ظهرت خادمة شابة أحضرت أطباق الطعام ~~ووضعتها على طرف المائدة ثم انصرفت دون أن تتولى تقديم الطعام ~~كما جرت العادة. # وقام ستالين بنفسه وأخذ يقدم الطعام بنفسه لضيفه مما أثار دهشة ~~الضيف، ولكنه لم يحاول معرفة حقيقة الأمر. وفي المساء تكرر نفس ~~الأمر؛ إذ أحضرت الفتاة الطعام وتركته عند طرف المائدة ثم ~~خرجت، وقام ستالين مرة أخرى وبدأ يقدم الطعام لضيفه. # ولما بدأ الاثنان يشربان القهوة بعد انتهاء العشاء التفت سيد روسيا ~~إلى ضيفه الأمريكي وقال له: هل رأيت هذه الفتاة التي أحضرت ~~الطعام ثم أبت أن تقوم على خدمتنا؟ # فأجاب الضيف: نعم! # وقال ستالين وهو يبتسم: لقد انقضى عليها ثلاث سنوات وهي لا تغير ~~هذه العادة! إنهم يقولون: إنني السيد المطلق الذي يحكم 200 ~~مليون نسمة، وها أنت ترى بنفسك أنني عاجز عن إصدار أمر صغير ~~لهذه الفتاة ... إنها طالبة في الجامعة تشتغل في أوقات الفراغ ~~بالخدمة، وهي تكتفي بإحضار أطباق الطعام ثم تتركها عند طرف ~~المائدة بدعوى أنه مما لا يتناسب مع كرامة أي فتاة مثقفة أن ~~تقوم على خدمة أي رجل كان ... مهما سما مركزه ! # وقد اقتنعت بصواب رأيها ... # وعلى الرغم من الستار الكثيف الذي أسدل على حياة ستالين الخاصة فقد ~~عرف بعد ذلك أن حزنه وأسفه على «موت» زوجته الثانية لم يمنعه ~~من أن يتخير لنفسه زوجة ثالثة كان اسمها «روزا كاجانوفيتش»، ~~وكانت شقيقة لأحد وزراء المواصلات الذين اشتركوا معه في الحكم ~~في إحدى الوزارات. # وقد عرف عن «روزا» أو روزالي أنها تحب المرح، وأنها ذات صوت ~~جميل، ولون وردي، وأن ستالين ينسى إلى جانبها شواغل الدولة ~~كلها، ولم تكن تتدخل في الشئون السياسية؛ إذ يبدو أنها كانت قد ~~تعلمت درسا قاسيا مما حدث للزوجة الثانية من قبلها بسبب ~~السياسة! ولذلك فإنه لم يكن لديها أي تأثير على ستالين من هذه ~~الناحية ... # ولم ير الناس في موسكو هذه السيدة غير مرة واحدة، ms092 وكان ذلك في ~~حفلة افتتاح خط «مترو» موسكو، وقد وجهت إليها الدعوة لشهود ~~هذه الحفلة بوصفها «روزا كاجانوفيتش» شقيقة وزير المواصلات، ~~ولم يذكر قط أنها زوجة ستالين! # وقد كان هذا مما أثار تساؤل الناس مدة طويلة: هل تزوج ستالين حقا ~~من روزا كاجانوفيتش أم أن العلاقة بينهما كانت مجرد علاقة حب ~~وصداقة عززها ما كان ستالين يشعر به من راحة نفسية عند هذه ~~المرأة المرحة الطروب؟ # وقد أشار إلى هذه الحقيقة ولتر بيدل سميث سفير أمريكا السابق في ~~موسكو؛ إذ قال في معرض حديثه عن مدى جهل الناس بحقيقة ستالين: ~~«والروس أنفسهم لا يعرفون إذا كان ستالين قد تزوج مرة أخرى بعد ~~وفاة زوجته الثانية في عام 1932 أم لا.» # 20 # وعلى أي حال فقد كانت روزا - أو روزالي - كاجانوفيتش وثيقة الصلة ~~بجميع المتصلين بستالين وأفراد أسرته، حتى ابنه «فاسيلي» ~~وابنته «سفيتلانا» التي رزق بها من زوجته الثانية، وقد تمكنت ~~روزا من اكتساب «فاسيلي» بنوع خاص؛ إذ ساعدته على حل مشاكل ~~شخصية كان قد سببها بإسرافه في شرب الخمر «الفودكا» وحب ~~النساء، وإسراعه وهو يقود السيارات سرعة تزيد على الحد ~~القانوني. # وكان أهم ما ساعد على انتشار الشائعات فيما يتعلق بحقيقة علاقة ~~ستالين بروزا كاجانوفيتش، وهل هي علاقة زواج أم علاقة حب فقط، ~~أنه كان لا يقيم معها؛ إذ إنه كان يفضل أثناء إقامته في موسكو ~~أن يعيش وحده، ولذلك وضعها هي في «فيلا» كان يملكها بضواحي ~~«أوسوفا» القريبة من موسكو، وكان يتردد عليها في تلك «الفيلا» ~~كلما أراد، وخاصة بعد أن يشهد حفلة راقصة أو مسرحية فقد كان ~~يحب أن يتجه إليها بعد انتهاء الرقص أو التمثيل ليقضي معها ~~بقية السهرة ويتناول معها وجبة الليل، وهي غير وجبة العشاء ~~التي كان يتناولها قبل الذهاب إلى المسرح. # وكانت روزا تستعد لزياراته المفاجئة فتعد له السجائر التي يدخنها، ~~وخمر القوقاز الذي كان يفضله على غيره، فقد كان ستالين يفضل ~~السجاير، وإن كان يدخل الغليون أحيانا أمام الجماهير. # وكان عدد كبير من ms093 الخدم والحشم يقوم على خدمة روزا في منزلها بخلاف ~~عدد آخر من رجال البوليس السري كان يتولى حراستها، وكان عدد ~~رجال البوليس السري يتضاعف طبعا كلما حضر ستالين ~~لزيارتها. # وكانت روزا من الأشخاص القلائل الذين سمح لهم ستالين أن يخاطبوه ~~باسم من أسمائه الخاصة التي كان يفضلها على غيره وهو «كوبا»، ~~كما نال شقيق روزا وزير المواصلات نفس الامتياز، وقد كان كوبا ~~من الأسماء المستعارة التي استعملها ستالين وهو يهرب من وجه ~~البوليس القيصري الروسي عندما كان يمهد للثورة؛ ولذلك فإنه كان ~~يعتز كثيرا بهذا الاسم ويحبه ولا يسمح إلا لأوثق الأخصاء ~~اتصالا به باستعماله. # أم ستالين التي أرادت أن تجعل منه ~~كاهنا! # زوجة ستالين الثانية وهي الوحيدة التي ~~أحبها. # وفي عام 1949 هرب من روسيا رجل من أقارب ستالين كان اسمه «جوزيف ~~سفانيدز»، ولجأ إلى السويد، وفي استكهلم أطلق الرجل لسانه ~~بالحديث عن ستالين وحياته الخاصة، وكان من بين ما قاله الرجل ~~أن روزا كاجانوفيتش كانت زوجة غير شرعية لستالين، وأن ستالين ~~كان يحب تغيير النساء من آن لآخر ... # وقال سفانيدز: إن ستالين الجيورجياني يؤمن كسائر أهالي القوقاز ~~بمثل يؤمنون به، وهو أن المرأة يجب أن تكون بالنسبة للرجل ~~كالقمر بالنسبة للشمس؛ أي إنها يجب أن تستمد منه السلطة كما ~~يستمد القمر الضوء من الشمس، ويتبعها في حركتها، ويتأثر بها في ~~كل شيء ... وفي عبارة أخرى: إن الرجل يجب أن يكون كل شيء بالنسبة ~~للمرأة! # وقد أشار سفانيدز إلى أن صلة ستالين «بالزوجة» الثالثة روزا ~~كاجانوفيتش لم تدم إلى أبعد من عام 1936؛ لأن قلب ستالين كان ~~قد علق بحب امرأة أخرى صغيرة السن، كما أنه كان قد سئم ~~روزا. # وفي هذه المرة أشار ستالين بالاكتفاء «بتسريح» روزا كاجانوفيتش، ~~وكان من أهم الشروط التي تؤخذ عليها في مثل هذه الحالة الصمت ~~التام. ~~••• # كان ستالين إذ ذاك قد بلغ السابعة والخمسين من عمره، وكانت ~~المحبوبة الجديدة سيدة صغيرة السن في الخامسة والعشرين من ~~عمرها اسمها «مارينا راسكوفا»، وكان ستالين قد رآها ms094 لأول مرة ~~في عام 1933 عندما قدمت إليه على رأس فريق من الطيارين الروس ~~كانوا قد اعتزموا القيام بمحاولة للوصول إلى القطب، وكانت ~~مارينا راسكوفا قد نشأت في منطقة بحر أزوف، وهي قريبة من مسقط ~~رأس ستالين، ولعل ذلك كان من الأسباب التي قربتها إلى قلبه ... # واشتد إعجاب ستالين بجسم مارينا القوي، وقوامها الفارع، فصحبها إلى ~~قصر «سوتشي» وهو المصيف الذي كان يفضله على غيره، وأمضى معها ~~وقتا طيبا لم ينشغل فيه ستالين بغير النزهة في البحر والتودد ~~إلى مارينا، وكثيرا ما رآهما سكان هذه المنطقة معا وهما ~~يستقلان قارب ستالين الخاص الذي كان اسمه «النسر» وقد ارتسمت ~~على وجه كل منهما أمارات السعادة ... # ولما عاد بعد ذلك إلى موسكو نمت الصداقة بين مارينا وابنة ستالين ~~التي كان يؤثرها على غيره من أبنائه واسمها «سفيتلانا» ... # وفي أواخر شهر أبريل من عام 1937 استدعى ستالين الماريشال ~~فوروشيلوف، وكان موضع سره في ذلك الوقت، وصارحه بأنه قرر ~~الزواج من مارينا، كما أخبره أن هذا الزواج لا يهم أحدا غيره ~~- أي: غير ستالين - ولذلك فإنه لا يريد أن يسمع به أحد ... # وذكر سفانيدز قريب ستالين الهارب أنه كان أحد القلائل الذين شهدوا ~~حفل زواج ستالين الجديد، وأنه كان من بين الذين شهدوه كذلك ~~بولجانين وفوروشيلوف ومولوتوف، وقام بالإجراءات الإدارية ~~الخاصة بالزواج من تسجيل العقد وما يتصل به موظفان انتدبا لهذا ~~الغرض. # وفي المساء أقيمت حفلة صغيرة شهدها خاصة أصدقاء ستالين، وكان ~~ستالين رائق المزاج في تلك الحفلة وبدت عليه أمارات السعادة، ~~حتى إنه طلب من «ميكويان» أن يروي بعض النكت والقصص الفكاهية ... # وضحك ستالين عندما أحضر المحتفلون «فونوغرافا» وأداروا بعض ~~«الأسطوانات»، وأخذوا يرقصون على نغماتها، وطلب بعضهم مراقصة ~~مارينا فلم يعترض ستالين على طلباتهم، وكان الجو مرحا. # ولما أراد فوروشيلوف أن يلقي كلمة تناسب المقام اعترض ستالين وقال ~~له: إن الوقت ليس وقت إلقاء خطب! # واحترم الجميع رغبة ستالين فلم يتحدث أحدهم عن زواجه وتكتموا ~~الخبر، وكذلك لم تشر إليه الصحف إطلاقا، وكانت ms095 مارينا نفسها ~~قد استفادت بدروس الماضي، وبما حدث لغيرها، فعاشت في عزلة ولم ~~تظهر قط إلى جانب ستالين. ~~(22) عندما تقابل ستالين # وصف المستر ولتر بيدل سميث، الذي تولى سفارة أمريكا في موسكو فترة ~~من الزمن مقابلته الخاصة لستالين فقال: كان الليل صافيا وباردا، وكانت السماء مليئة ~~بالنجوم عندما غادرت دار السفارة إثر الساعة ~~الثامنة والنصف مساء، وانطلقت سيارة السفارة تحمل ~~العلم الأمريكي مسرعة فوق الجليد إلى «الأربات» ~~الذي يمكنني أن أقول: إنه أكثر شوارع العالم ~~اكتظاظا برجال البوليس؛ وذلك لأنه الطريق الذي ~~يسلكه ستالين وأعضاء المكتب السياسي من مكاتبهم في ~~الكرملين إلى منازلهم في الريف، ويقال: إن المحلات ~~التجارية والمنازل التي تقوم على جانبي هذا الشارع ~~يفتشها البوليس السري بمنتهى العناية والتدقيق، وكل ~~ضيف أو زائر لا بد من التأكد من شخصيته ووضعه تحت ~~المراقبة، ويوجد رجل بوليس على الأقل عند كل مائة ~~ياردة، واثنان إلى أربعة عند كل تقاطع. # وإذا ما اقتربت سيارة رسمية تتمتع بما يسمونه ~~«امتيازات الكرملين» فإن جميع أضواء المرور تنقلب ~~خضراء وتعطي السيارة حق السير في الطريق الذي تريد، ~~وعندما وصلنا إلى بوابة الدخول عند الحائط الغربي ~~للكرملين أوقف السيارة ضابط البوليس السري وأعوانه؛ ~~إذ عليهم أن يتأكدوا من شخصية المارين، وأن يلقوا ~~نظرة سريعة داخل السيارة. # وقادت سيارة السفارة سيارة إرشاد وجدناها ~~واقفة في انتظارنا خارج البوابة الرئيسية، بينما أخذ ~~جرس التنبيه يدق باستمرار حتى وصلنا إلى فناء ~~الكرملين الداخلي، ولم يستوقفنا أحد عند البوابة ~~نفسها للتأكد من شخصياتنا، فمررنا وسط تحية الحراس ~~وضباط البوليس السري المنوط بهم الحراسة. # ومرت السيارة وهي تنطلق من البوابة عبر الشارع ~~الداخلي الواسع الذي زرعت على جانبيه الأشجار ~~بالمبنى الذي يضم مكاتب الماريشال ستالين وأعضاء ~~المكتب السياسي، كما مرت بمتحف الكرملين وصالة ~~المجلس السوفييتي الأعلى، وبكنائس الإغريق الأرثوذكس ~~القديمة البديعة، وببرج الجرس الذي يوجد في أسفله ~~الجرس الكبير المكسور المعروف. # ولما اقتربنا من مدخل الكرملين المضيء شاهدت ~~حاجبا في الزي الرسمي للكرملين ولونه رمادي داكن، ~~وعلى الياقة والأكمام ms096 أشرطة مزركشة حمراء، وكان يقف ~~معه ضابط طويل يحمل فوق أكتافه العلامات الذهبية ~~التي تميز رتبته العسكرية، وكانت تبدو عليه مظاهر ~~الجندية الكاملة بمعطفه ذي اللون الزيتوني الداكن، ~~وبنطلونه القصير الأزرق القاتم ذي الخطوط الحمراء، ~~وحذائه الجلدي الطويل الأسود. وكان يضع في حزامه مثل ~~جميع العسكريين في الكرملين مسدسا. # وعندما فتح الحاجب باب السيارة حياني هذا ~~الضابط بابتسامة ودية وذكر بعض كلمات بالروسية، ~~وأشار إلي أن أتبعه. # وحملنا مصعد إلى الدور الثالث، وسرنا في ردهة ~~طويلة ضيقة ذات سقف عال، وكان يقف حارس مسلح من ~~البوليس السري في زيه الرسمي عند كل منعطف فيها، ~~ويقتضي الدخول إلى جناح الماريشال ستالين المرور من ~~باب مزدوج عال مغطى ومبطن بجلد أخضر قاتم، ويفتح ~~على حجرات استقبال متتالية، وفي الثانية منها كان ~~يقف عدة ضباط من البوليس السري قريبا من مكتب كان ~~يجلس عليه رجل كامل الصلع في زيه الرسمي، وعلى كتفيه ~~شارة الجنرال، وعرفت فيما بعد أنه سكرتير ستالين في ~~مجلس الوزراء. # وتوقفنا في هذه الحجرة حتى أبلغ نبأ وصولنا، ~~ثم أدخل بي إلى حجرة اجتماع كان يقف في طرفها الآخر ~~ستالين ومعه مولوتوف وبافلوف الموظف الشاب المحبوب ~~بوزارة الخارجية والذي اشتغل مترجما للثلاثة الكبار # 21 # في طهران ويالتا وبوتسدام . # وحياني ستالين رسميا وصافحت مولوتوف ~~وبافلوف، ثم أشار لنا ستالين إلى المائدة لنجلس ~~عليها، وجلس عليها مواجها لي وظهره إلى الحائط ~~المعلق عليها صور مارشالي روسيا العظيمين سفروف ~~وكتزوف، وجلس مولوتوف إلى يمين ستالين، ولكنه لم ~~يشترك في المناقشة إلا في مناسبة أو اثنتين عندما ~~أسر إلى المارشال يذكره ببعض النقاط، وجلس بافلوف ~~بين ستالين وبيني، وقام بالترجمة لكلينا بأن كان ~~يدون في اختزال عبارات كل متحدث ثم يقوم بترجمة ما ~~دون بعد انتهاء كل متحدث، وكانت إنجليزيته ~~ممتازة. # وبدأ ستالين المحادثة بالتحية شبه الرسمية ~~المعتادة، وبالاستفسار عن رحلتي من الولايات ~~المتحدة، والسؤال عن صحة الرئيس ترومان # 22 # معبرا عن أمله في أن يكون متمتعا بصحة ~~جيدة، ثم أشار إلى اتحادنا في ms097 الحرب وذكر أني معروف ~~جيدا للجيش والشعب في روسيا. # فناولته بعد ذلك على الفور رسالة الرئيس ~~ترومان، فسلمها إلى بافلوف الذي قرأها له بالروسية، ~~وأنصت إليها ستالين دون أن يظهر ما أفهم منه شعوره ~~وإحساسه إزاءها، ولما انتهى بافلوف من قراءتها هز ~~ستالين رأسه ولم يعلق عليها بكلمة واحدة مما أثار ~~عجبي. # وبعد ساعتين عندما انتهى حديثنا، عاد ستالين ~~فأشار إلى دعوة الرئيس ترومان له وقال: «لقد كنت أود كثيرا أن أزور الولايات المتحدة، ~~ولكن السن يقتضي مني ضريبته، فأطبائي يحرمون علي ~~السفر لمسافات طويلة، كما أني ألتزم نظاما دقيقا ~~في الطعام، سأكتب إلى الرئيس ترومان وأخبره أنني لا ~~أستطيع تلبية دعوته؛ إذ يجب على الواحد منا أن يحافظ ~~على صحته. لقد كان الرئيس روزفلت ذا تقدير عظيم ~~لواجباته وإحساس عظيم بمسئولياته، ولكنه لم يصن ~~صحته، ولو فعل ذلك لكان من المحتمل أن يكون حيا ~~إلى اليوم.» # ولقد روت مدام شيروتي زوجة سفير إيطاليا الأسبق في موسكو أنها بقيت ~~مع زوجها في موسكو أكثر من خمس سنوات، ومع ذلك لم تتح لها فرصة ~~رؤية ستالين إلا مرة واحدة! وكانت هذه المرة الواحدة غريبة في ~~ظروفها وملابساتها. # وقد روت مدام شيروتي في كتابها الذي أصدرته في باريس بعنوان «لقد ~~عرفتهم » قصة هذه المقابلة فقالت: # لقد كنت أتحرق شوقا لكي أرى ستالين، ولقد كان ~~كل الناس يتحدثون عنه، وموسكو كلها تعلق صوره، ~~وتمنيت وقد قضيت أربع سنوات في موسكو لو تتاح لي ~~الفرصة قبل أن أغادرها لكي أرى ستالين ... وذات يوم ~~كنت أنا وزوجي نتنزه في إحدى الغابات القريبة من ~~موسكو، وفجأة إذا بسائق سيارتنا يقف ويقول وهو ~~يرتجف: إن ستالين وراءنا! # وكنت في دهشة من أمر السائق؛ فقد بلغ من ~~ارتباكه أن احتقن وجهه، ولم أستطع أن أنظر إلى ~~الوراء فاكتفيت بالتطلع إلى المرآة العاكسة، وبعد ~~قليل كانت سيارة ستالين السوداء الكبيرة قد لحقت ~~بنا، وخيل لي أنها خففت سرعتها وهي تسير بحذائنا، ~~والتفت وإذا وجه ستالين المعروف ينحني لينظر من ms098 ~~نافذة السيارة نحو سيارتنا ... # وبدا لي ستالين تماما كما يبدو في ~~الصور. # وهكذا ... ببساطة رأيت ستالين مرة واحدة خلال ~~أربع سنوات في الاتحاد السوفييتي. # وكتب كارنيجي عن ستالين في حياته الخاصة يقول: # ويقطن ستالين - بصفته الحاكم الأعلى لروسيا - ~~بقرب القصر الإمبراطوري الذي عاش فيه القياصرة تسعة ~~وستين عاما. # وقد كان في وسعه لو أراد أن يقيم في حجرات ~~ضخمة تزينها اللوحات الزيتية الخالدة والسجاد ~~الثمين، وينام في الفراش الذي نام فيه القياصرة، لكن ~~جوزيف ستالين اختار لسكنه شقة صغيرة من أربع غرف كان ~~يقطنها يوما أحد خدم القيصر! # أما طعامه فيأتيه من مطبخ قصر «الكريملين»، ~~ويقدمه إليه على المائدة جندي، وهو نفس الطعام الذي ~~يقدمه للمئات من موظفي القصر الحكومي! ... وستالين ~~يمقت الظهور، ويرتبك في حضرة الغرباء، وقد قضى بعض ~~سفراء الدول العظمى أعواما طويلة في موسكو بغير أن ~~يقع بصرهم عليه مرة! # لكنه مولع بالتأنق في ملبسه، وله ذوق خاص في ~~اختيار نسيج ستراته وألوانها، وقد قابله المبعوث ~~الأمريكي المرحوم ويندل ويلكي أربع أو خمس مرات، فلم ~~يره بنفس الثياب أكثر من مرة! ... وفي إحدى المرات ~~كانت سترته زرقاء فاتحة، وبنطلونه قرنفلي اللون، ~~وحذاءاه أسودين لامعين ... # وحين يهنئه الزائرون على المعجزات التي حققها، ~~يكتفي بالجواب: «إنها لا شيء بالقياس إلى ما نعتزم ~~القيام به» ... وهو برغم جبروته من الفطنة بحيث يدرك ~~أنه ليس معصوما من الخطأ، وقد كتب مرة: «إن فضيلة ~~الإنسان الرئيسية هي أن تكون له الشجاعة ليعترف ~~بأخطائه، والقوة على أن يصلح هذه الأخطاء في أقصر ~~وقت!» # وستالين يصل إلى تحقيق أغراضه، لكن أساليبه ~~تكون أحيانا فظة قاسية ... حتى لقد قال فيه لينين - ~~أبو الثورة الروسية: «هذا الطاهي سوف يترك الطعام ~~يسخن حتى درجة الغليان؟» ... ولكن لو لم يعد هذا ~~الطاهي الروسي وجبة في درجة الغليان لهتلر وأتباعه ~~النازيين، فهل في وسعنا أن نتصور كم ألفا آخرين من ~~جنود الحلفاء كان لا بد من التضحية بأرواحهم قبل أن ~~تنهار قلعة هتلر؟! # ذلك أن جوزيف ستالين - الطاغية - لكي ms099 ينقذ ~~روسيا ساهم بنصيب كبير في إنقاذ الديموقراطية، وإنه ~~ليفزع المرء أن يفكر فيما كان عساه أن يحدث لنا - لك ~~ولي - لولا بطولة جيش ستالين الأحمر وتضحياته ... ~~(23) عشاء مع ستالين # كان كل من يدعى إلى مائدة ستالين يتلقى بطاقة دعوة هذه صورتها ~~إذا كانت الدعوة للعشاء، وفي الغالب كان ستالين لا يدعو ضيوفه ~~إلا لتناول العشاء: # الماريشال ستالين: # يرجو من السيد: ... # التفضل بالاشتراك في عشاء الكرملين # مساء يوم ... # ولم يكن يحظى بهذا الشرف غير عدد محدود جدا من الأجانب، وفي أغلب ~~الأحوال كان ستالين إذا وجه دعوة العشاء إلى أجنبي، يهدف ~~التحدث معه في شئون هامة تتصل بالسياسة أو غيرها. # ولم يكن من حق الضيف الأجنبي الذي يدعى إلى مائدة ستالين أن ~~يستعمل عند ذهابه إلى الكرملين سيارته الخاصة، فيما عدا ~~السفراء، وكان هذا من باب الاحتياط على حياة ستالين. # وقبيل الموعد المحدد للحفلة كانت إحدى سيارات الكرملين الفاخرة ~~تتجه إلى مقر الضيف وتنقله رأسا إلى الساحة الداخلية للقصر، ~~وعند مدخل هذه الساحة يظهر حارسان بكامل سلاحهما ويستوقفان ~~السيارة، ويضغط أحدهما بحذائه على جرس أرضي فيسرع في الحال ~~أربعة ضباط ممن ينتظرون في حجرة الحراس لكي يتولوا فحص الأوراق ~~الخاصة بالضيف والتحقق من سلامتها. # وتسير السيارة بعد ذلك إلى ساحة داخلية أخرى، وفي تلك الساحة ~~يستوقفها ستة ضباط آخرون لكي يعيدوا من جديد فحص الأوراق ~~وتفتيش السيارة تفتيشا دقيقا ... # وإذا انتهت هذه المرحلة تحركت السيارة في طريقها واجتازت عدة ساحات ~~داخلية أخرى في ظل عدد من الأعمدة التي تتميز بها قلعة ~~الكرملين، ويرافق السيارة في تنقلها من ساحة إلى أخرى ضابط يقف ~~على سلمها. # وأخيرا تقف السيارة أمام باب متواضع يقف عنده حاجب يرتدي الملابس ~~الزرقاء، وهو مخصص لاستقبال ضيوف ستالين من الأجانب، ويصعد ~~الضيف يتقدمه الحاجب إلى الدور الثاني بواسطة المصعد، ويسير ~~الاثنان في رواق طويل يصطف الحجاب على جانبيه حتى يصلا إلى ~~قاعة كسيت جدرانها بالخشب، وعلقت بها صور زيتية تمثل جميع ~~أبطال روسيا الوطنيين ... ومن بينهم بعض ms100 أمراء موسكو. # ويقف ستالين مرتديا كسوة «الماريشال» وراء مائدة مصنوعة من خشب ~~الزان السميك وقد غطيت بالمرايا، واعتاد ستالين أن يحيي ضيفه ~~الأجنبي بعبارة تقليدية هي: راد فيديت داس جوسبودين! # ومعناها بالروسية: إنني سعيد جدا بلقائك ... يا سيدي! # وبعد أن تنتهي مراسيم التحية والترحاب يجلس الجميع طبقا لمراسيم ~~وبروتوكول لا يقل دقة عن المراسيم التي تتبع في أي قصر ملكي ~~عريق التقاليد! # وإلى جانب ستالين اعتاد أن يقف رجل صغير الحجم، تبدو عليه هيئة ~~الجد، ويضع منظارا على عينيه، وهو لا يفارق ستالين عندما ~~يقابل ضيفا أجنبيا. # وكان هذا الرجل هو «بافلوف» مترجم ستالين الخاص، ويقول المترجم ~~للضيف في لغة إنجليزية صحيحة: إن مستر ستالين سعيد جدا ~~برؤياك؟ # وكان المعروف عن ستالين أنه إذا اشترك في مؤتمر من المؤتمرات جلس ~~ليستمع أكثر مما يتكلم؛ بحيث لا يتقدم إلا بملاحظات قليلة ~~جدا ... أما في المآدب فإن ستالين كان يسرف في الحديث إلى درجة ~~لا تتيح الفرصة لبافلوف حتى يترجم له كل كلامه. # وكان بافلوف يغادر أحيانا مكانه الملاصق لمكان ستالين ويتمشى في ~~الحجرة، ولكنه ما يلبث أن يعود إلى الضيف في الوقت المناسب ~~لينقل إليه ملاحظات ستالين وكلماته بعد أن يكون ستالين قد ~~انتهى منها! # وقبل تناول الطعام كان ستالين يرفع كأسه ليشرب النخب، وكان ستالين ~~إذا أراد المبالغة في إكرام ضيفه أزاح من أمامه جميع المشروبات ~~المألوفة وأمر بأن يقدم له كأس من مشروبه الخاص. # وحتى اليوم لم يعرف أحد حقيقة الشراب الذي كان يقدمه ستالين ~~لضيوفه، وحدث مرة أن سياسيا بريطانيا ممن كانوا يفاخرون ~~بمعرفتهم لجميع أنواع المشروبات بمجرد تذوقها، حدث أن هذا ~~السياسي سئل بعد تناوله العشاء مع ستالين عما إذا كان قد تذوق ~~شراب ستالين السري، فلما رد بالإيجاب سئل عما يكون هذا ~~الشراب، فقال: إنه ليس إلا نبيذ «البورتو» المشهور مزج به ~~بعض «الجين»! # ولكن السياسي المشهور اعترف مع ذلك أنه عجز عن إنتاج شراب ~~ستالين! # وكانت مائدة ستالين من الموائد الحافلة بأشهى الأطعمة حتى في ms101 سنوات ~~الحرب، وكانت لا تخلو يوميا من «الكافيار»، كما أن أطباق ~~الخضر كانت قليلة بعكس أطباق اللحوم والبيض ... # وبين كل طبق وآخر كان ضيوف ستالين يتناولون كئوس الشمبانيا بدلا ~~من الماء! # وكان تشرشل ممن يحبون أنواع الطعام الجيد، وممن يعرفون أسرار الطبق ~~اللذيذ الطعم، وفي ذات مرة كان يتناول العشاء على مائدة ~~ستالين، فسأله: ترى ماذا تقدم لي الليلة؟ # وابتسم ستالين وقال: إنه أعد لضيفه مفاجأة! # وأكل تشرشل واعترف بأن الطبق لذيذ، ولكنه اعترف أنه لم يعرف أي لحم ~~يأكل؟ # وابتسم ستالين مرة أخرى وقال: إنه قدم له طبقا من لحم ~~الأرانب! ~~••• # وأثناء تناول الطعام كان يقف وراء كل ضيف من ضيوف ستالين خادم خاص ~~يتولى تلبية كل طلب يصدر منه، وكان ستالين يختار الذين يتولون ~~الخدمة على مائدته من بين قدامى الجنود الذين اشتركوا في ~~المعارك وأبلوا فيها بلاء حسنا ... ولكنهم كانوا يتقنون عملهم ~~إلى أبعد حد، ولا يختلفون عن الخدم الذين يعملون في أكبر ~~الفنادق وأشهرها. # واعتاد ستالين ألا يبارح المائدة بعد الطعام، بل كان يبقى مع ضيوفه ~~أكثر من ساعة وهو يتبادل معهم الأحاديث المختلفة. # وبعد تناول القهوة تبدأ مرحلة الأحاديث الهامة، وكان يقدم لضيوفه ~~مع القهوة أنواع الفطائر الصغيرة المصنوعة بالملح، وبعد القهوة ~~يقبل الخدم وهم يحملون كئوس الفودكا التي لا مفر من شربها ~~بوصفها الشراب القومي الروسي! # وإذا انتهت القهوة والفودكا بقي الضيوف في انتظار إشارة تصدر إليهم ~~من رئيس التشريفات لكي يدعوهم إلى القيام ومغادرة المائدة، وقد ~~يستبقي ستالين أحدهم أو بعضهم إذا شاء، لكي يوجه إليه حديثا ~~خاصا. # ولم يحدث أن باح أحد قط بأسرار هذه المحادثات الليلية الخاصة التي ~~كانت تبدأ عادة بعد العشاء، وقد تستمر حتى ساعات الصباح ~~الأولى ... # إن ستالين كان يفضل هذا الوقت من الليل لمعالجة المشاكل السياسية، ~~وإجراء ما يريد من مباحثات خاصة، ولقد عرف على وجه التأكيد أن ~~أخطر القرارات التي اتخذها في حياته جاءت وليدة المباحثات ~~والمداولات الخاصة التي تمت بين منتصف الليل وفجر اليوم ~~التالي. ms102 ~~(24) ستالين والحرب العالمية الثانية # كان ستالين قد تعلم شيئا هاما من المذابح وعمليات التطهير ~~الواسعة التي قام بها ... لقد تعلم وأدرك مدى تأثير قوة الرأي ~~على عقول الناس؛ ولذلك فقد رأى أن يستغل أسطورة خلود مبدأ ~~«اللينينية-الستالينية»، وطلب من كل كاتب وشاعر وموسيقي ورسام ~~في الاتحاد السوفييتي أن يخصص جهوده كلها لنشر هذه الأسطورة ~~وتأكيدها وتثبيتها في عقول الناس عن طريق التكرار ~~المستمر. # وهكذا أطلق اسمه على أعلى قمة في روسيا، كما أطلق اسمه أيضا على ~~15 مدينة روسية على الأقل، وعلى عدد لا يحصى من المصانع ~~والشوارع، وطبعت ملايين النسخ من كتبه ومؤلفاته، وأطلق على ~~معدن جديد اكتشف في روسيا اسم «الستالينايت»، كما تعلم ~~الأطفال في مدارسهم أن يقولوا كل صباح قبل أن يبدءوا دروسهم: ~~«شكرا لستالين على هذه الحياة السعيدة!» # واستمرت هذه الأسطورة في إعمال أثرها حتى عام 1939 عندما نشبت ~~الحرب العالمية الثانية، وعقد هتلر اتفاقيته مع روسيا، ولكن ~~هذه الأسطورة لم تمنع الجيش الألماني من اكتساح الحدود الغربية ~~لروسيا قبل أن ينقضي عامان على التحالف الألماني الروسي، وفي ~~أربعة شهور كان الألمان قد وصلوا إلى ضواحي موسكو ~~وليننجراد. # وقد كان من أسباب نجاح الألمان في هذا الغزو اندحار مئات من قواد ~~روسيا الذين كانوا يكرهون ستالين وتسليم 4 ملايين روسي من ~~الجنود الفلاحين، ولكن في ذلك العام أيضا تدخل الحظ وجاء ~~الشتاء حليفا صادقا لستالين ولروسيا، كما فعل قبل ذلك بمائة ~~وثلاثين عاما عندما غزا نابليون موسكو فرده نفس الشتاء القاسي ~~مدحورا. # ستالين يصافح فون رينتروب وزير خارجية ألمانيا ~~بمناسبة التحالف الروسي الألماني! # وتغيرت الدعاية الشيوعية خلال الحرب العالمية، وأهملت المبادئ ~~الماركسية، وبدأ المسئولون ينشرون الدعاية للوطنية القومية ~~وينادون بها ويدعون الناس إلى التمسك بها. # وقال ستالين في ذلك: «فلتستلهموا الوحي من صور أسلافنا العظام: ~~ألكسندر نفسكي، وديمتري بوزارسكي، وألكسندر سيرفوف، ~~وميخائيل كوتوزوف.» # وبدأت مصانع الأورال في إمداد الجيوش بالطائرات والأسلحة خلال شتاء ~~1941-1942، وفي ذلك الشتاء خلق ستالين جيشا لروسيا جند فيه ~~كل قادر على ms103 حمل السلاح من الرجال والنساء، وكان يقود المعركة ~~من الكرملين. # ولما حاصر الألمان ستالينجراد وأخذ قواد حاميتها من الروس يطلبون ~~الإمدادات، قال ستالين لرئيس هيئة أركان الحرب فاسيليفسكي: ~~مهما صاحوا ومهما اشتكوا فلا تعدهم بإرسال أي جنود من ~~الاحتياطي، ولا تبعث إليهم بفصيلة واحدة من حامية ~~موسكو. # وكان تيتو في زيارة خاصة للكرملين قبل أن تنتهي الحرب بفترة وجيزة، ~~فسمع ستالين يوبخ الماريشال مالينوفسكي الذي كانت قواته قد ~~توقفت عن التقدم، سمع تيتو ستالين وهو يصيح في مالينوفسكي ~~قائلا: إنك نائم هناك! بل إنك تغط في نومك وتقول: إنه ليس ~~عندك فرق دبابات، لو كانت جدتي في مكانك لعرفت كيف تقاتل ~~الدبابات، لقد حان الوقت لأن تتقدم، هل تفهم ما أقول؟! # وشقت جيوش ستالين طريقها نحو برلين، ولكن الثمن كان غاليا ... فقد ~~كلفه ذلك نحو 8 مليون قتيل! # وفي عام 1943، وفي وقت كان الألمان فيه يحتلون جزءا من روسيا أبدى ~~ستالين استعدادا للتفاهم مع الحلفاء؛ أمريكا وبريطانيا، وكتب ~~روزفلت لتشرشل يقول له: أظن أن في وسعي التفاهم مع ~~ستالين! # وفي اجتماع الأقطاب الثلاثة بطهران ألح ستالين على روزفلت أن ينزل ~~في دار السفارة الروسية، وأثار تشرشل في ذلك الاجتماع موضوع ~~فرض رقابة دولية على الانتخابات البولندية، فقال تشرشل: ليس في ~~الإمكان تنفيذ ذلك ؛ لأن البولنديين شعب مستقل وهم لا يقبلون أن ~~يراقب انتخاباتهم أحد بالمرة! # وجاء ذكر الفاتيكان على لسان تشرشل، فتساءل ستالين: كم عدد الفرق ~~العسكرية التي لدى البابا؟ # وكتب تشرشل فيما بعد يقول: إن ستالين والروس لا يطمعون في شيء لا ~~يخصهم، ولو أنهم قد يستولون على جزء من ألمانيا ... # ولم يمر عام واحد على هذا حتى أخذ ستالين يطالب ببورت آرثر ودارين ~~وجزر كوريل، وذلك مقابل وعد كان قد تلقاه بالحصول على هذه ~~الجزر لو دخل الحرب ضد اليابان. وقال ستالين وهو يطالب بكل ~~هذا: إن كل ما أريد هو أن أعيد لروسيا ما أخذه اليابانيون من ~~بلادي! # وقال روزفلت معلقا على هذا: يبدو أن هذا الكلام ms104 معقول ~~جدا! ~~(25) قياصرة الكرملين # كانت الفكرة السائدة هي أن «المكتب السياسي» الذي يشرف على السياسة ~~العليا في اتحاد الجمهوريات السوفييتية جسم متناسق الأعضاء، ~~صلب العود ... ولكنه في الواقع جسم مملوء بالانقسامات الداخلية ~~والمنافسات ... # هكذا يقول الكولونيل الروسي جريجوري توكايف، وهو من كبار ضباط ~~الجيش الروسي الذين فروا من روسيا. # ويستطرد الضابط الروسي الكبير فيقول: إنه منذ أنشئ هذا المكتب ~~السياسي في عام 1917، لم يحدث مطلقا أن استكمل مدته القانونية ~~المحددة بسنوات خمس دون أن يبتر عضو من أعضائه أو أكثر من عضو، ~~بل لقد حدث هذا مدة الحرب نفسها، على حين كانت الظروف تقتضي ~~وقتئذ تركه كما هو. # وقد كان هذا المكتب أول مكتب سياسي يتكون من أفراد «الحرس القديم» ~~أو «حرس لينين» كما كان يطلق عليه ... ولم يبق من أفراد هذا ~~الحرس في النهاية إلا ستالين. # أما باقي الأعضاء وهم: زينوفييف وتروتسكي وكامنيف وبوخارين ~~وكرستينسكي وغيرهم فقد بتروا من المكتب بترا - كل بدوره - ~~لسبب واحد هو خلافهم مع الزعيم! # وقد عين ستالين مكانهم أنصاره وزملاءه في الجهاد، وجلهم من مسقط ~~رأسه في القوقاز، وكان هذا التغيير يقتضي في كل مرة مذابح ~~ومجازر دموية يروح ضحيتها آلاف الأشخاص. ~~••• # وهكذا جمع ستالين من حوله في الكرملين حفنة من الرجال يعاونونه ~~ويقفون وراءه، ويشتركون معه في تكييف الأحداث. # ستالين ... صاحب أكبر تمثال أقيم لكائن ~~حي. # وكان أبرز رجال الكرملين هم أعضاء المكتب السياسي ... # وكان أبرز أعضاء المكتب السياسي هو «ياستيلاف ميخايلوفيتش مولوتوف» ~~الذي شغل مقعد وزير الخارجية والنائب الأول لرئيس مجلس وزراء ~~الاتحاد السوفييتي. # وقد بدأ مولوتوف حياته السياسية سنة 1906 بالانضمام للحزب الشيوعي، ~~وانتهى به الأمر إلى أن أصبح عضوا في مجلس السوفييت الأعلى، ~~ثم عين عضوا في المكتب السياسي سنة 1926. # ويبدو مولوتوف أبعد ما يكون في منظره عن رجال السياسة، وربما كان ~~لينين نفسه - نبي الشيوعية - أصدق من رسم صورة ~~لمولوتوف. # مولوتوف. # بيريا. # ميكويان. # بولجانين. # فقد حدث أن جاء ستالين مرة يقترح على لينين في حياته أن يعين ~~مولوتوف عضوا ms105 في مجلس السوفييت الأعلى. # وسأل لينين باستنكار: مولوتوف؟! # وقال ستالين: نعم مولوتوف، لقد كان من أوائل الذين انضموا إلى ~~الحزب، ثم هو من مؤسسي جريدة برافدا ... # وقاطعه لينين: نعم ... نعم ... أعرف كل هذا، ولكن يخيل إلي أن ~~مولوتوف يصلح بهيئته أن يكون موظف أرشيف! # ولقد أصبح موظف الأرشيف في رأي لينين ... وزيرا لخارجية روسيا سنة ~~1939. # وقد كان مولوتوف هو الذي وقع مع ألمانيا ميثاق عدم الاعتداء في ~~أغسطس سنة 1939، وكان هو الذي سافر إلى ألمانيا سنة 1941 ليحسن ~~العلاقات، وكانت النتيجة وقد رواها الماريشال جورنج على لسانه: ~~بعد أن انتهت زيارة مولوتوف ومقابلته لهتلر، التفت إلى الفوهرر ~~- أي: هتلر - وقال: «يظهر أننا يجب أن نسرع بغزو ~~روسيا»! # وقد تولى مولوتوف خلال الحرب الأخيرة - علاوة على عمله كوزير ~~للخارجية - مهمة الإشراف على برنامج إنتاج الدبابات. # ولقد شوهد مولوتوف مرة واحدة يضحك من أعماقه، وقد روى الجنرال ~~«ولتر بيدل سميث» سفير الولايات المتحدة السابق في موسكو قصة ~~هذه المرة، فذكر أنه حدث أثناء اجتماع وزراء خارجية الدول ~~الأربع الكبرى في موسكو أن أقيمت حفلة عشاء تكريما لهم في ~~السفارة الأمريكية، وفي ركن من الصالون بعد العشاء جلس مولوتوف ~~وبيفن يتبادلان النكت الساخرة ... # وفجأة سمع السفير الجنرال بيدل سميث صوت قهقهة عالية غريبة، فالتفت ~~وإذا مصدرها مولوتوف، وأسرع السفير يتقصى السبب، وظهر أن بيفن ~~روى نكتة عن لينين ورفض المترجم «الرفيق تريانوفسكي» الذي كان ~~ينقل الأحاديث بين الوزيرين أن يترجمها إلى الروسية، وقال ~~للمستر بيفن بالإنجليزية وصوته ينتفض غضبا: سيدي ... نحن هنا في ~~روسيا لا نروي نكتا عن لينين! # وأحرج بيفن وتلعثم ... وأحس مولوتوف أن هناك شيئا فطلب من المترجم ~~أن يروي القصة، ولما سمعها كانت هذه القهقهة المرتفعة ... ~~الوحيدة التي سمعها العالم علنا من مولوتوف. # وكان الرجل الثالث في الكرملين هو الرفيق «جيورجي ماكسيجليانوفيتش ~~مالنكوف». # وكان يشغل أيضا - كمعظم أعضاء المكتب السياسي - منصب نائب رئيس ~~الوزراء. # وعين مالنكوف عضوا في المكتب السياسي من سنة 1946، وتولى ~~سكرتارية الحزب الشيوعي، وهو نفس المنصب الذي ms106 كان يشغله ~~الماريشال ستالين. # وقد كان مالنكوف سكرتيرا خاصا لستالين، وكان ستالين هو الذي ~~دربه على العمل بنفسه، وشجعه، ووضعه في أخطر المناصب. # وثمة أوجه شبه كبيرة في تاريخ حياته وتاريخ حياة ستالين ... # فقد كان كلاهما من جورجيا، وكلاهما شغل تقريبا نفس ~~المناصب. # وكان الرجل الرابع في الكرملين هو «لافرنتي بافلوفيتش بيريا»، وكان ~~اسم «بيريا» يلقي الذعر في كل مكان؛ لأن «بيريا» كان مدير ~~البوليس السري، وكان أيضا وزير الداخلية، وعضو المكتب السياسي ~~المسئول عن الأمن في كل أنحاء الاتحاد السوفييتي. # وكان «بيريا» من أقرب رجال الكرملين إلى ستالين الذي أيد تعيينه ~~عضوا في المكتب السياسي سنة 1946، وجعله عضوا في مجلس ~~السوفييت الأعلى، ومنحه رتبة «ماريشال الاتحاد ~~السوفييتي». # وكان «بيريا» هو الرجل المسئول عن الذرة في روسيا، فرأس شبكة ~~الجاسوسية المخصصة لمعرفة أسرار الذرة في العالم الخارجي، ~~والهيئة المشرفة على موارد الذرة. ~~••• # وكان كل الناس في موسكو يقولون: إن «بيريا» يجلس على نفس القمة ~~الخطرة التي جلس عليها قبل ذلك «ياجودا» و«يزهوف»، وقد اختفى ~~كل منهما في ظروف مثيرة، وتحقق يقينا ما تنبأ به ~~الناس. # وكان الرجل الخامس في الكرملين هو «نيكولا ألكسندروفيتش ~~بولجانين». # وقد كان «بولجانين» وزيرا للقوات المسلحة أيام الحرب. # ودخل المكتب السياسي عضوا احتياطيا سنة 1946، وفي سنة 1948 أصبح ~~عضوا أصيلا في المكتب. # ستالين يتوسط فوروشيلوف وكالينين (في المؤتمر ~~السادس عشر للحزب). # وكان «بولجانين» هو الوحيد - تقريبا - من أعضاء المكتب السياسي ~~الذي يظهر في الحفلات الديبلوماسية في موسكو. # وكان الرجل السادس في الكرملين هو «لازار موسييفيتش كاجانوفيتش»، ~~وكانوا يطلقون عليه في الاتحاد السوفييتي «القوميسير الحديدي»؛ ~~ذلك لأن «كاجانوفيتش» برع في التنظيم براعة ليس لها نظير في ~~العالم، حتى أصبح كل إصلاح يحتاج إلى حزم أمرا يعالجه ستالين ~~بإرسال «كاجانوفيتش» الذي كان قبل الثورة صانع أحذية! # أما الاسم الثاني الذي كانوا يطلقونه على «كاجانوفيتش» فهو اسم: ~~«اليهودي»؛ ذلك لأن «كاجانوفيتش» كان اليهودي الوحيد من بين ~~أعضاء المكتب السياسي. # وكان الرجل السابع في الكرملين هو «أندريه أندريفيتش أندرييف»، ~~وكان ms107 يتولى الإشراف على المزارع الجماعية التي تعتبر العمود ~~الفقري في الاقتصاد الروسي. # وكان رجل الكرملين الثامن هو «نيكيتا خروشيشيف». # وكان الرجل التاسع في الكرملين هو «أليكس نيكولاييفيتش كوزيجين»، ~~وكان يشغل في نفس الوقت منصب وزير مالية الاتحاد ~~السوفييتي. # وكان الرجل العاشر هو «أناستاس إيفانوفيتش ميكويان»، وميكويان من ~~مواليد أرمينيا، وكان يشغل منصب وزير التجارة الخارجية. # والرجل الحادي عشر هو الماريشال «كليمنتي أفريموفيتش ~~فورشيلوف». # وكان آخر رجال الكرملين والرجل الثاني عشر في المكتب السياسي هو ~~«نيكولاي ميخايلوفيتش شفرنيك»، وكان رئيس الدولة في روسيا ~~بوصفه رئيس مجلس السوفييت الأعلى. # وكان لكل عضو من هؤلاء كامل السلطة في اتخاذ الإجراءات ضد أي فرد ~~أو جماعة داخل الاتحاد السوفييتي ... وينطبق هذا القول بصفة خاصة ~~على ستالين وبيريا. # وكان بيريا يرأس هيئة «م. ف. د» التي تدير حركة حكم الإرهاب في ~~روسيا كلها، ولم يكن نائب ستالين فقط، بل كان أخلص أصدقائه؛ إذ ~~كان يدين بمركزه لعلاقته بستالين بوصفه حارسه الخاص داخل ~~المكتب السياسي، فما يكاد عضو من الأعضاء يعارض ستالين حتى يجد ~~نفسه وجها لوجه أمام بيريا. # وكان أقرب الأعضاء اتصالا بمحور ستالين بيريا هو ميكويان بوصفه من ~~أصدقاء ستالين أيضا ومن أبناء وطنه الأصلي ... # ومن هؤلاء الثلاثة: ستالين وبيريا وميكويان كانت تتكون السلطة ~~العليا في المكتب السياسي، وكان أكبر خطر يتهدد هذه السلطة ~~الثلاثية هو خطر زدانوف، فلما تخلصوا منه تنفسوا ~~الصعداء! # وكان أكبر من يؤيد سياسة الأقطاب الثلاثة في المكتب فورشيلوف ~~وخروشيشيف ... وكانا من طراز الأعضاء الذين يبدءون بقراءة ~~التوقيعات التي تذيل ما يقدم إليهم من وثائق، فإذا وجدوا توقيع ~~ستالين وقعوا دون أن يقرءوا أو يناقشوا. # أما قوة مولوتوف فكانت ترجع إلى أنه ظل من عام 1922 إلى عام 1930 ~~يشغل منصب سكرتير اللجنة المركزية، كما أنه كان يشغل من عام ~~1930 إلى 1940 منصب رئيس مجلس وزراء الشعب. # وهكذا تبوأ أكبر منصب في الاتحاد السوفييتي بعد منصب ستالين نفسه ... ~~والمعروف أن ستالين هو الذي رفعه إلى هذه المناصب العليا ... ~~(26) قضية ms108 الأطباء # يبدو أن ستالين في عامه الأخير كان يفكر في مجزرة دموية كبيرة من ~~نوع تلك المجازر التي وقعت بين عامي 1935 و1939. # ففي مستهل عام 1953 وجه الاتهام إلى بعض كبار أطباء الكرملين، ~~وقيل: إن المسئولين قد «اكتشفوا» أن هؤلاء الأطباء قد دسوا ~~السم لأندريا زادنوف ولألكسندر شيرباكوف، وكان الاعتقاد سائدا ~~قبل ذلك بأنهما قد ماتا موتا طبيعيا. # وما لبث الأطباء الذين وجهت إليهم هذه التهمة أن «اعترفوا» بأنهم ~~كانوا يدبرون جرائم أخرى بدس السم البطيء المفعول لبعض كبار ~~ماريشالات الجيش وقواده. # وكانت إزاحة الستار عن مؤامرة الأطباء مصحوبة بالنداء المعتاد في ~~مثل هذه الظروف؛ وهو ضرورة اتخاذ الحيطة والحذر الشديد من ~~الجواسيس والمخربين والمدمرين، كما وجه الاتهام إلى القوات ~~المسئولة عن المحافظة على الأمن الداخلي بقيادة لافيرنتي بيريا ~~بأنها قد فشلت في حماية حياة الذين راحوا ضحية لتآمر هؤلاء ~~الأطباء، كما فشلت في اكتشاف مؤامراتهم. # وكثر الحديث وقتئذ عن «مرض الإهمال والتساهل والغباوة ~~والخطأ». # وقيل: إن المؤامرة أوسع نطاقا مما يتصور الناس، وإن لها اتصالات ~~بهيئات معادية خارج الاتحاد السوفييتي، وإن عددا من الدول ~~الاستعمارية كان يعمل على تشجيع هذه المؤامرة ويمولها، كما جاء ~~في البلاغ الرسمي الذي نقلته وكالة تاس السوفييتية ونشرته ~~جريدة برافدا في يوم 13 يناير سنة 1953 أن الهيئات التي شجعت ~~المؤامرة في الخارج كانت تعمل على: «... نشر التجسس الواسع المدى ~~والإرهاب وأعمال التخريب الأخرى في بلاد كثيرة من بينها ~~الاتحاد السوفييتي.» # وذكر البلاغ كذلك أن ثلاثة من الأطباء الذين اشتركوا في المؤامرة ~~ثبت أنهم عملاء للمخابرات البريطانية. # وكانت الاستعدادات تجري لمحاكمة هؤلاء الأطباء والقضاء عليهم، إلا ~~أن المنية عاجلت ستالين؛ ففي أقل من شهرين من إذاعة نبأ ~~اكتشافها (13 يناير 1953) سقط ستالين على فراشه مصابا بنزيف ~~في المخ (ليلة 1 و2 مارس 1953)، ومع ذلك فقد عرف أن اثنين من ~~الأطباء الذين وجهت إليهم التهمة ولم يكن عددهم يقل عن اثني ~~عشر طبيبا، عرف أن اثنين منهم قد توفيا في السجن بسبب ما ~~لقياه ms109 من تعذيب. # وخير من يقص علينا قصة «قضية الأطباء» هو الرفيق خروشيشيف في خطابه ~~المشهور الذي فضح به زعيمه السابق ... فهو يقول: # والآن دعونا نتذكر قضية الأطباء المتآمرين ~~المزعومة. # الواقع أنه لم تكن هناك قضية ما ... فكل ما ~~أقيمت عليه القضية من أسانيد هو تصريح الدكتورة ~~تيماسول التي كان من المحتمل أنها تأثرت أو تلقت ~~أمرا من شخص ما «ومن المحتمل أنها كانت تتعاون بصفة ~~غير رسمية مع إدارة البوليس السري» بأن تكتب رسالة ~~لستالين تزعم فيها أن الأطباء كانوا يطبقون وسائل ~~غير صحيحة في علاجه. # وهكذا كان هذا الخطاب وحده هو الدليل الذي جعل ~~ستالين يستنتج وجود أطباء متآمرين في الاتحاد ~~السوفييتي، ومن ثم أصدر أوامره بالقبض على جماعة من ~~أطباء الاتحاد السوفييتي الأخصائيين البارزين، وأصدر ~~بنفسه التوجيهات اللازمة لتحقيق الموضوع وطريقة ~~استجواب الأشخاص المقبوض عليهم. # وكذلك قال ستالين نفسه: إن الأكاديمي ~~فينوجرادوف يجب أن يكبل بالأغلال، وإن شخصا آخر يجب ~~أن يضرب. ومن بين الحاضرين في هذا المؤتمر وزير أمن ~~الدولة السابق الرفيق إيجناتييف الذي قال ستالين له ~~بقسوة: إذا لم تحصل على اعترافات من الأطباء فستفصل ~~رأسك عن عنقك! # كذلك استدعى ستالين شخصيا القاضي المحقق ~~وأصدر إليه تعليماته، وشرح له الوسائل التي يجب أن ~~تتبع في التحقيق. # وكانت هذه الوسائل بسيطة: اضرب واضرب ثم اضرب ~~مرة أخرى ... # وبعد القبض على الأطباء بفترة قصيرة تلقينا ~~نحن أعضاء المكتب السياسي عدة محاضر تشتمل على ~~«اعترافات» الأطباء بجرائمهم، وبعد توزيع هذه ~~المحاضر علينا قال لنا ستالين: إنكم عميان كالقطط ~~الصغيرة! ماذا كان عساه يحدث لولاي؟ سوف تضيع البلاد ~~لأنكم لا تعرفون كيف تميزون الأعداء؟! # ولقد عرضت القضية بشكل يعجز معه أي شخص عن ~~معرفة الحقائق التي يبنى عليها التحقيق، كما كان من ~~المستحيل الاتصال بأولئك الذين «اعترفوا» بجرائمهم ~~لمعرفة الحقائق منهم. ولكننا كنا نشعر بأن تلك ~~القضية تكتنفها الشكوك؛ ذلك أننا كنا نعرف بعض هؤلاء ~~الرجال شخصيا، فهم قد تولوا علاجنا في بعض ~~الأحيان. # وعندما درسنا هذه «القضية» بعد موت ms110 ستالين ~~تبين لنا أنها كانت ملفقة من الألف إلى ~~الياء. # إن هذه «القضية» الشائنة كانت من تلفيق ~~ستالين. ومن حسن حظ الأطباء أن ستالين لم يتسع له ~~الوقت الذي يمكنه من إنهاء «القضية» على النحو الذي ~~كان يرتئيه، ولهذا السبب ما زال هؤلاء الأطباء على ~~قيد الحياة. # وقد رد إليهم جميعا اعتبارهم وهم يعملون في ~~نفس الأماكن التي كانوا يعملون فيها من قبل، ~~ويعالجون كبار الأفراد بما فيهم رجال الحكومة، كما ~~أنهم يتمتعون بثقتنا الكاملة، ويؤدون واجبهم بأمانة ~~مثلما كانوا يفعلون من قبل. ~~(27) وفاة ستالين # لم يحدث في التاريخ أن جمع حاكم في يده مثل هذه السلطة المطلقة ~~التي كانت لستالين، سواء كان «خان» أم «قيصر». # لقد كان أعظم من بطرس الأكبر فمد إمبراطورية روسيا حتى شملت ربع ~~الأرض، كما امتد ظلها إلى باقي الكرة الأرضية ... # كانت كلمته «إنجيلا» ... # وكانت رغبته قانونا! # كان الكثيرون يعتبرونه: «من لا يقهر» و«العم» و«الأخ الكبير» ~~و«الأب العظيم» و«القائد» و«المعلم». # وقال فيه أحد الشعراء السوفييت: # زعيم جميع الناس ... # الذي يدعو المخلوقات إلى الحياة # ويوقظ الأرض! # ولكنه مع ذلك كان لا يعدو أن يكون مخلوقا آخر بين المخلوقات وقع ~~له ما يقع لسائر المخلوقات العادية، فقبيل الساعة العاشرة من ~~مساء يوم الخميس 5 مارس من عام 1953 توفي جوزيف فيساريو ~~نوفيتش، المشهور باسم كوبا «الذي لا يقهر»، أو ستالين «رجل ~~الصلب». # وكانت وفاته مثل حياته، يكتنفها الظلام والسر والغموض، ولم يعرف ~~العالم الخارجي حتى في هذه المناسبة التاريخية الهامة إلا ما ~~أراد أن يقدمه له المحيطون بستالين من معلومات. # عرف العالم أنه حدث في مساء يوم الأحد السابق للوفاة أن أصيب ~~ستالين بإغماء نتيجة انفجار شريان من شرايينه، وقد أعقب ~~الانفجار نزيف شديد في الجهة اليسرى من المخ، وكان من نتيجة ~~ذلك أن شلت حركة يده اليمنى وساقه اليمنى كما أنه فقد النطق ... # ودعي أكبر الأطباء في الاتحاد السوفييتي، وعلى رأسهم وزير الصحة ~~ومعه تسعة من الأخصائيين لعلاج المريض، وقد فرضت عليهم جميعا ~~رقابة شديدة، وأحصيت ms111 كل همسة من همساتهم أثناء تشاورهم. # كان هناك تسعة أطباء يراقب كل واحد منهم الآخر، كما أن وزير الصحة ~~كان يراقب الأطباء، كما أن اللجنة المركزية والحكومة كانتا ~~تراقبان الوزير، وكان كل ذلك يعلن للعالم. # وكتم السر العظيم مدة 48 ساعة فلم يعلم به إلا المقربون والأطباء ... # وفي صبيحة يوم الأربعاء، عند الساعة الثامنة تماما أذيعت الأخبار ~~على العالم كله بعد أن ردد راديو موسكو صوت أجراس الكرملين ~~التي تلتها موسيقى حزينة هادئة، ثم تكلم المذيع بصوت بطيء فقال: # إن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي بالاتحاد ~~السوفييتي ومجلس وزراء اتحاد الجمهوريات الاشتراكية ~~السوفييتية يعلنان ما حل من مصاب أليم بالحزب ~~والشعب؛ وهو خبر المرض الخطير الذي ألم بالرفيق ج. ~~ف. ستالين، إذ حدث خلال ليلة 1-2 مارس أن أصيب ~~الرفيق ستالين بنزيف أثر على أجزاء حيوية من ~~مخه. # إن اللجنة المركزية ومجلس الوزراء ليعبران عن ~~ثقتهما في أن الحزب وجميع أفراد الشعب السوفييتي ~~سيظهرون في هذه الظروف أعظم الاتحاد والائتلاف وسمو ~~الروح المعنوية والحذر. # وتبع ذلك بلاغ ثان أصدره أطباء جوزيف ستالين العشرة، وجاء به: # اتخذت في يومي 2 و3 مارس الإجراءات الضرورية ~~للعلاج مستهدفة تحسين التنفس المضطرب والدورة ~~الدموية ... # وفي الساعة الثانية من صباح يوم 4 مارس كانت ~~حالة ج. ف. ستالين الصحية لا تزال خطيرة ... فالتنفس ~~3600 في الدقيقة ... والنبض 120 وهو غير منتظم ~~بالمرة. # وتعطل صدور صحف الصباح في روسيا عدة ساعات حتى ساورت أهل موسكو وهم ~~في طريقهم إلى العمل الشكوك والمخاوف، وأخذوا يجتمعون ويقفون ~~أمام أكشاك بيع الصحف وهم يتساءلون ويستفسرون، وبعد الساعة ~~الثامنة بقليل وصلت الصحف وكلها ملأى بالتفاصيل التافهة، وبدأ ~~الروس يعلمون مثل باقي الناس في أنحاء العالم كله تفاصيل دقيقة ~~خاصة عن ستالين وهو على فراش موته أكثر مما علموا خلال الأعوام ~~التسعة والعشرين التي حكم فيها. # وفي داخل الكرملين كان الطب يبذل أقصى جهوده مع المريض الذي يبلغ ~~الثالثة والسبعين من عمره، واستعمل الأطباء البنسلين، وقناع ~~الأوكسجين، وحقن «الجلوكوز» للتغذية، و«الكافيين» للتقوية، ms112 بل ~~لقد استعملوا وسائل قديمة في العلاج ومنها طريقة الدود الذي ~~وضعوه لكي يمتص الدم من بعض أوردته! # وصدر بلاغ آخر: # في خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية ظلت ~~حالة ستالين خطيرة، واستمر النزيف في المخ فأثر ~~على الأعصاب، وعلى التنفس، وعلى الدورة الدموية، ~~والمريض في حالة غيبوبة ... وفقدان تام للوعي. # وتغير الجو فجأة فانقلب من سماء مارس الصافية إلى سحب داكنة وثلوج ~~متساقطة، وأخذ الناس يجتمعون في كل أنحاء روسيا حول مكبرات ~~الصوت وحول الأمكنة التي كانت تعلق فيها النشرات، وفي موسكو ~~تجمع عدد كبير من الناس أمام بوابات الكرملين، وكانوا يرتجفون ~~من شدة البرد وهم يقفون تحت وابل من الثلوج المتساقطة وقد ~~ارتدوا جميعا الملابس الثقيلة ... # كان الحزن الشديد باديا على وجوههم ... # وكانوا يتبادلون الهمسات إذا أرادوا أن يتحدثوا ... # وانسابت الدموع من عيون كثيرين ... # وكان بعضهم ينشج بالبكاء ... # وبعد أربع عشرة ساعة صدرت النشرة الطبية الثالثة، وقد جاء بها: # خلال ليلة الأربعاء والجزء الأول من النهار ~~ساءت حالة جوزيف ستالين، وعند الساعة الثامنة هذا ~~الصباح بدت بعض علامات تشير إلى انهيار ... وفي الساعة ~~الحادية عشرة والنصف حدث انهيار ثان خطير ... # ودعا رؤساء رجال الدين من مختلف الأديان والملل جميع أتباعهم إلى ~~إقامة الصلوات حتى يمن الله بالشفاء على رجل كان ينكر وجود ~~الله! # واستمر الأطباء داخل الكرملين في القيام بجهودهم ... وكانت حركاتهم ~~تحصى عليهم وتراقب بكل دقة، فقد كان «القتل بمساعدة الطب» ~~فنا معروفا في ذلك العالم الذي بناه ستالين، وكان خلفاؤه ~~يسعون إلى تسجيل لحظات زعيمهم الأخيرة وما يطرأ في كل ثانية ~~منها بكل عناية ... # ودعي «أفراد الأسرة» للحضور، وكان بينهم ابنه فاسيلي، وكان سنه إذ ~~ذاك 32 عاما، وكان يشغل وظيفة قائد القوات الجوية، وجاءت كذلك ~~ابنته «سفتلانا» وكان سنها 30 عاما، ولم يذكر أحد زوجة ستالين ~~الثالثة روزا شقيقة زميله القديم لازار كاجانوفيتش. # ولكن الرجل المحتضر لم يستيقظ مطلقا لكي يودع أهله وأقاربه ~~وأصدقاءه وأبناءه ... # وفي الساعة التاسعة والدقيقة 50 من تلك الليلة صعدت روحه إلى ms113 ~~بارئها ... # وبعد ست ساعات صدر البلاغ الرسمي التالي: # توقف عن الدق قلب الرفيق الموهوب حامل رسالة ~~لينين، الزعيم الحكيم، معلم الحزب الشيوعي والشعب ~~السوفييتي ... جوزيف فيساريو نوفيتش ستالين. # أيها الرفقاء الأعزاء والأصدقاء. # إن الوحدة الشبيهة بالصلب والائتلاف الوطيد ~~بين صفوف الحزب هما الشرط الأساسي لقوته ~~وصلابته. # إن مهمتنا هي أن نقوم على حراسة وحدة الحزب ~~الصلبة المتكتلة كما تحرس حبات عيوننا ... اليقظة ~~السياسية العالية ... عدم المهادنة ولا التردد في ~~الصراع ضد الأعداء سواء في الداخل أو الخارج ... إن ~~أعظم واجب للحزب والحكومة هو ضمان الزعامة المستمرة ~~الصحيحة ... وأعظم وحدة للقيادة ومنع وقوع أي نوع من ~~الفوضى أو الذعر ... # فلتحي تعاليم ماركس وأنجلز ولينين وستالين ~~العظيمة المنتصرة. # فليحي وطننا القوي الاشتراكي! # فليحي شعبنا السوفييتي البطل! # وأعقبت ذلك حوادث غريبة: فإن وزير الصحة ترتياكوف، الذي تولى بنفسه ~~مباشرة علاج ستالين في مرضه الأخير، اختفى دون أن يترك أثرا. ~~وفي نفس الليلة التي مات فيها ستالين اختفى كذلك الجنرال ~~بوسكريبيشيف رئيس سكرتارية ستالين الخاص، وهو الذي كان يعهد ~~إليه بعمليات التطهير. # ستالين في نعشه. # وتخلف ابن ستالين، فاسيلي، وكان قائد القوة الجوية في دائرة موسكو ~~العسكرية عن الاشتراك في جنازة والده، ولم يسمع عنه شيء بعد ~~ذلك. # وإلى جانب هؤلاء اختفى أيضا قائد حامية الكرملين في موسكو وهو ~~الجنرال سبيرودوتوف، وكذلك قائد حامية مدينة موسكو نفسها: ~~الجنرال سينيلوف، وقائد منطقة موسكو العسكرية: الجنرال ~~أرتميف. # وكان قد مضى على موت ستالين ست ساعات وعشر دقائق قبل أن يعلن رجال ~~الكرملين والمسئولون فيه هذا النبأ للعالم، ولا شك أن هذا ~~التأخير في إعلان النبأ، في عصر يعلن فيه مثل هذا النبأ، بل ~~وما هو أقل أهمية منه بعد ثانية واحدة من وقوعه، لمما يثير ~~التساؤل والشكوك ... بل لقد قال البعض: إن هذا الموت الذي أعلن ~~عنه إما أنه قد جاء في أوانه، وإما أن الوقت الذي حدد له ~~كان مضبوطا! فإن كل من كان يطلع على البلاغات المتتابعة عن ~~المرض وتطوره كان يستنتج أن قوانين ms114 الحياة والموت تسير وراء ~~أسوار الكرملين بشكل يختلف عن سيرها في أي مكان آخر ... ~~(28) خلافة ستالين # وصف هاريسون سالسبوري الذي كان يقوم بوظيفة مراسل جريدة النيويورك ~~تايمز الأمريكية في روسيا، وصف موسكو يوم وفاة ستالين وأثر ~~وفاته وصفا دقيقا قال فيه: حتى الساعة الخامسة صباحا من ذلك اليوم لم يكن ثمة أي شيء غير ~~عادي في قلب مدينة موسكو؛ فالحركة في الشوارع عادية، والبوليس ~~العادي ساهر عند إشارات المرور وحول أركان الكرملين، وكانت ~~الليلة التي انقضت من ليالي مارس الباردة ولكنها لم تكن أكثر ~~برودة من المعتاد في موسكو، وعند الفجر كان الثلج كله قد أزيل ~~من الشوارع كما جرت العادة. # ولكن الآن وعندما أعلنت العقارب الذهبية الفخمة في الساحة الموجودة ~~في بورج سباسكي السادسة، بدأ التغير يظهر، لقد بدأت تتدفق على ~~المدينة من كل مكان أسراب من سيارات اللوري ... من شارع جوركي ~~العريض، ومن تلال لوبيانكا، وعبر الكوبري الحجري الضخم فوق نهر ~~الموسكوفا، من جميع الأطراف كانت أسراب سيارات اللوري تتدفق ~~على الميادين الرئيسية في المدينة. # وعلى مقاعد هذه اللوريات الخضراء كان جنود البوليس السري في ~~ملابسهم ذات اللونين الأزرق والأحمر يجلسون كل 22 في سيارة، ~~إنها القوات الخاصة بوزارة الأمن الداخلي آتية من معسكراتها ~~التي تقع قريبا من ضواحي موسكو، وظلت السيارات تتدفق بكثرة ~~وتخترق شوارع المدينة حتى خيل إلي أول الأمر أنني إزاء ~~«انقلاب»، فلما بدأت هذه القوات تأخذ مراكزها اتضحت الحقيقة ~~لي. # إن ما أراه هو حركة من أذكى الحركات العسكرية التي رأيتها في ~~حياتي، ومن أخطرها أيضا؛ ففي دقة عقارب الساعة بدأت قوات ~~الأمن الداخلي تأخذ أماكنها في جميع الشوارع الرئيسية المؤدية ~~إلى قلب المدينة، أما السيارات التابعة لها فقد كانت تقف بحيث ~~تسد مداخل كل الشوارع الجانبية، وفي حلقات متتابعة كأنها ~~متاريس تحكم إغلاق منافذ هذه الشوارع الجانبية تماما. # وعندما عدت في الساعة التاسعة صباحا إلى شارع جوركي بعد أن أرسلنا ~~برقياتنا إلى الخارج بنبأ وفاة ستالين وجدت تغيرا آخر؛ فإلى ~~جانب قوات الأمن ms115 المعسكرة عند النواصي بحيث تسيطر على الطرقات ~~كلها ظهرت طوابير من الدبابات، وكنت أسمع صوت دبابات أخرى تزحف ~~في الشوارع القريبة متجهة إلى قلب المدينة أيضا، كانت كل ~~القوات والسيارات والدبابات تابعة لوزارة الأمن ~~الداخلي. # لم تكن هناك كتيبة واحدة تابعة لقوات الجيش النظامي. # وأعترف بأن هذا كله لم يلفت نظري أول الأمر، ربما لأنني كثيرا ما ~~رأيت قوات الأمن الداخلي تملأ الشوارع في خلال أيام الاحتفال؛ ~~كيوم أول مايو ويوم 7 نوفمبر، وربما لأنني كثيرا ما رأيت ~~المعسكرات الضخمة التي تقيم فيها هذه القوات على طول الطرق ~~الزراعية المحيطة بموسكو، ولم أجد غرابة في أن تظهر قوات الأمن ~~الداخلي في هذه المناسبة الخاصة؛ فمهمتها على أية حال هي ~~المحافظة على الأمن والنظام خلال الساعات التي سوف يتم فيها ~~نقل جثمان ستالين. # وبالرغم من أن قلة عدد السيارات والأوتوبيسات جعلتني أدرك أن بعض ~~الطرق قد أغلقت بالفعل، إلا أنه كان ما يزال ممكنا أن أدخل ~~الميدان الأحمر، وأن أسير فيه لأرى ما هنالك. # كان هناك حوالي ألفين من الناس قد تجمهروا عند بوابة سباسكي، في ~~انتظار خروج جثمان ستالين، كانت هذه أول مرة أرى فيها تجمهرا ~~ما في موسكو. # وبعد قليل دخلت بعض قوات الأمن الداخلي الميدان الأحمر، أغلقت ~~الميدان أول الأمر حتى لا يدخل مزيد من الناس، ثم بدأت تجلي ~~الناس المتجمهرين تدريجيا وتدفعهم من حول بوابة سباسكي إلى ~~مدخل الميدان من ناحية متحف الثورة. # كان واضحا أن قوات الأمن لا تريد أن تخلي الميدان الأحمر وحده، بل ~~والميادين المتصلة به أيضا: ميدان مانزيتي، وميدان الأوبرا، ~~أي: تخلي قلب موسكو بأكمله، وقد اكتشفت بعد ذلك أن قوات الأمن ~~الداخلي قد عزلت مدينة موسكو كلها أيضا. # فبواسطة صفوف اللوريات والدبابات، وحلقات الجنود الذين يقفون كتفا ~~إلى كتف أغلقت هذه القوات مداخل موسكو كلها، وامتنع أي دخول أو ~~خروج منها أو إليها ... # وفي الساعة العاشرة من صباح 6 مارس 1953 لم يكن أي مخلوق يستطيع أن ~~يدخل أو يخرج من موسكو ms116 إلا بإذن من وزارة الأمن ~~الداخلي. # وفي هذه الأثناء كنت قد خرجت مع الناس من الميدان الأحمر ولم أجد ~~ما أستطيع أن أفعله في الشارع، فعدت إلى فندق متروبول واتخذت ~~مركزا للمراقبة في حجرة القائم بأعمال مفوضية المكسيك، وهي في ~~الدور الثالث، ولها نافذة كبيرة تطل على الميدان، ومن النافذة ~~راقبت عملية إجلاء الناس من قلب موسكو. # وعندما خلت هذه الميادين من الحركة، خيم على المدينة صمت غريب، كان ~~النشاط الوحيد ينحصر أمام بهو الأعمدة الذي كان فيما مضى ~~ناديا للنبلاء، وكنت أراه من الميدان، وعند ناصية شارع بوشكين ~~كان العمال عند مبنى بهو الأعمدة ينصبون الرايات والأزهار، ~~ويعلقون صورة ضخمة جدا لستالين تغطي طابقين من ~~المبنى. # ستالين السيد! الوداع الأخير! # وظهرت في الميدان سيارة نقل عادية زرقاء اللون خلفها ثلاث سيارات ~~زيس سوداء، جاءت من الميدان الأحمر، ووقفت سيارة النقل أمام ~~الباب وتقدم عدد من الجنود وأخرجوا منها تابوتا لا شك يضم جثة ~~جوزيف ستالين، ودخلوا به إلى المبنى، لكي يرقد في نفس المكان ~~الذي رقد فيه لينين من قبل ... لكي يمر الناس من أمامه ~~محيين. # وبدأت سيارات الليموزين تتدفق على مبنى بهو الأعمدة، كان واضحا أن ~~كبار رجال الدولة قد جاءوا لتحية ستالين. # وسمعت إشاعة تقول: إن قطارات محملة بمئات الآلاف من الناس وصلت إلى ~~موسكو، وأن الناس يتدفقون من كل مكان لرؤية ستالين بعد موته، ~~ونزلت إلى الطريق لأتأكد من ذلك، وحاولت الوصول إلى محطات ~~السكة الحديد ... # إن الحصار المضروب على المدينة أكثف مما أحسب؛ قوات الأمن في حلقات ~~متتالية من قلب المدينة حتى أطرافها، تعزل المدينة تماما من ~~الداخل ومن الخارج ... # وعندما عدت إلى الميدان الأحمر في صمته المخيم، وبعد أن رأيت هذه ~~القوات الضخمة بدأت الفكرة تدق رأسي لأول مرة: أي قوات هذه ~~التي تسيطر على المدينة؟ قوات الأمن. هل هناك أي قوات أخرى في ~~المدينة؟ كلا. هل تستطيع أي قوات أخرى أن تدخل المدينة؟ كلا، ~~إلا بإذن خاص من قوات الأمن، أو بأن تقاتل ms117 هذه القوات شارعا ~~شارعا ومتراسا وراء متراس. والقوات الجوية؟ لن تنفع؛ إنها ~~ستدمر المدينة كلها، وتبقى قوات الأمن مسيطرة على كل طريق وكل ~~نقطة استراتيجية فيها. # وماذا عن الكرملين؟ الذين يجلسون فيه الآن جاءوا بإذن من قوات ~~الأمن، وهم لا يستطيعون الخروج إلا بإذن منها. إنهم في الواقع ~~أسرى هذه القوات سواء كانوا يعرفون ذلك الآن أم لا يعرفونه، ~~ورجال مثل رجال الكرملين بخبرتهم في الثورات والانقلابات ~~والحرب الأهلية لا يمكن أن يكونوا غير ملمين بعناصر الموقف ~~وحقيقته، لقد كانت الحقيقة واضحة، قوية، تفرض نفسها ~~فرضا. # إن قوات الأمن ليست فرعا من الحكومة؛ إنها لرجل قوي قاس ذو قدرة ~~خارقة اسمه لافرنتي بافلوفتس بيريا، ولقد كانت قوات بيريا ~~وسيارات بيريا ودبابات بيريا هي التي قامت بهذه المناورات ~~العسكرية العجيبة، واستولت على مدينة موسكو في نفس الوقت الذي ~~كان فيه راديو موسكو يعلن نبأ وفاة ستالين على المواطنين ~~المذهولين ... # لقد وضع بيريا يده على موسكو في دقة الساعة ونعومتها، وإذا استولى ~~بيريا على موسكو فقد استولى في واقع الأمر على روسيا ~~كلها. # فمنذ فجر 6 مارس حتى عصر 9 مارس كان بيريا هو سيد روسيا وحاكمها، ~~كان هو الأعلى، لم يكن هناك أي فرد آخر يجسر على تحديه، لا ~~مالينكوف ولا خروشيشيف ولا مولوتوف، ولا الجيش نفسه! # كان بيريا يستطيع في خلال ال «خمس وسبعين ساعة» التي حكم فيها أن ~~يعلن نفسه دكتاتورا وخليفة لستالين، ولكنه لم يوجه ضربته في ~~هذه اللحظة بالذات، وبتأجيلها حدد مصيره. # إن الحياة التي انتهت بالإعدام ليلة عيد الميلاد سنة 1953 في ~~لوبيكا قد تقرر مصيرها منذ تلك الأيام في مارس عندما فشل بيريا ~~في استخدام سلطته. # لقد كان «استعراض القوة» الذي نفذه بيريا ناعما بارعا، كاملا ~~إلى درجة أن أي شخص لمح ذلك لا يمكن أن يلتقط أنفاسه في هدوء ~~إلا إذا وثق في بيريا تماما، أو خضع لسلطته المطلقة. # وفي اليوم التالي عندما رقد ستالين بجوار لينين وقف بيريا في ~~الميدان الأحمر جنبا إلى ms118 جنب مع مالينكوف ومولوتوف. # وعندما وقفت تحت شمس مارس الشاحبة أستمع إلى بيريا خيل إلي أن ~~ثمة تيارا خفيا في خطبته ينبع من ثقته المطلقة في ~~قوته. # وفي تلك الليلة أرسلت في برقيتي إلى النيويورك تايمز أقول: «كانت ~~نبرات مستر بيريا بالذات تنم عن ثقة ملحوظة.» # ثم يضيف سالسبوري - موضحا أهمية بيريا - فيقول: إن البوليس كان ~~أقوى جهاز فردي في الدولة كلها، كانت جذوره تمتد في جميع فروع ~~الدولة والحزب والجيش على السواء، والأهم من ذلك أن بيريا هو ~~المسئول عن الأبحاث الذرية والإنتاج الذري في روسيا. # كان هو الرجل الذي أشرف على إدارة القنبلة الذرية، وهو الذي أدار ~~الجهود التي أدت بعد القبض عليه بقليل إلى تفجير القنبلة ~~الهيدروجينية ... ~~••• # ولكن بيريا وغيره من الزعماء رأوا في الفترة التي أعقبت وفاة ~~ستالين أن يتظاهروا بحرصهم التام على الوحدة أو الاتحاد، وأن ~~يحترموا إرادة ستالين بتسليم مقاليد الأمور لمالنكوف، وهو ~~الرجل الذي وقع عليه اختيار ستالين نفسه ليكون خليفته منذ عقد ~~المؤتمر التاسع عشر، فقد انتخب مالنكوف في ذلك المؤتمر لوضع ~~التقرير السياسي العام. # كان مولوتوف قد تنحى حتى قبل وفاة ستالين عن رئاسة اللجان معتذرا ~~بأسباب تتصل بسنه وصحته، كما أنه اعتذر عن الرئاسة في حالة ~~اختفاء ستالين. # أما خروشيشيف فقد كان مالنكوف نفسه هو الذي عينه سكرتيرا عاما ~~للحزب دون أن يلقى اعتراضا على ذلك. # وأما بيريا فقد كانت له أطماعه الخاصة؛ ولذلك فقد وقف وحده يحارب ~~هذا الاتجاه الجماعي كما سبق له أن حارب كل ميل كان يبدو لدى ~~أحد أعضاء مجلس الرئاسة. # ستالين مع تلميذه وخليفته: مالنكوف. # وعندما اختير مالنكوف ليخلف ستالين قوبل هذا الاختيار بشيء من ~~الدهشة؛ وذلك لأن الناس كانوا ينظرون إليه على أنه فرد عادي من ~~أفراد الحزب، ولم يكن له ماض في الثورة الاشتراكية، وكانت ~~تنقصه الكثير من صفات القائد ... # ولكن لماذا وقع اختيار ستالين على مالنكوف ليخلفه؟ ولماذا لم يوص ~~باختيار مولوتوف ... الذي كان المرشح الطبيعي لخلافته؟ لقد ~~تضاربت الأقوال في ذلك ms119 وذهب البعض إلى أن مولوتوف هو الذي ~~اعتذر عن خلافة ستالين بسبب صحته وتقدم سنه، وقال البعض الآخر: ~~بل إن ستالين هو الذي آثر أن يختص مولوتوف برعاية ابنه ~~وابنته. # وقد تقدم خلفاء ستالين بعد وفاته، وعلى رأسهم مالنكوف، وجميع ~~المظاهر تدل على وحدتهم التامة، ونشرت الصحف تأبين مالنكوف ~~وبيريا ومولوتوف للزعيم الراحل وقد خلدوا اسمه بين أنبياء ~~الشيوعية: ماركس وأنجلز ولينين، ولوحظ أن مولوتوف في خطبته لم ~~يشر بالمرة إلى مالنكوف، أما بيريا فقد نعته ب «تلميذ لينين ~~الموهوب وزميل ستالين في السلاح». # ولكن الواقع الذي يعرفه الجميع هو أن مالنكوف لم يشترك قط في ثورة ~~لينين التي نشبت في عام 1917، أو في الحرب الأهلية التي ~~تلتها. # وبدأ مالنكوف يتحدث عن السلام وإمكان توطيده في أنحاء ~~العالم. # وحدث فجأة بعد أربعة أيام من موت ستالين أن أعلن انتهاء الحداد ~~عليه، وقد أعلن انتهاء الحداد بعد سبع دقائق فقط من إغلاق ~~ضريحه، وطلب من الناس أن ينظروا منذ الآن إلى الأمام لا إلى ~~الخلف ... ~~(29) ستالين يموت ... للمرة الثانية! # ليس عليك إلا أن تنزل بضع درجات فتجد نفسك فورا أمام خزانة كبيرة ~~مصنوعة من الرخام الأخضر، وترى الخالدين، وتنظر إلى لينين ~~النائم في تابوته البللوري، فتراه وقد أغلق عينيه، ووضع يده ~~اليسرى على صدره، وترك يده اليمنى في استرخاء إلى جانب جسمه، ~~ويستريح رأسه الكبير على وسادة من المخمل الأحمر، وقد بدت على ~~وجهه ابتسامة، إنه ينام هناك منذ عام 1924. # وعلى بعد خطوتين منه وفي تابوت آخر يماثل الأول تماما، وفي ظلال ~~نفس الضوء ينام ستالين وهو مرتد زيه العسكري، وقد حلي صدره ~~بجميع الأوسمة التي أنعم بها عليه، ولا يزال على وجهه لون ~~الحياة، ويدرك الناظر إليه في الحال أنه لم ينقض على نومه ~~المدة التي انقضت على نوم الأول، وأنه ليس مستغرقا في نومه ~~استغراق زميله وزعيمه ... وأنه، ربما لهذا السبب، لا يستحق أن ~~يستمتع بالراحة الأبدية التي يستمتع بها لينين! # ويمر الزائرون بهما، كل اثنين معا في صمت ms120 وسكون ودهشة بعد أن ~~انقضت عليهم الساعات وهم وقوف في الميدان الأحمر، في جو موسكو ~~المثلج، انتظارا لدخول هذا الضريح، وهو البقعة الوحيدة ~~المقدسة في العالم الشيوعي؛ إن الزائرين اليوم أشد حاجة منهم ~~في أي يوم آخر لمشاهدة المعبودين: لينين وستالين، وإلى لمس ~~التابوتين البللورين. # وعلى بعد ثلاثمائة متر من ضريح لينين وستالين، ووراء الأسوار ~~العالية التي تضم الكرملين، وفي صالة العرش القديمة التي كانت ~~تتجلى فيها عظمة وقوة القياصرة في الماضي، يجتمع المؤتمر ~~العشرون للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي، # 23 # ولأول مرة في التاريخ ينبذ هذا المؤتمر وأعضاؤه ~~ذلك الزعيم الذي طالما أطلقوا عليه في الماضي اسم: صقر السلام، ~~ووالد الشعوب، والحكيم، والذي لا يقهر، ويعكس المؤتمر وأعضاؤه ~~الدور الذي قام به كل من الاثنين اللذين رأينا مومياء كل منهما ~~في كل تابوت من الاثنين. # إن شبح لينين ينمو ويكبر، ولأول مرة منذ 5 مارس من عام 1953، وهو ~~يوم أعلن لأول مرة خبر وفاة ستالين بدأ خلفاؤه وورثته ينكرون ~~جهوده وفضله؛ لقد بدءوا يستنكرون دكتاتوريته، ويفضحون أخطاءه، ~~ويعترفون أن الناس قد عاشوا خلال ثلاثين عاما في خضم من ~~الأكاذيب، وأعلنوا أن الوقت قد حان لإنكار تقديس الفرد. # وهكذا تمكن هؤلاء الذين طالما أشادوا بفضائل الستالينية في الماضي ~~من إصدار الحكم ضد أخطائها وزيفها بنفس القوة، يساعدهم في ذلك ~~تلك المقدرة العجيبة على النسيان. # والواقع أنه سيكون للمؤتمر الشيوعي العشرين نفس الأهمية التاريخية ~~التي كانت للمؤتمرات الدينية الكبرى في تاريخ المسيحية عندما ~~كان يجتمع أقطابها لاتخاذ قرار ما يمس العقائد الدينية، إلا أن ~~الذين اشتركوا في المؤتمر الشيوعي ممن لا يؤمنون بالدين، ولم ~~يسمح بالدخول إلى المؤتمر إلا لأعضائه الذين بلغ عددهم 1645 ~~عضوا، ولبعض «المراقبين» الشيوعيين المخلصين الذين وفدوا من ~~دول أخرى مثل: توريز الفرنسي، وشوتين الصيني، وراكوزي المجري، ~~وبيروت البولندي. # وهؤلاء الأعضاء ال 1645 يمثلون سبعة ملايين روسي، أي: نحو 5٪ من ~~مجموع سكان الاتحاد السوفييتي، ممن يحملون بطاقة عضوية الحزب ~~الشيوعي؛ إنهم خلاصة الشعب الروسي، وهم يواجهون القرارات ms121 ~~الحاسمة في المؤتمرات، وعليهم أن يصدروا تأييدهم للرئاسة وهي ~~تدلي إليهم بهذه القرارات. # لقد وفد ال 1645 عضوا من جميع جمهوريات الاتحاد السوفييتي إلى ~~موسكو، وكان من بينهم بعض المتقدمين في السن ممن يذكرون ~~البطولة في عهد لينين، عندما كان المؤتمر يعقد تلو المؤتمر، ~~وكانت هذه المؤتمرات مسرحا للنضال بين أقطاب المذهب الشيوعي ~~وعلمائه وفلاسفته من أمثال: تروتسكي وبوخارين وزينوفييف، وكانت ~~تتخلل النضال السخرية والخطب المختلف وسط الدخان المتكاثف ~~المتصاعد من «البيب» ولفائف التبغ. # إلا أن العدد الأكبر من الأعضاء ممن يقل سنهم عن الثلاثين لم ~~يشهدوا إلا المؤتمرات التي عقدت بين عامي 1939 و1952، وهي ~~المؤتمرات التي كان يرأسها «بوذا» الشيوعية، فيتربع بين كهنته ~~على منصة الرئاسة وسط مظاهر العظمة والأبهة والقوة والتمجيد، ~~وإنهم ليذكرون آخر اجتماع لهم في نفس النظام، وفي ظلال نفس ~~الأنوار الساطعة المنبعثة من نفس «النجف»، وفي نفس قاعة العرش ~~... فلقد كان ذلك في يوم 5 أكتوبر من عام 1952 عندما شهدوا ~~الزعماء يدخلون بنفس النظام الدقيق واحدا تلو الآخر، فرأوا ~~ستالين يتبعه مولوتوف، ثم مالنكوف، ثم فورشيلوف، ثم بولجانين، ~~ثم بيريا، ثم كاجانوفيتش، ثم خروشيشيف، ثم أندرييف، ثم ~~ميكويان، ثم كوسيجوين، هؤلاء هم الآلهة الذين يعتلون منصة ~~الرئاسة، وقام الأعضاء عندما دخل الآلهة، ثم صفقوا لهم، ثم ~~عادوا فجلسوا. # ولكن أعضاء المؤتمر العشرين ال 1645 دخلوا القاعة في عام 1956، ثم ~~استقروا في أماكنهم، وروت «برافدا» أنه ما كاد يظهر خروشيشيف ~~بصلعته اللامعة، وقامته المديدة، وما كادت أيديهم تتحرك ~~بالتصفيق، وما كاد التصفيق الذي لا نهاية له يصل إلى أذنه حتى ~~صاح خروشيشيف: لماذا تقفون؟ ماذا تظنون؟ هنا ... كلنا سواء! ~~وأنتم مثلنا تماما! # بعد هذا المؤتمر كان في وسع الأعضاء بعد انصرافهم من القاعة وقبل ~~اجتياز أسوار الكرملين العالية أن ينظروا إلى نافذة قاعة مكتب ~~ستالين المغلقة نظرة عادية، وقد وضع من يشاء منهم يده في جيبه، ~~في حين أنه في الاجتماعات الماضية لم يكن الواحد منهم يجرؤ على ~~أن يتطلع بنظره إلى هذه النافذة؛ ms122 سواء كانت مغلقة أم ~~مفتوحة. ~~••• # واستغرق خطاب خروشيشيف التاريخي سبع ساعات، استعرض فيها مخازي ~~العهد «الستاليني» ببلاغة أبناء الفولجا. ومحا خروشيشيف أو ~~حاول أن يمحو صورة ستالين، كما رسم مكانها أو حاول أن يرسم ~~صورة من شبح لينين نبي الشيوعية وأستاذها الأول، وإلى جانبه ~~«رفيقة» حياته ناديجدا كروبسكايا وهي تعيش إلى جانبه في الغرف ~~الصغيرة في لندن وميونيخ وزيوريخ وجنيف. # وأخيرا عندما خرج الأعضاء من المؤتمر في مساء الثلاثاء 14 فبراير ~~1956، خيل إليهم أنهم قلبوا صفحات من تاريخ كانوا يجهلونه، ~~وكانت هناك عواطف مختلفة متضاربة في صدورهم؛ فإن خروشيشيف كان ~~قد زجرهم في عدة مواضع من الخطاب؛ إذ قال مرة: إنني لا أريد أن ~~أراكم من أجل كلمة نعم أو لا، تنتقلون في السيارات الرسمية، ~~وكفاكم استغلالا للسائقين، اعملوا مثلي وتعلموا ~~القيادة! # ثم نزع منظاره ذي الإطار الحديدي عن عينيه، وألقى عليهم نظرة مرحة ~~وقال: ما لي لا أراكم تصفقون لي هذه المرة؟! ~~••• # إن روسيا التي خنقها ستالين أخذت تتنفس بعد المؤتمر أحسن مما كانت ~~تتنفس في الماضي! # ولكن كان واضحا منذ ذلك الوقت أن خروشيشيف إنما يسعى إلى تسلم ~~السلطة، وأنه يسير بخطى حثيثة حتى يصل إلى عرش ستالين، وإذا ~~كان ستالين قد احتاج إلى عشرين عاما حتى يوطد حكمه ويقضي على ~~منافسيه، فإن نيكيتا خروشيشيف لم يحتج إلى أكثر من أربع ~~سنوات! # وكان على خروشيشيف لكي يحقق غرضه أن يمحو من الأذهان صورة ستالين، ~~وأن يحطم تمثاله، ويكشف عن حقيقته، ويبدد الأسطورة التي انتشرت ~~حول اسمه، ويمحو تلك الهالة التي كان هو نفسه أحد الذين طوقوا ~~بها رأس ستالين! ~~(30) ... وبعد ستالين؟! # في النصف الأول من شهر يوليو 1957 لم يكن في الجو السياسي مطلقا ~~ما يوحي بوجود أزمة داخلية في روسيا، ولكن فوجئ الناس بتأجيل ~~رحلة خروشيشيف رئيس الحزب وبولجانين رئيس الوزراء ~~لتشيكوسلوفاكيا، كما فوجئوا أيضا بإلغاء الاستعراض الجوي ~~الكبير الذي كانت حكومة موسكو قد دعت كثيرا من الدول الأخرى ~~لمشاهدته، وأخذ زعماء الشيوعية يفدون تباعا وفي هدوء ms123 من جميع ~~أنحاء الاتحاد السوفييتي إلى موسكو. # وعرف بعد ذلك أن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي قد دعيت لاجتماع ~~غير عادي، وظهرت بعد ذلك الحلقة المفقودة لما نشرت جريدة ~~«برافدا» في مقالها الافتتاحي مديحا للبرنامج الذي وضعه ~~خروشيشيف ووافقه عليه المؤتمر العشرين للحزب في فبراير من عام ~~1956. # ثم قالت صحيفة الحزب محذرة: # إن الحزب ليس ناديا للمناقشات، والنظام ~~المتناسق للحزب نظام يتقيد به جميع الأعضاء، لا مجرد ~~الأنفار ... ولكن هؤلاء الذين في القمة أيضا ... # وكان خروشيشيف في المؤتمر العشرين للحزب قد نبذ السياسة التي سار ~~عليها الاتحاد السوفييتي مدة 35 عاما متوالية، فاستنكر سياسة ~~«تقديس الفرد»، وتأليه ستالين، كما كشف عن سياسة الإرهاب التي ~~كان ينشرها البوليس، كما أعلن فساد تلك النظريات التي كانت ~~تنادي بوجود «طرق مختلفة» تؤدي كلها إلى الاشتراكية، ونادى ~~بضرورة اتباع سياسة خارجية جديدة تقوم على أساس القوة في سبيل ~~السلام والتعايش السلمي. # وقد فهم مما نشرته برافدا أن بعض زعماء الحزب المتمسكين بسياسة ~~ستالين قد تحدوا زعامة خروشيشيف، وأنه لا بد من إقالتهم من ~~مناصبهم. # كان الفصل الأخير من الصراع بين خلفاء ستالين قد بدأ رغم يمين ~~الإخلاص للزعامة المشتركة الذي أقسموه أمام نعشه عام ~~1953. # ولكن ماذا كان وراء هذه الأزمة الفجائية في الزعامة السوفييتية؟ ~~وكيف أمكن لخروشيشيف الذي كان يتولى برنامج المزارع الجماعية ~~عند وفاة ستالين أن يتقدم إلى هذا المدى ... وبهذه ~~السرعة؟ # لقد كان أول من خلف ستالين كرئيس للوزراء وسكرتير أول للحزب ~~الشيوعي هو جيورجي مالنكوف الذي كان ستالين يشمله برعايته، ~~ويعتبره يده اليمنى، ولكن لم يمض أسبوع واحد حتى سلم مالنكوف ~~سكرتيرية الحزب لخروشيشيف، وعرف أن هذا الأوكراني قد بدأ يصعد ~~السلم، ولقد سار تماما على سياسة ستالين، فاتخذ الحزب وسيلة ~~للقبض على زمام السلطة، وحتى في لجنة الرئاسة التي خلفت المكتب ~~السياسي كان يتحكم دائما في ستة أصوات من الأحد عشر صوتا ~~التي تتكون منها اللجنة. # ولعب خروشيشيف الدور الأول بالاشتراك مع الجيش الأحمر في القضاء ~~على لافرنتي بيريا رئيس البوليس ms124 السري في عهد ستالين، وكانت ~~هذه هي المحاولة الأولى في سبيل الاستيلاء على السلطة. # وفي عام 1955 أجبر مالنكوف على الخروج من الحكم؛ وذلك بسبب اقتراحه ~~التحول من الصناعات الكبرى إلى بضائع الاستهلاك. # وبعد عام آخر طرد الزعيم القديم «فياشسلاف مولوتوف» من منصب وزير ~~الخارجية؛ وذلك بسبب اقتراحه سياسة التهدئة مع ~~يوغوسلافيا. # إلا أن لجنة الرئاسة ما لبثت بعد ذلك أن عارضت خروشيشيف ووقفت في ~~وجهه واتهمته بأن سياسته هي التي أدت إلى نشوب الثورة في ~~بولندا والمجر، ومرت أحرج الساعات في حياة خروشيشيف السياسية ~~عندما اجتمعت اللجنة المركزية للحزب في ديسمبر من عام 1956، ~~ووافقت على اقتراح تقدم به «الجناح» الستاليني في اللجنة وهو ~~يقضي بفرض سياسة مركزية للصناعة السوفييتية تحت قيادة دكتاتور ~~اقتصادي جديد هو نائب الرئيس ميخائيل بيرنوكين. # ولو انتهز الستالينيون الفرصة وقتئذ وأجمعوا رأيهم لتمكنوا من طرد ~~خروشيشيف، ولكنهم ترددوا في ذلك مما ترك الباب مفتوحا لتدخل ~~الماريشال جيورجي زوكوف وماو تسي تونج، وتمكنا بذلك من إنقاذ ~~خروشيشيف والإبقاء عليه في منصبه ... بل ربما كان تدخلهما هو ~~الذي أنقذ حياته. # وعرف خروشيشيف كيف يتقهقر تقهقرا منتظما فأعلن على الملأ: «إننا جميعا ستالينيون!» # ولكن في شهر فبراير من عام 1957 كان خروشيشيف قد بدأ يستعيد ~~سلطاته، فاجتمعت اللجنة المركزية من جديد ووافقت على مشروع ~~تقدم به خروشيشيف نفسه وهو يقضي باتباع سياسة اللامركزية في ~~الصناعة للقضاء على ما كان يعتبره بيروقراطية عقيمة. # وعارض مالنكوف في ذلك القرار، وانضم إليه مولوتوف وقطب الصناعة ~~السوفييتية كاجانوفيتش؛ فقد تبين مالنكوف أن اتباع سياسة ~~اللامركزية في الصناعة سوف يشتت مديري الصناعة في الاتحاد ~~السوفييتي، وهم الذين خلق منهم مالنكوف طبقة من أقوى الطبقات ~~في الاتحاد، كما أنه سيؤثر على قوام الصناعة الذي بناه ~~كاجانوفيتش خلال 22 عاما. # وتمكن الرجلان: مالنكوف، وكاجانوفيتش من ضم مولوتوف إليهما، وقرر ~~الثلاثة معارضة برنامج خروشيشيف في اجتماع دعيت إليه اللجنة ~~المركزية في شهر يوليو 1957. # وكان خروشيشيف وبولجانين يقومان بزيارة رسمية لفنلندا في شهر يونيو ~~من عام 1957، ولما ms125 عادا من هذه الزيارة بدأ الصراع بين ~~الفريقين في الأسبوع الأخير من شهر يونيو 1957، وفي لحظة من ~~اللحظات خلال هذا الصراع تمكن الستالينيون من التحكم في ~~الأغلبية؛ إذ انضم إليهم شبيلوف؛ وزير الخارجية السابق. # 24 # ووقف خروشيشيف يخطب، ودامت خطبته ثلاث ساعات، واتهم فيها مولوتوف ~~ومالنكوف وكاجانوفيتش وشبيلوف بأنهم كونوا جبهة مناهضة للحزب ~~في موسكو، وأن أذنابهم منتشرون في روسيا. # واعترف مولوتوف ومالنكوف وكاجانوفيتش بأنهم اتفقوا فعلا على ~~معارضة خروشيشيف وبرنامجه، وحسم الجيش الأحمر هذا الموقف عندما ~~أعلن الماريشال زوكوف تأييد الجيش لخروشيشيف. # وذكرت بلاغات الحكومة والحزب بقية القصة؛ فقد قررت اللجنة المركزية ~~بإجماع الآراء (وقد تغيب مولوتوف عن حضورها) فصل مولوتوف ~~ومالنكوف وكاجانوفيتش من عضوية لجنة الرئاسة وعضوية اللجنة ~~المركزية، ومن وظائفهم التي كانوا يشغلونها في الحكومة بوصفهم ~~النواب الأول لرئيس الوزراء، كما فصل مولوتوف أيضا من ~~وظيفته كوزير للرقابة (المحاسب العام)، وفصل مالنكوف أيضا ~~من وظيفته كوزير لمحطات القوى الكهربائية، وأقيل شبيلوف من ~~وظيفته كسكرتير للحزب، كما ألغي قرار تعيينه كعضو احتياطي في ~~لجنة الرئاسة وعضو في اللجنة المركزية، وسمح للأربعة ~~بالاحتفاظ بعضوية الحزب فقط. # وعرف أيضا من البلاغات الرسمية أن خروشيشيف لم ينجح فقط في ~~الحصول على تأييد اللجنة المركزية في استبدال الأعضاء ~~المطرودين بغيرهم ممن يثق بهم هو، ولكنه نجح أيضا في الحصول ~~على موافقتها على زيادة عدد أعضاء لجنة الرئاسة وجعلها تتكون ~~من 15 عضوا، وذلك حتى يتمكن من ضم عدد آخر من مؤيديه للجنة، ~~وكان أبرز الأعضاء الجدد هو الماريشال زوكوف. # وهكذا لم تقنع الطبقة الجديدة من حكام الاتحاد السوفييتي بمحاربة ~~ذكرى ستالين، وبتشويه سمعته وبتنحية تلميذه المختار مالنكوف، ~~وبإعدام رئيس بوليسه بيريا، لم تقنع بكل ذلك فقررت التنكيل ~~بأربعة من الزعماء بينهم ثلاثة من الرعيل الأول. # وأذاعت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي بيانا تضمن أسباب فصل هؤلاء ~~الأقطاب الثلاثة، وكلهم ممن عملوا إلى جانب ستالين وعاونوه ~~طوال مدة حكمه، وتتلخص التهم التي وجهت إليهم في: # العمل على إيجاد الفرقة في صفوف الحزب ~~الشيوعي وقيامهم ms126 بأعمال لا تتفق مع مبادئ ~~لينين. # معارضة سياسة الحزب الداخلية والخارجية، ~~والوقوف في طريق جهوده الصناعية. # محاولة تعديل نظام الحزب وهيئاته التمثيلية ~~المنتخبة بمعرفة لجنته المركزية. # مقاومة سياسة لينين القائمة على التعايش ~~السلمي بين الدول، وإحباط الجهود المبذولة لتخفيف ~~حدة التوتر الدولي، والمعارضة في توسيع حريات وحقوق ~~الجمهوريات التي يتألف منها الاتحاد ~~السوفييتي. # مقاومة الخطط والمشروعات الاقتصادية والصناعية ~~وبخاصة ما يتصل منها بالصناعات الثقيلة. # القصور عن فهم وإدراك التطور الزراعي، ~~والمعارضة في إلغاء النظم البيروقراطية المركزية ~~القديمة. # التمسك بمبدأ حكم الفرد وسيطرته، وهو المبدأ ~~الذي أصبح معروفا باسم «مبدأ ستالين». # وقد كان إبعاد هؤلاء الزعماء من الحزب محاولة للقضاء على زعامة عهد ~~ستالين ورجاله في القيادة الشيوعية، وقد اتهمت جريدة «النجم ~~الأحمر» - التي تنطق بلسان الجيش - المطرودين بالخيانة، والعمل ~~على تعريض وسائل الدفاع السوفييتية لأخطار شديدة، بل وتقويض ~~أركانها، وإثارة الشقاق بين الأمة والجيش، كما شن راديو موسكو ~~حملة شعواء على المطرودين، وذكر أن الغرض من فصلهم هو المحافظة ~~على وحدة الأمة والجيش. # كما خطب بعد ذلك خروشيشيف فهاجم المعزولين هجوما عنيفا وقال: ~~إنهم كانوا يريدون الحرب ويعملون لإشعالها، ويقفون في وجه ~~الإنتاج الروسي حتى لا يلحق بالإنتاج الأمريكي. وقال: إن ~~الثلاثة تآمروا للسيطرة على قيادة الحزب الشيوعي. # واتهم مالنكوف بأنه ملفق مؤامرات، كما اتهم مولوتوف بأنه كان يعارض ~~سياسة التعايش السلمي. # ويبدو وإن لم تعرف بعد جميع الحقائق، أن الجيش الروسي لعب دورا ~~هاما في هذه الحركة التي قصد بها إقصاء آخر من بقوا من ~~الحكام الروس ممن كانوا يؤمنون بستالين وسياسته، ولا شك أن ~~تأييد الجيش الأحمر لحكومة خروشيشيف معناه أن مولوتوف وأنصاره ~~قد انتهوا ولن تقوم لهم قائمة. # وهكذا أصبح خروشيشيف دكتاتورا يخلف ستالين، ولكن يبدو أن ~~الدكتاتورية في هذه المرة دكتاتورية تحت رقابة الجيش الأحمر ~~ووصايته، وقد فرض الجيش أول شرط له بترقية الماريشال زوكوف ~~أعظم قواد روسيا إلى عضوية اللجنة المركزية للحزب ~~الشيوعي. # ويلاحظ أن ستالين كان قد نجح في تحقيق سلطاته الدكتاتورية عن طريق ms127 ~~إنشاء البوليس السري وتدعيمه، # 25 # وكان البوليس السري بمثابة جيش خاص يستعمله ستالين ~~في التجسس على الجيش الوطني نفسه، وعلى كل سلطة أخرى في ~~البلاد. # وما كاد ستالين يختفي عن الميدان في 1953 حتى أعلن الجيش تأييده ~~لمالنكوف، وكان من أول الشروط التي اشترطها الجيش ثمنا لهذا ~~التأييد هو القضاء على البوليس السري الذي كان يرأسه لابرنتي ~~«بيريا» الرجل الذي كان اسمه يثير الذعر في روسيا. # كما طلب الجيش إعادة الماريشال زوكوف إلى موسكو وإسناد منصب حكومي ~~له. # ونفذت شروط الجيش، واعتقل بيريا، بل ونفذ فيه حكم الإعدام، ~~ووقف خروشيشيف يتهم بيريا في خطابه المشهور الذي استنكر فيه ~~سياسة ستالين وأساليبه ويقول: # لقد لعب بيريا عدو حزبنا اللدود، وعميل ~~المخابرات الأجنبية الذي استحوذ على ثقة ستالين ~~دورا سافلا دنيئا في تلفيق مختلف القضايا القذرة ~~الشائنة. فما هي الطريقة التي كان هذا الرجل يستطيع ~~بواسطتها أن يفوز بمنصب في الحزب والدولة حتى أصبح ~~النائب الأول لرئيس مجلس وزراء الاتحاد السوفييتي ~~وعضوا باللجنة المركزية للمكتب السياسي؟ لقد تأيد ~~الآن أن هذا الأفاق ارتقى السلم الحكومي على أشلاء ~~عدد لا يحصى من الضحايا. # بل لقد اتهمه خروشيشيف علاوة على هذا بأنه كان عدوا ~~للحزب. ~~••• # وبينما كان الناس في العالم كله يرقبون تطورات الموقف في روسيا ~~فوجئوا في النصف الثاني من شهر أكتوبر من عام 1957 # 26 # بتطهير جديد قام به خروشيشيف؛ فقد أقيل الماريشال ~~زوكوف من وظيفته في الوقت الذي كان الناس فيه يظنون أن الجيش ~~الأحمر قد بدأ يسيطر على الموقف في روسيا لأول مرة في التاريخ ~~منذ بدأ حكم ستالين. # وأخذ العالم كله يسأل عن سر إقالة زوكوف، وعن سر هذه الإقالة عقب ~~عودته توا من رحلة كان يقوم بها في يوغوسلافيا، وأخذ الناس ~~يتكهنون ويعللون؛ فقال البعض: إن زوكوف مرشح لتولي منصب آخر ~~كبير قد يكون منصب رئيس الدولة أو رئيس الوزراء. # وقال البعض: بل إن زوكوف خرج من منصبه نهائيا وأن مصيره هو نفس ~~مصير مولوتوف ومالنكوف وجاكانوفيتش وشبيلوف. ms128 # والواقع أن قرار إقالة الماريشال زوكوف من منصبه قد اتخذ أثناء ~~غيابه في زيارته ليوغوسلافيا وألبانيا، وقد لوحظ أن القرار لم ~~يذع إلا بعد وصوله إلى موسكو. # ولوحظ أيضا أنه عندما أذاع راديو موسكو نبأ قيام زوكوف بالطائرة ~~من ألبانيا قال المذيع: «إن المارشال زوكوف وزير الدفاع الروسي ~~في طريق عودته إلى الاتحاد السوفييتي!» # وبعد أربع ساعات بالضبط، وبعد هبوط طائرة زوكوف في موسكو قال ~~المذيع: «وصل المارشال زوكوف!» دون ذكر منصبه، وبعد ذلك بقليل ~~أذيع القرار بإعفائه. # ولا شك أن البيان الذي صدر بإعفاء زوكوف دل على وجود صراع خفي في ~~الكرملين بين الجيش والسياسيين بعد أن كان الاعتقاد السائد هو ~~أن الحزب يعتمد اعتمادا كليا على الجيش. # والواقع أن خروشيشيف مدين بحياته السياسية للمارشال زوكوف؛ فقد كان ~~للقائد الروسي الكبير وضباطه الفضل في إنقاذ خروشيشيف في أكثر ~~من مناسبة؛ فليس هناك شك في أن الجيش قام بدور فعال في الأحداث ~~التي أدت إلى اعتقال لابرنتي بيريا رئيس البوليس السري في عام ~~1953 وإعدامه! # ولو أن بيريا نجح في تولي السلطة بعد موت ستالين لما عاش خروشيشيف ~~حتى اليوم! # وهناك من الأسباب أيضا ما يحمل على الاعتقاد بأن المارشال زوكوف ~~قد لعب دورا هاما في المعركة التي قامت في صيف 1957 عندما ~~تخلص خروشيشيف من مالنكوف ومولوتوف وكاجانوفيتش. # فهل كان معنى إقالة زوكوف أن الجيش الأحمر الذي ذاق الأمرين تحت ~~حكم ستالين سيقبل حكم «ستالين الجديد» بنفس السهولة؟! # وبينما كان الناس يتساءلون عن أسرار إقالة زوكوف أصدرت اللجنة ~~المركزية للحزب الشيوعي بيانا تندد فيه بزوكوف، وبأنه كان هو ~~الآخر من أنصار «تقديس الفرد ». وقد جاء بالبيان: # في أواخر شهر أكتوبر من هذا العام (1957) ~~اجتمعت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي ~~بكامل هيئتها، وبحثت اللجنة الوسائل المؤدية إلى ~~تحسين جهود الحزب السياسية في الجيش ~~والأسطول. # وقد حققت القوات المسلحة الروسية نصرا ~~تاريخيا في الحرب العالمية الثانية من أجل روسيا، ~~ولهذا استحقت عن جدارة حب الشعب الروسي ~~وثقته. # وفي سنوات ما بعد ms129 الحرب اهتم الحزب الشيوعي ~~والحكومة السوفييتية بالعمل على تنمية الصناعات ~~الثقيلة والعلوم الفنية. وأثناء هذا التطور ارتفعت ~~القوات الروسية المسلحة إلى مركز أعلى بعد أن سلحت ~~بجميع أنواع الأسلحة الحديثة ومن بينها الأسلحة ~~الذرية، والهيدروجينية، والصواريخ، وأصبحت الحالة ~~المعنوية والسياسية للقوات في مستوى عال، كما كان ~~جميع الضباط والقواد السياسيين للجيش والبحرية ~~مخلصين لوطنهم وللحزب الشيوعي. # الماريشال زوكوف أعظم ~~قواد روسيا في الحرب العالمية الثانية طرد من منصبه ~~كوزير للحربية في أكتوبر 1957، واعترف ~~بأخطائه! # شبيلوف كان رئيسا ~~لتحرير جريدة برافدا ثم عين وزيرا للخارجية، ~~ولقي نجاحا كبيرا. انضم لجبهة مولوتوف مالنكوف ~~فطرد! # ودعت الحالة الدولية المعقدة، وسباق التسلح في ~~الدول الرأسمالية، وكذلك دواعي الدفاع عن الوطن ~~الروسي إلى بذل الجهد المتواصل من جانب القادة، ~~والمنظمات السياسية، ومنظمات الحزب الشيوعي في سبيل ~~إعداد القوات إعدادا تاما، وتقوية روح النظام في ~~صفوفها وتمرينها على الإخلاص النفسي للوطن والحزب ~~الشيوعي، والعمل على تحقيق الراحة المعنوية والمادية ~~للجنود. # وتنادي تعاليم لينين بأنه يجب دائما أن توجه ~~الإدارات الحربية وجميع الإدارات الأخرى حسب الأسس ~~التي أصدرها الحزب بواسطة اللجنة المركزية له، وتحت ~~إشرافه. # وقد لاحظت اللجنة المركزية بكامل هيئتها ~~أخيرا أن وزير الدفاع الروسي السابق الرفيق زوكوف ~~خرق مبادئ لينين أثناء توليه قيادة القوات الروسية ~~المسلحة، فقد اتبع سياسة من شأنها وقف عمل منظمات ~~الحزب، والهيئات السياسية، والمجالس العسكرية، ~~وتصفية نفوذ الحزب واللجنة المركزية والحكومة في ~~الجيش والبحرية. # ووجدت اللجنة المركزية أيضا أنه إلى جانب ~~تدخل زوكوف الشخصي بدأ بعض المتزلفين والانتهازيين ~~في الترويج لتقديس شخصيته، ومديحه وإطرائه في ~~المحاضرات، والتقارير، والمقالات، والأفلام ~~السينمائية، والنشرات التي كانت تكيل المديح لشخصه ~~والدور الذي أداه في الحرب العالمية الأخيرة. # ولهذا، ومن أجل إرضاء الرفيق زوكوف شوهت ~~الحقيقة عن قصة الحرب العالمية الثانية، وقلل من ~~أهمية الجهود الجبارة التي بذلها الشعب السوفييتي ~~أثناء الحرب، والبطولة التي أظهرتها جميع قواتنا ~~المسلحة، والدور الذي لعبه القواد والسياسيون، ~~والمقدرة التي أبداها القواد في الجبهة الأمامية في ~~الجيش والأسطول، والدور الذي قام ms130 به الحزب الشيوعي ~~في القيادة والتوجيه ... كل ذلك قلل من شأنه في سبيل ~~زوكوف. # وقد قدرت الحكومة والحزب خدمات الرفيق زوكوف، ~~وأنعمت عليه بلقب مارشال الاتحاد السوفييتي، ولقب ~~بطولة الاتحاد السوفييتي 4 مرات، وكذلك منحته الكثير ~~من النياشين، كما اكتسب ثقة سياسية عظيمة. # وفي الاجتماع العشرين للحزب انتخب عضوا في ~~الحزب الشيوعي السوفييتي، واختاره الحزب عضوا ~~بديلا في المجلس السوفييتي الأعلى، وبعد ذلك عضوا ~~عاملا. # ولكن الرفيق زوكوف بسبب عدم تجاوبه نفسيا مع ~~الحزب تجاوبا تاما أساء فهم هذا التقدير له ~~ولخدماته، وفقد التواضع في الحزب الذي علمنا إياه ~~لينين، وبدأ يتخيل نفسه البطل الوحيد لكل الانتصارات ~~التي حققها شعبنا والقوات المسلحة تحت قيادة الحزب ~~الشيوعي، وخرق مبادئ الحزب الخاصة بالقوات ~~المسلحة. # وبذلك لم يحقق زوكوف الثقة التي وضعها فيه ~~الحزب، واتضح أنه قائد غير كفء من الناحية السياسية، ~~كما أنه يميل إلى التهور في فهم واجبات السياسة ~~الخارجية السوفييتية، وفهم واجباته كوزير ~~للدفاع. # ومن أجل ما سبق ذكره وافقت اللجنة المركزية ~~المنعقدة بكامل هيئتها على مرسوم بطرد الرفيق زوكوف ~~من عضوية المجلس السوفييتي الأعلى واللجنة المركزية ~~للحزب الشيوعي. # وعبرت اللجنة عن أملها وثقتها في أن يواصل ~~الحزب توجيه جهوده في سبيل تقوية إمكانيات الدفاع عن ~~روسيا الاشتراكية، وهو ما نص عليه القرار الصادر في ~~الاجتماع العشرين للحزب. # انتهى بيان اللجنة ~~المركزية # وبدلا من أن يحاول زوكوف الدفاع عن نفسه وتفنيد التهم التي وجهتها ~~إليه اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، فوجئ الناس مرة أخرى ب ~~«اعترافه» بأخطائه وبصحة ما نسب إليه! # وقالت صحيفة «برافدا»: إن المارشال زوكوف اعترف بأخطائه التي أدت ~~إلى طرده من مجلس السوفييت الأعلى ومن اللجنة المركزية للحزب ~~الشيوعي. وقالت الصحيفة الناطقة بلسان الحزب الشيوعي الروسي: ~~إن زوكوف تعهد بعدم تكرار هذه الأخطاء. # وقد نشرت الصحيفة الشيوعية اعترافات زوكوف في مقالها الافتتاحي ~~الذي احتل ثلاثة أعمدة جنبا إلى جنب مع البلاغ الرسمي الذي ~~أصدرته اللجنة المركزية للحزب الشيوعي وأعلنت فيه طرد زوكوف من ~~مجلس السوفييت الأعلى ومن عضوية ms131 اللجنة. # وقال زوكوف في اعترافاته أمام اللجنة التي كانت مجتمعة بكامل ~~هيئتها: «إن هذا الاجتماع كان بمثابة مدرسة حزبية لي، إنني ~~أشعر بأسف عميق؛ لأنني أدركت هنا أمام اللجنة فقط أهمية ~~الأخطاء التي ارتكبتها في زعامة القوات المسلحة خلال الفترة ~~الأخيرة بصفة خاصة، وكذلك الأخطاء السياسية التي وقعت فيها ~~بوصفي عضوا في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي وفي مجلس ~~السوفييت الأعلى.» # وقال زوكوف في اعترافاته: «إنني أود أن أعترف بصحة الانتقادات التي ~~وجهت إلي في اجتماع اللجنة المركزية، إنني أعتبر هذه ~~الانتقادات بمثابة مساعدة شخصية لي من جانب زملائي في الحزب، ~~ومساعدة لبقية العسكريين على فهم مطالب وسياسة الحزب فيما ~~يتعلق بزعامة الجيش والأسطول، والتعاليم السياسية الصحيحة ~~للقوات المسلحة.» # ومضى زوكوف الذي كان قد فصل قبل ذلك من اللجنة المركزية للحزب ~~الشيوعي في عام 1946، عندما كان ستالين لا يزال على قيد ~~الحياة، مضى يقول: «إنني لم أستطع في ذلك الوقت أن اعترف ~~بالأخطاء التي فصلت من أجلها من عضوية اللجنة، كما أنني لم ~~أعترف بأن طردي من اللجنة كان إجراء صائبا، وفي الوقت نفسه ~~رفضت الاعتراف بصحة الأخطاء المنسوبة إلي، أما الآن فالمسألة ~~تختلف؛ إنني أعترف بأخطائي، وأنا مدرك لهذه الأخطاء إدراكا ~~تاما، وأعد اللجنة المركزية للحزب بالتخلص منها تخلصا ~~تاما.» # خروشيشيف (تفوق على ستالين!) # وقد أضافت صحيفة برافدا بعض التفصيلات الأخرى إلى الأسباب التي ~~وردت في بلاغ اللجنة المركزية للحزب الشيوعي عن طرد زوكوف، ~~فقالت: إن زوكوف سمح لنفسه بتوجيه الإهانات إلى مرءوسيه، وأنه ~~لم يفهم التعاليم الخاصة بجيش دولة اشتراكية. # وقالت صحيفة الحزب الشيوعي الروسي: إن بعض الأصدقاء المقربين ~~لزوكوف من زملائه في الحرب الأخيرة قد انقلبوا ضده أثناء ~~اجتماعات اللجنة المركزية للحزب الشيوعي ووصفوه «بالقصير ~~الخطير». وقالت: إن المارشال مالينوفسكي الذي خلف زوكوف في ~~منصبه والمارشالات كونيف وركوسنسكي وفاسيلي سكولوفسكي رئيس ~~هيئة أركان حرب الجيش الروسي وتيموشنكو، وغيرهم من الذين عرفوا ~~زوكوف منذ أعوام طويلة مضت قد استنكروا بالإجماع مسلكه الخاطئ ~~الذي لا يتمشى مع سياسة الحزب عندما ms132 كان وزيرا للدفاع. # وقد لوحظ في عدة دوائر دبلوماسية أنه بالرغم من القسوة التي اقترنت ~~بطرد زوكوف، فإنه لا يمكنه أن يدعي الجهل بأن التطهير إنما هو ~~جزء ثابت من سياسة الحزب الشيوعي السوفييتي. # لقد عرف زوكوف وهو ضابط قديم بالجيش الأحمر وعضو مجرب في الحزب ~~الشيوعي منذ 1946، وهو في أوج شهرته كأكبر بطل عسكري في اتحاد ~~الجمهوريات السوفييتية في الحرب العالمية الثانية، أن الحزب ~~الشيوعي ودائرته الحاكمة لا تسمح لكائن أن يتدخل في سيطرته ~~المطلقة. # وفي عام 1946 كان ستالين - الذي أغضبه على ما يبدو نمو مكانة زوكوف ~~وثناءه على قادة الحلفاء العسكريين لما قدموه من معونة لهزيمة ~~ألمانيا النازية - هو الذي جعل المارشال زوكوف في حكم ~~المنفي. # فقد أسند عامئذ إلى زوكوف منصب عسكري صغير في أوديسا، وظل بعيدا ~~عن أنظار الناس إلى أن مات ستالين في عام 1953، فعين على ~~الفور وزيرا للدفاع بالنيابة. # واستعانت موسكو بزوكوف في السنوات السبع التي قضاها في غربته رغم ~~أن نشاطه ظل خافيا عن الشعب الروسي؛ إذ قيل: إنه عمل مستشارا ~~للقوات الشيوعية الصينية التي هاجمت جمهورية كوريا في عام ~~1950. # ويبلغ زوكوف الآن الثانية والستين من العمر، وقد ولد بمدينة ~~ستيركوفا بالقرب من موسكو في عام 1895، وأحرز أول امتياز عسكري ~~أثناء خدمته بالجيش الإمبراطوري الروسي، وانضم إلى الحزب ~~الشيوعي في عام 1919، وسرعان ما نال شهرة واسعة، وعرف أنه من ~~أخلص المتمسكين بالحزب. # ويبدو أن هذه الشهرة هي التي أنقذت حياته في عام 1937 عندما قام ~~ستالين بحركة التطهير العسكرية الدموية التي أدت إلى إعدام 374 ~~قائدا من قواد الجيش الأحمر و30000 ضابط رميا ~~بالرصاص. # وقد أرسل زوكوف في ذلك الوقت إلى الشرق الأقصى حيث نالت عمليته ضد ~~الجيش الياباني السادس ثناء موسكو، ورشحته للفوز بجائزة «بطل ~~الاتحاد السوفييتي»، وشغل زوكوف أيضا في أثناء الحرب الأهلية ~~الإسبانية التي سبقت الحرب العالمية الثانية منصب «كبير ~~المراقبين العسكريين في موسكو». # وفي عام 1941 عين زوكوف رئيسا لأركان حرب الجيش ونائبا لوزير ~~الدفاع، ثم قامت بعد ms133 ذلك شهرته في أثناء الحرب العالمية ~~الثانية، ولكن سرعان ما انطوى في زوايا النسيان بين عامي 1946 ~~و1953. # وفي عام 1953 بدا أن مستقبل زوكوف قد بدأ يتألق بعد فوزه برضاء ~~الحزب، وفي فبراير عام 1955 عين وزيرا للدفاع، وساد ~~الاعتقاد وقتئذ بأن أقدامه قد ثبتت من جديد بين أفراد الطبقة ~~الحاكمة. # وقد تعزز هذا الاعتقاد في صيف عام 1957 عندما عين عضوا في مجلس ~~الرئاسة السوفييتي، وهي الهيئة الشيوعية المختارة التي تحكم ~~الاتحاد السوفييتي، وفي هذه الفترة هب زوكوف إلى نجدة نيكيتا ~~خروشيشيف رئيس الحزب في أثناء الكفاح على السلطة، الذي انتهى ~~بإقصاء أربعة من الزعماء الشيوعيين القدماء وهم: مالنكوف، ~~ومولوتوف، وكاجانوفيتش، وشبيلوف. # ومما يستحق الذكر أن خروشيشيف قال في خطابه بالمؤتمر العشرين للحزب ~~الشيوعي السوفييتي في فبراير 1956 ما يلي: # لقد كان ستالين شديد الاهتمام بتقدير الرفيق ~~زوكوف كزعيم عسكري، وقد قلت له وقتئذ: لقد عرفت ~~زوكوف وقتا طويلا، فهو قائد كفء وزعيم عسكري قدير. ~~وبعد الحرب بدأ ستالين يكثر من الكلام الفارغ عن ~~زوكوف ... وربما يكون ستالين نفسه قد اختلق هذه التهم ~~بفرض الإقلال من دور المارشال زوكوف ومواهبه ~~العسكرية. # وتضمن أمر طرد زوكوف اتهامه بما يلي: # بمساعدة المتملقين ولاعقي الأحذية بدأ إطراؤه ~~«زوكوف» إلى حد رفعه إلى السموات العلا ... وهكذا شوه ~~التاريخ الحقيقي للحزب لإرضاء زوكوف ... واتضح أنه ~~زعيم سياسي غير رزين يميل إلى المغامرة، سواء في فهم ~~أهم أعمال السياسة السوفييتية الخارجية، أم في قيادة ~~وزارة الدفاع. # ولا شك أن خروشيشيف قد تفوق وهو يسعى إلى الانفراد بالسلطة على ~~أساليب ستالين، وحقق أهدافه بسرعة تزيد على السرعة التي ~~استغرقها ستالين، حتى تمكن من إقصاء جميع منافسيه وإبعادهم عن ~~الحكم؛ فإن الفلاح الذي جاء من أوكرانيا - أي: خروشيشيف - لم ~~يحتج إلى أكثر من أربع سنوات بعد أن عين في منصب السكرتير ~~العام للحزب الشيوعي حتى يتغلب على جميع المنافسين، في حين أن ~~الثائر الجيورجياني - أي: ستالين - احتاج إلى ما لا يقل عن ~~عشرين عاما حتى يحقق ms134 نفس الهدف. # | الخاتمة # بعد 40 سنة # يقول نيجلي فارسون وهو أحد مراسلي الصحف البريطانية الذين شهدوا ~~قيام الثورة الروسية منذ 40 عاما: إن أهم شيء يجب الاعتراف به هو أن ثورة أكتوبر ~~الروسية قد شبت في شهر مارس من عام 1917، كما أن هذه ~~الثورة لم تكن تدبيرا ... ولكنها وقعت! # حتى البولشفيك أنفسهم الذين كانوا يدبرون ~~الثورة منذ أعوام فوجئوا بوقوعها يومئذ ... # لقد كانت الثورة الفجائية، التي أدهشت ~~القائمين بها أنفسهم، لشعب لم يعد في طاقته أن يحتمل ~~أكثر مما احتمل ... ولم يعد في إمكانه أن يحتمل ~~مقتضيات الحرب. # لقد كان في وسع المراقب الأجنبي في بتروغراد ~~أن يدرك أنه لا يمكن لنظام من الأنظمة ولا لجيش من ~~الجيوش مهما كان شجاعا أن يصمد لفساد حكومة ~~بتروغراد ... وهنا في موسكو خسر آل رومانوف المعركة ~~ولم يخسروها في جبهة القتال. # ففي أواخر شهر يناير من عام 1917 كانت صفوف ~~الناس تملأ الشوارع وهي تطالب بالخبز، وكانت هذه ~~الصفوف في أحياء العمال تطوق المباني لمسافات بعيدة ~~ليلا ونهارا دون أن يتناقص عددها ... وكان الثلج ~~يتساقط على الجماهير. # وأخيرا خرج 20000 عامل من عمال مصانع الصلب ~~المشهورة «يتيلوف» وساروا في مظاهرة تقصد وسط ~~بتروغراد وهم يصيحون: أعطونا الخبز ... فليسقط ~~القيصر! # شبيلوف، زوكوف، مولوتوف، مالنكوف # بعض أقطاب الشيوعيين ~~الذين عملوا مع ستالين وطردهم خروشيشيف ويرى بينهم ~~من اليمين: مالنكوف ومولوتوف وزوكوف ~~وشبيلوف. # وامتلأت شوارع العاصمة الروسية بالجنود ~~الهاربين من جبهة القتال. # ومع ذلك كله لم يشعر أحد أن هذه الحوادث هي ~~مقدمة الثورة أو بشائرها. # وفي يوم 12 مارس خرجت من فندق فرنسا بعد أن ~~تناولت طعام الغداء ولم أفهم ماذا يقصد سائق زحافتي ~~عندما أشار بالكرباج الذي كان يحمله في يده وقال لي: ~~إنها هنا يا سيدي! # لم أفهم ما يقصد إلا بعد أن نظرت إلى واجهات ~~المحال التجارية التي أشار إليها بالكرباج فرأيت ~~أصحابها يغلقونها بسرعة، وقد تجلى الانزعاج الشديد ~~على وجوههم. # ولما وصلنا إلى شارع نفسكي، وكان أوسع شارع في ~~العالم وقتئذ ms135 رأينا القوزاق الذين كانوا يحاولون ~~إخلاء الطرقات من شاغليها وهم يمتطون صهوات جيادهم، ~~رأيناهم يضحكون وهم يحاولون إبعاد الناس دون أن ~~يستعملوا كرابيجهم ذات الأطراف المنتهية بقطع ~~صلب. # وكان معي رجل إنجليزي قال لي: هذه هي الثورة ... ~~لقد كنت هنا في عام 1905 وأنا أعرف ما هي ...! # واستوقفنا حشد كبير من الناس سد علينا منافذ ~~الطرق، وكانوا يحيطون بعربة من عربات الترام، كانوا ~~قد قتلوا سائقها عندما حاول أن يسير بقطاره مخترقا ~~صفوفهم، وقد قتلوه بنفس المفتاح الذي كان يحاول أن ~~يحرك به قطاره! # ورأينا فصيلة من الرماة الروس وقد اصطفت وهي ~~على استعداد لإطلاق النار، وكان الرماة يحملون ~~رماحهم أفقية حتى لا تؤذي القوم، ولم نقف لعد الذين ~~قتلوا أو جرحوا من الجمهور، ولكن سرنا في طريقنا ~~بواسطة زحافاتنا بعد أن أحدثت النار التي أطلقت ثغرة ~~في وسط الجماهير المتظاهرة. # وعند محطة نيكولاس وجدنا طلبة يحملون البنادق ~~وأخذوا يهددوننا بها، ولكنهم لما عرفوا أننا من ~~الأجانب تحولوا عنا، واتجهنا نحو طريق شلوسلبرج على ~~مقربة من نهر نيفا، وكان هذا الحي حيا صناعيا، ~~وفي هذا الحي فقد أكبر عدد من الأرواح في ثورة ~~مارس. # ووصلنا في موعد تناول الشاي إلى منزل صديق ~~بريطاني كنا نعيش معه، وكان أحد شقيقين يملكان ~~مصنعا للصوف، وكنت قد أحضرت معي أربع زجاجات من ~~الويسكي عثرت عليها في مخازن «فندق فرنسا»، وقلت ~~لصديقي: هذه هي الثورة ... يا آرثر! # ولكنه كان منشغلا عني بفتح زجاجة ~~الويسكي! # وكانت زوجته روسية مثقفة، وكانت تعمل سرا ~~على مساعدة بعض السيدات الاشتراكيات، وقد أسرعت إلى ~~حجرتها بعد أن سمعت ما قلت وعادت إلينا وقد وضعت ~~شارة حمراء على ذراعها ... # وفي صباح اليوم التالي دق جرس التليفون في ~~حجرتي، وكان المتحدث هو هذا البريطاني، فسألني ~~قائلا: هل تنوي أن تذهب اليوم إلى بتروغراد؟ # فأجبته قائلا: نعم! ولقد طلبت من سائقي ~~أرسيني أن ينتظرني! # وقال لي: انظر أولا من النافذة ...! # ونظرت من النافذة فرأيت عمودا من الدخان ~~الأسود يتصاعد في سماء بتروغراد ms136 كأنه ريشة في جو لا ~~رياح فيه ... وقال مضيفي: لقد قلت حقا، فقد انطلق ~~الجحيم في بتروغراد، وهذه محطة نيكولاس تحترق، كما ~~أن فرقتين من فرق الجيش قد تمردتا. # ثم استطرد قائلا: وأرسيني لا ينتظرك فقد ~~أمرته بعدم إخراج الزحافة اليوم، وأعتقد أننا بعد ~~ساعات قليلة سنصبح في حالة حصار تماثل الحالة التي ~~تعرضنا لها في عام 1905 ... أرجو أن تتولى العناية ~~بالنساء. # وفيما كنت أنتهي من ارتداء ملابسي رأيت الخادم ~~تدخل مندفعة وهي تصيح في ذعر: إنهم قادمون! # ونظرت من النافذة التي تطل على النهر فوجدت ~~الشاطئ مملوءا بالناس وعلى رأسهم بعض رجال البوليس ~~وهم يمتطون جيادهم وسيوفهم تلمع في ضوء ~~الشمس. # واستجمع الشقيقان شجاعتهما وقالا للثوار الذين ~~كان عددهم لا يقل عن 4000: ادخلوا في هدوء ولكن لا ~~تحطموا أي شيء هنا ... # وسارعت إلى الشقيقين فوقفت بجانبهما، وكان ~~الثوار يطلبون خروج عمال المصنع الذين لا يقل عددهم ~~عن 3000 عامل للاشتراك معهم، وبينما كانت المناقشات ~~دائرة حول هذا الموضوع وصلت سيارة ملأى بالطلبة ~~المتحمسين، وقفز منها الزعماء في الحال ولوحوا في ~~صدورنا بالمسدسات التي كانوا يحملونها وصاحوا: لقد ~~جئنا إلى هنا لإخراج عمالكم ... فإذا لم يتحقق لنا ذلك ~~حطمنا المصنع. # ونظر الشقيقان إلى بعضهما لحظة كأنهما ~~يتشاوران ثم صاح الأكبر: خذوهم! وردوا السلاح إلى ~~مكانه ... أو لعلكم تريدون قتل أحد! # وتدافع العمال وهم يخرجون من المصنع هاتفين ~~صائحين وهم يلوحون بالأعلام الحمراء التي كانوا ~~يحملونها، واتجهوا في سيرهم بحذاء نهر النيفا ... فلم ~~يتحطم شيء ...! # هذا ما رآه شاهد عيان عندما شبت الثورة الاشتراكية ب «بتروغراد» في ~~شهر مارس من عام 1917 ... # ومنه يمكن أن يرى القارئ أن بعض المصانع الروسية كانت في يد ~~الأجانب منذ 40 عاما ... # ويقول الكاتب البريطاني: إن روسيا وقتئذ لم تكن بها طبقة من رؤساء ~~العمال، وأنه إذا كسرت آلة من الآلات لم يكن هناك من يصلحها ~~إلا إذا أغرى رئيس عمال من الأجانب على إصلاحها ... # أما اليوم وبعد مرور 40 عاما على تاريخ هذه ms137 الثورة فإن روسيا تسبق ~~العالم في السباق ... نحو النجوم! # وقد نجحت روسيا في سياسة التصنيع، وأرست قواعد الثورة الاشتراكية ~~في بلادها، ولا يمكن أن تقارن حالتها اليوم بما كانت عليها ~~حالتها تحت حكم القياصرة ... # ستالين في منفاه (1915) ومعه بعض المنفيين ~~الآخرين (ستالين هو الثاني من اليسار). # وقد نتج عن انتصار الثورة الاشتراكية في روسيا نظام دكتاتورية ~~الطبقة العاملة، وهي السلطة الثورية الجديدة القائمة على أساس ~~التحالف بين الطبقة العاملة وجماهير الفلاحين العاملين بقيادة ~~البروليتاريا، وكان شكل الدولة في ظل السلطة الجديدة عبارة عن ~~«سوفييتات» نواب العمال والفلاحين التي تمخض عنها النشاط ~~الثوري. # ومنذ السنوات التي سبقت الحرب العالمية الثانية كان الاتحاد ~~السوفييتي قد تحول من دولة زراعية إلى دولة صناعية ذات زراعة ~~جماعية تستخدم الآلات على نطاق واسع، وظهر مجتمع جديد في روسيا ~~لا توجد بين طبقاته تلك الفروق الحادة التي كانت تميز ~~المجتمعات الأخرى السابقة في روسيا. # وكان من أقسى التجارب التي تعرضت لها روسيا الهجوم الألماني الغادر ~~عليها في الحرب العالمية الثانية، وكانت ألمانيا تعتمد في تلك ~~الفترة التي هاجمت فيها روسيا على الإنتاج الحربي لأوروبا ~~المحتلة كلها، ولكن روسيا خرجت من تلك الحرب بمساعدة حلفائها، ~~وقد وطدت دعائم نظامها على الرغم مما عانته من خسائر في ~~الأرواح والمصانع والمدن ... وتمكنت روسيا من الشفاء العاجل من ~~الجراح العميقة التي سببتها لها الحرب، كما تمكنت من إصلاح ~~كافة فروع الاقتصاد القومي وتنميتها. # وفي عام 1956 بلغ إنتاج الاتحاد السوفييتي في الصناعة ثلاثة أضعاف ~~ما كان عليه في عام 1940، وأصبح الاتحاد السوفييتي من أقوى ~~الدول اقتصاديا، كما زادت حصته في الإنتاج العالمي فبلغت نحو ~~20٪ عام 1957 بعد أن كانت في عام 1917 تتراوح بين 2 و3٪. # ولكن هل هذا هو كل ما كان يطمع فيه أنبياء الشيوعية حين بشروا ~~بثورتهم؟ # لقد شرح ستالين حقيقة أهداف الشيوعية عندما قرر: «أن هدف روسيا في ~~سياستها هو تعزيز دكتاتورية الطبقات العاملة حتى تصبح وسيلة ~~للقضاء على الاستعمار في العالم كله ...» # كما ذكر في ms138 مكان آخر: «إن أهم القوى المدخرة للثورة العالمية هي ~~الدكتاتورية الشعبية في روسيا والحركات الثورية الأخرى في ~~الدول الخارجية ...» # وكان من رأى ستالين أيضا أن أحسن الأوقات المناسبة لإشعال نيران ~~الثورة العالمية هي فترات الحروب والأزمات الاقتصادية والنكبات ~~الوطنية! ~~••• # أما لينين فقد كان من رأيه هو الآخر أن لا مناص من أن تقوم الحرب ~~في النهاية بين حركات التحرير الأوروبية ضد قوى الاستعمار ... ~~ودعا إلى استعمال كافة الوسائل وجميع أنواع الأسلحة في مثل هذه ~~الحروب حتى تنتهي في النهاية بهزيمة الاستعمار. ~~••• # ولذلك فإن المشكلة اليوم في هذه الفترة الحاسمة من الحياة التي ~~نعيشها هي: هل يمكن أن تعيش الشيوعية في سلام إلى جانب الأنظمة ~~السياسية الأخرى التي تسير عليها دول العالم؟ # هل يمكن أن يصبح «التعايش السلمي» حقيقة واقعة، أم أن الحرب لا بد ~~واقعة في يوم من الأيام بين الشيوعية وبين غيرها؟ وأنه كما قال ~~لينين: «إما أن نقضي على الرأسماليين ونوجه إليهم الضربة ~~القاصمة، وإما أن يقضوا هم علينا ...» # ويلاحظ أنه عندما قامت ثورة أكتوبر 1917 كانت الحرب دائرة بين ~~مجموعتين من الدول الاستعمارية؛ فالمجموعة الأولى كانت تتكون ~~من الإنجليز والفرنسيين والروس، والمجموعة الأخرى تتكون من ~~ألمانيا، وكان النزاع يدور حول إعادة تقسيم العالم ... # وقامت في كافة البلاد حركة قوية تطالب بوقف الحرب ... ولم يؤد ~~القضاء على النظام القيصري في فبراير 1917 إلى تغيير الصورة ~~الأصلية للحرب، حتى إن الحكومة الروسية المؤقتة تقدمت للشعب ~~بشعار يصر على مواصلة الحرب «حتى النصر»، وأخذت الأحزاب ~~الثورية التابعة للمنشفيك والاشتراكيين تؤيد هذه ~~السياسة. # إلا أن حزب البلشفيك وحده هو الذي عارض الحرب ووقف ضدها منذ ~~البداية، ونادى بضرورة وقفها، حتى إن لينين في عام 1915 كتب يقول: # ماذا تفعل البروليتاريا لو أن الثورة جاءت بها ~~إلى الحكم في أثناء الحرب الحالية؟ # 1 # إننا نجيب على هذا بأننا سوف نعمل على نشر ~~السلم، وتحرير كافة المستعمرات والأمم المغلوبة على ~~أمرها، والشعوب المضطهدة. # وقد حدث فعلا أن أعلنت الثورة الاشتراكية في عام 1917 ms139 مبدأ ~~«السلام للشعوب». # وكان أول مرسوم للسلطة السوفييتية هو مرسوم السلام، فبعد أن أعلن ~~مؤتمر السوفييتات الثاني لكل روسيا، الذي عقد في بتروجراد في ~~25-26 أكتوبر سنة 1917 أن كافة السلطات قد انتقلت إلى ~~السوفييتات، ناقش مرسوم السلام ووافق عليه بالإجماع، وتحدث ~~لينين في المؤتمر عن السلام. # وفي كلمات قليلة واضحة شرح الأهمية البالغة لهذا القرار، ثم قرأ نص ~~المرسوم المقترح. # وسجلت هذه الوثيقة التاريخية لأول دول اشتراكية، دولة العمال ~~والفلاحين، أساس سياستها الخارجية السلمية، وقام المرسوم على ~~أساس مبدأ الاعتراف بالحقوق المتساوية لكافة الأمم، وحق كل ~~منها في تقرير مصيرها وتنظيم كيانها بالطريقة التي تختارها، ~~وألغى الدبلوماسية السرية والمعاهدات السرية التي وقعتها ~~الحكومات القيصرية والحكومة المؤقتة. # وقد صيغ مرسوم السلام في شكل بيان إلى حكومات وشعوب البلاد ~~المتحاربة، ودعا الشعوب المتحاربة وحكوماتها إلى عقد هدنة ~~وإجراء مفاوضات عاجلة من أجل سلام عادل ونظام ~~ديموقراطي. # ولم تكن الحكومة السوفييتية تعتبر مقترحاتها السلمية مقترحات ~~نهائية، بل كانت على استعداد لمناقشة أية شروط أخرى ما دامت ~~واضحة تماما وخالية من الاتفاقيات السرية. # وأيد مندوبو السوفييتات الإقليمية ووحدات الجيش والبحرية الذين ~~حضروا المؤتمر مرسوم السلام الذي اقترحه لينين تأييدا ~~إجماعيا. # وقال فيليكس درشنسكي: إن الاشتراكيين الديموقراطيين في بولندا ~~ولتوانيا يؤيدون مرسوم السلام بحماس، وفي اليوم التالي لإصدار ~~المرسوم نشرته الصحف وأعلنته الإذاعة. # وفي نفس الوقت أصدر «الوفد المبعوث إلى الخارج» والتابع للجنة ~~المركزية لحزب العمال الاشتراكي الديموقراطي الروسي ~~«البولشفيك»، والهيئة الاشتراكية الدولية، وهما الهيئتان ~~اللتان كانتا في استكوهولم، أصدرا بيانا إلى البروليتاريا في ~~كافة البلاد يدعوانها إلى تأييد الخطوات التي اتخذتها الحكومة ~~السوفييتية. وقال البيان: # لتعش الهدنة العاجلة! ليقف إطلاق النار! إلى مفاوضات السلام! # وإذ كانت الجمهورية السوفييتية قد بدأت حياتها وهي تنشد السلام ~~وتنادي به، وتعمل على نشره، وتعتبره مبدأ من مبادئها، فما الذي ~~حدث اليوم وجعل منها قوة مخيفة تملك أسطولا هائلا من ~~الغواصات، وأسرابا من الطائرات النفاثة والصواريخ عابرة ~~القارات، وعددا من الأقمار الصناعية، وغير ذلك من آلات ومعدات ~~الدمار؟ ms140 # لعل الاستعداد للحرب هو خير وسيلة لاتقاء الحرب كما يقولون، ولعل ~~الاتحاد السوفييتي يملك هذه القوة الهائلة لكي يستعملها يوما ~~في الدفاع لا في الهجوم، ولعله يملكها لكي يقيم شيئا من ~~التوازن في القوى التي تعمل بالمحيط الدولي ...؟! # إننا نعيش اليوم في عالم أفعمت قلوب سكانه بالحب والسلام، وقد ~~انتشرت فكرة السلام بين جميع الناس وخاصة بعد أن تنوعت أسلحة ~~الخراب والدمار، ولمس الجميع مدى تأثيرها على البشر وجنايتها ~~عليهم ... # ولا شك أن الجيل الذي ولد في ظل السلام لن يشترك في عدوان ضد أي ~~إنسان، ولما كان الناس قد ولدوا أحرارا فإنهم لذلك يجب أن ~~يتركوا أحرارا عند اختيارهم النظام الذي يلائمهم، وليس لقوة ~~في الوجود أن تتحكم في إرادتهم أو ترغمهم على قبول نوع معين من ~~نظام الحكم. # ولقد كان ستالين حاكما قويا فرض إرادته وسلطته على روسيا نحو 29 ~~عاما، فلم يتمكن صوت واحد من الارتفاع بمعارضته، وتعددت في ~~عهده المظالم، وحاول الكثيرون تبريرها بأن النظام كان لا يزال ~~في أول عهده، وبعد وفاته عرف الناس في روسيا وخارجها أسرارا ~~كثيرة في السياسة الداخلية والخارجية وصمت العهد كله بالدم ~~والطغيان. # وبعد أن ألقى خروشيشيف خطابه المشهور الذي استنكر فيه أساليب ~~ستالين ظن الناس أنه سيتنكب أساليبه فعلا لا قولا فقط، ولكن ~~روح ستالين أثبتت أنها ما زالت تسيطر على الموقف كله في روسيا ~~وخارجها. # ولقد ظهر ذلك في حفلة أقيمت في رأس عام 1957 بموسكو تكريما لشواين ~~لاي رئيس وزراء الصين الوطنية؛ فقد سمع خروشيشيف آنئذ يقول: ~~«كان ستالين محاربا للاستعماريين ... وحين يكون الأمر أمر ~~محاربة الاستعماريين فنحن جميعا ستالينيون.» # وبعد ذلك بأسبوع تحدث خروشيشيف إلى مراسلي صحف ألمانيا الشرقية عن ~~زيارته للمجر وامتدح وحدة الشيوعيين، وأشاد بستالين، وانضم ~~شواين لاي إليه - وكأنما يؤكد العودة إلى الستالينية - فقال في ~~أثناء زيارته لبولندا لرئيس وزرائها فلاديسلاف جومولكا المعروف ~~بمناهضته للستالينية: «أقترح أن نشرب نخب ... تضامن الدول ~~الاشتراكية وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي.» # وكان معنى هذا عند بعض المراقبين أن ms141 النظام القديم قد أعيد مرة ~~أخرى. # وستظهر الأيام القادمة إذا كان هذا الاستنتاج صوابا أم خطأ ... # وكل ما يطالب به الناس في جميع أنحاء العالم هو السلام ... # فمن أجل السلام يجب أن يعمل كل إنسان! ~~(ا.ه. بحمد الله) # | مصادر ومراجع استعان بها المؤلف # (1) مراجع عربية ~~(1) # أحمد بهاء الدين: شهر في روسيا. ~~(2) # عباس حافظ: المعبود الذي هوى. ~~(3) # فتحي الرملي: لينين أكبر ثائر في ~~التاريخ. ~~(4) # عصام محمد سليمان: روسيا البلشفية. ~~(2) مراجع أجنبية ~~(1) # Emil ~~Ludwig-STALINE. ~~(2) # Walter Bedell Smith-My Three Years ~~in Moscow. ~~(3) # Hugh Ston-Watson-From Lenin To ~~Malenkov. ~~(4) # Bertram D. Wolfe-Khrushchev and ~~Stalin’s Ghost. ~~(5) # Maxmilieu ~~Gauthier-STALINE. ~~(6) # Boris Shrub & Bernard ~~Quint-Since Stalin. ~~(7) # Stephen ~~Graham-STALIN. ~~(8) # H. & P. Lazareff-The Soviet ~~Union After Stalin. ~~(9) # Stefau Possony-A Century Of ~~Conflict. ~~(10) # Klaus Mehnert-Stalin Versus ~~Marx. ms142