######OpenITI# #META# URI: 1379KamilKilani.MasaricAcyan.Hindawi61404864 #META# Tags: history #META# ID: 61404864 #META# Title: مصارع الأعيان #META# AuthorID: 82737073 #META# Author: كامل كيلاني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إلمامة‏ # مصرع عبد الله بن الزبير‏ # مصرع مصعب بن الزبير‏ # مصرع الحسين‏ # مصارع الخوارج‏ # مصرع عبد الرحمن بن الأشعث‏ # مصرع سعيد بن جبير‏ # مصرع أبي مسلم الخراساني‏ # إلمامة‏ # مصرع عبد الله بن الزبير‏ # مصرع مصعب بن الزبير‏ # مصرع الحسين‏ # مصارع الخوارج‏ # مصرع عبد الرحمن بن الأشعث‏ # مصرع سعيد بن جبير‏ # مصرع أبي مسلم الخراساني‏ # | مصارع الأعيان # | مصارع الأعيان # تأليف # كامل كيلاني # | كلمة # بقلم سليم قبعين # عني المستشرقون والمستعربون الغربيون بجمع شتات اللغة العربية وأوابدها وتاريخها الحافل، ~~فلم يدعوا شاردة ولا واردة إلا زفوها بثوب قشيب نسجت خيوطه من الأبحاث الدقيقة والتنقيب ~~المتواصل. ووجهوا التفاتهم إلى أقطاب العلم عندنا، وذكروا سير حياتهم وأقوالهم وما فيها من ~~عبر وعظات بالغة. # وقد رأت الأمم التي تبوأت أريكة العلم أن من دواعي فخرها ومجدها وسؤددها إحياء ذكرى ~~رجالها الغابرين الذين مثلوا أدوارا هامة في الحياة الاجتماعية - على اختلاف منازعها ~~ومراميها - فوضعوا كتبا قيمة سردوا فيها سير أولئك الأمجاد الذين تركوا لهم أسمى ذكر في ~~التاريخ. # وكان الأولى بنا نحن سلالة أبناء يعرب وقحطان أن ننسج على هذا المنوال، ونجمع سير رجالنا ~~العظام وأقوالهم الحكيمة ونزفها لأبناء هذا العصر ليعتبروا بعبرها ويقفوا على ما كان عليه ~~أسلافهم من المجد والعلم والبطولة. وقد رأينا أن نسد هذا الفراغ فطلبنا إلى حضرة الكاتب ~~اللوذعي الأستاذ كامل أفندي كيلاني المتخصص بالأدب العربي أن يجمع لنا طائفة طيبة من تاريخ ~~أعيان العرب ومصارعهم. ~~••• # ومن عرف كامل أفندي كيلاني وطالع كتبه المختلفة، كالأدب الأندلسي ورسالة الغفران ومصارع ~~الخلفاء، وديوان ابن الرومي، ومختار القصص وقصص الأطفال وغيرها، يثق بأن مجموعته ستكون أنفس ~~مجموعة من نوعها من حيث الدقة وحسن الأسلوب وروعة البيان. # ولعلنا نقوم بذلك ببعض الواجب المطلوب منا للأدب العربي وللشرق والشرقيين وهذا حسبنا ~~وكفى. # | إلمامة # 1 # قلت في كتاب مصارع الخلفاء: # ليس أروع للنفس من تمثل مصارع الناس، والاستماع إليهم في ساعاتهم الأخيرة ~~وتعرف ما قالوه - وقت حلول الأجل - وآخر ما تفوهوا به من الكلم قبل أن يفارقوا ~~هذا ms01 العالم - خيره وشره - فراقا أبديا لا عودة لهم بعده. # واذا كان هذا هو شعورنا بجلال الموت وروعته، فلا جرم أنه يعظم ويزداد - إلى ~~أقصى حد - حين يقترن بعظمة الملك وأبهته. # وليس أشجى للنفس من تمثل مصرع خليفة أو قائد كبير أو شاعر عظيم من أولئك ~~الذين تركوا في هذا العالم أكبر أثر، ونقشوا في تاريخه صفحات لا يمحوها ~~الزمن. # ولعل خير ساعة يستعرض فيها المتأمل تاريخ حياة إنسان هي ساعة احتضاره، فإنه ~~ليرى - حينئذ - أمام كل صورة من صور الضعف صورة أخرى من صور القوة، ويلمح بجانب ~~تلك الصور المشجية الحزينة ما يقابلها من الصور الماضية البسامة ~~المشرقة. # 2 # وقد كانت هذه التأملات - هي الباعث الأول الذي حداني - كما قلت في تلك المقدمة لإخراج ~~كتاب «مصارع الخلفاء» أولا وكتاب «مصارع الأعيان» الذي بين أيدي القراء الآن. # وقد حاولت جهدي - كما ذكرت - أن أدون فيهما طائفة من أروع المشاهد التي ذكرها لنا ~~التاريخ، كما حاولت أن أرسم في ذهن القارئ صورا واضحة مشرقة بالحياة، ولعلي وفقت - في ~~هذه المحاولة - بعض التوفيق. ~~••• # وقد سلكت في هذا الكتاب نهج سابقه متوخيا الإيجاز الشديد في عرض حوادثه وتعليلها، ~~فأنا أعرف زهد الكثيرين وعزوفهم عن قراءة التاريخ المطول، وأعلم - إلى ذلك - أنني إذا ~~أفلحت في تحبيب التاريخ إلى نفوس بعض النافرين منه، بنشر مثل هذه الصور الرائعة التي ~~تركها لنا المؤرخون، فقد أدركت غاية من أجل الغايات التي أسعى إلى تحقيقها. ~~••• # وقد لقي كتاب «مصارع الخلفاء» من عطف القراء وإقبالهم ما فاق كل ما قدرته له، وألح ~~علي الكثيرون - وفي مقدمتهم حضرة الصحفي القدير ناشر الكتاب الذي أشكر له حسن ظنه ~~بأدبي - أن أسرع بإنجاز هذا الكتاب، وأنا أشكر لحضرات القراء إقبالهم وتشجيعهم، كما ~~أشكر لصديقي الأستاذ سليم قبعين عنايته بإظهار هذا الكتاب في أحسن مظهر، وحسن ظنه ~~بصاحبه، وأرجو أن لا تكون حالي معه كما يقول الحريري: # لقد استسمنت ذا ورم ونفخت في غير ضرم. # ولا كما يقول المتنبي: # أعيذها نظرات منك صادقة # أن ms02 تحسب الشحم فيمن شحمه ورم # على أنني بذلت جهد المقل، ولم يثنني عن إظهار هذا الكتاب ضيق الوقت وازدحامه بما تنوء ~~به صحتي المعتلة وبنيتي الضعيفة من الأعباء المرهقة، متأسيا بقول الطغرائي: ~~«ولولا تكاليف العلى ومغارم # ثقال وأعقاب الأحاديث في غد # لأعطيت نفسي في التخلي مرادها # فذاك مرادي - مذ نشأت - ومقصدي» # كامل كيلاني # | مصرع عبد الله بن الزبير # فجاءه حجر من حجارة المنجنيق وهو يمشي فأصاب قفاه فسقط. # المؤرخون ~~(1) الليلة الأخيرة # جمع القرشيين في الليلة التي قتل في صبيحتها فقال لهم: «ما ترون؟» # فقال رجل منهم: «والله لقد قاتلنا معك حتى ما نجد مقاتلا! والله لئن صبرنا معك ما ~~نزيد على أن نموت معك. إنما هي إحدى خصلتين: إما أن تأذن لنا فنأخذ الأمان لأنفسنا ولك، ~~وإما أن تأذن لنا فنخرج!» # فقال عبد الله: «قد كنت عاهدت الله ألا يبايعني أحد فأقيله بيعته.» # فقال رجل آخر: «اكتب إلى عبد الملك.» # فأجابه: «كنت أكتب إليه: «من عبد الله أمير المؤمنين» فوالله لا يقبل هذا مني أبدا. ~~أو أكتب إليه: «لعبد الله أمير المؤمنين من عبد الله بن الزبير؟» # 1 # فوالله لأن تقع الخضراء على الغبراء أحب إلي من ذلك!» # حواره مع أخيه # فقال «عروة» أخوه: «يا أمير المؤمنين، قد جعل الله لك أسوة.» # فقال له: «من هو أسوتي؟» # قال: «الحسن بن علي بن أبي طالب، خلع نفسه وبايع معاوية.» # قالوا: فرفع عبد الله بن الزبير رجله وضرب «عروة» حتى ألقاه، ثم قال: «يا عروة، ~~قلبي إذن مثل قلبك؟ والله لو قبلت ما تقولون ما عشت إلا قليلا وقد أخذت الدنية، ~~وما ضربة بسيف إلا مثل ضربة بسوط! لا أقبل شيئا مما تقولون.» ~~(2) في اليوم الأخير # فلما أصبح دخل على بعض نسائه فقال: «اصنعي لي طعاما.» # فصنعت له كبدا وسناما، فأخذ منها لقمة فلاكها ساعة ثم لم يسغها، فرماها. # وقال: «اسقوني لبنا.» فأتي بلبن فشرب، ثم قال: «صبرا علي غسلا.» # فاغتسل، ثم تحنط وتطيب. ثم تقلد سيفه وخرج وهو يقول: # ولا ألين ms03 لغير الحق أسأله # حتى يلين لضرس الماضغ الحجر # حواره مع أمه # ثم دخل على أمه «أسماء بنت أبي بكر الصديق» - وهي عمياء من الكبر قد بلغت من السن ~~مائة سنة - قالوا: فدخل عليها وسلم، فقالت: «من هذا؟» فقال: «عبد الله.» ثم قال: ~~«ما ترين؟ قد خذلني الناس، وخذلني أهل بيتي!» # فقالت: «يا بني، لا يلعبن بك صبيان بني أمية، عش كريما ومت كريما!» # فقال لها: «إن الحجاج قد أمنني.» # قالت: «يا بني، لا ترض الدنية؛ فإن الموت لا بد منه.» # قال: «إني أخاف أن يمثل بي!» # قالت: «إن الكبش إذا ذبح لا يؤلمه السلخ!» # ساعة المصرع # قالوا: فخرج، فأسند ظهره إلى الكعبة - ومعه نفر يسير - فجعل يقاتل بهم أهل الشام، ~~فهزمهم وهو يقول: «ويل أمه، فتح لو كان له رجال.» # فجعل «الحجاج» يناديه: «قد كان لك رجال، ولكنك ضيعتهم.» # قالوا: «فجاءه حجر من حجارة المنجنيق - وهو يمشي - فأصاب قفاه فسقط.» فما درى أهل ~~الشام أنه هو حتى سمعوا جارية تبكي وتقول: «وا أمير المؤمنين!» فاحتزوا رأسه، ~~فجاءوا به إلى الحجاج، فبعث به إلى عبد الملك. ~~(3) الأسباب التي أدت إلى مصرعه # إن فيه لثلاث خصال، لا يسود بها أبدا: ~~(1) # عجب قد ملأه. ~~(2) # واستغناء برأيه. ~~(3) # وبخل التزمه. # فلا يسود بها أبدا. # عبد الملك بن مروان # لا نستطيع أن نصف أسباب انكسار ابن الزبير وقتله بأكثر من هذه الخلال التي لا ينال ~~صاحبها نجاحا، فقد أفقدته هذه الصفات كل أنصاره وأضاعت منه فرصا ثمينة، لو انتهزها ~~لعرف كيف يثبت ملكه ويوطد أسس خلافته. # فقد لاحت لعبد الله بن الزبير فرصة لا تعوض، وهي موت خصمه اللدود «يزيد» وبدأت الأمور ~~تضطرب حين تنازل خلفه معاوية عن الخلافة بعد أن لبث فيها أياما. # وكاد يتم الأمر لعبد الله بن الزبير - رغم مناوأة مروان الذي نازعه الأمر - وكانت كفة ~~ابن الزبير في البداية راجحة، فقد بايعه أهل البصرة وأهل مصر واجتمعت له العراق والحجاز ~~واليمن وبايع له بعضهم في الشام سرا. ثم أصبح الناس في الشام ms04 فرقتين: اليمانية مع ~~مروان، والقيسية مع دعاة ابن الزبير. # وتهاون ابن الزبير في الأمر واستنام لأعدائه، فانتصر الفريق الأول - بعد قتال - ودخل ~~مروان دمشق دخول الظافر. # ولما مات مروان لاحت لعبد الله بن الزبير فرصة أخرى، فلم ينتهزها وأضاعها بتوانيه ~~وبخله. ولقد صدق الحجاج في قولته المشهورة: # قد كان لك رجال ولكنك ضيعتهم. # وصدق عبد الملك بن مروان في قولته التي صدرنا بها هذا الفصل، حين هدده مصعب بن الزبير ~~بأخيه عبد الله، فأجابه عبد الملك بهذه الجملة التي تلخص لنا أخلاق عبد الله بن الزبير، ~~وتشرح لنا - بأوجز عبارة - السر في انهزامه وانفضاض الناس من حوله وانتصار خليفة أموي ~~عليه - رغم كره جمهرة الناس ومقتهم الأمويين - لاعتقادهم أنهم أخذوا الخلافة اغتصابا، ~~وقتلوا الحسين بن علي كما جنوا على أبيه، وأوقدوا نيران الفتن التي أودت بكثير من أجل ~~المسلمين وكبار رجالهم المعدودين. # ولقد قال عبد الملك وهو على فراش الموت: «ما أعلم أحدا أقوى على الخلافة مني؛ إن ابن ~~الزبير لطويل الصلاة كثير الصيام، ولكنه لبخله لا يصلح للسياسة.» ~~••• # والحق أن الفرق بين عبد الملك وبين ابن الزبير عظيم جدا، نوجزه في أن عبد الملك ~~أقام ملكا ثابتا على أنقاض مهدمة، وفي وسط فتن وقلاقل، حينما هدم ابن الزبير ملكا ~~وطيدا بتهاونه وإضاعة الفرص الثمينة التي مرت به. كان عبد الملك لا يتعفف عن كبيرة في ~~سبيل توطيد ملكه، وكان خصمه عبد الله بن الزبير يتحرج من كل ما يظن فيه أية ~~مخالفة. # ألا ترى أن عبد الملك يظهر لعمرو بن سعيد أنه يرضى بالصلح معه على أن يعهد إليه ~~بالخلافة من بعده، فيفرح ابن سعيد بذلك ويقبل الصلح، ثم يخدعه عبد الملك فيقتله ~~غدرا، # 2 # ثم يلقي برأسه إلى شيعته وصحبه ومعها دنانير ودراهم ليشغلهم بها، ويمنيهم ~~بالوعود الخلابة فينسيهم بهذه الرشا ثأر صاحبهم؟ # فقد كان عبد الملك - كأكثر خلفاء بني أمية - جوادا سمحا يغدق المال إغداقا في سبيل ~~تحقيق مآربه، ويبذل الوعود الكاذبة والأماني المعسولة ليظفر بغايته، غير ms05 متورع عن كذب ~~ولا مداهنة، مستهينا بكل وسيلة - مهما كانت مرذولة - في سبيل إدراك أوطاره. وكان عبد ~~الله بن الزبير كأخيه «مصعب بن الزبير» # 3 # بخيلا، لا يستميل الجنود بمال، ولا يغريهم بوعد كاذب. # كان عبد الملك - كمعاوية - يعتقد ضعف مركزه الشرعي فلا يترك وسيلة لتثبيته وتوثيق ~~أساسه. # وكان عبد الله بن الزبير - كعلي بن أبي طالب - يعتقد أنه على حق فلا يعنى بالحيل ~~السياسية، واهما أن الحق منتصر وحده، دون أن يفتقر إلى مداورة أو خداع. # لقد كان عبد الملك يقتدي بمعاوية في بذل المال واستخدامه في قضاء أغراضه، لتيقنه من ~~سحره العجيب في تذليل العقبات، وتسهيل الصعاب. # وكثيرا ما اقتدى بعبد الملك عماله في استخدام المال في تذليل المستحيلات. ~~••• # ألا ترى إلى الحجاج - وهو يحاصر الكعبة، وفيها عبد الله بن الزبير - فيأمر رجاله أن ~~يرموها بالمنجنيق، فيحجمون، فإذا رأى ترددهم جاء بكرسي وجلس عليه وقال: «يا أهل الشام، ~~قاتلوا على أعطيات عبد الملك.» # فلا يكادون يسمعون منه ذلك حتى يسرعوا إلى تلبية أمره إسراعا. ~~••• # لقد أغفل عبد الله استخدام المال - كما أسلفنا ~~- واكتفى بأن يعلم أنه محبوب من الناس، وأن أعداءه الأمويين مبغضون إليهم، وأنه في جانب ~~الحق والأمويون في جانب الباطل. # ونسي أن الباطل إذا تعهده المبطل وقوى دعائمه وثبت أركانه تغلب - ولو إلى حين - على ~~الحق الذي أهمله صاحبه واستهان بنصرته ولم يعن بتدعيمه. # ومن رعى غنما في أرض مأسدة # ونام عنها، تولى رعيها الأسد # لقد كان عبد الله بن الزبير شجاعا مقداما لا ~~يهاب الموت، ولكن ماذا تجديه الشجاعة أمام الدهاء السياسي والحيل العجيبة التي كان يلجأ ~~إليها أعداؤه؟ # والرأي قبل شجاعة الشجعان # هو أول، وهي المحل الثاني ~~(4) حصار مكة # حاصرت جنود يزيد مكة وقذفت الكعبة بالحجارة والصخور ثم أحرقتها وحطمت الحجر الأسود، ~~ومات يزيد فاضطر جنوده - بقيادة الحصين - إلى الرجوع إلى بلادهم مدة من الزمن، حتى إذا ~~انقضت الفوضى وقمعت الاضطرابات وأخضع عبد الملك البلاد إخضاعا وجه الحجاج إلى مكة ~~لمحاصرة عبد الله بن ms06 الزبير ففعل. # قال العلامة دوزي : «ذهب الحجاج إلى تلك البقاع المقدسة وحاصر المدينة # 4 # وطفق يرمي الكعبة بالصخور والحجارة ليدكها دكا. # وبينما كان يقذفها بالنار - ذات يوم - هبت عاصفة شديدة فأحرقت النار اثني عشر ~~جنديا.» قال: فرأى الجيش في ذلك عقابا من الله على انتهاك حرمة ذلك المكان المقدس ~~فأحجم رجال الحجاج وكفوا عن ذلك. وثمة اغتاظ الحجاج وخلع بعض ملابسه وتقدم من المنجنيق ~~فأخذ بيده حجرا ووضعه فيه ثم أطلقه بعد ذلك وهو يقول: «لقد أخطأتم الفهم، فليس معنى ما ~~حدث هو ما دار بإخلادكم. ألا إنني جد خبير بطبيعة هذه البلاد التي نشأت فيها وربيت، ~~ولكم رأيت لهذه العاصفة من أشباه!» # قال: «وظل يشدد الحصار عليها عدة أشهر حتى فتحها بعد أن قتل عبد الله بن الزبير سنة ~~932م.» ~~••• # وحسب القارئ أن يعرف أن خصم عبد الله بن الزبير هو الحجاج ليدرك حرج الموقف وصعوبته، ~~ونحسبنا في غير حاجة إلى وصف الحجاج. بعد أن وصفه الفرزدق بقوله: # ومن يأمن الحجاج - والجن تتقي # عقوبته - إلا ضعيف عزائمه # وقد رأى القارئ كيف أغرى الحجاج جنوده بالمال وأطمعهم في أعطيات عبد الملك ليشجعهم ~~على اقتحام هذه البقاع المقدسة ودكها دكا. # وقد انتهت المعركة الفاصلة بهلاك عبد الله بن الزبير وانتصار الأمويين عليه كما ~~رأيت. # | هوامش # | مصرع مصعب بن الزبير # فجاء غلام فضربه بالسيف فقتله. # قالوا: «إن عبد الملك لما أيس من مصعب كتب إلى أناس من رؤساء أهل العراق يدعوهم إلى نفسه ~~ويجعل لهم أموالا عامة وشروطا وعهودا ومواثيق وعقودا.» # قالوا: وكتب إلى «إبراهيم بن الأشتر» يجعل له وحده مثل ما جعل لأصحابه على أن يخلعوا عبد ~~الله بن الزبير إذا التقوا. # فقال إبراهيم بن الأشتر لمصعب: «إن عبد الملك قد كتب إلي هذا الكتاب وكتب لأصحابي كلهم ~~«فلان» و«فلان» بذلك. فادع بهم - في هذه الساعة - فاضرب أعناقهم واضرب عنقي معهم.» # فقال مصعب: «ما كنت لأفعل ذلك حتى يستبين لي ذلك من أمرهم.» # قال إبراهيم: «فأخرى.» # قال: «وما هي؟» # قال: «احبسهم ms07 في السجن حتى يتبين لك ذلك .» # فأبى، فقال له إبراهيم بن الأشتر: «عليك السلام ورحمة الله وبركاته ولا تراني - والله - ~~بعد في مجلسك هذا أبدا.» # وقد كان قال له قبل ذلك: «دعني أدعو أهل الكوفة بدعوة لا يخلعونها أبدا. وهي ما شرطه ~~الله.» # فقال له مصعب: «لا والله لا أفعل. لا أكون قتلتهم بالأمس وأستنصر بهم اليوم.» # قال: «فما هو إلا أن التقوا، فحولوا برءوسهم ومالوا إلى عبد الملك بن مروان فبقي مصعب في ~~شرذمة قليلة.» # فجاءه «عبد الله بن ظبيان» فقال: «أين الناس أيها الأمير؟» # فقال «غدركم يا أهل العراق.» # قال: فرفع «عبد الله» سيفه ليضربه. فبدره «مصعب» بالسيف على البيضة، فنشب فيها. فجعل يقلب ~~السيف ولا ينتزع من البيضة. قال: فجاءه غلام «لعبيد الله بن ظبيان» فضرب مصعبا بالسيف ~~فقتله. ثم جاء «عبيد الله» برأسه إلى عبد الملك يدعي أنه قتله. قالوا: فطرح رأسه ~~وقال: # نطيع ملوك الأرض ما قسطوا لنا # وليس علينا قتلهم بمحرم # ثم وقع عبد الملك ساجدا. # 1 # الأسباب التي أدت إلى مصرعه # لعل القارئ يستغني بتلك القطعة السابقة عن شرح الأسباب التي أدت إلى هلاك مصعب بن ~~الزبير، فهي في اعتقادنا كافية لشرح أخلاقه وإظهار سر هزيمته. فأنت ترى عبد الملك لا ~~يتعفف عن بذل المال وإغداقه على جنود أعدائه ليستميلهم به، وقد رأيت أن مصعبا كان ~~بخيلا على الجند - وإن كان مسرفا على نفسه - حتى قال فيه القائل: # بضع الفتاة بألف ألف كامل # وتبيت سادات الجنود جياعا # وأنت ترى مصعبا لا يأخذ الأمور بالحزم وقوة الشكيمة، ولا يتلافى الشر من أوله؛ فهو ~~يتعرف من صديقه سر المؤامرة التي دبرها له أعداؤه ثم يأبى أن يعد لها ما هو جدير ~~بإعداده من وسائل وقوى. # ويطلب إليه صديقه أن يستنجد بأهل الكوفة - وهو في مثل هذا المأزق الحرج - فلا يقبل له ~~قولا. # وإذا كانت هذه حاله وهو يجابه أشد ساعات حياته هولا وضيقا، فكيف به في أيام رخائه ~~وسلمه؟ # وإذا كان غيره يأخذون الأبرياء بالظنة، ms08 أفما كان جديرا أن يفحص هذه التهمة ويتعرف ~~صدقها من كذبها على الأقل؟ ولكنه لم يفعل، بل فرط وتهاون فلقي جزاء تهاونه ~~وتفريطه. ~~••• # وقد قلنا في الفصل السابق إن الفرق بين السياستين عظيم جدا، وإن سياسة عبد الملك ~~وأضرابه مبنية على الدهاء والإيقاع وبذل الرشا والمال، حينما نرى سياسة مصعب بن الزبير ~~وأخيه عبد الله بن الزبير قائمة على الاعتقاد بحقهم الشرعي في الخلافة وحب الناس إياهم. ~~ولكن ماذا ينفعهم إقبال الناس عليهم ما داموا لا يستزيدونهم منه ولا يعرفون كيف ~~يستثمرونه ويتعهدونه. # لقد كان عبد الملك - كما كان معاوية - يجعل أمامه هدفا لا يحول عنه. وهو أن يقر ~~الناس ببيعته، فإذا رأى زعيما من زعمائهم تخلف وعصى أغراه بكل وسيلة من وسائل المال ~~والأماني الخداعة، فإذا خدعه أدرك بغيته منه، وإلا لجأ إلى إغراء أنصار هذا الزعيم ~~بالمال وبذل لهم من الوعود والمغريات مثل ما بذل لصاحبهم من قبل. # ألا ترى إلى عبد الملك يكتب إلى «عبد الله بن خازم السلمي» يدعوه إلى بيعته ويطمعه في ~~خراسان سبع سنين. # 2 # فإذا رأى إصرار عبد الله على الوفاء لخصومه، كتب إلى خليفة «ابن ~~خازم» # 3 # على «مرو» وهو بكير بن وشاح يغريه بمثل ما أغرى به ابن خازم من قبل ليخلع ~~عبد الله بن الزبير. # قالوا: وكتب عبد الملك إلى «بكير بن وشاح» وكان خليفة بن خازم على (مرو) بعهده على ~~خراسان ووعده ومناه، فخلع بكير بن وشاح عبد الله بن الزبير، ودعا إلى عبد الملك بن ~~مروان، فأجابه أهل مرو. ~~••• # فخشي ابن خازم عاقبة الأمر فأراد الالتجاء إلى ابنه بالترمذ ولكن أعداءه قتلوه قبل أن ~~يصل إليها. # | هوامش # | مصرع الحسين # فحمل عليه الناس من كل جانب، فضربت كفه اليسرى وضرب على عاتقه، فصار ينوء ويكبو، ثم ~~طعنه أحدهم بالرمح فوقع، ثم احتزوا رأسه وقتل وبه ثلاث وثلاثون طعنة وأربع وثلاثون ~~ضربة، ثم داسوه بخيولهم حتى رضوا ظهره وصدره. # 1 # المؤرخون ~~(1) مقدمات المصرع # كتاب أهل الكوفة إليه # أما بعد فالحمد ms09 لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد # 2 # الذي اعتدى على هذه الأمة فانتزعها حقوقها واغتصبها أمورها وغلبها على ~~فيئها وتأمر - على غير رضى منها - ثم قتل خيارها واستبقى شرارها، فبعدا له كما ~~بعدت ثمود. # إنه ليس لنا إمام فاقدم علينا لعل الله أن يجمعنا بك على الهدى. فإن «النعمان بن ~~بشير» في قصر الإمارة ولسنا نجتمع معه في جمعة ولا نخرج معه إلى عيد. ولو قد بلغنا ~~مخرجك أخرجناه من الكوفة وألحقناه بالشام. ~~(2) الحسين في طريقه إلى المصرع # إن قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بني أمية. # الفرزدق # نصيحة العائذي # 3 # أما أشراف الناس فقد أعظمت رشوتهم وملئت غرائرهم، يستمال ودهم وتستخلص نصيحتهم ~~فهم إلب واحد عليك. وأما سائر الناس بعد، فإن أفئدتهم تهوي إليك وسيوفهم غدا ~~مشهورة عليك. # نصيحة الطرماح بن عدي # قال له الطرماح بن عدي: «إني لأنظر فما أرى معك أحدا. ولو لم يقاتلك إلا هؤلاء ~~الذين أراهم ملازميك لكفى بهم! وقد رأيت - قبل خروجي من الكوفة إليك بيوم - ظهر ~~الكوفة وفيه من الناس ما لم تر عيناي في صعيد واحد جمعا أكثر منه، فسألت عنهم ~~فقيل: «اجتمعوا ليعرضوا، ثم يسرحوا إلى الحسين». فأنشدك الله إن قدرت أن لا تقدم ~~عليهم شبرا إلا فعلت. فإن أردت أن تنزل بلدا يمنعك الله به حتى نرى من رأيك ~~ويتبين لك ما أنت صانع، فسر حتى أنزلك مناع جبلنا الذي يدعى «أجأ» امتنعنا به من ~~ملوك غسان وحمير ومن النعمان بن المنذر، ومن الأسود والأحمر، والله إن دخل علينا ذل ~~قط. فأسير معك حتى أنزلك القرية، ثم نبعث إلى الرجال من طيئ، فوالله لا يأتي عليك ~~عشرة أيام حتى يأتيك طيئ رجالا وركبانا. # ثم أقم فينا ما بدا لك، فإن هاجك هيج فأنا الزعيم لك بعشرين ألف طائي يضربون بين ~~يديك بأسيافهم، والله لا يوصل إليك أبدا ومنهم عين تطرف.» # فقال له الحسين: «جزاك الله وقومك خيرا، قد كان بيننا وبين هؤلاء القوم قول؛ ~~لسنا نقدر على الانصراف، ولا ندري على ms10 ما تنصرف بنا وبهم الأمور في عاقبة.» # فودعه الطرماح قائلا: «دفع الله عنك شر الإنس والجن، إني قد امترت لأهلي من ~~الكوفة ميرة ومعي نفقة لهم فآتيهم فأصنع ذلك فيهم، ثم أقبل إليك إن شاء الله، فإن ~~ألحقك فوالله لأكونن من أنصارك.» # 4 # مقابلة عبيد الله بن الحر # ويسير الحسين فيرى فسطاطا في طريقه فيسأل: «لمن هذه الفسطاط؟» # فيقال له: «هي لعبيد الله بن الحر الجعفي.» # فيقول: «ادعوه إلي.» # فإذا جاءه الرسول قال له: «هذا الحسين بن علي يدعوك.» # فيقول عبيد الله بن الحر: «إنا لله وإنا إليه راجعون، والله ما خرجت من الكوفة ~~إلا كراهة أن يدخلها الحسين وأنا بها. والله ما أريد أن أراه ولا يراني.» # فيعود الرسول إلى الحسين يخبره بما سمعه منه، # 5 # فيقوم الحسين قاصدا إليه حتى يدخل عليه فيسلم ثم يجلس. # 6 # ويدعوه الحسين بعد ذلك إلى الخروج معه لنصرته فيعيد عليه ابن الحر تلك المقالة ~~فيقول له الحسين: «فإلا تنصرنا فاتق الله أن تكون ممن يقاتلنا.» # فيقول: «أما هذا فلا يكون أبدا إن شاء الله.» # فلا يجد الحسين أمامه إلا الرجوع من حيث أتى. # قالوا: «ثم قام الحسين من عنده حتى دخل رحله.» # 7 ~~(3) حلم # يا بني، إني خفقت برأسي خفقة، فعن لي فارس على فرس فقال: «القوم يسيرون والمنايا ~~تسري إليهم.» فعلمت أنها أنفسنا نعيت إلينا. # الحسين # وهكذا لا يكاد يغادر الحسين «عبد الله بن الحر» ويسير ساعة حتى يخفق برأسه خفقة ثم ~~ينتبه وهو يقول: «إنا لله وإنا إليه راجعون والحمد لله رب العالمين!» # ثم يفعل ذلك - فيما يقولون - مرتين أو ثلاث، فيقبل إليه ابنه علي بن الحسين فيسأله عن ~~سر هذا الوجد فيقص عليه هذا الحلم المروع فيقول له: «يا أبت، لا أراك الله سوءا، ألسنا ~~على الحق؟» # فيقول له: «بلى والذي إليه مرجع العباد.» # فيقول له: «يا أبت، إذن لا نبالي، نموت محقين.» # فيقول له: «جزاك الله من ولد خير ما جزى والدا عن ولده.» ~~(4) في اليوم التالي # قالوا: ms11 «فلما أصبح الصباح ساروا حتى انتهوا إلى «نينوى» فإذا راكب على نجيب وعليه ~~السلاح متنكب قوسا مقبل من الكوفة.» # قالوا: «فوقفوا جميعا ينتظرونه، فلما انتهى إليهم سلم على «الحر بن يزيد» وأصحابه ~~ولم يسلم على الحسين وأصحابه.» # كتاب ابن زياد # ثم أعطى «الحر» كتابا من عبيد الله بن زياد، يقول له فيه: # أما بعد، فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابي ويقدم عليك رسولي، فلا تنزله إلا ~~بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء. وقد أمرت رسولي أن يلزمك ولا يفارقك حتى ~~يأتيني بإنفاذك أمري والسلام. # في العراء # وقد أنفذ «الحر» وصية ابن زياد وأخذ الحسين ومن معه بالنزول في ذلك المكان - على ~~غير ماء ولا في قرية - وعبثا حاولوا أن يسمح لهم بالنزول في مكان آخر، فقد أصر ~~على إنفاذ أمر مولاه ولم يحد عنه قيد أنملة. # قالوا له: «دعنا ننزل في هذه القرية - يعنون نينوى - أو هذه القرية - يعنون ~~الغاضرية - أو هذه الأخرى، يعنون شفية.» # ولكنه أبى أن يسمح لهم بذلك وقال: «ما أستطيع ذلك! هذا رجل قد بعث إلينا ~~عينا.» # ومن العجيب أن هذا الرجل الذي يشتد في إنفاذ أمر مولاه ابن زياد، ويأبى إلا ~~التضييق على الحسين - بكل ما أوتي من قوة - فلا يسمح له بالنزول في إحدى القرى ~~القريبة، ويظل محاصرا الحسين حتى يسلمه إلى أعدائه. # نقول إن من أعجب الأعاجيب أن هذا الرجل سينقلب نصيرا للحسين - بعد فوات الوقت - ~~وأن يقتل بين يديه مجاهدا في سبيله، بعد أن أوقعه في الفخ وضيق عليه مسالك الأرض ~~الرحيبة. وكم يسخر القدر من الناس! # نصيحة # والتفت زهير بن القين إلى الحسين فقال: «يا ابن رسول الله، إن قتال هؤلاء أهون من ~~قتال من يأتينا بعدهم. فلعمري ليأتينا من بعد من ترى ما لا قبل لنا به.» # فقال الحسين: «ما كنت لأبدأهم بالقتال.» # فقال له زهير بن القين: «سر بنا إلى هذه ~~القرية حتى ننزلها فإنها حصينة، وهي على شاطئ الفرات، فإن منعونا قاتلناهم، فقتالهم ~~أهون علينا من قتال من ms12 يجيء بعدهم!» # فلم يأخذ الحسين برأيه ورضخ لحكم الحر. # عمر بن سعد # وفي اليوم التالي قدم عليهم «عمر بن سعد بن أبي وقاص» من الكوفة في أربعة آلاف، ~~أوفدهم ابن زياد لقتال الحسين. # 8 # قالوا: وبعث عمر بن سعد يسأل الحسين: «ماذا أتى به؟» فقال له: «كتب إلي أهل ~~مصركم هذا أن أقدم؛ فأما إذا كرهوني فأنا أنصرف عنهم.» # فقال عمر بن سعد: «إني لأرجو أن يعافيني الله من حربه وقتاله.» # رسالته إلى ابن زياد # قالوا: وبعث عمر بن سعد إلى ابن زياد يقول: # أما بعد، فإني حيث نزلت بالحسين بعثت إليه رسولي فسألته عما أقدمه وماذا ~~يطلب ويسأل فقال: كتب إلي أهل هذه البلاد وأتتني رسلهم فسألوني القدوم ~~ففعلت، فأما إذ كرهوني فبدا لهم غير ما أتتني به رسلهم فأنا منصرف ~~عنهم. # كتاب ابن زياد # قالوا: فلما قرئ الكتاب على ابن زياد ~~قال: # الآن إذ علقت مخالبنا به # يرجو النجاة ولات حين مناص # ثم كتب إلى عمر بن سعد: # أما بعد، فقد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرت. فاعرض على الحسين أن يبايع ~~ليزيد بن معاوية هو وجميع أصحابه. فإذا فعل رأينا رأينا ~~والسلام. # 9 ~~(5) مسالمة الحسين # دعوني فلأذهب في هذه الأرض العريضة حتى ننظر ما يصير أمر الناس. # الحسين # ولقد طلب الحسين من عمر بن سعد أن يخلي سبيله وأن يمكنه من الرجوع من حيث ~~أتى، # 10 # قالوا: «والتقى الحسين وعمر بن سعد ثلاثا أو أربعا وتشاوروا في ~~ذلك.» ~~(5-1) كتاب عمر بن سعد # قالوا: فكتب عمر بن سعد إلى عبيد الله بن زياد: # أما بعد، فإن الله قد أطفأ الثائرة وجمع الكلمة وأصلح أمر الأمة. هذا ~~حسين قد أعطاني أن يرجع إلى المكان الذي منه أتى أو أن نسيره إلى أي ثغر من ~~ثغور المسلمين شئنا، فيكون رجلا من المسلمين، له ما لهم وعليه ما عليهم، ~~أو أن يأتي يزيد أمير المؤمنين فيضع يده في يده، فيرى فيما بينه وبين رأيه، ~~وفي هذا لكم رضى وللأمة صلاح. # وقع ms13 الكتاب عند ابن زياد # قالوا: فلما قرأ ابن زياد الكتاب قال: «هذا كتاب رجل ناصح لأميره مشفق على ~~قومه! نعم قد قبلت!» # وسيط السوء # قالوا: فقام إليه شمر بن ذي الجوشن فقال: «أتقبل هذا منه وقد نزل بأرضك إلى ~~جنبك؟ والله لئن رحل من بلدك - ولم يضع يده في يدك - ليكونن أولى الناس بالقوة ~~والعز، ولتكونن أولى الناس بالضعف والعجز! فلا تعطه هذه المنزلة فإنها من ~~الوهن. ولكن لينزل على حكمك - هو وأصحابه - فان عاقبت فأنت أولى بالعقوبة وإن ~~غفرت كان ذلك لك. # والله لقد بلغني أن حسينا وعمر بن سعد يجلسان بين العسكرين فيتحدثان عامة ~~الليل!» ~~••• # فقال له ابن زياد: «نعم ما رأيت، الرأي رأيك!» # قالوا: ثم دعاه فقال له: «اخرج بهذا الكتاب إلى عمر بن سعد فليعرض على الحسين ~~وأصحابه النزول على حكمي فإن فعلوا فليبعث بهم إلي سلما. وإن هم أبوا ~~فليقاتلهم. فإن فعل فاسمع له وأطع، وإن هو أبى فقاتلهم فأنت أمير الناس، وثب ~~عليه فاضرب عنقه وابعث إلي برأسه.» ~~(5-2) كتاب ابن زياد # ثم كتب إلى عمر بن سعد: # أما بعد، فإني لم أبعثك إلى حسين لتكف عنه، ولا لتطاوله ولا لتمنيه ~~السلامة والبقاء، ولا لتقعد له عندي شافعا. # انظر فإن نزل حسين وأصحابه على الحكم واستسلموا فابعث بهم إلي سلما، ~~وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم، فإنهم لذلك مستحقون. فإن قتل ~~حسين فأوط الخيل صدره وظهره فإنه عاق مشاق قاطع ظلوم. # إلى أن قال: «فإن فعلت هذا به جزيناك جزاء السامع المطيع. وإن أبيت فاعتزل عملنا ~~وجندنا، وخل بين شمر بن الجوشن وبين العسكر، فإنا قد أمرناه بأمرنا ~~والسلام.» ~~(5-3) قدوم شمر بن ذي الجوشن # ثم أقبل شمر بن ذي الجوشن بكتاب ابن زياد إلى عمر بن سعد فلما قرأه قال له: «ويلك ~~يا شمر، لا قرب الله دارك، وقبح الله ما قدمت به علي! والله إني لأظنك أنت ثنيته ~~أن يقبل ما كتبت به إليه. أفسدت علينا أمرا كنا رجونا أن ms14 يصلح. لا يستسلم والله ~~حسين، إن نفسا أبية لبين جنبيه.» ~~••• # قال له شمر: «أخبرني ما أنت صانع؟ أتمضي لأمر أميرك وتقتل عدوه ؟ وإلا فخل بيني ~~وبين الجند والعسكر.» # قال: «لا، ولا كرامة لك، وأنا أتولى ذلك!» # قال: «فدونك، وكن أنت على الرجال!» ~~(5-4) زحف الخيل # قالوا: ثم نادى عمر بن سعد: «يا خيل اركبي.» # فركب في الناس وزحف نحوهم بعد صلاة العصر، وحسين جالس أمام بيته محتبيا ~~بسيفه. ~~(5-5) سنة من النوم # قالوا: وإنه لكذلك إذ خفق برأسه على ركبتيه، وسمعت أخته زينب الصيحة فدنت من ~~أخيها فقالت: «يا أخي، أما تسمع الأصوات قد اقتربت؟» # قالوا: فرفع الحسين رأسه فقال: إني رأيت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في المنام فقال لي: ~~«إنك تروح إلينا.» # قالوا: فلطمت أخته وجهها وقالت: «يا ويلتنا!» # فقال: «ليس لك الويل يا أخية! اسكتي رحمك الرحمن.» ~~(6) استماتة أنصاره # والله لوددت أني قتلت ثم نشرت، ثم قتلت ثم نشرت ثم قتلت حتى أقتل كذا ألف قتلة، ~~وأن الله يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أهلك وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل ~~بيتك. # زهير بن القين # وما أكثر ما نجد في أخبار هذا المصرع المروع من أنباء البطولة والأبطال، وما أكثر ما ~~نسمع من عبارات الفداء والإيثار! # يطلب الحسين إلى أهل بيته أن يتفرقوا عنه في سواد الليل - حين جد الجد وحزب الأمر - ~~ويقول لهم: «إن القوم إنما يطلبونني، ولو قد أصابوني لهوا من طلب غيري.» # فيقول له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه: «لم نفعل؟ لنبقى بعدك؟ لا أرانا الله ذلك ~~أبدا.» # ويقول كل من أنصاره أمثال هذه الأقوال وأشباهها. # وانظر إلى أحدهم يقول: «والله لا نخليك حتى يعلم الله أنا قد حفظنا غيبة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فيك، والله لو علمت أني أقتل ثم أحيا ثم أحرق حيا ثم أذر - يفعل ذلك بي ~~سبعين مرة - ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك. فكيف لا أفعل ذلك وإنما هي قتلة واحدة، ثم ~~هي الكرامة التي لا انقضاء ms15 لها أبدا.» # ويقول آخرون: «والله لا نفارقك، ولكن أنفسنا لك الفداء، نقيك بنحورنا وجباهنا ~~وأيدينا، فإذا نحن قتلنا كنا وفينا وقضينا ما علينا.» وهكذا . ~~(7) في الليلة الأخيرة # ويحدثنا علي بن الحسين فيقول: إني لجالس في تلك العشية التي قتل أبي صبيحتها، وعمتي ~~زينب عندي تمرضني، إذ اعتزل أبي بأصحابه في خباء له - وعنده «حوي» مولى «أبي ذر» ~~- وهو يعالج سيفه ويصلحه، وأبي يقول: # يا دهر أف لك من خليل # كم لك بالإشراق والأصيل # من صاحب أو طالب قتيل # والدهر لا يقنع بالبديل # وإنما الأمر إلى الجليل # وكل حي سالك السبيل # قال علي بن الحسين: فأعادها أبي مرتين أو ثلاثا حتى فهمتها، فعرفت ما أراد، فخنقتني ~~عبرتي فرددت دمعي ولزمت السكوت وعلمت أن البلاء قد نزل. # فأما عمتي فإنها سمعت ما سمعت - وهي امرأة وفي النساء الرقة والجزع - فلم تملك ~~نفسها أن وثبت تجر ثوبها وإنها لحاسرة حتى انتهت إليه فقالت: «وا ثكلاه! ليت اليوم ~~أعدمني الحياة! اليوم ماتت فاطمة أمي وعلي أبي وحسن أخي. يا خليفة الماضي وثمال ~~الباقي.» # فنظر الحسين فقال: «يا أخية، لا يذهبن حلمك الشيطان.» # قالت: «بأبي أنت وأمي، يا أبا عبد الله استقتلت نفسي، فداك.» # فرد غصته وترقرقت عيناه وقال: «لو ترك القطا ليلا لنام!» # قالت: «يا ويلتا، أفتغصب نفسك اغتصابا؟ فذلك أقرح لقلبي، وأشد على نفسي.» ولطمت ~~وجهها وأهوت إلى جيبها وشقته، وخرت مغشيا عليها. # فقام إليها الحسين، فصب على وجهها الماء، وقال لها: «يا أخية، اتقي الله وتعزي ~~بعزاء الله، واعلمي أن أهل الأرض يموتون وأن أهل السماء لا يبقون، وأن كل شيء هالك إلا ~~وجه الله الذي خلق الأرض بقدرته ويبعث الخلق فيعودون - وهو فرد وحده - أبي خير مني وأمي ~~خير مني وأخي خير مني، ولي ولهم ولكل مسلم برسول الله أسوة.» # وعزاها بهذا الكلام ونحوه وقال لها: «يا أخية، إني أقسم عليك فأبري قسمي: لا تشقي ~~علي جيبا ولا تخمشي علي وجها، ولا تدعي علي بالويل والثبور إذا أنا ~~هلكت.» # قال: «ثم ms16 جاء بها حتى أجلسها عندي وخرج إلى أصحابه فأمرهم أن يقربوا بعض بيوتهم من ~~بعض وأن يدخلوا الأطناب بعضها في بعض وأن يكونوا هم إلى الوجه الذي يأتيه منه ~~عدوهم.» ~~(8) يوم المصرع # وأمر الحسين أصحابه أن يلقوا بالحطب والقصب في خنادق كانوا حفروها خلف خيامهم لتحميهم ~~من العدو حتى لا يباغتهم من ورائهم، ففعلوا. # ومن عجائب المقادير أن يمر بهم شمر بن ذي الجوشن فيرى النار تضطرم فينادي بأعلى صوته: ~~«يا حسين، استعجلت النار في الدنيا قبل القيامة؟» # ويقول «مسلم بن عوسجة» للحسين: «يا ابن رسول الله جعلت فداك، ألا أرميه بسهم فإنه قد ~~أمكنني.» # فيقول له الحسين: «لا ترمه، فإني أكره أن أبدأهم.» # وفي هذا دليل على ميل الحسين إلى المسالمة حتى في آخر ساعة من ساعاته الحرجة، وكأنما ~~أراد أن يمعنوا في بغيهم إلى آخر لحظة، وأبي على نفسه أن يكون البادئ بالقتال فضيع بذلك ~~فرصة نادرة بقتل هذا الشرير الخطر، كما أضاع من قبلها كثيرا من الفرص. # ودارت بينه وبين الأعداء مناقشات طويلة فياضة بالبلاغة وقوة الحجة، ولكن قلوب أعدائه ~~قدت من صخر فلم يأبهوا لما يقول. # وقد تأثر بقوله الحر بن يزيد وانضم إليه - بعد تردد - حين رأى الحيف قد بلغ ~~أقصاه. # قالوا: ولما زحف «عمر بن سعد» قال له الحر بن يزيد: # 11 ~~«أصلحك الله، أمقاتل أنت هذا الرجل؟!» # قال: «أي والله قتالا أيسره أن تسقط الرءوس وتطيح الأيدي.» # قال: «أفما لكم في واحدة من الخصال التي عرض عليكم رضى؟» # قال عمر بن سعد: «أما والله لو كان الأمر إلي لفعلت، ولكن أميرك قد أبى ~~ذلك؟» # قالوا: فأقبل حتى وقف من الناس موقفا، وأخذ يدنو من الحسين قليلا قليلا فقال له ~~رجل من قومه: «إن أمرك لمريب، والله ما رأيت منك في موقف قط مثل شيء أراه الآن، ولو قيل ~~لي: «من أشجع أهل الكوفة رجلا؟» ما عدوتك في هذا الذي أرى منك.» # قال: «إني والله أخير نفسي بين الجنة والنار، ووالله لا أختار على ms17 الجنة شيئا ولو ~~قطعت وحرقت.» ثم ضرب فرسه فلحق بحسين فقال له: «جعلني الله فداك يا ابن رسول الله، أنا ~~صاحبك الذي حبستك عن الرجوع وسايرتك في الطريق وجعجعت بك في هذا المكان. والله الذي لا ~~إله إلا هو ما ظننت أن القوم يردون عليك ما عرضت عليهم أبدا ولا يبلغون منك هذه ~~المنزلة! فقلت في نفسي: لا أبالي أن أطيع القوم في بعض أمرهم ولا يرون أني خرجت من ~~طاعتهم، وأما هم فسيقبلون من حسين هذه الخصال التي يعرض عليهم. والله لو ظننت أنهم لا ~~يقبلونها منك ما ركبتها منك. وإني قد جئت تائبا مما كان مني إلى ربي ومواسيا لك بنفسي ~~حتى أموت بين يديك، أفترى ذلك لي توبة؟» # قال: «نعم يتوب الله عليك ويغفر لك، ما اسمك؟» # قال: «أنا الحر بن يزيد.» # قال: «أنت الحر كما سمتك أمك، أنت الحر إن شاء الله في الدنيا والآخرة.» # وقد بر بوعده وقاتل الأعداء حتى قتل. # 12 ~~(9) مصارع الشهداء # وزحف عمر بن سعد، ثم وضع سهمه في كبد قوسه ثم رمى، فقال: اشهدوا أني أول من ~~رمى. # وهكذا صرح الشر وبدأت الحرب المجرمة بهذا السهم الجائر وقتل أنصار الحسين - واحدا ~~بعد الآخر - وهو يرى بعينه مصارعهم ولا يستطيع أن يدفعها عنهم، وهم يجودون بنفوسهم ~~الكريمة رغبة في افتدائه، وقد ذهبت هذه الأرواح الطاهرة إلى ربها دون أن تتمكن من إنقاذ ~~الحسين، ولو شئنا أن نثبت في هذا الكتيب مصارع هؤلاء الشهداء، لما بقي فيه مكان لغيرهم. ~~رحمة الله عليهم جميعا. # الحسين في ساعته الأخيرة # رأس ابن بنت محمد ووصيه # يا للرجال على قناة يرفع # والمسلمون - بمنظر وبمسمع - # لا جازع من ذا ولا متخشع # أيقظت أجفانا وكنت لها كرى # وأنمت عينا لم تكن بك تهجع # كحلت بمنظرك العيون عماية # وأصم نعيك كل أذن تسمع # ما روضة إلا تمنت أنها # لك مضجع ولخط قبرك موضع # دعبل # وتأبى الأقدار القاسية إلا أن يرى الحسين مصارع أهله وأنصاره واحدا بعد الآخر، ~~وأن يثكل في ms18 كل عزيز عنده، فلا يجزع من مصاب جلل حتى يداهمه مصاب جلل، # 13 # وما زال يلقى المصائب الفادحة بصبر وجلد حتى حانت منيته فلحق بهم ~~أيضا. # وقد أظهر الحسين من البسالة والإقدام ما لا مزيد عليه. # قالوا: «وكان يشد عليهم فينكشفون عنه ويفرون من أمامه، ثم إنهم أحاطوا به ~~إحاطة.» # قالوا: وأقبل إلى الحسين غلام من أهله فأخذته أخته زينب ابنة علي لتحبسه فقال لها ~~الحسين: «احبسيه.» # فأبى الغلام، وجاء يشتد إلى الحسين فقام إلى جنبه وقد أهوى أحدهم إلى الحسين ~~بالسيف فاتقاه الغلام بيده فأطنها إلا الجلدة فإذا يده معلقة، فنادى الغلام: «يا ~~أمتاه!» فأخذه الحسين فضمه إلى صدره وقال: «يا ابن أخي، اصبر على ما نزل بك واحتسب ~~في ذلك الخير فإن الله يلحقك بآبائك الصالحين.» # كيف صرع الحسين (رواية شاهد عيان) # قال حميد بن مسلم: كانت عليه جبة من خز، وكان معتما، وكان مخصوبا ~~بالوسمة. # وسمعته يقول وهو يقاتل على رجليه قتال الفارس الشجاع: «أعلى قتلي تحاثون؟ أما ~~والله لا تقتلون بعدي عبدا من عباد الله أسخط عليكم لقتله مني.» # قال: «ولقد مكث طويلا من النهار ولو شاء الناس أن يقتلوه لفعلوا، ولكنهم كان ~~يتقي بعضهم ببعض ويحب هؤلاء أن يكفيهم هؤلاء.» # قال: فنادى شمر في الناس: «ويحكم! ماذا تنظرون بالرجل؟ اقتلوه ثكلتكم ~~أمهاتكم.» # فحملوا عليه من كل جانب فضربت كفه اليسرى ضربة، وضرب على عاتقه ثم انصرفوا وهو ~~ينوء ويكبو، وحمل عليه رجل فطعنه بالرمح فوقع، وتعاورته الرماح ووطئته ~~الخيل. # قالوا: «فوجدوا بالحسين ثلاثا وثلاثين طعنة وأربعا وثلاثين ضربة، ثم سلبوا ما ~~كان عليه، ومال الناس على الأسلاب والحلل والإبل فانتهبوها.» # قالوا: «فإن كانت المرأة لتنازع ثوبها عن ظهرها حتى تغلب عليه فيذهب به ~~منها.» # نخبة من مراثي الشعراء # وما أروع رثاء دعبل: # مدارس آيات خلت من تلاوة # ومنزل وحي مقفر العرصات # لآل رسول الله بالخيف من منى # وبالبيت والتعريف والجمرات # ديار علي، والحسين، وجعفر، # وحمزة، والسجاد، ذي الثفنات # قفا نسأل الدار التي خف أهلها # متى ms19 عهدها بالصوم والصلوات # وأين الألى شطت بهم غربة النوى # أفانين في الأوقات مفترقات # أحب قصي الدار من أجل حبهم # وأهجر فيهم زوجتي وبناتي # ألم تر أني - مذ ثلاثين حجة - # أروح وأغدو دائم الحسرات # أرى فيئهم في غيرهم متقسما # وأيديهم من فيئهم صفرات # فإن قلت عرفا أنكروه بمنكر # وغطوا على التحقيق بالشبهات # قصاراي منهم أن أذوب بغضة # تردد بين الصدر واللهوات # كأنك بالأضلاع قد ضاع رحبها # لما ضمنت من شدة الزفرات # لقد خفت في الدنيا وأيام عيشها # وإني لأرجو الأمن بعد وفاتي # وقول سليمان العدوي: # مررت على أبيات آل محمد # فلم أرها أمثالها يوم حلت # فلا يبعد الله الديار وأهلها # وإن أصبحت من أهلها قد تخلت # ألا إن قتيل الطف من آل هاشم # أذل رقابا من قريش فذلت # وكانوا غياثا ثم أضحوا رزية # لقد عظمت تلك الرزايا وجلت # فما حفظوا قربى النبي وحقه # لقد عميت عن ذاك منه وصمت # وقول زوج الحسين عاتكة بنت نفيل: # 14 # وحسينا فلا عدمت حسينا # أقصدته أسنة الأعداء # غادرته بكربلاء صريعا # جادت المزن في ذرى كربلاء ~~(10) الأسباب التي أدت إلى مصرعه # ويأتي قضاء ما لكم عنه حاجز # فألقوا إلى مولاكم بالمقالد # أبو العلاء # إن أهل العراق قوم غدر، فلا تقربنهم. # أقم بهذا البلد فإنك سيد الحجاز، فإن كان أهل العراق يريدونك كما زعموا فاكتب ~~إليهم فلينفوا عدوهم ثم أقدم عليهم. # ابن عباس # لقد صرع عمر وعثمان وعلي - رضي الله عنهم - فكان لمصرع كل منهم أثر في النفس لا ينسى ~~وجزع متجدد كلما استعدنا مصارعهم. # على أن مصرع الحسين كان وحده سلسلة من الفجائع المروعة والنكبات الأليمة أربت على ~~مصارع كل هؤلاء مجتمعة، وتضاءل أمامها كل مصاب مهما جل وعظم. وأي هول نراه في مصرع ~~عثمان مثلا ثم لم نر من أشباهه في مصرع الحسين أهوالا؟ إن أقسى الناس قلبا - مهما ~~اختلفت ملته ونحلته - ليذوب قلبه أسى لهذا الشهيد الذي راح وأسرته شهداء أطهارا يشكون ~~إلى الله ظلم الإنسان أخاه الإنسان من أجل المطامع الدنيوية الفانية. وإني ms20 لأذكر مؤرخا ~~عصريا - هو مثال المؤرخ المنصف الذي لا يستسلم للأهواء ومثال الرجل الجلد الذي لا ~~يجزع لمصاب مهما جل وعظم - قد فقد ولده بعد أن عاد ولده من إنجلترا وأحرز أعلى ~~الشهادات، فلم يغلبه المصاب، وتلقاه متجملا متأسيا دون أن تقطر من عينه دمعة ~~واحدة. # قال لي ذلك المؤرخ الرزين: «ولكنني لا أستطيع قراءة مصرع الحسين دون أن أسح الدمع ~~مدرارا.» # ونحن حين نقول ذلك لا نقوله مستسلمين إلى العاطفة، بل واصفين الحقيقة مجردة عن ~~التزويق والبلاغة اللفظية؛ فقد ارتكب أعداء الحسين من ضروب الشنع والنذالة ما أربى على ~~كل حد، واقترفوا في سبيل المال والمنصب والجاه ما لم يجرؤ عليه أحد قبلهم، ثم كانوا ~~أسوأ قدوة عرفها التاريخ. # لقد كانت الدلائل كلها متضافرة تؤيد الوصول إلى هذه النتيجة المحزنة وإن كانت لا تحتم ~~وقوعها. ولقد كان الحسين نفسه يتوقع في كل مرحلة من مراحل سفره هذه العقبى المحزنة ~~ولكنه - مع توقعه حدوثها - أو على الأصح مع استيقانه من ذلك، يشك في إقدام الناس على ~~قتله، ويحسب أن مكانه الرفيع سيستثير - في أقسى القلوب وأصلبها - عاطفة نبيلة، وأن ~~منزلته من الرسول لا بد مستثيرة النخوة في كل قلب مهما بلغ من الصلابة والتحجر. # وأعجب مني كيف أخطئ دائما # على أنني من أعرف الناس بالناس # لقد حذره الفرزدق، وقال له قولته المشهورة التي ذكرناها حين سأله رأيه فأجابه: «إن ~~قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني أمية.» # وحذره كثيرون غير الفرزدق فلم يستمع إلى نصحهم. وأبى سوء الحظ ونكد الطالع إلا أن ~~يستصحب معه أسرته فيتضاعف المصاب. # ولقد كان الناس كلما أحجموا عن قتله تقدم شرير منهم خطوة فدب الطمع في نفوس أصحابه ~~وخشوا أن يسبقهم إلى الاستئثار بذلك فينال بذلك السبق مالا أو جاها يحرصون على أن لا ~~يحرموه. # ولقد تعاون حب المال وعدم قبول الحسين نصيحة المخلصين وتخاذل أنصاره وعدم تنظيم ~~الدعوة على الوصول به إلى هذه الغاية المروعة. # حب المال # فأما المال فقد لعب دورا هاما، وكان له ms21 من الأثر الفعال مثلما كان له من الأثر ~~في قتل عبد الله بن الزبير وتثبيت ملك معاوية ومن جاء بعده من خلفاء بني ~~أمية. # وقد اختار الأمويون لتنفيذ آرابهم قوما لا يبالون بما يقدمون عليه مهما بلغ من ~~النذالة والانحطاط، ما داموا يحصلون على الرفعة أو المال أو الجاه. # ولنذكر للقارئ مثلا واحدا يتبين منه مدى الانحطاط الذي وصلت إليه هذه الفئة من ~~الناس: فقد ذكروا أن عمر بن سعيد بن العاص حين بعث جيشا من المدينة لمقاتلة ابن ~~الزبير، وضرب على أهلها البعث إلى مكة - وهم كارهون للخروج - قال لهم: «إما أن ~~تأتوا ببدل وإما أن تخرجوا.» # قالوا: فجاء أحدهم برجل استأجره بخمسمائة درهم إلى عمرو بن سعيد. فقال له: «قد ~~جئتك برجل بدلي.» # ثم التفت إلى الرجل الذي استأجره فقال له: «هل لك أن أزيدك خمسمائة أخرى وتغشى ~~أمك.» # فقال له: «أما تستحي؟» # فقال: «إنما حرمت عليك أمك في مكان واحد وحرمت عليك الكعبة في كذا وكذا مكان من ~~القرآن.» # قالوا: فجاء به إلى عمرو بن سعيد وقال له: «قد جئتك برجل لو أمرته أن أمه ~~لفعل.» # فقال له عمرو: «لعنك الله من شيخ!» # وإنما أتينا بهذا المثال ليتبين القارئ منه أي فئة من الناس كانت تلك الفئة التي ~~أقدمت على قتل الحسين وهو من هو من رسول الله! # عدم قبول النصائح # ولقد أصر الحسين - رضي الله عنه - على الذهاب دون أن يستمع إلى نصح الناصحين، وقد ~~ذكرنا قولة الفرزدق الحكيمة له، ولنذكر ههنا نصيحة ابن عباس البعيد النظر. # ذكروا أن الحسين لما أجمع المسير إلى الكوفة أتاه عبد الله بن عباس فقال له: «يا ~~ابن عم، إنك قد أرجف الناس أنك سائر إلى العراق، فبين لي ما أنت صانع؟» # فقال له الحسين: «إني قد أجمعت المسير في أحد يومي هذين إن شاء الله ~~تعالى.» # فقال له ابن عباس: «فإني أعيذك بالله من ذلك. أخبرني - رحمك الله - أتسير إلى قوم ~~قد قتلوا أميرهم، وضبطوا بلادهم ونفوا عدوهم؟ فإن ms22 كانوا قد فعلوا ذلك فسر إليهم. ~~وإن كانوا إنما دعوك إليهم وأميرهم عليهم قاهر لهم وعماله تجبي بلادهم فإنهم إنما ~~دعوك إلى الحرب والقتال، ولا آمن عليك أن يغروك ويكذبوك ويخالفوك ويخذلوك وأن ~~يستغفروا إليك، فيكونوا أشد الناس عليك.» # فقال له الحسين: «وإني أستخير الله وأنظر ما يكون.» # وقد كان في هذه النصيحة الحكيمة مقنع لولا أن القضاء يأبى إلا أن ينفذه. ثم جاء ~~منافسه في الخلافة «عبد الله بن الزبير» فحدثه ساعة - كما يقولون - ثم قال: «ما ~~أدري ما تركنا هؤلاء القوم وكفنا عنهم، ونحن أبناء المهاجرين وولاة هذا الأمر ~~دونهم؟ خبرني ما تريد أن تصنع؟» # فقال الحسين: «والله لقد حدثت نفسي بإتيان الكوفة، ولقد كتب إلي شيعتي بها ~~وأشراف أهلها، وأستخير الله.» # فقال له ابن الزبير: «أما لو كان لي بها مثل شيعتك ما عدلت بها شيئا.» # قالوا: ثم إنه خشي أن يتهمه فقال له: «أما إنك لو أقمت بالحجاز ثم أردت هذا الأمر ~~ها هنا ما خولف عليك إن شاء الله!» ثم قام فخرج من عنده. # فقال الحسين: «ها إن هذا ليس شيء يؤتاه من الدنيا أحب إليه من أن أخرج من الحجاز ~~إلى العراق، وقد علم أنه ليس له من الأمر معي شيء، وأن الناس لم يعدلوه بي فود ~~أني خرجت منها لتخلو له.» # قالوا: فلما كان من العشي - أو من الغد - أتى الحسين عبد الله بن العباس فقال: ~~«يا ابن عم، إني أتصبر ولا أصبر، إني أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال. ~~إن أهل العراق قوم غدر فلا تقربنهم. أقم بهذا البلد فإنك سيد الحجاز، فإن كان أهل ~~العراق يريدونك كما زعموا فاكتب إليهم فلينفوا عدوهم، ثم اقدم عليهم. فإن أبيت إلا ~~أن تخرج، فسر إلى اليمن فإن بها حصونا وشعابا، وهي أرض عريضة طويلة، ولأبيك بها ~~شيعة، وأنت عن الناس في عزلة. فتكتب إلى الناس وتبث دعاتك؛ فإني أرجو أن يأتيك - ~~عند ذلك - الذي تحب في عافية.» # فقال له الحسين: «يا ابن العم، ms23 إني والله أعلم أنك ناصح مشفق، ولكني زمعت وأجمعت ~~على المسير.» # فقال له ابن عباس: «فإن كنت سائرا فلا تسر بنسائك وصبيتك، فوالله إني لخائف أن ~~تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه.» # ثم قال ابن عباس: «لقد أقررت عين ابن الزبير بتخليتك إياه والحجاز والخروج منها، ~~وهو اليوم لا ينظر إليه أحد معك. والله الذي لا إله إلا هو، لو أعلم أنك إذا أخذت ~~بشعرك وناصيتك حتى يجتمع علي وعليك الناس أطعتني لفعلت ذلك.» # قالوا: ثم خرج ابن عباس من عنده فمر بعبد الله بن الزبير فقال: «قرت عينك يا ~~ابن الزبير!» ثم قال: # يا لك من قنبرة بمعمر # خلا لك الجو فبيضي وأصفري # ونقري ما شئت أن تنقري ~~••• # وهكذا ضرب الحسين بتلك النصائح القيمة عرض الأفق وسار إلى حينه سيرا حثيثا، وهو ~~الأديب الفطن الذي لم تكن لتفوته خافية ولكنه القدر: «والعقل زين ولكن فوقه القدر» ~~كما يقول أبو العلاء. # عدم تنظيم الدعوة # أما العناية بتنظيم الدعوة وتنظيم أمرها، فقد أغفلت إغفالا تاما، فقد اكتفى ~~الحسين بثقته من محبة الناس إياه وإجلالهم له لمكانه من الرسول، واكتفى أنصاره ~~بإخلاصهم له وتفانيهم في حبه، دون أن ينظموا دعوتهم ويوحدوا صفوفهم ويحتاطوا لمكائد ~~أعدائهم. فكانت العاقبة فشلا محققا. # تخاذل أنصاره # أما تخاذل أنصاره فهو واضح لا يحتاج أي تدليل. فقد كانوا متخاذلين في سياستهم ~~مترددين في عزيمتهم، مكتفين بإخلاصهم للحسين معتمدين على أن حقهم سيغلب - بلا شك - ~~باطل خصومهم. وقد كان فيهم أفراد غاية في البطولة، ولكنهم صرعوا لتخلف الجماعة ~~عنهم. انظر إلى هانئ بن عروة يتمارض ليعوده ابن زياد في بيته، ثم يوصي أصحابه بقتل ~~ابن زياد وقت زيارته إياه، متى قال لهم هانئ: «اسقوني» فيجيء ابن زياد يعوده، ويقول ~~هانئ اسقوني فلا يلبيه أحد. ثم يخرج ابن زياد آمنا مطمئنا ويتبين المكيدة فيأمر ~~بإحضار هانئ إليه، فيحضرونه إليه رغم أنفه، فيتناول ابن زياد العصا التي كانت مع ~~هانئ فيضرب بها وجهه حتى يكسرها ثم يقدمه فيضرب عنقه. ms24 وهكذا يتبدل مجرى التاريخ ~~بسبب ذلك الضعف وتسير الأمور في غير مجراها الذي كان من الطبيعي أن تسير ~~فيه. # وانظر إلى مسلم بن عقيل يخذله من معه وهم نحو ثلاثين ألفا - وهم كثيرون - ~~ويتفرقون عنه فيسلموه إلى عدوه، وقد كان النصر حليفه لو كان أنصاره مخلصين في ~~معاونته مستبسلين في الدفاع عن رأيهم، فإذا دعا به عبيد الله بن زياد ليضرب عنقه ~~قال له مسلم: «دعني حتى أوصي.» ثم ينظر في وجوه الناس فيرى عمر بن سعد فيقول له: ~~«ما أرى ها هنا من قريش غيرك فادن مني حتى أكلمك.» فيدنو منه عمر بن سعد فيقول له ~~مسلم: «هل لك أن تكون سيد قريش ما كانت قريش؟ إن الحسين ومن معه - وهم تسعون بين ~~رجل وامرأة - في الطريق فارددهم واكتب إليهم بما أصابني.» # قالوا: ثم ضرب عنقه وقد أفضى عمر بن سعد إلى زياد بما أخبره به مسلم فقال له ابن ~~زياد: «أما والله إذ دللت عليه لا يقاتلهم أحد غيرك.» # 15 # وهكذا أراد الله أن تتضافر الأسباب كلها على إهلاك الحسين وأن يشترك أعداؤه مع ~~أنصاره - على الرغم منهم - في تعجيل موته. ونحسب أن كلمة ابن عباس التي ذكرناها في ~~هذا الفصل قد جمعت أهم الأسباب الأخرى التي أدت إلى هذا المصرع المروع. # | هوامش # | مصارع الخوارج # (1) مصرع صالح بن مسرح # 1 # فلما شد عليهم الحارث بن عميرة في جماعة أصحابه انكشف سويد وضارب شبيب حتى صرع، ~~وثبت صالح بن مسرح فقتل. ~~(1-1) كيف أوقد نار الفتنة # ما أدري ما تنتظرون؟ # حتى متى أنتم مقيمون؟ # هذا الجور قد فشا، وهذا العدل قد عفا، ولا تزداد الولاة على الناس إلا غلوا ~~وعتوا وتباعدا عن الحق وجرأة على الرب، فاستعدوا وابعثوا إلى إخوانكم الذين ~~يريدون من إنكار الباطل والدعاء إلى الحق مثل الذي يريدون، فيأتوكم فنلتقي ~~وننظر فيما نحن صانعون، وفي أي وقت إن خرجنا نحن خارجون. # صالح بن مسرح # هكذا كان يوقد صالح نار الفتنة ويحتث أصحابه من الخوارج ويذيع دعوته ms25 بين الناس ~~ويتخذ من زهده ونسكه - أو من تظاهره بالزهد والنسك على الأصح - وسيلة إلى استنفار ~~المسلمين لقتال إخوانهم من المسلمين وتمزيق وحدتهم وشق عصا الطاعة على الحكام، ~~وإيقاظ نار فتنة هوجاء طالما أيقظها أضرابه من الخوارج، فشغلت الأمم الإسلامية ~~بعضهم ببعض، وأضاعت من قواها ما لو وجهت بعضه إلى الغزو لتضاعف انتصارها أو إلى ~~الإصلاح لأتى بأطيب الثمار. # نموذج من قصصه # وإليك نموذجا من قصصه الذي كان يذيعه بين الناس مؤيدا به مذهبه ووجهة نظره، ~~فقد كان يكثر من حمد الله والصلاة على نبيه وعلى أبي بكر وعمر ليمهد بذلك إلى ~~الطعن على عثمان وعلى كافة المسلمين، والتحريض على سفك الدماء وقتل الأبرياء، ~~ومما نذكره من كلامه قوله: إن فراق الفاسقين حق على المؤمنين، قال تعالى في ~~كتابه: # ولا تصل على أحد منهم مات ~~أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ~~ورسوله وماتوا وهم فاسقون ~~. # إلى أن يقول: «ألا إن من نعمة الله على المؤمنين أن بعث فيهم رسولا من ~~أنفسهم، فعلمهم الكتاب والحكمة وزكاهم وطهرهم ووفقهم في دينهم، وكان بالمؤمنين ~~رءوفا رحيما. حتى قبضه الله # صلى الله عليه وسلم # ثم ولي بعده النقي الصديق - على الرضى ~~من المسلمين - فاقتدى بهديه واستن بسنته حتى لحق بالله - رحمه الله - واستخلف ~~عمر فولاه الله أمر هذه الرعية، فعمل بكتاب الله وأحيا سنة رسول الله ولم يخف ~~في الله لومة لائم حتى لحق به رحمة الله عليه.» # ومتى أتم مدحه الرسول وخليفتيه انتقل إلى بيت القصيد الذي مهد إليه بهذا ~~التمهيد، وهو الطعن على كل مسلم لا يرى رأي الخوارج وسب الخليفتين عثمان وعلي ~~ومن تلاهما من الخلفاء، فيقول: «وولي المسلمين - من بعده - عثمان فاستأثر ~~بالفيء وعطل الحدود وجار في الحكم واستذل المؤمن وعزز المجرم، فسار إليه ~~المسلمون فقتلوه فبرئ الله منه ورسوله وصالح المؤمنين. # وولي أمر الناس - من بعده - علي بن أبي طالب فلم ينشب أن حكم في أمر الله ~~الرجال، وشك في أهل الضلال، فنحن من علي وأشياعه برآء.» ms26 # ومتى انتهى من هذه المرحلة الثانية، وهي الطعن على عثمان وعلي ومن سار على ~~أثرهما، اتخذ من طعنه تكأة للوصول إلى غرضه الذي أراد التمهيد إليه، وهو الثورة ~~وإشعال نار الفتنة عن طريق التظاهر بالغضب للدين والغيرة عليه والحث على طاعة ~~الله، فيقول: «فتيسروا - رحمكم الله - لجهاد هذه الأحزاب المتحزبة وأئمة الضلال ~~الظلمة، وللخروج من دار الفناء إلى دار البقاء، واللحاق إلى إخواننا المؤمنين ~~الموقنين الذين باعوا الدنيا بالآخرة، وأنفقوا أموالهم التماس رضوان الله في ~~العاقبة. # ولا تجزعوا من القتل في الله فإن القتل أيسر من الموت، والموت نازل بكم غير ~~ما ترجم الظنون، فمفرق بينكم وبين آبائكم وأبنائكم وحلائلكم ودنياكم، وإن اشتد ~~لذلك كرهكم وجزعكم. # ألا فبيعوا الله أنفسكم وأموالكم طائعين تدخلوا الجنة آمنين وتعانقوا الحور ~~العين. # جعلنا الله وإياكم من الشاكرين الذاكرين الذين يهدون بالحق وبه ~~يعدلون.» # كتاب شبيب إلى صالح # نشط أصحاب صالح يذيعون دعوته ويتراسلون، وإنهم لكذلك إذ جاءهم كتاب من شبيب ~~بن يزيد يحتثهم على الإسراع في الجهاد، ويقول لصالح: # أما بعد فقد علمت أنك أردت الشخوص، وقد كنت دعوتني إلى ذلك فاستجبت ~~لك، فإن كان ذلك اليوم من شأنك فأنت شيخ المسلمين ولن نعدل بك منا ~~أحدا، وإن أردت تأخير ذلك اليوم أعلمتني، فإن الآجال غادية ورائحة ولا ~~آمن أن تخترمني المنية ولما أجاهد الظالمين. فيا له غبنا ويا له فضلا ~~متروكا. # جعلنا الله وإياك ممن يريد بعمله الله ورضوانه والنظر إلى وجهه ~~ومرافقة الصالحين في دار السلام. والسلام عليك. # رد صالح على شبيب # وقد كتب إليه صالح يقول: # أما بعد، فقد كان كتابك وخبرك أبطأ عني حتى أهمني ذلك، ثم إن امرأ من ~~المسلمين نبأني بنبأ مخرجك ومقدمك فنحمد الله على قضاء ربنا. # وقد قدم علي رسولك بكتابك فكل ما فيه قد فهمته، ونحن في جهاز ~~واستعداد للخروج، ولم يمنعني من الخروج إلا انتظارك، فأقبل إلينا ثم ~~اخرج بنا متى أحببت، فإنك ممن لا يستغنى عن رأيه ولا تقضى دونه ~~الأمور. والسلام عليك. ms27 # انضمام شبيب إلى صالح # لم يكد يصل كتاب صالح إلى شبيب حتى بعث إلى نفر من أصحابه فجمعهم إليه ثم خرج ~~إلى صالح فلما لقيه قال له: «اخرج بنا - رحمك الله - فوالله ما تزداد السنة إلا ~~دروسا ولا يزداد المجرمون إلا طغيانا.» # فأجابه صالح إلى ذلك وبعث إلى أصحابه ~~وواعدهم الخروج في هلال صفر سنة 76. فلما كانت الليلة التي اتفقوا عليها ~~اجتمعوا وخرج صالح بهم وكانوا مائة وعشرين رجلا. # دواب محمد بن مروان # هذه دواب لمحمد بن مروان في هذا الرستاق فابدءوا بها فشدوا عليها فاحملوا ~~أرجلكم وتقووا بها على عدوكم. # صالح # ولقد كانوا متعطشين إلى الشر فبدءوا عدوانهم بأخذ تلك الدواب فحملوا رجالتهم ~~عليها وصاروا فرسانا، وتحصن منهم أهل دارا وأهل نصيبين. # المعركة الأولى # واستخف بهم محمد بن مروان حين بلغه أمرهم فبعث إليهم أحد قواده # 2 # في ألف رجل. وأراد القائد أن يهادنهم فبعث إليهم رسولا يخبرهم أنه ~~يلقاهم وهو كاره، ويطلب إليهم أن ينصرفوا عن هذا البلد إلى غيره، فحبسوا الرسول ~~ودهموا ذلك الجيش - وهو على غير تعبئة وقائدهم يصلي الضحى - فهزموه وهرب عدي ~~وأصحابه وانتهبوا أموالهم وأسلابهم. # الموقعة الثانية # لم يكد يعلم محمد بن مروان بهزيمة الجيش حتى غضب وأرسل قائدين من قواده على ~~جيشين: عدد كل جيش منهما ألف وخمسمائة فارس وطلب إلى القائدين التعجيل بالخروج ~~إليه، وقال لهما: «اخرجا إلى هذه الخارجة الخبيثة، وعجلا الخروج وأغذا السير، ~~فأيكما سبق صاحبه فهو الأمير على صاحبه.» # قالوا: فخرجا من عنده فأغذا السير وجعلا يسألان عن صالح بن مسرح فيقال لهما: ~~«إنه توجه نحو آمد.» # فاتبعاه حتى انتهيا إليه - وقد نزل على أهل آمد - فنزلا ليلا فخندقا وانتهيا ~~إليه - وهما متساندان - كل واحد منهما في أصحابه على حدته. فوجه صالح شبيبا ~~إلى أحدهما في شطر أصحابه وتوجه إلى الآخر في الشطر الثاني. # رواية شاهد عيان # وبدأ القتال من العصر إلى المساء. # قال أحد أصحاب صالح: صلى بنا صالح العصر ثم عبأنا لهم فاقتتلنا كأشد قتال ~~اقتتله قوم ms28 قط. وجعلنا - والله - نرى الظفر، يحمل الرجل منا على العشرة منهم ~~فيهزمهم وعلى العشرين فيهزمهم. وجعلت خيلهم لا تثبت لخيلنا. فلما رأى أميراهم ~~ذلك ترجلا وأمرا جل من معهما فترجل. فعند ذلك جعلنا لا نقدر منهم على الذي ~~نريد. # إذا حملنا عليهم استقبلتنا رجالتهم بالرماح ونضحتنا رماتهم بالنبل، وخيلهم ~~تطاردنا في خلال ذلك، فقاتلناهم إلى المساء حتى حال الليل بيننا وبينهم وقد ~~أفشوا فينا الجراحة وأفشيناها فيهم. # ووالله ما أمسينا حتى كرهناهم وكرهونا، وقد قتلوا منا نحوا من ثلاثين رجلا ~~وقتلنا منهم أكثر من سبعين، فوقفنا مقابلهم ما يقدمون علينا وما نقدم عليهم. ~~فلما أمسوا رجعوا إلى عسكرهم ورجعنا إلى عسكرنا. # وقد اجتمع صالح وأصحابه للشورى فقال شبيب: «إنا قد لقينا هؤلاء القوم ~~فقاتلناهم وقد اعتصموا بخندقهم، فلا أرى أن نقيم عليهم.» # فوافقه صالح على رأيه وخرجوا في ليلتهم سائرين حتى وصلوا إلى أرض الموصل ثم ~~قطعوها ومضوا حتى قطعوا الدسكرة. # الموقعة الحاسمة # ولم يكد يعلم الحجاج بذلك حتى بعث إليهم «الحارث بن عميرة» في ثلاثة آلاف ~~رجل، فلقيهم في إحدى قرى الموصل - وصالح في تسعين رجلا - فعبأ صالح أصحابه في ~~ثلاثة كراديس في كل كردوس ثلاثون رجلا؛ فهو في كردوس وشبيب في كردوس في ميمنته ~~وسويد في كردوس في الميسرة. # مصرع صالح # قالوا: «فلما شد عليهم الحارث بن عميرة - في جماعة أصحابه - انكشف سويد وثبت ~~صالح بن مسرح فقتل وضارب شبيب حتى صرع.» # 3 ~~(2) مصرع شبيب # 4 # فأقبل شبيب على فرسه - وكانت بين يديه فرس أنثى ~~- فنزا عليها فرسه وهو فوق الجسر فاضطربت ونزل حافر فرسه على حرف السفينة فسقط في الماء ~~وسقط معه شبيب - وهو مثقل بالحديد من درع ومغفر وغيرهما - فقال: # ليقضي الله أمرا كان مفعولا ~~. # وارتمس في الماء ثم ارتفع فقال له بعض أصحابه وهو يغرق: «أغرقا يا أمير ~~المؤمنين؟!» # فقال: # ذلك تقدير العزيز العليم ~~. ~~(2-1) شجاعة شبيب # ليت شعري أي مصرع كان يلقاه شبيب لو لم يهلك غرقا؟ # لقد كان شبيب قوة لا تقهر، وقد ms29 أظهر من ضروب البسالة والإقدام ما سلكه في عداد ~~القوم العالمين الذين كتبوا في سجل الخلود، ولست أدري إلى أي مدى كان يتغير التاريخ ~~الاسلامي لو لم يعاجله القضاء. # ويأتي قضاء ما لكم عنه حاجز # فألقوا إلى مولاكم بالمقالد # لقد كان يهزم الجيش المكون من ألوف الفرسان وهو - في عشرات من رجاله - وكان ملهم ~~الخاطر فطنا بطرق النصر، بطلا في انتصاره وهزيمته على السواء، لا يكاد يرى أن ~~حربه مع خصمه غير مجدية حتى يولي وجهه إلى مكان آخر تجدي فيه الشجاعة والإقدام، ولا ~~يضعف إلا ريثما يستريش وينجبر ويعود بعد قليل من الزمن أقوى منه من قبل. ومن الناس ~~من تقرأ تاريخه فتشعر من أعماق نفسك أن مثل هذا لا يغلب ولا سبيل إلى هزيمته، ولو ~~تألبت عليه قوى الأرض كلها، وهذا هو شعور كل من يتتبع أخبار شبيب وحروبه ~~المظفرة. # ولو كان شبيب رجلا غربيا لكان رجلا عالميا لا يجهله أحد من خاصة الناس ~~وعامتهم في أقطار الأرض قاطبة، ولكنه عربي أولا، وخارجي ثانيا. ~~(2-2) النصر الأول # رأينا في مصرع صالح بن مسرح كيف انتهت الموقعة الأخيرة بقتل صالح وكادت تنتهي ~~بقتل شبيب معه، فقد صرع عن فرسه، ولكن شجاعته الخارقة لم تفته في هذا الموطن الحرج، ~~فشد على أعدائه فكشفهم، ثم نادى أصحابه فلاذوا به فقال لهم: «ليجعل كل واحد منكم ~~ظهره إلى ظهر صاحبه وليطاعن عدوه إذا أقدم عليه؛ حتى ندخل هذا الحصن ونرى ~~رأينا.» # وقد استطاع أصحابه - وعدتهم سبعون رجلا - أن يصلوا إلى الحصن ويدخلوه بفضل هذه ~~النصيحة الحكيمة، وكان ذلك في المساء. ولم يلبثوا في الحصن إلا قليلا حتى قال لهم ~~شبيب: «ما تنتظرون؟ فوالله لئن صبحكم هؤلاء غدوة إنه لهلاككم.» # فقالوا له: «مرنا بأمرك.» # فقال لهم: «إن الليل أخفى للويل، بايعوا من شئتم ثم اخرجوا بنا حتى نشد عليهم في ~~عسكرهم، فإنهم لذلك منكم آمنون وأنا أرجو أن ينصركم الله عليهم.» # قالوا له: «فابسط يدك فلنبايعك.» # فبايعوه، ثم خرجوا، فلم يشعر أعداؤهم إلا ms30 وشبيب وأصحابه يضربونهم بالسيوف في جوف ~~عسكرهم، فضاربوهم حتى صرع قائدهم «الحارث» فاحتمله أصحابه وانهزموا وخلوا لهم ~~المعسكر وما فيه. # وهكذا استطاع شبيب - بفضل شجاعته وإقدامه وبعد نظره - أن يغنم موقعة خاسرة وأن ~~ينتصر في موقف كل ما فيه ينطق بأن الهزيمة لا بد حائقة به، والخذلان لا بد مكتوب ~~عليه، كما استطاع أن يهزم الجيش الذي قتل صالحا وكاد يقضي على أصحاب صالح وشبيب، ~~وتم لشبيب النصر بفضل إقدامه وحزمه. # قالوا: «وكان ذلك الجيش أول جيش هزمه شبيب.» ~~(2-3) نصر جديد # وعظم أمر شبيب بعد هذه الوقعة، ولم يلبث أن رأى فيه الحجاج مناوئا خطرا وخصما ~~لدودا، وبعث الحجاج إلى «سفيان الخثعمي» أن يسير حتى ينزل بالدسكرة فيمن معه، ثم ~~يقيم حتى يأتيه جيش الحارث بن عميرة الهمداني «الذي قتل صالح بن مسرح» فيسيروا ~~جميعا إلى شبيب لمناجزته. # ولكن سفيان عجل الارتحال في طلب شبيب فلحقه بخانقين في سفح جبل. # قالوا: وأصحر لهم شبيب ثم ارتفع عنهم - كأنه يكره لقاءه - وكان شبيب قد أكمن له ~~أخاه ومعه خمسون، فحسبوا شبيبا قد هرب فأسرعوا خلفه، حتى إذا جازوا الكمين عطف ~~عليهم وخرج الكمين من خلفهم، فحمل شبيب عليهم من أمامهم وصاح بهم الكمين من ورائهم، ~~فكانت الهزيمة لهم والنصر لشبيب. وقد خر سفيان بين القتلى ثم حمل جريحا، بعد أن ~~استبسل في قتاله، وأخبر الحجاج بما كان من أمره فقبل عذره وكتب إليه الحجاج: # أما بعد فقد أحسنت البلاء وقضيت الذي عليك، فإذا خف عنك الوجع فأقبل ~~مأجورا إلى أهلك والسلام. # وخرج «سورة بن أبجر» في طلب شبيب كما أمره الحجاج، قالوا: تخير ثلاثمائة رجل من ~~أهل القوة والجلد والشجاعة، ولكن شبيبا انتهى بالتغلب عليه وهزمه وجيشه. ~~(2-4) حربه مع الجزل بن سعيد # ودعا الحجاج إليه «الجزل عثمان بن سعيد» فقال له: «تيسر للخروج إلى هذه المارقة، ~~فإذا لقيتهم فلا تعجل عجلة الخرق ولا تحجم إحجام الواني الفرق، هل فهمت.» # فقال: «نعم أصلح الله الأمير، قد فهمت.» # فقال: «فاخرج فعسكر ms31 بدير عبد الرحمن حتى يخرج إليك الناس.» # فقال: «أصلح الله الأمير، لا تبعثن معي أحدا من أهل الجند المفلول المهزوم فإن ~~الرعب قد دخل قلوبهم.» # فقال له: «ذلك لك، ولا أراك إلا قد أحسنت الرأي ووفقت.» # وجمع له الحجاج أربعة آلاف رجل، ثم نادى منادي الحجاج فيهم أن «برئت الذمة من ~~رجل أصبناه من هذا البعث متخلفا.» # وما زال الجزل بن سعيد يسير في أثر شبيب - وشبيب يريه الهيبة - ويخرج من رستاق ~~إلى رستاق، وإنما أراد شبيب بذلك أن يفرق الجزل أصحابه ويتعجل إليه فيلقاه في يسير ~~من الناس على غير تعبئة. ولكن الجزل كان حريصا فلم يكن يسير إلا على تعبئة، ولا ~~ينزل إلا خندق على نفسه خندقا. # وطال الزمن عليهم، وأراد شبيب أن يبيته، ولكنه وجد الجزل حذرا وقد بث العيون ~~والأرصاد فلم يظفر منهم بطائل، قالوا: فلما رأى شبيب أنه لا يصل إليهم تركهم بعد أن ~~أعاد الكرة فلم يفلح. # وجد الجزل في أثرهم، وكان - كما يقولون - يتبعهم فلا يسير إلا على تعبئة ولا ينزل ~~إلا على خندق، وكان شبيب يدعه ويضرب فيما يليه من الأراضي يكسر الخراج، وطال ذلك ~~على الحجاج، فكتب إلى الجزل: # أما بعد، فقد بعثتك في فرسان أهل المصر ووجوه الناس وأمرتك باتباع هذه ~~المارقة الضالة المضلة حتى تلقاها فلا تقلع عنها حتى تقتلها وتفنيها، فوجدت ~~التعريس في القرى والتخييم في الخنادق أهون عليك من المضي لما أمرتك به من ~~مناهضتهم ومناجزتهم والسلام. # قال أحد جنود ذلك الجيش: «فقرئ الكتاب علينا، فشق ذلك على الجزل، وأمر الناس ~~بالسير، فخرجوا في طلب الخوارج جادين، وأرجفنا بأميرنا وقلنا: يعزل.» ~~••• # وبعث الحجاج «سعيد بن المجالد» على ذلك الجيش وعهد إليه: «إن لقيت المارقة فازحف ~~إليهم ولا تناظرهم ولا تطاولهم، واستعن بالله عليهم، ولا تصنع صنيع الجزل، واطلبهم ~~طلب السبع، وحد عنهم حيدان الضبع.» # حماسة سعيد بن المجالد # وسار سعيد حتى وصل عسكر أهل الكوفة، وكان الجزل قد أدرك شبيبا في النهروان، ~~ولزم عسكره وخندق عليه، فقام ms32 سعيد فيهم خطيبا متحمسا، فقال: «يا أهل الكوفة، ~~إنكم قد عجزتم ووهنتم وأغضبتم عليكم أميركم وأنتم في طلب هذه الأعاريب العجف ~~منذ شهرين، وقد خربوا بلادكم وكسروا خراجكم، وأنتم حاذرون في جوف هذه الخنادق ~~لا تزايلونها إلى أن يبلغكم أنهم قد ارتحلوا عنكم ونزلوا بلدا سوى بلدكم! ~~اخرجوا على اسم الله إليهم.» # قالوا: فخرج وأخرج الناس معه وجمع إليه خيول أهل العسكر، فقال له الجزل: «ما ~~تريد أن تصنع؟» # قال: «أريد أن أقدم على شبيب في هذه الخيل.» # فقال له الجزل: «أقم أنت في جماعة الجيش - فارسهم وراجلهم - وأصحر له، فوالله ~~ليقدمن عليك، فلا تفرق أصحابك فإن ذلك شر لهم وخير لك.» # ولكن سعيدا المتحمس أبى أن يصيخ إلى هذه النصيحة القيمة المؤسسة على الروية ~~والتجربة وأصالة الرأي، فقال للجزل: «قف أنت في الصف.» # فقال له الجزل: «يا سعيد بن مجالد، ليس لي فيما صنعت رأي، أنا بريء من رأيك ~~هذا، سمع الله ومن حضر من المسلمين.» # فقال سعيد: «هو رأيي، إن أصبت فالله وفقني له، وإن يكن غير صواب فأنتم منه ~~برآء.» # وهكذا تأهب سعيد للحرب وأخرج الجند من الخنادق. ليعجل بقتل شبيب وأصحابه - ~~فيما يزعم - وهو في الحقيقة إنما يتعجل الهلاك لنفسه والهزيمة لجيشه من حيث لا ~~يعلم. # مثال على شجاعة شبيب # وكان شبيب قد أمر بإغلاق باب المدينة وأمر الدهقان بإحضار طعام لهم، وصعد ~~الدهقان السور، فنظر إلى الجند مقبلين قد دنوا من الحصن، فنزل وقد تغير لونه، ~~فقال له شبيب: «ما لي أراك متغير اللون؟!» # فقال له الدهقان: «قد جاءتك الجنود من كل ناحية.» # قال: «لا بأس، هل أدرك غداؤنا؟» # قال: «نعم.» قال: «فقربه.» # وأتي بالغداء فتغدى وتوضأ وصلى ركعتين، ثم دعا ببغل له فركبه، ثم اجتمعوا، ~~وأمر بالباب ففتح ثم خرج على بغله. # مصرع سعيد بن مجالد # وحمل عليهم شبيب وهو يقول: «لا حكم إلا للحكم الحكيم، اثبتوا إن ~~شئتم.» # قالوا: وجعل سعيد يجمع قومه وخيله ثم يدلفها في إثره وهو يقول: «ما هؤلاء؟ ~~إنهم ms33 أكلة رأس؟» # ولم يلبث شبيب أن شد عليهم فهزمهم، وثبت سعيد بن مجالد وظل ينادي أصحابه: ~~«إلي، إلي، أنا ابن ذي مروان!» # قالوا: «فأخذ قلنسوته فوضعها على قربوس سرجه، وحمل عليه شبيب فعممه بالسيف ~~فخالط دماغه فخر ميتا .» # وهكذا هزم الجيش وقتلوا كل قتلة حتى انتهوا إلى الجزل، وقد قاتل الجزل قتالا ~~شديدا حتى حمل من بين القتلى جريحا. ثم كتب إلى الحجاج بما حدث. # كتاب الجزل إلى الحجاج # أما بعد، فإني أخبر الأمير - أصلحه الله - أني خرجت فيمن قبلي من ~~الجند الذي وجهني فيه إلى عدوه، وقد كنت حفظت عهد الأمير إلي فيهم ~~ورأيه؛ فكنت أخرج إليهم إذا رأيت الفرصة، وأحبس الناس عنهم إذا خشيت ~~الورطة، فلم أزل كذلك. # ولقد أرادني العدو بكل إرادة فلم يصب مني غرة، حتى قدم علي «سعيد ~~بن مجالد» رحمة الله عليه، ولقد أمرته بالتؤدة ونهيته عن العجلة، أمرته ~~أن لا يقاتلهم إلا في جماعة من الناس عامة فعصاني وتعجل إليهم في ~~الخيل، فأشهدت عليه أهل المصرين أني بريء من رأيه الذي رأى، وأني لا ~~أهوى ما صنع، فمضى فأصيب - تجاوز الله عنه - ودفع الناس إلي فنزلت ~~ورفعت لهم رايتي وقاتلت حتى صرعت، فحملني أصحابي من بين القتلى، فما ~~أفقت إلا وأنا على أيديهم - على رأس ميل من المعركة - فأنا اليوم ~~بالمدائن في جراحة قد يموت الرجل من دونها ويعافى من مثلها. # فليسأل الأمير - أصلحه الله - عن نصيحتي له ولجنده، وعن مكايدتي ~~عدوه، وعن موقفي يوم البأس، فإنه يستبين له - عند ذلك - أني قد صدقته ~~ونصحت له، والسلام. # كتاب الحجاج إلى الجزل # أما بعد، فقد أتاني كتابك، وقرأته وفهمت كل ما ذكرت، وقد صدقتك في كل ~~ما وصفت به نفسك من نصيحتك لأميرك، وحيطتك على أهل مصرك، وشدتك على ~~عدوك. # وقد فهمت ما ذكرت من أمر سعيد وعجلته إلى عدوه، فقد رضيت عجلته ~~وتؤدتك، فأما عجلته فإنها أفضت به إلى الجنة، وأما تؤدتك فإنها لم تدع ~~الفرصة إذا أمكنت، وترك الفرصة - إذ لم تمكن ms34 - حزم. # وقد أصبت وأحسنت البلاء وأجرت، وأنت عندي من أهل السمع والطاعة ~~والنصيحة، وقد أشخصت إليك «حيان بن أبجر» ليداويك ويعالج جراحتك، وبعثت ~~إليك بألفي درهم فأنفقها في حاجتك وما ينوبك والسلام. ~~(2-5) بين شبيب وسويد بن عبد الرحمن # ورأى الحجاج أن يبعث سويد بن عبد الرحمن إلى شبيب ليحاربه في ألفي فارس مختارين، ~~وقد قال له الحجاج: «إذا خرجت إلى شبيب فالقه، واجعل ميمنة وميسرة، ثم انزل إليه في ~~الرجال، فإن استطرد لك فدعه ولا تتبعه.» ~~••• # أما شبيب فقد كان على عادته يذهب إلى حيث يجد مجالا للفتك والنهب، ويرحل عن كل ~~مكان يستعصي عليه أو يمتنع دونه؛ فقد سار شبيب إلى المدائن فوجد أهلها متحصنين فيها ~~ولا سبيل إليهم، فراح إلى الكرخ ثم عبر دجلة. وما زال سويد بن عبد الرحمن يطارده ~~حتى قطع بيوت الكوفة إلى الحيرة. وما زال شبيب يفعل ذلك حتى أضجره وأيأسه. # ومما يؤثر عن شبيب أن أكثر الجيوش التي كانت تحاربه «كانت تذهب إليه - كما يقولون ~~- وكأنما كانت تساق إلى الموت». # وليس يتسع المقام للتفصيل والإسهاب في ذكر الوقائع التي شهدها شبيب فلنجتزئ ~~بالقليل منها ما وجدنا إلى الإيجاز سبيلا. ~~(2-6) مصرع محمد بن موسى # كان عبد الملك قد ولى محمد بن موسى «سجستان» قالوا: «وكانت أخته تحت عبد الملك بن ~~مروان» فلما مر بالكوفة - وبها الحجاج - قيل للحجاج: «إن صار هذا إلى «سجستان» مع ~~نجدته وصهره لعبد الملك فلجأ إليه أحد ممن تطلب منعك منه.» # قال: «فما الحيلة؟» # قيل: «تأتيه وتسلم عليه، وتذكر نجدته وبأسه، وأن شبيبا في طريقه وأنه قد أعياك ~~وأنك ترجو أن يريح الله منه على يده فيكون له ذكر ذلك وشهرته.» # وقد رأى الحجاج في هذه النصيحة فرصة سانحة، وانخدع بها محمد بن موسى وذهب لمحاربة ~~شبيب وقد كتب إليه الحجاج: «إنك عامل كل بلد مررت به، وهذا شبيب في طريقك.» # قالوا: فلما التقى بشبيب أرسل إليه: «إنك امرؤ مخدوع قد التقى بك الحجاج وأنت جار ~~لك حق، ms35 فانطلق لما أمرت به ولك الله لا آذيتك.» # ولكن محمد بن موسى أبى إلا محاربته، وزين له الغرور أن شبيبا إنما يتحامى لقاءه ~~خشية من بأسه وقوته. # قالوا: فواقفه شبيب وأعاد إليه الرسول، فأبى إلا قتاله فدعا إلى البراز، فبرز ~~إليه «البطين» ثم «قضب» ثم «سويد» فأبى إلا شبيبا. # فقالوا لشبيب: «قد رغب عنا إليك.» فبرز إليه شبيب وقال له: «إني أنشدك الله في ~~دمك فإن لك جوارا.» فأبى إلا قتاله. # فقال له: «إني قد علمت خداع الحجاج، وإنما اغترك ووقى بك نفسه، وكأني بأصحابك قد ~~أسلموك فصرعت مصرع أصحابك، فأطعني فإني أنفس بك عن الموت.» فأبى محمد بن موسى إلا ~~قتاله. # قالوا: «فحمل عليه شبيب، فضربه بعصا حديد فهشم بها رأسه، فسقط ثم كفنه وابتاع ما ~~غنموه من عسكره فبعث به إلى أهله.» ~~(2-7) بين شبيب وعبد الرحمن بن الأشعث # ولما رأى شبيب أنه لا يصيب لعبد الرحمن غرة، جعل يخرج حتى إذا دنا منه رحل عن ~~مكانه ونزل في أرض غليظة جدبة، فيجيء عبد الرحمن فإذا بلغه ارتحل وهكذا، حتى ~~أحفى دوابهم ولقوا منه كل بلاء. # هي رواية لا تكاد تتغير فصولها، ولا يكاد شبيب يغير تمثيل دوره فيها. تتألب عليه ~~الجيوش بالغة ما بلغت من الكثرة فلا يقف أمامها وقفة حاسمة، ولكنه يتنقل من مكان ~~إلى آخر مترقبا فرصة سانحة لمهاجمة تلك الجيوش الكبيرة أجزاء متفرقة بعد أن رأى من ~~العبث مهاجمتها مجتمعة. # يبعث إليه الحجاج بجيوش - ملء السهل والجبل - فيطاولها شبيب ويبيتها الفينة بعد ~~الفينة، فإن كان قائدها حذرا عاد شبيب من حيث أتى، وإلا هاجمها واشتبك معها في ~~موقعة حاسمة تنتهي بهزيمة أعدائه ومحاربيه. # ولا معدى لمحاربه عن أحد أمرين: أن يخندق على عسكره ولا يترك وسيلة من وسائل ~~الحيطة إلا اتخذها، أو ينفد صبره فيهاجمه في حيثما كان. # فإن كانت الأولى فقد تمضي الأيام والأسابيع، بل والشهور بلا طائل. وإن كانت ~~الأخرى فقد تعجل الهزيمة أو الهلاك لنفسه وجيشه جميعا. ~~••• # قالوا إن الحجاج دعا ms36 عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فقال له: «انتخب الناس واخرج ~~في طلب هذا العدو.» # منشور الحجاج # وكتب الحجاج إلى رجال جيشه المنشور التالي: # أما بعد، فقد اعتدتم عادة الأذلاء، ووليتم الدبر - يوم الزحف - وذلك ~~دأب الكافرين، وإني قد صفحت عنكم - مرة بعد مرة، ومرة بعد مرة - وإني ~~أقسم لكم بالله قسما صادقا، لئن عدتم لذلك لأوقعن بكم إيقاعا أشد ~~عليكم من هذا العدو الذي تهربون منه في بطون الأودية والشعاب وتستترون ~~منه بأثناء الأنهار وألواذ الجبال، فخاف من له معقول على نفسه ولم يجعل ~~عليها سبيلا، وقد أعذر من أنذر. # وقد أسمعت لو ناديت حيا # ولكن لا حياة لمن تنادي # والسلام عليكم. # وقد خرج عبد الرحمن بجيشه حتى مر بالمدائن فنزل بها يوما وليلة وتشرى أصحابه ~~حوائجهم، ثم ارتحلوا حتى وصلوا إلى «الجزل بن سعيد». # نصيحة الجزل # فقال الجزل لعبد الرحمن: «يا ابن عم، إنك تسير إلى فرسان العرب وأبناء الحرب ~~وأحلاس الخيل، والله لكأنما خلقوا من ضلوعها ثم بنوا على ظهورها. # ثم هم أسد الأجم، الفارس منهم أشد من مائة، إن لم تبدأ به بدأ بك، وإن هجهج ~~أقدم. فإني قد قاتلتهم وبلوتهم، فإذا أصحرت لهم انتصفوا مني، وكان لهم الفضل ~~علي، وإذا خندقت عليهم وقاتلتهم في مضيق نلت منهم بعض ما أحب، وكان لي عليهم ~~الظفر. فلا تلقهم - وأنت تستطيع - إلا في تعبئة أو في خندق.» # في أثر شبيب # خرج عبد الرحمن بجيشه - بعد أن شكر الجزل على نصيحته القيمة - فلما دنا من ~~شبيب ارتفع عنه شبيب إلى مكان آخر، فخرج عبد الرحمن في طلبه حتى إذا كان على ~~التخوم أقام وقال: «إنما هو في أرض الموصل فليقاتلوا عن بلادهم أو ~~ليدعوه.» # ولكن كتابا من الحجاج جاءه يقول: # أما بعد فاطلب شبيبا واسلك في أثره أين سلك حتى تدركه فتقتله أو ~~تنفيه، فإنما السلطان سلطان أمير المؤمنين والجند جنده والسلام. # قالوا: «فخرج عبد الرحمن - حين قرأ كتاب الحجاج - في طلب شبيب فكان شبيب ~~يدعه، حتى إذا دنا ms37 منه بيته، فيجده قد خندق على نفسه وحذر، فيمضي ويدعه، فيتبعه ~~عبد الرحمن، فإذا بلغه أنه تحمل وأنه يسير أقبل في الخيل، فإذا انتهى إليه وجده ~~قد صف الخيل والرجال وأدنى الرامية فلا يصيب له غرة، فيمضي ويدعه.» # قالوا: «ولما رأى أنه لا يصيب لعبد الرحمن غرة ولا يصل إليه جعل يخرج حتى إذا ~~دنا منه عبد الرحمن في خيله فينزل عن مسيرة عشرين فرسخا ثم يقيم في أرض غليظة ~~جدبة، فيجيء عبد الرحمن فإذا دنا من شبيب ارتحل.» # وما زال شبيب يعذبهم حتى شق عليهم وأحفى دوابهم ولقوا منه كل بلاء. ولما ~~التقى الجيشان في «جوخا» أرسل شبيب إلى عبد الرحمن: «إن هذه الأيام أيام عيد ~~لنا ولكم، فإن رأيتم أن توادعونا حتى تمضي هذه الأيام فافعلوا.» فرضي بذلك عبد ~~الرحمن. # قالوا: «ولم يكن شيء أحب إلى عبد الرحمن من المطاولة والموادعة.» # من عثمان بن قطن إلى الحجاج # أما بعد، فإني أخبر الأمير - أصلحه الله - أن عبد الرحمن بن محمد قد حفر ~~جوخا كلها خندقا واحدا، وخلى شبيبا وكسر خراجها، وهو يأكل أهلها ~~والسلام. # من الحجاج إلى عثمان بن قطن # أما بعد، فقد فهمت ما ذكرت لي عن عبد الرحمن، وقد لعمري فعل ما ذكرت، فسر ~~إلى الناس فأنت أميرهم، وعاجل المارقة حتى تلقاهم، فإن الله ناصرك عليهم ~~والسلام. # بين عثمان بن قطن وشبيب # وهكذا ظفر عثمان بإمارة الجيش وبعث الحجاج إلى المدائن مكانه «مطرف بن ~~المغيرة» وحسب عثمان أنه أقدر من عبد الرحمن على قتل شبيب وهزيمة جيشه وأظهر من ~~الحماسة مثلما رأيناه من «سعيد بن مجالد» الذي كان سببا في هزيمة جيش «الجزل» ~~وهلاك نفسه. وقد كانت عاقبة عثمان كعاقبة سعيد بن مجالد، وحاق به البوار وحلت ~~الهزيمة بالجيش. # فقد ذهب عثمان متحمسا يريد مناجزة الخوارج - في الحال - وألح عليه الناس أن ~~يتريث قليلا - وكان الجو عاصفا والرياح شديدة تهب على الجيش - فأقام يوما ~~وليلة حتى إذا انتهت العاصفة عبأ جيشه وزحف على شبيب وثبت وجيشه أمامه ms38 قليلا. ~~ثم كر عليه شبيب وأصحابه فقتلوه وهزموا أصحابه، وتشتت شمل الجيش بعد أن انهزم ~~عبد الرحمن بن الأشعث - فيمن انهزم - وغنم شبيب من هذه الموقعة أكبر الغنائم، ~~وزاد جيشه وأقبل عليه كثيرون من الناقمين على الحجاج والراغبين في المغانم وقوي ~~شأنه. # ورأى الحجاج أن أمر شبيب قد استفحل وأن توالي انتصاراته يضاعف أعوانه ويفت في ~~عضد محاربيه، فأعد جيشا كبيرا مختارا من صفوة الرجال وأفذاذ القواد وجعل على ~~رأس ذلك الجيش عتاب بن ورقاء. ~~(2-8) عتاب بن ورقاء # يا أهل الكوفة اخرجوا مع عتاب بن ورقاء بأجمعكم، لا أرخص لأحد من الناس في ~~الإقامة إلا رجلا قد وليناه من أعمالنا. ألا إن للصابر المجاهد الكرامة ~~والأثرة. ألا إن للناكل الهارب الهوان والجفوة، والذي لا إله غيره لئن فعلتم في ~~هذا الموطن - كفعلكم في المواطن التي كانت - لأولينكم كنفا خشنا ولأعركنكم ~~بكلكل ثقيل. # من خطبة للحجاج # كان الحجاج قد أمر عتابا بطاعة المهلب، فكبر ذلك على عتاب، ووقع بينه وبين ~~المهلب شر كبير، حتى كتب عتاب إلى الحجاج يستعفيه من ذلك ويضمه إليه، وقد أحضره ~~الحجاج ووجهه لمحاربة شبيب على رأس ذلك الجيش. وقد اختاره الحجاج بعد أن رأى توالي ~~انتصارات شبيب. # قالوا: وقام الحجاج في الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أيها الناس، والله ~~لتقاتلن عن بلادكم وعن فيئكم، أو لأبعثن إلى قوم هم أطوع وأسمع وأصبر على اللأواء ~~والقيظ منكم، فيقاتلون عدوكم، ويأكلون فيأكم.» # قالوا: فقام إليه الناس من كل جانب فقالوا: «نحن نقاتلهم ونعتب الأمير، فليندبنا ~~الأمير إليهم فإنا حيث سره.» # نصيحة زهرة بن حوية # وقام إليه زهرة بن حوية، قالوا: وهو شيخ كبير لا يستقيم قائما حتى يؤخذ ~~بيده، فقال: «أصلح الله الأمير، إنك إنما تبعث إليهم الناس متقطعين، فاستنفر ~~الناس إليهم كافة، وابعث عليهم رجلا ثبتا شجاعا مجربا للحرب، ممن يرى ~~الفرار هضما وعارا، والصبر مجدا وكرما.» # فقال الحجاج: «فأنت ذاك فاخرج.» # فقال: «أصلح الله الأمير، إنما يصلح للناس - في هذا - رجل يحمل الرمح ms39 والدرع ~~ويهز السيف ويثبت على متن الفرس. وأنا لا أطيق من هذا شيئا، وقد ضعف بصري ~~وضعفت. # ولكن أخرجني في الناس مع الأمير، فإني إنما أثبت على الراحلة، فأكون مع ~~الأمير في عسكره وأشير عليه برأيي.» # فقال له الحجاج: «جزاك الله عن الإسلام وأهله - في أول الإسلام - خيرا، ~~وجزاك الله عن الإسلام وأهله - في آخر الإسلام - خيرا، فقد نصحت وصدقت، أنا ~~مخرج الناس كافة.» ثم دعا الحجاج - بعد أن اختار عتاب بن ورقاء أشراف الكوفة ~~وفيهم زهرة بن حوية - فقال لهم: «من ترون أبعث على هذا الجيش؟» # فقالوا: «رأيك أيها الأمير أفضل.» # قال: «فإني قد بعثت إلى عتاب بن ورقاء، وهو قادم عليكم الليلة أو القابلة، ~~فيكون هو الذي يسير في الناس.» # قال زهرة بن حوية: «أصلح الله الأمير، رميتهم بحجرهم، لا والله لا يرجع إليك ~~حتى يظفر أو يقتل!» ~~(2-9) قبيل المعركة # ولما التقى شبيب بعتاب، وتأهب جيشاهما للحرب، أخذ عتاب يحمس جنوده وينظم صفوفهم، ~~وقد ذكر بعض جنوده شيئا مما فاه به عتاب قبيل المعركة فقال: وقف علينا عتاب فقص ~~علينا قصصا كثيرا، كان مما حفظت منه ثلاث كلمات قال: «يا أهل الإسلام، إن أعظم ~~الناس نصيبا في الجنة الشهداء، وليس لأحد من خلقه أحمد منه للصابرين، ألا ترون أنه ~~يقول: # واصبروا إن الله مع ~~الصابرين ~~. # فمن حمد الله فعله فما أعظم درجته، وليس الله لأحد أمقت منه لأهل البغي. # ألا ترون أن عدوكم هذا يستعرض المسلمين بسيفه، لا يرون إلا أن ذلك قربة عند الله، ~~فهم شرار أهل الأرض وكلاب أهل النار!» # ثم قال: «أين القصاص؟» # قال ذلك فلم يجبه - والله - منا أحد. # فلما رأى ذلك قال: «أين من يروي شعر عنترة؟» # فلا والله ما رد عليه إنسان كلمة. ~~••• # وهكذا عقد الخوف ألسنتهم وقلوبهم فلم يجيبوا قائدهم بشيء، وثمة أدرك عتاب أنهم لا ~~بد خاذلوه، ولكن ماذا يصنع وليس أمامه إلا أن يستميت في قتاله حتى ينتصر أو يقتل؟ ~~وقد كانت الثانية. ~~(2-10) مصرع عتاب # هذا يوم ms40 كثر فيه العدد وقل الغناء! وا لهفي على خمسمائة فارس - من نحور رجال ~~تميم معي - من جميع الناس! # عتاب # وقد بدأت المعركة شديدة حامية الوطيس # 5 # وحمل عليهم شبيب وهو يقول: «أنا أبو المدله، لا حكم إلا للحكم، اثبتوا ~~إن شئتم.» # فأدخل الرعب في قلوب الكثيرين واستبسل جماعة من أصحاب عتاب حتى قيل لهم: «مات ~~عتاب» فتفرقوا. # قالوا: ولم يزل عتاب جالسا على طنفسة في القلب - وزهرة بن حوية معه - إذ غشيهم ~~شبيب، فقال له عتاب: «هذا يوم كثر فيه العدد، وقل فيه الغناء! وا لهفي على خمسمائة ~~فارس - من نحو رجال تميم - معي من جميع الناس!» # وقد ظل عتاب ينادي جنوده: «ألا صابر لعدوه؟ ألا مؤاس بنفسه؟» ولكن: # لقد أسمعت لو ناديت حيا # ولكن لا حياة لمن تنادي # فقد انفض من حوله الجند وتركوه وهو يقاتل قتال الأبطال. وماذا تجدي الشجاعة بعد ~~أن خذله ناصروه؟ على أن زهرة بن حوية كان له خير رفيق وكان إلى جانبه مثلا من ~~أمثلة البسالة العجيبة والاستهانة بالموت، فقال له زهرة: «أحسنت يا عتاب فعلت فعل ~~مثلك، والله والله لو منحتهم كتفك ما كان بقاؤك إلا قليلا، أبشر فإني أرجو أن يكون ~~الله قد أهدى إلينا الشهادة عند فناء أعمارنا.» # فقال له عتاب: «جزاك الله خير ما جزى امرأ لمعروف.» # وقال له أحد أصحابه: «إن عبد الرحمن بن محمد قد هرب عنك فانصفق معه أناس ~~كثير.» # فقال عتاب: «قد هرب قبل اليوم وما رأيت ذلك الفتى يبالي ما صنع!» # كيف صرع عتاب # وقد قاتلهم عتاب ساعة وهو يقول: «ما رأيت كاليوم قط موطنا - لم أبتل بمثله ~~قط - أقل مقاتلا ولا أكثر هاربا خاذلا!» # وما زال يقاتل حتى علم شبيب مكانه، فحمل عليه فطعنه فوقع. ~~(2-11) مصرع زهرة بن حوية # أما زهرة بن حوية فقد وطئته الخيل، فأخذ يذب بسيفه - وهو شيخ كبير لا يستطيع أن ~~يقوم - فجاءه الفضل بن عامر الشيباني فقتله # 6 # وهكذا تمت هزيمة الجيش، وانتصر شبيب وأصحابه أبهر انتصار. ~~(2-12) ms41 خروج شبيب إلى الكوفة # وكأن شبيبا لم يكتف بما أحرزه من انتصارات باهرة فتطلعت نفسه إلى الفوز الأكبر ~~والاستيلاء على الكوفة نفسها، فسار شبيب حتى قطع الجسر وعسكر دونه إلى ~~الكوفة. ~~(2-13) الحجاج يشاور أصحابه # قال شاهد عيان: لما فض شبيب كتائب الحجاج أذن لنا فدخلنا عليه في مجلسه الذي يبيت ~~فيه - وهو على سرير وعليه لحاف - فقال: «إني دعوتكم لأمر فيه أمان ونظر، فأشيروا ~~علي، إن هذا الرجل قد تبحبح بحبوحتكم ودخل حريمكم وقتل مقاتلكم فأشيروا ~~علي.» # فأطرقوا، وفصل رجل من الصف بكرسيه فقال: «إن أذن لي الأمير تكلمت.» # فقال: «تكلم.» # فقال: «إن الأمير - والله - ما راقب الله قط، ولا حفظ أمير المؤمنين، ولا نصح ~~للرعية.» # ثم جلس بكرسيه في الصف - وإذا هو قتيبة - فغضب الحجاج وألقى اللحاف ودلى قدميه من ~~السرير - كأني أنظر إليهما - فقال: «من المتكلم؟» # فخرج قتيبة بكرسيه من الصف فأعاد الكلام، قال الحجاج: «فكيف ذلك؟» # فقال: «تبعث الرجل الشريف، وتبعث معه رعاعا من الناس فينهزمون عنه، ويستحيي ~~فيقاتل حتى يقتل.» # قال: «فما الرأي؟» # قال: «أن تخرج بنفسك ويخرج معك نظراؤك فيواسونك بأنفسهم.» # قال بعضهم: «فلعنه الحجاج» وقال آخر: «وخنقه الحجاج بعمامته خنقا شديدا» ثم قال ~~الحجاج: «والله لأبرزن له غدا.» # وهكذا أحرج الحجاج في قتال شبيب إحراجا. ~~(2-14) بين شبيب والحجاج # فلما جاء اليوم التالي فرق الحجاج كثيرا من رجال جيشه على أفواه السكك، ثم أقبل ~~الحجاج - وقد رأى أمامه جيش شبيب - وكان شبيب في ستمائة فارس. # ودعا الحجاج بكرسي له فقعد عليه، ثم نادى: «يا أهل الشام، أنتم أهل السمع والطاعة ~~والصبر واليقين، لا يغلبن باطل هؤلاء الأرجاس حقكم، غضوا الأبصار واجثوا على الركب ~~واستقبلوا القوم بأطراف الأسنة.» # فجثوا على الركب وأشرعوا الرماح وكأنهم حرة سوداء. وأقبل شبيب حتى إذا دنا منهم ~~عبأ أصحابه ثلاثة كراديس: ~~(1) # كتيبة مع سويد بن سليم. ~~(2) # وكتيبة مع المحلل بن وائل. ~~(3) # وكتيبة مع شبيب. # فشل الكتيبة الأولى # فأمر شبيب الكتيبة الأولى أن تحمل عليهم، فحمل عليهم سويد فثبتوا له، ms42 حتى إذا ~~غشي أطراف الأسنة وثبوا في وجهه ووجوه أصحابه، فطعنوهم قدما حتى ~~انصرف. # وصاح الحجاج: «يا أهل السمع والطاعة هكذا فافعلوا. قدم كرسي يا ~~غلام.» # فشل الكتيبة الثانية # وأمر شبيب قائد الكتيبة الثانية «المحلل بن وائل» أن يحمل، فكان نصيبه من ~~الفشل مثل ما مني به سلفه. # فشل الكتيبة الثالثة # فلما رأى شبيب فشل سابقيه حمل على أعدائه في كتيبته فثبتوا له حتى إذا غشي ~~أطراف الرماح وثبوا في وجهه فقاتلهم طويلا، ثم إن أهل الشام طعنوه قدما حتى ~~ألحقوه بأصحابه. # الهزيمة الشاملة # فلما رأى شبيب هذا الفشل قال لأصحابه: «إنما شرينا الله، ومن شرى الله لم يكن ~~يكبر عليه ما أصابه من الأذى والألم في جنب الله. الصبر الصبر، شدة كشداتكم في ~~مواطنكم الكريمة.» # ثم جمع أصحابه فلما ظن الحجاج أنه حامل عليهم قال لأصحابه: «يا أهل السمع ~~والطاعة، اصبروا لهذه الشدة الواحدة، ثم ورب السماء ما شيء دون الفتح.» فجثوا ~~على الركب، وحمل شبيب - بجميع أصحابه - فلما غشيهم نادى الحجاج بجماعة الناس ~~فوثبوا في وجهه، فما زالوا يطعنون ويضربون وهم مستميتون في القتال. # قالوا: وخرج «خالد بن عتاب بن ورقاء» الذي وتره شبيب، فسار في عصابة من أهل ~~الكوفة حتى دخل عسكرهم من ورائهم فقتل «مصادا» أخا شبيب وقتلت غزالة امرأته ~~وحرق خالد في عسكر شبيب. # فكبر الحجاج وأصحابه تكبيرة واحدة، وفت في أعضاد شبيب وأصحابه وقال الحجاج ~~لأهل الشام: «شدوا عليهم فإنهم قد أتاهم ما أرعب قلوبهم.» فشدوا عليهم ~~فهزموهم. # قالوا: ثم إن الحجاج دخل الكوفة حين انهزم شبيب ثم صعد المنبر فقال: «والله ~~ما قوتل شبيب قط قبلها مثلها! ولي - الله - هاربا وترك امرأته يكسر في استها ~~القصب!» ~~(2-15) المعركة الأخيرة # ذهب شبيب إلى الأهواز ثم إلى فارس ثم ارتفع إلى كرمان، وكان الحجاج قد أمر سفيان ~~بن الأبرد أن يسير إليه فلحقه بالأهواز بجسر دجيل، وانضم إليه زياد بن عمر العتكي ~~في أربعة آلاف. # ثم نشبت المعركة عنيفة وأظهر فيها شبيب من ضروب البسالة ms43 والإقدام والافتنان في ~~الحرب ما بهر أعداءه وحير ألبابهم. قال السكسكي: «فلما رأى سفيان أنه لا يقدر عليهم ~~ولا يأمن - مع ذلك - ظفرهم، دعا الرماة فقال: «ارشقوهم بالنبل.» وذلك عند المساء - ~~وكان التقاؤهم نصف النهار - فرماهم حينئذ أصحاب النبل بالنبل. فلما رشقوهم بالنبل ~~ساعة شدوا عليهم. فلما شدوا على رماتنا شددنا عليهم فشغلناهم عنهم. فكر شبيب ~~وأصحابه على أصحاب النبل كرة صرع منهم أكثر من ثلاثين رجلا. ثم عطف بخيله علينا ~~فطاعناه حتى أتى المساء ثم انصرف عنا. فقال سفيان لأصحابه: «أيها الناس دعوهم لا ~~تتبعوهم حتى نصبحهم غدوة.» فكففنا عنهم وليس شيء أحب إلينا من أن ينصرفوا ~~عنا.» # فانظر إلى عبارة السكسكي الأخيرة التي تعبر عن شعور الجيش كله وبغضه قتال شبيب ~~وأصحابه! ~~••• # ولما انتهت المعركة أمر «شبيب» أصحابه أن يعبروا جسر «دجيل» حتى إذا أصبحوا ~~باكروا أعداءهم، فعبروا أمامه وتخلف في آخرهم. ~~(2-16) كيف صرع شبيب # قالوا: فأقبل شبيب على فرسه، وكانت بين يديه فرس أنثى فنزا عليها فرسه وهو على ~~الجسر فاضطربت أمامه ونزل حافر فرسه على حرف السفينة فسقط في الماء وسقط معه شبيب - ~~وهو مثقل بالحديد من درع ومغفر وغيرهما - فقال: # ليقضي ~~الله أمرا كان مفعولا ~~. # وارتمس في الماء ثم ارتفع، فقال له بعض أصحابه وهو يغرق: «أغرقا يا أمير ~~المؤمنين؟» # فقال: # ذلك تقدير العزيز ~~العليم ~~. ~~••• # ثم غرق شبيب وتنادى أصحابه: «غرق أمير المؤمنين.» وانصرفوا راجعين وتركوا عسكرهم ~~ليس فيه أحد. # قالوا: «فكبر سفيان وأصحابه، ولما أصبح الصبح طلبوا شبيبا حتى استخرجوه.» ~~(2-17) أمثلة من شجاعة شبيب # قال شبيب: قتلت أمس «من الأعداء» رجلين، أحدهما أجبن الناس والآخر أشجع ~~الناس. # خرجت - عشية أمس - طليعة لكم، فلقيت ثلاثة نفر دخلوا قرية يشترون منها حوائجكم. ~~فاشترى أحدهما حاجته ثم خرج قبل أصحابه - وخرجت معه - فقال: «كأنك لم تشتر ~~علفا؟» # فقلت: «إن لي رفقاء قد كفوني ذلك.» # ثم قلت له: «أين ترى عدونا هذا نزل؟» # قال: «بلغني أنه نزل منا قريبا، وايم الله لوددت أني قد لقيت شبيبهم ms44 ~~هذا.» # قلت: «فتحب ذلك؟» # قال: «نعم.» # قلت: «فخذ حذرك، فأنا والله شبيب.» # وانتضيت سيفي، فخر - والله - ميتا. فقلت له: «ارتفع ويحك!» # وذهبت أنظر، فإذا هو قد مات، فانصرفت راجعا. ~~••• # ولقيت الآخر خارجا من القرية فقال: «أين تذهب هذه الساعة، وإنما يرجع الناس إلى ~~عسكرهم؟» # فلم أكلمه، ومضيت يقرب بي فرسي، واتبعني حتى لحقني ، فقطعت عليه، فقلت له: «ما ~~لك؟» # فقال: «أنت والله من عدونا!» # فقلت: «أجل والله!» # فقال: «والله لا تبرح حتى تقتلني أو أقتلك!» # فحملت عليه وحمل علي، فاضطربنا يسيفنا ساعة فوالله ما فضلته - في شدة نفس ولا ~~إقدام - إلا أن سيفي كان أقطع من سيفه فقتلته. ا.ه. ~~••• # وما نحسب القارئ في حاجة إلى أن نسهب في التعليق على هذا الخبر، فهو وحده غني عن ~~كل تعليق. # فقد كان اسم شبيب وحده كافيا للقضاء على فارس محارب، وما نظن الفارس الآخر الذي ~~وصفه شبيب بالشجاعة كان يستطيع أن يثبت أمامه لو علم أنه يواجه شبيبا الذي كان ~~يكفي اسمه في ترويع الجيوش الجرارة وهزيمتهم - بالغا ما بلغ عددهم - وقد بغت ~~الفارس الأول حين علم أن مخاطبه هو شبيب الذي هزم الجيوش وقتل أفذاذ القواد وأذكى ~~الرعب في كل نفس، وأقلق بال الحجاج وذعره وأقض عليه مضجعه، والحجاج - هو من يعرف ~~القارئ - جبار العراق ومدوخ جبابرته وثائريه. # وما نحسب الحجاج كان قادرا على هزيمة شبيب لو لم يستعن بجند الشام الذي لم تروعه ~~فتكات شبيب وشداته العنيفة التي روعت جيوش الكوفة وخلعت قلوبهم، فأصبحوا يلقونه ~~كارهين وكأنهم يلقون الموت أمامهم، وصاروا لا يثبتون أمامه إلا ريثما يلوذون بأكناف ~~الفرار. # وما كان الحجاج يخرج لمحاربة شبيب إلا محرجا مضطرا. وقد رأى الحجاج مجده ~~يترجح في كفة الأقدار، وأحس أن هزيمته أمام شبيب معناها اندحاره وضياع هيبته؛ ~~فألهب قلوب الجند حماسة ولم يدخر وسيلة من وسائل التشجيع واستثارة الحمية والنخوة ~~إلا سلكها، وقد أعانه خالد بن عتاب الذي قتل شبيب أباه «عتاب بن ورقاء» البطل الكمي ~~المنقطع النظير، فقد قتل خالد أخا ms45 شبيب وزوجه أثناء اشتغال شبيب بمحاربة الحجاج ~~وجيشه، ففت ذلك في عضد شبيب، وكان من أسباب هزيمته. # على أن الحجاج لم يستطع أن يظهر مكانه أمام شبيب، فتوارى عن عينه وأجلس مكانه ~~فارسا آخر، لم يفت شبيبا أن يضربه بعمود من الحديد فيقتله، ظانا أنه إنما يقتل ~~الحجاج. # فلما انهزم جيش شبيب لم يعبأ شبيب بشيء، بل خرج شبيب وتبعه خيل الحجاج وهو لا ~~يكترث بهم. # قال أحد أصحابه: فجعل شبيب يخفق برأسه، فقلت له: «يا أمير المؤمنين، التفت فانظر ~~من خلفك!» فالتفت شبيب غير مكترث، ثم أكب يخفق برأسه، ودنوا منا، فقلنا: «يا أمير ~~المؤمنين قد دنوا منك.» # فالتفت - والله - غير مكترث ثم جعل يخفق برأسه. # وقد هابه جند الأعداء فلم يجرأ على قتله أحد منهم - والفرصة سانحة تناديهم - وهم ~~يتهيبون الدنو منه، فلما أفلتت منهم الفرصة راحوا يتعقبونه بعد فوات ~~الوقت. ~~••• # وانظر إلى ابن الأشعث يسأله شبيب أن يوادعه في أيام العيد «فلا يكون شيء أحب إلى ~~عبد الرحمن من المطاولة والموادعة» كما يقولون. # ويشتبك شبيب - ومعه ثلاثون شخصا - مع جيش كبير جدا فيصمد صمود الأبطال حتى ~~يضطر قائد الجيش إلى أن يقول: «لو كان هؤلاء الخوارج يزيدون على مائة رجل ~~لأهلكونا.» ~~••• # وقد رأى القارئ كيف كان اسم شبيب وحده كافيا في ذعر الجيش الكثير العدد، وكيف ~~كان عتاب بن ورقاء يحمس جيشه ويستنفرهم لمهاجمة شبيب، ويبذل جهده في إلهاب قلوبهم، ~~فلا يصل إلى ذلك، ولا يرى أمامه إلا خورا أو هلعا من لقاء شبيب. # ينادي: أين القصاص، فلا يجيبه أحد، وينادي: أين من يروي شعر عنترة؟ «فلا والله ما ~~يرد عليه إنسان كلمة.» فيعلم عتاب أنهم خاذلوه ويفت ذلك في عضده وهو البطل الكمي ~~العظيم الخطر. ~~••• # ومن الأمثلة الدالة على حزم شبيب تظاهره بالزهد في المال؛ خوفا على الجند أن ~~يفتتنوا به فيعوقهم ذلك عن الاستماتة في الجهاد. # قالوا: إن شبيب حين وجه من يأتيه برأس عامل «سورا» جاءوا برأسه فقال لهم شبيب: ~~«ماذا أتيتمونا به؟» # فقالوا: ms46 «جئناك برأس الفاسق وما وجدنا من مال.» والمال على دابة في بدوره، فقال ~~شبيب: «أتيتمونا بفتنة المسلمين! هلم الحربة يا غلام فخرق بها البدر.» # قالوا: وأمر فنخس بالدابة والمال يتناثر من بدوره حتى وردت «الصراة». # فقال: «إن كان بقي شيء فاقذفه في الماء.» # لقد خشي شبيب أن يشتغل أصحابه بالمال فيفتنوا به وينسوا واجبهم الأول الذي ~~يستميتون في سبيل تحقيقه. # وقد أذاع العامة كثيرا من المزاعم التي لا تخفى دلالتها على تهيبهم له وإكبارهم ~~لشجاعته الخارقة إكبارا جعلهم يفتتنون في نسبه المعجزات إليه. والعامة لا يكادون ~~يتمثلون المزايا المعنوية إلا في قالب مادي ملموس. لذلك راحوا يروجون أن شبيبا حين ~~أخرج من الماء وشق بطنه وأخرج قلبه وجدوه مجتمعا صلبا كأنه صخرة، وأنه كان يضرب ~~به الأرض فيثب قامة إنسان؛ لأن العامة لم يستطيعوا أن يتصوروا مثل هذه الشجاعة ~~الخارقة التي امتاز بها شبيب في قلب كقلب الأناسي. # ولو أن شبيبا لم يمت غرقا ولو أنه كان من أنصار الخليفة لكان للتاريخ شأن آخر - ~~في كلتا الحالتين - وإن كان في إحداهما يناقض الأخرى مناقضة تامة. ~~••• # ولقد نعي شبيب لأمه فلم تصدق، وكانوا يقولون لها «قتل شبيب» فلا تقبل. # فلما قيل لها: إنه غرق صدقت كلامهم وقالت: «أما الآن فقد صدقت ما تقولون.» # ثم قصت عليهم حلما كانت رأته حين ولدته، فقد رأت أنه خرج قبيلها شهاب نار ثاقب ~~ما زال حتى بلغ السماء وبلغ الآفاق كلها. # قالت أم شبيب: «فبينما هو كذلك إذ وقع في ماء كثير حار فخبا.» # 7 # فإذا صحت هذه الرواية فإن هذه الرؤيا تعد من أصدق الأحلام، وربما كانت من أسباب ~~هذا الإقدام العجيب الذي عرفناه من شبيب في الحروب وتلك الثقة المدهشة التي امتلأ ~~بها قلبه، وربما كانت هذه الرؤيا أيضا سببا في استسلامه للموت غرقا، ذلك ~~الاستسلام الذي نراه في قوله حين صاح به أحد أتباعه، وهو يغرق: «أغرقا يا أمير ~~المؤمنين؟» # فقال شبيب مستسلما: «ذلك تقدير العزيز العليم!» # وهكذا طويت صفحة خالدة من ms47 صفحات البطولة والإقدام، وانتهت حياة طالما هزئت بالموت ~~وروعت الجيوش ودوخت الأبطال. ~~(3) مصرع قطري بن الفجاءة # كيف صرع # ورأى علج من أهل البلد «قطريا» حين تدهدى من الشعب، فقال له قطري: «اسقني من ~~الماء!» وكان قد اشتد به العطش، فقال له: «أعطني شيئا حتى أسقيك.» فقال: «ويحك، ~~والله ما معي إلا ما ترى من سلاحي، فأنا مؤتيكه إذا أتيتني بماء.» قال: «لا، بل ~~أعطنيه الآن.» # قال: «لا، ولكن ائتني بماء.» # فانطلق العلج حتى أشرف على قطري، ثم حدر عليه حجرا عظيما من فوقه دهدأه عليه ~~فأصاب إحدى وركيه فأوهنته، وصاح بالناس فأقبلوا نحوه - والعلج حينئذ لا يعرف ~~قطريا غير أنه يظن أنه من أشرافهم لحسن هيئته وكمال سلاحه - فدفع إليه نفر من أهل ~~الكوفة فابتدروه فقتلوه وأتوا برأسه إلى الحجاج. # مقدمات المصرع # لما تشتت شمل الأزارقة بسبب الخلاف الذي دب بينهم بعد حروبهم الطويلة مع المهلب ~~انضم بعض الأزارقة إلى قطري بن الفجاءة وانضم آخرون إلى عبد ربه الكبير. # 8 # قالوا وتوجه قطري يريد «طبرستان» وبلغ أمره الحجاج، فوجه إليه سفيان بن الأبرد ~~ومعه جيش كبير من أهل الشام حتى لحقه في شعب من شعاب طبرستان، فقاتلوه قتالا شديدا ~~انتهى بتفرق أصحاب قطري عنه، قالوا: ووقع عن دابته في أسفل الشعب فتدهدى حتى خر إلى ~~أسفله، فقال معاوية بن محصن الكندي: «رأيته حيث هوى ولم أعرفه، ونظرت إلى خمس عشرة ~~امرأة عربية هن في الجمال وحسن الهيئة كما شاء ربك، ما عدا عجوزا فيهن، فصرفتهن ~~إلى سفيان بن الأبرد، فلما دنوت بهن منه انتحت لي بسيفها العجوز فضربت به عنقي ~~فقطعت المغفر وقطعت جلده من حلقي، فضربتها بالسيف فأصاب قحف رأسها فوقعت ميتة، ~~وأقبلت بالفتيات حتى دفعتهن إلى سفيان، وإنه ليضحك من العجوز وقال: ما أرادت أخزاها ~~الله؟ فقلت: أوما رأيت أصلحك الله ضربتها إياي؟ والله إن كادت لتقتلني! قال: قد ~~رأيت، فوالله ما ألومك على فعلك. قال: ورأيت قطريا حيث تتهدى من الشعب، وقد جاءه ~~علج من أهل البلد، ms48 فقال له قطري: «اسقني ماء!» وقد كان اشتد عطشه فقال: «أعطني ~~شيئا حتى أسقيك.» فقال: «ويحك والله ما معي إلا ما ترى من سلاحي، فأنا مؤتيكه إذا ~~أتيتني بماء.» قال: لا، بل أعطنيه الآن.» قال: «لا، ولكن ائتني بماء قبل.» فانطلق ~~العلج حتى أشرف على قطري ثم حدر عليه حجرا عظيما من فوقه دهدأه عليه، فأصاب ~~إحدى وركيه فأوهنته، وصاح بالناس فأقبلوا نحوه، والعلج حينئذ لا يعرف قطريا، غير ~~أنه يظن أنه من أشرافهم لحسن هيئته وكمال سلاحه، فدفع إليه نفر من أهل الكوفة ~~فابتدروه فقتلوه. # أسباب الخلاف # قلنا في مقدمة مصرع قطري: إن الخلاف قد وقع بين الأزارقة، فانضم قوم إليه، وانضم ~~آخرون إلى عبد ربه الكبير، فما سبب هذا الخلاف؟ # قالوا: إن المهلب بعد قتاله الطويل مع الخوارج من غير أن ينال منهم أو ينالوا منه ~~قتل عاملا لقطري على ناحية من كرمان يقال له: «المقعطر الضبي»، رجلا من الخوارج ~~كان ذا بأس وكان كريما عليهم، فجاءوا إلى قطري يسألونه أن يسلم إليهم الضبي ~~ليقتلوه فأبى، فأنكروا عليه ذلك، وكان رجل من الأزارقة حداد يسمى أبزي يعمل لهم ~~نصالا مسمومة فيرمون بها أصحاب المهلب، فشكوا إليه ذلك، فقال لهم: سأكفيكموه إن ~~شاء الله، ثم وجه رجلا من أصحابه إلى أبزي بألف درهم ومعه كتاب نصه بعد الديباجة: ~~أما بعد، فإن نصالك قد وصلت إلي وقد وجهت إليك بألف درهم فاقبضها. وقال للرجل: «ألق ~~هذا الكتاب والدراهم في عسكر قطري واحذر على نفسك.» فوقع الكتاب والدراهم إلى قطري ~~فدعا بأبزي فقال: «ما هذا الكتاب؟» # قال: لا أدري. قال: فهذه الدراهم؟ قال: ما أعلم علمها. فأمر به فقتل، فجاء عبد ~~ربه الكبير فقال له: أقتلت رجلا على غير ثقة ولا تبين؟ فقال له: ما حال هذه ~~الدراهم؟ قال: يجوز أن يكون أمرها كذبا، ويجوز أن يكون حقا. فقال له قطري: قتل ~~رجل في صلاح الناس غير منكر وللإمام أن يحكم بما يراه صلاحا، وليس للرعية أن تعترض ~~عليه. فتنكر له ms49 عبد ربه وجماعته ولكنهم لم يفارقوه. # فلما بلغ ذلك المهلب دس إلى قطري رجلا نصرانيا، وقال له: إذا رأيته فاسجد له ~~فإذا نهاك فقل: إنما سجدت لك. ففعل النصراني ذلك، فقال قطري: إنما السجود لله! ~~فقال: ما سجدت إلا لك. فقال له رجل من الخوارج: قد عبدك من دون الله وتلا قوله ~~تعالى: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب ~~جهنم أنتم لها واردون ~~. فقال قطري: إن النصارى قد عبدوا ~~عيسى بن مريم فما ضر ذلك عيسى شيئا. فقام رجل من الخوارج إلى النصراني فقتله، ~~فأنكر قطري عليه ذلك وقال: أقتلت ذميا؟ فكان ذلك مما قوى الاختلاف بين الخوارج، ~~وبلغ المهلب فوجه إليهم رجلا يسألهم عن رجلين خرجا مهاجرين إليهم، فمات أحدهما في ~~الطريق ووصل إليهم الآخر، فامتحنوه في عقيدتهم فلم يؤمن بها فقتلوه، فقال بعضهم: ~~أما الميت فمؤمن من أهل الجنة وأما الآخر فكافر. وقال آخرون: بل هما كافران. فاشتد ~~الخلاف بينهم، فثاروا على قطري وخلعوه وولوا عليهم عبد ربه الكبير، وبقي مع قطري ~~عصابة قليلة منهم ووقع القتال بينهم نحو شهر. # حزم المهلب # ولما علم المهلب خبر تفرقهم كف عن محاربتهم وألح عليه الحجاج في كتبه أن يناهضهم، ~~ولكن المهلب لجأ إلى الحزم والحكمة، ورد على الحجاج بقوله: إن الرأي أن نتركهم يقتل ~~بعضهم بعضا، فإن في ذلك هلاكهم أو إضعافهم، وليس من الرأي أن نناهضهم لئلا يتفقوا ~~علينا. # ولما اشتد إلحاح الحجاج على المهلب أعاد الكرة عليهم ثم حاربهم حتى قهرهم فاختلفت ~~كلمتهم مرة أخرى. # سبب الخلاف # قالوا: وكان سبب خلافهم أن عبيدة بن هلال كان يختلف إلى امرأة رجل حداد في بيته ~~ويدخل عليها بغير إذن، فشكوه إلى قطري فقال لهم: إن عبيدة من الدين بحيث علمتم ومن ~~الجهاد بحيث رأيتم. فقالوا: إنا لا نقاره على الفاحشة. فبعث إليه قطري فقام فيهم ~~وقال: بسم الله الرحمن الرحيم # إن الذين جاءوا ~~بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير ~~لكم ~~. فبكوا واعتنقوه وقالوا: استغفر لنا. ms50 فقال لهم عبد ربه الكبير: ~~لقد خدعكم. فرجعوا إلى اعتقادهم الأول، ولكنهم لم يجدوا سبيلا إلى إقامة الحد ~~عليه، وكان قطري قد استعمل رجلا من الدهاقين، فظهرت له أحوال كثيرة، فقالوا لقطري: ~~إن عمر بن الخطاب لم يكن يقار عماله على مثل هذا. فقال قطري: إني استعملته وله ضياع ~~وتجارات. فأوغر ذلك صدورهم وقالوا له: ألا تخرج بنا إلى عدونا؟ فقال: لا، ثم خرج. ~~فقالوا: كذب وارتد. فاتبعوه يوما فأحس بالشر منهم فدخل دارا مع جماعة من أصحابه، ~~فصاحوا به: يا دابة اخرج إلينا. فخرج إليهم وقال: رجعتم بعدي كفارا؟ فقالوا: أما ~~أنت فإنك دابة. قال الله تعالى: # وما من دابة في ~~الأرض إلا على الله رزقها # وأما نحن فلسنا كفارا، فأنت ~~كافر بتفكيرك إيانا. فقال له بعض أصحابه: قل لهم إني استفهمت ولم أخبر. فقبلوه منه، ~~ولما رأى منهم هذا التغير بايع المقعطر العبدي، فكرهت الخوارج ذلك وسألوه إعفاءهم ~~من مبايعة المقعطر فأبى، فاختلفوا وتهايجوا، وحمل فتى من العرب على صالح بن مخراق ~~فقتله، ثم اقتتلوا فيما بينهم قتالا شديدا، وارتحل قطري مع أتباعه إلى ~~طبرستان. # وجلس المهلب للناس بعد ارتحال قطري فدخل إليه وجوههم. ~~••• # ولعل القارئ يرى من هذه الأمثلة ولع الخوارج بالتمسك بالمجادلات اللفظية الفارغة، ~~والجدال فيما لا طائل تحته، وهذه ظاهرة تبدو لكل من يقرأ تاريخ الخوارج، وحسبك أن ~~تعلم كيف خرجوا على علي بن أبي طالب متمحلين أوهى الأسباب، ثم تتبع منازعتهم فيما ~~بعد، وكيف كانوا يثيرون مسألة عرضية فارغة، فتثور معها حروب طاحنة تطيح فيها الرءوس ~~وتزهق النفوس، وإن الباحث ليحار في التوفيق بين براعة هؤلاء الرجال وتفوقهم في ~~أساليب الحرب والدين معا، وبين ما يتمسكون به من سفساف الأمور وما يرتكبونه من ~~الأخطاء التي لا يقع فيها الأطفال، على أن حل هذه المشكلة وذلك التناقض في نظرنا ~~يسير، إذا أعملنا الرؤية واصطنعنا الأناة والفكر؛ فقد كان زعماء الخوارج - ويجب أن ~~نفرق بين زعماء الخوارج وجمهرتهم - ذوي أغراض سياسية بعيدة ومطامح جريئة لا تقل ms51 عن ~~التفرد بالملك والاستئثار بالأمر، وكانوا خطباء مهرة يلهبون الحماسة في نفوس ~~أصحابهم إلهابا، ويدفعونهم باسم الورع والصلاح ونصرة الدين وقهر أعدائه الألداء ~~وإقامة حدود الله، فتنخدع الجمهرة وتقدم - بما فيها من شجاعة وقوة وتفان في نصرة ~~العقيدة - إلى اقتحام الموت، ويندفع سادتهم وأشرافهم، بما في نفوسهم من مطامح بعيدة ~~المدى وآمال كبار في تحقيق مآربهم الجريئة، بحماسة زائدة إلى خوض غمار الحروب ~~واقتحام الصفوف والاستهانة بالموت حتى لتقول إحدى نسائهم وهي تخوض الحرب: # 9 # أحمل رأسا قد مللت حمله # وقد مللت دهنه وغسله # ألا فتى يحمل عني ثقله # وكان يكفي زعيم الخوارج أو المتطلع للزعامة أن يثير مشكلة دينية لفظية فارغة؛ ~~لينتقم من زعيم آخر، فينزله من زعامته ويسقط مكانته الدينية ليحل مكانه ويتولى ~~الزعامة بعده، ولولا هذه الخلافات ما علم إلا الله وحده كيف كانت تكون عاقبة ~~أمرهم. ~~••• # وما نحسب أن ثورة زعماء الخوارج على علي بن أبي طالب إلا تطلعا للملك وتمحلا ~~لأسباب الكيد من قريش حسدا وغيرة لما نالته قريش من السلطان والرفعة، فقد طالما ~~حاول الخوارج أن يجدوا فرصة يتحينونها لإشباع رغباتهم ومطامعهم حتى أتيحت لهم فرصة ~~التحكيم فانتهزوها للانشقاق والفتنة. ~~••• # ولولا ما سلكه المهلب بن أبي صفرة من ضروب الشجاعة والحزم مع ما وهبه من خبرة ~~بالحرب وبعد نظر، لاستفحل أمر الخوارج استفحالا ما كان أجدره أن يغير وجه ~~التاريخ. # وفي يقيننا أن المهلب لو كان خارجيا كشبيب، أو لو كان شبيب من أنصار بني أمية ~~كالمهلب، لكان لحوادث التاريخ مجرى يخالف كل المخالفة ما وقع، وليس في قدرتنا في ~~هذه الكلمات الموجزة أن نوضح ما امتاز به المهلب من المزايا الباهرة وما أبلاه في ~~حروب الخوارج من البلاء الحسن؛ فإن هذا يخرج بنا عن موضوع الكتاب، وما أجدر المهلب ~~بسفر مطول يتناول فيه المؤرخ شخصيته العظيمة وتاريخه المجيد، وحسبنا أن نختم هذا ~~الفصل بوصف أحد الشعراء المجيدين المهلب بعد انتصاره على الخوارج في قصيدة طويلة ~~نجتزئ منها بقوله: # أمسى العباد بشر لا غياث ms52 لهم # إلا المهلب - بعد الله - والمطر # كلاهما طيب ترجى نوافله # مبارك سيبه يرجى وينتظر # هذا يذود ويحمي عن ذمارهم # وذا يعيش به الأنعام والشجر # واستسلم الناس إذ حل العدو بهم # فلا ربيعتهم ترجى ولا مضر # وأنت رأس لأهل الدين منتخب # والرأس فيه يكون السمع والبصر # إن المهلب في الأيام فضله # على منازل أقوام إذا ذكروا # حزم وجود وأيام له سلفت # فيها يعد جسيم الأمر والخطر # ماض على الهول ما ينفك مرتحلا # أسباب معضلة يعيا بها البشر # شهاب حرب إذا حلت بساحته # يخزي به الله أقواما إذا عذروا # تزيده الحرب والأهوال إن حضرت # حزما وعزما ويجلو وجهه السفر # ما إن يزال على أرجاء مظلمة # لولا يكفكفها عن مصرهم دحروا # سهل إليهم حليم عن مجاهلهم # كأنما بينهم عثمان أو عمر # كهف يلوذون من ذل الحياة به # إذا تكنفهم من هولها ضرر # أمن لخائفهم فيض لسائلهم # ينتاب نائله البادون الحضر # | هوامش # | مصرع عبد الرحمن بن الأشعث # (1) كيف صرع # وما زال في سيره هاربا حتى لحق بخراسان، ورجا في لحوقه بها النجاة من الحجاج والحذر ~~لنفسه، ولم يشعر بالخيل التي في طلبه حتى غشيته، فلم تزل تطلبه من موضع إلى موضع حتى ~~استغاث بقصر منيف، فحصره ابن عم الحجاج فيه، وأحاطت به الخيل من كل جانب حتى ضيق عليه، ~~ودعا بالنار ليحرقه في القصر، فلما رأى ابن الأشعث أنه لا محيص له ولا ملجأ وخاف النار ~~رمى بنفسه من أعلى القصر، وطمع أن يسلم ولا يشعر به، فيدخل في غمار الناس فيخفى أمره ~~ويكتم خبره، فسقط فانكسرت ساقه وانخذل ظهره ووقع مغشيا عليه، فشعر به أصحاب الحجاج ~~فأخذوه - وقد أفاق بعض الإفاقة ولا يقدر على النهوض - فأتوا به إلى ابن عم الحجاج، فلما ~~رآه بتلك الحال أيقن أنه لا يقدر أن يبلغ الحجاج حتى يموت، فأمر به فضربت رقبته وانطلق ~~برأسه إلى الحجاج. ~~(2) مقدمات المصرع # وهكذا انتهت حياة هذا الجبار المزهو الذي لم تقف أطماعه عند حد، والذي كان يأبى إلا ~~ازدراء الحجاج والتكبر ms53 عليه، ولقد حاول الحجاج أن يترضاه بكل وسيلة، واحتال على ~~استمالته إليه بألف حيلة فلم يفلح، فلم ير الحجاج أمامه إلا أن يمهد له الأسباب ليتعرف ~~حقيقه نواياه بصراحة، ويغريه بالثورة عليه فيشتبك معه في موقعة حاسمة، أو يظل بعيدا ~~عنه حتى يستريح من رؤيته ولا يضايق نفسه بما يبديه له من صلف. # ولقد أراد الحجاج أن يستعين بأسرة ابن الأشعث حين ولي العراق ليكونوا له قوة يعتز بها ~~على أعدائه، فلم يكد يقدم العراق أميرا حتى زوج ابنه محمد من ميمونة بنت محمد الأشعث ~~ليستميل بذلك أهلها وقومها إليه، وقد أفلح في ذلك، وإن أخفق في استمالة أخيها عبد ~~الرحمن بن محمد الأشعث. قالوا: وكان له أبهة في نفسه وكان جميلا بهيا منطيقا - مع ما ~~كان له من التقدم والشرف - فازدهاه ذلك كبرا وفخرا وتطاولا. وقد قربه الحجاج، وألحقه ~~بأفاضل أصحابه وخاصته وأهل سره - كما يقولون - وأجرى عليه العطايا الواسعة؛ صلة لصهره ~~وحبا لإتمام الصنيعة إليه وإلى جميع أهله، فأقام عبد الرحمن كذلك حينا مع الحجاج لا ~~يزيده الحجاج إلا إكراما ولا يظهر له إلا قبولا، وفي نفس الحجاج من عجبه ما فيها، ~~لتشمخه زاهيا بأنفة حتى إنه كان ليقول إذا ما رآه مقبلا: «أما والله يا عبد الرحمن، ~~إنك لتقبل علي بوجه فاجر وتدبر عني بقفاء غادر، وأيم الله لنبتلين حقيقة أمرك على ~~ذلك.» # قالوا: فمكث بهذا القول منه دهرا حتى إذا عيل صبر الحجاج من صلف عبد الرحمن أراد أن ~~يبتلي حقيقة ما يتفرس فيه من الغدر والفجور، وأن يبدي منه ما يكتم من غائلته، فكتب إليه ~~عهده على سجستان. # وإنما أراد الحجاج بذلك أن يمهد له سبيل الثورة حتى يحسم أمره، وقد أدركت أسرة ابن ~~الأشعث ما يريده الحجاج، وذعرت من ذلك أشد الذعر، فتوسلوا إلى الحجاج أن يرجع عن عزمه ~~فلم يقبل، فقالوا له: «أصلح الله الأمير، إنا أعلم بك منك فإنك به غير عالم ولقد أدبته ~~بكل أدب، فأبى أن ينتهي عن عجبه بنفسه، ms54 ونحن نتخوف أن يفتق فتقا أو يحدث حدثا يصيبنا ~~فيه منك ما يسوءنا.» # فقال لهم الحجاج: «القول كما قلتم والرأي كالذي رأيتم، ولقد استعملته - على بصيرة - ~~فإن يستقم فلنفسه نظر.» # وقد صدق رأي الحجاج فيه، فقد توجه ابن الأشعث وهو مصر على الغدر. # رسالة الخلع # ولم يكد يمر عليه عام حتى بعث إلى الحجاج برسالة يخلع بها طاعته ويقول ~~فيها: # 1 # سلام على أهل طاعة الله وأوليائه الذين يحكمون بعدله ويوفون بعهده ~~ويجاهدون في سبيله ويتورعون لذكره ولا يسفكون دما حراما، ولا يعطلون للرب ~~أحكاما ... # إلى أن يقول: # إن الله أنهضني لمصاولتك وبعثني لمناضلتك حين تحيرت أمورك وتهتك ستورك ~~فأصبحت عريان حيران مهينا لا توافق وفقا ولا ترافق رفقا ولا تلازم ~~صدقا، أؤمل من الله الذي ألهمني ذلك أن يصيرك في حبالك وأن يجيء بك في ~~القرن ويسحبك للذقن، وينصف منك من لم تنصفه من نفسك ويكون هلاكك بيد من ~~اتهمته وعاديته، فلعمري لقد طال ما تطاولت وتمكنت ... إلخ. # وهكذا بدأت الحرب بين ابن الأشعث والحجاج. # ولقد حاول «سعيد بن جبير» أن يرد ابن الأشعث وأصحابه عن عزيمته الجريئة فلم ~~يستطع، فقال لهم: «إن الخلع فيه الفتنة والفتنة فيها سفك الدماء واستباحة الحرم ~~وذهاب الدين والدنيا.» # فقالوا له: «إنه الحجاج وقد فعل ما فعل!» # قالوا: «وما زالوا يذكرون له من مساوئ الحجاج حتى صار معهم وهو كاره.» ~~••• # قالوا وبعث الحجاج «الغضبان الشيباني» ليأتيه بخبر «ابن الأشعث» فتوجه الغضبان ~~إليه وأفضى إليه بسره، وقال له: تغد الحجاج قبل أن يتعشاك. # 2 # وقد عرف الحجاج ما قاله الغضبان فسجنه # 3 # مدة طويلة ثم أطلق سراحه فيما بعد. ~~(3) بين الحجاج وابن الأشعث # وكان الحجاج وليس بالعراق رجل أبغض إليه من عبد الرحمن بن الأشعث، وكان يقول: ما ~~رأيته قط إلا أردت قتله. # 4 # المؤرخون # أعد الحجاج جيوشه لمحاربة ابن الأشعث، فجعل ابن الأشعث لا يلقى خيلا إلا هزمها، ~~قالوا: وعلم المهلب بشقاق عبد الرحمن فكتب إليه: ~~(3-1) كتاب المهلب إلى عبد الرحمن # أما ms55 بعد، فإنك وضعت رجلك يا ابن محمد في غرر طويل الغي على أمة محمد # صلى الله عليه وسلم # الله الله فانظر لنفسك فلا تهلكها، ودماء المسلمين فلا تسفكها، والجماعة فلا ~~تغرقها، والبيعة فلا تنكثها، فإن قلت أخاف الناس على نفسي فالله أحق أن تخافه ~~عليها من الناس، فلا تعرضها لله في سفك دم ولا استحلال محرم والسلام. ~~(3-2) كتاب المهلب إلى الحجاج # وكتب المهلب إلى الحجاج: # أما بعد، فإن أهل العراق قد أقبلوا إليك وهم مثل السيل المنحدر من عل، ~~ليس شيء يرده حتى ينتهي إلى قراره، وإن لأهل العراق شرة في أول مخرجهم ~~وصبابة إلى أبنائهم ونسائهم، فليس شيء يردهم حتى يسقطوا إلى أهليهم ويشموا ~~أولادهم ثم واقفهم عندها، فإن الله ناصرك عليهم إن شاء الله. # ولكن حقد الحجاج على عبد الرحمن وغيظه منه كان قد بلغا أقصى مدى، فأعمياه عن سماع ~~هذه النصيحة الحكيمة، كما أعميا خصمه عبد الرحمن عن الرجوع إلى سبيل الرشد، فكانت ~~الحرب الهوجاء الطاحنة التي كادت تعصف بالحجاج فتهلكه، ثم دار القدر دورة أخرى في ~~الساعة الحاسمة فانهزم عبد الرحمن وغنم الحجاج الفوز في ساعة اليأس المميت. # ولقد استهان الحجاج برأي المهلب وظنه يخدعه، فقال بعد قراءته: «فعل الله به وفعل، ~~لا والله ما لي نظر، ولكن لابن عمه نصح.» # والحق أن المهلب قد نصح ابن عمه كما نصح الحجاج، وكان بعيد النظر سديد الرأي موفق ~~التدبير، وقد ظهر للحجاج بعد نظر المهلب وصدق رأيه حين هزمه ابن الأشعث فقال: «لله ~~أبوه، أي صاحب حرب هو! أشار علينا بالرأي ولكن لم نقبل.» # ولقد امتلأ ابن الأشعث غرورا بعد هزيمة الحجاج، وظهرت مطامعه الجريئة واضحة في ~~قوله وهو يخطب أصحابه: «أما الحجاج فليس بشيء، ولكنا نريد غزو عبد الملك.» ~~(3-3) وقعة الزاوية # قال أبو الزبير الهمداني: كان دخول عبد الرحمن البصرة في آخر ذي الحجة، واقتتلوا ~~في المحرم من سنة 82، فتزاحفوا ذات يوم، فاشتد قتالهم، ثم إن أهل العراق هزموهم حتى ~~انتهوا إلى الحجاج وحتى ms56 قاتلوهم على خنادقهم وانهزمت عامة قريش وثقيف. # ثم إنهم تزاحفوا في المحرم في آخره - في ~~اليوم الذي هزم فيه أهل العراق أهل الشام - فنكصت ميمنتهم وميسرتهم واضطربت رماحهم ~~وتقوض صفهم حتى دنوا منا. ~~(3-4) ساعة حرجة # قال الهمداني: فلما رأى الحجاج ذلك جثا على ركبتيه وانتضى نحوا من شبر من سيفه ~~وقال: «لله در مصعب ما كان أكرمه حين نزل به ما نزل !» # فعلمت أنه والله لا يريد أن يفر، فغمزت أبي بعيني ليأذن لي فيه فأضربه بسيفي ~~فغمزني غمزة شديدة فسكنت. ~~(3-5) انتصار الحجاج # قال: وحانت مني التفاتة فإذا سفيان بن الأبرد قد حمل عليهم فهزمهم من قبل الميمنة ~~فقلت: «أبشر أيها الأمير فإن الله قد هزم العدو.» # فقال لي: «قم فانظر». فقمت فنظرت، فقلت: «قد هزمهم الله.» # قال: «قم يا زياد فانظر.» فنظر، فقال: «الحق - أصلحك الله - يقينا قد هزموا.» ~~قال: فخر الحجاج ساجدا. # فلما رجعت شتمني أبي وقال: «أردت أن تهلكني وأهل بيتي؟!» # وهكذا كسب الحجاج المعركة بعد أن تحقق خسرانها، وأدرك الفوز - وهو على حافة ~~الهلاك - وحاطته العناية والتوفيق في ساعة تشيب فيها النواصي وتنخلع القلوب. ~~(3-6) وقعة دير الجماجم # ونزل دير الجماجم، واجتمع أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الثغور وغيرهم بدير ~~الجماجم على حرب الحجاج، وجمعهم عليه بغضهم والكراهية له. # كان موقف الحجاج حرجا جدا في هذه الموقعة، فقد علم أن عبد الملك يهم بخلعه ~~وتولية غيره حتى تستتب الأمور، وقد كاد يتم خلعه، ورأى الحجاج أن خسران هذه الوقعة ~~البوار أهون منه، ففرق الأعطيات واستحث الجند وتخير للموقعة الحاسمة يوم ~~الأربعاء. # قالوا: «وهو يوم يتطير به أهل العراق؛ فلا يتناكحون ولا يسافرون فيه ولا يدخلون ~~من سفر ولا يبايعون فيه بشيء.» # وقد حمي وطيس الحرب واشتد القتال وكسرت ميسرة جيش الحجاج. # قالوا: «فحمل سفيان على جيش ابن الأشعث وهم بالميسرة مشغولون قد طمعوا فيها ~~فهزمهم وكانت الغلبة له.» # ساعة النصر # ولما انهزم ابن الأشعث دعا الحجاج بدابته فركبها - بعد سجود ودعاء وشكر - ~~وكبر الحجاج ms57 وكبر أصحابه معه تكبيرا عاليا. # قالوا: ثم انتهوا إلى ربوة فأومأ إليها ثم استقبل ناحيتهم والسيوف تأخذهم، ~~وحسر بيضته عن رأسه، فجعل يقرع رأسه بخيزران في يده وهو يتمثل بهذه ~~الأبيات: # 5 # كيف ترجون سقوطي بعدما # جلل الرأس بياض وصلع # ساء ما ظنوا وقد أريتهم # عند غايات المدى كيف أقع # رب من أنضجت غيظا قلبه # قد تمنى لي موتا لم يطع # ويراني كالشجا في حلقه # عسرا مخرجه ما ينتزع # مزيد يهدر ما لم يرني # فإذا أسمعته صوتي انقمع # ويحييني - إذا لاقيته - # وإذا يخلو له لحمي رتع # ورث البغضاء عن والده # حافظا منه الذي كان استمع # ولساني صيرفي صارم # كذباب السيف ما مس قطع # هلاك ابن الأشعث # وما زال ابن الأشعث يمعن في فراره وجيوش الحجاج تتبعه، حتى لحق بخراسان ورجا ~~في لحوقه بها النجاة من الحجاج والحذر لنفسه، ولم يشعر بالخيل التي في طلبه حتى ~~غشيته، فلم تزل تطلبه من موضع إلى موضع حتى استغاث بقصر منيف. # فحصره ابن عم الحجاج وأحاطت به الخيل من كل جانب حتى ضيق عليه. ودعا بالنار ~~ليحرقه في القصر، فلما رأى ابن الأشعث أنه لا محيص له ولا ملجأ، وخاف النار، ~~رمى بنفسه من القصر وطمع في أن يسلم ولا يشعر به فيدخل في غمار الناس، فيخفى ~~أمره ويكتم خبره، فسقط فانكسرت ساقه وانخذل ظهره ووقع مغشيا عليه. # فشعر به أصحاب الحجاج فأخذوه - وقد أفاق بعض الإفاقة - ولا يقدر على النهوض، ~~فأتوا به إلى ابن عم الحجاج، فلما رآه بتلك الحال أيقن أنه لا يقدر على أن يبلغ ~~الحجاج حتى يموت، فأمر به فضربت رقبته وانطلق برأسه إلى الحجاج. # وهكذا انتهت حياة هذا الجبار، وانقضت مطامعه الجريئة، التي لم تقف عند حد ~~الانتصار على الحجاج بعد تعدته إلى دك الرغبة في عرش الخلافة الأموية وعزل عبد ~~الملك بن مروان، ولكن: # تقفون والفلك المسخر دائب # وتقدرون فتضحك الأقدار # | هوامش # | مصرع سعيد بن جبير # بعثني الحجاج في حاجة فجيء بسعيد بن جبير # 1 # فرجعت، فقلت لأنظرن ms58 ما يصنع، فقمت على رأس الحجاج، فقال له الحجاج: يا سعيد ~~ألم أشركك في أمانتي؟ ألم أستعملك؟ ألم أفعل حتى ظننت أنه يخلي سبيله. # قال: بلى قال: فما حملك على خروجك علي؟ # قال: عزم علي. # فطار غضبا وقال: هل رأيت لعزمة عدو الرحمن عليك حقا، ولم تر لله ولا لأمير ~~المؤمنين ولا لي عليك حقا؛ اضربوا عنقه. فضربت عنقه. # الفضل بن سويد # سبب قتله # قلنا - في الكلام على مصرع عبد الرحمن بن الأشعث - إن سعيد بن جبير ناصره وخلع معه ~~طاعة الحجاج، بعد أن فشل في إقناع ابن الأشعث بالرجوع عن عزمه، وكأنما كان ابن ربيعة ~~يعنيه بقوله: # وخل كنت عين النصح منه # اذا نظرت ومستمعا سميعا # أطاف بغية فنهيت عنها # وقلت له: أرى أمرا شنيعا # أردت رشاده جهدي فلما # أبى وعصى أتيناها جميعا # فلما هزم ابن الأشعث هرب معه سعيد وظل مختفيا والحجاج يطلبه إلى سنة 94 وأخيرا مل ~~سعيد الاختفاء، بعد أن ضيق عليه الحجاج الحصار. # قال له أحد خلصائه: «إن فلانا قد أمر على مكة، وهو رجل سوء لا يؤمن، وأنا أتقيه عليك ~~فاظعن وأشخص.» # فقال له ابن جبير: «قد والله فررت حتى استحييت من الله، سيجيئني ما كتب الله ~~لي.» # وهكذا استسلم ابن جبير لقضاء الله حتى قبض عليه عامل الحجاج وبعث به إليه. # في الطريق إلى المصرع # قالوا: ولما أقبل الحرسيان بسعيد بن جبير، نزل منزلا قريبا من «الربذة» فانطلق ~~أحد الحرسيين في حاجته، وبقي الآخر. # فاستيقظ الذي عنده - وقد رأى رؤيا - فقال له: «يا سعيد أبرأ إلى الله من دمك، إني ~~رأيت في منامي، فقيل: «ويلك، تبرأ من دم سعيد بن جبير!» اذهب حيث شئت، لا أطلبك ~~أبدا.» # فقال له سعيد: «أرجو العافية وأرجو.» # وأبى حتي جاء ذاك. فنزلا من الغد، فأري مثلها فقيل: «ابرأ من دم سعيد.» # فقال: «يا سعيد، اذهب حيث شئت، إني أبرأ إلى الله من دمك.» فلم يقبل سعيد وأصر على ~~الذهاب معهما إلى الحجاج. # قال شاهد عيان: لما رأى ms59 الحجاج سعيد بن جبير أقبل عليه وقال له: «يا سعيد، ما أخرجك ~~علي؟» # فقال: «أصلح الله الأمير، إنما أنا امرؤ من المسلمين يخطئ مرة ويصيب مرة.» # فطابت نفس الحجاج وتطلق وجهه ورجا أن يتخلص من أمره. # 2 # قال: فغضب الحجاج وانتفخ حتى سقط أحد طرفي ردائه عن منكبه. # فقال: «يا سعيد ألم أقدم مكة فقتلت ابن الزبير ثم أخذت بيعة أهلها وأخذت بيعتك لأمير ~~المؤمنين عبد الملك؟» # قال: «بلى .» # قال: «ثم قدمت الكوفة واليا على العراق، فجددت لأمير المؤمنين البيعة، فأخذت بيعتك ~~له ثانية؟» # قال: «بلى.» # قال: فتنكث ببيعتين لأمير المؤمنين وتفي بواحدة للحائك بن الحاتك؟ # 3 # وهنا اهتاج الحجاج وامتلأت نفسه غيظا وحنقا فصاح قائلا: اضربوا عنقه. # حوار قصصي # وقد ذكروا حوارا ظريفا لا نشك في أن للخيال جانبا كبيرا فيه فقالوا: لما قدم سعيد ~~على الحجاج قال له: ما اسمك؟ قال سعيد. قال: ابن من؟ قال: ابن جبير. قال: بل أنت شقي ~~ابن كسير. قال سعيد: أمي أعلم باسمي واسم أبي. قال الحجاج: شقيت وشقيت أمك. قال سعيد: ~~الغيب يعلمه غيرك. قال الحجاج: لأوردنك حياض الموت. قال سعيد: أصابت إذا أمي اسمي. ~~فقال الحجاج: لأبدلنك بالدنيا نارا تلظى. قال سعيد: ولو أني أعلم أن ذلك بيدك لاتخذتك ~~إلها. قال الحجاج: فما قولك في محمد؟ قال سعيد: نبي الرحمة ورسول رب العالمين إلى ~~الناس كافة بالموعظة الحسنة. فقال الحجاج: فما قولك في الخلفاء؟ قال سعيد: لست عليهم ~~بوكيل كل امرئ بما كسب رهين. قال الحجاج: اشتمهم أم امدحهم. # قال سعيد: لا أقول ما لا أعلم إنما استحفظت أمر نفسي. قال الحجاج: أيهم أعجب إليك؟ ~~قال: حالاتهم يفضل بعضهم على بعض. قال الحجاج: صف لي قولك في علي؛ أفي الجنة هو أم في ~~النار؟ قال سعيد: لو دخلت الجنة فرأيت أهلها علمت، ولو رأيت من في النار علمت، فما ~~سؤالك عن غيب قد حفظ بالحجاب؟! قال الحجاج: فأي رجل أنا في يوم القيامة؟ فقال سعيد: أنا ~~أهون على الله من ms60 أن يطلعني على الغيب. قال الحجاج: أبيت أن تصدقني. قال سعيد: بل لم ~~أرد أن أكذبك. فقال الحجاج: فدع عنك هذا كله، أخبرني ما لك لم تضحك قط؟ قال: لم أر ~~شيئا يضحكني، وكيف يضحك مخلوق من الطين والطين تأكله النار ومنقلبه إلى الجزاء، واليوم ~~يصبح ويمسي في الابتلاء. قال الحجاج: فأنا أضحك. فقال سعيد: كذلك خلقنا الله أطوارا. ~~قال الحجاج: هل رأيت شيئا من اللهو؟ قال: لا أعلمه. فدعا الحجاج بالعود والناي قال: ~~فلما ضرب بالعود ونفخ في الناي بكى سعيد، قال الحجاج: ما يبكيك؟ قال: يا حجاج ذكرتني ~~أمرا عظيما، والله لا شبعت ولا رويت ولا اكتسيت ولا زلت حزينا لما رأيت. قال الحجاج: ~~ما كنت رأيت هذا اللهو؟! فقال سعيد: بل هذا والله الخرق، أما هذه النفخة فذكرتني يوم ~~النفخ في الصور، وأما هذا المصران فمن نفس ستحشر معك إلى الحساب، وأما هذا العود فنبت ~~بحق وقطع لغير حق، فقال الحجاج: أنا قاتلك. قال سعيد: قد فزع من تسبب موتي. قال الحجاج: ~~أنا أحب إلى الله منك. قال سعيد: لا يقدم أحد على ربه حتى يعرف منزلته منه، والله ~~بالغيب أعلم. قال الحجاج: كيف لا أقدم على ربي في مقامي هذا، وأنا مع إمام الجماعة وأنت ~~مع إمام الفرقة والفتنة؟ قال سعيد: ما أنا بخارج عن الجماعة ولا أنا براض عن الفتنة، ~~ولكن قضاء الرب نافذ لا مرد له. فقال الحجاج: كيف ترى ما نجمع لأمير المؤمنين؟ قال ~~سعيد: لم أر شيئا. فدعا الحجاج بالذهب والفضة والكسوة والجوهر فوضع بين يديه قال سعيد: ~~هذا حسن إن قمت بشرطه. قال الحجاج: وما شرطه؟ قال: أن تشتري له بما تجمع الأمن من الفزع ~~الأكبر يوم القيامة، وإلا فإن كل مرضعة تذهل عما أرضعت، ويضع كل ذي حمل حمله، ولا ينفعه ~~إلا ما طاب منه. قال الحجاج: جمعنا طيبا. قال: برأيك جمعته وأنت أعلم بطيبه. قال ~~الحجاج: أتحب أن لك منه شيئا؟ قال: لا أحب ما لا يحب الله. قال ms61 الحجاج: ويلك! قال ~~سعيد: الويل لمن زحزح عن الجنة فأدخل النار. قال الحجاج: اذهبوا به فاقتلوه. قال: إني ~~أشهدك يا حجاج أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، أستحفظكهن ~~يا حجاج حتى ألقاك. فلما أدبر ضحك قال الحجاج: ما يضحكك يا سعيد؟! قال: عجبت من جرأتك ~~على الله وحلم الله عليك. قال الحجاج: إنما أقتل من شق عصا الجماعة ومال إلى الفرقة ~~التي ينهى الله عنها. اضربوا عنقه. قال سعيد: حتى أصلي ركعتين. فاستقبل القبلة وهو ~~يقول: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين. قال ~~الحجاج: اصرفوه عن القبلة إلى قبلة النصارى الذين تفرقوا واختلفوا بغيا بينهم فإنه من ~~حزبهم. فصرف عن القبلة فقال سعيد: فأينما تولوا فثم وجه الله الكافي بالسرائر. قال ~~الحجاج: لم نوكل بالسرائر وإنما وكلنا بالظواهر. قال سعيد: اللهم لا تترك له ظلمي ~~واطلبه بدمي واجعلني آخر قتيل يقتل من أمة محمد. # فضربت عنقه ثم قال الحجاج: هاتوا من بقي من الخوارج. فقرب إليه جماعة فأمر بضرب ~~أعناقهم فقال: «ما أخاف إلا دعاء من هو في ذمة الجماعة من المظلومين، فأما أمثال هؤلاء ~~فإنهم ظالمون حين خرجوا عن جمهور المسلمين وقائد سبيل المتوسمين.» وقال قائل: إن الحجاج ~~لم يفرغ من قتله حتى خولط في عقله وجعل يصيح: قيدونا قيدونا يعني القيود التي كانت في ~~رجل سعيد بن جبير، ويقال متى كان الحجاج يسأل عن القيود ويعبأ بها. ~~••• # وما نحسب الحجاج إلا فزع وارتاع لقتل هذه الشخصية الكبيرة الفذة وندم أشد الندم، ولكن ~~بعد أن سبق السيف العذل. # | هوامش # | مصرع أبي مسلم الخراساني # وأخذ أبو مسلم بيد المنصور يعركها ويعتذر إليه. ولكن المنصور أسرع فصفق بيده، فخرج عثمان ~~بن نهيك فضربه ضربة خفيفة بالسيف فلم يزد على أن قطع حمائل سيفه. # فأومأ أبو مسلم إلى رجل أبي جعفر يقبلها ويقول: أنشدك الله يا أمير المؤمنين، استبقني ~~لأعدائك. فدفعه برجله وقال له: لا أبقاني الله إذن، وأي ms62 عدو لي أعدى منك؟ # فضربه شبيب فقطع رجله. # فقال أبو مسلم: واتعساه، ألا قوة؟ ألا مغيث؟ # وصاح المنصور: اضربوه، قطع الله أيديكم. فاعتوره القوم بالسيوف فقتلوه. ~~(1) مقدمات المصرع # في الحج # بدأت مطامع أبي مسلم تتجلى واضحة في آخر خلافة أبي العباس وأول خلافة أبي جعفر، ~~وبدأ النفور يظهر رويدا حتى انتهى بهذا الموضوع المروع! # وقد بدأ الخلاف يظهر واضحا والامتعاض يشتد حين كتب أبو مسلم إلى أبي العباس ~~يستأذنه في الحج سنة 136، قالوا: «وإنما أراد أن يصلي بالناس.» فأذن له. # وخشي أبو العباس من نفوذ أبي مسلم وتعاظم شأنه وخطره، فكتب إلى أبي جعفر يقول: ~~«إن أبا مسلم كتب إلي يستأذن في الحج وقد أذنت له، وقد ظننت أنه إذا قدم يريد أن ~~يسألني أن أوليه إقامة الحج للناس، فاكتب إلي تستأذنني في الحج، فإنك إن كنت بمكة ~~لم يطمع أن يتقدمك.» ففعل. # ولم يكد يعلم أبو مسلم بخروج أبي جعفر إلى الحج حتى امتلأت نفسه غيظا وحقدا ~~وقال: «أما وجد أبو جعفر عاما يحج فيه غير هذا.» # ولم تكن مثل هذه الحيلة لتخفى على ذكاء أبي مسلم وبعد نظره، فقد شعر أنهم ينفسون ~~عليه مكانته ويستكثرون عليه ما ناله من رفعة وخطر. قالوا: فاضطغنها على أبي ~~جعفر. # ولم يقف أبو مسلم عند هذا الحد، فكان يتحبب إلى العرب ويستجلب مودتهم قالوا: ~~«وكان يصلح العقاب ويكسو الأعراب في كل منزل ويصل من سأله.» قالوا: «وكسا الأعراب ~~البتوت والملاحف، وحفر الآبار وسهل الطرق. فكان الصوت له، وكان الأعراب يقولون: هذا ~~المكذوب عليه.» # وفي بعض هذا ما يثير الأحقاد، ويلهب الحسد في نفس أبي جعفر الذي لم ينس له تقدمه ~~عليه في الحج، ولم يترك حيلة إلا احتالها عليه حتى شفى نفسه بالانتقام منه. ~~••• # وإن أبا جعفر ليفكر في الانتقام من أبي مسلم والكيد له، إذا بأبي جعفر ينادى به ~~خليفة المسلمين - بعد أن مات أبو العباس - فيصبح وفي يده كل وسائل الانتقام ~~والكيد. # ثم يكتب أبو مسلم إلى أبي جعفر يعزيه ms63 بأمير المؤمنين، ويغفل تهنئته بالخلافة. ~~قالوا: «ولم يقم حتى يلحقه ولم يرجع.» # فيزيد بذلك غضب أبي جعفر، فيأمر بتقريعه في كتاب شديد اللهجة قاسي الأسلوب، فيبعث ~~إليه أبو مسلم يهنئه. # ويريد أبو جعفر أن يعمل بالانتقام من أبي مسلم، فيشير إليه أحد نصحائه البعيدي ~~النظر بالتريث حتى يعد للانتقام عدته. ويحذره من الاشتباك مع أبي مسلم في الطريق، ~~والناس جنده وهم له أطوع وله أهيب، وليس مع أبي جعفر أحد . فيرى صواب رأي هذا الناصح ~~فيأخذ به. # قالوا: فكان يتأخر ويتقدم أبو مسلم. ~~(2) تمادي أبي مسلم في عدائه # فأبلغ أبا أيوب أني قد ارتبت بأبي مسلم منذ قدمت عليه. # إنه يأتيه الكتاب من أمير المؤمنين فيقرؤه ثم يلوي شدقه ويرمي بالكتاب إلى أبي ~~نصر فيقرؤه ويضحكان استهزاء. # مسلم بن المغيرة # ولقد وجدت الوشايات مرتعا خصيبا، فقد حاول الواشون أن يتقربوا إلى هاتين القوتين ~~بالتفرقة بينهما، وكان أبو مسلم يعرف حق المعرفة منعة جانبه وعجز أبي جعفر عن الانتقام ~~منه. # وكان أبو جعفر يسترخص كل غال ويذلل كل عقبة في سبيل الانتقام، وكان يميل إلى سماع ~~الاتهام، كما كان خصمه متوتر الأعصاب ثائر النفس متأهبا للانقضاض عليه ودك ~~عرشه. # ولقد اعتز أبو مسلم بقوته أيما اعتزاز، فلم يكن يني عن عناد (أبي جعفر) ومكايدته، ~~فإذا بعث إليه (أبو جعفر) رسولا يسأله عما أصاب من الأموال - بعد أن هزم عبد الله بن ~~علي - غضب أبو مسلم وهم بقتل الرسول، # 1 # ولم يتركه إلا بعد شفاعة واعتذار بأنه رسول لا ذنب له؛ فيزداد قلق أبي جعفر ~~وإصراره على قتل أبي مسلم. # قالوا: وخاف أن يمضي أبو مسلم إلى خراسان فتعظم قوته، فكتب إليه كتابا يقول فيه: «قد ~~وليتك مصر والشام، فهي خير لك من خراسان، فوجه إلى مصر من أحببت وأقم بالشام، فتكون ~~بقرب أمير المؤمنين، فإن أحب لقاءك أتيته من قريب.» # وما كان أبو مسلم الذكي الفطن ليخفى عليه معنى هذا الكلام، فغضب أشد الغضب حين قرأه، ~~وقال: «هو يوليني الشام ومصر، ms64 وخراسان لي.» # قالوا: وأقبل أبو مسلم من الجزيرة مجمعا على الخلاف، وخرج من وجهه معارضا يريد ~~خراسان. # بين أبي جعفر وأبي مسلم # ثم كتب أبو جعفر إلى أبي مسلم في المصير إليه، فكتب إليه أبو مسلم: # كتاب أبي مسلم # إنه لم يبق لأمير المؤمنين - أكرمه الله - عدو إلا أمكنه الله منه، وقد ~~كنا نروي عن ملوك آل ساسان، إن أخوف ما يخاف الوزراء إذا سكنت الدهماء، ~~فنحن نافرون من قربك حريصون على الوفاء بعهدك ما وفيت، حريون بالسمع ~~والطاعة، غير أنهما من بعيد حيث تقارنهما السلامة، فإن أرضاك ذاك فأنا ~~كأحسن عبيدك، فإن أبيت إلا أن تعطي نفسك إرادتها نقضت ما أبرمت من عهدك ~~ضنا بنفسي. # 2 # كتاب أبي جعفر # قد فهمت كتابك، وليست صفتك صفة أولئك الوزراء الغششة ملوكهم، الذين يتمنون ~~اضطراب حبل الدولة لكثرة جرائمهم، فإنما راحتهم في انتشار نظام الجماعة، فلم ~~سويت نفسك بهم؟ # فأنت في طاعتك ومناصحتك واضطلاعك بما حملت من أعباء هذا الأمر على ما أنت به، ~~وليس مع الشريطة التي أوجبت منك سماع ولا طاعة. # وأسأل الله أن يحول بين الشيطان ونزغاته وبينك، فإنه لم يجد بابا يفسد به ~~نيتك أوكد عنده وأقرب من طبه من الباب الذي فتحه عليك. # رسائل أبي جعفر # ولم يكتف أبو جعفر بما كان يبعث به من الكتب المنمقة إلى أبي مسلم، وبما كانت ~~تحويه من العبارات الخلابة والثناء المزيف، فقد كانوا يكتبون إليه يعظمون أمره ~~ويشكرون ما كان منه، ويسألونه أن يتم على ما كان منه وعليه من الطاعة، ويحذرونه ~~عاقبة الغدر ويأمرونه بالرجوع إلى أمير المؤمنين وأن يلتمس رضاه. نقول: لم يكتف أبو ~~جعفر بذلك، فكان يرسل دهاة الساسة عنده إلى أبي مسلم يغررون به، ويظهرون له إعجاب ~~أبي جعفر بحزمه وشجاعته وتقديره لخدماته وبعد نظره. # فقد بعث بأحد هذه الكتب مع أبي حميد المروروذي وقال له: «كلم أبا مسلم بألين ما ~~تكلم به أحدا، ومنه وأعلمه أني رافعه وصانع به ما لم يصنعه به أحد، إن ms65 هو صلح ~~وراجع ما أحب، فإن أبى أن يرجع فقل له: يقول لك أمير المؤمنين: «لست للعباس وأنا ~~بريء من محمد إن مضيت مشاقا ولم تأتني إن وكلت أمرك إلى أحد سواي، وإن لم آل طلبك ~~وقتالك بنفسي، ولو خضت البحر لخضته، ولو اقتحمت النار لاقتحمتها حتى أقتلك أو أموت ~~قبل ذلك.» ولا تقولن له هذا الكلام حتى تيأس من رجوعه ولا تطمع منه في خير.» # فيذهب أبو حميد في معشر من دهاة أصحابه وذوي الرأي والتأثير إلى أبي مسلم فيدفع ~~إليه الكتاب ويقول له: «إن الناس يبلغونك عن أمير المؤمنين ما لم يقله وخلاف ما ~~عليه رأيه فيك حسدا وبغيا يريدون إزالة النعمة وتغييرها، فلا تفسد ما كان ~~منك.» # ولا يزال يضرب له على هذه الوتيرة ويبالغ له في التعظيم، ثم يقول له: «يا أبا ~~مسلم، إنك لم تزل أمين آل محمد، يعرفك بذلك الناس، وما ذخر الله لك من الأجر عنده ~~في ذاك أعظم مما أنت فيه من دنياك، فلا تحبط أجرك، ولا يستهوينك الشيطان.» فيقول له ~~أبو مسلم: «متى كنت تكلمني بهذا الكلام؟!» # فيقول له متظاهرا بالإخلاص له والحب: «إنك دعوتنا إلى هذا وإلى طاعة أهل بيت ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # بني العباس، وأمرتنا بقتال من خالف ذلك، فدعوتنا من أرضين متفرقة ~~وأسباب مختلفة، فجمعنا الله على طاعتهم وألف بين قلوبنا بمحبتهم وأعزنا بنصرنا ~~لهم، ولم نلق منهم رجلا إلا بما قذف الله قلوبنا حتى أتيناهم في بلادهم ~~ببصائر نافذة وطاعة خالصة، أفتريد حين بلغنا غاية منانا ومنتهى أملنا أن نفسد أمرنا ~~ونفرق كلمتنا، وقد قلت لنا: من خالفكم فاقتلوه وإن خالفتكم فاقتلوني.» # وهنا يقبل أبو مسلم على أحد أصفيائه فيقول له من غير أن ينخدع: «يا مالك، أما ~~تسمع ما يقول لي هذا؟ ما هذا بكلامه يا مالك.» # فيقول له صاحبه موافقا: «لا تسمع كلامه ولا يهولنك هذا منه، فلعمري لقد صدقت، ما ~~هذا بكلامه، ولما بعد هذا أشد منه فامض لأمرك ولا ترجع، فوالله ms66 لئن أتيته ليقتلنك، ~~ولقد وقع في نفسه منك شيء، لا يأمنك أبدا.» # ثم يأمرهم بالقيام فينفض المجلس، ويرسل أبو مسلم إلى «نيزك» فيعرض عليه الأمر، ~~فيشير عليه أن يقيم بالري ولا يذهب إلى أبي جعفر، ويقول له: «فيصير ما بين خراسان ~~والري لك، وهم جندك ما يخالفك أحد، فإن استقام لك استقمت له، وإن أبى كنت في جندك ~~وكانت خراسان من ورائك، ورأيت رأيك.» # ثم يرسل أبو مسلم إلى أبي حميد رسول أبي جعفر ليبلغه رفضه نصيحته، ويقول له أبو ~~مسلم: «ارجع إلى صاحبك فليس من رأيي أن آتيه.» # فيقول له أبو حميد مدهوشا: «أعزمت على خلافه؟» فيقول له أبو مسلم: «نعم» فيقول ~~له أبو حميد: «لا تفعل.» # ويدور بينهما حوار يتمثل في دهاء أبي حميد ويقظة أبي مسلم، فيلجأ أبو حميد إلى ~~إظهار عاقبة المخالفة وما ينتج عنها من النتائج الخطيرة، فيبدو الوجوم على وجه أبي ~~مسلم، ويتردد في قراره، ثم يصرف عنه أبا حميد. # ولا يفوت أبا جعفر أن يتقرب إلى أنصار أبي مسلم وأعوانه الأشداء بكل وسيلة، فيبعث ~~إلى «أبي داود» خليفة أبي مسلم بخراسان: «إن لك إمرة خراسان ما بقيت.» فيصبح بهذا ~~الوعد من أشد أنصار الخليفة المتحمسين لطاعته، فيكتب إلى أبي مسلم: «إنا لم نخرج ~~لمعصية خلفاء الله وأهل بيت نبيه # صلى الله عليه وسلم ~~، فلا تخالفن إمامك ولا ترجعن إلا بإذنه.» ~~ويوافيه كتاب أبي داود وهو على هذه الحال من التردد والقلق فيزيده رعبا وهما، ~~فيبعث إلى أبي حميد فيقول له: «إني كنت معتزما على المضي إلى خراسان، ثم رأيت أن ~~أوجه أبا إسحاق إلى أمير المؤمنين فيأتيني برأيه فإنه ممن أثق به.» # فإذا ذهب أبو إسحاق - الذي يثق به أبو مسلم - إلى الخليفة أبي جعفر تلقاه الخليفة ~~بالبشر والترحيب وأجازه ورغبه بكل وسائل الترغيب، وقال له: «اصرفه عن وجهه ولك ~~ولاية خراسان.» # فيعود أبو إسحاق ووجهه طافح بالبشر لما لقي من عطف الخليفة ولما ظفر به من جائزة ~~ووعد، فيقول لأبي مسلم: «ما ms67 أنكرت شيئا، رأيتهم معظمين لحقك يرون لك ما لا يرون ~~لأنفسهم ...» ثم يختم كلامه بنصحه أن يذهب إلى أبي جعفر فيعتذر إليه مما كان ~~منه. # وهكذا تتضافر الظروف كلها على خلق جو من الرهبة، والأمل في نفس أبي مسلم، فيعتزم ~~المضي إلى أبي جعفر، وكأنما كان يصف ابن الرومي حاله حين قال: # تنازعني رغب ورهب كلاهما # قوي وأعياني اطلاع المغايب # فقدمت رجلا رغبة في رغيبة # وأخرت رجلا رهبة للمعاطب # أخاف على نفسي وأرجو مفازها # وأستار غيب الله دون العواقب # ألا من يريني غايتي قبل مذهبي # ومن أين والغايات بعد المذاهب # وكأنما كان يتنبأ بمصيره حين سأله نيزك ليثنيه عن الذهاب: «قد أجمعت على ~~الرجوع؟» # فقال له أبو مسلم: نعم، وتمثل: # ما للرجال مع القضاء محالة # ذهب القضاء بحيلة الأقوام! # فقال له نيزك: «احفظ عني واحدة، إذا دخلت عليه فاقتله ثم بايع لمن شئت، فإن الناس ~~لا يخالفونك.» ~~(3) أبو مسلم في طريقه إلى مصرعه # نهاب أمورا ثم نركب هولها # على عنت من صاغرين قماء # أبو العلاء # وهكذا خدع أبو مسلم وهو الذكي الفطن، ونسي عزمه على الخلاف ونسي أن أحقاد الخلفاء ~~وذوي السلطة لا سبيل إلى إزالتها إلا بقتل مثيرها. وكتب أبو مسلم إلى الخليفة أبي جعفر ~~يخبره أنه منصرف إليه: # ألا يا قوم للعجب العجيب # وللغفلات تعرض للأريب # ثم أعد أبو مسلم عدته للذهاب، وسار في طريقه إلى الموت حتى وصل المدائن. # أبو جعفر يتأهب لقتل أبي مسلم # والله لئن ملأت عيني منه لأقتلنه. # أبو جعفر # قال شاهد عيان: # 3 # دخلت يوما على أبي جعفر، وهو في خباء شعر، جالس على مصلى بعد صلاة ~~العصر وبين يديه كتاب أبي مسلم. # قال: فرمى به إلي فقرأته، ثم قال: «والله لئن ملأت عيني منه لأقتلنه.» # فقلت في نفسي: «إنا لله وإنا إليه راجعون، طلبت الكتابة، حتى إذا بلغت غايتها ~~فصرت كاتبا للخليفة وقع هذا بين الناس. # والله ما أرى أنا إن قتل يرضى أصحابه بقتله، ولا يدعون هذا حيا ولا أحدا ممن ms68 ~~هو بسبيل منه.» # قال: «وامتنع عني النوم، ثم قلت: لعل الرجل يقدم وهو آمن، فإن كان آمنا فعسى أن ~~ينال ما يريد، وإن قدم وهو حذر لم يقدم عليه إلا في شر، فلو التمست حيلة.» وقد تملك ~~الخوف قلبه وخشي أن يخفق التدبير المحكم في قتل أبي مسلم ففكر في حيلة أخرى تضمن ~~الفوز. # قال: فأرسلت إلى سلمة بن سعيد فقلت له: «هل عندك شكر؟» # فقال: «نعم.» فقلت: «إن وليتك ولاية تصيب منها مثل ما يصيب صاحب العراق تدخل معك ~~حاتم بن أبي مسلم سليمان أخي؟» # قال: «نعم.» فقلت وأردت أن يطمع ولا ينكر: «وتجعل له النصف؟» قال: «نعم» قلت له: ~~«إن «ككر» كالت عام أول كذا وكذا وكذا، ومنها العام أضعاف ما كان أول، فإن دفعتها ~~إليك أصبت ما تضيق به ذرعا.» # قال: «فكيف لي بهذا المال؟» # قال: «تأتي أبا مسلم فتلقاه وتكلمه غدا وتسأله أن يجعل هذا فيما يرفع من حوائجه ~~أن تتولاها أنت بما كالت في العام الأول، فإن أمير المؤمنين يريد أن يوليه - إذا ~~قدم - ما وراء بابه ويستريح ويريح نفسه.» # قال: «فكيف لي أن يأذن أمير المؤمنين في لقائه؟» # قلت: «أنا أستأذن لك.» # ودخلت إلى أبي جعفر فحدثته الحديث كله، فدعا سلمة وقال له: «إن أبا أيوب استأذن ~~لك، أفتحب أن تلقى أبا مسلم؟» # قال: «نعم.» قال: «فقلت أذنت لك، فاقرأه السلام وأعلمه بشوقنا إليه.» # وهكذا أحكمت المؤامرة من كل جهاتها وافتنوا في تدبيرها ما شاء لهم الحقد أن ~~يفتنوا حتى أوقعوا أبا مسلم في حبالهم وهو آمن من مكرهم. # ولم يكد يخرج سلمة فيقابل أبا مسلم حتى قال له: «إن أمير المؤمنين أحسن الناس فيك ~~رأيا» ثم عرض عليه ما جاء فيه من أمر. فانخدع أبو مسلم وطابت نفسه - بعد أن كانت ~~كئيبة - ووعده خيرا. # قالوا: «ولم يزل مسرورا حتى قدم.» # بين يدي المنصور # لو بعث المنصور نادى «أيا # مدينة التسليم لا تسلمي # قد سكن القفر بنو هاشم # وانتقل الملك إلى الديلم # لو كنت ms69 أدري أن عقباهم # كذاك لم أقتل أبا مسلم!» # أبو العلاء # قال أبو أيوب: فلما دنا أبو مسلم من المدائن أمر أمير المؤمنين الناس فتلقوه، ~~فلما كان عشية قدم دخلت على أمير المؤمنين، وهو في خباء على مصلى. # فقلت: «هذا الرجل يدخل العشية فما تريد أن تصنع؟» # قال: «أريد أن أقتله حين أنظر إليه.» # قلت: «أنشدك الله، إنه يدخل معه الناس - وقد علموا ما صنع - فإن دخل عليك ولم ~~يخرج لم آمن البلاء، ولكن إذا دخل عليك فأذن له أن ينصرف، فإذا غدا عليك رأيت ~~رأيك.» # قال أبو أيوب: «وما أردت بذلك إلا دفعه بها، وما ذاك إلا من خوفي علينا جميعا من ~~أصحاب أبي مسلم.» # فدخل عليه أبو مسلم - من عشية - وقام قائما بين يديه، فرحب به المنصور وتلطف ~~معه، ولم يبد له شيئا من النفور حتى لا يرتاب في نواياه. # وقال أبو جعفر: «انصرف يا عبد الرحمن فأرح نفسك وادخل الحمام، فإن للسفر قشفا، ~~ثم اغد علي.» فانصرف أبو مسلم وانصرف الناس معه. # وقد ندم أبو جعفر على تضييع هذه الفرصة بعد أن خرج أبو مسلم من عنده ونقم على أبي ~~أيوب مشورته وقال له: «متى أقدر على مثل هذه الحال منه التي رأيته قائما على رجليه ~~ولا أدري ما يحدث في ليلتي.» # ولما جاءه أبو أيوب في اليوم التالي قال له أبو جعفر والغيظ يكاد يقتله: «يا ابن ~~اللخنا لا مرحبا بك، أنت منعتني منه أمس، والله ما غمضت الليلة.» # قال أبو أيوب: «ثم شتمني حتى خفت أن يأمر بقتلي.» ~~(4) اللقاء الأخير # فقال عثمان قولة ضعيفة: أقتله. # ثم دنت الساعة الحرجة التي يفصل فيها التاريخ قوتين قاهرتين، ويغلب إحداهما على ~~الأخرى، فإما أن ينتصر أبو جعفر فيطيح برأس أبي مسلم، وإما أن يتغلب عليه أبو مسلم ~~فيطيح به وبخلافته ويغير وجه التاريخ. # ولقد كان اسم أبي مسلم وحده كافيا في إزعاج من يسمعه، وكان أبو جعفر يعرف حقيقة ما ~~يقدم عليه من أمر خطير يتوقف مجده على النجاح ms70 فيه، ولم يكن أحد يجهل أن فشل المنصور في ~~قتل أبي مسلم معناه الاشتباك معه في حرب طاحنة لا يعرف أي نتيجة تسفر عنها، وأن قتله ~~ربما أثار عليه جنده فعاثوا في المدينة نهبا وقتلا ثم لا يدري أحد عاقبة الأمر. على ~~أن من حسن حظ المنصور أن قواد أبي مسلم وأنصاره كان أكثرهم يخلص له خوفا من بطشه ~~وجبروته، فلم يكد يقتله المنصور ويغريهم بالمال حتى انضموا إليه ونفضوا أيديهم من الأخذ ~~بثأره، بعد أن أمنوا غائلته وبطشه بهم. # وليس أدل على الخوف من أبي مسلم من تلك الدهشة التي كانت تستولي على كل شجاع جريء حين ~~يطلب إليه أبو جعفر أن يفتك بأبي مسلم. # انظر إلى ابن نهيك يدعوه المنصور فيقول له: «كيف بلاء أمير المؤمنين عندك؟» فيجيبه ~~متحمسا: «إنما أنا عبدك، والله لو أمرتني أن أتكئ على سيفي حتى يخرج من ظهري ~~لفعلت.» # فيقول له وهو في حماسته هذه: «كيف أنت إن أمرتك بقتل أبي مسلم.» # وهنا يرتاع عثمان بن نهيك ويبدو عليه الذعر من هول ما يطلب إليه الإقدام عليه، وكأنما ~~انقضت عليه صاعقة من السماء. أيقتل أبا مسلم الذي روع الدنيا ودوخ الممالك وقلب دولة ~~وأقام مكانها أخرى، وكان يهزم الجيش الجرار اسمه وحده؟ هنا يبدو التردد والخوف. وتفتر ~~الحماسة المتقدة، فقد طلب إليه ما لم يكن يخطر على بال. # قالوا: ووجم ساعة لا يتكلم، فقال له أبو أيوب: «ما لك لا تتكلم؟» # فلما أحرج ابن نهيك قال قولة ضعيفة: «أقتله؟!» قال: «انطلق فجئ بأربعة من وجوه ~~الحرس.» فلما كان عند الرواق ناداه: «يا عثمان، يا عثمان.» فرجع، فقال له: «اجلس وأرسل ~~إلي من تثق من الحرس.» وكأنما خشي المنصور أن يتردد ابن نهيك في عزيمته، إذا بعد ~~تأثير شخصيته عليه فأمر ببقائه، وأرسل في طلب أربعة أشداء. # ولقد كان الموقف غاية في الحرج، فقد صار أبو مسلم مع المنصور في بلد واحد، وأصبح أقل ~~همس يصل إليه عن هذه المؤامرة كافيا لإحباطها وقلب التاريخ ms71 رأسا على عقب. # وقد كان من الطبيعي أن يتقرب أحد هؤلاء إلى أبي مسلم فيفضي إليه بسر المؤامرة وينال ~~الحظوة عنده، فقد كانت الآمال معقودة به كذلك. # ولما أحكمت المؤامرة أمرهم الخليفة أن يكونوا خلف الرواق حتى إذا صفق خرجوا فقتلوا ~~أبو مسلم، قالوا: «أرسل إليهم رسلا بعضهم على إثر بعض.» فقالوا: «قد ركب.» # قال أبو أيوب: «فقلت يا أمير المؤمنين ألا أخرج فأطوف في العسكر فأنظر ما يقول الناس، ~~هل ظن أحد ظنا أو تكلم أحد بشيء؟» # قال: «بلى» فخرجت، وتلقاني أبو مسلم داخلا فتبسم، وسلمت عليه ودخل فكان هذا آخر أيام ~~أبي مسلم من الدنيا. ~~(5) بين براثن الموت # والعجب لأبي مسلم، حطب لنار أكلته، وقتل في طاعة ولاة قتلته، وليس بأول من دأب ~~لسواه، وأغواه الطمع فيمن أغواه، وإنما سهر لأم دفر، # 4 # وتبع سرابا في قفر، فوجد ذنبه غير المغتفر عند صاحب الدولة أبي جعفر، ~~وكل ساع للفانية لا بد له من الندم. # رسالة الغفران # ولما دخل عليه أبو مسلم قال له أبو جعفر: «أخبرني عن نصلين أصبتهما في متاع عبد الله ~~بن علي؟» قال: «هذا أحدهما الذي علي.» قال: «أرنيه» فانتضاه، فناوله فهزه أبو جعفر ثم ~~وضعه تحت فراشه. وأقبل عليه يعاتبه، فقال: «أخبرني عن كتابك إلى أبي العباس تنهاه عن ~~الموات، أردت أن تعلمنا الدين؟» # قال: «ظننت أخذه لا يحل! فكتب إلي فلما أتاني كتابه علمت أن أمير المؤمنين وأهل ~~بيته معدن العلم.» قال: «فأخبرني عن تقدمك إياي في الطريق؟» # قال: «كرهت اجتماعنا على الماء فيضر ذلك بالناس فتقدمتك التماس المرفق.» # قال: «فقولك حين أتاك الخبر بموت العباس لمن أشار عليك أن تنصرف إلي «نقدم فنرى من ~~رأينا» ومضيت فلا أنت أقمت حتى نلحقك ولا أنت رجعت إلي؟» # قال: «منعني من ذلك ما أخبرتك من طلب المرفق بالناس وقلت تقدم الكوفة فليس عليه مني ~~خلاف.» # قال: «فجارية عبد الله بن علي، أردت أن تتخذها؟» # قال: «لا، ولكني خفت أن تضيع فحملتها في قبة ووكلت بها ms72 من يحفظها.» قال: «فمراغمتك ~~وخروجك إلى خراسان؟» # قال: «خفت أن يكون دخلك مني شيء، فقلت آتي خراسان فأكتب إليك بعذري، وإلى ذاك قد ذهب ~~ما في نفسك علي.» # قال: «تالله ما رأيت كاليوم قط، والله ما زدتني إلا غضبا.» # فقال أبو مسلم: «ليس يقال هذا بعد بلائي وما كان مني؟» # فقال: «يا ابن الخبيثة، والله لو كنت أمة أو امرأة مكانك لبلغت ما بلغت، إنما عملت ما ~~عملت في دولتنا وبريحنا، ولو كان ذلك إليك ما قطعت فتيلا. # ألست الكاتب إلي تبدأ بنفسك؟ والكاتب إلي تخطب آمنة بنت علي وتزعم أنك أبو مسلم ~~بن سليط بن عبد الله بن عباس؟ لقد ارتقيت - لا أم لك - مرتقى صعبا.» # وكان أبو جعفر يقول ذلك - ويده ترتعد - فلما رأى أبو مسلم غضبه قال: «يا أمير ~~المؤمنين، لا تدخل على نفسك هذا الغم من أجلي، فإن قدري أصغر مما بلغ منك هذا.» # وأخذ أبو مسلم يده يعركها ويقبلها ويعتذر إليه، ولكن أبا جعفر أسرع فصفق بيده، فخرج ~~عثمان بن نهيك فضربه ضربة خفيفة بالسيف، فلم يزد على أن قطع حمائل سيفه، فأومأ أبو مسلم ~~إلى رجل أبي جعفر يقبلها ويقول: «أنشدك الله يا أمير المؤمنين، استبقني لأعدائك.» فدفعه ~~برجله وقال له: «لا أبقاني الله إذن، وأي عدو لي أعدى منك؟» فضربه شبيب فقطع ~~رجله. # فقال أبو مسلم: «وا تعساه، ألا قوة ألا مغيث!» # وصاح المنصور: «اضربوه قطع الله أيديكم.» # 5 # فاعتوره القوم بالسيوف فقتلوه. # | هوامش ms73