######OpenITI# #META# URI: 1379KamilKilani.MulukTawaif.Hindawi51949585 #META# Tags: history #META# ID: 51949585 #META# Title: ملوك الطوائف ونظرات في تاريخ الإسلام #META# AuthorID: 25829508 #META# Author: رينهارت دوزي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 82737073 #META# Translator: كامل كيلاني #META# Related_books: 1300ReinhartDozy (TRANSL) #META#Header#End# # الجزء الأول: ملوك الطوائف‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # ملوك الطوائف وعواصمهم‏ # الهوامش‏ # الجزء الثاني: نظرات في تاريخ الإسلام‏ # ديانة العرب في الجاهلية‏ # بعد وفاة النبي‏ # قواعد الإسلام‏ # الهوامش‏ # الجزء الأول: ملوك الطوائف‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # ملوك الطوائف وعواصمهم‏ # الهوامش‏ # الجزء الثاني: نظرات في تاريخ الإسلام‏ # ديانة العرب في الجاهلية‏ # بعد وفاة النبي‏ # قواعد الإسلام‏ # الهوامش‏ # | ملوك الطوائف ونظرات في تاريخ الإسلام # | ملوك الطوائف ونظرات في تاريخ الإسلام # تأليف # رينهارت دوزي # ترجمة # كامل كيلاني # | تصدير # بقلم كامل كيلاني # هذه فصول مترجمة من كتاب العلامة المستشرق «دوزي» وقد آثرنا نقلها إلى العربية لتبيان ~~وجهة تفكير عالم أوروبي كبير، وهي - وإن خالفت آراءنا أحيانا في بعض مناحيها - جديرة أن ~~تقرأ بعناية فائقة، فليس كل ما لا نرضاه من الآراء خليقا بالطرح والإهمال. # وإذا كان العلامة فخر الدين الرازي يقول في مقدمته لشرح «الإشارات» لابن سينا: «إن ~~التقرير غير الرد، والتفسير غير النقد.» # فما أجدرنا أن نقول بدورنا: «والترجمة أيضا غير النقد.» # لهذا اقتصرت على نقل آراء ذلك المستشرق بلا مناقشة أو تعليق إلا ما يقتضيه المقام من ~~توضيح لما أعتقد أن أكثر القراء في حاجة إليه. ~~••• # على أنني لم أكد أنشر الفصل الأول من هذا الكتاب في «ديوان ابن زيدون» حتى نال من استحسان ~~القراء أكثر مما كنت أقدره له. # وقد وعدت بإظهار هذا القسم كاملا بعد أن أنجز شرح «ديوان ابن زيدون» ثم منعتني عوادي ~~الزمن ومشاغله عن إنجاز هذا الوعد، ثم تغلبت العزيمة على التردد والتسويف. ورأيت أن أفي ~~ببعض ما وعدت به القراء، فأنجزت ترجمة هذا الكتاب وكلي أمل في أن ألحقه بالكتاب الثاني الذي ~~وعدت به القراء وهو: «ابن زيدون: أدبه وعصره». فإذا انتهيت ms001 منه شرعت في إظهار «ديوان ابن ~~حمديس». وأنا أستمد من الله العون على إنجاز هذا الوعد، وأستلهمه الرشد والسداد. # الجزء الأول # | ملوك الطوائف # | الفصل الأول # (1) بعد إلغاء الخلافة # منذ سنين عدة تقلص ظل السلطة العامة عن الولايات الإسلامية في بلاد الأندلس وأصبح ~~أمر كل منها بيدها، ولم يكن تفكك السلطة مما يرغب فيه أهل تلك الولايات عامة أو ~~يتفق ومصالحهم وآمالهم. # وقد جزعوا لهذا التفكك وذهب بهم التفكير إلى أبعد مداه أسفا على الماضي وجزعا ~~من المستقبل. # 1 # ولم يكن ليستفيد من هذا الانحلال والتفكك في تلك البلاد إلا ملوك الإفرنج وحدهم، ~~وقد كان من نتائجه أن اقتسم قواد البربر جنوب الجزيرة فيما بينهم، وحكم الصقالبة ~~الشرق، وأصبح ما بقي بعد ذلك من بلاد الأندلس نهبا مقسما بين ذوي المطامع من ~~المغيرين المتوثبين على تلك البلاد، وبين آخرين من بقايا الأسر العريقة ممن سنحت ~~لهم الفرصة وساعدتهم على الثبات أمام ضربات عبد الرحمن الثالث # 2 # والمنصور التي كانت مصوبة إلى الأرستقراطية. # وقد انتهى ذلك كله بأن تكون من المدينتين الكبيرتين قرطبة وإشبيلية حكومتان ~~شوريتان. ~~(2) قرطبة # أما قرطبة فقد اجتمع كبار أهلها بعد إلغاء الخلافة - وعمدوا إلى ابن ~~جهور # 3 # فأسندوا إليه السلطة التنفيذية، وقد كان مشهورا عندهم جميعا بجدارته ~~وكفايته لتقلد هذا المنصب والاضطلاع بالحكم، ولكنهم لم يكادوا يعرضون عليه قرارهم ~~حتى رفض - بادئ ذي بدء - ذلك المركز السامي، ثم قبله بعد أن ألح عليه في ذلك جمهرة ~~منتخبيه، ولكنه اشترط عليهم أن يكون إلى جانبه في الحكم زميلان له في مجلس الشورى، ~~هما محمود بن عباس وعبد العزيز بن حسن وكانا من أعضاء أسرته. # فأجابه أصحابه إلى ما طلب، ولكن على شرط ألا يكون لهذين الزميلين إلا صوت استشاري ~~فقط. # وقد حكم السفير الأول ابن جهور تلك الحكومة الشورية الجديدة متوخيا في أحكامه ~~العدل والسداد، وكان مخلصا رشيدا، وإليه يرجع الفضل في استتباب الأمن ورفع ~~المظالم، فلم يكد يتولى الحكم حتى أمن أهل قرطبة وأصبحوا لا يشكون شيئا من ms002 ~~الإعنات والمظالم التي كانت تترى عليهم من قساة البربر الجائرين. # وكان أول ما عني به أن صرفهم عن الخدمة واحتفظ ببني يفرن وحدهم لأنه رأى أن ~~من المستحيل عليه أن يعتمد على سواهم لما عرفه من ولائهم وطاعتهم له. # وقد استبدل بالآخرين الذين سرحهم من البربر حرسا وطنيا، وكان يظهر بمظهر من ~~يريد استقرار نظام الحكم الجمهوري، فإذا طلب إليه تنفيذ أمر بعينه قال لهم: «ليس من ~~شأني أن أقرر أمرا هو من اختصاص مجلس الشورى، وما أنا إلا منفذ لأمره ~~وقراراته.» # وكان كلما وردت عليه قصة أو كتاب رسمي موجه إلى شخصه أبى أن يتسلمه، وأمر بتوجيهه ~~إلى مستشاريه. # ولم يكن ليصدر قرارا قبل عرضه على مجلس الشورى. أضف إلى هذا أنه لم يكن يتظاهر ~~البتة بمظهر الحاكم، فظل باقيا في مسكنه المتواضع الذي اعتاد سكناه دائما، وآثر ~~الإقامة فيه على أن ينتقل إلى قصر الخلافة. # 4 # وكانت العقيدة في نزاهته ثابتة قوية لا تحوم حولها الشكوك والريب وقد رفض - مع ~~هذا - أن يكون بيت المال في داره وتحت إمرته، فعهد بحراسته إلى أكبر الناس مقاما ~~وأكثرهم احتراما في المدينة. # وكان - على حبه المال - يؤثر المصلحة العامة التي قضت عليه ألا يرتكب عملا غير ~~شريف. والحق أن ابن جهور كان مقتصدا بل حريصا حرصا يكاد يصل به إلى درجة ~~البخل، فقد أثرى حتى أصبح أغنى رجل في قرطبة ولكنه مع ذلك لم يأل جهدا من جهوده ~~المحمودة في توفير اليسر والرخاء على الناس كافة. # وكان يبذل كل ما في وسعه في تحسين العلاقات الودية وتوثيقها بينه وبين الممالك ~~المجاورة، وقد كتب له النجاح في ذلك وحالفه التوفيق فلم يمض وقت طويل حتى استتب ~~الأمن وانتشرت التجارة والصناعة وهبطت أسعار المواد الغذائية، وأمنت السبل، فأم ~~قرطبة طوائف كثيرة من السكان أعادوا بناء الأحياء التي دمرها البربر أو أحرقوها ~~حينما أوقعوا النهب والسلب في المدينة. ~~(3) إشبيلية # على أنه مع تلك الأعمال التي قام بها، فإن قرطبة عاصمة الخلافة القديمة لم ~~تسترد ms003 مكانتها السياسية، ومنذ ذلك الحين أخذت إشبيلية - التي سنعنى بتاريخها ~~عناية خاصة - تحرز الشأن الأول في المركز السياسي. # كانت إشبيلية - منذ أمد بعيد لا تزال - مرتبطة الحظ بقرطبة، متأثرة بما يجري من ~~الحوادث فيها، متأسية بالعاصمة، خاضعة لملوك الدولة الأموية - على التعاقب - ثم ~~لدولة بني حمود، ومن جراء ذلك كان للثورة التي وقعت في قرطبة أثرها السيئ في ~~إشبيلية، فقد ثار القرطبيون على قاسم بن حمود وطردوه، فعول هذا الأمير على ~~الالتجاء إلى إشبيلية حيث يقيم بها ولداه، ومعهما حامية من البربر تحت قيادة ~~محمد بن زيري من قبيلة بني إيفورين. # وأرسل إلى الإشبيليين يأمرهم بإخلاء مئة مسكن لجنوده القادمين معه، وقد ترك هذا ~~الأمر أثرا سيئا في نفوس أهل إشبيلية. هذا إلى ما عرف عن جنود قاسم الذين ~~هم أفقر أبناء جنسهم من أنهم من شرار اللصوص. # وقد أظهرت قرطبة للإشبيليين أنه من الممكن أن يتحرروا من هذا النير الذي يضجون ~~بالشكوى منه. فعولوا على أن يحذوا حذو قرطبة، إلا أن خوفهم من حامية البربر ~~المقيمة بين ظهرانيهم حال بينهم وبين تحقيق أمانيهم. وبعد جهد نجح قاضي المدينة ~~أبو القاسم بن عباد # 5 # في استمالة قائد الحامية وضمه إلى جانبه بعد أن صرح له بأنه من الهين ~~السهل أن يصبح ملكا على إشبيلية، فأعلن حينئذ مناد ابن زيري استعداده ~~لمساعدته، وسارع القاضي فعقد بينه وبين قائد بربر قرمونة محالفة تقلدوا السلاح - ~~على أثرها - ضد ولدي قاسم وحاصروا قصره. # ووصل قاسم # 6 # إلى إشبيلية التي كانت مغلقة، وحاول أن يجتذب سكان المدينة إليه ~~بالوعود الخلابة، ولكنه أخفق في هذه المحاولة، ولما أوجس في نفسه خيفة على ولديه ~~اللذين كانا معرضين للهلاك داخل المدينة، قطع على نفسه عهدا أن يجلي - هو ومن معه ~~من الجند - عن أراضي إشبيلية إذا ما أسلموا إليه ولديه وأموالهما وممتلكاتهما، ~~فضمن له الإشبيليون تنفيذ هذا الشرط، وعلى أثر ذلك انسحب قاسم وعاد أدراجه، وثم ~~سنحت للقاضي أول فرصة ليرضي حامية البربر. # ولما حصلت المدينة على حريتها ms004 اجتمع كبارها ليختاروا حاكما يولونه عليهم ، إلا أن ~~الخواطر حينئذ لم تكن هادئة، والنفوس لم تكن مطمئنة، خشية أن تتمخض الحوادث عن ~~ثورة، أو أن يعيد بنو حمود الكرة عليهم، وحينئذ لا يتوانون لحظة في معاقبة ~~المجرمين الثائرين، ولهذا لم تبد من أحد منهم أية رغبة في أن يأخذ على عاتقه عبء ~~المسئولية عما وقع. ~~(4) بنو عباد # واتفق عامتهم على أن يلقوا عبء المسئولية على عاتق القاضي وحده الذي حسدوا ثروته ~~واستشعروا سرورا خفيا في أعماق نفوسهم بدنو الساعة التي تصادر فيها هذه الثروة ~~الطائلة. # فعرضوا على القاضي أن يتولى حكم المملكة، وكان - مع ما يجيش بصدره من مطامع وآمال ~~- حكيما حازما، فرفض في إباء أن يتولى الحكم في وقت غير مناسب. ولم يكن القاضي ~~متصل النسب بالسلالات العريقة، إلا أنه امتاز بحيازته أكبر ثروة، فقد كان يملك ثلث ~~أرض إشبيلية وكانت له فوق ذلك منزلة سامية من الاعتبار نظرا لمواهبه العلمية، ~~وكان يعوزه أن يضمن إلى هذه المؤهلات أن تندمج أسرته ضمن السلالات العريقة ~~القديمة. # وقد تم له ذلك - فيما بعد - تدريجا، وكان يدرك أنه في حاجة ماسة إلى وجود عدد من ~~الجند تحت إمرته، وليس لهذا العدد وجود، ولم يشك في أن الأرستقراطية العظيمة ~~المجيدة في إشبيلية لا بد أن تثور على صعلوك مثله غير معروف النسب، يسمو إلى تسنم ~~ذروة الخلافة، ولم يكن ثمة شيء غير هذا في الواقع، وقد وقع هذا حقيقة عندما أوشك ~~بنو عباد أن يؤسسوا الخلافة لأنفسهم. # وثمة زعم آل عباد أنهم من سلالة ملوك لخم الذين كانوا يحكمون الحيرة قديما قبل ~~ظهور محمد # صلى الله عليه وسلم # وكان الشعراء الذين يريدون إشباع بطونهم يتحينون الفرص للإشادة ~~بهذا النسب العريق المزعوم، على أنه لم يوجد ما يبرر هذا الزعم، لأن بني عباد ~~والمتزلفين إليهم ومن يتملقونهم لم يستطيعوا أن يقيموا الدليل على ذلك، وكل ما يربط ~~هذه الأسرة بملوك الحيرة أنها تنتسب إلى قبيلة لخم اليمنية التي ينتسب إليها ملوك ~~الحيرة. ولكن فرع ms005 أسرة آل عباد الذي تسلسل منه آباؤهم لم يقطن - على ما يظهر - ~~الحيرة بتاتا، بل كانوا يقيمون أخيرا قرب العريش الواقعة على حدود مصر وسوريا في ~~ناحية حمص. # وعلى الرغم من أن آل عباد بذلوا ما في استطاعتهم كي يصلوا نسبهم بملوك الحيرة ~~فإنهم لم يستطيعوا أن يصعدوا به إلى أبعد من نعيم والد عطاف، وكان عطاف هذا على رأس ~~كتيبة من جنود حمص، وقد رحل إلى إسبانيا مع بلج حيث أعطيت لجنود حمص أراض على ~~مقربة من إشبيلية، وأقام على ضفاف الوادي الكبير، وقد انحدر عن أصل هذه الأسرة فروع ~~فيما يقرب من سبعة أجيال أخرجت ببطء من ظلمة الماضي أناسا صالحين عاملين مقتصدين، ~~وإسماعيل والد القاضي هو عنوان مجدها، وهو الذي خط بيمينه - في الصحيفة الذهبية ~~لنبلاء إشبيلية - اسم عباد. # 7 # ولا غرو فقد كان إسماعيل من حملة الأقلام والسيوف، وكان رجل فقه ودين كما كان ~~رجل حرب وطعان، فقد تولى قيادة فرقة في حرس هشام الثاني، ثم صار - فيما بعد - ~~إماما لمجلس قرطبة الكبير، ثم قاضيا لإشبيلية، واشتهر بالفقه والذكاء والورع ~~وإرشاد العامة، وإسداء النصح للكافة، وكانت شهرته في النزاهة تربو على شهرته في غير ~~ذلك من الأمور، فهو - على الرغم من انتشار الفساد والرشوة - كان يتورع عن أن يقبل ~~هبة من سلطان أو وزير، وكان كريما إلى أبعد غايات الكرم، وقد لقي القرطبيون منه ~~كرم الضيافة، وحسن العشرة، فجعلته كل هذه المزايا والصفات جديرا أن يحرز أكبر ~~ألقاب النبل والسؤدد في الغرب. # وقبيل العهد الذي نحن بصدده توفي إلى رحمة الله في غضون سنة 1019م. # وربما كان ابنه أبو القاسم محمد يماثله علما وأدبا، وإن كان لا يدانيه خلقا ~~وفضلا، فقد كان أنانيا ذا أثرة وطمع وصلف وتكبر وإنكار للجميل، وقد حدث على أثر ~~وفاة أبيه أن طمع في أن يخلفه في منصب القضاء، ولكن القوم آثروا عليه غيره، فتقدم ~~بالرجاء إلى قاسم بن حمود فنال - بفضل قاسم - منصب القضاء الذي كان يؤمله. # وقد يرى المتتبع ms006 للحوادث فيما بعد كيف كان نكرانه لهذا الجميل . ~~(5) قاضي إشبيلية # وفي مفتح هذا العهد - الذي نحن بصدده - أشار نبلاء إشبيلية وأصحاب الرأي فيها ~~على أبي القاسم قاضي إشبيلية أن يتبوأ عرش المملكة، # 8 # ولما أدرك الغاية التي يرمون إليها أظهر لهم أنه لا يستطيع أن يقبل هذا ~~الشرف الذي يولونه إياه إلا بشرط أن يشرك معه في الحكم أفرادا يعينهم هو بنفسه على ~~أن يكونوا وزراءه وأعوانه في الاضطلاع بأعباء الحكم، بحجة أن هؤلاء الأشخاص الذين ~~يشركهم معه في الرأي ستتألف منهم هيئة شورية تقوم على تدبير المملكة بحيث لا يصدر ~~إلا عن رأيهم، ولا يتخذ أي قرار بدون مشاورتهم، فقبل الإشبيليون ما اشترطه القاضي ~~من أن يكون حكمه على قواعد الشورى، فلا يحكم بمفرده، وطلبوا إليه إنفاذ ما اعتزمه ~~من تعيين أولئك الزملاء والأعوان، فعين بعض كرام الأسر العريقة مثل ابن حجاج ~~وآخرين كانت تسمو إليهم الأنظار وترمقهم العيون من نصرائه الذين أنجبهم العصر، ~~وأطلعهم كواكب في سماء المصر، كأبي بكر الزبيدي العالم النحوي الشهير مؤدب هشام ~~الثاني، وبعد أن تم له ما أراد من ذلك انصرف همه إلى تكوين جيش للمملكة، ورفع ~~أعطيات وأرزاق الجند، فانضوى تحت لوائه كثير من العرب والبربر، ثم اشترى عددا ~~كبيرا من المماليك ودربهم على القتال، وجرد منهم حملة على الشمال، وهي في الكثير ~~الغالب كانت موجهة إلى أمراء آخرين، وقد حاصر قصرين في شمال «فيزي» أنشئا متقابلين ~~على صخور يفصلهما سور، وأطلق عليهما اسم «الأخوين» وهما معروفان الآن باسمهما العربي ~~وهو اسم «الأخوين» وقد حرفه القوم فهو يقولون «الأڨوين»، وكان يقطنهما إسبانيون ~~مسيحيون كان أسلافهم قد عقدوا معاهدة مع موسى بن نصير، والظاهر أن هذين القصرين ~~لم يكونا في العصر الذي نتحدث عنه في حيازة ملك ليون ولا في حيازة أمير مسلم، ~~ولذلك استولى القاضي عليهما وأرغم الذين كانوا يدافعون عنهما - وهم زهاء ثلاث مئة ~~فارس - على الانضواء تحت لوائه، وبذلك زادت نواة جيشه فبلغت خمس مئة فارس، وثمة ~~اجتمع لديه من ms007 الجند ما يكفي للإغارة على الممالك المتاخمة له، إلا أن حالته هذه لم ~~تكن لتمكنه من صد هجمات قوية ضد إشبيلية. # وهذا ما وقع له سنة 1027: ففي هذه السنة جاء الخليفة الحمودي يحيى بن علي وأمير ~~بربر قرمونة محمد بن عبد الله وحاصرا إشبيلية، ولما كان في منتهى الضعف بحيث لا ~~يستطيع المقاومة طويلا أخذ الإشبيليون يفاوضون يحيى وأعلنوا أنهم مستعدون ~~للاعتراف بسيادته عليهم، على شرط ألا يدخل البربر مدينتهم، فقبل يحيى هذا الشرط ~~ولكنه شرط عليهم - ضمانا لوفائهم وإخلاصهم - أن يرسل بعض أعيان ونبلاء إشبيلية ~~أولادهم ليكونوا عنده رهائن يضمن بها ولاء الإشبيليين، فلم يستطع أحد منهم أن يقدم ~~ابنه خشية من البربر الذين يقضون على حياته لأقل شبهة، والقاضي وحده هو الذي لم ~~يتردد في إجابة الطلب إذ أرسل إلى يحيى بنجله عباد. وكان الخليفة يعلم ما للقاضي من ~~الجاه والنفوذ فاكتفى بقبول ابنه رهينة لديه، وبفضل هذا العمل المجيد الدال على ~~الإخلاص للبلاد ازدادت مكانة القاضي عند الإشبيليين عامة، وأصبح - منذ ذلك الحين - ~~لا يخشى شيئا لا من جانب الشعب، ولا من جانب الخليفة الذي اعترف بسيادته شكلا، ~~وخيل إليه أن الفرصة السانحة قد أمكنته من الانفراد بالحكم. # ولما كان قد أبعد من مجلس الحكم مثل ابن حجاج وغيره، ولم يبق معه سوى زميلين ~~رأى أن يصرفهما عن خدمته ونفى «زبيدي» وعين رجلا من خواص إشبيلية اسمه «حبيب» ~~رئيسا للوزارة، ولم يكن «حبيب» هذا من رجال المبادئ إلا أنه كان مع هذا ذكيا ~~مخلصا بكل معاني كلمة الإخلاص لمولاه، منصرفا إلى مصلحته. # وعلى أثر ذلك أراد القاضي أن يزيد في رقعة المملكة بالاستيلاء على باجة، وقد ~~حلت أخيرا بهذه المدينة المصائب في غضون القرن التاسع عشر من جراء الحرب التي نشبت ~~بين العرب والخائنين. إذ نهبت وخرب البربر جزءا منها، وعاثوا فيها سلبا، وأحرقوا ~~ما صادفوه في طريقهم، وكان في نية القاضي أن يعيد تشييد ما خرب منها، ولكن لما اتصل ~~بعبد الله بن الأفطس أمير بطليوس ms008 عزم القاضي، جرد جيوشه تحت إمرة ابنه محمد «الذي ~~خلفه فيما بعد باسم المظفر» وتم استيلاء هذه الجيوش على باجة في الوقت الذي جاء ~~فيه إسماعيل بن القاضي بجيش إشبيلية، وجيش حليف أبيه أمير قرمونة، فبدأ حصارها في ~~الحال، وأمر فرسانه بالسلب والنهب في القرى الواقعة بين إيفرن والبحر، وعلى الرغم ~~من المدد الذي جاء به ابن طيفور فإن محمدا كان سيئ الحظ كثيرا إذ بعد أن فقد ~~نخبة فرسانه المحاربين وقع أسيرا بين يدي أعدائه وأرسل إلى قرمونة. # زادت هذه الانتصارات في حماسة القاضي وحليفه الأمير، فلم يكتفيا بالإغارة على ~~بطليوس وحدها بل أغارا على قرطبة أيضا، فاضطرت حكومتها أن تستخدم للدفاع كثيرا ~~من بربر ولاية سيدونا. # وبعد فترة من الزمن أبرم القاضي وحليفه صلحا أو سمه - إن شئت - هدنة مع بني ~~الأفطس، وحينئذ أطلق محمد من الأسر برضى القاضي في # (مارس 1030) ولما أبلغه أمير ~~قرمونة نبأ إطلاق سراحه عرض عليه أن يعرج في طريقه على إشبيلية ويبلغ القاضي ~~شكره، ولكن محمدا لفرط اشمئزازه من القاضي قال لأمير البربر: «إني أوثر أن أظل ~~سجينك على أن أقوم بما أشرت به علي، فإذا كنت مدينا لغيرك بإطلاق سراحي، وكان علي ~~أن أشكر قاضي إشبيلية وفاء لهذا الحق، فإني أفضل أن أبقى حيث أنا في ~~سجني.» # فاحترم الأمير شعوره وأرسله إلى بطليوس مشيعا بما يليق برجل عظيم مثله من واجب ~~الإجلال والتكريم. # وبعد بضع سنين؛ أي في سنة 1034، انتقم عبد الله بطريقة قد تعتبر غير شريفة، ~~وثأر لنفسه من تلك الشدائد التي نالته، وذلك بأن أباح للقاضي أن تمر بأرضه جنوده ~~بقيادة ابنه إسماعيل وهي ذاهبة في طريقها للإغارة على مملكة ليون، ولما كان ~~إسماعيل وجنوده في مضيق لا يبعد كثيرا عن حدود ليون باغته جيش بني الأفطس ~~فقتل من جنود إشبيلية عددا كبيرا، وقتل فرسان ليون فلول الجيش عند لياذهم ~~بالفرار، وأفلت إسماعيل من هذه المذبحة ومعه نفر يسير من رجاله، وفيما كان موليا ~~وجهه شطر مدينة لشبونة الواقعة على ms009 حدود مملكة أبيه - من الجهة الشمالية الغربية ~~- تحمل هو ومن معه أشد آلام الحرمان من حاجات المعيشة الضرورية. # ومنذ هذه الآونة صار القاضي الخصم الألد لأمير بطليوس، وليس لدينا معلومات ~~تفصيلية عن المعارك التي دارت بعد ذلك بين أمير بطليوس وخصمه. # ومما لا ريب فيه أن هذه الحروب لم يكن لها نتائج ذات خطر عظيم لإسبانيا المسلمة، ~~ولم تترك فيها أثرا يضارع ما تركه فيها حادث آخر سنتناوله فيما يلي. # قلنا إن القاضي اعترف بسيادة الخليفة الحمودي يحيى بن علي ولكن هذا الاعتراف ~~كان تعهدا غير مجد، وقد بقي كذلك مدة طويلة، فقد قام القاضي بحكم إشبيلية بلا ~~سلطان عليه ولا رقابة، وكان يحيى من الضعف بحيث لا يستطيع أن يلزمه بالمحافظة على ~~حقوقه، وقد تبدلت هذه الحال تدريجا إذ وفق يحيى لأن يضم حوله جميع أمراء ~~البربر تقريبا، فأصبح الآن بحق زعيم عامة الحزب الأفريقي بعد أن كانت هذه الزعامة ~~اسمية فيما مضى، ولما كان معسكره العام في قرمونة التي طرد منها محمد بن عبد ~~الله أصبحت جيوشه تهدد قرطبة وإشبيلية في آن واحد، وقد أوحى هذا الخطر المخيف ~~المحدق إلى القاضي بفكرة وطنية لها خطرها وقيمتها لو لم يشبها الحرص والطمع ~~والأنانية والجشع. # فقد رأى من الضروري أن يجتمع العرب والصقالبة تحت راية حاكم واحد حتى لا يغزو ~~البلاد البربر الذين اتخذوا الأملاك التي سبق لهم غزوها. # وهذه هي الوسيلة التي تجعل البلاد بمنجاة من التعرض لمثل ما حل بها من المصائب من ~~قبل، وكان القاضي يشعر من أعماق نفسه بهذه الضرورة، فقويت عنده الرغبة في أن يتألف ~~حزب قوي كبير يندمج فيه جميع العناصر المعادية للحزب الأفريقي، وهو في الوقت ذاته ~~يتمنى أن يكون رئيسه، ولم تكن العقبات التي يجب عليه أن يذللها لنيل تلك الغاية ~~بخافية عليه. # فقد كان يدرك أن ملوك الصقالبة وأمراء العرب وشيوخ قرطبة يجرحون في كرامتهم متى ~~رأوه يحاول أن يبسط سلطانه عليهم، على أن شيئا من ذلك لم يثبط همته ولم ms010 يجعل اليأس ~~يتسرب إلى نفسه. # على أن المصادفات ستخدمه، فهو سيتمكن إلى حد ما أن يصل إلى الغاية التي يرمي ~~إليها، ويدرك المشروع الذي كان يعمل على تحقيقه. وسنرى - فيما بعد - على أي نحو يتم ~~له ذلك. ~~(6) هشام الثاني # أسلفنا أن الخليفة التعس هشام الثاني فر من القصر في عهد سليمان الثاني. ~~وقلنا إن أكثر الظواهر تدلنا على أنه مات في آسيا مجهولا لا يعرفه أحد. # ومع هذا فقد بقي الشعب غير مصدق أنه مات لشدة تعلقه بالدولة الأموية التي درت ~~عليه أخلاف اليسر والرخاء، وكسته حلل الشرف والمجد، وكان عامة أفراد الشعب يتلقون ~~الإشاعات التي كانت ترد إليهم من الخارج منبئة ببقائه على قيد الحياة باهتمام وشغف، ~~وهناك أفراد كانوا يزعمون أنهم واقفون على تفاصيل حياته بآسيا، وقد أشاع بعض أولئك ~~الزاعمين أنه رحل أولا إلى مكة ومعه خريطة مملوءة بالنقود والنفائس، فسلبه الزنوج ~~الذين كانوا يرافقونه كل ما معه، وزعموا أنه استمر يومين لا يتذوق طعاما ولا ~~شرابا، إلى أن رآه صانع فخار فرق له ورثى لحاله، فعرض عليه أن يعجن له الصلصال على ~~أن يعطيه في اليوم درهما ورغيفا، فرجا صانع الفخار أن يعطيه الأجر سلفا، إذ قد ~~مضى عليه يومان لم يذق فيهما طعاما، وبعد لأي ما استطاع هشام - على عجزه عن ~~العمل - أن يكسب قوت يومه. # إلا أنه أنف هذه الحال فهرب، وسار مع قافلة ذاهبة إلى فلسطين، ووصل إلى بيت ~~المقدس وهو في أشد حالات الإملاق، وإنه ليتنقل في بعض طرق المدينة، إذ وقف على ~~دكان حصري، وأخذ ينظر إلى عمله بانتباه شديد، فسأله الحصري: «هل تعرف هذه ~~الصناعة؟» # فأجابه محزونا: «كلا، وأنا آسف لأنه لا سبيل إلى أن أعيش وأكسب ما أسد به ~~الرمق.» # فقال الحصري: «إذن فابق معي لحاجتي إليك في إحضار الخيزران، ولك أجرك.» فقبل ~~مسرورا، وبقي عند الحصري حتى حذق هذه الصناعة. # وما زال على هذه الحال بضع سنين، وقد أذاعوا بعد ذلك أنه عاد إلى إسبانيا في سنة ~~1033، ونزل ms011 مالقة ثم تحول عنها إلى المرية فوصل إليها سنة 1035، فاضطر الأمير ~~زهير إلى إبعاده خارج حدود مملكته، فرحل إلى قلعة رباح حيث ألقى بها عصا ~~التسيار. # هذه الرواية التي صادفت رواجا وقبولا من الشعب لا تستحق - على ما يظهر - أن ~~تنال شيئا من الثقة، والذي وقع حقيقة هو أنه في العهد الذي كان فيه يحيى يهدد ~~إشبيلية وقرطبة كان في قلعة رباح رجل حصري اسمه خلف يشبه الخليفة هشاما ~~الثاني تمام الشبه، ولكن لم يقم دليل على أنه هو بعينه، وقد نفى الأمويون شيعة هشام ~~ومعهم ابن حيان وابن حزم المؤرخان ما دار حول هشام «المزعوم» من الروايات ~~والأراجيف وعدوه ضربا من الحيلة السياسية والخداع والقحة، وإن كان من مصلحتهم أن ~~يهتدوا إلى مكان هشام إن استطاعوا إلى ذلك سبيلا. # ولم يتردد خلف حين طرق سمعه كثيرا أنه شبيه هشام في أن يدعي أنه هو نفسه ~~الخليفة هشام الثاني، وقد جازت هذه الحيلة على أهالي قلعة رباح لأن خلفا لم ~~يكن معروف النسب عندهم، والأغرب من هذا أنهم دخلوا في طاعته، وثاروا على أميرهم ~~إسماعيل بن دحمان ذي النون أمير طليطلة، فجاء هذا وحاصرهم ولم تطل مدة ~~مقاومتهم، وأخرج هشاما المزعوم من المدينة فهدأ ثائر الأهالي، وعادوا إلى السكينة ~~والخضوع. ~~(7) دهاء القاضي # ولم ينته دور خلف عند هذا الحد، بل رجع عودا على بدء حين علم قاضي إشبيلية ~~بخبره، وعلم الفائدة التي يجنيها من وراء ذلك الرجل إذا هو أحضره إلى إشبيلية، ~~وكان الذي يهمه إنما هو استغلال الموقف بقطع النظر عن شخصية الرجل، كما كان يسره ~~كثيرا أن يرتضي الناس أنه هشام ليستطيع أن يكون باسمه حزبا ضد البربر، ويكون ~~وهو رئيس الوزراء روح هذا الحزب وزعيمه. ولهذا بادر إلى دعوة الخليفة المزعوم إلى ~~إشبيلية ووعده بتعضيده إذا نجح في إثبات شخصيته، ولما حضر الحصري إلى إشبيلية ~~قدمه القاضي إلى نساء هشام بالقصر، فصرحن جميعهن تقريبا بأنه هو بعينه الخليفة ~~السابق، وعول القاضي على قولهن، وبعث إلى شيوخ إشبيلية ms012 وأمراء العرب والصقالبة ~~يعلنهم بأن هشاما الثاني عنده، ويدعوهم إلى حمل السلاح معه دفاعا عن حقوقه، ~~ومؤازرة لقضية الخلافة. # وقد كلل الله هذا المسعى بالنجاح، واعترف بسيادة «هشام» محمد بن عبد الله أمير ~~قرمونة المخلوع الذي لجأ إلى إشبيلية وعبد العزيز أمير بلنسية ومجاهد أمير ~~دانية وأمير طرطوشة. # وعلم عامة الشعب في قرطبة علما مقرونا بالسرور أنه لا يزال على قيد الحياة، إلا ~~أن كبيرهم الحزم بن جهور كان أقلهم تصديقا للخبر حرصا على الحكم، فلم ينخدع، ~~ولم تجد هذه الحيلة إلى نفسه مساغا، ولكنه لم يجد سبيلا إلى مقاومة إرادة الشعب، ~~ومخالفة ميوله، ورأى ضرورة اتحاد العرب والصقالبة تحت راية حاكم واحد، لأنه كان ~~يخشى في ذلك الحين أن يهاجم البربر قرطبة، فلهذه الأسباب لم يناقض أغراض مواطنيه، ~~وسمحت نفسه بأن تتجدد البيعة لهشام الثاني من جديد. # وكان من نتيجة هذه الحوادث أنه بينما كان الحزب العربي الصقلبي يتسلح ضد يحيى، ~~كان هذا محاصرا إشبيلية، مجدا في تخريب ما يتصل بها من العمران، موطنا النفس ~~على الانتقام الهائل من القاضي الخائن، ولكن الملتفين حوله - من بربر قرمونة ~~الذين أكرههم على الانضواء تحت رايته - كان هواهم مع هشام الثاني، خليفتهم السابق ~~وكانت المخابرة بينهم وبينه سائرة. # وفي أكتوبر (سنة 1035) ذهب فريق منهم خفية إلى إشبيلية، وأبلغوا القاضي ومحمد بن ~~عبد الله، أن من السهل مباغتة يحيى لأنه لا يكاد يفيق من السكر، ولم يدع القاضي ~~وحليفه هذه الفرصة تمر دون أن يستفيدا منها، وهنا وجه القاضي ابنه إسماعيل ومعه ~~محمد بن عبد الله على رأس الجيش الإشبيلي، وعندما أرخى الليل سدوله كمن إسماعيل ~~مع أكثر الجند في كمين، وأرسل كوكبة لمناوشة قرمونة ليغري يحيى بالخروج إلى ~~ظاهرها، وقد نجح في خطته هذه، إذ كان يحيى - حين بلغه مجيء ابن عباد على رأس جيش ~~- ثملا، فنهض وكان متكئا على سريره وصاح قائلا: «يا لها من فرصة سعيدة، هذا ابن ~~عباد مقبلا لزيارتي، والآن أيها الجند، خذوا أسلحتكم وامتطوا جيادكم قبل ضياع ms013 ~~الوقت.» # وخرج في ثلاثة آلاف فارس، وكان النبيذ قد لعب برأسه، فلم يتمهل ريثما يعبئ جنده ~~وينظم خططه، يضاف إلى ذلك أن ظلام الليل الحالك كان يحجب عنه كل شيء. وفوجئ ~~الإشبيليون منه بهذا الهجوم المباغت، فقابلوه بجلد وعنف، وأخذوا يتقهقرون بنظام نحو ~~المكان الذي كمن فيه إسماعيل. # ومن هذه اللحظة سعى يحيى إلى حتفه بنفسه، فإن إسماعيل انقض عليه بكل قوات ~~الجند، واضطره إلى التقهقر، وقتل يحيى نفسه في المعركة، وكاد يأتي القتل على أكثر ~~رجاله لو لم يحل محمد بن عبد الله دون ذلك، وقال له: «إن أغلب هؤلاء المساكين من ~~بربر قرمونة الذين أكرههم هذا الطاغية على الدخول في خدمته مع كراهتهم واحتقارهم ~~إياه.» # فأبقى عليهم وأمر جنده بترك تعقبهم وخف محمد بن عبد الله إلى قرمونة على ظهر ~~جواده ليسترد ملكه، وأراد زنوج يحيى الذين استولوا على أبواب المدينة أن يحولوا ~~بينه وبين الدخول لولا أن ساعده الأهالي على دخولها من ثغرة، وسار إلى قصر الإمارة، ~~وسلم نساء الأمير يحيى إلى بنيه، واستولى على ما في القصر من كنوز ونفائس في ~~(نوفمبر سنة 1035م). # وقد أحدث نبأ وفاة يحيى سرورا عظيما في إشبيلية وقرطبة، وعندما وصل الخبر إلى ~~مسامع القاضي خر ساجدا شكرا لله، وحذا حذوه جميع من كانوا حوله والآن أصبح القاضي ~~لا يخشى شيئا من جانب بني حمود. # وقد نودي بإدريس - أحد أشقاء يحيى - خليفة في مالقة، وقد كان يعوزه الوقت الكافي ~~الذي يستطيع فيه أن يكسب بقوة نفوذه وما يقدمه من وعود، قلوب زعماء البربر، ليجعلهم ~~في صفه، ولهذا لم يعد في استطاعته أن يخضع الجزيرة بعد أن نادى الزنوج فيها بابن ~~عمه محمد خليفة. # ولما رأى القاضي أن الظروف خدمته، هم بأن يقيم هو وهشام الثاني المزعوم بقصر ~~الخلافة في قرطبة، إلا أن يقظة ابن جهور، وتصميمه على عدم التخلي عن الحكم، وقفا ~~حجر عثرة في طريقه، فقد نجح في إقناع أهل قرطبة أن الخليفة المزعوم لم يكن سوى رجل ~~ماكر مخادع ms014 وأن اسم هشام قد ألغي من الإمامة، وعرف أن القاضي عند مجيئه بهشام إلى ~~قرطبة سيلقى أبوابها مغلقة في وجهه، وثمة لا يستطيع التغلب على مدينة منيعة حصينة ~~مثلها، فيضطر أن يعود من حيث أتى. # وعول - في بداية الأمر - على أن تعسكر جيوشه عند الأمير الصقلبي، وهو الأمير ~~الوحيد الذي أبى الاعتراف بهشام الثاني، ذلك الأمير هو زهير أمير المرية، ومنذ ~~أراد الخليفة قاسم أن يهون على الأمير، وأقطعه عدة أملاك، بدأ زهير يناصر ~~الحموديين. ولما نودي بإدريس خليفة بادر بالاعتراف به. # ولما صار الآن مهددا من القاضي عقد محالفة مع حيوس الغرناطي ثم زحف جيش ~~إشبيلية، وذهب لمقابلته بجنوده وجنود حليفه إذ اضطره إلى التقهقر. # ومن المحقق أن القاضي قد بالغ في الاعتداد بقوته، ولم يحسب حساب أعدائه، وكان ~~عليه أن يخشى مجيء الوقت الذي تغزو فيه جيوش المرية وغرناطة - بدورها - ~~إشبيلية. # وكثيرا ما خدمته المصادفات الحسنة التي شاءت أن يخلصه أحد أعدائه من عدوه ~~الآخر. # | الفصل الثاني # في العصر - الذي نحن بصدد التحدث عنه - ظهر رجلان طبقت شهرتهما الآفاق، وكلاهما كان ~~يحمل لصاحبه حقدا قاتلا، وكانا هما اللذان بيديهما تسيير دفة الأمور في غرناطة ~~والمرية. هذان الرجلان هما: المغربي ابن عباس، واليهودي صمويل. # فالربان صمويل هاليفي، وكان يدعى عبادة بن نغذلة، ولد في قرطبة ودرس التلمود على ~~الربان هانوخ، الرئيس الروحي للجالية اليهودية، ثم انصرف بجد ونجاح إلى دراسة الأدب ~~العربي وتثقف بأكثر العلوم التي كانت معروفة إلى ذلك العهد، ثم كان - بعد انقطاعه عن ~~الدرس - بدالا صغيرا، وقضى في هذه التجارة مدة طويلة، أولا في قرطبة، وثانيا في ~~مالقة التي أقام بها بعد الفترة التي استولى فيها بربر سليمان على العاصمة، ثم ساعفه ~~الحظ وانتشلته بعض الفرص السعيدة من هذا المركز الوضيع. # ذلك أن حانوته كان قريبا من قصر أبي القاسم بن العريف وزير جيوش ملك غرناطة، وكان ~~على رجال القصر في الغالب أن يراسلوا مولاهم فيما يعرض لهم من الشئون، ولكونهم جهلاء ~~بفن الكتابة لجئوا إلى ms015 صمويل هذا ليحرر لهم ما تمس إليه الحاجة من تلك الرسائل التي ~~أثارت إعجاب الوزير إذ ألفاها مكتوبة بأبلغ وأجزل أسلوب عربي، مما حمل الوزير عند عودته ~~إلى مالقة أن يسأل عن المنشئ لتلك الرسائل، ولما علم أنه اليهودي استقدمه إليه، وخاطبه ~~بقوله: «ليس خليقا بك أن تبقى صاحب حانوت، وما أجدرك أن تكون كوكبا يسطع لألاؤه في ~~بلاط الملك، فإذا توفرت على ذلك رغبتك، فإني متخذك لي ناموسا خاصا.» # فتقبل منه هذه المنة شاكرا، وصحبه الوزير معه عند عودته إلى غرناطة، وازداد إعجابه ~~به عندما أخذ يبادله الحديث في شئون الدولة، إذ وقف منه على رجل نادر الذكاء بين ~~الرجال، بعيد النظر، سديد الرأي، حتى قال بعض المؤرخين اليهود: «إن النصائح التي كان ~~يسديها صمويل كانت بمثابه أقوال صادرة عن إنسان ملهم يستوحي كلام الله ويستفسره.» # ولهذا كان الوزير يأخذ بها، ويخصه بجميل الثناء، ولما أحس الوزير بدنو الأجل في مرضه ~~الذي مات فيه، جاء الملك يعوده، وقد داخله حزن عميق على وزيره، وخادمه الأمين الذي ~~سيفقده ولا يجد من يخلفه، فانتهز هذه الفرصة وقال للملك: «لم تكن النصائح والآراء ~~الرشيدة التي كنت أبديها لك أيها الملك في العهد الأخير صادرة مني بل كانت وحيا أتلقاه ~~من صمويل ذلك اليهودي الذي آثرت أن يكون ناموسي الخاص، فأقصر نظرك عليه واتخذه أبا لك ~~ووزيرا، أخذ الله بيدك، وشد به أزرك.» # وقد عمل حيوس الملك بهذه النصيحة، وأحل صمويل بالقصر # 1 # محل وزيره الراحل، وصار هذا اليهودي ناموس الملك ومستشاره. # وربما لا يحدثك التاريخ عن رجل يهودي حكم في دولة إسلامية حكما مباشرا وصريحا باسم ~~وزير مستشار إلا في هذه المملكة الإسلامية. # على أن بعض اليهود قد تمتع - على الأرجح - بشيء من الاعتبار والحظوة لدى بعض ملوك ~~المسلمين الذين كانوا يستعملونهم غالبا على وزارة المالية، ولكن التسامح لم يبلغ ~~بالإسلام إلى حد أن يتولى يهودي منصب رئيس الوزراء، وإذا جاز هذا الأمر في جهات أخرى ~~فلم يكن ليجوز في غرناطة تلك ms016 المدينة التي كثر عدد اليهود المقيمين بها حتى أطلقوا ~~عليها اسم مدينة اليهود، # 2 # ولما كانت في أيديهم معظم الثروة فقد كانوا يتدخلون غالبا في شئون ~~الدولة. # وصفوة القول أن اليهود وجدوا هنا أرضا أخرى غير الأرض الموعودة من الصحراء وصخرة ~~حريب. # ويصح أن يفسر سمو صمويل إلى هذا المنصب بأسلوب آخر، فإنه لم يكن من السهل على ملك ~~غرناطة، أن يعثر على من يقلده منصب الوزير الأول، إذ من المحقق أنه لم يكن في استطاعته ~~أن يسند هذا المنصب الخطير لا إلى رجل من البربر، ولا إلى آخر من العرب. وقد كانوا ~~يؤثرون - في ذلك الحين - أن يكون الوزير أديبا قد بلغ في الأدب الغاية وملك ناصية ~~البيان، كي يستطيع أن يحرر الرسائل التي ترسل إلى الملوك بالنثر المبدع، والأسلوب ~~الرائع الممتع، وقد كان ملك غرناطة يرغب في أن تتوافر هذه المواهب عنده، ومثله في ذلك ~~مثل صعلوك يعمل على أن يكون من العظماء، ولما كان نصف بربري بذل كل ما في وسعه حتى لا ~~يظهر بهذا المظهر، وكان يتمنى - من أعماق نفسه - أن يكون ذا علم وأدب، وكان يزعم - حتى ~~لا ينسب إلى ضعة النسب - أن السلالة التي انحدر منها - وهي صنهاجة - لم تكن من عنصر ~~البربر بل كانت من عنصر العرب. # 3 # فلكل هذه الاعتبارات كان لا بد له من وزير مضطلع بفنون الأدب لا نظير له عند جيرانه، ~~ولكن أنى له أن يظفر بذلك؟ # إن البربر الذين عنده كانوا لا يحسنون إلا عملا واحدا هو القتال والاستيلاء على ~~المدن ونهب ما فيها من الأموال والذخائر وصرفها وتخريبها، ويعجزون بعد ذلك عن النطق ~~الفصيح، أو كتابة سطر صحيح بلغة القرآن، والعرب الذين كانوا يخضعون لسلطانه كانوا لا ~~يحملون هذا النير على عاتقهم إلا وهم يرجفون غضبا ويضطربون حمية وخجلا، ويرون خيانته ~~عملا شريفا، فهو لا يستطيع أن يأمن جانبهم، وقد ساعفته الظروف فرأى يهوديا مثل ~~صمويل شهد له علماء العرب أنفسهم بالاستبحار في العلوم وفقه أسرار لغة ms017 العرب، ومما يشهد ~~له بالمهارة والحذق أنه مع حرصه على التمسك بدينه، كان لا ينحرف وهو يكتب لأساطين ~~المسلمين عن أن يستعمل في رسائله ومكاتباته الصيغ والنصوص والعبارات الدينية المألوفة ~~عند كتاب المسلمين، فلا بد أن يكون هذا الرجل قد أحرز من البلاغة العربية كنزا ثمينا ~~كان ينفق منه كلما أراد الكتابة، ولهذا لم يشعر الملك - وقد رفعه إلى منصة رياسة ~~الوزارة - بخجل، والعرب أنفسهم قد ارتاحوا إلى هذا الاختيار ووافقوا عليه، وعلى الرغم ~~من عدم تسامحهم وارتيابهم في اليهود فقد أذعنوا اضطرارا واعترفوا بعبقرية صمويل ونبوغه ~~ومزاياه، وفي الحق أنه كان متحليا بمختلف العلوم، زاخر العباب فيها، فهو الرياضي ~~المنطقي الفلكي الذي يجيد - فوق ذلك - سبع لغات، أضف إلى هذا أنه - بوجه عام - كان ~~كثيرا ما يكرم الشعراء ورجال الأدب، والكثير ممن خصهم بنواله، لم يقصروا في إطرائه ~~ومدحه والثناء عليه، وقد دخل في غمار من مدحه الشاعر منفائيل. # ووجه إليه بالكلمة التالية التي لا يذكرها المسلمون، إلا مقرونة بفزع واستنكار عظيمين: ~~«أيها العلم الفرد الذي جمعت في شخصك من المزايا والسجايا الحميدة ما لم يظفر ~~سائر الناس إلا بجزء يسير منه، أنت يا من أطلقت الجود من محبسه بعد أن كان ~~سجينا، إنك لأسمى الناس قدرا وأرفعهم منزلة في الشرق والغرب، فإنك كالذهب ~~قيمة وسائر الناس كالنحاس ... إلخ.» # وأما الذي كرهه العرب من آثار ذكائه الحقيقي فهي الخدمات العديدة التي أداها للأدب ~~العبري، فقد نشر باللغة العبرية مقدمة للتلمود، وقعت في اثنين وعشرين جزءا جعلها خاصة ~~بالغراماطيق، ومن أهم كتب الغراماطيق وأوفرها مادة «كتاب الثروة» صنفه قاض من أقضى ~~القضاة، وأكثرهم ثقافة ودراية، كان على دين صمويل الذي ازدهر بالمعارف والبحوث في القرن ~~الثاني عشر، وقد وضع هذا الكتاب في المرتبة الأولى من الكتب التي بحثت في الغراماطيق، ~~كان هذا المؤلف شاعرا أيضا، وقد نسج على منوال المزامير، وابن سيراخ، ولما كانت ~~أشعاره مفعمة بالكنايات وأمثال العرب والحكم المختلسة من أقوال الحكماء والفلاسفة، ~~والمعاني الشعرية التي اخترعها الشعراء ms018 المجيدون، فقد أصبح من العسير - إلا على الخاصة ~~- تفهم معانيه. على أن أكبر علماء اليهود كان يتعذر عليه فهم غوامضه ما لم يستعن ~~بالمتون والشروح والتعليقات. # ولما كان التعمق والبحث في آداب اللغة العبرية أكثر شيوعا منهما في اللغة العربية ~~التي هي صورة منها، ونموذجا لها، كان الغموض لا يعد نقصا وعيبا، بل يعد من الدراية ~~والكفاية العلمية. # وكان صمويل يسهر على مصالح اليهود، ويعنى عناية أبوية بالشبيبة اليهودية، يتفقد ~~رقيقي الحال منهم، ويمدهم بما يسد حاجاتهم - عن كرم وسخاء - وكان في خدمته كتاب ينسخون ~~المشنا والتلمود، فكان يوزع نسخها جوائز على التلاميذ الذين لا يملكون شراءها، ولم تكن ~~مكارمه وخيراته وإحساناته لتقتصر على أتباع دينه في إسبانيا فحسب، بل كانت تتعداهم إلى ~~أمثالهم في إفريقية وصقلية وبيت المقدس وبغداد، وقد أصبح اليهود في كل صقع وبلد يعتمدون ~~على معونته وكرمه. # لهذا عمد اليهود في غرناطة إلى أن يبرهنوا على إخلاصهم وحبهم وولائهم واعترافهم له ~~بالجميل عليهم وعلى أبناء دينهم، فمنحوه لقب «ناغد» أي زعيم أو أمير يهود ~~غرناطة. # ولما كان زعيم أمة ورئيس دولة فقد ضم إلى رجاحة العقل وتوقد الذكاء يقظة وتبصرا ~~وحزما، وصفات خلقية ثابتة جعلته في مصاف كبار الزعماء والرؤساء، فكان يتكلم قليلا ~~ويفكر طويلا، وهذه في العادة من أعظم صفات الرجل السياسي المحنك. # وكان يهتبل الفرص فلا يدعها تمر دون أن يستفيد منها عن حنكة وخبرة ودربة، وكان ~~عليما بأخلاق الناس وميولهم، خبيرا بالوسائل التي يتغلب بها على رذائلهم وشرورهم، ~~وكان - فوق هذا - جميل الهندام حسن الهيئة مشرق الطلعة، ففي مجالس الحمراء البديعة كان ~~يبدو أنيقا رشيقا حتى ليخيل للناظر إليه أنه نشأ منذ نعومة أظفاره في أحضان الأناقة ~~الفاخرة، ولم يكن أحد ليجيد الكلام بلباقة وحذق مثله، ولا ليفنن في التظرف في الحديث ~~ويتملق محدثه ويتملك بقوة بيانه مشاعر محدثه مثله، ويندر فيمن أسرعت بهم عجلة الحظ ~~فرفعتهم فجأة من الحضيض إلى ذروة المجد ألا يكونوا على نمط أولئك الذين كانوا فقراء، ~~فأصبحوا أغنياء، ms019 فإن كثيرا منهم يغلب عليه طبعه الأول فينحط إلى درجة صعلوك وقح مفتون، ~~وصمويل لم يكن على نمط أولئك، بل كان كمن نشأ في السيادة والمجد منذ ولادته. # ولما كان ذا عطف محبا للجميع، فقد أضاف إلى سجاياه الكريمة خلقا نبيلا، متأصلا ~~في نفسه، هو التخلي عن صفة الادعاء الكاذب، فهو - بدلا من أن يخجل من عمله الذي كان ~~يزاوله من قبل فيعمل على إخفائه - كان يعلنه لمحدثه ومن يعيبه عليه، وكان يعلن ذلك في ~~صراحة وبساطة تقنع محدثه أنه يعتزي إلى عمل شريف. ~~••• # وأما ابن عباس وزير زهير أمير المرية فقد كان رجلا فائق الشهرة عظيم الخطر، وقد ~~قالوا عنه إنه اختص بأربعة أشياء لا يدانيه فيها غيره: ~~(1) # الأسلوب الإنشائي ~~(2) # الثروة ~~(3) # البخل ~~(4) # الكبر # فكانت ثروته - على الحقيقة - لا تقع تحت حصر، وقد قدروها بما يربو على خمس مئة ألف ~~دوكا. # 4 # وكان قصره - لفخامته - كقصر ملك مؤثثا بأفخر الأثاث والرياش غاصا بالخول والعبيد، ~~فيه نحو خمس مئة قينة جميعهن ذوات جمال رائع نادر، ومما هو خليق بالإعجاب في قصره ~~هذا مكتبته الفاخرة التي كانت تحوي عدا الكراسات المنفصلة زهاء أربع مئة ألف مجلد، وقد ~~تمت السعادة لهذا الرجل فلم يعد ينقصها شيء، فقد كان بهي الطلعة جميلا شابا، قد أوفت ~~سنه على الثلاثين، ينحدر نسبه من أسرة عريقة، يرجع أصلها إلى بعض قبائل العرب التي نصرت ~~النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. # وقد كان لكثرة الثراء يسبح في بحر من الذهب، ولما كان عليما بفنون الأدب قديرا على ~~التعبير عن آرائه في عذوبة ولطف ورقة، ذاعت شهرته الأدبية وتردد ذكره في المحافل ~~والأندية، وتوافر الناس على محبته وتقديره. ولكن مما يؤسف له أن شيئا من الخوف ~~والارتباك قد ملأ فؤاده، وتملك عليه مشاعره، وأصبح ينتابه من الوساوس والشكوك ~~والاضطرابات المفزعة ما لا حد له، ومن جراء ذلك كثر أعداؤه، وقل أولياؤه، وكان أهل ~~قرطبة من أشد الناس نقمة عليه - لكبريائه وغطرسته - فقد حدث مرة أن زار مدينتهم مع ~~زهير، فواجه ms020 بكل احتقار وزراية أكبر رجل من عظماء قرطبة الممتازين بأصل أرومتهم ~~وبمواهبهم الخلقية والعلمية، وكان مما جبه به ذلك العظيم قوله: «إني لا أرى في مدينتكم ~~هذه سوى صعلوك سائل، أو مأفون جاهل.» # وفي الواقع كانت أوهام هذا الرجل ودعواه الجوفاء قد وصلت إلى حد السفه والجنون، وقد ~~جاء في شعره من الغلو والإغراق في القول ما معناه: «لئن كانوا قد أصبحوا كلهم عبيدي، ~~فإن نفسي لن يقنعها ذلك ولن تسكن إليه.» # ومن أبياته التي كان يرددها في كل مجلس وعند كل مناسبة، وبخاصة إذا كان يلعب الشطرنج ~~ما مضمونه: «قد أمن الشقاء جانبي، وهو ممنوع البتة أن يحوم حولي، أو ينزل ~~بساحتي.» # وهذه القحة التي كان يواجه بها القضاء، ويجبه بها القدر، كانت مبعث إثارة النفوس ~~والخواطر ضده، مما حمل شاعرا جريئا على أن يجهر بما يعبر به عن الرأي العام، فأحال ~~الشطر الثاني إلى ضد معناه، وذلك حيث يقول: «ولكن القدر الذي لا ينام سيوقظ راقد ~~الشقاء.» # ولما كان ابن عباس عربيا قحا، أصبح يكره البربر ويحتقر اليهود. وربما كانت تقضي ~~عليه ميوله بأن لا ينضم ملكه إلى الحزب العربي الصقلبي، ذلك الانضمام الذي تكون نتيجته ~~اللازمة، إيداع زهير غيابة السجن بيد قاضي إشبيلية زعيم هذا الحزب. وقد كان امتعاضه ~~من زهير شديدا لمحالفته ملكا من ملوك البربر، اتخذ له وزيرا يهوديا كان شديد ~~الكراهة له، وهو يعلم ذلك، وقد تمالأ مع ابن بقية # 5 # وزير الحموديين بمالقة وعمل على خلع إسماعيل بأن اختلق لإدراك هذا ~~الغرض عدة وشايات ودسائس لم تفلح، ثم عمد بعد ذلك إلى أن يوقع ملكه مع ملك غرناطة بأن ~~يجعله يقدم مساعدته لمحمد أمير قرمونة وعدو حبوس، وقد نجح في محاولته هذه. # وبعد فترة من الزمن وافى الأجل المحتوم حبوس في يوليو سنة 1038 # 6 # وقد أعقب ولدين باديس # 7 # وهو بكره، وبلقين، وهو أصغر منه. وأراد البربر وجماعة اليهود أن يتبوأ ~~صغيرهما العرش، وآخرون من اليهود بينهم إسماعيل، ومعهم العرب، كانوا يميلون ms021 إلى جانب ~~باديس. وكان لا بد - لهذا الخلاف - من أن تنشب حرب أهلية، لو لم يبادر بلقين إلى ~~التنازل عن العرش لباديس والدخول في طاعته، فحذا حذوه أنصاره مكرهين. # 8 # وأول عمل عمله الأمير الجديد أنه بذل كل ما في وسعه لتوطيد أركان المحالفة ~~بينه وبين أمير المرية، وقد صرح هذا الأخير بأن كل شيء تتم تسويته عند المقابلة. وخرج ~~في حرس تام العدد والعدة، ومنظر يستوقف الأبصار، واجتاز حدود مملكة باديس - على غير ~~علم منه - إلى أن صار فجأة على أبواب غرناطة، فأثر هذا العمل - الخالي من اللياقة - ~~في نفس باديس. ومع هذا فقد قابله بكل حفاوة، وأولم له ولمن معه وليمة فاخرة، وغمر ~~أتباعه بالعطايا والهدايا، وعلى الرغم من هذه الحفاوة البالغة، فإن المفاوضات التي دارت ~~بينهما، على عقد تحالف وطيد، لم تسفر عن نتيجة، إذ لم يستطع الأميران ولا وزيراهما (كان ~~إسماعيل لا يزال وزيرا في مكانه) أن يتفقا على شيء، وكان في مقابلة ما فعله باديس ~~من الحفاوة بضيوفه، أن أميرهم زهيرا، # 9 # بتأثير وزيره ابن عباس حين اجتمع بباديس، تظاهر أمامه بعظمة تركت في ~~نفسه أثرا سيئا، وجعلته يبيت النية على الإيقاع بأمير المرية، وتأديبه أدبا يكون ~~كفاء لقحته وجفائه، وصمم على الإيقاع بوزيره أيضا لما بدا منه من عناد وفظاظة حين عول ~~أخوه بلقين، وأحد قواده، أن يبذل آخر محاولة للتوفيق بينهما. # وتفصيل الخبر أن بلقين ذهب حين أقبل الليل إلى حيث مجلس ابن عباس وخاطبه بقوله: ~~«اتق الله - أيها الوزير - واخش عقابه، فأنت الذي يحول دون اتفاق أميره، وقد رأيناه ~~أطوع لك من بنانك، لا يصدر إلا عن رأيك، ولا يعمل إلا بمشورتك، ولعلك تدرك أكثر مما ~~ندرك مبلغ ما وصلنا إليه من السعادة، ومواتاة الحظ، في الوقت الذي كنا نعمل فيه متفقين، ~~حتى لقد حسدنا جميع أعدائنا. وإذن فواجبنا جميعا أن نعود إلى ما كنا عليه من الاتفاق ~~والمحالفة. والشرط الذي لم يتم عليه الاتفاق بيننا، هو مبلغ المعونة التي تمدون بها ms022 ~~محمدا أمير قرمونة. فلندع هذا الأمير وما يخبؤه له القدر من حظ - وذلك ما يريده ~~أميرك - ثم لنتفق بعد هذا على تسوية جميع الشروط، فإن كل شيء - بعد نقطة الخلاف هذه - ~~ميسور وسهل.» ~~••• # فرد عليه ابن عباس بلهجة قاسية، تشف عن نفوذ وسلطان قاهر من جهة، وعن امتهان لمحدثه ~~وزراية عليه من جهة أخرى. ولما حاول أخو أمير البربر وسفيره أن يعالجه من ناحية ~~العاطفة، قام إليه معانقا باكيا، فلم يؤثر فيه بمعانقته ودموعه، بل قال له: «وفر ~~عليك هذه المظاهر الكاذبة، والعبارات الفارغة، فإنها لا تترك أي أثر في نفسي، وإن ما ~~قلته لك آنفا، هو ما أعيده على مسامعك اليوم، فإذا لم تعمل أنت وأصحابك على تنفيذ ما ~~نريد، فسأعمل بعد على ما يدعوكم إلى الحسرة والندم.» # فأحرج بلقين هذا الرد وأجابه بقوله: «هل هذا هو جوابك الذي أحمله إلى ~~المجلس؟» # فقال ابن عباس: «هو هذا بدون شك. ولك أن تبالغ في قولي ما شئت، وتزيد في لهجته شدة ~~ما استطعت.» ~~••• # فبكى بلقين حمية وغضبا لما لحقه من الإهانة والازدراء، وعاد إلى باديس، ومجلسه ~~منعقد، فأفضى إليه بكل ما دار بينه وبين ابن عباس من حديث، وأصابه من عنت. فامتعض ~~باديس صنهاجة امتعاضا شديدا وقال: «إن وقاحة هذا الرجل لا تحتمل. فقوموا جميعا، ~~قومة رجل واحد للدفاع عن كرامة المملكة، وإلا فإنكم - وما تملكون - تصيرون ملكا ~~لغيركم.» # وقد شاطره الغرناطيون هذا الغضب، وظهر بلقين، أشد من أخيه باديس حماسة وغضبا، ~~وطلب إليه - في عنف - أن يتخذ أهل المرية في الحال، ما يلزم من التدابير نحو هذا ~~الطاغية وملكه، فقطع على نفسه عهدا بذلك. # وكان لا بد لزهير في العودة، من اجتياز قنطرة لا محيد له عنها. # فأمر باديس بقطع هذه القنطرة، وأرسل جنوده فاحتلوا تلك المضايق والأوعار، ولم يكن ~~حنقه على زهير شديدا كأخيه، ولم ييئس من عود صديق والده القديم إلى ما كان عليه من ~~عواطف سامية، وميول شريفة، ولهذا عول على أن ينبهه في الخفاء إلى ms023 الخطر المحدق به، فعمد ~~إلى حرسي من البربر من جند المرية، وبعثه إلى زهير رسولا، فوافاه ليلا ~~وأسر إليه بما يلي : «أخبرك يا مولاي - وأنا صادق فيما أقول - أنك ملاق غدا من ~~المخاوف والمصاعب، إذا أنت اجتزت القنطرة في طريق عودتك، ما تتعرض معه لأشد أنواع الخطر ~~والهلاك. فأنصحك أن تخف للرحيل - منذ الليلة - قبل أن يتسع الوقت لجند غرناطة ~~فيحتلوها ويضيقوا عليك الخناق. وإذا نجوت سريعا، وحدث أنهم تتبعوك، كان في استطاعتك أن ~~تدبر معهم معركة في براح من الأرض بعيدا عن تلك المضايق، أو تلحق بإحدى قلاعك فتكون في ~~مأمن من غائلتهم.» ~~••• # ويظهر أن هذه النصيحة صادفت من نفس زهير قبولا، ووقعت منه موقع الإعجاب، إلا «ابن ~~عباس» الذي كان حاضرا وقت أن أفضى الرجل إلى زهير بهذا الحديث، فقال له: «لا عليك ~~أيها الأمير، فإن الخوف هو الذي جسم في خيال هذا الرجل أن يحدثك هكذا.» # فصاح الحرسي: «أي خوف هذا؟ ألمثلي تقول هذا الكلام، وأنا الذي اشترك في عشرين ~~معركة في حين أنك لم تشهد في حياتك معركة واحدة؟ وسترى - عند معاينة الحادث غدا - أني ~~لم أغش الأمير حين نصحته.» وغادرهما مغضبا. # وقد زعم أعداء ابن عباس (وقد قلنا سابقا إنهم كثير) أنه رفض نصيحة جندي البربر لا ~~لأنه استهان بها، بل لأنه كان يرمي إلى هلاك زهير طمعا في الاستئثار بحكم المرية ~~على أمل أن يقتل زهير في المعركة ويركن هو إلى الفرار، فينادى به ملكا عليها، وربما ~~كان لهذا الزعم ظل من الحقيقة، وسنرى على الأقل أن ابن عباس سيفخر أمام باديس بأنه ~~استدرج زهيرا حتى وقع في الشرك. # وفي اليوم التالي (15 أغسطس سنة 1038) ألفى زهير نفسه وراء تلك المجازات والمضائق ~~محصورا، وقد أحاط به جنود غرناطة، فذعر جنوده ذعرا شديدا، وعمهم الحزن والكمد. أما ~~هو فكان حاضر الذهن حيث رتب المشاة من الزنوج، وكانوا خمس مئة راجل، والمشاة من ~~الأندلسيين وأمر القائد هذيلا، بأن يتقدم على رأس الفرسان الصقالبة وينقض على العدو ms024 ~~فصدع هذا بالأمر، ولم تكد تبدأ المعركة ويلتحم الفريقان، حتى سقط هذيل عن جواده ولم ~~يعرف سبب سقوطه، أمن طعنة رمح أم من كبوة فرسه؟ ~~••• # وسرعان ما لاذ الفرسان بالفرار بغير انتظام، وفي نفس هذا الوقت المشئوم، خان الزنوج ~~زهيرا - وكانت له فيهم ثقة عظيمة - وانضموا إلى أعدائه، بعد أن استولوا على ما لديه ~~من عدة وسلاح ولم يبق معه - وهو على هذه الحال - سوى الأندلسيين وهم أخلاط من أردأ ~~الجند غير مدربين على القتال. فأسرع هؤلاء أيضا بالهرب، وتبعهم زهير طوعا أو ~~كرها. # ولما كان الجسر مقطوعا، وأطراف الشعاب والمضايق محتلة بجند غرناطة، لم يسع الفارين ~~إلا أن يعتصموا برءوس الجبال. فأعمل الغرناطيون - في أغلبهم - السيوف، ومن لم ينله ~~السيف منهم، تردى في مهاو عميقة، وطاح هذا العدد، وبقي زهير وحده. # وأخذ أرباب الوظائف - من غير الجند - أسرى، عملا بأوامر باديس، الذي أوصى رجاله ~~بالإبقاء عليهم، وفي عدادهم ابن عباس، وقد صرح أن أخوف ما يخافه - وقد وقع في قبضتهم ~~أسيرا - مكتبته الحاوية لأنفس الكتب وأكثرها عددا، وصاح قائلا: «رحماك ربي وعونك، ~~إلى أي مصير تصير كتبي؟» # وجعل يتوسل بالجند الذين يسوقونه إلى باديس ويقول لهم: «اذهبوا إلى ملككم، وسلوه أن ~~يعنى العناية كلها بكتبي وأن لا يحرق منها شيئا، فإن من بينها كتبا لا تقوم بوزنها ~~ذهبا.» # ولما مثل بين يدي باديس، أراد أن يخدعه بقوله: «ألم تر أني قد خدمت مصلحتك حين ~~أوقعت - في حبائلك - هؤلاء الكلاب؟ وأشار بيده إلى الأسرى من الصقالبة. وأريد في مقابلة ~~ذلك أن تسعى بدورك في صالحي، وذلك بأن تأمر باستبقاء كتبي، والمحافظة عليها، فإنه لا ~~شيء أعز علي منها.» # وفيما هو يخاطبه كان أسرى المرية يرمقونه بأنظار يتطاير منها الشرر حنقا وغيظا، ~~وحمل الغيظ أحد رؤساء الجنود، وهو ابن شبيب على أن يقول لباديس: «أستحلفك - يا ~~مولاي - بمن جعل النصر حليفك، ألا تدع هذا الخائن الذي أضاع مملكتنا، يفلت من يدك، ~~فإنه هو وحده الذي جنى علينا كل ما وقع. وإذا ms025 أتيح لي أن أشهد مصرعه، وما يحل به من ~~العذاب الأليم، فسأكون أول من يقدم نفسه عن اختيار لتضرب رأسي بعده.» ~~••• # فافتر ثغر باديس عن ابتسامة لطيفة عند سماعه لهذه الكلمات، وأمر بإطلاق سراحه. وكان ~~ابن شبيب هذا هو الوحيد الذي نجا بحياته من أسرى الجيش، لأن عامة الأسرى الباقين ~~تسلمهم الجلاد على التعاقب لضرب أعناقهم، كما أنه أطلق سراح الأسرى الملكيين من أرباب ~~الوظائف، وأبقى ابن عباس وحده على تلك الحال من الأسر والاعتقال. ~~••• # والآن عرف هذا الوزير المتكبر مبلغ ما حل به من الشقاء الذي تقحمه بإقدامه ~~الجنوني، وتحققت نبوءة شاعر المرية، وأيقظ القدر الذي لا ينام راقد الشقاء. وأودع ~~ابن عباس سجنه في قصر الحمراء، وكبل بسلاسل وأغلال لا يقل وزنها عن أربعين رطلا، ~~وعرف أن باديس مغيظ محنق قد اشتد غضبه عليه، وأن إسماعيل لا يرضى بغير موته، ومع ~~هذا، فقد كان بعض الأمل يجيش بصدره، إذ عرض على باديس إطلاق سراحه مقابل ثلاثين ألف ~~دوكا، فأجاب بأنه سينظر في طلبه بعين الاعتبار. ومضى شهران دون أن يبت في أمره. وفي ~~غضون هذه المدة وفد على قصر باديس كثيرون، مطالبهم متعارضة في شأن الأسرى. فرسول ~~قرطبة كان يطلب إطلاق الأسرى، وبخاصة ابن عباس وتلاه رسول آخر هو الأحوص بن ~~صمادح صهر عبد العزيز حاكم بلنسية ورسوله، وطلب بإلحاح قتل جميع الأسرى، وفي ~~مقدمتهم ابن عباس. # ومنشأ ذلك أنه - على أثر وقوع هذه الحوادث - كان عبد العزيز قد بادر بالاستيلاء على ~~المرية بدعوى أن من حقه أن تئول إليه، لأن زهيرا كان من الأمراء التابعين لأسرته، ~~وهو يخشى أن يطلق سراح ابن عباس والذين معه فينازعوه في هذا الحق. ولم يدر باديس ~~إلى أي الجانبين يميل، فإن الطمع في ثروة ابن عباس، وحب الانتقام منه، كانا يتنازعان ~~فؤاده. # وفي مساء ذات ليلة، بينما باديس وأخوه يتنزهان على صهوتي جواديهما خارج المدينة، إذ ~~طلب باديس من أخيه أن يصرح له برأيه فيما عرضه ابن عباس عليه من الفدية، ms026 فقال له: ~~«إنك عندما تقبل دنانيره، وتفك أسره، يثير عليك حربا تكلفك ضعف ما تأخذه من الفداء، ~~وعندي أنه يجب أن تودي بحياته وشيكا.» # ولما عاد من المتنزه بادر باديس إلى استدعاء أسيره وأخذ يعدد عليه أخطاءه، وما بدر ~~منه من ألفاظ جافة مقذعة، وابن عباس مستسلم مصيخ بسمعه لما يوجهه إليه من جارح ~~القول. # ولما فرغ الملك من كلامه، قال ابن عباس: «أتوسل إليك يا مولاي، بكل عزيز عليك أن ~~ترحمني وتنقذني من آلامي.» # فقال له باديس: «سأريحك من آلامك اليوم.» # ولمح باديس على أسارير أسيره الحزين الممتقع اللون، بصيصا وشعاعا من الرجاء، فصمت ~~لحظة يسيرة، ثم استأنف كلامه، وكشر عن أنيابه بابتسامة فيها كل معاني الانتقام ~~والوحشية، وقال له: «إنك لا محالة ذاهب الآن إلى حيث تزيد آلامك.» ~~••• # وتراطن مع أخيه بلغة البربر التي لا يفهمها ابن عباس. ومن كلام باديس الأخير ~~وابتسامته الرهيبة، وشكله المروع الغاضب، لم يبق عند ابن عباس شك في أن ساعته الأخيرة ~~قد دنت، فجثا على ركبتيه وقال: «أستحلفك بالله أن تبقي على حياتي وتشفق على زوجاتي، ~~وترحم أولادي الصغار، ولك أن أقدم ثلاثين ألف دوكا بل ستين ألفا.» # وكان باديس مصغيا لكلامه، لا ينبس ببنت شفة، ثم عمد إلى رمح قصير وطعنه به في ~~صدره، وحذا حذوه أخوه بلقين وتبعه علي بن القروي، وانهالوا عليه بالطعنات، ولم ~~تنقطع استصراخاته وتوسلاته، إلا بعد أن برد في مصرعه عند الطعنة السابعة عشرة. # 10 ~~••• # وسرعان ما ذاع الخبر في غرناطة بمقتل ابن عباس، ذلك الغني المتكبر المتعجرف، وقد ~~كان سرور الإفريقيين عظيما. وكان أعظم الناس سرورا إسماعيل الذي لم يبق أمامه إلا ~~عدو واحد خطير، وخصم لدود، هو ابن بقية. وكان «لإسماعيل» هاتف خفي يعتاده في الحلم، ~~قد ألقى في روعه أن هذا العدو سيلقى حتفه ويلحق بابن عباس عاجلا. واليهود في هذا ~~كالعرب، يتوهمون أن سرا من الأسرار يلهمهم وهم في نومهم بنبوءات عن المستقبل. وعاده ~~الحلم ذات ليلة، فسمع في نومه هاتفا يردد ms027 ثلاثة أبيات بالعبرية هذا معناها: «لقد هلك ~~ابن عباس وشيعته والملتفون حوله، وهذا الوزير الآخر الذي كان يظاهره ويتآمر معه يوشك ~~أن يقتل مثله، ويوطأ كالجلبان ويداس، فماذا كانت عاقبة ثرثرتهما وحمقهما واعتدادهما ~~بقوتهما؟ لقد دارت الدائرة على أحدهما، وعما قليل يلحقه الآخر، فلله الحمد ~~والشكر.» ~~••• # وبعد بضع سنين تحققت نبوءة إسماعيل - وسنضطر إلى ذكر مقتل هذا الوزير فيما بعد - ~~وصح الآن أن الشعور بالخوف، أو الحب، يجعل في الشخص سرا غريبا يدرك به بعض الأمور ~~الغيبية. # | الفصل الثالث # في الوقت الذي باغت فيه باديس زهيرا وجنى عليه، كان قد أدى - مرغما، وبدون قصد ~~منه - خدمة جليلة للحليفين اللذين اعترفا بهشام المزعوم كخليفة. وقد ذكرنا أن عبد ~~العزيز # 1 # أمير بلنسية، استولى على إمارة المرية، ولم يكن في استطاعته في الواقع ~~أن يمد حليفه - قاضي إشبيلية - لاضطراره للدفاع عن مملكته ضد إغارة مجاهد # 2 # الذي كان يرى - بعين الحسد - اتساع مملكة جاره وما كان القاضي ليخشى وقوع ~~حرب بينه وبين المرية فاطمأن من هذه الناحية. # وبدأ يفكر في مهاجمة البربر مبتدئا بمحمد # 3 # أمير قرمونة لنزاع قام بينهما، وكان في الوقت نفسه يتآمر سرا مع فريق ~~من الغرناطيين، ويبادلهم الرسائل، ويعمل على إشعال نار الثورة بها. ~~••• # وبدأ كثير من أهل غرناطة يظهرون نفورا واستياء من باديس. ويرجع هذا إلى ما قطعه ~~على نفسه من عهود ووعد به من أماني معسولة، في بدء توليه الحكم، وعلى أثر ذلك صار يبدو ~~قاسيا غليظ القلب شيئا فشيئا، ويظهر بمظهر الخائن اللئيم السفاك، وعكف على الشراب، ~~فعم الاستياء منه، وأخذ الناس يلومون ويتألمون، ويشكو بعضهم إلى بعض، ثم أخذوا يتمتمون ~~خفية ويتناجون، ثم صرح الشر فعادوا يتآمرون. ~~••• # وكان زعيم هذه المؤامرة وروحها رجل أفاقي يقال له أبو الفتوح. # ومن حديث هذا الرجل أنه ولد بعيدا عن إسبانيا من أسرة عربية كانت في جرجان. # وقد تلقى الأدب والفلسفة والفلك على أشهر أعلامها ببغداد، فكان عالما مستبحرا، ~~وأديبا شاعرا، وفوق ذلك كان فارسا كميا، وشجاعا باسلا، ms028 يمتطي الجواد الأصيل، ~~وينتضي السيف الصقيل. # هبط أبو الفتوح أرض إسبانيا سنة 1015 ليجني ثروة على الراجح. وبعد مدة اتصل بجناب ~~مجاهد دانية، وكان هذا الأمير عالما لغويا وجرت بينهما مباحثات في الأدب، واشتغلا ~~معا بشرح «المجمل» في النحو، ثم قاتل في صف أمير سردينيا. # وكثيرا ما كان يعالج المسائل الفلسفية العويصة ويحاول استكناه المستقبل بواسطة علم ~~النجوم وسير الكواكب. ثم رحل إلى سرقسطة مقر المنذر، فرحب به هذا الأمير أولا، ثم ~~اتخذه صديقا، وعهد إليه بتأديب ابنه. ولكن يؤخذ مما رواه المؤرخ العربي الذي ننقل عنه ~~ها هنا، أن العهد قد تغير، وتغير معه الأشخاص، إذ أبلغه المنذر يوما، أنه في غنى ~~عنه، وأن عليه أن يبرح سرقسطة. # فرحل أبو الفتوح إلى حيث تطيب له الإقامة في غرناطة، وجلس للتدريس، فكان يلقي ~~محاضرات عن الشعر القديم، وبخاصة ديوان الحماسة، وكان إلى جانب هذا العمل العلمي، يقوم ~~بعمل آخر، هو التنبؤ بالمستقبل، وقد خلق أعداء كثيرين لباديس حين تنبأ على أحكام ~~النجوم، بأن ياسر ابن عمه يطمع في الملك، وأن باديس سيفقد عرشه، ويتبوءه ابن عمه ~~مكانه ثلاثين عاما. ~~••• # وكانت نتيجة هذه النبوءة أن وفق إلى تدبير مؤامرة اكتشفها باديس قبل حلول الموعد ~~المحدد لتنفيذها، وتمكن أبو الفتوح وياسر، وأركان المؤامرة، من الفرار إلى خارج ~~المملكة، حذرا من انتقام باديس، ولجئوا إلى قاضي إشبيلية، الذي كان - لا ريب - ~~شريكهم في هذه المؤامرة. ومحال أن نعرف إلى أي حد كان نصيبه فيها. # وفي هذه الفترة هاجم القاضي بجيشه الذي جرت العادة بأن يقوده ابنه إسماعيل، خصمه ~~محمدا أمير قرمونة، فانتصر انتصارا باهرا واضطرت مدينتا «إشبونة» و«أستيجة» إلى ~~التسليم، وحوصرت قرمونة نفسها. # ولما اشتد الضيق بمحمد أمير قرمونة، طلب المدد والعون من إدريس أمير مالقة، ~~ومن باديس كذلك، فلبيا طلبه. ولما كان إدريس مريضا، أرسل جنوده - بقيادة وزيره ~~ابن بقية - وقاد باديس جيشه بنفسه وتلاحق الجيشان، وانضما إلى بعضهما. # وكان إسماعيل واثقا كل الثقة من بسالة جنده، ووفرة عددهم، فوطن نفسه على ms029 منازلة ~~خصومه. ولكن باديس، وابن بقية # 4 # حين حسبا أن خصمهما يفوقهما، أو يدانيهما عددا، أبيا أن يشتبكا معه في ~~القتال، وآثرا أن ينسحبا، ويتركا أمير قرمونة برهة، فعاد أولهما أدراجه إلى ~~مالقة. # ووصل الآخر بجنوده إلى غرناطة، واقتفى إسماعيل في الحال أثر الغرناطيين. وكان من ~~حسن حظ باديس، أنه بعد أن فارقه ابن بقية بنحو ساعة، أرسل إليه رسولا على جناح ~~السرعة يستنجده وإلا سحق جيشه في لمحة بجنود إشبيلية، فطار إليه باديس ووقف الجيشان ~~على مقربة من «أستيجة»، على تمام الأهبة والاستعداد للقاء عدوهما، بثبات ورباطة ~~جأش. # وقد وهم الإشبيليون، إذ حسبوا أنهم إنما يتعقبون جيشا منهزما، فإذا بهم أمام جيش ~~كامل العدة والعدد، فأفقدتهم تلك المفاجأة قوتهم المعنوية. # ووقع في صفوفهم الاضطراب عند الصدمة الاولى، وعبثا حاول إسماعيل تعبئة الجيش ~~للقتال، وبرز أمام الصفوف فكان أول الذاهبين ضحية المعركة، فلم يسع الإشبيليين إلا ~~الفرار طلبا للنجاة. # وملك باديس ناصية الحال بعد هذا الانتصار البسيط المفاجئ، وبينما هو في معسكره قرب ~~«أستيجة» عرته دهشة إذ وجد أبا الفتوح قد انحنى أمامه متراميا على أقدامه. وكان الذي ~~حدا هذا الرجل إلى تلك المحاولة الخطرة، أنه حين عجل بمغادرة غرناطة - خوفا على نفسه ~~من باديس - ترك للقضاء أمر زوجه وولده الصغير وبنتيه، وكان قد وصل إلى علمه أن ~~باديس أرسل إلى «قوادم» الزنجي، فألقى القبض على زوجه وأولاده بوساطة خواصه المقربين ~~إليه، وأودعهم السجن. وكان معروفا بأنه شديد الشغف بزوجه الغادة الأندلسية الفتية، ~~كثير الحنو على ابنه الصغير وبنتيه، بحيث لا تطيب له الحياة دونهم. ~~••• # وقد خشي أن ينتقم باديس منهم في شخصه، فجاء يلتمس الصفح عن زلته، وهو يعلم ما ركب ~~في طبع عدوه من حب الانتقام، وما جبل عليه من الظلم والجبروت. جاء على أمل أن يرق له، ~~ويعطفه عليه ما عطفه على عمه والد الزعيم الفار الذي كان رأس شركائه في ~~المؤامرة. # وحين جثا أبو الفتوح أمام باديس قال له أبو الفتوح: «مولاي، حنانيك ورحمة بعبدك ~~الجاني ms030 أمامك، وأنا أحقق لك ما تقطع معه أني بريء مما عزي إلي.» # فكاد باديس يتميز غيظا وحنقا، وصرخ في وجهه وعيناه يتطاير منهما الشرر: «كيف ~~استطعت يا هذا - مع شناعة جرمك - أن تمثل أمامي؟ لقد بذرت بذور الشقاق بين أفراد أسرتي، ~~ثم جئتني الآن تزعم أنك بريء مما جنته يداك! أتحسب أنه من السهل عليك أن ~~تخدعني؟» # فقال له: «مولاي، أقسم عليك إلا ما رحمتني. ولا تنس أنك غمرتني بإحسانك وشملتني بحسن ~~رعايتك، وهذه البلاد التي أنا ربيب نعمتها من العسر الشاق علي أن أفارقها. وفي الوقت ~~الذي أبعد فيه عنها أكون تعسا شقيا. ولا أكذب مولاي الحديث فإني ما فررت حين فررت مع ~~ابن عمك، إلا لما تأكد بيننا من صلات يعرفها مولاي، وأخشى أن يحل بي العقاب كشريك له في ~~الجرم، وها أنا ذا بين يدي مولاي أعترف بالفرار وأكرر أن الذي ألجأني إليه محض الصداقة، ~~وأؤكد أني بريء، وأطمع في عفو مولاي وصفحه، وأنتظر أن يعاملني كملك عظيم ومولى كريم لا ~~تحمل نفسه الكبيرة حقدا على صغير مثلي، فارحم لهفتي، ورد إلي أسرتي، وعاملني بما أنت ~~أهله.» # فقال له: «سأعاملك - إن شاء الله - كما تحب، وبما أنت خليق به، فارجع إلى أهلك ~~بغرناطة، وسأنظر في شأنك عند عودتي إليها.» ~~••• # واطمأن أبو الفتوح إلى هذا الكلام الذي لم يدرك مراميه لأول وهلة، وسار إلى ~~غرناطة يحرسه فارسان. ولما كان بظاهر المدينة أرسل «قوادم» الزنجي - تنفيذا لأمر ~~مولاه - بعض غلمانه، فألقوا القبض عليه، وحلقوا رأسه ولحيته وأركبوه جملا، وأردفوه ~~زنجيا جلدا استمر يصفعه على التتابع، والجمل يطوف به أحياء المدينة ويجوس به خلال ~~ديارها حتى أفضوا به إلى السجن حيث أودعوه في غرفة من غرفه ضيقة لبث فيها هو وجندي من ~~البربر أسر في معركة «أستيجة» وكان أحد شركائه في المؤامرة. ~~••• # وعاد باديس بعد أيام إلى غرناطة ولم يكن قد بت في أمر أبي الفتوح بشيء، ولم ~~يستطع أن يصنع به كما صنع بابن عباس لأن أخاه بلقين حال ms031 دون ذلك، ولم يعرف السبب الذي ~~جعله يهتم بشأن هذا الفيلسوف إلى هذا الحد، إذ عمد إلى إظهار براءته، ودافع عنه بكل قوة ~~حتى خيف أن يفضي ذلك إلى الاستياء. ولهذا تردد باديس في الفصل في أمر أبي الفتوح ~~إلى أن حدث أن سكر مرة بلقين كما يقع ذلك كثيرا مع أخيه باديس فأمر أخوه بلقين - ~~وهو في غفوة الشراب - بإحضار أبي الفتوح وزميله المرافق له في السجن، وحين وقع عليه ~~نظره أشبعه سبا شنيعا وإيلاما وتقريعا، وقال له: «وهل صدقتك كواذب الطوالع أيها ~~المنجم الخائن الكاذب، وما هي الفائدة التي عادت عليك الآن؟ # ألم تعد أميرك ذلك السافل المغرور الذي خدعته، ومنيته الأماني الكواذب المعسولة أني ~~سأكون تحت سلطانه؟ وأنه سيظل في الحكم ثلاثين عاما، فلماذا لم تر نحس طالعك حين بدا لك ~~سعد طالع أميرك، حتى كان يتسنى لك أن تتفادى ما حل بك من هذه المصائب الأليمة؟ إن حياتك ~~الآن أيها الأفاك الأثيم رهن يميني.» ~~••• # فلم ينبس أبو الفتوح بكلمة لأنه ما غامر بحياته إلا طمعا في لقاء زوجته المعبودة، ~~وطفله وبنتيه المحبوبتين، ولأن عاطفته الملتهبة نحو أهله هي التي أكرهته على المغامرة ~~بحياته والاستشفاع والتوسل إلى باديس واختراع الحيل والأكاذيب. أما الآن وقد صار على ~~يقين من أن ذلك الطاغية الجبار لا محالة قاتله، فقد استعاد إليه حواسه، وتلقى زئير ~~باديس وزمجرته بهدوء ورباطة جأش. # واستعاد إلى نفسه عزتها وكرامتها، وظهر طبعه المتين، وخلقه الرصين بالمظهر الحقيقي، ~~فأطرق مليا، وشاعت على شفتيه ابتسامة مطمئنة ساخرة، وصمت صمت من يشعر بكرامة نفسه ~~وعزتها. وقد زاد هذا الموقف الشريف الهادئ من استعار نار الغضب عند باديس فأرغى ~~وأزبد، وكاد يتميز من الغيظ، فأسرع إلى سيفه فاستله من غمده، وأغمده في صدر ضحيته، ~~فتلقى الضربة دون أن يبدي حراكا أو يظهر أنينا مما جعل باديس يصيح صيحة المتعجب من ~~هذا الرجل، وهو يلفظ النفس الأخير، ويستقبل الموت بصمت عميق، ورباطة جأش، ونادى الجلاد ~~أن اقطع رأسه، وارفعه على رمح ms032 عبرة لغيره، وادفن جثته إلى جانب ابن عباس كي يرقد ~~عدواي كلاهما في مرقدهما الأخير جنبا لجنب إلى أن تقوم الساعة. ~~••• # والتفت إلى الجندي الأسير بعد أن فرغ من ضحيته الأولى، وقال له: «والآن جاء دورك ~~فاقترب أيها الجندي.» فجزع البربري، واضطرب اضطرابا شديدا، وجعل يصيح ويستشفع، ~~ويستغيث، وجثا على ركبتيه يستغفر باديس بكل ما في استطاعته ليبقي على حياته، ولكن ~~باديس قال له: «هل ذهب منك الحياء أيها الشقي؟ ألم تر إلى ذلك المنجم الحكيم، كيف ~~تلقى الموت - بكل ثبات - فمات كريما عزيزا، لم تبدر منه كلمة تشف عن جبن، فكيف وأنت ~~جندي قديم معدود في عداد الجند البواسل تصل إلى هذا الحد من الجبن؟ إنك إذن لا تستحق ~~رحمة ولا هوادة.» # وضرب عنقه في (20 أكتوبر سنة 1039). ~~••• # ثم وريت جثة أبي الفتوح التراب كما أمر باديس إلى جانب ابن عباس وحزن لمقتله ~~جماعة العلماء والأدباء النابهين في غرناطة وصاروا كلما مروا بقبر هذين الرجلين ~~العظيمين يتهامسون: «لله قبر يضم رجلين حكيمين أبيا أن يقيما على الضيم والذل، فماتا ~~كريمين رحمهما الله رحمة واسعة. والبقاء لله وحده.» # | الفصل الرابع # أخذ طاغية صنهاجة وجبار غرناطة يقوي نفوذه شيئا فشيئا إلى أن أصبح زعيم حزبه ~~السياسي على رأس البربر # 1 # ولم يكن يعترف للخلافة الحمودية بمالقة إلا بمجرد السيادة الاسمية، وقد بلغ ~~الحموديون الغاية في الضعف حتى جعلوا لوزرائهم السلطان عليهم، وكان بعضهم يعمد إلى ~~إهلاك بعض، إما بتجريد السلاح أو دس السم. وهم عوضا عن أن يوجهوا نظرهم إلى أتباعهم من ~~أمراء البربر الأقوياء فيشدوا بهم أزرهم كانوا يركنون إلى الدعة، ويرون السعادة كل ~~السعادة في أن يظفروا بالحكم في مالقة، وطنجة، وسبتة، وإن فقدوا النفوذ في البلاد التي ~~تخطب باسمهم على المنابر. ~~••• # وكان ثمة خلاف كبير بين بلاطي غرناطة ومالقة، ففي غرناطة كان البربر وعلى رأسهم ~~باديس ووزيره إسماعيل يعملون لصالحهم وهم على وفاق تام في الخطط ووجهات النظر، وفي ~~مالقة كان الأمر على النقيض من ذلك، لوجود الصقالبة ms033 الذين تتنافر مصالحهم مع مصالح ~~البربر، هذا إلى ما وقع للصقالبة أنفسهم من التحاسد والتطاحن، واستعانة بعضهم على بعض ~~بأعدائهم من النصارى، وهذه العوامل بعينها هي التي كانت سببا في سقوط الدولة ~~الأموية. # وقد حدث أن الخليفة الحمودي إدريس الأول كان مريضا في الوقت الذي جرد فيه جيوشه ~~على جند إشبيلية، وقد أسلم الروح بعد أن وصل إليه الخبر بمقتل إسماعيل في معركة ~~«أستيجة» بيومين، فاختلف الوزير البربري مع الوزير الصقلبي على تعيين الخليفة، فالأول ~~يريد أن يتبوأ عرش الخلافة يحيى بن إدريس البكر، لتكون السلطة في يده وليقوم هو ~~بالأمر، والوزير الصقلبي يعارضه في ذلك ولا يقره عليه. ولما كان هذا وزير الممتلكات ~~الإفريقية قام بالبيعة لحسن بن يحيى ابن عم يحيى وأعد العدة ليجوز البحر به إلى ~~مالقة. وقد أذعن لخطة الوزير الصقلبي وزير البربر لتردده وقلة ثباته، وكان من جراء ~~التردد والتواني في أخذ الحيطة أن أهمل التدبير اللازم للدفاع في الوقت المناسب، فرأى ~~بغتة الأسطول الإفريقي وقد ألقى مراسيه في مياه مالقة، فعجل بالفرار مع الخليفة الذي ~~كان يريد أخذ البيعة له. ~~••• # ولما استقر حسن بعاصمة ملكه أرسل وزيره إلى وزير البربر يمنحه العفو، ويرغبه في ~~العودة، فوثق بكلامه، وعاد ليلقى حتفه، وقد تحققت النبوءة التي كان إسماعيل اليهودي ~~رآها في منامه، وبعد ذلك قتل المدبر لدولة حسن أيضا وهو «نجاء» الذي ارتكب الجريمة ~~كما ذهب إلى ذلك بعض المؤرخين، كما أن حسنا كان جديرا بأن يقتص منه، فقد قتل ~~مسموما بيد زوجه شقيقة يحيى المسكين، ومن ذلك الحين أراد «نجاء» أن يزيد في نفوذه، ~~فرأى أنه ليكون كملك مستأثر بالحكم يجب أن تكون السلطة في يده وحده، وأن تكون سيادة ~~الخليفة اسمية، فعمد إلى قتل ابن حسن، وهو في ريعان الشباب، وزج بشقيق إدريس في غياهب ~~السجن، وبعد أن تم له ما أراد من ذلك عرض نفسه على البربر كخليفة، وأغراهم بالوعود ~~البراقة ليجتذبهم إلى جانبه، ولكن البربر كانوا ينطوون على ألم ممض، وغيظ كامن ms034 في ~~الصدور، من جراء جرأته البالغة، وطمعه في منصب الخلافة طمعا يمس بالدين، فإنه كان يظهر ~~للسلالة الهاشمية احتراما مزيفا يوقع في الريبة والشك. وعلى أثر ذلك فكر البربر في ~~الانتقاض عليه والاقتصاص منه، وأخذوا يتربصون به الدوائر ويتحينون له الفرص، ولكي يخفوا ~~ما انطووا عليه من البغضة وإضمار الشر، تظاهروا بإجابته إلى غرضه، وصارحوه بأنهم طوع ~~أمره، وأقسموا له اليمين، وبايعوه على الطاعة والنصرة. ورغب «نجاء» حينئذ في انتزاع ~~الجزيرة من محمد الخليفة الحمودي الذي كان يحكمها، وجرد عليها جيشه والتحم الفريقان، ~~ولكن حدث في المعارك الأولى التي دارت رحاها مع العدو أن لاحظ الوزير الصقلبي أن البربر ~~يقاتلون بتراخ، وأنه ليس في الإمكان التعويل عليهم، فرأى من الحكمة أن يصدر أمره للجنود ~~بالارتداد، واعتزم أن ينفي عند عودته إلى العاصمة البربر الذين تحوم حولهم الشكوك ~~والريب، وأن يجذب إليه العنصر الصقلبي بقوة المال، وأن يلف حوله من الصقالبة أكبر عدد ~~ممكن، ولكن أعداءه الألداء من البربر عرفوا خطته، وتبينوا ما يرمي إليه، وانتهزوا فرصة ~~مروره بالجيش وسط مضيق محصور، فانقضوا عليه وقتلوه في غرة ~~(5 فبراير سنة ~~1043). # 2 ~~••• # وعلى أثر مقتل ذلك الغاصب لم يستطع البربر أن يخفوا صيحات الفرح والسرور التي كانت ~~تتصعد من أعماق صدورهم. ووقع الاضطراب الشديد بين الجنود، فأركن الصقالبة إلى الفرار ~~مخافة أن يصيبهم مثل ما أصاب زعيمهم المقتول، وأسرع فارسان من القتلة إلى مالقة ~~ينهبان الأرض على جواديهما، ولما بلغا المدينة أخذا يصيحان بأعلى صوتهما: «بشراكم، ~~بشراكم: لقد قتل المتوثب الغاصب.» # ثم أدركا صاحب شرطة «نجاء» فأردياه قتيلا، وعمدا إلى إدريس شقيق حسن فأخرجاه من ~~السجن، وأقاماه خليفة، ومن ذلك الحين طويت صحيفة من تاريخ الصقالبة في مالقة، على أن ~~السكينة التي استتبت فيها، والطمأنينة التي لابستها زمنا لم تدم طويلا. # لم يكن إدريس الثاني في الحقيقة قوي الدهاء كبير العقل، ولكنه كان وديع النفس، ~~كريم الخلق، طيب القلب، خيرا تقيا، يصرف جميع أوقاته في عمل البر وفعل الخير، ولو أن ~~الأمر ms035 كان بيده وحده لما بقي في بلاده رجل واحد يئن من الفقر ويشكو الحاجة، وقد مكن ~~المنفيين والمبعدين - مهما كانت جنسياتهم وأحزابهم - من العودة إلى أوطانهم، ورد إليهم ~~ما أخذ من أملاكهم، وما كان يصيخ بسمعه إلى الوشايات والسعايات. وكان جوادا سمحا ينفق ~~على الفقراء والمعوزين كل يوم خمس مئة دوكا، وكان - لرقة طبعه وسذاجة قلبه - يعطف على ~~عامة الشعب، ويميل إلى التحدث إليهم، ولا يحجب جواريه عنهم، مما تنبو عنه تقاليد الملك ~~ورسوم الخلافة. ~~••• # ولما كان «الحموديون» من سلالة الرسول # صلى الله عليه وسلم # فقد كان عامة الشعب يرفعونهم إلى درجة ~~التقديس، ويرونهم في أعينهم كأنصاف آلهة. ولكي يزيدوا من عقيدة الشعب رسوخا، ويكسبوا ~~محبتهم، ويشعروا قلوبهم المهابة والاحترام لهم، كانوا يظهرون أمامهم في الأوقات القليلة ~~النادرة، وقد حاطوا أنفسهم بالأسرار. # وكان إدريس - على ميله إلى البساطة والتحرر من التقاليد المرعية - يضطر إلى أن يأخذ ~~بالقواعد التي سنها سلفه من الخلفاء، ومن ذلك أنه كان يختفي عن عيون محدثيه فلا يكلمه ~~إنسان إلا من وراء حجاب. ولكونه مثال البساطة المجسمة كان ينسى هذا التقليد، ويغفل هذه ~~السنة التي درج عليه سلفه، فقد حدث يوما أن شاعرا من «إشبونة» كان ينشده قصيده يمتدح ~~فيه كرمه، ويشيد بطيب عنصره، وشرف أرومته، وكرم محتده، وقد جاء فيه بلهجة أهل الجهات ~~الغربية من جزيرة الأندلس قوله: # وكأن الشمس لما أشرقت # فانثنت عنها عيون الناظرين # وجه إدريس بن يحيى بن علي # بن حمود أمير المؤمنين # 3 # يا بني أحمد يا خير الورى # لأبيكم كان وفد المسلمين # نزل الوحي عليه فاحتبى # في الدجى فوقهم الروح الأمين # خلقوا من ماء عدل وتقى # وجميع الناس من ماء مهين # انظرونا نقتبس من نوركم # إنه من نور رب العالمين # وكان الخليفة يستمع إلى مادحه من وراء ستار، وكانت رسوم الخلافة لا تسمح بقبول رجاء ~~هذا الشاعر، إلا أن الخليفة فعل ما لم تجر به العادة، وقال لحاجبه: «ارفع ~~الستار.» # فكان هذا الشاعر أسعد حظا من عشيقة «جيوبيتر» التي ذهبت ms036 ضحية ميلها إلى رؤيته، حيث ~~رأى ما ينبعث عن ذلك المحيا من النور الذي - وإن لم يكن سناه يذهب بالأبصار ويبهر ~~الأنظار - فهو على الأقل يطبع في ذهن من يجتليه وينظر إليه أجمل صورة من صور السماحة ~~والإحسان وطيب القلب، وربما كان هذا أحمد أثرا في نفسه مما لو عاين من صورته الحسية ~~مشرقا من مشارق الأنوار، وشاهد تلك الصفات التي ذكرها في شعره. ومن المحقق أن الخليفة ~~أجازه بجائزة سنية وانصرف شاكرا مسرورا. ~~••• # ومما يؤسف له نظرا لمركز الخلافة وأمن الدولة أن إدريس كان يضم إلى سماحة النفس ~~وطيب القلب، وصفا آخر هو التناهي في الضعف والمواتاة والاستسلام، ففي استطاعته أن ~~يوافق ويسلم بكل ما يراد ويطلب منه كائنا ما كان، فلو أن أميرا من الأمراء الذين ~~يستظلون بحكمه - كباديس أو غيره - طلب إليه أن ينزل له عن قصر الخلافة أو يهبه أي أمر ~~آخر لفعل، وقد حدث أن باديس بعثه إليه ملحا أن يرسل وزيره ويمكنه من التنكيل به ~~لضغينة في نفسه، فصرح إدريس لوزيره الذي يحقد عليه باديس أنه كاتبه في شأنه وطلب أن ~~يسلمه إليه وأنه لا بد فاعل حيث لا يستطيع أن يرفض طلبه، فأذعن الوزير لحكمه ولم يشفع ~~له عند إدريس أنه الخادم الأمين القديم لأسرته، وقال: «لك يا مولاي أن تفعل ما يريده ~~هذا الطاغية، وعلي أن أستسلم لما يأتي به القضاء، وما يخبؤه لي القدر، وسترى أني ملاق ~~حتفي غدا وسأقابله باستسلام ورباطة جأش وقدم ثابتة.» # وقضي الأمر، ووصل وزير إدريس إلى غرناطة حضرة مملكة باديس فأمر به في الحال فضربت ~~عنقه، وكان هذا الضعف الظاهر من إدريس مما أحفظ عليه البربر وأوغر صدورهم، كما أغضبهم ~~من قبل لينه المفرط، وعطفه الذي كان يبديه للشعب بنزعاته الاشتراكية. بهذا تحرجت الحالة ~~وانطوت قلوب البربر على بغض هذا الخليفة الضعيف المستسلم وكراهته، ولما كان أولئك ~~الزنوج يطغيهم الضعف ويغريهم اللين، ولا يردعهم إلا إعمال السيف في رقابهم، وإنضاج ~~جلودهم بالسياط، وتعليق المشانق لإزهاق أرواح ms037 مجرميهم، لم يزدهم ذلك إلا استخفافا ~~بالخليفة وازدراء به وجرأة عليه، ذلك الخليفة الذي لم يصدر قط حكم على أحد بالقتل في ~~زمنه، فلا جرم إذا كان الاستياء عاما شاملا، ولا غرابة في أن يحدث رئيس حصن «إيرش» ~~ثورة في داخله، ويطلق صاحب شرطته سراح ابني عم إدريس وينادي بمحمد البكر منهما خليفة، ~~ولا في أن يثور الزنوج الذين يؤلفون حرس قصر الخلافة بمالقة، ويهيبوا بمحمد أن يكون ~~بينهم، على أن السواد الأعظم من أهل مالقة لم يتخلوا عن خليفتهم في ساعة الخطر المحدق ~~والبلاء الداهم، إذ كانت قلوبهم تفيض حبا وعطفا على خليفتهم الخير المحسن، فسارعوا ~~إلى نجدته، وطلبوا أن تخرج لهم الأسلحة من دار السلاح، فلم يجدوا إلى ذلك سبيلا ولو ~~أنهم كانوا متقلدي السلاح في ذلك الوقت لم يبق من الزنوج الثائرين أحد في القصر، وقد ~~أبى إدريس أن يمكنهم من السلاح حقنا للدماء وإطفاء للنائرة وشكر لهم هذه العاطفة، ~~وخاطبهم بقوله: «عودوا إلى دوركم فإني لا أرغب في أن يسفك دم من أجلي.» # وبهذا لم تقم أية عقبة في سبيل إقامة محمد خليفة مكان إدريس الذي حل محله في حصن ~~«إيرش»، وبهذا تبادل كل منهما مكان الآخر (1046-1047). # ولم يكن الخليفة الجديد على شاكلة سلفه، بل نزع لأمه، وهي حسناء باسلة، يطيب لها ~~العيش في الخلاء حيث تشاهد عن كثب الاستعداد للقتال، وإدارة المعارك الدموية، وضرب ~~الحصار على الحصون المنيعة، وحيث تنثر على الجند من درر كلامها، وصرر نقودها ما يلهبهم ~~حماسة وشجاعة ونجدة، وقد بلغ محمد في البسالة والإقدام شأوا بعيدا، وكان مع هذا ~~قاسيا غليظ القلب سفاكا للدماء، وإذا كانت القوة قد أعوزت إدريس فإن محمدا (على رأي ~~محدثي الثورة) كان له من البأس والقوة أوفر نصيب، وقد كان مثله في ذلك مثل الضفدعة التي ~~طلبت من «جيوبيتر» أن يقيمها ملكة على مملكة الضفادع، وعالم الضفادع هذا كما أسماه ~~«لافونتين» هو جماعة البربر والعبيد، أولئك الذين لم يلبثوا إلا قليلا حتى حنقوا على ~~الخليفة ms038 الرهيب، وحملوا له الإحن في صدروهم، وندموا على سلفه الوادع المسالم الذي كان ~~وجوده كلا وجود. # وسرعان ما دبرت مؤامرة، وشرع مدبروها يتفاوضون مع رئيس حصن «إيرش» الذي سارع إلى ~~الانضمام إليهم بسهولة فأخرجوا إدريس الثاني من السجن، ونادوا به خليفة. ~~••• # وفي هذه الآونة لم يحجم إدريس عن إثارة حرب أهلية؛ لأن ما عاناه في سجنه ذهب بما ~~كان في نفسه من نزعات شريفة، واتفق أن محمدا - وقد ألهبته أمه حمية وحماسة - قاتل ~~خصومه ببسالة وشدة حتى ظفر بهم وألجأهم إلى وضع السلاح، ومع هذا لم يسلموا إدريس لخصمه، ~~بل أرسلوه لإفريقية، وتولى الأمر هناك اثنان من البربر، وهما: صاحب شرطة ~~سبتة، # 4 # وصاحب شرطة طنجة فقابلاه بحفاوة وإكرام بالغين، وأخذا له في البيعة وخطبا ~~باسمه على المنابر، على أن ذينك الرجلين استأثرا دونه بالسلطة الحقيقية، وكانا لحرصهما ~~على الاستئثار بالسلطة والنفوذ يراقبانه عن كثب، ويحولان دون ظهوره للجمهور، واقترابه ~~من الشعب، وقد تمكن بعض مضمري العداوة لهما من أمراء البربر أن يقولوا للخليفة: إن هذين ~~المملوكين اعتقلاك في القصر وحالا دون أن تتولى الحكم بنفسك، فخولنا السلطة ونحن نخلصك ~~منهما، ولكن إدريس - لوداعته - رفض اقتراحهم، وأفضى بما دار بينه وبينهم من الحديث إلى ~~وزيريه، فصدر أمرهما في الحال بإبعاد أولئك الأمراء. # وخشي الرجلان القائمان بإفريقية أن يصغي إدريس لما يدس إليه مرة ثانية من الوشايات ~~والدسائس فأوعزا إليه أن يرحل إلى الأندلس فجاز البحر إليها، واستقر عند صاحب ~~رندة # 5 # على أنهما لم يزالا يعترفان به كخليفة ويقران الخطبة باسمه على ~~المنابر. # وفي هذه الأثناء طلب المتذمرون في مالقة من باديس أن ينضم لمساعدتهم، فقام وأعلن ~~الحرب بادئ ذي بدء على محمد ثم أبرم معه صلحا، ثم بايعوا أمير الجزيرة الخضراء، ~~واسمه محمد أيضا، ونادوا به خليفة، وكان الخلفاء بالأندلس إلى هذا العهد أربعة، وهم: ~~الخليفة المزعوم المشبه بهشام في إشبيلية، ومحمد في مالقة، ومحمد صاحب الجزيرة، ثم ~~إدريس الثاني المستقر في رندة. # ولم يكن لاثنين منهما في الحقيقة ms039 شيء من النفوذ والسلطان، أما الآخران فكانا أميرين ~~صغيرين لا خطر لهما، ولا يستحقان أن يحملا لقب الخلافة ولا أن يتسمى كل واحد منهما ~~بأمير المؤمنين. # أما أمير الجزيرة فقد فشل في هذه المحاولة، وانفض من حوله الداعون له باسم الخلافة، ~~فعجل بالعودة إلى بلاده، ومات بعد أيام قلائل أسى وخجلا (1048-1049). # وبعد أربع أو خمس سنوات توفي محمد الخليفة القائم بمالقة، وتطلع إدريس الثالث أحد ~~أبناء أخيه إلى منصب الخلافة، ولكنه لم ينجح هذه المرة، وأقيم إدريس الثاني خليفة، ~~وشاءت الأقدار أن تسالمه فبقي في هدوء وطمأنينة إلى أن قضى نحبه سنة (1055). # وأراد حمودي آخر أن يخلفه في الحكم فناوأه باديس وقضى على آماله. # ولما كان باديس صاحب غرناطة هو الرئيس الحقيقي للبربر، فقد كره أن يرى أمامه خليفة ~~تستظل بلاده بحكمه، ومن ذلك الحين عقد النية على أن يقضي على الحموديين، وأن يدمج ~~مالقة # 6 # وأعمالها ضمن ولاياته، وقد أمضى عزيمته هذه، وأنفذ مشروعه دون أن يصادف ~~عوائق كبيرة. # إلا أن العرب لم يكونوا ليذعنوا لسلطانه إلا على كره منهم لذلك، ولما كان قد كسب إلى ~~جانبه أمثال الوزير أبي عبد الله الجذامي لم يحفل بالباقين، أما البربر فكانوا مقتنعين ~~بضعف أمرائهم، وبأن الضرورة تقضي عليهم بأن ينضموا إلى إخوانهم من بربر غرناطة، ليتقووا ~~بهم، ويستطيعوا أن يواجهوا الحزب العربي الذي يزداد كل يوم قوة وتوسعا في الجانب ~~الغربي الجنوبي، لهذا كله ناصروا باديس وأيدوا خططه ومشروعاته ولم يعارضوها، وأصبح ~~باديس بفضل عون البربر والتفافهم حوله ملكا على غرناطة ومالقة وما يتبعهما من ~~أعمال، # 7 # وتمكن من نفي الحموديين والقضاء عليهم، وهم وإن كانوا قد لعبوا دورا آخر ~~في إفريقية إلا أن دورهم الذي مثلوه في الأندلس كان قد انتهى. # | الفصل الخامس # لكيلا نقطع تسلسل الحوادث في هذه العجالة اليسيرة عن تاريخ مالقة اضطررنا لأن نلم ~~بالحوادث إلمامة يسيرة، ولما كنا سنلقي نظرة على التقدم الذي أحدثه الحزب العربي في ~~غضون هذه المدة، فمن واجبنا أن نعود إلى ms040 بعض حوادث السنين الماضية. # لما توفي أبو القاسم محمد قاضي إشبيلية في أواخر يناير سنة 1042 خلفه ابنه عباد، وكان ~~في السادسة والعشرين من عمره، ولقب حينئذ بالحاجب أي الوزير الأول لهشام الثاني، واشتهر ~~بعد ذلك في التاريخ باسم المعتضد، ولو أن هذا الاسم لم يطلق عليه إلا بعد فترة من ~~الزمن، فإنا سنطلقه عليه الآن تفاديا مما عساه أن يقع في اللبس عند تغييره. # إن هذا الزعيم الجديد للحزب العربي في الجنوب الغربي من الجزيرة، قد حقق بشخصيته ~~القوية الفتية لهيئة من الهيئات الحزبية القوية ما لم تحققه الشيخوخة اللدنة الضعيفة، ~~فقد كان في كل الشئون المنافس الجدير لخصمه باديس زعيم الشعبة البربرية ~~المعارضة. # كان هذا الزعيم الجديد كمنافسه كثير الشكوك حقودا غادرا لئيما ظلوما جبارا ~~قاسيا سفاكا للدماء، وكان مدمنا للخمر مثله، إلا أنه قد بزه في الخبث والدعارة، وكان ~~ثائر الطبيعة جامح الشهوة، يواصل اللذات ولا ينقطع عن الشهوات، حتى إنه لم يجتمع في قصر ~~ملك من الملوك ما اجتمع في قصره من الحظيات والسراري. يقال إنه دخل قصره - على التتابع ~~- ثمان مئة من الشواب والصبايا الحسان. # وبالرغم من التوافق بين هذين الملكين في كثير من النزعات الشريرة والشهوية، فإن ~~أخلاقهما وميولهما وعاداتهما لم تكن متوافقة في نواح كثيرة. # فأمير البربر كان من البربر أو أقرب إلى خشونة البربر منه إلى شيء آخر، ساخرا من ~~آداب اللياقة، بعيدا عن الحصافة والثقافة، لا يعنى بأساليب الحضارة، ولا يترك لها ~~عادات البداوة، ولم يكن الشعراء لتطأ أقدامهم أبهاء الحمراء ليمتدحوا بالشعر العربي ~~ملكا لا يعرف غير رطانة البربر. # أما المعتضد فقد كان على النقيض من ذلك، قد أخذ بطرف مناسب من الثقافة والتعليم ~~الحسن، ولم يكن - في الحقيقة - قد توسع في العلوم حتى يكون جديرا في زعمه أن يوضع في ~~مصاف العلماء ويستحق لقب عالم، ولكنه أوتي من المواهب، ودقة الشعور، ولطف الإحساس، ~~وسلامة الذوق، وحدة الذكاء، وقوة الذاكرة، ما جعله يعلم ما لا يعلمه رجل عادي. # وشعره الذي ms041 نظمه قصائد ومقطعات له قيمته إذا أريد الوقوف على كنه أخلاقه، بغض النظر ~~عن قيمته اللغوية والأدبية، على أن هذا الشعر قد أكسبه بين مواطنيه مكانة شاعر ~~مجيد # 1 # وكان محبا للأدب شغوفا بالفنون أريحيا جوادا يغمر الشعراء بالعطاء ~~الكثير ، على المديح القليل، له ولع شديد بتشييد القصور الفخمة، وكانت أساليبه في الظلم ~~مقرونة بشيء من المهارة، ينهج في ذلك منهج خليفة بغداد الذي انتحل لنفسه لقبه، واختط في ~~أحكامه خطته، بينما كان باديس لا يعرف من أمر هذا الخليفة شيئا بل ربما كان يجهل ~~العصر الذي كان فيه. # وكلا الملكين كان مولعا بشرب الخمر كما عرفت إلا أن باديس - لخشونته وجفاء طبعه - ~~كانت تتمثل في مجلس شرابه الوحشية والجفاء، وكان لبربريته الجافية لا يمنعه الخجل أن ~~يسف في شرابه إسفافا معيبا. # أما المعتضد وهو ذلك الرجل المثقف المهذب، والإنسان الرقيق الحاشية، والملك العظيم ~~الشأن، فما كان يقدم على هذا الأمر إلا بشيء من الرقة والدعة واللطف، وكان لما يمتاز به ~~من الذوق ولطف الإحساس وقوة التمييز، لا يخلو مجلس شرابه من شروط اللياقة، وجمال الذوق، ~~وحسن التنسيق، وكان يتعاطى الخمر بطريقة غير معتدلة، وكان هو وندماؤه ينشئون في امتداح ~~هذه النقيصة الخمريات البديعة التي تكون آية في لطف الشعور، وجمال الذوق ودقة التعبير، ~~وقد ساعدته قوته الجسمانية على مواصلة أعمال الدولة والقيام بأعباء الملك مع إدمانه ~~الشراب، وانكبابه على الشهوات واللذات، وقد كان من آيات نشاطه للعمل، وانصرافه لمهام ~~الدولة، أن يكف عن شهواته في الأوقات التي يتطلبها العمل، فيعنى بمهام دولته كملك، ~~ويبذل في ذلك جهد الطاقة ليوفر من أوقات العمل وقتا للهو والراحة واستجمام القوى يعود ~~فيه إلى شرابه، ويلهو فيه بلذاته. ~~••• # ومن الغريب أن هذا القاسي الجبار - مع ما كان يلقيه في قلوب حرمه وجواريه الحسان من ~~الفزع والرعب بنظراته المفزعة المروعة - كان ينظم فيمن يقع في حبالتهن من أولئك الغيد ~~الحسان أشعارا تجمع إلى الرقة والسلاسة اللذة والمتعة. # فبين باديس إذن وبين المعتضد من البون ms042 الشاسع في الفساد ما يفصل بين الفاسد ~~المتبربر الخشن، والفاسد المتحضر الظريف، ولكن مما يجب الاعتراف به هنا أن البربري كان ~~أقل من زميله فسادا وخبث نفس، فقد كان باديس في جرائمه وشناعاته على جانب من النزاهة ~~والصراحة، بينا عينه المتفرسة الباحثة تتحسس الأفكار الخفية في نفس غيره وتتبحثها لتكشف ~~عن مكنوناتها، دون أن يظهر ذلك في معارف وجهه، أو نبرات صوته. ~~••• # ولم يمت ملك غرناطة في فراشه بل طاح في ساحة القتال، أما ملك إشبيلية فقد كان - ~~على خوضه غمار كثير من المعارك والحروب - دونه شجاعة وبسالة، لأنه لم يتول بنفسه قيادة ~~الجيش في هذه الحروب سوى مرة أو مرتين في حياته، وكان من دأبه أن يضع الخطط الحربية ~~للمعارك، ويدع تنفيذها لقواده، وهو منزو في خبائه بعيدا عن خطوط القتال، كما روى ذلك ~~بعض مؤرخي العرب. # وكانت حيل باديس في النكاية بأعدائه جافة سقيمة، # 2 # مما يجعل إحباطها بسرعة ميسورا وسهلا، أما حيل المعتضد فكانت دقيقة لينة ~~يمس المخدوع منها في لينها ما يمس من ظهر الحية الرقطاء تحت أنيابها السم ناقع، ولهذا ~~كان يندر فشلها، ويصعب إحباطها، وجانب الدهاء وسعة الحيلة من الجوانب القوية في ~~المعتضد، ويروون في هذا الصدد حكاية يجدر بنا إيرادها، وذلك أنه حدث في الموقعة التي ~~أوقعها المعتضد ضد بربر قرمونة أنه كان يتبادل مع رجل من عرب هذه المدينة رسائل سرية ~~يقفه فيها على حركات وخطط البربر، ولكيلا تضبط هذه الرسائل، ولا يرتاب فيها أحد، كان ~~مضطرا لأن يتخذ كثيرا من الحيطة والحذر. # ولكي يصل إلى غرضه من تبادل الرسائل مع جاسوسه، كان قد اتفق معه على خطة معينة، وبناء ~~على تلك الخطة أشخص إلى قصره رجلا ساذجا طيب القلب من بدو إشبيلية ولما مثل بين ~~يديه قال له: «اخلع رداءك هذا الخلق، والبس هذه الجبة الثمينة الجميلة التي أتركها لك ~~هدية إذا قمت بتنفيذ ما آمرك به.» فارتدى الرجل الجبة وهو يفيض بشرا وسرورا، ولم يدر ~~أن في بطانة جيبها قد ms043 خيطت رسالة من المعتضد إلى عينه بقرمونة، وأظهر الرجل استعداده ~~لأن يؤدي بدقة وأمانة كل الأوامر التي يكلفه بعملها، فاستحسن المعتضد منه ذلك وقال: ~~«أصخ بسمعك إذن لما آمرك به: عليك أن ترحل من الآن إلى قرمونة، فإذا حللت بسيطها وكنت ~~بظاهرها، فلا تدخلها إلا بعد أن تجمع من الحطب حزمة تدخل بها المدينة وتعرضها في السوق ~~مع باعة الحطب، ولكن عليك ألا تبيعها إلا لمن ينقدك في ثمنها خمسة دراهم.» ومع جهل ~~الرجل سر هذه الأوامر الغريبة بادر إلى الطاعة، وغادر إشبيلية، ولما كان على مقربة من ~~قرمونة أخذ يحتطب، ولم يكن ذلك من عادته، وقد يجمع المحتطب المتعود مقدارا كبيرا ~~يستطيع جمعه، إلا أن هناك فرقا بين حزمة صغيرة وأخرى كبيرة. # دخل الرجل المدينة يحمل مما جمعه من فروع الأشجار تلك الحزمة الصغيرة ليبيعها في ~~السوق، فوقف على حزمته تلك أحد المارة وسأله: «كم ثمن هذه الحزمة؟» # فأجابه البدوي: «ثمنها خمسة دراهم كاملة غير منقوصة، فإن شئت دفعت الثمن وأخذتها، وإن ~~شئت تركتها» فأغرب الرجل في الضحك وقال له: «عجبا، لعلك لا تشك في أن حزمتك هذه من خشب ~~الآبنوس.» # وجاء آخر، فقال: «لا، بل هي من العود الهندي الذكي الرائحة.» # وهكذا أخذ كل من وقف على سلعته الحقيرة وعرف ما يطلبه ثمنا لها يمزح معه هازئا به ~~ساخرا منه. # وبقي على حاله تلك في السوق إلى أن مال ميزان النهار، وآذنت الشمس بالمغيب، فدنا منه ~~حينئذ عين المعتضد يتظاهر بشراء حزمة الحطب، واتفق معه على أن ينقده ثمنها إذا قبل أن ~~يتبعه بها إلى منزله، يحملها على كاهله، فتبعه الرجل إلى منزله حتى وضعها هناك، ولما ~~أخذ الدراهم الخمسة، قام يتأهب للعودة، فقال له صاحب الدار: «لقد أمسيت فإلى أين تذهب ~~الساعة؟» # فأجابه: «إني رجل غريب، ولست من أهل المدينة، ولا بد لي من العودة إلى إشبيلية.» فقال ~~له: «وهل ترى ذلك ممكنا الليلة، وهل تأمن عادية اللصوص في الطريق؟ انزل هنا على الرحب ~~والسعة، وسأقدم لك ms044 طعام العشاء. ويمكنك أن تبكر بالسفر غدوة إلى حيث تريد.» فقبل منه ~~الرجل ما اقترحه عليه، وقابل تلك الحفاوة البالغة بالشكر والثناء، وأنساه كرم الضيافة، ~~وطيب الأكل ما لقيه بالنهار من سفه وسخرية، وبعد أن تناول طعام العشاء، وفرغ من تلك ~~الأكلة الشهية، أخذ يسمر مع مضيفه إلى هزيع من الليل، حيث دار بينهما هذا ~~الحوار. ~~- الآن أيها الضيف الكريم، خبرني من أي البلاد قدمت وما موطنك؟ ~~- قدمت من بسيط إشبيلية حيث المزارع، وحيث موطني الذي أقيم فيه هناك. ~~- إني أرى أنك - أيها الأخ - شجاع مقدام جريء لأنك استطعت أن تخاطر بنفسك وتصل إلى ~~هنا، وأنا أعلم مبلغ ما وصل إليه البربر من القسوة والوحشية، هم بلا شك يسرعون إلى ~~قتلك، ويرون ذلك أمرا سهلا ولا بد أن يكون هناك من الأسباب القوية ما حملك على المجيء ~~هنا، والتعرض لأخطار الطريق. ~~- ليس هناك من الأسباب القوية ما حفزني على المجيء، ولست أظن أن أحدا من الناس ~~بالغا من القسوة ما بلغ يتعرض لرجل أعزل مثلي في الطريق أو يصيبه بأذى. # وما زالا يتحدثان إلى أن أثقل الكرى جفن الضيف، فأخذه المضيف إلى حيث المكان الذي ~~أعده لنومه، وهم الفلاح أن ينام دون أن يخلع جبته، فقال له القرموني: «يحسن أن تخلع ~~جبتك كي تنام مطمئنا، وتستيقظ مستريحا، لأن هذه الليلة دافئة حسنة الطقس كما ~~ترى.» # فعمل الفلاح بإشارته، وسرعان ما استغرق في نوم عميق، ولما أيقن أنه لا يشعر بحركته ~~تناول جبته وحل بطانتها، وفيها رسالة المعتضد فأخذها وقرأها، وكتب جواب الرسالة سريعا، ~~ووضعه في نفس المكان وخاطه كما كان. # واستيقظ الفلاح في صبيحة تلك الليلة مبكرا، وبعد أن ودع مضيفه وشكر له كرمه وحسن ~~ضيافته عاد أدراجه راحلا إلى إشبيلية، ولما ألقى بها عصا التسيار استأذن على المعتضد ~~ومثل بين يديه، وقص عليه نبأ رحلته فغمره بلطفه، وجميل رعايته، وقال: «إني من عملك هذا ~~لمسرور، وأرى أنك تستحق عليه جائزة سنية.» وأمر أن يلقي ما عليه من وعثاء السفر، ms045 وأن ~~يخلع جبته هذه، ويكسى عوضها حلة كاملة، فأحس من أعماق نفسه بسرور وارتياح، وأخذ الثياب ~~الجديدة وترك جبته التي هي محور الرواية، وخرج من القصر مزهوا يروي ما وقع له مع ~~الملك لأهله وجيرانه ومعارفه، ويذكر لهم ما اختصه به الملك من عطف وصلة ما أجازه به من ~~كسوة ملكية من كسى التشريف التي لا تمنح إلا لرجال الدولة وذوي الشأن وأرباب المناصب، ~~ولم يقف على سبب هذا العطف الملكي، ولم يدر أنه استخدم من حيث لا يشعر جاسوسا وبريدا ~~من برد الحرب يحمل إلى بلاد الأعداء رسالة فيها أنباء خطيرة كانت تودي بحياته لو أن ~~البربر عثروا عليها، ولكنه لم تحم حوله أية ريبة. # كان المعتضد عظيم الدهاء واسع الحيلة، في كل ما يدخل في باب الحيل والخدع السياسية، ~~وفي متناول يده الأشراك والفخاخ التي ينصبها لاقتناص من يريد الإيقاع به، والويل لمن ~~يثير كامن غضبه، ولو أن إنسانا أحفظه ومضى سريعا ليختفي في الجانب الشرقي من المعمور ~~لأدركه انتقام هذا الملك، ويقال إنه استصفى أموال رجل مكفوف البصر، وأخذ معظمها، ونفد ~~ما بقي منها في يد الرجل فخرج إلى مكة حاجا يتكفف الناس، وهناك في الحرم أخذ يدعو على ~~ذلك الملك الظالم ويسبه ويلعنه حيث أفضى به ظلمه إلى ذل المسألة وذل الاغتراب. فاتصل ~~بالمعتضد خبره وأنه يدعو عليه ويشهر به، فاستدعى رجلا إشبيليا من رعيته كان قد ~~أزمع الرحلة إلى مكة لأداء فريضة الحج، وأحضر علبة فيها دنانير مسمومة، وقال له: «إذا ~~وصلت إلى مكة ورأيت الإشبيلي الضرير، فصله بهذه العطية وأقرئه مني السلام واحذر أن ~~تفتحها.» فصدع الرجل بالأمر، ولما وصل إلى مكة تفقد الضرير حتى عرفه، وأعطاه العلبة، ~~وقال: «هذه هدية المعتضد إليك.» فسمع وسوسة ما بداخلها من الدنانير فطار لبه، وقال: «يا ~~عجبا! كيف يفقرني المعتضد بإشبيلية أمس، ويغنيني بالحجاز اليوم؟» # فأجابه الرجل: «لعله تذكر ما تحيفك به من الظلم، فضميره الآن يخزه ويؤنبه، وعلى كل ~~حال فإنما أنا رسول ومبلغ وقد قمت ms046 بما عهد به إلي خير قيام، ومن حقك وحسن حظك أن تقبل ~~هذه الهدية الثمينة التي لم تكن تحلم بها، والتي فيها غناك وسعادتك.» ~~••• # فاقتنع الضرير وبالغ في شكره، وحمله شكره وولاءه للملك إذا هو عاد إلى إشبيلية، ثم ~~أخذ العلبة ووضعها بين ذراعه وخاصرته، وخف مسرعا إلى كوخه يهرول بقدر ما تسمح به حالة ~~مكفوف ضرير، ودخل كوخه ذلك الحقير وهو بين مصدق ومكذب، وأحكم إرتاج الباب، وفتح العلبة ~~وأفرغ منها كومة ذهب من دنانير، ولا تسل عن ذلك الأعمى وقد طفح قلبه بشرا وسرورا، حين ~~وجد الفرصة السعيدة تواتيه بالثروة والغنى فجأة، بعد أن عاكسه الدهر، وعانى من الفقر ~~الأمرين، أخذ يقلب بين يديه تلك الدنانير البراقة، ولو أن عينيه لم تكونا مقفلتين ~~بحكم العمى لشعر بتمام اللذة، على أن حاستي اللمس والسمع قد عوضتا عليه ما فاته من تلك ~~المتعة واللذة، فقد كان يقبض تلك الدنانير بأصابعه ويملأ بها راحتيه، ويتحسسها بأنامله، ~~ويتسمع رنينها بأذنه، ويلهو بعدها المرة بعد المرة، وقد غمرته اللذة، وعمه السرور، ~~وذهبت به الأماني والأحلام كل مذهب، إلى أن فعل السم به فعله، وسرى في جسمه سريان الحمى ~~في المحموم، ولم يرخ الليل سدوله على هذا المسكين الذي أوقعه القضاء في حبالة المعتضد ~~حتى أمسى بفعل السم جثة هامدة. ~~••• # إذن فباديس والمعتضد كلاهما قاس شديد البأس، وإن كانت قسوتهما ترى بألوان مختلفة، ~~فباديس في ثورة غضبه يقتل بيده ضحاياه، والمعتضد في أحوال نادرة يتعدى على وظيفة جلاده، ~~وتحت تأثير غضبه وحنقه الشديدين اللذين بز فيهما صاحبه يسمح ليديه الأرستقراطيتين على ~~كره منه أن تتلطخا بالدم، أما باديس فلم يكن يتطلب لشفاء نفسه أزيد من انغماس يده في دم ~~عدوه، ومن دأبه بعد ذلك أن يعلق رأس القتيل على رمح ليطاف به في المدينة، وبهذا تبرد ~~غلته، وأمير إشبيلية على عكسه فإن غضبه من عدوه لا يشفيه مجرد القتل، فهو يتتبعه إلى ما ~~بعد الموت، وما كان يتوقف لحظة عن إثارة أشلاء قتلاه وإخراجها ms047 من عيابها وصناديقها ~~المقفلة إرضاء لنزعاته الوحشية. # وكان يضع - أسوة بالخليفة المهدي # 3 ~~- جماجم أعدائه على نصب من الخشب إلى جانب الأزهار بحديقة في قصره، ويعلق ~~في أذن كل جمجمة بطاقة يكتب عليها اسم صاحبها، وكانت تلك الحديقة المثمرة برءوس القتلى، ~~تبعث في نفسه السرور والانشراح كلما رآها أمامه، وكثيرا ما كان يصرح بذلك في أقواله، ~~على أنه لم يكن بين تلك الرءوس التي هي قرة عينيه رءوس من فتك بهم من أعدائه الأمراء، ~~لأنه كان يحفظ رءوس أولئك في صناديق مقفلة قد أودعها في مكان بعيد من القصر. # ونقول: «إن مما يبعث على الدهشة أن ذلك المارد الوحشي القاسي كان يعتبر نفسه الأمير ~~الخير بين الأمراء، ويرى أنه مثل «طيطوس» الذي كون تكوينا خاصا ليكون على يديه ~~سعادة الجنس البشري، وكان مما يقوله في شعره هذه العبارات: # إن إرادة مولاي القدير لو اقتضت أن يمتد سلطاني على جميع الأحزاب المختلفة من ~~العرب والبربر والصقالبة لخيمت السعادة على ربوع الأندلس، وإن مما يقوي عندي ~~الأمل في سعادة الناس وعزهم وطمأنينتهم، أني لا أزال أسلك معهم سبيل الجادة، ~~وأني لم أنحرف قط عن الصراط السوي، وما عاملت أحدا من رعاياي إلا بما يوجبه ~~علي كرم عنصري وشرف نفسي وعلو همتي، من رعاية العدل وحب الإنصاف، ولست أنفك ~~أدفع عنهم شر المعتدين، وغائلة المفسدين، وأزيل أسباب المصائب التي تنزل ~~بساحتهم، وتنصب فوق رءوسهم.» # | الفصل السادس # بعد أن قضى المعتضد على حياة «حبيب» وزير أبيه ومشاوره في الحكم، وأصبح منفردا ~~وحده لا منازع له ولا مشاور، وجه عسكره إلى البربر، وبدأ بجيرانه بربر قرمونة وكانت ~~تعتاده هواجس نفسية، ويجسم عنده الوهم أنه إذا لم يكن على قدم الاستعداد والأهبة ~~لمباغتة أعدائه والقضاء عليهم، فإنهم - بلا شك - قد عقدوا النية، ووطنوا أنفسهم على ~~الإيقاع به، وانتزاع المملكة منه ومن عقبه، وكان بعض المنجمين قد تنبأ بأن جيلا من ~~الناس سيولد خارج مملكته يكون على يده انتزاعها من أيدي بني عباد، وهذه الظنون التي ~~كانت ms048 تذهب به كل مذهب ما برحت تجعله يحاول أن يوقع بالبربر كلما أمكنته الفرصة ليبيد ~~خضراءهم، ويستأصل جرثومتهم، وقد استمرت هذه الوقائع والحروب مدة طويلة قتل خلالها ~~محمد أمير قرمونة، حيث خدع واجتذب إلى كمين وقع فيه (1042-1043) وكان من نتائجها ~~اتساع المملكة في الجهة الغربية. # وفي سنة (1044) قهر ابن طيفور # 1 # واستولى على «مرتولة» # 2 # ثم هاجم بعده ابن يحيى أمير «لبلة» ولم يكن هذا الأخير من البربر بل كان ~~عربيا، وما دام المعتضد يريد أن تتسع رقعة مملكته، فليس يقفه عن قصده أي شيء، ولما ~~ضيق الخناق على ابن يحيى # 3 # استنجد بالمظفر صاحب بطليوس فتقدم لمعونته فصده المعتضد فلجأ إلى بربر ~~غرناطة وأنشأ يؤلف ضد المعتضد حلفا قويا انضم إليه باديس ومحمد أمير مالقة ~~ومحمد أمير الجزيرة الخضراء، وحدث على أثر ذلك أن أبا الوليد بن جهور الذي خلف أباه ~~كرئيس لجمهورية قرطبة سنة (1043) بذل كل ما في وسعه للتوفيق والصلح بين الفريقين فلم ~~يفلح، وذهب سعيه عبثا، ولم يستمع لرسله الذين أرسلهم لإصلاح ذات البين أحد. # وأعد الحلفاء من البربر خطة الزحف على إشبيلية ريثما يجمعون شتات جيوشهم ويتصل بعضهم ~~ببعض، وعرف المعتضد ذلك فانتهز فرصة وجود المظفر في منطقة نفوذه بعيدا عن حلفائه ~~بحيث لا يستطيع الدفاع عن نفسه وبلاده، فعمد - أول الأمر - إلى تخريب كورة بطليوس ثم ~~سار مخالفا عادته على رأس جيشه، وزحف على «لبلة» وهجم أعداءه في مضيق على مقربة من ~~أبواب المدينة، ورد فريقا منهم إلى «الأحمر»، ولكن المظفر وفق لجمع رجاله، وحمل بهم ~~حملة صادقة اضطرت المعتضد أن يتقهقر نحو إشبيلية، وتمكن المظفر حينئذ أن ينضم إلى ~~حلفائه. # ولكن بينما هو يوقع التخريب في البلاد التابعة لإشبيلية خرج ابن يحيى من حلف هؤلاء، ~~وانضم إلى المعتضد ودخل في حلفه - على كره منه - وقد عاقبه المظفر بالاستيلاء على ~~أمواله التي كانت مودعة عنده، وأعمل السلب والنهب في كورة «لبلة» # 4 # فاستصرخ ابن يحيى بالمعتضد إشفاقا على بلاده من التخريب والتدمير، فعمد ms049 ~~هذا إلى إرسال جنوده لمقاتلة جند بطليوس، فاستدرجوهم إلى كمين وتمت الهزيمة على عسكر ~~بطليوس، فاضطروا إلى التقهقر، ولم يقتنع بهذا الانتصار بل عمد إلى تخريب جهات «يابره» ~~بواسطة ابنه إسماعيل، ولكن أمير بطليوس أمر أن يتقلد السلاح كل من يستطيع القتال من ~~الرعية، وبذلك تمكن من صد هجمات جيوش إشبيلية، ولما اتصلت به الإمدادات من إسحاق أمير ~~قرمونة سير رجاله لمنازلة العدو، وعبثا حاول بربر قرمونة أن يقنعوه بالعدول عن ~~عزمه الذي صمم عليه بدافع الغرور والجهل بقوة عدوه، ومما قالوه له: «إنك - بلا شك - لا ~~تقدر جيش إشبيلية قدره، وتجهل وفرة عدده، ونحن أعرف منك بذلك، فقد وصلت إلينا أنباؤه ~~فضلا عن أننا رأيناه رأي العين، ووقفنا على ما فيه من عدد وعدة.» ولكن تحمس المظفر ~~وحدة طبعه أبيا عليه أن يعمل بمشورة ناصحيه، أو يصدق لهم قولا، ومضى في سبيله بدافع ~~الجرأة التي كلفته ثمنا باهظا، فقد حلت به الهزيمة وتقهقر تاركا ثلاثة آلاف قتيل ~~على أقل تقدير، وكان من بين من قتل في هذه المعركة ابن أمير قرمونة الذي كان يتولى ~~قيادة جيش أبيه، وقد حملت رأسه إلى المعتضد، فوضعها في صندوق مع رأس جد هذا الأمير ~~الشاب. ~~••• # بعد هذه المعركة المشئومة ظهرت بطليوس مدة طويلة في مظهر مزعج، ومنظر مخيف، تستوحش ~~منه النفس، وينقبض له الصدر، إذ دامت حوانيتها مقفلة، وأسواقها مقفرة، بعد أن قتل في ~~هذه المعركة المستأصلة صفوة أهلها، ومما زاد الحالة سوءا وبلاء أن الإشبيليين إبان ~~المعركة أتلفوا المزارع ودمروا الحصاد، فأناخت المجاعة بكلكلها على أنحاء المملكة، ولم ~~يستطع المظفر عمل شيء بإزاء هذه الكارثة المجتاحة، وتخلى عنه حلفاؤه بعد أن حاول ~~عبثا أن يستعين بهم على تخفيف هذه النازلة التي حلت ببلاده، وظل ساكنا ببطليوس يحرق ~~الأرم، وتتآكل نفسه غيظا وندما. # ومع ما هو واقع فيه من سوء الحالة وتحرجها لم يشأ أن ينزل عن عزة نفسه وإبائها، ويقبل ~~صلحا شريفا بواسطة ابن جهور، بينا عدوه الظافر قد أظهر تمام الاستعداد ms050 لقبول هذا ~~الصلح. # ولم يكتف بهذا بل تظاهر أنه غير مكترث لما أصابه من خسارة، ولحق ببلاده من أزمة ~~ومجاعة، وبدافع هذا التظاهر الكاذب أرسل إلى قرطبة في طلب قينات - وكن في ذلك الحين ~~نادرات - وبعد عناء البحث اشتريت له اثنتان لم تكونا على جانب من الحسن والبراعة في ~~الغناء. ودهش الناس لركون المظفر إلى اللهو والخلاعة، وهو المعروف بالجد والوقار، ~~والبعد عن العبث وسماع القينات، ولم يدرك القوم كيف أنه يركن إلى اللهو في هذا الوقت ~~الذي تظهر فيه بلاده بمظهر الخراب والاضمحلال، ولكنهم أدركوا السر في هذا السلوك الغامض ~~حين علموا أن المظفر يريد أن يظهر لخصمه أنه في الوقت الذي يستطيع فيه أن يبيع أشياء ~~مملوكة له، كذلك يستطيع - وهو مرتاح الخاطر - أن يشتري مغنيات يلهو بهن. # وبالرغم من هذا كله فقد واصل ابن جهور جهوده للتوفيق بين الخصمين وإبرام صلح شريف ~~عاجل بينهما، وفي شهر يوليو سنة 1051 كللت جهوده بالنجاح، وتم بوساطته - بعد مفاوضات ~~طويلة - عقد صلح بين المظفر والمعتضد. # وحينئذ وجه المعتضد جميع قواته إلى ابن يحيى أمير «لبلة» الذي انفصل عن حلفائه وعاد ~~وحيدا دونهم، ولم تكن هذه الحملة حربا، بل كانت بمثابة نزهة حربية، ولم يحاول «ابن ~~يحيى» - لضعفه عن المقاومة - أن يدافع حتى عن نفسه، بل تحول إلى قرطبة، وعول على أن ~~يقضي بها سائر أيام حياته، وقد عطف عليه المعتضد وأرسل ثلة من فرسانه كحرس له في ~~الطريق. # وأدرك الأمير الذي كان باسطا حكمه على «ولبة» وعلى جزيرة «سالطس» # 5 # الصغيرة، وهو أبو عبيد عبد العزيز البكري صاحب كتاب المسالك والممالك أنه ~~قد حان وقته، وجاء دوره، ومع هذا فقد كان يؤمل أن ينقذ من الغرق ما يمكن إنقاذه، فكتب ~~يهنئ المعتضد بانتصاره الجديد، ويطلب إليه أن يدخل في حلفه، ويكون تبعا له، وأن يتنازل ~~له عن «ولبة» في مقابل أن يترك له «سالطس» ويشرح العلاقات الودية التي كانت بين أسرته ~~وبين أسرة آل عباد، فقبل المعتضد ما تقدم به ms051 إليه، وتظاهر بأنه يريد مقابلته، والإفضاء ~~إليه بحديث هام فسافر إلى «ولبة»، ولكن عبد العزيز رأى من الحكمة وصواب الرأي ألا يكون ~~في انتظاره وأن يتحول عنها إلى «سالطس»، وجاء المعتضد فوضع يده على «ولبة» وقفل عائدا ~~إلى إشبيلية، وترك هناك ثقة من رجاله ليحول دون أن يبرح عبد العزيز جزيرته، أو ينتقل ~~أحد إليه. # ولما عرف عبد العزيز ما وصلت إليه حاله لاذ بالحكمة، وشرع يفاوض عامل المعتضد على ~~«ولبة» يطلب السماح له بالسفر إلى قرطبة، وباع سفنه وذخائره الحربية للأمير الإشبيلي ~~مقابل عشرة آلاف دوكا. # وقد أراد المعتضد أن يخونه ويستدرجه إبان سفره ليوقعه في الشرك كي يستولي على ~~أمواله. # ولكن عبد العزيز فطن إلى قصده، وتمكن بواسطة حراس طلبهم من أمير قرمونة أن يصل إلى ~~قرطبة دون أن يصيبه في طريقه مكروه. # ثم هاجم المعتضد بعد ذلك ولاية «شلب» الصغيرة، حيث كان يلي الحكم فيها العرب من ~~بني مرين وهم الذين كان أجدادهم يملكون الجهات الممتدة في هذا الإقليم، وقد تولوا في ~~عهد الأمويين المراكز المهمة، واستمات أمير «شلب» في الدفاع عن نفسه بكل إقدام وشجاعة، ~~وقد صحت عزيمته على ألا يسلم أو يموت، ولكن جيش إشبيلية الذي كان يقوده محمد المعتمد ~~قيادة اسمية فقط لبلوغه الثالثة عشرة من عمره بالغ في تضييق الحصار على «شلب» إلى أن ~~استولى عليها عنوة. وكان ابن مرين اعتزم أن يفتك بأكبر رأس في الجيش، إلا أن المعتضد ~~بعد أن تمكن منه وهب له حياته واكتفى بنفيه. وبعد أن تم الأمر بالاستيلاء على «شلب» ~~أصدر أمره بالزحف على «شنتمرية» القريبة من الرأس الذي يسمى إلى اليوم بهذا ~~الاسم، وهي كورة كان الخليفة سليمان أعطاها لسعيد بن هارون، وكان مجهول النسب لا يعرف ~~أكان من العرب أم من البربر، والرجال المجهول أصلهم في العادة يكونون من الإسبانيين، ~~سكان البلاد الأصليين. بقيت هذه الجهة مع سعيد هذا إلى أن انتقل سليمان إلى جوار ربه، ~~فاستقل بها، ثم خلفه عليها بعد وفاته ابنه محمد، ms052 وحين دهمه عسكر إشبيلية لم تكن منه ~~إلا مقاومة قصيرة المدى، ولما تم للمعتضد أخذ هذه الكورة، ضمها إلى «شلب» وأراد أن يلي ~~الحكم فيها ابنه محمد (1052). # وبهذه الانتصارات السريعة اتسعت إمارة إشبيلية في الجهة الغربية من جزيرة الأندلس، ~~أما الجهة الجنوبية فلم تكن قد اتسعت بعد؛ لأن أمراء الجنوب من البربر كانوا - في ذلك ~~الحين - مسالمين للمعتضد في الغالب، معترفين بسيادته أو مقرين بخلافة هشام ~~الثاني. ~~••• # لم يقنع المعتضد بما أصاب من فتوحات اتسعت بها رقعة مملكته، وعد ما تم له من ذلك ~~قليلا بالنسبة لما يطمح إليه، فسرت إلى نفسه فكرة قتل أولئك الأمراء، والاستيلاء على ~~ولاياتهم، ولكي يكون نجاح أعماله السرية محققا رأى أن يسلك سبيل الاعتدال والحذر حتى ~~لا يطوح بنفسه في محاولة جريئة، فذهب بعد غزوة «شلب» مع اثنين من الخدم لزيارة أميرين ~~من أتباعه، وهما ابن نوح أمير بني مرين وابن أبي قرة أمير رندة دون أن يعلنهما ~~أنه آت لزيارتهما، وإن مما يبعث على الدهشة أن يلقي المعتضد بنفسه بين مخالب هؤلاء، ~~ويضع نفسه بدون تبصر تحت رحمتهم وهو يعلم ما يكنه له أولئك البربر من عداوة وحقد، ~~والواقع أن المعتضد - في مثل هذه المواقف - لا تنقصه الجرأة والإقدام، وهو على الرغم من ~~خيانته ومخاتلته للجميع، واثق من حسن نيات وتقدير الغير له، فقد قوبل عند بني مرين بكل ~~حفاوة وتجلة، وأعرب له ابن نوح عن فرط سروره وغبطته بما هيأت له الظروف السعيدة من هذه ~~الزيارة التي جاءت على غير انتظار، وأولم له وليمة فاخرة، وبالغ في إكرام وفادته، وحقق ~~له من جديد أنه سيكون له التابع الوفي المخلص على الدوام، ولكن المعتضد لم يقدم على هذه ~~الزيارة لسماع التحايا، وألفاظ التكريم والحب والولاء، بل كان يرمي إلى غرض آخر، وهو جس ~~النبض ليعرف هل يستطيع أن يكسب إلى جانبه بعض أفراد من ذوي النفوذ والجاه؟ إذ قد لاحظ ~~أن العرب يميلون من أعماق صدورهم إلى التخلص من نير البربر، وأنه لا ms053 يستطيع التعويل ~~عليهم عند سنوح الفرصة. # وبفضل ما كان يحمله خادماه من الهدايا والتحف والأحجار الكريمة استطاع أن يرشو كثيرين ~~من رجال البربر، دون أن يداخل ابن نوح أدنى ريب في دسائسه. # وبعد أن سر المعتضد كثيرا من نتائج هذه الزيارة استأنف سفره إلى «رندة» فقوبل بمثل ~~ما قوبل به هناك من الإجلال والترحيب، ونجحت حيله السرية، وأعماله الخفية فيها كثيرا، ~~لأن العرب هنا كانوا أكثر تذمرا من زملائهم بني مرين، وأشد رغبة في التحرر من حكم ~~البربر. # والظاهر أن بني قرة كانوا أصلب عودا وأكثر جرأة من بني نوح، فقد دبروا للمعتضد ~~مؤامرة رهيبة يكون انفجارها بمجرد الإشارة، ومن الاتفاق الغريب أن تسلم حياته وهي معرضة ~~للخطر في سبيل إنفاذ مشروعه الخطر الجريء، فقد حدث مرة أن تناول معهم الطعام، وأخذوا ~~يحتسون النبيذ وأحس هو - خلال ذلك - بميله إلى الراحة والرقاد، فقال للأمير: «إني أشعر ~~بتعب، وأحس بحاجة إلى النوم، فخذوا أنتم في حديثكم، وامضوا في شرابكم، ريثما أستريح ~~برهة، وآخذ حظا قليلا من النوم، ثم أعود فآخذ مجلسي معكم حول المائدة.» فأجيب إلى ~~طلبه وأعدت له وسائل الراحة، وبعد لحظة كان فيها متناوما مظهرا أنه في سبات عميق، طلب ~~بعض رجال البربر من الجالسين أن يصغوا لحظة إلى حديث خطير يريد أن يفضي به إليهم، فصمت ~~الجميع، وقال الرجل بصوت خافت: «يظهر أن عندنا كبشا سمينا قد مد صفحته للسكين ~~المشحوذة، وقد واتانا حظ سعيد كنا بعيدين عن إدراكه، ولو أننا بذلنا في سبيل هذه الفرصة ~~ما في الأندلس من ذهب لم يجد ذلك شيئا، بينما ذلك الطاغية قد حضر بنفسه وأمكنكم من ~~مقاتله، أنتم تعلمون جميعا أن ذلك الرجل هو الشيطان بعينه، فإذا ما قضينا على حياته لم ~~ينازعنا أحد السلطة في هذه البلاد.» ~~••• # ولاذ الجميع بالصمت، وأخذوا يتبادلون الإشارة باللحظ، ولا خفاء أن فكرة قتل ذلك ~~الشيطان الذي يمقتونه ويزدرونه، ويعرفون طرقه الملتوية المتعرجة، تقابل بسرور وابتسام ~~من أولئك الرجال الذين مرنوا على القسوة، وشبوا - منذ ms054 نعومة أظفارهم - على القتل وسفك ~~الدماء، لذلك لم تبد على وجوههم علامات الدهشة، ولم تلح عليها أمارات الاستنكار ~~والاشمئزاز، وكان من بين هؤلاء جميعا رجل واحد معتدل المزاج والتفكير قد غلا في رأسه ~~الدم لهذه الفكرة الخاطئة، والخيانة الدنيئة، ذلك الرجل هو معاذ بن أبي قرة أحد أقارب ~~أمير رندة فقد تطاير من عينه الشرر، وأظهر امتعاضا واشمئزازا واحتقارا لفكرتهم هذه ~~المنافية للمروءة وكرم الضيافة، ورد عليهم في تؤدة وثبات بصوت متهدج يغض منه ويخفضه ~~قليلا قائلا: «إياكم أيها القوم أن ترتكبوا هذه الفعلة الشنعاء، إن هذا الأمير ~~بزيارته لنا ومجيئه عندنا، قد وثق بنا وأمن جانبنا واعتمد على إخلاصنا ووفائنا له. ~~ومسلكه هذا يدل على أنه يقطع بأنا غير أهل لأن نخونه، أو نخفر ذمته، ولدينا من الشرف ~~وطيب العنصر ما يدعونا لأن نحقق ظنه فينا، وثقته بنا. وبماذا تتحدث عنا القبائل غدا ~~إذا علموا أننا وطئنا بأقدامنا قداسة حقوق الضيافة، فقتلنا ضيفنا؟ ففكروا أيها القوم ~~مليا، وثوبوا إلى رشدكم، ولعنة الله على من يهم بارتكاب هذه الجريمة.» ~~••• # وقد ترك هذا الكلام في نفوس البربر أثرا عميقا، وحرك ما ردده عليهم من واجب الضيافة ~~- في قلوبهم - وترا حساسا، يندر أن يتنبه عند أمثال أولئك الطغام من شعوب ~~أفريقية. # وقد مثلوا هذا الفصل والمعتضد في يقظة تامة - وإن كان متناوما - وقد سمع كل ما دار ~~بينهم من الحديث، ولما حمد الأثر الذي أحدثه كلام معاذ في نفوس الآخرين، واطمأن إلى ~~النتيجة، تظاهر بأنه بدأ يستيقظ، ومضى سريعا إلى السماط. فوقف الجميع وعانقوه وقبلوه ~~قبلا مقرونة بالاحترام وإظهار المودة والعطف. وكانت حركاتهم تدل على أن ضمائرهم لم تكن ~~مرتاحة لما هموا به، وأنهم ينطوون على سر مهانتهم من تلك اللحظة التي فكروا فيها بالغدر ~~بضيفهم. ثم تكلم المعتضد فقال: «يجب أيها الأصدقاء، أن أتعجل العودة إلى إشبيلية ولا ~~يفوتني أن أشكر لكم حفاوتكم، وأذكر لكم مبلغ سروري بحسن مقابلتكم لي وترحيبكم بي، وكان ~~يجمل بي أن أقدم لكم بعض هدايا نفيسة ms055 تكون عنوانا على اعترافي بفضلكم وتقديري لكرمكم، ~~ولكني آسف جد الأسف لأن الهدايا - التي كان يحملها خادماي - قد نفدت أو كادت، ولا بأس ~~من إحضار دواة وقرطاس، وليمل علي كل منكم اسمه، وما تميل إليه نفسه من كسى تشريف أو صرر ~~نقود أو جوار أو عبيد أو غير ذلك - مما يدخل في باب التحف وسني الهدايا - وليرسل إلي ~~عند استقراري بعاصمة مملكتي ليأخذ ما يخصه من نفيس تلك الهدايا.» ولما استقر بحضرة ملكه ~~جاءته رسلهم تترى، وعادوا محملين بصنوف الهدايا الثمينة، والحلل الفاخرة، وبذلك توثقت ~~الروابط المتينة، والعلائق الحسنة بين المعتضد والبربر، وتنوسيت الأحقاد والإحن ~~القديمة، وحل محلها الوداد والوئام والصفاء والسلام. ~~••• # مضت على ذلك ستة أشهر دعا المعتضد بعد انقضائها أمير رندة و«ابن مرين» إلى مأدبة ~~فاخرة أدبها لهما، زعم أنها اعتراف منه بجميل إكرامهما وحسن استقبالهما له، وكذلك دعا ~~من البربر ابن خزرون، وأميري «أركش» و«شريش»، فبادر الأمراء ثلاثتهم إلى إجابة الدعوة، ~~ووصلوا إلى إشبيلية (1053) فاستقبلهم المعتضد بحفاوة بالغة، وأعد لهم أسباب النعيم ~~والراحة. وبعد أن ألقوا عنهم وعثاء السفر دعاهم وأكابر أتباعهم إلى الاستحمام بحمامه، ~~وانتحل سببا لإبقاء معاذ الشاب معه، وكانوا نحو ستين من البربر دخلوا الحمام الذي ~~أعد لاستحمامهم، وبعد أن تجردوا من ملابسهم في الباب الأول، تطرقوا إلى باب الحمام نفسه ~~وهو مماثل لما يوجد الآن من نظائره في البلاد الإسلامية، مغطاة أرضه وجدرانه بالرخام ~~الملون، مكسوة قبابه بأنصاف كرات جوفاء من زجاج غير صقيل لإرسال الضوء إلى أسفل، في ~~وسطه نافورة تمج الماء إلى أعلى، وفي جوانبه مغاطس مملوءة بالماء الساخن، وصنابير بارزة ~~في الجدران، بعضها يصب منه ماء بارد، وبعضها متصل بمرجل الحمام يصب منه ماء ساخن قد وصل ~~إلى درجة الغليان. # وبينما المستحمون يلتذون بهذا النعيم الذي هيأ لهم أسبابه المعتضد إذ شعروا بحركة ~~خفيفة غير عادية ظنوها حركة بنائين أو وقادين منصرفين إلى عملهم، فلم يعيروها ~~اهتمامهم - لأول وهلة - ثم صارت الحرارة بعد برهة قليلة تتزايد إلى أن شعروا بالدوار ms056 ~~وأحسوا بالضيق، فتلمسوا الباب يفتحونه، فوجدوه محكم الإرتاج وكأنما بني عليهم من خلف، ~~ولما يلبثوا إلا قليلا حتى ماتوا جميعا نتيجة الاختناق. # ومكث معاذ طويلا يترقب عودة الأمراء والصحب ثم انتهى به الأمر إلى القلق والضجر، ~~ثم تجاسر فسأل المعتضد عن السبب الذي من أجله تأخروا هكذا مدة طويلة، فأفضى إليه ~~المعتضد بالسبب وصرح له - وقد اربد وجهه، وشاع فيه الغضب - بقوله: «لا خوف عليك، أما ~~أولئك الخونة من أهلك وعشيرتك فقد استأهلوا العقاب، واستحقوا ما حل بهم من هلاكهم خنقا ~~في الحمام لتآمرهم على قتلي حين كنت بضيافتهم. وثق أنني كنت متناوما إبان تآمرهم على ~~قتلي، وقد سمعت كل ما دار بينهم من الحديث في هذا الموضوع الخطير، كما استحسنت كلامك في ~~هذا الصدد، ولست أنسى ما حييت ما أنا مدين لك به من هذا الجميل الذي طوقتني به، وأنت ~~مخير الآن بين البقاء هنا حيث أقاسمك جميع ما أملك - إن شئت - وبين العودة إلى وطنك، ~~وإذا اخترت العودة ورغبت في الإقامة برندة، فلك مني أن أغمرك بسني الجوائز ونفيس ~~الهدايا.» # فقال معاذ بصوت يشف عن حزن عميق: «وكيف العودة يا مولاي إلى الوطن، وكل ما فيه يمثل ~~لي ذكرى من فقدتهم؟» فقال المعتضد: «عليك إذن أن تقيم بإشبيلية آمنا لا تخاف شيئا.» ~~وكلف بعض رجال حاشيته أن يعمل على إعداد قصر لإقامة معاذ وأمر له بألف قطعة من الذهب ~~نقدا، وعشرة من صافنات الجياد، وثلاثين جارية، وما يقرب من هذا العدد من العبيد، ثم ~~توجه إليه بقوله: «وسأمنحك فوق هذا عشرة آلاف دوكا مرتبا سنويا.» ~~••• # وبقي معاذ بإشبيلية، وهو محل عناية المعتضد وعطفه، فكان يبعث إليه كل يوم بهدايا ~~غالية نفيسة بالغة في الإبداع، يندر أن توجد إلا في خزائن الملوك، وكان في غالب الأحيان ~~التي يجتمع فيها بوزرائه ومشيريه للاستشارة في أعمال الدولة يجعل لهذا الذي أنقذ حياته ~~المكان الأول في الشورى والرأي. ~~••• # وبعد أن انتهى المعتضد من تمثيل هذا الدور ووضع رءوس القتلى في صندوق بين ms057 رءوس ضحاياه ~~التي كان يتمتع بإلقاء نظرات السرور عليها، أرسل جيشا للاستيلاء على بني مرين ~~وأركش وشريش وجهات أخرى. وقد نجح الجيش في مهمته من غير أن يعاني صعوبة بفضل مساعدة ~~أهل تلك الجهات من العرب، والخونة الذين اشتراهم المعتضد بالمال. إلا أن الاستيلاء على ~~رندة حيث خلف أبو النصر أباه فيها لم يكن من السهل، فقد كلف جيش المعتضد جهدا ~~وعناء أكثر من غيرها، ولأنها كانت قائمة على ربوة جبل شاهق تحيط بها وهاد وطرق وعرة ~~تجعل الوصول إليها صعبا. # ولكن حدث أن العرب ثاروا على البربر وتحمسوا لقتالهم وأعملوا فيهم سيوفهم. وحاول «أبو ~~النصر» نفسه الفرار - طلبا للنجاة - فتردى في هوة عميقة، إذ بينما كان يتسلق السور زلت ~~به قدمه فهلك. ~~••• # وقد أحدث الاستيلاء على رندة وحدها في نفس المعتضد سرورا عظيما، فبادر إلى ~~تحصينها، وجعلها أقوى منعة مما كانت عليه. ولما تم له ما أراد من تحصينها، وذهب بنفسه ~~لمعاينتها تملكته نشوة سرور وارتياح جعلته ينظم فيها شعرا مضمونه: «أنت الآن قد بلغت ~~في التحصين الغاية، ولا شك أنك قد صرت أثمن درة في تاج المملكة، وقد استولى عليك جنودي ~~البواسل بأسنة الرماح، وظبا السيوف.» # | الفصل السابع # في الوقت الذي كان فيه المعتضد ثملا بنشوة انتصاراته، عاكفا على شهواته ولذاته، ~~كان باديس حليف هموم وأحزان، حتى لقد بلغ به الحزن أن شق ثيابه - حين اتصلت به أنباء ~~النكبة التي حلت بالبربر - أخذ يصيح صيحات الغضب، ويزمجر زمجرة الرعد، وقد استولى ~~عليه الهياج والقلق والاضطراب، وتملكه شعور أسود جعل الدنيا تظلم في عينيه، وقد وقر ~~في نفسه أن عامة العرب برندة تحركوا للثورة بدافع الجنسية والوطن، وقاموا قومة رجل واحد ~~للقضاء على منافسيهم من البربر. ~~••• # ومن الذي يستطيع أن يدخل في روعه أن أتباعه من العرب لم يدخلوا في حلف مع بني عباد، ~~وأنهم لم يأتمروا به وبعرشه؟ لقد شغلت هذه الفكرة باله، وكانت لا تفارقه ليل نهار، ~~ويقال إنه كانت تعتاده نوبة ذهول، ثم يهيج به هائج ms058 الغضب، إلى حد أنه كان يصيح صياحا ~~شديدا، ويقسم ليبيدن كل عربي أقلته الغبراء، وأحيانا كانت تضطرم نفسه هلعا، ~~وتذوب جزعا، وتفيض بالوساوس والأحلام والشكوك والأوهام، ثم يعود إلى حالته الأولى من ~~السكون المبهم الغامض الأليم، وكأنما انقضت عليه صاعقة. ~~••• # على أثر هذه الحالة النفسية العصبية أخذ يفكر في تدبير خطة مروعة رهيبة، وذلك أنه كان ~~يدور بخلده أنه ما دام العرب مقيمين معه في داخل المملكة ومنبثين في الولايات التابعة ~~له، فلن يتأتى له أن يطمئن على سلامة ملكه لحظة واحدة، فعول - في قليل من الحنكة ~~السياسية وعدم التبصر في العواقب - على إبادة خضرائهم، واستئصال شأفتهم من المملكة، ~~وعقد النية على أن ينفذ هذا الرأي الخطير عند اجتماعهم بالمسجد للصلاة من يوم الجمعة ~~المقبل، وكان لا يبرم أمرا دون أن يستشير وزيره إسماعيل اليهودي، فلما صرح له ~~بعزمه، وأفضى إليه بسره، وأعلمه أنه مصمم على تنفيذ خطته - رضي أم أبى - أظهر له الوزير ~~شناعة هذه الخطة، ووخامة عاقبتها، وعمل جهده على أن يعدل الأمير عنها، وأشار عليه أن ~~يتمهل في الأمر ريثما تنضج الفكرة، وأن ينظر فيما عساه أن ينجم عن هذا الرأي الخطير من ~~النتائج، وكان مما قاله له: «لنسلم أن كل شيء سيتم على ما تريد وتهوى، ولنفرض أنك ستدرك ~~غرضك بالقضاء على جميع العرب - بقطع النظر عما ينجم عن هذا العمل من الخطر - فهل ~~يفوتك أن العرب في خارج المملكة لا يسكتون عن مصاب إخوانهم وما يحل بزملائهم؟ وهل يدور ~~بخلدك أنهم يلبثون ساكنين في أماكنهم، وأنهم لا يتحركون لنجدة أبناء جنسهم؟ كلا، إني ~~أؤكد لك أنهم يسارعون إليك بدافع الغضب الشديد، والعصبية القومية، ويتدافعون إلى بلادك ~~تدافع الأمواج الهائجة المضطربة، ولا يلقون السلاح أو يعلو السيف رأسك.» ~~••• # ومع مشاكلة هذا الكلام للصواب، ومطابقته للواقع، فإنه لم يؤثر في نفس باديس ولم ~~يصرفه عن رأيه، وأخذ على إسماعيل عهدا بأن يكون ما دار بينهما من الحديث سرا ~~مكتتما، وأصدر أمره بأخذ الأهبة والاستعداد لما يجب عمله ms059 يوم الجمعة. # وقضي الأمر، وكان جميع الجند بأسلحتهم المختلفة أمام المسجد يوم الجمعة على هيئة عرض ~~عام للجيش، ولم يقف إسماعيل حيال هذا الأمر موقف الخمول، بل كان قد دس نسوة إلى زعماء ~~العرب عملن على تفريقهم، ونصحن لهم بعدم الاجتماع للصلاة يوم الجمعة، وأن يختفوا عن ~~الأنظار في هذا اليوم فلا يبدو لهم أثر، فعملوا بنصيحتهن وأخذوا حذرهم، ولم يحضر المسجد ~~في ذلك اليوم سوى نفر يسير من العرب ممن لا خطر لهم مع عامة الشعب، وتحقق باديس فشل ~~خطته، فكاد يتميز من الغيظ وأرسل في طلب إسماعيل، وأخذ يلومه على إذاعة السر الذي أفضى ~~به إليه، فقال: «إن امتناع العرب عن الحضور لصلاة الجمعة لم يكن لسر مذاع، وتفسير هذا ~~الامتناع من جانبهم ظاهر، فإن القوم رأوا أنك حشدت جندك بلا سبب موجب في وقت لم يكن فيه ~~بينك وبين جيرانك حرب، فلم يشكوا في أنك إنما تقصدهم بالسوء، فعوضا من أن تغضب وتندم ~~يجب أن تحمد الله (تعالى) على هذه العاقبة الحميدة، فلو أن العرب وقفوا على ما كنت تبيته ~~لهم - من الشر والوقيعة - لثاروا واضطرب بسببهم حبل الأمن، أفلا يسرك أنك تراهم الآن ~~ساكنين هادئين؟ فترو في الأمر قليلا، وسيجيء الوقت الذي تحمد فيه رأيي الذي أطلعتك ~~عليه.» ~~••• # وربما كان باديس وقد غاب عنه وجه الصواب غير مقتنع بصحة ما ذهب إليه وزيره، ولكنه ~~حين جاء أحد شيوخ البربر وأيد إسماعيل في الرأي اقتنع أخيرا، واعترف في النهاية ~~بأنه كان مخطئا، ولم يعد يفكر في ملاشاة العنصر العربي من رعاياه، إلا أنه حين رأي ~~فلول البربر الآتين من بني مرين وأركش وشريش ورندة قد لجئوا إلى غرناطة ~~وجاءوا يلتمسون لهم فيها مأوى، اعتزم أن ينتقم من عدوه، ويغزو بجيشه والمهاجرين ولايات ~~إشبيلية.» ~~••• # وليس عندنا تفصيلات عن هذه الموقعة الحربية، ولكن الدلائل تدل على أنها كانت حربا ~~دموية؛ لأن البربر كانوا موتورين يلتهبون حماسة للانتقام لأبناء جنسهم، هذا من جهة، ومن ~~جهة أخرى فإن العرب كانت كراهتهم ms060 لبربر غرناطة أكثر من كراهتهم لسائر البربر، إذ ~~كانوا يعدونهم من الرافضة أعداء الدين، لسكوتهم على أن يكون بين وزراء المملكة رجل ~~يهودي، ويقول بعض شعراء إشبيلية الذين كانوا يشيدون بانتصارات المعتضد ما معناه: «لقد ~~أعملت سيفك في رقاب شعب من البربر ينتحلون اسم الإسلام، ولا يؤمنون بغير ~~اليهودية.» # لهذا كانت الحرب مع الغرناطيين تعد في نظر العرب حربا دينية مما حملهم على مقاتلتهم ~~بمنتهى الشدة حتى اضطروهم إلى التقهقر والارتداد إلى حيث يقيم أبناء جلدتهم، وقد ساءت ~~حال أولئك المهاجرين البائسين إذ لم يسمح لهم المعتضد بالعودة إلى دورهم وبلادهم حين ~~رأى باديس أن يحلوا عن غرناطة إلى مساكنهم الأصلية التي لا مندوحة لهم عن العودة ~~إليها، فاضطروا إلى أن يجوزوا بحر الزقاق إلى سبتة ولم يشأ «سقوت» أمير هذه الجهة أن ~~يكون لهم فيها بقاء، وهكذا كانوا يطردون - حيثما حلوا، وأينما ارتحلوا - في وقت تفشت ~~فيه المجاعة بإفريقية مما أدى إلى هلاكهم جميعا. # وبعد هذه النكبة التي حلت بالبربر وجه المعتضد جنده ضد القاسم بن حمود أمير ~~الجزيرة، وكان أضعف أمراء البربر فلم يسعه إلا أن يدخل في طاعة المعتضد ويطلب منه ~~العفو، فأجاز له أن يتحول إلى قرطبة فرحل إليها وأقام بها (1085). ~~••• # ولما تم للمعتضد هذا الانتصار الباهر رأى أن الوقت قد حان لإتمام الدور التمثيلي ~~الذي لعبه حتى الآن أسوة بأبيه من قبل، فطوعت له نفسه أن يعلن أن هشاما الثاني ~~المزعوم، والذي قد مات وعلم الناس قاطبة بوفاته لا يزال على قيد الحياة. # على أنه لم تكن ثمة أسباب تدعو والده إلى إثارة مسألة الخلافة بانتحال هذا الاسم، فإن ~~الناس جميعا قد اقتنعوا - في ذلك الحين - باستحالة الرجوع إلى الماضي، والعودة إلى ~~نظام الجماعة، وقد دلت التجارب على أن الخلافة قد سقطت بحيث لم يبق أمل في أن تقوم لها ~~فيما بعد قائمة، وعلى هذا فقد أصبح في قلعة رباح شخص لا خطر له، ولا يترتب على وجوده ~~أية فائدة. # ويجوز أن هذا الرجل الذي ms061 اختفى من سنين عديدة ولم يره أحد - لا من عامة الشعب، ولا من ~~حاشية القصر - قد مات، أو أن المعتضد قد تضايق منه فأمر بقتله - كما تحقق ذلك بعض ~~الأخبار - وليس في وسعنا أن نجزم بشيء في هذا الصدد؛ لأن أمير إشبيلية يعرف كيف يحيط ~~أعماله بالأسرار الغامضة، وقد حدث أنه في سنة 1059 جمع رجال الدولة، ونعى لهم هشاما ~~الذي مات من فالج أصابه، ولكنه أمر ألا يذاع خبر الوفاة ما دام في حروب مع جيرانه، ~~أما الآن وهو في حالة سلم مع البلاد المجاورة، فقد أمر بدفن رفات أسير قلعة رباح ~~باحتفال مشى فيه رجال الدولة، ومشى هو في الجنازة باعتباره الحاجب؛ أي: الوزير الأول، ~~مترجلا وبدون طيلسان، وأرسل البرد بنعي هذا الخليفة إلى حلفائه في شرق الأندلس، وطلب ~~إليهم اختيار خليفة جديد ليبايعوه، ولم يفكر أحد في ذلك بطبيعة الحال، فزعم أن الخليفة ~~الراحل عهد إليه أن يكون أميرا على كل بلاد الأندلس من بعده، ومن المحقق أنه كان يعمل ~~على إدراك هذا الغرض، وأن جميع جهوده كانت موجهة إليه، وقد توجهت نفسه الآن للاستيلاء ~~على قرطبة عاصمة المملكة القديمة، ولم يدر ما كان يخبؤه له القدر من فشل وخذلان، ~~وذلك أن جنوده أغاروا عدة إغارات على بعض الجهات التابعة لقرطبة، وانضم إلى ذلك أنه أمر ~~ابنه إسماعيل قائد جيشه أن يستولي على مدينة الزهراء التي دمر نصفها البربر، فقابل ~~أمره بشيء من الاستياء والامتعاض والتبرم والاعتراض، وكان قد بدأ منذ زمن يظهر الكراهة ~~والاشمئزاز من أبيه، ويشكو قسوته وظلمه، ويرميه بأنه كان يقحم به على الأهوال والأخطار، ~~ويعرضه لمواقع الهلكة، إذ كان يأبى في المعارك الكبيرة، وحصار المعاقل المنيعة، أن يمده ~~بالعدد الكافي من الجند، وفوق هذا فقد حرك في نفسه عوامل الاستيلاء والبغض رجل أفاقي ~~يدعى أبا عبد الله البرزيلي كان قد رحل من مالقة عندما استولى عليها باديس، وكان ~~يطمع أن يكون حاجبا لأي أمير، فأثار في نفس إسماعيل فكرة الثورة على أبيه، وأوعز ms062 ~~إليه أن يؤسس لنفسه مملكة مستقلة في جهة أخرى كالجزيرة الخضراء، وقد أتيحت للرجل أسباب ~~النجاح إذ أظهر إسماعيل في الوقت الذي أمر فيه بالزحف على قرطبة منتهى ما يكون من ~~الامتعاض والهياج؛ لأنه طلب من أبيه أن يمده بالعدد الذي يلزمه من الجند فأبى، وعبثا ~~حاول إسماعيل أن يقنعه بأن ما معه من الجند لا يكفي للزحف على ولاية كقرطبة، وبأن ~~باديس لا بد آت لمساعدة أهلها كما فعل ذلك سابقا، وأنه إذا جاء لمعاونتهم ما دام ~~محالفا لهم، فإنه حينئذ يضع نفسه بين نارين، ويكون مضطرا لمنازلة عدوين، فلم يصغ ~~المعتضد إليه، بل كان في أشد حالات الغضب على ابنه، ودعاه بالجبان، وهدده بالقتل، وكان ~~على وشك أن يبرز ذلك من حيز القول إلى حيز الفعل وأفضى إليه بقوله: «إذا لم تطع قولي، ~~وأظهرت الخلاف علي، فإني مضطر لا محالة أن آمر بضرب عنقك.» ~~••• # فجرحت هذه الكلمات إسماعيل في صميم نفسه، وهاج به هائج الغضب، ودفعه حرج الموقف إلى ~~المضي في الخطة الرهيبة التي رسمها لنفسه، ولكنه جاء إلى البرزيلي ليشير عليه بما ~~يمكن عمله، فكان من السهل على هذا أن يقول له: «إنه قد حانت الساعة لتنفيذ الخطة التي ~~أدليت بها إليك.» # وبعد مضي يومين من سفر إسماعيل على رأس الجيش من إشبيلية بلغ رؤساء الجند أن قد ~~ورد عليه نبأ من أبيه أن يأمره فيه بالعودة لمقابلته ليفضي إليه بأمر هام. # وقفل راجعا مع البرزيلي وثلاثين فارسا من فرسان الحرس إلى إشبيلية ولم يكن ~~المعتضد في هذا الوقت بقصر الإمارة الحصين، بل كان قد تحول إلى قصر الزاهر الواقع ~~على الضفة المقابلة من النهر، وآنس إسماعيل قلة الحامية والحراس، فاستولى عليه ليلا، ~~وحمل ما فيه من كنوز ونفائس على ظهور البغال، ولكي يحول دون أن يعبر أحد النهر إلى «قصر ~~الزاهر» لإبلاغ أبيه الحادث أمر بإغراق الزوارق الراسية تجاه الحصن، وتمكن من أخذ ~~والدته ونساء القصر، ومضى لا يلوي على شيء في طريقه إلى الجزيرة الخضراء، ms063 وعلى الرغم من ~~مبالغته في التكتم، وشدة الحذر والخوف من أن يصل نبأ هذا الحادث إلى أسماع أبيه، تسرب ~~الخبر إلى أبيه من أحد فرسان ولده؛ لأنه لم يرضه هذا العمل، فاقتحم نهر الوادي الكبير ~~سباحة وأبلغه الحادث في الحال. # فأنفذ المعتضد في أثره كتائب من الفرسان، وأرسل رسله إلى حكام حصونه في الوقت ~~المناسب، فأوصدوا أبواب القصور التي في طريقه في وجهه، وخشي إسماعيل من تألب أصحاب ~~القصور عليه، فلجأ إلى واحد منهم اسمه «حصادي» وهو صاحب حصن قائم على ربوة جبل عند حدود ~~قسم شذونة وطلب إليه أن يكون في جواره وحمايته، فقبل أن يجيره، ولكن شرط عليه أن لا ~~تبرح خيله سفح الجبل، وخرج إليه في جماعة من جنوده، ونصح له بعدم الخلاف على والده، ~~وعرض عليه أن يكون وسيطا في الصلح بينهما، ولكونه قد فشل في محاولته هذه فشلا تاما، ~~رأى أن ينزل عند رأيه ويعمل بمشورته، وحينئذ أذن له أن يدخل معه الحصن، وعامله بما يليق ~~بمكانته، وأرسل إلى المعتضد كتابا يذكر فيه أن إسماعيل ثاب إلى رشده، وندم على ~~فعلته تلك، وتوسل إليه أن يقبل وساطته ويصفح عنه، فأرسل إليه يقول: «إنه قد صفح عنه.» ~~فعاد إسماعيل إلى إشبيلية ورد والده إليه جميع أملاكه، ولكنه شدد عليه الرقابة، ~~وأمر بضرب رقاب أبي عبد الله ومن معه، وعلم إسماعيل بذلك فسقط في يده، وأدرك مبلغ ~~خيانة والده وغدره، ووجد أنه قد وقع في الشرك الذي نصبه له من الصفح المزعوم، فأعمل ~~الحيلة في الخلاص، وكسب بقوة المال الحراس، وطائفة من العبيد، وجمعهم - ذات ليلة - على ~~الشراب ليبعث فيهم الحماس والجرأة، وقلدهم السلاح وتسور بهم ناحية من القصر رأى ~~الوصول إليها هينا، وكان يقدر أن يصادف والده في هذه الساعة نائما، وقد صمم في هذه ~~المرة أن يقضي عليه القضاء الأخير، ولكنه سرعان ما ظهر المعتضد فجأة على رأس حاميته، ~~وما هي إلا أن عاينه المتآمرون حتى لاذوا بالفرار، ولكن جنود الحامية تعقبوهم إلى أن ~~جاءوا ms064 بهم معتقلين، وكان الغضب قد وصل بالمعتضد إلى أقصى حد، فأخذ ابنه إلى مكان بعيد ~~من القصر، وأرداه بيده قتيلا بحيث لم يشهد مصرعه أحد، وهاج به هائج الغضب فأخذ يقتل ~~وينكل بشركائه وأصدقائه وخدمه، وحتى بنساء قصره، وكم أمر ببتر أيد وأرجل وجدع أنوف، ~~وقطع رءوس، وقتل في السر وقتل في العلن. وبعد أن شفي غيظه وسكنت ثورة غضبه، تملكه حزن ~~عميق وتنبه في قرارة نفسه تأنيب شديد، ووخز في الضمير أليم، وما كان يشفع لهذا التأنيب ~~وذلك الألم النفساني الدائم، أن ابنه القتيل كان آثما على الحقيقة جديرا بما حل به ~~من العقوبة، فقد ثار عليه، وحاول قتله في محاولتين فشلتا معا، وسرق ذخائره وأعلاقه ~~وكنوزه حتى لقد سرق مع ذلك نساءه، وكان لا يفتر لحظة عن التصريح بهذه الشناعات والجرائم ~~التي ارتكبها ابنه، ولا عن التحدث بأنه كان يحبه حبا حقيقيا، فإنه مع جبروته وقسوته ~~كان يحب أسرته وبخاصة ابنه الذي كان يرى فيه العاقل الرشيد السديد الرأي في المجلس، ~~والقائد المدافع عن حوزة المملكة في ميادين القتال، والعون الوحيد له في شيخوخته، ~~والمتمم لعمله إذا وافاه الأجل المحتوم، وها هو قد حطم بيده تلك الآمال، وقضى بنفسه على ~~كل تلك الأماني. # وحكى بعض وزراء إشبيلية قال: # في اليوم الثالث لهذه الكائنة المحزنة، والفجيعة الدامية، دخلت أنا وزملائي ~~على المعتضد في مجلسه، وكان وجهه مربدا تعلوه كآبة الحزن، في منظر موحش فظيع، ~~فعرتنا دهشة، وارتعنا هلعا وفزعا، وتقدمنا فحييناه، وهو يجمجم بكلام لم ~~نتبينه، فنظر إلينا نظر استثبات وتفحص، وجعل يصعد فينا بنظره ويصوب، ثم قال ~~في زمجرة كزمجرة الأسد: «ما بالكم لا تنطقون أيها الأشقياء؟ إنه ليسركم في ~~الباطن ما أنا فيه الآن من محنة وبلاء، فاذهبوا بعيدا عني، واخرجوا من هذا ~~المكان.» # وربما استحال ذلك النشاط الوحشي، وتحولت تلك الإرادة الحديدية الآن إلى ذلة وضعف ~~وفتور وانكسار لأول وهلة، وأصبح ذلك القلب المقدود من الصخر، والذي كان يلوح أنه بمنجاة ~~أن يطعن في الصميم لصلابته ms065 وقسوته، قد أصيب بجرح دام يندمل على الزمن شيئا فشيئا، ~~ولكن بعد أن يترك أثرا عميقا، وفي هذه الفترة ترك جمهورية قرطبة في راحة وطمأنينة، ~~وقد سرتها هذه الطمأنينة المفاجئة على قدر دهشتها بها، وكذلك لم يعد الآن يفكر في خططه ~~الحربية ومشاريعه الواسعة، ثم عادت تلك الأطماع تتحرك في نفسه بصفة غير محسوسة، ثم ~~تنبهت عوامل الجشع والطمع في نفسه، فأخذ يعد الأهبة للاستيلاء على مالقة. # 1 ~~••• # وكان نير باديس قد أثقل كواهل العرب في مالقة منذ سنين، وأخذوا يلعنون أيامه، ~~ويئنون من جبريته وظلمه، وصاروا يعقدون الآمال في الخلاص من هذا الحكم الغاشم على أمير ~~إشبيلية، وهم وإن كانوا على يقين من أنه مثله في الظلم، إلا أنهم كانوا يؤثرونه على ~~باديس لأنه من جنسهم، ولهذا اتفقوا مع المعتضد، ودبروا مؤامرة كان باديس بتهاونه أول ~~مساعد على تحقيقها، لإدمانه على الشراب، وإغفاله شئون دولته إلا في أوقات قليلة ~~نادرة. # وفي اليوم المضروب موعدا لتنفيذ المؤامرة شبت في العاصمة ثورة، اشترك في إضرامها ~~خمسة وعشرون حصنا، وتلاحقت في نفس الوقت جيوش إشبيلية بقيادة المعتمد بن المعتضد، ~~فاجتازت الحدود لمساعدة الثائرين، فأخذت البربر على غرة، ولعب السيف في رقابهم ولم ينج ~~منهم إلا من تعجل الفرار، وفي أقل من أسبوع من الزمن تم فتح جميع الولاية، إلا حصن ~~مالقة الذي كان به حامية البربر فإنه بقي وحده بدون تسليم، وهو حصن منيع لوقوعه على ~~قمة جبل، ولمناعته كان في استطاعته أن يقاوم مدة طويلة، وحينئذ كان يخشى أن ينتهز ~~باديس الفرصة فيجيء لشد أزر الحامية، وهذا ما حسب له زعماء الثورة ألف حساب، فأشاروا ~~على المعتمد أن يشدد الحصار على من في الحصن، وألا يثق كثيرا بجماعات البربر ~~الذين في جيشه، ولم يقدر المعتمد قيمة هذه النصائح الثمينة، ولم تلق منه أذنا صاغية، ~~بل تهاون في الأمر، وآثر الراحة، وأطلق سراح الجند الذين أعجبوا بهذا المسلك الحسن، ~~فعكفوا على الشراب، وأخذوا يبحثون عن النساء، لاعتقادهم أنه لا خطر هناك يتهددهم، ms066 وقد ~~غرهم ما قاله رؤساء البربر للمعتمد من أن الحصن عما قليل ستسلم حاميته، وكانت هذه ~~الخديعة من البربر بدافع ميل خفي إلى باديس، وقد جر ذلك كثيرا من الشؤم على جيوش ~~إشبيلية، فإن أولئك السودان الذين هم في الحصن، وجدوا عندهم متسعا من الوقت يخبرون فيه ~~باديس بأن الفرصة سانحة لمباغتة عسكر المعتمد والقضاء عليه. # فجدت جنود غرناطة في المسير، وشقت طريقها إلى مالقة بين الجبال والأوعار في سرعة ~~وحذر، ودخلت المدينة على حين غفلة من أهلها، دون أن يكون عند المعتمد قبل دخولهم بلحظة ~~واحدة علم باقترابهم، فلم يستطع أن يجمع الجيش لملاقاة العدو، ولم تكن بين الجيشين ~~معركة، وكل ما في الأمر أن جند غرناطة قاموا بمذبحة في عسكر إشبيلية الذين كانوا عزلا ~~من السلاح، والذين كان أكثر من نصفهم سكارى، وقد أفلت المعتمد من أيديهم بانسحابه إلى ~~رنده واضطرت ولاية مالقة جميعها أن تخضع من جديد لحكم باديس. # ولنتصور هنا مبلغ حنق المعتضد وغضبه حين نمى إليه خبر هذه الهزيمة، وأن ولده ~~بتهاونه وتضييعه خطة الحزم قد فقد جيشه، وفقد ولاية عظيمة، وكان من نتيجة هذا الغضب أن ~~أصدر أمره باعتقال المعتمد مع مسجوني حصن رنده وقد هم أن يقضي على ولده الثاني في ~~حياته أيضا، ناسيا وخز الضمير الذي أصابه لقتله ولده الأول. # وكان المعتمد يجهل مبلغ ما وصل إليه والده من الغضب والحسرة والندم، ولما استقر في ~~الحصن، وعرف مدى غضب والده بعث إليه بقصيدة تفيض بالمديح والثناء، وتشيد بكرم المعتضد، ~~وتستجلب عطفه وصفحه، وتقتضي فؤاده الرحمة والشفقة، بذل في هذه القصيدة كل ما في ~~استطاعته ليصرف عن والده ما ساوره من حزن، وألم به من ألم، وليعزيه عن هذا المصاب ~~وذلك الإخفاق بما أحرزه فيما مضى من انتصارات باهرة، وفتوحات اتسعت بها رقعة المملكة، ~~ومن أجمع الأبيات لهذه المعاني قوله في صدر قصيدته الرائية: # سكن فؤادك لا تذهب بك الفكر # ماذا يعيد عليك البث والحذر # وازجر جفونك لا ترضى البكاء لها # واصبر فقد ms067 كنت عند الخطب تصطبر # وإن يكن قدر قد عاق عن وطر # فلا مرد لما يأتي به القدر # وإن تكن كبوة في الدهر واحدة # فكم غزوت ومن أشياعك الظفر # كم زفرة في شغاف القلب صاعدة # وعبرة من شئون العين تنحدر # فوض إلى الله مما أنت خائفه # وثق ب «معتضد بالله » يغتفر # ولا ترعك خطوب إن عدا زمن # فالله يدفع والمنصور ينتصر # واصبر فإنك من قوم أولي جلد # إذا أصابتهم مكروهة صبروا # من مثل جدك والملك الهمام أبو # عمرو أبوك له مجد ومفتخر # سميذع يهب الآلاف معتذرا # ويستقل عطاياه ويحتقر # له يد كل جبار يقبلها # لولا نداه لقلنا إنها الحجر # يا ضيغما يقتل الأبطال مفترسا # لا توهنني فإني الناب والظفر # وفارسا تحذر الأبطال صولته # صن حد عبدك فهو الصارم الذكر # هو الذي لم تشم يمناك صفحته # إلا تأتى مراد وانقضى وطر # ثم حاول في قصيدته هذه أن يعتذر عن نفسه، ويلقي التبعة على البربر الخائنين، ويصف ~~بأبدع أسلوب مبلغ الحزن الذي تملكه من جراء غضبه عليه فقال: # لم يأت عبدك ذنبا يستحق به # عتبا وها هو قد وافاك يعتذر # ما الذنب إلا على قوم ذوي دغل # وفى لهم عدلك المألوف إذ غدروا # قوم نصيحتهم غش، وحبهم # بغض، ونفعهم إن صرفوا ضرر # يميز البغض في الألفاظ إن نطقوا # ويعرف الحقد في الألحاظ إن نظروا # إن يحرق القلب نفث من مقالهم # فإنما ذاك من نار القلى شرر # مولاي! دعوة مظلوم به ظمأ # برح، وفي راحتيك السلسل الخصر # أجب نداء أخي قلب تملكه # أسى، وذي مقلة أودى بها السهر # لم أوت من زمني شيئا أسر به # فلست أعهد ما كأس ولا وتر # ولا تملكني دل ولا خفر # ولا سبى خلدي غنج ولا حور # رضاك راحة نفسي - لا فجعت به - # فهو العتاد الذي للدهر أدخر # وهو المدام التي أسلو بها فإذا # عدمتها عبثت في قلبي الفكر # ما تركي الخمر من زهد ولا ورع # فلم يفارق - لعمري - سني الصغر # وإنما أنا ساع في رضاك، فإن # أخفقت فيه ms068 فلا ينسأ لي العمر # أجل ولي راحة أخرى أسر بها # نظم الكلى في القنا والهام تنتثر # كم راحة لي في الأعداء واضحة # تفنى الليالي ولا تفنى لها الذكر # سارت بها العيس في الآفاق فانتشرت # فليس في كل حي غيرها سمر ~~••• # لا زلت ذا عزة قعساء شامخة # لا يبلغ الوهم أدناها ولا البصر # ولا يزل وزر من حسن رأيك لي # آوي إليه، فنعم الكهف والوزر # وقد أثر هذا الشعر - بروعته وسمو معانيه وانسجام عباراته - في نفس المعتضد وأخذ يرق ~~تدريجا، ويعطف على ولده، كما عطفه عليه رجل معروف بالصلاح والورع من رجال رندة أكثر ~~من التوسلات والشفاعات التي رق لها قلبه، ولان جانبه، فأباح للمعتمد العودة إلى ~~إشبيلية، وصفح عنه، ولكن مالقة قد أفلتت من يده بحيث لا سبيل إلى رجوعها، واستيقظ ~~باديس» من ذلك الحين وأخذ في الأهبة والاستعداد والحيطة حتى لا يحاول المعتضد» ~~مباغتتها والانقضاض عليها مرة أخرى، ومما يقال عن ملك غرناطة أنه كان في ثورة غضبه لا ~~يرحم، وأنه كان ينتقل من مكان إلى مكان للانتقام من الثائرين والزعماء، وهو محاط ~~بجلاديه، وأنه أودى بحياة الآلاف من المساكين الذين ثاروا عليه وأبادهم تقتيلا ~~وتمثيلا، وإحراقا وتنكيلا، فلم يعد أحد من الثائرين الكارهين لحكمه يرغب في إعادة ~~الكرة عليه ثانية. ~~••• # ووجد الناقمون عليه في وسط هذه المحنة الشديدة والعذاب المستأصل سبيلا لإثارة ~~الخواطر حيث آنسوا أن نفوذ اليهود في بلاط غرناطة قد بلغ النهاية، فإنه بعد أن مات ~~إسماعيل خلفه ولده يوسف الذي عني أبوه في حياته بتعليمه كثيرا من العلوم، وأعده ~~إعدادا تاما للقيام بأعباء الوزارة بعده، وقد اضطلع بمنصب كبير الوزراء في الدولة، ~~ولديه كل المؤهلات العلمية والتثقيفية، إلا أنه كان يعوزه لين الجانب، والتواضع الذي ~~كان يكسب والده - مع سمو المركز - صفح الأمير ورضا الجميع عنه. ولم يكن يوسف على ~~شاكلة أبيه من هذه الناحية، بل كان يظهر بمظهر أميره باديس ممتطيا جواده إلى جانبه، ~~وركابه بإزاء ركابه، وشارته في اللبس كشارته، حتى إن الناظر ms069 إليهما لا يفرق بين الأمير ~~ووزيره. # بل لقد كان يوسف في الحقيقة ملكا فوق الملك، وكان هو المسيطر المتسلط على باديس ~~لعكوفه على شرابه، وانغماسه في لهوه وبطالته، ولكي يستمر نفوذه وسلطانه على المملكة كان ~~قد أحاط باديس بجواسيس وعيون من نساء وفتيان قصره، استغلهم بالمال، وغمرهم بالإحسان، ~~فلا يكاد باديس ينبس أو يتنفس إلا وهو يعلم ذلك. ~~••• # وذهب كثير من الناس إلى أنه لم يكن على دين آبائه وأجداده، وأنه كان مستهترا يحتقر ~~الأديان جميعا، وقالوا: إنه لم يكن يهوديا إلا بالاسم فقط، وكان - في حملاته على ~~الدين الموسوي - لا يكاد يصرح بالطعن، أما الدين المحمدي فكان يجهر بالغض منه، ويعيب ~~أحكامه، هذا إلى أنه كان يحرف كثيرا من آيات القرآن، يضاف إلى ذلك أنه أساء إلى العرب ~~والبربر بل واليهود، وجرح كرامة الجميع بكبريائه وترفعه وإعجابه وزهوه، وآرائه ~~اللادينية وقلة إنصافه، وعدم رعايته العدل، وحام حوله كثير من الشبه والظنون، وأصبحت ~~تعزى إليه تهم وتذاع مخاز وفضائح، واستهدف لكثير من الألسنة وحمل كثيرا من جمهرة ~~المسلمين على معاداته، بينهم الزاهد أبو إسحاق الألبيري الذي ذاعت قصيدته في الإغراء ~~باليهود. # عصف الشباب بهذا الرجل، فسولت له نفسه أن يتطلع لمركز في البلاد يرى نفسه - لمنصبه ~~وسابقته في الزهد والورع - أهلا للحصول عليه، فخيب يوسف آماله فرحل وهو يحمل في نفسه ~~من الحقد والكراهة له ولليهود ما حفزه على أن ينظم فيهم قصيدته التي يقول في ~~مطلعها: # ألا قل لصنهاجة أجمعين # بدور الزمان وأسد العرين # مقالة ذي مقة مشفق # يعد النصيحة زلفى ودين # لقد ذل سيدكم ذلة # تقر بها أعين الشامتين # تخير كاتبه كافرا # ولو شاء كان من المؤمنين # فعز اليهود به وانتخوا # وتاهوا، وكانوا من الأرذلين # ومنها: # فكم مسلم راغب راهب # لأرذل قرد من المشركين # وما كان ذلك من سعيهم # ولكن منا يقوم المعين # فهلا اقتدى فيهم بالألى # من القادة الخيرة المتقين # 2 # وأنزلهم حيث يستأهلون # وردهم أسفل السافلين # فلم يستخفوا بأعلامنا # ولم يستطيلوا على الصالحين # ومنها يخاطب السلطان: ms070 # أباديس # 3 # أنت امرؤ حاذق # تصيب بظنك نفس اليقين # فكيف خفي عنك ما يعبثون # وفي الأرض تضرب منها القرون؟ # وكيف تحب فراخ الزنا # وقد بغضوك إلى العالمين؟ # وكيف يتم لك المرتقى # إذا كنت تبني وهم يهدمون؟ # وكيف استنمت إلى فاسق # وقارنته، وهو بئس القرين؟ # ومنها: # وإني حللت بغرناطة # فكنت أراهم بها عابثين # وقد قسموها وأعمالها # فمنهم بكل مكان أمين # ومنها: # وهم أمناكم على سركم # وكيف يكون أمين خئون # ويأكل غيرهم درهما # فيقصى، ويدنون إذ يأكلون. # وقد ناهضوكم إلى ربكم # فما يمنعون وما ينكرون! # ومنها: # ورخم قردهم داره # وأجرى إليها نمير العيون # وصارت حوائجنا عنده # ونحن على بابه قائمون # ويضحك منا ومن ديننا # فإنا إلى ربنا راجعون # 4 ~~••• # ولو قلت في ماله إنه # كمالك كنت من الصادقين # فبادر إلى ذبحه قربة # وضح به فهو كبش سمين # ولا ترفع الضغط عن رهطه # فقد كنزوا كل علق ثمين # وفرق عراهم وخذ مالهم # فأنت أحق بما يجمعون # ولا تحسبن قتلهم غدرة # بل الغدر في تركهم يعبثون # فقد نكثوا - عندنا - عهدهم # فكيف نلام على الناكثين # وكيف تكون لنا همة # ونحن خمول وهم ظاهرون # ونحن الأذلة من بينهم # كأنا أسأنا وهم محسنون # فلا ترض فينا بأفعالهم # فأنت رهين بما يفعلون # وراقب إلهك في حزبه # فحزب الإله هم المفلحون # وكان أثر هذه القصيدة في نفس باديس الذي أولاه ثقة لا حد لها بالغا الغاية، كما ~~أنها أثرت تأثيرا عميقا في نفوس البربر، فثاروا للانتقام، وحلفوا ليقتلنه، وأذاع ~~زعماء المؤامرة أن اليهودي انضوى تحت لواء المعتصم أمير المرية وكانت العلاقة بين ~~الغرناطيين وبينه علاقة حرب لا سلم. وقد يتساءل بعض الناس ممن كانوا أقل تصديقا: ما ~~الفائدة التي يجنيها يوسف من خيانته ملكا وثق به، وسلم إليه قياده، وجعله صاحب ~~السلطان التام دونه في المملكة؟ لقد أشاعوا حينئذ أن اليهودي يريد أن يمكن المعتصم من ~~الاستيلاء على المملكة، ثم يعود هو فيقتل باديس ويتبوأ العرش مكانه، ولسنا في حاجة ~~لأن نبين أن كل هذه الإشاعات من قبيل الأراجيف ms071 والوشايات المحضة، وإذا نظرنا إلى الواقع ~~رأينا أن البربر كانوا يودون خلق الأسباب التي تدعو إلى إبعاد اليهودي عن الحكم، ~~والاستيلاء على ما يملكه اليهود من أموال وثروات يحسدونهم عليها، ويتمنون أن لو كانت ~~في حوزتهم، ولما وجدوا أنهم قد ظفروا بالأسباب التي تبرر الفتك باليهود ثاروا جميعا، ~~وهاجموا قصر الإمارة مع العامة، ودخلوا في طلب اليهودي، فزعموا أنه اختفى في بيت فحم ~~وسود وجهه، يريد أن يتنكر ويلبس عليهم صورته، فعرفوه وقتلوه وصلبوه على باب ~~المدينة. # 5 # ثم عمدت صنهاجة بعد ذلك إلى قتل سائر اليهود، فقتل في يوم منهم مقتلة عظيمة، ونهبت ~~دورهم، وقد بلغ عدد من قتل منهم أربعة آلاف يهودي ذهبوا ضحية العداوة الدينية (30 ~~ديسمبر سنة 1066). # | الفصل الثامن # لم تكن الحال في بقية أنحاء إسبانيا الإسلامية خيرا منها في البلاد الجنوبية، فقد ~~حمي وطيس النزاع من جراء بقايا الشئون الخلافية، وأخذ سيل الفتن يطغى على وسط الجزيرة ~~وشرقيها وغربيها حتى كاد يجرف أمامه جميع الممالك الإسلامية المنبثة في شبه ~~الجزيرة. # وكان قد مضى على الممالك المسيحية نصف قرن وهم بشئون بلادهم مشغولون عن غزو الممالك ~~الإسلامية، وبدأت الحال في سنة 1055م تتحول، فاستطاع «فردينند» ملك قشتالة وليون أن ~~يوجه جميع جيوشه لقتال المسلمين، الذين كانوا - على ما يظهر - لا يستطيعون أن يقاوموا ~~خصومهم مقاومة جدية، وهكذا أصبح الفوز حليف المسيحيين، فقد كان لهم من الروح الحربي، ~~والحمية القومية، والغيرة الدينية ما لم يكن عند المسلمين، فكانت حروب «فردينند» ~~سريعة، وانتصاراته متلاحقة، فانتزع من المظفر ملك بطليوس سنة 1057م مدينتين ~~وأخذ من ملك «سرقسطة» جميع الحصون والمعاقل التي تقع في الجنوب، وشن الغارة على ~~المأمون صاحب طليطلة وزحف بجيوشه، ولما كان المأمون أضعف من أن يثبت للعدو، فقد رأى ~~من الحكمة أن يتقدم إلى «فردينند» عند قدومه بالهدايا الثمينة من الذهب والفضة والأحجار ~~الكريمة، ويعرض عليه ولاءه، ويؤدي له الجزية كما فعل ذلك من قبل ملكا بطليوس ~~وسرقسطة. ~~••• # وجاء - بعد هؤلاء - دور المعتضد، ففي سنة (1065) أحرق ms072 «فردينند» قرى إشبيلية، وباتت ~~الممالك الإسلامية جميعها في أشد حالات السوء والضعف مما جعل المعتضد - وهو أقوى ملوك ~~الأندلس - يرى من الحكمة أن يحذو حذو المأمون في إعطاء الإتاوة لفردينند، فمضى إلى ~~معسكره وقدم إليه هدايا ثمينة وتوسل إليه أن يبقيه على ملكه، ولما رأى من المعتضد جلال ~~الشيخوخة، وتغضن الجبين، واشتعال رأسه شيبا وأنه متهدم القوى، لاح له أنه بمنجاة عن ~~المكر والخبث، وكان المعتضد لما يعد السابعة والأربعين من عمره، ولكن الهموم وشدة الطمع ~~والجشع، وكثرة العمل، وفرط الظلم، وتأنيب الضمير - على ما يظن - كل أولئك، قد أحال ~~لونه، وأبدى على معارف وجهه مظاهر الشيخوخة في إبان الكهولة، فلا غرابة إذا رحمه ملك ~~قشتالة وأثرت شيخوخته في نفسه، ولكن هذا لم يرتح إلى دفع الإتاوة، ورأى أن يستشير أهل ~~مملكته ويستفتي فيها الفقهاء، فجمعهم ليرى رأيهم فيما يكون من الشروط، وأن يقرروا من ~~الرأي ما يعرضونه عليه، فاجتمعت كلمتهم على أن يدفع ملك إشبيلية جزية سنوية، وأن يسلم ~~إلى رسل يرسلهم إليه «فردينند» جثمان القديسة «جوست» العذراء التي استشهدت في عصر ~~الاضطهاد الروماني. # فقبل المعتضد الشرطين، وانسحب «فردينند» بعسكره، ولما وصل إلى ليون أوفد إلى ~~إشبيلية «الڤينوس» أسقف العاصمة و«أردو» أسقف «استورقه» وأوجب عليهما أمرين: # الأول: # نقل جثمان القديسة. # والثاني: # تسوية مسألة الجزية. # وأسف «الڤينوس» - مع زميلين له - حيث لم تسفر أعمال التنقيب التي أجريت للعثور على ~~رفات القديسة عن نتيجة، مما حمل «الڤينوس» أن يقول لرفيقيه: «إنكما أيها الأخوان، تريان ~~أنه إذا لم تسعفنا الرحمة الإلهية فسنعود من هذه الرحلة الشاقة، وقد ضاع كل ما علقناه ~~عليها من أمل، والظاهر أنه لا بد لنا من أن نستلهم المولى سبحانه وتعالى، ونتجه إليه ~~بالصلاة والصيام ثلاثة أيام نسأله فيها الهداية إلى هذا الرفات الدفين، والكنز الثمين، ~~الذي نبحث عنه في خبايا الأرض.» وبناء على هذا العهد الذي عاهدوا الله عليه أمضوا ثلاثة ~~أيام صائمين مصلين داعين حتى أثر ذلك في صحة «الڤينوس» وكانت معتلة، وبخاصة منذ قدم إلى ms073 ~~إشبيلية، وفي صبيحة اليوم الرابع جمع الأسقف رفاقه ثانية، وقال لهم: «إن رحمة الله لم ~~تشأ أن نرتد من رحلتنا هذه بالخيبة والفشل، فواجب علينا أيها الرفاق المحبوبون أن نشكر ~~الله من صميم قلوبنا، فقد تم أمره، ونفذ قضاؤه بأنكم ستحملون إلى وطنكم ما لا يقل قدرا ~~عن رفات القديسة «جوست» التي حرم الله علينا إخراجها من هذه الأرض ، ذلك هو جثمان السعيد ~~«إيزيدور» الذي حمل التاج الأسقفي إلى هذه البلاد، والذي زان - ببلاغته ومنشآته - ~~إسبانيا كلها، وقد كنت اعتزمت أيها الإخوان، أن أقضي الليلة ساهرا أبتهل وأدعو وأصلي ~~لله، ولكن خانتني قواي، فما كدت أجلس لحظة حتى بلغ مني الإعياء مبلغه، فأخذتني سنة من ~~النوم، فرأيت كأن شيخا عليه سمة الرهبان يقول لي: «لقد عرفت ما جئت أنت ورفقاؤك من ~~أجله، وقد أبت الإرادة الإلهية أن تحرم المدينة من رفات القديسة «جوست» فيخيم على ~~ربوعها الحزن، وينتابها الألم، كما أبى اللطف الإلهي إلا أن يهبكم جثماني رحمة بكم حتى ~~لا تعود أنت ورفقاؤك بأيد أصفار من هذه الأمنية التي طالما تكبدتم من أجلها ~~المشاق.» # فقلت: «ومن تكون أنت؟» قال: «أنا بدأت كبير قساوسة هذه المدينة، وانتهيت طبيب إسبانيا ~~كلها، أنا «إيزيدور».» واختفى شبحه عني - على إثر هذه الكلمات - واستيقظت فصليت شاكرا ~~لله، ودعوته أن يعيد هذه الرؤيا علي مثنى وثلاث إن كانت وحيا من لدنه، فعاودتني ~~الرؤيا مرتين؛ كان الشيخ في كل منهما يوجه إلي نفس عباراته الأولى بعينها، وزاد في ~~المرة الثالثة أن أراني موضع قبره، وقد ضرب عليه بعصا في يده ثلاثا وهو يقول: «هنا، ~~هنا، هنا، تجد جثماني، ولا يقعن في خلدك أنني شبح يخدعك، وستوقن أن ما أنبأتك به هو ~~الحق، وآية ذلك أن رفاتي لا يكاد ينقل من موضعه حتى ينزل بك داء يستعصي على نطس الأطباء ~~شفاؤه، ثم تموت، وتأتي إلى عالمنا متوجا بتاج البررة الصالحين.» # واختفى بعد أن أتم هذه الكلمات.» # وذهب «الڤينوس» وزملاؤه إلى قصر المعتضد وقص عليه رؤياه، واستأذنه في ms074 نقل رفات ~~«إيزدور» عوضا عن نقل رفات القديسة «جوست». # وقد ترك كلام الأسقف في نفس المعتضد أثرا غريبا، ذلك الرجل المتشكك الساخر الذي ~~لا يدين بغير شيئين اثنين: هما الخمر، والملك، ولكنه من باب الدهاء قد أصغى باهتمام ~~إلى كلام الأسقف، وقد قال له بعد أن فرغ من كلامه بلهجة تشف عن حزن عميق: «إني آسف جد ~~الأسف فإني إن أعطيتك رفات «إيزيدور» فماذا يبقى لي بعد ذلك؟ على أني أيها الشيخ الوقور ~~لا أمتنع عن تنفيذ رغباتك، وليكن ما أردت، قم فنقب وابحث عن القبر، وانقل رفات الراقد ~~فيه على الرغم مما يساورني بعد ذلك من أجله.» # وكان ذلك العربي الداهية، والثعلب الماكر، يعرف كيف يستفيد من شفقة المسيحيين، ولو ~~أنه كان يسخر من فرط هذه الشفقة إذا خلا مع نفسه. # وقد أحس من نفسه أن عليه جزية واجبة الأداء، فرأى أن يتظاهر بأنه شديد الاهتمام ~~ببقايا «إيزيدور» التي لا يفرط فيها إلا مرغما كارها، والتي يعدل إخراجها من قصره ~~انتزاع روحه من جسده. ~~••• # وعول على استغلال هذا الموقف لفائدته، فكان يفعل فعل المدين الذي إذا ما ألح عليه ~~دائنوه وأحرجوه، عرف كيف يدخل في الحساب ذلك الأثر الخالد النادر ويغالي في ثمنه، ويحمل ~~دائنيه على قبوله، وهكذا لعب المعتضد دوره إلى النهاية، فإنه عندما أراد «استورجه» ~~وقد توفي أخيرا زميله «الڤينوس» أن يأخذ الأهبة لمبارحة إشبيلية وحمل رفات «إيزيدور» ~~في مركب جاء المعتضد ووضع على التابوت غطاء من الديباج المحلى بالنقوش والكتابات ~~العربية البديعة وجعل يصعد الزفرات، ويتصنع الحسرات، وهو يقول: «ها أنت ذا تبرح المدينة ~~يا «إيزيدور» المبجل، وأنت تدري ما بين بلدينا من أوثق روابط المودة والعلائق.» # وكان العام التالي (1064) من أسوأ الأعوام وأشدها على المسلمين، فاضطر أحد أمرائهم ~~إلى الاستسلام والنزول على حكم «فردينند» بعد أن شدد عليه الحصار ستة أشهر، وقضت شروط ~~الصلح أن يعطى للظافر خمسة آلاف من المدافعين، وأن يغادر الباقون مساكنهم غير مزودين ~~إلا بما يلزمهم من النقود لسفرهم، وفضلا عن ms075 ذلك فقد أمر جميع المسلمين النازلين بين ~~«دويرو» و«منتاجو» بأن يجلوا عن بلادهم. # ووجه «فردينند» بعد ذلك قوته إلى مملكة بلنسية، وعليها ذلك الضعيف المتراخي «عبد ~~الملك المظفر» الذي خلف أباه عبد العزيز سنة (1061). # وحاصر «القشتاليون» العاصمة، ولكنهم - بعد أن وجدوها منيعة - رأوا أن يلجئوا إلى ~~الحيلة ليخلو العاصمة من الحامية، فتظاهروا بالانسحاب، فخرج البلنسيون في ثياب العيد ~~يتعقبونهم، وهم يظنون أن الانتصار أمر سهل، على أن هذه الجرأة قد كلفتهم ثمنا باهظا، ~~فقد باغتهم القشتاليون بالقرب من الطريق المؤدية من بلنسية إلى «مورس» وقتلوا أكثر ~~رجالهم، ونجا ملكهم على ظهر سابح، وكان الاستيلاء على قلعة «باريسترو» وهي من أهم ~~القلاع في الشمال الشرقي بعد نكبة أخرى مروعة. # وقد سقطت هذه القلعة في يد جيش من النورمنديين كان يقوده «غليوم دي منتري» كبير ~~قواد البابا، ويطلق عليه في روايات الفروسية اسم «أوركوني» أي القصير الأنف، وكانت ~~خاتمة المقهورين خاتمة أليمة، فقد سلم جنود الحامية على شريطة الإبقاء على حياتهم، ~~ولكنهم - حين خرجوا - من الحصن قتلوا على بكرة أبيهم، ولم يكن حظ العامة أحسن من حظ ~~الجند، فقد أمنوهم أيضا على حياتهم، وبينما هم يتأهبون للرحيل من المدينة، إذ نظر ~~«غليوم دي منتري» فراعه كثرة عددهم، واستولى عليه القلق والاضطراب، فمنعهم من الخروج ~~وأمر رجاله أن يصفوهم صفوفا متقاربة، وأعمل فيهم القتل، ولم يكف عن المذبحة إلا بعد أن ~~قتل منهم ستة آلاف رجل، ثم أمر البقية الباقية أن يعود كل إلى منزله ومعه زوجه وولده، ~~وذهب النورمنديون واقتسموا - فيما بينهم - كل شيء وصلت إليه أيديهم، وأصاب كل فارس ~~لنفسه منزلا - كما روى ذلك بعض مؤرخي العرب في ذلك العهد - فكان له كل ما في المنزل من ~~أزواج وبنات وأولاد ونقود ومتاع، وكان له بحكم الاستيلاء والأسر أن يفعل برب الدار ما ~~أراد من ضروب القهر، وصنوف التعذيب حتى يضطره للإذعان والاعتراف بما عساه أن يكون قد ~~أخفاه من مقتنيات وأموال، وكان من الخير الكثير للمسلم أن يقضي نحبه خلال هذا ms076 التعذيب؛ ~~لأن حياته كانت مقرونة بما لا يطيق من الألم والتبريح والعذاب المطرد، ومن أشد ما كان ~~يفعله هؤلاء من النكاية والعار والفضيحة للمسلمين أنهم كانوا يهتكون أعراض الزوجات ~~والبنات أمام أزواجهن وآبائهم وإخوتهم وعلى مرأى منهم، وهم موثقون بالسلاسل والأغلال ~~ليكرهوهم على شهود هذه المناظر الفاضحة المخزية، وكان أولئك الأسرى المساكين لا يملكون ~~بإزاء هذه الحالة المخزية المحزنة غير صياحهم وإسبال دموعهم الغزيرة هلعا وتأثرا من ~~تلك المناظر التي كانت تتحطم بإزائها قلوبهم، وتنشق لها مرائرهم. ~~••• # ولم تدم هذه الحوادث طويلا، فقد كان من حسن حظ المسلمين أن غادر «غليوم» وجنوده ~~إسبانيا عائدين إلى بلادهم، حيث ينعمون بما أصابوه من مغانم وأموال، ولم يبق في ~~المدينة غير حامية ضعيفة، وقد أمكنت الفرصة المنذر ملك سرقسطة من الاستيلاء عليها ~~حيث أمده المعتضد بخمس مئة فارس فاستولى عليها في ربيع السنة التالية. # وكان «فردينند» يواصل جهوده للاستيلاء على بلنسية؛ ولذلك كان مركز صاحب هذه المدينة ~~في نهاية الحرج والخطورة بالرغم من أن صهره المأمون أمده بما في استطاعته من المدد ~~الكافي، ولكن الذي نفس عنه هذا الضيق مرض «فردينند» واضطراره للعودة إلى ليون، على ~~أنه - بعد سفر عدوه المفاجئ - لم يدم سروره، ولم يسكن فزعه، ولم يهدأ روعه، فقد خلعه ~~صهره من المملكة، وأدمجها في مملكته بعد أن اعتقله بعض حصونه، ولم يمض على هذا العاهل ~~المريض والعدو المفزع الرهيب غير برهة من الزمن يسيرة ثم قضى نحبه، فتنفس المسلمون ~~بموته الصعداء، وقد كان «فردينند» مثالا حسنا، وقدوة صالحة لغيره من الملوك في ~~البسالة والإقدام والتقوى وسلامة الضمير ونقاء الجيب، وختمت حياته الحافلة الرائعة، ~~بخاتمة حسنة رائعة، وذلك أنه حين أسرع بالعودة إلى بلاده وصل إلى ليون يوم السبت 24 ~~ديسمبر فذهب - من فوره - إلى الكنيسة، وصلى فيها صلوات وهبها إلى روح القديس «إيزيدور»، ~~ودخل قصره فلبث فيه بضع ساعات، وبدأ يشعر إلى درجة اليقين أن حينه قد حان، وأن ساعته ~~الأخيرة قد دنت، فعاد - حين أرخى الليل سدوله - إلى الكنيسة ms077 حيث كان القساوسة يحيون ~~ليلة عيد الميلاد بترتيلاتهم وأنغامهم الشجية، وبينما كانوا يرتلون الصلاة الأخيرة في ~~سحر تلك الليلة، على نظام الطقوس في طليطلة حسبما كان متبعا في ذلك الحين، شارك ~~«فردينند» القساوسة في صلواتهم، ومزج صوته الضعيف بأصواتهم، وطلب إليهم - عند طلوع ~~الفجر - أن يسمعوه «القداس»، وبعد أن نال سر القربان المقدس خارت قواه، فأقيم إلى ~~سريره، وهو يمشي غير مستمسك معتمدا على بعض رجال الحاشية، وفي صبيحة اليوم التالي ~~ارتدى ملابسه الملكية، وأخذ إلى الكنيسة فخلع المعطف الملكي والتاج، وجثا على ركبتيه ~~أمام المذبح، وقال بصوت واضح: «لك القوة والملك يا رب، أنت ملك الملوك، لك ملك السموات ~~والأرض، إنني راد إليك ما أعطيتني من الملك الذي وليته ما شاءت إرادتك، ضارع إليك أن ~~تدخل في وسيع رحمتك روحي الذي طهرته وخلصته من أدران هذا العالم.» # ثم سجد على الأحجار يجأر بالبكاء، ويستغفر من ذنوبه، وأمر عليه يده أحد القساوسة ~~فنال المسحة الأخيرة، وسجي بالمسوح، وغطي رأسه برماد، وأخذ يرتقب الموت وهو مملوء ~~إيمانا ويقينا وطمأنينة. # وفي الغد «الثلاثاء» أسلم الروح، أو رقد الرقدة الأخيرة الهادئة فكانت تعلو محياه ~~ابتسامة وادعة مشرقة. # وأعقبت هذه الوفاة وفاة أخرى هي بطبيعة الحال أقل شأنا من الأولى، # 1 # فقد مات المعتضد يوم السبت 28 فبراير سنة (1069) وكان قبل عامين من وفاته ~~قد أدمج قرمونة في مملكته، واقترف جريمة قتل جديدة، إذ طعن بخنجر في يده رجلا من ~~إشبيلية يدعى أبا حفص. # وما كان يدور بخلد المعتضد أن أيدي القشتاليين ستمتد يوما إلى ذلك التاج الذي وضعه ~~على رأسه بقوة الحيلة والخيانة والغدر. # وفي آخر سني حياته امتلأت رأسه بالمخاوف، والأفكار السوداء، وقد تحققت نبوءة بعض ~~الناظرين في ميلاده من المنجمين، كما أشرنا إلى ذلك آنفا، وهي النبوءة القائلة إن ~~ناسا يولدون خارج البلاد يثلون عرش مملكته، وكانت فكرته متجهة دائما إلى أن أولئك ~~الذين سيقضون عليها هم البرازلة من البربر المقيمين بجواره، وما زال بهم حتى أفناهم ~~جميعا، وخيل إليه أنه ms078 قهر حكم الكواكب، وتغلب على مخاوف التنجيم، ولكنه بدأ يرى أنه ~~كان مخدوعا في وهمه هذا، ففي العدوة المقابلة لبر الأندلس على المضيق نزحت طائفة من ~~البربر من الصحراء، وزحفوا على إفريقية فاتحين في سرعة مدهشة، وفي شدة بأس تشبه ما كان ~~عليه سلف الأمة في فتوحاتهم، هؤلاء هم البربر الذين أطلق عليهم اسم المرابطين، وهم ~~الذين كان يتنبأ بظهورهم المعتضد ويتوقع أنهم الفاتحون لإسبانيا في المستقبل، وكانت ~~تساوره المخاوف من جانب أولئك الأقوام، ولا يستطيع بحال من الأحوال أن يمحص الفكرة أو ~~يبدد الأوهام التي كانت تنتابه من جهتهم. # وورد عليه ذات يوم كتاب من «سقوت» صاحب سبتة يقول له فيه: «إن طلائع المرابطين ~~عسكرت في رحبة مراكش فاهتم لهذا النبأ حتى قال له أحد وزرائه: «كيف يزعجك يا مولاي ~~هذا النبأ ويقلقك وبيننا وبينهم المهامه الغبر وأمواج البحر الخضر.» # فقال المعتضد بصوت مختنق حزين: «إني على يقين من أنهم سيصلون إلينا يوما ما، وربما ~~تشهد بنفسك هول ذلك اليوم، فاكتب من فورك إلى حاكم الجزيرة، ومره أن يزيد في تحصين ~~جبل طارق، وأن يكون شديد اليقظة، وعلى تمام الأهبة والاستعداد، وأن يراقب عن كثب كل ~~حركة لأولئك المرابطين من وراء المجاز.» # ثم أخذ يصعد بنظره في بنيه ويصوب ويقول: «ليت شعري من منا ستحل به النكبة أنتم أم ~~أنا؟» فقال ولده المعتمد: «لا بل أنا - جعلني الله فداك - الذي أحمل عنك كل كائنة مهما ~~عظمت.» # وقبل موته بخمسة أيام ساءت حاله، وأخذ المرض يدب في جسمه، والضعف يتسرب إلى عقله، ~~فاستدعى أحد مغنيه وكان من الصقلب، وأمره أن يغنيه بما شاء من الأبيات، وكان يرمي إلى ~~التفاؤل بما يختاره المغني، ويتفق مع توقيع النغم، فأخذ هذا يوقع ألحانا تجمع إلى ~~الطرب الحزن والألم في آن واحد، واللغة العربية من أغنى اللغات بهذا النوع. # وكان الشعر الذي اتفق للمغني أن يوقع عليه الغناء يدور حول معنى أن الحياة وأوقات ~~السرور سريعة الزوال، وأنها إلى نهاية وشيكة عاجلة، وأنه ينبغي ms079 أن نحتسي المدام، ونمزج ~~ابنة الكرم بابنة المزن. # وكانت القطعة التي لحنها المغني تتألف من خمسة أبيات، ومن غريب الاتفاق أن عدد هذه ~~الأبيات، هو بعينه عدد الأيام التي عاشها المعتضد بعد سماعها، يضاف إلى ذلك أنه بعد ~~مرور يومين على سماعها أي في يوم الخميس 26 فبراير جرح المعتضد في عاطفته البنوية جرحا ~~داميا، وقد كان - على قساوة قلبه - شديد الحب لبنيه، فرزئ بموت ابنته التي كان يحبها ~~إلى درجة العبادة، وشيعها إلى قبرها يوم الجمعة، وقلبه يتسعر حزنا. # 2 # وبعد أن ووريت التراب وعاد من الجنازة شكا وجعا في رأسه أليما، ودخل القصر وفيه ~~اعتراه نزيف دموي كاد يودي بحياته، وأشار عليه طبيبه بالفصد ولكن المعتضد تمرد على ~~طبيبه فأرجأ الفصد إلى الغد، فكان هذا من الأسباب التي عجلت بوفاته حيث اشتد النزيف في ~~اليوم الثاني فانحبس لسانه، ثم لفظ النفس الأخير. # وخلفه ابنه المعتمد الذي سنقدمه للقارئ في الفصل التالي! # | الفصل التاسع # ولد المعتمد عام (1040) وقلده أبوه بعض الولايات الصغيرة وهو في الحادية عشرة أو ~~الثانية عشرة من عمره، وبعد برهة يسيرة ولاه قيادة جيش إشبيلية فحاصر «شلب» وفيما ~~هو محاصر لها اتصل به فتى أفاق كانت سنه لا تعلو عن سن المعتمد بأزيد من تسع سنين، وقد ~~واتاه الحظ باتصاله به، ونبه شأنه فيما بعد، ذلك الفتى هو ابن عمار كان مولده في قرية ~~من أعمال «شلب» في بيت خامل الذكر، لا حظ له في الرياسة من قديم الدهر، نشأ في مدينة ~~«شلب» هذه صغيرا، وتعلم فنون الأدب على جماعة من أهلها، ثم رحل إلى قرطبة فتأدب بها، ~~وبرع في صناعة الشعر، وما برح يجوب أنحاء الأندلس يتكسب بالشعر، وينظم قصائد المدح، ~~يسترفد بها كل من يتوسم فيه الأريحية والعطاء، لا يخص بشعره الملوك دون السوقة، كما ~~يفعل النابهون من شعراء عصره الذين يرون من الزراية عليهم أن ينظموا الشعر في غير ~~الملوك والنابهين من العظماء. # كان هذا الشاب الناشئ والشاعر المغمور، بنزعته هذه ورثاثة ملبسه ms080 وبما يلبسه من جبة ~~صوف طويلة وقلنسوة صغيرة، يهش له ويبش في وجهه أناس، ويعطف عليه ويرثي لحاله ~~آخرون. # وكان يعد من السعادة أن يظفر بسري من أولئك الذين أوتوا حظا من الغنى، ونالوا ~~نصيبا من الثراء، ليعطيه مقابل ما يمدحه به من شعره الذي له قيمته وخطره، فضلة مما ~~أوتي من المال يقنع بها، ولا يزهد فيها. # ومن ظريف ما حدث له في بعض سفراته: أنه ورد «شلب» في وقت مسه فيه الضيق، وأجهده ~~الضنك، وهو لا يملك سوى دابته التي ~~لم يجد علفها، والتي مسها الجوع، وشفها الضنى ~~مثله، فماذا يصنع في أمر ذلك الرفيق الأمين ~~الذي يلازمه في رحله وأسفاره، ويشاركه في ~~آلامه وشدائده، لم ير بدا من أن يبعث بشعره إلى رجل من وجوه أهل السوق بالمدينة، لا ~~حظ له من الأدب، ولا علم له بصناعة الشعر، فكانت منزلة شعره عند ذلك التاجر أن ملأ له ~~المخلاة شعيرا، ووجه بها إليه، والرجل وإن لم يتذوق ما في القصيدة من حلاوة الشعر، ~~فإنه كان مزهوا بها، إذ رأى نفسه قد مدح على لسان أحد الشعراء، وكذلك ابن عمار ~~رأى أن ما وصله به من أجل الصلات. # بعد هذه الحالة التي تبين إسفاف ابن عمار في المنزلة وسقوطه إلى هذا الحد، ساعده ~~الحظ وانتهى به صعود الجد إلى أن جعله المعتمد - حين صار الأمر إليه - واليا على ~~«شلب» وأعمالها، فدخلها يومئذ في موكب ضخم وعبيد وحشم. # لم تمح من ذاكرة المعتمد تلك الإقامة الساحرة، والأيام الجميلة والأوقات المرحة ~~التي قضاها بشلب حيث كان معظم أهلها يقرضون الشعر، وحيث كانت تلك المدينة وما زالت ~~تعرف حتى الآن بفردوس البرتغال. # في تلك الآونة لم يكن قلب المعتمد قد تفتح للحب بعد، وقد وقعت له بعض وساوس ~~وتخيلات غرامية لم تلبث أن تلاشت دون أن تدع في قلبه مجالا للاسترسال فيها، وإلى جانب ~~هذا كان يحتفظ بعهد الصداقة الملتهبة التي بينه وبين وزيره ابن عمار ويستسلم لهذه ~~العاطفة القاهرة التي لم ms081 يزاحمها أي ميل آخر إلى آخر لحظة. # لم ينشأ ابن عمار نشأة الأمير في بحبوحة الترف، وغضارة العيش، ونضارة السعادة، ~~وفخامة الملك، بل نشأ على النقيض من ذلك - منذ فجر حياته - تكافحه الأيام وتقل من غربه، ~~وتثبط من همته وعزمه، وترميه الظروف القاسية بخيبة الآمال، ورقة الحال، فكان لهذا ~~أقل مرحا، وأقل سرورا وضحكا، وأقل فتوة وشبابا، ولكنه فوق هذا كان شاكا مرتابا ~~ساخرا في بعض نواحيه. # حدث أن الصديقين ذهبا إلى المسجد يوم الجمعة، والمؤذن يعلن الناس بحضورهم وقت ~~الصلاة، فطرح المعتمد على صديقه شطرا من الشعر فأجازه، وثانيا فأجازه، وثالثا ~~فأجازه، وكانت معاني الشعر تدور حول أن المعتمد يرجو للمؤذن المغفرة لإقراره بالشهادة ~~وتصديقه بالرسالة، وابن عمار يسخر في شعره من المؤذن، ويشك في مطابقة إقراره باللسان، ~~لما ينطوي عليه الجنان. # إن هذا يعد من ابن عمار غريبا، وهو يفسر لنا مبلغ شكه، وعدم ثقته بالناس حيث ~~عرفهم وخبرهم، ولهذا كان يشك حتى في الصداقة الحميمة البالغة التي يكنها له الأمير ~~الشاب في نفسه، والتي لم تنفع كل المحاولات التي كان يحاول بها الأمير أن يزيل ما علق ~~بنفس صديقه من شكوك وريب، وخاصة في مجالس الأنس والأوقات التي تتطلب المرح والسرور فإنه ~~كان يرى فيها يائسا حزينا. # ويروون في هذا الصدد حادثة عجيبة، ونادرة غريبة، حرية بالتحقيق والتمحيص، ولكن ~~يظهر - على كل حال - أن لها ظلا من الحقيقة، لأن هذه القصة تقوم على صحتها الشهادات ~~القيمة التي تروى عن المعتمد وابن عمار # 1 # أنفسهما. # قيل إن المعتمد دعا ابن عمار ليسمر معه ذات ليلة، وبالغ في إكرامه وملاطفته فوق ~~العادة، فإنه لما ارفض المجلس استبقاه المعتمد واستحلفه أن ينام معه تلك الليلة على ~~وساد واحد، وألح عليه في ذلك، فقبل مكرها واستسلم نزولا على إرادته، ولكنه ما عتم ~~أن نام حتى سمع هاتفا يقول له: أيها التعس! إن هذا الذي تنام معه على فراش واحد لا ~~محالة قاتلك. فهب من نومه فزعا وقد تملكه الرعب، ولكنه قاوم ms082 هذا الحلم المروع، وطارد ~~تلك الفكرة السوداء وعزاها إلى تأثير النبيذ، ثم رقد ثانية، فعاوده ذلك الحلم المشئوم ~~مرة ثانية وثالثة. # ولما لم يستطع تكذيب هذه الأحلام المتكررة أيقن أن هذا نذير سوء، وأنه وحي سماوي فوق ~~الطبيعة، فنهض من مرقده برفق دون أن يحدث حركة، وذهب بعيدا، وأدرج نفسه في حصير، ونام ~~في دهليز القصر عاقدا النية على اللياذ بالهرب حينما تفتح في الصباح أبواب القصر، ~~واعتزم أن يركب من أول ثغر ليبحر منه إلى إفريقية. # واستيقظ المعتمد فلم يجد صاحبه إلى جانبه، فصاح بالخدم، فوافاه جميع خدم القصر، ~~وأخذوا يبحثون عنه في كل جانب من جوانب القصر، والمعتمد يتقدمهم بين يديه مصباح، وجاز ~~إلى باب القصر يريد أن يفتحه لينظر هل خرج منه أحد؟ وفي نفس تلك اللحظة التي كان يمر ~~فيها تحرك ابن عمار حركة قسرية، فرأى المعتمد كأن شيئا يتحرك، فصاح: «ما هذا الذي ~~يتحرك في داخل الحصير.» # فسارع الخدم إليه فأخرجوه من داخل الحصير وهو في حالة يرثى لها ليس عليه من ملابسه ~~غير سروال، فوقف ترتجف أعضاؤه، وقد احمر وجهه خجلا، وأطرق برأسه إلى الأرض، فأجهش ~~المعتمد بالبكاء، وقال: «ما الذي حملك أن تزعجنا هكذا يا أبا بكر؟!» # وأراد المعتمد أن يتبين من صديقه سر هذا المسلك الغريب، وأخذه برفق إلى مجلسه ~~الخاص، وأعضاؤه ما زالت ترتجف، ولبث مدة طويلة يحاول كشف هذا السر فلم ينجح. # أما ابن عمار فقد اضطربت أعصابه اضطرابا شديدا، وخجل أشد الخجل لبلوغه إلى هذا ~~الحد من الإسفاف والسخرية، وقد تملكه مع هذا الخوف، واستولى عليه الرعب، فكان مرة يضحك، ~~وتارة يبكي. # ولما هدأت أعصابه، وسكن اضطرابه، أفضى إلى المعتمد بسر المسألة تفصيلا، فتبسم ~~ضاحكا، وأمسك بيده وضغط عليها متحببا متوددا وقال: «إن ما حصل لك لم يك إلا ~~بتأثير الخمر - أيها الصديق العزيز - ومن فعل أبخرة الخمر المتصاعدة إلى المخ فقد ~~أسلمتك بتأثيرها إلى أن ترى ما سبب لك الانزعاج، وما هي في الحقيقة إلا أضغاث أحلام، ~~وهذا ms083 كل ما في الأمر، وهل يدور في خلدك أن نفسي تحدثني بأن أقتلك يوما ما، إني - إن ~~فعلت ذلك - فإنما أنتزع روحي، وأطفئ مصباح حياتي، ثق أني إن قتلتك فإنما أقتل نفسي، ~~والآن يجب أن تزيل هذه الأفكار السوداء، وتمحو أثر هذه الوساوس السيئة، والأحلام ~~الشيطانية من نفسك، فلا تعود تتحدث بها فيما بعد.» # وقد قال بعض مؤرخي العرب المسلمين: وعمل ابن عمار منذ ذلك الحين على أن يتناسى هذه ~~الحادثة فنسيها، ومرت الأيام والليالي على ذلك إلى أن بدأت الرؤيا تتحقق، ووقع ما سنقصه ~~عليك فيما يلي: # جرت عادة هذين الصديقين أنهما يجتمعان في «شلب» لا يفترقان منها إلا إذا غادراها إلى ~~إشبيلية حيث يتوافر لهما في العاصمة الأنيقة الظريفة كل أنواع السرور والمرح واللهو، ~~فإذا خرجا إليها خرجا في زي لا ينم عليهما، وكثيرا ما كانا يختلفان إلى «مرج القطة» ~~على ضفاف الوادي الكبير للتنزه والتلهي برؤية الناس رجالا ونساء في ذلك المكان النزه ~~الأفيح، وهنالك وقع المعتمد لأول وهلة في شرك تلك التي قدر أن تكون شريكته في الحياة، ~~وذلك أنه بينما كان هو وصديقه يستريضان في «مرج القطة» - على عادتهما - إذ مر النسيم ~~على متن الماء فتجعد واطرد فارتجل المعتمد هذين البيتين: # تجعد النهر بتر # قيص النسيم واطرد # سابغة أحكمها # داود نسجا وسرد # 2 # ولم يستطع ابن عمار أن يجيز البيتين، وكانت على مقربة منهما جارية تسمع حديثهما ~~فأجازت البيتين بقولها: # تصلح في يوم الوغى # لو أنها ماء جمد # تحسبها قد نسجت # من حلق ومن زرد # 3 # فعجب المعتمد إذ رأى فتاة تفوق - في سرعة الخاطر وموهبة ارتجال الشعر - شاعرا ذائع ~~الصيت كابن عمار، والتفت إليها وحدق بها ناظريه، فراعه جمالها الفاتن، ومنظرها الساحر، ~~وطلب إليها في رفق أن تذهب مع أحد الخصيان إلى القصر، فقبلت ولم يلبث أن سارع بالعودة ~~إلى القصر ليستطلع طلع تلك الفتاة الحسناء. # وحضرت الفتاة فسألها المعتمد: «من أنت؟ وإلى من تنتسبين؟» فأجابت: «أنا أيها ~~الأمير، جاريتك اعتماد وإن جرت العادة ms084 بأن ينادوني باسم «روميكيا» لأنني مملوكة ~~«روميك»، وأنا بحكم عملي بدالة.» ~~- «خبريني، هل أنت متزوجة؟» ~~- «كلا يا مليكي.» ~~- «هذا حسن لأنني أريد أن أشتريك من مولاك، بل وأقترن بك.» # ومن هذا الوقت أحبها المعتمد حبا ثابتا متواصلا لم يطرأ عليه تغيير، ولم يعتره ~~نقص أو زوال، وقد أضافت إلى محاسنها كل ما يعجبه من أدب وظرف ورقة، وكانوا يضعونها ~~أحيانا في صف «ولادة القرطبية» أديبة ذلك العصر، وقد تكون المقارنة بينها وبين ~~ولادة صحيحة من بعض الوجوه، وغير صحيحة من بعض الوجوه الأخرى، فهي وإن لم تسم في ~~المعرفة والأدب إلى درجة «ولادة» التي كانت تساجل أدباء عصرها، وتتفوق على الكثير ~~منهم، فإنها لم تكن دونها في لطف المحادثة والذكاء، والتندر، وسرعة الخاطر، وحضور ~~الجواب، بل ربما فاقت عليها في محاسنها الذاتية، لصغر سنها إلى حد الطفولة، وسذاجة ~~طبعها إلى حد الغرارة. # هذا إلى ما هي عليه من مرح ونشاط ولباقة، وكانت سعادته بعد أن أصبحت له زوجة في ~~موافقة ميولها وأهوائها - كلفه ذلك ما كلفه من ثمن - وكان لا ييأس من عمل ما يوافق ~~مرضاتها، وإشباع نزعاتها وميولها، فإنه يعلم أن أي خاطر يمر بقلبها، أو فكرة تستقر ~~برأسها، لا يمكن أن تتحول عنها أو تنفذ. # حدث في يوم من أيام شهر فبراير أنها كانت تطل من خلال شرفات القصر بقرطبة فنظرت إلى ~~قطع الثلج تتساقط مع المطر، وهذا منظر نادر في تلك المدينة التي يندر فيها مشاهدة ~~الثلج، فأخذت دموعها تتساقط على خديها تساقط حب الغمام على الورد الناضر، فسألها ~~المعتمد في لهفة: «ماذا بك أيتها الحبيبة المودودة؟» # فأجابت وهي تنتحب: «تسألني ما الذي بي؟ الذي بي أنك قاس لا ترحم، ظالم غشوم وحشي ~~الطبع، انظر إلى قطع الثلج الناصعة اللينة العالقة بغصون الأشجار، الواقفة كالدمع ~~الحائر في جفون الأزهار، كم هي بديعة وكم هي رائعة؟ متى يلين فؤادك، وتخلق لي أسباب ~~الطمأنينة والسعادة، وتتركني أذهب في كل شتاء إلى بلد يكثر فيه سقوط الثلج، لتوفر علي ~~التمتع ms085 بمجالي الطبيعة الساحرة، ومباهجها الفاتنة؟» # فقال لها: «لا تحزني يا ربيع حياتي، ويا مصدر هنائي وسعادتي، سيكون هذا المنظر أمامك ~~في الشتاء القادم، بل أعدك وعدا صادقا أنك ستسرين بمشاهدته هنا في نفس هذا ~~المكان.» # وأصدر أمره في الحال أن تغرس أشجار اللوز في الحدائق المحدقة بقصر قرطبة، وقدر أن ~~تزدهر في فصل الجليد فتبدو زهراتها البيضاء في عين اعتماد كقطع من الثلج تجلل أغصان ~~الشجر، وهو الذي يعجبها وتميل إليه. ~~••• # ورأت مرة نسوة من الممتهنات قد وضعن أرجلهن في معجن فيه طين لضرب اللبن، فدفعها هذا ~~إلى البكاء، فأثر ذلك في نفس المعتمد وسألها: «وما الذي يبكيك؟» # فقالت له: «آه إني لتعسة، ومنذ انتزعتني من الحياة الحرة الطليقة المرحة أيام أن كنت ~~أنعم بكوخي الحقير وأنا سجينة هذا القصر العابس، أسيرة الحياة المقطبة، مثقلة بسلاسل ~~التقاليد، وعادات القصر المملة، انظر إلى هؤلاء النسوة اللاتي عند شاطئ النهر، وانظر ~~إلى أرجلهن منتعلات بالطين، ليتني كنت عارية القدمين مثلهن أعجن الطين، وليتني حرمت ~~الغنى والسلطان، وأعطيت الحرية التي أستطيع بها أن أفعل ما أريد.» # فأجابها وقد شاعت على شفتيه ابتسامة لطيفة: «بل إنك عما قليل ستستطيعين.» # ونزل في اللحظة نفسها إلى فناء القصر، وأمر بإحضار مقدار عظيم من المسك والعنبر وبعض ~~الأعطار، ووضع ذلك كله في معجن، وأمر أن يمزج بماء الورد، ويداف ويسحق، إلى أن صارت منه ~~عجينة في حجم تلك التي كانت في معجن النسوة اللاتي كن يضربن اللبن، ولما تهيأ له كل ~~ما أراد من ذلك صعد إلى اعتماد وقال لها: «لتتفضلي بالنزول إلى فناء القصر، أنت ~~وجواريك، فإن معجن الطين في انتظارك.» # فنزلت الأميرة إلى ساحة القصر، وخلعت هي وجواريها نعالهن، وصرن يعجن بأقدامهن ذلك ~~الطين المسكي المدوف وهن في مرح وسرور. # ومما لا ريب فيه أن تحقيق هذه الرغبة قد كلف المعتمد ثمنا باهظا وأموالا ~~طائلة، وقد كان في استطاعته أن يغضي عن هذه الحادثة، لولا أن زوجته لا تنتهي أهواؤها ~~وميولها عند حد، ولا ترضى ms086 بغير تنفيذ رغباتها، وقد حدث ذات يوم أن طلبت شيئا لم يكن في ~~استطاعة الملك تنفيذه، فغضبت، وصاحت قائلة: «آه! إني جديرة بكل شفقة ورحمة، وإنني بلا ~~ريب أتعس النساء حظا، ويشهد الله أنك لم تفعل معي البتة أي شيء فيه إرضائي.» # فقال لها بصوت فيه معنى الحب والرقة والعذوبة: «ولا يوم الطين؟» # فعلت وجنتيها حمرة الخجل ولم تحر جوابا. # وأراني مضطرا أن أضيف إلى ما أسلفت أن رجال الدين كانوا يمقتون اسم هذه الأميرة ~~النزقة السريعة الحركة، ولا يجرونه على ألسنتهم إلا مصحوبا باشمئزاز وكره ديني، وكانوا ~~يعدونها الحائل الوحيد الذي يحول بين الصلاح والهداية وبين زوجها، والعامل الفذ الذي ~~يدفعه بدون انقطاع وراء عاصفة من السرور واللذات تكاد تطوح بالمملكة، وكانوا كلما رأوا ~~المساجد خالية من المصلين يوم الجمعة، ألقوا التبعة على لهو المعتمد وفتنته بها، ~~وكانت اعتماد بحكم صباها الطائش، وشبابها النزق، تسخر من صيحة أولئك الشيوخ، ولا ~~تكترث لجلبتهم، وما كانت تقدر في روعها أن أولئك الفقهاء سيصبحون رهيبين يوما ~~ما. # ولم يكن حب المعتمد لها ليشغله عن صديقه ابن عمار الذي حل من قلبه محلا ~~كبيرا. # واتفق مرة أن نأى عنها، وانصرف للتنزه مع صديقه كالمعتاد، فحداه الشوق أن يرسل إليها ~~رسالة ضمنها الأبيات الستة الآتية: # # أغائبة الشخص عن ناظري # وحاضرة في صميم الفؤاد # ع # عليك السلام بقدر الشجون # ودمع الشئون وقدر السهاد # ت # تملكت مني صعب المرام # وصادفت ودي سهل القياد # م # مرادي لقياك في كل حين # فيا ليت أني أعطى مرادي # # أقيمي على العهد ما بيننا # ولا تستحيلي لطول البعاد # د # دسست اسمك الحلو في طيه # وألفت فيه حروف اعتماد # وقد ختم هذه الأبيات الستة التي طرز فيها اسم اعتماد بذكر اسمها في البيت ~~الأخير. # 4 # ثم ختم كتابه إليها بقوله: «سأعود إليك على عجل لأتملى برؤيتك إن شاء الله وشاء ~~ابن عمار. فلما سمع ابن عمار الجملة الأخيرة من كتاب المعتمد إلى اعتماد، كتب إليه ~~أبياتا في المعنى الآتي: «ليس لي مأرب ms087 في غير مرضاة مولاي، ولن أحيد عن أمره، ولست إلا ~~كالساري يهتدي بضوئه اللامع، فمرني بما تشاء أطع.» # ولما كان قلب الأمير الشاب متوزعا بين الصداقة والحب، فإنه لهذا كان يشعر بحياة ~~لذيذة ناعمة، إلا أن صفوها لم يدم طويلا، وقد ترنقت سريعا؛ لأن المعتضد رأى ابن ~~عمار قد استولى على ابنه المعتمد فقضى بالتفرقة بينهما، وحكم بنفي ابن عمار، وقد ~~انقض هذا النبأ على الصديقين كليهما انقضاض الصاعقة ولم يدر كل منهما ماذا يصنع، وقد ~~علما أن المعتضد إذا أمضى أمرا لا يمكن رجوعه فيه، ولا سبيل إلى عدوله عنه، وعلى ~~ذلك نفي ابن عمار، وقضى أعوام نفيه المحزنة متنقلا في مدن الشمال، وبخاصة سرقسطة ~~إلى أن خلف المعتمد على الحكم أباه، وكان في التاسعة والعشرين من عمره. # 5 # فسارع إلى صاحبه وصديقه القديم الذي صحبه من أول عهد الشباب فاستدعاه، وترك إليه ~~اختيار ما يريده من مناصب الدولة المختلفة. # فطلب ابن عمار أن يكون واليا على «شلب»، ذلك الإقليم الذي ولد فيه ونشأ به، فلم ~~يسعه إلا أن يلبي طلبه ويعطيه هذه الولاية بالرغم من أنه في هذه الحالة سيكون بعيدا ~~عنه، وبعد أن ودع صديقه الحميم جاشت بنفسه ذكريات تلك الأيام المحبوبة التي قضياها ~~معا في «شلب» وجالت بخاطره خلجات جعلته يتمثل آثارها ومعاهدها البديعة، فقال يخاطب ~~ابن عمار، وقد توجه إلى مقر عمله الجديد: # ألا حي أوطاني بشلب أبا بكر # وسلهن هل عهد الوصال كما أدري # وسلم على قصر «الشراجيب» عن فتى # له أبدا شوق إلى ذلك القصر # منازل آساد، وبيض نواعم # فناهيك من غيل، وناهيك من خدر # وكم ليلة قد بت أنعم جنحها # بمخصبة الأرداف مجدبة الخصر # وبيض وسمر فاعلات بمهجتي # فعال الصفاح البيض والأسل السمر # وليل بسد النهر لهوا قطعته # بذات سوار مثل منعطف البدر # نضت بردها عن غصن بان منعم # نضير كما انشق الكمام عن الزهر # وقصر الشراجيب هذا متناه في الحسن، مشرق الساحات، مباه بمحاسنه غيره من القصور ~~الشامخات. # ودخل ابن عمار ms088 «شلب» في موكب فخم يحف به عبيد وحشم وبلغ موكبه من الأبهة والجلال ~~ما لم يبلغه موكب المعتمد نفسه أيام أن كان واليا عليها، ولكنه خفض من غلوائه، وطامن ~~من كبريائه، وأتى بعمل يدل على النبل، وحسن التقدير، والاعتراف بالجميل، فإنه وقت دخوله ~~المدينة سأل عن التاجر الذي واساه في أيام محنته، وأعطاه علف بغلته، أحي هو؟ فقالوا: ~~إنه حي، وكان ابن عمار قد احتفظ بتلك المخلاة عينها التي كان التاجر قد ملأها شعيرا ~~لعلف بغلته، فملأها هو دراهم وبعث بها إلى التاجر وقال لرسوله، قل له: «لو كنت ملأتها ~~برا، لكنا ملأناها لك تبرا.» # وبقي واليا عليها مدة لم تطل؛ لأن المعتمد لم يستطع البقاء دونه فاستدعاه ليقيم ~~بقصره، وعينه كبير وزرائه. # | الفصل العاشر # كان المعتمد ووزيره مفتونين بالشعر، فأصبح قصر إشبيلية ملتقى الشعراء الفحول، ولم ~~يكن للمتشاعرين مجال في هذا الميدان، ولا حظ لهم في رفد الخليفة أو مكافأته، فقد كان ~~الخليفة نقادا بارع الملاحظة دقيق الحس، خصب الشاعرية، وكان يتذوق الأسلوب تذوق ~~الشاعر الصادق الشعور، وكان رأيه فيصلا في الحكم على الشعراء وتعرف موقع كل لفظ في ~~قصيدهم، فإذا ظفر الخليفة بشاعر موهوب أقبل عليه وأدناه من مجلسه وأغرقه بكرمه ~~إغراقا. # ولقد سمع - ذات يوم - هذين البيتين: # قل الوفاء فما تلفيه في أحد # ولا يمر لإنسان على بال # كأنه عندهم عنقاء مغربة # أو مثل ما حدثوا عن ألف مثقال # فسأل المعتمد: «لمن هذان البيتان؟» # فأجابوه: «هما لعبد الجليل بن وهبون.» # 1 # فصاح المعتمد: كيف أن شاعرا من الشعراء المبرزين ممن يقوم لنا بواجب الولاء والخدمة، ~~يعد أن منحة ألف مثقال حديث خرافة، وبادر في الحال بإعطاء عبد الجليل مئة مثقال. وحدث ~~مرة أخرى أن أحد الظرفاء من الصقالبة، وفد على قصره بعد أن غلب على البلاد «روچيه» ~~النورمندي وصادف أن جيء لديه بقطع ذهبية من مسكوكات دار الضرب، فنفح منها الصقلبي ~~بدرتين، ويظهر أن هذه المنحة على ضخامتها لم تكفه، فحفزته الرغبة وحركه الطمع أن يمد ~~عينيه ms089 إلى تمثال نادر مصنوع من الرخام على صورة جمل صغير مطعوم بالجواهر الثمينة، وأراد ~~ذلك الصقلي أن ينفذ رغبته الملحة فقال: «إنك أيها الملك، قد نفحتني بهذه المنحة العظيمة ~~التي أعجز عن شكرها، ولا أقوى على حملها، وأجدني لعظمها في حاجة إلى جمل يحملها إلى ~~داري.» # فقال له المعتمد وقد أعجبته هذه المحاولة الطريفة: «دونك الجمل، وشأنك به وما ~~تريد.» # ومن المحقق الذي لا يرتاب المرء فيه أن المعتمد يهتز أريحية ، ويفيض إعجابا بكل ~~حاضر البديهة ذكي الفؤاد شاعرا كان أو غيره، ولو كان لصا من قطاع الطريق، ومما ~~يقوم دليلا على صحة ذلك حكاية البازي السنجابي، والبازي السنجابي - وقد حدثوني عنه ~~بهذا اللقب - ما برح مدة طويلة أكبر لص في عصره، وكان بلاء عظيما قد أوقع الرعب ~~والرهبة في سكان البوادي إلى أن أوقعه القدر المتاح في قبضة العدالة، فقضى عليه ~~المعتمد أن يصلب على مرأى من الفلاحين في الطريق الأعظم، ليشهدوا ما حل به من خزي ~~ونكال، ولما كان اليوم الذي حكم عليه فيه بالصلب قائظا، والحرارة خانقة، فقد قل مرور ~~الناس بالطريق، وكان قد وقف بأسفل الخشبة التي صلب عليها اللص زوجته وبناته يبكينه ~~بدموع حارة ويقلن صارخات: «يا أبتاه على من تتركنا إذا نفذ فيك سهم القضاء، إننا بلا شك ~~سنموت بعدك جوعا.» وكان البازي السنجابي - على وحشيته وفظاعته - غاية في الشفقة والحنو ~~على أسرته، فتوزعت نفسه فكرة مصيرها إلى الشقاء، وصيرورتها إلى الفاقة والمتربة. # ومر عليه في هذه اللحظة تاجر غريب الدار يحمل على بغل عدلين من القماش وبعض بضائع ~~أخرى جاء ليبيعها في القرية القريبة فاستوقفه، وقال له: «إني أيها السيد، كما ترى في ~~موقف من أسوأ المواقف، وفي حالة يرثى لها، وفي وسعك أن تقوم لي بخدمة جليلة تعود عليك ~~قبل غيرك بأجدى الفوائد، وأجزل العوائد.» # فسأله التاجر: «وما عسى أن تكون تلك الخدمة التي أقوم لك بها؟» ~~- «هل تعرف ذلك الجب البعيد هناك؟» ~~- «نعم أعرفه.» ~~- «حسن جدا، فاعلم أني في اللحظة التي ms090 استولت علي فيها الغفلة وتركت نفسي أقع في ~~قبضة أولئك الشرطة الملعونين، ألقيت مئة مثقال من الذهب في ذلك الجب، فإذا سمحت نفسك ~~ورضيت أن تنطلق، وتبذل كل ما في وسعك في استخراجها، فإني أهبك نصفها متى ظفرت بها، وها ~~هي زوجتي وبناتي يقمن على حراسة بغلك حتى تفرغ من هذا العمل الذي فيه إنقاذ أسرة من ~~مخالب الجوع.» # واستهوت التاجر شهوة الحصول على الربح، فمضى سريعا، وربط عند حافة الجب حبلا، ودلى ~~نفسه فيه حتى وصل إلى قاعه، ولما اختفى في البئر أسرع البازي السنجابي وقال لزوجته: ~~«أسرعي واقطعي الحبل، وخذي البغل وخفي مسرعة أنت والبنات، واهربن جميعا واختفين عن ~~الأنظار.» # وتم كل هذا في أقل من لمح البصر، وطلع التاجر من البئر بخفي حنين فوجد بضاعته قد ~~استقلت المرأة وبناتها معها، وأدرك أنه لا يستطيع اللحاق بهن، فجعل يصيح كالمأخوذ، ~~ولكون صيحاته ذهبت هباء في ذلك الجب العميق، وفي بسيط من الأرض لا أنيس به ولا مغيث، ~~فقد مضى وقت طويل دون أن يجد أحدا يتقدم لإنقاذه، وبعد لأي خرج من سجنه، وتلاحق الناس ~~لإنقاذه من ذلك القرار البعيد الغور في طبقات الجب السفلية وهم يسألونه في دهشة عن سبب ~~تدليه في ذلك الجب، وهو يشكو سوء الطالع، ويندب حظه المشئوم، ويرسل في إثر بضاعته ~~الضائعة دموعه الغزيرة الحارة، ويصب جام غضبه ولعناته المتتابعة على ذلك اللص المصلوب ~~البالغ النهاية في الخبث والدناءة والمكر والخديعة، وسرعان ما ذاع الخبر وتناقله الناس ~~في المدينة حتى بلغ أسماع المعتمد نفسه الذي أصدر أمره في الحال بإنزال البازي ~~السنجابي من فوق خشبة الصلب، والإتيان به في حضرته. # ولما مثل بين يدي المعتمد صوب فيه بنظره وصعد ثم قال: «من المحقق الذي لا ريب فيه ~~أنك أكبر محتال، وأدهى ماكر خبيث عرف حتى الآن، إذ إن ترقب الموت الذي لا محالة واقع ~~بك، لم يصدك على الالتجاء في هذا الوقت الرهيب إلى المكر السيئ، والإيقاع بذلك التاجر ~~المسكين في حبالتك.» # فأجابه اللص: ms091 «عفوا يا مولاي الملك! إنك لو علمت أية لذة تلك التي يشعر بها الإنسان ~~عندما يكون لصا، لوضعت هذا التاج عن رأسك، وألقيت معطفك هذا الملكي عن منكبيك، ولما ~~كنت إلا لصا مثلي.» # فأغرب الملك في الضحك، وقال: «ألا لعنة الله عليك من لص داه خبيث، ولكن أصخ إلي ~~بسمعك لأتحدث إليك مليا، وسأكون في حديثي معك جادا لا هازلا، هب أني وهبتك الحياة، ~~ورددت إليك حريتك السليبة، وهيأت لزوجك وبناتك أسباب العيش من طريق شريف، وأجريت عليك ~~راتبا يكون لك ولعيالك سدادا من عوز أكنت تصلح من نفسك، وتثوب إلى عقلك ورشدك، وتعدل ~~عن هذه المهنة الخطرة الحقيرة الممقوتة؟» # فقال: «إن الإنسان - في سبيل إنقاذ حياته - يفعل كل ما في استطاعته فعله، وإذا كان ~~إنقاذ حياتي - وهي أثمن شيء عندي - متوقفا على استقامتي وصلاحي وابتعادي عن الشرور ~~والمفاسد، فإني أعدك أيها الملك، وعدا صادقا أن أكون عند ظنك بي، فهل يسرك مني ~~هذا؟» # وقد بر البازي السنجابي بوعده حين عينه المعتمد رئيس شرطته، وأوقع الرهبة والرعب ~~في نفوس أولئك اللصوص الذين كانوا زملاءه بالأمس، وبدل الخوف الذي كان ينتاب الفلاحين ~~من قبل أمنا. # ثم مضى المعتمد في حياة الترف والمرح والسرور، لا يصرف في مهام الدولة إلا القليل ~~من وقته، وقد كان يقول - في بعض شعره - ما معناه: «إن الإنسان إذا غالط نفسه، وأراد أن ~~يكون عاقلا فلن يكونه.» # وكان السماط الممدود، والولائم الكثيرة تستنفدان كثيرا من وقته وماله، وكان يصرف ما ~~بقي من وقته داخل قصره مع القيان، والغيد الحسان، وهذا ما كان يجعله دائما يظهر بمظهر ~~أهل الظرف والخلاعة والعشق، وليس معنى هذا أنه زهد في حب اعتماد فقد كان على العكس من ~~ذلك مفتونا بها مدلها بحبها. # ولكن تبعا للقانون الغريب الذي يخضع له الحب في البيئات الإسلامية يستطيع الرجل - ~~إذا أراد ألا يرمى بالخيانة عند حظيته - أن يغضي لهذا الغرض عن بعض ميوله الغرامية، ~~وأن يتصل بعشيقاته الفينة بعد الفينة، دون أن تجد ما تقوله ms092 أو توجه إليه فيه لوما، وهي ~~مع هذا موقنة بأنها وحدها الحظية عند زوجها المهيمنة على قلبه. # وقد كانت زوجه الرومية المحبوبة الحسناء فاتنة بديعة، وكان إذا شرب معها وجد للنبيذ ~~رائحة ونكهة لذيذة لم تجر العادة بها مع غيرها. # وكانت «لونان» تجلس إليه إذا فرغ من مجالس لهوه، وتفرغ لمطالعة أشعار المتقدمين أو ~~أراد أن يقرض هو شعرا، فإذا أرسلت الشمس أشعتها من النافذة، قامت لتحول بينه وبين ~~الشمس لعلمها - كما يقول الملك - «إنه لا يكسف الشمس من بين الكواكب غير القمر.» # ولما كانت هذه اللؤلؤة الثمينة، والحسناء الفريدة، صعبة المراس، شرسة الطبع، فقد كانت ~~كثيرا ما تغضب ويتحمل المعتمد كل عناء في تسكين غضبها بتحقيق ما يوافق هواها، ويتفق ~~مع مرامها، ومن ذلك أنها غضبت عليه مرة، فكتب يعتذر إليها، فردت عليه ردا حسنا ~~ولكنها لم تضع اسمها في صدر الكتاب، كما يقضي به رسم الكتابة، فأسف المعتمد لذلك، ~~وحكم بأنها لم تصفح بعد، وإلا لكانت بدأت الكتاب باسمها، طبقا لما هو معروف في العادة، ~~وقال: إنها تعرف أنني أعبد اسمها، وأتعشق كل حرف من حروفه، فما بالها لم تصدر به جوابها ~~إلي؟ إنها إذن لا تزال غاضبة علي، وقد قدرت في نفسها أنه سيقبل الاسم بمجرد رؤيته ~~على الطرس، فاستحسنت ألا يراه؛ لأن في تقبيله شفاءه من سقم ألم به، وما أظرف أن ~~تكون هذه الشيطانة الساحرة والغادة المحبوبة هي سبب الداء والدواء معا، فقد توجه الملك ~~إلى مولاه بالدعاء، يرجوه أن يتفضل عليه بنعمة يعدها من أسبغ النعم، وهي أن يطيل سقمه، ~~حتى يرى دائما عند سريره هذه الظبية الموردة الخدين، الأرجوانية الشفتين. ~~(وبعد) فقد يكون مخدوعا من يخيل إليه أن المعتمد قد أغمض عينيه عن إتمام أعمال ~~أبيه وجده؛ لأنه وإن لم يكن عنده من الأطماع ما عندهما، فقد عمل هو على الأقل ما حاولا ~~عبثا أن يعملاه ففشلا، فمن ذلك أنه في السنة الثانية من حكمه، ضم قرطبة إلى مملكته، ~~ولا ننكر أن والده ms093 هو الذي مهد له الطريق، وأن الظروف قد ساعدته كثيرا، ففي سنة (1064) ~~أي فيما قبل ذلك بست سنوات تنازل رئيس الجمهورية أبو الوليد بن جهور - لشيخوخته - عن ~~الرياسة لولديه عبد الرحمن وعبد الملك وعهد لولده الأكبر بكل ما يتعلق بالشئون ~~المالية والإدارية، وعهد إلى ولده الثاني - الذي كان يعده ضعيفا - بالقيادة العامة، ~~وقد نهج كل شيء منهجا حسنا طوال وزارة الوزير الماهر ابن السقا، فقد كان هذا الوزير ~~رجل المملكة لهذا العهد، وكانت شخصيته تبعث الرهبة والاحترام في نفوس جميع أعداء ~~الجمهورية الألداء، سواء أكانوا ظاهرين أم كانوا يعملون في الخفاء، وفي مقدمتهم ~~المعتمد نفسه، الذي أدرك أنه لكي يصل إلى تحقيق غرضه يجب أولا أن يبدأ بإسقاط هذا ~~الوزير. ~~••• # فسعى بينه وبين عبد الملك بن جهور بأن جعله موضع ريبة يحول حوله كثير من التهم ~~والشكوك، وقد نجح في هذه السعاية التي أفضت في النهاية بالقضاء على ابن السقا بالموت، ~~وقد كان لهذا الحادث أسوأ الأثر، وأوخم العواقب على الجمهورية، حيث انفرط عقدها بخروج ~~الموالين لابن السقا، من القواد والجند من الجيش، وأصبح عبد الملك ممقوتا عند ~~الرعية، بغيضا إليهم لفظاعته وقسوته وتهاونه، وبقي يحتفظ بما بقي من نظم الجمهورية ~~قائما على قديمه، إلى أن تزعزعت أركان سلطته فجاء المأمون صاحب طليطلة وحاصر ~~قرطبة في خريف سنة (1070). # ولما لم يجد عبد الملك ما يدافع به عن نفسه لأنه أصبح بلا جيش، ولم يبق عنده سوى ~~مئتي فارس في حالة سيئة للغاية، عمد إلى المعتمد يطلب نجدته، فحقق رغبته، وأرسل إليه ~~نجدات كبيرة، اضطر معها جيش طليطلة للانسحاب، ولم يكن انسحاب عدوه فوزا، بل بالعكس ~~كان خذلانا، فان رؤساء جند إشبيلية أخذوا يعملون في الخفاء على تنفيذ الخطط السرية ~~التي أفضى المعتمد بها إليهم، وتم الاتفاق فيما بينهم وبين القرطبيين على خلع عبد ~~الملك والاعتراف بسيادة ملك إشبيلية، واستمرت المؤامرة في طي الكتمان، وعبد الملك ~~لا يدري ما بيته الجند له إلى أن حدث في صبيحة اليوم السابع من ارتداد ms094 المأمون ~~بعسكره، وإعلان عسكر إشبيلية أنهم عائدون إلى بلادهم، أن تصاعدت صيحات الجنود وهم على ~~أهبة الرحيل منذرة بالعصيان، وطرقت أذنيه لأول وهلة بوادر الشر، ونظر فإذا الجند الذين ~~جاءوا لنجدته، قد أحاطوا هم وعامة الشعب بقصره، وفي أسرع من ارتداد الطرف قبضوا عليه ~~وعلى أبيه، وسائر أفراد أسرته، ونادوا بالمعتمد ملكا على قرطبة وأخذ آل جهور أسرى، ~~واعتقلوا في جزيرة «شلطيش» ولم يبق أبو الوليد الشيخ على قيد الحياة بعد هذه النكبة ~~سوى أربعين يوما. # وقد تحدث الملك الشاعر عن هذا الفتح بحديث ملك شأي الملوك الصيد، وخطب قرطبة ~~الحسناء بالبيض والأسل فلم تمتنع عليه كما امتنعت على غيره، وذلك حيث يقول: # من للملوك بشأو الأصيد البطل # هيهات جاءتكم مهدية الدول # خطبت قرطبة الحسناء - إذا منعت # من جاء يخطبها - بالبيض والأسل # وكم غدت عاطلا حتى عرضت لها # فأصبحت في سري الحلي والحلل # عرس الملوك لنا في قصرها عرس # كل الملوك به في مأتم الوجل # فراقبوا عن قريب لا أبا لكم # هجوم ليث بدرع البأس مشتمل # ولم ير المأمون أن ما وقع يعد هزيمة، وذلك لأنه كان مصمما على الاستيلاء على قرطبة ~~في فرصة أخرى مهما كلفه ذلك من ثمن. # 2 ~~••• # ولم يمض قليل من الزمن حتى جاء برفقة حليفه الأذفونش السادس فخرب بسيط المدينة وما ~~حولها، ولكن عبادا حاكم المدينة الشاب أحد أبناء المعتمد من حظيته الرومية ~~الحسناء كان غافلا عما يدبر من الدسائس للاستيلاء عليها، فقد أخذ ابن عكاشة على ~~عهدته أن يضمن للمأمون أخذ المدينة التي ينشدها، وابن عكاشة هذا رجل فظيع فاتك سفاح، ~~وكان قبل ذلك من اللصوص المتحرمين بالوعر والجبل، وهو مع هذا فارس ذكي حديد القلب، نابه ~~الشأن وفوق ذلك فإنه قد خبر قرطبة وعرفها معرفة جيدة؛ لأنه لعب فيها دورا هاما ~~فيما سبق. # فلما عين حاكما لبعض الحصون، بدأ يخلق الدسائس وينشئ المؤامرات لقرطبة، ولم يكن من ~~الهين السهل عليه أن يغامر في مخاطرة جريئة مثل هذه، لولا أن الكثير من المواطنين كانوا ms095 ~~مستائين من سير الأعمال، ومن الخطط الرديئة العوجاء الملتوية. # وفي الحق أن الأمير عبادا كانت تبدو عليه مخايل البشر، ويحدوه الأمل، ولكنه في هذه ~~السن الصغيرة لم يكن في استطاعته أن يتولى بنفسه أزمة الحكم، ويضطلع وحده بأعباء ~~المملكة، لذلك كانت السلطة في يد رئيس الحامية محمد بن مارتن الذي يظهر أنه من أصل ~~مسيحي، كان هذا الرجل جنديا باسلا، وفاتكا دمويا قاسيا، مما حمل القرطبيين أن ~~يمقتوه ويبغضوه، وقد حامت الشكوك والريب حول الكثير من سكان قرطبة في أن تكون لهم ~~علاقة بابن عكاشة، واتصال بمحاولاته الخفية. # على أن هذا الأخير لم ينجح نجاحا تاما في إلقاء الستار على أعماله وتدبيراته ~~الخفية، فقد لاحظ أحد حراس المدينة أن هذا الرجل الذي له سابقة في اللصوصية، كان ~~كثيرا ما يتردد على أبواب المدينة ليلا ويحادث بعض جنود الحامية؛ مما حمل على ~~الريبة، وجعل الشبهة القوية تحوم حوله، وقد سارع هذا الحرسي وأبلغ عبادا الحادث، ~~ولكن الأمير لم يعن كثيرا بالأمر ولم يأبه للحادث، وأحال المبلغ على رئيس الحامية ~~محمد بن مارتن وهذا أحاله على حرسي صغير دون درجته، والنتيجة أنهم تواكلوا، فكان كل ~~واحد يلقي المسألة على عاتق الآخر لاتخاذ الحيطة والتدبير، ولم يقم أحد بواجبه، ولم ~~يتخذ في المسألة تدبير حازم. ~~••• # ونشط ابن عكاشة للتجسس في كل ليلة، ولم يكف عن التربص وتحين الفرص إلى أن أمكنته ~~الفرصة، في يناير سنة (1075) من دخول المدينة هو ورجاله في ليلة شاتية حالكة الظلام، ~~شديدة الرياح والعواصف، وبادر قصر عباد وقد غاب عنه الحراس، وكان على وشك أن يقتحم ~~عليه باب القصر، لولا أن الحرسي الموكل بالباب أسرع إلى إيقاظ الأمير فنهض ونفر شرذمة ~~قليلة العدد من السودان والعبيد، وخرج بنفسه على صغر سنة لملاقاة عدوه والوقوف في وجهه، ~~ودافع دفاع الأبطال ببسالة وبأس حتى أكره المهاجمين أن يجلوا عن دهليز القصر، وأخذ ~~يطاردهم، وهنا زلت به قدمه فابتدره أحد رجال العصابة، وانقض عليه فقتله، وبقيت جثته في ~~الطريق العام عارية بالعراء، ms096 لأنه حين أوقظ من نومه بغتة، لم يجد من الوقت ما يكفي ~~لارتداء ثيابه، وانفتل ابن عكاشة برجاله يقصد دار رئيس الحامية، ولم يدر في خلد هذا ~~الرجل، ولا كان عنده كبير ظن في أنه يعتدى عليه ويهاجم في مثل تلك اللحظة التي اقتحموا ~~عليه فيها داره وهو بين شدو القيان، ورقص الغيد الحسان، وكان دون عباد ذلك الأمير ~~الحدث شجاعة، فلم يكد يسمع صلصلة السيوف في فناء داره، حتى سارع إلى مخبأ اختبأ فيه، ~~ولكنه سرعان ما عرف حين كشف فقبض عليه، وقتل في المساء. # وفي غلس الصبح قبل إسفار الفجر بينما كان ابن عكاشة يطوف بأنحاء المدينة على دور ~~العظماء والنبلاء يدعوهم للانضمام إليه كان بعض الأئمة ذاهبا لتأدية الصلاة في المسجد، ~~فرأى جثة عباد وقد فارق الحياة ملقاة على الأرض بين الطين والوحل، فرحم مصرعه، ونزع ~~ثيابه ورماها على جسمه العاري، ولم يكد الشيخ يمضي لسبيله حتى جاء ابن عكاشة بين ~~صيحات الفرح والسرور على نحو ما يحدث في المدن الكبرى في إبان الثورات، وما وقف على ~~عباد وهو بهذه الحالة حتى أمر بفصل رأسه من عنقه وأن ترفع على رمح، ويطاف بها في ~~أنحاء المدينة، ولم ير ذلك جنود الحامية حتى ألقوا السلاح، وركنوا إلى الفرار، وجدوا في ~~الهرب. # ثم جمع ابن عكاشة أهل قرطبة بالمسجد الجامع، وبدأ يأخذ البيعة للمأمون، وكان ~~كثير منهم لا يزال متعلقا بالمعتمد يكن له الإخلاص والوفاء، ولما كان الخوف عظيما ~~وشاملا لم يستطع أحد أن يتخلف عن البيعة. # 3 # ومرت أيام ثم جاء المأمون بنفسه ودخل قرطبة وهو يتظاهر بمنتهى الإعجاب والتقدير ~~لابن عكاشة ويبالغ في إكرامه والحفاوة به، والثناء على حسن بلائه، حتى ليظن من رآه أنه ~~قد أولاه ثقة لا حد لها، وهو في الواقع يمقته كل المقت، ويرى فيه اللص القديم، والقاسي ~~المجرم الأثيم، والفاتك الذي لا يرضيه من خصمه غير سفك دمه، وأن يسقيه كأس الحمام بيده، ~~كما فعل في ذبح عباد الحدث؛ لهذا كله أخذ ms097 المأمون يبحث عن سبب يتعلل به، أو حيلة ~~يتذرع بها للقضاء على خصمه الخطر خلسة من غير أن يحدث في المملكة ضجة، ولكنه لم يجعل ~~ذلك حديثا مكتتما في نفسه، بل كان كثيرا ما يكاشف بهذا الرأي خواصه وجلساءه، حتى إن ~~ابن عكاشة انصرف من مجلسه ذات يوم، وجعل هذا يصعد الزفرات، ويتبعه بنظرات حادة من ~~عينين يتطاير منهما الشرر، ويجمجم بكلمات أعقبت شؤما ونحسا، وأراد بعض الموالين لابن ~~عكاشة أن يدافع عنه ، ويصفه بحسن الفعال، وجميل الخلال، فقال المأمون: دع عنك هذه ~~الكلمات الجوفاء، فإن رجلا لا يحتفظ بالجميل، ولا يرى حياة الملوك في نظره إلا رخيصة، ~~غير خليق أن ينال ثقتهم، أو يبقى في خدمتهم. # ولم يمض على دخول المأمون قرطبة ستة شهور حتى قتل مسموما أي بعد انقضاء شهر ~~يونيو سنة (1075) وقد اتهم بقتله أحد المترددين على مجلسه، ولكن هل يمكن ألا تكون ~~لابن عكاشة يد في هذه الجريمة؟ هذا ما لا يكاد يصدقه العقل. # ولنترك الآن حديث الاستيلاء على قرطبة وما أعقبه من الحوادث، وننتقل إلى قصر ~~إشبيلية، ولنتصور مبلغ ما وصلت إليه حال المعتمد حين نمى إليه ذلك الخبر المشئوم ~~المزدوج: سقوط قرطبة، وموت ابنه عباد المرزوق له من سريته الرومية الحسناء التي أولع ~~بحبها ولعا شديدا، ومع أن نزعة الانتقام، والأخذ بثأر ابنه المقتول كانت تجيش بصدره، ~~فقد كان إلى جانب هذا الشعور شعور آخر، وهو تقدير يحسه في أعماق نفسه لذلك الشيخ الفقيه ~~الذي مر على عباد مقتولا فنزع بدافع العاطفة النبيلة رداءه، وألقاه على جثمانه ~~العاري، وهو يأسف إذ لم تتح له فرصة مكافأة ذلك الشيخ النبيل على حسن صنيعه، وكثيرا ~~ما كانت تتحرك في نفسه هذه الذكرى الأليمة فيقول: # ولم أدر من ألقى عليه رداءه # سوى أنه قد سل عن ماجد محض # ومضت ثلاث سنين ضاع فيها ذلك المجهود العظيم الذي بذله ليسترد قرطبة وليثأر لولده ~~المقتول من ابن عكاشة إلى أن قيض الله له الاستيلاء عليها عنوة في يوم الثلاثاء ms098 4 ~~سبتمبر سنة (1078)، وفي الوقت الذي دخل فيه المعتمد من باب قرطبة كان ابن عكاشة قد ~~بارحها من الباب الآخر، ولم يتركه المعتمد يفلت من يده بل بعث في الحال خيالة في أثره ~~تمكنوا من اللحاق به، ولما أدركه الطلب، وأيقن أنه لا مطمع له في الصفح من ملك موتور ~~بقتل ابنه، أراد على الأقل ألا يبيع حياته رخيصة، فكر على أعدائه وقاتلهم قتال ~~المستميت، إلى أن ذهب ضحية وفرة العدد، وأمر المعتمد بجثته فصلبت على خشبة وإلى ~~جانبها كلب. # وأعقب غزو وفتح قرطبة فتح كورة طليطلة وأراضيها الممتدة بين الوادي الكبير ووادي ~~آنه، وهذا في الحقيقة يعد نجاحا كبيرا باهرا، ونحن لو حاولنا أن نقارن بين المعتمد ~~وغيره لرأيناه أقوى ملوك الطوائف، وأكثرهم نفوذا وامتداد سلطان، ولكنه مع هذا لم يكن ~~أكثر منهم استقلالا، إذ كان هو عليه أيضا أن يؤدي الإتاوة، فأما أولا فكان يدفعها ~~«لغرسية» ثالث أولاد «فردينند»، وأما ثانيا فكان يدفعها لملك غالسيا، وأما ثالثا ~~فكان يدفعها للأذفونش السادس، من حين أن استولى على مملكة الشقيقين «سانكو» و«غرسية» ~~وكان الأذفونش ملكا مزعجا متعبا في طلب الإتاوة، إذ هو لا يقنع بما يتقاضاه من ~~إتاوة سنوية فحسب، بل كان في الفينة بعد الفينة يفرض ضرائب على الممالك التي يدفع لها ~~أبناء ملوك العرب جزية، فإن لم يؤدوها، وإلا هددهم بالاستيلاء على بلادهم. # وحدث مرة أنه جمع جيشا قويا، وتقدم به لغزو بلاد إشبيلية فاستولى على المسلمين ~~الرعب، وشملهم حزن يفوق الوصف، وذلك لما كانوا عليه من الضعف البالغ الغاية، بحيث كانوا ~~لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، وكان كبير الوزراء ابن عمار هو رجل الدهاء الوحيد الذي ~~لا يتسرب اليأس إلى قلبه، وكان يعلم أن جمع جيش إشبيلي لملاقاة الجيوش المسيحية، وردهم ~~عن البلاد، وهم باطل، وحلم كاذب. # ولكنه رأى أن الأذفونش يعرفه لأنه كثيرا ما كان يتردد على خيمته، وأن من السهل عليه ~~لما عرف عنه من الطمع والميول الخاصة أن يتغلب عليه بقوة الحيلة والدهاء، وعلى ms099 هذه ~~الناحية عول ابن عمار ولم يشأ أن يضيع الوقت في التسلح، وأخذ الأهبة للحرب والقتال، ~~وأخذ يتردد على معسكر العدو، ومعه رقعة شطرنج غاية في الإتقان والفخامة لا يوجد لها ~~نظير عند الملوك، وكانت صورها من الآبنوس والعود والصندل، وأرضيتها غاية في الإبداع ~~مموهة بالذهب، وذاع خبر الشطرنج حتى وصل إلى أسماع الأذفونش على لسان نبيل من المقربين ~~إليه، فطلب الأذفونش ابن عمار وسأله: ~~- هل تجيد لعب الشطرنج؟ # فأجابه ابن عمار وكان طبقة فيه: ~~- اشتهر عني بين أصدقائي أني أجيد لعبة الشطرنج. ~~- قيل لي إن عندك شطرنجا بديعا معدوم النظير. ~~- نعم هو ذاك. ~~- هل يمكن أن أراه؟ ~~- لا مانع من ذلك، ولكن على شريطة أن نلعب معا، فإذا غلبتني كان الشطرنج لك، وإذا ~~غلبتك فلي حكمي، وبعد مراجعة وحوار بينه وبين خاصته قبل الشرط، وجيء بالشطرنج فكان ~~موضع إعجاب الأذفونش ودهشته لجماله ودقة صنعه، وصاح من فرط دهشته وصلب إكبارا له ~~واستحسانا لصنعه، وقال: «والله ما خطر ببالي قط أن في وسع إنسان أن يبدع في صنع شطرنج ~~بمثل هذه الدقة الفنية العجيبة.» # وظل ينعم النظر، وقد اشتد إعجابه بالشطرنج ثم قال لابن عمار: «أعد علي ما قلت، ~~واذكر ما اشترطته علي.» فأعاد ابن عمار عبارته الأولى فقال الأذفونش: «إني لا ألعب ~~على شرط مجهول، إنك تستطيع أن تسألني أمرا ليس في استطاعتي أن أجيبك إليه.» # فأجابه ابن عمار بفتور وطوى رقعة الشطرنج وأمر أن تحمل إلى خيمته وقال: «شأنك أيها ~~الملك وما تريد، أنا لا ألعب إلا على هذا الشرط.» وانفصل الاثنان دون اتفاق ولم يدرك ~~ابن عمار الملل، ولم يحل اليأس بينه وبين الوصول إلى إتمام هذه الحيلة السياسية، فقد ~~عمد إلى بعض نبلاء القشتاليين، وأسر إليهم بأنه إذا ربح الدور لا يطلب مستحيلا، ~~ووعدهم بمبالغ طائلة إذا هونوا على الأذفونش الأمر، وكانوا في عونه، فاستهوتهم هذه ~~الوعود البراقة، وخلب ألبابهم بريق الذهب، واستوثقوا من الوزير المسلم، وقطعوا على ~~أنفسهم عهدا بأن يكونوا في صفه، وكان الأذفونش ms100 شديد الميل إلى اللعب لثقته من نفسه ~~يتحرق رغبة في الحصول على الشطرنج، فحسنوا له أن يلعب معه، وقالوا له: ماذا عسى أن يطلب ~~هذا مهما اشتط في الطلب؟! وأنت ملك ملوك النصارى فلا ينبغي أن تظهر أمام هؤلاء بمظهر ~~العجز، ومتى غلبته وفزت عليه ظفرت بشطرنج يحسدك عليه الملوك، وهب أنك خسرت واشتط في ~~الطلب فإنا نرده إلى صوابه. # وما زالوا به حتى اقتنع بما أشاروا به عليه، فبعث إلى ابن عمار يبلغه أنه على ~~استعداد لملاعبته، ولما حضر قال له: «قد قبلت شرطك فهيا نلعب»، فقال: حسن، ولكن ليحضر ~~فلان وفلان لرجال سماهم من نبلاء القشتاليين، ليكونوا بمثابة شهود على اللعب، فقبل ~~الملك وأخذا يلعبان إلى أن انتهى الدور بغلب ابن عمار غلبا ظاهرا لا مطعن فيه ~~لأحد، فالتفت ابن عمار إلى الملك وقال: «الآن لي أن أطلب حسب الشرط ما أريد.» # فأجابه الملك: «بلا شك، فماذا تطلب؟» قال: «أطلب أن تعود إلى مملكتك، وتكف عن ~~القتال.» # فهاج هائج الأذفونش وأخذ يذهب ويجيء في خيمته، وهو يخطو خطوات واسعة، ثم جلس، ثم ~~نهض قائما، وهو في أشد حالات الهياج والقلق، ثم قال لجماعة النبلاء من القشتاليين ~~الذين غرروا به: «ها أنا ذا قد وقعت في الشرك، وأنتم كنتم السبب، وهذا أخوف ما كنت ~~أخافه من طلبات هذا الرجل، لولا أنكم طمأنتموني، وأنا الآن أجني ثمرة مشورتكم ~~الممقوتة.» # وبعد صمت دام لحظات قال: «وما الذي يعنيني من شرط التزمت به لهذا الرجل، أنا لا أحفل ~~بأمر مثل هذا البتة، وسأواصل زحفي.» # فقال القشتاليون: «إن في هذا رجوعا عما قطعته من العهد على نفسك، ومساسا بالشرف، ~~وهل تحب أن يتحدث الناس عنك - وأنت ملك ملوك النصارى - أنك نقضت عهدك، ورجعت في ~~قولك؟» # وبعد لأي هدأت ثائرة الأذفونش وسمحت نفسه في النهاية أن يقول لهم: «سأفي بمضمون ~~الشرط، وأنجز ما وعدت به، ولكني لا أرجع بجنودي إلا بعد أن آخذ الجزية عن هذا العام ~~مرتين.» # فقال ابن عمار: «سيكون أيها الملك ms101 ما تريد.» # وبادر ابن عمار فحمل إليه مبلغ الجزيتين، وهكذا نجى الله المسلمين من الخوف بتدبير ~~هذا الوزير الكبير ومهارته. # | الفصل الحادي عشر # لم يقنع ابن عمار بما وفق إليه من إنقاذ مملكة إشبيلية من مخالب الأذفونش ورد ~~عادية هذا الطاغية عنها، بل رغب في أن تمتد حدود المملكة وتتسع رقعتها، واتجهت أطماعه ~~إلى ولاية مرسية التي كانت من قبل قسما من مملكة زهير ثم من مملكة بلنسية ولكنها ~~كانت مستقلة في العصر الذي نتحدث عنه الآن، وكان أبو عبد الرحمن بن طاهر ملكها، ~~والمدبر لشئونها، وهو من أصل عربي ينتسب إلى قبيلة قيس، وكان ملكا طائل الغنى، ضخم ~~الثروة، قد دخل في حوزته نصف المملكة، وكان - مع غناه الطائل - مثقفا خصب الذهن، حصيف ~~الرأي، ولكنه مع كل هذه المزايا لم يكن كثير الخيل والجند، مما جعل الاستيلاء على ~~بلاده ميسورا وسهلا، وقد لاحظ ذلك ابن عمار. # وفي سنة (1078) مر بمرسية لمقابلة «الكونت دي برشلونة ريمون بيرنجيه» الثاني ~~المعروف باسم «كاب دي توب» وإنما سمي كذلك نظرا لغزاره شعره، وإنما عرج على هذا الكونت ~~ليخفي السبب الحقيقي الذي من أجله مر بهذه الجهة، ولكي يهتبل هذه الفرصة ارتبط بروابط ~~الصداقة مع بعض أعيان مملكة مرسية الذين علم أنهم كانوا في حالة استياء من ابن طاهر ~~أو أنهم على استعداد للخيانة والانقلاب متى اشترى ضمائرهم بالمال. # ولما كان في حضرة «ريمون» عرض عليه عشرة آلاف مثقال ذهبا لقاء مساعدته بجنود من عنده ~~لفتح مرسية فقبل الكونت الاقتراح، وتعاقد معه على أن يكون ابن المعتمد الذي يتولى ~~قيادة جيش إشبيلية رهينة عنده، حتى يصله المبلغ المتفق عليه، وسلم الكونت ابن أخيه ~~لابن عمار كرهينة وضمان لتنفيذ شروط المعاهدة، وكان المعتمد يجهل نص الاتفاق الذي ~~يجعل ابنه رهينة عند الكونت، وضمانا لوصول المبلغ، وابن عمار كان على يقين من وصول ~~المبلغ في الوقت المعين، فلا محل للخوف من تطبيق هذا النص، وليس ثمة ما يوجب بقاءه ~~رهينة عند «ريمون» ما دام المبلغ يصل ms102 في الوقت المحدد. # وتم الاتفاق، واجتمعت جنود إشبيلية بجنود «ريمون» وزحف الجيش المتحد لمهاجمة ولاية ~~مرسية المستقلة، ولما كان من عادة المعتمد التهاون، ترك الأجل المضروب موعدا للدفع ~~يمر دون أن يصل المبلغ في موعده، فترجح عند الكونت أن ابن عمار خدعه، فاستشاط غضبا، ~~وأمر بإلقاء القبض على ابن عمار وابن المعتمد قائد جيش إشبيلية وحاول جيش إشبيلية ~~إنقاذهما، فهزم واضطر إلى الاندحار. # وكان المعتمد لا يزال في طريقه إلى مرسية مع ابن أخي الكونت وحاشيته، وقد أبطأ ~~به السفر، فلم يكن قد جاوز بعد ضفاف «الوادي اليانع» وكان النهر في إبان فيضانه فلم يكن ~~قد عبره، وثمة صادفه بعض فلول جيشه على الضفة الأخرى للنهر، ومعهم فارسان يحملان إليه ~~رسالة من ابن عمار فاقتحما بجواديهما النهر، وأبلغا المعتمد اعتقال «ريمون» لابنه ~~ولوزيره، وأن هذا الأخير بعثهما إليه يريد منه أن يتعجل خلاص السجينين، وإطلاق سراحهما، ~~بتنفيذ شروط الاتفاق، وأشار إليه أن يبقى حيث هو، فلم يقو فؤاده على احتمال هذه الكارثة ~~ولم يطق صبرا، وقلق على مصير ولده، ووضع ابن شقيق «ريمون» في السلاسل والأغلال. # ومضى على هذه الحال عشرة أيام، دخل فيها ابن عمار في جوار «جاين» فأطلق سراحه، وجاء ~~إلى المعتمد ولكنه لم يستطع المثول بين يديه تفاديا من غضبه، وتلطف فأرسل إليه ~~يقول: # أأسلك قصدا أم أعوج عن الركب # فقد صرت من أمري على مركب صعب # وأصبحت لا أدري أفي البعد راحتي # فأجعله حظي أم الحظ في القرب # إذا انقدت في أمري مشيت مع الهوى # وإن أتعقبه نكصت على عقبي # على أنني أدري بأنك مؤثر # على كل حال ما يزحزح من كربي # أهابك للحق الذي لك في دمي # وأرجوك للحب الذي لك في قلبي # أيظلم في وجهي لذا قمر الدجى # وتنبو بكفي صفحة الصارم العضب # حنانيك فيمن أنت شاهد نصحه # وليس له - غير انتصاحك - من حسب # وما جئت شيئا فيه بغي لطالب # يضاف به رأي إلى العجز والعجب # سوى أنني أسلمتني لملمة # فللت بها حدي وكسرت ms103 من غربي # وما أغرب الأيام فيما قضت به # تريني بعدي عنك آنس من قربي # أما إنه لولا عوارفك التي # جرت جريان الماء في الغصن الرطب # لما سمت نفسي ما أسوم من الأذى # ولا قلت إن الذنب فيما جرى ذنبي # سأستمنح الرحمى لديك ضراعة # وأسأل سقيا من تجاوزك العذب # فإن نفحتني من سمائك حرجف # سأهتف: «يا برد النسيم على قلبي!» # ولما كان المعتمد يشعر أنه هو الذي جر على ابن عمار وابنه الراشد ما وقعا ~~فيه، لم يسترسل في غضبه، واحتفظ بصداقة ابن عمار ورق له ورد عليه بهذه ~~الأبيات: # 1 # لدي لك العتبى تراح من العتب # وسعيك عندي لا يضاف إلى ذنبي # وأعزز علينا أن تصيبك وحشة # وأنسك ما ندريه فيك من الحب # فدع عنك سوء الظن بي، وتعده # إلى غيره فهو الممكن في القلب # قريضك قد أبدى توحش جانب # فراجعت تأنيسا وعلمك بي حسبي # تكلفته أبغي به لك سلوة # وكيف يعاني الشعر مشترك اللب # واطمأن ابن عمار لهذه الأبيات، وأهوى إلى قدمي الملك يريد تقبيلهما، ورجاه أن ~~يقدم للكونت ابن أخيه والعشرة الآلاف ذهبا، حسب الاتفاق في نظير أن يطلق سراح ابنه ~~الراشد، ولكن «ريمون» طمع في أكثر من المبلغ المتفق عليه، فاشتط في الطلب، ولم يقبل ~~عشرة الآلاف المشروطة، بل طلب ثلاثين ألفا ذهبا. # ولم يكن المعتمد يحمل كل المبلغ المطلوب، فأمر بضرب مسكوكات أدخل في تركيبها عناصر ~~زائفة، ولحسن حظه لم يدرك «ريمون» مبلغ ما فيها من الغش فقبلها، وأطلق سراح الراشد ~~ابن المعتمد. ~~••• # وما زال ابن عمار - على الرغم من نجاحه الشبيه بالخذلان، ومحاولته الأولى المنطوية ~~على الإخفاق - متطلعا إلى مرسية طامعا في أخذها، وقد زعم أن كتبا تواردت عليه من ~~كبار زعماء مرسية تبعث عنده عظيم الأمل في النجاح المحقق، وأخذ يحسن للمعتمد غزوها ~~حتى سمح له أن يذهب على رأس جيش إشبيلي لحصارها، وعند وصوله إلى قرطبة بقي فيها ~~أربعا وعشرين ساعة حتى ينضم إليه الخيالة من جند المدينة، وأمسى ليلة وجوده بها في ms104 قصر ~~ابن المعتمد الحاكم على المدينة، وبات يحادثه ليلته كلها، والأمير مسرور بحديثه، معجب ~~بوفرة ذكائه، شاعر بجاذبية قوية نحوه إلى أن انبثق الفجر، فجاء أحد الخصيان يعلن بطلوع ~~الفجر، فنظر إليه وارتجل ما معناه: «هذه ليلة قد أمضيناها مع الأمير في سرور، وقطعناها ~~في حبور، وقد دامت وضاءة الجبين مشرقة المحيا، بطلعته البهية، وغرته المضية، فهي ليلة ~~كلها بالأمير صبح، فماذا تعني بالفجر أيها الأحمق؟» # واستأنف السير في الصباح إلى أن وصل إلى حصن بلج أطلقوا على هذا الحصن اسم زعيم من ~~عرب الشام الذين نزلوا في هذا المكان في القرن الثامن للميلاد، وكان على الحصن رجل عربي ~~من قبيلة بلج يدعى ابن رشيق فبادر إلى استقباله، ودعاه للنزول بقصره، فقبل الدعوة، ~~ورأى من الحفاوة والفخامة وأسباب المرح والسرور، ما جعله يواليه ثقة بالغة لم يسئ الرجل ~~وضعها، بل سار مع صديقه الجديد إلى أن وصل الجيش إلى مرسية وضرب الحصار على «مولا»، ~~ولم يدم الحصار طويلا حتى سلمت وكانت طريق وصول المؤن إلى أهل مرسية، فكان سقوطها ~~خسارة فادحة لهم مما جعل ابن عمار لا يشك في أنها على وشك التسليم، وقد ترك «مولا» في ~~حراسة كتيبة من الفرسان بقيادة ابن رشيق وعاد بسائر الجيش إلى إشبيلية. # ولم يكد يلقي بها عصا التسيار حتى وردت عليه كتب عضده ومساعده ابن رشيق يخبره فيها ~~أن المجاعة قد أضرت بأهل مرسية ضررا بليغا، وأن طائفة من أهلها من ذوي النفوذ ~~والجاه قبلوا أن يساعدوا المحاصرين لقاء الحصول على مراكز مهمة في الدولة، وعلى هدايا ~~نادرة نافعة، فقال ابن عمار حينئذ: «سترد إلينا الأخبار غدا أو بعد غد مبشرة بأن ~~حامية مرسية قد سلمت.» وقد صدقت نبوءته، وتحققت أمنيته، فإن فريقا من الخونة من أهل ~~المدينة قد فتحوا أبوابها، فدخل ابن رشيق وتسلمها واعتقل ابن طاهر وأخذ بيعة جميع ~~الأهالي للمعتمد. ~~••• # وبلغ ابن عمار ما تم على يد ابن رشيق فامتلأ قلبه سرورا، وطلب إلى المعتمد أن ~~يأذن له في اللحاق ms105 بمرسية، فلم يتردد في الإذن له بذلك، واعتزم أن يغمر جماعة من ~~المرسيين بالهدايا، فصحب معه عددا من الخيل بسروجها ولجمها أخذها من الإصطبلات ~~الملكية، وأضاف إليها عددا من البغال حملها صناديق ملئت بالحلل النفسية والثياب، وقد ~~بلغ عدد الأفراس والبغال زهاء مئتين، وسار في طريقه إلى مرسية في موكب حافل بين دق ~~الطبول، وخفق الإعلام، وكان يعرج على كل مدينة يمر بها، ويدع فيها من الصناديق الملكية ~~ما هو برسم أهلها. # ودخل مرسية في يوم وصوله إليها بمظهر عادي، وفي الغد أجري له استقبال فخم برز فيه ~~لأهل المدينة بروز الملوك الفاتحين، وقد وضع على رأسه تاجا مشرفا مثل الذي يلبسه عادة ~~مولاه في الحفلات الكبرى، وقد بدأ يستبد بأمر المملكة، فكان يوقع على رقاع الشكوى ~~بتوقيع خاص به، ويغفل اسم المعتمد. # إن هذا المسلك الشاذ الدال على الزهو والإعجاب والاعتداد بالنفس والاستبداد بشئون ~~المملكة الجديدة جعل ابن عمار كثائر على مولاه، وهذا رأي المعتمد واعتقاده فيه، ~~ولكنه لم يظهر بمظهر الغاضب الحانق عليه، بل استسلم ليأس وحزن كامن في النفس، وبدأ يشعر ~~أن حلم الصداقة اللذيذ الذي يرجع ابتداء عهده إلى خمس وعشرين سنة قد تلاشى الآن، وأنه ~~كان مخدوعا في ذلك الميل القلبي الكاذب؛ فصداقة ابن عمار القديمة، وظهوره دائما ~~بمظهر الخل الوفي، والصديق الحميم الذي لا يفصم عرا صداقته تطاول الأيام، والصاحب ~~المخلص النزيه المجرد من العلل والغايات، كل أولئك إذن لم يكن سوى كذب ورياء وخبث ~~ونفاق. ~~••• # ولعل المعتمد كان واهما في تأثيم ابن عمار وتجريحه وإساءة الظن به إلى هذا الحد، ~~ومما لا ريب فيه أن الفكرة الخاطئة الأثيمة فكرة الثورة على مولاه وولي نعمته لم تكن ~~لتمر بخاطره البتة، والذي جعل الريب والشكوك تحوم حوله من جانب المعتمد هو زهوه ~~المفرط الذي بلغ به إلى حد الجنون، ولم يكن من ضعف الخلق، وفتور المودة، وعدم الشعور ~~بأثر النعمة، بحيث يدفع صداقة المعتمد وينسى ما له عنده من يد، وما طوقه به من ~~جميل، ms106 بل الواقع الذي لا يرتاب فيه أحد أنه كان يحب مليكه حبا صادقا يدل عليه ما ~~نظمه فيه بعد تغيره عليه من أشعار تفيض بالحب والإخلاص والولاء. # وقد نطقت أشعاره الكثيرة، وقصائده التي كان يدفع بها هذه التهم والظنون عن نفسه، بأن ~~ولاءه لم يتغير، وأن طبعه لم يتحول، وأن حبه لأعز الأشياء عليه، ومنها نفسه التي بين ~~جنبيه، أقل بكثير في قوة التأثير، وصدق الشعور، من حبه الصادق القوي للمعتمد. # وما يدرينا لعل ظروفا غير هذه الظروف لو كانت هيأت لهما الاجتماع ساعة يتحدث كل ~~منهما فيها إلى صاحبه، ويفضي إليه بدخيلة نفسه، ويتناجى فيها قلبان طالما ائتلفا، ما ~~يدرينا لعل هذه الساعة لو أتيحت لكانت كافية، للتوفيق بين هذين الروحين المتمازجين، ~~والقضاء على تلك الوساوس والمخاوف التي أوغرت صدر الملك على وزيره؟ إن من بواعث الأسف ~~أن تتسع مسافة الخلف بينهما وأن يحمل الحقد والحسد جماعة من الإشبيليين للإيقاع بابن ~~عمار والسعاية والدس له، وتأويل كل عمل وكل كلام وكل حركة تصدر عنه تأويلا ينطوي على ~~الخبث والوقيعة، وإظهاره دائما بالمظهر البشع الشنيع. ~~••• # هؤلاء الحسدة الجبناء استولوا على لب المعتمد وعقله، وهم الذين يذكرهم في شعره ~~كثيرا، وينسب إليهم تغيير قلب مليكه عليه، ومن بينهم وزيره ابن الشاعر الكبير أبي ~~الوليد بن زيدون الذي كان له أكبر نفوذ في القصر، والذي يرجع إليه السبب الأكبر في ~~إيغار صدر المعتمد عليه، وإحاطته بكل أنواع الشكوك والريب من حين دخل مرسية بإذنه، ~~وتمكن هذا من خلق أسباب القطيعة بينهما، وهناك خصم آخر ليس أقل من هذا خطرا، وهو ابن ~~عبد العزيز ملك بلنسية وصديق ابن طاهر وقد كان ابن عمار على أثر دخوله مرسية ~~يحاول أن يصطنع ابن طاهر صاحب مرسية المخلوع ويستميله إليه بكل أنواع الحفاوة ~~والتكريم، وقد أرسل رسولا عرض عليه كثيرا من الحلل الفاخرة ليختار منها ما يروقه ~~ويعجبه، وكان ابن طاهر - لحدة طبعه، ومزاجه الناري - قد هزل جسمه من جراء فقد ولايته، ~~فلما جاءه الرسول قال: ms107 «ارجع إلى سيدك ومولاك ابن عمار وقل له: إنني لا أقبل من ~~هداياه سوى جبة الصوف الطويلة، والقلنسوة الصغيرة الحقيرة.» وقد بلغته هذه الرسالة وهو ~~بين خواصه وحاشيته، فسقط في يده، وأخذ يعض بنان الندم أسفا وغما، وأدرك ابن عمار ~~مغزى ما يقوله ابن طاهر وأنه يرمي بكلامه هذا إلى زيه المضحك المزري الذي كان يلبسه ~~أيام بؤسه وخموله، وأيام أن كان ينشده أشعاره يبغي بها التكسب، وقد أسرها ابن عمار ~~في نفسه ولم يغتفرها له، وأصر على أن ينتقم لنفسه من هذه الضربة الأليمة التي ثلمت ~~شرفه، وخفضت من غلوائه، وغضت من زهوه، وقد أحفظته هذه الجرأة من ابن طاهر وتحولت ~~نواياه من جهته، وأمر به فسجن في قلعة «منتاجو». ~~••• # وأخذ ابن عبد العزيز يراسل المعتمد في شأن ابن طاهر وإخراجه من السجن، فقبل ~~رجاءه، وبعث إلى وزيره الأكبر في إطلاق سراحه، فأهمل ابن عمار أمر المعتمد وأبى أن ~~يفك اعتقاله، وساعد ابن عبد العزيز على إخراجه من السجن، وتمكن من الفرار، ومضى إلى ~~بلنسية ليقيم بها في حماية ابن عبد العزيز، فغاظ ذلك ابن عمار وغمه ونظم في هذه ~~المناسبة شعرا يحرض فيه أهل بلنسية على الثورة والخلاف على ملكهم ابن عبد العزيز ~~ويحثهم فيه على خلع نيره، والاستعاضة عنه بملك آخر، أي ملك كان يرفع عنهم ما نزل بهم من ~~حيف، وحل بهم من ظلم، وظل يهجوه فيه هجوا مقذعا، ويرمي حرمه بأشنع السباب، وأفظع ~~القذف، ويغريهم في آخر القصيدة بهدم قصور بني عبد العزيز وسلب أموالهم وكنوزهم، وترك ~~خرائبها آثارا ناطقة بخزي الدهر، وعار الأبد. # واتصلت هذه الأشعار بالمعتمد فضاعفت حنقه عليه، وحفزته لأن ينظم في ابن عمار ~~شعرا هازئا صاخبا يذكر فيه أوليته، ويقارن بين حاله في أيام بؤسه وخموله، وحاله الآن ~~وقد وصل إلى درجة ينازع فيها ولي نعمته السلطان، وسر بنو عبد العزيز بهذه القصيدة ~~سرورا لا يقدر، أما ابن عمار فاغتم لذلك غما شديدا، وبدأ من فوره ينظم شعرا ~~يناقض فيه شعر ms108 المعتمد حشاه بالهجاء والمثالب وعرض فيه لشأن المعتمد مع اعتماد ~~وقذف زوجاته، وكشف عن عيوبه وفضائحه، ولم يطلع أحدا على هذه القصيدة التي نظمها وهو في ~~ثورة غضبه سوى نفر من أصدقائه الذين يثق بهم ومن بينهم يهودي يتجسس لابن عبد العزيز كان ~~يثق به أيضا، ولم يكن متهما عنده. # وقد حصل اليهودي بأيسر كلفة وأقل عناء على نسخة من القصيدة مكتوبة بنفس خط ابن عمار ~~وقدمها للأمير صاحب بلنسية وهذا كتب في الحال كتابا إلى المعتمد من طيه القصيدة، ~~وأرسله إليه بواسطة الحمام الزاجل. ~~••• # ومن هذه اللحظة التي اطلع فيها المعتمد على الرسالة والقصيدة أصبح التوفيق بينهما ~~أمرا مستحيلا، فلا المعتمد ولا اعتماد ولا بنوهما في مكنتهم جميعا أن يغتفروا ~~لابن عمار هذه السقطة التي كبا فيها كبوة لا قيام له بعدها، وعثر عثرة لا يقيله منها ~~أحد، ومن ذا الذي يستطيع أن يمحو عار ذلك السباب الجارح، والعهر الفاحش، وقد حان حين ~~ابن عمار وجاء وقت الاقتصاص منه، وليس المعتمد هو الذي يباشر الاقتصاص منه بنفسه، ~~بل هناك آخرون قد تعهدوا له بذلك وهم له بالمرصاد. # وانصرف ابن عمار إلى مباهجه ولذاته، ولم يكن ليكترث للأمر أو يفطن لما يدور حوله، ~~أو يقدر في حسابه أن ابن رشيق سيقلب له ظهر المجن، ويخونه بمساعدة خصمه العنيف ملك ~~بلنسية وقد ثاب إلى رشده وفطن للأمر، ولكن بعد أن فاتت الفرصة، ومضى الوقت، فلم يشعر ~~إلا والجند - بتحريض ابن رشيق - جاءوا في حال هياج وثورة وصخب مطالبين بأعطياتهم ~~المتأخرة، ولم يكن في استطاعة ابن عمار في هذا الظرف أن يشبع نهمتهم، أو يجيبهم إلى ~~ما طلبوه، فتوعدوه بتسليمه إلى المعتمد إذا هو عجز عن الوفاء لهم بما يطلبون، وهنا ~~عرته رجفة، وأيقن بالهلاك، ولم ير بدا أمام هذا التهديد والوعيد إلا أن يفلت من ~~أيديهم، ويسارع إلى اللياذ بالفرار. # والتجأ - بعد فراره - إلى الأذفونش ليحتمي به، وليجد منه عونا على فتح بلنسية ~~وقد ظهر له أنه كان واهما فيما قدره، ms109 بعد أن خيب الأذفونش أمله، وجعل كلامه دبر ~~أذنه، وبان له أن ميله إلى جانب ابن رشيق كان لقاء الأموال والهدايا التي قدمها له، ~~وقد كاشفه الأذفونش بقوله: «أنا لا أرى فيكم إلا أنكم جماعة لصوص، فاللص الأول قد ~~سرق، وجاء الثاني فسرق من الأول ما سرقه، وجاء الثالث فسلب من الثاني ما سرقه من ~~الأول.» ~~••• # لم ير ابن عمار أن أمله يتحقق في ليون فتحول إلى سرقسطة وهناك اتصل بخدمة ~~صاحبها المقتدر ولكنه لم ير في قصره - من الروعة وأبهة الملك - ما كان يراه في قصر ~~إشبيلية فأنف من البقاء هناك، وزهد في عمل يغض من مركزه السياسي، ويحط من قيمته ~~الاجتماعية، فمضى إلى «لاردة» حيث يقوم على الحكم المظفر شقيق المقتدر فقوبل بحفاوة ~~بالغة، ثم بدا له أنه سيكون في «لاردة» أكثر عزلة وانقطاعا عن العالم الخارجي، فعاد ~~إلى سرقسطة حيث خلف المؤتمن أباه المقتدر على عرش المملكة. ~~••• # هذا الاضطراب والتقلقل أورث ابن عمار كثيرا من الملل والسآمة، وجعله يشعر بالفشل، ~~وخيبة الأمل، وتركه ينظر إلى حاضره ومستقبله، وقد جلله سوء الطالع بسحابة سوداء مظلمة، ~~فكان يتلمس - في تضاعيف هذه الأوقات المنكودة، والساعات المنحوسة - لحظة مريحة يطرد بها ~~عن نفسه الفتور والألم، ويزايل فيها الكسل والملل، وعرف أن أحد أصحاب الحصون امتنع في ~~حصنه، وتمرد على المؤتمن فطلب منه أن يعهد إليه في إخضاعه وقهره فخرج في سرية قليلة ~~من الفرسان، ووصل إلى الحصن، وكان منيعا لقيامه على قمة جبل، فراسل صاحب الحصن، ورجاه ~~أن يسمح له بدخول الحصن هو ورجلان من خدمه، ولم يشك صاحب الحصن في حسن نيته، ولم يسئ به ~~الظن، وكان ابن عمار قد أوعز إلى تابعيه أنهما إذا عاينا صاحب القصر يصافحه ويماشيه ~~جنبا لجنب، سارعا إليه فأغمدا في صدره سيفيهما، وتمت الحيلة وقتل صاحب القصر، وسلم ~~الجناة من إلقاء التبعة عليهم، وسر المؤتمن من ذلك سرورا لا يقدر، وأراد ابن عمار ~~أن يضيف إلى هذه الفتكة فتكة أخرى، يجدد فيها حمى نشاطه ms110 السياسي، فظن أنه بنفس هذا ~~الأسلوب الوحشي المنطوي على الختل والغدر يكفل للمؤتمن أن يستولي على «شقورة». # وكانت هذه القلعة أشد مناعة من سابقتها، لقيامها على قمة جبل يتعذر تسلقه، ولمناعتها، ~~وتوعر طريق الوصول إليها، احتفظت باستقلالها، بينما نرى المقتدر قد استولى على ~~دانية التي امتلكها سراج الدولة ردحا من الزمن، ولما قضى نحبه أراد بنو سهيل وهم ~~الأوصياء على بنيه، أن يساوموا في «شقورة» ويعطوها لبعض الملوك المجاورين، فعهد ابن ~~عمار إلى المؤتمن أن يستخلصها له بنفس الطريقة التي استخلص بها الحصن المتقدم، ~~ولتنفيذ هذه الخطة الخطرة سار هو وثلة من الجند إلى بني سهيل، وطلب منهم أن يسمحوا ~~بمقابلته، ولكن عوضا عن أن يوقعهم في الشرك الذي نصبه لهم، فقد قدر له أن يقع هو نفسه ~~في ذلك الشرك، وذلك لأن أولئك النفر ممن أساء إليهم ابن عمار في مرسية وناصبهم ~~وقومهم العداء. # وطريق الوصول إلى هذا الحصن المنيع كان كثير الوعورة والتعرج، وإذا بلغه أحد فلا بد ~~أن يستعين على الوصول إليه، والاستقرار في داخله بقوة ساعديه، وقد وصل ابن عامر ~~وشريكاه في المغامرة الأولى إلى ذلك المكان الرهيب الخطر، وفي أقل من ارتداد الطرف ~~جذبوه إلى أعلى الحصن، وما كادت تستقر قدماه على الأرض حتى أحاط به الجند، وصاحوا ~~بزميليه أن يجدا في الهرب، وإلا قتلهما الرماة بالسهم، فانحدرا مسرعين، وطفقا يعدوان ~~حتى أتيا سرقسطة وأبلغا الجند أن ابن عمار وقع أسيرا، فركبوا يبغون نجدته، ولكنهم ~~وجدوا المكان صعب المرتقى، ورأوا الحصن أمنع من عقاب الجو، فعادوا من حيث أتوا، بعد أن ~~أيقنوا أنه لا سبيل إلى نجدته وإنقاذه من مخالب أعدائه بني سهيل الذين اعتقلوه في ~~الحصن، وأودعوه في غيابات سجن لا خلاص له منه، وبقي على سوم الشراء لديهم حتى يبذل في ~~فك اعتقاله من ملوك وقته من يدفع أغلى ثمن، وكان المعتمد هو الذي غالى في دفع ثمنه، ~~وتمت له الصفقة فيه، فأرسل ابنه الراضي في جماعة من الحرس لأخذه من صاحب «شقورة» ms111 ~~وأمرهم أن يبالغوا في الاحتياط حتى لا يفلت من أيديهم، وجاءوا به إلى قرطبة أسيرا، ~~ودخلها الوزير التاعس مكبلا بالسلاسل والأغلال حاسر الرأس منزوع العمامة، وقد أركبوه ~~بغلا بين عدلي تبن، وبعد أن طافوا به في أنحاء المدينة على هذه الحال من التعاسة ~~والسخرية، أدخلوه القصر حيث مثل بين يدي المعتمد فانهال عليه لوما وتقريعا، ~~وإقذاعا وسبا، وأخذ يعدد أياديه عليه، ويحصي عليه جرائمه وهو مطرق الرأس، لا ينبس ~~ببنت شفة، إلى أن فرغ المعتمد من كلامه، فكان من جواب ابن عمار أن قال: «لا أنكر ~~شيئا مما يقوله مولاي، ولو أنكرته لشهدت علي به الجمادات، فضلا عمن ينطق، ولكن عثرت ~~فأقل، وزللت فاصفح.» # فقال المعتمد: «هيهات! إنها عثرة لا تقال، وزلة لا تمحى.» ~~••• # وجعل نساء القصر يعبثن به، ويرمينه بكل لفظ شائن، وسباب جارح، وإنما نلن منه بسبب تلك ~~القصيدة التي هجا بها اعتماد وغيرها من أميرات القصر، ثم أمر به فأحضر إلى إشبيلية ~~بين هزء الجمهور وسبابهم وسخريتهم ولعناتهم، وجعل في غرفة على باب قصر المعتمد ~~المعروف «بالمبارك» طال فيه حبسه واعتقاله، ومع كل هذا فقد مرت عليه ظروف كان يؤمل فيها ~~أن ينال عفو المعتمد والراشد ابنه هو الذي كان يفتح أمامه طريق الأمل، وقد رق له ~~هذا الأمير وعطف عليه لكثرة ما كان يبعثه إليه من قصائد يحشوها بالتنصل والاعتذار، ~~وكثيرا ما كانت ترد الرسائل إلى المعتمد من الراشد وغيره من رجال الدولة في طلب ~~العفو عنه، وهو الذي كان يحفزهم بما كان يكتبه إليهم وهو في سجنه، إلى أن ثقل على ~~المعتمد كثرة ما يرد عليه من الرسائل، فأمر أن يمنع عنه ما يتمكن به من الكتابة، وقد ~~أعطي - بأمر المعتمد - ورقتين كان طلبهما، كتب في إحداهما قصيدته المشهورة التي يتوسل ~~بها إليه، وقد رفعت إليه في المساء عقب الانتهاء من وليمة، ولما أنشدت بين يديه أدركته ~~عليه رقة، فأمر به فأتي به إليه ليلا وهو في بعض مجالس أنسه، فجاء يرسف في قيوده، فجعل ms112 ~~يعدد عليه مننه ويعيب عليه من جديد إنكار الجميل، وجحود النعمة، فما كان جوابه إلا ~~البكاء، وهملان الدمع، واجتلاب كل ألفاظ الرقة، وكل ما يمكن أن يزرع في قلب المعتمد ~~الرأفة والحنان، فما زال به يستعطفه حتى عطفته عليه سابقته، وما كان بينهما من قديم ~~الصداقة والصحبة، وخاطبه بكلام يدل على الصفح تلويحا، ولا يدل عليه تصريحا، فاطمأن ~~بعض الشيء، ولم يدر أنه كان مخدوعا في شعور المعتمد نحوه، فهو وإن كان محتفظا ببعض ~~الذكريات القديمة التي تعطفه عليه، وتجعله يرثي لحاله إلا أن هناك مسافة بعيدة بين ما ~~هو ميل وعطف، وبين ما هو عفو وصفح، وقوي عنده الظن خطأ في أن الحظ سيواتيه، وأن السعادة ~~ستعاوده، ولم يستطع أن يكتم سروره، فبعث بكتاب إلى الراضي يخبره فيه أن المعتمد قد ~~وعده بالخلاص. ~~••• # وكان بحضرة الراضي - حين وصل إليه الكتاب - قوم يكرهون ابن عمار ويضمرون له الشر، ~~وسرعان ما ذاع الخبر في المدينة، وعرفه ابن عيسى وابن زيدون من وزراء المعتمد ~~وكثر المرجفون وابن زيدون واجم مشرد الفكر، قد بات ليلته تلك ضيق الصدر، يخشى أن ~~يتحقق الخبر، فتسقط منزلته ويكون لابن عمار المحل الأول من الاعتبار، لا بل هو الموت ~~عنده، وفي صباح ليلته هذه لم يستطع أن يذهب إلى القصر كعادته في الوقت المحدد، إلى أن ~~أرسل إليه المعتمد فدخل القصر، واستقبل أحسن استقبال، فسري عنه حين علم أن المعتمد ~~لا يزال ناقما على ابن عمار وأن موقفه بإزائه لم يتغير، وقد كثر الإرجاف، وتوالت ~~الإشاعات حول ما دار بين المعتمد وابن عمار ونشروه في المدينة أقبح نشر، وعلقوا ~~عليه بزيادات قبيحة أحفظت المعتمد، فأرسل لابن عمار، وقال له: «هل أخبرت أحدا بما ~~كان بيني وبينك البارحة؟» # فأنكر ابن عمار كل الإنكار، فقال المعتمد لأحد خصيانه: اذهب إليه، وقل له: ~~«الحديث الذي دار بيني وبينك أمس كان بيننا سرا مكتتما، فما الذي أذاعه في ~~الخارج؟» # فذهب إليه الخصي وعاد يقول: «يصر ابن عمار على إنكاره، ويقول إنه ms113 لم يقل لأحد ~~شيئا.» فقال المعتمد: عد إليه، وقل له: «الورقتان اللتان طلبتهما أمس كتبت في ~~إحداهما القصيدة، فماذا صنعت بالأخرى؟» # فعاد الخصي وقال: «يقول: إنه سود فيها القصيدة.» # فقال المعتمد: «علي بالمسودة إذن!» ~~••• # وهنا لم يستطع ابن عمار أن يتمادى في إنكاره، بل قال بصوت متهدج تخنقه العبرة: ~~«الورقة الأخرى كتبت فيها إلى مولاي الراضي أذكر له فيها ما وعدني به مولانا الملك من ~~الإفراج عني.» # وعلى أثر هذا الاعتراف الرهيب غلا الدم في عروق المعتمد، وقام مغضبا، وصعد إليه ~~وبيده أداة قاتلة من آلات الحرب كان أهداها له الأذفونش فلما عاينه ابن عمار على ~~هذه الحال من الغضب والثورة العصبية أيقن أنه لا شك قاتله، فزحف وقيوده تثقله إلى أن ~~ارتمى على قدمي المعتمد يقبلهما، ويبللهما بدموعه. ~~••• # ولم تكن الشفقة لتعرف إلى قلبه سبيلا، فعلاه بالسلاح في يده، ولم يزل يضربه حتى ~~برد. # هذه هي الفاجعة الأليمة التي ختمت بها حياة ابن عمار وقد أثرت هذه الكائنة المحزنة ~~أثرها في إسبانيا العربية. # ولم تطل مدة المعتمد بعده، فإن الحوادث الخطيرة التي وقعت في طليطلة والانتصارات ~~المتوالية التي أحرزتها جيوش القشتاليين حولت دفة السياسة إلى مجرى آخر. # 2 # | الفصل الثاني عشر # اعتزم الأذفونش السادس ملك ليون وقشتالة و«غاليسيا» و«ناڤار» عزما قاطعا لا ~~تردد فيه أن يفتح شبه الجزيرة، وقد كان من القوة وخصومه من الضعف بحيث يستطيع إتمام ما ~~اعتزمه من ذلك، ولم يتعجل الفتح بل آثر الانتظار، ريثما يجمع من الإتاوات والجزى التي ~~كان يفرضها على ملوك الأندلس أموالا كثيرة يدخرها عنده لتكون عدة للحرب، ووسيلة لإدراك ~~أطماعه الكثيرة التي توجهت إليها أنظاره. # وعلى هذا أراد أولا أن يضع الملوك المسلمين تحت الآلة العاصرة، ولم يكن همه أن يعتصر ~~بهذه الآلة شراب التفاح والنبيذ، بل أراد أن يأخذ من عصارة أولئك الملوك بعد سحقهم سائل ~~الفضة والذهب. # وربما كان أضعف الملوك الذين كانوا يؤدون له الجزية «القادر» ملك طليطلة فقد أضر ~~بهذا الملك ترف الحياة، ونعيم القصر حتى ms114 أصبح ألعوبة الخصيان، وأضحوكة الجيران الذين ~~كان ينافس الواحد منهم الآخر في سلبه وتجريده، والأذفونش وحده هو الذي كان يظهر بمظهر ~~من يحميه ويدافع عنه. # ولفداحة ما كان يرهق به رعيته من الظلم والمغارم لم يسلس له قيادهم، فلجأ إلى ~~الأذفونش يشكو إليه أنه لا يستطيع أن يملك زمامهم، فوعده أن يبعث إليه بجنود لتأييده ~~وحمايته مقابل مبلغ طائل من المال، وأراد القادر أن يجمع هذا المال من كبار رجال ~~المملكة فدعاهم لهذا الغرض وكاشفهم بالأمر، فأبوا أن يعطوه شيئا، فأقسم لتدفعن المال، ~~أو لتكرهن غدا على دفع أبنائكم رهائن عند الأذفونش فأجابوه: «إننا حينئذ نخلعك قبل ~~أن تتمكن من ذلك.» # وسلم الطليطليون من ذلك الحين قيادهم للمتوكل ملك بطليوس واضطر القادر للهرب ~~ليلا، والتجأ من جديد إلى الأذفونش يخطب وده، ويطلب مساعدته، فاتفق معه على أن يذهب ~~لحصار طليطلة ويعيد إليه ملكه، ووجد أن ما حمله إليه من المال قليل، فلم يقبله، ~~واشترط أن يعطيه بعض الحصون، ثم يطالبه فيما بعد بأزيد من هذا القدر الذي معه، فالتزم ~~القادر بكل هذه الأشياء، وبدأت الحرب سنة (1080) ودامت سنتين، وبعث الإمبراطور كعادته ~~رسله إلى المعتمد يطالبه بدفع الجزية السنوية، وكانت البعثة مؤلفة من جماعة من ~~الفرسان عهد إلى يهودي من بين الجماعة اسمه ابن شبيب بالسفارة بينه وبين المعتمد؛ ~~وذلك لأن اليهود لذلك العهد كانوا وسطاء بين المسلمين والنصارى، وضربت البعثة خيامها ~~بظاهر المدينة، وأرسل المعتمد رسله إليهم وعلى رأسهم ذو الوزارتين أبو بكر بن زيدون ~~يحمل الإتاوة المطلوبة، وكانت أقل مما يجب دفعه، لسوء الحالة في ذلك الوقت على الرغم ~~من أن المعتمد قد فرض على رعيته لسداد المبلغ ضرائب فوق العادة، فلم يقبل اليهودي ما ~~دفعه إليه الوزير، وقال له: «أتراني من البلاهة والغباء بحيث أقبل هذه النقود الزائفة؟ ~~إني لا أتسلم دون المبلغ المطلوب، ولا أتسلمه إلا ذهبا عينا، وسيكون المدفوع في العام ~~المقبل حصونا ومدنا لا مالا زائفا.» ~~••• # واتصل بالمعتمد ما فاه به اليهودي أمام سفرائه، وكبار ms115 رجاله، فاستشاط غضبا وأمر أن ~~يحمل وصحبه إلى القصر، وما حصلوا عنده حتى أمر بالرسل من النصارى فأودعهم السجن، ~~وباليهودي أن يصلب، فارتعدت فرائص اليهودي الذي كان قبل برهة يتيه على المعتمد ~~ورجاله صلفا وكبرا، وقال: «عفوا يا مولاي! إني أفتدي حياتي منك بوزن جسمي ~~ذهبا.» # فقال المعتمد: «والله لو جئتني بإسبانيا كلها على أن تفتدي نفسك ما قبلت منك ~~فداء.» # وهكذا تم صلب اليهودي. # وبلغ الأذفونش ما حل بفرسانه، فأقسم بإلهه وبأرواح القديسين لينتقمن لهم من عدوه ~~انتقاما مروعا، وليغزونه في إشبيلية وليحصرنه في عقر داره، وكان الإسبانيون لهذا ~~العهد قد اهتبلوا الغرة بما كان من تفرق كلمة المسلمين فتكالبوا عليهم واستولوا على ~~حصونهم، وسار الأذفونش بجيوشه يفتح المعاقل ويخرب القرى حتى بلغ فرضة المجاز من طريف ~~على جبل طارق، وضرب على ملوك الطوائف أنواع الجزى، وفي مقدمتهم المعتمد كان يؤديها له ~~- وهو صاغر - إلى أن طلب منه المعتاد في كل سنة على يد أولئك الفرسان ومعهم وزيره ~~اليهودي، فصلب المعتمد اليهودي منكسا، وأودع أولئك الفرسان في غيابات السجن، ولم يكن ~~الأذفونش ليترك فرسانه القشتاليين وهم زهاء الخمسين، يعذبون في السجن على حساب خطئهم، ~~دون أن يعمل على خلاصهم، ويتلطف في طلب الإفراج عنهم خوفا على حياتهم، فأرسل إلى ~~المعتمد في ذلك، فاشترط أن يرد إليه حصن المدور في نظير إطلاق سراحهم، فقبل الشرط ~~ورد الحصن إليه، وأطلقهم، وما عاد جماعة الفرسان المسيحيين حتى قام الأذفونش بتنفيذ ~~وعيده، وإمضاء تهديده، وسار في طريقه لحصار إشبيلية فغنم وأحرق القرى، وقتل وأسر من ~~المسلمين من لم يتسع لهم الوقت للالتجاء إلى الحصون المنيعة، وحاصر إشبيلية ثلاثة ~~أيام، وخرب إقليم شذونة وما زال يزحف بجيوشه حتى وطئ الرمال وبلغ طريف ومس بحوافر ~~فرسه أمواج البحر وهو يقول: «نحن الآن في أرض المجاز وبها قد وصلنا إلى آخر حدود ~~إسبانيا.» # وبر بقسمه، وأرضى طماعيته، ووجه بجيوشه إلى طليطلة مقر مملكة القادر وتسلمها منه، ~~وكان اتفق معه على أن يظاهره على أهل بلنسية، فاضطر ms116 المتوكل أن يفر من وجه القادر ~~ويتخلى له على بلنسية، ففتح أهلها أبوابها له على الرغم منهم عام (1084) فجمع منهم ~~أموالا طائلة، وقدمها للأذفونش فلم يرتضها الإمبراطور، وقال له بفتور وامتعاض: ~~«هذا لا يكفي.» # فأضاف إليها فوق ذلك ما ورثه من الكنوز والنفائس عن أبيه وجده، فقال أيضا: «هذا لا ~~يكفي.» فرجاه أن يعطيه مهلة ريثما يجمع له ما يكفيه من المال، فقال له الأذفونش: «كلا ~~حتى تعطيني حصونا أخرى أرتهنها كضمان لما هو مطلوب.» وهكذا سلم القادر في كل ما يملك، ~~وأضاع طارفه وتليده، ومزق ثروته وميراثه، وبدد حصونه حصنا حصنا، وذهبه دينارا ~~دينارا، وهو مستسلم مرغم، وإلا فماذا عساه أن يصنع؟ إن سيف الأذفونش المصلت يتهدده ~~بالقتل، وأقل حركة تبدر منه تدل على عدم الطاعة والإذعان تجعله يهوي به على رأسه، فلم ~~ير بدا من أن يستنزف أموال الرعية، ويرهقها بأنواع المظالم والمغارم ويأتي على ~~الثمالة الباقية في أيديها، ورأى أهل بلنسية أنه لا قبل لهم بسد هذه المغارم ~~الفادحة، ففروا من وجه هذا الظلم الصارخ زرافات ووحدانا، وهاجروا إلى أرض سرقسطة ~~وكان موقف القادر أمامه شاذا وغريبا، فإنه كلما حمل إليه قدرا من المال ظنا منه ~~أن ذلك يجدي في مرضاته، كان ذلك سببا في تزايد طلباته الملحة، إلى أن نضب معين المال، ~~ولم يجد ما يقدمه إليه، وأقسم له أن ليس قبله شيء، فقام من فوره، وخرب بسيط المدينة وما ~~حولها، كل هذا والقادر متعلق بعرشه بعد أن نخر في قوائمه السوس، وتداعى للانحلال ~~والسقوط، ولكنه عدل في النهاية عن هذا التعلق الكاذب. ~~••• # وحدث مرة أن حضر الأذفونش وكان هو في استقباله، فصرح له بأنه مضطر أن يتخلى له عن ~~طليطلة وأنه متنازل عن العرش، فوضع الأذفونش الشروط التالية: # يتولى الإمبراطور حفظ حياة الطليطليين وحراسة المملكة، وللسكان حرية ~~البقاء أو الهجرة إلى أي جهة شاءوا. # لا يطالبهم إلا بدفع الجزية المفروضة عليهم بشرط أن يعطوها ~~مقدما. # يترك لهم القيام على شئون المسجد. # يتعهد للقادر بأن يكون ms117 ملكا على بلنسية. # وتم الاتفاق على هذه الشروط، وقبلها الإمبراطور، وفي يوم 25 مايو سنة (1085) دخل ~~عاصمة مملكة القوط القديمة، # 1 # ومن ذلك الحين بلغ في الأبهة والعظمة والكبرياء مبلغا كان يقابله من ~~الناحية الأخرى اتضاع ملوك المسلمين واستكانتهم إذ لم يبق منهم أحد إلا بادر بإيفاد ~~الوفود إليه يهنئونه ويحملون إليه الطرف والهدايا، وصرحوا له بأنهم يكونون داخل حدود ~~سلطانه كجباة للأموال لتحصيل الضرائب ودفع الجزى، وكان الأذفونش - وهو ملك ملوك ~~الديانتين الإسلامية والنصرانية - لا يعيرهم أدنى اهتمام لهوانهم عليه، حتى لقد كان ~~يعلن الاستهانة بهم، ولا يخفي احتقاره لهم، ومن ذلك أن حسام الدولة ملك البرزاليين ~~وفد عليه ليقدم إليه بنفسه هدية فاخرة، وصادف في اللحظة التي دخل عليه فيها أن كان ~~أمامه قرد يرقصه رائضه لتسليته بتنزيته وألاعيبه، فقال له الأذفونش بلهجة هي غاية في ~~الزراية عليه والسخرية منه: «دونك هذا القرد فخذه من هديتك عوضا.» وكان الأمير المسلم ~~بعيدا عن الإحساس بهذه الإهانة، ورأى في القرد لهذه المناسبة ذريعة إلى اكتساب ~~الصداقة، ودليلا على أن الأذفونش لا يريد أخذ بلاده. # وبعد طليطلة جاء دور بلنسية وكان ابنا عبد العزيز # 2 # يتنازعان الملك، وكل منهما له شيعة وأنصار، وهناك فريق ثالث كان يعمل على ~~إعطاء بلنسية لملك سرقسطة، وفريق رابع يريد أن تعطى للقادر، وكان الفوز حليف ~~الفريق الأخير دون هؤلاء جميعا، ولم يكن القادر حائزا على الصفات المطلوبة، وكان ~~خلفه جيش قشتالي بقيادة أحد رجال الأذفونش لا يعوزه إلا أن يقوم أهل بلنسية بتقديم ~~الطعام لجنوده، مما يكلفهم في اليوم الواحد ست مئة قطعة ذهبية نقدا، وحاولوا عبثا ~~أن يقنعوا القادر بأنه ليس في حاجة إلى هذا الجيش ما داموا يشدون أزره ويقومون بنصرته ~~بكل أمانة. ~~••• # ولكن القادر لم يكن من السذاجة بحيث يثق بهذه الوعود، وهو يعلم أنهم يمقتونه ~~ويبغضونه، وأن الأحزاب القديمة لم تنس بعد أمانيها، ولهذا عول على إبقاء الجيش ~~القشتالي، ولكي يقوم بتوفير نفقات هذا الجيش أثقل كاهل المدينة، والقسم الذي تقع ms118 فيه ~~بضريبة فوق العادة، وأخذ من النبلاء والعظماء مبالغ طائلة، وعلى الرغم من أعمال ~~الاضطهاد والإرهاق الفظيعة جاءه قائد الجيش القشتالي، وطالبه - تحت تأثير ضغط شديد - أن ~~يعطيه المتأخر من أعطيات الجند، ولم يكن في استطاعته أن يقوم بتحقيق هذا الطلب، فاقترح ~~حينئذ أن يظل القشتاليون مقيمين داخل حدود المملكة في بسيط من الأرض يقطعه لهم، فقبلوا ~~ذلك، وأخذوا يزرعون ما أقطعه لهم من هذه الأراضي الواسعة بواسطة العبيد، ثم دأبوا بعد ~~ذلك على الغارة على البلاد المجاورة، واكتفوا بالغزو والسلب عن الزراعة واستنبات الأرض، ~~وازداد عدد جنودهم بمن انضم إليهم من شذاذ العرب وحثالتهم، وبمن انضوى تحت لوائهم من ~~جماعات الأرقاء والفسدة، ومعتادي الإجرام، وارتد الكثير منهم عن دينه، واعتنقوا الدين ~~المسيحي، ولم يمض على هذه العصابات وقت طويل حتى اشتهرت بالفظاعة والقسوة شهرة تبعث على ~~الأسف والحزن، فمن فظاعة هذه العصابات أنهم كانوا يقتلون الرجال، ويعتدون على أعراض ~~النساء، وكثيرا ما كانوا يبيعون الأسير المسلم برغيف من الخبز، أو بجرعة من النبيذ، أو ~~بشواء من السمك، وكانوا يمثلون بالأسير الذي لا يستطيع أن يفتدي نفسه بالمال تمثيلا ~~فظيعا؛ فربما سلوا لسانه أو سملوا عينيه، أو أطلقوا عليه الكلاب الضارية فمزقت ~~جسمه. # وكانت بلنسية في الحقيقة تحت سلطان ونفوذ الأذفونش ولم يكن للقادر سوى أن يحمل ~~لقب ملك، مع أن قسما كبيرا من أرض المملكة كان ملكا للقشتاليين، وكان ضم هذه المملكة ~~إلى ممالكه رهن كلمة واحدة ينطق بها فمه. # ويظهر أن سرقسطة أيضا أصبحت على شفا التسليم، فإن الإمبراطور حاصر هذه المدينة ~~وأقسم ليستولين عليها. # وكان في الطرف الآخر من إسبانيا قائد من قواد الأذفونش اسمه «غرسية» مقيم في حصن ~~لا يبعد كثيرا عن «لورقة» وهو يواصل غاراته على مملكة المرية ولم يغفل غزو غرناطة ~~أيضا، بدليل زحف عسكر القشتاليين في ربيع عام (1085) حتى أصبحوا على بعد ميل من شرقي ~~غرناطة وقد أجروا معارك مع المسلمين هناك، وأيا كان ذلك فإن الخطر كان عظيما، ~~والبلاء كان محيقا، والقوة ms119 المعنوية عند المسلمين كانت تلاشت وذهبت، ولا يمكن أن ~~يتكافئوا مع المسيحيين حتى ولا بنسبة خمسة من المسلمين إلى واحد منهم، ومن أمثلة ذلك أن ~~كتيبة من عسكر المرية مؤلفة من أربع مئة جندي من صفوة الجند، ولوا الأدبار أمام ~~ثمانين جنديا من جنود القشتاليين. # ومما لا ريب فيه أن عرب إسبانيا لو تركوا وشأنهم - مع ما وصلوا إليه من التفكك والضعف ~~- لدار أمرهم بين أن يختاروا أحد أمرين: إما الخضوع للإمبراطور خضوعا يفقدون به كل ~~شيء ، وإما الهجرة من البلاد طوائف وجماعات، وكان الرأي السائد في الواقع الهجرة من ~~البلاد فرارا بالشرف والعرض والدين، وقد حرض على ذلك كثير من شعرائهم ونظموا القصائد ~~في حض الناس على مغادرة البلاد وتحذيرهم أخطار البقاء، وما يعرضهم له من الهلاك الذي لا ~~يرضاه لنفسه عاقل حصيف. # وكانت الهجرة هي آخر حيلة يلجئون إليها بعد أن سدت في وجوههم أبواب الحيل. # على أن يأسهم هذا لم يكن ثمة داع إليه، فقد كان هناك بصيص من نور الأمل في الخلاص من ~~ظلمة الخيبة والفشل، وكشف هذه الغمة الحالكة، وكان في وسعهم أن يلتمسوا النجدة والغوث ~~من إفريقية، وقد فكروا في ذلك، ورأوا فيه الأمل الوحيد الباقي لنجاتهم على يد أولئك ~~البواسل الشجعان ذوي الطباع السليمة والعزائم القوية التي لم يفسدها الخور ~~والهوان. # على أنهم لم يكادوا يسمعون هذا الاقتراح حتى عارضوه، وخشوا عواقبه الوخيمة؛ لأنهم ~~كانوا يعرفون من وحشية أولئك العرب ما ينسيهم بسالتهم وشجاعتهم، وقد خشوا أن يلجئوا إلى ~~سلب أموالهم ونهب دورهم قبل أن يفكروا في مناوأة المسيحيين وقتالهم. # وثمة عدلوا عن إنفاذ هذا الرأي الخاطئ، واتجه أملهم ورجاؤهم إلى المرابطين، وهم ~~جماعة من بربر الصحراء الذين قاموا بتمثيل أول دور على مسرح هذه البلاد. # وقد كان أولئك المرابطون حديثي العهد بالإسلام، وقد بث فيهم الدعوة إلى هذا الدين ~~الجديد أحد دعاة الإسلام وهو من سجلماسة فدانوا له وتحمسوا معه، ووهبوا نفوسهم ~~لطاعته، وأقبلوا على الجهاد فتمت لهم الفتوحات في أسرع وقت، ms120 وأصبح ملكهم الفسيح، في هذا ~~العصر الذي نتحدث عنه يترامى من السنغال إلى بلاد الجزائر. # وكانت فكرة استدعائهم إلى إسبانيا تفتر عن ثغور البشر لا سيما لرجال الدين، أما ~~الملوك والأمراء فكانوا على عكس ذلك، فقد ترددوا في هذا الأمر طويلا، على أن القليل ~~منهم مثل المعتمد والمتوكل كانا قد دخلا في مكاتبات وعلاقات مع يوسف بن تاشفين ~~ملك المرابطين، ورجواه غير مرة أن يساعدهما على مناوأة المسيحيين، على أن ملوك الأندلس ~~بلا استثناء، وفي ضمنهم المعتمد والمتوكل كانوا قليلي الميل إلى دخول هؤلاء القساة ~~القتلة المتعصبين من سكان الصحراء جزيرتهم، وكانوا يرون في (ابن تاشفين) منافسا خطيرا ~~أكثر منه عونا وظهيرا. # وأصبح خطر النصرانية يتفاقم ويتزايد يوما عن يوم، وصار استدعاء المرابطين والالتجاء ~~إلى هذه الوسيلة الوحيدة لدرء هذا الخطر المحدق بالجزيرة أمرا لا مناص منه، ولا معدى ~~عنه، فمال المعتمد إلى هذا الرأي، وذهب إليه، بالرغم من أن ابنه الراشد أبان له ما ~~هو مستهدف له من الخطر إذا هم شركوه في بلاده وظاهروه على عدوه، فأراه أنه لا يجهل هذه ~~الحقيقة، وقال له: أنا بقطع النظر عن أي أمر آخر لا أريد أن تتهمني الأجيال المقبلة ~~بأني تركت الأندلس غنيمة في أيدي الكفار، ولا أحب أن يلعن اسمي على منابر المسلمين، ~~ولو ترك لي الخيار لآثرت من كل قلبي أن أكون جمالا في بلاد إفريقية على أن أكون ~~راعي خنازير في قشتالة. # 3 # ولما أبرم خطته أفضى بها إلى جاريه المتوكل ملك بطليوس وعبد الله ملك ~~غرناطة، ورجاهما أن يشركاه في إنفاذ هذا الاقتراح، وطلب منهما أن يرسلا قاضييهما إلى ~~إشبيلية فأوفد المتوكل قاضي بطليوس أبا إسحاق بن مقانا، وأوفد عبد ~~الله # 4 # قاضي غرناطة أبا جعفر، وانضم إليهما ابن أدهم وانضم إلى هؤلاء جميعا ~~الوزير أبو بكر بن زيدون. # وأبحر هؤلاء جميعا إلى بر العدوة، وذهبوا لمفاوضة يوسف ودعوته على لسان ملوكهم ~~للعبور إلى إسبانيا على رأس جيش، وكان عليهم أن يعرضوا عليه شروطا، ويقطعوا عليه ms121 ~~بذلك عهدا، إلا أن ذلك بقي عندنا مجهولا، كما كان واجبا أن يعين المكان الذي سينزل ~~فيه يوسف من البحر، فاقترح أبو بكر أن يكون المكان الذي ينزل فيه بعسكره جبل طارق، ~~وآثر يوسف أن يكون نزوله في الجزيرة الخضراء بعد أن يتخلى له عنها، ولم يرق في نظر ~~وزير المعتمد هذا الطلب، الذي لم يكن مخولا إليه حق الاتفاق عليه، وعلى أثر ذلك كان ~~يوسف يعامل أولئك السفراء بفتور، فكان يراوغهم ويجيبهم أجوبة مبهمة، ولذلك عادوا إلى ~~بلادهم وهم يجهلون تحديد المسائل التي وقع عليها الاتفاق واستقر عليها الرأي، فهو لم ~~يقطع عهدا بالاتفاق على دخول إسبانيا، كما أنه لم يصرح بعدم الدخول. # وكذلك صار ملوك الأندلس يشكون في نواياه، ويرتابون في مقاصده، وقد خرجوا من هذا ~~المشكل بحالة تستنكرها دولهم، وتستنكفها رعاياهم، على أن ارتيابهم في الأمر كان قائما ~~على أساس. # 5 # وكان من عادة يوسف ألا يقدم على عمل إلا بعد مشورة الفقهاء ورجال الدين، فاستشارهم ~~فيما يجب عمله، فأشاروا عليه أن يبدأ أولا بقتال القشتاليين، وإن كان يعوزه في هذا ~~السبيل أن يخلوا له الجزيرة الخضراء، وإن أبوا أن يخلوها له كان له الحق في أخذها، ~~ولما تزود للأمر بهذه الفتوى أمر عدة من جيوشه بالإبحار من مدينة سبتة على بعض السفن، ~~والعبور إلى الجزيرة وأن تكون مكتنفة بجيش كثيف من جنوده، ورسم أن تقدم المؤن وما يحتاج ~~إليه الجيش من نفس المدينة، وكان الراضي حاكما على الجزيرة، فوقع في حيرة وارتباك لا ~~قبل له باحتمالها، لأن الحالة التي تواجهه الآن لم يكن يتوقعها، ولم يمتنع من تقديم ما ~~يحتاجه جيش المرابطين من المؤن، ولكنه كان على استعداد لدفاع القوة بالقوة متى دعت ~~الحال لذلك. # وعدا ذلك فقد كتب إلى والده رسالة ربطها في جناح حمامة، وأطلقها صوب إشبيلية وتربص ~~ريثما يتلقى منه الأوامر، فورد إليه جواب أبيه على جناح السرعة، وقد بت في الأمر بلا ~~تردد ولا إمهال، ورأى أنه مهما يكن مسلك يوسف جافا ms122 ومثيرا، فإنه يشعر بأنه قد أمعن ~~في المضي، حتى لا يستطيع أن ينكص على عقبيه، ولم يبق إلا أن تقابل هذه اللعبة السيئة ~~الجريئة بمظاهر الارتياح والاطمئنان، وما هو إلا أن أصدر في الحال أمره إلى ولده بإخلاء ~~الجزيرة والانسحاب إلى رندة. # وتلاحقت الجنود بالجزيرة، ووصلها يوسف نفسه أخيرا، فعني أولا بتحصين المدينة حتى ~~صارت في حالة حسنة، وزودها بالمؤن والذخائر، وترك فيها حامية كافية، ثم سار في معظم ~~جيوشه إلى إشبيلية وجاء المعتمد لاستقباله تحف به أعاظم رجال مملكته ، ولما ~~تلاقيا، هم المعتمد أن يقبل يده فأبى وتعانقا عناقا تجلت فيه كل عواطف الإخلاص ~~والحب والسرور، بلقاء العدو المشترك، ولم يغفل المعتمد العادات الملكية المتبعة في ~~مثل هذه الظروف من تقديم هدايا فاخرة تليق بمقام ضيفه الكريم ورجال دولته، وقد تقبلها ~~شاكرا مغتبطا، ووزعها على جنوده المرابطين، ولم يخامره شك على أثر ما قدم إليه من سني ~~الهدايا أن إسبانيا في الذروة، من تزايد الغنى، ووفور الثروة. # فوقف الملكان على مقربة من إشبيلية وقد وافاهما هناك ابنا باديس عبد الملك ملك ~~غرناطة وتميم ملك مالقة وانضما إلى المرابطين، وكان مع الأول ثلاث مئة فارس، ومع ~~ثانيهما مئتان، وأرسل المعتصم ملك المرية كتيبة من الفرسان، واعتذر عن مجيئه بنفسه ~~لمجاورة نصارى البدو له، وبعد مضي ثمانية أيام زحف الجيش عن طريق بطليوس حيث التقى ~~بالمتوكل وجيوشه، ثم زحفوا إلى طليطلة ولم يتقدموا قليلا إلا وقد فاجأهم ~~العدو. # وكان الأذفونش لا يزال محاصرا سرقسطة في ذلك الوقت الذي علم فيه بدخول المرابطين ~~إسبانيا وقد خيل إليه أن ملك هذه المدينة المحاصرة يجهل حادث دخول المرابطين إلى هذه ~~البلاد، فبعث إليه يطلب منه أموالا كثيرة ليرفع عنه الحصار، ولكن المستعين كان قد ~~وقف على هذا النبأ العظيم مثله، فلم يعطه درهما واحدا. # ثم عاد الأذفونش إلى طليطلة بعد أن أرسل إلى إيڤارو وإلى مساعديه الآخرين أن ~~يجيئوا بجيوشهم لينضموا إلى جيشه، ولما تجمعت وحدات الجيش الذي كان به كثير من الفرسان ~~الفرنسيين ms123 زحف، إذ كان يريد أن تدور رحى القتال في بلاد العدو، والتقى بالمرابطين ~~وحلفائهم في مكان لا يبعد عن بطليوس واقع بالقرب من مكان يعرف عند المسلمين ~~«بالزلاقة» وعند المسيحيين باسم «سكر الياس». # ولم يكن قد انتهى من ضرب خيامه حتى وافاه كتاب من يوسف يدعوه فيه إلى إحدى خصال ~~ثلاث: إما الإسلام، أو الجزية، أو الحرب، فاستاء جد الاستياء من هذا الكتاب، وكلف أحد ~~كتابه من العرب أن يرد عليه بكتاب يقول فيه: إني ما كنت أتوقع أن يصل الحد بالمسلمين ~~الذين كانوا يعطونني الجزية منذ سنين مضت، أن يعرضوا علي مثل هذه الاقتراحات الجارحة، ~~ومع هذا فإن لدي جيشا في استطاعته أن ينزل العقوبة على هذه الوقاحة البالغة من ~~الأعداء. # ولما وصل الكتاب اشتغل بالرد عليه أحد الكتاب الأندلسيين، ولما سمعه يوسف رآه ~~مطولا فاكتفى بأن يكتب في حاشية كتاب الإمبراطور هذه العبارة: «الذي يكون ستراه.» وبعث ~~بهذا الرد إليه. # 6 # ولم يبق بعد هذا إلا تحديد وقت المعركة، وبذلك كانت تقضي العادة في ذلك العهد، وقد ~~ضربوا لها موعدا يوم الخميس 22 أكتوبر سنة (1086) ولكن الأذفونش أرسل في نفس اليوم ~~إلى المسلمين يقول: «غدا الجمعة وهو يوم عيدكم، والأحد عيدنا، فأقترح إذن أن تكون ~~المعركة يوم الاثنين.» فقبل يوسف هذا الاقتراح، ولكن المعتمد رأى فيه حيلة ~~سياسية. # وكان الأندلسيون في مقدمة الجيش معرضين للهجمات الأولى، أما المرابطون فكانوا في ~~المؤخرة تسترهم الجبال، فلم يكن بد من أن تتخذ مقدمة الجيش الحيطة والحذر حتى لا ~~يباغتها العدو، وأخذت طلائع المسلمين تترقب حركات العدو، وكانت الأفكار والخواطر في قلق ~~وانزعاج، والمعتمد لا ينفك يستشير منجميه، وأصبح الوقت حرجا ودنت الساعة الحاسمة التي ~~ستدور فيها رحى المعركة الفاصلة التي يتوقف على نتيجتها مستقبل إسبانيا، وكانت جيوش ~~القشتاليين أوفر عددا إذ كانت تتراوح - على ما يظن - بين خمسين إلى ستين ألفا، بينما ~~جيوش خصومهم المسلمين لا تعدو عشرين ألفا. # ومع طلوع الفجر بدأت مخاوف المعتمد تتحقق، فقد أبلغه بعض طلائعه أن ms124 الجيش المسيحي ~~يقترب، وعلى هذا يصبح مركزه على شفا الخطر، ويستهدف جيشه لأن يسحق قبل أن يقترب ~~المرابطون من ساحة القتال، فبعث إلى يوسف يستحثه أن يتقدم بجيوشه على عجل، أو أن ~~يوافيه على الأقل بالمدد الكبير الكافي، وقد كان يوسف قد وضع خطة لا يستطيع التحول ~~عنها، فلم يبادر إلى تلبية طلبه، وكان قليل الاهتمام بما يصيب الأندلسيين، وقد صاح لهذه ~~المناسبة قائلا: «وماذا يهمني إذا كان نصيب هؤلاء جميعا الهلاك، إنهم جميعا ~~أعداء.» # ولم يسع الأندلسيين إلا الفرار حيث وجدوا أنفسهم وحدهم، أما الإشبيليون، فقد كانوا - ~~على غرار ملكهم الذي جرح في وجهه ويده - مثلا للشجاعة والبسالة والإقدام، فصمدوا ~~للعدو، وقاوموا صدماته العنيفة، إلى أن وصلت لمساعدتهم نجدة من عسكر المرابطين، وحينئذ ~~صارت المعركة أقل توازنا، وقد دهش الإشبيليون أشد دهشة حين رأوا العدو يقاتل متقهقرا؛ ~~لأن المدد الذي وصل لم يكن من الكثرة بحيث يزهى على سائر الجيش بأن يكون صاحب الفضل في ~~الانتصار على الأعداء، والحقيقة أن الفضل في تقهقر الجيش لم يكن لمجرد وصول ~~المدد. # وإليك ما وقع: لما رأى يوسف أن الجيش القشتالي التحم بالأندلسيين بدأ ينفذ خطة ~~وضعها، وهي مباغتته من الخلف، ولذلك لم يرسل إلى المعتمد إلا المدد القليل الكافي حتى ~~لا يسحقه الأعداء، ثم وفق إلى تنفيذ هذه الخطة الحربية حين زحف بأكبر جزء من جيشه على ~~معسكر الأذفونش وأجرى مذبحة هائلة في الجنود الموكلين بحراسة المعسكر، وأشعل النار ~~فيه فاحترق، وانقض على ظهر القشتاليين، وهو يحتوش أمامه الجنود الفارين. # وإذ قد وجد الأذفونش نفسه بين نارين، ورأى أن الجيش الذي باغته من الخلف، أضخم ~~عديدا من الجيش الذي في مواجهته، اضطر أن يحول قوته الرئيسية إليه، وحمي وطيس المعركة، ~~وكانت الحرب سجالا بين الفريقين المتحاربين، وكان يوسف يجول على صهوة جواده بين صفوف ~~المقاتلة من المسلمين، وهو يهيب بهم: «أن تشجعوا أيها المسلمون، أعداء الله أمامكم، ~~والجنة تنتظركم، وطوبى لمن أحرز الشهادة.» # وسرعان ما عاد الأندلسيون الفارون فنظموا صفوفهم، وأخذوا ms125 أمكنتهم من ميدان القتال لشد ~~أزر المعتمد، ثم جرد يوسف حرسه الاحتياطي من السودان فحملوا على القشتاليين من ~~ناحية أخرى حملة منكرة أتوا فيها بالعجائب. # وتمكن زنجي من الدنو من الأذفونش وطعنه بخنجر في يده فجرحه في فخذه، وأقبل الليل، ~~والفريقان المتحاربان يتنازعان المعركة التي حمي وطيسها، ثم كان النصر في النهاية حليف ~~المسلمين، وكان الفريق الأعظم من المسيحيين ملقى في ميدان القتال بين قتيل وجريح، ولاذ ~~الباقون بالفرار، وتمكن الأذفونش نفسه من الفرار مع كبير عناء يحيط به خمس مئة فارس ~~من جنده (5) أكتوبر سنة (1086). # وكان يوسف معتزما أن يتعقب الفارين، ويزحف بجيوشه إلى بلاد الأعداء ليجني ثمرات ~~انتصاره، ولكنه عدل عن ذلك حين بلغه نبأ وفاة ابنه الأكبر، وعاد إلى إفريقية مع عامة ~~الجند، وترك تحت إمرة المعتمد جيشا من المرابطين مؤلفا من ثلاثة آلاف جندي. # | ملوك الطوائف وعواصمهم # إشبيلية (بنو عباد) # أبو القاسم محمد بن إسماعيل (القاضي) (1023-1042) # أبو عمرو عباد بن محمد: المعتضد (1042-1069) # أبو القاسم محمد بن عباد: المعتمد (1069-1091) # قرطبة (بنو جهور) # أبو الحزم جهور بن محمد بن جهور (1031 (ديسمبر)-1043) # أبو الوليد محمد بن جهور (1043-1064) # عبد الملك (1064-1070) # ثم ضمت قرطبة إلى حكم ملوك إشبيلية. # مالقة (بنو حمود) # إدريس الأول (1035-1039) # يحيى بن إدريس الأول (1039) # حسن بن الخليفة يحيى بن علي (1039-1041) # الصقلبي: نجاء (1041-1043) # إدريس الثاني (1043-1047) # محمد الأول الابن الثاني لإدريس الأول (1047-1053) # إدريس الثالث (1053) # إدريس الثاني (للمرة الثانية) (1053-1055) # محمد الثاني (رابع أنجال إدريس الأول) (1055-1057) # ثم ضمت مالقة إلى مملكة غرناطة. # الجزيرة (بنو حمود) # محمد بن الخليفة القاسم بن حمود (1035-1048 (9)) # القاسم ابنه (1048 (9)-1058) # ثم ضمت «الجزيرة» إلى مملكة إشبيلية. # غرناطة (بنو زيري) # زاوي بن زيري (حتى سنة 1019) # حبوس (1019-1038) # باديس (1038-1073) # عبد الله (1073-1090) # قرمونة (بنو برزال) # أسماء الملوك تبعا لابن خلدون (عباد ج2 ص216) هي كما يلي: # إسحاق # عبد الله ابنه # محمد بن عبد الله (حتى سنة 1042 (3)) # العزيز المستظهر (1042 (3)-1067) # عن ابن حيان ms126 وابن بسام: # ابن عبد الله أي محمد بن عبد الله، حكم قرمونة في العهد الذي كان فيه هشام ~~الثالث متوليا قرطبة 1029-1031 وعلى ما يقول المؤلف نفسه الذي كان أهلا للثقة ~~أكثر من ابن خلدون وكان خليفته محمد بن عبد الله. # ابنه إسحاق الذي حكم سنة 1050. # ويظهر أن ابن الأبار «في أبحاثي ص286 الطبعة الأولى» قد أخطأ إذ قال: إن محمد ~~بن عبد الله، كان لا يزال حيا سنة 1051. # رندة # أبو نور بن أبي قرة (1014 (5)-1053) # أبو النصر (ولده) (1053) # ثم ضمت «رندة» إلى مملكة إشبيلية. # مورور # نوح (1013 (4)-1041 (2)) # أبو مناد محمد وابنه (1041 (2)-1053) # ثم ضمت «مورو» إلى مملكة إشبيلية. # أركش # ابن خزرون (حتى سنة 1053) # ثم ضمت أركش إلى مملكة إشبيلية. # ولبة # أبو زيد محمد بن أيوب (من سنة 1011 (2)) # أبو المصعب عبد العزيز (إلى سنة 1051) # ثم ضمت «ولبة» إلى مملكة إشبيلية. # نبلة # أبو العباس أحمد بن يحيى اليعقوبي (1023-1041(2)) # محمد، شقيقه # فتح بن خلف بن يحيى بن أخي السابقين (حتى سنة 1051) # ثم ضمت نبلة إلى مملكة إشبيلية. ~~«شلب» (بنو مزين) # أبو بكر بن سعيد بن مزين (1028-1050) # أبو الاصباغ عيسى (إلى سنة 1051(2)) # وقد ضمت «شلب» إلى مملكة إشبيلية. # شنتمرية # أبو عثمان سعيد بن هارون (1016-1043) # محمد (ولده) (1043-1052) # ثم ضمت شنتمرية إلى مملكة إشبيلية. # مرتلة # ابن طيفور (إلى سنة 1044) # ثم ضمت مرتلة إلى مملكة إشبيلية. # بطليوس # سابور # وبعدئذ بنو الأفطس: # أبو محمد عبد الله بن محمد بن مسلمة المنصور الأول # أبو بكر محمد المظفر (حتى سنة 1068) # يحيى المنصور الثاني # عمر المتوكل (حتى سنة 1094) # طليطلة # يعيش بن محمد بن يعيش (حتى سنة 1036) # وبعدئذ بنو ذي النون: # إسماعيل الظافر (1036-1038) # أبو الحسن يحيى المأمون (1038-1075) # يحيى بن إسماعيل بن يحيى القادر (1075-1085) # سرقسطة # المنذر بن يحيى # 1 ~~(حتى سنة 1039) # وبعدهم بنو هود: # أبو أيوب سليمان بن محمد المستعين الأول (1039-1046 (7)) # أحمد المقتدر (1046 (7)-1081) # يوسف المؤتمن (1081-1085) # أحمد المستعين الثاني (1085-1110) # عبد الملك عماد الدولة (1110) # السهلة (بنو رزين) ms127 # أبو محمد هذيل الأول بن خلف بن رزين (من سنة 1011) # أبو مروان عبد الملك الأول بن خلف، شقيقه # أبو محمد هذيل الثاني عز الدولة نجل السابق # أبو مروان عبد الملك الثاني حسام الدولة يحيى (إلى سنة 1103) # الفنت (بنو قاسم) # عبد الله الأول بن قاسم الفهري نظام الدولة (إلى سنة 1030) # محمد يمن الدولة # أحمد عضد الدولة (إلى سنة 1048 (9)) # عبد الله الثاني جناح الدولة، شقيق السابق (1048 (9)-1092) # بلنسية # الصقلبيان: مبارك، والمظفر # الصقلبي لبيب صاحب «طرطوشة» # عبد العزيز المنصور (1021-1061) # عبد الملك المظفر (1061-1065) # ثم ضمت بلنسية لمملكة طليطلة. # المأمون (طليطلة) (1065-1075) # ثم انفصلت بلنسية عن طليطلة. # أبو بكر بن عبد العزيز (1075-1085) # القاضي عثمان (ولده) (1085) # القادر (ملك طليطلة سابقا) (1085-1092) # ثم صارت بلنسية جمهورية رئيسها ابن جحاف (1092-1094) # دانية # أبو الجيش مجاهد موفق (إلى سنة 1044 (5)) # علي إقبال الدولة (1044 (5)-1076) # خلعه المقتدر صاحب سرقسطة وضمت دانية إلى مملكة سرقسطة. # المقتدر (سرقسطة ) (1076-1081) # المقتدر يقسم مملكته بين ولديه، فكان نصيب الحاجب منذر: لاردة، وطرطوشة، ~~ودانية. # الحاجب المنذر (1081-1091) # ولده تحت وصاية بني بطير # مرسية # خيران (المرية) (1016 (7)-1028) # زهير (المرية) (1028-1038) # عبد العزيز المنصور بلنسية (1038-1061) # عبد الملك المظفر بلنسية (1061-1065) # كان أبو بكر أحمد بن طاهر حاكما لمرسية في عهد هؤلاء الملوك الثلاثة ~~وتوفي سنة 1063 وخلفه ولده أبو عبد الرحمن محمد (1063-1078) # المعتمد (إشبيلية) # ابن عمار # ابن رشيق (إلى سنة 1090) # المرية # خيران (إلى سنة 1028) # زهير (1028-1038) # عبد العزيز المنصور (بلنسية) (1038-1041) # وبعدهم بنو صمادح: # أبو الأحوص (1041-1051) # محمد المعتصم (1051-1091) # عز الدولة (1091) # | الهوامش # الجزء الأول: ملوك الطوائف # الفصل الأول # الفصل الثاني # الفصل الثالث # الفصل الرابع # الفصل الخامس # الفصل السادس # الفصل السابع # الفصل الثامن # الفصل التاسع # الفصل العاشر # الفصل الحادي عشر # الفصل الثاني عشر # ملوك الطوائف وعواصمهم # الجزء الثاني # | نظرات في تاريخ الإسلام # | ديانة العرب في الجاهلية # كان كل شيء سائرا في طريقه المعتادة في النصف الأول من القرن السابع الميلادي سواء ~~في الإمبراطورية البيزانطية أو الإمبراطورية الفارسية. # ولا ms128 جرم كانت هاتان المملكتان في نزاع دائم، سببه الرغبة والطمع في تملك آسيا ~~الغربية، وكانتا - في ظاهرهما - مزدهرتين، تجبى لهما الضرائب والخراج فتمتلئ الخزائن ~~بالمال، وتتضخم ثروة الحكام، حتى أصبح الترف والأبهة - اللذان انغمس فيهما سكان العواصم ~~- مضرب الأمثال. # على أن كل ذلك لم يكن إلا مظهرا كاذبا، فقد كان يسري في كيان هاتين المملكتين داء ~~كمين، وظل السوس ينخر في عظامهما دائبا على تقويض أركانهما بسبب ما أظهرتاه من عسف وجور ~~مهلكين، هذا إلى ما حدث من الفواجع التي نجمت من تلك الأسرات، وما لعبته من الأدوار ~~المفجعة التي كانت - على الحقيقة - سلسلة متصلة الحلقات من الاضطهادات والفتن الدينية ~~الشعواء. # وثم رأينا شعبا يظهر فجأة من بين تلك الصحراء التي لا يكاد يعرفها أحد، شعبا ~~جديدا بدأ يمثل دوره على مسرح الحياة، بعد أن ظل نهبا مقسما، تناوئ كل قبيلة منه ~~القبيلة الأخرى، فيحتدم النزاع وتقع الحرب الطاحنة، ها قد رأيناه يتحد ويجمع شمله ~~الشتيت للمرة الأولى. # ذلكم هو الشعب الناهض الذي تملك نفسه حب الحرية وساعدته على النجاح صفاته النبيلة، ~~فقد كان متقشفا في طعامه، مخشوشنا في لباسه، نبيلا في أخلاقه، كما كان طروبا سريع ~~البديهة حاضر النكتة. # ولقد كان شريف النفس أريحيا، فإذا استثرته مرة فهو قاس غضوب شرس # 1 # لا يني عن أخذ ثأره، ولا يرده عن انتقامه شيء. # ذلكم هو الشعب الذي قلب - في لحظة واحدة - إمبراطورية الفرس بعد أن ظل السوس ينخر في ~~عظامها قرونا عدة، وانتزع من خلفاء «قسطنطين» أجمل ضواحيهم، ثم سحق مملكة جرمانية ~~حديثة العهد تحت قدميه، وشرع يهدد - بعد ذلك - بقية أوروبا. # بينما كان في ذلك الوقت نفسه يوالي فتوحه وانتصاره في الجانب الآخر من المعمورة حتى ~~وصلت جيوشه الظافرة إلى الهملايا. # لم يكن ذلك الشعب فاتحا فحسب - كغيره من الشعوب الأخرى - بل كان داعيا إلى دين جديد ~~ومبشرا به أيضا، كان داعيا إلى دين جديد، فقام يناوئ الثنوية # 2 # الفارسية والمسيحية التي أفسدتها الخرافات والبدع، حاملا إلى الناس ~~توحيدا ms129 خالصا لم يلبث أن دان به الملايين من الناس حتى بلغ عددهم في أيامنا هذه نحو ~~عشر الإنسانية كلها. ~~••• # ذلك هو الدين الذي أخذنا على عاتقنا محاولة الكلام فيه وفي تاريخه العام، ولعل أول ما ~~يعرض لنا هو هذا السؤال: «مم نشأ؟ وكيف تفرع من الديانة التي سبقته، ثم نما حتى وصل ~~إلى ما وصل إليه؟» # فكيف نجيب على هذا السؤال الذي يجدر بنا الإجابة عليه قبل كل شيء؟ الحق أنني لم أكد ~~أعرض لهذا حتى وقعت في حيرة لا مثيل لها، فقد اعترضتني - حتى في هذه الخطوة الأولى - ~~صعوبة لم أكن لأتوقعها قبل أن أتصدى لبحث هذا الموضوع، وإليك البيان. ~~••• # إنني - على إجلالي وتقديري لما قام به بعض الباحثين الذين تصدوا للكلام عن ديانة ~~العرب القديمة وأصل الإسلام، وعلى إعجابي بفطنتهم واجتهادهم - أقرر ولا أرى بدا من ~~المصارحة: أن هذه البحوث الطريفة لا تكفيني قط، لأنها لم تستطع أن توضح هذه الأمور أكثر ~~من قبل؛ لذلك رأيتني مضطرا إلى إعادة البحث - من جديد - سالكا طريقا أخرى مخالفة ~~لما نهجه غيري من الباحثين إلى اليوم، وقد وصلت إلى نتيجة، أنا أول المدهوشين لها، وليس ~~في وسعي أن أسردها في بضع صفحات، إلا أنها - في جوهرها وأساسها - مرتبطة بعدة نتائج ~~أخرى لها خطرها وأهميتها. # ولما كانت نتائج بحوثي مناقضة - على طول الخط - كل الآراء السائدة إلى اليوم لغرابتها ~~عنها، والعلم يقضي على الإنسان، ألا يلقي للناس قضايا مسلمة لا يدعمها برهان، ولا تقوم ~~على أساس متين من الحجج العلمية الناهضة، والأدلة الصحيحة المستقاة من مصادرها ~~الأصلية. # والدعاوى - ما لم يقيموا عليها # بينات - أصحابها أدعياء! # ولما كانت المصادر الأصلية التي أعنيها هي مصادر أجنبية بالنسبة لقارئ هذا ~~السفر # 3 # رأيتني مضطرا إلى تفصيل ذلك الرأي في سفر مستقل آخر. # 4 # ولكن ماذا نصنع الآن في هذا الفصل؟ ~~••• # إما أن نجتزئ ببعض الآراء التي وصلتنا، مبدلين فيها رغبة في أن نوائم بينها وبين ~~آرائنا الخاصة، فهذا محال؛ لأن منهجين متباينين من مناهج البحث ms130 لا سبيل إلى التقائهما ~~والتوفيق بينهما، هذا فضلا عن عقم هذه الطريقة التي لا غناء فيها، فليس ثم أية ~~فائدة من تعرف جزء من الحقيقة. # لذلك أعملت الفكر، فلم أجد إلا مخرجا واحدا من هذا المأزق، هو أن أتبع الفكرة ~~المقررة، مقتصرا على سردها وذكر ما وصل إليه الباحثون من النتائج في هذا الصدد، لا ~~سيما «سپرنجر» أقرب الباحثين وأوفاهم درسا واستيعابا للتاريخ الإسلامي وترجمة ~~النبي. # على أنني جدير أن أقرر - منذ الآن - في أسلوب صريح لا يحتمل لبسا ولا تأويلا، أنني ~~إن استطعت بهذه الطريقة أن أرفع عن عاتقي عبء التبعة والمؤاخذة، بما أقرره في هذا الفصل ~~من وصف الحال الدينية التي كان عليها العرب في القرن السادس الميلادي، فلن يكون ذلك ~~شأني فيما أقرره في بقية الفصول. ~~••• # وقد دفعتني هذه الاعتبارات السابقة، كما دفعني غيرها من الأسباب التي لا يصعب على ~~القارئ فهمها إلى الاقتصار على ذكر ذلك الزمن السابق بأقصى ما في قدرتي من الإيجاز الذي ~~التزمته في تبيان ديانة العرب الأولى ونشأتها في بلادهم، فلم أحد عن هذا الشرط قيد ~~أنملة. # ديانة العرب الأولى # كان العرب يؤمنون بكائن أعلى - هو الله (تعالى) - ويعتقدون أن له ذاتا لا كذواتهم ~~وأنه محيط بالعالم، وما يحويه من كائنات - هو بارئها - وإن اختلفت حظوظها من الطاعة ~~والعصيان، وكانوا يدينون بأنه خالق السموات والأرض. # 5 # وأنه الذات المنزهة التي لا حد لحكمتها، ولا يمارون في أنه مدبر ~~العالم، وأنه هو الذي يرسل عليهم المطر من السماء: # 6 # كانوا يعتقدون هذا ويعتقدون أيضا أن ليس له كهان ولا هياكل، كتلك التي خصوا بها ~~أوثانهم. # العرب والجن # فإذا تركنا ذلك إلى سواه رأيناهم يعظمون الجن ويمجدونهم، وقد دفعتهم إلى ذلك ~~صحاريهم وجبالهم التي كثيرا ما يضلون فيها أسابيع كاملة، فيتمثلون رؤية هذه ~~العوالم الغريبة، ويثبت في نفوسهم هذه التصورات ما يكابدونه فيها من ألم الجوع ~~والعطش، وما يحتملونه من شمس الصحراء المحرقة، وهوائها اللافح، وسوافيها المهلكة، ~~هذا إلى ما يعانونه من تقلبات الجو ms131 الفجائية، حتى ليصل بهم الروع إلى حد أن يتخيلوا ~~أنهم يسمعون أصوات الجن ويبصرون ذواتهم في أشكال عدة، وعلى صور شتى، منها السخيف ~~ومنها المعجب، # 7 # وكانوا يعتقدون بأن أجسامهم تشغل جزءا من الفضاء - كما تشغله أجسامنا ~~- وأنهم ينتشرون، ولكنهم يختلفون عنا في تكوينهم؛ لأن أجسامهم مخلوقة من النار أو ~~الهواء، # 8 # ومن ثم لا تراها العين الإنسانية إلا شذوذا، وفي قدرتهم أن يأتوا ~~كثيرا من ضروب الشر والخير، ومن كانوا كذلك فقد وجب عليهم أن يتحببوا إليهم ~~ويمجدوهم ويقدسوهم، ومما سهل عليهم الوصول إلى تحقيق هذه الغاية اعتقادهم أن لكل ~~جني موطنا خاصا به. # فهذا في حجر وذلك في نصب وثالث في شجرة. # 9 # وكانت تجمع قبيلة - أو عدة قبائل أحيانا - على تمجيد جني بعينه، وتكل العناية به ~~إلى أسرة بعينها منوط بها أمر رعايته وتلبية رغباته، وكانت هذه الفئة تقوم بحراسته ~~وتعظيم شأنه، سواء في الحجر أو الشجرة أو الصورة التي تمثله، كما تؤدي له حقه ~~من المراسيم الكهنوتية والطقوس الدينية التي تقيمها في محرابه، وربما سمع لذلك ~~النصب صوت - كما يحدث ذلك في كثير من الأحيان، ومن الواضح أن الكهنة القائمين ~~بحراسة الوثن قد مرنوا بالحيلة على إحداث تلك الأصوات لإيهام الناس أنها تتكلم، ~~وكان لكل منها صوت خاص به يميزه عن غيره، وكان العرب يعدون ذلك من الخوارق ~~والمعجزات التي يعزونها إلى أوثانهم. # كذلك كانت تحرص كل قبيلة على صنمها، وتشيد بذكره، وتفرده بأقصى ما تستطيع من حب، ~~لأنها ترى فيه نوعا من الملكية، وكان الكهان ينضحون عنه، ولا ينون في طلب القرابين ~~لذلك النصب، وإن كانوا - على الحقيقة - يطلبونها لأنفسهم ويجرون المغانم لهم باسم ~~الله (تعالى). # هذا ما نستطيع أن نستخلصه بسهولة من القرآن، وأقوال المفسرين على وجه الإجمال، ~~على أن أحد المؤرخين الذين تخصصوا في درس ترجمة حياة النبي يعزون ذلك إلى قبيلة ~~«خولان» وحدها، وهي التي كانت تقطن اليمن في ناحية منه تعرف باسمها. # وكان من عادتهم، حين تقدم القرابين إلى الآلهة - وهي ms132 من البر أو الفصال # 10 ~~- أن يقسموها قسمين، أحدهما وقف على الله، وهذا من نصيب المعوزين ~~وأبناء السبيل الذي يحلون ضيوفا على أهل القبيلة، والآخر وقف على النصب، وهو من ~~نصيب الكهنة وحدهم. # فإذا وقع في القسم الأول - بطريق المصادفة - بعض النفائس، استأثروا به وجعلوه من ~~نصيب الوثن، ووضعوا مكانه النصيب الأدنى لله. # 11 # ولكن ما علاقة هذه الأرباب الصغيرة بالله؟ لقد كانوا يعتقدون أن تلك الأرباب بنات ~~الله، # 12 # وأن مثلها منه كمثل الفروع من الأصل تماما، فهي تحكم الناس كما يحكم ~~حاكم الإقليم بعد أن يخوله مليكه سلطان الحكم، وثمة كانوا يرون في تلك الأرباب ~~وسائط بين الناس وبين الله. # 13 # مكة والكعبة # وكانت مكة حاضرة الثقافة في أواسط بلاد العرب، وقد بنتها قريش في منتصف القرن ~~الخامس الميلادي، في واد رملي شديد الضيق، حتى ليبلغ أقصى اتساع فيه نحو سبع مئة ~~خطوة - أما أضيق مكان فيه فلا يزيد عن مئة خطوة - وتكتنفه جبال جد عارية يتراوح ~~ارتفاعها بين مئتي قدم وخمس مئة. # في هذه المدينة المحراب الذي يفخر به كل من يملكه ويقع في حوزته ، ذلك هو محراب ~~الكعبة الجليلة الشأن # 14 # وهو أقدم من المدينة نفسها بكثير، وإن جدد وأعيد بناؤه عدة مرات، وهو ~~مؤلف من أربع حوائط مبنية بحجارة لم يهذبها الصقل، وقد رصف بعضها إلى بعض دون أن ~~يتخللها الملاط، وقد غطيت بريطة # 15 # أو بقطعة من القماش، أما ارتفاعها فلا يزيد عن ارتفاع الرجل، وأما ~~مساحتها فتبلغ مئتي قدم. # وكان هبل # 16 # اسم الصنم الكبير الرئيسي بين أصنامها، منذ النصف الأول من القرن ~~الثالث، وهو تمثال عقيقي # 17 # جلبه من الخارج بعض الرؤساء، # 18 # وكان هبل في ذلك العهد ربا لقبيلة قريش، أما الكعبة نفسها فلم ~~تكن ملكا للقرشيين، بل كانت - على الحقيقة - ملكا مشاعا لأكثر القبائل التي ~~تربطهم بها وشائج المصلحة السياسية العامة، وكان للكعبة صبغة عالمية عندهم. # وقد وضعت كل قبيلة من تلك القبائل صنمها الذي تعبده في ذلك المحراب الكعبة ms133 حتى ~~بلغ عدد الأرباب التي بها ثلاث مئة وستين ربا، وكان التسامح الديني سائدا، وقد ~~وصل بهم إلى أعظم حدوده، فقد كنت ترى في الكعبة - زيادة على ما أسلفنا ذكره من ~~الأصنام - صورة إبراهيم الخليل وصورة الملائكة، وصورة العذراء مع طفلها ~~عيسى. # الحجر الأسود # على أنهم كانوا لا يقدسون شيئا، كما يقدسون الحجر الأسود وهو الحجر الذي يزعم ~~المسلمون أنه كان أول أمره أبيض، ثم اسود من توالي الحريق الذي حدث في الكعبة، ~~وقد لعب هذا الحجر فيما بعد - في قابل الإسلام - دورا خطيرا في التاريخ الإسلامي، ~~ولا زال يعده المسلمون - حتى أيامنا هذه - حجرا مقدسا، وسنذكر في بعض الفصول ~~التالية بعض أقاصيص يرويها بعض علماء الكلام واللاهوت من المسلمين عن هذا ~~الحجر. # وقد وصفه لنا بعض السائحين الأوروبيين الذين شاهدوه، فذكر أنه قطعة من حجر ~~البازلت البركاني، تلمع في أنحائه نقط بلورية، وتبدو في بعض جهاته قطع صغيرة من ~~النوع الذي يطلقون عليه اسم «فيلسبار» لونها تارة أحمر بأسفله ظلال قاتمة، وتارة ~~أسمر يميل إلى السواد. # وقد تعاورته ظروف مختلفة، فكسر أكثر من مرة حتى غدا في هذه الأيام مؤلفا من ~~اثنتي عشرة قطعة مضموم بعضها إلى بعض، والكثيرون على أنه حجر من الرجوم الساقطة من ~~السماء. ~~••• # أما احترامهم الكعبة، فقد بلغ بهم حد التقديس # 19 # وزاد إجلالهم لها، فقدسوا ما جاورها من البقاع - التي خلعت عليها ~~الكعبة مسحة القداسة - وثم أصبح ما يكتنفها - إلى بعد عدة فراسخ - حراما لا يجوز ~~لكائن من كان أن يفتك بسواه فيها، أو يصطاد من حيوانها احتراما لها. # ويؤم الكعبة في كل عام جمهور ضخم من الناس من شتى الأنحاء، لتأدية الشعائر ~~الدينية المقدسة فيها. # عبادة الأصنام # 20 # أما العبادة فقد فقدت معناها الأول في القرن السادس من الميلاد، ودب فيها الفساد ~~وتغير جوهرها، فأصبحت طائفة من الخرافات والأوهام - التي يمجها العقل - تدين بها ~~طائفة من المبطلين. # قال أحد معاصري محمد # صلى الله عليه وسلم ~~: # 21 ~~«كنا - إذا عثرنا على حجر جميل - عبدناه، ms134 فإذا عز علينا أن نجده، ~~أنشأناه من الرمل إنشاء، ثم سقيناه لبن ناقة درور مدة من الزمن، ومتى تم ~~لنا ذلك عبدناه، ثم لا نزال نفعل ذلك ما دمنا في ذلك المكان!» ~~••• # ولكن هناك طائفة كبيرة من الناس كانت - على العكس من ذلك - على جانب عظيم من ~~الرقي والحضارة، فلم يكن عندهم عقيدة في أرباب هي من صنع أيديهم، من الحجارة أو ~~الخشب! # ولقد كان الناس - في ظاهر أمرهم - يمجدون تلك الأرباب، ويحجون إلى محرابها، ~~ويحتفون بمواسمها السنوية، ويذبحون القرابين في هياكلها، ويريقون دماءها على تلك ~~الآلهة التي يعبدونها، سواء أكانت من الحجر أم من الخشب، بل لقد كانوا يلجئون إليها ~~كلما حزبهم أمر، ليلتمسوا منها البركات، ويكتشفوا بوساطتها مستقبل أمرهم ~~الغامض. # على أن عقيدتهم فيها لم تزد على هذا القدر من المظاهر، أما فيما عدا ذلك، فقد ~~كانوا لا يترددون في تحطيم آلهتهم إذا لم تتحقق نبوءتها، أو إذا جرؤت على إذاعة شيء ~~يكرهونه ويخشون إذاعته مما اقترفوه من الدنايا. # وقد تنزل بأحدهم كارثة فينذر لأحد الأصنام أن يذبح نعجة قربانا له إذا تكشفت ~~غمته، فلا يكاد يزول عنه الخطر # 22 # حتى يستبدل النعجة - وهي قيمة عنده - بغزال لا يكلفه ثمنه أكثر من أن ~~يصطاده بيده، يفعل ذلك وهو معتقد أن ذلك المعبود لا يكاد يفرق بين النعجة ~~والغزال! # 23 # أضف إلى ذلك أن نبوءات الآلهة لم يكن لها خطر عندهم، ما لم توافق رغباتهم، وتعبر ~~عما يقصدون إليه من التفاؤل، بما هم قادمون عليه من الأمور. # يؤيد ذلك أن أعرابيا اعتزم أن يثأر لأبيه ممن قتله، فأتى «ذا الخلصة» # 24 # وهو نصب مربع الشكل من الحجر الأبيض - ليستشيره فيما هو قادم عليه - ~~وبدأ يقترع - على عادة العرب في ذلك - فرأى في السهم الأول أمرا بالمضي في طريقه، ~~وفي الثاني نهيا عن ذلك، وفي الثالث أمرا بالانتظار والتريث، فلم ترضه هذه ~~النتيجة، وأعاد الكرة مرة بعد أخرى، فكانت النتيجة واحدة في المرات الثلاث، فغضب ~~وألقى بالسهام في وجه الصنم ms135 وقال له: «مصصت بظر أمك، لو كان أبوك قتل ما ~~عوقتني!» # 25 # كذلك كانوا يغضبون لأتفه الأسباب، وكلما تعارضت أوامرها مع رغباتهم، ولم تعبر ~~عما يودون سماعه من الكلام، انهالوا عليها بالسباب والتحقير. # وأقبل رجل من بني ملكان # 26 # على سعدصنم قبيلته المعبود - وهو صنم في الصحراء - وكان مع الرجل ~~إبله جاء بها ليقفها عليه يريد التبرك به، وبينما كانوا يريقون عليه دماء ~~العتائر # 27 ~~- حسب عادتهم - نفرت الإبل وولت هاربة، فغضب صاحبها، وتناول حجرا، ~~فرمى به وقال: «لا بارك الله فيك إلها أنفرت علي إبلي.» ثم خرج في طلبها حتى ~~جمعها، وانصرف عنه وهو يقول: # أتينا إلى سعدليجمع شملنا # فشتتنا سعدفلا نحن من «سعد» # وهل سعدإلا صخرة بتنوفة # من الأرض لا يدعى لغي ولا رشد؟ ~~••• # وكان بنو حنيفة أنفسهم أقل الناس احتراما لآلهتهم، إذ كانوا يأكلونها، ونحن ~~جديرون أن نقرر عذرهم في ذلك، فقد كانوا يصنعون آلهتهم من نوع - بعينه - من العجوة ~~ومن اللبن والزبد، فلما وقعوا في قحط ومجاعة أكلوها. ~~••• # ومن هنا يتضح أن العرب لم تكن تعتقد في تلك الأرباب اعتقادا جديا، فقد كان ~~أكبر شيء يحترمونه هو الله (تعالى)، على أن الله لم يكن له عندهم أيضا عقيدة قوية ~~راسخة في قرارة نفوسهم؛ لأنهم كانوا لا يعرفون عنه شيئا كثيرا، إذا لم يكن له ~~كهان يدعون الناس إليه، ويرغبونهم في عبادته وطاعته، ويذيعون إرادته ويوضحون لهم ما ~~قدره من خير وشر. # عقيدة البعث # ولم يكن الناس على عقيدة واحدة، كانوا شديدي الاختلاف، فمنهم من كان يؤمن بحياة ~~ثانية بعد هذه الحياة، ويدين باليوم الآخر، ولا يقف عند حد الاعتقاد في بعث ~~الإنسان، بل يدين ببعث الحيوان أيضا. # ومن ثم كان يدفن راحلته إلى جانبه أو يتركها تموت على قبره، ليركبها يوم ~~القيامة، فلا يتكبد عناء السير على قدميه. # على أن سوادهم كان يستهزئ بفكرة البعث ويسخر منها، وكانوا يدينون في كل مكان برأي ~~القائل: # حياة، ثم موت، ثم حشر # حديث خرافة يا أم عمرو ~~••• # وليس في ms136 هذا موضوع للعجب، فإن هذه الفكرة - فكرة البعث - لمحببة إلى نفوس ~~الآريين، شديدة الغرابة عند الساميين، وآية ذلك، أن اليهود أنفسهم لم يقبلوها من ~~الفرس إلا بعد تشريدهم، # 28 # إن لم نقل في أوائل التاريخ الميلادي، على أن جماعة الصدوقيين نفسها - ~~وهي كبيرة العدد - قد رفضت فكرة البعث، ولم تقبلها قط. # 29 # كذلك لم يلق محمد # صلى الله عليه وسلم # مقاومة جدية من العرب إلا حين دعاهم إلى هذه الفكرة، ~~ونادى فيهم بوجوب الإيمان بصحتها، وما زال البدوي - إلى أيامنا هذه - لا يعنيه أمر ~~البعث، ولا يكترث له. # 30 # المسيحية واليهودية # قلنا إن ديانة العرب الأولى كانت واهية، لا ترتكز على أساس متين، ومتى أقررنا ذلك ~~سهل أن نفرض أنه كان من اليسير على العرب أن يقبلوا دينا آخر - غير دينهم هذا - ~~فيدينوا بالمسيحية أو اليهودية مثلا. # وهذا كلام صحيح، ولكن إلى حد ما؛ فقد انتشرت المسيحية لهذا السبب نفسه في جهتين، ~~انتشرت في بلاد الحبشة - جنوبا - وفي سوريا - شمالا - حيث لقيت شيئا من القبول، ~~وقد انتصرت كذلك في مدينة نجران في وقت مبكر، ودانت شبه جزيرة سينا بالمسيحية، ~~كما تنصر عرب سوريا، وأصبح علم النصرانية خفاقا على كثير من الأديرة ~~والكنائس. # على أن هذا النجاح كله لم يكن - في أي مكان تقريبا - إلا مظهرا من المظاهر لا ~~حقيقة من الحقائق. # أما في أواسط بلاد العرب، وفي قلب جزيرتهم حيث نبتت جرثومة العربي القح وأرومته، ~~فلم تنجح فيها الدعاية للدين المسيحي، ولم نكن لنرى ثم إلا أثرا ضعيفا له - إن ~~لم نقل - معدوما. # وكانت المسيحية في ذلك الزمن - على وجه عام بما تحويه من معجزات، وبما فيها من ~~عقيدة التثليث، وما يتصل بذلك من رب مصلوب - قليلة الجاذبية، بعيدة عن التأثير في ~~نفس العربي الساخر الذكي. # وآية ذلك ما تراه واضحا فيما حدث للأساقفة الذين سعوا إلى تنصير المنذر الثالث ~~ملك الحيرة - حوالي عام 513 من الميلاد - وإن المنذر ليصغي إلى ما يقولون ~~بانتباه، إذ دخل عليه أحد قواده، فأسر ms137 إليه بضع كلمات، ولم يكد ينتهي منها حتى ~~بدت على أسارير الملك أمارات الحزن العميق، فتقدم إليه أحد القساوسة يسأله متأدبا ~~متلطفا عما أشجاه، فأجابه الملك: «يا له من خبر سيئ! لقد علمت أن رئيس الملائكة ~~قد مات، فوا حسرتا عليه!» # فقال القسيس: «هذا محال أيها الأمير، وقد غشك من أخبرك بذلك، فإن الملائكة ~~خالدون يستحيل عليهم الفناء!» # فأجابه الملك: «أحق ما تقول؟ وتريد أن تقنعني بأن الله ذاته يموت؟» ~~••• # أما حظ اليهودية في اجتذاب العرب إليها، فهو أكثر من حظ المسيحية، فقد رحلت جمهرة ~~كبيرة من اليهود بعد أن شردهم الإمبراطور «أدريان» الذي ثاروا عليه، فألحق بهم ~~الأذى، وشتت شملهم، فوجدوا في بلاد العرب ملجأ لهم، وبثوا دعايتهم فيها، فدان ~~باليهودية قبائل عدة من سكان الجزيرة العربية. # ولعل هؤلاء هم وحدهم المتهودون الذين أخلصوا لليهودية حقا، وقد صارت اليهودية ~~نفسها - في زمن ما - دين اليمن الرسمي. # على أنها ضعفت - على مرور الزمن - وقل إقبال العرب عليها؛ لأن اليهودية لا تلائم ~~إلا شعبا مختارا، أما أن تكون دينا عاما للناس قاطبة فلا! ذلك أنها ملأى ~~بالشكايات والآمال الغامضة التي تعلق بها اليهود بعد أن خرب بيت المقدس، وليس هذا ~~مما تلائم طبيعته الشعب الطموح إلى المجد ! # وليس من أصالة الرأي أن نقول إن سواد العرب كانوا يشعرون بحاجة إلى دين آخر، فإن ~~العربي - ذلك البدوي الحر كما سنراه في كثير من المناسبات التي ستتيحها لنا الفرص ~~أثناء دراسته - ليس متدينا بطبعه، كما أن كل محاولة بذلت في سبيل جعله كذلك كان ~~نصيبها الفشل التام. # فالعربي رجل عملي مادي، لا يعنى بغير الحقائق حتى في شعره، فهو لا يسبح في ~~الخيال والوهم، ولا يميل إلى الأخذ بتلك الألغاز والمعميات الدينية، التي يعتمد ~~الإنسان في استيعابها على التخيل أكثر من اعتماده على التعقل. ~~••• # إن ديانة العرب التي ألفوها، لم تكن مهيمنة على نفوسهم ومشاعرهم، بل كانت ضعيفة ~~الأثر، قليلة الخطر، ولكنها كانت دين سوادهم على كل حال، فإذا كان من الحق علينا ms138 أن ~~نعترف أن المستنيرين منهم لم يؤمنوا بتلك الأرباب، فمن الحق علينا أن نقرر أيضا أن ~~عدم إيمانهم بها لم يكن كافيا للقضاء عليها. # والحق أن أحدا لم يكن مضطرا إلى العقيدة، فقد كان البدو لا يبالون أن يسخروا ~~حتى من أربابهم التي يعبدونها، ولا يترددون في إلحاق الأذى والضرر بها، بقلوب جد ~~مغتبطة، بيد أن القضاء - بعد كل هذه الاعتبارات - على عبادة يدين بها أجدادهم ~~وآباؤهم من قبل، كان يثير في نفوسهم كبرياءهم القومي، أنفة من أن يتركوا دين ~~أسلافهم الذين كانوا يفردونهم بكل إجلال وإكبار. # وجماع القول أن الديانة كانت في نظر العربي القديم - كما هي في نظر البدو في ~~أيامنا هذه - أمر لا خطر له، وآية ذلك أن شعراء الجاهلية لا نكاد نراهم يذكرون ~~دينا أو عقيدة في أشعارهم، ولو فتشنا أناشيدهم لم نر فيها - إذا استثنينا أسماء ~~الآلهة وبعض الشعائر المختلفة - إلا عبارات مقتضبة، لا تكاد تعثر فيها على ذكر ~~لعبادتهم القديمة. # لقد عاش العرب للحياة الحاضرة، ولم يشغلوا أذهانهم بشيء من مسائل وراء الطبيعة، ~~وكان مؤمنوهم يتابعونهم في ذلك الشعور ويصدرون عنه. # ومع كل هذه الاعتبارات، فقد وجدت لهذه القاعدة شواذ - شأن كل قاعدة - فإن وجود ~~جماعات شتى من متألهي العرب الذين يدينون بوحدانية الله وإن اختلفت وجهاتهم ~~وتباينت نحلهم - لتدين بعضهم باليهودية أو المسيحية - كان أمرا له خطره عند ~~العرب، وله أثره في نفوسهم، إذ كان أولئك المتألهون لا يفتئون يبثون عقائدهم فيمن ~~حولهم من العرب. # الحنيفية # ومن ثم رأينا في أواخر القرن السادس الميلادي لبعض الشعراء دلائل وآثارا ~~لإيمان عميق بوحدانية الله، ورأينا منهم شعورا يقظا بالتبعة المترتبة على ما ~~تصنعه أيديهم من خير أو شر، وهذه الفئة - التي ترى هذا الرأي - هي طائفة ~~الحنفاء، # 31 # وقد كانوا في شتى الأنحاء، لا تربطهم أية آصرة، ولا يضمهم مذهب بعينه ~~كما يفعل الصائبة المنتسبون إلى إبراهيم الذين كانوا يسمون أنفسهم الحنفاء ~~أيضا! # وكان لهاتين الطائفتين - من الحنفاء - رأي واحد في رفض اليهودية والمسيحية معا، ms139 ~~والاعتراف بدين «إبراهيم»، وإبراهيم هذا - الذي عرفوه من اليهود والنصارى - هو ~~الأصل الذي ينسبون إليه، فهو والد جدهم إسماعيل وهو الذي بنى الكعبة في ~~مكة. # وكانت شريعته الحنفاء سمحة رشيدة، واضحة المحجة، سهلة الإقناع لهؤلاء العرب ~~العمليين - وهي في جوهرها - صالحة لأن تكون دين العرب قاطبة، ولم ينقصها لبلوغ هذه ~~الغاية إلا أن تكون عقيدة ثابتة مستقرة، وأن تكون لها هيئة روحية ذات سيادة دينية، ~~وأن تكون منزلة من السماء، أو تفهم على أنها كذلك. ~~••• # وهذا هو العمل العظيم الذي أخذ محمد # صلى الله عليه وسلم # على عاتقه القيام به ليتمم نقص ~~الحنيفية، ولكن هذا العمل - على ما فيه من صعوبة - قد ضوعفت مصاعبه؛ لأن العرب لم ~~يكونوا في غير حاجة إلى الدين فحسب، بل كانوا - إلى ذلك - ينفرون بطبيعتهم من كل ~~مظهر من مظاهر العبادة ومراسمها، كما كانوا يكرهون الفروض الغامضة والمعميات التي ~~تتصل بما وراء الطبيعة. # ولا بد من إقناع جازم ويقين لا يتزعزع للتغلب على هذه العقبات. # | بعد وفاة النبي # فصل آخر من كتاب: «الإسلام» لدوزي # مات النبي ولم يترك ولدا له، ولم يعين خليفة يخلفه، فكانت الساعة غاية في الحرج، ~~وأصبح كيان الإسلام نفسه مهددا نهب الحوادث والظروف، وقد انتشر خبر وفاته بسرعة لا ~~مثيل لها، وكان له وقع شديد على أصدقائه المخلصين، وكأنما أصابتهم صاعقة حين بلغهم ~~هذا النبأ المروع، وكان الناس قسمين: قسما يحسبه خالدا لن يموت، وقسما لا يتوقع ~~موته بهذه السرعة، بل يؤمل له حياة طويلة وعمرا مديدا، وكان عمر - خاصة - ممن ~~يؤمل هذا الأمل. # وبعد أن مات النبي، وأسلم آخر أنفاسه بزمن يسير، دخل عمر مخدع عائشة فرفع ~~الغطاء - الذي كانت جثة النبي مسجاة به - وتأمل محيا سيده مليا - وهو في نومته ~~الأبدية - فرأى كل شيء هادئا، ونظر إلى ما حوله فرأى سكونا طبيعيا، فلم يعد ~~يصدق ذلك النبأ المروع، وصاح: «كلا لم يمت النبي، بل هو في غيبوبة!» # وكان المغيرة حاضرا، فحاول عبثا أن يرشده إلى خطئه، فقد صرخ فيه ms140 عمر: «كلا، ~~بل تكذب، إن رسول الله لم يمت، ولكن خبث طويتك وفساد نفسك الشريرة قد أدخلا في روعك ~~هذا الوهم الخاطئ، ولن يموت النبي قبل أن يقضي على المنافقين، ويبيد أهل ~~الشرك.» # ثم ذهب عمر من توه إلى المسجد، فصاح فيمن تجمهر من الناس: «لقد زعم الزاعمون، ~~وأرجف المرجفون، أن محمدا قد مات، وبئس ما يتقولون، ألا إن محمدا لم يمت وإنما ~~ذهب للقاء ربه، كما فعل موسى إذ غاب عن قومه أربعين يوما، ثم رجع إلى أصحابه بعد ~~أن يئسوا من عودته، ووالله ليعودن النبي كذلك، ثم ليعاقبن كل من اجترأ على قول هذا ~~القول!» # ولم يكد يسمع الحاضرون قوله حتى أمنوا عليه، ولا غرو في ذلك، فقد كانوا - إلى ~~زمن يسير جدا - يرون محمدا في نفس المكان الذي يخطبهم فيه عمر فلم يكن أحب من ~~تصديق ما يقوله عمر. # وجاء أبو بكر في هذه اللحظة فاخترق المسجد، وأصغى هنيهة قصيرة إلى كلام عمر ~~المتأجج عاطفة وحماسة، ثم أسرع إلى مخدع عائشة ووقف أمام جثة النبي أيضا، فرفع ~~الغطاء عنها، وقبل وجه صاحبه - وهو مستغرق في نومته الأبدية - ثم صاح قائلا: ~~«طبت حيا وميتا.» # ورفع رأس النبي بتؤدة وأناة، وتأمل أسارير ذلك الوجه الذي طالما تملى به من ~~قبل، ثم قال: «نعم، لقد مت، فوا أسفاه عليك أيها الصديق المحبوب، بأبي أنت وأمي، ~~فقد قاسيت من غمرات الحمام ما قاسيت، وتجرعت من غصص الموت ما تجرعت، وإنك لأكرم ~~على الله من أن تتجرع هذه الكأس مرة أخرى!» # ثم وضع رأس النبي برفق - على وسادته - وقبل رفيقه مرة أخرى، ثم سجاه بغطائه ورجع ~~- أدراجه - إلى المسجد، فوجد عمر لا يزال يتأجج حماسة، وهو يخطب الناس ليقنعهم أن ~~الرسول لم يمت، فصاح فيه: «حسبك يا عمر! هدئ من ثائرتك واجلس حيث أنت!» فلم يصغ ~~إليه عمر وطفق يخطب الناس، فولى أبو بكر وجهه شطر الناس، فأقبلوا عليه، ~~وتركوا عمر فقال لهم أبو بكر: «أما قال (تعالى) - في محكم آياته - لنبيه: ms141 # إنك ميت وإنهم ميتون ~~؟ # أما قال (تعالى) في آية أخرى - بعد موقعة أحد # وما محمد ~~إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو ~~قتل انقلبتم على أعقابكم ~~؟ # ألا إن من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا ~~يموت!» ~~••• # وكأنما كان الناس في حلم، أفاقوا منه بعد ما سمعوه من قول أبي بكر، فقد ذهل ~~الناس من فداحة الخطب عن هذه الآيات القرآنية حتى إذا ذكرهم بها أبو بكر الرزين ~~أيقنوا جميعا أنهم لن يروا النبي بعد. # انتخاب الخليفة # بقيت عقدة خطيرة لا بد من حلها، وهي أن محمدا قد مات، ولم يعين من يخلفه، فلا ~~مندوحة إذن عن انتخاب أمير لهم، ولكن من الذي يعين هذا الأمير؟ # أيعينه كل المسلمين؟ هذا حسن، فهل من سبيل إلى تحقيقه؟ # لقد كان الوقت عصيبا، وكان من السهل أن يرى الإنسان أمامه أزمة رهيبة وشيكة، ~~وجمهرة من القبائل لن تلبث أن ترتد عن الإسلام؟ إذن يتعين أن يقتصر انتخاب الخليفة ~~على القبيلة التي لها الصدارة والسلطان بين قبائل العرب قاطبة، وثم اجتمع الأنصار ~~«أهل المدينة» الذين عز بهم الإسلام وانتصر، فمن يختارون؟ # لا مجال للتردد والحيرة، فأمامهم الفارس النبيل سعد بن عبادة رئيس «الخزرج»، ~~وقد كان من الطبيعي المألوف أن يختاروه - ولم يكن حينئذ قد تم شفاؤه من مرض خطير ~~كان قد ألم به - فحملوه مدثرا مدوجا إلى جمهور المدنيين، وكان ضعيفا ~~من أثر المرض، فلم يستطع إبلاغهم صوته، فقام أحد أصحابه يردد ما يقول. # وقد ذكر سعد بن عبادة أصحابه بأنهم أول من دخل الإسلام من القبائل، وأن نصرته ~~لم تتم إلا بهم بعد، وأنهم لذلك جديرون بالزعامة على العرب قاطبة. # فقابلوا كلامه بالاستحسان والتحبيذ، وأظهر جمهورهم له حماسة شديدة، ونادوا به - ~~في الحال - خليفة لرسول الله، ولكن فئة قليلة منهم أبدت خوفها من رفض المهاجرين هذا ~~الرأي، وعدم رضائهم عنه، فأجابهم أصحابهم: «لا علينا من ذلك، سنقول لهم حينئذ: لقد ~~اخترنا لنا ms142 أميرا، فاختاروا لكم أميرا، وافترقوا عنا، فلن نذعن - بحال ما - ~~لغير أميرنا الذي اخترناه.» # ولم يكد يبلغ أبا بكر هذا النبأ، حتى أقبل عليهم بأقصى ما في قدرته من سرعة - ~~ومعه عمر وأبو عبيدة - وما كادوا يصلون، حتى انبرى عمر للكلام، فمنعه أبو بكر - ~~وله كل الحق فيما فعل - خشية من تحمسه واندفاعه، وقال له: «تريث حتى أتكلم، ثم قل ~~ما شئت بعدي؟» ~~••• # وبدأ أبو بكر يخطب الناس - بكل تواضع - فاعترف للمدنيين بما قاموا به من خدمات ~~جليلة للإسلام، ثم أظهر لهم - إلى هذا - جدارة المهاجرين بالخلافة، لقرابتهم من ~~الرسول وكونهم من أسرته، ثم لأنهم أول من دان بالإسلام، وقد لقوا في سبيله ألوانا ~~من العسف، وضروبا من النكال، واحتملوا ذلك كله صابرين. # ثم قال: «فأنتم تلوننا في هذه المرتبة، فليكن الأمير منا، والوزراء ~~منكم.» # فأجابوه: «بل منا أمير، ومنكم أمير!» # فصاح عمر: «كلا، ومحال أن نولي أميرين، ولن تعترف العرب بمن تختارون، فليس ~~نبيهم من قبيلتكم، ولن يخضعوا لأحد إلا أن يكون قريبا للنبي، ومن رفض ذلك، أرغمناه ~~على قبوله إرغاما.» # وحمي وطيس الكلام، وكاد اللجاج ينقلب خصومة، لو لم يقل لهم أبو عبيدة: «لقد ~~كنتم أول ناشر للإسلام، وأول معين للنبي، فلا تكونوا الأن أول ساع في التفرقة، ~~وتشتيت الوحدة الإسلامية!» # وهنا قام «بشير» - قريب «سعد» ومنافسه - فقرر ما للمهاجرين المكيين من الحقوق في ~~أعناق المسلمين، فأثر كلامه في نفوس فئة من «الخزرج»، ولكن الأثر لم يبلغ أشده، إلا ~~في نفوس القبيلة المدنية الأخرى، وهي قبيلة «الأوس» بسبب ما كان بينها وبين قبيلة ~~«الخزرج» من نفور قديم، جعلهم لا يرتاحون إلى «سعد»، ولا يرضون به أميرا عليهم، ~~وكانوا - منذ لحظة - يقررون حق المهاجرين وجدارتهم بالخلافة، فلما سمعوا كلام أبي ~~عبيدة ثبتوا على رأيهم وظاهروا المهاجرين على الأنصار. # وبذلك سنحت فرصة ملائمة، فأسرع أبو بكر إلى انتهازها وأمسك بيده عمر وأبا ~~عبيدة، داعيا المدنيين إلى اختيار واحد منهما لمبايعته بالخلافة، فصاحا في نفس ~~واحد: «بل أنت خير منا، فامدد ms143 يدك نبايعك، ونقسم لك على الخضوع والطاعة.» # وامتدت بين يديهما يد ثالثة إلى يد أبي بكر، وهي يد بشير الذي أسرع بمبايعته ~~معهما، ثم نهج «الأوس» منهجه، وأقبل المسلمون يبايعونه أفواجا، واشتد الزحام، وعلت ~~صيحات الفرح، فاختلطت بأصوات الدهشة، وأراد حباب الخزرجي أن يناوئ الدعوة، فصرخ ~~مهددا بالحرب، واستل سيفه، فانتزعه عمر من يده. # ورأى سعدآماله في الخلافة تتبدد هباء، وليت الأمر وقف عند هذا الحد، فقد أصبح ~~سعدنفسه في خطر حين تكأكأت عليه الجموع، فكادت تسحقه - وهو في محفته التي كان ~~محمولا عليها - وعبثا حاول أصحابه أن يقنعوا جمهرة المسلمين بوجوب احترامه، فإن ~~عمر نفسه لم يتورع عن إهانته، ووصفه بأقبح النعوت - على الرغم من أنه خصم أعزل ~~جليل القدر - وقد تداركه أبو بكر فصد هذه الجموع عنه، وأنقذه من أذاهم ~~وشرهم. ~~••• # وإذن فقد تم انتخاب الخليفة - خليفة النبي - وسط هذه الفوضى الشاملة كما اعترف ~~بهذه الحقيقة عمر نفسه، على ملأ من الناس في المسجد المدني فيما بعد، وقد كسب ~~المكيون بهذا الفوز أمرين: «زعامة العرب، وحسن اختيار الخليفة.» # فقد ولوا أمورهم رجلا كان أخلص صديق لنبيهم، ولو ترك أمر اختيار الخليفة إلى ~~الرسول، فقد لا يختار سواه؛ ذلك أنه جمع - إلى حبه الرسول - متانة الإيمان ، وقوة ~~اليقين، وصدق العزيمة في إعزاز الإسلام ونصرته، وبهذه الصفات نجح أبو بكر في ~~التغلب على المصاعب والعقبات التي كانت تكتنفه، وفي الحق أن الوقت كان عصيبا، ~~وكانت الظروف غاية في الحرج، فقد كان موت النبي - الذي كانت تترقبه العرب منذ زمن ~~طويل بفارغ الصبر - مؤذنا بالثورة في كل مكان، ولقد كنت ترى الثائرين - حيثما ذهبت ~~- رافعين علم الثورة والتمرد، وقد رجحت كفتهم أيما رجحان، حتى لقد طردوا ولاتهم من ~~بلادهم، فلم يجد هؤلاء أمامهم ملجأ إلا المدينة، فتقاطروا عليها من كل فج يحتمون ~~فيها من أذاهم. # وكان لا يمر يوم حتى يفد على المدينة بعض الولاة والعمال المطرودين، وأعدت ~~القبائل المجاورة للمدينة عدتها لحصارها. # فكيف يقاومهم أبو بكر وليس لديه جيش يحاربهم ms144 به، بعد أن أرسل جيشه إلى سوريا ~~ليفتحها تنفيذا لأمر النبي برغم نصيحة المسلمين الذين رأوا خطورة الحال، ولقد ~~ألحوا عليه أن يعدل عن تنفيذ فكرة الفتح حينئذ، فقال لهم: «لن أخالف ما أمر به ~~النبي، ولو أصبحت المدينة نفسها نهبا للثائرين والمتمردين، ولا بد لي من تحقيق ~~مشيئته!» # ومن ثم ترى الخطر العظيم باديا، على أنه - على الحقيقة - خطر أقل مما تدل ~~عليه ظواهره، فإن قوة الخصم الحقيقية لا تقاس بما لديه من عدة ورجال، بل بما عنده ~~من قوة معنوية، وبما يصبو إلى تحقيقه من غاية سامية يتطلع إليها ويخوض غمار الحرب ~~من أجلها، باذلا في سبيلها النفس والنفيس. # فما هي الغاية التي يسعى إليها الثائرون؟ وأي حافز يدفعهم إلى إضرام الحرب؟ أهو ~~إيمان وثيق متوشج في أعماق قلوبهم، كإيمانهم القديم الذي كانوا عليه قبل البعثة؟ لو ~~كان ذلك، لما كان ثمة شك في انتصارهم الحاسم! # ولكن شيئا من ذلك لم يكن، فإنهم لا يحاربون الآن لينصروا دينهم القديم ويؤيدوه، ~~بل هم يثورون على دينهم الجديد لأنهم لا يطيقون احتماله. # وليس هذا بالسبب القوي الذي يلهب حماستهم ويحفزهم إلى الإتيان بجلائل الأعمال، ~~ولا هو بالسبب الذي يخلق البطولة والأبطال، فقد كان رؤساء القبائل المتمردة - ~~أنفسهم - شاعرين كل الشعور بضعف المعنوية، فلجأ إلى فكرة سخيفة حسبوا أنها تعيد ~~إليهم تلك القوة، فادعوا النبوة! وخيل إليهم أن محمدا لم ينجح إلا بهذه ~~الفكرة، فأرادوا تقليده. # ولكنهم نسوا أمرا واحدا - هو سر نجاحه في بث دعوته - ذلك أنه كان مؤمنا بما ~~يدعو إليه إيمان المستيقن الجازم، وهذا هو الذي يعوزهم وبغيره لا يتم نجاح. # وكانت تلك الثورة الهائلة، وتلك الحرب الشعواء - على ما أريق فيهما من دماء غزيرة ~~إذا قورنت بما أتاه المسلمون في غزواتهم التي عز بها الإسلام - ظاهرة سخيفة مضحكة، ~~يتمثل فيها الإنسان - عن غير قصد - كيف قلبوا تمثيل هذه الرواية الجدية التي مثلها ~~النبي وأصحابه مهزلة وعبثا! # ألا ترى مسيلمة الذي مثل دور النبي في اليمامة؟ # ألا ترى ms145 ذلك الدجال السوقي التعس، ذلك المشعوذ السمج الذي لا يصلح لغير التدجيل ~~وإدخال بيضة في زجاجة ضيقة الفوهة؟ ألا تراه ينشئ قرآنا سخيفا يقلد به محمدا، ثم ~~يرخص لأتباعه في شرب الخمور أنى شاءوا، ولا يكاد ينشر دعوته حتى يصادفه سوء الحظ، ~~فتحاصره «سجاح» وتنازعه النبوة؟ ~~••• # أما «سجاح» هذه فقد كانت مسيحية نشأت في بلاد النهرين وجاءت تبث الدعوة لنفسها ~~- على رأس جيش عظيم - فماذا يصنع مسيلمة؟ # ليس أمامه إلا أن يلجأ إلى طريقة المسالمة - وقد فعل - فأرسل إليها هدايا فاخرة، ~~ودعاها إلى محادثته، وطال بينهما الحوار. # 1 # ولما عادت «سجاح» إلى قومها سألوها عن رأيها في مسيلمة فقالت لهم: «لقد رأيته ~~نبيا حقا فتزوجت منه!» # فسألها التميميون: «وهل أهدى إلينا شيئا من مهر الزواج؟» # فقالت: «لا». فقالوا لها: «عار علينا أن نزوج نبيتنا بلا مهر! ولن نقبل ذلك بحال ~~ما!» # فأرسلت إليه بذلك - وكان مسيلمة خائفا متحصنا - فلما جاءه الرسول لم يأذن له، ~~حتى عرف الغرض الذي جاء من أجله، فاطمأن إليه، وقال له: «عد إلى قومك، فأخبرهم أن ~~مسيلمة بن حبيب رسول الله قد رفع عن التميميين - من الصلوات الخمس - صلاتي الصبح ~~والعشاء.» ولقد فرح التميميون بذلك، وساروا عليه حتى بعد أن عادوا إلى الإسلام من ~~جديد. ~~••• # ومن ثم ترى أن هؤلاء التائبين، ليس لهم عقيدة جدية يدافعون عنها، فلا غرو إذا ~~قهرهم رجل كأبي بكر وثيق الإيمان قوي الإرادة، صلب العزيمة، لا يعرف هوادة - في ~~إرغام أنفوهم - ولا رحمة! ولو شاء أبو بكر أن يهادنهم لتنازل لهم عن قليل من ~~مطالبه، فكسب بذلك مساعدة كثير من القبائل - أو ضمن حيادهم على الأقل - فقد وعدوه ~~بالمواظبة على إقامة الصلاة المفروضة عليهم، على شريطة أن يعفيهم من إيتاء الزكاة، ~~ونصحه أعيان المسلمين أن يقبل ذلك منهم، فرفض رأيهم بإباء شديد، وقال لهم: # 2 ~~«إن الإسلام قانون واحد لا يتجزأ، وليس لأحد أن يأخذ ببعضه ويرفض البعض ~~الآخر.» # وقد كان هذا الإصرار الحازم، وذلك الحقد الشديد على أهل الردة سببا ms146 في منحه قوة ~~أكبر مما نتصور. ~~••• # ولم يكد ينتهي من إخضاع القبائل المجاورة له، حتى بدأ يهاجمه طلحة الذي كان ~~بطلا من قبل، وقد جاء يدعي النبوة كغيره، ثم يجبن عن دخول المعركة، فيرقب الحرب - ~~وهو بعيد عن الميدان - مدثرا في عباءته، كأنما يؤمل أن ينزل وحي من السماء، أو ~~تحدث معجزة خارقة، وقد ترقب ذلك زمنا طويلا، ثم وقعت المعجزة؛ إذ بدأت تنهزم ~~قبيلته أشنع انهزام، وحينئذ صاح في جنده: «احتذوا حذوي إن استطعتم.» ثم امتطى ~~جواده، وأطلق له العنان، وأمعن في فراره. ~~••• # وكانت تلك المعركة التي اصطلاها المسلمون معركة مروعة هائلة، وفي الحق أن الدماء ~~التي أريقت في هذه الحرب، كانت أكثر مما أريق في تلك الحروب الطاحنة التي نشبت ~~فيما بعد بين المسلمين والفرس ثم بين المسلمين والإمبراطورية الرومانية، وقد اقترف ~~العرب من الفظائع في هذه الحرب «حرب الردة» شنعا لم يعرفها الإسلام قط، فكانوا ~~إذا انهزم العدو تعقبوه ونكلوا به، لأن الردة جزاؤها القتل، لا هوادة في ذلك ولا ~~رحمة، وقد بعث أبو بكر إلى خالد يأمره بقوله: «عليك بإبادة الكفرة بالحديد ~~والنار، ولا تأخذنك فيهم رحمة قط.» ~~••• # ولقد انهزم أصحاب مسيلمة - وكان عددهم زهاء عشرة آلاف مقاتل - ومزقهم المسلمون ~~شر ممزق، وغرقت بلاد العرب كلها في الدماء! # ولكن الإسلام قد خرج من تلك المعارك - الناشبة في كل مكان - مؤيدا منصورا، ودان ~~به العرب بعد ذلك - طوعا أو كرها - فقد أقنعهم خذلانهم بوجوب الاعتراف بالدين ~~الإسلامي، إن لم يكن اعتراف المستيقن المؤمن، فاعتراف الخائف الذي يعرف قوة هذا ~~الدين العظيمة التي لا تجدي معها أي مقاومة. # بعد النصر # ولم يكد يتم انتصار أبي بكر حتى وجه هؤلاء البدو الظامئين إلى الدماء، إلى ~~مهاجمة فارس والإمبراطورية الرومانية، وهذا العمل عند من ينظر إلى ظواهر الأمور ~~وحدها جرأة وتهور، ولكنه - على الحقيقة - رزانة وتعقل. # وإنما سار أبو بكر في هذا على خطة النبي التي كان يتبعها، وهي أن يشغل العرب عن ~~التفكير في خضوعهم، ولا يدع لهم وقتا ms147 كافيا لذلك، وقد رأى أن خير ما يربطهم ~~بالإسلام لا يكون إلا عن طريق الفتح والانتصارات الحربية، وما يجره ذلك من ~~الغنائم. ~~••• # وهكذا انتهت حروب الردة، ولم تقم للمرتدين بعدها قائمة، فقد كان عقاب الردة ~~القتل، وهنا تظاهر الناس بالإسلام ووقفوا عند هذا الحد، ونحن - إذا استثنينا صفوة ~~المسلمين، ونواتهم المؤلفة من المهاجرين والأنصار وبعض من يمتون إليهم بسبب - لم ~~نجد بعد ذلك من يعرف القرآن وتعاليمه إلا عددا غاية في القلة، أما العرب الذين ~~استوطنوا أفريقيا، فقد ظلوا - حتى بعد مضي قرن من الهجرة - لا يعرفون من الإسلام ~~أكثر من أنه دين أتى بتحريم الخمر، أما أولئك الذين استوطنوا مصر، فإنهم ما تحدثوا ~~عن الإسلام أو شغلوا به أنفسهم قط، وكانوا لا يذكرون إلا أيام الوثنية، وعهودها ~~الطيبة بالثناء والحنين. ~~••• # ولما انتصر العرب على الفرس في موقعة القادسية (635م) وأخذ كل واحد نصيبه من ~~الغنائم، بقيت نفائس أخرى وافرة لم تقسم بعد، فكتب الخليفة عمر - أمير المؤمنين ~~حينئذ - يأمر القائد بتوزيع باقي الغنائم على من يحفظ أوفر قسط من القرآن. # فجمع القائد إليه أبطال الجهاد الذين تم بفضلهم النصر والفوز، فسأل عمرو بن معد ~~يكرب النبيل عما يحفظه من القرآن فأجابه: «لا شيء، لأنني دنت بالإسلام في بلاد ~~اليمن ، ثم صرفتني الحروب العديدة عن القرآن وعن الاشتغال به.» # 3 # فالتفت القائد إلى بشر بن طائف يسأله، فكان جوابه: «ليس حظي من ذلك بأوفر من حظ ~~عمرو: «بسم الله الرحمن الرحيم».» # وقد كان هذا هو كل ما يحفظه من القرآن! ~~••• # زد على ذلك، أن الإسلام - وإن لم يلق معارضة قوية في أثناء فتوحاته المتوالية ~~المظفرة - فإن سراة مكة وطبقة الأرستقراطية العربية لم يغفروا لأصحاب هذا الدين ~~الجديد ومؤسسيه هذا الفوز الذي أحرزوه، ولم يرضوا عن ذلك السلطان الذي أراد ~~الموحدون أن يبسطوا ظله عليهم. # ولقد كانت تقوم المنازعات بين الشعب على مسألة من المسائل ظاهر أمرها أنها شخصية ~~لا علاقة لها بمبدأ أو عقيدة، وهي - في حقيقتها وجوهرها - غير ذلك، ms148 فقد كان يتخذ ~~النزاع غرضا يحوم حوله ومبدأ يناضل عنه ليتخذ منه تكأة يبرر بها غايته من ~~الشغب. # وقد بدأ ذلك بحادث عثمان - ثالث الخلفاء - حين تولى الخلافة بعد وفاة عمر ~~(644م) وكانت سن عثمان حينئذ سبعين عاما، وكان حليما لين العريكة، ضعيف ~~الإرادة أمام أسرته وأعيان مكة وسراتها ورجال بني أمية، أي إنه كان ضعيف الإرادة ~~أمام كل من ناصبوا محمدا العداء عشرين عاما، ثم أسلموا، فكان في إسلامهم مجال ~~واسع للظنون والحذر، ولقد نالوا بفضل عثمان أرفع المناصب وانتهت المأساة الكبرى ~~بقتل خليفتهم الشيخ المسن عثمان. # ثم ولي الخلافة بعده علي ابن عم محمد ولكن لم يتم الاعتراف به في كل مكان، ~~فقد هبت سوريا متحمسة إلى امتشاق الحسام وعلى رأسها واليها معاوية بن أبي سفيان ~~وكان انتصاره حينئذ هو انتصار جمهرة المعادين للإسلام، الذين كانوا يناوئونه من ~~صميم قلوبهم، على أن المسلمين حقا لم يخضعوا لهم، فقد أشعلوا نيران الحرب - من ~~جديد - في زمن يزيد الأول ابن معاوية الذي ولي الخلافة من بعده، ولقد قام ~~الحسين - وهو الابن الأصغر لعلي - يطالب بالخلافة، ولكنه صرع هو وفئته القليلة ~~التي كانت تناصره في موقعة كربلاء # 4 # ومن ثم قام عبد الله بن الزبير - وهو ابن صحابي من صحابة الرسول - ~~إلى مكة رافعا علم الثورة، وظل سنة كاملة لا يحفل به الخليفة، ولا يلتفت إليه ~~استصغارا لشأنه؛ ذلك أنه لما يغادر مكة إلى غيرها من البلدان، فلم ير له ~~الخليفة خطرا يستحق أن يناوئه من أجله، ورأى أن من الحزامة أن يتركه وشأنه، حتى لا ~~يثير عليه حفيظة المسلمين أكثر مما أثار من قبل - بلا حاجة - فلم تكن ثمة ضرورة ~~قاهرة تضطره إلى إراقة الدماء في بقاع كانت - حتى في زمن الوثنية - حرما مقدسا لا ~~يمسه أحد بسوء. # ولكن لكل شيء حدا، فقد صبر يزيد حتى عيل صبره، فلما لم يبق في قوس الصبر ~~منزع، طلب إلى عبد الله بن الزبير - للمرة الأخيرة - أن يبايعه، فلما رفض امتزج ~~الخليفة بالغضب ms149 وأقسم أنه لن يقبل من هذا الثائر طاعة حتى يؤتى به بين يديه ~~مكبلا بالأغلال، ولما هدأت ثائرة الخليفة ندم على قسمه - وكان طيب السريرة - ففكر ~~في وسيلة يبر بها في قسمه دون أن يمس كبرياء عبد الله، ثم استقر على أن يرسل إليه ~~غلا من الفضة ومعه حلة فاخرة ليخفيه تحتها - إذا شاء - وبعث إليه برسل يحملون ~~معهم هدايا ثمينة، فساروا من مقر ملكه دمشق حتى بلغوا مكة ولكن عبد الله رفض ~~- بطبعه - أن يقبل تلك الهدايا، وعبثا حاول الرسل أن يتوصلوا إلى إقناعه وإنزاله ~~عن رأيه، فقد أصر عبد الله على عناده، لأنه كان يعتقد أن كائنا من كان لن يفكر - ~~بحال ما - أن يلجأ إلى العنف والشدة معه وهو في تلك البقاع المقدسة، وكان هذا سر ~~طمأنينته، وقد أكد له الرسل بصراحة أن الخليفة لن يعنف معه ولن يقدم على مثل ذلك ~~العمل. # على أن عبد الله لم يكن أول من تعرض لغضب الخليفة ونقمته، فقد سبقه إلى ذلك ~~ثوار المدينة، وكانت روح الشر مهيمنة عليهم في ذلك الحين، فقد وقعت بينهم وبين ~~الوالي - حينئذ - خصومة بسبب النزاع على تملك بعض الأراضي، وأراد الوالي إزالة ~~أسباب الخلاف - وكان ابن أخت الخليفة يزيد - فنصح سراة المدينة وأعيانها أن يذهبوا ~~إلى بلاط الخليفة، فلما ذهبوا قابلهم الخليفة أحسن مقابلة وأكرم وفادتهم وتلطف معهم ~~رغبة في أن يستميلهم إليه، ولكن يزيدا كان - على أدبه ونبله - غير مشبع بروح ~~احترام الدين الذي كان يمثله وهو خليفة المسلمين الأعظم، فبدرت منه آراء - عن غير ~~قصد - صدمت بعض أصول الدين التي يقدسها أهل المدينة، فلما عادوا إلى بلادهم عادوا ~~ساخطين وأخذوا يشهرون بالخليفة ويذمونه عند مواطنيهم متأثرين بعامل الغضب وقالوا ~~لهم: «إنه يشرب الخمر، ويعزف على الأوتار، ويصرف نهاره بين كلاب الصيد - وقد كان ~~محمد يمقت ذلك أشد المقت - فإذا جن الليل جلس بين اللصوص وقطاع الطرق.» # يعنون بذلك البدو والأعراب الذين نشأ بينهم يزيد وترعرع، فلما كبر أدناهم من ~~مجلسه. ~~••• # وزادوا على ms150 ذلك أنه لا يصلي قط، وأنه جاحد، وعزوا إليه - فوق هذه التهم التي ~~بنوها على أساس واه أو متين - تهما أخرى لا أساس لها ولا وجود، وإن كان ذكرها ~~مما يثير في نفس خصومه من أهل المدينة حفائظ وأحقادا بعيدة الأثر. # وقد كانوا يميلون إلى تصديق كل تهمة تلصق بكل أموي، ومن ثم انقلب المسجد مسرحا ~~عجيبا تصب فيه اللعنات على يزيد وأتباع يزيد واجتمع أهل المدينة قاطبة - وهم ~~صاخبون - فشرع كل واحد منهم يتجرد من شيء من ملابسه فيلقي به صائحا: «إني أخلع ~~يزيد كما أخلع قبائي هذا»، أو «عمامتي»، أو «نعلي». # ثم طردوا كل من في المدينة من الأمويين وصدوا عن تعيين خليفة جديد لهم، فقد كان ~~القرشيون الذين في المدينة لا يحبون أن يعترفوا بأهلها، كما كان أهلها كذلك لا ~~يحبون أن يعترفوا بهم، فقر رأيهم على أن يتريثوا في تعيين الخليفة حتى يتم خلع ~~يزيد! # واستحوذ عليهم عداء جنوني - لا يحدوه رشد - فلم يتبصروا عواقب هذا الاندفاع وكيف ~~تقف مدينة واحدة أمام جيوش الإمبراطورية الإسلامية العظيمة كلها. # ولقد حاول عبثا أحد المدنيين - وكان قد عاش في بلاط الخليفة، ثم أوفده سيده إلى ~~المدينة - أن يبين حقيقة الخطر لمواطنيه ولكن الغضب أعماهم فأصبحوا لا يعيرون ~~الناصحين التفاتا ولا يصيخون إلى أية موعظة تقدم إليهم بحسن نية. ~~••• # وحينئذ رأى الخليفة أنه مضطر إلى الالتجاء إلى القوة، فأرسل إليهم جيشا عهد ~~بقيادته إلى «مسلم» - وكان «مسلم» أقرب إلى الوثنية منه إلى الإسلام - فأمره أن ~~يترك لأهل المدينة ثلاثة أيام يفكرون فيها، فإذا أبوا أن يخضعوا - بعد ذلك - هاجمهم ~~ودمر مدينتهم تدميرا في ثلاثة أيام أخرى، ثم أخذ على من فيها المواثيق بأنهم عبيد ~~يزيد وأمرهم أن يقسموا على ذلك فإذا رفض أحدهم أن يفعل قطعت رقبته. # ولم يكد يبلغ أهل المدينة رسالته حتى هبوا ثائرين أنفة من الخضوع وأعدوا عدتهم ~~للقاء العدو، وجاهد الفريقان بشدة وصبر نادرين (وكانت موقعة الحرة سنة 683م) وظهرت ~~الخسائر من الفريقين متكافئة، وكان أهل ms151 المدينة متحمسين يذكي فيهم الحرارة والقوة ~~تعصبهم الشديد واعتقادهم الثابت أنهم المختارون، وأن أعداءهم - من جيش سوريا - هم ~~عند الله كالوثنيين سواء، وكانوا على يقين من أن خصومهم إذا ماتوا صبت عليهم ~~اللعنات وباءوا بغضب من الله، أما هم فإنهم سالكون - بلا شك - مسالك الشهداء ~~والأبرار. # وبقي مصير الحرب معلقا في كف الأقدار زمنا طويلا، حتى كشفت الخيانة عنه، فقد ~~ارتشت أسرة من المدنيين ففتحت أحد أبواب المدينة لفرقة من جيوش العدو، فدخل ~~السوريون وسمع أهل المدينة من خلفهم - فجأة - صيحات النصر من أفواههم، فضاع كل أمل ~~لديهم في الفوز والغلبة، وأصبحت المدينة في قبضة العدو، وصار كل هجوم عبثا أو ~~مستحيلا، على أن جمهرتهم لم تفكر في الخطر المحدق بها، فهجم أهل المدينة على ~~أعدائهم فرادى وباعوا حياتهم بأغلى ثمن استطاعوا أن يبيعوها به! # وكان من بين القتلى سبع مئة من حفظة القرآن وأربعة وعشرون من الصحابة، ولم يكن ~~أحد من الصحابة الذين حاربوا مع النبي قد حارب بعد أن نصروه في حرب بدر على المكيين ~~حتى شهدوا هذا اليوم المشئوم. # ودخل المدينة فرسان سوريا فلما لم يجدوا مكانا يربطون فيه خيلهم ربطوها في ~~مسجد المدينة - بين قبر النبي ومنبره - أي في نفس المكان الذي طالما سماه النبي ~~نفسه: «جنة من جنان الفردوس ». ~~••• # ثم نهبوا المدينة في ثلاثة أيام وسبوا كل من فيها من نساء وأطفال، ولم ينج أحد ~~ممن بقي من أهلها - وقد فر أكثرهم - إلا بعد أن أقسم أن يكون عبدا من عبيد ~~يزيد. وهكذا أقسموا جميعا على أن يكون الخليفة يزيد سيدهم ومولاهم، وأن يكون ~~في حل من التصرف فيهم بما شاء، من عتق أو بيع، كما أقسموا أن يكون له الحق في كل ما ~~تملك أيمانهم من نساء وأولاد وأزواج. # ولما رأى أبناء مؤسسي الإسلام أنهم مضطهدون معذبون وأن بني أمية قد أرهقوهم ~~إرهاقا، لم يجدوا أمامهم وسيلة إلا المهاجرة، فهاجر الكثيرون منهم إلى حيث انضموا ~~إلى جيش إفريقية، ثم انضم أغلبهم - فيما بعد - إلى ms152 جيش العرب في إسبانيا. # وكان «مسلم» مكلفا أيضا بإخضاع مكة، ولكن الموت عاقه عن تحقيق إربته، فأخذ ~~«الحصين» - وهو أحد رجال جيشه - على عاتقه أن يحقق ذلك، فتولى قيادة الجيش، وبدأ ~~يحاصر مكة ويقذف الكعبة بالحجارة والصخور، حتى حطم عمدها وقواعدها، ثم نجح أخيرا ~~في إحراقها جملة، ولقي الحجر الأسود في هذه المرة أول نكبة حاقت به؛ لأنه لم يطق ~~مقاومة النار، فتحطم أربعة أجزاء. # على أن مكة لم يتم إخضاعها، فقد حال دون ذلك موت يزيد وما أعقبه من الفوضى ~~التي اضطرت الجيش إلى رفع الحصار والرجوع بالجيش توا إلى سوريا، وبهذا استعاد ~~عبد الله بن الزبير قوته، واستتب له أمر الخلافة في مكة وخارجها أيضا. # ولكن الأمويين ما لبثوا أن تم لهم الأمر من جديد بعد أن تولى الخلافة عبد الملك ~~وخضعت البلاد كلها له، ولم يتبق إلا مكة وحدها ثائرة، وفيها عبد الله بن ~~الزبير فلما رأى عبد الملك ذلك وجه إليها جيشا بقيادة الحجاج، فذهب إلى تلك ~~البقاع المقدسة، وحاصر المدينة، وطفق يرمي الكعبة بالصخور والحجارة ليدكها دكا، ~~وبينما كان يقذفها بالنار - ذات يوم - هبت عاصفة شديدة فأحرقت النار اثني عشر ~~جنديا، فرأى الجيش في ذلك عقابا من الله على انتهاك حرمة ذلك المكان المقدس، ~~فأحجم رجال الحجاج وكفوا عن ذلك. ~~••• # فاغتاظ الحجاج وخلع بعض ملابسه، وتقدم إلى المنجنيق فأخذ بيده حجرا ووضعه فيه، ~~ثم حرك حباله بعد ذلك، وهو يقول: «لقد أخطأتم الفهم، فليس معنى ما حدث هو ما ~~فهمتموه، ألا إنني لخبير بطبيعة هذه البلاد، ففيها ولدت، وكم رأيت لهذه العاصفة ~~أشباها لا تحصى!» # وظل يشدد الحصار عليها بقوة عدة أشهر، ثم أخذت بعد أن مات عبد الله بن الزبير ~~سنة 692م. # وهكذا لم تهدأ هذه الفئة المناوئة للإسلام ولم تثلج صدورهم إلا بعد أن تمت لهم ~~الغلبة على أنصار هذا الدين وظفروا بتقويض معالمه وإذلال أهل المدينتين المقدستين ~~وتحويل مسجد المدينة إصطبلا لخيلهم وإحراق الكعبة، وتحقير سلالة المجاهدين الأولين ~~الذين عز بهم الإسلام ms153 وانتصر. ~~••• # وقد عرفت تلك الأقلية العربية - التي اضطرت إلى الإسلام اضطرارا وأكرهت على ~~الدخول في هذا الدين إكراها - كيف تثأر لنفسها حين سنحت لها فرصة الانتقام ~~فتقاضتهم ثمن الفوز مضاعفا وشفت به غلة صدورها المكلومة. # أنصار الرجعية # ولم يكن عهد الأمويين إلا عهدا تتمثل فيه الرجعية والانتصار للوثنية، وكان ~~خلفاء بني أمية أنفسهم - إلا القليل النادر منهم - لا يعنون بنصرة هذا الدين ~~ولا يخلصون له، وقد تجاوز الوليد الثاني - وهو أحد هؤلاء الخلفاء - كل حد في ~~الإزراء بهذا الدين، وطوح به استهتاره إلى أبعد مدى، فاعتاض عن صلاة الجماعة ~~بصلات جواريه، ومغازلة سراريه، ولم يحجم عن تخريق كتاب الله بالنشاب # 5 # ولم يكن راضيا عن إسلام الشعوب الجديدة التي دخلت في هذا الدين ~~أفواجا من سوريين وأقباط وفرس وبربر شمال إفريقية؛ لأنه كان يرى في ذلك شرا ~~مستطيرا على خزانة الدولة، فقد كان القانون يفرض الضرائب على غير المسلمين الذين ~~يعيشون في ظل الحكم الإسلامي، فإذا أسلموا سقطت عنهم الجزية وأعفوا من أداء تلك ~~الضريبة التي فرضها عليهم القانون. # وقد ساعد ذلك على انتشار الإسلام، وشجع الناس على الدخول في هذا الدين، وتغلبت ~~المصلحة على العقيدة ودان بالإسلام ملايين من الناس الذين آثروا المال على كل ~~شيء. # والحق أن انتشار الإسلام بين هذه الجماهير والشعوب قد أرهق بيت المال، فقل ~~الإيراد حتى اضطر الخليفة إلى مضاعفة الجزية تقريبا، فقد كان الخراج في مصر في عهد ~~الخليفة عثمان أكثر من نصف ما وصل إليه بعد زمن قليل في خلافة معاوية وكان ~~السبب في ذلك أن جمهرة كبيرة من الأقباط دخلوا في الإسلام، وكان فريق منهم يتظاهر ~~بالإسلام من غير أن يعتقده، وفريق آخر ارتضاه دينا له هربا من دفع الجزية ~~المفروضة عليه، وثمة رأى الخلفاء ألا يعفوهم من تلك الضريبة متعللين بأنهم لم ~~يدخلوا حظيرة هذا الدين إلا طمعا في إعفائهم منها، وأنهم لا يقومون بتنفيذ أحكام ~~الدين والأخذ بتعاليمه. # عمر بن عبد العزيز # ولم يشذ من بين هؤلاء الخلفاء إلا ms154 الخليفة عمر الثاني - عمر بن عبد العزيز - ~~ذلك المسلم الورع التقي الذي آثر نصرة الإسلام على كل شيء، والذي احتقر المال، وزهد ~~فيه كل الزهد، بعد أن امتلأ قلبه بالإيمان، فأصبح لا يهمه إلا أن ينتشر الإسلام ~~ويدين به كل إنسان. # ولم يكن عماله يرتضون النزول على هذا المبدأ الجديد لأنه يهدم النظام الذي ألفوه، ~~ويقوض صرح بيت المال. # وقد كتب إليه أحد عماله - في هذا المعنى - يقول: «لو دامت الحال على هذا المنوال ~~لدان بالإسلام كل مسيحي، ولم يشذ منهم أحد، وبذلك تفقد الدولة كل دخلها.» # فأجابه عمر: «لو تم ذلك لتمت لي أسباب السعادة كلها، فليست لنا غاية نسعى إليها ~~إلا نشر هذا الدين بين الناس كافة، وقد بعث الله نبيه مبشرا بالإسلام وداعيا إليه ~~ولم يبعثه محصلا للمال، ولا جابيا للضرائب.» # وهكذا أجاب عامله كما أجاب عامل خراسان الذي شكا إليه إقبال الفرس على هذا ~~الدين لا عن رغبة فيه، بل فرارا من دفع الضرائب، وآية ذلك أنهم يدخلون الإسلام ولا ~~يختنون. # فأجابه عمر: «لقد أرسل الله نبيه ليهدي الناس إلى الدين الحق، ولم يرسله ليفرض ~~عليهم الختان.» # وهو بهذا لم يكن صارما في تطبيق أصول الشريعة، ولم يكن يجهل أن أكثر من دانوا ~~بالإسلام كان ينقصهم الإخلاص والصدق، ولكنه على ذلك كان يرى - وهو على حق فيما رآه ~~- أن أبناء هؤلاء المتظاهرين بالإسلام وأحفادهم سينشئون في ظل الإسلام والمسلمين، ~~ويشبون في أحضان هذا الدين، وتشربه دماؤهم فيصبحون مسلمين يخدمون الإسلام وينصرون ~~كلمته، وربما ظهر منهم من هو خير من المسلمين أنفسهم. # | قواعد الإسلام # أما سواد هؤلاء الذين دخلوا في الدين أفواجا، فقد كان في عهد الأمويين لم يتعد ~~أولى مراتب هذا الدين وهي الإسلام، فإن لهذا الدين ثلاث مراتب يفسرها الحديث ~~المأثور عن النبي. # فقد حدث: أن جبريل جاءه - ذات يوم - في زي عربي، وحياه وجلس إليه، وأدنى ~~ركبته حتى مست ركبة النبي، وسأله: «ما الإسلام يا رسول الله؟» # 1 # فأجابه محمد # صلى الله عليه وسلم ms155 ~~: «الإسلام هو شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ~~وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا». # فقال له: «صدقت، وما الإيمان؟» # فقال له: «الإيمان هو أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وقضائه في الخير ~~والشر.» # فقال له: «صدقت، وما الإحسان؟» # فقال له: «هو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن كنت لا تراه فإنه يراك.» ~~••• # وثمة ترى أن الإسلام يدل على إيمان خارجي بحت، وهو مراعاة قواعده الخمس ~~الجوهرية. # وقد كان المسلمون في عهد بني أمية قد وصلوا إلى هذه المرتبة، على أن كثيرا منهم ~~كان يؤمن بالله، ولكنه ينكر الوحي. # وقد أشار إلى ذلك القرآن بقوله: # قالت الأعراب ~~آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل ~~الإيمان في قلوبكم ~~. # 2 # وعلى كل خلاف في ذلك بين العرب وخلفائهم وعلى ما بذلوه من جهد قليل في نشر هذا ~~الدين للتغلب على عادتهم في محاربة انتشاره وإذاعته، بدلا من الترويج له، فإننا ~~نرى أن الإسلام قد انتشر بسرعة مدهشة بين تلك الشعوب التي غزوها، وهذه ظاهرة لم ~~ير لها العالم مثيلا من قبل، وهي تبدو - لأول وهلة - لغزا مستسرا لا سبيل إلى ~~حله وتعليله، لا سيما إذا عرفنا أن هذا الدين الجديد لم يكره أحدا على الدخول ~~فيه. # وقد كان محمد # صلى الله عليه وسلم # يأمر بالتسامح والإغضاء، وقد وضع للمسلمين قاعدة الجزية ~~وفرضها على كل من لم يدن به من أهل الكتب المنزلة من يهود ونصارى، فمنحهم حريتهم ~~الدينية على أن يدفعوا ما فرضه عليهم من الجزية، وزاد في تسامحه فمنح هذه الميزة ~~لمن يقطنون إقليم البحرين من المشركين. # وجاء من بعده عثمان فخطا خطوة جديدة أخرى، فاعتبر بربر شمال إفريقية كاليهود ~~والنصارى وسكان إقليم البحرين. # ولسنا نعرف - على الحقيقة - شيئا عن ديانة هؤلاء البربر القديمة إلا معلومات ~~تافهة ضئيلة لا تغني شيئا، ولن نعدو الصواب إذا قلنا إننا نجهل كل شيء عن هذه ~~الديانة القديمة. # على أننا إذا أخذنا بالحكم على طبع ms156 الشعب وخلقه واتخذنا من ذلك مقياسا للحكم على ~~ديانته استطعنا أن نستنتج أن ديانة البربر القديمة كانت أقرب إلى أن تكون كهنوتية ~~منها إلى أن تكون إلهية. # ومهما يكن من أمر، فليس ثمة مجال للشك في أن البربر لم يكونوا أهل كتاب مقدس قط، ~~وعلى هذا نرى - في جلاء ووضوح - أن التسامح الديني قد وصل في هذه الطريق إلى آخر ~~مداه، إن لم نقل إنه أربى على ما كان يرمي إليه النبي. # أضف إلى هذا أن الحكم الإسلامي كان يتوخى التيسير والخير العام والبر بالشعوب ~~المحكومة لا سيما النصارى، فقد كان سواد المسيحيين في الشرق ينتمي إلى مذاهب لقيت ~~من اضطهاد حكومة القسطنطينية وإعناتها ما أرهق أصحابها إرهاقا، فلما جاء الإسلام - ~~ومن طبيعته التسامح والإخاء - ترك لهم الحرية التامة في البقاء على دينهم ما داموا ~~يؤثرونه على غيره من الأديان، وظللهم بحمايته، وسوى بينهم في الحقوق، على اختلاف ~~مذاهبهم وشتى نحلهم. # ولا تنس أنهم كانوا مضطرين إلى دفع ضرائب فادحة للإمبراطور الروماني، فلما جاء ~~الإسلام أعفاهم منها، ولم يفرض عليهم إلا جزية معتدلة لا ترهق أحدا، ومتى عرفت هذه ~~الأسباب زالت دهشتك وعجبك من إيثارهم حكم المسلمين على حكم الرومان واندفاعهم إلى ~~مساعدة العرب في فتوحاتهم بكل قلوبهم بدلا من مناوأتهم والتألب عليهم. # أسباب انتشار الإسلام # وإذا كان ذلك كذلك، فما بالهم لم يبقوا على دينهم؟ وأي شيء حفزهم إلى الدخول في ~~هذا الدين الجديد من غير أن يكرهوا على الدخول فيه، وهم يعلمون أن إسلامهم لا يرتاح ~~إليه ملوكهم؟ # لقد تضافرت أسباب عدة على الوصول إلى هذه النتيجة، وقد ألمعنا - آنفا - إلى ما ~~يعود عليهم من الفائدة المادية إذا أسلموا؛ لأن إعفاءهم من الجزية - على اعتدالها - ~~كان مما يرغبهم في الإسلام. # أضف إلى هذا ما يشعرون به من الكرامة الشخصية إذا أسلموا وأصبح لهم من الحقوق ما ~~للمسلمين. # نعم كان المسلمون متسامحين، ولكنهم لم يزيدوا على ذلك شيئا، فقد كانوا - على ~~تسامحهم - لا يضعون المسيحي والمسلم في صف واحد، ms157 بل ينظرون إلى النصراني كما ينظرون ~~إلى جنس منحط. # وقد سن عمر لهم قانونا يحوي إذلالهم ومهانتهم بين طياته، فلم يسمح لهم بإنشاء ~~الكنائس والمعابد، بل حرمهم حتى بناء الأديرة الصغيرة. # ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تعداه - بعد قليل - إلى ما هو شر منه، فقد حظر ~~عليهم تجديد بناء الكنائس التي تهدم - وإن لم يتمسك المسلمون بتنفيذ هذا الشرط ~~دائما - وقد أباح القانون للمسلمين أن يدخلوا الكنائس في أي وقت شاءوا ليلا أو ~~نهارا، وحتم على المسيحيين أن يفتحوا أبوابها للمسافرين من المسلمين ليل نهار، ~~وشرط عليهم أن يقدموا الطعام لضيوفهم ثلاث مرات في كل يوم، وحظر عليهم أن يرفعوا ~~الصلبان على كنائسهم، وأن يبيعوا الكتب المقدسة في شوارع المسلمين، كما حظر عليهم ~~إقامة الصلاة وترتيل الأناشيد الدينية في الكنائس بصوت مرتفع إذا كانت قريبة من ~~بيوت المسلمين، وأمرهم أن يشيعوا موتاهم إلى قبورهم في صمت وسكون، وألا يوقدوا ~~شموعا أمامهم متى وصلوا إلى الأحياء الإسلامية. # كما حرم عليهم التعصب لدينهم والتعرض بأي سوء لمن يتحول عنه إلى الإسلام، وفرض ~~عليهم احترام المسلمين في كل فرصة أو مناسبة، فإذا جلس المسلم وجب على المسيحي أن ~~يقوم. # وشرط عليهم أن يحتفظوا بأزيائهم ولا يتزيوا بزي المسلمين ليتميزوا للناظر عنهم، ~~ولم يعف مسيحيا من شد الزنار إلى وسطه ، وحرم عليهم أن يتحدثوا بالعربية أو ~~ينقشوها على أختامهم. # ولم يبح لهم أن يتخذوا لخيولهم سروجا أو يتقلدوا سلاحا أو يستخدموا مسلما ~~عندهم. ~~••• # ولا ريب أن هذه الشروط لم تكن تطبق بحذافيرها - في أول الأمر - إلا في أحوال ~~استثنائية نادرة؛ لأن الولاة المنوط بهم تنفيذها كانوا على جانب كبير من التسامح ~~والعدل والرحمة، فلم يبالوا بتنفيذ هذه الشروط القاسية، وقد وصل بهم التسامح إلى حد ~~انهم كانوا يبرمون معاهدات - في بعض الأحايين - بينهم وبين المسيحيين تعفيهم من ~~تنفيذ أكثر هذه الأمور. ~~••• # ومهما يكن من أمر فقد كان مركز المسيحيين عند المسلمين يكاد يكون مماثلا لمركز ~~اليهود في أوروبا إبان القرون الوسطى. # وهو ms158 المركز الذي لا يزال يضعهم فيه السواد الأعظم من الناس، فقد كان سادتهم ~~ينظرون إليهم باشمئزاز واحتقار ويعدونهم من الأنجاس، فلا يتحدث مسلم إلى مسيحي أو ~~قسيس - على الأخص - إلا عن بعد حذرا من ملامسته كي لا يدنس ثوبه. # 3 ~~••• # ومتى دان المسيحي بالإسلام تطهر من رجسه كما يتطهر اليهودي عندنا حين يدين ~~بالمسيحية بعد أن نعمده، ثم يصبح إلى حد ما على قدم المساواة مع ~~المسلم. # أقول إلى حد ما لأن مسلمي العرب دائما أرستقراطيون لا ينظرون إلى المسيحي - ~~حتى بعد إسلامه - إلا نظرة السيد، ولا يخاطبونه إلا من حالق، على أن إسلام المسيحي ~~كان الخطوة الأولى إلى الكرامة والشعور بالعزة، والزمن وحده كفيل بتحقيق ما يليها ~~من الخطوات، ولن يلبث ابن المسيحي أن يصبح مسلما أصيلا يتمتع بكل ما يتمتع به ~~العربي من عزة وكبرياء. # معجزة الإسلام # أضف إلى هذا أن انتقال السوريين والمصريين من المسيحية إلى الإسلام لم يكن عسيرا ~~شاقا فقد كانوا - على الحقيقة - يجهلون من أمور دينهم كل شيء؛ لأن الجهل في تلك ~~العصور كان ضاربا بجرانه، وقد اقتبس الإسلام كثيرا من أصول المسيحية - اقتباسا ~~مباشرا أو غير مباشر - ولا تنس أن عقيدة الحساب كانت ذائعة في القرون الوسطى، وقد ~~كان لها أكبر الأثر في نفوس الناس، وكانوا يؤمنون بأن الغالب لا بد أن يكون على حق، ~~وكانوا يتساءلون مدهوشين: «لو صح ما قاله القساوسة من أن محمدا نبي منافق كذاب، ~~فكيف نعلل انتصاره، وما بال فتوحات أتباعه تترى وتتلو إحداها الأخرى، وما بال ~~انتصاراتهم على الشعوب لا تقف عند حد؟ وكيف لا يدل ذلك على معجزة هذا ~~الرسول؟» # ولقد كانوا يعتقدون - أول أمرهم - أن خذلان المسلمين سيتم بمعجزة قريبة، فقد ~~طالما سمعوا عن معجزات الكنيسة التي كانت تحدث لأقل مناسبة، وانتظروا هذه المعجزة ~~التي تخلص البلاد المسيحية من غزوات المسلمين، ولكن انتظارهم تلك المعجزة قد طال ~~وذهب صبرهم أدراج الرياح، وعبثا حاولوا وقوع هذه المعجزة. # وهكذا أصبح الاعتقاد بوقوع المعجزة، الذي طالما روجت له ms159 الكنيسة وغلت في ~~الدعاية له أكبر نكبة حاقت بها وطوحت بنفوذها. # وأعجب من ذلك أن المعجزة - إن لم نقل المعجزات - قد حدثت حقا في ذلك العصر، ~~وكانت معجزات أعظم مما كان يتوهمه القديسون أنفسهم؟ وأي معجزة أروع وأعجب من أن نرى ~~شعبا كان إلى زمن قليل في غيابة من الخمول، ثم ظهر إلى الدنيا فجأة، وظل يتقدم ~~بسرعة لا مثيل لها وهو يغزو الأرجاء الفسيحة، وينتصر على قطر بعد قطر فتدين له ~~البلاد بالطاعة والولاء، وتقبل على دينه من كل حدب وصوب، راضية غير مكرهة. # ولو أننا عزونا إقبال المسيحيين على الإسلام إلى الفائدة الشخصية أو الرغبة في ~~التخلص من الذل والضعة، فنحن جديرون أن نقرر أن من الثابت المحقق أن كثيرا من ~~المسيحيين دانوا بالإسلام عن عقيدة وإيمان. # دين الفرس # وأهم من ذلك أن الفرس أقبلوا على هذا الدين الجديد ودخلوا فيه أفواجا وآمنوا به ~~مخلصين عن ثقة ويقين. # فإن الديانة الفارسية العتيقة التي نشأت من انشقاق البرهمية قد أسسها زرواستر ~~وزاد انتشارها بفضل من خلفه من الكهان، قد فقدت قوتها وقداستها بعد أن خضعت بلاد ~~فارس للعرب. # ولقد غزا «الإسكندر» بلاد الفرس من قبل، فلم يصبح هذا الدين دين الدولة، ويظهر ~~أنه لم يستطع أن ينهض بعد هذه الصدمة. # ولا جرم أنه وجد نصيرا وعونا عند بني ساسان، فقد دأبت هذه الأسرة جادة في ~~الاستيلاء على العرش في القرن الثالث بعد الميلاد المسيحي، واستطاعت أن تستميل ~~الشعب إلى مناصرتها وتأييدها بعد أن أخذت على نفسها عهدا بإعادة المجوسية. # وكان رئيس هذه الأسرة كثيرا ما يقول: «إن العرش في عون المذبح، كما أن المذبح في ~~عون العرش.» # ولم يجد من خلفوه أيضا سلاما إلا بعقد معاهدة وثيقة بينهم وبين كهنة ~~الزرواستر. # وعلى الرغم من حماية هؤلاء الملوك، فإن المجوسية لم تجد قط حياة قوية لها؛ ذلك ~~لأنه شعر بمؤثرات خارجية قوية وآراء وأفكار جديدة نجح في إدخالها إغريق ~~ومسيحيون، وكان كسرى أنوشروان قليل التبصر في هذا الأمر إذ قبل ms160 حوله فلاسفة من ~~الإغريق الذين كان يضطهدهم جوستانيان، وأمر بترجمة كتب أفلاطون وأرستطاليس. # وبعد زمن قليل - ولعله كان في عهد حكم الإغريق والهند - ذهب مبعوثون من ~~البوذيين # 4 # ينشرون تعاليمهم في أرجاء فارس، وكانوا يقولون: إن بوذا رسول من عند ~~الله ووسيط بين الخالق والمخلوقات، وإن واجب الإنسان هو ألا يعيش لهذه الحياة ~~الدنيا، بل يعيش للسماء. # 5 # وهكذا نشأت هذه الشيع التي كانت ترمي إلى إدخال عناصر إصلاحية لترقية الاجتماع، ~~ومزجت - في طياتها - اعتقادات جديدة في ديانة المجوسية، فأضافت إليها التقمص أو ~~التناسخ، وهو من معتقدات البراهمة # 6 # والوحي الذي أوحى به الله للإنسان الأول، وهو من معتقدات البوذيين، ~~واعتقاد أن الزمن غير محدود، وأنه هو الله العلي الأعظم، والإيمان بأن الله (تعالى) ~~يتقمص في شخص الملك الحاكم # 7 ~~... إلخ. # وهذا من اعتقاد البوذيين أيضا، وقد تفرع عن هذه الملل كثير من النحل. ~~••• # وجماع القول أن بلاد الفرس كانت مسرحا لكثير من التخرصات الدينية، حيث التقت ~~فيها أخلاط من المذاهب المختلفة وأمشاج من النحل المتباينة، ووجدت في هذه البلاد ~~حقلا خصبا لازدهارها. # وقد انتهت هذه المقدمات بالنتيجة الطبيعية المنتظرة فظهرت بينهم فئة آثرت تحكيم ~~العقل، فأنكرت كل عقيدة، وظهرت فئة من الطبيعيين، وهو دين قديم من أديان الفرس، ~~وكان من تعاليمهم حب التعذيب، والدعوة إلى قهر النفس، وكبح جماح الشهوات والعمل على ~~ترقية النفس الإنسانية ورياضتها على الصبر والجلد. # وكانوا يؤمنون - إلى ذلك - بكائن أعلى ويدينون بقدرة الله وخلود الروح بينما ~~غيرهم لا يعتقد ذلك، وهم أحرار الفكر يبيحون لأنفسهم أقصى مدى من الحرية. # وعبثا حاول الملوك والكهنة مجتمعين أن يتألبوا على هدم هؤلاء المبتدعين الذين ~~يروجون البدع الدينية، وأن يقضوا على أولئك المستبسلين الجرآء، ويبيدوهم بالسيف ~~والنار. # فكانت نتيجة هذا الاضطهاد شبوب نار الثورة ضد رجال الدين والحكومة، وكانت هذه ~~الثورة مما سهل على العرب غزو بلاد فارس التي كان قسم كبير منها تابعا ~~للإمبراطورية الرومانية. # ومما ضاعف الخطر ووسع الهوة، انقسام الكنيسة نفسها، فإن أحد الفريقين وهم ms161 ~~المجوس الذين كانوا أكبر قوة في القسم الغربي من الإمبراطورية، أي في «ميدي» وفي ~~«فارس» تمسكوا بكتاب «أڤستا» وتشبثوا بنصوصه المقدسة. # وقام الفريق الثاني وهو فريق الزنادقة وسوادهم في «بكنزيان» وذهبوا إلى الأخذ ~~بكتاب «الزند»، وهو التفسير المجازي لكتاب «أڤستا» المقدس. # وقد تمسك به كثيرون كما تمسك سواد الفرس - بعد ذلك - بالقرآن، فلم يبق في بلاد ~~فارس من يدين بالمذهب الأول القديم إلا الأقلون عددا. ~~••• # هكذا كانت حال البلاد الفارسية عندما فتحها العرب حيث ضاعت ديانة المجوسية - من ~~جديد - ضياعا أبديا، فلم يتح لها القيام من كبوتها بعد هذا العصر، ولم يقدر ~~لها أن تعود دينا للحكومة. # ولقد كان الفتح أكبر ضربة قضت على هذه الديانة، ولم يكن من ذلك بد؛ لأن الكنيسة ~~والعرش كانا متحدين اتحادا وثيقا، وكان سقوط أحدهما رهنا بسقوط الآخر. # على أن المجوسية لم يقض عليها بسرعة، فإن كثيرا من الفارسيين ظلوا مؤمنين ~~بها، ولم تخل قرية في بلاد فارس - إلى القرن العاشر - من معبد للنار، ولكن عدد ~~المنتمين إلى هذا الدين كان آخذا في النقص يوما بعد يوم، ودخل المتدينون ~~والملحدون في دين الإسلام أفواجا، وانضمت المصلحة الشخصية إلى ترويجه والإقبال ~~عليه، فدان به الفارسي - أسوة بالمسيحي - ليعفى من دفع الجزية. # أضف إلى هذا أنه كان يطمح إلى الكرامة وهو مزهو مختال بماضيه المجيد، ولم يكن ~~في وسعه أن ينجو من الزراية والامتهان بعد الفتح الإسلامي، إلا إذا دان بالإسلام ~~ليحفظ كرامته وكبرياءه موفورين، وبهذا وحده استطاع أن يساهم في الحكم، ولم يكن ~~الانتقال إلى الإسلام - كما أسلفنا آنفا - بالأمر العسير. # وهكذا انتقل الإسلام إلى بلاد «فارس» في محيط من الآراء، لم تكن كلها غريبة على ~~هذه البلاد، بل كانت على العكس مألوفة لها، فقد كانت الديانتان تحويان أصولا ~~مشتركة بينهما، وكان للإسلام نقط اتصال كثيرة يلتقي فيها مع نحل الملحدين ~~وشيعهم، مثل مذهب «ماني» الذي يدين به المانويون، ومذهب «مزدك» الذي يدين به ~~المزدكيون، وقد أثرت المسيحية في هذين المذهبين كما أثر فيهما الإسلام. ms162 # وكان إسلام الفارسيين عظيم الخطر جليل النفع على الدين الإسلامي، فقد نهض ~~بالإسلام إلى حد ما، ولئن رأينا من مسلمي العرب قلة اكتراث بالدين، فإننا نرى ~~الفرس - على عكس ذلك - يلتهبون غيرة وحماسة لنصرة هذا الدين. # وقد ألف الفارسيون - إلى ذلك - ممارسة العلوم، ومعاناة البحوث العويصة، وطبعوا ~~على التمحيص، فلما أسلموا ظهر من بينهم واضعو أساس «اللاهوت» الإسلامي، وقد قال ~~المؤرخ ابن خلدون: «إن أغلب الحفاظ الذين استظهروا الحديث والدين وأعودهم نفعا ~~على الإسلام، كانوا من الفرس، وقد نقلوها إلى الفارسية، وتوفروا على درس القرآن ~~وبرعوا في تفسيره والتفقه فيه.» ~~••• # ومن ثم نرى أن الإسلام قد أصبح - بفضل الفرس - قوة عظيمة الخطر في العالم، ولم ~~يكن ليتاح له أن يصل إلى هذه الذروة بفضل جهود العرب وحدهم. # ولقد كان تاريخ الإسلام - أعني تاريخ نشأته وانتشاره ونموه - مماثلا تاريخ ~~البوذية والمسيحية، فقد نشأت البوذية في الهند، وماتت في مهدها وصرعتها ~~البرهمية، ولم تطق البوذية أن تصمد لها في نضالها، ولكنها - مع ذلك - انتشرت ~~في بلاد أخرى كالصين وسيلان والتتر واليابان، وما وراء «الجنج». # كذلك نرى أن المسيحية لم تظفر بالحياة في مهدها، فقد أنكرها اليهود، ولجوا في ~~مناوأتها - مع أنها وليدة الموسوية - ولكنها على ذلك قد ذاعت خارج موطنها ودان بها ~~الرومان، وإن كان تدينهم اسميا، وفتن بها شعب ثالث وهو الشعب الجرماني حيث لقيت ~~بين ظهرانيه كل إقبال وترحيب. # ولسنا ننكر خطر الإسلام واستقامة مبادئه ونفعها وإن كان يحوي - على ذلك - ضررا ~~جسيما، فإن أكثر من دانوا به لم يكونوا مخلصين في اعتقادهم، وثمة رأينا كثيرا ~~منهم يطرقون أبواب الكنائس ويأوون إليها، وهم غير معتقدين بالإسلام، وإن تظاهروا به ~~رغبة فيما يلقونه من كرم الوفادة وحسن الضيافة. # ولقد كان الداخلون في حظيرة الإسلام فريقين، فريقا يرى أن الإسلام أيسر مما ~~يطلبون لأنه لا يمنح المؤمنين به ما تطمح نفوسهم إليه، وفريقا يرى أنه أصعب مما ~~يطيقون لأنه يفرض عليهم أكثر مما يحتاجون إليه. # فأما الفرس فكانوا من الفريق الأول - وقد ms163 ألفوا دينا معقدا - فلما جاء الإسلام ~~وجدوه أيسر وأبسط مما ألفوه، ورأوا تعاليمه جافة شديدة الجفاف بعيدة عما ألفوه ~~من خيال خصب بهيج. # أما سواد المفكرين الأحرار فقد وجدوا هذا الدين شاقا شديد العسر - على ما فيه ~~من تيسير وتسهيل - وهكذا وجدوا كل دين آخر عسيرا شاقا، ما دام يفرض عليهم بعض ~~القيود، فلم يرضوا عن الإسلام ولا عن غيره من الديانات. # وثم نرى نزعتين باديتين في الشيع الإسلامية، إحداهما ترمي إلى اقتباس التعاليم ~~الدينية من الأديان الأخرى، والثانية تنزع إلى انتهاز الفرص للتخلص من أكثر أوامره ~~ونواهيه، وتحوير نصوص أحكامه حتى يصبح وفق رغباتهم وأهوائهم. ~~••• # وكانت هاتان النزعتان تمشيان أحيانا جنبا إلى جنب، فقد عرف الجاحدون كيف ~~يستفيدون من المتشددين في العقيدة، وتضافرت المصالح الشخصية والمآرب السياسية على ~~ذلك، ورأى الفرس أن يسلكوا كل وسيلة للتخلص من نير الاستعباد، وفكروا في مواصلة ~~العمل على استقلال فارس. # وفي كل مكان في الدنيا نرى الشيع والنحل في كل زمن تنشأ لغاية سياسية أكثر ~~منها دينية، ولا تحوي الفصول التالية جميع هذه المذاهب، بل تشير إلى أعظمها خطرا ~~وأكبرها أثرا، فليس من همنا أن نذكر تاريخ الشيع والنحل، وبحسبنا أن نتتبع النزعات ~~السياسية مغفلين منها ما لا خطر له. ~~••• # وقد كتب المؤلفون المسلمون في هذا الصدد مدفوعين باعتبارات دينية عن الإسلام ~~وقرروا عكس ما نقرره، فإذا قامت الشبهة قوية في الإسلام لجئوا إلى اختراع تقليدي - ~~ولا جرم أنه تقليدي - من مقتضاه أن النبي # صلى الله عليه وسلم # قال: «تنقسم أمتي إلى ثلاث ~~وسبعين شعبة اثنتان وسبعون منها هالكة وواحدة ناجية.» # وقد أضافوا إلى هذا أنه كان للزرواستر سبعون شعبة، ولليهود إحدى وسبعون شعبة، ~~وللمسيحية سبعون، ثم ذهبوا إلى قياس عظمة الدين إلى عدة ما يحويه من شعب. # وهذه البدعة التي نعدها غريبة مردها إلى قيمة رمزية، فإن العدد المقدس: وهو يبدأ ~~من سبعين إلى اثنين وسبعين كان في آسيا - منذ أقدم العصور - متداولا نظرا لقيمته ~~الرمزية. # وقد رد الباحثون أصل ذلك إلى ms164 الفلك، فعدد سبعين هو خمس أيام السنة القمرية ~~القديمة، وعدد اثنين وسبعين هو خمس أيام السنة الشمسية. # وقد أخذت هذه الفكرة من الديانة المجوسية، وفي كتاب «ياسنا» فيما أعرف - أقدم ~~مثال ذكر فيه هذا العدد - فهذا الكتاب يحوي اثنين وسبعين بابا، وذلك التقسيم - كما ~~يقول «هوج» - لم يكن جزافا، بل وضع عن خبرة وتقدير؛ فإن البابين في هذا الكتاب ~~وهما الواحد والستون والثاني والسبعون متشابهان، والباب الثامن عشر لا يحوي غير ~~أشعار من قسم «الغطاس» في كتاب «ياسنا». # 8 # وبعبارة أخرى ترى أن كتاب «ياسنا» قسموه في أول الأمر إلى سبعين بابا (خمس أيام ~~السنة القمرية) ثم مضى على هذا التقسيم زمن طويل، فقسموا هذا الكتاب بعد ذلك إلى ~~اثنين وسبعين بابا (خمس أيام السنة الشمسية) وفي العهد الذي نفي فيه «بابليون» ~~تسربت هذه الفكرة إلى اليهود مع غيرها من جمهرة الأفكار الأخرى. # ثم انتقلت بعد ذلك - مع الزمن - من اليهود إلى المسلمين. # وكان المسلمون يجهلون أصل هذه الفكرة، وقد كانوا خلقاء أن ينسبوا تلك الرموز ~~العددية إلى كتاب «ياسنا»، بل ما كان أجدرهم أن ينسبوها إلى مصادرها الأربعة التي ~~أخذت عنها وأصبحت عددا أكبر من رقم 72 وقد عناهم أن ينسبوا إليهم وحدهم هذا ~~الرقم. ~~••• # ومتى أقررنا ذلك أصبحنا جديرين ألا نأخذ بهذه الأرقام وألا نتشبث بحرفيتها، وإن ~~أبى رجال اللاهوت من المسلمين إلا أن يتشبثوا بها ويؤمنوا بصحتها، وقد تم لهم ذلك ~~ورأوا من واجبهم أن يصلوا بالفرق الإسلامية إلى هذا الرقم. # على أن لحظة من لحظات الروية والتفكير كانت جديرة أن تقفهم على خطل هذا الرأي ~~وأفنه. ولنأخذ الشهرستاني مثلا للتدليل على صحة ما نقول - وهو من رجال القرن ~~الثاني عشر - فقد تأثر بهذا الرقم 73 وما كان أجدره أن يتريث ويمعن الفكر ويطيل ~~الروية ليعلم أن هذا العدد عرضة للزيادة والنقص - كما أثبتت الحوادث صحة هذه ~~النظرية في المستقبل - ولكنه أثر التشبث بهذا الرقم، وقد جره ذلك إلى نتيجة تافهة ~~قليلة الخطر، ولم يصل به تمسكه ms165 بهذا الرقم 73 (لا أكثر ولا أقل) إلى غاية محمودة ~~موفقة. # ولو أنه أطال الروية لأمن العثار والزلل كما أمنه من جاء بعده من الباحثين الذين ~~لم يبهر أبصارهم هذا الرقم الخلاب. ~~••• # والحق أن هذا الرقم الخاطئ 73 وهذا الرأي المأفون الذي دفعهم إلى التشبث به قد ~~وصلا بمن أخذ بهما إلى نتائج معتسفة شوهت تاريخ الإسلام إلى مدى بعيد، وأدخلت ~~فيه من ألوان التعقيد والغموض ما أفسد بساطته ويسره. # وقد وجد - لحسن الحظ - مؤلفون جاءوا بعد الشهرستاني، ورأوا - كما رأى الشهرستاني ~~- أن يميزوا هذه الشيع فيجعلوها قسمين، مللا ونحلا. # 9 # وبهذا التمييز أصبحنا ندرك المذاهب الأصلية وما نشأ عنها من الفروع. # | الهوامش # الجزء الثاني: نظرات في تاريخ الإسلام # ديانة العرب في الجاهلية # بعد وفاة النبي # قواعد الإسلام ms166