######OpenITI# #META# URI: 1379MuhammadAscadTalas.TarbiyaWaTaclimFiIslam.Hindawi17083713 #META# Tags: history #META# ID: 17083713 #META# Title: التربية والتعليم في الإسلام #META# AuthorID: 35030937 #META# Author: محمد أسعد طلس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # مقدمة في أهداف التربية العربية القومية‏ # تقديم البروفسور رجيس بلاشير للطبعة الفرنسية من الكتاب‏ # تقديم المؤلف للطبعة الفرنسية‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الخاتمة‏ # ملحق‏ # مقدمة‏ # مقدمة في أهداف التربية العربية القومية‏ # تقديم البروفسور رجيس بلاشير للطبعة الفرنسية من الكتاب‏ # تقديم المؤلف للطبعة الفرنسية‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الخاتمة‏ # ملحق‏ # | التربية والتعليم في الإسلام # | التربية والتعليم في الإسلام # تأليف # محمد أسعد طلس # | مقدمة # الحمد لله حق حمده. # والصلاة والسلام على محمد نبيه وعبده. # وبعد، فهذه دراسة كنت أعددتها لإحراز شهادة الدكتوراه من جامعة السربون في باريس، وهي ~~منقسمة إلى قسمين؛ أحدهما في تاريخ التربية والتعليم عند العرب، والثاني في «تاريخ المدرسة ~~النظامية»؛ أول جامعة إسلامية في العالم العربي. # وقد رأيت أن أنشر «القسم الأول» لحاجة خزانتنا العربية إلى هذا النوع من الكتب. وأرجو أن ~~يتاح لي في فرصة قريبة نشر القسم الثاني الخاص بالمدرسة النظامية؛ فيتم بهذين الكتابين ~~تأريخ الحركة الثقافية في الإسلام. # والله سبحانه أرجو أن يوفق العاملين في خدمة الحضارة والقومية العربية إلى إظهار دقائق ~~تاريخ أمتنا الخالدة، ويكشفوا للملأ ما انطوى عليه من عظات وعبر، ودروس وفكر. # دمشق # 5 رمضان 1375ه/19 نيسان 1956م # محمد طلس # | مقدمة في أهداف التربية العربية القومية # قامت الحضارة الإسلامية بالأمس بأيدي العرب؛ فهي حضارة عربية في جذورها وأصولها، وقد عاون ~~العرب في تكوين تلك الحضارة جماهير متعددة الأعراق متباينة الأجناس منها الآري، ومنها ~~السامي، ومنها المغولي، ولكن الطابع الواضح لذلك المزاج كله هو الطابع العربي بعنصريه ~~الرئيسيين: اللغة والدين؛ فطبيعي إذن أن لا نسمي تلك الحضارة إلا «حضارة عربية». # ويمتد عهد الحضارة العربية من فجر تاريخ الدول المتحضرة في جنوبي الجزيرة العربية ~~وشماليها منذ الألف الثالث قبل الميلاد إلى أيامنا هذه، وقد ظلت أمم الفرس والترك والكرد ~~والروم والمغول والهند والزنج والقوط والبربر، منذ أن دخل فيهم الإسلام إلى ما بعد سقوط ~~الدولة العباسية، وهي تعمل في خدمة ركب الحضارة العربية. ومما لا ريب فيه أنها قد أدت ~~لهذه الحضارة فوائد جليلة ms001 في كافة الفروع التي تتكون منها حضارتنا من فلسفة وعلم وتربية وفن ~~وسياسة ... فقد تفانى هؤلاء الأقوام جميعا في تكوين ذلك البناء الرفيع الممتاز. # ولقد زعم شعوبيو الأمس واليوم من أعداء القومية العربية أن نصيب العرب من هذه الحضارة هو ~~جزء يسير جدا، بل هو جزء لا يكاد يذكر بالنسبة إلى ما قام به أبناء الأمم المفتوحة، فإن ~~العرب قبل أن يتصلوا بتلك الأمم المفتوحة كانوا يعيشون في جهالة جهلاء، يأكلون الضباب، ~~ويلبسون خشن الثياب، وأنهم قوم لا أخلاق لهم، ولا دين يردعهم، ولا مبادئ سامية إلى الكمال ~~تحضهم، فلما جاء الإسلام اتبعه قوم فانصلحت أحوالهم، وأسلم له آخرون لم يلبثوا أن ارتدوا ~~عنه بعد وفاة الرسول الكريم، وكانت الردة ردتين؛ إحداهن شكلية رجعوا عنها أيام أبي بكر ~~الصديق، والأخرى حقيقية ظلت بعده، وظهرت آثارها في الفتن والحروب الداخلية العديدة التي ~~قامت بينهم منذ مقتل عمر بن الخطاب إلى أن قضى المغول على ملكهم يوم احتلوا بغداد وقضوا ~~على الملك العربي، ولم يرتفع للعرب منذ ذلك اليوم صوت إلا في أواخر عهد الخلافة العثمانية ~~التركية حين شاخت دولتها، وحين دفعهم بعض أعدائها من الفرنسيين والإنكليز للوثوب عليها، ~~فقام زعيمهم شريف مكة الحسين بن علي الهاشمي بثورته في الحجاز والشام، وكان من أمر هذه ~~الثورة ما كان. # هذا ما يقوله أعداء العروبة وخصوم الإسلام، بل جهال الحقيقة والتاريخ، ولئن كان هؤلاء ~~الضالون قليلين في القديم، أو إنهم كانوا كثرة، ولكنهم لم يكونوا يجرءون على رفع عقائرهم ~~بالأمس خوفا من العرب الأقوياء الأعزة، فإنهم في أيامنا هذه كثيرون. # إن أعداء القومية العربية وخصومها الذين ينتقصون العرب اليوم هم واحد من ثلاثة: إما ~~صهيوني مجرم يكره العرب ويعمل على تثبيت أقدام اليهود في فلسطين، وتوطيد دولة إسرائيل ~~الظالمة التي أخرجت العرب من ديارهم وانتهكت حرماتهم، وداست مقدساتهم وملكت أراضيهم ~~وبيوتهم بالباطل والعدوان؛ وإما عميل خاسر من عملاء الأجانب وجواسيس الاستعمار ممن لهم ~~مصالح استعمارية في ديار العرب، أو ممن يطمعون في السيطرة على ms002 جزء من ديارهم ؛ وإما شعوبي ~~ضال ملأ الحقد صدره وران الضلال على قلبه، فأخذ يلصق التهم الباطلة بالعرب وينقب مساوئهم ~~وعيوبهم - وفي كل أمة مساوئ وعيوب - ويعمل على نشرها بين الناس لإيقاع الفتنة وبث ~~الفساد. # هؤلاء هم أعداء القومية العربية اليوم، ولم يكن أعداؤها بالأمس البعيد إلا من هذا النمط؛ ~~فقد كانوا أيضا واحدا من ثلاثة: # إما مجوسي حانق على العرب لقضائهم على دولة الأكاسرة وتحطيمهم لغتهم وهدمهم دينهم، وإحلال ~~العربية والإسلام محلهما. # وإما مغولي أو رومي نفخ الشيطان فيه الغرور، ووسوس في صدره إبليس فزعم له أن هؤلاء العرب ~~الذين احتلوا دياره، وقضوا على مملكته وفرضوا عليه دينهم ولغتهم وتقاليدهم وآدابهم ليسوا ~~خيرا منه، ولا لهم من الماضي والقوة ما له. # وإما عربي ملحد استهواه الكفرة بقوميته، وضحك عليه الهازئون بدينه، فاتبع أهواءهم وضل ~~ضلالهم زاعما أنه حر الفكر واسع النظر، فأخذ يعمل وإياهم على هدم الإسلام والعروبة عن طريق ~~انتقاص قومه والطعن في دينه، وهو يظن أنه يحسن صنعا. # هؤلاء هم شعوبيو الأمس الذين كان يمثلهم الحسن الأصفهاني وأبو الريحان البيروني وابن ~~الراوندي والحسن الصباح والفردوسي، وغيرهم من القدماء الذين مجدوا الشعوبية، وألفوا في ~~انتقاص العرب. وأما شعوبيو اليوم فهم نفر من مؤلفي الغربيين، وعلى رأسهم كثرة من المستشرقين ~~ونفر من كتاب العرب ومحرري بعض الصحف، ورجال السياسة والمعارف، وبعض الشبان الأغرار ~~الذين استهوتهم أباطيل هؤلاء جميعا. # وإنه لمن المؤسف المؤلم أن يكون عددهم بيننا أضحى يزداد يوما بعد يوم لغزو المؤلفات ~~الغربية ديارنا بكثرة، ولانحطاط الأخلاق المستمر وتدهور الوازع الديني، وفشو الرجعية ~~العقلية، وانعدام المناهج التربوية المفيدة التي تعتمد على خلق الروح القومية في الشاب ~~العربي المسلم. # ونحن نرى أن النقطة التي يجب على القوميين العرب الاهتمام بها في هذه الآونة من تاريخنا، ~~للتخلص من ربقة الذل، وطرد المستعمر المسيطر على بعض ديار العروبة من المحيط الأطلسي إلى ~~الخليج الفارسي، بعد الاستعداد العسكري الكامل؛ هي دراسة أسس التربية العربية القومية ~~والإسلامية، وبحثها من جديد للعمل على خلق ms003 جيل صالح مؤمن خير من هذا الجيل الحاضر المنحل في ~~علمه ودينه وخلقه، وعلى قواعد علمية متينة. # فما هي هذه الأسس؟ وما هي تلك القواعد؟ وأين يجب البحث عنها للتعرف على أسرار التربية ~~النفسية التي بها قامت الدولة العربية، وعلى مناهجها شيدت الحضارة الإسلامية؟ # لقد فكرت في هذا الأمر طويلا، واهتممت بالبحث فيه منذ زمن بعيد، وعنيت بدراسة التربية ~~العربية وقواعدها وأسسها؛ تلك التربية التي ساهمت مساهمة فعالة في بناء الحضارة العربية، ~~والتي تعتبر بحق نقطة تطور هامة في تاريخ التربية في العالم. وقد ألفت في ذلك رسالتي التي ~~قدمتها إلى السربون في فرنسة لنيل شهادة الدكتوراه في سنة 1939م، وأنا منذ ذلك الحين أبحث ~~وأدرس، وأدأب على التنقيب عن المناهج التربوية القويمة التي سار عليها العرب في خلق أطفالهم ~~وتكوين شبانهم، وإنشاء رجالهم وتثقيف بناتهم، حتى استطاعوا أن يخلقوا تلك الحضارة العربية ~~الخالدة. # لقد كتب في هذه الموضوع جمهرة من علمائنا القدامى الأفذاذ، وبحثوا فيه بحوثا مفيدة لا ~~تقل عن بحوثهم في سائر فروع العلم، أمثال: الإمام محمد بن سحفون، والقابسي، وابن العربي، ~~وابن سينا، وابن رشد، والغزالي، وابن خلدون، والعلموي، والزرنوحي، وغيرهم ممن لا مجال للبحث ~~عنهم وعرض بحوثهم هنا. # أما البحاثون المحدثون من أبناء الضاد فلم يؤتوا هذا البحث صفة من العناية، ولم أر ~~حتى الآن أحدا من رجالات العرب وعلمائهم القوميين الصادقين اهتم بهذا الأمر ووفاه ما ~~يستحق من جهد. # وأما البحاثون من المستشرقين، والغربيين بصورة عامة، ممن عنوا بهذه النواحي، فإنهم ~~على قلتهم أصحاب أغراض - في الغالب - يدسون السم في الدسم، ومهما يزعموا من أنهم مخلصون في ~~أبحاثهم، وأنهم يكتبون ما يكتبون بروح علمية خالصة، فإنهم غير صادقين، اللهم إلا نفرا ~~قليلا منهم يعد على أصابع اليد الواحدة. # ثم إن فيما خلف لنا آباؤنا من تراث علمي في بحوث التربية، التي نشر قسم قليل جدا منها، ~~والتي ما يزال أكثرها مخطوطا ينتظر الناشر؛ لنظريات وبحوثا وآراء يجدر بالباحثين درسها ~~ومناقشتها والوقوف عندها طويلا للإفادة منها ms004 في توجيه حركاتنا الثقافية والعلمية ~~والتربوية، والاهتداء بنورها في نهضتنا العربية المتوخاة، فإن أمة استطاعت أن تخرج من ~~جزيرتها وتسيطر على العالم المتمدن إذ ذاك، وتفرض عليه لغتها ودينها وقوانينها، وتطبعه ~~بطابعها لأمة جديرة بالبحث. ولا شك في أنه قد كانت لها أساليب ومناهج تربوية صالحة استطاعت ~~بها أن تخلق أجيالا صالحة تبدع ذلك الإبداع الذي خلفته في آثارها في السياسة والتشريع ~~والعلم والفن والعمران. # إن الإمبراطورية التي شادها أسلافنا العرب بحضارتها وآثارها الباقية لم تكن أمرا ~~مرتجلا، ولا أخبارها ملفقة مكذوبة، بل هي حقائق ثابتة تتبعت سنن النشوء والارتقاء، وسار ~~عليها العرب متدرجين منذ أقصى عصور التاريخ حتى وصلوا إليها في فجر الإسلام، وإن تلك النهضة ~~التي ظهرت يوم قيام الرسول الكريم كانت نتيجة طبيعية لحركات حضارية سابقة، ونتيجة لمقدمات ~~حضارية متسقة تعتمد على التربية والأسس العلمية التي تدرج عليها العرب في دولهم قبل ~~الإسلام. فلما جاء الإسلام اشتد ساعدها، واكتملت مقوماتها فوزعوها على العالم، وفرضوها على ~~سكان إمبراطوريتهم المترامية الأطراف، فقبلها سكان تلك الديار طواعية لما اعتنقوا الدين ~~الجديد، فما هي تلك التربية؟ وما هي أسسها؟ وما هي الأدوار الرئيسية التي مرت بها؟ # إن تلك التربية التي قامت بها حضارتنا العربية هي تربية كانت تعتمد على المواطن المتعلم ~~المؤمن القوي المهذب المضحي. أما أسسها فثلاثة، وهي: التعاون، والحرية، والمساواة. # ولقد مرت هذه التربية في أدوار أربعة رئيسية اكتملت في الدورين الأولين تماما، وآتت ~~ثمرتها في الدورين الأخيرين. # الدور الأول # أما الدور الأول فهو دور الفترة التاريخية الطويلة التي قضتها الأمة العربية في ~~جزيرتها قبل الإسلام، وقبل أن تتصل اتصالا قويا بالشعوب الأخرى كما حصل فيما بعد ~~الإسلام. فقد قامت لعرب الجزيرة جنوبا في اليمن حضارة قديمة عريقة كما قامت لعرب ~~الشمال حضارة خالدة فاضلة، ولكلتا الحضارتين تاريخ لامع وآثار شاهدة، مما لا مجال ~~لإفاضة الحديث عنه ها هنا. أما سكان وسط الجزيرة في الحجاز ونجد، فقد كانت لهم حضارة ~~أيضا، وكانوا ضاربين بسهم غير قليل في الحياة الراقية ms005 التي لا تقل عن حضارة عرب الشمال ~~وعرب الجنوب؛ ففي هذا الإقليم الوسط تقوم الكعبة التي تهوي إليها قلوب العرب أجمعين، ~~والتي هي موضع عزهم، ومن هذا الإقليم أيضا مكة أم القرى ومسكن قريش سيدة القبائل ~~العربية وأعزها سلطانا في الدين والدنيا، وفيه أيضا يثرب أخصب أراضي ذلك الإقليم ~~وأطيبها تربة وأعمرها بقعة، وفيه أيضا الطائف مدينة العلم والنشاط الفكري والتجارة، ~~وفيها أفصح القبائل العربية وأكثرها حكمة، وفيه أجل أسواق الجزيرة العربية: عكاظ، ~~ومجنة، وذي المجاز. وهذا القسم الأوسط من الجزيرة ممتاز عن القسمين الشمالي والجنوبي ~~بأنه عربي بحت، لم تطأه قدم محتل أجنبي ولا تسلط عليه إنسان غير عربي، بخلاف الشمال ~~والجنوب؛ فالحجاز - وما إليه - بلد عربي عريق في عروبته، عريق في استقلاله وسيادته منذ ~~أقدم العصور لمكانه الحصين، وحرمته المقدسة، وصموده أمام النكبات، وما ذلك إلا لمكانة ~~مكة المقدسة وسيطرة قريش العزيزة. # وأترك الحديث عن حضارة العرب في الشمال والجنوب؛ فإن تاريخهم معروف وآثارهم في مجالي ~~التعليم والتربية والتقدم العلمي مبسوطة مقررة، وقد ألفت في أخبارهم كتبا جليلة، ~~وبحثت أحوالهم في دراسات مفصلة، وإنما أريد أن أقف وقفة قصيرة أمام عرب الوسط الذين ~~غمطهم المؤرخون حقهم، وأهملوا البحث عنهم جهلا أو تجاهلا، ولا أريد أن أفصل البحث في ~~تاريخهم السياسي والاجتماعي والاقتصادي؛ فإن هذا ليس مجال البحث فيه، # 1 # وإنما أريد أن أبين شيئا عن التقدم العلمي والحياة العقلية الراقية، ~~والتربية النفسية الصحيحة التي كان عليها عرب الوسط في ذلك الحين، وبخاصة قبل ظهور ~~الإسلام. # إن الكتاب الذين بحثوا في تاريخ الحركات العقلية والتربوية عند العرب في الجزيرة ~~قبل الإسلام أهملوا الكلام عن هذا الأمر لاعتقادهم بأن العرب قبل ظهور النبي العربي ~~العظيم لم يكونوا شيئا مذكورا. وهؤلاء الكتاب إما مسلمون أو غير مسلمين. فالمسلمون ~~إنما كتبوا ذلك ليصوروا أن العرب قبل الإسلام كانوا غارقين في الجهالة، فلما جاء ~~الإسلام أنقذهم من جهالتهم، وقاموا بتلك الأعمال الجبارة بفضل الله ناسين أن لله سبحانه ~~قوانين وسننا لا تنقض. وأما ms006 غير المسلمين فإنما كتبوا ما كتبوا محتجين بأنه لم يصلنا ~~عن عرب الحجاز ووسط الجزيرة العربية كله أي أثر علمي مكتوب، كما أنه لم تجر حتى الآن ~~دراسات أركيولوجية وأتنوغرافية وفيلولوجية صحيحة تثبت أن عرب الوسط كانت لهم حضارات، ~~وأن ما نقل إلينا عنهم لا يتجاوز شيئا من الشعر والنثر، على ما فيه من منحول ومدسوس، ~~وأن ذلك لا يقوم حجة قوية على وجود حضارة عريقة، ثم إن ما نقله الرواة إلينا من تاريخ ~~ما قبل الإسلام مملوء بالخرافات والأساطير التي لا تعتمد على أساس علمي صحيح. # وكلا هذين الفريقين من الكتاب المسلمين وغير المسلمين مغرض يحاول طمس الحقيقة، إما ~~عن عجز وإما عن جهل؛ فقد كانت للقوم حضارة، وكانت لهم آداب، وكانت لهم أنظمة تربوية، ~~فإن ذلك العمل الجبار الذي قاموا به - بعد الإسلام - ليدل على ما ذهبنا إليه، وتثبت ~~البحوث الأركيولوجية، والدراسات الفيلولوجية والأتنولوجية صدق ما نذهب إليه؛ فيجب على ~~هؤلاء الكتاب أن يتريثوا حتى توجد هذه البحوث فيصدروا أحكامهم بعدئذ. # وأرى الآن قبل أن توجد هذه البحوث والدراسات العلمية الاكتفاء ببعض المصارد والأدلة ~~الثابتة التي لا يأتيها الباطل في دراسة أحوالهم. وفي طليعة هذه المصادر القرآن ~~الكريم؛ فهو خير ما يمكن الاعتماد عليه لتبيين الحياة العقلية قبل البعثة المحمدية، كما ~~أنه لا مانع من أن يستعان بشعر ما قبل الإسلام وما بعده لأنه قوي الارتباط ب ~~«الجاهلية»، معتمد على ثقافتها، قائم بمقوماتها. ونحن إذا درسنا القرآن والشعر دراسة ~~علمية عميقة، نجد أن العقلية العربية قبل الإسلام كانت عقلية راقية ذات ثقافة حسنة، ~~وأنها لم تكن تستحق أصلا أن توصف بالجهالة أو يطلق عليها اسم «الجاهلية»، وأن ناسها ~~كانوا ناسا ضاربين بسهم وافر في الحضارة والعلم والحكمة والمعرفة بصورة عامة، ويمكنني ~~إجمال ذلك في النقاط الآتية: # أولا: # نظراتهم إلى الألوهية وما يتعلق بها؛ فإنهم كانوا قوما مؤمنين بإله ~~واحد قاهر نافع ضار، ولكنهم كانوا يشركون به، كما كان يشرك السومريون ~~والمصريون واليونان والآشوريون فيعبدون آلهة متعددين شاركوا الإله ms007 ~~الأعظم في ألوهيته. وقد اختلف العرب في هؤلاء الشركاء اختلاف تلك ~~الأمم، فبعضهم جعل شركاءه الملائكة، وبعضهم جعلهم الشياطين والمردة، ~~وبعضهم جعلهم الشمس والقمر والكواكب، وبعضهم جعلهم الأصنام والتماثيل. ~~ولم يكن العرب متساوين في شركهم؛ فقد كان للعقلاء والخاصة اعتقاد ~~يخالف اعتقاد العامة والبدو؛ فالأولون كانوا يعتقدون بأن الله هو ~~المعبود وأن شركاءه ليسوا إلا وسائط بينهم وبينه، والعامة يعتقدون غير ~~ذلك. # ومهما يكن من أمر فإنهم لم يكونوا غارقين في جهالة وحمق وضلالة من ~~حيث نظرتهم إلى الخالق الأعظم، وهذا يدل على سموهم الفكري وتقدمهم في ~~بحث فكرة الألوهية. # ثانيا: # تفوقهم اللغوي العجيب؛ فإن من يدرس لغتهم بنحوها وصرفها ~~واشتقاقاتها وعروضها وفنونها البلاغية، يرى أنهم قد بلغوا درجة رفيعة ~~في الرقي اللغوي. وكلنا يعرف أن اللغة العربية هي إحدى اللغات التي ~~سموها «سامية»، وأنه على الرغم من أن هذه اللغات كلها قد تولدت من ~~أم واحدة في عصور متباعدة، فإنها تختلف اختلافا كبيرا فيما بينها، ~~كما تختلف رقيا وفصاحة، ولا ريب في أن أخصها وأرقاها هي اللغة ~~العربية كما تشهد بذلك أبحاث العلماء اللسانيين. # ثم إن أقدم النصوص العربية الفصيحة التي عثر عليها ترجع إلى فترة ~~تمتد من القرن الثالث إلى القرن الخامس للميلاد، وهذه النصوص هي الشعر ~~«الجاهلي»، والحكم «الجاهلية». ولكن من يدقق في هذه النصوص يجدها كاملة ~~مهذبة، ذات نحو متسق، وصرف منتظم، وقواعد عروضية وبيانية وشعرية ~~راقية؛ فلا شك إذن في أن العربية قد مرت قبل ذلك بأدوار وأطوار حتى ~~بلغت هذا الكمال والاتساق في القرن الثالث الميلادي، ولا شك أيضا في ~~أن هذا الكمال والرقي اللغوي والأدبي دليل على الرقي العقلي ~~والثقافي. # ثالثا: # رقي مستواهم العلمي والأدبي، وعدم صحة النظرية الشائعة القائلة بأنهم ~~كانوا أمة أمية منحطة، وأنهم جماعات بداة حفاة، وأقوام قساة عتاة، ~~يعيشون في الصحراء أو شبه الصحراء، وأنهم قوم لا حضارة لهم، ولا مدنية ~~عندهم، وأن غاية ما لهم من المعرفة هو بعض الأقوال المنظومة أو ~~المنثورة التي صقلت بعد الإسلام وكثير ms008 منها منحول مدسوس، وأن الجهل ~~والأمية كانا متفشيين بينهم، وأن الإسلام لما جاء لم يكن بينهم في مكة ~~- وهي عاصمتهم الكبرى - إلا سبعة عشر كاتبا، وأن اليمن كلها لم يكن ~~فيها كاتب واحد. # 2 # وهذه الأقوال على الرغم من تناقضها وتهافتها لا تستند إلى حقيقة علمية، ولا تثبت ~~أمام المناقشة المنطقية؛ فلا يعقل أصلا أن يكون في العرب فصحاء وخطباء وشعراء إذا لم ~~يكن فيهم عدد كبير من الكتاب المثقفين ذوي المستوى العلمي الحسن، والتفكير المنطقي ~~المعقول، والذوق الفني الراقي. ثم إن القول بأميتهم قول خاطئ لا ينطبق على الواقع ~~وتنقضه نصوص موثقة قديمة وأدلة علمية حديثة. أما النصوص القديمة فأجلها القرآن؛ فإن ~~ما فيه من الآيات الكثيرة التي تذكر الكتاب والكتابة، وأدوات الكتابة، والصحف والسجل، ~~والمداد، والقلم، وما إلى ذلك مما يتعلق بالخط والأقلام لدليل على ما نقول، حتى إن ~~الأستاذ الفاضل عزة دروزة قد أحصى كلمات الكتابة ومشتقاتها في القرآن فوجدها تسعين كلمة ~~ونيفا بأساليب متنوعة. وقد علق على هذا الإحصاء بقوله: «فورود هذه الآيات الكثيرة في ~~القرآن تحتوي أسماء وسائل وأدوات الكتابة والقراءة، وتحتفي بالقراءة والكتابة هذه ~~الحفاوة الكبيرة دليل راهن على أن العرب في بيئة النبي وعصره قد عرفوا تلك الوسائل ~~واستعملوها، وعلى أن القراءة والكتابة فيهم كانتا منتشرتين في نطاق غير ضيق ...» # 3 # وأما الأدلة العلمية الحديثة، فقد بحثها مطولا المستشرق الإيطالي الأمير كايتاني في ~~الفصل الرائع الذي كتبه عن نشأة الخط العربي، وأثبت فيه بالأدلة العلمية المادية ~~والاكتشافات النقشية والوثائق الخطية التي عثر عليها في الشام والجزيرة العربية؛ أن ~~الخط العربي قديم الوضع، وأن الكتابة العربية كانت ذائعة في الجزيرة ومشارف الشام قبل ~~البعثة النبوية. ثم إن كثرة وجود أهل الكتاب في الحجاز ومشارف الشام من يهود ونصارى ~~وصلتهم القوية بالعرب لتجعل العرب من متهودين ومتنصرين يفيدون من إخوانهم في الدين أو ~~جيرانهم في الدار فيتعلمون الكتابة والقراءة، حتى كتابة غير العربية وقراءتها من ~~سريانية وعبرانية وكلدانية. وقصة أمر النبي # صلى الله عليه وسلم ms009 # لكاتبه زيد بن ثابت أن يتعلم ~~العبرانية كما روى البخاري، قصة معروفة معقولة تدل على ما ذهبنا إليه ... فهذا كله يدل ~~على خطأ النظرية القائلة بأمية العرب وأن كتاب مكة - وهي أكبر مدنهم - لم يكونوا ~~يتجاوزون عدد الأصابع. # ثم إنه لا شك عندي في أن الكتاتيب ودور التعليم كانت معروفة في الجاهلية؛ فالمؤرخون ~~يؤكدون أن يوسف الثقفي أبا الحجاج كان يعلم في كتاب له بالطائف، وأن أبا قيس بن عبد ~~مناف بن زهرة، وأبا سفيان بن أمية بن عبد شمس قد علمهما بشر بن عبد الملك العبادي ~~فكانا؛ يعلمان أهل مكة. ولا شك في أن هؤلاء المعلمين في الجاهلية لم يكونوا وحدهم ~~يقومون بذلك العمل الثقافي، بل كان هناك معلمون آخرون. # وينقل السيد عبد الحي الكتاني عن الماوردي في «أدب الدنيا والدين» عن ابن قتيبة أن ~~العرب كانت تعظم أمر الخط وتعده أجل نافع، حتى قال عكرمة: «بلغ فداء أهل مكة أربعة ~~آلاف حتى إن الرجل ليفادى على أنه يعلم الخط، لما هو مستقر في نفوسهم من عظيم خطره ~~وظهور نفعه. وقال الله لنبيه: # اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم ~~، فوصف نفسه بأنه علم بالقلم ~~كما وصف نفسه بالكرم، وعد ذلك من نعمه العظام وآياته الجسام حتى أقسم به في كتابه ~~فقال: # ن والقلم # فأقسم بالقلم وما يخط بالقلم، وهذا ~~يبطل ما قاله ابن خلدون عن جهلهم بالخط، فإن عكرمة كان يتكلم عن مشاهدة وابن خلدون قال ~~ما قال عن تخمين ...» # 4 # هذا ما قاله الكتاني، وهو في قوله يشير إلى ما قاله ابن خلدون في المقدمة ~~من أن الخط والكتابة من عداد الصنائع الإنسانية، وأن العرب كانوا بعيدين عنها لأنهم ~~كانوا بداة بعيدين عن الحضارة غير مجيدين لها، شأن الصنائع إذا وقعت بالبدو قلما تكون ~~محكمة المذاهب ولا مائلة إلى الإتقان والتنميق، # 5 # إلى آخر ذلك الكلام الطويل الغريب المبني على التخمين والزعم، البعيد عن ~~البحث العلمي الصحيح. # هذا وقد كان للنبي # صلى الله عليه وسلم # كتاب بلغ عددهم ms010 ما ينيف على الأربعين، # 6 # وكان أكثرهم من الشبان والمدنيين ، ولا شك في أنهم قد تعلموا الخط والقراءة ~~وما إليهما في بعض كتاتيب المدينة ومكة قبل الإسلام. ثم إن الكتاتيب كانت معروفة بكثرة ~~في الشام ومصر وفارس والعراق قبل الإسلام، فلا غرابة إذا نقل القرشيون ذلك عنهم في ~~رحلاتهم التجارية، كما أن الجوالي النصرانية واليهودية في الجزيرة قد كانت تعلم ~~أبناءها في المدارس أو الكتاتيب أو الكنائس أو الأديرة، وليس بعيدا أن يكون جيرانهم قد ~~أفادوا ذلك منهم. # أما ما كان يتعلمه الأطفال العرب في تلك المدارس والكتاتيب، فهو في ظننا أشياء ~~كثيرة، منها ما يأتي: ~~(1) # معرفة أخبار الماضين من العرب وأحوالهم؛ فإن في القرآن إشارات إلى أن ~~العرب كانوا يعرفون شيئا كثيرا عن قصص الأنبياء العرب وغيرهم كما هو مفصل ~~في القرآن. ~~(2) # أخبار حروبهم وأيامهم وقصصهم وأنسابهم. وقد كثر في عرب الجاهلية علماء ~~النسب والإخباريون ولم تخل قبيلة أو عمارة أو فخذ أو بطن من نسابين ~~وإخباريين. ~~(3) # معلومات جغرافية عامة عن الكون والبلدان المحيطة بهم وأقاليمها؛ فقد ~~أفادوا من رحلاتهم التجارية وسفراتهم البحرية والبرية فوائد جليلة، وكان ~~لأهل الحجاز والبحرين ونجد رحلات مفيدة. ويدل سفر نفر من المسلمين الأولين ~~إلى الحبشة على أنه قد كانت للقوم معلومات عن تلك الأصقاع، كما كانت عندهم ~~معلومات عن بلاد النوبة وفارس ومصر والجزائر المحيطة بديارهم. ~~(4) # معلومات فلكية وطبيعية. وقد أطنب البلدانيون العرب والمسلمون في معرفة ~~أهل «الجاهلية» بالنجوم ومنازل الشمس والقمر والأفلاك وحركاتها والاهتداء ~~بها في البر والبحر، كما ذكروا أنهم كانوا ملمين بالأحوال الجوية والطبيعية ~~لديارهم، وفي شعر ما قبل الإسلام وبعده كثير من النصوص التي تدل على هذا، ~~ولا شك في أنهم أفادوا معلومات كثيرة من جيرانهم الصابئين ~~والكلدانيين. ~~(5) # معرفة جيدة بالطب والبيطرة والصيدلة والبيزرة وما إلي ذلك. وقد اهتدوا ~~إلى كثير من هذا بتجاربهم الخاصة، كما أفادوا كثيرا من خبرة جيرانهم ~~الكلدانيين فيه. والطب العربي القديم طب ذو شقين: شق يعتمد على العقاقير ~~والنباتات والمداواة المادية من كي وجراحة ms011 وفصد وبتر وشق، وقد كان ~~لهم في هذا النوع من الطب فضل وعلم وافر. وشق يعتمد على الرقى ~~والتعاويذ والتمائم والسحر، وليس في هذا النوع علم ذو شأن أو خطر. ومن ~~مشهوري أطبائهم حكيم العرب لقمان، وابن حزيم، والحارث بن كلدة الثقفي ~~الفيلسوف، والعاص بن وائل السهمي، وكان بارعا أيضا بعلم الحيوان ... ~~وغيرهم. ~~(6) # علم الآداب من نثر وشعر، وأمرهم في هذا أشهر من أن نبحث عنه ها ~~هنا. ~~(7) # بحوث في الكهانة والعرافة والفراسة والريافة وما إلى ذلك، وقد تواترت ~~عنهم في هذا معلومات طريفة مفيدة اختلط فيها الباطل بالفاضل، مما لا مجال ~~للبحث عنه هنا، ولكنه على أية حال يحتوي على كثير من المعلومات العملية ~~المفيدة. ~~(8) # إلمامات واطلاع على شيء من أحوال اللغات الأجنبية من كلدانية وسريانية ~~وعبرانية ورومية وحبشية وفارسية. فأغلب ظني أن نفرا من أهل مكة والمدينة ~~والطائف وخيبر كانوا يتقنون بعض هذه اللغات، وأنهم كانوا يثقفون بها أذهان ~~أبنائهم، وخصوصا من كان يطمع منهم في أن يجعل ابنه تاجرا يزور ديار تلك ~~اللغات أو متدينا بديانة اليهود والنصارى يريد أن يتعمق في دراستها. ثم إن ~~كثيرا من مفردات تلك اللغات قد غزت اللغة العربية منذ أقدم العصور، وجاء ~~بعضه في القرآن والشعر القديم؛ فلا شك إذن في أن هذه اللغات كانت معروفة ~~بينهم، فاشية أو شبه فاشية في محيطهم. # هذا - فيما نظن - نمط مما كان يعرفه العرب في «جاهليتهم»، وهو دال دلالة قاطعة على ~~أن القوم قبل ظهور الإسلام كانوا أمة مثقفة لها علم ولها اطلاع على كثير من مقومات ~~الحضارة، كما كانت لهم معرفة بقواعد التربية والتعليم ومؤسسات خاصة بالتربية والتعليم. ~~وإنهم في الدور الأول من هذه الأدوار التاريخية الأربعة كانوا أصحاب علم ورجال فكر، ~~فلما جاء الإسلام في الدور الثاني جاء ليتمم ما كان عندهم ويكمل لهم العدة لتثقيف ~~العالمين ونشر دين الله في الخافقين. فلننتقل إلى الدور الثاني لنرى آثار الإسلام في ~~تطوير النفس العربية وفي صقلها وتهيئتها للرسالة الملقاة على عاتقها، ولنتعرف إلى ms012 تلك ~~المبادئ التربوية التي جاء بها الرسول العربي محمد الأمين # صلى الله عليه وسلم ~~. # الدور الثاني # هو دور ظهور الرسول العربي بالدعوة الإسلامية. وقد رأينا في الدور الأول أن الأمة ~~العربية كانت منقسمة في ثلاثة أقاليم؛ في الشمال والوسط والجنوب، وأنه قد كان في كل ~~إقليم من تلك الأقاليم أسس خاصة بالتربية وما إليها من ركائز الحضارة وأعمدة العمران، ~~ولكنها كانت متفرقة لا رابط قويا بين أجزائها، فلما أن جاء الرسول عمل على توحيد ~~الأمة في ميادين السياسة، بل في كل شيء، وكان عمله حاسما وسريعا جدا، والسبب في ذلك ~~أن القوم - كما رأينا - كانوا مزودين بما يجب لهذه الوحدة؛ فتحمسوا للدعوة الجديدة، ~~وتوحدوا بسرعة بنعمة الله وفضله؛ فصاروا أمة موحدة، ذات مبادئ واحدة وأهداف مشتركة ~~ورسالة خالدة تشعر بوجوب تأديتها، وصار الفرد العربي الذي كان يعتز بقبيلته وأفقها ~~المحدود واسع الآفاق، كبير الآمال يتلو قول الله في القرآن: # ادع ~~إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ~~، فيرى ~~أن من واجبه الديني أن يعمل بكل قواه على الدعوة في سبيل الله، وعلى بسط رسالة السماء ~~في العالمين؛ تلك الرسالة المقدسة التي اختار الله لها محمدا وصحابته الأبرار فصارت ~~الدعوة هجيراه، وصار نشر الإسلام ديدنه، ووجب عليه الجهاد بالسيف والقلم واللسان، وبذل ~~النفس والنفيس، والتضحية بالأرواح والمهج حتى تصبح كلمة الله هي العليا وكلمة الذين ~~خالفوا دينه هي السفلى. ولم يكن لدى العربي شيء من ذلك قبل الدعوة المحمدية، وهكذا ~~تبدلت النفس العربية الهادئة المستكنة بوحي السماء إلى نفس ثائرة متحررة تجد وتدأب، ~~وكان طبيعيا بعد هذا كله أن يربى الجيل الجديد المسلم تربية جديدة صالحة ملائمة ~~للدعوة الجديدة، فوضع النبي أسس تلك التربية معتمدا على ما لقومه من مواهب وما رآه ~~فيهم من استعداد؛ فاهتم أول الأمر اهتماما كليا بالأطفال، وكان يرفق بهم ويداعبهم ~~ويوصي بهم آباءهم وأمهاتهم ويعمل وسعه على تعليمهم وتهذيبهم؛ فإنهم فلذات الأكباد، ~~ورياحين الآباء والأجداد، وإنهم عدة الغد وأمل المستقبل. # فكيف لا تهتم الأمة بهم؟! وكيف لا ms013 يعنون بتعليمهم وتزويدهم منذ نعومة أظفارهم ~~بفاضل الأخلاق ونبيل المزايا وشريف العلم؟! وكيف لا يفادى الأسرى من مثقفي قريش بتعليم ~~أطفال المسلمين القراءة والكتابة؟! وقد حفظت لنا كتب السنة النبوية طرفا جليلا من ~~الأحاديث المتعلقة بتأديب الأطفال، وألف في ذلك جماعة من مربينا القدامى أمثال محمد ~~بن سجفون، والقابسي، والغزالي، وابن جماعة، والعلموي، وغيرهم ممن سنعرض بعد إلى دراسة ~~كتبهم، ثم إنه # صلى الله عليه وسلم # اهتم بالشبان والشابات فأحسن توجيههم حتى خلق منهم رجالا ~~ونساء مؤمنين برسالته متفادين في نصرته ونشر دعوته، واثقين من نصر الله للمؤمنين ~~الصادقين، شاعرين بثقل العبء الملقى على عاتقهم، والرسالة الخطيرة التي حملها رسول الله ~~إلى الأمة العربية، فشمروا عن سواعد الجد والنشاط، وتطلعوا إلى الآفاق البعيدة، ~~وانزوت لهم الدنيا من أقصاها إلى أقصاها، واعتقدوا أن لغة الضاد يجب أن تعم الأرض، وأن ~~دين محمد يجب أن يسيطر على الخافقين؛ فعملوا بكل قواهم في سبيل تحقيق ذلك، وكان لهم في ~~أقل من نصف قرن ما أرادوا، ولم يكد يمضي عهد الرسول الكريم حتى كانت تلك االنفوس قد ~~تربت تربية جديدة، واعتنقت مبادئ الإسلام وأفادت منها، فخلقت ذلك الفاتح العربي الذي ~~قال بعد أن بلغ الأطلانتك: والله لو علمت أن وراءك يابسة لخضت البحر إليها في سبيل ~~الله. # هكذا ربى محمد قومه وصحابته، وبهذا زودهم لنشر دينه ولغته، وعلى تلك الأسس ~~القويمة ربى أطفالهم وهذب بناتهم ... فلننتقل بعد إلى الدور الثالث الذي قام به خلفاؤه ~~من الصحابة والتابعين، لنرى كيف نشئ ذلك الوليد المحمدي، وكيف اشتد ساعده. # الدور الثالث # هو دور انتشار الإسلام خارج الجزيرة العربية في عهد الخلفاء الراشدين والأمويين؛ فقد ~~استولى الإسلام في عهدهم على ديار الشام والعراق وآسية الصغرى ومصر وشمالي إفريقية ~~والأندلس غربا، كما امتد إلى إيران والأفغان والسند والتركستان حتى بلغ حدود الصين ~~شرقا، ولم يبق من العالم المتمدن القديم إلا جزء صغير بالنسبة إلى ما استولوا ~~عليه. # وهكذا تكونت المملكة الإسلامية فضمت أخصب بلاد العالم القديم وأرسخها قدما في ms014 ~~الحضارة والعلم. وقد كان لسياسة الأمويين العربية الحكيمة الرشيدة تأثير كبير على طبع ~~هذه المملكة بالطابع العربي؛ فخضعت الشعوب المفتوحة التي اعتنقت الدين الإسلامي لسلطان ~~العرب الأدبي والخلقي، وتعشقت اللغة العربية وآدابها، إلا نفرا قليلا من الشعوبيين ~~والملاحدة واليهود الذين يكرهون العرب على الرغم من إحسانهم إليهم وتخليصهم إياهم من ~~ظلم الرومان وقسوة الفرس، وحمايتهم من ملوكهم وقادتهم العتاة، ولكنهم نسوا ذلك، وما إن ~~رأوا العرب المساميح وقد تركوهم وشأنهم حتى أخذوا يكيدون لهم كل كيد، محاولين القضاء ~~على الأمة العربية وتمزيق أوصالها، وتشتيت الملك العربي الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من ~~خوف، ناسين فضله عليهم، ولكن القافلة العربية سارت قدما إلى الأمام فلم تحفل بهم، ولم ~~يكد يمضي الشطر الأول من العهد الأموي بعد أيام معاوية ومروان وابنه عبد الملك حتى ~~توطدت أركان الدولة في ميادين السياسة والحرب، وشرعت في تنظيم حقول العلم والدرس، ~~وترتيب أسس الحضارة، ونشر ألوية العلم والعرفان والصناعة والفنون، مستفيدين من حضارات ~~الشعوب المفتوحة، مختارين منها ما يلائم دينهم وذوقهم وعرفهم، مضيفين ذلك إلى تراثهم ~~التربوي والتهذيبي الذي ورثوه عن آبائهم ومربيهم وسادتهم وقادتهم قبل الإسلام وبعده؛ ~~فتكون من ذلك كله مزاج عربي مستقيم الخطوط، واضح القسمات، عليه الطابع العربي ~~الإسلامي، والنزعة القومية العربية، وهكذا مهد عهد الراشدين والأمويين للعباسين في ~~الدور الرابع. # الدور الرابع # جاء هذا الدور مع العصر العباسي؛ ذلك العصر الذي تغلغلت النفس العربية فيه إلى ~~الثقافات القديمة والحضارات العتيقة القويمة التي حل العرب في ديار أهلها، فانتقوا ~~منها ما أرادوا ومزجوا به علمهم وأدبهم وحضارتهم؛ فأنتج «الحضارة العباسية» الزاهرة. ~~وقد لعبت دولة العباسيين والدول المتعددة التي تولدت عنها - أو عاشت في كنفها في ~~المشرق والمغرب الإسلاميين - دورا خطيرا في تاريخ الحضارة العالمية؛ فقد وجد ~~العباسيون، ومن اعتمدوا عليهم من كبار رجالات دولتهم، أن الدولة الإسلامية كانت قد ~~توطدت أقدامها سياسيا وعسكريا في العصر الراشدي والأموي، فيجب أن تتوطد ثقافيا ~~وعلميا وحضاريا في هذا العصر؛ فانصرفوا إلى ذلك وإلى تهيئة أسبابه. وها ms015 هنا لا بد ~~لنا من إشارة إلى فكرة خاطئة يزعمها بعض المؤرخين، وهي أن الدولة العباسية دولة فارسية ~~النجار، أعجمية المحتد، مجوسية التقاليد، عربية المظهر، وأنها كانت بعيدة عن روح ~~التربية العربية، قصية عن التقاليد الراشدية والأموية. بل ذهب بعض العلماء ~~كالمسعودي والجاحظ - غفر الله لهما - إلى أن دولة بني العباس كانت دولة أعجمية ... فهذا ~~قول خاطئ؛ لأن الواقع يخالفه والحوادث التاريخية تناقضه؛ فإن الخلفاء العباسيين وإن ~~تأثروا ببعض المظاهر الدولية الفارسية - وقد تأثر الأمويون قبلهم ببعض المظاهر الدولية ~~الرومية بل والعباسية - فإنهم لم يجتازوا حدود القومية العربية، ولم يتخطوا أساليب ~~التربية الإسلامية، بل كانوا جد متعصبين لها. ولقد وقف السفاح والمنصور والمهدي والهادي ~~والرشيد والأمين وقفات مضريات أمام التيار القومي الأعجمي، حتى قضوا عليه. # ثم إن نواحي التربية والتعليم في هذا الدور ظلت هي هي كما كانت في الدور السابق ولم ~~يصبها أي تغيير، اللهم إلا ما تقضي به سنة النشوء والارتقاء من الإفادة من العلوم ~~الجديدة والدروس المفيدة، التي نشطت في البيئة العباسية نشاطا عجيبا بفضل الخلفاء ~~والأمراء العباسيين. ولقد ساهم العرب والأعاجم على السواء في هذا النشاط؛ فقد كان لهذه ~~المساهمة المشتركة أثر حميد أفاد منه العلم، وتطورت به التربية العربية تطورات محسوسة. ~~كما كان لهذا الأمر أثر آخر مفيد في تماسك أجزاء الأمة العربية الإسلامية روحيا بعد ~~انقسامها سياسيا حين ضعفت الدولة العباسية في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن ~~الرابع، فأخذت بعض الأقاليم تنفصل عن الدولة الأم، ولكن هذا الانفصال لم يكن إلا ~~انفصالا سياسيا، فإن كل هذه الدول التي انسلخت عن الجسم العباسي من سامانية وصفارية ~~وحمدانية وطولونية وبويهية وسلجوقية ... كانت كلها ذات طابع واحد هو الطابع ~~العربي-الإسلامي، وكانت الحياة العقلية والمذاهب التربوية في كل هاتيك الدول واحدة ~~متسقة تمام الاتساق، وكان العالم أو المربي العربي في أية بقعة من بقاع العالم العربي ~~يجوب الديار فيحاضر ويدرس ويناقش ويناظر، وهو بين قوم يفهمونه ويفهمهم تمام الفهم، ولا ~~فرق أصلا بين الكاشغري والطنجي والبغدادي والقرطجي والمعري ms016 والقيرواني والمصري ~~والطاشقندي والحلبي والبخاري ... فالكل يدورون في فلك واحد ويسيرون إلى هدف واحد، ويدرسون ~~برنامجا تعليميا واحدا، ويتربون تربية علمية مشتركة لها طابع خاص وقواعد متسقة، ~~وربما اختلفت الصور والأشكال والهيئات والأساليب، أما حقائق الأمور وطبائع الأشياء ~~فثابتة متحدة. وقد استمر هذا النشاط العلمي ذو المذاهب التربوية الموحدة والأغراض ~~الثقافية المتحدة في دار الإسلام من أقصى المشرق الإسلامي إلى أقصى المغرب الإسلامي، ~~وكان أهله ينتجون إنتاجا علميا مفيدا ذا خطر في كافة نواحي العلم من دين وأدب وطب ~~وكيمياء وفلسفة ورياضيات، وكانوا يكتبون كل ذلك بلغة القرآن وبأدب العرب إلى أواخر ~~القرن السابع للهجرة؛ أي إلى ما بعد القضاء على الدولة العباسية في بغداد. فلما قضي ~~عليها اضمحل أمر العرب وذهبت ريحهم، ولم يبق لهم أثر ذو شأن كبير في العلم والفلسفة ~~والعمران والفن، وخلق من بعد العباسيين خلق أضاعوا مجد العرب، ولم تقم لهم قائمة ذات ~~خطر إلا في عصر النهضة واليقظة العربية. فعليهم إذا ما أرادوا أن تكون نهضتهم اليوم ~~نهضة صحيحة سالمة من كل زيف أن يعمدوا - بعد الاستعداد العسكري - إلى الاستعداد التربوي ~~الصحيح الذي يخلق من الأطفال رجالا ومن البنات نساء ذوات مواهب وكفايات، وأن ينشئوا ~~شبابا وشابات أحرارا متعاونين مؤمنين بالمساواة، مخلصين لأمتهم، عاملين في سبيل ~~قوميتهم، معتمدين على أسس التربية الثلاثة التي قامت بها حضارتهم بالأمس، وهي: التعاون، ~~والحرية، والمساواة. # فالجيل الذي لا يتعاون أهله فيشعرون كأنهم بنيان واحد لا مصلحة للفرد منه إلا ضمن ~~مصلحة الجميع؛ جيل لا خير فيه. والجيل الذي لا يحتقر العبودية للأجنبي ويتعشق الحرية في ~~كافة ضروب الحياة من سياسية واقتصادية واجتماعية؛ هو جيل مهدم للوطن. والجيل الذي لا ~~يؤمن أبناؤه بروح المساواة، وأنه لا فرق بين مواطن ومواطن أصلا، ولا مزية لأحد على ~~أحد إلا بالعلم والمعرفة؛ هو جيل ضار لا خير فيه للوطن. # أما بعد، فإن القومية العربية ليست إلا فكرة طاهرة نقية نبيلة سامية، ترمي إلى ~~التوحيد بين جماعات تربط بينهم روابط الإقليم واللغة والتاريخ ms017 والعادات، وتهدف إلى غرض ~~سام هو تعاون تلك الجماعات على خلق حضارة مفيدة، وأداء رسالة رشيدة، مطبوعة بطابع تلك ~~الجماعات. # والقومية العربية وحضارتها - كما رأينا - لا تهدف إلا إلى هذا الغرض السامي، فكيف ~~يسوغ للبعض من أبنائها مهاجمتها زاعمين أن ثمة فكرة أنبل منها تدعو إلى غرض أسمى ~~من غرضها؟ # | تقديم البروفسور رجيس بلاشير للطبعة الفرنسية من الكتاب # كانت الخلافة العباسية في بغداد في عهدها الأول واقفة نفسها على محاربة الفرق والمذاهب ~~المخالفة لها؛ فلم يتح لهذه الفرق أن تتقوى أو أن تقوم بأي عمل حازم إلى أواخر القرن ~~التاسع للميلاد/الثالث للهجرة، ما خلا فترة قصيرة في عهد المأمون؛ فإن العلويين استطاعوا أن ~~يبرزوا ويكتب لهم بعض النصر. ولكن لما أطل القرن العاشر/القرن الرابع للهجرة برز كثير من ~~هذه الفرق بقوة وخطر، وكان أبرزها وأجلها شأنا فرقة القرامطة التي تمت في أصل نشأتها ~~إلى المذهب العلوي؛ فقد استطاع هؤلاء القرامطة بأهدافهم السياسية والدينية أن يتغلغلوا بين ~~صفوف العامة ويجدوا لهم أنصارا يعتنقون نحلتهم ويتحمسون لمبادئهم، وتمكنت هذه الفرقة ~~بعد أن تركت نطاق الدعوة والقول إلى حيز النشاط والعمل أن تتحدى الخليفة العباسي في قلب ~~عاصمته، خلال فترة لا تقل عن ثلاثين سنة. # ولقد برز خطر هذه الفرق والمذاهب بمظهر أجلى حين اعتنق مبادئها نفر من رجال الإدارة ~~والسياسة وذوي السلطان الذين أخذوا يناوئون الخلافة العباسية، كما أبان ذلك مفصلا ~~البروفسور لويس ماسينيون في المقالات المتعددة التي نشرها حول هذا الموضوع. # ولقد نبغت في القرن العاشر للميلاد/الرابع للهجرة أسرة من الوزراء وهم بنو الفرات، وأسرة ~~من الكتاب وهم بنو نوبخت؛ فكان لهاتين الأسرتين الشيعيتين المتحمستين أثر كبير في إقصاء ~~العناصر غير الشيعية عن إدارة البلاد، حتى إن الخلافة نفسها - منذ عهد المتوكل حتى أواخر ~~عهد المقتدر - لم تستطع على الرغم من الجهد الذي بذلته، وفي محاولات شتى، أن تحمي نفسها ~~من تدخل هؤلاء. على أن الإدارة المركزية التي قاومت هؤلاء بالعنف تارة وباللطف أخرى لم ~~تستطع أن تقضي على هذه الحركات، ms018 وعلى رأسها حركة القرامطة الذين كانوا يلبسون حركتهم ~~السياسية ثوبا روحيا حتى عظم أمرهم. واضطر الخليفة أول الأمر بما حاكوه حوله من دسائس ~~وما أثاروا عليه من حروب أن يخلع نفسه في أواسط القرن العاشر للميلاد/الرابع للهجرة؛ وهكذا ~~كتب لحركة هؤلاء القوم أن تنتصر وتفوز في المعركة، واستطاع القرامطة أن يؤسسوا لهم إمارة ~~مستقلة في بلاد البحرين. كما استطاع المهدي عبيد الله الفاطمي أن يوطد أركان حركته في ~~المغرب، التي استطاعت فيما بعد الاستيلاء على مصر؛ حيث أسس أحفاده الخلافة الفاطمية. وكذلك ~~فعل الحمدانيون في سورية إذ استقلوا بها وجعلوها قاعدة علوية. كما استقل البويهيون في ~~العراق وفارس وفرضوا عليهما المذهب العلوي. # أما أهل السنة فإنهم لم يستطيعوا الوقوف أمام هذه الحركات إلا بعد قرابة خمس وسبعين ~~سنة؛ فإنهم تنبهوا للخطر وقاموا بحركة معاكسة قوية تجلت بالقضاء على آل بويه في العراق ~~وإيران، وقيام آل سلجوق مقامهم واستيلائهم على بغداد. ولا شك في أن الدور الرئيسي قد قامت ~~به شخصية جليلة هي شخصية الوزير نظام الملك (485ه/1192م)؛ فقد عمل هذا عملا حاسما بمحاربة ~~هذه الحركات، وبخاصة الحركات الباطنية. # إن مكانة هذا الوزير الخطير تتجلى في اعتقاده بأن محاربة هؤلاء القوم لا ينبغي أن تكون ~~في قهرهم عسكريا وسياسيا فحسب، بل وفي قهرهم ثقافيا وإداريا، ولم تكن هذه المعركة ~~الثقافية والإدارية معركة سهلة؛ فقد بذل في سبيلها كل غال وكل جهد حتى استطاع أن يتوصل إلى ~~أغراضه. # رأى نظام الملك أن النشاط العلمي لهؤلاء القوم يجب أن يجابه بنشاط ثقافي مثله، وأن ~~الدعاوة العلوية والباطنية يجب أن تقاوم بدعاوة مثلها؛ ولذلك أخذ يفكر جديا في إنشاء ~~مراكز ثقافة تقف أمام ذلك النشاط. ولا شك في أن هذا كله قد ولد في ذهن نظام الملك ~~السلجوقي ضرورة إيجاد معاهد علمية منظمة تخرج رجالا يستطيعون الوقوف أمام الدعاوات ~~الباطنية، وكانت تلك المعاهد تحمل اسم ذلك الوزير، وفي مقدمتها «المدرسة النظامية» في ~~بغداد. # وإن الأستاذ الدكتور محمد أسعد طلس في أطروحته هذه بقسميها: الأول ms019 عن تاريخ التربية، ~~والثاني عن النظامية # 1 # لم يكشف لنا عن الحقائق المجهولة في هذه القضية فحسب، بل إنه أبان العوامل ~~الفعالة التي دعت إلى تأسيس «المدارس النظامية»، كما بين - بوضوح وجلاء ودقة - المعالم ~~الحقيقية التي تميز هذه المدارس النظامية عن المؤسسات العلمية الأخرى المماثلة لها، ~~وبين الآثار التي كانت لهذه المدارس النظاميات في المدارس الأخرى التي وجدت في العراق ~~بعدئذ. # والحق أن هذه المدارس النظاميات، وبخاصة مدرسة بغداد، بتاريخها العلمي الحافل، قد ~~استطاعت أن تؤدي المهمة الجليلة التي شادها نظام الملك من أجلها، كما أنها أنتجت النتائج ~~التي أرادها لها ذلك الوزير الخطير؛ فاستطاعت أن تقف أمام الدعاوات التي كان يشنها أعداء ~~السنة على أهلها. # والحق أيضا أن نظامية بغداد لم تكن - كما سيرى قارئ رسالة الدكتور طلس - مركزا علميا ~~أو معهد أبحاث وحسب، بل كانت مؤسسة ثقافية واسعة ذات طابع جامعي بحت، وكانت خلال الدهور ~~الطويلة المتعاقبة التي عاشتها مقرا لنفر من كبار العلماء والحكماء والمشاهير، كما أنها ~~خرجت جمهرة من مشاهير الطلاب الذين أفادوا من درسها ولمع اسمهم في العالم الإسلامي ~~بأسره. # وإنه لمما هو جدير بالشكر والفخر، ذلك الجهد الجبار، والصبر الطويل المثمر، اللذان ~~يتجليان في هذه الدراسة التي يقدمها لنا الدكتور طلس؛ فقد بذل أجل الجهد في التنقيب عن ~~تاريخ التربية الإسلامية، كما بحث بدقة عن المدرسة النظامية وآثار أساتذتها وطلابها في كافة ~~أنحاء العالم الإسلامي في القرون الوسطى. وسيرى قارئ «تاريخ المدرسة النظامية» أن تلك ~~القائمة الطويلة التي تنتظم أسماء الأساتذة وأحوالهم هي قائمة حافلة بأخبار نفر كبير من ~~العلماء الفحول في شتى نواحي العلم الثقافية، كما أنهم كانوا من مواطن متعددة، وبلاد ~~نائية متباعدة، كما يلاحظ القارئ أن تلك القائمة الحافلة قد خرجت بالبحث عن الحدود التي ~~ينتظمها عنوان الرسالة، ولكنها الضرورة العلمية التي حتمت على الدكتور طلس سلوك هذه الطريق؛ ~~لأنه أراد أن يوضح الدور العلمي الخطير الذي قام به هؤلاء الأساتذة والطلاب الفضلاء. # فجاء عمله هذا جليلا ومفيدا لأنه اختص بدراسة ms020 ناحية من نواحي العلم والثقافة والنشاط ~~الفكري العالمي في بقعة واسعة من بقاع الدنيا؛ فكشف لنا بعمله هذا عن حقيقة أمرها ومقدار ~~فعاليتها خلال أحقاب طويلة من التاريخ. # | تقديم المؤلف للطبعة الفرنسية # إن الغاية النبيلة التي أقصد إليها في دراستي هذه هي إبانة القدر الرفيع للتربية ~~الإسلامية، ولفضل «المدرسة النظامية» في تثقيف العالم الإسلامي وتربية نشئه تربية ~~صالحة. # ولقد كان للمدرسة النظامية آثار جليلة، وبخاصة حين وقفت أمام الأخطار الهدامة التي ~~كانت تعتور الإسلام من جراء قيام حركات الباطنيين والغلاة من أهل الفرق الإسلامية. # والحق أن الوزير الجليل والمربي المصلح نظام الملك - مؤسس المدرسة النظامية في بغداد، ~~والمدارس الأخرى المتعددة التي شادها في أرجاء المملكة الإسلامية الخاضعة لنفوذ السلاجقة - ~~كان يهدف إلى غرضين اثنين، هما: القضاء على الفرق المناوئة لأهل السنة والجماعة، وإيجاد ~~طبقة من العلماء والإداريين السنيين ليشغلوا مناصب الدولة ووظائفها الروحية والعلمية في ~~جميع أرجاء الدولة التي كان هؤلاء الباطنيون والغلاة قد احتلوها فترة طويلة، ونشروا فيها ~~الدعاوات الطويلة العريضة لمذهبهم ومبادئهم. وقد توصل - رحمه الله - إلى هذين الهدفين وأحيا ~~المذهب السني، كما يتجلى ذلك لمن يقرأ رسالتنا عنه وعن المدرسة النظامية وآثارها في تاريخ ~~التعليم عند العرب. # وقد كنت قمت بهذه الدراسة كلها في كلية الآداب بجامعة الصوربون في باريس بإشراف الأستاذ ~~المستشرق ريجيس بلاشير، وكنت أكون سعيدا جدا لو أنني استطعت إتمام العمل العلمي في جامعة ~~الصوربون، ولكن الحوادث التي وقعت في فرنسة بعد إعلان الحرب العالمية الثانية، واضطرار ~~الجامعة وكلياتها إلى غلق أبوابها في تلك الآونة؛ اضطرتني إلى طلب الانتقال إلى جامعة أخرى ~~بعيدة عن تلك العوامل، فلم أجد إلا جامعة بوردو التي تقبلت العمل مشكورة، وتبنت الرسالة ~~لنيل شهادة الدكتوراه. # ولا يسعني ها هنا إلا أن أشكر الأساتذة المستشرقين الذين أعانوني على العمل وقدموا ~~إلي مساعداتهم وآراءهم الصائبة، وبخاصة الأستاذ البحاثة لويس ماسينيون الأستاذ في كلية ~~فرنسة، والأستاذ العلامة المونسنيور فغالي الأستاذ في جامعة بوردو، والأستاذ المستشرق ~~ريجيس بلاشير الأستاذ في جامعة الصوربون بباريس، ms021 الذي كان له فضل الإشراف على العمل ~~والتوجيه المفيد، والأستاذ العلامة جان سوفاجيه الأستاذ في معهد الدراسات العليا بباريس ~~سابقا. # فقد كان لهؤلاء الأساتذة جميعا يد مشكورة وجهد واضح في معونتي على العمل؛ فالله أسأل ~~أن يجزيهم عن العلم بقدر إخلاصهم له، وبخاصة الأستاذ المونسنيور فغالي، المواطن اللبناني ~~الجليل، وأستاذ الآداب والحضارة العربية سابقا في جامعة بوردو؛ فقد قبل أن يتبنى العمل ~~الذي قمت به تحت إشراف الأستاذ بلاشير في الصوربون، وأن يقدمه مشكورا إلى جامعة بوردو، ~~فوافقت على قبوله، وحددت يوما لمناقشة الرسالة مناقشة علنية. # وقد كتب الأستاذ المونسنيور فغالي تقريرا مفصلا عن قيمة هذه الرسالة، وعن جهد صاحبها ~~ومكانته العلمية في العالم العربي ومحيط المستشرقين خلال وجوده في ديار الغرب، ولولا أني ~~أرى في نشره تقريظا ومدحا لنفسي - وأنا من أبعد الناس عن حب التقريظ - لنشرت جزءا من ذلك ~~التقرير، ولكن نفسي تعاف هذه الأمور. # وما التوفيق إلا من عند الله القدير، إنه أفضل معين وأقوى نصير. # باريس 3 أيلول 1939 # م. أ. ط. # | الفصل الأول # في التعليم عند المسلمين قبل تأسيس المدرسة النظامية ببغداد ~~(1) في الثقافة العامة والتربية عند العرب قبل الإسلام # قامت للعرب قبل ظهور الإسلام ثلاث حضارات عريقة، اتصفت كل واحدة منها بالرقي العمراني ~~والعقلي، وكانت كل واحدة منها تكمل سابقتها. وأول تلك الحضارات حضارة عرب اليمن في ~~الجنوب، وثانيها حضارة عرب الشمال في تدمر والجزيرة والشام، وثالث تلك الحضارات حضارة ~~عرب الحجاز ونجد التي يبدأ عهدها من أواسط المائة الثالثة بعد الميلاد إلى ظهور ~~الإسلام في المائة السابعة للميلاد. # ولقد كتبت عن الحضارتين الأوليين كتب كثيرة، وقامت بعض البحوث العلمية المتعلقة ~~بحضارتي الشمال والجنوب العربيين، وإن تلك الكتب والبحوث على الرغم من قلتها أبانت ~~طرفا لا بأس به من التقدم العلمي والعمراني والسياسي الذي بلغه أسلافنا في تلك ~~الديار، ولكن حضارة وسط الجزيرة العربية لا نعرف عنها إلا معلومات ضحلة لأسباب ~~كثيرة. # منها: أنه لم يصلنا أي أثر مكتوب موثوق عن تلك العصور وعن ms022 مدارك أهلها في النواحي ~~العقلية والعلمية إلا الشعر وبعض الأقوال والحكم المنثورة التي لا تغني كثيرا في هذا ~~الباب. # ومنها: أن كل من كتبوا في هذا الموضوع من المسلمين أو أكثرهم قد صوروا تلك العصور ~~صورة قتيمة مغرقة في الجهالة والحمق ليبينوا فضل الإسلام وقوة أثر الحركة ~~المحمدية. # ومنها: أن دراسات علمية صحيحة تعتمد على دراسة الآثار وبحوث طبقات الأرض وعلم الأجناس ~~فيما يتعلق بعرب وسط الجزيرة لم تجر حتى الآن، ولم يقم بها أحد من علماء الاستشراق ~~فضلا عن الشرقيين والعرب أنفسهم. # ومنها: أن طول العهد بيننا وبينهم، وامتزاج تاريخنا العربي بكثير من الأساطير ~~والخرافات، وعدم قيام دراسات تاريخية علمية صحيحة تعتمد على أصول النقد، لمما يجعل ~~التعرف إلى حقيقة تاريخ تلك الحقب أمرا عسيرا. # ومنها: أن كتابات من كتب في هذا الموضوع من المستشرقين والمبشرين وبعض شعوبيي ~~الكتاب الشرقيين والمسلمين والعرب كتابات لم تخل من الغرض أو الجهل. # 1 # ولهذا كله عزمت في دراستي هذه أن لا أعتمد إلا على نصوص ثابتة لا يمكن أن ~~يتطرق إليها الشك ولا يمكن أن يطعن في صحتها، لثبوت وصولها إلينا بطرق موثوقة، أو على ~~أخبار تناقلها الرواة المأمونون الذين تعضد أقوالهم الشواهد التاريخية الموثوقة ~~والبحوث العلمية الحديثة. # وإن أول تلك النصوص وأوثقها بلا ريب هو «القرآن»؛ فإنه خير ما يمكن الاعتماد عليه في ~~تبين الحياة العقلية والحضارة العربية قبل البعثة النبوية. ويليه في المرتبة بعض ~~القصائد الشعرية المروية عن شعراء ما قبل الإسلام أو عن شعراء الإسلام؛ فإنهم قوم ~~نشئوا قبل الإسلام، وتربوا في البيئة العربية التي سبقت الإسلام؛ فهم من نتاج تلك ~~البيئة، وأقوالهم تمثلها تمام التمثيل على الرغم من تأثرهم بالإسلام. # وسأتناول في بحثي هذا ما يتعلق بالحياة العقلية وما إليها، وأصرف النظر عن الخوض في ~~شأن الحضارة العربية قبل الإسلام؛ فإن لهذا مجالا آخر. وسيرى القارئ فيما نورد من ~~الأدلة أن أكثر الكتاب الذين كتبوا عن تلك العصور، والتي أرادوا أن يسموا أهلها ~~بسمة «الجهل» ويطبعوها بطابع «الجاهلية»؛ ms023 لم يكونوا منصفين في أحكامهم، وأن فيما ~~قرروه عنهم جناية على الحقيقة والتاريخ. وإنه لمن السخف أن يسمي ذلك العصر ب ~~«الجاهلية»؛ لأنه بعيد كل البعد عن الجهل، وأن ما ورد في القرآن من ذكر الجاهلية لم ~~يكن مقصودا به إلا الدين وما إليه. # يذهب بعض الباحثين من المستشرقين مثل الفيلسوف المستشرق كارا دي فو في كتابه «مفكرو الإسلام» # 2 # والبروفسور غولد زيهر في كتابه «العقيدة والشريعة في الإسلام» # 3 # والبرنس كايتاني في كتابه الضخم «تاريخ سني الإسلام» # 4 # إلى أن نمو الإسلام وتكوينه كان متأثرا تأثرا عميقا بالأفكار والآراء ~~الهيلينية، وأن نظامه التشريعي متأثر بالفقه التشريعي الروماني، وأن تصوفه وفلسفته ~~ليسا إلا تمثلا لتيارات الأفكار الهندية والأفلاطونية الحديثة، وأن الإسلام قد صهر ~~ذلك كله وأخرج للناس مجموعة أفكار نشرها فيهم على أنها دين جديد ... ويغالي غولد زيهر ~~فيقول: «إن تبشير النبي العربي ليس إلا مزيجا منتخبا من معارف وآراء دينية عرفها ~~أو استقاها بسبب اتصاله بالعناصر اليهودية أو المسيحية التي تأثر بها تأثرا عميقا، ~~والتي رآها جديرة بأن توقظ عاطفة دينية حقيقية عند بني وطنه ... لقد تأثر بهذه الأفكار ~~تأثرا وصل إلى أعماق نفسه وأدرك بإيحاء قوته التأثيرات الخارجية، فصارت عقيدة انطوى ~~عليها قلبه، كما صار يعتبر هذه التعاليم وحيا إلهيا، فأصبح - بإخلاص - على يقين بأنه ~~أداة لهذا الوحي ...» # 5 # ويقول البارون كارا دي فو: «إن المسلمين يرون أن التشريع الإسلامي - أي الفقه ~~ومباحثه - ذو علاقة قوية بالدين، بل هم يذهبون إلى أنه جزء منه وأن الفقه كله مأخوذ من ~~الوحي - أي من القرآن - كسائر أجزاء الدين. ولما كان في القرآن شيء من الإيجاز فقد ~~عمدوا إلى توضيحه بالآثار؛ أي بسنن النبي والصحابة والتابعين. هذه هي النظرية ~~الإسلامية؛ وبناء عليها ذكر الفقه في الكتب الإسلامية على أنه وليد القرآن والآثار ~~الإسلامية، من غير إشارة إلى أصول أجنبية قط. # وهذه النظرية لا تثبت عند النقد، وإذا قرأ إنسان بعض آيات الأحكام ثم قرأ صفحتين من ~~إحدى مبسوطات الفقه، رأى الفرق ms024 الواضح بين الاثنين؛ فذلك نص ساذج عليه مسحة البداوة، ~~وهذا تحليل منطقي علمي دقيق على آثار الثقافة، ذاك شبه مسودة جافة بالية قائمة في ~~الصحراء، وهذا بحث ممحص مصقول متسق مع التطور المدني. هاتان هما حالتا الإسلام ~~اللتان ينبغي شرحهما، فمن أين جاءت قوانين القرآن، ومن أين جاءت قوانين الفقهاء؟! ولست ~~أريد أن أنكر - بادئ الرأي - طرافة القرآن، ولكني لا أرى مساغا من الإشارة إلى أن تلك ~~القوانين الفقهية متأثرة تأثرا عميقا بالتلمود والقوانين المسيحية، وقد تكون هناك بعض ~~بقايا العادات العربية القديمة التي وجدت لها منفذا في بعض الأحوال.» # 6 # فأنت ترى من هذه الأحوال أن الفقه وما إليه ليس للعقلية العربية فيه من أثر ~~إلا بعض بقايا العادات القديمة العربية، أما ما فيه من منطق وبحث وتشريع فهو إما مأخوذ ~~من تلمود اليهود أو قوانين النصارى. وليس البارون كارا دي فو وغولد زيهر وحدهما ~~اللذين يقولان هذا القول الظالم؛ فإن كثيرا من المستشرقين قد قالوا مثله، كالبروفسور ~~ديمومين في كتابه عن النظم الإسلامية، والسنيور سانتلانا في مشروعه للقانون المدني ~~التونسي الذي وضعه سنة 1899، والبروفسور فون كرامر في كتابه «المباحث الإسلامية»؛ فإنهم ~~كلهم ذهبوا هذا المذهب ووصفوا العقلية العربية بالقحط والنضوب، لا قبل الإسلام فقط بل ~~بعده كما ترى. وواضح من هذا أن روح التعصب قد أملت هذه الأقوال لأن صلات النبي # صلى الله عليه وسلم # والمشرعين الإسلاميين بعده باليهود والنصارى لم تكن صلات قوية بحيث يتدارسون هذه ~~الأمور مع اليهود والنصارى، ويفيدون منهم الفوائد العقلية التي تجلى أمرها في القرآن ~~والحديث من سنة وآثار. ثم إن اليهود في الجزيرة العربية ونصاراها كانو يهودا ونصارى ~~مستعربين أو بداة يعيشون معيشة العرب ويفكرون مثل تفكيرهم، ولم يكونوا قط أرقى منهم في ~~مستوى الفكر، ولا أفضل منهم درجة في العلم. ونحن إذا قرأنا الشعر اليهودي العربي الذي ~~خلفه لنا يهود الجزيرة قبل الإسلام أو في صدر الإسلام، نرى أنه شقيق الشعر العربي في ~~أفكاره وألفاظه ومعانيه؛ وفي هذا دليل على أن ms025 القوم من عرب ويهود - بل ونصارى - يعيشون ~~على صعيد فكري واحد، وأن تمسك اليهود والنصارى بدينهم لم يكن تمسكا متينا، ولا كانت ~~معرفتهم بالنصرانية واليهودية إلا معرفة ضحلة، وإلا ظهر ذلك في أقوالهم ~~وأشعارهم. # وبعد فإن مذهب المستشرقين في تبيين العقلية العربية قبل الإسلام وبعده مذهب خاطئ ~~مغرض، ولم يفكر واحد منهم - على كثرتهم - بدراسة أوضاع العرب قبل الإسلام والفحص عن ~~حالتهم العقلية ومستواهم الفكري، وإنه لمن المعقول جدا أن يتأثر النبي وكبار الصحابة ~~وفقهاء عصره والتابعين من بعده بالبيئات الأجنبية القريبة منهم؛ ولهذا نرى أن من واجب ~~الباحثين أن ينصرفوا إلى دراسة عصر ما قبل الإسلام ليثبتوا حقيقة ما كان عليه القوم ~~والدرجة العلمية والثقافية التي كانوا عليها. # إن أركان الدين المحمدي هي خمسة: التوحيد، والصلاة، والصوم، والزكاة، والحج. # فلنبحث عما كان عند القوم قبل ظهور الإسلام من هذه الأمور حتى نتبين الأثر الجديد ~~الطريف الذي جاء به الرسول من التالد الذي أحياه مما كان عليه حنفاء العرب قبل الإسلام؛ ~~فإن في الكشف عن ذلك تبين حقيقة عقلية القوم ومستواهم الفكرى والثقافي، وليس في هذا ~~القول غض من قدر الإسلام ولا انتقاص من رسالة محمد - عليه السلام - فإن الله يقول: # وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل ~~بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ~~، # 7 # وما جاء محمد بغير الحقيقة التي كان جاء بها رسل الله من قبل إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم. # أما التوحيد فقد عرفه عرب الجاهلية لا خاصتهم فحسب، مثال خالد بن سنان الحكيم ~~المتأله (40ق.ه) # 8 # وأكثم بن صيفي الواعظ الرشيد (9ه) وغيرهما، بل عامتهم. وليس هذا القول ~~بالقول العجيب؛ فإن الحقيقة التي جاء بها إبراهيم وابنه إسماعيل - عليهما السلام - ~~والتي تقول بتوحيد الله وتصفه بالكمال والجلال والقدرة والعلم وغير ذلك من صفات ~~التنزيه؛ كانت معروفة - بل وشائعة - بينهم، وإن الأصنام والأوثان والآلهة المتعددة ما ~~اخترعتها عقول العرب إلا للتقرب بهم إلى الله العلي القدير، ms026 قال تعالى: # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن خلقهن العزيز العليم ~~، # 9 # وقال أيضا: # ولئن سألتهم من خلقهم ~~ليقولن الله فأنى يؤفكون ~~، # 10 # وقال: # ويعبدون من دون الله ما لا ~~يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند ~~الله ~~، # 11 # وقال: # هو الذي يسيركم في البر ~~والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح ~~طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من ~~كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين ~~له الدين ~~، # 12 # وقال: # ولئن سألتهم من خلق السماوات ~~والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى ~~يؤفكون ~~، # 13 # وقال: # الله يبسط الرزق لمن يشاء من ~~عباده ويقدر له إن الله بكل شيء عليم * ~~ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض ~~من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل ~~أكثرهم لا يعقلون ~~، # 14 # فهذه الآيات وغيرها تدل على أنهم كانوا مؤمنين بالله القوي العزيز العليم ~~الخالد الضار النافع الرزاق، وأن هذه الأصنام والتماثيل وسائط وشفعاء إليه. # وأما الصلاة، فما هي إلا أدعية وحركات تعبدية مع التوجه إلى الكعبة. وقد كانت للعرب ~~قبل الإسلام صلاة ذات طقوس وحركات وأدعية كما تدل عليها آية: # وما ~~كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا ~~العذاب بما كنتم تكفرون ~~، # 15 # قال القاضي البيضاوي في تفسير هذه الآية: «المكاء الصفير، والتصدية ~~التصفيق. روي أنهم كانوا يطوفون عراة الرجال والنساء مشبكين بين أصابعهم يصفرون بها ويصفقون.» # 16 # وكلمة «الصلاة» في هذه الآية تعني أن العرب كانت لهم في جاهليتهم صلاة ذات ~~طقوس معينة كما يفهم من كلام القاضي البيضاوي؛ وبهذا يتبين خطأ ما يقرره الفقهاء من ~~أن كلمة صلاة بمدلولها الديني المعروف إنما هي من الكلمات الإسلامية التي استحدثها ~~الدين الجديد؛ فليس صحيحا ما يقرره الفقهاء واللغويون من أن هذه الكلمة كانت تعني في ~~الجاهلية الدعاء فحسب، وأنها خصصت في الإسلام فقط بهذا النوع المخصوص من العبادة. ثم ~~إن ذكر المكاء والتصدية يفهم منه أنه كانت لهم حركات وأنغام وإشارات ms027 في صلواتهم، وليس ~~هذا غريبا؛ فقد أمر الله سبحانه إبراهيم وإسماعيل أن يطهرا بيته للطائفين والعاكفين ~~والركع السجود؛ فلعل بعض هذه الطقوس «الصلوية» قد بقي عند العرب مما قبل الإسلام، ~~بل نكاد نجزم بذلك لما روي أن زيد بن عمرو بن نفيل - أحد العباد الحنفاء الموحدين ~~قبل الإسلام - كان يقوم ببعض الحركات التعبدية أمام الكعبة، وأنه كان يسجد ~~أمامها. # وأما الصوم، فهو الإمساك عن الطعام أو الشراب أو الحديث أو غير ذلك، # 17 # وقد كان العرب في جاهليتهم يصومون في العاشر من المحرم، وروى الخارق عن ~~عائشة بنت أبي بكر أم المؤمنين أنها روت في حديث لها أن قريشا كانت تصوم في الجاهلية ~~يوم عاشوراء؛ أي اليوم العاشر من المحرم، وأنه كان يوم ستر الكعبة، وأن النبي # صلى الله عليه وسلم # كان يصومه قبل بعثته، ويروي السيوطي في كتاب الوسائل عن الخطيب البغدادي أن أول من صام ~~آدم - عليه السلام - ثلاثة أيام في كل شهر، وعن أبي حاتم الضحاك أن الصوم الأول صامه ~~نوح فمن دونه حتى صامه النبي محمد # صلى الله عليه وسلم # وأصحابه، وكان صومهم في كل شهر ثلاثة أيام ~~إلى العشاء، وهكذا صامه النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. # 18 # وأما الزكاة، فهي صدقة تعطى لبيت المال كما تعطى للفقراء بشرائط معينة. وقد كان ~~للعرب قبل الإسلام أنواع من الصدقات يعطونها للفقراء أو الحكام. قال المجد الفيروزآبادي ~~في القاموس: ««مكس» في البيع إذا جبى مالا، والمكس الظلم ودراهم كانت تؤخذ من بائعي ~~السلع في الأسواق في الجاهلية، أو دراهم كان يأخذها بعد فراغه من الصدقة.» وقال ابن ~~الأثير في النهاية في شرح قوله # صلى الله عليه وسلم ~~«إذا لقيتم عاشرا فاقتلوه»: أي إن وجدتم من ~~يأخذ العشر على ما كان يأخذه أهل الجاهلية مقيما على دينه، # 19 # وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن زيد قال: سمعت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: «يا ~~معشر العرب، احمدوا الله الذي وضع عنكم العشور.» وقال الرسول # صلى الله عليه ms028 وسلم ~~: «ليس على المسلم ~~عشور، إنما على اليهود والنصارى.» ففي هذه النصوص والأحاديث ما يدل على أن العرب قبل ~~الإسلام كانوا يزكون أموالهم، ويدفعون جزءا من أموالهم للحكام. # وأما الحج، فكانوا يقومون به، وهو مما ورثوه من ديانة إبراهيم - عليه السلام - فقد ~~كان العرب يعظمون الكعبة - ولو كانوا نصارى أو متهودين أو متمجسين - فكانوا يحجون ~~ويعتمرون ويحرمون ويطوفون ويمسحون الحجر الأسود ويسعون بين الصفا والمروة ويلبون ~~ويقفون المواقف كلها ويهدون الهدي ويرمون الجمرات وغير ذلك من مشاعر الحج # 20 # التي تبناها الإسلام واستبقاها من طقوسه. # فإذا كانت هذه هي حال أركان الإسلام الخمسة، تبين لنا سخف نظرية هؤلاء المستشرقين ~~الذين يريدون أن ينسبوا كل شيء جاء به الرسول العربي إلى تقاليد اليهود والنصارى ~~ومحاكاة الأمم الأخرى ناسين أو متناسين أنه # صلى الله عليه وسلم # نشأ في بيئة لها ثقافتها، وتربى في ~~إقليم له حضارته، فيجب أن يظهر أثر ذلك في تعاليمه، كما يجب أن يتجلى طابع بيئته في ~~طقوس دينه، وليس في هذا ما يضير الدين السماوي، ولا ما يضع من قدر النبي، أو يغض من ~~سمو رسالته؛ فإن لله نواميس لا يخالفها. # بعد هذه المقدمة التي بينت لنا أن العرب لم يكونوا في جاهلية دينية عمياء، وأن من ~~وصموهم بها كانوا مخطئين، ننتقل إلى بيان الحالة العقلية للعرب قبل الإسلام فنقول: إن ~~أبرز ما تتجلى به العقلية العربية هو: نظرات أهلها العميقة في الألوهية، وتفوقهم ~~اللغوي، ورقي مستواهم الأدبي، وسعة نظراتهم في بعض نواحي العلم، ونشوء الكتابة بينهم ~~على ما بيناه آنفا. ~~(2) نبذة مما ورد في الإسلام عن فضل العلم والتعلم # وردت في القرآن وفي كتب السنة نصوص كثيرة تحض على التعلم، وتبين فضل العلم ~~وتهدي إلى طرق تربية المتعلمين وتأديبهم، كقوله سبحانه وتعالى: # قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ~~، # 21 # وقوله: # إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء ~~، # 22 # وقوله: # فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا ~~تعلمون ~~، # 23 # وقوله: # يرفع الله الذين آمنوا منكم ~~والذين أوتوا العلم ms029 درجات ~~، # 24 # وقوله: # بل هو آيات بينات في صدور ~~الذين أوتوا العلم ~~، # 25 # إلى غير ذلك من الآيات الكريمة. وليس العلم والذكر في هذه الآيات هو علم ~~الدين وحسب، بل هو كل علم نافع يرفع من قدر الإنسان وينمي عقله ويجعله أكثر خبرة ~~بالحياة واطلاعا على أحوالها. # وفي كتب السنة أحاديث عديدة رويت عن المعلم الأعظم؛ ففي صحيح البخاري في كتاب العلم: ~~«من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين.» وفيه أيضا: «من سلك طريقا يطلب فيه ~~علما سلك به طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم لرضى الله ~~عنه، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في جوف الماء.» ~~وقال # صلى الله عليه وسلم # لعلي - رضي الله عنه: «... فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من ~~حمر النعم.» وقوله لمعاذ لما بعثه لتعليم أهل اليمن: «لأن يهدي بك الله رجلا واحدا ~~خير لك من الدنيا وما فيها.» وقال: «طلب العلم فريضة على كل مسلم.» وفي رواية أخرى ~~«ومسلمة.» وقال: «مجلس فقه خير من عبادة ستين سنة.» وقال: «من غدا إلى المسجد لا يريد ~~إلا ليتعلم خيرا أو ليعلمه كان له كأجر معتمر تام العمرة، ومن راح إلى المسجد لا ~~يريد إلا ليتعلم خيرا فله أجر حاج تام الحجة.» # 26 # وقال: «تعلموا العلم وعلموه الناس، وتعلموا الوقار والسكينة، وتواضعوا ~~لمن تعلمتم منه العلم، وتواضعوا لمن علمتموه العلم، ولا تكونوا جبابرة العلماء.» # 27 # وعن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - أنه # صلى الله عليه وسلم # قال: «ليس من أخلاق المؤمن ~~الملق إلا في طلب العلم.» # كما وردت أحاديث كثيرة وآثار جليلة عن عناية الخلفاء الراشدين وكبار الصحابة ~~والتابعين بالعلم والتعليم؛ فمن ذلك قول الإمام علي - عليه السلام - لكميل بن زياد: «يا ~~كميل، العلم خير لك من المال؛ العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والعلم حاكم والمال محكوم ~~عليه، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق.» وقال علي أيضا: «قيمة كل امرئ ~~علمه.» وقال ms030 أبو بكر الصديق - رضي الله عنه: «لأن أعرب آية من القرآن أحب إلي من أن ~~أحفظ آية.» وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه: «من قرأ القرآن فأعربه كان له عند الله ~~أجر الشهيد.» وقال علي أيضا : «يا حملة العلم، اعملوا به فإنما العالم من عمل بما علم ~~ووافق علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، ويخالف علمهم عملهم، ~~وتخالف سريرتهم علانيتهم، يجلسون حلقا فيباهر بعضهم بعضا، حتى إن الرجل ليغضب على ~~جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله.» # 28 # وقال أيضا في تفسير قوله تعالى: # قوا أنفسكم ~~وأهليكم نارا # قال: علموهم أدبوهم، # 29 # وقد أثر عن السلف الصالح كثير من الأقوال النبيلة التي تحض على الدرس ~~وتوجب العلم على كل مسلم ومسلمة؛ فمن ذلك قول أبي الأسود الدؤلي: «ليس شيء أعز من ~~العلم، الملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك.» وقال الإمام الشافعي: «ليس ~~العلم ما حفظ، العلم ما نفع.» وكتب الإمام مالك للرشيد: «إذا علمت علماء فلير عليك ~~أثره وسكينته وسمته ووقاره وحلمه.» # فهذه الأقوال وكثيرة غيرها في كتب السنة من صحاح ومسانيد وفي كتب الأدب والتاريخ # 30 # الموثوقة لتؤكد لنا أن الإسلام قد حض على تعلم العلم على اختلاف ضروبه من ~~دين وعربية وأدب كما سترى بعد. ~~(3) لمحة من تاريخ التعليم في القرون الإسلامية الخمسة # إن صح ما نقلناه عن الرسول والخلفاء الراشدين من أحاديث الحض على العلم، وما سننقله ~~في الفصول الآتية من أخبار الكتاتيب ودور العلم والتدريس في عهد رسول الله والخلفاء ~~الراشدين، فإن التعليم بدأ بقوة عند المسلمين منذ فجر الإسلام؛ فقد أثبتت هذه النصوص أن ~~الرسول وخلفاءه الراشدين اهتموا بالتعليم ونشر مبادئ الكتابة وقواعد الدراسة على ما ~~سنفصله بعد. # ولما استولى بنو أمية على الخلافة زادت عناية المسلمين بالتعليم وابتدأ الناس بدراسة ~~القرآن والحديث والفقه والأدب وعلوم الأوائل، # 31 # وقد انتقص بعض العلماء من نصيب بني أمية في العناية بالعلم ونشر التعليم، ms031 ~~وأبرز هؤلاء العلماء أستاذنا المرحوم أحمد أمين في كتابه القيم «فجر الإسلام»؛ فقد جزم ~~بأن الأمويين لم يعنوا أصلا بالدراسات العلمية والبحوث الدينية والتاريخية، وإنما ~~كان همهم الشعر وما إليه؛ لأنهم لما بنوا دولتهم على الدكتاتورية اضطروا إلى جذب ~~الشعر إليهم لتمجيد أعمالهم والتغني بأمجادهم، لما كانوا عليه من حب التقاليد ~~الجاهلية، فقد قال بعد أن ذكر أنه قامت في صدر الإسلام ثلاث حركات علمية، هي: الحركة ~~الدينية، والحركة التاريخية، والحركة الأدبية، وأن هذه الحركات الثلاث كانت تتساند؛ ~~فأصحاب المذاهب الدينية اعتمدوا في تعليمهم على الفلسفة والكتاب والسنة، والمؤرخون ~~والقصاصون كانوا يستمدون بعض معلوماتهم من القرآن والحديث، والمفسرون والمحدثون كانوا ~~يستعينون بالشعر والأدب على تفهم القرآن: «والذي يظهر لي أن الأمويين لم يشجعوا من ~~هذه الحركات الثلاث إلا الحركة الأدبية والقصص الرسمي؛ ففتحوا أبوابهم للشعراء ~~والخطباء، وبذلوا الأموال وعينوا القصاص في المساجد ولم يفعلوا شيئا من ذلك ~~للعلماء والفلاسفة. ولعل السبب في ذلك أمران؛ الأول: أن حكم الأمويين بني على الضغط ~~والقهر، فكانت حاجتهم إلى الشعراء والقصاص أشد؛ لأنهم هم الذين يبشرون بهم ويشيدون ~~بذكرهم، ويقومون في ذلك مقام الصحافة ... والثاني: أن نزعة الأمويين نزعة عربية جاهلية ~~لا تتلذذ من فلسفة ولا من بحث ديني عميق، إنما يلذ لها الشعر الجيد، والخطبة البليغة، ~~والحكمة الرائعة. قال المسعودي: كان عبد الملك بن مروان يحب الشعر والفخر والتقريظ ~~والمدح، وكان عماله على مثل مذهبه. وشأن أكثر بني أمية شأن عبد الملك نستثني منهم خالد ~~بن يزيد بن معاوية؛ فقد كانت له نزعة فلسفية كما أسلفنا فوق نزعته الأدبية ... كما نستثني ~~عمر بن عبد العزيز؛ فقد كانت له نزعة دينية وقد شقي به الشعراء ... إذا عدونا هذين - ~~خالدا وعمر - لم نجد كبير أثر للأمويين في تشجيع الحركة الفلسفية والدينية والتاريخية ~~كالذي نجده عند العباسيين مثلا، ومع هذا فقد نشطت هذه الحركات من نفسها ...» # 32 # وقول أستاذنا هذا مردود لأمرين؛ أولهما: أن الاستبدادية التي كان عليها بنو أمية لم ~~تكن لتمنعهم من الانصراف إلى ms032 العلم، فأية علاقة لنشر العلم والحض عليه وتعميمه بين ~~طبقات الناس باستبداد الحكام، فقد كان ممكنا مع استبداد الخلفاء الأمويين وضغطهم على ~~الناس وقهرهم ... وحبهم للشعر وتشجيعهم للشعراء والمادحين أن يهتموا بنشر العلم ويشجعوا ~~العلماء والفقهاء كما شجعوا الشعراء وعطفوا عليهم؛ فإن هؤلاء أيضا يكونون ألسنة لهم ~~في المجالس العامة والخاصة، بل إنهم أكثر صلة بالناس من أولئك، ثم إنه لا مانع من أن ~~ينتشر أحد الأمرين إذا ما انتشر الأمر الثاني. وثانيهما: أن البداوة التي كان يميل ~~إليها بنو أمية والنزعة العربية التي كانوا يتعشقونها لا يمكن أن تحول بينهم وبين حب ~~الفقه والعلم والفلسفة، كما أحبوا الشعر والأدب؛ فقد حفظت لنا المصادر نصوصا كثيرة ~~تدلنا على أن منهم من كان يحب العلم والفلسفة والدين غير من ذكره الأستاذ، كما تدل ~~على حبهم للعلم وتشجيعهم أهله وعطفهم على الفقهاء وأهل الدين بصورة خاصة، # 33 # فهناك أدلة كثيرة تثبت ما ذهبنا إليه، وتنقض رأي الأستاذ؛ فمن ذلك ما يرويه ~~لنا المؤرخون من أن عبد الملك وابنه سليمان وعمر بن عبد العزيز كانوا يرعون الإمام ~~رجاء بن حيوة، ويقدمون إليه كل ما يحتاج إليه في سبيل نشر العلم وتوطيد أركان ~~الثقافة، ومن ذلك أن خلفاء بني أمية أحاطوا الإمام الأوزاعي بكل ضروب الإكبار والرعاية، ~~وأعانوه على إتمام بحوثه العلمية ونشر مذهبه الفقهي في أرجاء البلاد، وقد كلفوه ~~بإقامة حلقات الدرس في جامع دمشق، بل وفي قصورهم فيها. # 34 # ثم إن نشاط بني أمية في الحركة الفلسفية والعقائدية لم يكن أقل من نشاطهم في تشجيع ~~الحركة الفقهية؛ فقد رووا أن معاوية بن أبي سفيان أحضر البطريرك اليعقوبي تيودوروس ~~وأسقف قنسرين ليناظرا نصارى لبنان في حضرته وبحضور نفر من العلماء، حين أخذوا يدعون ~~إلى بعض عقائدهم ويدعون أنها الصحيحة وحدها. # 35 # كما رووا أيضا أن عمر بن عبد العزيز كان يناقش بنفسه بعض الخوارج في ~~معتقداتهم المذهبية. # 36 # وقالوا أيضا إن هشام بن عبد الملك كان أوصى غلامه سالما الرومي بالتنقيب ~~عن بعض ms033 كتب الحكمة اليونانية القديمة لجمعها وترجمتها إلى اللغة العربية، وإن مما ترجم ~~سالم هذا بعض آثار أرسطو ... وإذا صح هذا كان أول ترجمة عربية للفلسفة اليونانية، # 37 # ورووا أيضا أن سليمان بن عبد الملك قال: «عجبت لهؤلاء الأعاجم! ملكوا ~~ألف سنة فلم يحتاجوا إلينا ساعة، وملكنا مائة سنة فلم نستغن عنهم ساعة.» # 38 # ولا ريب في أن سليمان لم يقصد بالاستعانة بالأعجام إلا في النواحي الثقافية ~~والحضارية والإدارية، أما فيما عدا ذلك فإن بني أمية معروفون ببغضهم لكل ما هو غير ~~عربي. وقال الراغب الأصفهاني: إن المنصور بعث إلى من في الحبس من بني أمية من يقول ~~لهم: ما أشد ما مر بكم في الحبس؟ فقالوا: ما فقدنا من تأديب أولادنا ... # فهذه الأقوال وغيرها تدل دلالة قوية على أن للأمويين نشاطا في ميادين العلم والحكمة ~~والفلسفة والتشريع، وعناية بوضع بذور الحركة الثقافية والعقلية في الإسلام. # فليس من العدل أن نغمط حق بني أمية - غفر الله لهم - في هذا المضمار، وليس من الحق أن ~~نعدل عن إنصافهم في هذا الباب، وليس من الإنصاف مقارنتهم ببني العباس، فأين زمان هؤلاء ~~من زمان أولئك؟ وهل يقاس القرن الأول للهجرة والإسلام غض الإهاب، رطب العود، مبتدئ ~~الحركة، بالقرنين الثالث والرابع اللذين اكتملت فيهما قوى الإسلام واشتد ساعده؟ # والحق أنه لما تولى الخلافة بنو العباس وجدوا الطريق معبدة أمامهم؛ فقد كان سابقوهم ~~من بني أمية وبني مروان شرعوا في أمر الترجمة عن كتب اليونان والفرس والهند، وبدءوا في ~~وضع بذور غراس العلم والحكمة والجدل وعلوم الدين، فتمم بعدهم بنو العباس ما كانوا ~~شارعين به، وعنوا عناية زائدة بنشر علوم الدين والحكمة، وبخاصة علوم الأدب وما إليه ~~من شعر ونثر وعربية، حتى ازدهرت العلوم والفنون وبلغت أوجها في عهدهم مما لا مجال ~~للتحدث عنه الآن، ولكن لا يسعنا أن نهمل ناحية من نواحي نشاطهم العلمي في هذا الصدد، ~~ألا وهو تأسيسهم لبعض المؤسسات الثقافية، كدور الكتب ودور الحكمة التي كان يتولى أمرها ~~بعض كبار العلماء كالفيلسوف ms034 الترجمان سلم الذي أخذ ينقب عن مهرة التراجمة وكبار ~~الفلاسفة، ويعهد إليهم بالعمل معه لوضع أسس الحركة الفلسفية المنظمة على ما سنفصله فيما بعد، # 39 # والحق أن ما عمله سلم هذا كان نواة للحركة العلمية الرسمية إن صح هذا ~~التعبير. # | الفصل الثاني # (1) المؤسسات التعليمية عند العرب قبل تأسيس المدرسة # كانت المساجد والكتاتيب وبعض الأماكن العامة والخاصة هي المؤسسات العلمية الأولية عند ~~العرب في عهد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وخلفائه الراشدين، وفيها كان المسلمون الأولون ~~يتلقون هم وأبناؤهم وبناتهم ومواليهم آيات الكتاب المبين، وعلم الفرائض والدين، كما ~~تدل على ذلك مئات الأحاديث والآثار المروية عن الرسول وصحابته وتابعيه. # 1 # وكان العلماء والمتعلمون يتذاكرون في المسجد النبوي بالمدينة، والمسجد الحرام بمكة، ~~والمساجد الأخرى في سائر العالم الإسلامي، وفي الدور، والمجالس في الأماكن الخاصة ~~والعامة ... ضروب العلم من دين وأدب وتاريخ وسير ومواعظ وعبر، ويفتون من يسألهم في ~~أمر من هذه الأمور. ولما آلت الخلافة الإسلامية إلى بني أمية تطور الأمر في سبيل ~~الاستكمال على ما بينا في الباب السابق. وكان إلى جانب تلك المؤسسات العلمية التي ~~ذكرناها مواطن جديدة للتعليم، وهي قصورهم وقصور كبار أمرائهم، ومنازل الأعيان والوجوه ~~الذين استقرت أحوالهم أيام هذه الدولة، وبعد أن توسعت الفتوح وكثرت الأموال وسارت ~~الحياة الاجتماعية في طور حضاري جديد. # وقد كانت هذه القصور والدور عونا لتلك الأماكن العامة والخاصة في نشر العلم وتسهيل ~~سبل تعميمه؛ فقد كان يعقد فيها كثير من حلقات الآداب والعلوم والفقه والحديث والحكمة، ~~كما كانت تقام بعض الحلقات العلمية في بعض الطرقات والأسواق. # 2 # وقد ظلت هذه الأماكن جميعا من مساجد وخزائن كتب وقصور ودور وطرقات مراكز الحركة ~~العلمية في البلاد الإسلامية، منذ فجر الإسلام إلى أن ظهرت المدرسة بمعناها الصحيح في ~~أواخر القرن الرابع للهجرة، وسنبين فيما يلي أحوال تلك المؤسسات العلمية وتطور ~~أمرها منذ أن وجدت إلى أن تأسست المدرسة. ~~(1-1) حلقات المساجد والقصاص والمجالس الخاصة والعامة # انقسم علماء الآثار الإسلامية من العرب والمستشرقين الذين اهتموا ms035 بدراسة المعاهد ~~الإسلامية الخاصة بالعبادة أو بالدراسة إلى فرقاء ثلاثة: # فريق أول: # وهو غالبية المستشرقين، فقد ذهبوا إلى أن معاهد العبادة ~~الإسلامية قد اقتبست نظام بنائها، وأسلوب ريازتها # architecture # من نظام الكنائس ~~المسيحية والمعابد الكلدانية والسريانية في العراق، وسورية ومصر، ~~وحجة هؤلاء هي أن المسلمين لم يتخذوا المساجد للعبادة إلا بعد أن ~~توفي النبي وخرج المسلمون في الفتوح خارج الجزيرة العربية، ~~فاتصلوا بأهل هاتيك الديار وعرفوا شيئا كثيرا عن أماكن عبادتهم؛ ~~إذ إنه لم يكن لهم قبل ذلك أمكنة للعبادة سوى صحن منزل الرسول في ~~المدينة. وعلى رأس هذا الفريق من العلماء البرنس كايتاني، والكابتن ~~كريسويل، والبروفسور بدرسون. # 3 # وفريق ثان: # يرى أن المعاهد الإسلامية - وعلى رأسها «المسجد» - قد اقتبست ~~صورتها ونظامها البنائي من «الكعبة»، فإنها المكان المقدس الذي رآه ~~المسلمون قبل الإسلام وبعده وتعلقوا به، فطبيعي أن يقلدوه فيبنوا ~~أمكنة عبادتهم على نسقه. وعلى رأس هذا الفريق من العلماء والباحثين ~~المستشرقان لين بول ودييس. وحجتهما أن الكعبة هي البناء الديني ~~العتيق الذي رآه المسلمون في بلادهم قبل إعلان الدين الجديد، فلما ~~أرادوا أن ينشئوا أمكنة عبادة للدين الجديد اقتبسوا نمط ذلك المكان ~~من الكعبة، # 4 # وقد يكون هذا الرأي صحيحا لو أن معلوماتنا وافرة عن ~~الكعبة ونظامها البنائي والتعبدي في الجاهلية، ولكن ما نعرفه عن ~~ذلك قليل جدا لا غناء فيه. # وفريق ثالث: # وهو غالبية الباحثين من العرب والمسلمين، يرون أن المعاهد ~~الإسلامية قد وجدت منذ صدر الإسلام، وأن الرسول كما اتخذ من صحن ~~بيته الساذج البسيط في حيطانه وسقفه مسجدا للمسلمين، كذلك اتخذ ~~الرسول مساجد جامعة أخرى ليصلي فيها المسلمون ويقوموا بشعائر ~~دينهم. وليس لبناء هذه المساجد أية علاقة بالكنائس المسيحية أو ~~غيرها من أماكن العبادات عند الأمم الأخرى. # أما الفريق الأول فقد استدل أربابه على نظريتهم بأن في مساجد الإسلام الأولى ~~آثارا مقتبسة من المعابد المسيحية، ولا نريد هنا أن نستقصي أقوال المستشرقين ~~الذين قالوا بهذا القول، وإنما نكتفي بإيراد أقوال طائفة من كبارهم؛ يقول البروفسور ~~هنري ms036 سلادان في كتابه عن «مسجد سيدي عقبة في القيروان»: ~~... إن هذا المسجد يتجه من الشمال الغربي نحو الجنوب الشرقي، وهذا هو الأمر ~~في كافة مساجد مدينتي سوسة وتونس، وهذا الاتجاه إنما هو اتجاه المعابد ~~المصرية القديمة والمعابد الكلدانية ... # 5 # ويقول البروفسور جورج مارسيه في كتابه عن «الفن الإسلامي»: ~~... لا شك في أن الكنائس المسيحية التي حولها المسلمون إلى معابد كانت ~~الأساس في ابتكار بعض حقائق المسجد الإسلامي؛ لأن شكلها لم يعارض ما ~~يحتاجون إليه في مسجدهم ... # 6 # وهناك أقوال أخرى يذهب أصحابها إلى أن العمارات الإسلامية ومخططاتها وريازتها منذ ~~فجر الإسلام راجعة إلى أصول غير عربية من مصرية أو كلدانية أو بيزنطية. وحجج هؤلاء ~~العلماء ليست قوية كما ترى، ولا تستند على حقائق علمية ثابتة، وإنما اندفع أصحابها ~~في الأغلب إلى القول بها إشباعا لرغباتهم التعصبية ضد الإسلام والعروبة. ثم إن ~~هؤلاء المستشرقين جميعا قوم غرباء عن الإسلام وعن أهله، لا يستطيعون أن يدركوا ~~حقائق حاجات أهله وخصائص أحوالهم؛ لأن للإسلام روحا وطابعا لا يستطيع أن يسبر ~~غورهما غير العربي العالم المتضلع المسلم، ابن اللغة العربية والبيئة العربية، ~~فكيف بالمستشرق الغربي النصراني البعيد عن روح اللغة العربية، والنائي عن البيئة ~~الإسلامية؟! ولا أدل على ذلك من زعم المستشرق سلادان؛ فإن قوله لا يمكن أن يصدر عن ~~باحث مهما انحطت مداركه العلمية؛ لأن الإسلام قد نص نصا لا يحتمل الجدل أو ~~النقاش في مسألة الصلاة، وفي مسألة القبلة، وفي وجوب الاتجاه نحو الكعبة في أية ~~بقعة من بقاع الأرض كان المصلي، وقد أجمع المسلمون - بلا خلاف - في كافة مذاهبهم ~~على هذا الأمر، ولم يخالف فيه أحد؛ لأن الله يقول في كتابه: # وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ~~، # 7 # ولا تصح لمسلم صلاة إذا لم تكن قبلة مسجده صحيحة الاتجاه نحو المسجد ~~الحرام. وقد تشدد الفقهاء المسلمون في هذا الأمر منذ القرن الأول في تحديد مواطن ~~القبلة، والصلاة ركن من أركان الإسلام الخمسة، فكيف يسوغ لأمير إقليم، أو لأي مسلم ~~يريد أن ms037 يختط مسجدا، أو أن يقلب معبدا مسيحيا أو وثنيا إلى معبد إسلامي، أن ~~يتساهل في أمر القبلة، أو أن يبني محرابها في اتجاه المعابد القديمة كما يزعم ~~البروفسور سلادان في قوله عن قبلة مسجد سيدي عقبة؟ ولا شك عندي في أن ذلك البحاثة ~~ما قال قولته إلا وهو جاهل - أو متجاهل - هذه البديهية التي يعرفها أقل المسلمين ~~حظا من العلم والفقه. وإذا كان مسجد سيدي عقبة أو غيره من مساجد القيروان وتونس ~~وسوسة قد انحرفت عن القبلة قليلا فإن مرجع ذلك إلى ظن المسلمين الأولين الذين ~~اختطوا المساجد هناك أن القبلة كانت في ذلك الاتجاه، وإذا كانت جهات المساجد ~~الإسلامية هناك قد تساوقت ووجهات المعابد الوثنية أو المسيحية هناك أو في مصر، فإن ~~ذلك بمجرد الصدفة ليس غير. # ومثل قول البروفسور سلادان قول البروفسور جورج مارسيه، فإن المعابد التي حولها ~~المسلمون إلى مساجد إما أبقوها على شكلها الظاهري القديم ما لم يعارض الشكل ~~الإسلامي المطلوب، أما إذا عارضه فإنهم يبدلونها ليجعلوها ملائمة للغرض الذي تقام ~~المساجد من أجله، وإذا اضطرتهم طبيعة البناء القديم في بعض الحالات إلى إبقاء بعض ~~النواحي المعمارية لتعسر هدمه، فإنه من العبث والباطل أن يقال إنهم في الأبنية ~~الجديدة التي يبنونها كانوا يتعمدون بناء تلك النواحي العمرانية التي اضطروا إلى ~~الإبقاء عليها في الأماكن القديمة المحولة إلى مساجد. # وأما أرباب الفريق الثاني، وهم الذين قالوا إن المسلمين أخذوا ترتيب مساجدهم في ~~المدينة عن معبد أهل مكة وهو الكعبة، فقد يكون لهؤلاء النفر شيء من الحق، ولكن ~~المعلومات الصحيحة عن وضعية الكعبة ووصفها قبل الإسلام مجهولة أو كالمجهولة، وكل ما ~~يعتمد عليه هؤلاء العلماء من حجج إنما هو أقوال لم تثبت صحتها. # وأما أرباب الفريق الثالث، وهم الذين قالوا بأن المسجد الإسلامي نشأ في زمن ~~الرسول ساذجا كما نشأت التعاليم الإسلامية ساذجة، وكما نشأ الدين نفسه ببساطة ما ~~بعدها بساطة، فإن هناك نصوصا كثيرة وأدلة عديدة تثبت ما ذهبوا إليه. # منها: أن القرآن الكريم نص في آيات ms038 كثيرة على أن المسلمين كانت لهم «مساجد» في ~~حياة النبي لا كما يزعم أرباب الفريق الأول، فقد قال الله تعالى: # ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد ~~الله ~~، # 8 # وقال أيضا: # إنما يعمر مساجد الله ~~من آمن بالله ~~، # 9 # وقال أيضا: # في بيوت أذن الله أن ~~ترفع ويذكر فيها اسمه ~~، # 10 # وقال تعالى: # ومساجد يذكر فيها اسم ~~الله ~~، # 11 # وقال أيضا: # ومن أظلم ممن منع ~~مساجد الله ~~، # 12 # وقال تعالى: # وأنتم عاكفون في ~~المساجد ~~، # 13 # وقال أيضا: # وأن المساجد لله فلا ~~تدعوا مع الله أحدا ~~. # 14 # فهذه «المساجد» و«البيوت» بصيغة الجمع تدل على أن المسلمين في حياة الرسول # صلى الله عليه وسلم # كان لهم أكثر من مسجد يقيمون فيها شعائر الله. # ومنها: أن سورة الجمعة قد نص فيها على أن الله قد فرض على المسلمين صلاة معينة ~~في ذلك اليوم اسمها «صلاة الجمعة»، وأن هذه الصلاة لا تصح إلا في مسجد جامع كبير. ~~كما أن الآثار الكثيرة المتواترة دلت على وجوب «صلاة الجمعة»، وهذه لا تكون إلا في ~~«مسجد»، ولعل كلمة «جمعة» و«جماعة» وكلمة «جامع» التي تدل على الكثرة والتجمع، ~~تقوم دليلا على أن المسلمين في عهد الرسول كانوا «يتجمعون» في أماكن متعددة ~~للصلاة، وبخاصة صلاة «الجمعة» التي كانت تقام في عهد الرسول، والتي قال الله تعالى ~~في حقها: # يا أيها الذين آمنوا إذا نودي ~~للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا ~~البيع ~~، # 15 # ومعنى هذا أن الله يأمر كافة المسلمين أن يسعوا إلى مكان واحد ~~يتجمعون فيه لأداء صلاة «الجمعة»، وأنه يجب عليهم أجمعين ترك أعمالهم وغلق محلاتهم ~~التجارية والالتقاء في مكان واحد لتأدية هذه الشعيرة المفروضة، وقد صح أن المسلمين ~~كانوا يؤدونها في عهد الرسول وفي مسجده؛ فلا شك إذن في أنه قد كان للمسلمين مسجد ~~جامع تقام فيه «الجمعة» و«الجماعات». # ومنها: أن أقدم مصادر السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي - كسيرة ابن اسحق وطبقات ~~ابن سعد - قد نصت على أن الرسول # صلى الله عليه وسلم # لما دخل المدينة ms039 أقام مسجده في المربد ~~الذي وقفت عنده ناقته، وأنه كان مربدا لسهل وسهيل - غلامين يتيمين من الأنصار - ~~وكانا في حجر أبي أمامة أسعد بن زرارة، فدعا رسول الله بالغلامين فساومهما بالمربد ~~ليتخذه مسجدا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله حتى ابتاعه منهما ~~بعشرة دنانير. وقال معمر عن الزهري: أمر أبو بكر أن يعطيهما ذلك، وكان جدارا ~~مجدرا ليس عليه سقف وقبلته إلى بيت المقدس، وكان أسعد بن زرارة بناه، فكان يصلي ~~بأصحابه فيه ويجمع بهم في الجمعة قبل مقدم رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فأمر رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بالنخل الذي في الحديقة وبالغرقد الذي فيه أن يقطع، وأمر باللبن فضرب، ~~وكان بالمربد قبور جاهلية فأمر بها فنبشت وأمر بالعظام أن تغيب، وكان بالمربد ~~ماء مستنجل فسبروه حتى ذهب، وأسسوا المسجد فجعلوا طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره ~~مائة ذراع، ومن هذين الجانبين مثل ذلك فهو مربع، وكان يقال أقل من مائة ذراع، ~~وجعلوا الأساس قريبا من ثلاثة أذرع على الأرض بالحجارة ثم بنوه باللبن، وجعلت ~~قبلته إلى بيت المقدس، وجعل له ثلاثة أبواب: باب في مؤخره، وباب يقال له باب ~~الرحمة وهو الباب الذي يدعى باب عاتكة، والباب الثالث الذي يدخل منه رسول الله وهو ~~الباب الذي يلي باب آل عثمان، وجعل طول الجدار بسطة، وعمده الجذوع وسقفه الجريد ... # 16 # فهذا النص يدل على أن هذا المسجد كان قبل مقدم رسول الله إلى المدينة ~~مهاجرا، وأن أسعد كان يجمع فيه الجمعة، وأن الرسول بناه على الشكل الذي رأينا أول ~~مقدمه إلى المدينة، وأنه ابتناه على هذا الشكل الساذج. ويقول الرواة إنه ظل طول عهد ~~أبي بكر كما كان في عهد النبي # صلى الله عليه وسلم ~~؛ قال البلاذري: فلما استخلف أبو بكر - رضي ~~الله عنه - لم يحدث في المسجد شيئا، واستخلف عمر فوسعه لما ضاق بالمسلمين، ثم ~~إن عثمان بن عفان بناه في خلافته بالحجارة والقصة، # 17 # وجعل عمده حجارة وسقفه بالساج وزاد ms040 فيه ونقل إليه الحصباء ... # 18 # ولما تولى بنو أمية وشرعوا في بناء المساجد الضخمة في الشام ومصر وإفريقية ~~والعراق والمشرق، أمر الوليد بن عبد الملك بإعادة بناء المسجد النبوي على شكل ضخم ~~فخم، كما أمر بتوسعة مسجد المدينة، # 19 # ولم يكن المسجد النبوي هو الوحيد في الحجاز، بل كانت ثمة غيره. # 20 # ولما شيدت المساجد الإسلامية العظمى في الأمصار كالفسطاط والقيروان والكوفة ~~والبصرة، بنوها على نمط مسجد الرسول ، وأول المساجد التي شادها المسلمون خارج ~~الجزيرة مسجد الكوفة؛ فقد بني في سنة 17 للهجرة، ويحدثنا الطبري والبلاذري أن ~~المسجد أول شيء خط في الكوفة وأنهم بنوه كالمسجد النبوي مربعا في حدود ... ~~وجعلوا له صحنا وبيتا للصلاة، إلا أنهم لم يقيموه على جذوع النخيل كالمسجد ~~الأموي أول ما بني، بل على أعمدة من الحجر وسقفوه بألواح من الخشب. # 21 # وفي تلك السنة أيضا أعاد أبو موسى الأشعري بناء مسجد البصرة لما كان ~~واليا عليها، وبناه على النمط الذي بني عليه مسجد الكوفة، وقد كان بناه أولا ~~عتبة بن غزوان في سنة 14ه لما اختط المدينة. وفي سنة 21ه أقيم في الفسطاط بمصر ~~مسجد ضخم له ظلة وسقف وصفوف من الأعمدة الحجرية، شاده فاتح مصر عمرو بن العاص أول ~~ما افتتح المدينة. وفي سنة 50ه بنى فاتح إفريقية عقبة بن نافع مدينة القيروان واختط ~~فيها المسجد الأعظم المعروف في أيامنا هذه بمسجد سيدي عقبة. # وكل هذه المساجد الجامعة إنما بنيت ببساطة لم تحوج بناتها إلى الاستعانة ~~بالمعابد أو الكنائس المصرية والإفريقية أو الرومية كما يزعم المستشرقون. قال ~~الأستاذ أحمد فكري في كتابه عن مسجد القيروان: «... فواجبات الصلاة إذن وفروضها ~~وسننها وعادات العرب وطبيعة بلادهم؛ كل هذه دون غيرها كانت الأساس في تكوين نظام ~~البيت الذي يجتمع فيه المسلمون للصلاة، وهي الأساس في تكوين مسجد الرسول بالمدينة، ~~وإن لبيت الصلاة عنصرا آخر هو المحراب ... وقد اتفق المؤرخون وعلماء الآثار على أنه ~~لم يدخل في نظام مساجد الإسلام الأولى ... ولكننا لا نذهب إلى مثل ما ms041 ذهبت إليه ~~غالبيتهم من أن هذا العنصر من المسجد مشتق من الكنائس أو أنه محور من محاريبها ... ~~فمحراب الكنائس فناء كبير في صدر الكنيسة يتسع على الأقل لمنضدة توضع عليها معدات ~~الشعائر والمراسيم، وفضاء فسيح يروح فيه القائم بهذه الأشياء ويغدو من غير عائق، ~~أما محراب المسجد فهو جوفة في حائط لا تتسع لغير ركوع الإمام وسجوده وجلوسه. ~~والاختلاف شديد بين الوظيفة التي يؤديها هذا والمهام التي يسعها ذلك ...» # 22 # وفي المسجد النبوي والمساجد الأولية الأخرى التي شيدت في عهد النبي وخلفائه كانت ~~تقوم حلقات العلم ومجالس القصاص الذين كانوا يذكرون الناس ما نسوا من أمر ~~الآخرة، ويعلمونهم أمور دينهم، ويمزجون ذلك ببعض ضروب من العلم والحكمة والمعرفة ~~والموعظة الحسنة من نثر ونظم. وقد ظهر هؤلاء القصاص في زمن مبكر جدا، # 23 # ويقال إن أول من قص في المسجد النبوي هو الصحابي الفصيح العالم تميم الداري، # 24 # فقد رووا أنه كان يحلق حوله حلقات يعظ فيها الناس في مسجد النبي كل ~~يوم جمعة قبل الصلاة في أيام عمر بن الخطاب، فلما استخلف عثمان بن عفان استأذنه ~~تميم أن يقوم في الناس مرتين للوعظ والإرشاد فأذن له بذلك، فلما جاء عهد علي بن أبي ~~طالب ومعاوية بن أبي سفيان، وأخذ الخليفتان - حين وقعت الفتنة بين المسلمين في تلك ~~الآونة - يتخذان قصص القصاص آلة للدعاوة لهما، والدعاء على أعدائهما والتنفير منهم ~~وانتقاص أهل الفتنة، # 25 # وكان هدفهم في هذه المجالس نشر التعليم الديني وتثقيف العامة بتفسير ~~بعض آي القرآن الكريم، وسرد ما يحفظونه من أحاديث الرسول وما وعوه من حكيم الشعر ~~والنثر. وكانوا يمزجون ذلك كله بما تناقل إليهم من أخبار الماضي من عرب وغير عرب، # 26 # ولم يقتصر أمر القصص على الحجاز؛ فقد وردت أخبار كثيرة عن جماعة من ~~القصاص في الأقطار الإسلامية الأخرى. # فقد رووا أن سليمان بن عتر التجيبي قاضي مصر في سنة 38ه كان يقص على الناس في ~~مسجد عمرو بن العاص بالإضافة إلى وظيفة القضاء التي كان ms042 يتولاها، # 27 # ويظهر أن كثيرا من القضاة في الأمصار الإسلامية كانوا يقصون على الناس ~~في المساجد الجامعة. # 28 # ومما يجب أن نلاحظه أن التعليم كان يماشي القصص، ولا نستطيع أن نميز بين النواحي ~~التعليمية والنواحي القصصية في عمل القصاصين؛ فإنهم كانوا يمزجون بين معلوماتهم ~~ومواعظهم مزجا يصعب معه التمييز بينهما، وقد كان لهؤلاء القصاص كراسي يجلسون ~~عليها، ويشرفون منها على طلاب الفقه والحديث وطلاب العلم والمعرفة، كما كانوا ~~يحلقون حولهم حلقات صغيرة أو كبيرة تختلف بحسب شهرة القاص وبراعته في اجتذاب قلوب ~~الناس إليه، وسعة علمه. # وهكذا نستطيع أن نقول إن «أصحاب الكراسي» هؤلاء كانوا هم أول طبقة للمعلمين في ~~الإسلام. # وكان نشاط «أهل الكراسي» هؤلاء نشاطا عاما في الديار الإسلامية كلها في المغرب ~~والمشرق منذ أيام بني أمية إلى العصر العباسي، # 29 # وكذلك كان شأن الفاطميين في مصر؛ فإنهم منذ أن دخلوا مصر واستولوا ~~على الأمر فيها ألفوا هؤلاء الوعاظ والقصاص يقومون بإرشاد الناس وتعليمهم في مساجد ~~القاهرة، وبخاصة في مسجد عمرو ومسجد ابن طولون. # 30 # ومما هو جدير بالإشارة إليه أن الفاطميين كانوا يقيمون حلقات للقصاص في قصورهم ~~يقرءون فيها آيات من القرآن، وبضعا من الأحاديث النبوية والأخبار المروية عن آل ~~البيت، ثم يعلقون على ذلك بما فيه تأييد للمذهب الفاطمي. # 31 # ولما كثر عدد هؤلاء القصاص وانضم بينهم نفر من الغلاة أو السذج الذين كانوا ~~يتساهلون في رواية الأخبار والأقاصيص الإسرائيلية، انتصب لهم العلماء العاملون ~~والأئمة الصادقون ينتقدونهم، ويحذرون الناس من أباطيلهم وترهاتهم، حتى إن بعض ~~المؤلفين كأبي طالب المكي صاحب «قوت القلوب» لم يضعوا هؤلاء القصاص في الطبقة ~~الرفيعة من رجال الدين أمثال المتكلمين والزهاد والفقهاء، بل جعلهم طبقة أحط منهم قدرا. # 32 # أما أسلوب الوعاظ الأولين في وعظهم وطرائق قصصهم فقد ضاعت؛ لأن قدماء القصاص لم ~~يحفظوا لنا قصصهم في مدونات، وإنما نعثر على فقرات منه ونماذج من أسلوبه في بعض كتب ~~الأدب القديمة، أو رسائل الصوفية العتيقة، أو كتب بعض الوعاظ المتأخرين أمثال ~~الجاحظ ms043 في «البيان والتبيين» وابن عبد ربه في «العقد» # 33 # وابن الجوزي في «التبصرة» وغيرها من كتبه، والزمخشري في «ربيع الأبرار» وغيرها. # 34 # ومما يؤسف له أشد الأسف أن هذا القصص، الذي كان في صدر الإسلام وسنيه الأولى ~~عنصرا من عناصر التثقيف والتوجيه والتعليم، أضحى في العصور المتأخرة - أي في القرن ~~الرابع والخامس وما بعدهما - مملوءا بالأباطيل والإسرائيليات والأسجاع السخيفة ~~المملة التي لا غناء كبيرا فيها، # 35 # كما يتجلى ذلك في «مدهش» ابن الجوزي. وقد اضطر هذا الأمر المفكرين ~~والكتاب والنقاد أن يقسموا القصص إلى نوعين اثنين؛ أحدهما: قصص العامة، والثاني: ~~قصص الخاصة. أما قصص العامة الذي كان رواده من العوام والسوقة فقد كانت موضوعاته ~~تافهة، أما قصص الخاصة فقد كان دروسا في الدين والتوحيد والعلم، وكان يقوم به نفر ~~من كبار الأئمة والمجتهدين الفضلاء. وقد حمل المقريزي على قصص العامة وقال إنه أمر ~~مكروه لا خير فيه. # 36 # ويذكر ابن الحاج أن الإمام مالك بن أنس، وعبد الله بن عمر، وأبا داود ~~كانوا يحملون على قصص العامة، وأن الإمام عليا طرد أصحابه من مسجد البصرة، وأن ~~الخليفة المعتضد بالله منعهم من الجلوس في المساجد سنة 284ه وحظر عليهم أن يلتف ~~الناس حولهم ... # 37 # ومهما يكن من شيء فإن القصص بنوعيه، وعلى الرغم مما صار إليه من ~~انحطاط، كان مدرسة شعبية أفاد عوام الناس منه معلومات وأخبارا قد استنارت بها ~~عقولهم، وزكت بها نفوسهم. ~~••• # وأما حلقات مجالس التعليم الخاصة في القصور والدور، فقد ورد عنها الكثير في كتب ~~الفقه والأدب والتاريخ، ونقلت إلينا نصوص عديدة تدل على أنه كان للقوم مجالس ~~للتعليم يعقدونها في قصور المدينة ودمشق والعواصم الإسلامية الأخرى، كما أن دور بعض ~~العظماء والوجوه كان يعقد فيها مجالس للتعليم والمناظرة والإفادة. # أما الأسواق العامة فأمرها في التعليم أشهر من أن يذكر، وقد كان هذا الأمر ~~معروفا في الجاهلية، وأخبار أسواق عكاظ ومجنة وذي المجاز والطائف وغيرها كثيرة ~~منثورة في كتب الأدب والتاريخ والسيرة، ولقد لعبت هذه الأسواق في الجاهلية ms044 وصدر ~~الإسلام - بل وفي العصر الأموي - دورا هاما في نشر العلم وحفظ التراث الفكري ~~والعقلي والأدبي في الجاهلية والإسلام. # والحق أن الخلفاء والأمراء الذين كانوا يهتمون بالنواحي الثقافية والنشاط العلمي ~~كانوا يجمعون في قصورهم مشاهير العلماء في كافة فروع العلم والأدب ويستمعون إلى ~~مناقشاتهم، وكثيرا ما كانوا يشاركونهم هم أنفسهم في ذلك النشاط العلمي. # 38 # وقد تطور أمر هذه المجالس في القصور إلى مجالس كانت تعقد في المحلات ~~العامة كالطرقات والأندية، يتناقش فيها العلماء ويتناظرون أمام الجمهور بشكل جذاب ومفيد. # 39 # ومن أشهر مجالس الأماكن العامة مجالس المربد وحلقاته في البصرة، وقد كانت تضم إلى ~~علماء المدينة وأئمتها جمهرة كبيرة فاضلة من علماء البادية ورواة أخبارها، الذين ~~كانوا يقصدون «المربد» للامتياز والمشاركة في ذلك النشاط الأدبي والنحوي واللغوي ~~بصورة عامة. # وكان العلماء والإخباريون الحضريون يرحبون بمقدم هؤلاء البدو الأذكياء ليفيدوا من ~~علمهم ورواياتهم، وكان كثير من طلاب العلم يقصدون تلك المجالس ليدونوا ما يجري ~~فيها من الأحاديث، أو لينقلوا عن علماء البادية ما يحفظون من أخبار قبائلهم ~~وأنسابها وأشعارها ومنثورها. وفي «المربد» أيضا كان جرير والفرزدق والأخطل ~~وأصحابهم يلقون قصائدهم ومعارضاتهم. وقد ظل هذا الأمر طوال العصر الأموي، فلما جاء ~~العصر العباسي وكثر العلماء ازدادت الحركة في تلك الأسواق العلمية وأضحت في فجر ~~العصر العباسي «مدارس» منظمة إن صح استعمال هذا التعبير. # وكان كثير من أئمة النحو واللغة أمثال الأصمعي وأبي عمرو بن العلاء وقطرب ~~والكسائي والخليل وسيبويه و... يقصدونها ويفيدون منها، بل إن كثيرا منهم اعتمد في ~~تثقيف نفسه وتخريجها على ما حفظه من رواة البادية الفحول الذين كانوا يقصدون تلك ~~الأسواق العلمية. ~~(1-2) الكتاتيب ومعلموها # الكتاتيب: # عني العرب منذ «الجاهلية» وصدر ~~الإسلام بأطفالهم عناية خاصة؛ فأبناء الخواص منهم كانوا يلقون عناية شديدة ~~لتثقيفهم روحيا وتربيتهم جسمانيا، # 40 # كما أن أبناء العوام لم يكن أمرهم مهملا. يقول المستشرق دييس في دائرة ~~المعارف الإسلامية: إن التعليم في مدارس الأطفال «الكتاتيب» كان أقدم من التعليم ~~الذي جاء به الإسلام؛ بحيث إن ms045 الطفل الجاهلي كان يلقن مبادئ القراءة والكتابة، ~~وكذلك كان الأمر في صدر الإسلام، وقد كان ليهود المدينة أثر واضح في تعليم أطفال العرب، # 41 # ويقول البلاذري نقلا عن الواقدي وغيره: «كان الكتاب (أي الكتابة) ~~بالعربية في الأوس والخزرج قليلا، وكان بعض اليهود قد علم كتاب العربية وكان ~~يعلمه الصبيان بالمدينة في الزمن الأول؛ فجاء الإسلام وفي الأوس والخزرج عدة ~~يكتبون ...» # 42 # ويقول الإمام محمد بن سحنون في رسالته «آداب المعلمين» مما دونه عن أبيه سحنون عن ~~الصحابي الجليل أنس بن مالك أنه قال: «إذا محت صبية الكتاب تنزيل رب العالمين ~~بأرجلهم نبذ المعلم إسلامه خلف ظهره.» قيل لأنس كيف كان المؤدبون على عهد أبي بكر ~~وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم؟ قال أنس: كان المؤدب له إجانة، وكل صبي يجيء كل ~~يوم بنوبته ماء طاهرا فيصبه فيها فيمحون به ألواحهم. وقال أنس: ثم يحفرون له حفرة ~~يصبون ذلك الماء فينشف. # 43 # وروى أنس أيضا عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أنه قال: «أيما مؤدب ولي ثلاثة ~~صبية من هذه الأمة فلم يعلمهم بالسوية فقيرهم مع غنيهم وغنيهم مع فقيرهم حشر يوم ~~القيامة مع الخائنين» # 44 # فهذان الحديثان الجليلان يدلان على أنه كان في عهد الرسول وخلفائه ~~الراشدين كتاتيب منتظمة يتعلم فيها أبناء المسلمين الأغنياء مع أبناء المسلمين ~~الفقراء بصورة عامة، وأن التعليم كان صناعة لها آدابها وأصولها، وأنه كان يتولاها ~~جماعة مخصوصة من الناس، وأنه كانت لهم طرائق في التعليم وفي تهذيب أطفال المسلمين ~~والعناية بتهذيبهم وإصلاح أحوالهم. # ومما ينبغي أن نذكره هنا أنه قد كانت في المدينة دار تسمى «دار القرآن»، وأن بعض ~~القراء كانوا يسكنونها ليحفظوا آي كتاب الله ويجودوا قراءته، ويقصدهم الناس ~~إليها فيفيدون مما عندهم من علم كتاب الله وما حفظوا من حروفه. قال المستشرق دييس ~~في دائرة المعارف الإسلامية: «ويظهر أنه قد وجدت منذ فجر الإسلام أمكنة كانوا ~~يجتمعون فيها لاستظهار القرآن وتدارسه.» ولا شك في أن هذه المواضع كانت كالمدارس ~~الأولية يتعلمون فيها ms046 مبادئ القراءة وأصول الكتابة العربية، كما يحدثنا الواحدي ~~ويذكر أن عبد الله ابن أم مكتوم كان يسكن دار القراء بالمدينة. # 45 # ولما سارت جيوش المسلمين في فتوحاتهم الواسعة خارج الجزيرة العربية برزت الكتاتيب ~~القرآنية بصورة واضحة، وتعددت في كافة الأرجاء التي حل الفاتحون فيها من عواصم ~~المدن والدساكر والقرى القريبة والنائية، # 46 # ولا غرو في أن كثرة الفتوح واتساع رقعة المملكة وتحمس الناس الشديد ~~للقرآن قد سبب كل ذلك. # وقد لعب المسلمون الأولون من أهل الحجاز والشام والعراق ومصر دورا كبيرا في ~~إيجاد هذه الكتاتيب حيثما انتقلوا من الديار المفتوحة في خراسان والمشرق والمغرب، ~~ليعلموا أولادهم القرآن وليلقنوا أبناء المسلمين من أهل هاتيك الديار آيات كتاب ~~الله البينات؛ وهكذا وجدت الكتاتيب بكثرة في البصرة والكوفة والفسطاط والقيروان ~~ودمشق وحلب والإسكندرية وغيرها من العواصم؛ فقد روي عن غياث بن أبي غياث لما كان ~~طفلا في الكتاب أن الصحابي الجليل سفيان بن وهب كان يزور كتابهم، ويلاطف ~~الأطفال ويباركهم ويدعو لهم بالفتوح والبركة. # 47 # ولما استقل بنو أمية بأمر المسلمين ازدادت عنايتهم بالثقافة زيادة واضحة لتوسع ~~رقعة الملك وحاجة الدولة إلى المتعلمين. وقد نبغ في هذا العصر جمهرة من كبار ~~المعلمين والمؤدبين ذوي المكانة السامية والفضل والقدر الرفيع والشهرة. وقد كانت ~~للأمويين عناية خاصة بتهذيب أبنائهم وأبناء رجالات دولتهم، فكانوا يرسلونهم إلى ~~البادية لتفصح ألسنتهم وتتقوى أجسامهم، متبعين في ذلك السنن الذي كان يفعله ~~آباؤهم قبل الإسلام حين كانوا يرسلون أطفالهم إلى البادية فيرضعونهم فيها وينتقون ~~لهم أشرف المراضع من بنات القبائل الشريفة الفصيحة. # 48 # قال عبد الملك بن مروان: «... أضر بالوليد حبنا له فلم نوجهه إلى البادية.» ولذلك ~~خرج الوليد لحانة، وكذلك كان أخوه محمد لحانا، على عكس أخويهما هشام ومسلمة؛ ~~فإنهما كانا فصيحين لأنهما خرجا إلى البادية فتفصحا فيها. وقد أساء لحن الوليد إلى ~~نفسه وإلى الأمة إساءة خطيرة؛ قال الجاحظ بعد أن روى حكمة عبد الملك السابقة في ~~ابنه الوليد: لحن الوليد على المنبر فقال الكروس: لا والله إن ms047 رأيته على هذه ~~الأعواد قط فأمكنني أن أملأ عيني منه من كثرته في عيني، وجلالته في نفسي، فإذا لحن ~~هذا اللحن الفاحش صار عندي كبعض أعوانه، وصلى الوليد يوما الغداة فقرأ السورة التي ~~تذكر فيها الحاقة فقال: يا ليتها كانت القاضية. فبلغت عمر بن عبد العزيز فقال: ~~أما إنه إن كان قالها إنه لأحد الأحدين. وقالوا: لم يكن في أولاد عبد الملك أفصح من ~~هشام ومسلمة. # 49 ~~••• # أما في العصر العباسي فقد انتظم أمر هذه الكتاتيب بصورة فنية فائقة؛ لعناية الناس ~~بأمر أولادهم من جهة، ولاشتداد الدولة واهتمامها بأمر التعليم وما إليه من الشئون ~~العامة من جهة أخرى. # ويلاحظ أن معلمي الكتاتيب منذ العصر الأموي قد كانوا منقسمين إلى قسمين: # أولهما: # معلمو كتاتيب العامة الذين كانوا يهتمون بتعليم أبناء الطبقة ~~المتوسطة وسواد الشعب. # وثانيهما: # معلمو أبناء الطبقة العليا والأمراء والنبلاء والأثرياء، وكان ~~لهؤلاء المعلمين اسم يمتازون به وهو اسم «المؤدبين». # وكان إلى جانب هؤلاء جميعا طبقة هي طبقة كبار المؤدبين الذين امتازوا بسعة ~~اطلاعهم في الثقافة العربية الإسلامية، إلى جانب تعمقهم في ضروب من العلم والأدب ~~واضطلاعهم بآداب الأمم السابقة وتقاليد الملوك الغابرة، وكلم الحكماء والفلاسفة ~~القدماء، وكان هؤلاء يختصون بتربية أبناء الخلفاء وولاة العهد وغيرهم من أبناء ~~الأسرة الحاكمة وكبار الأمراء. نذكر منهم الأئمة سيبويه والكسائي والأصمعي، وغيرهم ~~من طبقة كبار علماء الإسلام. # وكان إلى جانب هؤلاء أيضا طبقة من العلماء الأعراب البداة الذين ورثوا علم ~~البادية، وحفظوا أشعار القبائل ووعوا أخبارهم، وكانت لهم ثقافة واسعة في العربية، ~~فكان هؤلاء يطوفون على أصحاب الكتاتيب والمؤدبين وكبار العلماء فيفيدونهم من علمهم ~~ويستفيدون مما عندهم. ونذكر منهم أسعد الرياحي، وأبا مسهر مؤدب البرامكة، وأبا ~~العميثل بن خليد معلم عبد الله بن طاهر ومحمد قادم، وأبا عمرو الشيباني، وغيرهم ممن ~~سنذكرهم بعد. # 50 # كما يلاحظ أيضا أن الكتاتيب قد انقسمت إلى قسمين أيضا: # أولهما: # كتاتيب أولية كان يتعلم الأطفال فيها القراءة والكتابة ويحفظون ~~القرآن ومبادئ الدين وأوليات الحساب. # وثانيهما: # كتاتيب قانونية - إن ms048 صح هذا التعبير - كانت لتعليم الأطفال ~~والشبان علوم اللغة والآداب، وكانوا يتوسعون فيها بعلوم الدين ~~والحديث وسائر صنوف العلم الأخرى بصورة عامة. # معلمو الكتاتيب وآدابهم # قلنا فيما سبق إن الحكومة لم تكن تشرف في صدر الملة الإسلامية على المعلمين ~~وكتاتيبهم، وإنما كانت الرقابة متروكة لدين المعلم ووجدانه وخلقه، وقد كان ~~الناس في صدر الملة الإسلامية يخافون الله فيراقبون أنفسهم، وكان كثير من ~~المعلمين والمربين يعلمون وهم لا يبغون من التعلم إلا الاحتساب وطلب ~~الثواب، فلما تطورت الحياة في المجتمع الإسلامي، ودخل في كيان الدولة الفساد ~~صار الآباء يهتمون بانتقاء أفاضل المعلمين لأولادهم كما ينتقون العارفين بهذه ~~المهنة، وكانوا يتطلبون من معلم الكتاب أن يكون ذا ثقافة محدودة، وعلم بعينه، ~~ويطلبون منه أيضا أن يكون عارفا بسياسة الأطفال وعلم نفسياتهم، وأن يكون ~~دينا ورعا متزوجا، ولا يجيزون للشباب المراهقين مزاولة هذه ~~المهنة. # هذا وقد اشترط المسلمون منذ زمن مبكر في معلمي الكتاتيب وأساتيذ الأطفال ~~والشبان في التعليم الأولي والثاني شروطا عديدة، أهمها: ~~(1) # أن يقصد الواحد منهم لعمله التهذيبي هذا وجه الله تعالى، وأن ~~يكون اشتغاله بالتعليم في سبيل الله تعالى لإصلاح ناشئة المسلمين، ~~لا طمعا في مال أو جاه، فإن فعل ذلك ضل. قال سفيان بن عيينة: كنت ~~قد أوتيت فهم القرآن فلما قبلت الصرة من أبي جعفر سلبته. ~~(2) # أن يكون قوي اليقين بالله عز وجل، وأن يقوم بشعائر الدين وإظهار ~~السنن وإخماد البدع، وأن يتخلق بمحاسن الأخلاق حتى يقذف الله في ~~قلبه الفهم. قال ابن مسعود: ليس العلم بكثرة الرواية، إنما العلم ~~نور يقذفه الله في القلب. ~~(3) # أن يتنزه في ساعات فراغه عن امتهان المهن الحقيرة كالحجامة ~~والدباغة وما إلى ذلك ... ~~(4) # أن ينظف جسمه بإزالة الأوساخ وتقصير الأظافير، واجتناب الروائح ~~الكريهة. ~~(5) # أن يقتصد في ملبسه ومطعمه ومسكنه. قال الإمام الشافعي: ما شبعت ~~منذ ست عشرة سنة. ~~(6) # أن يبتعد ما استطاع عن الحكام والملوك. قال الأوزاعي: ما شيء ~~أبغض إلى الله تعالى من عالم يزور وزيرا. ~~(7) # أن يتشبه بأهل الفضل والدين ms049 من معلمي الصحابة والتابعين ومن ~~بعدهم من أكابر العلماء. ~~(8) # أن يكون ذا عناية بالعلوم المفيدة، وأن يتجنب غير المفيدة التي ~~يقل نفعها ويكثر الجدل فيها والقيل والقال عنها. ~~(9) # أن تكون عنايته بتحصيل العلم النافع في الآخرة من نوع ما روي عن ~~الإمام شقيق البلخي أستاذ حاتم الأصم أنه قال لحاتم: منذ كم ~~صحبتني؟ فقال: منذ ثلاث وثلاثين سنة. فقال: وما تعلمت مني في هذه ~~المدة؟ قال: ثماني مسائل. قال شقيق: إنا لله وإنا إليه راجعون! ~~ذهب عمري معك ولم تتعلم إلا ثماني مسائل. فقال: يا أستاذ، لم ~~أتعلم غيرها ولا أريد أن أكذب. فقال: هات هذه المسائل الثماني ~~حتى أسمعها، فذكرها وهي: محبة الحسنات، ومدافعة الهوى، والصداقة، ~~والتقوى، وترك الجسد، ومصادقة الخلق وعداوة الشيطان، وملازمة ~~الطاعة، وترك الذل للخلق بسبب المعيشة، والتوكل على الله. فقال ~~شقيق: يا حاتم، وفقك الله! إني نظرت في علم التوراة والإنجيل ~~والزبور والفرقان فرأيته يدور على هذه المسائل الثماني. # 51 ~~(10) # أن لا ينصب نفسه للتعليم حتى يستكمل أهليته ويشهد له أفاضل ~~أساتذته بذلك. قال الشبلي: من تصدر قبل أوانه فقد تصدى ~~لهوانه. ~~(11) # أن يؤدب طلابه وتلاميذه بسيرته وعمله قبل تأديبهم بقوله ~~وموعظته. ~~(12) # أن لا يذل العلم بالذهاب إلى المتعلم وإن كان كبير القدر. قال ~~الزهري: هوان العلم أن يحمله العالم إلى بيت المتعلم، فإن دعت ~~الضرورة وحسنت فيه النية فلا بأس. ~~(13) # أن يحب تلاميذه ويصونهم عن الأذى ما استطاع. قال أبو عباس: أكرم ~~الناس علي جليسي الذي يتخطى الناس حتى يجلس إلي، ولو استطعت ~~أن لا يقع عليه الذباب لفعلت. ~~(14) # أن يغفر لتلاميذه خطاياهم ويعذرهم على هفواتهم، فإن أراد تنبيههم ~~على ذنوبهم أدبهم أولا بالتلميح، فإن لم يتعظوا صرح لهم، فإن ~~لم يفدهم ذلك وبخهم. قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «علموا ولا تعنفوا؛ ~~فإن المعلم خير من المعنف.» وقال: «لينوا لمن تعلمون، ولمن ~~تتعلمون منه». ~~(15) # أن يرحب بطلبته إذا حضروا إليه، ويسأل عنهم إذا غابوا عنه. ~~وكان أبو حنيفة أكرم الناس مجالسة، وأشدهم ms050 إكراما لأصحابه، وإذا ~~غاب أحدهم غيبة طويلة سأل عنه، فإن لم يخبر عنه أرسل إليه أو قصد ~~منزله بنفسه، وإن كان مريضا عاده، وإن رآه في غم خفض عنه، وإن رآه ~~محتاجا قضى له حاجته. ~~(16) # أن يقول «لا أدري» إذا سئل عما لا يعرفه. قال ابن مسعود يوصي ~~المعلمين: يا أيها الناس من علم شيئا فليقل به، ومن لا يعلم فليقل ~~«الله أعلم»، فإن من العلم أن تقول «الله أعلم». ~~(17) # أن يتفهم مستوى فهم طلابه ويخاطبهم على قدر فهمهم وإدراكهم، ~~فيكتفي للحاذق بالإشارة، ويوضح لغيره بالعبارة، ويكرر لمن لا يعلم، ~~ويبدأ بتصوير المسألة ثم يوجهها بالأمثلة، ويقتصر على ذلك من غير ~~دليل ولا تعليل، فإن سهل عليه الفهم فيذكر التعليل والمأخذ، ~~ويبين الدليل المعتمد ليعتمده، والضعيف لئلا يغتر به، ويبين ~~ما يتعلق بالمسألة من النكت اللطيف والألغاز الطريفة والأمثال ~~والأشعار. ~~(18) # أن يذكر لهم قواعد الفن التي لا تنخرم مطلقا أو غالبا مع ~~مستثنياتها إن كانت موجودة، وأن يحرضهم على الاشتغال في كل وقت ~~ويطالبهم بإعادة محفوظاتهم، فمن وجده حافظا أثنى عليه، ومن وجده ~~مقصرا عنفه، وأن يطرح عليهم أسئلة يختبر بها أفهامهم، ويأمرهم ~~بالاعتدال في الطلب إذا ما أسرفوا فيه وظهر ذلك على أجسامهم وفي ~~وجوههم، وإذا ما رأى من أحد ضجرا أو نحوه أوصاه بالراحة ~~والاستجمام. ~~(19) # أن لا يعلم أحدا ما لا يحتمله ذهنه أو سنه، ولا يشير على أحد ~~بقراءة كتاب يقصر عنه ذهنه، فإن استشاره من لا يعرف حاله في قراءة ~~فن مشكل أو كتاب معضل أو بحث عويص، لم يشر عليه بشيء حتى ~~يمتحنه، فإذا امتحنه سمى له الكتاب الذي يقدر عليه، ولا يمكن ~~طالبا من الاشتغال بعدة فنون لا يستطيع إتقانها معا. ~~(20) # أن لا يدرس وهو منزعج النفس فيه ملل أو مرض أو جوع أو غضب أو ~~نعاس؛ فإن ذلك مضر بنفسه وبطلابه ضررا بالغا. ~~(21) # أن يكون له «نقيب» فطن كيس درب يرتب الطلاب على أقدارهم، ~~ويوقظ منهم الغافل، ويأمرهم بحسن الاستماع والانتباه، ويراقب الذي ms051 ~~يمحون به ألواحهم بكونه طاهرا، وأن لا يلقى في أماكن قذرة، ولا ~~يدعهم يمحونها بأرجلهم. ~~(22) # أن يجعل للطلاب أوقاتا معينة يعرضون فيها عليه ما حفظوه من ~~القرآن والكتب، وكان المعلمون قديما يجعلون ذلك عشية يوم الأربعاء ~~وصبيحة يوم الخميس، ويتركون طلابهم أحرارا عشية الخميس وطيلة ~~الجمعة للاستراحة والاستجمام. قال سحنون: وذلك سنة للمعلمين منذ ~~كانوا، فأما بطالتهم كل يوم الخميس فهذا بعيد، إنما دراسة الصبيان ~~أحزابهم وعرضهم إياه على معلميهم في عشي يوم الثلاثاء والأربعاء ~~وغدو يوم الخميس إلى وقت الكتابة، والتخاير إلى قبل انقلابهم نصف ~~النهار، ثم يعودون بعد صلاة الظهر للكتاب أو الخيار # 52 # إلى وقت صلاة العصر، ثم ينصرفون إلى يوم السبت يبكرون ~~فيه إلى معلميهم؛ وهذا حسن بالغ رفيق بالصبيان. ~~(23) # أن يتركهم أحرارا في الأعياد، وكانوا يبطلون الدرس في عيد الفطر ~~يوما واحدا وربما جعلوها ثلاثة أيام مع بعض الديار الإسلامية، ~~وفي عيد الأضحى ثلاثة أيام وربما جعلوها خمسة، ولا بأس ببطالة بعض ~~الأيام الأخرى كأيام ختمة بعضهم أو غير ذلك من المناسبات المشروعة. # 53 # المتعلمون وآدابهم # وكما اشترط المربون المسلمون في المعلمين شروطا بيناها في الفصل السابق، ~~اشترطوا كذلك على الطالب شروطا يجب عليه أن يتخلق بها، وقد أسهبوا في بيان ~~ذلك. ونرى أن نذكر هنا أهم تلك الشروط لأنها تعطينا صورة موجزة عما يجب أن ~~يتحلى به الطفل المسلم من أخلاق في الكتاب وغيره: ~~(1) # يجب عليه أن يفهم أنه إنما يتعلم العلم لله وللخير وللدين لا ~~لأمور الدنيا ولا لأي عرض زائل، وأن يحافظ على شعائر الدين ومكارم ~~الأخلاق وإظهار السنن، ويخشى الله، ويطهر قلبه من الصفات الذميمة ~~كالحسد والرياء والعجب واحتقار زملائه والغش، وما إلى ذلك من فاسد ~~الأخلاق. ~~(2) # يجب عليه أن يجد في الدراسة، وينشط في الحفظ والعمل، وأن لا ~~يتأخر عن مواعد الدروس والحفظ. ~~(3) # يجب عليه أن لا يسأل أستاذه أسئلة تعنت وتعجيز، وأن يهذب ~~أسئلته، وأن لا يستنكف عن التعلم ممن هو دونه من رفقائه إذا كان ~~أعلم منه؛ فقد ms052 ثبتت في الصحيحين وغيرهما من كتب الأئمة رواية جماعة ~~من الصحابة عن التابعين وسؤالهم إياهم عن بعض مسائل العلم ~~والدين. ~~(4) # أن لا يعاشر غير إخوانه المجدين من الطلبة؛ فإن الطبع ~~سراق. ~~(5) # أن لا يفتش في ابتداء دراسته عن اختلافات العلماء، وبخاصة في ~~المباحث العقلية والسمعية؛ فإن ذلك مما يفسد ذهنه ويشوشه. ~~(6) # أن لا ينتقل من بحث قديم إلى بحث جديد إلا بعد إتقان البحث ~~القديم، إلا إذا كان ذا مواهب كبيرة وأهلية واسعة، وبعد استئذان ~~أستاذه ومشورته بذلك. ~~(7) # أن لا ينظر إلى «أستاذه» و«نقيبه» بغير الإجلال والاحترام. ~~ويروى عن الشافعي أنه قال: كنت أصفح الورقة بين يدي مالك - رحمه ~~الله - صفحا رفيقا؛ هيبة له لئلا يسمع وقعها . ويروى أن الإمام ~~يحيى بن سعيد القطان كان يصلي العصر ثم يستند إلى أصل منارة مسجده، ~~فيقف بين يديه علي بن المديني، والشاذكوني، وعمرو بن علي، وأحمد بن ~~حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهم، يسألونه عن الحديث وهم قيام على ~~أرجلهم إلى أن تحين صلاة المغرب لا يقول لواحد منهم: اجلس، ولا ~~يجلسون هيبة له وإعظاما. ~~(8) # أن يبجل أستاذه في حضوره وغيبته، ولا يخاطبه بتاء الخطاب ~~وكافه ولا يناديه من بعيد، بل يقول له: يا سيدي، يا أستاذ، يا أيها ~~المعلم، يا أيها الحافظ، ويخاطبه بصفة الجمع، ويذكره في غيبته ~~بقوله: قال الشيخ، أو قال شيخنا، أو قال شيخ الإسلام، أو حجة ~~الإسلام، أو غير ذلك. ~~(9) # أن يصبر على بعض هفوات أستاذه أو جفوته أو سوء خلقه. قال ~~الشافعي: قيل لسفيان بن عيينة إن قوما يأتونك من أقطار الأرض تغضب ~~عليهم يوشك أن يذهبوا ويتركوك! فقال: هم حمقى إن تركوا ما ينفعهم ~~لسوء خلقي. ~~(10) # أن يسبق أستاذه في الحضور إلى المكتب أو الحلقة، وأن يجلس في ~~حضرته بأدب ويتعاهد تغطية قدميه وإرخاء ثيابه، ولا يستند بحضرته ~~إلى حائط أو مخدة، ولا يدير إليه ظهره أو ما أشبه هذا. ~~(11) # أن يلقي بسمعه إلى الشيخ وهو شهيد لما يلقيه؛ بحيث لا يحيجه إلى ~~إعادة الكلام، ولا ms053 يلتفت ولا يتمخط ولا يتمطى ولا يتثاءب ولا ~~يتجشأ ولا يضحك إلا بقدر. ~~(12) # أن لا يأكل ما يفسد عليه ذوقه وفهمه أو يضر بصحته أو ينسيه، أو ~~يسبب إفساد صحته وسوء فهمه. # 54 ~~(13) # أن يقلل النوم حتى لا يلحقه الضرر من ذلك في بدنه وذهنه، وأن لا ~~يزيد في نومه في اليوم والليلة على الثماني ساعات وإلا تبلد ذهنه، ~~وأن ينشط ذهنه بالترويح عن النفس في التفرج على المستنزهات ~~والرياضة. قال ابن خلكان في ترجمة الفارابي: وكان الشيخ مدة قيامه ~~بدمشق لا يكون غالبا إلا عند مجتمع ماء أو مشتبك رياض يؤلف هناك ~~كتبه ويتناوبه المشتغلون عليه. # 55 ~~(14) # أن لا يسيء معاملة أستاذه أو يسخر منه، أو يقوم هو ورفقاؤه من ~~الأطفال ببعض الأعمال الشائنة التي تحط من قدر الأستاذ أو تجعله ~~أضحوكة بين التلاميذ أو الناس. وينبغي على شيخ الكتاب إذا رأى ~~من أطفال كتابه عملا أو قولا أو حركات يراد بها الاستهزاء به ~~أن يتظاهر بأنه مطلع على حركاتهم هذه، وأنه سيعفو عنهم هذه ~~المرة، فإن كرروا العمل عاقبهم عقابا شديدا ليرهبوه وينزجر بهم ~~رفقاؤهم، وينبغي عليه أن لا يثور عليهم ثورات تدل على حمقه أو ~~سخفه. وقد اتهم معلمو الكتاتيب منذ القديم بأنهم حمقى حتى ضربت ~~بهم الأمثال في ذلك؛ قال الجاحظ: ومن أمثال العامة أحمق من معلم ~~كتاب. وقد ذكرهم صقلاب فقال: # وكيف يرجى الرأي والعلم عند من # يروح على أنثى ويغدو على طفل # وقال بعضهم: لا تستشيروا معلما ولا راعي غنم ولا كثير القعود ~~مع النساء ... وقد سمعنا في المثل «أحمق من راعي ضأن ثمانين.» فأما ~~استحماق رعاة الغنم في الجملة فكيف يكون صوابا وقد رعى الغنم عدة ~~من جلة الأنبياء صلى الله عليهم وسلم ... وقد سمعنا قول بعضهم «الحمق ~~في الحاكة والمعلمين والغزالين.» وقال: «الحاكة أقل وأسقط من أن ~~يقال لهم حمقى، وكذلك الغزالون؛ لأن الأحمق هو الذي يتكلم بالصواب ~~الجيد ثم يجيء بخطأ فاحش، والحائك ليس عنده صواب جيد في فعال ولا ~~مقال ms054 ... وما زلت أسمع هذا القول في المعلمين. والمعلمون عندي على ~~حزبين؛ منهم رجال ارتفعوا عن تعليم أولاد العامة إلى أولاد الخاصة، ~~ومنهم رجال ارتفعوا عن تعليم أولاد الخاصة إلى أولاد الملوك أنفسهم ~~المرشحين للخلافة، فكيف تستطيع أن تزعم أن مثل حمزة بن علي الكسائي ~~ومحمد بن المستنير الذي يقال له قطرب وأشباه هؤلاء يقال لهم حمقى؟! ~~ولا يجوز هذا القول على هؤلاء ولا على الطبقة التي دونهم، فإن ~~ذهبوا إلى معلمي كتاتيب القرى، فإن لكل قوم حاشية وسفلة، فما هم في ~~ذلك إلا كغيرهم، وكيف نقول مثل ذلك وفيهم الفقهاء والشعراء ~~والخطباء مثل عبد الحميد الكاتب و...» # 56 # والحق أن المعلمين هم الصفوة المختارة الذين نذروا نفوسهم لتعليم ~~أبناء الأمة ، وأذابوا نفوسهم لإضاءة الطريق أمام الجيل الصاعد، وإن ~~ظهر من بعضهم سخف أو حمق فهو كالذي يظهر من غيرهم من طبقات الناس ~~كالمهندسين والأطباء وغيرهم. # كيف كان يجري التعليم في الكتاتيب # كان الطفل يرسل إلى الكتاب الذي كان يكون في الغالب إلى جانب المسجد، ~~وقد يكون بعيدا عنه، ونادرا ما يكون فيه لعدم تحرز الأطفال عن الوساخة ~~والضوضاء، وكان يشرف على الكتاب معلم قارئ حافظ مثقف يتخذ التعليم حرفة ~~ومكتسبا، وقد يشترك أكثر من معلم واحد في كتاب واحد إذا كان عدد الأطفال ~~كثيرا، ولم تكن للحكومة أية رقابة على هذه الكتاتيب إلا متأخرا حينما وجدت ~~وظيفة «المحتسب». وكان الآباء ينتقون لأبنائهم الكتاتيب، ويتفقون مع معلميها ~~على الأجر ويشارطونهم على مقدارها أسبوعيا أو مشاهرة أو مسانهة، كما ~~يشارطونهم على ما يجب أن يتعلمه أبناؤهم، ولم يكن الكتاب في الغالب دارا ~~متعددة الغرف، كما هو الحال اليوم في دور الحضانة أو حدائق الأطفال أو المدارس ~~الابتدائية أو الأولية، وإنما هي غرفة واسعة أو ضيقة أو غرفتان على الأكثر، ~~متواضعة الفرش والأثاث، تتسع لعدد من الأطفال يشرف عليهم المعلم ~~والنقيب. # وكان من العادة أن يذهب الطفل إلى الكتاب مبكرا فيبدأ يومه بحفظ حزب من ~~القرآن الكريم، وبعد أن يحفظه يبدأ بالنسخ والكتابة ms055 والتمرن على تجويد الحفظ ~~إلى وقت الظهر، ثم يعود إلى بيته للغداء أو يتغدى في الكتاب، ثم يبدأ عمله ~~ثانية بعد صلاة الظهر حتى فترة العصر يقرأ ويكتب إلى حين الانصراف إلى أهله بعد ~~العصر. # وكان للأطفال نصف يوم الخميس وطول يوم الجمعة عطلة للاستراحة، بالإضافة إلى ~~أيام عيد الفطر الثلاثة وأيام عيد الأضحى الخمسة، وبعد عطل أيام المناسبات كيوم ~~ختم أحدهم أو طهوره أو ما أشبه هذا. # وكانت مدة بقاء الطفل في الكتاب خمسة أعوام أو ستة على الأكثر، وتكون على ~~الغالب ابتداء من السنة الخامسة أو السادسة من عمره إلى السنة العاشرة أو ~~الحادية عشرة، يحفظ الطفل خلالها القرآن الكريم كله أو بعضه عن ظهر قلب أو ~~رواية وإتقانا، ويتقن فني الكتابة والخط، ويلم بمبادئ العربية، ومبادئ ~~الحساب الأولية. # وطريقة التعليم في الكتاب هو أن يقرأ المعلم آية من القرآن ثم يرددها الطفل ~~حتى يحفظها، فينتقل إلى آية أخرى سواها، أو يكتب الآيات المطلوبة في لوح من ~~الحجر أو اللخاف أو العظام أو الجلود ثم يحفظها، فإذا حفظها محاها في إجانة ماء ~~يلقى به في مكان طاهر فتبتلعه الأرض. # وكان في الكتاب عقوبات يتلقاها الطفل المخطئ أو المهمل أو الكسول، وأول ~~تلك العقوبات التوبيخ وحده ثم أمام زملائه، ثم التهديد العلني ثم الضرب باليد ~~أو العصا. # وإذا أتم الطفل مدة الدراسة في الكتاب وحفظ القرآن أو رواه امتحنه المعلم ~~لمعرفة ذلك والتأكد منه، فإذا اجتاز الامتحان احتفل ب «الختمة»، ثم يدخل ~~معركة الحياة العملية، أو يبدأ الدراسة الثانوية فالعالية إذا ما أراد ~~ذلك. # هذا بإيجاز وصف الحالة التي كان عليها الكتاب ومدتها، وسنعود إلى تفصيل ~~دقائق ذلك بعد. # 57 # أهداف الكتاتيب ومناهجها وبرامجها # يظهر أن الكتاتيب التي وجدت في صدر الإسلام كانت كتاتيب ساذجة، يتعلم الطفل ~~منها أوليات القراءة ويحفظ القرآن كله أو بعضه، فلما انتظمت شئون الدولة ~~الإسلامية في عهد بني أمية، عني الناس عناية شديدة بهذه الكتاتيب لتخريج طبقة ~~من الكتاب ومستخدمي الدولة وعمالها ورجال الأعمال ms056 في مصالح الدولة وخارجها. ~~ولم يكد يطل القرن الثاني للهجرة حتى كانت هذه الكتاتيب قد انتظمت شئونها ~~وصار لها برامج تطبق في كتاتيب الصبيان كما تطبق في كتاتيب البنات. وقد ~~حفظ لنا الإمام الجليل محمد بن سحنون وغيره طرفا مهما من أحوال تلك الكتاتيب ~~وأنظمتها وقواعدها مما سنفصله بعد. # ولا شك في أن أول مقررات تلك البرامج هو القرآن الكريم؛ فقد كانت العناية به ~~جد شديدة، وكانوا يبدءون في إقراء الطفل للقرآن بجملته قراءة درج، ثم يعمدون ~~إلى تحفيظه إياه كله أو ما تيسر منه، وقد يبدأ المعلم بإعراب بعض آياته، وتفسير ~~غريبه تفسيرا وجيزا، وطريقة ترتيله وتجويده، كما يعلمهم مبادئ العلوم ~~والآداب التي تعينهم على تفهم معاني كتاب الله. # قال ابن سحنون: وينبغي له أن يعلمهم إعراب القرآن وذلك لازم له، والشكل ~~والهجاء والخط الحسن، والقراءة الحسنة والتوقيف والترتيل ... ولا بأس أن يعلمهم ~~الشعر مما لا يكون في فحش من كلام العرب وأخبارها، وليس ذلك بواجب عليه، ويلزمه ~~أن يعلمهم ما علم من القراءة الحسنة، وهو مقرأ نافع # 58 # ولا بأس إن أقرأهم لغيره إذا لم يكن مستبشعا، # 59 # ولا يجوز أن يقرأ القرآن بالألحان، ولا أرى أن يعلمهم التحبير؛ # 60 # لأن ذلك داعية الغناء وهو مكروه، وأن ينهى عن ذلك بأشد النهي، ~~وليعلمهم الأدب فإنه من الواجب لله عليه النصيحة وحفظهم ورعايتهم، وليجعل ~~الكتب من الضحى إلى وقت الانقلاب - أي الانصراف - ولا بأس أن يجعلهم يملي ~~بعضهم على بعض؛ لأن في ذلك منفعة لهم، وليتفقد إملاءهم، ولا يجوز أن ينقلهم من ~~سورة إلى سورة حتى يحفظوها بإعرابها وكتابتها إلا أن يسهل له الآباء ... ويلزمه ~~أن يعلمهم الوضوء والصلاة لأن ذلك دينهم ... # 61 # ويظهر أن هذه الطريقة كانت متبعة في أكثر أنحاء العالم الإسلامي إلا ~~الأندلسي، ويظهر أن الإمام أبا بكر بن عربي العالم الأندلسي المشهور (؟-543) قد ~~انتقد هذه الطريقة بعد أن طاف في العالم الإسلامي ووجد أن أطفال المسلمين في ~~كافة أصقاع الإسلام التي زارها يبدءون بتعلم القرآن ms057 دون أن يعوه؛ فانتقد ~~ذلك في العواصم من القواصم «... فصار الطفل عندهم إذا عقل، فإن سلكوا به أمثل ~~طريقة لهم علموه كتاب الله، فإذا حذقه نقلوه إلى الأدب، فإذا نهض منه حفظوه ~~الموطأ، فإذا أتقنه نقلوه إلى المدونة ...» # ويقول ابن خلدون، في الفصل الذي عقده لبيان تعليم الولدان واختلاف مذاهب ~~الأمصار الإسلامية وطرقه: «اعلم أن تعليم الولدان للقرآن شعار من شعار الدين ~~أخذ به أهل الملة ودرجوا عليه في جميع أمصارهم، لما يسبق فيه إلى القلوب من ~~رسوخ الإيمان وعقائده من آيات القرآن وبعض متون الأحاديث، وصار القرآن أصل ~~التعليم الذي ينبني عليه ما يحصل بعد من الملكات، فأما أهل المغرب فمذهبهم في ~~الولدان الاقتصار على تعليم القرآن فقط، وأخذهم أثناء المدارسة بالرسم ومسائله ~~واختلاف حملة القرآن فيه، لا يخلطون ذلك بسواه في شيء من مجالس تعليمهم لا من ~~حديث ولا من فقه ولا من شعر ولا من كلام العرب إلى أن يحذق فيه أو ينقطع دونه ... ~~وأما أهل الأندلس فمذهبهم تعليم القرآن والكتاب من حيث هو؛ وهذا هو الذي ~~يراعونه في التعليم، إلا أنه لما كان القرآن أصل ذلك ورأسه ومنبع الدين ~~والعلوم جعلوه أصلا في التعليم فلا يقتصرون لذلك عليه فقط، بل يخلطون في ~~تعليمهم للولدان رواية الشعر في الغالب والترسل وأخذهم بقوانين العربية وحفظها ~~وتجويد الخط والكتاب، ولا تختص عنايتهم في التعليم بالقرآن دون هذه، بل عنايتهم ~~فيه بالخط أكثر من جميعها إلى أن يخرج الولد من عمر البلوغ إلى الشبيبة ... ~~فأفادهم التفنن في التعليم وكثرة رواية الشعر والترسل ومدارسة العربية من أول ~~العمر حصول ملكة صاروا بها أعرف في اللسان العربي، وقصروا في سائر العلوم ~~لبعدهم عن مدارسة القرآن والحديث الذي هو أصل العلوم وأساسها؛ فكانوا لذلك أهل ~~خط وأدب بارع أو مقصر على حسب ما يكون التعليم الثاني من بعد تعليم ~~الصبا. # ولقد ذهب القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب رحلته إلى طريقة غريبة في وجه ~~التعليم وأعاد في ذلك وأبدأ، وقدم تعليم العربية ms058 والشعر على سائر العلوم كما ~~هو مذهب أهل الأندلس، قال: لأن الشعر ديوان العرب. ويدعو إلى تقديمه وتعليم ~~العربية في التعليم ضرورة فساد اللغة، ثم ينتقل منه إلى الحساب ليتمرن فيه حتى ~~يرى القوانين، ثم ينتقل إلى درس القرآن فإنه يتيسر عليه بهذه المقدمة. ثم قال: ~~ويا غفلة أهل بلادنا في أن يؤخذ الصبي بكتاب الله في أول أمره يقرأ ما لا يفهم ~~وينصب في أمر غيره أهم عليه. ثم قال: ينظر في أصول الدين ثم أصول الفقه ~~ثم الجدل ثم الحديث وعلومه، ونهى مع ذلك أن يخلط في التعليم علمان، إلا أن يكون ~~المتعلم قابلا لذلك بجودة الفهم والنشاط. هذا ما أشار إليه القاضي أبو بكر - ~~رحمه الله - وهو لعمري مذهب حسن إلا أن العوائد لا تساعد عليه وهي أملك ~~بالأحوال، ووجه ما اختصت به العوائد من تقدم دراسة القرآن إيثارا للتبرك ~~والثواب وخشية ما يعرض للولد في جنون الصبا من الآفات والقواطع عن العلم ~~فيفوته القرآن لأنه ما دام في الحجر منقاد للحكم، فإذا تجاوز البلوغ وانحل من ~~ربقة القهر فربما عصفت به رياح الشبيبة فألقته بساحل البطالة فيغتنمون في زمان ~~الحجر وربقة القهر تحصيل القرآن لئلا يذهب خلوا منه. ولو حصل اليقين ~~باستمراره في طلب العلم وقبوله التعليم لكان هذا المذهب الذي ذكره القاضي أولى ~~ما أخذ به أهل المغرب والمشرق ...» # 62 # فأنت ترى من هذا أن ابن خلدون يفضل الطريقة المتبعة في سائر ديار الإسلام ~~على الطريقة التي يقترحها القاضي ابن العربي لأنها الطريقة التي تلائم عقلية ~~الطفل ويتقبلها مستواه الفكري. # ولا يسعنا في هذا الموضع أن نهمل الإشارة إلى رأي المستشرق الفرنسي هنري ~~بيريس الذي كتب كتابا قيما عن الشعر الأندلسي في القرن الخامس ~~للهجرة/الحادي عشر للميلاد - فقد ذكر في بعض فصول كتابه مشيرا إلى الطريقة ~~التي اقترحها ابن العربي في تعليم الأطفال في الأندلس: «... إن الطريقة التي ~~تذكر عن ابن العربي وينتقدها ابن خلدون هي الطريقة التي كانت متبعة في بلاد ~~الأندلس، وإنها الأفضل ms059 على الرغم من انتقاد ابن خلدون إياها.» وقد اعتمد ~~البروفسور بيريس هذه النظرية وزعم أن الأندلسيين إنما خالفوا المشارقة في ~~طريقتهم لأنهم وجدوا خطأ الطريقة الشرقية ... ولم يكتف بهذا القول، بل قال ~~أيضا: «... إن الأندلسيين إنما فعلوا ذلك لأنهم وجدوا أن هذه الطريقة أجدى في ~~التعليم.» ثم أخذ يفتش عن الأسباب التي حدت بالأندلسيين في زعمه إلى سلوك هذه ~~الطريقة، وقد أداه بحثه إلى أن الأندلسيين إنما فعلوا ذلك متأثرين بالطريقة ~~اليهودية والنصرانية التي كانت متبعة في تعليم الأطفال في بلاد الأندلس قبل ~~دخول الإسلام إلى هاتيك الديار، كما أنهم قد تأثروا ببقايا التراث الإسباني ~~القديم في تعليم الأطفال ... # 63 # وهذا قول غريب جدا واستنتاج جد عجيب؛ إذ لا يقوم عليه دليل، ولا يؤيده ~~برهان، ولا يسيغه المنطق. والذي نراه ونؤمن به هو أن من فعل ذلك من الأندلسيين ~~في تعليم أطفالهم إنما فعل ذلك مهتديا إليه بطبيعته العربية وسليقته الأدبية، ~~وقد رأيت أن ابن خلدون، على الرغم من انتقاد تلك الطريقة، قد أعجب بها لما ~~فيها من تقويم اللسان وتقوية الملكات قبل البداءة بدراسة القرآن، ثم إن ~~الأندلسيين لم يكونوا وحدهم متبعين تلك الطريقة؛ فقد كان في المشارقة أيضا ~~نفر ذهبوا في تعليم أولادهم هذا المذهب، وقالوا إنه لا يصح أن يبدأ الولد ~~بتعلم القرآن قبل معرفة العدة والآلات التي تعينه على فهمه وإداراك معانيه. ~~وممن قال بهذه الطريقة ابن الأعرابي الإمام النحوي المشهور والأديب اللغوي ~~المعروف (؟-231ه)؛ فقد كان يرى أنه يحسن بالطفل أن يبدأ بتعلم العربية ~~واللغة ويطلع على الشعر والنثر القديمين، فإذا أتقن ذلك كله طلب إليه أن ~~يقرأ القرآن حتى إذا ما قرأه استطاع أن يعيه ويفهمه. وقد نقل المبرد مثل ~~هذا الرأي عن الإمام علي رضوان الله عليه وسلامه، # 64 # ونقل الجاحظ عن الحجاج بن يوسف الثقفي أنه أوصى مؤدب ولده - وهو ~~المؤدب المعلم القديم - بأن يعلمهم السباحة وما إليها من ترويض الجسم أولا ~~ثم يعلمهم القراءة والكتابة، قال: «علم ولدي السباحة قبل الكتابة؛ ms060 فهم يصيبون ~~من يكتب عنهم ولا يصيبون من يسبح عنهم»، # 65 # ويروي الجاحظ أيضا أن عمر بن الخطاب كتب إلى ساكني الأمصار: أما ~~بعد فعلموا أولادكم العوم والفروسية ورووهم ما سار من المثل وحسن من الشعر، # 66 # فأنت ترى من هذه الأقوال أن في المسلمين من المشرق جماعة كانت ~~تذهب مذهب أهل المغرب من وجوب تقديم تعليم آلات القرآن على القرآن نفسه. # أمور أخرى تتعلق بالتعليم الأولي في الكتاتيب # أخذ الأجرة على التعليم: # أشرنا فيما مضى إلى أن جماعة من قدماء المعلمين والمربين كانوا ~~يتحرجون من تناول الأجرة على التعليم، وبخاصة تعليم القرآن وعلوم ~~الدين، ونحب ها هنا أن نفصل هذا الأمر الهام الذي يبين لنا طرفا ~~ساميا من أخلاق المسلمين الأولين، كما يبين لنا سرا من ~~أسرار التقدم العلمي العجيب الذي قام به العرب على الرغم من قلة ~~الوسائل وقصر المدة. # أورد البخاري في الجامع الصحيح عن الإمام ابن عباس أن النبي # صلى الله عليه وسلم # قال: «أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله.» فهذا نص صريح ~~في أنه لا بأس من أخذ الأجرة على التعليم، ولكن روي عن الرسول ~~أيضا حديث آخر رواه ذلك الأنصاري الذي علم بعض أهل الصفة ~~شيئا من آي القرآن وأخذ منه مقابل ذلك قوسا لأنه لم يكن يملك ~~مالا، وأن النبي # صلى الله عليه وسلم # لما أبصره يحمل القوس قال له: من أين ~~لك هذه القوس؟ فقال: أعطانيها رجل ممن يستقرئونني. فقال رسول الله: ~~ارددها وإلا فقوس من النار. وقال أيضا في حديث آخر: «اقرءوا ~~القرآن ولا تأكلوا به ولا تراءوا ولا تسمعوا به.» فهذان الحديثان ~~يخالفان حديث ابن عباس، والحقيقة أنه لا خلاف، فإن الرسول في ~~الحديث الأول بين لنا جواز أخذ الأجرة على التعليم إلا إذا كان ~~المتعلم فقيرا أو أنه لا يملك إلا شيئا قليلا كصاحب القوس؛ فإنه ~~لا يجوز أخذ الأجرة منه مقابل تعليمه، كما أنه يحرم أخذ شيء من ~~المتعلم إذا كان لا يعلم شيئا من القرآن أو ms061 أنه إنما يريد بتعلمه ~~الاهتداء إلى الدين الحنيف، وإلا فإن الأجر على التعليم مباح لا ~~بأس به، كما أن الأجر على الأذان وإقامة الصلاة والإمامة والقضاء ~~وغيرها من الأمور الشرعية مباح، إلا إذا تعمد القائم بها أن لا ~~يقوم إذا لم يدفع له أجره. قال القابسي: إن أئمة المسلمين في صدر ~~هذه الأمة ما فيهم إلا من قد نظر في جميع أمور المسلمين بما يصلحهم ~~في الخاصة والعامة، فلم يبلغنا عن أحد منهم أنه أقام معلمين ~~يعلمون للناس أولادهم من صغرهم في الكتاتيب ويجعلون لهم على ذلك ~~نصيبا من مال الله عز وجل، كما صنعوا لمن كلفوه القيام للمسلمين ~~في النظر بينهم في أحكامهم والأذان لهم في مساجدهم مع سائر ما ~~جعلوه حفظا لأمور المسلمين وحيطة عليهم، وما يمكن أن يكونوا ~~أغفلوا شأن معلم الصبيان، ولكنهم - والله أعلم - رأوا أنه شيء ~~مما يختص أمره كل إنسان في نفسه؛ إذ كان ما يعلمه المرء ولده فهو ~~من صلاح نفسه المختص به، فأبقوه عملا من عمل الآباء الذي لا ينبغي ~~أن يحمله غيرهم إذا كانوا مطيقيه. # ولما ترك أئمة المسلمين النظر في هذا الأمر، وكان حتما لا بد ~~للمسلمين أن يفعلوه في أولادهم ولا تطيب نفسهم إلا على ذلك، ~~واتخذوا لأولادهم معلما يختص بهم ويداويهم ويرعاهم حسب ما يرعى ~~المعلم صبيانه، وتعذر أن يمكن أن يوجد من الناس من يتطوع للمسلمين ~~أن يستأجروا من يكفيهم تعليم أولادهم ... ويكون هذا المعلم قد حمل عن ~~آباء الصبيان مئونة تأديبهم وتبصيرهم استقامة أحوالهم وما ينمي لهم ~~في الخير أفهامهم، ويبعد عنهم في الشر مآلهم، وهذه عناية لا يكثر ~~المتطوعون بها، ولو انتظر من يتطوع بمعالجة تعليم الصبيان القرآن ~~لضاع كثير من الصبيان ... ولقد ذكر الحارث بن مسكين في تاريخ سنة ~~ثلاث وسبعين أخبرنا ابن وهب قال سمعت مالكا يقول: كل من أدركت من ~~أهل العلم لا يرى بأجر المعلمين - معلمي الكتاتيب - بأسا ... # 67 # فأنت ترى أن القوم قد ناقشوا هذه القضية مناقشة عقلية ~~وتربوية منذ ms062 زمن، وأبانوا ضرورة وجود المعلمين وأباحوا لهم تناول ~~الأجرة على تعليم الصبيان كتاب الله، والضروري من العلم الديني ~~والدنيوي. وأما غير ذلك من العلوم كالتوسع في علوم اللغة والفقه ~~والعربية والحديث والشعر والدين والحساب، فقد اختلفوا في جواز أخذ ~~الأجرة، ولكن الأكثرين أباحوا ذلك. قال ابن حبيب: لا بأس بإجازة ~~المعلم على تعليم الشعر والنحو والرسائل وأيام العرب. وعلى الرغم ~~من هذه الفتوى فقد ظل من العلماء والمعلمين نفر يعلمون في سبيل ~~الله لا يأخذون على التعليم أجرا، وكان في مقدمة هؤلاء المعلمين ~~أئمة المتصوفة ورجالات الزهد والورع ممن كانوا يكتفون باليسير ~~ويطلبون المثوبة على عملهم من اللطيف الخبير. # 68 # سن ابتداء التعليم: # ذكرنا فيما سلف أن السن التي كانوا يبدءون فيها بتعليم الطفل ~~كانت في الخامسة أو السادسة، والحقيقة هي أننا لم نعثر على نص يقطع ~~بتعيين مبدأ سن الدراسة؛ فبعضهم كان يبدأ بتعليم أولاده في الرابعة، # 69 # وبعضهم في السنة السابعة أو الثامنة، # 70 # ولكن الأكثرين فيما رأينا من المصادر يذهبون إلى أن ~~السنة السادسة أو السنة السابعة هي السن المعتدلة التي يمكن للطفل ~~فيها أن يستوعب ما يلقى إليه. قال ابن الحاج العبدري (؟-737): ~~وينبغي له - أي للمعلم - أن يمتثل السنة في الإقراء، ومن جملة ~~ذلك أن السلف الماضين - رضي الله عنهم - إنما كانوا يقرئون ~~أولادهم في سبع سنين لأنه يؤمر الولي أن يكلف الصبي بالصلاة ~~والآداب الشرعية فيها، فإذا كان الصبي في تلك السن فهو غير محتاج ~~إلى من يأتي به إلى المكتب إن أمن عليه غالبا، فإن لم يأمن فليرسل ~~معه وليه من يثق به في ذهابه إلى بيته لضرورته وغذائه ومن يأتي ~~به إلى المكتب؛ فهو أسلم عاقبة ... والغالب في هذا الزمان أنهم ~~يدخلون أولادهم المكتب في حال الصغر بحيث إنهم يحتاجون إلى من ~~يربيهم ويسوقهم إلى المكتب ويردهم إلى بيتهم، بل بعضهم تكون سنه ~~بحيث لا يقدر أن يمسك ضرورة نفسه، بل يفعل ذلك في المكتب ويلوث به ~~ثيابه ومكانه، فليحذر من أن يقرئ ms063 مثل هؤلاء؛ إذ لا فائدة في ~~إقرائه لهم إلا وجود التعب غالبا ... ألا ترى أن الغالب منهم أنهم ~~يرسلون أولادهم إلى المكتب في حال صغرهم لكي يستريحوا من تعبهم لا ~~لأجل القراءة. # 71 # ورأي ابن الحاج هذا رأي وجيه أيدته البحوث التربوية الحديثة؛ ~~فقد ذهب المربون المحدثون إلى أنه لا يحسن تعليم الصبي قبل اكتمال ~~وعيه، وأن هذا الاكتمال لا يتم في الأغلب إلا بعد السنة السادسة، ~~أما في السنة الرابعة فإن في ذلك إرهاقا للطفل. ولقد أحصى ~~البروفسور رودس كثيرا من طلاب الأطفال الذين يذهبون في سن مبكرة ~~جدا إلى المدرسة، فوجد أن من بدءوا تعلمهم في السنة الرابعة ~~بدلا من السن الخامسة أو السادسة كانوا أضعف معلومات ومدارك ممن ~~ذهبوا إليها بعد تلك، وذلك حين اختبرهم في سن الثانية عشرة، إلا ~~أنه قال : أما المحفوظات فإنهم يتساوون فيها، وأما الأشغال اليدوية ~~فإن الذين ذهبوا إلى المدرسة في سن مبكرة يتفوقون على من ذهبوا ~~إليها في سن متأخرة. # 72 # أما السن التي يجب أن يترك الأطفال فيها الكتاب فلم تحدد، ~~ولكن القابسي يذكر أنه ينبغي أن يخرجوا من الكتاب إذا بلغوا سن ~~الحلم، وهذه السن تتراوح عند الأطفال الذكور بين الثالثة عشرة ~~والخامسة عشرة. يقول القابسي «... وإنه لينبغي للمعلم أن يحترس ~~الصبيان بعضهم من بعض إذا كان فيهم من يخشى فساده يناهز الاحتلام ~~أو يكون له جرأة ...» # 73 # عقوبة الأطفال للتعليم: # اهتم المربون المسلمون منذ القديم بأمر عقوبة الطفل المقصر ~~لتعليمه وتهذيبه؛ فرأى بعضهم أنه لا بد من العقوبة، على أن لا ~~تتجاوز حدود الإنذار فالتوبيخ فالتشهير فالضرب الخفيف. وقال آخرون ~~بإباحة الضرب والعقوبة الجسدية الشديدة إذا ما تجاوز الطفل حدود ~~المعقول المقبول ولم ينفع فيه الإنذار ~~والتوبيخ والتشهير والزجر ~~والضرب الخفيف. والأكثرون على أن العقوبة تنقسم إلى قسمين: # أحدهما: # روحي. # وثانيهما: # بدني. # ويجب أن تسبق القسمين النصائح والتوجيهات، فإن لم تجد نفعا ~~ولم يجد المؤدب بدا من اللجوء إلى العقوبة، فإنه يبدأ بالعقوبة ~~الروحية من العبوس، فاللوم، فالإهانة ms064 على انفراد، فالتوبيخ أمام ~~الرفقاء، فإن لم تجد تلك العقوبة الروحية نفعا لجأ إلى العقوبة ~~الجسدية من الوخز والضرب. وهم يستدلون على جواز ذلك بالحديث النبوي ~~القائل: مروا أولادكم بالصلاة لسبع سنين واضربوهم عليها لعشر ~~بعصا لا بخشبة، وبالآية الكريمة: # ولكم ~~في القصاص حياة يا أولي ~~الألباب ~~. # قال المربي الإمام القابسي في فصل عنوانه «سياسة المعلمين»: ومن ~~حسن رعايته لهم أن يكون بهم رفيقا؛ فإنه قد جاء عن عائشة: «اللهم ~~من ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به.» وقد قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «إن الله يحب الرفق في الأمر كله، وإنما يرحم الله من ~~عباده الرحماء.» وإذا أحسن المعلم القيام وعني بالرعاية وضع ~~الأمور مواضعها؛ لأنه هو المأخوذ بأدبهم والناظر في زجرهم عما لا ~~يصلح لهم، والقائم بإكراههم على مثل منافعهم؛ فهو يسوسهم في كل ذلك ~~بما ينفعهم؛ فكونه عبوسا أبدا من الفظاظة الممقوتة، ويستأنس ~~الصبيان بها فيجترئون عليه، لكنه إذا استعملها عند استئهالهم الأدب ~~صارت له دلالة على وقوع الأدب بهم فلم يأنسوا إليها، فيكون منها ~~إذا استعملت أدب لهم في بعض الأحايين دون الضرب، وفي بعض الأحايين ~~يوقع الضرب معها بقدر الاستئهال الواجب في ذلك الجرم. ولكن ينبغي ~~أن لا يتبسط إليهم تبسط الاستئناس في غير تقبض موحش في كل ~~الأحايين، ولا يضاحك أحدا منهم على حال، ولا يبتسم في وجهه وإن ~~أرضاه وأرجاه على ما يجب، وإن استأهل الضرب فاعلم أن الضرب من ~~واحدة إلى ثلاث، فليستعمل اجتهاده لئلا يزيد في رتبة فوق استئهالها ~~... وربما كان من صبيان المعلم من يناهز الاحتلام ويكون سيئ الرعية ~~غليظ الخلق لا يريعه وقوع عشر ضربات عليه ويرعى للزيادة عليه ~~مكانا، وفيه محتمل مأمون فلا بأس - إن شاء الله - من الزيادة على ~~عشر ضربات، والله يعلم المفسد من المصلح ... وليتجنب أن يضرب رأس ~~الصبي أو وجهه ... # 74 # فالقابسي يبيح للمعلم أن يؤدب أطفال كتابه إذا لم ~~يفد اللطف والإيناس معهم، ويبيح له ذلك على أن لا ms065 يتجاوز ثلاث ~~ضربات، إلا إذا كان الطفل سيئ الأخلاق، قد ناهز الاحتلام، فلا بأس ~~من ضربه عشر ضربات وإلا فلا يجوز له؛ لأن أبناء الناس وديعة في ~~يده. قال ابن خلدون: «... إن من كان مرباه بالعسف والقهر من ~~المتعلمين أو المماليك أو الخدم سطا به القهر، وضيق على النفس في ~~انبساطها، وذهب بنشاطها، ودعا إلى الكسل وحمل إلى الكذب والخبث، ~~وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه ~~... فينبغي للمعلم في متعلمه، والوالد في ولده أن لا يعتدوا عليهم في ~~التأديب ...» # 75 # فابن خلدون يعالج مشكلة تربوية نفسية جد خطيرة، وهي أن ~~من يعود على القيام بواجبه مكرها، لا يفعل الواجب إذا زال ~~الإكراه، وفي هذا فساد عظيم، ويرجع ذلك كله إلى التربية الظالمة ~~التي يلجأ إليها بعض الآباء والمعلمين. # وكما يعاقب المعلم تلميذه على إهمال دروسه، يعاقبه على الإسراف ~~في لعبه ولهوه، وعلى الهرب من كتابه، وعلى إيذاء إخوانه. قال ~~القابسي: «... وهذا هو أدبه إذا أفرط فتثاقل عن الإقبال على العلم، ~~فتباطأ في حفظه، أو أكثر الخطأ في حزبه أو كتابة لوحه من نقص حروفه ~~وسوء تهجيته وقبح شكله وغلطه في نقطه، فنبهه مرة بعد مرة فأكثر ~~التغافل ولم يغن فيه البذل والتقريع بالكلام الذي فيه التوعد من ~~غير شتم ولا سب بعرض، كقول من لا يعرف لأطفال المؤمنين حقا ~~فيقول: يا مسخ، يا قرد ... فلا يفعل هذا ...» # 76 # على أن كثيرا من المؤدبين كانوا يلحون إلحاحا ~~شديدا بوجوب عدم الضرب والشتم لما فيهما من الفساد، حتى قال سحنون ~~لمؤدب ولده محمد حينما سلمه إياه ليعلمه: «... ولا تؤدبه إلا بالمدح ~~ولطف الكلام، وليس هو ممن يؤدب بالضرب أو التعنيف.» # 77 # فهذا يدلنا على أن نفرا من المسلمين المربين كرهوا ~~الضرب أصلا وأوجبوا عدم العنف لما في ذلك من الضرر ~~البالغ. # إلزامية التعليم: # الدين الإسلامي دين ديمقراطي؛ لأنه جاء بالتساوي بين الناس، ~~ولأنه لا يفضل أحدا على أحد إلا بالتقوى والصلاح والعلم ~~والكمال، وأن ما جاء ms066 عن النبي # صلى الله عليه وسلم # من علم وصلاح وهدى هو ~~للناس أجمعين، كما نص عليه القرآن وتواترت به السنة وسار عليه ~~الرسول وخلفاؤه الراشدون من بعده. ومبدأ الديمقراطية والتساوي بين ~~الناس جميعا وإلزامية التعليم والتساوي فيه مبدأ يقره الإسلام ~~بروحه، وهو وإن لم ينص عليه فإنه يدعو إليه بل يحض عليه، وقد قام ~~الرسول # صلى الله عليه وسلم # بعمل باهر في هذا الصدد حين افتدى عشرة من الأسرى ~~الكفار بتعليم أطفال المسلمين، ثم إنه حض الناس على التعليم، ~~وأمر بالتعليم احتسابا لوجه الله، ولنيل الأجر والمثوبة عند الله، ~~وفي هذا أيضا ما يشعر بإلزامية التعليم. # وقد ظل المعلمون والمفتون زمن الرسول # صلى الله عليه وسلم # وأيام الخلفاء ~~الراشدين والأمويين حتى القرن الثاني للهجرة، وهم في خلاف على جواز ~~أخذ الأجرة على التعليم كما أسلفنا، ولقد بحث الفقهاء مطولا ومنذ ~~زمن مبكر في حكم التعليم بصورة عامة هل هو مباح أو واجب، وإذا كان ~~واجبا فمن هو المكلف به، وما هو نوع التعليم الذي يجب أن يكلف ~~به؟ ولعل أجل كاتب تعرض لهذه النقطة الخطيرة وناقشها مناقشة ~~دقيقة وانتهى إلى أن الإسلام يلزم تابعيه بوجوب التعليم هو الإمام ~~القابسي في رسالته القيمة المفصلة لأحوال المتعلمين وأحكام ~~المعلمين. وقد حلل الدكتور الفاضل الأهواني ناشر رسالة القابسي ما ~~جاء فيها مما يتعلق بهذا الأمر تحليلا مفيدا حيث يقول: «... ~~فالقابسي يريد أن يعلم أبناء الشعب جميعا لأنه يريد أن ينتشر ~~الدين ولا يحرم أحدا، ولم يرد في القرآن نص على وجوب التعليم ~~ولا يوجب الحديث مثل ذلك، ولم يعهد عن الصحابة والتابعين أنهم ~~أوجبوا على الناس تعليم أولادهم وإرغامهم على إرسالهم إلى الكتاتيب ~~أو استحضار المعلمين لهم؛ لذلك احتال القابسي للحكم في هذه المسألة ~~الجديدة التي لم يسبقه إليها أحد، وبين أيدينا كتاب ابن سحنون في ~~التعليم الذي دونه عن أبيه، فلا نجد فيه ذكرا لهذا ~~الموضوع.» # وأدلة القابسي قوية أخاذة تنقلك من فكرة إلى أخرى حتى تنتهي ~~بك إلى أن تعليم الصغار ms067 ضروري واجب، وأن هذا الوجوب هو الوجوب ~~الشرعي على طريقة الفقهاء، وذلك أن معرفة العادات واجبة بنص ~~القرآن، ومعرفة القرآن واجبة أيضا لضرورتها في الصلاة، وأن الوالد ~~مكلف بتعليم ابنه القرآن والصلاة؛ لأن حكم الولد في الدين حكم ~~أبيه، فإذا لم يتيسر للوالد أن يعلم أبناءه بنفسه فعليه أن ~~يرسلهم إلى الكتاب لتلقي العلم بالأجر، فإذا لم يكن الوالد ~~قادرا على نفقة تعليم ولده فأقرباؤه مكلفون بذلك، فإذا عجز أهله ~~عن نفقة التعليم فالمحسنون مرغبون في ذلك، أو أن معلم ~~الكتاب يعلم الفقراء احتسابا أو من بيت المال ... والنتيجة ~~التي يريد أن يصل إليها القابسي هي تعليم أبناء المسلمين أغنياء ~~وفقراء، وهذا هو نص التعليم الإلزامي الذي أعلنه القابسي في القرن ~~العاشر للميلاد؛ أي في صميم القرون الوسطى التي كان أهل أوروبا ~~يعيشون فيها مع الجهل ... # 78 # ولقد أقر كثير من الفقهاء المغاربة والمشارقة الإمام القابسي على ~~نظريته هذه لأنها نظرية سليمة، وفتواه وجيهة؛ ولذلك أوجبوا التعليم ~~الإلزامي الابتدائي للأطفال المسلمين مستندين في ذلك إلى الحديث ~~النبوي الكريم القائل: «طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة.» وهم ~~وإن اختلفوا في نوع هذه العلم المفروض طلبه على كل مسلم ومسلمة، ~~فإنهم طرا مجمعون على إلزام تعليم ضروريات من الدين، ولا يتوصل ~~إلى تعليم تلك الضروريات الدينية إلا بتعلم مبادئ القراءة ~~والكتابة ودراسة القرآن الكريم. وبتعلم تلك المبادئ ودراسة ~~القرآن يخرج المرء من الأمية إلى العلم. # تعليم البنات: # من الأمور التي لها علاقة وشيجة بإلزامية التعليم أمر تعليم ~~البنات، وقد انقسم المربون المسلمون في القدر الواجب تعليمه للفتاة ~~المسلمة؛ فقد روي عن الرسول # صلى الله عليه وسلم # أنه قال للشفاء العدوية، ~~إحدى مثقفات قريش وعوالمهم في «الجاهلية»: «ألا تعلمين حفصة رقية ~~النملة كما علمتها الكتابة.» # وقد ذكر المؤرخون جمهرة صالحة من كواتب العرب قبل الإسلام وبعده، ~~ومنهن السيدات عائشة بنت سعد بن أبي وقاص، وأم كلثوم بنت عقبة، ~~وحفصة زوجة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وهند بنت أبي سفيان ... وغيرهن. ويظهر أن ms068 ~~المسلمين في صدر الإسلام كانوا في شغل عن هذه القضية فلم يولوها ~~عنايتهم، ولعل أول كاتب مسلم فصل في هذه القضية القول هو الإمام ~~القابسي؛ فقد ذكر في رسالته عن التعليم أن «من حسن النظر أن لا ~~يخلط بين الذكران والإناث، وقد قال سحنون: أكره أن يعلم الجواري ~~ويخلطهن مع الغلمان؛ لأن ذلك فساد لهن ...» # 79 # فهذا النص صريح يدلنا على أن البنات كن يتعلمن منذ زمن ~~مبكر جدا، وأنهن كن يقصدن الكتاتيب، وابن سحنون والقابسي يريان ~~أن تفصل البنات عن الصبيان خشية الفساد. # روى الجاحظ في البيان والتبيين أن الوليد بن عبد الملك مر ~~بمعلم صبيان فرأى عنده جارية فقال: ويلك! ما لهذه الجارية؟! فقال: ~~أعلمها القرآن. قال: فليكن الذي يعلمها أصغر منها. # 80 # ولعل الخشية على البنات من فساد أخلاقهن ومن معلمي السوء هي التي ~~جعلت كثيرين من الفقهاء منذ زمن بعيد يحرمون عليها تعلم ~~الكتابة ويبيحون لها تعلم القراءة، وقراءة القرآن فحسب، ويوصونها ~~بتعلم سورة النور خاصة لما فيها من الوعظ والتأديب والتعلم ~~المتعلق بها. # قال الجاحظ: وكان يقال لا تعلموا بناتكم الكتاب، ولا ترووهن ~~الشعر وعلموهن القرآن، ومن القرآن سورة النور. # 81 # ومثل هذا ما نجده منثورا في سقط الزند، فإن أبا ~~العلاء المعري - غفر الله له - كان يكره أن تعلم الفتاة، وكان ~~يوصي أهلها أن يجنبوها القراءة والكتابة. # ومثل هذا ما دفع العلامة العراقي المتأخر أبا الثناء الآلوسي ~~أن يؤلف رسالة خاصة في تحريم تعليم الفتاة سماها «الإصابة في منع ~~النساء من تعلم الكتابة». # ولكن الأمر لم يسر في هذه الطريق المتشددة؛ فقد كان كثير من ~~الفقهاء والعلماء يحرصون على تعليمها، حتى نبغ منهن في الإسلام ~~قديما وحديثا من لا يحصين كثرة ولا يقارن بكثير من ~~الرجال. قال القابسي: «وأما تعليم الأنثى القرآن والعلم فهو حسن ~~ومن مصالحها، فأما أن تعلم الترسل والشعر وما أشبهه فهو مخوف ~~عليها ...» # 82 # ويقول العلامة التونسي حسن حسني عبد الوهاب: ولا تحسبن أن ~~التعليم الابتدائي كان يختص بالولدان الذكور ms069 دون البنات، بل إنه ~~كان شاملا الجنسين، لا سيما عند المياسير ... فهذا القاضي الورع ~~عيسى بن مسكين (؟-275) كان يقرئ بناته وحفيداته، قال عياض: «فإذا ~~كان بعد العصر دعا بنتيه وبنات أخيه ليعلمهن القرآن والعلم، ~~وكذلك كان يفعل قبله فاتح صقلية أسد بن الفرات بابنته أسماء التي ~~نالت من العلم درجة كبيرة، والإمام سحنون بابنته خديجة ... وروى ~~الخشني أن مؤدبا كان بقصر الأمير محمد بن الأغلب وكان يعلم ~~الأطفال بالنهار والبنات في الليل ...» # 83 # وصفوة القول أن الإسلام لم يحرم التعليم على الفتاة، ولكن الذي ~~نهاها عنه بعض العلماء هو قول الشعر الفاحش، والكلام المقذع وقراءة ~~هذا وأمثاله، أما أن تقول الشعر الحكيم الرصين وتتعلم المحكم الحسن ~~والجيد المتقن فأمور يدعو إليها الشرع ويحرص عليها. # المكتبة، دار العلم: # عني الخلفاء المسلمون منذ فجر العهد الأموي بالكتاب العربي ~~وتكثيره ونشره بين الناس وإنشاء الخزائن التي تضم الكتب والدفاتر ~~والسجلات ، كما عنوا بالحصول على كتب العلم القديمة لتكون مرجعا ~~لهم ولأولادهم، وكانوا يزودون المساجد الجامعة من كل إقليم ~~بالخزائن التي تضم المصاحف والأجزاء الحديثة، وكتب العلم، وكان ~~كثير من العلماء منذ زمن قديم يقفون كتبهم وأوراقهم ومخطوطاتهم على ~~خزائن المساجد ودور العلم يتقربون بذلك إلى الله، ويرجون نشر العلم ~~ومعونة أصحابه. # 84 # ولعل أقدم الخزائن العربية التي عرفت بعض أخبارها هي خزانة ~~الخليفة الأموي الحكيم خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ~~(؟-85)، وكان من كبار علماء المسلمين وعقلائهم، اشتغل بالعلم واهتم ~~بالكيمياء والطب والنجوم فأتقنها وألف فيها رسائل، ولما مات أبوه ~~أجمع بنو أمية على توليه الخلافة، فأقام فيها ثلاثة أشهر ثم غلب ~~عليه حبه كتبه وبحوثه فعزم على ترك الأمر وجمع الناس وخطبهم ~~فقال: إن جدي معاوية نازع الأمر من كان أولى به، ثم تقلده أبي، ~~ولقد كان غير خليق به، ولا أحب أن ألقى الله تعالى بتبعاتكم، ~~فشأنكم وأمركم. ثم خلع نفسه، ولزم بيته يطالع في كتبه ويدرس إلى ~~أن توفاه الله. قال ابن النديم في الفهرست: كان خالد بن ms070 يزيد ~~فاضلا في نفسه له همة ومحبة للعلوم، خطر بباله حب الصنعة - ~~الكيمياء - فأمر بإحضار جماعة من فلاسفة اليونان ممن كان ينزل مصر ~~وقد تفصح بالعربية وأمرهم بنقل الكتب من اللسان اليوناني والقبطي ~~إلى العربي؛ وهذا أول نقل كان في الإسلام من لغة إلى لغة. وقال ~~الجاحظ: «خالد بن يزيد خطيب شاعر، وفصيح جامع، جيد الرأي، كثير ~~الأدب، وهو أول من ترجم كتب النجوم والطب والكيمياء. وقد وقف هذا ~~الخليفة نفسه على العلم وخدمته، وجمع الكتب وتأليف الرسائل.» # 85 # وقد ظلت خزانة خالد هذه محفوظة في البلاط الأموي، ولما ~~ولي الخلافة الأموية عمر بن عبد العزيز فتحها للناس للإفادة منها ~~والتعليم من نفائسها، وقد انقطعت أخبارها بعدئذ فلم نعثر لها على ~~خبر بعد خلافة عمر بن عبد العزيز سوى ما يذكره القفطي العالم ~~المؤرخ الأشهر المعروف بعلم الكتب والخزائن؛ فإنه ذكر في «تاريخ ~~الحكماء» أثناء ترجمة الفلكي المعروف بابن السنبدي: «إن الوزير أبا ~~القاسم أحمد علي بن أحمد الجرجاني تقدم في سنة 435 قبل وفاته ~~باعتبار خزانة الكتب بالقاهرة وأن يعمل لها فهرست ويرم ما أخلق ~~من جلودها، وأنفذ القاضي أبا عبد الله القضاعي وابن خلف الوراق ~~ليتوليا ذلك وحضر القصر، وحضرت لأشاهد ما يتعلق بصناعتي، فرأيت ~~من كتب النجوم والهندسة والفلسفة خاصة ستة آلاف وخمسمائة جزء، ~~وكرة نحاس من عمل بطليموس وعليها مكتوب «حملت هذه الكرة من الأمير ~~خالد بن يزيد بن معاوية» وتأملنا ما مضى من زمانها فكان ألفا ~~ومائتين وخمسين سنة.» # 86 # وممن ذكر عنه الاعتناء بجمع الكتب من خلائف أمية الوليد بن عبد ~~الملك (؟-96) الخليفة الفاتح المصلح المحب للبناء والعمران، وأول ~~من أحدث المستشفيات ودور المجذومين في الإسلام؛ فقد رووا أنه كان ~~محبا للقراءة وجمع الكتب، وأنه جمع خزانة وجعل عليها خازنا اسمه ~~سعد، وكان يلقب بصاحب المصاحف، ولا يقصدون بذلك مصاحف القرآن ~~فقط، وإنما يقصدون مصاحف العلم من أدب وشعر ودين. وقد اختار سعد ~~هذا خالد بن أبي الهياح لكتابة المصاحف العربية والشعر والأخبار ~~ونسخها، ms071 وكان حسن الخط، وحسن الكتابة والنسخ. # 87 # وممن ذكر عنه أيضا من خلائف بني أمية أنه كان يعتني بجمع دفاتر ~~الكتب في الخزائن الوليد بن يزيد بن عبد الملك (؟-126)، وقد كان من ~~فتيان قريش وأدبائهم وظرفائهم على الرغم من حبه للهو والمرح؛ فقد ~~ذكروا أنه على الرغم من حبه للشراب وانهماكه بالمرح والسماع، كان ~~محبا للعلم منقبا عن كتبه ودواوين الشعر، وأنه جمع خزانة كتب ~~كبيرة في قصره على الرغم من قصر مدته؛ إذ إنه لم يبق في الخلافة ~~إلا سنة وثلاثة أشهر. ويقول ابن سعد: حملت الدفاتر على الدواب من خزائنه. # 88 # هذا ما كان عليه الأمر في عهد بني أمية، فلما استخلف بنو العباس ~~اهتموا كذلك بالعلم وكتبه، وكان أبو جعفر المنصور (95-158) مؤسس ~~هذه الدولة من العلماء الأعلام في الفقه والأدب والحكمة، وهو أول ~~من عني بالعلم والترجمة، وأمر من حوله من أهل الفضل بترجمة ~~الكتب القديمة والاهتمام بعلم الفلك، وفي زمنه عمل أول أسطرلاب ~~عربي صنعه الفيلسوف المهندس المنجم محمد بن إبراهيم الفزاري، # 89 # ويروي ابن الأثير في تاريخه أن المنصور كان له دفاتر ~~علم، وكان شديد الحرص عليها حتى أوصى ابنه المهدي بها عند وفاته. # 90 # ويقول القفطي: قدم على المنصور في سنة 156 رجل من ~~الهند بالحساب المعروف عندهم بالسند هند في حركات النجوم ... مع ضروب ~~من أعمال الفلك والكسوفين ومطالع البروج وغير ذلك في كتاب يحتوي ~~على عدة أبواب ... فأمر المنصور بترجمة ذلك الكتاب إلى العربية وأن ~~يؤلف منه كتاب تتخذه العرب أصلا في حركات الكواكب، فتولى ذلك ~~محمد بن إبراهيم الفزاري. # ويظهر أن الخزانة الكبرى التي تناقل الناس أخبارها في عصر بني ~~العباس هي الخزانة التي عني بها الخليفة المأمون العباسي (؟-218)؛ ~~فقد نقلت الأخبار عنه اهتمامه بالعلم وأهله وبجمع الكتب وترجمتها، ~~وأنه كان يتحف ملوك عصره بالهدايا النفيسة طالبا إليهم أن يعطوه ~~ما في خزائنهم من كتب الحكمة والفلسفة، فبعثوا إليه بعدد كبير من ~~آثار أفلاطون وأرسطو وأبقراط وجالينوس وبطليموس وإقليدس وغيرهم، ms072 ~~فأمر بترجمة تلك الآثار واختار لها البارعين من التراجمة، ونشرها ~~بين الناس وحض على قراءتها واستنساخها، وأمر بتشييد درا الحكمة ~~ووضع فيها هذه الكتب وترجمتها، وكان لا يفتأ يبعث البعوث العلمية ~~إلى بلاد الروم وفارس والهند والصين يشترون له الكتب ويترجمونها، ~~وقد بلغت محفوظات هذه الدار آلافا في جميع فروع العلم من حديث ~~وقديم، وقد تولى أمرها جمهرة من أهل الفضل، نذكر منهم الفيلسوف ~~المتكلم غيلان الشعوبي (؟-؟) وأبا سهل بن نوبخت (؟-؟) وسهل بن ~~سابور الطبيب (؟-218) وسلما المترجم (؟-؟) وأبا حسان المنجم ~~(؟-؟)، وغيرهم من أئمة العلم والفلسفة في العصر المأموني الزاهر. # 91 # ولا شك عندنا في أن هذه الدار كانت مركزا ثقافيا جليلا في ~~بغداد، وأن العلماء كانوا يقصدونها من شتى أنحاء العالم الإسلامي، ~~ولكنا لا نستطيع أن نقول إنها كانت مركزا تعليميا أو مدرسة أو ~~ما أشبه ذلك، بل إنها كانت في الغالب مركزا ثقافيا مفتوحا ~~للناس أجمعين يقصدونها ويطالعون ما فيها من الآثار، وإن هؤلاء ~~العلماء والفلاسفة المقيمين فيها أو الذين يتولون أمورها كانوا ~~يعينون من يقصد إليها إذا ما أشكل عليه فهم نص من نصوص كتبها، ~~وبخاصة سلم المترجم الفيلسوف؛ فقد كان من عيون الناس وفضلائهم، ~~وهو الذي أتقن تفسير المجسطي، # 92 # وكان يتولى أمر البعوث العلمية ويوالي الأسفار إلى ~~بلاد الإغريق لانتقاء الكتب النفيسة من خزائنها وترجمتها ووضعها في ~~هذه الدار تلبية لرغبة الطالبين. ويحدثنا القاضي القفطي في ترجمة ~~أرسطوطاليس أن المأمون رآه في نومه، فلما استيقظ من منامه حدثته ~~نفسه بطلب كتب أرسطو، فلم يجد منها شيئا ببلاد الإسلام، فاغتم ~~لذلك وأخذ يتطلبه، واستحضر منها خمسة أحمال سيرت إليه، فأحضر ~~لها المأمون المترجمين فاستخرجوها من الرومية إلى العربية. # 93 # ولا ريب في أن المأمون ومن اختارهم للخدمة في تلك ~~الدار من العلماء والتراجمة كانوا ينقلون نفائس الكتب إلى العربية ~~ويضعونها في خزائنها المفتوحة للطالبين يفيدون منها ضروب العلم ~~والحكمة. ويظهر أن هؤلاء التراجمة كانوا ينقطعون فيها للترجمة ~~والبحث؛ فقد اقترنت أخبار رجال الترجمة في العصر المأموني بأخبار ms073 ~~هذه الدار، فسلم المترجم كان صاحبها على ما يحدثنا ابن النديم وابن ~~أبي أصيبعة والقفطي، # 94 # ومحمد بن موسى الخوارزمي المترجم يصفه القفطي بأنه ~~«كان منقطعا إلى خزانة الحكمة للمأمون، وهو من أصحاب علم الهيئة.» # 95 # وموسى بن شاكر المهندس وبنوه الثلاثة محمد وأحمد ~~والحسن العلماء المشهورون بعلم الحيل والرياضيات والهيئة كانوا من ~~التراجمة الأفاضل الذين نشئوا في تلك الدار. يقول ابن القفطي: ~~إن المأمون اعتنى بأولاد موسى الثلاثة فوصى بهم إسحق بن إبراهيم ~~المصعبي وأثبتهم مع يحيى بن أبي منصور في بيت الحكمة، وكانت كتبه ~~ترد من بلاد الروم إلى إسحق بن إبراهيم المصعبي بأن يراعيهم ويوصيه ~~بهم ويسأل عن أخبارهم حتى قال: جعلني المأمون داية لأولاد موسى ... ~~فخرج بنو موسى نهاية في علومهم ... # 96 # فهذه الأخبار كلها تجعلنا نذهب إلى أن تلك الدار كانت ~~خزانة حكمة، ومقر حركة للنشاط والعلم والترجمة في عهد ~~المأمون. # أما المواد التي كانوا يهتمون بها في تلك الدار فهي - في الأغلب ~~- المواد الحكمية من فلسفة وطب وهندسة ورياضيات وتنجيم وفلك وحيل ~~ومنطق وطبيعة وموسيقى، وما إلى ذلك مما كانوا يسمونه علوم القدماء ~~أو العلوم القديمة. # ونحن إذا تتبعنا ما قيل في سير بني موسى بن شاكر الذين تخرجوا في ~~هذه الدار وما أتقنوه من علم، نستطيع أن نتعرف إلى المواد التي كان ~~علماء الدار مهتمين بها؛ فالقفطي يحدثنا عن محمد بن موسى بن شاكر - ~~وهو أكبر الثلاثة - أنه كان وافر الحظ من الهندسة والنجوم عالما ~~بإقليدس والمجسطي وجميع كتب النجوم والهندسة والعدد والمنطق وكان ~~حريصا عليها، وأن أخاه أحمد كان مثله في العلم إلا صناعة الحيل - ~~أي علم الميكانيك - فإنه قد فتح له فيها ما لم يفتح مثله لأخيه ~~ولا لغيره من المتحققين بالحيل، وأن الحسن - وهو ثالثهم - كان ~~منفردا بالهندسة، وله طبع عجيب فيها لا يدانيه أحد، وأنه علم كل ~~ما علم منها بطبعه، ولم يقرأ من كتب الهندسة إلا ست مقالات من كتاب ~~إقليدس ... # 97 # فأنت ترى من هذه النصوص أن ms074 هذه الدار كانت مجمعا علميا، ~~ومقرا للنشاط الحكمي والفلسفي يقصده كل من يرغب في التزود من ~~علوم القدماء. # وكان إلى جانبها «مرصد» بناه الخليفة المأمون ليكون مقرا ~~لمباحث الفلك والجغرافية الطبيعية، وكان يتولى الإشراف عليه أيضا ~~جمهرة من المنجمين والفلاسفة والفلكيين أمثال يحيى بن أبي منصور # 98 # وخالد المروزي # 99 # وعباس الجوهري # 100 # وغيرهم. ويزعم الأستاذ الخطاب السبكي في كتابه تاريخ ~~التربية أن جزءا من هذه الدار ظل باقيا إلى أواخر القرن الخامس للهجرة. # 101 # وتدعي دائرة المعارف الإسلامية أنها ظلت إلى حين استيلاء هولاكو ~~على بغداد. # 102 # أما الأستاذ السبكي فيعتمد على ابن خلكان وياقوت ~~اللذين يذكران أنها «دار العلم» التي زارها أبو العلاء المعري إبان ~~إقامته في بغداد. وهو اعتماد خاطئ لأن المعري إنما زار الدار التي ~~شادها الوزير سابور بن أردشير سنة 381، وهي غير الدار التي شادها ~~المأمون، ويؤكد هذا ما ذكره الصلاح الصفدي في عيون التواريخ حيث ~~يقول في حوادث سنة 391: صادر سابور دارا في محلة بين السورين ~~وسماها «دار العلم»، وجعل فيها عشرة آلاف مخطوطة أدبية وعلمية، ~~وإلى هذه الخزانة يشير المعري بقوله: # وغنت لنا في دار سابور قينة # من الورق مطراب الأصائل منهال # 103 # ومثل قول صاحب عيون التواريخ قول ياقوت في معجم الأدباء عن «أبي ~~القاسم بن ناقيا أنه دخل دار العلم على ابن فضال المجاشعي المغربي ~~المتوفى سنة 479 وهو يدرس النحو فيها.» # 104 # فابن ناقيا الشاعر الأديب الكاتب المتوفى سنة 485 ~~إنما دخل على الدار التي شادها الوزير سابور لا دار المأمون، وكذلك ~~قول ابن خلكان في ترجمة أبي العلاء: «قال أبو العلاء: حدثني عبد ~~السلام المصري خازن دار العلم ببغداد ...» # 105 # فدار العلم هذه ليست دار علم المأمون أو خزانته ~~العلمية، وإنما هي دار علم سابور، كما ذكر ذلك المعري في بيته، ~~وكما يقول الصلاح الصفدي. # وأما دائرة المعارف الإسلامية فلا نعرف لقولها مصدرا يعتمد ~~عليه أو يوثق به لأنها لم تذكر المصدر الذي نقلت عنه، وأغلب ظننا ~~أن كاتب ms075 المقالة فيها عن دار العلم قد توهم كما توهم الأستاذ ~~السبكي، وأن تشابه الاسمين قد خدعه فانخدع. # 106 # ويظهر أن تاريخ دار العلم - أو دار الحكمة كما تسمى في بعض ~~النصوص - التي شادها المأمون قد اعتوره الغموض؛ فإني لم أجد فيما ~~بين يدي من المصادر الموثوقة شيئا يعرفني بأمرها وتاريخها ~~وأحوالها وما آل إليه أمرها، وينبغي أن ننتظر قليلا حتى نعثر على ~~بعض المخطوطات القديمة التي قد تكشف لنا تلك النواحي المجهولة من ~~تاريخ هذه المؤسسة الجليلة. ~~••• # ولا نحب أن نترك هذه النقطة قبل أن نتحدث عن النشاط الثقافي في ~~مصر والمغرب في العهد الفاطمي؛ فإن ثمة تشابها بين الحركتين؛ ~~فقد حذا الفاطميون في مصر حذو العباسيين في العراق، وعنوا ~~بالثقافة العامة والاهتمام بالكتب وخزائنها. وقد روت لنا المصادر ~~الموثوق بها أنهم أسسوا خزانة كتب في القاهرة زودوها بنفائس ~~المخطوطات وأعلام الكتب والدفاتر ليكسفوا شهرة بغداد ودار كتبها، ~~كما أنهم اتخذوا بعد سنة 358 في قصر الخلافة بالقاهرة خزانة كتب ~~ضخمة وصفت بأنها من أجل خزائن الكتب في الإسلام إن لم تكن ~~أجلها، وأنها كانت مقرا لحركة علمية وثقافة واسعة، وقالوا ~~أيضا إن عدة الخزائن التي كانت برسم الكتب في سائر العلوم بالقصر ~~أربعون خزانة، من جملتها ثمانية عشر ألف كتاب من العلوم القديمة، ~~وأنها كانت تحتوي على عدة رفوف مقطعة بحواجز، وعلى كل حاجز باب ~~مقفل بمفصلات وقفل، وفيها من أصناف الكتب ما يزيد على مائتي ألف ~~كتاب من المجلدات، ويسير من المجردات، فمنها في الفقه على سائر ~~المذاهب والنحو واللغة وكتب الحديث والتواريخ وسير الملوك والنجامة ~~والروحانيات والكيمياء من كل صنف ... ويقال إنه كان فيها نيف ~~وثلاثون نسخة من كتاب العين منها نسخة بخط الخليل، وما ينيف على ~~عشرين نسخة من تاريخ الطبري، ومائة نسخة من الجمهرة لابن دريد ... # 107 # أما المصاحف والربعات المخطوطة بالذهب والتزاويق ~~والمكتوبة بالأقلام المنسوبة، فشيء لا يحصر، وكان فيها عدد من ~~النساخ والمذهبين والمجلدين والفراشين ومن إليهم. # 108 # وإن هذه الخزانة مرت بعدة ms076 نكبات، أعظمها النكبة التي ~~وقعت بديار مصر في عهد الخليفة المستنصر بالله الفاطمي (427-487) ~~أيام المجاعة الكبرى التي بيع فيها رغيف الخبز بخمسين دينارا ودام ~~الجوع سبع سنين. ويذكر المسبحي المؤرخ أنه شاهد وهو بمصر في سنة ~~461ه خمسة وعشرين جملا موقرة كتبا محملة إلى دار الوزير أبي ~~الفرج محمد بن جعفر المغربي وزير المستنصر (؟-478) وقال: فسألت ~~عنها فعرفت أن الوزير أخذها من خزائن القصر، وذكر لي من له خبرة ~~بالكتب أنها تبلغ أكثر من مائة ألف دينار، ونهبت جميعا من داره ~~يوم انهزم ناصر الدولة بن حمدان من مصر في السنة نفسها.. هذا سوى ~~ما كان في خزائن دار العلم بالقاهرة، وسوى ما صار إلى عماد الدولة ~~أبي الفضل بن المحترق بالإسكندرية ثم انتقل بعد مقتله إلى المغرب، ~~وسوى ما ظفرت به ولاته محمولا مع ما صار إليه بالابتياع والغصب في ~~بحر النيل إلى الإسكندرية سنة 461 وما بعدها، من الكتب الجليلة ~~المقدار المعدومة المثل في سائر الأمصار صحة وحسن خط وتجليد ~~وغرابة، التي أخذ جلودها عبيدهم وإماؤهم برسم عمل ما يلبسونه في ~~أرجلهم وأحرق ورقها تأولا منهم أنها خرجت من قصر السلطان أعز الله ~~أنصاره، وأن فيها كلام المشارقة الذي يخالف مذهبهم، سوى ما غرق ~~وتلف وحمل إلى سائر الأقطار وبقي منها ما لم يحرق، وسفت عليه ~~الرياح والتراب وصار تلالا باقية إلى اليوم في نواحي آثار تعرف ~~بتلال الكتب ... # والنكبة الثانية العظيمة التي حلت بهذه الخزانة كانت أيام الفتح ~~الأيوبي والقضاء على الدولة الفاطمية؛ فقد نقل المقريزي عن ابن أبي ~~طي أن صلاح الدين الأيوبي بعدما استولى على القصور الملكية ~~الفاطمية أمر ببيع ما في الخزانة، وكانت من عجائب الدنيا، ويقال ~~إنه لم يكن في جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم من التي كانت ~~بالقاهرة في القصر، ومن عجائبها أنه كان فيها ألف ومائتا نسخة من ~~تاريخ الطبري إلى غير ذلك، # 109 # ويقال إنها كنت تشتمل على مائة ألف وستمائة كتاب، وكان ~~فيها من الخطوط المنسوبة أشياء ms077 كثيرة، ويؤيد قول ابن أبي طي أن ~~القاضي الفاضل عبد الرحيم لما أنشأ المدرسة الفاضلية بالقاهرة بعد ~~الفتح الأيوبي جعل فيها من كتب القصر مائة ألف كتاب، وباع ابن صورة ~~الدلال - دلال الكتب - منها جملة في مدة أعوام ... ويعلق المقريزي ~~على هذا الخبر بقوله: فلو كانت مائة ألف كلها لما فضل عن القاضي ~~الفاضل شيء. وذكر ابن أبي واصل أن خزانة الكتب كانت تزيد على مائة ~~وعشرين ألف مجلد. # 110 # ويقول المقريزي في كلامه عن المدرسة الفاضلية: إن ~~القاضي الفاضل (؟-596) وقف عليها جملة عظيمة من الكتب في سائر ~~العلوم، ويقال إنها كانت مائة ألف كتاب وذهبت كلها «وكان أصل ~~ذهابها أن الطلبة الذين كانوا بها لما وقع الغلاء بمصر سنة 694 ~~مسهم الضر، فصاروا يبيعون كل مجلد برغيف خبز حتى ذهب معظم ما كان ~~فيها، ثم تداولت أيدي الفقهاء عليها بالعاربة فتفرقت.» وبها إلى ~~الآن مصحف قرآن كبير القدر جدا مكتوب بالخط الأول الذي يعرف ~~الآن بالكوفي ويسميه الناس مصحف عثمان بن عفان، اشتراه بنيف ~~وثلاثين ألف دينار على أنه مصحف أمير المؤمنين عثمان، وهو في خزانة ~~مفردة له بجانب المحراب من غربيه وعليه مهابة وجلالة، # 111 # ولا غرابة في هذا المبلغ؛ فإن القاضي رحمه الله كان ~~معروفا بحب الكتب والإنفاق عليها إنفاقا عجيبا؛ فقد ذكر عنه عبد ~~اللطيف البغدادي أنه دخل عليه فرأى شيخا ضئيلا كله رأس وقلب ... ~~وأنه كان يقتني الكتب من كل فن ويجتلبها من كل جهة، وله نساخ لا ~~يفترون ومجلدون لا يبطلون. قال لي بعض من يخدمه في الكتب إن عددها ~~قد بلغ مائة ألف وأربعة عشرين ألفا، وهذا قبل موته بسنة. # 112 # ومهما يكن من أمر فإن هذه الخزانة الملكية الضخمة كانت من مراكز ~~العلم في الديار المصرية منذ أواسط القرن الرابع حتى استقر ~~الفاطميون بمصر، ولما استوزروا الوزير العالم يعقوب بن يوسف بن ~~إبراهيم بن هارون بن كلس (318-380) في عهد العزيز نزار بن المعز ~~الفاطمي، اهتم بنشر العلم والمذهب الفاطمي. قال المقريزي: ms078 أول ما ~~عرف إقامة درس من قبل السلطان بمعلوم جار لطائفة من الناس بديار ~~مصر في خلافة العزيز بالله نزار بن المعز ووزارة يعقوب بن كلس، ~~فعمل ذلك بالجامع الأزهر ... ثم عمل في دار الوزير يعقوب ابن كلس ~~مجلس يحضره الفقهاء، فكان يقرأ فيه كتاب فقه على مذهبهم، وعمل ~~أيضا مجلسا بجامع عمرو بن العاص من مدينة الفسطاط لقراءة كتاب الوزير، # 113 # ولما استخلف الحاكم بأمر الله المنصور بن العزيز نزار ~~(375-410) وكان عالما مشتغلا بعلوم الفلسلفة والتنجيم والرصد، ~~أمر سنة 395ه بإشادة دار العلم في القاهرة لتكون مقرا للدعوة ~~الفاطمية ومستودعا للذخائر والكتب الفلسفية والحكمية والأدبية ~~والدينية «وكانت بجوار القصر الغربي من بحريه إلى شماليه» قال ~~الأمير المختار عز الملك محمد بن عبيدان بن أحمد المسبحي المؤرخ ~~(؟-420) الذي كان في خدمة الحاكم: وفي يوم السبت هذا - يعني العاشر ~~من جمادى الآخرة سنة 395 - فتحت الدار الملقبة بدار الحكمة ~~بالقاهرة وجلس فيها الفقهاء وحملت إليها الكتب من خزائن القصور ~~المعمورة، ودخل إليها الناس ونسخ كل من التمس نسخ شيء مما فيها ما ~~التمسه، وكذلك من رأى قراءة شيء مما فيها، وجلس فيها القراء ~~والمجتمعون وأصحاب النحو واللغة والأطباء بعد أن فرشت هذه الدار ~~وزخرفت وعلقت على جميع أبوابها الستور وأقيم قوام وخدام ~~وفراشون وغيرهم، وسموا بخدمتها، وحصل في هذه الدار من خزائن أمير ~~المؤمنين الحاكم بأمر الله من الكتب التي أمر بحملها إليها من سائر ~~العلوم والآداب والخطوط المنسوبة ما لم ير مثله مجتمعا لأحد قط ~~من الملوك، وأباح ذلك كله لسائر الناس على طبقاتهم ممن يؤثر قراءة ~~الكتب والنظر فيها؛ فكان ذلك من المحاسن المأثورة أيضا التي لم ~~يسمع مثلها من إجراء الرزق السني لمن رسم له بالجلوس فيها والخدمة ~~لها من فقيه وغيره، وحضرها الناس على طبقاتهم، فمنهم من يحضر ~~لقراءة الكتب، ومنهم من يحضر للنسخ، ومنهم من يحضر للتعلم، وجعل ~~فيها ما يحتاج إليه الناس من الحبر والأقلام والورق والمحابر ... وفي ~~سنة 403ه أحضر جماعة من دار ms079 العلم من أهل الحساب والمنطق وجماعة من ~~الفقهاء منهم عبد الغني بن سعيد وجماعة من الأطباء إلى حضرة الحاكم ~~بأمر الله، وكانت كل طائفة تحضر على انفرادها للمناظرة بين يديه ثم ~~خلع على الجميع ... ووقف الحاكم أماكن في فسطاط مصر على عدة مواضع ~~وضمنها كتابا. وقد ذكر عند الجامع الأزهر وذكر فيه «دار العلم» ~~وقال: ويكون العشر وثمن العشر لدار الحكمة لما تحتاج إليه في كل ~~سنة من العين المغربي مائتان وسبعة وخمسون دينارا من ذلك ~~الثمن: # الحصر العبداني وغيرها لهذا الدار # 10 دنانير # ولورق الكاتب، يعني الناسخ # 90 دينارا # وللخازن بها # 48 دينارا # ولثمن الماء # 12 دينارا # وللفراش # 15 دينارا # وللورق والحبر والأقلام لمن فيها من الفقهاء # 12 دينارا # ولمرمة الستارة # 1 دينار # ولمرمة ما عسى أن يتقطع من الكتب وما عساه أن ~~يسقط من ورقها # 12 دينارا # ولثمن لبود للفرش في الشتاء # 5 دنانير # ولثمن الطنافس في الشتاء # 4 دنانير # 209 ~~* ~~* # انظر الخطط المقريزية 334/2، 335. # ويظهر أنه قد كانت ثمة بعض الوظائف الأخرى التي سقط ذكرها من ~~النسخة المطبوعة للخطط المقريزية، فإن مرتب الوظائف التي ذكرها أقل ~~من مجموع المبلغ الموقوف وقدره (275) دينارا. # وقد استمرت هذه الدار على نشاطها التعليمي إلى عهد الوزير الأفضل ~~ابن أمير الجيوش؛ فإنه أمر بإغلاقها في ذي الحجة سنة 516ه، وإنما ~~فعل ذلك لأنها حادت عن الطريق التي وجدت من أجله وهو الدعاوة ~~للمذهب الفاطمي. فقد حدثنا المقريزي عن ابن المأمون المؤرخ المصري ~~أنه قال: وفي هذا الشهر - يعني ذا الحجة سنة 516ه - جرت نوبة ~~القصار وهي طويلة، وأولها من الأيام الأفضلية، وكان منهم رجلان ~~يسمى أحدهما بركات والآخر حميد بن مكي الأطفيحي القصار مع جماعة ~~يعرفون بالبديعية، وهم على الإسلام والمذاهب الثلاثة المشهورة، ~~وكانوا يجتمعون في دار العلم بالقاهرة، فاعتمد بركات من جملتهم من ~~استفسد عقول جماعة وأخرجهم عن الصواب، وكان ذلك في أيام الأفضل، ~~فأمر للوقت بغلق الدار والقبض على المذكور ... في قصة طويلة خلاصتها ~~أن بركات هذا وحميدا قد أخذا ms080 ينشران بين زوار الدار أفكارا تنافي ~~المذهب الفاطمي فيها شيء من مذهب الأشعري والتصوف ومذهب الشافعي ~~والحنفي والمالكي، وكان أصحاب هذا المذهب يسمون بالبديعية، وأخذ ~~الناس وفيهم بعض مماليك دار الخلافة يعتنقون البديعية، فخشي الوزير ~~الأفضل مغبة ذلك فأمر بغلق الدار. # وقد ظلت هذه الدار مغلقة طول عمر وزارة الأفضل، فلما مات أمر ~~الخليفة الآمر بأحكام الله وزيره المأمون بن البطائحي بإعادة فتحها ~~على الأوضاع الشرعية. ثم عاد حميد القصار ... فأفسد عقول بعض ~~الجماعات وادعى الربوبية، فحضر الداعي ابن عبد الحقيق إلى الوزير ~~المأمون وعرفه بأن هذا قد تعرف بطرف من علم الكلام على مذهب أبي ~~الحسن الأشعري ثم انسلخ عن الإسلام وسلك طريق الحلاج في التمويه ... ~~فرسم المأمون بالقبض عليه وعلى جميع أصحابه وقتلوا سنة ~~517ه. # ويقول ابن عبد الظاهر مؤرخ مصر: «... وكان لإبطالها أمور سببها ~~اجتماع الناس والخوض في المذاهب والخوف من الاجتماع على المذهب النزارني.» # 114 # ولم يزل الخدام يتوصلون إلى الخليفة الآمر بأحكام الله حتى تحدث ~~في ذلك مع الوزير المأمون ... فأجاب المأمون إلى ذلك وقال بشرط أن ~~يكون متوليها رجلا دينا والداعي الناظر فيها، ويقام فيها ~~متصدرون برسم قراءة القرآن، فاستخدم فيها أبو محمد حسن بن آدم، ~~فتولاها وشرطا عليه ما تقدم واستخدم فيها مقرئون. # 115 # وقد عقد المقريزي لدار العلم الثانية هذه بابا خاصا عنوانه ~~«دار العلم الجديدة»، وقال إنها كانت بجوار القصر الكبير الشرقي، ~~وإنها فتحت بعد مقتل الوزير الأفضل، وأن الوزير المأمون امتنع من ~~إعادتها في موضعها الأول بباب التبانين، ففتحت في جوار القصر في ~~ربيع الأول سنة 517 وأنها لم تزل عامرة إلى أواخر عهد الدولة الفاطمية. # 116 # ولا شك في أن هذه المؤسسة بخزانتها ورجالاتها كانت مفتوحة لنشر ~~المذهب الفاطمي؛ فقد اهتم الفاطميون بنشر مذهبهم الديني لأنه كان ~~السبب في فرض سلطانهم السياسي، فأذاعوا عقائدهم على جماهير ~~المستجيبين وأعانوا العلماء وأجزلوا لهم العطاء، وجعلوا من دار ~~العلم هذه مركزا من مراكز الدعوة يلقي العلماء فيه الدروس ~~والمحاضرات على الدعاة والعامة، ms081 كما أنهم قد جعلوا جانبا من جوانب ~~قصرهم مركزا من مراكز الدعوة، وهو المعروف «بالمحول»، وفيه كانت ~~تلقى المحاضرات والدروس على الخاصة ورجالات الدولة. ويذكر ابن ~~خلكان أن الخليفة الظاهر بن الحاكم بأمر الله قد أمر الناس بحفظ ~~كتاب «دعائم الإسلام» للقاضي النعمان، وأنه جعل لمن حفظه مالا ~~كثيرا، ويذكر أيضا أن الوزير يعقوب بن كلس ألف كتابا في الفقه ~~الفاطمي ورتب لنفسه مجلسا في كل ليلة جمعة يقرأ فيه مصنفاته على ~~الناس، وكان يحضر هذا المجلس جماعة من كبار رجالات الدولة كالقضاة ~~والفقهاء والقراء والنحاة وجميع أرباب الفضائل والعدول. # 117 # ويقول المقريزي: إن الإمام الظاهر الفاطمي طلب إلى الناس أن ~~يحفظوا كتاب مختصر الفقه للوزير ابن كلس. # 118 # وفي ديوان الإمام المؤيد في الدين داعي الدعاة هبة ~~الله بن موسى بن داود الشيرازي (؟-470) الكاتب الأديب العالم ~~المعروف برسائله التي ناظر بها أبا العلاء المعري في موضوع أكل ~~اللحم مقطوعة، قيل إن الخليفة ~~المستنصر بالله أرسلها إليه يحثه فيها على نشر علوم أهل البيت ~~الفاطميين وفقههم، وفيها قوله: # 119 # يا حجة مشهورة بين الورى # وطود علم أعجز المرتقي ~~... شيعتنا قد عدموا رشدهم # في الغرب يا صاح وفي المشرق # فانشر لهم ما شئت من علمنا # وكن لهم كالوالد المشفق # وفي «سيرة داعي الدعاة المؤيد في الدين» التي كتبها بقلمه، # 120 # وفي «المجالس المستنصرية» التي كتبها الداعي ثقة ~~الإمام علم الإسلام، # 121 # وقد نشرهما الأستاذ الدكتور محمد كامل حسين المصري، ~~شيء كثير عما كان يجري في «دار العلم» و«المحول» من البحوث ~~الكلامية وأخبار العقائد الفاطمية. # ونرى قبل أن نختم الحديث عن «دار الحكمة» أو «دار العلم» هذه أن ~~نعرض إلى أقوال بعض الباحثين الذين أرادوا أن يجعلوا من هذه الدار ~~«مدرسة» أو «جامعة» كما يقول البروفسور متس # 122 # والأستاذ خطاب عطية، # 123 # فإن الأول ذهب إلى «أن مجرد اسم دار علم يدل على الفرق ~~بينها وبين دور الكتب القديمة، وإن دار الكتب قديما كانت تسمى ~~خزانة حكمة، وهي خزانة كتب ليس غير، ms082 أما المؤسسات الجديدة فتسمى ~~دور علم وخزانة الكتب جزء منها، وتزيد على دور الكتب بالتعليم ~~وبإجراء الأرزاق على من يلازمها.» وأخذ الثاني كلام الأول وأضاف ~~إليه قوله «ودار العلم التي نحن بصددها ينطبق تماما عليها هذا ~~القول، فقد كانت «جامعة» حقة تضم عدة حلقات دينية وأدبية وعلمية، ~~وجلس فيها القراء والفقهاء وأصحاب النحو واللغة والمنجمون والأطباء ~~...» # ونحن نرى في هذا القول، وبخاصة قول الأستاذ خطاب، مبالغة كبيرة؛ ~~فإن إطلاق كلمة «جامعة» على «دار العلم» هذه فيه كثير من التساهل، ~~ف «المدرسة» أو «الجامعة» لها شروط عديدة، منها: # أن يكون المكان مشيدا للعلم والتعليم خاصة. # وأن يكون للدخول فيه شرائط معينة. # وأن يرتب لمن فيه من الطلاب والأساتذة الرواتب الخاصة. # وأن تكون تلك الرواتب لكل منتسب إليه لا للفقراء والمعوزين الذين ~~يقصدونه. # وأن يكون له هدف خاص معروف. # وأن يكون مزودا بكل ما تحتاج إليه الدراسة من عدد الدرس وآلاته ~~كالكتب والألواح والغرف المهيأة. # وأن توقف بعض الوقوف الدارة عليه لاستمرار العمل فيه ~~طويلا. # وأن يزود بالموظفين الكفاة الذين يقومون بالسهر عليه وعلى ~~مصالحه. # ونحن لا نعرف مؤسسة روعيت فيها هذه الشروط إلا المدرسة النظامية ~~التي أسسها الوزير نظام الملك السلجوقي. أما «دار العلم» أو «دار ~~الحكمة» أو «المحول» أو «الجامع الأزهر» نفسه، فإنها مؤسسات علمية ~~وثقافية، إلا أن هذه الشروط غير متوفرة فيها؛ فلذلك لا يصح أن يطلق ~~عليها اسم «مدرسة» أو «جامعة»؛ لأننا لا نعرف معهدا روعيت هذه ~~الشروط فيه إلا المدارس النظامية التي شيدها نظام الملك في بغداد ~~وغيرها من نواحي العالم الإسلامي. فقول البروفسور متس والأستاذ ~~خطاب قول مبالغ فيه ولا يعتمد على الواقع العلمي، إلا إذا تساهلنا ~~في إطلاق لفظ «المدرسة» أو «الجامعة» على أي مكان يدرس فيه، وليس ~~في هذا الإطلاق أية دقة علمية. # ونحن نحب أن نختم هذا المبحث بأن كلمة «دار علم» صارت تطلق فيما ~~بعد على كثير من خزائن الكتب التي ليس لها أية صفة جامعية أو ~~مدرسة؛ ففي طرابلس الشام مثلا ms083 شاد أميرها القاضي جلال الملك خزانة ~~كتب ضخمة للكتب عرفت باسم «دار العلم»، وقد ذكرها الشاعر أبو عبد ~~الله أحمد بن محمد علي التغلبي الدمشقي المعروف بابن الخياط ~~(؟-517)؛ فقد كتب مرة إلى القاضي أبي الفضل بن أبي روح، وكان قد ~~أمره القاضي جلال الملك أن يفرق شيئا من المال على أهل ~~العلم فيها، فلم يعط ابن الخياط ~~شيئا، وكان ابن أبي روح هذا متوليا دار العلم، فبعث إليه ابن ~~الخياط بالبيتين الآتيين: # أبا الفضل كيف تناسيتني # وما كنت تعدل نهج الرشاد # فأوردت قوما رواء الصدور # وحلأت مثلي وإني لصاد # فاضطر ابن أبي روح أن يعطيه شيئا من ماله. # 124 # وفي بغداد شيد الأديب الفقية المحدث المؤرخ الطبيب أبو بكر عبيد ~~الله بن علي بن نصر، المعروف بابن المارستانية ناظر أوقاف ~~المارستان العضيدي؛ دارا بدرب الشاكرية سماها «دار العلم»، وجعل ~~فيها خزانة كتب ووقفها على طلاب العلم، ولكن سيرته لم تحمد في ~~نظارة الأوقاف فقبض عليه وصودرت أمواله وبيعت دار العلم بما فيها ~~من الكتب. # 125 ~~(1-3) مؤسسات أخرى للتعليم # لم يقتصر التعليم عند العرب على المسجد والجامع والكتاب ودور العلم وخزائن الكتب ~~كما رأينا، بل وجدت عندهم مؤسسات أخرى كانوا يتلقون فيها العلم إلى جانب ~~الأغراض الأخرى التي أسست من أجلها كالخانقاه، والرباط، والزاوية، والبيمارستان. ~~وسنفرد فيما يلي بحثا موجزا لكل مؤسسة من هذه المؤسسات: # الخانقاه: # ويقال لها الخانكاه أيضا ، وتجمع على خوانق وخوانك، وهي كلمة ~~فارسية الأصل معناها البيت. قال المقريزي: «هي كلمة فارسية معناها ~~بيت، ويقال إن أصلها خونقاه، أي الموضع الذي يأكل فيه الملك.» وقال ~~مؤلف «فرهتك خيام»: «خانقاه معرب خانكاه.» # 126 # وإن معنى «خانكاه» هو مقام درويشان، أي بيت الدراويش ~~والصوفية والفقراء. وقد حدثت الخوانق في الإسلام في حدود ~~الأربعمائة من سني الهجرة، وجعلت لتخلي الصوفية فيها للعبادة، # 127 # وكانت تبنى في الغالب على شكل مساجد الصلاة، إلا أن ~~فيها غرفا عديدة لبيت الفقراء والصوفية وبيتا كبيرا لصلاتهم ~~مجتمعين وللقيام بأورادهم وأذكارهم، ولا يكون فيها في ms084 الغالب منبر ~~لأنها لا تقام فيها صلاة الجمعة إلا نادرا، فإن الصوفية عادة ~~كانوا يخرجون منها أيام الجمع إلى أقرب مسجد. وربما أقيمت صلاة ~~الجمعة في بعض الخوانق كخانقاه يكتمر بمصر، # 128 # وكانت الخوانق في العادة تزود بحمام ومطبخ ومخازن ~~للأطعمة والمؤن، وفرن تصنع فيه الأخباز والمأكولات. # 129 # وكان يكون لكل خانقاه شيخ يلقب ب «شيخ الشيوخ». قال المقريزي ~~في كلامه عن الخانقاه الكبرى الصالحية التي كانت دار سعيد السعداء ~~في دوبرة الصوفية بمصر: «هذه الخانقاه كانت أولا دارا تعرف في ~~الدولة الفاطمية بدار سعيد السعداء، وهو الأستاذ قنبر ويقال عنبر ~~أحد الأستاذين المحنكين خدام القصر، عتيق الخليفة المستنصر قتل في ~~سابع شعبان سنة 544ه، فلما استبد الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ~~بن شاذي بملك مصر عمل هذه الدار برسم الفقراء الصوفية الواردين من ~~البلاد الشاسعة، ووقفها عليهم في سنة 569 وولى عليهم شيخا، وشرط ~~أن من مات من الصوفية وترك عشرين دينارا فما دونها كانت للفقراء ~~ومن أراد منهم السفر يعطى تسفيرة، ورتب للصوفية في كل يوم طعاما ~~ولحما وخبزا وبنى لهم حماما بجوارهم، فكانت أول خانقاه عملت ~~بمصر وعرفت بدوبرة الصوفية، ولقب شيخها بشيخ الشيوخ، واستمر ذلك ~~بعده إلى أن كانت الحوادث والمحن سنة 806، واتضعت الأحوال وتلاشت ~~الرتب، فلقب كل شيخ خانقاه ب «شيخ الشيوخ»، وكان سكانها من الصوفية ~~يعرفون بالعلم والصلاح وترجى بركتهم ... أخبرني الشيخ أحمد بن علي ~~القصار أنه أدرك الناس في يوم الجمعة يأتون من مصر إلى القاهرة ~~ليشاهدوا صوفية خانقاه سعيد السعداء عندما يتوجهون منها إلى صلاة ~~الجمعة بالجامع الحاكمي.» # 130 # وكانوا يخصصون في كل خانقاه عددا من الصوفية يقيمون ~~فيها، وربما بلغ عددهم في بعض الخوانق خمسمائة صوفي، كما كان الحال ~~في خانقاه الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير، فقد بنى في مصر ~~بناء فخما جعله خانقاه وجعل إلى جانبه رباطا قال عنه في الخطط ~~المقريزية: «ولما كملت في سنة 799 قرر في الخانقاه أربعمائة صوفي، ~~وبالرباط مائة من الجند وأبناء الناس ms085 الذين قعد بهم الوقت.» # 131 # وكانوا يجعلون في تلك الخوانق دروسا في الفقه والدين ~~والعربية والتصوف والحديث، فقد جعل الملك المظفر بيبرس دروسا في ~~الحديث وسمى لذلك مدرسا وعنده عدة من المحدثين والقراء، # 132 # وربما جعل بعضهم في الخانقاه دروسا لتدريس المذاهب ~~الأربعة، وكانوا كثيرا ما يلحقون بالخوانق كتاتيب لتعليم الأطفال ~~المسلمين القرآن والكتابة والقراءة مع تجويد الخط العربي، # 133 # كما كانوا يجعلون في الخوانق خزائن للكتب والمصاحف ~~القرآنية والربعات، وربما وضعوا فيها بعض الكتب الفلكية وآلاتها؛ ~~فقد رووا أن الأمير بسكتمر الساقي جعل في خانقاهه شيخا وإماما ~~وعشرين صوفيا وقراء وهيأ لهم كل ما يحتاجون إليه من طعام ~~وغذاء ودواء، وظل ذلك إلى أن وقعت الفتن في مصر سنة 806، فتعطل ~~كثير من تلك الخيرات وخربت الحمام والبستان التابعان للخانقاه ~~وتمزق ما كان فيها من الفرش، وآلات النحاس والكتب والربعات ~~والقناديل النحاس المفرغة والقناديل الزجاج المذهب، وغير ذلك من ~~الأمتعة والنفائس الملوكية. # 134 # الرباط: # هو في الأصل مصدر «رابط»، قال في المصباح المنير: «الرباط اسم من ~~رابط مرابطة، إذا لازم ثغر العدو.» # 135 # وقد أطلق لفظ «الرباط» على نوع من الثكنات العسكرية ~~التي تبنى على الحدود الإسلامية وقرب الثغور، يقيم فيها المجاهدون ~~«المرابطون» الذين رابطوا في هذه الأمكنة للدفاع عن دار الإسلام ~~بسيوفهم. وقد كانت الأربطة منتشرة في أيام بني أمية وبني العباس ~~بين ديار الإسلام وديار الحرب. وأجل هذه الربط ما كان في شمالي ~~بلاد الشام وشمالي إفريقية، وقد كانت في تصميمها تشبه الحصون ~~البيزنطية، ومعظمها بني على شكل مستطيل وفي أركانها الأربعة أبراج ~~للمراقبة، أما داخلها فبناء تحف به القاعات التي لا نوافذ لها في الغالب. # 136 # وقد كان إلى جانب هذه الأربطة ساحات فسيحة معدة لخيول ~~المجاهدين استعدادا لرد العدو أو مبادرته بالقتال تنفيذا ~~لمنطوق الآية الكريمة: # ومن رباط ~~الخيل ترهبون به عدو الله ~~. # ثم على مرور الأزمنة تطور معنى هذه اللفظة، فأصبحت تطلق على ~~الأمكنة التي يرابط فيها من نذروا أرواحهم للجهاد في سبيل الله ~~ونصرة ms086 دينه، فأصبحت تطلق على البيوت التي يسكنها المتقشفون ~~والصوفية. قال المقريزي: «الربط جمع رباط، وهو دار يسكنها أهل ~~طريق الله.» قال ابن سيده: الرباط من الخيل الخمسة فما فوقها، ~~وأصلها أن يرابط كل واحد من الفريقين خيله، ثم صار لزوم الثغر ~~رباطا، وربما سميت الخيل نفسها رباطا، والرباط والرباط ~~المواظبة على الأمر. قال الفارسي: هو ثان من لزوم الثغر، ولزوم ~~الثغر ثان من ربط الخيل، وقوله تعالى: # وصابروا ورابطوا # قيل معناها جاهدوا، وقيل ~~واظبوا على مواقيت الصلاة. وقال أبو حفص السهروردي في كتاب عوارف ~~المعارف: وأصل الرباط ما تربط به الخيل، ثم قيل لكل ثغر يدافع أهله ~~عمن وراءهم رباط، فالمجاهد المرابط يدفع عمن وراءه، والمقيم في ~~الرباط على طاعة الله يدفع بدعائه البلاء عن العباد والبلاد، وروى ~~داود بن صالح قال: قال لي أبو سلمى بن عبد الرحمن: يا ابن أخي، لم ~~يكن في زمان رسول الله # صلى الله عليه وسلم # غزو تربط فيه الخيل ولكنه انتظار ~~للصلاة بعد الصلاة، فالرباط جهاد النفس، والمقيم في الرباط مرابط ~~مجاهد نفسه، واجتماع أهل الربط إذا صح على الوجه الموضوع له ~~الربط، وتحقق أهل الربط بحسن المعاملة ورعاية الأوقات وتوقي ما ~~يفسد الأعمال ويصحح الأحوال يعود بالبركة على البلاد والعباد. ~~وشرائط سكان الرباط قطع المعاملة مع الخلق وفتح المعاملة مع الحق، ~~وترك الاكتساب اكتفاء بكفالة مسبب الأسباب، وحبس النفس عن ~~المخالطات واجتناب التبعات، ومواصلة الليل والنهار بالعبادة ~~متعوضا بها عن كل عادة، والاشتغال بحفظ الأوقات وملازمة الأوراد، ~~وانتظار الصلوات واجتناب الفضلات، ليكون مجاهدا مرابطا. والرباط ~~بيت الصوفية، ومنزلهم، ولكل قوم دار، والرباط دارهم، وقد شابهوا ~~أهل الصفة في ذلك؛ فالقوم في الرباط متفقون على قصد واحد، وعزم ~~واحد، وأحوال متناسبة، ووضع الرباط لهذا المعنى. # 137 # ولقد كانت الربط في أيام بني أمية وبني العباس بكثرة ~~على الثغور الرومية والبيزنطية وإلى أقصى الشرق وعلى حدود ما وراء ~~النهر وفي شمالي إفريقية وسائر بلاد المغرب، وكان يقيم فيها ~~المجاهدون، وطبيعي جدا أن هؤلاء المرابطين ms087 كانوا في خلال الأوقات ~~التي لا تكون فيها الحرب أو الاستعداد لها، كانوا يعملون على ترويض ~~أنفسهم جسميا أو روحيا، وكانوا يقرءون ما تيسر لهم من القرآن ~~أو نصوص العلم والدين أو أحاديث الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~. ويظهر أنه منذ ~~القرن الرابع أخذ بعض أهل الخير يقفون مساكن في ضواحي المدن ~~الكبرى، يجعلونها مؤبدة على الزهاد والعباد؛ أي في الوقت الذي ~~شرعوا يبنون فيه الخوانق. والرباط هو الخانقاه إلا أن أهل العراق ~~قلما استعملوا كلمة الخانقاه، أما أهل مصر والشام فقد استعملوا ~~كلمة رباط. وقد جعلوا الرباط مأوى الصوفية الفقراء المجردين غير ~~المتأهلين، وربما كانوا يقفون بعض الربط على النساء من أهل الصلاح ~~والفقر والخير والدين، ويجعلون لها شيخات من فواضل النساء ~~وعوالمهن. قال المقريزي في الكلام عن رباط البغدادية: بنته ~~السيدة الجليلة تذكار باي خاتون ابنة الملك الظاهر بيبرس سنة 684 ~~للشيخة الصالحة زينب بنت أبي البركات المعروفة ببنت البغدادية، ~~فأنزلتها به ومعها النساء الخيرات، وما برح إلى وقتنا هذا يعرف ~~سكانه من النساء بالخير، وله دائما شيخة تعظ النساء وتذكرهن وتفقههن، # 138 # وكما جعلوا في الخانقاه شيخا ومدرسين وقراء، فكذلك ~~جعلوا في الرباط. ومن أشهر الربط التي كانت فيها حلقات لتعليم ~~القراءة والكتابة والدين والتصوف رباط الآثار الذي عمره الصاحب تاج ~~الدين محمد بن الصاحب فخر الدين محمد، فقد قرر فيه دروسا للفقهاء ~~الشافعية وجعل له مدرسا وعنده عدة من الطلبة ولهم جار. # 139 # وقد كانت الربط مأوى يلجأ إليه العلماء الرحالون وطلاب العلم ~~الذين ينتقلون في أرجاء العالم الإسلامي طلبا للحديث النبوي أو ~~علوم الدين والعربية. قال الإمام الكبير القاضي أبو بكر بن العربي ~~(468-543) الإمام المجتهد والمحدث الجليل لما خرج من الأندلس ~~قاصدا المشرق دخل بغداد ونزل في رباط أبي سعد بإزاء المدرسة ~~النظامية، فاجتمع فيه بالإمام الغزالي فقرأ عليه ولازمه. ذكر ~~المقري في نفح الطيب نقلا عن ابن العربي أنه قال: «ورد علينا ~~دانشمند - وهو لقب فارسي للإمام الغزالي معناه العلامة - فنزل ~~برباط أبي ms088 سعد بإزاء المدرسة النظامية معرضا عن الدنيا مقبلا ~~على الله، فمشينا إليه وعرضنا أمنيتنا عليه، وقلت له: أنت ضالتنا ~~التي كنا ننشد وإمامنا الذي به نسترشد، فلقينا لقاء المعرفة، ~~وشاهدنا منه ما كان فوق الصفة ...» # 140 # الزاوية: # هي كالرباط والخانقاه إلا أنها أصغر في الغالب، وهي أكثر ما تكون ~~في الصحاري والأمكنة الخالية من السكان، وربما أطلقت على ناحية من ~~نواحي المساجد الكبرى تقام فيها بعض حلق العلم، فقد كان في جامع ~~عمرو بن العاص بمصر عدة زوايا، قال المقريزي: «وبالجامع زوايا ~~يدرس فيها الفقه، منها «زاوية الإمام الشافعي» يقال إنه درس ~~فيها الفقه فعرفت به، ولم يزل يتولى تدريسها أعيان الفقهاء وجلة ~~العلماء، وفيها «الزاوية المجدية» بصدر الجامع فيما بين المحراب ~~الكبير ومحراب الخمس داخل المقصورة الوسطى بجوار المحراب الكبير، ~~رتبها مجد الدين أبو الأشبال الحارث بن مهلب الأزدي، ويعد ~~تدريسها من المناصب الجليلة، ومنها «الزاوية الصاحبية» رتبها ~~الصاحب تاج الدين محمد بن فخر الدين، وجعل لها مدرسين؛ أحدهما ~~مالكي والآخر شافعي، ومنها «الزاوية الكمالية» بالمقصورة المجاورة ~~لباب الجامع الذي يدخل إليه من سوق الغزل ... وغير ذلك من الزوايا الصوفية.» # 141 # وكانوا يقفون هذه الزوايا - ومثلها التكايا - على ~~الفقراء الصوفية، ويجعلون لها شيخا واحدا أو أكثر من واحد، ~~ويحددون عدد من يباح لهم الإقامة الدائمة فيها، ومن يحق لهم البقاء ~~فيها موقتا مدة من الزمن. # ومما تجدر الإشارة إليه أن المسلمين قد خصصوا بعض الخوانق والربط ~~والزوايا للنساء خاصة، يقمن فيها ويتلقين بعض الدروس في الدين من ~~القرآن والحديث والفقه والأدب من شعر ونثر، ومن أشهر هذه الربط ~~النسوية «رباط البغدادية» الذي بنته السيدة الجليلة تذكار باي ابنة ~~الملك الظاهر بيبرس سنة 684 للشيخة الفاضلة الزاهدة زينب ابنة أبي ~~البركات البغدادية (؟-714)، فأنزلتها به مع النساء الصالحات، وله ~~دائما شيخة تعظ النساء وتذكرهن وتفقههن. قال المقريزي: وآخر ~~من أدركنا فيه الشيخة الصالحة سيدة نساء زمانها أم زينب فاطمة بنت ~~عباس البغدادية (؟-796)، وكانت فقيهة وافرة العلم زاهدة قانعة ~~باليسير عابدة واعظة ms089 حريصة على النفع والتذكير ... انتفع بها كثير من ~~نساء دمشق ومصر، وكان لها قبول زائد ووقع في النفوس ... أدركنا هذا ~~الرباط وتودع فيه النساء اللاتي طلقن أو هجرن حتى يزوجن أو ~~يرجعن إلى أزواجهن صيانة لهن لما كان فيه من شدة الضبط وغاية ~~الاحتراس والمواظبة على وظائف العبادات. # البيمارستان: ~~«البيمارستان» - ومخففها «مارستان» كلمة فارسية معناها ~~«المستشفى»، وهي مؤلفة من كلمة «بي» ومعناها: «بدون»، و«مار» ~~ومعناها: «الحياة، أو الحيوية»، و«ستان» ومعناها مكان؛ فمعنى ~~الكلمة كلها «مكان المرضى». # وقال الجوهري في الصحاح: المارستان بيت المرضى، معرب. وقد ~~أطلقت في الأصل على كل مستشفى، ثم خصصت بمستشفى المجاذيب، وأول ~~من عمل البيمارستانات في الإسلام الوليد بن عبد الملك في سنة 88، ~~وجعل فيها الأطباء وأجرى عليهم الجرايات، وعمل دور الضيافة، وأمر ~~بحبس المجذومين والعميان، وكانوا يودعون في هذه البيمارستانات ~~الأدوية والعقاقير والأكحال، ويجعلون فيها الأطباء والكحالين ~~والجراحيين والخدم وكل ما تحتاج إليه المشافي من عدد وآلات، ~~وربما جعلوا في بعضها خزائن الكتب # 142 # وغرفا وأواوين ومعاهد لتدريس الطب والصيدلة وما ~~إليها، وربما ألحقوا مكان التدريس بجانب البيمارستان ليكون الطلاب ~~في جو هادئ، وإذا ما أراد الأستاذ تدريسهم وإجراء التطبيق العملي ~~نقلهم من المدرسة إلى البيمارستان أو من البيمارستان إلى المدرسة، ~~وممن عمل ذلك الخليفة المستنصر العباسي؛ فإنه جعل في مدرسته ~~المستنصرية العظمى معهدا لتدريس الطب والصيدلة، وإلى جانبه شاد ~~البيمارستان ليطبق الطلاب علومهم النظرية على الحالات المرضية في ~~ذلك المستشفى. # وكذلك فعل الملك المنصور قلاوون الألفي الصالحي؛ فإنه بنى ~~البيمارستان الكبير المنصوري في القاهرة سنة 682، وجعل فيه قبة ~~ومدرسة وبيمارستانا، وإن ذلك كله تم في أسرع مدة وهي أحد عشر ~~شهرا، وكان مقدار ذرعها عشرة آلاف وستمائة ذراع، وكان الشروع في ~~البناء سنة 683، ووقف عليها ما يقارب من ألف ألف درهم في كل سنة ~~لمصاريف البيمارستان والقبة والمدرسة ومكتب الأيتام، وجعل مكانا ~~تفرق فيه الأدوية والأشربة، ومكانا يجلس فيه رئيس الأطباء لإلقاء ~~الدروس في الطب، وقرر في القبة خمسين مقرئا يتناوبون قراءة القرآن ~~ليلا ms090 ونهارا، ودرسا للتفسير له مدرس ومعيدان وثلاثون طالبا، ~~ودرس حديث نبوي، وجعل بها خزانة كتب وستة خدام طواشية لا يزالون ~~بها، ومتصدرا لإقراء القرآن، ودروس في الفقه على المذاهب ~~الأربعة، ورتب بمكتب الأيتام معلمين يقرئان الأيتام القرآن # 143 # الكريم، وقد مدحها الشرف البوصيري بقوله: # أنشات مدرسة ومارستانا # لتصحح الأديان والأبدانا # وقال أيضا: # ومدرسة ود الخورنق أنه # لديها حظير والسدير غدير # مدينة علم والمدارس حولها # قرى أو نجوم بدرهن منير # تبدت فأخفى الظاهرية نورها # وليس بظهر للنجوم ظهور # بناها كأن النحل هندس شكله # ولانت له كالشمع فيه صخور # ولما دخل صلاح الدين مصر أمر بفتح مارستان للمرضى. قال القاضي ~~الفاضل: في متجددات سنة 577 في تاسع ذي القعدة أمر السلطان بفتح ~~مارستان للمرضى والضعفاء فاختير له مكان في القصر، أفرد برسمه من ~~أجرة الرباع الديوانية مشاهرة قدرها مائتا دينار، واستخدم له أطباء ~~وطبائعيين وجراحيين ومشارف وعاملا وخداما، ووجد الناس فيه ~~رفقا وإليه مستروحا وبه نفعا. وكذلك بمصر أمر بفتح مارستانها ~~القديم وأفرد برسمه من ديوان الأجناس ما تقدير ارتفاقه عشرون ~~دينارا، واستخدم له طبيبا وعاملا ومشرفا وارتفق به الضعفاء. # 144 # والمستشفيات التي كانت فيها حلقات لتدريس الطب كثيرة في الإسلام. ~~قال الدكتور أحمد عيسى في فصل عنوانه «تدريس الطب بالبيمارستان وفي ~~مدارس خاصة»: ذكرنا أن طلبة الطب كانوا يتلقون علومهم على ~~أساتذتهم في البيمارستانات؛ إذ كانت تهيأ لهم الإيوانات الخاصة ~~المعدة والمجهزة بالآلات والكتب أحسن تجهيز، فيقعدون بين يدي ~~معلمهم بعد أن يتفقدوا المرضى وينتهوا من علاجهم كما كان يفعل أبو ~~المجد بن أبي الحكم في البيمارستان النوري الكبير، وإن بعضا من ~~مشايخ الطب وكبار رؤسائهم كان يجعل له مجلسا عاما لتدريس صناعة ~~الطب للمشتغلين عليه في منزله أو في المدارس الخاصة، # 145 # ويقول ابن أبي أصيبعة: إن الفيلسوف الطبيب أبا الفرج ~~بن الطبيب كان يقرئ الطب في البيمارستان العضدي ويعالج المرضى فيه، # 146 # وإن الإمام الطبيب إبراهيم بن مكس كان يدرس الطب في ~~البيمارستان العضدي في بغداد وكان له ما ms091 يقوم بكفايته، # 147 # وقال ابن كثير في حوادث سنة 572: وفيها بنى الأمير ~~مجاهد الدين قايماز نائب قلعة الموصل جامعا حسنا - هو الجامع ~~المجاهدي - ورباطا ومدرسة ومارستانا متجاورات بظاهر مدينة الموصل ~~على دجلة وأوقف عليها الأوقاف، # 148 # ولما زار ابن جبير مدينة الموصل في سنة 728 وجد فيها ~~مارستانا أمام مسجدها الجامع. # 149 # ويذكر ابن كثير أن الملك العادل نور الدين محمود بن ~~زنكي لما كان ملك دمشق سنة 549 ابتنى بها سنة 569 بيمارستانه ~~العظيم المشهور بالمارستان النوري الكبير، وأن ذلك البيمارستان لم ~~تخمد منه نار منذ بنائه إلى أيامنا هذه؛ أي سنة 774، وهي سنة وفاة ~~ابن كثير. ويقول ابن أبي أصيبعة: إن نور الدين لما أنشأ بدمشق ~~بيمارستانه هذا جعل أمر الطب فيه إلى الطبيب الأشهر أبي المجد بن ~~أبي الحكم الباهلي، وأنه كان يدور على المرضى ويتفقد أحوالهم ~~ويعتبر أمورهم وبين يديه المشارفون والقوام لخدمة المرضى، فكان ~~جميع ما يكتبه لكل مريض من المداواة والتدبير لا يؤخر عنه ولا ~~يتوانى في ذلك، وبعد فرغه من ذلك وطلوعه إلى القلعة وافتقاده ~~المرضى من أعيان الدولة يأتي ويجلس في الديوان الكبير ~~بالبيمارستان، وجميعه مفروش، ويحضر كتب الاشتغال. وكان نور الدين - ~~رحمه الله - قد وقف على هذا البيمارستان جملة كتب من الكتب الطبية، ~~وكانت في الخرستانين اللذين في صدر الديوان، فكان جماعة من الأطباء ~~والمشتغلين يأتون إليه ويقعدون بين يديه ثم تجري مباحث طبية ويقرئ ~~التلاميذ، ولا يزال معهم في اشتغال ومباحث ونظر في الكتب مقدار ~~ثلاث ساعات، # 150 # وقال ابن أبي أصيبعة: كنت بعدما يفرغ الحكيم مهذب ~~الدين والحكيم عمران من معالجة المرضى بالبيمارستان وأنا معهم أجلس ~~مع الشيخ رضي الدين الرحبي، فأعاين كيفية استدلالاته على الأمراض ~~ومداواتها، وكان معه - أي مع مهذب الدين - في البيمارستان لمعالجة ~~المرضى الحكيم عمران، وهو من أعيان الأطباء وأكابرهم في المداواة ~~والتصرف في أنواع العلاج، فتتضاعف الفوائد المقتبسة من اجتماعهما ~~ومما كان يجري بينهما من الكلام في الأمراض. # 151 # وكانت البيمارستان قسمين؛ أحدهما للرجال، ms092 والآخر للنساء، وفي كلا ~~القسمين ما يحتاج إليه الأطباء أو المستخدمون من العدد والآلات ~~والكتب، كما كان كل منهما مجهزا بالالات المخصصة لمختلف ~~الأمراض والعلل والجراحات والجبائر، # 152 # وما إلى ذلك، وكان إلى جانب هذه البيمارستانات أو ~~داخلها في الغالب صيدليات ربما سموها «الشراب خاناه»، وفيها ~~رئيس وموظفون، ويسمى هذا الرئيس «صيدليا» أو «صيدلانيا» أو ~~«شاد الشراب خاناه». # 153 # وكان الأطباء في صدر الدولة يطببون - بعد أن يدرسوا الطب على ~~شيوخه - حين يجدون في أنفسهم الكفاية ويأذن لهم أستاذوهم بذلك، ~~ويظهر أنهم لما وجدوا بعض المتطفلين على هذه الصناعة يدسون أنفسهم ~~في عداد الأطباء، رأوا ضرورة صيانة هذه الصنعة الحساسة فأوجدوا ~~للرقابة عليهم رجالا مخصوصين. # ويقال إن الخليفة المقتدر بالله العباسي هو أول من فرض على من ~~يريد انتحال هذه الصنعة أن يؤدي امتحانا حتى ينال إجازة التطبيب، ~~قال سنان بن ثابت رئيس أطباء عصره وطبيب الخليفة المقتدر: لما كان ~~في سنة 319 اتصل بالمقتدر أن غلطا جرى على رجل من العامة من بعض ~~المتطببين فمات الرجل؛ فأمر الخليفة أبا إبراهيم بن محمد بن أبي ~~بطيحة المحتسب أن يمنع المتطببين من التصرف إلا من امتحنه سنان بن ~~ثابت بن قرة، فصاروا إلى سنان وامتحنهم وأطلق لكل واحد منهم ما ~~يصلح أن يتصرف فيه، وبلغ عددهم في جانبي بغداد ثمانمائة رجل ~~ونيفا وستين طبيبا، سوى من استغنى عن امتحانه باشتهاره وتقدمه في ~~صناعته، وسوى من كان في خدمة الخليفة. وصار النظام بعد ذلك أن من ~~أتم دراسة الطب يتقدم إلى رئيس الأطباء لامتحانه وأخذه الإجازة في ~~العراق أو الشام أو سائر الأقطار الإسلامية. يقول الدكتور أحمد ~~عيسى: وكان طالب الإجازة يتقدم إلى رئيس الأطباء برسالة في الفن ~~الذي يريد الحصول على الإجازة في معاناته، وهذه الرسالة أشبه بما ~~يسمى اليوم أطروحة # thèse ~~، وتكون ~~هذه الرسالة له أو لأحد مشاهير الأطباء المتقدمين أو المعاصرين ~~يكون قد أجاد دراستها فيمتحنه فيها ويسأله في كل ما يتعلق بما فيها ~~من الفن، فإذا أحسن الإجابة ms093 أجازه الممتحن بما يطلق له التصرف فيه ~~من الصناعة، ومن محاسن الصدف أني عثرت في دشت قديم في خزانة كتب ~~أستاذنا وصديقنا أحمد زكي باشا على صورتين لإجازتين في الطب من ~~القرن السادس عشر، منحت إحداهما لفصاد والأخرى لجراح أنقلهما هنا ~~لكي يعلم الباحث ما كان عليه الحال في تلك العصور. # 154 # وقد بلغت المارستانات في الإسلام مبلغا عظيما، أحصاه الدكتور ~~أحمد عيسى في كتابه القيم. وقد تجاوز عدد المشهور فيها المائة ~~بيمارستان، ولم يكد يخلو منها قطر من أقطار الإمبراطورية الإسلامية ~~إذ ذاك. ~~(2) المدارس وأساتذتها وطلابها وكل ما يتعلق بها ~~(2-1) المدارس # أقدم النصوص الأدبية التي نجد فيها ذكر «المدرسة» بمعناها الاصطلاحي المفهوم - ~~فيما أرى - هو قول دعبل بن علي الخزاعي (؟-246) في قصيدته التي يرثي بها آل البيت ~~وما يلقون من تقتيل وتعذيب، وما أصاب معاهد العلم والدين من قتلهم: # مدارس آيات خلت من تلاوة # ومهبط وحي مقفر العرصات # ولا شك في أنه يقصد ب «المدرسة» معناها الاصطلاحي؛ أي الأمكنة التي كانت تشاد ~~لإقراء القرآن وتلاوة آي الذكر الحكيم. # أما أقدم النصوص التاريخية التي نجد فيها ذكر «المدرسة»، فهي كما يلي على ما ~~أحصاه العلامة المستشرق البروفسور وستنفلد في كتابه القيم الذي ألفه في الإمام ~~الشافعي، قال: # 155 ~~(1) # شيد الإمام أبو حاتم البستي الأديب المحدث المشهور (؟-345) ~~مدرسة «دارا» في بلده بست، وجعل فيها خزانة كتب وغرفا للطلاب، ~~وخصص مبالغ مالية وأرزاقا للغرباء من طلاب العلم فيها، وقالوا إنه ~~جمع في تلك الدار جميع مؤلفاته ووقفها فيها ليطالعها الناس، وقد ~~قرئ عليه أكثرها. # 156 ~~(2) # بنى الشافعيون بنيسابور، المعجبون بعلم الإمام النيسابوري «أبي ~~علي الحسين بن علي الحافظ الكبير» (؟-349) مدرسة خاصة به. # 157 ~~(3) # بنى وجوه طهران للإمام الحاتمي (؟-362) مدرسة يفقه فيها الناس ~~على المذهب الشافعي. # 158 ~~(4) # أسس الإمام المحدث الشيخ أبو علي الحسيني (؟-393) مدرسة لتعليم ~~علوم الحديث وروايته، وقد بلغ عدد طلابها ألف طالب من شتى بقاع الأرض. # 159 ~~(5) # شاد الإمام الإسماعيلي (؟-396) مدرستين في بغداد لتعليم المذهب ~~الشافعي، عهد بتدريس إحداهما ms094 إلى الإمام الإسفرائيني، وبالثانية ~~إلى الإمام الباقي. # 160 # ويمكن أن نضيف إلى هذه القائمة مدارس أخرى شيدت في القرن الرابع ~~أو أوائل القرن الخامس، وهي: ~~(أ) # يحدثنا المؤرخان ابن عساكر وابن خلكان أن فقهاء ~~مدينة نيسابور استدعوا الإمام المحدث الأديب ابن قورك ~~محمد بن الحسن الأنصاري الواعظ المتكلم الجليل (؟-406) ~~والإمام الفقيه الشافعي أبا إسحق الإسفرائيني إبراهيم ~~بن محمد إبراهيم (؟-418) ليقوما بالتدريس والوعظ في ~~مدرستين جليلتين بنوهما لهما. # 161 # ويقول السبكي: إن المدرسة التي بنيت ~~للإسفرائيني لم يبن قبلها بنيسابور، # 162 # وإن المدرسة التي بنيت لابن قورك في ~~نيسابور قد جعل إلى جانبها دارا لسكنه. # 163 ~~(ب) # ويقول السبكي في الرد على أستاذه الذهبي لزعمه أن ~~نظام الملك هو أول من بنى المدارس في الإسلام: «... وليس ~~كذلك؛ فقد كانت المدرسة البيهقية بنيسابور # 164 # قبل أن يولد نظام الملك، والمدرسة ~~السعيدية بنيسابور أيضا بناها الأمير نصر بن سبكتكين ~~أخو السلطان محمود لما كان واليا بنيسابور، والمدرسة ~~الثالثة بنيسابور بناها أبو سعد إسماعيل بن علي بن ~~المثنى الاسترابادي الواعظ الصوفي شيخ الخطيب، # 165 # ومدرسة رابعة بنيسابور أيضا بنيت ~~للأستاذ أبي إسحق الإسفرائيني. وقد قال الحاكم في ~~ترجمة الأستاذ: لم يبن بنيسابور قبلها، يعني مدرسة ~~الأستاذ، مثلها، وهذا صحيح في أنه بني قبلها في غيرها ...» # 166 # فهذه النصوص تدل على أنه قد كانت في القرنين الرابع وأوائل الخامس مدارس، وأن ~~نظام الملك السلجوقي لم يكن أول من أوجد هذا النوع من المعاهد على ما سنفصله بعد، ~~ونريد هنا أن نذكر أن المدرسة كانت موجودة ومعروفة في القرن الرابع، وأنها كانت ~~مكانا خاصا بالتدريس غير «المسجد» و«الكتاب» و«دار العلم» و«دار الحكمة». ~~ونحن وإن كنا لا نعرف شيئا ذا خطر عن «المدرسة» في ذلك الحين ولا عن ترتيبها ~~وتنظيمها وما يدرس فيها، ولكن يغلب على ظننا أنها كانت أمكنة خاصة بالتعليم ~~والمعلمين يدرسون فيها، وربما كانت فيها غرف يسكنها الطلاب الغرباء، وربما سكن فيها ~~بعض الشيوخ أيضا. وأن هذه المدارس قد كانت تتمتع ببعض الأحوال في ms095 سبيل الهدف الذي ~~أنشئت من أجله، وخصوصا تلك التي بناها بعض الأمراء كمدرسة نصر بن سبكتكين ~~والمدرسة الجليلة التي بنيت لأبي إسحق الإسفرائيني، وأن هذا النوع من المعاهد كان ~~منتشرا في العالم الإسلامي وفي الشرق وبنيسابور بصورة خاصة. أما في مصر والمغرب ~~والأندلس فلم نعثر على نصوص تفيد أن شيئا من هذه المعاهد كان موجودا قبل العصر ~~الأيوبي. # قال ابن خلكان في ترجمة الملك الناصر صلاح الدين بن أيوب: ولما ملك السلطان صلاح ~~الدين الديار المصرية لم يكن فيها شيء من المدارس، فإن الدولة المصرية كان مذهبها ~~مذهب الإمامية فلم يكونوا يقولون بهذه الأشياء، فعمر في القرافة الصغرى المدرسة ~~المجاورة لضريح الإمام الشافعي - رضي الله عنه - وبنى مدرسة في القاهرة في جوار ~~المشهد المنسوب للحسين بن علي وجعل عليها وقفا كبيرا، وجعل دار سعيد السعداء خادم ~~المصريين خانقاه ووقف عليها وقفا طويلا، وجعل دار العباس المذكور في ترجمة الظافر ~~العبيدي والعادل بن السلار مدرسة للحنفية وعليها وقف جيد كبير، والمدرسة التي بمصر ~~والمعروفة بزين التجار وقفا على الشافعية ووقفها جيد أيضا، وبنى بالقاهرة داخل ~~القصر مارستانا وله وقف جيد، وله مدرسة بالقدس وقفها كثير، وخانقاه بها أيضا، وله ~~بمصر مدرسة للمالكية ... # 167 # ويذهب المؤرخان المصريان المقريزي والسيوطي مذهب ابن خلكان في أن مصر ~~لم يكن بها مدارس قبل الدولة الصلاحية، # 168 # أما الجامع الأزهر والمعاهد العلمية الأخرى التي شادها الفاطميون فلم ~~تكن مدارس بالمعنى الاصطلاحي، وهي بجامع عمرو بن العاص والجامع الطولوني في مصر ~~ودار الحكمة ودار العلم في بغداد وطرابلس على ما سنفصله بعد، ف «المدرسة» إذن ~~بمعناها الاصطلاحي المعروف وجدت في الشرق أولا ولم ينتظم أمرها وتتخذ طريقها ~~الثقافي الواسع إلا حين أسس نظام الملك الطوسي «مدارسه» في بغداد وغيرها من عواصم ~~الدولة الإسلامية التابعة للسلطة السلجوقية في عهده. ويعتبر عمل نظام الملك هذا أول ~~عمل رسمي قامت به الدولة الإسلامية لتنظيم الدراسة وترتيبها بتهيئة الأسباب وإيجاد ~~الموارد الضرورية، وإعداد الرواتب والنفقات للأساتذة والطلاب، وتثبيت بعض التقاليد ~~التي ms096 كانت غير مستقرة قبلا مما يتعلق بأنظمة الدروس وتقاليد العلم والتأليف ~~والقضاء على الفوضى التعليمية التي كانت سابقا. # ولا يعترض على هذا بأن العلم كان مزدهرا في الدولة الإسلامية قبل تأسيس ~~«المدرسة»، وأن النتاج الفكري كان عظيما من قبل؛ فإن همم الناس كانت في العصور ~~الإسلامية الأولى تتغلب على كل العقبات، أما في القرن الخامس وما بعد حين فقد فترت ~~الهمم وكثر الهدامون فوجب الاعتناء بالعلم وأهله وتهيئة الأسباب لذلك؛ ولهذا كان ~~عمل نظام الملك المصلح الاجتماعي والإداري الكبير عملا جليلا صان به الحركات ~~العقلية وحماها من التدهور وسوء المصير، على أن نظام المدارس، وإن كان قد صان العلم ~~وحفظه، فإن كثيرا من العلماء لم يكونوا يميلون إليه، بل فضلوا النظام السابق - ~~أعني نظام التعليم الحر في «المساجد» - على نظام «المدارس» وأسلوبها الجديد المبني ~~على النظام والترتيب؛ فمن ذلك ما يروى عن بعض العلماء في ما وراء النهر أنهم لما ~~بلغهم تأسيس «المدارس» في الشرق أقاموا مأتما للعلم وقالوا: كان يشتغل به أرباب ~~الهمم العلية والأنفس الزكية الذين يقصدون العلم لشرفه والكمال به فيأتون علماء ~~ينتفع بهم وبعلمهم، وإذا صار عليه أجر تدانى إليه الأخساء وأرباب الكسل، # 169 # ومن ذلك قول ابن الجاح في المدخل: «... لا يخلو موضع التدريس من ثلاثة ~~أحوال، إما أن يكون بيتا أو مدرسة أو مسجدا، وأفضل مواضع التدريس المسجد؛ لأن ~~الجلوس للتدريس إنما فائدته أن تظهر به سنة، أو تخمد به بدعة، أو يتعلم به ~~حكم من أحكام الله علينا، والمسجد الذي يحصل فيه هذا الغرض متوفر؛ لأنه موضع الناس ~~رفيعهم ووضيعهم وعالمهم وجاهلهم بخلاف البيت، فإنه محجور على الناس إلا من أبيح ~~له وذلك لأناس مخصوصين، وإن كان العالم قد أباح بيته لكل من أتى لكن جرت العادة أن ~~البيوت تحترم وتهاب؛ فكان المسجد أولى لأنه أهم في توصيل الأحكام وتبليغها للأمة، ~~وكذلك أيضا بالنظر إلى هذا المعنى يكون المسجد أفضل من المدرسة لوجهين؛ أحدهما: أن ~~السلف لم تكن لهم مدارس وإنما كانوا يدرسون ms097 في المساجد وإن كان ذلك في المدرسة فيه ~~المنفعة والخير والبركة، لكن لما أن لم يقع ذلك للسلف كان أخذه في المساجد فيه صورة ~~الاقتداء بهم في الظاهر وإن كان غيره يجوز، وكفى لنا أسوة بهم. الوجه الثاني: أن ~~المدرسة لا يدخلها في الغالب إلا آحاد الناس بالنسبة للمسجد؛ لأنه ليس كل الناس ~~يقصد المدرسة وإنما يقصد أعمهم المساجد، وليس كل الناس أيضا له رغبة في طلب ~~العلم، وإذا كان التدريس أيضا في المدرسة امتنع توصيل العلم على من لا رغبة له فيه ...» # 170 # فهذا يدل على أن كثيرا من زهاد العلماء وأهل البصيرة في المشرق ~~كرهوا اتخاذ المدارس كما كره المغاربة ذلك، ولكن الضرورة هي التي دفعت المشارقة إلى ~~تأسيس هذه المعاهد، وللضرورة أحكامها. ~~(2-2) المدرسون وآدابهم # كانت المدارس تبنى لبعض الأئمة الكبار الذين أوتوا نصيبا من العلم عظيما كما ~~رأينا فيما سبق من بناء المدارس للأئمة البيهقي والإسفرائيني وابن قورك البستي، وهم ~~من كبار أئمة الإسلام في علوم الدين والحديث والعربية والآداب والكلام، ولما بنى ~~نظام الملك السلجوقي مدرسته في بغداد اختار لها إمام أئمة الشافعية في عصره، وهو ~~أبو إسحق الشيرازي، وكذلك جعل في كل مدرسة من المدارس التي بناها في ديار الإسلام ~~شيخا جليل القدر معروفا في تلك المدينة بالفقه والدين والورع وسعة الاطلاع. وكذلك ~~كان بناة المدارس بعده يختارون لمدارسهم شيوخا عرفوا بالعلم الواسع والخلق ~~الرضي. وقد تعارف الواقفون منذ القديم على كثير من الشروط التي يجب أن تتوفر في ~~المدرسين والأساتذة والشيوخ. ولما انتظمت شئون المدارس في القرن السادس وما بعده - ~~بعد تأسيس المدارس النظامية التي أضحت المثل الذي احتذاه الواقفون ومؤسسو المدارس ~~فيما بعد - صار لتلك المدارس ومدرسيها تقاليد وآداب وقواعد حين قامت في الشرق وفي ~~العراق والشام ومصر والمغرب تلك المدارس. # فمن تلك التقاليد احترام الطالب أستاذه احتراما يجعله في مصاف الوالدين بل أسمى ~~منهما مقاما، قال الإمام الغزالي: «فمن علم وعمل بما علم فهو الذي يدعى عظيما في ~~ملكوت السموات؛ فإنه ms098 كالشمس تضيء لغيرها وهي مضيئة في نفسها، وكالمسك الذي يطيب ~~غيره وهو طيب، ومن اشتغل بالتعلم فقد أتى أمرا عظيما وخطرا جسيما فليحفظ آدابه ~~ووظائفه ...» # 171 # وقد جعلوا للأساتذة آدابا مهمة، فمنها غير ما ذكرناه في الفصل الخاص ~~بمعلمي الكتاتيب ما سنذكره فيما يلي: ~~(2-3) أساتذة المدارس وآدابهم # لقد اشترطوا منذ زمن مبكر جدا في أساتذة المدارس شروطا نجملها فيما ~~يلي: # أن لا ينتصب لهذا المنصب العلمي الخطير إلا بعد أن يستكمل عدته ويشهد له بذلك ~~أفاضل أساتذته وكبار علماء عصره أو بلدته على الأقل، وأن يتفرغ للتعليم ولا يشرك ~~بعمله الشريف هذا عملا آخر، إلا إذا كان ممن ينزه نفسه عن أخذ أموال الأوقاف ~~فيحتاج حينئذ إلى القيام ببعض المهن الشريفة ليقوم بأود نفسه وإصلاح أهله، وأن ~~يستعلم عن أسماء طلبته وحاضري درسه وأنسابهم ومواطنهم وأحوالهم؛ لما في ذلك من ~~تقوية الصلات بينه وبينهم والتعرف إلى ماضيهم. # وأن لا يمتنع عن تعليم أحد منهم علما أو بحثا إذا أنس منه الفهم، وأن يتدرج معه ~~في تفهيمه، وأن يذكر له قواعد الفن وضوابطه التي لا تنخرم مطلقا أو غالبا مع ~~مستثنياتها إن كانت موجودة، وأن يبدأ بعدئذ بالأمور المتفرعة عن تلك القواعد، ~~فيصور له المسألة ثم يوضحها بالأمثلة والشواهد ليقربها إلى ذهن الطالب مع غير ذلك ~~الأدلة والعلل، فإن عرف ذلك جاءه بالأدلة والعلل والمآخذ. # وأن يطرح على التلاميذ أسئلة كثيرة يفهم منها مقدار ما استوعبوه من دروسه وما ~~فهموه من مقرراته، فإن لم يجدهم قد استفادوا أعاد عليهم الكرة، وإن وجدهم قد ~~فهموا منه أثنى على البارع منهم وشجع المتوسط، وأن يختبر مقدار فهمهم وعلمهم ~~فيوصي كل واحد منهم بقراءة الكتب التي تلائم مستواه الفكري ومقدار علمه. # وأن يصون مجالس درسه عن الغوغاء واللغط وسوء الأدب والمباحثة، وأن يراعي مصلحة ~~طلابه في تعيين مواعيد الدروس وساعاتها، وأن لا يرفع صوته، وأن لا يدعي علم ما ~~يجهل؛ فإذا سأله تلاميذه عن شيء يجهله قال «لا أعلم»، وأن يجلس على منصة ms099 وهو مستقبل ~~القبلة بوقار متربعا، لا مقعيا ولا رافعا إحدى رجليه على الأخرى ولا مادا ~~رجليه ولا متكئا من غير عذر. # وأن يهتم مع طلابه بالدروس المهمة فيقدم ما تكثر حاجتهم إليه على غيره، وأن يكون ~~مطلق الحرية في توجيه الطلاب بالشكل الذي يريده ما لم يخالف روح الشريعة والتقاليد ~~الإسلامية المرعية. # وأن يكون مهذبا متدينا متحليا بالأخلاق النبيلة، كاظما لغيظه حليما وقورا ~~متئدا رفيقا بطلابه. # وأن يكون متقيدا بشروط واقف المدرسة منفذا لرغباته، ولا بأس بمخالفة تلك الشروط ~~إذا كانت المخالفة لمصلحة الطلاب وفائدتهم العلمية أو التهذيبية. # وأخيرا، أن يكون حريصا على حفظ أثاث المدرسة وكتبها وأدواتها، وأن يوصي الطلاب بذلك. # 172 ~~(2-4) طلاب المدارس وآدابهم # أخذ أهل الورع والخلق من طالبي العلم يقيدون أنفسهم بقيود وآراء يفرضونها على ~~أنفسهم لئلا يخسروا في الدنيا والآخرة؛ فمن تلك القيود والآداب أن ينتخب الطالب ~~المدرسة التي يريد أن يدخل فيها، وقد عقد المربي ابن جماعة في الباب الخامس من ~~كتابه التربوي النفيس «تذكرة السامع» أحد عشر فصلا بين فيها تلك الشروط والآداب، ~~نورد إليك خلاصتها فيما يلي: # 173 ~~(1) # أن ينتخب لنفسه من المدارس بقدر الإمكان ما كان واقفه أقرب إلى الورع ~~وأبعد من البدع؛ بحيث يغلب على ظنه أن المدرسة ووقفها من جهة حلال. ~~ومهما أمكن التنزه عما أنشأه الملوك الذين لا يعلم حالهم في بنائها ~~ووقفها فهو أولى. وأما من علم حاله فالإنسان على بينة من أمره مع أنه ~~قل أن يخلو جميع أعوانهم عن ظلم أو عسف. ~~(2) # أن يكون المدرس فيها ذا رياسة وعقل ومهابة وجلالة وناموس وعدالة، ~~ومحبة في الفضلاء وعطف على الضعفاء، يقرب المحصلين ويرغب المشتغلين ~~ويبعد اللعابين وينصف البحاثين، حريصا على النفع مواظبا على ~~الإفادة. وينبغي للمدرس الساكن بالمدرسة أن لا يكثر الخروج من غير ~~حاجة؛ فإن كثرة ذلك تسقط حرمته من العيون، ويواظب على الصلاة في ~~الجماعة فيها ليقتدي به أهلها، وينبغي أن يجلس في كل وقت معين ليقابل ~~مع الجماعة الذين يطالعون دروسه من ms100 كتبهم، ويصححونها ويضبطون مشكلها ~~ولغاتها واختلاف النسخ في بعض المواضع وأولاها بالصحة، ليكونوا في ~~مطالعتها على يقين فلا يضيع فكرهم ويتعب. وإذا اشترط الواقف استعراض ~~المحفوظ كل شهر أو كل فصل على الجميع حقق قدر العرض على من له أهلية ~~البحث والفكر والمطالعة والمناظرة؛ لأن الجمود على يقين المسطور يشغل ~~عن الفكر الذي هو أم التحصيل، وأما المبتدئون والمنتهون فيطالب كلا ~~منهم على ما يليق بحاله. ~~(3) # أن يتعرف شروط الواقف ليقوم بحقوق المدرسة ويستحق معلوم الراتب بحق. ~~ومهما أمكنه التنزه عن معلوم المدارس فهو أولى، لا سيما في المدارس ~~التي ضيق في شروطها، فإن كان تحصيله البلغة يضيع رفاقه ويعطفه عن ~~تمام الاشتغال أو لم يكن له حرفة أخرى تحصل بلغته وبلغة عياله فلا بأس ~~بالاستعانة بذلك، ولكن يتحرى القيام بجميع شروطها ويحاسب نفسه على ~~ذلك. ~~(4) # إذا حصر الواقف أمر سكنى المدرسة على المرتبين بها لم يسكن غيرهم ~~فيها، وإن لم يحصر ذلك فلا بأس إن سكن فيها من كان أهلا، وإذا سكن ~~فيها غير المرتب وجب عليه أن يكرم أهلها من المرتبين ويقدمهم على نفسه، ~~ويحضر دروسها ولا يرفع صوته بقراءة أو تكرار رفعا منكرا، أو يغلق ~~بابه أو يفتحه بصورة شديدة ونحو ذلك. ~~(5) # أن لا يشتغل فيها بالمعاشرات والصحبة وما إلى ذلك، بل يقبل على ~~الدرس. واللبيب المحصل من يجعل المدرسة منزلا يقضي وطره فيه ثم يرتحل ~~عنه، وإن عاشر من يعينه على تحصيل مقاصده ممن يوثق بأمانته فلا بأس ~~بذلك، وليكن له أنفة من عدم ظهور الفضيلة مع طول المقام فيها، وليطالب ~~نفسه كل يوم باستنارة علم جديد ويحاسب نفسه على ما حصله ليكون مرتبه ~~حلالا، فإن المدارس وأوقافها لم تجعل لمجرد المقام والعشرة ولا لمجرد ~~التعبد والصلاة كالخوانق، والعاقل يعلم أن أبرك الأيام عليه يوم يزاد ~~فيه علما. ~~(6) # أن يكرم أهل المدرسة التي يسكنها بإفشاء السلام وإظهار المودة ~~والاحترام، فإن لم يستقر خاطره بينهم فليرتحل عنهم، وإذا استقر خاطره ~~فلا ينتقل من غير حاجة؛ فإن ذلك ms101 مكروه للمبتدئين جدا، وأشد منه ~~كراهية تنقل الأطفال من كتاب إلى كتاب؛ فإنه علامة على الضجر ~~واللعب وعدم الصلاح. ~~(7) # أن يختار لجواره أصلح الطلاب حالا وأكثرهم اشتغالا، والمساكن ~~العالية في المدارس لمن لا يضعف عن الصعود أولى. وقد قال الخطيب ~~البغدادي: إن الغرف أولى بالحفظ، أما الضعيف أو من يقصد للفتيا ~~والاشتغال عليه فالمساكن السفلية أولى بهم. والمراقي التي تقرب من ~~الباب أو الدهليز أولى بالموثوق بهم، والمراقي الداخلية أولى ~~بالمجهولين. ~~(8) # أن يحافظ على أثاث المدرسة من الإتلاف والأوساخ. ~~(9) # أن لا يتخذ باب المدرسة مجلسا، بل لا يجلس فيه إلا للحاجة كانقباض ~~صدر أو ضيق، ولا يجلس كذلك في دهليزها المؤدي إلى الطريق، ولا يكثر من ~~المشي في ساحة المدرسة من غير حاجة. ~~(10) # أن لا ينظر في غرفة أحد من الطلاب أثناء مروره من شقوق الباب، وإن ~~سلم سلم وهو ماش، ولا يكثر الإشارة والالتفات إلى الشبابيك ~~والطاقات، لا سيما إذا كان فيها نساء، ويتحفظ من الضوضاء ~~والصياح. ~~(11) # أن يتقدم الطلاب على الدرس في حضور الدرس ويكونوا في أحسن الهيئات. ~~وكان الشيخ أبو عمر بن الصلاح يقطع من يحضر من الطلاب بغير عمامة أو ~~مفكك أزرار الفرجية والجبة. # هذه هي الشروط والآداب التي أضحت تقاليد متبعة في أكثر المدارس في الإسلام بعد أن ~~وجدت تلك المدارس وكثرت واستقرت أنظمتها واتسقت أحوالها وبرامجها. ~~(3) التعليم عند المسلمين «أهدافه، مواده، مناهجه» ~~(3-1) توطئة في التعليم عند الأمم القديمة # قدمنا في الفصل الخاص ب «الكتاتيب» شيئا عن برامج التعليم فيها، ونريد هنا أن ~~نبين شيئا عن برامج «المدرسة» وأهداف التعليم فيها، ونريد قبل أن نشرع في تفصيل ~~ذلك أن نلم إلمامة بالتعليم عند الأمم القديمة المجاورة للمسلمين من فرس ويونان ~~وروم ومسيحيين؛ لما في ذلك من فائدة، ولأن المسلمين قد اقتبسوا بعض ما يتعلق ~~بالتعليم عن هذه الأمم. ولقد ظلت الدواوين في الدولة العربية بالفارسية والرومية ~~إلى أيام عبد الملك، فكان طبيعيا جدا أن يركن إلى نظام التعليم عند الفرس ~~والروم ليفيدوا منه ما ms102 يلائم أوضاعهم وأسلوب دولتهم، يقول الجهشياري: «... ولم يزل في ~~الكوفة والبصرة ديوانان؛ أحدهما بالعربية لإحصاء الناس وأعطياتهم، وهذا الذي كان ~~عمر قد رسمه، والآخر لوجوه الأموال الفارسية، وكان بالشام مثل ذلك أحدهما بالرومية ~~والآخر بالعربية، فجرى الأمر على ذلك إلى أيام عبد الملك.» # 174 # وقال في موضع آخر: «وكان أكثر كتاب خراسان إذ ذاك مجوسا، وكانت ~~الحسابات بالفارسية، فكتب يوسف بن عمرو - وكان يتقلد العراق في سنة أربع وعشرين ~~ومائة - إلى نصر بن سيار كتابا أنفذه مع رجل يعرف بسليمان الطيار يأمره ألا ~~يستعين بأحد من أهل الشرك في أعماله وكتابته.» # 175 # ولا شك في أن العرب كانوا يستمدون من الفرس والروم ما عندهم من آداب ~~ونظم وتعاليم. أما عن الفرس فيقول الأستاذ علي أكبر مظاهري في رسالته المفيدة التي ~~سماها «الأسرة الإيرانية قبل الإسلام»: «كان الطفل الإيراني قبل الإسلام يتعلم مهنة ~~أبيه؛ لأن النظام الاجتماعي الفارسي في إيران كان يقضي بتوزيع الناس إلى طبقات ~~يتوارث أبناء كل طبقة صناعة آبائهم وأهلهم.» وفي ذلك يقول الفردوسي: # لم يعرف أن أحدا كان أبوه حدادا فصار هو كاتبا، بل يرث كل طفل صناعة ~~أبيه؛ فابن الفلاح يرث صناعة الفلاحة، وابن الصانع يرث الصناعة، وابن ~~الكاتب يرث الكتابة، وابن الكاهن يرث علوم أبيه الكهنوتية، والجندي يرث ~~صناعة أبيه الحرب ... # 176 # فهذا يدل على أن الناس في الأمة الإيرانية قبل الإسلام كانوا طبقات منظمة، وأن ~~العلم كان له أربابه، وكذلك الكتابة والكهانة، وهي كلها صناعات ثقافية. وطبيعي ~~جدا أن تؤثر هذه الصناعات الثقافية وأساليبها في العرب حين دخلوا بلاد فارس أو أن ~~ينقلها الفرس إلى ديار الإسلام حين يعتنقون الإسلام. ومما هو جدير بالإشارة إليه ~~أنه كان لدى طبقة الأشراف في فارس مربون يعلمون أبناءهم في قصورهم ولا يذهبون ~~إلى المدارس الابتدائية كما يذهب أبناء طبقة الكتاب ، وكان هؤلاء المربون يعلمون ~~أولئك الأطفال معلومات عامة في الدين والأدب والرياضة والفروسية والموسيقى. وتلي ~~طبقة الأشراف هذه طبقة الكتاب التي يسعى أبناؤها إلى المدارس فيتعلمون الدين ms103 ~~والآداب والفنون وآداب السلوك والأخلاق. ومما هو جدير بالذكر أيضا أنه على الرغم ~~من وجود تلك الطبقات وتميز طبقة الأشراف بالمؤدبين، فإن أبناء الطبقات الأخرى ~~جميعا كانوا متساوين في شيء واحد هو التعليم الديني الذي يتلقونه في المعابد، ~~وكان ذلك التعليم الديني مزاجا من الديانة والتاريخ المقدس والتقويم والتراتيل ~~الدينية. وقد كان لرجال المعابد طريقة تعليمية مفيدة يعلمون بها الأطفال وهي ~~طريقة السؤال والجواب على النمط الآتي: أيها الطفل الإيراني، من تكون أنت؟ # من أين جئت إلى هذا العالم وإلى أين تذهب؟ # إلى أي الآلهة تنتسب، إلى أهورا أم أهرمن؟ إلى خالق الخير أم خالق البشر؟ # ما الخير أيها الطفل؟ وما الشر أيها الطفل؟ ... إلخ. # وكانوا يعلمونه أجوبة هذه الأسئلة ويشرحونها له. # 177 # وبعد أن يتم الطفل علم هذه الأشياء ينصرف إلى صناعة أبيه، ولم يكن هؤلاء الأطفال ~~يتعلمون القراءة والكتابة؛ لأن ذلك مخصوص بالطبقتين الرفيعتين اللتين سبق ذكرهما، ~~وهما الأشراف والكتاب. # وأما الروم فهم قوم أصحاب حضارات عريقة، وإلى جانب حضارتي اليونان والرومان ~~الوثنيتين ظهرت في بلادهم الحضارة المسيحية التي أخذت تشرق وتقوى لطابعها الرومي ~~شيئا فشيئا، وتحاول القضاء على الوثنية اليونانية، وعلى الرغم من أنها قضت عليها ~~إلا أنها قد تأثرت بآثار عميقة من التراث اليوناني والروماني. وقبل أن نعرض إلى ما ~~جاءت به الديانة المسيحية من آداب التعليم والتربية، نريد أن نلم إلمامة قصيرة بما ~~كان عند اليونان والرومان مما يتعلق بالأطفال وتعليمهم، ومن أمور الثقافة بصورة ~~عامة؛ كانت أدوار التربية عند اليونان الإسبارطيين كما يلي: ~~(1) # من حين الولادة إلى السنة السابعة، ويكون الطفل فيها تحت إشراف ~~الأم. ~~(2) # من السنة السابعة إلى الثامنة عشرة، ويكون الطفل فيها في الثكنات ~~العسكرية تحت إدارة أولاد أكبر منه. ~~(3) # من السنة الثامنة عشرة إلى العشرين، ويكون في بعض الثكنات كضابط ~~ومربي أولاد أصغر منه سنا . ~~(4) # من السنة العشرين إلى الثلاثين، يتدرب في الجيش على المعارك الحقيقية ~~أثناء الحروب الحقيقية، أو الاصطناعية أثناء السلم. ~~(5) # من السنة الثلاثين فما فوق يصبح مواطنا ينال ms104 ما يستحق من مراكز ~~الدولة. # وكانت أدوار التربية عند الأثينيين كما يلي: ~~(أ) # من الولادة إلى السابعة، تقوم إحدى الإماء المدربات ~~بتربيته عوضا عن الأم. ~~(ب) # من السابعة إلى السادسة عشرة، تقسم تربية الطفل بين ~~مدرستين «البالستر» Palestre # وهي مدرسة التربية البدنية، ~~و«الموسيقى» وهي مدرسة الغناء، ويكون الطفل دوما مصحوبا ~~بعبد يشرف عليه يسمى «البيداغوغ» Pédagogue ~~. ~~(ج) # من السادسة عشرة إلى الثامنة عشرة، تقسم تربيته إلى ~~مدرستين «الجمنازيوم» # Gymnasium # وهي مدرسة يدرس فيها ~~الرياضة بصورة عامة، و«مدرسة المعلومات المدنية» وهي التي ~~يدرس فيها ما يؤهله للحياة العامة. وفي سن الثامنة عشرة ~~يحلف يمين الإخلاص لأثينا. ~~(د) # من الثامنة عشرة إلى العشرين، يدخل مدرسة التعليم ~~العسكري الإجباري بحيث يقضي سنة في أثينا وسنة في ~~خارجها. ~~(ه) # من العشرين إلى ما فوق، يصبح مواطنا وينال مركزه اللائق ~~به في الحياة الاجتماعية. وكانت الغاية من التعليم عند ~~اليونان هي تنمية الطفل خلقا وخلقا. إلا أن الناحية ~~العقلية عند الأثينيين كانت موسعة، بينما كانت الناحية ~~الجسمية عند الإسبارطيين هي الموسعة. كان الشاب الأثيني ~~يدرس أشعار هوميروس ليفيد منها الآداب والأخلاق ويطلع على ~~المعلومات الثقافية العامة، كما كان يدرب على حضور ~~المجامع العامة والمحاكم، أما الإسبارطي فكان يصرف وقتا ~~طويلا على الرياضة ويحشو دماغه بكثير من المحفوظات، ~~وبخاصة قوانين «ليسرغوس» الفقيه الإسبارطي المشهور، وبضع ~~مختارات من «هوميروس» فينشدها بإتقان ويدرب على الكلام ~~الفصيح الموجز، أما في أثينا فكان الطفل على خلاف ذلك؛ إذ ~~كان يمرن على الموسيقى والرقص والقراءة والكتابة ~~والحساب، وكانوا يقرئونه «هوميروس» ويحفظونه كثيرا ~~منه. ومن أهل أثينا نبغ الفلاسفة وعلماء البيان، وفي أثينا ~~قامت «الجامعة» # Université # حوالي 200ق.م وكانت مقسمة إلى ~~قسمين؛ أحدهما للفلسفة، وثانيهما للآداب، وظلت أثينا إلى ~~سنة 300ق.م مركز العلم والفكر في العالم، وقد شجع الملوك ~~هذه الجامعة، ولما منع جوستنيان في سنة 529 تعليم الفلسفة ~~في أثينا كان ذلك - في الحقيقة - عهد القضاء على الجامعة، ~~وكان لليونان جامعة أخرى في الإسكندرية، وكانت لها مكتبة ~~عظيمة ومتحف أثري. ولما ms105 أحرقت هذه المكتبة في القرن ~~الثالث للميلاد تقهقرت الجامعة وتقهقر العلم في المدينة ~~حتى الفتح العربي سنة 640 للميلاد. # أما الرومان فهم ورثاء اليونان، وقد أفادوا كثيرا من خبرتهم في التعليم والثقافة ~~وضروب الحضارة، كما أنهم أضافوا أشياء كثيرة إلى ما اقتبسوا منهم في فنون العلم ~~والآداب. # وقد ازدهرت الخطابة في عهدهم وارتقت رقيا فاق ما كان عليه في أيام اليونان. أما ~~الفلسفة فإنهم لم يستطيعوا أن يبزوا فيها أساتيذهم، وكانوا مقلدين أكثر منهم ~~مخترعين. أما الرقص والرياضة والألعاب فقد أهملوا أمرها. # وتنقسم تربية الأطفال عند الرومان إلى أدوار ثلاثة، خصصوا كل دور ~~بمعهد: ~~(1) # الدور الابتدائي: # ويدرس الطفل فيه ~~بالمدرسة الابتدائية «لودوس ببليكوس»، وهي مدارس مختلطة يجتمع فيها ~~البنات والصبيان من السنة السابعة حتى العاشرة، ولم يكن للرومان عناية ~~شديدة بهذه المدارس، وإنما كانوا يكتفون بتعليم الطفل فيها مبادئ ~~الكتابة والحساب، وما كانوا يهتمون بانتقاء المعلمين اهتمامهم بهم في ~~الدور الثانوي. ~~(2) # الدور الثانوي: # ويدرس الطالب فيه ~~بالمدرسة الثانوية التي لا يدخلها سوى الشباب الذين تجاوزوا العاشرة ~~إلى السادسة عشرة. ومنهج الدراسة في هذه المدرسة يشتمل على دروس اللغة ~~اللاتينية نحوها وغريبها، ودروس في الإنشاء والآداب وتاريخها، والخطابة ~~والفصاحة، ودروس في الموسيقى والفنون الجميلة. وكان لهم اهتمام شديد ~~بهذه المدارس، وكانوا ينتقون لها أفاضل المثقفين من علمائهم ~~وفلاسفتهم. ~~(3) # الدور العالي: # ويدرس الطالب فيه ~~بالمعاهد العالية والجامعات التي يدخلها من تجاوز السادسة عشرة. ونهج ~~الدارسة في هذه الكليات مشتمل على محاضرات في فنون الخطابة والفصاحة، ~~والقانون والأحكام الشرعية والقضائية والجنائية، وعلم المناظرة في ~~القوانين، ودروس في الأخلاق والفلسفة. # 178 # ومدة الدراسة في هذا الدور ثلاث سنوات. وكانت أرقى ~~الجامعات جامعة روما الشهيرة ب «الأثينيوم» التي امتازت بمن كان فيها ~~من العلماء وكبار المدرسين، وما احتوت عليه في مكتبتها من نوادر ~~المخطوطات التي جمعها الرومان من بلاد اليونان حين كانوا يغزونها في ~~حروبهم منذ القرن الثاني ق.م، وكان الإمبراطور فسباسيان في 75ق.م هو ~~الذي أسس تلك المكتبة العظيمة. ولما انحطت الإمبراطورية الرومانية ~~انحطاطا ms106 سياسيا خلال القرون الثلاثة التي عقبت القرن الثاني ~~للميلاد أخذت الثقافة اليونانية تنحط وشرعت الثقافة المسيحية تحل ~~محلها. وأهم عناصر الثقافة المسيحية الجديدة مما يتعلق بتربية الأطفال ~~هو التربية الروحية، والبحث عن ماهية الإنسان وخلقه، والاهتمام بنظرية ~~وجود الله سبحانه وتوحيده، والقول بالمبدأ والمعاد وما إلى ذلك مما لم ~~تكن التربية الرومانية تعرفه. وبانتشار المسيحية بين الرومان خلال تلك ~~القرون الثلاثة انزوى الناس عن الثقافة الرومانية واتجهوا إلى ~~الثقافة المسيحية، وأخذت المعاهد الرومانية بأصنامها الثلاثة تنحط، ~~وكانت الكنيسة هي الأم التي حضنت الثقافة الجديدة، وقد أوجدت الكنيسة ~~في الأديرة والكنائس والكاتدرائيات مدارس ابتدائية وثانوية وعالية ~~يعلم فيها الدين الجديد وفلسفته والآداب والتاريخ والطبيعيات طبق ~~تعاليم الكنيسة. وكانت هذه المعاهد مقصورة على رجال الدين وأبنائهم، ~~وغرضها هو تخريج رجال للكنيسة. وقد لمع اسم هذه المعاهد وأضحت المؤسسات ~~الرسمية للتعليم بعد أن اعتنقت الدولة الرومانية الدين المسيحي سنة ~~391م، وازداد نفوذ تلك المؤسسات الرسمية حين أصدر الإمبراطور جوستينيان ~~سنة 500م أمره بوجوب غلق المعاهد الرومانية الوثنية؛ وبذلك انتصرت ~~التربية المسيحية على التربية الوثنية، ويمكننا أن نقسم المعاهد ~~المسيحية على الشكل التالي: ~~(أ) # الدور الابتدائي: # ويدرس فيه الطفل بمعهد أولي ملحق بالدير أو الكنيسة، ~~ويتلقى فيه مبادئ القراءة والكتابة والدين، وهذا الأمر ~~كثير الشبه بالذي حدث بعدئذ عند المسلمين. ~~(ب) # الدور الثانوي: # ويدرس ~~فيه الفتى بمعهد ثانوي ملحق بالكنيسة أو الكاتدرائية، ~~ويتلقى فيه تعاليم الدين ومبادئ اللغة اللاتينية وآدابها ~~وبعض مباحث الفلسفة المسيحية التي تؤهله أن يكون من رجال ~~الدين. ~~(ج) # الدور العالي: # ويدرس ~~الطالب في مدرسة الكاتدرائية أو الكنيسة مباحث اللاهوت ~~وعلوم اللغة والآداب والفلسفة وعلوم الطبيعة والرياضيات ~~والتاريخ الكنسي؛ بحيث يصبح المتخرج قسيسا عالما بالدين. ~~وقد انقسمت الأساليب الدراسية في هذه المعاهد إلى طرائق ~~عديدة، أشهرها البندكتية والفرنسيسكانية ~~والدومينيكية. # هذه صورة مجملة لما كان عليه الوضع الثقافي للأطفال والشبان لدى الفرس واليونان ~~والرومان في بلادهم وفي الديار الخاضعة لنفوذهم في الشام ومصر منذ العصور القديمة ~~إلى أن فتح المسلمون ديارهم. # فلما ms107 فتح الله على العرب تلك الديار كانت الثقافة فيها مضطربة تبعا للاضطراب ~~السياسي الذي كانت عليه البلاد؛ فقد تدهورت البلاد سياسيا، وعمتها الفوضى، ~~وانحطت الثقافة وانصرف الناس إلى الكسل ومتع الحياة عن الحزم والجد. وعلى الرغم ~~من أن المسيحية أرادت إحياء النفوس وتطهيرها من الجهالة والفساد الخلقي ~~والانحلال الاجتماعي، فإنها لم تستطع ذلك، وقد رأى زعماء الكنيسة أنهم لا يستطيعون ~~الوقوف أمام تيار الفلسفة الإغريقية الوثنية المادية إلا بالتسلح بالأدلة العقلية ~~والفلسفة المنطقية لمحاربة أولئك الماديين. وكانت «جامعة الإسكندرية» مركزا من ~~مراكز تلك الحركة الاصطلاحية. وعلى الرغم من أن المسيحية في أيامها الأولى قد انزوت ~~عن الحكومة ولم يكن بينها وبين الدولة صلات قوية، فإنها اضطرت - حين وجدت انهيار ~~الحكومة - أن تدخل في المعترك وأصبحت دولة ضمن دولة، ولمع من أقطاب الكنيسة ~~وأحبارهم قوم تداخلوا في السياسة محاولين بسط نفوذهم على كل مرافق الحياة وإصلاح ما ~~يمكن إصلاحه في الدولة. وقد اعتبر بعض المسيحيين الزاهدين في الدنيا والمنصرفين عن ~~أمور السياسة وفتنها، والمعتقدين بأن هذا العالم كله شرور وآثام؛ أن إقدام هؤلاء ~~الأقطاب والأحبار أمر غير محمود العاقبة، فانزووا في الديارات والصوامع لاجئين ~~إلى الصحاري والقفار، ناجين بأنفسهم عن معترك السياسة ورذائل الحياة الدنيا؛ بهذا ~~العمل ظهرت الرهبنة في المسيحية في الشرق ثم انتقلت منه إلى الغرب في أوائل القرن ~~الرابع للميلاد. # والمسيحية منذ ظهرت وجدت نفسها أمام ثقافة وثنية غنية من آداب اليونان والرومان ~~وفنونهم وعلومهم ولغتهم؛ فأخذت تعد العدة لخلق ثقافة رفيعة وتعليم سام، ولكنها لم ~~تجد بدا - كما قلنا - من اصطناع بعض أصول الثقافتين الوثنيتين لغناهما الأدبي ~~واللغوي والعقلي. وقد افتتحت المسيحية عددا كبيرا من المدارس لتعليم شبان ~~المسيحيين في الكنائس والأديرة في الشرق والغرب، وكانت هذه المدارس هي النواة التي ~~سمقت منها دوحة العلم في الغرب فيما بعد، وكانت مناهج تلك المدارس مزاجا من علوم ~~الدين والدنيا إلا أن الروح الديني مسيطر عليها. وقد اقتبست هذه المدارس كثيرا من ~~قواعد التعليم ومواده عن اليونان والرومان، والشيء ms108 الوحيد الجديد الذي انفردت به ~~هو أنها ألزمت الطلاب بالدراسة في مكان معين وعلى أستاذ معين بعد أن كان الطلاب لدى ~~اليونان والرومان أحرارا في اختيار أساتذتهم وأحرارا في التنقل من مكان إلى آخر. ~~وقديما كان الشاب يتلقى قواعد اللغة وأدبها من أستاذ، ثم يتلقى الموسيقى والرقص من ~~أستاذ آخر، ويتلقى الخطابة والفصاحة من أستاذ ثالث ينتخبه. أما المدرسة المسيحية في ~~الدير أو الكنيسة فقد كانت من نمط آخر يدرس الطالب فيها على أستاذ بعينه ويلازمه ~~فيتخلق بكثير من أخلاقه ويتطبع بطابعه الروحي والخلقي والمعاشي. ثم إن هناك فرقا ~~آخر بين الطالب المسيحي والطالب الوثني؛ فالأول طالب يدرس لتسمو روحه وتصقل شخصيته ~~بصقال إلهي ويتفلسف فلسفة دينية سماوية، أما الثاني فطالب يدرس ليصقل عقله ويجمل ~~جسمه وتنمو معلوماته بالحياة ويتعرف على ماهية الكون ويتفلسف فلسفة اجتماعية ترفع ~~قدره بين أترابه ومواطنيه. # 179 # والخلاصة أن المسيحية جاءت بنمط جديد حين ربطت التعليم بالكنيسة والدير، وهي وإن ~~أحسنت من ناحية فقد أفسدت من ناحية أخرى؛ أما الناحية التي أحسنت فيها فهي أنها ~~نظمت شئون التعليم وهيأت له الأمكنة الصالحة، وسارت به في طريق صحيحة مستقيمة، ~~وأما الناحية التي أفسدت فيها فهي أنها ضيقت نظام التعليم وجعلته مقصورا على ~~طبقة الكهنوت ومن يتصل بها بعد أن كان التعليم قبلا عاما لجميع أفراد الشعب. ~~وسير التعليم في الإسلام يشبه سيره في المسيحية؛ فقد كان التعليم كما رأينا في صدر ~~الإسلام يهدف إلى تعليم القرآن وما إليه، وكانت المساجد هي المركز الأول الذي احتضن ~~التعليم، إلا أن الفرق بين الإسلام والنصرانية في هذا أن الإسلام جعل التعليم ~~لكافة الناس، أما النصرانية فإنها تفرضه على طبقة رجال الكهنوت، وفي هذا دليل على ~~أن الإسلام لم يقتبس نظام الكتاتيب من المدارس المسيحية والأديرة أو الكنائس، كما ~~قال بعض الباحثين من المستشرقين؛ فقد رأينا أن الفرق واضح بين «المدرستين » ~~الإسلامية والمسيحية، ثم إن التعليم الإسلامي نشأ مع الإسلام نفسه وتطور بتطوره؛ ~~فقد كان بسيطا سمحا في عصر الرسول ms109 وخلفائه ثم تعاظم في العصر الأموي وبلغ درجة ~~الكمال في العصر العباسي وفقا لسنة النشوء والارتقاء. ~~(3-2) أهداف التعليم عند المسلمين # اختلف المؤلفون المسلمون وغير المسلمين في بيان الأهداف التي قصد إليها الإسلام ~~من وراء حضه على العلم؛ فمنهم من قال إن أهدافه من وراء ذلك هي إحياء شعائر ~~الإسلام والقيام بفروضه لا غير؛ فالأغراض الدينية بحتة، والرسول حين قال: «طلب ~~العلم فريضة على كل مسلم.» قصد التعليم الديني من قرآن وسنة وما إليهما، وأنه ~~فسر هذا العلم بقوله في حديث ثان: «أفضل الناس المؤمن العالم.» وهذا العالم هو ~~المقصود بقوله تعالى: # هل يستوي الذين يعلمون ~~والذين لا يعلمون ~~. ومنهم من قال إن أهداف الإسلام من ~~التعليم هي أهداف دينية ودنيوية معا؛ فإن الدين الإسلامي لا يمنع أهله من الإفادة ~~مما في الكون من ملاذ ومتع ومن توجيه العقل إلى اكتساب المال بالطرق المشروعة ~~من تجارة وصناعة وزراعة، وما إلى ذلك مما وردت في حله وإباحته الآيات والأحاديث ~~النبوية. ومنهم من قال إن وراء الهدفين الديني والدنيوي هدفا ثالثا، وهو هدف ~~اللذة الروحية من العلم، وذلك الهدف هو الذي يدفع صاحبه إلى التعلم والبحث لا ~~لشيء سوى البحث والتعلم لذاتهما مكتفيا بلذة البحث عن الحقيقة والتفتيش عن دفائن ~~المعرفة. وقد تعرض الأساتذة خليل طوطح وأسماء حسن فهمي والأهواني إلى مناقشة هذه ~~المسألة بإسهاب، وأكتفي هنا بإيراد ما قاله الدكتور الأهواني؛ فإنه أحصى القول فيه ~~وعلق عليه ووصل فيه إلى نتيجة طيبة؛ حيث يقول في فصل عنوانه «مناقشة الغرض من ~~التعليم»: «لم يذكر القابسي من الأغراض التي يبتغيها الإنسان حين يتعلم إلا الغرض ~~الديني، وقد ذكر الأستاذ خليل طوطح أن التعليم عند المسلمين كان يرمي إلى أربعة ~~أغراض: غرض ديني، وغرض اجتماعي، والتذاذ عقلي، وغرض مادي. وقسمت أسماء فهمي ~~أغراض التعليم إلى ثلاثة أقسام: غرض ديني، وغرض عقلي وثقافي، وغرض نفعي. # 180 # وكلاهما يأخذ هذه الأغراض من شتى الكتب العربية، مثل «تعليم المتعلم» ~~للزرنوجي، و«جامع بيان العلم» لابن عبد البر، و«إحياء ms110 العلوم» للغزالي، و«كشف ~~الظنون» لحاجي خليفة، و«مفتاح السعادة» لطاش كبري زاده، و«رسائل إخوان الصفاء» ... ~~والرأي عندنا أنه لا توجد أغراض للتربية عند العرب على وجه الإطلاق، وإنما يجب أن ~~نذكر صاحب المذهب ثم نذكر الغرض من التعليم الذي يلائم المذهب؛ فطريقة التعليم ~~مستمدة من مذهب صاحبها. # والغرض من التعليم عند القابسي - وهو من فقهاء أهل السنة - غرض ديني يقصد منه ~~تعليم القرآن ومعرفة العبادات المفروضة. وقد أوجزنا القول في حقل آخر عن التربية ~~عند العرب وعرضنا هذه المذاهب المختلفة لنبين أن الاختلاف في أغراض التعليم ~~ووسائله عند المسلمين إنما يرجع إلى اختلاف هذه المذاهب العقلية ...» # 181 # وقال في فصل آخر عنوانه «آراء المسلمين في التربية والتعليم»: «... ونحن ~~نرمي من هذا الغرض أن نبين أمورا ثلاثة؛ الأول: أن المستشرقين الذين كتبوا في ~~التربية الإسلامية - ومن تبعهم من المؤلفين في الشرق - درجوا على تقرير آراء ~~معينة في التعليم، قالوا عنها إنها آراء المسلمين أو العرب فيما يختص بأغراض ~~التعليم ومناهجه وطرقه وأصوله. وهذا التعميم خطأ؛ لأن أمور التعليم اختلفت باختلاف ~~الأقاليم واختلاف الأشخاص القائمين عليها ... والثاني: أن الآراء التعليمية لمفكر ما ~~وحدة متماسكة في ذهن صاحبها؛ فقد يذكر منهجا خاصا يلائم الغرض من التعليم الذي ~~يذهب إليه وكذلك طريقة التعليم التي سلكها في تحقيق ذلك المنهج؛ فلا يصح أن ننقل ~~جزءا من مذهب مفكر في التعليم ونترك سائر ما ذكره. والثالث: أننا نذهب إلى أبعد ~~من ذلك فنقول إن مذهب المفكر في التعليم جزء أو صدى لمذهبه العام في الحياة أو ~~فلسفته؛ إذ كانت الفلسفة هي النظر الشامل للحياة، وقد التزمنا هذه المنهج في ~~بحثنا ...» # 182 # ثم عرض إلى رأي القابسي، فرأي إخوان الصفا، فرأي ابن سينا، فرأي ~~الغزالي، فالزرنوجي، فابن عبد البر، وختم برأي ابن خلدون. ولا نريد إطالة البحث ~~ببيان آراء هؤلاء ها هنا مفصلة، وإنما نريد أن نقول إن من يدقق في دراسة آرائهم ~~لمعرفة أهداف المسلمين من التعليم يرى أن أهدافهم كانت ثلاثة: دينية، ودنيوية، ~~وعلمية. أما القول ms111 بأن التعليم إنما كان له هدف واحد كما ذهب إليه القابسي والأهواني # 183 # فهو قول المتزمت المبالغ؛ فقد روى ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» ~~كلمة رائعة لعبد الملك بن مروان يوصي بها بنيه، وهي قوله: «يا بني تعلموا العلم، ~~فإن استغنيتم كان لكم جمالا، وإن افتقرتم كان لكم مالا ...» # 184 # ويقول حاجي خليفة: «... فالعلوم ليس الغرض منها الاكتساب، بل الاطلاع على الحقائق ~~وتهذيب الأخلاق. على أن من تعلم علما للاحتراف لم يأت عالما إنما جاء شبيها ~~بالعلماء. ولقد كوشف علماء ما وراء النهر بهذا الأمر ونطقوا به، ولما بلغهم بناء ~~المدارس في بغداد أقاموا مأتم العلم، وقالوا كان يشغل به أرباب الهمم العالية ~~والأنفس الذكية الذين يقصدون الشرف والكمال به فيأتون علماء ينتفع بهم وبعلمهم، ~~وإذا صار عليه أجرة تدانى إليه الأخساء وأرباب الكسل.» # 185 # وهناك أقوال كثيرة أخرى نقلت لنا عن القدماء والمتأخرين، وهي كلها تدل ~~أن للعلم أهدافا غير الأهداف الدينية، منها أهداف دنيوية واجتماعية، ومنها أهداف ~~سامية لا يبغي منها صاحبها إلا العلم نفسه، وهذا كان هدف عشرات من العلماء الذين ~~بذلوا أعمارهم في سبيل العلم والبحث ولم يقبلوا عليه أجرا ولا وظيفة، ولا أباحوا ~~لأنفسهم أن يقبلوا درهما ولا دينارا في سبيل العلم والبحث أمثال عشرات من الصحابة ~~والتابعين، وفي طليعتهم أبو بكر وعمر وعلي وابن عباس وابن عمر، وأبو حنيفة ومالك ~~والشافعي وابن حنبل والأوزاعي، وسيبويه والكسائي والخليل، والأشعري والبخاري ومسلم، ~~والمعري والماوردي والذهبي والبطليوسي والبيضاوي والسيوطي والزرنوجي والأفغاني ~~ومحمد عبده - رضوان الله عليهم. ~~(3-3) المواد # ذكرنا في الفصل الخاص بالكتاتيب اختلاف الديار الإسلامية في المواد التي كان ~~الأطفال المسلمون يتعلمونها في الكتاب، أما مواد التدريس في الحقبة الثانية ~~التي تلي تلك الحقبة، سواء أكانت في الكتاب أو المدرسة أو غيرهما، فقد بحث ~~المسلمون فيها وقسموا العلوم إلى درجات، فقالوا: أول ما يجب على الطالب درسه بعد ~~القرآن ومبادئ العلوم الدينية والعلوم العربية هو علم التفسير، ثم علم الحديث، ثم ~~علم أصول الدين، ms112 ثم علم أصول الفقه، ثم علم الفقه، ثم علم الخلاف بين المذاهب ~~الإسلامية. وقال بعض المربين: بل الأولى أن يقدم علم النحو والعربية على علم ~~الخلاف. وقال آخرون: بل الأولى أن يقدم علم الجدل. # ولهم في ترتيب مواد التدريس هذه أقوال كثيرة وآراء مختلفة لا نريد التفصيل فيها، ~~وإنما نريد أن نشير ها هنا إلى أنهم قسموا العلوم إلى أربعة أقسام: ~~(1) # علوم مفروضة فرض عين: # وهي علوم ~~القرآن الكريم والضروري من علم الدين أصولا وفروعا. ~~(2) # وعلوم مفروضة فرض كفاية: # وهي ~~العلوم الدينية كلها، فإن تعلمها فرض كفاية، إذا قام بها البعض ~~كفى. ~~(3) # وعلوم مباحة: # وهي العلوم المفيدة، ~~ولكن تعلمها ضروري في الحياة الاجتماعية الراقية، كالموسيقى أو ~~التوقيع والخط والتذهيب وما إلى ذلك. ~~(4) # وعلوم محرمة: # وهي العلوم الباطلة ~~المضرة، كالسحر والشعوذة والسيمياء وما إلى ذلك. # 186 # وقد صنف الإمام الغزالي في الإحياء هذه العلوم تصنيفا آخر، فقال: ~~«بيان العلم الذي هو ضروري»؛ اعلم أن الفرض لا يتميز عن غيره إلا بذكر ~~أقسام العلوم، والعلوم بالإضافة إلى الفرض الذي نحن بصدده تنقسم إلى شرعية ~~وغير شرعية، وأعني بالشرعية ما استفيد من الأنبياء - صلى الله عليهم وسلم ~~- ولا يرشد العقل إليه مثل الحساب، ولا التجربة مثل الطب، ولا السماع مثل ~~الفقه؛ فالعلوم التي ليست بشرعية تنقسم إلى ما هو محمود وإلى ما هو مذموم ~~وإلى ما هو مباح، والمحمود ما يرتبط به مصالح أمور الدنيا كالطب والحساب، ~~وذلك ينقسم إلى ما هو فرض كفاية وإلى ما هو فضيلة وليس بفريضة. أما فرض ~~الكفاية فهو كل علم لا يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا كالطب؛ إذ هو ضروري ~~في حاجة بقاء الأبدان على الصحة، والحساب فهو ضروري في المعاملات وقسم ~~التركات والوصايا والمواريث وغيرها، وهذه العلوم التي لو خلا البلد عمن ~~يقوم بها جرح أهل البلد، وإذا قام بها واحد كفى وسقط الفرض عن الآخرين؛ ~~فلا تتعجب من قولنا إن الطب والحساب من فروض الكفاية؛ فإن أصول الصناعات ~~أيضا من فروض الكفاية، كالملاحة والحياكة ms113 والسياسة والحجامة والخياطة؛ ~~فإنه لو خلا البلد عن الحجام لسارع الهلاك إليهم وخرجوا بتعريضهم أنفسهم ~~للهلاك، فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء وأرشد إلى استعماله وأعد الأسباب ~~لتعاطيه؛ فلا يجوز التعريض للهلاك بإهماله. وأما ما يعد فضيلة لا فريضة ~~فالتعمق في دقائق الحساب وحقائق الطب وغير ذلك مما يستغنى عنه ولكن يفيد ~~زيادة قوة في القدر المحتاج إليه. وأما المذموم منه فعلم السحر والطلسمات ~~وعلم الشعبذة والتلبيسات. والمباح منه علم الأشعار التي لا سخف فيها ~~وتواريخ الأخبار وما يجري مجراه ... # 187 # فهذا يرشدك إلى بعض مواد التدريس التي كانوا يدرسونها في الدور ~~الثاني من العلم. وقد فصل ابن خلدون في المقدمة مباحث هذه العلوم وأفضل بحوثها ~~وخير الطرق في تعليمها. # 188 # ولا شك في أن مناهج التعليم الثانوي عند كل قوم هي الأسس التي ينبغي أن ~~توضع لبناء مقومات تلك الأمة وإعداد أبنائها الإعداد الصالح الملائم للحياة التي ~~يحياها أبناء تلك الأمة، وتوجيههم توجيها تقدميا نحو حياة أكمل من حياتهم، أو ~~نحو بيئة اجتماعية أفضل من بيئتهم. فمن ينظر إلى ما ذكرناه فيما سبق عن التربية ~~ومناهج التعليم عند الفرس واليونان والرومان المسيحيين في القديم يجدها تلائم ~~حياتهم والأهداف الاجتماعية التي يسعون إليها؛ فالإسبارطيون كانوا يعنون عناية ~~شديدة بتدريب أبنائهم على الرياضة والحرب لأنهم كانوا قوم قتال، والأثينيون كانوا ~~شديدي العناية بالفلسفة والآداب والبيان والموسيقى لأنهم كانوا يحبون الحكمة ~~والفنون الجميلة، والرومان جمعوا بين المذهبين السابقين لأنهم اقتبسوا مذاهب الحياة ~~ومناهج التعليم عن اليونان، والمسيحيون كيفوا مناهج الدراسة في الكنائس والأديرة ~~والكتدرائيات تكييفا دينيا ممزوجا بما اعتقدوا فيه الصلاح والخير من التراث ~~اليوناني والروماني الوثني القديم، والفرس كذلك رتبوا برامج دراسة أطفالهم دراسة ~~تلائم بيئتهم وتقاليدهم الدينية والاجتماعية؛ أما المسلمون فقد كيفوا مناهج ~~التربية عندهم بحسب بيئتهم الإسلامية الجديدة الممزوجة بتقاليدهم الموروثة مما قبل ~~الإسلام. # ونحن إذا رحنا نتتبع المناهج التي ذكرها المؤلفون الإسلاميون في كتبهم في ~~القديم والحديث نجدها كلها تحوم حول محورين؛ أولهما: محور المواد الواجب درسها، ~~والثاني: ms114 محور المواد الاختيارية. فالمحور الأول يحيط به مباحث ترويض الجسم ~~وتعليم القراءة والكتابة ودرس القرآن وبعض أخبار السنة ومعرفة أوليات الدين ~~والعربية والحساب، والمحور الثاني يحيط به التوسع في دراسة علوم القرآن والدين ~~وبحوث اللغة وآدابها ودراسة الحساب وما إليه من العلوم. وقد كانت هذه المناهج ~~متبعة منذ زمن الرسول وخلفائه الراشدين والأمويين وصدر العباسيين لأنها كانت ~~تلائم البيئة الاجتماعية التي يحياها العرب المسلمون بصورة عامة في تلك الأزمان، ~~فلما تطورت الحياة وتعقدت وسمت في سبيل الحضارة بعد صدر العصر العباسي، تطورت ~~المناهج الدراسية في الدور الثاني، وأضحى التعمق في علوم الفلسفة والكلام والعقائد ~~والآداب من شعر ونثر وتجويد وخط وفنون رفيعة وما إلى ذلك، وقد ظلت هذه المواد في ~~سمو طول العصر العباسي، فلما انحطت الأمة بعد سقوط الدولة العباسية انحطت ~~البرامج وتراجع الناس إلى برامج ساذجة لا تهتم بتنمية الجسم والعقل ولا تعمل على ~~إذكاء روح البحث والجدل، وإنما ترمي إلى حشو الأدمغة ببعض القشوريات ومباحث الجدل ~~والتصرف. ولم يقتصر هذا الأمر على تعلم الشبان في الكتاتيب الأولية، بل تعداه ~~إلى تعليم الكبار في المعاهد العالية قليلا، وأصبحت المناهج عبارة عن محفوظات ~~ومكررات ومماحكات لقضية لا طائل كبيرا تحتها بعد أن كانت مناهج رفيعة تهدف إلى رفع ~~مستوى الطالب الفكري والاجتماعي والعقلي. ~~(3-4) المناهج # انقسمت مناهج البحث والتعليم في الإسلام بعد أن تطورت العقلية العربية في العصر ~~العباسي إلى قسمين: قسم حافظ على المنهج العربي الخالص ولم يمزجه بشيء من الثقافات ~~غير العربية وآرائها ومحتوياتها؛ وهو منهج أصحاب الحديث في الحجاز والشام ومصر ~~والمغرب. وقسم أضاف إلى المنهج العربي القديم مباحث جديدة استقاها من ثقافات جديدة؛ ~~وهو منهج أهل الرأي، وهم أهل العراق. # قال الشهرستاني: المجتهدون من الأئمة محصورون في صنفين لا يعدوان إلى ثالث: أصحاب ~~الحديث، وأصحاب الرأي. أصحاب الحديث - وهم أهل الحجاز - هم أصحاب مالك بن أنس ~~وأصحاب محمد بن إدريس الشافعي # 189 # وأصحاب سفيان الثوري وأصحاب أحمد بن حنبل وأصحاب داود بن محمد ~~الأصفهاني، وإنما ms115 سموا أصحاب الحديث لأن عنايتهم بتحصيل الأحاديث ونقل الأخبار ~~وبناء الأحكام على هذا النحو، ولا يرجعون إلى القياس الجلي والخفي ما وجدوا خبرا ~~وأثرا، وقد قال الشافعي: إذا وجدتم لي مذهبا ووجدتم فيه خبرا على خلاف مذهبي ~~فاعلموا أن مذهبي ذلك الخبر. ومن أصحابه أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني، ~~والربيع بن سليمان الجيزي، وهم لا يزيدون على اجتهاده اجتهادا، بل يتصرفون فيما ~~نقل عنه توجيها واستنباطا ويصدرون عن رأيه جملة ولا يخالفونه بتة. # وأصحاب الرأي - وهم أهل العراق - هم أصحاب أبي حنيفة النعمان، وإنما سموا أصحاب ~~الرأي لأن عنايتهم بتحصيل وجه من القياس والمعنى المستنبط من الأحكام وبناء ~~الحوادث عليها، وربما يقدمون القياس الجلي على آحاد الأخبار. وقد قال أبو حنيفة: ~~علمنا هذا رأي، وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن قدر على غير ذلك فله ما رأى، ولنا ما ~~رأيناه. وهؤلاء ربما يزيدون على اجتهاده اجتهادا ويخالفونه في الحكم الاجتهادي، ~~وبين الفريقين اختلافات كثيرة في الفروع، ولهم فيها تصانيف وعليها مناظرات، وقد ~~بلغت النهاية في مباهج الظنون. # 190 # والحق أن أصحاب المذهب الأول - وهم أهل الحديث - هم قوم تتبعوا أحاديث الرسول ~~الكريم وآثار الصحابة الأولين فوجدوها وفيرة، واستطاعوا أن يحلوا بها كافة ~~المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والدينية التي كانت تحل بهم. أما أصحاب الرأي ~~فقوم لم تتح لهم تلك الكثرة من الأحاديث والأخبار والروايات والآثار، ثم إنهم ~~تشددوا في قبول الأحاديث وصعبوا في شروط الرواية عن الرسول وصحابته فقل ~~الحديث الصحيح عندهم، واضطروا في دراساتهم أن يلجئوا إلى القرآن الكريم ~~ويحكموا فيه عقولهم، ويقيسوا الأشباه بالأشباه، ويجمعوا النظائر مع النظائر، وقد ~~أجمع المسلمون على أن أصول «الاجتهاد» وأركانه أربعة، وهي: الكتاب والسنة والإجماع ~~والقياس. # أما القرآن، فقوله فصل لأنه مروي بالتواتر، وكل ما ورد فيه من الأحكام مقبول ~~قبولا لا يحتمل المناقشة والتأويل. # وأما السنة، فما صح منها مقبول مسلم به، وقد اختلف الأئمة في شرائط المقبول ~~منها. # وأما الإجماع ، فهو إجماع أهل الحل والعقد على رأي عام، والرأي العام ms116 للأمة لا ~~يأتيه الباطل، فمتى أجمع أهل زمان على شيء كان مقبولا. # وأما القياس فقد قبل به جمهور كبير من المسلمين، ورده بعضهم وهم أهل الظاهر مثل ~~الإمام داود الأصفهاني وتابعيه ومن اقتدى بهم؛ فإنهم قالوا لا يجوز الاجتهاد في ~~الأحكام، وقالوا إن أصول الأحكام ثلاثة: الكتاب والسنة والإجماع، أما القياس فأمر ~~خارج عن مضمون هذه الثلاثة. # وبعد، فنحن إذا أردنا بعد ما تقدم أن نكون أكثر تدقيقا في تصنيف مناهج البحث ~~عند المسلمين، نجدها تنقسم إلى أقسام ثلاثة: ~~(1) # منهج أهل الحديث، وهم مالك وأصحابه ممن قالوا بالأصول الأربعة ولكن ~~اعتمادهم على القرآن والحديث الإجماع، أما القياس وما إليه من تحكيم ~~الرأي في أمور الدين فلم يكن يلجأ إليه إلا قليلا وحين ~~الضرورة. ~~(2) # منهج أهل الرأي، وهم أبو حنيفة وأصحابه ممن قالوا بالأصول الأربعة ~~ولكن جل اعتمادهم على القرآن وعلى ما صح من الحديث - وهو قليل عندهم ~~- وعلى الإجماع والقياس. ~~(3) # منهج أهل الظاهر وهم داود وأصحابه ممن قالوا بالأصول الثلاثة: القرآن ~~والسنة والإجماع، ومنعوا العمل بالتأويل والرأي والقياس. # وقد غلبت بعض هذه المناهج الثلاثة على أقاليم دون غيرها؛ فمذهب أهل الحديث غلب ~~على أهل مكة والمدينة ومصر ومسلمي إفريقية والأندلس وصقلية، ومذهب أهل الرأي غلب ~~على أهل العراق والمشرق والأندلس ولكنه لم يعمر طويلا. ~~(3-5) أمور تتعلق بالتعليم الثانوي والعالي في المدارس ~~الإسلامية: (الفتيا، المناظرة، الرحلة في طلب العلم ~~واستملاء الحديث، التدوين) # لم يقسم مربو المسلمين التعليم إلى أولي وثانوي وعال، وإنما صنفوه - كما ~~رأيت فيما سبق - إلى: تعليم في الكتاتيب وتعليم في المدارس والمعاهد الأخرى. # وربما كانوا يعلمون - في بعض الأقطار والأزمنة - بعض مواد تعليم المدارس في ~~الكتاتيب، والعكس صحيح. # ولقد ارتأيت تسهيلا للبحث أن أطلق اسم «التعليم الأولي» على تعليم الكتاتيب ~~كما أسلفت، وأن أطلق اسم «التعليم الثانوي والعالي» على تعليم المدرسة وما إليها من ~~المعاهد الأخرى كالمكتبة، ودار العلم، ودار الحكمة، والخانقاه، والبيمارستان، ~~والمسجد، والرباط وما إلى ذلك من المعاهد التي كانت تكون ميدانا لنشاط فكري عال ms117 ~~يتجلى في مباحث الفتيا والاستملاء والتدوين والتأليف على ما سأبينه فيما ~~يلي: # الفتيا # وردت في القرآن الكريم والحديث النبوي نصوص كثيرة تتعلق بالفتيا والاستفتاء، ~~وهذا النوع التعليمي من أقدم أنواع التعليم في الإسلام؛ فقد ورد في القرآن ~~قوله: # يستفتونك قل الله يفتيكم في ~~الكلالة ~~، وفيه أيضا: # يوسف أيها ~~الصديق أفتنا في سبع بقرات ~~، وفي الحديث: «إن الله ~~لا يقبض العلم انتزاعا ينزعه من الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم ~~يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم ~~فضلوا وأضلوا.» وقال # صلى الله عليه وسلم ~~: «من أفتى بفتيا من غير ثبت فإنما إثمه ~~على من أفتاه.» وقال أيضا: «أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار.» فهذه ~~الآيات والأحاديث تدلنا على أن الفتيا كانت من العناصر التعليمية البارزة الأثر ~~في الإسلام، كما أنها كانت معروفة في «الجاهلية»؛ فقد كان عندهم مفتون وعرفاء ~~وحكماء يرجعون إليهم ويستفتونهم في حل مشاكلهم، # 191 # وفي زمن الرسول عرفت جمهرة من الصحابة وفضلائهم بالفتيا والبراعة ~~في تفهم مشاكل الناس وأسئلتهم وحلها، وفي طليعتهم الخلفاء الأربعة الراشدون، ~~ومعاوية بن أبي سفيان، وعمار بن ياسر، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبي بن ~~كعب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف، وحذيفة بن اليمان، وأبو موسى ~~الأشعري، وسلمان الفارسي، وأبو الدرداء. # وكان من تقاليد المفتين إذا سألهم السائلون واستفتاهم المستفتون أن يتورعوا ~~عن الفتيا، على الرغم من تبحرهم في العلم والأعراف والتقاليد، لما جاء به عن ~~الرسول من وجوب تحري الحقيقة تحريا شديدا، والتنقيب عنها بدقة فائقة، كما ~~كانوا كثيرا ما يحيلون المستفتي إلى من يرونه أفضل منهم وأعلم وأزكى. قال ~~محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى (؟-148): # 192 # أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يسأل ~~أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول. وقال ~~البراء بن عازب (؟-71): لقد رأيت ثلاثمائة من أهل بدر ما فيهم من أحد إلا وهو ~~يحب أن ms118 يكفيه صاحبه الفتيا. # 193 # وقد ظل القوم في صدر الإسلام وفي طول عهد الصحابة وأوائل عهد التابعين ~~يتورعون عن الفتيا والإسراع فيها إلا بقدر الضرورات لما كانوا يخشون من ~~الوقوع في الأخطاء، قال أبو حصين التابعي يعتب على التابعين إسراعهم في الفتيا: ~~إن أحدكم ليفتي في المسألة ولو وردت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر. ~~وروي عن معاوية أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # نهى عن الأغلوطات؛ وهي القضايا التي لم ~~تقع، أو التي لا يمكن أن تقع وإنما يخترعها المفيهقون من الناس ليتعاملوا أو ~~ليوقعوا غيرهم في الأخطاء، وقد نهى الإسلام عن أمثال هذه لما فيها من فساد ~~العلم والدين، وإنه لمن الطبيعي أن لا يتقدم للفتوى إلا من استكمل ~~شرائطها. # وأول تلك الشروط: المعرفة والفطنة والتحري. وقد اشترط المتأخرون في المفتي ~~شروطا لا شك في أن القدماء اعتبروها كلها لما في ذلك من التحري؛ قال العلموي: ~~شرط في المفتي كونه مسلما، مكلفا، عدلا، ثقة، مأمونا، متنزها عن ~~أسباب الفسق وخوارم المروءة، سليم الذهن، رصين الفكر، صحيح التصرف ~~والاستنباط، قوي الضبط متيقظا، سواء فيه الحر والعبد والمرأة والأعمى. # 194 # وقد قسموا المفتي إلى قسمين: # مفت مستقل. # ومفت غير مستقل. # فالمستقل هو المجتهد الذي يكون متعمقا بمعرفة أدلة الأحكام الشرعية من ~~الكتاب والسنة والإجماع والقياس، عارفا بالعلوم الشرعية من قرآن وحديث ~~وعربية وما إلى ذلك، قادرا على الفهم والاستنباط والاقتباس، ذا دربة وارتياض ~~على حل المشاكل وفهم عويصها، ووجود هذا النوع من المفتين بين المسلمين هو فرض ~~كفاية إذا قام به بعضهم سقط عن الباقين، والمفتون المستقلون هم أرباب المذاهب، ~~وقد أجمع أهل السنة على اعتبار أبي حنيفة النعمان بن ثابت (؟-150) ومالك بن أنس ~~الأصبحي (؟-179) ومحمد بن إدريس الشافعي (؟-204) وأحمد بن حنبل (؟-241) وداود ~~بن علي الأصبهاني الظاهري (؟-270) هم الأئمة المجتهدين، والمفتين المستقلين، ~~كما أجمع المتأخرون على انقطاع وجود المستقلين من المفتين من دهر طويل. # 195 # أما الشيعة الجعفرية فقالوا بأن المفتين المستقلين لم ينقطعوا، وأن ~~كل من ms119 اجتمعت فيه الشرائط المطلوبة في المفتي المستقل نال تلك المرتبة؛ لأن ~~باب الاجتهاد لم يقفل، والخير في أمة محمد إلى قيام الساعة. # والمفتي غير المستقل هو المفتي المقلد لأحد المفتين المستقلين، ويشترط فيه ~~أن يطلع على فروع المذهب وعلى صحته ودلائله، وأن يكون حافظا لمذهب إمامه، ~~يستطيع تمييز الحجج وتبين صحيحها وسقيمها، ومرتبته قريبة من مرتبة المفتي ~~المستقل، لكنه قصر عنه، وهذه صفة كثير من المؤلفين وكبار الفقهاء منذ القرن ~~الثالث إلى أواخر القرن الرابع. # 196 # وكما أن وجود المفتي المستقل فرض كفاية، فكذلك وجود المفتي غير ~~المستقل، ولكنه ينقلب فرض عين إذا لم يكن في الناحية أحد لكيلا تخلو الناحية ~~من فقيه مرشد. # وللإفتاء آداب وأركان، فمنها: ~~(1) # أن يدرس القضية المستفتى عنها من كافة نواحيها لئلا يقع في خطأ ~~فاحش. ~~(2) # وأن يبتعد عن تتبع الحيل الشرعية والشبه غير الواضحة، والرخص ~~التي لا يلجأ إليها إلا في الضرورة. ~~(3) # وألا يفتي وهو في حال غير طبيعية من مرض أو تعب أو إرهاق وما ~~إلى ذلك. ~~(4) # وألا يأخذ أجرا على فتواه، ولو أخذ شيئا مقابل ذلك كان أخذه ~~مباحا. ~~(5) # وأن يكون ملما باصطلاحات إقليم المستفتي وتعبيرات بلده ولهجة ~~إقليمه إذا كان من العوام لئلا يقع في خطأ. ~~(6) # وأن يكون الجواب على الاستفتاء واضحا لا لبس فيه ولا إغراب في ~~ألفاظه، وخصوصا إذا كان المستفتي أميا أو عاميا. ~~(7) # وأن يرتب الفتوى ترتيبا منطقيا إذا كان فيها عدة قضايا؛ ~~بحيث لا يضطرب المستفتي أو القارئ حين يقرؤها. ~~(8) # وأن يكون دقيقا في فهم القضية، سواء في ذلك القضية الصعبة أو ~~القضية السهلة. وكان محمد بن الحسن الشيباني - صاحب الإمام أبي ~~حنيفة - يفعل ذلك، وإن كان في القضية المستفتى عنها كلمة غريبة أو ~~مشتبهة سأل عنها ونقطها وضبطها، وإن وجد في القضية لحنا فاحشا أو ~~خطأ يحيل المعنى طلب إصلاحه أو أصلحه لتستقيم القضية، وإن رأى في ~~أثناء سطر من سطورها بياضا خط عليه أو شغله؛ لأنه ربما قصد ~~المستفتي إيذاء المفتي بإضافة بعض الألفاظ التي ms120 تفسد الفتوى أو ~~تحيل معناها. # 197 ~~(9) # وأن يكتب الجواب بخط واضح وسط لا دقيق ولا غليظ، واستحب ~~بعضهم ألا تختلف أقلامه وخطوطه في فتاويه خوفا من التزوير، ~~ولئلا يشتبه خطه. ~~(10) # وأن يكتب اسمه في آخرها ويختم بعده، قال الصيمري: وليختمها ~~بقوله «والله أعلم» أو «بالله التوفيق»، ويكتب بعده «كتبه أو قاله ~~فلان بن فلان الفلاني»، فينتسب إلى ما يعرف به من قبيلة أو بلد أو ~~صنعة أو غير ذلك، ثم يذكر مذهبه، فإن كان مشهورا بالاسم فلا بأس ~~بالاقتصار عليه. ~~(11) # وأن يكون الجواب ملصقا في آخر الاستفتاء، ولا يدع فرجة لئلا ~~يزيد السائل شيئا يفسدها، وإن ضاق موضوع الجواب فلا يكتبه في ورقة ~~أخرى على ظهرها، وأن يكتب فتواه بالحبر دون المداد خوفا من الحك ~~والتزوير؛ لأن الحبر أبقى وأثبت. # 198 # المناظرة # المناظرة نوع من أنواع البحث العلمي، وقد عرفها العرب في أسواقهم الأدبية ~~قبل الإسلام وبعده، وقد شجع الرسول الكريم # صلى الله عليه وسلم # هذا النوع من البحث ~~العلمي المفيد، ومضى العلماء والفضلاء من صحابته على التباحث والتناظر في قضايا ~~العلم والأدب والنسب لتتجلى الحقيقة، وقد ورد في القرآن الكريم الكثير من ~~أحاديث المناظرات، سواء في القصص الديني الذي رواه رسول الله # صلى الله عليه وسلم # عن أهل ~~الأديان السابقة مع خصومهم، أو في مناظرة كفار قريش ومجادلتهم في عباداتهم. ~~وكان الغالب على المناظرات قبل الإسلام وفي أيام الرسول والخلفاء الراشدين روح ~~التساهل والبساطة وتحكيم المنطق العقلي السليم، فلما دخلت الحضارات الأجنبية في ~~البيئة العربية وتغلغلت في أواخر العصر الأموي وأوائل العصر العباسي وما بعده، ~~وتعمقت جذور الفلسفة والحكمة القديمة، وامتزجت الثقافات القديمة بالثقافة ~~العربية الإسلامية؛ ظهرت روح المنطق والفلسفة والمجادلة في تلك المناظرات، ~~وخصوصا حين نجم الزنادقة والملاحدة وأرباب الأهواء والفرق في الإسلام وأرادوا ~~نشر مبادئهم، فزخرفوها للناس وأخذوا يحبذون إليهم الدخول فيها، ويجذبون قلوب ~~الشبان والعامة إليها، فكان طبيعيا أن ينبري لهم المسلمون الغير ~~ويجادلوهم في تلك الأمور، ويناظروهم فيما يدعون لتزييف معتقداتهم وآرائهم، ~~وقد كان لظهور ms121 فرقتي «الجبرية» و«المعتزلة» أثر كبير جدا في تطوير أمر ~~المناظرة وآدابها وتكون أسسها وأنظمتها. قال الإمام أبو حامد الغزالي: ~~... نبغت طائفة المتكلمين من المعتزلة وغيرهم، وظهر من الصدور والخلفاء ~~من مال إلى البحث عن العقائد وإلى التعصب منه، وأقبلوا على من ~~اشتغل بذلك العلم، فأكب الناس على علم الكلام وأكثروا التصانيف، ~~ورتبوا فيه طرق المجادلات والمناقضات، وزعموا أن غرضهم الذب عن ~~الدين والنضال عن السنة، كما زعم من قبلهم أن غرضهم الاستقلال بالفتوى ~~ليتميز الحلال من الحرام. ثم ظهر بعد ذلك من الصدور من لم يستصوب ~~الخوض في أصول العقائد لما فيه من الفتنة، فأعرض عن المتكلمين وأقبل ~~على التعصب للمذاهب في الفروع، وأقبل على من يناظر، وبيان الأولى من ~~مذهب أبي حنيفة والشافعي - رضي الله عنهما - خاصة، فترك الناس الكلام ~~وانثالوا على المسائل الخلافية بين أبي حنيفة والشافعي خاصة، وزعموا ~~أنهم إنما فعلوا ذلك لله تعالى وغرضهم استنباط دقائق الشرع وبيان مآخذ ~~الأحكام، وأكثروا فيه التصانيف ورتبوا طرق المجادلات، وأعرضوا عن ~~الخلاف مع مالك وأحمد بن حنبل وسفيان، مع أنهم كانوا يخالفونهم في جملة ~~الأحاديث والبحث عن معاني الأحاديث وما لا يصح منها وما يصح لهم في ~~مآخذ الأحكام، ولكن كانت رغبتهم بحسب ميل الصدور للتوصل إلى الصلات ~~والولايات؛ فلم يشتغلوا إلا بما يروح عندهم ثم لم يسكتوا عن قولهم إنه ~~لا باعث لهم إلا الدين وإحياء الشرع، ولو مالت نفوس أرباب الولايات إلى ~~الخلاف مع أحمد بن حنبل ومع مالك وغيرهما لاشتغلوا بالبحث عن مذاهبهم ~~ومناقضاتهم ... فهكذا كان ترتيب الأعصار إلى الآن، ولا ندري ما قدره ~~الله تعالى فيما بعد من الأعصار، فهذا هو الباعث على الإكباب على ~~الخلافيات والمناظرة لا غير ... وقلما تجد رجلا يتعلم الخلاف خوفا من ~~أن يقال له يوم القيامة لم تتعلم الخلاف، وما من أحد إلا ويخاف يوم ~~القيامة؛ لم لم تخلص في علمك وعملك، ولم راءيت الناس بطاعتك يا ~~فاجر ويا غاوي ويا فاسق ويا مرائي، كما ورد في الخبر أن المرائي ms122 ينادى ~~بهذه الألقاب، ومع ذلك لا يتعلم علم الإخلاص، وطريق الحذر من الرياء، ~~وما يجري هذا المجرى من صفات القلب ... # 199 # هذا ما يقوله الإمام الغزالي، وهو في رأينا تفسير صحيح لظهور علم ~~المناظرة والخلاف والاختلاف بهما في الدولة العباسية منذ زمن المأمون إلى ما ~~بعده، وبخاصة في القرن الرابع والخامس واهتمام الناس بهما هذا الاهتمام ~~الشديد، بعد أن كان وجودهما في عصر النبي وخلفائه الراشدين والأمويين ظهورا ~~غير واضح الأثر لقرب الناس من طراوة الإسلام وسذاجته، فلما أن تعقدت الحياة ~~العامة واضطربت أحوالها تعقد تفكير الناس واضطربوا وأخذوا يفتشون عن علم ~~الجدليات وعن علم المنطق والمناظرة والبحث وما إلى ذلك، ليظفروا بالغلبة على ~~خصومهم، وتنتصر مبادئهم وعقائدهم. ومهما يكن من أمر المناظرة والجدل فإنهما قد ~~تطورا تطورا عظيما في القرنين الرابع والخامس للهجرة، وكان لهما تأثير في ~~تطوير العلم الإسلامي بصورة عامة، وفي السير قدما بالفكر العربي. # وقد اشترط العلماء للمناظرة شروطا، وألفوا فيها عدة كتب جيدة مفيدة لا ~~مجال للتحدث عنها أو البحث فيها ها هنا، وإنما نريد أن نشير إشارة عابرة إلى ~~أهم الشروط التي اشترطها علماء المناظرة وأرباب الجدل في بحوثهم بما ~~يلي: ~~(1) # أن يكون غرض المتناظرين بحث العلم وإحياء الحق والهدف الثقافي ~~البحت، لا الجدل الخالص وحب الانتصار على الخصم، وهكذا كان جدل ~~الأئمة الكبار، والفقهاء والعلماء أمثال الشافعي، وإسحق بن راهويه، ~~وأبي حنيفة، ومحمد بن الحسن، والقاضي أبي يوسف، وغيرهم من ~~الجلة. ~~(2) # وأن يكون المتناظران عالمين بارعين متسامحين غير حقودين ولا ~~غيورين ولا مرائيين. # 200 # وهكذا كانت روح المناظرة في البيئات الإسلامية الأولى، ولكنها ما لبثت أن ~~فسدت بعد حين أراد الناس من المناظرة مجرد الجدل وإقامة الحجج الشكلية لا ~~البحث عن الحقيقة والكشف عن طرق الصواب في العلم والدين. # الرحلة في طلب العلم واستملاء الحديث # عني المسلمون عناية كبيرة بالرحلة في سبيل العلم من دين وأدب، وخصوصا حين ~~تفرق الأئمة من العلماء والقراء في الأقطار الإسلامية النائية بعد أن اتسعت ~~رقعة ديار الإسلام ms123 . قال عبد الله بن المبارك الإمام الرحالة المحدث الثقة (؟-181): # 201 # دوخت العلماء وعاينت الرجال بالشامات والعراقين والحجاز فلم أجد ~~الأدب إلا مع ثلاثة؛ ابن عون غريزته الأدب، وعبد العزيز بن أبي رواد متكلف ~~الأدب، ووهب المكي كأنه ولد مع أدب، # 202 # وكانوا يرحلون في طلب الأدب والحديث النبوي قبل تدوينهما في الكتب ~~وبعد تدوينهما، لما في الرحلة من فوائد الاطلاع على أحوال الدنيا ومعرفة أوضاع ~~الشعوب الإسلامية وغيرها وتقاليدها وتوسيع الثقافة العامة. # قال الذهبي: قال ابن إسحق سمعت مكحولا يقول: طفت الأرض في طلب العلم، وروى ~~أبو وهب عن مكحول أنه قال: عتقت بمصر فلم أدع بها علما إلا حويته فيما أرى، ~~ثم أتيت العراق ثم المدينة فلم أدع بها علما إلا حويته، ثم أتيت الشام ~~فغربلتها. ومكحول هذا هو عالم أهل الشام، وهو أبو عبد الله بن أبي مسلم الهذلي ~~مولاهم، وكان فقيها أديبا محدثا، كان مولى لامرأة من هذأيل، وأصله من أهل ~~كابل، توفي سنة 113. # 203 # وقال الذهبي أيضا: قال أبو الزناد عبد الله بن ذكوان القرشي ~~(؟-131) كنا نطوف مع الزهري «محمد بن مسلم القرشي» (؟-124) على العلماء ومعه ~~الألواح والصحف يكتب كل ما يسمع. وقال سعيد بن المسيب: إني كنت أسير الليالي ~~والأيام في طلب الحديث الواحد. # 204 # وروى أبو صالح عن الليث بن سعد (؟-175): ما رأيت عالما أجمع من ~~الزهري يحدث في الترغيب فنقول لا يحسن إلا هذا، وإن حدث عن العرب والأنساب ~~قلنا لا يحسن إلا هذا، وإن حدث عن القرآن والسنة كذلك. # 205 # وقال الذهبي أيضا: قال أبو ~~الطيب الطبري: رحلت قاصدا إلى أبي بكر وهو حي فمات قبل أن ألقاه. قال حمزة: ~~وسمعته يقول: لما ورد نعي محمد بن أيوب الرازي بكيت وصرخت ومزقت القميص ~~ووضعت التراب على رأسي، فاجتمع أهلي علي وقالوا ما أخبارك؟ قلت: نعي إلي ~~محمد بن أيوب ومنعتموني الارتحال إليه. قال فسلوني وأذنوا لي في الخروج ~~وأصحبوني خالي إلى الحسين بن سفيان، ولم يكن ها هنا شعرة، وأشار إلى وجهه، ms124 ~~وأبو بكر هذا هو أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي الذي قال عنه الحاكم: كان ~~الإسماعيلي واحد عصره وشيخ المحدثين والفقهاء، مات سنة 371. # 206 # فهذه الروايات وكثير غيرها في كتب الأدب والتاريخ والفقه تدلنا على شدة ~~اهتمام السلف بالارتحال في طلب العلم من بلد إلى آخر، وخصوصا فيما يتعلق ~~بالسنة النبوية وجمعها، خوفا من الكذابين والوضاعين، والزنادقة ~~المارقين. # قال ابن السمعاني في معرض حديثه عن تتبع الأسانيد: «وألفاظ رسول الله # صلى الله عليه وسلم # لا بد لها من النقل، ولا تعرف صحتها إلا بالإسناد الصحيح، والصحة في ~~الإسناد لا تعرف إلا برواية الثقة عن الثقة والعدل عن العدل. وقد روي عن جعفر ~~بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن أبيه عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أنه قال: إذا ~~كتبتم الحديث فاكتبوه بإسناده، فإن يك حقا كنتم شركاء في الأجر، وإن يك ~~باطلا كان وزره عليه. وقال ابن سيرين: كانوا في الدهر الأول لا يسألون عن ~~الإسناد، فلما وقعت الفتنة سألوا عن الإسناد لكي يأخذوا حديث أهل السنة ويدعوا ~~حديث أهل البدعة. وقال ابن المبارك: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من ~~شاء ما شاء. وقال عبدان: ذكر هذا عند ذكر الزنادقة وما يضعون من الأحاديث ... # 207 # وقد كانت للعلماء ولطلاب العلم في أخذ الحديث النبوي الشريف عن الشيوخ طرق ~~عديدة: # منها: أن يملي الشيخ فيسمعه الطالب أو يكتبه في دفتره ~~الخاص. # ومنها: أن يقرأ الطالب على الشيخ الحديث فيقره على ما ~~يقرأ. # ومنها: أن يقرأ قارئ الحديث، والشيخ والطالب يسمعان منه. # ومنها: أن يعرض الطالب على الشيخ كتابا مكتوبا فيخبره الشيخ ~~بروايته. # ومنها: أن يكتب الطالب إلى الشيخ كتابا من بلده يستجيزه رواية ~~الحديث فيجيزه. # وأفضل هذه الطرق أن يملي الشيخ ويكتب الطالب، وأسوأها أن يعرض الطالب على ~~الشيخ كتابا فيجيزه بروايته دون أن يقرأ عليه منه شيئا، وذهب بعض العلماء إلى ~~عدم جواز هذه الإجازة؛ قال شعبة: لو صحت الإجازة لبطلت الرحلة. # 208 # وقد وجد في التابعين ms125 ومن بعدهم جماعات يعقدون المجلس للإملاء والاستملاء، ~~وكان الناس يرحلون إليهم من أقصى ديار الإسلام، أمثال شعبة بن الحجاج، ووكيع بن ~~الجراح، وأبي حنيفة، والشافعي، ومالك، وأحمد، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وكانت ~~هذه الحلقات العلمية تتسع بشكل عجيب، وربما بلغ عدد الطلاب الألوف؛ فيضطر ~~الشيخ أن يستعين بالمبلغين عنه والمستملين منه ليبلغوا عنه. وقد وردت روايات ~~عجيبة عن كثرة طلاب بعض الشيوخ الأجلاء؛ فقد ذكر ابن السمعاني أن طلاب مجلس ~~يزيد بن هارون كانوا سبعين ألفا، # 209 # وأن المعتصم وجه من يحرز مجلس عاصم بن علي بن عاصم في رحبة النخل ~~التي في جامع الرصافة، وكان عاصم بن علي يجلس على سطح المسقطات وينتشر الناس في ~~الرحبة وما يليها فيعظم الناس جدا في سمعته، يقول يوما: «حدثنا الليث بن ~~سعد.» ويستعاد قوله هذا، فأعاد أربع عشرة مرة، والناس لا يسمعون، قال: فكان ~~هارون المستملي يركب نخلة معوجة ويستملي عليها، فبلغ المعتصم كثرة الجمع فأمر ~~بحرزهم، فوجه بقطاعي الغنم فحرزوا المجلس عشرين ألفا ومائة ألف. # 210 # وقال صالح بن محمد البغدادي: كان محمد بن إسماعيل البخاري يجلس ~~ببغداد، وكنت أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثر من عشرين ألفا، وربما تعدد ~~المستملون حتى يبلغوا المئات، ولما ورد أبو بكر جعفر بن محمد الغريابي إلى ~~بغداد استقبل بالطيارات والزبازب - وهما أنواع من السفن - ثم أوعد الناس له إلى ~~شارع المنار بباب الكوفة ليسمعوا منه، فاجتمع الناس فحرز من حضر مجلسه لسماع ~~الحديث فقيل نحو ثلاثين ألفا، وكان المستملون ثلاثمائة وستة عشر. # 211 # وروى القاضي أبو الحسن علي بن محمد البصري قال: كنا نجلس مجلس أبي ~~إسحق إبراهيم بن علي الهجيمي للحديث، فكان يجلس على سطح أهله ويمتلئ شارع بلجهم ~~بالناس الذين يحضرون للسماع، ويبلغ المستملون عن الهجيمي. قال البصري: وكنت ~~أفوقه في السحر فأجد الناس قد سبقوني وأخذوا مواضعهم، وحسب الموضع الذي يجلس ~~فيه الناس وكسر فوجد مقعد ثلاثين ألف رجل. # 212 # وبعد أن يورد ابن السمعاني هذه الأخبار يعلق عليها بقوله: فرحم ms126 الله السلف ~~الماضين، كان العلم مطلوبا في زمانهم، والرغبات متوافرة، والجموع متكاثرة ؛ ~~فالآن خمدت ناره، وقل شراره، وكسد سوقه حتى سمعت أبا حفص عمر بن طفر المغازلي ~~ببغداد يقول: فرغنا من إملاء الشيخ أبي الفضل بن يوسف نكتب فيها أسماء من حضر ~~فما وجدنا. # 213 # وكما اشترط العلماء للفتيا والمناظرة شروطا، كذلك اشترطوا للإملاء ~~والاستملاء شروطا أحصاها الإمام السمعاني وابن الصلاح العراقي ومن بعدهما من ~~مؤلفي علوم مصطلح الحديث، وها نحن أولاء نوردها موجزة فيما يلي: # ينبغي للمحدث قبل بدايته بالإملاء أن يصلح هيئته، وأن يكون على أكمل هيئة ~~وأفضل زينة اقتداء بالنبي # صلى الله عليه وسلم ~~؛ فقد روي أنه كان له ثوبان ينسجان في بني ~~النجار، فكان يقول عجلوا بهما علينا نتجمل بهما في الناس. وكان عمر بن الخطاب ~~يقول: إنه ليعجبني أن أرى القارئ النظيف. وكان مالك بن أنس إذا أراد أن يجلس ~~للحديث اغتسل وتبخر وتطيب ولبس أحسن ثيابه. # 214 # فإذا خرج من بيته إلى المجلس فليقصد في مشيه وليسلم على الناس، فإذا وصل ~~إلى المجلس ابتدأ بإملائه، فإذا أتم المجلس عمد الطلاب معا - أو الطلاب والشيخ ~~- إلى معارضة ما كتبوا وإصلاح ما قد يكون وقع من الخطأ أو زاغ عنه ~~القلم. # هذه هي آداب الشيخ المحدث. أما آداب الطالب فنوجزها بما يلي: # ينبغي لطالب العلم أن يبكر إلى مجلس الاستملاء لئلا يفوته شيء فيتعذر عليه ~~تلافيه، وخصوصا إذا كان الشيخ ممن يكرهون إعادة الحديث، كما روي عن سفيان بن ~~عيينة ويزيد بن هارون والأعمش؛ فقد روي أن رجلا جاء الأعمش فرآه قد أتم درسه ~~فقال له: يا أبا محمد، اكتريت حمارا بنصف درهم وأتيت لأسألك عن حديث كذا وكذا. ~~فقال له: اكتر بالنصف الثاني وارجع. # 215 # وينبغي أن يحرص على القرب من مجلس الشيخ إذا كان المجلس كثير الطلاب لئلا ~~تفوته بعض الفوائد. # وينبغي عليه إذا حضر وغيره من الطلبة إلى دار الشيخ أو مجلسه وأذن لهم ~~بالدخول أن يدخلوا مقدمين أسنهم وأفضلهم، فإذا دخلوا سلموا، ms127 ويجلس الواحد ~~منهم حيث ينتهي به المجلس ولا يتخطى الرقاب، فإن استدناه الشيخ تقدم، وإن ~~أكرمه بمخدة أو غيرها فلا يردها، ولا يقم أحد من مكانه، ولا يجلس وسط الحلقة ~~ولا في صدر المجلس، ولا بين اثنين، ويجلس على ركبتيه ويبالغ في تعظيم أستاذه ~~ويكنيه ولا يسميه، ويقوم له ويقبل يده. # وينبغي أن يكون حسن الاستماع والكتابة، وإذا شرع فيها كتب بالحبر دون ~~المداد؛ لأن السواد أصبغ الألوان وأبقاها، ويحضر أدوات الكتابة من ورق ومحبرة ~~وأقلام ومقلمة وسكين. وتكره الكتابة على ما ليس طاهرا نظيفا، وتجوز على ~~الجلد والخزف والألواح. ويحسن خطه، ويتقن كتابته. # هذه هي آداب الطالب. أما آداب المستملي فنوجزها بما يلي: ينبغي أن يكون ~~فصيحا جهوري الصوت واضح البيان حسن العبارة، يستطيع أن يبلغ كلام الشيخ إلى ~~البعيد عنه بأمانة وفصاحة وصوت مسموع، كما ينبغي أن لا يكون بليدا مغفلا، كما ~~يحكى عن بعض المستملين، ومنهم مستملي يزيد بن هارون؛ فإنه قال يوما: «حدثنا ~~به عدة.» فصاح المستملي: «يا أبا خالد، عدة ابن من؟» فقال يزيد: «عدة ابن ~~فقدتك.» وينبغي أن لا يكون ثقيل الظل، ولا متحذلقا، ولا ثرثارا، وأن يقعد ~~على مكان عال مرتفع، فإن لم يجده وقف ... # وقد كره بعض القدماء هذه الوظيفة وربما هاجموا صاحبها، وكان شعبة يقول: لا ~~يستملى إلا سفلة أو نذل. وقال ابن عيينة: إن لكل قوم غوغاء، وغوغاء المحدثين المسمعون. # 216 # ومما اشترطوه أيضا في المستملي أن يكون ممن عرف الحديث وأنس به، ~~وإذا كثر الزحام كثر المستملون. ولما حدث أبو مسلم الكجي في رحبة غسان كان في ~~مجلسه سبعة مستملين يبلغ كل واحد منهم صاحبه الذي يليه، وكتب الناس عنه قياما ~~بأيديهم المحابر. # 217 # وأول واجبات المستملي أن يستنصت الناس، وأن يقرأ سورة من القرآن، ~~ثم يقول للشيخ «من حدثك رحمك الله؟» أو «من ذكرت رحمك الله أو رضي الله عنك؟» ~~ثم يبدأ الشيخ بالإملاء. قال يحي بن أكثم: جالست الخلفاء وناظرت العلماء، ~~وتقلدت الوزارة مرتين وأنا في هذا ms128 الوقت قاضي القضاة، فما سررت بشيء قط سروري ~~بقول المستملي: «من ذكرت رضي الله عنك؟» # 218 # فإذا سرد المملي الحديث، أعاد المستملي قوله كلمة كلمة محاكيا ~~ألفاظ الشيخ، فإذا فرغ الشيخ ودعا للحاضرين دعا المستملي مثل دعائه للحاضرين ~~ولنفسه. # وقد كانت الرحلة في طلب العلم واستملاء الحديث منتشرة في كافة أرجاء مملكة ~~الإسلام، وكانت قبلة الناس في القرن الأول هي المدينة ومكة والحجاز بصورة عامة. ~~وقد ظل هذا الاتجاه معمولا به في العصر الأموي على الرغم من انتقال العاصمة ~~إلى دمشق ووفود العلماء إليها؛ لأن الحجاز ظل طوال ذلك القرن هو العاصمة ~~الروحية للإسلام. وما جاء القرن الثاني للهجرة حتى أخذت الرحلات تتنوع إلى ديار ~~الإسلام الأخرى؛ لأن قسما كبيرا من أهل الحجاز والمسلمين الأولين في الجزيرة ~~أخذوا يستوطنون البلاد المفتوحة ويستقرون فيها، كالفسطاط ودمشق والبصرة والكوفة ~~وبغداد ومدن المشرق. وكان طلاب العلم في الأندلس والمغرب على الرغم من نبوغ ~~جمهرة كبيرة منهم في ديارهم، فإنهم كانوا يرحلون إلى المشرق في سبيل طلب العلم ~~والحديث إلى مصر والحجاز خاصة؛ فإن الحلقات العلمية في مساجد ديارهم لم تكن ~~لتشبع نهمهم العلمي؛ فقد كانت مصر بمساجدها وحلقاتها منذ القرن الأول من مراكز ~~الثقافة الإسلامية الكبرى؛ ظهر فيها الشافعي وانتشر فيها مذهب مالك إمام أهل ~~المدينة. وأما الحجاز فهي مهبط الوحي، وقد نبغ فيها المئات من الأئمة والفقهاء ~~والمحدثين والأدباء، وعلى رأسهم الإمام مالك، وقد اتصل المغاربة والأندلسيون ~~بمالك وتلاميذه في الحجاز ومصر، فأحبوا مذهبه واعتنقوا طريقته وتحمسوا له ~~واختصوا به. قال ابن خلدون: وأما مالك فاختص بمذهبه أهل المغرب والأندلس لما أن ~~رحلتهم كانت غالبا إلى الحجاز وهو منتهى سفرهم، والمدينة يومئذ دار العلم ~~ومنها خرج إلى العراق، ولم يكن العراق في طريقهم، فاقتصروا على الأخذ من علماء ~~المدينة وشيخهم يومئذ وإمامهم مالك وشيوخه من قبله وتلاميذه من بعده، فرجع ~~إليه أهل المغرب والأندلس وقلدوه ممن لم تصل إلينا طريقته. # 219 # التدوين # يراد به تدوين العلم وكتابته في الكتب والسجلات والدفاتر. وقد ms129 زعم بعض ~~الباحثين من المستشرقين والشرقيين أن التدوين عند العرب لم يظهر في الإسلام إلا ~~في أواسط القرن الثاني للهجرة؛ أي بعد انقضاء الدولة الأموية، وأن التدوين ~~قبلئذ لم يكن معروفا إلا في نطاق ضيق جدا، وهو نطاق القرآن وبعض الأحاديث ~~النبوية، وأن العرب لم يدونوا أدبهم إلا بعد أواسط المائة الثانية للهجرة، ~~وكانوا قبل ذلك يتناقلون أدبهم حفظا ورواية ليس غير، إلى أن جاء العصر العباسي ~~فدونه الكتاب والمؤلفون. # وليس لهؤلاء الباحثين من المستشرقين والشرقيين حجج قوية يعتمدون عليها، وإنما ~~هي أوهام وظنون وأباطيل سار بها بعض الشعوبيين من الكتاب القدماء، فتلقفها ~~المستشرقون وشعوبيو اليوم، ورفعوا بها عقائرهم، وملئوا بها كتبهم وهدفهم ~~الأول من وراء ذلك هو التهجم على العرب، والطعن في تاريخهم، وهتك حرمة ~~آدابهم، والطعن في صحة ما ابتدعوه قبل الإسلام أو بعده من الحكمة والشعر ~~الخالدين، وليس قول هؤلاء جميعا إلا باطلا في باطل، فإن التدوين الأدبي كان ~~معروفا عند العرب قبل الإسلام؛ فقد دون عرب زمن الفترة شعرا وعلقوه على ~~الكعبة، كما دونوا كثيرا من مأثور كلام عقلائهم شعرا ونثرا، كما دون ~~متهودوهم ومتنصروهم في الجزيرة آيات من الكتاب المقدس؛ فإنه لا يعقل أصلا ~~أنهم كانوا يؤدون شعائر الدين الموسوي أو النصراني بالعبرية أو السريانية، ~~فإنهم كانوا عربا يعتزون بلغتهم ويفخرون بلسانهم العربي المبين. # وليس هذا القول قولا جزافا ألقيناه بدافع العصبية لأجدادنا وتاريخنا ~~وقوميتنا العربية، وإنما هو قول يعتمد على سنن الكون وأنظمة الحياة؛ فقد كتب ~~العرب قبل الإسلام وكانت لهم حضارة وكان لهم علم وكان لهم أدب، وكانت عندهم ~~كتاتيب ودور للتعليم على ما فصلناه قبلا، وقال المرزباني في الموشح في معرض ~~حديثه عن النابغة الذبياني إن العرب في الجاهلية كانوا صنفين؛ أهل البوادي وأهل ~~القرى أي المدن. أما أهل البادية فقد كانوا بدوا أميين، أما أهل الحواضر ~~والمدن فقد كانوا متعلمين ذوي حصافة وحس مرهف، وإن «أهل القرى ألطف نظرا من ~~أهل البدو، وكانوا يكتبون لجوارهم أهل الكتاب». # 220 # ولا ريب في ms130 أن نصارى الحيرة والشام من المناذرة وآل غسان كانوا ذوي ~~حضارة زاهية وأدب وعلم وكتابة وفهم؛ لأن آثارهم الباقية وقصورهم الشاهقة لتدل ~~على مبلغ ما سموا إليه من رقي، وروى العالم الثقة الثبت العالم ابن جني عن ~~حماد الراوية (؟-155) أنه قال: # أمر النعمان «ابن المنذر اللخمي» (؟-8ق.ه) فنسخت له أشعار العرب ثم ~~دفنها في قصره الأبيض، فلما كان المختار ابن أبي عبيد «الثقفي أمير ~~الكوفة» (؟-68) قيل له إن تحت القصر كنزا، فاحتفره فأخرج تلك الأشعار؛ ~~فمن ثم أهل الكوفة أعلم بالشعر من أهل البصرة. # 221 # فهذا يدل على أن العرب كانوا قبل الإسلام قد دونوا بعض أشعارهم وتراثهم ~~الأدبي الذي يفخرون به ويعتزون باحتوائه. ولا ريب في أن أبا قابوس النعمان إنما ~~فعل ذلك افتخارا بآثار قومه، وقد كان من الملوك الذين ازدهت بهم الحيرة لعلمه ~~وفضله، ولأنه كان ممن يتذوقون الشعر، وكان بلاطه موئلا لفحولة الشعراء أمثال ~~النابغة الذبياني، وحسان بن ثابت، وحاتم الطائي، وغيرهم من أئمة الشعر العربي، ~~وهو صاحب قصة إيفاد الحكماء العرب إلى كسرى، وهو باني مدينة النعمانية على ضفة ~~دجلة اليمنى، وليس هذا الخبر مكذوبا اخترعه حماد الراوية الذي يتهمونه بالوضع، ~~وإنما هو خبر روى مثله أيضا هشام الكلبي (؟-206) المحدث الراوية النسابة ~~المشهور الموثق؛ فقد قال: «كنت أستخرج أخبار العرب وأنسابهم وآل نصر بن ربيعة ~~ومبالغ أعمار من ولي مهمة لآل كسرى وتاريخ نسبهم من كتبهم بالحيرة.» # 222 # ونحن حين نقول هذا القول لا نقصد أن العلم والتدوين وما إليهما كانا منتشرين ~~في المدن والقرى العربية قبل الإسلام انتشارا عاما، ولكننا نريد أن ننفي ~~القول بفشو الأمية والجاهلية وسيطرتها، وعدم وجود التدوين عند العرب أصلا ~~قبل أواسط القرن الثاني للهجرة كما زعم أولئك المستشرقون والشرقيون؛ فقد رأيت ~~أن الكتابة كانت فاشية عند العرب قبل الإسلام، وبخاصة في المدينة ومكة والطائف ~~والحيرة ومدن مشارق الشام العربية ومدن اليمن وحضر موت؛ لأن قوما كانت لهم تلك ~~الحضارة لا يمكن أن يكونوا أميين، وما يقال عن عرب ما ms131 قبل الإسلام - ولا أبيح ~~لنفسي أن أسم ذلك العهد بسمة الجاهلية - يقال عن عرب صدر الإسلام؛ فقد كانت ~~الكتابة منتشرة في البيئة النبوية في المدينة، وفي العواصم الإسلامية التي ~~شادها العرب في الديار التي فتحوها كالبصرة والكوفة في العراق، والفسطاط ~~والقطائع في مصر، والقيروان في شمالي إفريقية، وفي عواصم الأقاليم التي دخلوها ~~كدمشق وحلب وبيت المقدس والمدائن والري وغيرها. # وكان معلمو الصحابة كأبي الدرداء وأبي ذر وأبي موسى الأشعري وأبي بن كعب ~~وجبير بن حية، وغيرهم من علماء الصحابة، يحلقون حلق العلم في مساجد العواصم ~~الإسلامية التي يحلون فيها. قال سويد بن عبد العزيز: كان أبو الدرداء «عويمر ~~بن مالك الأنصاري (؟-32) قاضي دمشق» # 223 # إذا صلى الغداة في جامع دمشق اجتمع الناس للقراءة عليه، فكان ~~يجعلهم عشرة عشرة، وعلى كل عشرة عريف، ويقف في المحراب يرمقهم ببصره، فإذا غلط ~~أحدهم يرجع إلى عريفهم وإذا غلط عريفهم رجع إلى أبي الدرداء فسأله عن ذلك. # 224 # وقال مسلم بن مشكم: قال لي أبو الدرداء اعدد من يقرأ عندي القرآن، ~~فعددتهم بأمره ألفا وستمائة ونيفا، وكان لكل عشرة منهم مقرئ. # 225 # وهكذا كان الأمر في مساجد حلب وبيت المقدس والإسكندرية والفسطاط والبصرة ~~والكوفة، وغيرها من العواصم الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين والأمويين، ~~فإذا كان هذا عدد الكتاب في العصر الأموي والراشدي، كان من الطبيعي جدا ~~أن يكون لهذا العدد العديد من المتعلمين مدونات وكتب جمع فيها شيء من تعاليم ~~الدين وحديث الرسول والآداب والعلوم الإسلامية، ولولا وجود هذه المدونات في زمن ~~مبكر لما كره بعض المتزمتين أن يدون غير القرآن؛ خوفا من اختلاطه بالسنة أو ~~غيرها من الأخبار، وحجة هؤلاء القوم قول الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~: «لا تكتبوا عني شيئا ~~سوى القرآن، فمن كتب عني شيئا سوى القرآن فليمحه.» ومثل هذا قول زيد بن ثابت ~~حين دخل على معاوية وسأله عن شيء من حديث رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ثم أمر كاتبا له ~~أن يكتبه، فنهاه زيد وقال: إن رسول الله ms132 # صلى الله عليه وسلم # أمرنا أن لا نكتب شيئا من ~~حديثه، فمحاه. # 226 # ولما رأى أبو سعيد الخدري جماعة من تلاميذه يكتبون الحديث عنه ~~نهاهم عن ذلك وقال: أتريدون أن تجعلوها مصاحف؟ إن نبيكم # صلى الله عليه وسلم # كان يحدثنا ~~فنحفظ، فاحفظوا كما نحفظ. # 227 # ولكن بعض هؤلاء المتزمتين أباحوا كتابة القرآن حين وقع الاطمئنان في نفوسهم ~~من أن شيئا من ذلك الذي تخوفوه لن يكون، فأجازوا كتابة الحديث بعد أن كانوا ~~يكرهونه لكيلا يختلط بالقرآن، أو لكيلا يعتمد العالم على الكتاب، بل على حفظه. # 228 # وقد احتج من أباح الكتابة ببعض الروايات التي رويت عن النبي وكبار الصحابة؛ ~~فمن ذلك ما روي عن أبي هريرة أنه # صلى الله عليه وسلم # أذن لأبي شاة اليمني أن يكتب عنه ~~خطبة يوم فتح مكة. # 229 # وقال أبو هريرة: لم يكن أحد من أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أكثر مني ~~حديثا إلا عبد الله بن عمرو بن العاص؛ فإنه كتب ولم أكتب. # وفي العهد الراشدي دونت بعض المدونات الشعرية أيضا؛ فقد روى أبو الفرج أن ~~عمر بن الخطاب كتب إلى أميره على العراق وفاتح القادسية وباني الكوفة سعد بن ~~أبي وقاص (؟-55): أما بعد، فاجمع من قبلك من الشعراء فسلهم ماذا فقدوا من شعرهم ~~وما بقي منه. فجمعهم سعد فسألهم عن ذلك فكلهم زعم أنه أغزر ما كان شعرا ~~وأقدر عليه إلا لبيد، فإنه حلف بالذي هداه للإسلام ما قدرت على أن أقول بيتا ~~واحدا منذ أسلمت، فكتب بذلك إلى عمر. # 230 # ومثل ذلك ما ذكره أبو الفرج أيضا أن عبد الله بن الزبعري السهمي ~~وضرار بن الخطاب الفهري طلبا من حسان بن ثابت أن يتناشدوا ما قيل من مناقضات ~~بين الأنصار ومشركي قريش في صدر الإسلام، فأنشداه أشعار قريش من الأنصار، ثم ~~ذهبا قبل أن يسمعا شعره في قريش، فغضب حسان وذهب إلى عمر بن الخطاب، فجمعهما ~~بحسان وأمرهما أن يسمعا مناقضته لكفار قريش، فاستمعا إليه بمحضر عمر وكبار ~~الصحابة، ثم ms133 إن عمر قال لمن حضره: إني قد كنت نهيتكم أن تذكروا مما كان بين ~~المسلمين والمشركين شيئا دفعا للتضاغن عنكم وبث القبيح فيما بينكم، فأما إذا ~~أبوا فاكتبوه واحتفظوا به . فدونوا ذلك عندهم، قال: فأدركته - أي ذلك السجل ~~الذي دونوا فيه الأشعار - ومما دون في عهد عمر بن الخطاب غير هذه الكتب ~~الأدبية دواوين أنساب القبائل العربية، التي أمر عمر بن الخطاب بتدوينها وتسجيل ~~أسماء كل قبيلة وأفخاذها وأسماء من ولد كل منهم. # وما إن دخل النصف الثاني للقرن الهجري واستولى بنو أمية على الخلافة ~~الإسلامية حتى كثر التدوين في الأدب والحديث؛ فقد روى لنا المبرد عن ~~المعلمين الشاعرين المشهورين؛ الكميت بن زيد، والطرماح بن حكيم، عن ~~رؤبة بن العجاج أنه قال: قدمت فارس على إبان بن الوليد البجلي منتجعا له، ~~فأتاني رجلان لا أعرفهما، فسألاني عن شيء ليس من لغتي فلم أعرفه، فتغامزا بي ~~فتقبعت عليهما فهمدا، ثم كانا بعد ذلك يختلفان فيسمعان مني الشيء فيكتبانه ~~ويدخلانه في أشعارهما، فعلمت أنهما ظريفان، وسألت عنهما فقيل لي هما الكميت والطرماح. # 231 # فلا شك في أن العالمين الشاعرين الأديبين المعلمين كانا يدونان ما ~~يسمعان من رؤبة ومن غيره ما يستجيدان من الشعر والغريب وأخبار العرب. ويروي ~~الإمام الراوية الثقة أنه رأى الطرماح بسواد الكوفة وهو يكتب ألفاظ النبيط ~~ويتعلمها ويعربها ويدخلها في شعره، # 232 # وأغلب ظننا أنه كان ينتقي الألفاظ الفنية والعلمية فيعربها ~~ويدخلها في شعره، وقد كان الطرماح وزميله الكميت شاعرين فحلين من فحول شعراء ~~الإسلام وأجودهم معاني وأحسنهم صورا، ولم يكن هذان الشاعران وحدهما اللذين ~~دونا شعرهما في العصر الأموي؛ فقد روي أن الفرزدق كان يدون شعره وقد كان ~~له أربعة رواة يكتبون شعره عنه ويدونونه ويذيعونه عنه، # 233 # وكذلك كان جرير يدون شعره، بل يروي صاحب الأغاني أن بعض موالي ~~بني كليب بن يربوع - وكان بائعا للرطب في البصرة - يدون شعره، قال: كنت ~~أجمع شعر جرير وأشتهي أن أحفظه وأرويه، فجاءني جرير ليلة فقال إن راعي الإبل ~~النميري ms134 قد هجاني وإني آتيك الليلة فأعد لي شواء وفراشا ونبيذا محشفا، ~~فأعددت له ذلك، فلما أعتم جاءني فقال: هلم عشاءك. فأتيته به فأكل ثم قال: هلم ~~نبيذك. فأتيته به فشرب أقداحا ثم قال : هات دواة وكتفا. فأتيته بهما فجعل ~~يملي علي قوله: # أقلي اللوم عاذل والعتابا # وقولي إن أصبت لقد أصابا # 234 # ويروي أبو الفرج أن رجلا من الأنصار لاحق عدي بن الرقاع العاملي (؟-95) ~~معاصر جرير وشاعر الوليد بن عبد الملك وقال له: اكتب لي شيئا من شعرك. فقال ~~عدي: ومن أي العرب أنت؟ قال: أنا رجل من الأنصار. قال: ومن منكم القائل: # إن الحمام إلى الحجاز يهيج لي # طربا ترنمه إذا يترنم # فقيل له: سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت. فقال: عليك بصاحبكم فاكتب شعره ~~فلست تحتاج معه إلى غيره. # 235 # ويروي المرزباني أن ذا الرمة (؟-117) كان يكتب وأن عيسى بن عمر قال: قال ~~لي ذو الرمة: أنت والله أعجب إلي من هؤلاء الأعراب؛ أنت تكتب وتؤدي ما تسمع، ~~وهؤلاء يهون على أحدهم وقد نحته من جبل أن يجيء به على غير وجهه. قال قلت: إني ~~لم أصل منك بشيء. قال: كنت مشغولا، عد إلي. فعدت إليه فتعاييت في شيء ~~فتهجاه لي فقلت: أراك تكتب يا أبا الحارث. قال: إياك أن يعلم هذا أحد، تعلمت ~~الخط من رجل كان عندنا بالجفر، فكان يجلس إلي من العتمة إلى أن ينكفت ~~السامر يخط لي في تراب البطحاء. وقال شعبة بن الحجاج (؟-160): لقيت ذا الرمة ~~فقلت أكتبني شعرك، فجعل يملي علي ويطلع في الكتاب فيقول: ارفع اللام من ~~السين وشق الصاد، ولا تعور الكاف، فقلت من أين لك الكتاب؟ قال: قدم علينا رجل ~~من الحيرة فكان يؤدب أولادنا فكنت آخذ بيده فأدخله الرمل فيعلمني الكتاب، وأنا ~~أفعل ذلك لئلا تقول علي ما لم أقل. # 236 # ولم يكن الشعراء وحدهم هم الذين يدونون؛ فقد دون كثيرون في ~~العصر الأموي خطب الخطباء وأقوال الحكماء كخطب الحجاج وزياد وغيرهما، # 237 # وكان للخلفاء الأمويين ms135 كالوليد بن عبد الملك والوليد بن يزيد ~~خزائن فيها كثير من الدفاتر والكتب التي سجلت فيها كتب العلم والأدب والشعر، # 238 # ويحدثنا صاحب الأغاني أن عبد الحكيم بن عمرو بن عبد الله بن صفوان ~~الجمحي (؟-حوالي سنة 100ه) قد اتخذ بيتا فجعل فيه شطرنجات ونردات وقرقات ~~ودفاتر فيها من كل علم، وجعل من الجدار أوتادا، فمن جاءه علق ثيابه على وتد ~~منها ثم جر دفترا فقرأه أو بعض ما يلعب به فلعب به مع بعضهم، وأن الأحوص ~~الشاعر (؟-105) قد زار هذا البيت بدعوة من صاحبه عبد الحكيم. # 239 # ولم يقتصر التدوين على الشعر والأخبار كما أسلفنا، بل يظهر أن جماعة من ~~العلماء ألفوا بعض المصنفات الأدبية؛ فهذا صحار بن العباس العبدي ألف في ~~عهد معاوية بن أبي سفيان كتابا جمع فيه أمثال العرب كما يذكر ذلك ابن النديم ~~في الفهرست، # 240 # وهذا عبيد بن شرية الراوية الإخباري المشهور، وعطاء بن مصعب ~~الراوية المحدث الأديب، والشرقي بن القطامي الأديب النسابة الإخباري، ويونس بن ~~سليمان الكاتب الأديب (؟-حوالي سنة 135)؛ يؤلفون الكتب والمجموعات في الأدب ~~والنسب والأخبار والأمثال والأغاني، # 241 # وهذا زياد بن أبيه الأمير القائد المشهور يؤلف كتابا في المثالب ~~يتهجم فيه علي من عيروه، # 242 # ثم جاء من بعده الهيثم بن عدي فألف في المثالب لأنه كان دعيا، ~~فأراد أن ينتقص أهل الأنساب والأشراف، # 243 # ثم جاء بعدهما النضر بن شميل الحميري وخالد بن سلمة المخزومي ~~(؟-132) وألفا كتاب الواحدة في المثالب. # 244 # فهذه الكتب كلها قد ألفت في العصر الأموي وتناقل الناس أخبارها ~~كما رووا بعض الأخبار مما ورد في فصولها. ومما ألف في هذا العصر الأموي ~~أيضا من الكتب غير ما سلف ذلك الديوان الضخم الذي جمعت فيه أشعار العرب ~~وأخبارها وأنسابها؛ فقد روى ابن النديم عن أبي العباس ثعلب النحوي أنه قال: ~~جمع ديوان العرب وأشعارها وأخبارها وأنسابها الوليد بن يزيد بن عبد الملك ورد ~~الديوان إلى حماد وجناد. # 245 # هذه نبذة عن حركة التدوين قبل الإسلام وبعده إلى ms136 أواخر العصر الأموي. أما في ~~العصر العباسي، فقد انتظمت تلك الحركة بشكل تام واتبعت طريقة علمية صحيحة في ~~ذلك ووضعوا لها القواعد ورتبوها ونظموها، كما فننوا أصول الكتابة وقواعد ~~النسخ والتدوين وطرائق الخط وأساليب التأليف. قال ابن جماعة الكناني: ويشترط ~~فيمن نصب نفسه للتدوين والتصنيف أن يكون تام الأهلية كامل الفضيلة. إلى آخر ~~الشروط التي اشترطها، وقال الخطيب مبينا فضائل التدوين إنه «يثبت الحفظ ويذكي ~~القلب ويشحذ الطبع ويجيد البيان، ويكسب جميل الذكر وجزيل الأجر.» وقال ابن ~~جماعة في بيان ما يجب على المؤلف والمدون البداءة به: «والأولى أن يعتني ~~بما يعم نفعه وتكثر الحاجة إليه، وليكن اعتناؤه بما لم يسبق إليه تصنيفه ~~متحريا إيضاح العبارة في تأليفه معرضا عن التطويل الممل والإيجاز المخل، مع ~~إعطاء كل مصنف ما يليق به، ولا يخرج تصنيفه من يده قبل تهذيبه وتكرير النظر فيه ~~وترتيبه، وبين الناس من ينكر التصنيف والتأليف في هذا الزمان على من ظهرت ~~أهليته وعرفت معرفته، ولا وجه لهذا الإنكار إلا التنافس بين أهل الأعصار ...» # 246 # وقد اشترطوا في التأليف منذ فجر عصر التأليف أن يبدأ الكتاب ~~بالبسملة ثم يكتب «قال الشيخ» ويذكر اسمه، ثم يشرع في الكتابة والتدوين، وإذا ~~فرغ من كتابه ختمه بالحمدلة والصلاة على النبي # صلى الله عليه وسلم # وبقوله «آخر الجزء ~~الأول والثاني ويتلوه كذا وكذا» إن لم يكن أكمل الكتاب، فإن أكمله فليقل «كمل ~~الكتاب الفلاني» وكلما كتب اسم الله أتبعه بالعظيم، وكذلك اسم النبي، ولا يكتب ~~«صلعم» ولا «صلسم»، وكذلك إذا ذكر أحدا من الأعلام، ولا يهتم بتحسين الخط بل ~~بصحته وتصحيحه، ويتجنب خط التعليق وهو خلط الحروف التي ينبغي تفريقها، كما ~~يتجنب خط المشق - هو الخط المستعجل المتلاصق الكلمات - وشر القراءة الهرذمة ~~وأجود الخط أبينه، ولا يكتب الكتابة الدقيقة إلا إذا كان فقير الحال عاجزا عن ~~ثمن الورق، أو رغبة في حمل الأسفار، ويكتب بالحبر الأسود الثابت لا بالمداد الملون، # 247 # وربما كتبوا بعض كتب العلم منذ زمان مبكر جدا بماء الذهب؛ ms137 فقد ~~ذكر السمعاني أن أحمد بن مهدي قال: أردت أن أكتب كتاب الأموال لأبي عبيد فخرجت ~~لأشتري ماء الذهب فلقيت أبا عبيد، فقلت يا أبا عبيد إني أريد أن أكتب كتاب ~~الأموال بماء الذهب، فقال اكتبه بالحبر فإنه أبقى. # 248 # كما اعتنوا منذ القديم بالحبر والمحابر والأقلام والكواغد ~~والمعالم والسكاكين والمقاط والألواح والتجليد، وغير ذلك من أدوات الكتابة ~~وعدد الكتاب، وألفوا في ذلك الكتب، ومن أقدم ذلك كتاب أدب الكتاب ~~للصولي، وطراز الذهب في أدب الطلب لابن السمعاني - وهو مفقود - وكتاب أدب ~~الإملاء والاستملاء للسمعاني أيضا، الذي نشره المستشرق ويسملر، وكتاب المعيد ~~للعلموي. ~~(4) تصنيف العلوم عند العرب # ذكرنا في الباب الثاني شيئا من المواد التي كان الأطفال والشبان يتعلمونها في ~~الكتاتيب ومعاهد الدراسة الأخرى، ونبين في هذا الباب رأي الفلاسفة والمربين المسلمين ~~في تصنيف العلوم. # ولعل أقدم مؤلف عربي تعرض للبحث في هذا الأمر هو المعلم الثاني الفيلسوف أبو نصر الفارابي # 249 # محمد بن محمد بن أوزلغ (؟-339)، فقد ألف رسالة من هذا البحث سماها «مراتب ~~العلم» أو «إحصاء العلوم»، وقد شاعت هذه الرسالة بين الفلاسفة والمربين؛ فاعتمدها بعده ~~كل من أراد البحث في تصنيف العلوم وتبويبها. # أما الطريقة التي تبعها الفارابي في تصنيفه فقد بينها في مقدمة رسالته فقال: # قصدنا في هذا الكتاب أن نحصي العلوم المشهورة علما علما، ونعرف جمل ما ~~يشتمل عليه كل واحد منها، وأجزاء كل ما له منها أجزاء، وجمل ما في كل واحد من ~~أجزائه، ونجمله في خمسة فصول: # الأول: # في علم اللسان وأجزائه. # والثاني: # في علم المنطق وأجزائه. # والثالث: # في علوم التعليم، وهي العدد والهندسة، وعلم المناظر، وعلم ~~النجوم التعليمي، وعلم الموسيقى، وعلم الأثقال، وعلم ~~الحيل. # والرابع: # في العلم الطبيعي وأجزائه، وفي العلم الإلهي وأجزائه. # والخامس: # في العلم المدني وأجزائه، وفي علم الفقه وعلم الكلام. # 250 # وغرضه من هذا الكتاب هو أن يبين لمن «أراد أن يتعلم علما من هذه العلوم وينظر فيه، ~~علم على ماذا يقدم وفي ماذا ينظر، وأي شيء سيفيد نظره، ms138 وما غناء ذلك، وأي فضيلة تنال ~~به، ليكون إقدامه على ما يقدم عليه من العلوم على معرفة وبصيرة، لا على عمى وغرر، ~~وبهذا الكتاب يقدر الإنسان على أن يقيس بين العلوم، فيعلم أيها الأفضل، وأيها الأنفع، ~~وأيها أتقن وأوثق وأقوى، وأيها أوهن وأوهى وأضعف، وينتفع به في تكشف من ادعى البصر ~~بعلم من هذه العلوم ولم يكن كذلك ... ويتبين أيضا فيمن يحسن علما منها هل يحسن جميعه ~~أو بعض أجزائه ... وينتفع به المتأدب المتفنن الذي قصده أن يشدو جمل ما في كل علم.» # 251 # والفارابي في هذه المقدمة لم يبين لنا الطريقة التي اتبعها في تصنيف هذه العلوم كما ~~نجده عند من جاءوا بعده من الفلاسفة والمربين، مثل ابن سينا (؟-459) في «الشفاء» الذي ~~أحصى فيه العلوم وفصل الكلام عليها، ومثل جماعة إخوان الصفا الذين كانوا في البصرة في ~~النصف الثاني من القرن الرابع في رسائلهم الاثنتين والخمسين التي ذكروا فيها العلوم ~~وقسموها إلى أقسام أربعة: رياضية، وطبيعية، ونفسانية، وإلهية؛ ومثل ابن حزم الظاهري ~~في كتابه «مراتب العلوم وكيفية طلبها»، ومثل الفخر الرازي (؟-606) في كتابه «حدائق ~~الأنوار في حقائق الأسرار» الذي أحصى فيه العلوم الإنسانية وأبلغها إلى نحو ستين ~~علما. # وقد عمد الفارابي في كتابه إلى سرد العلوم على ترتيب ارتآه متوخيا اتباع الطريقة ~~الطبيعية أو المنطقية في إحصاء العلوم؛ فقد قدم «علم اللسان» وما يتبعه من لغة ونحو ~~وصرف وغيرها لأن هذا العلم هو العلم الذي تستقيم به العبارات وتصحيح الألفاظ فلا بد من ~~تقديمه، ثم أتبعه بعلم المنطق لأنه العلم الذي يعطي جملة القوانين التي من شأنها أن ~~تقوم العقل وتسدد الإنسان نحو طريق الصواب. # 252 # وكما أن علم اللسان يقوم اللسان، فكذلك علم المنطق يقوم العقل، وهذان ~~العلمان ضروريان لكل من يريد أن يشدو علما من العلوم، وهما في الحقيقة ليسا علمين ~~مقصودين وإنما هما آلتان تخدمان العلوم. # أما العلوم الحقيقية فهي نوعان: # علوم نظرية: # وهي علم التعاليم وعلم الطبيعة، وعلم ما بعد الطبيعة ~~«الإلهي». # وعلوم عملية: # وهي ms139 العلم المدني، وعلم الفقه، وعلم الكلام. # أما «علم اللسان» فهو سبعة أقسام: # علم الألفاظ المفردة في لغة أمة ما من أصيل ودخيل. # علم قوانين الألفاظ المفردة من معاني الألفاظ واشتقاقها وصرفها ونحو ~~ذلك. # علم قوانين الألفاظ المركبة التي صنفها خطباؤهم وكتابهم ~~وشعراؤهم. # علم قوانين الألفاظ عندما تتركب في أطراف الكلم أو في أحوال ~~التركيب. # علم قوانين الكتابة والإملاء. # علم قوانين القراءة. # علم الأشعار وأوزانها وقوافيها وألفاظها. # أما علم المنطق فهو الصناعة التي من شأنها أن تقوم العقل وتسدد الإنسان نحو ~~الصواب في كل ما يمكن أن يغلط فيه من المعقولات. # وأما العلوم النظرية، فهي علوم تحصل بها معرفة الموجودات التي ليس للإنسان أن يفعلها، ~~وهي ثلاثة أقسام: # علم الرياضة: # وهو الذي سماه علم التعاليم، # 253 # ويبحث في علم العدد والهندسة، والمناظر - وهو ما يطلق ~~عليه باللغة الأوروبية اسم # perspective ~~- والنجوم، والموسيقى، والأثقال، والحيل - وهو ما يطلق عليه باللغات ~~الأوروبية اسم # mecanique ~~. # علم الطبيعة: # وهو الذي يبحث في معرفة الأجسام الطبيعية وأعراضها وأحوالها. # علم ما وراء الطبيعة: # وهو الذي يبحث في العلم الإلهي، وهو أشرف العلوم وما سواه خدم له؛ ~~ولذلك كان بعض الفلاسفة يسمونه العلم الأعلى، ويسمون العلم الرياضي ~~بالعلم الأوسط، والعلم الطبيعي بالعلم الأدنى. # وأما العلوم العملية، فهي التي تعلم الحكمة العملية في الحياة من أخلاق وسياسة. ~~وتنقسم إلى قسمين: # العلم المدني: # وهو الذي يبحث عن أصناف الأفعال والسنن الإرادية والملكات ~~والأخلاق والشيم التي تصدر عن الأفعال الجميلة والقدرة على أسبابها، ~~وبه تصير الأشياء الجميلة قنية للإنسان. # العلم السياسي: # وهو الذي يبحث عن الأمور التي تحصل الأشياء الجميلة لأهل المدن ~~والقدرة على تحصيلها وحفظها لهم. # وقد أتبع الفارابي هذين القسمين قسما ثالثا هو علم «الفقه الإسلامي» و«الكلام ~~الإسلامي»؛ لأن صناعة علم الفقه هي التي يقتدر بها الإنسان على أن يستنبط تقدير شيء مما ~~لم يصرح واضع الشريعة بتحديده على الأشياء التي صرح فيها بالتحديد والتقدير، وأن ~~يتحرى تصحيح ذلك حسب غرض واضع الشريعة بالعلة التي شرعها في الأمة التي ms140 لها شرع، وكل ~~ملة فيها آراء وأفعال؛ فالآراء مثل الآراء التي تشرع في الله وفيما يوصف به، وفي العالم ~~أو غير ذلك، والأفعال مثل الأفعال التي يعظم بها الله، والأفعال التي بها تكون ~~المعاملات في المدن؛ فلذلك يكون علم الفقه جزأين: جزء في الآراء، وجزء في الأفعال. # 254 # وكلام الفارابي هذا غير مسلم به على إطلاقه ؛ لأنه يفهم منه أن «علم الفقه» يشتمل ~~على نوعين من البحث؛ أولهما: «علم الفقه» نفسه، والثاني: «علم العقائد». وقد يمكن قبول ~~هذا التعميم خصوصا، وقد ذهب إليه غير الفارابي كالحاج خليفة في كشف الظنون. وأما الذي ~~لا يمكن قبوله فهو جعله «علم العقائد» من العلوم التي يدخلها القياس؛ فهذا قول غريب لم ~~يقل به أحد غيره، ولا يقبله المنطق الديني السليم؛ لأن العقائد لا تثبت بالقياس ~~والاستدلال، بل لا بد فيها من ورود نصوص شرعية تثبتها وتدل عليها. # هذه هي أصناف العلوم على ما ارتآه الفارابي، وهذا هو تقسيم العلوم الإنسانية في ~~نظره كما قرره في رسالته «إحصاء العلوم» وكتابه «التنبيه على سبيل السعادة»، والظاهر ~~أن هذا التقسيم قد اتبعه من بعده أكثر الفلاسفة والمربين الذين كتبوا في تصنيف العلوم، ~~وقد اتبعوا هذا التقسيم لسهولته وانتظامه، ولعل أفضل من بحث في هذا الأمر من ~~العلماء المتأخرين ودقق فيه وأجاد في تفريعه وتقسيمه؛ العلامة المولى أحمد بن مصطفى ~~طاش كبري زاده (؟-962)، فقد أفاض فيه وقسم العلوم تقسيما آخر حيث يقول: # اعلم أن للأشياء وجودا في أربع مراتب؛ في الكتابة، والعبارة، والأذهان، ~~والأعيان. وكل سابق منها وسيلة إلى اللاحق؛ لأن «الخط» دال على «الألفاظ» وهذه ~~على ما في «الأذهان» وهذا على ما في «الأعيان». ولا يخفى أن الوجود العيني هو ~~الوجود الحقيقي الأصيل، وفي الوجود الذهني خلاف في أنه حقيقي أو مجازي، أما ~~الأولان فمجازيان قطعا. ثم العلم المتعلق بالثلاث «آلي» البتة، وأما التعلق ~~بالأعيان فإما «عملي» لا يقصد به حصول نفسه بل غيرها، وإما «نظري» يقصد به ~~حصول نفسه فقط؛ ثم كل منهما إما أن ms141 يبحث فيه من حيث إنه مأخوذ من الشرع فهو ~~«العلم الشرعي»، أو من حيث إنه مقتضى العقل فهو «العلم الحكمي»؛ فهذه الأصول ~~السبعة، ولكل منها أنواع ولأنواعها فروع، يبلغ العلم على ما اجتهدنا في الفحص ~~والتنقير عنه بحسب موضوعاته وأساميه وتتبع ما وقع فيه من المصنفات إلى مائة ~~وخمسين نوعا، ولعلي سأزيد عليه، # 255 # ولا نريد ها هنا أن نعدد أنواع العلوم التي أوصلها إلى ثلاثمائة ~~وستة عشر علما، وإنما نريد أن نبين الأصول السبعة التي أشار إليها، وقد ~~قسمها إلى دوحات سبع: # فالدوحة الأولى: # في العلوم الخطية. # والدوحة الثانية: # في العلوم اللفظية؛ المفردات والمركبات. # والدوحة الثالثة: # في علوم باحثة عما في الأذهان من المنطق والجدل ~~والخلاف. # والدوحة الرابعة: # في علوم باحثة عما في الأعيان من العلم الإلهي، والطبيعي، ~~والرياضي. # والدوحة الخامسة: # في علوم باحثة عن الحكمة العملية من علم الأخلاق وتدبير ~~المنزل والمدينة. # والدوحة السادسة: # في علوم باحثة عن الشريعة من قرآن وحديث وتفسير وأصول وفقه. # 256 # وقد استوفى إحصاء العلوم وتعدادها وترتيبها أحسن استيفاء، وذكر في كل علم مشهور كتبه ~~وأئمة مؤلفيه مع الدقة الفائقة، والترتيب المنطقي الجميل، والإحصاء الصحيح، وبخاصة ~~علوم العرب والإسلام. # ولا ريب في أن هذه العلوم قد درست في عصور الإسلام الخمسة الأولى دراسات مختلفة بحسب ~~طبيعة الزمان والمكان والظروف؛ ففي القرن الأول كانت عناية الناس بعلوم الدوحتين ~~السادسة والسابعة؛ أعني علوم الدين من قرآن وحديث وتفسير وفقه، كما كان لهم بعض اهتمام ~~بعلوم الدوحتين الأولى والثانية؛ أعني علوم الخط والكتابة والإملاء والمفردات، مع قليل ~~من علوم الدوحة الرابعة كبعض فروع العلم الطبيعي والعلم الرياضي. # وفي القرن الثاني عني الناس بعلوم الدوحة الأولى والثانية والرابعة والخامسة ~~والسادسة، وكان اهتمام خلفاء بني أمية في آخر عهدهم وخلفاء بني العباس في أول عهدهم حتى ~~عصر الخليفة الهادي؛ اهتماما ضيقا بعلوم هذه الدوحات التي أشرنا إليها. كما أن ~~التأليف في علوم هذه الدوحات لم يكن شيئا مذكورا حاشا الدوحتين الثانية ~~والسادسة. # وفي القرن الثالث والرابع عني الناس ms142 بعلوم جميع الدوحات، ونشطت همم الناس إلى علوم ~~الدوحات الثالثة والرابعة والخامسة، وهي علوم المنطق والجدل والإلهيات والطبيعيات ~~والرياضيات، وعلوم الحكمة العملية، كما أن علوم الدوحتين الثانية والسادسة؛ أعني علوم ~~المفردات والمركبات وعلوم الشريعة، قد اهتم المؤلفون بها اهتماما ملموسا، وألفت فيها ~~كتب المراجع والأمهات والبحوث القيمة. # وفي القرن الخامس وما بعده ارتقت علوم الدوحات كلها وكثرت فيها التآليف والبحوث ما ~~خلا بعض علوم الدوحة الرابعة؛ أعني علم الإلهيات والطبيعيات، فإنها قد اعتورها بعض ~~الانحطاط لانصراف الناس عنها إلى علوم اللغة والدين، ولمحاربة بعض الأمراء ورجال الدين ~~إياها في المشرق وبلاد الأندلس والمغرب بصورة خاصة؛ فالمدرسة النظامية ببغداد والمدارس ~~النظامية الأخرى في العواصم الإسلامية كانت لا تهتم بغير علوم العربية والدين، وأما ~~العلوم الفلسفية والطبيعية والإلهية فإنها كانت تكون في الدرجة الرابعة والخامسة، وربما ~~كانوا لا يهتمون بها أصلا. وكذلك كان الحال في المعاهد الأخرى التي شيدت بعد ~~النظاميات وعلى غرارها في عواصم العالم الإسلامي، ولم يبق لعلوم الفلسفة والحكمة ما ~~كان لها من شأن في عهد دار الحكمة ببغداد ودار العلم بالقاهرة، اللهم إلا دراسات الطب ~~وما إليه، كالذي رأيناه في البيمارستانات معاهد الطب. ~~(5) كتب التربية والتعليم عند العرب والمسلمين # ألف العرب والمسلمون في التربية والتعليم كتبا جليلة ومتنوعة منذ عهد مبكر. ~~واهتموا بدراسة الأطفال وأحوالهم، وطرائق تعليمهم وأنجعها في ذلك. ولم يكن شأن المغاربة ~~أقل من شأن المشارقة في هذا الموضوع الهام. وسنبين في هذا الباب ملاحظاتنا ~~ودراساتنا، كما سنعرض للقارئ لائحة مفصلة عن بعض هذه الكتب وأصحابها، نرجو أن تكون ~~موفية بالغرض. ~~(5-1) كتاب آداب المعلمين لابن سحنون # إن أقدم كتب التربية العربية - فيما نعلم - هو كتاب «آداب المعلمين» مما دونه ~~الإمام المربي الفقيه محمد بن سحنون المغربي (؟-226) عن أبيه الإمام الفقيه ~~سحنون. # وهو كتاب لطيف الحجم ألفه محمد في سياسة الأطفال وتعليم الصبيان وتأديبهم، ~~وبحث شيء من قواعد التربية وآدابها عند المسلمين. وقد طبعه الأستاذ العلامة حسن ~~حسني عبد الوهاب الوزير التونسي المعروف في تونس سنة ms143 1350ه ضمن مطبوعات اللجنة ~~التونسية لنشر المخطوطات العربية، وقدم له بمقدمة مطولة مفيدة، كشفت عن قيمة ~~الكتاب وفضله. ومن يتصفح الكتاب يجد فيه معلومات مفيدة جدا عن القواعد الأولية ~~التي كان العرب والمسلمون بصورة عامة يتبعونها في تعليم أولادهم منذ فجر الإسلام ~~حتى أواسط القرن الثالث للهجرة، وها أنا ذا مثبت فيما يلي عنوانات فصول الكتاب ~~ليتبين القارئ الموضوعات التي تعرض إليها، والمعلومات التي كان المربون ~~المسلمون يحرصون عليها: ~~(1) # ما جاء في تعليم القرآن العزيز. ~~(2) # ما جاء في العدل بين الصبيان. ~~(3) # باب ما يكره محوه من ذكر الله. ~~(4) # ما جاء في الأدب وما يجوز في ذلك وما لا يجوز. ~~(5) # ما جاء في الختم وما يجب في ذلك للمعلم. ~~(6) # ما جاء في القضاء بعطية العيد. ~~(7) # ما يجب للمعلم من لزوم الصبيان. ~~(8) # ما جاء في إجارة المعلم ومتى تجب. ~~(9) # ما جاء في إجارة المصحف وكتب الفقه. # فالكتاب - كما ترى - يبحث في فصول تتعلق بآداب التربية العربية، وشيء من طرق ~~تعليم الأطفال عند المسلمين والمواد التي يجب عليهم أن يدرسوها، كما يبحث في شيء من ~~آداب المعلمين والمربين، وفي بعض المسائل العامة التي تتعلق بهذا الموضوع. وهو - ~~على الرغم من أنه سلك فيه مسلك المحدثين - كتاب ممتع غني بالفوائد، جمع كثيرا ~~من النصوص القيمة التي بينت لنا كثيرا من الأوضاع التي نجهلها عن تربية الطفل ~~وتأديبه وتعليمه وتهذيبه في فجر الإسلام وعصر بني أمية وأوائل العصر ~~العباسي. # والكتاب قد أزاح لنا الستار عن معلومات كنا نعتقد أنها لا بد كانت موجودة لدى ~~المسلمين ولكنا نجهل تفصيلها، فإذا بابن سحنون يرويها لنا عن أبيه عن شيخه الإمام ~~مالك إمام المدينة، وعن غيره من الأئمة الأعلام والشيوخ الأكابر الذين عاصروا ~~الصحابة فعرفوا عن كثب طريقة التربية العربية الإسلامية. # ولا عجب في أن يؤلف ابن سحنون المغربي كتابه المفيد هذا في القرن الثالث؛ فإن ~~الكتاتيب - كما رأيت سابقا - كانت معروفة في المغرب - كما كانت معروفة في المشرق - ~~وأن المسلمين في المغرب قد أنشئوا الكتاتيب منذ أواسط ms144 القرن الأول للهجرة، فإن ~~الفاتحين حينما خططوا القيروان أنشئوا الدور والمساجد، ثم التفتوا إلى صبيانهم ~~يعلمونهم الكتاب الكريم وحديث الرسول العظيم والآداب الإسلامية؛ فقد حكى العالم ~~المغربي غياث بن شبيب في سنة 78 قال: كان سفيان بن وهب صاحب رسول الله يمر علينا ~~ونحن غلمة بالكتاب فيسلم علينا وعليه عمامة أرخاها من خلفه. # 257 # ويقول ابن عساكر: إن إسماعيل بن أبي المهاجر المخزومي الذي كان يؤدب أولاد ~~الخليفة عبد الملك بن مروان قد استعمله على إفريقية في سنة مائة للهجرة. # 258 # ولا شك في أن هذا الأمير المعلم لما تولى إفريقية عني بالتعليم ~~فيها، كما عني بنشر الكتاتيب ودور العلم بين سكان تلك البلاد، خصوصا إذا علمنا أن ~~عامة أمم البربر قد أسلمت على يديه في أيام عمر بن عبد العزيز، وهو الذي علم أهل ~~إفريقية مباحث الحلال والحرام، وبعث معه عمر بن عبد العزيز عشرة من فقهاء التابعين ~~وأهل العلم والفضل ليفقهوا أهل إفريقية، ومنهم عبد الرحمن بن نافع وسعيد بن ~~مسعود التجيبي، وغيرهما من فحول علماء التابعين. # 259 # وقد علق الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب على هذا الخبر بقوله: ولو أردنا ~~استقصاء مثل هذه الأخبار الواردة في خصوص عناية أسلافنا بالتعليم في الأجيال ~~العربية الأولى لطال بنا الحديث ... ولم يزل شأن الكتاتيب في نمو وعددها في ازدياد ~~وتكاثر في العاصمة وفي المدن الإفريقية الكبيرة، حتى لم يخل منها درب من الدروب أو ~~حي من الأحياء ... ولا عجب إذا اعتبرت الكتاتيب في القديم كملحقات للمساجد وتوابع ~~لها، بل إنها وجدت أيضا في دور الأعيان والأغنياء، وبالأحرى في قصور الوزراء ~~والأمراء ...» # 260 # أما مذهب المغاربة في تعليم أبنائهم وطريقة ذلك وأول ما يجب تعليمه، فلم ينص عليه ~~ابن سحنون، اللهم إلا إذا اعتبرنا أن ما اشترطه ابن سحنون على المعلم هو الذي كان ~~يدرس في زمانه، وإنما أشار إلى ما ذكره من الفنون لتقرير الواقع يومئذ، فقد اشترط ~~على المؤدب أن يعلم الطالب فنونا وعلوما جعلها على قسمين: # أحدهما إجباري: ms145 # وهو القرآن مع إعرابه ورسمه وشكله وإتقان هجائه وقراءته قراءة ~~حسنة، والأنسب أن تكون قراءة نافع لأن مالكا إمام المغاربة أخذ ~~عن نافع، وليحذر المعلم من التغني بالقرآن والتلحين ~~والترجيع. # والثاني اختياري: # وهو الذي لا يجبر المعلم على تعليمه ما لم يشترط الولي على ~~المؤدب ذلك، وهو علم الحساب ثم الشعر فإنه ديوان العرب ومعجم ~~لغتهم، ثم أخبار العرب وأنسابهم، ثم النحو والغريب، ثم الخط الحسن، ~~ثم تدريبهم على الخطابة. ~~(5-2) كتب الفيلسوف الفارابي # هو أبو نصر محمد بن محمد بن أوزلغ (259-339)، وقد بينا في الباب الثالث آراءه ~~في التربية ومباحثه في التعليم وفيما يجب على الطالب البداءة به من العلوم. ولا ريب ~~في أنه قد ألف في تأديب الأطفال وتهذيب الشبان، ولكن آثاره هذه قد فقدت ولم ~~يبق لنا الدهر منها إلا قليلا، مثل كتاب «آراء أهل المدينة الفاضلة» و«كتاب في ~~السياسة» وهو رسالة لطيفة نشرتها مجلة المشرق البيروتية، # 261 # وقد ضمن هذه الرسالة القيمة كثيرا من آرائه في تأديب المتعلمين ~~وطرق تثقيفهم، كما فعل ذلك في «آراء أهل المدينة الفاضلة». # وهو يرى فيهما وجوب مراعاة استعداد المتعلمين، والتعرف إلى طبائعهم وطباعهم، وإلا ~~كان التعليم هدرا، كما يرى أيضا أن نقد سلوك الناس والاتعاظ بهم هو خير الأوجه ~~لسياسة النفوس. ويقرر في المدينة الفاضلة أن أول ما يحدث في الإنسان القوة التي ~~يتغذى بها، وهي «القوة الغاذية» ثم من بعد ذلك «القوى التي بها يحس» الملموس ... ~~والمطعوم، والمشموم، والمسموع، والمبصرات، وأن القوة الحاسة لها رئيسة ولها رواضع، ~~فرواضعها هي الحواس الخمس، والرئيسة هي التي تجمع فيها جميع الحواس الخمس بأسرها، ~~وكأن هذه الحواس الخمس هي منذرات تلك، وكان هؤلاء أصحاب أخبار، كل واحد منهم موكل ~~بجنس من الأخبار، وبأخبار ناحية خاصة من نواحي المملكة والرئيسة كأنها الملك الذي ~~تجتمع عنده الأخبار، ثم يحدث فيه من بعد ذلك قوة أخرى يحفظ بها في نفسه المحسوسات ~~بعد غيبتها عن مشاهدة الحواس، وهي «القوة المتخيلة»، ثم من بعد ذلك تحدث فيه ms146 ~~«القوة الناطقة» التي بها يمكن أن يعقل المعقولات، وبها يميز الجميل من القبيح، ~~وبها يحوز الصناعات والعلوم، وهذه القوى الثلاث - الحاسة والمتخيلة والناطقة - ~~يقترن بها نزاع النفس إلى ما يحس أو يتخيل أو يعقل فتشتاقه أو تكرهه، وهناك قوة ~~أخرى هي «القوة النزوعية»، وهي التي بها تكون الإرادة، وللقوة النزوعية خدم بالبدن، ~~هي قوى متفرقة في الأعصاب والعضلات السارية في اليدين والرجلين، وسائر الأعضاء ~~التي يمكن أن تتحرك بالإرادة فتحدث الأفعال التي نزوع الحيوان والإنسان إليها، وإن ~~في الإنسان والحيوان من الأعصاب صنفين؛ أحدهما آلات أعصاب الحس، والثاني آلات أعصاب ~~الحركة، وهذه الأعصاب فيها طائفة مفارزها في الدماغ، وطائفة مفارزها في النخاع ~~النافذ، وهذا متصل من أعلاه بالدماغ. # وبمثل هذه المعلومات الدقيقة، والتحليلات النفسية المرهفة، وأبحاث علم النفس ~~الصادقة، المأخوذة عن التجارب والدراسات الشخصية، يحاول هذا الفيلسوف الكبير أن ~~يوجه المعلمين والمربين من أهل الملة المحمدية إلى تهذيب ناشئة الملة، وتأديب ~~أبنائها من شباب وبنات تهذيبا رفيعا معتمدا على أصول علم النفس ودراسة ~~الإنسان. ~~(5-3) كتاب القابسي # القابسي هو الإمام المصلح أبو الحسن علي بن خلف القابسي (؟-403) الفقيه المؤلف ~~الموثوق وصاحب كتاب «الرسالة المفصلة لأحوال المعلمين، وأحكام المعلمين ~~والمتعلمين»، وقد نشره الدكتور أحمد فؤاد الأهواني بمصر في ذيل رسالته التي نال بها ~~درجة الدكتوراه، وموضوعها «التعليم في رأي القابسي»، وكتاب القابسي هو من أمتع ~~الكتب التربوية وأفضلها، ولعله من أوسع ما أثر في الخزانة العربية من كتب التربية ~~والتعليم. # وقد صدر القابسي كتابه بفصل ذكر فيه تفسير «الإيمان» و«الإسلام» و«الإحسان» ~~و«الاستقامة»، وكيفية الصلاح، ثم ذكر فصولا عناوينها كما يلي: ~~(1) # ما جاء في فضائل القرآن، وما لمن تعلمه وعلمه، وآداب حامله ... ومن ~~يعلم الإناث. ~~(2) # ما يأخذه المعلمون على المتعلمين، وما يصلح أن يعلم للصبيان مع ~~القرآن وما لا يصلح، وهل يعلم المسلم النصراني، والنصراني ~~المسلم. ~~(3) # سياسة معلم الصبيان وقيامه عليهم وعدله فيهم ... وكيف يرتب لهم أوقاتهم ~~لدرسهم وكتابتهم، وأوقات بطالتهم، وحد أدبه إياهم، والمكان الذي يعلمهم ~~فيه ... وهل يشترك معلمان أو ms147 أكثر. ~~(4) # الأحكام بين المعلمين والصبيان. ~~(5) # خاتمة في معنى الحديث القائل: نزل القرآن على سبعة أحرف. # وقد أطال القابسي في تبيين فصول الكتاب وبيان دقائق المشاكل التربوية التي عرض ~~لها، وهو وإن استعان بكثير من أقوال ابن سحنون، فإنه قد وسع الموضوع ونقل كثيرا ~~من المعلومات عن شيوخه وأساتذة عصره والعصور التي سبقته مما لا نجده في كتاب ابن ~~سحنون. يقول الدكتور الأهواني: إن ما نقله القابسي عن كتاب ابن سحنون يكاد يكون ~~بلفظه في بعض المواضع، وباختلاف يسير في مواضع أخرى كحذف السند عن رأي فقيه، أو ~~تغيير في العبارة دون إخلال بالمعنى. على أن القابسي لم يكتف بما أخذه عن كتاب ~~«آداب المعلمين»، بل نقل عن الفقهاء الذين أخذ عنهم سحنون وابنه، كابن القاسم وابن ~~وهب وغيرهما. فإذا كان لابن سحنون فضل الصدارة في تحرير كتاب خاص في تعليم الصبيان، ~~فللقابسي مزية التوسع في هذا الموضوع والإفاضة في أبوابه المختلفة، والترتيب الذي ~~يدل على استقرار فكرة التعليم في الذهن، والعمل على بيان السبل المختلفة المؤدية ~~إلى تحقيق الغاية المنشودة؛ فالقابسي يسجل في كتابه أحوال تعليم الصبيان في القرن ~~الرابع، وابن سحنون يدون هذه الأحوال في القرن الثالث. # 262 # ومهما يكن من أمر فإن كتاب القابسي قد بحث لنا كثيرا من أمور التعليم العربي في ~~عصور الإسلام الأولى، وكشف لنا عن الجهد القوي الذي كان المسلمون يبذلونه لتحقيق ~~فكرة محو الأمية من صفوف الأمة المسلمة، والدعوة إلى نشر الدين والكتاب الكريم عن ~~طريق نشر الكتابة وتعميم التعليم. # ولقد كان للمربين المسلمين - على اختلاف أمصارهم وأعصارهم وأجناسهم - أثر كبير ~~واضح في تعميم التعليم، وتقوية أركان الثقافة في الدولة الإسلامية. وكتاب القابسي ~~صورة مصغرة تبين لنا أهمية ذلك الأثر وعمق مداه. ~~(5-4) كتب الفيلسوف المؤرخ مسكويه # كان الفيلسوف المؤرخ أحمد بن محمد بن يعقوب المعروف بمسكويه (325-421) من أفاضل ~~رجال عصره بارعا بعلوم الأدب والفلسفة والتاريخ والتربية، واتصل ببني بويه اتصالا ~~قويا حتى إن عضد الدولة جعله خازن كتبه، ونديما له، ورسولا ms148 عنه، وكاتما ~~لأسراره، كما اتصل بأولاد عضد الدولة بعده فأكرموه وعظموه. وكانت بينه وبين ابن ~~سينا وأبي حيان التوحيدي وبديع الزمان الهمذاني مساجلات ومناقشات. وقد خلف في ~~الخزانة العربية كتبا جليلة في التربية والفلسفة فضلا عن كتبه في التاريخ والطب ~~والأدب والعربية والفارسية، # 263 # ومن تلك الكتب التربوية التي خلفها لنا هذه الكتب ~~الثلاثة: ~~(أ) # رسالة وصيته لطالب الحكمة: # 264 # وهي وصية جد ثمينة نصح فيها طالب الحكمة والمعرفة، وهي من ~~أنفس ما في الخزانة العربية من رسائل التربية والتوجيه والتعليم؛ فقد ~~بدأها بإسداء النصائح التربوية والنفسية الواجب على طالب الحكمة أن ~~يسلكها، وإليك بيان ذلك: # أوصى مسكويه طالب الحكمة بأن يطهر قلبه ويقضي على المشاعر الوضيعة ~~في النفس حتى تصفو وتذهب عنها الشهوات كالحقد والحسد، ثم يقول: «وقد ~~رأينا من أراد الغرس في أرض يبدأ فيقتلع ما فيها من غرائب النبت، ثم ~~يأتي بكرائم الغرس فينصبه فيها، وكذلك من طلب الحكمة ورغب في اقتنائها ~~فهو حقيق أن يبدأ بما في قلبه من أضدادها فيمحقها ويطهره منها.» ثم ~~يدعوه أن يجمع سائر قواه العقلية ويركزها في تفهم أمر أنواع ~~الموجودات المختلفة في هدوء وسكينة؛ فإن الحكمة وما تتطلبه من نظر ~~وتدبر هي أم الفضائل التي ترفع من قدر الناس، وهي ضرورية لسائر الناس ~~خيرهم وشرهم؛ «لأن من فقد الحكمة من أهل الخصال الحسنة ضاعت خصاله، ومن ~~فقدها من غيرهم هلك كل الهلاك.» فالحكمة وسيلة لإصلاح النفس، ومن عجز ~~عن إصلاح نفسه بجميع الوصايا الحكمية فليأمر غيره بها. وفي آخر هذه ~~الوصية يسمي إطالة نظر العقل فيما حصله «ذهنا»، ويقول: إن الذهن لا ~~ينام ولا يسكن ولا يحتاج إلى تذكير، وهذه الدرجة العقلية هي الدرجة ~~العليا، وبها يشبه الإنسان الملائكة والأرواح الطاهرة. ~~(ب) # رسالة وصية أخرى له: # ذكر هذه ~~الوصية ياقوت، وهي مهمة جدا؛ لأنها تلخص آراء مسكويه في الأخلاق ~~والتربية وما يجب على المربي أن يدعو الوليد إليه ويتعلمه ويتخلق به ~~من الفضائل الخلقية والكمالات النفسية؛ فهو يدعو الطالب إلى ms149 أن يتحلى ~~بالفضائل الأربع الكبرى، وهي: الحكمة والعفة والشجاعة والعدالة، ثم ~~ينصحه أن يتحلى بفضائل، هي: إيثار الحق على الباطل في الاعتقاد، ~~والصدق على الكذب في القول، والخير على الشر في الفعل، وكثرة الجهاد؛ ~~ثم يوصيه ببعض الأخلاق العملية في الحياة كحفظ الوعد، وقلة الثقة ~~بالناس، ومحبة الجمال، والصمت في أوقات حركات النفس للكلام حتى يستشار ~~فيه العقل، وترك الخوف من الموت والفقر، وترك الاكتراث لأقوال أهل ~~الحسد، وحسن احتمال الغنى والفقر، والكرامة والهوان، وذكر المرض وقت ~~الصحة، والهم عند السرور، والمرض عند الغضب. # وقد اهتم مسكويه بأمور الشريعة اهتماما لم ينصرف إليه ذهن من سبقه ~~من المربين والفلاسفة في الإسلام؛ فلقد كانت «الأخلاق» مادة ثانوية في ~~أبحاثهم الفلسفية، واهتموا خاصة بالطبيعيات كالكندي، وبالمنطق ~~والإلهيات كالفارابي، وبالترجمة والنقل كيحيى بن عدي، والأخلاق تطغى ~~على حدود ما خصص لها مسكويه من مؤلفات فتلقي ظلها على معظم كتبه، فترى ~~ذلك واضحا في كتابه «تجارب الأمم»، فإن عرض هذا التاريخ عرض أخلاقي، ~~وهو الاعتبار بحوادث التاريخ وأخذ العظات منها، وكذلك الحال في كتابه ~~«أنس الفريد» المفقود، فإن غرضه فيه تقويم أخلاق الفرد عن طريق القصص والحكايات. # 265 ~~(ج) # كتاب تهذيب الأخلاق وتطهير ~~الأعراق: # هو كتاب مشهور ومطبوع عدة مرات، ويحتوي على ~~عدة مقالات في الأخلاق والتربية، وقد أفاد صاحبه من معلومات الفلاسفة ~~الإغريق ودراساتهم في التربية والأخلاق إفادات عظيمة، واختار منها ما ~~يلائم نفس الطفل المسلم، ومزج ذلك بالتراث العربي القديم. يقول: «فمن ~~اتفق له في الصبا أن يربى على أدب الشريعة ويؤخذ بوظائفها ~~وشرائطها حتى يتعودها، ثم ينظر بعد ذلك في كتب الأخلاق حتى يتأكد تلك ~~الآداب والمحاسن في نفسه، ثم ينظر الحساب والهندسة حتى يتعود صدق ~~القول وصحة البراهين، ثم يتدرج في منازل العلوم؛ فهو السعيد الكامل ... ~~ثم يذكر فصلا عن كيفية تأديب الأطفال وتهذيبهم، وقد نقل كثيرا مما ~~فيه من كتاب بروسن الذي نقله عن فلوطرخس، مع بعض التحوير الذي يلائم ~~البيئة العربية الإسلامية، ولكن مع هذا كله ظل الطابع ms150 الإغريقي واضحا ~~على أقواله. وصفوة القول أن مسكويه في نصائحه الأخلاقية ومباحثه ~~التربوية والنفسية متأثر إلى حد بعيد جدا بالتراث اليوناني، أما ~~الآثار الشرقية من عربية وإسلامية وغيرها فقليلة، وللدكتور عبد العزيز ~~عزت بحث مطول ختم فيه كتابه عن مسكويه، وذكر فيه مصادر مسكويه ~~الفلسفية بدقة، فليرجع إليه. ~~(5-5) رسائل إخوان الصفاء # أشرنا في الباب الثالث إلى شيء من آراء إخوان الصفاء في تصنيف العلوم. ونحب هنا ~~أن نبين أن هؤلاء الإخوان كانوا جماعة من الفلاسفة الباطنيين الذين مزجوا الدين ~~بالفلسفة القديمة، وأرادوا تأييد الحركات الباطنية في الإسلام، كما أرادوا تشجيع ~~الحركة الإسماعيلية عن طريق الفلسفة. وقد دونوا في رسائلهم الاثنتين والخمسين ما ~~كان معروفا في عصرهم من العلوم والفنون، وصنفوا ذلك إلى أقسام أربعة: # الأول: # في الرياضة والصناعات والمنطق. # الثاني: # في علوم الطبيعة وما إليها. # الثالث: # في بحوث النفس والحياة والموت واللذة والألم، وفي اللغات والنشوء ~~والارتقاء، وفي السمعيات كالبعث والقيامة. # الرابع: # في الإلهيات وما يتصل بها من مباحث الديانات والشرائع ~~والتصوف. # والذي يهمنا هنا هو رأيهم في الشريعة والتعليم؛ فهم يرون أنه يجب أن تكون ~~الغاية من التعليم دينية لا غير، ولكنهم يعترفون بأن للتعلم فوائد اجتماعية ~~ومادية، وأن العلم «يكسب صاحبه الشرف وإن كان دنيئا، والعز وإن كان مهينا، ~~والغنى وإن كان فقيرا، والقوة وإن كان ضعيفا، والنبل وإن كان حقيرا.» # 266 # ويرون وجوب السير في التعليم من المحسوسات إلى النظريات؛ لأن النظر ~~في مبادئ الأمور المحسوسة يروض بها عقله، ويقوى على النظر في مبادئ الأمور ~~المعقولة، ويرون أيضا أن تشمل مناهج التربية العالية: مباحث علم النفوس، والعقل ~~والمعقول، والحاس والمحسوس، والعلة والمعلول، والنظر في أسرار الكتب الإلهية ~~والتنزيلات النبوية، والرياضيات وما إليها ... على أن العناية يجب أن تكون في العلوم ~~الإلهية. # وهم يرون أيضا أن قبول الصبيان تعلم الصنائع يختلف بحسب اختلاف طبائعهم ~~المختلفة، واختلاف طبائعهم بحسب مواليدهم، ويرون أن صناعات الآباء أنجع في ~~الأولاد من صناعات الأغراب. # وهم يرون أيضا أن اختلاف أخلاق الناس وطبائعهم ms151 سببه أربعة أشياء: (1) أخلاط ~~أجسادهم ومزاج أخلاطها. (2) تربة بلدانهم واختلاف أهويتها. (3) نشوؤهم على ديانات ~~آبائهم ومعلميهم. (4) موجبات أحكام النجوم في أصول مواليدهم. والأسباب الثلاثة ~~معقولة أقرها العلم، أما السبب الرابع فخرافة لا أصل له. # وهم يرون أيضا وجوب التواضع والخضوع التام لمن يتعلم المرء منه، والتعظيم له ~~ومعرفة حقه، ووجوب الشفقة والرفق الكامل بمن يعلمه، وقلة الضجر من إبطاء فهمه، وقلة ~~الطمع في أخذ ماله، وقلة المنة عليه. # ويرون أيضا أن الطالب محتاج إلى سبع خصال: (1) السؤال والصمت. (2) الاستماع. (3) ~~التفكر. (4) العمل. (5) طلب الصدق من نفسه. (6) كثرة الذكر أنه إنه من نعم الله. ~~(7) ترك الإعجاب بما يحسن. # هذه هي القواعد والأصول التي يرى الفلاسفة الإخوان وجوب أخذ طالب العلم نفسه بها، ~~كما يرون أن من اتصف بها بلغ الكمال في العلم الدنيوي، وبلغ الهناء والاستقرار ~~في العرفان الديني. ~~(5-6) كتب الفيلسوف الشيخ الرئيس # أورد الشيخ الرئيس أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا (370-438) ~~في أكثر كتبه الباقية بالعربية والفارسية بعض آرائه المتعلقة بتأديب الأطفال ~~وتربية الصبيان، ولكن رسالته المسماة «كتاب السياسة» # 267 # قد جمعت معلومات جد مفيدة؛ فقد ابتدأها بوجوب اختيار المرضعة للوليد، ~~ثم إذا فطم الوليد عن الرضاع بدئ بتأديبه ورياضة أخلاقه قبل أن يهجم على الأخلاق ~~اللئيمة، فإن الصبي تبادر إليه مساوئ الأخلاق فما تمكن منه من ذلك غلب عليه، فلم ~~يستطع له مفارقة ... فإذا اشتدت مفاصل الصبي واستوى لسانه وتهيأ للتلقين ووعى سمعه ~~أخذ في تعلم القرآن وصور له حروف الهجاء، ولقن معالم الدين ... ثم يروي الصبي ~~الرجز ثم القصيد. # ويرى ابن سينا أن يتعلم الطفل في الكتاب لا في البيت «لأن انفراد الصبي الواحد ~~بالمؤدب أجلب لضجرهما ... ولأن الصبي عن الصبي ألقن وهو عنه آخذ وبه آنس ... وأدعى إلى ~~التعلم والتخرج؛ فإنه يباهي الصبيان مرة، ويغبطهم مرة، ويأنف عن القصور عن شأوهم ~~مرة، ثم إنهم يترافقون ويتعاوضون الزيارة، ويتكارمون ويتعاوضون الحقوق، وكل ذلك من ~~أسباب المباراة والمباهاة والمساجلة والمحاكاة، وفي ذلك ms152 تهذيب لأخلاقهم وتحريك ~~لهممهم.» # ويشترط ابن سينا في معلم الأطفال أن يكون «عاقلا ذا دين بصيرا برياضة الأخلاق ~~حاذقا بتخريج الصبيان، وقورا، رزينا، بعيدا عن الخفة والسخف، قليل التبذل ~~والاسترسال بحضرة الصبي.» # ومن الأمور الطريفة في رسالة ابن سينا أنه يوصي المربي بوجوب مسايرته للصبي ~~ليتعرف مواهبه، فإذا عرفها أحسن توجيهها، وهذه من أحسن نظريات التربية وأحدثها ~~اليوم، يقول: «ليس كل صناعة يرومها الصبي ممكنة له مؤاتية، لكن ما شاكل طبعه ~~وناسبه، وإنه لو كانت الآداب والصناعات تجيب وتنقاد بالطلب والمرام دون المشاكلة ~~والملاءمة، إذن ما كان أحد غفلا من الأدب، وعاريا من صناعته، وإذن لأجمع الناس ~~كلهم على اختيار أشرف الصناعات ... وينبغي لمدبر الصبي إذا رام اختيار الصناعة أن يزن ~~أولا طبع الصبي ويسبر قريحته، ويختبر ذكاءه، فيختار له الصناعة بحسب ذلك ...» ~~وأغلب ظني أن ابن سينا قد استفاد كثيرا من آرائه في هذه الرسالة من رسالة الفيلسوف ~~المربي الروماني «كونتليان» الذي عاش حوالي سنة (35-95م)، فقد أورد هذا في كتابه ~~«تربية الخطيب» آراءه في تربية الطفل وتهذيبه على النمط الذي أورده ابن سينا في ~~«رسالة كتاب السياسة». وكتاب كونتليان يعتبر أول كتاب تربوي تصدى فيه صاحبه ~~لمباحث تربوية عند الأطفال ومعالجة مشاكلها وأنظمتها، وقد ابتدأ رسالته بوجوب ~~العناية بانتخاب المرضع من الصالحات الفصيحات حتى يقتبس الولد من كمالها وبيانها ما ~~يشب عليه، فإذا شب وجب على مربيه أن يحفظه منتخبات من أقوال الحكماء والشعراء ... ~~ويجب أن يرسل إلى المدرسة لأن تعليمها أفضل من تعليم البيت، وإن خبث الروح ~~المدرسية والتهجم عليها إنما نشأ من انحلال أخلاق الأسر في العهد الإمبراطوري ~~الروماني؛ فالأولاد في سنيهم الأولى يعتادون كثيرا من الشرور وفي المدرسة تظهر ~~تلك الشرور، فهي لم تصبهم بها، وإنما هم نقلوها من البيت. وإن من حسنات التربية ~~المدرسية وميزتها على التعليم المنفرد في البيت أنها تذكي العقل؛ فالعقول ~~كالنيران تشعلها مخالطة الأقران، وكالمرايا وجلاؤها المعاشرة، وفي المدرسة يتهيأ ما ~~لا يتهيأ في البيت، والمدرسة تتسع ميادينها لما يضيق ms153 عنه المنزل من استثمار كثير من ~~الغرائز كالتقليد والمنافسة وحب الثناء، وصداقة المدرسة تبقى مدى الحياة عقدا ~~مقدسا، ثم إن تربية المدرسة ضرورية لمن سيكون في النهاية خطيبا ...» إلخ، تلك ~~الآراء التي نجدها أو نجد مثالها عند ابن سينا، ولا غرور في أنه قد اقتبس أصولها من ~~لدن الفيلسوف المربي الروماني. ~~(5-7) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر الأندلسي # هو الإمام المحدث الأديب الراوية المجتهد أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري ~~(؟-463)، وقد ألف كتابا في بيان العلم في مجلدين لطيفين نشرهما الأستاذ منير ~~عبده آغا الدمشقي المصري سماه «جامع بيان العلم وفضله»، # 268 # وهو من أمتع الكتب التربوية التعليمية وأفضلها. قال في المقدمة: «... ~~سألتني - رحمك الله - عن معنى العلم وفضل طلبه وحمد السعي فيه والعناية به، وعن ~~تثبيت الحجاج بالعلم، وتبيين فساد القول في دين الله بغير فهم ... ورغبت أن أقدم لك ~~قبل هذا من آداب التعلم وما يلزم العالم والمتعلم التخلق به والمواظبة عليه، ~~وكيف وجه الطلب وما حمد ومدح فيه من الاجتهاد والنصب إلى سائر أنواع التعلم ~~والتعليم ونقل ذلك وتلخيصه ...» # 269 # وقد سلك المصنف فيه مسلك المحدثين لأنه كان من أئمتهم وناهجي منهجهم في ~~التصنيف والبحث؛ فهو يورد الفكرة والخبر في عنوان الفصل ثم يستشهد عليهما بما حفظ ~~من الأحاديث النبوية والآثار الإسلامية، كقوله: باب ما ورد من الأحاديث في وعيد من ~~سئل العلم فكتمه. # باب قوله # صلى الله عليه وسلم # طلب العلم فريضة على كل مسلم ... # وهو يقسم العلم إلى فرض عين، وفرض كفاية، ومباح: # ففرض العين: # ما لا يسع الإنسان جهله من جملة الفرائض الدينية. # وفرض الكفاية: # ما إذا قام به البعض سقط عن أهل ذلك الموضع. # والمباح: # هو العلم الدنيوي. # ثم يذكر فصولا مطولة في الحض على العلم، وآداب العلماء وآداب المتعلمين ~~والمتناظرين والمفتين. # ثم يذكر فصولا جد مفيدة في أحكام القياس وبيان طريقة أهل الرأي والقياس وحسن ~~مذهبهم، واستحسان المحاجة والمناظرة القائمة على المنطق السليم، واستهجان ~~المناظرة التي تهدف إلى المخاصمة ms154 والجدال العقيم. # ثم يسهب في بيان ضرر التقليد وسوء أثره ويذمه، ويدعو إلى الاجتهاد والبحث وتحكيم ~~العقل وتربية الطلاب على هذا المربى، وما إلى ذلك من الأمور والمباحث ~~المفيدة. ~~(5-8) كتب الإمام الغزالي # للإمام أبي حامد محمد بن محمد الغزالي (450-505) بحوث وكتب ورسائل عديدة في تربية ~~الأطفال وتعليم النساء والرجال، وأجل هذه الكتب: «الإحياء» و«فاتحة العلوم» ~~و«ميزان العمل» و«الرسائل اللدنية». وقد تشعبت أقوال الإمام أبي حامد في التربية ~~تشعبا عظيما، ولكنها كلها تدور حول جعل الشريعة هي الأساس والمحور المنظم لتربية ~~الأطفال وتوجيههم، ويمكننا إجمال ما أوجبه الغزالي على المتعلم بالنقاط التالية، ~~ولا ريب عندنا في أنه قد استفاد كثيرا من كتب الفلاسفة اليونانيين والرومانيين ~~والفرس، ولكنه هضم ذلك كله ومزجه وطبعه بطابعه الشرقي الإسلامي. وفيما يلي إيجار ~~ملخص لمباحث الغزالي التربوية انتقيناها من الكتب والرسائل التي أشرنا ~~إليها: ~~(1) # يجب على المتعلم أن يطهر نفسه من الرذائل والخبائث الدينية ~~والأخلاقية. ~~(2) # يجب عليه أن يقلل علائقه بالدنيا وأمورها ومشاكلها ~~ومتطلباتها. ~~(3) # يجب عليه أن لا يتكبر على معلمه، بل يلقي إليه زمام نفسه يفعل ما ~~يريده به. ~~(4) # يجب عليه في مبدأ دراسته أن لا يخوض في مباحث الاختلاف والمشاكل؛ فإن ~~ذلك يفسده. ~~(5) # العلوم ثلاثة أنواع: «فرض عين» وهي قضايا الدين وما إليه، و«فرض ~~كفاية» وهي العلوم العربية وما إليها، و«مباح» وهي الشعر والعلوم ~~الدنيوية. ~~(6) # لا يدع طالب العلم بحثا من بحوث العلم المفيدة إلا درسه؛ فإن العلوم ~~متفاوتة، وعليه أن لا يخوض في بحث من بحوث العلم والمعرفة دفعة واحدة، ~~بل يراعي التريث بادئا بالأهم؛ فإن العمر لا يتسع لجميع العلوم، ~~وعليه أن لا يخوض في فن حتى يدرك الفن الذي قبله؛ فإن العلوم مرتبة ~~ترتيبا طبيعيا، وعليه أن يدرك أن علوم الدنيا ثمرتها في الحياة ~~الفانية، وعلوم الدين في الحياة الباقية، فليفضل الباقي على الفاني. ~~وعليه أن يقصد بالعلم تحلية الباطن بالفضائل وتخليته من الرذائل، ولا ~~يقصد به عرض الدنيا والرياسات ومماراة السفهاء، ولا ينبغي عليه مع هذا ~~أن ينظر ms155 باحتقار إلى العلوم التي هي فرض كفاية أو مباحة. # أما ما يجب على المعلم فهو: ~~(1) # الرحمة بالمتعلم والشفقة عليه، وأن يعامله كولده. ~~(2) # أن لا يطلب على التعليم أجرا؛ فإن أجره عند الله. ~~(3) # أن لا يدع نصح المتعلم، وينبهه على أن الغرض من العلم هو التقرب ~~من الله دون الرياسات والمباهاة. ~~(4) # أن يقوم اعوجاج المتعلم بأسلوب حكيم ما أمكن ذلك. ~~(5) # أن لا ينفره من غير العلم الذي يعلمه إياه، كأن ينفر معلم ~~الفقه عن علم اللغة. ~~(6) # أن يقتصر مع المتعلم على قدر فهمه؛ فلا يعلمه ما لا يبلغه ~~عقله. ~~(7) # أن يتدرج مع الطالب، فإن كان قاصر الفهم بسط له الأمور، وإن كان ~~ذكيا لم يضيع وقته بالتافه منها. ~~(8) # أن يكون المعلم عاملا بعلمه، فإن تكذيب الفعل القول من مفسدات ~~التعليم. ~~(9) # أن يقرب الطالب من مباحث الصوفية وأهل الورع والدين ما استطاع؛ فإن ~~هذا هو الفوز المبين. ~~(5-9) كتب الإمام السمعاني # هو الإمام المؤرخ المحدث النسابة عبد الكريم بن محمد بن منصور مؤلف كتاب ~~الأنساب الكبير (؟-562)، وقد اهتم بشئون التربية ودراسة أحوال طلاب العلم بصورة ~~عامة والحديث النبوي بصورة خاصة. وقد ألف كتابين لهما علاقة بالتربية الإسلامية ~~وآداب الطلاب وطلب العلم؛ أولهما «طراز الذهب في آداب الطلب» وقد ذكره صاحب كشف ~~الظنون، والسبكي في طبقات الشافعية، وابن العماد في شذرات الذهب، وأشار إليه مصنفه ~~في الكتاب الثاني وهو «أدب الإملاء»، ولكنه فقد مع الأسف ولا أعرف له وجودا. ~~وثانيهما «كتاب أدب الإملاء والاستملاء» وقد نشره حديثا المستشرق مكس وبس ويلر ~~بليدن سنة 1952 مع التعليق عليه وتلخيصه باللغة الألمانية، وقد قسم المصنف كتابه ~~هذا إلى فصول ثلاثة: ~~(1) # في آداب المملي. ~~(2) # في آداب المستملي. ~~(3) # في آداب الكاتب. # وهو كتاب خاص لطلبة علم الحديث وآداب استملائه وإملائه وكتابته. قال في مقدمته: ~~«... سألتني يا أخي - رعاك الله وحفظك - عن أدب الإملاء والاستملاء وما يحتاج إليه ~~المملي والمستملي من التخلق بالأخلاق السنية والاقتداء بالسنن النبوية، وشرطت ~~علي أن يكون مختصرا، فإن الهمم قاصرة، وأعلام الحديث مندرسة، ms156 والرغبات فاترة، ~~فاستخرت الله تعالى وشرعت في جمعه واقتصرت على إيراد ما لا بد منه ... ممن يريد ~~معرفة آداب النفس واستعمالها في الخلوة والمجالس.» # 270 # وبعد أن يذكر أن علم الحديث هو أشرف العلوم بعد العلم بكتاب الله؛ إذ ~~الأحكام مبنية عليهما ومستنبطة منهما، وأن ألفاظ رسول الله لا بد لها من النقل ولا ~~تعرف صحتها إلا بالإسناد إلى الثقات والعدول، وبعد أن ذكر أن أخذ حديث رسول الله ~~يكون على طرق متعددة منها أن يحدثك به المحدث، ومنها أن تقرأ ومنها أن يقرأ وأنت ~~تسمع، ومنها أن تعرض عليه وتستجيز منه بروايته، ومنها أن يكتب إليك ويأذن لك في ~~الرواية، وإن أصح هذه الأنواع أن يملي عليك وتكتبه من لفظه. # ثم يذكر آداب المملي فيقول: ~~(1) # ينبغي للمحدث أن يصلح هيئته قبل أن يذهب إلى مجلس الحديث، ويأخذ ~~لرواية الحديث أهبته، ويكون على أكمل هيئة وأفضل زينة من السؤال وتنظيف ~~الأظافر وتجميل الشعر ولبس الثياب البيض والتطيب. ~~(2) # أن يقصد في مشيه إذا ذهب إلى مجلس الحديث، ويسلم على من يلقاه من ~~المسلمين، فإذا وصل إلى المجلس فليصل ركعتين. ~~(3) # يستحب له أن يجلس متربعا متخشعا في حلقة الدرس. ~~(4) # ليستعمل مع أصحابه وأهل حلقته لطيف الحديث ويحسن خلقه. ~~(5) # ينبغي عليه أن يعين لأصحابه أيام تحديثه لئلا ينقطعوا عنه، ولا ~~ينبغي له أن يتخلف عن ذلك إلا لعذر. ~~(6) # يستحب للمحدث أن يملي في المساجد يوم الجمعة، ويحسن أن يكون ذلك ~~في المسجد الجامع. ~~(7) # يستحب له أن يكون جلوسه تجاه القبلة طاهرا. ~~(8) # يجب أن لا يحدث إلا من كتابه؛ فإن الحفظ خوان. ~~(9) # يفتح حديثه بقراءة شيء من القرآن ثم يستنصت الناس - هو أو المستملي - ~~ثم يرفع صوته بقدر ما يسمع الحاضرين، ثم يبدأ بالبسملة والحمدلة ~~والصلاة على النبي، ثم يقول له المستملي «من ذكرت؟» أو «من حدثك ~~رحمك الله؟» فيقول المملي «حدثنا فلان»، وينسب شيخه ويترحم عليه، ولا ~~يروي عن شيخ واحد بل عن جماعة، ولو روى كل أستاذ عن شيخ آخر كان أحسن، ms157 ~~ولا يروي ما لا يتحمله عقل العوام. ومن أنفع ما يملي الأحاديث الفقهية، ~~وأحاديث الترغيب وفضائل الأعمال والزهد، وإذا روى حديثا فيه غريب فسره ~~بما يعرفه وإلا سكت. ~~(10) # ويستحب للراوي أن ينبه على فضل ما يرويه ويبين المعاني التي لا ~~يعرفها إلا الحفاظ من أمثاله، فإن كان الحديث عاليا أو صحيحا وصفه ~~بذلك وإلا بين نوعه. ~~(11) # ويكره أن يطيل الدرس فيمل الطلاب، ويختم المجلس بالحكايات والنوادر ~~ثم بالأناشيد والأشعار. # ثم يذكر أدب المستملي ويجمله فيما يلي: ~~(1) # ينبغي على المحدث أن يتخذ «مستمليا» يبلغ عنه الطلاب ~~البعيدين. ~~(2) # يستحب للمستملي أن يقعد على مرتفع عال، فإن لم يجد استملى قائما، ~~وينبغي أن يكون جهوري الصوت متيقظا، محصلا لا بليدا ولا ~~منفعلا. ~~(3) # ينبغي للمحدث أن يتخير أفصح الحاضرين لسانا، وأجودهم أداء، وأن ~~يكون ممن قد أنس بالحديث واشتغل به. ~~(4) # إذا كثر عدد الطلاب بحيث لا يكفيهم مستمل واحد اتخذ أكثر من ~~واحد. ~~(5) # وأول ما يجب على المستملي قوله «استنصت الناس» ثم يقرأ سورة من ~~القرآن الكريم ثم يبسمل ويحمدل، ويدعو للشيخ ويقول «رضي الله عنك وعن ~~والديك وعن جميع المسلمين»، ويكره أن يدعو له بطول البقاء؛ فإن السلف ~~كرهوا ذلك. ثم ينسب الشيخ ويذكر كنيته للحاضرين، ثم يقول للشيخ «من ~~حدثك رحمك الله؟» أو «من ذكرت رحمك الله - أو رضي عنك؟» فيقول المملي ~~«أخبرنا فلان بن فلان»، ويروي الحديث كلمة كلمة فيحاكيه المستملي ويرفع ~~صوته، وإذا لم يسمع الكاتب شيئا سأل عنه المستملي حتى يسمعه. # ثم يذكر آداب الطالب والكاتب ويجملها فيما يلي: ~~(1) # ينبغي لكاتب الحديث أن يتميز عن طريق العوام باستعمال آثار رسول الله ~~ما أمكنه، ويجعله # صلى الله عليه وسلم # أسوته الحسنة. ~~(2) # ينبغي عليه أن يبكر إلى مجلس التحديث، ويمشي بتؤدة وأدب إلا إذا خاف ~~من التأخر عن الدرس. ~~(3) # ينبغي عليه أن يوسع كمه ليضع فيه الأجزاء والكتب، وأن لا يتكلف في ~~لباسه. ~~(4) # ينبغي عليه إذا حضر جماعة من الطلبة وأذن لهم الشيخ في الدخول أن ~~يقدم الأسن، وإذا قدم الأعلم ms158 كان لا بأس بذلك. ~~(5) # ينبغي عليه إذا كان له نعلان أن يخلعهما قبل دخوله، وإذا خلعهما ~~وضعهما على يساره، ويجلس بحيث ينتهي به المجلس ولا يتخطى الرقاب، إلا ~~إذا استدناه الشيخ، وإن أكرمه بمخدة فلا يردها، ويكره له أن يقيم غيره ~~من مكانه أو أن يجلس وسط الحلقة أو في صدر المجلس، أو أن يجلس بين ~~اثنين بغير إذنهما، وإن فسح له اثنان ليجلس بينهما فعل ذلك ولا يتربع ~~بل يجمع نفسه، والأفضل أن يجلس على ركبتيه. ~~(6) # ينبغي عليه إذا خاطب المملي أن يقول له «أيها الأستاذ» أو «أيها ~~العالم أو الحافظ» ويكنيه في خطابه - ويجوز للطلاب أن يقوموا للمملي ~~إن دخل عليهم، ويجوز تقبيل يده - ويجب عليه توقير المجلس، وأن لا ينام ~~ويحسن الاستماع والإصغاء ويتواضع للمملي. ~~(7) # وينبغي عليه أن يكتب بالحبر دون المداد؛ لأن السواد أصبغ الألوان ~~والحبر أبقاها، ولا يحضر مجلس الإملاء إلا مع أدوات الكتابة من محبرة ~~ومقلمة وسكين وحبر وكاغد، ويبالغ في تحسين خطه، وأن يكتب خطا غليظا ~~لا دقيقا إلا في حال العذر، مثل أن يكون فقيرا أو مسافرا ليخفف ~~حمله. ~~(8) # وينبغي عليه أن يبدأ كتابته بالبسملة ويمد السين قبل الميم، ولا يكتب ~~في السطر الأول غير البسملة، ثم يذكر اسم الشيخ المحدث وكنيته ونسبه ~~وبقية الكلمات بالشكل التام والإعجام، وإذا فرغ من كتابة حديث يجعل ~~بينه وبين حديث آخر دارة تفصل بينهما، وينبغي إن كتب وجها وأراد أن ~~يقلب الورقة أن يضع بينهما ورقة ينشرها بنشارة لئلا ينطمس، ويكون ما ~~ينشر به من نحاته الساج أو غيره من الخشب، ويتقي استعمال ~~التراب. ~~(9) # وإذا فرغوا من الكتابة يقرأ المستملي الإملاء والطلبة يعارضون، وإن ~~فات بعض الطلبة شيء من المجلس فيعيره بعض من حضر كتابه حتى ينسخه، ~~وإذا أعاره فلا يحبسه ويرده عاجلا، ولأجل الحبس امتنع غير واحد من ~~الإعارة واستحسن بعضهم أخذ الرهون. ~~(10) # وإذا أراد بعض الطلبة الذهاب قبل أهل المجلس سلم عليه. # وبهذا ينتهي كتاب ابن السمعاني، وهو - كما ترى - خاص بتعليم رواة ms159 الحديث وطلابه، ~~ولكنه يعطينا صورة عن بعض أنواع العلم وطريقة أخذه، وإنما أسهبنا في الكلام عنه ~~لنبين شدة اعتناء المسلمين بالحديث النبوي واعتبارهم إياه ركنا ركينا في بناء ~~الثقافة العربية الإسلامية. ~~(5-10) كتاب العلامة الزرنوجي # هو العلامة برهان الدين الزرنوجي، أحد علماء القرن السادس ومن كبار رجال التربية ~~المسلمين (؟-571)، وقد ألف رسالة لطيفة الحجم كثيرة الفوائد يلخص فيها آراء ~~المربين المسلمين، واعتمد فيها كل الاعتماد بصورة خاصة على آراء الإمام الغزالي ~~وسماها «تعليم المتعلم لتعليم طرق العلم»، وقد اعتنى المربون المسلمون بها عناية ~~شديدة فشرحوها وعلقوا عليها؛ فمنهم الشيخ يحيى بن علي بن نصوح المشهور بنوعي ~~(؟-1007)، وكان شاعرا تركيا ومؤلفا بالعربية متقنا، ومنهم الإمام عبد الوهاب ~~الشعراني الشاعر المؤلف الصوفي الأشهر، ومنهم القاضي زكريا الأنصاري العالم المشهور. # 271 # والرسالة - على اختصارها وعدم إتيان صاحبها بجديد في موضوع التربية - مفيدة وذات ~~أثر واضح في التربية الإسلامية لاشتهارها واعتناء الناس بها واعتمادهم عليها في ~~تهذيب أطفالهم؛ ولهذا ذكرناها. ~~(5-11) مباحث العلامة ابن خلدون # أبدع العلامة المؤرخ الفيلسوف عبد الرحمن بن محمد الحضرمي المالكي المشهور بابن ~~خلدون (؟-808) في مقدمته إبداعا فائقا في تربية الأطفال وطريقة تعليمهم؛ فإنه لم ~~يسلك مسلك اليونان، ولا استحسن طريقة فقهاء الإسلام أو الصوفية والمحدثين، وإنما ~~اختار مذهبا خاصا نلخصه فيما يلي: # يقول ابن خلدون: إن العلم والتعلم طبيعي في العمران البشري لأن الإنسان إنما ~~يتميز عن الحيوان بالفكر الذي يهتدي به ليحصل معاشه، والتعاون مع أبناء جنسه ~~والاجتماع المهيأ لذلك التعاون، وقبول ما جاءت به الأنبياء عن الله تعالى والعمل ~~به واتباع صلاح أخراه. # 272 # وإن العلوم المتعارفة بين أهل العمران على صنفين: «علوم مقصودة بالذات» ~~كالشرعيات من التفسير والحديث والفقه والكلام والطبيعيات والإلهيات من الفلسفة، ~~و«علوم وسيلة آليه» لتلك العلوم كالعربية والحساب وغيرهما للشرعيات، وكالمنطق ~~للفلسفة، وربما كان آلة لعلم الكلام ولأصول الفقه على طريقة المتأخرين. # فأما العلوم التي هي مقاصد، فلا حرج في توسعة الكلام فيها. # وأما العلوم التي هي آلة لغيرها، فلا ينبغي أن ينظر ms160 فيها إلا من حيث هي آلة لذلك ~~الغير فقط ولا يوسع الكلام فيها. # 273 # والقرآن هو أصل التعليم وأول ما ينبغي تعليمه للولدان، ولأهل الأمصار الإسلامية ~~اختلاف في طرق ذلك على ما قدمناه سابقا. # ويذكر ابن خلدون العلوم المعروفة في عصره علما علما، ويبين ما انتهى إليه ~~الناس من أمر هذا العلم تبيينا لا مزيد عليه. # ثم يذكر أن التأليف في هذه العلوم قد كثر كثرة أضرت بالطلاب؛ بحيث أصبح تعلم ~~العلم والوقوف على غايته أمرا عسيرا لاختلاف الاصطلاحات في التعليم وتعدد طرقه ~~بشكل يجعل عمر المتعلم أقصر من أن يفي بما كتب في صناعة واحدة، # 274 # ثم ينحي باللائمة أيضا على قوم من المتأخرين ذهبوا إلى اختصار بحوث ~~العلم اختصارا مخلا، يحشون ذلك في متن مختصر يشتمل على حصر مسائل العلم وأدلتها ~~باختصار في الألفاظ وحشو القليل منها بالمعاني الكثيرة، كما فعل ابن مالك في النحو ~~وابن الحاجب في الفقه، # 275 # ثم يذكر أن أنجع الطرق في رأيه هي: أن يكون التعليم بالتدريج شيئا ~~فشيئا، يلقى على الطالب أولا مسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب، ويقرب ~~له في شرحها على سبيل الإجمال، ويراعى في ذلك قوة عقله واستعداده لقبول ما يرد ~~عليه حتى ينتهي في آخر العلم؛ وعند ذلك يحصل له ملكة في ذلك العلم إلا أنها ~~جزئية وضعيفة، وغايتها أنها هيأته لفهم العلم وتحصيل مسائله، ثم يرجع به إلى الفن ~~ثانية فيرفعه في التلقين عن تلك المرتبة إلى أعلى منها ويستوحي الشرح ~~بالبيان. # هذا هو وجه التعليم المفيد في رأي الفيلسوف المربي ابن خلدون، وهو كما رأيت يحصل ~~- كما يقول - في ثلاثة تكرارات، وقد يحصل للبعض في أقل من ذلك. # 276 # ثم يعرض في فصل لطيف إلى بيان رأيه في العلوم الإلهية، ويقول إن هذه العلوم لا ~~توسع فيها الأنظار، ولا تفرع المسائل. # ثم يذكر أن الشدة على المتعلمين مضرة بهم، لا سيما في أصاغر الولد، ولا ينبغي ~~لمؤدب الأطفال أن يزيد في ضربهم ms161 إذا احتاجوا إلى ذلك على ثلاثة أسواط. # ويختم آراءه في شئون الطلبة والتعليم بوجوب الرحلة في سبيل العلم ولقاء الشيوخ، ~~وأن هذا من التقاليد القديمة في الملة الإسلامية. # وصفوة القول أن مذهب ابن خلدون في التربية هو مذهب واقعي عملي، وهو أقرب إلى ~~المذاهب الواقعية السهلة منه إلى المذاهب النظرية المعقدة، ولو أن المربين المسلمين ~~في زمانه وبعده ساروا على الطريقة المفيدة الواقعية التي دعا إليها لما تخبطوا في ~~دياجير الجهالة التي مرت بها الأمة الإسلامية منذ القرن الحادي عشر الهجري إلى ~~عصر النهضة العربية. # | الخاتمة # أما بعد، فهذه نظرة شاملة إلى تاريخ التربية والتعليم ومعاهدهما وأساليبهما وطرقهما ~~وبرامجهما وكتبهما في العالم الإسلامي منذ فجر الإسلام الزاهي إلى العصور المتأخرة الراكدة. ~~وقد بذلنا وسعنا لتبين الطريق الرشيدة التي سلكها أجدادنا العرب المسلمون في تربية ~~أبنائهم وتنشئة أحفادهم تنشئة صالحة مكنتهم من تكوين تلك الإمبراطورية العربية المسلمة ~~التي نعتز بها، ونرفع رأسنا بذكرها. # إن من يدقق في هذا الكتاب ويمعن النظر في الآراء والنظريات العلمية التي نشأ بموجبها ~~آباؤنا أبناءهم، يرى أنهم لم يبنوا تلك الحضارة اعتباطا ولا جزافا، وإنما هي مبنية على ~~أسس قويمة، وقواعد ثابتة مدروسة تهدف إلى إنشاء الفتى العربي حرا في نفسه مستقلا في ~~تفكيره، واثقا من أقواله، لا يصدر آراءه وأحكامه إلا بعد التفكير والاختبار لا عن تقليد ~~أو اضطرار. # وإنهم ما كانوا يحشرون العلم في ذهنه حشرا، أو يرغمونه على الحفظ وحشو الدماغ حشوا، بل ~~يتركون له حرية القراءة والاستيعاب والحفظ، ولا يقسرونه على شيء، وكانوا يحرصون على تنمية ~~ملكاته متبعين في ذلك سنة الكون وعامل الزمن، وإنهم وإن أباحوا ضربه إذا أذنب فإنما ~~فعلوا ذلك رحمة به وإشفاقا عليه من أن يضل أو يفسد. # | ملحق # ينتظم أسماء نفر من كبار قدماء المربين والمعلمين في الإسلام # من مشاهير قدماء المربين والمعلمين في الإسلام نفر كان لهم قدر رفيع ومكانة سامية في ~~المجتمع الإسلامي، وأثر في رفع المستوى الثقافي بصورة عامة والأدبي بصورة خاصة. وقد أحببت ms162 ~~أن أهتم بشئونهم، وأختم هذا الكتاب بذكرهم، وبالإشارة العابرة إلى بعض أخبارهم، وأرجو أن ~~يكون هذا حافزا للمؤلفين من بعدي فيدرسوهم دراسة أوسع، ويعلموا أن في النفر الأولين من ~~قدماء المربين العرب والمسلمين أئمة جلة أسهموا في رفع شأن العرب والمسلمين، وكان لهم نصيب ~~موفور في رفع ركن الحضارة العلمية لا يقل عن نصيب كبار الفاتحين، وعظماء المتفقهين، وفحول ~~العلماء العاملين: # الصحابة ~~(1) # الصحابي الجليل جبير بن حية الثقفي (؟-85؟): كان له كتاب في الطائف، ~~يعلم فيه الناس مبادئ الكتابة والقراءة، وعلوم العربية والرياضيات في عهد ~~أمير المؤمنين ابن الخطاب. # ثم إنه ترك هذه الصناعة الرفيعة ليصبح غازيا فواليا. قال عنه ابن ~~حجر: «هو ابن عم المغيرة بن شعبة، وابن أخي عروة بن مسعود، ثبت في صحيح ~~البخاري أنه شهد الفتوح في عهد عمر، وأخرج البخاري الحديث بذلك ... وليست ~~صحبته عندي بمندفعة، فمن يشهد الفتوح في عهد عمر لا بد أنه يكون رجلا ... ~~وكان المذكور يسكن الطائف، وكان معلم كتاب، ثم قدم العراق فاستقر كاتبا في ~~الديوان، ثم ولاه زياد أصبهان وعظم شأنه، ومات في خلافة عبد الملك ...» # 1 ~~(2) # الصحابي العالم غيلان بن سلمة الثقفي (؟-23ه): كان من رجالات ثقيف فضلا ~~وعلما، وكان من رجالها الأفذاذ، ورواتها المشهود لهم بسعة الدراية، ~~وشعرائها المعروفين بطول الباع، وحكمائها ومعلميها المعروفين. وهو ممن وفد ~~في الجاهلية على كسرى وسمع كلامه فأعجب به وبعقله وفضله، ثم أدرك البعثة ~~المحمدية فأسلم وحسن إسلامه يوم الطائف. # 2 ~~(3) # الصحابي النبيل أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس القرشي (؟-31ه): ~~والد معاوية، ووجيه قريش الأشهر، قالوا إنه قدم الحيرة هو وأبو قيس بن عبد ~~مناف بن زهرة، وتعلما فيها وكتبا على بشر بن عبد الملك العبادي، ثم ~~أتيا أهل مكة فكانا يعلمان أهلها قبل الإسلام. # وكان أبو سفيان هذا من فضلاء قريش وعلمائها في الجاهلية، وكان واسع ~~الاطلاع على تاريخ قريش وأخبار العرب وأيامها وأنسابها، أسلم يوم فتح مكة ~~سنة ثمان للهجرة، وله تاريخ طويل حافل. # 3 ms163 ~~(4) # الصحابي القاضي أبو الدرداء عويمر بن مالك بن قيس الخزرجي الأنصاري ~~(؟-32ه): كان قبل الإسلام من تجار المدينة ورجال الأعمال فيها، ثم أسلم ~~وانقطع للعبادة وخدمة النبي والإسلام ونشره، ولما هاجر النبي إلى المدينة ~~كان من كبار أنصاره، وقد وصفه الرسول # صلى الله عليه وسلم # بالحكمة والشجاعة والفروسية، ~~وقال عنه: «عويمر حكيم أمتي.» وقد ولاه معاوية قضاء دمشق بأمر عمر بن ~~الخطاب، وكان يحبه ويكرمه طوال عهده. # وكانت له ولزوجه أم الدرداء - وهي سيدة جليلة نبيلة متعلمة فاضلة حوت ~~كثيرا من العلم والفضل والدين - حلقات يدرسان فيها القرآن، ويفقهان ~~فيها الناس في الدين في جامع دمشق. # 4 ~~(5) # الصحابي العالم يوسف بن الحكم بن أبي عقيل الثقفي (؟-40): وهو والد ~~الحاكم الحجاج بن يوسف، كان من العلماء والرواة والأدباء، أسلم يوم الطائف، ~~وروى الحديث عن النبي # صلى الله عليه وسلم # وعن كبار الصحابة، وبخاصة محمد بن سعد بن ~~أبي وقاص، وروى عنه جماعة منهم محمد بن أبي سفيان، وقد عده المؤرخ العجلي ~~من المحدثين الثقات، وقال عنه حرملة بن عمران عن كعب بن علقمة: كان يوسف بن ~~الحكم فاضلا من خيار المسلمين. # 5 # التابعون ~~(1) # عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي القرشي (؟-80): كان من أشراف قريش ~~وأفاضل رجالاتها، وكان من المعلمين البارعين الورعين. قال سفيان بن ~~عيينة عنه وعن الضحاك بن مزاحم: إنهما كان معلمين، وكانا لا يأخذان ~~أجرا على التعليم، بل يعلمان حسبة ولوجه الله تعالى. # وقد ولاه عبد الله بن الزبير البصرة في مدة خلافته، ومات بعمان. ~~(2) # الحكيم معبد بن عبد الله الجهيني (؟-80): كان من المعلمين المتألهين، ~~والمربين الأفاضل، وهو أول من قال بالقدر والاستسلام له، وقد كان له تاريخ ~~حافل في نشر هذا المذهب في البصرة، ثم نقل مذهبه إلى المدينة ~~المنورة. # وكان أيضا من رواة الحديث وأئمة رجاله، وهو ممن قتلهم الحجاج بن يوسف ~~الثقفي. # وهو معلم نخبة من كبار أئمة الإسلام، أشهرهم سعيد بن عبد الملك. # 6 ~~(3) # الشاعر الطرماح بن حكيم الطائي (؟-80): كان من الرواة العلماء، ~~والمؤدبين ms164 الفضلاء، والشعراء المعدودين، والفحول المجودين، نشأ في الشام ~~ثم سكن في الكوفة واعتنق مذهب الأزارقة، وكان صديقا للكميت الأسدي على ~~شدة اختلافهما في الاعتقاد والمذهب، وله ديوان شعر حسن، وتاريخ في التربية ~~والتعليم حافل. # 7 ~~(4) # الشاعر الكميت بن زيد الأسدي (؟-80؟): كان من الشعراء العلماء، ~~والمعلمين، روى ابن قتيبة في كتاب المعارف نقلا عن خلف الأحمر قال: رأيت ~~الكميت في مسجد الكوفة يعلم الصبيان، وكان من أكابر الشعراء وفحولهم ~~منقطعا لبني هاشم في العصر الأموي، وكان واسع الاطلاع على أدب العرب ~~وأنسابهم ولغاتهم وأخبارهم، وكان ثقة في علمه وتعلميه. # قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: لو لم يكن لبني أسد منقبة غير ~~الكميت لكفاهم. وقال أبو عكرمة الضبي: لولا شعر الكميت لم يكن للغة ترجمان. ~~وأشهر شعره قصائده المعروفة بالهاشميات، ويقال إن شعره تجاوز الخمسة آلاف ~~بيت. وقالوا في وصفه: لم يجتمع في شاعر ما اجتمع فيه من الصفات؛ فقد كان ~~خطيب بني أسد، وفقيه الشيعة، فارسا شجاعا، سخيا، راميا ومعلما فاضلا. # 8 ~~(5) # الزاهد المرابط العالم الإمام المحدث القاسم بن مخيرة الهمداني أبو ~~عروة (؟-100): كان من كبار العلماء ~~العاملين، والمربين المسلكين، وكان من أئمة الحديث وخيار رجالاتهم فضلا ~~وعلما وإتقانا وكثرة تلاميذ، اشتغل بالتجارة وسافر إلى الشام، واشتهر ~~ذكره فيها، ثم انقطع إلى الجهاد والرباط في سبيل الله إلى أن أدرك الشهادة، ~~وله تاريخ حافل. ~~(6) # الزاهد الإمام العالم الضحاك بن مزاحم الخراساني أبو القاسم (؟-105): ~~كان من كبار رجال التابعين وأفاضل معلميهم، وقد روى عنه ابن قتبة أنه كان ~~هو وعبد الله بن الحارث يعلمان أطفال المسلمين الكتاب بالمجان في سبيل ~~الله ولا يأخذان عليه أجرا ولا على التعليم، وأن له كتابا ضخما، حتى ~~بلغ عدد طلابه فيه في وقت من الأوقات ثلاثة آلاف طالب فيهم سبعمائة جارية، ~~وأنه كان يتجول بينهم وهو راكب على حمار. # وله رحمه الله آثار في التربية تدل على سعة أفقه وطول باعه. # 9 ~~(7) # الإمام العالم عطاء بن أبي رباح بن صفوان (؟-115): هو من أئمة أجلاء ~~التابعين ms165 الفقهاء، ولد في اليمن ونشأ في الحجاز، وتعلم في مكة ونبغ ~~فيها، وقصده الناس للإفادة من علمه وفضله ودينه وورعه، ثم تولى إفتاءها ~~وصار محدثها، وكان له قبل ذلك كتاب كبير يعلم فيه أبناء المسلمين ~~القرآن والحديث والفقه احتسابا. # 10 ~~(8) # الأمير العالم الإمام إسماعيل بن أبي المهاجر المخزومي صاحب إفريقية ~~(؟-؟): كان من المؤدبين الفضلاء الذين علموا أطفال المسلمين احتسابا ~~لوجه الله، وهو الذي أشارت به أم الدرداء الصحابية الجليلة على الخليفة عبد ~~الملك بن مروان أن يتخذه معلما لأولاده ومربيا وموجها لهم، لما تعرفه ~~عنه من الدين والورع وكمال الخلق والعلم وسعة الرواية، فلما أحضره الخليفة ~~إليه قال له: يا إسماعيل، علم ولدي فإني معطيك ومثيبك. فقال له: وكيف ذلك ~~يا أمير المؤمنين وقد حدثتني أم الدرداء عن أبي الدرداء عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أنه قال: «من أخذ على تعليم القرآن قوسا، قلده الله قوسا من ~~نار يوم القيامة»؟ فقال عبد الملك: إني لست معطيك على القرآن، ولكن أعطيك ~~على النحو والعربية. # 11 ~~(9) # العالم النحوي علقمة بن أبي علقمة التيمي المدني (؟-؟): كان من موالي ~~السيدة عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - وقد تلقى عنها كثيرا من ~~العلم وحفظ عنها كثيرا من الآداب. قال ابن قتيبة في المعارف: كان يروي عنه ~~مالك بن أنس، وكان له كتاب يعلم فيه العربية والنحو والعروض. ومات في ~~خلافة أبي جعفر المنصور. # 12 ~~(10) # المحدث الإمام قيس بن سعد الحنفي المكي (؟-119): كان من فضلاء علماء ~~الحجاز وفقهائه، نشأ في مكة وتلقى العلم عن مجاهد وطاوس وامتهن التعليم، ~~وكان من كبار الفقهاء والمحدثين، وتولى إفتاء مكة. # عده ابن قتيبة من قدماء المعلمين في الإسلام، وتخرج به جماعة من كبار ~~الأئمة منهم الحمادان، وسيف بن سليمان. # وقد وثقه الإمام أحمد بن حنبل وأبو داود، وله آثار جليلة في الحديث. # 13 ~~(11) # الإمام الزاهد المحدث محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري القرشي ~~(؟-124): تعلم على أئمة الحجاز في الحديث والفقه والعربية حتى نبغ، وهو ~~أول ms166 من دون وبلغ رتبة أئمة الحفاظ في الحديث، وسمت منزلته حتى استدعاه ~~الخليفة عبد الملك بن مروان وطلب إليه تهذيب هشام ابنه فهذبه وثقفه. وله ~~آثار جليلة في علم الحديث، وكان صاحب أثر كبير في تدوين العلم الإسلامي. # 14 ~~(12) # المحدث عبد الكريم بن أبي المخارق البصري أبو أمية (؟-126): كان من فضلاء ~~التابعين وعلماء الحديث في الحجاز، روى العلم عن أنس بن مالك ومجاهد ~~وطبقتهما، وتخرج به جماعة من المشهورين كالسفيانيين الإمامين المحدثين، ~~والحافظ الدستوائي. # وكان له كتاب يعلم فيه القرآن، ورواية الحديث، وأخبار العرب ~~وتاريخهم وأشعارهم وأحوالهم. # 15 ~~(13) # الأمير الحجاج بن يوسف الثقفي: كان قبل تولي الإمارة معلما بالطائف مثل ~~أبيه، وقد هجاه مالك بن الريب بذلك فقال فيه: # فماذا عسى الحجاج يبلغ جهده # إذا نحن جاوزنا صغير زياد # فلولا بنو مروان كان ابن يوسف # كما كان عبدا من عبيد إياد # زمان هو العبد المقر بذنبه # يراوح غلمان القرى ويغادي # وقال فيه آخر: # أينسى كليب زمان الهزال # وتعليمه سورة الكوثر # رغيف له فلكة ما ترى # وآخر كالقمر الأزهر # 16 ~~(14) # الكاتب عبد الحميد بن يحيى بن سعد العامري (؟-132): كاتب بني أمية الأشهر ~~ووزيرهم ومترسلهم، تولى صناعة تعليم الأطفال في مبدأ أمره، وتخرج به جمهرة ~~من أبناء السراة والوجهاء، ثم عهد إليه بنو أمية بالمناصب الديوانية، ~~وأخباره في ذلك كثيرة. # 17 ~~(15) # الكاتب عبد الله بن المقفع (؟-142): هو إمام كتاب الإسلام، أصله من ~~فارس ولكنه ولد في العراق ونشأ في كنف العباسيين، فنبغ في العربية وجمع ~~إلى ذلك ثقافة الفرس وعلومهم، وعلم اليونان والرومان، واتخذ التعليم حرفة، ~~واختص بتربية أبناء مواليه الخلائف من بني العباس. # 18 ~~(16) # النحوي المحدث الإمام أبو معاوية شيبان بن عبد الرحمن التميمي مولاهم ~~(؟-164): كان من كبار المحدثين والنحاة الأولين، ولد في البصرة والكوفة ~~وبغداد، وروى عن الحسن البصري وعبد الملك بن عمير وقتادة وطبقتهم من كبار ~~محدثي الإسلام ورجالات الدين، وتخرج به جماعة من أشهرهم الإمام الأعظم أبو ~~حنيفة النعمان، وقال عنه أحمد بن حنبل: إنه إمام ثبت، وكان ms167 يؤدب أولاد داود ~~بن علي بن عبد الله بن عباس. ~~(17) # العالم المحدث أبو سعيد المؤدب محمد بن مسلم بن أبي الوضاح القضاعي: كان ~~من أفاضل رجالات قضاعة، أتقن الحديث النبوي وعلومه، وروى عن طبقة سالم ~~الأفطس وهشام بن عروة والأعمش حتى نبغ، واتخذ التعليم حرفة، ثم ضمه المنصور ~~العباسي إلى ابنه المهدي ليؤدبه، ثم ضم بعده إليه سفيان بن الحسين. مات في ~~خلافة الهادي، وعرف بأبي سعيد المؤدب، وهو غير أبي سعيد المعلم. # 19 ~~(18) # العالم الفقيه أبو محمد سفيان بن حسين بن حسن السلمي مولاهم (؟-؟): كان ~~من تلاميذ محمد بن سيرين والحكم بن عتبة وطبقتهما، نبغ في الحديث والعربية ~~واتخذ التعليم مهنة وتخرج به جماعة من المشهورين أجلهم الإمام شعبة بن ~~الحجاج، وعباد بن العوام، وكان من المحدثين الثقات. قال عنه الحافظان ابن ~~معين والنسائي: هو من الأئمة الحفاظ الثقات. وكان أبو جعفر المنصور يحبه ~~ويعتمد عليه، وقد عهد إليه تهذيب ابنه وولي عهده المهدي. ومات في خلافة المهدي. # 20 ~~(19) # الإمام الثقة المجتهد أبو علي شقران بن علي الهمذاني (؟-168): كان من ~~فضلاء قدماء المعلمين، وكان يعلم ولا يأخذ على ذلك أجرا. كان في الطبقة ~~العالية من الفقهاء في إفريقية، أخذ العلم عن جماعة من كبار رجالات إفريقية ~~وأئمتها مثل سحنون وعون بن يوسف ... وكان ينطق بالحكمة والمواعظ. انتفع به ~~المتعلمون وخلق لا يحصون، وكان يقرئ مجانا في كتاب منسوب إليه ~~بالقيروان، ولا يزال قبره فيها في محلة باب سلم معروفا متباركا به، وحوله ~~قبور كثيرة. قال الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب مؤرخ تونس: وقبره مشهور إلى ~~الآن، عليه حوطة حولها قبور كثيرة اشتهر على ألسنة العامة أن أصحابها من ~~طلبة وتلاميذ كتابه. # 21 ~~(20) # علي بن الحسن الأحمر (؟-194): كان من تلاميذ الكسائي وطبقته، وسما قدره ~~حتى عد من كبار علماء عصره في الإدارة واللغة والأدب ورواية الأخبار. ~~وقد اختاره الرشيد لتأديب ابنه الأمين كما اختار الكسائي العالم النحوي ~~الأشهر ليعلمه النحو والعربية. ولما اختير لتأديب الأمين انتعشت حاله وأثرى ~~بعد أن ms168 كان فقيرا مدقعا، حتى قال محمد بن الجهم: كنا إذا أتينا الأحمر ~~تلقانا بالخدم فندخل قصرا من قصور الملوك ويخرج علينا الأحمر وعليه ثياب الملوك. # 22 # ولما سلم الرشيد الأمين إليه، أوصاه بوصية تعتبر من أحسن ~~الوصايا التربوية لما اشتملت عليه من النصائح والآداب، وفيها يقول له: يا ~~أحمر، إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه وثمرة قلبه، فصير يدك عليه ~~مبسوطة، وطاعته لك واجبة، فكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين؛ أقرئه القرآن، ~~وعرفه الأخبار، وروه الأشعار، وعلمه السنين، وبصره بمواقع الكلام ~~وبدئه، وامنعه من الضحك إلا في أوقاته، وخذه بتعظيم مشايخ بني هاشم إذا ~~دخلوا عليه، ورفع مجالس القواد إذا حضروا مجلسه، ولا تمرن بك ساعة إلا ~~وأنت مغتنم فائدة تفيده إياها من غير أن تحزنه فتميت ذهنه، ولا تمعن في ~~مسامحته فيستحلي الفراغ ويألفه، وقومه ما استطعت بالقرب والملاينة، ~~فإن أباهما فعليك بالشدة والغلظة. قال الأحمر: فكنت كثيرا ما أشدد عليه ~~في التأديب، وأمنعه الساعات التي يتفرغ فيها للهو واللعب. # 23 # الأعراب الفصحاء # اهتم بعض الأعراب الفصحاء المشهورين بسعة الاطلاع وفصاحة الألسنة، بتعليم الأطفال، ~~وكان كثير من العلماء والأئمة يقصدونهم أيضا ويروون عنهم ما يعرفون من أحوال اللغة ~~العربية وآداب الجاهلية والإسلام وشعرهما وحكمهما، وقد اتخذ بعضهم كتاتيب في ~~العواصم الكبرى يعلمون فيها الأطفال ويهذبونهم ويروونهم الشعر وأخبار البادية ~~العربية، كما اتخذ بعضهم حرفة التأديب في بيوتهم، فمنهم: ~~(1) # أبو الوزير عمر بن مطرف (؟-168): وكان كاتبا عالما أديبا من بني عبد ~~القيس، سكن مرو، ونبغ في الكتابة والعلم والأدب، وقصد العراق ولمع اسمه ~~هناك فتقلد ديوان المشرق للخليفة المنصور، والمهدي، والهادي، والرشيد. قال ~~الجاحظ: ما كان عندنا بالبصرة رجلان أدرى بفنون العلم ولا أحسن بيانا من ~~أبي الوزير، وأبي عدنان - وسنذكره فيما بعد - وحالهما من أول ما أذكر من ~~أيام الصبا، قيل إنه مات في زمن المهدي، والصواب أنه مات في زمن الرشيد ~~فحزن عليه وصلى عليه ورثاه بقوله: رحمك الله، فوالله ما عرض لك أمران ~~أحدهما لله ms169 والآخر لك إلا آثرت ما هو لله على ما هو لك. وكان ثقة مأمونا ~~بليغا مقدما في صناعته، وله تآليف منها «كتاب منازل العرب وحدودها وأين ~~كانت محلة كل قوم وإلى أين انتقل منها» و«كتاب رسائله»، و«كتاب مفاخرة ~~العرب ومنافرة القبائل في النسب». # 24 ~~(2) # أبو عدنان عبد الرحمن بن عبد الأعلى (المتوفى حوالي منتصف القرن ~~الثاني): كان من الأدباء الرواة، والمعلمين الثقات، وكان راوية لأبي ~~البيداء الرياحي أسعد بن عصمة العالم الفصيح المشهور، وكان من شعراء ~~البصرة ولغوييها ومؤلفيها القدماء، ومحدثيها الأفاضل، وله من الكتب ~~«كتاب النحويين» و«كتاب الغريب» و«كتاب ما جاء من الحديث المأثور من النبي ~~مفسرا»، وهو الذي قال عنه الجاحظ: ما كان عندنا بالبصرة رجلان أدرى بفنون ~~العلم ولا أحسن بيانا من أبي الوزير وأبي عدنان. # 25 ~~(3) # أبو البيداء أسعد بن عصمة الرياحي (في أواسط المائة الثانية): كان من ~~الأدباء الرواة والمعلمين الأفاضل الثقات، وكان زوج أم أبي مالك عمرو بن ~~كركرة عالم اللغة وراويتها المشهور، وهو أعرابي لقن فطن جدا، نزل ~~البصرة أول ما ترك البادية فاتخذ حرفة تعليم الصبيان مكتسبا، وكان أعيانها ~~يعطونها أجل الأجور لتعليم أبنائهم، وقد ظل في البصرة طول عمره يؤخذ ~~العلم عنه وينشر العربية، وكان شاعرا محسنا وله ديوان. # 26 ~~(4) # أبو مالك عمرو بن كركرة (في أواسط المئة الثانية): كان من أفصح الأعراب ~~الأذكياء الفضلاء، عالم اللغة المشهور. وقد امتهن تعليم الصبيان في البادية ~~أول أمره ثم قدم الحاضرة فاتخذ الورفة صناعة له، وهو راوية أبي البيداء ~~الرياحي وربيبه وخريجه، وكانت أمه تمت إلى البيداء فتربى في حجره، قال ~~ابن النديم: ويقال إن أبا مالك كان يحفظ اللغة كلها، وكان من أئمة النحاة ~~البصريين. قال الجاحظ: وكان أحد الطياب يزعم أن الأغنياء عند الله أكرم ~~من الفقراء، ويقول إن فرعون عند الله أكرم من موسى. وقال السيوطي: قال ابن ~~مناذر كان الأصمعي يجيب في ثلث اللغة، وأبو عبيدة في نصفها، وأبو يزيد في ~~ثلثيها، وأبو مالك فيها كلها، وإنما عني توسعهم ms170 في الرواية والفتيا لأن ~~الأصمعي كان يضيق ولا يجوز إلا أصح اللغات. # ولأبي مالك كتب ورسائل في اللغة، منها «كتاب خلق الإنسان» و«كتاب الخليل». # 27 ~~(5) # أبو عرار العجلي (في النصف الأول من المائة الثانية): كان من الأئمة من ~~حفظ اللغة، ومن الرواة العلماء والفضلاء المؤدبين، وكان يقال إنه قريب في ~~علمه وفضله وحفظه اللغة من أبي البيداء الرياحي، وكان شاعرا قويا، ولا ~~مصنف له. # 28 ~~(6) # أبو زياد الكلابي يزيد بن عبد الله بن الجر (من أعيان المئة الثانية): ~~كان بدويا فصيحا، وشاعرا مليحا، قال دعبل الخزاعي الشاعر: قدم بغداد ~~أيام المهدي (؟-169) حين أصابت الناس المجاعة، ونزل قطيعة العباس بن محمد ~~فأقام فيها أربعين سنة ومات وهو يعلم الناس. وكان شاعرا فحلا من بني ~~كلاب بن عامر، وله من الكتب «كتاب النوادر» و«كتاب العرق» و«كتاب الإبل» ~~و«كتاب خلق الإنسان» و«كتاب معاني الشعر». # 29 ~~(7) # أبو ثروان العكلي من بني عكل (في أواخر المائة الثانية): كان فصيحا ~~معلما شاعرا، وقد اتخذ تعليم الأطفال صناعة في البادية. قال ابن النديم ~~في الفهرست: كان فصيحا يعلم في البادية. كذا ذكر يعقوب بن السكيت، ~~وله من الكتب «كتاب خلق الإنسان» و«كتاب معاني الشعر». # 30 ~~(8) # أبو الجاموس ثور بن يزيد (في صدر المائة الثانية): كان من الأدباء ~~الفصحاء المربين الظرفاء، وكان لا يقطع صلته بالبادية، يقيم في الحاضرة ~~قليلا ويرجع إلى البادية، وكان كثير التردد على آل سليمان بن علي بن عبد ~~الله بن عباس، وعنه أخذ ابن المقفع كثيرا، ومن فصاحته استفاد، ولا مصنف له. # 31 ~~(9) # أبو سوار الغنوي (في أواخر المائة الثانية): كان أعرابيا عالما ~~فصيحا راوية إخباريا، تلقى العلم عنه جمهرة من الأئمة وفي طليعتهم أو ~~عبيدة (؟-209) وجماعات كثيرة من تلاميذ أبي عبيدة وطبقته من النحويين ~~واللغويين، وكان له مع محمد بن حبيب وأبي عثمان المازني جلسات ومحاضرات ومناظرات. # 32 ~~(10) # الفقعسي محمد بن عبد الملك الأسدي راوية بني أسد وعالمهم (؟-بعد سنة ~~158ه): كان علامة راوية مؤدبا بارعا في حفظ مآثر بني أسد وأخبارهم، ms171 ~~وكان شاعرا فحلا أدرك المنصور العباسي ومن بعده من الخلائف، وعنه أخذ ~~كثير من العلماء والرواة وبخاصة أخبار بني أسد وشعرهم، وله مؤلفات ورسائل ~~أصلها ما ألفه في مآثر بني أسد. # 33 ~~(11) # عبد الله بن أبي صبح المازني (؟-بعد سنة 158ه): كان أعرابيا بدويا ~~فصيحا من بني مازن، ترك ديار قومه وقدم إلى بغداد بعد أن أسسها المنصور ~~فعلم بها وطار ذكره وتهافت عليه الطلاب، ولم يتركها إلى أن مات، وكان ~~شاعرا بليغا، وله ديوان مفقود وله أخبار ومناظرات ومحاورات أدبية لطيفة ~~مع الفقعسي. # 34 ~~(12) # خلف الأحمر بن حيان أبو محرز (؟-180): هو مولى أبي موسى الأشعري، وقيل ~~بل هو مولى بني أمية، وأصله من أهل خراسان من سبي قتيبة بن مسلم، عاش في ~~البادية طويلا، وفيها تعلم، وحفظه كثيرا من أخبار أهلها، ونبغ في معرفة ~~الشعر القديم ومحاكاته حتى صار من أفرس الناس به. قال السيوطي: كان راوية ~~ثقة علامة، يسلك مسلك الأصمعي وطريقته، حتى قيل هو معلم الأصمعي، وهو ~~الأصمعي فتقا المعاني وأوضحا المذاهب، وبينا المعالم، وكان الأخفش ~~يقول إنه لم يدرك أحدا أعلم بالشعر من خلف والأصمعي، واتهموه بصنع الشعر ~~ونحله للعرب. # 35 ~~(13) # أبو العميثل عبد الله بن خليد (؟-240): هو من الموالي إلا أنه عاش في ~~البادية طويلا، وكان ولاؤه لبني جعفر بن سليمان، وقد خرج إلى البادية سنين ~~كثيرة وجمع علما كثيرا وفضلا وأدبا، ثم عاد واتخذ حرفة التأديب ~~مكتسبا، وسمع به عبد الله بن طاهر فاستدعاه وعهد إليه بتأديب ولده. # وكان من الفصحاء المعروفين بتفخيم كلامهم والتقعر في الإعراب، وله ~~أخبار كثيرة في كتب الأدب والعربية. # 36 # قدماء المعلمين في القرن الثالث ~~(1) # الأمير الإمام القاضي العلامة أسد بن الفرات بن سنان (؟-213): كان عالم ~~إفريقية وأميرها، اتخذ التعليم في فجر حياته صناعة، وكان يقيم في بعض قرى ~~«بجردة» من أعمال تونس، ثم ترك صناعته هذه ورحل ليطلب العلم في المشرق، ~~فأخذ عن جماعة من أئمة الحجاز والعراق، فكان يفيد ويستفيد، وممن أخذ عنه ~~القاضي أبو يوسف، وقد ms172 روى عنه كتاب موطأ الإمام مالك، ولما رفع إلى إفريقية ~~عظم قدره جدا حتى تولى القضاء ثم الإمارة، وله أخبار كثيرة جليلة. # 37 ~~(2) # القارئ المشهور حسنون المعروف بابن زبيبة الدباغ (في أواسط المائة ~~الثالثة): كان من العلماء الفضلاء الصالحين، تلقى قراءة القرآن عن أئمة ~~شيوخ عصره، وكان من معاصري ابن سحنون، وقد ذاع صيته فقصده الناس لتلقي ~~العلم عنه وتلاوة القرآن عليه، وله أخبار كثيرة. # 38 ~~(3) # الإمام العلامة أبو عبيد القاسم بن سلام الأزدي مولاهم (؟-224): أصله ~~من خراسان، نشأ نشأة إسلامية عربية عميقة الجذور في الثقافة العربية خاصة، ~~واتخذ التعليم حرفة له أول أمره فأفاد كثيرا، ثم تولى القضاء، وكان بارعا ~~في الحديث والفقه والأدب منقطعا لعبد الله بن طاهر، وله آثار جليلة وأخبار كثيرة. # 39 ~~(4) # الداعية الشيعي الفاطمي أبو عبيد الله الصنعاني (؟-298): كان من الأذكياء ~~الفضلاء بارعا بعلوم العربية والجدليات، كان في مبدأ أمره معلما ثم اهتم ~~بشئون السياسة وأحوالها واتصل بالفاطميين فقربوه واتخذوه داعية لمذهبهم، ~~وهو الذي قام على يديه ملكهم في المغرب ثم في مصر، وله أخبار كثيرة. # 40 ms173