######OpenITI# #META# URI: 1379KamilKilani.WaczQisasi.Hindawi95382805 #META# Tags: history #META# ID: 95382805 #META# Title: الوعظ القصصي #META# AuthorID: 82737073 #META# Author: كامل كيلاني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # تحية‏ # الوعظ القصصي‏ # الوعظ الكاذب‏ # الباز واللقلق‏ # ابن الرومي1‏ # ما رأيك؟1‏ # أبو العلاء المعري في لزومياته‏ # ظلي1‏ # الخسوف والكسوف 1‏ # آلام الفقير1‏ # فن الكتابة أو كيف ندرس فن الإنشاء1‏ # في العام السادس1‏ # جحيم دانتي1 وقصة «الكوميديا الإلهية»‏ # نظرات في تاريخ الإسلام1‏ # هل يشبهك ابنك؟1‏ # آخرة العالم كيف تكون1 ...؟‏ # مناظرة الكسائي وسيبويه1‏ # في بلاد العمالقة1‏ # مفتاح القراءة1‏ # رسالة الغفران‏ # حقائق يجهلها الأطباء عن الغذاء1‏ # الشعراء المعاصرون: أبو شادي1‏ # مذكرات عجائبي1‏ # الطيرة والتشاؤم بين المعري وابن الرومي1‏ # الدين في إسبانيا ‏ # الإهداء‏ # تحية‏ # الوعظ القصصي‏ # الوعظ الكاذب‏ # الباز واللقلق‏ # ابن الرومي1‏ # ما رأيك؟1‏ # أبو العلاء المعري في لزومياته‏ # ظلي1‏ # الخسوف والكسوف 1‏ # آلام الفقير1‏ # فن الكتابة أو كيف ندرس فن الإنشاء1‏ # في العام السادس1‏ # جحيم دانتي1 وقصة «الكوميديا الإلهية»‏ # نظرات في تاريخ الإسلام1‏ # هل يشبهك ابنك؟1‏ # آخرة العالم كيف تكون1 ...؟‏ # مناظرة الكسائي وسيبويه1‏ # في بلاد العمالقة1‏ # مفتاح القراءة1‏ # رسالة الغفران‏ # حقائق يجهلها الأطباء عن الغذاء1‏ # الشعراء المعاصرون: أبو شادي1‏ # مذكرات عجائبي1‏ # الطيرة والتشاؤم بين المعري وابن الرومي1‏ # الدين في إسبانيا ‏ # | الوعظ القصصي # | الوعظ القصصي # | والوعظ الكاذب ومقالات أخرى # تأليف # كامل كيلاني # | الإهداء # والدي البار الشيخ كيلاني إبراهيم: رأيتك - منذ حداثتي - تقرأ الكتاب وتتخذه صاحبا ~~ورفيقا؛ فحببني ذلك في الكتاب وما زلت أحبه إلى اليوم. # ولقد طالما سلكت في تأديبي طريق الوعظ القصصي؛ فكنت أول من حبب إلي هذه ~~الفكرة، وكان لك الفضل الأول في أخذي بهذا الأسلوب، وتمكينه من نفسي، وكنت نعم ~~القدوة لابنك في تربية ولده مصطفى، وأخويه. ~~••• # ولقد تفضلت يا والدي العطوف فشرفت ولدك بسماع هاتين المحاضرتين كما تفضلت ~~بقراءة بقية المقالات المنشورة بهذا الكتاب وأظهرت لي رضاك عنها فكان ذلك أكبر مشجع لي ~~على إهدائك هذا الكتاب - وهو ثمرة من ثمار غرسك - فإذا راقتك منه فكرة طريفة فإنما ~~يرجع فضلها إليك، وإني بهذا الرضى لسعيد. # كامل كيلاني # | تحية # إلى صديقي الأستاذ النابغة كامل أفندي كيلاني: # يا صديقي العزيز «كامل» حيي # ت بقلب وهبته صفو قلبك # ليس أسمى من المحبة إهدا # ء ms001 فهل لي سوى مجاراة حبك # وأراك الغنى عن كل شكر # كغناء الضياء والطيب عنا # إن من طبعه المحبة والإن # صاف يغنى بطبعه حين يغنى # ولو اخترت في اكتفاء مثالا # لوفاء لعشت سيد خلق # فإن ذاك الذي أضاف كمالا # من نبوغ إلى مكارم خلق # وتحملت في سنين توالت # كتوالي الأعباء تهذيب جيل # واتخذت التواضع الحلو كالست # ر لما قد وهبته من جميل # فإذا أنكر الغبيون جدوا # ك وأمثالهم منال الجحود # فلأنت الذي تسامى ولم يع # بأ بما قاله شيوخ القرود! # أبو شادي # | الوعظ القصصي # قال لي صاحبي وهو يحاورني: «لقد نكبتنا وزارة الأوقاف؛ حين حتمت ~~علينا أن نؤلف خطبا ونسجلها في الدفاتر!» # قلت: «لقد أسدت إليكم معروفا أي معروف!» # قال: «أفي مقدوري أن أعظ وأن أخطب؟» # قلت: «ولم لا؟» # قال: «إني لأعجز عن تسجيع جملتين اثنتين في يوم واحد.» # قلت: «وما شأن هذا بالخطابة؟» # قال: «وكيف تكون خطابة بلا سجع؟» # قلت: «بل كيف يكون سجع وخطابة؟» # قال: «أمرك عجيب!» # قلت: «أمرك أعجب!» # قال: «دع المزاح جانبا وخذ في الجد» # قلت: «إني لا أمزح؛ إلا إذا كنت تسمي الصدق مزاحا، إنك تتصور الخطابة تصورا ~~فاسدا خاطئا، وهذا التصور وحده هو علة عجزك عن القيام بها، إن الوعظ ~~أيسر مما تظن بكثير. # إن كل أمر بالمعروف، وكل نهي عن المنكر؛ هو وعظ له قيمته وخطره فإذا سرت في الطريق ~~ورأيت حادثا من الحوادث - خيرا كان أو شرا - فقصصته على سامعيك مثنيا على جانب ~~الخير منددا بالجانب المرذول حاثا الناس على الاقتداء بالأول محذرا إياهم ~~من الوقوع في الثاني، فقد أحسنت، وأجدت، وكنت الخطيب المفوه، والواعظ المرشد ~~الأمين. # وبهذا تكون قد قدمت للناس أمثلة يقتدون بها، وأمثلة يحذرون الوقوع فيها، ~~ووعظتهم بما حدث لسواهم من خير وشر. ~~«والسعيد من وعظ بغيره والشقي من وعظ بنفسه.» # قال: «ما كنت أحسب الوعظ بهذه السهولة.» # قلت: «إن سوء فهم كثير من الخطباء معنى الوعظ؛ هو علة تخبطهم فيه ~~وعجزهم عن القيام به.» ~~••• # قالوا: إن مربية أولاد لويس ms002 الرابع عشر طلبت إلى أحدهم - وكان صغير السن - أن ~~يكتب كتابا إلى أبيه، وكان بعيدا عنه، فقال لها مدهوشا: «أفي قدرتي أنا أن أكتب ~~كتابا؟» # فقالت له: «هب أباك حضر فماذا أنت قائل له؟» # قال: أقول له: «لقد أوحشتنا واشتقنا إلى رؤيتك!» # قالت: «فاكتب له هذا.» # ثم قالت له: «قل له: إن البيت يحترق!» # فقال لها: «هذا كذب!» # قالت: «قل له إذن: إن الخادم ينظف غرفة الاستقبال.» # قال: «وهذا خبر تافه!» # قالت: «لقد عرفت الآن كيف تكتب الكتاب، فليس يكلفك ذلك أكثر من أن تكتب ما تشعر به ~~مبتعدا عن الكذب، وعن الحقائق التافهة!» # وهذه أيها السادة هي وظيفة الخطيب تماما. ~~••• # وفي إحدى روايات «موليير» نرى أحد المولعين بالدرس - على كبر - يشرح له معلمه ~~النظم والنثر، فيقول له: «النظم هو الكلام الموزون المقفى.» # فيسأله: «وما النثر؟» فيقول له: «هو ما تتكلمه الآن.» # فيقول: «وا عجبا، إذن فأنا أتكلم النثر أربعين سنة وأنا لا أدري!» ~~••• # ولعل أكثركم سيدهش أيضا حين أقول له إنك كثيرا ما تكون خطيبا - عن غير قصد منك - وإنك ~~تكون واعظا بليغا كلما قصصت على إخوانك أو أهلك أو طلبتك قصة بليغة ذات مغزى حكيم! # ولعل أيسر وأبلغ طريقة يتبعها الواعظ - في بيته وطريقه وعلى منبره - هي ضرب الأمثال ~~ورواية القصص. # ولقد فرغ علماء التربية من التدليل على أهمية الأمثال والقصص، وقد سبقهم القرآن الكريم ~~إلى ذلك فقال: # وتلك الأمثال نضربها للناس # وقال: # نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا ~~إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن ~~الغافلين ~~. ~~••• # ولقد بلغ ولوع بعض الناس بالأسلوب القصصي حدا عجيبا: # أذكر لكم - على سبيل المثال - أن مدرسا فاضلا من مدرسي العربية كان يدرس ~~لنا - في مدرسة أم عباس الابتدائية - وكانت نتائجه أبهر النتائج وتلاميذه أقوى ~~التلاميذ، وكان السر في ذلك؛ هو إسرافه في حب القصص، وقد بلغ به ولعه بالأسلوب ~~القصصي حدا مدهشا جعله يشرح لنا - في قواعد اللغة - «أثر كان وأخواتها، وأثر إن ~~وأخواتها» بأسلوب قصصي جذاب يحبب في ms003 النحو أزهد الناس في النحو. # كان يشرح لنا أثر كان وأخواتها في معموليها، وأثر إن وأخواتها كذلك فيقول المبتدأ ~~والخبر أخوان، وهما دائما رافعا الرأس، ففي ذات يوم بينما هما جالسان في بيتهما، إذ ~~سمعا قرعا بالباب؛ فأسرعا إلى زائرهما ففتحا له الباب ورحبا به، وأرادا أن يقدما له ~~شيئا من الحفاوة، بعد أن سألاه عن اسمه فقال لهم «اسمي كان» فقالا له: «أهلا وسهلا ~~بك ومرحبا، ماذا نستطيع أن نقدم لك من قرى؟» فقالت: «أريد أن أصاحبكما وأن تترك صحبتي ~~أثرا ظاهرا تميزاني به من بين رفاقكما جميعا.» # فقالا: «وأي أثر تريدين؟» # فقالت: «أن أنصب أحدكما.» # فلا تكاد تتم قولها حتى يتقدم إليها الخبر مرحبا بشرطها هذا راضيا ~~بحكمها. # وإنهم لكذلك إذ يسمعون قرعا عنيفا بالباب، فإذا فتحوه وجدوا طائفة من الضيفان، ~~فيسألونهم: «من أنتم؟» فيقولون لهم: «نحن أخوات كان.» # وبعد أخذ ورد يظفرن بمثل ما ظفرت به كان. # فإذا جاء اليوم التالي جاءت «إن» زائرة، وطلبت إليهما أن يمنحاها ميزة كما ~~منحا كان بالأمس. # فيتقدم المبتدأ في هذه المرة مرحبا بشرطها، ولا يكاد يفعل حتى تأتي جميع أخوات إن ~~طالبة مثل طلبها فيظفرن به. # هكذا كان يسلك ذلك المدرس الظريف في شرح النحو وتحبيبه إلى نفوس الطلبة، وهي ~~طريقة طريفة كانت تحبب الطلبة في دروسه، وترغبهم في الاستفادة من علمه. ~~••• # وكثيرا ما لجأ أبي - في تربيتي - إلى ضرب الأمثلة، والقصص. أذكر لكم أن بعض ~~أشقياء الصبية أغراني بتسلق «الترام» - وأنا صغير - فرآني أبي وأنا أفعل ذلك ~~ولم أره. # فلما عاد إلى المنزل قال لي: «لقد حدث اليوم يا ولدي أمر عجيب، فقد هوى ولد شقي ~~تحت عجلات الترام فقطعته شطرين، وظل الناس يلعنونه ويلعنون أهله. ~~«وهنا ذكرتك يا ولدي فحمدت الله على حسن أدبك وبعدك عن هذه ~~الدنايا.» # أقول لحضراتكم: إن الأرض كادت تغوص بي، وكان هذا آخر عهدي بهذا العمل ~~الممقوت. ~~••• # وفي ذات يوم قلت له - وكنت طفلا: «إني لأخشى العفاريت، والحشرات المؤذية حين أصعد ~~سلم البيت ms004 في ظلام الليل.» # فقال لي: «من الذي يحرسك وأنت نائم؟» # قلت: «هو الله.» # قال: «أتظن أن من يحرسك وأنت نائم لا يحرسك وأنت يقظان؟» فكان ذلك آخر عهدي بالخوف أيها ~~السادة. # ولقد قرأ لي أبي كثيرا من القصص في فجر حياتي، لا أزال مدينا لها - إلى الآن - بما ~~يظنه في بعض من يحسنون الظن بي من خيال وأدب. ~~••• # ليست وظيفة الواعظ منحصرة في أن يقول للناس: «اتقوا الله واخشوا عذابه واحذروا ~~ناره»، في كل أسبوع بعبارات مختلفة، وأن يقول: # عباد الله # أوصيكم وإياي بطاعته، وأحذركم وإياي من عصيانه ومخالفة أمره. # إلى آخر هذه الكليشيهات والعبارات المحفوظة حفظا، والجمل المرصوفة رصفا. # ولكن وظيفته وواجبه في أن يحسن التعبير عما يشعر به من خوالج، وعواطف صادقة. # ولو كنت خطيبا في مسجد لما صعب علي أن أهتدي إلى موضوع صالح - كل يوم - بله كل ~~أسبوع. # فأمامي الحياة اليومية أقتبس منها ألف مثل مما أراه في الطرقات وغيرها. # وأمامي التاريخ الحافل بالعظات، والعبر، والمثل العليا. ~~(1) موقعة أحد # خذوا مثلا على ذلك موقعة أحد فهي وحدها تصلح موضوعا لعدة خطب. ~~(1-1) عاقبة المخالفة # كان النصر محققا للمسلمين في بدئها فلما خالفوا أمر النبي - عليه السلام ~~- وانتقلوا من موضعهم، كر عليهم المشركون، وقتلوا منهم عددا كبيرا فيهم «حمزة» ~~عم النبي # صلى الله عليه وسلم # واستطاع العدو أن يخلص إلى النبي؛ فيرميه بالحجارة. ~~قالوا: «ووقع لشقه؛ فأصيبت رباعيته وشج وجهه، وكلمت ~~شفتاه، ودخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته، وسقط في إحدى الحفر التي ~~حفرها المشركون ليقع فيها المسلمون ... إلخ.» # أليس هذا موضوعا جليلا يبين لنا عاقبة المخالفة؟ ~~(1-2) وفاء الصحابة # وفي هذه الموقعة يتجلى لنا مثل عال من أمثلة الإخلاص، والتفاني في ~~الوفاء؛ إذ يقبل الصحابة على النبي مستبسلين يفدونه بأرواحهم، يأخذه ~~علي بيده، ويرفعه طلحة بن عبيد الله، ويحيط به جماعة من الأنصار والمهاجرين؛ ~~ليقوه السوء بنفوسهم، وتتجلى شجاعة المرأة العربية واضحة، فلا تقل عن شجاعة ~~«جان دارك» التي لا يكاد يخلو من ذكرها كتاب ms005 فرنسي من كتب التاريخ، والتي ملئوا ~~الدنيا إعجابا بها. # تنحاز «نسيبة بنت كعب» إلى النبي # صلى الله عليه وسلم # وتتفانى في الذود عنه - وكانت تسقي ~~في أول النهار - فلما رأت هزيمة المسلمين أسرعت إلى النبي تفديه بنفسها، ضاربة ~~بسيفها مرة، ورامية عن قوسها أخرى، حتى أثخنتها الجروح. # أتريدون أمثلة أخرى من هذه الموقعة؟ لو شئتم لما وفت الليلة كلها إذا ~~قصرناها على هذه الموقعة وحدها، فلنجتزئ بذلك ففيه الكفاية. أتريدون أمثلة على ~~فضل الصبر؟ # فضل الصبر (صبر الصحابة) # كان النبي يذكر يوما ما لقي من قومه من الجهد والشدة، قال: «لقد مكثت ~~أياما وصاحبي هذا (يشير إلى أبي بكر) بضع عشرة ليلة ما لنا فيها من طعام ~~إلا البرير «ثمر الأراك» في شعب الجبال.» ~~••• # وكان «عتبة بن غزوان» يقول - إذا ذكر البلاء، والشدة التي كانوا عليها ~~بمكة: «لقد مكثنا زمانا، ما لنا من طعام إلا ورق البشام، أكلناه؛ حتى ~~تقرحت أشداقنا، ولقد وجدت يوما تمرة، فجعلتها بيني وبين سعد، ~~وما منا اليوم إلا وهو أمير على كورة.» # وكانوا يقولون في من وجد تمرة فقسمها بينه وبين صاحبه: «إن أسعد الرجلين من ~~حصلت النواة في قسمه يلوكها طول يومه وليلته من عدم القوت.» # قال # صلى الله عليه وسلم ~~: «لقد رعيت غنيمات أهل مكة لهم بالقراريط.» ~~••• # أتريدون أمثلة على الاعتداد بالنفس؟! # جاء # صلى الله عليه وسلم # يوما ليدخل الكعبة فدفعه «عثمان بن طلحة العبدري» فقال: «لا ~~تفعل يا عثمان، فكأنك بمفتاحها بيدي أضعه حيث شئت!» فقال: «لقد ذلت قريش ~~وقلت.» قال: «بل كثرت وعزت.» # وانظروا إلى حواره # صلى الله عليه وسلم # مع قريش حين قالت له تفاخره: «أتباعك من ~~هؤلاء الموالي (كبلال، وعمار، وصهيب) خير من قصي بن كلاب، وعبد مناف، ~~وهاشم، وعبد شمس؟» # فقال: «نعم، والله لئن كانوا قليلا ليكثرن، ولئن كانوا ضعفاء ~~ليشرفن، حتى يصيروا نجوما يهتدى بهم ويقتدى فيقال: ~~«هذا قول فلان» «وذكر فلان». فلا تفاخروني بآبائكم الذين موتوا في ~~الجاهلية فلما يدهده الجعل بمنخره خير من آبائكم الذين ms006 موتوا ~~فيها. # فاتبعوني أجعلكم أنسابا. والذي نفسي بيده، لتقتسمن كنوز كسرى ~~وقيصر!» # فقال له عمه أبو طالب: «أبق علي وعلى نفسك!» فظن النبي أنه خاذله فقال: ~~«يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ~~حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته.» ثم استعبر باكيا، ثم قام ~~فلما ولى ناداه: «أقبل يا ابن أخي.» فأقبل فقال: «اذهب وقل ما شئت، فوالله ~~لا أسلمتك لسوء أبدا!» ~~••• # أرأيتم خيرا من هذه الأمثلة يسوقها الخطيب يعظ بها قومه، ويضرب لهم ~~بها أعلى الأمثال؟ # مثال الطمع وعاقبته # فإذا شاء الخطيب أن يقرب للناس مثل الطمع وعاقبته، فلعل أبلغ مثال ~~يسوقه إليهم هو أن يقص عليهم: «حكاية الدرويش وصاحب الجمال» # وخلاصتها أن رجلا كان يملك ثمانين جملا، فكان يستأجره الناس لحمل ~~متاجرهم من بلد إلى بلد، ففي ذات يوم كانت جماله الثمانون تحمل خشبا ~~من بغداد إلى البصرة؛ فلقيه في طريقه درويش وسار معه زمنا، ثم جاء وقت الغداء ~~فأكل الدرويش معه، وبعد قليل قال له الدرويش: «لقد صرنا رفيقين وصديقين، ~~وسأرشدك إلى كنز ثمين تحمل منه ما شئت من ذهب ولآلئ - على جمالك - ثم نقتسم ~~هذا الغنم معا، فما رأيك؟» # فهش الرجل، وطار فرحا بهذه الصفقة الرابحة التي تضمن له الغنى طول ~~حياته. # وقاده الدرويش إلى ذلك الكنز الثمين، وفتحه، وحملا الجمال الثمانين ما ~~استطاعت حمله من نفائس وذخائر. # ورأى الدرويش صندوقا صغيرا من الخشب فأخذه ثم سارا معا إلى مفترق ~~الطريق، فتعانقا بشوق شديد، وأخذ كل منهما أربعين جملا وسار في طريقة، ~~ولم يكد الرجل يبتعد قليلا حتى وسوس له شيطان الطمع فقال في نفسه: ~~«ترى لو طلبت من ذلك الدرويش عشرة جمال أكان يرفض طلبي؟» ولم يكد يمر بذهنه ~~هذا حتى أسرع يجري إلى الدرويش ويناديه بأعلى صوته ويلوح له بيديه: «يا ~~درويش! يا درويش!» فعاد إليه الدرويش وسأله: ما الخبر؟ فقال له: «ماذا عليك إذا ~~أعطيتني عشرة جمال من جمالك وأنت رجل زاهد ms007 لا يعنيك من أمور الدنيا شيء؟» فقال ~~له الدرويش: «لك ما طلبت.» # ففرح الرجل بذلك، وأخذ الجمال العشرة مغتبطا، ثم ودع صاحبه وعاد إلى ~~طريقه. # ولكنه لم يكد يسير قليلا حتى وسوس له شيطان الطمع مرة ثانية، فقال في ~~نفسه: «إنه رجل طيب القلب لين العريكة، وما أحسبه يرفض أن يعطيني عشرة ~~جمال أخرى إذا طلبتها منه.» # وما كاد يستقر في نفسه هذا الهاجس حتى أسرع يعدو نحو الدرويش ويناديه ~~بأعلى صوته: «يا درويش! يا درويش!» فلما عاد إليه الدرويش وسأله عما يريد، قال ~~له: «ألا تسمح لي بعشرة جمال أخرى أيها الرجل الكريم؟» فقال له الدرويش: «لك ~~ما طلبت يا أخي.» # ففرح وأخذ منه الجمال العشرة، ولم يكد يودعه ويسير بضع خطوات، حتى عاوده ~~الطمع فقال: «إن الجمال جمالي، ولولاها لما استطاع أن يحمل هذه النفائس ~~الكثيرة، ثم إن هذا الدرويش زاهد في الدنيا، وأحسب أن عشرة جمال محملة ~~نفائس وذخائر ثمينة تكفيه وتغنيه طول حياته.» وثمة أسرع يجري نحو ~~الدرويش ويناديه: «يا درويش! يا درويش!» فعاد إليه الدرويش مستفسرا عما ~~يريده فقال له الرجل: «إنك قد غمرتني بفضلك وكرمك، وأحسبني إذا طلبت منك عشرة ~~جمال أخرى، لم تخيب رجائي.» فقال له الدرويش: «خذ ما شئت.» فأخذها ~~وودعه، ثم عاوده الطمع مرة ثالثة في نفسه: «وما فائدة هذه الجمال العشرة لهذا ~~الزاهد المشتغل بعبادة الله، إنه رجل متقشف وربما شغلته عن دينه، ~~هذا إلى أنه رجل ضعيف وليس في قدرته أن يمنعني ما أطلب، وما أجدرني أن ~~أنتهز هذه الفرصة النادرة فآخد منه بقية جمالي؛ فإذا أبى أن يعطنيها ~~قتلته أو أخذتها منه قسرا.» # وثمة أسرع إلى الدرويش، وقال له: «أنت رجل زاهد متقشف، ولست في حاجة إلى ~~هذه الجمال العشرة، فماذا عليك إذا سمحت لي بها وأضفت إلى إفضالك فضلا آخر لا ~~أنساه لك ما حييت؟» فقال له الدرويش: «لك ما طلبت.» فشكره وودعه وأخذها ~~وانصرف، ولكنه لم يكد يبتعد عنه قليلا حتى ذكر الصندوق الصغير الذي أخذه ms008 ~~الدرويش من الكنز، فقال في نفسه: «لولا أن لهذا الصندوق الصغير قيمة أثمن من كل ~~هذه النفائس لما سمح لي الدرويش بها جميعا راضيا مغتبطا!» # وما كاد يطيف بذهنه هذا الخاطر حتى أسرع يجري نحو الدرويش، فلما أدركه قال ~~له: «لقد رأيتك تأخذ صندوقا صغيرا من الكنز، وأحب أن أعرف فائدة هذا ~~الصندوق!» # فقال له الدرويش: «فائدة هذا الصندوق أن من يكحل به إحدى عينيه يرى كنوز ~~الأرض قاطبة؛ فإذا كحل عينه الأخرى عميت عيناه جميعا.» فقال له ~~الرجل: «إذن فاكحل عيني.» ولم يكد الدرويش يفعل حتى رأى الرجل كنوز الأرض كلها ~~أمام عينيه، فقال في نفسه: «إذا كان من يكحل عينا واحدة يرى كل هذه ~~الكنوز، فكيف بمن يكحل عينيه جميعا! لا شك أن هذا الدرويش يخدعني ويحرص ~~على أن يحرمني فوائد عظيمة!» # ثم التفت إلى الدرويش وقال له: «اكحل لي عيني الأخرى.» # فحذره الدرويش من عاقبة هذا الشطط؛ فلم يزده التحذير إلا إلحاحا ~~وعنادا، وبعد لجاجة طويلة أذعن له الدرويش وكحل له عينه ~~الأخرى؛ فعميت عيناه جميعا، فأخذ الدرويش جماله الثمانين وسار بها إلى حيث ~~شاء وترك صاحبنا يلقى جزاء طمعه وأنانيته. ~~••• # أترون أيها السادة أبلغ من هذه الحكاية يقصها الخطيب؛ ليقرر للناس ~~عاقبة الطمع؟! إليكم مثالا آخر: # عاقبة الغفلة # زعموا أنه كان أسد في أجمة، وكان معه ابن آوى يأكل من فواضل طعامه فأصاب ~~الأسد جرب، وضعف شديد وجهد؛ فلم يستطع الصيد، فقال له ابن آوى: «ما بالك ~~يا سيد السباع، قد تغيرت أحوالك؟» # قال: «هذا الجرب الذي قد أجهدني وليس له دواء إلا قلب حمار وأذناه.» ~~قال ابن آوى: «ما أيسر هذا وقد عرفت بمكان كذا حمارا لقصار يحمل عليه ~~ثيابه، وأنا آتيك به.» # ثم دلف إلى الحمار فأتاه وسلم عليه، فقال له: «ما لي أراك مهزولا؟» ~~قال: «ما يطعمني صاحبي شيئا.» فقال له: «وكيف ترضى المقام معه على هذا؟» ~~قال: «فما لي حيلة في الهرب منه، كلما أتوجه إلى جهة أضر بي ~~إنسان فكدني وأجاعني، ms009 قال ابن آوى: «فأنا أدلك على مكان معزول عن ~~الناس لا يمر به إنسان؛ خصيب المرعى، فيه قطيع من الحمر لم تر عين ~~مثلها حسنا وسمنا.» قال الحمار: «وما يحبسنا عنها؟» فانطلق به ابن ~~آوى نحو الأسد، وتقدم ابن آوى ودخل الغابة على الأسد، فأخبره بمكان الحمار فخرج ~~إليه وأراد أن يثب عليه فلم يستطع لضعفه، وتخلص الحمار منه، فأفلت ~~هلعا على وجهه، فلما رأى ابن آوى الأسد لم يقدر على الحمار، قال له: ~~«أعجزت يا سيد السباع إلى هذه الغاية؟» فقال له: «إن جئتني به مرة أخرى فلن ~~ينجو مني أبدا.» # فمضى ابن آوى إلى الحمار فقال له: «ما الذي جرى عليك؟ إن أحد الحمر رآك ~~غريبا فخرج يتلقاك مرحبا بك، لو ثبت لآنسك ومضى بك إلى ~~أصحابه!» # فلما سمع الحمار كلام ابن آوى - ولم يكن رأى أسدا قط - صدقه وأخذ طريقه ~~إلى الأسد، فسبقه ابن آوى إلى الأسد، وأعلمه بمكانه، وقال له: «استعد له ~~فقد خدعته لك، فلا يدركنك الضعف في هذه النوبة فإن أفلت فلن ~~يعود معي أبدا.» # فجاش جأش الأسد؛ لتحريض ابن آوى، وخرج إلى موضع الحمار فلما بصر ~~به عاجله بوثبة افترسه بها، ثم قال: «قد ذكر الأطباء أنه لا يؤكل إلا ~~بعد الغسل والطهور، فاحتفظ به حتى أعود فآكل كل قلبه وأذنيه وأترك لك ما سوى ~~ذلك قوتا.» فلما ذهب الأسد ليغتسل عمد ابن آوى إلى الحمار فأكل قلبه وأذنيه ~~رجاء أن يتطير الأسد منه فلا يأكل منه شيئا، ثم إن الأسد رجع إلى مكانه فقال ~~لابن آوى: «أين قلبه وأذناه؟» فقال له: «ألم تعلم أنه لو كان له قلب يفقه ~~وأذنان يسمع بهما لم يرجع إليك بعدما نجا من الهلكة؟!» # 1 ~~••• # أليست هذه مصداق الحديث: «لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين.»؟ ~~••• # ثم ذكر المحاضر أمثلة أخرى كثيرة وختم محاضرته بقوله: «فإذا أردت مثل ~~العقوق ومثل الوفاء فأمامك حكاية «أبي صير وأبي قير» وهي في ألف ليلة، وإذا ~~أردت مثل القضاء والقدر؛ فأمامك حكاية ms010 «الملك عجيب» وهي في ألف ليلة ~~أيضا. # وإذا أردت مثلا على أن لكل مقام مقالا فاقرأ حكاية العم «عمارة» وهي مشهورة ~~لا حاجة بنا لذكرها.» ~~••• # وجماع القول أن القصص وضرب الأمثلة محببان إلى نفوس الكبار والصغار معا، ~~وهما من خير الوسائل التي يلجأ إليها الخطيب لتقرير فكرة أو تعزيز مبدأ في ~~أذهان سامعيه. # | هوامش # | الوعظ الكاذب # أيها السادة: # قال لي ولدي مصطفى - ذات يوم - وعلى وجهه أمارات الدهشة والعجب: «إنك توصيني يا أبي ~~بالصدق!» قلت: «نعم!» قال: «تنهاني عن الكذب!» قلت: «نعم.» قال: «كذلك تقول المعلمة!» قلت: ~~«حسن، فماذا حدث؟» # قال: «حدث أن معلمتي- التي توصيني بالصدق وتمدحه لي وتنهاني عن الكذب وتبغضني فيه ~~- قد كذبت!» قلت: «وكيف كذبت يا مصطفى؟» قال: «إنها ضربتني فشكوتها إليك، فلما سألتها ~~أنكرت!» فماذا ترون أيها السادة؟ # إذا كان هذا الطفل - وهو لم يعد السادسة من سني حياته - قد فطن إلى التناقض بين ~~قول المدرسة وفعلها، وأدرك أنها تأمر بما لا تأتمر به، أترونني قد بالغت إذا قلت: ~~إن أذهان العامة لن تكون أقل من ذهن هذا الطفل إدراكا وفهما لما يقع من التناقض بين أقوال ~~وعاظهم ومرشديهم وأفعالهم؟ # الحق أن العامة - مهما بلغ بهم الجهل - لن يكونوا أقل انتقادا لوعاظهم من ~~الأطفال. # ولست أدري كيف يأمرنا الواعظ بالصدق ويكذب، وكيف يأمرنا بترك الحلف ويحلف، كذلك ~~الذي يقول: «والله ما حلفت صادقا ولا كاذبا.» # أو كذلك الذي أراد أن لا يبوح بحب معشوقته فباح بها في قوله: # لا لا أبوح بحب بثنة إنها # أخذت علي مواثقا وعهودا # وكيف يأمرنا الواعظ بحسن المعاملة وهو نفسه أسوأ مثل للمعاملة؟ وكيف تمتلئ قلوبنا خشية من ~~واعظ منافق يأمر بما لا يأتمر به ويقرر ما لا يفعل؟! وكيف نخلد بثقتنا إلى رجل: # طلب الخسائس وارتقى في منبر # يصف الحساب لأمة ليهولها # ويكون غير مصدق بقيامة # أضحى يمثل في النفوس ذهولها # نعم، كيف نصغي إلى واعظ وصفه أبو العلاء وأبدع في وصفه فقال: # رويدك قد غررت - وأنت ندب - # بصاحب حيلة ms011 يعظ النساء # يحرم فيكم الصهباء صبحا # ويشربها - على عمد - مساء # يقول «لقد غدوت بلا كساء # وفي لذاتها رهن الكساء # إذا فعل الفتى ما عنه ينهى # فمن جهتين - لا جهة - أساء # فإن كان بعض الوعاظ يحسب أن ما يقترفه سرا من الشنع مستور غير معروف ولا ذائع فما أشد ~~ضلالته ووهمه! قال كاتب إنجليزي: # إذا دار بخلدك - لحظة واحدة - أن أخفى أسرارك التي تحرص عليها وتمعن ~~في تكتمها لم يعرفها الناس جمعاء فقد خدعت نفسك خداعا بينا. # وقال الشاعر العربي: # ومهما تكن عند امرئ من خليقة # وإن خالها تخفى على الناس تعلم # أيها السادة: # لقد استفاد الناس من أخلاق النبي، وأعماله أضعاف ما استفادوا من أقواله ومواعيظه. # كذلك كان الصحابة والخلفاء الراشدون أمثلة عملية للأخلاق الفاضلة؛ فاستفاد الناس من ~~أفعالهم أضعاف ما استفادوه من أقوالهم. # ألا ترون مثلا إلى عمر بن الخطاب يجلد ولده - عقابا له - ولا يتهاون في إقامة الحد ~~عليه؟ # ثم ألا ترون إليه وهو يعنف ابن العاص بقولته الحكيمة المأثورة: «متى استعبدتم ~~الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟» # ألا ترون إليه تخطئه امرأة؛ فتحجه فيعترف لها بالغلبة ويذعن للحق ~~إذعانا ويقول قولته المشهورة: «أخطأ عمر وأصابت امرأة.» # وليس هذا إلا مثلا من أمثلة عدة يعيينا أن نتقصاها. # ألا ترون إلى «كاميل فلاماريون» مثلا كيف عاقب نفسه بغرامة وقد كان قاضيا فأصدر على ~~نفسه حكما كما يصدره على عامة الناس. # ألم تسمعوا قصة القاضي الذي أهانه ابن مليكه وهو في منصة القضاء؛ فزج به في ~~السجن؛ فلما علم الملك بذلك فرح أشد الفرح وقال: «الحمد لله الذي جعل في بلادي قضاة يقيمون ~~العدل حتى على ولدي نفسه!» ~~••• # هذه - أيها السادة - أمثلة عملية قليلة من أمثلة كثيرة يجدر بمن يتصدون للنصح أن ~~يتخذوها نموذجا لهم؛ ليكونوا جديرين بوعظ الناس وإرشادهم، فإن الناس يستفيدون من النموذج ~~العالي أكثر مما يستفيدون من الحكم والمواعيظ الخطابية. # وفي قدرة كل منكم أن يكون مثلا أعلى لأبنائه، وأفراد أسرته، وعشيرته، وجيرانه؛ ~~ليقلدوكم في ذلك. ~~••• # وأنا أضرب ms012 لكم مثلا يبين لكم فائدة هذه النماذج الصالحة: وجدت أبي - وأنا طفل - لا ~~يكاد يترك الكتاب من يده، فأحببت أن أكون مثله وقلدته في ذلك حتى أصبح ذلك دأبي إلى ~~الآن، وانقلب التطبع طبعا أصيلا، ووجدته يصل الرحم فقلدته في ذلك، ولو رأيته - ~~على عكس هذه الصفات - لقلدته فيها كذلك، وما أصدق قول القائل: # مشى السرطان يوما باعوجاج # فقلد شكل مشيته بنوه # فقال: علام تنحرفون؟ قالوا: # بدأت به فنحن مقلدوه # فخالف سيرك المعوج واعدل # فإنا - إن عدلت - معدلوه # أما تدري أبانا كل فرع # يجاري بالخطى من أدبوه # وينشأ ناشئ الفتيان منا # على ما كان عوده أبوه! # فما أجدر وعاظنا ومرشدينا أن يعنوا بهذه الحقيقة، فلا يكتفي الواحد منهم بسرد ~~تلك الألفاظ الميتة التي ألفوا ترديدها في خطبهم، مقتصرا على تلاوة عبارات مرصوفة ~~محفوظة واصطلاحات عتيقة بالية لا تعبر عن نفسه؛ فإن من يسلك هذه الطريق مسيء لا محسن، ~~ورب داع إلى الفضيلة هو - على الحقيقة - أشد خطرا عليها من ألف داع إلى ~~الرذيلة. ~~••• # وأنا أختم هذه المحاضرة بالقصيدة التالية التي تلخص لكم أثر الوعظ الكاذب في النفوس - وقد ~~ترجمتها عن الفرنسية - وأظنها تعبر عن ذلك المعنى أدق تعبير. # | الباز واللقلق # قنص الباز قنبره # وعلا البشر منظره # فانبرى لقلق له # ورمى الباز بالشره # قال: أطلق سراحها # تأت برا ومأثره # صوتها ساحر فلا # تحرم الناس مصدره # ضعفها ظاهر وفي # ك صيال ومقدره # فاحبها نعمة الحيا # ة جميلا فتشكره ~~••• # هزئ الباز قائلا: # سيدي! ألف معذره # غير أني تريبني # فعلة منك منكره # ضفدع بين مخلبي # ك تزجيه كالكره # ضعفه ظاهر، وفي # ك صيال ومقدره # فاحبه نعمة الحيا # ة جميلا فيشكره # إن للخير إن أرد # ت طريقا ميسره # فافعل الخير بادئا # ثم لمني على الشره ~~••• # كم خطيب على المكا # رم قد حث معشره # إن رأى ناكبا عن الخي # ر لحاه وعيره # هنوات الورى يرا # ها ذنوبا مكبره # ثم يلفي ذنوبه # هنوات مصغره # مثل هذا منافق # جعل النصح متجره # نصحه كله خدا # ع وغش وثرثره! # | ابن ms013 الرومي1 # كيف أغفله صاحب الأغاني # لو نطق الدهر هجا أهله # كأنه الرومي أو دعبل # أبو العلاء # ألف أبو الفرج كتابه الأغاني لغرض خاص هو إثبات المائة الصوت التي اختارها المرشد، ثم ~~جره ذلك إلى الاستطراد، فذكر من الطرف والبدائع شيئا كثيرا حتى أصبح كتابه كنزا ~~من كنوز الأدب العربي لا مثيل له. # فإذا أغفل أبو الفرج التنويه بشاعر فحل كابن الرومي، فهل نجد من يحتج له بهذا ~~العذر، وأية دهشة تتملكنا، بل أية حيرة تملأ نفوسنا حين نجيل البصر في هذه ~~المجلدات الضخمة التي تؤلف دائرة معارف أدبية نادرة، فنرى مؤلفها الذي أغفل ابن الرومي قد ~~استطرد أكثر من ألف مرة إلى ذكر من يستحق الذكر ومن لا يستحقه والتنويه بشعراء - إن ~~أجللناهم مرة - نزهنا ابن الرومي عن أن يوضع معهم في ميزان أو يقاس إليهم ~~بمقياس، ورأيناهم - إلى جانبه - أقزاما أمام عملاق! # فإذا زعم زاعم أن شعر ابن الرومي لم يغن به، قلنا له: هذه «مسألة فيها نظر» وليس ~~لدينا الآن ما ندحض به زعمه، فإن أخبار ابن الرومي لم يصلنا منها شيء يذكر، وقد أجمع ~~المؤرخون - أو كادوا يجمعون - على إغفال هذا الشاعر العظيم كما تعمد أبو الفرج أن يغفل ~~ذكره إغفالا يكاد يكون تاما، في حين أنه ملأ الدنيا بأخبار البحتري الذي كان يعاصر ابن ~~الرومي، وأخبار أبي تمام أستاذ البحتري وكثير من معاصريهما، وغيرهم من المشهورين كأبي نواس ~~ودعبل ... إلخ، وقد عني أبو الفرج - في غير كتابه الأغاني - بدواوين من يحبهم من الشعراء؛ ~~فجمع ديواني أبي تمام والبحتري، ورتب ديوان كل منهما على الأنواع - لا على الحروف - كما ~~عني بجمع ديوان أبي نواس! # وتعمد الإغفال ظاهر، فإن أبا الفرج لم يذكر ابن الرومي في كتابه (الأغاني) إلا ~~مرتين، وكأنه لم يذكره إلا ليسيء إليه بدلا من أن يشيد بذكره. # فقد ذكره في الموضع الأول؛ بمناسبة انتحاله بيتا من الشعر لإبراهيم بن العباس، # 2 # وذكره في مكان آخر من الكتاب؛ بمناسبة نكبة سليمان بن وهب وابنه # 3 ms014 # ليظهر لنا بمظهر الشامت وكلا الموقفين لا يشرف صاحبه. # ففي الموقف الأول: يعرفنا به سارقا منتحلا بيتا من الشعر. # وفي الموقف الثاني: يقدمه لنا هاجيا في غير موقف هجاء؛ ليثبت أبو الفرج - في نفس ~~الصفحة - رثاء البحتري لسليمان بن وهب الذي جود فيه - كما يقول أبو الفرج - ثم يتبع ~~ثناءه على البحتري بإطرائه إبراهيم بن العباس، والإشادة بذكره! # فإذا لم يكن ذلك إغفالا فهو عندنا شر من الإغفال، وإذا لم يكن أبو الفرج الأريب ~~الفطن الراوية قد تعمد الإساءة إلى ابن الرومي فكيف يكون تعمد الإساءة بعد ذلك؟ ~~••• # لم يكن ابن الرومي خاملا في عصره حتى يقتصر أبو الفرج على رواية أربعة أبيات من شعره في ~~هذه الموسوعة الضخمة، وقد زعم بعض الأدباء أنه كان خاملا وهو وهم يفنده الواقع، ~~فلم يكن ابن الرومي خاملا - لا في عصره ولا بعده - ولكنه كان مكروها من الناس؛ لإفحاشه في ~~الهجاء حتى لم يكد يسلم من لسانه إنسان له خطر! # 4 # فإذا قال قائل: «ولماذا نوه أبو الفرج بدعبل وذكر كثيرا من أخباره وهو كابن الرومي ~~في سلاطة اللسان والإقذاع في الهجاء؟» # قلنا: إن عصر دعبل قد تقدم عصر ابن الرومي بقليل وقد مات من أساء إليهم دعبل وقل حقد ~~الناس عليه، فلم يبق هناك بأس من الإشادة بذكره والتنويه بفضله. # أما ابن الرومي فقد أساء إلى أعيان الدولة، وكبار رجالها، كما أساء إلى شيوخ الأدب وزعماء ~~الشعر، ولم تزل إساءته - إلى زمن أبي الفرج - عالقة بالأذهان. ولا زال بعض من أفحش ابن ~~الرومي في هجائهم عائشا في زمن أبي الفرج، وربما كان من بينهم أقاربه، وأصدقاؤه، ولقد كان ~~أبو الفرج من المتشيعين، وكان ابن الرومي متهما بالتشيع، ولم تكن هذه الصلة شفيعا له ~~عنده ولا سببا يدعوه إلى التنويه بذكره. ~~(1) هجاء البحتري والأخفش # ولقد هجا ابن الرومي البحتري الشاعر هجاء مقذعا وأفرط في شتمه، وكان للبحتري مكانة ~~بين أعيان الدولة، وكبار رجالها - حتى بعد موته - وقد رأيت أن أبا الفرج كان يحبه ms015 ويشيد ~~بذكره ويعنى بآثاره ... ولا يتسع هذا المقام الضيق للإسهاب في ذلك وشرح الأسباب التي دعت ~~إليه، فلنجتزئ بقوله في هجائه من قصيدة: # قد قلت إذ نحلوه الشعر: حاش له # إن البروك به أولى من الخبب # وفيها يقول: # وحسبه من حباء القوم أن يهبوا # له قفاه - إذا ما مر - بالعصب # 5 # ثم يقول: # الحظ أعمى ولولا ذاك لم تره # للبحتري بلا عقل ولا أدب # وفي هذه القصيدة يقول: # قبحا لأشياء يأتي البحتري بها # من شعره الغث بعد الكد والتعب # كأنها حين يصغي السامعون لها # ممن يميز بين النبع والغرب # رقى العقارب أو هذر البناة إذا # أضحوا على شعف الجدران في صخب # وقد يجيء بخلط، فالنحاس له # وللأوائل ما فيه من الذهب # سمين ما نحلوه من هنا وهنا # والغث منه صريح غير مجتلب # يسيء عفا، فإن أكدت وسائله # أجاد لصا شديد البأس والكلب # ثم يقول: # عبد يغير على الموتى فيسلبهم # حر الكلام بجيش غير ذي لجب # ما إن تزال تراه لابسا حللا # أسلاب قوم مضوا في سالف الحقب # شعر يغير عليه باسلا بطلا # وينشد الناس إياه على رقب # إلى آخر هذه القصيدة الطويلة التي لا نسمح لأنفسنا بنقل ما ورد فيها من الهجاء ~~المقذع، والفحش الشنيع في مثل هذا المقام، فليرجع إليها القارئ في ديوانه إذا ~~شاء. ~~••• # ولا تنس هجاء ابن الرومي للأخفش - أستاذ أبي الفرج - فقد كاد ابن الرومي يقف حياته ~~على هجاء الأخفش، وكاد الأخفش يقف حياته على التشنيع به والزراية عليه، فلا غرو أن يغرس ~~الأستاذ في نفس تلميذه بذور الكراهية والبغض لابن الرومي - منذ الصغر - أو يغضب التلميذ ~~لأستاذه فيتعمد إغفال من جعل همه الأول شتم أستاذه والتشهير به «وآفة الرأي ~~الهوى!» ~~••• # وإلى القارئ شيئا من هجاء ابن الرومي للأخفش ليتبين صحة ما ذهبنا إليه، قال من قصيدة ~~طويلة رائعة: # قلت لمن قال لي: عرضت على الأخ # فش ما قلته فما حمده # قصرت بالشعر حين تعرضه # على مبين العمى إذا انتقده # ما قال شعرا ولا رواه، فلا ms016 # ثعلبه كان، لا ولا أسده # فإن يقل: «إنني رويت» فكالدف # تر جهلا بكل ما اعتقده # أرمت زيني بأن تعرضني # لمدحه؟ فالذليل من عضده # أم رمت شيني بأن تعرضني # لثلبه؟ فالسليم من قصده # إلى أن قال: # شعري شعر إذا تأمله الإن # سان ذو الفهم والحجا عبده # لكنه ليس منطقا بعث الله # به آية لمن جحده # ولا أنا المفهم البهائم والطي # ر سليمان قاهر المرده # وما بلغت بي الخطوب رتبة من # تفهم عنه الكلاب والقرده # ثم قال بعد أبيات: # لا رحم الله أم أخفشكم # ولا سقى قبر والد ولده # ماذا عليه وقد رأى ولدا # أعور جم العوار لو وأده! # سأسمع الناس ذمه أبدا # ما سمع الله حمد من حمده # وفي هذه القصيدة أيضا من هجر القول ما لا يسمح بذكره المقام. # وقال من قصيدة أخرى: # لا يأمنن السفيه بادرتي # فإنني عارض لمن عرضا # عندي له السوط إن تلوم في السي # ر وعندي اللجام إن ركضا # وفيها يقول: # أضحى مغيظا على أن غضب الل # ه عليه ونلت منه رضا # قولا له: ينطح الجدار إذا أع # يا، وصم الصفا إذا امتعضا # ولا يحمل ضعيف منته # حربي، فما مثله بها نهضا # إلى أن يقول: # أقسمت بالله لا غفرت له # إن واحد من عروقه نبضا # فإذا ذكرنا - إلى ذلك الهجاء المقذع - أن في التنويه بابن الرومي إساءة إلى جمهرة من ~~أعيان الدولة، وكبار رجالها الذين هجاهم ابن الرومي أو هجا آباءهم - كما أسلفنا القول - ~~عرفنا السر في هذا الإغفال. # | هوامش # | ما رأيك؟1 # عجوز أظهرت دهشا كبيرا # أتعرف كل دهشتها لماذا؟ # شرت لقرينها خبزا، فلما # أتت ألفته مات، فكان ماذا؟ # شرت كفنا له توا وعادت # فألفته صحا، دهشت لهذا # | أبو العلاء المعري في لزومياته # أبو العلاء رجل سوداوي المزاج؛ ممعن في السخط على الحياة، بالغ في سخطه وبرمه مدى لا ~~يشركه فيه إلا القليل النادر من الفلاسفة المتشائمين. # وهو مطلع واسع الاطلاع على آداب أكثر الأمم التي نقلت آدابها إلى العربية، وعالم واع ~~أخبارها، صادق حين يقول: ms017 # ما مر في هذه الدنيا بنو زمن # إلا وعندي من أخبارهم طرف # وهو - مع هذا العلم الغزير بتواريخ الأمم المختلفة، والرواية الواسعة لآدابهم المتباينة - ~~ممحص فطن خبير بتمييز الأخبار، دقيق في نقد زائف القول من صحيحه. # وأبو العلاء مفكر؛ عميق التفكير، ملهم المعنى ملقى الحجة، وعالم من أكبر أساطين اللغة ~~المشهود لهم بالسبق والتفوق. # وهو - إلى ذلك - شاعر فنان، عريق في الفن، عارف بروائعه، خبير بأسرار الجمال، ومواطن ~~الجلال، وهو حر الفكر واسع الخيال فياض المعاني مشرق الديباجة لا يعوقه عن بلوغ غايته شأو، ~~ولا يقف في سبيله حاجز. ~~••• # هذه الميزات الباهرة هي أول ما يبدهك من شعر أبي العلاء - الحافل بروائع الفن والفلسفة - ~~حين تقرأ كتاب اللزوميات؛ فتطالعك كل صفحة منه بما يزيدك اقتناعا بتلك المزايا العالية ~~التي أفردت أبا العلاء فأحلته أسمى مكان بين شعراء العربية جميعا، وتعاونت على تكوين ~~شخصيته الجذابة فمازته من بين جبابرة الفكر وأساطين الفن المبرزين. # وأي روض من رياض الفكر، أحفل بروائع الفلسفة والفن من ذلك الروض الفكري البهيج الذي ~~تتملى به في كل صفحة من صفحات اللزوميات؛ إذ تقرؤها فتطالع فيها سفرا من أسفار الحياة ~~حافلا بأسمى وأروع ما يبدعه العقل الإنساني، ونتمثل فيها الخوالج النفسية واضحة جلية، لا ~~لبس فيها ولا إبهام. ~~••• # اقرأ كل صفحة من صفحات الكتاب بروية وأناة، وأنا الزعيم لك بأنك لن تجد إلا ما حدثتك ~~عنه من الروعة والجلال، فإذا حال دون إمتاعك به كلمة غريبة عنك، أو لفظة تنبو عنها أذناك، ~~فحذار أن تعجل بالحكم على الرجل قبل أن تتثبت من وجهها الصحيح، فليس هذا ذنبه، وليس من ~~العدل أن يؤخذ بتبعته، وإنما إثم ذلك عائد إلى تسرعنا في الحكم أو قلة محصولنا اللغوي، أو ~~عدم إلمامنا بقسط كاف من تاريخ الأمم العربية والأمم الأخرى التي أثرت في تاريخها، وفي ~~أدبها معا، أو قصورنا في درس جغرافية تلك البلاد. ~~••• # وليس على أبي العلاء إثم إذا عثرت كذلك في شعره بكلمة غريبة، وتبادرت إلى ذهنك كلمة ~~حسبتها ms018 أليق منها وأبلغ في أداء المعنى، فمضيت في حكمك لا تلوي على أحد! # نعم! فإن الرجل دقيق يعني ما يقول، وليس مغرورا يولع بالبهرج، ولا منافقا يكذبك نفسه، ~~ولا قليل البضاعة يزجيها عليك؛ ولكنه رجل واسع الفكر بعيد المرمى، وليس أجدر بالروية ~~والأناة من قارئ الأدب العلائي، فإذا وقع بصرك على مثل قوله: # لقد جاءنا هذا الشتاء وتحته # فقير معري، أو أمير مدوج # وقد يرزق المجدود أقوات أمة # ويحرم قوتا واحد وهو أحوج # فتبادر إلى ذهنك أن كلمة «مدوج» ثقيلة على السمع، وأن التزامه الإغراب هو السر في ~~التجائه إليها، وأنه كان جديرا أن يقول بدلها «متوج». وما أليق هذه الصفة بالأمير! وما ~~أخفها على السمع وألطف مدخلها في القلب ...! # فتريث قليلا، وانظر إلى المعنى - بعد أن فتنك بهرج اللفظ - وخبرني بعد ذلك: «أيقابل ~~عري الفقير تاج الأمير؟» وقل لي بربك: «كم تفقد تلك الصورة الشعرية من الجمال إذا وضع هذا ~~اللفظ بدل ذاك؟» ~~••• # إذن فقد أراد أبو العلاء اللفظة الأولى، وقصد إليها قصدا، ولو كان يتكلم نثرا لأتى بها ~~ولم يرض عنها بديلا، وما أروع تلك الصورة الشعرية الجميلة التي تتمثلها في هذا البيت ~~الدقيق؛ إذ «ترى الشتاء زاحفا بقره ومطره وزمهريره، وترى فقيرا بائسا يستقبل هذا الفصل ~~القاسي عاريا لا يجد ما يدفئه أو يقيه غائلة البرد، ثم ترى - إلى جانبه - أميرا مثريا ~~متدثرا بلحاف فوقه لحاف، لا يكاد يشعر بألم البرد القارس أو يحس زمهريره. # وترى في البيت الثاني مجدودا، تكدست أمامه أقوات أمة بأسرها؛ وإلى جانبه مسكين قد حرم ~~قوت يومه!» ~~••• # حسبنا هذا المثل من أمثلة عديدة يعيينا استقصاؤها ولا يتسع الوقت لذكرها، ولكن حذار أن ~~يدخل في روعك، أو يدور بخلدك - لحظة واحدة - أننا ننزه أبا العلاء عن الزلل؛ وأننا نطلق ~~القول إطلاقا، فنعصمه من كل خطأ أو نزعم له شيئا من ذلك، فإنما هو إنسان قبل كل اعتبار ~~وبعد كل اعتبار. # ولكن كل ما نقوله: إننا ألفنا منه الدقة والإحكام؛ ولم يعودنا الثرثرة، والهذيان، ms019 ~~وإننا وضعنا في البوتقة جل ما قدمه لنا من المعادن؛ فألفيناه ذهبا خالصا غير مختلط ~~بنحاس، فإذا شذ من ذلك شيء فهو الفكر الإنساني الذي لا يسلم صاحبه من عثار أو كبوة إلى ~~الأرض - أثناء تحليقه في سماواته العلي - وهو الشعر كالشجر: # ركب فيه اللحاء والخشب اليا # بس والشوك بينه الثمر # ونوجز فنقول: «إننا إذا عددنا نخبة المفكرين، والفلاسفة المعدودين الذين تركوا أوضح أثر ~~في تاريخ الفكر الإنساني والذين هم أبعد الناس عن الإسفاف واللغو، فإن أبا العلاء بلا شك ~~يكون في أعلى ذروة يجلس فيها أساطينهم وجبابرتهم.» # وهذا كلام نؤكد للقارئ أننا نعنيه تماما وأننا نقوله جادين، وأننا أبعد الناس عن ~~المبالغة حين نقرره. # فليس يمتري أحد درس أبا العلاء حق دراسته في أنه قد خط للشعر العربي طريقا جدية فلسفية، ~~وأنه قد أودع لزومياته أسمى المبادئ الاجتماعية، وأرقى أساليب النقد الصحيح، والسخرية ~~الخفية اللاذعة، والدعابة القاسية التي تحوي الجد المر بين ثناياها، والتي تكشف عن النفس ~~الإنسانية، وعن الطبيعة الخالدة سجفها، وأستارها الكثيفة؛ فتجليها في أبهى حللها، وتطلع ~~الإنسان على أخفى خفاياها. ~~••• # وهذه الميزات الباهرة التي نكبرها في «أبي العلاء» والتي نعجب بأدبه من أجلها وندعو الناس ~~إلى الإقبال على آثاره الخالدة؛ ليمتعوا أنفسهم بها، هي وحدها السر في عزوف فريق الأدباء ~~الجامدين عن كتب أبي العلاء، وبغضهم للأدب العلائي والفلسفة العلائية، فإن أذهانهم الضيقة ~~لا تتسع لفهم معانيه العميقة، وصدورهم الحرجة لا تنفسح لحريته البعيدة المدى. # ولا غرو إذا عجزوا عن فهم شعره فنتقصوه وعابوه، فقد ألفوا من الشعر لغوا وهذيانا، ~~ودعابة، وترديد معان سخيفة أنهكها التكرار الممل، ونوعا من الشعبذة الكلامية تلتئم مع ~~طبائعهم الممسوخة وأذهانهم الملتوية الفاسدة. وما أجدر هؤلاء أن يبغضوا شعر أبي العلاء ~~ويعزفوا عنه! وما أخلقهم أن لا يصدعوا أدمغتهم بجده القاسي الذي لا تحتمله أذهانهم اللطيفة! ~~••• # فإذا كان لا بد لهم أن يحفظوا شيئا يتندرون به من كلام أبي العلاء ليتمموا به سلسلة ~~محفوظاتهم الأدبية، فأمامهم بضع قصائد قالها في أول ms020 حياته الأدبية - في كتاب سقط الزند - ~~وتبرأ منها في مقدمته؛ كقوله مثلا: # إذا خفقت لمغربها الثريا # توقت من أسنته اغتيالا # وقوله: # ولو أن الرياح تهب غربا # وقلت لها: «هلا» هبت شمالا # وأقسم لو غضبت على ثبير # لأزمع عن محلته ارتحالا # وقوله: # يذيب الرعب منه كل عضب # فلولا الغمد يمسكه لسالا # وقوله: # وكأن الهلال يهوى الثريا # فهما للوداع معتنقان # وقوله: # وعلى الأفق من دماء الشهيدي # ن - علي ونجله - شاهدان # إلى آخر ذلك الهذر والعبث الذى يلائم مزاج تفكيرهم وأسلوبهم. ~~••• # على أنهم سيجدون - حتى في هذه القصائد الأولى وأشباهها - بضع أبيات فلسفية رائعة تبغضهم ~~في شعر أبي العلاء، وتستدر نقمتهم على أدبه! # ولكن ما لنا ولهذه الفئة الأمية الفكر الحقيرة الشأن، وقد أوشكت تنقرض وسمعنا صوت ~~احتضارها الخافت، لا شأن لنا بهم بعد أن اكتسحت نهضتنا المباركة أكبر زعمائهم - فيما ~~اكتسحته - وستأتي على الباقين منهم في القريب العاجل! # فلنترك إذن هذه الفئة تحتضر، ولنغتبط برواج الأدب الحي، وانتشار الفن الصحيح بين أبناء ~~الشرق الناهض، فليس أدعى إلى الاغتباط من نفاد طبعات ثلاث من هذا السفر الأدبي النفيس، وشدة ~~الإلحاح المتواصل في طلبه. # وما أجدر الأدباء بذلك، وما أجدر الأدب العلائي أن يجذب إليه أنظار المفكرين في هذا العصر ~~الناهض الحافل بالجد والحياة! وأخلق بذلك الإقبال أن يتخذ دليلا لا يقبل الشك، على صدق ~~نهضة الشرق، وعنايته بالأدب الصحيح، والفن العالي! # وفي بعض هذا ما يفسح مجال الأمل في رقيه، ويدعو إلى التفاؤل الصادق بنجاح سعيه، وإدراك ~~غايته النبيلة التي يسعى إليها بخطواته السديدة، فقد فرغ الباحثون من التدليل على أن كل ~~نهضة لا تعتمد على الأدب زائفة وشيكة الإخفاق، وأن الأدب الصادق أساس كل نهضة حقة، ورائد كل ~~حركة قومية منتجة. ~~••• # وأي أدب أصدق من الأدب العلائي الذي يحوي لب اللباب، ويشرح أخفى الخوالج الإنسانية، ويوضح ~~أدق وأسمى إحساسات النفوس العالية؟ # | ظلي1 # أنت يا ظلي رفيق عمري # أنت يا ظلي عجيب الأمر # كم تطول # ثم تبدو غاية في القصر # أو تزول # ثم ms021 تعدو - بعدها - في أثري ~~••• # إن ظلي مشبهي كل الشبه # كلما استيقظت ألفيه انتبه # قافزا خلفي - طورا - وأمامي # صامتا لم يدر ما معنى الكلام # حركاتي كلها يأتي بها # لا يبالي سهلها من صعبها ~~••• # أنت قد حيرتني في أمري # أنت خلفي - حين أجري - تجري # أنت - إن أبطئ - بطيء السير # أي نفع لك؟ لست أدري # | الخسوف والكسوف 1 # (1) ذعر الأقدمين منهما - وبضع أساطير الأولين عنهما # لا نكاد نسمع - في هذه الأيام - بقرب حدوث خسوف أو كسوف؛ حتى نترقبه بفارغ الصبر، ~~فإذا وقع اندفعنا إلى رؤيته متهافتين تحفزنا الرغبة العلمية الصحيحة، أما في غابر ~~الأزمان فقد كان للناس شأن آخر - على نقيض ذلك - إذ لم يكونوا يفهمون لحدوثهما معنى؛ ~~إلا الإنذار بوقوع نكبات وويلات عاجلة. # أثر الخسوف في جيش الإسكندر # ولقد كاد يتحتم الفشل على الإسكندر في موقعة «إربل»، وكاد يكتب لجيشه الخذلان ~~بسبب الخسوف؛ إذ جن الليل، وخسف القمر على مرأى من رجال الجيش الذين أيقنوا أنه ~~نبوءة صادقة بالهزيمة؛ فدب الخوف في قلوبهم، وسرى الوهن والفتور إلى عزائمهم، ~~لولا ما بذله الإسكندر من جهد في تسكين روعهم، وإعادة الحماسة إليهم، وليس هذا إلا ~~مثلا واحدا لما كان يسود الناس في تلك الأزمان من الأوهام التي نجمت عن جهلهم علم ~~الفلك، وقوانين الطبيعة. # أثر الخسوف في نجاح كولمب # ويذكر لنا المؤرخون الذين كتبوا عن اكتشاف أمريكا، أن «خرستوف» مدين بحياته ~~وحياة رجاله لعلم الفلك، ولولاه لماتوا جوعا، فقد نفدت ذخيرتهم في «جمايكا»، وضن ~~عليهم الأهلون بالزاد لما كانوا يشعرون به من الكراهية لهؤلاء الغرباء، وكان ~~«كولمب» يعلم أن القمر لا بد أنه مخسوف في الليلة التالية؛ فجمع رؤساء العشائر ~~وخطبهم متوعدا إياهم بشر النكبات إذا أصروا على عنادهم وأبوا أن يلبوا طلبته، ومما ~~قاله لهم: «سترون غدا مبلغ سلطاني على الطبيعة؛ حين أبدأ بحرمان بلادكم ضوء ~~القمر!» # والحق أن رؤساء القوم قد ساورهم القلق حين سمعوا منه هذا الوعيد، وتملك نفوسهم ~~ذعر غامض لا يعرفون كنهه، فقد كانوا يخشون سطوة هؤلاء البيض الذين ms022 جابوا الأرض ~~والمحيط حتى وصلوا إليهم، على أنهم أخفوا ذلك القلق، وأظهروا «لكولمب» كثيرا من ~~التجلد؛ إذ لم يدر بخلدهم أن قوته - مهما عظمت - تستطيع أن تغير من نظام الشمس ~~أو القمر؛ فخرجوا من عنده يهزون أكتافهم ساخرين. # فلما حانت الليلة التالية ورأوا بأعينهم ضوء القمر يتضاءل ثم يتلاشى بعد ذلك خلع ~~الذعر قلوبهم؛ فأسرعوا ضارعين إلى «كولمب» أن يرفع عنهم تلك النقمة. وبهذه الحيلة ~~ظفر «كولمب» بكل ما يحتاجه من الزاد بعد أن وعدهم بإرجاع الضوء إلى القمر في الحال، ~~وما كادوا يبصرون البدر مؤتلقا زاهيا في السماء بنوره الفضي حتى آمنوا بقدرة ~~«كولمب» وهيمنته على عناصر الطبيعة كلها. # 2 # أمثلة من خرافات المتقدمين # ولقد كان المتقدمون - سواء منهم الغربيون والشرقيون - يذعرون أشد الذعر كلما وقع ~~كسوف أو خسوف، وكان للخرافات عندهم سوق رائجة؛ وإليك بعض ما كانوا يتناقلونه ~~ويؤمنون بصحته من تلك الأساطير: # كان يعتقد بعضهم أن الشمس والقمر لا ينكسفان إلا إذا وقعا فريسة لشرير من ~~العمالقة أو المردة التي تسعى لالتهامهما، فكان «الأوريون» ينسبون ذلك إلى مارد ~~عملاق اسمه «مابويا»، يعزون إليه كل ما يصيبهم من شر أو يحل بأرضهم من طوفان أو ~~بلاء، بينما يتخيل «الهندوس» أن ذلك المارد على صورة حية هائلة، ويعتقد جيرانهم أنه ~~نمر غاية في الضخامة، ويتمثله آخرون كلبا عظيم الجرم من كلاب البحر؛ أما أهالي ~~سومطرة وملقا فكانوا يدينون بأن القمر والشمس لا ينكسفان إلا لأن حية كبيرة تلتف ~~حول أحدهما لتخنقه. # 3 # وفي أساطير بعض الأمم «أن الشمس والقمر امرأتان، وأن النجوم بنات القمر، وأن ~~الشمس قد كان لها في غابر الزمان بنات كبنات القمر.» # قالوا: «ثم خشيتا # 4 # أن يعجز الناس عن احتمال كل هذا النور والحرارة؛ فاتفقتا على أن تأكل ~~كل منهما بناتها، أما القمر فنكثت بعهدها، وأخفت بناتها عن عين الشمس التي برت ~~بوعدها ولم تتردد في أكل بناتها، على أنها لم تكد تفعل حتى أظهرت القمر بناتها من ~~مخبئهن؛ فلما رأت الشمس ذلك غيظت من ms023 القمر، وأنشأت تطاردها لتقتلها، ولا تزال كذلك ~~إلى اليوم، وقد تدنو منها فتعضها وهذا هو الخسوف.» # رأي الهنود في النيرين ~~«ومن سنة بعض حكماء الهنود - فيما يقول الشهرستاني - أنهم إذا نظروا إلى الشمس ~~قد أشرقت سجدوا لها، وقالوا: «ما أحسنك من نور ! وما أبهاك وما أنورك! لا تقدر ~~الأبصار أن تلذ بالنظر إليك! # فإن كنت أنت النور الأول الذي لا نور فوقك فلك المجد والتسبيح، وإياك نطلب، وإليك ~~نسعى لندرك السكنى بقربك، وننظر إلى إبداعك الأعلى، وإن كان فوقك وأعلى منك نور آخر ~~- أنت معلول له - فهذا التسبيح وهذا المجد له، وإنما سعينا وتركنا جميع لذات ~~العالم لنصير مثلك، ونلحق بعالمك، ونتصل بمساكنك. إذا كان المعلول بهذا البهاء ~~والجلال فكيف يكون بهاء العلة وجلالها ومجدها وكمالها؟! فحق لكل طالب أن يهجر جميع ~~اللذات ليظفر بالجوار بقربه، ويدخل في غمار جنده وحزبه». # 5 # وفي الهند فرقتان تعبد إحداهما الشمس، والأخرى القمر: # عبدة الشمس: ~~«فأما عبدة الشمس - كما يقول الشهرستاني - فقد زعموا أن الشمس ~~ملك من الملائكة، ولها نفس وعقل، ومنها نور الكواكب وضياء ~~العالم، وتكون الموجودات السفلية، وهي ملك الفلك يستحق التعظيم ~~والسجود والتخير والدعاء. # ومن سنتهم أن اتخذوا إليها (صنما) بيده جوهر - على لون النار - ~~وله بيت خاص باسمه، وقفوا عليه ضياعا وقرابين، وله سدنة وقوام، ~~فيأتون البيت ويصلون ثلاث كرات، ويأتيه أصحاب العلل والأمراض ~~فيصومون له ويصلون ويدعون ويستشفون به». # 5 # عبدة القمر: ~~«وأما عبدة القمر، فقد زعموا أنه ملك من الملائكة يستحق ~~التعظيم والعبادة، وإليه تدبير هذا العالم السفلي والأمور الجزئية ~~فيه، ومنه تتضح الأشياء المتكونة واتصالها إلى كمالها، وبزيادته ~~ونقصانه تعرف الأزمان والساعات، وهو تلو الشمس وقرينها، ومنها ~~نوره، وبالنظر إليها زيادته ونقصانه. # ومن سنتهم أن اتخذوا صنما - على صورة عجل - وبيد الصنم جوهر. ~~ومن دينهم أن يسجدوا له ويعبدوه، وأن يصوموا النصف من كل شهر ولا ~~يفطروا حتى يطلع القمر، وهم يأتون صنمه بالطعام والشراب واللبن، ثم ~~يرغبون إليه، وينظرون إلى القمر ويسألونه حوائجهم، فإذا استسهل ms024 ~~الشهر علوا السطوح، وأوقدوا الدخن، ودعوا عند رؤيته ورغبوا إليه، ~~ثم نزلوا عن السطوح إلى الطعام والشراب والفرح والسرور، ولم ينظروا ~~إليه إلا على وجوه حسنة. # 6 # وفي نصف الشهر إذا فرغوا من الإفطار؛ أخذوا في الرقص ~~واللعب والمعازف بين يدي الصنم والقمر». # 5 # كيف كانوا يدفعون عنهم نكبات الخسوف والكسوف # وهكذا كثرت الإشاعات، وتعددت الأوهام، فلم تسلم منها أمة قديمة من سكان المعمورة ~~كلها. # أما الوسائل التي كانوا يدفعون بها تلك النكبات الموهومة التي يترقبون وقوعها زمن ~~الخسوف أو الكسوف فهي كثيرة؛ أهمها أنهم كانوا يتظاهرون - رجالا ونساء - ثم يحدثون ~~أقصى ما يستطيعون من جلبة وضوضاء؛ ليخيفوا تلك الجبابرة - أو المردة - التي تحاول ~~التهام الشمس أو القمر، فكنت ترى - في حيثما ذهبت - رجلا يحمل معه طنبورا أو ~~بوقا، وإلى جانبه امرأة أو فتاة معها دف - أو ما يقوم مقامه إن أعوزها ~~الدف # 7 ~~- وربما ربط بعض الأمم كلابهم وانهالوا عليها جلدا بالسياط بكل ما ~~فيهم من قسوة حتى يرتفع عواؤها إلى عنان السماء. # أما الصينيون فكانوا يضيفون إلى ذلك خروج جنودهم إلى ساحات الفضاء متنكبين ~~أقواسهم فلا يزالون يطلقون سهمامهم - بلا انقطاع - رغبة في إنقاذ الكوكب ~~المخسوف. # وقد كان بعض المتقدمين يعلل الخسوف والكسوف - فيما يقول مؤرخو اليونان والمشارقة ~~- بأنه ناجم من طوفان أتي من الجحيم؛ فغمر الشمس أو القمر وسبب الكسوف، وكان هذا ~~الاعتقاد يدفعهم إلى دق النواقيس - في كل مكان - استنزالا للرحمة، وطردا لتلك ~~الأرواح الشريرة التي سببت لهم هذا البلاء. # وكان من عادة الإيطاليين أن يلجئوا إلى ذلك حتى في أوقات اشتداد العواصف. ولم يكن ~~الفرنسيون أقل هلعا من غيرهم عند حدوث الكسوف، فلم تكد تنكسف الشمس في يوم 16 ~~يونية سنة 1406 حتى انخلعت قلوبهم من الذعر، وهرع جمهورهم إلى الكنائس معتقدين أن ~~آخرة العالم قد حانت، مؤثرين أن يموتوا في الكنائس شهداء أبرارا، ولم يكن رعبهم من ~~الكسوف الذي وقع في شهر أغسطس من عام 1654 بأقل من سابقه، ولقد مرض لويس الرابع عشر ms025 ~~ملك فرنسا العظيم مرضا خطيرا بسبب ما لحقه من الرعب من كسوف 3 مايو سنة ~~1715 # وكان ذلك خاتمة الحوادث التي أثارها الكسوف والخسوف، ثم استنار الناس وعلموا ~~حقيقة هذه الظاهرة، فلم يعد يخشاها أحد! ~~(2) ابتهاج المتأخرين بهما # ولم يكد يتقدم علم الفلك حتى عرف الناس ما لم يكونوا يعرفون، وأدركوا ما في تلك ~~الأساطير من خطل؛ فتبدل خوفهم أمنا وطمأنينة، ماذا؟ بل انقلب الأمر من النقيض إلى ~~النقيض؛ فأصبحوا يترقبون - بفارغ الصبر - رؤية الكسوف والخسوف، وآية ذلك ما أظهروه من ~~الغبطة والفرح بالكسوف الذي وقع في باريس يوم 22 مايو من سنة 1724؛ فقد حدث ذلك قبيل ~~الغروب، وكان بدؤه في الساعة 5:35:18 مساء، وقبل أن تنقضي ساعة أصبح الكسوف تاما، ~~وغطيت صفحة الشمس كلها بظلام دامس؛ فبدل النهار ليلا حالك الإهاب، وظهرت النجوم في ~~السماء، ولكن فرح الجمهور المتلهف لم يطل، فقد أرخى الليل سدوله - بعد دقيقتين - قبل أن ~~يتملى الناس برؤية هذا المنظر الرائع - منظر خروج الشمس من ذلك الظلام الحالك الذي غطى ~~صفحتها - فقد توارت عن العيان، ومالت إلى الأفق الغربي بين أسف الجمهور ولهفته، وكان ~~رجال البلاط قد أعدوا عدتهم لرؤية ذلك الكسوف، وجلسوا في أعلى مكان في القصر الملكي - ~~ومعهم نظاراتهم الفلكية - وفي وسطهم الملك الشاب «لويس الخامس عشر»، وكانت سنه حينذاك ~~أربعة عشر عاما، وجلس إلى جانبيه الفلكيان الشهيران اللذان يعدان أكبر رجال الفلك في ~~ذلك العصر؛ وهما «جاك كاسيني» و«جاك مور الدي»، فكان لويس يشهد ذلك الكسوف من خلال ~~مرقب كبير أمامه، وكان يسمع منهما غرائب ما يشرحان له من طرائف علم الفلك بأذن سميعة ~~وقلب واع، ولم يكد ينتهي ذلك الكسوف حتى أعقبته فكاهة طريفة ظلت حديث عصره ردحا من ~~الزمن: فقد رأى الملك سيدتين من سيدات البلاط تقبلان في اللحظة التي غربت فيها الشمس، ~~فقال لهما مازحا: «لقد فاتكما هذا الكسوف، فانتظرا الكسوف التالي بعد قرنين.» ولكن ~~إحداهما ابتدرته قائلة بسذاجة نادرة: «كيف؟ ألا يستطيع «كاسيني» الفلكي إذا أمرته ~~جلالتكم أن ms026 يعيد لنا تلك الظاهرة من جديد؟» # فأغرب الملك في الضحك وتبعه رجال حاشيته في ذلك مجاراة له، ولم يفت أحد ظرفاء ذاك ~~العصر أن ينظم أغنية جميلة ضمنها تلك النادرة! # وقد شغل الناس بالحديث عن ذلك الكسوف زمنا ما؛ فنسوا كل كلام سواه، وعلقوا على ~~صدورهم شارات رمزوا بها إلى الكسوف، وصنعوا ألوانا من الحلوى أطلقوا عليها اسم الكسوف؛ ~~منها رقاقة ابتكرها تاجر من تجار الحلوى أسماها «رقاقة الكسوف»، وهي رقاقة بيضاء مغطاة ~~بطبقة سوداء من الشكولاته، رمزا إلى نور الشمس المكسوف، كما مثلوا على المسارح كوميديا ~~ذات ثلاثة فصول اسمها كوميديا الكسوف! # وفي هذا أكبر دليل على مقدار ما وصل إليه ابتهاج المتأخرين بالكسوف واحتفائهم ~~بوقوعه. ~~••• # على أن الفلكيين كانوا في حاجة إلى الاستزادة من الدرس؛ فأخذوا يترقبون بفارغ الصبر ~~وقوع كسوف آخر. # ومضى على ذلك ثلاثة أرباع قرن سهلت في أثنائها المواصلات، وأصبح من اليسير على ~~العلماء أن يسافروا إلى أي مكان يقع فيه الكسوف، فلم يفتهم أن يذهبوا إلى أواسط فرنسا ~~لمشاهدة كسوف 8 يوليو 1842، ولمشاهدة الكسوف الذي وقع في «الماليزيا» و«الهند» في 18 ~~أغسطس سنة 1868. ورحل العلماء من كل صوب لرؤية الكسوف الذي وقع في إسبانيا وشمال ~~أفريقيا في 30 أغسطس سنة 1905، وكان كسوفا كليا توفروا على درسه بروية ~~واطمئنان. # وفي السابع عشر من شهر إبريل سنة 1912؛ وقع في فرنسا كسوف لا يقل خطره عن كسوف سنة ~~1724 الذي أسلفنا ذكره؛ فخف سكان باريس وغيرهم إلى مشاهدته في الضواحي؛ لا سيما في ~~منطقة «سان جرمان». # فضل الطيران على رجال الفلك # ولا يفوتنا أن نذكر - قبل ختام هذا المقال - أولا فضل أداة الطيران لرجال الفلك، ~~وكيف أعانهم على درس الكسوف الذي وقع في 10 سبتمبر سنة 1923 في «كاليفورنيا»؛ حيث ~~ذهب العلماء من أقاصي الأرض رغبة في درسه، ولقد كاد يعتريهم الخبال ويستسلمون ~~لليأس؛ حين رأوا الضباب يحجب عنهم السماء وشمسها فلا يتبينون شيئا، ولكن العلماء ~~تمكنوا بفضل الطيارات من اجتياز هذه العقبة؛ فحلق سرب مؤلف من ms027 سبع عشرة طيارة ~~إلى ارتفاع خمسة آلاف متر، ثم تمكنوا من رؤية السماء، وتصويرها، ونجحوا في إدراك ما ~~يبتغون. # ومع تلك الدجنة الحالكة التي سببها الضباب، فإن العلماء لم يوفقوا في حياتهم ~~إلى مثل ما وصلوا إليه في هذه المرة - بفضل الطيران - من النتائج الباهرة! # 8 # | هوامش # | آلام الفقير1 # سألني الغني: «مم يتألم الفقير؟» فأجبته أن اتبعني - حيث أقودك - وأنا الكفيل ~~بإقناعك! ~~••• # كنا في المساء، وكان منظر الطرقات - التي تراكمت على أرضها الثلوج - يدعو إلى الانقباض ~~والوحشة، وكنا مرتدين لباسا سميكا أحكمنا دثاره لشدة البرد، ولكن ذلك لم ينقذنا من ~~قشعريرته. # وإذا بشيخ مسن مررنا به في طريقنا، ولم يكن في رأسه إلا خصل قليلة من الشعر الأبيض، ~~فسألته: «ما الذي أخرجك من بيتك؟ وماذا تعمل في هذه الليلة القرة؟» # فأجابنا: «حقا إنها ليلة قاسية البرد؛ ولكنني لم أجد وقودا في بيتي فاضطررت إلى ~~مغادرته واستجداء الناس المعونة.» ~~••• # ورأينا طفلة صغيرة عارية القدمين، تسأل الناس بصوت مرتفع جريء، فسألتها: «وماذا تصنعين ~~هنا في هذه الريح الصرصر؟» # فقالت: «إن أبي لا يستطيع مغادرة البيت الآن؛ فقد ألزمه المرض فراشه، وثم اضطررت إلى ~~الخروج أستجدي الناس لعلي أحصل على بلغة # 2 # من العيش.» ~~••• # ورأينا امرأة جالسة على صخرة تستريح، وعلى صدرها طفلة، وفوق ظهرها أخرى، فسألتها: «وما ~~الذي أخرجك في هذه الريح العاتية؟» # فالتفتت إلى طفلها الذي كان من خلفها، وأمرته أن يكف عن صياحه، ثم قالت لنا: «إن زوجي ~~جندي طوح به القدر إلى مكان قصي، فلم أجد مندوحة عن الذهاب إلى الكنيسة متكففة.» ~~••• # وهنا ألتفت إلى صاحبي الغني - الذي وقف حينئذ واجما - وقلت له: لقد سألتني: «مم ~~يتألم الفقير؟». # وقد أجابك كل هؤلاء! ~~(1) صحبة الكرام # 3 # شقائق النعمان ضمت مرة # في طاقة الزهر مع القرنفل # فاكتسبت - في لحظة - من طيبه # ومن يصاحب ذا كمال يكمل ~~(2) فخر المجد # 4 # أنا لا زلت تلميذا صغيرا # ولكني - على صغري - مجد # أسير إلى العلا سيرا حثيثا # وأنشط - نحو غايتها - وأعدو # وليس يضيرني صغري، إذا ms028 لم # يثبطني عن العلياء جهد # وما يغفني التي طول وعرض # إذا لم يغنه فهم ورشد # فليس يقاس إنسان بشبر # ليعرف قدره إن جد جد ~~••• # ونبت القمح مرتفع قليلا # ولكن هل له في النفع حد؟ # هو القوت الذي نحيا جميعا # به وهو الذي ما منه بد # وقد يعلو سنابله نبات # قليل النفع يعجب حين يبدو # وكم عود من القصب اعتلاه # وما هو - رفعة - للقمح ند # وفخر المرء علم يبتغيه # وإخلاص يحليه وكد ~~••• # وسوف أكون مثل القمح نفعا # وقدما أحرز السبق المجد # نعم، وأحب فعل الخير جهدي # وأسهر للعلا والمجد بعد # وتدرك همتي شرفا ومجدا # وحسبي - غاية - شرف ومجد ~~(3) أثر المصارحة # 5 # السيد ~~: # هل لي أن أتعرف منك يا «جاك»، ما يقوله الناس عني؟ # جاك ~~: # نعم يا سيدي، متى وثقت من أن ذلك لا يهتاجك بحال ما! # السيد ~~: # كلا، لن يضايقني أبدا. # جاك ~~: # عافني من هذا، فإنني على يقين من أنه سيغضبك إغضابا. # السيد ~~: # لا، لا، أؤكد لك لا ... إنه على العكس من ذلك، سيسرني إذ أعرف ما يقال ~~عني. # جاك ~~: # إذا كانت تلك هي إرادتك فإني مصارحك القول يا سيدي: إن الناس ليسخرون منك في ~~كل مكان. # وإنهم ليقذفونك بمئات من النكات من كل صوب، وليس أتم لسرورهم، وأدعى ~~لتفكهتهم من رواية الكثير من الملح والنوادر التي لا نهاية لها عن بخلك ~~المزري. # فبينما يروي عنك أحدهم أنك تعنى بطبع تقاويم خاصة تضاعف فيها أيام الصيام ~~المفروضة؛ لترغم عشراءك على عدم تناول طعام عندك في خلالها. # إذ يحدث عنك آخر أنك على استعداد دائم لخلق شجار بينك وبين خدمك في صبيحة ~~اليوم الذي تطردهم فيه؛ لتجد لك بذلك مندوحة لحرمانهم من أجورهم. # ويقص علينا ثالث أنك كسرت رجل قطة جارك؛ لأنها أكلت فضالة فخذ شاتك. # ويقول عنك رابع: إنك تسللت ذات ليلة لتسرق علف خيلك، ففاجأك حوذيك - الذي ~~كان عندك قبلي - فضربك بهراوته في الظلام. لا أدري كم ضربة من الضربات التي ~~تحملتها مؤثرا ألا تقول لأحد عنها شيئا. # وبعد، أتريد ms029 أن أقرر لك أن الإنسان لا يكاد يهتدي إلى جهة واحدة يؤمها دون ~~أن يسمع عنك ما تنوء بحمله من المثالب؟ # فأنت المثل السيئ، وأنت الأسطورة المضحكة التي يتلهى بها الناس، وأنت من لا ~~يتكلم عنه أحد دون أن ينعته بالشحيح، الوغد، البشع، رمز الدنايا! # السيد # يضرب جاك مغضبا ~~: # إنك لأحمق، خبيث، مختبل العقل. # جاك ~~: # لا بأس من ذلك، ولكن ألم أتنبأ بهذه النتيجة من قبل؟ على أنك لم تشأ أن ~~تصدقني حين أكدت لك القول بأن تقرير الحقيقة لا بد مهتاجك! # السيد ~~: # تعلم كيف تقول! # | هوامش # | فن الكتابة أو كيف ندرس فن الإنشاء1 # اقتباس وترجمة # ليست الصعوبة - التي تعترض الكاتب أو الشاعر - في أن يكتب أو ينظم في أي موضوع شاء؛ ~~بل الصعوبة كلها في أن يقول ما يعنيه بالضبط في هذا الموضوع. # هكذا يقول بعض كتاب الإنجليز وأساطين مدرسي الإنشاء، وقد استشهدنا بهذا القول في مقدمة ~~ديوان ابن الرومي حين عرضنا للكلام على دقته التي امتاز بها في شعره، كما استشهدنا بقول ~~الشاعر العربي: # وفضلني في القول والشعر أنني # أقول على علم، وأعلم ما أعني # وهذه هي الغاية الجليلة التي يجب أن يفوق إليها كل رام سهامه ويجعلها نصب عينيه وحفل ~~أذنيه، وهي الغاية التي نريد أن نبين الطريق المؤدية إليها، تاركين الكلام إلى أساتيذ ~~التربية، وكبار المنشئين الذين قضوا حياتهم في تدريس هذا الفن الجليل، ملخصين آراءهم حينا، ~~ومقتبسين بعض عباراتهم حينا آخر؛ رغبة في الاختصار الذي تحتمه علينا هذه المقالات الموجزة، ~~وإلى القارئ خلاصة هذه الآراء: ~~(1) تمهيد # أول ما نرمي إليه بتأليف هذا الكتاب هو أن نرسم لطالب الإنشاء خطة واضحة المحجة، ~~ونبين له منهجا يترسم خطاه؛ ليصل إلى غايته رأسا، دون أن يضيع وقته عبثا في ~~تمارين، لا نقول: إنها عديمة الفائدة فحسب، بل إنها - على الحقيقة - عائق يقف حجر عثرة ~~في طريقه، ويحول دون نجاحه في الكتابة الصحيحة التي ينشدها. # أما التمارين التي نعنيها بهذا النقد فهي تمارين الإعراب، وتصريف الكلمات، وحل الجمل ~~حلا ms030 لفظيا لا طائل تحته، فهذه - في نظرنا - وسيلة عقيمة بينة الخطل محققة الفشل، ~~وهي كالمستنقع الضحضاح المملوء بالوحل، لا يستطيع السالك أن يسبح فيه أو يمشي. # ولبعض المؤلفين ولع شديد بإرهاق النشء بما يكدسه أمامهم من القواعد النظرية التي ~~يحاول أن يقررها في أذهانهم ويجعل منها ضابطا لا معدي للطالب عنه ولا مفر من اتباعه، ~~وليس ذلك من همنا، فلنترك النظريات التي يستحيل اتباعها عمليا مولين وجهنا شطرا آخر؛ ~~فنعمل على أن نثبت أقدامهم، ونمكنهم من الكتابة التي تجمع بين الرشاقة والقوة، ~~وتكون - إلى ذلك - خالصة من الشوائب دقيقة التعبير حسنة الأداء. # وللوصول إلى هذا طريق عملية واحدة؛ هي الإكثار من التمارين الإنشائية، إلى حد قد يظنه ~~البعض غير ضروري، أو يرى فيه إسرافا لا داعي إليه - إسرافا في الجهود وإسرافا في ~~الزمن - ولكن سلوك هذه الطريق الطويلة ضروري لا مناص منه، وليس طول الطريق دليلا على ~~أن الطريق الأخرى - التي هي أقصر منها - خير منها. # ألا ترى إلى طالب العود أو البيانو؟ قل لي بربك: كم عاما يقضي في سبيل غايته؟ وكم من ~~الزمن يمر عليه حتى يصل إلى درجة الإتقان، أو - على الأصح - حتى يدنو من درجة ~~الإتقان؟ # وإذا كان ذلك كذلك، فما بالك بمن يتطلع إلى إتقان الكتابة، والتصرف في فنون القول؟ ما ~~بالك بمن تطمح نفسه إلى مثل هذا المطلب الوعر؟ وكم من السنين يجدر به أن يقضيها حتى يصل ~~إلى غايته؟ «ومن يخطب الحسناء لم يغلها مهر.» # ما بالك بمن يريد أن يمتلك ناصية البيان، ويسمو بأسلوبه عن الركاكة، واللبس والتعقيد، ~~وما إلى ذلك من عيوب الكتابة وصعاب اللغة، ويجمع - إلى ذلك - ذوقا فنيا ~~عاليا. # أضف إلى ذلك أن من يريد أن يتعلم فن الإنشاء إنما هو - على الحقيقة - يريد أن يتعلم ~~كيف يفكر، فهو في بحثه عن الكلمة الصحيحة الفصيحة، وتخيره الأسلوب الدقيق الأداء الموفق ~~التعبير، يسلك كثيرا من شعاب القول وفنونه، ويمر بمنعرجاته ومنعطفاته الكثيرة، باحثا ~~منقبا عن الفكرة المنشودة، متخيرا من بينها ms031 أمثل طريق، وهو بهذا يتعلم كيف يتعرف ~~الخطأ والصواب، ويميز بين الحسن والأحسن، وكلما سار في هذه الطريق، تفتحت أمامه كنوز ~~اللغة وفرائد المعاني، وكان مثله كمثل «سول» ذلك الفتى الذي تحدثنا الأساطير أنه ذهب ~~يبحث عن جحوش أبيه وعيرانه فظفر بملك عظيم. ~~(2) تمارين الإنشاء # أما تمارين الإنشاء فيجب أن تكون قصيرة، وأنا ألحف في الرجاء أن يعنى حضرات المدرسين ~~بهذا الأمر كل العناية، وأن يجتنبوا دائما المقالات الطويلة، بل أن يحرموها على طلبتهم ~~بتاتا؛ ذلك أنها منهكة لقواهم، مضيعة لوقت المدرسين بلا طائل، وهي - إلى ذلك - تعود ~~الطلبة أن يجمحوا كثيرا، وربما تركوا جوهر الموضوع - كما يحدث ذلك أحيانا - وبعدوا عن ~~أساسه. وشر عيوب الكتابة الشطط. # أضف إلى ذلك أن التطويل يعود الطالب الإهمال في صوغ عباراته بدقة، كما يعوده ~~الإهمال في تخير الألفاظ؛ فلا ترى له إلا كتابة مفككة الأوصال، ركيكة التعبير، على ~~حين أنه لو كتب موضوعا قصيرا لا يتجاوز عشرة أسطر - أحسن تنسيقها وعني بأدائها خير ~~أداء - لكان ذلك أجدى عليه وأعود بالفائدة من كتابة موضوع مسهب في عشر صفحات قد رصفت ~~فيه الكلمات رصفا بلا روية ولا إحكام. ويجدر بالمدرس أن يرشد الطالب إلى الطريق التي ~~يسلكها ثم يدع له وحده تخير الجمل، وصقل الأسلوب. # أما الطالب فهو خليق أن يتخير من الموضوعات والمعاني ما يلائم تفكيره ويتناسب مع ~~ميوله ومداركه؛ حتى يجيد أداءه. # ويجدر بالمدرس أن يصحح التمارين الإنشائية في الفصل - أمام التلاميذ - فإن ذلك أعون ~~على توسيع مدارك الطالب وتنمية عقله، ثم ليقرأ الطالب موضوعه بصوت عال، وتبدأ المناقشة ~~بين المدرس والطلبة في نقط الموضوع، وتبيان وجهات الخطأ والصواب فيه؛ فتتاح للطلبة فرصة ~~الانتقاد، والأخذ والرد، والمناقشة، ويمتلئ الدرس حياة ونشاطا، ويتعود الطلبة الكلام ~~والمحاجة منذ حداثتهم. ~~(3) حوار شائق بين طالب ومدرس # طالب ناشئ يريد أن يصل إلى درجة عالية في فن الإنشاء، ويصبح قادرا على التعبير عن ~~أغراضه بعبارة بليغة وأسلوب دقيق، وقد امتلأت نفسه بهذه الرغبة - التي تملكت عليه ~~مشاعره - فلم ms032 يجد أمامه من يسترشد به في معرفة الطريق التي يسلكها للوصول إلى تحقيق ~~غايته غير أستاذه، ولم يكد يوضح لأستاذه غرضه حتى دار بينهما الحوار التالي: # الطالب ~~: ~~«أريد أن أصل إلى درجة عالية في الإنشاء، وأن أصبح قادرا على الكتابة بأسلوب ~~بليغ وعبارة مختارة، فما هي أقرب الطرق إلى ذلك؟» # المدرس ~~: ~~«إن غايتك التي ترمي إليها غاية نبيلة، ومطلبك الذي تسعى إلى تحقيقه مطلب ~~سام جليل، فليس أبهج للنفس من القدرة على أداء الأغراض، والتعبير عن خوالج ~~النفس بعبارة صحيحة بليغة، وسترى من إحكام لغتنا العربية، ووفرة أساليبها، ودقة ~~تعبيرها ما يساعدك على إدراك طلبتك، فلقد تكون لغتنا أغنى لغة في العالم ~~كله!» # الطالب ~~: ~~«ألا تنصح لي بقراءة شيء من الكتب التي ألفت في هذا الفن؟» # المدرس ~~: ~~«كلا كلا! لا حاجة بك إلى قراءة شيء من ذلك أبدا، أو - على الأقل - لا حاجة ~~لك في هذه المرحلة الأولى التي تجتازها إلى قراءة تلك النظريات والقواعد ~~البيانية والبلاغية وما إليها!» # إن كل ما تحتاجه الآن هو المرانة على الكتابة، والتعبير عن أغراضك بأسلوب ~~عربي واضح، ولك أن تمارس ذلك في أي يوم تشاء أو في كل يوم. # وأحب أن أقص عليك تلك الحكاية المشهورة التي يروونها عن سيدة فرنسية كانت ~~مربية لأولاد «لويس الرابع عشر» ملك فرنسا العظيم، لترى فيها المثال الذي أريد ~~أن أنبهك إليه، وخلاصة هذه القصة أن تلك المربية سألت ولدا من أبناء لويس ~~الرابع عشر - هو الدوق دي مين - أن يكتب إلى أبيه كتابا، فقال لها مدهوشا: ~~«أمثلي يستطيع ذلك وأنا لا أعرف كيف أخط جملة واحدة منه؟» # فقالت له المربية: «ألست تفكر في أبيك أحيانا؟» # فقال: «أفكر فيه كثيرا، وأحزن لغيبته الطويلة عني أشد الحزن!» # فقالت له: «هذا حسن! هذا حسن! اكتب له ذلك إذن! # ولكن خبرني، أهذا هو كل ما تفكر فيه؟ ألا تشعر بشيء آخر؟» # فقال: «نعم؛ أود أن أراه، وسأكون سعيدا جدا إذا عاد إلينا من سفره!» # فقالت له: «ها هو كتابك قد ms033 تم إنشاؤه، ولم يبق عليك إلا أن تكتب له ذلك وتجعل له ~~افتتاحا وختاما؟» # فقال لها متعجبا: «ما كنت أحسب أن كتابة الرسائل بمثل هذه السهولة! فقد كنت أتخيل أن ~~من يريد كتابة رسالة جدير أن يملأها بألفاظ لغوية، وجمل منمقة لا يقدر على الإتيان بها ~~إلا كبار البلغاء وأساطين الكتاب!» # فقالت له: «لا حاجة بك إلى شيء من هذا، وليس عليك إلا أن تكتب ما تشعر به بأسلوب ~~واضح، وكلمات سهلة بسيطة!» ~~••• # ولعلك تتبين من هذا المثال الخطة التي أريد أن أرسمها لك لتنتهجها في فن ~~الإنشاء.» # الطالب ~~: ~~«وما رأي سيدي الأستاذ في القواعد النحوية، والتمارين الصرفية وما إلى ذلك، ~~ألست مضطرا إلى معرفتها؛ لمراعاتها أثناء الكتابة؟» # المدرس ~~: ~~«كلا، لست في حاجة إلى ذلك كله؛ فستعرف الشيء الكثير منها أثناء الطريق. وأنت ~~- إذا ملأت ذهنك بتلك القواعد في هذه المرحلة، وشغلت نفسك بها - كان مثلك كمثل ~~من يود أن يتعلم المبارزة فيذهب إلى قاعة التمرين حيث يقلدونه حساما؛ فيترك ~~العناية بما جاء لأجله من التدريب إلى الاشتغال بالنظر إلى حسامه وكيفية وضعه، ~~وربما عثر به أثناء التفكير فيه. # يجب أن ينصرف عقلك - أثناء الكتابة - إلى الموضوع الذي تكتبه، وألا يبقى في ~~ذهنك أي فراغ للتفكير في قواعد النحو، والصرف، والبيان حتى لا يشغلك ذلك عن ~~متابعة المعنى، وتقصيه، وتخير الأسلوب الملائم الذي يؤديه أحسن أداء». # الطالب ~~: ~~«ولكنني - إذا فعلت ذلك - وقعت في أغلاط لغوية، ونحوية!» # المدرس ~~: ~~«قد يكون هذا، ولكنك - بلا شك - ستقرأ موضوعك بعد أن تتم كتابته، وهذه فرصة ~~حسنة تعنى فيها بتصحيح ما وقعت فيه من الأخطاء! أما وقت الكتابة فيجب أن ينصرف ~~عقلك إلى التفكير في الموضوع الذي تتصدى للكتابة فيه!» # الطالب ~~: ~~«وما رأي سيدي الأستاذ في تمارين الإعراب والتطبيق - وما إلى ذلك - أليست ~~تساعدني على التفوق على أقراني في الإنشاء؟ ألا ترى فيها مرشدا لي؟» # المدرس ~~: ~~«بل أرى فيها شر مرشد يا ولدي، ويجدر بي أن أوضح لك ما أعنيه في هذه النقطة ~~الدقيقة، وأن ms034 أجلي لك وهما يقع فيه كثير من أقرانك: # إن فائدة هذه التمارين - الخاصة بالإعراب والتطبيق ونحو ذلك - تنحصر في شيء ~~واحد، هو تدريب عقلك على تعرف سر تركيب الجمل، وموقع الفاعل والمفعول من الجملة ~~... إلخ. # ولكن الإنشاء شيء آخر غير هذا كله، شيء يخالف ذلك كل المخالفة، وأوجز ما ~~أقوله لك: إن عملك في الإنشاء هو عكس عملك في الإعراب وتطبيق القواعد النحوية ... ~~إلخ. # ربما خطر ببالك أن التفوق في النحو- الذي يكسبك خبرة صحيحة بمواقع الكلمات من ~~الجمل - سيكسبك نفس هذه الخبرة في إنشاء موضوع ما، وهذا وهم يكذبه الواقع، ~~وتنقضه التجربة؛ فليست هذه القواعد عديمة الجدوى في تفوقك في الإنشاء فحسب، بل ~~هي - إلى ذلك - أكبر عقبة تعترض سبيلك وتعوقك عن التقدم في هذا الفن والنجاح ~~فيه. # وما ظنك برجل يريد أن يعلمك المشي مثلا، فلا يحفل بتدريبك عليه، بل يدع ذلك ~~جانبا؛ ويبدأ بتعريفك كل دقيقة وجليلة من عضل الساق، وسر تركيبها، وعمل كل ~~منها أثناء السير، وتوقف تحريك تلك العضلة على تحريك هذه، إلى آخر ذلك البحث ~~المضني الشاق الذي لا يعنى به إلا المختصون من الأطباء بدراسة التشريح. # إنك تستطيع أن تدرك - بأدنى تأمل - أنك في غير حاجة إلى تفهم كل هذه المباحث ~~العويصة، وأنك في حاجة إلى التمرين - قبل كل شيء - وأن التدريب وحده هو خير ~~الطرق لتعويدك المشي، وحسبك إذا شئت أن تعرف أسماء العضل الرئيسي في الساق ~~تاركا بقية التفاصيل إلى الأطباء المختصين. # ولقد تعلم الناس المشي - منذ آلاف السنين - قبل أن يعرفوا أسماء هذه العضل، ~~ولم يكلفهم ذلك أكثر من محاكاة غيرهم وتقليدهم في ذلك. # واعلم يا ولدي أن المشي والكلام والكتابة غاية في اليسر، وأن كلا من هذه ~~الأشياء الثلاثة لا يكتسب بغير المرانة، وأن على هذه المرانة وحدها يتوقف سر ~~النجاح فيها جميعا. # إن في هذه الكتب - التي يضعها مؤلفوها لتعليم الإنشاء - كثيرا من العجائب إن ~~لم أقل السخافات، مثال ذلك: # اكتب ثلاث جمل في كل منها فعل يتعدى إلى ms035 مفعولين، أو ثلاثة مفاعيل، أو نحو ~~ذلك، أنشئ ست جمل مبتدأة أولاها بحرف ألف، وثانيتها بحرف باء ... إلخ. هذا نظام ~~غير طبيعي، وهو نوع من التمارين الإنشائية المتكلفة التي لا تنطبق على حاجتنا ~~في أداء أغراضنا ومعانينا في الحياة العملية، فإن أول شرط في الكتابة أن تكون ~~طبيعية كالكلام والمشي، ولا جرم أن الإنسان - إذا تكلم أو كتب - لا يعنى بأمثال ~~هذه السفاسف، وهو لا يتكلم - أو يكتب - إلا معبرا عما يدور بخلده من المعاني ~~والأغراض، ومن ثم تواتيه الكلمات والجمل - عفو الخاطر - حتى يتم موضوعه دون أن ~~يحفل مطلقا بجعل هذه الجملة قصيرة أو طويلة، فيها أفعال تتعدى إلى مفعول واحد ~~أو ثلاثة مفاعيل، مبتدأة بحرف جيم أو حرف زاي، إلى آخر هذه الصغائر! # وموجز القول أن الإعراب والإنشاء متعارضان كل التعارض، وأن نظام هذا وطبيعته ~~مناقضة كل المناقضة لنظام ذلك وطبيعته. # فعمل الإعراب: هو تفكيك الجملة - بعد أن وجدت - وعمل الإنشاء هو خلق تلك ~~الجملة قبل أن توجد، هذا يفهمك مواقع الكلمات ووظيفتها؛ فيفكك أوصال الجمل ~~للوصول إلى غرضك، وذلك يعلمك كيف تنشئ الجمل إنشاء من العدم لتؤدي المعاني ~~المطلوب أداؤها منك، هذا هدم وذلك بناء، أو - بعبارة أخرى - هذا يمثل الفناء ~~وذلك يمثل الخلق. # واعلم أنك - إذا عنيت بالنحو والإعراب وما إليهما، وشغلت نفسك بمراعاة مواقع ~~الفاعل والمفعول، ونحو ذلك من كل جملة أثناء الكتابة؛ التوى عليك القصد وفسد ~~المعنى، وجاءت كتابتك آية من آيات المسخ والتكلف والتشويه، ووقفت تلك القواعد ~~التي تحسبها معينة لك - عقبة كأداء في سبيل نجاحك وتفوقك في الإنشاء.» # الطالب ~~: ~~«شد ما أدهشني يا سيدي الأستاذ! لقد كنت - إلى هذه اللحظة - أرى قواعد النحو ~~والصرف أكبر معين لي على إدراك طلبتي!» # المدرس ~~: ~~«إنك إذا أتقنت النحو والصرف وصلت إلى نتيجة أخرى، وهي تعرف صحة الجمل، ~~وتمييز الخطأ والصواب فيما تقرأه من الكلام، ولكن هذا كله لا يفيدك في تنظيم ~~أغراضك، ولا يعدل من طريقة تفكيرك وكتابتك، بل أنا أقول لك: إن انشغال بالك ms036 ~~بالنحو والصرف، وانصرافك إلى التفكير فيهما - أثناء الكتابة - قد يضرانك أشد ~~الضرر، وربما جعلاك حذرا خائفا تتوقع الخطأ في كل جملة تكتبها أو ~~تقولها.» # الطالب ~~: ~~«إذن يجدر بي أن ألقي بكتب النحو والصرف، وأن أركن إلى نفسي ما دمت في غير ~~حاجة إليها!» # المدرس ~~: ~~«إنك - إن فعلت ذلك - ارتكبت أشنع الخطأ؛ فإن لهذه الكتب فائدة كبيرة، وحاجتك ~~إليها شديدة - على شرط أن تستعملها في مكانها ووقتها الملائمين - ولكن هذه ~~الكتب - بعد ذلك - لا تجدي في الإنشاء، ولا علاقة لها بضعفك أو تفوقك في هذا ~~الفن، لأن النحو شيء والإنشاء شيء آخر!» ~~••• # الطالب ~~: ~~«فبماذا إذن أسترشد، وبأي دليل أهتدي للوصول إلى غايتي في فن ~~الإنشاء؟» # المدرس ~~: ~~«ليس لك إلا مرشد واحد، وهو انتهاج طريق الكتاب الممتازين، والإكثار من ~~مطالعة كتاباتهم، وتفهم أسلوبهم الرصين وعباراتهم الرشيقة، أمامك رجال الفكر ~~العربي، وأساطين الكتاب الممتازين - في مختلف العصور - فاقرأ كلامهم واستوعب ~~كتابتهم؛ فإنك بذلك واصل إلى بغيتك.» # الطالب ~~: ~~«ألا يتفضل سيدي الأستاذ بذكر نخبة يختارها لي من أقوال الكتاب الذين ~~يعنيهم؟» # المدرس ~~: ~~«إنهم كثيرون، وإني أذكر لك من هؤلاء الكتاب - على سبيل المثال - ابن المقفع، ~~وأبا الفرج الأصبهاني، وعلي بن عبد العزيز الجرجاني، وعبد الحميد. # كما أذكر لك خطب الحجاج وزياد، وأحب ألا تفوتك تلك المحاورات الشائقة التي ~~دارت بين علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان، ولا تلك المراسلات المعجبة التي دارت ~~بين على ومعاوية، فإن أمثال هذه الكتابات آية من آيات الدقة والإحكام، ونموذج ~~عال من نماذج الإبداع، والافتنان! # ولا تنس قراءة كلام النابغين من كتاب عصرك، الذين امتازوا بتوخي الدقة ~~وحسن الأداء، ومتانة الأسلوب؛ هذا إذا أردت التفوق في الكتابة العربية، فإذا ~~وليت وجهك شطر الأدب الإنجليزي وأردت التفوق في الكتابة بالإنجليزية؛ فاقرأ من ~~نوابغهم أمثال «ماكولي» و«فرود» و«كنج ليك». # وجماع القول أن الوسيلة الوحيدة للتفوق في الكتابة بأية لغة - أجنبية كانت أو ~~قومية - هي الاطلاع الدائم على كتابة بلغاء تلك اللغة، وقادة الفكر والبيان ~~فيها، ومحاكاة كتاباتهم بكل وسيلة ممكنة!» ms037 # الطالب ~~: ~~«وكيف أستطيع محاكاتهم في كتابتهم؟» # المدرس ~~: ~~«أما طريقة المحاكاة فسهلة هينة وهي: # إذا عثرت على قطعة مختارة لمثل هؤلاء الكتاب الأفذاذ الذين ذكرتهم لك - مما ~~يثير إعجابك - فاقرأها متأنيا فاحصا، واكتب في ورقة بيضاء أهم نقاطها ~~الجوهرية، ثم اترك القطعة التي قرأتها، والورقة التي كتبتها - يوما أو يومين - ~~ثم عد إلى ورقتك التي كتبتها مسترشدا بها في كتابة الموضوع - من جديد - مفرغا ~~قصارى جهدك في تقليد عبارة الكاتب وأسلوبه. # ومتى انتهيت من ذلك فارجع إلى أصل المقال، وقارن بينه وبين ما كتبت وأصلح كل ~~ما وقعت فيه من خطأ أو إهمال مما يؤدي إلى اختلاف في الأداء لا يتفق مع الدقة، ~~والإحكام اللذين رأيتهما في الأصل. # عود نفسك ذلك التمرين مرتين أو ثلاثا في كل أسبوع؛ فإنك قادر على الكتابة ~~- بعد قليل من الزمن - بأسلوب رائع!» # الطالب ~~: ~~«ولكني - إن فعلت ذلك - كنت مقلدا، وقد أجمع المفكرون على أن التقليد شر لا ~~خير فيه، ولا فائدة ترجى منه إلا الإملال، ولا شك أن المنقول أقل روعة وبهاء من ~~النموذج!» # الأستاذ ~~: ~~«لا ريب أن الفن قائم على الابتكار، وأن التقليد فيه لا يكون إلا شرا لأن ~~كل صورة - مهما كانت جميلة - هي أقل بهاء وروعة من النموذج الذي أخذت عنه، ولكن ~~الناشئ الذي يتعلم ليس أمامه إلا طريق واحدة للوصول إلى غرضه، وهي أن يجعل همه ~~الأول تقليد أساتيذ الفن الذي يتعلمه. # وهذه هي نفس الطريق التي سلكها «ستيفنسن» حين شرع يتعلم الكتابة، و«ستيفنسن» ~~- كما يعرفه قراء الإنجليزية - منقطع النظير بين الكتاب الحديثين، وقلما ~~داناه كاتب من كتاب الإنجليز، في جمال أسلوبه، ودقة عبارته، وروعة ~~بيانه. # وقد كان في أيام الدرس والتحصيل - وهو في جامعة «أدنبرج» - يقلد كتابة ~~«ماكولي» شهرا، ويسلك في تقليده تلك الطريقة التي شرحتها لك، ثم يدع «ماكولي» ~~- بعد ذلك - ويأخذ في تقليد كتابة «فرود» شهرا آخر وهكذا، ولم يترك كاتبا من ~~المشهورين إلا قلده، حتى «كارليل» وأضرابه. # ولقد أدرك - بهذه الطريقة - التي كان يسميها «طريقة المواظبة على ms038 التقليد» كل ~~ما يبغيه في فن الكتابة، وقرر - في صراحة وجلاء - أن لهذه الطريقة عليه أكبر ~~فضل، وقد عزا إليها كل ما في أسلوبه من قوة ورصانة، وميزات باهرة لا تزال موضع ~~إعجاب قارئيه إلى اليوم. # كذلك كان «فيكتور هيجو» يقلد في أول نشأته «شاتوبريان» الكاتب الفرنسي ~~العظيم؛ حتى كتب على مقعده في الفصل - وهو طالب: «أريد أن أكون «شاتوبريان» ~~آخر !» # وليس التقليد عيبا في المرحلة الأولى من التعليم، فإن لكل طالب أستاذا يراه ~~الطالب محل إعجابه كما يراه نموذجا جديرا بالتقليد والمحاكاة، ولقد كان أبو ~~نواس في صباه يعجب بوالبة بن الحباب، كما كان البحتري يعجب بأبي تمام ويقلده في ~~صغره، وقلد أبو العلاء المتنبي في حداثته أيضا. # فإذا شئت أن تتعرف مني الوسيلة الوحيدة التي تبلغ بها مأربك في فن الإنشاء ~~فليس لي ما أقوله لك إلا هذه الكلمة: «التقليد! التقليد! التقليد!» أفهمت الآن ~~يا ولدي؟ عليك بالتقليد وأنا الزعيم لك بأنك واصل إلى ما تريد.» # الطالب ~~(وقد بدت على وجهه دلائل الارتباك) ~~: ~~«إذن فما فائدة كل هذه الكتب المؤلفة في فن الإنشاء؟ وما فائدة الكتاب الذي ~~ألفته أنت في فن الإنشاء؟ أأتبع هذا الكتاب أم أتبع البلغاء من الكتاب ~~الممتازين الذين ذكرتهم لي الآن؟» # الأستاذ ~~: ~~«لقد أحسنت يا ولدي في هذا السؤال ويجدر بي أن أصارحك القول، وأن لا أكتمك ~~شيئا، فإنني أرى وأنا على يقين مما أراه أنك - إذا استطعت أن تسلك الخطة التي ~~شرحتها لك وأوصيتك باتباعها - ثم ثابرت عليها دائبا، كان ذلك - بلا ريب - أنفع ~~لك من كل ما كتبه المؤلفون من الكتب في فن الإنشاء إلى اليوم. # بل أنا أقرر لك ما هو أغرب من ذلك، فإنني أعتقد أن المعلم - في المرحلة ~~الأولى التي تبدأ فيها قدرة الطفل على الكتابة - إذا عني بتمرين طفله على كتابة ~~جملتين اثنتين في كل يوم، إحداهما مما يذكره من الدرس الذي طالعه، والأخرى مما ~~رآه أو عمله في يومه من الأعمال، أقول لك واثقا: إن المعلم - لو ms039 سلك مع الطفل ~~هذه الطريق - لم يلبث الطفل أن يصبح قادرا على الكتابة بطبعه دون تكلف وتصبح ~~الكتابة عنده طبيعية كالكلام - سواء بسواء! - ومن ثم لا يصبح الإنشاء فنا كما ~~يريد الأساتيذ أن يمثلوه، بل يصبح طبيعة أخرى كطبيعة الأكل والتنفس والجري، ~~فيكتب الطالب كما يتكلم، ويأكل، ويتنفس، ويجري سواء بسواء!» ~~••• # الطالب ~~: ~~«كل ما تقوله حسن يا سيدي الأستاذ، فما فائدة هذا الكتاب الذي ألفته في فن ~~الإنشاء؟» # الأستاذ ~~: ~~«أردت بذلك أن أسد الفراغ الذي يشعر به طالب ناشئ مر بهذا الدور من ~~التعليم، ورأى عقم الطريقة التي يسلكونها معه للوصول إلى الدرجة العالية التي ~~ينشدها في فن الإنشاء. # أردت - بهذا الكتاب - أن أضع للطلاب كتابا يعلمهم الإنشاء بأسلوب جديد في ~~التربية، يخالف ذلك الأسلوب العقيم الذي ألفه مدرسو الإنشاء ومؤلفو الكتب في ~~هذا الفن. # أردت أن أسلك بالناشئ منهجا مجديا نافعا، فلم أملأ رأسه بالقواعد النحوية ~~والصرفية والبيانية وما إلى ذلك من الفنون التي لا تجديه في التفوق في الإنشاء ~~ولا تغنيه أي غناء! # فإذا أردت أن تتعرف فائدة هذا الكتاب، فليس لي ما أقوله لك أكثر من أنه كتاب ~~جمعت فيه عددا كبيرا من التمارين المختلفة لتدريب الطالب على الكتاب - أو ~~بعبارة أدنى إلى فهمك - إنني هيأت في هذا الكتاب المواد الأولى التي لا غناء ~~لمن يريد الكتابة عنها، كما تهيأ مواد البناء الأولية لمن يريد البناء. فلا بد ~~من التمرين لمن يريد أن يتعلم هذا الفن، كما لا بد من الأحجار والملاط وما إلى ~~ذلك لمن يريد بناء بيت. # لهذا عنيت بالتمرين كل العناية، وأكثرت منه كل الإكثار! # فليس لمدرس الإنشاء بد من أن يدرب تلاميذه على خلق الجمل مرة، وتحويرها مرة ~~أخرى، وهذا ما فعلته، وقد عنيت بالإكثار من التمارين على استعمال الكلمات في ~~مواضعها الحقة وبمعناها الصحيح، وفي هذا تدريب على تنظيم التفكير عند الناشئ ~~أيضا. # وقد بذلت وسعي في تعويد الطالب الدقة في الأداء، وتدريبه على نثر الشعر، إلى ~~آخر هذه التمارين النافعة!» # الطالب ms040 ~~: ~~«نثر الشعر! ماذا تعنيه بهذه الكلمة يا سيدي الأستاذ؟ # إنني بحاجة إلى كثير من الإيضاح، فقد كنت - وما زلت - أسمع أن هذا النوع من ~~التمارين قليل الخطر، إن لم أقل: إنه عقيم لا فائدة منه بتاتا!» # الأستاذ ~~: ~~«هذا رأى خاطئ، فليست تلك التمارين بمثل هذا الحد الذي يصفونها به من العقم، ~~وليست تخلو من فائدة للطالب!» # الطالب ~~: ~~«وأية فائدة يجنيها الطالب من مثل هذه المحاولات؟» # الأستاذ ~~: ~~«إنها تعينه على ادخار محصول لغوي وفير، من المفردات والجمل معا؛ ولولاها ~~لتضاءل محصوله واضمحل، وربما تلاشى، وهذه التمارين تعين الناشئ على استعمال ما ~~في رأسه من الكلمات واجترارها اجترارا. # واعلم أن المرانة والتطبيق والعمل، يتوقف عليها وحدها كل شروط الحياة، ولا ~~سبيل إلى تنمية ثروة مهملة، إلا أن تستعملها، ولن يزيد ما نملكه إلا إذا ~~استعملناه وإلا تلاشى تلاشيا! # ولقد قالوا في أمثالهم: «الحاجة تفتق الحيلة.» # وقالوا: «كلما اشتدت الحاجة كان ذلك داعيا للاضلاع بجلائل الأعمال!» # الطالب ~~: ~~«ولكن ألا ترى يا سيدي الأستاذ أن من الخطل - إن لم أقل من الحماقة - أن ~~نستبدل شعرا جميلا بنثر رديء، وأن نحول نظما رائعا إلى كلام منثور ركيك؟ ~~وماذا تقول فيمن يعمد إلى مقطوعة نظمية لمؤلف كبير خبير بدقائق المعاني، ~~ومرامي الأسلوب، وقوة الصياغة، وتخير العبارة، فيمسخها مسخا ويشوهها تشويها، ~~ويحيلها إلى كلام سخيف مفكك الأسلوب ضعيف المعنى؟» # الأستاذ ~~: ~~«الحق معك في هذه النقطة وحدها، ولكن فائدة هذا العمل - رغم ذلك - لا يستطيع ~~منصف أن يغفلها!» # الطالب ~~: ~~«أية فائدة نجنيها من المسخ والتشويه؟» # الأستاذ ~~: ~~«إنك - حين تتصدى لحل الشعر - إنما تبرهن لأستاذك - ولنفسك أيضا - أنك قد ~~فهمت معنى القصيدة أو المقطوعة فهما، واستوعبتها استيعابا. # هذا إلى أنك تنمي بذلك محصولك اللغوي، وتمرن نفسك على استعمال كلمات جديدة، ~~فيزيد بذلك محصولك اللغوي أيضا.» # الطالب ~~: ~~«هذا حق، ولكني أسمع أن في هذه الطريقة عيوبا ومآخذ يجب أن يتجنبها ~~الطالب!» # الأستاذ ~~: ~~«لا جرم أن هناك كثيرا من العيوب، فإن لكل طريقة عيوبا ومحاسن. على أن أكبر ~~عيب في هذه ms041 الطريقة يقع فيه الطالب، ويجدر به أن يبذل كل ما في وسعه لتلافيه، ~~هو ما يسمونه «الحرفية». # فالحرفية شر يجب تجنبه والفرار منه؛ لأنها تسيء إلى صاحبها أبلغ إساءة، ومتى ~~سلكها في حل الشعر لم يجئ نثره عاديا معقولا، بل يصبح مشوها سخيفا مفكك ~~الأسلوب ضعيف الأداء؛ ذلك أن الحرفية تبعد الطالب عن التشبع بروح الأصل، وتجعله ~~يعنى بالقشور دون اللباب ؛ ومن ثم لا نرى إلا جملا ركيكة لا تؤدي معنى واضحا، ~~ولا شك أن التزام الحرفية - الذي يلجأ إليه الطالب حاسبا أنه يوصله إلى أبعد ~~غايات الدقة - لا ينتج عنه دائما إلا ضياع المعنى، وتشويه العبارة، وفقدان ~~الدقة المنشودة. # الطالب ~~: ~~«وكيف نتقي خطر الحرفية؟» # الأستاذ ~~: ~~«يجب أن يكون النثر معبرا عن الأصل الشعري - كما تعبر الترجمة عن روح الأصل ~~- فإذا أردت حل الشعر، وجب عليك أن تستوعب القطعة وتملأ بها شعاب نفسك، ثم تبدأ ~~في نثرها بما يلائم روحها. # فشعر «ملتون» مثلا يجب ألا تنثره إلا في أسلوب يلائمه ويتناسب مع رصانته ~~وجزالته. # وإذا نثرت شعر «تنيسون» وجب عليك أن تراعي في ذلك نبل اللغة مع جمال ~~الموسيقية الذي في الأصل.» # الطالب ~~: ~~«وكيف أصل إلى هذه الغاية؟» # الأستاذ ~~: ~~«أول ما يجدر بك أن تفعله للوصول إلى هذه الغاية هو أن تقرأ الأصل قراءة ~~متفهم مستوعب، لتتشبع بروحه، وأن تقرأه - مرة أو مرتين بصوت عال قراءة من ~~يحس ويشعر، ويتأثر بمعانيه، ويتذوق جماله بكل ما في نفسه من إحساس وشعور وذوق! # فإذا تم لك ذلك وجب عليك أن تحصر - في ذاكرتك - الفكرة الجوهرية التي تنتظم ~~القصيدة - أو المقطوعة - فإذا انتهيت من ذلك وضعته في الأسلوب الذي تجده ماثلا ~~في ذهنك بما يواتيك من بيان!» # الطالب ~~: ~~«ولكن ألا ترى بدا من أن نكتب بأسلوب جميل؟» # الأستاذ ~~: ~~«لا بد من ذلك يا ولدي، ويجب عليك أن تبذل كل ما أوتيت من قوة وجهد في تحسين ~~الأسلوب وتجميل العبارة؛ حتى تتناسب مع جمال الأصل، كما يجدر بأسلوب أن يجمع ~~بين الوضوح والرشاقة والجمال، ms042 بحيث يعجب به كل من لم يطلع على الأصل! # وعليك أن تتجنب في نثرك العبارات الشعرية والكلمات والجمل والأساليب التي ~~اختص بها الشعر وحده، فإن للشعر لغة وخصائص كثيرا ما تخالف لغة النثر ~~وخصائصه. # ورب كلمة - هي في قافية قصيدة آية من آيات الجمال والموسيقية - إذا وضعت في ~~جملة نثرية كانت آية من آيات فساد الذوق وضعف الأسلوب!» # الطالب ~~: ~~«فما هو الغرض الأول الذي نجعله نصب أعيننا حين نتعلم الإنشاء؟ وما هي الغاية ~~الحقيقية التي نتطلع إليها من دراسة هذا الفن؟» # الأستاذ ~~: ~~«يجب أن ترمي إلى أمرين، إلى أمرين فقط؛ الوضوح، وحسن الصياغة! وهذان الغرضان ~~من اليسير على أي طالب ذي كفاية متوسط أن يصل إليهما، إذا عني بهما عناية خاصة، ~~ومرن نفسه على بلوغ هذه الغاية! # فإذا كنت ممن وهبه الله بلاغة، وقدرة على الافتنان في الأسلوب، والتصرف بفنون ~~القول؛ نلت أعلى منزلة في الكتابة، على أنك - إذا لم يساعدك طبعك - وأردت أن ~~تكون رشيق التعبير رائع البيان؛ فلن تصل إلى تلك المنزلة مهما بذلت من جهد في ~~الدرس والتحصيل!» # الطالب ~~: ~~«ولكن من المؤكد أن في استطاعة كل إنسان أن يكتب بوضوح، وأن يكون أداؤه ~~حسنا، فقد يظهر أن ذلك طبيعي جدا.» # الأستاذ ~~: ~~«ليس من السهولة بحيث تظن يا ولدي، فليس من الهين أن يكتب الإنسان كتابة ~~واضحة حسنة الأداء. # لقد أصبح عصرنا حافلا بالكتب والصحف والمجلات، وأصبح إقبال المتعلمين على ~~القراءة يفوق كل وصف، وكثيرا ما تزدحم أذهان الشباب بما قرأوه - مما لم ~~يستوعبوه جيدا - فإذا حاول أحدهم أن يؤدي لك فكرة أداها مضطربة مشوشة لا ~~سبيل إلى أن تفهمها؛ لأنه هو نفسه لم يفهمها حق الفهم! وليس لهذا من دواء إلا ~~أن يعنى الناشئ بتفهم ما يقرأه واستيعابه؛ حتى لا تزدحم في ذهنه صور شتى من ~~المعاني مضطربة متناقضة، ولخير للإنسان أن يقرأ كتابا واحدا وأن يفهمه حق ~~الفهم من أن يقرأ ألف كتاب قراءة عجلى لا تمكنه من استيعاب شيء مما قرأ. # واعلم أن القراءة - كالغذاء ms043 - يجب أن يلائم صاحبه، وأن لا يزيد عن حاجة ~~معدته، وإلا أصبح شرا عليه! # على أنني لا أريد أن أختم نصيحتي إليك، دون أن أشير إلى طريق سهلة تصل بها - ~~إذا سلكتها - إلى الدقة، وتكون خير مرانة على الكتابة، وهي الترجمة إن كنت تعرف ~~لغة أجنبية.» # الطالب ~~: ~~«كيف تشير علي بالترجمة، وقد سمعت الكثيرين يعيبون هذه الطريقة، ويقررون - ~~تقرير المستيقن الجازم - أن الترجمة تضر أكثر مما تنفع، وأن خير الطرق لتعلم ~~لغة هو تعلمها رأسا من غير وساطة الترجمة!» # الأستاذ ~~: ~~«لأنصار هذا المذهب كل الحق فيما يقولون، وأنا أدين بهذا الرأي أيضا، ويخيل ~~إلي أنك لم تفهمه على وجهه الصحيح! # إن الترجمة لا تنفعك - بل تضرك - إذا حاولت أن تتعلم لغة أجنبية عن طريقها؛ ~~لأنك تضطر إلى اصطناع أساليب لغتك التي ألفتها فيما تترجمه؛ فتفسد بذلك ~~كتابتك! # وعلى العكس من ذلك، إذا أردت أن تترجم من لغة أجنبية إلى لغتك العربية فإنك ~~تكتسب بذلك فوائد جمة متى ابتعدت عن خطر الترجمة الحرفية! # وإني أوجز لك فوائد الترجمة فيما يلي: ~~(1) # أنها تطلعك على معان جديدة، وطرق في الأداء جديدة. ~~(2) # أنها تدربك على البحث عما يؤدي هذه المعاني من العبارات التي ~~تلائمها. ~~(3) # أنها تعودك الدقة والإحكام في التعبير. # وحسبك بهذه الفوائد مغريا لك ومنشطا، ولا تنس أن الترجمة إلى لغتك القومية ~~تشبه - من وجوه كثيرة - الطريقة التي اقترحتها عليك من قبل، وهي طريقة حل ~~الشعر، كما أنها تشبه ما طلبته إليك، من صوغ ما تقرأه من كلام البلغاء ~~الممتازين في لغتك في أسلوب يتناسب مع جماله ودقته وحسن أدائه!» # الطالب ~~: ~~«ألا يتفضل علي سيدي الأستاذ بإرشادي إلى قطعة بعينها من كلام البلغاء، ~~أتخذها نموذجا أحتذيه، وأنسج على منواله؟» # الأستاذ ~~: ~~«حاول جهدك أن تقلد القطعة التالية مثلا - بعد أن تستوعبها قراءة وفهما - ~~وهي لأشهر كتاب العربية «ابن المقفع»، ويجدر بك أن تتبع في محاكاتها الطريقة ~~التي أسلفت لك شرحها، وإليك القطعة المنثورة: ~~«زعموا أن ناسكا كان يجري عليه من بيت رجل تاجر في ms044 كل يوم رزق من السمن ~~والعسل، وكان يأكل منه قوته وحاجته ويرفع الباقي، ويجعله في جرة فيعلقها ~~في وتد في ناحية البيت حتى امتلأت، فبينما الناسك ذات يوم - مستلقيا على ~~ظهره، والعكازة في يده، والجرة معلقة على رأسه - تفكر في غلاء السمن ~~والعسل فقال: «سأبيع ما في هذه الجرة بدينار، وأشتري به عشرة أعنز؛ فيحبلن ~~ويلدن في كل خمسة أشهر بطنا ؛ ولا تلبث إلا قليلا حتى تصير غنما كثيرة ~~إذا ولدت أولادها.» # ثم حرر على هذا النحو بسنين؛ فوجد ذلك أكثر من أربعمائة عنز، فقال: «أنا ~~أشتري بها مائة من البقر، بكل أربعة أعنز ثورا أو بقرة؛ وأشتري أرضا ~~وبذورا، وأستأجر أكرة # 2 # وأزرع على الثيران، وأنتفع بألبان الإناث ونتاجها، فلا يأتي ~~علي خمس سنين إلا وقد أصبت من الزرع مالا كثيرا؛ فأبني بيتا فاخرا، ~~وأشتري إماء وعبيدا، وأتزوج امرأة جميلة ذات حسن؛ ثم تأتي بغلام سري ~~نجيب، فأختار له أحسن الأسماء، فإذا ترعرع أدبته وأحسنت تأديبه، وأشدد ~~عليه في ذلك، فإن يقبل مني، وإلا ضربته بهذه العكازة.» # وأشار بيده إلى الجرة فكسرها؛ فسال ما كان فيها على وجهه! # | هوامش # | في العام السادس1 # كنت في العام الذي ولى صغيرا # غير أني أقرأ الآن الكتابا # وأجيد العد لا أخطئ فيه # وكذا أكتب ما يملي صوابا ~~••• # كنت لا أجلس في الغالب إلا # ضاحك السن على ركبة أمي # كنت في خامس أعوامي فلما # صرت في السادس زاد الآن علمي ~~••• # أذهب اليوم إلى مدرستي # حافظا درسي في كل نهار # في يساري جعبتي شاهدة # أنني صرت كبيرا ذا اعتبار ~~••• # حينما ينطق أستاذي أصغي # واعيا ما قال، لا مفرطا # وهو مسرور بجدي، إذ أراه # دائما يبسم لي مغتبطا! # | جحيم دانتي1 وقصة «الكوميديا الإلهية» # لا يزال «جحيم دانتي» معدودا أكبر قصة ذات حوادث رائعة في الدنيا، ولكن قليلا من الناس ~~قد قرأه رغم ذلك، ولئن كان كثير من شعره صعب الفهم غير محبب إلى القارئ العصري أن يستمر ~~في قراءته، ويشارك «دانتي» في رحلته الطويلة حيث جاس ms045 خلال الجحيم، فهو - مع ذلك - خيال رائع ~~التورية والكناية، لا يتخلف إذا قيس خياله القوي إلى خيال شكسبير وملتن الذي اشتهرا به في ~~أشعارهما. # وظاهر الكوميديا الإلهية وصف للجنة والنار والمطهر، وباطنها تصور حال الأرواح بعد الموت، ~~مورية بذلك، ومكنية عن حاجة الإنسان إلى قبس روحاني ومرشد يكون له هاديا. # وقبل أن نبدأ السير مع دانتي في طريقه، ونجوس معه أنحاء الجحيم وأرجاءها، يجدر بنا أن ~~نذكر أن «جحيم دانتي» ظل ماثلا - في أذهان من قرأوه - مشرقا بالحياة رائع الحقيقة واضح ~~الصور بين التقاسيم، شأن أمثاله من الأسفار الخالدة: «كقصة روبنصن كروزو» و«رحلات جلفر»، ~~كذلك تتمثل مناظر الجحيم الرائعة صورا مكتملة، وتظل خالدة في النفس، ماثلة في الذهن، ~~باقية بقاء المناظر الأخاذة بالنفس التي يراها الإنسان فلا ينساها ما عاش، إذا نسي كل شيء ~~سواها. # ولقد رسم لنا «دانتي» جحيمه على صورة هاوية عميقة هائلة تشبه مخروطا مقلوبا يلتقي ~~بالأرض في منتصفها، ثم ينقسم في جانبيه عدة أقسام - طبقات بعضها فوق بعض - تضيق سعة بالطبع ~~كلما هبط الإنسان من درك إلى درك، وكلما ازدادت شناعة الجرم سفل مكان الخاطئ فيها! ~~(1) مدينة الويل # يبدأ الكتاب بذكر «دانتي» كيف ضل طريقه في غابة مظلمة موحشة، وكيف التقى بفرجيل الذي ~~وعده بزيارة الجحيم والاطلاع على ما فيها من نكال، وكيف سار على أثر فرجيل حتى بلغا ~~باب الجحيم، حيث قرءا عليه: # أيها الداخل الجحيم ستلقى # كل يأس هنا وتنسى الرجاء # ثم دخلا من الباب معا؛ فرأيا مكتوبا عليه: # سترى زائري! مدائن ويل # سترى زائري العذاب المخلد # سترى الأشقياء ماذا يعانو # ن من الويل والنكال السرمد # قد أعد الإله ناري لعاص # لم يطعه وكان بالأمس يجحد # أيها الزائرون عندي لكم يأ # س يخيب الرجاء منه ويفقد # ولا يكاد الداخل يعدو الباب حتى يلقاه سهل فسيح قاتم الأعماق يسمى ردهة الجحيم، حيث ~~تطيف به أرواح الأنانيين والكسالى والمزهوين، تلسبها النحل والزنابير الكبيرة، وهي ~~هائمة تجري أبدا خلف علم خفاق. # هنا تنهدات وانتحابات وتأوهات عالية، صاعدة ms046 في أجواز الفضاء الموحش الذي لا نجم فيه، ~~حتى لبكيت حين دخلت، آلام وفزع من كل جهة وبكل لسان، وصرخات مزعجة منبعثة من الألم، ~~وصيحات غضب وأصوات مختنقة مبحوحة صادرة من أعماق القلوب، وأيد ملوحة تعبر عما أصاب ~~أصحابها من ويل وثبور، وظلام شامل مخيم على جميع الأرجاء، وكأنما امتلأ الفضاء برمال ~~نارية محرقة سدت جميع الأنحاء. # ثم اجتازا ذلك السهل ووصلا إلى نهر «أشيرون» نهر الأحزان، حيث رأيا جموعا زاخرة ~~مجتمعة حول المركب الذي يستقله الذاهبون إلى الضفة الأخرى، وعلى القارب شيخ شرس ذو ~~عينين كأنهما عجلتان من لهب وهو يسير بهم القارب، ويذيقهم من ألوان العذاب والنكال ~~ما لا قبل لإنسان بوصفه، ويصيح فيهم قائلا: «الويل لك أيتها الأرواح الخبيثة، لا ~~أمل اليوم ولا رجاء، ولن تروا أيها المجرمون تلك السماء التي كنتم ترونها في الدار ~~الأولى، لقد جئت لأنقلكم إلى الشاطئ الآخر حيث تسود الظلمة الأبدية؛ لتعيشوا هناك في ~~الزمهرير والسعير المتلظي.» ~~(2) درك الوثنيين # ثم غرق «دانتي» في غيبوبته من الذهول - لما تولاه من الذعر والرعب - فلم يوقظه إلا ~~دوي رعد قاصف، وما كاد ينتبه منه حتى رأى أولئك المعذبين قد وصلوا إلى الشاطئ الآخر ~~من النهر، وثم وجد أرواح كبار رجال الوثنية الذين عاشوا عيش الخيرين، وأعوزهم أن ~~يصطبغوا بالصبغة المسيحية - إذ لم يعمدوا - فرحب «هومر» و«هوراس» و«أوفيد» بدانتي ~~ترحيب أفراد الأسرة الواحدة بفرد منهم. # ولما ذهب دانتي إلى الطبقة الثانية من الجحيم - أو الدرك الثاني - وجد فيها «مينوس» ~~قاضي النار؛ وهو مخلوق عظيم الجسم على صورة إنسان له وجه كلب، وثم وجد عذاب آثمي الحب ~~تذروهم ريح عاتية؛ فتقذف بهم كما تقذف بالطير في أجواء الفضاء. # ورأيا - فيما رأياه - «سميراميس» و«كليوباطرة»، كما شاهدا - على الخصوص - «فرانشسكا ~~راميني» ومحبها «باولو» اللذين كتب لحادثتهما الخلود: تلك الحادثة التي قصتها ~~«فرانشسكا» على دانتي، فأبانت له فيها كيف باغتها زوجها مع عشيقها فقتلهما معا. # ورأى دانتي - في الدرك الأسفل من النار - جماعة من ذوي البطنة والنهم منغمسين في ~~الوحلن، ms047 ينصب عليهم سيل هتون من الثلج والبرد والماء القذر، ورأى «تشوبروس» أحد ~~الزبانية ذا الصورة الكلبية الهائلة يعوي ويزمجر عليهم وعيناه تقدحان شررا، وأنيابه ~~الحادة تقطع أجسامهم وتمزقها إربا إربا بعنف وقسوة. ~~(3) مدينة الشيطان # وفي أول الدرك الرابع رأى دانتي فيه «بلوتوس» إله الثروة يحرس الدرك الذي جمع فيه ~~المسرفون والبخلاء. ~~(وهنا وصف دانتي عذاب هؤلاء وصفا رائعا لا يحتمل المقام ذكره.) # ولما دخل الشاعران إلى المدينة وجدا أمامهما سهلا رحيبا فسيح الأرجاء، فيه أجداث ~~مكشوفة، كل جدث منها ممتلئ لهبا، وفي وسطه أرواح الملاحدة المعذبة وفراشها نار حامية، ~~ووجد من بين هؤلاء روح «فريناتا» المعجب المدل بنفسه. ~~••• # ورأى «دانتي» في الدرك السابع من الجحيم نهرا من الدم قد أغرق فيه العتاة والجبابرة ~~وأهل الظلم، ورأى الزبانية تقمعهم بمقامع من نار، وترميهم بسهام مهلكة. # وهكذا ظل دانتي يصف طبقات الجحيم ويذكر أنه قد رأى الطبقة الثانية منها وقد قسمت ~~إلى عشرة أقسام، جمع فيها أهل الرياء، والمخادعون، ومدعو النبوة، وذوو خطيئات التدليس ~~والنفاق. ~~••• # وبعد وصف مسهب رائع لما يقاسونه من النكال، ينتقل «دانتي» إلى الدرك الأخير، حيث يرى ~~الخاطئ الأكبر «إبليس» وهو يقاسي أشد أنواع العذاب، تهب عليه ريح من الزمهرير، لو ~~هب منها قليل على بحر لأصبح جليدا. # وبعد أن يبدع «دانتي» في وصف ما يلقاه إبليس من النكال، ينتقل إلى المطهر، حيث تقوده ~~حبيبته «بياتريس»، فيرى النجوم الألاقة التي حرم رؤيتها طول ذلك الوقت! # | نظرات في تاريخ الإسلام1 # وأشترط على نفسي أن لا أتعرض لذكر ما أعتمده فيما أجده مخالفا لما أعتقده، فإن ~~التقرير غير الرد، والتفسير غير النقد! # فخر الدين الرازي ~~(1) تمهيد # هذه فصول مختارة من كتاب العلامة المستشرق «دوزي»، آثرنا نقلها إلى العربية لتبيان ~~وجهة تفكير عالم أوربي كبير، وهي - وإن خالفت آراءنا أحيانا في بعض مناحيها - جديرة أن ~~تقرأ بعناية فائقة، فليس كل ما لا نرضاه من الآراء خليقا بالطرح والإهمال. # وإذا كان العلامة «فخر الدين الرازي» يقول في مقدمته لشرح «الإشارات» لابن سينا: «إن ms048 ~~التقرير غير الرد، والتفسير غير النقد»، فما أجدرنا أن نقول بدورنا: «والترجمة أيضا ~~غير النقد.» # لهذا اقتصرنا على نقل آراء ذلك المستشرق بلا مناقشة أو تعليق إلا ما يقتضيه المقام من ~~توضيح لما اعتقدنا أن أكثر القراء في حاجة إليه. وإلى القارئ الكريم ترجمة ~~كلامه: ~~(2) ديانة العرب في الجاهلية # كان كل شيء سائرا في طريقه المعتادة في النصف الأول من القرن السابع الميلادي؛ سواء ~~في الإمبراطورية البيزنطية أو الإمبراطورية الفارسية، ولا جرم كانت هاتان المملكتان في ~~نزاع دائم؛ سببه الرغبة والطمع في تملك آسيا الغربية. وكانتا - في ظاهرهما - ~~مزدهرتين، تجبى لهما الضرائب والخراج فتمتلئ الخزائن بالمال، وتتضخم ثروة الحكام، حتى ~~أصبح الترف والأبهة - اللذان انغمس فيهما سكان العواصم - مضرب الأمثال. # على أن كل ذلك لم يكن إلا مظهرا كاذبا؛ فقد كان يسري في كيان هاتين المملكتين داء ~~كمين، وظل السوس ينخر في عظامهما دائبا على تقويض أركانهما بسبب ما أظهرتاه من عسف ~~وجور مهلكين، هذا إلى ما حدث من الفواجع التي نجمت من تلك الأسرات، وما لعبته من ~~الأدوار المفجعة التي كانت - في الحقيقة - سلسلة متصلة الحلقات، من الاضطهادات والفتن ~~الدينية الشعواء. # وثم رأينا شعبا يظهر فجأة من بين تلك الصحراء التي لا يكاد يعرفها أحد، شعبا جديدا ~~بدأ يمثل دوره على مسرح الحياة بعد أن ظل نهبا مقسما؛ تناوئ كل قبيلة منه القبيلة ~~الأخرى، فيحتدم النزاع وتقع الحرب الطاحنة. ها قد رأيناه يتحد ويتجمع شمله الشتيت للمرة ~~الأولى. # ذلكم هو الشعب الناهض الذي تملك نفسه حب الحرية، وساعدته على النجاح صفاته ~~النبيلة، فقد كان متقشفا في طعامه، مخشوشنا في لباسه، نبيلا في أخلاقه. كما كان ~~طروبا، سريع البديهة، حاضر النكتة، ولقد كان شريف النفس أريحيا - فإذا استثرته مرة - ~~فهو قاس غضوب شرس، لا يني عن أخذ ثأره، ولا يرده عن انتقامه شيء. # ذلكم هو الشعب الذي قلب - في لحظة واحدة - إمبراطورية الفرس التي ظل السوس ينخر في ~~عظامها قرونا عدة، وانتزع من خلفاء قسطنطين أجمل ضواحيهم، ثم سحق مملكة ms049 جرمانية حديثة ~~العهد تحت قدميه، وشرع يهدد - بعد ذلك - بقية أوربا، ذلك بينما كان في الوقت نفسه يوالي ~~فتوحه وانتصاره في الجانب الآخر من المعمورة، حتى وصلت جيوشه الظافرة إلى ~~الحملايا. # لم يكن ذلك الشعب فاتحا فحسب - كغيره من الشعوب الأخرى - بل كان داعيا إلى دين جديد ~~ومبشرا به أيضا. # كان داعيا إلى دين جديد فقام يناوئ الثنوية # 2 # الفارسية والمسيحية التي أفسدتها الخرافات والبدع، حاملا إلى الناس ~~توحيدا خالصا، لم يلبث أن دان به الملايين من الناس، حتى بلغ عددهم في أيامنا هذه نحو ~~عشر الإنسانية كلها. # ذلك هو الدين الذي أخذنا على عاتقنا محاولة الكلام فيه وفي تاريخه العام. ولعل أول ما ~~يعرض لنا هو هذا السؤال: «مم نشأ؟ وكيف تفرع من الديانة التي سبقته ثم نما حتى وصل ~~إلى ما وصل إليه؟» # فكيف نجيب على هذا السؤال الذي يجدر بنا الإجابة عليه قبل كل شيء؟ الحق أنني لم أكد ~~أعرض لهذا حتى وقعت في حيرة لا مثيل لها، فقد اعترضتني - حتى في هذه الخطوة الأولى - ~~صعوبة لم أكن لأتوقعها قبل أن أتصدى لبحث هذا الموضوع. وإليك البيان: # إنني - على إجلالي وتقديري لما قام به بعض الباحثين الذين تصدوا للكلام عن ديانة ~~العرب القديمة وأصل الإسلام، وعلى إعجابي بفطنتهم واجتهادهم - أقرر ولا أرى بدا من ~~المصارحة أن هذه البحوث الطريفة لا تكفيني قط؛ لأنها لم تستطع أن توضح هذه الأمور أكثر ~~من قبل. # لذلك رأيتني مضطرا إلى إعادة البحث - من جديد - سالكا طرقا أخرى مخالفة لما نهجه ~~غيري من الباحثين إلى اليوم، وقد وصلت إلى نتيجة أنا أول المدهوشين لها، وليس في وسعي ~~أن أسردها في بضع صفحات، إلا أنها - في جوهرها وأساسها - مرتبطة بعدة نتائج أخرى لها ~~خطرها وأهميتها، ولما كانت نتائج بحوثي مناقضة - على طول الخط - كل الآراء السائدة ~~إلى اليوم لغرابتها عنها، والعلم يقضي على الإنسان ألا يلقي للناس قضايا مسلمة لا ~~يدعمها برهان، ولا تقوم على أساس متين من الحجج العلمية الناهضة والأدلة الصحيحة ms050 ~~المستقاة من مصادرها الأصلية. # والدعاوى - ما لم يقيموا عليها # بينات - أصحابها أدعياء! # ولما كانت المصادر الأصلية التي أعنيها هي مصادر أجنبية بالنسبة لقارئي هذا ~~السفر # 3 # رأيتني مضطرا إلى تفصيل ذلك الرأي في سفر مستقل آخر. # 4 # ولكن ماذا نصنع الآن في هذا الفصل؟ ~~••• # أما أن نجتزئ ببعض الآراء التي وصلتنا، مبدلين فيها، رغبة في أن نوائم بينها وبين ~~آرائنا الخاصة فهذا محال؛ لأن منهجين متباينين من مناهج البحث لا سبيل إلى التقائهما ~~والتوفيق بينهما، هذا فضلا عن عقم هذه الطريقة التي لا غناء فيها، فليس ثم أية ~~فائدة من تعرف جزء من الحقيقة. # لذلك أعملت الفكر فلم أجد إلا مخرجا واحدا من هذا المأزق، هو أن أتبع الفكرة ~~المقررة، مقتصرا على سردها وذكر ما وصل إليه الباحثون من النتائج في هذا الصدد. لا ~~سيما «سبرنجر» أقرب الباحثين وأوفاهم درسا، واستيعابا للتاريخ الإسلامي وترجمة ~~النبي. # على أنني جدير أن أقرر - من الآن - بأسلوب صريح لا يحتمل لبسا ولا تأويلا أنني إن ~~استطعت بهذه الطريقة أن أرفع عن عاتقي عبء المسئولية والمؤاخذة بما أقرره في هذا الفصل ~~من وصف الحال الدينية التي كان عليها العرب في القرن السادس الميلادي، فلن يكون ذلك ~~شأني فيما أقرره في بقية الفصول. # دفعتني هذه الاعتبارات السابقة كما دفعني غيرها من الأسباب التي لا يصعب على القارئ ~~فهمها، إلى الاقتصار على ذكر ذلك الزمن السابق بأقصى ما في قدرتي من الإيجاز الذي ~~التزمته في تبيان ديانة العرب الأولى ونشأتها في بلادهم، فلم أحد عن هذا الشرط قيد ~~أنملة. ~~(3) ديانة العرب الأولى # كان العرب يؤمنون بكائن أعلى - هو الله تعالى - ويعتقدون أن له ذاتا كذواتهم، وأنه ~~محيط بالعالم وما يحويه من كائنات - هو بارئها - وإن اختلفت حظوظها من الطاعة والعصيان، ~~وكانوا يدينون بأنه خالق السموات والأرض # 5 # وأنه الذات المنزهة التي لا حد لحكمتها، ولا يمارون في أنه مدبر العالم، ~~وأنه هو الذي يرسل عليهم المطر من السماء. # 6 # كانوا يعتقدون هذا، ويعتقدون أيضا أن ليس له ms051 كهان ولا هياكل، كتلك التي خصوا بها ~~أوثانهم. ~~(4) العرب والجن # فإذا تركنا ذلك إلى سواه رأيناهم يعظمون الجن ويمجدونهم، وقد دفعتهم إلى ذلك ~~صحاريهم وجبالهم التي كثيرا ما يضلون فيها أسابيع كاملة؛ فيتمثلون رؤية هذه العوالم ~~الغريبة، ويقوي في نفوسهم هذه التصورات ما يكابدونه فيها من ألم الجوع والعطش، وما ~~يحتملونه من شمس الصحراء المحرقة، وهوائها اللافح، وسوافها المهلكة، هذا إلى ما يعانونه ~~من تقلبات الجو الفجائية، حتى ليصل بهم الروع إلى حد أن يتخيلوا أنهم يسمعون أصوات الجن ~~ويبصرون ذواتهم في أشكال عدة وعلى صور شتى، منها السخيف ومنها المعجب، # 7 # وكانوا يعتقدون بأن أجسامهم تشغل جزءا من الفضاء - كما تشغله أجسامنا - ~~وأنهم ينتشرون، ولكنهم يختلفون عنا في تكوينهم؛ لأن أجسامهم مخلوقة من النار أو ~~الهواء، # 8 # ومن ثم لا تراها العين الإنسانية إلا شذوذا، وفي قدرتهم أن يأتوا كثيرا ~~من ضروب الشر والخير، ومن كانوا كذلك فقد وجب عليهم أن يتحببوا إليهم ويمجدوهم ~~ويقدسوهم. ومما سهل عليهم الوصول إلى تحقيق هذه الغاية اعتقادهم أن لكل جني موطنا ~~خاصا به، فهذا في حجر، وذلك في نصب، وثالث في شجرة. # 9 # وكانت تجمع قبيلة - أو عدة قبائل أحيانا - على تمجيد جني بعينه، وتكل ~~العناية به إلى أسرة بعينها منوط بها أمر رعايته وتلبية رغباته، وكانت هذه الفئة تقوم ~~بحراسته وتعظيم شأنه؛ سواء في الحجر أو الشجرة، أو الصورة التي تمثله، كما تؤدي له حقه ~~من المراسم الكهنوتية؛ والطقوس الدينية التي تقيمها في محرابه، وربما سمع لذلك النصب ~~صوت - كما يحدث ذلك في كثير من الأحيان - ومن الواضح أن الكهنة القائمين بحراسة الوثن ~~قد مرنوا بالحيلة على إحداث تلك الأصوات لإيهام الناس أنها تتكلم - وكان لكل منها صوت ~~خاص به يميزه عن غيره - وكان العرب يعدون ذلك من الخوارق والمعجزات التي يعزونها إلى ~~أوثانهم. # كذلك كانت تحرص كل قبيلة على صنمها، وتشيد بذكره وتفرده بأقصى ما تستطيع من حب؛ ~~لأنها ترى فيه نوعا من الملكية. وكان الكهان ينضحون عنه، ولا ينون ms052 في طلب القرابين ~~لذلك النصب، وإن كانوا - على الحقيقة - يطلبونها لأنفسهم ويجرون المغانم لهم باسم الله ~~تعالى. # هذا ما نستطيع أن نستخلصه بسهولة من القرآن وأقوال المفسرين على وجه الإجمال، على أن ~~أحد المؤرخين الذين تخصصوا في درس ترجمة حياة النبي يعزون ذلك إلى قبيلة «خولان» وحدها، ~~وهي التي كانت تقطن اليمن في ناحية منه تعرف باسمها. # وكان من عادتهم، حين تقدم القرابين إلى الآلهة - وهي من البر أو الفصال # 10 ~~- أن يقسموها قسمين؛ أحدهما وقف على الله، وهذا من نصيب المعوزين وأبناء ~~السبيل الذي يحلون ضيوفا على أهل القبيلة، والآخر وقف على النصب، وهو من نصيب الكهنة ~~وحدهم. # فإذا وقع في القسم الأول بطريق المصادفة بعض النفائس، استأثروا به وجعلوه من نصيب ~~الوثن، ووضعوا مكانه النصيب الأدنى لله. # 11 # ولكن ما علاقة هذه الأرباب الصغيرة بالله؟ لقد كانوا يعتقدون أن تلك الأرباب بنات ~~الله، # 12 # وأن مثلها منه كمثل الفروع من الأصل تماما؛ فهي تحكم الناس كما يحكم حاكم ~~الأقليم بعد أن يخوله مليكه سلطة الحكم، وثم كانوا يرون في تلك الأرباب وسائط بين الناس ~~وبين الله. # 13 ~~(5) مكة والكعبة # وكانت مكة حاضرة الثقافة في أواسط بلاد العرب، وقد بنتها قريش في منتصف القرن الخامس ~~الميلادي، في واد رملي شديد الضيق؛ حتى ليبلغ أقصى اتساع فيه نحو سبعمائة خطوة - أما ~~أضيق مكان فيه فلا يزيد عن مائة خطوة - وتكتنفه جبال جد عارية يتراوح ارتفاعها بين ~~مائتي قدم وخمسمائة. # في هذه المدينة المحراب الذي يفخر به كل من يملكه ويقع في حوزته، ذلك هو محراب الكعبة ~~الجليلة الشأن، # 14 # وهو أقدم من المدينة نفسها بكثير، وإن جدد وأعيد بناؤه عدة مرات، وهو مؤلف ~~من أربع حوائط مبنية بحجارة لم يهذبها الصقل، وقد رصف بعضها إلى بعض دون أن يتخللها ~~الملاط، وقد غطيت بريطة # 15 # أو بقطعة من القماش، أما ارتفاعها فلا يزيد عن ارتفاع الرجل، وأما مساحتها ~~فتبلغ مائتي قدم. # وكان «هبل» # 16 # اسم الصنم الرئيسي الكبير بين أصنامها، منذ ms053 النصف الأول من القرن الثالث، ~~وهو تمثال عقيقي # 17 # جلبه من الخارج بعض الرؤساء، # 18 # وكان «هبل» في ذلك العهد ربا لقبيلة قريش. # أما الكعبة نفسها فلم تكن ملكا للقرشيين، بل كانت - على الحقيقة - ملكا مشاعا ~~لأكثر القبائل التي تربطهم بها وشائج المصلحة السياسية العامة، وثم كان للكعبة صبغة ~~عالمية عندهم. # وقد وضعت كل قبيلة من تلك القبائل صنمها الذي تعبده في ذلك المحراب «الكعبة» حتى بلغ ~~عدد الأرباب التي بها ثلثمائة وستين ربا، وكان التسامح الديني سائدا ، وقد وصل بهم ~~إلى أعظم حدوده، فقد كنت ترى في الكعبة - زيادة على ما أسلفنا ذكره من الأصنام - صورة ~~إبراهيم الخليل، وصورة الملائكة، وصورة العذراء مع طفلها عيسى. ~~(6) الحجر الأسود # على أنهم كانوا لا يقدسون شيئا كما يقدسون «الحجر الأسود»، وهو الحجر الذي يزعم ~~المسلمون أنه كان في أول أمره أبيض، ثم اسود من توالي الحريق الذي حدث في الكعبة، وقد ~~لعب هذا الحجر فيما بعد - في قابل الإسلام - دورا خطيرا في التاريخ الإسلامي، ولا زال ~~يعده المسلمون - حتى أيامنا هذه - حجرا مقدسا، وسنذكر في بعض الفصول التالية بعض ~~أقاصيص يرويها بعض علماء الكلام واللاهوت من المسلمين عن هذا الحجر. # وقد وصفه لنا بعض السائحين الأوربيين الذين شاهدوه، فذكر أنه قطعة من حجر البازلت ~~البركاني تلمع في أنحائه نقط بللورية، وتبدو في بعض جهاته قطع صغيرة من النوع الذي ~~يطلقون عليه اسم «فيلسبار» لونها تارة أحمر بأسفله ظلال قاتمة، وتارة أسمر يميل إلى ~~السواد. # وقد تعاورته ظروف مختلفة، فكسر أكثر من مرة حتى غدا في هذه الأيام مؤلفا من اثنتي ~~عشرة قطعة مضموم بعضها إلى بعض، والكثيرون يجمعون على أنه حجر من الرجوم الساقطة من ~~السماء. ~~••• # أما احترامهم الكعبة فقد بلغ بهم حد التقديس، # 19 # وزاد إجلالهم لها فقدسوا ما جاورها من البقاع - التي خلعت عليها الكعبة ~~مسحة القداسة - وثم أصبح ما يكتنفها - إلى بعد عدة فراسخ - حراما لا يجوز لكائن من ~~كان أن يفتك بسواه فيها، أو يصطاد من حيوانها احتراما ms054 لها. # ويؤم الكعبة في كل عام جمهور ضخم من الناس من شتى الأنحاء؛ لتأدية الشعائر الدينية ~~المقدسة فيها! ~~(7) عبادة الأصنام # 20 # أما العبادة فقد فقدت معناها الأول في القرن السادس من الميلاد، ودب فيها الفساد ~~وتغير جوهرها؛ فأصبحت طائفة من الخرافات والأوهام - التي يمجها العقل - تدين بها ~~طائفة من المبطلين. # قال أحد معاصري محمد # 21 # صلى الله عليه وسلم ~~-: «كنا - إذا عثرنا على حجر جميل - عبدناه، فإذا عز علينا أن ~~نجده أنشأناه من الرمل إنشاء، ثم سقيناه لبن ناقة درور مدة من الزمن، ومتى تم لنا ذلك ~~عبدناه، ثم لا نزال نفعل ذلك ما دمنا في ذلك المكان!» ~~••• # ولكن هناك طائفة كبيرة من الناس كانت - على العكس من ذلك - على جانب عظيم من الرقي ~~والحضارة، فلم يكن عندهم عقيدة في أرباب هي من صنع أيديهم من الحجارة أو الخشب! # ولقد كان الناس - في ظاهر أمرهم - يمجدون تلك الأرباب ويحجون إلى محرابها، ~~ويحتفون بمواسمها السنوية، ويذبحون القرابين في هياكلها، ويريقون دماءها على تلك الآلهة ~~التي يعبدونها؛ سواء أكانت من الحجر أم من الخشب، بل لقد كانوا يلجأون إليها كلما حزبهم ~~أمر؛ ليلتمسوا منها البركات، ويتكشفوا بوساطتها مستقبل أمرهم الغامض. # على أن عقيدتهم فيها لم تزد على هذا القدر من المظاهر، أما فيما عدا ذلك فقد كانوا لا ~~يترددون في تحطيم آلهتهم إذا لم تتحقق نبوءتها، أو إذا جرؤت على إذاعة شيء يكرهونه، ~~ويخشون إذاعته مما اقترفوه من الدنايا. # وقد تنزل بأحدهم كارثة فينذر لأحد الأصنام أن يذبح نعجة قربانا له إذا تكشفت ~~غمته، فلا يكاد يزول عنه الخطر # 22 # حتى يستبدل النعجة - وهي قيمة عنده - بغزال لا يكلفه ثمنه أكثر من أن ~~يصطاده بيده، يفعل ذلك وهو معتقد أن ذلك المعبود لا يكاد يفرق بين النعجة ~~والغزال! # 23 # أضف إلى ذلك أن نبوءات الآلهة لم يكن لها خطر عندهم ما لم توافق رغباتهم وتعبر عما ~~يقصدون إليه من التفاؤل بما هم قادمون عليه من الأمور. # يؤيد ذلك أن أعرابيا اعتزم أن ms055 يثأر لأبيه ممن قتله، فأتى «ذا الخلصة» # 24 # وهو نصب مربع الشكل من الحجر الأبيض - ليستشيره فيما هو قادم عليه، وبدأ ~~يقترع - على عادة العرب في ذلك - فرأى في السهم الأول أمرا بالمضي في طريقه، وفي ~~الثاني نهيا عن ذلك، وفي الثالث أمرا بالانتظار والتريث؛ فلم ترضه هذه النتيجة وأعاد ~~الكرة مرة بعد أخرى؛ فكانت النتيجة واحدة في المرات الثلاث، وثم غضب وألقى بالسهام في ~~وجه الصنم وقال له: «مصصت بظر أمك! لو كان أبوك قتل ما عوقتني!». # 25 # كذلك كانوا يغضبون لأتفه الأسباب، وكلما تعارضت أوامرها مع رغباتهم، ولم تعبر عما ~~يودون سماعه من الكلام، انهالوا عليها بالسباب والتحقير. # وأقبل رجل من بني ملكان # 26 # على «سعد» صنم قبيلته المعبود - وهو صنم في الصحراء - وكان مع الرجل إبله ~~جاء بها ليقفها عليه يريد التبرك به، وبينما كانوا يريقون عليه دماء العثائر # 27 ~~- حسب عادتهم - نفرت الإبل وولت هاربة، فغضب صاحبها وتناول حجرا فرمى به ~~وقال: «لا بارك الله فيك إلها أنفرت علي إبلي.»، ثم خرج في طلبها حتى جمعها، وانصرف ~~عنه وهو يقول: # أتينا إلى «سعد» ليجمع شملنا # فشتتنا «سعد» فلا نحن من «سعد» # وهل «سعد» إلا صخرة بتنوفة # من الأرض لا يدعى لغي ولا رشد! # وكان بنو حنيفة أنفسهم أقل الناس احتراما لآلهتهم؛ إذ كانوا يأكلونها! ونحن جديرون ~~أن نقرر عذرهم في ذلك؛ فقد كانوا يصنعون آلهتهم من نوع - بعينه - من العجوة، ومن اللبن ~~والزبد؛ فلما وقعوا في قحط ومجاعة أكلوها. ~~••• # ومن هنا يتضح أن العرب لم تكن تعتقد في تلك الأرباب اعتقادا جديا؛ فقد كان أكبر ~~شيء يحترمونه هو الله تعالى، علي أن الله لم يكن له عندهم أيضا عقيدة قوية راسخة في ~~قرارة نفوسهم؛ لأنهم كانوا لا يعرفون عنه شيئا كثيرا، إذ لم يكن له كهان يدعون ~~الناس إليه، ويرغبونهم في عبادته وطاعته، ويذيعون إرادته ويوضحون لهم ما قدره من ~~خير وشر. ~~(8) عقيدة البعث # ولم يكن الناس على عقيدة واحدة، بل كانوا شديدي الاختلاف؛ فمنهم من ms056 كان يؤمن بحياة ~~ثانية بعد هذه الحياة ويدين باليوم الآخر، ولا يقف عند حد الاعتقاد في بعث الإنسان، بل ~~يدين ببعث الحيوان أيضا، ومن ثم كان يدفن راحلته إلى جانبه أو يتركها تموت على قبره، ~~ليركبها يوم القيامة، فلا يتكبد عناء السير على قدميه. # على أن سوادهم كان يستهزئ بفكرة البعث ويسخر منها، وكانوا يدينون في كل مكان برأي ~~القائل: # حياة، ثم موت، ثم حشر # حديث خرافة يا أم عمرو # وليس في هذا موضوع عجب، فإن هذه الفكرة - فكرة البعث - المحببة إلى نفوس الآريين؛ ~~شديدة الغرابة عند الساميين! وآية ذلك أن اليهود أنفسهم لم يقبلوها من الفرس إلا بعد ~~تشريدهم # 28 # إن لم نقل في أوائل التاريخ الميلادي، على أن جماعة الصدوقيين نفسها - وهي ~~كبيرة العدد - قد رفضت فكرة البعث ولم تقبلها قط. # 29 # كذلك لم يلق محمد # صلى الله عليه وسلم # مقاومة جدية من العرب إلا حين دعاهم إلى هذه الفكرة، ~~ونادى فيهم بوجوب الإيمان بصحتها، وما زال البدوي - إلى أيامنا هذه - لا يعنيه أمر ~~البعث ولا يكترث له. # 30 ~~(9) المسيحية واليهودية # قلنا إن ديانة العرب الأولى كانت واهية لا ترتكز على أساس متين، ومتى أقررنا ذلك سهل ~~أن نفرض أنه كان من اليسير على العرب أن يقبلوا دينا آخر - غير دينهم هذا - فيدينوا ~~بالمسيحية أو اليهودية مثلا، وهذا كلام صحيح ولكن إلى حد ما، فقد انتشرت المسيحية لهذا ~~السبب نفسه في جهتين: انتشرت في بلاد الحبشة - جنوبا - وفي سوريا - شمالا - حيث لقيت ~~شيئا من القبول، وقد انتصرت كذلك في مدينة نجران في وقت مبكر، ودانت شبه جزيرة سينا ~~بالمسيحية؛ وأصبح علم النصرانية خفاقا على كثير من الأديرة والكنائس، كما تنصر عرب ~~سوريا. # على أن هذا النجاح كله لم يكن - في أي مكان تقريبا - إلا مظهرا من المظاهر لا حقيقة ~~من الحقائق. # أما في أواسط بلاد العرب، وفي قلب جزيرتهم، حيث نبتت جرثومة العربي القح وأرومته، فلم ~~تنجح فيها الدعاية للدين المسيحي. ولم نكن لنرى ثم إلا أثرا ضعيفا ms057 له، إن لم نقل ~~معدوما. # وكانت المسيحية في ذلك الزمن - على وجه عام - بما تحويه من معجزات، وبما فيها من ~~عقيدة التثليث، وما يتصل بذلك من رب مصلوب؛ قليلة الجاذبية بعيدة عن التأثير في نفس ~~العربي الساخر الذكي، وآية ذلك ما تراه واضحا فيما حدث للأساقفة الذين سعوا إلى تنصير ~~المنذر الثالث ملك الحيرة - حوالي عام 513 من الميلاد - وإن المنذر ليصغي إلى ما يقولون ~~بانتباه إذ دخل عليه أحد قواده فأسر إليه بضع كلمات؛ ولم يكد ينتهي منها حتى بدت على ~~أسارير الملك أمارات الحزن العميق، فتقدم إليه أحد القساوسة يسأله متأدبا متلطفا ~~عما أشجاه. فأجابه الملك: «يا له من خبر سيئ! لقد علمت أن رئيس الملائكة قد مات. فوا ~~حسرتاه عليه!» # فقال القسيس: «هذا محال أيها الأمير، وقد غشك من أخبرك بذلك، فإن الملائكة خالدون ~~يستحيل عليهم الفناء!» # فأجابه الملك: «أحق ما تقول؟ وتريد أن تقنعني بأن الله ذاته يموت؟» ~~••• # أما حظ اليهودية في اجتذاب العرب إليها فهو أكثر من حظ المسيحية، فقد رحلت جمهرة ~~كبيرة من اليهود بعد أن شردهم الإمبراطور أدريان الذي ثاروا عليه فألحق بهم الأذى، ~~وشتت شملهم، فوجدوا في بلاد العرب ملجأ لهم، وبثوا دعايتهم فيها؛ فدان باليهودية ~~قبائل عدة من سكان الجزيرة العربية، ولعل هؤلاء هم وحدهم المتهودون الذين أخلصوا ~~لليهودية حقا، وقد صارت اليهودية نفسها - في زمن ما - دين اليمن الرسمي. # على أنها ضعفت - على مرور الزمن - وقل إقبال العرب عليها؛ لأن اليهودية لا تلائم ~~إلا شعبا مختارا، أما أن تكون دينا عاما للناس قاطبة فلا! # ذلك أنها ملأى بالشكايات والآمال الغامضة التي تعلق بها اليهود بعد أن خرب بيت ~~المقدس، وليس هذا مما تلائم طبيعته الشعب الطموح إلى المجد! # وليس من أصالة الرأي أن نقول: إن سواد العرب كانوا يشعرون بحاجة إلى دين آخر، فإن ~~العربي - ذلك البدوي الحر كما سنراه في كثير من المناسبات التي ستتيحها لنا الفرص أثناء ~~دراسته - ليس متدينا بطبعه، كما أن كل محاولة بذلت في سبيل ms058 جعله كذلك كان نصيبها الفشل ~~التام. # فالعربي رجل عملي، مادي، لا يعنى بغير الحقائق حتى في شعره، فهو لا يسبح في الخيال ~~والوهم، ولا يميل إلى الأخذ بتلك الألغاز والمعميات الدينية التي يعتمد الإنسان في ~~استيعابها على التخيل أكثر من اعتماده على التعقل. ~~••• # إن ديانة العرب التي ألفوها لم تكن مهيمنة على نفوسهم ومشاعرهم، بل كانت ضعيفة الأثر ~~قليلة الخطر، ولكنها كانت دين سوادهم على كل حال، فإذا كان من الحق علينا أن نعترف أن ~~المستنيرين منهم لم يؤمنوا بتلك الأرباب، فمن الحق علينا أن نقرر أيضا أن عدم إيمانهم ~~بها لم يكن كافيا للقضاء عليها. # والحق أن أحدا لم يكن مضطرا إلى العقيدة، فقد كان البدو لا يبالون أن يسخروا حتى ~~من أربابهم التي يعبدونها، ولا يترددون في إلحاق الأذى والضرر بها بقلوب جد مغتبطة، ~~بيد أن القضاء - بعد كل هذه الاعتبارات - على عبادة كان يدين بها أجدادهم وآباؤهم من ~~قبل، كان يثير في نفوسهم كبرياءهم القومي، أنفة من أن يتركوا دين أسلافهم الذين كانوا ~~يفردونهم بكل إجلال وإكبار. # وجماع القول أن الديانة كانت في نظر العربي القديم - كما هي في نظر البدو في أيامنا ~~هذه - أمرا لا خطر له؛ وآية ذلك أن شعراء الجاهلية لا نكاد نراهم يذكرون دينا أو ~~عقيدة في أشعارهم، ولو فتشنا أناشيدهم لم نر فيها - إذا استثنينا أسماء الآلهة، وبعض ~~الشعائر المختلفة - إلا عبارات مقتضبة لا تكاد تعثر فيها على ذكر لعبادتهم ~~القديمة. # لقد عاش العرب للحياة الحاضرة، ولم يشغلوا أذهانهم بشيء من مسائل ما وراء الطبيعة، ~~وكان مؤمنوهم يتابعونهم في ذلك الشعور ويصدرون عنه. # ومع كل هذه الاعتبارات، فقد وجدت لهذه القاعدة شواذ - شأن كل قاعدة - فإن وجود جماعات ~~شتى من متألهي العرب الذين يدينون بوحدانية الله، وإن اختلفت وجهاتهم، وتباينت نحلهم - ~~لتدين بعضهم باليهودية أو المسيحية - كان أمرا له خطره عند العرب، وله أثره في ~~نفوسهم، إذ كان أولئك المتألهون لا يفتئون يبثون عقائدهم فيمن حولهم من العرب. ~~(10) الحنيفية # ومن ثم رأينا ms059 في أواخر القرن السادس الميلادي لبعض الشعراء دلائل وآثارا لإيمان عميق ~~بوحدانية الله، ورأينا منهم شعورا يقظا بالنبعة المترتبة على ما تصنعه أيديهم من خير ~~أو شر، وهذه الفئة - التي ترى هذا الرأي - هي طائفة الحنفاء، # 31 # وقد كانوا في شتى الأنحاء لا تربطهم أية آصرة ولا تضمهم مذهب بعينه. كما ~~تفعل الصابئة المنتسبون إلى إبراهيم الذين كانوا يسمون أنفسهم الحنفاء أيضا! # وكان لهاتين الطائفتين - من الحنفاء - رأى واحد في رفض اليهودية والمسيحية معا ~~والاعتراف بدين إبراهيم، وإبراهيم هذا - الذي عرفوه من اليهود والنصارى - هو الأصل الذي ~~ينسبون إليه، فهو والد جدهم إسماعيل، وهو الذي بنى الكعبة في مكة. # وكانت شريعة الحنفاء سمحة رشيدة، واضحة المحجة، سهلة الإقناع لهؤلاء العرب العمليين، ~~وهي في جوهرها صالحة لأن تكون دين العرب قاطبة، ولم يكن ينقصها - لبلوغ هذه الغاية - ~~إلا أن تكون عقيدة ثابتة مستقرة، وأن تكون لها هيئة روحية ذات سيادة دينية، وأن تكون ~~منزلة من السماء، أو تفهم على أنها كذلك. ~~••• # وهذا هو العمل العظيم الذي أخذ محمد # صلى الله عليه وسلم # على عاتقه القيام به؛ ليتمم نقص ~~الحنيفية، ولكن هذا العمل - على ما فيه من صعوبة - قد ضوعفت مصاعبه؛ لأن العرب لم ~~يكونوا في غير حاجة إلى الدين فحسب، بل كانوا - إلي ذلك - ينفرون بطبيعتهم من كل مظهر ~~من مظاهر العبادة ومراسمها، كما كانوا يكرهون الفروض الغامضة والمعميات التي تتصل بما ~~وراء الطبيعة. # ولا بد من إقناع جازم ويقين لا يتزعزع للتغلب على هذه العقبات. # الشرائع # 32 # كم من شرائع أبلى الدهر جدتها # وأصبحت - بعد حين - طي أرماس # لكل جيل جديد ما يلائمه # من الشرائع والأخلاق والناس ~~(11) بعد وفاة النبي # 33 # مات النبي ولم يترك ولدا له، ولم يعين خليفة يخلفه، فكانت الساعة غاية في الحرج، ~~وأصبح كيان الإسلام نفسه مهددا نهب الحوادث والظروف، وقد انتشر خبر وفاته بسرعة لا ~~مثيل لها، وكان له وقع شديد على أصدقائه المخلصين، وكأنما أصابتهم صاعقة حين بلغهم هذا ~~النبأ المروع، وكان الناس قسمين، ms060 قسما يحسبه خالدا لا يموت، وقسما لا يتوقع موته ~~بهذه السرعة، بل يؤمل له حياة طويلة، وعمرا مديدا، وكان «عمر» - خاصة - ممن يؤمل هذا ~~الأمل. # وبعد أن مات النبي وأسلم آخر أنفاسه بزمن يسير، دخل «عمر» مخدع «عائشة» فرفع الغطاء - ~~الذي كانت جثة النبي مسجاة به - وتأمل محيا سيده مليا وهو في نومته الأبدية - فرأى ~~كل شيء هادئا، ونظر إلى ما حوله فرأى سكونا طبيعيا، فلم يعد يصدق ذلك النبأ المروع، ~~وصاح: «كلا لم يمت النبي بل هو في غيبوبة!» # وكان «المغيرة» حاضرا فحاول عبثا أن يرشده إلى خطئه، فقد صرخ فيه عمر: «كلا بل ~~تكذب، إن رسول الله لم يمت ولكن خبث طويتك، وفساد نفسك الشريرة قد أدخلا في روعك هذا ~~الوهم الخاطئ، ولن يموت النبي قبل أن يقضي على المنافقين ويبيد أهل الشرك.» # ثم ذهب «عمر» - من توه - إلى المسجد فصاح فيمن تجمهر من الناس: «لقد زعم الزاعمون، ~~وأرجف المرجفون أن محمدا قد مات، وبئس ما يتقولون، ألا إن محمدا لم يمت، وإنما ذهب ~~للقاء ربه كما فعل موسى إذ غاب عن قومه أربعين يوما ثم رجع إلى أصحابه - بعد أن يئسوا ~~من عودته - ووالله ليعودن النبي كذلك، ثم ليعاقبن كل من اجترأ على هذا القول!» # ولم يكد يسمع الحاضرون قوله حتى آمنوا عليه، ولا غرو في ذلك؛ فقد كانوا - إلى زمن ~~يسير جدا - يرون محمدا في نفس المكان الذي يخطبهم فيه «عمر»، فلم يكن أحب إليهم من ~~تصديق ما يقوله «عمر». # وجاء «أبو بكر» في هذه اللحظة فاخترق المسجد، وأصغى هنيهة قصيرة إلى كلام «عمر» ~~المتأجج عاطفة وحماسة؛ ثم أسرع إلى مخدع «عائشة» ووقف أمام جثة النبي أيضا، فرفع ~~الغطاء عنها، وقبل وجه صاحبه - وهو مستغرق في نومته الأبدية - ثم صاح قائلا: «طبت ~~حيا وميتا.» ورفع رأس النبي بتؤدة وأناة، وتأمل أسارير ذلك الوجه الذي طالما ~~تملى به من قبل، ثم قال: «نعم لقد مت، فوا أسفا عليك أيها الصديق المحبوب! بأبي أنت ~~وأمي؛ فقد قاسيت من ms061 غمرات الحمام ما قاسيت، وتجرعت من غصص الموت ما تجرعت. وإنك لأكرم ~~على الله من أن تتجرع هذه الكأس مرة أخرى!» ثم وضع رأس النبي برفق - على وسادته - ~~وقبل رفيقه مرة أخرى، ثم سجاه بغطائه ورجع - أدراجه - إلى المسجد فوجد «عمر» لا ~~يزال يتأجج حماسة، وهو يخطب الناس ليقنعهم أن الرسول لم يمت، فصاح فيه: «حسبك يا عمر! ~~هدئ من ثائرتك واجلس حيث أنت!» # فلم يصغ إليه عمر وطفق يخطب الناس، فولى أبو بكر وجهه شطر الناس، فأقبلوا عليه ~~وتركوا عمر، فقال لهم أبو بكر: أما قال تعالى - في محكم آياته - لنبيه: # إنك ميت وإنهم ميتون # أما قال تعالى في آية ~~أخرى - بعد موقعة أحد: # وما محمد إلا رسول قد خلت ~~من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على ~~أعقابكم ~~. # ألا من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت! ~~••• # وكأنما كان الناس في حلم فأفاقوا منه بعد ما سمعوه من قول أبي بكر، فقد ذهل الناس من ~~فداحة الخطب عن هذه الآيات القرآنية حتى إذا ذكرهم بها «أبو بكر» الرزين أيقنوا ~~جميعا أنهم لن يروا النبي بعد! ~~(12) انتخاب الخليفة # بقيت عقدة خطيرة لا بد من حلها؛ وهي أن محمدا قد مات ولم يعين من يخلفه، فلا ~~مندوحة إذن عن انتخاب أمير لهم، ولكن من الذي يعين هذا الأمير؟ # أيعينه كل المسلمين؟ هذا حسن، فهل من سبيل إلى تحقيقه؟ # لقد كان الوقت عصيبا، وكان من السهل أن يرى الإنسان أمامه أزمة رهيبة وشيكة، وجمهرة ~~من القبائل لن تلبث أن ترتد عن الإسلام؟ # إذن يتعين أن يقتصر انتخاب الخليفة على القبيلة التي لها الصدارة والسلطان - بين ~~قبائل العرب قاطبة - وثم اجتمع الأنصار «أهل المدينة» الذين عز بهم الإسلام وانتصر، فمن ~~يختارون؟ # لا مجال للتردد والحيرة، فأمامهم الفارس النبيل «سعد بن عبادة» رئيس الخزرج، وقد كان ~~من الطبيعي المألوف أن يختاروه - ولم يكن حينئذ تم شفاؤه من مرض خطير كان قد ألم به ms062 - ~~فحملوه مدثرا مدوجا إلى جمهور المدنيين، وكان ضعيفا من أثر المرض فلم يستطع ~~إبلاغهم صوته؛ فقام أحد أصحابه يردد ما يقول. # وقد ذكر «سعد بن عبادة» أصحابه بأنهم أول من دخل الإسلام من القبائل، وأن نصرته لم ~~تتم إلا بهم بعد، وأنهم لذلك جديرون بالزعامة على العرب قاطبة. # فقابلوا كلامه بالاستحسان والتحبيذ، وأظهر جمهورهم له حماسة شديدة، ونادوا به - في ~~الحال - خليفة لرسول الله، ولكن فئة قليلة منهم أبدت خوفها من رفض المهاجرين هذا الرأي ~~وعدم رضائهم عنه؛ فأجابهم أصحابهم: «لا علينا من ذلك، وسنقول لهم حينئذ: «لقد اخترنا ~~لنا أميرا، فاختاروا لكم أميرا وافترقوا عنا، فلن نذعن - بحال ما - لغير أميرنا الذي ~~اخترناه.» # ولم يكد يبلغ «أبا بكر» هذا النبأ حتى أقبل عليهم بأقصى ما في قدرته من سرعة، ومعه ~~عمر، وأبو عبيدة - وما كادوا يصلون حتى انبرى عمر للكلام فمنعه أبو بكر - وله كل الحق ~~فيما فعل - خشية من تحمسه واندفاعه، وقال له: «تريث حتى أتكلم ثم قل ما شئت بعدي.» ~~••• # وبدأ أبو بكر يخطب في الناس - بكل تواضع - فاعترف للمدنيين بما قاموا به من خدمات ~~جليلة للإسلام، ثم أظهر لهم - إلى هذا - جدارة المهاجرين بالخلافة؛ لقرابتهم من الرسول ~~وكونهم من أسرته، ثم لأنهم أول من دان بالإسلام، وقد لقوا في سبيله ألوانا من العسف، ~~وضروبا من النكال، واحتملوا ذلك كله صابرين! # ثم قال: «فأنتم تلوننا في هذه المرتبة، فليكن الأمير منا والوزراء منكم.» فأجابوه: ~~«بل منا أمير ومنكم أمير!» # فصاح عمر: «كلا، ومحال أن نولي أميرين، ولن تعترف العرب بمن تختارون؛ فليس نبيهم من ~~قبيلتكم، ولن يخضعوا لأحد إلا أن يكون قريبا للنبي، ومن رفض ذلك أرغمناه على قبوله ~~إرغاما.» # وحمي وطيس الكلام، وكاد اللجاج ينقلب خصومة؛ لو لم يقل لهم «أبو عبيدة»: لقد كنتم أول ~~ناشر للإسلام، وأول معين للنبي، فلا تكونوا الآن أول ساع في التفرقة وتشتيت الوحدة ~~الإسلامية. # وهنا قام «بشير» - قريب «سعد» ومنافسه - فقرر ما للمهاجرين المكيين من الحقوق في ~~أعناق المسلمين، فأثر ms063 كلامه في نفوس فئة من الخزرج، ولكن الأثر لم يبلغ أشده إلا في ~~نفوس القبيلة المدنية الأخرى، وهي قبيلة «الأوس»، بسبب ما كان بينها وبين قبيلة ~~«الخزرج» من نفور قديم جعلهم لا يرتاحون إلى سعد، ولا يرضون به أميرا عليهم، وكانوا - ~~منذ لحظة - يقررون حق المهاجرين وجدارتهم بالخلافة، فلما سمعوا كلام أبي عبيدة ثبتوا ~~على رأيهم، وظاهروا المهاجرين على الأنصار. # وبذلك سنحت فرصة ملائمة، فأسرع أبو بكر إلى انتهازها وأمسك بيده - عمر وأبا عبيدة - ~~داعيا المدنيين إلى اختيار واحد منهما لمبايعته بالخلافة، فصاحا في نفس واحد: «بل أنت ~~خير منا، فامدد يدك نبايعك ونقسم لك على الخضوع والطاعة.» وامتدت بين يديهما يد ثالثة ~~إلى يد أبي بكر، وهي يد «بشير» الذي أسرع بمبايعته معهما؛ ثم نهج الأوس منهجه وأقبل ~~المسلمون يبايعونه أفواجا، واشتد الزحام وعلت صيحات الفرح؛ فاختلطت بأصوات الدهشة، ~~وأراد حباب الخزرجي أن يناوئ الدعوة فصرخ مهددا بالحرب، واستل سيفه فانتزعه «عمر» من ~~يده. # ورأى «سعد» آماله في الخلافة تتبدد هباء، وليت الأمر وقف عند هذا الحد، فقد أصبح ~~«سعد» نفسه في خطر حين تكأكأت عليه الجموع، فكادت تسحقه - وهو في محفته التي كان ~~محمولا عليها - وعبثا حاول أصحابه أن يقنعوا جمهرة المسلمين بوجوب احترامه؛ فإن ~~«عمرا» نفسه لم يتورع عن إهانته ووصفه بأقبح النعوت - على الرغم من أنه خصم أعزل ~~جليل القدر - وقد تداركه أبو بكر فصد هذه الجموع عنه وأنقذه من أذاهم وشرهم. ~~••• # وإذن فقد تم انتخاب الخليفة - خليفة النبي - وسط هذه الفوضى الشاملة، كما اعترف بهذه ~~الحقيقة «عمر» نفسه على ملأ من الناس في المسجد المدني فيما بعد. وقد كسب المكيون بهذا ~~الفوز أمرين: «زعامة العرب، وحسن اختيار الخليفة». # فقد ولوا أمورهم رجلا كان أخلص صديق لنبيهم، ولو ترك أمر اختيار الخليفة إلى الرسول ~~فقد لا يختار سواه؛ ذلك أنه جمع - إلى حبه الرسول - متانة الإيمان وقوة اليقين وصدق ~~العزيمة في إعزاز الإسلام ونصرته. # وبهذه الصفات نجح أبو بكر في التغلب على المصاعب والعقبات التي كانت ms064 تكتنفه. # وفي الحق أن الوقت كان عصيبا، وكانت الظروف غاية في الحرج، فقد كان موت النبي - الذي ~~كانت تترقبه العرب منذ زمن طويل بفارغ الصبر - مؤذنا بالثورة في كل مكان، ولقد كنت ترى ~~الثائرين - في حيثما ذهبت - رافعين علم الثورة والتمرد، وقد رجحت كفتهم أيما رجحان حتى ~~لقد طردوا ولاتهم من بلادهم، فلم يجد هؤلاء أمامهم ملجأ إلا المدينة؛ فتقاطروا عليها ~~من كل فج يحتمون فيها من أذاهم. # وكان لا يمر يوم حتى يفد على المدينة بعض الولاة، والعمال المطرودين، وأعدت القبائل ~~المجاورة للمدينة عدتها لحصارها. # فكيف يقاومهم «أبو بكر» وليس لديه جيش يحاربهم به بعد أن أرسل جيشه إلى سوريا ~~ليفتحها؛ تنفيذا لأمر النبي - برغم نصيحة المسلمين الذين رأوا خطورة الحال، ولقد ألحوا ~~عليه أن يعدل عن تنفيذ فكرة الفتح حينئذ، فقال لهم: «لن أخالف ما أمر به النبي ولو ~~أصبحت المدينة نفسها نهبا للثائرين والمتمردين، ولا بد لي من تحقيق مشيئته!» # ومن ثم ترى الخطر العظيم باديا، على أنه - على الحقيقة - خطر أقل مما تدل عليه ~~ظواهره، فإن قوة الخصم الحقيقية لا تقاس بما لديه من عدة ورجال، بل بما عنده من قوة ~~معنوية، وبما يصبو إلى تحقيقه من غاية سامية يتطلع إليها ويخوض غمار الحرب من أجلها، ~~باذلا في سبيلها النفس والنفيس. # فما هي الغاية التي يسعى إليها الثائرون؟ وأي حافز يدفعهم إلى إضرام هذه ~~الحرب؟ # أهو إيمان وثيق متوشج في أعماق قلوبهم كإيمانهم القديم الذي كانوا عليه قبل البعثة؟ ~~لو كان ذلك لما كان ثمة شك في انتصارهم الحاسم! # ولكن شيئا من ذلك لم يكن، فإنهم لا يحاربون الآن لينصروا دينهم القديم ويؤيدوه؛ بل ~~هم يثورون على دينهم الجديد؛ لأنهم لا يطيقون احتماله. # وليس هذا بالسبب القوي الذي يلهب حماستهم ويحفزهم إلى الإتيان بجلائل الأعمال، ولا ~~هو بالسبب الذي يخلق البطولة والأبطال، فقد كان رؤساء القبائل المتمردة أنفسهم شاعرين ~~كل الشعور بضعف قوتهم المعنوية؛ فلجأ بعضهم إلى فكرة سخيفة حسبوا أنها تعيد إليهم تلك ~~القوة، فادعوا ms065 النبوة! وخيل إليهم أن محمدا لم ينجح إلا بهذه الفكرة؛ فأرادوا ~~تقليده. # ولكنهم نسوا أمرا واحدا - هو سر نجاحه في بث دعوته - ذلك أنه كان مؤمنا بما يدعو ~~إليه إيمان المستيقن الجازم، وهذا هو الذي يعوزهم وبغيره لا يتم نجاح. # وكانت تلك الثورة الهائلة وتلك الحرب الشعواء - على ما أريق فيهما من دماء غزيرة إذا ~~قورنت بما أتاه المسلمون في غزواتهم التي عز بها الإسلام - ظاهرة سخيفة مضحكة، يتمثل ~~فيها الإنسان - عن غير قصد - كيف قلبوا تمثيل هذه الرواية الجدية التي مثلها النبي ~~وأصحابه مهزلة وعبثا! # ألا ترى إلى مسيلمة الذي مثل دور النبي في اليمامة؟ # ألا ترى إلى ذلك الدجال السوقي التعس، ذلك المشعوذ السمج، الذي لا يصلح لغير التدجيل ~~وإدخال بيضة في زجاجة ضيقة الفوهة، ألا ترى إليه ينشئ قرآنا سخيفا يقلد به محمدا، ثم ~~يرخص لأتباعه في شرب الخمور أنى شاءوا، ولا يكاد ينشر دعوته حتى يصادفه سوء الحظ ~~فتحاصره «سجاح» وتنازعه النبوة. ~~••• # أما «سجاح» هذه فقد كانت مسيحية نشأت في «بلاد النهرين»، وجاءت تبث الدعوة لنفسها - ~~على رأس جيش عظيم - فماذا يصنع مسيلمة؟ # ليس أمامه إلا أن يلجأ إلى طريق المسالمة - وقد فعل - فأرسل إليها هدايا فاخرة، ~~ودعاها إلى محادثته، وطال بينهما الحوار. # 34 # ولما عادت «سجاح» إلى قومها سألوها عن رأيها في «مسيلمة» فقالت لهم: «لقد رأيته ~~نبيا حقا فتزوجت منه!» # فسألها التميميون: «وهل أهدى إلينا شيئا من مهر الزواج؟» # فقالت: «لا.» فقالوا لها: «عار علينا أن نزوج نبيتنا بلا مهر! ولن نقبل ذلك بحال ~~ما!» # فأرسلت إليه بذلك - وكان مسيلمة خائفا متحصنا - فلما جاءه الرسول لم يأذن له حتى ~~عرف الغرض الذي جاء من أجله، فاطمأن إليه وقال له: «عد إلى قومك فأخبرهم أن مسيلمة بن ~~حبيب رسول الله قد رفع عن التميميين - من الصلوات الخمس - صلاتي الصبح والعشاء». # ولقد فرح التميميون بذلك، وساروا عليه حتى بعد أن عادوا إلى الإسلام من جديد. ~~••• # ومن ثم أن هؤلاء التائبين ليس لهم عقيدة جدية يدافعون عنها، ms066 فلا غرو إذا قهرهم رجل ~~كأبي بكر وثيق الإيمان قوي الإرادة صلب العزيمة، لا يعرف هوادة - في إرغام أنوفهم - ولا ~~رحمة! # ولو شاء أبو بكر أن يهادنهم لتنازل لهم عن قليل من مطالبه، فكسب بذلك مساعدة كثير من ~~القبائل - أو ضمن حيادهم على الأقل - فقد وعدوه بالمواظبة على إقامة الصلاة المفروضة ~~عليهم؛ على شريطة أن يعفيهم من إيتاء الزكاة، ونصحه أعيان المسلمين أن يقبل ذلك منهم، ~~فرفض رأيهم بإباء شديد، وقال لهم: # 35 ~~«إن الإسلام قانون واحد لا يتجزأ، وليس لأحد أن يأخذ ببعضه ويرفض البعض ~~الآخر». # وقد كان هذا الإصرار الحازم، وذلك الحقد الشديد على أهل الردة سببا في منحه قوة أكبر ~~مما نتصور. ~~••• # ولم يكد ينتهي من إخضاع القبائل المجاورة له حتى بدأ يهاجمه «طليحة» الذي كان بطلا ~~من قبل، وقد جاء يدعي النبوة كغيره ثم يجبن عن دخول المعركة؛ فيرقب الحرب - وهو بعيد ~~عن الميدان - مدثرا في عباءته كأنما يؤمل أن ينزل وحي من السماء، أو تحدث معجزة خارقة، ~~وقد ترقب ذلك زمنا طويلا ثم وقعت المعجزة؛ إذ بدأت تنهزم قبيلته أشنع انهزام، ~~وحينئذ صاح في جنده: «احتذوا حذوي إن استطعتم.» ثم امتطى جواده، وأطلق له العنان، وأمعن ~~في فراره. ~~••• # وكانت تلك المعركة التي اصطلاها المسلمون، معركة مروعة هائلة، وفي الحق أن الدماء ~~التي أريقت في هذه الحرب كانت أكثر مما أريق في تلك الحروب الطاحنة التي نشبت فيما بعد ~~بين المسلمين والفرس، ثم بين المسلمين، والإمبراطورية الرومانية، وقد اقترف العرب من ~~الفظائع في هذه الحرب «حرب الردة» شنعا لم يعرفها الإسلام قط، فكانوا إذا انهزم العدو ~~تعقبوه ونكلوا به؛ لأن الردة جزاؤها القتل، لا هوادة في ذلك ولا رحمة، وقد بعث أبو ~~بكر إلى خالد يأمره بقوله: ~~«عليك بإبادة الكفرة بالحديد والنار، ولا تأخذنك فيهم رحمة قط!» ~~••• # ولقد انهزم أصحاب مسيلمة - وكان عددهم زهاء عشرة آلاف مقاتل - ومزقهم المسلمون شر ~~ممزق، وغرقت بلاد العرب كلها في الدماء! # ولكن الإسلام قد خرج من تلك المعارك - الناشبة في ms067 كل مكان - مؤيدا منصورا، ودان ~~به العرب بعد ذلك - طوعا أو كرها - فقد أقنعهم خذلانهم بوجوب الاعتراف بالدين ~~الإسلامي؛ إن لم يكن اعتراف المستيقن المؤمن، فاعتراف الخائف الذي يعرف قوة هذا الدين ~~العظيمة التي لا تجدي معها أية مقاومة. ~~(13) بعد النصر # ولم يكد يتم انتصار أبي بكر حتى وجه هؤلاء البدو الظامئين إلى الدماء، إلي مهاجمة ~~فارس والإمبراطورية الرومانية، وهذا العمل عند من ينظر إلى ظواهر الأمور وحدها جرأة ~~وتهور، ولكنه - على الحقيقة - رزانة وتعقل. # وإنما سار أبو بكر في هذا على خطة النبي التي كان يتبعها، وهي أن يشغل العرب عن ~~التفكير في خضوعهم، ولا يدع لهم وقتا كافيا لذلك، وقد رأى أن خير ما يربطهم بالإسلام ~~لا يكون إلا عن طريق الفتح والانتصارات الحربية وما يجره ذلك من الغنائم. ~~••• # وهكذا انتهت حروب الردة، ولم تقم للمرتدين بعدها قائمة، فقد كان عقاب الردة القتل؛ ~~ومن هنا تظاهر الناس بالإسلام ووقفوا عند هذا الحد. # ونحن إذا استثنينا صفوة المسلمين ونواتهم المؤلفة من المهاجرين والأنصار وبعض من ~~يمتون إليهم بسبب، لم نجد بعد ذلك من يعرف القرآن وتعاليمه إلا عددا غاية في القلة، ~~أما العرب الذين استوطنوا أفريقيا فقد ظلوا - حتى بعد مضى قرن من الهجرة - لا يعرفون من ~~الإسلام أكثر من أنه دين أتى بتحريم الخمر. # أما أولئك الذين استوطنوا مصر فإنهم ما تحدثوا عن الإسلام، أو شغلوا به أنفسهم قط، ~~وكانوا لا يذكرون إلا أيام الوثنية وعهودها الطيبة بالثناء والحنين. ~~••• # ولما انتصر العرب على الفرس في موقعة القادسية «635م» وأخذ كل واحد نصيبه من الغنائم، ~~بقيت نفائس أخرى وافرة لم تقسم بعد، فكتب الخليفة «عمر» - أمير المؤمنين حينئذ - يأمر ~~القائد بتوزيع باقي الغنائم على من يحفظ أوفر قسط من القرآن. # فجمع القائد إليه أبطال الجهاد الذين تم بفضلهم النصر والفوز، فسأل «عمرو ابن معد ~~يكرب» النبيل عما يحفظه من القرآن فأجابه: «لا شيء لأنني دنت بالإسلام في بلاد اليمن، ~~ثم صرفتني الحروب العديدة عن القرآن وعن الاشتغال به.» # 36 ms068 # فالتفت القائد إلى بشر بن طائف يسأله، فكان جوابه: «ليس حظي من ذلك بأوفر من حظ عمرو: ~~«بسم الله الرحمن الرحيم».» وقد كان هذا هو كل ما يحفظه من القرآن! ~~••• # زد على ذلك أن الإسلام، وإن لم يلق معارضة قوية أثناء فتوحاته المتوالية المظفرة ~~فإن ثراة مكة وطبقة الأرستقراطية العربية لم يغفروا لأصحاب هذا الدين الجديد ومؤسسيه ~~هذا الفوز الذي أحرزوه، ولم يرضوا عن ذلك السلطان الذي أراد الموحدون أن يبسطوا ظله ~~عليهم. # ولقد كانت تقوم المنازعات والشغب على مسألة من المسائل ظاهر أمرها أنها شخصية لا ~~علاقة لها بمبدأ أو عقيدة، وهي - في حقيقتها وجوهرها - غير ذلك ؛ فقد كان يتخذ النزاع ~~غرضا يحوم حوله ومبدأ يناضل عنه؛ ليتخذ منه تكأة يبرر بها غايته من الشغب. # وقد بدأ ذلك بحادث عثمان - ثالث الخلفاء - حين تولى الخلافة بعد وفاة «عمر» «644م»، ~~وكانت سن «عثمان» حينئذ سبعين عاما، وكان حليما لين العريكة، ضعيف الإرادة أمام ~~أسرته، وأعيان مكة، وثراتها ورجال بني أمية؛ أي إنه كان ضعيف الإرادة أمام كل من ناصبوا ~~«محمدا» العداء عشرين عاما، ثم أسلموا فكان في إسلامهم مجال واسع للظنون والحذر، ولقد ~~نالوا بفضل «عثمان» أرفع المناصب، وانتهت المأساة الكبرى بقتل المسلمين خليفتهم الشيخ ~~المسن «عثمان». # ثم ولي الخلافة بعده «علي» ابن عم «محمد»، ولكن لم يتم الاعتراف به في كل مكان، فقد ~~هبت سوريا متحمسة إلى امتشاق الحسام وعلى رأسها واليها «معاوية بن أبي سفيان» - وكان ~~انتصاره حينئذ هو انتصار جمهرة المعادين للإسلام، الذين كانوا يناوئونه من صميم قلوبهم، ~~على أن المسلمين حقا لم يخضعوا لهم، فقد أشعلوا نيران الحرب - من جديد - في زمن «يزيد ~~الأول» ابن معاوية الذي ولي الخلافة من بعده، ولقد قام «الحسين» وهو الابن الأصغر لعلي ~~يطالب بالخلافة، ولكنه صرع هو وفئته القليلة التي كانت تناصره في موقعة ~~كربلاء. # 37 # ومن ثم قام «عبد الله بن الزبير» - وهو ابن صحابي من صحابة الرسول - إلى مكة رافعا ~~علم الثورة، وظل سنة كاملة لا يحفل به ms069 الخليفة، ولا يلتفت إليه استصغارا لشأنه، ذلك ~~أنه لم يغادر مكة إلى غيرها من البلدان فلم ير له الخليفة خطرا يستحق أن يناوئه من ~~أجله، ورأى أن من الحزامة أن يتركه وشأنه؛ حتى لا يثير عليه حفيظة المسلمين أكثر مما ~~أثار من قبل - بلا حاجة - فلم تكن ثمة ضرورة قاهرة تضطره إلى إراقة الدماء في بقاع كانت ~~- - حتى في زمن الوثنية - حرما مقدسا لا يمسه أحد بسوء. # ولكن لكل شيء حدا، فقد صبر يزيد حتى عيل صبره، فلما لم يبق في قوس الصبر منزع طلب ~~إلى عبد الله بن الزبير - للمرة الأخيرة - أن يبايعه، فلما رفض امتزج الخليفة بالغضب، ~~وأقسم أنه لن يقبل من هذا الثائر طاعة حتى يؤتى به بين يديه مكبلا بالأغلال، ولما هدأت ~~ثائرة الخليفة ندم على قسمه - وكان طيب السريرة - ففكر في وسيلة يبر بها في قسمه - ~~دون أن يمس كبرياء «عبد الله» - ثم استقر على أن يرسل إليه غلا من الفضة، ومعه حلة ~~فاخرة ليخفيه تحتها - إذا شاء - وبعث إليه برسل يحملون معهم هدايا ثمينة، فساروا من مقر ~~ملكه «دمشق» حتى بلغوا «مكة»، ولكن «عبد الله» رفض - بطبعه - أن يقبل تلك الهدايا، ~~وعبثا حاول الرسل أن يتوصلوا إلى إقناعه وإنزاله عن رأيه، فقد أصر «عبد الله» على ~~عناده؛ لأنه كان يعتقد أن كائنا من كان لن يفكر - بحال ما - أن يلجأ إلى العنف والشدة ~~معه - وهو في تلك البقاع المقدسة - وكان هذا سر طمأنينته، وقد أكد له الرسل بصراحة أن ~~الخليفة لن يعنف معه، ولن يقدم على مثل ذلك العمل. # على أن «عبد الله» لم يكن أول من تعرض لغضب الخليفة ونقمته، فقد سبقه إلى ذلك ثوار ~~«المدينة»، وكانت روح الشر مهيمنة عليهم في ذلك الحين، فقد وقعت بينهم وبين الوالي - ~~حينئذ - خصومة بسبب النزاع على تملك بعض الأراضي. وأراد الوالي إزالة أسباب الخلاف - ~~وكان ابن أخت الخليفة يزيد - فنصح ثراة المدينة وأعيانها أن يذهبوا إلى بلاط الخليفة، ~~فلما ذهبوا قابلهم الخليفة أحسن مقابلة وأكرم ms070 وفادتهم وتلطف معهم؛ رغبة في أن ~~يستميلهم إليه، ولكن يزيد كان - رغم أدبه ونبله - غير مشبع بروح احترام الدين الذي ~~كان يمثله وهو خليفة المسلمين الأعظم، فبدرت منه آراء - عن غير قصد - صدمت بعض أصول ~~الدين التي يقدسها أهل المدينة، فلما عادوا إلى بلادهم عادوا ساخطين، وأخذوا يشهرون ~~بالخليفة ويذمونه عند مواطنيهم متأثرين بعامل الغضب، وقالوا لهم: «إنه يشرب الخمر، ~~ويعزف على الأوتار، ويصرف نهاره بين كلاب الصيد - وقد كان «محمد» يمقت ذلك أشد المقت - ~~فإذا جن الليل جلس بين اللصوص وقطاع الطرق.» يعنون بذلك البدو والأعراب الذين نشأ ~~بينهم يزيد وترعرع، فلما كبر أدناهم من مجلسه. ~~••• # وزادوا على ذلك أنه لا يصلي قط، وأنه جاحد، وعزوا إليه - فوق هذه التهم التي بنوها ~~على أساس واه أو متين - تهما أخرى لا أساس لها ولا وجود، وإن كان ذكرها مما يثير في ~~نفس خصومه من أهل المدينة حفائظ وأحقادا بعيدة الأثر. # وقد كانوا يميلون إلى تصديق كل تهمة تلصق بكل أموي. # ومن ثم انقلب المسجد مسرحا عجيبا تصب فيه اللعنات على يزيد وأتباع يزيد، واجتمع أهل ~~المدينة قاطبة - وهم صاخبون - فشرع كل واحد منهم يتجرد من شيء من ملابسه فيلقي به ~~صائحا: «إني أخلع يزيد كما أخلع قبائي هذا.» أو «عمامتي» أو «نعلي». # ثم طردوا كل من في المدينة من الأمويين ووقفوا عن تعيين خليفة جديد لهم، فقد كان ~~القرشيون الذين في المدينة لا يحبون أن يعترفوا بأهلها، كما كان أهلها كذلك لا يحبون أن ~~يعترفوا بهم. # فقر رأيهم على أن يتريثوا في تعيين الخليفة حتى يتم خلع يزيد! # واستحوز عليهم عداء جنوني - لا يحدوه رشد - فلم يتبصروا عواقب هذا الاندفاع وكيف تقف ~~مدينة واحدة أمام جيوش الإمبراطورية الإسلامية العظيمة كلها. # ولقد حاول عبثا أحد المدنيين - وكان قد عاش في بلاط الخليفة ثم أوفده سيده إلى ~~المدينة - أن يبين حقيقة الخطر لمواطنيه، ولكن الغضب أعماهم؛ فأصبحوا لا يعيرون ~~الناصحين التفاتا، ولا يصيحون إلى أية موعظة تقدم إليهم بحسن نية. ~~••• # وحينئذ رأى ms071 الخليفة أنه مضطر إلى الالتجاء إلى القوة، فأرسل إليهم جيشا عهد بقيادته ~~إلى «مسلم»، وكان «مسلم» أقرب إلى الوثنية منه إلى الإسلام، فأمره أن يترك لأهل المدينة ~~ثلاثة أيام يفكرون فيها، فإذا أبوا أن يخضعوا - بعد ذلك - هاجمهم ودمر مدينتهم تدميرا ~~في ثلاثة أيام أخرى، ثم أخذ على من فيها المواثيق بأنهم عبيد يزيد، وأمرهم أن يقسموا ~~على ذلك، فإذا رفض أحدهم أن يفعل قطعت رقبته. # ولم يكد يبلغ أهل المدينة رسالته حتى هبوا ثائرين أنفة من الخضوع، وأعدوا عدتهم ~~للقاء العدو، وجاهد الفريقان بشدة وصبر نادرين - وكانت موقعة الحرة سنة 683م - وظهرت ~~الخسائر من الفريقين متكافئة، وكان أهل المدينة متحمسين يذكي فيهم الحرارة والقوة ~~تعصبهم الشديد، واعتقادهم الثابت أنهم المختارون، وأن أعداءهم - من جيش سوريا - هم عند ~~الله كالوثنيين سواء، وكانوا على يقين من أن خصومهم إذا ماتوا صبت عليهم اللعنات ~~وباؤوا بغضب من الله؛ أما هم فإنهم سالكون - بلا شك - مسالك الشهداء والأبرار. # وبقي مصير الحرب معلقا في كف الأقدار زمنا طويلا؛ حتى كشفت الخيانة عنه، فقد ~~ارتشت أسرة من المدنيين؛ ففتحت أحد أبواب المدينة لفرقة من جيش العدو، فدخل السوريون ~~وسمع أهل المدينة من خلفهم - فجأة - صيحات النصر من أفواه السوريين، فضاع كل أمل لديهم ~~في الفوز والغلبة، وأصبحت المدينة في قبضة العدو، وصار كل هجوم عبثا ومستحيلا، على أن ~~جمهرتهم لم تفكر في الخطر المحدق بها، فهجم أهل المدينة على أعدائهم فرادا، وباعوا ~~حياتهم بأغلى ثمن استطاعوا أن يبيعوها به! # وكان من بين القتلى سبعمائة من حفظة القرآن، وأربعة وعشرون من الصحابة، ولم يكن أحد ~~من الصحابة الذين حاربوا مع النبي قد حارب - بعد أن نصروه في حرب بدر على المكيين - حتى ~~شهدوا هذا اليوم المشئوم. # ودخل «المدينة» فرسان سوريا، فلما لم يجدوا مكانا يربطون فيه خيلهم ربطوها في مسجد ~~المدينة، بين جدث النبي وكرسيه؛ أي في نفس المكان الذي طالما سماه النبي نفسه جنة «من ~~جنان الفردوس». ~~••• # ثم نبهوا المدينة في ثلاثة أيام، وسبوا كل ms072 من فيها من نساء وأطفال؛ ولم ينج أحد ~~ممن بقي من أهلها - وقد فر أكثرهم - إلا بعد أن أقسم أن يكون عبدا من عبيد يزيد. وهكذا ~~أقسموا جميعا على أن يكون الخليفة «يزيد» سيدهم ومولاهم، وأن يكون في حل من التصرف ~~فيهم بما شاء، من عتق أو بيع، كما أقسموا أن يكون له الحق في كل ما تملك أيمانهم من ~~نساء وأولاد وأرواح. # ولما رأى أبناء مؤسسي الإسلام أنهم مضطهدون معذبون، وأن بني أمية قد أرهقوهم إرهاقا، ~~لم يجدوا أمامهم وسيلة إلا المهاجرة؛ فهاجر الكثيرون منهم إلى حيث انضموا إلى جيش ~~أفريقيا، ثم انضم أغلبهم - فيما بعد - إلى جيش العرب في إسبانيا. # وكان «مسلم» مكلف أيضا بإخضاع مكة؛ ولكن الموت عاقه عن تحقيق إربته، فأخذ «الحصين» - ~~وهو أحد رجال جيشه - على عاتقه أن يحقق ذلك، فتولى قيادة الجيش، وبدأ يحاصر مكة، ويقذف ~~الكعبة بالحجارة والصخور؛ حتى حطم عمدها وقواعدها، ثم نجح أخيرا في إحراقها جملة، ~~ولقي الحجر الأسود في هذه المرة أول نكبة حاقت به؛ لأنه لم يطق مقاومة النار فتحطم ~~أربعة أجزاء. # على أن مكة لم يتم إخضاعها؛ فقد حال دون ذلك موت يزيد، وما أعقبه من الفوضى التي ~~اضطرت الجيش إلى رفع الحصار والرجوع بالجيش توا إلى سوريا. وبهذا استعاد «عبد الله بن ~~الزبير» قوته، واستتب له أمر الخلافة في «مكة» وخارجها أيضا. # ولكن الأمويين ما لبثوا أن تم لهم الأمر من جديد بعد أن تولى الخلافة «عبد الملك» ~~وخضعت البلاد كلها له، ولم تبق إلا مكة وحدها ثائرة وفيها «عبد الله بن الزبير»، فلما ~~رأى «عبد الملك» ذلك وجه إليها جيشا بقيادة الحجاج، فذهب إلى تلك البقاع المقدسة ~~وحاصر المدينة، وطفق يرمي الكعبة بالصخور والحجارة ليدكها دكا، وبينما كان يقذفها ~~بالنار - ذات يوم - هبت عاصفة شديدة فأحرقت النار اثني عشر جنديا؛ فرأى الجيش في ~~ذلك عقابا من الله على انتهاك حرمة ذلك المكان المقدس، فأحجم رجال الحجاج وكفوا عن ~~ذلك. ~~••• # فاغتاظ الحجاج وخلع بعض ملابسه وتقدم إلى ms073 المنجنيق، فأخذ بيده حجرا ووضعه فيه، ثم ~~حرك حباله بعد ذلك وهو يقول: «لقد أخطأتم الفهم، فليس معنى ما حدث هو ما فهمتموه، ألا ~~إنني لخبير بطبيعة هذه البلاد؛ ففيها ولدت وقد رأيت لهذه العاصفة أشباها لا ~~تحصى!» ~~••• # وظل يشدد الحصار عليها بقوة عدة أشهر، ثم أخذت المدينة بعد أن مات «عبد الله بن ~~الزبير» سنة 962م. # | هوامش # | هل يشبهك ابنك؟1 # لماذا تختلف عن إخوتك وأخواتك في السمات والشبه؟ وما هو السر في أن يولد أحد الإخوة أسود ~~العينين، والآخر أزرقهما؟ ولم تولد إحدى البنات شقراء الشعر، على حين تولد أختها ~~فاحمته؟ # كيف ينشأ أحدنا نحيف القوام بطبعه، على حين نرى الآخر بدين الجسم قويه؟ ولم يولد أحدنا ~~طويلا والآخر قصيرا؟ ولم يكون أحدنا عرضة لأمراض بعينها، وتكون في الآخر مناعة طبيعية ~~تحميه منها دون أخيه؟ لم يولد هذا فنيا ذا مواهب وكفايات في الفنون، ويولد ذلك مفطورا ~~على حب الهندسة أو الميكانيكا، أو ينشأ ميالا إلى الرياضة مثلا؟ # وكيف يسهل على أحد الأولاد جمع الثروة، ويكون النجاح دائما حليفه، حينما يخفق إخوته في ~~ذلك إخفاقا تاما؟ لم هذا كله؟ وكيف يتأتى ظهور كثير من العباقرة والنوابغ في بيئات ~~حقيرة خاملة؟ وجماع القول، كيف يختلف كل حي في هذا الوجود عن كل حي آخر؟ ~~••• # هذه أسئلة عويصة، قد بدأ يجيب عليها علماء البيولوجيا والطبيعة - في هذا العصر - وقد ~~وفقوا إلى حلها في السنين الأخيرة، بعد أن نقضوا الفكرة القائلة بأن الناس يولودون ~~جميعا سواسية في المواهب والكفايات، فقد اهتدى العلماء إلى كثير من الحقائق الطريفة في ~~توريث المواهب العقلية والمزايا الجثمانية، وطريقة انتقالها من الأعقاب إلى الذراري، وعلاقة ~~ذلك بمستقبل الناس وحظوظهم، وبعد أن طبقوا قوانين الوراثة الحديثة، ووفقوا إلى حصرها ~~وضبطها، وأصبحوا قادرين على توليد وتنشئة كثير من ضروب النباتات وأنواع الحيوان بأحسن مما ~~كانت، وأكسبوها مزايا لم تكن في سابقتها، وهم يأملون الآن أن يفلحوا في تطبيق هذه القوانين، ~~لتنشئة مواليد وأطفال خيرا من أسلافهم وآبائهم. ~~••• # منذ بداية ms074 القرن الحالي بدأت هذا الاكتشاف الجديدة - التي وصل إليها الباحثون في قوانين ~~الوراثة وأساليب انتقالها - تغير من طرق البحث وتكشف للناس حقائق عظيمة الخطر. # ومن غرائب الأمور أن أول اكتشافها لم يكن في معامل التجاريب والمباحث الكيميائية - كما قد ~~يتبادر إلى الذهن لأول وهلة - بل كان ذلك في حديقة دير! ~~••• # عد بخيالك أيها القارئ نيفا وستين عاما، وتمثل دير «كونجن كلوستر» القديم في مدينة ~~«برون» من أعمال النمسا، ثم أطلق العنان لخيالك متمثلا صلوات الصبح تتلى في ذلك الدير، ~~فيسرع راهب فاضل - كرس حياته للعلم، ووهب نفسه للبحث والتمحيص - إلى التعمق في الدرس ~~والإكباب على الفحص، وقد انبعث من عينيه النفاذتين بريق أخاذ، ثم تمثله في حديقة ذلك ~~الدير التي غرس فيها شتى صنوف النبات ومختلف أنواعه وفصائله، فإذا جلس خلالها لم يند عنه ~~نبات واحد منها، ولم يفته معرفة أي نوع مما غرس فيها، وأصله وتاريخه، وهو يمر فيها - المرة ~~بعد الأخرى - فلا يغفل في كل مرة عن التحديق في هذه النباتات وإدمان النظر إليها، إدمان ~~فاحص مدقق ينعم بصره في أوراقها وجذوعها وزهراتها، ويتملى بها كما يتملى الإنسان ~~بأصدقائه وأحبابه، مستعيدا - لدى رؤيتها - ذكرياته وملاحظاته عليها. # ذلك هو العلامة القس «مندل» - رجل الدين والعلم معا - وهذه الحديقة هي معمله ومكان ~~تجاريبه العلمية، وقد دأب فيها - يوما بعد يوم، وعاما بعد عام - فاحصا مدققا البحث ~~منعما النظر في نتاج الحبة من الحبة، وأثر تزاوج الأنواع بعضها ببعض، وما يكسبه ذلك من ~~مميزات الوراثة وخصائصها، وما يكسبه كل محصول جديد من قوى جديدة بفضل هذا الازدواج، وكلما ~~أخرج نباتا حديثا أكب على دراسته وتفهم ميزته بأناة وصبر عجيبين لا يعتورهما ملل، ولا ~~يخامرهما فتور حتى وصل إلى قوانين ثابتة معززة بالعلم، مؤيدة بالعمل، وظفر بنظام جوهري ثابت ~~تخضع له الوراثة ويسير عليه قانونها. ~~••• # وفي عام «1865م» وقف الأستاذ «جريجور مندل» في جمعية «التاريخ الطبيعي» بمدينة «برون»، ~~وأعلن للمرة الأولى نتائج اكتشافه الجديد؛ ولكن هذه الآراء الثائرة لم تقابل بما كانت ms075 جديرة ~~به من الاهتمام، وسرعان ما انسدل عليها ستار الخمول والنسيان؛ فلم يفت ذلك في عضد هذا ~~العالم، بل تلقى الصدمة بثبات الفيلسوف، وقال لأحد أصحابه مبتسما: «لم يحن زمني ~~بعد!» ~~••• # ولئن مات هذا النابغة - ولم يمتد به زمنه لرؤية اسمه ذائعا ومبادئه منتشرة - فقد تحققت ~~نبوءته، وكتب لاسمه الخلود بعد موته! # ولقد مضى على دفنه خمسة وثلاثون عاما، كان يغمره الخمول والنسيان في أثنائها، حتى إذا ~~بدأ فجر هذا الجيل انبعثت آراؤه من مرقدها، وذاعت حتى أصبحت اليوم من الآراء العلمية ~~المقررة، وقد عززتها تجاريب العلماء واختبارات الباحثين، فلم تزدد - على التمحيص - إلا قوة، ~~وكان لها أكبر الفضل في إنتاج أنواع جديدة صالحة من البذور والخضراوات والأزهار، كان لها ~~أعظم الأثر في تحسين أنواع الماشية وكرائم الجياد. ~~(1) نشأة مندل # إن نشأة مندل وحياته الحافلة ليستا إلا مثالا صالحا لبيان ظاهرة من ظواهر الطبيعة ~~العجيبة، التي تخرج العبقريات الفذة والعقول الجبارة من البيئات المنحطة والأوساط ~~الفقيرة، فقد ولد «مندل» فقيرا؛ فحال ذلك بينه وبين التعلم، ووقف فقر ذلك الفلاح ~~النمسوي عقبة كأداء في طريقه، لكن أخته ضحت في سبيل تعليمه بمهر زواجها الضئيل؛ فبعثت ~~به إلى المدرسة، ولما بلغت سنه الحادية والعشرين دخل الدير، حيث بدأ يدرس طبائع النبات ~~- إرضاء لغريزته وهواه في بادئ الأمر - ثم عين مدرسا للتاريخ الطبيعي في مدرسة ~~«برون» الصناعية؛ فنجح في مهمته نجاحا لفت إليه أنظار رؤسائه؛ فأعانوه وشجعوه على ~~مواصلة دراساته وبحوثه في جامعة «فينا»، ولم يمر عامان حتى أتم دروسه بها، وعاد إلى ~~الدير حيث أجرى في حديقته تجاريبه التي تعد - بحق - غزوا جديدا في عالم العلم. # وكان قد ذاع اسم العلامة «داروين» وعرف خطره، وأهمية مباحثه العلمية التي أدهشت رجال ~~العلم واللاهوت في كتابه «أصل الأنواع»، وهو الذي وضع فيه أساس نظرية «النشوء». ولئن ~~اعتمد داروين في استنباط نظريته على ما شاهده من التخالف والتباين بين الكائنات الحية، ~~من نبات وحيوان، إلا أنه اعترف بعجزه - اعترافا صريحا - عن توضيح أسباب هذه ~~الاختلافات ms076 وتبيان الأسباب التي تجعل الفرع يغاير أصله؛ ولعل هذا وحده كان السبب الأول ~~الذي دفع عالمنا «مندل» إلى البحث عن هذا السر، وتوجيه جهوده إلى حله وفك ~~معمياته! # ومهما يكن من أمر، فقد انقطع «مندل» لدراسة مسائل الوراثة، وتفهم الأسباب والعلل ~~التي نشأ منها تخالف الأفراد وتغايرهم! ولكن وميضا من الوحي، أو قبسا من الإلهام؛ ~~أنار له الطريق التي يسلكها للوصول إلى ذلك التباين العظيم في توريث أخلاق الناس ~~وصفاتهم ومواهبهم. ~~(2) كيف استنبط مندل طريقته؟ # أما الطريقة التي سلكها «مندل» في استنباط قانونه، فهي سهلة واضحة يسهل منها تفهم ~~الوسائل التي قادته إلى تلك النتائج الباهرة، فقد اختار بعض نباتات «البسلة» - بادئ ذي ~~بدء - ورأى أن بعض عيدانها طويل والآخر قصير، وأن لبعضها أوراقا خشنة، على حين رأى ~~أوراق البعض الآخر ناعمة، وشاهد أوراقا صفراء وأخرى خضراء، ثم أكب على درسها وفحصها ~~إكبابا. # وبدأ يغرس بذور بعض عيدانها الطويلة وعيدانها القصيرة، وكان يبلغ ارتفاع الأولى عدة ~~أقدام، ولا يزيد ارتفاع الثانية عن بضع بوصات، فلما نمت تلك العيدان وتم نماؤها؛ لقح ~~بذور الأولى ببذور الثانية، مزاوجا بين كل بذرة من بذور العيدان الطويلة، وأخرى من ~~بذور العيدان القصيرة، ثم أخذ تلك الحبوب الجديدة فبذرها في العام التالي، فكانت ~~النتيجة على غير ما يتوقعها القارئ، ولم يخرج النبات مزيجا من العيدان الطويلة ~~والقصيرة، بل كانت سوقه كلها طويلة، فلما غرس حبوبها - بعد ذلك - غرسا عاديا، وصل ~~إلى نتيجة أخرى لا تقل غرابة عن سابقتها؛ فقد ظهر الغرس الجديد مزيجا من العيدان ~~الطويلة والقصيرة، ولكن بنسبة مطردة؛ هي نسبة ثلاثة عيدان طويلة إلى واحد قصير. ~~(3) نتيجة هذه التجاريب # ومن ذلك استخلص «مندل» أن خصائص القصر قد انعدمت بالازدواج في النتاج الأول، وأن ~~الطول - لهذا السبب - يطغى على القصر، وأن للأول صفات مؤثرة، كما أن للثاني صفات ~~متأثرة، فسمى الأولى صفات «قاهرة» والثانية صفات «مقهورة»، أو إن شئت فسمي أولاها ~~«مخضعة» والثانية «خاضعة». ~~••• # ثم استمر يزرعها كرة بعد أخرى، فماذا رأى؟ رأى أن ms077 بذور العيدان القصيرة لا تنتج إلا ~~عيدانا قصيرة فقط، وأن ذرياتها لا تكون إلا قصيرة دائما، أو بعبارة أخرى: أن ذات ~~الصفات الخاضعة تظل ذرياتها على ما هي عليه، وأن واحدا من كل ثلاثة عيدان طويلة يحتفظ ~~في ذريته بميزة الطول. # شكل هندسي يتبين منه القارئ قوانين الوراثة التي تكشفها «مندل» في ~~تجاريبه التي أجراها بعيدان «البسلة» بعد أن زاوج بين طويلها وقصيرها، ~~ومن هذا الشكل يتبين القارئ نتيجة الازدواج واضحة جلية. # بينما يبقى الاثنان الآخران محتفظين بالنسبة السابقة في الذريات المتعاقبة بنسبة ~~ثلاثة عيدان طويلة إلى عود قصير. # فلما طبق هذا القانون على نباتات أخرى وجده صحيحا، وظل يزيد في أشباه هذه التجاريب ~~بطرق شتى، حتى توصل إلى نظريته في الوراثة. ~~(4) أهمية قانون مندل # ولقانون «مندل» خطر عظيم؛ إذ هو أول من كشف للناس إمكان الانتفاع بميزات بعض الأنواع ~~- من نبات وحيوان - ونقلها إلى غيرها، والتوصل بذلك إلى تحسين النوع، ولهذا خطره ~~وأهميته الحيوية في تربية الماشية والجياد وغيرها، ومساعدة الفلاح على تحسين إنتاجه ~~الزراعي أيضا. # على أن نفعه لا يقف عند هذا الحد، بل يتعداه إلى تمكين الناس من استيعاب طبيعة ~~الأشياء بوضوح وجلاء، وتفهم دقائق هذه المادة الضئيلة، ونظم تركيبها وتأليفها، وسر ~~مميزاتها، وطريقة توريثها وانتقالها إلى ذراريها. ~~••• # ولقد كان «مندل» متدينا، قائما بواجبات دينه بغيرة لا تقل عن غيرته العلمية التي ~~دفعته إلى البحث، وقد رفعه رفقاؤه إلى رئاسة الدير؛ فأبلى بلاء الصابرين، ولم تفتر له ~~عزيمة في مكافحة السلطات الحكومية ودفع ظلمها. # ولقد لقي في كل خطوة من خطواته مثبطات ومؤيسات؛ فما وهن عزمه ولا نكص أمامها، وغمره ~~الخمول وجهل الناس به، فلم يتزعزع يقينه الثابت وإيمانه الراسخ؛ لا في علمه ولا في ~~دينه. # والحق أن حياة هذا الرجل هي خير رد على أولئك القائلين إن العلم والدين لا يتفقان، ~~فقد ظل - بملاحظته الدائبة، وبصره النافذ - يقرأ سفر الطبيعة الخالدة مستوحيا منه ~~قوانينها، وثم وجد ما يزيد إيمانه بخالق الكون ومبدعه! # ولقد قال: «إن زمني ms078 سيجيء بعد قليل.» # وقد جاء زمنه وصحت نبوءته! # | آخرة العالم كيف تكون1 ...؟ # زحل أشرف الكواكب دارا # من لقاء الردى على ميعاد # ولنار المريخ من حدثان الده # ر مطف وإن علت في اتقاد # والثريا رهينة بافتراق الشم # ل حتى تعد في الأفراد ~~«أبو العلاء» # ستنتهي آخرة هذا العالم الأرضي الذي نسكنه بانفجار عظيم هائل، وليس لهذه الخاتمة من سبب ~~إلا قدم عمره وتطاول أمده. # 2 # وعالمنا الأرضي شبيه بساكنيه، فكما أن الإنسان يتغضن وجهه، وتتجعد بشرته، ~~وتبدو على أساريره خطوط الزمن واضحة جلية للناظرين، كذلك نرى الأرض كلما تقادم عمرها تصدع ~~ظاهرها وبدت على سطوحها شقوق تذكرنا بما يبدو على أسارير الوجوه من أثر ~~الشيخوخة. # 3 # وكلما كرت الأدهار، وتقادم العالم الأرضي، اتسعت هذه الشقوق وعظمت حتى يصبح كل شق منها ~~هاوية عظيمة، ومتى بلغت غاية اتساعها تفكك عالمنا وتناثرت أجزاؤه في الفضاء، وأصبح في خبر ~~كان! # وستصحب هذه الخاتمة فرقعة هائلة وانفجار مروع لا قبل لأحد بوصف هوله وروعه، ثم يعقبه تبدد ~~الكرة الأرضية وصيرورتها قطعا لا يحصيها العد، تسبح في أجواز الفضاء اللانهائي! # ثم ماذا؟ # ثم يسير العالم الأكبر سيرته الأولى غير حافل بما حدث، وتظل المجموعة الشمسية غير متأثرة ~~بهذا الحادث الهائل كأن شيئا غريبا لم يحدث. # ولكن العالم سيشهد قبل هذه الخاتمة مصرع القمر، وسيجتمع الناس مسرعين إلى قلل الجبال، وكل ~~مرتفع من الأرض؛ ليشاهدوا هذا القمر الذي أدركه الفناء وأسلمته شيخوخته إلى الوهن والضعف، ~~وثم يرونه هاويا بددا في أجواز الفضاء إلى حيث لا رجعة له ولا عود، وسيكون انفجاره شبيها ~~بانفجار قنبلة عظيمة، ثم تبطل جاذبيته - بعد فنائه - ولا نعود نرى مدا ولا جزرا؛ وتصبح ~~الليالي دائما وأبدا حالكة الظلام، ليس فيها من النور إلا بصيص ضئيل منبعث من النجوم لا ~~يكاد يضيء سناه شيئا: # سيذكرني قومي إذا جد جدهم # وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر # وإذ ذاك ينقطع عن الشعراء مصدر من مصادر الوحي والإلهام، ويغيض ينبوع فياض من ينابيع ~~الشاعرية السامية، ولا يعود القمر ms079 إلا ذكرى تاريخية، وأثرا يتحدث به الناس وأعقابهم ويروون ~~مصرعه كما تروى الأخبار والأحاديث! # ثم تمر عصور أخرى وتجيء أمم متعاقبة كثيرة لا تعد، يشهد الناس بعدها منظرا آخر لا يقل ~~روعة عن سابقه؛ ذلك هو مصرع المريخ بنفس الطريقة التي أسلفناها في ذكر القمر، ثم يذهب ~~المريخ شذر مذر في أجواز الفضاء اللانهائي. # ثم تمر عصور وأجيال عدة إلى أن يحين موعد فناء العالم الأرضي، وتمر ملايين أخرى من السنن ~~ثم يحين مصرع الشمس بنفس الطريقة، وعلى هذا الأسلوب. وكذلك يصير كل شيء إلى فناء # ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ~~. # هذه هي خلاصة النظرية الغريبة التي نقدم بها الدكتور «ونسمور ألتر» حديثا إلى الناس ، ~~والدكتور من كبار رجال العلم وأساطين الفلك، وهو رئيس الجمعية الفلكية بجامعة «كانساس» وهذه ~~النظرية وليدة دراسة عميقة واسعة استمرت خمسة عشر عاما قضاها الدكتور باحثا مدققا بين ~~اختبارات فلكية وتجارب علمية، واستعانات بكل معدات البحث العلمي والفلكي الحديثة! فقد رأى ~~من دراسة الكواكب الصغيرة والنجيمات والنيازك أن صغرها يدعو لقصر أعمارها، وتبديدها في ~~الفضاء متى حانت ساعتها، ورأى أن السبب في إبادتها هو - بعينه - السبب في إبادة ما هو أكبر ~~منها، بعد أن يمضي عليها عمر أكبر من تلك يتناسب مع عظم حجمها، وإنما أيقن بصحة نتائجه؛ ~~لأنه رأى هذه وتلك جميعا من عنصر واحد، ورأى أثر الزمن، ومرور الأجيال، وتعاقب الدهور ~~عليها ينتج نفس الأثر الذي أسلفنا ذكره. فيبدو واضحا في صغار الكواكب، والأجرام السماوية، ~~ويقل ظهوره كلما عظم الكوكب! ~~(1) الكوكب المفقود # وقد شاهد أجراما تهوي متساقطة قطعا عدة مختلفة الأحجام، بعضها لا يزيد على حجم ~~الكرة، في حين يبلغ الآخر سعة مدينة بأسرها! # ويعلل الدكتور هذه النيازك والشهب الساقطة التي تراها هاوية من السماء بأنها بقايا ~~عالم بائد، ربما كان فناؤه منذ ملايين من السنين؛ أي قبل أن يخلق الإنسان الأول بعصور ~~وأجيال لا تحصى، والدكتور يقرر أن هذه الشهب دليل لا سبيل إلى الشك في صحته، وصحته على ~~وجود أمثلة. ms080 # فقد لفت نظر هذا العالم الكبير واسترعى انتباهه ما رآه بين كوكبي المريخ وعطارد من ~~الفراغ الهائل، الذي هو أشبه بهوة عميقة، أو قل - إن شئت - إنه فراغ غير طبيعي لا تبرره ~~قوانين الفلك، ولا تجيزه نظم المجموعة الشمسية، وهذا الفراغ قد كان بلا شك مشغولا ~~بكوكب، فلما زال منه بقي مكانه فارغا، وأصبح هذا الفراغ دليلا عليه! ويعزز هذا ما ~~يراه الفلكيون من تلك النجمات العديدة التي تحيط بهالة الشمس وتدور حول نقطة بعينها في ~~هذا الفراغ، مما يدل دلالة صريحة على أن كوكبا كان يحتل هذه البقعة التي كانت تلك ~~النجمات تدور حوله، فلما اختفى ظلت تلك على حالها من الدوران دالة على ذلك الكوكب ~~البائد الذي أدركه البوار في هذا المكان، على أن ثمت كثيرا من البقايا والأجسام يزيدنا ~~وجودها اقتناعا ما أسلفناه من القول. وقد اكتشف الدكتور «ألتر» كثيرا من هذه القطع ~~النجمية - كما اكتشف الباحثون نحو «1200» قطعة منها - فاستدل الدكتور بعد فحص دقيق أن ~~ذلك الكوكب المفقود قد كان أكبر من عطارد، وأصغر من المريخ بكثير. ~~(2) ما سبب انفجار الكوكب؟ # ولكن ما الذي سبب له الدمار وأدى به إلى هذه النتيجة؟ يعلل الدكتور سبب حدوث ذلك ~~بأن العوامل التي انتهت بهذا الكوكب هي نفسها العوامل الهدامة الدائبة على إبادة كل فرد ~~من أفراد هذه المجموعة الشمسية! # لا جرم أن الإنسان يعلم أن كل جسم - مهما بلغت صلابته - تمدده الحرارة وتقبضه ~~البرودة، وقد كانت الأرض - كما كانت الكواكب الأخرى - نارا متأججة، ثم بردت تلك الكتل ~~النارية الحامية على مر العصور والأزمان، فانقبضت شيئا فشيئا بسبب ما اعتورها من ~~البرودة، وبدهي أن السطح يبرد أسرع من الجزء الداخلي، ومن هنا تنقبض تلك القشرة الباردة ~~المتقلصة انقباضا شديدا على الجزء الداخلي من الأرض، وينجم من هذا الانقباض الشديد ~~ضغط شديد في الداخل، وكلما زاد عمر الأرض - أو الكوكب - زاد حجم السطح البارد، ومن ثم ~~زاد ضغط سطحه على أوسطه حتى يبلغ الضغط أقصاه! # ولو أن مادة السطح الصلب ms081 مادة مرنة - كالمطاط مثلا - لتمددت وامتطت، فساعد ذلك على ~~مطاوعة الجزء الداخلي وتلافي الضغط عليه، ولكن الأمر على عكس ذلك، وهذا هو السبب في ~~تشقق السطح، ولا يزال الزمن يكر؛ فيقدم عمر الكوكب ويبرد سطحه، فيضغط على وسطه فيتشقق، ~~ثم تزداد الشقوق على توالي الدهور حتى تصبح هوات عميقة، ثم تزداد هذه الهوات اتساعا ~~وعمقا حتى تصل إلى الأعماق، وهنا يتصدع الكوكب ويتحطم كله إلى الأبد! ~~(3) كيف انفجر الكوكب؟ # وقد هدتنا التجاريب الفلكية والدراسات الدقيقة للأفلاك والكواكب إلى الطريقة التي ~~انفجر بها ذلك الكوكب البائد؛ فقد بدأ تحطمه بانقسامه إلى أربعة أقسام كبيرة، ثم ~~اعتور كل جزء من هذه لأجزاء الأربعة مع اعتور الكوكب الأصلي من قبل، ومر بكل تلك ~~الأطوار التي أسلفناها، وحدث لها ما حدث لابنها الأول من الدمار، وربما كان تحطيمها على ~~نفس الطريقة السابقة! # قال الدكتور «ألتر»: # ولو أن الناس عاشوا قبل مصرع هذا الكوكب، وشاهدوا انفجاره في ذلك الوقت لما سمعوا ~~له فرقعة، ولا أحسوا له صوتا، ذلك أن الصوت يحمله الهواء! وليس في ذلك الفضاء هواء ~~يحمل صوت انفجاره إلينا، وكل ما يشاهده الناس من هذا الانفجار الهائل ضوء لامع منه، ~~ومن المكن جدا أن تصبح أجزاء هذا الكوكب «نجيمات» صغيرة في أجواز الفضاء. # ومما يجدر ذكره أن فرقعة ذلك الكوكب لم تحدث تغيرا في سير الكواكب الأخرى، ولا ~~في العلاقة التي بين كل منها والآخر، فإن الجاذبية التي كانت في الكوكب البائد هي - ~~على عظمتها - غاية في الحقارة والضؤولة بالقياس إلى المجموعة الشمسية. # وإذا كان هذا الكوكب بعيدا عن الشمس بمقدار ثلاثة أمثال بعد الأرض عنها، وكان ~~يصل إليه من حرارتها مقدار يعدل ثمن ما يصل إلينا، فإن أكبر الشك أن مظاهر الحياة ~~لم يكن لها وجود فيه، على أنها لو وجدت لما بقي لها أقل أثر بعد تحطمه ~~وانفجاره. ~~(4) آخرة القمر # ثم يقول الدكتور «ألتر»: # وسيكون القمر ثاني كوكب يدركه الفناء - بعد ذلك الكوكب الذي أسلفنا ذكره - في ~~المجموعة الشمسية. # والقمر - بالرغم ms082 من أنه ليس أقدم من أمه «الأرض» - سيلقى حتفه قبلها، والسبب في ~~ذلك أنه أصغر منها حجما؛ وهو لهذا أسرع منها إلى البرودة، سرعة تتناسب مع صغر حجمه ~~عنها. # قال الدكتور: وإن الإنسان ليستطيع الآن أن يشاهد من خلال «التليسكوب» فجوات واسعة ~~بادية على سطح القمر. ~~(5) آخرة المريخ ...! # أما انفجار المريخ فسيسبق انفجار الأرض، وإنما كانت آخرة هذا الكوكب قبل آخرة عالمنا ~~الأرضي؛ لبعده عن الشمس، وما ينشأ عن هذا البعد من قلة النصيب الذي يناله من حرارتها، ~~وليست هذه القنوات البادية على سطح المريخ - كما يظن الدكتور - إلا شقوقا وصدوعا ~~عظيمة حدثت فوق سطحه وفق هذه النظرية المقررة. ~~(6) آخرة العالم الأرضي ...! # أما الأرض فلا خوف عليها، ولن تبيد قبل أن يمر عليها ملايين من السنين. قال الدكتور: ~~«وإن سطح الأرض - كما نراه الآن - على أحسن ما يرام، وحرارتها الداخلية بالغة من ~~الاتقاد والشدة أوفى الغايات، وأكفلها بالصون من أن تباد مدة عصور طويلة وآباد عديدة، ~~وليست الزلازل في رأيي علامة منذرة بقرب فناء الأرض؛ فهي صدوع محلية بسيطة لا خطر لها، ~~وليس كذلك ما نرويه من انصداع الأرض، فإن تلك التي نتحدث عنها هي انشقاقات متغلغلة في ~~أعماق الأرض، وكم من تصدعات يصل عمقها ألف ميل لا يكون وجودها محتما وملزما إبادة هذا ~~الكوكب! وغاية ما تدل عليه أمثال هذه الشروخ أن تكون نذيرا من نذر الرعب لمن تحدث في ~~زمنهم من الناس، على أنها - في حقيقة أمرها - ليست إلا رسلا تنبئ الناس بما يتهدد ~~الأرض من بوار بعد ملايين قليلة من السنين!» ~~(7) آخرة الشمس # قال الدكتور: # ولن تشذ الشمس أيضا عن هذه القاعدة، فسيلحقها العدم وتجري عليها أحكامه - ~~كما جرت على سواها - يوما ما، وإن تأخر ذلك ترليونات من الأعوام، والعلم أن ~~الشمس تفقد من حرارتها في كل ثانية من الثواني «4000000» أربعة ملايين طنا من ~~كتلتها النارية؛ بسبب ما يشع من حرارتها في الفضاء، وهذا القدر الذي تفقده - ~~بالغا ما بلغ من العظم الهائل في نظرنا - ليس شيئا ms083 مذكورا إذا قسناه إلى حجم ~~الشمس الذي لا يتأثر تأثيرا يذكر بما يفقده من الحرارة - عن طريق الإشعاع - ~~في مليون من السنين. ~~(8) دراسة الأجرام الفلكية الصغيرة # وقد تكبد الباحثون ألوانا من العناء والتعب في دراسة هذه القطع المتناثرة، وفحص ~~هذه الأجرام الصغيرة والنيازك التي يتعسر، بل يتعذر رؤيتها بالعين المجردة؛ نظرا ~~لبعدها وصغر أحجامها، ومن هنا يعلم القارئ مقدار ما بذله الدكتور «ألتر» من الجهد ~~العلمي في تتبع سيرها، ودرس نظمها، حتى وصل إلى هذه النتائج الحديثة التي أفاد بها ~~علماء الفلك ووسع بها دائرة معارفهم، ولقد كان العلماء حتى أوائل القرن الماضي - التاسع ~~عشر - لا يعرفون شيئا عن عالم هذه الأجرام الصغيرة - «النجيمات» - ولا يدرون بوجودها، ~~وأول ما اكتشف منها هو «نجيم سيرس» في سنة 1801 بفضل العلامة الفلكي «كبلر»، وهو - على ~~أنه أكبر هذه الفصيلة - لا تكاد تراه العين المجردة؛ إذ يبدو للناظرين في مثل دقة رأس ~~الدبوس إذا نظرت من بعد ميل، أما قطر هذا «النجيم» فيبلغ 840 ميلا؛ أي أقل من المسافة ~~التي بين «نيويورك» «وكليفلاند»، وتقدر زنته بنسبة واحد إلى ثمانية آلاف من ثقل ~~الأرض. # وقد ذكروا «نجيمات» أخرى أصغر من هذه، اكتشفوها حديثا، لا نحسبها تعني القراء ~~كثيرا، ومما ذكروه «نجيم إيروس» الذي يبلغ قطره خمسة عشر ميلا، وهو يقترب من الأرض ~~أكثر من أي جرم آخر، وأحدث اقتراب له كان على بعد «13840000» ميلا؛ أي أكبر بقليل من ~~نصف المسافة إلي كوكب «فينيس»، وهو مع ذلك القرب يبعد عن الأرض بمسافة يحتاج قطعها ثلاث ~~سنوات بسرعة خمسمائة ميل في الساعة، وقد زار هذا الكوكب عالمنا الأرضي في عام «1804» ~~عقب أن تكشفه العلماء، وزارها مرة أخرى في عام «1901»، وحينذاك توفر العلماء الفلكيون ~~على درسه ومراقبته بدقة وانتباه، وسيزورنا مرة ثالثة فيما بين عامي «1930-1931»، فلا ~~يزيد بعده عن الأرض أكثر من «16200000» ميلا؛ أي نحو سدس المسافة إلى الشمس. # ولم يقتنع العلماء الآن بهذه الدراسات؛ فتألفت منهم جماعة من أساطين الفلكيين، وشرعوا ~~في إعداد معدات أدق ms084 وأجدى من تلك؛ لاستيعاب الأحجام الفلكية، وقياس المسافات بغاية من ~~الدقة والضبط، ومن هذه الأجرام التي يدرسونها الآن ما وصل قطره إلى ثلاثة أميال، أما ما ~~يقل جرمه عن هذا القدر، فمن المحال رؤيته حتى بأدق أنواع التلسكوب، وإن كان من المحقق ~~أن في الفضاء عددا كبيرا من هذه الفصيلة الصغيرة، وإن لم نره، ولكن حب العلم لا يقف ~~عن حد، وقد قيل: «منهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب مال.» لذلك لم يقف العلماء عند هذا ~~القدر - وهو عظيم - فشرعت جامعة «كانساس» تعد «تلسكوبا» حديثا يصنع تحت إرشاد ~~«الدكتور ألتر» سيتم عمله آخر هذا العام خصيصا لدرس الأجرام الصغيرة. ~~(9) كلمة ختامية # والآن يسائل القارئ نفسه: «وماذا تكون حال الناس ؟ وكيف يكون شعورهم إزاء هذه النكبة ~~المتوقع حدوثها؟ وكيف يتلقون هذا الفناء المحقق؟» وهذا سؤال طبيعي يجيب عنه الدكتور ~~«ألتر» بغاية البساطة فيقول: # ومن المحتمل أن تنقضي كل آثار الحياة من الأرض قبل انفجارها بزمن طويل، ولو ~~جاز أن تكون ثم حياة - رغم ذلك البرد القاسي الذي لا يحتمل - فلن يكون لها بعد ~~انفجار أمنا الأرض بقاء! # وإنه ليحلو لنا أن نسبح قليلا في العالم الخيالي، إزاء هذه الخاتمة المروعة، ~~فنتمثل علماء ذلك العصر قد فكروا دائبين - بعد أن شاهدوا مصرع المريخ - في ~~تلافي هذه الخاتمة إذا ألمت بالأرض، وأعدوا المعدات لها، وربما أوغلنا في ~~عالم الخيال وسرنا فيه مرحلة أخرى، فتمثلنا المهندسين - إذ ذاك - وقد اهتدوا ~~إلى آلات واختراعات غريبة ينقلون بها سكان هذا العالم - قبيل انفجاره - إلى ~~عالم آخر من العوالم الفلكية تصلح للحياة، فأقاموا فيه واستغنوا بذلك عن العالم ~~الأرضي. # | هوامش # | مناظرة الكسائي وسيبويه1 # مسألة العقرب والزنبور # وليس يخلو امرؤ من حاسد أضم # لولا التنافس في الدنيا لما أضما # والغبن في العلم أشجي محنة علمت # وأبرح الناس شجوا عالم هضما # حازم القرطاجني # كان من أثر المناظرة التي قامت بين «الهمذاني» و«الخوارزمي» # 2 # أن «الخوارزمي» مات بعد قليل من الزمن، ولم تحتمل شيخوخته تلك الصدمة العنيفة، ~~وكان من أثر ms085 المناظرة التي قامت بين «الكسائي» و«سيبويه» أن «سيبويه» مات كمدا وهو في ~~ريعان شبابه، وجن نشاطه - كما يقولون - ولم يحتمل شبابه تلك الهزيمة القاتلة، وليست الطرق ~~التي لجأ إليها «الكسائي» أقل قسوة من تلك الطرق التي سلكها «الهمذاني» للتغلب على ~~«الخوارزمي» والانتصار عليه. ~~••• # ولقد قلنا في المناظرة السابقة إن «الهمذاني» قد أعد عدته، وهيأ لنفسه كل أسباب ~~الانتصار والفوز على خصمه، وزج به في مجلس كله خصومة ولدد، ونقول في هذه المناظرة إن ~~«الكسائي» لم يقصر في إعداد كل الوسائل لهدم «سيبويه» ولم يتعفف عن شيء في سبيل الانتصار ~~عليه # 3 # وإذا كان «الهمذاني» قد لجأ إلى تملق شهود المناظرة لينصروه على «الخوارزمي»، ~~واشترى ذممهم بهذه الحيلة؛ فإن الكسائي قد لجأ أيضا إلى نفوذه وجاهه وماله، واتخذ من صدامه ~~للبرامكة وكونه مؤدب أولاد أمير المؤمنين وسيلة للتغلب على «سيبويه». # ولئن شكونا في المناظرة السابقة قلة المصادر التي نرجع إليها في تحقيقها، ولم نجد غير ~~رواية «الهمذاني» نفسه - وهي رواية خصم عن خصمه - فإن ما نشكوه في هذه المناظرة هو تعدد ~~المصادر وكثرتها، وتباين رواياتها، وأثر التعصب فيها وتعمد التشويه. # على أن هذه الروايات - رغم اضطراب بعضها واختلافه في التفاصيل - متفقة في الأساس والجوهر، ~~فهي - من أية ناحية رأيت، وبأية رواية أخذت - تدل على أن سيبويه قد ظلم، وأن الحق كان في ~~جانبه. # فقد أجمع علماء النحو واللغة - في زمن سيبويه وبعد زمنه - على أن الصواب ما قال، وأن ~~الكسائي كان في الجانب الخاطئ، ولم يشذ عن هذا الإجماع إلا شيعة الكسائي، والطامعون في ~~ماله أو جاهه، والمحسوبون عليه وذوو الحاجات وطلاب المآرب الذاتية. # وليست هذه المناظرة على الحقيقة - إن صح أن نسميها مناظرة - إلا نضالا بين مذهبين، ~~وحربا بين مدرستين؛ مدرسة الكوفيين، ومدرسة البصريين أساتيذهم، ممثلتين في شخصي الكسائي ~~زعيم علماء النحو في الكوفة، وشيخ مدينة السلام، وسيبويه زعيم علماء النحو في البصرة، ~~وتلميذ الخليل بن أحمد بن سيد أهل الأدب - كما كانوا يلقبونه - وقد لعبت الأهواء من سياسة ~~وغيرها ms086 في تغليب رأي الكسائي على رأي سيبويه. # 4 ~~••• # على أن فضل سيبويه ذائع - رغم انتصار الكسائي عليه - وكتابه الذي ألفه في النحو لم تبل ~~جدته إلى اليوم، ولا يزال كتاب نحو وأدب معا، وأسلوبه في أعلى طبقات البلاغة، وقد كان ~~المبرد يقول لمن يريد أن يقرأ عليه كتاب سيبويه: «هل ركبت البحر!» تعظيما لشأنه. وكان ~~الزجاج # 5 # يقول: «إذا تأملت الأمثلة من كتاب سيبويه تبينت أنه أعلم الناس ~~باللغة.» # وقال الجرمي: # 6 ~~«أنا منذ ثلاثين سنة أفتي الناس في الفقه من كتاب سيبويه.». # 7 # وقال المازني: «من أراد أن يعمل كتابا كبيرا في النحو بعد كتاب سيبويه فليستح.» ~~••• # وقد كتب سيبويه هذا الكتاب الخالد في الوقت الذي كان فيه الكسائي منصرفا إلى المناصب ~~والاتصال بالخليفة، والدعاية لنفسه بأنه العالم الفذ الذي استنفذ خمس عشرة قنينة حبر في ~~الكتابة عن العرب، وأن هذا زيادة على ما حفظه، إلى آخر هذه الدعاوى الفارغة التي لا يعنى ~~بها المنصرفون إلى العلم حقا، والتي هي أشبه بالإعلانات التجارية، وهذا أسلوب فذ في ~~الدعاية لجأ إليه الكسائي - في جملة ما لجأ - للوصول إلى الشهرة. # وإذا رأينا علماء اللغة وأئمة النحو يحترمون «سيبويه» ويقرون مذهبه، رأيناهم - على العكس ~~من ذلك - ينفرون من مذهب الكسائي ويرون فيه إفسادا للغة وإضاعة للنحو. # قال ابن درستويه: «كان الكسائي يسمع الشاذ الذي لا يجوز إلا في الضرورة، فيجعله أصلا ~~يقيس عليه حتى أفسد بذلك النحو.» # وقال الأصمعي: «أخذ الكسائي اللغة عن أعراب من الحطمة ينزلون بقطربل، فلما ناظر سيبويه ~~استشهد بلغتهم عليه.» # وقال محمد اليزيدي: # كنا نقيس النحو فيما مضى # على لسان العرب الأول # فجاء أقوام يقيسونه # على لغى أشياخ قطربل # فكلهم يعمل في نقض ما # به يصاب الحق لا يأتلي # إن الكسائي وأصحابه # يرقون في النحو إلى أسفل # وقال الزجاج: «أي إنصاف في الرجوع إلى أعراب وفدوا لحاجتهم، وسيبويه رجل غريب وخصومه أهل ~~البلد والدولة؟ وإنما الحكم العارف بالصحيح وغيره؛ وقد لا يعرف الأعرابي إلا لغته الشاذة.» ~~إلى آخر ms087 هذه الآراء. # وقد أشار «المعري» إلى تحامل الكسائي على سيبويه في رسالة الغفران، وألمع إلى بعض ~~المناظرات التي قامت في ذلك العصر - الحافل بالمناقشات والمناظرات بين علمائه - فقال في ~~معرض الكلام على تناسي الحسائك والأحقاد في الجنة بين ألد الخصوم: «فصدر أحمد بن ~~يحيى # 8 # هناك قد عسل من الحقد على محمد بن يزيد # 9 # فصارا يتصافيان ويتوافيان.» # وأبو بشر عمرو بن عثمان «سيبويه» قد رخصت سويداء قلبه من الضغن على «علي بن حمزة الكسائي» ~~وأصحابه لما فعلوا به في مجلس البرامكة، وأبو عبيدة صافي الطوية لعبد الملك بن ~~قريب، # 10 # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب: # سلام عليكم ~~بما صبرتم فنعم عقبى الدار ~~. # 11 ~~(1) كيف كانت المناظرة # لم يكد يرد سيبويه إلى العراق حتى شعر الكسائي أن مركزه العلمي في خطر، وأن منافسا ~~جديدا يحاول أن يغتصب منه مقام الزعامة. # قالوا: «وشق أمره على الكسائي فأتى يحيى وجعفر بن برمك وقال: «أنا وليكما وصاحبكما، ~~وهذا الرجل إنما قدم إلى العراق ليذهب محلي.» # قالا: «فاحتل لنفسك فإنا سنجمع بينكما.» # وهكذا دبرت المؤامرة في بيت البرامكة لهدم سيبويه، فلما حان الموعد حضر سيبويه وحده، ~~وجاء الكسائي ومعه الفراء والأحمر وغيرهما من أصحابه، فسأله الفراء عن مسألة فلم يكد ~~يجيبه عنها حتى قال له: «أخطأت.» وسأله عن ثانية فأجابه فقال له: «أخطأت.» # ثم سأله عن ثالثة وقال له: «أخطأت.» # فقال له سيبويه: «هذا سوء أدب منك!» # فقال الفراء لصاحبه: «يظهر أن في هذا الرجل عجلة وحدة!» # وسأله الأحمر عن عدة مسائل فكان يخطئه في كل جواب يفوه به، قالوا: «فلم ير سيبويه ~~إلا أن يكف عن مناقشتهما.» # وهنا يقول له الكسائي - ولعلك تلمح في جملته معنى التحقير والاستصغار: «يا بصري، كيف ~~تقول: كنت أظن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي، أو فإذا هو إياها؟» # قال: «أقول فإذا هو هي.» # فأقبل عليه الجمع فقالوا: «أخطأت ولحنت.» # وفي هذا مثال من التهويش والتحامل على سيبويه. # وهنا يقول يحيى بن خالد بن برمك: ms088 «هذا موضع مشكل حتى يحكم بينكم!» فيقول الكسائي: ~~«هؤلاء الأعراب على الباب.» # قالوا: «فأدخل ابو الجراح، ومن وجد معه ممن كان يأخذ منه.» # فقال لهم الكسائي: كيف تقولون: «قد كنت أحسب أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا ~~الزنبور إياها بعينها.» # فقالت طائفة: «فإذا الزنبور هي.» # وقالت أخرى: «فإذا الزنبور إياها بعينها.» # فقال الكسائي: «هذا خلاف ما تقول يا بصري!» ~~••• # وهنا يقبل يحيى رب الدار على سيبويه - وهو الغريب المستوحش - فيقول له ما يشعره بأن ~~صاحب الدار من رأي الكسائي وشيعته: «قد تسمع أيها الرجل!» # فلا يكاد يسمع سيبويه هذه الجملة حتى يستكين، ويسرع الكسائي إلى يحيى فيقول له حتى ~~يطمئن على أن المناظرة قد انتهت، وأن الغلبة قد تمت له: «أصلح الله الوزير، لقد وفد ~~عليك من بلده مؤملا، فإن رأيت ألا ترده خائبا؟» # فيأمر له يحيى بعشرة آلاف درهم. ~~••• # وكأنما ألف الكسائي أن يصطنع الناس بالمال ليضمن لنفسه إقرارهم بزعامته العلمية ~~التي يسعى إلى الانفراد بها عند الخليفة، ولعله حسب أن هذه المنحة تنسي سيبويه تلك ~~الصدمة العنيفة التي سببها له. # على أن الكسائي طالما اشترى بالمال ألسنا وذمما! # ألا ترى إلى الأخفش يذهب إلى الكسائي غاضبا - بعد أن أخبره سيبويه بما حدث له معه - ~~فيسأل الكسائي وهو بين تلاميذه ويخطئه في كل جواب يقوله، فيهم تلاميذ الكسائي بضربه ~~فيمنعهم من ذلك - خوفا من ذيوع أمره - ويقبل عليه فيعانقه متحببا إليه، ويعهد إليه ~~بتعليم أولاده، ويرشوه بالمال فينسيه بذلك ثأر صديقه سيبويه؟ # ولقد كان من بين تلاميذ الكسائي من هو أعلم منه وأجدر بالزعامة - كالفراء مثلا - وما ~~كان مثل الفراء ليقبل أن يكون تلميذا للكسائي لولا طمعه في جاهه وماله، وأمله في أن ~~يتصل بالخليفة - بفضل صحبته له - وقد تم له ما أراد بعد ذلك. ~~••• # وربما استشهد لنا أحد الأدباء الناقدين بقول الفراء نفسه للتدليل على فضل الكسائي: ~~قال لي رجل: «ما اختلافك إلى الكسائي وأنت مثله في النحو؟» # فأعجبتني نفسي، فأتيته فناظرته مناظرة الأكفاء، فكأنني كنت طائرا ms089 يغرف بمنقاره من ~~البحر. # فإن أمثال هذه المدائح يجب أن تفهم على وجهها الصحيح؛ فهي نوع من تملق ذوي النفوذ ~~طمعا في جاههم وتقربا إليهم! # ألا ترى إلى ابن الرومي نفسه - وهو الشاعر الفحل - يلجئه العوز والفاقة ونكد الدنيا ~~إلى امتداح بيت سخيف لابن المعتز، حين سألوه: «لم لم تشبه مثل تشبيه ابن المعتز في ~~قوله: # وبدا الهلال كزورق من فضة # قد أثقلته حمولة من عنبر # فتظاهر لهم بإكبار معنى هذا البيت التافه، وإعجابه بما فيه من تشبيه متكلف وعجزه عن ~~محاكاته - تملقا لقائله - لرفعته وسمو منزلته؟ # لقد سئل الفراء نفسه عن الكسائي بعد موته فقال: «مات الكسائي وهو لا يحسن حد نعم ~~وبئس وأن المفتوحة». # 12 # ولا نظننا متحاملين على الكسائي حين نثبت هنا ما يرويه بعض المؤرخين عنه من أنه كان ~~متهتكا فاجرا، ونحن نروي ذلك بشيء من التحفظ فلا نصححه ولا ننفيه، فلعله من دسائس ~~البصريين، على أننا لا نستبعده، فليس اتصاله بالخليفة وتعهده أبنائه بالتربية مما يعصمه ~~من اقتراف الدنايا والآثام ولو سرا. # وقد تعلم الكسائي - وهو كبير - وانصرف سيبويه إلى العلم منذ حداثة نشأته، وأعجب ~~الخليل بن أحمد بذكائه وكان يرحب به، # 13 # وقد شهد له أكبر علماء النحو بالتفوق والفضل، وقد استعان بكتابه خصومه ~~أنفسهم، فقرأ الكسائي على الأخفش كتاب سيبويه، وأعطاه سبعين دينارا - أجرا على ذلك - ~~وقد وجد بعضه تحت وسادة الفراء التي كان يجلس عليها، كما قال النحاس. ~~(2) رأي النحاة في هذه المسألة # قالوا: «وأما سؤال الكسائي فجوابه ما قال سيبويه، وهو «فإذا هو هي.» هذا هو وجه ~~الكلام مثل: «فإذا هي بيضاء»، «فإذا هي حية». وأما «فإذا هو إياها» - إن ثبت - فخارج عن ~~القياس واستعمال الفصحاء، ولا يعتد به، كالجزم بلن، والنصب بلم، والجر بلعل. وسيبويه ~~وأصحابه لا يلتفتون لمثل ذلك، وإن تكلم به بعض العرب.» ~~••• # وقد لخص «حازم القرطاجني» # 14 # هذه المناظرة في منظومته الجميلة في النحو التي يقول فيها: # والعرب قد تحذف الأخبار بعد «إذا» # إذا عنت فجأة الأمر ms090 الذي دهما # وربما نصبوا بالحال بعد «إذا» # وربما رفعوا من بعدها ربما # فإن توالى ضميران اكتسى بهما # وجه الحقيقة من إشكاله غمما # لذاك أعييت - على الأفهام - مسألة # أهدت إلى سيبويه الحتف والغمما # قد كانت العقرب العوجاء أحسبها # قدما أشد من الزنبور وقع حما # وفي الجواب عليها هل «إذا هو هي» # أو هل «إذا هو إياها» قد اختصما # وخطأ ابن زياد # 15 # وابن صخرة # 16 # في # ما قال فيها أبا بشر # 17 # وقد ظلما # إلى أن يقول: # وليس يخلو امرؤ من حاسد أضم # لولا التنافس في الدنيا لما أضما # والغبن - في العلم - أشجى محنة علمت # وأبرح الناس شجوا عالم هضما ~~••• # وقد حدث لأبي عثمان المازني ما حدث لسيبويه، قال: «دخلت بغداد فألقيت علي مسائل، ~~فكنت أجيب فيها على مذهبي، ويخطئونني على مذاهبهم.» # قالوا: «وهكذا اتفق لسيبويه.» # وجماع القول أن سيبويه هزم رغم فضله وعلمه وكونه في جانب الحق، ولم يكن له بد من ~~السكوت والرضى بالهزيمة في هذا المجلس الحاشد. ~~••• # ومثل لنفسك أيها القارئ مجلسا حافلا بأعيان الدولة، وقادة الرأي فيها، يجمع ~~مثلا على أن «لم» تنصب ولا تجزم، وأنت وحدك تقول «إنها تجزم ولا تنصب، وإن العرب لا ~~تعرف غير ذلك.» وهم لا يسمعون لك قولا، فأية حجة تستطيع أن تدلي بها في مثل هذا المجلس ~~المتحامل الذي ينكر عليك ما لا سبيل إلى إنكاره؟ # كذلك كان موقف سيبويه يقرر قاعدة أجمع علماء النحو على أن خلافها شاذ لا يؤخذ به، ~~فلا يقبل منه قول. # ولقد كان في لسان سيبويه حبسة - كما يقولون - ولكنها لم تكن السر في هزيمته # 18 # فهو لم يقصر في الكلام، ولم يكن ذلك المجلس المتحامل عليه في حاجة إلى خطيب ~~لسن، بل كان في حاجة إلى آذان واعية وقلوب لم يفسدها الهوى والغرض. # وهكذا تمت الهزيمة، فذهب «سيبويه» إلى فارس، ولم تطل مدته بعد ذلك. # قالوا: ولما اعتل سيبويه وضع رأسه في حجر أخيه، فبكى أخوه لما رآه - لما به - ~~فقطرت من دمعه قطرة على ms091 وجهه، فرفع سيبويه رأسه إليه فرآه يبكي فقال: # أخيين كنا، فرق الدهر بيننا # إلى الأمد الأقصى، ومن يأمن الدهرا؟ # ولقد قضى سيبويه جل حياته في الدرس على خير أساتيذ عصره لا سيما الخليل ويونس، ومات ~~بعد أن ألف كتابه الخالد، وإن كان لم يدرسه، وختمت حياة هذا العالم الجليل دون أن ~~يجني ثمر جهاده، رحمة الله عليه وعلى شيخيه الجليلين الخليل ويونس. # تولى سيبويه، وجاش سيب # من الأيام فاختل الخليل # 19 # ويونس أوحشت منه المغاني # وغير مصابه النبأ الجليل # أتت علل المنون، فما بكاهم # من اللفظ الصحيح ولا العليل # ولو أن الكلام يحس شيئا # لكان له وراءهم أليل # | هوامش # | في بلاد العمالقة1 # (1) قصر العملاق # ولاح لنا قصر كبير - على مسافة بعيدة من الجزيرة - فقصدنا إليه حتى بلغناه، فوجدناه ~~قلعة شاهقة محكمة البناء، فتعاونا جميعا على فتح بابه الكبير، ثم دخلنا فناءه فوجدنا ~~فيه كومة من العظام البشرية؛ فهالنا ذلك المنظر، وامتلأت قلوبنا منه رعبا، ولم ينطق ~~أحد منا بكلمة واحدة؛ لشدة ما لحقنا من الذعر، وبقينا خائفين طول النهار، حتى - إذا ~~غربت الشمس - سمعنا صرير الباب الخارجي وهو يقفل، ورأينا عملاقا هائلا يدخل علينا وهو ~~- في مثل طول النخلة - أسود الوجه، له عين واحدة يكاد يتطاير منها الشرر، وأنياب طويلة ~~حادة مروعة! # في حضرة العملاق # ولم نكد نراه حتى تملكنا الرعب واستولى علينا الهلع والفزع، وصرنا كالموتى وهو ~~ينظر إلينا نظرات مخيفة، ثم اقترب مني وأمسك بي - وأنا كالعصفور في يده - فرآني ~~نحيلا هزيل الجسم، فتركني وأخذ غيري فرآه نحيفا فلم يعجبه أيضا. ~~(2) كيف شوى الربان # ونظر إلى الربان فرآه سمينا فأعجبه، فأمسك به ولوى رقبته بيده، ثم جاء بسفود طويل ~~فأنفذه فيه، وأوقد نارا حامية وضعه عليها، وما زال يقلبه حتى شواه فأكل لحمه ورمى ~~عظامه على الأرض، ثم نام فسمعنا له شخيرا عاليا. # ولما أصبح الصباح خرج العملاق من القصر وتركنا، فخرجنا إلى الجزيرة يائسين، وتمنينا ~~لو كنا غرقنا في البحر، ولم نقع في قبضة هذا الغول المخيف؛ ms092 حتى لا يكون نصيبنا هذه ~~الميتة الشنعاء التي لم تكن لتخطر لنا على بال. # وبحثنا طول النهار عن مكان نختبئ فيه فلم نظفر بطائل؛ فعدنا إلى القصر خائفين، وجاء ~~العملاق - بعد قليل - فشوى أحدنا كما شوى بالأمس ربان السفينة وأكله، ونام إلى الصباح، ~~ثم خرج إلى حيث لا ندري، وخرجنا هائمين في الجزيرة، وقد أشار علينا بعض رفاقنا أن نلقي ~~بأنفسنا في البحر؛ حتى ننجو من هذه الميتة المروعة، وأشار آخرون أن نحتال لقتله. ~~(3) فلك النجاة # فأشرت عليهم أن يهيئوا فلكا من خشب الأشجار؛ فإذا لم ننجح في قتل العملاق هربنا من ~~الجزيرة في تلك الفلك؛ ففرحوا جميعا بهذا الرأي، وشرعنا في العمل بجد ونشاط حتى إذا ~~تمت الفلك وضعنا فيها ما نحتاجه من الزاد وربطناها إلى شاطئ البحر. # تنفيذ المؤامرة # وعدنا إلى القصر، فجاء العملاق ففعل بثالث منا ما فعله بسابقيه ثم نام - كعادته - ~~وعلا شخيره، فوضعنا سفودين في النار حتى احمرا، ثم أدخلناهما - معا - بقوة في ~~عينه وهو نائم؛ فصرخ صرخة هائلة - من شدة الألم - وقام هائجا يبحث عنا - بعد أن ~~عميت عينه - فلم يهتد إلى أحد، فسار إلى الباب ففتحه، وخرج كالمجنون، ففرحنا بذلك ~~وحسبنا أننا أصبحنا بمأمن من شره! # انتقام العمالقة # ولكن فرحنا لم يطل؛ فقد جاء إلينا - بعد قليل - جماعة من العمالقة يغايرونه في ~~الشكل ولا يقلون عنه وحشية وفظاظة، فهربنا منهم مسرعين إلى الفلك التي ~~صنعناها. # فلما رأونا في البحر أخذوا يرجموننا بحجارة كبيرة، فقتلوا رفاقي، ولم ينج معي ~~منهم إلا اثنان. ~~(4) الفرار من جزيرة العمالقة # وبعد أن نجونا من شر أولئك العمالقة أصبحنا تحت رحمة الأمواج الهائجة طول نهارنا ~~وليلتنا، حتى إذا - أصبح الصباح - قذفتنا الأمواج إلى شاطئ جزيرة كبيرة؛ ففرحنا بذلك، ~~وأكلنا من فاكهتها الطيبة، وشربنا من مائها العذب، ثم جلسنا على شاطئ البحر فرحين ~~بالنجاة من أرض العمالقة. # في فم أفعى # ولما جاء الليل نمنا فوق شجرة عالية، واستيقظنا فزعين؛ فرأينا حية هائلة قد ~~التقمت واحدا من رفيقي، فسمعنا عظامه تتكسر ms093 في جوفها وهي تبتلعه، فاشتد خوفنا ~~وهالنا الأمر، وقلنا: «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! كلما نجونا من مصيبة ~~وقعنا فيما هو شر منها.» # ولما أصبح الصباح أكلنا وشربنا، حتى إذا جاء الليل صعدنا إلى شجرة أخرى فنمت ~~بأعلاها، ونام رفيقي قريبا مني، وبعد قليل جاءت الحية فالتقمت رفيقي كما التقمت ~~صاحبه بالأمس؟ # كيف نجوت من الأفعى؟ # فمكثت طول الليل خائفا حتى إذا أصبح الصباح هممت أن ألقي بنفسي في البحر، فمنعني ~~من ذلك حب الحياة فتجلدت، ولما اقترب الليل أحضرت ألواحا من الخشب وشددت جسمي ~~إليها شدا وثيقا، وجاءت الحية كعادتها تحاول أن تبتلعني - كما ابتلعت رفيقي - ~~فحالت الألواح المشدودة حولي دون ذلك، وظلت طول الليل تحاول أن تجد منفذا إلي - ~~من خلال الألواح - دون أن تظفر بطائل، فلما بدا الصباح عادت من حيث أتت، فحللت ~~رباطي وخرجت من بين الخشب وأنا أحمد الله على السلامة. # الأمل بعد اليأس # وجلست على شاطئ البحر يائسا مهموما أفكر فيما حل بي من المصائب، فلمحت مركبا ~~كبيرا - على مسافة بعيدة - فلم أزل أصرخ وأصيح مشيرا بيدي مرة، وملوحا بعمامتي ~~مرة أخرى، حتى فطن إلي بعض من بالمركب؛ فاقتربوا من الجزيرة ورسوا على شاطئها، ~~فسلمت عليهم فردوا علي السلام، وفرحت بلقائهم فرحا عظيما، وحملوني معهم وسألوني ~~عن أمري، فقصصت عليهم كل ما حدث لي، فعجبوا من ذلك أشد العجب، وأطعموني وسقوني ~~وأكرموني أحسن إكرام. # ربان السفينة # ولم يزل المركب سائرا بنا حتى بلغنا بلدا كبيرا، فقال لي الربان: «إن عندي ~~بضاعة لرجل اسمه «السندباد البحري»، كان معنا ثم نسيناه في جزيرة مررنا ~~بها.» # فتأملت الربان فعرفعته، وأخبرته أنني أنا «السندباد البحري» فلم يصدقني - أول ~~الأمر - واجتمع التجار حولي، وكان من بينهم التاجر الذي تعلقت بذبيحته في رحلتي ~~السابقة التي قصصتها عليكم، فلم يكد ينعم النظر في حتى عرفني، وقص عليهم ما حدث ~~لي معه، فحدق الربان النظر في فعرفني وتحقق صدق قولي، فعانقني فرحا ~~مسرورا. # في بغداد # وما زلنا ننتقل من ms094 بلد إلى بلد ومن جزيرة - وتجارتنا رابحة - حتى وصلنا إلى ~~البصرة، ثم سافرت منها إلى بغداد ومعي أموال لا تحصى، وأقبل علي أهلي وأصحابي ~~يهنئونني برجوعي سالما وقد فرحوا بي فرحا لا يوصف. # | مفتاح القراءة1 # كم من حديث معجب شائق # تتلوه أمي أو أبي من كتاب # هذا عجيب فمتى أغتدي # مثلهما أقرأ بين الصحاب ~~••• # كم ذا أجيل العين في صفحة # منقبا لا يعتريني فتور # وأنثني من غير جدوى وما # فهمت شيئا بين تلك السطور! ~~••• # لكن أمي إذ رأت حيرتي # قالت: إذا ما رمت هذا المرام # فهاك مفتاحا لأسراره # هاك كتابا فيه سر الكلام # فيه حروف الهجاء ~~••• # تبدأ بالأحرف فيه ولا # تلبث حتى تقرأ المفردات # وتقرأ الأسطر من بعدها # فيصبح الصعب من الهينات ~~••• # وبعد جد واجتهاد ترى # أنك تتلو - مثلنا - في الكتاب # تقرأ ما يشجيك من قصة # ومن حديث معجب مستطاب # في أي وقت تشاء! # | رسالة الغفران # (1) لماذا كتبها أبو العلاء # كان أبو الفرج الزهرجي - كاتب «نصر الدولة» - قد كتب إلى أبي العلاء رسالة استودعها ~~ابن القارح: # 1 # وسأله أن يوصلها إلى أبي العلاء. # قال ابن القارح # 2 # فسرق عديلي رحلا - الرسالة فيه - فكتبت هذه الرسالة # 3 # أشكو أموري وما لقيت في سفري من أقيوام يدعون العلم والأدب # وقد ملأ ابن القارح رسالته بشكوى الناس والطعن على الزنادقة والملحدين، وجره ذلك ~~إلى الاستطراد إلى مناسبات شتى، فلما قرأ «أبو العلاء» رسالة ابن القارح، بعث إليه ~~برسالة الغفران ردا على رسالته. وقد سلك فيها منهجا عجيبا لم يسلكه - فيما نعلم - ~~كاتب قبله؛ فبدأها بالثناء على ابن القارح، والإعجاب بغيرته الدينية، ثم قال: ~~«وفي قدرة ربنا - جلت عظمته - أن يجعل كل حرف منها شبح نور لا يمتزج بمقال الزور، ~~ولعله - سبحانه - قد نصب لسطورها المنجية من اللهب معاريج # 4 # من الفضة أو الذهب، تعرج بها الملائكة من الأرض الراكدة من السماء. بدليل ~~الآية: # إليه يصعد الكلم الطيب والعمل ~~الصالح يرفعه ~~. # وهذه الكلمة الطيبة كأنها المعنية بقوله: # ألم تر كيف ~~ضرب الله مثلا كلمة ms095 طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت ~~وفرعها في السماء * تؤتي أكلها كل حين ~~بإذن ربها ~~. # وفي تلك السطور كلم كثير، كله عند البارئ - تقدس- أثير، وقد غرس لمولاي الشيخ ~~الجليل إن شاء الله - بذلك الثناء - شجر في الجنة لذيذ اجتناء، كل شجرة منه تأخذ ما بين ~~المشرق إلى المغرب بظل غاط، # 5 # والولدان المخلدون في ظلال تلك الشجر قيام وقعود، يقولون - والله القادر ~~على كل شيء عزيز: «نحن وهذه الشجر صلة من الله لعلي بن منصور، # 6 # نخبأ له إلى نفخ الصور.» وتجري في أصول ذلك الشجر أنهار تختلج # 7 # من ماء الحيوان، # 8 # والكوثر يمدها في كل أوان، من شرب منها النغبة # 9 # فلا موت، قد أمن هنالك الفوت # 10 # وسعد من اللبن متخرقات لا تغير بأن تطول الأوقات، وجعافر # 11 # من الرحيق # 12 # المختوم. # وبعد أن أبدع «المعري» في وصف الفردوس ما شاء أن يبدع، وافتن في وصفها ووصف من فيه من ~~السعداء تمثل صديقه «ابن القارح» - وقد اصطفى له ندامى من أدباء الفردوس، ثم يخطر له ~~أن يتنزه، ولا يكاد يفعل حتى يقابله الأعشى، ثم يقابله غيره من الشعراء، وبذلك يخلق أبا ~~العلاء جوا صالحا لتلك الكوميديا الرائعة - رسالة الغفران - ويجعل مسرح هذه ~~الكوميديا الجنة والنار، فإذا انتهى من هذه الكوميديا؛ عاد إلى الرد على رسالة ابن ~~القارح. # ولعل هذه الرسالة هي أمتع ما كتبه # 13 # أبو العلاء، وهي تعد بحق أنفس أثر له بعد كتاب اللزوميات. ~~(2) لماذا أطلق عليها اسم الغفران؟ # 14 # وإنما أطلق عليها اسم «الغفران» لأن الفكرة الرئيسية التي دفعته إلى إنشائها - وقت ~~إجابته على رسالة ابن القارح - هي مناقشة من فازوا بالمغفرة ومن حرموها في الدار ~~الآخرة، ومما يسترعي انتباهك فيها سؤاله - وكثيرا ما كان يوجهه إلى الفريق الناجي: ~~«بم غفر لك؟» فيجيبه كل واحد منهم بما نجاه من العذاب، ويشرح له السبب في دخوله ~~الفردوس، ويصف له كيف يتمتع به، وكيف ينعم ببدائعه. # وسؤاله الذي كان يوجهه إلى الفريق الثاني - وهو من حقت عليه ms096 اللعنة وكتب عليه ~~الشقاء: «لم لم يغفر لك قولك كذا؟» فيجيبه أكثرهم عن السبب، ويشرحون له ما يقاسون من ~~ألم وعذاب، ويصمت بعضهم لاشتغاله بما هو فيه من نكال وغصص. # وهكذا ألم بطائفة من الحوادث والأسباب، ومزج الرواية بالدعابة، والجد بالفكاهة ~~والأدب، والفلسفة بالنقد الصائب، والسخرية الدقيقة. ~~••• # وليس هذا الخيال، أو تلك الفكرة الفنية التي انتظمت الكتاب فأفردته من بين الآثار ~~الأدبية التي كتب لها الخلود، مما يستغرب من مثل أبي العلاء ذي العقل الراجح، والبصيرة ~~النفاذة، والخيال الواسع. # نعم وليس تمثل البعث والنشور، ونعيم الفردوس، وتعذيب الأشقياء في الجحيم، من ~~الأفكار الطارئة التي سببتها رسالة ابن القارح أو نبهتها فيه، ولكنها فكرة متأصلة في ~~قرارة نفسه، نبتت ونمت وتوشجت أصولها ونضجت ثمارها في قلبه - نحو نصف قرن - فاختلطت ~~بلحمه، وسيطت بدمه، وهيمنت على مشاعره منذ حداثة نشأته - حتى أصبحت - من أهم مصادر ~~الفلسفة العلائية. # ولعل أول محاولة رأيناها له - في اكتناه البعث والتردد في قبول الروايات والأخبار ~~المتناقلة - قوله في مستهل حياته الأدبية - وهو في الرابعة عشرة من عمره في نونيته التي ~~رثى بها أباه - إذ يقول فيها: # فيا ليت شعري! هل يخف وقاره # إذا صار أحد في القيامة كالعهن؟ # وهل يرد الحوض الروي مبادرا # مع الناس أم يأتي الزحام فيستأني؟ # 15 # وإنك لتلمح الشك يساور نفسه التي تتطلع إلى اليقين؛ فلا تظفر به وتتلمس الحقيقة فلا ~~تصل إليها، فترجع يائسة حائرة بعد أن وجدت كل معين ناضبا، وكل ماء سرابا، وإنك لتجد ~~حيرة من قتل الفكرة بحثا، وقلبها على كل وجه من وجوهها وناحية من نواحيها فلم يظفر ~~بطائل، وزاد تفاقم الشك في نفسه الفتية، فأصبح يتلمس ما يسد به ذلك الفراغ - الذي كان ~~يملؤه اليقين - فلا يجده. كل ذلك تتمثله واضحا في قوله من تلك القصيدة: # جهلنا فلم نعلم - على الحرص - ما الذي # يراد بنا، والعلم لله ذي المن # إذا غيب المرء استسر حديثه # ولم تخبر الأفكار عنه بما يغني # تضل العقول الهبرزيات رشدها # ولم يسلم الرأي ms097 القوي من الأفن # طلبت يقينا من جهينة عنهم # ولم تخبريني، يا جهين سوى الظن # فإن تعهديني لا أزال مسائلا # فإني لم أعط الصحيح، فأستغني # وهكذا ظل أمر البعث، والنشور، والجنة، والنار من أكبر شواغل هذا العقل الممحص الكبير، ~~فاكتظت كتاباته وأشعاره بالإشارة إلى ذلك، ولم تكد تمر به فرصة دون أن يشير إليه إشارة ~~قريبة أو بعيدة، واضحة أو خفية، هازئة أو جادة، ساخرة أو مقررة. # 16 # ولم يكن يرى حلا لهذه المشكلة المستعصية الحل، إلا وسيلة واحدة مستحيلة ~~التحقيق، بعيدة الحدوث، ولكنها أمنية - على كل حال - من الأماني التي لا بأس من تحدث ~~النفس بها - وإن كانت جد واثقة من قلة غنائها - تلك الوسيلة هي استفسار من ماتوا عما ~~لقوه من عذاب أو نعيم - في عالمهم الثاني - ليضع بذلك آخر حد لتضارب الآراء وتناقض ~~الأخبار في هذه المشكلة المستحيلة الحل، ثم لجأ إلى الأماني - وإن لم تسعفه الأماني - ~~فود لو يتاح له الظفر بسؤال أحد الهالكين واستفساره عما لقيه - بعد الموت - لتنتهي ~~بإجابته شكوكه وحيرته انتهاء حاسما، فقال: # لو جاء من أهل البلى مخبر # سألت عن قوم وأرخت # هل فاز بالجنة عمالها؟ # وهل ثوى في النار نوبخت؟ # وقال: # أسكن الثرى! لا تبعثون رسالة # إلينا! ولستم سامعي كلام الرسل! # ولم تسل نفسي عنكم باختيارها # ولكن طول الدهر يذهل أو يسلي! # وقال: # داران أما هذه فمسيئة # جدا، ولا خبر لتلك الدار # ما جاء منها وافد متسرع # فنقول للنبأ الجديد: «بدار!» # وقال: # فهل قام - من قبره - ميت # يعيب على النفس إخفارها # يقول: «جنبنا ذنوبا لنا # وجدنا المهيمن غفارها» # إلى آخر تلك الأبيات التي لا حاجة بنا إلى استقصائها. # ولكنه بعد أن سئم هذه التمنيات التي رددها كثيرا - بلا طائل - لجأ إلى نوع آخر من ~~الأماني المجدية - وهو الخيال - وما أوسع عالمه إذا ضاق بالإنسان عالم الحقائق! # وانتهز لذلك مناسبتين: # أولاهما: # رسالة سائل - لم يحفظ لنا التاريخ اسمه - بعث بها إليه مستفسرا عن ~~بعض المسائل الصرفية. # وثانيتهما: # رسالة علي بن منصور الملقب بدوخلة، ms098 والمشهور بابن القارح، فكان جوابه ~~على الأولى رسالة الملائكة، وعلى الثانية رسالة الغفران. فأما رسالة ~~الملائكة فقد انتهز فيها مناسبة كل لفظة سأله المستفهم عنها، للخروج ~~منها إلى ما يناسبها من لقاء عزرائيل إلى محاسبة الملكين إلى نفخ الصور ~~إلى دخول الجنة. # وأما رسالة الغفران فقد انتهز فرصة الثناء على رسالة ابن القارح وإطراء كلماتها - كما ~~أسلفنا - لنتوصل إلى غايته التي رمى إليها، فتمثل الملائكة ترفع كلمها الطيب إلى ~~السماء، وتخذ من قوله تعالى: «ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة، ~~أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها» وسيلة إلى تمثل الأشجار ~~قد غرست في الفردوس بعدد كلمات تلك الرسالة؛ لأنها جميعا مما ينطبق عليه معنى الآية ~~التي كأنما كانت تعنيها بهذا الوصف. # وساقه ذكر أشجار الجنة إلى ذكر أنهارها وما فيها من الخمر، ثم إلى تنزه ابن القارح ~~فيها وتمتعه بنعيمها الخالد، وتعرفه بأهلها، ثم جره ذلك إلى وصف دخوله ودخول غيره ~~من المغفور لهم جنان الخلد، ثم جره ذلك إلى زيارة أهل النار وسؤالهم عن السبب الذي ~~جرهم إلى هذه العقبى السيئة، وهكذا إلى آخر أغراض الرسالة. # وبعد أن فرغ من ذلك القسم الممتع عاد إلى الرد على رسالة ابن القارح. ~~••• # أما رسالة الملائكة فقد يخيل إلينا أنها كتبت قبل رسالة الغفران؛ لأنها - على جمال ~~أسلوبها وتفرد خيالها - مقتضبة إذا قسناها إلى رسالة الغفران، أو هي - إن شئت - إنما ~~كانت تمهيدا للفكرة الفنية التي قامت عليها القصة. # أما رسالة الغفران فهي - في اعتقادنا - أوضح وأدق وأبرع صورة شعرية قرأناها عن العالم ~~الثاني، وأحوال الناس فيه، وهي كما قلنا من قبل: «فن من الأدب العالي، لا يقل عن أجل ~~أثر أخرجه أكبر رأس غربي مفكر ...!» # | هوامش # | حقائق يجهلها الأطباء عن الغذاء1 # يقولون إن أحد المشتغلين بالتنجيم حل ضيفا عند أحد أمراء العرب فلقي من الحفاوة والإكرام ~~ما لا مزيد عليه، فلما حان وقت الرحيل بصرت عيناه بطفل علم أنه وليد صاحب الدار؛ ms099 فأراد أن ~~يسدي إلى مضيفه يدا يكافئه بها على كرمه الحاتمي، وظل يضرب أخماسا لأسداس، ويخط في رمله - ~~على عادة الدجاجلة والمنجمين - ثم التفت إلى صاحب الدار متهلل الوجه متطلق الأسارير، وقال ~~له: «أبشر أيها السيد العظيم، فقد أنبأني طالع ابنك السعيد أن سيكون له شأن عظيم، وأنه ~~سيخوض المهامه والقفار، ويقهر الأعداء، ويغزو الممالك، ويفتح الأقطار وتدين له الجبابرة، ~~ويخضع لسطوته الملوك و ...» فأسرع رب الدار بمقاطعته قائلا: «ولكن هذه بنت ...!» # ومن عجائب الزمن أن يدور الزمن دورته، فنسمع أشباه هذه الحكاية يقصها رواة صادقون، ~~ويرويها - بصيغة أخرى - عدول لا يرتاب إنسان في نزاهتهم وصدق روايتهم، وعن أية طائفة ~~يروونها، عن طائفة من أكبر رجال العلم طالما تلقف الناس أقوالهم بلهفة وثقة حاسبيها الحق ~~الصراح واليقين الذي لا يتطرق إليه الباطل، وهي طائفة الأطباء! # يا للعجب! لقد أظهر البحث أن كثيرا - من أطباء اليوم، والأمس، والغد المشتغلين بمسألة ~~الطعام - دجاجلة ومنجمون، تتناقض أقوالهم وتتضارب آراؤهم في المسألة الواحدة؛ فتصل مسافة ~~الخلاف بينها إلى ما بين الضد والضد، ولعل أبدع ما نسوقه دليلا على ذلك ما ترويه لنا مجلة ~~من أشهر المجلات العلمية الأمريكية، إذ يقول راويتها الثقة - والتبعة عليه: # كان لي صديق - في مقتبل أيامه - وكان كثير الشكوى من اختلال صحته، فذهب ذات مرة إلى طبيب ~~مشهود له بالكفاية، واسع الشهرة في فن الطب، وبعد أن أتم الطبيب فحصه - على أحدث الطرق ~~العلمية - التفت إليه قائلا: «اسمع يا صديقي، إن متاعبك وآلامك كلها ناشئة من كثرة تهافتك ~~على أكل اللحم بمقادير كبيرة جدا!» # ولم يكد صديقي يسمع من طبيبه ذلك حتى بلغت دهشته أقصاها، وأجابه قائلا: «ربما كنت مصيبا ~~في حكمك يا دكتور، ولكني لم أذق لحما منذ عامين!» # وهنا وجم الطبيب، ولم يكن خجله بأقل من خجل ذلك المنجم الذي روينا قصته في أول هذا ~~المقال! # وغير الطبيب تذكرته الطبية، وأشار عليه بوصفة أخرى، تتلخص في الابتعاد دائما عن ~~الانفعالات النفسية التي تسبب له هذه المتاعب والآلام! ~~••• # هذه ms100 حكاية واقعة صحيحة أيها القارئ، وهي - على غرابتها - كثيرة الأشباه والنظائر، وربما ~~حدث لكل إنسان ما يقاربها أو يماثلها، وإني لأكاد أجزم موقنا أن ملايين من الناس يعانون من ~~غموض نصائح الأطباء، وتناقض أقوالهم، واضطراب وصفاتهم، ما يعجز القلم عن وصفه! # والحق الذي لا مراء فيه، أن اتباع وصفة بعينها، أو السير على نمط خاص في التغذية، وتناول ~~نوع واحد من الطعام، من الأشياء التي مني بها هذا العصر، بل هو - على الأصح - بدعة ممقوتة ~~فيها من الأضرار ما لا قبل لإنسان باحتماله، وما أعجب غرام الأطباء، ومصالح الصحة بإصدار ~~قوائم مطولة، يحصون فيها ما يجب أكله من الطعام وما لا يجب، ويقيدون بها ما يزعمونه صالحا ~~للتغذية وما يزعمونه ضارا من الأطعمة! # وفي الواقع أن النصائح الطبية للتغذية؛ لا يرضخ لها رضوخا تاما إلا في أحوال مرضية ~~حادة أو خاصة، وفي الحميات، وفي الحالات الجراحية، والبول السكري. وما أشد ما يغررون بنا؛ ~~إذ يقررون لنا أن اتباع نصائحهم سيقودنا إلى السلامة ويكسبنا الصحة والعافية، ويرد لنا ما ~~فقد من قوانا، وما بهت من ألواننا، ويطيل من أعمارنا، إلى آخر هذه المزاعم الطويلة العريضة ~~التي لا آخر لها، وليس هذا شأن دجاجلة الطب وحدهم؛ بل إن كثيرا من أفاضل الأطباء يندفعون ~~في هذه الطريق بحسن نية، ويصفون ذلك بإخلاص وأمانة منساقين في تيار هذه البدعة ~~الجارف! # لقد طالما نصحنا الأطباء بأكل كل الخضر نيئة، ثم نصحونا أيضا بطبخها، وطالما أشاروا ~~علينا بأكل الفاكهة، ثم أشاروا علينا بالكف عن أكلها، وهكذا وهكذا مما لا نهاية من الأوامر ~~التي لا تلبث أن تصير نواهي، حتى أصبح الرجل الذي يستطيع أن يمنع نفسه من الحيرة والارتباك ~~- أمام هذه الأوصاف المربكة المتناقضة ويستخلص من هذه الشعاب المتلوية طريقا واضحة - ~~جديرا أن ندعوه بطلا، وأن نطلق عليه اسم الإنسان الأعلى «السبرمان». # ولا تزال إلى اليوم فئة من الأغرار تنخدع بهذه النصائح، فتعكف على تناول طعام بعينه، ~~حاسبة في ذلك نجاتهم وتوفر صحتهم، فتكون النتائج غير ms101 مرضية، أو - على الأصح - عكسية! ذلك أن ~~الاقتصار على نوع واحد من الغذاء - بالغة ما بلغت فائدته وصلاحيته - يضر بنا إضرارا ~~بليغا، فإن جسمنا الذي اعتاد أن يتغذى بالأطعمة المختلفة إذا اقتصر على غذاء بعينه حرم ~~مواد مغذية ليست في هذا الغذاء، وأدخل فيه عناصر متراكمة من هذا الغذاء ليس هو في حاجة ~~إليها. ومن هنا ينشأ الإسراف في إدخال عنصر - مهما بلغ نفعه - فهو ضار إذا تجاوز المقدار ~~الكافي منه، وربما دفعهم اليأس - بعد ذلك - إلى نقيض ما فعلوا، فأسرفوا في الخلط بين المآكل ~~العديدة، واندفعوا في أكل الأطعمة المختلفة، ولكن: # بين إسراف وبخل رتبة # وكلا الأمرين - إن زاد - قتل! # ومن غرائب الأمور أن الكيميائي البارع - الذي كرس حياته لدراسة طبائع الأغذية - يكاد يحجم ~~عن وصف طعام لك، بينما يندفع الجهلاء وأنصاف الجهلاء إلى تقرير ما يصلح لك من الطعام بلا ~~تردد! # وإننا لنسجل بالإعجاب قول أحد العلماء الكيميائين - وهو تصريح له خطره وأهميته - قال: ~~«قبل ستة أعوام، لم أكن قد تعمقت في درس الغذاء، فكنت إذا استشارني إنسان في نوع الغذاء ~~الذي يصلح له؛ أجبته عنه بلا تردد، أما الآن - بعد أن أطلت البحث، والعمل بجد ونشاط، ووقفت ~~على خصائص الأغذية، ومزايا كل نوع وأضراره؛ فقد وصلت إلى نتيجة أخرى، هي اقتناعي بعجزي ~~وقصوري التامين عن وصف أي طعام لأي إنسان. # وكل ما وصلت إليه من الحقائق؛ هو أنني - وغيري - جاهلون جهلا لا شك فيه بتخير الطعام ~~الذي ننصح لك بتناوله بأكله. ~~••• # أذكر لك حكاية صديق آخر، لا عمل له إلا الاشتغال بتحليل الأطعمة ووصف ما يصلح للمرضى منها ~~وما لا يصح، فقد أصابه ذات يوم مرض، فذهب إلى الطبيب العلامة «هوبكنز»، فماذا قال له ~~الطبيب؟ قال له: «إن كل أعضائك سليمة، وليس عليك - إذا شئت الشفاء - إلا أن تقلل من أكلك، ~~أو تكثر من النزهة، فإنك إن فعلت واحدا من هذين نجوت وسلمت!» # وقد اتبع نصيحة الطبيب، واستفاد منها كثيرا، وأصبحت صحته على أتم ما يرام. # فإذا ms102 كان المشتغلون بكيمياء الطعام وتحليله، ووصف ما ينفع الناس منه وما لا ينفع، عاجزون ~~عن اختيار ما يلائمهم منه، فإن غيرهم من الناس أعجز! ~~••• # وموجز القول: أن في كل نوع من الأغذية مزايا وأضرارا، وأن الأطعمة المختلفة يتمم بعضها ~~بعضا؛ فإن في كل طعام من المزايا ما ليس في الآخر، وأن تعود الجسم على تناول أطعمة بعينها ~~يكسبه مرانة على هضمها، فإذا تركها فجأة وعدل عنها إلى نوع آخر من الطعام - لم يألفه - أضر ~~به ذلك العدول، وإن أكثر الأطباء لا يعنون بتحري الدقة في أقوالهم إذا تكلموا عن الغذاء، ~~وأنهم لو أرادوا الدقة لما وصفوا أي نوع من الأغذية، فإن اللبن وهو أصلح الأطعمة - في زعمهم ~~- ناقص يحتاج إلى ما يكمله، وقس على ذلك غيره مما لا يتسع المقام للإفاضة في شرحه، ولقد كان ~~الموز يعتبر - منذ زمن قريب - أخطر نوع من الغذاء للأطفال. # وكانت الأم إذا رأت طفلها يأكله مرة حسبته هالكا لا محالة، وها هو قد تغير الزمن ودار ~~دورته فأصبح المختصون يوصون الناس بتغذية أطفالهم به، ويقررون لهم أنه أصلح غذاء صحي ~~لصغارهم. # ولعلنا نسمع في الغد نظريات جديدة تنقض كل ما يقررونه اليوم! # | الشعراء المعاصرون: أبو شادي1 # «وإن صديقي - إن رأى الحق شرعتي - فليس يحابيني، ولا ينثني عني» # أبو شادي # لعل خير ما أفتتح به هذا الفصل هو قول صديقي الأستاذ الأديب الفنان سيد أفندي إبراهيم من ~~مقال له: # وإذا كان للعدو أن يكتب عن عدوه وأن ينصفه - ما دام من طبعه الإنصاف - فلا ضير أن ~~يكتب الصديق عن صديقه وأن ينصفه ما دام من طبعه الإنصاف. # هذه كلمة حق يجب أن أسجلها لصديقي سيد، وأن أستشهد بها حين أكتب عن صديقي أبي شادي، ~~فسيقول بعض المتسكعين الفارغي القلب كعهدنا بهم: «صديق يقرظ صديقه ويجامله!» # ولا، وحرمة الحق والإنصاف، إن هو إلا صديق يسجل حسنات صديقه مغتبطا بتسجيلها له، وما ~~أدري أية غضاضة في ذلك؟! # وإذا كان الصديق لا ينصف صديقه - بعد أن رآه أهلا ms103 للإنصاف - فمن ينصفه؟! # أينصفه عدوه الذي يرى كل حسنة من حسناته، ومفخرة من مفاخره سيئة يلومه عليها، وجريمة يندد ~~بها؟! أينصفه حاسده وهو يرى في نجاحه أكبر نكبة تحيق به وتضيع آماله، ولا يرضى عنه إلا إذا ~~تساوى معه في العجز والفشل؟! # إن العيب الذي يؤخذ على الصديق هو أن يغفل عن تنبيه صديقه إلى مواطن الضعف والزلل، وهو ~~جدير - إذ يفعل ذلك - بأن يسجل له مغتبطا المزايا الباهرة التي يراها فيه، وإنما يعاب على ~~الصديق أن تغطي الصداقة على عيوب صديقه فلا يراها، وهو جدير أن يكون لصديقه مرآة صافية تريه ~~محاسنه وعيوبه - على السواء - «فإن المرء لا يرى عيب نفسه» كما يقولون. بقيت ثمة ملاحظة لا ~~أرى بدا من الإفضاء بها إلى القارئ؛ وهي أن الصداقة التي تجر إلى الإعجاب غير الإعجاب ~~الذي يجر إلى الصداقة، وأنا ممن يعجبون بالرجل أولا ثم يصاحبونه؛ فإعجابي بمزاياه الباهرة ~~هو أساس صداقتي معه وليست صداقتي معه هي أساس إعجابي به، فإذا سجلت لصديقي شيئا من ~~ميزاته فإنما أسجل رأيي فيه الذي ارتأيته قبل أن أتخذه لي صديقا وصاحبا وأخا، ثم لم ~~أتحول عن هذا الرأي بعد مصاحبته. وهذه كلمة لا بد من الإفضاء بها إلى من يخلطون بين واجبات ~~الصداقة وواجبات النقد الأدبي النزيه الذي يحترم الأصول الفنية. # وإنا لنسجل على أنفسنا التقصير والعقوق إذا لم نشد بعبقرية شاعر فذ وأديب متفنن ~~ألمعي، لا لذنب إلا لأنه من معاصرينا، تاركين لأعقابنا الاعتراف له بحسناته في الوقت الذي ~~لا ينفع أدبنا العصري هذا الاعتراف بعد أن عققنا أدبه وتغاضينا عن حسناته. # وإذا كان أدباؤنا الممتازون الذين حرموا نفوسهم كل لذات الحياة ومبهجاتها - في سبيل إنهاض ~~الأدب، وخدمة اللغة والعلم والفن جميعا - لا يجدون منا كلمة إنصاف، ولا يرون إلا جحودا ~~ونكرانا للجميل، فما أجدرنا حينئذ بلقب غير هذا اللقب السامي - لقب الأديب - الذي يرى أول ~~واجباته انتصار الأديب للأديب «وفرحة الأديب بالأديب!»، ويدين بقول أبي تمام: # أو نختلف يوما يؤلف بيننا # أدب ms104 أقمناه مقام الوالد # وإني لأكون ساخرا بنفسي وبالقراء معا إذا حسبت أن إلمامة موجزة كهذه تكفي لتحليل أبي ~~شادي، والتنويه بفضله على العربية وعلى الأدب وعلى العلم وعلى الفن، وقد أبلى في كل هذه ~~جميعا بلاء حسنا، وكان الرائد الجريء، وهذا ما يعترف له به النقاد قبل مريديه، وما ظنك ~~برجل أيسر إنتاجه أكبر وأجدى مما أنتجه أي فرد من خصومه الزارين عليه المتظاهرين بتحقير ~~جهده الفذ؟! ما بالك برجل يكون أيسر تآليفه عدة أوبرات يختط بها - في الشعر العربي - طريقا ~~واضحة ميسرة معبدة غير ملتوية ولا معوجة مما أكبره أعلام المستشرقين؟! # ولو استطاع أحد خصومه أن ينظم واحدة من هذه الأوبرات العديدة - «كإحسان» و«الآلهة» ~~و«أردشير» و«الزباء» و«بنت الصحراء» و«إخناتون» - لكانت بيضة الديك، ولملأ الدنيا بها فخرا ~~ومباهاة! # ثم يكون من آثاره تآليفه القيمة في علم النحالة ~~(apiculture) # التي خدم بها اللغة والعلم والاقتصاد الزراعي معا، ~~واشتهرت عالميا، وكتاب «الطبيب والمعمل » - في زهاء ألف صفحة - يطوع فيه الألفاظ العربية ~~تطويعا لم يسبقه إليه غيره من أساطين فن الطب إلى الآن: # ردت لطافته وحدة ذهنه # وحش اللغات أوانسا بخطابه # والنحل يجني المر من نور الربى # فيصير شهدا في طريق رضابه # ثم يكون من آثاره ترجمته القوية الرائعة لشكسبير، وديوانه «الشفق الباكي» في أكثر من ألف ~~صفحة جياشة بشتى العواطف والإحساسات، حافلة بالدراسات الأدبية القيمة، ونراه يثبت في كتبه ~~آراء خصومه كما يثبت آراء المعجبين به على السواء، ويدعو إلى النقد الحر المستقل ويحترمه ~~شاكرا، وهي خلة لم نكد نراها في سواه من أدباء هذا العصر الذين يحقدون على كل من خالف لهم ~~رأيا، أو أظهر فيهم عيبا واحدا!!! # 2 # تلك بعض حسنات أبي شادي الذي يمثل لنا أدب الثقافة العالية والحياة القوية، كما يمثل لنا ~~روح العلم وحب البحث والاستقصاء، نسجلها بإيجاز حقائق ناطقة لا مجال للإسراف والغلو فيها، ~~وهي حسنات يذكرها له الأدب وتاريخ اللغة وتاريخ النهضة العلمية معا، ولقد كنا نحسب من ~~المغالاة ما روي لنا عن أن الشعر ms105 كان أيسر أدوات ابن الرومي حتى رأينا إنتاج أبي شادي ~~المتنوع علما وأدبا، واختبرنا تفننه في ذلك؛ فآمنا بصدق تلك الرواية، واتخذنا من عبقرية ~~أبي شادي المتعددة النواحي قرينة أو برهانا على صحة نظيرتها عند ابن الرومي. # صورة فنية كاريكاتورية بديعة من رسم الاستاذ «فريدون» تمثل مناحى عبقرية ~~«أبي شادي» الأدبية العلمية. ~~(1) شعره ورأيه في الشعر والشاعر # يرى «أبو شادي» أنه لا بد للشاعر المتعالي من رسالة سامية يؤديها، وأنه لا كمال للشعر ~~في أن يكون ذاتيا ~~“subjective” # فقط، ولا في أن يكون ~~موضوعيا ~~“objective” # فحسب، بل إن أكمل ما جمع بين ~~الصورتين، وما توج برسالة فنية عالية للحياة والأحياء، والرسالة التي تزجيه نفسه ~~وشاعريته إلى بثها هي رسالة التفاؤل الإنساني والاندماج الفلسفي في النوع اندماجا ~~يجعله يحس حقيقة بأنه خالد في نوعه، وأن الفرد - أو الحياة المحدودة - يضحي في سبيل ~~تجميل النوع - أو الحياة المستمرة - فهو يرضى قريرا بهذه التضحية في سبيل ما تنزع إليه ~~الحياة من جمال وكمال، # 3 # وهو بهذا الشعور متصوف، وتتجلى روحه الصوفية - على أقوى ما تكون- في ~~مناجاته الطبيعة بأناشيده التي تراها، وإن اختلفت أنغامها ومعانيها متجهة إلى قبلة ~~واحدة. # وهو، وإن لم يغمط الشاعر الذاتي البحت، ولا الشاعر الموضوعي الصرف حقه بالنسبة إلى ~~مدى قوته في الشاعرية، إلا أنه ينظر إلى المثل الأعلى من الشعر نظر المؤمن إلى رسالة ~~قدسية، فهو لا يعتبره شعورا عميقا، وخيالا ساميا، وعاطفة حارة، وتعبيرا فنيا ~~فقط، بل يراه - مع كل هذا - نشيدا لوحي سماوي يصعد بالإنسانية من حضيض البهيمية ~~ويبوئها مكانتها الروحية الجديرة بها. # فإذا شئت أن تعرف روح هذا الشاعر ولبه فحسبك عبرته «إخناتون» - وهو أول من ألف ~~رواية عنه وحاول إنصافه في أدبنا العربي، وتابعه شوقي بك في محاولته إنصاف كليوباترة، ~~وإن كان الفرق بين الشخصيتين شاسعا. # وفي ديوانه «الشفق الباكي» - فضلا عن دواوينه السابقة - نماذج شتى لما يوصف بشعره ~~الإنساني العالمي، وكذلك ترى في ديوانه الأخير «وحي العام» # 4 # بجزءيه لسنتي 1928 و1929م، وفي ملحمته ms106 الشعرية الفلسفية المشهورة «شوبنهاور ~~والحياة» تعابير شتى من عقيدته هذه ومن تصوفه القوي، وإذا رجعت إلى شعره القديم وجدت ~~نفس هذه الروح الإنسانية متمشية معه في نموه الفكري الوجداني منذ نيف وعشرين ~~عاما. ~~••• # وأنت - إذ تقرأ شعره القومي السياسي - لا تقرأ شعرا ديمقراطيا مثلما تقرأ شعرا ~~إنسانيا في روحه، ولا غرابة في ذلك ما دامت هذه هي النزعة الغالبة على الشاعر في جميع ~~أدوار حياته وفي كل نواحي عيشته، مما يدل عليها تعلقه بمظاهر التعاون الأمي الفكري، ~~واشتراكه فيما يستطيع الاشتراك فيه منها. # ولشعره القومي - إلى جانب إنسانيته - صبغة ديمقراطية سليمة تجدها في حدبه على ~~الفلاحين، ألا ترى ذلك في قصيدته «كوخ الريف»؟ # 5 # ثم ألا تراه أبلغ محبب حياة الريف للمصري في مثل قصيدته «في حضن ~~الريف» # 6 # التي هي مثال لشعره القومي الكثير؟ # فأنت ترى - في هذه القصيدة - صورا من العواطف الحارة الجامعة بين حب الوطن وحب ~~الطبيعة والتفنن في وصفها - وقلما تجد له قصيدة وجدانية لا تجمع بين فنون شتى من الشعر ~~تمتزج امتزاجا بنفسه المستوعبة لشتى الأطياف والألوان والأنغام. # وما دمنا قد أشرنا إلى شعره القومي - وطائفة صالحة منه موزعة بين دواوينه «مصريات» ~~و«أنين ورنين» و«الشفق الباكي» و«وحي العام»؛ دع عنك مؤلفاته الشعرية الأخرى مثل «نكبة ~~نافارين» و«مفخرة رشيد» ... إلخ - فحري بنا أن نشير إلى قصيدته الوطنية الممتازة: ~~«الفلاحة» # 7 # دون أن ننسى أنه صاحب البيت المشهور: # والشعب إن يغفل حقوق صغيره # صار الكبير به الصغير الضائعا! # ولما كانت للشاعر جولات شتى في فنون الشعر المتعددة فإني أكتفي بالإشارة إلى أهمها، ~~أو على الأصح إلى ما يحضرني منها؛ فهو قد أعاد لنا الروح الفلسفي في الشعر، وبرهن - ~~أيما برهان - على أن الشعر العالي يعتز بذلك، وأن الفلسفة لا تضر الشعر بل تخدمه ~~وتغذيه، وليس الذنب عائدا إليها إذا أدخلها بعض الأغرار في الشعر فأفسده بها، فإنما ~~الذنب ذنب من يتناولها بغير بصيرة، ومن يخرجها به تقليدا، لا عن شعور وإيمان صادق، وقد ~~رأينا أبا العلاء والمتنبي ms107 مثلا يمزجان الشعر بالفلسفة؛ فيبلغان ذروة الإجادة، ويضيء ~~شعرهما بأسمى معاني الفلسفة. وشواهد «أبي شادي» في هذا الباب تكاد لا تحصى، وهو يرى أن ~~النظرة الشعرية تستطيع أن تستوعب الفلسفة والعلم، بل وجديرة بأن تستوعب كل شيء، والعبرة ~~باندماج الشاعر في موضوعه بدل أن يكون صانعا وصافا غريبا عنه، ولعل هذا هو السر في ~~إكباب أبي شادي على عمله العلمي بشغف كأنما هو ينظم شعرا جميلا، وله في «المكرسكوب» - ~~المجهر - قصيدة فلسفية وجدانية فريدة في بابها. # الينبوع # وبينما يروج غير واحد من أعلام أدبائنا للدعاية ضد المرأة، على اعتبار أنها نوع من ~~الشر الضروري؛ يعدها أبو شادي ينبوع السعادة، ويضعها في أرفع منزلة لم تنلها من شاعر ~~عربي من قبل، بل ولا من أحد من معاصريه، وتدور حولها - على الحقيقة - عبرته «الآلهة» في ~~رمزي الجمال والحب، وبدافع سحرها نظم قصيدته البديعة «الينبوع» مستوحيا - كما شاءت ~~عواطفه الحارة وخياله الشعري - الصورة الفنية # 8 # التي رسمها النقاش الشهير إنجرز ~~“ingrss” ~~. # وقد تنوقلت هذه القصيدة وكثر الاقتباس منها؛ لجمال موسيقيتها ومعانيها، ولم يفت شوقي ~~بك روحها وأخص معانيها حين نظم قصيدته اللامية «بمصرع كليوباترا». ولا جدال في أن نظرة ~~أبي شادي إلى المرأة هي نظرة أفلاطونية روحية بريئة، ويتبع ذلك شعره الغزلي - وكله عفيف ~~- ونظمه الغنائي الكثير، ولن تجد في شعره الغزلي - كيفما كان الموقف أو الموضوع أو ~~المناسبة - شيئا ينبو عنه الذوق المهذب، أو تستحي منه الفتاة، وكما أنه بطبيعته مبتكر ~~في المعنى والخيال والموضوع، فهو كذلك شديد النزوع إلى الابتكار في المبنى؛ مثال ذلك: ~~قصيدته الطريفة «المثال» # 9 # وهي تحفة من حسنات الشعر العصري الذي ما نزال نغفل دراسته في معاهدنا بكل ~~أسف - ولا أستثني من ذلك الجامعة المصرية - منقطعين لعبادة القدماء والتغني بآثارهم، ~~وفي هذه القصيدة ما يروعك، ويفتنك من الوصف الدقيق المشوق والنغم الشجي، في حين أن كل ~~عقباه قبلة أفلاطونية و«شعر يطيب كوقع المثاني»!! # ولا عجب في ذلك حينما تدرك نزعة «الإيديالزم» المتسلطة عليه دائما، الموحية إليه بأن ms108 ~~يقول: # مذهبي في جلالة الحسن أن لا # يغتدي نعمة تحب لتفسد # أكثر الحسن ما يصان ليشقى # إنما الحسن ما يصان ليعبد! # ويطول بنا الحديث إذا تكلمت عن شعره الوصفي واستنطاقه للحياة والجماد، بل لعالم رؤياه ~~كله، فنكتفي بالإشارة إلى قصيدته «الرقيبان الصامتان» # 10 # وإلى قصيدة المتأملة، # 11 # وكلتاهما من شعر التصوير الذي أخصب به الأدب العصري، كما ابتدع له فنونا ~~من الشعر المرسل، ومن الشعر الحر، وتصرف تصرفا حكيما في أساليبه البيانية الجديدة وفي ~~مناهجه اللغوية لفظا وأسلوبا، ولا تحسبنا في حاجة إلى الإشارة إلى شعره التاريخي، ~~وإلى نظمه القصصي الموفق، فنماذجه كثيرة مشهورة، وقد جاءت برهانا كافيا على طواعية ~~اللغة العربية ومواتاتها لمن يعرف أسرارها، ويتضلع منها، وتكون له شاعرية مطبوعة، ~~وثقافة تزجيه إلى التعبير والابتكار، وشاعرنا - بطبيعة تكوينه العصبي وفرط حسيته ~~وعواطفه - شاعر أصيل يرث الشاعرية أو الاستعداد الفني عن والده الخطيب المفوه، والكاتب ~~الشاعر الكبير محمد أبي شادي بك من ناحية، وعن والدته الأديبة الشاعرة الرقيقة السيدة ~~أمينة نجيب، وعن خاله المؤرخ القدير، والشاعر الناثر المتفنن مصطفى نجيب بك من ناحية ~~أخرى. وهو برغم هذا التراث الأدبي تراه غير راض عن نفسه، ولا يعني بالشعر الذاتي البحت ~~إلا في مواقف الدفاع أمام تهجم الجامدين أو حسد المنافسين، إذا ما استحالت نزواتهم إلى ~~تحامل مرذول، ولعل من الخير للأدب هذا الشعور المتأصل فيه؛ لأنه يدفعه إلى الإنتاج ~~المتواصل طلبا للكمال الفني، على العكس من القانعين الكسالى الفخورين بآثارهم الضئيلة؛ ~~لأنهم لا يخدمون الأدب ولا يصلحون من ملكتهم بتكرارهم إنشاد شعرهم القديم في زهو ~~وغرور، ومن أحسن ما نختاره من شعره الذاتي ~~“Subjective ~~poetry” # قصيدته في الدفاع عن نفسه أمام خصومه المتحاملين وحاسديه، ~~وعنوانها «جوابي». # 12 # وهذه القصيدة - التي ينظمها شاعر رومانطيقي - هي في جملتها كلاسيكية الصورة # 13 # وهذا الذي يجيب خصومه بهذا الجواب المفحم لا يتردد عند الموازنة في ~~الاعتراف بحسناتهم كأنما هي جزء من نفسه ما دامت قد نالت استحسانه، ويرفض فكرة الحفاوة ~~به في «جمعية المصباح ms109 الخافت» قائلا: إنه لا يستحق مثل هذه الحفاوة ولا التعريف به ~~للأدباء الغربيين وهو لم يسد بعد للأدب العربي ما أسداه مثل توماس هاردي بتأليفه ~~«العواهل» ~~(Ihe Dynasts) # إلى الأدب الإنجليزي بل إلى ~~عالم الأدب والإنسانية، وهكذا يثبت «أبو شادي» إخلاصه الفني، وجدارة شعره بالعناية ~~والدرس والإجلال. # وصفوة القول أنه ليس بالغنم القليل للأدب العصري أن يظهر فيه شاعر منجب خلاق يتدفق ~~شاعرية ذو عقيدة قوية، وقد شمل شعره السخي المليء بأفانين الجمال وطرف الأدب كل ما وقع ~~تحت بصره، واهتزت له نفسه، وكل ما تاق له وجدانه وتخيلته روحه المتسامية؛ فتغنى ~~بالطبيعة، والفضيلة، وبالخير، والإنسانية العالية كما تغنى بحب بلاده، وبزرعها، ~~وضرعها، وبأزهارها، وشمسها ونيلها السعيد، كل ذلك في بيان عذب، وموسيقية ساحرة، وجدة ~~رائعة لا أثر للتقليد فيها، مع غيرة صادقة على تراث أجداده، وفي مقدمته لغته العزيزة ~~التي يرى في خدمتها المتواصلة وفي التقدم بها إكرامها، حينما يقنع الأدعياء الصاخبون ~~بالوقوف بها، وباقتسام فضلات الموتى!! # فدراسة «أبي شادي» الشاعر تجمع في الواقع بين دراسة شاعرية قوية متأججة وشخصية ~~إنسانية ممتازة، وكلتاهما ثائرة الطبع برغم تفاؤلها، واسعة الأفق، عالمية الروح، وإن ~~انتسبت أصلا إلى هذا الوطن وأخلصت له الحب. ~~(2) الجمال الساحر # 14 # حسن هذا الخد إن قيس به # كل حسن كان عنه قاصرا # كم شموس قد خبت أضواؤها # حين لاح الخد نورا باهرا # فجمال الوجه الأخلاق وقد # سطعا للناس صبحا سافرا # منطق حلو، وحسن رائع # جمعا هذا الجمال الساحرا # | هوامش # | مذكرات عجائبي1 # 1 # هب نشالا عرف أني أراقبه باهتمام، أليس من المحتمل وقوعه إنه ربما انتهز هذه الفرصة ~~لنشل ما في جيبي من النقود في الحين الذي أنا مشتغل فيه بالاهتمام بمراقبته وعيناي ~~شاخصتان إليه؟ إذا أقررنا ذلك سهل علينا تفهم ما يأتي به العجائبي من المدهشات؛ فإنه ~~يبني على هذه النظرية حيله المدهشة. # تعتقد أنني أحاول خداعك والعبث بك، فتحدق بي عندما تراني أقف على مسرحي كما هي الحال ~~مع النشال حين تراقبه. # والعجائبي جدير أن يتعرف ms110 كثيرا من مميزات وخواص الناس الضرورية البسيطة، فإن حيلنا ~~يتحتم فيها الفشل؛ إذا لم نعن بدرسك أيها القارئ عنايتنا بدرس صناعتنا واصطلاحاتنا ~~الفنية. # ولقد يكون مثلا من أكبر عوامل نجاحنا؛ قدرتنا على توجيه نظرك متى وأنى شئنا، فإذا ~~صحت فيك قائلا: «انظر إلي، ها هو ذا الصندوق فارغا لا شيء فيه.» أو قلت: «تأمل ها ~~أنا ذا ليس في أكمامي شيء البتة!» # فإنما أفعل ذلك لتحصر انتباهك فيهما، بينما آتي بحركات خفيفة لا تراها لانشغالك ~~بهما. # ولو أنك اهتممت بمراقبتي ولم تهتم بمراقبتهما مثلا، لتمكنت من إدراك حيلتي وفطنت ~~إليها بسهولة. # ولكن تحويل انتباهك هذه الثواني القليلة عن مراقبتي وقت أن آمرك بذلك فتلبي أمري هو ~~أكبر عون لي على خداعك. # وقد اشتغلت بهذا الفن أكثر من ثلاثين عاما، ولا أذكر أنني استطعت - رغم ذلك - أن ~~أغالب عيني عن التحول عن الجهة التي يأمرني العجائبي بالتحول إليها عندما يصيح قائلا: ~~«انتبه إلى كذا ...» # وذلك تقهقر طبيعي لا يمكن مغالبته، ولنفرض أني أريد الإتيان بحركة خفية فليس يكلفني ~~ذلك عناء كبيرا في الإتيان بها دون أن تفطن إليها. # وذلك أنني إذا أردت نقل ساعة جيب، أو إخراج بيضة من قبعة، فإني أدق برجلي دقة شديدة ~~تسترعي الأنظار؛ فتتحول إلى قدمي، وإذا بدا لي أن مراقبة الحاضرين جدية أشرت إلى مساعدي ~~بالإتيان بحركة فجائية غير عادية لتحويل الأنظار عني قليلا. # وإذا أردت إحضار كرسي، أو طاولة، أو سلة، إلى المسرح دون أن تراها فإني أنتقل إلى ~~الجهة المضادة لها أولا، وقد علمت من التجاريب أن أعين الناس تتبع العجائبي دائما إلا ~~إذا أراد هو أن يحولها عنه إلى جهة أخرى. # كل هذه نظريات سهلة وبسيطة في تحويل الأنظار، وهي - مع ذلك - نافعة ومجدية. # ولكي ندرأ عنا كل شبهة، ونتحامى كل ريبة تحوم حول مساعدينا نجعلهم يتظاهرون بأقصى ~~ما يمكن أن يتظاهروا به من العته والبلاهة، فيسقطون الأشياء من أيديهم، ويتعثرون ~~بالكراسي، ويخطئون - عن عمد - حتى في أبسط الأشياء العادية المعروفة بالبداهة، متظاهرين ms111 ~~بأن ذلك إنما يحدث عفوا؛ لأننا نود أن تكون لديك عقيدة ثابتة، وفكرة لا تتزعزع عن جهل ~~أولئك المساعدين، والاعتقاد بأنهم عاجزون عن تقديم أية مساعدة لنا على إنجاز حيلنا، ~~بينما هم في - الحقيقة - أكبر عون لنا على إتمام عملنا. # ولقد جلست مرة إلى جانب سيدة من السيدات فرأيتها تظهر أشد الغرابة والدهشة من بلاهة ~~أحد المساعدين وجهله، وأنا معتقد أنه أنشط وأمهر من عرفت في أداء عمله بدقة وإحكام، وقد ~~رأيته ينجز تسعة أعشار العمل حينما عمل الساحر لم يذكر بجانبه؛ لأن الأنظار متجهة إلى ~~الثاني غافلة عن الأول. # ولقد أتقن المساعد تمثيل دوره حتى لم تتمالك السيدة نفسها من أن تقول: «عجيب! - كيف! ~~- ألم يجد هذا العجائبي أحدا يستخدمه غير هذا الغبي الأبله؟! لشد ما يدهشني أن يبقي ~~العجائبي معه مثل هذا المعتوه!» ولقد هممت بأن أجيبها أن العجائبي بدون هذا المساعد ~~الأبله لا قيمة له. # وكل إخواننا السحرة يعرفون أن الناس لا يهتمون بتحويل أعينهم كثيرا عن المستوى الذي ~~ينظرون إليه، ولذلك السبب يستعملون موائد مصنوعة بطريقة بعينها لتلائم أغراضهم ~~ومقاصدهم، بحيث تكون مرتفعة قليلا عن مستوى الأنظار، فبينما تحسب نفسك ترى كل ما فوقها ~~إذا بك واهم مخدوع. # وإذا شئت رؤية ما فوقها فارفع بصرك قليلا، والأمر الذي يجعلك تغفل هذا أنه يتطلب بعض ~~الجهد. # وليس العجائبي وحده هو الذي انفرد بمعرفة ما للعين الإنسانية من مميزات وخواص، بل ~~يشاركه في ذلك أصحاب الحوانيت والتجار؛ فإنهم يعلمون بأن اللوحات التي عليها الأثمان ~~إذا ارتفعت قليلا عن مستوى النظر؛ فإنها لا ترى، ولهذا تجدهم يضعونها مائلة منحدرة ~~قليلة بحيث تستطيع رؤيتها. # ومن مميزات العين التي قلما يفطن إليها الناس أنها تتطلع إلى الجهة اليمنى أكثر مما ~~تتطلع إلى الجهة اليسرى. وينتفع زملائنا بهذه المميزات كثيرا؛ إذ يجعلون أهم ألعابهم ~~وأصعبها في الجهة اليسرى من المسرح بدلا من الجهة اليمنى، وبهذه الطريقة يكون من الصعب ~~عليك أن تكشف حيلتنا. # ولو أني كنت تاجرا، أو صاحب حانوت، لوضعت كل ms112 ما يستدعي النظر وتسر العين رؤيته على ~~الجهة اليمنى للداخل؛ بحيث تغريه برؤيتها عندما يقع نظره عليها. # ويسألني الكثيرون لماذا يهتم السحرة بالاستكثار من ضوء المسرح، وبذل همتهم في الحصول ~~على أكبر كمية يمكنهم الحصول عليها من الضوء بحيث يصبح المسرح شديد الضوء، ويحسب أولئك ~~المستفسرون أن ضوء المسرح كلما قل ضوءه أصبح أكثر ملاءمة لنا، وقد أوضحت لهم أن كثرة ~~الضوء لا تقتصر فائدتها على إبطال زعم الناس أنهم عاجزون عن رؤية ما في المسرح بوضوح ~~بسبب قلة الضوء، بل تتخطى ذلك إلى مساعدتنا على بهر أنظارهم وإغشائها. # ولعل الكثيرون من الناس يدركون فيما أظن أن تمتمتنا هي خير عون لنا على خداعهم، فإننا ~~نكلمك أثناء القيام بالحيلة لا لأن لدينا أمرا مهما نريد أن نلقي به إليك، بل لأننا ~~نريد أن نشغل أذنيك بينما نتمم حيلتنا. # ولولا ذلك لحصرت كل انتباهك وقواك في حاسة البصر، ففطنت إلى حيلتنا، ولكن أقوالنا ~~تقسم انتباهك، وتضطرك إلى الإصغاء والنظر في آن واحد، فتتقاسم قواك حاستان لا حاسة ~~واحدة. # وقد دلتني تجاربي على أنه أسهل على الإنسان أن يخدع النظر من أن يخدع الأذن؛ فإن أكثر ~~الناس يستطيعون أن يضبطوا حاسة النظر كما يريدون. # ومن الغريب المدهش في الأفراد أننا نجد من السهل علينا جدا أن نخدع المتعلمين ونرى ~~خداعهم أيسر من خداع العامة، ويرجع ذلك إلى تعمق العالم في نظرياته العلمية التي ~~درسها لاستنباط فكرة غريبة يعلل بها غرابة ما رآه، أما الفرد العادي فإنه لجهله ~~النظريات العلمية تجده يفكر دائما تفكيرا عاديا بسيطا، وقد يهتدي بذلك إلى ~~الحقيقة. # ولهذا السبب عينه نتحاشى ونجبن عن اللعب أمام الأطفال؛ لأن عقل الطفل يتشكك بمجرد ~~رؤيته شيئا لا يفهمه فيصعب علينا خداعه. # وبهذه المناسبة أذكر ما حدث لي مع المستر «روزفلت»، فقد كنا عائدين معا من لندن على ~~باخرة واحدة، ولم يكن قد أعلن من قبل عزمه على السفر، ولا عن اسم السفينة التي أزمع أن ~~تقله، ولكني حين ذهبت لابتياع تذكرة أخبرني ms113 الكاتب أن المستر «روزفلت» مرافقي في هذه ~~السياحة؛ فسرني ذلك بالطبع، وعلمت أنهم بلا شك سيدعونني لإظهار بعض مدهشاتي أمامه، ~~فعزمت في هذه المرة على إبداء شيء طريف لهذا السيد. # وكان المستر «روزفلت» قد رسم خريطة وبين فيها اكتشافاته، وأرسلها إلى إحدى الصحف ~~الإنجليزية، وأمر أن تنشر بعد أن تقلع السفينة بثلاثة أيام، ولم يعلم أحد بأمر هذه ~~الخريطة إلا المستر «روزفلت» وشخص واحد، أو شخصان فقط، فاعتزمت أخذ صورة منها لأفاجئه ~~بها. # أما كيفية حصولي على نسخة منها فأرجو أن يعفيني القارئ من ذكره، وحسبي أن أؤكد له ~~أنني حصلت على نسخة منها بسهولة. # وفي اليوم التالي طلب إلي أن أعرض عليهم بعض الألعاب، وأن أجيب عن بعض الأسئلة، وقد ~~كنت متحققا من أن بعض الحاضرين سيطلب إلي أن أرسم الخريطة التي فيها اكتشاف المستر ~~روزفلت، ولم يخطئ ظني؛ فقد سألني المستر «تيدي» - والضحك ملء فيه - نفس هذا السؤال، وهو ~~واثق من أنه قد عثر على أمر لن أهتدي إلى حله، ولما شرعت في رسمها جحظت عيناه وظهر عليه ~~من الدهشة والاستغراب والعجب ما لم أره على أحد في حياتي قط ثم اندفع إلي قائلا: ~~«ويلك يا خبيث! ذلك أقصى ما يصل إليه عجائبي من الإغراب والحذق!» # 2 # وأنت حين تأتي بما يعده الناس مستحيلا # 2 # تتحول إليك أنظارهم، وتشرئب أعناقهم، ويجلسون وكأن على رءوسهم الطير، وهذا ~~هو الأمر الذي يحدوني إلى إظهار حيل متنوعة مثيرة للعواطف كل عام، ولي في هذا العام شأن ~~عظيم في بعض ألعاب مدهشة منها: إخفاء الفيل، وإخفاء الإبرة التي تبتلع مائتي إبرة، ~~ومائة قدم من الخيط، ثم إظهار هذا العدد مرة ثانية وفي كل إبرة خيطها. # ويسألني الكثيرون عن إبداع الحيل التي يميل إلى مشاهدتها الجمهور؛ وجوابي أن هذا ~~يتوقف على نوع الحاضرين، فالسيدات مثلا يرغبن في مفاجأتهن برؤية الأزهار والطيور ~~الجميلة، والأشياء التي يرينها ويتناولنها يوميا، والرجال - على العكس من ذلك - يحبون ~~لعبة الورق وحجرة العذاب الصينية، وأرى أن جميع الحيل التي ms114 يشتد فيها الخطر تروق الرجال ~~أكثر مما تروق النساء. # ومن الملاحظات العجيبة أيضا أن الناس يهتمون لرؤية الأشياء تختفي أكثر مما يدهشون ~~لرؤيتها تظهر ثانية؛ فإنك حين تعيد لهم الأشياء التي أخفيتها عنهم يتهمونك بأنك كنت قد ~~خبأتها في مكان لم يفطنوا إليه، أما حين تخفيها عنهم فإنك تزيد في حيرتهم وإعجابهم، ~~ولهذا تراني أهتم بإخفاء الفيل الضخم الذي يزن عشرة آلاف وخمسمائة رطل عن أعينهم في بضع ~~ثوان في مضمار نيويورك، أكثر مما اهتم بإعادته ثانية من الهواء. # وإن فكرة إخفاء فيل زنته عشرة آلاف وخمسمائة رطل هي فكرة مروعة ومحيرة معا. # وقد قمت بأعمال باهرة في السنوات الأخيرة في مناسبات عدة فأظهرت قدرتي على إنقاذ نفسي ~~بعد أن يشد وثاقي. # على أن مثل هذه الحيل تكبدني عناء لا يوصف؛ فقد كنت أوثق في جذع الشجرة وثاقا ~~محكما، وتغل يداي ثم أغمر في الماء بحيث تكون رأسي إلى أسفل؛ فأنجو من تلك القيود ~~الثقيلة المحكمة، وأتخلص من تلك الحبال التي أوثقوني بها بحيل عجيبة مدهشة، وفي هذا ~~النوع من الألعاب من الخطر المحقق ما لا يستهان به، وهو أكثرها ملاءمة وتسلية للناس، ~~والناس يأنسون برؤية الخطر وليس من مأربهم طبعا أن يروني قتيلا؛ ولكن من مأربهم أن ~~يروني في خطر محقق أحاول النجاة منه، والخطر إذا كان الإنسان بمأمن منه حين يراه يصبح ~~معجبا. ~~••• # ولو أن قوما رأوا مصورا فوق سطح منزل ذي عشر طبقات لوقف بعضهم ينظر إليه، ولو أن ~~ذلك الرجل نفسه قد زلت قدمه مثلا وأمسكت إحدى يديه بحافة السطح فأصبح معلقا في الفضاء ~~لرأيت الجمع يحتشد، والزحام يشتد في أسرع وقت لرؤية هذا المنظر، ومشاهدة ما فيه من ~~الخطر، وليس يغتبط الناس في أمثال هذه المواقف برؤية سواهم من الناس يهلكون؛ ولكنهم ~~يودون ألا يفوتهم ذلك إذا حدث، ويحبون أن يكونوا في اللحظة التي يحدث فيها، وهذا هو ~~السر في اغتباط الناس وشدة فرحهم حين يرونني أبدأ في اللعبة المعروفة بحجرة العذاب ~~الصينية التي يعدونها ms115 من أمتع حيلي؛ لما فيها من الخطر الداهم. # ويرى الحاضرون - قبل شروعي في هذه اللعبة الشاقة - تلك اللعبة الزجاجية الضيقة وهي ~~ملأى بالماء، وفي رجلي ثقل زنته ثلاثمائة وخمسون رطلا، وأنا أنغمس فيها بحيث تكون ~~رجلاي في أعلاها ويداي في أسفلها - كما مر - على مرأى من الناس جميعا، ثم تغلق تلك ~~العلبة الزجاجية التي تحتويني، والخطر الداهم المحقق في هذه اللعبة هو أن هلاكي يتحتم ~~إذا لم أستطع التخلص من تلك القيود والأصفاد وأنجو من هذه العلبة الزجاجية توا؛ وذلك ~~هو السر في إيجاد مساعدي بحيث يقف بجانب الزجاجة دائما حاملا في يده ملطسا حتى إذا ~~غبت دقيقتين دون أن أخرج اضطر إلى تحطيم الزجاجة وإخراجي في الحال. # وإذ يرى الحاضرون هذا المساعد واقفا أمام الزجاجة يتحققون من أن هناك خطرا علي؛ ~~فينصتون إنصاتا، ويرهفون آذانهم إرهافا، ولا يتحركون وكأنما على رءوسهم الطير، ويظلون ~~كذلك حتى يروني أنجو من هذه الزجاجة، ويستغرق ذلك عادة نحو ثلاثين ثانية. # وإنه الخطر المحدق بي هو الذي جعل الجمع يحتشد ويكثر عندما يراني موثقا مغلولا أقفز ~~من القنطرة إلى النهر، وخطر هذه اللعبة أيضا في أن هلاكي محتمل جدا إذا لم تتح لي ~~فرصة النجاة منها، والعودة إلى سطح الماء ثانية وأنا حي. # وأذكر في ذات يوم من أيام الشتاء في بطرسبرج أنني آثرت في نفوس المتفرجين انزعاجا ~~حقيقيا، وسببت لهم جلبا وصياحا ورعبا. # وذلك أنني أغللت وقيدت كما هي العادة، ثم ربطت إلى جذع بالحبال والسلاسل، وألقيت ~~في فرجة كبيرة قطعوها من مياه النهر المتجمد في ذلك الحين لهذا الغرض، ولما أراد ~~البوليس التدخل لم نمهله ريثما يمنعنا، بل أسرعت بإلقاء نفسي في الماء قبل أن يقوم بعمل ~~أي شيء ليحول بيني وبين ذلك، وهنا بدأ الجزء المروع من هذا الفصل؛ فإني بعد أن حللت ~~وثاقي - دون عناء - حاولت الصعود إلى سطح الماء؛ فوجدتني قد أخطأت تلك الفرجة التي ~~ألقوني فيها، ورأيت أن سمك الثلج فوقي يبلغ سبع بوصات، وأيقنت حينئذ أني لا ms116 محالة هالك، ~~ولكن إيماني بالنجاة من هذا المأزق طمأنني قليلا، ولم أشأ أن أستسلم للهلاك دون أن ~~أبذل كل ما لدي من القوة في مقاومته، فقربت أنفي من الجليد - بقدر استطاعتي - لأتنسم ~~الهواء، وذكرت أني قرأت عن رجل نجا من مثل هذا المأزق بأن واصل السباحة على شكل دائرة ~~ضيقة تزيد اتساعها شيئا فشيئا في كل مرة عن الأخرى، ففعلت ذلك وانتهيت أخيرا إلى ~~الفرجة التي ألقوني فيها، وظهرت على وجه الماء ثانية بعد أن مكثت تحته ثلاث ~~دقائق. # وكان جسمي كالكتلة من الثلج، لشدة ما احتملته من البرد القارس، ولم أتمكن طبعا من ~~إخفاء ضعفي على المسرح، ولكني لم أعبأ بذلك؛ فقد كنت في شغل عن ذلك بما رأيته من ابتهاج ~~بسلامتي من ذلك الهلاك، وشكرت - كل الشكر - الله على ذلك. # ولا أنسى ما حدث في «ملبورن» بأستراليا؛ فقد كان أغرب وأعجب ما لاقيته في جميع أطوار ~~حياتي، ولقد جاء ستون ألف شخص وراقبوني وأنا أغطس في الماء - في ذلك اليوم - موثقا إلى ~~جذع شجرة، وشخصت إلي كل عين حين ألقيت نفسي في الماء، ولم يلبث الناس أن رأوا على سطح ~~الماء جسما طافيا لا حراك به ولا حياة؛ فتبادر إلى أذهانهم أن ذلك هو جسمي، وقد ~~أخبرني مساعدي بعد ذلك أن انزعاجهم كان شديدا، وأن الرعب والخوف قد وصلا بنفوس ~~الحاضرين إلى حد لا يمكن وصفه. وقد أسرع إلى انتشال هذا الجسم سبعة قوارب، وعلا الصياح ~~والجلبة والصخب، وإذا بي قد ظهرت بغتة على وجه الماء، وليس بيني وبين ذلك الجسم إلا ~~بضع خطوات، ويا لهول ما رأيت! أؤكد للقارئ أن انزعاج الحاضرين حين رأوا ذلك الجسم ~~الهامد الذي حسبوه جسمي هو انزعاج - على ما وصل إليه من الشدة - لا يمكن أن يقاس إلى ~~انزعاجي واضطرابي اللذين وصلا إلى حد أن أفقداني صوابي فيه، ولم تمر علي لحظة، أو ~~لحظتان حتى فقدت الحركة، وكان الحاضرون أيضا يصخبون ويصرخون كما يفعل المجانين، وأسرع ~~إلي رجالي فجذبوني إلى السفينة، وأنا ms117 مهما عشت ومرت بي عجائب ومروعات فلن أنسى ~~فداحة ذلك الخطب الذي حدث لي يومئذ. # ويسألني الكثيرون من أصدقائي عن أحب الألعاب والحيل التي آتيها، وأنا أجيبهم على ذلك ~~السؤال بأن جميعها حبيب إلي بلا ريب وإلا لما أتيتها، ولكن لعل ما أفرده بأعظم الحب ~~والشغف الشديد هو هروبي من السجون التي يعتقد الناس اعتقادا جازما أن الهرب منها ~~محال. # وقد دعيت منذ بضع سنوات إلى الهروب من الحجرة نمرة 2 الخاصة بالمحكوم عليهم بالإعدام ~~في سجن «فدرال» بواشنطون، وهي الغرفة التي سجن فيها قاتل الرئيس «جارفيلد»، وقد راهنني ~~الضباط على الفرار منها، ولم أجد صعوبة في ذلك، فخرجت منها توا، ولكن عن لي أن ~~أتفكه بإتيان بعض الطرف، فذهبت إلى بقية الغرف الأخرى، وتمكنت من فتحها، ووضعت كل ~~سجين في غرفة الآخر. # وكنت مجردا من ملابسي حتى لا يتبادر إلى ذهن بعض المرتابين أنني أخفي معي بعض العدد ~~والآلات لتساعدني على النجاة، فلما رآني السجناء على هذه الحال حسبوا أن الشيطان أو أحد ~~أقربائه قد حضر إليهم، فارتعدت فرائصهم من الرعب ، ولبوا أمري على الفور، وكم سخرت بهم ~~حين أتى السجانون لرؤية مسجونيهم، وتبادر إلى أذهانهم أنهم هربوا من السجن، ولم تهدأ ~~ثائرتهم إلا بعد أن ذكرت لهم الحقيقة. # وتقابلت مع اسكتلندي في إنجلترا ذات يوم، وقد أفلح في الفوز علي بحيلة لم أفطن لها ~~بعد، وهي تدل على ذكائه ومكره؛ فقد راهنني على أن أخرج من حجرة مغلقة، وحين وضعني فيها ~~قال لي ساخرا: «لا أحسب أنك قادر على الخروج من هذه الغرفة في هذه المرة!» فأجبته أنا ~~أيضا بابتسامة الهازئ الواثق من نفسه، وشرعت في فتح القفل دائبا نحو ساعتين دون أن ~~أصل إلى أية نتيجة مجدية، ولا أحسب أنني في نهايتهما قاربت فتحه أكثر مما كنت عند وقت ~~دخولي الغرفة مباشرة! # ولكني لم أيأس، بل واصلت العمل حتى غلبني الإعياء على أمري أخيرا، فاستندت إلى الباب ~~لأستريح قليلا، وإذا بذلك الاسكتلندي الماكر قد وقف أمامي فجأة ms118 وقال إنه لم يغلق الباب ~~بالمفتاح - كما هي العادة - لعلمه أن أول ما أسعى إليه هو محاولة فتح الباب، وقد أصاب ~~الحقيقة، فإنني لو كنت عالجت الباب نفسه - دون أن أهتم بمعالجة القفل - لخرجت في طرفة ~~عين. ~~••• # ولا تتوهمن أيها القارئ العزيز لحظة واحدة أن هذه التجارب والنظريات قد وصلت إلى ~~علمي بسهولة؛ فإنني لم أدركها إلا بعد عناء لا يوصف، ولقد طالما وقفت أمام المرآة لأرى ~~نتيجة ما أتيته من الحركات الخفيفة وأثق من النجاح. # وقد تعاون علي عناء تلك الألعاب وأخطارها، فشيبا رأسي وأصبحت وأنا في السادسة ~~والأربعين أبدو للناظر شيخا قارب الستين! # | هوامش # | الطيرة والتشاؤم بين المعري وابن الرومي1 # أبو العلاء متشائم شديد التشاؤم، بل هو من أشد من عرفناهم تشاؤما، ولكنه - مع تشاؤمه ~~الذي لا يقف عند حد - ليس من جماعة المتطيرين، بل هو أبعد من عرفناهم عن التطير. # وإنما نعني بالتشاؤم ذلك المذهب الذي يسميه الإفرنج ~~“Pessimisme” # ونريد أن نسميه بالعربية سخطا، ونسمي أصحابه ساخطين، وهو ~~مذهب جماعة المتبرمين بالعالم، الذين لا يرون فيه إلا شرا مستطيرا لا يستطيعون دفعه، ولا ~~أمل لهم في إزالته أو تحسينه، ولا ينظرون إليه إلا بمنظار شديد السواد، وعلى العكس من ذلك ~~مذهب الرضى ويسميه الإفرنج ~~“Optimisme” # وهو مذهب من يحسنون ~~الظن بالأيام وينظرون إلى العالم بمنظار رائق ناصع البياض؛ فيرون كل ما فيه يدعو إلى ~~الغبطة، ويرونه سائرا في طريق التقدم والكمال، وفي هذا مجلبة رضاهم وارتياحهم. وقد أشبع ~~«ماكس نورداو» جماعة الساخطين سخرية وتعنيفا، ورماهم بنقص في عقولهم في مقاله الذي كتبه عن ~~السخط والرضى ~~“Pessimisme & Optimisme” # في كتابه ~~الفلسفي الذي سماه الغرائب ~~“Paradoxes” ~~. # أما الطيرة ~~“Maauvis Augure” # ونقيضها الفأل، أو التيمن ~~“Bon Augure” # فمذهب آخر يختلف في نظرنا عن مذهب السخط ~~والرضى كل الاختلاف، فقد يكون الإنسان ساخطا أو راضيا ولكنه لا يتطير ولا يتفاءل، وعلى ~~العكس من ذلك، قد يكون من المتطيرين والمتفائلين، ولكنه - في الوقت نفسه - ساخط على الحياة ~~أو راض عنها. # وإنما الطيرة ms119 مذهب أساسه ربط الحوادث بغير أسبابها الحقيقية، وتعليل النفس بما لا يفيد، ~~وترقب المناسبات والمصادفات لاستنتاج شيء وهمي لا أساس له من الصحة ولا قيمة له - عند ~~العقلاء - وإنما يدعو إليها - في نظرنا - خفة العقل وعدم اطمئنان القلب. ولعل الإنسان لو ~~رجع إلى نفسه يسائلها في أي ساعها تميل إلى التعلل بأشباه هذه الخرافات؟ لرأى أن ذلك ~~كثيرا ما يحدث في أوقات الهلع والذعر من جراء مصاب فادح مذهل تملك على الإنسان قلبه ~~وأطار لبه وحرمه طمأنينته؛ فجعله كالغريق يتلمس أتفه الأسباب وأقلها غناء لينقذ نفسه من ~~الهلاك. فأما في ساعات اطمئنانه فقلما يأبه لذلك، اللهم إلا إن كان من ذلك النوع الذي أصبح ~~له التطير ديدنا وطبعا، وهذا غير السخط الذي أساسه سوء الظن، وشدة الحذر، والنقمة على ~~الحياة، والنظر إليها من جانبها الأسود! # انظر إلى تطير الأمين - مثلا - حين حاصره «طاهر» ولم نكن سمعنا بتطيره من قبل: قال ~~«إبراهيم بن المهدي» وكان حينئذ مع الأمين: «خرج الأمين - ذات ليلة - يريد أن يتفرج من ~~الضيق الذي هو فيه، فصار إلى قصر له بناحية «الخلد»، ثم أرسل إلي فحضرت عنده، فقال: «ترى ~~طيب هذه الليلة وحسن القمر في السماء وضوءه في الماء على شاطئ دجلة! فهل لك في الشرب؟» ~~فقلت: «شأنك.» فشرب رطلا وسقاني آخر، ثم غنيته ما كنت أعلم أنه يحبه، فقال لي: «ما تقول ~~فيمن يضرب عليك؟» فقلت: «ما أحوجني إليه.» فدعا بجارية متقدمة عنده - اسمها «ضعف» - ~~فتطيرت من اسمها ونحن في تلك الحال، فقال لها: غني بشعر الجعدي: # كليب لعمري كان أكثر ناصرا # وأيسر جرما منك ضرج بالدم # فاشتد ذلك عليه وتطير منه، وقال: «غني غير ذلك!» فغنت: ~~“أبكى فراقكم عيني فأرقها # إن التفرق للأحباب بكاء # ما زال يعدو عليهم ريب دهرهم # حتى تفانوا وريب الدهر عداء # فقال لها: «لعنك الله! أما تعرفين من الغناء غير هذا؟» # فقالت: «ما تغنيت إلا ما ظننت أنك تحبه!» ثم غنت آخر: # أما ورب السكون والحرك # إن المنايا كثيرة الشرك # ما ms120 اختلف الليل والنهار وما # دارت نجوم السماء في الفلك # إلا لنقل السلطان عن ملك # قد زال سلطانه إلى ملك # وملك ذي العرش دائم أبدا # ليس بفان ولا بمشترك # فقال لها: «قومي غضب الله عليك ولعنك!» # وكان له قدح من بلور حسن الصنعة، وكان موضوعا بين يديه؛ فعثرت الجارية به فكسرته، فقال: ~~«ويحك يا إبراهيم! أما ترى ما جاءت هذه الجارية، ثم ما كان من كسر القدح؟ والله ما أظن أمري ~~إلا قد قرب!» # فقلت: «يديم الله ملكك ويعز سلطانك ويكبت عدوك.» # فما استتم الكلام حتى سمعنا صوتا: «قضي الأمر الذي فيه تستفتيان.» # فقال: «يا إبراهيم، أما سمعت ما سمعت؟» قلت «ما سمعت شيئا!» - وكنت قد سمعت - قال: «تسمع ~~حسا!» فدنوت من الشط فلم أر شيئا - ثم عاودنا الحديث فعاد الصوت بمثله، فقام من مجلسه ~~مغتما إلى مجلسه بالمدينة. # قال: «فما مضى إلا ليلة أو ليلتان حتى قتل.» # 2 # فانظر إلى هذه الحكاية المحزنة وتأمل قليلا، ألست ترى أن ضعف نفسيهما وحده هو السبب ~~الأكبر في كل هذه الاستنتاجات؟ وتمثل كل ما حدث في تلك الليلة المروعة قد حدث في ليلة أنس ~~وطرب؛ بل في ليلة عادية - إن شئت - أكانا يهتمان به كل هذا الاهتمام؟ # وهذا الروع الذي أحسه إبراهيم المهدي - حين سمع اسم الجارية «ضعف» - هل كان يحس مثله ~~إذا تبدل الموقف وكان انتصارا وفوزا؟ أولم تكن الجارية متقدمة عند الأمين؟ فكيف لم ~~يتطير باسمها من قبل هذه المرة؟ وهل تحسبها غنت إلا ما حسبت أن مولاها يحبه؟ وكم غنته - ~~هي أو غيرها - مثل هذه الأبيات فطرب وانتشى؟ ومن يدري فربما كان الأمين يميل إلى هذا النوع ~~من الشعر المشجي، وكان هذا الميل مغريا الجارية على غناء تلك الأبيات؟ وتمثل الأمين عاقب ~~مسيئا بالقتل على جرم فرط منه فخامره شيء من الندم - وإنه لكذلك - إذ غنته هذه الجارية ~~نفسها هذا البيت بعينه؟ # كليب لعمري كان أكثر ناصرا # وأيسر جرما منك ضرج بالدم # ألم يكن فيه حينئذ راحة يثلج لها فؤداه؟ ms121 # وتمثل الجارية تغنيه هذا البيت قبل أن يقتل ذلك المسيء وهو يفكر في ذلك، أكان يتطير منه ~~إذ ذاك؟ وأي أثر يكون له في نفسه حينئذ من سماعه؟ ألا يكون فيه إغراء بقتل ذاك ~~المسيء؟ # وتمثل البيتين الآخرين قد غنتهما الجارية - في موقف غير هذا - في موقف غرام مثلا، في ~~ساعة يفكر فيها الأمين في معشوق له - مات ولم ينعم به طويلا - فكيف يكون أثرها في نفسه؟ ~~وكيف يتمثل قولها: «إن التفرق للأحباب بكاء»؟ ولكن تغير الموقف فتغير المعنى. # واعكس الآية؛ فتمثل الأمين - في مكان المأمون - وأنه قد أوشك أن ينتصر على أخيه، وأنه قد ~~سمع الأبيات الأخيرة وهو يحاصر مدينته؟ فأي أثر يتركه في نفسه قولها: # ما اختلف الليل والنهار وما # دارت نجوم السماء في الفلك # إلا لنقل السلطان عن ملك # قد زال سلطانه إلى ملك # وهكذا غير الظروف، وتمثل آثار تلك الأبيات في نفسيهما؛ تجدها مختلفة يصل اختلافها إلى ~~مسافة ما بين الضد والضد أحيانا! # ثم ماذا في هذه الجملة التي غمت الأمين: «قضى الأمر الذي فيه تستفتيان»؟! ألم يكن فيها ~~متأول حسن - لو شاء؟! ألم يسمعها عقب دعاء له بداوم ملكه، وإعزاز سلطانه، وكبت عدوه؟ ~~فإذا قضى هذا الأمر فقد تم له ما أراد! # ولكن إخوان هذا الخليقة - كما يقول أبو العلاء - لا يحملون الأشياء الواردة على ~~الحقيقة! # ومن أجمل ما رووه عن التطير والتفاؤل قول الرسول - عليه الصلاة والسلام: «ثلاثة لا يسلم ~~منهن أحد؛ الطيرة والظن والحسد.» قيل له: «فما المخرج منهن يا رسول الله؟» قال: «إذا تطيرت ~~فلا ترجع، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا حسدت فلا تبغ.» # إذا أقررنا ذلك سهل علينا أن ندرك كيف كان أبو العلاء ساخطا ولم يكن متطيرا، أما «ابن ~~الرومي» فربما لم يكن شديد السخط على الحياة، ولكنه كان على - الرغم من ذلك - إماما من ~~أئمة المتطيرين، وفي رسالة الغفران ورسالة ابن القارح ما يزيدك اقتناعا بطيرته، وحسبك أن ~~تعلم أنه كان لا يلبس ثيابه إلا بعد أن يتعوذ، فإذا ms122 وصل إلى الباب نظر من خلال ثقب ~~المفتاح، فإذا رأى ذلك الأحدب الذي تعود مضايقته جالسا، جبن فلم يخرج، وخلع ثيابه ثانية، ~~وقد عرف «ابن الرومي» كيف ينتقم منه، ويثأر لنفسه منه، ببيتيه اللذين وسمه بهما آخر الأبد، ~~وهما قوله: # قصرت أخادعه وغاب قذاله # فكأنه متربص أن يصفعا # وكأنما قد ذاق أول صفعة # وأحس ثانية لها فتجمعا # ولابن الرومي - في تطيره - أخبار شتى، منها أن أبا الحسن الأخفش - غلام المبرد - كان ~~كثيرا ما يقرع بابه، فإذا رد عليه ابن الرومي مستفسرا أجابه: «مرة بن حنظلة» فيتطير من ~~ذلك ولا يجسر على الخروج بقية يومه، وقد هجاه في ديوانه مررا هجاء مؤلما مقذعا. # ولما كان هذا المقام لا يحتمل شيئا من الإسهاب في تفصيل هذه النزعات وتحليلها، والمقارنة ~~بينها، فإنا نكتفي بهذا القدر - على إيجازه - ونشير إلى رأي أبي العلاء في مذهب المتطيرين ~~والمتفائلين، وتهكمه اللاذع بأصحابه، وسخريته الشديدة منهم، علاوة على ما ترى في هذا الفصل ~~من حججه # 3 # الباهرة، وبراهينه القوية التي دلل بها على فساد ذلك المذهب، ثم نتبعها بنخبة ~~مختارة تبين لك نزعة ابن الرومي إلى التطير، وإليك نخبة من كلام أبي العلاء في ذلك، قال: # تروم قياسا للحوادث ضلة # وتلك أصول ليس يجمعها الحصر # تعرض للطير السوانح زاجرا # أما لك من عقل - يكفك - زاجر؟ # أغربانك السحم استقلت مع الضحى # سوانح، أم مرت حمائمك الورق؟ # لا تفرحن بفال - إن سمعت به - # ولا تطير إذا ما ناعب نعبا # فالخطب أفظع من سراء تأملها # والأمر أيسر من أن تضمر الرعبا # آليت لا يدري بما هو كائن # متفائل بالأمر أو متطير # كالدار صبحها سوى سكانها # فثوا بها وتحمل المتدير # زجر الغراب تطيرا ونقيضه # ديك لأهل الدار أبيض أفرق # شاهدت قبرة فخفت تطيرا # ما كل ميت - لا أبا لك - يقبر! # لا يتطير بناعب أحد # فكل ما شاهد الفتى طيره # وما طير اليمين بمبهجاتي # فأخشى الهم من طير الشمال!» # وقد سمى المرء «الهزبر» تفاؤلا # وليس بباق في الليالي هزبرها! # وما أسر لتعشير ms123 الغراب أسى # ولا أبكي خليطا حل تعشارا # ولا توهمت أنثى الأنجم امرأة # ولا ظننت سهيلا كان عشارا # 4 # وهل لحق التثريب سكان يثرب # من الناس؟ لا بل في الرجال غباء # وذو نجب - إن كان ما قيل صادقا - # فما فيه إلا معشر نجباء! # وانظر إلى سخريته الدقيقة في قوله: # رآني في الكرى رجل كأني ~~- من الذهب - اتخذت غشاء رأسي # قلنسوة - خصصت بها - نضارا # كهرمز أو كملك أولى خراس # فقلت - معبرا: «ذهب ذهابي # وتلك نباهة لي في اندراسي» # أقمت - وكان بعض الحزم يوما - # لركب السفن أن تلقى المراسي # وإلى القارئ نخبة مختارة من شعر ابن الرومي تبين منزعه واعتقاده في الطيرة والفأل: # لا تهاون بطيرة أيها النظا # ر وأعلم بأنها عنوان # قف - إذا طيرة تلقتك - وانظر # واستمع - ثم - ما يقول الزمان! # قلما غاب من أمورك عنوا # ن مبين وللزمان لسان # 5 # لا تصدق عن النبيين، إلا # بحديث يلوح فيه البيان # قد أتى عن نبينا حبه الفأ # ل مضيئا بذلك البرهان # فدع الهزل والتضاحك بالطي # رة، فالنصح مثمن مجان # أترى من يرى البشير بشيرا # يمتري في النذير يا وسنان # 6 # خبر الله أن مشأمة كا # نت لقوم وخبر القرآن # أفزور الحديث تقبل أم ما # قاله ذو الجلال والفرقان؟» # وقد تفاءلت له - زاجرا # كنيته لا زاجرا ثعلبا # إني تأملت له كنية ~~- إذا بدا مقلوبها - أعجبا # يصوغها العكس «أبا سابع» # وذاك فأل لم يعد معطبا # بل ذاك فأل ضامن سبعة # مثل الصقور استشرفت أرنبا # يأتون من صلب فتى ماجد # لا كذب الله ولا خيبا # وقد أتاه منهم واحد # فليتنظر ستة غيبا # في مدة تغمرها نعمة # يجعلها الله له ترتبا # حتى نراه جالسا بينهم # أجل من رضوى ومن كبكبا # كالبدر وافى الأرض في نوره # بين نجوم سبعة فاحتبى # يعدي على الدهر إذا ما اعتدى # ويؤمن الناس إذا استرهبا ~~••• # تفاءلت والفأل لي معجب # فقلت - وما أنا بالعابث: # 7 ~~- ~~«أبو حسن وأبو مثله # كنيا أبي حسن ثالث!» ~~••• # أحذر أهل الأرض شؤم ابن طالب # فما زال مشحوذا على من ms124 يصاحب # وقد جربت منه على «آل مخلد» # تجارب ليست مثلهن تجارب # أزيرق مشئوم أحيمر قاشر # لأصحابه، نحس - على القوم - ثاقب # وهل أشبه المريخ إلا وفعله # لفعل شبيه السوء شبه مقارب # أعوذ - بعز الله - من أن يضمني # وإياه في الأرض البسيطة جانب # شبيه «قدار» بل قدار شبيهه # وإن قيل: «كليم» وإن قيل «كاتب» # وهل يتمارى الناس في شؤم كاتب # لعينيه لون السيف، والسيف قاضب # ويدعى أبوه «طالبا» وكفاكم # به طيرة أن المنية طالب # ألا فاهربوا من «طالب» و«ابن طالب» # فمن طالب مثلهما طار هارب! # قل لغراب البين تبا له # إذا تعاطى القول في مذهب # 8 # أو رفع الصوت بشدو له # مثل سقيط الدمق الأشهب: ~~«اسكت لحاك الله من قائل # أجنف عن قصد الهوى أنكب» # لا تنطقن الدهر في محفل # واغضض على الكثكث والأثلب # أنت غراب خير أحواله # ما لزم الصمت ولم ينعب # فاترك نعيبا شؤمه راجع # عليك يحدوك إلى معطب # يا بين أنت البين في عزة # بين غراب البين والأخطب # 9 # ينتقل الناس وأحوالهم # وأنت في الدنيا من الرتب # 10 # إذا جلا عن منزل أهله # فأنت في أوتاده الرسب # أنت أثافيه وآناؤه # بشعب أهلوه ولم تشعب # 11 # | هوامش # | الدين في إسبانيا # (1) الإسلام في الأندلس # 1 # لم يكن العرب ليكونوا الأقلية الصغيرة من مسلمي إسبانيا فحسب، # 2 # بل كانوا - إلى ذلك - يظهرون عدم مبالاتهم بالدين، واحتقارهم لقوانين ~~الإسلام، مما هو منتظر من رجال تشبعوا بتقاليد البدو، وكانوا في كل أيامهم على اتصال ~~بأمويي دمشق الدنيويين، وعلى النقيض من ذلك كانت الحال مع البرابرة، ومع مؤمني إسبانيا ~~المسمين بالصابئين، أو المولدين، الذين يعيشون كموال في كنف أشراف العرب، فقد استمسكت ~~تلك الطوائف بالدين الذي اتبعته استمساكا يتناسب مع مزاجها السوداوي الحار، الذي كانت ~~تتميز به دائما، وثم ساد بين مسلمي إسبانيا إيمان صارم، يتمثل في يحيى بن يحيى المتوفى ~~سنة 849 م، وهو أحد البرابرة ونموذج صادق لهذا الصنف. # يحيى بن يحيى # سافر إلى الشرق وسنه وقتئذ ثمان وعشرون سنة، وتلقى العلم على ms125 يد أستاذه مالك ~~بن أنس الذي أملى عليه كتابه المعروف بالموطأ، وحدث أن كان يحيى ذات يوم في إحدى ~~دروس مالك، ومعه عدد من الطلاب رفقائه، فقال قائل: «حضر الفيل!» فأسرعوا جميعا إلى ~~رؤيته، ولم يتحرك يحيى من مكانه، فسأل مالك: «لم لم تذهب لتراه وليس في إسبانيا ~~مثل هذا الحيوان؟» فأجابه يحيى: «لقد تركت بلادي لأراك وأتلقى عنك الدروس، ولم آت ~~هنا لرؤية الفيل.» فسر مالكا هذا الجواب، وقال عنه إنه عاقل إسبانيا. ولما عاد ~~يحيى إلى إسباينا، بذل كل ما في وسعه لنشر تعاليم مذهب سيده. ولئن كان يحيى هذا قد ~~أصر بسبب تورعه ونسكه على رفض أي منصب من المناصب العامة؛ فقد عظم تأثيره رغم ذلك، ~~وذاع صيته إلى حد أن وصل - كما يقول ابن حزم - إلى أنه كان لا يولى قاض في ~~الأندلس إلا بعد أن يؤخذ رأي يحيى فيه، وإلا بعد أن يبين من يفضله على سواه من ~~الناس. # 3 # وعلى ذلك فقد أصبح مذهب مالك يلي الحديث مباشرة في اتخاذه شرعا للبلاد. قال عالم ~~من كتاب القرن العاشر: «لقد كان الإسبانيون لا يعرفون إلا القرآن والموطأ، فكانوا ~~إذا وجدوا تابعا من أتباع مذهب أبي حنيفة أو الشافعي طردوه من إسبانيا، والويل لمن ~~يصادفونه من المعتزلة أو الشيعة، أو من أية طائفة تنتمي إلى مذهب ما، فإنهم كثيرا ~~ما كانوا يخمدون أنفاسه. # 4 # وقد كان علماء الدين الإسلامي متغطرسين مفرطين في التعصب الأعمى، ~~والطمع في إحراز القوة، فلم يشاءوا أن يرأسهم أحد في المملكة، فأما في زمن هشام ~~(788-796) - خلف عبد الرحمن - فقد رأوه أميرا وفق ما يتمنون، إذ كانت تقواه وورعه ~~مما لا يدع لهم مجالا للكلام، وكان على شاكلتهم فاهتم بشئونهم. وأما الحكم ~~(896-822) فقد كان أقل منه مراعاة لهم. نعم إنه أكرم رجال الدين وبجلهم، ولكنه ~~أراهم في الوقت نفسه أنه لن يسمح لهم بالتدخل في الشئون السياسية مطلقا؛ فنقموا ~~عليه - وعلى رأسهم يحيى بن يحيى الشرس - وأجابوه بالتهديد والإهانات، واستثاروا ~~جمهور ms126 قرطبة، ولا سيما الصابئين - وكانوا في الجزء الجنوبي من المدينة وهو المسمى ~~بالربض - ليقوموا في وجه ذلك الظالم وجنوده السفهاء، وفي ذات يوم من أيام رمضان ~~(198ه) (مايو سنة 814) وجد الحكم نفسه وقد أقصيت عنه حاشيته وحاصره الغوغاء ~~الصاخبون في قصره، ولكن شجاعته لم تفارقه، وقد أنجاه من مأزقه الخطر الذي كان فيه، ~~برودته وإسراع جيشه المدرب لإنقاذه. وكان نصيب تلك الضاحية الثائرة أن دكها دكا، ~~ونفى من سلم من القتل من أهلها إلى بلاد بعيدة، وبلغ عددهم نحو ستين ألف نسمة، ~~والحق أن المجرمين الأصليين لم يقعوا تحت طائلة العقاب. # ثم كف الحكم عن اضطهاد رجال الدين الحانقين الذين شعروا بأنهم يستطيعون أن ~~يصلوا منه باللين إلى ما أخفقوا في الحصول عليه بالقوة، وإذ كان أغلبهم من العرب أو ~~البرابرة، فقد بثوا الدعوة الشديدة في الناس لاحترام الحكم، فأعاد إليهم قوتهم في ~~الحال. # وفي زمن عبد الرحمن الثاني (822-852) أدار دفة السياسة الملية يحيى بن يحيى زعيم ~~الثورة بنفسه، وتولى توزيع مناصب القضاء كما أراد.» ا.ه ~~••• # هذا هو الجزء الذي تناول فيه الأستاذ نيكلسون الكلام عن الإسلام في إسبانيا، ~~ولما كنا لا نستطيع مناقشته في كل ما قاله، لكثرة الأغراض الأخرى التي نريد ~~الكلام عنها، فإنا نكتفي بمناقشة أهم تلك النقط الآن، وحسبنا أن نلقي بنظرة سريعة ~~على ما قاله: # فأما أسلوبه فهو دائما لا يتغير؛ أسلوب موجز حافل بالمعاني كما رأيتم، وكما ترون ~~في كل ما ننقله لكم عنه، وأما النتائج التي نخرج بها من هذه القطعة فإننا نسوقها ~~ممزوجة بآراء غيره من المؤرخين، مع إبداء ملاحظاتنا على أهمها إيجازا للكلام، ~~فنقول: يتبين لنا مما مر ما يلي: # أولا: # قوة نفوذ الفقهاء وهيمنتهم التامة على عقول العامة. # ثانيا: # رغبتهم الشديدة في الاستئثار بكل شيء، والتداخل في كل أمور ~~المملكة تقريبا. # ثالثا: # شدة تشبع الناس بالعقيدة الدينية، وشدة انتصارهم لها، إلى حد ~~أنهم كانوا يحاربون كل من يغضب رجال الدين أو يعتدي عليهم. # رابعا: # معرفة الفقهاء كيف يستثمرون ذلك ms127 النفوذ الديني العظيم، وكيف ~~ينتهزون فرصة تشبع الجمهور بالعقيدة الدينية، وتفانيه في حمايتها، ~~في إنقاذ ما تسوله لهم نفوسهم من الرغبات، وفي تحويله إلى حيث شاءت ~~لهم أهواؤهم، وقد شاهدتم كيف أنهم استطاعوا أن يهددوا السلطان ~~نفسه. # خامسا: # أن مسألة الدين في الأندلس كانت غيرها في الشرق، بل إنهما كانتا ~~على النقيض، فبينما كنت ترى المذاهب العديدة والنحل المختلفة ~~سائدة في المشرق، إذ تشاهد عكس ذلك تماما في الأندلس، فلم تكن ~~لترى هنا إلا مذهبا واحدا قد هيمن على كل أهلها تقريبا، ذلك هو ~~المذهب السني الذي لم يشذ عنه إلا بعض أفراد غاية في الندرة، ممن ~~مالوا إلى مذهبي المعتزلة والظاهرية. # سادسا: # أن تعصب الناس لمذهب مالك ومغالاتهم في الانتصار له قد وصل إلى ~~حد الجنون، فقد رأيتم أن افتتانهم بهذا المذهب وتهوسهم في الولوع ~~بكتاب الموطأ، وصلا بهم - كما يقول ذلك العالم الذي استشهد به ~~نيكلسون - إلى حد أنهم كانوا لا يعرفون إلا القرآن والموطأ، بل لقد ~~بلغ جنونهم بالموطأ أكثر من ذلك، فقد حكى لنا بعض المؤرخين أن ~~تعصبهم للموطأ أنساهم النظر في القرآن والأحاديث. # فأما عن النقط الأربعة الأولى فلا أدل عليها مما سرده نيكلسون عن «الحكم» هذا، ~~وعن موقفه إزاء الفقهاء؛ فقد رأيتم من حكايته جرأة الفقهاء في استعمال نفوذهم على ~~العامة بإغرائهم إياهم حتى على مهاجمة قصر الملك، ومحاولة قتله، وقد كادوا يفعلون ~~لولا حسن حظه، ولولا أن أغاثه جنوده الذين داهموهم، وشتتوا شملهم. ولعل أول ما ~~يسترعي النظر في هذه الحكاية - التي سردها عن الحكم - هو قوله عنه: «وقد أنجاه من ~~مأزقه الحرج الذي كان فيه برودته وجيشه المدرب.» والحق أن الحكم قد بلغ من رزانته، ~~وثبات جأشه في هذا المأزق، أن داعب خادمه بتلك الجملة التي سقناها لكم في محاضرتنا ~~السابقة، فقد أمره أن يأتيه بزجاجة الغالية ليتطيب بها وقت أن كان الجمهور يحاصر ~~قصره ويحاول اغتياله، فلما أبطأ الخادم أعاد عليه السؤال ثانية، فقال له خادمه: «يا ~~سيدي أهذا وقت الغالية؟» ms128 فأجابه: «ويلك يا ابن الفاعلة! بم يعرف رأسي من رءوس ~~العامة إذا قطع، إن لم يكن مضمخا بالغالية؟» ولقد سمعنا حكايات عديدة عن رزانة ~~بعض الناس، وعن ثبات جأشهم وبرودتهم في ساعة الخطر المميت، فلم نر - فيما رأيناه - ~~مداعبة أغرب من هذه المداعبة، ولا رباطة جأش وصلت إلى أكثر من هذا الحد. شاهدتم ~~شدة ازدياد نفوذ الفقهاء في ذلك العصر، ولكن لا يفوتنا أن نقول إن هذا النفوذ ~~العظيم الذي شاهدتموه لم يكن ليقاس بما وصل إليه نفوذهم وسلطانهم في الأندلس - وقت ~~انحطاط الدولة وتقهقرها - فلقد كان نفوذهم يتعاظم كلما ازدادت الدولة في الانحطاط، ~~وقد كان ذلك أكبر مساعد على توالي انحطاط الدولة وتقهقرها. ولقد كانت وطأة التعصب ~~للدين والانتصار للعقيدة تخف حين يقبض على ناصية الدولة ملك قوي؛ كالحكم الثاني ~~مثلا الذي استطاع حماية الفلاسفة ورجال العلم وأحرار المفكرين من عنت العامة ~~والمتنطعين في الدين - كما سترون ذلك في حينه - فسترون أنه أطلق حرية التفكير ~~للناس، وأن العلوم قد وصلت في عصره إلى أقصى مدى، وأن الآداب أزهرت، وأن حرية الفكر ~~وصلت إلى حد عظيم جدا، وأنه أخذ يناصر المفكرين، وأن الحرية الدينية لم تصل في ~~عصر ما إلى مثل ما وصلت إليه في زمنه، سترون كل ذلك في حينه، ولكنكم سترون أيضا أن ~~الحرية الدينية - رغم ما وصلت إليه في ذلك الزمن - لم تصل حتى في عهد هذا الملك ~~العظيم إلى ما وصلت إليه في عهد المأمون الخليفة العباسي. بقي علينا أن نتكلم عن ~~النقطتين الخامسة والسادسة فنقول: «إن وصول المذهب المالكي إلى حد أن أنساهم القرآن ~~نفسه، وإلى حد أنهم كانوا لا يطيقون رؤية أي مذهب آخر، وإلى حد أنهم كانوا يطردون ~~أي متمذهب بسواه، وإلى حد أنهم أحرقوا كتب الغزالي حين وصلت الأندلس - كما سترون ~~فيما بعد - وإلى حد أنهم كانوا لا يطيقون النظر في كتاب فلسفة!» نقول: «إن وصول ~~المذهب المالكي إلى هذا الحد، كان بلا شك نذير سوء بما سنسمعه من المدهشات والغرائب ~~التي ms129 حصلت وقت انحطاط الدولة، وسنورد أهمها في حينه.» # قلنا إن العقيدة الدينية تمكنت من نفوس المسلمين في إسبانيا، وإن الفقهاء تعهدوا ~~غراسها وإنمائها وفق ما يشتهون، وإنهم أولوا النصوص الدينية والآي القرآنية على حسب ~~رغباتهم، فماذا نشأ عن ذلك؟ نشأ عن ذلك أن الجمهور - فيما بعد - وقف عقبة كأداء في ~~سبيل كل من حاول البحث بحرية فكر، فكان لا يتردد في رجم كل من سمع عنه الاشتغال ~~بعلوم الفلسفة متى رأى ما ينكره عليه، بل لقد وصل نفوذ الفقهاء وسيطرة العامة إلى ~~حد أن كان الملك إذا حاول استرضاء الرعية تقدم إلى واحد من مشهوري الفقهاء وفوض ~~إليه الأمر في حرق كل ما يراه في مكتبته منها، يفعل ذلك بعد أن يكون قد احتاط ووضع ~~أهمها في مكان لا يهتدي إليه الفقيه، وكان الجمهور يحارب الآراء الحرة من غير أن ~~يفهم شيئا عن حقيقتها، وآية ذلك أنه كان يخلط الفلسفة بالتنجيم، فكان يطلق على كل ~~من حاول البحث بحرية فكر، اسم المشتغل بالفلسفة والتنجيم، وكان الفقهاء يحاربون ~~الآراء الحرة والمذاهب الفلسفية لأسباب عديدة، قد يكون أهمها أن أغلبهم كان يخشى ~~على نفوذه إذا انطلقت الأفكار من عقالها وتحررت العقول من ربقة التقليد، وإذ كانوا ~~قد استمدوا ذلك النفوذ العظيم من سيطرتهم الدينية؛ فقد أيقنوا أن سلطانهم الديني ~~باق على الجمهور ما دام جاهلا، وعرفوا أنه إذا استنار أدرك ما في أقوالهم من ~~التناقض والإغراق، وفي ذلك القضاء على نفوذهم، وكأنهم كانوا يرون رأي أبي العلاء في ~~قوله: # الدين متجر ميت فلذاك لا # تلقاه في الأحياء إلا كاسدا # وقد يكون الدافع شيئا آخر؛ هو جمود بعضهم على فكرة واحدة، وعدم قدرته على التمشي ~~مع الآراء الحرة لقصر مداركه، كما أنه قد يكون ناشئا عن سوء نية الكثيرين منهم ~~وأنانيتهم وجنونهم بالسيطرة، لكننا مع ذلك جديرون أن لا ننسى أن بعضهم يفعل ذلك عن ~~إخلاص محض؛ لاعتقاده أن انتشار الفلسفة وحرية الفكر بين الجماهير أكبر باعث على ~~السير بهم في طريق الإلحاد ms130 والزندقة وزلزلة العقيدة، فكان لذلك يعتقد أن التضييق ~~على الآراء الحرة خير معوان على بقاء الدين ثابت الدعائم، آمنا من تطرق الشك ~~إلى نفوس عامة الناس. ومهما يكن من أمر فقد أدى ذلك التضييق إلى عكس الغرض الأساسي ~~منه، فقد حبب الفلسفة إلى نفوس الكثيرين، وزادهم هياما بها، كما كانت الحال في ~~البلاد الشرقية. وإذا رأينا أكثر ملوك الأندلس يخشون نفوذ الفقهاء، ويتهيبون ~~سطوتهم، ويبذلون جهدهم في نشر العلم، ويشجعون حرية الفكر سرا، لأنهم لم يجرؤوا ~~على مخالفة إرادة الفقهاء، وإذا شكا العلماء والفلاسفة والملوك شدة بأس الفقهاء في ~~أوائل الدولة، فقد انقلبت الحال في أواخرها تقريبا، وأصبحنا نرى في الملوك أنفسهم ~~من هو على رأي الفقهاء المتنطعين في التضييق على الفلاسفة، وستتبينون ذلك من القطعة ~~التالية. # 5 # وهي: «وقام بأمره (بأمر الملك) من بعده، ابنه علي بن يوسف بن تاشفين، ~~وتلقب بلقب أمير المسلمين، وسمى أصحابه المرابطين، وجرى على سنن أبيه في الجهاد، ~~وكان - إلى أن يعد في الزهاد والمتبتلين - أقرب منه إلى أن يعد في الملوك ~~والمتغلبين، واشتد إيثاره لأهل الفقه والدين، وكان لا يقطع أمرا في مملكته دون ~~مشاورة الفقهاء، فكان إذا ولى أحدا من قضاته كان فيما يعهد إليه أن لا يقطع ~~أمرا ولا يبت حكومة في صغير من الأمور ولا كبير، إلا بمحضر أربعة من الفقهاء؛ ~~فبلغ الفقهاء في أيامه مبلغا عظيما لم يبلغوا مثله في الصدر الأول من فتح ~~الأندلس. ولم يزل الفقهاء على ذلك، وأمور المسلمين راجعة إليهم وأحكامهم - صغيرها ~~وكبيرها - موقوفة عليهم طول مدته؛ فعظم أمر الفقهاء - كما ذكرنا - وانصرفت وجوه ~~الناس إليهم، فكثرت لذلك أموالهم، واتسعت مكاسبهم، وفي ذلك يقول أبو جعفر المعروف ~~بالبني الأندلسي: # أهل الرياء لبستم ناموسكم # كالذئب أدلج في الظلام العاتم # فملكتمو الدنيا بمذهب مالك # وقسمتمو الأموال بابن القاسم # ولم يكن يقرب من أمير المؤمنين، ويحظى عنده إلا من علم الفروع - أعني فروع مذهب ~~مالك - فنفقت في ذلك الزمان كتب المذهب، وعمل بمقتضاها، ونبذ ما سواها، وكثر ذلك ms131 ~~حتى نسي النظر في كتاب الله وحديث رسوله # صلى الله عليه وسلم # فلم يكن من مشاهير أهل هذا الزمان ~~من يعتني بهما كل الاعتناء، ودان أهل ذلك الزمان بتكفير كل من ظهر منه الخوض في شيء ~~من علوم الكلام، وقرر الفقهاء عند أمير المسلمين تقبيح علم الكلام، وكراهة السلف له ~~وهجرهم من ظهر عليه شيء منه، وأنه بدعة في الدين، وربما أدى أكثره إلى اختلال في ~~العقيدة، وأشباه لهذه الأقوال، حتى استحكم في نفسه بغض علم الكلام وأهله، فكان يكتب ~~عنه في كل وقت إلى البلاد بالتشديد في نبذ الخوض في شيء منه، وتوعد من وجد عنده ~~شيء من كتبه، ولما دخلت كتب أبي حامد الغزالي - رحمه الله - المغرب، أمر أمير ~~المسلمين بإحراقها، وتقدم بالوعيد - من سفك الدم واستئصال المال - إلى من وجد ~~عنده شيء منها. # 6 # أ.ه. ~~••• # نكتفي الآن بسرد تلك القطعة في هذه الإلمامة الموجزة، من غير أن نعلق عليها بشيء ~~من عندنا، ففيها وحدها تتبينون صورة واضحة للحال الدينية في عصر من عصور ~~الدولة. # شيء من الآثار الفعلية للعقيدة الدينية # ولا يفوتنا بعد كل ما ذكرناه أن نبين لحضراتكم أثرا فعليا واضحا من آثار تمكن ~~العقيدة في نفوس أصحابها، متى وجدت محركا قادرا على تصريفها، واستفزاز العاطفة ~~الدينية فيها، فإن إلقاء نظرة سريعة على قصيدة أبي إسحق الفقيه، ورؤية أثرها العظيم ~~الذي أحدثته في نفوس الجمهور، ليكفي وحده في إثبات ذلك، وأنكم لترون فيها مبلغ ~~التحمس الديني العظيم، وكيف أنها كانت السبب في القضاء على ما يربو على أربعة آلاف ~~يهودي، ونهب أموالهم، وتدمير منازلهم، وكانت السبب في حدوث تلك المذبحة الهائلة في ~~القرن الخامس الهجري سنة 459م. # وقد دعا صاحبها إلى قولها أن يوسف بن نغزلة اليهودي الوزير # 7 # وشى بأبي إسحق قائل هذه القصيدة؛ فأقصاه السلطان عن بلاده - قالوا - ~~وكان ذلك الوزير قد تعرض لتسفيه بعض الآراء الدينية الإسلامية، وكان عظيم الخطر ~~واسع النفوذ، فوجد أبو إسحق من ذلك حافزا إلى إنشاء تلك القصيدة البليغة ms132 التي ~~سنتلو على حضراتكم أحسن ما فيها، والتي دفعه إلى قولها غيظه من عدوه - ذلك الوزير ~~الخطير - فملأها تحريضا وأفعمها حججا وبراهين، أفلح في التأثير بها على العامة، ~~وحملهم على إنفاذ رغباته، وما زال يتفنن في ضروب الاحتثاث والتهييج حتى اشتعل ~~الجمهور الساذج حماسة، وهجم على ذلك الوزير فقتله في قصر السلطان نفسه. وليس من شك ~~في أن أبا إسحق بذل كل مواهبه في الضرب على النغمة الدينية، وإظهار التفجع الشديد ~~على ما انتاب الدين من التهاون به، وعرف كيف يوالي فيها اطراد الأدلة واتساقها، ~~وتدفق المعاني وغزارتها مع دقة عجيبة في التعبير عن أغراضه وخوالجه بكلام فخم ~~يتطاير حماسة ويتأجج نارا، وشعر صارخ: # خارج من قلب قائله # مثلما يزفر بركان # وبهذا استطاع أن يوهم سامعيها أن قتل أولئك اليهود - خصومه - فرض لا مناص من ~~أدائه، وواجب حتم لا يصح السكوت عنه، وأنهم، إن كانوا غفلوا عن القيام به فيما مضى، ~~فهم خليقون أن يتداركوه في الحال؛ حتى لا تصب عليهم لعنة الله، أو يحيق بهم غضبه ~~فيخسف بهم الأرض، أو ينزل عليهم السماء، وكذلك لم يترك ناظمها وسيلة من الوسائل ~~التي تستفز أخفى العواطف الدينية الكامنة إلا استخدمها، ولا نغمة من نغمات التعصب ~~للعقيدة الدينية إلا ضرب على وتيرتها. كل ذلك بأسلوب سهل رشيق كاد يصل - لسهولته - ~~إلى حد الركاكة في بعض الأبيات، مع أنه من أجمل الشعر وأبدعه، وإن شئت فقل وأروعه، ~~وإليكم هذه القصيدة الفريدة في بابها: # ألا قل لصنهاجة أجمعين # بدور الزمان وأسد العرين # مقالة ذي مقة مشفق # يعد النصيحة زلفى ودين # لقد ذل سيدكم ذلة # تقر بها أعين الشامتين # تخير كاتبه كافرا # ولو شاء كان من المؤمنين # فعز اليهود به وانتخوا # وتاهوا، وكانوا من الأرذلين # ومنها: # فكم مسلم راغب راهب # لأرذل قرد من المشركين # وما كان ذلك من سعيهم # ولكن منا يقوم المعين # فهلا اقتدى فيهم بالألى # من القادة الخيرة المتقين # 8 # وأنزلهم حيث يستأهلون # وردهم أسفل السافلين # فلم يستخفوا بأعلامنا # ولم يستطيلوا على الصالحين ms133 # ومنها يخاطب السلطان: # أباديس! # 9 # أنت امرؤ حاذق # تصيب بظنك نفس اليقين # فكيف خفى عنك ما يعبثون # وفي الأرض تضرب منها القرون # وكيف تحب فراخ الزنا # وقد بغضوك إلى العالمين # وكيف يتم لك المرتقى # إذا كنت تبني وهم يهدمون # وكيف استنمت إلى فاسق # وقارنته وهو بئس القرين؟ # ومنها: # وإني حللت بغرناطة # فكنت أراهم بها عابثين # وقد قسموها وأعمالها # فمنهم بكل مكان لعين # ومنها: # وهم أمناكم على سركم # وكيف يكون أمينا خؤون؟ # ويأكل غيرهم درهما # فيقصي ويدنون إذ يأكلون # وقد ناهضوكم إلى ربكم # فما يمنعون وما ينكرون # ومنها: # ورخم قردهم داره # وأجرى إليها نمير العيون # وصارت حوائجنا عنده # ونحن - على بابه - قائمون # ويضحك منا ومن ديننا # فإنا إلى ربنا راجعون # 10 ~~(2) المسيحية في الأندلس # 11 ~~«بعد الفتح الإسلامي دان كثير من المسيحيين بدين الفاتحين، حفزتهم إلى هذا المنافع من ~~جهة، واقتناعهم بأن الدين الإسلامي هو الدين الحق من جهة أخرى. فقد جددوا فلسفتهم في ~~نظرية الصراع: يعتقدون أنه حيث تكون القوة يكون الحق، ويقولون للكهنة: «لو كانت ~~المسيحية حقا فلماذا أسلم الله بلادنا - وهي مسيحية - لشيعة نبي كاذب، وقد زعمتم أنه ~~أخذ الكاثوليكية تحت رعايته، وقصصتم علينا مجموعة من تلك المعجزات التي وقعت غيرة على ~~هذا الدين أيام المظالم الآرية؟ لم لا تبعث هذه المعجزات مرة أخرى ؟» وقد كانت هذه ~~الاعتراضات في العصور السابقة تسبب الحيرة والارتباك للكهنة أنفسهم الذين كانوا يجهلون ~~كذلك لم خضع المؤمنون وذلوا أمام الملحدين!! فلما تقادم زمن الفتح حلت هذه ~~الاعتراضات بأن المتأخرين من ملوك القوط وكهنتهم وأشرافهم كانوا أئمة مجرمين، وأن ~~القوارع التي قرعتهم لم تكن إلا عقابا عادلا من الله، وقد كان اعتبار النكبات قصاصا ~~عادلا، من فلسفة الأقدمين - على العموم واليهودية على الخصوص - ولقد تتجلى في أمثال ~~سليمان سعادة الأبرار وشقاوة الفجار - في صورة مختلفة - ولما توالت النكبات على يعقوب ~~لم يكن أصحابه ليقلعوا عن اعتباره مجرما، لولا أن برهن على طهارته وفضيلته، وكانت ~~القرون الوسطى تطبق على التعاسة نفس هذه النظرية؛ فكان ms134 انتصار المسلمين - على الخصوص - ~~آية الغضب الإلهي، كما كانت انتصارات المسيحيين في رأي المسلمين، وكانت تردد هذه الجملة ~~في إيطاليا كذلك؛ وهي: «إذا انتصر المسلمون فذلك لأن الله يريد عقابنا على خطايانا!» ~~وكذلك كان يقال في إسبانيا. وفي سنة 812 أذاع ألفونس الثاني منشورا بإملاء الكهنة قال ~~فيه: «أيها الإله! إن القوط قد أهانوك بكبريائهم فكانوا أهلا لأن تمزقهم السيوف ~~العربية.» وفي سنة 924 قال سنكودي نقار في منشوره بمناسبة إنشاء معبد البلد: # لقد كانت إسبانيا تحت سلطان المسيحيين، فكانت حصونها وقراها مكتظة بالكنائس، ~~وبذلك كان الدين المسيحي سائدا في كل مكان، ولكن أسلافنا تتابعت خطاياهم، ~~وخرجوا على وصايا الإله، فلأجل أن يعاقبهم - على ما قدمت أيديهم - ويرجعهم إلى ~~الصراط السوي رماهم بهذا الشعب البربري. # وقال «سبستيان» بدوره: «وإنما هلك الجيش القوطى لأن الملوك والكهنة تركوا شريعة ~~الله.» وقال كاهن باشيلوس: «عاقب الله أسلافنا في هذه الحياة الدنيا حتى لا تكون هنالك ~~حاجة إلى عقابهم في الحياة الأخرى.» كذلك نرى المؤرخين المتحضرين من أهل الشمال قد ~~اتهموا «وزيتا» ومعاصريه بأنهم كانوا غلاظا ملحدين؛ فأهان الكهنوت برمود الثاني ~~ومعاصريه - بسبب ذلك - وفي رواية كاهن بشيليوس أقدم المؤرخين الذين ينقلون عنه، أن ~~«برمود» كان عاقلا، رحيما، عادلا، وأنه كان يعمل على فعل الخير واجتناب الشر، ولكنه ~~كان سيء الحظ، فقد حدث في عهده - وقت أن كان على عرش ليون - أن وجه المنصور إلى ~~المسيحية أشد الضربات التي أصابتها منذ الهجوم العربي؛ فلم ينج شيء من سيوف المسلمين، ~~ولم تكن لترى حينذاك إلا مدائن مخربة، وأديرة خاوية، وكنائس مهدمة، بل لقد وصلت الحال ~~إلى أن سقط سبستبول، وهيكل سان جان - رأسا على عقب - وهنا رجع السؤال: «لماذا تغلب ~~المسلمون على المسيحية؟» وأجاب الكهنة على سابق عادتهم: «ذاك عقاب على خطايانا، ~~والمنصور هو مطرقة الغضب الإلهي.» # 12 # على أنهم كانوا جديرين أن يبينوا لنا: أين كانت تلك الجرائم التي استوجبت ~~هذه العقوبة الهائلة؟ وكيف تم ذلك رغم أن الإيمان بالخلود كان - في ذلك الزمن ms135 - أكثر ~~منه في أي زمن آخر؟ ولكن لا غرابة في ذلك؛ فقد آلى كتاب القرن الثاني عشر على أنفسهم ~~أن يقوموا بهذا الواجب؛ # 13 # فمؤلف التاريخ القشتالي على الرغم من أنه من رجال الكنيسة ضحى - بلا روية ~~- بالكهنة الذين ترأسوا كنيسة رمبوستيل في القرن العاشر، وأظهرهم بمظهر الفسقة المجرمين ~~قساة القلوب. # 14 # وعني فيلاخ أفيديو بشخص «برمود»، ألا ترى كيف أنه يبدأ كلامه بنشر صحيفة ~~طويلة من سيئاته ومخازيه، فإذا انتهى منها وصل إلى هذه النتيجة فقال: «وإنما بسبب جرائم ~~برمود وجرائم شعبه أن المنصور ... إلخ. وهكذا برروا عمل الألوهية التي سمحت للإسلام أن ~~يكتسح المسيحية. # ولما كانت الأقاصيص الشفوية قد لحقها كثير من التحريف في زمن سبستيان، ولم يكن قد ~~اغترف إلا من ذلك المعين؛ فقد وجب أن تقابل كل معلوماته بالحذر المشروع.» ا.ه # | هوامش ms136