######OpenITI# #META# URI: 1379MuhammadAscadTalas.MisrWaSham.Hindawi84752642 #META# Tags: history #META# ID: 84752642 #META# Title: مصر والشام في الغابر والحاضر #META# AuthorID: 35030937 #META# Author: محمد أسعد طلس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # العلاقات السياسية بين مصر والشام خلال العصور‏ # العلاقات العلمية والأدبية بين القطرين‏ # العلاقات السياسية بين مصر والشام خلال العصور‏ # العلاقات العلمية والأدبية بين القطرين‏ # | مصر والشام في الغابر والحاضر # | مصر والشام في الغابر والحاضر # تأليف # محمد أسعد طلس # إنما الشام والكنانة صنوا # ن برغم الخطوب عاشا لزاما # أمكم أمنا وقد أرضعتنا # من هواها ونحن نأبى الفطاما # حافظ # | العلاقات السياسية بين مصر والشام خلال العصور # لا نعرف قطرين اشتبكت بينهما أواصر الصداقة والتعاون مثل مصر والشام؛ # 1 # فإن العلاقات كانت جد قوية بين أهليهما منذ أقدم عصور التاريخ. ولا عجب؛ ~~فمتاخمة الأرض للأرض قد سهلت الانتقال بينهما ووحدت بين عادات أهليهما وطبائعهما. ~~وقد كانت مصر منذ فجر التاريخ تفتح أبواب دورها ومؤسساتها لاستقبال الشاميين فتفيد ~~من تجاربهم وذكائهم وحضارتهم، كما كان المصريون يفدون على الديار الشامية فيجدون فيها ~~أهلا ويحلون سهلا ويتمتعون بما يتمتعون به في بلادهم. # يقول مسبيرو: إن السوريين قد نزحوا بكثرة إلى الديار المصرية منذ أيام الفراعنة ... وقد ~~فتح البلاط الملكي المصري أبوابه لقبول عدد كبير منهم ليقوم بوظائف الوزارة ~~والاستشارة. ويظهر أن الفراعنة المصريين كانوا منذ عهد الأسرة الفرعونية الأولى ~~يطمعون في ضم البلاد الشامية إلى مملكتهم، وقد حاولوا ذلك مرات حتى نجحوا في عهد ~~تحتمس الأول، فهو الذي وحد بين القطرين وعاش أهلوهما في عهده عيشا رغدا. ثم توالت ~~المحن على القطرين معا حتى جاء الفرعون رعمسيس الأول فوطد ملك مصر وضم إليه من جديد ~~أكثر بلاد الشام، ثم رعمسيس الثاني المشهور باسم سيزوستريس فوحد القطرين سياسيا ~~واقتصاديا ونشر على البلاد الشامية لواء الأمن وخلد عهده هذا بالنقش الذي حفره ~~على الصخر عند مصب نهر الكلب قرب بيروت. وهكذا خضعت الشام لمصر فترة غير قصيرة، ويظهر ~~أن زعماء مصر ضيقوا الخناق على الشاميين فوقعت فتنة طويلة العهد بين البلدين، ~~وانتهت بعقد صلح دائم كتب باللغة الحثية على صحيفة من الفضة ونقش بالهيروغليفية على ~~حيطان هيكل الكرنك، وفيه يقول خيتا سارو ملك الحثيين السوريين: «أتعهد منذ هذا ms01 النهار ~~أن يستمر السلام والإخاء الدائم بين بلادي وبلاد مصر وبين رعاياي ورعايا مصر، فلن ~~تنشأ بعد اليوم عداوة بيننا ألبتة، بل يكون ملك مصر أخا لي وأكون أخا له كأن لنا ~~قلبا واحدا.» # ومن شروط هذه المعاهدة تسليم القتلة والمجرمين وإعادة المهاجرين من الصناع ~~والفنانين، وقد حافظ الطرفان المتعاقدان على نصوص هذه المعاهدة قرابة قرن كامل، ~~وتوطدت أواصر الصداقة والمودة بين البلدين بتزاوج البيتين المالكين فيهما، وعاش الناس ~~في ظل هذا العهد السعيد دهرا طويلا، ثم مرت بلاد الشام بفترة كانت فيها مستقلة أو ~~كالمستقلة، ويظهر أن المصريين ظلوا يصطنعون بعض الشاميين ليسيطروا على بلادهم فيجعلوا ~~منها حصنا منيعا بينها وبين بلاد الأشوريين والبابليين الذين كانوا يطمعون في ~~السيطرة على مصر ولوبيا والحبشة والبحر الأحمر، فعاد نفوذ مصر على البلاد الشامية، ~~وظلت البلاد فترة طويلة والمصريون يرعونها أحسن رعاية حتى نكبت بالغزو الفارسي ثم ~~بالغزو اليوناني فانفصل البلدان، ولكن هذا الانفصال لم يدم طويلا؛ فإن البطالسة ~~المصريين نشروا نفوذهم على أكثر البلاد الشامية، فتوحد القطران من جديد. ثم جاء ~~العصر الروماني وبسط نفوذه على الشام ومصر معا، وكان من تاريخهما ما هو معلوم مشهور. ~~ولكن مما ينبغي أن نذكره؛ هو أن البلاد الشامية لما نكبت بالغزو الفارسي الأخير في ~~سنة «615م» ولقيت من الفظائع ما يعجز القلم عن تسطيره، لم تجد لها ملجأ إلا في القطر ~~المصري الشقيق، وبخاصة عاصمته الإسكندرية. ويحدثنا بتلر عن هذه الحادثة فيقول: ~~«لكن الملجأ الأكبر للهاربين الشاميين المشتتين من المسيحيين كان في القطر المصري، ~~ولا سيما الإسكندرية، وكان عدد سكانها قد تزايد بما كان يرد إليها من اللاجئين الذين ~~كانوا لا ينقطع سيلهم منذ ابتدأت غزوة الفرس في بلاد الشام.» # ونضيف إلى كلامه هذا أن عطف المصريين على الشاميين في نكبتهم هذه لم يقتصر على ~~استقبال اللاجئين، بل كانت مصر ترسل إلى الشام القوت والذهب، وقد ذهب بعض الرهبان ~~المصريين إلى فلسطين يجوبون أرضها ويعملون على إعادة بناء الكنائس المخربة، وقد كان ~~توفيق أحدهم ms02 عظيما بإعادته بناء كنيسة بيت المقدس وإعادة رونقها إليها، كما تمكن ~~من إعادة بناء كنائس أخرى مع كثير من الدور والقصور، وقد أحب أهل هذه المدينة ~~المقدسة ذلك الراهب العظيم وأكبروا عمله، فنادوا به - وكان اسمه مودستوس - زعيما ~~دينيا ودنيويا عليهم، وكان من جراء هذه الحادثة العظمى أن اتحدت الكنيسة القبطية ~~والكنيسة الشامية. ولما نكب المصريون بالغزو الفارسي سنة «616م» وهدمت الإسكندرية ~~وكثير من المدن المصرية، قابل الشاميون الإحسان بالإحسان، فأرسلوا الميرة والغذاء إلى ~~إخوانهم المصريين، وحموا من استطاعوا حمايته من القساوسة والرهبان والشيوخ والنساء ~~والأطفال، وحفظوا ما استطاعوا حفظه من الكتب والآثار الدينية والعلمية التي فتك بها ~~الفاتك الفارسي الفاتح فتكا ذريعا، وأرسل قسما غير قليل منها إلى بلاده. وقد كان ~~حزن الشاميين عظيما لما سمعوه من أخبار النكبة الكبرى التي حلت بالإسكندرية ~~العظمى، مقر العلم والآداب ومحجة الطلاب ومنار الهدى في الشرق من أقصاه إلى أقصاه، ~~ولا غرو؛ فإن جامعة هذه العاصمة كانت قبلة الشاميين يتعلمون فيها العلم ويبعثون إليها ~~بنتاج قرائحهم لنقده ودرسه. وهكذا قويت العلاقات بين القطرين، فانتشرت اللغة ~~السريانية بين علماء مصر، حتى إننا نجد في مصر جماعة من العلماء السوريين كانوا قبل ~~الغزو الفارسي يراجعون الترجمة السريانية للإنجيل، ويترجمون كتاب التوراة السبعينية ~~إلى السريانية من جديد، وكان ذلك في الدير المصري الكبير المعروف باسم «دير ~~الهانطون». وقد كان للسوريين في مصر أديار خاصة بهم، ومنها الدير الذي لا يزال باقيا ~~إلى عهدنا هذا في وادي النطرون الذي قال بتلر عنه: «ولعل الدير السرياني الذي لا ~~يزال إلى اليوم في صحراء وادي النطرون قد نشأ في ذلك الوقت عندما جاء إلى مصر كثير من ~~السوريين وعلمائهم هاربين من خطر حرب الفرس.» # هذه لمحة موجزة جدا عن الصلات السياسية التي كانت بين البلدين قبل الإسلام، أما ~~الصلات العلمية فسنحدثك عنها فيما بعد، وسترى أنها كانت جد قوية وأن هذين القطرين ما ~~كانا إلا كالقطر الواحد في حياته السياسية والثقافية منذ فجر التاريخ. ~~••• # ظهر الإسلام ومصر والشام ms03 تحت النفوذ البيزنطي الذي ضاق القطران به وأخذ كل واحد ~~منهما يسعى للانفصال عن المملكة البيزنطية، ومما سهل ذلك انشغال الإمبراطور البيزنطي ~~«هرقل» بالخلاف الداخلي القوي، وقد كثرت الاضطرابات الدينية والسياسية في مملكته، ~~فضعف نفوذه في القطرين، ففتحت الشام ومصر أبوابهما للعرب المسلمين، وصارتا قطعة من ~~جسم المملكة العربية الجديدة. وكان فتح دمشق في سنة «14ه» ثم فتح الإسكندرية في سنة ~~«22ه»، وعقبت هذه الفترة فترة هدوء طويلة سكن فيها الشعبان السوري والمصري إلى ~~الشعب الفاتح، واستراحا قليلا من تلك الاضطرابات التي كانت تقع في بلادهما بسبب ~~الاختلافات المذهبية، وعادت الحياة الدينية إلى جو هادئ، وأصبح القبط في مأمن على ~~مذهبهم، وسكن اليهود إلى عقيدتهم في ظل العرب المسلمين، وأضحوا آمنين على أنفسهم ~~وأموالهم، وهدأت البلاد في صدر عصر الخلفاء الراشدين واستراحت. ولكن حدث حادث اضطربت ~~له البلاد الإسلامية جميعا، وبخاصة مصر، وهو مقتل الخليفة عثمان بن عفان؛ فقد كان ~~للمصريين ضلع كبيرة في هذه القضية، كما استغل الشاميون هذا الحادث وقضت البلاد فترة ~~سيئة لم تستقر إلا بعد أن توطد الأمر لمعاوية، فأقام في الشام وأعاد عمرو بن العاص ~~إلى مصر. وظلت مصر طوال العهد الأموي تتمتع بأمراء صالحين ينتقيهم لها بلاط دمشق ~~الأموي، وأول أمير بعثته دمشق إلى مصر هو عمرو بن العاص (43ه) الذي كان فيها من قبل ~~أميرا وفاتحا، والذي سار بمصر أحسن سيرة وعدل بين الرعية وأحبه الأقباط والمسلمون، ~~ولا عجب؛ فقد كان من أدهى الناس وأحسنهم رأيا وتدبيرا. وممن بعثتهم دمشق إلى مصر من ~~الأمراء عتبة بن أبي سفيان (44ه) أخو معاوية، وقد حمد المصريون سيرته فيهم كما ~~حمدوا عقله وذكاءه وفصاحته. ومنهم عقبة بن عامر الجهني الصحابي القارئ الفرضي الشاعر ~~الكاتب الذي قال عنه ابن تغري بردي: «كان لأهل مصر فيه اعتقاد عظيم وله عليهم فضل؛ ~~فهو أول من نشر فيهم الحديث، وقد روى ابن أبي الحكم المؤرخ المصري المشهور أحاديثه ~~التي نقلها المصريون عنه.» ومنهم عبد العزيز بن مروان (86ه) والد الخليفة ms04 عمر، وكان ~~من أحسن الأمراء عمرانا وسياسة، وهو الذي نزل بحلوان فأعجبته وبنى بها الدور ~~والمساجد وعمرها أحسن عمارة وغرس نخلها وكرمها، وكان جوادا سيوسا. ومنهم عبد الملك ~~بن رفاعة الفهري (109ه) وكان حسن السيرة عفيفا عن الأموال، فيه دين وعدل بالرعية ~~وثقة وفضل، وقد تولاها مرتين. # هذا ولما اضطرب أمر الخلافة الأموية وقوي سلطان بني العباس في بلاد الشام وهزموا ~~الخليفة مروان بن محمد في دمشق، لم يجد له ملجأ يعصمه منهم إلا في مصر، فالتجأ إليها ~~ولقي من أهلها عونا، فجمع جموعا سار بهم لقتال صالح بن علي بن عبد الله بن عباس، ~~ولكن لم يكتب له النصر أمام جيوش خصومه القوية، فقتل ودخل صالح الفسطاط في 8 محرم ~~سنة 133ه وبعث برأس مروان إلى الشام والعراق، ودالت دولة بني أمية. ~~••• # جاء العصر العباسي فزالت معالم الفخامة عن العاصمة الأموية، وأباح الفاتح العباسي ~~دمشق ثلاث ساعات وقيل أكثر، ووضع السيف في أهلها، ولم يزل جماعته يجزون الرءوس في ~~الطرق والمنازل، ويأخذون الأموال والأولاد، ويقتلون العلماء والأمراء حتى في المسجد ~~الجامع؛ فقد انتهكوا حرمته فهدموا محاريبه وأحرقوه وخربوا قبابه وجعلوه إصطبلا ~~لدوابهم، وقتلوا خلقا من أهل الذمة من اليهود والنصارى لا يحصون، كما خربوا ~~معابدهم، ونبشوا قبور الخلائف من أمية، ونقضوا سور المدينة. أما مصر فلم يكن حالها ~~أفضل من حال دمشق، قال ابن تغري بردي: «ولما ولي صالح مصر بعث ببيعة أهل مصر لأمير ~~المؤمنين عبد الله السفاح، ثم أخذ صالح في إصلاح أمر مصر وقبض على جمع كثير من ~~المصريين الأمويين، وقتل كثيرا من شيعة بني أمية وحمل طائفة منهم إلى العراق وقتلوا ~~بقلنسوة من أرض فلسطين.» ولم يقم صالح في مصر إلا أشهرا؛ فإن السفاح بعث به أميرا ~~على فلسطين وولى أبا عون بن زيد على مصر، وقد كان أبو عون هذا باطشا فاتكا، ثار ~~عليه أقباط مصر بسمنود فقتل منهم مقتلة عظيمة، واضطربت الشام ومصر لذلك. ولما مات ~~السفاح سنة 136ه ثارت دمشق وخلعت الخلافة ms05 العباسية وتابعت هاشم بن يزيد بن خالد بن ~~يزيد بن معاوية، فتوجه إليهم صالح بن علي من فلسطين وأعمل فيهم سيفه، فهدءوا ~~ونفوسهم تتميز من الغيظ. وفي عهد المنصور ولي أبو مسلم الخراساني مصر والشام معا، ~~فلم يقبل لأنه كان أوسع آمالا كما ذكر ذلك صاحب النجوم الزاهرة، وقال أبو مسلم في ~~ذلك وهو غاضب: «يوليني مصر والشام وأنا لي خراسان؟!» وعزم على الشر من يومئذ ثم كان ~~من أمره ما كان. # وفي أيام المنصور وخلفائه كثر تغيير الأمراء على الشام ومصر ولم يستقر فيهما أمير ~~أكثر من سنة، ولعل السر في ذلك تخوف بني العباس من استقلال أمير هذين القطرين بهما، ~~على أن بعض خلفاء بني العباس كانوا كثيرا ما يجمعون هذين القطرين لأمير واحد، كالذي ~~فعله الرشيد مع أبي مسلم عبد الملك بن صالح العباسي، فقد كان واليا على مصر والشام. ~~وفي أيام المأمون جمعت ولاية مصر والشام لطاهر بن الحسين، ويظهر أن المصريين كانوا ~~مثل الشاميين كرها لبني العباس. أما الشاميون فكانوا كثيرا ما يتحينون الفرص للخلاص ~~من بني العباس؛ لأنهم رأوا أن زوال الدولة الأموية كان زوالا لمجد العرب ورفعا لشأن ~~العجم، ولهذا لم تخل فترة في أيام العباسيين بالشام من ثورات وانتقاضات كثورة حبيب ~~بن مرة الفهري، وثورة أهل حوران، وثورة أبي محمد زياد بن عبد الله بن خالد بن يزيد بن ~~معاوية، وثورة أهل حمص، وثورة السفياني علي بن عبد الله بن خالد بن يزيد بن معاوية. ~~ومن أعظم هذه الثورات الثورة التي قام بها أهل دمشق على واليهم المنصور بن المهدي، ~~وقد ظلت نار هذه الفتنة ملتهبة حتى أطفأها عبد الله بن طاهر سنة 210ه. ومنها ثورة ~~الشاميين في عهد المتوكل على واليهم سالم بن حامد لظلمه وقتله الأشراف، وقد قتلوه على ~~باب الخضراء - قصر معاوية ومقر الخلافة الأموية - فغضب الخليفة المتوكل لذلك لما بلغه ~~وقال: «من لدمشق وليكن في صولة الحجاج؟» فقالوا له: «أفريدون التركي»، فجهزه إليها في ~~سبعة آلاف وأحل له ms06 فيها القتل والنهب ثلاثة أيام، وهكذا فعل. وفي سنة 227ه ثار ~~المبرقع الشامي تميم اللخمي، وخلع الطاعة ودعا إلى نفسه في بلاد الشام، فتبعه خلق ~~كثير من المزارعين وغيرهم وقالوا هذا هو السفياني الذي ينقذ الشام، واستفحل أمره ~~جدا حتى صارت جماعته تزيد على مائة ألف. وفي سنة 250ه وثب أهل حمص بعاملهم فقتلوه، ~~فوجه إليهم الخليفة المستعين من حاربهم، فهزمهم بين حمص والرستن، وافتتح حمص وأحرق ~~المدينة. ثم ثاروا بعد عهد قصير ثانية فأرسل إليهم الخليفة عاملا آخر فدخل بلدهم ~~عنوة وأباحها ثلاثة أيام وطرحت النار في منازلها. # وبعد، فلو رحنا نعدد لك ثورات الشاميين على الولاة العباسيين لعددنا لك الشيء ~~الكثير، ولا عجب فإن القوم كانوا يحنون إلى العهد الأموي ويكرهون هؤلاء الولاة ~~الأتراك القساة الذين كانت تبعث بهم بغداد. # أما مصر فما كانت أهدأ بالا، ففي ولاية يزيد بن حاتم المهلبي عليها ظهرت دعوة بني ~~علي فيها، وتكلم الناس بها وبايع كثير منهم لبني الحسن في الباطن، وماجت الناس بمصر ~~وكاد أمر بني علي أن يتم، والبيعة كانت باسم علي بن محمد بن عبد الله. وبينما كان ~~الناس في ذلك إذا بالبريد يقدم برأس إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي ~~طالب سنة 145ه، فنصب في المسجد أياما وسكن الناس على مضض. # وفي ولاية واضح بن عبد الله المنصوري سنة 162ه خرج إدريس بن عبد الله بن حسن بن حسن ~~بن علي بن أبي طالب، وكان واضح يميل إلى العلويين، فحمله على البريد إلى المغرب، ولما ~~بلغ هذا الخبر مسامع الخليفة الهادي طلب واضحا وقتله وصلبه سنة 169ه. وفي ولاية ~~إبراهيم بن صالح العباسي سنة 165ه خرج دحية بن المصعب بن الأصبغ بن عبد العزيز بن ~~مروان الأموي بالصعيد، ودعا لنفسه بالخلافة واستفحل أمره، وكاد أن يتم حتى ولي مصر ~~الفضل بن صالح سنة 169ه، فأسره وقتله وبعث برأسه إلى الخليفة الهادي. وفي ولاية إسحاق ~~بن يحيى الختلي ثار العلويون بمصر سنة ms07 235ه فأخرجوا من ديارهم. وكان أهل الحوف ~~المصري من عرب قيس وقضاعة واليمن كثيرا ما يثورون على الأمراء العباسيين في مصر ، ~~وربما استنجدوا بإخوانهم الشاميين فأنجدوهم على الأمراء العباسيين، وأخبار أهل الحوف ~~وثوراتهم كثيرة جدا في هذه الفترة. # وصفوة الحكم على العصر العباسي في دوره الأول بمصر والشام أن هذين القطرين كانا ~~يعاملان معاملة واحدة ويسيران بسياسة واحدة، ومن يلاحظ خطوط التاريخ في تلك الفترة ~~يجد أن البلاد لم تكن تعامل بالحسنى والخير إلا في عهد خليفتين اثنين: الرشيد وابنه ~~المأمون، فقد كانا يعطفان على هذين القطرين ويخصانهما بأفاضل العمال والرجال، ويوجبان ~~عليهم الرأفة والرحمة والعدل، وفي عهد هذين الخليفتين فقط قلت ثورات الشاميين ~~والمصريين على بغداد، وإنه لحق أن نقول إن هذين القطرين لقيا عنتا وفوضى في الحكم ~~بعد عصر هذين الخليفتين؛ فما جاء عصر المتوكل حتى اضطرب أمر البلاد ودخل الوهن إلى ~~سياستهما، فبعد أن كان الخلفاء يرسلون إلى دمشق والفسطاط أشرف أهل البيت العباسي ~~للحكم فيهما أخذنا نجد العمال أتراكا أو مولدين كأفريدون التركي الطاغية، وخاقان ~~التركي الخبيث، ومزاحم بن خاقان، وأرخوز بن أولوع، وغيرهم. وقد لاحظ هذا الأمر مؤرخون ~~قدماء وجدد، حتى قال صاحب النجوم الزاهرة في أثناء كلامه على ولاية عنبسة بن إسحاق: ~~«وعنبسة هذا هو آخر من ولي مصر من العرب وآخر أمير صلى في المسجد الجامع.» وقال كرد ~~علي: «وبعد أن كانت بغداد ترسل إلى الشام أولاد الخلفاء وأعاظم قوادها من الأصول، ~~أصبحت ترسل إليها من الفروع أفريدون التركي وخاقان التركي ومحمد المولد من الموالي، ~~فظهر الفرق في صورة الحكم لأن الحكم في الغالب كان فرديا لا علاقة للجماعة به إلا ~~إذا أحب صاحب الأمر استشارة صاحب الرأي استشارة خاصة.» # والحق أن بلاد الشام ومصر لقيت من العمال البغداديين الشيء الكثير، وخصوصا في الفترة ~~التي وليت عصر المتوكل والمعتصم إلى عهد المعتز. وفي عهد المعتز هذا سيطر أحمد بن ~~طولون على مصر والشام سيطرة تامة مدة اثنتي عشرة سنة، ثم جاء أبناؤه وحفدته ms08 خمارويه ~~وجيش وهارون وشيبان فسيطروا على البلاد إلى أن انقرضت دولتهم. وباستيلاء الطولونيين ~~على الشام ومصر شعر أهلوهما أنهم مستقلون تماما عن بغداد، وأن في استطاعتهم إذا هم ~~هيئوا جيشا على رأسه أحمد بن طولون أو ابنه جيش، أن يقوموا بأعمال باهرة وأن ~~ينجوا من السلطان التركي الغاشم، وأن ينشئوا لأنفسهم دولة ذات سيادة، فكان ذلك وكانت ~~الدولة الطولونية ذات «الطابع» الخاص في الحضارة والعمران. # قال كرد علي: «ورأت مصر والشام أنهما إذا ألفتا حكومة واحدة تصبحان دولة قوية ~~يرهب بأسها.» ثم إنه من الواجب أن نقول إنه لولا مجيء جيوش مصر الطولونية إلى الشام ~~لإنقاذها من خطر القرامطة في أواخر القرن الثالث لكانت الشام واقعة تحت شر مستطير، ~~ولكن بفضل الجيوش المصرية خلصت الشام ومصر من القرامطة الباطنيين الأشرار دهرا ~~طويلا بعد أن كاد نفوذهم يقوى بممالأة طائفة من غوغاء الشاميين لهم. وهكذا سكنت ~~البلاد واطمأنت بفضل جيوش مصر، ولكن يظهر أن بغداد لم يرقها هذا الأمر، فهي إنما ~~تريد مصر والشام خالصين لها من أي نفوذ آخر، فأخذت تدبر الدسائس وتعمل على القضاء على ~~الدولة الطولونية، حتى توفقت فقضت عليها سنة 292ه بعد عمر طوله نحو أربعين سنة لقيت ~~بلاد الشام ومصر فيه كل خير وهناء. وما إن قضي على الدولة الطولونية حتى بعث خليفة ~~بغداد المعتضد محمد بن سليمان الكاتب فاستولى على دمشق، ثم سار نحو مصر وقضى على ~~أبناء الطولونيين وقتلهم، وهم نحو عشرين إنسانا ذبحهم بين يديه كما تذبح النعاج، ~~وأشخص من استباقهم منهم إلى بغداد. وقد ظنت بغداد أنها قد استصفت ملك الشام ومصر، ~~ولكنها لم تلبث أن فوجئت بدولة أخرى استقلت بأمر الشام ومصر معا، تلك هي الدولة ~~الإخشيدية، ولا عجب فإن الاضطراب الذي كانت فيه الدولة العباسية كان من مستلزماته أن ~~تنفصل مصر والشام عن بغداد لسوء الإدارة المركزية وفساد رجالها. والدولة الإخشيدية ~~وإن كانت أقل من الدولة الطولونية نشاطا عمرانيا وإتقانا إداريا، فإنها كانت ~~تفضل بكثير دولة بغداد، وأول من جمع ms09 بين الشام ومصر من الإخشيديين هو محمد بن طغج ~~الإخشيد وكان ذلك سنة 323ه، ومحمد هذا كان جد بارع في إدارته وسياسته مقداما حازما ~~حسن التدبير، وكذلك كان ابناه أنوجور وعلي ومولاه كافور، وقد سيطروا جميعا على ~~القطرين الشامي والمصري، وأصبحت البلاد في عهد كافور على خير حال عيشا وهناءة ~~وعلما، ولا عجب فقد كان كافور - كما قال الذهبي - يدني الشعراء ويجيزهم، وكان تقرأ ~~عنده كل ليلة السير وأخبار الدولة الأموية والعباسية، وكان كريما كثير الخلع ~~والهبات خبيرا بالسياسة فطنا ذكيا جيد العقل داهية. وكان يهادي المعز صاحب المغرب ~~ويظهر ميله إليه، وكذا يذعن بالطاعة لبني العباس، وكان وزيره أبو الفضل جعفر بن ~~الفرات راغبا في الخير وأهله، وممن كان في خدمته من العلماء أبو إسحاق إبراهيم بن ~~عبد الله النجيرمي صاحب الزجاج، وكان يداوم الجلوس غدوة وعشية لقضاء حوائج الناس ~~... # وصفوة القول أن البلاد كانت في عهده على أحسن حال، ولما توفي اجتمع الأولياء وتعاقدوا ~~وتعاهدوا ألا يختلفوا، وكتبوا بذلك كتابا وعقدوا الولاية لأحمد بن علي الإخشيدي، ~~ودعوا له على منابر الشام ومصر والحجاز، وجعلوا التدبير لأحمد بن عبيد الله بن طغج ~~والوزارة لابن الفرات، وكان ذلك سنة 357ه. ولما قويت حركات الباطنية في الشام ذهب ~~الحسن بن عبيد الله بن طغج إلى الشام بنفسه ليقضي على حركاتهم، فهزموه واستولوا على ~~الشام، ثم لما رجع إلى مصر وجد أن الجند الأتراك قد ثاروا على ابن الفرات، وطالبوه ~~بمال لا قدرة له عليه، وقاتلوه ونهبوا داره ودور أهله وحاشيته، وكتب بعضهم إلى المعز ~~الفاطمي يستدعونه، رأى الحسن بن عبيد الله بن طغج كل أولئك فهدأ الأمور، ثم اضطر ~~إلى العودة إلى الشام، وبينما هو فيها بلغه خبر وصول عساكر المعز الفاطمي صحبة جوهر ~~الصقلي واستيلائه على مصر، وهكذا انقضت الدولة الإخشيدية بعد أن حكمت مصر والشام ~~أربعا وثلاثين سنة. وما لبث الفاطميون قليلا في مصر ينظمون أمورهم حتى بعثوا ~~بالجيوش إلى الشام لفتحها، وكان على رأسها الأمير جعفر بن فلاح ms10 العبيدي، فذهب إلى ~~دمشق وحارب الحسن بن عبيد الله بن طغج وأسره ومهد البلاد. وقد لقيت الشام في هذه ~~الفترات عنتا كبيرا من القرامطة ، ولكن الخلفاء الفاطميين كانوا دائما يطردونهم عن ~~أهلها، ولم يكن القرامطة وحدهم هم الذين يفسدون البلاد، بل كان هناك الروم الذين ~~كانوا يوقعون بشمال البلاد، وكان سيف الدولة بن حمدان يقف أمامهم في حياته، فلما هلك ~~وخلفه ابنه أبو المعالي استخف به نقفور ملك الروم وطمع في السيطرة على الشام كله، ~~ولكن المصريين لم يقفوا مكتوفي الأيدي أمام هذا العدو القوي، فأرسلوا أبا محمود بن ~~جعفر بن فلاح إلى الشام في عسكر يقال إنه عشرون ألفا، فدخل دمشق وغادر الروم أرض ~~الشام سنة 364ه بعد أن كانوا قد سيطروا عليها وعلى بعلبك وصيدا وبيروت وجبيل فخربوها ~~ونهبوها. # وقد قضى الشام فترة في القرن الرابع هي من شر فترات حياته، فقد كان يتنازعه كل من ~~الفاطميين والعباسيين أو ولاتهم كالحمدانيين والعقيليين، وقد كان الفاطميون شديدي ~~الحرص على استبقاء الشام تابعا لمصر لما بين البلدين من العلاقات، وقد بذلوا في ذلك ~~شيئا عظيما وجيشوا جيوشا كثيرة، حتى إن الخليفة العزيز الفاطمي سار مرة بنفسه على ~~رأس سبعين ألفا لاستخلاص الشام من القرامطة وولاة العباسيين، ولما وصل الرملة من أرض ~~فلسطين قاتله القرامطة وأفتكين غلام عضد الدولة البويهي وكان يومئذ متغلبا على ~~الشام، فخذلهم العزيز وهرب أفتكين فجعل العزيز لمن أحضره إليه ألف دينار، فأحضره ~~مفرج بن دغفل العقيلي إلى العزيز، فكرمه وأنعم عليه وأخذه معه إلى مصر واستبقاه ~~فيها إلى أن مات معززا. وأما صاحب القرامطة فلاطفه العزيز أيضا وأعطاه الأموال ~~والرياش وطلب إليه أن ينصرف من الديار الشامية إلى الأحساء، وهكذا كان. ولم يبق أمام ~~الفاطميين خصوم أقوياء يدفعونهم عن الشام إلا الحمدانيين. # ولما مات أبو المعالي بن سيف الدولة وخلفه ابنه أبو الفضائل، رأى العزيز أن الوقت قد ~~حان لاستصفاء الشام وإنقاذه من الاضطراب الذي كان فيه والتذبذب بين الدولتين، فسير ~~جيشا قويا إلى حلب وعليه ms11 منجوتكين، ووقع القتال بينه وبين الحمدانيين في أفامية - ~~قلعة المضيق - سنة 382ه، فانهزم الحمدانيون، ثم دخل منجوتكين حلب فاستعان أبو الفضائل ~~بباسيل ملك الروم على المصريين ، فكتب باسيل إلى نائبه في أنطاكية أن ينصر أبا الفضائل ~~بجيش لجب، فلما علم المصريون بذلك عبروا العاصي وفاجئوا الروم قبل أن يفاجئوهم، وقهر ~~المصريون الروم وهزموهم وأرجعوهم إلى أنطاكية وأكثروا فيهم القتل. # قال الأنطاكي: «قتل من الروم في هذه الوقعة التي دعيت «وقعة المخاضة» سنة 384ه زهاء ~~خمسة آلاف، وسار المصريون إلى أنطاكية ففتحوها ثم رجعوا إلى حلب.» وكادت الجيوش ~~المصرية أن تسيطر على الشام جميعه لولا أنها أصيبت بمصيبة أزعجتها، ألا وهي طمع ~~منجوتكين وخروجه على الخليفة الفاطمي وإعلانه الاستقلال بالشام لما رأى من فوزه ~~العظيم، فأرسل الخليفة إليه جندا هزموه وأعادوا الشام إلى الحظيرة الفاطمية كما ~~فصل ذلك ابن مسكويه في تاريخه. # ومن الحوادث المزعجة التي جرت في الشام في تلك الفترة ثورة أهل صور سنة 387ه بقيادة ~~ملاح اسمه علاقة، فقد ثار هذا على الفاطميين وضرب السكة باسمه وكتب عليها «عز بعد ~~فاقة للأمير علاقة»، وقد أرسل إليه الخليفة المصري أسطوله لتأديبه، فاستجار علاقة ~~بملك الروم وقد أنفذ إليه هذا عدة مراكب فالتقى الأسطولان المصري والرومي، فهزم ~~الروم وكتب النصر للأسطول المصري. فأنت ترى في هذه الحقبة القصيرة من الزمن استنجاد ~~رجلين اثنين بالروم على بني جنسهما ليستمتعا بالملك ونشوته. وفي عهد الحاكم بأمر الله ~~ثار الأعراب سنة 404ه بقيادة المفرج بن دغفل بن الجراح على الشام، وفتكوا بأهله ~~وبأميره المصري علم الدولة، وأقاموا متغلبين عليه فأفسدوا البلاد وهرب كثير من أهلها ~~النصارى إلى بلاد الروم واللاذقية وأنطاكية، ولم تسكن البلاد إلا بعد أن عاد إليها ~~المصريون وأعادوا إليها السكينة والطمأنينة. # وفي عهد الحاكم بأمر الله أيضا سنة 421ه سار أرمانوس ملك الروم إلى الشام كما يقول ~~ابن المهذب المعري، وقد جاء معه لغزو الشام ملوك الفرنجة جميعا مثل ملك البلغار وملك ~~الروس والألمان والخزر والأرمن والبلجيك والفرنج في جمع ms12 عظيم يزيد على ستمائة ألف ~~مقاتل، فقاتلهم المصريون والشاميون جميعا وهزموهم وغنموا منهم ما لا يحصى، وأسروا ~~جماعة من أولاد الملوك، ويظهر أن هذه الغزوة هي غزوة صليبية أرادت أوروبا توجيهها على ~~البلاد الشامية. وقد أصاب الشام في عهد الحاكم ما أصاب مصر من العنت والاضطراب، فكما ~~أنه خرب كنائس مصر كذلك خرب كنائس دمشق والقدس، ونقض بعض الكنائس بيده وأمر بأن تعمر ~~مساجد للمسلمين وأمر بالنداء؛ من أراد الإسلام فليسلم ومن أراد الانتقال إلى بلاد ~~الروم كان آمنا إلى أن يخرج. # وقد خرج كثير من الشاميين إلى بلاد الروم، ثم عاد الحاكم فبنى كنائس النصارى. وفي عهد ~~الحاكم هذا انتشر المذهب الدرزي في البلاد الشامية، وكان دعاة الباطنيين قد ملئوا ~~البلاد وسيطروا على الشام. وفي عهد الظاهر بن الحاكم ثار المرداسيون وحسان بن الجراح ~~واستولوا على أكثر بلاد الشام، فأرسل إليهم الخليفة جيشا مصريا على رأسه القائد ~~أنوشتكين الدزبري، فأعاد إلى البلاد هدوءها وأدخلها في الحظيرة المصرية من جديد. وقد ~~ظل أنوشتكين إلى عهد المستنصر بن الظاهر أميرا على الشام إلى أن مات سنة 433ه، فعادت ~~البدو إلى الثورات وقضت البلاد عهدا مشئوما تملكها فيه البدو والأعراب والروم، ولم ~~تسكن حتى عاد إليها المصريون بقيادة مكين الدولة الحسين بن علي، فهدأ الأمور وعقد ~~الاتفاقات مع الروم. وفي سنة 446ه نقض الروم عهدهم مع صاحب مصر المستنصر، وكانوا ~~تعهدوا بأن يبعثوا إليه أربعمائة ألف أردب من الغلال بسبب القحط في مصر، فجهز ~~المستنصر جيشا عظيما على رأسه مكين الدولة الحسين بن علي ونودي في مصر وسائر البلاد ~~بالغزو والجهاد إلى بلاد الروم، وكانت وقائع كثيرة كانت الغلبة فيها للمصريين ~~والشاميين. ولما عظم نفوذ مصر في الشام طمعت في السيطرة على بغداد والعراق، فتم لها ~~ذلك وخطب للمستنصر الفاطمي على منابر بغداد بمعاونة أبي الحارث أرسلان التركي ~~البساسيري (سنة 451ه)، ثم كان أن قتل البساسيري وقطعت الخطبة من بغداد وبقي سلطان ~~مصر محصورا في الشام وما إليه، ولكن ما لبث نفوذ ms13 مصر أن أخذ يضعف في الديار الشامية ~~أيضا لضعف الدولة في مصر نفسها، ووقعت فتن كثيرة بين الجند المصري والشاميين. والحق ~~أن الخلفاء المصريين قد ضعف أمرهم بعد موت الحاكم، ولولا ظهور سيدة القصور - ست الملك ~~- وقيامها بالأمر خير قيام، لدالت الدولة منذ عهد بعيد، ولكنها بحكمتها وسياستها ~~أعادت للملك غضارته بعد أن أصيب في أواخر عهد الحاكم بما هو معروف مشهور. ولما جاء ~~ابنه الظاهر حسنت الأحوال قليلا لأنه كان مستقيما حسن الإدارة، ثم لما جاء ابنه ~~المستنصر عاد الاضطراب من جديد وأخذت البلاد تئن من سوء الإدارة وكثرة تغير العمال ~~وتسلط الروم والمتغلبة بين حين وآخر. والحق أن الملك الفاطمي أخذ ينحسر ظله عن ~~الديار الشامية بعد عهد المستنصر، والسبب في ذلك ضعف الفاطميين عسكريا وإداريا؛ ~~فإن جيشهم بعد أن كان في عصر المعز والعزيز يزيد على المائة ألف مقاتل، قوي حتى قيل ~~إن أرض مصر لم يطأها جيش بعد جيوش الإسكندر أكثر من جيوش المعز الفاطمي. # أقول إن هذا الجيش القوي أصبح هزيلا في عهد المستنصر، فتمزق شمل الملك العظيم الذي ~~سيطر على المغرب ومصر والشام والحجاز في عهد، واكتفى المستعلي بأن يسيطر على مصر وبعض ~~نواحي الشام. قال الذهبي: وفي أيامه وهنت دولتهم وانقضت دعوتهم من أكثر بلاد الشام، ~~واستولى عليها الأتراك والفرنج، ونزل الفرنج على أنطاكية وحصروها ثمانية أشهر سنة ~~491ه، وأخذوا المعرة والقدس سنة 492ه، ومنذ هذا الحين سيطرت الفرنج على البلاد ~~الشامية وبسطوا نفوذهم عليها، وأخذوا يعملون على السيطرة على مصر نفسها، ولولا ظهور ~~البطل نور الدين محمود بن زنكي وصلاح الدين يوسف بن أيوب لقضى الفرنجة على مصر والشام ~~قضاء مبرما. ولما سيطر الفرنجة على كثير من مدن الشام ضاق أهله ذرعا بهم ~~واستغاثوا بمصر أن تنجدهم، وأنى لها بذلك وبلادها هي في الفوضى غارقة. قال القاضي ~~الهروي من قصيدة يستغيث بالمصريين مما حل بالشام: # مزجنا دماء بالدموع السواجم # فلم يبق منه عرصة للمراحم # وكيف تنام العين ملء جفونها # على هفوات أيقظت ms14 كل نائم # وإخوانكم بالشام يضحى مقيلهم # ظهور المذاكي أو بطون القشاعم # أرى أمتي لا يشرعون إلى العدا # رماحهم والدين واهي الدعائم # وليتهم إذ لم يذودوا حمية # عن الدين ضنوا غيرة بالمحارم # وإذ زهدوا في الأجر إذ حمي الوغى # فهلا أتوه رغبة في الغنائم # وفي عهد الحافظ الفاطمي لمع نجم نور الدين محمود، وأخذ ينقذ الشام من أيدي الفرنجة، ~~ففي سنة 542ه افتتح نور الدين حصن أرتاح، شمالي حلب، وكان هذا الفتح أول الفتوح ~~الزنكية في البلاد، ثم استمرت الفتوح وتحررت البلاد الشامية واحدة بعد واحدة، ولما ~~عرف الصليبيون تضعضع الأمر في الديار المصرية جهزوا جيشا سنة 562ه يريدون به ~~الاستيلاء على مصر، فأخذوا مدينة بلبيس وقتلوا وأسروا، ثم حاصروا القاهرة من ناحية ~~باب الشعرية - كما يقول السيوطي - فأمر الوزير شاور الناس أن يحرقوا مصر، فأحرقوا ~~بلدهم بأيديهم وانتقلوا من القاهرة فنهبت العاصمة، وذهبت للناس أموال لا تحصى وبقيت ~~النار تعمل في مصر أربعة وخمسين يوما، فعند ذلك أرسل الخليفة العاضد آخر خلفاء ~~الفاطميين في مصر يستغيث بنور الدين، وبعث إليه بشعور نسائه مع رسالة يقول فيها: ~~«أدركني واستنقذ نسائي من الفرنج»، فجهز نور الدين الجيوش وعليها أسد الدين شيركوه ~~بن شاور مع ابن أخيه صلاح الدين، فدخلوا القاهرة ورجع الفرنجة وعظم أمر الدولة ~~الزنكية في مصر من يومئذ، ثم بدا لصلاح أن يقضي على الفاطميين، ففعل وخطب للعباسيين ~~في مصر فالشام. # وهكذا انقرضت الدولة الفاطمية من مصر والشام وحلت محلها الدولة الأيوبية منذ سنة ~~567ه. وفي سنة 582ه قسم صلاح الدين المملكة بين أهل بيته، فأعطى مصر لولده العزيز ~~عثمان، والشام لولده الأفضل، وحلب لولده الظاهر، وأعطى أخاه العادل أبا بكر إقطاعات ~~كثيرة بمصر، وجعله أتابك ولده العزيز فيها، وأعطى لابن أخيه المظفر حماة والمعرة ~~ومنبج وميافارقين، وتتابعت الملوك الأيوبيون على الشام ومصر، ولا أدري أكانت الشام في ~~العهد الأيوبي تابعة لمصر أم مصر تابعة للشام، فإن صلاح الدين كان يقيم هنا وهنالك. ~~ولما هلك صلاح الدين سيطر أخوه العادل ms15 صاحب مصر على المملكة وبسط نفوذه عليها، وجعل ~~من مصر عاصمة الملك الأيوبي الواسع في حياته، ولما مات سنة 615ه كان قد قسم الملك بين ~~أولاده كما فعل أخوه؛ فجعل بمصر الكامل محمدا، وبدمشق والقدس وما إليهما المعظم ~~عيسى، وبالجزيرة وميافارقين الأشرف موسى، وبالرها الشهاب غازيا، وبقلعة جبر الحافظ ~~أرسلان شاه، وقد ظلوا متآخين بعد موت أبيهم، ولم يطمع أحد منهم في ملك أخيه واتفقوا ~~بشكل حسن، وكانوا كالنفس الواحدة. قال ابن الأثير: «فلا جرم زاد ملكهم ورأوا من نفاذ ~~الأمر والحكم ما لم يره أبوهم، ولعمري إنهم نعم الملوك فيهم الحكم والجهاد والذب عن ~~الإسلام.» # ومن أهم الحوادث في هذه الفترة هجوم الصليبيين المتمكنين في دمياط على المنصورة، وقد ~~وقع قتال عظيم بين الصليبيين والأيوبيين سنة 618ه، فاستنجد الملك الكامل بأخوته، فبعث ~~كل واحد منهم جيشا عظيما، وقد طالت المعارك، وترددت الرسل بين الفريقين، وانتهى ~~الأمر بأن يسلم الأيوبيون للصليبيين مدينة القدس وعسقلان وطبرية واللاذقية وجبلة ~~وجميع الساحل ما عدا الكرك والشوبك، على أن يلقوا السلاح ويسلموا دمياط للمسلمين، فلم ~~يقبل الفرنجة وطلبوا فوق ذلك ثلاثمائة ألف دينار عوضا عن تخريب سور القدس كما طلبوا ~~الكرك والشوبك، فلما رأى المصريون تعنت الصليبيين عبر جماعة منهم في بحر «المحلة» ~~الأرض التي عليها الفرنجة من بلاد دمياط وفجروا فجوة عظيمة من بحر النيل وكان ذلك في ~~قوة زيادته، فركب الماء على تلك الأرض وصار حائلا بين الفرنج وبين دمياط وانقطعت ~~عنهم الميرة والمدد، فبعثوا يطلبون الأمان وقبلوا بالشروط التي شرطها المصريون، ثم ~~نزلوا عن كل شيء وقبلوا تسليم دمياط، فخابت أمانيهم ومزقهم المصريون والشاميون شر ~~ممزق، وأسروا مليكهم القديس لويس الفرنساوي مع ثلاثين ألفا من رجاله، وهكذا نجت ~~الشام ومصر من الخطر المهلك واستراحت من الصليبيين دهرا طويلا، ولم يقو الصليبيون ~~بعد هذه المرة على مهاجمة البلاد إلى أن ضعف الأيوبيون، اللهم إلا بعض مناوشات قليلة، ~~فلما ضعف الأيوبيون وأخذوا يتقاتلون على السلطان بل ويستعين بعضهم بالصليبيين على ~~بعضهم، تضعضع أمر ms16 البلاد وعاد الصليبيون من جديد إلى إثارة القلاقل. وفي عهد الملك ~~الصالح صاحب مصر أخذ ظل الدولة الأيوبية يتقلص من الشام، ولما هلك الصالح سنة 647ه، ~~وكان أول من استكثر من المماليك وجاء بعده ابنه تورانشاه فلم تطل مدته أكثر من شهرين ~~إلا قليلا، سيطرت على البلاد قوة جديدة هي قوة المماليك البحرية، وكان أولهم أيبك ~~التركماني وكان ذا بطش ودهاء، فساس البلاد سياسة قوية، وكان سخي اليد فالتف الأمراء ~~والمماليك من حوله، وقد أكثر من إعطاء الأموال ليقبله الناس أميرا مع كونه مملوكا ~~رقيقا. # قال ابن تغري بردي: «وكان ملكا شجاعا كريما عاقلا سيوسا كثير البذل للأموال، ~~أطلق في مدة سلطنته من الأموال والخيول وغير ذلك ما لا يحصى كثرة حتى رضي الناس ~~بسلطان مسه الرق. وأما أهل مصر فلم يرضوا به إلى أن مات وهم يسمعونه ما يكره حتى في ~~وجهه.» ولما قتل وقعت الاضطرابات في البلاد الشامية والمصرية وخصوصا والشام لم يستقر ~~بعد للمماليك، فإن بقايا الأيوبيين كانوا ما يزالون فيه، فشمال الشام إلى الفرات كان ~~فيه الناصر صلاح الدين يوسف، وحماة كانت للملك المنصور محمد، والكرك والشوبك كانتا ~~للمغيث، وبلاد صهيون كانت للمظفر عثمان منكورس، وتدمر والرحبة كانت تحت يد الأشرف ~~موسى بن إبراهيم. وفي هذه الفترة المضطربة ظهر التتار سنة 656ه، فدمروا بغداد، ~~واتجهوا نحو الديار الشامية سنة 657ه وفتكوا بأهالي حلب ثم بأهالي دمشق، وساروا ~~جنوبا حتى غزة فهزمت الجيوش أمامهم ودخلت إلى مصر وتجمعت جموع قوية منهم قابلت ~~التتار في عين جالوت، فهزموهم ومزقوهم وفاز الجيش المصري-الشامي فوزا مبينا، وكان ~~ذلك النصر على يد الملك قطز، ولما ولي السلطنة بيبرس البندقداري بعد قطز كانت البلاد ~~تواجه خطرين: أولهما التتار، فإن هولاكو غضب لهزيمة جيوشه في عين جالوت، وثانيهما ~~الصليبيون، فاستطاع بيبرس القضاء على التتار وأحبط مساعي الصليبيين، وأخذ حصونهم ~~وقلاعهم في الساحل الشامي مثل يافا وصور وعكا وطرابلس، ولم يمت الظاهر بيبرس سنة 676ه ~~حتى قضى على الصليبيين قضاء مبرما وأنقذ دمشق من ms17 أيديهم، وكان ملكا عادلا شهما ~~سيوسا سيطر على البلاد الشامية والمصرية خير سيطرة وساسها أفضل سياسة. قال شمس الدين ~~سامي: «عاد للبلاد بهاؤها بسلطنة بيبرس، وصارت السلطنة الإسلامية ذات بهاء وفخامة في ~~عهده.» وفي سنة 683ه عاد المغول والصليبيون يريدون الشام من جديد، فدخلوها وأفسدوها ، ~~فسارت إليهم جيوش مصر وهزمتهم جميعا ولحقتهم إلى طرابلس فدمرتها على رءوسهم. # ولما مات قلاوون سنة 689ه وتولى ابنه الأشرف خليل رأى الصليبيين قد استفحل أمرهم في ~~الديار الشامية، فنهض من مصر وفتح عكا وكانت حصن الصليبيين المنيع منذ القديم ودكها ~~دكا. ولما رأى الصليبيون ذلك رعبوا فأخلوا صيدا، فدخلها الملك الأشرف وهدمها، ثم ~~استولى على بيروت وصور وعتليت وطرطوس وجبيل والبتروت والأسكندرونة، وطرد بقايا ~~الصليبيين من الساحل الشامي، وكانت هذه الحملة هي الحملة الأخيرة التي طهرت البلاد من ~~الصليبيين. وقد رأيت أن الحملة السابقة كانت طهرت الداخل وهذه طهرت الساحل، فاستراحت ~~البلاد الشامية جميعا منهم، واستطاع الملك لاجين ملك مصر والشام أن يتخذ من الجيوش ~~الشامية والمصرية أداة لفتوحات جديدة بعد أن كانت قبلئذ معدة للدفاع فقط. # ففي سنة 697ه جرد السلطان جيوشه لفتح بلاد الأرمن في سيس لأنهم كانوا لا يتركون ~~البلاد تستريح، فأخضع ملكهم ثم رجعت الجيوش الظافرة والبلاد في أمن واطمئنان، ولكنها ~~لم تلبث طويلا حتى فوجئت بزحف جديد للتتار سنة 699ه وعلى رأسهم غازان بن أرغون خان ~~بن هولاكو، فدخل حلب وحماة وفتك بأهليهما، ولما بلغت هذه الأخبار مسامع السلطان ~~الناصر بن قلاوون زحف من مصر فالتقى الجيشان قرب حمص وكسر الجيش المصري وانهزم ~~السلطان، ولقيت دمشق وسائر البلاد الشامية أهوالا جساما، ولكن ما لبث السلاطين من ~~أولاد قلاوون أن أعادوا إلى البلاد الهدوء والهناء، وما إن هلك آخر سلطان من البيت ~~القلاووني وهو الأشرف شعبان سنة 778ه حتى اضطربت البلاد وأخذ نواب الشام يستقلون عن ~~مصر، فأشرفت البلاد على عهد جديد هو عهد المماليك الأتراك، وقد رأى الأتابك برقوق ضعف ~~حال السلطان وفساد البلاد ومخامرة النواب وفساد العدو والأعراب، ms18 وأحس بلزوم تجديد ~~شباب الملك بإسناده إلى سيد كبير، فجمع القضاة والخليفة وطلب إليهم أن يسلطنوه ~~ويخلعوا الملك الصالح، فوافقوا على ذلك وكان هذا في سنة 784ه، فهدأت البلاد أول الأمر ~~ثم عادت إليها الاضطرابات كما كانت أيام المماليك البحريين. قال الأستاذ كرد علي: ~~وكانت هذه الدولة عجبا في ضعف الإدارة وقيام الخوارج لأن الملك على الأكثر كان ~~ضعيفا ينزله من عرشه كل من عصا عليه واستكثر من المماليك وقدر أن يتسلط على عقول ~~السذج من العربان وأرباب الدعارة والطمع من الناس ... والقاهرة لا شأن لها بعد أن ~~يتقاتل المتقاتلون على الملك، أو يقاتل القواد أرباب العصيان والتمرد ويظفر أحد ~~المتنازعين على السلطنة أو الأمير الذي وسد إليه اجتثاث دابر العاصي إلا أن تزين ~~أسواقها سبعة أيام أو ثلاثة أيام على الأقل، تفعل ذلك لأقل حادث يحدث ... وكانت دمشق في ~~أيام الشراكسة ثم في أيام الأتراك أخلافهم تزين سبعة أيام لأقل ظفر يقع، فيفرح ~~السلطان وتدق البشائر. وقد عمت الفوضى في عهد المماليك الأتراك وساد الاضطراب وانتشر ~~الخوف في البلاد وخصوصا حين هاجمها تيمورلنك سنة 802ه، فهدم دمشق وحلب وفعل في ~~أهليهما الأعاجيب حتى قال بهاء الدين البهائي يرثي البلاد الشامية، ويصف ما حل بها ~~من جراء أفعالهم: # لهفي على تلك البروج وحسنها # حفت بهن طوارق الحدثان # لهفي على وادي دمشق ولطفه # وتبدل الغزلان بالثيران # وشكا الحريق فؤادها لما رأت # نور المنازل أبدلت بدخان ~~••• # جناتها في الماء منها أضرمت # فعجبت للجنات في النيران # كانت معاصم نهرها فضية # والآن صرن كذائب العقيان # ما ذاك إلا تركهم ولجت بها # فتخضبت منها بأحمر قاني ~~••• # لو عاينت عيناك جامع «تنكز» # والبركتين بحسنها الفتان # وتعطش «المرجين» من ورادها # وتهدم المحراب والإيوان # لأتت جفونك بالدموع ملونا # دمعا حكى اللولو على المرجان ~~••• # أبني أمية أين يمن وليدكم # والمغل تفتل في ذرى الأركان؟ # 2 # شربوا الخمور بصحنه # 3 # حتى انتشوا # ألقوا عرابدهم على النسوان # لم يرحموا طفلا بكى فقلوبهم # في الفتك صخر لا أبو سفيان ~~••• # لهفي على تلك ms19 العلوم ودرسها # صارت مغانيها بغير بيان # أعروسنا لك أسوة «بحماتنا» # في ذا المصاب فأنتما أختان # غابت بدور الحسن عن هالاتها # فاستبدلت من عزها بهوان # ناحت «نواعير» الرياض لفقدها # فكأنها الأفلاك في الدوران # وقال بعض أدباء حلب الشهباء يرثيها ويصف ما حل بها: # يا عين جودي بدمع منك منسكب # طول الزمان على ما حل في حلب # من العدو الذي قد أم ساحتها # ناح الغراب على ذاك الحمى الحرب # ويلاه ويلاه يا شهبا عليك وقد # كسوتني ثوب عز غير منسلب! # من بعد ذاك العلا والعز قد حكمت # بالذل فيك يد الأغيار والنوب # وأصبح المغل حكاما عليك ولم # يرعوا لجارك ذي القربى ولا الجنب # وفرقوا أهلك السادات وانتشروا # في كل قطر من الأقطار بالحوب # وخربوا ربعك المعمور حين غدوا # يسعون في كل نحو منك بالنكب # وخربوا من بيوت الله معظمها # وحرقوا ما بها من أشرف الكتب # لكن مصيبتك الكبرى التي عظمت # سبي الحريم ذوات الستر والحجب # يأتي إليها عدو الدين يفضحها # ويجتليها على لاه ومرتقب # ولما رحل تيمور بعد أن خرب البلاد، عاد إليها نفوذ المماليك وسلطانهم الأخرق ووقعت ~~فتن كثيرة في البلاد، فإن السلطان الملك الناصر كان سخيفا أخرق سكيرا سفاكا، ففعل ~~الأفاعيل حتى قتله أصحابه ثم جعلوا الخليفة سلطانا، فهدأت البلاد قليلا ثم عادت إلى ~~الفوضى، واستمرت على ذلك حتى داهمتها طلائع الجيش العثماني. # في أوائل القرن العاشر كان على التخت العثماني سلطان قوي هو السلطان سليم، وقد استطاع ~~بقوته ودهائه القضاء على نفوذ الدولة الصفوية العجمية، وكانت نفسه تطمح إلى السيطرة ~~على الدولة المصرية-الشامية، وكان أبوه وجده من قبله يرجوان ذلك، ولهما حروب ومناوشات ~~كثيرة مع بعض رجال دولة المماليك في بلاد الشام. وفي سنة 922ه أرسل السلطان العثماني ~~جيشا كبيرا يريد به السيطرة على البلاد الشامية، فبلغ الخبر السلطان قانصوه الغوري ~~ملك مصر والشام، فأرسل إلى السلطان العثماني يعرض عليه الصلح؛ فلم يقبل، واشتبك ~~الجيشان وقتل قانصوه الغوري، ودخل السلطان العثماني حلب ثم دمشق، وقد تألم الناس ~~لانقضاء عهد ms20 المماليك على ما كان فيه من اضطراب حتى قال بعض شعراء الشام: # ليت شعري من على الشام دعا # بدعاء خالص قد سمعا # فكساه ظلمة مع وحشة # فهي تبكينا ونبكيها معا # قد دعا من مسه الضر من ال # ظلم والجور اللذين اجتمعا # فأصاب الشام ما حل بها # سنة الله التي قد أبدعا # ثم سار السلطان العثماني بعد فتح الشام إلى مصر، وقتل الملك طومانباي الذي ولاه ~~المصريون بعد قانصوه الغوري، وبسط نفوذه على مصر، ثم رحل إلى عاصمة ملكه وأخذت البلاد ~~تقاسي الويلات من الجند العثماني الذي كان ينهب البيوت ويقطع الأشجار. وما كانت الحال ~~في الشام بأحسن منها في مصر، فقد أصبح البلدان تحت رحمة باشوات الترك وجندهم، وكيف ~~يكون الجند والباشوات صالحين وسلطانهم كما يصفه المؤرخ المصري ابن إياس: «لا أنصف ~~مظلوما من ظالم، بل كان مشغوفا بلذته وسكره، وإقامته في المقياس بين الصبيان المرد ~~ويجعل الحكم لوزرائه بما يختارونه، وكان ابن عثمان لا يظهر إلا عند سفك دماء ~~الشراكسة، وما كان له أمان إذا أعطاه لأحد من الناس، وليس له قول ولا فعل، وكلامه ~~ناقض ومنقوض، لا يثبت على قول واحد كقول الملوك وعادتهم في أفعالهم.» هذا وقد ساق ~~السلطان ابن عثمان من مصر والشام أحمالا وأحمالا من الذهب والمتاع والكتب والتحف ~~والرياش والأثاث، ووضع الضرائب والمكوس، وأهلك الناس بما فرضه عليهم من الضرائب. ولما ~~هلك سليم وجاء ابنه سليمان هان أمر مصر والشام؛ فإنه كان مشغولا عن تنظيم البلاد ~~المفتوحة الخاضعة له بالفتوحات الجديدة التي كان يطمع فيها، وقد خرج هو بنفسه إلى ~~الغزو والفتح أكثر من اثنتي عشرة مرة، وكان يظفر في كل موقعة؛ فوسع رقعة المملكة ~~العثمانية، ولم يكن للبلاد المصرية والشامية في عهد سليمان إلا أن تظهر أفراحها ~~بالفتوحات وتعاني الأمرين من الجند الانكشارية والسباهية والدالاتية. ثم خلفه ابنه ~~سليم السكير وكان شر الناس أخلاقا وسيرة، ثم جاء بعده مراد الثالث وقد لقيت البلاد ~~المصرية والشامية في عهده كل عنت وإرهاق، ولما انتهى القرن ms21 العاشر ودخل القرن الحادي ~~عشر، أمل الناس تغير النظام القديم المضطرب الذي كان أقل شيء فيه عدم استقرار ~~الولاة واضطراب إدارتهم، فإن الوالي كان لا يقيم في البلدة إلا ريثما يخرب وينهب ~~ويضرب الضرائب، وقد بلغ عدد ولاة دمشق في ذلك القرن واحدا وثمانين واليا، وعدد ولاة ~~حلب أكثر من 50 واليا، والذين تولوا مصر أكثر من ثلاثين، وقد كانت البلاد تقاسي ~~الويلات والشدائد منهم. وكان الوالي الصالح منهم لا يستقر ليتوفر على الإصلاح، وفظائع ~~الولاة العثمانيين في مصر والشام أكثر من أن تحصى، ومن شر الولاة العثمانيين في مصر ~~محمود باشا المقتول وكان فيها سنة 973ه، وقد نظم بعض أدباء مصر تاريخ وفاته ~~فقال: # موت محمود حياة # فيه للعالم رحمه # قتله بالنار نور # وهو في التاريخ (ظلمه/975) # وقال آخر: # أتى محمود باشا يوم نحس # فساقته منيته غصيبه # تجاه الناصرية خلف حيط # بقيظ جاءه منه مصيبه # ببندقة رماه كف رام # فحررها فجاءته مصيبه # وقد كثر في العصر العثماني الجوع والقحط والضنك في البلاد جميعا، وخصوصا في عهد ~~أويس باشا الذي رثاه بعضهم بقوله: # أهلك الله أويسا إنه # جار في الحكم ولم يخش الوعيد # مذ أتى مصر تجبر واعتدى # وبه السلب تبدى في مزيد # أهلك الحرث وكم من فتنة # أمها بالجهل فيما لا يفيد # مذ دهاه الموت ما أفلته # لا ولا كان له عنه محيد # خاب سعيا بوفاة أرخو ~~(ها وخاب كل جبار عنيد/999) # ولم يكن الشام أسعد حظا بولاته من مصر، فقد وليه طائفة من الولاة القساة الظلمة، ~~ولم يكن قضاة الشرع فيه أفضل من الولاة؛ ففي سنة 934ه قتل أهالي حلب قرا قاضي علي بن ~~أحمد الذي جاء لتفتيش أوقاف حلب وأملاكها، وللنظر على الأموال السلطانية، ولرفع ثمن ~~القمح والملح وجعله أغلى من الفلفل، ولما ضيق على الناس انتهزوا فرصة دخوله على ~~المسجد الجامع للصلاة يوم الجمعة وتجمعوا عليه وقتلوه ضربا بالنعال ورجما ~~بالحجارة. # ولم يكن الولاة العثمانيون في القرنين الحادي عشر والثاني عشر أحسن حالا من الولاة ~~في ms22 القرن السابق، فقد كانت الفوضى منتشرة في البلاد، وانتهز بعض أمراء البلاد هذه ~~الفوضى وذلك الضعف فأعلنوا عصيانهم ببلادهم، ومن هؤلاء نفر من المماليك في مصر وطائفة ~~من المتنفذين في الشام، وقد عظم أمر هؤلاء حتى صار الوالي تحت رحمة هؤلاء، يقضي مدته ~~القصيرة وهو كالسجين في القلعة ولا هم له سوى أن يأخذ جامكيته ويجمع الأموال من كل ~~طرق يستطيعها. # ومن أعظم الأمراء الذين نجموا في هذا العصر بمصر علي بك الكبير الذي كان يرى أن دخول ~~العثمانيين إلى مصر والشام دخول ظالم، وأنه لا بد أن ينقذ البلاد منهم، واتفق مع ~~الشيخ ضاهر العمر أمير عكا على العصيان والثورة، فوجهت الدولة العثمانية إليهما جيشا ~~عظيما استطاعا أن يتغلبا عليه، ولما ظفر علي بك الكبير بالجيش العثماني طمع في ~~التوسع ففتح اليمن وجدة ومكة وأكثر الجزيرة العربية، ثم في سنة 1185ه أرسل قائده محمد ~~بك أبا الذهب على رأس حملة إلى بلاد الشام؛ فاستولى على غزة ونابلس والقدس ويافا، ثم ~~حاصر دمشق وتركها دون أن يدخلها؛ لأن الأتراك استطاعوا أن يستميلوا أبا الذهب، فترك ~~الديار الشامية وترك حليفه الشيخ ضاهر العمر يقاوم وحده، فكتب الشيخ ضاهر إلى علي بك ~~يخبره بخيانته بعد أن كاد يملك القطر الشامي، ثم ما لبث أن مات علي بك وسيطر أبو ~~الذهب على مصر وعادت سلطة العثمانيين على مصر من جديد، وظلت مصر تقاسي الويلات في ~~الإدارة والفوضى حتى جاءها الفرنسيون وعلى رأسهم نابليون بونابرت سنة 1212ه، ولما ~~فتحت مصر رأى نابليون أن البلاد جزء لا يتجزأ من مصر، وأن ملك مصر لا بد له من ~~السيطرة على الشام وعزم على ذلك. # قال الأستاذ كرد علي: ولما شعر نابليون باجتماع الجيوش لمحاربته وأنه إن لم يفاجئ ~~الدولة العلية في بلاد الشام قبل أن تتم استعداداتها الحربية؛ تكون عواقب الأمور ~~وخيمة عليه، وأن من يحتل مصر لا يكون آمنا عليها إلا إذا احتل القطر السوري، فلهذه ~~الدواعي عزم نابليون على فتح بلاد الشام، وقام من ms23 مصر ومعه ثلاثة عشر ألف مقاتل ~~قاصدا الشام من طريق العريش فاحتل حيفا ويافا، ولما علم أحمد باشا الجزار أمير عكا ~~بذلك حصن مدينته وجمع جموعه، فذهب إلى نابليون، وكانت كسرة نابليون الفظيعة، فرجع ~~إلى مصر، ولم يبق فيها طويلا حتى اضطرته الأحوال في فرنسا إلى العودة، فترك الشرق ~~وهو مؤمن بإخفاقه في محاولته. # ولما غادر نابليون البلاد استاء زميله كليبر من مغادرته، فكتب إلى الحكومة المركزية ~~الفرنسية تقريرا وصف فيه سوء حال الفرنسيين في الشرق، وطلب موافقته على المفاوضات مع ~~العثمانيين للجلاء عن مصر، ثم فاوض العثمانيين على الانسحاب، ولما كاد الانسحاب يتم ~~وقعت الثورة في مصر وقتل كليبر في سنة 1800م، وخرج الفرنسيون من مصر بعد أن بقوا ~~فيها ثلاث سنوات وثلاثة أشهر، ولم يكن لهذه الحملة الفرنسية أثر يذكر في بلاد الشام. ~~أما في بلاد مصر فقد أثرت آثارا قيمة، وكان لها نتائج طيبة من الناحية العلمية ~~والأدبية والاقتصادية كما سنرى، ومنذ هذا العهد أخذت مصر تتطور تطورا عجيبا قويا ~~وسريعا، فقد تنبهت أذهان أبنائها بعد أن كانوا في سبات عميق بمعزل عن العالم ~~المتمدن، حالهم كحال بقية الولايات العثمانية في التأخر السياسي والاجتماعي والعلمي، ~~وقد كان للفرنسيين الذين صحبوا الحملة الفرنسية - مثل «مونغ» الرياضي، و«له به ر» ~~المهندس، و«كونته» العبقري المخترع - أعظم أثر في تنبيه أذهان الجيل المصري ~~الجديد. # وبعد أن رحل الفرنسيون عن مصر عادت إليها الاضطرابات والفوضى السياسية والإدارية، ~~ولكنها مع ذلك أخذت تمتاز عن البلاد الشامية بما رأته من النشاط العلمي والاجتماعي ~~الفرنسي أثناء تلك الفترة القصيرة التي أقامها الفرنسيون في مصر، ولكن لم تنهض البلاد ~~نهضتها الكبرى إلا في عهد محمد علي باشا مؤسس البيت المالك المصري الكريم سنة 1220ه، ~~فمنذ هذا التاريخ أخذ الأمن والنظام ينتشران في مصر، ولما استتب الأمر لمحمد علي في ~~مصر رأى ما كان يراه قبله من الأمراء المسيطرين على مصر أنه لا بد له من السيطرة على ~~الديار الشامية، فأمر في سنة 1247ه بإعداد جيش عظيم ms24 لفتح الشام. وإليك ما يقوله ~~المستشرق الفرنسي الطبيب كلوت بك عن هذه القضية: «إن ضم سورية إلى مصر كان ضروريا ~~لصيانة ممتلكات الباشا، فمنذ تقرر في الأذهان أن إنشاء دولة مستقلة على ضفاف النيل ~~يفيد المدنية فائدة عامة، وجب الاعتراف بأنه لا يمكن إدراك هذه الغاية إلا بضم ~~سورية إلى مصر، وقد رأينا فعلا أن موقع البلاد الحربي لا يجعلها في مأمن من الغزوات ~~الخارجية خصوصا عن طريق برزخ السويس، فإذا استثنينا غزوة الفاطميين المغاربة وغزوة ~~الفرنسيين بقيادة نابليون، نجد أن سائر الغزوات جاءت عن طريق سورية: كغزوة الفرس في ~~عهد قمبيز، وغزوة الإسكندر والفتح الإسلامي، وغزوتي الأيوبيين والأتراك، وعلى ذلك لا ~~يمكن الاطمئنان إلى بقاء مصر مستقلة إلا بإعطائها الحدود السورية؛ لأن حدودها ليست في ~~السويس، بل في طوروس.» # هكذا يقول كلوت بك، ولا شك في أنه ما قال هذا القول إلا بعد إقناع الباشا به، وقد قسم ~~الباشا جيشه إلى قسمين: قسم يذهب إلى الشام برا، وقسم يذهب إليها بحرا، وقد جعل ~~على رأس هذا الجيش ولده إبراهيم باشا، فسار الجيش وفتحت فلسطين من أقصاها إلى أقصاها ~~بعد حصار قليل لمدينة عكا، ثم سارت الجيوش نحو الشمال ففتحت دمشق فحلب، وعمت الأفراح ~~في بلاد الشام بالفتح المصري حتى قال شاعر الشام في وقته الشيخ أمين الجندي في ذلك من ~~قصيدة يمدح بها إبراهيم باشا، ويسرد بعض أحوال الموظفين الأتراك وفظائع الجند ~~العثماني وما كانوا يعاملون به الناس من سوء الخلق: # وقد استباحوا المنكرات فلا تسل # عما توقع منهمو وتحصلا # وقضاتهم للسحت قد أكلوا فهل # أبصرت حيا عن مضرتهم خلا؟ # نبذوا الشريعة من وراء ظهورهم # وطغوا وزادوا في الضلال توغلا # ومشايخ الإسلام أصبح علمهم # جهلا فلم تر قط منهم أجهلا ~~••• # هل يغلب الأسد المجرب ثعلب # مهما استعان بمكره وتحيلا # وإلى حماة الشام سار وبعدها # لمعرة النعمان يخترق الفلا # حتى إذا اقتحم «المضيق» ببأسه # وعلى الجبال سما وأشرف واعتلا # تركوا الذخائر والخيام وكلها # يخشون منه لدى القرار تنقلا # من يخبر ms25 الأتراك أن جيوشهم # كسرت وأن حسينهم ولى إلى ... # والعز بالعرب استنار مناره # ببزوغ شمس مراحم لن تأفلا # يا حبذا جرثومة الفضل الذي # طابت فروعا حسبما قد أصلا # فأنت ترى فرح هذا الشاعر السوري بزوال شمس الأتراك وبإشراق شمس العرب على يد إبراهيم، ~~ولا شك في أن الإصلاح الذي قام به محمد علي باشا في مصر قد بلغت أخباره مسامع ~~الشاميين، فأخذوا يتمنون لبلادهم مثل ما لقيت مصر. ولما رأى الناس الجيش المصري في ~~بلادهم فرحوا واستبشروا. # قال الأستاذ كرد علي في أثناء فصل عقده للحديث عن أعمال إبراهيم باشا في سورية: إنه ~~قد رتب المجالس العسكرية والملكية وأقام مجلس الشورى وغيره من النظم الحديثة، ورتب ~~المالية وجعل نظاما لجباية الخراج ومعاملة الرعايا بالمساواة والعدل لا تفاوت في ~~طبقاتهم ومذاهبهم؛ ولذلك لم يلبث الأمراء والمشايخ وأرباب النفوذ أن استثقلوا ظل ~~الدولة المصرية، وتمنوا رجوع العثمانيين ليعيشوا معهم كالحلمة الطفيلية تمتص دماء ~~الضعفاء وينالهم من ذلك مصة الوشل، مع أن البلاد رأت في أيام إبراهيم باشا إبطال ~~المصادرات وتقدير حق التملك وتوطد الأمن في ربوعها، وأحييت الزراعة والتجارة ~~والصناعة، وعممت تربية دود الحرير ودود القز، واستخرجت بعض المعادن ... وأكد ~~الكثيرون أنه بعمله هذا استعادت أكثر قرى حوران وعجلون وحماة وحمص وغيرها من أعمال ~~الشام عمرانها القديم، وخرب بعض القلاع التي كان يعتصم فيها الثائرون أحيانا مثل ~~قلاع جبل اللكام وقلعة القدموس، وقرب العلماء والشعراء. # ولولا خطأ قام به إبراهيم باشا في البلاد لظلت دولته قائمة في الشام؛ وذلك أنه نفذ ~~قانون «الجهادية» الذي سنه أبوه في مصر، وكان عليه أن يؤخره إلى حين؛ لأن رجال ~~البلاد وشبانها قد تعودوا الكسل والخمول، وكان ينبغي أن يتريث بعض التريث. # قال الأستاذ كامل الغزي: «وفي سنة 1254ه وقع القبض والتفتيش على أولاد المسلمين ~~ليدخلوا في النظام العسكري، ومن لم يوجد منهم قبض على أبيه أو أمه أو زوجته ~~وعذبوا إلى أن يحضر الرجل المطلوب، ومن هرب منهم أو أحجم عن السفر يجعل هدفا ~~للرصاص.» وقد ms26 رأى أرباب العثمانيين وأنصارهم في بلاد الشام أن الشاميين قد انقلبوا ~~على الدولة المصرية، فأخذوا ينفخون في النار حتى قامت الثورة في الشمال والجنوب، ~~واستغل الترك هذه الثورات فجهز سلطانهم محمود سنة 1255ه جيشا يقارب السبعين ألفا ~~وعلى رأسه حافظ باشا، فالتقى الجيشان في نصيبين وهزم الجيش العثماني وغنم المصريون ~~مغانم كثيرة، وفي هذه الفترة مات السلطان محمود وخلفه ابنه عبد المجيد، وكان على ~~حداثة سنه ذكيا لبقا، فاتفق مع دول أوروبا ضد الدولة المصرية، ولما رأى محمد علي ~~تكاتف دول أوروبا عليه عزم على محاربتهم جميعا، ووقعت حروب بين الأسطول الإنكليزي في ~~بيروت وصيدا وعكا، ثم اضطر الجيش المصري أن ينسحب، فانسحب من الديار السورية وأهل ~~العقل والمروءة والوطنية يبكون على فراق هذه الدولة الحكيمة على قصر أيامها. # قال الأستاذ كرد علي: «وكانت حكومة محمد علي من أفضل ما رأت الشام من الحكومات منذ ~~ثلاثة أو أربعة قرون، بل إن الشام في القرون الوسطى والحديثة لم تسعد بما يقرب منها ~~فضلا عما يماثلها.» # وكتب المستر برانت قنصل بريطانيا في دمشق إلى سفير دولته في الآستانة سنة 1858ه ما ~~تعريبه: «ولما كانت الإيالة تحت حكم محمد علي باشا عاد كثير إلى سكنى المدن والقرى ~~المهجورة الواقعة حوالي حمص وفي كل الجهات الواقعة على حدود البادية، وفي هذه الأماكن ~~أكره العرب على احترام سلطة الحكومة وجعل السكان بمأمن من اعتداءاتهم ... ولم يكد ~~المصريون يطردون من البلاد ويتقلص ظل سطوتهم، وقد كانوا أخضعوا الجميع لحكمهم الشديد، ~~حتى عاد القوم إلى نبذ الطاعة، وخلفت الرشوة والتبذير في إدارة المالية النزاهة ~~والاقتصاد، ومنيت المداخيل بالنقص.» ~~••• # هذه هي الصفحات التي تصور لنا تاريخ هذين القطرين الشقيقين خلال العصور منذ فجر ~~التاريخ إلى أوائل العصر الحديث، وهي صفحات قاسم فيها كل بلد أخاه في آلامه وآماله ~~ومصائبه. واليوم تهفو قلوب كل من سكان البلدين إلى شقيقه، فالله أسأل أن يحقق هذه ~~الأماني ويجمع الشمل. # وقد يجمع الله الشتيتين بعدما # يظنان كل الظن أن لا تلاقيا # | العلاقات ms27 العلمية والأدبية بين القطرين # رأيت في الفصل السابق قوة العلاقات السياسية بين البلدين على مرور الأحقاب والدهور، ~~وطبيعي أن تكون العلاقات العلمية والأدبية أقوى؛ فإن السياسة قد تنقطع عراها بين ~~بلدين، ولكن من العسير جدا أن تفصم عرى العلم بين بلدين بانقطاع العلاقات ~~السياسية بينهما، ومهما فعلت السياسة في التفريق بين بلدين فإنها لا تستطيع أن تمنع ~~علماءهما وأدباءهما من التزاور والبحث والمناقشة. والحق أن العلاقات العلمية بين ~~الشام ومصر عريقة جدا في القدم، وأكاد أقول إنها موجودة بينهما منذ أن وجد العلم ~~والأدب والفن في هذين القطرين. ولعل أقدم العلاقات العلمية القوية بينهما ترجع إلى ~~زمن الفينيقيين، فقد ذهب شامبوليون إلى أن الكتابة الفينيقية هي وليدة الكتابة ~~الهيروغليفية، وأثبت دي روجة أن خمسة عشر حرفا من الاثنين والعشرين حرفا - وهي ~~الأبجدية الفينيقية - تتشابه تمام التشابه مع مثيلاتها في الخط الهيروغليفي، وأن ~~السبعة الباقية لا يبتعد الشبه بينها وبين مثيلاتها الهيروغليفيات. وكذلك كان الأمر ~~بين اللغتين فإن التشابه بينهما كبير، قال كوستاف لبون في كتابه عن الحضارة المصرية: ~~«إن لغات سورية وبلاد العرب وشمال إفريقية تنقسم كأهاليها إلى فرعين: الفرع السامي أو ~~الفرع السوري العربي، والفرع الحامي أو الفرع المصري المتبربر، وبين هذه اللغات ~~جميعا قرابة كالتي بين المتكلمين بها، واشتقاقها ولهجاتها المختلفة ترجع إلى أصل ~~واحد أولي ضاع اليوم، ولكن هذه اللغات لم تبتعد عنه كل البعد.» # وقد رأيت في الفصل الذي عقدناه للعلاقات السياسية في زمن الفراعنة كثرة العلاقات ~~والمحالفات بين البلدين، ولا شك في أن هذه العلاقات السياسة كان لها أثرها في ~~العلاقات الاجتماعية واللغوية والأدبية. ~~••• # وفي العصر اليوناني كانت العلاقات بين القطرين قوية أيضا، فإن اليونان لما احتلوا ~~هذين القطرين نشروا فيهما كليهما لغتهم وآدابهم وعلومهم وعقائدهم، وصارت مدرسة ~~الإسكندرية كعبة الطلاب السوريين يقصدونها من أنحاء بلادهم، كما كان كثير من العلماء ~~السريانيين يقصدون البلاد المصرية وبخاصة الإسكندرية ليتعلموا ويعلموا. ولما غزا ~~الفرس سورية هاجر قسم كبير من العلماء السريانيين إلى البلاد المصرية ونشروا فيها ~~لغتهم ms28 حتى صارت لغة العلم والطب. وقد كان تزاور العلماء بين القطرين كثيرا جدا، ~~ومن أشهر من زار مصر من السوريين وكان لهم فيها أثر كبير «حنا مسكوس»، وقد كان راهبا ~~ألمعيا يجيد اللسان اليوناني، وقد رحل إلى مصر من الشام وأقام فيها طويلا هو ~~ورفيقه «صفرونيوس» الدمشقي، وكان ذلك في نهاية القرن السادس للميلاد، وقد طافا أكثر ~~بلدان مصر وأديرتها، ووصفا في مؤلفاتهما ما رأياه من آثار البلاد العجيبة. وقد اتصلا ~~بالبطريق «حنا المرحوم» بطريق الإسكندرية وعظيمها، فكان يفيد من علمهما، ولما اضطر ~~إلى الهرب من الإسكندرية وقت الغزو الفارسي هربا معه ورحلا إلى رومة، وهناك أعاد ~~«حنا مسكوس» النظر في كتابه «مسارح الروح» الذي ما تزال قطعة حسنة منه باقية إلى ~~أيامنا هذه، وهو من الكتب الطريفة الجامعة بين الأدب والدين والأخبار والمعجزات ~~والأمثال والأحلام والتاريخ. ولصفرونيوس أيضا آثار ضخمة في الأدب والدين لا تقل عن ~~كتاب أستاذه وصديقه «حنا مسكوس»، وصفرونيوس هذا هو الذي نشر كتاب أستاذه ~~وحققه. # وقد استمرت مدرسة الإسكندرية مرجعا للطلاب السوريين من المسيحيين حتى بعد الفتح ~~الإسلامي، ففي عام 680م قدم إليها يعقوب الرهاوي ليكمل دراسته عن آداب اللغة ~~اليونانية واللغة السريانية. وفي أيام بني أمية كانت مدرسة الإسكندرية المعهد الوحيد ~~الذي كان يغذي البلاد السورية بالطب والفلسفة والحكمة والصنعة والعلوم المسيحية، فهذا ~~اصطفان الإسكندري يترجم بعض كتب الفلسفة والصنعة لخالد بن يزيد بن معاوية عالم بني ~~أمية وفيلسوفها، وهذا الطبيب ابن أبجر الإسكندري يعتمد عليه عمر بن عبد العزيز في ~~ترجمة بعض كتب الطب والحكمة. # أما معاهد الديار الشامية التي كان يقصدها المصريون قبل الإسلام فهي مدرسة بيروت ~~الرومانية ومدرسة أنطاكية، أما مدرسة بيروت فقد أسسها أحد أباطرة الرومان لتعليم ~~الفقه والأدب وجعل لغة التعليم فيها اللغة اللاتينية، ~~وقد كان الطلاب يقصدونها من أنحاء البلاد جميعها ~~حتى من القسطنطينية نفسها، قال المسعودي: «وقد خربت مدرسة بيروت قبل الإسلام بالزلازل ~~ثم بحريق بيروت سنة 560م.» وأما مدرسة أنطاكية فقد كانت من آثار خلفاء الإسكندر ms29 ~~الكبير، وكانت دار علم وحكمة، وممن تخرج بها من الأعلام القديس يوحنا فم الذهب ~~والقديس لوقا، وقد كان لهذين القديسين فضل كبير في نشر المسيحية وآدابها في الشام ~~ومصر. # ولما جاء الإسلام ووحد بين الأقطار الشرقية قويت الصلات العلمية بينها جميعا ~~وبخاصة مصر والشام، فإن الصحابة الذين نقلوا الدين والحديث والأدب الجاهلي من الحجاز ~~كانوا ينتقلون به بين الشام ومصر، ومن أشهر المعلمين الصحابة الذين تخرج بهم المصريون ~~والشاميون عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد كان على جانب عظيم من معرفة الحديث النبوي، ~~كما كان من أوائل من دونوا الحديث، وكان له اطلاع حسن على علوم الأوائل وديانتهم، ~~فقد قرأ التوراة وتعرف السريانية وكان يحج ويعتمر ويأتي الشام ثم يرجع إلى مصر، وقد ~~روى عنه العلم والحديث كثير من الصحابة والتابعين في المدينة ودمشق والفسطاط، وعبد ~~الله هذا هو مؤسس المدرسة المصرية في الدين. ومن كبار رجال مصر الذين رحلوا إلى الشام ~~وتعلموا فيه وعلموا أهله الإمام الليث بن سعد (سنة 175ه)، وقد زار مكة والقدس ~~وبغداد ولقي جماعة من التابعين فروى عنهم الحديث، وكان على اتصال دائم بالإمام مالك ~~بن أنس يكاتبه في مسائل التشريع والفقه ويناقشه فيهما، وله في الديار المصرية أثر، ~~وكان الشافعي يقول: «الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به.» ومن كبار رجال ~~الشام الذين رحلوا إلى مصر وتعلموا فيها وعلموا الإمام محمد بن إدريس الشافعي الغزي ~~(سنة 204ه)، وكان رحل إلى بغداد ونشر فيها مذهبه ثم رجع إلى الشام فمصر، وفيها استقر ~~وجدد مذهبه ونشره في المصريين بعد أن كانوا قبله مالكيين. وقد كان لذهاب الشافعي إلى ~~مصر تأثير كبير في الحركة العقلية والدينية، فقد كان الناس قبله يركنون إلى مذهب مالك ~~كما ينقله إليهم تلاميذه في الحجاز، وهو - كما نعلم - مذهب يعتمد على الرواية والنقل ~~أكثر من اعتماده على البحث والرأي، فلما جاء الشافعي - وكان شديد التأثر بمذهب أبي ~~حنيفة العقلي وتلاميذه - نشر مذهبه وأخذ المصريون يناقشون ما بين أيديهم ms30 من المذاهب ~~ولا يتقبلون شيئا دونما بحث أو تمحيص، كما كانوا من قبل. وإنك إذا قرأت «الرسالة» ~~للإمام الشافعي وجدت أن الشافعي قد ملأها كثيرا من ضروب المناقشة وأصول المجادلة ~~العلمية، وهذا أمر لم تعرفه مصر قبل رحيل الشافعي إليها. وقد كان من نتيجة هذه الحركة ~~الشافعية أن ظهرت في مصر مدرسة مصرية جديدة على رأسها عالمان جليلان: أحدهما إبراهيم ~~بن إسماعيل المعروف بابن علية المصري المتكلم، وعيسى بن أبان الفقيه، وقد ألف ~~كل منهما رسائل في الرد على كتب الشافعي ومناقشتها، كما رد عليهما داود بن علي ~~الأصبهاني. # ولم يكن تأثير الشافعي مقصورا على الناحية الفقهية، بل تعداها إلى الناحية الأدبية، ~~فقد كان الشافعي - كما هو معروف - أديبا راوية للشعر والأخبار، قوي الاطلاع على كتب ~~اللغة ومفرداتها، بارعا في الكتابة وله أسلوب خلاب، وقد تأثر به تلاميذه المصريون في ~~أسلوبه، ومن مشاهيرهم: يوسف بن يحيى البويطي (سنة 231ه)، والربيع الجيزي (سنة 256ه). ~~ولم تقتصر حركة الشافعي هذه على مصر وحدها، بل تعدتها إلى الشام، وأول من نقل مذهب ~~الشافعي إلى الشام أبو زرعة الدمشقي محمد بن عثمان، وهو أول من تولى قضاء الشافعية ~~بمصر، ثم عزل ورجع إلى دمشق وكان الغالب على أهلها مذهب الأوزاعي فنشر المذهب الشافعي ~~فيهم. # هذا من الناحية الدينية، أما من الناحية العلمية فقد تبادلت مصر والشام منذ فجر ~~الإسلام العلماء، فقد رأيت أن خالد بن يزيد الأموي كان يطلب من مصر علماءها ليترجموا ~~له، ومنهم عبد الملك بن أبجر الكناني الطبيب العالم، وكان في أول أمره يقيم ~~بالإسكندرية، ولما ملك المسلمون البلدة أسلم على يد عمر بن عبد العزيز فجعله صاحبه ~~واعتمد عليه في صناعة الطب وترجمة بعض آثار الأقدمين في الطب لنشرها بين ~~المسلمين. # وأما الناحية الأدبية فقد كان كثير من شعراء بلاد الشام يقصدون أمراء مصر الأمويين ~~ويمدحونهم، مثل أيمن بن خريم الأسدي الذي قدم على عبد العزيز بن مروان وهو أميرها، ~~وقد أقام عنده وأكثر من مدحه حتى قدم عليه الشاعر ms31 نصيب بن رباح فتركه. ومنهم الحزين ~~الكناني وكان من شعراء عبد الله بن عبد الملك بن مروان أمير مصر. ومنهم عبد الله بن ~~الحجاج وكان يفد على عبد العزيز بن مروان أيضا، وقد مدحه وأقام عنده مدة ثم رجع إلى ~~الكوفة. ومن الشعراء العراقيين الذين وفدوا على الشام ومصر وكان لهم في أدبائهما ~~تأثير عميق؛ أبو نواس، فقد زار القطرين واجتمع بأدبائهما وشعرائهما وأسمعهم شعره ~~فعجبوا له وأكبروه مثل ديك الجن الحمصي وابن الداية المصري، قال السيوطي: إن أدباء ~~مصر وشعراءها تسابقوا لمصاحبة أبي نواس وكتابة شعره، وروى ديك الجن أنه قد زار مصر ~~بعد رحلة أبي نواس عنها فوجد له أشعارا كثيرة لا يعرفها غير المصريين. وروى حمزة ~~الأصفهاني أنه وجد رسالة في شعر أبي نواس سقط منها الشعر الذي قاله في الشام ومصر، ~~قال: وقدم علينا رجل من حمص حافظ لشعر أبي نواس، وزعم أن أباه كان لقي أبا نواس بحمص ~~فكتب عنه قصائد أنشدها في مصر. # ومن هؤلاء الشعراء أيضا دعبل بن علي الخزاعي، وكان قدم من العراق إلى مصر والشام، ~~وفي مصر اتصل بأميرها المطلب الخزاعي فأكرم المطلب وفادته وولاه إقليم أسوان وأقام ~~فيه مدة ثم تركه، وله مدائح وأهاج في المطلب. # ومنهم أبو تمام، فقد رحل إلى مصر طفلا ودرس فيها وقال فيها أول شعره، وقد افتخر ~~المصريون بنسبته إليهم وعده الكندي - المؤرخ المصري - في كتابه أحد فضائل مصر. ~~ولأبي تمام وهو في مصر شعر مدح فيه أميرها عبد الله بن طاهر سنة 221ه، وله فيها ~~شعر يصف فيه الوقائع التي كانت في الحوف والتي قتل بسببها عمير بن الوليد. ولما رجع ~~أبو تمام الشام كان كثيرا ما يذكر أيامه وإخوانه في مصر ويقول: # بالشام أهلي وبغداد الهوى وأنا # بالرقمتين وبالفسطاط إخواني # وقد كان لأبي تمام تأثير كبير في الشعر المصري، فقد كان شعر المصريين قبله ضعيفا، ~~فخلقه خلقا آخر وقلده الشعراء المصريون في كثير من شعره، نذكر منهم أحمد بن محمد ~~الحبيشي الذي مدح ms32 القائد محمد بن سليمان بقصيدة بائية تكاد تكون في ألفاظها ومعانيها ~~كقصيدة أبي تمام. # السيف أصدق أنباء من الكتب # في حده الحد بين الجد واللعب # وإليك بعض مقاطع من قصيدة الحبيشي: # الحمد لله إقرارا بما وهبا # قد لم بالأمن شعب الحق فانشعبا # الله أصدق هذا الفتح لا كذب # فسوء عاقبة المثوى لمن كذبا # فتح به فتح الدنيا محمدها # وفرج الظلم والإظلام والكربا # ومن الشعراء المصريين الذين زاروا الشام وأكبرهم أهله الحسن بن عبد السلام الجمل (سنة ~~258ه)، وقد كان بارعا في شعره، قدم دمشق على الحسن بن المدبر الذي كان يقصده الشعراء ~~ويمدحونه، وقد حكى ابن عساكر عن الجمل هذا قصة طريفة خلاصتها أن ابن المدبر كان إذا ~~مدحه شاعر بشعر جيد أثابه، وإذا مدحه بشعر قبيح وجه به مع خادم له إلى الجامع فلم ~~يفارقه حتى يصلي مائة ركعة ثم ينصرف، وقد دخل الجمل مرة على ابن المدبر ~~فأنشده: # أردنا في أبي حسن مديحا # كما بالمدح تنتجع الولاة # وقالوا أكرم الثقلين طرا # ومن جدواه دجلة والفرات # وقالوا يقبل المدحات لكن # جوائزه عليهن الصلاة # فقلت لهم وما يغني عيالي # صلاتي إنما الشأن الزكاة # فيأمر لي بكسر الصاد منها # فتضحى لي الصلاة هي الصلات # قال: فقال لي ابن المدبر أخذت هذا من أبي تمام: # هن الحمام فإن كسرت عيافة # من حائهن فإنهن حمام # فقلت: نعم، وأعطاني وأجزل. # ومن الشعراء الشاميين ذوي الأثر في مصر أبو الطيب المتنبي، وقد ظهر أثر هذه الزيارة ~~في شعره وفي مدائحه لكافور وأهاجيه فيه، وقد كان لشعر المتنبي تأثير كبير في الشعراء ~~المصريين كابن أبي العفير الأنصاري، وأبي بكر محمد بن موسى الكندي، وعبد الله بن أبي ~~الجوع، وصالح بن رشدين، وغيرهم من الشعراء الذين انقسموا ما بين حاسد يضع من شعره، ~~وصديق يرفع من قدره. # ومن الشعراء الشاميين الذين زاروا مصر واتصلوا بها اتصالا قويا وكان لمصر تأثير في ~~شعرهم؛ كشاجم الرملي الفلسطيني، وكان كثيرا ما يزور مصر ويحن إليها إذا ما تغيب، ومن ~~شعره ms33 الذي يذكر فيه مجالي لهوه فيها قوله: # قد كان شوقي إلى مصر يؤرقني # فاليوم عدت وعادت مصر لي دارا # أعدو إلى الجيزة الفيحاء مصطبحا # طورا وطورا أرجي السير أطوارا # أما الشباب فقد صاحبت شرهم # وقد قضيت لبانات وأوطارا # من شادن من بني الأقباط يعقد ما # بين الكثيب وبين الخصر زنارا # وقال يصف دير القصير وحلوان ويذكر أيامه فيهما: # سلام على دير القصير وسجنه # فجنات حلوان إلى النخلات # هنالك تصفو لي مشارب لذتي # وتصحب أيام السرور حياتي # وقد كانت لكشاجم جولات في وصف دور القاهرة وأحوال أمرائها، كما كانت له جولات في وصف ~~دور حلب ودمشق وبلاط سيف الدولة، وكانت له مواقف مع كافور الإخشيدي والقاضي عبد الله ~~بن محمد بن الخطيب، فقد هجاهما وله معهما مواقف وفصول مضحكة. # ومن الشعراء المصريين الذين وفدوا على الشام ونشروا فيه شعرهم أبو الحسن محمد بن سلمى ~~المعروف بالمغنم الشيباني، وفد على سيف الدولة - كما يحدثنا ابن النديم - فأكرمه ~~وعظم قدره. ومنهم الشاعر المصري الفحل ابن جدار جعفر بن محمد، وكان أكبر شعراء مصر، ~~وكان كاتبا للعباس بن أحمد بن طولون، ولشعره أثر كبير في إثارة العباس على أبيه أحمد ~~بن طولون. ومن شعراء مصر الذين جاءوا بلاط سيف الدولة ابن أبي الجوع وابن رشدين، ~~وكان سيف الدولة يغدق عليهما عطاياه. # ومن الشعراء البغداديين الذين كانوا ينتقلون بين الشام ومصر فيفيدون من القطرين ~~وينقلون إليهما ما كانت تنتجه قرائح البغداديين؛ جمهرة كثيرة نذكر منهم الناشئ الأصغر ~~علي بن عبد الله (366ه)، كان شاعرا لسيف الدولة ولكافور، ومنهم ابن طباطبا الشريف ~~العلوي (345ه)، ومنهم أبو الفيض سوار بن شراعة، وكان صديقا لابن الداية الكاتب ~~المصري الكبير، وهو الذي نشر شعر ابن الداية في العراق والشام. # هذا طرف من أخبار الشعراء الذين قووا العلاقات الشعرية بين البلدين. أما العلماء ~~فأكثر وأخبارهم جد موفورة، وقد كانت مصر للعلماء الشاميين خير ملجأ يلجئون إليه ~~ويتفيئون ظله، فمنهم المنجم الصابئ البعلبكي، قصد مصر وصار من رجال الإخشيد محمد ~~بن ms34 طغج. # ومنهم عبد الله بن يوسف الدمشقي (218ه) راوي الموطأ بمصر وكان يقيم بتنيس، قال الإمام ~~البخاري عنه: «كان من أثبت الشاميين.» # ومنهم مكحول أبو عبد الرحمن محمد البيروتي الحافظ (321ه) وكان من القضاة العالمين ~~بالحديث، وله تلاميذ كثيرون في الشام ومصر، وله فضل عظيم على القطرين، وهو معدود من ~~كبار من أنجبهم الشام. # ومنهم أبو زرعة محمد بن عثمان الدمشقي قاضي مصر (302ه)، أقام في مصر ثماني سنين، ثم ~~تولى قضاء دمشق فأدخل فيها المذهب الشافعي كما تقدم، وولده الحسين (327ه) كان من ~~القضاة الذين جمع لهم بين قضاء مصر والشام. # ومنهم محمد التميمي المقدسي، وكان مختصا بالحسن بن عبد الله بن طغج، وكان ذا أدب ~~وعلم وفضل. # ومنهم الحسن بن القاسم بن جعفر بن دحية الدمشقي المؤرخ (327ه)، أقام بمصر وأفاد، وله ~~من المؤلفات شيء كثير، وكان محدثا أخباريا. # أما المصريون الذين رحلوا إلى الشام وكان لهم فيه أثر علمي ملموس فكثيرون، نذكر منهم ~~الحسين بن أحمد بن رستم المعروف بابن زنيور المارداني، كان أحد كتاب الطولونيين، قدم ~~دمشق بصحبة أبي الجيش بن طولون، وحدث بدمشق وكان من نبلاء الكتاب العلماء. # ومنهم أبو بكر عبد الله بن محمد الخبيصي (348ه)، وكان من أفاضل القضاة والفقهاء، تولى ~~قضاء مصر والشام وحسنت سيرته. # ومنهم أبو طاهر محمد بن عبد العزيز الإسكندراني الشافعي (359ه)، وقد ذهب إلى دمشق ~~وحدث بها وأفاد، وكان من أئمة الشافعية بها. # ومن البغداديين المتمصرين الذين وفدوا على الشام وكان لهم فيه أثر؛ أبو علي خادم ~~الخليفة المنتصر بن المتوكل، قال الذهبي: «وكان من أئمة المذهب الشافعي، فلما قتل ~~مولاه خرج إلى مصر، ثم ذهب إلى الشام وأقام بها يقرئ بجامع دمشق.» # ومنهم أبو الطاهر محمد بن عبد الله البغدادي المالكي (367ه)، كان شاعرا أخباريا ~~أديبا، ولي قضاء واسط وبغداد، ثم ولي قضاء مصر ودمشق واستناب على بغداد. # هذه هي لمحات موجزة عن الصلات العلمية والأدبية التي كانت بين البلدين في القرون ~~الأربعة الأولى، فلما جاء العصر ms35 الفاطمي قويت العلاقات وتلونت بلون جديد؛ لأن ~~الفاطمية وإن كانت دولة سياسية فإنها كانت تعتمد على فكرة وعقيدة دينية ومبادئ علمية ~~خاصة، وطبيعي جدا أن هذه الدولة كانت تسعى إلى نشر فكرتها وعقيدتها التي جاءت بها ~~من مقرها، وطبيعي أيضا أن يعمد الفاطميون إلى نشر الدعوة الشيعية التي ينضوون تحت ~~لوائها، وقد كان أول الخلفاء الفاطميين في مصر المعز لدين الله يتسم بسمة الإمامة ~~أكثر من اتسامه بسمة الملك والسلطنة، فكان يعظ الناس بنفسه ويخطبهم ويلقنهم المبادئ ~~الفاطمية، وكان فصيحا ذكيا قوي العارضة، وما إن استقر أمر الدعوة رسميا في مصر ~~حتى سعى الفاطميون إلى نشر الدعوة في غير مصر من البلدان المجاورة، والشام أقرب تلك ~~البلاد إلى مقر الدعوة. # كان يسيطر على الشام أيامئذ طائفة من غلاة الشيعة هم القرامطة، وقد كانوا قبل دخول ~~الفاطميين إلى مصر والشام دعاتهم في تلك البلاد، فلما احتل الفاطميون البلاد تنكر لهم ~~القرامطة في الشام وثاروا عليهم وخافوا أن يسيطروا على الشام كما سيطروا على مصر، ~~فكانت بين الفريقين وقائع، والتقى الطرفان في الشام حتى دحر القرامطة وثبت أمر ~~الفاطميين فيه، فأخذوا يبثون دعاتهم لينشروا مذهبهم وعقيدتهم، وكان الأزهر - الذي قد ~~أسس وتم بناؤه في سابع رمضان سنة 361ه - ودار الحكمة - التي تم بناؤها في عاشر ~~جمادى الأولى سنة 395ه - هما المقرين الرئيسيين لدعاة المذهب، ومنهما كانوا يخرجون ~~إلى الشام فينشرون الدعوة ويعودون ليتلقوا التعليمات الجديدة والدروس. وقد قوي أمر ~~هذين المقرين الثقافيين وانتشر صيتهما في العالم الإسلامي وقصدهما الناس من أقصى ~~الأرض، فهذا الرحالة الفارسي الشاعر المؤرخ ناصر خسرو يقصد دار الحكمة من بلاد فارس ~~ويصل إليها في سنة 439ه، ويدرس فيها ويتلقى التعاليم من داعي الدعاة ثم يعود إلى ~~بلاده لينشر المذهب، وطبيعي أنه كان في طريقه على الشام ينشر فيها مذهبه. وممن قصدها ~~أيضا من بلاد فارس الحسن بن الصباح مؤسس المذهب الإسماعيلي الباطني، ومنهم العالم ~~الأندلسي عبد العزيز بن أبي الصلت، وكانت زيارته في القرن السادس، ومنهم عبد اللطيف ms36 ~~البغدادي وكانت زيارته في القرن السادس أيضا. # ولم يكن هذان المعهدان هما الوحيدين من نوعهما في مصر، فقد حول المسجد العتيق - أعني ~~مسجد عمرو ومسجد ابن طولون - إلى مراكز تذكر فيها الدعوة، أضف إلى ذلك مسجد الحاكم ~~وغيره من المساجد، وقد صارت هذه المساجد كلها دور دعوة ونشاط فاطمي، ولكن دار الحكمة ~~كانت أعظم هذه المراكز نشاطا، وفيها كانت تدرس علوم الفلسفة والحكمة والعقائد. أما ~~الأزهر فقد كانت المذاهب الشيعية والفقه الشيعي أغلب عليه، وكذلك الأمر في المسجد ~~الحاكمي. # أما المسجد العتيق ومسجد ابن طولون فقد ظل فيهما أثر من علوم أهل السنة، وفي دار ~~الحكمة والأزهر وقصر الخلافة - في بعض الأحيان - كانت تعقد مجالس الحكمة ويشترك فيها ~~كثير من كبراء الدولة ووزرائها وداعي الدعاة، وكانت هذه المجالس متعددة مختلفة بحسب ~~طبقات الناس من رجال ونساء، وكان داعي الدعاة هو الذي يشرف على تنظيمها وترتيبها. وقد ~~كانت المجالس في أول أمرها حرة علنية يلتحق بها من يشاء ويدرس فيها المرء ما يريد من ~~المذاهب الفلسفية والدينية، ولكن هذا لم يلبث طويلا، فتحولت هذه المجالس - وبخاصة ~~مجالس دار الحكمة - إلى مجالس سرية يعمل فيها الدعاة على نشر المذهب الفاطمي بطريقة ~~عملية يمزج فيها بين الفلسفة والإلحاد والفقه الشيعي. ولهذه الدعوة مراتب ودرجات ~~كالماسونية لا يتوصل الإنسان فيها إلى مرتبة أعلى من مرتبته إلا بعد الفحص ~~والتجربة. # وقد اعتمد الفاطميون على هذه الدعوة في نشر سلطانهم السياسي في الشام، فقد انتشر ~~المذهب فيه انتشارا قويا وعظم أنصاره، وخصوصا في عهد الحاكم وفي عهد آل عمار ~~أصحاب مكتبة دار الحكمة في طرابلس، فقد أنشأها علي بن محمد بن أحمد بن عمار جلال ~~الملك سنة 472ه وجعلها مقرا لنشر المذهب، وغذاها بالرجال والكتب والأموال، فأصبحت ~~طرابلس مركزا من أعظم المراكز الشيعية في بلاد الشام. ويجب أن يعرف أن المذهب السني ~~لم ينقرض في هذه الفترة، فقد ظل في الشام، بل في مصر نفسها، جماهير من رجال السنة ~~نذكر منهم أبا نصر السجزي الحافظ المحدث ms37 (444ه)، وقد كان يتنقل لنشر الحديث ومذهب أهل ~~السنة بين الشام والعراق ومصر، وقد أقام في مصر طويلا وبها مات، وله فيها وفي الشام ~~تلاميذ كثر. ومنهم محدث مصر أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد الحبال (482ه) وكان ثقة ~~صالحا تلقى العلم عن شيوخ الشام ثم رحل إلى مصر وأقام فيها ينشر الحديث. # وهؤلاء كما ترى كلهم من كبار أئمة الحديث في العالم الإسلامي، أما الفقه السني فقد ~~كان له في مصر أيامئذ شيوخ رحل إليهم كثير من الشاميين أمثال أبي الحسن عبد الملك بن ~~مسكين المعروف بالزجاج الفقيه (447ه)، وأبي عبد الله محمد بن سلامة القضاعي الأديب ~~الفقيه (454ه)، وكان إماما تولى قضاء السنة في الديار المصرية ورحل إليه العلماء من ~~جميع الأقطار، ومن تلاميذه محدث بغداد الأشهر الخطيب البغدادي. ومنهم أبو القاسم علي ~~بن محمد المصيصي (487ه) روى عنه الحديث جماعة بمصر والشام والعراق، ومن أعظمهم الإمام ~~المحدث أبو الحسن علي بن الحسين الخلعي المصري (492ه)، وكان أعلى أهل مصر إسنادا، ~~وله كتاب الخلعيات في الحديث وهو من الكتب الموثوقة. ومن فقهاء المالكية الذين كانوا ~~في مصر في العصر الفاطمي رجاء بن عيسى الأنصاري (490ه)، وغير هؤلاء كثير. # فأنت ترى أن الفاطميين على الرغم من محاولتهم القضاء على الفقه السني والمذاهب السنية ~~في الشام ومصر لم يستطيعوا ذلك، فقد ظل في الشاميين والمصريين رجال يحفظون مذهب السنة ~~ويعملون على محاربة البدعة الفاطمية. # ولما انتهى الدور الفاطمي في بلاد الشام أخذت البلاد تستقل ثقافيا وعقليا ~~ومذهبيا عن مصر، فإن الأمراء الذين امتلكوه أخذوا يؤسسون المدارس الجديدة، ففي سنة ~~515ه أنشئت أول مدرسة في حلب، بناها الأمير بدر الدولة سليمان بن أرتق لأهل السنة، ~~ثم جاء بعده الأمير نور الدين محمود بن زنكي فأنشأ مدرسة ثانية في حلب سنة 548ه ~~وجعلها للقاضي ابن عصرون لنشر المذهب الشافعي، كما بنى للقاضي نفسه مدارس في دمشق ~~وحماة والقدس، وفي دمشق أنشأ أول دار للحديث في الإسلام، ثم جاء من بعده صلاح الدين ~~فأكثر ms38 من إنشاء المدارس السنية في العواصم الشامية كحلب ودمشق وحماة وحمص ~~والقدس. # وفي هذه الفترة ازدهر في الشام نوع من العلم والثقافة، وهو ما كان من تأثير الصليبيين ~~في الشاميين وتأثير الشاميين في الصليبيين، وقد نتج عن ذلك نبوغ جمهرة من العلماء ~~فازدهرت العلوم المسيحية وارتقت طبقات من المسيحيين علميا، ففي طرابلس مثلا ازدهرت ~~مدرسة اليعاقبة التي بلغ العلم فيها أوجا عاليا، ولم تزدهر العلوم المسيحية وما ~~إليها من الفلسفة والحكمة والآداب النصرانية في عصر مثل ارتقائها في هذه الفترة، ولم ~~تقتصر هذه الحركة على الآداب المسيحية والفلسفة، فقد ارتقت العلوم العربية الأدبية ~~والتاريخية بين النصارى، ونبغ فيهم أمثال أبي الفرج بن العبري المؤرخ العظيم، وغيره ~~كثير من نبهاء النصارى الشاميين. # ولم تقتصر هذه الحركة على النصارى الشاميين، فإن المسلمين أيضا استفادوا مما جاءهم ~~به الصليبيون من العلوم والحضارة فنشطت الثقافة الشامية، ولا شك عندنا في أن مصر قد ~~استفادت من هذا النشاط الشامي، فإنها كانت قد انحدرت علميا من مكانتها في أواخر ~~العصر الفاطمي لانصراف رجال الحل والعقد فيها عن العناية بالعلم وأهله إلى سفساف ~~الأمور وحقائرها، وهكذا وفت بلاد الشام بعض ما لمصر في عنقها منذ القديم. # ولما دخلت مصر تحت النفوذ الأيوبي قضى صلاح الدين على المعاهد الفاطمية تماما، وفعل ~~هو ورجاله أفعالا ما كان ينبغي أن تصدر عنهم، قال ابن أبي طي يذكر ما فعله رجال صلاح ~~الدين بعد الاستيلاء على مصر: «ومن جملة ما باعوه خزانة الكتب، وكانت عجيبة من عجائب ~~الدنيا، ويقال إنه لم يكن في جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم من التي كانت بالقاهرة.» ~~وقال السيوطي: «ووجد خزانة كتب ليس في الإسلام لها نظير تشتمل على ألفي ألف مجلد، ~~منها بالخطوط المنسوبة مائة ألف مجلد، فأعطاها القاضي الفاضل.» وسواء أبيعت هذه ~~المكتبة العظمى أم أخذها القاضي الفاضل وتصرف فيها فإنه انتثر عقدها وأصيبت مصر بها ~~مصيبة عظمى لا تقل عن مصيبة الإسكندرية في مكتبتها. # ومما فعله صلاح الدين أيضا أنه قضى على ms39 جميع المؤسسات والآثار الفاطمية الشيعية، ~~وأحل محلها المؤسسات الشافعية ونشر المذهب الشافعي، وقد استمر الأزهر مهملا نحوا من ~~مائة سنة لا تقام فيه صلاة الجمعة، ولا تلقى فيه الدروس منذ سنة 567ه إلى سنة 665ه، ~~وفي هذه السنة (665ه) سعى الأمير عز الدين أيدمر الحلي نائب السلطنة في إعادة بناء ~~الجامع وإقامة الصلاة فيه، فجدد عمارته وأثثه وأنشأ فيه مقصورة ومنبرا جديدين، ورتب ~~فيه دروسا لقراءة الفقه الشافعي. وقد عوض صلاح الدين المصريين عن أزهرهم ومكتبتهم ~~بالمدارس التي أسسها في مصر على نمط مدارسه في الشام، فمما بناه فيها المدرسة ~~الصلاحية بجوار الإمام الشافعي، وقد جعلها لتدريس المذهب الشافعي. # قال السيوطي: «هي أعظم مدارس الدنيا، ويقال لها تاج المدارس.» وقال ابن خلكان: «لما ~~ملك صلاح الدين بن أيوب الديار المصرية لم يكن بها شيء من المدارس، فإن الدولة ~~العبيدية كان مذهبها مذهب الرافضة والشيعية، فلم يكونوا يقولون بهذه الأشياء، فبنى ~~صلاح الدين بالقرافة الصغرى المدرسة المجاورة للإمام الشافعي، وبنى مدرسة مجاورة ~~للمسجد الحسيني بالقاهرة، وجعل دار سعيد السعداء خادم الخلفاء المصريين خانقاه، وجعل ~~دار عباس الوزير العبيدي مدرسة للحنفية وهي المعروفة الآن بالسيوفية، وبنى المدرسة ~~التي بمصر المعروفة بزين التجار للشافعية وتعرف الآن بالشريفية، وبنى بمصر مدرسة أخرى ~~للمالكية وهي المعروفة بالقمحية.» وبعد عصر صلاح الدين كثرت المدارس في مصر والشام، ~~وقد كانت هذه المدارس جميعا تتنافس وتتسابق، وقد قوي الاتصال العلمي في عصر هذه ~~الدولة لا بين الشام ومصر فحسب، بل بين العالم الإسلامي جميعه، فكنت ترى العالم أو ~~المتعلم المصري في مدارس حلب أو دمشق أو القدس أو الحجاز أو بغداد، كما كنت ترى ~~العالم أو الطالب الشامي في مدارس القاهرة أو الإسكندرية أو دمياط، فابن العديم ~~الحلبي المؤرخ الشهير كان كثيرا ما يقصد مصر ويلقى فيها مكانا وأهلا، والوزير ابن ~~القفطي المصري (646ه) كان إذا قصد حلب موضع إكبار أهلها وعلمائها ورجالها، والعلامة ~~عبد العظيم بن أبي الإصبع المصري الأديب (654ه) كان رفيع القدر في الديار الشامية، ms40 ~~والمؤرخ سبط ابن الجوزي (654ه) قدم دمشق من بغداد واستوطنها، ثم رحل إلى مصر، وله في ~~معاهدها ومدارسها آثار حسان، وابن أبي أصيبعة الحكيم المصري (668ه) أقام في الشام ~~وأكبره علماؤها ورجالاتها، وعماد الدين عبد الرحيم بن العجمي الحلبي (670ه) كان نائب ~~القاضي في الفيوم ثم في دمشق، والمحدث المؤرخ الدمشقي بن القلانسي أسعد بن المظفر ~~(672ه) كانت له حلقات حديث وتاريخ في دمشق ومصر، والإمام النووي يحيى بن شرف (676ه) ~~كان من كبار الأئمة الشاميين الذين أفاد المصريون من علمهم وفضلهم ودينهم، وكان من ~~أعظم الشاميين أثرا في تقوية الصلات العلمية بين البلدين الإمام تقي الدين بن تيمية ~~(728ه)، فهو الذي جدد الإسلام بعد دثوره وأحيا التفكير الصحيح بين علماء مصر والشام، ~~ودافع عن ذلك دفاع الأبطال بعد أن كانت الفوضى العلمية منتشرة في القطرين - كما قال ~~محمد عبده - تحت حماية الجهلة من الساسة، فجاء قوم ظنوا في أنفسهم ما لم يعترف به ~~العلم لهم، فوضعوا ما لم يعد للإسلام قبل باحتماله، غير أنهم وجدوا من نقص المعارف ~~أنصارا ومن البعد عن ينابيع الدين أعوانا، فشردوا بالعقول عن مواطنها وتحكموا في ~~التضليل والتفكير وغلوا في ذلك حتى قلدوا من سبق من الأمم في دعوى العداوة بين العلم ~~والدين، وقالوا لما تصف ألسنتهم الكذب هذا حلال وهذا حرام. # والحق أن ابن تيمية هو الذي أيقظ العقول النائمة في الشام ومصر بل في العالم ~~الإسلامي، وهو الذي ناقش علماء مصر والشام وناظرهم وأراهم الحق وكشف عن عيونهم أستار ~~الجهل، وقد هاجم ابن تيمية المتصوفة الجهال كأصحاب الطريقة الأحمدية الذين كانوا قد ~~ملئوا الشام ومصر وكانوا جواسيس التتار وعيونهم ينقلون إليهم أخبار البلاد ~~وأحوالها، وقد ثار عليهم الشيخ فعقدت له المجالس في مصر والشام وناقشهم فأبان لهم ~~ضلالاتهم وأنهم قوم دجالون مخالفون للشريعة، وقد انتصب بعض العلماء للدفاع عنهم في ~~الشام فغضب الشيخ وهاجر إلى مصر لعله يجد فيها مخرجا من ضيقه وأنصارا على الحق، ~~فلما وصل إليها عقد له مجلس في ms41 القلعة حضره العلماء والقضاة وأكابر رجال الدولة ~~فأراد أن يتكلم على عادته ويناقشهم فلم يمكنوه، وقام الشيخ نصر المنبجي فهاجمه، وكذلك ~~فعل المشايخ ابن مخلوف وابن عدنان، واتهموه في عقيدته وانتهى به المجلس أن نقل منه ~~إلى السجن في الجب بالقلعة، وبعد عهد خرج منه فعكف على دروسه طائفة من عقلاء ~~المصريين، ويظهر أن خصومه قد أحسوا خطأهم وأرادوا الاعتذار، ولكن الشيطان سول لهم ~~أن يستمروا في ضلالهم لما رأوه من مكانة الشيخ في قلوب العامة والخاصة، فعزموا على ~~الاحتيال لنفيه من الديار المصرية وسعوا لدى السلطان بذلك، فنفاه إلى الإسكندرية ~~وأسكنوه البرج من دار السلطان، ولكن أبيح له التدريس فكان الناس يدخلون عليه زرافات ~~زرافات ويشتغلون بالعلم والحكمة وسائر العلوم، وكان يحضر الجمعات ويعمل المواعيد في ~~الجامع على عادته، ولما بلغ هذا الخبر أهل دمشق خافوا عليه الغائلة حتى قال مؤرخهم ~~تلميذه ابن كثير يصف هذه الحادثة: وسيروه إلى الإسكندرية كهيئة المنفي لعل أحدا من ~~أهلها يتجاسر عليه فيقتله غيلة، فما زاد ذلك الناس إلا محبة له وقربا منه وانتفاعا ~~به واشتغالا عليه، واتفق أنه وجد في الإسكندرية أن طائفة من جماعة ابن عربي وابن ~~سبعين القائلين بوحدة الوجود قد انتشروا هناك، فحاربهم وهتك أستارهم وفضح عقيدتهم ~~واستتاب كثيرا منهم، ثم لما زالت دولة الملك المظفر أبي شنكير بيبرس الذي كان مريدا ~~للشيخ نصر المنبجي عدو ابن تيمية، وعاد الملك إلى السلطان محمد بن قلاوون، أطلق ~~سراحه من البرج فقدم القاهرة وتلقاه السلطان في محفل عظيم مشى فيه معه القضاة ~~المصريون والشاميون، ثم سكن الشيخ بالقرب من المشهد الحسيني وأخذ الناس يترددون عليه ~~والقضاة منهم من يعتذر إليه ومنهم من يتنصل. ثم لما رجع إلى دمشق أقام مدة يفتي ~~ويحارب البدع والضلالات، وفي سنة «726ه» جاء مرسوم من السلطان باعتقاله من جديد في ~~قلعة دمشق لأنه أفتى في السفر إلى قبور الأنبياء فتوى لم ترق خصومه من علماء الشام ~~ومصر، فسعوا في اعتقاله فجاء المرسوم واعتقل، وفي سنة «728ه» ms42 أخرج ما عنده من الكتب ~~والأوراق والأقلام ومنع من المطالعة والكتابة، وحملت كتبه إلى خزانة المدرسة ~~العادلية، وكانت نحوا من ستين مجلدا وأربع عشرة ربطة كراريس، فنظر القضاة فيها ~~وتفرقوها بينهم، وكان سبب ذلك أنه لما أفتى فتواه في زيارة القبور وقام عليه الشيخ ~~الإخنائي الدمشقي استجهله ابن تيمية واتهمه بقلة البضاعة في العلم، فطلع الإخنائي إلى ~~السلطان بمصر وشكاه إليه، فرسم السلطان عند ذلك بإخراج ما عنده من الكتب والأوراق، ~~وفي هذه السنة مات ابن تيمية بعد أن أحيا ما درس من العلم والتفكير. # وما مناظرات ابن تيمية وأحواله إلا صورة من صور كثيرة كانت تقع في العالم الإسلامي ~~عامة وهذين القطرين خاصة، وأمثال ابن تيمية كثيرون في القرن الثامن والتاسع، نذكر ~~منهم الإمام إبراهيم بن خلف العسالي الدمشقي السنهوري الذي قال عنه السلامي إنه دخل ~~إلى بلاد المشرق مرارا، وإلى بغداد ونيسابور وأصبهان وشيراز وحلب والأندلس والمغرب، ~~وكان ينتحل مذهب ابن حزم الظاهري، وقد دخل مصر وعذب فيها وضرب وأخرج منها. # ومنهم الشيخ الأبرقوهي أحمد بن إسحاق المصري المالكي (701ه)، تلقى العلم في شيراز ~~وواسط وبغداد والموصل ودمشق والقدس والقاهرة، وانتهت إليه علوم الحديث في وقته، ورحل ~~إليه الناس من أقاصي البلاد، وسكن مصر واستقر بها طويلا ثم رحل إلى مكة ليموت ~~فيها. # ومنهم شمس الدين البروجردي إسحاق بن محمود (669ه)، تلقى العلم ببغداد ثم رحل إلى مصر ~~وتعلم على ابن البناء المحدث والأمير أبي الفوارس مرهف بن أسامة بن منقذ، ثم استقر ~~بمصر والإسكندرية يحدث الناس ويعلمهم، وتولى خانقاه سعيد السعداء إلى أن مات ~~بمصر. # ومنهم ضياء الدين دانيال بن منكلي الكركي (696ه)، وأصله من كرك الشام وبها تعلم، ثم ~~رحل إلى بغداد وحلب ودمشق وسافر إلى مصر والحجاز وحدث بهما، ورجع إلى البيت ~~المقدس وتولى قضاء الشوبك. # ومنهم عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام الدمشقي (660ه)، سمع من ابن عساكر وغيره من ~~علماء دمشق وصار رئيس فقهاء بلده وخطب في الجامع الأعظم بها، ثم خرج ms43 إلى مصر فتلقاه ~~الملك الصالح وأنزله وولاه خطابة جامع مصر وقضاءها، واستفاد منه المصريون كثيرا فقد ~~كان واسع العلم بالأصول والفروع والعربية وبلغ رتبة الاجتهاد. # ومنهم عبد العزيز بن محمد بن الرفاء الدمشقي (؟) رحل إلى العلم في البلاد فسمع بمصر ~~وبغداد وتتلمذ عليه طائفة من الكبار مثل الحافظ البرزالي وعبد المؤمن الدمياطي وأبو ~~الفداء الحموي وبدر الدين بن جماعة، وكان أصحاب دمشق كثيرا ما يرسلونه إلى دار ~~الخلافة وملوك مصر. # ومنهم شمس الدين محمد بن محمد الصوفي المحدث (682ه)، تعلم ببغداد والعراق والشام ~~والمشرق والحجاز وجاور بيت المقدس طويلا، وأقام بمصر يعلم، وله تلاميذ في جميع ~~الأقطار. # ومنهم محمد بن يوسف الجزري المصري (؟)، تعلم ببغداد ومصر وكان عارفا بالفقه والتفسير ~~والعقائد والعربية والمنطق، عرض عليه قضاء مصر ودمشق فأبى. # وهناك مئات ومئات من العلماء المصريين الذين كانوا يعلمون في الشام أو العراق، كما ~~أن هناك مئات من العلماء الشاميين الذين كانوا يعلمون في مصر أو يقومون ببعض وظائف ~~الدولة فيها، ولا شك في أن هؤلاء كانوا يمتنون الصلات بين البلدين، ولا عجب فإن ~~عصر المماليك قد ربط هاتين المملكتين برباط قوي سواء في السياسة أو في العلم ~~والاجتماع، ثم إنه لا شك أيضا عندنا في أن للأزهر اليد الطولى في شد هذا الرباط، ~~فإنه أصبح في عصر المماليك محجة المسلمين من شتى أقطار الأرض، وقد بلغ عدد طلابه في ~~أوائل القرن التاسع زهاء سبعمائة وخمسين رجلا ما بين عجمي وزيلعي وريفي ومغربي ~~وشامي، كما يحدثنا بذلك المقريزي. # تلك هي صورة عن الحركة العلمية والدينية بين القطرين منذ القرن السابع إلى نهاية ~~القرن التاسع، أما الحركة الأدبية فما كانت أقل نشاطا، فقد نبغ في القطرين فحول مثل ~~ابن نباتة المصري (768ه)، وابن أبي حجلة (776ه)، وشمس الدين الهواري (780ه)، وهؤلاء ~~شعراء مجيدون خلفوا آثارا تدل على سمو كعبهم في الأدب المصري الإسلامي. ومن الأدباء ~~المصريين الفحول في هذه الفترة الشهاب القلقشندي (821ه)، والبدر الدماميني (827ه)، ~~والشمس النواجي (859ه)، والمؤرخ بيبرس المنصوري ms44 (725ه)، وابن دقماق (809ه)، والمقريزي ~~(845ه)، وابن تغري بردي (874ه)، وابن منظور (711ه)، والشهاب النويري (732ه)، وغيرهم. ~~وقد كان لهؤلاء الأئمة تلاميذ من الشاميين قصدوهم إلى ديار مصر وتعلموا عليهم في ~~الأزهر أو في غيره من المعاهد المصرية، ولو رحنا نستقصي أسماء هؤلاء الطلاب لجئناك ~~بسفر ضخم. # كما أن الشام في هذه العصور قد زخر بطائفة من الأعلام في الشعر والأدب مثل ابن مكانس ~~الدمشقي (794ه)، وابن حجة الحموي (837ه)، وعلاء الدين الغزولي (815ه)، وابن فضل الله ~~العمري (748ه)، وأبي الفداء (732ه)، والبرزالي الدمشقي (739ه)، وابن الوردي (749ه)، ~~والذهبي (748ه)، وابن كثير الدمشقي (774ه)، وابن شاكر الكتبي الحلبي (764ه)، والصلاح ~~الصفدي (764ه)، وابن عربشاه (854ه)، والبرهان البقاعي (885ه)، وابن حبيب الحلبي ~~(779ه)، وابن الشحنة الحلبي (815ه)، وابن قاضي شهبة (851ه)، وبدر الدين العيني ~~(855ه)، وغيرهم كثير. # وقد كان لهؤلاء الشيوخ طلاب يفدون عليهم من مصر كما أن كثيرا من هؤلاء من درس بمعاهد ~~مصر، وإنه لمن النادر جدا ألا تجد في ترجمة عالم من علماء هذين القطرين في تلك ~~العصور أنه لم يرحل إلى مصر أو إلى الشام، أو أنه أقام في إحداهما ودرس وتخرج على ~~يديه الطلاب الكثيرون. وفي أخريات القرن التاسع وأوائل القرن العاشر بدأ مشعل العلم ~~يخبو نوره في الشام وفي مصر أيضا، وذلك لاضمحلال أمر الدولة في الشام وفي مصر؛ ~~فاضطرب أمر الأزهر في مصر وجامع بني أمية في دمشق وحلب ومدرسة المسجد الأقصى في ~~القدس، ولما دخل الأتراك العثمانيون هذه الديار سنة 922ه هبط المستوى العلمي هبوطا ~~سريعا كما يقول الأستاذ عنان: «... وكما قضى ديوان التحقيق الإسباني على حضارة الأندلس ~~وعلومها وفنونها وفقا لخطة منظمة، فكذلك عمل الغزاة الأتراك على تقويض صرح المدنية ~~الإسلامية في مصر عقب الفتح مباشرة، وقضى السلطان سليم فاتح مصر في القاهرة زهاء ~~ثمانية أشهر يجمع من تراث مصر وثروتها الفنية كل ما استطاع، ويخرب المساجد والآثار ~~الخالدة لينتزع منها نفائسها ويبعث بها إلى قسطنطينية، ويقبض على أكابر مصر وزعمائها ~~وعلمائها ms45 ورجال المهن والفنون فيها ومهرة الصناع والعمال، ويرسلهم جموعا حاشدة في ~~السفن إلى قسطنطينية، وينتزع الكتب من المساجد والمدارس والمجموعات الخاصة ليودعها ~~مكاتب العاصمة التركية وما زالت منها إلى اليوم بقية كثيرة في مكاتب إسطنبول، ومنها ~~مؤلفات خطية لكثير من أعلام القرن التاسع الهجري المصريين مثل المقريزي والسيوطي ~~والسخاوي وابن إياس مما يندر وجوده بمصر صاحبة هذا التراث العلمي، وهكذا انهار صرح ~~الحركة الفكرية في مصر الإسلامية عقب الفتح التركي كما انهارت عناصر القوة والحياة في ~~المجتمع المصري ... وأصاب الأزهر ما أصاب الحركة الفكرية كلها من الانحلال والتدهور، ~~واختفى من حلقاته كثير من العلوم التي كانت زاهرة من قبل، حتى إن العلوم الرياضية لم ~~تكن تدرس به في أواخر القرن الثاني عشر ... على أن الجامع الأزهر كان يقوم يومئذ بأعظم ~~وأسمى مهمة أتيح له أن يقوم بها، فقد استطاع خلال المحنة الشاملة أن يستبقي شيئا من ~~مكانته ... فيغدو ملاذا أخيرا لعلوم الدين واللغة ويغدو بنوع خاص معقلا حصينا للغة ~~العربية تحتفظ في أروقته بكثير من قوتها وحيويتها، ويدرأ عنها التدهور النهائي ~~ويمكنها من مغالبة لغة الفاتحين ومقاومتها ... وربما كانت هذه المهمة السامية التي ألقى ~~القدر زمامها إلى الجامع الأزهر في تلك الأوقات العصيبة من حياة الأمة المصرية ~~والعالم الإسلامي بأسره، هي أعظم ما أدى الأزهر من رسالته، وأعظم ما وفق لإسدائه ~~لعلوم الدين واللغة خلال تاريخه الطويل الحافل.» # أقول وإن ما أصاب مصر من الغزو العثماني أصاب الشام، فقد قوض العثمانيون معالم دور ~~العلم وخزائن الكتب بما نقلوه إلى عاصمتهم من الكتب والذخائر والتحف، وفي هذه الفترة ~~انصرف الناس عن علوم الأدب والدين الصحيحة إلى القشور، فانحط العلم والأدب وهزل الشعر ~~وأقفرت مدارس الشام من رجالها، واضمحلت دور كتبها من الكتب والآلات، وتقرب متولوها ~~بإهداء ما فيها من النفائس إلى خزائن الوزراء والأمراء والسلاطين، وكانت دمشق وحلب ~~والقدس أعظم مدن الشام مصابا بهذا الغزو الجائر، وفي هذا العصر كثرت الطرق الصوفية ~~وانتشر التصوف في الطبقات عامة، ولولا الأزهر في مصر ms46 لانطفأت شعلة العلم في ~~الشام. # على أن هذا كله لم يمنع من ظهور بعض الشعراء والأدباء والعلماء الذين كان لهم صوت ~~مسموع، كعائشة الباعونية الدمشقية التي ماتت في أواسط القرن العاشر، وماماية الدمشقي ~~الرومي، ودرويش الطالوي (1014ه)، ومنجك الدمشقي (1080ه)، وابن عبد الجواد الشربيني ~~المصري (؟)، وعبد الله الشبراوي (1171ه)، ويوسف الحفني (1178ه). وقد خلف كل واحد من ~~هؤلاء ديوان شعر أو أثرا علميا آخر يصور لنا الصلة العلمية بين القطرين كما يصور ~~لنا الضعف العلمي الواضح الذي كانت عليه البلاد جميعا. # وهناك بعض علماء نبغوا في القطرين وكان لهم فضل في إعادة بعض الصلات العلمية في إبان ~~تلك العصور المظلمة، نذكر منهم ابن إياس المصري (930ه)، وشمس الدين الصالحي (942ه)، ~~وابن طولون الصالحي (955ه)، والحسن البوريني (1024ه)، ومرعي الكرمي (1033ه)، والشهاب ~~الخفاجي (1069ه)، ويوسف البديعي (1073ه)، وعبد القادر البغدادي (1093ه)، والسيد ~~المرتضى (1205ه)، ولكل من هؤلاء آثار علمية قيمة تشهد بعلو كعبه، وقد كان لهذه ~~الآثار الفضل العظيم في بقاء اللغة العربية حية تنتج . # هذه هي الصفحة الوحيدة المشرقة من كتاب الحركة العلمية والعقلية في العصر العثماني ~~ببلاد الشام ومصر، أما بقية صفحات الكتاب فسود قاتمة لا ترى فيها أثرا للنور والعقل ~~والهدى، فقد أصبحت جماهير المسلمين يقرءون القرآن وهم لا يفهمونه، وأضحى علماء البيان ~~والنحو والحديث منهم لا يستطيعون كتابة سطرين اثنين بعبارة صحيحة بليغة، وصار خطباء ~~الجمعة والعيدين يرددون خطبا مكتوبة في عصور سالفة، هذا كان حال المسلمين، أما ~~النصارى فقد كانت حالهم أفضل بكثير؛ فإن مدارس الإرساليات التبشيرية في بلاد الشام ~~كانت تعنى بتعليمهم اللغة العربية تعليما صحيحا، وتحرص على إحياء الأدب العربي، ~~وكان لمطارنة الموارنة والأرثوذكس وأساقفتهم الفضل المشكور، ومن عظماء النصارى الذين ~~كان لهم أثر حميد في المحافظة على اللغة العربية في هذا العصر البطريرك مكاريوس ~~الحلبي الأرثوذكسي الذي خلف آثارا علمية قيمة، ومن أعظمها رحلته إلى القسطنطينية، ~~ومنهم المطران جرمانوس فرحات الحلبي (1732م)، وقد كان عارفا بالعربية والسريانية ~~واللاتينية والإيطالية والتاريخ والفلسفة، وقد اشتغل ms47 بالتأليف، وله آثار قيمة وتلاميذ ~~فحول. ومنهم الشماس عبد الله زاخر الكاثوليكي الحلبي (1748م)، وكان على جانب واسع من ~~علم الأدب واللغة، وهو صاحب الفضل الأكبر في نشر الطباعة العربية بسورية لأنه مؤسس ~~أول مطبعة في لبنان، وهي مطبعة الشوير. # هذه هي نظرة إلى ما كانت عليه البلاد الشامية، أما مصر فلم يكن حظها من العلم كذلك، ~~ولم يسعدها إلا دخول نابليون مصحوبا بجيش من رجال العلم، وقد كون نابليون المعهد ~~الفرنسي بالقاهرة، وجعل فيه لجنة علمية تنظم أعماله، وقد كان للمعهد فروع عشرة، وإليك ~~بيانها: ~~(1) # فرع التشريع والديانات والتقاليد. ~~(2) # فرع الإدارة والسياسة. ~~(3) # فرع الشرطة والأمن. ~~(4) # فرع التاريخ ونظام الحكم. ~~(5) # فرع العسكرية. ~~(6) # فرع التجارة والصناعة. ~~(7) # فرع الزراعة. ~~(8) # فرع التاريخ الطبيعي. ~~(9) # الآثار القديمة. ~~(10) # فرع النيل وفيضانه. # وقد جعل لكل فرع أعضاء يعملون فيه ويطوفون البلاد ويجتمعون بأعيانها وشبانها ~~ويناقشونهم ويباحثونهم في موضوعاتهم، وقد دهش المصريون لهذا الجيش العلمي وأعجبوا به، ~~ولا عجب فإن المصري مفطور على حب التطلع إلى العلم والسعي إليه، وقد حدثنا مؤرخ ذلك ~~العصر (الجبرتي) عن إعجاب المصريين بالحركة العلمية الفرنسية في مصر حديثا ممتعا في ~~كتابه، فقد اطلع المصريون عن كثب على مظاهر الرقي الفكري الحديث الذي وصلت إليه ~~أوروبا، كما اطلعوا على مناهج في التفكير لم يعرفوها، وعلى آلات وأوائل حديثة لم ~~يسمعوا بأخبارها، ومن أمتع فصول كتاب الجبرتي فصله الذي كتبه عن دار الكتب التي ~~أنشأها الفرنسيون في درب الناصرية، وما فيها من الكتب والمخطوطات والمخططات والخرائط ~~والصور الممتعة، ولا يقل إعجابه بها عن إعجابه بدار الكيمياء والمختبرات العلمية وما ~~شاهده فيها من العجائب والغرائب، ولا شك في أن أمثال الجبرتي كانوا كثيرين، فقد فتح ~~الفرنسيون مؤسساتهم هذه للمصريين عامة، وأسسوا في القاهرة معاهد أخرى تنشر الحضارة ~~الجديدة، ومن أعظم هذه المعاهد المدرستان اللتان أوجدوهما لتعليم أطفال الفرنسيين ~~المولودين في القاهرة، كما أنشئوا في مصر جريدة عربية وأخرى فرنسية ومصانع للورق ~~وأخرى للأقمشة وغير ذلك، ويحدثنا الجبرتي أن الفرنسيين كانوا يرحبون بالزوار المصريين ~~ويقومون بالتجارب ms48 العلمية الكيماوية أمامهم، وأن المصريين كانوا مدهوشين لتلك الأعمال ~~العجيبة. ولا شك عندنا أيضا في أن الجيل الجديد كان ينظر إلى العلوم القديمة نظرة ~~استخفاف بعد أن شاهد ما شاهد من مظاهر العلم الحديث، ولكن خروج الفرنسيين من مصر (سنة ~~1801م) قضى على كل ما كان يؤمل من مصر فيما لو بقي فيها الفرنسيون؛ فبخروجهم تقهقر كل ~~شيء وأخذ المستوى العلمي ينحط، وكاد أن يعود إلى ما كان عليه قبل دخول الحملة ~~الفرنسية، لولا أن قيض الله لمصر من أخذ بيدها من جديد وسار بها في سبيل التقدم، أعني ~~بذلك محمد علي باشا، فإنه أدرك أن التعليم الأزهري وحده لم يعد كافيا لمجاراة الأمم ~~القوية الحية، ولذلك بدل نظم التعليم في مصر وعمد إلى إنشاء المدارس الابتدائية ~~والثانوية والعالية كمدارس الطب والهندسة والحربية والفنون والصنائع واللغات، ثم رأى ~~أن هذا وحده ليس كافيا لتوجيه الثقافة في مصر، فأرسل بعوثا علمية إلى أوروبا اختار ~~أفرادهم من الأزهر وغيره من المعاهد، وقد بلغ عدد هذه البعوث في زمنه نحوا من 320 ~~طالبا، وقد كان لهذه البعوث صدى كبير في أوروبا والشرق، ولم تكن حركة محمد علي ~~مقصورة على مصر، فقد تعدت إلى الشام حينما انضم الشام إلى الدولة المصرية، ومن آثار ~~محمد علي في الشام إنشاؤه فرعا لمدرسة طب القصر العيني في حلب. # وقد رأى عقلاء الشاميين الثمرة الصالحة التي جنتها مصر من هذه البعوث والأعمال ~~العلمية والإصلاحية التي قام بها محمد علي في مصر، فأخذوا يقلدون مصر، وأول حركة ~~تقليدية قامت بها سورية هي حركة تأسيس المعاهد على غرار معاهد محمد علي وأعقابه في ~~مصر؛ ففي سنة 1834م أنشأ الآباء العازريون مدرسة نظامية في عين طورا، فلما رأى ~~الأوروبيون والأميركان ميل الشاميين إلى العلم والحضارة الأدبية التي رأوا ثمرتها في ~~مصر أخذوا يتهافتون على تأسيس المعاهد في سورية، ففي سنة 1835م أسس الأميركان في ~~بيروت مدرستهم الكبرى، كما أسسوا مدرسة أخرى في عبية لبنان سنة 1847م، وفي هذه السنة ~~أسس اليسوعيون ms49 مدرستهم في لبنان وهي التي صارت فيما بعد جامعة عظيمة، وفي سنة 1860م ~~أسست المدرسة الإنكليزية بعناية المسز طمسن، وفي سنة 1861م أسست المدرسة الإنجيلية ~~الأميركانية للبنات، وجعلت فروع كثيرة لهذين المعهدين في جميع أنحاء لبنان، وفي سنة ~~1863م أسس العبقري اللبناني المعلم بطرس البستاني مدرسته الوطنية التي خرج منها جمهور ~~كبير من علماء الديار الشامية، وفي سنة 1864م أنشأ البطريرك غور يغوريوس يوسف ~~الكاثوليكي مدرسة كبيرة. # ومن أسباب الحركة العلمية في مصر ظهور الطباعة العربية فيها، فقد أسست أول مطبعة فيها ~~أيام نابليون سنة 1798، وقد كان في هذه المطبعة عدد من العمال الفرنسيين مع عدد من ~~العمال السوريين الذين كانوا تعلموا هذه الصنعة في رومية، ومن كبارهم إلياس فتح الله ~~ويوسف مسابكي، وقد ظلت هذه المطبعة عامرة نحو أربع سنوات، ولما خرج الفرنساويون سنة ~~1801م أخذوها معهم، وظلت مصر نحوا من عشرين سنة بلا مطبعة، فلما نهض محمد علي أنشأ ~~مطبعته الأهلية سنة «1821م» في بولاق وعهد في إدارتها إلى نقولا المسابكي، فقام بعمله ~~خير قيام وظل فيها إلى أن مات سنة «1830م»، وكان يدرب طائفة من الطلاب الأزهريين على ~~الصناعة. ولم تكن هذه المطبعة هي الوحيدة في مصر، فإن الأنبا كيراس الرابع بطريرك ~~الأقباط كلف في سنة «1860م» روفائيل عبيد السوري أن يقوم على إدارة مطبعته التي ~~استحضرها من أوروبا. # وقد نشأ عن ظهور الطباعة في مصر أن ظهرت الصحافة فيها، ففي أيام محمد علي وجدت مجلة ~~الوقائع المصرية وقد استمر ظهورها حتى نهاية عصر محمد علي، وفي أيام عباس الأول وسعيد ~~الأول (1849-1863م) أهمل شأنها، وقد رأى السوريون فائدة الصحافة فأوجدوها في بلادهم، ~~وأقدم الصحف السورية مجلة مرآة الأحوال التي أوجدها رزق الله حسون الحلبي في الآستانة ~~سنة «1855م»، وفي سنة «1858م» وجدت جريدة حديقة الأخبار في بيروت، ثم تتابع إنشاء ~~الصحف والمطابع في سورية. أما في مصر فقد رأيت أن العزيزين اللذين خلفا محمد علي كانا ~~لا يهتمان بهذا النوع من الأدب، فلما جاء إسماعيل (1863-1882م) ms50 وكان يحب الأدب وأهله، ~~نشط الصحافة ورعاها، فسمع بعض السوريين بذلك فتوافدوا عليه، وفي عهده أنشأ سليم ~~وبشارة تقلا جريدة الأهرام في الإسكندرية سنة 1876م، وفي سنة 1880م أسس الأديبان ~~السوريان الشهيران أديب إسحاق وسليم النقاش جريدة المحروسة فلقيت كل رواج، وهناك ~~آخرون أنشئوا صحفا في مصر، ولكن لم يستمر منها إلا الأهرام والمحروسة، والحق أن ~~لإسماعيل يدا كبيرة على الصحافة السورية في مصر، فلولاه لما عاشت هذا العمر الطويل، ~~ولولاه لما ارتقى أسلوبها رقيا جعلها أفضل مئات الدرجات من الصحافة القديمة، والحق ~~أن أكثر الفضل في ذلك يعود إلى سليم النقاش وأديب إسحاق، فإنهما كانا ذوي قلم سيال ~~وأسلوب متين. # وكما ازدهرت الجرائد اليومية في مصر بفضل السوريين ازدهرت المجلات فيها، وأول المجلات ~~السورية العلمية ظهورا في مصر مجلة روضة المدارس التي أسست سنة 1870، وكانت مجلة ~~علمية تاريخية طبية، ثم أنشئ المقتطف سنة 1871 وكان أول أمره يصدر في بيروت ثم انتقل ~~إلى مصر سنة 1886م، وفي سنة 1877م صدرت مجلة الشفاء في مصر للدكتور شبلي شميل، ومجلة ~~الحقوق لأخيه أمين شميل، ثم توالت المجلات. # فأنت ترى قوة الصلات بين القطرين، وما ينبغي لنا أن ننسى أن للأزهر يدا قوية في ~~إحكام هذه الصلات، فهو الذي كان يخرج رجال الأدب والدين عند المسلمين، وهو الملجأ ~~الوحيد الذي كان يلجأ إليه الشاميون ليتفقهوا في الدين وليدرسوا لغتهم، وقد كان ~~المصريون يرحبون بهم كل ترحيب ويغدقون عليهم العطايا والجرايات ولا يقفون في سبيل من ~~أوتي نصيبا من العلم والنشاط أن يتولى الوظائف الكبيرة في مصر كمشيخة الأزهر ومشيخة ~~أروقته وإفتاء مصر والتدريس في المعاهد. وفي عصر إسماعيل ارتقى الأزهر رقيا ~~محسوسا، فقد كان يدرس فيه - فضلا عن علوم الدين واللغة - العلوم الحكمية والفلسفية ~~والرياضية والتاريخية، وهذه علوم كانت جد نادرة في الشام في تلك الفترة، فبفضل الأزهر ~~عادت هذه العلوم إلى الشام. # وما ينبغي أن ننسى فضل السيد جمال الدين وتلميذه محمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي في ~~إحياء الثقافة الجديدة وبعث ms51 الثقافة العربية القديمة الصحيحة، ولم تكن حركة الأفغاني ~~مقصورة على العلم وحده بل تعدته إلى السياسة؛ ففي مصر أسست أول جمعية سياسية اشترك ~~فيها نفر من رجالات مصر والشام، وهي جمعية مصر الفتاة، ومن أعضائها المؤسسين جمال ~~الدين، وأديب إسحاق، وسليم النقاش، وعبد الله نديم، ونقولا توما، وغيرهم من حملة ~~الأقلام السوريين المقيمين في مصر، وقد أصدروا لهم جريدة باسم «مصر الفتاة» وكان ذلك ~~في أواخر عهد إسماعيل، وكان لهذه الجمعية أثر كبير في تطور السياسة المصرية والسياسة ~~الشرقية. والحق أن حركة السيد جمال الدين كانت حركة قوية امتدت إلى الشام وغيره من ~~أقطار الإمبراطورية العثمانية؛ لأن دروس الشيخ جمال الدين كانت عامة يحضرها المصريون ~~والأتراك والشاميون والحجازيون، ولم تكن تلك الدروس كدروس غيره من شيوخ الأزهر، فقد ~~كان الشيخ يتخذ الكتب الأزهرية وسيلة إلى نشر أفكاره وتنمية عقول تلاميذه، وقد اعتمد ~~الشيخ على الفلسفة في تنبيه أفكار تلاميذه واعتزازهم بنفسهم، فقد كان الشيوخ قبله ~~يمنعون تلاميذهم من الاعتزاز بآرائهم ويمنعونهم من مناقشة كلام المؤلفين ويعتبرونه ~~كأنه كلام رب العالمين، فإذا هو يقول لتلاميذه: «ناقشوا كل كلام فاقبلوا الصواب ~~واطرحوا الخطأ.» ولم تكن دروس الشيخ مقصورة على دروسه في الأزهر، فقد كانت له مجامع ~~في المقاهي والبيوت، وكان يجتمع إليه فيها طائفة من الفضلاء كسعد زغلول، وسليم نقاش، ~~وأديب إسحاق، وعلي مظهر، وغيرهم من أدباء الشام ومصر. وفي هذه المجالس أيضا وجه ~~الأفغاني الأدب العربي توجيها جديدا، فقد كان الأدباء والكتاب قبله لا يتخطون سور ~~القديم، أما الشيخ فقد دعا إلى تحطيم هذه الأسوار وتحكيم العقل والذوق، وكان الأدب ~~قبله أدب ألفاظ وزخرفة، فحاربه الشيخ ودعا إلى أدب يعبر عن نفسية الشعب، وكان الدين ~~قبله دين تقليد وخرافات، فحطم الشيخ هذه التقاليد وتلك الخرافات، وأرجع الدين إلى ما ~~كان عليه السلف الصالح، وكانت السياسة قبل الشيخ خنوعا للأجنبي الدخيل، فدعا إلى ~~الثورة وإلى أن يعيش الناس أحرارا في بلادهم. # هذه هي الخطوط الأولية لحركة الشيخ في بيته وفي مقهاه وفي ms52 مدرسته، وقد استفاد منها ~~طلابه فنبغ منهم من المصريين سعد زغلول ومحمد عبده، ومن الشاميين أديب إسحاق وسليم ~~عنخوري. # وقد انتقلت دعوة الشيخ إلى الشام، فاستجاب لها فيه السيد عبد الرحمن الكواكبي الحلبي ~~صاحب كتابي «طبائع الاستبداد» و«أم القرى» اللذين ضمنهما وصف ما كانت عليه البلاد ~~إذ ذاك من اضطراب وفوضى في السياسة والاجتماع، ودعا إلى ما دعا إليه الأفغاني من ~~تحطيم تلك القيود التي قيدت البلاد بها. ولما اضطرت الظروف الشيخ محمد عبده إلى أن ~~يجيء إلى الشام ويقيم في بيروت، وجد في البلاد مرعى خصبا لآراء الشيخ الأفغاني فعمل ~~على إحيائها، وقد التف السوريون حوله سنة 1885م يتلقون عنه دروس العلم والحكمة ~~والخير. # ولما طلب الوالي مدحت باشا إلى الشيخ الإمام تنظيم شئون المدرسة التي كان أسسها في ~~بيروت، وضع لها الشيخ منهجا صحيحا معتمدا على مبادئ أستاذه الأفغاني، فانقلبت ~~المدرسة انقلابا جديدا، وأخذ الشيخ يقضي كل نهاره في المدرسة، وفي أثناء إقامته ~~فيها ألف «رسالته» القيمة في التوحيد وشرح لطلابه «نهج البلاغة» و«ديوان الحماسة» ~~و«مقامات البديع»، وقرأ طائفة من الكتب القيمة على النابغين من تلاميذه مثل كتاب ~~«الإشارات» لابن سينا وكتاب «التهذيب» في المنطق. # وقد كانت دروس الشيخ في بيروت تغص بالتلاميذ والناس يتقاطرون عليها من شتى الأنحاء، ~~وقد أحدثت إقامة الشيخ في بيروت انقلابا عظيما، فقد كان الشيوخ قبله يدرسون تدريسا ~~آليا ولا يفتشون عن فائدة الطلاب ولا هم لهم إلا قبض المرتبات، فلما رأوا نشاطه ~~وغيرته حاولوا أن يقلدوه ويعملوا عمله، فمنهم من نجح ومنهم من أخفق، ومهما يكن من شيء ~~فإن الجميع بدلوا خطتهم السابقة وبذلوا جهودا لم يكونوا باذليها لولا وجود ~~الشيخ. # وبوجود الشيخ في ديار الشام أصبحت تلك الديار منارا يشع نوره، فقد كان الشيخ لا يقصر ~~جهده على تثقيف التلاميذ، بل كان يتصل بالرجال ويوجههم توجيها صحيحا، ويبحث لهم عن ~~علة تأخر الشرق، فيقول في بعض كلماته: «أما العلم الذي نحس بحاجتنا إليه، فيظن قوم ~~أنه علم الصناعة، وما به إصلاح ms53 مادة العمل في الزراعة والتجارة مثلا، وهذا ظن باطل، ~~فإننا لو رجعنا إلى ما يشكوه كل منا نجد أمرا وراء الجهل بالصناعات وما يتبعها، إن ~~الصناعة لو وجدت بأيدينا نجد فيها عجزا عن حفظها، وإن المنفعة تتهيأ لنا ثم تنفلت؛ ~~فالشيء في نفوسنا، فنحن نشكو ضعف الهمم وتخاذل الأيدي وتفرق الأهواء والغفلة عن ~~المصلحة الثابتة، وعلوم الصناعات لا تفيدنا دفعا لما نشتكيه، فمطلوبنا وراء هذه ~~العلوم ألا وهو العلم الذي يمس النفس؛ وهو علم الحياة البشرية، والعلم المحيي للنفوس؛ ~~هو علم أدب النفس، وكل أدب لها فهو الدين، فما فقدناه هو التبحر في آداب الدين، وما ~~يحسن من أنفسنا طلبه هو التفقه في الدين، ولا أريد أن نطلب علما محفوظا ولكنا نطلب ~~علما مرعيا ملحوظا، وما أودعته الديانة من الآداب النفسية والكمالات الروحية لم ~~يختلف في صحته أحد من البشر حتى من يظن نفسه غير آخذ بالدين. فإذا استكملت النفس ~~بآدابها عرفت مقامها من الوجود وأدركت منزلة الحق في صلاح العالم، فانتصبت لنصره ~~وأيقنت بحاجتها إلى مشاركتها في الموطن والملة، فأخذت بالفضيلة الجامعة للفضائل، وهي ~~ما يعبر عنها بحب الوطن والدولة والملة، ولا نريد من الحب ميلا خياليا، ولكنا نريد ~~منه ميلا يبعث على العمل كما يرشد إليه الدين والأدب. فمتى تحلت النفوس بهذه الفضيلة ~~أبصرت مواقع حاجاتها فاندفعت إلى طلبها وطرقت لها كل باب لا ترجع حتى تظفر أو يدركها ~~الأجل.» # فأنت ترى أن السيد الإمام لم يقصر عمله على تهذيب الناشئة البيروتية، بل كان يدعو ~~الرجال إلى طريق الفلاح الذي كان يدعو إليه أستاذه، ومن يعرف حال سورية قبل مجيء ~~الإمام إليها من الجهل والفساد ثم يعرف الحركة الوطنية التي قام بها أحرار سورية ~~لتحرير بلادهم من النير التركي؛ يتحقق له أن تلك الثورة التحريرية ما كانت إلا ~~استجابة لدعوة الشيخ الإمام رحمه الله، وهذا أثر جديد من آثار مصر على الشام لن تنساه ~~أبد الدهر، وقد كان للشيخ الإمام حلقات في بيته كان يؤمها طلاب الحق من ms54 جميع الفرق ~~والنحل، وقد كان يخاطب كلا على قدر عقله ويعمل على توحيد الصفوف ولم الشمل بعد ~~أن فرقتهم السياسة التركية الظالمة. # قال فيه شكيب أرسلان: «كنت ترى جميع الفرق والنحل والطوائف بدون استثناء تزدحم حول ~~ذلك المنهل المعذب، وكان هو لسعة عقله وعلو إدراكه وإحاطة نظره يتفاهم مع كل قبيل ~~منهم كأنه نشأ فيهم، وكان يحضر مجلسه علماء السنة ومجتهدو الشيعة وعقلاء الدروز ~~ونبهاء المسيحيين واليهود، وكان كل أولئك لا يجدون غضاضة في التردد عليه، بل إن ~~مجلسه لم يكن يخلو من الملاحدة الذين كانوا يقصدون إليه ليسمعوا آراءه في الإلهيات ~~والأديان، فكان الأستاذ يناظرهم بكل تؤدة ويحل لهم المشكلات التي كانوا إذا سألوا ~~عنها غيره من العلماء أعجزهم الجواب عنها، فكنت تراهم منصتين إليه حيارى أمامه ~~لا يدرون ماذا يقولون، مع أنهم قبل حضورهم في مجلسه قد آلوا أنهم يعجزونه كما أعجزوا ~~غيره.» # ولما عزم الشيخ على ترك الشام حزنت عليه البلاد ~~وودعته بقلوب حزينة، كما ودعها هو بحزن كثير لأنه كان يرغب أن يطول مكثه حتى يرى ثمرة ~~غرسه بعينه. ولم يترك الشيخ الديار الشامية حتى خلف فيها تلاميذ فحولا نشروا مبادئه ~~وعملوا على تحقيقها، نذكر منهم السيد الكواكبي والشيخ بدر الدين النعساني والسيد نعوم ~~اللبكي، ولكل واحد من هؤلاء كلمة في الشيخ تدل على مكانته عنده، وها نحن أولاء نسوق ~~إليه هذه الكلمات. # قال المغفور له بدر الدين النعساني: «إن الإسلام لم ينجب بعد ابن تيمية غير محمد ~~عبده، وإن لمحمد عبده فضلا على الإسلام في الديار الشامية هو أجل بكثير من فضله ~~على مصر، إن الله حبا مصر بجمال الدين الأفغاني وأحمد عرابي، فأما جمال الدين فقد بث ~~فيها العقل الصحيح، وأما عرابي فقد دعاها إلى الثورة على الظلم. والشام لولا محمد ~~عبده وإقامته القصيرة فيها لكانت تتخبط في الجهل والضلال والعبودية، فبفضل الشيخ ~~وبفضل دروسه تفتحت عيون أهلها.» # وقال السيد عبد الرحمن الكواكبي وقد سأله الخديوي عباس حلمي عن الإمام: «إن أفريقية ~~أخرجت كثيرا ms55 من العلماء في العلوم والفنون المختلفة دون الفلسفة، ولكنها أخرجت ~~فيلسوفا واحدا بذ جميع الفلاسفة وهو ابن خلدون، وكذلك مصر أخرجت من لا يحصى من ~~العلماء دون الفلاسفة والحكماء، ثم أخرجت أخيرا حكيما فاق جميع الحكماء، وهو الشيخ ~~محمد عبده.» # وقال السيد نعوم اللبكي في كلمة يرثي الإمام بها: «إن مصاب النصارى بالإمام ليس لأنه ~~كاتب وليس لأنه خطيب وليس لأنه لغوي، بل لأنه هو الذي استخدم كل ما وضعت الطبيعة فيه ~~من القدرة في سبيل إصلاح الإسلام، فهو مصلح الإسلام، ومن أصلح الإسلام فقد أصلح ~~الشرق، فمحمد عبده هو مصلح الشرق.» # رأيت مما سبق قوة الصلات العلمية والعقلية بين القطرين في عصر النهضة منذ أيام محمد ~~علي حتى العصر الأخير، ورأيت الأثر الكبير الذي أحدثته زيارة محمد عبده لسورية، على ~~أن هناك أناسا آخرين كان لهم الفضل في تقوية الصلات بين القطرين، نذكر منهم: # الدكتور بشارة زلزل اللبناني: # وكان من رجال العلم والطب، أنشأ في مصر مع إبراهيم اليازجي ~~مجلة البيان سنة 1897. # والسيد أحمد البربير البيروتي (1811م): # كان شاعرا فاضلا أقام في دمياط طويلا. # والسيد جبرائل مخلع الدمشقي (1851م): # كان أديبا بالعربية والفارسية والتركية، رحل إلى مصر وتقلب ~~في وظائفها. # والمعلم بطرس البستاني الكبير (1883م): # صاحب محيط المحيط ودائرة المعارف، رحل إلى مصر وعظم قدره ~~فيها. # والشيخ خليل اليازجي (1889م): # العالم الأديب الأشهر، أقام في مصر، ولما ثار عرابي اشترك ~~معه فأقفلت مجلته «مرآة الشرق»، وقد كان لشعره وأدبه تأثير ~~عميق في الكتاب المصريين والشاميين. # وأحمد فارس الشدياق (1887م): # العالم اللغوي، رحل إلى مصر وكثر طلابه فيها وأحبه رجالاتها، ~~وله فيهم أثر حسن. # والشيخ عبد الغني الرافعي (1891م): # العالم الفقيه الأديب، رحل إلى مصر وأخذ عن شيوخها فأفاد ~~واستفاد. # وشاكر شقير اللبناني (1896م): # الشاعر البارع الكاتب، رحل إلى مصر وأنشأ مجلة الكنانة وترجم ~~كثيرا من الكتب الفرنسية، ومن أهمها كتاب ڨولني عن ~~مصر. # والشيخ نجيب الحداد (1899م): # الشاعر البارع الكاتب، محرر الأهرام وصاحب «لسان العرب» التي ~~أنشأها في الإسكندرية. ms56 # والسيد سليمان الصولا (1899م): # الشاعر الرقيق، رحل إلى مصر وتقرب من إبراهيم باشا وكان من ~~أعوانه في الحملة السورية. # وهناك مئات من العلماء والكتاب الصحفيين وأرباب المطابع والمصانع من السوريين الذين ~~رحلوا إلى مصر وكان لهم فيها أثر مشكور كآل زيدان، وآل متري، وآل اليازجي، وغيرهم ممن ~~يضيق المقام بتعدادهم. # أما الصلات في الأيام الأخيرة فهي الصلات القديمة نفسها، فالأزهر لا يزال المحجة التي ~~يحج إليها الشاميون لطلب الدين، والرحلات العلمية لا تزال قوية بين البلدين، ولكن ~~الشيء الجديد الذي حدث في الأيام الأخيرة هو ظهور الجامعة المصرية، ورقي الطباعة ~~المصرية، وانتشار الكتاب المصري في الديار الشامية انتشارا عجيبا. أما الجامعة فقد ~~كان لها فضل عظيم في نشر الثقافة الأوروبية والعربية في الديار الشامية، وفي ~~الجامعتين المصرية والإسكندرية اليوم أكثر من مائة شاب سوري، وفيهما أكثر من مائتي ~~طالب لبناني وفلسطيني وأردني، وكل واحد من هؤلاء الطلاب سيعود إلى بلاده ناشرا العلم ~~الذي تلقاه في الجامعتين شاكرا فضلهما. وأما الطباعة المصرية على اختلاف دورها وتعدد ~~مذاهبها فإنها ذات فضل عظيم على القارئين في الشام من أقصاه إلى أقصاه، ولولا كتب مصر ~~ومجلاتها ونشراتها لكان للأدب في الديار الشامية شأن آخر، على أن هناك شيئا يجب أن ~~يلتفت إليه القائمون على الثقافة في مصر؛ وهو طبع كتب الأدب الرخيص المفسد للذوق ~~والملكات الصحيحة، فقد طغت موجة هذه الكتب على بعض المطابع فأخذت تكثر منها، والناس ~~يلتهمون كل شيء تقع عينهم عليه ويجيئهم من مصر. # وهذا وما ينبغي لنا أن ننسى ما للشعر والشعراء ~~في الأيام الأخيرة من أثر في تقوية الصلات بين البلدين، فقد لعب الشعر دورا عظيما ~~في تقوية هذه الروابط، وقد تكانف شعراء مصر والشام كما تكانف أدباؤهما تكانفا ~~عجيبا، ولا عجب فإن الآلام التي مر بها كل من القطرين في أيامه الأخيرة قد وحدت ~~بين القطرين، ولا غرو فالآلام كانت شديدة، ولم تكن تقع حادثة في الشام حتى كنت تجد ~~صداها في نثر المصريين أو في شعرهم، كما ms57 أنك كنت لا تسمع بحادثة تجري في وادي النيل ~~حتى تجد صداها في شعر الشاميين أو في نثرهم. ومن أكثر شعراء المصريين تأثرا بحوادث ~~الشاميين حافظ إبراهيم، وأحمد شوقي. # أما حافظ فقد تفطرت نفسه على حوادث بيروت لما رشقها الطليان، وقال في ذلك قطعة ~~تمثيلية رائعة تصور ثورته على الظالمين الذين خربوا المدينة الآمنة، وقد صور فيها ~~جريحا يلفظ أنفاسه الأخيرة وهو يتحرق على بلاده لا خوفا من الموت بل لأنه لم يستطع ~~القيام بحق وطنه، فيقول: # لم أقض حق بلادي # وها أنا قد قضيت ~~••• # يا ليتني لم أعاجل # بالموت قبل الأوان # حتى أرى الشرق يسمو # رغم اعتداء الزمان # وليعلم الغرب أنا # كأمة اليابان # لا نرتضي العيش يجري # في ذلة وهوان # ولما حلت الحرب العالمية الماضية بويلاتها وانقطعت العلاقات بين مصر والشام وأضحى ~~طلاب العلم في مصر من السوريين لا مورد لهم، هاجت عاطفة حافظ النبيلة، فتألم لهم ودعا ~~كرام المصريين ووجوههم إلى حفلة في دار الأوبرا الملكية ليتبرعوا لهؤلاء البائسين، ~~وقال في ذلك قصيدة من أروع الشعر وصف فيها نكبات الحرب، ودعا إلى مواساة هؤلاء ~~الطلاب، وفيها يقول: # أيها الوسمي زر نبت الربا # واسبق الفجر إلى روض الزهر # حيه وانثر على أكمامه # من نطاف الماء أشباه الدرر # أيها الزهر أفق من سنة # واصطبح من خمرة لم تعتصر # من رحيق أمه غادية # ساقها تحت الدجى روح السحر # وانفح الروض بنشر طيب # عله يوقظ سكان الشجر ~~••• # كل يوم نبأة تطرقنا # بعجيب من أعاجيب العبر # أمم تفنى وأركان تهي # وعروش تتهادى وسرر # وجيوش بجيوش تلتقي # كسيول دفقت في منحدر # ورجال تتبارى للردى # لا تبالي غاب عنها أم حضر # وحروب طاحنات كلما # أطفئت شب لظاها واستعر # ضجت الأفلاك من أهوالها # واستعاذ الشمس منها والقمر # في الثرى في الجو في شم الذرى # في عباب البحر في مجرى النهر # أسرفت في الخلق حتى أوشكوا # أن يبيدوا قبل ميعاد البشر # فاصمدوا ثم احمدوا الله على # نعمة الأمن وطيب المستقر # نعمة الأمن وما أدراك ما # نعمة الأمن ms58 إذا الخطب اكفهر ~~••• # إن في الأزهر قوما نالهم # من لظى نيرانها بعض الشرر # أصبحوا - لا قدر الله لنا - # في عناء وشقاء وضجر # نزلاء بيننا إن يرهقوا # أو يضاموا إنها إحدى الكبر # فأعينوهم فهم إخوانكم # مسهم ضر ونابتهم غير # أقرضوا الله يضاعف أجركم # إن خير الأجر أجر مدخر # ومن أروع شعر حافظ الذي يصور لك شدة اتصال القطرين، قصيدته التي قالها في الحفل الذي ~~أقامه السوريون لتكريمه في مصر، وفيها يقول: # لمصر أم لربوع الشام تنتسب # هنا العلا وهناك المجد والحسب # ركنان للشرق لا زالت ربوعهما # قلب الهلال عليها خافق يجب # خدران للضاد لم تهتك ستورهما # ولا تحول عن مغناهما الأدب # أم اللغات غداة الفخر أمهما # وإن سألت عن الآباء فالعرب ~~••• # إذا ألمت بوادي النيل نازلة # باتت لها راسيات الشام تضطرب # وإن دعا في ثرى الأهرام ذو ألم # أجابه في ذرا لبنان منتحب # لو أخلص النيل والأردن ودهما # تصافحت منهما الأمواه والعشب # بالواديين تمشى الفخر مشيته # يحف ناحيتيه الجود والدأب # فسال هذا سخاء دونه ديم # وسال هذا مضاء دونه القضب # نسيم لبنان كم جادتك عاطرة # من الرياض وكم حياك منسكب # في الشرق والغرب أنفاس معطرة # تهفو إليك وأكباد بها لهب # لولا طلاب العلا لم يبتغوا بدلا # من طيب رياك لكن العلا تعب # سعوا إلى الكسب محمودا وما فتئت # أم اللغات بذاك السعي تكتسب # فأين كان الشآميون كان لها # عيش جديد وفضل ليس يحتجب # هذي يدي عن بني مصر تصافحكم # فصافحوها تصافح بعضها العرب # وكان حافظ كثيرا ما يذكر في شعره الصلات التي تربط البلدين منذ الزمان الغابر، ~~ويتمنى لو اجتمعا واتحدا اتحادا قويا. # إنما الشام والكنانة صنوا # ن برغم الخطوب عاشا لزاما # أمكم أمنا وقد أرضعتنا # من هواها ونحن نأبى الفطاما # وانظر إليه يدعو إلى التوحيد بين القطرين، فيقول: # نحن في حاجة إلى ما ين # مي قوانا ويربط الأرحاما # وقد أكبر الشاميون هذه العواطف النبيلة التي وجدوها عند شاعر النيل، وليس أدل على ذلك ~~من قول الأستاذ شفيق جبري يحييه لما ms59 زار دمشق: # أنشدت شعرك في أفناء لبنان # فرحت أغمز وسواسي وشيطاني # بالأمس شوقي على أفناننا غرد # واليوم حافظ مياد بأفنان # وبنت مروان توحي من أباطحها # وشي القرائح عاشت بنت مروان ~~••• # يا طاوي اليم في دجناء زاحفة # على صفيح من الأمواج مرنان # يهفو به الشوق والأجفان تكتمه # إلى أراهط من فهر وغسان # خلى ضفاف الحمى والنيل وانقلبت # به المطى إلى أهل وجيران # من عهد عدنان ما أبلى عروبتهم # وطء الهزاهز في أبناء عدنان # سر في دمشق ونادم إن نزلت بها # عصابة نادمتهم روح حسان # هذا الرحيق وفي أظلاله بردى # يجري بروض على الفيحاء رنان # تحية يا ضفاف النيل طيبة # تجري بها الريح في شيح وحوذان # الشام من ودك الريان في صلة # محبوكة الوشي في قرن وإمعان # من عهد عمرو فما رثت ولا بليت # قد أتقنتها الليالي أي إتقان # إذا بكت جنبات النيل من ألم # بكت دمشق بدمع منه هتان # أواصر ببيان العرب محكمة # النيل والشام في الآلام صنوان # هما النجيبان في تصوير جرحهما # تصوير جرحهما همس بآذاني ~~••• # لكن مصر وإن هشت وإن عبست # ركن العروبة للقاصي وللداني # يأوي إليها من الفيحاء متهم # فيستظل بظل العاطف الحاني # أملت على الشرق من آيات نهضتها # ما أنقذ الشرق من ذل وإذعان # ولما مات حافظ بكاه أدباء الشام وتفطرت قلوبهم عليه، وإليك أقوال بعضهم. # قال شفيق جبري: # ستون عاما على كره تعانيها # هدأت عنها ولم تهدأ لياليها # ما زلت منها على يأس تغالبه # حتى طواك على الأشجان طاويها # فاطرح شدائدها عن كاهل هدمت # من جانبيه ولم تهدم عواديها # يا وقفة لك في أفيائها انحدرت # عن العواطف مضنيها ومشجيها # 1 # ناجيت منها صبا ولت نواعمه # بدلت شيخوخة منه تناجيها # فتوة ملئت بؤسا نضارتها # وكبرة أنعمت سقما حواشيها ~~••• # لكن روحك إن جدت وإن هزلت # لم تنس مصر ولم تهمل مغانيها # غنت بوادي الحمى في فجر نهضته # وخاضت النهضة المحمر واديها # قد كنت بلبلها الغريد هيجه # غول على مصر محتل روابيها # وقال عادل الغضبان: # شقوا الجيوب ونكسوا الأعلاما ms60 # فقدت بإبراهيم مصر إماما # أودى إمام الشعر من محرابه # فالناس حيرى والصحاب يتامى # وطوى ملاك الموت صفحة شاعر # يسبي القلوب ويسحر الأحلاما # جزع الشآم وأسخنت نفحاته # ورنا يشارك في الأسى الأهراما # وتأوهت دول الحجاز وشاطرت # لبنان فيه ودجلة الآلاما # دول مفرقة أهاب بشملها # جرح ثخين عز أن يلتاما # في كل قطر للبلاغة مأتم # يبكون فيه يراعة وحساما # أما شوقي فقد فتن الشاميون بشعره وأجلوه إجلالا ما بعده إجلال، ولا عجب فإنه فوق ~~مكانته الشعرية الشامية التي أحلته إمارة الشعر كثير الذكر لبلاد الشام وشعره سجل ~~لكبار حوادثه، فلما رشق الطليان بيروت، بكاها بقطعة من أروع الشعر قال فيها: # يا رب أمرك في الممالك نافذ # والحكم حكمك في الدم المسفوك # إن شئت أهرقه وإن شئت احمه # هو لم يكن لسواك بالمملوك # بيروت مات الأسد حتف أنوفهم # لم يشهروا سيفا ولم يحموك # سبعون ليثا أحرقوا أو أغرقوا # يا ليتهم قتلوا على (طبروك) # كل يصيد الليث وهو مقيد # ويعز صيد الضيغم المفكوك ~~••• # بيروت يا راح النزيل وأنسه # يمضي الزمان علي لا أسلوك # الحسن لفظ في المدائن كلها # ووجدته لفظا ومعنى فيك # نادمت يوما في ظلالك فتية # وسموا الملائك في جلال ملوك # ينسون حسانا عصابة جلق # حتى يكاد بجلق يفديك ~~••• # إن يجهلوك فإن أمك سوريا # والأبلق الفرد الأشم أبوك # والسابقين إلى المفاخر والعلا # بله المكارم والندى أهلوك # سالت دماء فيك حول مساجد # وكنائس ومدارس و«بنوك» # لك في ربى النيل المبارك جيرة # لو يقدرون بدمعهم غسلوك # ولما نكبت سورية سنة 1925 دعا إلى حفلة في تياترو الأزبكية لمساعدة المنكوبين ~~السوريين، وفيها أنشد قصيدته الرائعة التي لا تجد شاميا مثقفا لا يحفظها، وإليك ~~بعض مقاطع منها: # سلام من صبا بردى أرق # ودمع لا يكفكف يا دمشق # ومعذرة اليراعة والقوافي # جلال الرزء عن وصف يدق # وذكرى عن خواطرها بقلبي # إليك تلفت أبدا وخفق # وبي مما رمتك به الليالي # جراحات لها في القلب عمق # دخلتك والأصيل له ائتلاق # ووجهك ضاحك القسمات طلق # وتحت جنانك الأنهار تجري # وملء رباك ms61 أوراق وورق # وحولي فتية غر صباح # لهم في الفضل غايات وسبق # رواة قصائدي فاعجب لشعر # بكل محلة يرويه خلق ~~••• # لحاها الله أنباء توالت # على سمع الولي بما يشق # تكاد لروعة الأحداث فيها # تخال من الخرافة وهي صدق # وقيل معالم التاريخ دكت # وقيل أصابها تلف وحرق # ألست دمشق للإسلام ظئرا # ومرضعة الأبوة لا تعق # وكل حضارة في الأرض طالت # لها من سرحك العلوي عرق ~~••• # نصحت ونحن مختلفون دارا # ولكن كلنا في الهم شرق # ويجمعنا إذا اختلفت بلاد # بيان غير مختلف ونطق # وقفتم بين موت أو حياة # فإن رمتم نعيم الدهر فاشقوا # وللأوطان في دم كل حر # يد سلفت ودين مستحق # وقال بمناسبة الاحتفال بذكرى شهداء سورية واستقلالها: # بني سورية التئموا كيوم # خرجتم تطلبون به النزالا # سلوا الحرية الزهراء عنا # وعنكم: هل أذاقتنا الوصالا؟ # وهل نلنا كلانا اليوم إلا # عراقيب المواعد والمطالا؟! # عرفتم مهرها فمهرتموها # دما صبغ السباسب والدغالا # وقمتم دونها حتى خضبتم # هوادجها الشريفة والحجالا # دعوا في الناس مفتونا جبانا # يقول: الحرب قد كانت وبالا ~~••• # سأطلب ما حييت جدار قبر # بظاهر جلق ركب الرمالا # مقيم ما أقامت ميسلون # يذكر مصرع الأسد الشبالا # لقد أوحى إلي بما شجاني # كما توحي القبور إلى الثكالى # تغيب «عظمة» العظمات فيه # وأول سيد لقي النبالا # ترى نور العقيدة في ثراه # وتنشق من جوانبه الخلالا # مشى ومشت فيالق من فرنسا # تجر مطارف الظفر اختيالا # ملأن الجو أسلحة خفافا # ووجه الأرض أسلحة ثقالا # وأرسلن الرياح عليه نارا # فما حفل الجنوب ولا الشمالا ~~••• # فكفن بالصوارم والعوالي # وغيب حيث جال وحيث صالا # إذا مرت به الأجيال تترى # سمعت لها أزيزا وابتهالا # تعلق في ضمائرهم صليبا # وحلق في سرائرهم هلالا # وقصائد شوقي في مغاني الشام ولبنان وزحلة كثيرة جدا تدل على تعلقه الشديد بالشام ~~وأهله. # ولما مات شوقي بكاه الشام قاطبة، وإليك بعض ما قالوا. # قال خليل مردم بك: # شوقي وهل أرثيه يوم خلوده # فالسيف يبغي شاهرا لا غامدا # دعني أشد بالعبقرية إنها # كالشمس إن غربت أرتك فراقدا # العبقرية نفحة قدسية ms62 # تحيي الرميم وتستثير الخامدا ~~••• # شوقي وأنت رسالة علوية # مرت على سمع الزمان نشائدا # روح من الله الكريم ورحمة # أحيا بها ميتا وأيقظ هاجدا # فرفعت للفصحى بمصر دولة # كانت تطالع فيك نظما صاعدا # توجت مصر وشدت عرش فخارها # وعقدت في جيد الشآم قلائدا # للعرب والإسلام في آلامهم # كنت اللسان مترجما والساعدا # أضحى بيانك جامعا أهواءهم # ومن الخمول إلى النباهة رائدا ~~••• # كم موقف لك في دمشق وأهلها # قد هز يقظانا ونبه راقدا # غنيتها لحنا يفيض صبابة # فتمايلت فيها الغصون تواجدا # وشركتها في بؤسها ونعيمها # يا من رأى ولدا يشاطر والدا # في الجامع الأموي قمت مكبرا # وذكرت مجد بني أمية ساجدا # خلفت في الزهراء دمعك جاريا # وتركت في الفيحاء قلبك واجدا # واسيت جلق في عظيم مصابها # ونضحت عنها بالبيان مجاهدا # صعدت أنفاسا وجدت بأدمع # في يوم محنتها فكن قصائدا # وقال بشارة الخوري: # قف في ربى الخلد واهتف باسم شاعره # فسدرة المنتهى أدنى منابره # وامسح جبينك بالركن الذي انبلجت # أشعة الوحي شعرا من منائره # إلهة الشعر قامت في ميامنه # وربة النثر قامت عن مياسره # ما للملاعب في لبنان مقفرة # وللمناهل عطلا من حرائره # وللمآذن في الفيحاء كاسفة # كخاشع السر في داجي مقابره # وللأصائل والأسحار أثخنها # عات من الريح إرهاقا بحافره # أودى القريض فللأحزان ما لبست # على سرير الدراري من عباقره # لبنان يا مصر مصر في مآتمه # كما علمت ومصر في بشائره # هل كان قلبك إلا في جوانحه # أو كان دمعك إلا في محاجره # أو كان منبت مصر غير منبته # أو كان شاعر مصر غير شاعره # وقال إسعاف النشاشيبي في قصيدته ذات القوافي والبحور: # شاعر العرب قضى # فالبسي ثوب السواد # وابرزي بين الملا # واندبيه حاسرة # زحزحي هذا النقاب # لنرى وجه الحزين # أعرضي عن خفر عودته # فعيون القوم غرقى في الدموع # واحشدي كل بنات العرب # واندبيه نائحات سافرات # وذري الترب يبيسا # يرتوي من عبرات # اذكريه أندبيه أبنيه # بمراث مشجيات خالدات # أما بعد، فهاتان صفحتان مشرقتان أشد الإشراق من تاريخ هذين القطرين العزيزين السياسي ~~والأدبي، وقد أريناك ms63 شدة تماسك هذين القطرين وإخلاص كل واحد منهما لأهل الآخر، ~~ومشاطرته آلامه وآماله، ولن يستطيع أحد أن يفرق ما وحدته الطبيعة واللغة والتقاليد، ~~وما فرعونية مصر وفينقية لبنان إلا خديعة اخترعها المخترعون للتفريق بين الأخوين ~~الحبيبين والصديقين العتيقين. # رحم الله شاعر النيل حافظا القائل: # إنما الشام والكنانة صنوا # ن برغم الخطوب عاشا لزاما # أمكم أمنا وقد أرضعتنا # من هواها ونحن نأبى الفطاما ms64