######OpenITI# #META# URI: 1379KamilKilani.MasaricKhulafa.Hindawi74640940 #META# Tags: history #META# ID: 74640940 #META# Title: مصارع الخلفاء #META# AuthorID: 82737073 #META# Author: كامل كيلاني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تذكرة‏ # مصرع عمر‏ # مصرع عثمان‏ # مصرع علي‏ # مصرع الوليد الثاني‏ # مصرع مروان الجعدي‏ # مصرع مروان ومصرع الدولة الأموية‏ # مصرع الأمين‏ # مصرع المتوكل ‏ # مصرع المعتز‏ # تذكرة‏ # مصرع عمر‏ # مصرع عثمان‏ # مصرع علي‏ # مصرع الوليد الثاني‏ # مصرع مروان الجعدي‏ # مصرع مروان ومصرع الدولة الأموية‏ # مصرع الأمين‏ # مصرع المتوكل ‏ # مصرع المعتز‏ # | مصارع الخلفاء # | مصارع الخلفاء # | مشاهد رائعة نقلها عن التاريخ # تأليف # كامل كيلاني # | التاريخ التصويري # بقلم أبو شادي # قل يا أرق الكاتبين، فأنت من # يلقى بكل طريفة مشغولا # صور لنا الماضي تزد أعماره # عمرا، وتشعرنا الحياة الأولى # ما كل من عد المؤرخ وصفه # أثر تزيد به المآثر طولا # أوجزت إيجاز البخيل، وإنما # كان الغنى في طيه محمولا # في كل سطر للوقائع معرض # وبكل فصل ما يعد فصولا # نتأمل الفنان في إبداعه # كالجوهري تأنقا وأصولا # ونطالع الإحسان في آياته # من كل فاتنة ترد عجولا # ونصاحب التاريخ في أيامه # صورا، ونلمس سره المنقولا # شأن الأديب الألمعي بيانه # يغدو الجمال بروحه مأهولا ~~••• # راحت «مصارعهم» وقد تركت لنا # عبرا تسائل أنفسا وعقولا # ومضوا، وما كانوا سوى خبر لهم # فإذا المقاتل صاحب المقتولا # حتى إذا همت براعة «كامل» # صار الدفين ممثلا موصولا # و«الفن» أقدر من يعيد معالما # درست، وأكرم من يشوق ملولا # | تصدير # بقلم صاحب مكتبة الوفد محمد محمود # القاهرة في 15 سبتمبر سنة 1929 # يمثل هذا الكتاب الطريف حلقة من الدراسات المتنوعة التي يقوم بها الكاتب المتفنن الكبير ~~الأستاذ كامل كيلاني، ويتتبعها جمهور الأدباء بشغف وافر في مصر وفي غيرها من الأقطار ~~العربية. # وقد كان من حظي - بالأمس القريب - إذاعة تصنيفه الجميل «مختار القصص» الذي لاقى من ~~الإقبال العظيم عليه بين محبي الأدب ما هو جدير به، وما هو حري بفخر مؤلفه النابغة، فشجعني ~~ذلك على إصدار هذا الكتاب التصويري التاريخي الذي يدل عنوانه على موضوعه، كما تفسر إلمامة ~~الأستاذ كيلاني حكمة وضعه أحسن تفسير. # وبديهي أنه ما كان يشق على الأستاذ المؤلف أن يتوسع في الشرح والبيان فيتضخم تصنيفه، ولكن ~~مثله يربأ بقلمه عن ذلك، ويؤثر ms01 أن يقدم لنا - في كتابه البديع - الطريف من البحث في الطريف ~~من الأسلوب الموجز البليغ، وفي طي كل هذا من العبر التاريخية ومن التصوير للأخلاق والأهواء ~~الإنسانية وتقلب القدر ما فيه متعة وفائدة للقارئين لا تقدر بثمن. ~~••• # وإني أنتهز مناسبة هذا «التصدير» فأشكر للأدباء الكثيرين - في مصر وخارجها - تشجيعهم ~~القيم، وأعدهم ببذلي غاية ما في وسعي من مجهود لإذاعة خير التآليف العصرية التي تتلقاها ~~«مكتبة الوفد»، حتى تبقى سلسلة مطبوعاتها الأدبية موضع فخري ومبعث رضائهم دائما. # | إلمامة # بقلم كامل كيلاني # 1 # ليس أروع للنفس من تمثل مصارع الناس والاستماع إليهم في ساعاتهم الأخيرة، وتعرف ما ~~قالوه وقت حلول الأجل، وآخر ما تفوهوا به من الكلم قبل أن يفارقوا هذا العالم - خيره ~~وشره - فراقا أبديا لا عودة لهم بعده. # وإذا كان هذا هو شعورنا بجلال الموت وروعته، فلا جرم أنه يعظم ويزداد إلى أقصى حد حين ~~يقترن بعظمة الملك وأبهته، وليس أشجى للنفس من تمثل مصرع خليفة أو قائد كبير أو شاعر ~~عظيم، من أولئك الذين تركوا في هذا العالم أكبر أثر ونقشوا في تاريخه صفحات لا يمحوها ~~الزمن. # ولعل خير ساعة يستعرض فيها المتأمل تاريخ حياة إنسان هي ساعة احتضاره، فإنه يرى - ~~حينئذ - أمام كل صورة من صور الضعف صورة أخرى من صور القوة، ويلمح بجانب تلك الصور ~~المشجية الحزينة ما يقابلها من الصور الماضية البسامة المشرقة. # 2 # ألا ترى إلى «الوليد الثاني» مثلا من موقفيه أمام المصحف؛ يخرقه بالنشاب - وهو في ~~جبروته وطغيانه - ثم يقرؤه معتبرا والناس يحاصرونه، وليس بينه وبين الموت إلا دقائق ~~معدودة! # ألا ترى إلى عثمان - وهو الشيخ الوقور - كيف يصرع ويأبى عليه الثائرون أن يدفن، وتظل ~~جثته كذلك ثلاثة أيام، ثم يدفن خلسة، بعد أن يحمل على باب ويسرع الناس به خوفا من ~~الثائرين فيقرع رأسه الباب؟ # 1 # ألا ترى إلى الأمين - وهو محاصر مهموم - يطلب الخلاص أو النجدة، فلا يجد إلى ذلك ~~سبيلا - بعد أن ضيق عليه طاهر سبيل النجاة - وقد علمت ما كان ms02 له من عز وسلطان ~~وبطش؟ # ألا ترى إليه يجيئه - من قبل - نبأ هزيمة قائده «علي بن عيسى» وقتله - والأمين حينئذ ~~على الشط يصيد السمك - فيقول لمحدثه: «ويلك، دعني فإن كوثرا قد اصطاد سمكتين وأنا ما ~~اصطدت شيئا بعد؟» # فانظر إلى تلك الخاتمة المروعة التي انتهت بها حياة هذا المستهتر الباطش العزيز، وهو ~~يستغيث فلا يغاث، ويطلب النجدة فلا يأبه له أحد، ثم يذبح من قفاه فيذكرنا بقول شاعر ~~المعرة: # وما أجل عظيم من رجالهم ~~- إذا نؤمل - إلا ماعز ذبحا # ونمثله - في صورة أخرى - باطشا ولاهيا، ومترنح الأعطاف زهوا، ومصعرا خده تيها، ~~وقابضا على ناصية الخلق متصرفا في أرزاقهم وأعمارهم، تعنو له الجباه وتنحني أمامه ~~الرءوس وينشده أبو نواس قوله: # وقد كنت خفتك ثم أمنني # من أن أخافك خوفك الله # فسبحان المعز المذل. # هو الموت، مثر عنده مثل مقتر # وراكب نهج مثل آخر ناكب # ودرع الفتى - في حكمه - درع غادة # وأبيات كسرى من بيوت العناكب! # 3 # هذه التأملات هي الباعث الأول الذي حداني لإخراج هذا الكتاب «مصارع الخلفاء» والكتاب ~~الذي يليه «مصارع الأعيان»، وقد حاولت أن أدون فيهما طائفة من أروع المشاهد التي ذكرها ~~لنا التاريخ، كما حاولت أن أرسم في ذهن القارئ صورا واضحة مشرقة بالحياة، ولعلي وفقت ~~في هذه المحاولة بعض التوفيق. # | هوامش # | تذكرة # يمر الحول - بعد الحول - عني # وتلك «مصارع الأقوام» حولي # كأني بالألى حفروا لجاري # وقد أخذوا المعاول وانتحوا لي ~~••• # والدهر ينسي كمي الحرب صارمه # ودرعه وفتاة الحي مجولها! # ويسترد من النفس التي شرفت # ما كان في سالف الأيام خولها! # أبو العلاء # | مصرع عمر # هم ضربوا حيدرا # 1 # ساجدا # وحسبك من عمر # 2 # إذ طعن # أبو العلاء # ودخل «أبو لؤلؤة» في الناس؛ في يده خنجر له رأسان، فضرب عمر ست ضربات إحداهن تحت سرته ~~وهي التي قتلته. # المؤرخون ~~(1) وصفه # رجل أبيض تعلوه حمرة، أشيب أصلع، يصفر لحيته بالحناء ويرجل رأسه، أعسر أيسر، طوال ~~يمشي كأنه راكب. # قال بعض من رآه: رأيت عمر يأتي العيد حافيا، أعسر، أيسر، ms03 متلببا برداء قطري، مشرفا ~~على الناس كأنه على دابة، وهو يقول: «أيها الناس هاجروا، ولا تهجروا.» ~~(2) أخلاقه # ويا أبا محمد، قد رمقته، فرأيتني إذا غضبت على الرجل في الشيء أراني الرضا عنه، ~~وإذا لنت له أراني الشدة عليه. # أبو بكر ~~••• # هذا هو أظهر أخلاق عمر - رضي الله عنه - الميل الشديد إلى التوازن والمساواة؛ يخشى أن ~~يفسد الناس إذا لان، أو يرغمهم ويذلهم إذا اشتد، فيسلك طريقا وسطا بين الشدة ~~واللين. # لقد كان - رحمه الله - ورعا متقشفا زاهدا، كما كان حكيما واسع الخبرة بأخلاق ~~العرب، قوي الشكيمة، لا يتردد لحظة في إحقاق الحق وإنصاف المظلوم من ظالمه، يرى أن أحقر ~~أفراد الرعية وأكبر أمراء الدولة سواء أمام الحق، وهو صاحب القولة المشهورة في إحدى ~~خطبه: «من ظلمه أمير فلا إمرة عليه دوني!» # وقد روى لنا التاريخ عن سهره على رعيته وعدله وإنصافه وديمقراطيته شيئا كثيرا، ~~نجتزئ منه بما رواه الغزالي إذ يقول: # أرسل قيصر رسولا إلى عمر بن الخطاب، لينظر أحواله ويشاهد أفعاله، فلما دخل ~~المدينة سأل أهلها وقال: «أين ملككم؟» فقالوا: «ما لنا ملك، بل لنا أمير قد خرج ~~إلى ظاهر المدينة!» فخرج الرسول في طلبه فرآه نائما في الشمس على الأرض فوق ~~الرمل الحار وقد وضع درته كالوسادة، والعرق يسقط من جبينه إلى أن بل الأرض، ~~فلما رآه على هذه الحالة وقع الخشوع في قلبه وقال: «رجل جميع الملوك لا يقر لهم ~~قرار من هيبته، وتكون هذه حالته! ولكنك يا عمر عدلت فنمت، وملكنا يجور، فلا جرم ~~أنه لا يزال ساهرا خائفا! ~~(3) لماذا قتل؟ # ولهذا الخبر أضراب وأشباه في سيرته الحافلة، وقد ~~كان من الطبيعي جدا أن تنتهي حياة هذا العادل الساهر على مصالح رعيته بسلام، كما ~~انتهت حياة أبى بكر - رضي الله عنهما - ومهما يجهد الباحث نفسه في تلمس أسباب وجيهة ~~يعلل بها مقتله، فلن يظفر من ذلك بشيء ذي خطر؛ لقد عدل عمر، والعدل أساس الملك، وقام في ~~الناس مثالا عاليا للشرف والنزاهة والبعد عن التحيز، وتضحية ms04 كل ما أوتي من عزم وقوة ~~وصحة ووقت ومال في سبيل النفع والخير العام، فلم يكن يدور بخلد إنسان عاقل أن يغتال ~~حياة هذا الخليفة النزيه العادل المحسن، إلا إذا جاز في العقل أن يفكر الساري في تحطيم ~~مصباحه الذي ينير له الطريق، أو يقدم القاطن على هدم داره وتخريب بيته بيده! لذلك ~~نستبعد أن تكون هناك مؤامرة مدبرة ضده، وإن كنا لا نجزم باستحالة حدوثها. # وأوجز ما نعلل به موته أن نزوة طائشة - قامت برأس غلام مأفون - قضت على حياة هذا ~~المصلح الكبير! ~~(4) كيف كان مصرعه؟ # قالوا: خرج «عمر بن الخطاب» يوما يطوف في السوق، فلقيه «أبو لؤلؤة» - غلام «المغيرة ~~بن شعبة» - فقال: «يا أمير المؤمنين، أعدني على المغيرة بن شعبة، فإن علي خراجا ~~كثيرا.» # قال: «وكم خراجك؟» قال: «درهمان في كل يوم!» قال: «وإيش صناعتك؟» قال: «نجار، نقاش، ~~حداد!» قال: «فما أرى خراجك بكثير على ما تصنع من الأعمال، قد بلغني أنك تقول: «لو أردت ~~أن أعمل رحا تطحن بالريح فعلت؟!» قال: «نعم.» قال: «فاعمل لي رحا.» ~~••• # وكأنما نبهت في نفسه هذه الجملة خاطرا شريرا كان غائبا عنه وحركت فيها نزوة من ~~نزوات الإجرام، فقال موريا: «إن عشت لأعملن لك رحا يتحدث بها من في المشرق ~~والمغرب.» # ثم انصرف عنه، فقال عمر: «لقد توعدني العبد!» # قالوا بعد كلام لا يتسع هذا المقام إلى تحقيقه ومناقشته: «وقد مر على هذا الوعد ثلاثة ~~أيام.» ~~(5) يوم المصرع! # جسد لفف في أكفانه # رحمة الله على ذاك الجسد # عاتكة # وفي صبيحة اليوم التالي خرج عمر إلى صلاة الصبح، وكان يوكل بالرجال صفوفا يسوونها، ~~فإذا استوت جاء هو فكبر. # ودخل «أبو لؤلؤة» في الناس؛ في يده خنجر، له رأسان، نصابه في وسطه فضرب «عمر» ست ~~ضربات، إحداهن تحت سرته. وهي التي قتلته، وقتل معه «كليب بن أبي البكير الليثي» - وكان ~~خلفه - فلما وجد عمر حر السلاح سقط وقال: «أفي الناس عبد الرحمن بن عوف؟» قالوا: «نعم ~~هو ذا.» قال: «فتقدم فصل بالناس.» وعمر طريح! ms05 ثم احتمل فأدخل داره، فنادى عبد الله بن ~~عمر، وقال: «اخرج فانظر من قتلني؟» قال: «يا أمير المؤمنين، قتلك «أبو لؤلؤة» غلام ~~المغيرة بن شعبة.» قالوا: «فحمد الله أن لم يقتله رجل سجد لله سجدة!» # ثم جعل الناس يدخلون عليه، المهاجرون والأنصار، فيقول لهم: «أعن ملأ منكم كان هذا؟» ~~فيقولون: «معاذ الله!» # قالوا: ودعوا له بالطبيب فلم يجد للقضاء فيه حيلة، وتوفي ليلة الأربعاء - لثلاث بقين ~~من ذي الحجة سنة 23 - ودفن بكرة يوم الأربعاء في حجرة عائشة مع صاحبيه، حسبما ~~أوصى! # جزى الله خيرا من أمير، وباركت # يد الله في ذاك الأديم الممزق # فمن يسع أن يركب جناحي نعامة # ليدرك ما أوتيت بالأمس يسبق # قضيت أمورا، ثم غادرت بعدها # بوائج في أكمامها لم تفتق # أبعد قتيل بالمدينة أظلمت # له الأرض يهتز العضاه بأسوق # تظل الحصان البكر يلقي جنيها # نثا خبر فوق المطي معلق # وما كنت أخشى أن تكون وفاته # بكف «سبنتي» # 3 # أزرق العين مطرق # 4 # | هوامش # | مصرع عثمان # «كنت أحد حملة عثمان # 1 ~~- حين قتل - حملناه على باب، وإن رأسه لتقرع الباب لإسراعنا به، وإن بنا من ~~الخوف لأمرا عظيما، حتى واريناه في قبره في حش كوكب.» ~~(1) تمهيد # ما ذكرت مصرع عثمان إلا ذكرت الهول، وانتابني غم شديد على هذه الضحية - التي قادها ~~إلى الحتف وأوردها موارد التلف - بطانة السوء ورواد المغانم، وطلاب المآرب الذاتية ~~الحقيرة! هذا هو المقتول ظلما وعدوانا، المسفوك دمه بسبب حماقة جماعة من المخرقين ~~الذين لا هم لهم إلا قضاء لبانات أو شفاء حزازات. # لقد جبل الناس على ظلم من لا يظلم، والثورة على من يحدب عليهم ويرجو لهم ~~الخير. # وهم لمن لان لهم جانبه # ألذع من حيات أنباث السفا # ولقد كان عثمان - رضي الله عنه - يعرف في الناس هذا الخلق، ويعلم من طباعهم كل ما ~~يعلمه الحصيف الألمعي، ولكنه يأبى إلا التمادي في حلمه، والركون إلى طبعه، ~~وهكذا. # يتحارب الطبع الذي مزجت به # مهج الأنام وعقلهم فيفله # ألا ترى إلى حكايته، حين زاد ms06 في البيت الحرام ووسعه فابتاع من قوم وأبى آخرون؛ فثار ~~ثائره وهدم عليهم دارهم ووضع الأثمان في بيت المال؛ فصيحوا بعثمان. # أتعرف ماذا فعل؟ # أمر بهم أن يحبسوا وقال جملته المشهورة مخاطبا بها أولئك الثائرين وهي قوله: «أتدرون ~~ما جرأكم علي؟ ما جرأكم علي إلا حلمي، قد فعل هذا بكم عمر فلم تصيحوا به.» # وفي هذه الجملة ما فيها من الألم اللاذع والحسرة القاتلة، ولكن هل اقتدى بعمر في شدته ~~بعد ذلك؟ # كلا، بل عاد إلى طبعه فأخرجهم حين كلمه فيهم بعض الناس. # ولو أن عمر أو أبا بكر مكانه لما تهاونا في القصاص، ولأنزلا بهم ما يستحقون من نكال، ~~فجعلاهم عبرة للمعتبرين وأمثولة للثائرين! ~~••• # توالت الثورات على «عثمان» - رضي الله عنه - وطمع فيه الناس لحلمه، وتطاولوا عليه، ~~فلما لم يردعهم اجترأ عليه غيرهم. # وتضافرت أسباب أخرى - سنجملها في الفصل التالي - وتعاون معها قدر لا مفر منه، فانتهت ~~هذه وذاك بإهلاكه، وأدت إلى مصرعه المروع! الذي نترك لزوجته «نائلة بنت الفرافصة» ~~روايته بأسلوبها المؤثر، إذ تقول من كتابها إلى معاوية: ~~(2) كيف صرع ~~«وإني أقص عليكم خبره، لأني كنت مشاهدة أمره كله، حتى قضى الله عليه؛ إن أهل المدينة ~~حصروه في داره يحرسونه ليلهم ونهارهم، قياما على أبوابه بسلاحهم يمنعونه كل شيء قدروا ~~عليه، حتى منعوه الماء. يحضرون له الأذى، ويقولون له الإفك، فمكث هو ومن معه خمسين ~~ليلة.» # وهكذا إلى أن تقول: «ثم إنه رمي بالنبل والحجارة، فقتل ممن كان في الدار ثلاثة نفر، ~~فأتوه يصرخون إليه ليأذن لهم في القتال، فنهاهم عنه وأمرهم أن يردوا عليهم بنبلهم ~~فردوها إليهم فلم يزدهم ذلك على القتال إلا جرأة، وفي الأمر إلا إغراء. ثم أحرقوا باب ~~الدار.» # وهنا تقول: «ودخل عليه القوم يتقدمهم «محمد بن أبي بكر» فأخذوا بلحيته ودعوه باللقب. ~~فقال: «أنا عبد الله وخليفته.» # فضربوه على رأسه ثلاث ضربات، وطعنوه في صدره ثلاث طعنات، وضربوه على مقدم الجبين فوق ~~الأنف ضربة أسرعت في العظم. # فسقطت عليه وقد أثخنوه - وبه حياة ms07 - وهم يريدون قطع رأسه، ليذهبوا به فأتتني بنت شيبة ~~بن ربيعة ، فألقت نفسها معي فوطئنا وطئا شديدا. وعرينا من ثيابنا - وحرمة أمير ~~المؤمنين أعظم - فقتلوه رحمة الله عليه في بيته وعلى فراشه، وقد أرسلت إليكم بثوبه ~~وعليه دمه. وإنه والله لئن كان أثم من قتله لما سلم من خذله.» ~~(3) بعد موته # قالوا: «ونبذ عثمان - رضي الله عنه - ثلاثة أيام لا يدفن، ثم إن بعض الناس كلم عليا ~~في دفنه وطلب إليه أن يأذن لأهله في ذلك ففعل، وأذن لهم علي.» # قالوا: «فلما سمع بذلك قصدوا له في الطريق بالحجارة وخرج به ناس يسير به من ~~أهله # 2 # وهم يريدون حائطا بالمدينة كانت اليهود تدفن فيه موتاهم يقال له «حش كوكب» ~~فلما خرج به على الناس رجموا سريره، وهموا بطرحه.» # ويقول آخرون: «إنه أخرج ولم يغسل، وأرادوا أن يصلوا عليه في موضع فأبت الأنصار، وأقبل ~~عمير بن ضابئ - وعثمان موضوع على باب - فنزا عليه، فكسر ضلعا من أضلاعه وقال: «سجنت ~~ضابئا حتى مات في السجن.» ~~••• # ولولا أن تداركهم علي بن أبي طالب ونهى الناس عن التمثيل به لما علم إلا الله إلى أي ~~حد كانوا يتمادون في التمثيل به، وقد انطلق به حتى دفن في «حش كوكب». # 3 ~~(4) الأسباب التي أدت إلى مصرعه ~~(4-1) ضعفه # ألا فقد والله عبتم علي بما أقررتم لابن الخطاب بمثله، ولكنه وطئكم برجله، ~~وضربكم بيده، وقمعكم بلسانه، فدنتم له - على ما أحببتم أو كرهتم - ولنت لكم ~~وأوطأت لكم كتفي وكففت يدي ولساني عنكم، فاجترأتم علي. # عثمان # أجملنا في الفصل السابق الأسباب التي أدت إلى مصرعه ووعدنا بتفصيل أهمها في هذا ~~الفصل، ونحن ننجز وعدنا الآن: # أول الأسباب التي انتهت بعثمان - رضي الله عنه - إلى هذه الخاتمة المفجعة ضعفه ~~الشديد ولين جانبه وفرط حيائه. # لقد كان - رضي الله عنه - ذكيا فطنا عارفا بأخلاق الناس، ولكن الإرادة القوية ~~والعزيمة الجريئة والبطش بالمذنبين، وإغفال الرحمة، ونسيان كل اعتبار في سبيل تثبيت ~~الأمن وتوطيد دعائم الملك، والمضي في إنفاذ خطة ms08 جلية حازمة وتطبيق سياسة بعينها، ~~هذه هي الخلال التي كانت تنقصه، وهي وحدها الخلال الجديرة بكل حاكم يريد توطيد ملكه ~~وتثبيت دعائمه. # لم تغب عنه صفات عمر ومزاياه الباهرة، ولا ~~غفل عن تقليده في كثير من أموره، ولكن نقصته شخصية عمر القاهرة الجبارة التي تهابها ~~الناس وتلبي رغباتها وتنحني أمامها خاضعة. وتنفذ إشارتها راضخة. وتخشى أن تحيد عنها ~~قيد أنملة حتى لا تقع تحت طائلة عقابه، أو يصيبها قصاصه الذي لا ينجو منه مخطئ ولا ~~يفلت منه مسيء. # وما لنا نحاول وصف عثمان وقد رسم لنا علي - رضي الله عنه - صورة ناطقة لم تدع ~~بعدها غاية لواصفيه إذ يقول له: «الناس ورائي وقد كلموني فيك. ووالله ما أدري ما ~~أقول لك وما أعرف شيئا تجهله ولا أدلك على أمر لا تعرفه. # إنك لتعلم ما نعلم، ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه، ولا خلونا بشيء فنبلغكه. وما ~~خصصنا بأمر دونك، وقد رأيت وسمعت وصحبت رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ونلت صهره. وما ابن ~~قحافة «أبو بكر» بأولى بعمل الحق منك ولا ابن الخطاب بأولى بشيء من الخير ~~منك.» # إلى أن يقول: «فالله الله في نفسك، فإنك والله ما تبصر من عمى، وتعلم من جهل، ~~وإن الطريق لواضح بين ...» فإذا اعتذر عثمان إليه بأنه يقتفي أثر عمر أجابه «علي» ~~إجابته الموفقة إذ يقول: «سأخبرك أن عمر بن الخطاب كان كل من ولي فإنما يطأ على ~~صماخه، إن بلغه عنه حرف جلبه ثم بلغ به أقصى الغاية. وأنت لا تفعل. ضعفت ورفقت على ~~أقربائك.» # فإذا ذكر له عثمان أن معاوية كان ممن ولاه عمر مدة خلافته كلها وأنه يقتدي كذلك ~~بعمر في توليته، أبان له «علي» الفرق بين العملين، فقال: «أنشدك الله! هل تعلم أن ~~معاوية كان أخوف من عمر، من «يرفأ» غلام عمر؟» # قال: «نعم». # قال علي: «فإن معاوية يقتطع الأمور دونك وأنت تعلمها؛ فيقول للناس: «هذا أمر ~~عثمان.» فيبلغك ولا تغير على معاوية!» ~~••• # ولعل في هذه الجمل أبلغ شرح يلمس ms09 منه القارئ مواطن الضعف في عثمان رضي الله عنه، ~~التي أطمعت فيه سواه، وأدت إلى استهانة الناس بأمره! # أمثلة من جرأة الناس عليه # ولقد وصل اجتراء الناس عليه إلى أبعد الغايات. # فهذا رجل يشتمه وهو يخطب الناس على عصا النبي في جمع حاشد، ويصيح به: «قم يا ~~نعثل # 4 # فانزل عن هذا المنبر!» # 5 # ثم يأخذ العصا فيكسرها على ركبته. ~~••• # وذلك # 6 # يمر به عثمان، وهو جالس في ندى من قومه، في فناء داره، ومعه ~~جامعة # 7 # فيسلم عثمان فيرد القوم، فيقول ذلك الرجل: «لم تردون على رجل فعل ~~كذا وكذا.» # ثم يقبل على عثمان فيقول له: «والله لأطرحن هذه الجامعة في عنقك أو لتتركن ~~بطانتك هذه!» # وتدور بينهما مناقشة # 8 # يقرع فيها الخليفة أشد تقريع ويجترئ عليه أقبح اجتراء. # وهذه مؤامرة مجرمة يكشف أمرها فيحاج أفرادها - بغير السيف - ثم يطلق سراحهم ~~فيؤلبون عليه الثوار ويكونون أول من يرفع علم الثورة في وجهه. # 9 # وتلك جماعة تحصبه وهو يخطب، فإذا خر صريعا حمل إلى منزله، وهذا ابن العاص ~~يفاخره ويتطاول عليه فلا يدع له مجالا للقول، وتنتهي المناقشة بانكسار ~~عثمان. # وهذا منشوره الذي كتب به في الأمصار ينبئ عن ضعفه وفرط لينه، إذ يقول: «والله ~~لأفرشنكم عرضي، ولأبذلن لكم صبري، ولأستصلحنكم بجهدي، فلا تدعوا شيئا كرهتموه، ~~ولا يعصى الله فيكم إلا استعفيتم منه؛ أنزل فيه عندما أصبتم حتى لا يكون على ~~حجة!» # ومتى لان الخليفة للناس إلى هذا الحد صعب إرضاؤهم ووقف أطماعهم عند غاية لا ~~يعدونها. ~~(4-2) بطانة عثمان ونصحاؤه # أما بطانة عثمان ونصحاؤه فكان أكثرهم مداهنا؛ له مآرب يسعى إلى تحقيقها - كلفه ~~ذلك ما كلفه - وكان بعض نصحائه أحمق، مكروها من الناس، ولنلم مسرعين بأهم نصحائه ~~والمشيرين عليه، الذين لا يسع من يقرأ مصرع عثمان إلا أن يطيف بذهنه ما قام به كل ~~منهم من الدور الخطير الذي أدى إلى مصرعه. # ونبدأ بأولهم: # مروان الأحمق # فإنك متى أطعت مروان قتلك، ومروان ليس له عند الناس قدر ولا هيبة ms10 ولا ~~محبة! # نائلة زوج عثمان # أقل ما نصف به مروان الحماقة والاندفاع، فهو وحده أكبر دليل على صدق المثل ~~القائل «عدو عاقل خير من صديق جاهل» وعلى صحة قول ابن عبد القدوس: # ما يبلغ الأعداء من جاهل # ما يبلغ الجاهل من نفسه # حسب القارئ أن يعلم أن مروان هذا استطاع بحمقه وحمق أصحابه أن يوغر نفس «علي» ~~على عثمان، قال ابن العباس: # وقد كان علي له # 10 # صاحب صدق، حتى أوغر نفس علي عليه، جعل مروان وسعيد وذووهما ~~يحملونه على «علي» فيحتمل ويقولون: «لو شاء ما كلمك أحد.» # وذلك على أن عليا يكلمه وينصحه ويغلظ عليه في المنطق في مروان وذويه ~~فيقولون لعثمان: ~~«هكذا يستقبلك وأنت إمامه وسلفه وابن عمه وابن عمته؟ فما ظنك بما غاب عنك ~~منه؟» # قالوا: «فلم يزالوا بعلي حتى أجمع ألا يقوم دونه.» ~~••• # والحق أن عليا بذل النصح لعثمان وأبان له الخطة الرشيدة وأنقذه من مآزق ~~محرجة ولكن: # متى يبلغ البنيان يوما تمامه # إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم # ولقد قال علي قولته الشهيرة التي تدل على تألمه الشديد من تردد عثمان: «وما ~~يريد عثمان أن ينصحه أحد، اتخذ بطانة أهل غش ليس منهم أحد إلا قد تسبب بطائفة ~~من الأرض يأكل خراجها ويستذل أهلها.» # وهذه الجملة على شدتها فيها كثير من الصدق، وإن كان في آخرها شيء من ~~المغالاة. ~~••• # وماذا يصنع علي بعد أن هدأ ثائرة الناس وخفف من غلوائهم إذ أعطاهم عثمان مهلة ~~ثلاثة أيام، فلما انتهت واجتمعوا على بابه، مثل الجبال - كما يقول المؤرخون - ~~قال عثمان لمروان: «اخرج فكلمهم فإني أستحي أن أكلمهم.» # قالوا: فخرج مروان إلى الباب - والناس يركب بعضهم بعضا - فقال: «ما شأنكم؟ ~~قد اجتمعتم كأنما قد جئتم لنهب؟ شاهت الوجوه، كل إنسان آخذ بأذن صاحبه! جئتم ~~تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا؟ اخرجوا عنا، أما والله لئن رمتمونا ليمرن ~~عليكم أمر لا يسركم ولا تحمدوا غب رأيكم، ارجعوا إلى منازلكم، فإنا والله ما ~~نحن بمغلوبين على ما في أيدينا!» ~~••• # فكانت هذه ms11 الخطبة - المملوءة حمقا ورعونة - شرارة شديدة الأثر في إلهاب نار ~~الثورة. # 11 # ولئن كان مروان قد أفلح في إثارة الناس ضد عثمان بهذا الاندفاع السخيف، فقد ~~أفلح أيضا في إغضاب «علي» وتخليه عن الدفاع عن عثمان بعد أن قال له قولته المأثورة: # أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلا بتحرفك عن دينك وعن عقلك، مثل جمل ~~الظعينة يقاد حيث يسار به، والله ما مروان بذي رأي في دينه ولا في ~~نفسه! وايم الله إني لأراه سيوردك ثم لا يصدرك، وما أنا بعائد - بعد ~~مقامي هذا - لمعاتبتك، أذهبت شرفك وغلبت على أمرك. # 12 # وقد صدق علي؛ فقد أورده مروان ثم لم يصدره، وكان هذا آخر لقاء بين علي وعثمان ~~رضي الله عنهما! # عمرو بن العاص # أنا أبو عبد الله إذا حككت فرحة نكأتها، إن كنت لألقى الراعي فأحرضه على ~~عثمان. # عمرو بن العاص # 13 # ولعل هذه الجملة تمثل بوضوح - لا مزيد عليه - مقدار حقد ابن العاص عليه. ~~وكثيرا ما تظاهر له بمظهر الناصح سرا ثم جبهه علانية، ألا ترى إليه يستشيره ~~عثمان - في جماعة من صحبه - فيقول له عمرو: # أرى أنك قد ركبت الناس بما يكرهون، فاعتزم أن تعتدل، فإن أبيت فاعتزم ~~أن تعتزل، فان أبيت فاعتزم عزما وامض قدما فيه. # فإذا تفرق القوم قال عمرو: # والله يا أمير المؤمنين لأنت أعز علي من ذلك، ولكن قد علمت أن ~~سيبلغ الناس قول رجل منا، فأردت أن يبلغهم قولي فيثقوا بي فأقود إليك ~~خيرا أو أدفع عنك شرا. # أيخفى عليك ما في هذا الاعتذار من المكر والدهاء؟ ~~••• # وانظر إلى كيده وهو يصيح بعثمان على ملأ من الصاخبين المتمردين الذين وقف ~~يخطبهم عثمان: # يا أمير المؤمنين # إنك قد ركبت نهابير # 14 # وركبناها معك، فتب نتب.» ولا تنس مناقشته الجريئة لعثمان ~~التي ذكرها الطبري في الجزء الخامس (ص108) وأحب أن ترجع إليها. # ولقد حدثنا المؤرخون أنه خرج حتى نزل منزله بفلسطين فكان يقول: «والله إن كنت ~~لألقى الراعي فأحرضه عليه.» # 15 # معاوية # 16 ms12 # فلما جاء معاوية الكتاب تربص به وكره إظهار مخالفته أصحاب رسول ~~الله. # المؤرخون # ولعلك تعجب من ذكر معاوية في هذا المقام، ولكن مم العجب، وأقل ما يقال في هذا ~~الداهية أنه كان يستطيع إنقاذ عثمان من القتل وأنه أضاع هذه الفرصة عمدا وفاق ~~خطة مرسومة. # لقد استنجد به عثمان، لينقذه من مخالب الموت، ولكن شبح الخلافة لاح لمعاوية ~~فتباطأ عن نصرة عثمان، وأنساه عرض الدنيا الزائل وزخرفها الكاذب واجب الوفاء ~~والنجدة. # قالوا: لما رأى عثمان ما قد نزل به وما قد انبعث عليه من الناس كتب إلى ~~معاوية بن أبي سفيان وهو بالشام: # بسم الله الرحمن الرحيم # أما بعد، فإن أهل المدينة قد كفروا، وأخلفوا الطاعة ونكثوا البيعة، ~~فابعث إلي من قبلك من مقاتلة أهل الشام على كل صعب وذلول. # قالوا: «فلما جاء معاوية الكتاب تربص به وكره مخالفة أصحاب الرسول. وقد علم ~~اجتماعهم.» # وليس بخفي على أحد مغزى هذا الكلام وسر امتناعه عن نصرة أحق الناس ~~بنصرته. # 17 # ومن تهكمات القدر وعجائب الأيام ومضحكات العبر أن يحرض ابن العاص على قتل ~~عثمان ويتخلى معاوية عن نجدته، ثم يطالبان بدمه علي بن أبي طالب الذي أخلص له ~~النصيحة وأبان له طريق النجاة واضحا فتنكبه. # | هوامش # | مصرع علي # «هم ضربوا حيدرا # 1 # ساجدا # وحسبك من عمر إذ طعن» # أبو العلا ~~(1) تمهيد # من ذكر عليا # 2 # فقد ذكر أسمى الصفات الإنسانية؛ النزاهة، الاستقامة، الشجاعة، الصراحة، ~~النبل، القوة، الفطنة. # وإن أوجز ما يقال في علي أنه اقتبس أكبر قسط من أخلاق النبوة، وعرف كيف يستفيد من ~~أخلاق الرسول. # ربما قال قائل: «ولكن عليا كان شديد البطش، وقد ألف الناس من ليونة عثمان ما جعلهم ~~ينفرون من شدة علي.» # ذلك حق، وليت عليا - رضي الله عنه - تريث قليلا فلم يعزل بعض الولاة ويهم بعزل ~~الباقين قبل أن يستتب له الأمر، وتستقر له الخلافة، ولكنها الصراحة تأبى عليه أن يعلن ~~خلاف ما يضمر، والغيرة على الحق تدفعه إلى الذود عنه، جالبا عليه من عداوة الناس ms13 ما ~~جلب! # كان عثمان لينا فأطمع لينه الناس فيه، وكان «علي» شديدا فانتفع خصومه بهذه الشدة، ~~فاستمالوا الناس إليهم بما أتوه من دهاء وحذق، وحسبك أن تعلم أي قوتين هائلتين من قوى ~~العالم النادرة كانتا تناوئانه لتلتمس له ألف عذر! # لقد تعاونت سياسة معاوية، ودهاء ابن العاص، على استغلال صراحة علي واستقامته، فلم ~~يتركا وسيلة من وسائل المكر والحيلة إلا سلكاها، ولا دعوى من دعاوى الكيد إلا أذاعاها، ~~حتى أوهما أنصارهما أنه قاتل عثمان، وأنه مستميت في طلب الخلافة، بل نحلاه ما هو أكثر ~~من ذلك وأشنع، وألصقا به من الصفات ما يعلمان علم اليقين أنه أبعد الناس عنه، وأشدهم ~~براءة منه. # حسب القارئ أن يذكر المثال التالي، ليعرف مدى دعايتهما ومقدار ما تحدثه مثل هذه ~~المفتريات في نفوس الناس وفي إلهاب قلوبهم حماسا وبغضا لعلي! # قال بعض من شهد تلك المعارك الهائلة: ~~«فإنهم لكذلك إذ خرج عليهم فتى شاب وهو يقول: # أنا ابن أرباب الملوك غسان # والدائن اليوم مدين عثمان # إني أتاني خبر فأشجان # أن عليا قتل ابن عفان # ثم يشد، فلا ينثني حتى يضرب بسيفه، ثم يشتم ويلعن ويكثر الكلام، فقال له «هاشم بن ~~عتبة»: «يا عبد الله إن هذا الكلام بعده الخصام، وإن هذا القتال بعده الحساب، فاتق الله ~~فإنك راجع إلى الله فسائلك عن هذا الموقف، وما أردت به.» # قال: «فإني أقاتلكم لأن صاحبكم # 3 # لا يصلي، كما ذكر لي، وأنتم لا تصلون أيضا، وأقاتلكم لأن صاحبكم قتل ~~خليفتنا وأنتم أردتموه على قتله.» # 4 # فانظر إلى أي مدى طوح بهما الكيد لعلي بن أبي طالب والرغبة في تأليب الناس ~~عليه! # على أن عليا ظل منتصرا - رغم كل هذه الدسائس - وكاد يتم له الأمر لولا حيلة ابن ~~العاص التي لجأ إليها أخيرا، حين رفع المصاحف ودعا عليا إلى التحكيم، فافترق أصحابه ~~شيعا، ودب في صفوفهم دبيب الشقاق والفتنة، وانتهى الأمر بمصرعه المروع. ~~(2) ليلة المصرع وساعة الهول # قال محمد بن الحنفية: «كنت والله، وإني لأصلي تلك الليلة التي ms14 ضرب فيها علي، في ~~المسجد الأعظم - في رجال كثير من أهل المصر - يصلون قريبا من السدة، ما هم إلا قيام ~~وركوع وسجود، وما يسأمون، من أول الليل إلى آخره، إذ خرج علي لصلاة الغداة ، فجعل ينادي: ~~«أيها الناس، الصلاة، الصلاة»، فما أدري أخرج من السدة فتكلم أم لا. # فنظرت إلى بريق وسمعت: «الحكم لله يا علي، لا لك ولا لأصحابك!» فرأيت سيفا، ثم رأيت ~~ثانيا، ثم سمعت عليا يقول: «لا يفوتنكم الرجل!» وشد الناس عليه من كل جانب. # قال: «فلم أبرح حتى أخذ «ابن ملجم» وأدخل على «علي»، فدخلت - فيمن دخل الناس - فسمعت ~~عليا يقول: «النفس بالنفس» إن أنا مت فاقتلوه كما قتلني، وإن بقيت رأيت فيه ~~رأيي!» ~~(2-1) وصاياه قبل موته # وقبل أن تفيض روحه الطاهرة إلى بارئها، نقية بارة رسم لبنيه صورة يحتذونها، أوجز ~~ما نصفها به أنها تمثل منزعه، وتصف ما امتازت به نفسه من خلال عالية وأخلاق سامية ~~فريدة، هي جماع الفضائل: # قالوا: إن أحد الناس قد دخل عليه فسأله: «يا أمير المؤمنين، إن فقدناك - ولا ~~نفقدك - فنبايع الحسن؟» # فقال: «ما آمركم ولا أنهاكم، أنتم أبصر!» # فرد عليه مثلها. # فدعا حسنا وحسينا، فقال: «أوصيكما بتقوى الله، وألا تبتغيا الدنيا - وإن بغتكما ~~- ولا تبكيا على شيء زوى عنكما، وقولا الحق، وارحما اليتيم، وأغيثا الملهوف، واصنعا ~~للآخرة، وكونا للمظلوم ناصرا، واعملا بما في الكتاب، ولا تأخذكما في الله لومة ~~لائم.» قالوا: ثم نظر إلى محمد بن الحنفية، فقال: «هل حفظت ما أوصيت به أخويك؟» ~~قال: «نعم!» # قال: «فإني أوصيك بمثله، وأوصيك بتوقير أخويك لعظيم حقهما عليك فاتبع أمرهما، ولا ~~تقطع أمرا دونهما!» # ثم قال: «أوصيكما به، فإنه شقيقكما وابن أبيكما، وقد علمتما أن أباكما كان يحبه ~~...» وهكذا إلى آخر هذه الوصية الثمينة. # وصيته الأخيرة # قالوا: فلما حضرته الوفاة أوصى فكانت وصيته: # بسم الله الرحمن الرحيم # هذا ما أوصى به «علي بن أبي طالب»، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ms15 ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون. ثم إن صلاتي ونسكي ومحياي ~~ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا من ~~المسلمين. # ثم أوصيك يا حسن، وجميع ولدي وأهلي، بتقوى الله ربكم ولا تموتن إلا ~~وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، فإني سمعت أبا ~~القاسم # صلى الله عليه وسلم # يقول: «إن صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة ~~والصيام!» # انظروا إلى ذوي أرحامكم فصلوهم، يهون عليكم الحساب، الله الله في ~~الأيتام، فلا تعنوا أفواههم، ولا يضيعن بحضرتكم، والله الله في ~~جيرانكم، فإنهم وصية نبيكم # صلى الله عليه وسلم ~~، ما زال يوصي به حتى ظننا أنه ~~سيورثه، والله الله في القرآن فلا يسبقنكم إلى العمل به غيركم ... # وهكذا إلى أن يقول: # والله الله في الفقراء والمساكين، فأشركوهم في معايشكم، والله الله ~~فيما ملكت أيمانكم ...» ثم يقول: «ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، فيولى الأمر شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم، وعليكم بالتواصل ~~والتبادل وإياكم والتدابر والتقاطع والتفرق، وتعاونوا على البر والتقوى ~~ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، واتقوا الله؛ إن الله شديد العقاب! ~~حفظكم الله من أهل بيت وحفظ فيكم نبيكم، أستودعكم الله، وأقرأ عليكم ~~السلام ورحمة الله! # الجملة الأخيرة # قالوا: «ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله.» حتى قبض، وهكذا انتهت حياة هذا ~~البطل، وختم تاريخه الحافل بجلائل الأعمال! ~~(3) أهم الأسباب التي أدت إلى مصرعه # يا معاوية! إنه والله لا يخفى علينا ما تغزو وما تطلب؛ إنك لم تجد شيئا تستغوي ~~به الناس، وتستميل به أهواءهم، وتستخلص به طاعتهم إلا قولك: «قتل إمامكم مظلوما، ~~فنحن نطلب بدمه.» فاستجاب له سفهاء طغام، وقد علمنا أن قد أبطأت عنه بالنصر، وأحببت ~~له القتل لهذه المنزلة التي أصبحت تطلب! ورب متمني أمر وطالبه، الله - عز وجل - ~~يحول دونه بقدرته، وربما أوتي المتمني أمنيته، وفوق أمنيته. ووالله ما لك في واحدة ~~منها خير! # لئن أخطأت ما ترجو، إنك لشر العرب حالا في ذلك، ولئن ms16 أصبت ما تمنى، لا تصبه حتى ~~تستحق من ربك صلي النار، فاتق الله يا معاوية ودع ما أنت عليه ولا تنازع الأمر ~~أهله! # ابن ربعي التميمي ~~(3-1) دم عثمان # أنطل # 5 # دم عثمان؟ لا والله، لا أفعل ذلك أبدا؟ # بهذه الجملة وأشباهها يرد معاوية على كل من ينشده العدل ويطلب إليه «أن يعدل عن ~~فتنته التي أثارها، ويتقي الله في تفرق جماعة هذه الأمة وسفك دمائها بينها.» # وبهذا السلاح الماضي الأخاذ بالأبصار يستميل الناس إليه ويؤلب جموعهم ضد «علي» ~~وأشياع «علي» وأنصاره، كأنما لا هم له من الدنيا إلا الثأر لعثمان وحده، ولا غرض له ~~في خلافة أو ملك! # وبهذا المعول القوي يهدم كل دعوة للتوفيق، ويدك كل صرح للوئام من أساسه، فتذهب ~~جهود المخلصين والراغبين في حقن دماء المسلمين سدى، ويسد الطريق سدا على كل خطيب ~~بليغ، ويرد به على كل حجة، بالغة ما بلغت من الأصالة والصدق! # فإذا قال له وفد «علي»: «يا معاوية، إن الدنيا عنك زائلة وإنك راجع إلى الآخرة ~~وإن الله - عز وجل - محاسبك بعملك وجازيك بما قدمت يداك، وإني أنشدك الله عز وجل أن ~~تفرق جماعة هذه الأمة، وأن تسفك دماءها بينها.» # أسرع معاوية فقطع عليه الكلام، وقال له: «هل أوصيت بذلك صاحبك؟» # فإذا أجابه: «إن صاحبي ليس مثلك، إن صاحبي أحق البرية كلها بهذا الأمر، في الفضل ~~والدين والسابقة في الإسلام والقرابة من الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~!» قال له معاوية: «فيقول ~~ماذا؟» فإذا أجابه بقوله: «يأمرك بتقوى الله عز وجل، وإجابة ابن عمك إلى ما يدعوك ~~إليه من الحق، فإنه أسلم لك في دنياك وخير لك في عاقبة أمرك.» # ارتبك معاوية، ولم يبق أمامه ما يبرر به إحداث هذه الفتنة الشعواء التي أوقد ~~نارها، وأشعل ضرامها في سبيل الخلافة، وضحى من أجلها بالألوف من أرواح المسلمين ~~البريئة، وثمة يقذف بهذا الحجر في وجه ناصحه فيقول له: «ونطل دم عثمان رضي الله ~~عنه؟ لا والله لا أفعل ذلك أبدا.» # وبذلك يبرر سلوكه وتمرده ms17 على الخليفة «علي» ويتظاهر بالغيرة على دم عثمان أن يطل، ~~ويذهب دون أن يثأر له، وقد كان - بالأمس - يتباطأ عن حقنه، وصون حياة صاحبه وهو ~~يستنجده فيصم أذنيه عن سماع دعوته، ولا يخف لنجدته، كما يخف الآن للانتقام ممن ~~يزعمهم قاتليه! # فإذا توادع القوم - يوم صفين - واختلفت الرسل فيما بين علي ومعاوية كان رده على ~~الوفود شبيها برده على سابقيهم من قبل. # 6 # فباسم المطالبة بدم عثمان أهدر دماء المسلمين، وباسم المطالبة بدم عثمان اندلعت ~~نيران الفتنة فالتهمت جمهرة من أبطال المسلمين وقادة الرأي فيهم، وباسم المطالبة ~~بدم عثمان ستر معاوية وابن العاص وأشياعهما أطماعهم وأغراضهم السياسية وألبوا ~~الجموع الزاخرة على «علي بن أبي طالب». ~~(3-2) الدسائس # لم يكتف معاوية وأشياعه بهذا السلاح وحده في محاربة «علي». بل عززوه بأسلحة أخرى ~~أهمها سلاح الدس والإيقاع بين أنصار علي، ولم تكن الحرب بينهما - على الحقيقة - إلا ~~سلسلة متصلة من الحلقات من دسائس معاوية وابن العاص، وحسب القارئ أن يعلم أن معاوية ~~لم يترك وسيلة من وسائل الإيقاع والدس للوصول إلى إربته والنكاية بخصمه إلا سلكها ~~بلا تردد. # ألا ترى إليه يحاول استمالة «قيس بن سعد» الذي ولاه «علي» على مصر، فإذا أخفق في ~~سعيه ويئس من استمالته إليه لجأ إلى الدس، فأشاع في الشام أن والي مصر على اتفاق ~~معه، ثم عمل دائبا على نشر هذه الإشاعة وتقويتها حتى يحسبها الناس حقا لا مراء ~~فيه؛ فإذا بلغ عليا ذلك عزله وولى محمد بن بكر مكانه! # بل هو يحاول الإيقاع جهرة بين اثنين من ولد علي حين قطع أحدهما على الآخر قوله ~~ليرد على معاوية، فأراد معاوية أن ينتهز هذه الفرصة للإيقاع بينهما فأخفق، ولا تنس ~~حكاية المصاحف التي أوقعت الفرقة في صفوف أنصار «علي» وفرقتهم شيعا، وحكاية ابن ~~العاص وأبي موسى الأشعري، التي زادت في الانقسام والتفرقة، فليست كل هذه إلا آثارا ~~ناطقة شاهدة بما للقوم من دهاء ومكر وقدرة على استغلال الظروف والإيقاع بين ~~الناس! ~~(3-3) شدة علي # أما شدة ms18 علي فقد أشرنا إليها في كلمتنا السابقة ولا نراها في حاجة إلى الإسهاب ~~فيها، فقد عرفت أن عليا كان لا يتسامح في الحق ولا يقبل فيه لومة لائم، وكان ~~يحاسب على القطمير، وقد بدأ عمله بعزل كثير من الولاة قبل أن يستتب له الأمر، ونحب ~~أن نضيف إلى ما أسلفناه مثلا واحدا نجتزئ به عن أمثلة كثيرة: # قال ابن أبي رافع - وكان خازنا لعلي على بيت المال: «دخل «علي» يوما، وقد زينت ~~ابنته، فرأى عليها لؤلؤة من بيت المال كان قد عرفها، فقال: «من أين لها هذه؟ لله ~~علي أن أقطع يدها!» # قال ابن أبي رافع: «فلما رأيت جده في ذلك، قلت: «أنا والله يا أمير المؤمنين زينت ~~بها ابنة أخي، ومن أين كانت تقدر عليها، لو لم أعطها.» فسكت.» # فإذا أضفنا - إلى ذلك - اعتماده على نفسه وعدم استشارته سواه من أولي الرأي، مما ~~أحقد عليه أمثال طلحة والزبير فنقضا بيعته وانضما إلى السيدة «عائشة» التي شبت أول ~~نيران الفتنة في موقعه «الجمل»، وأضفنا إلى ذلك حذق معاوية في اكتساب قلوب الناس ~~واجتذابهم إليه، وبغض السيدة عائشة - رضي الله عنها - لعلي بعدما أبداه من الرأي في ~~حادثة الإفك من قبل، وذكرنا ما أبداه معاوية من المهارة السياسية في استرداد مصر ~~وأخذ الحرمين واليمن أثناء انشغال علي بالخوارج، نقول: إذا ذكرنا هذه الأسباب سهل ~~علينا أن نفهم سر هذه الفتنة الشعواء التي انتهت بقتل علي. وقد كانت - لولا عجائب ~~القدر - منتهية بقتل معاوية وابن العاص أيضا، ولكنه القدر المحتوم والأجل الذي لا ~~مفر منه قد انتهى ولا راد لقضاء الله، قالوا: اجتمع «ابن ملجم» و«البرك بن عبد ~~الله» و«عمرو بن بكر التميمي» فتذاكروا أمر الناس، وعابوا على ولاتهم، ثم ذكروا أهل ~~النهر، فترحموا عليهم، وقالوا: «ماذا نصنع بالبقاء بعدهم شيئا، إخواننا الذين ~~كانوا دعاة الناس لعبادة ربهم، والذين كانوا لا يخافون في الله لومة لائم، فلو ~~شرينا أنفسنا، فأتينا أئمة الضلالة فالتمسنا قتلهم فأرحنا منهم البلاد وثأرنا بهم ~~إخواننا.» # فقال ابن ms19 ملجم: «أنا أكفيكم علي بن أبي طالب.» وكان من أهل مصر، وقال البرك بن ~~عبد الله: «أنا أكفيكم معاوية بن أبي سفيان.» وقال عمرو بن بكر: «أنا أكفيكم عمرو ~~بن العاص.» # فتعاهدوا وتواثقوا بالله لا ينكص رجل منا عن صاحبه الذي توجه إليه حتى يقتله أو ~~يموت دونه؛ فأخذوا أسيافهم فسموها، واتحدوا لسبع عشرة تخلو من رمضان أن يثب كل واحد ~~منهم على صاحبه الذي توجه عليه، وأقبل كل رجل منهم إلى المصر الذي فيه صاحبه الذي ~~يطلب. # فأنت ترى أن قتل هؤلاء الزعماء الثلاثة «علي ومعاوية وابن العاص» كان أمرا ~~مقررا محتوما. وأن القدر وحده هو الذي حال دون هذه الخاتمة، وأنقذت تصاريفه ~~العجيبة «معاوية وابن العاص» ولم يمت من بين هؤلاء إلا «ابن أبي طالب» رضي الله ~~عنه. # 7 # فقد رووا أن «البرك بن عبد الله» قعد لمعاوية في الليلة التي ضرب فيها علي، فلما ~~خرج معاوية ليصلي (الغداة) شد عليه بسيفه فوقع في إليته، فأخذ، فقال: «إن عندي ~~خبرا أسرك به، فإن أخبرتك فنافعي ذلك عندك؟» قال: «نعم» قال «إن أخا لي قتل ~~عليا في مثل هذه الليلة.» قال: «فلعله لم يقدر على ذلك؟» قال: «بلى، إن عليا ~~يخرج ليس معه من يحرسه.» فأمر به معاوية فقتل. وبعث معاوية إلى طبيبه؛ فلما نظر ~~إليه قال: «اختر إحدى خصلتين: إما أن أحمي حديدة فأضعها موضع السيف، وإما أن أسقيك ~~شربة تقطع منك الولد وتبرأ منها؛ فإن ضربتك مسمومة.» فقال معاوية: «أما النار فلا ~~صبر لي عليها، وأما انقطاع الولد فإن في «يزيد وعبد الله» ما تقر به عيني.» فسقاه ~~تلك الشربة فبرأ ولم يولد له بعدها. # 8 # وكان ذلك كل ما لقيه معاوية من الجزاء على هذه الفتنة التي سعر نارها وأذكى ~~أوارها. # أما «عمرو بن العاص» فقد جلس له «عمرو بن بكر» تلك الليلة، ولكن «ابن العاص» لم ~~يخرج تلك الليلة، وكان اشتكى بطنه، فأمر «خارجة بن حذافة» - وكان صاحب شرطته - فخرج ~~ليصلي فقتله «عمرو بن بكر» ms20 فأخذه الناس فانطلقوا به إلى عمرو يسلمون عليه بالإمرة، ~~فقال: «من هذا؟» قالوا: «عمرو» قال: «فمن قتلت!» قالوا: «خارجة بن حذافة» قال: «أما ~~والله يا فاسق ما ظننته غيرك!» # فقال عمرو: «أردتني وأراد الله خارجة.» فقدمه عمرو فقتله؟ # فليتها إذ فدت عمرا بخارجة # فدت عليا بما شاءت من البشر # ولكن: # تقفون والفلك المسخر دائب # وتقدرون فتضحك الأقدار # | هوامش # | مصرع الوليد الثاني # ويا دهر لحاك الله # ما هنأت فرحانك # أبو العلاء ~~«ويقال إنه لما أحيط به دخل القصر وأغلق بابه، وقال: # دعوا لي «هندا» و«الرباب» و«فرتنى» # ومسمعة، حسبي بذلك مالا # خذوا ملككم، لا ثبت الله ملككم # فليس يساوي - بعد ذاك - عقالا # وخلوا سبيلي (قبل عير وما جرى # 1 ~~) # ولا تحسدوني أن أموت هزالا # فألب عن تلك المنزلة أي ألب، ورؤي رأسه في فم كلب كذلك نقل بعض الرواة، والله القائم ~~بجزاء الغواة. # رسالة الغفران ~~(1) إلمامة تاريخية # ما ذكرت مصرع الوليد، # 2 # إلا ذكرت معه مصرع الدولة الأموية الوشيك، وذكرت كيف تنجز الثورات الداخلية ~~ما عجزت عنه الثورات الخارجية، وكيف تقضي الحروب الأهلية على دولة قوية لها ماض مجيد في ~~الفتوحات والانتصارات الباهرة، بعد أن تمكنت من البطش بأقوى الثائرين وأشدهم مراسا ~~وأصلبهم عودا. # ولكن المطامع والأحقاد التي شبت في جوانح أفراد هذه الأسرة - في عهد الوليد وبعده - ~~عرفت كيف تنهك هذه الدولة وتقودها إلى الدمار، ثم تسلمها لقمة سائغة - بعد قليل من ~~الزمن - إلى العباسيين المتطلعين إلى الملك. # ولقد تنبأ العباس «ابن عم الوليد» بهذه العاقبة، ودل على أصالة رأيه وبعد نظره، إذ ~~عنف أخاه يزيد أشد تعنيف، وحذره من إثارة الفتن حين رآه متطلعا إلى الخلافة راغبا في ~~الانقضاض على الوليد، وأغلظ له القول، ثم تمثل قائلا: # إني أعيذكم بالله من فتن # مثل الجبال، تسامي، ثم تندفع # إن البرية قد ملت سياستكم # فاستمسكوا بعمود الدين وارتدعوا # لا تلحمن ذئاب الناس أنفسكم # إن الذئاب ما ألحمت رتعوا # لا تبقرن بأيديكم بطونكم # فثم لا حسرة تغني ولا جزع! # ولقد صحت نبوءته، وتحقق ms21 صدق ما تمثل به من الشعر، ووقع كل ما قال. ~~••• # لقد أساء يزيد بن عبد الملك إلى ابنه الوليد عن غير ما قصد أيما إساءة، إذ أسند الأمر ~~- من بعده - إلى أخيه هشام، ثم أدرك خطأه وندم أشد الندم ولكن بعد فوات الفرصة. # فقد استخلف أخاه هشاما حين بلغ «الوليد» إحدى عشرة سنة، فلما بلغ خمس عشرة، ندم على ~~تسرعه. # قالوا: وكان إذا نظر إلى ابنه الوليد قال: «الله بيني وبين من جعل هشاما بيني ~~وبينك.» # وفي هذه الجملة كل معاني الحسرة والندم! # وبعد أن مات «يزيد بن عبد الملك» بدأ هشام بتعظيم الوليد، ثم داخله الطمع فأراد ~~استخلاف ابنه بعده، فلما رأى الوليد حجر عثرة في طريق مطامعه أراده على ذلك، فأبى، فطلب ~~إليه أن يستخلف ابنه بعد خلافته، فأبى الوليد ذلك أيضا. # هنا حقد هشام على ابن أخيه، وتنمر للوليد، وأخذ يملأ الدنيا عليه تشنيعا ثم أقصاه ~~عنه، واضطهد أصدقاءه والمقربين إليه، ونكل ببعضهم تنكيلا، # 3 # ومات هشام وفي فؤاده حسرة من الوليد. # 4 # فلما آل الأمر للوليد كان أول همه الانتقام والتمثيل بأعدائه حتى كال لهشام المد ~~صاعا، # 5 # وانتقم لنفسه من أبناء أخيه وأهله وأنصاره انتقاما أحفظ عليه أسرته، وما ~~زال يمعن في التنكيل بأعدائه، وهم يمعنون في التشهير به ونشر الدعاية ضده وعلى رأسهم ~~«يزيد بن الوليد» الذي اتخذ - من ظهوره بالنسك أمام الناس ومحبتهم إياه - وسيلة ~~لتبغيضهم في الوليد، فما ترك فرصة للتشنيع عليه إلا انتهزها، ولا عرض ذكره إلا لقبه ~~بالفاسق. # قالوا: وكان يظهر النسك، ويتواضع ويقول: «ما يسعنا الرضا بالوليد!» حتى أدرك إربته، ~~وألب الناس ضده، رافعا أمامهم علم الثورة التي انتهت بالفتك بالوليد، وانتقال الأمر ~~إلى يزيد. # وهكذا تضافرت الظروف على إهلاك الوليد ونال أعداؤه منه ما يريدون، وقد يمكن تلخيصها ~~جميعا فيما يلي: ~~(1) # تهتك الوليد واستهتاره، وميله الشديد إلى مراغمة الناس ومجاهرته بعصيانه ~~وآثامه، واحتقار ما تواضعوا على احترامه. ~~(2) # استغلال خصومه هذه الناحية منه وإذاعة سوآته مكبرة مبالغا فيها، نافخين ms22 ~~في أبواق الفتنة، مستثيرين حمية الناس لتنفيرهم منه، وكان ألد خصومه وأشدهم ~~تشهيرا به اثنان: هشام قبل خلافة الوليد، ويزيد بعدها. ~~(3) # ثقة الوليد بنفسه وشدة اعتداده بقوته، إلى حد أغفل معه كل احتياط لدرء ~~الفتنة والقضاء على دسائس خصومه وهي في مهدها، قبل أن تستفحل وتصل إلى هذا ~~الحد. ~~(2) الثورة: شجاعة الوليد # قالوا: «كان الوليد شديد البطش، طويل أصابع الرجلين، وكان يوتد له سكة حديد فيها خيط، ~~ويشد الخيط في رجله ثم يثب على الدابة فينتزع السكة ويركب، ما يمس الدابة بيده.» # قالوا: «ولما اندلعت نيران الثورة التي شبها «يزيد بن الوليد» علم وبلغه ذلك، أمر ~~أصحابه فأخرجوا سريرا، وجلس عليه، وقال: أعلي توثب الرجال، وأنا أثب على الأسد، وأتخصر ~~الأفاعي؟» ~~••• # وهذا قليل من كثير مما يحدثنا به التاريخ عن شجاعته ورباطة جأشه، ولكن ماذا تجديه ~~شجاعته في مثل هذا المأزق الحرج؟ وماذا تغنيه قوته ورباطة جأشه أمام هذه الجموع الزاخرة ~~المتألبة عليه؟ # ماذا يفعل وقد خذله أنصاره، وتفرق عن نصرته رجاله، وتم الأمر - أو كاد - لخصمه «يزيد ~~بن الوليد» الذي عرف كيف يشهر به، ويذيع مخازيه وآثامه مكبرة مجسمة في الآفاق؛ حتى بلغ ~~إربته، وبايعه أكثر الناس؟ # ليس أمامه غير الهزيمة، ولكنه لم يشأ أن يتعجلها، وأبى إلا الثبات لعل فيه فرجا، ولم ~~تخنه شجاعته في هذا الظرف العصيب فخرج محاربا مستبسلا في دفاعه. # وقد ظاهر بين درعين - كما يقول المؤرخون - وأتوه بفرسيه «السندي» و«الزائد» فقاتل ~~أعداءه قتالا شديدا. ~~(3) انخذال الوليد # ولكن رجلا من أعداء الوليد ناداهم: «اقتلوا عدو الله قتلة قوم لوط، ارموه ~~بالحجارة!» # فلم يكد يسمع ذلك، حتى شعر بالخيبة، وأدرك أن أمره وشيك الزوال، وعلم أن ليس في ~~استطاعته أن يصد هذه الجموع المتألبة الملتهبة حماسا، وأن الدفاع في هذا الموطن معناه ~~الدمار. # فلجأ مضطرا إلى الانسحاب، فدخل القصر وأغلق الباب، ولكن أعداءه أحاطوا ~~بالقصر. ~~(4) محاسبة الوليد # قالوا: فلما رأى الوليد هذه الجموع الزاخرة دنا من الباب فقال: «أما فيكم رجل شريف له ~~حسب وحياء أكلمه؟» ms23 # فقال له أحدهم: «كلمني.» # فقال له: «من أنت؟» # قال: «أنا يزيد بن عنبسة السكسكي!» # قال: «يا أخا السكاسك، ألم أزد في أعطياتكم؟ ألم أرفع المؤن عنكم؟ ألم أعط فقراءكم؟ ~~ألم أخدم زمناكم؟» # فقال: «إنا ما ننقم عليك في أنفسنا، ولكن ننقم عليك في انتهاك ما حرم الله وشرب ~~الخمر، وإتيان أولاد أمهات أبيك واستخفافك بأمر الله!» # قال: «حسبك يا أخا السكاسك، فلعمري لقد أكثرت وأغرقت وإن فيما أحل لي لسعة!» # ثم قال: «لعمري لقد أكثرتم وأغرقتم! أما والله لا يرتق فتقكم، ولا يلم شعثكم، ولا ~~تجمع كلمتكم!» ~~(5) الساعة الأخيرة # تقسم كسرى رهطه بسيوفهم # وأمسى أبو العباس # 6 # أحلام نائم # وقد كان لا يخشى انقلاب مكيدة # عليه ولا جري النحوس الأشائم # مقيما على اللذات حتى بدت له # وجوه المنايا حاسرات العمائم! # وقد ترد الأيام غرا، وربما # وردن كلوحا، باديات الشكائم! # بشار بن برد # وكذلك حان مصرع الوليد، ودقت ساعته الأخيرة، مؤذنة بذهابه من هذا العالم إلى العالم ~~الثاني. # وهنا يحدثنا الرواة؛ فيقول أحدهم: إن الوليد رجع إلى الدار، فجلس وأخذ مصحفا وقال: ~~«يوم كيوم عثمان.» ونشر المصحف يقرأ. # وفي هذا المنظر ما فيه من الروعة، إذا تمثلنا المنظر الآخر المقابل له، وأجلنا الفكر ~~فيما بين الموقفين من التباين الشديد. # فهو هنا يتعزى بقراءة المصحف وهو يشعر بدنو أجله وقرب ساعته الأخيرة. # وهو هناك يقرأ المصحف شامخا مستكبرا تائها - وأمره في تمامه - فيرى فيه قوله ~~تعالى: # واستفتحوا وخاب كل جبار ~~عنيد ~~. # فيشتعل غيظا وحقدا، وتأخذه العزة بالإثم، فيمزق المصحف ويلقي به إلى الأرض ويخرقه ~~بالنشاب، ثم ينشد غاضبا: # أتوعد كل جبار عنيد # فها أنا ذاك جبار عنيد # إذا ما جئت ربك يوم حشر # فقل يا رب، مزقني الوليد! # وشتان ما بين المنظرين!! ~~••• # على أن الوليد لم يلبث أن عاوده شيء من صلفه وشجاعته، فلم يرض لنفسه استخذاء الذليل ~~أمام الموت. # قال أبو العلاء يحدثنا - في رسالة الغفران - عن الوليد في هذه الساعة: # ويقال إنه لما أحيط به دخل القصر وأغلق بابه، وقال: ms24 # دعوا لي «هندا» والرباب «فرتني» # ومسمعة، حسبي بذلك مالا # خذوا ملككم - لا ثبت الله ملككم - # فليس يساوي بعد ذاك عقالا # وخلوا سبيلي (قبل عير وما جرى) # ولا تحسدوني أن أموت هزالا # فألب عن تلك المنزلة أي ألب، ورؤي رأسه في فم كلب! ~~(6) كيف قتل: رواية شاهد عيان # قال من شهد هذا المنظر المروع: «نظرت إلى شاب طويل على فرس؛ فدنا من حائط القصر فعلاه ~~ثم صار إلى داخل القصر! فدخلت القصر، فإذا الوليد قائم في قميص قصب، وسراويل موشى، ومعه ~~سيف في غمد، والناس يشتمونه.» # وقال شاهد آخر: وكان أول من علا الحائط هو عنبسة السكسكي؛ فنزل إليه وسيف الوليد إلى ~~جنبه، فقال له: «نح سيفك.» # فأجابه الوليد: «لو أردت السيف لكانت لي ولك حالة غير هذه.» فأخذ الوليد، فنزل من ~~الحائط عشرة. # قال بعض الرواة: ومضى الوليد يريد الباب؛ فضربه أحدهم على رأسه، وتعاوره الناس ~~بأسيافهم، فقتل. # وطرح أحدهم نفسه عليه يحتز رأسه. # 7 ~~(7) كيف مثلوا به؟ # قالوا: وأقبل آخر فسلخ من جلد الوليد قدر الكف. ثم انتهب الناس عسكره وخزائنه. # وقد أمر «يزيد» بتنصيب الرأس؛ فقال له بعض خواصه (واسمه ابن فروة): «إنما تنصب رءوس ~~الخوارج، وهذا ابن عمك وخليفة! ولا آمن - إن نصبته - أن ترق له قلوب الناس فيغضب له أهل ~~بيته!» # فقال: «والله لأنصبنه!» # ونصبه على رمح، ثم قال: «انطلق، فطف به مدينة دمشق، وأدخله دار أبيه.» # ففعل، وثم صاح الناس وأهل الدار وانزعجوا من ذلك أشد الانزعاج. # وكذلك أسدل الستار على حياة هذا المستهتر الجبار! ~~(8) خلاعة الوليد واستهتاره # قلنا في الفصل السابق إن أول الأسباب التي تضافرت على إهلاك الوليد خلاعته وتفانيه في ~~لهوه وفجوره، ووعدنا في ختامه بالإلمام بطائفة من مخازيه وآثامه، وليس يسعنا أن نبر ~~بهذا الوعد، دون أن نضطر إلى ذكر كثير من الأشياء التي ينبو عنها الذوق، وتأباها الآداب ~~الكريمة، لهذا تجاوزنا عن كثير من فحشه، وألممنا بما يمكننا الإلمام به من مخزيات هي - ~~على شناعتها - أقل ما اقترفه من الدنايا، ms25 وهي - على إمعانها في الفجر - أيسر من غيرها ~~وأخف على النفس من سواها. ~~(8-1) أبو الوليد # وإذا صدق القائل: # هذي العصا من هذه العصية # لا تلد الحية إلا حية! # فما أصدق هذا القول، وما أشد انطباقه على الوليد وأبيه معا، فقد حدثنا المؤرخون ~~عن نزعة أبيه إلى اللهو والقصف، وشغفه بحبابة المغنية واشتهاره بذكرها، بما فيه من ~~الكفاية، قالوا: # كان يزيد «أبو الوليد» قد حج أيام سليمان أخيه، فاشترى «حبابة» بأربعة آلاف ~~دينار، فقال سليمان: «لقد صممت أن أحجر على يزيد!» # فلما سمع يزيد ردها فاشتراها رجل من أهل مصر. # فلما أفضت الخلافة إليه قالت له امرأته «سعدة»: «هل بقي من الدنيا شيء ~~تتمناه؟» # فقال: «نعم، حبابة!» قالوا: # فأرسلت فاشترتها وصنعتها، وأتت بها يزيد، وأجلستها من وراء الستر. # فقالت: «يا أمير المؤمنين، أبقي من الدنيا شيء تتمناه؟» # قال: «أعلمتك.» # فرفعت الستر وقالت: «هذه حبابة.» وقامت وتركتها عنده فحظيت سعدة عنده ~~وأكرمها! # وقال يوما، وقد طرب بغناء حبابة: «دعوني أطير.» وأهوى ليطير. # فقالت: «يا أمير المؤمنين، إن لنا فيك حاجة!» فقال: «والله لأطيرن.» فقالت: «فعلى ~~من تدع الأمة والملك؟» قال لها: «عليك والله.» وقبل يدها، فخرج بعض خدمه وهو يقول: ~~«سخنت عينك ما أسخفك!» # قالوا: «وخرجت معه إلى ناحية الأردن ~~يتنزهان، فرماها بحبة عنب فاستقبلتها بفيها فدخلت حلقها، فشرقت بها وماتت، فتركها ~~ثلاثة أيام لا يدفنها؛ حتى نتنت وهو يشمها وينظر إليها ويبكي، فلما دفنت بقي بعدها ~~خمسة عشر يوما ومات، ودفن إلى جانبها!» ~~(8-2) مؤدب الوليد # قالوا: «وكان عبد الصمد بن عبد الأعلى مؤدبا للوليد، وكان زنديقا فحمل الوليد ~~على الشراب والاستخفاف بدينه.» ~~(8-3) ندمان الوليد # قالوا: «ولما ولي الوليد لم يزدد من الذي كان فيه - من اللهو والركوب للصيد وشرب ~~الخمر ومنادمة الفساق - إلا تماديا.» # وإذا صدق القائل: # عن المرء لا تسأل، وسل عن قرينه # فكل قرين بالمقارن يقتدي # فإن ندمان الوليد وخلانه، كانوا نخبة مختارة من الفساق والمجان والمستهترين بلغوا ~~في العهر غايته، ووصلوا في الفجر إلى نهايته. ms26 # أليس من ندمانه ومغنيه وأقرب المقربين إليه «ابن عائشة» الذي يجيب بعض سائليه ~~بقوله: «غنيت أمير المؤمنين صوتا، فأطربته، فكفر وترك الصلاة وأمر لي بهذا المال ~~وهذه الكسوة.» # نعم، وهو الذي يحدثنا عنه صاحب ستر الوليد فيقول: «إن ابن عائشة غناه ذات ~~يوم: # إني رأيت صبيحة النفر # حورا نفين عزيمة الصبر # مثل الكواكب في مطالعها # بعد العشاء وطفن بالبدر # وخرجت أبغي الأجر محتسبا # فرجعت موفورا من الوزر # فطرب الوليد وألحد ...» إلى أن يقول: «ثم أكب الوليد على ابن عائشة المغني، ثم لم ~~يبق عضوا من أعضائه إلا قبله ...» ثم ماذا؟ # ثم بقية هذا الخبر الذي لا يحتمل المقام روايته، لبذاءته وفحشه. ~~••• # وليس ابن عائشة إلا واحدا من كثيرين حفلت بهم مجالس الوليد ومغانيه، وكان له ~~معهم ما يخجل القلم من ذكره. # هذا عمر بن أبي ربيعة يرجع من أحد مجالس الوليد، فيسأل: «ما الذي كنت تضحك أمير ~~المؤمنين به؟» فيجيب سائله: «ما زلنا في حديث الزنا حتى رجعنا!» # الحق أن الوليد قد وصل به الاستهتار إلى أبعد الغايات، وطوح به في مهاوي الغواية ~~حتى تردى في ظلماتها السحيقة. ~~(8-4) الوليد يخطب الناس شعرا وهو سكران # قالوا: «خرج الوليد - وكان مع أصحابه على شراب - فقيل له: «إن اليوم الجمعة!» ~~فقال: «والله لأخطبنهم اليوم بشعر.» فصعد المنبر فخطب. فقال: # الحمد لله ولي الحمد # أحمده في يسرنا والجهد # وهو الذي في الكرب أستعين # وهو الذي ليس له قرين # أشهد في الدنيا وما سواها # أن لا إله غيره إلها # ما أن له في خلقه شريك # قد خضعت لملكه الملوك # أشهد أن الدين دين أحمد # فليس من خالفه بمهتد # وأنه رسول رب العرش # القادر الفرد الشديد البطش # أرسله في خلقه نذيرا # وبالكتاب واعظا بشيرا # ليظهر الله بذاك الدينا # وقد جعلنا قبل مشركينا ~~••• # من يطع الله فقد أصابا # أو يعصه - أو الرسول - خابا # ثم القرآن والهدى السبيل # قد بقيا لما مضى الرسول # كأنه لما بقي لديكم # حي صحيح لا يزال فيكم # إنكم من بعد إن تزلوا ms27 # عن قصده أو نهجه، تضلوا # لا تتركن نصحي فإني ناصح # إن الطريق فاعلمن واضح # من يتق الله بحد غب التقى # يوم الحساب سائرا إلى الهدى # إن التقى أفضل شيء في العمل # أرى جماع البر فيه قد دخل # إلى آخر هذه الخطبة! # ومن نوادره الطريفة ما حدث له مع الوليد البندار الذي يحدثنا فيقول: # 8 # حججت مع الوليد بن يزيد، فقلت له لما أراد أن يخطب الناس: «أيها الأمير، إن اليوم ~~يوم يشهده الناس من الآفاق وأريد أن يشرفني بشيء.» # قال: «وما هو؟» # قلت: «إذا علوت المنبر دعوت بي فيتحدث الناس بذلك، وبأنك أسررت إلي ~~شيئا!» # فقال: «أفعل!» فلما جلس على المنبر قال: ~~«الوليد البندار!» فقمت إليه، فقال: «ادن مني.» فدنوت، فأخذ بأذني ثم قال: ~~«البندار ولد زنا، والوليد ولد زنا، وكل من ترى من حولنا ولد زنا، أفهمت؟» # قلت: «نعم» قال: «انزل الآن.» فنزلت! ~~(8-5) ميله إلى مذهب ماني # 9 # وقد عزا إليه بعض المؤرخين ميله إلى الأخذ ~~بالمذهب المانوي وروى «ابن القارح» أن الوليد أحضر ذات يوم صورة رجل فسجد له وقبله ~~وقال لبعض الناس: «اسجد له يا علج.» # فقال: «ومن هذا؟» # قال: «هذا «ماني» شأنه كان عظيما؛ اضمحل أمره لطول المدة.» # فقال: «لا يجوز السجود إلا لله.» فقال: «قم عنا.» # قال ابن القارح: وكان يشرب على سطح، وبين يديه باطية كبيرة بلور، وفيها أقداح، ~~فقال لندمائه: «أين القمر الليلة؟» فقال بعضهم: «في الباطية.» # فقال: «صدقت، أتيت على ما في نفسي، والله لأشربن الهفتجة.» # 10 # وكان بموضع حول دمشق يقال له «البحر» فقال: ~~«تلعب بالنبوة هاشمي # بلا وحي أتاه ولا كتاب» # فقتل به، ورأوا رأسه في الباطية التي أراد أن يهفتج بها.» ~~(8-6) كلمة ختامية # ونذكر - قبل أن نختم هذا الفصل - كلمة أبي العلاء التي أوجز بها رأيه في الوليد، ~~وهي قوله: # 11 # وأما الوليد بن يزيد، فكان عقله عقل وليد، وقد بلغ سن الكهل، وقد رويت له ~~أشعار يلحق به منها العار، كقوله: ~~«أدنيا مني خليلي ~~«عبدلا» دون ms28 الإزار # فلقد أيقنت أني # غير مبعوث لنار # واتركا من يطلب الجن # ة، يسعى في خسار # سأروض الناس حتي # يركبوا دين الحمار # فالعجب لزمان صير مثله إماما! # ولعل مثله - ممن ملك - يعتقد مثله أو قريبا، ولكن يساير ويخاف تثريبا. ~~••• # ومما يروى له قوله: ~~«أنا الإمام الوليد مفتخرا # أجر بردي وأسمع الغزلا # ما العيش إلا سماع محسنة # وقهوة تترك الفتى ثملا # أسحب ذيلي إلى منازلها # ولا أبالي من لام أو عذلا # لا أرتجي الحور في الجنان وهل # يأمل حور الجنان من عقلا # إذا حبتك الوصال غانية # فجازها بذلها كمن وصلا» # | هوامش # | مصرع مروان الجعدي # أو «حمار الجزيرة» # 1 # ولو علم بنو مروان أنهم إنما يوقدون على رضف يلقونه في أجوافهم، ما فعلوا. # الوليد الثاني ~~(1) كيف صرع # وطعنه رجل من أهل البصرة، وهو لا يعرفه فصرعه، فصاح صائح: «صرع أمير المؤمنين!» ~~وابتدروه، فسبق إليه رجل من أهل الكوفة فاحتز رأسه! # المؤرخون ~~(1-1) طلائع الثورة # فراخ عامين، إلا أنها كبرت # لما يطرن، وقد سربلن بالزغب # فإن يطرن ولم يحتل لهن بها # يلهبن نيران حرب أيما لهب # نصر بن سيار # ولكن الفراخ كبرت وطارت ولم يحتل لها فصحت نبوءة «نسر بن سيار» وألهبت نيران حرب ~~شعواء، ذكا أوارها واندلع لهيبها، فكان وقودها مروان الجعدي والدولة الأموية معا، ~~ولم تخمد جذوة هذه النار المستعرة، إلا بعد أن أتت على الأخضر واليابس وغيرت وجه ~~التاريخ، وأحدثت انقلابا هائلا في كل مرافق الأمة العربية وشئونها ~~تقريبا. # لقد رأى «نصر بن سيار» خطر المنافسين يتعاظم يوما بعد يوم، وشاهد أتباعهم في ~~ازدياد، ودعوتهم في ذيوع وانتشار، فلم يدخر وسعا في تحذير الأمويين من أعدائهم ~~واحتثاث هممهم ليقضوا على الثورة - وهي في مهدها - وكان يرى نجاح دعوة «أبي مسلم ~~الخراساني» واتساع نطاقها، فيبعث التحذير بعد التحذير والإنذار تلو الإنذار، حتى بح ~~صوته وذهبت صيحاته كلها أدراج الرياح! # ولعل أحدا لا يجهل أبياته الصادقة التي ختم بها إحدى كتبه التي بعث بها إلى ~~مروان الجعدي، حين رأى انتشار الدعوة لبني العباس ms29 وذيوعها في خراسان سنة 129، وهي ~~قوله: # أرى خلل الرماد وميض جمر # فأحج بأن يكون لها ضرام # فإن النيران بالعودين تذكى # وإن الحرب مبدؤها الكلام # فقلت من التعجب «ليت شعري # أأيقاظ أمية، أم نيام! # ولكن بني أمية كانوا نياما عن عدائهم، منهمكين في إشباع شهواتهم الحقيرة، ~~مشتغلين بالانتقام بعضهم من بعض، لا هم لهم إلا التباغض وإثارة الفتن الداخلية ~~بينهم، حتى جاءهم أمر الله فأمحى ملكهم من المشرق، وقضى عليهم قضاء مبرما في سنة ~~132ه. وصدق قول القائل: «ولكل أهل بيت مشائيم يغير الله النعمة بهم ولن ينتقل ~~سلطان قوم قط إلا في تشتيت كلمتهم!» كما صح فيهم قول من قال: ~~«أوتيت ملكا، فلم أحسن سياسته # كذاك من لا يسوس الملك يخلعه» ~~(1-2) موقعة الزاب سنة 132ه # كل شيء قاتل # حين تلقى أجلك # ليس أدل من هذه الموقعة على الفوضى الضاربة أطنابها في جيش الأمويين والتخاذل ~~الشامل وسوء الرأي، فقد تجلت في هذه الموقعة صفات النذالة والإحجام في أكثر الجيش ~~الأموي واضحة جلية، كما تجلى فيها ارتباك مروان وخوره وتوانيه في رسم خطة يسير ~~عليها جيشه قبل أن يلتحم في المعركة، وكان لإحجام قواده ومخالفتهم أوامره أسوأ ~~النتائج وأبعد الأثر في هزيمتهم الشاملة، أما «الوليد بن معاوية بن مروان» صهر ~~الجعدي، فقد ذكرتنا حماقته وتهوره بصهر عثمان - رضي الله عنه - وما أبداه من خرق في ~~مخالفة رأيه. # لقد أمر «الجعدي» جيشه ألا يبدأ القتال وقر رأيه على ذلك. # ولكن صهره الأحمق «الوليد بن معاوية» بدأ القتال فحمل على الميمنة فاشتبكت الحرب ~~- على رغم الجعدي - واستعرت فجأة أيما استعار، ونفذ قضاء الله. # وهنا يسرع «مروان الجعدي» بعد أن نفذ السهم فيقول لقضاعة: «احملوا!» فيقولون له: ~~«قل لبني عامر فليحملوا.» # فيرسل إلى «السكون» أن احملوا فيقولون: «قل لغطفان فليحملوا.» # فيقول لصاحب الشرطة: «انزل!» فيجيبه: «والله ما كنت لأجعل نفسي غرضا.» # فيقول له الخليفة متوعدا: «أما والله لأسوءنك». # فيجيبه صاحب الشرطة هازئا: «وددت والله أنك قدرت على ذلك.» # وثم زاد ارتباك مروان، وتعاظم خباله؛ ms30 أمام جيش الخراسانيين فكان - كما يقول ~~المؤرخون - لا يدبر شيئا إلا كان فيه الخلل والفساد. # أراد أن يشجع رجال جيشه وهم يقتتلون فأمر بأموال فأخرجت وقال للناس: «اصطبروا ~~وقاتلوا فهذه الأموال لكم.» # فانعكست الآية، وتهافتت فئة منهم على ذلك المال فجعلت تصيب منه. # فلما قالوا له: «إن الناس قد مالوا عن هذا المال، ولا تأمنهم أن يذهبوا به.» أراد ~~أن يتدارك هذا الخطأ، فوقع فيما هو شر منه؛ فقد أرسل إلى ابنه «عبد الله» أن يسير ~~في صحابته إلى مؤخر عسكره فيقتل من أخذ من ذلك المال ويمنعهم! فماذا كانت ~~النتيجة؟ # رأى الناس «عبد الله» وقد مال برايته وأصحابه فحسبوهم مولين؛ فصاحوا «الهزيمة»، ~~فكانت الهزيمة الشاملة! # وبمثل هذه التصرفات العجيبة المربكة الخاطئة اندحر الجيش الأموي وانهزم مروان في ~~موقعة «الزاب» شر هزيمة. # قالوا: «وقطع الجسر، فكان من غرق يومئذ أكثر ممن قتل.» ~~(1-3) فرار الخليفة # كذبتم أمير المؤمنين لا يفر. # قالوا: «وانهزم مروان حتى وصل مدينة الموصل، فناداهم أهل الشام «هذا مروان!» ~~فقالوا: كذبتم أمير المؤمنين لا يفر. ~~(1-4) طريق الفرار # ولكن أمير المؤمنين قد فر وأمعن في فراره، فما يكاد يستقر بموضع حتى تداهمه طلائع ~~العدو، فيغادره هاربا إلى موضع آخر. # فر إلى «حران» فأقام بها نيفا وعشرين يوما، ومضى منهزما حتى مر بقنسرين و«عبد ~~الله بن علي» متبع له، ثم هرب مروان إلى «حمص» فأقام بها يومين أو ثلاثة، ثم شخص ~~منها وهو مرعوب منهزم، ومضى حتى مر بدمشق وتركها حتى قدم «فلسطين» وتابع فراره حتى ~~وصل إلى مصر. ~~(1-5) مطاردته في مصر # وجاء كتاب «أبي العباس» يأمر بتوجيه «صالح بن علي» في طلب «مروان»، فسار صالح بن ~~علي في ذي القعدة حتى نزل بالرملة، وسار «صالح» بجيشه حتى نزل ساحل البحر، وتجهز ~~يريد «مروان» الهارب بالفرماء حتى نزل صالح «بالعريش»، فلما علم مروان بذلك أحرق ما ~~كان حوله من علف وطعام وهرب؛ قالوا: ~~«ومضى صالح بن علي فنزل النيل، ثم سار حتى نزل الصعيد، وبلغه أن خيلا ms31 لمروان ~~بالساحل يحرقون الأعلاف، فوجه إليهم قوادا؛ فأخذوا رجالا فقدموا بهم على «صالح» - ~~وهو بالفسطاط - فعبر مروان النيل وقطع الجسر وحرق ما حوله، ومضى صالح يتبعه فالتقى ~~- هو وخيل لمروان - على النيل فاقتتلوا، فهزمهم صالح. وهكذا ظل يطارده «صالح» حتى ~~اهتدى إلى مكانه الذي لجأ إليه في كنيسة «بوصير». ~~(1-6) خاتمة مروان: كيف صرع # قالوا: فوافوهم في آخر الليل، فهرب الجند، وخرج إليهم «مروان» - في نفر يسير - ~~فأحاطوا به. # قالوا: وطعنه رجل من أهل البصرة، وهو لا يعرفه فصرعه فصاح صائح: «صرع أمير ~~المؤمنين». # وابتدروه فسبق إليه رجل من أهل الكوفة كان يبيع الرمان فاحتز رأسه! ~~••• # وهنا يروي لنا بعض المؤرخين رواية أقرب إلى القصص والخيال - وإن كانت غير مستحيلة ~~الوقوع - فيقول: إنهم لما أحضروا رأسه قدام صالح بن علي أمر أن ينفض فانقطع لسانه ~~فأخذه هر وأرسله صالح إلى السفاح وقال: # قد فتح الله الله مصر عنوة بكم # وأهلك الفاجر الجعدي إذ ظلما # وذاك مقوله هر يجرره # وكان ربك من ذي الكفر منتقما # قالوا ولما وصل الرأس إلى السفاح وهو بالكوفة سجد شكرا لله! # | هوامش # | مصرع مروان ومصرع الدولة الأموية # الأسباب التي أدت إلى ذلك # انتزعت الدولة الأموية الخلافة انتزاعا بفضل دهاء معاوية وانتفاعه باستغلال الظروف، ولم ~~يكد يستقر أمرها حتى قامت أمامها عقبات شتى، ونازعها الملك ثوار قادرون، فلم يكد يخلو عهد ~~واحد من عهودها من فتن وقلاقل. # كان يناوئها الشيعة ودعاة بني العباس والخوارج وأتباع عبد الله بن الزبير والمختار ~~وغيرهم. فلم يكن لخلفائها بد من اليقظة التامة والحذر الدائم، وبهاتين الخلتين استطاع ~~الأقوياء منهم أن يخمدوا نيرانا مستعرة، ما كانوا ليقدروا على إخمادها لولا ما امتازوا به ~~من حكمة وسياسة وما عرفوا به من الانصراف لشئون الملك، وافتنانهم في التنكيل ~~بأعدائهم. # وكان من الطبيعي أن يتربص الموتور بواتره الدوائر، ويتحين الفرص للتنكيل به، ولئن أخفق ~~العلويون والعباسيون في مسعاهم أيام صولة الدولة فقتل من أئمتهم أعلام، ألهب فقدهم قلوبهم ~~حقدا على بني أمية، فما نسوا الثأر ms32 لحظة واحدة. # 1 # وظلوا مثابرين على ذلك حتى أمكنتهم الفرص من عدوهم. ~~(1) تفرق كلمة الأمويين # ذكرنا في موضوع الوليد الثاني، أنه كان إيذانا بمصرع الدولة الأموية الوشيك، ينتقم ~~الوليد من ولدي عمه ومن أنصار هشام له، ويؤلب يزيد الناس على الوليد ملهبا في نفوسهم ~~الحماسة الدينية، رافعا أمامهم علم الثورة حتى إذا تم الأمر ليزيد الناقص # 2 # أظهر مروان بن محمد الخلاف له، فإذا مات يزيد وولي الخلافة أخوه «إبراهيم» ~~لم يتم له الأمر لاضطراب الأحوال # 3 # ومناوأة الجعدي له، والحروب التي أشعل نارها ضده وانتهت بهزيمة إبراهيم، ~~فإذا بويع للجعدي ثار عليه أهل حمص، فلا يكاد يخضعهم له حتى يسمع بخلاف أهل الغوطة ~~وحصارهم دمشق، فلا يكاد يهزمهم جيشه حتى يثور أهل فلسطين، فيرسل إليهم من يهزمهم، ثم ~~يشق عصا الطاعة «سليمان بن هشام بن عبد الملك» ويجتمع إليه من أهل الشام عدد كبير، فإذا ~~هزمه مروان هرب سليمان إلى حمص فألب عليه أهلها، فلا يكاد يهزمه مروان حتى يهرب إلى ~~«تدمر». # هكذا تفرقت كلمة بني أمية، واشتغلوا بقتال أنفسهم عن قتال أعدائهم، فلم يصغ مروان ~~الجعدي إلى نصائح نصر بن سيار وتحذيره من استفحال دعوة العباسيين لأنه كان مشغولا ~~بالانتقام من أقاربه وأبناء أسرته. ~~(2) توحيد الدعوة ضد الأمويين # كان من أكبر الطامحين إلى الخلافة أسرتان عظيمتان، الأسرة العلوية والأسرة العباسية، ~~وكان كل منهما يدعو إلى نفسه، وقد فطن العباسيون إلى ما في ذلك من تفرق الكلمة، مع ~~حاجتهم إلى الاتحاد ضد عدوهم المشترك، فأعملوا جهودهم في حل هذه العقدة، حتى وفقوا إلى ~~حيلة عجيبة - كما يقول الأستاذ نيكلسون - واهتدوا إلى نداء شامل تنضوي تحته دعوتا ~~الأسرتين. # فالعلويون أبناء علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم! # والعباسيون أبناء العباس بن عبد المطلب بن هاشم. # فالعباس وعبد المطلب أعمام النبي يلتقيان معه في جدهم هاشم، ففيم الخلاف وتشتيت ~~الكلمة؟ لتكن الدعوة إذن باسم جدهم هاشم. وقد نجح العباسيون في هذه الحيلة حتى إذا ~~أدركوا غايتهم، انفردوا بالأمر وحدهم. ms33 ~~(3) أسباب أخرى # بقي هناك أسباب كثيرة أخرى لا يتسع المقام لتفصيلها فلنجتزئ بذكر أهمها، ~~وهي: ~~(1) # توفق العباسيين إلى أبي مسلم الخراساني الذي قام بأكبر قسط في تنشيط ~~الدعوة إلى العباسيين. ~~(2) # ترفع الأمويين عن مخالطة الأجناس الأخرى غير العرب، وإطلاقهم عليهم اسم ~~الموالي، مما يبغضهم فيهم وجعلهم ينضمون إلى مناوئيهم ليتخلصوا من دولتهم ~~المبغضة إليهم. ~~(3) # تغالي الأحزاب المناصرة لآل البيت والشيعة وما تركه شعر دعاتهم من الأثر ~~الديني في نفوسهم (اقرأ شعر الكميت مثلا). # فإذا أضفنا إلى ذلك ما أسلفنا ذكره من الفتن الداخلية: ~~(1) # التي أشعل نارها يزيد ضد الوليد. ~~(2) # التي أشعل نارها مروان الجعدي ضد يزيد. ~~(3) # التي أشعل نارها سليمان بن هشام ضد مروان. # وزدنا على ذلك تخاذل الأمويين في موقعة الزاب وسوء رأي مروان الجعدي وقواده، سهل ~~علينا فهم الأسباب التي أودت بهذه الدولة العظيمة وأزالتها من عالم الوجود. # | هوامش # | مصرع الأمين # ويا دهر لحاك الله # ما هنأت فرحانك # أبو العلاء # فنخسه واحد بالسيف في خاصرته، وركبوه وذبحوه من قفاه. # المؤرخون ~~(1) حلم الأمين # قال الأمين: # رأيت في منامي كأني قائم على حائط من آجر شاهق في السماء، عريض الأساس، لم أر ~~مثله في الطول ولا في العرض، وعلي سوادي ومنطقتي وسيفي، وكان «طاهر» في أصل ~~ذلك الحائط، فما زال يضربه حتى سقط وسقطت، وطارت قلنسوتي عن رأسي. ~~(2) في أواخر أيامه # وهكذا امتلأت نفس «الأمين» بالهواجس - في يقظته وفي نومه - فأصبح لا يهدأ له بال ولا ~~يقر له قرار، بعد أن حصره «طاهر» وأخذ عليه الأبواب ومنع منه ومن أهل المدينة الدقيق ~~والماء وغيرهما. # 1 # وليس أصدق - في تمثيل ما وصل إليه من الرعب والفزع - من هذا الحلم. # على أن «الأمين» قد حاول أن يرفه عن نفسه أو يذهل عن حقيقة موقفه، فلم يستطع إلى ذلك ~~سبيلا، وأبى القدر المحتوم إلا أن يتضافر كل شيء على إزعاجه وتكدير صفوه! # قال إبراهيم بن المهدي: خرج الأمين - ذات ليلة - يريد أن يتفرج من الضيق الذي هو فيه، ~~فصار إلى قصر له بناحية ms34 «الخلد» ثم أرسل إلي فحضرت عنده، فقال: «ترى طيب هذه الليلة ~~وحسن القمر في السماء، وضوءه في الماء على شاطئ «دجلة»، فهل لك في الشرب؟» # فقلت: «شأنك». # فشرب رطلا، وسقاني آخر، ثم غنيته ما كنت أعلم أنه يحبه، فقال لي: «ما تقول فيمن يضرب ~~عليك؟» فقلت: «ما أحوجني إليه!» # فدعا بجارية متقدمة عنده اسمها «ضعف». # فتطيرت من اسمها ونحن في تلك الحال، فقال لها: «غني». # فغنت شعر الجعدي: # كليب لعمري كان أكثر ناصرا # وأيسر جرما منك، ضرج بالدم # فاشتد ذلك عليه، وتطير منه، وقال: «غني لنا غير ذلك.» # فغنت: # أبكي فراقكم عيني، فأرقها # إن التفرق للأحباب بكاء # ما زال يعدو عليهم ريب دهرهم # حتى تفانوا، وريب الدهر عداء # فقال لها: «لعنك الله! أما تعرفين من الغناء غير هذا؟!» # فقالت: «ما تغنيت إلا ما ظننت أنك تحبه.» ثم غنت آخر: # أما ورب السكون والحرك # إن المنايا كثيرة الشرك # ما اختلف الليل والنهار، وما # دارت نجوم السماء في الفلك # إلا لنقل السلطان عن ملك # قد زال سلطانه إلى ملك # وملك ذي العرش دائم أبدا # ليس بفان، ولا بمشترك ~~••• # فقال لها: «قومي، غضب الله عليك ولعنك.» # وكان له قدح من بلور حسن الصنعة، وكان موضوعا بين يديه، فتعثرت الجارية به فكسرته، ~~فقال: «ويحك يا إبراهيم! أما ترى ما جاءت هذه الجارية، ثم ما كان من كسر القدح؟ والله ~~ما أظن أمري إلا قد قرب!» # فقلت: «يديم الله ملكك، ويعز سلطانك، ويكبت عدوك.» فما استتم الكلام، حتى سمعنا ~~صوتا: # قضي الأمر الذي فيه ~~تستفتيان ~~. # فقال: «يا إبراهيم أما سمعت ما سمعت؟» # قلت: «ما سمعت شيئا.» وكنت قد سمعت. # قال: «تسمع حسا.» # فدنوت من الشط، فلم أر شيئا، ثم عاودنا الحديث، فعاد الصوت بمثله، فقام من مجلسه ~~مغتما إلى مجلسه بالمدينة. # قال: «فما مضى إلا ليلة أو ليلتان حتى قتل!» ~~(3) يوم الوداع # قالوا: ودعا بابنيه، فضمهما إليه، وقبلهما وبكى، وقال: «أستودعكما الله عز وجل.» ~~ودمعت عيناه فمسح دموعه بكمه. # ثم جاء راكبا إلى الشط، فإذا ms35 حراقة «هرثمة» فصعد إليها فأحسن هرثمة لقاءه. # وهنا بغتهم أصحاب «طاهر» في الزواريق، فنقبوا الحراقة فغرقت بهم بعد أن رموهم بالآجر ~~والنشاب، وسقط «الأمين» إلى الماء فشق ثيابه؛ حتى خرج إلى الشط حيث قبض عليه. ~~(4) ذلة العزيز # قال من رآه: لما ذهب من الليل ساعة رأيت الباب قد فتح، وأدخلوا الأمين - وهو عريان - ~~وعليه سراويل وعمامة وعلى كتفه خرقة خلقة. # فتركوه معي، فاسترجعت وبكيت فيما بيني وبين نفسي فسألني عن اسمي فعرفته. # فقال: «ضمني إليك فإني لأجد وحشة شديدة.» # قال: «فضممته إلي، وإذا بقلبه يخفق خفقانا شديدا.» # فقال: «يا أحمد ما فعل أخي؟» # قلت: «هو حي.» # قال: «قبح الله بريدهم، كان يقول قد مات!» (وكأنما قال ذلك معتذرا من ~~محاربته) # فقلت: «بل قبح الله وزراءك!» # فقال الأمين: «ما تراهم يصنعون بي، أيقتلونني، أم يفون لي بأمانهم؟» # فقلت: «بل يفون لك.» # وجعل يضم الخرقة على كتفه، فنزعت مبطنة كانت علي، وقلت: «ألق هذه عليك.» # فقال: «دعني، فهذه من الله عز وجل - في هذا الموضع - خير كثير.» فبينما نحن كذلك، إذ ~~دخل علينا رجل، فنظر في وجوهنا فاستثبتها؛ فلما عرفته انصرف، وعلمت أن الأمين ~~مقتول. ~~(5) الساعة الرهيبة: عند منتصف الليل # قال: فلما انتصف الليل - أو قارب - فتح الباب، ودخل الدار قوم من العجم معهم السيوف ~~مسلولة، # 2 # فلما رآها قام قائما، وجعل يقول: «إنا لله وإنا إليه راجعون! ذهبت والله ~~نفسي في سبيل الله، أما من حيلة؟ أما من مغيث؟ أما من أحد من الأبناء؟» ~~••• # وجاءوا حتى وقفوا على باب البيت الذي نحن فيه، وجعل بعضهم يقول للبعض «تقدم» ويدفع ~~بعضهم بعضا # 3 # وقام الأمين، فأخذ بيده وسادة وجعل يقول: «ويحكم، أنا ابن عم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. أنا ابن هارون، أنا أخو المأمون، الله الله في دمي.» ~~(6) دفاع اليائس # فدخل عليه رجل منهم، فضربه بالسيف ضربة، وقعت في مقدم رأسه، وضربه الأمين بالوسادة ~~على وجهه، وأراد أن يأخذ السيف منه. فصاح. «قتلني! قتلني!» ~~(7) كيف صرع الأمين # وهنا دخل منهم ms36 جماعة، فنخسه واحد منهم بالسيف في خاصرته. وركبوه؛ فذبحوه من قفاه. ~~وأخذوا رأسه، ومضوا به إلى طاهر، وتركوا جثته! # فلما كان السحر، أخذوا جثته فأدرجوها في جل، وحملوها فنصب طاهر الرأس على برج، وخرج ~~أهل بغداد للنظر، وطاهر يقول: «هذا رأس المخلوع محمد.» # 4 ~~(8) الأسباب التي أدت إلى مصرعه # أما الأسباب التي أدت إلى هذه الخاتمة المروعة فهي كثيرة تضيق هذه الإلمامة السريعة ~~عن استيعابها غير أننا نذكر منها الأسباب التالية: ~~(1) # نكث الأمين وغدره بأخيه المأمون. ~~(2) # حقد الفضل بن الربيع على المأمون وإلحافه في إغراء الأمين بنقض ~~بيعته. ~~(3) # إهمال علي بن عيسى وغروره بنفسه. ~~(4) # يقظة طاهر وبعد همته. # أضف إلى ذلك عناية المأمون بتخيره قواده وأصحاب الرأي، وإلى تحمس الفرس وتعصبهم ~~للمأمون وما أبداه أنصاره منهم من الاستماتة في نصرته. في حين كان الأمين مخلدا بثقته ~~إلى جماعة من المتملقين وقصار النظر وأصحاب الخلاعة والمجون. ~~(8-1) غدر الأمين # أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن تكون أول الخلفاء نكث عهده ونقض ميثاقه ~~واستخف بيمينه ورد رأي الخليفة قبله. # يا أمير المؤمنين، لم ينصحك من كذبك ولم يغشك من صدقك. لا تجرئ القواد على ~~الخلع فيخلعوك ولا تحملهم على نكث العهد فينكثوا عهدك وبيعتك، فإن الغادر ~~مخذول، والناكث مفلول. # عبد الله بن خازم # 5 # ولكن الأمين أبى إلا أن يصم أذنيه عن نصيحة الناصحين، وتملكه الطمع في ملك أخيه، ~~والاستسلام إلى الفضل بن الربيع فبدأ بالغدر بأخيه القاسم فعزله ثم تطلع إلى عزل ~~المأمون بعده. # ولقد استشار القواد - واحدا بعد الآخر - فحذروه سوء العاقبة، ولكنه أصر على ~~إنفاذ خطته الخاطئة التي أوردته موارد الحتف، وكانت خير مثل يلقاه الباغي ~~المعتدي. ~~(8-2) الفضل بن الربيع # وعلم أن الخلافة - إن أفضت إلى المأمون يوما وهو حي - لم يبق عليه وكان في ~~ظفره عطبة. # المؤرخون # وهكذا لم يترك الفضل بن الربيع وسيلة من وسائل الإغراء إلا سلكها حتى أقنع الأمين ~~بوجوب الإغارة على ما في يد أخيه من ملك وعزله والدعاء لابنه بدله، كما ~~يقولون. ms37 # فقد فكر الفضل بن الربيع - بعد مقدمه من العراق على محمد - أن ينكث بالعهود التي ~~أخذها عليه الرشيد لابنه المأمون. # قالوا: وعلم أن الخلافة إن أفضت إلى المأمون يوما - وهو حي - لم يبق عليه وكان ~~في ظفره به عطبة. # فسعى في إغراء محمد به وحثه على خلعه وصرف ولاية العهد به من بعده إلى ابنه موسى، ~~ولم يكن ذلك من رأي محمد ولا عزمه، بل كان عزمه الوفاء لأخويه عبد الله ~~والقاسم . # قالوا: فلم يزل الفضل يصغر - في عينيه - شأن المأمون ويزين له خلعه. ~~••• # وهكذا بدأ الأمين أخويه بالغدر. # فعزل أخاه القاسم عما وليه من الأعمال وأقدمه إلى بغداد وكتب إلى عماله بالدعاء ~~لابنه موسى. فعلم المأمون أن أخاه يدبر في خلعه، فقطع البريد عنه. # وانضم قوم إلى المأمون فأكرم وفادتهم وأعد عدته لمناضلة أخيه، وبث العيون ~~والأرصاد وعرف كيف يحصن مواقعه ويحتاط للطوارئ. # 6 ~~••• # وقد قال أحد شعراء بغداد قصيدة يندد فيها بالأمين ويذكر فيها تشاغله فيه بلهوه ~~وبطانته وركونه إلى الفضل بن الربيع. # أضاع الخلافة غش الوزير # وفسق الإمام وجهل المشير # ففضل وزير وبكر مشير # يريدان ما فيه حتف الأمير # إلى آخر هذه القصيدة التي لا نسمح لأنفسنا بإثباتها في هذا المقام لما فيها من ~~شناعة التعبير. # 7 ~~(8-3) علي بن عيسى # أما «علي بن عيسى» فقد عرف كيف يفسر لنا قول صالح بن عبد القدوس: # ما يبلغ الأعداء من جاهل # ما يبلغ الجاهل من نفسه # فقد كان الظفر له محققا لولا استسلامه للغرور والحمق واستهانته بأمر طاهر، ولم ~~يكن يرتاب أحد في انتصاره، ولكن للقدر تصاريف عجيبة. # ألا ترى إلى «أم جعفر» تعتقد أن أمر المأمون قد انتهى وتتمثل هزيمته كأنها أمر ~~واقع لا سبيل إلى تلافيه، فتشفق من مصيره، وتوصي «علي بن عيسى» الذي عقد له الأمين ~~على خمسين ألف فارس وراجل من أهل بغداد لمحاربة المأمون فتقول له: «يا علي، إن أمير ~~المؤمنين - وإن كان ولدي - إليه تناهت شفقتي وعليه تكامل حذري، فإني على عبد ms38 الله ~~منعطفة مشفقة لما يحدث عليه من مكروه وأذى، وإنما ابني ملك نافس أخاه في ~~سلطان.» # ثم تقول: «فاعرف لعبد الله حق والده وإخوته ولا تجبهه بالكلام - فإنك لست نظيره - ~~ولا تقتسره اقتسار العبيد، ولا توهنه بقيد ولا غل ولا تمنع منه جارية ولا خادم. ولا ~~تعنف عليه في السير ولا تساوه في المسير. ولا تركب قبله ولا تستقل على دابتك حتى ~~تأخذ بركابه وإن شتمك فاحتمل منه، وإن سفه عليك فلا تراده.» # قالوا: ثم دفعت إليه قيدا من فضة وقالت: «إن صار في يدك فقيده بهذا القيد.» فقال ~~لها: «سأقبل أمرك وأعمل في ذلك بطاعتك.» # وهكذا يذهب صاحبنا وهو يحسب أنه قد أسر طاهرا أو كاد، ويبدي من صنوف الغرور ما ~~لا قبل لإنسان بوصفه. # فقد كان يقال له: إن طاهرا مقيم بالري يعرض أصحابه ويرم آلته. # فيضحك ثم يقول: «وما طاهر؟ فوالله ما هو إلا شوكة من أغصاني أو شرارة من ناري، ~~وما مثل طاهر يتولى على الجيوش ويلقى الحروب؟» # ثم يلتفت إلى أصحابه قائلا: «والله ما بينكم وبين أن ينقصف انقصاف الشجر من ~~الريح العاصف إلا أن يبلغه عبورنا «عقبة همذان»، فإن السخال لا تقوى على النطاح، ~~والثعالب لا صبر لها على لقاء الأسد، فإن يقم طاهر بموضعه يكن أول معرض لظباة ~~السيوف وأعنة الرماح.» ~~••• # فإذا وصل «علي بن عيسى» إلى «عقبة همذان» استقبل قافلة قدمت من «خراسان» فسألهم ~~عن الخبر فقالوا له: «إن طاهرا مقيم بالري وقد استعد للقتال واتخذ آلة الحرب وإن ~~المدد يترى عليه من خراسان وما يليها من الكور، وإنه في كل يوم يعظم أمره ويكثر ~~أصحابه وإنهم يرون أنه صاحب جيش خراسان.» # فلا يكاد يسمع منهم ذلك حتى يهزأ بأقوالهم ويبدي لهم كل ما يستطيع أن يبديه من ~~صنوف الاحتقار لطاهر وقوته، وإذا بلغ الري وقال له صاحب مقدمته: «لو كنت أذكيت ~~العيون وبعثت الطلائع، وارتدت موضعا تعسكر فيه وتتخذ خندقا لأصحابك يأمنون به كان ~~ذلك أبلغ في الرأي وآنس للجند.» # أجابه ms39 صاحبنا هازئا: «ليس مثل طاهر يستعد له بالمكايد والتحفظ، إن حال طاهر تئول ~~إلى أحد أمرين: إما أن يتحصن بالري فيبهته أهلها فيكفونا مؤنته، أو يخليها ويدبر ~~راجعا لو قربت خيولنا وعساكرنا منه وأتاه يحيى بن علي.» # ويقول له صاحب مقدمته: «اجمع متفرق العسكر واحذر على جندك البيات، ولا تسرح الخيل ~~إلا ومعها كنف من القوم، فإن العساكر لا تساس بالتواني، والحروب لا تدبر بالاغترار، ~~والثقة أن تحترز، ولا تقل: «المحارب لي طاهر» فالشرارة الخفية ربما صارت ضراما، ~~والثلمة من السيل - ربما اغتر بها وتهون - فصارت بحرا عظيما. وقد قربت عساكرنا من ~~طاهر، فلو كان رأيه في الهرب لم يتأخر إلى يومه هذا.» # فيجيبه صاحبنا على هذه النصيحة الثمينة المملوءة حكمة وتعقلا وإخلاصا، بقوله ~~الطائش المغرور: «اسكت فإن طاهرا ليس في هذا الموضع الذي ترى، وإنما تتحفظ الرجال ~~إذا لقيت أقرانها، وتستعد إذا كان المناوئ لها أكفاءها ونظراءها.» ~~••• # وهكذا يمعن صاحبنا في غروره وصلفه واعتداده بنفسه بينما عدوه «طاهر» لا يترك ~~وسيلة من وسائل الحيطة وإحكام الدفاع وترتيب الخطط إلا سلكها، ويأبى القدر إلا أن ~~يعيد لنا حكاية الأرنب والسلحفاة الشهيرة حين تراهنا على السباق إلى غاية، وأهمل ~~الأرنب اعتمادا على قوته، وجدت السلحفاة لتعوض من ضعفها ففازت عليه ~~وسبقته. # 8 # وقد كان من نتائج هذه المعركة أن قوي بأس المأمون وعز مركزه وتكاثرت عليه وفود ~~المهنئين. # وقد أعلن في ذلك اليوم خلع أخيه ودعا لنفسه بالخلافة في جميع كور خراسان وما ~~يليها. # وأرجف الناس ببغداد وضعف مركز الأمين، وندم أشد الندم على محاربة أخيه وما بدأه ~~به من الغدر. # وعرف قواد الأمين أنه شديد الحاجة إلى اصطناع الرجال فاتفقوا مع الجند على إحداث ~~الشغب ليصطنعهم بالمال، ولا يكاد الجند يشتبكون مع جنود القصر حتى يكفهم الأمين ~~ويأمر لهم بما طلبوه من الأرزاق ويصل قوادهم وخواصهم بما يشتهون، فتكون هذه فاتحة ~~الثورات العديدة التي جلبتها هذه الهزيمة الشنعاء. ~~(8-4) شجاعة طاهر # أما شجاعة طاهر فقد كانت تتمثل في كل مواقفه ms40 المشرفة التي تجلت في هذه الحروب ~~الطاحنة، فقد كان يشرف على كل شأن - جل أو حقر - من شئون جيشه، ويتعرف كيف يستميل ~~إليه جنوده ويغري جنود الأعداء بالانضمام إليه. # وكان طاهر لا تلوح له فرصة إلا أسرع إلى انتهازها، وقد رأيت ما أبداه من صنوف ~~الحزم في حربه مع «علي بن عيسى» وليست هذه العجالة بموفية شيئا من مواهبه وميزاته ~~الباهرة. ~~(8-5) نكبة بغداد # ولا يسعنا أن نختم هذه الكلمة دون أن نشير إلى نكبة بغداد - التي اقترنت بمصرع ~~الأمين - فقد لقي أهلها من صنوف العذاب ما لا قبل لإنسان باحتماله، ونحن ندع الوصف ~~إلى شعرائها الذين شهدوا ما حل بها ورأوا بأعينهم ما أصاب أهلها من الروع ~~والفزع. # فمن ذلك قول بعض فتيان بغداد: # بكيت دما على بغداد لما # فقدت غضارة العيش الأنيق # تبدلنا هموما من سرور # ومن سعة تبدلنا بضيق # أصابتها - من الحساد - عين # فأفنت أهلها بالمنجنيق # فقوم أحرقوا بالنار قسرا # ونائحة تنوح على غريق # وصائحة تنادي «واصباحا» # وباكية لفقدان الشقيق # وحوراء المدامع ذات دل # مضمخة المجاسد بالخلوق # تفر من الحريق إلى انتهاب # ووالدها يفر إلى الحريق # ينادين: «الشفيق» - ولا شفيق - # وقد فقد الشفيق من الشفيق # وقوم أخرجوا من ظل دنيا # متاعهم يباع بكل سوق # ومغترب قريب الدار ملقى ~~- بلا رأس - بقارعة الطريق # توسط من قتالهم جميعا # فما يدرون من أي الفريق # فلا ولد يقيم على أبيه # وقد هرب الصديق بلا صديق # ومن ذلك قول «العتري». # من ذا أصابك يا بغداد بالعين # ألم تكوني - زمانا - قرة العين؟ # ألم يكن فيك قوم كان مسكنهم # وكان قربهم زينا من الزين؟ # صاح الغراب بهم بالبين فافترقوا # ماذا لقيت بهم من لوعة البين؟ # أستودع الله قوما ما ذكرتهم # إلا تحدر ماء العين من عيني # كانوا، ففرقهم دهر وصدعهم، # والدهر يصدع ما بين الفريقين # وقال آخر # 9 # في وصف وقعة: # 10 # وقعة يوم الأحد # صارت حديث الأبد # كم جسد أبصرته # ملقى، وكم من جسد # وناظر كانت له # منية بالرصد # أتاه سهم عاثر # فشك ms41 جوف الكبد # وصائح «يا والدي» # وصائح: «يا ولدي» # وكم غريق سابح # كان متين الجلد # لم يفتقده أحد # غير بنات البلد # وكم فقيد بئس # عز على المفتقد # إلى أن قال: # لم يبق في كهل لهم # فات، ولا من أمرد # و«طاهر» ملتهم # مثل التهام الأسد # خيم لا يبرح في ال # عرصة مثل اللبد # تقذف عيناه - لدى ال # حرب - بنار الوقد ~~••• # فقائل: «قد قتلوا # ألفا، ولما يزد» # وقائل: «أكثر، بل # ما لهم من عدد» # وهارب نحوهم # يرهب من خوف غد # ثم قال بعد أبيات: # قلت لمطعون وفي # ه روحه لم تؤد: ~~«من أنت يا ويلك يا # مسكين من محمد؟» # فقال: «لا من نسب # دان، ولا من بلد» # لم أره قط ولم # أجد له من صفد» # وقال: «لا للغي قا # تلت، ولا للرشد # إلا لشيء عاجل # يصير منه في يدي» ~~••• # ولعل أبدع وأحفل قصيدة قرأناها في وصف هذه النكبة المروعة التي حلت ببغداد هي ~~قصيدة «الخزيمي» التي نختتم بها هذا الفصل وهي - على طولها - آية من آيات البلاغة ~~وصدق الشاعرية ودقة الوصف، ونحن نختار منها ما يلي: # جنة دنيا، ودار مغبطة # قل من النائبات واترها # درت خلوف الدنيا لساكنها # وقل معسورها وعاسرها # فانفرجت بالنعيم وانتجعت # فيها بلذاتها حواضرها # فالقوم منها في روضة أنف # أشرق - غب القطان - زائرها # من غرة العيش في بلهنية # لو أن دنيا يدوم عامرها ~~••• # دار ملوك رست قواعدها # فيها، وقرت بها منابرها # أهل العلى والثرى وأندية الفخ # ر، إذا عددت مفاخرها # أفراخ نعمى في إرث مملكة # شد عراها لها أكابره # فلم يزل - والزمان ذو غير - # يقدح في ملكها أصاغرها # حتى تساقت كأسا مثملة # من فتنة، لا يقال عاثرها # وافترقت - بعد ألفة - شيعا # مقطوعة بينها أواصرها # يا هل رأيت الأملاك ما صنعت # إذ لم يزعها بالنصح زاجرها # أو رد أملاكنا نفوسهم # هوة غي أعيت مصادرها # ما ضرها لو وفت بموثقها # واستحكمت - في التقى - بصائرها # ولم تسافك دماء شيعتها # وتبتعل فتنة تكابرها # وأقنعتها الدنيا التي جمعت # لها ورغب النفوس ضائرها # إلى أن يقول: ms42 # يا هل رأيت الجنان زاهرة # يروق عين البصير زاهرها؟ # وهل رأيت القصور شارعة # تكن مثل الدمى مقاصرها؟ # وهل رأيت القرى التي غرس الأم # لاك مخضرة دساكرها؟ # فإنها أصبحت خلايا من الإن # سان، قد ميت محاجرها # ففرا خلا تعوي الكلاب بها # ينكر منها الرسوم داثرها # وأصبح البؤس ما يفارقها # إلفا لها والسرور هاجرها # ثم يقول بعد أبيات: # فأين حراسها وحارسها؟ # وأين مجبورها وجابرها؟ # وأين خصيانها وحشوتها؟ # وأين سكانها وعامرها؟ # أين الجرادية الصقالب والأح # بش تعدو هدلا مشافرها # ينصدع الجند عن مواكبها # تعدو بها سربا ضوامرها # بالسند والهند والصقالب والنو # بة، شيبت بها برابرها # طيرا أبابيل أرسلت عبثا # يقدم سودانها أحامرها؟ ~~••• # أين الظباء الأبكار في روضة المل # ك تهادي بها غرائرها # أين غضاراتها ولذتها؟ # وأين محبورها وحابرها؟ # المسك والعنبر اليماني والأذ # جوج مشبوبة مجامرها؟ # يرفلن في الخز والمجاسد والمو # شى مخطومة مزامرها # فأين رقاصها وزامرها # يجبن حيث انتهت حناجرها # تكاد أسماعهم تسل إذا عا # رض عيدانها مزامرها؟ # أمست «كجوف الحمار» خالية # يسعرها بالجحيم ساعرها # كأنما أصبحت بساحتهم # عاد ومستهم صراصرها؟ # لا تعلم النفس ما يبايتها # من حادث الدهر أو يباكرها # إلى أن يقول: # يا بؤس بغداد دار مملكة # دارت على أهلها دوائرها # أمهلها الدهر، ثم عاقبها # لما أحاطت بها كبائرها # بالخسف والقذف والحريق وبالحر # ب التي أصبحت تساورها # حلت ببغداد - وهي آمنة - # داهية لم تكن تحاذرها # طالعها السوء من مطالعه # وأدركت أهلها جرائرها # رق بها الدين واستخف بذي # الفضل وعز النساك فاجرها # وخطم العبد أنف سيده # بالرغم واستعبدت مخادرها # وصار رب الجيران فاسقهم # وابتز أمر الدروب ذاعرها # من ير بغداد والجنود بها # قد ربقت حولها عساكرها # ثم يقول بعد أبيات: # بحرقها ذا، وذاك يهدمها # ويشتفي بالنهاب شاطرها # والكرخ أسواقها معطلة # يستن عيارها وعائرها # أخرجت الحرب من سواقطها # آساد غيل غلبا تساورها ~~••• # لا الرزق تبغي ولا العطاء، ولا # يحشرها للقاء حاشرها # ثم يقول بعد أبيات: # والنهب تعدو به الرجال، وقد # أبدت خلاخيلها حرائرها # معصوصبات وسط الأزقة، قد # أبرزها للعيون ساترها # كل رقود الضحى ms43 مخبأة # لم تبد في أهلها محاجرها # بيضة خدر مكنونة برزت # للناس منشورة غدائرها # تعثر في ثوبها، وتعجلها # كبة خيل زيعت حوافرها # تسأل: «أين الطريق؟» والهة # والنار من خلفها تبادرها # لم تجتل الشمس حسن بهجتها # حتى اجتلتها حرب تباشرها ~~••• # يا هل رأيت الثكلى مولولة # في الطرق تسعى، والجهد باهرها؟ # في إثر نعش عليه واحدها # في صدره طعنة يساورها # تنظر في وجهه، وتهتف بالثك # ل، وعز الدموع خامرها # غرغر بالنفس، ثم أسلمها # مطلولة، لا يخاف ثائرها ~~••• # وهل رأيت الفتيان في عرصة # المعرك معقورة مناخرها؟ # كل فتى مانع حقيقته # تشقى بها في الوغى مساعرها # باتت عليه الكلاب تنهشه # مخضوبة من دم أظافرها # أما رأيت الخيول جائلة # بالقوم منكوبة دوائرها # تعثر بالأوجه الحسان من القت # لى، وغلت دما أشاعرها # يطأن أكباد فتية نجد # تفلق هاماتهم حوافرها ~~••• # أما رأيت النساء تحت المجاني # ق تعادي شعثا ضفائرها # يحملن قوتا من الطحين على الأ # كتاف معصوبة معاجرها # وذات عيش ضنك ومقعسة # تشدخها صخرة تعاورها # تسأل عن أهلها، وقد سلبت # وابتز عن رأسها غفائرها # إلى أن يقول: # هل ترجعن أرضنا كما غنيت # وقد تناهت بنا مصائرها # وهكذا إلى آخر هذه القصيدة الرائعة. # | هوامش # | مصرع المتوكل # ولم يكن أمير المؤمنين في يوم من الأيام أسر منه في ذلك اليوم، أخذ مجلسه، ودعا ~~بالندماء والمغنين وأخذ في الشراب واللهو، ولهج يقول: «أنا والله مفارقكم عن ~~قليل! # الطبري # لا أذكر مصرع المتوكل # 1 # دون أن أتمثل معه سوء التصرف، والإسراف في الحذر وسوء الظن وما جناه ذلك عليه ~~من البوار والتلف. # لقد جنى المتوكل على نفسه، وأمعن في الإساءة إلى ابنه المنتصر، ولم يدع فرصة للزراية عليه ~~والتهكم به إلا انتهزها! # لقد أحس قلبه أن مصرعه سيكون على يد ابنه وفلذة كبده، ونما فيه هذا الإحساس حتى أصبح ~~يقينا. # وللنفس أحوال تظل كأنها # تشاهد فيها كل غيب سيشهد # وثم أصبح لا يطيق رؤية هذا الولد العاق الذي لا يراه إلا تمثل فيه شبح الجلاد! # وهكذا صدق المثل القائل: إن من خشي ms44 العفريت لم يلبث أن يراه. # شعر المتوكل أن ابنه المنتصر هو قاتله، ومثل اسمه في ذهنه «المنتظر» فأصبح لا يناديه بغير ~~هذا اللقب، وكثيرا ما قرعه وأهانه وسلط عليه من يؤذيه ويصفعه من أتباعه، وربما صارحه بما ~~يجنه لهذا الابن من الاحتقار والمقت، وربما قال له إنه لا يطيق أن يرى أمامه قاتلا يتربص ~~الفتك به، وما أكثر ما استفزه وأمعن في إيلامه امعانا. # قالوا: وكان يقول له: أنت تتمنى موتي وتنتظر وقتي! # ثم يأمر الندمان أن يعبثوا به. ~~(1) أسباب الخلاف والكره # قال ابن خلدون: ~~(1) # كان المتوكل قد عهد إلى ابنه المنتصر، ثم ندم وأبغضه، لما كان يتوهم منه ~~استعجاله الأمر لنفسه. وكان يسميه «المنتظر» «والمستعجل» لذلك. ~~(2) # وكان المنتصر ينكر عليه انحرافه عن سنن سلفه فيما ذهبوا إليه من مذهب ~~الاعتزال والتشيع لعلي! وربما كان الندمان في مجلسه يفيضون في ثلب علي! ~~فينكر المنتصر ذلك ويتهددهم ويقول للمتوكل: «إن عليا هو كبير بيتنا، وشيخ ~~بني هاشم، فإن كنت لا بد ثالبه، فتول ذلك بنفسك، ولا تجعل لهؤلاء سبيلا ~~إلى ذلك!» ~~(3) # فيستخف به ويشتمه، ويأمر وزيره «عبيد الله» بصفعه، ويتهدده بالقتل، ويصرح ~~بخلعه. ~~(4) # قالوا: وربما استخلف غيره في الصلاة والخطبة مرارا، وتركه! فطوى من ذلك ~~على النكث. ~~(2) نتائج الحقد # وكأنما كان يوحي إليه - بمثل هذه الأعمال - أن يحقق هذه النبوءة المروعة، ويرسم له - ~~بما يأتيه من تلك الحماقات المتوالية - خطة ممهدة واضحة السبيل للفتك به، بعد أن أثبت ~~في روعه أن حينه لن يكون إلا على يديه. وقد أفلح المتوكل في ذلك، وانتهى به الأمر إلى ~~إيغار صدره، وإثارته لمناوأته والفتك به. ~~(3) الليلة الأخيرة # جاءت ليلة الأربعاء (3 شوال سنة 247ه) وكان المتوكل يشرب مع الفتح # 2 # في قصره المعروف بالجعفري، ومعه جماعة من الندماء والمغنين. # قالوا: ولم يكن أمير المؤمنين في يوم من الأيام أسر منه في ذلك اليوم، وقد أخذ ~~مجلسه، # 3 # ودعا بالندماء والمغنين، وأخذ في الشراب واللهو ولهج يقول: «أنا والله ~~مفارقكم عن قليل.» ~~(4) كيف صرع # بعد ms45 العتمة بساعة أغلقت الأبواب كلها، إلا باب الماء - الذي دخل منه القتلة - وكان ~~المتوكل حينئذ ثملا! # وجاء غلام تركي اسمه «باغر» فضرب المتوكل ضربة، قطع بها حبل عاتقه! ~~(5) وفاء صديقين # وليس يسعنا أن نمر بهذا الموضوع دون أن يطيف بخاطرنا ثلاثة أمور: إخلاص الفتح بن ~~خاقان في هذه الساعة الحرجة. ووفاء البحتري له وفاء أذهله عن كل احتياط، وكاد يكون ~~سببا في إهلاكه. وعقوق ابنه المنتصر، الذي اشترك في قتل أبيه؛ فأما الفتح بن خاقان ~~فإنه أسرع إلى سيده حين رآه مضرجا بدمائه، ورمى بنفسه عليه، وقال: «ويلكم تقتلون أمير ~~المؤمنين؟» فبعجوه بسيوفهم فقتلوه! # وأما البحتري، فرثاه بقصيدته الخالدة التي نعدها من أروع ما قرأناه في الرثاء، ونرى ~~فيها مثلا من أعلى أمثلة الإخلاص والوفاء وقد ختمنا بها هذا الفصل، وأما المنتصر، فإن ~~مدته في الخلافة لم تطل. ولم تزد على ستة أشهر. # قالوا: «وهي مدة شيرويه بن كسرى بعد أن قتل أباه!» ~~(6) قصيدة البحتري # وإلى القارئ قصيدة البحتري الفذة، التي صرح فيها - كما يقول الثعالبي - تصريح من ~~أذهلته المصائب عن تخوف العواقب، قال: # تغير حسن الجعفري وأنسه # وقوض بادي الجعفري وحاضره # تحمل عنه ساكنوه فجاءة # فآضت سواء دوره، ومقابره # ولم أر مثل القصر إذ ريع سربه # وإذ ذعرت أطلاؤه وجآذره # وإذ صيح فيه بالرحيل فهتكت # على عجل أستاره وستائره # إذا نحن زرناه أجد لنا الأسى # وقد كان قبل اليوم يبهج زائره # فأين عميد الناس في كل نوبة # تنوب وناهي الدهر فيهم وآمره؟ # تخفى له مغتاله تحت غرة # وأولى لمن يغتاله لو يجاهره # صريع تقاضاه السيوف حشاشة # يجود بها، والموت حمر أظافره ~~••• # حرام على الراح - بعدك - أو أرى # دما بدم يجري على الأرض مائره # وهل يرتجى أن يطلب الدم طالب # مدى الدهر والموتور بالدم واتره # فلا ملي الباقي تراث الذي مضى # ولا حملت ذاك الدعاء منابره! # | هوامش # | مصرع المعتز # ثم أدخلوه سردابا وجصصوه عليه فمات. # المؤرخون ~~(1) سبب مصرعه # قالوا: «إن الأتراك طلبوا منه # 1 # أرزاقهم فلم يكن عنده مال يعطيهم، ms46 فأرسل إلى أمه يسألها مالا، فقالت له: ~~«ما عندي شيء.» # قالوا: فاتفق الأتراك والمغاربة والفراعنة على خلع المعتز، فساروا إلى بابه فقالوا: ~~«اخرج إلينا.» # فقال: «قد شربت أمس دواء، وقد أفرطت في العمل، فإن كان لا بد من الاجتماع فليدخل ~~بعضكم إلي.» ~~(2) كيف صرع # فدخل إليه جماعة منهم فجروه برجله إلى باب الحجرة وضربوه بالدبابيس وخرقوا قميصه ~~وأقاموه في الشمس.» # فكان - كما يقول المؤرخون - يرفع رجلا ويطوي أخرى لشدة الحر. # وكان بعضهم يلطمه وهو يتقي بيده، وأدخلوه حجرة وأحضروا القاضي # 2 # وجماعة فأشهدوهم على خلعه. # ثم سلموا المعتز إلى من يعذبه، ومنعوه الطعام والشراب ثلاثة أيام ثم أدخلوه سردابا ~~وجصصوه عليه فمات، ودفنوه بسامرا مع المنتصر. # | هوامش ms47